{"ً":{"ٌ":14601,"ٍ":"بذل المجهود في حل سنن أبي داود","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: بذل المجهود في حل سنن أبي داود\nالمؤلف: الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (ت ١٣٤٦ هـ)\nاعتني به وعلق عليه: الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nالناشر: مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية، الهند\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nعدد الأجزاء: ١٤ (الأخير فهارس)\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":2966,"ٕ":7,"ٖ":1770156197,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13"],"ٚ":[{"title":"[مقدمة التحقيق]","level":1,"page":5},{"title":"مقدمة المحقق","level":2,"page":5},{"title":"عملي في هذا الكتاب","level":3,"page":7},{"title":"تقديم","level":3,"page":15},{"title":"تقديم الكتاب","level":3,"page":23},{"title":"خصائص هذا الشرح","level":3,"page":41},{"title":"كلمة عن \"سنن أبي داود\" وشرحه \"بذل المجهود\" في غاية الوجازة","level":2,"page":47},{"title":"كلمة عن الإمام أبي داود","level":3,"page":48},{"title":"التعريف بكتاب \"السنن\" له","level":3,"page":50},{"title":"فقد تلخص من كلمات الإمام أبي داود وغيره أمور","level":4,"page":53},{"title":"كلمة في المولف الإمام وخصائص شرحه","level":3,"page":54},{"title":"كلمة في شرح سنن أبي داود","level":4,"page":59},{"title":"وبالجملة نلخص القول في شيء من خصائصه","level":4,"page":63},{"title":"ترجمة مؤلف بذل المجهود من \"نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر\"","level":2,"page":65},{"title":"ترجمة المؤلف الشيخ السهارنفوري بقلم أحد كبار العلماء","level":2,"page":70},{"title":"[أبو داود وكتابه السنن] بقلم تقي الدين الندوي","level":2,"page":83},{"title":"عصر أبي داود","level":3,"page":85},{"title":"الإمام أبو داود قبسات من سيرته، ولمحات من فضله","level":3,"page":88},{"title":"اسمه ونسبه ونسبته","level":4,"page":88},{"title":"ولادته","level":4,"page":89},{"title":"ارتحاله إلى الآفاق","level":4,"page":90},{"title":"شيوخه","level":4,"page":90},{"title":"ومن أعيانهم","level":5,"page":91},{"title":"تلاميذه","level":4,"page":94},{"title":"زهده وورعه","level":4,"page":95},{"title":"اعتزازه بكرامة العلم والعلماء","level":4,"page":96},{"title":"اعتراف الأئمة بفضله وكماله","level":4,"page":96},{"title":"تحريه في الإسناد","level":4,"page":99},{"title":"مذهبه الفقهي","level":4,"page":100},{"title":"وفاته","level":4,"page":104},{"title":"ابنه أبو بكر","level":4,"page":104},{"title":"مؤلفاته","level":4,"page":104},{"title":"\"سنن أبي داود\" تأليفه - مكانته - خصائصه","level":3,"page":109},{"title":"موضوع الكتاب ومعظم مقصود الإمام في تأليفه","level":4,"page":110},{"title":"كتاب \"سنن أبي داود\" جامع للأحاديث التي استدل بها فقهاء الأمصار وبنوا عليها الأحكام","level":4,"page":111},{"title":"ثناء الأئمة على \"السنن\"","level":4,"page":112},{"title":"مكانة \"سنن أبي داود\" بين الكتب الستة تدريسا","level":4,"page":114},{"title":"شروط الإمام أبي داود في \"السنن\"","level":4,"page":115},{"title":"مكانة \"سنن أبي داود\" بين الكتب الستة صحة","level":4,"page":116},{"title":"الكلام على ما سكت عليه أبو داود","level":4,"page":118},{"title":"مدة تأليف \"السنن\"","level":4,"page":120},{"title":"عدد روايات \"السنن\"","level":4,"page":121},{"title":"يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث","level":4,"page":121},{"title":"خصائص الكتاب","level":4,"page":122},{"title":"تجزئة الكتاب","level":4,"page":124},{"title":"الأحاديث المنتقدة في \"سنن أبي داود\"","level":4,"page":124},{"title":"درجات أحاديث \"السنن\"","level":4,"page":125},{"title":"نسخ الكتاب","level":4,"page":126},{"title":"\"سنن أبي داود\" ورواته","level":4,"page":127},{"title":"شروح الكتاب والكتب المؤلفة حوله","level":4,"page":130},{"title":"رسالة الإمام أبي داود إلى أهل مكة في وصف الكتاب وبيان خصائصه والتزاماته","level":2,"page":140},{"title":"مقدمة \"بذل المجهود\"","level":1,"page":150},{"title":"١ - كتاب الطهارة","level":1,"page":162},{"title":"١ - باب التخلي عند قضاء الحاجة","level":2,"page":163},{"title":"٢ - باب الرجل يتبوأ لبوله","level":2,"page":169},{"title":"٣ - باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء","level":2,"page":173},{"title":"٤ - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة","level":2,"page":180},{"title":"٥ - باب الرخصة في ذلك","level":2,"page":201},{"title":"٦ - باب كيف التكشف عند الحاجة؟","level":2,"page":207},{"title":"٧ - باب كراهية الكلام عند الخلاء","level":2,"page":211},{"title":"٨ - باب في الرجل يرد السلام وهو يبول؟","level":2,"page":217},{"title":"٩ - باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر","level":2,"page":224},{"title":"١٠ - باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء","level":2,"page":227},{"title":"١١ - باب الاستبراء من البول","level":2,"page":232},{"title":"١٢ - باب البول قائما","level":2,"page":244},{"title":"١٣ - باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده","level":2,"page":248},{"title":"١٤ - باب المواضع التي نهي عن البول فيها","level":2,"page":251},{"title":"١٥ - باب في البول في المستحم","level":2,"page":255},{"title":"١٦ - باب النهي عن البول في الجحر","level":2,"page":261},{"title":"١٧ - باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء","level":2,"page":263},{"title":"١٨ - باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء","level":2,"page":265},{"title":"١٩ - باب في الاستتار في الخلاء","level":2,"page":274},{"title":"٢٠ - باب ما ينهى عنه أن يستنجى به","level":2,"page":282},{"title":"٢١ - باب الاستنجاء بالأحجار","level":2,"page":292},{"title":"٢٢ - باب في الاستبراء","level":2,"page":297},{"title":"٢٣ - باب في الاستنجاء بالماء","level":2,"page":301},{"title":"٢٤ - باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى","level":2,"page":306},{"title":"٢٥ - باب السواك","level":2,"page":312},{"title":"٢٦ - باب كيف يستاك","level":2,"page":324},{"title":"٢٧ - باب في الرجل يستاك بسواك غيره","level":2,"page":327},{"title":"٢٨ - باب غسل السواك","level":2,"page":330},{"title":"٢٩ - باب السواك من الفطرة","level":2,"page":332},{"title":"٣٠ - باب السواك لمن قام بالليل","level":2,"page":347},{"title":"٣١ - باب فرض الوضوء","level":2,"page":356},{"title":"٣٢ - باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث","level":2,"page":372},{"title":"٣٣ - باب ما ينجس الماء","level":2,"page":375},{"title":"٣٤ - باب ما جاء في بئر بضاعة","level":2,"page":387},{"title":"٣٥ - باب الماء لا يجنب","level":2,"page":396},{"title":"٣٦ - باب البول فى الماء الراكد","level":2,"page":400},{"title":"٣٧ - باب الوضوء بسؤر الكلب","level":2,"page":406},{"title":"٣٨ - باب سؤر الهرة","level":2,"page":419},{"title":"٣٩ - باب الوضوء بفضل طهور المرأة","level":2,"page":430},{"title":"٤٠ - باب النهي عن ذلك","level":2,"page":437},{"title":"٤١ - باب الوضوء بماء البحر","level":2,"page":442},{"title":"٤٢ - باب الوضوء بالنبيذ","level":2,"page":448},{"title":"٤٣ - باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟","level":2,"page":461},{"title":"٤٤ - باب ما يجزئ من الماء في الوضوء","level":2,"page":474},{"title":"٤٥ - باب في الإسراف في الوضوء","level":2,"page":484},{"title":"٤٦ - باب فى إسباغ الوضوء","level":2,"page":488},{"title":"٤٧ - باب الوضوء في آنية الصفر","level":2,"page":490},{"title":"٤٨ - باب في التسمية على الوضوء","level":2,"page":495},{"title":"٤٩ - باب فى الرجل يدخل يده فى الإناء قبل أن يغسلها","level":2,"page":500},{"title":"٥٠ - باب يحرك يده في الإناء قبل أن يغسلها","level":2,"page":504},{"title":"٥١ - باب صفة وضوء النبي - ﷺ -","level":2,"page":506},{"title":"٥٢ - باب الوضوء ثلاثا ثلاثا","level":2,"page":591},{"title":"٥٣ - باب: في الوضوء مرتين","level":2,"page":597},{"title":"٥٤ - باب الوضوء مرة مرة","level":2,"page":605},{"title":"٥٥ - باب فى الفرق بين المضمضة والاستنشاق","level":2,"page":606},{"title":"٥٦ - باب فى الاستنثار.","level":2,"page":607},{"title":"٥٧ - باب تخليل اللحية","level":2,"page":622},{"title":"٥٨ - باب المسح على العمامة","level":2,"page":624},{"title":"٥٩ - باب غسل الرجل","level":2,"page":631},{"title":"٦٠ - باب المسح على الخفين.","level":2,"page":636},{"title":"٦١ - باب التوقيت في المسح","level":2,"page":660},{"title":"٦٢ - باب المسح على الجوربين","level":2,"page":672},{"title":"٦٣ - باب","level":2,"page":678},{"title":"٦٤ - باب كيف المسح؟","level":2,"page":684},{"title":"٦٥ - باب فى الانتضاح","level":2,"page":702},{"title":"٦٦ - باب ما يقول الرجل إذا توضأ","level":2,"page":708},{"title":"٦٧ - باب الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد","level":2,"page":717},{"title":"٦٨ - باب في تفريق الوضوء","level":2,"page":722},{"title":"٦٩ - باب إذا شك فى الحدث","level":2,"page":730},{"title":"٧٠ - باب الوضوء من القبلة","level":2,"page":736},{"title":"٧١ - باب الوضوء من مس الذكر","level":2,"page":750},{"title":"٧٢ - باب الرخصة فى ذلك","level":2,"page":755},{"title":"٧٣ - باب الوضوء من لحوم الإبل","level":2,"page":761},{"title":"٧٤ - باب الوضوء من مس اللحم النئ وغسله","level":2,"page":770},{"title":"٧٥ - باب في ترك الوضوء من مس الميتة","level":2,"page":775},{"title":"٧٦ - باب فى ترك الوضوء مما مست النار","level":2,"page":779},{"title":"٧٧ - باب التشديد فى ذلك","level":2,"page":792},{"title":"٧٨ - باب فى الوضوء من اللبن","level":2,"page":797},{"title":"٧٩ - باب الرخصة فى ذلك","level":2,"page":801},{"title":"٨٠ - باب الوضوء من الدم.","level":2,"page":803},{"title":"٨١ - باب في الوضوء من النوم","level":2,"page":823},{"title":"٨٢ - باب فى الرجل يطأ الأذى برجله","level":2,"page":838},{"title":"٨٣ - باب في من يحدث فى الصلاة","level":2,"page":842},{"title":"٨٤ - باب في المذي","level":2,"page":843},{"title":"٨٥ - باب في الإكسال","level":2,"page":870},{"title":"٨٦ - باب في الجنب يعود","level":2,"page":877},{"title":"٨٧ - باب الوضوء لمن أراد أن يعود","level":2,"page":881},{"title":"٨٨ - باب في الجنب ينام","level":2,"page":884},{"title":"٨٩ - باب الجنب يأكل","level":2,"page":886},{"title":"٩٠ - باب من قال الجنب يتوضأ","level":2,"page":888},{"title":"٩١ - باب في الجنب يؤخر الغسل","level":2,"page":899},{"title":"٩٢ - باب فى الجنب يقرأ.","level":2,"page":905},{"title":"٩٣ - باب في الجنب يصافح","level":2,"page":907},{"title":"٩٤ - باب في الجنب يدخل المسجد","level":2,"page":910},{"title":"٩٥ - باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس","level":2,"page":915},{"title":"٩٦ - باب في الرجل يجد البلة في منامه","level":2,"page":928},{"title":"٩٧ - باب في المرأة ترى ما يرى الرجل","level":2,"page":931},{"title":"٩٨ - باب فى مقدار الماء الذى يجزئ فى الغسل","level":2,"page":938},{"title":"٩٩ - باب في الغسل من الجنابة","level":2,"page":947},{"title":"١٠٠ - باب في الوضوء بعد الغسل","level":2,"page":972},{"title":"١٠١ - باب فى المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل؟","level":2,"page":973},{"title":"١٠٢ - باب فى الجنب يغسل رأسه بالخطمى","level":2,"page":983},{"title":"١٠٣ - باب فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء","level":2,"page":987},{"title":"١٠٤ - باب في مؤاكلة الحائض ومجامعتها","level":2,"page":988},{"title":"١٠٥ - باب في الحائض تناول من المسجد","level":2,"page":994},{"title":"١٠٦ - باب في الحائض لا تقضي الصلاة","level":2,"page":997},{"title":"١٠٧ - باب في إتيان الحائض","level":2,"page":1001},{"title":"١٠٨ - باب فى الرجل يصيب منها ما دون الجماع","level":2,"page":1011},{"title":"١٠٩ - باب فى المرأة تستحاض، ومن قال تدع الصلاة فى عدة الأيام التى كانت تحيض.","level":2,"page":1024},{"title":"١١٠ - باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة","level":2,"page":1052},{"title":"١١١ - باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة","level":2,"page":1080},{"title":"١١٢ - باب من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلا","level":2,"page":1094},{"title":"١١٣ - باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر","level":2,"page":1100},{"title":"١١٤ - باب من قال المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر","level":2,"page":1118},{"title":"١١٥ - باب من قال تغتسل كل يوم مرة، ولم يقل عند الظهر","level":2,"page":1124},{"title":"١١٦ - باب من قال تغتسل بين الأيام","level":2,"page":1125},{"title":"١١٧ - باب من قال توضأ لكل صلاة","level":2,"page":1125},{"title":"١١٨ - باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث","level":2,"page":1128},{"title":"١١٩ - باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر","level":2,"page":1130},{"title":"١٢٠ - باب المستحاضة يغشاها زوجها","level":2,"page":1133},{"title":"١٢١ - باب ما جاء في وقت النفساء","level":2,"page":1136},{"title":"١٢٢ - باب الاغتسال من الحيض","level":2,"page":1143},{"title":"١٢٣ - باب التيمم","level":2,"page":1153},{"title":"١٢٤ - باب التيمم في الحضر","level":2,"page":1204},{"title":"١٢٥ - باب الجنب يتيمم","level":2,"page":1213},{"title":"١٢٦ - باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟","level":2,"page":1223},{"title":"١٢٧ - باب في المجروح يتيمم","level":2,"page":1230},{"title":"١٢٨ - باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت","level":2,"page":1237},{"title":"١٢٩ - باب في الغسل للجمعة","level":2,"page":1242},{"title":"١٣٠ - باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة","level":2,"page":1264},{"title":"١٣١ - باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل","level":2,"page":1268},{"title":"١٣٢ - باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها","level":2,"page":1274},{"title":"١٣٣ - باب الصلاة في الثوب الذي يصيب أهله فيه","level":2,"page":1284},{"title":"١٣٤ - باب الصلاة في شعر النساء","level":2,"page":1286},{"title":"١٣٥ - باب في الرخصة في ذلك","level":2,"page":1289},{"title":"١٣٦ - باب المني يصيب الثوب","level":2,"page":1291},{"title":"١٣٧ - باب بول الصبي يصيب الثوب","level":2,"page":1297},{"title":"١٣٨ - باب الأرض يصيبها البول","level":2,"page":1307},{"title":"١٣٩ - باب في طهور الأرض إذا يبست","level":2,"page":1316},{"title":"١٤٠ - باب في الأذى يصيب الذيل","level":2,"page":1318},{"title":"١٤١ - باب في الأذى يصيب النعل","level":2,"page":1321},{"title":"١٤٢ - باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب","level":2,"page":1326},{"title":"١٤٣ - باب في البزاق يصيب الثوب","level":2,"page":1329},{"title":"٢ - كتاب الصلاة","level":1,"page":1336},{"title":"١ - أول كتاب الصلاة","level":2,"page":1336},{"title":"٢ - باب في المواقيت","level":2,"page":1342},{"title":"٣ - باب في وقت صلاة النبي - ﷺ - وكيف كان يصليها","level":2,"page":1372},{"title":"٤ - باب في وقت صلاة الظهر","level":2,"page":1381},{"title":"٥ - باب في وقت صلاة العصر","level":2,"page":1390},{"title":"٦ - باب في وقت المغرب","level":2,"page":1412},{"title":"٧ - باب في وقت العشاء الآخرة","level":2,"page":1415},{"title":"٨ - باب في وقت الصبح","level":2,"page":1422},{"title":"٩ - باب في المحافظة على الصلوات","level":2,"page":1428},{"title":"١٠ - باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت","level":2,"page":1440},{"title":"١١ - باب فيمن نام عن صلاة أو نسيها","level":2,"page":1452},{"title":"١٢ - باب في بناء المساجد","level":2,"page":1486},{"title":"١٣ - باب اتخاذ المساجد في الدور","level":2,"page":1504},{"title":"١٤ - باب في السرج في المساجد","level":2,"page":1507},{"title":"١٥ - باب في حصى المسجد","level":2,"page":1509},{"title":"١٦ - باب في كنس المسجد","level":2,"page":1514},{"title":"١٧ - باب في اعتزال النساء في المساجد عن الرجال","level":2,"page":1517},{"title":"١٨ - باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد","level":2,"page":1519},{"title":"١٩ - باب ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد","level":2,"page":1523},{"title":"٢٠ - باب في فضل القعود في المسجد","level":2,"page":1526},{"title":"٢١ - باب في كراهية إنشاد الضالة في المسجد","level":2,"page":1531},{"title":"٢٢ - باب في كراهية البزاق في المسجد","level":2,"page":1533},{"title":"٢٣ - باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد","level":2,"page":1549},{"title":"٢٤ - باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة","level":2,"page":1553},{"title":"٢٥ - باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل","level":2,"page":1560},{"title":"٢٦ - باب متى يؤمر الغلام بالصلاة","level":2,"page":1562},{"title":"٢٧ - باب بدء الأذان","level":2,"page":1568},{"title":"٢٨ - باب كيف الأذان؟","level":2,"page":1574},{"title":"٢٩ - باب في الإقامة","level":2,"page":1624},{"title":"٣٠ - باب الرجل يؤذن ويقيم آخر","level":2,"page":1634},{"title":"٣١ - باب رفع الصوت بالأذان","level":2,"page":1643},{"title":"٣٢ - باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت","level":2,"page":1647},{"title":"٣٣ - باب الأذان فوق المنارة","level":2,"page":1651},{"title":"٣٤ - باب في المؤذن يستدير في أذانه","level":2,"page":1652},{"title":"٣٥ - باب ما جاء في الدعاء بين الأذان والإقامة","level":2,"page":1657},{"title":"٣٦ - باب ما يقول إذا سمع المؤذن","level":2,"page":1659},{"title":"٣٧ - باب ما يقول إذا سمع الإقامة","level":2,"page":1668},{"title":"٣٨ - باب ما جاء في الدعاء عند الأذان","level":2,"page":1669},{"title":"٣٩ - باب ما يقول عند أذان المغرب","level":2,"page":1671},{"title":"٤٠ - باب أخذ الأجر على التأذين","level":2,"page":1674},{"title":"٤١ - باب في الأذان قبل دخول الوقت","level":2,"page":1677},{"title":"٤٢ - باب الأذان للأعمى","level":2,"page":1687},{"title":"٤٣ - باب الخروج من المسجد بعد الأذان","level":2,"page":1689},{"title":"٤٤ - باب في المؤذن ينتظر الإمام","level":2,"page":1691},{"title":"٤٥ - باب في التثويب","level":2,"page":1692},{"title":"٤٦ - باب في الصلاة تقام ولم يأت الإمام، ينتظرونه قعودا","level":2,"page":1694},{"title":"٤٧ - باب في التشديد في ترك الجماعة","level":2,"page":1707},{"title":"٤٨ - باب في فضل صلاة الجماعة","level":2,"page":1721},{"title":"٤٩ - باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة","level":2,"page":1725},{"title":"٥٠ - باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم","level":2,"page":1738},{"title":"٥١ - باب ما جاء في الهدي في المشى إلى الصلاة","level":2,"page":1739},{"title":"٥٢ - باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها","level":2,"page":1745},{"title":"٥٣ - باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد","level":2,"page":1746},{"title":"٥٤ - باب التشديد في ذلك","level":2,"page":1750},{"title":"٥٥ - باب السعي إلى الصلاة","level":2,"page":1753},{"title":"٥٦ - باب في الجمع في المسجد مرتين","level":2,"page":1764},{"title":"٥٧ - باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة، يصلي معهم","level":2,"page":1768},{"title":"٥٨ - باب إذا صلى ثم أدرك جماعة، يعيد؟","level":2,"page":1776},{"title":"٥٩ - باب فى جماع الإمامة وفضلها","level":2,"page":1778},{"title":"٦٠ - باب في كراهية التدافع عن الإمامة","level":2,"page":1779},{"title":"٦١ - باب من أحق بالإمامة","level":2,"page":1781},{"title":"٦٢ - باب إمامة النساء","level":2,"page":1798},{"title":"٦٣ - باب الرجل يؤم القوم وهم له كارهون","level":2,"page":1805},{"title":"٦٤ - باب إمامة البر والفاجر","level":2,"page":1807},{"title":"٦٥ - باب إمامة الأعمى","level":2,"page":1809},{"title":"٦٦ - باب إمامة الزائر","level":2,"page":1810},{"title":"٦٧ - باب الإمام يقوم مكانا أرفع من مكان القوم","level":2,"page":1811},{"title":"٦٨ - باب إمامة من صلى بقوم وقد صلى تلك الصلاة","level":2,"page":1815},{"title":"٦٩ - باب الإمام يصلى من قعود","level":2,"page":1829},{"title":"٧٠ - باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه، كيف يقومان؟","level":2,"page":1851},{"title":"٧١ - باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون؟","level":2,"page":1858},{"title":"٧٢ - باب الإمام ينحرف بعد التسليم","level":2,"page":1864},{"title":"٧٣ - باب الإمام يتطوع فى مكانه","level":2,"page":1866},{"title":"٧٤ - باب الإمام يحدث بعدما يرفع رأسه","level":2,"page":1868},{"title":"٧٥ - باب تحريمها التكبير وتحليلها التسليم","level":2,"page":1872},{"title":"٧٦ - باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام","level":2,"page":1877},{"title":"٧٧ - باب ما جاء في التشديد فيمن يرفع قبل الإمام أو يضع قبله","level":2,"page":1884},{"title":"٧٨ - باب فيمن ينصرف قبل الإمام","level":2,"page":1886},{"title":"٧٩ - باب جماع أثواب ما يصلى فيه","level":2,"page":1888},{"title":"٨٠ - باب الرجل يعقد الثوب في قفاه ثم يصلي","level":2,"page":1892},{"title":"٨١ - باب الرجل يصلى فى ثوب واحد بعضه على غيره","level":2,"page":1894},{"title":"٨٢ - باب في الرجل يصلي في قميص واحد","level":2,"page":1894},{"title":"٨٣ - باب إذا كان ثوبا ضيقا","level":2,"page":1898},{"title":"٨٤ - باب الإسبال في الصلاة","level":2,"page":1901},{"title":"٨٥ - باب من قال يتزر به إذا كان ضيقا","level":2,"page":1905},{"title":"٨٦ - باب في كم تصلي المرأة؟","level":2,"page":1907},{"title":"٨٧ - باب المرأة تصلى بغير خمار","level":2,"page":1912},{"title":"٨٨ - باب ما جاء في السدل في الصلاة","level":2,"page":1915},{"title":"٨٩ - باب الصلاة فى شعر النساء","level":2,"page":1920},{"title":"٩٠ - باب الرجل يصلى عاقصا شعره","level":2,"page":1921},{"title":"٩١ - باب الصلاة في النعل","level":2,"page":1924},{"title":"٩٢ - باب المصلى إذا خلع نعليه، أين يضعهما؟","level":2,"page":1930},{"title":"٩٣ - باب الصلاة على الخمرة","level":2,"page":1933},{"title":"٩٤ - باب الصلاة على الحصير","level":2,"page":1934},{"title":"٩٥ - باب الرجل يسجد على ثوبه","level":2,"page":1937},{"title":"٩٦ - باب تسوية الصفوف","level":2,"page":1938},{"title":"٩٧ - باب الصفوف بين السواري","level":2,"page":1950},{"title":"٩٨ - باب من يستحب أن يلى الإمام فى الصف وكراهية التأخر","level":2,"page":1954},{"title":"٩٩ - باب مقام الصبيان من الصف","level":2,"page":1957},{"title":"١٠٠ - باب صف النساء وكراهية التأخر عن الصف الأول","level":2,"page":1959},{"title":"١٠١ - باب مقام الإمام من الصف","level":2,"page":1961},{"title":"١٠٢ - باب الرجل يصلي وحده خلف الصف","level":2,"page":1962},{"title":"١٠٣ - باب الرجل يركع دون الصف","level":2,"page":1965},{"title":"١٠٤ - باب ما يستر المصلي","level":2,"page":1967},{"title":"١٠٥ - باب الخط إذا لم يجد عصا","level":2,"page":1970},{"title":"١٠٦ - باب الصلاة إلى الراحلة","level":2,"page":1975},{"title":"١٠٧ - باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها، أين يجعلها منه؟","level":2,"page":1976},{"title":"١٠٨ - باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام","level":2,"page":1978},{"title":"١٠٩ - باب الدنو من السترة","level":2,"page":1979},{"title":"١١٠ - باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه","level":2,"page":1983},{"title":"١١١ - باب ما ينهى عنه من المرور بين يدى المصلى","level":2,"page":1987},{"title":"١١٢ - باب ما يقطع الصلاة","level":2,"page":1990},{"title":"١١٣ - باب سترة الإمام سترة لمن خلفه","level":2,"page":2000},{"title":"١١٤ - باب من قال المرأة لا تقطع الصلاة","level":2,"page":2002},{"title":"١١٥ - باب من قال الحمار لا يقطع الصلاة","level":2,"page":2007},{"title":"١١٦ - باب من قال الكلب لا يقطع الصلاة","level":2,"page":2011},{"title":"١١٧ - باب من قال لا يقطع الصلاة شئ","level":2,"page":2012},{"title":"١١٨ - باب رفع اليدين","level":2,"page":2022},{"title":"١١٩ - باب افتتاح الصلاة","level":2,"page":2078},{"title":"١٢٠ - باب","level":2,"page":2106},{"title":"١٢١ - باب من لم يذكر الرفع عند الركوع","level":2,"page":2112},{"title":"١٢٢ - باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة","level":2,"page":2117},{"title":"١٢٣ - باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء","level":2,"page":2133},{"title":"١٢٤ - باب من رأى الاستفتاح بـ سبحانك","level":2,"page":2162},{"title":"١٢٥ - باب السكتة عند الافتتاح","level":2,"page":2166},{"title":"١٢٦ - باب من لم ير الجهر بـ بسم الله الرحمن الرحيم","level":2,"page":2175},{"title":"١٢٧ - باب ما جاء من جهر بها","level":2,"page":2185},{"title":"١٢٨ - باب تخفيف الصلاة للأمر يحدث","level":2,"page":2195},{"title":"١٢٩ - باب ما جاء في نقصان الصلاة","level":2,"page":2197},{"title":"١٣٠ - باب فى تخفيف الصلاة","level":2,"page":2198},{"title":"١٣١ - باب ما جاء في القراءة في الظهر","level":2,"page":2204},{"title":"١٣٢ - باب تخفيف الأخريين","level":2,"page":2211},{"title":"١٣٣ - باب قدر القراءة فى صلاة الظهر والعصر","level":2,"page":2213},{"title":"١٣٤ - باب قدر القراءة في المغرب","level":2,"page":2219},{"title":"١٣٥ - باب من رأى التخفيف فيها","level":2,"page":2224},{"title":"١٣٦ - باب الرجل يعيد سورة واحدة فى الركعتين","level":2,"page":2227},{"title":"١٣٧ - باب القراءة في الفجر","level":2,"page":2228},{"title":"١٣٨ - باب من ترك القراءة في صلاته","level":2,"page":2230},{"title":"١٣٩ - باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام","level":2,"page":2265},{"title":"١٤٠ - باب من رأى القراءة إذا لم يجهر","level":2,"page":2273},{"title":"١٤١ - باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة","level":2,"page":2279},{"title":"١٤٢ - باب تمام التكبير","level":2,"page":2286},{"title":"١٤٣ - باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟","level":2,"page":2293},{"title":"١٤٤ - باب النهوض في الفرد","level":2,"page":2301},{"title":"١٤٥ - باب الإقعاء بين السجدتين","level":2,"page":2305},{"title":"١٤٦ - باب ما جاء في ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع","level":2,"page":2308},{"title":"١٤٧ - باب الدعاء بين السجدتين","level":2,"page":2316},{"title":"١٤٨ - باب رفع النساء إذا كن مع الإمام رؤوسهن من السجدة","level":2,"page":2317},{"title":"١٤٩ - باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين","level":2,"page":2318},{"title":"١٥٠ - باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود","level":2,"page":2327},{"title":"١٥١ - باب قول النبي - ﷺ - \"كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه\"","level":2,"page":2349},{"title":"١٥٢ - باب تفريع أبواب الركوع والسجود، ووضع اليدين على الركبتين","level":2,"page":2354},{"title":"١٥٣ - باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده","level":2,"page":2356},{"title":"١٥٤ - باب في الدعاء في الركوع والسجود","level":2,"page":2365},{"title":"١٥٥ - باب الدعاء في الصلاة","level":2,"page":2371},{"title":"١٥٦ - باب مقدار الركوع والسجود","level":2,"page":2376},{"title":"١٥٧ - باب الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يصنع؟","level":2,"page":2382},{"title":"١٥٨ - باب في أعضاء السجود","level":2,"page":2383},{"title":"١٥٩ - باب السجود على الأنف والجبهة","level":2,"page":2387},{"title":"١٦٠ - باب صفة السجود","level":2,"page":2388},{"title":"١٦١ - باب الرخصة في ذلك","level":2,"page":2393},{"title":"١٦٢ - باب في التخصر والإقعاء","level":2,"page":2396},{"title":"١٦٣ - باب في البكاء في الصلاة","level":2,"page":2398},{"title":"١٦٤ - باب كراهية الوسوسة وحديث النفس في الصلاة","level":2,"page":2399},{"title":"١٦٥ - باب الفتح على الإمام في الصلاة","level":2,"page":2400},{"title":"١٦٦ - باب النهي عن التلقين","level":2,"page":2404},{"title":"١٦٧ - باب الالتفات في الصلاة","level":2,"page":2405},{"title":"١٦٨ - باب السجود على الأنف","level":2,"page":2407},{"title":"١٦٩ - باب النظر في الصلاة","level":2,"page":2408},{"title":"١٧٠ - باب الرخصة في ذلك","level":2,"page":2415},{"title":"١٧١ - باب في العمل في الصلاة","level":2,"page":2417},{"title":"١٧٢ - باب رد السلام في الصلاة","level":2,"page":2428},{"title":"١٧٣ - باب في تشميت العاطس في الصلاة","level":2,"page":2441},{"title":"١٧٤ - باب التأمين وراء الإمام","level":2,"page":2449},{"title":"١٧٥ - باب التصفيق في الصلاة","level":2,"page":2476},{"title":"١٧٦ - باب الإشارة في الصلاة","level":2,"page":2481},{"title":"١٧٧ - باب في مسح الحصى في الصلاة","level":2,"page":2485},{"title":"١٧٨ - باب الرجل يصلي مختصرا","level":2,"page":2486},{"title":"١٧٩ - باب الرجل يعتمد في الصلاة على عصا","level":2,"page":2488},{"title":"١٨٠ - باب النهي عن الكلام في الصلاة","level":2,"page":2492},{"title":"١٨١ - باب في صلاة القاعد","level":2,"page":2494},{"title":"١٨٢ - باب كيف الجلوس في التشهد","level":2,"page":2504},{"title":"١٨٣ - باب من ذكر التورك في الرابعة","level":2,"page":2510},{"title":"١٨٤ - باب التشهد","level":2,"page":2518},{"title":"١٨٥ - باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد","level":2,"page":2544},{"title":"١٨٦ - باب ما يقول بعد التشهد","level":2,"page":2555},{"title":"١٨٧ - باب إخفاء التشهد","level":2,"page":2559},{"title":"١٨٨ - باب الإشارة في التشهد","level":2,"page":2560},{"title":"١٨٩ - باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة","level":2,"page":2570},{"title":"١٩٠ - باب في تخفيف القعود","level":2,"page":2576},{"title":"١٩١ - باب في السلام","level":2,"page":2577},{"title":"١٩٢ - باب الرد على الإمام","level":2,"page":2593},{"title":"١٩٣ - باب التكبير بعد الصلاة","level":2,"page":2594},{"title":"١٩٤ - باب حذف السلام","level":2,"page":2597},{"title":"١٩٥ - باب إذا أحدث في صلاته","level":2,"page":2598},{"title":"١٩٦ - باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة","level":2,"page":2599},{"title":"١٩٧ - باب السهو في السجدتين","level":2,"page":2604},{"title":"١٩٨ - باب إذا صلى خمسا","level":2,"page":2645},{"title":"١٩٩ - باب إذا شك في الثنتين والثلاث، من قال يلقي الشك","level":2,"page":2656},{"title":"٢٠٠ - باب من قال يتم على أكثر ظنه","level":2,"page":2668},{"title":"٢٠١ - باب من قال بعد التسليم","level":2,"page":2674},{"title":"٢٠٢ - باب من قام من ثنتين ولم يتشهد","level":2,"page":2676},{"title":"٢٠٣ - باب من نسي أن يتشهد وهو جالس","level":2,"page":2678},{"title":"٢٠٤ - باب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم","level":2,"page":2690},{"title":"٢٠٥ - باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة","level":2,"page":2692},{"title":"٢٠٦ - باب كيف الانصراف من الصلاة","level":2,"page":2693},{"title":"٢٠٧ - باب صلاة الرجل التطوع في بيته","level":2,"page":2695},{"title":"٢٠٨ - باب من صلى لغير القبلة ثم علم","level":2,"page":2697},{"title":"٢٠٩ - باب تفريع أبواب الجمعة","level":2,"page":2705},{"title":"٢١٠ - باب الإجابة، أية ساعة هي في يوم الجمعة؟","level":2,"page":2716},{"title":"٢١١ - باب فضل الجمعة","level":2,"page":2724},{"title":"٢١٢ - باب التشديد في ترك الجمعة","level":2,"page":2729},{"title":"٢١٣ - باب كفارة من تركها","level":2,"page":2730},{"title":"٢١٤ - باب من تجب عليه الجمعة","level":2,"page":2734},{"title":"٢١٥ - باب الجمعة في اليوم المطير","level":2,"page":2742},{"title":"٢١٦ - باب التخلف عن الجماعة في الليلة الباردة","level":2,"page":2746},{"title":"٢١٧ - باب الجمعة للمملوك والمرأة","level":2,"page":2755},{"title":"٢١٨ - باب الجمعة في القرى","level":2,"page":2757},{"title":"٢١٩ - باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد","level":2,"page":2771},{"title":"٢٢٠ - باب ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة","level":2,"page":2777},{"title":"٢٢١ - باب اللبس للجمعة","level":2,"page":2781},{"title":"٢٢٢ - باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة","level":2,"page":2790},{"title":"٢٢٣ - باب اتخاذ المنبر","level":2,"page":2796},{"title":"٢٢٤ - باب موضع المنبر","level":2,"page":2800},{"title":"٢٢٥ - باب الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال","level":2,"page":2800},{"title":"٢٢٦ - باب في وقت الجمعة","level":2,"page":2805},{"title":"٢٢٧ - باب النداء يوم الجمعة","level":2,"page":2809},{"title":"٢٢٨ - باب الإمام يكلم الرجل في خطبته","level":2,"page":2813},{"title":"٢٢٩ - باب الجلوس إذا صعد المنبر","level":2,"page":2814},{"title":"٢٣٠ - باب الخطبة قائما","level":2,"page":2815},{"title":"٢٣١ - باب الرجل يخطب على قوس","level":2,"page":2820},{"title":"٢٣٢ - باب رفع اليدين على المنبر","level":2,"page":2835},{"title":"٢٣٣ - باب إقصار الخطب","level":2,"page":2838},{"title":"٢٣٤ - باب الدنو من الإمام عند الموعظة","level":2,"page":2840},{"title":"٢٣٥ - باب الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث","level":2,"page":2844},{"title":"٢٣٦ - باب الاحتباء والإمام يخطب","level":2,"page":2847},{"title":"٢٣٧ - باب الكلام والإمام يخطب","level":2,"page":2853},{"title":"٢٣٨ - باب استئذان المحدث للإمام","level":2,"page":2858},{"title":"٢٣٩ - باب إذا دخل الرجل والإمام يخطب","level":2,"page":2860},{"title":"٢٤٠ - باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة","level":2,"page":2876},{"title":"٢٤١ - باب الرجل ينعس والإمام يخطب","level":2,"page":2880},{"title":"٢٤٢ - باب الإمام يتكلم بعد ما ينزل من المنبر","level":2,"page":2881},{"title":"٢٤٣ - باب من أدرك من الجمعة ركعة","level":2,"page":2883},{"title":"٢٤٤ - باب ما يقرأ به في الجمعة","level":2,"page":2885},{"title":"٢٤٥ - باب الرجل يأتم بالإمام وبينهما جدار","level":2,"page":2889},{"title":"٢٤٦ - باب الصلاة بعد الجمعة","level":2,"page":2891},{"title":"٢٤٧ - باب صلاة العيدين","level":2,"page":2900},{"title":"٢٤٨ - باب وقت الخروج إلى العيد","level":2,"page":2903},{"title":"٢٤٩ - باب خروج النساء في العيد","level":2,"page":2906},{"title":"٢٥٠ - باب الخطبة","level":2,"page":2914},{"title":"٢٥١ - [باب يخطب على قوس]","level":2,"page":2921},{"title":"٢٥٢ - باب ترك الأذان في العيد","level":2,"page":2923},{"title":"٢٥٣ - باب التكبير في العيدين","level":2,"page":2926},{"title":"٢٥٤ - باب ما يقرأ في الأضحى والفطر","level":2,"page":2944},{"title":"٢٥٥ - باب الجلوس للخطبة","level":2,"page":2945},{"title":"٢٥٦ - باب الخروج إلى العيد في طريق ويرجع في طريق","level":2,"page":2946},{"title":"٢٥٧ - باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد","level":2,"page":2947},{"title":"٢٥٨ - باب الصلاة بعد صلاة العيد","level":2,"page":2953},{"title":"٢٥٩ - باب يصلي بالناس في المسجد إذا كان يوم مطر","level":2,"page":2954},{"title":"٢٦٠ - جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها","level":2,"page":2957},{"title":"٢٦١ - باب رفع اليدين في الاستسقاء","level":2,"page":2973},{"title":"٢٦٢ - باب صلاة الكسوف","level":2,"page":2988},{"title":"٢٦٣ - باب من قال أربع ركعات","level":2,"page":2996},{"title":"٢٦٤ - باب القراءة في صلاة الكسوف","level":2,"page":3014},{"title":"٢٦٥ - باب أينادى فيها بالصلاة؟","level":2,"page":3017},{"title":"٢٦٦ - باب الصدقة فيها","level":2,"page":3018},{"title":"٢٦٧ - باب العتق فيها","level":2,"page":3019},{"title":"٢٦٨ - باب من قال يركع ركعتين","level":2,"page":3020},{"title":"٢٦٩ - باب الصلاة عند الظلمة ونحوها","level":2,"page":3026},{"title":"٢٧٠ - باب السجود عند الآيات","level":2,"page":3028},{"title":"٢٧١ - باب صلاة المسافر","level":2,"page":3030},{"title":"٢٧٢ - باب متى يقصر المسافر؟","level":2,"page":3040},{"title":"٢٧٣ - باب الأذان في السفر","level":2,"page":3043},{"title":"٢٧٤ - باب المسافر يصلي وهو يشك في الوقت","level":2,"page":3044},{"title":"٢٧٥ - باب الجمع بين الصلاتين","level":2,"page":3046},{"title":"٢٧٦ - باب قصر قراءة الصلاة في السفر","level":2,"page":3077},{"title":"٢٧٧ - باب التطوع في السفر","level":2,"page":3078},{"title":"٢٧٨ - باب التطوع على الراحلة والوتر","level":2,"page":3082},{"title":"٢٧٩ - باب الفريضة على الراحلة من عذر","level":2,"page":3087},{"title":"٢٨٠ - باب متى يتم المسافر؟","level":2,"page":3088},{"title":"٢٨١ - باب إذا أقام بأرض العدو يقصر","level":2,"page":3096},{"title":"٢٨٢ - باب صلاة الخوف","level":2,"page":3098},{"title":"٢٨٣ - باب من قال يقوم صف مع الإمام، وصف وجاه العدو، فيصلى بالذين يلونه ركعة، ثم يقوم قائما حتى يصلى الذين معه ركعة أخرى، ثم ينصرفوا فيصفوا وجاه العدو، وتجئ الطائفة الأخرى فيصلى بهم ركعة ويثبت جالسا، فيتمون لأنفسهم ركعة أخرى، ثم يسلم بهم جميعا.","level":2,"page":3108},{"title":"٢٨٤ - باب من قال إذا صلى ركعة وثبت قائما أتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم انصرفوا، فكانوا وجاه العدو، واختلف في السلام","level":2,"page":3112},{"title":"٢٨٥ - باب من قال يكبرون جميعا وإن كانوا مستدبرين القبلة، ثم يصلي بمن معه ركعة، ثم يأتون مصاف أصحابهم، ويجيء الآخرون فيركعون لأنفسهم ركعة، ثم يصلي بهم ركعة، ثم تقبل الطائفة التي كانت تقابل العدو فيصلون لأنفسهم ركعة، والإمام قاعد، ثم يسلم بهم كلهم جميعا","level":2,"page":3119},{"title":"٢٨٦ - باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم فيقوم كل صف، فيصلون لأنفسهم ركعة","level":2,"page":3126},{"title":"٢٨٧ - باب من قال يصلى بكل طائفة ركعة ثم يسلم، فيقوم الذين خلفه فيصلون ركعة، ثم يجئ الآخرون إلى مقام هؤلاء فيصلون ركعة","level":2,"page":3130},{"title":"٢٨٨ - باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون","level":2,"page":3135},{"title":"٢٨٩ - باب من قال يصلي بكل طائفة ركعتين","level":2,"page":3141},{"title":"٢٩٠ - باب صلاة الطالب","level":2,"page":3145},{"title":"٢٩١ - باب تفريع أبواب التطوع وركعات السنة","level":2,"page":3149},{"title":"٢٩٢ - باب ركعتي الفجر","level":2,"page":3154},{"title":"٢٩٣ - باب في تخفيفهما","level":2,"page":3155},{"title":"٢٩٤ - باب الاضطجاع بعدها","level":2,"page":3163},{"title":"٢٩٥ - باب إذا أدرك الإمام ولم يصل ركعتي الفجر","level":2,"page":3173},{"title":"٢٩٦ - باب من فاتته متى يقضيها؟","level":2,"page":3179},{"title":"٢٩٧ - باب الأربع قبل الظهر وبعدها","level":2,"page":3185},{"title":"٢٩٨ - باب الصلاة قبل العصر","level":2,"page":3188},{"title":"٢٩٩ - باب الصلاة بعد العصر","level":2,"page":3189},{"title":"٣٠٠ - باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة","level":2,"page":3195},{"title":"٣٠١ - باب الصلاة قبل المغرب.","level":2,"page":3202},{"title":"٣٠٢ - باب صلاة الضحى","level":2,"page":3209},{"title":"٣٠٣ - باب فى صلاة النهار","level":2,"page":3222},{"title":"٣٠٤ - باب صلاة التسبيح","level":2,"page":3227},{"title":"٣٠٥ - باب ركعتي المغرب، أين تصليان؟","level":2,"page":3238},{"title":"٣٠٦ - باب الصلاة بعد العشاء","level":2,"page":3242},{"title":"٣٠٧ - باب نسخ قيام الليل","level":2,"page":3244},{"title":"٣٠٨ - باب قيام الليل","level":2,"page":3246},{"title":"٣٠٩ - باب النعاس في الصلاة","level":2,"page":3251},{"title":"٣١٠ - باب من نام عن حزبه","level":2,"page":3255},{"title":"٣١١ - باب فيمن نوى القيام فنام","level":2,"page":3256},{"title":"٣١٢ - باب أي الليل أفضل؟","level":2,"page":3257},{"title":"٣١٣ - باب وقت قيام النبي - ﷺ - من الليل","level":2,"page":3259},{"title":"٣١٤ - باب افتتاح صلاة الليل بركعتين","level":2,"page":3266},{"title":"٣١٥ - باب صلاة الليل مثنى مثنى","level":2,"page":3271},{"title":"٣١٦ - باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل","level":2,"page":3272},{"title":"٣١٧ - باب في صلاة الليل","level":2,"page":3281},{"title":"٣١٨ - باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة","level":2,"page":3333},{"title":"٣١٩ - باب في قيام شهر رمضان","level":2,"page":3340},{"title":"٣٢٠ - باب في ليلة القدر","level":2,"page":3356},{"title":"٣٢١ - باب فيمن قال ليلة إحدى وعشرين","level":2,"page":3368},{"title":"٣٢٢ - باب من روى أنها ليلة سبع عشرة","level":2,"page":3372},{"title":"٣٢٣ - باب من روى في السبع الأواخر","level":2,"page":3373},{"title":"٣٢٤ - باب من قال سبع وعشرون","level":2,"page":3374},{"title":"٣٢٥ - باب من قال هي في كل رمضان","level":2,"page":3375},{"title":"٣٢٦ - باب في كم يقرأ القرآن؟","level":2,"page":3376},{"title":"٣٢٧ - باب تحزيب القرآن","level":2,"page":3380},{"title":"٣٢٨ - باب في عدد الآي","level":2,"page":3394},{"title":"٣٢٩ - باب تفريع أبواب السجود، وكم سجدة في القران؟","level":2,"page":3395},{"title":"٣٣٠ - باب من لم ير السجود في المفصل","level":2,"page":3401},{"title":"٣٣١ - باب من رأى فيها سجودا","level":2,"page":3405},{"title":"٣٣٢ - باب السجود في ﴿إذا السماء انشقت﴾ و﴿اقرأ﴾","level":2,"page":3410},{"title":"٣٣٣ - باب السجود في ﴿ص﴾","level":2,"page":3411},{"title":"٣٣٤ - باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب","level":2,"page":3414},{"title":"٣٣٥ - باب ما يقول إذا سجد","level":2,"page":3418},{"title":"٣٣٦ - باب فيمن يقرأ السجدة بعد الصبح","level":2,"page":3419},{"title":"٣٣٧ - باب استحباب الوتر","level":2,"page":3422},{"title":"٣٣٨ - باب فيمن لم يوتر","level":2,"page":3431},{"title":"٣٣٩ - باب كم الوتر؟","level":2,"page":3436},{"title":"٣٤٠ - باب ما يقرأ في الوتر","level":2,"page":3441},{"title":"٣٤١ - باب القنوت في الوتر","level":2,"page":3443},{"title":"٣٤٢ - باب في الدعاء بعد الوتر","level":2,"page":3458},{"title":"٣٤٣ - باب في الوتر قبل النوم","level":2,"page":3464},{"title":"٣٤٤ - باب في وقت الوتر","level":2,"page":3467},{"title":"٣٤٥ - باب في نقض الوتر","level":2,"page":3471},{"title":"٣٤٦ - باب القنوت في الصلوات","level":2,"page":3474},{"title":"٣٤٧ - باب في فضل التطوع في البيت","level":2,"page":3486},{"title":"٣٤٨ - باب","level":2,"page":3490},{"title":"٣٤٩ - باب الحث على قيام الليل","level":2,"page":3492},{"title":"٣٥٠ - باب في ثواب قراءة القرآن","level":2,"page":3494},{"title":"٣٥١ - باب فاتحة الكتاب","level":2,"page":3500},{"title":"٣٥٢ - باب من قال هي من الطول","level":2,"page":3505},{"title":"٣٥٣ - باب ما جاء فى آية الكرسى","level":2,"page":3506},{"title":"٣٥٤ - باب فى سورة الصمد","level":2,"page":3507},{"title":"٣٥٥ - باب فى المعوذتين","level":2,"page":3509},{"title":"٣٥٦ - باب: كيف يستحب الترتيل فى القراءة؟","level":2,"page":3512},{"title":"٣٥٧ - باب التشديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه","level":2,"page":3524},{"title":"٣٥٨ - باب \"أنزل القرآن على سبعة أحرف\"","level":2,"page":3525},{"title":"٣٥٩ - باب الدعاء","level":2,"page":3535},{"title":"٣٦٠ - باب التسبيح بالحصى","level":2,"page":3563},{"title":"٣٦١ - باب ما يقول الرجل إذا سلم","level":2,"page":3573},{"title":"٣٦٢ - باب فى الاستغفار","level":2,"page":3583},{"title":"٣٦٣ - باب النهي أن يدعو الإنسان على أهله وماله","level":2,"page":3602},{"title":"٣٦٤ - باب الصلاة على غير النبي - ﷺ -","level":2,"page":3603},{"title":"٣٦٥ - باب الدعاء بظهر الغيب","level":2,"page":3604},{"title":"٣٦٦ - باب ما يقول إذا خاف قوما","level":2,"page":3607},{"title":"٣٦٧ - باب في الاستخارة","level":2,"page":3608},{"title":"٣٦٨ - باب في الاستعاذة","level":2,"page":3613},{"title":"٣ - كتاب الزكاة","level":1,"page":3630},{"title":"١ - باب ما تجب فيه الزكاة","level":2,"page":3645},{"title":"٢ - باب العروض إذا كانت للتجارة","level":2,"page":3651},{"title":"٣ - باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي","level":2,"page":3656},{"title":"٤ - باب في زكاة السائمة","level":2,"page":3664},{"title":"٥ - باب رضى المصدق","level":2,"page":3726},{"title":"٦ - باب دعاء المصدق لأهل الصدقة","level":2,"page":3732},{"title":"٧ - باب تفسير أسنان الإبل","level":2,"page":3733},{"title":"٨ - باب أين تصدق الأموال؟","level":2,"page":3737},{"title":"٩ - باب الرجل يبتاع صدقته","level":2,"page":3739},{"title":"١٠ - باب صدقة الرقيق","level":2,"page":3740},{"title":"١١ - باب صدقة الزرع","level":2,"page":3742},{"title":"١٢ - باب زكاة العسل","level":2,"page":3748},{"title":"١٣ - باب في خرص العنب","level":2,"page":3752},{"title":"١٤ - باب في الخرص","level":2,"page":3754},{"title":"١٥ - باب متى يخرص التمر؟","level":2,"page":3757},{"title":"١٦ - باب ما لا يجوز من الثمرة في الصدقة","level":2,"page":3762},{"title":"١٧ - باب زكاة الفطر","level":2,"page":3765},{"title":"١٨ - باب متى تؤدى؟","level":2,"page":3768},{"title":"١٩ - باب كم يؤدى في صدقة الفطر؟","level":2,"page":3770},{"title":"٢٠ - باب من روى نصف صاع من قمح","level":2,"page":3783},{"title":"٢١ - باب في تعجيل الزكاة","level":2,"page":3790},{"title":"٢٢ - باب في الزكاة تحمل من بلد إلى بلد","level":2,"page":3794},{"title":"٢٣ - باب من يعطى من الصدقة، وحد الغنى","level":2,"page":3795},{"title":"٢٤ - باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني","level":2,"page":3817},{"title":"٢٥ - باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة","level":2,"page":3822},{"title":"٢٦ - باب كراهية المسألة","level":2,"page":3829},{"title":"٢٧ - باب في الاستعفاف","level":2,"page":3831},{"title":"٢٨ - باب الصدقة على بني هاشم","level":2,"page":3839},{"title":"٢٩ - باب الفقير يهدي للغني من الصدقة","level":2,"page":3844},{"title":"٣٠ - باب من تصدق بصدقة ثم ورثها","level":2,"page":3845},{"title":"٣١ - باب في حقوق المال","level":2,"page":3846},{"title":"٣٢ - باب حق السائل","level":2,"page":3857},{"title":"٣٣ - باب الصدقة على أهل الذمة","level":2,"page":3860},{"title":"٣٤ - باب ما لا يجوز منعه","level":2,"page":3862},{"title":"٣٥ - باب المسألة فى المساجد","level":2,"page":3865},{"title":"٣٦ - باب كراهية المسألة بوجه الله ﷿","level":2,"page":3867},{"title":"٣٧ - باب عطية من سأل بالله ﷿","level":2,"page":3869},{"title":"٣٨ - باب الرجل يخرج من ماله","level":2,"page":3870},{"title":"٣٩ - باب في الرخصة في ذلك","level":2,"page":3874},{"title":"٤٠ - باب في فضل سقي الماء","level":2,"page":3876},{"title":"٤١ - باب فى المنيحة","level":2,"page":3879},{"title":"٤٢ - باب أجر الخازن","level":2,"page":3883},{"title":"٤٣ - باب المرأة تصدق من بيت زوجها","level":2,"page":3884},{"title":"٤٤ - باب في صلة الرحم","level":2,"page":3889},{"title":"٤٥ - باب في الشح","level":2,"page":3901},{"title":"٤ - كتاب اللقطة","level":1,"page":3904},{"title":"٥ - أول كتاب المناسك","level":1,"page":3958},{"title":"١ - باب فرض الحج","level":2,"page":3958},{"title":"٢ - باب في المرأة تحج بغير محرم","level":2,"page":3965},{"title":"٣ - باب \"لا صرورة\"","level":2,"page":3973},{"title":"٤ - باب التجارة في الحج","level":2,"page":3975},{"title":"٥ - باب","level":2,"page":3977},{"title":"٦ - باب الكري","level":2,"page":3979},{"title":"٧ - باب في الصبي يحج","level":2,"page":3984},{"title":"٨ - باب في المواقيت","level":2,"page":3987},{"title":"٩ - باب الحائض تهل بالحج","level":2,"page":4000},{"title":"١٠ - باب الطيب عند الإحرام","level":2,"page":4004},{"title":"١١ - باب التلبيد","level":2,"page":4006},{"title":"١٢ - باب في الهدي","level":2,"page":4009},{"title":"١٣ - باب في هدي البقر","level":2,"page":4011},{"title":"١٤ - باب في الإشعار","level":2,"page":4012},{"title":"١٥ - باب تبديل الهدي","level":2,"page":4019},{"title":"١٦ - باب من بعث بهديه وأقام","level":2,"page":4021},{"title":"١٧ - باب في ركوب البدن","level":2,"page":4024},{"title":"١٨ - باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ","level":2,"page":4026},{"title":"١٩ - باب كيف تنحر البدن؟","level":2,"page":4036},{"title":"٢٠ - باب في وقت الإحرام","level":2,"page":4040},{"title":"٢١ - باب الاشتراط في الحج","level":2,"page":4049},{"title":"٢٢ - باب في إفراد الحج","level":2,"page":4051},{"title":"٢٣ - باب في الإقران","level":2,"page":4087},{"title":"٢٤ - باب الرجل يحج عن غيره","level":2,"page":4106},{"title":"٢٥ - باب كيف التلبية؟","level":2,"page":4114},{"title":"٢٦ - باب متى يقطع التلبية؟","level":2,"page":4122},{"title":"٢٧ - باب متى يقطع المعتمر التلبية؟","level":2,"page":4124},{"title":"٢٨ - باب المحرم يؤدب غلامه","level":2,"page":4125},{"title":"٢٩ - باب الرجل يحرم في ثيابه","level":2,"page":4128},{"title":"٣٠ - باب ما يلبس المحرم","level":2,"page":4134},{"title":"٣١ - باب المحرم يحمل السلاح","level":2,"page":4151},{"title":"٣٢ - باب في المحرمة تغطي وجهها","level":2,"page":4152},{"title":"٣٣ - باب في المحرم يظلل","level":2,"page":4154},{"title":"٣٤ - باب المحرم يحتجم؟","level":2,"page":4156},{"title":"٣٥ - باب يكتحل المحرم؟","level":2,"page":4158},{"title":"٣٦ - باب المحرم يغتسل؟","level":2,"page":4160},{"title":"٣٧ - باب المحرم يتزوج؟","level":2,"page":4163},{"title":"٣٨ - باب ما يقتل المحرم من الدواب","level":2,"page":4179},{"title":"٣٩ - باب لحم الصيد للمحرم","level":2,"page":4184},{"title":"٤٠ - باب الجراد للمحرم","level":2,"page":4197},{"title":"٤١ - باب في الفدية","level":2,"page":4201},{"title":"٤٢ - باب الإحصار","level":2,"page":4210},{"title":"٤٣ - باب دخول مكة","level":2,"page":4218},{"title":"٤٤ - باب في رفع اليد إذا رأى البيت","level":2,"page":4225},{"title":"٤٥ - باب في تقبيل الحجر","level":2,"page":4232},{"title":"٤٦ - باب استلام الأركان","level":2,"page":4234},{"title":"٤٧ - باب الطواف الواجب","level":2,"page":4237},{"title":"٤٨ - باب الاضطباع في الطواف","level":2,"page":4247},{"title":"٤٩ - باب في الرمل","level":2,"page":4249},{"title":"٥٠ - باب الدعاء في الطواف","level":2,"page":4256},{"title":"٥١ - باب الطواف بعد العصر","level":2,"page":4258},{"title":"٥٢ - باب طواف القارن","level":2,"page":4260},{"title":"٥٣ - باب الملتزم","level":2,"page":4267},{"title":"٥٤ - باب أمر الصفا والمروة","level":2,"page":4272},{"title":"٥٥ - باب صفة حجة النبي - ﷺ -","level":2,"page":4278},{"title":"٥٦ - باب الوقوف بعرفة","level":2,"page":4319},{"title":"٥٧ - باب الخروج إلى منى","level":2,"page":4321},{"title":"٥٨ - باب الخروج إلى عرفة","level":2,"page":4323},{"title":"٥٩ - باب الرواح إلى عرفة","level":2,"page":4325},{"title":"٦٠ - باب الخطبة بعرفة","level":2,"page":4326},{"title":"٦١ - باب موضع الوقوف بعرفة","level":2,"page":4331},{"title":"٦٢ - باب الدفعة من عرفة","level":2,"page":4334},{"title":"٦٣ - باب الصلاة بجمع","level":2,"page":4346},{"title":"٦٤ - باب التعجيل من جمع","level":2,"page":4355},{"title":"٦٥ - باب يوم الحج الأكبر","level":2,"page":4364},{"title":"٦٦ - باب الأشهر الحرم","level":2,"page":4367},{"title":"٦٧ - باب من لم يدرك عرفة","level":2,"page":4370},{"title":"٦٨ - باب النزول بمنى","level":2,"page":4375},{"title":"٦٩ - باب أي يوم يخطب بمنى؟","level":2,"page":4376},{"title":"٧٠ - باب من قال خطب يوم النحر","level":2,"page":4379},{"title":"٧١ - باب أي وقت يخطب يوم النحر؟","level":2,"page":4380},{"title":"٧٢ - باب ما يذكر الإمام في خطبته بمنى","level":2,"page":4381},{"title":"٧٣ - باب يبيت بمكة ليالي منى","level":2,"page":4383},{"title":"٧٤ - باب الصلاة بمنى","level":2,"page":4386},{"title":"٧٥ - باب القصر لأهل مكة","level":2,"page":4391},{"title":"٧٦ - باب في رمي الجمار","level":2,"page":4392},{"title":"٧٧ - باب الحلق والتقصير","level":2,"page":4406},{"title":"٧٨ - باب العمرة","level":2,"page":4420},{"title":"٧٩ - باب المهلة بالعمرة تحيض فيدركها الحج فتنقض عمرتها وتهل بالحج، هل تقضي عمرتها؟","level":2,"page":4439},{"title":"٨٠ - باب المقام في العمرة","level":2,"page":4443},{"title":"٨١ - باب الإفاضة في الحج","level":2,"page":4444},{"title":"٨٢ - باب الوداع","level":2,"page":4451},{"title":"٨٣ - باب الحائض تخرج بعد الإفاضة","level":2,"page":4452},{"title":"٨٤ - باب طواف الوداع","level":2,"page":4456},{"title":"٨٥ - باب التحصيب","level":2,"page":4460},{"title":"٨٦ - باب فيمن قدم شيئا قبل شئ فى حجه","level":2,"page":4468},{"title":"٨٧ - باب فى مكة","level":2,"page":4472},{"title":"٨٨ - باب تحريم مكة","level":2,"page":4475},{"title":"٨٩ - باب فى نبيذ السقاية","level":2,"page":4484},{"title":"٩٠ - باب الإقامة بمكة","level":2,"page":4485},{"title":"٩١ - باب الصلاة في الكعبة","level":2,"page":4488},{"title":"٩٢ - باب فى مال الكعبة","level":2,"page":4498},{"title":"٩٣ - باب فى إتيان المدينة","level":2,"page":4502},{"title":"٩٤ - باب في تحريم المدينة","level":2,"page":4505},{"title":"٩٥ - باب زيارة القبور","level":2,"page":4520},{"title":"٦ - أول كتاب النكاح","level":1,"page":4527},{"title":"١ - باب التحريض على النكاح","level":2,"page":4531},{"title":"٢ - باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين","level":2,"page":4534},{"title":"٣ - باب في تزويج الأبكار","level":2,"page":4535},{"title":"٤ - باب في قوله تعالى ﴿الزانى لا ينكح إلا زانية﴾","level":2,"page":4540},{"title":"٥ - باب في الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها","level":2,"page":4547},{"title":"٦ - باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب","level":2,"page":4552},{"title":"٧ - باب في لبن الفحل","level":2,"page":4557},{"title":"٨ - باب فى رضاعة الكبير","level":2,"page":4560},{"title":"٩ - باب من حرم به","level":2,"page":4564},{"title":"١٠ - باب هل يحرم ما دون خمس رضعات؟","level":2,"page":4572},{"title":"١١ - باب في الرضخ عند الفصال","level":2,"page":4575},{"title":"١٢ - باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء","level":2,"page":4576},{"title":"١٣ - باب في نكاح المتعة","level":2,"page":4590},{"title":"١٤ - باب فى الشغار","level":2,"page":4592},{"title":"١٥ - باب في التحليل","level":2,"page":4595},{"title":"١٦ - باب في نكاح العبد بغير إذن مواليه","level":2,"page":4599},{"title":"١٧ - باب فى كراهية أن يخطب الرجل على خطبة أخيه","level":2,"page":4602},{"title":"١٨ - باب الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها","level":2,"page":4604},{"title":"١٩ - باب في الولي","level":2,"page":4607},{"title":"٢٠ - باب في العضل","level":2,"page":4617},{"title":"٢١ - باب إذا أنكح الوليان","level":2,"page":4620},{"title":"٢٢ - باب قوله تعالى ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن﴾","level":2,"page":4622},{"title":"٢٣ - باب فى الاستئمار","level":2,"page":4627},{"title":"٢٤ - باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها","level":2,"page":4631},{"title":"٢٥ - باب فى الثيب","level":2,"page":4634},{"title":"٢٦ - باب في الاكفاء","level":2,"page":4647},{"title":"٢٧ - باب في تزويج من لم يولد","level":2,"page":4650},{"title":"٢٨ - باب الصداق","level":2,"page":4655},{"title":"٢٩ - باب قلة المهر","level":2,"page":4660},{"title":"٣٠ - باب في التزويج على العمل يعمل","level":2,"page":4670},{"title":"٣١ - باب فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات","level":2,"page":4676},{"title":"٣٢ - باب في خطبة النكاح","level":2,"page":4682},{"title":"٣٣ - باب فى تزويج الصغار","level":2,"page":4689},{"title":"٣٤ - باب فى المقام عند البكر","level":2,"page":4691},{"title":"٣٥ - باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها","level":2,"page":4696},{"title":"٣٦ - باب في ما يقال للمتزوج","level":2,"page":4700},{"title":"٣٧ - باب الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى","level":2,"page":4700},{"title":"٣٨ - باب في القسم بين النساء","level":2,"page":4704},{"title":"٣٩ - باب في الرجل يشترط لها دارها","level":2,"page":4713},{"title":"٤٠ - باب في حق الزوج على المرأة","level":2,"page":4715},{"title":"٤١ - باب في حق المرأة على زوجها","level":2,"page":4718},{"title":"٤٢ - باب في ضرب النساء","level":2,"page":4723},{"title":"٤٣ - باب ما يؤمر به من غض البصر","level":2,"page":4727},{"title":"٤٤ - باب في وطء السبايا","level":2,"page":4734},{"title":"٤٥ - باب في جامع النكاح","level":2,"page":4741},{"title":"٤٦ - باب في إتيان الحائض ومباشرتها","level":2,"page":4750},{"title":"٤٧ - باب في كفارة من أتى حائضا","level":2,"page":4755},{"title":"٤٨ - باب ما جاء في العزل","level":2,"page":4756},{"title":"٤٩ - باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته أهله","level":2,"page":4764},{"title":"٧ - أول كتاب الطلاق","level":1,"page":4772},{"title":"١ - باب فيمن خبب امرأة على زوجها","level":2,"page":4773},{"title":"٢ - باب في المرأة تسال زوجها طلاق امرأة له","level":2,"page":4774},{"title":"٣ - باب في كراهية الطلاق","level":2,"page":4776},{"title":"٤ - باب في طلاق السنة","level":2,"page":4778},{"title":"٥ - باب في نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث","level":2,"page":4794},{"title":"٦ - باب في سنة طلاق العبد","level":2,"page":4803},{"title":"٧ - باب في الطلاق قبل النكاح","level":2,"page":4809},{"title":"٨ - باب في الطلاق على غلط","level":2,"page":4818},{"title":"٩ - باب في الطلاق على الهزل","level":2,"page":4822},{"title":"١٠ - باب بقية نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث","level":2,"page":4824},{"title":"١١ - باب فيما عني به الطلاق، والنيات","level":2,"page":4840},{"title":"١٢ - باب في الخيار","level":2,"page":4844},{"title":"١٣ - باب في \"أمرك بيدك\"","level":2,"page":4847},{"title":"١٤ - باب في البتة","level":2,"page":4852},{"title":"١٥ - باب في الوسوسة بالطلاق","level":2,"page":4857},{"title":"١٦ - باب في الرجل يقول لامرأته \"يا أختي\"","level":2,"page":4858},{"title":"١٧ - باب في الظهار","level":2,"page":4872},{"title":"١٨ - باب في الخلع","level":2,"page":4894},{"title":"١٩ - باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد","level":2,"page":4899},{"title":"٢٠ - باب من قال كان حرا","level":2,"page":4902},{"title":"٢١ - باب حتى متى يكون لها الخيار؟","level":2,"page":4904},{"title":"٢٢ - باب في المملوكين يعتقان معا، هل تخير امرأته؟","level":2,"page":4906},{"title":"٢٣ - باب إذا أسلم أحد الزوجين","level":2,"page":4908},{"title":"٢٤ - باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها؟","level":2,"page":4911},{"title":"٢٥ - باب في من أسلم وعنده نساء أكثر من أربع","level":2,"page":4915},{"title":"٢٦ - باب إذا أسلم أحد الأبوين لمن يكون الولد؟","level":2,"page":4922},{"title":"٢٧ - باب في اللعان","level":2,"page":4926},{"title":"٢٨ - باب إذا شك في الولد","level":2,"page":4952},{"title":"٢٩ - باب التغليظ في الانتفاء","level":2,"page":4955},{"title":"٣٠ - باب في ادعاء ولد الزنا","level":2,"page":4956},{"title":"٣١ - باب في القافة","level":2,"page":4961},{"title":"٣٢ - باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد","level":2,"page":4965},{"title":"٣٣ - باب في وجوه النكاح التي كان يتناكح بها أهل الجاهلية","level":2,"page":4971},{"title":"٣٤ - باب \"الولد للفراش\"","level":2,"page":4975},{"title":"٣٥ - باب من أحق بالولد","level":2,"page":4979},{"title":"٣٦ - باب في عدة المطلقة","level":2,"page":4992},{"title":"٣٧ - باب في نسخ ما استثني به من عدة المطلقات","level":2,"page":4994},{"title":"٣٨ - باب في المراجعة","level":2,"page":4995},{"title":"٣٩ - باب في نفقة المبتوتة","level":2,"page":4996},{"title":"٤٠ - باب من أنكر ذلك على فاطمة","level":2,"page":5020},{"title":"٤١ - باب في المبتوتة تخرج بالنهار","level":2,"page":5027},{"title":"٤٢ - باب نسخ متاع المتوفى عنها بما فرض لها من الميراث","level":2,"page":5029},{"title":"٤٣ - باب إحداد المتوفى عنها زوجها","level":2,"page":5030},{"title":"٤٤ - باب في المتوفى عنها تنتقل؟","level":2,"page":5036},{"title":"٤٥ - باب من رأى التحول","level":2,"page":5039},{"title":"٤٦ - باب فيما تجتنب المعتدة في عدتها","level":2,"page":5043},{"title":"٤٧ - باب في عدة الحامل","level":2,"page":5051},{"title":"٤٨ - باب في عدة أم الولد","level":2,"page":5056},{"title":"٤٩ - باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره","level":2,"page":5058},{"title":"٥٠ - باب في تعظيم الزنا","level":2,"page":5059},{"title":"٨ - أول كتاب الصيام","level":1,"page":5063},{"title":"١ - مبدأ فرض الصيام","level":2,"page":5065},{"title":"٢ - باب نسخ قوله تعالى ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾","level":2,"page":5070},{"title":"٣ - باب من قال هي مثبتة للشيخ والحبلى","level":2,"page":5075},{"title":"٤ - باب الشهر يكون تسعا وعشرين","level":2,"page":5081},{"title":"٥ - باب إذا أخطأ القوم الهلال","level":2,"page":5092},{"title":"٦ - باب إذا أغمي الشهر","level":2,"page":5094},{"title":"٧ - باب من قال فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين","level":2,"page":5096},{"title":"٨ - باب في التقدم","level":2,"page":5099},{"title":"٩ - باب إذا رؤي الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة","level":2,"page":5104},{"title":"١٠ - باب كراهية صوم يوم الشك","level":2,"page":5108},{"title":"١١ - باب فيمن يصل شعبان برمضان","level":2,"page":5109},{"title":"١٢ - باب في كراهية ذلك","level":2,"page":5112},{"title":"١٣ - باب شهادة رجلين على رؤية هلال شوال","level":2,"page":5114},{"title":"١٤ - باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان","level":2,"page":5117},{"title":"١٥ - باب فى توكيد السحور","level":2,"page":5121},{"title":"١٦ - باب من سمى السحور غداء","level":2,"page":5122},{"title":"١٧ - باب وقت السحور","level":2,"page":5124},{"title":"١٨ - باب الرجل يسمع النداء والإناء على يده","level":2,"page":5131},{"title":"١٩ - باب وقت فطر الصائم","level":2,"page":5133},{"title":"٢٠ - باب ما يستحب من تعجيل الفطر","level":2,"page":5135},{"title":"٢١ - باب ما يفطر عليه","level":2,"page":5138},{"title":"٢٢ - باب القول عند الإفطار","level":2,"page":5140},{"title":"٢٣ - الفطر قبل غروب الشمس","level":2,"page":5142},{"title":"٢٤ - في الوصال","level":2,"page":5143},{"title":"٢٥ - الغيبة للصائم","level":2,"page":5147},{"title":"٢٦ - باب السواك للصائم","level":2,"page":5150},{"title":"٢٧ - باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق","level":2,"page":5153},{"title":"٢٨ - في الصائم يحتجم","level":2,"page":5156},{"title":"٢٩ - في الرخصة","level":2,"page":5164},{"title":"٣٠ - في الصائم يحتلم نهارا في شهر رمضان","level":2,"page":5168},{"title":"٣١ - باب في الكحل عند النوم","level":2,"page":5170},{"title":"٣٢ - باب الصائم يستقيء عامدا","level":2,"page":5175},{"title":"٣٣ - باب القبلة للصائم","level":2,"page":5179},{"title":"٣٤ - باب الصائم يبلع الريق","level":2,"page":5183},{"title":"٣٥ - كراهيته للشاب","level":2,"page":5185},{"title":"٣٦ - من أصبح جنبا في شهر رمضان","level":2,"page":5186},{"title":"٣٧ - باب كفارة من أتى أهله في رمضان","level":2,"page":5191},{"title":"٣٨ - باب التغليظ فيمن أفطر عمدا","level":2,"page":5210},{"title":"٣٩ - باب من أكل ناسيا","level":2,"page":5213},{"title":"٤٠ - باب تأخير قضاء رمضان","level":2,"page":5216},{"title":"٤١ - باب فيمن مات وعليه صيام","level":2,"page":5217},{"title":"٤٢ - باب الصوم في السفر","level":2,"page":5221},{"title":"٤٣ - باب اختيار الفطر","level":2,"page":5229},{"title":"٤٤ - باب فيمن اختار الصيام","level":2,"page":5235},{"title":"٤٥ - باب متى يفطر المسافر إذا خرج","level":2,"page":5238},{"title":"٤٦ - باب مسيرة ما يفطر فيه","level":2,"page":5242},{"title":"٤٧ - باب فيمن يقول صمت رمضان كله","level":2,"page":5246},{"title":"٤٨ - باب في صوم العيدين","level":2,"page":5248},{"title":"٤٩ - باب صيام أيام التشريق","level":2,"page":5251},{"title":"٥٠ - باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم","level":2,"page":5255},{"title":"٥١ - باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم","level":2,"page":5257},{"title":"٥٢ - الرخصة في ذلك","level":2,"page":5261},{"title":"٥٣ - باب في صوم الدهر","level":2,"page":5263},{"title":"٥٤ - باب في صوم أشهر الحرم","level":2,"page":5271},{"title":"٥٥ - باب في صوم المحرم","level":2,"page":5276},{"title":"٥٦ - باب في صوم شعبان","level":2,"page":5278},{"title":"٥٧ - باب في صوم ستة أيام من شوال","level":2,"page":5283},{"title":"٥٨ - باب كيف كان يصوم النبي - ﷺ -؟","level":2,"page":5286},{"title":"٥٩ - باب في صوم الاثنين والخميس","level":2,"page":5288},{"title":"٦٠ - باب في صوم العشر","level":2,"page":5292},{"title":"٦١ - في فطره","level":2,"page":5296},{"title":"٦٢ - في صوم عرفة بعرفة","level":2,"page":5296},{"title":"٦٣ - باب في صوم يوم عاشوراء","level":2,"page":5299},{"title":"٦٤ - ما روي أن عاشوراء اليوم التاسع","level":2,"page":5303},{"title":"٦٥ - باب في فضل صومه","level":2,"page":5308},{"title":"٦٦ - في صوم يوم وفطر يوم","level":2,"page":5309},{"title":"٦٧ - باب في صوم الثلاث من كل شهر","level":2,"page":5310},{"title":"٦٨ - باب من قال الاثنين والخميس","level":2,"page":5314},{"title":"٦٩ - باب من قال لا يبالي من أي الشهر","level":2,"page":5316},{"title":"٧٠ - باب في النية في الصوم","level":2,"page":5317},{"title":"٧١ - باب في الرخصة فيه","level":2,"page":5320},{"title":"٧٢ - باب من رأى عليه القضاء","level":2,"page":5325},{"title":"٧٣ - باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها","level":2,"page":5326},{"title":"٧٤ - في الصائم يدعى إلى وليمة","level":2,"page":5331},{"title":"٧٥ - الاعتكاف","level":2,"page":5332},{"title":"٧٦ - باب أين يكون الاعتكاف؟","level":2,"page":5340},{"title":"٧٧ - المعتكف يدخل البيت لحاجته","level":2,"page":5343},{"title":"٧٨ - المعتكف يعود المريض","level":2,"page":5348},{"title":"٧٩ - باب في المستحاضة تعتكف","level":2,"page":5355},{"title":"٩ - أول كتاب الجهاد","level":1,"page":5361},{"title":"١ - باب ما جاء في الهجرة","level":2,"page":5364},{"title":"٢ - باب في الهجرة، هل انقطعت؟","level":2,"page":5367},{"title":"٣ - باب في سكنى الشام","level":2,"page":5373},{"title":"٤ - باب في دوام الجهاد","level":2,"page":5377},{"title":"٥ - باب في ثواب الجهاد","level":2,"page":5378},{"title":"٦ - باب في النهي عن السياحة","level":2,"page":5379},{"title":"٧ - باب في فضل القفل في الغزو","level":2,"page":5380},{"title":"٨ - باب في فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم","level":2,"page":5382},{"title":"٩ - باب في ركوب البحر في الغزو","level":2,"page":5384},{"title":"١٠ - باب في فضل من قتل كافرا","level":2,"page":5395},{"title":"١١ - باب في حرمة نساء المجاهدين","level":2,"page":5396},{"title":"١٢ - باب في السرية تخفق","level":2,"page":5398},{"title":"١٣ - باب في تضعيف الذكر في سبيل الله - ﷿ -","level":2,"page":5400},{"title":"١٤ - باب فيمن مات غازيا","level":2,"page":5401},{"title":"١٥ - باب في فضل الرباط","level":2,"page":5402},{"title":"١٦ - باب في فضل الحرس في سبيل الله - ﷿ -","level":2,"page":5403},{"title":"١٧ - باب كراهية ترك الغزو","level":2,"page":5407},{"title":"١٨ - باب في نسخ نفير العامة بالخاصة","level":2,"page":5410},{"title":"١٩ - باب في الرخصة في القعود من العذر","level":2,"page":5413},{"title":"٢٠ - باب ما يجزئ من الغزو","level":2,"page":5417},{"title":"٢١ - باب في الجرأة والجبن","level":2,"page":5420},{"title":"٢٢ - باب في قوله - ﷿ - ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾","level":2,"page":5420},{"title":"٢٣ - باب في الرمي","level":2,"page":5423},{"title":"٢٤ - باب فيمن يغزو ويلتمس الدنيا","level":2,"page":5426},{"title":"٢٥ - باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا","level":2,"page":5431},{"title":"٢٦ - باب في فضل الشهادة","level":2,"page":5435},{"title":"٢٧ - باب في الشهيد يشفع","level":2,"page":5439},{"title":"٢٨ - باب في النور يرى عند قبر الشهيد","level":2,"page":5440},{"title":"٢٩ - باب في الجعائل في الغزو","level":2,"page":5442},{"title":"٣٠ - باب الرخصة في أخذ الجعائل","level":2,"page":5446},{"title":"٣١ - باب في الرجل يغزو بأجر الخدمة","level":2,"page":5447},{"title":"٣٢ - باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان","level":2,"page":5449},{"title":"٣٣ - باب في النساء يغزون","level":2,"page":5452},{"title":"٣٤ - باب في الغزو مع أئمة الجور","level":2,"page":5453},{"title":"٣٥ - باب الرجل يتحمل بمال غيره يغزو","level":2,"page":5456},{"title":"٣٦ - باب في الرجل يغزو يلتمس الأجر والغنيمة","level":2,"page":5457},{"title":"٣٧ - باب في الرجل يشري نفسه","level":2,"page":5459},{"title":"٣٨ - باب فيمن يسلم ويقتل مكانه في سبيل الله تعالى","level":2,"page":5461},{"title":"٣٩ - باب في الرجل يموت بسلاحه","level":2,"page":5462},{"title":"٤٠ - باب الدعاء عند اللقاء","level":2,"page":5465},{"title":"٤١ - باب فيمن سأل الله الشهادة","level":2,"page":5467},{"title":"٤٢ - باب في كراهية جز نواصي الخيل وأذنابها","level":2,"page":5469},{"title":"٤٣ - باب فيما يستحب من ألوان الخيل","level":2,"page":5470},{"title":"٤٤ - باب هل تسمى الأنثى من الخيل فرسا؟","level":2,"page":5475},{"title":"٤٥ - باب ما يكره من الخيل","level":2,"page":5475},{"title":"٤٦ - باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم","level":2,"page":5477},{"title":"٤٧ - باب في تقليد الخيل بالأوتار","level":2,"page":5483},{"title":"٤٨ - باب في تعليق الأجراس","level":2,"page":5487},{"title":"٤٩ - باب في ركوب الجلالة","level":2,"page":5489},{"title":"٥٠ - باب في الرجل يسمي دابته","level":2,"page":5490},{"title":"٥١ - باب في النداء عند النفير يا خيل الله اركبي","level":2,"page":5490},{"title":"٥٢ - باب النهي عن لعن البهيمة","level":2,"page":5491},{"title":"٥٣ - باب في التحريش بين البهائم","level":2,"page":5493},{"title":"٥٤ - باب في وسم الدواب","level":2,"page":5494},{"title":"٥٥ - باب في كراهية الحمر تنزى على الخيل","level":2,"page":5496},{"title":"٥٦ - باب في ركوب ثلاثة على دابة","level":2,"page":5497},{"title":"٥٧ - باب في الوقوف على الدابة","level":2,"page":5498},{"title":"٥٨ - باب في الجنائب","level":2,"page":5500},{"title":"٥٩ - باب في سرعة السير","level":2,"page":5503},{"title":"٦٠ - باب رب الدابة أحق بصدرها","level":2,"page":5505},{"title":"٦١ - باب في الدابة تعرقب في الحرب","level":2,"page":5506},{"title":"٦٢ - باب في السبق","level":2,"page":5508},{"title":"٦٣ - باب في السبق على الرجل","level":2,"page":5513},{"title":"٦٤ - باب في المحلل","level":2,"page":5513},{"title":"٦٥ - باب الجلب على الخيل في السباق","level":2,"page":5518},{"title":"٦٦ - باب في السيف يحلى","level":2,"page":5519},{"title":"٦٧ - باب في النبل يدخل في المسجد","level":2,"page":5525},{"title":"٦٨ - باب في النهي أن يتعاطى السيف مسلولا","level":2,"page":5526},{"title":"٦٩ - باب في لبس الدروع","level":2,"page":5528},{"title":"٧٠ - باب في الرايات والألوية","level":2,"page":5530},{"title":"٧١ - باب في الانتصار برذل الخيل والضعفة","level":2,"page":5532},{"title":"٧٢ - باب في الرجل ينادي بالشعار","level":2,"page":5534},{"title":"٧٣ - باب ما يقول الرجل إذا سافر","level":2,"page":5536},{"title":"٧٤ - باب في الدعاء عند الوداع","level":2,"page":5539},{"title":"٧٥ - باب ما يقول الرجل إذا ركب","level":2,"page":5541},{"title":"٧٦ - باب ما يقول الرجل إذا نزل المنزل","level":2,"page":5543},{"title":"٧٧ - باب في كراهية السير أول الليل","level":2,"page":5544},{"title":"٧٨ - باب في أي يوم يستحب السفر","level":2,"page":5545},{"title":"٧٩ - باب في الابتكار في السفر","level":2,"page":5546},{"title":"٨٠ - باب في الرجل يسافر وحده","level":2,"page":5547},{"title":"٨١ - باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم","level":2,"page":5549},{"title":"٨٢ - باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو","level":2,"page":5550},{"title":"٨٣ - باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا","level":2,"page":5552},{"title":"٨٤ - باب في دعاء المشركين","level":2,"page":5555},{"title":"٨٥ - باب في الحرق في بلاد العدو","level":2,"page":5562},{"title":"٨٦ - باب في بعث العيون","level":2,"page":5565},{"title":"٨٧ - باب في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن إذا مر به","level":2,"page":5566},{"title":"٨٨ - باب من قال إنه يأكل مما سقط","level":2,"page":5570},{"title":"٨٩ - باب فيمن قال لا يحلب","level":2,"page":5572},{"title":"٩٠ - باب في الطاعة","level":2,"page":5573},{"title":"٩١ - باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته","level":2,"page":5578},{"title":"٩٢ - باب في كراهية تمني لقاء العدو","level":2,"page":5581},{"title":"٩٣ - باب ما يدعى عند اللقاء","level":2,"page":5584},{"title":"٩٤ - باب في دعاء المشركين","level":2,"page":5585},{"title":"٩٥ - باب المكر في الحرب","level":2,"page":5587},{"title":"٩٦ - باب في البيات","level":2,"page":5589},{"title":"٩٧ - باب في لزوم الساقة","level":2,"page":5589},{"title":"٩٨ - باب على ما يقاتل المشركون؟","level":2,"page":5590},{"title":"٩٩ - باب في التولي يوم الزحف","level":2,"page":5598},{"title":"١٠٠ - باب في الأسير يكره على الكفر","level":2,"page":5604},{"title":"١٠١ - باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلما","level":2,"page":5607},{"title":"١٠٢ - باب في الجاسوس الذمي","level":2,"page":5614},{"title":"١٠٣ - باب في الجاسوس المستأمن","level":2,"page":5617},{"title":"١٠٤ - باب في أي وقت يستحب اللقاء؟","level":2,"page":5621},{"title":"١٠٥ - باب فيما يؤمر به من الصمت عند اللقاء","level":2,"page":5623},{"title":"١٠٦ - باب في الرجل يترجل عند اللقاء","level":2,"page":5624},{"title":"١٠٧ - باب في الخيلاء في الحرب","level":2,"page":5625},{"title":"١٠٨ - باب في الرجل يستأسر","level":2,"page":5627},{"title":"١٠٩ - باب في الكمناء","level":2,"page":5633},{"title":"١١٠ - باب في الصفوف","level":2,"page":5635},{"title":"١١١ - باب في سل السيوف عند اللقاء","level":2,"page":5636},{"title":"١١٢ - باب في المبارزة","level":2,"page":5637},{"title":"١١٣ - باب في النهي عن المثلة","level":2,"page":5638},{"title":"١١٤ - باب في قتل النساء","level":2,"page":5641},{"title":"١١٥ - باب فى كراهية حرق العدو بالنار","level":2,"page":5648},{"title":"١١٦ - باب الرجل يكرى دابته على النصف أو السهم","level":2,"page":5652},{"title":"١١٧ - باب فى الأسير يوثق","level":2,"page":5657},{"title":"١١٨ - باب فى الأسير ينال منه ويضرب ويقرر","level":2,"page":5666},{"title":"١١٩ - باب فى الأسير يكره على الإسلام","level":2,"page":5668},{"title":"١٢٠ - باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام","level":2,"page":5670},{"title":"١٢١ - باب فى قتل الأسير صبرا","level":2,"page":5678},{"title":"١٢٢ - باب فى قتل الأسير بالنبل","level":2,"page":5681},{"title":"١٢٣ - باب فى المن على الأسير بغير فداء","level":2,"page":5683},{"title":"١٢٤ - باب فى فداء الأسير بالمال","level":2,"page":5688},{"title":"١٢٥ - باب فى الإمام يقيم عند الظهور على العدو بعرصتهم","level":2,"page":5700},{"title":"١٢٦ - باب فى التفريق بين السبى","level":2,"page":5702},{"title":"١٢٧ - باب الرخصة فى المدركين يفرق بينهم","level":2,"page":5704},{"title":"١٢٨ - باب فى المال يصيبه العدو من المسلمين ثم يدركه صاحبه فى الغنيمة","level":2,"page":5706},{"title":"١٢٩ - باب فى عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون","level":2,"page":5708},{"title":"١٣٠ - باب فى إباحة الطعام فى أرض العدو","level":2,"page":5713},{"title":"١٣١ - باب فى النهى عن النهبى إذا كان فى الطعام قلة فى أرض العدو","level":2,"page":5715},{"title":"١٣٢ - باب: فى حمل الطعام من أرض العدو","level":2,"page":5722},{"title":"١٣٣ - باب فى بيع الطعام إذا فضل عن الناس فى أرض العدو","level":2,"page":5725},{"title":"١٣٤ - باب فى الرجل ينتفع من الغنيمة بشئ","level":2,"page":5727},{"title":"١٣٥ - باب فى الرخصة فى السلاح يقاتل به فى المعركة","level":2,"page":5729},{"title":"١٣٦ - باب فى تعظيم الغلول","level":2,"page":5731},{"title":"١٣٧ - باب فى الغلول إذا كان يسيرا يتركه الإمام ولا يحرق رحله","level":2,"page":5736},{"title":"١٣٨ - باب فى عقوبة الغال","level":2,"page":5739},{"title":"١٣٩ - باب النهى عن الستر على من غل","level":2,"page":5745},{"title":"١٤٠ - باب فى السلب يعطى القاتل","level":2,"page":5746},{"title":"١٤١ - باب فى الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى، والفرس والسلاح من السلب","level":2,"page":5758},{"title":"١٤٢ - باب فى السلب لا يخمس","level":2,"page":5764},{"title":"١٤٣ - باب من أجاز على جريح مثخن ينفل من سلبه","level":2,"page":5765},{"title":"١٤٤ - باب من جاء بعد الغنيمة لا سهم له","level":2,"page":5766},{"title":"١٤٥ - باب فى المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة","level":2,"page":5775},{"title":"١٤٦ - باب فى المشرك يسهم له؟","level":2,"page":5782},{"title":"١٤٧ - باب فى سهمان الخيل","level":2,"page":5784},{"title":"١٤٨ - باب فيمن أسهم له سهم","level":2,"page":5791},{"title":"١٤٩ - باب فى النفل","level":2,"page":5796},{"title":"١٥٠ - باب فى النفل للسرية تخرج من العسكر","level":2,"page":5804},{"title":"١٥١ - باب فيمن قال الخمس قبل النفل","level":2,"page":5816},{"title":"١٥٢ - باب في السرية ترد على أهل العسكر","level":2,"page":5820},{"title":"١٥٣ - باب النفل من الذهب والفضة ومن أول مغنم","level":2,"page":5828},{"title":"١٥٤ - باب في الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه","level":2,"page":5831},{"title":"١٥٥ - باب في الوفاء بالعهد","level":2,"page":5833},{"title":"١٥٦ - باب في الإمام يستجن به في العهود","level":2,"page":5833},{"title":"١٥٧ - باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير نحوه","level":2,"page":5836},{"title":"١٥٨ - باب في الوفاء للمعاهد وحرمة ذمته","level":2,"page":5838},{"title":"١٥٩ - باب في الرسل","level":2,"page":5839},{"title":"١٦٠ - باب في أمان المرأة","level":2,"page":5842},{"title":"١٦١ - باب في صلح العدو","level":2,"page":5844},{"title":"١٦٢ - باب فى العدو يؤتى على غرة ويتشبه بهم","level":2,"page":5853},{"title":"١٦٣ - باب في التكبير على كل شرف في المسير","level":2,"page":5858},{"title":"١٦٤ - باب في الإذن في القفول بعد النهي","level":2,"page":5859},{"title":"١٦٥ - باب في بعثة البشراء","level":2,"page":5860},{"title":"١٦٦ - باب فى إعطاء البشير","level":2,"page":5861},{"title":"١٦٧ - باب في سجود الشكر","level":2,"page":5863},{"title":"١٦٨ - باب في الطروق","level":2,"page":5868},{"title":"١٦٩ - باب في التلقي","level":2,"page":5871},{"title":"١٧٠ - باب فيما يستحب من إنفاذ الزاد فى الغزو إذا قفل","level":2,"page":5872},{"title":"١٧١ - باب في الصلاة عند القدوم من السفر","level":2,"page":5873},{"title":"١٧٢ - باب في كراء المقاسم","level":2,"page":5875},{"title":"١٧٣ - باب في التجارة في الغزو","level":2,"page":5876},{"title":"١٧٤ - باب في حمل السلاح إلى أرض العدو","level":2,"page":5878},{"title":"١٧٥ - باب في الإقامة بأرض الشرك","level":2,"page":5881},{"title":"١٠ - أول كتاب الضحايا","level":1,"page":5882},{"title":"١ - باب الأضحية عن الميت","level":2,"page":5890},{"title":"٢ - باب الرجل يأخذ من شعره في العشر وهو يريد أن يضحي","level":2,"page":5891},{"title":"٣ - باب ما يستحب من الضحايا","level":2,"page":5893},{"title":"٤ - باب ما يجوز في الضحايا من السن","level":2,"page":5898},{"title":"٥ - باب ما يكره من الضحايا","level":2,"page":5906},{"title":"٦ - باب البقر والجزور عن كم تجزئ؟","level":2,"page":5914},{"title":"٧ - باب في الشاة يضحى بها عن جماعة","level":2,"page":5917},{"title":"٨ - باب الإمام يذبح بالمصلى","level":2,"page":5919},{"title":"٩ - باب حبس لحوم الأضاحي","level":2,"page":5920},{"title":"١٠ - باب في الرفق بالذبيحة","level":2,"page":5925},{"title":"١١ - باب في المسافر يضحي","level":2,"page":5927},{"title":"١٢ - باب في ذبائح أهل الكتاب","level":2,"page":5928},{"title":"١٣ - باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب","level":2,"page":5931},{"title":"١٤ - باب الذبيحة بالمروة","level":2,"page":5932},{"title":"١٥ - باب ما جاء في ذبيحة المتردية","level":2,"page":5941},{"title":"١٦ - باب في المبالغة في الذبح","level":2,"page":5945},{"title":"١٧ - باب ما جاء في ذكاة الجنين","level":2,"page":5947},{"title":"١٨ - باب اللحم لا يدرى أذكر اسم الله عليه أم لا؟","level":2,"page":5955},{"title":"١٩ - باب في العتيرة","level":2,"page":5956},{"title":"٢٠ - باب في العقيقة","level":2,"page":5961},{"title":"١١ - أول الصيد","level":1,"page":5973},{"title":"١ - باب اتخاذ الكلب للصيد وغيره","level":2,"page":5973},{"title":"٢ - باب في الصيد","level":2,"page":5977},{"title":"٣ - باب إذا قطع من الصيد قطعة","level":2,"page":5993},{"title":"٤ - باب في اتباع الصيد","level":2,"page":5994},{"title":"١٢ - أول كتاب الوصايا","level":1,"page":6002},{"title":"١ - باب ما جاء فيما يأمر به من الوصية","level":2,"page":6003},{"title":"٢ - باب ما جاء فيما يجوز للموصي في ماله","level":2,"page":6006},{"title":"٣ - باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية","level":2,"page":6011},{"title":"٤ - باب ما جاء في الدخول في الوصايا","level":2,"page":6014},{"title":"٥ - باب ما جاء في نسخ الوصية للوالدين والأقربين","level":2,"page":6015},{"title":"٦ - باب ما جاء في الوصية للوارث","level":2,"page":6017},{"title":"٧ - باب مخالطة اليتيم في الطعام","level":2,"page":6018},{"title":"٨ - باب ما جاء فيما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم","level":2,"page":6019},{"title":"٩ - باب ما جاء متى ينقطع اليتم؟","level":2,"page":6020},{"title":"١٠ - باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم","level":2,"page":6021},{"title":"١١ - باب ما جاء في الدليل على أن الكفن من جميع المال","level":2,"page":6025},{"title":"١٢ - باب ما جاء في الرجل يهب الهبة ثم يوصى له بها أو يرثها","level":2,"page":6026},{"title":"١٣ - باب ما جاء في الرجل يوقف الوقف","level":2,"page":6028},{"title":"١٤ - باب ما جاء في الصدقة عن الميت","level":2,"page":6034},{"title":"١٥ - باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية يتصدق عنه؟","level":2,"page":6038},{"title":"١٦ - باب ما جاء في وصية الحربي يسلم وليه أيلزمه أن ينفذها؟","level":2,"page":6040},{"title":"١٧ - باب ما جاء في الرجل يموت وعليه دين ولة وفاء يستنظر غرماؤه ويرفق بالوارث","level":2,"page":6041},{"title":"١٣ - أول كتاب الفرائض","level":1,"page":6043},{"title":"١ - باب ما جاء في تعليم الفرائض","level":2,"page":6043},{"title":"٢ - باب في الكلالة","level":2,"page":6044},{"title":"٣ - باب من كان ليس له ولد وله أخوات","level":2,"page":6047},{"title":"٤ - باب ما جاء في ميراث الصلب","level":2,"page":6054},{"title":"٥ - باب في الجدة","level":2,"page":6056},{"title":"٦ - باب ما جاء في ميراث الجد","level":2,"page":6059},{"title":"٧ - باب في ميراث العصبة","level":2,"page":6061},{"title":"٨ - باب في ميراث ذوي الأرحام","level":2,"page":6062},{"title":"٩ - باب ميراث ابن الملاعنة","level":2,"page":6076},{"title":"١٠ - باب هل يرث المسلم الكافر؟","level":2,"page":6078},{"title":"١١ - باب فيمن أسلم على ميراث","level":2,"page":6083},{"title":"١٢ - باب في الولاء","level":2,"page":6084},{"title":"١٣ - باب في الرجل يسلم على يدي الرجل","level":2,"page":6088},{"title":"١٤ - باب في بيع الولاء","level":2,"page":6092},{"title":"١٥ - باب في المولود يستهل ثم يموت","level":2,"page":6092},{"title":"١٦ - باب نسخ ميراث العقد بميراث الرحم","level":2,"page":6093},{"title":"١٧ - باب في الحلف","level":2,"page":6098},{"title":"١٨ - باب في المرأة ترث من دية زوجها","level":2,"page":6099},{"title":"١٤ - أول كتاب الخراج والفيء والإمارة","level":1,"page":6102},{"title":"١ - باب ما يلزم الإمام من حق الرعية","level":2,"page":6102},{"title":"٢ - باب ما جاء في طلب الإمارة","level":2,"page":6103},{"title":"٣ - باب في الضرير يولى","level":2,"page":6106},{"title":"٤ - باب في اتخاذ الوزير","level":2,"page":6107},{"title":"٥ - باب في العرافة","level":2,"page":6108},{"title":"٦ - باب في اتخاذ الكاتب","level":2,"page":6111},{"title":"٧ - باب في السعاية على الصدقة","level":2,"page":6113},{"title":"٨ - باب في الخليفة يستخلف","level":2,"page":6114},{"title":"٩ - باب ما جاء في البيعة","level":2,"page":6115},{"title":"١٠ - باب في أرزاق العمال","level":2,"page":6117},{"title":"١١ - باب في هدايا العمال","level":2,"page":6121},{"title":"١٢ - باب في غلول الصدقة","level":2,"page":6123},{"title":"١٣ - باب فيما يلزم الإمام من أمر الرعية","level":2,"page":6124},{"title":"١٤ - باب في قسم الفيء","level":2,"page":6127},{"title":"١٥ - باب في أرزاق الذرية","level":2,"page":6129},{"title":"١٦ - باب متى يفرض للرجل في المقاتلة؟","level":2,"page":6131},{"title":"١٧ - باب في كراهية الافتراض في آخر الزمان","level":2,"page":6132},{"title":"١٨ - باب في تدوين العطاء","level":2,"page":6134},{"title":"١٩ - باب في صفايا رسول الله - ﷺ - من الأموال","level":2,"page":6137},{"title":"٢٠ - باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى","level":2,"page":6161},{"title":"٢١ - باب ما جاء في سهم الصفي","level":2,"page":6191},{"title":"٢٢ - باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة؟","level":2,"page":6201},{"title":"٢٣ - باب في خبر النضير","level":2,"page":6209},{"title":"٢٤ - باب ما جاء في حكم أرض خيبر","level":2,"page":6216},{"title":"٢٥ - باب ما جاء في خبر مكة","level":2,"page":6232},{"title":"٢٦ - باب ما جاء في خبر الطائف","level":2,"page":6240},{"title":"٢٧ - باب ما جاء في حكم أرض اليمن","level":2,"page":6242},{"title":"٢٨ - باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب","level":2,"page":6247},{"title":"٢٩ - باب في إيقاف أرض السواد وأرض العنوة","level":2,"page":6253},{"title":"٣٠ - باب في أخذ الجزية","level":2,"page":6256},{"title":"٣١ - باب في أخذ الجزية من المجوس","level":2,"page":6263},{"title":"٣٢ - باب في التشديد في جباية الجزية","level":2,"page":6269},{"title":"٣٣ - باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارة","level":2,"page":6270},{"title":"٣٤ - باب في الذمي يسلم في بعض السنة هل عليه جزية؟","level":2,"page":6280},{"title":"٣٥ - باب في الإمام يقبل هدايا المشركين","level":2,"page":6281},{"title":"٣٦ - باب في إقطاع الأرضين","level":2,"page":6288},{"title":"٣٧ - باب إحياء الموات","level":2,"page":6315},{"title":"٣٨ - باب ما جاء في الدخول في أرض الخراج","level":2,"page":6325},{"title":"٣٩ - باب في الأرض يحميها الإمام أو الرجل","level":2,"page":6328},{"title":"٤٠ - باب ما جاء في الركاز وما فيه","level":2,"page":6330},{"title":"٤١ - باب نبش القبور العادية","level":2,"page":6335},{"title":"١٥ - أول كتاب الجنائز","level":1,"page":6337},{"title":"١ - باب الأمراض المكفرة للذنوب","level":2,"page":6338},{"title":"٢ - [باب إذا كان الرجل يعمل عملا صالحا فشغله عنه مرض أو سفر]","level":2,"page":6342},{"title":"٣ - باب عيادة النساء","level":2,"page":6344},{"title":"٤ - باب في العيادة","level":2,"page":6348},{"title":"٥ - باب في عيادة الذمي","level":2,"page":6349},{"title":"٦ - باب المشي في العيادة","level":2,"page":6351},{"title":"٧ - باب في فضل العيادة","level":2,"page":6351},{"title":"٨ - باب في العيادة مرارا","level":2,"page":6356},{"title":"٩ - باب العيادة من الرمد","level":2,"page":6357},{"title":"١٠ - باب الخروج من الطاعون","level":2,"page":6358},{"title":"١١ - باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة","level":2,"page":6361},{"title":"١٢ - باب الدعاء للمريض عند العيادة","level":2,"page":6362},{"title":"١٣ - باب كراهية تمني الموت","level":2,"page":6364},{"title":"١٤ - باب في الفجأة","level":2,"page":6366},{"title":"١٥ - باب في فضل من مات بالطاعون","level":2,"page":6367},{"title":"١٦ - باب المريض يؤخذ من أظفاره وعانته","level":2,"page":6370},{"title":"١٧ - باب ما يستحب من حسن الظن بالله عند الموت","level":2,"page":6373},{"title":"١٨ - باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت","level":2,"page":6375},{"title":"١٩ - باب ما يقال عند الميت من الكلام","level":2,"page":6376},{"title":"٢٠ - باب في التلقين","level":2,"page":6377},{"title":"٢١ - باب تغميض الميت","level":2,"page":6379},{"title":"٢٢ - باب في الاسترجاع","level":2,"page":6380},{"title":"٢٣ - باب في الميت يسجى","level":2,"page":6381},{"title":"٢٤ - باب القراءة عند الميت","level":2,"page":6382},{"title":"٢٥ - باب الجلوس عند المصيبة","level":2,"page":6384},{"title":"٢٦ - باب التعزية","level":2,"page":6385},{"title":"٢٧ - باب الصبر عند المصيبة","level":2,"page":6389},{"title":"٢٨ - باب في البكاء على الميت","level":2,"page":6391},{"title":"٢٩ - باب في النوح","level":2,"page":6394},{"title":"٣٠ - باب صنعة الطعام لأهل الميت","level":2,"page":6400},{"title":"٣١ - باب في الشهيد يغسل","level":2,"page":6401},{"title":"٣٢ - باب في ستر الميت عند غسله","level":2,"page":6409},{"title":"٣٣ - باب كيف غسل الميت؟","level":2,"page":6416},{"title":"٣٤ - باب في الكفن","level":2,"page":6421},{"title":"٣٥ - باب كراهية المغالاة في الكفن","level":2,"page":6426},{"title":"٣٦ - باب في كفن المرأة","level":2,"page":6430},{"title":"٣٧ - باب في المسك للميت","level":2,"page":6432},{"title":"٣٨ - باب تعجيل الجنازة","level":2,"page":6432},{"title":"٣٩ - باب في الغسل من غسل الميت","level":2,"page":6434},{"title":"٤٠ - باب في تقبيل الميت","level":2,"page":6437},{"title":"٤١ - باب في الدفن بالليل","level":2,"page":6438},{"title":"٤٢ - باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض","level":2,"page":6439},{"title":"٤٣ - باب في الصف على الجنازة","level":2,"page":6441},{"title":"٤٤ - باب اتباع النساء الجنازة","level":2,"page":6442},{"title":"٤٥ - باب فضل الصلاة على الجنائز","level":2,"page":6443},{"title":"٤٦ - باب في اتباع الميت بالنار","level":2,"page":6446},{"title":"٤٧ - باب القيام للجنازة","level":2,"page":6448},{"title":"٤٨ - باب الركوب في الجنازة","level":2,"page":6453},{"title":"٤٩ - باب المشي أمام الجنازة","level":2,"page":6455},{"title":"٥٠ - باب الإسراع بالجنازة","level":2,"page":6459},{"title":"٥١ - باب الإمام يصلي على من قتل نفسه","level":2,"page":6463},{"title":"٥٢ - باب الصلاة على من قتلته الحدود","level":2,"page":6465},{"title":"٥٣ - باب في الصلاة على الطفل","level":2,"page":6466},{"title":"٥٤ - باب الصلاة على الجنازة في المسجد","level":2,"page":6468},{"title":"٥٥ - باب الدفن عند طلوع الشمس وغروبها","level":2,"page":6471},{"title":"٥٦ - باب إذا حضر جنائز رجال ونساء من يقدم؟","level":2,"page":6473},{"title":"٥٧ - باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه؟","level":2,"page":6474},{"title":"٥٨ - باب التكبير على الجنازة","level":2,"page":6481},{"title":"٥٩ - باب ما يقرأ على الجنازة","level":2,"page":6483},{"title":"٦٠ - باب الدعاء للميت","level":2,"page":6484},{"title":"٦١ - باب الصلاة على القبر","level":2,"page":6488},{"title":"٦٢ - باب الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك","level":2,"page":6490},{"title":"٦٣ - باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يعلم","level":2,"page":6492},{"title":"٦٤ - باب في الحفار يجد العظم، هل يتنكب ذلك المكان؟","level":2,"page":6494},{"title":"٦٥ - باب في اللحد","level":2,"page":6495},{"title":"٦٦ - باب كم يدخل القبر؟","level":2,"page":6495},{"title":"٦٧ - باب كيف يدخل الميت قبره؟","level":2,"page":6497},{"title":"٦٨ - باب كيف يجلس عند القبر؟","level":2,"page":6498},{"title":"٦٩ - باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره","level":2,"page":6499},{"title":"٧٠ - باب الرجل يموت له قرابة مشرك","level":2,"page":6499},{"title":"٧١ - باب في تعميق القبر","level":2,"page":6501},{"title":"٧٢ - باب في تسوية القبر","level":2,"page":6503},{"title":"٧٣ - باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف","level":2,"page":6507},{"title":"٧٤ - باب كراهية الذبح عند القبر","level":2,"page":6508},{"title":"٧٥ - باب الصلاة على القبر بعد حين","level":2,"page":6509},{"title":"٧٦ - باب في البناء على القبر","level":2,"page":6510},{"title":"٧٧ - باب في كراهية القعود على القبر","level":2,"page":6513},{"title":"٧٨ - باب المشي بين القبور في النعل","level":2,"page":6514},{"title":"٧٩ - باب في تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث","level":2,"page":6517},{"title":"٨٠ - باب في الثناء على الميت","level":2,"page":6519},{"title":"٨١ - باب في زيارة القبور","level":2,"page":6520},{"title":"٨٢ - باب في زيارة النساء القبور","level":2,"page":6523},{"title":"٨٣ - باب ما يقول إذا مر بالقبور","level":2,"page":6525},{"title":"٨٤ - باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات؟","level":2,"page":6526},{"title":"١٦ - أول كتاب الأيمان والنذور","level":1,"page":6531},{"title":"١ - باب التغليظ في اليمين الفاجرة","level":2,"page":6532},{"title":"٢ - باب فيمن حلف ليقتطع بها مالا","level":2,"page":6533},{"title":"٣ - باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي - ﷺ -","level":2,"page":6538},{"title":"٤ - باب اليمين بغير الله","level":2,"page":6539},{"title":"٥ - [باب في كراهية الحلف بالآباء]","level":2,"page":6541},{"title":"٦ - باب في كراهية الحلف بالأمانة","level":2,"page":6544},{"title":"٧ - باب المعاريض في الأيمان","level":2,"page":6545},{"title":"٨ - باب ما جاء في الحلف بالبراءة من ملة غير الإسلام","level":2,"page":6548},{"title":"٩ - باب الرجل يحلف أن لا يتأدم","level":2,"page":6550},{"title":"١٠ - باب الاستثناء في اليمين","level":2,"page":6553},{"title":"١١ - باب ما جاء في يمين النبي - ﷺ - ما كانت","level":2,"page":6553},{"title":"١٢ - باب الحنث إذا كان خيرا","level":2,"page":6558},{"title":"١٣ - باب في القسم هل يكون يمينا؟","level":2,"page":6565},{"title":"١٤ - باب في الحلف كاذبا متعمدا","level":2,"page":6568},{"title":"١٥ - باب كم الصاع في الكفارة","level":2,"page":6570},{"title":"١٦ - باب في الرقبة المؤمنة","level":2,"page":6571},{"title":"١٧ - باب كراهية النذر","level":2,"page":6573},{"title":"١٨ - باب النذر في المعصية","level":2,"page":6575},{"title":"١٩ - باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية","level":2,"page":6577},{"title":"٢٠ - باب من نذر أن يصلي في بيت المقدس","level":2,"page":6588},{"title":"٢١ - باب قضاء النذر عن الميت","level":2,"page":6592},{"title":"٢٢ - باب ما يؤمر به من وفاء النذر","level":2,"page":6594},{"title":"٢٣ - باب النذر فيما لا يملك","level":2,"page":6598},{"title":"٢٤ - باب من نذر أن يتصدق بماله","level":2,"page":6603},{"title":"٢٥ - باب نذر الجاهلية ثم أدرك الإسلام","level":2,"page":6605},{"title":"٢٦ - باب من نذر نذرا لم يسمه","level":2,"page":6606},{"title":"٢٧ - باب لغو اليمين","level":2,"page":6608},{"title":"٢٨ - باب فيمن حلف على طعام لا يأكله","level":2,"page":6612},{"title":"٢٩ - باب اليمين في قطيعة الرحم","level":2,"page":6615},{"title":"٣٠ - باب الحالف يستثني بعد ما يتكلم","level":2,"page":6616},{"title":"٣١ - باب من نذر نذرا لا يطيقه","level":2,"page":6620},{"title":"١٧ - أول كتاب البيوع","level":1,"page":6627},{"title":"١ - باب في التجارة يخالطها الحلف واللغو","level":2,"page":6627},{"title":"٢ - باب في استخراج المعادن","level":2,"page":6630},{"title":"٣ - باب في اجتناب الشبهات","level":2,"page":6632},{"title":"٤ - باب في آكل الربا ومؤكله","level":2,"page":6640},{"title":"٥ - باب في وضع الربا","level":2,"page":6641},{"title":"٦ - باب في كراهية اليمين في البيع","level":2,"page":6642},{"title":"٧ - باب في الرجحان في الوزن، والوزن بالأجر","level":2,"page":6643},{"title":"٨ - باب في قول النبي - ﷺ - المكيال مكيال المدينة","level":2,"page":6646},{"title":"٩ - باب في التشديد في الدين","level":2,"page":6649},{"title":"١٠ - باب في المطل","level":2,"page":6654},{"title":"١١ - باب في حسن القضاء","level":2,"page":6655},{"title":"١٢ - باب في الصرف","level":2,"page":6660},{"title":"١٣ - باب في حلية السيف تباع بالدراهم","level":2,"page":6664},{"title":"١٤ - باب فى اقتضاء الذهب من الورق","level":2,"page":6668},{"title":"١٥ - باب في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة","level":2,"page":6670},{"title":"١٦ - باب في الرخصة","level":2,"page":6671},{"title":"١٧ - باب في ذلك إذا كان يدا بيد","level":2,"page":6674},{"title":"١٨ - باب في التمر بالتمر","level":2,"page":6674},{"title":"١٩ - باب في المزابنة","level":2,"page":6681},{"title":"٢٠ - باب في بيع العرايا","level":2,"page":6682},{"title":"٢١ - باب في مقدار العرية","level":2,"page":6684},{"title":"٢٢ - باب تفسير العرايا","level":2,"page":6685},{"title":"٢٣ - باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها","level":2,"page":6687},{"title":"٢٤ - باب في بيع السنين","level":2,"page":6692},{"title":"٢٥ - باب في بيع الغرر","level":2,"page":6693},{"title":"٢٦ - باب في بيع المضطر","level":2,"page":6697},{"title":"٢٧ - باب في الشركة","level":2,"page":6699},{"title":"٢٨ - باب في المضارب يخالف","level":2,"page":6700},{"title":"٢٩ - باب في الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه","level":2,"page":6705},{"title":"٣٠ - باب في الشركة على غير رأس مال","level":2,"page":6707},{"title":"٣١ - باب في المزارعة","level":2,"page":6709},{"title":"٣٢ - باب في التشديد في ذلك","level":2,"page":6717},{"title":"٣٣ - باب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها","level":2,"page":6729},{"title":"٣٤ - باب في المخابرة","level":2,"page":6730},{"title":"٣٥ - باب في المساقاة","level":2,"page":6733},{"title":"٣٦ - باب في الخرص","level":2,"page":6737},{"title":"٣٧ - باب في كسب المعلم","level":2,"page":6740},{"title":"٣٨ - باب في كسب الأطباء","level":2,"page":6744},{"title":"٣٩ - باب في كسب الحجام","level":2,"page":6749},{"title":"٤٠ - باب في كسب الإماء","level":2,"page":6753},{"title":"٤١ - باب في عسب الفحل","level":2,"page":6755},{"title":"٤٢ - باب في الصائغ","level":2,"page":6756},{"title":"٤٣ - باب في العبد يباع وله مال","level":2,"page":6759},{"title":"٤٤ - باب في التلقي","level":2,"page":6763},{"title":"٤٥ - باب في النهي عن النجش","level":2,"page":6766},{"title":"٤٦ - باب في النهي أن يبيع حاضر لباد","level":2,"page":6767},{"title":"٤٧ - باب من اشترى مصراة فكرهها","level":2,"page":6770},{"title":"٤٨ - باب في النهي عن الحكرة","level":2,"page":6781},{"title":"٤٩ - باب في كسر الدراهم","level":2,"page":6785},{"title":"٥٠ - باب في التسعير","level":2,"page":6786},{"title":"٥١ - باب في النهي عن الغش","level":2,"page":6788},{"title":"٥٢ - باب في خيار المتبايعين","level":2,"page":6789},{"title":"٥٣ - باب في فضل الإقالة","level":2,"page":6798},{"title":"٥٤ - باب فيمن باع بيعتين في بيعة","level":2,"page":6798},{"title":"٥٥ - باب في النهي عن العينة","level":2,"page":6801},{"title":"٥٦ - باب في السلف","level":2,"page":6802},{"title":"٥٧ - باب في السلم في ثمرة بعينها","level":2,"page":6811},{"title":"٥٨ - باب السلف لا يحول","level":2,"page":6812},{"title":"٥٩ - باب في وضع الجائحة","level":2,"page":6813},{"title":"٦٠ - باب في تفسير الجائحة","level":2,"page":6815},{"title":"٦١ - باب في منع الماء","level":2,"page":6816},{"title":"٦٢ - باب في بيع فضل الماء","level":2,"page":6821},{"title":"٦٣ - باب في ثمن السنور","level":2,"page":6822},{"title":"٦٤ - باب في أثمان الكلاب","level":2,"page":6824},{"title":"٦٥ - باب في ثمن الخمر والميتة","level":2,"page":6827},{"title":"٦٦ - باب في بيع الطعام قبل أن يستوفى","level":2,"page":6832},{"title":"٦٧ - باب في الرجل يقول عند البيع \"لا خلابة\"","level":2,"page":6838},{"title":"٦٨ - باب في العربان","level":2,"page":6842},{"title":"٦٩ - باب في الرجل يبيع ما ليس عنده","level":2,"page":6844},{"title":"٧٠ - باب في شرط في بيع","level":2,"page":6847},{"title":"٧١ - باب في عهدة الرقيق","level":2,"page":6849},{"title":"٧٢ - باب فيمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا","level":2,"page":6851},{"title":"٧٣ - باب إذا اختلف البيعان، والمبيع قائم","level":2,"page":6855},{"title":"٧٤ - باب في الشفعة","level":2,"page":6858},{"title":"٧٥ - باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه","level":2,"page":6866},{"title":"٧٦ - باب فيمن أحيا حسيرا","level":2,"page":6872},{"title":"٧٧ - باب في الرهن","level":2,"page":6875},{"title":"٧٨ - باب الرجل يأكل من مال ولده","level":2,"page":6878},{"title":"٧٩ - باب في الرجل يجد عين ماله عند رجل","level":2,"page":6881},{"title":"٨٠ - باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده","level":2,"page":6882},{"title":"٨١ - باب في قبول الهدايا","level":2,"page":6886},{"title":"٨٢ - باب الرجوع في الهبة","level":2,"page":6888},{"title":"٨٣ - باب في الهدية لقضاء الحاجة","level":2,"page":6890},{"title":"٨٤ - باب في الرجل يفضل بعض ولده في النحل","level":2,"page":6891},{"title":"٨٥ - باب في عطية المرأة بغير إذن زوجها","level":2,"page":6896},{"title":"٨٦ - باب في العمرى","level":2,"page":6898},{"title":"٨٧ - باب من قال فيه ولعقبه","level":2,"page":6900},{"title":"٨٨ - باب في الرقبى","level":2,"page":6905},{"title":"٨٩ - باب في تضمين العارية","level":2,"page":6907},{"title":"٩٠ - باب فيمن أفسد شيئا يغرم مثله","level":2,"page":6913},{"title":"٩١ - باب المواشي تفسد زرع قوم","level":2,"page":6916},{"title":"١٨ - أول كتاب القضاء","level":1,"page":6919},{"title":"١ - باب في طلب القضاء","level":2,"page":6919},{"title":"٢ - باب في القاضي يخطئ","level":2,"page":6921},{"title":"٣ - باب في طلب القضاء والتسرع إليه","level":2,"page":6927},{"title":"٤ - باب في كراهية الرشوة","level":2,"page":6927},{"title":"٥ - باب في هدايا العمال","level":2,"page":6928},{"title":"٦ - باب كيف القضاء","level":2,"page":6929},{"title":"٧ - باب في قضاء القاضي إذا أخطأ","level":2,"page":6930},{"title":"٨ - باب كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي","level":2,"page":6935},{"title":"٩ - باب القاضي يقضي وهو غضبان","level":2,"page":6935},{"title":"١٠ - باب الحكم بين أهل الذمة","level":2,"page":6936},{"title":"١١ - باب اجتهاد الرأي في القضاء","level":2,"page":6938},{"title":"١٢ - باب في الصلح","level":2,"page":6940},{"title":"١٣ - باب في الشهادات","level":2,"page":6944},{"title":"١٤ - باب في الرجل يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها","level":2,"page":6946},{"title":"١٥ - باب في شهادة الزور","level":2,"page":6948},{"title":"١٦ - باب من ترد شهادته","level":2,"page":6949},{"title":"١٧ - باب شهادة البدوي على أهل الأمصار","level":2,"page":6951},{"title":"١٨ - باب الشهادة على الرضاع","level":2,"page":6952},{"title":"١٩ - باب شهادة أهل الذمة والوصية في السفر","level":2,"page":6955},{"title":"٢٠ - باب إذا علم الحاكم صدق شهادة الواحد يجوز له أن يقضي به","level":2,"page":6959},{"title":"٢١ - باب القضاء باليمين والشاهد","level":2,"page":6962},{"title":"٢٢ - باب الرجلين يدعيان شيئا وليس بينهما بينة","level":2,"page":6972},{"title":"٢٣ - باب اليمين على المدعى عليه","level":2,"page":6976},{"title":"٢٤ - باب كيف اليمين؟","level":2,"page":6976},{"title":"٢٥ - باب إذا كان المدعى عليه ذميا أيحلف؟","level":2,"page":6977},{"title":"٢٦ - باب الرجل يحلف على علمه فيما غاب عنه","level":2,"page":6978},{"title":"٢٧ - باب الذمي كيف يستحلف؟","level":2,"page":6980},{"title":"٢٨ - باب الرجل يحلف على حقه","level":2,"page":6982},{"title":"٢٩ - باب في الدين هل يحبس به؟","level":2,"page":6982},{"title":"٣٠ - باب في الوكالة","level":2,"page":6986},{"title":"٣١ - باب في القضاء","level":2,"page":6987},{"title":"١٩ - أول كتاب العلم","level":1,"page":6995},{"title":"١ - باب في فضل العلم","level":2,"page":6995},{"title":"٢ - باب رواية حديث أهل الكتاب","level":2,"page":7000},{"title":"٣ - كتابة العلم","level":2,"page":7002},{"title":"٤ - باب التشديد في الكذب على رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":7004},{"title":"٥ - باب الكلام في كتاب الله بلا علم","level":2,"page":7005},{"title":"٦ - باب تكرير الحديث","level":2,"page":7006},{"title":"٧ - باب في سرد الحديث","level":2,"page":7008},{"title":"٨ - باب التوقي في الفتيا","level":2,"page":7009},{"title":"٩ - باب كراهية منع العلم","level":2,"page":7012},{"title":"١٠ - باب فضل نشر العلم","level":2,"page":7013},{"title":"١١ - باب الحديث عن بني إسرائيل","level":2,"page":7015},{"title":"١٢ - باب في طلب العلم لغير الله","level":2,"page":7017},{"title":"١٣ - باب في القصص","level":2,"page":7018},{"title":"٢٠ - أول كتاب الأشربة","level":1,"page":7023},{"title":"١ - باب تحريم الخمر","level":2,"page":7023},{"title":"٢ - باب العصير للخمر","level":2,"page":7029},{"title":"٣ - باب ماجاء في الخمر تخلل","level":2,"page":7031},{"title":"٤ - باب الخمر مما هي؟","level":2,"page":7032},{"title":"٥ - باب ما جاء في السكر","level":2,"page":7034},{"title":"٦ - باب في الداذي","level":2,"page":7044},{"title":"٧ - باب في الأوعية","level":2,"page":7046},{"title":"٨ - باب في الخليطين","level":2,"page":7057},{"title":"٩ - باب في نبيذ البسر","level":2,"page":7062},{"title":"١٠ - باب في صفة النبيذ","level":2,"page":7063},{"title":"١١ - باب في شراب العسل","level":2,"page":7068},{"title":"١٢ - باب في النبيذ إذا غلى","level":2,"page":7070},{"title":"١٣ - باب في الشرب قائما","level":2,"page":7071},{"title":"١٤ - باب الشراب من في السقاء","level":2,"page":7072},{"title":"١٥ - باب في اختناث الأسقية","level":2,"page":7073},{"title":"١٦ - باب في الشرب من ثلمة القدح","level":2,"page":7074},{"title":"١٧ - باب في الشرب في آنية الذهب والفضة","level":2,"page":7075},{"title":"١٨ - باب في الكرع","level":2,"page":7077},{"title":"١٩ - باب في الساقي متى يشرب؟","level":2,"page":7078},{"title":"٢٠ - باب في النفخ في الشراب","level":2,"page":7080},{"title":"٢١ - باب ما يقول إذا شرب اللبن","level":2,"page":7082},{"title":"٢٢ - باب في إيكاء الآنية","level":2,"page":7083},{"title":"٢١ - أول كتاب الأطعمة","level":1,"page":7088},{"title":"١ - باب ما جاء في إجابة الدعوة","level":2,"page":7088},{"title":"٢ - باب في استحباب الوليمة للنكاح","level":2,"page":7092},{"title":"٣ - باب الطعام عند القدوم من السفر","level":2,"page":7094},{"title":"٤ - باب في الضيافة","level":2,"page":7094},{"title":"٥ - باب في كم تستحب الوليمة؟","level":2,"page":7096},{"title":"٦ - باب من الضيافة أيضا","level":2,"page":7098},{"title":"٧ - باب نسخ الضيف في الأكل من مال غيره","level":2,"page":7100},{"title":"٨ - باب في طعام المتباريين","level":2,"page":7103},{"title":"٩ - باب الرجل يدعى فيرى مكروها","level":2,"page":7104},{"title":"١٠ - باب إذا اجتمع داعيان أيهما أحق؟","level":2,"page":7106},{"title":"١١ - باب إذا حضرت الصلاة والعشاء","level":2,"page":7107},{"title":"١٢ - باب في غسل اليدين عند الطعام","level":2,"page":7109},{"title":"١٣ - باب غسل اليد قبل الطعام","level":2,"page":7110},{"title":"١٤ - باب في طعام الفجاءة","level":2,"page":7111},{"title":"١٥ - باب في كراهية ذم الطعام","level":2,"page":7112},{"title":"١٦ - باب في الاجتماع على الطعام","level":2,"page":7112},{"title":"١٧ - باب التسمية على الطعام","level":2,"page":7113},{"title":"١٨ - باب في الأكل متكئا","level":2,"page":7118},{"title":"١٩ - باب في الأكل من أعلى الصحفة","level":2,"page":7120},{"title":"٢٠ - باب الجلوس على مائدة عليها بعض ما يكره","level":2,"page":7124},{"title":"٢١ - باب الأكل باليمين","level":2,"page":7125},{"title":"٢٢ - باب في كل اللحم","level":2,"page":7126},{"title":"٢٣ - باب في أكل الدباء","level":2,"page":7128},{"title":"٢٤ - باب في أكل الثريد","level":2,"page":7129},{"title":"٢٥ - باب في كراهية التقذر للطعام","level":2,"page":7130},{"title":"٢٦ - باب النهي عن أكل الجلالة","level":2,"page":7131},{"title":"٢٧ - باب في أكل لحوم الخيل","level":2,"page":7132},{"title":"٢٨ - باب في أكل الأرنب","level":2,"page":7136},{"title":"٢٩ - باب في أكل الضب","level":2,"page":7137},{"title":"٣٠ - باب في أكل لحم الحبارى","level":2,"page":7143},{"title":"٣١ - باب في أكل حشرات الأرض","level":2,"page":7144},{"title":"٣٢ - باب في أكل الضبع","level":2,"page":7149},{"title":"٣٣ - باب ما جاء في أكل السباع","level":2,"page":7151},{"title":"٣٤ - باب في لحوم الحمر الأهلية","level":2,"page":7155},{"title":"٣٥ - باب في أكل الجراد","level":2,"page":7158},{"title":"٣٦ - باب في أكل الطافي من السمك","level":2,"page":7161},{"title":"٣٧ - باب فيمن اضطر إلى الميتة","level":2,"page":7163},{"title":"٣٨ - باب في الجمع بين لونين","level":2,"page":7167},{"title":"٣٩ - باب في أكل الجبن","level":2,"page":7168},{"title":"٤٠ - باب في الخل","level":2,"page":7169},{"title":"٤١ - باب في الثوم","level":2,"page":7171},{"title":"٤٢ - باب في التمر","level":2,"page":7178},{"title":"٤٣ - باب في تفتيش التمر عند الأكل","level":2,"page":7179},{"title":"٤٤ - باب الإقران في التمر عند الأكل","level":2,"page":7180},{"title":"٤٥ - باب في الجمع بين لونين عند الأكل","level":2,"page":7181},{"title":"٤٦ - باب في استعمال آنية أهل الكتاب","level":2,"page":7183},{"title":"٤٧ - باب في دواب البحر","level":2,"page":7185},{"title":"٤٨ - باب في الفأرة تقع في السمن","level":2,"page":7188},{"title":"٤٩ - باب في الذباب يقع في الطعام","level":2,"page":7190},{"title":"٥٠ - باب في اللقمة تسقط","level":2,"page":7191},{"title":"٥١ - باب في الخادم يأكل مع المولى","level":2,"page":7192},{"title":"٥٢ - باب في المنديل","level":2,"page":7193},{"title":"٥٣ - باب ما يقول إذا طعم","level":2,"page":7194},{"title":"٥٤ - باب في غسل اليد من الطعام","level":2,"page":7197},{"title":"٥٥ - باب ما جاء في الدعاء لرب الطعام","level":2,"page":7197},{"title":"٥٦ - باب في تمر العجوة","level":2,"page":7199},{"title":"٥٧ - باب ما لم يذكر تحريمه","level":2,"page":7200},{"title":"٢٢ - أول كتاب الطب","level":1,"page":7204},{"title":"١ - باب الرجل يتداوى","level":2,"page":7204},{"title":"٢ - باب في الحمية","level":2,"page":7206},{"title":"٣ - باب ما جاء في الحجامة","level":2,"page":7208},{"title":"٤ - باب في موضع الحجامة","level":2,"page":7209},{"title":"٥ - باب متى يستحب الحجامة","level":2,"page":7211},{"title":"٦ - باب في قطع العرق وموضع الحجم","level":2,"page":7211},{"title":"٧ - باب في الكي","level":2,"page":7214},{"title":"٨ - باب في السعوط","level":2,"page":7215},{"title":"٩ - باب في النشرة","level":2,"page":7216},{"title":"١٠ - باب في الترياق","level":2,"page":7216},{"title":"١١ - باب في الأدوية المكروهة","level":2,"page":7219},{"title":"١٢ - باب في تمرة العجوة","level":2,"page":7224},{"title":"١٣ - باب في العلاق","level":2,"page":7225},{"title":"١٤ - باب في الكحل","level":2,"page":7227},{"title":"١٥ - باب ما جاء في العين","level":2,"page":7227},{"title":"١٦ - باب في الغيل","level":2,"page":7230},{"title":"١٧ - باب في تعليق التمائم","level":2,"page":7233},{"title":"١٨ - باب ما جاء في الرقى","level":2,"page":7235},{"title":"١٩ - باب كيف الرقى؟","level":2,"page":7241},{"title":"٢٠ - باب في السمنة","level":2,"page":7252},{"title":"٢١ - باب في الكهان","level":2,"page":7254},{"title":"٢٢ - باب في النجوم","level":2,"page":7256},{"title":"٢٣ - [باب في الخط وزجر الطير]","level":2,"page":7259},{"title":"٢٤ - باب في الطيرة والخط","level":2,"page":7260},{"title":"٢٣ - أول كتاب العتق","level":1,"page":7276},{"title":"١ - أبواب العتق","level":2,"page":7276},{"title":"٢ - باب في بيع المكاتب إذا فسخت المكاتبة","level":2,"page":7280},{"title":"٣ - باب في العتق على شرط","level":2,"page":7288},{"title":"٤ - باب فيمن أعتق نصيبا له من مملوك","level":2,"page":7289},{"title":"٥ - باب فيمن أعتق نصيبا له من مملوك بينه وبين آخر","level":2,"page":7291},{"title":"٦ - باب من ذكر السعاية في هذا الحديث","level":2,"page":7294},{"title":"٧ - باب فيمن روى إن لم يكن له مال يستسعى","level":2,"page":7299},{"title":"٨ - باب فيمن ملك ذا رحم محرم","level":2,"page":7304},{"title":"٩ - باب في عتق أمهات الأولاد","level":2,"page":7307},{"title":"١٠ - باب في بيع المدبر","level":2,"page":7310},{"title":"١١ - باب فيمن أعتق عبيدا له لم يبلغهم الثلث","level":2,"page":7315},{"title":"١٢ - باب فيمن أعتق عبدا وله مال","level":2,"page":7317},{"title":"١٣ - باب في عتق ولد الزنا","level":2,"page":7319},{"title":"١٤ - باب في ثواب العتق","level":2,"page":7320},{"title":"١٥ - باب. في أي الرقاب أفضل؟","level":2,"page":7322},{"title":"١٦ - باب في فضل العتق في الصحة","level":2,"page":7325},{"title":"٢٤ - أول كتاب الحروف والقراءات","level":1,"page":7331},{"title":"٢٥ - أول كتاب الحمام","level":1,"page":7364},{"title":"١ - باب النهي عن التعري","level":2,"page":7367},{"title":"٢ - باب في التعري","level":2,"page":7371},{"title":"٢٦ - أول كتاب اللباس","level":1,"page":7376},{"title":"١ - باب في ما يدعى لمن لبس ثوبا جديدا","level":2,"page":7379},{"title":"٢ - باب ما جاء في القميص","level":2,"page":7381},{"title":"٣ - باب ما جاء في الأقبية","level":2,"page":7383},{"title":"٤ - باب في لبس الشهرة","level":2,"page":7384},{"title":"٥ - باب في لبس الصوف والشعر","level":2,"page":7386},{"title":"٦ - باب ما جاء في الخز","level":2,"page":7390},{"title":"٧ - باب ما جاء في لبس الحرير","level":2,"page":7395},{"title":"٨ - باب من كرهه","level":2,"page":7399},{"title":"٩ - باب الرخصة في العلم وخيط الحرير","level":2,"page":7408},{"title":"١٠ - باب في لبس الحرير لعذر","level":2,"page":7410},{"title":"١١ - باب في الحرير للنساء","level":2,"page":7411},{"title":"١٢ - باب في لبس الحبرة","level":2,"page":7413},{"title":"١٣ - باب في البياض","level":2,"page":7414},{"title":"١٤ - باب في الخلقان وفي غسل الثوب","level":2,"page":7415},{"title":"١٥ - باب في المصبوغ","level":2,"page":7417},{"title":"١٦ - باب في الخضرة","level":2,"page":7418},{"title":"١٧ - باب في الحمرة","level":2,"page":7419},{"title":"١٨ - باب في الرخصة","level":2,"page":7425},{"title":"١٩ - باب في السواد","level":2,"page":7427},{"title":"٢٠ - باب في الهدب","level":2,"page":7427},{"title":"٢١ - باب في العمائم","level":2,"page":7428},{"title":"٢٢ - باب في لبسة الصماء","level":2,"page":7432},{"title":"٢٣ - باب في حل الأزرار","level":2,"page":7434},{"title":"٢٤ - باب في التقنع","level":2,"page":7435},{"title":"٢٥ - باب ما جاء في إسبال الإزار","level":2,"page":7436},{"title":"٢٦ - باب ما جاء في الكبر","level":2,"page":7447},{"title":"٢٧ - باب في قدر موضع الإزار","level":2,"page":7451},{"title":"٢٨ - باب في لباس النساء","level":2,"page":7453},{"title":"٢٩ - باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾","level":2,"page":7455},{"title":"٣٠ - باب في قول الله تعالى ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾","level":2,"page":7456},{"title":"٣١ - باب فيما تبدي المرأة من زينتها","level":2,"page":7458},{"title":"٣٢ - باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته","level":2,"page":7459},{"title":"٣٣ - باب ما جاء في قوله تعالى ﴿غير أولي الإربة﴾","level":2,"page":7461},{"title":"٣٤ - باب في قوله تعالى ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾","level":2,"page":7465},{"title":"٣٥ - باب كيف الاختمار؟","level":2,"page":7469},{"title":"٣٦ - باب في لبس القباطي للنساء","level":2,"page":7470},{"title":"٣٧ - باب ما جاء في الذيل","level":2,"page":7472},{"title":"٣٨ - باب في أهب الميتة","level":2,"page":7475},{"title":"٣٩ - باب من روى أن لا يستنفع بإهاب الميتة","level":2,"page":7481},{"title":"٤٠ - باب في جلود النمور","level":2,"page":7484},{"title":"٤١ - باب في الانتعال","level":2,"page":7489},{"title":"٤٢ - باب في الفرش","level":2,"page":7495},{"title":"٤٣ - باب في اتخاذ الستور","level":2,"page":7500},{"title":"٤٤ - باب في الصليب في الثوب","level":2,"page":7502},{"title":"٤٥ - باب في الصور","level":2,"page":7503},{"title":"٢٧ - أول كتاب الترجل","level":1,"page":7512},{"title":"١ - باب ما جاء في استحباب الطيب","level":2,"page":7515},{"title":"٢ - باب ما جاء في إصلاح الشعر","level":2,"page":7516},{"title":"٣ - باب في الخضاب للنساء","level":2,"page":7516},{"title":"٤ - باب في صلة الشعر","level":2,"page":7520},{"title":"٥ - باب ما جاء في رد الطيب","level":2,"page":7527},{"title":"٦ - باب في طيب المرأة للخروج","level":2,"page":7528},{"title":"٧ - باب في الخلوق للرجال","level":2,"page":7531},{"title":"٨ - باب ما جاء في الشعر","level":2,"page":7537},{"title":"٩ - باب ما جاء في الفرق","level":2,"page":7539},{"title":"١٠ - باب في تطويل الجمة","level":2,"page":7541},{"title":"١١ - باب في الرجل يضفر شعره","level":2,"page":7543},{"title":"١٢ - باب في حلق الرأس","level":2,"page":7543},{"title":"١٣ - باب في الصبي له ذؤابة","level":2,"page":7545},{"title":"١٤ - باب ما جاء في الرخصة","level":2,"page":7547},{"title":"١٥ - باب في أخذ الشارب","level":2,"page":7548},{"title":"١٦ - باب في نتف الشيب","level":2,"page":7555},{"title":"١٧ - باب في الخضاب","level":2,"page":7556},{"title":"١٨ - باب في خضاب الصفرة","level":2,"page":7561},{"title":"١٩ - باب ما جاء في خضاب السواد","level":2,"page":7563},{"title":"٢٠ - باب ما جاء في الانتفاع بالعاج","level":2,"page":7564},{"title":"٢٨ - أول كتاب الخاتم","level":1,"page":7567},{"title":"١ - باب ما جاء في اتخاذ الخاتم","level":2,"page":7567},{"title":"٢ - باب ما جاء في ترك الخاتم","level":2,"page":7572},{"title":"٣ - باب ما جاء في خاتم الذهب","level":2,"page":7574},{"title":"٤ - باب ما جاء في خاتم الحديد","level":2,"page":7575},{"title":"٥ - باب ما جاء في التختم في اليمين أو اليسار","level":2,"page":7581},{"title":"٦ - باب ما جاء في الجلاجل","level":2,"page":7584},{"title":"٧ - باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب","level":2,"page":7585},{"title":"٨ - باب ما جاء في الذهب للنساء","level":2,"page":7587},{"title":"٢٩ - أول كتاب الفتن والملاحم","level":1,"page":7592},{"title":"١ - باب النهي عن السعي في الفتنة","level":2,"page":7617},{"title":"٢ - باب في كف اللسان","level":2,"page":7631},{"title":"٣ - باب الرخصة في التبدي في الفتنة","level":2,"page":7633},{"title":"٤ - باب في النهي عن القتال في الفتنة","level":2,"page":7634},{"title":"٥ - باب في تعظيم قتل المؤمن","level":2,"page":7636},{"title":"٦ - باب ما يرجى في القتل","level":2,"page":7644},{"title":"٣٠ - أول كتاب المهدي","level":1,"page":7646},{"title":"١ - باب الملاحم","level":2,"page":7646},{"title":"٢ - باب في ذكر المهدي","level":2,"page":7650},{"title":"٣١ - أول كتاب الملاحم","level":1,"page":7661},{"title":"١ - باب ما يذكر في قرن المئة","level":2,"page":7661},{"title":"٢ - باب ما يذكر من ملاحم الروم","level":2,"page":7664},{"title":"٣ - باب في أمارات الملاحم","level":2,"page":7667},{"title":"٤ - باب في تواتر الملاحم","level":2,"page":7668},{"title":"٥ - باب في تداعي الأمم على الإسلام","level":2,"page":7670},{"title":"٦ - باب في المعقل من الملاحم","level":2,"page":7672},{"title":"٧ - باب ارتفاع الفتنة في الملاحم","level":2,"page":7673},{"title":"٨ - باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة","level":2,"page":7674},{"title":"٩ - باب في قتال الترك","level":2,"page":7675},{"title":"١٠ - باب في ذكر البصرة","level":2,"page":7678},{"title":"١١ - باب ذكر الحبشة","level":2,"page":7684},{"title":"١٢ - باب أمارات الساعة","level":2,"page":7685},{"title":"١٣ - باب حسر الفرات عن كنز","level":2,"page":7691},{"title":"١٤ - باب خروج الدجال","level":2,"page":7692},{"title":"١٥ - باب في خبر الجساسة","level":2,"page":7703},{"title":"١٦ - باب خبر ابن الصائد","level":2,"page":7710},{"title":"١٧ - باب في الأمر والنهي","level":2,"page":7717},{"title":"١٨ - باب قيام الساعة","level":2,"page":7731},{"title":"٣٢ - أول كتاب الحدود","level":1,"page":7735},{"title":"١ - باب الحكم فيمن ارتد","level":2,"page":7735},{"title":"٢ - باب الحكم فيمن سب النبي - ﷺ -","level":2,"page":7749},{"title":"٣ - باب ما جاء في المحاربة","level":2,"page":7755},{"title":"٤ - باب في الحد يشفع فيه؟","level":2,"page":7762},{"title":"٥ - باب يعفى عن الحدود ما لم تبلغ السلطان","level":2,"page":7767},{"title":"٦ - باب الستر على أهل الحدود","level":2,"page":7767},{"title":"٧ - باب في صاحب الحد يجيء فيقر","level":2,"page":7769},{"title":"٨ - باب في التلقين في الحد","level":2,"page":7771},{"title":"٩ - باب في الرجل يعترف بحد ولا يسميه","level":2,"page":7774},{"title":"١٠ - باب في الامتحان بالضرب","level":2,"page":7775},{"title":"١١ - باب ما يقطع فيه السارق","level":2,"page":7777},{"title":"١٢ - باب ما لا قطع فيه","level":2,"page":7784},{"title":"١٣ - باب القطع في الخلسة والخيانة","level":2,"page":7788},{"title":"١٤ - باب من سرق من حرز","level":2,"page":7791},{"title":"١٥ - باب فى القطع فى العارية إذا جحدت","level":2,"page":7795},{"title":"١٦ - باب فى المجنون يسرق أو يصيب حدا","level":2,"page":7798},{"title":"١٧ - باب فى الغلام يصيب الحد","level":2,"page":7803},{"title":"١٨ - باب السارق يسرق في الغزو، أيقطع؟","level":2,"page":7805},{"title":"١٩ - باب في قطع النباش","level":2,"page":7807},{"title":"٢٠ - باب السارق يسرق مرارا","level":2,"page":7808},{"title":"٢١ - باب في السارق تعلق يده في عنقه","level":2,"page":7813},{"title":"٢٢ - باب بيع المملوك إذا سرق","level":2,"page":7814},{"title":"٢٣ - باب في الرجم","level":2,"page":7815},{"title":"٢٤ - باب في المرأة التي أمر النبي - ﷺ - برجمها من جهينة","level":2,"page":7844},{"title":"٢٥ - باب في رجم اليهوديين","level":2,"page":7852},{"title":"٢٦ - باب في الرجل يزني بحريمه","level":2,"page":7866},{"title":"٢٧ - باب في الرجل يزني بجارية امرأته","level":2,"page":7869},{"title":"٢٨ - باب فيمن عمل عمل قوم لوط","level":2,"page":7875},{"title":"٢٩ - باب فيمن أتى بهيمة","level":2,"page":7877},{"title":"٣٠ - باب إذا أقر الرجل بالزنا ولم تقر المرأة","level":2,"page":7879},{"title":"٣١ - باب في الرجل يصيب من المرأة ما دون الجماع فيتوب قبل أن يأخذه الإمام","level":2,"page":7881},{"title":"٣٢ - باب في الأمة تزنن ولم تحصن","level":2,"page":7882},{"title":"٣٣ - باب في إقامة الحد على المريض","level":2,"page":7885},{"title":"٣٤ - باب في حد القاذف","level":2,"page":7889},{"title":"٣٥ - باب في الحد فى الخمر","level":2,"page":7891},{"title":"٣٦ - باب إذا تتابع فى شرب الخمر","level":2,"page":7899},{"title":"٣٧ - باب فى إقامة الحد فى المسجد","level":2,"page":7908},{"title":"٣٨ - باب فى ضرب الوجه فى الحد","level":2,"page":7909},{"title":"٣٩ - باب فى التعزير","level":2,"page":7909},{"title":"٣٣ - أول كتاب الديات","level":1,"page":7912},{"title":"١ - باب النفس بالنفس","level":2,"page":7912},{"title":"٢ - باب لا يؤخذ الرجل بجريرة أخيه أو أبيه","level":2,"page":7914},{"title":"٣ - باب الإمام يأمر بالعفو في الدم","level":2,"page":7915},{"title":"٤ - باب ولي العمد يأخذ الدية","level":2,"page":7928},{"title":"٥ - باب من قتل بعد أخذ الدية","level":2,"page":7930},{"title":"٦ - باب فيمن سقى رجلا سما أو أطعمه فمات، أيقاد منه؟","level":2,"page":7931},{"title":"٧ - باب من قتل عبده أو مثل به، أيقاد منه؟","level":2,"page":7937},{"title":"٨ - باب القسامة","level":2,"page":7942},{"title":"٩ - باب في ترك القود بالقسامة","level":2,"page":7950},{"title":"١٠ - باب يقاد من القاتل","level":2,"page":7957},{"title":"١١ - باب أيقاد المسلم من الكافر؟","level":2,"page":7960},{"title":"١٢ - باب فيمن وجد مع أهله رجلا، أيقتله؟","level":2,"page":7962},{"title":"١٣ - باب العامل يصاب على يديه خطأ","level":2,"page":7964},{"title":"١٤ - باب القود بغير حديد","level":2,"page":7966},{"title":"١٥ - باب القود من الضربة، وقص الأمير من نفسه","level":2,"page":7967},{"title":"١٦ - باب عفو النساء عن الدم","level":2,"page":7968},{"title":"١٧ - باب في الدية كم هي؟","level":2,"page":7971},{"title":"١٨ - باب ديات الأعضاء","level":2,"page":7986},{"title":"١٩ - باب دية الجنين","level":2,"page":7998},{"title":"٢٠ - باب في دية المكاتب","level":2,"page":8010},{"title":"٢١ - باب في دية الذمي","level":2,"page":8012},{"title":"٢٢ - باب في الرجل يقاتل الرجل فيدفعه عن نفسه","level":2,"page":8014},{"title":"٢٣ - باب فيمن تطبب ولا يعلم منه طب فأعنت","level":2,"page":8017},{"title":"٢٤ - باب القصاص من السن","level":2,"page":8019},{"title":"٢٥ - باب في الدابة تنفح برجلها","level":2,"page":8020},{"title":"٢٦ - باب في النار تعدى","level":2,"page":8023},{"title":"٢٧ - باب جناية العبد يكون للفقراء","level":2,"page":8024},{"title":"٢٨ - باب فيمن قتل في عميا بين قوم","level":2,"page":8025},{"title":"٣٤ - أول كتاب السنة","level":1,"page":8032},{"title":"١ - باب شرح السنة","level":2,"page":8032},{"title":"٢ - باب النهي عن الجدال واتباع المتشابه من القرآن","level":2,"page":8035},{"title":"٣ - باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم","level":2,"page":8036},{"title":"٤ - باب ترك السلام على أهل الأهواء","level":2,"page":8038},{"title":"٥ - باب النهي عن الجدال في القرآن","level":2,"page":8040},{"title":"٦ - باب في لزوم السنة","level":2,"page":8041},{"title":"٧ - باب من دعا إلى السنة","level":2,"page":8063},{"title":"٨ - باب في التفضيل","level":2,"page":8065},{"title":"٩ - باب في الخلفاء","level":2,"page":8068},{"title":"١٠ - باب في الخلفاء","level":2,"page":8083},{"title":"١١ - باب في فضل أصحاب النبي - ﷺ -","level":2,"page":8097},{"title":"١٢ - باب في النهي عن سب أصحاب رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":8099},{"title":"١٣ - باب في استخلاف أبي بكر ﵁","level":2,"page":8102},{"title":"١٤ - باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة","level":2,"page":8104},{"title":"١٥ - باب في التخيير بين الأنبياء ﵈","level":2,"page":8107},{"title":"١٦ - باب في رد الأرجاء","level":2,"page":8113},{"title":"١٧ - باب الدليل على الزيادة والنقصان","level":2,"page":8117},{"title":"١٨ - باب في القدر","level":2,"page":8125},{"title":"١٩ - باب في ذراري المشركين","level":2,"page":8153},{"title":"٢٠ - باب في الجهمية","level":2,"page":8164},{"title":"٢١ - باب في الرؤية","level":2,"page":8176},{"title":"٢٢ - باب في القرآن","level":2,"page":8181},{"title":"٢٣ - باب في ذكر البعث والصور","level":2,"page":8186},{"title":"٢٤ - باب في الشفاعة","level":2,"page":8188},{"title":"٢٥ - باب في خلق الجنة والنار","level":2,"page":8191},{"title":"٢٦ - باب في الحوض","level":2,"page":8192},{"title":"٢٧ - باب في المسألة في القبر وعذاب القبر","level":2,"page":8198},{"title":"٢٨ - باب فى ذكر الميزان","level":2,"page":8207},{"title":"٢٩ - باب فى الدجال","level":2,"page":8209},{"title":"٣٠ - باب في قتل الخوارج","level":2,"page":8211},{"title":"٣١ - باب في قتال اللصوص","level":2,"page":8226},{"title":"٣٥ - أول كتاب الأدب","level":1,"page":8232},{"title":"١ - باب في الحلم وأخلاق النبي - ﷺ -","level":2,"page":8232},{"title":"٢ - باب في الوقار","level":2,"page":8236},{"title":"٣ - باب من كظم غيظا","level":2,"page":8237},{"title":"٤ - باب في التجاوز","level":2,"page":8244},{"title":"٥ - باب في حسن العشرة","level":2,"page":8245},{"title":"٦ - باب فى الحياء","level":2,"page":8252},{"title":"٧ - باب في حسن الخلق","level":2,"page":8255},{"title":"٨ - باب فى كراهية الرفعة فى الأمور","level":2,"page":8259},{"title":"٩ - باب فى كراهية التمادح","level":2,"page":8260},{"title":"١٠ - باب في الرفق","level":2,"page":8264},{"title":"١١ - باب فى شكر المعروف","level":2,"page":8267},{"title":"١٢ - باب في الجلوس فى الطرقات","level":2,"page":8269},{"title":"١٣ - باب في الجلوس بين الشمس والظل","level":2,"page":8272},{"title":"١٤ - باب في التحلق","level":2,"page":8273},{"title":"١٥ - باب في الرجل يقوم للرجل من مجلسه","level":2,"page":8276},{"title":"١٦ - باب من يؤمر أن يجالس","level":2,"page":8278},{"title":"١٧ - باب في كراهية المراء","level":2,"page":8283},{"title":"١٨ - باب الهدى في الكلام","level":2,"page":8285},{"title":"١٩ - باب في الخطبة","level":2,"page":8287},{"title":"٢٠ - باب في تنزيل الناس منازلهم","level":2,"page":8288},{"title":"٢١ - باب في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما","level":2,"page":8291},{"title":"٢٢ - باب في جلوس الرجل","level":2,"page":8292},{"title":"٢٣ - باب في السمر بعد العشاء","level":2,"page":8295},{"title":"٢٤ - باب في الرجل يجلس متربعا","level":2,"page":8295},{"title":"٢٥ - باب في التناجي","level":2,"page":8296},{"title":"٢٦ - باب إذا قام من مجلسه ثم رجع","level":2,"page":8297},{"title":"٢٧ - باب في كفارة المجلس","level":2,"page":8300},{"title":"٢٨ - باب في رفع الحديث من المجلس","level":2,"page":8302},{"title":"٢٩ - باب في الحذر من الناس","level":2,"page":8303},{"title":"٣٠ - باب في هدى الرجل","level":2,"page":8306},{"title":"٣١ - باب في الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى","level":2,"page":8307},{"title":"٣٢ - باب في نقل الحديث","level":2,"page":8309},{"title":"٣٣ - باب في القتات","level":2,"page":8311},{"title":"٣٤ - باب في ذي الوجهين","level":2,"page":8312},{"title":"٣٥ - باب في الغيبة","level":2,"page":8313},{"title":"٣٦ - باب الرجل يذب عن عرض أخيه","level":2,"page":8319},{"title":"٣٧ - باب في التجسس","level":2,"page":8323},{"title":"٣٨ - باب في الستر عن المسلم","level":2,"page":8325},{"title":"٣٩ - باب المؤاخاة","level":2,"page":8328},{"title":"٤٠ - باب المستبان","level":2,"page":8328},{"title":"٤١ - باب في التواضع","level":2,"page":8329},{"title":"٤٢ - باب في الانتصار","level":2,"page":8330},{"title":"٤٣ - باب في النهي عن سب الموتى","level":2,"page":8335},{"title":"٤٤ - باب في النهي عن البغي","level":2,"page":8337},{"title":"٤٥ - باب في الحسد","level":2,"page":8339},{"title":"٤٦ - باب في اللعن","level":2,"page":8342},{"title":"٤٧ - باب فيمن دعا على ظالمه","level":2,"page":8345},{"title":"٤٨ - باب في هجرة الرجل أخاه","level":2,"page":8346},{"title":"٤٩ - باب في الظن","level":2,"page":8351},{"title":"٥٠ - باب في النصيحة","level":2,"page":8352},{"title":"٥١ - باب في إصلاح ذات البين","level":2,"page":8353},{"title":"٥٢ - باب في الغناء","level":2,"page":8356},{"title":"٥٣ - باب كراهية الغناء والزمر","level":2,"page":8357},{"title":"٥٤ - باب في الحكم في المخنثين","level":2,"page":8360},{"title":"٥٥ - باب في اللعب بالبنات","level":2,"page":8362},{"title":"٥٦ - باب في الأرجوحة","level":2,"page":8365},{"title":"٥٧ - باب في النهي عن اللعب بالنرد","level":2,"page":8367},{"title":"٥٨ - باب في اللعب بالحمام","level":2,"page":8368},{"title":"٥٩ - باب في الرحمة","level":2,"page":8369},{"title":"٦٠ - باب في النصيحة","level":2,"page":8372},{"title":"٦١ - باب في المعونة للمسلم","level":2,"page":8374},{"title":"٦٢ - باب في تغيير الأسماء","level":2,"page":8375},{"title":"٦٣ - باب في تغيير الاسم القبيح","level":2,"page":8378},{"title":"٦٤ - باب في الألقاب","level":2,"page":8387},{"title":"٦٥ - باب فيمن يتكنى بـ \"أبي عيسى\"","level":2,"page":8388},{"title":"٦٦ - باب في الرجل يقول لابن غيره \"يا بني\"","level":2,"page":8390},{"title":"٦٧ - باب في الرجل يتكنى بـ \"أبي القاسم\"","level":2,"page":8390},{"title":"٦٨ - باب فيمن رأى أن لا يجمع بينهما","level":2,"page":8392},{"title":"٦٩ - باب في الرخصة في الجمع بينهما","level":2,"page":8395},{"title":"٧٠ - باب في الرجل يتكنى وليس له ولد","level":2,"page":8398},{"title":"٧١ - باب في المرأة تكنى","level":2,"page":8399},{"title":"٧٢ - باب في المعاريض","level":2,"page":8401},{"title":"٧٣ - باب في \"زعموا\"","level":2,"page":8402},{"title":"٧٤ - باب في الرجل يقول في خطبته أما بعد","level":2,"page":8403},{"title":"٧٥ - باب في الكرم، وحفظ المنطق","level":2,"page":8404},{"title":"٧٦ - باب لا يقول المملوك ربي، وربتي","level":2,"page":8405},{"title":"٧٧ - باب لا يقال خبثت نفسي","level":2,"page":8407},{"title":"٧٨ - باب في صلاة العتمة","level":2,"page":8411},{"title":"٧٩ - باب في ما روي من الرخصة في ذلك","level":2,"page":8414},{"title":"٨٠ - باب التشديد في الكذب","level":2,"page":8415},{"title":"٨١ - باب في حسن الظن","level":2,"page":8419},{"title":"٨٢ - باب في العدة","level":2,"page":8422},{"title":"٨٣ - باب فيمن يتشبع بما لم يعط","level":2,"page":8424},{"title":"٨٤ - باب ما جاء في المزاح","level":2,"page":8425},{"title":"٨٥ - باب من يأخذ الشيء من مزاح","level":2,"page":8428},{"title":"٨٦ - باب ما جاء في التشدق في الكلام","level":2,"page":8430},{"title":"٨٧ - باب ما جاء في الشعر","level":2,"page":8433},{"title":"٨٨ - باب ما جاء في الرؤيا","level":2,"page":8440},{"title":"٨٩ - باب في التثاؤب","level":2,"page":8449},{"title":"٩٠ - باب في العطاس","level":2,"page":8451},{"title":"٩١ - باب كيف تشميت العاطس","level":2,"page":8452},{"title":"٩٢ - باب كم يشمت العاطس","level":2,"page":8455},{"title":"٩٣ - باب كيف يشمت الذمي","level":2,"page":8458},{"title":"٩٤ - باب فيمن يعطس ولا يحمد الله","level":2,"page":8459},{"title":"٩٥ - باب في الرجل ينبطح على بطنه","level":2,"page":8461},{"title":"٩٦ - باب في النوم على سطح ليس عليه حجار","level":2,"page":8464},{"title":"٩٧ - باب في النوم على طهارة","level":2,"page":8465},{"title":"٩٨ - باب كيف يتوجه عند النوم","level":2,"page":8466},{"title":"٩٩ - باب ما يقول عند النوم","level":2,"page":8467},{"title":"١٠٠ - باب ما يقول الرجل إذا تعار من الليل","level":2,"page":8478},{"title":"١٠١ - باب في التسبيح عند النوم","level":2,"page":8480},{"title":"١٠٢ - باب ما يقول إذا أصبح","level":2,"page":8487},{"title":"١٠٣ - باب ما يقول الرجل إذا رأى الهلال","level":2,"page":8515},{"title":"١٠٤ - باب ما جاء فيمن دخل بيته ما يقول","level":2,"page":8516},{"title":"١٠٥ - باب ما يقول إذا هاجت الريح","level":2,"page":8519},{"title":"١٠٦ - باب في المطر","level":2,"page":8522},{"title":"١٠٧ - باب في الديك والبهائم","level":2,"page":8522},{"title":"١٠٨ - باب في المولود يؤذن في أذنه","level":2,"page":8526},{"title":"١٠٩ - باب في الرجل يستعيذ من الرجل","level":2,"page":8528},{"title":"١١٠ - باب في رد الوسوسة","level":2,"page":8530},{"title":"١١١ - باب في الرجل ينتمي إلى غير مواليه","level":2,"page":8533},{"title":"١١٢ - باب في التفاخر بالأحساب","level":2,"page":8537},{"title":"١١٣ - باب في العصبية","level":2,"page":8538},{"title":"١١٤ - باب الرجل يحب الرجل علي خير يراه","level":2,"page":8542},{"title":"١١٥ - باب في المشورة","level":2,"page":8545},{"title":"١١٦ - باب في الدال على الخير","level":2,"page":8546},{"title":"١١٧ - باب في الهوى","level":2,"page":8546},{"title":"١١٨ - باب في الشفاعة","level":2,"page":8548},{"title":"١١٩ - باب في الرجل يبدأ بنفسه في الكتاب","level":2,"page":8549},{"title":"١٢٠ - باب كيف يكتب إلى الذمي","level":2,"page":8550},{"title":"١٢١ - باب في بر الوالدين","level":2,"page":8552},{"title":"١٢٢ - باب في فضل من عال يتامى","level":2,"page":8560},{"title":"١٢٣ - باب في من ضم يتيما","level":2,"page":8563},{"title":"١٢٤ - باب في حق الجوار","level":2,"page":8565},{"title":"١٢٥ - باب في حق المملوك","level":2,"page":8569},{"title":"١٢٦ - باب في المملوك إذا نصح","level":2,"page":8582},{"title":"١٢٧ - باب فيمن خبب مملوكا على مولاه","level":2,"page":8582},{"title":"١٢٨ - باب في الاستئذان","level":2,"page":8583},{"title":"١٢٩ - باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان","level":2,"page":8592},{"title":"١٣٠ - باب في الرجل يدعى أيكون ذلك إذنه؟","level":2,"page":8602},{"title":"١٣١ - باب في الاستئذان في العورات الثلاث","level":2,"page":8603},{"title":"١٣٢ - باب إفشاء السلام","level":2,"page":8606},{"title":"١٣٣ - باب كيف السلام؟","level":2,"page":8607},{"title":"١٣٤ - باب في فضل من بدأ بالسلام","level":2,"page":8610},{"title":"١٣٥ - باب من أولى بالسلام","level":2,"page":8610},{"title":"١٣٦ - باب في الرجل يفارق الرجل ثم يلقاه، أيسلم عليه؟","level":2,"page":8612},{"title":"١٣٧ - باب في السلام على الصبيان","level":2,"page":8613},{"title":"١٣٨ - باب في السلام على النساء","level":2,"page":8614},{"title":"١٣٩ - باب في السلام على أهل الذمة","level":2,"page":8615},{"title":"١٤٠ - باب في السلام إذا قام من المجلس","level":2,"page":8619},{"title":"١٤١ - باب في كراهية أن يقول \"عليك السلام\"","level":2,"page":8620},{"title":"١٤٢ - باب ما جاء في رد واحد عن الجماعة","level":2,"page":8621},{"title":"١٤٣ - باب في المصافحة","level":2,"page":8623},{"title":"١٤٤ - باب في المعانقة","level":2,"page":8624},{"title":"١٤٥ - باب في القيام","level":2,"page":8627},{"title":"١٤٦ - باب في قبلة الرجل ولده","level":2,"page":8631},{"title":"١٤٧ - باب في قبلة ما بين العينين","level":2,"page":8633},{"title":"١٤٨ - باب في قبلة الخد","level":2,"page":8634},{"title":"١٤٩ - باب في قبلة اليد","level":2,"page":8635},{"title":"١٥٠ - باب في قبلة الجسد","level":2,"page":8636},{"title":"١٥١ - باب قبلة الرجل","level":2,"page":8637},{"title":"١٥٢ - باب في الرجل يقول \"جعلني الله فداك\"","level":2,"page":8639},{"title":"١٥٣ - باب في الرجل يقول \"أنعم الله بك عينا\"","level":2,"page":8639},{"title":"١٥٤ - باب في الرجل يقول للرجل \"حفظك الله\"","level":2,"page":8640},{"title":"١٥٥ - باب الرجل يقوم للرجل يعظمه بذلك","level":2,"page":8641},{"title":"١٥٦ - باب في الرجل يقول \"فلان يقرئك السلام\"","level":2,"page":8644},{"title":"١٥٧ - باب في الرجل ينادي الرجل فيقول \"لبيك\"","level":2,"page":8645},{"title":"١٥٨ - باب في الرجل يقول للرجل \"أضحك الله سنك\"","level":2,"page":8647},{"title":"١٥٩ - باب ما جاء في البناء","level":2,"page":8649},{"title":"١٦٠ - باب في اتخاذ الغرف","level":2,"page":8652},{"title":"١٦١ - باب في قطع السدر","level":2,"page":8654},{"title":"١٦٢ - باب في إماطة الأذى","level":2,"page":8656},{"title":"١٦٣ - باب في إطفاء النار بالليل","level":2,"page":8660},{"title":"١٦٤ - باب في قتل الحيات","level":2,"page":8661},{"title":"١٦٥ - باب في قتل الأوزاغ","level":2,"page":8672},{"title":"١٦٦ - باب في قتل الذر","level":2,"page":8676},{"title":"١٦٧ - باب في قتل الضفدع","level":2,"page":8680},{"title":"١٦٨ - باب في الخذف","level":2,"page":8681},{"title":"١٦٩ - باب في الختان","level":2,"page":8682},{"title":"١٧٠ - باب ما جاء في مشي النساء في الطريق","level":2,"page":8686},{"title":"١٧١ - باب في الرجل يسب الدهر","level":2,"page":8688},{"title":"خاتمة الطبع","level":1,"page":8692},{"title":"تقاريظ الكتاب","level":1,"page":8695}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"1,405":404,"1,406":405,"1,407":406,"1,408":407,"1,409":408,"1,410":409,"1,411":410,"1,412":411,"1,413":412,"1,414":413,"1,415":414,"1,416":415,"1,417":416,"1,418":417,"1,419":418,"1,420":419,"1,421":420,"1,422":421,"1,423":422,"1,424":423,"1,425":424,"1,426":425,"1,427":426,"1,428":427,"1,429":428,"1,430":429,"1,431":430,"1,432":431,"1,433":432,"1,434":433,"1,435":434,"1,436":435,"1,437":436,"1,438":437,"1,439":438,"1,440":439,"1,441":440,"1,442":441,"1,443":442,"1,444":443,"1,445":444,"1,446":445,"1,447":446,"1,448":447,"1,449":448,"1,450":449,"1,451":450,"1,452":451,"1,453":452,"1,454":453,"1,455":454,"1,456":455,"1,457":456,"1,458":457,"1,459":458,"1,460":459,"1,461":460,"1,462":461,"1,463":462,"1,464":463,"1,465":464,"1,466":465,"1,467":466,"1,468":467,"1,469":468,"1,470":469,"1,471":470,"1,472":471,"1,473":472,"1,474":473,"1,475":474,"1,476":475,"1,477":476,"1,478":477,"1,479":478,"1,480":479,"1,481":480,"1,482":481,"1,483":482,"1,484":483,"1,485":484,"1,486":485,"1,487":486,"1,488":487,"1,489":488,"1,490":489,"1,491":490,"1,492":491,"1,493":492,"1,494":493,"1,495":494,"1,496":495,"1,497":496,"1,498":497,"1,499":498,"1,500":499,"1,501":500,"1,502":501,"1,503":502,"1,504":503,"1,505":504,"1,506":505,"1,507":506,"1,508":507,"1,509":508,"1,510":509,"1,511":510,"1,512":511,"1,513":512,"1,514":513,"1,515":514,"1,516":515,"1,517":516,"1,518":517,"1,519":518,"1,520":519,"1,521":520,"1,522":521,"1,523":522,"1,524":523,"1,525":524,"1,526":525,"1,527":526,"1,528":527,"1,529":528,"1,530":529,"1,531":530,"1,532":531,"1,533":532,"1,534":533,"1,535":534,"1,536":535,"1,537":536,"1,538":537,"1,539":538,"1,540":539,"1,541":540,"1,542":541,"1,543":542,"1,544":543,"1,545":544,"1,546":545,"1,547":546,"1,548":547,"1,549":548,"1,550":549,"1,551":550,"1,552":551,"1,553":552,"1,554":553,"1,555":554,"1,556":555,"1,557":556,"1,558":557,"1,559":558,"1,560":559,"1,561":560,"1,562":561,"1,563":562,"1,564":563,"1,565":564,"1,566":565,"1,567":566,"1,568":567,"1,569":568,"1,570":569,"1,571":570,"1,572":571,"1,573":572,"1,574":573,"1,575":574,"1,576":575,"1,577":576,"1,578":577,"1,579":578,"1,580":579,"1,581":580,"1,582":581,"1,583":582,"1,584":583,"1,585":584,"1,586":585,"1,587":586,"1,588":587,"1,589":588,"1,590":589,"1,591":590,"1,592":591,"1,593":592,"1,594":593,"1,595":594,"1,596":595,"1,597":596,"1,598":597,"1,599":598,"1,600":599,"1,601":600,"1,602":601,"1,603":602,"1,604":603,"1,605":604,"1,606":605,"1,607":606,"1,608":607,"1,609":608,"1,610":609,"1,611":610,"1,612":611,"1,613":612,"1,614":613,"1,615":614,"1,616":615,"1,617":616,"1,618":617,"1,619":618,"1,620":619,"1,621":620,"1,622":621,"1,623":622,"1,624":623,"1,625":624,"1,626":625,"1,627":626,"1,628":627,"1,629":628,"1,630":629,"1,631":630,"1,632":631,"1,633":632,"1,634":633,"1,635":634,"1,636":635,"1,637":636,"1,638":637,"1,639":638,"1,640":639,"1,641":640,"1,642":641,"1,643":642,"1,644":643,"1,645":644,"1,646":645,"1,647":646,"1,648":647,"1,649":648,"1,650":649,"1,651":650,"1,652":651,"1,653":652,"1,654":653,"1,655":654,"1,656":655,"1,657":656,"1,658":657,"1,659":658,"1,660":659,"1,661":660,"1,662":661,"1,663":662,"1,664":663,"1,665":664,"1,666":665,"1,667":666,"1,668":667,"1,669":668,"1,670":669,"1,671":670,"1,672":671,"1,673":672,"1,674":673,"1,675":674,"1,676":675,"1,677":676,"1,678":677,"1,679":678,"1,680":679,"1,681":680,"1,682":681,"1,683":682,"1,684":683,"1,685":684,"1,686":685,"1,687":686,"1,688":687,"1,689":688,"1,690":689,"1,691":690,"1,692":691,"1,693":692,"1,694":693,"1,695":694,"1,696":695,"1,697":696,"1,698":697,"2,1":698,"2,2":699,"2,3":700,"2,4":701,"2,5":702,"2,6":703,"2,7":704,"2,8":705,"2,9":706,"2,10":707,"2,11":708,"2,12":709,"2,13":710,"2,14":711,"2,15":712,"2,16":713,"2,17":714,"2,18":715,"2,19":716,"2,20":717,"2,21":718,"2,22":719,"2,23":720,"2,24":721,"2,25":722,"2,26":723,"2,27":724,"2,28":725,"2,29":726,"2,30":727,"2,31":728,"2,32":729,"2,33":730,"2,34":731,"2,35":732,"2,36":733,"2,37":734,"2,38":735,"2,39":736,"2,40":737,"2,41":738,"2,42":739,"2,43":740,"2,44":741,"2,45":742,"2,46":743,"2,47":744,"2,48":745,"2,49":746,"2,50":747,"2,51":748,"2,52":749,"2,53":750,"2,54":751,"2,55":752,"2,56":753,"2,57":754,"2,58":755,"2,59":756,"2,60":757,"2,61":758,"2,62":759,"2,63":760,"2,64":761,"2,65":762,"2,66":763,"2,67":764,"2,68":765,"2,69":766,"2,70":767,"2,71":768,"2,72":769,"2,73":770,"2,74":771,"2,75":772,"2,76":773,"2,77":774,"2,78":775,"2,79":776,"2,80":777,"2,81":778,"2,82":779,"2,83":780,"2,84":781,"2,85":782,"2,86":783,"2,87":784,"2,88":785,"2,89":786,"2,90":787,"2,91":788,"2,92":789,"2,93":790,"2,94":791,"2,95":792,"2,96":793,"2,97":794,"2,98":795,"2,99":796,"2,100":797,"2,101":798,"2,102":799,"2,103":800,"2,104":801,"2,105":802,"2,106":803,"2,107":804,"2,108":805,"2,109":806,"2,110":807,"2,111":808,"2,112":809,"2,113":810,"2,114":811,"2,115":812,"2,116":813,"2,117":814,"2,118":815,"2,119":816,"2,120":817,"2,121":818,"2,122":819,"2,123":820,"2,124":821,"2,125":822,"2,126":823,"2,127":824,"2,128":825,"2,129":826,"2,130":827,"2,131":828,"2,132":829,"2,133":830,"2,134":831,"2,135":832,"2,136":833,"2,137":834,"2,138":835,"2,139":836,"2,140":837,"2,141":838,"2,142":839,"2,143":840,"2,144":841,"2,145":842,"2,146":843,"2,147":844,"2,148":845,"2,149":846,"2,150":847,"2,151":848,"2,152":849,"2,153":850,"2,154":851,"2,155":852,"2,156":853,"2,157":854,"2,158":855,"2,159":856,"2,160":857,"2,161":858,"2,162":859,"2,163":860,"2,164":861,"2,165":862,"2,166":863,"2,167":864,"2,168":865,"2,169":866,"2,170":867,"2,171":868,"2,172":869,"2,173":870,"2,174":871,"2,175":872,"2,176":873,"2,177":874,"2,178":875,"2,179":876,"2,180":877,"2,181":878,"2,182":879,"2,183":880,"2,184":881,"2,185":882,"2,186":883,"2,187":884,"2,188":885,"2,189":886,"2,190":887,"2,191":888,"2,192":889,"2,193":890,"2,194":891,"2,195":892,"2,196":893,"2,197":894,"2,198":895,"2,199":896,"2,200":897,"2,201":898,"2,202":899,"2,203":900,"2,204":901,"2,205":902,"2,206":903,"2,207":904,"2,208":905,"2,209":906,"2,210":907,"2,211":908,"2,212":909,"2,213":910,"2,214":911,"2,215":912,"2,216":913,"2,217":914,"2,218":915,"2,219":916,"2,220":917,"2,221":918,"2,222":919,"2,223":920,"2,224":921,"2,225":922,"2,226":923,"2,227":924,"2,228":925,"2,229":926,"2,230":927,"2,231":928,"2,232":929,"2,233":930,"2,234":931,"2,235":932,"2,236":933,"2,237":934,"2,238":935,"2,239":936,"2,240":937,"2,241":938,"2,242":939,"2,243":940,"2,244":941,"2,245":942,"2,246":943,"2,247":944,"2,248":945,"2,249":946,"2,250":947,"2,251":948,"2,252":949,"2,253":950,"2,254":951,"2,255":952,"2,256":953,"2,257":954,"2,258":955,"2,259":956,"2,260":957,"2,261":958,"2,262":959,"2,263":960,"2,264":961,"2,265":962,"2,266":963,"2,267":964,"2,268":965,"2,269":966,"2,270":967,"2,271":968,"2,272":969,"2,273":970,"2,274":971,"2,275":972,"2,276":973,"2,277":974,"2,278":975,"2,279":976,"2,280":977,"2,281":978,"2,282":979,"2,283":980,"2,284":981,"2,285":982,"2,286":983,"2,287":984,"2,288":985,"2,289":986,"2,290":987,"2,291":988,"2,292":989,"2,293":990,"2,294":991,"2,295":992,"2,296":993,"2,297":994,"2,298":995,"2,299":996,"2,300":997,"2,301":998,"2,302":999,"2,303":1000,"2,304":1001,"2,305":1002,"2,306":1003,"2,307":1004,"2,308":1005,"2,309":1006,"2,310":1007,"2,311":1008,"2,312":1009,"2,313":1010,"2,314":1011,"2,315":1012,"2,316":1013,"2,317":1014,"2,318":1015,"2,319":1016,"2,320":1017,"2,321":1018,"2,322":1019,"2,323":1020,"2,324":1021,"2,325":1022,"2,326":1023,"2,327":1024,"2,328":1025,"2,329":1026,"2,330":1027,"2,331":1028,"2,332":1029,"2,333":1030,"2,334":1031,"2,335":1032,"2,336":1033,"2,337":1034,"2,338":1035,"2,339":1036,"2,340":1037,"2,341":1038,"2,342":1039,"2,343":1040,"2,344":1041,"2,345":1042,"2,346":1043,"2,347":1044,"2,348":1045,"2,349":1046,"2,350":1047,"2,351":1048,"2,352":1049,"2,353":1050,"2,354":1051,"2,355":1052,"2,356":1053,"2,357":1054,"2,358":1055,"2,359":1056,"2,360":1057,"2,361":1058,"2,362":1059,"2,363":1060,"2,364":1061,"2,365":1062,"2,366":1063,"2,367":1064,"2,368":1065,"2,369":1066,"2,370":1067,"2,371":1068,"2,372":1069,"2,373":1070,"2,374":1071,"2,375":1072,"2,376":1073,"2,377":1074,"2,378":1075,"2,379":1076,"2,380":1077,"2,381":1078,"2,382":1079,"2,383":1080,"2,384":1081,"2,385":1082,"2,386":1083,"2,387":1084,"2,388":1085,"2,389":1086,"2,390":1087,"2,391":1088,"2,392":1089,"2,393":1090,"2,394":1091,"2,395":1092,"2,396":1093,"2,397":1094,"2,398":1095,"2,399":1096,"2,400":1097,"2,401":1098,"2,402":1099,"2,403":1100,"2,404":1101,"2,405":1102,"2,406":1103,"2,407":1104,"2,408":1105,"2,409":1106,"2,410":1107,"2,411":1108,"2,412":1109,"2,413":1110,"2,414":1111,"2,415":1112,"2,416":1113,"2,417":1114,"2,418":1115,"2,419":1116,"2,420":1117,"2,421":1118,"2,422":1119,"2,423":1120,"2,424":1121,"2,425":1122,"2,426":1123,"2,427":1124,"2,428":1125,"2,429":1126,"2,430":1127,"2,431":1128,"2,432":1129,"2,433":1130,"2,434":1131,"2,435":1132,"2,436":1133,"2,437":1134,"2,438":1135,"2,439":1136,"2,440":1137,"2,441":1138,"2,442":1139,"2,443":1140,"2,444":1141,"2,445":1142,"2,446":1143,"2,447":1144,"2,448":1145,"2,449":1146,"2,450":1147,"2,451":1148,"2,452":1149,"2,453":1150,"2,454":1151,"2,455":1152,"2,456":1153,"2,457":1154,"2,458":1155,"2,459":1156,"2,460":1157,"2,461":1158,"2,462":1159,"2,463":1160,"2,464":1161,"2,465":1162,"2,466":1163,"2,467":1164,"2,468":1165,"2,469":1166,"2,470":1167,"2,471":1168,"2,472":1169,"2,473":1170,"2,474":1171,"2,475":1172,"2,476":1173,"2,477":1174,"2,478":1175,"2,479":1176,"2,480":1177,"2,481":1178,"2,482":1179,"2,483":1180,"2,484":1181,"2,485":1182,"2,486":1183,"2,487":1184,"2,488":1185,"2,489":1186,"2,490":1187,"2,491":1188,"2,492":1189,"2,493":1190,"2,494":1191,"2,495":1192,"2,496":1193,"2,497":1194,"2,498":1195,"2,499":1196,"2,500":1197,"2,501":1198,"2,502":1199,"2,503":1200,"2,504":1201,"2,505":1202,"2,506":1203,"2,507":1204,"2,508":1205,"2,509":1206,"2,510":1207,"2,511":1208,"2,512":1209,"2,513":1210,"2,514":1211,"2,515":1212,"2,516":1213,"2,517":1214,"2,518":1215,"2,519":1216,"2,520":1217,"2,521":1218,"2,522":1219,"2,523":1220,"2,524":1221,"2,525":1222,"2,526":1223,"2,527":1224,"2,528":1225,"2,529":1226,"2,530":1227,"2,531":1228,"2,532":1229,"2,533":1230,"2,534":1231,"2,535":1232,"2,536":1233,"2,537":1234,"2,538":1235,"2,539":1236,"2,540":1237,"2,541":1238,"2,542":1239,"2,543":1240,"2,544":1241,"2,545":1242,"2,546":1243,"2,547":1244,"2,548":1245,"2,549":1246,"2,550":1247,"2,551":1248,"2,552":1249,"2,553":1250,"2,554":1251,"2,555":1252,"2,556":1253,"2,557":1254,"2,558":1255,"2,559":1256,"2,560":1257,"2,561":1258,"2,562":1259,"2,563":1260,"2,564":1261,"2,565":1262,"2,566":1263,"2,567":1264,"2,568":1265,"2,569":1266,"2,570":1267,"2,571":1268,"2,572":1269,"2,573":1270,"2,574":1271,"2,575":1272,"2,576":1273,"2,577":1274,"2,578":1275,"2,579":1276,"2,580":1277,"2,581":1278,"2,582":1279,"2,583":1280,"2,584":1281,"2,585":1282,"2,586":1283,"2,587":1284,"2,588":1285,"2,589":1286,"2,590":1287,"2,591":1288,"2,592":1289,"2,593":1290,"2,594":1291,"2,595":1292,"2,596":1293,"2,597":1294,"2,598":1295,"2,599":1296,"2,600":1297,"2,601":1298,"2,602":1299,"2,603":1300,"2,604":1301,"2,605":1302,"2,606":1303,"2,607":1304,"2,608":1305,"2,609":1306,"2,610":1307,"2,611":1308,"2,612":1309,"2,613":1310,"2,614":1311,"2,615":1312,"2,616":1313,"2,617":1314,"2,618":1315,"2,619":1316,"2,620":1317,"2,621":1318,"2,622":1319,"2,623":1320,"2,624":1321,"2,625":1322,"2,626":1323,"2,627":1324,"2,628":1325,"2,629":1326,"2,630":1327,"2,631":1328,"2,632":1329,"2,633":1330,"2,634":1331,"3,1":1332,"3,2":1333,"3,3":1334,"3,4":1335,"3,5":1336,"3,6":1337,"3,7":1338,"3,8":1339,"3,9":1340,"3,10":1341,"3,11":1342,"3,12":1343,"3,13":1344,"3,14":1345,"3,15":1346,"3,16":1347,"3,17":1348,"3,18":1349,"3,19":1350,"3,20":1351,"3,21":1352,"3,22":1353,"3,23":1354,"3,24":1355,"3,25":1356,"3,26":1357,"3,27":1358,"3,28":1359,"3,29":1360,"3,30":1361,"3,31":1362,"3,32":1363,"3,33":1364,"3,34":1365,"3,35":1366,"3,36":1367,"3,37":1368,"3,38":1369,"3,39":1370,"3,40":1371,"3,41":1372,"3,42":1373,"3,43":1374,"3,44":1375,"3,45":1376,"3,46":1377,"3,47":1378,"3,48":1379,"3,49":1380,"3,50":1381,"3,51":1382,"3,52":1383,"3,53":1384,"3,54":1385,"3,55":1386,"3,56":1387,"3,57":1388,"3,58":1389,"3,59":1390,"3,60":1391,"3,61":1392,"3,62":1393,"3,63":1394,"3,64":1395,"3,65":1396,"3,66":1397,"3,67":1398,"3,68":1399,"3,69":1400,"3,70":1401,"3,71":1402,"3,72":1403,"3,73":1404,"3,74":1405,"3,75":1406,"3,76":1407,"3,77":1408,"3,78":1409,"3,79":1410,"3,80":1411,"3,81":1412,"3,82":1413,"3,83":1414,"3,84":1415,"3,85":1416,"3,86":1417,"3,87":1418,"3,88":1419,"3,89":1420,"3,90":1421,"3,91":1422,"3,92":1423,"3,93":1424,"3,94":1425,"3,95":1426,"3,96":1427,"3,97":1428,"3,98":1429,"3,99":1430,"3,100":1431,"3,101":1432,"3,102":1433,"3,103":1434,"3,104":1435,"3,105":1436,"3,106":1437,"3,107":1438,"3,108":1439,"3,109":1440,"3,110":1441,"3,111":1442,"3,112":1443,"3,113":1444,"3,114":1445,"3,115":1446,"3,116":1447,"3,117":1448,"3,118":1449,"3,119":1450,"3,120":1451,"3,121":1452,"3,122":1453,"3,123":1454,"3,124":1455,"3,125":1456,"3,126":1457,"3,127":1458,"3,128":1459,"3,129":1460,"3,130":1461,"3,131":1462,"3,132":1463,"3,133":1464,"3,134":1465,"3,135":1466,"3,136":1467,"3,137":1468,"3,138":1469,"3,139":1470,"3,140":1471,"3,141":1472,"3,142":1473,"3,143":1474,"3,144":1475,"3,145":1476,"3,146":1477,"3,147":1478,"3,148":1479,"3,149":1480,"3,150":1481,"3,151":1482,"3,152":1483,"3,153":1484,"3,154":1485,"3,155":1486,"3,156":1487,"3,157":1488,"3,158":1489,"3,159":1490,"3,160":1491,"3,161":1492,"3,162":1493,"3,163":1494,"3,164":1495,"3,165":1496,"3,166":1497,"3,167":1498,"3,168":1499,"3,169":1500,"3,170":1501,"3,171":1502,"3,172":1503,"3,173":1504,"3,174":1505,"3,175":1506,"3,176":1507,"3,177":1508,"3,178":1509,"3,179":1510,"3,180":1511,"3,181":1512,"3,182":1513,"3,183":1514,"3,184":1515,"3,185":1516,"3,186":1517,"3,187":1518,"3,188":1519,"3,189":1520,"3,190":1521,"3,191":1522,"3,192":1523,"3,193":1524,"3,194":1525,"3,195":1526,"3,196":1527,"3,197":1528,"3,198":1529,"3,199":1530,"3,200":1531,"3,201":1532,"3,202":1533,"3,203":1534,"3,204":1535,"3,205":1536,"3,206":1537,"3,207":1538,"3,208":1539,"3,209":1540,"3,210":1541,"3,211":1542,"3,212":1543,"3,213":1544,"3,214":1545,"3,215":1546,"3,216":1547,"3,217":1548,"3,218":1549,"3,219":1550,"3,220":1551,"3,221":1552,"3,222":1553,"3,223":1554,"3,224":1555,"3,225":1556,"3,226":1557,"3,227":1558,"3,228":1559,"3,229":1560,"3,230":1561,"3,231":1562,"3,232":1563,"3,233":1564,"3,234":1565,"3,235":1566,"3,236":1567,"3,237":1568,"3,238":1569,"3,239":1570,"3,240":1571,"3,241":1572,"3,242":1573,"3,243":1574,"3,244":1575,"3,245":1576,"3,246":1577,"3,247":1578,"3,248":1579,"3,249":1580,"3,250":1581,"3,251":1582,"3,252":1583,"3,253":1584,"3,254":1585,"3,255":1586,"3,256":1587,"3,257":1588,"3,258":1589,"3,259":1590,"3,260":1591,"3,261":1592,"3,262":1593,"3,263":1594,"3,264":1595,"3,265":1596,"3,266":1597,"3,267":1598,"3,268":1599,"3,269":1600,"3,270":1601,"3,271":1602,"3,272":1603,"3,273":1604,"3,274":1605,"3,275":1606,"3,276":1607,"3,277":1608,"3,278":1609,"3,279":1610,"3,280":1611,"3,281":1612,"3,282":1613,"3,283":1614,"3,284":1615,"3,285":1616,"3,286":1617,"3,287":1618,"3,288":1619,"3,289":1620,"3,290":1621,"3,291":1622,"3,292":1623,"3,293":1624,"3,294":1625,"3,295":1626,"3,296":1627,"3,297":1628,"3,298":1629,"3,299":1630,"3,300":1631,"3,301":1632,"3,302":1633,"3,303":1634,"3,304":1635,"3,305":1636,"3,306":1637,"3,307":1638,"3,308":1639,"3,309":1640,"3,310":1641,"3,311":1642,"3,312":1643,"3,313":1644,"3,314":1645,"3,315":1646,"3,316":1647,"3,317":1648,"3,318":1649,"3,319":1650,"3,320":1651,"3,321":1652,"3,322":1653,"3,323":1654,"3,324":1655,"3,325":1656,"3,326":1657,"3,327":1658,"3,328":1659,"3,329":1660,"3,330":1661,"3,331":1662,"3,332":1663,"3,333":1664,"3,334":1665,"3,335":1666,"3,336":1667,"3,337":1668,"3,338":1669,"3,339":1670,"3,340":1671,"3,341":1672,"3,342":1673,"3,343":1674,"3,344":1675,"3,345":1676,"3,346":1677,"3,347":1678,"3,348":1679,"3,349":1680,"3,350":1681,"3,351":1682,"3,352":1683,"3,353":1684,"3,354":1685,"3,355":1686,"3,356":1687,"3,357":1688,"3,358":1689,"3,359":1690,"3,360":1691,"3,361":1692,"3,362":1693,"3,363":1694,"3,364":1695,"3,365":1696,"3,366":1697,"3,367":1698,"3,368":1699,"3,369":1700,"3,370":1701,"3,371":1702,"3,372":1703,"3,373":1704,"3,374":1705,"3,375":1706,"3,376":1707,"3,377":1708,"3,378":1709,"3,379":1710,"3,380":1711,"3,381":1712,"3,382":1713,"3,383":1714,"3,384":1715,"3,385":1716,"3,386":1717,"3,387":1718,"3,388":1719,"3,389":1720,"3,390":1721,"3,391":1722,"3,392":1723,"3,393":1724,"3,394":1725,"3,395":1726,"3,396":1727,"3,397":1728,"3,398":1729,"3,399":1730,"3,400":1731,"3,401":1732,"3,402":1733,"3,403":1734,"3,404":1735,"3,405":1736,"3,406":1737,"3,407":1738,"3,408":1739,"3,409":1740,"3,410":1741,"3,411":1742,"3,412":1743,"3,413":1744,"3,414":1745,"3,415":1746,"3,416":1747,"3,417":1748,"3,418":1749,"3,419":1750,"3,420":1751,"3,421":1752,"3,422":1753,"3,423":1754,"3,424":1755,"3,425":1756,"3,426":1757,"3,427":1758,"3,428":1759,"3,429":1760,"3,430":1761,"3,431":1762,"3,432":1763,"3,433":1764,"3,434":1765,"3,435":1766,"3,436":1767,"3,437":1768,"3,438":1769,"3,439":1770,"3,440":1771,"3,441":1772,"3,442":1773,"3,443":1774,"3,444":1775,"3,445":1776,"3,446":1777,"3,447":1778,"3,448":1779,"3,449":1780,"3,450":1781,"3,451":1782,"3,452":1783,"3,453":1784,"3,454":1785,"3,455":1786,"3,456":1787,"3,457":1788,"3,458":1789,"3,459":1790,"3,460":1791,"3,461":1792,"3,462":1793,"3,463":1794,"3,464":1795,"3,465":1796,"3,466":1797,"3,467":1798,"3,468":1799,"3,469":1800,"3,470":1801,"3,471":1802,"3,472":1803,"3,473":1804,"3,474":1805,"3,475":1806,"3,476":1807,"3,477":1808,"3,478":1809,"3,479":1810,"3,480":1811,"3,481":1812,"3,482":1813,"3,483":1814,"3,484":1815,"3,485":1816,"3,486":1817,"3,487":1818,"3,488":1819,"3,489":1820,"3,490":1821,"3,491":1822,"3,492":1823,"3,493":1824,"3,494":1825,"3,495":1826,"3,496":1827,"3,497":1828,"3,498":1829,"3,499":1830,"3,500":1831,"3,501":1832,"3,502":1833,"3,503":1834,"3,504":1835,"3,505":1836,"3,506":1837,"3,507":1838,"3,508":1839,"3,509":1840,"3,510":1841,"3,511":1842,"3,512":1843,"3,513":1844,"3,514":1845,"3,515":1846,"3,516":1847,"3,517":1848,"3,518":1849,"3,519":1850,"3,520":1851,"3,521":1852,"3,522":1853,"3,523":1854,"3,524":1855,"3,525":1856,"3,526":1857,"3,527":1858,"3,528":1859,"3,529":1860,"3,530":1861,"3,531":1862,"3,532":1863,"3,533":1864,"3,534":1865,"3,535":1866,"3,536":1867,"3,537":1868,"3,538":1869,"3,539":1870,"3,540":1871,"3,541":1872,"3,542":1873,"3,543":1874,"3,544":1875,"3,545":1876,"3,546":1877,"3,547":1878,"3,548":1879,"3,549":1880,"3,550":1881,"3,551":1882,"3,552":1883,"3,553":1884,"3,554":1885,"3,555":1886,"3,556":1887,"3,557":1888,"3,558":1889,"3,559":1890,"3,560":1891,"3,561":1892,"3,562":1893,"3,563":1894,"3,564":1895,"3,565":1896,"3,566":1897,"3,567":1898,"3,568":1899,"3,569":1900,"3,570":1901,"3,571":1902,"3,572":1903,"3,573":1904,"3,574":1905,"3,575":1906,"3,576":1907,"3,577":1908,"3,578":1909,"3,579":1910,"3,580":1911,"3,581":1912,"3,582":1913,"3,583":1914,"3,584":1915,"3,585":1916,"3,586":1917,"3,587":1918,"3,588":1919,"3,589":1920,"3,590":1921,"3,591":1922,"3,592":1923,"3,593":1924,"3,594":1925,"3,595":1926,"3,596":1927,"3,597":1928,"3,598":1929,"3,599":1930,"3,600":1931,"3,601":1932,"3,602":1933,"3,603":1934,"3,604":1935,"3,605":1936,"3,606":1937,"3,607":1938,"3,608":1939,"3,609":1940,"3,610":1941,"3,611":1942,"3,612":1943,"3,613":1944,"3,614":1945,"3,615":1946,"3,616":1947,"3,617":1948,"3,618":1949,"3,619":1950,"3,620":1951,"3,621":1952,"3,622":1953,"3,623":1954,"3,624":1955,"3,625":1956,"3,626":1957,"3,627":1958,"3,628":1959,"3,629":1960,"3,630":1961,"3,631":1962,"3,632":1963,"3,633":1964,"3,634":1965,"3,635":1966,"3,636":1967,"3,637":1968,"3,638":1969,"3,639":1970,"3,640":1971,"3,641":1972,"3,642":1973,"3,643":1974,"3,644":1975,"3,645":1976,"3,646":1977,"3,647":1978,"3,648":1979,"3,649":1980,"3,650":1981,"3,651":1982,"3,652":1983,"3,653":1984,"3,654":1985,"3,655":1986,"3,656":1987,"3,657":1988,"3,658":1989,"3,659":1990,"3,660":1991,"3,661":1992,"3,662":1993,"3,663":1994,"3,664":1995,"3,665":1996,"3,666":1997,"3,667":1998,"3,668":1999,"3,669":2000,"3,670":2001,"3,671":2002,"3,672":2003,"3,673":2004,"3,674":2005,"3,675":2006,"3,676":2007,"3,677":2008,"3,678":2009,"3,679":2010,"3,680":2011,"3,681":2012,"3,682":2013,"3,683":2014,"3,684":2015,"3,685":2016,"3,687":2017,"4,1":2018,"4,2":2019,"4,3":2020,"4,4":2021,"4,5":2022,"4,6":2023,"4,7":2024,"4,8":2025,"4,9":2026,"4,10":2027,"4,11":2028,"4,12":2029,"4,13":2030,"4,14":2031,"4,15":2032,"4,16":2033,"4,17":2034,"4,18":2035,"4,19":2036,"4,20":2037,"4,21":2038,"4,22":2039,"4,23":2040,"4,24":2041,"4,25":2042,"4,26":2043,"4,27":2044,"4,28":2045,"4,29":2046,"4,30":2047,"4,31":2048,"4,32":2049,"4,33":2050,"4,34":2051,"4,35":2052,"4,36":2053,"4,37":2054,"4,38":2055,"4,39":2056,"4,40":2057,"4,41":2058,"4,42":2059,"4,43":2060,"4,44":2061,"4,45":2062,"4,46":2063,"4,47":2064,"4,48":2065,"4,49":2066,"4,50":2067,"4,51":2068,"4,52":2069,"4,53":2070,"4,54":2071,"4,55":2072,"4,56":2073,"4,57":2074,"4,58":2075,"4,59":2076,"4,60":2077,"4,61":2078,"4,62":2079,"4,63":2080,"4,64":2081,"4,65":2082,"4,66":2083,"4,67":2084,"4,68":2085,"4,69":2086,"4,70":2087,"4,71":2088,"4,72":2089,"4,73":2090,"4,74":2091,"4,75":2092,"4,76":2093,"4,77":2094,"4,78":2095,"4,79":2096,"4,80":2097,"4,81":2098,"4,82":2099,"4,83":2100,"4,84":2101,"4,85":2102,"4,86":2103,"4,87":2104,"4,88":2105,"4,89":2106,"4,90":2107,"4,91":2108,"4,92":2109,"4,93":2110,"4,94":2111,"4,95":2112,"4,96":2113,"4,97":2114,"4,98":2115,"4,99":2116,"4,100":2117,"4,101":2118,"4,102":2119,"4,103":2120,"4,104":2121,"4,105":2122,"4,106":2123,"4,107":2124,"4,108":2125,"4,109":2126,"4,110":2127,"4,111":2128,"4,112":2129,"4,113":2130,"4,114":2131,"4,115":2132,"4,116":2133,"4,117":2134,"4,118":2135,"4,119":2136,"4,120":2137,"4,121":2138,"4,122":2139,"4,123":2140,"4,124":2141,"4,125":2142,"4,126":2143,"4,127":2144,"4,128":2145,"4,129":2146,"4,130":2147,"4,131":2148,"4,132":2149,"4,133":2150,"4,134":2151,"4,135":2152,"4,136":2153,"4,137":2154,"4,138":2155,"4,139":2156,"4,140":2157,"4,141":2158,"4,142":2159,"4,143":2160,"4,144":2161,"4,145":2162,"4,146":2163,"4,147":2164,"4,148":2165,"4,149":2166,"4,150":2167,"4,151":2168,"4,152":2169,"4,153":2170,"4,154":2171,"4,155":2172,"4,156":2173,"4,157":2174,"4,158":2175,"4,159":2176,"4,160":2177,"4,161":2178,"4,162":2179,"4,163":2180,"4,164":2181,"4,165":2182,"4,166":2183,"4,167":2184,"4,168":2185,"4,169":2186,"4,170":2187,"4,171":2188,"4,172":2189,"4,173":2190,"4,174":2191,"4,175":2192,"4,176":2193,"4,177":2194,"4,178":2195,"4,179":2196,"4,180":2197,"4,181":2198,"4,182":2199,"4,183":2200,"4,184":2201,"4,185":2202,"4,186":2203,"4,187":2204,"4,188":2205,"4,189":2206,"4,190":2207,"4,191":2208,"4,192":2209,"4,193":2210,"4,194":2211,"4,195":2212,"4,196":2213,"4,197":2214,"4,198":2215,"4,199":2216,"4,200":2217,"4,201":2218,"4,202":2219,"4,203":2220,"4,204":2221,"4,205":2222,"4,206":2223,"4,207":2224,"4,208":2225,"4,209":2226,"4,210":2227,"4,211":2228,"4,212":2229,"4,213":2230,"4,214":2231,"4,215":2232,"4,216":2233,"4,217":2234,"4,218":2235,"4,219":2236,"4,220":2237,"4,221":2238,"4,222":2239,"4,223":2240,"4,224":2241,"4,225":2242,"4,226":2243,"4,227":2244,"4,228":2245,"4,229":2246,"4,230":2247,"4,231":2248,"4,232":2249,"4,233":2250,"4,234":2251,"4,235":2252,"4,236":2253,"4,237":2254,"4,238":2255,"4,239":2256,"4,240":2257,"4,241":2258,"4,242":2259,"4,243":2260,"4,244":2261,"4,245":2262,"4,246":2263,"4,247":2264,"4,248":2265,"4,249":2266,"4,250":2267,"4,251":2268,"4,252":2269,"4,253":2270,"4,254":2271,"4,255":2272,"4,256":2273,"4,257":2274,"4,258":2275,"4,259":2276,"4,260":2277,"4,261":2278,"4,262":2279,"4,263":2280,"4,264":2281,"4,265":2282,"4,266":2283,"4,267":2284,"4,268":2285,"4,269":2286,"4,270":2287,"4,271":2288,"4,272":2289,"4,273":2290,"4,274":2291,"4,275":2292,"4,276":2293,"4,277":2294,"4,278":2295,"4,279":2296,"4,280":2297,"4,281":2298,"4,282":2299,"4,283":2300,"4,284":2301,"4,285":2302,"4,286":2303,"4,287":2304,"4,288":2305,"4,289":2306,"4,290":2307,"4,291":2308,"4,292":2309,"4,293":2310,"4,294":2311,"4,295":2312,"4,296":2313,"4,297":2314,"4,298":2315,"4,299":2316,"4,300":2317,"4,301":2318,"4,302":2319,"4,303":2320,"4,304":2321,"4,305":2322,"4,306":2323,"4,307":2324,"4,308":2325,"4,309":2326,"4,310":2327,"4,311":2328,"4,312":2329,"4,313":2330,"4,314":2331,"4,315":2332,"4,316":2333,"4,317":2334,"4,318":2335,"4,319":2336,"4,320":2337,"4,321":2338,"4,322":2339,"4,323":2340,"4,324":2341,"4,325":2342,"4,326":2343,"4,327":2344,"4,328":2345,"4,329":2346,"4,330":2347,"4,331":2348,"4,332":2349,"4,333":2350,"4,334":2351,"4,335":2352,"4,336":2353,"4,337":2354,"4,338":2355,"4,339":2356,"4,340":2357,"4,341":2358,"4,342":2359,"4,343":2360,"4,344":2361,"4,345":2362,"4,346":2363,"4,347":2364,"4,348":2365,"4,349":2366,"4,350":2367,"4,351":2368,"4,352":2369,"4,353":2370,"4,354":2371,"4,355":2372,"4,356":2373,"4,357":2374,"4,358":2375,"4,359":2376,"4,360":2377,"4,361":2378,"4,362":2379,"4,363":2380,"4,364":2381,"4,365":2382,"4,366":2383,"4,367":2384,"4,368":2385,"4,369":2386,"4,370":2387,"4,371":2388,"4,372":2389,"4,373":2390,"4,374":2391,"4,375":2392,"4,376":2393,"4,377":2394,"4,378":2395,"4,379":2396,"4,380":2397,"4,381":2398,"4,382":2399,"4,383":2400,"4,384":2401,"4,385":2402,"4,386":2403,"4,387":2404,"4,388":2405,"4,389":2406,"4,390":2407,"4,391":2408,"4,392":2409,"4,393":2410,"4,394":2411,"4,395":2412,"4,396":2413,"4,397":2414,"4,398":2415,"4,399":2416,"4,400":2417,"4,401":2418,"4,402":2419,"4,403":2420,"4,404":2421,"4,405":2422,"4,406":2423,"4,407":2424,"4,408":2425,"4,409":2426,"4,410":2427,"4,411":2428,"4,412":2429,"4,413":2430,"4,414":2431,"4,415":2432,"4,416":2433,"4,417":2434,"4,418":2435,"4,419":2436,"4,420":2437,"4,421":2438,"4,422":2439,"4,423":2440,"4,424":2441,"4,425":2442,"4,426":2443,"4,427":2444,"4,428":2445,"4,429":2446,"4,430":2447,"4,431":2448,"4,432":2449,"4,433":2450,"4,434":2451,"4,435":2452,"4,436":2453,"4,437":2454,"4,438":2455,"4,439":2456,"4,440":2457,"4,441":2458,"4,442":2459,"4,443":2460,"4,444":2461,"4,445":2462,"4,446":2463,"4,447":2464,"4,448":2465,"4,449":2466,"4,450":2467,"4,451":2468,"4,452":2469,"4,453":2470,"4,454":2471,"4,455":2472,"4,456":2473,"4,457":2474,"4,458":2475,"4,459":2476,"4,460":2477,"4,461":2478,"4,462":2479,"4,463":2480,"4,464":2481,"4,465":2482,"4,466":2483,"4,467":2484,"4,468":2485,"4,469":2486,"4,470":2487,"4,471":2488,"4,472":2489,"4,473":2490,"4,474":2491,"4,475":2492,"4,476":2493,"4,477":2494,"4,478":2495,"4,479":2496,"4,480":2497,"4,481":2498,"4,482":2499,"4,483":2500,"4,484":2501,"4,485":2502,"4,486":2503,"4,487":2504,"4,488":2505,"4,489":2506,"4,490":2507,"4,491":2508,"4,492":2509,"4,493":2510,"4,494":2511,"4,495":2512,"4,496":2513,"4,497":2514,"4,498":2515,"4,499":2516,"4,500":2517,"4,501":2518,"4,502":2519,"4,503":2520,"4,504":2521,"4,505":2522,"4,506":2523,"4,507":2524,"4,508":2525,"4,509":2526,"4,510":2527,"4,511":2528,"4,512":2529,"4,513":2530,"4,514":2531,"4,515":2532,"4,516":2533,"4,517":2534,"4,518":2535,"4,519":2536,"4,520":2537,"4,521":2538,"4,522":2539,"4,523":2540,"4,524":2541,"4,525":2542,"4,526":2543,"4,527":2544,"4,528":2545,"4,529":2546,"4,530":2547,"4,531":2548,"4,532":2549,"4,533":2550,"4,534":2551,"4,535":2552,"4,536":2553,"4,537":2554,"4,538":2555,"4,539":2556,"4,540":2557,"4,541":2558,"4,542":2559,"4,543":2560,"4,544":2561,"4,545":2562,"4,546":2563,"4,547":2564,"4,548":2565,"4,549":2566,"4,550":2567,"4,551":2568,"4,552":2569,"4,553":2570,"4,554":2571,"4,555":2572,"4,556":2573,"4,557":2574,"4,558":2575,"4,559":2576,"4,560":2577,"4,561":2578,"4,562":2579,"4,563":2580,"4,564":2581,"4,565":2582,"4,566":2583,"4,567":2584,"4,568":2585,"4,569":2586,"4,570":2587,"4,571":2588,"4,572":2589,"4,573":2590,"4,574":2591,"4,575":2592,"4,576":2593,"4,577":2594,"4,578":2595,"4,579":2596,"4,580":2597,"4,581":2598,"4,582":2599,"4,583":2600,"4,584":2601,"4,585":2602,"4,586":2603,"4,587":2604,"4,588":2605,"4,589":2606,"4,590":2607,"4,591":2608,"4,592":2609,"4,593":2610,"4,594":2611,"4,595":2612,"4,596":2613,"4,597":2614,"4,598":2615,"4,599":2616,"4,600":2617,"4,601":2618,"4,602":2619,"4,603":2620,"4,604":2621,"4,605":2622,"4,606":2623,"4,607":2624,"4,608":2625,"4,609":2626,"4,610":2627,"4,611":2628,"4,612":2629,"4,613":2630,"4,614":2631,"4,615":2632,"4,616":2633,"4,617":2634,"4,618":2635,"4,619":2636,"4,620":2637,"4,621":2638,"4,622":2639,"4,623":2640,"4,624":2641,"4,625":2642,"4,626":2643,"4,627":2644,"4,628":2645,"4,629":2646,"4,630":2647,"4,631":2648,"4,632":2649,"4,633":2650,"4,634":2651,"4,635":2652,"4,636":2653,"4,637":2654,"4,638":2655,"4,639":2656,"4,640":2657,"4,641":2658,"4,642":2659,"4,643":2660,"4,644":2661,"4,645":2662,"4,646":2663,"4,647":2664,"4,648":2665,"4,649":2666,"4,650":2667,"4,651":2668,"4,652":2669,"4,653":2670,"4,654":2671,"4,655":2672,"4,656":2673,"4,657":2674,"4,658":2675,"4,659":2676,"4,660":2677,"4,661":2678,"4,662":2679,"4,663":2680,"4,664":2681,"4,665":2682,"4,666":2683,"4,667":2684,"4,668":2685,"4,669":2686,"4,670":2687,"4,671":2688,"4,672":2689,"4,673":2690,"4,674":2691,"4,675":2692,"4,676":2693,"4,677":2694,"4,678":2695,"4,679":2696,"4,680":2697,"4,681":2698,"4,682":2699,"4,683":2700,"5,1":2701,"5,2":2702,"5,3":2703,"5,4":2704,"5,5":2705,"5,6":2706,"5,7":2707,"5,8":2708,"5,9":2709,"5,10":2710,"5,11":2711,"5,12":2712,"5,13":2713,"5,14":2714,"5,15":2715,"5,16":2716,"5,17":2717,"5,18":2718,"5,19":2719,"5,20":2720,"5,21":2721,"5,22":2722,"5,23":2723,"5,24":2724,"5,25":2725,"5,26":2726,"5,27":2727,"5,28":2728,"5,29":2729,"5,30":2730,"5,31":2731,"5,32":2732,"5,33":2733,"5,34":2734,"5,35":2735,"5,36":2736,"5,37":2737,"5,38":2738,"5,39":2739,"5,40":2740,"5,41":2741,"5,42":2742,"5,43":2743,"5,44":2744,"5,45":2745,"5,46":2746,"5,47":2747,"5,48":2748,"5,49":2749,"5,50":2750,"5,51":2751,"5,52":2752,"5,53":2753,"5,54":2754,"5,55":2755,"5,56":2756,"5,57":2757,"5,58":2758,"5,59":2759,"5,60":2760,"5,61":2761,"5,62":2762,"5,63":2763,"5,64":2764,"5,65":2765,"5,66":2766,"5,67":2767,"5,68":2768,"5,69":2769,"5,70":2770,"5,71":2771,"5,72":2772,"5,73":2773,"5,74":2774,"5,75":2775,"5,76":2776,"5,77":2777,"5,78":2778,"5,79":2779,"5,80":2780,"5,81":2781,"5,82":2782,"5,83":2783,"5,84":2784,"5,85":2785,"5,86":2786,"5,87":2787,"5,88":2788,"5,89":2789,"5,90":2790,"5,91":2791,"5,92":2792,"5,93":2793,"5,94":2794,"5,95":2795,"5,96":2796,"5,97":2797,"5,98":2798,"5,99":2799,"5,100":2800,"5,101":2801,"5,102":2802,"5,103":2803,"5,104":2804,"5,105":2805,"5,106":2806,"5,107":2807,"5,108":2808,"5,109":2809,"5,110":2810,"5,111":2811,"5,112":2812,"5,113":2813,"5,114":2814,"5,115":2815,"5,116":2816,"5,117":2817,"5,118":2818,"5,119":2819,"5,120":2820,"5,121":2821,"5,122":2822,"5,123":2823,"5,124":2824,"5,125":2825,"5,126":2826,"5,127":2827,"5,128":2828,"5,129":2829,"5,130":2830,"5,131":2831,"5,132":2832,"5,133":2833,"5,134":2834,"5,135":2835,"5,136":2836,"5,137":2837,"5,138":2838,"5,139":2839,"5,140":2840,"5,141":2841,"5,142":2842,"5,143":2843,"5,144":2844,"5,145":2845,"5,146":2846,"5,147":2847,"5,148":2848,"5,149":2849,"5,150":2850,"5,151":2851,"5,152":2852,"5,153":2853,"5,154":2854,"5,155":2855,"5,156":2856,"5,157":2857,"5,158":2858,"5,159":2859,"5,160":2860,"5,161":2861,"5,162":2862,"5,163":2863,"5,164":2864,"5,165":2865,"5,166":2866,"5,167":2867,"5,168":2868,"5,169":2869,"5,170":2870,"5,171":2871,"5,172":2872,"5,173":2873,"5,174":2874,"5,175":2875,"5,176":2876,"5,177":2877,"5,178":2878,"5,179":2879,"5,180":2880,"5,181":2881,"5,182":2882,"5,183":2883,"5,184":2884,"5,185":2885,"5,186":2886,"5,187":2887,"5,188":2888,"5,189":2889,"5,190":2890,"5,191":2891,"5,192":2892,"5,193":2893,"5,194":2894,"5,195":2895,"5,196":2896,"5,197":2897,"5,198":2898,"5,199":2899,"5,200":2900,"5,201":2901,"5,202":2902,"5,203":2903,"5,204":2904,"5,205":2905,"5,206":2906,"5,207":2907,"5,208":2908,"5,209":2909,"5,210":2910,"5,211":2911,"5,212":2912,"5,213":2913,"5,214":2914,"5,215":2915,"5,216":2916,"5,217":2917,"5,218":2918,"5,219":2919,"5,220":2920,"5,221":2921,"5,222":2922,"5,223":2923,"5,224":2924,"5,225":2925,"5,226":2926,"5,227":2927,"5,228":2928,"5,229":2929,"5,230":2930,"5,231":2931,"5,232":2932,"5,233":2933,"5,234":2934,"5,235":2935,"5,236":2936,"5,237":2937,"5,238":2938,"5,239":2939,"5,240":2940,"5,241":2941,"5,242":2942,"5,243":2943,"5,244":2944,"5,245":2945,"5,246":2946,"5,247":2947,"5,248":2948,"5,249":2949,"5,250":2950,"5,251":2951,"5,252":2952,"5,253":2953,"5,254":2954,"5,255":2955,"5,256":2956,"5,257":2957,"5,258":2958,"5,259":2959,"5,260":2960,"5,261":2961,"5,262":2962,"5,263":2963,"5,264":2964,"5,265":2965,"5,266":2966,"5,267":2967,"5,268":2968,"5,269":2969,"5,270":2970,"5,271":2971,"5,272":2972,"5,273":2973,"5,274":2974,"5,275":2975,"5,276":2976,"5,277":2977,"5,278":2978,"5,279":2979,"5,280":2980,"5,281":2981,"5,282":2982,"5,283":2983,"5,284":2984,"5,285":2985,"5,286":2986,"5,287":2987,"5,288":2988,"5,289":2989,"5,290":2990,"5,291":2991,"5,292":2992,"5,293":2993,"5,294":2994,"5,295":2995,"5,296":2996,"5,297":2997,"5,298":2998,"5,299":2999,"5,300":3000,"5,301":3001,"5,302":3002,"5,303":3003,"5,304":3004,"5,305":3005,"5,306":3006,"5,307":3007,"5,308":3008,"5,309":3009,"5,310":3010,"5,311":3011,"5,312":3012,"5,313":3013,"5,314":3014,"5,315":3015,"5,316":3016,"5,317":3017,"5,318":3018,"5,319":3019,"5,320":3020,"5,321":3021,"5,322":3022,"5,323":3023,"5,324":3024,"5,325":3025,"5,326":3026,"5,327":3027,"5,328":3028,"5,329":3029,"5,330":3030,"5,331":3031,"5,332":3032,"5,333":3033,"5,334":3034,"5,335":3035,"5,336":3036,"5,337":3037,"5,338":3038,"5,339":3039,"5,340":3040,"5,341":3041,"5,342":3042,"5,343":3043,"5,344":3044,"5,345":3045,"5,346":3046,"5,347":3047,"5,348":3048,"5,349":3049,"5,350":3050,"5,351":3051,"5,352":3052,"5,353":3053,"5,354":3054,"5,355":3055,"5,356":3056,"5,357":3057,"5,358":3058,"5,359":3059,"5,360":3060,"5,361":3061,"5,362":3062,"5,363":3063,"5,364":3064,"5,365":3065,"5,366":3066,"5,367":3067,"5,368":3068,"5,369":3069,"5,370":3070,"5,371":3071,"5,372":3072,"5,373":3073,"5,374":3074,"5,375":3075,"5,376":3076,"5,377":3077,"5,378":3078,"5,379":3079,"5,380":3080,"5,381":3081,"5,382":3082,"5,383":3083,"5,384":3084,"5,385":3085,"5,386":3086,"5,387":3087,"5,388":3088,"5,389":3089,"5,390":3090,"5,391":3091,"5,392":3092,"5,393":3093,"5,394":3094,"5,395":3095,"5,396":3096,"5,397":3097,"5,398":3098,"5,399":3099,"5,400":3100,"5,401":3101,"5,402":3102,"5,403":3103,"5,404":3104,"5,405":3105,"5,406":3106,"5,407":3107,"5,408":3108,"5,409":3109,"5,410":3110,"5,411":3111,"5,412":3112,"5,413":3113,"5,414":3114,"5,415":3115,"5,416":3116,"5,417":3117,"5,418":3118,"5,419":3119,"5,420":3120,"5,421":3121,"5,422":3122,"5,423":3123,"5,424":3124,"5,425":3125,"5,426":3126,"5,427":3127,"5,428":3128,"5,429":3129,"5,430":3130,"5,431":3131,"5,432":3132,"5,433":3133,"5,434":3134,"5,435":3135,"5,436":3136,"5,437":3137,"5,438":3138,"5,439":3139,"5,440":3140,"5,441":3141,"5,442":3142,"5,443":3143,"5,444":3144,"5,445":3145,"5,446":3146,"5,447":3147,"5,448":3148,"5,449":3149,"5,450":3150,"5,451":3151,"5,452":3152,"5,453":3153,"5,454":3154,"5,455":3155,"5,456":3156,"5,457":3157,"5,458":3158,"5,459":3159,"5,460":3160,"5,461":3161,"5,462":3162,"5,463":3163,"5,464":3164,"5,465":3165,"5,466":3166,"5,467":3167,"5,468":3168,"5,469":3169,"5,470":3170,"5,471":3171,"5,472":3172,"5,473":3173,"5,474":3174,"5,475":3175,"5,476":3176,"5,477":3177,"5,478":3178,"5,479":3179,"5,480":3180,"5,481":3181,"5,482":3182,"5,483":3183,"5,484":3184,"5,485":3185,"5,486":3186,"5,487":3187,"5,488":3188,"5,489":3189,"5,490":3190,"5,491":3191,"5,492":3192,"5,493":3193,"5,494":3194,"5,495":3195,"5,496":3196,"5,497":3197,"5,498":3198,"5,499":3199,"5,500":3200,"5,501":3201,"5,502":3202,"5,503":3203,"5,504":3204,"5,505":3205,"5,506":3206,"5,507":3207,"5,508":3208,"5,509":3209,"5,510":3210,"5,511":3211,"5,512":3212,"5,513":3213,"5,514":3214,"5,515":3215,"5,516":3216,"5,517":3217,"5,518":3218,"5,519":3219,"5,520":3220,"5,521":3221,"5,522":3222,"5,523":3223,"5,524":3224,"5,525":3225,"5,526":3226,"5,527":3227,"5,528":3228,"5,529":3229,"5,530":3230,"5,531":3231,"5,532":3232,"5,533":3233,"5,534":3234,"5,535":3235,"5,536":3236,"5,537":3237,"5,538":3238,"5,539":3239,"5,540":3240,"5,541":3241,"5,542":3242,"5,543":3243,"5,544":3244,"5,545":3245,"5,546":3246,"5,547":3247,"5,548":3248,"5,549":3249,"5,550":3250,"5,551":3251,"5,552":3252,"5,553":3253,"5,554":3254,"5,555":3255,"5,556":3256,"5,557":3257,"5,558":3258,"5,559":3259,"5,560":3260,"5,561":3261,"5,562":3262,"5,563":3263,"5,564":3264,"5,565":3265,"5,566":3266,"5,567":3267,"5,568":3268,"5,569":3269,"5,570":3270,"5,571":3271,"5,572":3272,"5,573":3273,"5,574":3274,"5,575":3275,"5,576":3276,"5,577":3277,"5,578":3278,"5,579":3279,"5,580":3280,"5,581":3281,"5,582":3282,"5,583":3283,"5,584":3284,"5,585":3285,"5,586":3286,"5,587":3287,"5,588":3288,"5,589":3289,"5,590":3290,"5,591":3291,"5,592":3292,"5,593":3293,"5,594":3294,"5,595":3295,"5,596":3296,"5,597":3297,"5,598":3298,"5,599":3299,"5,600":3300,"5,601":3301,"5,602":3302,"5,603":3303,"5,604":3304,"5,605":3305,"5,606":3306,"5,607":3307,"5,608":3308,"5,609":3309,"5,610":3310,"5,611":3311,"5,612":3312,"5,613":3313,"5,614":3314,"5,615":3315,"5,616":3316,"5,617":3317,"5,618":3318,"5,619":3319,"5,620":3320,"5,621":3321,"5,622":3322,"5,623":3323,"5,624":3324,"5,625":3325,"5,626":3326,"5,627":3327,"5,628":3328,"5,629":3329,"5,630":3330,"5,631":3331,"5,632":3332,"5,633":3333,"5,634":3334,"5,635":3335,"6,1":3336,"6,2":3337,"6,3":3338,"6,4":3339,"6,5":3340,"6,6":3341,"6,7":3342,"6,8":3343,"6,9":3344,"6,10":3345,"6,11":3346,"6,12":3347,"6,13":3348,"6,14":3349,"6,15":3350,"6,16":3351,"6,17":3352,"6,18":3353,"6,19":3354,"6,20":3355,"6,21":3356,"6,22":3357,"6,23":3358,"6,24":3359,"6,25":3360,"6,26":3361,"6,27":3362,"6,28":3363,"6,29":3364,"6,30":3365,"6,31":3366,"6,32":3367,"6,33":3368,"6,34":3369,"6,35":3370,"6,36":3371,"6,37":3372,"6,38":3373,"6,39":3374,"6,40":3375,"6,41":3376,"6,42":3377,"6,43":3378,"6,44":3379,"6,45":3380,"6,46":3381,"6,47":3382,"6,48":3383,"6,49":3384,"6,50":3385,"6,51":3386,"6,52":3387,"6,53":3388,"6,54":3389,"6,55":3390,"6,56":3391,"6,57":3392,"6,58":3393,"6,59":3394,"6,60":3395,"6,61":3396,"6,62":3397,"6,63":3398,"6,64":3399,"6,65":3400,"6,66":3401,"6,67":3402,"6,68":3403,"6,69":3404,"6,70":3405,"6,71":3406,"6,72":3407,"6,73":3408,"6,74":3409,"6,75":3410,"6,76":3411,"6,77":3412,"6,78":3413,"6,79":3414,"6,80":3415,"6,81":3416,"6,82":3417,"6,83":3418,"6,84":3419,"6,85":3420,"6,86":3421,"6,87":3422,"6,88":3423,"6,89":3424,"6,90":3425,"6,91":3426,"6,92":3427,"6,93":3428,"6,94":3429,"6,95":3430,"6,96":3431,"6,97":3432,"6,98":3433,"6,99":3434,"6,100":3435,"6,101":3436,"6,102":3437,"6,103":3438,"6,104":3439,"6,105":3440,"6,106":3441,"6,107":3442,"6,108":3443,"6,109":3444,"6,110":3445,"6,111":3446,"6,112":3447,"6,113":3448,"6,114":3449,"6,115":3450,"6,116":3451,"6,117":3452,"6,118":3453,"6,119":3454,"6,120":3455,"6,121":3456,"6,122":3457,"6,123":3458,"6,124":3459,"6,125":3460,"6,126":3461,"6,127":3462,"6,128":3463,"6,129":3464,"6,130":3465,"6,131":3466,"6,132":3467,"6,133":3468,"6,134":3469,"6,135":3470,"6,136":3471,"6,137":3472,"6,138":3473,"6,139":3474,"6,140":3475,"6,141":3476,"6,142":3477,"6,143":3478,"6,144":3479,"6,145":3480,"6,146":3481,"6,147":3482,"6,148":3483,"6,149":3484,"6,150":3485,"6,151":3486,"6,152":3487,"6,153":3488,"6,154":3489,"6,155":3490,"6,156":3491,"6,157":3492,"6,158":3493,"6,159":3494,"6,160":3495,"6,161":3496,"6,162":3497,"6,163":3498,"6,164":3499,"6,165":3500,"6,166":3501,"6,167":3502,"6,168":3503,"6,169":3504,"6,170":3505,"6,171":3506,"6,172":3507,"6,173":3508,"6,174":3509,"6,175":3510,"6,176":3511,"6,177":3512,"6,178":3513,"6,179":3514,"6,180":3515,"6,181":3516,"6,182":3517,"6,183":3518,"6,184":3519,"6,185":3520,"6,186":3521,"6,187":3522,"6,188":3523,"6,189":3524,"6,190":3525,"6,191":3526,"6,192":3527,"6,193":3528,"6,194":3529,"6,195":3530,"6,196":3531,"6,197":3532,"6,198":3533,"6,199":3534,"6,200":3535,"6,201":3536,"6,202":3537,"6,203":3538,"6,204":3539,"6,205":3540,"6,206":3541,"6,207":3542,"6,208":3543,"6,209":3544,"6,210":3545,"6,211":3546,"6,212":3547,"6,213":3548,"6,214":3549,"6,215":3550,"6,216":3551,"6,217":3552,"6,218":3553,"6,219":3554,"6,220":3555,"6,221":3556,"6,222":3557,"6,223":3558,"6,224":3559,"6,225":3560,"6,226":3561,"6,227":3562,"6,228":3563,"6,229":3564,"6,230":3565,"6,231":3566,"6,232":3567,"6,233":3568,"6,234":3569,"6,235":3570,"6,236":3571,"6,237":3572,"6,238":3573,"6,239":3574,"6,240":3575,"6,241":3576,"6,242":3577,"6,243":3578,"6,244":3579,"6,245":3580,"6,246":3581,"6,247":3582,"6,248":3583,"6,249":3584,"6,250":3585,"6,251":3586,"6,252":3587,"6,253":3588,"6,254":3589,"6,255":3590,"6,256":3591,"6,257":3592,"6,258":3593,"6,259":3594,"6,260":3595,"6,261":3596,"6,262":3597,"6,263":3598,"6,264":3599,"6,265":3600,"6,266":3601,"6,267":3602,"6,268":3603,"6,269":3604,"6,270":3605,"6,271":3606,"6,272":3607,"6,273":3608,"6,274":3609,"6,275":3610,"6,276":3611,"6,277":3612,"6,278":3613,"6,279":3614,"6,280":3615,"6,281":3616,"6,282":3617,"6,283":3618,"6,284":3619,"6,285":3620,"6,286":3621,"6,287":3622,"6,288":3623,"6,289":3624,"6,290":3625,"6,291":3626,"6,292":3627,"6,293":3628,"6,294":3629,"6,295":3630,"6,296":3631,"6,297":3632,"6,298":3633,"6,299":3634,"6,300":3635,"6,301":3636,"6,302":3637,"6,303":3638,"6,304":3639,"6,305":3640,"6,306":3641,"6,307":3642,"6,308":3643,"6,309":3644,"6,310":3645,"6,311":3646,"6,312":3647,"6,313":3648,"6,314":3649,"6,315":3650,"6,316":3651,"6,317":3652,"6,318":3653,"6,319":3654,"6,320":3655,"6,321":3656,"6,322":3657,"6,323":3658,"6,324":3659,"6,325":3660,"6,326":3661,"6,327":3662,"6,328":3663,"6,329":3664,"6,330":3665,"6,331":3666,"6,332":3667,"6,333":3668,"6,334":3669,"6,335":3670,"6,336":3671,"6,337":3672,"6,338":3673,"6,339":3674,"6,340":3675,"6,341":3676,"6,342":3677,"6,343":3678,"6,344":3679,"6,345":3680,"6,346":3681,"6,347":3682,"6,348":3683,"6,349":3684,"6,350":3685,"6,351":3686,"6,352":3687,"6,353":3688,"6,354":3689,"6,355":3690,"6,356":3691,"6,357":3692,"6,358":3693,"6,359":3694,"6,360":3695,"6,361":3696,"6,362":3697,"6,363":3698,"6,364":3699,"6,365":3700,"6,366":3701,"6,367":3702,"6,368":3703,"6,369":3704,"6,370":3705,"6,371":3706,"6,372":3707,"6,373":3708,"6,374":3709,"6,375":3710,"6,376":3711,"6,377":3712,"6,378":3713,"6,379":3714,"6,380":3715,"6,381":3716,"6,382":3717,"6,383":3718,"6,384":3719,"6,385":3720,"6,386":3721,"6,387":3722,"6,388":3723,"6,389":3724,"6,390":3725,"6,391":3726,"6,392":3727,"6,393":3728,"6,394":3729,"6,395":3730,"6,396":3731,"6,397":3732,"6,398":3733,"6,399":3734,"6,400":3735,"6,401":3736,"6,402":3737,"6,403":3738,"6,404":3739,"6,405":3740,"6,406":3741,"6,407":3742,"6,408":3743,"6,409":3744,"6,410":3745,"6,411":3746,"6,412":3747,"6,413":3748,"6,414":3749,"6,415":3750,"6,416":3751,"6,417":3752,"6,418":3753,"6,419":3754,"6,420":3755,"6,421":3756,"6,422":3757,"6,423":3758,"6,424":3759,"6,425":3760,"6,426":3761,"6,427":3762,"6,428":3763,"6,429":3764,"6,430":3765,"6,431":3766,"6,432":3767,"6,433":3768,"6,434":3769,"6,435":3770,"6,436":3771,"6,437":3772,"6,438":3773,"6,439":3774,"6,440":3775,"6,441":3776,"6,442":3777,"6,443":3778,"6,444":3779,"6,445":3780,"6,446":3781,"6,447":3782,"6,448":3783,"6,449":3784,"6,450":3785,"6,451":3786,"6,452":3787,"6,453":3788,"6,454":3789,"6,455":3790,"6,456":3791,"6,457":3792,"6,458":3793,"6,459":3794,"6,460":3795,"6,461":3796,"6,462":3797,"6,463":3798,"6,464":3799,"6,465":3800,"6,466":3801,"6,467":3802,"6,468":3803,"6,469":3804,"6,470":3805,"6,471":3806,"6,472":3807,"6,473":3808,"6,474":3809,"6,475":3810,"6,476":3811,"6,477":3812,"6,478":3813,"6,479":3814,"6,480":3815,"6,481":3816,"6,482":3817,"6,483":3818,"6,484":3819,"6,485":3820,"6,486":3821,"6,487":3822,"6,488":3823,"6,489":3824,"6,490":3825,"6,491":3826,"6,492":3827,"6,493":3828,"6,494":3829,"6,495":3830,"6,496":3831,"6,497":3832,"6,498":3833,"6,499":3834,"6,500":3835,"6,501":3836,"6,502":3837,"6,503":3838,"6,504":3839,"6,505":3840,"6,506":3841,"6,507":3842,"6,508":3843,"6,509":3844,"6,510":3845,"6,511":3846,"6,512":3847,"6,513":3848,"6,514":3849,"6,515":3850,"6,516":3851,"6,517":3852,"6,518":3853,"6,519":3854,"6,520":3855,"6,521":3856,"6,522":3857,"6,523":3858,"6,524":3859,"6,525":3860,"6,526":3861,"6,527":3862,"6,528":3863,"6,529":3864,"6,530":3865,"6,531":3866,"6,532":3867,"6,533":3868,"6,534":3869,"6,535":3870,"6,536":3871,"6,537":3872,"6,538":3873,"6,539":3874,"6,540":3875,"6,541":3876,"6,542":3877,"6,543":3878,"6,544":3879,"6,545":3880,"6,546":3881,"6,547":3882,"6,548":3883,"6,549":3884,"6,550":3885,"6,551":3886,"6,552":3887,"6,553":3888,"6,554":3889,"6,555":3890,"6,556":3891,"6,557":3892,"6,558":3893,"6,559":3894,"6,560":3895,"6,561":3896,"6,562":3897,"6,563":3898,"6,564":3899,"6,565":3900,"6,566":3901,"6,567":3902,"6,568":3903,"6,569":3904,"6,570":3905,"6,571":3906,"6,572":3907,"6,573":3908,"6,574":3909,"6,575":3910,"6,576":3911,"6,577":3912,"6,578":3913,"6,579":3914,"6,580":3915,"6,581":3916,"6,582":3917,"6,583":3918,"6,584":3919,"6,585":3920,"6,586":3921,"6,587":3922,"6,588":3923,"6,589":3924,"6,590":3925,"6,591":3926,"6,592":3927,"6,593":3928,"6,594":3929,"6,595":3930,"6,596":3931,"6,597":3932,"6,598":3933,"6,599":3934,"6,600":3935,"6,601":3936,"6,602":3937,"6,603":3938,"6,604":3939,"6,605":3940,"6,606":3941,"6,607":3942,"6,608":3943,"6,609":3944,"6,610":3945,"6,611":3946,"6,612":3947,"6,613":3948,"6,614":3949,"6,615":3950,"6,616":3951,"6,617":3952,"6,618":3953,"7,1":3954,"7,2":3955,"7,3":3956,"7,4":3957,"7,5":3958,"7,6":3959,"7,7":3960,"7,8":3961,"7,9":3962,"7,10":3963,"7,11":3964,"7,12":3965,"7,13":3966,"7,14":3967,"7,15":3968,"7,16":3969,"7,17":3970,"7,18":3971,"7,19":3972,"7,20":3973,"7,21":3974,"7,22":3975,"7,23":3976,"7,24":3977,"7,25":3978,"7,26":3979,"7,27":3980,"7,28":3981,"7,29":3982,"7,30":3983,"7,31":3984,"7,32":3985,"7,33":3986,"7,34":3987,"7,35":3988,"7,36":3989,"7,37":3990,"7,38":3991,"7,39":3992,"7,40":3993,"7,41":3994,"7,42":3995,"7,43":3996,"7,44":3997,"7,45":3998,"7,46":3999,"7,47":4000,"7,48":4001,"7,49":4002,"7,50":4003,"7,51":4004,"7,52":4005,"7,53":4006,"7,54":4007,"7,55":4008,"7,56":4009,"7,57":4010,"7,58":4011,"7,59":4012,"7,60":4013,"7,61":4014,"7,62":4015,"7,63":4016,"7,64":4017,"7,65":4018,"7,66":4019,"7,67":4020,"7,68":4021,"7,69":4022,"7,70":4023,"7,71":4024,"7,72":4025,"7,73":4026,"7,74":4027,"7,75":4028,"7,76":4029,"7,77":4030,"7,78":4031,"7,79":4032,"7,80":4033,"7,81":4034,"7,82":4035,"7,83":4036,"7,84":4037,"7,85":4038,"7,86":4039,"7,87":4040,"7,88":4041,"7,89":4042,"7,90":4043,"7,91":4044,"7,92":4045,"7,93":4046,"7,94":4047,"7,95":4048,"7,96":4049,"7,97":4050,"7,98":4051,"7,99":4052,"7,100":4053,"7,101":4054,"7,102":4055,"7,103":4056,"7,104":4057,"7,105":4058,"7,106":4059,"7,107":4060,"7,108":4061,"7,109":4062,"7,110":4063,"7,111":4064,"7,112":4065,"7,113":4066,"7,114":4067,"7,115":4068,"7,116":4069,"7,117":4070,"7,118":4071,"7,119":4072,"7,120":4073,"7,121":4074,"7,122":4075,"7,123":4076,"7,124":4077,"7,125":4078,"7,126":4079,"7,127":4080,"7,128":4081,"7,129":4082,"7,130":4083,"7,131":4084,"7,132":4085,"7,133":4086,"7,134":4087,"7,135":4088,"7,136":4089,"7,137":4090,"7,138":4091,"7,139":4092,"7,140":4093,"7,141":4094,"7,142":4095,"7,143":4096,"7,144":4097,"7,145":4098,"7,146":4099,"7,147":4100,"7,148":4101,"7,149":4102,"7,150":4103,"7,151":4104,"7,152":4105,"7,153":4106,"7,154":4107,"7,155":4108,"7,156":4109,"7,157":4110,"7,158":4111,"7,159":4112,"7,160":4113,"7,161":4114,"7,162":4115,"7,163":4116,"7,164":4117,"7,165":4118,"7,166":4119,"7,167":4120,"7,168":4121,"7,169":4122,"7,170":4123,"7,171":4124,"7,172":4125,"7,173":4126,"7,174":4127,"7,175":4128,"7,176":4129,"7,177":4130,"7,178":4131,"7,179":4132,"7,180":4133,"7,181":4134,"7,182":4135,"7,183":4136,"7,184":4137,"7,185":4138,"7,186":4139,"7,187":4140,"7,188":4141,"7,189":4142,"7,190":4143,"7,191":4144,"7,192":4145,"7,193":4146,"7,194":4147,"7,195":4148,"7,196":4149,"7,197":4150,"7,198":4151,"7,199":4152,"7,200":4153,"7,201":4154,"7,202":4155,"7,203":4156,"7,204":4157,"7,205":4158,"7,206":4159,"7,207":4160,"7,208":4161,"7,209":4162,"7,210":4163,"7,211":4164,"7,212":4165,"7,213":4166,"7,214":4167,"7,215":4168,"7,216":4169,"7,217":4170,"7,218":4171,"7,219":4172,"7,220":4173,"7,221":4174,"7,222":4175,"7,223":4176,"7,224":4177,"7,225":4178,"7,226":4179,"7,227":4180,"7,228":4181,"7,229":4182,"7,230":4183,"7,231":4184,"7,232":4185,"7,233":4186,"7,234":4187,"7,235":4188,"7,236":4189,"7,237":4190,"7,238":4191,"7,239":4192,"7,240":4193,"7,241":4194,"7,242":4195,"7,243":4196,"7,244":4197,"7,245":4198,"7,246":4199,"7,247":4200,"7,248":4201,"7,249":4202,"7,250":4203,"7,251":4204,"7,252":4205,"7,253":4206,"7,254":4207,"7,255":4208,"7,256":4209,"7,257":4210,"7,258":4211,"7,259":4212,"7,260":4213,"7,261":4214,"7,262":4215,"7,263":4216,"7,264":4217,"7,265":4218,"7,266":4219,"7,267":4220,"7,268":4221,"7,269":4222,"7,270":4223,"7,271":4224,"7,272":4225,"7,273":4226,"7,274":4227,"7,275":4228,"7,276":4229,"7,277":4230,"7,278":4231,"7,279":4232,"7,280":4233,"7,281":4234,"7,282":4235,"7,283":4236,"7,284":4237,"7,285":4238,"7,286":4239,"7,287":4240,"7,288":4241,"7,289":4242,"7,290":4243,"7,291":4244,"7,292":4245,"7,293":4246,"7,294":4247,"7,295":4248,"7,296":4249,"7,297":4250,"7,298":4251,"7,299":4252,"7,300":4253,"7,301":4254,"7,302":4255,"7,303":4256,"7,304":4257,"7,305":4258,"7,306":4259,"7,307":4260,"7,308":4261,"7,309":4262,"7,310":4263,"7,311":4264,"7,312":4265,"7,313":4266,"7,314":4267,"7,315":4268,"7,316":4269,"7,317":4270,"7,318":4271,"7,319":4272,"7,320":4273,"7,321":4274,"7,322":4275,"7,323":4276,"7,324":4277,"7,325":4278,"7,326":4279,"7,327":4280,"7,328":4281,"7,329":4282,"7,330":4283,"7,331":4284,"7,332":4285,"7,333":4286,"7,334":4287,"7,335":4288,"7,336":4289,"7,337":4290,"7,338":4291,"7,339":4292,"7,340":4293,"7,341":4294,"7,342":4295,"7,343":4296,"7,344":4297,"7,345":4298,"7,346":4299,"7,347":4300,"7,348":4301,"7,349":4302,"7,350":4303,"7,351":4304,"7,352":4305,"7,353":4306,"7,354":4307,"7,355":4308,"7,356":4309,"7,357":4310,"7,358":4311,"7,359":4312,"7,360":4313,"7,361":4314,"7,362":4315,"7,363":4316,"7,364":4317,"7,365":4318,"7,366":4319,"7,367":4320,"7,368":4321,"7,369":4322,"7,370":4323,"7,371":4324,"7,372":4325,"7,373":4326,"7,374":4327,"7,375":4328,"7,376":4329,"7,377":4330,"7,378":4331,"7,379":4332,"7,380":4333,"7,381":4334,"7,382":4335,"7,383":4336,"7,384":4337,"7,385":4338,"7,386":4339,"7,387":4340,"7,388":4341,"7,389":4342,"7,390":4343,"7,391":4344,"7,392":4345,"7,393":4346,"7,394":4347,"7,395":4348,"7,396":4349,"7,397":4350,"7,398":4351,"7,399":4352,"7,400":4353,"7,401":4354,"7,402":4355,"7,403":4356,"7,404":4357,"7,405":4358,"7,406":4359,"7,407":4360,"7,408":4361,"7,409":4362,"7,410":4363,"7,411":4364,"7,412":4365,"7,413":4366,"7,414":4367,"7,415":4368,"7,416":4369,"7,417":4370,"7,418":4371,"7,419":4372,"7,420":4373,"7,421":4374,"7,422":4375,"7,423":4376,"7,424":4377,"7,425":4378,"7,426":4379,"7,427":4380,"7,428":4381,"7,429":4382,"7,430":4383,"7,431":4384,"7,432":4385,"7,433":4386,"7,434":4387,"7,435":4388,"7,436":4389,"7,437":4390,"7,438":4391,"7,439":4392,"7,440":4393,"7,441":4394,"7,442":4395,"7,443":4396,"7,444":4397,"7,445":4398,"7,446":4399,"7,447":4400,"7,448":4401,"7,449":4402,"7,450":4403,"7,451":4404,"7,452":4405,"7,453":4406,"7,454":4407,"7,455":4408,"7,456":4409,"7,457":4410,"7,458":4411,"7,459":4412,"7,460":4413,"7,461":4414,"7,462":4415,"7,463":4416,"7,464":4417,"7,465":4418,"7,466":4419,"7,467":4420,"7,468":4421,"7,469":4422,"7,470":4423,"7,471":4424,"7,472":4425,"7,473":4426,"7,474":4427,"7,475":4428,"7,476":4429,"7,477":4430,"7,478":4431,"7,479":4432,"7,480":4433,"7,481":4434,"7,482":4435,"7,483":4436,"7,484":4437,"7,485":4438,"7,486":4439,"7,487":4440,"7,488":4441,"7,489":4442,"7,490":4443,"7,491":4444,"7,492":4445,"7,493":4446,"7,494":4447,"7,495":4448,"7,496":4449,"7,497":4450,"7,498":4451,"7,499":4452,"7,500":4453,"7,501":4454,"7,502":4455,"7,503":4456,"7,504":4457,"7,505":4458,"7,506":4459,"7,507":4460,"7,508":4461,"7,509":4462,"7,510":4463,"7,511":4464,"7,512":4465,"7,513":4466,"7,514":4467,"7,515":4468,"7,516":4469,"7,517":4470,"7,518":4471,"7,519":4472,"7,520":4473,"7,521":4474,"7,522":4475,"7,523":4476,"7,524":4477,"7,525":4478,"7,526":4479,"7,527":4480,"7,528":4481,"7,529":4482,"7,530":4483,"7,531":4484,"7,532":4485,"7,533":4486,"7,534":4487,"7,535":4488,"7,536":4489,"7,537":4490,"7,538":4491,"7,539":4492,"7,540":4493,"7,541":4494,"7,542":4495,"7,543":4496,"7,544":4497,"7,545":4498,"7,546":4499,"7,547":4500,"7,548":4501,"7,549":4502,"7,550":4503,"7,551":4504,"7,552":4505,"7,553":4506,"7,554":4507,"7,555":4508,"7,556":4509,"7,557":4510,"7,558":4511,"7,559":4512,"7,560":4513,"7,561":4514,"7,562":4515,"7,563":4516,"7,564":4517,"7,565":4518,"7,566":4519,"7,567":4520,"7,568":4521,"7,569":4522,"7,570":4523,"7,571":4524,"7,572":4525,"7,573":4526,"7,574":4527,"7,575":4528,"7,576":4529,"7,577":4530,"7,578":4531,"7,579":4532,"7,580":4533,"7,581":4534,"7,582":4535,"7,583":4536,"7,584":4537,"7,585":4538,"7,586":4539,"7,587":4540,"7,588":4541,"7,589":4542,"7,590":4543,"7,591":4544,"7,592":4545,"7,593":4546,"7,594":4547,"7,595":4548,"7,596":4549,"7,597":4550,"7,598":4551,"7,599":4552,"7,600":4553,"7,601":4554,"7,602":4555,"7,603":4556,"7,604":4557,"7,605":4558,"7,606":4559,"7,607":4560,"7,608":4561,"7,609":4562,"7,610":4563,"7,611":4564,"7,612":4565,"7,613":4566,"7,614":4567,"7,615":4568,"7,616":4569,"7,617":4570,"7,618":4571,"7,619":4572,"7,620":4573,"7,621":4574,"7,622":4575,"7,623":4576,"7,624":4577,"7,625":4578,"7,626":4579,"7,627":4580,"7,628":4581,"7,629":4582,"7,630":4583,"7,631":4584,"7,632":4585,"7,633":4586,"7,634":4587,"7,635":4588,"7,636":4589,"7,637":4590,"7,638":4591,"7,639":4592,"7,640":4593,"7,641":4594,"7,642":4595,"7,643":4596,"7,644":4597,"7,645":4598,"7,646":4599,"7,647":4600,"7,648":4601,"7,649":4602,"7,650":4603,"7,651":4604,"7,652":4605,"7,653":4606,"7,654":4607,"7,655":4608,"7,656":4609,"7,657":4610,"7,658":4611,"7,659":4612,"7,660":4613,"7,661":4614,"7,662":4615,"7,663":4616,"7,664":4617,"7,665":4618,"7,666":4619,"7,667":4620,"7,668":4621,"7,669":4622,"7,670":4623,"7,671":4624,"7,672":4625,"7,673":4626,"7,674":4627,"7,675":4628,"7,676":4629,"7,677":4630,"7,678":4631,"7,679":4632,"7,680":4633,"7,681":4634,"7,682":4635,"7,683":4636,"7,684":4637,"7,685":4638,"7,686":4639,"7,687":4640,"7,688":4641,"7,689":4642,"8,1":4643,"8,2":4644,"8,3":4645,"8,4":4646,"8,5":4647,"8,6":4648,"8,7":4649,"8,8":4650,"8,9":4651,"8,10":4652,"8,11":4653,"8,12":4654,"8,13":4655,"8,14":4656,"8,15":4657,"8,16":4658,"8,17":4659,"8,18":4660,"8,19":4661,"8,20":4662,"8,21":4663,"8,22":4664,"8,23":4665,"8,24":4666,"8,25":4667,"8,26":4668,"8,27":4669,"8,28":4670,"8,29":4671,"8,30":4672,"8,31":4673,"8,32":4674,"8,33":4675,"8,34":4676,"8,35":4677,"8,36":4678,"8,37":4679,"8,38":4680,"8,39":4681,"8,40":4682,"8,41":4683,"8,42":4684,"8,43":4685,"8,44":4686,"8,45":4687,"8,46":4688,"8,47":4689,"8,48":4690,"8,49":4691,"8,50":4692,"8,51":4693,"8,52":4694,"8,53":4695,"8,54":4696,"8,55":4697,"8,56":4698,"8,57":4699,"8,58":4700,"8,59":4701,"8,60":4702,"8,61":4703,"8,62":4704,"8,63":4705,"8,64":4706,"8,65":4707,"8,66":4708,"8,67":4709,"8,68":4710,"8,69":4711,"8,70":4712,"8,71":4713,"8,72":4714,"8,73":4715,"8,74":4716,"8,75":4717,"8,76":4718,"8,77":4719,"8,78":4720,"8,79":4721,"8,80":4722,"8,81":4723,"8,82":4724,"8,83":4725,"8,84":4726,"8,85":4727,"8,86":4728,"8,87":4729,"8,88":4730,"8,89":4731,"8,90":4732,"8,91":4733,"8,92":4734,"8,93":4735,"8,94":4736,"8,95":4737,"8,96":4738,"8,97":4739,"8,98":4740,"8,99":4741,"8,100":4742,"8,101":4743,"8,102":4744,"8,103":4745,"8,104":4746,"8,105":4747,"8,106":4748,"8,107":4749,"8,108":4750,"8,109":4751,"8,110":4752,"8,111":4753,"8,112":4754,"8,113":4755,"8,114":4756,"8,115":4757,"8,116":4758,"8,117":4759,"8,118":4760,"8,119":4761,"8,120":4762,"8,121":4763,"8,122":4764,"8,123":4765,"8,124":4766,"8,125":4767,"8,126":4768,"8,127":4769,"8,128":4770,"8,129":4771,"8,130":4772,"8,131":4773,"8,132":4774,"8,133":4775,"8,134":4776,"8,135":4777,"8,136":4778,"8,137":4779,"8,138":4780,"8,139":4781,"8,140":4782,"8,141":4783,"8,142":4784,"8,143":4785,"8,144":4786,"8,145":4787,"8,146":4788,"8,147":4789,"8,148":4790,"8,149":4791,"8,150":4792,"8,151":4793,"8,152":4794,"8,153":4795,"8,154":4796,"8,155":4797,"8,156":4798,"8,157":4799,"8,158":4800,"8,159":4801,"8,160":4802,"8,161":4803,"8,162":4804,"8,163":4805,"8,164":4806,"8,165":4807,"8,166":4808,"8,167":4809,"8,168":4810,"8,169":4811,"8,170":4812,"8,171":4813,"8,172":4814,"8,173":4815,"8,174":4816,"8,175":4817,"8,176":4818,"8,177":4819,"8,178":4820,"8,179":4821,"8,180":4822,"8,181":4823,"8,182":4824,"8,183":4825,"8,184":4826,"8,185":4827,"8,186":4828,"8,187":4829,"8,188":4830,"8,189":4831,"8,190":4832,"8,191":4833,"8,192":4834,"8,193":4835,"8,194":4836,"8,195":4837,"8,196":4838,"8,197":4839,"8,198":4840,"8,199":4841,"8,200":4842,"8,201":4843,"8,202":4844,"8,203":4845,"8,204":4846,"8,205":4847,"8,206":4848,"8,207":4849,"8,208":4850,"8,209":4851,"8,210":4852,"8,211":4853,"8,212":4854,"8,213":4855,"8,214":4856,"8,215":4857,"8,216":4858,"8,217":4859,"8,218":4860,"8,219":4861,"8,220":4862,"8,221":4863,"8,222":4864,"8,223":4865,"8,224":4866,"8,225":4867,"8,226":4868,"8,227":4869,"8,228":4870,"8,229":4871,"8,230":4872,"8,231":4873,"8,232":4874,"8,233":4875,"8,234":4876,"8,235":4877,"8,236":4878,"8,237":4879,"8,238":4880,"8,239":4881,"8,240":4882,"8,241":4883,"8,242":4884,"8,243":4885,"8,244":4886,"8,245":4887,"8,246":4888,"8,247":4889,"8,248":4890,"8,249":4891,"8,250":4892,"8,251":4893,"8,252":4894,"8,253":4895,"8,254":4896,"8,255":4897,"8,256":4898,"8,257":4899,"8,258":4900,"8,259":4901,"8,260":4902,"8,261":4903,"8,262":4904,"8,263":4905,"8,264":4906,"8,265":4907,"8,266":4908,"8,267":4909,"8,268":4910,"8,269":4911,"8,270":4912,"8,271":4913,"8,272":4914,"8,273":4915,"8,274":4916,"8,275":4917,"8,276":4918,"8,277":4919,"8,278":4920,"8,279":4921,"8,280":4922,"8,281":4923,"8,282":4924,"8,283":4925,"8,284":4926,"8,285":4927,"8,286":4928,"8,287":4929,"8,288":4930,"8,289":4931,"8,290":4932,"8,291":4933,"8,292":4934,"8,293":4935,"8,294":4936,"8,295":4937,"8,296":4938,"8,297":4939,"8,298":4940,"8,299":4941,"8,300":4942,"8,301":4943,"8,302":4944,"8,303":4945,"8,304":4946,"8,305":4947,"8,306":4948,"8,307":4949,"8,308":4950,"8,309":4951,"8,310":4952,"8,311":4953,"8,312":4954,"8,313":4955,"8,314":4956,"8,315":4957,"8,316":4958,"8,317":4959,"8,318":4960,"8,319":4961,"8,320":4962,"8,321":4963,"8,322":4964,"8,323":4965,"8,324":4966,"8,325":4967,"8,326":4968,"8,327":4969,"8,328":4970,"8,329":4971,"8,330":4972,"8,331":4973,"8,332":4974,"8,333":4975,"8,334":4976,"8,335":4977,"8,336":4978,"8,337":4979,"8,338":4980,"8,339":4981,"8,340":4982,"8,341":4983,"8,342":4984,"8,343":4985,"8,344":4986,"8,345":4987,"8,346":4988,"8,347":4989,"8,348":4990,"8,349":4991,"8,350":4992,"8,351":4993,"8,352":4994,"8,353":4995,"8,354":4996,"8,355":4997,"8,356":4998,"8,357":4999,"8,358":5000,"8,359":5001,"8,360":5002,"8,361":5003,"8,362":5004,"8,363":5005,"8,364":5006,"8,365":5007,"8,366":5008,"8,367":5009,"8,368":5010,"8,369":5011,"8,370":5012,"8,371":5013,"8,372":5014,"8,373":5015,"8,374":5016,"8,375":5017,"8,376":5018,"8,377":5019,"8,378":5020,"8,379":5021,"8,380":5022,"8,381":5023,"8,382":5024,"8,383":5025,"8,384":5026,"8,385":5027,"8,386":5028,"8,387":5029,"8,388":5030,"8,389":5031,"8,390":5032,"8,391":5033,"8,392":5034,"8,393":5035,"8,394":5036,"8,395":5037,"8,396":5038,"8,397":5039,"8,398":5040,"8,399":5041,"8,400":5042,"8,401":5043,"8,402":5044,"8,403":5045,"8,404":5046,"8,405":5047,"8,406":5048,"8,407":5049,"8,408":5050,"8,409":5051,"8,410":5052,"8,411":5053,"8,412":5054,"8,413":5055,"8,414":5056,"8,415":5057,"8,416":5058,"8,417":5059,"8,418":5060,"8,419":5061,"8,420":5062,"8,421":5063,"8,422":5064,"8,423":5065,"8,424":5066,"8,425":5067,"8,426":5068,"8,427":5069,"8,428":5070,"8,429":5071,"8,430":5072,"8,431":5073,"8,432":5074,"8,433":5075,"8,434":5076,"8,435":5077,"8,436":5078,"8,437":5079,"8,438":5080,"8,439":5081,"8,440":5082,"8,441":5083,"8,442":5084,"8,443":5085,"8,444":5086,"8,445":5087,"8,446":5088,"8,447":5089,"8,448":5090,"8,449":5091,"8,450":5092,"8,451":5093,"8,452":5094,"8,453":5095,"8,454":5096,"8,455":5097,"8,456":5098,"8,457":5099,"8,458":5100,"8,459":5101,"8,460":5102,"8,461":5103,"8,462":5104,"8,463":5105,"8,464":5106,"8,465":5107,"8,466":5108,"8,467":5109,"8,468":5110,"8,469":5111,"8,470":5112,"8,471":5113,"8,472":5114,"8,473":5115,"8,474":5116,"8,475":5117,"8,476":5118,"8,477":5119,"8,478":5120,"8,479":5121,"8,480":5122,"8,481":5123,"8,482":5124,"8,483":5125,"8,484":5126,"8,485":5127,"8,486":5128,"8,487":5129,"8,488":5130,"8,489":5131,"8,490":5132,"8,491":5133,"8,492":5134,"8,493":5135,"8,494":5136,"8,495":5137,"8,496":5138,"8,497":5139,"8,498":5140,"8,499":5141,"8,500":5142,"8,501":5143,"8,502":5144,"8,503":5145,"8,504":5146,"8,505":5147,"8,506":5148,"8,507":5149,"8,508":5150,"8,509":5151,"8,510":5152,"8,511":5153,"8,512":5154,"8,513":5155,"8,514":5156,"8,515":5157,"8,516":5158,"8,517":5159,"8,518":5160,"8,519":5161,"8,520":5162,"8,521":5163,"8,522":5164,"8,523":5165,"8,524":5166,"8,525":5167,"8,526":5168,"8,527":5169,"8,528":5170,"8,529":5171,"8,530":5172,"8,531":5173,"8,532":5174,"8,533":5175,"8,534":5176,"8,535":5177,"8,536":5178,"8,537":5179,"8,538":5180,"8,539":5181,"8,540":5182,"8,541":5183,"8,542":5184,"8,543":5185,"8,544":5186,"8,545":5187,"8,546":5188,"8,547":5189,"8,548":5190,"8,549":5191,"8,550":5192,"8,551":5193,"8,552":5194,"8,553":5195,"8,554":5196,"8,555":5197,"8,556":5198,"8,557":5199,"8,558":5200,"8,559":5201,"8,560":5202,"8,561":5203,"8,562":5204,"8,563":5205,"8,564":5206,"8,565":5207,"8,566":5208,"8,567":5209,"8,568":5210,"8,569":5211,"8,570":5212,"8,571":5213,"8,572":5214,"8,573":5215,"8,574":5216,"8,575":5217,"8,576":5218,"8,577":5219,"8,578":5220,"8,579":5221,"8,580":5222,"8,581":5223,"8,582":5224,"8,583":5225,"8,584":5226,"8,585":5227,"8,586":5228,"8,587":5229,"8,588":5230,"8,589":5231,"8,590":5232,"8,591":5233,"8,592":5234,"8,593":5235,"8,594":5236,"8,595":5237,"8,596":5238,"8,597":5239,"8,598":5240,"8,599":5241,"8,600":5242,"8,601":5243,"8,602":5244,"8,603":5245,"8,604":5246,"8,605":5247,"8,606":5248,"8,607":5249,"8,608":5250,"8,609":5251,"8,610":5252,"8,611":5253,"8,612":5254,"8,613":5255,"8,614":5256,"8,615":5257,"8,616":5258,"8,617":5259,"8,618":5260,"8,619":5261,"8,620":5262,"8,621":5263,"8,622":5264,"8,623":5265,"8,624":5266,"8,625":5267,"8,626":5268,"8,627":5269,"8,628":5270,"8,629":5271,"8,630":5272,"8,631":5273,"8,632":5274,"8,633":5275,"8,634":5276,"8,635":5277,"8,636":5278,"8,637":5279,"8,638":5280,"8,639":5281,"8,640":5282,"8,641":5283,"8,642":5284,"8,643":5285,"8,644":5286,"8,645":5287,"8,646":5288,"8,647":5289,"8,648":5290,"8,649":5291,"8,650":5292,"8,651":5293,"8,652":5294,"8,653":5295,"8,654":5296,"8,655":5297,"8,656":5298,"8,657":5299,"8,658":5300,"8,659":5301,"8,660":5302,"8,661":5303,"8,662":5304,"8,663":5305,"8,664":5306,"8,665":5307,"8,666":5308,"8,667":5309,"8,668":5310,"8,669":5311,"8,670":5312,"8,671":5313,"8,672":5314,"8,673":5315,"8,674":5316,"8,675":5317,"8,676":5318,"8,677":5319,"8,678":5320,"8,679":5321,"8,680":5322,"8,681":5323,"8,682":5324,"8,683":5325,"8,684":5326,"8,685":5327,"8,686":5328,"8,687":5329,"8,688":5330,"8,689":5331,"8,690":5332,"8,691":5333,"8,692":5334,"8,693":5335,"8,694":5336,"8,695":5337,"8,696":5338,"8,697":5339,"8,698":5340,"8,699":5341,"8,700":5342,"8,701":5343,"8,702":5344,"8,703":5345,"8,704":5346,"8,705":5347,"8,706":5348,"8,707":5349,"8,708":5350,"8,709":5351,"8,710":5352,"8,711":5353,"8,712":5354,"8,713":5355,"8,714":5356,"9,1":5357,"9,2":5358,"9,3":5359,"9,4":5360,"9,5":5361,"9,6":5362,"9,7":5363,"9,8":5364,"9,9":5365,"9,10":5366,"9,11":5367,"9,12":5368,"9,13":5369,"9,14":5370,"9,15":5371,"9,16":5372,"9,17":5373,"9,18":5374,"9,19":5375,"9,20":5376,"9,21":5377,"9,22":5378,"9,23":5379,"9,24":5380,"9,25":5381,"9,26":5382,"9,27":5383,"9,28":5384,"9,29":5385,"9,30":5386,"9,31":5387,"9,32":5388,"9,33":5389,"9,34":5390,"9,35":5391,"9,36":5392,"9,37":5393,"9,38":5394,"9,39":5395,"9,40":5396,"9,41":5397,"9,42":5398,"9,43":5399,"9,44":5400,"9,45":5401,"9,46":5402,"9,47":5403,"9,48":5404,"9,49":5405,"9,50":5406,"9,51":5407,"9,52":5408,"9,53":5409,"9,54":5410,"9,55":5411,"9,56":5412,"9,57":5413,"9,58":5414,"9,59":5415,"9,60":5416,"9,61":5417,"9,62":5418,"9,63":5419,"9,64":5420,"9,65":5421,"9,66":5422,"9,67":5423,"9,68":5424,"9,69":5425,"9,70":5426,"9,71":5427,"9,72":5428,"9,73":5429,"9,74":5430,"9,75":5431,"9,76":5432,"9,77":5433,"9,78":5434,"9,79":5435,"9,80":5436,"9,81":5437,"9,82":5438,"9,83":5439,"9,84":5440,"9,85":5441,"9,86":5442,"9,87":5443,"9,88":5444,"9,89":5445,"9,90":5446,"9,91":5447,"9,92":5448,"9,93":5449,"9,94":5450,"9,95":5451,"9,96":5452,"9,97":5453,"9,98":5454,"9,99":5455,"9,100":5456,"9,101":5457,"9,102":5458,"9,103":5459,"9,104":5460,"9,105":5461,"9,106":5462,"9,107":5463,"9,108":5464,"9,109":5465,"9,110":5466,"9,111":5467,"9,112":5468,"9,113":5469,"9,114":5470,"9,115":5471,"9,116":5472,"9,117":5473,"9,118":5474,"9,119":5475,"9,120":5476,"9,121":5477,"9,122":5478,"9,123":5479,"9,124":5480,"9,125":5481,"9,126":5482,"9,127":5483,"9,128":5484,"9,129":5485,"9,130":5486,"9,131":5487,"9,132":5488,"9,133":5489,"9,134":5490,"9,135":5491,"9,136":5492,"9,137":5493,"9,138":5494,"9,139":5495,"9,140":5496,"9,141":5497,"9,142":5498,"9,143":5499,"9,144":5500,"9,145":5501,"9,146":5502,"9,147":5503,"9,148":5504,"9,149":5505,"9,150":5506,"9,151":5507,"9,152":5508,"9,153":5509,"9,154":5510,"9,155":5511,"9,156":5512,"9,157":5513,"9,158":5514,"9,159":5515,"9,160":5516,"9,161":5517,"9,162":5518,"9,163":5519,"9,164":5520,"9,165":5521,"9,166":5522,"9,167":5523,"9,168":5524,"9,169":5525,"9,170":5526,"9,171":5527,"9,172":5528,"9,173":5529,"9,174":5530,"9,175":5531,"9,176":5532,"9,177":5533,"9,178":5534,"9,179":5535,"9,180":5536,"9,181":5537,"9,182":5538,"9,183":5539,"9,184":5540,"9,185":5541,"9,186":5542,"9,187":5543,"9,188":5544,"9,189":5545,"9,190":5546,"9,191":5547,"9,192":5548,"9,193":5549,"9,194":5550,"9,195":5551,"9,196":5552,"9,197":5553,"9,198":5554,"9,199":5555,"9,200":5556,"9,201":5557,"9,202":5558,"9,203":5559,"9,204":5560,"9,205":5561,"9,206":5562,"9,207":5563,"9,208":5564,"9,209":5565,"9,210":5566,"9,211":5567,"9,212":5568,"9,213":5569,"9,214":5570,"9,215":5571,"9,216":5572,"9,217":5573,"9,218":5574,"9,219":5575,"9,220":5576,"9,221":5577,"9,222":5578,"9,223":5579,"9,224":5580,"9,225":5581,"9,226":5582,"9,227":5583,"9,228":5584,"9,229":5585,"9,230":5586,"9,231":5587,"9,232":5588,"9,233":5589,"9,234":5590,"9,235":5591,"9,236":5592,"9,237":5593,"9,238":5594,"9,239":5595,"9,240":5596,"9,241":5597,"9,242":5598,"9,243":5599,"9,244":5600,"9,245":5601,"9,246":5602,"9,247":5603,"9,248":5604,"9,249":5605,"9,250":5606,"9,251":5607,"9,252":5608,"9,253":5609,"9,254":5610,"9,255":5611,"9,256":5612,"9,257":5613,"9,258":5614,"9,259":5615,"9,260":5616,"9,261":5617,"9,262":5618,"9,263":5619,"9,264":5620,"9,265":5621,"9,266":5622,"9,267":5623,"9,268":5624,"9,269":5625,"9,270":5626,"9,271":5627,"9,272":5628,"9,273":5629,"9,274":5630,"9,275":5631,"9,276":5632,"9,277":5633,"9,278":5634,"9,279":5635,"9,280":5636,"9,281":5637,"9,282":5638,"9,283":5639,"9,284":5640,"9,285":5641,"9,286":5642,"9,287":5643,"9,288":5644,"9,289":5645,"9,290":5646,"9,291":5647,"9,292":5648,"9,293":5649,"9,294":5650,"9,295":5651,"9,296":5652,"9,297":5653,"9,298":5654,"9,299":5655,"9,300":5656,"9,301":5657,"9,302":5658,"9,303":5659,"9,304":5660,"9,305":5661,"9,306":5662,"9,307":5663,"9,308":5664,"9,309":5665,"9,310":5666,"9,311":5667,"9,312":5668,"9,313":5669,"9,314":5670,"9,315":5671,"9,316":5672,"9,317":5673,"9,318":5674,"9,319":5675,"9,320":5676,"9,321":5677,"9,322":5678,"9,323":5679,"9,324":5680,"9,325":5681,"9,326":5682,"9,327":5683,"9,328":5684,"9,329":5685,"9,330":5686,"9,331":5687,"9,332":5688,"9,333":5689,"9,334":5690,"9,335":5691,"9,336":5692,"9,337":5693,"9,338":5694,"9,339":5695,"9,340":5696,"9,341":5697,"9,342":5698,"9,343":5699,"9,344":5700,"9,345":5701,"9,346":5702,"9,347":5703,"9,348":5704,"9,349":5705,"9,350":5706,"9,351":5707,"9,352":5708,"9,353":5709,"9,354":5710,"9,355":5711,"9,356":5712,"9,357":5713,"9,358":5714,"9,359":5715,"9,360":5716,"9,361":5717,"9,362":5718,"9,363":5719,"9,364":5720,"9,365":5721,"9,366":5722,"9,367":5723,"9,368":5724,"9,369":5725,"9,370":5726,"9,371":5727,"9,372":5728,"9,373":5729,"9,374":5730,"9,375":5731,"9,376":5732,"9,377":5733,"9,378":5734,"9,379":5735,"9,380":5736,"9,381":5737,"9,382":5738,"9,383":5739,"9,384":5740,"9,385":5741,"9,386":5742,"9,387":5743,"9,388":5744,"9,389":5745,"9,390":5746,"9,391":5747,"9,392":5748,"9,393":5749,"9,394":5750,"9,395":5751,"9,396":5752,"9,397":5753,"9,398":5754,"9,399":5755,"9,400":5756,"9,401":5757,"9,402":5758,"9,403":5759,"9,404":5760,"9,405":5761,"9,406":5762,"9,407":5763,"9,408":5764,"9,409":5765,"9,410":5766,"9,411":5767,"9,412":5768,"9,413":5769,"9,414":5770,"9,415":5771,"9,416":5772,"9,417":5773,"9,418":5774,"9,419":5775,"9,420":5776,"9,421":5777,"9,422":5778,"9,423":5779,"9,424":5780,"9,425":5781,"9,426":5782,"9,427":5783,"9,428":5784,"9,429":5785,"9,430":5786,"9,431":5787,"9,432":5788,"9,433":5789,"9,434":5790,"9,435":5791,"9,436":5792,"9,437":5793,"9,438":5794,"9,439":5795,"9,440":5796,"9,441":5797,"9,442":5798,"9,443":5799,"9,444":5800,"9,445":5801,"9,446":5802,"9,447":5803,"9,448":5804,"9,449":5805,"9,450":5806,"9,451":5807,"9,452":5808,"9,453":5809,"9,454":5810,"9,455":5811,"9,456":5812,"9,457":5813,"9,458":5814,"9,459":5815,"9,460":5816,"9,461":5817,"9,462":5818,"9,463":5819,"9,464":5820,"9,465":5821,"9,466":5822,"9,467":5823,"9,468":5824,"9,469":5825,"9,470":5826,"9,471":5827,"9,472":5828,"9,473":5829,"9,474":5830,"9,475":5831,"9,476":5832,"9,477":5833,"9,478":5834,"9,479":5835,"9,480":5836,"9,481":5837,"9,482":5838,"9,483":5839,"9,484":5840,"9,485":5841,"9,486":5842,"9,487":5843,"9,488":5844,"9,489":5845,"9,490":5846,"9,491":5847,"9,492":5848,"9,493":5849,"9,494":5850,"9,495":5851,"9,496":5852,"9,497":5853,"9,498":5854,"9,499":5855,"9,500":5856,"9,501":5857,"9,502":5858,"9,503":5859,"9,504":5860,"9,505":5861,"9,506":5862,"9,507":5863,"9,508":5864,"9,509":5865,"9,510":5866,"9,511":5867,"9,512":5868,"9,513":5869,"9,514":5870,"9,515":5871,"9,516":5872,"9,517":5873,"9,518":5874,"9,519":5875,"9,520":5876,"9,521":5877,"9,522":5878,"9,523":5879,"9,524":5880,"9,525":5881,"9,526":5882,"9,527":5883,"9,528":5884,"9,529":5885,"9,530":5886,"9,531":5887,"9,532":5888,"9,533":5889,"9,534":5890,"9,535":5891,"9,536":5892,"9,537":5893,"9,538":5894,"9,539":5895,"9,540":5896,"9,541":5897,"9,542":5898,"9,543":5899,"9,544":5900,"9,545":5901,"9,546":5902,"9,547":5903,"9,548":5904,"9,549":5905,"9,550":5906,"9,551":5907,"9,552":5908,"9,553":5909,"9,554":5910,"9,555":5911,"9,556":5912,"9,557":5913,"9,558":5914,"9,559":5915,"9,560":5916,"9,561":5917,"9,562":5918,"9,563":5919,"9,564":5920,"9,565":5921,"9,566":5922,"9,567":5923,"9,568":5924,"9,569":5925,"9,570":5926,"9,571":5927,"9,572":5928,"9,573":5929,"9,574":5930,"9,575":5931,"9,576":5932,"9,577":5933,"9,578":5934,"9,579":5935,"9,580":5936,"9,581":5937,"9,582":5938,"9,583":5939,"9,584":5940,"9,585":5941,"9,586":5942,"9,587":5943,"9,588":5944,"9,589":5945,"9,590":5946,"9,591":5947,"9,592":5948,"9,593":5949,"9,594":5950,"9,595":5951,"9,596":5952,"9,597":5953,"9,598":5954,"9,599":5955,"9,600":5956,"9,601":5957,"9,602":5958,"9,603":5959,"9,604":5960,"9,605":5961,"9,606":5962,"9,607":5963,"9,608":5964,"9,609":5965,"9,610":5966,"9,611":5967,"9,612":5968,"9,613":5969,"9,614":5970,"9,615":5971,"9,616":5972,"9,617":5973,"9,618":5974,"9,619":5975,"9,620":5976,"9,621":5977,"9,622":5978,"9,623":5979,"9,624":5980,"9,625":5981,"9,626":5982,"9,627":5983,"9,628":5984,"9,629":5985,"9,630":5986,"9,631":5987,"9,632":5988,"9,633":5989,"9,634":5990,"9,635":5991,"9,636":5992,"9,637":5993,"9,638":5994,"9,639":5995,"9,640":5996,"9,641":5997,"10,1":5998,"10,2":5999,"10,3":6000,"10,4":6001,"10,5":6002,"10,6":6003,"10,7":6004,"10,8":6005,"10,9":6006,"10,10":6007,"10,11":6008,"10,12":6009,"10,13":6010,"10,14":6011,"10,15":6012,"10,16":6013,"10,17":6014,"10,18":6015,"10,19":6016,"10,20":6017,"10,21":6018,"10,22":6019,"10,23":6020,"10,24":6021,"10,25":6022,"10,26":6023,"10,27":6024,"10,28":6025,"10,29":6026,"10,30":6027,"10,31":6028,"10,32":6029,"10,33":6030,"10,34":6031,"10,35":6032,"10,36":6033,"10,37":6034,"10,38":6035,"10,39":6036,"10,40":6037,"10,41":6038,"10,42":6039,"10,43":6040,"10,44":6041,"10,45":6042,"10,46":6043,"10,47":6044,"10,48":6045,"10,49":6046,"10,50":6047,"10,51":6048,"10,52":6049,"10,53":6050,"10,54":6051,"10,55":6052,"10,56":6053,"10,57":6054,"10,58":6055,"10,59":6056,"10,60":6057,"10,61":6058,"10,62":6059,"10,63":6060,"10,64":6061,"10,65":6062,"10,66":6063,"10,67":6064,"10,68":6065,"10,69":6066,"10,70":6067,"10,71":6068,"10,72":6069,"10,73":6070,"10,74":6071,"10,75":6072,"10,76":6073,"10,77":6074,"10,78":6075,"10,79":6076,"10,80":6077,"10,81":6078,"10,82":6079,"10,83":6080,"10,84":6081,"10,85":6082,"10,86":6083,"10,87":6084,"10,88":6085,"10,89":6086,"10,90":6087,"10,91":6088,"10,92":6089,"10,93":6090,"10,94":6091,"10,95":6092,"10,96":6093,"10,97":6094,"10,98":6095,"10,99":6096,"10,100":6097,"10,101":6098,"10,102":6099,"10,103":6100,"10,104":6101,"10,105":6102,"10,106":6103,"10,107":6104,"10,108":6105,"10,109":6106,"10,110":6107,"10,111":6108,"10,112":6109,"10,113":6110,"10,114":6111,"10,115":6112,"10,116":6113,"10,117":6114,"10,118":6115,"10,119":6116,"10,120":6117,"10,121":6118,"10,122":6119,"10,123":6120,"10,124":6121,"10,125":6122,"10,126":6123,"10,127":6124,"10,128":6125,"10,129":6126,"10,130":6127,"10,131":6128,"10,132":6129,"10,133":6130,"10,134":6131,"10,135":6132,"10,136":6133,"10,137":6134,"10,138":6135,"10,139":6136,"10,140":6137,"10,141":6138,"10,142":6139,"10,143":6140,"10,144":6141,"10,145":6142,"10,146":6143,"10,147":6144,"10,148":6145,"10,149":6146,"10,150":6147,"10,151":6148,"10,152":6149,"10,153":6150,"10,154":6151,"10,155":6152,"10,156":6153,"10,157":6154,"10,158":6155,"10,159":6156,"10,160":6157,"10,161":6158,"10,162":6159,"10,163":6160,"10,164":6161,"10,165":6162,"10,166":6163,"10,167":6164,"10,168":6165,"10,169":6166,"10,170":6167,"10,171":6168,"10,172":6169,"10,173":6170,"10,174":6171,"10,175":6172,"10,176":6173,"10,177":6174,"10,178":6175,"10,179":6176,"10,180":6177,"10,181":6178,"10,182":6179,"10,183":6180,"10,184":6181,"10,185":6182,"10,186":6183,"10,187":6184,"10,188":6185,"10,189":6186,"10,190":6187,"10,191":6188,"10,192":6189,"10,193":6190,"10,194":6191,"10,195":6192,"10,196":6193,"10,197":6194,"10,198":6195,"10,199":6196,"10,200":6197,"10,201":6198,"10,202":6199,"10,203":6200,"10,204":6201,"10,205":6202,"10,206":6203,"10,207":6204,"10,208":6205,"10,209":6206,"10,210":6207,"10,211":6208,"10,212":6209,"10,213":6210,"10,214":6211,"10,215":6212,"10,216":6213,"10,217":6214,"10,218":6215,"10,219":6216,"10,220":6217,"10,221":6218,"10,222":6219,"10,223":6220,"10,224":6221,"10,225":6222,"10,226":6223,"10,227":6224,"10,228":6225,"10,229":6226,"10,230":6227,"10,231":6228,"10,232":6229,"10,233":6230,"10,234":6231,"10,235":6232,"10,236":6233,"10,237":6234,"10,238":6235,"10,239":6236,"10,240":6237,"10,241":6238,"10,242":6239,"10,243":6240,"10,244":6241,"10,245":6242,"10,246":6243,"10,247":6244,"10,248":6245,"10,249":6246,"10,250":6247,"10,251":6248,"10,252":6249,"10,253":6250,"10,254":6251,"10,255":6252,"10,256":6253,"10,257":6254,"10,258":6255,"10,259":6256,"10,260":6257,"10,261":6258,"10,262":6259,"10,263":6260,"10,264":6261,"10,265":6262,"10,266":6263,"10,267":6264,"10,268":6265,"10,269":6266,"10,270":6267,"10,271":6268,"10,272":6269,"10,273":6270,"10,274":6271,"10,275":6272,"10,276":6273,"10,277":6274,"10,278":6275,"10,279":6276,"10,280":6277,"10,281":6278,"10,282":6279,"10,283":6280,"10,284":6281,"10,285":6282,"10,286":6283,"10,287":6284,"10,288":6285,"10,289":6286,"10,290":6287,"10,291":6288,"10,292":6289,"10,293":6290,"10,294":6291,"10,295":6292,"10,296":6293,"10,297":6294,"10,298":6295,"10,299":6296,"10,300":6297,"10,301":6298,"10,302":6299,"10,303":6300,"10,304":6301,"10,305":6302,"10,306":6303,"10,307":6304,"10,308":6305,"10,309":6306,"10,310":6307,"10,311":6308,"10,312":6309,"10,313":6310,"10,314":6311,"10,315":6312,"10,316":6313,"10,317":6314,"10,318":6315,"10,319":6316,"10,320":6317,"10,321":6318,"10,322":6319,"10,323":6320,"10,324":6321,"10,325":6322,"10,326":6323,"10,327":6324,"10,328":6325,"10,329":6326,"10,330":6327,"10,331":6328,"10,332":6329,"10,333":6330,"10,334":6331,"10,335":6332,"10,336":6333,"10,337":6334,"10,338":6335,"10,339":6336,"10,340":6337,"10,341":6338,"10,342":6339,"10,343":6340,"10,344":6341,"10,345":6342,"10,346":6343,"10,347":6344,"10,348":6345,"10,349":6346,"10,350":6347,"10,351":6348,"10,352":6349,"10,353":6350,"10,354":6351,"10,355":6352,"10,356":6353,"10,357":6354,"10,358":6355,"10,359":6356,"10,360":6357,"10,361":6358,"10,362":6359,"10,363":6360,"10,364":6361,"10,365":6362,"10,366":6363,"10,367":6364,"10,368":6365,"10,369":6366,"10,370":6367,"10,371":6368,"10,372":6369,"10,373":6370,"10,374":6371,"10,375":6372,"10,376":6373,"10,377":6374,"10,378":6375,"10,379":6376,"10,380":6377,"10,381":6378,"10,382":6379,"10,383":6380,"10,384":6381,"10,385":6382,"10,386":6383,"10,387":6384,"10,388":6385,"10,389":6386,"10,390":6387,"10,391":6388,"10,392":6389,"10,393":6390,"10,394":6391,"10,395":6392,"10,396":6393,"10,397":6394,"10,398":6395,"10,399":6396,"10,400":6397,"10,401":6398,"10,402":6399,"10,403":6400,"10,404":6401,"10,405":6402,"10,406":6403,"10,407":6404,"10,408":6405,"10,409":6406,"10,410":6407,"10,411":6408,"10,412":6409,"10,413":6410,"10,414":6411,"10,415":6412,"10,416":6413,"10,417":6414,"10,418":6415,"10,419":6416,"10,420":6417,"10,421":6418,"10,422":6419,"10,423":6420,"10,424":6421,"10,425":6422,"10,426":6423,"10,427":6424,"10,428":6425,"10,429":6426,"10,430":6427,"10,431":6428,"10,432":6429,"10,433":6430,"10,434":6431,"10,435":6432,"10,436":6433,"10,437":6434,"10,438":6435,"10,439":6436,"10,440":6437,"10,441":6438,"10,442":6439,"10,443":6440,"10,444":6441,"10,445":6442,"10,446":6443,"10,447":6444,"10,448":6445,"10,449":6446,"10,450":6447,"10,451":6448,"10,452":6449,"10,453":6450,"10,454":6451,"10,455":6452,"10,456":6453,"10,457":6454,"10,458":6455,"10,459":6456,"10,460":6457,"10,461":6458,"10,462":6459,"10,463":6460,"10,464":6461,"10,465":6462,"10,466":6463,"10,467":6464,"10,468":6465,"10,469":6466,"10,470":6467,"10,471":6468,"10,472":6469,"10,473":6470,"10,474":6471,"10,475":6472,"10,476":6473,"10,477":6474,"10,478":6475,"10,479":6476,"10,480":6477,"10,481":6478,"10,482":6479,"10,483":6480,"10,484":6481,"10,485":6482,"10,486":6483,"10,487":6484,"10,488":6485,"10,489":6486,"10,490":6487,"10,491":6488,"10,492":6489,"10,493":6490,"10,494":6491,"10,495":6492,"10,496":6493,"10,497":6494,"10,498":6495,"10,499":6496,"10,500":6497,"10,501":6498,"10,502":6499,"10,503":6500,"10,504":6501,"10,505":6502,"10,506":6503,"10,507":6504,"10,508":6505,"10,509":6506,"10,510":6507,"10,511":6508,"10,512":6509,"10,513":6510,"10,514":6511,"10,515":6512,"10,516":6513,"10,517":6514,"10,518":6515,"10,519":6516,"10,520":6517,"10,521":6518,"10,522":6519,"10,523":6520,"10,524":6521,"10,525":6522,"10,526":6523,"10,527":6524,"10,528":6525,"10,529":6526,"10,530":6527,"10,531":6528,"10,532":6529,"10,533":6530,"10,534":6531,"10,535":6532,"10,536":6533,"10,537":6534,"10,538":6535,"10,539":6536,"10,540":6537,"10,541":6538,"10,542":6539,"10,543":6540,"10,544":6541,"10,545":6542,"10,546":6543,"10,547":6544,"10,548":6545,"10,549":6546,"10,550":6547,"10,551":6548,"10,552":6549,"10,553":6550,"10,554":6551,"10,555":6552,"10,556":6553,"10,557":6554,"10,558":6555,"10,559":6556,"10,560":6557,"10,561":6558,"10,562":6559,"10,563":6560,"10,564":6561,"10,565":6562,"10,566":6563,"10,567":6564,"10,568":6565,"10,569":6566,"10,570":6567,"10,571":6568,"10,572":6569,"10,573":6570,"10,574":6571,"10,575":6572,"10,576":6573,"10,577":6574,"10,578":6575,"10,579":6576,"10,580":6577,"10,581":6578,"10,582":6579,"10,583":6580,"10,584":6581,"10,585":6582,"10,586":6583,"10,587":6584,"10,588":6585,"10,589":6586,"10,590":6587,"10,591":6588,"10,592":6589,"10,593":6590,"10,594":6591,"10,595":6592,"10,596":6593,"10,597":6594,"10,598":6595,"10,599":6596,"10,600":6597,"10,601":6598,"10,602":6599,"10,603":6600,"10,604":6601,"10,605":6602,"10,606":6603,"10,607":6604,"10,608":6605,"10,609":6606,"10,610":6607,"10,611":6608,"10,612":6609,"10,613":6610,"10,614":6611,"10,615":6612,"10,616":6613,"10,617":6614,"10,618":6615,"10,619":6616,"10,620":6617,"10,621":6618,"10,622":6619,"10,623":6620,"10,624":6621,"10,625":6622,"11,1":6623,"11,2":6624,"11,3":6625,"11,4":6626,"11,5":6627,"11,6":6628,"11,7":6629,"11,8":6630,"11,9":6631,"11,10":6632,"11,11":6633,"11,12":6634,"11,13":6635,"11,14":6636,"11,15":6637,"11,16":6638,"11,17":6639,"11,18":6640,"11,19":6641,"11,20":6642,"11,21":6643,"11,22":6644,"11,23":6645,"11,24":6646,"11,25":6647,"11,26":6648,"11,27":6649,"11,28":6650,"11,29":6651,"11,30":6652,"11,31":6653,"11,32":6654,"11,33":6655,"11,34":6656,"11,35":6657,"11,36":6658,"11,37":6659,"11,38":6660,"11,39":6661,"11,40":6662,"11,41":6663,"11,42":6664,"11,43":6665,"11,44":6666,"11,45":6667,"11,46":6668,"11,47":6669,"11,48":6670,"11,49":6671,"11,50":6672,"11,51":6673,"11,52":6674,"11,53":6675,"11,54":6676,"11,55":6677,"11,56":6678,"11,57":6679,"11,58":6680,"11,59":6681,"11,60":6682,"11,61":6683,"11,62":6684,"11,63":6685,"11,64":6686,"11,65":6687,"11,66":6688,"11,67":6689,"11,68":6690,"11,69":6691,"11,70":6692,"11,71":6693,"11,72":6694,"11,73":6695,"11,74":6696,"11,75":6697,"11,76":6698,"11,77":6699,"11,78":6700,"11,79":6701,"11,80":6702,"11,81":6703,"11,82":6704,"11,83":6705,"11,84":6706,"11,85":6707,"11,86":6708,"11,87":6709,"11,88":6710,"11,89":6711,"11,90":6712,"11,91":6713,"11,92":6714,"11,93":6715,"11,94":6716,"11,95":6717,"11,96":6718,"11,97":6719,"11,98":6720,"11,99":6721,"11,100":6722,"11,101":6723,"11,102":6724,"11,103":6725,"11,104":6726,"11,105":6727,"11,106":6728,"11,107":6729,"11,108":6730,"11,109":6731,"11,110":6732,"11,111":6733,"11,112":6734,"11,113":6735,"11,114":6736,"11,115":6737,"11,116":6738,"11,117":6739,"11,118":6740,"11,119":6741,"11,120":6742,"11,121":6743,"11,122":6744,"11,123":6745,"11,124":6746,"11,125":6747,"11,126":6748,"11,127":6749,"11,128":6750,"11,129":6751,"11,130":6752,"11,131":6753,"11,132":6754,"11,133":6755,"11,134":6756,"11,135":6757,"11,136":6758,"11,137":6759,"11,138":6760,"11,139":6761,"11,140":6762,"11,141":6763,"11,142":6764,"11,143":6765,"11,144":6766,"11,145":6767,"11,146":6768,"11,147":6769,"11,148":6770,"11,149":6771,"11,150":6772,"11,151":6773,"11,152":6774,"11,153":6775,"11,154":6776,"11,155":6777,"11,156":6778,"11,157":6779,"11,158":6780,"11,159":6781,"11,160":6782,"11,161":6783,"11,162":6784,"11,163":6785,"11,164":6786,"11,165":6787,"11,166":6788,"11,167":6789,"11,168":6790,"11,169":6791,"11,170":6792,"11,171":6793,"11,172":6794,"11,173":6795,"11,174":6796,"11,175":6797,"11,176":6798,"11,177":6799,"11,178":6800,"11,179":6801,"11,180":6802,"11,181":6803,"11,182":6804,"11,183":6805,"11,184":6806,"11,185":6807,"11,186":6808,"11,187":6809,"11,188":6810,"11,189":6811,"11,190":6812,"11,191":6813,"11,192":6814,"11,193":6815,"11,194":6816,"11,195":6817,"11,196":6818,"11,197":6819,"11,198":6820,"11,199":6821,"11,200":6822,"11,201":6823,"11,202":6824,"11,203":6825,"11,204":6826,"11,205":6827,"11,206":6828,"11,207":6829,"11,208":6830,"11,209":6831,"11,210":6832,"11,211":6833,"11,212":6834,"11,213":6835,"11,214":6836,"11,215":6837,"11,216":6838,"11,217":6839,"11,218":6840,"11,219":6841,"11,220":6842,"11,221":6843,"11,222":6844,"11,223":6845,"11,224":6846,"11,225":6847,"11,226":6848,"11,227":6849,"11,228":6850,"11,229":6851,"11,230":6852,"11,231":6853,"11,232":6854,"11,233":6855,"11,234":6856,"11,235":6857,"11,236":6858,"11,237":6859,"11,238":6860,"11,239":6861,"11,240":6862,"11,241":6863,"11,242":6864,"11,243":6865,"11,244":6866,"11,245":6867,"11,246":6868,"11,247":6869,"11,248":6870,"11,249":6871,"11,250":6872,"11,251":6873,"11,252":6874,"11,253":6875,"11,254":6876,"11,255":6877,"11,256":6878,"11,257":6879,"11,258":6880,"11,259":6881,"11,260":6882,"11,261":6883,"11,262":6884,"11,263":6885,"11,264":6886,"11,265":6887,"11,266":6888,"11,267":6889,"11,268":6890,"11,269":6891,"11,270":6892,"11,271":6893,"11,272":6894,"11,273":6895,"11,274":6896,"11,275":6897,"11,276":6898,"11,277":6899,"11,278":6900,"11,279":6901,"11,280":6902,"11,281":6903,"11,282":6904,"11,283":6905,"11,284":6906,"11,285":6907,"11,286":6908,"11,287":6909,"11,288":6910,"11,289":6911,"11,290":6912,"11,291":6913,"11,292":6914,"11,293":6915,"11,294":6916,"11,295":6917,"11,296":6918,"11,297":6919,"11,298":6920,"11,299":6921,"11,300":6922,"11,301":6923,"11,302":6924,"11,303":6925,"11,304":6926,"11,305":6927,"11,306":6928,"11,307":6929,"11,308":6930,"11,309":6931,"11,310":6932,"11,311":6933,"11,312":6934,"11,313":6935,"11,314":6936,"11,315":6937,"11,316":6938,"11,317":6939,"11,318":6940,"11,319":6941,"11,320":6942,"11,321":6943,"11,322":6944,"11,323":6945,"11,324":6946,"11,325":6947,"11,326":6948,"11,327":6949,"11,328":6950,"11,329":6951,"11,330":6952,"11,331":6953,"11,332":6954,"11,333":6955,"11,334":6956,"11,335":6957,"11,336":6958,"11,337":6959,"11,338":6960,"11,339":6961,"11,340":6962,"11,341":6963,"11,342":6964,"11,343":6965,"11,344":6966,"11,345":6967,"11,346":6968,"11,347":6969,"11,348":6970,"11,349":6971,"11,350":6972,"11,351":6973,"11,352":6974,"11,353":6975,"11,354":6976,"11,355":6977,"11,356":6978,"11,357":6979,"11,358":6980,"11,359":6981,"11,360":6982,"11,361":6983,"11,362":6984,"11,363":6985,"11,364":6986,"11,365":6987,"11,366":6988,"11,367":6989,"11,368":6990,"11,369":6991,"11,370":6992,"11,371":6993,"11,372":6994,"11,373":6995,"11,374":6996,"11,375":6997,"11,376":6998,"11,377":6999,"11,378":7000,"11,379":7001,"11,380":7002,"11,381":7003,"11,382":7004,"11,383":7005,"11,384":7006,"11,385":7007,"11,386":7008,"11,387":7009,"11,388":7010,"11,389":7011,"11,390":7012,"11,391":7013,"11,392":7014,"11,393":7015,"11,394":7016,"11,395":7017,"11,396":7018,"11,397":7019,"11,398":7020,"11,399":7021,"11,400":7022,"11,401":7023,"11,402":7024,"11,403":7025,"11,404":7026,"11,405":7027,"11,406":7028,"11,407":7029,"11,408":7030,"11,409":7031,"11,410":7032,"11,411":7033,"11,412":7034,"11,413":7035,"11,414":7036,"11,415":7037,"11,416":7038,"11,417":7039,"11,418":7040,"11,419":7041,"11,420":7042,"11,421":7043,"11,422":7044,"11,423":7045,"11,424":7046,"11,425":7047,"11,426":7048,"11,427":7049,"11,428":7050,"11,429":7051,"11,430":7052,"11,431":7053,"11,432":7054,"11,433":7055,"11,434":7056,"11,435":7057,"11,436":7058,"11,437":7059,"11,438":7060,"11,439":7061,"11,440":7062,"11,441":7063,"11,442":7064,"11,443":7065,"11,444":7066,"11,445":7067,"11,446":7068,"11,447":7069,"11,448":7070,"11,449":7071,"11,450":7072,"11,451":7073,"11,452":7074,"11,453":7075,"11,454":7076,"11,455":7077,"11,456":7078,"11,457":7079,"11,458":7080,"11,459":7081,"11,460":7082,"11,461":7083,"11,462":7084,"11,463":7085,"11,464":7086,"11,465":7087,"11,466":7088,"11,467":7089,"11,468":7090,"11,469":7091,"11,470":7092,"11,471":7093,"11,472":7094,"11,473":7095,"11,474":7096,"11,475":7097,"11,476":7098,"11,477":7099,"11,478":7100,"11,479":7101,"11,480":7102,"11,481":7103,"11,482":7104,"11,483":7105,"11,484":7106,"11,485":7107,"11,486":7108,"11,487":7109,"11,488":7110,"11,489":7111,"11,490":7112,"11,491":7113,"11,492":7114,"11,493":7115,"11,494":7116,"11,495":7117,"11,496":7118,"11,497":7119,"11,498":7120,"11,499":7121,"11,500":7122,"11,501":7123,"11,502":7124,"11,503":7125,"11,504":7126,"11,505":7127,"11,506":7128,"11,507":7129,"11,508":7130,"11,509":7131,"11,510":7132,"11,511":7133,"11,512":7134,"11,513":7135,"11,514":7136,"11,515":7137,"11,516":7138,"11,517":7139,"11,518":7140,"11,519":7141,"11,520":7142,"11,521":7143,"11,522":7144,"11,523":7145,"11,524":7146,"11,525":7147,"11,526":7148,"11,527":7149,"11,528":7150,"11,529":7151,"11,530":7152,"11,531":7153,"11,532":7154,"11,533":7155,"11,534":7156,"11,535":7157,"11,536":7158,"11,537":7159,"11,538":7160,"11,539":7161,"11,540":7162,"11,541":7163,"11,542":7164,"11,543":7165,"11,544":7166,"11,545":7167,"11,546":7168,"11,547":7169,"11,548":7170,"11,549":7171,"11,550":7172,"11,551":7173,"11,552":7174,"11,553":7175,"11,554":7176,"11,555":7177,"11,556":7178,"11,557":7179,"11,558":7180,"11,559":7181,"11,560":7182,"11,561":7183,"11,562":7184,"11,563":7185,"11,564":7186,"11,565":7187,"11,566":7188,"11,567":7189,"11,568":7190,"11,569":7191,"11,570":7192,"11,571":7193,"11,572":7194,"11,573":7195,"11,574":7196,"11,575":7197,"11,576":7198,"11,577":7199,"11,578":7200,"11,579":7201,"11,580":7202,"11,581":7203,"11,582":7204,"11,583":7205,"11,584":7206,"11,585":7207,"11,586":7208,"11,587":7209,"11,588":7210,"11,589":7211,"11,590":7212,"11,591":7213,"11,592":7214,"11,593":7215,"11,594":7216,"11,595":7217,"11,596":7218,"11,597":7219,"11,598":7220,"11,599":7221,"11,600":7222,"11,601":7223,"11,602":7224,"11,603":7225,"11,604":7226,"11,605":7227,"11,606":7228,"11,607":7229,"11,608":7230,"11,609":7231,"11,610":7232,"11,611":7233,"11,612":7234,"11,613":7235,"11,614":7236,"11,615":7237,"11,616":7238,"11,617":7239,"11,618":7240,"11,619":7241,"11,620":7242,"11,621":7243,"11,622":7244,"11,623":7245,"11,624":7246,"11,625":7247,"11,626":7248,"11,627":7249,"11,628":7250,"11,629":7251,"11,630":7252,"11,631":7253,"11,632":7254,"11,633":7255,"11,634":7256,"11,635":7257,"11,636":7258,"11,637":7259,"11,638":7260,"11,639":7261,"11,640":7262,"11,641":7263,"11,642":7264,"11,643":7265,"11,644":7266,"11,645":7267,"11,646":7268,"11,647":7269,"11,648":7270,"11,649":7271,"11,650":7272,"11,651":7273,"11,652":7274,"11,653":7275,"11,654":7276,"11,655":7277,"11,656":7278,"11,657":7279,"11,658":7280,"11,659":7281,"11,660":7282,"11,661":7283,"11,662":7284,"11,663":7285,"11,664":7286,"11,665":7287,"11,666":7288,"11,667":7289,"11,668":7290,"11,669":7291,"11,670":7292,"11,671":7293,"11,672":7294,"11,673":7295,"11,674":7296,"11,675":7297,"11,676":7298,"11,677":7299,"11,678":7300,"11,679":7301,"11,680":7302,"11,681":7303,"11,682":7304,"11,683":7305,"11,684":7306,"11,685":7307,"11,686":7308,"11,687":7309,"11,688":7310,"11,689":7311,"11,690":7312,"11,691":7313,"11,692":7314,"11,693":7315,"11,694":7316,"11,695":7317,"11,696":7318,"11,697":7319,"11,698":7320,"11,699":7321,"11,700":7322,"11,701":7323,"11,702":7324,"11,703":7325,"11,704":7326,"12,1":7327,"12,2":7328,"12,3":7329,"12,4":7330,"12,5":7331,"12,6":7332,"12,7":7333,"12,8":7334,"12,9":7335,"12,10":7336,"12,11":7337,"12,12":7338,"12,13":7339,"12,14":7340,"12,15":7341,"12,16":7342,"12,17":7343,"12,18":7344,"12,19":7345,"12,20":7346,"12,21":7347,"12,22":7348,"12,23":7349,"12,24":7350,"12,25":7351,"12,26":7352,"12,27":7353,"12,28":7354,"12,29":7355,"12,30":7356,"12,31":7357,"12,32":7358,"12,33":7359,"12,34":7360,"12,35":7361,"12,36":7362,"12,37":7363,"12,38":7364,"12,39":7365,"12,40":7366,"12,41":7367,"12,42":7368,"12,43":7369,"12,44":7370,"12,45":7371,"12,46":7372,"12,47":7373,"12,48":7374,"12,49":7375,"12,50":7376,"12,51":7377,"12,52":7378,"12,53":7379,"12,54":7380,"12,55":7381,"12,56":7382,"12,57":7383,"12,58":7384,"12,59":7385,"12,60":7386,"12,61":7387,"12,62":7388,"12,63":7389,"12,64":7390,"12,65":7391,"12,66":7392,"12,67":7393,"12,68":7394,"12,69":7395,"12,70":7396,"12,71":7397,"12,72":7398,"12,73":7399,"12,74":7400,"12,75":7401,"12,76":7402,"12,77":7403,"12,78":7404,"12,79":7405,"12,80":7406,"12,81":7407,"12,82":7408,"12,83":7409,"12,84":7410,"12,85":7411,"12,86":7412,"12,87":7413,"12,88":7414,"12,89":7415,"12,90":7416,"12,91":7417,"12,92":7418,"12,93":7419,"12,94":7420,"12,95":7421,"12,96":7422,"12,97":7423,"12,98":7424,"12,99":7425,"12,100":7426,"12,101":7427,"12,102":7428,"12,103":7429,"12,104":7430,"12,105":7431,"12,106":7432,"12,107":7433,"12,108":7434,"12,109":7435,"12,110":7436,"12,111":7437,"12,112":7438,"12,113":7439,"12,114":7440,"12,115":7441,"12,116":7442,"12,117":7443,"12,118":7444,"12,119":7445,"12,120":7446,"12,121":7447,"12,122":7448,"12,123":7449,"12,124":7450,"12,125":7451,"12,126":7452,"12,127":7453,"12,128":7454,"12,129":7455,"12,130":7456,"12,131":7457,"12,132":7458,"12,133":7459,"12,134":7460,"12,135":7461,"12,136":7462,"12,137":7463,"12,138":7464,"12,139":7465,"12,140":7466,"12,141":7467,"12,142":7468,"12,143":7469,"12,144":7470,"12,145":7471,"12,146":7472,"12,147":7473,"12,148":7474,"12,149":7475,"12,150":7476,"12,151":7477,"12,152":7478,"12,153":7479,"12,154":7480,"12,155":7481,"12,156":7482,"12,157":7483,"12,158":7484,"12,159":7485,"12,160":7486,"12,161":7487,"12,162":7488,"12,163":7489,"12,164":7490,"12,165":7491,"12,166":7492,"12,167":7493,"12,168":7494,"12,169":7495,"12,170":7496,"12,171":7497,"12,172":7498,"12,173":7499,"12,174":7500,"12,175":7501,"12,176":7502,"12,177":7503,"12,178":7504,"12,179":7505,"12,180":7506,"12,181":7507,"12,182":7508,"12,183":7509,"12,184":7510,"12,185":7511,"12,186":7512,"12,187":7513,"12,188":7514,"12,189":7515,"12,190":7516,"12,191":7517,"12,192":7518,"12,193":7519,"12,194":7520,"12,195":7521,"12,196":7522,"12,197":7523,"12,198":7524,"12,199":7525,"12,200":7526,"12,201":7527,"12,202":7528,"12,203":7529,"12,204":7530,"12,205":7531,"12,206":7532,"12,207":7533,"12,208":7534,"12,209":7535,"12,210":7536,"12,211":7537,"12,212":7538,"12,213":7539,"12,214":7540,"12,215":7541,"12,216":7542,"12,217":7543,"12,218":7544,"12,219":7545,"12,220":7546,"12,221":7547,"12,222":7548,"12,223":7549,"12,224":7550,"12,225":7551,"12,226":7552,"12,227":7553,"12,228":7554,"12,229":7555,"12,230":7556,"12,231":7557,"12,232":7558,"12,233":7559,"12,234":7560,"12,235":7561,"12,236":7562,"12,237":7563,"12,238":7564,"12,239":7565,"12,240":7566,"12,241":7567,"12,242":7568,"12,243":7569,"12,244":7570,"12,245":7571,"12,246":7572,"12,247":7573,"12,248":7574,"12,249":7575,"12,250":7576,"12,251":7577,"12,252":7578,"12,253":7579,"12,254":7580,"12,255":7581,"12,256":7582,"12,257":7583,"12,258":7584,"12,259":7585,"12,260":7586,"12,261":7587,"12,262":7588,"12,263":7589,"12,264":7590,"12,265":7591,"12,266":7592,"12,267":7593,"12,268":7594,"12,269":7595,"12,270":7596,"12,271":7597,"12,272":7598,"12,273":7599,"12,274":7600,"12,275":7601,"12,276":7602,"12,277":7603,"12,278":7604,"12,279":7605,"12,280":7606,"12,281":7607,"12,282":7608,"12,283":7609,"12,284":7610,"12,285":7611,"12,286":7612,"12,287":7613,"12,288":7614,"12,289":7615,"12,290":7616,"12,291":7617,"12,292":7618,"12,293":7619,"12,294":7620,"12,295":7621,"12,296":7622,"12,297":7623,"12,298":7624,"12,299":7625,"12,300":7626,"12,301":7627,"12,302":7628,"12,303":7629,"12,304":7630,"12,305":7631,"12,306":7632,"12,307":7633,"12,308":7634,"12,309":7635,"12,310":7636,"12,311":7637,"12,312":7638,"12,313":7639,"12,314":7640,"12,315":7641,"12,316":7642,"12,317":7643,"12,318":7644,"12,319":7645,"12,320":7646,"12,321":7647,"12,322":7648,"12,323":7649,"12,324":7650,"12,325":7651,"12,326":7652,"12,327":7653,"12,328":7654,"12,329":7655,"12,330":7656,"12,331":7657,"12,332":7658,"12,333":7659,"12,334":7660,"12,335":7661,"12,336":7662,"12,337":7663,"12,338":7664,"12,339":7665,"12,340":7666,"12,341":7667,"12,342":7668,"12,343":7669,"12,344":7670,"12,345":7671,"12,346":7672,"12,347":7673,"12,348":7674,"12,349":7675,"12,350":7676,"12,351":7677,"12,352":7678,"12,353":7679,"12,354":7680,"12,355":7681,"12,356":7682,"12,357":7683,"12,358":7684,"12,359":7685,"12,360":7686,"12,361":7687,"12,362":7688,"12,363":7689,"12,364":7690,"12,365":7691,"12,366":7692,"12,367":7693,"12,368":7694,"12,369":7695,"12,370":7696,"12,371":7697,"12,372":7698,"12,373":7699,"12,374":7700,"12,375":7701,"12,376":7702,"12,377":7703,"12,378":7704,"12,379":7705,"12,380":7706,"12,381":7707,"12,382":7708,"12,383":7709,"12,384":7710,"12,385":7711,"12,386":7712,"12,387":7713,"12,388":7714,"12,389":7715,"12,390":7716,"12,391":7717,"12,392":7718,"12,393":7719,"12,394":7720,"12,395":7721,"12,396":7722,"12,397":7723,"12,398":7724,"12,399":7725,"12,400":7726,"12,401":7727,"12,402":7728,"12,403":7729,"12,404":7730,"12,405":7731,"12,406":7732,"12,407":7733,"12,408":7734,"12,409":7735,"12,410":7736,"12,411":7737,"12,412":7738,"12,413":7739,"12,414":7740,"12,415":7741,"12,416":7742,"12,417":7743,"12,418":7744,"12,419":7745,"12,420":7746,"12,421":7747,"12,422":7748,"12,423":7749,"12,424":7750,"12,425":7751,"12,426":7752,"12,427":7753,"12,428":7754,"12,429":7755,"12,430":7756,"12,431":7757,"12,432":7758,"12,433":7759,"12,434":7760,"12,435":7761,"12,436":7762,"12,437":7763,"12,438":7764,"12,439":7765,"12,440":7766,"12,441":7767,"12,442":7768,"12,443":7769,"12,444":7770,"12,445":7771,"12,446":7772,"12,447":7773,"12,448":7774,"12,449":7775,"12,450":7776,"12,451":7777,"12,452":7778,"12,453":7779,"12,454":7780,"12,455":7781,"12,456":7782,"12,457":7783,"12,458":7784,"12,459":7785,"12,460":7786,"12,461":7787,"12,462":7788,"12,463":7789,"12,464":7790,"12,465":7791,"12,466":7792,"12,467":7793,"12,468":7794,"12,469":7795,"12,470":7796,"12,471":7797,"12,472":7798,"12,473":7799,"12,474":7800,"12,475":7801,"12,476":7802,"12,477":7803,"12,478":7804,"12,479":7805,"12,480":7806,"12,481":7807,"12,482":7808,"12,483":7809,"12,484":7810,"12,485":7811,"12,486":7812,"12,487":7813,"12,488":7814,"12,489":7815,"12,490":7816,"12,491":7817,"12,492":7818,"12,493":7819,"12,494":7820,"12,495":7821,"12,496":7822,"12,497":7823,"12,498":7824,"12,499":7825,"12,500":7826,"12,501":7827,"12,502":7828,"12,503":7829,"12,504":7830,"12,505":7831,"12,506":7832,"12,507":7833,"12,508":7834,"12,509":7835,"12,510":7836,"12,511":7837,"12,512":7838,"12,513":7839,"12,514":7840,"12,515":7841,"12,516":7842,"12,517":7843,"12,518":7844,"12,519":7845,"12,520":7846,"12,521":7847,"12,522":7848,"12,523":7849,"12,524":7850,"12,525":7851,"12,526":7852,"12,527":7853,"12,528":7854,"12,529":7855,"12,530":7856,"12,531":7857,"12,532":7858,"12,533":7859,"12,534":7860,"12,535":7861,"12,536":7862,"12,537":7863,"12,538":7864,"12,539":7865,"12,540":7866,"12,541":7867,"12,542":7868,"12,543":7869,"12,544":7870,"12,545":7871,"12,546":7872,"12,547":7873,"12,548":7874,"12,549":7875,"12,550":7876,"12,551":7877,"12,552":7878,"12,553":7879,"12,554":7880,"12,555":7881,"12,556":7882,"12,557":7883,"12,558":7884,"12,559":7885,"12,560":7886,"12,561":7887,"12,562":7888,"12,563":7889,"12,564":7890,"12,565":7891,"12,566":7892,"12,567":7893,"12,568":7894,"12,569":7895,"12,570":7896,"12,571":7897,"12,572":7898,"12,573":7899,"12,574":7900,"12,575":7901,"12,576":7902,"12,577":7903,"12,578":7904,"12,579":7905,"12,580":7906,"12,581":7907,"12,582":7908,"12,583":7909,"12,584":7910,"12,585":7911,"12,586":7912,"12,587":7913,"12,588":7914,"12,589":7915,"12,590":7916,"12,591":7917,"12,592":7918,"12,593":7919,"12,594":7920,"12,595":7921,"12,596":7922,"12,597":7923,"12,598":7924,"12,599":7925,"12,600":7926,"12,601":7927,"12,602":7928,"12,603":7929,"12,604":7930,"12,605":7931,"12,606":7932,"12,607":7933,"12,608":7934,"12,609":7935,"12,610":7936,"12,611":7937,"12,612":7938,"12,613":7939,"12,614":7940,"12,615":7941,"12,616":7942,"12,617":7943,"12,618":7944,"12,619":7945,"12,620":7946,"12,621":7947,"12,622":7948,"12,623":7949,"12,624":7950,"12,625":7951,"12,626":7952,"12,627":7953,"12,628":7954,"12,629":7955,"12,630":7956,"12,631":7957,"12,632":7958,"12,633":7959,"12,634":7960,"12,635":7961,"12,636":7962,"12,637":7963,"12,638":7964,"12,639":7965,"12,640":7966,"12,641":7967,"12,642":7968,"12,643":7969,"12,644":7970,"12,645":7971,"12,646":7972,"12,647":7973,"12,648":7974,"12,649":7975,"12,650":7976,"12,651":7977,"12,652":7978,"12,653":7979,"12,654":7980,"12,655":7981,"12,656":7982,"12,657":7983,"12,658":7984,"12,659":7985,"12,660":7986,"12,661":7987,"12,662":7988,"12,663":7989,"12,664":7990,"12,665":7991,"12,666":7992,"12,667":7993,"12,668":7994,"12,669":7995,"12,670":7996,"12,671":7997,"12,672":7998,"12,673":7999,"12,674":8000,"12,675":8001,"12,676":8002,"12,677":8003,"12,678":8004,"12,679":8005,"12,680":8006,"12,681":8007,"12,682":8008,"12,683":8009,"12,684":8010,"12,685":8011,"12,686":8012,"12,687":8013,"12,688":8014,"12,689":8015,"12,690":8016,"12,691":8017,"12,692":8018,"12,693":8019,"12,694":8020,"12,695":8021,"12,696":8022,"12,697":8023,"12,698":8024,"12,699":8025,"12,700":8026,"12,701":8027,"13,1":8028,"13,2":8029,"13,3":8030,"13,4":8031,"13,5":8032,"13,6":8033,"13,7":8034,"13,8":8035,"13,9":8036,"13,10":8037,"13,11":8038,"13,12":8039,"13,13":8040,"13,14":8041,"13,15":8042,"13,16":8043,"13,17":8044,"13,18":8045,"13,19":8046,"13,20":8047,"13,21":8048,"13,22":8049,"13,23":8050,"13,24":8051,"13,25":8052,"13,26":8053,"13,27":8054,"13,28":8055,"13,29":8056,"13,30":8057,"13,31":8058,"13,32":8059,"13,33":8060,"13,34":8061,"13,35":8062,"13,36":8063,"13,37":8064,"13,38":8065,"13,39":8066,"13,40":8067,"13,41":8068,"13,42":8069,"13,43":8070,"13,44":8071,"13,45":8072,"13,46":8073,"13,47":8074,"13,48":8075,"13,49":8076,"13,50":8077,"13,51":8078,"13,52":8079,"13,53":8080,"13,54":8081,"13,55":8082,"13,56":8083,"13,57":8084,"13,58":8085,"13,59":8086,"13,60":8087,"13,61":8088,"13,62":8089,"13,63":8090,"13,64":8091,"13,65":8092,"13,66":8093,"13,67":8094,"13,68":8095,"13,69":8096,"13,70":8097,"13,71":8098,"13,72":8099,"13,73":8100,"13,74":8101,"13,75":8102,"13,76":8103,"13,77":8104,"13,78":8105,"13,79":8106,"13,80":8107,"13,81":8108,"13,82":8109,"13,83":8110,"13,84":8111,"13,85":8112,"13,86":8113,"13,87":8114,"13,88":8115,"13,89":8116,"13,90":8117,"13,91":8118,"13,92":8119,"13,93":8120,"13,94":8121,"13,95":8122,"13,96":8123,"13,97":8124,"13,98":8125,"13,99":8126,"13,100":8127,"13,101":8128,"13,102":8129,"13,103":8130,"13,104":8131,"13,105":8132,"13,106":8133,"13,107":8134,"13,108":8135,"13,109":8136,"13,110":8137,"13,111":8138,"13,112":8139,"13,113":8140,"13,114":8141,"13,115":8142,"13,116":8143,"13,117":8144,"13,118":8145,"13,119":8146,"13,120":8147,"13,121":8148,"13,122":8149,"13,123":8150,"13,124":8151,"13,125":8152,"13,126":8153,"13,127":8154,"13,128":8155,"13,129":8156,"13,130":8157,"13,131":8158,"13,132":8159,"13,133":8160,"13,134":8161,"13,135":8162,"13,136":8163,"13,137":8164,"13,138":8165,"13,139":8166,"13,140":8167,"13,141":8168,"13,142":8169,"13,143":8170,"13,144":8171,"13,145":8172,"13,146":8173,"13,147":8174,"13,148":8175,"13,149":8176,"13,150":8177,"13,151":8178,"13,152":8179,"13,153":8180,"13,154":8181,"13,155":8182,"13,156":8183,"13,157":8184,"13,158":8185,"13,159":8186,"13,160":8187,"13,161":8188,"13,162":8189,"13,163":8190,"13,164":8191,"13,165":8192,"13,166":8193,"13,167":8194,"13,168":8195,"13,169":8196,"13,170":8197,"13,171":8198,"13,172":8199,"13,173":8200,"13,174":8201,"13,175":8202,"13,176":8203,"13,177":8204,"13,178":8205,"13,179":8206,"13,180":8207,"13,181":8208,"13,182":8209,"13,183":8210,"13,184":8211,"13,185":8212,"13,186":8213,"13,187":8214,"13,188":8215,"13,189":8216,"13,190":8217,"13,191":8218,"13,192":8219,"13,193":8220,"13,194":8221,"13,195":8222,"13,196":8223,"13,197":8224,"13,198":8225,"13,199":8226,"13,200":8227,"13,201":8228,"13,202":8229,"13,203":8230,"13,204":8231,"13,205":8232,"13,206":8233,"13,207":8234,"13,208":8235,"13,209":8236,"13,210":8237,"13,211":8238,"13,212":8239,"13,213":8240,"13,214":8241,"13,215":8242,"13,216":8243,"13,217":8244,"13,218":8245,"13,219":8246,"13,220":8247,"13,221":8248,"13,222":8249,"13,223":8250,"13,224":8251,"13,225":8252,"13,226":8253,"13,227":8254,"13,228":8255,"13,229":8256,"13,230":8257,"13,231":8258,"13,232":8259,"13,233":8260,"13,234":8261,"13,235":8262,"13,236":8263,"13,237":8264,"13,238":8265,"13,239":8266,"13,240":8267,"13,241":8268,"13,242":8269,"13,243":8270,"13,244":8271,"13,245":8272,"13,246":8273,"13,247":8274,"13,248":8275,"13,249":8276,"13,250":8277,"13,251":8278,"13,252":8279,"13,253":8280,"13,254":8281,"13,255":8282,"13,256":8283,"13,257":8284,"13,258":8285,"13,259":8286,"13,260":8287,"13,261":8288,"13,262":8289,"13,263":8290,"13,264":8291,"13,265":8292,"13,266":8293,"13,267":8294,"13,268":8295,"13,269":8296,"13,270":8297,"13,271":8298,"13,272":8299,"13,273":8300,"13,274":8301,"13,275":8302,"13,276":8303,"13,277":8304,"13,278":8305,"13,279":8306,"13,280":8307,"13,281":8308,"13,282":8309,"13,283":8310,"13,284":8311,"13,285":8312,"13,286":8313,"13,287":8314,"13,288":8315,"13,289":8316,"13,290":8317,"13,291":8318,"13,292":8319,"13,293":8320,"13,294":8321,"13,295":8322,"13,296":8323,"13,297":8324,"13,298":8325,"13,299":8326,"13,300":8327,"13,301":8328,"13,302":8329,"13,303":8330,"13,304":8331,"13,305":8332,"13,306":8333,"13,307":8334,"13,308":8335,"13,309":8336,"13,310":8337,"13,311":8338,"13,312":8339,"13,313":8340,"13,314":8341,"13,315":8342,"13,316":8343,"13,317":8344,"13,318":8345,"13,319":8346,"13,320":8347,"13,321":8348,"13,322":8349,"13,323":8350,"13,324":8351,"13,325":8352,"13,326":8353,"13,327":8354,"13,328":8355,"13,329":8356,"13,330":8357,"13,331":8358,"13,332":8359,"13,333":8360,"13,334":8361,"13,335":8362,"13,336":8363,"13,337":8364,"13,338":8365,"13,339":8366,"13,340":8367,"13,341":8368,"13,342":8369,"13,343":8370,"13,344":8371,"13,345":8372,"13,346":8373,"13,347":8374,"13,348":8375,"13,349":8376,"13,350":8377,"13,351":8378,"13,352":8379,"13,353":8380,"13,354":8381,"13,355":8382,"13,356":8383,"13,357":8384,"13,358":8385,"13,359":8386,"13,360":8387,"13,361":8388,"13,362":8389,"13,363":8390,"13,364":8391,"13,365":8392,"13,366":8393,"13,367":8394,"13,368":8395,"13,369":8396,"13,370":8397,"13,371":8398,"13,372":8399,"13,373":8400,"13,374":8401,"13,375":8402,"13,376":8403,"13,377":8404,"13,378":8405,"13,379":8406,"13,380":8407,"13,381":8408,"13,382":8409,"13,383":8410,"13,384":8411,"13,385":8412,"13,386":8413,"13,387":8414,"13,388":8415,"13,389":8416,"13,390":8417,"13,391":8418,"13,392":8419,"13,393":8420,"13,394":8421,"13,395":8422,"13,396":8423,"13,397":8424,"13,398":8425,"13,399":8426,"13,400":8427,"13,401":8428,"13,402":8429,"13,403":8430,"13,404":8431,"13,405":8432,"13,406":8433,"13,407":8434,"13,408":8435,"13,409":8436,"13,410":8437,"13,411":8438,"13,412":8439,"13,413":8440,"13,414":8441,"13,415":8442,"13,416":8443,"13,417":8444,"13,418":8445,"13,419":8446,"13,420":8447,"13,421":8448,"13,422":8449,"13,423":8450,"13,424":8451,"13,425":8452,"13,426":8453,"13,427":8454,"13,428":8455,"13,429":8456,"13,430":8457,"13,431":8458,"13,432":8459,"13,433":8460,"13,434":8461,"13,435":8462,"13,436":8463,"13,437":8464,"13,438":8465,"13,439":8466,"13,440":8467,"13,441":8468,"13,442":8469,"13,443":8470,"13,444":8471,"13,445":8472,"13,446":8473,"13,447":8474,"13,448":8475,"13,449":8476,"13,450":8477,"13,451":8478,"13,452":8479,"13,453":8480,"13,454":8481,"13,455":8482,"13,456":8483,"13,457":8484,"13,458":8485,"13,459":8486,"13,460":8487,"13,461":8488,"13,462":8489,"13,463":8490,"13,464":8491,"13,465":8492,"13,466":8493,"13,467":8494,"13,468":8495,"13,469":8496,"13,470":8497,"13,471":8498,"13,472":8499,"13,473":8500,"13,474":8501,"13,475":8502,"13,476":8503,"13,477":8504,"13,478":8505,"13,479":8506,"13,480":8507,"13,481":8508,"13,482":8509,"13,483":8510,"13,484":8511,"13,485":8512,"13,486":8513,"13,487":8514,"13,488":8515,"13,489":8516,"13,490":8517,"13,491":8518,"13,492":8519,"13,493":8520,"13,494":8521,"13,495":8522,"13,496":8523,"13,497":8524,"13,498":8525,"13,499":8526,"13,500":8527,"13,501":8528,"13,502":8529,"13,503":8530,"13,504":8531,"13,505":8532,"13,506":8533,"13,507":8534,"13,508":8535,"13,509":8536,"13,510":8537,"13,511":8538,"13,512":8539,"13,513":8540,"13,514":8541,"13,515":8542,"13,516":8543,"13,517":8544,"13,518":8545,"13,519":8546,"13,520":8547,"13,521":8548,"13,522":8549,"13,523":8550,"13,524":8551,"13,525":8552,"13,526":8553,"13,527":8554,"13,528":8555,"13,529":8556,"13,530":8557,"13,531":8558,"13,532":8559,"13,533":8560,"13,534":8561,"13,535":8562,"13,536":8563,"13,537":8564,"13,538":8565,"13,539":8566,"13,540":8567,"13,541":8568,"13,542":8569,"13,543":8570,"13,544":8571,"13,545":8572,"13,546":8573,"13,547":8574,"13,548":8575,"13,549":8576,"13,550":8577,"13,551":8578,"13,552":8579,"13,553":8580,"13,554":8581,"13,555":8582,"13,556":8583,"13,557":8584,"13,558":8585,"13,559":8586,"13,560":8587,"13,561":8588,"13,562":8589,"13,563":8590,"13,564":8591,"13,565":8592,"13,566":8593,"13,567":8594,"13,568":8595,"13,569":8596,"13,570":8597,"13,571":8598,"13,572":8599,"13,573":8600,"13,574":8601,"13,575":8602,"13,576":8603,"13,577":8604,"13,578":8605,"13,579":8606,"13,580":8607,"13,581":8608,"13,582":8609,"13,583":8610,"13,584":8611,"13,585":8612,"13,586":8613,"13,587":8614,"13,588":8615,"13,589":8616,"13,590":8617,"13,591":8618,"13,592":8619,"13,593":8620,"13,594":8621,"13,595":8622,"13,596":8623,"13,597":8624,"13,598":8625,"13,599":8626,"13,600":8627,"13,601":8628,"13,602":8629,"13,603":8630,"13,604":8631,"13,605":8632,"13,606":8633,"13,607":8634,"13,608":8635,"13,609":8636,"13,610":8637,"13,611":8638,"13,612":8639,"13,613":8640,"13,614":8641,"13,615":8642,"13,616":8643,"13,617":8644,"13,618":8645,"13,619":8646,"13,620":8647,"13,621":8648,"13,622":8649,"13,623":8650,"13,624":8651,"13,625":8652,"13,626":8653,"13,627":8654,"13,628":8655,"13,629":8656,"13,630":8657,"13,631":8658,"13,632":8659,"13,633":8660,"13,634":8661,"13,635":8662,"13,636":8663,"13,637":8664,"13,638":8665,"13,639":8666,"13,640":8667,"13,641":8668,"13,642":8669,"13,643":8670,"13,644":8671,"13,645":8672,"13,646":8673,"13,647":8674,"13,648":8675,"13,649":8676,"13,650":8677,"13,651":8678,"13,652":8679,"13,653":8680,"13,654":8681,"13,655":8682,"13,656":8683,"13,657":8684,"13,658":8685,"13,659":8686,"13,660":8687,"13,661":8688,"13,662":8689,"13,663":8690,"13,664":8691,"13,665":8692,"13,666":8693,"13,667":8694,"13,668":8695,"13,669":8696,"13,670":8697,"13,671":8698,"13,672":8699,"13,673":8700,"13,674":8701,"13,675":8702,"13,676":8703,"13,677":8704,"13,678":8705,"13,679":8706,"13,680":8707,"13,681":8708,"13,682":8709,"13,683":8710,"13,684":8711,"13,685":8712,"13,686":8713,"13,687":8714,"13,688":8715,"13,689":8716,"13,690":8717,"13,691":8718,"13,692":8719,"13,693":8720,"13,694":8721},"ٜ":{"1":[1,698],"2":[1,634],"3":[1,687],"4":[1,683],"5":[1,635],"6":[1,618],"7":[1,689],"8":[1,714],"9":[1,641],"10":[1,625],"11":[1,704],"12":[1,701],"13":[1,694]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,687","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,650","4,651","4,652","4,653","4,654","4,655","4,656","4,657","4,658","4,659","4,660","4,661","4,662","4,663","4,664","4,665","4,666","4,667","4,668","4,669","4,670","4,671","4,672","4,673","4,674","4,675","4,676","4,677","4,678","4,679","4,680","4,681","4,682","4,683","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","7,595","7,596","7,597","7,598","7,599","7,600","7,601","7,602","7,603","7,604","7,605","7,606","7,607","7,608","7,609","7,610","7,611","7,612","7,613","7,614","7,615","7,616","7,617","7,618","7,619","7,620","7,621","7,622","7,623","7,624","7,625","7,626","7,627","7,628","7,629","7,630","7,631","7,632","7,633","7,634","7,635","7,636","7,637","7,638","7,639","7,640","7,641","7,642","7,643","7,644","7,645","7,646","7,647","7,648","7,649","7,650","7,651","7,652","7,653","7,654","7,655","7,656","7,657","7,658","7,659","7,660","7,661","7,662","7,663","7,664","7,665","7,666","7,667","7,668","7,669","7,670","7,671","7,672","7,673","7,674","7,675","7,676","7,677","7,678","7,679","7,680","7,681","7,682","7,683","7,684","7,685","7,686","7,687","7,688","7,689","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,580","8,581","8,582","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,614","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","8,625","8,626","8,627","8,628","8,629","8,630","8,631","8,632","8,633","8,634","8,635","8,636","8,637","8,638","8,639","8,640","8,641","8,642","8,643","8,644","8,645","8,646","8,647","8,648","8,649","8,650","8,651","8,652","8,653","8,654","8,655","8,656","8,657","8,658","8,659","8,660","8,661","8,662","8,663","8,664","8,665","8,666","8,667","8,668","8,669","8,670","8,671","8,672","8,673","8,674","8,675","8,676","8,677","8,678","8,679","8,680","8,681","8,682","8,683","8,684","8,685","8,686","8,687","8,688","8,689","8,690","8,691","8,692","8,693","8,694","8,695","8,696","8,697","8,698","8,699","8,700","8,701","8,702","8,703","8,704","8,705","8,706","8,707","8,708","8,709","8,710","8,711","8,712","8,713","8,714","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545","9,546","9,547","9,548","9,549","9,550","9,551","9,552","9,553","9,554","9,555","9,556","9,557","9,558","9,559","9,560","9,561","9,562","9,563","9,564","9,565","9,566","9,567","9,568","9,569","9,570","9,571","9,572","9,573","9,574","9,575","9,576","9,577","9,578","9,579","9,580","9,581","9,582","9,583","9,584","9,585","9,586","9,587","9,588","9,589","9,590","9,591","9,592","9,593","9,594","9,595","9,596","9,597","9,598","9,599","9,600","9,601","9,602","9,603","9,604","9,605","9,606","9,607","9,608","9,609","9,610","9,611","9,612","9,613","9,614","9,615","9,616","9,617","9,618","9,619","9,620","9,621","9,622","9,623","9,624","9,625","9,626","9,627","9,628","9,629","9,630","9,631","9,632","9,633","9,634","9,635","9,636","9,637","9,638","9,639","9,640","9,641","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,390","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","10,485","10,486","10,487","10,488","10,489","10,490","10,491","10,492","10,493","10,494","10,495","10,496","10,497","10,498","10,499","10,500","10,501","10,502","10,503","10,504","10,505","10,506","10,507","10,508","10,509","10,510","10,511","10,512","10,513","10,514","10,515","10,516","10,517","10,518","10,519","10,520","10,521","10,522","10,523","10,524","10,525","10,526","10,527","10,528","10,529","10,530","10,531","10,532","10,533","10,534","10,535","10,536","10,537","10,538","10,539","10,540","10,541","10,542","10,543","10,544","10,545","10,546","10,547","10,548","10,549","10,550","10,551","10,552","10,553","10,554","10,555","10,556","10,557","10,558","10,559","10,560","10,561","10,562","10,563","10,564","10,565","10,566","10,567","10,568","10,569","10,570","10,571","10,572","10,573","10,574","10,575","10,576","10,577","10,578","10,579","10,580","10,581","10,582","10,583","10,584","10,585","10,586","10,587","10,588","10,589","10,590","10,591","10,592","10,593","10,594","10,595","10,596","10,597","10,598","10,599","10,600","10,601","10,602","10,603","10,604","10,605","10,606","10,607","10,608","10,609","10,610","10,611","10,612","10,613","10,614","10,615","10,616","10,617","10,618","10,619","10,620","10,621","10,622","10,623","10,624","10,625","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22","11,23","11,24","11,25","11,26","11,27","11,28","11,29","11,30","11,31","11,32","11,33","11,34","11,35","11,36","11,37","11,38","11,39","11,40","11,41","11,42","11,43","11,44","11,45","11,46","11,47","11,48","11,49","11,50","11,51","11,52","11,53","11,54","11,55","11,56","11,57","11,58","11,59","11,60","11,61","11,62","11,63","11,64","11,65","11,66","11,67","11,68","11,69","11,70","11,71","11,72","11,73","11,74","11,75","11,76","11,77","11,78","11,79","11,80","11,81","11,82","11,83","11,84","11,85","11,86","11,87","11,88","11,89","11,90","11,91","11,92","11,93","11,94","11,95","11,96","11,97","11,98","11,99","11,100","11,101","11,102","11,103","11,104","11,105","11,106","11,107","11,108","11,109","11,110","11,111","11,112","11,113","11,114","11,115","11,116","11,117","11,118","11,119","11,120","11,121","11,122","11,123","11,124","11,125","11,126","11,127","11,128","11,129","11,130","11,131","11,132","11,133","11,134","11,135","11,136","11,137","11,138","11,139","11,140","11,141","11,142","11,143","11,144","11,145","11,146","11,147","11,148","11,149","11,150","11,151","11,152","11,153","11,154","11,155","11,156","11,157","11,158","11,159","11,160","11,161","11,162","11,163","11,164","11,165","11,166","11,167","11,168","11,169","11,170","11,171","11,172","11,173","11,174","11,175","11,176","11,177","11,178","11,179","11,180","11,181","11,182","11,183","11,184","11,185","11,186","11,187","11,188","11,189","11,190","11,191","11,192","11,193","11,194","11,195","11,196","11,197","11,198","11,199","11,200","11,201","11,202","11,203","11,204","11,205","11,206","11,207","11,208","11,209","11,210","11,211","11,212","11,213","11,214","11,215","11,216","11,217","11,218","11,219","11,220","11,221","11,222","11,223","11,224","11,225","11,226","11,227","11,228","11,229","11,230","11,231","11,232","11,233","11,234","11,235","11,236","11,237","11,238","11,239","11,240","11,241","11,242","11,243","11,244","11,245","11,246","11,247","11,248","11,249","11,250","11,251","11,252","11,253","11,254","11,255","11,256","11,257","11,258","11,259","11,260","11,261","11,262","11,263","11,264","11,265","11,266","11,267","11,268","11,269","11,270","11,271","11,272","11,273","11,274","11,275","11,276","11,277","11,278","11,279","11,280","11,281","11,282","11,283","11,284","11,285","11,286","11,287","11,288","11,289","11,290","11,291","11,292","11,293","11,294","11,295","11,296","11,297","11,298","11,299","11,300","11,301","11,302","11,303","11,304","11,305","11,306","11,307","11,308","11,309","11,310","11,311","11,312","11,313","11,314","11,315","11,316","11,317","11,318","11,319","11,320","11,321","11,322","11,323","11,324","11,325","11,326","11,327","11,328","11,329","11,330","11,331","11,332","11,333","11,334","11,335","11,336","11,337","11,338","11,339","11,340","11,341","11,342","11,343","11,344","11,345","11,346","11,347","11,348","11,349","11,350","11,351","11,352","11,353","11,354","11,355","11,356","11,357","11,358","11,359","11,360","11,361","11,362","11,363","11,364","11,365","11,366","11,367","11,368","11,369","11,370","11,371","11,372","11,373","11,374","11,375","11,376","11,377","11,378","11,379","11,380","11,381","11,382","11,383","11,384","11,385","11,386","11,387","11,388","11,389","11,390","11,391","11,392","11,393","11,394","11,395","11,396","11,397","11,398","11,399","11,400","11,401","11,402","11,403","11,404","11,405","11,406","11,407","11,408","11,409","11,410","11,411","11,412","11,413","11,414","11,415","11,416","11,417","11,418","11,419","11,420","11,421","11,422","11,423","11,424","11,425","11,426","11,427","11,428","11,429","11,430","11,431","11,432","11,433","11,434","11,435","11,436","11,437","11,438","11,439","11,440","11,441","11,442","11,443","11,444","11,445","11,446","11,447","11,448","11,449","11,450","11,451","11,452","11,453","11,454","11,455","11,456","11,457","11,458","11,459","11,460","11,461","11,462","11,463","11,464","11,465","11,466","11,467","11,468","11,469","11,470","11,471","11,472","11,473","11,474","11,475","11,476","11,477","11,478","11,479","11,480","11,481","11,482","11,483","11,484","11,485","11,486","11,487","11,488","11,489","11,490","11,491","11,492","11,493","11,494","11,495","11,496","11,497","11,498","11,499","11,500","11,501","11,502","11,503","11,504","11,505","11,506","11,507","11,508","11,509","11,510","11,511","11,512","11,513","11,514","11,515","11,516","11,517","11,518","11,519","11,520","11,521","11,522","11,523","11,524","11,525","11,526","11,527","11,528","11,529","11,530","11,531","11,532","11,533","11,534","11,535","11,536","11,537","11,538","11,539","11,540","11,541","11,542","11,543","11,544","11,545","11,546","11,547","11,548","11,549","11,550","11,551","11,552","11,553","11,554","11,555","11,556","11,557","11,558","11,559","11,560","11,561","11,562","11,563","11,564","11,565","11,566","11,567","11,568","11,569","11,570","11,571","11,572","11,573","11,574","11,575","11,576","11,577","11,578","11,579","11,580","11,581","11,582","11,583","11,584","11,585","11,586","11,587","11,588","11,589","11,590","11,591","11,592","11,593","11,594","11,595","11,596","11,597","11,598","11,599","11,600","11,601","11,602","11,603","11,604","11,605","11,606","11,607","11,608","11,609","11,610","11,611","11,612","11,613","11,614","11,615","11,616","11,617","11,618","11,619","11,620","11,621","11,622","11,623","11,624","11,625","11,626","11,627","11,628","11,629","11,630","11,631","11,632","11,633","11,634","11,635","11,636","11,637","11,638","11,639","11,640","11,641","11,642","11,643","11,644","11,645","11,646","11,647","11,648","11,649","11,650","11,651","11,652","11,653","11,654","11,655","11,656","11,657","11,658","11,659","11,660","11,661","11,662","11,663","11,664","11,665","11,666","11,667","11,668","11,669","11,670","11,671","11,672","11,673","11,674","11,675","11,676","11,677","11,678","11,679","11,680","11,681","11,682","11,683","11,684","11,685","11,686","11,687","11,688","11,689","11,690","11,691","11,692","11,693","11,694","11,695","11,696","11,697","11,698","11,699","11,700","11,701","11,702","11,703","11,704","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","12,19","12,20","12,21","12,22","12,23","12,24","12,25","12,26","12,27","12,28","12,29","12,30","12,31","12,32","12,33","12,34","12,35","12,36","12,37","12,38","12,39","12,40","12,41","12,42","12,43","12,44","12,45","12,46","12,47","12,48","12,49","12,50","12,51","12,52","12,53","12,54","12,55","12,56","12,57","12,58","12,59","12,60","12,61","12,62","12,63","12,64","12,65","12,66","12,67","12,68","12,69","12,70","12,71","12,72","12,73","12,74","12,75","12,76","12,77","12,78","12,79","12,80","12,81","12,82","12,83","12,84","12,85","12,86","12,87","12,88","12,89","12,90","12,91","12,92","12,93","12,94","12,95","12,96","12,97","12,98","12,99","12,100","12,101","12,102","12,103","12,104","12,105","12,106","12,107","12,108","12,109","12,110","12,111","12,112","12,113","12,114","12,115","12,116","12,117","12,118","12,119","12,120","12,121","12,122","12,123","12,124","12,125","12,126","12,127","12,128","12,129","12,130","12,131","12,132","12,133","12,134","12,135","12,136","12,137","12,138","12,139","12,140","12,141","12,142","12,143","12,144","12,145","12,146","12,147","12,148","12,149","12,150","12,151","12,152","12,153","12,154","12,155","12,156","12,157","12,158","12,159","12,160","12,161","12,162","12,163","12,164","12,165","12,166","12,167","12,168","12,169","12,170","12,171","12,172","12,173","12,174","12,175","12,176","12,177","12,178","12,179","12,180","12,181","12,182","12,183","12,184","12,185","12,186","12,187","12,188","12,189","12,190","12,191","12,192","12,193","12,194","12,195","12,196","12,197","12,198","12,199","12,200","12,201","12,202","12,203","12,204","12,205","12,206","12,207","12,208","12,209","12,210","12,211","12,212","12,213","12,214","12,215","12,216","12,217","12,218","12,219","12,220","12,221","12,222","12,223","12,224","12,225","12,226","12,227","12,228","12,229","12,230","12,231","12,232","12,233","12,234","12,235","12,236","12,237","12,238","12,239","12,240","12,241","12,242","12,243","12,244","12,245","12,246","12,247","12,248","12,249","12,250","12,251","12,252","12,253","12,254","12,255","12,256","12,257","12,258","12,259","12,260","12,261","12,262","12,263","12,264","12,265","12,266","12,267","12,268","12,269","12,270","12,271","12,272","12,273","12,274","12,275","12,276","12,277","12,278","12,279","12,280","12,281","12,282","12,283","12,284","12,285","12,286","12,287","12,288","12,289","12,290","12,291","12,292","12,293","12,294","12,295","12,296","12,297","12,298","12,299","12,300","12,301","12,302","12,303","12,304","12,305","12,306","12,307","12,308","12,309","12,310","12,311","12,312","12,313","12,314","12,315","12,316","12,317","12,318","12,319","12,320","12,321","12,322","12,323","12,324","12,325","12,326","12,327","12,328","12,329","12,330","12,331","12,332","12,333","12,334","12,335","12,336","12,337","12,338","12,339","12,340","12,341","12,342","12,343","12,344","12,345","12,346","12,347","12,348","12,349","12,350","12,351","12,352","12,353","12,354","12,355","12,356","12,357","12,358","12,359","12,360","12,361","12,362","12,363","12,364","12,365","12,366","12,367","12,368","12,369","12,370","12,371","12,372","12,373","12,374","12,375","12,376","12,377","12,378","12,379","12,380","12,381","12,382","12,383","12,384","12,385","12,386","12,387","12,388","12,389","12,390","12,391","12,392","12,393","12,394","12,395","12,396","12,397","12,398","12,399","12,400","12,401","12,402","12,403","12,404","12,405","12,406","12,407","12,408","12,409","12,410","12,411","12,412","12,413","12,414","12,415","12,416","12,417","12,418","12,419","12,420","12,421","12,422","12,423","12,424","12,425","12,426","12,427","12,428","12,429","12,430","12,431","12,432","12,433","12,434","12,435","12,436","12,437","12,438","12,439","12,440","12,441","12,442","12,443","12,444","12,445","12,446","12,447","12,448","12,449","12,450","12,451","12,452","12,453","12,454","12,455","12,456","12,457","12,458","12,459","12,460","12,461","12,462","12,463","12,464","12,465","12,466","12,467","12,468","12,469","12,470","12,471","12,472","12,473","12,474","12,475","12,476","12,477","12,478","12,479","12,480","12,481","12,482","12,483","12,484","12,485","12,486","12,487","12,488","12,489","12,490","12,491","12,492","12,493","12,494","12,495","12,496","12,497","12,498","12,499","12,500","12,501","12,502","12,503","12,504","12,505","12,506","12,507","12,508","12,509","12,510","12,511","12,512","12,513","12,514","12,515","12,516","12,517","12,518","12,519","12,520","12,521","12,522","12,523","12,524","12,525","12,526","12,527","12,528","12,529","12,530","12,531","12,532","12,533","12,534","12,535","12,536","12,537","12,538","12,539","12,540","12,541","12,542","12,543","12,544","12,545","12,546","12,547","12,548","12,549","12,550","12,551","12,552","12,553","12,554","12,555","12,556","12,557","12,558","12,559","12,560","12,561","12,562","12,563","12,564","12,565","12,566","12,567","12,568","12,569","12,570","12,571","12,572","12,573","12,574","12,575","12,576","12,577","12,578","12,579","12,580","12,581","12,582","12,583","12,584","12,585","12,586","12,587","12,588","12,589","12,590","12,591","12,592","12,593","12,594","12,595","12,596","12,597","12,598","12,599","12,600","12,601","12,602","12,603","12,604","12,605","12,606","12,607","12,608","12,609","12,610","12,611","12,612","12,613","12,614","12,615","12,616","12,617","12,618","12,619","12,620","12,621","12,622","12,623","12,624","12,625","12,626","12,627","12,628","12,629","12,630","12,631","12,632","12,633","12,634","12,635","12,636","12,637","12,638","12,639","12,640","12,641","12,642","12,643","12,644","12,645","12,646","12,647","12,648","12,649","12,650","12,651","12,652","12,653","12,654","12,655","12,656","12,657","12,658","12,659","12,660","12,661","12,662","12,663","12,664","12,665","12,666","12,667","12,668","12,669","12,670","12,671","12,672","12,673","12,674","12,675","12,676","12,677","12,678","12,679","12,680","12,681","12,682","12,683","12,684","12,685","12,686","12,687","12,688","12,689","12,690","12,691","12,692","12,693","12,694","12,695","12,696","12,697","12,698","12,699","12,700","12,701","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","13,22","13,23","13,24","13,25","13,26","13,27","13,28","13,29","13,30","13,31","13,32","13,33","13,34","13,35","13,36","13,37","13,38","13,39","13,40","13,41","13,42","13,43","13,44","13,45","13,46","13,47","13,48","13,49","13,50","13,51","13,52","13,53","13,54","13,55","13,56","13,57","13,58","13,59","13,60","13,61","13,62","13,63","13,64","13,65","13,66","13,67","13,68","13,69","13,70","13,71","13,72","13,73","13,74","13,75","13,76","13,77","13,78","13,79","13,80","13,81","13,82","13,83","13,84","13,85","13,86","13,87","13,88","13,89","13,90","13,91","13,92","13,93","13,94","13,95","13,96","13,97","13,98","13,99","13,100","13,101","13,102","13,103","13,104","13,105","13,106","13,107","13,108","13,109","13,110","13,111","13,112","13,113","13,114","13,115","13,116","13,117","13,118","13,119","13,120","13,121","13,122","13,123","13,124","13,125","13,126","13,127","13,128","13,129","13,130","13,131","13,132","13,133","13,134","13,135","13,136","13,137","13,138","13,139","13,140","13,141","13,142","13,143","13,144","13,145","13,146","13,147","13,148","13,149","13,150","13,151","13,152","13,153","13,154","13,155","13,156","13,157","13,158","13,159","13,160","13,161","13,162","13,163","13,164","13,165","13,166","13,167","13,168","13,169","13,170","13,171","13,172","13,173","13,174","13,175","13,176","13,177","13,178","13,179","13,180","13,181","13,182","13,183","13,184","13,185","13,186","13,187","13,188","13,189","13,190","13,191","13,192","13,193","13,194","13,195","13,196","13,197","13,198","13,199","13,200","13,201","13,202","13,203","13,204","13,205","13,206","13,207","13,208","13,209","13,210","13,211","13,212","13,213","13,214","13,215","13,216","13,217","13,218","13,219","13,220","13,221","13,222","13,223","13,224","13,225","13,226","13,227","13,228","13,229","13,230","13,231","13,232","13,233","13,234","13,235","13,236","13,237","13,238","13,239","13,240","13,241","13,242","13,243","13,244","13,245","13,246","13,247","13,248","13,249","13,250","13,251","13,252","13,253","13,254","13,255","13,256","13,257","13,258","13,259","13,260","13,261","13,262","13,263","13,264","13,265","13,266","13,267","13,268","13,269","13,270","13,271","13,272","13,273","13,274","13,275","13,276","13,277","13,278","13,279","13,280","13,281","13,282","13,283","13,284","13,285","13,286","13,287","13,288","13,289","13,290","13,291","13,292","13,293","13,294","13,295","13,296","13,297","13,298","13,299","13,300","13,301","13,302","13,303","13,304","13,305","13,306","13,307","13,308","13,309","13,310","13,311","13,312","13,313","13,314","13,315","13,316","13,317","13,318","13,319","13,320","13,321","13,322","13,323","13,324","13,325","13,326","13,327","13,328","13,329","13,330","13,331","13,332","13,333","13,334","13,335","13,336","13,337","13,338","13,339","13,340","13,341","13,342","13,343","13,344","13,345","13,346","13,347","13,348","13,349","13,350","13,351","13,352","13,353","13,354","13,355","13,356","13,357","13,358","13,359","13,360","13,361","13,362","13,363","13,364","13,365","13,366","13,367","13,368","13,369","13,370","13,371","13,372","13,373","13,374","13,375","13,376","13,377","13,378","13,379","13,380","13,381","13,382","13,383","13,384","13,385","13,386","13,387","13,388","13,389","13,390","13,391","13,392","13,393","13,394","13,395","13,396","13,397","13,398","13,399","13,400","13,401","13,402","13,403","13,404","13,405","13,406","13,407","13,408","13,409","13,410","13,411","13,412","13,413","13,414","13,415","13,416","13,417","13,418","13,419","13,420","13,421","13,422","13,423","13,424","13,425","13,426","13,427","13,428","13,429","13,430","13,431","13,432","13,433","13,434","13,435","13,436","13,437","13,438","13,439","13,440","13,441","13,442","13,443","13,444","13,445","13,446","13,447","13,448","13,449","13,450","13,451","13,452","13,453","13,454","13,455","13,456","13,457","13,458","13,459","13,460","13,461","13,462","13,463","13,464","13,465","13,466","13,467","13,468","13,469","13,470","13,471","13,472","13,473","13,474","13,475","13,476","13,477","13,478","13,479","13,480","13,481","13,482","13,483","13,484","13,485","13,486","13,487","13,488","13,489","13,490","13,491","13,492","13,493","13,494","13,495","13,496","13,497","13,498","13,499","13,500","13,501","13,502","13,503","13,504","13,505","13,506","13,507","13,508","13,509","13,510","13,511","13,512","13,513","13,514","13,515","13,516","13,517","13,518","13,519","13,520","13,521","13,522","13,523","13,524","13,525","13,526","13,527","13,528","13,529","13,530","13,531","13,532","13,533","13,534","13,535","13,536","13,537","13,538","13,539","13,540","13,541","13,542","13,543","13,544","13,545","13,546","13,547","13,548","13,549","13,550","13,551","13,552","13,553","13,554","13,555","13,556","13,557","13,558","13,559","13,560","13,561","13,562","13,563","13,564","13,565","13,566","13,567","13,568","13,569","13,570","13,571","13,572","13,573","13,574","13,575","13,576","13,577","13,578","13,579","13,580","13,581","13,582","13,583","13,584","13,585","13,586","13,587","13,588","13,589","13,590","13,591","13,592","13,593","13,594","13,595","13,596","13,597","13,598","13,599","13,600","13,601","13,602","13,603","13,604","13,605","13,606","13,607","13,608","13,609","13,610","13,611","13,612","13,613","13,614","13,615","13,616","13,617","13,618","13,619","13,620","13,621","13,622","13,623","13,624","13,625","13,626","13,627","13,628","13,629","13,630","13,631","13,632","13,633","13,634","13,635","13,636","13,637","13,638","13,639","13,640","13,641","13,642","13,643","13,644","13,645","13,646","13,647","13,648","13,649","13,650","13,651","13,652","13,653","13,654","13,655","13,656","13,657","13,658","13,659","13,660","13,661","13,662","13,663","13,664","13,665","13,666","13,667","13,668","13,669","13,670","13,671","13,672","13,673","13,674","13,675","13,676","13,677","13,678","13,679","13,680","13,681","13,682","13,683","13,684","13,685","13,686","13,687","13,688","13,689","13,690","13,691","13,692","13,693","13,694"],"ٞ":{"5":[1,2],"7":[3],"15":[4],"23":[5],"41":[6],"47":[7],"48":[8],"50":[9],"53":[10],"54":[11],"59":[12],"63":[13],"65":[14],"70":[15],"83":[16],"85":[17],"88":[18,19],"89":[20],"90":[21,22],"91":[23],"94":[24],"95":[25],"96":[26,27],"99":[28],"100":[29],"104":[30,31,32],"109":[33],"110":[34],"111":[35],"112":[36],"114":[37],"115":[38],"116":[39],"118":[40],"120":[41],"121":[42,43],"122":[44],"124":[45,46],"125":[47],"126":[48],"127":[49],"130":[50],"140":[51],"150":[52],"162":[53],"163":[54],"169":[55],"173":[56],"180":[57],"201":[58],"207":[59],"211":[60],"217":[61],"224":[62],"227":[63],"232":[64],"244":[65],"248":[66],"251":[67],"255":[68],"261":[69],"263":[70],"265":[71],"274":[72],"282":[73],"292":[74],"297":[75],"301":[76],"306":[77],"312":[78],"324":[79],"327":[80],"330":[81],"332":[82],"347":[83],"356":[84],"372":[85],"375":[86],"387":[87],"396":[88],"400":[89],"406":[90],"419":[91],"430":[92],"437":[93],"442":[94],"448":[95],"461":[96],"474":[97],"484":[98],"488":[99],"490":[100],"495":[101],"500":[102],"504":[103],"506":[104],"591":[105],"597":[106],"605":[107],"606":[108],"607":[109],"622":[110],"624":[111],"631":[112],"636":[113],"660":[114],"672":[115],"678":[116],"684":[117],"702":[118],"708":[119],"717":[120],"722":[121],"730":[122],"736":[123],"750":[124],"755":[125],"761":[126],"770":[127],"775":[128],"779":[129],"792":[130],"797":[131],"801":[132],"803":[133],"823":[134],"838":[135],"842":[136],"843":[137],"870":[138],"877":[139],"881":[140],"884":[141],"886":[142],"888":[143],"899":[144],"905":[145],"907":[146],"910":[147],"915":[148],"928":[149],"931":[150],"938":[151],"947":[152],"972":[153],"973":[154],"983":[155],"987":[156],"988":[157],"994":[158],"997":[159],"1001":[160],"1011":[161],"1024":[162],"1052":[163],"1080":[164],"1094":[165],"1100":[166],"1118":[167],"1124":[168],"1125":[169,170],"1128":[171],"1130":[172],"1133":[173],"1136":[174],"1143":[175],"1153":[176],"1204":[177],"1213":[178],"1223":[179],"1230":[180],"1237":[181],"1242":[182],"1264":[183],"1268":[184],"1274":[185],"1284":[186],"1286":[187],"1289":[188],"1291":[189],"1297":[190],"1307":[191],"1316":[192],"1318":[193],"1321":[194],"1326":[195],"1329":[196],"1336":[197,198],"1342":[199],"1372":[200],"1381":[201],"1390":[202],"1412":[203],"1415":[204],"1422":[205],"1428":[206],"1440":[207],"1452":[208],"1486":[209],"1504":[210],"1507":[211],"1509":[212],"1514":[213],"1517":[214],"1519":[215],"1523":[216],"1526":[217],"1531":[218],"1533":[219],"1549":[220],"1553":[221],"1560":[222],"1562":[223],"1568":[224],"1574":[225],"1624":[226],"1634":[227],"1643":[228],"1647":[229],"1651":[230],"1652":[231],"1657":[232],"1659":[233],"1668":[234],"1669":[235],"1671":[236],"1674":[237],"1677":[238],"1687":[239],"1689":[240],"1691":[241],"1692":[242],"1694":[243],"1707":[244],"1721":[245],"1725":[246],"1738":[247],"1739":[248],"1745":[249],"1746":[250],"1750":[251],"1753":[252],"1764":[253],"1768":[254],"1776":[255],"1778":[256],"1779":[257],"1781":[258],"1798":[259],"1805":[260],"1807":[261],"1809":[262],"1810":[263],"1811":[264],"1815":[265],"1829":[266],"1851":[267],"1858":[268],"1864":[269],"1866":[270],"1868":[271],"1872":[272],"1877":[273],"1884":[274],"1886":[275],"1888":[276],"1892":[277],"1894":[278,279],"1898":[280],"1901":[281],"1905":[282],"1907":[283],"1912":[284],"1915":[285],"1920":[286],"1921":[287],"1924":[288],"1930":[289],"1933":[290],"1934":[291],"1937":[292],"1938":[293],"1950":[294],"1954":[295],"1957":[296],"1959":[297],"1961":[298],"1962":[299],"1965":[300],"1967":[301],"1970":[302],"1975":[303],"1976":[304],"1978":[305],"1979":[306],"1983":[307],"1987":[308],"1990":[309],"2000":[310],"2002":[311],"2007":[312],"2011":[313],"2012":[314],"2022":[315],"2078":[316],"2106":[317],"2112":[318],"2117":[319],"2133":[320],"2162":[321],"2166":[322],"2175":[323],"2185":[324],"2195":[325],"2197":[326],"2198":[327],"2204":[328],"2211":[329],"2213":[330],"2219":[331],"2224":[332],"2227":[333],"2228":[334],"2230":[335],"2265":[336],"2273":[337],"2279":[338],"2286":[339],"2293":[340],"2301":[341],"2305":[342],"2308":[343],"2316":[344],"2317":[345],"2318":[346],"2327":[347],"2349":[348],"2354":[349],"2356":[350],"2365":[351],"2371":[352],"2376":[353],"2382":[354],"2383":[355],"2387":[356],"2388":[357],"2393":[358],"2396":[359],"2398":[360],"2399":[361],"2400":[362],"2404":[363],"2405":[364],"2407":[365],"2408":[366],"2415":[367],"2417":[368],"2428":[369],"2441":[370],"2449":[371],"2476":[372],"2481":[373],"2485":[374],"2486":[375],"2488":[376],"2492":[377],"2494":[378],"2504":[379],"2510":[380],"2518":[381],"2544":[382],"2555":[383],"2559":[384],"2560":[385],"2570":[386],"2576":[387],"2577":[388],"2593":[389],"2594":[390],"2597":[391],"2598":[392],"2599":[393],"2604":[394],"2645":[395],"2656":[396],"2668":[397],"2674":[398],"2676":[399],"2678":[400],"2690":[401],"2692":[402],"2693":[403],"2695":[404],"2697":[405],"2705":[406],"2716":[407],"2724":[408],"2729":[409],"2730":[410],"2734":[411],"2742":[412],"2746":[413],"2755":[414],"2757":[415],"2771":[416],"2777":[417],"2781":[418],"2790":[419],"2796":[420],"2800":[421,422],"2805":[423],"2809":[424],"2813":[425],"2814":[426],"2815":[427],"2820":[428],"2835":[429],"2838":[430],"2840":[431],"2844":[432],"2847":[433],"2853":[434],"2858":[435],"2860":[436],"2876":[437],"2880":[438],"2881":[439],"2883":[440],"2885":[441],"2889":[442],"2891":[443],"2900":[444],"2903":[445],"2906":[446],"2914":[447],"2921":[448],"2923":[449],"2926":[450],"2944":[451],"2945":[452],"2946":[453],"2947":[454],"2953":[455],"2954":[456],"2957":[457],"2973":[458],"2988":[459],"2996":[460],"3014":[461],"3017":[462],"3018":[463],"3019":[464],"3020":[465],"3026":[466],"3028":[467],"3030":[468],"3040":[469],"3043":[470],"3044":[471],"3046":[472],"3077":[473],"3078":[474],"3082":[475],"3087":[476],"3088":[477],"3096":[478],"3098":[479],"3108":[480],"3112":[481],"3119":[482],"3126":[483],"3130":[484],"3135":[485],"3141":[486],"3145":[487],"3149":[488],"3154":[489],"3155":[490],"3163":[491],"3173":[492],"3179":[493],"3185":[494],"3188":[495],"3189":[496],"3195":[497],"3202":[498],"3209":[499],"3222":[500],"3227":[501],"3238":[502],"3242":[503],"3244":[504],"3246":[505],"3251":[506],"3255":[507],"3256":[508],"3257":[509],"3259":[510],"3266":[511],"3271":[512],"3272":[513],"3281":[514],"3333":[515],"3340":[516],"3356":[517],"3368":[518],"3372":[519],"3373":[520],"3374":[521],"3375":[522],"3376":[523],"3380":[524],"3394":[525],"3395":[526],"3401":[527],"3405":[528],"3410":[529],"3411":[530],"3414":[531],"3418":[532],"3419":[533],"3422":[534],"3431":[535],"3436":[536],"3441":[537],"3443":[538],"3458":[539],"3464":[540],"3467":[541],"3471":[542],"3474":[543],"3486":[544],"3490":[545],"3492":[546],"3494":[547],"3500":[548],"3505":[549],"3506":[550],"3507":[551],"3509":[552],"3512":[553],"3524":[554],"3525":[555],"3535":[556],"3563":[557],"3573":[558],"3583":[559],"3602":[560],"3603":[561],"3604":[562],"3607":[563],"3608":[564],"3613":[565],"3630":[566],"3645":[567],"3651":[568],"3656":[569],"3664":[570],"3726":[571],"3732":[572],"3733":[573],"3737":[574],"3739":[575],"3740":[576],"3742":[577],"3748":[578],"3752":[579],"3754":[580],"3757":[581],"3762":[582],"3765":[583],"3768":[584],"3770":[585],"3783":[586],"3790":[587],"3794":[588],"3795":[589],"3817":[590],"3822":[591],"3829":[592],"3831":[593],"3839":[594],"3844":[595],"3845":[596],"3846":[597],"3857":[598],"3860":[599],"3862":[600],"3865":[601],"3867":[602],"3869":[603],"3870":[604],"3874":[605],"3876":[606],"3879":[607],"3883":[608],"3884":[609],"3889":[610],"3901":[611],"3904":[612],"3958":[613,614],"3965":[615],"3973":[616],"3975":[617],"3977":[618],"3979":[619],"3984":[620],"3987":[621],"4000":[622],"4004":[623],"4006":[624],"4009":[625],"4011":[626],"4012":[627],"4019":[628],"4021":[629],"4024":[630],"4026":[631],"4036":[632],"4040":[633],"4049":[634],"4051":[635],"4087":[636],"4106":[637],"4114":[638],"4122":[639],"4124":[640],"4125":[641],"4128":[642],"4134":[643],"4151":[644],"4152":[645],"4154":[646],"4156":[647],"4158":[648],"4160":[649],"4163":[650],"4179":[651],"4184":[652],"4197":[653],"4201":[654],"4210":[655],"4218":[656],"4225":[657],"4232":[658],"4234":[659],"4237":[660],"4247":[661],"4249":[662],"4256":[663],"4258":[664],"4260":[665],"4267":[666],"4272":[667],"4278":[668],"4319":[669],"4321":[670],"4323":[671],"4325":[672],"4326":[673],"4331":[674],"4334":[675],"4346":[676],"4355":[677],"4364":[678],"4367":[679],"4370":[680],"4375":[681],"4376":[682],"4379":[683],"4380":[684],"4381":[685],"4383":[686],"4386":[687],"4391":[688],"4392":[689],"4406":[690],"4420":[691],"4439":[692],"4443":[693],"4444":[694],"4451":[695],"4452":[696],"4456":[697],"4460":[698],"4468":[699],"4472":[700],"4475":[701],"4484":[702],"4485":[703],"4488":[704],"4498":[705],"4502":[706],"4505":[707],"4520":[708],"4527":[709],"4531":[710],"4534":[711],"4535":[712],"4540":[713],"4547":[714],"4552":[715],"4557":[716],"4560":[717],"4564":[718],"4572":[719],"4575":[720],"4576":[721],"4590":[722],"4592":[723],"4595":[724],"4599":[725],"4602":[726],"4604":[727],"4607":[728],"4617":[729],"4620":[730],"4622":[731],"4627":[732],"4631":[733],"4634":[734],"4647":[735],"4650":[736],"4655":[737],"4660":[738],"4670":[739],"4676":[740],"4682":[741],"4689":[742],"4691":[743],"4696":[744],"4700":[745,746],"4704":[747],"4713":[748],"4715":[749],"4718":[750],"4723":[751],"4727":[752],"4734":[753],"4741":[754],"4750":[755],"4755":[756],"4756":[757],"4764":[758],"4772":[759],"4773":[760],"4774":[761],"4776":[762],"4778":[763],"4794":[764],"4803":[765],"4809":[766],"4818":[767],"4822":[768],"4824":[769],"4840":[770],"4844":[771],"4847":[772],"4852":[773],"4857":[774],"4858":[775],"4872":[776],"4894":[777],"4899":[778],"4902":[779],"4904":[780],"4906":[781],"4908":[782],"4911":[783],"4915":[784],"4922":[785],"4926":[786],"4952":[787],"4955":[788],"4956":[789],"4961":[790],"4965":[791],"4971":[792],"4975":[793],"4979":[794],"4992":[795],"4994":[796],"4995":[797],"4996":[798],"5020":[799],"5027":[800],"5029":[801],"5030":[802],"5036":[803],"5039":[804],"5043":[805],"5051":[806],"5056":[807],"5058":[808],"5059":[809],"5063":[810],"5065":[811],"5070":[812],"5075":[813],"5081":[814],"5092":[815],"5094":[816],"5096":[817],"5099":[818],"5104":[819],"5108":[820],"5109":[821],"5112":[822],"5114":[823],"5117":[824],"5121":[825],"5122":[826],"5124":[827],"5131":[828],"5133":[829],"5135":[830],"5138":[831],"5140":[832],"5142":[833],"5143":[834],"5147":[835],"5150":[836],"5153":[837],"5156":[838],"5164":[839],"5168":[840],"5170":[841],"5175":[842],"5179":[843],"5183":[844],"5185":[845],"5186":[846],"5191":[847],"5210":[848],"5213":[849],"5216":[850],"5217":[851],"5221":[852],"5229":[853],"5235":[854],"5238":[855],"5242":[856],"5246":[857],"5248":[858],"5251":[859],"5255":[860],"5257":[861],"5261":[862],"5263":[863],"5271":[864],"5276":[865],"5278":[866],"5283":[867],"5286":[868],"5288":[869],"5292":[870],"5296":[871,872],"5299":[873],"5303":[874],"5308":[875],"5309":[876],"5310":[877],"5314":[878],"5316":[879],"5317":[880],"5320":[881],"5325":[882],"5326":[883],"5331":[884],"5332":[885],"5340":[886],"5343":[887],"5348":[888],"5355":[889],"5361":[890],"5364":[891],"5367":[892],"5373":[893],"5377":[894],"5378":[895],"5379":[896],"5380":[897],"5382":[898],"5384":[899],"5395":[900],"5396":[901],"5398":[902],"5400":[903],"5401":[904],"5402":[905],"5403":[906],"5407":[907],"5410":[908],"5413":[909],"5417":[910],"5420":[911,912],"5423":[913],"5426":[914],"5431":[915],"5435":[916],"5439":[917],"5440":[918],"5442":[919],"5446":[920],"5447":[921],"5449":[922],"5452":[923],"5453":[924],"5456":[925],"5457":[926],"5459":[927],"5461":[928],"5462":[929],"5465":[930],"5467":[931],"5469":[932],"5470":[933],"5475":[934,935],"5477":[936],"5483":[937],"5487":[938],"5489":[939],"5490":[940,941],"5491":[942],"5493":[943],"5494":[944],"5496":[945],"5497":[946],"5498":[947],"5500":[948],"5503":[949],"5505":[950],"5506":[951],"5508":[952],"5513":[953,954],"5518":[955],"5519":[956],"5525":[957],"5526":[958],"5528":[959],"5530":[960],"5532":[961],"5534":[962],"5536":[963],"5539":[964],"5541":[965],"5543":[966],"5544":[967],"5545":[968],"5546":[969],"5547":[970],"5549":[971],"5550":[972],"5552":[973],"5555":[974],"5562":[975],"5565":[976],"5566":[977],"5570":[978],"5572":[979],"5573":[980],"5578":[981],"5581":[982],"5584":[983],"5585":[984],"5587":[985],"5589":[986,987],"5590":[988],"5598":[989],"5604":[990],"5607":[991],"5614":[992],"5617":[993],"5621":[994],"5623":[995],"5624":[996],"5625":[997],"5627":[998],"5633":[999],"5635":[1000],"5636":[1001],"5637":[1002],"5638":[1003],"5641":[1004],"5648":[1005],"5652":[1006],"5657":[1007],"5666":[1008],"5668":[1009],"5670":[1010],"5678":[1011],"5681":[1012],"5683":[1013],"5688":[1014],"5700":[1015],"5702":[1016],"5704":[1017],"5706":[1018],"5708":[1019],"5713":[1020],"5715":[1021],"5722":[1022],"5725":[1023],"5727":[1024],"5729":[1025],"5731":[1026],"5736":[1027],"5739":[1028],"5745":[1029],"5746":[1030],"5758":[1031],"5764":[1032],"5765":[1033],"5766":[1034],"5775":[1035],"5782":[1036],"5784":[1037],"5791":[1038],"5796":[1039],"5804":[1040],"5816":[1041],"5820":[1042],"5828":[1043],"5831":[1044],"5833":[1045,1046],"5836":[1047],"5838":[1048],"5839":[1049],"5842":[1050],"5844":[1051],"5853":[1052],"5858":[1053],"5859":[1054],"5860":[1055],"5861":[1056],"5863":[1057],"5868":[1058],"5871":[1059],"5872":[1060],"5873":[1061],"5875":[1062],"5876":[1063],"5878":[1064],"5881":[1065],"5882":[1066],"5890":[1067],"5891":[1068],"5893":[1069],"5898":[1070],"5906":[1071],"5914":[1072],"5917":[1073],"5919":[1074],"5920":[1075],"5925":[1076],"5927":[1077],"5928":[1078],"5931":[1079],"5932":[1080],"5941":[1081],"5945":[1082],"5947":[1083],"5955":[1084],"5956":[1085],"5961":[1086],"5973":[1087,1088],"5977":[1089],"5993":[1090],"5994":[1091],"6002":[1092],"6003":[1093],"6006":[1094],"6011":[1095],"6014":[1096],"6015":[1097],"6017":[1098],"6018":[1099],"6019":[1100],"6020":[1101],"6021":[1102],"6025":[1103],"6026":[1104],"6028":[1105],"6034":[1106],"6038":[1107],"6040":[1108],"6041":[1109],"6043":[1110,1111],"6044":[1112],"6047":[1113],"6054":[1114],"6056":[1115],"6059":[1116],"6061":[1117],"6062":[1118],"6076":[1119],"6078":[1120],"6083":[1121],"6084":[1122],"6088":[1123],"6092":[1124,1125],"6093":[1126],"6098":[1127],"6099":[1128],"6102":[1129,1130],"6103":[1131],"6106":[1132],"6107":[1133],"6108":[1134],"6111":[1135],"6113":[1136],"6114":[1137],"6115":[1138],"6117":[1139],"6121":[1140],"6123":[1141],"6124":[1142],"6127":[1143],"6129":[1144],"6131":[1145],"6132":[1146],"6134":[1147],"6137":[1148],"6161":[1149],"6191":[1150],"6201":[1151],"6209":[1152],"6216":[1153],"6232":[1154],"6240":[1155],"6242":[1156],"6247":[1157],"6253":[1158],"6256":[1159],"6263":[1160],"6269":[1161],"6270":[1162],"6280":[1163],"6281":[1164],"6288":[1165],"6315":[1166],"6325":[1167],"6328":[1168],"6330":[1169],"6335":[1170],"6337":[1171],"6338":[1172],"6342":[1173],"6344":[1174],"6348":[1175],"6349":[1176],"6351":[1177,1178],"6356":[1179],"6357":[1180],"6358":[1181],"6361":[1182],"6362":[1183],"6364":[1184],"6366":[1185],"6367":[1186],"6370":[1187],"6373":[1188],"6375":[1189],"6376":[1190],"6377":[1191],"6379":[1192],"6380":[1193],"6381":[1194],"6382":[1195],"6384":[1196],"6385":[1197],"6389":[1198],"6391":[1199],"6394":[1200],"6400":[1201],"6401":[1202],"6409":[1203],"6416":[1204],"6421":[1205],"6426":[1206],"6430":[1207],"6432":[1208,1209],"6434":[1210],"6437":[1211],"6438":[1212],"6439":[1213],"6441":[1214],"6442":[1215],"6443":[1216],"6446":[1217],"6448":[1218],"6453":[1219],"6455":[1220],"6459":[1221],"6463":[1222],"6465":[1223],"6466":[1224],"6468":[1225],"6471":[1226],"6473":[1227],"6474":[1228],"6481":[1229],"6483":[1230],"6484":[1231],"6488":[1232],"6490":[1233],"6492":[1234],"6494":[1235],"6495":[1236,1237],"6497":[1238],"6498":[1239],"6499":[1240,1241],"6501":[1242],"6503":[1243],"6507":[1244],"6508":[1245],"6509":[1246],"6510":[1247],"6513":[1248],"6514":[1249],"6517":[1250],"6519":[1251],"6520":[1252],"6523":[1253],"6525":[1254],"6526":[1255],"6531":[1256],"6532":[1257],"6533":[1258],"6538":[1259],"6539":[1260],"6541":[1261],"6544":[1262],"6545":[1263],"6548":[1264],"6550":[1265],"6553":[1266,1267],"6558":[1268],"6565":[1269],"6568":[1270],"6570":[1271],"6571":[1272],"6573":[1273],"6575":[1274],"6577":[1275],"6588":[1276],"6592":[1277],"6594":[1278],"6598":[1279],"6603":[1280],"6605":[1281],"6606":[1282],"6608":[1283],"6612":[1284],"6615":[1285],"6616":[1286],"6620":[1287],"6627":[1288,1289],"6630":[1290],"6632":[1291],"6640":[1292],"6641":[1293],"6642":[1294],"6643":[1295],"6646":[1296],"6649":[1297],"6654":[1298],"6655":[1299],"6660":[1300],"6664":[1301],"6668":[1302],"6670":[1303],"6671":[1304],"6674":[1305,1306],"6681":[1307],"6682":[1308],"6684":[1309],"6685":[1310],"6687":[1311],"6692":[1312],"6693":[1313],"6697":[1314],"6699":[1315],"6700":[1316],"6705":[1317],"6707":[1318],"6709":[1319],"6717":[1320],"6729":[1321],"6730":[1322],"6733":[1323],"6737":[1324],"6740":[1325],"6744":[1326],"6749":[1327],"6753":[1328],"6755":[1329],"6756":[1330],"6759":[1331],"6763":[1332],"6766":[1333],"6767":[1334],"6770":[1335],"6781":[1336],"6785":[1337],"6786":[1338],"6788":[1339],"6789":[1340],"6798":[1341,1342],"6801":[1343],"6802":[1344],"6811":[1345],"6812":[1346],"6813":[1347],"6815":[1348],"6816":[1349],"6821":[1350],"6822":[1351],"6824":[1352],"6827":[1353],"6832":[1354],"6838":[1355],"6842":[1356],"6844":[1357],"6847":[1358],"6849":[1359],"6851":[1360],"6855":[1361],"6858":[1362],"6866":[1363],"6872":[1364],"6875":[1365],"6878":[1366],"6881":[1367],"6882":[1368],"6886":[1369],"6888":[1370],"6890":[1371],"6891":[1372],"6896":[1373],"6898":[1374],"6900":[1375],"6905":[1376],"6907":[1377],"6913":[1378],"6916":[1379],"6919":[1380,1381],"6921":[1382],"6927":[1383,1384],"6928":[1385],"6929":[1386],"6930":[1387],"6935":[1388,1389],"6936":[1390],"6938":[1391],"6940":[1392],"6944":[1393],"6946":[1394],"6948":[1395],"6949":[1396],"6951":[1397],"6952":[1398],"6955":[1399],"6959":[1400],"6962":[1401],"6972":[1402],"6976":[1403,1404],"6977":[1405],"6978":[1406],"6980":[1407],"6982":[1408,1409],"6986":[1410],"6987":[1411],"6995":[1412,1413],"7000":[1414],"7002":[1415],"7004":[1416],"7005":[1417],"7006":[1418],"7008":[1419],"7009":[1420],"7012":[1421],"7013":[1422],"7015":[1423],"7017":[1424],"7018":[1425],"7023":[1426,1427],"7029":[1428],"7031":[1429],"7032":[1430],"7034":[1431],"7044":[1432],"7046":[1433],"7057":[1434],"7062":[1435],"7063":[1436],"7068":[1437],"7070":[1438],"7071":[1439],"7072":[1440],"7073":[1441],"7074":[1442],"7075":[1443],"7077":[1444],"7078":[1445],"7080":[1446],"7082":[1447],"7083":[1448],"7088":[1449,1450],"7092":[1451],"7094":[1452,1453],"7096":[1454],"7098":[1455],"7100":[1456],"7103":[1457],"7104":[1458],"7106":[1459],"7107":[1460],"7109":[1461],"7110":[1462],"7111":[1463],"7112":[1464,1465],"7113":[1466],"7118":[1467],"7120":[1468],"7124":[1469],"7125":[1470],"7126":[1471],"7128":[1472],"7129":[1473],"7130":[1474],"7131":[1475],"7132":[1476],"7136":[1477],"7137":[1478],"7143":[1479],"7144":[1480],"7149":[1481],"7151":[1482],"7155":[1483],"7158":[1484],"7161":[1485],"7163":[1486],"7167":[1487],"7168":[1488],"7169":[1489],"7171":[1490],"7178":[1491],"7179":[1492],"7180":[1493],"7181":[1494],"7183":[1495],"7185":[1496],"7188":[1497],"7190":[1498],"7191":[1499],"7192":[1500],"7193":[1501],"7194":[1502],"7197":[1503,1504],"7199":[1505],"7200":[1506],"7204":[1507,1508],"7206":[1509],"7208":[1510],"7209":[1511],"7211":[1512,1513],"7214":[1514],"7215":[1515],"7216":[1516,1517],"7219":[1518],"7224":[1519],"7225":[1520],"7227":[1521,1522],"7230":[1523],"7233":[1524],"7235":[1525],"7241":[1526],"7252":[1527],"7254":[1528],"7256":[1529],"7259":[1530],"7260":[1531],"7276":[1532,1533],"7280":[1534],"7288":[1535],"7289":[1536],"7291":[1537],"7294":[1538],"7299":[1539],"7304":[1540],"7307":[1541],"7310":[1542],"7315":[1543],"7317":[1544],"7319":[1545],"7320":[1546],"7322":[1547],"7325":[1548],"7331":[1549],"7364":[1550],"7367":[1551],"7371":[1552],"7376":[1553],"7379":[1554],"7381":[1555],"7383":[1556],"7384":[1557],"7386":[1558],"7390":[1559],"7395":[1560],"7399":[1561],"7408":[1562],"7410":[1563],"7411":[1564],"7413":[1565],"7414":[1566],"7415":[1567],"7417":[1568],"7418":[1569],"7419":[1570],"7425":[1571],"7427":[1572,1573],"7428":[1574],"7432":[1575],"7434":[1576],"7435":[1577],"7436":[1578],"7447":[1579],"7451":[1580],"7453":[1581],"7455":[1582],"7456":[1583],"7458":[1584],"7459":[1585],"7461":[1586],"7465":[1587],"7469":[1588],"7470":[1589],"7472":[1590],"7475":[1591],"7481":[1592],"7484":[1593],"7489":[1594],"7495":[1595],"7500":[1596],"7502":[1597],"7503":[1598],"7512":[1599],"7515":[1600],"7516":[1601,1602],"7520":[1603],"7527":[1604],"7528":[1605],"7531":[1606],"7537":[1607],"7539":[1608],"7541":[1609],"7543":[1610,1611],"7545":[1612],"7547":[1613],"7548":[1614],"7555":[1615],"7556":[1616],"7561":[1617],"7563":[1618],"7564":[1619],"7567":[1620,1621],"7572":[1622],"7574":[1623],"7575":[1624],"7581":[1625],"7584":[1626],"7585":[1627],"7587":[1628],"7592":[1629],"7617":[1630],"7631":[1631],"7633":[1632],"7634":[1633],"7636":[1634],"7644":[1635],"7646":[1636,1637],"7650":[1638],"7661":[1639,1640],"7664":[1641],"7667":[1642],"7668":[1643],"7670":[1644],"7672":[1645],"7673":[1646],"7674":[1647],"7675":[1648],"7678":[1649],"7684":[1650],"7685":[1651],"7691":[1652],"7692":[1653],"7703":[1654],"7710":[1655],"7717":[1656],"7731":[1657],"7735":[1658,1659],"7749":[1660],"7755":[1661],"7762":[1662],"7767":[1663,1664],"7769":[1665],"7771":[1666],"7774":[1667],"7775":[1668],"7777":[1669],"7784":[1670],"7788":[1671],"7791":[1672],"7795":[1673],"7798":[1674],"7803":[1675],"7805":[1676],"7807":[1677],"7808":[1678],"7813":[1679],"7814":[1680],"7815":[1681],"7844":[1682],"7852":[1683],"7866":[1684],"7869":[1685],"7875":[1686],"7877":[1687],"7879":[1688],"7881":[1689],"7882":[1690],"7885":[1691],"7889":[1692],"7891":[1693],"7899":[1694],"7908":[1695],"7909":[1696,1697],"7912":[1698,1699],"7914":[1700],"7915":[1701],"7928":[1702],"7930":[1703],"7931":[1704],"7937":[1705],"7942":[1706],"7950":[1707],"7957":[1708],"7960":[1709],"7962":[1710],"7964":[1711],"7966":[1712],"7967":[1713],"7968":[1714],"7971":[1715],"7986":[1716],"7998":[1717],"8010":[1718],"8012":[1719],"8014":[1720],"8017":[1721],"8019":[1722],"8020":[1723],"8023":[1724],"8024":[1725],"8025":[1726],"8032":[1727,1728],"8035":[1729],"8036":[1730],"8038":[1731],"8040":[1732],"8041":[1733],"8063":[1734],"8065":[1735],"8068":[1736],"8083":[1737],"8097":[1738],"8099":[1739],"8102":[1740],"8104":[1741],"8107":[1742],"8113":[1743],"8117":[1744],"8125":[1745],"8153":[1746],"8164":[1747],"8176":[1748],"8181":[1749],"8186":[1750],"8188":[1751],"8191":[1752],"8192":[1753],"8198":[1754],"8207":[1755],"8209":[1756],"8211":[1757],"8226":[1758],"8232":[1759,1760],"8236":[1761],"8237":[1762],"8244":[1763],"8245":[1764],"8252":[1765],"8255":[1766],"8259":[1767],"8260":[1768],"8264":[1769],"8267":[1770],"8269":[1771],"8272":[1772],"8273":[1773],"8276":[1774],"8278":[1775],"8283":[1776],"8285":[1777],"8287":[1778],"8288":[1779],"8291":[1780],"8292":[1781],"8295":[1782,1783],"8296":[1784],"8297":[1785],"8300":[1786],"8302":[1787],"8303":[1788],"8306":[1789],"8307":[1790],"8309":[1791],"8311":[1792],"8312":[1793],"8313":[1794],"8319":[1795],"8323":[1796],"8325":[1797],"8328":[1798,1799],"8329":[1800],"8330":[1801],"8335":[1802],"8337":[1803],"8339":[1804],"8342":[1805],"8345":[1806],"8346":[1807],"8351":[1808],"8352":[1809],"8353":[1810],"8356":[1811],"8357":[1812],"8360":[1813],"8362":[1814],"8365":[1815],"8367":[1816],"8368":[1817],"8369":[1818],"8372":[1819],"8374":[1820],"8375":[1821],"8378":[1822],"8387":[1823],"8388":[1824],"8390":[1825,1826],"8392":[1827],"8395":[1828],"8398":[1829],"8399":[1830],"8401":[1831],"8402":[1832],"8403":[1833],"8404":[1834],"8405":[1835],"8407":[1836],"8411":[1837],"8414":[1838],"8415":[1839],"8419":[1840],"8422":[1841],"8424":[1842],"8425":[1843],"8428":[1844],"8430":[1845],"8433":[1846],"8440":[1847],"8449":[1848],"8451":[1849],"8452":[1850],"8455":[1851],"8458":[1852],"8459":[1853],"8461":[1854],"8464":[1855],"8465":[1856],"8466":[1857],"8467":[1858],"8478":[1859],"8480":[1860],"8487":[1861],"8515":[1862],"8516":[1863],"8519":[1864],"8522":[1865,1866],"8526":[1867],"8528":[1868],"8530":[1869],"8533":[1870],"8537":[1871],"8538":[1872],"8542":[1873],"8545":[1874],"8546":[1875,1876],"8548":[1877],"8549":[1878],"8550":[1879],"8552":[1880],"8560":[1881],"8563":[1882],"8565":[1883],"8569":[1884],"8582":[1885,1886],"8583":[1887],"8592":[1888],"8602":[1889],"8603":[1890],"8606":[1891],"8607":[1892],"8610":[1893,1894],"8612":[1895],"8613":[1896],"8614":[1897],"8615":[1898],"8619":[1899],"8620":[1900],"8621":[1901],"8623":[1902],"8624":[1903],"8627":[1904],"8631":[1905],"8633":[1906],"8634":[1907],"8635":[1908],"8636":[1909],"8637":[1910],"8639":[1911,1912],"8640":[1913],"8641":[1914],"8644":[1915],"8645":[1916],"8647":[1917],"8649":[1918],"8652":[1919],"8654":[1920],"8656":[1921],"8660":[1922],"8661":[1923],"8672":[1924],"8676":[1925],"8680":[1926],"8681":[1927],"8682":[1928],"8686":[1929],"8688":[1930],"8692":[1931],"8695":[1932]},"ٟ":[],"numbers":{"1":163,"2":166,"3":169,"4":173,"5":176,"6":178,"7":181,"8":189,"9":192,"10":197,"11":198,"12":201,"13":204,"14":208,"15":211,"16":217,"17":221,"18":224,"19":227,"20":232,"21":237,"22":239,"23":244,"24":248,"25":251,"26":253,"27":255,"28":259,"29":261,"30":263,"31":266,"32":270,"33":272,"34":273,"35":274,"36":282,"37":287,"38":289,"39":290,"40":292,"41":295,"42":297,"43":302,"44":304,"45":306,"46":313,"47":317,"48":318,"49":324,"50":328,"51":330,"52":332,"53":339,"54":347,"55":348,"56":349,"57":350,"58":355,"59":356,"60":362,"61":363,"62":372,"63":375,"64":383,"65":385,"66":387,"67":392,"68":397,"69":400,"70":402,"71":406,"72":412,"73":413,"74":416,"75":419,"76":427,"77":430,"78":432,"79":435,"80":435,"81":437,"82":439,"83":442,"84":448,"85":454,"86":457,"87":458,"88":461,"89":465,"90":469,"91":471,"92":474,"93":476,"94":478,"95":480,"96":484,"97":488,"98":491,"99":492,"100":493,"101":495,"102":498,"103":500,"104":503,"105":504,"106":506,"107":512,"108":515,"109":521,"110":524,"111":525,"112":528,"113":529,"114":531,"115":533,"116":536,"117":538,"118":549,"119":555,"120":556,"121":558,"122":562,"123":563,"124":564,"125":568,"126":568,"127":572,"128":573,"129":575,"130":576,"131":576,"132":579,"133":583,"134":586,"135":591,"136":598,"137":599,"138":605,"139":606,"140":607,"141":607,"142":609,"143":618,"144":619,"145":622,"146":624,"147":628,"148":631,"149":637,"150":643,"151":647,"152":649,"153":651,"154":654,"155":656,"156":659,"157":661,"158":667,"159":672,"160":678,"161":684,"162":686,"163":688,"164":689,"165":692,"166":702,"167":706,"168":707,"169":708,"170":715,"171":717,"172":720,"173":722,"174":726,"175":726,"176":730,"177":733,"178":736,"179":742,"180":743,"181":750,"182":755,"183":761,"184":761,"185":771,"186":775,"187":779,"188":779,"189":782,"190":782,"191":783,"192":785,"193":789,"194":792,"195":793,"196":798,"197":801,"198":803,"199":823,"200":824,"201":826,"202":827,"203":834,"204":838,"205":842,"206":843,"207":853,"208":855,"209":857,"210":859,"211":863,"212":865,"213":867,"214":870,"215":872,"216":874,"217":875,"218":877,"219":881,"220":883,"221":884,"222":886,"223":886,"224":888,"225":890,"226":899,"227":902,"228":904,"229":905,"230":907,"231":909,"232":910,"233":915,"234":920,"235":923,"236":928,"237":931,"238":938,"239":947,"240":949,"241":951,"242":953,"243":956,"244":959,"245":959,"246":963,"247":965,"248":967,"249":970,"250":972,"251":973,"252":976,"253":978,"254":979,"255":980,"256":983,"257":987,"258":988,"259":992,"260":994,"261":994,"262":997,"263":1000,"264":1001,"265":1004,"266":1008,"267":1011,"268":1012,"269":1013,"270":1016,"271":1019,"272":1020,"273":1021,"274":1024,"275":1027,"276":1027,"277":1028,"278":1029,"279":1032,"280":1035,"281":1036,"282":1050,"283":1051,"284":1053,"285":1054,"286":1060,"287":1065,"288":1080,"289":1082,"290":1082,"291":1084,"292":1086,"293":1089,"294":1094,"295":1096,"296":1097,"297":1100,"298":1104,"299":1105,"300":1108,"301":1118,"302":1124,"303":1125,"304":1125,"305":1128,"306":1129,"307":1130,"308":1131,"309":1133,"310":1135,"311":1136,"312":1141,"313":1143,"314":1146,"315":1150,"316":1151,"317":1153,"318":1158,"319":1160,"320":1161,"321":1168,"322":1192,"323":1195,"324":1196,"325":1198,"326":1199,"327":1201,"328":1203,"329":1204,"330":1207,"331":1212,"332":1214,"333":1217,"334":1223,"335":1226,"336":1230,"337":1234,"338":1237,"339":1241,"340":1242,"341":1246,"342":1248,"343":1249,"344":1251,"345":1254,"346":1256,"347":1257,"348":1258,"349":1260,"350":1261,"351":1261,"352":1264,"353":1265,"354":1267,"355":1268,"356":1272,"357":1274,"358":1275,"359":1276,"360":1278,"361":1280,"362":1281,"363":1281,"364":1283,"365":1283,"366":1284,"367":1286,"368":1287,"369":1289,"370":1290,"371":1291,"372":1293,"373":1294,"374":1297,"375":1301,"376":1302,"377":1305,"378":1305,"379":1306,"380":1307,"381":1314,"382":1316,"383":1318,"384":1319,"385":1321,"386":1324,"387":1325,"388":1327,"389":1329,"390":1330,"391":1337,"392":1341,"393":1342,"394":1353,"395":1363,"396":1369,"397":1372,"398":1375,"399":1381,"400":1382,"401":1385,"402":1389,"403":1389,"404":1390,"405":1390,"406":1391,"407":1392,"408":1392,"409":1395,"410":1400,"411":1401,"412":1403,"413":1408,"414":1410,"415":1412,"416":1412,"417":1413,"418":1414,"419":1415,"420":1417,"421":1419,"422":1420,"423":1422,"424":1425,"425":1428,"426":1433,"427":1436,"428":1438,"429":1441,"430":1443,"431":1448,"432":1450,"433":1452,"434":1461,"435":1464,"436":1470,"437":1475,"438":1476,"439":1476,"440":1477,"441":1478,"442":1480,"443":1481,"444":1484,"445":1484,"446":1486,"447":1491,"448":1491,"449":1493,"450":1496,"451":1498,"452":1502,"453":1504,"454":1505,"455":1507,"456":1509,"457":1511,"458":1511,"459":1514,"460":1517,"461":1518,"462":1519,"463":1519,"464":1521,"465":1523,"466":1525,"467":1526,"468":1527,"469":1528,"470":1529,"471":1531,"472":1533,"473":1533,"474":1535,"475":1535,"476":1536,"477":1538,"478":1540,"479":1542,"480":1545,"481":1547,"482":1548,"483":1548,"484":1550,"485":1552,"486":1553,"487":1553,"488":1555,"489":1556,"490":1557,"491":1560,"492":1563,"493":1565,"494":1566,"495":1567,"496":1569,"497":1574,"498":1584,"499":1587,"500":1592,"501":1596,"502":1598,"503":1599,"504":1602,"505":1614,"506":1624,"507":1630,"508":1631,"509":1633,"510":1634,"511":1638,"512":1641,"513":1643,"514":1646,"515":1647,"516":1650,"517":1651,"518":1653,"519":1657,"520":1659,"521":1661,"522":1663,"523":1663,"524":1665,"525":1666,"526":1668,"527":1670,"528":1671,"529":1674,"530":1677,"531":1680,"532":1685,"533":1687,"534":1689,"535":1691,"536":1693,"537":1694,"538":1698,"539":1699,"540":1700,"541":1702,"542":1704,"543":1705,"544":1706,"545":1707,"546":1709,"547":1711,"548":1713,"549":1715,"550":1717,"551":1719,"552":1721,"553":1723,"554":1725,"555":1727,"556":1729,"557":1732,"558":1735,"559":1738,"560":1739,"561":1743,"562":1745,"563":1746,"564":1748,"565":1748,"566":1749,"567":1750,"568":1751,"569":1752,"570":1753,"571":1758,"572":1764,"573":1769,"574":1770,"575":1773,"576":1774,"577":1776,"578":1778,"579":1779,"580":1781,"581":1784,"582":1785,"583":1786,"584":1790,"585":1791,"586":1793,"587":1795,"588":1797,"589":1798,"590":1801,"591":1805,"592":1807,"593":1809,"594":1810,"595":1812,"596":1813,"597":1815,"598":1816,"599":1829,"600":1833,"601":1834,"602":1836,"603":1848,"604":1849,"605":1850,"606":1851,"607":1853,"608":1856,"609":1857,"610":1858,"611":1861,"612":1864,"613":1865,"614":1866,"615":1868,"616":1872,"617":1877,"618":1878,"619":1880,"620":1882,"621":1884,"622":1886,"623":1888,"624":1889,"625":1890,"626":1890,"627":1891,"628":1892,"629":1894,"630":1895,"631":1896,"632":1898,"633":1901,"634":1903,"635":1905,"636":1906,"637":1907,"638":1909,"639":1912,"640":1914,"641":1915,"642":1918,"643":1920,"644":1921,"645":1923,"646":1924,"647":1925,"648":1927,"649":1929,"650":1929,"651":1929,"652":1930,"653":1932,"654":1933,"655":1934,"656":1936,"657":1936,"658":1937,"659":1938,"660":1938,"661":1938,"662":1938,"663":1938,"664":1938,"665":1939,"666":1946,"667":1947,"668":1948,"669":1949,"670":1949,"671":1950,"672":1954,"673":1955,"674":1956,"675":1957,"676":1959,"677":1960,"678":1960,"679":1961,"680":1962,"681":1965,"682":1966,"683":1967,"684":1968,"685":1968,"686":1969,"687":1970,"688":1972,"689":1974,"690":1975,"691":1976,"692":1978,"693":1979,"694":1982,"695":1983,"696":1985,"697":1985,"698":1986,"699":1988,"700":1990,"701":1991,"702":1992,"703":1997,"704":1998,"705":1999,"706":2000,"707":2002,"708":2002,"709":2004,"710":2004,"711":2005,"712":2006,"713":2007,"714":2009,"715":2011,"716":2011,"717":2012,"718":2013,"719":2022,"720":2064,"721":2066,"722":2072,"723":2072,"724":2073,"725":2076,"726":2077,"727":2078,"728":2078,"729":2086,"730":2088,"731":2089,"732":2091,"733":2096,"734":2097,"735":2099,"736":2099,"737":2100,"738":2101,"739":2102,"740":2105,"741":2106,"742":2107,"743":2109,"744":2109,"745":2110,"746":2112,"747":2113,"748":2114,"749":2114,"750":2115,"751":2116,"752":2117,"753":2118,"754":2119,"755":2122,"756":2125,"757":2126,"758":2136,"759":2143,"760":2145,"761":2145,"762":2146,"763":2149,"764":2149,"765":2150,"766":2152,"767":2153,"768":2153,"769":2155,"770":2158,"771":2158,"772":2160,"773":2162,"774":2164,"775":2166,"776":2168,"777":2168,"778":2169,"779":2172,"780":2180,"781":2181,"782":2183,"783":2184,"784":2185,"785":2192,"786":2194,"787":2195,"788":2197,"789":2198,"790":2200,"791":2202,"792":2202,"793":2203,"794":2204,"795":2204,"796":2205,"797":2208,"798":2209,"799":2209,"800":2210,"801":2211,"802":2212,"803":2213,"804":2214,"805":2214,"806":2216,"807":2219,"808":2219,"809":2221,"810":2221,"811":2224,"812":2225,"813":2226,"814":2227,"815":2228,"816":2229,"817":2230,"818":2231,"819":2233,"820":2235,"821":2240,"822":2242,"823":2244,"824":2246,"825":2265,"826":2269,"827":2273,"828":2278,"829":2279,"830":2281,"831":2281,"832":2285,"833":2285,"834":2287,"835":2289,"836":2292,"837":2293,"838":2295,"839":2297,"840":2300,"841":2301,"842":2302,"843":2303,"844":2306,"845":2308,"846":2311,"847":2314,"848":2315,"849":2316,"850":2317,"851":2318,"852":2320,"853":2322,"854":2327,"855":2330,"856":2335,"857":2337,"858":2341,"859":2343,"860":2344,"861":2345,"862":2348,"863":2349,"864":2353,"865":2353,"866":2354,"867":2356,"868":2356,"869":2358,"870":2360,"871":2361,"872":2362,"873":2363,"874":2365,"875":2367,"876":2368,"877":2369,"878":2370,"879":2371,"880":2373,"881":2374,"882":2375,"883":2376,"884":2376,"885":2377,"886":2378,"887":2380,"888":2382,"889":2383,"890":2386,"891":2386,"892":2387,"893":2387,"894":2388,"895":2388,"896":2389,"897":2390,"898":2391,"899":2392,"900":2392,"901":2394,"902":2397,"903":2398,"904":2399,"905":2400,"906":2401,"907":2403,"908":2404,"909":2405,"910":2406,"911":2407,"912":2408,"913":2412,"914":2413,"915":2414,"916":2415,"917":2417,"918":2418,"919":2420,"920":2421,"921":2422,"922":2424,"923":2428,"924":2432,"925":2433,"926":2435,"927":2437,"928":2439,"929":2440,"930":2442,"931":2447,"932":2450,"933":2466,"934":2466,"935":2467,"936":2469,"937":2471,"938":2472,"939":2476,"940":2477,"941":2480,"942":2480,"943":2481,"944":2482,"945":2485,"946":2485,"947":2486,"948":2488,"949":2492,"950":2494,"951":2497,"952":2498,"953":2500,"954":2501,"955":2502,"956":2503,"957":2505,"958":2507,"959":2508,"960":2509,"961":2509,"962":2509,"963":2510,"964":2513,"965":2514,"966":2514,"967":2517,"968":2518,"969":2526,"970":2529,"971":2535,"972":2536,"973":2539,"974":2540,"975":2541,"976":2545,"977":2547,"978":2548,"979":2549,"980":2550,"981":2551,"982":2552,"983":2555,"984":2556,"985":2557,"986":2559,"987":2560,"988":2563,"989":2564,"990":2565,"991":2566,"992":2570,"993":2573,"994":2575,"995":2576,"996":2577,"997":2586,"998":2588,"999":2592,"1000":2592,"1001":2593,"1002":2594,"1003":2596,"1004":2597,"1005":2598,"1006":2599,"1007":2601,"1008":2605,"1009":2625,"1010":2629,"1011":2630,"1012":2632,"1013":2634,"1014":2637,"1015":2638,"1016":2640,"1017":2640,"1018":2641,"1019":2645,"1020":2647,"1021":2650,"1022":2653,"1023":2654,"1024":2656,"1025":2663,"1026":2663,"1027":2665,"1028":2668,"1029":2670,"1030":2672,"1031":2673,"1032":2673,"1033":2674,"1034":2676,"1035":2677,"1036":2678,"1037":2683,"1038":2688,"1039":2690,"1040":2692,"1041":2693,"1042":2694,"1043":2695,"1044":2696,"1045":2697,"1046":2707,"1047":2714,"1048":2716,"1049":2717,"1050":2724,"1051":2725,"1052":2729,"1053":2730,"1054":2732,"1055":2734,"1056":2739,"1057":2742,"1058":2743,"1059":2744,"1060":2746,"1061":2747,"1062":2748,"1063":2749,"1064":2750,"1065":2751,"1066":2751,"1067":2755,"1068":2758,"1069":2769,"1070":2771,"1071":2772,"1072":2773,"1073":2774,"1074":2777,"1075":2778,"1076":2781,"1077":2785,"1078":2786,"1079":2790,"1080":2796,"1081":2799,"1082":2800,"1083":2800,"1084":2805,"1085":2806,"1086":2806,"1087":2809,"1088":2810,"1089":2811,"1090":2812,"1091":2813,"1092":2814,"1093":2814,"1094":2818,"1095":2819,"1096":2820,"1097":2823,"1098":2825,"1099":2826,"1100":2829,"1101":2832,"1102":2833,"1103":2834,"1104":2835,"1105":2836,"1106":2838,"1107":2839,"1108":2840,"1109":2844,"1110":2847,"1111":2848,"1112":2853,"1113":2856,"1114":2858,"1115":2860,"1116":2861,"1117":2862,"1118":2876,"1119":2880,"1120":2881,"1121":2883,"1122":2885,"1123":2886,"1124":2887,"1125":2888,"1126":2889,"1127":2892,"1128":2892,"1129":2894,"1130":2896,"1131":2897,"1132":2898,"1133":2899,"1134":2901,"1135":2903,"1136":2906,"1137":2907,"1138":2909,"1139":2911,"1140":2914,"1141":2916,"1142":2918,"1143":2920,"1144":2921,"1145":2921,"1146":2923,"1147":2925,"1148":2925,"1149":2926,"1150":2927,"1151":2927,"1152":2928,"1153":2938,"1154":2944,"1155":2945,"1156":2946,"1157":2947,"1158":2950,"1159":2953,"1160":2954,"1161":2957,"1162":2961,"1163":2963,"1164":2964,"1165":2965,"1166":2965,"1167":2967,"1168":2973,"1169":2975,"1170":2977,"1171":2978,"1172":2978,"1173":2979,"1174":2984,"1175":2986,"1176":2987,"1177":2989,"1178":2997,"1179":2999,"1180":3001,"1181":3002,"1182":3003,"1183":3005,"1184":3005,"1185":3011,"1186":3012,"1187":3014,"1188":3016,"1189":3017,"1190":3017,"1191":3018,"1192":3019,"1193":3020,"1194":3023,"1195":3025,"1196":3026,"1197":3028,"1198":3030,"1199":3037,"1200":3038,"1201":3041,"1202":3042,"1203":3043,"1204":3045,"1205":3046,"1206":3055,"1207":3056,"1208":3058,"1209":3060,"1210":3061,"1211":3064,"1212":3066,"1213":3067,"1214":3068,"1215":3069,"1216":3070,"1217":3071,"1218":3073,"1219":3074,"1220":3075,"1221":3077,"1222":3078,"1223":3079,"1224":3082,"1225":3085,"1226":3086,"1227":3086,"1228":3087,"1229":3088,"1230":3089,"1231":3091,"1232":3093,"1233":3093,"1234":3094,"1235":3096,"1236":3101,"1237":3108,"1238":3112,"1239":3117,"1240":3120,"1241":3122,"1242":3124,"1243":3126,"1244":3130,"1245":3132,"1246":3135,"1247":3140,"1248":3141,"1249":3145,"1250":3150,"1251":3150,"1252":3153,"1253":3154,"1254":3154,"1255":3155,"1256":3156,"1257":3157,"1258":3159,"1259":3161,"1260":3161,"1261":3163,"1262":3168,"1263":3171,"1264":3171,"1265":3173,"1266":3174,"1267":3179,"1268":3182,"1269":3185,"1270":3187,"1271":3188,"1272":3189,"1273":3189,"1274":3195,"1275":3196,"1276":3196,"1277":3197,"1278":3200,"1279":3201,"1280":3202,"1281":3203,"1282":3206,"1283":3206,"1284":3209,"1285":3210,"1286":3213,"1287":3214,"1288":3215,"1289":3216,"1290":3217,"1291":3218,"1292":3219,"1293":3220,"1294":3221,"1295":3222,"1296":3224,"1297":3227,"1298":3231,"1299":3235,"1300":3238,"1301":3240,"1302":3241,"1303":3242,"1304":3244,"1305":3246,"1306":3246,"1307":3249,"1308":3249,"1309":3250,"1310":3251,"1311":3253,"1312":3253,"1313":3255,"1314":3256,"1315":3257,"1316":3259,"1317":3260,"1318":3261,"1319":3261,"1320":3262,"1321":3264,"1322":3265,"1323":3266,"1324":3267,"1325":3268,"1326":3271,"1327":3272,"1328":3273,"1329":3274,"1330":3276,"1331":3277,"1332":3280,"1333":3281,"1334":3285,"1335":3285,"1336":3286,"1337":3287,"1338":3288,"1339":3289,"1340":3290,"1341":3291,"1342":3294,"1343":3301,"1344":3302,"1345":3303,"1346":3303,"1347":3305,"1348":3306,"1349":3306,"1350":3307,"1351":3307,"1352":3308,"1353":3314,"1354":3316,"1355":3317,"1356":3319,"1357":3320,"1358":3321,"1359":3323,"1360":3323,"1361":3324,"1362":3325,"1363":3326,"1364":3327,"1365":3328,"1366":3329,"1367":3330,"1368":3333,"1369":3333,"1370":3334,"1371":3340,"1372":3342,"1373":3343,"1374":3348,"1375":3349,"1376":3351,"1377":3352,"1378":3363,"1379":3364,"1380":3366,"1381":3367,"1382":3368,"1383":3369,"1384":3372,"1385":3373,"1386":3374,"1387":3375,"1388":3376,"1389":3378,"1390":3378,"1391":3379,"1392":3380,"1393":3381,"1394":3385,"1395":3386,"1396":3387,"1397":3389,"1398":3391,"1399":3392,"1400":3394,"1401":3398,"1402":3400,"1403":3401,"1404":3403,"1405":3404,"1406":3405,"1407":3410,"1408":3410,"1409":3411,"1410":3413,"1411":3414,"1412":3416,"1413":3416,"1414":3418,"1415":3419,"1416":3426,"1417":3427,"1418":3428,"1419":3431,"1420":3433,"1421":3436,"1422":3437,"1423":3441,"1424":3442,"1425":3443,"1426":3447,"1427":3448,"1428":3455,"1429":3456,"1430":3458,"1431":3459,"1432":3464,"1433":3465,"1434":3466,"1435":3467,"1436":3469,"1437":3469,"1438":3470,"1439":3472,"1440":3478,"1441":3480,"1442":3481,"1443":3484,"1444":3485,"1445":3485,"1446":3485,"1447":3486,"1448":3489,"1449":3490,"1450":3492,"1451":3493,"1452":3494,"1453":3495,"1454":3495,"1455":3497,"1456":3497,"1457":3500,"1458":3501,"1459":3505,"1460":3506,"1461":3507,"1462":3507,"1463":3507,"1464":3510,"1465":3510,"1466":3512,"1467":3516,"1468":3517,"1469":3518,"1470":3521,"1471":3521,"1472":3523,"1473":3523,"1474":3523,"1475":3523,"1476":3524,"1477":3532,"1478":3534,"1479":3535,"1480":3536,"1481":3539,"1482":3540,"1483":3541,"1484":3542,"1485":3543,"1486":3547,"1487":3550,"1488":3551,"1489":3551,"1490":3552,"1491":3553,"1492":3553,"1493":3554,"1494":3556,"1495":3556,"1496":3558,"1497":3561,"1498":3562,"1499":3563,"1500":3563,"1501":3566,"1502":3568,"1503":3568,"1504":3571,"1505":3571,"1506":3571,"1507":3573,"1508":3576,"1509":3577,"1510":3578,"1511":3581,"1512":3581,"1513":3582,"1514":3583,"1515":3585,"1516":3586,"1517":3586,"1518":3588,"1519":3589,"1520":3591,"1521":3592,"1522":3594,"1523":3595,"1524":3595,"1525":3596,"1526":3597,"1527":3599,"1528":3599,"1529":3600,"1530":3601,"1531":3601,"1532":3602,"1533":3603,"1534":3604,"1535":3606,"1536":3606,"1537":3607,"1538":3608,"1539":3613,"1540":3614,"1541":3615,"1542":3616,"1543":3617,"1544":3617,"1545":3618,"1546":3619,"1547":3620,"1548":3621,"1549":3622,"1550":3622,"1551":3623,"1552":3624,"1553":3626,"1554":3627,"1555":3627,"1556":3633,"1557":3642,"1558":3645,"1559":3648,"1560":3649,"1561":3650,"1562":3652,"1563":3656,"1564":3659,"1565":3660,"1566":3662,"1567":3664,"1568":3685,"1569":3690,"1570":3691,"1571":3694,"1572":3695,"1573":3699,"1574":3701,"1575":3704,"1576":3706,"1577":3708,"1578":3708,"1579":3710,"1580":3712,"1581":3713,"1582":3717,"1583":3720,"1584":3722,"1585":3724,"1586":3726,"1587":3727,"1588":3728,"1589":3730,"1590":3732,"1591":3737,"1592":3738,"1593":3739,"1594":3740,"1595":3741,"1596":3742,"1597":3746,"1598":3746,"1599":3747,"1600":3748,"1601":3751,"1602":3752,"1603":3752,"1604":3754,"1605":3754,"1606":3757,"1607":3762,"1608":3763,"1609":3765,"1610":3768,"1611":3770,"1612":3773,"1613":3775,"1614":3776,"1615":3777,"1616":3778,"1617":3781,"1618":3782,"1619":3783,"1620":3786,"1621":3788,"1622":3788,"1623":3790,"1624":3793,"1625":3794,"1626":3795,"1627":3799,"1628":3801,"1629":3802,"1630":3806,"1631":3810,"1632":3811,"1633":3813,"1634":3814,"1635":3817,"1636":3820,"1637":3821,"1638":3822,"1639":3824,"1640":3824,"1641":3827,"1642":3829,"1643":3831,"1644":3831,"1645":3833,"1646":3834,"1647":3835,"1648":3837,"1649":3838,"1650":3839,"1651":3842,"1652":3842,"1653":3843,"1654":3843,"1655":3844,"1656":3845,"1657":3846,"1658":3847,"1659":3850,"1660":3851,"1661":3852,"1662":3853,"1663":3853,"1664":3854,"1665":3857,"1666":3858,"1667":3859,"1668":3860,"1669":3862,"1670":3865,"1671":3867,"1672":3869,"1673":3870,"1674":3872,"1675":3872,"1676":3873,"1677":3874,"1678":3875,"1679":3876,"1680":3877,"1681":3877,"1682":3878,"1683":3879,"1684":3883,"1685":3884,"1686":3886,"1687":3888,"1688":3888,"1689":3890,"1690":3893,"1691":3894,"1692":3896,"1693":3896,"1694":3897,"1695":3898,"1696":3900,"1697":3900,"1698":3901,"1699":3902,"1700":3903,"1701":3907,"1702":3914,"1703":3916,"1704":3917,"1705":3921,"1706":3923,"1707":3924,"1708":3925,"1709":3928,"1710":3931,"1711":3934,"1712":3935,"1713":3935,"1714":3936,"1715":3941,"1716":3942,"1717":3944,"1718":3947,"1719":3948,"1720":3950,"1721":3960,"1722":3962,"1723":3965,"1724":3970,"1725":3972,"1726":3972,"1727":3972,"1728":3973,"1729":3973,"1730":3975,"1731":3976,"1732":3977,"1733":3979,"1734":3981,"1735":3983,"1736":3984,"1737":3987,"1738":3989,"1739":3994,"1740":3996,"1741":3997,"1742":3999,"1743":4000,"1744":4001,"1745":4004,"1746":4004,"1747":4006,"1748":4006,"1749":4009,"1750":4011,"1751":4011,"1752":4013,"1753":4016,"1754":4017,"1755":4017,"1756":4019,"1757":4021,"1758":4023,"1759":4024,"1760":4024,"1761":4025,"1762":4027,"1763":4028,"1764":4031,"1765":4033,"1766":4034,"1767":4036,"1768":4038,"1769":4039,"1770":4040,"1771":4043,"1772":4044,"1773":4047,"1774":4048,"1775":4048,"1776":4049,"1777":4051,"1778":4054,"1779":4058,"1780":4059,"1781":4059,"1782":4065,"1783":4067,"1784":4068,"1785":4069,"1786":4071,"1787":4072,"1788":4073,"1789":4076,"1790":4078,"1791":4081,"1792":4083,"1793":4084,"1794":4085,"1795":4087,"1796":4088,"1797":4089,"1798":4091,"1799":4091,"1800":4094,"1801":4096,"1802":4097,"1803":4098,"1804":4099,"1805":4100,"1806":4103,"1807":4104,"1808":4105,"1809":4106,"1810":4110,"1811":4111,"1812":4114,"1813":4119,"1814":4120,"1815":4122,"1816":4123,"1817":4124,"1818":4125,"1819":4128,"1820":4131,"1821":4132,"1822":4133,"1823":4134,"1824":4137,"1825":4138,"1826":4143,"1827":4143,"1828":4147,"1829":4147,"1830":4149,"1831":4150,"1832":4151,"1833":4152,"1834":4154,"1835":4156,"1836":4157,"1837":4158,"1838":4158,"1839":4159,"1840":4160,"1841":4163,"1842":4165,"1843":4166,"1844":4178,"1845":4179,"1846":4179,"1847":4182,"1848":4183,"1849":4185,"1850":4188,"1851":4188,"1852":4193,"1853":4197,"1854":4198,"1855":4198,"1856":4201,"1857":4204,"1858":4205,"1859":4207,"1860":4208,"1861":4210,"1862":4212,"1863":4216,"1864":4216,"1865":4218,"1866":4219,"1867":4221,"1868":4222,"1869":4225,"1870":4225,"1871":4229,"1872":4230,"1873":4232,"1874":4234,"1875":4236,"1876":4237,"1877":4237,"1878":4241,"1879":4243,"1880":4244,"1881":4245,"1882":4245,"1883":4247,"1884":4247,"1885":4249,"1886":4251,"1887":4253,"1888":4254,"1889":4255,"1890":4255,"1891":4256,"1892":4256,"1893":4257,"1894":4258,"1895":4260,"1896":4261,"1897":4263,"1898":4267,"1899":4269,"1900":4270,"1901":4272,"1902":4275,"1903":4275,"1904":4276,"1905":4278,"1906":4315,"1907":4316,"1908":4317,"1909":4317,"1910":4319,"1911":4321,"1912":4322,"1913":4323,"1914":4325,"1915":4328,"1916":4329,"1917":4330,"1918":4331,"1919":4331,"1920":4334,"1921":4336,"1922":4340,"1923":4343,"1924":4343,"1925":4344,"1926":4346,"1927":4346,"1928":4347,"1929":4348,"1930":4348,"1931":4349,"1932":4349,"1933":4350,"1934":4351,"1935":4352,"1936":4353,"1937":4353,"1938":4354,"1939":4355,"1940":4355,"1941":4359,"1942":4360,"1943":4361,"1944":4363,"1945":4365,"1946":4366,"1947":4367,"1948":4369,"1949":4370,"1950":4373,"1951":4375,"1952":4376,"1953":4377,"1954":4379,"1955":4379,"1956":4380,"1957":4381,"1958":4384,"1959":4385,"1960":4386,"1961":4389,"1962":4390,"1963":4390,"1964":4390,"1965":4391,"1966":4392,"1967":4394,"1968":4395,"1969":4395,"1970":4396,"1971":4396,"1972":4397,"1973":4398,"1974":4401,"1975":4402,"1976":4404,"1977":4404,"1978":4405,"1979":4406,"1980":4409,"1981":4409,"1982":4414,"1983":4414,"1984":4418,"1985":4420,"1986":4424,"1987":4425,"1988":4426,"1989":4428,"1990":4432,"1991":4434,"1992":4436,"1993":4436,"1994":4437,"1995":4439,"1996":4441,"1997":4443,"1998":4444,"1999":4445,"2000":4448,"2001":4450,"2002":4451,"2003":4452,"2004":4454,"2005":4456,"2006":4457,"2007":4459,"2008":4462,"2009":4462,"2010":4463,"2011":4466,"2012":4467,"2013":4467,"2014":4468,"2015":4470,"2016":4472,"2017":4475,"2018":4481,"2019":4482,"2020":4483,"2021":4484,"2022":4485,"2023":4488,"2024":4490,"2025":4490,"2026":4491,"2027":4491,"2028":4493,"2029":4495,"2030":4496,"2031":4498,"2032":4499,"2033":4502,"2034":4508,"2035":4513,"2036":4514,"2037":4515,"2038":4517,"2039":4518,"2040":4519,"2041":4520,"2042":4521,"2043":4523,"2044":4525,"2045":4525,"2046":4531,"2047":4534,"2048":4535,"2049":4536,"2050":4539,"2051":4540,"2052":4546,"2053":4547,"2054":4549,"2055":4552,"2056":4554,"2057":4557,"2058":4560,"2059":4562,"2060":4563,"2061":4564,"2062":4573,"2063":4574,"2064":4575,"2065":4576,"2066":4577,"2067":4578,"2068":4579,"2069":4584,"2070":4588,"2071":4588,"2072":4591,"2073":4592,"2074":4593,"2075":4593,"2076":4595,"2077":4599,"2078":4599,"2079":4600,"2080":4602,"2081":4604,"2082":4604,"2083":4607,"2084":4608,"2085":4608,"2086":4615,"2087":4617,"2088":4620,"2089":4622,"2090":4624,"2091":4626,"2092":4627,"2093":4628,"2094":4630,"2095":4631,"2096":4631,"2097":4632,"2098":4634,"2099":4638,"2100":4639,"2101":4641,"2102":4648,"2103":4650,"2104":4654,"2105":4655,"2106":4656,"2107":4658,"2108":4659,"2109":4660,"2110":4667,"2111":4670,"2112":4673,"2113":4674,"2114":4676,"2115":4676,"2116":4677,"2117":4680,"2118":4683,"2119":4686,"2120":4687,"2121":4689,"2122":4691,"2123":4694,"2124":4695,"2125":4696,"2126":4697,"2127":4698,"2128":4698,"2129":4698,"2130":4700,"2131":4700,"2132":4704,"2133":4704,"2134":4706,"2135":4706,"2136":4708,"2137":4710,"2138":4711,"2139":4713,"2140":4715,"2141":4717,"2142":4718,"2143":4720,"2144":4721,"2145":4723,"2146":4724,"2147":4726,"2148":4727,"2149":4728,"2150":4729,"2151":4730,"2152":4730,"2153":4733,"2154":4733,"2155":4734,"2156":4737,"2157":4739,"2158":4739,"2159":4740,"2160":4741,"2161":4742,"2162":4744,"2163":4746,"2164":4747,"2165":4750,"2166":4753,"2167":4754,"2168":4755,"2169":4755,"2170":4756,"2171":4757,"2172":4760,"2173":4762,"2174":4764,"2175":4773,"2176":4774,"2177":4776,"2178":4777,"2179":4781,"2180":4784,"2181":4785,"2182":4786,"2183":4786,"2184":4787,"2185":4789,"2186":4794,"2187":4796,"2188":4803,"2189":4804,"2190":4807,"2191":4809,"2192":4815,"2193":4817,"2194":4819,"2195":4822,"2196":4824,"2197":4830,"2198":4832,"2199":4835,"2200":4837,"2201":4840,"2202":4842,"2203":4844,"2204":4847,"2205":4852,"2206":4852,"2207":4854,"2208":4855,"2209":4857,"2210":4858,"2211":4860,"2212":4861,"2213":4868,"2214":4872,"2215":4875,"2216":4879,"2217":4883,"2218":4884,"2219":4884,"2220":4885,"2221":4887,"2222":4888,"2223":4889,"2224":4890,"2225":4892,"2226":4893,"2227":4893,"2228":4895,"2229":4896,"2230":4897,"2231":4900,"2232":4901,"2233":4901,"2234":4901,"2235":4902,"2236":4904,"2237":4906,"2238":4908,"2239":4909,"2240":4911,"2241":4915,"2242":4920,"2243":4921,"2244":4922,"2245":4927,"2246":4933,"2247":4933,"2248":4934,"2249":4935,"2250":4936,"2251":4937,"2252":4938,"2253":4939,"2254":4942,"2255":4944,"2256":4945,"2257":4950,"2258":4951,"2259":4952,"2260":4952,"2261":4954,"2262":4955,"2263":4955,"2264":4956,"2265":4958,"2266":4960,"2267":4961,"2268":4962,"2269":4966,"2270":4969,"2271":4970,"2272":4971,"2273":4975,"2274":4976,"2275":4977,"2276":4980,"2277":4983,"2278":4986,"2279":4989,"2280":4990,"2281":4992,"2282":4994,"2283":4995,"2284":4996,"2285":5008,"2286":5008,"2287":5009,"2288":5011,"2289":5011,"2290":5013,"2291":5020,"2292":5023,"2293":5024,"2294":5024,"2295":5025,"2296":5026,"2297":5027,"2298":5030,"2299":5031,"2300":5036,"2301":5039,"2302":5043,"2303":5046,"2304":5048,"2305":5048,"2306":5051,"2307":5056,"2308":5056,"2309":5058,"2310":5059,"2311":5061,"2312":5062,"2313":5066,"2314":5067,"2315":5070,"2316":5071,"2317":5076,"2318":5078,"2319":5081,"2320":5083,"2321":5088,"2322":5089,"2323":5090,"2324":5092,"2325":5094,"2326":5095,"2327":5096,"2328":5099,"2329":5101,"2330":5103,"2331":5104,"2332":5104,"2333":5104,"2334":5108,"2335":5109,"2336":5110,"2337":5112,"2338":5114,"2339":5116,"2340":5117,"2341":5119,"2342":5120,"2343":5121,"2344":5122,"2345":5122,"2346":5124,"2347":5125,"2348":5127,"2349":5128,"2350":5131,"2351":5133,"2352":5134,"2353":5135,"2354":5136,"2355":5138,"2356":5139,"2357":5140,"2358":5141,"2359":5142,"2360":5143,"2361":5145,"2362":5147,"2363":5148,"2364":5150,"2365":5153,"2366":5155,"2367":5156,"2368":5160,"2369":5160,"2370":5162,"2371":5163,"2372":5164,"2373":5166,"2374":5167,"2375":5167,"2376":5168,"2377":5170,"2378":5173,"2379":5174,"2380":5174,"2381":5174,"2382":5174,"2383":5174,"2384":5174,"2385":5175,"2386":5183,"2387":5185,"2388":5186,"2389":5190,"2390":5191,"2391":5202,"2392":5204,"2393":5207,"2394":5208,"2395":5209,"2396":5210,"2397":5212,"2398":5213,"2399":5216,"2400":5218,"2401":5220,"2402":5221,"2403":5223,"2404":5225,"2405":5226,"2406":5227,"2407":5229,"2408":5232,"2409":5235,"2410":5236,"2411":5238,"2412":5238,"2413":5242,"2414":5246,"2415":5246,"2416":5248,"2417":5250,"2418":5252,"2419":5253,"2420":5256,"2421":5257,"2422":5261,"2423":5262,"2424":5263,"2425":5263,"2426":5269,"2427":5270,"2428":5272,"2429":5276,"2430":5277,"2431":5278,"2432":5281,"2433":5283,"2434":5286,"2435":5287,"2436":5288,"2437":5292,"2438":5294,"2439":5296,"2440":5296,"2441":5297,"2442":5300,"2443":5302,"2444":5302,"2445":5303,"2446":5306,"2447":5308,"2448":5309,"2449":5310,"2450":5312,"2451":5314,"2452":5314,"2453":5316,"2454":5317,"2455":5320,"2456":5323,"2457":5325,"2458":5326,"2459":5327,"2460":5331,"2461":5332,"2462":5333,"2463":5333,"2464":5334,"2465":5340,"2466":5341,"2467":5343,"2468":5344,"2469":5345,"2470":5345,"2471":5347,"2472":5348,"2473":5350,"2474":5352,"2475":5353,"2476":5355,"2477":5364,"2478":5365,"2479":5367,"2480":5369,"2481":5370,"2482":5373,"2483":5375,"2484":5377,"2485":5378,"2486":5379,"2487":5380,"2488":5382,"2489":5384,"2490":5385,"2491":5390,"2492":5392,"2493":5393,"2494":5394,"2495":5395,"2496":5396,"2497":5398,"2498":5400,"2499":5401,"2500":5402,"2501":5403,"2502":5407,"2503":5408,"2504":5409,"2505":5410,"2506":5411,"2507":5413,"2508":5416,"2509":5417,"2510":5418,"2511":5420,"2512":5421,"2513":5423,"2514":5425,"2515":5426,"2516":5429,"2517":5431,"2518":5432,"2519":5433,"2520":5435,"2521":5437,"2522":5439,"2523":5440,"2524":5440,"2525":5443,"2526":5446,"2527":5447,"2528":5449,"2529":5450,"2530":5451,"2531":5452,"2532":5453,"2533":5454,"2534":5456,"2535":5457,"2536":5459,"2537":5461,"2538":5462,"2539":5464,"2540":5465,"2541":5467,"2542":5469,"2543":5470,"2544":5473,"2545":5473,"2546":5475,"2547":5475,"2548":5477,"2549":5478,"2550":5480,"2551":5482,"2552":5483,"2553":5486,"2554":5487,"2555":5487,"2556":5488,"2557":5489,"2558":5489,"2559":5490,"2560":5490,"2561":5490,"2562":5490,"2563":5490,"2564":5490,"2565":5491,"2566":5497,"2567":5498,"2568":5500,"2569":5503,"2570":5503,"2571":5504,"2572":5505,"2573":5506,"2574":5509,"2575":5509,"2576":5512,"2577":5512,"2578":5513,"2579":5513,"2580":5516,"2581":5518,"2582":5519,"2583":5519,"2584":5520,"2585":5524,"2586":5525,"2587":5525,"2588":5526,"2589":5527,"2590":5528,"2591":5531,"2592":5531,"2593":5532,"2594":5533,"2595":5534,"2596":5534,"2597":5535,"2598":5536,"2599":5537,"2600":5537,"2601":5540,"2602":5541,"2603":5543,"2604":5544,"2605":5545,"2606":5546,"2607":5547,"2608":5549,"2609":5549,"2610":5550,"2611":5552,"2612":5555,"2613":5560,"2614":5561,"2615":5562,"2616":5563,"2617":5564,"2618":5565,"2619":5566,"2620":5568,"2621":5570,"2622":5570,"2623":5572,"2624":5573,"2625":5575,"2626":5576,"2627":5576,"2628":5578,"2629":5580,"2630":5581,"2631":5581,"2632":5584,"2633":5585,"2634":5586,"2635":5586,"2636":5587,"2637":5588,"2638":5589,"2639":5589,"2640":5590,"2641":5591,"2642":5591,"2643":5592,"2644":5593,"2645":5595,"2646":5598,"2647":5599,"2648":5601,"2649":5604,"2650":5607,"2651":5613,"2652":5614,"2653":5617,"2654":5618,"2655":5621,"2656":5623,"2657":5624,"2658":5624,"2659":5625,"2660":5627,"2661":5632,"2662":5633,"2663":5635,"2664":5636,"2665":5637,"2666":5639,"2667":5640,"2668":5641,"2669":5642,"2670":5644,"2671":5645,"2672":5647,"2673":5648,"2674":5650,"2675":5651,"2676":5652,"2677":5657,"2678":5657,"2679":5661,"2680":5663,"2681":5666,"2682":5668,"2683":5670,"2684":5675,"2685":5677,"2686":5678,"2687":5681,"2688":5683,"2689":5685,"2690":5688,"2691":5691,"2692":5692,"2693":5694,"2694":5697,"2695":5700,"2696":5702,"2697":5704,"2698":5706,"2699":5707,"2700":5708,"2701":5713,"2702":5713,"2703":5715,"2704":5716,"2705":5718,"2706":5722,"2707":5725,"2708":5728,"2709":5729,"2710":5731,"2711":5732,"2712":5736,"2713":5739,"2714":5742,"2715":5743,"2716":5745,"2717":5746,"2718":5757,"2719":5759,"2720":5763,"2721":5764,"2722":5765,"2723":5766,"2724":5768,"2725":5771,"2726":5772,"2727":5776,"2728":5778,"2729":5779,"2730":5781,"2731":5781,"2732":5782,"2733":5784,"2734":5789,"2735":5789,"2736":5791,"2737":5797,"2738":5798,"2739":5799,"2740":5800,"2741":5804,"2742":5807,"2743":5808,"2744":5809,"2745":5810,"2746":5811,"2747":5813,"2748":5816,"2749":5817,"2750":5818,"2751":5820,"2752":5823,"2753":5829,"2754":5830,"2755":5831,"2756":5833,"2757":5833,"2758":5834,"2759":5836,"2760":5838,"2761":5839,"2762":5841,"2763":5842,"2764":5843,"2765":5844,"2766":5851,"2767":5852,"2768":5853,"2769":5857,"2770":5858,"2771":5859,"2772":5860,"2773":5861,"2774":5863,"2775":5865,"2776":5868,"2777":5869,"2778":5870,"2779":5871,"2780":5872,"2781":5873,"2782":5874,"2783":5875,"2784":5876,"2785":5876,"2786":5878,"2787":5881,"2788":5883,"2789":5888,"2790":5890,"2791":5891,"2792":5893,"2793":5895,"2794":5896,"2795":5896,"2796":5897,"2797":5898,"2798":5899,"2799":5901,"2800":5902,"2801":5904,"2802":5906,"2803":5907,"2804":5910,"2805":5912,"2806":5913,"2807":5914,"2808":5915,"2809":5917,"2810":5917,"2811":5919,"2812":5920,"2813":5924,"2814":5925,"2815":5927,"2816":5927,"2817":5928,"2818":5929,"2819":5930,"2820":5931,"2821":5932,"2822":5938,"2823":5939,"2824":5940,"2825":5941,"2826":5945,"2827":5947,"2828":5947,"2829":5955,"2830":5956,"2831":5958,"2832":5958,"2833":5959,"2834":5962,"2835":5963,"2836":5964,"2837":5964,"2838":5966,"2839":5968,"2840":5969,"2841":5969,"2842":5970,"2843":5971,"2844":5973,"2845":5975,"2846":5976,"2847":5977,"2848":5981,"2849":5982,"2850":5984,"2851":5985,"2852":5985,"2853":5986,"2854":5987,"2855":5988,"2856":5989,"2857":5990,"2858":5993,"2859":5994,"2860":5994,"2861":5996,"2862":6003,"2863":6004,"2864":6006,"2865":6011,"2866":6012,"2867":6012,"2868":6014,"2869":6015,"2870":6017,"2871":6018,"2872":6019,"2873":6020,"2874":6021,"2875":6024,"2876":6025,"2877":6026,"2878":6028,"2879":6031,"2880":6034,"2881":6038,"2882":6039,"2883":6040,"2884":6041,"2885":6043,"2886":6045,"2887":6047,"2888":6049,"2889":6049,"2890":6050,"2891":6053,"2892":6053,"2893":6054,"2894":6056,"2895":6058,"2896":6059,"2897":6060,"2898":6061,"2899":6062,"2900":6063,"2901":6068,"2902":6069,"2903":6071,"2904":6073,"2905":6075,"2906":6076,"2907":6077,"2908":6078,"2909":6078,"2910":6079,"2911":6081,"2912":6082,"2913":6082,"2914":6083,"2915":6084,"2916":6085,"2917":6085,"2918":6088,"2919":6092,"2920":6092,"2921":6093,"2922":6094,"2923":6095,"2924":6097,"2925":6098,"2926":6099,"2927":6099,"2928":6102,"2929":6103,"2930":6104,"2931":6106,"2932":6107,"2933":6108,"2934":6109,"2935":6111,"2936":6113,"2937":6113,"2938":6114,"2939":6114,"2940":6115,"2941":6116,"2942":6117,"2943":6117,"2944":6118,"2945":6118,"2946":6121,"2947":6123,"2948":6124,"2949":6125,"2950":6125,"2951":6127,"2952":6128,"2953":6128,"2954":6129,"2955":6130,"2956":6130,"2957":6131,"2958":6132,"2959":6133,"2960":6134,"2961":6135,"2962":6136,"2963":6137,"2964":6145,"2965":6146,"2966":6146,"2967":6148,"2968":6151,"2969":6152,"2970":6153,"2971":6154,"2972":6155,"2973":6157,"2974":6157,"2975":6158,"2976":6159,"2977":6160,"2978":6161,"2979":6163,"2980":6164,"2981":6166,"2982":6167,"2983":6169,"2984":6170,"2985":6172,"2986":6177,"2987":6182,"2988":6184,"2989":6189,"2990":6189,"2991":6192,"2992":6192,"2993":6194,"2994":6195,"2995":6196,"2996":6197,"2997":6197,"2998":6198,"2999":6199,"3000":6201,"3001":6204,"3002":6206,"3003":6206,"3004":6209,"3005":6215,"3006":6216,"3007":6219,"3008":6219,"3009":6222,"3010":6222,"3011":6223,"3012":6224,"3013":6225,"3014":6225,"3015":6226,"3016":6227,"3017":6229,"3018":6230,"3019":6231,"3020":6231,"3021":6232,"3022":6233,"3023":6235,"3024":6237,"3025":6240,"3026":6241,"3027":6242,"3028":6244,"3029":6247,"3030":6249,"3031":6250,"3032":6250,"3033":6250,"3034":6251,"3035":6254,"3036":6255,"3037":6256,"3038":6258,"3039":6259,"3040":6259,"3041":6260,"3042":6263,"3043":6264,"3044":6267,"3045":6269,"3046":6270,"3047":6274,"3048":6274,"3049":6275,"3050":6276,"3051":6278,"3052":6279,"3053":6280,"3054":6280,"3055":6281,"3056":6286,"3057":6287,"3058":6288,"3059":6290,"3060":6290,"3061":6291,"3062":6295,"3063":6297,"3064":6299,"3065":6302,"3066":6303,"3067":6304,"3068":6308,"3069":6309,"3070":6310,"3071":6313,"3072":6314,"3073":6315,"3074":6317,"3075":6318,"3076":6319,"3077":6319,"3078":6320,"3079":6321,"3080":6323,"3081":6325,"3082":6326,"3083":6328,"3084":6329,"3085":6330,"3086":6330,"3087":6332,"3088":6335,"3089":6338,"3090":6338,"3091":6342,"3092":6344,"3093":6345,"3094":6348,"3095":6349,"3096":6351,"3097":6351,"3098":6352,"3099":6353,"3100":6356,"3101":6356,"3102":6357,"3103":6358,"3104":6361,"3105":6362,"3106":6362,"3107":6363,"3108":6364,"3109":6365,"3110":6366,"3111":6367,"3112":6370,"3113":6373,"3114":6375,"3115":6376,"3116":6377,"3117":6377,"3118":6379,"3119":6380,"3120":6381,"3121":6382,"3122":6384,"3123":6386,"3124":6389,"3125":6391,"3126":6393,"3127":6394,"3128":6395,"3129":6395,"3130":6398,"3131":6399,"3132":6400,"3133":6401,"3134":6402,"3135":6402,"3136":6406,"3137":6407,"3138":6408,"3139":6409,"3140":6409,"3141":6411,"3142":6414,"3143":6416,"3144":6416,"3145":6417,"3146":6418,"3147":6421,"3148":6421,"3149":6422,"3150":6423,"3151":6424,"3152":6425,"3153":6425,"3154":6426,"3155":6427,"3156":6428,"3157":6430,"3158":6432,"3159":6432,"3160":6434,"3161":6435,"3162":6436,"3163":6437,"3164":6438,"3165":6439,"3166":6441,"3167":6442,"3168":6443,"3169":6444,"3170":6445,"3171":6446,"3172":6448,"3173":6448,"3174":6450,"3175":6451,"3176":6451,"3177":6453,"3178":6454,"3179":6455,"3180":6457,"3181":6459,"3182":6461,"3183":6462,"3184":6462,"3185":6463,"3186":6465,"3187":6466,"3188":6467,"3189":6468,"3190":6469,"3191":6470,"3192":6471,"3193":6473,"3194":6474,"3195":6480,"3196":6481,"3197":6482,"3198":6483,"3199":6484,"3200":6484,"3201":6486,"3202":6487,"3203":6488,"3204":6490,"3205":6491,"3206":6492,"3207":6494,"3208":6495,"3209":6495,"3210":6496,"3211":6497,"3212":6498,"3213":6499,"3214":6499,"3215":6501,"3216":6502,"3217":6502,"3218":6503,"3219":6504,"3220":6504,"3221":6507,"3222":6508,"3223":6509,"3224":6509,"3225":6510,"3226":6512,"3227":6513,"3228":6513,"3229":6514,"3230":6514,"3231":6516,"3232":6517,"3233":6519,"3234":6520,"3235":6522,"3236":6523,"3237":6525,"3238":6526,"3239":6528,"3240":6528,"3241":6528,"3242":6532,"3243":6533,"3244":6534,"3245":6536,"3246":6538,"3247":6539,"3248":6540,"3249":6541,"3250":6541,"3251":6542,"3252":6542,"3253":6544,"3254":6546,"3255":6547,"3256":6548,"3257":6550,"3258":6550,"3259":6552,"3260":6553,"3261":6553,"3262":6553,"3263":6554,"3264":6555,"3265":6555,"3266":6558,"3267":6558,"3268":6559,"3269":6565,"3270":6566,"3271":6566,"3272":6568,"3273":6570,"3274":6570,"3275":6570,"3276":6571,"3277":6572,"3278":6572,"3279":6573,"3280":6573,"3281":6575,"3282":6575,"3283":6577,"3284":6577,"3285":6581,"3286":6582,"3287":6582,"3288":6584,"3289":6585,"3290":6585,"3291":6585,"3292":6586,"3293":6586,"3294":6586,"3295":6587,"3296":6587,"3297":6588,"3298":6590,"3299":6592,"3300":6593,"3301":6593,"3302":6593,"3303":6593,"3304":6595,"3305":6596,"3306":6596,"3307":6596,"3308":6598,"3309":6603,"3310":6604,"3311":6604,"3312":6604,"3313":6604,"3314":6606,"3315":6606,"3316":6607,"3317":6608,"3318":6612,"3319":6614,"3320":6615,"3321":6615,"3322":6617,"3323":6618,"3324":6618,"3325":6620,"3326":6627,"3327":6629,"3328":6630,"3329":6632,"3330":6633,"3331":6636,"3332":6638,"3333":6640,"3334":6641,"3335":6642,"3336":6643,"3337":6644,"3338":6646,"3339":6646,"3340":6646,"3341":6649,"3342":6651,"3343":6652,"3344":6653,"3345":6654,"3346":6655,"3347":6656,"3348":6660,"3349":6661,"3350":6663,"3351":6664,"3352":6666,"3353":6667,"3354":6668,"3355":6669,"3356":6670,"3357":6671,"3358":6674,"3359":6674,"3360":6680,"3361":6681,"3362":6682,"3363":6683,"3364":6684,"3365":6685,"3366":6686,"3367":6687,"3368":6687,"3369":6688,"3370":6689,"3371":6690,"3372":6690,"3373":6691,"3374":6692,"3375":6693,"3376":6693,"3377":6694,"3378":6695,"3379":6696,"3380":6696,"3381":6697,"3382":6698,"3383":6699,"3384":6700,"3385":6702,"3386":6703,"3387":6705,"3388":6708,"3389":6709,"3390":6712,"3391":6713,"3392":6714,"3393":6716,"3394":6717,"3395":6720,"3396":6721,"3397":6722,"3398":6723,"3399":6724,"3400":6726,"3401":6727,"3402":6728,"3403":6729,"3404":6730,"3405":6731,"3406":6732,"3407":6732,"3408":6733,"3409":6733,"3410":6734,"3411":6735,"3412":6736,"3413":6737,"3414":6738,"3415":6739,"3416":6740,"3417":6743,"3418":6744,"3419":6747,"3420":6747,"3421":6749,"3422":6751,"3423":6752,"3424":6752,"3425":6753,"3426":6753,"3427":6755,"3428":6755,"3429":6756,"3430":6757,"3431":6758,"3432":6759,"3433":6759,"3434":6762,"3435":6763,"3436":6763,"3437":6765,"3438":6766,"3439":6767,"3440":6768,"3441":6769,"3442":6769,"3443":6770,"3444":6772,"3445":6772,"3446":6773,"3447":6781,"3448":6783,"3449":6785,"3450":6786,"3451":6787,"3452":6788,"3453":6789,"3454":6789,"3455":6790,"3456":6792,"3457":6793,"3458":6795,"3459":6795,"3460":6798,"3461":6798,"3462":6801,"3463":6802,"3464":6804,"3465":6805,"3466":6809,"3467":6811,"3468":6812,"3469":6813,"3470":6814,"3471":6815,"3472":6815,"3473":6816,"3474":6818,"3475":6818,"3476":6819,"3477":6820,"3478":6821,"3479":6822,"3480":6823,"3481":6824,"3482":6826,"3483":6826,"3484":6827,"3485":6827,"3486":6828,"3487":6829,"3488":6830,"3489":6831,"3490":6831,"3491":6832,"3492":6832,"3493":6833,"3494":6834,"3495":6835,"3496":6835,"3497":6836,"3498":6837,"3499":6838,"3500":6839,"3501":6840,"3502":6842,"3503":6844,"3504":6845,"3505":6847,"3506":6849,"3507":6850,"3508":6851,"3509":6852,"3510":6853,"3511":6855,"3512":6857,"3513":6858,"3514":6859,"3515":6861,"3516":6861,"3517":6865,"3518":6865,"3519":6866,"3520":6868,"3521":6869,"3522":6870,"3523":6870,"3524":6872,"3525":6874,"3526":6875,"3527":6875,"3528":6878,"3529":6879,"3530":6880,"3531":6881,"3532":6882,"3533":6883,"3534":6883,"3535":6885,"3536":6886,"3537":6886,"3538":6888,"3539":6889,"3540":6889,"3541":6889,"3542":6889,"3543":6889,"3544":6889,"3545":6890,"3546":6896,"3547":6897,"3548":6898,"3549":6899,"3550":6899,"3551":6899,"3552":6900,"3553":6900,"3554":6901,"3555":6903,"3556":6904,"3557":6904,"3558":6905,"3559":6906,"3560":6907,"3561":6907,"3562":6908,"3563":6909,"3564":6910,"3565":6911,"3566":6912,"3567":6913,"3568":6915,"3569":6916,"3570":6917,"3571":6919,"3572":6920,"3573":6921,"3574":6922,"3575":6923,"3576":6925,"3577":6925,"3578":6926,"3579":6927,"3580":6927,"3581":6928,"3582":6929,"3583":6930,"3584":6932,"3585":6933,"3586":6934,"3587":6934,"3588":6935,"3589":6935,"3590":6935,"3591":6935,"3592":6935,"3593":6935,"3594":6935,"3595":6936,"3596":6944,"3597":6946,"3598":6947,"3599":6948,"3600":6949,"3601":6950,"3602":6951,"3603":6952,"3604":6953,"3605":6955,"3606":6956,"3607":6960,"3608":6962,"3609":6965,"3610":6965,"3611":6966,"3612":6967,"3613":6972,"3614":6972,"3615":6972,"3616":6974,"3617":6975,"3618":6975,"3619":6976,"3620":6976,"3621":6977,"3622":6978,"3623":6979,"3624":6980,"3625":6980,"3626":6981,"3627":6982,"3628":6983,"3629":6983,"3630":6984,"3631":6984,"3632":6986,"3633":6987,"3634":6988,"3635":6989,"3636":6990,"3637":6991,"3638":6993,"3639":6993,"3640":6994,"3641":6995,"3642":6998,"3643":6999,"3644":7000,"3645":7001,"3646":7002,"3647":7003,"3648":7003,"3649":7003,"3650":7003,"3651":7004,"3652":7005,"3653":7006,"3654":7008,"3655":7008,"3656":7009,"3657":7010,"3658":7012,"3659":7013,"3660":7013,"3661":7015,"3662":7015,"3663":7016,"3664":7017,"3665":7018,"3666":7019,"3667":7021,"3668":7022,"3669":7023,"3670":7023,"3671":7023,"3672":7023,"3673":7023,"3674":7023,"3675":7025,"3676":7032,"3677":7033,"3678":7034,"3679":7034,"3680":7035,"3681":7037,"3682":7039,"3683":7040,"3684":7041,"3685":7042,"3686":7043,"3687":7043,"3688":7044,"3689":7044,"3690":7046,"3691":7046,"3692":7047,"3693":7049,"3694":7050,"3695":7050,"3696":7052,"3697":7053,"3698":7054,"3699":7055,"3700":7056,"3701":7056,"3702":7057,"3703":7057,"3704":7058,"3705":7059,"3706":7060,"3707":7061,"3708":7061,"3709":7062,"3710":7063,"3711":7065,"3712":7065,"3713":7067,"3714":7068,"3715":7069,"3716":7070,"3717":7071,"3718":7071,"3719":7072,"3720":7073,"3721":7073,"3722":7074,"3723":7075,"3724":7077,"3725":7078,"3726":7078,"3727":7079,"3728":7080,"3729":7080,"3730":7082,"3731":7083,"3732":7084,"3733":7085,"3734":7086,"3735":7086,"3736":7088,"3737":7089,"3738":7089,"3739":7090,"3740":7090,"3741":7090,"3742":7092,"3743":7092,"3744":7093,"3745":7094,"3746":7094,"3747":7095,"3748":7096,"3749":7097,"3750":7098,"3751":7099,"3752":7099,"3753":7100,"3754":7103,"3755":7104,"3756":7106,"3757":7107,"3758":7107,"3759":7108,"3760":7108,"3761":7108,"3762":7108,"3763":7108,"3764":7108,"3765":7109,"3766":7114,"3767":7115,"3768":7116,"3769":7118,"3770":7119,"3771":7119,"3772":7121,"3773":7121,"3774":7122,"3775":7124,"3776":7125,"3777":7125,"3778":7126,"3779":7126,"3780":7126,"3781":7126,"3782":7128,"3783":7129,"3784":7130,"3785":7131,"3786":7131,"3787":7131,"3788":7132,"3789":7132,"3790":7132,"3791":7132,"3792":7132,"3793":7132,"3794":7132,"3795":7133,"3796":7141,"3797":7143,"3798":7144,"3799":7145,"3800":7148,"3801":7150,"3802":7151,"3803":7151,"3804":7152,"3805":7153,"3806":7153,"3807":7155,"3808":7155,"3809":7156,"3810":7157,"3811":7158,"3812":7159,"3813":7160,"3814":7161,"3815":7163,"3816":7165,"3817":7167,"3818":7168,"3819":7169,"3820":7170,"3821":7171,"3822":7172,"3823":7173,"3824":7174,"3825":7174,"3826":7176,"3827":7176,"3828":7177,"3829":7178,"3830":7178,"3831":7179,"3832":7180,"3833":7180,"3834":7181,"3835":7182,"3836":7183,"3837":7183,"3838":7184,"3839":7185,"3840":7188,"3841":7188,"3842":7189,"3843":7190,"3844":7191,"3845":7192,"3846":7193,"3847":7194,"3848":7194,"3849":7195,"3850":7196,"3851":7197,"3852":7197,"3853":7198,"3854":7200,"3855":7205,"3856":7206,"3857":7208,"3858":7208,"3859":7209,"3860":7210,"3861":7211,"3862":7211,"3863":7212,"3864":7213,"3865":7214,"3866":7215,"3867":7215,"3868":7216,"3869":7217,"3870":7219,"3871":7221,"3872":7222,"3873":7222,"3874":7223,"3875":7224,"3876":7225,"3877":7225,"3878":7227,"3879":7227,"3880":7228,"3881":7230,"3882":7231,"3883":7233,"3884":7234,"3885":7235,"3886":7237,"3887":7237,"3888":7238,"3889":7240,"3890":7241,"3891":7241,"3892":7242,"3893":7243,"3894":7244,"3895":7245,"3896":7245,"3897":7247,"3898":7247,"3899":7248,"3900":7250,"3901":7251,"3902":7252,"3903":7252,"3904":7254,"3905":7256,"3906":7257,"3907":7259,"3908":7260,"3909":7260,"3910":7261,"3911":7262,"3912":7265,"3913":7265,"3914":7266,"3915":7266,"3916":7267,"3917":7267,"3918":7268,"3919":7268,"3920":7269,"3921":7270,"3922":7271,"3923":7273,"3924":7274,"3925":7274,"3926":7276,"3927":7277,"3928":7279,"3929":7280,"3930":7282,"3931":7285,"3932":7288,"3933":7289,"3934":7291,"3935":7292,"3936":7292,"3937":7294,"3938":7295,"3939":7296,"3940":7299,"3941":7300,"3942":7301,"3943":7301,"3944":7302,"3945":7302,"3946":7303,"3947":7303,"3948":7303,"3949":7304,"3950":7306,"3951":7306,"3952":7306,"3953":7307,"3954":7309,"3955":7310,"3956":7313,"3957":7314,"3958":7315,"3959":7316,"3960":7316,"3961":7317,"3962":7317,"3963":7319,"3964":7320,"3965":7322,"3966":7323,"3967":7324,"3968":7325,"3969":7331,"3970":7332,"3971":7333,"3972":7334,"3973":7334,"3974":7335,"3975":7336,"3976":7337,"3977":7337,"3978":7338,"3979":7339,"3980":7339,"3981":7340,"3982":7340,"3983":7341,"3984":7342,"3985":7343,"3986":7343,"3987":7344,"3988":7345,"3989":7346,"3990":7347,"3991":7349,"3992":7349,"3993":7350,"3994":7350,"3995":7351,"3996":7352,"3997":7353,"3998":7353,"3999":7354,"4000":7355,"4001":7356,"4002":7357,"4003":7358,"4004":7360,"4005":7361,"4006":7361,"4007":7362,"4008":7362,"4009":7364,"4010":7365,"4011":7366,"4012":7367,"4013":7369,"4014":7369,"4015":7370,"4016":7371,"4017":7372,"4018":7374,"4019":7375,"4020":7376,"4021":7377,"4022":7377,"4023":7378,"4024":7379,"4025":7381,"4026":7382,"4027":7383,"4028":7384,"4029":7385,"4030":7385,"4031":7386,"4032":7386,"4033":7387,"4034":7388,"4035":7388,"4036":7388,"4037":7389,"4038":7391,"4039":7393,"4040":7395,"4041":7397,"4042":7397,"4043":7398,"4044":7399,"4045":7400,"4046":7400,"4047":7401,"4048":7402,"4049":7403,"4050":7406,"4051":7406,"4052":7407,"4053":7407,"4054":7408,"4055":7409,"4056":7410,"4057":7411,"4058":7412,"4059":7412,"4060":7413,"4061":7414,"4062":7415,"4063":7416,"4064":7417,"4065":7418,"4066":7419,"4067":7420,"4068":7420,"4069":7421,"4070":7422,"4071":7423,"4072":7425,"4073":7426,"4074":7427,"4075":7427,"4076":7428,"4077":7428,"4078":7429,"4079":7431,"4080":7432,"4081":7433,"4082":7434,"4083":7435,"4084":7436,"4085":7439,"4086":7440,"4087":7440,"4088":7441,"4089":7442,"4090":7447,"4091":7448,"4092":7450,"4093":7451,"4094":7452,"4095":7452,"4096":7453,"4097":7453,"4098":7454,"4099":7454,"4100":7455,"4101":7456,"4102":7457,"4103":7457,"4104":7458,"4105":7459,"4106":7460,"4107":7461,"4108":7463,"4109":7463,"4110":7464,"4111":7465,"4112":7466,"4113":7467,"4114":7468,"4115":7469,"4116":7470,"4117":7472,"4118":7473,"4119":7474,"4120":7475,"4121":7476,"4122":7477,"4123":7478,"4124":7478,"4125":7479,"4126":7480,"4127":7481,"4128":7483,"4129":7484,"4130":7485,"4131":7486,"4132":7488,"4133":7489,"4134":7490,"4135":7490,"4136":7491,"4137":7492,"4138":7492,"4139":7493,"4140":7493,"4141":7494,"4142":7495,"4143":7496,"4144":7497,"4145":7497,"4146":7498,"4147":7499,"4148":7499,"4149":7500,"4150":7502,"4151":7502,"4152":7503,"4153":7504,"4154":7507,"4155":7508,"4156":7508,"4157":7509,"4158":7510,"4159":7512,"4160":7513,"4161":7514,"4162":7515,"4163":7516,"4164":7516,"4165":7517,"4166":7518,"4167":7520,"4168":7521,"4169":7522,"4170":7525,"4171":7525,"4172":7527,"4173":7528,"4174":7529,"4175":7530,"4176":7531,"4177":7533,"4178":7533,"4179":7534,"4180":7535,"4181":7535,"4182":7536,"4183":7537,"4184":7538,"4185":7538,"4186":7538,"4187":7539,"4188":7539,"4189":7540,"4190":7541,"4191":7543,"4192":7543,"4193":7545,"4194":7546,"4195":7546,"4196":7547,"4197":7547,"4198":7548,"4199":7550,"4200":7552,"4201":7554,"4202":7555,"4203":7556,"4204":7556,"4205":7557,"4206":7558,"4207":7558,"4208":7559,"4209":7560,"4210":7561,"4211":7562,"4212":7563,"4213":7564,"4214":7567,"4215":7568,"4216":7569,"4217":7569,"4218":7570,"4219":7571,"4220":7571,"4221":7572,"4222":7574,"4223":7575,"4224":7577,"4225":7578,"4226":7581,"4227":7581,"4228":7583,"4229":7583,"4230":7584,"4231":7585,"4232":7585,"4233":7586,"4234":7587,"4235":7587,"4236":7588,"4237":7589,"4238":7590,"4239":7591,"4240":7592,"4241":7593,"4242":7594,"4243":7594,"4244":7598,"4245":7601,"4246":7604,"4247":7606,"4248":7607,"4249":7609,"4250":7609,"4251":7610,"4252":7610,"4253":7614,"4254":7614,"4255":7614,"4256":7617,"4257":7620,"4258":7621,"4259":7623,"4260":7624,"4261":7627,"4262":7630,"4263":7630,"4264":7631,"4265":7632,"4266":7633,"4267":7633,"4268":7634,"4269":7635,"4270":7636,"4271":7639,"4272":7640,"4273":7641,"4274":7642,"4275":7643,"4276":7643,"4277":7644,"4278":7645,"4279":7647,"4280":7647,"4281":7648,"4282":7650,"4283":7652,"4284":7653,"4285":7653,"4286":7654,"4287":7657,"4288":7657,"4289":7658,"4290":7658,"4291":7661,"4292":7665,"4293":7666,"4294":7667,"4295":7668,"4296":7669,"4297":7670,"4298":7672,"4299":7672,"4300":7673,"4301":7673,"4302":7674,"4303":7675,"4304":7676,"4305":7677,"4306":7678,"4307":7680,"4308":7682,"4309":7684,"4310":7685,"4311":7687,"4312":7689,"4313":7691,"4314":7691,"4315":7692,"4316":7693,"4317":7694,"4318":7695,"4319":7695,"4320":7696,"4321":7697,"4322":7699,"4323":7700,"4324":7701,"4325":7703,"4326":7704,"4327":7708,"4328":7709,"4329":7710,"4330":7713,"4331":7713,"4332":7714,"4333":7714,"4334":7715,"4335":7715,"4336":7717,"4337":7719,"4338":7721,"4339":7723,"4340":7723,"4341":7724,"4342":7727,"4343":7728,"4344":7729,"4345":7730,"4346":7730,"4347":7731,"4348":7731,"4349":7733,"4350":7734,"4351":7735,"4352":7738,"4353":7739,"4354":7742,"4355":7745,"4356":7746,"4357":7747,"4358":7747,"4359":7747,"4360":7749,"4361":7749,"4362":7752,"4363":7753,"4364":7755,"4365":7756,"4366":7757,"4367":7757,"4368":7758,"4369":7759,"4370":7760,"4371":7760,"4372":7761,"4373":7762,"4374":7763,"4375":7765,"4376":7767,"4377":7767,"4378":7768,"4379":7769,"4380":7771,"4381":7774,"4382":7775,"4383":7777,"4384":7778,"4385":7778,"4386":7779,"4387":7779,"4388":7784,"4389":7786,"4390":7786,"4391":7788,"4392":7788,"4393":7789,"4394":7791,"4395":7795,"4396":7796,"4397":7797,"4398":7798,"4399":7798,"4400":7800,"4401":7800,"4402":7801,"4403":7802,"4404":7803,"4405":7804,"4406":7804,"4407":7805,"4408":7805,"4409":7807,"4410":7808,"4411":7813,"4412":7814,"4413":7815,"4414":7816,"4415":7817,"4416":7817,"4417":7817,"4418":7822,"4419":7824,"4420":7827,"4421":7829,"4422":7830,"4423":7831,"4424":7831,"4425":7832,"4426":7833,"4427":7833,"4428":7834,"4429":7834,"4430":7836,"4431":7837,"4432":7838,"4433":7839,"4434":7839,"4435":7840,"4436":7842,"4437":7842,"4438":7843,"4439":7844,"4440":7844,"4441":7845,"4442":7846,"4443":7848,"4444":7848,"4445":7849,"4446":7852,"4447":7852,"4448":7855,"4449":7858,"4450":7859,"4451":7863,"4452":7864,"4453":7865,"4454":7866,"4455":7866,"4456":7866,"4457":7867,"4458":7869,"4459":7870,"4460":7871,"4461":7873,"4462":7875,"4463":7876,"4464":7877,"4465":7878,"4466":7879,"4467":7880,"4468":7881,"4469":7882,"4470":7884,"4471":7884,"4472":7885,"4473":7887,"4474":7889,"4475":7889,"4476":7891,"4477":7892,"4478":7893,"4479":7894,"4480":7896,"4481":7899,"4482":7899,"4483":7900,"4484":7901,"4485":7903,"4486":7904,"4487":7905,"4488":7906,"4489":7906,"4490":7908,"4491":7909,"4492":7909,"4493":7910,"4494":7912,"4495":7914,"4496":7915,"4497":7918,"4498":7918,"4499":7919,"4500":7921,"4501":7921,"4502":7921,"4503":7923,"4504":7928,"4505":7929,"4506":7929,"4507":7930,"4508":7930,"4509":7931,"4510":7933,"4511":7934,"4512":7934,"4513":7934,"4514":7934,"4515":7937,"4516":7938,"4517":7938,"4518":7939,"4519":7940,"4520":7943,"4521":7946,"4522":7948,"4523":7950,"4524":7951,"4525":7952,"4526":7953,"4527":7957,"4528":7957,"4529":7958,"4530":7960,"4531":7961,"4532":7962,"4533":7963,"4534":7964,"4535":7966,"4536":7967,"4537":7967,"4538":7968,"4539":7970,"4540":7971,"4541":7971,"4542":7973,"4543":7974,"4544":7975,"4545":7975,"4546":7976,"4547":7976,"4548":7976,"4549":7980,"4550":7981,"4551":7982,"4552":7982,"4553":7983,"4554":7983,"4555":7984,"4556":7986,"4557":7987,"4558":7988,"4559":7988,"4560":7989,"4561":7989,"4562":7990,"4563":7991,"4564":7991,"4565":7996,"4566":7997,"4567":7997,"4568":7998,"4569":7999,"4570":8000,"4571":8001,"4572":8002,"4573":8003,"4574":8003,"4575":8005,"4576":8005,"4577":8006,"4578":8007,"4579":8008,"4580":8009,"4581":8010,"4582":8010,"4583":8012,"4584":8014,"4585":8016,"4586":8017,"4587":8018,"4588":8019,"4589":8020,"4590":8022,"4591":8023,"4592":8023,"4593":8023,"4594":8024,"4595":8025,"4596":8032,"4597":8033,"4598":8035,"4599":8036,"4600":8037,"4601":8038,"4602":8039,"4603":8040,"4604":8041,"4605":8042,"4606":8045,"4607":8051,"4608":8052,"4609":8053,"4610":8053,"4611":8054,"4612":8054,"4613":8055,"4614":8056,"4615":8056,"4616":8057,"4617":8057,"4618":8057,"4619":8058,"4620":8058,"4621":8059,"4622":8059,"4623":8060,"4624":8062,"4625":8063,"4626":8064,"4627":8065,"4628":8066,"4629":8066,"4630":8067,"4631":8067,"4632":8068,"4633":8072,"4634":8072,"4635":8073,"4636":8074,"4637":8075,"4638":8076,"4639":8077,"4640":8077,"4641":8078,"4642":8079,"4643":8080,"4644":8082,"4645":8082,"4646":8083,"4647":8084,"4648":8086,"4649":8089,"4650":8090,"4651":8091,"4652":8092,"4653":8092,"4654":8093,"4655":8094,"4656":8095,"4657":8097,"4658":8099,"4659":8100,"4660":8102,"4661":8103,"4662":8104,"4663":8105,"4664":8105,"4665":8106,"4666":8106,"4667":8107,"4668":8107,"4669":8108,"4670":8109,"4671":8109,"4672":8110,"4673":8111,"4674":8111,"4675":8112,"4676":8113,"4677":8113,"4678":8114,"4679":8115,"4680":8115,"4681":8116,"4682":8117,"4683":8118,"4684":8120,"4685":8121,"4686":8121,"4687":8122,"4688":8123,"4689":8124,"4690":8125,"4691":8125,"4692":8127,"4693":8128,"4694":8128,"4695":8130,"4696":8135,"4697":8136,"4698":8137,"4699":8138,"4700":8139,"4701":8141,"4702":8143,"4703":8144,"4704":8146,"4705":8146,"4706":8148,"4707":8148,"4708":8149,"4709":8151,"4710":8151,"4711":8153,"4712":8156,"4713":8157,"4714":8159,"4715":8159,"4716":8161,"4717":8162,"4718":8163,"4719":8163,"4720":8163,"4721":8165,"4722":8166,"4723":8167,"4724":8169,"4725":8170,"4726":8170,"4727":8174,"4728":8175,"4729":8177,"4730":8178,"4731":8179,"4732":8180,"4733":8180,"4734":8181,"4735":8182,"4736":8183,"4737":8184,"4738":8185,"4739":8186,"4740":8187,"4741":8188,"4742":8190,"4743":8190,"4744":8191,"4745":8192,"4746":8193,"4747":8194,"4748":8195,"4749":8195,"4750":8198,"4751":8199,"4752":8203,"4753":8204,"4754":8207,"4755":8207,"4756":8209,"4757":8211,"4758":8211,"4759":8212,"4760":8213,"4761":8214,"4762":8215,"4763":8215,"4764":8216,"4765":8218,"4766":8219,"4767":8220,"4768":8221,"4769":8224,"4770":8225,"4771":8226,"4772":8226,"4773":8232,"4774":8233,"4775":8234,"4776":8236,"4777":8237,"4778":8238,"4779":8239,"4780":8240,"4781":8240,"4782":8241,"4783":8242,"4784":8243,"4785":8244,"4786":8244,"4787":8245,"4788":8245,"4789":8246,"4790":8247,"4791":8248,"4792":8250,"4793":8250,"4794":8251,"4795":8252,"4796":8252,"4797":8254,"4798":8255,"4799":8256,"4800":8257,"4801":8258,"4802":8259,"4803":8260,"4804":8260,"4805":8261,"4806":8262,"4807":8264,"4808":8264,"4809":8266,"4810":8266,"4811":8267,"4812":8267,"4813":8267,"4814":8268,"4815":8269,"4816":8270,"4817":8270,"4818":8270,"4819":8271,"4820":8271,"4821":8272,"4822":8273,"4823":8273,"4824":8274,"4825":8274,"4826":8274,"4827":8276,"4828":8277,"4829":8278,"4830":8279,"4831":8280,"4832":8280,"4833":8281,"4834":8282,"4835":8283,"4836":8284,"4837":8285,"4838":8285,"4839":8286,"4840":8286,"4841":8287,"4842":8288,"4843":8290,"4844":8291,"4845":8291,"4846":8292,"4847":8293,"4848":8294,"4849":8295,"4850":8295,"4851":8296,"4852":8297,"4853":8297,"4854":8298,"4855":8299,"4856":8300,"4857":8300,"4858":8301,"4859":8301,"4860":8302,"4861":8303,"4862":8306,"4863":8306,"4864":8307,"4865":8307,"4866":8308,"4867":8309,"4868":8309,"4869":8310,"4870":8310,"4871":8311,"4872":8312,"4873":8312,"4874":8313,"4875":8314,"4876":8314,"4877":8314,"4878":8315,"4879":8316,"4880":8316,"4881":8317,"4882":8318,"4883":8319,"4884":8320,"4885":8321,"4886":8321,"4887":8321,"4888":8323,"4889":8324,"4890":8325,"4891":8325,"4892":8326,"4893":8328,"4894":8328,"4895":8329,"4896":8330,"4897":8331,"4898":8332,"4899":8335,"4900":8336,"4901":8337,"4902":8338,"4903":8339,"4904":8340,"4905":8342,"4906":8343,"4907":8344,"4908":8344,"4909":8345,"4910":8346,"4911":8347,"4912":8347,"4913":8348,"4914":8349,"4915":8349,"4916":8350,"4917":8351,"4918":8352,"4919":8353,"4920":8353,"4921":8354,"4922":8356,"4923":8357,"4924":8357,"4925":8357,"4926":8357,"4927":8357,"4928":8360,"4929":8361,"4930":8361,"4931":8362,"4932":8363,"4933":8363,"4934":8363,"4935":8365,"4936":8366,"4937":8366,"4938":8367,"4939":8368,"4940":8368,"4941":8369,"4942":8370,"4943":8371,"4944":8372,"4945":8373,"4946":8374,"4947":8375,"4948":8375,"4949":8376,"4950":8377,"4951":8378,"4952":8378,"4953":8379,"4954":8380,"4955":8380,"4956":8381,"4957":8383,"4958":8384,"4959":8385,"4960":8385,"4961":8386,"4962":8387,"4963":8388,"4964":8390,"4965":8390,"4966":8392,"4967":8395,"4968":8396,"4969":8398,"4970":8399,"4971":8401,"4972":8402,"4973":8403,"4974":8404,"4975":8405,"4976":8406,"4977":8406,"4978":8407,"4979":8408,"4980":8408,"4981":8409,"4982":8409,"4983":8410,"4984":8411,"4985":8412,"4986":8412,"4987":8414,"4988":8415,"4989":8415,"4990":8417,"4991":8417,"4992":8418,"4993":8419,"4994":8420,"4995":8422,"4996":8422,"4997":8424,"4998":8426,"4999":8426,"5000":8427,"5001":8428,"5002":8428,"5003":8428,"5004":8429,"5005":8430,"5006":8431,"5007":8431,"5008":8432,"5009":8433,"5010":8435,"5011":8435,"5012":8436,"5013":8438,"5014":8438,"5015":8439,"5016":8440,"5017":8440,"5018":8441,"5019":8442,"5020":8443,"5021":8444,"5022":8445,"5023":8446,"5024":8447,"5025":8448,"5026":8449,"5027":8449,"5028":8450,"5029":8451,"5030":8451,"5031":8452,"5032":8454,"5033":8454,"5034":8455,"5035":8456,"5036":8456,"5037":8457,"5038":8458,"5039":8459,"5040":8461,"5041":8464,"5042":8465,"5043":8466,"5044":8466,"5045":8467,"5046":8468,"5047":8469,"5048":8470,"5049":8470,"5050":8471,"5051":8472,"5052":8472,"5053":8473,"5054":8474,"5055":8475,"5056":8475,"5057":8476,"5058":8477,"5059":8477,"5060":8478,"5061":8479,"5062":8480,"5063":8481,"5064":8483,"5065":8484,"5066":8486,"5067":8487,"5068":8487,"5069":8488,"5070":8490,"5071":8490,"5072":8493,"5073":8493,"5074":8494,"5075":8496,"5076":8497,"5077":8499,"5078":8499,"5079":8502,"5080":8504,"5081":8504,"5082":8507,"5083":8507,"5084":8508,"5085":8509,"5086":8510,"5087":8510,"5088":8511,"5089":8512,"5090":8512,"5091":8514,"5092":8515,"5093":8516,"5094":8516,"5095":8517,"5096":8518,"5097":8519,"5098":8520,"5099":8521,"5100":8522,"5101":8522,"5102":8523,"5103":8524,"5104":8524,"5105":8526,"5106":8526,"5107":8527,"5108":8528,"5109":8529,"5110":8530,"5111":8531,"5112":8532,"5113":8533,"5114":8535,"5115":8536,"5116":8537,"5117":8538,"5118":8539,"5119":8539,"5120":8540,"5121":8540,"5122":8541,"5123":8541,"5124":8542,"5125":8543,"5126":8543,"5127":8544,"5128":8545,"5129":8546,"5130":8546,"5131":8548,"5132":8548,"5133":8548,"5134":8549,"5135":8549,"5136":8550,"5137":8552,"5138":8552,"5139":8553,"5140":8554,"5141":8556,"5142":8557,"5143":8558,"5144":8558,"5145":8559,"5146":8561,"5147":8561,"5148":8562,"5149":8562,"5150":8563,"5151":8565,"5152":8565,"5153":8566,"5154":8567,"5155":8568,"5156":8569,"5157":8570,"5158":8572,"5159":8573,"5160":8575,"5161":8575,"5162":8575,"5163":8576,"5164":8577,"5165":8578,"5166":8579,"5167":8580,"5168":8581,"5169":8582,"5170":8582,"5171":8583,"5172":8584,"5173":8586,"5174":8586,"5175":8590,"5176":8590,"5177":8591,"5178":8591,"5179":8592,"5180":8592,"5181":8594,"5182":8595,"5183":8595,"5184":8596,"5185":8596,"5186":8599,"5187":8600,"5188":8600,"5189":8602,"5190":8602,"5191":8603,"5192":8604,"5193":8606,"5194":8607,"5195":8607,"5196":8608,"5197":8610,"5198":8610,"5199":8611,"5200":8612,"5201":8613,"5202":8613,"5203":8614,"5204":8614,"5205":8615,"5206":8616,"5207":8618,"5208":8619,"5209":8620,"5210":8621,"5211":8623,"5212":8624,"5213":8624,"5214":8624,"5215":8627,"5216":8627,"5217":8630,"5218":8631,"5219":8632,"5220":8633,"5221":8634,"5222":8635,"5223":8635,"5224":8636,"5225":8637,"5226":8639,"5227":8639,"5228":8640,"5229":8641,"5230":8642,"5231":8644,"5232":8645,"5233":8645,"5234":8647,"5235":8649,"5236":8650,"5237":8651,"5238":8652,"5239":8654,"5240":8655,"5241":8655,"5242":8656,"5243":8657,"5244":8658,"5245":8659,"5246":8660,"5247":8660,"5248":8661,"5249":8662,"5250":8663,"5251":8664,"5252":8665,"5253":8666,"5254":8666,"5255":8666,"5256":8667,"5257":8668,"5258":8669,"5259":8670,"5260":8670,"5261":8671,"5262":8672,"5263":8672,"5264":8673,"5265":8676,"5266":8678,"5267":8678,"5268":8679,"5269":8681,"5270":8681,"5271":8684,"5272":8686,"5273":8687,"5274":8688},"number_max":5274,"number_pages":{"163":1,"166":2,"169":3,"173":4,"176":5,"178":6,"181":7,"189":8,"192":9,"197":10,"198":11,"201":12,"204":13,"208":14,"211":15,"217":16,"221":17,"224":18,"227":19,"232":20,"237":21,"239":22,"244":23,"248":24,"251":25,"253":26,"255":27,"259":28,"261":29,"263":30,"266":31,"270":32,"272":33,"273":34,"274":35,"282":36,"287":37,"289":38,"290":39,"292":40,"295":41,"297":42,"302":43,"304":44,"306":45,"313":46,"317":47,"318":48,"324":49,"328":50,"330":51,"332":52,"339":53,"347":54,"348":55,"349":56,"350":57,"355":58,"356":59,"362":60,"363":61,"372":62,"375":63,"383":64,"385":65,"387":66,"392":67,"397":68,"400":69,"402":70,"406":71,"412":72,"413":73,"416":74,"419":75,"427":76,"430":77,"432":78,"435":80,"437":81,"439":82,"442":83,"448":84,"454":85,"457":86,"458":87,"461":88,"465":89,"469":90,"471":91,"474":92,"476":93,"478":94,"480":95,"484":96,"488":97,"491":98,"492":99,"493":100,"495":101,"498":102,"500":103,"503":104,"504":105,"506":106,"512":107,"515":108,"521":109,"524":110,"525":111,"528":112,"529":113,"531":114,"533":115,"536":116,"538":117,"549":118,"555":119,"556":120,"558":121,"562":122,"563":123,"564":124,"568":126,"572":127,"573":128,"575":129,"576":131,"579":132,"583":133,"586":134,"591":135,"598":136,"599":137,"605":138,"606":139,"607":141,"609":142,"618":143,"619":144,"622":145,"624":146,"628":147,"631":148,"637":149,"643":150,"647":151,"649":152,"651":153,"654":154,"656":155,"659":156,"661":157,"667":158,"672":159,"678":160,"684":161,"686":162,"688":163,"689":164,"692":165,"702":166,"706":167,"707":168,"708":169,"715":170,"717":171,"720":172,"722":173,"726":175,"730":176,"733":177,"736":178,"742":179,"743":180,"750":181,"755":182,"761":184,"771":185,"775":186,"779":188,"782":190,"783":191,"785":192,"789":193,"792":194,"793":195,"798":196,"801":197,"803":198,"823":199,"824":200,"826":201,"827":202,"834":203,"838":204,"842":205,"843":206,"853":207,"855":208,"857":209,"859":210,"863":211,"865":212,"867":213,"870":214,"872":215,"874":216,"875":217,"877":218,"881":219,"883":220,"884":221,"886":223,"888":224,"890":225,"899":226,"902":227,"904":228,"905":229,"907":230,"909":231,"910":232,"915":233,"920":234,"923":235,"928":236,"931":237,"938":238,"947":239,"949":240,"951":241,"953":242,"956":243,"959":245,"963":246,"965":247,"967":248,"970":249,"972":250,"973":251,"976":252,"978":253,"979":254,"980":255,"983":256,"987":257,"988":258,"992":259,"994":261,"997":262,"1000":263,"1001":264,"1004":265,"1008":266,"1011":267,"1012":268,"1013":269,"1016":270,"1019":271,"1020":272,"1021":273,"1024":274,"1027":276,"1028":277,"1029":278,"1032":279,"1035":280,"1036":281,"1050":282,"1051":283,"1053":284,"1054":285,"1060":286,"1065":287,"1080":288,"1082":290,"1084":291,"1086":292,"1089":293,"1094":294,"1096":295,"1097":296,"1100":297,"1104":298,"1105":299,"1108":300,"1118":301,"1124":302,"1125":304,"1128":305,"1129":306,"1130":307,"1131":308,"1133":309,"1135":310,"1136":311,"1141":312,"1143":313,"1146":314,"1150":315,"1151":316,"1153":317,"1158":318,"1160":319,"1161":320,"1168":321,"1192":322,"1195":323,"1196":324,"1198":325,"1199":326,"1201":327,"1203":328,"1204":329,"1207":330,"1212":331,"1214":332,"1217":333,"1223":334,"1226":335,"1230":336,"1234":337,"1237":338,"1241":339,"1242":340,"1246":341,"1248":342,"1249":343,"1251":344,"1254":345,"1256":346,"1257":347,"1258":348,"1260":349,"1261":351,"1264":352,"1265":353,"1267":354,"1268":355,"1272":356,"1274":357,"1275":358,"1276":359,"1278":360,"1280":361,"1281":363,"1283":365,"1284":366,"1286":367,"1287":368,"1289":369,"1290":370,"1291":371,"1293":372,"1294":373,"1297":374,"1301":375,"1302":376,"1305":378,"1306":379,"1307":380,"1314":381,"1316":382,"1318":383,"1319":384,"1321":385,"1324":386,"1325":387,"1327":388,"1329":389,"1330":390,"1337":391,"1341":392,"1342":393,"1353":394,"1363":395,"1369":396,"1372":397,"1375":398,"1381":399,"1382":400,"1385":401,"1389":403,"1390":405,"1391":406,"1392":408,"1395":409,"1400":410,"1401":411,"1403":412,"1408":413,"1410":414,"1412":416,"1413":417,"1414":418,"1415":419,"1417":420,"1419":421,"1420":422,"1422":423,"1425":424,"1428":425,"1433":426,"1436":427,"1438":428,"1441":429,"1443":430,"1448":431,"1450":432,"1452":433,"1461":434,"1464":435,"1470":436,"1475":437,"1476":439,"1477":440,"1478":441,"1480":442,"1481":443,"1484":445,"1486":446,"1491":448,"1493":449,"1496":450,"1498":451,"1502":452,"1504":453,"1505":454,"1507":455,"1509":456,"1511":458,"1514":459,"1517":460,"1518":461,"1519":463,"1521":464,"1523":465,"1525":466,"1526":467,"1527":468,"1528":469,"1529":470,"1531":471,"1533":473,"1535":475,"1536":476,"1538":477,"1540":478,"1542":479,"1545":480,"1547":481,"1548":483,"1550":484,"1552":485,"1553":487,"1555":488,"1556":489,"1557":490,"1560":491,"1563":492,"1565":493,"1566":494,"1567":495,"1569":496,"1574":497,"1584":498,"1587":499,"1592":500,"1596":501,"1598":502,"1599":503,"1602":504,"1614":505,"1624":506,"1630":507,"1631":508,"1633":509,"1634":510,"1638":511,"1641":512,"1643":513,"1646":514,"1647":515,"1650":516,"1651":517,"1653":518,"1657":519,"1659":520,"1661":521,"1663":523,"1665":524,"1666":525,"1668":526,"1670":527,"1671":528,"1674":529,"1677":530,"1680":531,"1685":532,"1687":533,"1689":534,"1691":535,"1693":536,"1694":537,"1698":538,"1699":539,"1700":540,"1702":541,"1704":542,"1705":543,"1706":544,"1707":545,"1709":546,"1711":547,"1713":548,"1715":549,"1717":550,"1719":551,"1721":552,"1723":553,"1725":554,"1727":555,"1729":556,"1732":557,"1735":558,"1738":559,"1739":560,"1743":561,"1745":562,"1746":563,"1748":565,"1749":566,"1750":567,"1751":568,"1752":569,"1753":570,"1758":571,"1764":572,"1769":573,"1770":574,"1773":575,"1774":576,"1776":577,"1778":578,"1779":579,"1781":580,"1784":581,"1785":582,"1786":583,"1790":584,"1791":585,"1793":586,"1795":587,"1797":588,"1798":589,"1801":590,"1805":591,"1807":592,"1809":593,"1810":594,"1812":595,"1813":596,"1815":597,"1816":598,"1829":599,"1833":600,"1834":601,"1836":602,"1848":603,"1849":604,"1850":605,"1851":606,"1853":607,"1856":608,"1857":609,"1858":610,"1861":611,"1864":612,"1865":613,"1866":614,"1868":615,"1872":616,"1877":617,"1878":618,"1880":619,"1882":620,"1884":621,"1886":622,"1888":623,"1889":624,"1890":626,"1891":627,"1892":628,"1894":629,"1895":630,"1896":631,"1898":632,"1901":633,"1903":634,"1905":635,"1906":636,"1907":637,"1909":638,"1912":639,"1914":640,"1915":641,"1918":642,"1920":643,"1921":644,"1923":645,"1924":646,"1925":647,"1927":648,"1929":651,"1930":652,"1932":653,"1933":654,"1934":655,"1936":657,"1937":658,"1938":664,"1939":665,"1946":666,"1947":667,"1948":668,"1949":670,"1950":671,"1954":672,"1955":673,"1956":674,"1957":675,"1959":676,"1960":678,"1961":679,"1962":680,"1965":681,"1966":682,"1967":683,"1968":685,"1969":686,"1970":687,"1972":688,"1974":689,"1975":690,"1976":691,"1978":692,"1979":693,"1982":694,"1983":695,"1985":697,"1986":698,"1988":699,"1990":700,"1991":701,"1992":702,"1997":703,"1998":704,"1999":705,"2000":706,"2002":708,"2004":710,"2005":711,"2006":712,"2007":713,"2009":714,"2011":716,"2012":717,"2013":718,"2022":719,"2064":720,"2066":721,"2072":723,"2073":724,"2076":725,"2077":726,"2078":728,"2086":729,"2088":730,"2089":731,"2091":732,"2096":733,"2097":734,"2099":736,"2100":737,"2101":738,"2102":739,"2105":740,"2106":741,"2107":742,"2109":744,"2110":745,"2112":746,"2113":747,"2114":749,"2115":750,"2116":751,"2117":752,"2118":753,"2119":754,"2122":755,"2125":756,"2126":757,"2136":758,"2143":759,"2145":761,"2146":762,"2149":764,"2150":765,"2152":766,"2153":768,"2155":769,"2158":771,"2160":772,"2162":773,"2164":774,"2166":775,"2168":777,"2169":778,"2172":779,"2180":780,"2181":781,"2183":782,"2184":783,"2185":784,"2192":785,"2194":786,"2195":787,"2197":788,"2198":789,"2200":790,"2202":792,"2203":793,"2204":795,"2205":796,"2208":797,"2209":799,"2210":800,"2211":801,"2212":802,"2213":803,"2214":805,"2216":806,"2219":808,"2221":810,"2224":811,"2225":812,"2226":813,"2227":814,"2228":815,"2229":816,"2230":817,"2231":818,"2233":819,"2235":820,"2240":821,"2242":822,"2244":823,"2246":824,"2265":825,"2269":826,"2273":827,"2278":828,"2279":829,"2281":831,"2285":833,"2287":834,"2289":835,"2292":836,"2293":837,"2295":838,"2297":839,"2300":840,"2301":841,"2302":842,"2303":843,"2306":844,"2308":845,"2311":846,"2314":847,"2315":848,"2316":849,"2317":850,"2318":851,"2320":852,"2322":853,"2327":854,"2330":855,"2335":856,"2337":857,"2341":858,"2343":859,"2344":860,"2345":861,"2348":862,"2349":863,"2353":865,"2354":866,"2356":868,"2358":869,"2360":870,"2361":871,"2362":872,"2363":873,"2365":874,"2367":875,"2368":876,"2369":877,"2370":878,"2371":879,"2373":880,"2374":881,"2375":882,"2376":884,"2377":885,"2378":886,"2380":887,"2382":888,"2383":889,"2386":891,"2387":893,"2388":895,"2389":896,"2390":897,"2391":898,"2392":900,"2394":901,"2397":902,"2398":903,"2399":904,"2400":905,"2401":906,"2403":907,"2404":908,"2405":909,"2406":910,"2407":911,"2408":912,"2412":913,"2413":914,"2414":915,"2415":916,"2417":917,"2418":918,"2420":919,"2421":920,"2422":921,"2424":922,"2428":923,"2432":924,"2433":925,"2435":926,"2437":927,"2439":928,"2440":929,"2442":930,"2447":931,"2450":932,"2466":934,"2467":935,"2469":936,"2471":937,"2472":938,"2476":939,"2477":940,"2480":942,"2481":943,"2482":944,"2485":946,"2486":947,"2488":948,"2492":949,"2494":950,"2497":951,"2498":952,"2500":953,"2501":954,"2502":955,"2503":956,"2505":957,"2507":958,"2508":959,"2509":962,"2510":963,"2513":964,"2514":966,"2517":967,"2518":968,"2526":969,"2529":970,"2535":971,"2536":972,"2539":973,"2540":974,"2541":975,"2545":976,"2547":977,"2548":978,"2549":979,"2550":980,"2551":981,"2552":982,"2555":983,"2556":984,"2557":985,"2559":986,"2560":987,"2563":988,"2564":989,"2565":990,"2566":991,"2570":992,"2573":993,"2575":994,"2576":995,"2577":996,"2586":997,"2588":998,"2592":1000,"2593":1001,"2594":1002,"2596":1003,"2597":1004,"2598":1005,"2599":1006,"2601":1007,"2605":1008,"2625":1009,"2629":1010,"2630":1011,"2632":1012,"2634":1013,"2637":1014,"2638":1015,"2640":1017,"2641":1018,"2645":1019,"2647":1020,"2650":1021,"2653":1022,"2654":1023,"2656":1024,"2663":1026,"2665":1027,"2668":1028,"2670":1029,"2672":1030,"2673":1032,"2674":1033,"2676":1034,"2677":1035,"2678":1036,"2683":1037,"2688":1038,"2690":1039,"2692":1040,"2693":1041,"2694":1042,"2695":1043,"2696":1044,"2697":1045,"2707":1046,"2714":1047,"2716":1048,"2717":1049,"2724":1050,"2725":1051,"2729":1052,"2730":1053,"2732":1054,"2734":1055,"2739":1056,"2742":1057,"2743":1058,"2744":1059,"2746":1060,"2747":1061,"2748":1062,"2749":1063,"2750":1064,"2751":1066,"2755":1067,"2758":1068,"2769":1069,"2771":1070,"2772":1071,"2773":1072,"2774":1073,"2777":1074,"2778":1075,"2781":1076,"2785":1077,"2786":1078,"2790":1079,"2796":1080,"2799":1081,"2800":1083,"2805":1084,"2806":1086,"2809":1087,"2810":1088,"2811":1089,"2812":1090,"2813":1091,"2814":1093,"2818":1094,"2819":1095,"2820":1096,"2823":1097,"2825":1098,"2826":1099,"2829":1100,"2832":1101,"2833":1102,"2834":1103,"2835":1104,"2836":1105,"2838":1106,"2839":1107,"2840":1108,"2844":1109,"2847":1110,"2848":1111,"2853":1112,"2856":1113,"2858":1114,"2860":1115,"2861":1116,"2862":1117,"2876":1118,"2880":1119,"2881":1120,"2883":1121,"2885":1122,"2886":1123,"2887":1124,"2888":1125,"2889":1126,"2892":1128,"2894":1129,"2896":1130,"2897":1131,"2898":1132,"2899":1133,"2901":1134,"2903":1135,"2906":1136,"2907":1137,"2909":1138,"2911":1139,"2914":1140,"2916":1141,"2918":1142,"2920":1143,"2921":1145,"2923":1146,"2925":1148,"2926":1149,"2927":1151,"2928":1152,"2938":1153,"2944":1154,"2945":1155,"2946":1156,"2947":1157,"2950":1158,"2953":1159,"2954":1160,"2957":1161,"2961":1162,"2963":1163,"2964":1164,"2965":1166,"2967":1167,"2973":1168,"2975":1169,"2977":1170,"2978":1172,"2979":1173,"2984":1174,"2986":1175,"2987":1176,"2989":1177,"2997":1178,"2999":1179,"3001":1180,"3002":1181,"3003":1182,"3005":1184,"3011":1185,"3012":1186,"3014":1187,"3016":1188,"3017":1190,"3018":1191,"3019":1192,"3020":1193,"3023":1194,"3025":1195,"3026":1196,"3028":1197,"3030":1198,"3037":1199,"3038":1200,"3041":1201,"3042":1202,"3043":1203,"3045":1204,"3046":1205,"3055":1206,"3056":1207,"3058":1208,"3060":1209,"3061":1210,"3064":1211,"3066":1212,"3067":1213,"3068":1214,"3069":1215,"3070":1216,"3071":1217,"3073":1218,"3074":1219,"3075":1220,"3077":1221,"3078":1222,"3079":1223,"3082":1224,"3085":1225,"3086":1227,"3087":1228,"3088":1229,"3089":1230,"3091":1231,"3093":1233,"3094":1234,"3096":1235,"3101":1236,"3108":1237,"3112":1238,"3117":1239,"3120":1240,"3122":1241,"3124":1242,"3126":1243,"3130":1244,"3132":1245,"3135":1246,"3140":1247,"3141":1248,"3145":1249,"3150":1251,"3153":1252,"3154":1254,"3155":1255,"3156":1256,"3157":1257,"3159":1258,"3161":1260,"3163":1261,"3168":1262,"3171":1264,"3173":1265,"3174":1266,"3179":1267,"3182":1268,"3185":1269,"3187":1270,"3188":1271,"3189":1273,"3195":1274,"3196":1276,"3197":1277,"3200":1278,"3201":1279,"3202":1280,"3203":1281,"3206":1283,"3209":1284,"3210":1285,"3213":1286,"3214":1287,"3215":1288,"3216":1289,"3217":1290,"3218":1291,"3219":1292,"3220":1293,"3221":1294,"3222":1295,"3224":1296,"3227":1297,"3231":1298,"3235":1299,"3238":1300,"3240":1301,"3241":1302,"3242":1303,"3244":1304,"3246":1306,"3249":1308,"3250":1309,"3251":1310,"3253":1312,"3255":1313,"3256":1314,"3257":1315,"3259":1316,"3260":1317,"3261":1319,"3262":1320,"3264":1321,"3265":1322,"3266":1323,"3267":1324,"3268":1325,"3271":1326,"3272":1327,"3273":1328,"3274":1329,"3276":1330,"3277":1331,"3280":1332,"3281":1333,"3285":1335,"3286":1336,"3287":1337,"3288":1338,"3289":1339,"3290":1340,"3291":1341,"3294":1342,"3301":1343,"3302":1344,"3303":1346,"3305":1347,"3306":1349,"3307":1351,"3308":1352,"3314":1353,"3316":1354,"3317":1355,"3319":1356,"3320":1357,"3321":1358,"3323":1360,"3324":1361,"3325":1362,"3326":1363,"3327":1364,"3328":1365,"3329":1366,"3330":1367,"3333":1369,"3334":1370,"3340":1371,"3342":1372,"3343":1373,"3348":1374,"3349":1375,"3351":1376,"3352":1377,"3363":1378,"3364":1379,"3366":1380,"3367":1381,"3368":1382,"3369":1383,"3372":1384,"3373":1385,"3374":1386,"3375":1387,"3376":1388,"3378":1390,"3379":1391,"3380":1392,"3381":1393,"3385":1394,"3386":1395,"3387":1396,"3389":1397,"3391":1398,"3392":1399,"3394":1400,"3398":1401,"3400":1402,"3401":1403,"3403":1404,"3404":1405,"3405":1406,"3410":1408,"3411":1409,"3413":1410,"3414":1411,"3416":1413,"3418":1414,"3419":1415,"3426":1416,"3427":1417,"3428":1418,"3431":1419,"3433":1420,"3436":1421,"3437":1422,"3441":1423,"3442":1424,"3443":1425,"3447":1426,"3448":1427,"3455":1428,"3456":1429,"3458":1430,"3459":1431,"3464":1432,"3465":1433,"3466":1434,"3467":1435,"3469":1437,"3470":1438,"3472":1439,"3478":1440,"3480":1441,"3481":1442,"3484":1443,"3485":1446,"3486":1447,"3489":1448,"3490":1449,"3492":1450,"3493":1451,"3494":1452,"3495":1454,"3497":1456,"3500":1457,"3501":1458,"3505":1459,"3506":1460,"3507":1463,"3510":1465,"3512":1466,"3516":1467,"3517":1468,"3518":1469,"3521":1471,"3523":1475,"3524":1476,"3532":1477,"3534":1478,"3535":1479,"3536":1480,"3539":1481,"3540":1482,"3541":1483,"3542":1484,"3543":1485,"3547":1486,"3550":1487,"3551":1489,"3552":1490,"3553":1492,"3554":1493,"3556":1495,"3558":1496,"3561":1497,"3562":1498,"3563":1500,"3566":1501,"3568":1503,"3571":1506,"3573":1507,"3576":1508,"3577":1509,"3578":1510,"3581":1512,"3582":1513,"3583":1514,"3585":1515,"3586":1517,"3588":1518,"3589":1519,"3591":1520,"3592":1521,"3594":1522,"3595":1524,"3596":1525,"3597":1526,"3599":1528,"3600":1529,"3601":1531,"3602":1532,"3603":1533,"3604":1534,"3606":1536,"3607":1537,"3608":1538,"3613":1539,"3614":1540,"3615":1541,"3616":1542,"3617":1544,"3618":1545,"3619":1546,"3620":1547,"3621":1548,"3622":1550,"3623":1551,"3624":1552,"3626":1553,"3627":1555,"3633":1556,"3642":1557,"3645":1558,"3648":1559,"3649":1560,"3650":1561,"3652":1562,"3656":1563,"3659":1564,"3660":1565,"3662":1566,"3664":1567,"3685":1568,"3690":1569,"3691":1570,"3694":1571,"3695":1572,"3699":1573,"3701":1574,"3704":1575,"3706":1576,"3708":1578,"3710":1579,"3712":1580,"3713":1581,"3717":1582,"3720":1583,"3722":1584,"3724":1585,"3726":1586,"3727":1587,"3728":1588,"3730":1589,"3732":1590,"3737":1591,"3738":1592,"3739":1593,"3740":1594,"3741":1595,"3742":1596,"3746":1598,"3747":1599,"3748":1600,"3751":1601,"3752":1603,"3754":1605,"3757":1606,"3762":1607,"3763":1608,"3765":1609,"3768":1610,"3770":1611,"3773":1612,"3775":1613,"3776":1614,"3777":1615,"3778":1616,"3781":1617,"3782":1618,"3783":1619,"3786":1620,"3788":1622,"3790":1623,"3793":1624,"3794":1625,"3795":1626,"3799":1627,"3801":1628,"3802":1629,"3806":1630,"3810":1631,"3811":1632,"3813":1633,"3814":1634,"3817":1635,"3820":1636,"3821":1637,"3822":1638,"3824":1640,"3827":1641,"3829":1642,"3831":1644,"3833":1645,"3834":1646,"3835":1647,"3837":1648,"3838":1649,"3839":1650,"3842":1652,"3843":1654,"3844":1655,"3845":1656,"3846":1657,"3847":1658,"3850":1659,"3851":1660,"3852":1661,"3853":1663,"3854":1664,"3857":1665,"3858":1666,"3859":1667,"3860":1668,"3862":1669,"3865":1670,"3867":1671,"3869":1672,"3870":1673,"3872":1675,"3873":1676,"3874":1677,"3875":1678,"3876":1679,"3877":1681,"3878":1682,"3879":1683,"3883":1684,"3884":1685,"3886":1686,"3888":1688,"3890":1689,"3893":1690,"3894":1691,"3896":1693,"3897":1694,"3898":1695,"3900":1697,"3901":1698,"3902":1699,"3903":1700,"3907":1701,"3914":1702,"3916":1703,"3917":1704,"3921":1705,"3923":1706,"3924":1707,"3925":1708,"3928":1709,"3931":1710,"3934":1711,"3935":1713,"3936":1714,"3941":1715,"3942":1716,"3944":1717,"3947":1718,"3948":1719,"3950":1720,"3960":1721,"3962":1722,"3965":1723,"3970":1724,"3972":1727,"3973":1729,"3975":1730,"3976":1731,"3977":1732,"3979":1733,"3981":1734,"3983":1735,"3984":1736,"3987":1737,"3989":1738,"3994":1739,"3996":1740,"3997":1741,"3999":1742,"4000":1743,"4001":1744,"4004":1746,"4006":1748,"4009":1749,"4011":1751,"4013":1752,"4016":1753,"4017":1755,"4019":1756,"4021":1757,"4023":1758,"4024":1760,"4025":1761,"4027":1762,"4028":1763,"4031":1764,"4033":1765,"4034":1766,"4036":1767,"4038":1768,"4039":1769,"4040":1770,"4043":1771,"4044":1772,"4047":1773,"4048":1775,"4049":1776,"4051":1777,"4054":1778,"4058":1779,"4059":1781,"4065":1782,"4067":1783,"4068":1784,"4069":1785,"4071":1786,"4072":1787,"4073":1788,"4076":1789,"4078":1790,"4081":1791,"4083":1792,"4084":1793,"4085":1794,"4087":1795,"4088":1796,"4089":1797,"4091":1799,"4094":1800,"4096":1801,"4097":1802,"4098":1803,"4099":1804,"4100":1805,"4103":1806,"4104":1807,"4105":1808,"4106":1809,"4110":1810,"4111":1811,"4114":1812,"4119":1813,"4120":1814,"4122":1815,"4123":1816,"4124":1817,"4125":1818,"4128":1819,"4131":1820,"4132":1821,"4133":1822,"4134":1823,"4137":1824,"4138":1825,"4143":1827,"4147":1829,"4149":1830,"4150":1831,"4151":1832,"4152":1833,"4154":1834,"4156":1835,"4157":1836,"4158":1838,"4159":1839,"4160":1840,"4163":1841,"4165":1842,"4166":1843,"4178":1844,"4179":1846,"4182":1847,"4183":1848,"4185":1849,"4188":1851,"4193":1852,"4197":1853,"4198":1855,"4201":1856,"4204":1857,"4205":1858,"4207":1859,"4208":1860,"4210":1861,"4212":1862,"4216":1864,"4218":1865,"4219":1866,"4221":1867,"4222":1868,"4225":1870,"4229":1871,"4230":1872,"4232":1873,"4234":1874,"4236":1875,"4237":1877,"4241":1878,"4243":1879,"4244":1880,"4245":1882,"4247":1884,"4249":1885,"4251":1886,"4253":1887,"4254":1888,"4255":1890,"4256":1892,"4257":1893,"4258":1894,"4260":1895,"4261":1896,"4263":1897,"4267":1898,"4269":1899,"4270":1900,"4272":1901,"4275":1903,"4276":1904,"4278":1905,"4315":1906,"4316":1907,"4317":1909,"4319":1910,"4321":1911,"4322":1912,"4323":1913,"4325":1914,"4328":1915,"4329":1916,"4330":1917,"4331":1919,"4334":1920,"4336":1921,"4340":1922,"4343":1924,"4344":1925,"4346":1927,"4347":1928,"4348":1930,"4349":1932,"4350":1933,"4351":1934,"4352":1935,"4353":1937,"4354":1938,"4355":1940,"4359":1941,"4360":1942,"4361":1943,"4363":1944,"4365":1945,"4366":1946,"4367":1947,"4369":1948,"4370":1949,"4373":1950,"4375":1951,"4376":1952,"4377":1953,"4379":1955,"4380":1956,"4381":1957,"4384":1958,"4385":1959,"4386":1960,"4389":1961,"4390":1964,"4391":1965,"4392":1966,"4394":1967,"4395":1969,"4396":1971,"4397":1972,"4398":1973,"4401":1974,"4402":1975,"4404":1977,"4405":1978,"4406":1979,"4409":1981,"4414":1983,"4418":1984,"4420":1985,"4424":1986,"4425":1987,"4426":1988,"4428":1989,"4432":1990,"4434":1991,"4436":1993,"4437":1994,"4439":1995,"4441":1996,"4443":1997,"4444":1998,"4445":1999,"4448":2000,"4450":2001,"4451":2002,"4452":2003,"4454":2004,"4456":2005,"4457":2006,"4459":2007,"4462":2009,"4463":2010,"4466":2011,"4467":2013,"4468":2014,"4470":2015,"4472":2016,"4475":2017,"4481":2018,"4482":2019,"4483":2020,"4484":2021,"4485":2022,"4488":2023,"4490":2025,"4491":2027,"4493":2028,"4495":2029,"4496":2030,"4498":2031,"4499":2032,"4502":2033,"4508":2034,"4513":2035,"4514":2036,"4515":2037,"4517":2038,"4518":2039,"4519":2040,"4520":2041,"4521":2042,"4523":2043,"4525":2045,"4531":2046,"4534":2047,"4535":2048,"4536":2049,"4539":2050,"4540":2051,"4546":2052,"4547":2053,"4549":2054,"4552":2055,"4554":2056,"4557":2057,"4560":2058,"4562":2059,"4563":2060,"4564":2061,"4573":2062,"4574":2063,"4575":2064,"4576":2065,"4577":2066,"4578":2067,"4579":2068,"4584":2069,"4588":2071,"4591":2072,"4592":2073,"4593":2075,"4595":2076,"4599":2078,"4600":2079,"4602":2080,"4604":2082,"4607":2083,"4608":2085,"4615":2086,"4617":2087,"4620":2088,"4622":2089,"4624":2090,"4626":2091,"4627":2092,"4628":2093,"4630":2094,"4631":2096,"4632":2097,"4634":2098,"4638":2099,"4639":2100,"4641":2101,"4648":2102,"4650":2103,"4654":2104,"4655":2105,"4656":2106,"4658":2107,"4659":2108,"4660":2109,"4667":2110,"4670":2111,"4673":2112,"4674":2113,"4676":2115,"4677":2116,"4680":2117,"4683":2118,"4686":2119,"4687":2120,"4689":2121,"4691":2122,"4694":2123,"4695":2124,"4696":2125,"4697":2126,"4698":2129,"4700":2131,"4704":2133,"4706":2135,"4708":2136,"4710":2137,"4711":2138,"4713":2139,"4715":2140,"4717":2141,"4718":2142,"4720":2143,"4721":2144,"4723":2145,"4724":2146,"4726":2147,"4727":2148,"4728":2149,"4729":2150,"4730":2152,"4733":2154,"4734":2155,"4737":2156,"4739":2158,"4740":2159,"4741":2160,"4742":2161,"4744":2162,"4746":2163,"4747":2164,"4750":2165,"4753":2166,"4754":2167,"4755":2169,"4756":2170,"4757":2171,"4760":2172,"4762":2173,"4764":2174,"4773":2175,"4774":2176,"4776":2177,"4777":2178,"4781":2179,"4784":2180,"4785":2181,"4786":2183,"4787":2184,"4789":2185,"4794":2186,"4796":2187,"4803":2188,"4804":2189,"4807":2190,"4809":2191,"4815":2192,"4817":2193,"4819":2194,"4822":2195,"4824":2196,"4830":2197,"4832":2198,"4835":2199,"4837":2200,"4840":2201,"4842":2202,"4844":2203,"4847":2204,"4852":2206,"4854":2207,"4855":2208,"4857":2209,"4858":2210,"4860":2211,"4861":2212,"4868":2213,"4872":2214,"4875":2215,"4879":2216,"4883":2217,"4884":2219,"4885":2220,"4887":2221,"4888":2222,"4889":2223,"4890":2224,"4892":2225,"4893":2227,"4895":2228,"4896":2229,"4897":2230,"4900":2231,"4901":2234,"4902":2235,"4904":2236,"4906":2237,"4908":2238,"4909":2239,"4911":2240,"4915":2241,"4920":2242,"4921":2243,"4922":2244,"4927":2245,"4933":2247,"4934":2248,"4935":2249,"4936":2250,"4937":2251,"4938":2252,"4939":2253,"4942":2254,"4944":2255,"4945":2256,"4950":2257,"4951":2258,"4952":2260,"4954":2261,"4955":2263,"4956":2264,"4958":2265,"4960":2266,"4961":2267,"4962":2268,"4966":2269,"4969":2270,"4970":2271,"4971":2272,"4975":2273,"4976":2274,"4977":2275,"4980":2276,"4983":2277,"4986":2278,"4989":2279,"4990":2280,"4992":2281,"4994":2282,"4995":2283,"4996":2284,"5008":2286,"5009":2287,"5011":2289,"5013":2290,"5020":2291,"5023":2292,"5024":2294,"5025":2295,"5026":2296,"5027":2297,"5030":2298,"5031":2299,"5036":2300,"5039":2301,"5043":2302,"5046":2303,"5048":2305,"5051":2306,"5056":2308,"5058":2309,"5059":2310,"5061":2311,"5062":2312,"5066":2313,"5067":2314,"5070":2315,"5071":2316,"5076":2317,"5078":2318,"5081":2319,"5083":2320,"5088":2321,"5089":2322,"5090":2323,"5092":2324,"5094":2325,"5095":2326,"5096":2327,"5099":2328,"5101":2329,"5103":2330,"5104":2333,"5108":2334,"5109":2335,"5110":2336,"5112":2337,"5114":2338,"5116":2339,"5117":2340,"5119":2341,"5120":2342,"5121":2343,"5122":2345,"5124":2346,"5125":2347,"5127":2348,"5128":2349,"5131":2350,"5133":2351,"5134":2352,"5135":2353,"5136":2354,"5138":2355,"5139":2356,"5140":2357,"5141":2358,"5142":2359,"5143":2360,"5145":2361,"5147":2362,"5148":2363,"5150":2364,"5153":2365,"5155":2366,"5156":2367,"5160":2369,"5162":2370,"5163":2371,"5164":2372,"5166":2373,"5167":2375,"5168":2376,"5170":2377,"5173":2378,"5174":2384,"5175":2385,"5183":2386,"5185":2387,"5186":2388,"5190":2389,"5191":2390,"5202":2391,"5204":2392,"5207":2393,"5208":2394,"5209":2395,"5210":2396,"5212":2397,"5213":2398,"5216":2399,"5218":2400,"5220":2401,"5221":2402,"5223":2403,"5225":2404,"5226":2405,"5227":2406,"5229":2407,"5232":2408,"5235":2409,"5236":2410,"5238":2412,"5242":2413,"5246":2415,"5248":2416,"5250":2417,"5252":2418,"5253":2419,"5256":2420,"5257":2421,"5261":2422,"5262":2423,"5263":2425,"5269":2426,"5270":2427,"5272":2428,"5276":2429,"5277":2430,"5278":2431,"5281":2432,"5283":2433,"5286":2434,"5287":2435,"5288":2436,"5292":2437,"5294":2438,"5296":2440,"5297":2441,"5300":2442,"5302":2444,"5303":2445,"5306":2446,"5308":2447,"5309":2448,"5310":2449,"5312":2450,"5314":2452,"5316":2453,"5317":2454,"5320":2455,"5323":2456,"5325":2457,"5326":2458,"5327":2459,"5331":2460,"5332":2461,"5333":2463,"5334":2464,"5340":2465,"5341":2466,"5343":2467,"5344":2468,"5345":2470,"5347":2471,"5348":2472,"5350":2473,"5352":2474,"5353":2475,"5355":2476,"5364":2477,"5365":2478,"5367":2479,"5369":2480,"5370":2481,"5373":2482,"5375":2483,"5377":2484,"5378":2485,"5379":2486,"5380":2487,"5382":2488,"5384":2489,"5385":2490,"5390":2491,"5392":2492,"5393":2493,"5394":2494,"5395":2495,"5396":2496,"5398":2497,"5400":2498,"5401":2499,"5402":2500,"5403":2501,"5407":2502,"5408":2503,"5409":2504,"5410":2505,"5411":2506,"5413":2507,"5416":2508,"5417":2509,"5418":2510,"5420":2511,"5421":2512,"5423":2513,"5425":2514,"5426":2515,"5429":2516,"5431":2517,"5432":2518,"5433":2519,"5435":2520,"5437":2521,"5439":2522,"5440":2524,"5443":2525,"5446":2526,"5447":2527,"5449":2528,"5450":2529,"5451":2530,"5452":2531,"5453":2532,"5454":2533,"5456":2534,"5457":2535,"5459":2536,"5461":2537,"5462":2538,"5464":2539,"5465":2540,"5467":2541,"5469":2542,"5470":2543,"5473":2545,"5475":2547,"5477":2548,"5478":2549,"5480":2550,"5482":2551,"5483":2552,"5486":2553,"5487":2555,"5488":2556,"5489":2558,"5490":2564,"5491":2565,"5497":2566,"5498":2567,"5500":2568,"5503":2570,"5504":2571,"5505":2572,"5506":2573,"5509":2575,"5512":2577,"5513":2579,"5516":2580,"5518":2581,"5519":2583,"5520":2584,"5524":2585,"5525":2587,"5526":2588,"5527":2589,"5528":2590,"5531":2592,"5532":2593,"5533":2594,"5534":2596,"5535":2597,"5536":2598,"5537":2600,"5540":2601,"5541":2602,"5543":2603,"5544":2604,"5545":2605,"5546":2606,"5547":2607,"5549":2609,"5550":2610,"5552":2611,"5555":2612,"5560":2613,"5561":2614,"5562":2615,"5563":2616,"5564":2617,"5565":2618,"5566":2619,"5568":2620,"5570":2622,"5572":2623,"5573":2624,"5575":2625,"5576":2627,"5578":2628,"5580":2629,"5581":2631,"5584":2632,"5585":2633,"5586":2635,"5587":2636,"5588":2637,"5589":2639,"5590":2640,"5591":2642,"5592":2643,"5593":2644,"5595":2645,"5598":2646,"5599":2647,"5601":2648,"5604":2649,"5607":2650,"5613":2651,"5614":2652,"5617":2653,"5618":2654,"5621":2655,"5623":2656,"5624":2658,"5625":2659,"5627":2660,"5632":2661,"5633":2662,"5635":2663,"5636":2664,"5637":2665,"5639":2666,"5640":2667,"5641":2668,"5642":2669,"5644":2670,"5645":2671,"5647":2672,"5648":2673,"5650":2674,"5651":2675,"5652":2676,"5657":2678,"5661":2679,"5663":2680,"5666":2681,"5668":2682,"5670":2683,"5675":2684,"5677":2685,"5678":2686,"5681":2687,"5683":2688,"5685":2689,"5688":2690,"5691":2691,"5692":2692,"5694":2693,"5697":2694,"5700":2695,"5702":2696,"5704":2697,"5706":2698,"5707":2699,"5708":2700,"5713":2702,"5715":2703,"5716":2704,"5718":2705,"5722":2706,"5725":2707,"5728":2708,"5729":2709,"5731":2710,"5732":2711,"5736":2712,"5739":2713,"5742":2714,"5743":2715,"5745":2716,"5746":2717,"5757":2718,"5759":2719,"5763":2720,"5764":2721,"5765":2722,"5766":2723,"5768":2724,"5771":2725,"5772":2726,"5776":2727,"5778":2728,"5779":2729,"5781":2731,"5782":2732,"5784":2733,"5789":2735,"5791":2736,"5797":2737,"5798":2738,"5799":2739,"5800":2740,"5804":2741,"5807":2742,"5808":2743,"5809":2744,"5810":2745,"5811":2746,"5813":2747,"5816":2748,"5817":2749,"5818":2750,"5820":2751,"5823":2752,"5829":2753,"5830":2754,"5831":2755,"5833":2757,"5834":2758,"5836":2759,"5838":2760,"5839":2761,"5841":2762,"5842":2763,"5843":2764,"5844":2765,"5851":2766,"5852":2767,"5853":2768,"5857":2769,"5858":2770,"5859":2771,"5860":2772,"5861":2773,"5863":2774,"5865":2775,"5868":2776,"5869":2777,"5870":2778,"5871":2779,"5872":2780,"5873":2781,"5874":2782,"5875":2783,"5876":2785,"5878":2786,"5881":2787,"5883":2788,"5888":2789,"5890":2790,"5891":2791,"5893":2792,"5895":2793,"5896":2795,"5897":2796,"5898":2797,"5899":2798,"5901":2799,"5902":2800,"5904":2801,"5906":2802,"5907":2803,"5910":2804,"5912":2805,"5913":2806,"5914":2807,"5915":2808,"5917":2810,"5919":2811,"5920":2812,"5924":2813,"5925":2814,"5927":2816,"5928":2817,"5929":2818,"5930":2819,"5931":2820,"5932":2821,"5938":2822,"5939":2823,"5940":2824,"5941":2825,"5945":2826,"5947":2828,"5955":2829,"5956":2830,"5958":2832,"5959":2833,"5962":2834,"5963":2835,"5964":2837,"5966":2838,"5968":2839,"5969":2841,"5970":2842,"5971":2843,"5973":2844,"5975":2845,"5976":2846,"5977":2847,"5981":2848,"5982":2849,"5984":2850,"5985":2852,"5986":2853,"5987":2854,"5988":2855,"5989":2856,"5990":2857,"5993":2858,"5994":2860,"5996":2861,"6003":2862,"6004":2863,"6006":2864,"6011":2865,"6012":2867,"6014":2868,"6015":2869,"6017":2870,"6018":2871,"6019":2872,"6020":2873,"6021":2874,"6024":2875,"6025":2876,"6026":2877,"6028":2878,"6031":2879,"6034":2880,"6038":2881,"6039":2882,"6040":2883,"6041":2884,"6043":2885,"6045":2886,"6047":2887,"6049":2889,"6050":2890,"6053":2892,"6054":2893,"6056":2894,"6058":2895,"6059":2896,"6060":2897,"6061":2898,"6062":2899,"6063":2900,"6068":2901,"6069":2902,"6071":2903,"6073":2904,"6075":2905,"6076":2906,"6077":2907,"6078":2909,"6079":2910,"6081":2911,"6082":2913,"6083":2914,"6084":2915,"6085":2917,"6088":2918,"6092":2920,"6093":2921,"6094":2922,"6095":2923,"6097":2924,"6098":2925,"6099":2927,"6102":2928,"6103":2929,"6104":2930,"6106":2931,"6107":2932,"6108":2933,"6109":2934,"6111":2935,"6113":2937,"6114":2939,"6115":2940,"6116":2941,"6117":2943,"6118":2945,"6121":2946,"6123":2947,"6124":2948,"6125":2950,"6127":2951,"6128":2953,"6129":2954,"6130":2956,"6131":2957,"6132":2958,"6133":2959,"6134":2960,"6135":2961,"6136":2962,"6137":2963,"6145":2964,"6146":2966,"6148":2967,"6151":2968,"6152":2969,"6153":2970,"6154":2971,"6155":2972,"6157":2974,"6158":2975,"6159":2976,"6160":2977,"6161":2978,"6163":2979,"6164":2980,"6166":2981,"6167":2982,"6169":2983,"6170":2984,"6172":2985,"6177":2986,"6182":2987,"6184":2988,"6189":2990,"6192":2992,"6194":2993,"6195":2994,"6196":2995,"6197":2997,"6198":2998,"6199":2999,"6201":3000,"6204":3001,"6206":3003,"6209":3004,"6215":3005,"6216":3006,"6219":3008,"6222":3010,"6223":3011,"6224":3012,"6225":3014,"6226":3015,"6227":3016,"6229":3017,"6230":3018,"6231":3020,"6232":3021,"6233":3022,"6235":3023,"6237":3024,"6240":3025,"6241":3026,"6242":3027,"6244":3028,"6247":3029,"6249":3030,"6250":3033,"6251":3034,"6254":3035,"6255":3036,"6256":3037,"6258":3038,"6259":3040,"6260":3041,"6263":3042,"6264":3043,"6267":3044,"6269":3045,"6270":3046,"6274":3048,"6275":3049,"6276":3050,"6278":3051,"6279":3052,"6280":3054,"6281":3055,"6286":3056,"6287":3057,"6288":3058,"6290":3060,"6291":3061,"6295":3062,"6297":3063,"6299":3064,"6302":3065,"6303":3066,"6304":3067,"6308":3068,"6309":3069,"6310":3070,"6313":3071,"6314":3072,"6315":3073,"6317":3074,"6318":3075,"6319":3077,"6320":3078,"6321":3079,"6323":3080,"6325":3081,"6326":3082,"6328":3083,"6329":3084,"6330":3086,"6332":3087,"6335":3088,"6338":3090,"6342":3091,"6344":3092,"6345":3093,"6348":3094,"6349":3095,"6351":3097,"6352":3098,"6353":3099,"6356":3101,"6357":3102,"6358":3103,"6361":3104,"6362":3106,"6363":3107,"6364":3108,"6365":3109,"6366":3110,"6367":3111,"6370":3112,"6373":3113,"6375":3114,"6376":3115,"6377":3117,"6379":3118,"6380":3119,"6381":3120,"6382":3121,"6384":3122,"6386":3123,"6389":3124,"6391":3125,"6393":3126,"6394":3127,"6395":3129,"6398":3130,"6399":3131,"6400":3132,"6401":3133,"6402":3135,"6406":3136,"6407":3137,"6408":3138,"6409":3140,"6411":3141,"6414":3142,"6416":3144,"6417":3145,"6418":3146,"6421":3148,"6422":3149,"6423":3150,"6424":3151,"6425":3153,"6426":3154,"6427":3155,"6428":3156,"6430":3157,"6432":3159,"6434":3160,"6435":3161,"6436":3162,"6437":3163,"6438":3164,"6439":3165,"6441":3166,"6442":3167,"6443":3168,"6444":3169,"6445":3170,"6446":3171,"6448":3173,"6450":3174,"6451":3176,"6453":3177,"6454":3178,"6455":3179,"6457":3180,"6459":3181,"6461":3182,"6462":3184,"6463":3185,"6465":3186,"6466":3187,"6467":3188,"6468":3189,"6469":3190,"6470":3191,"6471":3192,"6473":3193,"6474":3194,"6480":3195,"6481":3196,"6482":3197,"6483":3198,"6484":3200,"6486":3201,"6487":3202,"6488":3203,"6490":3204,"6491":3205,"6492":3206,"6494":3207,"6495":3209,"6496":3210,"6497":3211,"6498":3212,"6499":3214,"6501":3215,"6502":3217,"6503":3218,"6504":3220,"6507":3221,"6508":3222,"6509":3224,"6510":3225,"6512":3226,"6513":3228,"6514":3230,"6516":3231,"6517":3232,"6519":3233,"6520":3234,"6522":3235,"6523":3236,"6525":3237,"6526":3238,"6528":3241,"6532":3242,"6533":3243,"6534":3244,"6536":3245,"6538":3246,"6539":3247,"6540":3248,"6541":3250,"6542":3252,"6544":3253,"6546":3254,"6547":3255,"6548":3256,"6550":3258,"6552":3259,"6553":3262,"6554":3263,"6555":3265,"6558":3267,"6559":3268,"6565":3269,"6566":3271,"6568":3272,"6570":3275,"6571":3276,"6572":3278,"6573":3280,"6575":3282,"6577":3284,"6581":3285,"6582":3287,"6584":3288,"6585":3291,"6586":3294,"6587":3296,"6588":3297,"6590":3298,"6592":3299,"6593":3303,"6595":3304,"6596":3307,"6598":3308,"6603":3309,"6604":3313,"6606":3315,"6607":3316,"6608":3317,"6612":3318,"6614":3319,"6615":3321,"6617":3322,"6618":3324,"6620":3325,"6627":3326,"6629":3327,"6630":3328,"6632":3329,"6633":3330,"6636":3331,"6638":3332,"6640":3333,"6641":3334,"6642":3335,"6643":3336,"6644":3337,"6646":3340,"6649":3341,"6651":3342,"6652":3343,"6653":3344,"6654":3345,"6655":3346,"6656":3347,"6660":3348,"6661":3349,"6663":3350,"6664":3351,"6666":3352,"6667":3353,"6668":3354,"6669":3355,"6670":3356,"6671":3357,"6674":3359,"6680":3360,"6681":3361,"6682":3362,"6683":3363,"6684":3364,"6685":3365,"6686":3366,"6687":3368,"6688":3369,"6689":3370,"6690":3372,"6691":3373,"6692":3374,"6693":3376,"6694":3377,"6695":3378,"6696":3380,"6697":3381,"6698":3382,"6699":3383,"6700":3384,"6702":3385,"6703":3386,"6705":3387,"6708":3388,"6709":3389,"6712":3390,"6713":3391,"6714":3392,"6716":3393,"6717":3394,"6720":3395,"6721":3396,"6722":3397,"6723":3398,"6724":3399,"6726":3400,"6727":3401,"6728":3402,"6729":3403,"6730":3404,"6731":3405,"6732":3407,"6733":3409,"6734":3410,"6735":3411,"6736":3412,"6737":3413,"6738":3414,"6739":3415,"6740":3416,"6743":3417,"6744":3418,"6747":3420,"6749":3421,"6751":3422,"6752":3424,"6753":3426,"6755":3428,"6756":3429,"6757":3430,"6758":3431,"6759":3433,"6762":3434,"6763":3436,"6765":3437,"6766":3438,"6767":3439,"6768":3440,"6769":3442,"6770":3443,"6772":3445,"6773":3446,"6781":3447,"6783":3448,"6785":3449,"6786":3450,"6787":3451,"6788":3452,"6789":3454,"6790":3455,"6792":3456,"6793":3457,"6795":3459,"6798":3461,"6801":3462,"6802":3463,"6804":3464,"6805":3465,"6809":3466,"6811":3467,"6812":3468,"6813":3469,"6814":3470,"6815":3472,"6816":3473,"6818":3475,"6819":3476,"6820":3477,"6821":3478,"6822":3479,"6823":3480,"6824":3481,"6826":3483,"6827":3485,"6828":3486,"6829":3487,"6830":3488,"6831":3490,"6832":3492,"6833":3493,"6834":3494,"6835":3496,"6836":3497,"6837":3498,"6838":3499,"6839":3500,"6840":3501,"6842":3502,"6844":3503,"6845":3504,"6847":3505,"6849":3506,"6850":3507,"6851":3508,"6852":3509,"6853":3510,"6855":3511,"6857":3512,"6858":3513,"6859":3514,"6861":3516,"6865":3518,"6866":3519,"6868":3520,"6869":3521,"6870":3523,"6872":3524,"6874":3525,"6875":3527,"6878":3528,"6879":3529,"6880":3530,"6881":3531,"6882":3532,"6883":3534,"6885":3535,"6886":3537,"6888":3538,"6889":3544,"6890":3545,"6896":3546,"6897":3547,"6898":3548,"6899":3551,"6900":3553,"6901":3554,"6903":3555,"6904":3557,"6905":3558,"6906":3559,"6907":3561,"6908":3562,"6909":3563,"6910":3564,"6911":3565,"6912":3566,"6913":3567,"6915":3568,"6916":3569,"6917":3570,"6919":3571,"6920":3572,"6921":3573,"6922":3574,"6923":3575,"6925":3577,"6926":3578,"6927":3580,"6928":3581,"6929":3582,"6930":3583,"6932":3584,"6933":3585,"6934":3587,"6935":3594,"6936":3595,"6944":3596,"6946":3597,"6947":3598,"6948":3599,"6949":3600,"6950":3601,"6951":3602,"6952":3603,"6953":3604,"6955":3605,"6956":3606,"6960":3607,"6962":3608,"6965":3610,"6966":3611,"6967":3612,"6972":3615,"6974":3616,"6975":3618,"6976":3620,"6977":3621,"6978":3622,"6979":3623,"6980":3625,"6981":3626,"6982":3627,"6983":3629,"6984":3631,"6986":3632,"6987":3633,"6988":3634,"6989":3635,"6990":3636,"6991":3637,"6993":3639,"6994":3640,"6995":3641,"6998":3642,"6999":3643,"7000":3644,"7001":3645,"7002":3646,"7003":3650,"7004":3651,"7005":3652,"7006":3653,"7008":3655,"7009":3656,"7010":3657,"7012":3658,"7013":3660,"7015":3662,"7016":3663,"7017":3664,"7018":3665,"7019":3666,"7021":3667,"7022":3668,"7023":3674,"7025":3675,"7032":3676,"7033":3677,"7034":3679,"7035":3680,"7037":3681,"7039":3682,"7040":3683,"7041":3684,"7042":3685,"7043":3687,"7044":3689,"7046":3691,"7047":3692,"7049":3693,"7050":3695,"7052":3696,"7053":3697,"7054":3698,"7055":3699,"7056":3701,"7057":3703,"7058":3704,"7059":3705,"7060":3706,"7061":3708,"7062":3709,"7063":3710,"7065":3712,"7067":3713,"7068":3714,"7069":3715,"7070":3716,"7071":3718,"7072":3719,"7073":3721,"7074":3722,"7075":3723,"7077":3724,"7078":3726,"7079":3727,"7080":3729,"7082":3730,"7083":3731,"7084":3732,"7085":3733,"7086":3735,"7088":3736,"7089":3738,"7090":3741,"7092":3743,"7093":3744,"7094":3746,"7095":3747,"7096":3748,"7097":3749,"7098":3750,"7099":3752,"7100":3753,"7103":3754,"7104":3755,"7106":3756,"7107":3758,"7108":3764,"7109":3765,"7114":3766,"7115":3767,"7116":3768,"7118":3769,"7119":3771,"7121":3773,"7122":3774,"7124":3775,"7125":3777,"7126":3781,"7128":3782,"7129":3783,"7130":3784,"7131":3787,"7132":3794,"7133":3795,"7141":3796,"7143":3797,"7144":3798,"7145":3799,"7148":3800,"7150":3801,"7151":3803,"7152":3804,"7153":3806,"7155":3808,"7156":3809,"7157":3810,"7158":3811,"7159":3812,"7160":3813,"7161":3814,"7163":3815,"7165":3816,"7167":3817,"7168":3818,"7169":3819,"7170":3820,"7171":3821,"7172":3822,"7173":3823,"7174":3825,"7176":3827,"7177":3828,"7178":3830,"7179":3831,"7180":3833,"7181":3834,"7182":3835,"7183":3837,"7184":3838,"7185":3839,"7188":3841,"7189":3842,"7190":3843,"7191":3844,"7192":3845,"7193":3846,"7194":3848,"7195":3849,"7196":3850,"7197":3852,"7198":3853,"7200":3854,"7205":3855,"7206":3856,"7208":3858,"7209":3859,"7210":3860,"7211":3862,"7212":3863,"7213":3864,"7214":3865,"7215":3867,"7216":3868,"7217":3869,"7219":3870,"7221":3871,"7222":3873,"7223":3874,"7224":3875,"7225":3877,"7227":3879,"7228":3880,"7230":3881,"7231":3882,"7233":3883,"7234":3884,"7235":3885,"7237":3887,"7238":3888,"7240":3889,"7241":3891,"7242":3892,"7243":3893,"7244":3894,"7245":3896,"7247":3898,"7248":3899,"7250":3900,"7251":3901,"7252":3903,"7254":3904,"7256":3905,"7257":3906,"7259":3907,"7260":3909,"7261":3910,"7262":3911,"7265":3913,"7266":3915,"7267":3917,"7268":3919,"7269":3920,"7270":3921,"7271":3922,"7273":3923,"7274":3925,"7276":3926,"7277":3927,"7279":3928,"7280":3929,"7282":3930,"7285":3931,"7288":3932,"7289":3933,"7291":3934,"7292":3936,"7294":3937,"7295":3938,"7296":3939,"7299":3940,"7300":3941,"7301":3943,"7302":3945,"7303":3948,"7304":3949,"7306":3952,"7307":3953,"7309":3954,"7310":3955,"7313":3956,"7314":3957,"7315":3958,"7316":3960,"7317":3962,"7319":3963,"7320":3964,"7322":3965,"7323":3966,"7324":3967,"7325":3968,"7331":3969,"7332":3970,"7333":3971,"7334":3973,"7335":3974,"7336":3975,"7337":3977,"7338":3978,"7339":3980,"7340":3982,"7341":3983,"7342":3984,"7343":3986,"7344":3987,"7345":3988,"7346":3989,"7347":3990,"7349":3992,"7350":3994,"7351":3995,"7352":3996,"7353":3998,"7354":3999,"7355":4000,"7356":4001,"7357":4002,"7358":4003,"7360":4004,"7361":4006,"7362":4008,"7364":4009,"7365":4010,"7366":4011,"7367":4012,"7369":4014,"7370":4015,"7371":4016,"7372":4017,"7374":4018,"7375":4019,"7376":4020,"7377":4022,"7378":4023,"7379":4024,"7381":4025,"7382":4026,"7383":4027,"7384":4028,"7385":4030,"7386":4032,"7387":4033,"7388":4036,"7389":4037,"7391":4038,"7393":4039,"7395":4040,"7397":4042,"7398":4043,"7399":4044,"7400":4046,"7401":4047,"7402":4048,"7403":4049,"7406":4051,"7407":4053,"7408":4054,"7409":4055,"7410":4056,"7411":4057,"7412":4059,"7413":4060,"7414":4061,"7415":4062,"7416":4063,"7417":4064,"7418":4065,"7419":4066,"7420":4068,"7421":4069,"7422":4070,"7423":4071,"7425":4072,"7426":4073,"7427":4075,"7428":4077,"7429":4078,"7431":4079,"7432":4080,"7433":4081,"7434":4082,"7435":4083,"7436":4084,"7439":4085,"7440":4087,"7441":4088,"7442":4089,"7447":4090,"7448":4091,"7450":4092,"7451":4093,"7452":4095,"7453":4097,"7454":4099,"7455":4100,"7456":4101,"7457":4103,"7458":4104,"7459":4105,"7460":4106,"7461":4107,"7463":4109,"7464":4110,"7465":4111,"7466":4112,"7467":4113,"7468":4114,"7469":4115,"7470":4116,"7472":4117,"7473":4118,"7474":4119,"7475":4120,"7476":4121,"7477":4122,"7478":4124,"7479":4125,"7480":4126,"7481":4127,"7483":4128,"7484":4129,"7485":4130,"7486":4131,"7488":4132,"7489":4133,"7490":4135,"7491":4136,"7492":4138,"7493":4140,"7494":4141,"7495":4142,"7496":4143,"7497":4145,"7498":4146,"7499":4148,"7500":4149,"7502":4151,"7503":4152,"7504":4153,"7507":4154,"7508":4156,"7509":4157,"7510":4158,"7512":4159,"7513":4160,"7514":4161,"7515":4162,"7516":4164,"7517":4165,"7518":4166,"7520":4167,"7521":4168,"7522":4169,"7525":4171,"7527":4172,"7528":4173,"7529":4174,"7530":4175,"7531":4176,"7533":4178,"7534":4179,"7535":4181,"7536":4182,"7537":4183,"7538":4186,"7539":4188,"7540":4189,"7541":4190,"7543":4192,"7545":4193,"7546":4195,"7547":4197,"7548":4198,"7550":4199,"7552":4200,"7554":4201,"7555":4202,"7556":4204,"7557":4205,"7558":4207,"7559":4208,"7560":4209,"7561":4210,"7562":4211,"7563":4212,"7564":4213,"7567":4214,"7568":4215,"7569":4217,"7570":4218,"7571":4220,"7572":4221,"7574":4222,"7575":4223,"7577":4224,"7578":4225,"7581":4227,"7583":4229,"7584":4230,"7585":4232,"7586":4233,"7587":4235,"7588":4236,"7589":4237,"7590":4238,"7591":4239,"7592":4240,"7593":4241,"7594":4243,"7598":4244,"7601":4245,"7604":4246,"7606":4247,"7607":4248,"7609":4250,"7610":4252,"7614":4255,"7617":4256,"7620":4257,"7621":4258,"7623":4259,"7624":4260,"7627":4261,"7630":4263,"7631":4264,"7632":4265,"7633":4267,"7634":4268,"7635":4269,"7636":4270,"7639":4271,"7640":4272,"7641":4273,"7642":4274,"7643":4276,"7644":4277,"7645":4278,"7647":4280,"7648":4281,"7650":4282,"7652":4283,"7653":4285,"7654":4286,"7657":4288,"7658":4290,"7661":4291,"7665":4292,"7666":4293,"7667":4294,"7668":4295,"7669":4296,"7670":4297,"7672":4299,"7673":4301,"7674":4302,"7675":4303,"7676":4304,"7677":4305,"7678":4306,"7680":4307,"7682":4308,"7684":4309,"7685":4310,"7687":4311,"7689":4312,"7691":4314,"7692":4315,"7693":4316,"7694":4317,"7695":4319,"7696":4320,"7697":4321,"7699":4322,"7700":4323,"7701":4324,"7703":4325,"7704":4326,"7708":4327,"7709":4328,"7710":4329,"7713":4331,"7714":4333,"7715":4335,"7717":4336,"7719":4337,"7721":4338,"7723":4340,"7724":4341,"7727":4342,"7728":4343,"7729":4344,"7730":4346,"7731":4348,"7733":4349,"7734":4350,"7735":4351,"7738":4352,"7739":4353,"7742":4354,"7745":4355,"7746":4356,"7747":4359,"7749":4361,"7752":4362,"7753":4363,"7755":4364,"7756":4365,"7757":4367,"7758":4368,"7759":4369,"7760":4371,"7761":4372,"7762":4373,"7763":4374,"7765":4375,"7767":4377,"7768":4378,"7769":4379,"7771":4380,"7774":4381,"7775":4382,"7777":4383,"7778":4385,"7779":4387,"7784":4388,"7786":4390,"7788":4392,"7789":4393,"7791":4394,"7795":4395,"7796":4396,"7797":4397,"7798":4399,"7800":4401,"7801":4402,"7802":4403,"7803":4404,"7804":4406,"7805":4408,"7807":4409,"7808":4410,"7813":4411,"7814":4412,"7815":4413,"7816":4414,"7817":4417,"7822":4418,"7824":4419,"7827":4420,"7829":4421,"7830":4422,"7831":4424,"7832":4425,"7833":4427,"7834":4429,"7836":4430,"7837":4431,"7838":4432,"7839":4434,"7840":4435,"7842":4437,"7843":4438,"7844":4440,"7845":4441,"7846":4442,"7848":4444,"7849":4445,"7852":4447,"7855":4448,"7858":4449,"7859":4450,"7863":4451,"7864":4452,"7865":4453,"7866":4456,"7867":4457,"7869":4458,"7870":4459,"7871":4460,"7873":4461,"7875":4462,"7876":4463,"7877":4464,"7878":4465,"7879":4466,"7880":4467,"7881":4468,"7882":4469,"7884":4471,"7885":4472,"7887":4473,"7889":4475,"7891":4476,"7892":4477,"7893":4478,"7894":4479,"7896":4480,"7899":4482,"7900":4483,"7901":4484,"7903":4485,"7904":4486,"7905":4487,"7906":4489,"7908":4490,"7909":4492,"7910":4493,"7912":4494,"7914":4495,"7915":4496,"7918":4498,"7919":4499,"7921":4502,"7923":4503,"7928":4504,"7929":4506,"7930":4508,"7931":4509,"7933":4510,"7934":4514,"7937":4515,"7938":4517,"7939":4518,"7940":4519,"7943":4520,"7946":4521,"7948":4522,"7950":4523,"7951":4524,"7952":4525,"7953":4526,"7957":4528,"7958":4529,"7960":4530,"7961":4531,"7962":4532,"7963":4533,"7964":4534,"7966":4535,"7967":4537,"7968":4538,"7970":4539,"7971":4541,"7973":4542,"7974":4543,"7975":4545,"7976":4548,"7980":4549,"7981":4550,"7982":4552,"7983":4554,"7984":4555,"7986":4556,"7987":4557,"7988":4559,"7989":4561,"7990":4562,"7991":4564,"7996":4565,"7997":4567,"7998":4568,"7999":4569,"8000":4570,"8001":4571,"8002":4572,"8003":4574,"8005":4576,"8006":4577,"8007":4578,"8008":4579,"8009":4580,"8010":4582,"8012":4583,"8014":4584,"8016":4585,"8017":4586,"8018":4587,"8019":4588,"8020":4589,"8022":4590,"8023":4593,"8024":4594,"8025":4595,"8032":4596,"8033":4597,"8035":4598,"8036":4599,"8037":4600,"8038":4601,"8039":4602,"8040":4603,"8041":4604,"8042":4605,"8045":4606,"8051":4607,"8052":4608,"8053":4610,"8054":4612,"8055":4613,"8056":4615,"8057":4618,"8058":4620,"8059":4622,"8060":4623,"8062":4624,"8063":4625,"8064":4626,"8065":4627,"8066":4629,"8067":4631,"8068":4632,"8072":4634,"8073":4635,"8074":4636,"8075":4637,"8076":4638,"8077":4640,"8078":4641,"8079":4642,"8080":4643,"8082":4645,"8083":4646,"8084":4647,"8086":4648,"8089":4649,"8090":4650,"8091":4651,"8092":4653,"8093":4654,"8094":4655,"8095":4656,"8097":4657,"8099":4658,"8100":4659,"8102":4660,"8103":4661,"8104":4662,"8105":4664,"8106":4666,"8107":4668,"8108":4669,"8109":4671,"8110":4672,"8111":4674,"8112":4675,"8113":4677,"8114":4678,"8115":4680,"8116":4681,"8117":4682,"8118":4683,"8120":4684,"8121":4686,"8122":4687,"8123":4688,"8124":4689,"8125":4691,"8127":4692,"8128":4694,"8130":4695,"8135":4696,"8136":4697,"8137":4698,"8138":4699,"8139":4700,"8141":4701,"8143":4702,"8144":4703,"8146":4705,"8148":4707,"8149":4708,"8151":4710,"8153":4711,"8156":4712,"8157":4713,"8159":4715,"8161":4716,"8162":4717,"8163":4720,"8165":4721,"8166":4722,"8167":4723,"8169":4724,"8170":4726,"8174":4727,"8175":4728,"8177":4729,"8178":4730,"8179":4731,"8180":4733,"8181":4734,"8182":4735,"8183":4736,"8184":4737,"8185":4738,"8186":4739,"8187":4740,"8188":4741,"8190":4743,"8191":4744,"8192":4745,"8193":4746,"8194":4747,"8195":4749,"8198":4750,"8199":4751,"8203":4752,"8204":4753,"8207":4755,"8209":4756,"8211":4758,"8212":4759,"8213":4760,"8214":4761,"8215":4763,"8216":4764,"8218":4765,"8219":4766,"8220":4767,"8221":4768,"8224":4769,"8225":4770,"8226":4772,"8232":4773,"8233":4774,"8234":4775,"8236":4776,"8237":4777,"8238":4778,"8239":4779,"8240":4781,"8241":4782,"8242":4783,"8243":4784,"8244":4786,"8245":4788,"8246":4789,"8247":4790,"8248":4791,"8250":4793,"8251":4794,"8252":4796,"8254":4797,"8255":4798,"8256":4799,"8257":4800,"8258":4801,"8259":4802,"8260":4804,"8261":4805,"8262":4806,"8264":4808,"8266":4810,"8267":4813,"8268":4814,"8269":4815,"8270":4818,"8271":4820,"8272":4821,"8273":4823,"8274":4826,"8276":4827,"8277":4828,"8278":4829,"8279":4830,"8280":4832,"8281":4833,"8282":4834,"8283":4835,"8284":4836,"8285":4838,"8286":4840,"8287":4841,"8288":4842,"8290":4843,"8291":4845,"8292":4846,"8293":4847,"8294":4848,"8295":4850,"8296":4851,"8297":4853,"8298":4854,"8299":4855,"8300":4857,"8301":4859,"8302":4860,"8303":4861,"8306":4863,"8307":4865,"8308":4866,"8309":4868,"8310":4870,"8311":4871,"8312":4873,"8313":4874,"8314":4877,"8315":4878,"8316":4880,"8317":4881,"8318":4882,"8319":4883,"8320":4884,"8321":4887,"8323":4888,"8324":4889,"8325":4891,"8326":4892,"8328":4894,"8329":4895,"8330":4896,"8331":4897,"8332":4898,"8335":4899,"8336":4900,"8337":4901,"8338":4902,"8339":4903,"8340":4904,"8342":4905,"8343":4906,"8344":4908,"8345":4909,"8346":4910,"8347":4912,"8348":4913,"8349":4915,"8350":4916,"8351":4917,"8352":4918,"8353":4920,"8354":4921,"8356":4922,"8357":4927,"8360":4928,"8361":4930,"8362":4931,"8363":4934,"8365":4935,"8366":4937,"8367":4938,"8368":4940,"8369":4941,"8370":4942,"8371":4943,"8372":4944,"8373":4945,"8374":4946,"8375":4948,"8376":4949,"8377":4950,"8378":4952,"8379":4953,"8380":4955,"8381":4956,"8383":4957,"8384":4958,"8385":4960,"8386":4961,"8387":4962,"8388":4963,"8390":4965,"8392":4966,"8395":4967,"8396":4968,"8398":4969,"8399":4970,"8401":4971,"8402":4972,"8403":4973,"8404":4974,"8405":4975,"8406":4977,"8407":4978,"8408":4980,"8409":4982,"8410":4983,"8411":4984,"8412":4986,"8414":4987,"8415":4989,"8417":4991,"8418":4992,"8419":4993,"8420":4994,"8422":4996,"8424":4997,"8426":4999,"8427":5000,"8428":5003,"8429":5004,"8430":5005,"8431":5007,"8432":5008,"8433":5009,"8435":5011,"8436":5012,"8438":5014,"8439":5015,"8440":5017,"8441":5018,"8442":5019,"8443":5020,"8444":5021,"8445":5022,"8446":5023,"8447":5024,"8448":5025,"8449":5027,"8450":5028,"8451":5030,"8452":5031,"8454":5033,"8455":5034,"8456":5036,"8457":5037,"8458":5038,"8459":5039,"8461":5040,"8464":5041,"8465":5042,"8466":5044,"8467":5045,"8468":5046,"8469":5047,"8470":5049,"8471":5050,"8472":5052,"8473":5053,"8474":5054,"8475":5056,"8476":5057,"8477":5059,"8478":5060,"8479":5061,"8480":5062,"8481":5063,"8483":5064,"8484":5065,"8486":5066,"8487":5068,"8488":5069,"8490":5071,"8493":5073,"8494":5074,"8496":5075,"8497":5076,"8499":5078,"8502":5079,"8504":5081,"8507":5083,"8508":5084,"8509":5085,"8510":5087,"8511":5088,"8512":5090,"8514":5091,"8515":5092,"8516":5094,"8517":5095,"8518":5096,"8519":5097,"8520":5098,"8521":5099,"8522":5101,"8523":5102,"8524":5104,"8526":5106,"8527":5107,"8528":5108,"8529":5109,"8530":5110,"8531":5111,"8532":5112,"8533":5113,"8535":5114,"8536":5115,"8537":5116,"8538":5117,"8539":5119,"8540":5121,"8541":5123,"8542":5124,"8543":5126,"8544":5127,"8545":5128,"8546":5130,"8548":5133,"8549":5135,"8550":5136,"8552":5138,"8553":5139,"8554":5140,"8556":5141,"8557":5142,"8558":5144,"8559":5145,"8561":5147,"8562":5149,"8563":5150,"8565":5152,"8566":5153,"8567":5154,"8568":5155,"8569":5156,"8570":5157,"8572":5158,"8573":5159,"8575":5162,"8576":5163,"8577":5164,"8578":5165,"8579":5166,"8580":5167,"8581":5168,"8582":5170,"8583":5171,"8584":5172,"8586":5174,"8590":5176,"8591":5178,"8592":5180,"8594":5181,"8595":5183,"8596":5185,"8599":5186,"8600":5188,"8602":5190,"8603":5191,"8604":5192,"8606":5193,"8607":5195,"8608":5196,"8610":5198,"8611":5199,"8612":5200,"8613":5202,"8614":5204,"8615":5205,"8616":5206,"8618":5207,"8619":5208,"8620":5209,"8621":5210,"8623":5211,"8624":5214,"8627":5216,"8630":5217,"8631":5218,"8632":5219,"8633":5220,"8634":5221,"8635":5223,"8636":5224,"8637":5225,"8639":5227,"8640":5228,"8641":5229,"8642":5230,"8644":5231,"8645":5233,"8647":5234,"8649":5235,"8650":5236,"8651":5237,"8652":5238,"8654":5239,"8655":5241,"8656":5242,"8657":5243,"8658":5244,"8659":5245,"8660":5247,"8661":5248,"8662":5249,"8663":5250,"8664":5251,"8665":5252,"8666":5255,"8667":5256,"8668":5257,"8669":5258,"8670":5260,"8671":5261,"8672":5263,"8673":5264,"8676":5265,"8678":5267,"8679":5268,"8681":5270,"8684":5271,"8686":5272,"8687":5273,"8688":5274}},"pages":[{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (١)","vol":"1","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"1","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة المحقق</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على سيد المرسلين محمد وآله وأتباعه أجمعين، وبعد:\nفإنّ كتاب \"سنن أبي داود\" هو الكتاب الثالث من كتب الأصول الستّة، وهو أشمل كتابٍ لأحاديث الأحكام؛ لذلك عُني بشرحه والتعليق عليه منذ ظهور الكتاب في القرن الثالث إلى عصرنا هذا كثيرٌ من المحدِّثين والعلماء، وكلٌّ منهم شرح الكتاب حسب اجتهاده.\nولم يكن هناك شرحٌ يتناول جميع جوانب الكتاب من: بيان تراجم الرجال، ومذاهب الأئمة الأربعة وأدلَّتهم، والمناقشة بين آراء شراح الحديث، ومشكلات الكتاب، وبيان درجة الأحاديث لبيان الراجح من المرجوح والصواب من الخطأ.\nولذلك، قام في القرن الرابع عشر الهجري الإِمام المحدث الفقيه شيخ العلماء والمحدثين الشيخ خليل أحمد الأنصاري السهارنفوري (المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ) بخدمة هذا الكتاب، وشَرْحِهِ شرحًا وافيًا، وحل المشكلات والمعضلات فيه.\nوسيطلع القارئ الكريم على مزايا هذا الشرح وخصائصه في تقديم سماحة العلامة الشيخ أبي الحسن الندوي وفي تقديم شيخنا العلامة المحدث محمد يوسف البنوري - رحمهما الله -.","vol":"1","page":5},{"text":"وقد طبع هذا الكتاب بالهند طبعة حجرية عدة مرات، وكانت رغبة أستاذنا الإِمام العلَّامة المحدِّث الجليل الشيخ محمد زكريّا الكاندهلوي - صاحب \"أوجز المسالك\" وغيره من الكتب النافعة- أن يطبع هذا الشرح طباعةً جديدةً في ثوبٍ قشيبٍ، لتسهل قراءته والاستفادة منه لطلبة العلم.\nوكان شيخنا الإِمام محمد زكريّا الكاندهلوي من أخصّ تلامذة الإِمام المحدّث خليل أحمد السهارنفوري، وكان مساعدًا له في تأليف هذا الشرح، ولذلك اهتمّ بطباعة هذا الكتاب طباعةً جديدةً، وبدأت طباعتُه في مطبعة ندوة العلماء بالهند، ولكن لاستعجال طباعته طُبع أكثره في القاهرة وبيروت، ثم صوّر الكتاب وانتشر في العالم العربي.\nوقد كلفني شيخنا الإِمام المحدّث الشيخ محمد زكريا بخدمة هذا الكتاب، والإشراف على طباعته، فأقمت عنده مدة سنة، ثم أرسلني لمدة سنة أخرى إلى القاهرة لطباعته، وقد ساعدني بعض أصدقائنا في هذا العمل الجليل، لكن وقع في نقل الكتاب من الطباعة الحجرية إلى الطباعة الجديدة أخطاء وسقطات.\nوقد طبع الكتاب أول مرة سنة ١٣٩٢ هـ الموافق سنة ١٩٧٢ م بمساهمة كريمة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة -حفظه الله-. وباهتمام سماحة الشيخ أحمد بن عبد العزيز آل مبارك رئيس القضاء الشرعي بـ أبو ظبي (المتوفى سنة ١٤٠٩ هـ) - ﵀ -.\nوبعد طبع الكتاب اطلع سماحة الشيخ أحمد آل مبارك على الأخطاء المطبعية في الكتاب، وتأسف على ذلك، وأمرني أن أقوم بخدمة هذا الكتاب من جديد، وكلّفني بذلك، ولكن لانشغالي بالتدريس في جامعة","vol":"1","page":6},{"text":"الإمارات العربية المتحدة آنذاك لم أتمكن أن أقوم بهذا الواجب، ثم لما تفرغت اشتغلت به، وعرضت بعض أعمالي من خدمة الكتاب على أستاذنا الكبير سماحة العلامة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي (المتوفى سنة ١٤٢٠ هـ) - ﵀ -، فشجعني على ذلك، ونشطت لخدمته، واستغرق هذا العمل عدة سنوات.\nثم عرضت موضوع طباعة هذا الكتاب على صاحب السمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان -حفظه الله ورعاه- نائب رئيس مجلس الوزراء لدولة الإمارات العربية المتحدة، فأمر بطباعته، وسهّل لي جميع ما يتعلق بها، فجزاه الله خيرًا عن الإِسلام والمسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>عملي في هذا الكتاب</span>\nاشتغلت بهذا الكتاب من عدة نواح:\n١ - المقارنة بين الطباعة المصرية والطباعة الهندية، وتصحيح الأخطاء التي وقعت في الكتاب.\nوفيما يلي نماذج بعض الأخطاء الواقعة في طبعة الهند القديمة التي\nقمنا بتصحيحها في الطبعة الجديدة:\n\"مقدمة بذل المجهود\"\nطبعة الهند ............................................... الطبعة الجديدة\nالخطأ ............... ج/ص/س ............ الصواب ............ ج/ص/س\nتأويله .............. ١/ ١٠/ (هـ ١) ...... تأليفه ............ ١/ ٢٦/ (هـ ١)\nصناعة التعليم ...... ١/ ١٣/١٥ ............ صناعة التعليم .... ١/ ٣٨/٥\nوهب المدرسة ...... ١/ ١٤/١٧ ............ وهب المدرسة .... ١/ ٤١/١٢\nذكر في أنها ......... ١/ ١٥/١٩ ............ ذكر أنها ...... ١/ ٤٥/٣\nعلى رجل ......... ١/ ١٧/١٧ ............. عن رجل ........ ١/ ١٤١/١٢\nثاره التقوى ....... ١/ ١/١٢ ............... دثارة التقوى ..... ١/ ٧١/١٧","vol":"1","page":7},{"text":"\"بذل المجهود\"\n\nطبعة الهند - الطبعة الجديدة\nالخطأ ... ج/ص/س - الصواب ... ج/ص/س\nيحيى بن كثير ... ١/ ١٠/ ٢٧ - يحيى بن أبي كثير ... ١/ ٢١٣/ ٧\nلام معشر ... ١/ ١٥/ (هـ ٨) - لأم بشر ... ١/ ٢٣٧/ (هـ ٢)\nعبيد الله بن عمر ١/ ٤٢/ ١١ - عبيد الله بن عبد الله بن عمر ... ١/ ٣٨٤/ ١٦\nتلك الماء ... ١/ ٤٤/ ١٤ - ذلك الماء ... ١/ ٣٩٥/ ١٧\nرواه ابن عربي ... ١/ ٤٦/ ٢٩ - رواه ابن عدي ... ١/ ٤٠٩/ ٩\nابن ابي على ... ١/ ٦١/ ١٧ - ابن أبي عدى ... ١/ ٤٨٦/ ٨\nالمجدابادى ... ١/ ٩٧/ ١١ - المحمد آباذي ... ١/ ٦٧٧/ ١٤\nأبو محمد بن سودة ١/ ١٠٠/ ٧ - أبو محمد بن شوذب ... ١/ ٦٩٣/ ٢\nفاليه ... ١/ ١١٧/ ١٣ - فإليها ... ٢/ ٩١/ ٦\nمحمد بن مطرف ... ١/ ١٣٣/ ١٧ - محمد بن مطرف بن داود بن مطرف ... ٢/ ١٧٦/ ٧\nلعل شريح ... ١/ ١٥٤/ ١٢ - لعل شريحا ... ٢/ ٢٨٤/ ١٨\nحيضتها ... ١/ ١٧٦/ ٢٣ - استحاضتها ... ٢/ ٣٩٣/ ١٩\nلا تنقطع ... ١/ ١٨٥/ ٧ - إلا أن تنقطع ... ٢/ ٤٣٣/ ٥\nالاختصار ... ١/ ٢٣٥/ ٢٢ - الاقتصار ... ٣/ ٥٦/ ١٠","vol":"1","page":8},{"text":"وفيما يلي نماذج بعض الأخطاء الواقعة في طبعة مصر وبيروت التي قمنا بتصحيحها في الطبعة الجديدة:\n\n\"مقدمة بذل المجهود\"\nطبعة مصر - الطبعة الجديدة\nالخطأ ... ج/ ص/ س - الصواب ... ج/ ص/ س\nابن الهادي ... ١/ ٨/ ٥ - ابن عبد الهادى ... ١/ ٣١/ ٨\nفي أصل السند ... ١/ ١٩/ ٨ - في أصل الحديث ... ١/ ٤٥/ ٨\nفغرسها ... ١/ ٣١/ ٨ - فدرسها ... ١/ ٧٨/ ٥\n\n\"بذل المجهود\"\nطبعة مصر - الطبعة الجديدة\nالخطأ ... ج/ ص/ س - الصواب ... ج/ ص/ س\nالجوزاني ... ١/ ٣/ ٥ - الجوزجاني ... ١/ ١٦٦/ ١١\nللاتقاء ... ١/ ١٩/ ١٠ - للإنقاء ... ١/ ١٨٧/ ١٥\nضم السين والسين والكسر ١/ ٢٣ / (هـ ٣) - ضم السين والفتح والكسر ... ١/ ١٩٣/ (هـ ٣)\nخالد بن زيد بن كلب ... ١/ ٢٥ / ٢ - خالد بن زيد بن كليب ... ١/ ١٩٥/ ١٠\nفي عذاب القيامة ١/ ٦١/ (هـ ١) - في عذاب القبر ... ١/ ٢٤٥/ (هـ ٢)\nاستسلام الحجر ... ١/ ٨٢/ ٨ - استلام الحجر ... ١/ ٢٧٣/ ٨\nمن لفظ الاسناد ... ١/ ١٠٥/ ١٢ - من لفظ الأستاذ ... ١/ ٣٠٣/ ١٩\nونقل ابن حاتم الرازي ... ١/ ١١٧/ ١٢ - ونقل أبو حاتم الرازي ... ١/ ٣١٩/ ١٧\nسنة ٦٤٥ ... ٢/ ٤٤/ ٦ - سنة ٢٤٥ هـ ... ١/ ٦٨٩/ ٩\nيسح ... ٢/ ٦٩/ ١١ - يسبح ... ٢/ ٣١/ ١٠\nإذ المرابد ... ٢/ ٩٩/ (هـ ١) - إذ المرابض ... ٢/ ٧٢/ (هـ ٢)\nابن يعني بلال ... ٢/ ١٠٣/ ١٩ - يعني ابن بلال ... ٢/ ٧٨/ ٢٠\nأشروا أخبث ... ٢/ ١١٦/ (هـ ٢) - أشر أو أخبث ... ٢/ ٩٤/ (هـ ٢)\nمن الإبتداء ... ٣/ ٧/ ١٥ - من للابتداء ... ٢/ ٤٦٢/ ٧\nولا يرفع ذلك ... ٣/ ١٢/ (هـ ١) - ولا يدفع ذلك ... ٢/ ٤٦٧/ (هـ ١)\nالبحث ... ٣/ ١٨/ ١٩ - الحديث ... ٢/ ٤٧٥/ ١٤","vol":"1","page":9},{"text":"٢ - خلال هذه المقارنة لمسنا أن الكتاب يحتاج إلى أن نرجع إلى الأصول والمصادر التي أخذ منها الشارح. وبعد المقارنة بقدر الإمكان وجدنا أن الأخطاء والسقطات وقعت في جميع الطبعات، وعلى رأسها طبعة بيروت والقاهرة، ولعلّ السبب في كل هذا أنَ كثيرًا من المصادر قد طبعت سابقًا بدون تحقيق ومقارنة بينما ظهر كثيرٌ منها الآن محقّقًا ومقارنًا مع نسخ عديدة، فاستفدت منها لتقويم النصوص والسقطات، واخترتُ لذلك أن توضع الكلمة بين المعقوفتين []، وأذكر لذلك بعض الأمثلة:\n(ط: الهند) - (ط: مصر) = (ط: جديدة)\nالعبارة الناقصة ... ج/ ص/ س - ج/ ص/ س = العبارة بإكمال النقص ... ج/ ص/ س\nوكذلك رواه إسماعيل بن علية عن رجل ... ١/ ٤٢/ ٢٣ - ١/ ١٦٩/ ١٠ = وكذلك رواه إسماعيل بن علية [عن عاصم بن المنذر] عن رجل ... ١/ ٣٨٧/ ٣\nفي اسناده يحيى بن هشام هكذا ... ١/ ٦٣ /١٩ - ١/ ٢٥٦/ ٤ = في إسناده يحيى بن هشام [السمسار] هكذا ... ١/ ٤٩٨/ ١٦\nقال أبو الحسن القطان ... ١/ ٨٠/ ١٠ - ١/ ٣٢٨/ ١٤ = قال أبو الحسن [بن] القطان ... ١/ ٥٨٨/ ١٨\nوفي التقريب بفتحها وسكون القاف وفتح الراء ثم ياء النسبة ... ١/ ٨٧/ ١٠ - ١/ ٣٥٧/ ٩ = وفي \"التقريب\": بفتحها وسكون القاف وفتح الراء [وبعدهما همزة] ثم ياء النسبة ... ١/ ٦٢٥/ ١٠\nمن حديث عمرو بن أمية الضمري وابن مغيرة بن شعبة ... ١/ ٨٧/ ٢٦ - ١/ ٣٥٩/ ١٥ = من حديث عمرو بن أمية الضمري [وبلال] والمغيره بن شعبة ... ١/ ٦٢٨/ ٩\nفحديث أبي أوس ... ١/ ٩٨/ ١٩ - ٢/ ٣٩/ ١٥ = فحديث [أوس بن] أبي أوس ... ١/ ٦٨٣/ ١٨\nأبو إسحاق بن معاوية ... ١/ ١٢٦/ ٣١ - ٢/ ١٥٠/ ١٢ = أبو إسحاق بن [أبي] معاوية ... ٢/ ١٤١/ ١٥\nمحمد بن مطرف بن عبد الله ... ١/ ١٣٣/ ١٧ - ٢/ ١٧٧/ ١٢ = محمد بن [مطرف بن داود بن مطرف بن عبد الله ... ٢/ ١٧٦/ ٧\nوليس بطعن ... ١/ ١٣٥/ ١٢ - ٢/ ١٨٤/ ١٠ = و[هذا] ليس بطعن ... ٢/ ١٨٦/ ٤\nهذا الحديث رواه ... ١/ ١٣٧/ ٣ - ٢/ ١٩٢/ ١١ = هذا الحديث [الذي] رواه ... ٢/ ١٩٧/ ٤\nسمع القول والاشاره ... ١/ ١٤٣/ ١٧ - ٢/ ٢١٨/ ١٨ = سمع القول و[رأى] الإشاره ... ٢/ ٢٣٠/ ٦\nأسماء بنت شكل أو أسماء بغير نسب ... ١/ ١٨٨/ ٣١ - ٢/ ٣٩٥/ ٦ = أسماء بنت شكل [كما في مسلم] أو أسماء بغير نسب ... ٢/ ٤٥١/ ١١\nلم يمنعهن الحياء ... ١/ ١٨٩/ ١٩ - ٢/ ٣٩٧/ ١١ = لم [يكن] يمنعهن الحياء ... ٢/ ٤٥٣/ ٢١\nوالقياس دليل ... ١/ ١٩١/ ١١ - ٣/ ٨/ ١٠ = والقياس [على الوضوء] دليل ... ٢/ ٤٦٢/ ١٦\nالضحاك بن عثمان عن ابن عمر ... ١/ ٢٠١/ ٢٦ - ٣/ ٤٨/ ٤ = الضحاك بن عثمان [عن نافع] عن ابن عمر ... ٢/ ٥١٤ /١٨","vol":"1","page":10},{"text":"وكذلك يجد القارئ الكريم في \"رسالة أبي داود إلى أهل مكة\" التي نقلها المصنف قد وقعت فيها سقطات كثيرة، قد زدناها بين المعقوفتين أيضًا.\n٣ - إن المؤلف - ﵀ - قد استفاد من النسخ المخطوطة والمطبوعة في تصنيف هذا الكتاب، منها: \"نسخة سنن أبي داود بشرح عون المعبود\" التي قورنت بعدّة نسخٍ كما هو مذكور في الكتاب، ومنها: \"النسخة الخطية المقروءة على مسنِد الهند الإِمام المحدث الشيخ محمد إسحاق الدهلوي\"، وهي العمدة في التأليف، وكذلك: \"نسخة شيخ الهند محمود الحسن لسنن أبي داود\"، وكانت أيضًا مرجعًا لتقويم النصوص، وغيرها من النسخ التي ذكرها الشارح في مقدمته، وقد أشار إلى بعض النسخ الخطية التي حصل عليها أثناءَ إقامته بالمدينة المنورة في شرحه.\nوكان من جملة أعمالنا في خدمة هذا الكتاب الرجوع إلى \"تحفة الأشراف\" للمزي الذي اعتمد على نسخ عديدة لـ \"سنن أبي داود\"، فاستفدنا منها (١)، وزدناها.\nولا شك أن \"نسخة الشيخ محمد إسحاق\"- الذي هاجر في آخر حياته إلى مكة المكرمة وأقام فيها-، هي نسخة قد قورنت بعدة نسخ، كما هو مذكور في الكتاب (٢)، ويبدو أنها قورنت بنسخة الشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي المتوفى سنة ١١٣٤ هـ. فالشيخ خليل أحمد السهارنفوري - ﵀ - كان له عناية خاصة بذكر اختلاف النسخ في الشرح وعلى هوامش الكتاب.\n_________\n(١) وكما استفدت أيضًا في أثناء تحقيق هذا الكتاب من طبعة فضيلة الشيخ محمد عوامة لـ \"سنن أبي داود\".\n(٢) وهذه النسخة لا نعلم مصيرها اليوم.","vol":"1","page":11},{"text":"٤ - إن الشارح يذكر ترجمة كل راو حتى تتبين درجته، فإذا وجدنا في كلامه إبهامًا بيّناه. ومن أمثلته: انظر ترجمة محمد بن إسحاق (١/ ٢٠٧)، وترجمة عروة بن الزبير بن العوام (١/ ٢٢٧)، وترجمة عبد الرزاق الصنعاني (١/ ٢٥٧)، وترجمة عطاء بن زهير (٦/ ٤٨١)، وترجمة أبي بكر الحنفي (٦/ ٤٩٢) وغيرهم.\n٥ - استفاد المصنف ممن سبقه من الشراح المتقدمين والمتأخرين في إثبات ما نقله منهم، وقد أثبتُّ مواضع هذه النقول، وكذلك أثبتُّ مواضع النقولات التي أشار إليها شيخنا محمد زكريا الكاندهلوي.\n٦ - إن المصنف - ﵀ - يشرح أقوال أبي داود في كتابه، ويعتمد في بعض الأحيان على كلام شيخه الإِمام الرباني رشيد أحمد الجنجوهي (المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ)، وحاول تخريج الروايات التي أشار إليها الإِمام أبو داود، فإذا لم يجد تخريجها فإنه يصرح بأنه تتبّع كتب السنة فلم يجدها، وأسباب ذلك ترجع إلى عدم وقوفه على بعض مصادر السنة التي لم تظهر في زمنه، منها: \"المعجم الكبير\" للطبراني، و\"مسند الحميدي\"، و\"مصنف عبد الرزاق\" وغيرها من الكتب، وقد حاولنا بقدر الإمكان تخريج هذه الروايات.\n٧ - إن أستاذنا الإِمام المحدث الشيخ محمد زكريا علّق على هذا الكتاب، وتعليقاته نشرت على هوامشه، وقد نقل أكثرها من \"شرح ابن رسلان\"، وهو مخطوط، وقد حصلنا على مخطوطة هذا الكتاب، وقارنا بينها وبين ما جاء في الشرح لتصحيح التحريفات من الناسخ، والشيخ لخّص هذا الكتاب تلخيصًا مقيدًا في تعليقاته من أول الكتاب إلى باب في الخرص. وحصل","vol":"1","page":12},{"text":"الشيخ خليل أحمد على نسخة خطية من هذا الشرح في المدينة المنورة أثناء إقامته فيها أيضًا، واستفاد منه في آخر شرح الكتاب، ورجعنا إليه في تقويم عباراته.\n٨ - قمنا بترقيم وتشكيل الأحاديث والأبواب والكتب.\n٩ - خَرَّجْنا روايات \"سنن أبي داود\"، وذكرناها مع المتن، أما الروايات التي أشار إليها المصنف في أثناء الشرح فإننا نتولى تخريجها في الهامش بقدر الإمكان. وهذه رموز الكتب للأحاديث المخرجة مع المتن:\n(خ) لـ \"صحيح البخاري\"، (خت) لتعليقات البخاري، (م) لـ\"صحيح مسلم\"، (د) لـ \"سنن أبي داود\"، (ن) لـ \"سنن النسائي\"، (سي) لـ \"عمل اليوم والليلة\" للنسائي، (ت) لـ \"سنن الترمذي\"، (تم) لـ \"الشمائل\" للترمذي، (جه) لـ \"سنن ابن ماجه\"، (ط) لـ \"موطأ مالك\"، (حم) لـ \"مسند أحمد بن حنبل\"، (دي) لـ \"سنن الدارمي\"، (ك) لـ \"مستدرك الحاكم\"، (ق) لـ \"السنن الكبرى\" للبيهقي، (حب) لـ \"صحيح ابن حبان\"، (خزيمة) لـ \"صحيح ابن خزيمة\"، (طب) لـ \"المعجم الكبير\" للطبراني، (طس) لـ \"المعجم الأوسط\" للطبراني، (ش) لـ \"مصنف ابن أبي شيبة\"، (عب) لـ \"مصنف عبد الرزاق\"، (ع) لـ \"مسند أبي يعلى الموصلي\"، (قط) لـ \"سنن الدارقطني\".\n١٠ - ألحقت ما وجدناه من كلام مفيد في المصادر والمراجع، وذكرناه في الهامش مختصرًا، وما كان من شيخنا أشرنا إليه بـ \"ش\"، وما لم يذكر فيه \"ش\" فهو منسوب إليّ.\n١١ - قمنا بعمل فهارس فنية تكشف عن مضامين هذا الكتاب الجليل.","vol":"1","page":13},{"text":"وأخيرًا ندعو الله ﷾ أن يتقبل منا هذا العمل، ويتجاوز عما وقع منا من الخطأ والزلل، وينفع الله بهذا الكتاب الباحثين والدارسين، آمين يا رب العالمين.\nكتبه\nتقي الدين الندوي\nليلة الخميس ٢٥/ رمضان المبارك ١٤٢٥ هـ\nفي المدينة المنورة على صاحبها الصلاة والسلام","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تقديم</span>\nبقلم:\nسماحة الشيخ العالم الجليل محمد الرابع الحسني الندوي\nرئيس ندوة العلماء بالهند\nعلى الطبعة الجديدة\nلكتاب \"بذل المجهود في حل سنن أبي داود\"\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين، أما بعد!\nفإني أرى نفسي أصغر وأحقر من أن أقوم بكتابة تقديم على الطبعة الجديدة هذه لكتاب شرح سنن أبي داود العظيم \"بذل المجهود في حل سنن أبي داود\"، الذي قام بتأليفه العالم الجليل كبير المحدثين في عهده العلامة الشيخ خليل أحمد الأنصاري السهارنفوري، وكان في مساعدتِه تلميذُه العلامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي - رحمهما الله-.\nفإن جلالة موضوع هذا الكتاب وشرحه وعظم المسؤولية في أداء الواجب من التعريف بهما يجعلان الأمر صعبًا ومسؤولية ضخمة.\nولكن أخي في الله الدكتور الشيخ تقي الدين الندوي المظاهري الذي بذل جهده الكبير في خدمة هذا الكتاب بإخراجه أحسن إخراج قد أصرّ عليّ","vol":"1","page":15},{"text":"بأن أكتب لطبعته الجديدة تقديمًا يحصل لي به شرف وبركة بمشاركتي بكلماتٍ أقدّم بها للطبعة الجديدة لهذا الكتاب الجليل، فقبلت إصراره رجاء حصول بركة وخير لهذا الفقير إلى رحمة الله، وقد قال قائل:\nأُحِبُّ الصَّالِحِين وَلَسْتُ منهم\nلَعَلَّ الله يرزقُني صَلاحا\nوبعد:\nفإنه لا يخفى على كل مطَّلعٍ على أهميَّة كتب الصحاح في الحديث الشريف أن كتاب \"سنن أبي داود\" الذي نحن أمام شرحه هذا إنما له قيمة كبيرة بين كتب الحديث لخصائصَ وميزاتٍ تخصه، وللاهتمام الذي قام به مؤلِّفه الإِمام أبو داود في اختيار أحاديث الأحكام، ولالتزامه بخصائص وميزات أصبح به هذا الكتاب يسدّ مكانًا يجعله منفردًا في جوانب مهمة عديدة في علم الحديث الشريف؛ أما في أهمية مكانته من بين كتب الصحاح الستة والاهتمام بما يتعلق به من مهمات في الإسناد وما يتعلق بالمتن، وبذلك نال تقديرًا كبيرًا من المهتمين بعلم الحديث، وأصبح مما لا يستغني عنه مشتغل بهذا العلم.\nوقد كتب مؤلفه بنفسه عن أهمية هذا الكتاب في رسالة أرسلها إلى أهل مكة، يقول فيها:\n\"وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبي - ﷺ - بإسناد صالح إلَّا وهو فيه، إلَّا أن يكون كلام استخرج من الحديث، ولا يكاد يكون هذا، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلًا أن لا يكتب من بعد ما يكتب هذا الكتاب شيئًا، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه علم إذًا مقداره\".\nوقال أبو سليمان الخطابي صاحب \"معالم السنن\":","vol":"1","page":16},{"text":"\"واعلموا- رحمكم الله- أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنّف في علم الدين كتاب مثله، فقد رزق القبول من الناس كافة، وصار حَكَمًا بين فرق العلماء وطبقات القرّاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه وِرد، ومنه شرْب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من المدن في أقطار الأرض\".\nولقد شرح هذا الكتاب كثير من العلماء السلف والخلف.\nوكان نصيب علماء الهند من خدمة هذا الكتاب وشرحه نصيبًا غير منقوص، كشأنهم في خدمة علم الحديث عامة، وخدمة الصحاح الستة بصفة خاصة.\nوقد قام بشرحه أخيرًا المحدث الكبير العالم الرباني الجليل الشيخ خليل أحمد السهارنفوري، وكان كبير أساتذة الحديث الشريف في جامعة مظاهر العلوم، ورئيسًا للقسم، وكان من أعظم علماء عصره، والربانيين الكبار في عهده، وكان اعتناؤه بـ \"سنن أبي داود\"- تدريسًا وتحقيقًا- كبيرًا وطويلًا.\nوكانت فكرته لشرح هذا الكتاب تراوده منذ أيام الطلب وعنفوان الشباب، وكان يتمنّى على الله أن يُوَفَّقَ لهذا العمل الجليل.\nولما بلغ الشيخ أربعًا وستين سنة من عمره، وذلك في سنة ١٣٣٥ هـ، جاء الوقت المقدّر له من الله لتحقيق أمنيته القديمة التي لم تفارقه طيلة مدة اشتغاله بتدريس الحديث الشريف السابقة.\nونظرًا إلى ضعف صحته وشيخوخته أراد أن يكون في التعاون معه في هذا العمل الجليل بعض خيرة تلاميذه ممن كانوا يشتغلون في المدرسة معه بتدريس الحديث الشريف ومتعلقاته، ووقع اختياره لذلك على تلميذه النابغ سماحة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي ابن صديقه الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي - ﵏-، وكان من أقرب المتصلين به، فلم يستجب","vol":"1","page":17},{"text":"فضيلة الشيخ محمد زكريا لطلبه استجابة فحسب، بل وجد في ذلك مطلوبه، الذي كان في أمنيته وهو تلميذه النجيب، وكان يشتغل بتدريس الحديث الشريف ويهتم به تحت إشراف أستاذه أيضًا، في الجامعة نفسها، فأراد منه أستاذه الشيخ خليل أحمد المساعدة في هذا العمل الجليل، بالمراجعة والتحقيق فيما يلزم في شرح هذا الكتاب، ليتمكن بمساعدته أستاذُهُ الشيخ الجليل من إنجاز هذا العمل المهم الضخم بإتقان وكمال لائقين رغم ضعف صحته وشيخوخته العائقة من جهد شاق وعمل كثير جاد.\nعلى كل، فقد اشتغل الأستاذ بشرح السنن وعكف تلميذه الشيخ محمد زكريا على التعاون معه بجهد مخلص وعمل دؤوب واهتمام متواصل بمراجعة وتحقيق وتعليق مهم حتى بلغ العمل إلى نهايته.\nوكان إكماله في مهبط الوحي في مدينة الرسول - ﷺ -، وجاء الكتاب في خمس مجلدات كبار في ألفين من الصفحات بالقطع الكبير باسم \"بذل المجهود في حل سنن أبي داود\".\nوامتاز الكتاب باشتماله على فوائد كثيرة معتمدًا على شروح مختلفة ومراجع شتى، وبالتزام ما يلزم من البحث والتحقيق في هذا العلم المهم الشريف على نهج كبار الشراح الذين تلقت الأمة شروحهم بقبول عام. وبلغت مساعدة الشيخ محمد زكريا لأستاذه الشيخ في جهده ذلك إلى أبعد حد، فجاء هذا الشرح القيم الجديد مشتملًا على تعليقات قيمة في أسماء الرجال وأصول الحديث، وقد عارض مؤلفه الحجة بالحجة، وكان عكوفه في أكثر الأحيان مختصًا بصناعة الحديث وحده وبمتعلقاته من الفنون، ونال الشيخ تقديرًا عظيمًا وقبولًا حسنًا جدًّا من المتخصصين في فن الحديث، وكان مشتملًا على مقدمات في أول الكتاب لعدد من كبار العلماء النابغين في الحديث الشريف.","vol":"1","page":18},{"text":"وطبع الكتاب مرات عديدة، وكان طبعه على الحجر حسب ما كانت عليه الطباعة آنذاك في الهند، ونال قبولًا عظيمًا بين المشتغلين بعلم الحديث الشريف تدريسًا ودراسة.\nولما تَيَسَّر استخدامُ الحروف الحديدية بطباعة الكتب العربية في البلدان العربية وبخاصة في مصر والشام أراد فضيلة الشيخ مولانا محمد زكريا الكاندهلوي - رحمه الله تعالى (١) - أن يخرج كتاب أستاذه ذلك إخراجًا أحسن من السابق على الحروف الحديدية، وبمراجعة أوسع، وأراد أن يتولّى تصحيح الطبعة الماضية وإعدادها للطبعة الجديدة تلاميذه، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي المظاهري أستاذ الحديث في دار العلوم لندوة العلماء لكهنؤ، (الهند) (٢).\nفنشط الدكتور الشيخ تقي الدين لهذا العمل مع بعض تلاميذ الشيخ محمد زكريا الأجلاء، وقام بخدمة هذا الكتاب: بإعداده للطبع على الحروف الحديدية بمراجعة وتحقيق أكثر، وتصحيح الأخطاء المطبعية التي ظهرت عند التحقيق والمراجعة، وبإيضاح ما غمض من الكلمات في الطبعة السابقة، حتى جاء الكتاب في مظهر جميل، ونالت طباعته تقدير أهل العلم جميعًا، وامتازت الطبعة الجديدة بمزيد من الفوائد.\n_________\n(١) وذلك بعد وفاة شيخه مؤلف هذا الكتاب، وقد حلَّ محل شيخه في رئاسة قسم الحديث الشريف في جامعة مظاهر العلوم، وأحرز مكانة مرموقة في خدمة الحديث الشريف، وصدرت له كتب عديدة في شرح الحديث الشريف مثل شرح \"أوجز المسالك إلى موطأ مالك\" في مجلدات كبار، وكتاب \"لامع الدراري على جامع البخاري\" و\"جزء حجة الوداع وعمرات النبي - ﷺ -\" وغيرها من كتب أخرى، واستمر سماحته تعلو مكانته في الحديث الشريف بين رجال العلم والدين، ولقب بلقب \"شيخ الحديث\"، ونظرًا إلى ما كان بذله من مساعدة في إخراج كتاب أستاذه-\n(٢) ثم صار أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الإمارات العربية المتحدة مدة لا بأس بها.","vol":"1","page":19},{"text":"وبعد مدة من الزمن خطر ببال الدكتور الشيخ تقي الدين الندوي المظاهري الذي كان سهمه كبيرًا في الاهتمام بطبع الكتاب بالحروف الحديدية أن ينظر في هذه الطبعة كذلك نظرة فحص واستعراض ومراجعة، وقد مضى وقت على تداول الكتاب، فوجد أن الكتاب بحاجة إلى طبعة جديدة وبمراجعة أوسع وأحسن للمصادر التي ظهرت حديثًا، فأراد الشيخ تقي الدين الندوي أن يقوم بخدمة هذا الكتاب من جديد، وتشجع لهذا العمل الجليل، واشتغل به عدة سنوات بالتصحيح والتحقيق، وخدم هذا الكتاب بعدة نواح.\nوذكر فضيلة الشيخ تقي الدين نفسه نقاطًا منها في مقدمته لطبعة الكتاب، منها:\n١ - مقارنته بين الطباعة الهندية والطباعة المصرية ليعرف مدى صحة الطباعة المصرية.\n٢ - تصحيح الأخطاء التي وجدها في هذه الطبعة كذلك، فقد رأى عند المقارنة بعد قيامه بفحص الطبعة الجديدة أن هذه الطبعة من الكتاب تفتقر أيضًا لتصحيحها إلى أن يراجع الأصول والمصادر التي أخذ منها الشارح، ووجد أن عديدًا من المصادر التي كانت قد طبعت في الماضي جاءت طبعاتها الجديدة في صورة أحسن وأكمل.\n٣ - رأى أن الشارح - ﵀ - كان قد استفاد من النسخ المخطوطة أيضًا، وكانت منها نسخة \"عون المعبود\"، وقد ذكرها الشارح في مقدمته، فكان من الضروري النظر إلى النسخ الجديدة منها.\n٤ - رأى أن الشارح حاول تخريج الروايات التي أشار إليها الإمام أبو داود، فإذا لم يجد صرّح بقوله: إني تتبعت كتب السنة فلم أجد، وكان من جملة أسباب عدم وجدانه لها أن بعض مصادر السنة لم تظهر في عصره، منها: \"المعجم الكبير\" للإمام أبي القاسم الطبراني، و\"مسند","vol":"1","page":20},{"text":"الإِمام الحميدي\"، و\"مصنف الإِمام عبد الرزاق\"، وغيرها من الكتب، فحاول الشيخ تقي الدين بقدر الإمكان تخريج هذه الروايات.\n٥ - كان سماحة الشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي قد علق على هذا الكتاب، وتعليقاته نشرت على هوامشه، ومنها ما هي مأخوذة من \"شرح ابن رسلان\" وهو مخطوط، فحاول الشيخ تقي الدين المقارنة بينها وبين ما جاء في الشرح لتصحيح الأخطاء التي حصلت من انتساخ الكتاب.\n٦ - اعتنى الشيخ تقي الدين بترقيم وتشكيل الأحاديث والأبواب والكتب، وفي ترقيم الأحاديث أضاف في الترقيم المسلسل الأحاديث الزائدة من \"بذل المجهود\".\n٧ - قام الشيخ أيضًا بتخريج روايات \"سنن أبي داود\" من الكتب الستة وغيرها من كتب السنن.\n٨ - حاول بيان المواضع وأرقام الصفحات مما جاءت في الشرح أو الهامش من المصادر والمراجع، وحاول ذكر إحالاته إلى المراجع والمصادر، وقام بعمل الفهارس الفنية، وهذه أمور ذكرها الشيخ تقي الدين في مقدمته.\n* على كل، فقد بذل الشيخ تقي الدين منتهى جهده في خدمة هذا الشرح الجليل لكتاب السنن المهم العظيم، وبذلك أدّى حق شيخه سماحة الشيخ العلامة محمد زكريا رحمه الله تعالى خير الأداء، وزاد في صحة الطبع والتحقيق لما غمض أر خفي مما ورد في الطبعات السابقة من الكتاب، وذلك بمراجعته لما صدر حديثًا من كتب المراجع في هذا الفن، والاقتباس من فوائد متعلقة من مضامين الكتب من المراجع المطبوعة الجديدة.\nهذا، وقد أدّى بذلك الشيخ تقي الدين الندوي بالإضافة إلى خدمته لكتاب \"بذل المجهود\" خدمة كبيرة أخرى في التحقيق والمراجعة لطباعة","vol":"1","page":21},{"text":"كتب الحديث المختلفة، وكان عدد من هذه الكتب من تأليف سماحة الشيخ محمد زكريا ﵀، وعدد لبعضها كان لغيره، جزاه الله تعالى أعظم الجزاء على خدمته لعلم الحديث الشريف.\nوكان مما حفز همة الشيخ تقي الدين لإخراج هذا الشرح الجليل إخراجًا أجمل وأحسن: أن صاحب السمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان -حفظه الله تعالى ورعاه- نائب رئيس مجلس الوزراء لدولة الإمارات العربية المتحدة قد تولّى بذل ما يتأتى من نفقات لطبع هذا الكتاب طبعة جديدة، فهو يستحق التقدير على هذه المبرّة، وسينال جزاءًا خيرًا عليها من الله تعالى، فلو لم يكن تولَّى نفقات الطبع لم يكن سهلًا ظهور هذه الطبعة رغم كل الجهود التي بذلت في التصحيح والمراجعة لهذا الشرح الضخم ذي المجلدات الكبيرة العديدة في مظهرٍ من الطباعة الجميلة، فهو يستحق من كل معتنٍ بحديث الرسول - ﷺ - التقدير الكبير والشكر.\nوإن الجهد العظيم الذي قام ببذله فضيلة الشيخ تقي الدين لأداء حق شيخه سماحة العلامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي وشيخه المؤلف لهذا الشرح، وواصل ليله بنهاره فيه إنما هو جهد يستحق عليه التقدير من جميع المشتغلين بالحديث تدريسًا ودراسة وتأليفًا، وخاصة لأن سعة الموضوع وكثرة التأليف فيه ووفرة المعلومات في المراجع والمصادر لهذا الفن تجعل العكوف على المراجعة والتحقيق أمرًا صعبًا ومستنفدًا للجهد.\nوقد نجح الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي في هذا المجال، وأخرج الكتاب بقدر ما يمكن من الجودة والكمال، تقبل الله منه سعيه وجزاه أعظم الجزاء، ولله المنة والفضل.\n١٤/ رجب ١٤٢٦ هـ\n٢٠/ ٨/ ٢٠٠٥ م\nوكتبه\nمحمد الرابع الحسني الندوي\nالرئيس العام لجامعة ندوة العلماء لكهنؤ (الهند)","vol":"1","page":22},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>تَقْدِيمُ الْكِتَابِ</span>\nبقلم: سماحة العلامة\nالشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي (١)\nالحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيّين محمد، وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.\nأما بعد: فيسعدكاتب هذه السطور أن يقدّم لكتاب \"بذل المجهود في حل أبي داود\" للعلَّامة المحدّث الكبير، والمربِّي الجليل، مولانا خليل أحمد السهارنفوري- رحمة الله عليه-، وقد سعد الكاتب ووُفِّقَ لتقديم عدة كتب قيمة ومؤلفات عظيمة لتلميذه الأبرّ الأكبر شيخنا العلَّامة محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي السهارنفوري (٢)، كـ \"مقدمة أوجز المسالك\" و\"مقدمة لامع الدراري\" و\"جزء حجة الوداع وعمرات النبي - ﷺ -\" و\"الأبواب والتراجم للبخاري\".\n_________\n(١) قد انتقل - ﵀- إلى جوار ربه يوم الجمعة ٢٢ من شهر رمضان ١٤٢٠ هـ الموافق ٣١ من شهر ديسمبر ١٩٩٩ م، فإنا لله وإنَّا إليه راجعون.\n(٢) تُوفي إلى رحمة الله تعالى في غرة شعبان ١٤٠٢ هـ، انظر ترجمته في: \"كتاب تذكرة حياته\" لسماحة الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي بالأردية، والمجلة الأحمدية العدد السابع - ٢٠٠١ م الصادرة من دبي بعنوان \"الإِمام المحدث محمد زكريا الكاندهلوي وآثاره في علم الحديث\" لولدي العزيز الدكتور ولي الدين الندوي.","vol":"1","page":23},{"text":"وكاتب هذه السطور يشهد الله على أن هذه الكتابات لم تخدعه عن نفسه، وقد كان يتقدم إليها في كل مرة متهيبًا خاشعًا أمام جلال الموضوع، ومكانة الكتاب العلمية، ومنزلة المؤلف الدينية، وعلو كعبه واختصاصه في علم الحديث، مؤمنًا بضآلة قدر نفسه، وقلة بضاعته، وبأنه متطفل على مائدة هذا الفن الشريف، يعتبر- عَلِمَ الله- أن إقدامه إلى هذا التقديم جسارة تكاد تكون وقاحة وإساءة أدب وقلة حياء، وبأن في القطر الهندي وحده، فضلًا عن شبه القارة الهندية، فضلًا عن العالم الإِسلامي، من هو أجدر وأقدر وأولى بهذه التقديمات، والتعريف بالتأليف والمؤلف.\nولا يستطيع الكاتب أن يُعلِّل هذا التكريم المتكرر إلَّا بحكمة إلهية خفية، وأسلوب من أساليب التربية، التي خص الله بها كبار المربين وحُذَّاق المعلمين، وأن لهم في ذلك مرامي بعيدة ومقاصد دقيقة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (١)،ولعل ذلك لإِثارة كوامن الشوق وتشحيذ العزم الفاتر، والهمَّة الكليلة في دراسة هذا الفن الشريف، وإعادة الخيط النوراني الذي يربط القلوب بهذا العلم، والذي ضعف وكاد ينقطع.\nوعلى كلٍّ فالكاتب يعتقد كل ذلك من أعظم نعم الله ﷾ عليه، التي لا يستوفي حق شكرها.\nفلو أن لي في كل منبت شعرة ... لسانًا لما استوفيت واجب حمده\nوكتاب \"بذل المجهود\" هو واسطة العقد بين هذه الكتب التي أمرت بالتقديم لها، واهتمام شيخنا العلامة محمد زكريا بنشره في الحروف العربية ووصوله إلى أيدي علماء الحديث والمشتغلين بتدريسه وتحقيقه، وانتشاره في الأوساط العلمية والمدارس الدينية، وحلوله المحل اللائق به من بين شروح الحديث التي ألفت في العصور الأخيرة أعظم وأكثر، إذ هو ليس مجرد تأليف لشيخه- الذي أحبه واقترنت حياته العلمية بحياته، وليست\n_________\n(١) سورة المدثر: الآية ٣١.","vol":"1","page":24},{"text":"إلَّا ظلًاّ ممدودًا لهذه الشجرة الطيبة المباركة- بل هو فلذة كبده وقطعة نفسه، وأحبُّ أعماله إليه كما سيقرأ القارئ في السطور الآتية.\nفأصبح خروج هذا الكتاب في الثوب القشيب والمظهر الجديد أعَزَّ أمانيه وأكبر آماله، يتلذَّذ بالحديث عنه ويتسلَّى بالتفكير فيه، وقد طابت له الحياة، وهانت عليه المحن والخطوب في سبيل نشر هذا الأثر العلمي العظيم، وتذكار شيخه الأثير الحبيب، وانتظار خروجه واكتماله.\nومن دواعي الغبطة والسرور لكاتب هذه السطور أن يكون له نصيب في هذا العمل، وأن يكون عاملًا صغيرًا في تحقيق هذه الأمنية العزيزة وإظهار هذه المأثرة الخالدة.\nوكلمة وجيزة عن مكانة \"سنن أبي داود\" ومنزلته من بين دواوين السنَّة ومجاميع الحديث، وإن كان هذا الموضوع قد استوفي في كتب أصول الحديث، ومقدمات علم الحديث، وتاريخ تدوين السنَّة، ولم يترك الأول للآخِر شيئًا، ولا يجاوز عمل كاتب مثلي إعادة ما قيل، وإجمال ما فُصِّل، ووقفة قصيرة عند شروح هذا الكتاب وتعليقاته، ونظرة إجمالية في هذا الشرح، ومكانته من بين الشروح، والثغرة التي يسدها، ولماذا احتاج المؤلف إلى وضعه؟ ومدى ارتباط المؤلف بهذا الكتاب وتفانيه فيه، وتعلقه به، ومدى نجاحه في هذا العمل، وكيف تم تأليف هذا الكتاب، وما هو سهم تلميذ المؤلف النابغة في تأليفه؟ وما فضله وتأثيره في حياته ونجاحه ونبوغه؟ فلكل ذلك قصة ممتعة مفيدة، فيها عبرة لمن اعتبر، ودروس مفيدة لتلاميذ المدارس النجباء، وروّاد العلم الأذكياء، وأولي الهمم من المؤلفين والعلماء ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ (١).\nأما \"سنن أبي داود\" فهو من كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، وتلقاها علماء الصناعة وأئمة الفن بالاعتناء التام، وعليه المعوَّل والاعتماد\n_________\n(١) سورة الأعراف: الآية ١٧٦.","vol":"1","page":25},{"text":"قديمًا وحديثًا، وهو ثالث الأركان أو الرابع - في قول بعض المحققين- التي قام عليها بناء السنَّة.\nونبدأ بكلام الإِمام أبي داود نفسه في وصف كتابه وذكر خصائصه، فهو الثقة الصدوق فيما يقول، ولا يصف كتابًا ولا يعرف غوامضه مثل مؤلفه.\n* قال - ﵀- في رسالة أرسلها إلى أهل مكة في صفة كتابه:\n\"وهو كتابٌ لا يرد عليك سنة عن النبي - ﷺ - بإسنادٍ صالح إلَّا وهو فيه، إلَّا أن يكون كلام استخرج من الحديث ولا يكاد يكون هذا، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلًا أن لا يكتب من بعد ما يكتب هذا الكتاب شيئًا، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه يعلم مقداره\" (١).\n* وقال أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد ابن الأعرابي - وهو أحد كبار تلاميذ الإِمام أبي داود وصاحب النسخة المشهورة للـ \"سنن\"-: \"لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب- وأشار إلى نسخة \"السنن\" وهي بين يديه- لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة\" (٢).\n* وقال أبو سليمان الخطابي صاحب \"معالم السنن\": \"واعلموا - رحمكم الله- أن كتاب \"السنن\" لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رُزِق القبول من الناس كافةً، فصار حَكَمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلٍّ فيه وِرْدٌ ومنه شرب، وعليه معوَّل أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض.\n_________\n(١) مقتبس من (رسالة أبي داود السجستاني في وصف تأليفه لكتاب \"السنن\" ص ٦ - ٧) رواية أبي الحسين بن جميع عن محمد بن عبد العزيز الهاشمي عنه، طبعت في مطبعة الأنوار بالقاهرة سنة ١٣٦٩ ص بتحقيق العلامة محمد زاهد الكوثري.\n(٢) ذكره الخطابي في مقدمته سماعًا من ابن الأعرابي \"معالم السنن\" (١/ ١٤).","vol":"1","page":26},{"text":"فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفًا وأكثر فقهًا، وكتاب أبي عيسى أيضًا كتاب حسن، والله يغفر لجماعتهم، ويُحسن على جميل النية فيما سعوا له مثوبتهم برحمته.\nإلى أن قال: وكان تصنيف علماء الحديث- قبل زمان أبي داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظَ وآدابًا.\nفأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود، ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت فيه أكباد الإِبل ودامت إليه الرحل\" (١).\n* وقال شيخ الإِسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي - شارح \"صحيح مسلم\" وصاحب المؤلفات الكثيرة الشهيرة-، في قطعة كتبها في شرح \"سنن أبي داود\": \"وينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بـ \"سنن أبي داود\" بمعرفته التامة، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتجّ بها فيه مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنفه واعتنائه بتهذيبه\" (٢).\n* وقال العلَّامة الحافظ شمس الدين ابن قيم الجوزية صاحب \"زاد المعاد\" والمؤلفات المقبولة، في شرحه لاختصار المنذري- لـ \"سنن أبي داود\"-: ولما كان كتاب \"السنن\" لأبي داود سليمان بن الأشعث - ﵀- من الإِسلام بالموضع الذي خصه به، بحيث صار حكمًا بين\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٢ - ١٣).\n(٢) العبارة منقولة من \"الحطة في ذكر الصحاح الستَة\"، للأمير العلامة صديق حسن خان القنوجي (ص ١٠٦)، المطبعة النظامية كانفور طبع ١٢٨٣ هـ.","vol":"1","page":27},{"text":"أهل الإِسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضَى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتَّبها أحسنَ ترتيب، ونظمها أحسن النظام مع انتقائها أحسن الانتقاء واطِّراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء\" (١).\nوفيما نقلناه بلاغ ومقنع للدلالة على مكانة الكتاب وأهميته.\nوكانت نتيجته الطبيعية ومقتضى إجلال العلماء له واحتياج الفقهاء والمحدثين إليه أن يكثر الاهتمام بشرحه وخدمته، والتعليق عليه، فتناوله بالشرح كبار علماء الأمة وأئمة علم الحديث في كل عصر ومصر.\n- ومن أقدم شروحه وأشهرها، وأغزرها مادة، وأكثرها فوائد وأصولًا ونكتًا شرح \"معالم السنن\" لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (المتوفى سنة ٣٨٨ هـ).\nولا يعزبن عن البال أن الخطابي - رحمه الله تعالى- لم يشرح جميع الأحاديث، بل يأتي إلى الباب الذي تعددت فيه الروايات، فإذا كان المآل فيها واحدًا شرح منها حديثًا واحدًا، وكأنه بذلك شرح جميع الباب، وإلَّا شرح أكثر من ذلك على حسب ما يتراءى له، وإلى ذلك الإشارة بقوله: من باب كذا (٢).\nإلَّا أن الكتاب مجمع على فضله واحتوائه على فوائد كثيرة تنير السبيل للمستفيدين، وتنشئ فيهم ملكة الاستنباط وفقه الحديث، وقد جاءت في ثنايا الكتاب ثروة ذات قيمة من مقاصد الشريعة وأسرارها كما نوَّهَ بذلك شيخ الإِسلام الشيخ أحمد بن عبد الرحيم ولي الله الدهلوي في مقدمة \"حجة الله البالغة\" (٣).\n_________\n(١) \"تهذيب مختصر سنن أبي داود\" لابن القيم (١/ ٨).\n(٢) مقتبس من مقدمة الشيخ الراغب الطباخ على \"معالم السنن\" للخطابي، طبع حلب.\n(٣) وفي مكتبة دار العلوم \"ديوبند\" مقدمة للشيخ أبي طاهر أحمد بن محمد السّلَفي\nالأصبهاني، كتبها بطلب من جماعة للفقهاء حين إملائه لـ \"معالم السنن\" في سنة =","vol":"1","page":28},{"text":"- وشرحه الشيخ قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين (١) اليمني الشافعي (م سنة ٧٥٢ هـ) في أربعة مجلدات كبار.\n- وقد تناوله بالشرح شيخ الإِسلام محيي الدين النووي (م سنة ٦٧٦ هـ)، إلا أن هذا الشرح لم يتم، ولو تم لكانت له مكانة مرموقة؛ لاقتدار صاحبه على الشرح والإِيضاح، ورسوخه في علوم الحديث وسلامة ذهنه.\n- وشرحه الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج (م سنة ٧٦٢ هـ) ولم يكمله، وهو كتاب عظيم كثير الفوائد.\n- وشرحه شهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال المقدسي (م سنة ٧٦٥ هـ) سماه \"انتحاء السنن واقتفاء السنن\".\n- وشرحه الشيخ سراج الدين عمر بن علي ابن الملقن الشافعي (م سنة ٨٠٤ هـ).\n- وشرحه الشيخ العلامة ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن الحافظ أبي الفضل زين الدين العراقي (م سنة ٨٢٦ هـ).\nقال السيوطي: هو شرح مبسوط جدًا كتب منه من أوله إلى سجود السهو في سبع مجلدات، ولو كمل لجاء أكثر من أربعين مجلدًا.\n- وشرحه الحافظ شهاب الدين أحمد بن حسين بن رسلان الرملي\n_________\n= ٥٤٦ هـ للتعريف بصاحب \"السنن\" الإِمام أبي داود وبشارحه أبي سليمان الخطابي، يقول في هذه المقدمة: وقد أردت أن أقدِّم ها هنا فصلًا، في التنبيه على جلالة أبي داود وما صنفه، وفضل أبي سليمان وشرحه.\nوقد جاءت هذه المقدمة في ٢٢ صفحة من القطع الكبير، وهي خطية لم تطبع بعد، (مخطوطات دار العلوم ص ٩٥).\n[وقد طبع هذا الكتاب في مطبعة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة، وألحق في نهاية \"معالم السنن\"].\n(١) انظر \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٠٥).","vol":"1","page":29},{"text":"الشافعي (١) (م ٨٤٤ هـ) في أحد عشر مجلدًا، وقد رأى الشيخ العلَّامة حسين بن محسن الأنصاري شرحه في بعض بلاد العرب، وذكر أنه في ثمان مجلدات كبار، كما جاء في \"غاية المقصود\" (ص ٩) (٢).\n- وشرحه العلامة بدر الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي (م ٨٥٥ هـ)، ولم يكمل (٣).\nوشرحه العلامة جلال الدين السيوطي (م ٩١١ هـ)، وسمَّاه: \"مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود\".\nوعليه حاشية للعلَّامة السيد علي بن سليمان الدمنتي البُجُمْعَوي - المتوفى في أوائل القرن الرابع عشر-، وسمَّاه: \"درجات مرقاة الصعود\"، وقد قال في مقدمته: \"هذا اختصارنا لـ \"مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود\" للعلَّامة السيوطي، وهو تعليق على نسق أصله الذي لخص به \"معالم السنن\" للإِمام أبي سليمان الخطابي.\nوضم إليه الفوائد الزوائد والخرائد الشرائد، وهو في جزء واحد، طبع في المطبعة الوهبية سنة ١٢٩٨ هـ -.\n- وقد شرحه العلامة الشيخ محمود (٤) محمد خطاب السبكي المصري\n_________\n(١) اقرأ ترجمته الحافلة في: \"البدر الطالع\" للشوكاني (١/ ٤٩) و\"الضوء اللامع\" (١/ ٢٨٢) و\"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٤٨).\n(٢) استفدنا في هذا الباب من كتاب: \"الحطة في ذكر الصحاح الستَة\"، للعلامة صدِّيق حسن القنوجي و\"مقدمة غاية المقصود\".\n(٣) قد طبع هذا الشرح في بيروت، سنة ١٤٢١ هـ.\n(٤) هو المصلح الكبير الداعي إلى الله الشيخ محمود خطاب السبكي، تعلم العلم كبيرًا، وتخرج في الأزهر، وكانت دراسته بكاملها في نحو سنة، كما حكى هو عن نفسه في كتابه \"فتاوى أئمة المسلمين\"، ودرَّس في الأزهر، وقام بدعوة دينية إصلاحية، كان لها تأثير كبير في اتباع السنة وطريقة السلف الصالح وإزالة البدع والمنكرات، وأسِّس =","vol":"1","page":30},{"text":"(م ١٣٥٢ هـ) وسمَّاه: \"المنهل العذب المورود شرح سنن الإِمام أبي داود\"، وهو شرح حافل في عشرة أجزاء ولم يتم، وقد وصل المؤلف في شرحه إلى \"باب التلبيد\".\n* وكان نصيب علماء الهند من خدمة هذا الكتاب الجليل نصيبًا غير منقوص، شأنهم في خدمة علم الحديث عامة، وخدمة الصحاح الستة بصفة خاصة.\n- فأول من شرحه من علماء الهند: العلامة أبو الحسن السندي ابن عبد الهادي المدني (م ١١٣٩ هـ) وسمِّاه: \"فتح الودود على سنن أبي داود\".\nوتلاه علماء آخرون:\n- فعني به العلامة المحدِّث الكبير شمس الحق الديانوي (م ١٣٢٩ هـ)، فبدأ في شرح عظيم محيط بمباحث الكتاب والمتون والأسانيد، لو تم لكان عملًا جليلًا، ومن شروح الحديث الكبيرة الشاملة، إلَّا أنه لِسَعَةِ دائرته وضخامة عمله لم يتم، وسمَّاه: \"غاية المقصود\" وقد احتوى على بحوث مفيدة وفوائد كثيرة، ولعلَّ المؤلف قد شعر بأن هذا العمل لا يتم في حياته، فضيق دائرة التأليف، وصغَّر إطار الكتاب، وأخرج الكتاب في أربعة أجزاء، وسمَّاه \"عون المعبود\"، ونسبه إلى أخيه الشيخ محمد أشرف، وهو من تأليفه حقيقة (١).\n_________\n= جمعية سمَّاها: \"الجمعية الشرعية لتعامل العاملين بالكتاب والسنة المحمديَّة\".\nلقيتُ ابنه وخليفته الشيخ أمين محمود خطاب في مصر سنة ١٣٨٠ هـ، وتعرفت بكثير من أعضائها. راجع: \"مذكرات سائح في الشرق العربي\" لكاتب هذه السطور، (ص ٣٤).\n(١) راجع ترجمة مولانا شمس الحق الديانوي في \"نزهة الخواطر\" للعلَاّمة عبد الحي الحسني (٨/ ١٧٩).","vol":"1","page":31},{"text":"- وترجمه الشيخ وحيد الزمان اللكهنوي الحيدرآبادي الملقب بوقار نواز جنك (م ١٣٣٨ هـ)، وتناوله بالشرح والإِيضاح، وسمَّاه: \"الهدي المحمود في ترجمة سنن أبي داود\".\n- وقد جمع أحد تلاميذ العلامة محمد أنور شاه الكشميري (م ١٣٥٢ هـ) -وهو الشيخ أبو العتيق عبد الهادي محمد صديق النجيب آبادي- إفاداته في درس \"سنن أبي داود\"، وضم إليها فوائد اقتبسها من \"بذل المجهود\" للعلامة خليل أحمد السهارنفوري، وزاد فوائد أخرى التقطها من درس العلَّامة محمود حسن الديوبندي المعروف بشيخ الهند لـ \"صحيح البخاري\"، ودرس العلامة شبير أحمد العثماني لكتاب \"صحيح مسلم\"، وألف مقتَبِسًا من كل ذلك كتابًا أسماه \"أنوار المحمود\" في جزئين (١)، وتم الشرح فيهما.\n- وللشيخ فخر الحسن الكَنكَوهي (م ١٣١٥ هـ) تعليق على \"سنن أبي داود\"، وسمَّاه \"التعليق المحمود\".\n- وللشيخ العلامة المحدث القاضي حسين بن محسن (٢) الأنصاري اليماني تعليقات على \"سنن أبي داود\".\n- ولتلميذه العلَّامة السيد عبد الحي الحسني مؤلف \"نزهة الخواطر\" تعليق على \"السنن\" كذلك، لم يتم.\n* وكان الشيخ العلَامة المحدث الكبير مولانا خليل أحمد السهارنفوري من كبار المعنيين بـ \"سنن أبي داود\" تدريسًا وتحقيقًا.\nوكان مما جرت به العادة ووقع عليه الاتفاق في مدرسة مظاهر علوم - التي كان مديرها ورئيس أساتذتها- أن يباشر هو تدريس هذا الكتاب أو\n_________\n(١) طبع هذا الكتاب في تجلي بريس دهلي سنة ١٣٣٠ هـ، وعدد صفحات الجزء الأول ٦١٠، وعدد صفحات الجزء الثاني ٥٦٨، [وقد طبع في باكستان في مجلدين أيضًا].\n(٢) راجع ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٢١).","vol":"1","page":32},{"text":"يتولاه الشيخ العلَّامة محمد يحيى بن إسماعيل الكاندهلوي (١) (م ١٣٣٤ هـ) لا يتخطاهما إلَّا نادرًا.\nوكانت فكرة شرح هذا الكتاب تراود الشيخ منذ أيام الطلب وعنفوان الشباب، وكان يتمنى على الله أن يوفق لهذا العمل الجليل، وقد شرع في ذلك فعلًا، وبدا له أن يسميه: \"حل المعقود الملقب بالتعليق المحمود على سنن أبي داود\"، وأقبل على هذا العمل بعد أن عين مدرسًا، وقد شرع فيه ثلاث مرار، وكان الشروع فيه للمرة الثالثة سنة ١٣١١ هـ، إلَّا أنه لم يقدر له الاستمرار فيه وإكماله في ذلك الحين، فصرفته عنه الأشغال العلمية، والدروس المرهقة، والأسفار المتتابعة.\nوقد كانت لله في ذلك حكمة خفية، فقد أراد الله أن يتم هذا العمل على يده، وقد بلغ درجة النبوغ والنضج العقلي وتوسعت دراسته، واتسع علمه، وظهرت كتب جديدة في شرح هذا الكتاب، فجاء الكتاب حصيلة دراسته وعصارة مطالعته.\nوكان الباعث الأول على تأليف هذا الشرح هو شغفه بحديث رسول الله - ﷺ - الذي لا يعرف مداه وسره إلَّا من ذاق حلاوة الحب، وشغف بمحبوبه وبكل ما يصدر عنه ويتصل به وينسب إليه، وحرصه على الاشتغال بالحديث لفظًا ومعنًى، ومنطوقًا ومفهومًا، وشرحًا وتحقيقًا، وفحصًا وبحثًا.\nولما كان الشرح ضامنًا كافلًا بهذا الاشتغال والخوض في أعماق الحديث، آثره الشيخ والتزمه، فإن تمَّ الشرح وتحققت الأمنية، فنعم وحَبَّذا، وإلَّا فقد قضى هذه المدة في شغل عزيز لذيذ، وفي سعادة وغبطة وسرور.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أوجز المسالك\" (١/ ١٣٣)، و\"لامع الدراري\"، (١/ ٤٨٣).","vol":"1","page":33},{"text":"مُنًى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى! ... وإلَّا فقد عِشْنا بها زمنًا رغدًا\nوكان الباعث الثاني عليه هو: عدم وجود شرحٍ وافٍ لهذا الكتاب الجليل بقلم عالِمٍ حنفيٍّ يجمع بين التبحر في الحديث والتضلع في الفقه، مع أن الكتاب من أهم الكتب التي يعتمد عليها في إثبات مذهب أو رد مذهب، لأن موضوعه الخاص وميزته الكبرى هو أحاديث الأحكام، وهي التي يكثر فيها الخلاف، وتتجلَّى فيها القدرة على التحقيق وقوة الاستدلال، وذلك ما أهم المؤلف وشغل خاطره.\nولم يزل علماء الإِسلام منذ قديم الزمان يشرحون كتب الحديث- وفي مقدمتها الصحاح الستة- بوجهة نظرهم الخاص، ويطبقون بين الأحاديث وآراء مذهبهم، ويقدمون دلائلها من كتب الحديث الموثوق بها، المعتمد عليها، كما فعل الإِمام أبو جعفر الطحاوي (١) في \"شرح معاني الآثار\"، وكما فعل العلامة الزيلعي (٢) في \"نصب الراية\"، والعلامة علاء الدين ابن التركماني (٣) في \"الجوهر النقي\".\nوسادتنا الشافعية- والحق أحق أن يقال- قد أحرزوا قصب السبق في ميدان التأليف والتدوين، فإذا ألف أحدهم شرحًا لكتاب من كتب الصحاح تلاه عالم كبير من علماء المذهب الحنفي فألف شرحًا آخر لهذا الكتاب، وإذا ألف أحد كبار علماء الشافعية أو المالكية كتابًا في التفسير أو في أصول الفقه وتَلَقَّاه الناس بالقبول، وسارت به الرُّكْبان، وشغف به الأوساط\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٨٠٨)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٥٣)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ٨٨)، و\"الجواهر المضيئة\" (١/ ١٠٤).\n(٢) انظر ترجمته في: \"ذيل طبقات الحفاظ\" للسيوطي (ص ٦٢)، و\"الدرر الكامنة\" (٢/ ٣١٠).\n(٣) انظر ترجمته في: \"الدرر الكامنة\" (٣/ ٨٤)، و\"الجواهر المضيئة\" (١/ ٣٦٦)، و\"الفوائد البهية\" (ص ٥١).","vol":"1","page":34},{"text":"العلمية والحلقات التعليمية، جاء عالم حنفي فألف كتابًا في نفس الموضوع قد يفوقه، وقد يدرك شأوه، وقد يتخلف عنه، شأن الكتب العلمية والجهود البشرية في كل زمان ومكان، وهذه قصة \"عمدة القاري\" للعلامة بدر الدين العيني (١) مع \"فتح الباري\" للعلَّامة الحافظ ابن حجر العسقلاني (٢).\nوهذا هو الدافع النبيل الذي دفع بعض كبار علماء الحنفية إلى تأليف كتاب في تفسير القرآن بعد ما كثرت مؤلفات علماء الشافعية في التفسير، وانتشرت في الآفاق، وأقبل عليها الطلبة والعلماء درسًا وتدريسًا، كما فعل العلامة أبو البركات حافظ الدين النسفي (٣) (م ٨١٠ هـ) في كتابه \"مدارك التنزيل وحقائق التأويل\"، والعلامة أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي (٤) (م ٩٨٢ هـ) في تفسيره المسمى بـ \"إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم\"، والمحدث الكبيرِ والفقيه الشهير القاضي ثناء الله الباني بتي (٥) (م ١٢٢٥ هـ) في \"التفسير المظهري\".\nوالعلم الثالث الذي له صلة وثيقة بالمذاهب والآراء الفقهية، وعليه أساس استنباط المستنبطين واجتهاد المجتهدين، هو علم أصول الفقه، فكان المجال الثالث لتأليف فحول علماء المذاهب ونوابغهم، فألف العلامة أبو الحسين البصري (٦)، وإمام الحرمين العلامة أبو المعالي عبد الملك الجويني (٧)، وحجة الإِسلام محمد بن محمد الغزالي (٨)، والعلَّامة علي بن\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٨٦)، و\"الجواهر المضيئة\" (٢/ ١٦٥).\n(٢) انظر ترجمته في: \"الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإِسلام ابن حجر\" للسخاوي، و\"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٧٠).\n(٣) انظر ترجمته في: \"الدرر الكامنة\" (٢/ ٢٤٨)، و\"الجواهر المضيئة\" (١/ ٢٧٠).\n(٤) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٨/ ٣٩٨).\n(٥) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٧/ ١١٥).\n(٦) انظر ترجمته في: \"وفيات الأعيان\" (٤/ ٢٧١)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ٢٥٩).\n(٧) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٤٦٨)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ٣٥٨).\n(٨) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٣٢٢)، و\"شذرات الذهب\" (٤/ ١٠).","vol":"1","page":35},{"text":"أبي المظفر الآمدي (١)، والإِمام فخر الدين الرازي (٢)، وغيرهم من كبار علماء الشافعية، والعلَّامة جمال الدين ابن الحاجب (٣)، والعلامة أبو إسحاق الشاطبي (٤) من علماء المالكية، والإِمام محمد بن الحسين أبو يعلى (٥) والعلامة ابن قدامة المقدسي (٦) من علماء الحنبلية، مؤلفاتهم الشهيرة في علم الأصول، وسارت بها الركبان، ودرجت الأجيال على دراستها، وحفظ بعضها وشرحها عدة قرون.\nوصنف الإِمام علي بن محمد بن عبد الكريم فخر الإِسلام البزدوي (٧) (م ٤٨٢ هـ) من علماء الحنفية كتابه المشهور بـ \"أصول البزدوي\"، وصنف الشيخ العلَّامة حسام الدين محمد بن محمد بن عمر أخسيكثي الحنفي (٨) (م ٦٤٤ هـ) كتابه \"المنتخب الحسامي\"، وألف الشيخ العلامة كمال الدين بن همام الحنفي (٩) (م ٨٦١ هـ) كتابه المشهور \"التحرير\".\nوتداولت الأيدي هذه الكتب، وأقبل عليها العلماء دراسة وتدريسًا\nوشرحًا وتلخيصًا، حتى جاء الشيخ العلَّامة محب الله بن عبد الشكور الحنفي البِهَاري الهندي (١٠) (م ١١١٩ هـ) فصنّف كتابه المشهور \"مسلَّم الثبوت\"، فتهافت عليه العلماء والمؤلفون، وتناولوه بالشرح والتعليق، وقد شغل هذا الكتاب أذكى علماء البلاد وأبرعهم أكثر من قرن، وبلغ عدد شروحه وتعليقاته\n_________\n(١) انظر ترجمته: \"وفيات الأعيان\" (٣/ ٧٥).\n(٢) انظر ترجمته: \"وفيات الأعيان\" (٣/ ٣٨١)، و\"طبقات الشافعية\" (٥/ ٣٣).\n(٣) انظر ترجمته: \"وفيات الأعيان\" (٣/ ٢٤٨)، و\"شذرات الذهب\" (٥/ ٢٣٤).\n(٤) انظر ترجمته في: \"معجم المؤلفين\" (١/ ١١٨).\n(٥) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٣/ ٣٠٦)، و\"الأعلام\" للزركلي (٦/ ٣٣١).\n(٦) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٥/ ٨٨).\n(٧) انظر ترجمته في: \"سيرأعلام النبلاء\" (١٨/ ٦٠٢)، و\"الجواهر المضيئة\" (٢/ ٥٢).\n(٨) انظر ترجمته في: \"الجواهر المضيئة\" (٢/ ١٢٠)، و\"الفوائد البهية\" (ص ١٨٨).\n(٩) انظر ترجمته في: \"الضوء اللامع\" (٨/ ١٢٧)، و\"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٩٨).\n(١٠) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٦/ ١٥٢).","vol":"1","page":36},{"text":"التي اشتهرت بين الناس ثمانية شروح على ما جاء في كتاب \"الثقافة الإِسلامية في الهند \" للعلَّامة السيد عبد الحي الحسني، وكان ذلك طبيعيًا ومعقولًا، ومما اقتضته طبيعة اختلاف المذاهب وطبيعة العلم والبحث.\nإن هذه الحركة العلمية القوية التي انتشرت في مختلف أنحاء العالم الإِسلامي، واستمرت إلى عهد قريب، وظهرت بشكل خاص في مجال شروح الحديث وكتب التفسير وأصول الفقه، أفادت النشاط العقلي والعلمي في العالم الإِسلامي إفادًة كبيرة، لأنها مخضت المكتبة الإِسلامية الدينية، وغربلتها غربلة، ونخلت كتب الحديث والرجال وعلمي الأصول، للاحتجاج لما كان يراها المؤلفون وعلماء المذاهب من الآراء الفقهية من الكتاب والسنَّة والحديث الصحيح، وإقامة الدليل والبرهان عليه، فلم يبق جانب من جوانب الحديث النبوي وما يتصل به من علوم ومقدمات إلَّا وكشف عنه، ولا موضوع له نسب قريب أو بعيد بالسنَّة وآيات الأحكام إلَّا وبحث ودرس ونوقش، واستعملت العقول في ذلك إلى أقصى حدودها، فكان كل ذلك بما يعود على الشريعة الإِسلامية بالنفع، وتكوَّنت هذه المكتبة الدينية التي لا نظير لها في الملل والأمم.\nوفي سنة ١٣٣٥ هـ حين بلغ الشيخ أربعًا وستين سنة من عمره، جاء الوقت الموعود المقدر لتأليف هذا الكتاب، فذكر أمنيته القديمة التي لم تفارقه مدة حياته الدراسية والتأليفية لتلميذه الذي ظهرت عليه آثار النجابة والنبوغ، واختص بالشيخ اختصاصًا لم يكتب لغيره، وهو العالم الناهض محمد زكريا- ابن صديقه مولانا محمد يحيى الكاندهلوي- الذي تخرج من المدرسة حديثًا، وعيِّن مدرسًا صغيرًا فيها، وذكر أنه لا يزال عنده حنين كامن لتأليف هذا الكتاب، إلَّا أن الأسباب لم تتهيَّأ له، وقد وهنت قواه وضعف بصره.\nوكان أكبر الاعتماد في إنجاز هذا العمل على والده العظيم الشيخ محمد يحيى الذي رزق قسطًا كبيرًا من الذكاء وحسن الملكة في علم الحديث، وكان من أنجب تلاميذ الشيخ الإِمام المحدث مولانا رشيد أحمد","vol":"1","page":37},{"text":"الكَنكَوهي (١)، وكان شديد التجاوب معه، عجيب التوارد في المباحث العلمية، والمسائل الغامضة الدقيقة خصوصًا في تطبيق الحديث والفقه، وبيان الحجج والدلائل للمذهب الحنفي، وقد توفي - ﵀- في سنة ١٣٣٤ هـ، ففقد لوفاته العضد الأيمن والمساعد الأكبر، وحزن عليه حزنًا شديدًا لخسارة العلم ورزيئة صناعة التعليم فيه، وكان دائمًا يشعر بمكانه الشاغر، وقال له وهو يمشي معه مرة: إذا ساعدتني أنت وزميلك حسن أحمد (٢) في تأليف هذا الشرح فلعل ذلك يحقق أمنيتي.\nولما وصل الشيخ الكبير إلى هذه النقطة من حديثه اهتزَّ له تلميذه النجيب، وصادف ذلك رغبة ملحة دفينة في نفسه في الحرص على خدمة الحديث الشريف والمثابرة عليه، والتفاني فيه، وإفناء العمر والقوى في سبيله، ولم يكن يجد لذلك سبيلًا، ولا يصدق أنه ممكن؛ لأنه الآن في الشوط الأول من التدريس، فمتى يصل إلى الاشتغال بكتب الحديث، وكيف تتأتى له هذه الفرصة؟ فكان قد دعا الله مخلصًاومبتهلًا حين قرأ فاتحة الفراغ على والده وأستاذه، أن لا ينقطع عن الاشتغال بالحديث، ويظل حياته عاكفًا عليه بالتدريس والتأليف، فكأنما تكلم الشيخ على لسانه، وعَبَّر عن جَنانه، وتحقق حلمه اللذيذ الذي كان يراه بعيد المنال وضربًا من المحال فلم يتمالك نفسه، وانفجر قائلًا: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (٣).\nولعلَّ الله أجاب دعائي وقص عليه القصة بطولها، وفرح الشيخ ودعا له بالتوفيق، وأملى أسماء كتب يُستعان بها في هذا الموضوع، وابتدأ العمل من غدٍ، وكان ذلك لليلة خلت من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة وألف.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٤٨)، و\"أوجز المسالك\" (١/ ١٤٢).\n(٢) كان من تلاميذ الشيخ الأذكياء المرجويين، ومات شابًا - ﵀-.\n(٣) سورة يوسف: الآية ١٠٠.","vol":"1","page":38},{"text":"وكان منهج التأليف أن الشيخ كان يرشد إلى مظان الموضوع في الكتب التي جمعت، وتوجد في مكتبة المدرسة، وكان التلميذ يجمع المواد العلمية وما كتبه المتقدمون من الشراح والمؤلفين، ويقرأها على الشيخ، فيختار منها ما يستحسنه، ويملي الشرح.\nواستمر العمل، والشيخ لا هَمَّ له ولا لذة إلَّا في هذا العمل الذي يعدُّه من أعظم القربات، ومن أفضل العبادات، والتلميذ لا شغل له - إلَّا ساعات تمضي في دروس معدودة- إلَّا مطالعة الكتب وجمع المواد وعرضها على الشيخ.\nومضت على ذلك تسعة أشهر، وتمَّ شرح الجزء الأول في سلخ ذي القعدة ١٣٣٥ هـ، وكان الشيخ قد ملكته فكرة هذا التأليف وتغلغلت في أحشائه، وخالطت لحمه ودمه، وسيطرت على مشاعره وتفكيره وذوقه، حتى كان آخر ما يفكر فيه قبل النوم وأول ما يهتم به عند اليقظة، وحق له أن ينشد بلسان الشاعر الحماسي (١):\nأآخر شيء أنت في كل هَجْعَة؟ ... وأول شيء أنت عند هبوبي\nولا يفهم ذلك إلَّا من أكرمه الله بالغرام بمبدأ سام ومقصد رفيع، فكان ذلك عنده مقياس الرضا ووسيلة القرب، فبمقدار عناء الرجل في هذا العمل وإعانته عليه ومساهمته فيه كان حظيًا عنده، وجيهًا في عينه، وقد عرف الناس ذلك وانتفعوا به، وتقربوا إليه.\nذكرني هذا بما ذكره القاضي ابن شدّاد (٢) عن السلطان صلاح الدين الأيوبي (٣)، يقول: \"ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء عظيمًا، بحيث ما كان له حديث إلَّا فيه،\n_________\n(١) انظر: \"ديوان الحماسة\" (ص ١١٤).\n(٢) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/ ٣٨٣)، و\"وفيات الأعيان\" (٧/ ٨٤).\n(٣) انظر ترجمته في: \"وفيات الأعيان\" (٧/ ١٣٩).","vol":"1","page":39},{"text":"ولا نظر إلَّا في آلته، ولا كان له اهتمام إلَّا برجاله، ولا ميل إلَّا إلى من يذكره ويحث عليه، وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد\" (١).\nومن يقرأ كتب التراجم والطبقات، يرى أمثلة هذا الشغف والاستغراق عند كثير من العلماء والمؤلفين والعظماء والمصلحين في مشاربهم وأذواقهم.\nوإذا استولى هذا الحب على إنسان، وجرى منه مجرى الروح والدم أتى بالعجائب، وكان مصدر إلهام وتوجيه، وقد وقع للشيخ بعض حوادث غريبة، فمنها أنه رأى مرة فيما يرى النائم كأن مُنَبِّهًا يُنَبِّهَهُ على خطأ في هذا الشرح، وقد فرغ منه، فلما استيقظ دعا تلميذه الشيخ محمد زكريا، وأخبره بهذه الرؤيا، ولما راجع هذا المقام وجد أن فيه خطأ فأصلحه.\nوكان العمل قائمًا على قدمٍ وساقٍ، وكان الشيخ منصرفًا إليه بقلبه وقالبه، وتلميذه مقبلًا عليه بجميع قواه ومواهبه، إذ عرضت للشيخ رحلة إلى الربوع المقدسة مهبط الوحي ومدرسة الحديث الأولى، وأبدى التلميذ - بما رأى من حرص الشيخ على إتمام هذا الكتاب مع ضعفه وعلوّ سنّه - رغبته في المرافقة، فقبلها الشيخ مسرورًا، وأَمَلَ في تمام هذا العمل، وتوجَّها على بركة الله إلى الحرمين الشريفين، وذلك في شهر شوال سنة ١٣٤٤ هـ. ولم يزالا مكبين على إتمام هذا الشرح، منقطعين إليه، لا يتخللهما إلَّا العبادة والفرائض الدينية والأمور الطبيعية.\nوكان الشيخ له دعوات ثلاث، وأماني عزيزة، لا تعدل بها أمنية، أُولاهما: أن تقوم في الحجاز حكومة إسلامية مستقرة، ويسود في ظلها الأمن والسلام وتستقر الأمور، والثانية: إكمال \"بذل المجهود\"، والثالثة:\n_________\n(١) \"النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية\" (ص ١٦).","vol":"1","page":40},{"text":"أن يوافيه الوقت الموعود في مدينة الرسول ويدفن في البقيع. وقد أجاب الله دعواته الثلاث التي دعا بها على الملتزم، وحقق هذه الأماني كلها.\nولثمان بقين من شعبان- ٢١ شعبان- سنة ١٣٤٥ هـ تحققت أمنيته الكبرى التي غَذَّاها بدم قلبه فتم الشرح، وقد كانت مدة تأليفه عشر سنوات وخمسة أشهر، وزادت عليها عشرة أيام، وتم الكتاب في خمسة مجلدات كبار وفي ألفين من الصفحات بالقطع الكبير، فكان له يوم عيد، بل يومٌ ما جاء عليه يومٌ هو أكثر فرحًا وسرورًا فيه من هذا اليوم، فعين يومًا (وهو يوم الجمعة ٢٣ شعبان سنة ١٣٤٥ هـ) لضيافة علماء المدينة وأحِبَّته وأصدقائه، شكرًا لله تعالى وإبداءً لسروره وفرحه، وصنع طعامًا كثيرًا على طريقة أهل الحجاز، وأخبر تلاميذه ومريديه وأحبته في الهند بهذا الموعد المبارك ليشاركوه في السرور والشكر.\nوقد وهب للمدرسة - مظاهر علوم - حقوق هذا الكتاب تنتفع به وهي صاحبة الامتياز في طبعه، وقد طبع مرتين.\nوهذه هي الطبعة الثالثة بالحروف العربية للمرة الأولى، مع زيادات وإفادات مهمة للشيخ محمد زكريا الذي كان له النصيب من أول عهد تأليف هذا الكتاب.\nنسأل الله أن ينفع به طلبة العلم، ويجعله ذخرًا له في الآخرة، وذكرًا في الدنيا، وصدقة جارية وباقية صالحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>خصائص هذا الشرح</span>\nوكلمة عن خصائص هذا الشرح والتزامات المؤلف التي التزمها وعُني بها عناية خاصة، ونؤثر الإِجمال والإِشارة، فإنما يعرف فضل هذا المجهود العلمي من باشر تدريس هذا الكتاب مدة طويلة، وعرضت له مشكلات فنية.","vol":"1","page":41},{"text":"فمنها: أن المؤلف اهتم بأقوال الإِمام أبي داود صاحب الكتاب وكلامه في الرواة أو في إيضاح بعض ما ورد في الحديث اهتمامًا كبيرًا.\nومنها: أنه اهتم بتصحيح نسخ السنن المختلفة المنتشرة، ويراه القارئ كمثال في \"باب افتتاح الصلاة\" في حديث أبي حميد الساعدي.\nومنها: الاهتمام البالغ بتخريج التعليقات والفحص عنها في كتب أخرى وذكرها، وإذا لم ينجح في ذلك بعد التتبع البليغ صرح بذلك في غير تردد.\nومنها: تطبيق الروايات بالترجمة، وقد ظهرت في ذلك دقة فهمه وطول تأمله، وحيث تكررت الأبواب دفع ذلك وذكر حكمة هذا التكرار، ونضرب له مثلًا \"باب صفايا رسول الله - ﷺ - من الأموال\"، و\"باب سهم الصفي\"، فليراجع في كتاب الخراج والفيء والإِمارة.\nومنها: أنه حكم في ما اختلف فيه الشُرَّاح بما شرح الله له صدره، وفتح عليه، وتكلم بكلامٍ فصلٍ يثلج الصدر ويحلّ العقدة.\nومنها: أن أكثر الكتب التي ألفت في الهند في شرح كتب الحديث، أو في إثبات المذهب الحنفي، أو في مسألة خلافية، كان يغلب عليها في العهد الأخير الأسلوب الكلامي والاستدلال العقلي، وتكثر فيها اللطائف العلمية، ومع الاعتراف بقيمتها العلمية والكلامية وحسن قصد المؤلفين وعلو كعبهم في العلم يؤخذ عليها أنها لم تكن على طريقة المحدثين وشرَّاح الحديث المتقدمين، ويقلُّ فيها الكلام على الرواة والجرح والتعديل وعلل الحديث وطبقاته وإلى غير ذلك من المباحث الحديثية.\nويُستثنى من ذلك كتابان من تأليف علماء المذهب الحنفي في الهند في العهد الأخير، أولهما: \"كتاب المحلى شرح الموطأ\"، للشيخ","vol":"1","page":42},{"text":"سلام الله ابن شيخ الإِسلام الدهلوي الرامفوري (١) (م ١٢٢٩ هـ أو ١٢٣٣ هـ)، وثانيهما: \"آثار السنن\" و\"التعليق الحسن على آثار السنن\" (٢) للشيخ العلَّامة ظهير حسن النيموي البِهَاري الهندي (٣) (م ١٣٢٩ هـ).\nأمَّا هذا الشرح فيمتاز بأنه كتب على نهج المشتغلين بالحديث والباحثين فيه وكبار الشراح الذين تلقَّت الأمة شروحهم بقبولٍ عام، وانتفع بها طلبة العلم في كل عصر، واشتمل على بحوث قيمة في أسماء الرجال وأصول الحديث، وعارض مؤلفه الحجة بالحجة، وكان كلامه في أكثر الأحيان محدودًا في صناعة الحديث ومتعلقاتها من الفنون.\nوقد استفاد المؤلف في هذا الشرح بتحقيقات شيخه الإِمام المحدث مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهى التي جاءت في دروسه، وضبطها وقَيَّدها تلميذه النابغة الشيخ محمد يحيى، وكان من خصائصه أنه يتحرز بقدر الإِمكان عن نسبة الخطإ إلى الراوي، وإذا التجأ إليه الشراح ولم يروا من ذلك بدًّا فَضَّل الشيخُ العلامةُ تأويل ذلك بما يُسيغه الفهم، ويقبله العاقل المنصف.\nومثال ذلك الرواية التي جاء فيها وضع الخاتم، فقد ذهب جميع المحدثين إلى أنه وهم من الزهري، ولكن مؤلف \"بذل المجهود\" أوَّل ذلك تأويلًا حسنًا، وهو مقتبس من كلام الشيخ الكَنكَوهي، فليراجع ذلك في \"باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى\" في كتاب الطهارة.\nومنها: لطائف الاستنباط التي احتوى عليها هذا الشرح ويراها القارئ منثورة في ثنايا هذا الكتاب.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٧/ ٢٠١).\n(٢) مع الأسف أن الكتاب وصل من أول أبواب الطهارة إلى آخر أبواب الصلاة، ولو تم لكان عملًا جليلًا، وقد طُبع هذا الكتاب مرارًا في الهند وباكستان.\n(٣) انظر ترجمته في: \"انزهة الخواطر\" (٨/ ٢٠٦).","vol":"1","page":43},{"text":"ومن المباحث اللطيفة التي ظهرت فيها سلامة فكر المؤلف واطلاعه الواسع على كتب الحديث مسألة القسامة، ويزول بكلامه اختلاف الروايات.\nوكذلك من محاسن الكتاب ومن مواضعه المهمة التي ظهر فيها جهد المؤلف وإمعانه: أحاديث الفتن والملاحم، وقد اجتهد في تعيين هذه الفتن التي أشير إليها في هذه الأحاديث، واهتم بترجيح الراجح، وعين بعضها باجتهاده واستقصائه، ويرى القارئ مثاله في شرح كلام قتادة حيث جاء في الكتاب: \"وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر على أقذاء، يقول: \"قَذى وهُدنة\"، يقول: صلحٌ على دخن: على ضغائن\".\nوقد أشار في شرح حديثه إلى فتنة الشريف حسين بن علي، فليراجع ذلك في حديث عبد الله بن عمر الذي جاء فيه: \"ثم يصطلح الناس على رجل كوَرِكٍ على ضلع\" (١)، وذكر ذلك في تفصيل ووضوح.\nويظهر في كلامه في مثل هذه المناسبات ثقته بتحقيقه وجزمه بما توصل إليه في البحث والتأمل، ولا يغلب عليه التواضع والتردد، فيبعث هذا الجزم والثقة واليقين في نفس القارئ، وهذا من سياسة التعليم وحكمة التربية ومن محاسن الشرح.\nوقد يتردَّد الشارح في صحة لفظ ورد في حديث، فيجتهد في تحقيقه اجتهادًا بالغًا ولا يدَّخِرُ جهدًا.\nويرى القارئ نموذج ذلك في \"باب عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون\" في كتاب الجهاد، فقد ورد في متن الحديث عن علي بن أبي طالب قال: \"خرج عبدان إلى رسول الله - ﷺ - يعني يوم الحديبية قبل الصلح\" وقد أطال الشارح الكلام في وقوع القصة يوم الحديبية، وأثبت أن\n_________\n(١) انظر: \"بذل المجهود\" كتاب الفتن والملاحم (١٢/ ٢٧٠ - ٢٧٧).","vol":"1","page":44},{"text":"هذه القصة وقعت في غزوة الطائف، وقال: لقد تحيرت في هذه القصة التي قد وقعت في حديث \"أبي داود\" و\"الترمذي\" و\"المستدرك\" في الحديبية، فالظاهر أن الذي ذكر أنها وقعت في الحديبية غلط من بعض الرواة بثلاثة أوجه.\nوذكر هذه الأوجه بتفصيل، وذكر أن لفظ الحديبية ليس من علي بن أبي طالب، بل من بعض الرواة، لأن في لفظ الرواية لأبي داود زاد لفظ: \"يعني قبل يوم الحديبية\"، فهذا يدل على أن لفظ الحديبية ليس في أصل الحديث، بل زاده بعض الرواة على ما فهم من لفظ شيخه.\nولو سُلّمَ أن هذه القصة وقعت في الحديبية أيضًا، فالمراد بقوله: \"ناس\" بعض الكفار من قريش الذين كانوا موجودين هناك لا الصحابة إلى آخر كلامه، فليراجع (١)، وهذا تحقيق شريف خلت عنه الشروح.\nونقتصر في هذه العجالة على هذه الإِشارات، ونحيل القارئ الذكي إلى مطالعة أصل الكتاب بإمعان النظر، فكما قال الشاعر:\nفي طلعة الصبح ما يغنيك عن زحل\nونرى لزامًا وحقًا علينا أن نشكر تلاميذ الشيخ العلامة مولانا محمد زكريا الكاندهلوي الذين عكفوا على خدمة هذا الكتاب بالمراجعة مع الأصول وانتساخ التعليقات ووضعها في محلها وغير ذلك، في مقدمتهم:\n- الشيخ تقي الدين الندوي المظاهري أستاذ الحديث في مدرسة فلاح الدارين بتركيسر (ولاية كَجرات). فقد فرغ وقته لخدمة هذا الكتاب، وعكف عليه سنة كاملة.\n- والعالمان الشابان محمد عاقل، ومحمد سلمان.\n- ولا ننسى فضل الزميلين العزيزين: الشيخ محمد معين الندوي،\n_________\n(١) \"بذل المجهود\" (٩/ ٣٥٥).","vol":"1","page":45},{"text":"والأستاذ سعيد الأعظمي الندوي في فكرة طبع هذا الكتاب، وإبرازه في هذا المظهر الجميل وما ذللا في طريق نشره من الصعاب وما وفقا له من مجهود مشكور، وعمل مبرور، واخلاص موفور، والله يتولى مكافأة الجميع، ويتقبل عملهم.\nونسأل الله أن ينفع بهذا الأثر العلمي الجليل، ويُحَبِّبُ به السنَّةَ والحديث إلى نفوس القُّرَّاء، ويُلْهم العمل به، ويرفع الهمم، ويُشَحِّذ العزائم إلى دراسته وخدمته، إنه على كل شيء قدير.\nأبو الحسن علي الحسني الندوي\nرئيس دار العلوم - ندوة العلماء - لكهنؤ، الهند\n٢٩/ ٢/ ١٣٩٢ هـ","vol":"1","page":46},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>كلمة عن \"سنن أبي داود\" وشرحه \"بذل المجهود\" في غاية الوجازة</span>\nبقلم: المحدِّث الكبير العلَّامة\nالشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري (١)\nلست أريد البحث عن الإِمام أبي داود ومفاخره التي امتاز بها بين قرنائه، ولا عن كتابه \"السنن\" الذي ألَّفه، ولا المقارنة بينه وبين الكتب المؤلَّفة في هذا الموضوع، فإنه بحر لا ينزف، ومَعين لا ينضب، ثم كل من المؤلف والمؤلَّف أصبح كشمس في رابعة النهار، تنبعث أشعَّته الحمراء السَّاطعة في مشارق الأرض ومغاربها فاستغنى عن البيان.\nوقد مضى عليه قرون متطاولة يُثنى عليه من عهد التأليف إلى اليوم، ولم يقصروا في الثناء الوافر العاطر، وتسابق فيه أقلام الجهابذة من كبار المحدثين الذين يعرفون هذه الدقائق بثلج صدر، وتغلغلت فيه الكتابات إلى أعماق البحث، لم يغادروا صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصوها، فأنَّى لمثلي أن يُسابق بظالعه في حَلْبة يتسابق في رهانه كلّ ضليع.\n_________\n(١) هو مِن كبار علماء الحديث في عصره، انتقل إلى جوار رحمة الله تعالى بتاريخ الثالث من ذي القعدة سنة ١٣٩٧ هـ الموافق ١٧/ ١٠/ ١٩٧٧ م. ومِن آثاره العلمية: كتاب \"معارف السنن شرح سنن الترمذي\" وغيره، وقد قام ولدي الدكتور وليّ الدّين الندوي بكتابة بحث عنه، تناول فيه جوانب مِن أخباره وسيرته وآثاره، ونشر هذا البحث في مجلة \"الأحمديّة\" بدبي.","vol":"1","page":47},{"text":"بيد أنَ تمهيدًا لما أقوله في الشرح أضطر إلى شيء من خصائص \"السنن\" ومؤلّفه، صفوتُ كلمات الجهابذة ولباب ثناء الصيارفة، مساهمة للسعداء لكي أنال السعادة.\nوَإِذَا سَخَّرَ الإِلهُ أُناسًا ... لسعيدٍ فَإِنَّهُم سُعَدَاء\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>كلمة عن الإِمام أبي داود </span>(١)\nهو الإِمام أحد حفّاظ الإِسلام لحديث رسول الله - ﷺ - وعلمه، وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، من فرسان الحديث، وهو الإِمام المقدم في زمانه لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحد في زمانه.\nوهو الإِمام الحافظ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، ويقال: \"السجزي\"، نسبة غير قياسية إلى سجستان. كما في \"القاموس\".\nوسجستان إقليم معروف بخراسان وراء الهراة جنوبًا كما حققه العلماء، وليست نسبة إلى قرية \"سجستان\" من قرى البصرة، كما ردّه ابن السبكي في \"طبقاته\"، وياقوت الحموي في \"معجمه\" وغير واحد. وهو معرَّب \"سيستان\" كما يقوله الصاغاني، وهو المعروف الجاري على الألسنة، لا كما يرجح الفيروزآبادي أنه معرب \"سكستان\"، ويرجح فتح السين. انظر: \"تاج الزبيدي.\nوُلد سنة ٢٠٢ هـ، وتوفي ٢٧٥ هـ بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوال، ودُفِن إلى جانب قبر سفيان الثوري.\nقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: الذين أخرجوا وميّزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، وبعدهما أبو داود، والنسائي، انتهى.\n_________\n(١) جئت فيه بالكلمات التي وصفه بها الإِمام أحمد الهروي وأبو بكر الخَلَّال.","vol":"1","page":48},{"text":"وقال الخطيب ومَن بعده: أحد مَن رحل وطوّف وجمع وصنَّف وكتب عن العراقيين والخراسانيّين والشاميّين والمصريّين والجزريّين، انتهى.\nوقال الحافظ موسى بن إبراهيم: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنّة، انتهى.\nوعدَّه أبو إسحاق الشيرازي في \"طبقات الفقهاء\" من جملة أصحاب الإِمام أحمد بن حنبل، كما قال ابن خلّكان.\nروى عن أحمد بن حنبل وابن معين وقتيبة بن سعيد وطبقتهم كأبي عمرو الضرير، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبي، وابن رجاء، وأبي الوليد الطيالسي، وأحمد بن يونس، وأبي جعفر النفيلي، وسليمان بن حرب، وخلق كثير بالحجاز والشام ومصر والعراق والجزيرة والثغر وخراسان. كما في \"طبقات الذهبي\".\nوعنه: الترمذي، والنسائي، وابنه أبو بكر، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عوانة، وأبو بشر الدولابي مِن أعلام الحديث وأئمّة التحديث، وعلي بن الحسن بن العبد أبو علي الأنصاري، وأبو أسامة محمد بن عبد الملك، وأبو سعيد بن الأعرابي، وأبو علي اللؤلؤي، وأبو بكر بن داسة، وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي، وأبو عمرو أحمد بن علي.\nوهؤلاء السبعة الآخِرون رووا عنه \"سننه\" كما يقوله الذهبي في \"طبقاته\" (٢/ ١٥٣).\nواللؤلؤي هذا لزم أبا داود مدة طويلة يقرأ \"السنن\" للناس، كما قاله ابن العماد في \"الشذرات\" (٢/ ٢٣٤).\nوإنَّ أبا الحسن علي بن الحسن بن العبد سمع كتاب \"السنن\" على أبي داود ست مرّات، كما في آخر نسخة عبد الغني المقدسي بخطّه في الآستانة كما يحكيه الكوثري. وأيضًا في روايته زيادات في الكلام على الرجال، كما يقوله الحافظ ابن حجر.","vol":"1","page":49},{"text":"وأيضًا يرويه عنه أبو إسحاق الرملي. نسبة إلى رَمْلَة فلسطين أو محلة بسرخس كما في \"غاية المقصود\".\nوتختلف النسخ والروايات كما فصّله الكوثري في رسالته المتعلقة برسالة أبي داود.\nويقول بعض الأئمة كما حكاه الذهبي وقبله الخطيب وبعده ابن كثير وغيره: كان أبو داود يُشبّه بأحمد بن حنبل في هَدْيه ودَلِّه وسمته، وكان أحمد يُشَبّه بوكيع، ووكيع بسفيان الثوري، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم النخعي، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود، وابن مسعود بالنبي - ﷺ - في هديه ودَلِّه.\nوقد سمع منه الإِمام أحمدُ بن حنبل شيخُه حديثَ العتيرة: أن رسول الله - ﷺ - سُئِل عن العتيرة فحسَّنها. قال ابن أبي في داود: قال أبي: فذكرته لأحمد بن حنبل فاستحسنه، وقال: هذا حديث غريب، وقال لي: اقعد، فدخل فأخرج محبرة وقلمًا وورقة وقال: أَمْلِه عليَّ، فكتبه عنِّي. كما في \"تاريخ الخطيب\" (٩/ ٥٧).\nوهذا هو حديث العتيرة الذي رواه عنه أحمد، لا ما فهمه محمود السبكي في \"المنهل العذب المورود\"- ولعله لم يقف على كلام الخطيب- فقال: وهو حديث \"لا فرع ولا عتيرة\"، ما رواه أحمد والبخاري ومسلم، فتنبّه.\nوكفى بهذه المفاخر مفخرة للإِمام علم الإِسلام عن أعيان جهابذة الأمة- فرحمه الله ورضي عنه -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>التعريف بكتاب \"السنن\" له</span>\n١ - قال زكريا - وهو الإِمام أبو يحيى بن يحيى الساجي محدِّث البصرة-: كتاب الله أصل الإِسلام، و\"سنن أبي داود\" عهد الإِسلام، انتهى. حكاه الذهبي في \"الطبقات\" (٢/ ١٥٤).","vol":"1","page":50},{"text":"٢ - قال الخطابي أوَّل شارح لـ \"سننه\" (١): إنَّ كتاب \"السنن\" لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في الدِّين كتاب مثله، وقد رزق القَبول من كافّة الناس، فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء، فلكل فيه ورد ومنه شرب، وعليه معوّل أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض، وهو أحسن رصفًا وأكثر فقهًا من \"الصحيحين\"، والحديث منه صحيح وحسن، وكتاب أبي داود جامع لهما ... إلخ.\n٣ - لما صنّفه وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده واستحسنه. كما في \"تاريخ الخطيب\" وغيره.\n٤ - يقول الذهبي في \"سير النبلاء\" (٢): وهو أوفى كتاب في أحاديث الأحكام المسندة، وشطر أحاديثها أخرجه الشيخان، وهو أعلى ما أخرجه، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر، [ثم يليه ما رَغِبا عنه، وكان إسناده جَيّدًا]، ثم يليه ما كان إسناده صالحًا وقبله العلماء، ثم يليه ما ضعف إسناده ... إلى آخر ما قاله الذهبي في \"سِيَر النبلاء\" كما حكاه الكوثري.\n٥ - يقول ابن الأعرابي: إن حصل لأحد علم كتاب الله و\"سنن أبي داود\" يكفيه ذلك في مقدمات الدِّين. ويقول: لو أنَّ رجلًا لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف وثم كتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء من العلم، انتهى.\n٦ - ويقول الإِمام حجة الإِسلام الغزالي كما يحكيه ابن كثير: يكفي للمجتهد معرفته من الأحاديث النبوية، انتهى.\n٧ - وأوفى ما قاله هو نفسه في كتابه - وأهل مكة أدرى بشعابها -\n_________\n(١) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" مع \"معالم السنن\" (١/ ١٢).\n(٢) انظر: (١٣/ ٢١٤).","vol":"1","page":51},{"text":"وهناك ما نلتقطه من كلماته عن بعض رواته، وما في رسالته إلى أهل مكة، وهي رسالة لا يستغني عنها باحثٌ في مراتب أحاديث كتاب أبي في داود كما يقوله شيخنا الكوثري، فيقول:\nولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلَّموا مِن هذا الكتاب.\nويقول: والأحاديث التي وضعتها في كتاب \"السنن\" أكثرها مشاهير.\nويقول: وإن من الأحاديث في كتاب \"السنن\" ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلَّس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند خاصة أهل الحديث على معنى أنه متصل، إلى أن قال: وأما ما في كتاب السنن من هذا النحو فقليل.\nويقول أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث، وانتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب \"السنن\" جمعتُ فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ... إلخ. حكاه الخطيب في \"تاريخه\".\nويزيد عليه أبو داود نفسه في رسالته إلى أهل مكة: \"ونحو ستمائة حديث من المراسيل ... \" إلخ.\nويقول في رسالته: \"ولم أكتب في الباب إلَّا حديثًا أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح لأنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته\".\nويقول: \"ليس في كتاب \"السنن\" الذي صنَّفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث بيّنت أنه منكر\"، انتهى.\nقال الراقم: ويقول الحافظ ابن رجب في \"شرح علل الترمذي\" - كما حكاه الكوثري -: مراده أنه لم يخرج لمتروكِ الحديثِ عنده على ما ظهر له، أو لمتروك متفق على تركه، فإنه قد أخرج لمن قد قيل فيه: إنه متروك ... إلخ.","vol":"1","page":52},{"text":"يقول الراقم: وربما انتقى من روايته، فليس كل متروك يروي دائمًا متروكًا، أو يكون جميع ما يرويه متروكًا دائمًا، وربما يروي ما يكون صحيحًا أو على الأقل متحمّلًا. وهناك نظائر، إنَّ كثيرًا من المحدّثين ربما يختارون وينتقون من روايات الضعيف ما يتحمل على حسب أذواقهم وبصائرهم، وبصيرتهم تفصل بين الضعيف وغيره، وليس المدار دائمًا على الراوي، وإنما دخل في البين الذوق والبصيرة والقرائن والشواهد وما إلى ذلك. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\nويقول أبو داود: وليس ثلث هذه الكتب (أي الكتب في السنن) فيما أحسبه في كتب جميعهم أعني مصنفات مالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الرزّاق.\nوقال: ولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري.\nويقول: ولم أصنِّف في كتاب \"السنن\" إلَّا الأحكام، ولم أصنّف كتب \"الزُّهْد\" و\"فضائل الأعمال\" وغيرها، فهذه الأربعة الآلاف والثمانمائة كلّها في الأحكام، انتهى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-10> فقد تلخّص من كلمات الإِمام أبي داود وغيره أمور:</span>\nالأوَّل: أنَّ كتاب \"السنن\" يحوي خمسة آلاف حديث من المرفوعات إلَّا مائتين، منتخبة من خمسمائة ألف حديث، وبضم المراسيل الستمائة يكون ما تضمَّنه ٥٤٠٠ حديثًا.\nالثاني: أنه لا يُضاهيه كتاب في أحاديث الأحكام في كثرة الجمع، لا كتاب مالك ولا كتاب سفيان ولا كتاب حمَّاد وغيرهم.\nالثالث: أنَّ هذا الكتاب وحده أكثر جمعًا من سائر الكتب المؤلَّفة في الأحكام، بل ثلثه يفوق على تلك الكتب كلّها.\nالرابع: أنَّ شطر الكتاب اتفق الشيخان أو أحدهما على تخريجه.","vol":"1","page":53},{"text":"الخامس: أنَّ ثلثي الكتاب أحاديث صحاح، وما عداها حسان وضعاف ضعفًا يسيرًا.\nالسادس: أنَّ كتابه أكثر فقهًا من كتاب البخاري، وأنَّ مؤلّفه فاق جميع أرباب الصّحاح تفقُّهًا.\nالسابع: أنه أوفى كتاب في أحاديث الأحكام، ولا يحتاج أحد بعده إلى كتاب غيره في الأحاديث المتعلقة بمذاهب الفقهاء والأئمة، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون كتاب \"شرح معاني الآثار\" للإِمام أبي جعفر الطحاوي نابغة عصره في الحديث والفقه والتوحيد ومشكلات الآثار. ومِن أجل هذا تراه مِن أنفع كتب الحديث لمن يُعنى بأحاديث الأحكام في الحلال والحرام.\nولذا تَرَى الإِمام أبا بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص عظيم الاهتمام به وجيِّد إلاستحضار لأحاديثه، خاصة في شرحيه على نسختي \"الجامع الكبير\" وشَرْحَيْه على \"مختصر الطحاوي\" و\"مختصر الكرخي\" وفي \"أحكام القرآن\" وغيرها مِن مؤلَّفاته، بحيث تجد أحاديثه على طرف لسانه يسوقها بسنده كلما لزم مع سعة دائرة روايته في أحاديث الأحكام من سائر دواوين الحديث، قاله الكوثري.\nوأرى في هذا القدر كفاية للباحث الخبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>كلمة في المولِّف الإِمام وخصائص شرحه</span>\nإنَّ هذه الأُمّة المحمَّديّة تباهي بأفرادها وأفذاذها دائمًا، لا يخلو قرن من القرون الإِسلاميّة إلَّا ونجد هناك رجالًا مِن علمائها وصالحيها تتباهى بهم الملائكة، كلّ منهم إمام أمّة يُدْعى في ملكوت السماوات عظيمًا تفتخر به أهل السماء وأهل الأرض، وكل عصر من العصور الإِسلامية، وكل بلدٍ من البلاد الإِسلامية تجد هناك منهم رجالًا، فحينًا تظهر عبقريّتهم في حقائق إلهيّة، وحينًا في العلوم النبويّة، وحينًا في العلوم الإِسلاميّة، وتارةً في عبادة وتقوى وخشية إلهيّة، وتارةً في ورع وزهد وتعب ونصب وترك الشهوات","vol":"1","page":54},{"text":"والملذّات، وتارةً في إصلاح نفوس وتزكية قلوب وتربية أرواح، ومرة في حبّ جهاد ونشر دعوة في ربوع العالم وأقطار البسيطة، ومرة أُخرى في إيثار وحبّ خمول واستقامة ومواجيد عرفانية وذوقية من علوم العرفاء، وحينًا في تدريس وتأليف ووعظ وإرشاد، وحينًا تجتمع فضائل من هذه الخصائل المتضادّة في بعض أفرادها، وما إلى ذلك من كمالات علمية وعرفانية يتلألأ فيها النبوغ الخارق والعبقرية الفذّة، وتتجلّى فيهم كمالات النبوّة ووراثتها وإن لم يكونوا أنبياء.\nوهناك نشاهد ما قاله - ﷺ -: \"مثل أُمَّتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أم آخره (١) \"، فلكون هؤلاء الأفذاذ أصبحوا منابع للخير والرشد كأنه وقع الذهول عن أول الأمة وبركاتها وخيراتها فجاء هذا التعبير، وإن كان أول هذه الأمة أَبَرّها قلوبًا وأعمقها علومًا وأقربهم إلى الله زلفى.\nويحدِّثنا التاريخ أنَّ هذه البلاد الهندية وإن كان حظّها ضئيلًا في نشأة الأمر في الرجال والأفذاذ، ولكن يرى أنَ سُحُب الرَّحمة الإِلهية قد جادت من أوَّل الألف الثاني جودًا غزيرًا، فنشأت شخصيّات وعبقريّات لا يُماثِلُها في البلاد الإِسلامية الأخرى.\nفالإِمام الرَّبَّاني الشيخ أحمد السرهندي، وأنجاله البررة الأتقياء وخلفاؤه الأصفياء، ثم الشيخ الشاه وليّ الله الدهلوي وأنجاله، خصوصًا: الحجّة عبد العزيز الإِمام، وابن أخيه الشيخ إسماعيل الشهيد، وشيخه السيد أحمد البريلوي الشهيد، ثم قطب العصر الحاج إمداد الله التهانوي المهاجر المكي، والشيخ الحجة محمد قاسم النانوتوي، ومحدِّث هذه العصور وفقيهها الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي، ورجالات من النابغين في: \"كاندهلة\"، و\"ديوبند\"، و\"تهانه بهون\"، و\"سهارنفور\"، و\"كَنكَوه\"، نبغوا في هذه العصور الأخيرة فأصبحوا محلّ إعجاب وتقدير\n_________\n(١) أخرجه القضاعي في \"مسند الشهاب\" (٢/ ٢٧٦) رقم (١٣٤٩) وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢٥٢).","vol":"1","page":55},{"text":"للأُمّة الإِسلامية، وقد نفع الله الأمة بأنفاسهم القدسية الطَّاهرة علمًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا.\nوأرى أنَّ الشيخ المحدِّث الفقيه الأصولي الشيخ خليل أحمد بن مجيد علي الأنصاري شارح \"سنن أبي داود\" كان من هؤلاء النوابغ في عصره، تلقّى مبادئ العلوم ثم العلوم النقلية والعقلية من المشايخ الذين كانوا غرر عصرهم، وكانوا كشامة في محيَّا الدهر من علماء وفقهاء ومحدِّثين ربّانيِّين أصفياء أرباب التُّقى والإِخلاص، كالشيخ يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي، والشيخ محمد مظهر النانوتوي، والشيخ فيض الحسن السهارنفوري وغيرهم من مشايخ ديوبند وسهارنفور.\nواستجاز في رحلاته عن مشايخ الحرمين كـ: الشيخ عبد الغني الفاروقي العمري المجددي، والشيخ أحمد زيني دحلان، والشيخ السيد أحمد البرزنجي وغيرهم. وفاز بإجازة إرشاد ولبس الخرقة من حضرة العارف المحقِّق الشيخ إمداد الله التهانوي ثم المكي- قدس الله سرّه -، وألبسه عمامته إشارة إلى خلافته وكونه أهلًا لنيابته هداية وإرشادًا. فترعرع شابًّا فاضلًا يُشار إليه بالأصابع في إبان شبابه وريعان عمره.\nثم بايع على يد قطب عصره (١)، فقيه هذه الأمة بعصره، لم يأت بعدَ حجّة العصر الشاه عبد العزيز الدهلوي ابن الشاه وليّ الله الدهلوي مثله في الجمع بين علوم الظاهر والباطن وتفقُّه النفس والتفاني في اتّباع السُّنَّة وترويجها، وإماتة البدع المنكرة، ومن وُضع له القَبول في الأرض بعد ما وضع له القَبول في ملائكة السماوات، وجَابَ العقبات، وارتاض بالمجاهدات، وبأذكار وأشغال على طريقة أهلها، فوصل إلى ما وصل من معارف إلهية ومواجيد عرفانية، فجمع إلى كمالاته العلمية هذه المزايا العرفانية.\n_________\n(١) هو الإِمام المحدث العالم الرباني الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ.","vol":"1","page":56},{"text":"فكسته بيعة الشيخ وصحبته وتوجُّهاته الروحية القلبية أنفاسًا نقيّة وأخلاقًا زكيًّة وأعمالًا رضيًّة وإخلاصًا عظيمًا، حتى أصبح عارفًا بعد ما كان عالمًا، وأصبح خير خلف لسلفه في إخلاص وتقوى ورد بدع ونشر سنّة.\nوبقي عاكفًا على تدريس علوم شتّى في شتّى المراكز العلمية في \"بهوفال\"، و\"سكندرآباد\"، و\"بهاولفور\"، و\"بريلي\"، ثم \"ديوبند\"، ثم \"سهارنفور\" نحو خمسين عامًا، يدرِّس ويؤلِّف ويرشد ويخدم العلم والدِّين بشتّى الوسائل، فأصبح عالمًا عارفًا فقيهًا محدِّثًا.\nوكان وسيم الطلعة جميل المحيّا، يملأ العين جمالًا والقلب سرورًا، وكان لطيف الروح خفيف الجسم ربعًا من الرجال خفيف اللحية.\nقد تشرَّفتُ بزيارته المغتبطة نحو ساعة في مجلس بـ \"ديوبند\" حينما زار \"ديوبند\" مستودعًا الشيخ الحافظ أحمد ابن الشيخ القاسم النانوتوي والشيخ حبيب الرحمن الديوبندي قبل رحلته الأخيرة إلى الحرمين الشريفين، وتشرَّفتُ بالمصافحة وتقبيل يديه الكريمتين، وكأنَّ الشيخ ماثل أمامي انظر إليه بعينيّ، وذلك في شعبان سنة ١٣٤٤ هـ قبل خمسين عامًا إلَّا عامًا.\nفقد جمع الله سبحانه مع هذا الجمال الظاهر جمال الباطن، وجمع له مع علوم الظاهر علوم الباطن مع توفيق إلهي دائم مستمرّ بإخلاص ونشاط، حتى كان آخر حياته المباركة في خير بقاع الأرض \"طيبة النبي\" - عليه صلوات الله وسلامه -، وهناك توفي ﵀ في ربيع الآخر سنة ١٣٤٦ هـ عن سبع وسبعين سنة، ودُفِن بالبقيع في جوار سيِّدنا ذي النورين عثمان بن عفّان - ﵁ - بجنب شيخه الشيخ عبد الغني المجددي المهاجر المدني.\nففاز بحياة طيِّبة ملؤها علم ودين ومعرفة وإرشاد، تدريس وتأليف، أذكار وأشغال، وذبّ عن الدِّين وإحياء للسُّنة وإماتة للبدع، وغضب في الله وحمية دينية لله، لا يخاف في الله لومة لائم، مجتهدًا في خدمة العلم والدِّين بطرف غير نائم وفكر مستمر دائم.","vol":"1","page":57},{"text":"فجزاه الله عنّا وعن سائر أهل العلم خير ما جزى عباده المحسنين والعلماء الربّانيَّين.\nويكفي نباهة لمثله بما أثنى عليه مثل شيخه القطب الربّاني فقيه هذه الأمة وحكيمها، وعارف هذه الملَّة وزعيمها الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي المتوفَّى سنة ١٣٢٣ هـ - قدَّس الله سرّه - في \"مكاتيبه\"، ما ترجمته بالعربية:\n\"المولوي خليل أحمد - مدَّ الله فيوضهم -:\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،\nوصل خطابكم وكشف أحوالكم، إنَّ تلك الواردات - القلبية الغيبية - من الإِنابة إلى الله من بواعث الفرح والسرور، تستوجب حمد الله سبحانه، فإنها أكبر نعمة، وآلاف آلاف من نعم الدنيا لا تعدل جناح بعوضة في مقابلة هذه النعمة، وهذه الحالة مفخرة لي ومن بواعث الحمد والشكر.\nوإني وإن كنت محرومًا عن مثل هذه العطايا والمزايا ولكن - والحمد لله - أنَّ أحبابي تواترت عليهم أمثال هذه العطيّات الإِلهيّة، وأتمثَّل ببيت من الفارسية ما معناه:\nأحب أن آخذ شعرة من رأسك معي في القبر لكي أستظلّ بها يوم القيامة ... والسلام\". (مكاتيب رشيدية ص ٤٠ رقم ٤٣).\nوكتب مرة:\n\"وصل خطابكم، وذكَّرني عهد الوداد، إني أراكم ذخيرة خيرات، فلا أنساكم أبدًا، ولستم ممن ينسون، وأرجو دعواتكم، والسلام\". (مكاتيب رشيدية ص ٣٨ رقم ٤٠).\nفيا سبحان الله! إمام كبير وشيخ عظيم مثل القطب الكَنكَوهي يخاطبه بهذه الطيبة، ليست هي من رجل عامي أو شاعر إسلامي يكون من دأبه المبالغة والإِطراء، ولا من صاحب له يثني على شيخه، ولا من مسترشد","vol":"1","page":58},{"text":"يطريه، وإنما هو ممَّن بلغ في كمالاته الذروة العليا، لا يضاهيه عالم من معاصريه في علمه وتقواه، ومن شرح الله صدره بنوره وتجلّى على قلبه بالإِرشادات الغيبية.\nوكما أنشد شيخنا إمام العصر مولانا الشيخ محمد أنور شاه الكشميري - ﵀ - في قصيدة طويلة في مناقبه ومفاخره:\nإمامٌ قدوة عدل أمين ... ونور مستبين كالنهارِ\nفقيهٌ حافظ عَلَمٌ شهير ... كصبح مستنير هدى سارِ\nإليه المنتهى حفظًا وفقهًا ... وأضحى في الرواية كالمدارِ\nففي التحديث رحلة كل راو ... وفي الأخبار عمدة كل قاري\nفقيه النفس مجتهد مطاع ... وكوثر علمه بالخير جاري\nوأحيا سنة كانت أُمِيتت ... وإذ وضح النهار فلا تمارِ\nوأصبح في الورى صدرًا وبدرًا ... منيرًا دارئًا حلك التواري\nوأصبح مفردًا علمًا رفيعًا ... كرفع المفرد العلم المنارِ\nوغرّة دهره علمًا ودينًا ... طراز زمانه مثل النُّضارِ\nوأمّا فضله ذوقًا وحالًا ... ففرد فيه لا أحد يجاري\nفُضَيل زمانه ورعًا وزهدًا ... وحاتم عصره عند امتيارِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>كلمة في شرح سنن أبي داود</span>\nقد ظهر ممّا بثثنا خصائص \"سنن أبي داود\" ومكانته بين الأمّهات الست، واحتواءه على أحاديث الأحكام، وكونه أوفى كتاب في الموضوع، ولا ريب أنَّ الأُمَّهات الست القدر المشترك في الجميع شرح الأحاديث وشرح كلام النبوَّة، غير أنَّ كتابين منها يختصّان بمشكلات كتابية خاصة ليست هي في آخر، الأول: \"صحيح البخاري\"، والثاني: \"سنن أبي داود\".","vol":"1","page":59},{"text":"ففي الأول: الأعنى والأهمّ شرح التراجم وبيان أغراض الإِمام في ما أودعه من العلوم في تراجم الأبواب، ووضع تراجم خاصة لم يتعرّض لمثلها المحدثون في كتبهم قاطبة، ولا تقلّ هذه المشكلات عن شرح الأحاديث، وربما يصرف أكثر جهود الشارحين والمدرسين في بيانها وتفهيمها، وقد تضاربت الأقوال والأبحاث مِن أقدم العصور إلى اليوم، ولا يزال كثير منها إلى اليوم روضًا أنفًا لم يرتع في حماه أحد، ولم تطمئن القلوب الصادية بالبيان الشافي، ولم تشف غلّة الباحث.\nوهكذا الثاني: فيه من أغراض الإِمام المؤلف في تعليقاته وبيانها الشافي وتخريجها، فتراجم الإِمام في الأبواب وإن كانت واضحة غير أنَّ أغراضها في تعليقاته ربما تخفى وتحتاج إلى بحث وكشف، وأبواب الاستحاضة أشدّ إغلاقًا وأكثر إشكالًا من جهة غرض المؤلف، ولا يزال قدر كثير منها في خفاء وغموض ودقّة، قَل من ينتهض بأعبائها بما يشفي الغليل، فلا ريب أنَّ كمال كل شرح إنما يبدو في حل تلك المشكلات وبيان تلك المعضلات.\nفأقدم شرح وأول شرح هو \"معالم السنن\" للإِمام الخطابي وبينه وبين أبي داود نحو ثمانين عامًا، فقد شرح الأحاديث شرحًا فقهيًّا لا حديثيًّا، وإن كان أبرع شرح من جهة المسائل الفقهية وأعلاها، فإنه لم يتعرَّض لحلّ التعليقات بما تحتاج إليه الأجيال المتأخرة، وكل شرح له خصائص لا تغني عن الآخر.\nوشروح المتأخّرين من أهل الهند فيها فوائد، ولكن من جهة الحلّ الصائب المقنع لا تسمن ولا تغني من جوع.\nوأحسن شرح في كثير من الجهات هو كتاب: \"المنهل العذب المورود\"، للشيخ محمود الخطّاب - ﵀ - من أهل العصر، ولكن","vol":"1","page":60},{"text":"سرعان ما تغيّرت خطّته في الجزء الثاني والثالث، فلم يكن على منوال واحد، ثم لم يتمّ، ومن قام لتكملته وهو ابنه لم يفر فريه.\nو\"غاية المقصود\" من شروح الهند، ولم يؤلف منه إلَّا جزء واحد، ولو تم لكان شرحًا جيِّدًا لولا ما فيه من إساءة أدب بأئمّة الدّين.\nو\"عون المعبود\" مع عدم إصابته في كثير من المشكلات نصب عينيه الردّ على الحنفيّة.\nو\"أنوار المحمود\" يا ليت لو لم ينسبه إلى الاستفادة من الأكابر، ففيه من المغامز، وقد أساء بنسبه إلى إمام العصر الشيخ محمد أنور شاه - ﵀ -.\nويقول الشيخ محمد زاهد الكوثري (١) شيخي بالإِجازة والإِفادة: ومن أحسن الشروح لـ \"سنن أبي داود\": شرح الشهاب ابن رسلان أحمد بن محمد المقدسي تلميذ المزّي. ويقول: هو محفوظ في مكتبة (لإله لي) في الآستانة في أربعة مجلَّدات تحت رقم (٤٩٨ - ٥٠١). ويقول: وفي شروح المتأخّرين مجازفات توجب التحرّي البالغ والتحرُّز الشديد، انتهى.\nوشرح ابن رسلان كان قد تيسَّرت نسخته لصاحب \"بذل المجهود\" بالمدينة بعد إنجازه الشرح، فاشتراه وأرسله إلى مكتبة \"مظاهر العلوم\" \"سهارنفور\"، ولا أدري هل هو نسخة كاملة أو ناقصة (٢)؟ وهل هو نسخة جيّدة أو غير جيّدة؟ ولست أُريد المقارنة ولا التنبيه على أقذائها، إنما أقول: كانت هناك فجوة لحلّ أبي داود وأغراضه وشرح كل حديث لفظًا لفظًا.\n_________\n(١) انظر: \"مقدمات الإِمام الكوثري\" (ص ٣٨٧).\n(٢) قلت: وصلت إلى باب في الخرص.","vol":"1","page":61},{"text":"فقام الإِمام الشيخ خليل أحمد الأنصاري نزيل المدينة المنوَّرة - زادها الله نورًا-، فسدَّ هذا الفراغ، وملأ هذه الفجوة، وجاء بشرح يحتاج إليه كلّ مَن حاول تدريس الكتاب من حل الأغراض، وشرح الألفاظ، واستنباط فقه الحديث من مواضعه، والكلام الملخّص المنقّح في الرجال، وشرح المتن بما تقرّ به العيون.\nومن أعظم خصائص هذا الشرح إيراد توجيهات صدرية انشرح لها صدر مثل الشيخ الكَنكَوهي، فإنَّ الله سبحانه قد خصَّه بنور في قلبه كانت تنقشع به ظلمات حَلَّتْ في البين من مقاصد المؤلف، أوكانت مشكلة من جهة أغراض اليسار في الحديث، ولولا مخافة طول البحث لجئت بغرر النقول في الأبحاث المشكلة من كل ناحية من شرح الأحاديث، أو غرض المؤلف، حتّى تنجلي مكانته العليا.\nويقول شيخنا إمام العصر مولانا محمد أنور شاه الكشميري، محدّث هذه العصور ونابغتها، في التقريظ على هذا الشرح ما لفظه: \"وإنَّ كتاب \"السنن\" للإِمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجزي - رحمه الله تعالى - ثالث الكتب الستّة، ولا تخفى رتبته ودرجته في الحديث في القديم والحديث، لم يطبع إلى الآن تعليق عليه وافٍ، وبحلّه وحقّه كافٍ، وقد وجّه الله تعالى المولى العلَّامة العارف الفقيه المحدّث، شيخنا وشيخ الفقه والحديث، مسند الوقت مولانا خليل أحمد السهارنفوري، خليفة شيخنا وشيخ مشايخنا مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي - رحمه الله تعالى- لخدمته، فوفّى كلّ حقّ لها.\nشَفَى وكفَى مَافِي الصُدُور فَلَمْ يَدَعْ ... لِذِي إِرْبَةٍ في القَوْلِ جَدًّا وَلَا هَزَلًا\nفشرح المتن وأقوال المصنف، وقد كانت مستورة فجلاّها، وصعبة فسهّلها وأَلَانها، كما أُلِين لأبي داود الحديث، وضبط التراجم، وميَّز بين المفترق والمتَّفق، وبين المؤتلف والمختلف، واستخرج الفقه ووجّه","vol":"1","page":62},{"text":"لأصحابنا الحنفية، فجاء تعليقًا يشرح الصدور وينوِّر القلوب، ويكون وديعة له عند الله تعالى، ومنّة في رقاب الناس، وصنيعة إلى العلماء، جزاه الله تعالى عنّا وعن سائر المسلمين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>وبالجملة نلخِّص القول في شيء من خصائصه:</span>\nأمّا أوَّلًا: فإنه شرح ممزوج، فالكتاب ينتفع به التلميذ والشيخ، والغبي والذكي في آنٍ واحدٍ.\nأمّا ثانيًا: فإنه لخّص البيان في رجال الإِسناد من \"تهذيب التهذيب\" و\"الميزان\" وغيرهما حتى يتلألأ أمام الباحث حال الإِسناد.\nأمّا ثالثًا: فإنه جاء بالضبط للأسماء في كل مؤتلف ومختلف لكي يزول الاشتباه للناظر.\nأمّا رابعًا: فإنه شرح المتن شرحًا وافيًا بالمقصود، فإن كانت هناك رواية أوضح منه في \"الصحاح\" أو \"السنن\" يذكره أو يشير إليه.\nأمّا خامسًا: فإنه يستوفي بيان المذاهب من مصادر موثوقة مع أدلّتها، وكثيرًا ما يستوفي أقوال الصحابة والتابعين.\nأمّا سادسًا: فإنه يأتي بأقوال المشايخ من أرباب العلم، فإذا كان هناك شرحٌ خاصٌّ أو حلٌّ لمشكل مِن أكابر مشايخ هذه البلاد ولا سيّما قطب عصره الكَنكَوهي فإنه يذكره، وقد جاءت غرر أقوال منه في كثير من المواضع.\nأمّا سابعًا: فإنه ينبّه على اختلاف الرواية في اللفظ واختلاف الرُّواة في الأسانيد إن كان هناك اختلاف مع ترجيح بعضها على بعض.\nأمّا ثامنًا: فإنه ذكر المباحث الفقهية والمباحث الحديثية على حدّ سواء تشفي غلّة الفقيه والمحدّث معًا.\nهذا ما بدا لي في غاية الارتجال، لم أنتهز فرصة للقيام بحقّ كل","vol":"1","page":63},{"text":"ما امتاز به الشرح من إبداء خفاياه، وما بقي في زواياه، ولم تكن في الوقت فسحة، ولا في الطبيعة نشاط، غير أنِّي قمت بما تيسَّر نزولًا على رغبة بعض الأكابر سعادة للراقم، والله سبحانه ولي كل توفيق ونعمة، وصلَّى الله على صفوة البريّة سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nكتبه\nمحمد يوسف بن السيِّد محمد زكريا الحسيني البنّوري\nيوم الخميس ٩ رجب ١٣٩٣ هـ","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>ترجمة مؤلِّف بذل المجهود من \"نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر</span>\" لمؤلِّفه العلَّامة السيِّد عبد الحيّ الحسني (م ١٣٤١ هـ)\nالإِمام المحدِّث العالم الفقيه خليل أحمد السهارنفوري:\nهو الشيخ العلَّامة الفقيه خليل أحمد بن مجيد علي بن أحمد علي بن قطب علي بن غلام محمد الأنصاري الحنفي الأنبيتهوي، أحد العلماء الصالحين، وكبار الفقهاء والمحدِّثين.\nوُلد في أواخر صفر سنة تسع وستين ومائتين وألف في خؤولته في قرية \"نانوته\" من أعمال سهارنفور، ونشأ ببلدة \"أنبيتهه\" من أعمال سهارنفور، وقرأ العلم على خاله الشيخ يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي (١)، والشيخ محمد مظهر النانوتوي (٢)، وعلى غيره من العلماء في المدرسة العربية بديوبند، وفي \"مظاهر العلوم\" بسهارنفور، والعلوم الأدبية على الشيخ فيض الحسن السهارنفوري (٣) في لاهور.\nقرأ فاتحة الفراغ في سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، وعُيِّن أستاذًا مساعدًا \"معين المدرِّسين\" في مظاهر العلوم، وأقام مدة في \"بهوبال\" و\"سكندرآباد\" و\" بهاول بور\" و\"بريلي\" يُدَرّسُ ويُفيد، إلى أن اختير\n_________\n(١) (ت ١٣٠٢ هـ) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٥٥٠).\n(٢) (ت ١٣٠٢ هـ) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٤٨٠).\n(٣) (ت ١٣٠٤ هـ) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٣٨٩).","vol":"1","page":65},{"text":"أستاذًا في دار العلوم بـ \"ديوبند\" في سنة ثمان وثلاثمائة وألف، ومكث ست سنين.\nثم انتقل إلى \"مظاهر العلوم\" في سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف، وتولّى رئاسة التدريس فيها، واستقام على ذلك أكثر من ثلاثين سنة منصرفًا إليها انصرافًا كلّيًّا، وتولّى نظارتها سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف، وصرف همّته إليها، ونالت به المدرسة القَبول العظيم، وطبقت شهرتها أرجاء الهند، وأصبحت تضارع دار العلوم في العلوم الدينية، والمكانة العلمية، وأَمَّها الطلبة من الآفاق، إلى أن غادرها في سنة أربع وأربعين إلى الحرمين الشريفين، فلم يرجع إليها.\nوكان قد بايع الشيخ الإِمام العلَامة رشيد أحمد الكَنكَوهي بعد ما فرغ من التحصيل واختص به، وسعد بالحج والزيارة سنة سبع وتسعين ومائتين وألف، ولقي بمكة الشيخ الأجلّ الحاج إمداد الله المهاجر، فأكرم وفادته، وخصّه بالعناية، وأجازه في الطرق، ورجع إلى الهند، فأجازه الشيخ الإِمام العلَامة رشيد أحمد الكَنكَوهي، واختص به الشيخ خليل أحمد اختصاصًا عظيمًا، وانتفع به انتفاعًا كبيرًا، حتى أصبح من أخصّ أصحابه، وأكبر خلفائه، ومن كبار الحاملين لعلومه وبركاته، والناشرين لطريقته ودعوته.\nوكان قد دَرَس الحديث دراسة إتقان وتدبُّر، وحصلت له الإِجازة عن كبار المشايخ والمسندين كالشيخ محمد مظهر النانوتوي، والشيخ عبد القيُّوم البدهانوي (١)، والشيخ أحمد دحلان (٢) مفتي الشافعيّة، والشيخ عبد الغني بن أبي سعيد المجددي المهاجر (٣)، والسيد أحمد\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٧/ ٢٥٥).\n(٢) انظر ترجمته في: \"معجم المؤلفين\" (١/ ٢٢٩).\n(٣) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٧/ ٢٩٦).","vol":"1","page":66},{"text":"البرزنجي (١)، وعني بالحديث عناية عظيمة تدريسًا أو تأليفًا، ومطالعة وتحقيقًا.\nوكان من أعظم أمانيه أن يشرح \"سنن أبي داود\". فبدأ في تأليفه سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف، يساعده في ذلك تلميذه البار الشيخ محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي، وانصرف إلى ذلك بكلّ همّته وقواه، وعكف على جمع المواد وتهذيبها وإملائها، لذّة له، ولا همَّ في غيره، وأكبّ على ذلك إلى أن سافر إلى الحجاز السفرَ الأخيرَ في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف، ودخل المدينة في منتصف المحرم سنة خمس وأربعين، وانقطع إلى تكميل الكتاب حتى انتهى منه في شعبان سنة خمس وأربعين، وتمّ الكتاب في خمس مجلَّدات كبار.\nوقد صبّ فيه الشيخ مهجة نفسه، وعصارة علمه، وحصيلة دراسته، وقد أجهد قواه، وأرهق نفسه في المطالعة والتأليف، والعبادة والتلاوة، والمجاهدة والمراقبة، حتى اعتراه الضعف المضني، وقلَّ غذاؤه، وغلب عليه الانقطاع، وحُبِّب إليه الخلاء، والشوق إلى اللقاء، يصرف أكثر أوقاته في تلاوة القرآن، ويحضر الصلوات في المسجد الشريف بشقّ النفس، وقد ودَّع تلاميذه، وخاصّة أصحابه للهند، وبقي في جوار النبي - ﷺ -، نزيل المدينة، وحِلْس الدار، مشغول الجسم بالعبادة والذكر، مربوط القلب بالله ورسوله، منقطعًا عمّا سواه، حتى أجاب داعي الله في المدينة المنوَّرة.\nكان الشيخ خليل أحمد له الملكة القوية، والمشاركة الجيدة في الفقه والحديث، واليد الطُّولى في الجدل والخلاف، والرسوخ التامّ في علوم الدِّين، والمعرفة واليقين، وكانت له قدم راسخة، وباع طويل في إرشاد الطالبين، والدلالة على معالم الرشد ومنازل السلوك، والتبصُّر في غوامض\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"معجم المؤلِّفين\" (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":67},{"text":"الطريق وغوائل النفوس، صاحب نسبة قوية، وإفاضات قدسية، وجذبة إلهيّة، نفع الله به خلقًا كثيرًا.\nوخرَّج على يده جمعًا من العلماء والمشايخ، ونبغت بتربيته جماعة من أهل التربية والإِرشاد، وأجرى على يدهم الخير الكثير في الهند وغيرها في نشر العلوم الدينية، وتصحيح العقائد، وتربية النفوس، والدعوة والإِصلاح، من أجلهم: العلَّامة الكبير الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي، وشقيقه المصلح الكبير الشيخ محمد إلياس بن إسماعيل الكاندهلوي الدهلوي صاحب الدعوة المشهورة المنتشرة في العالم، والمحدِّث الجليل الشيخ محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي السهارنفوري، صاحب \"أوجز المسالك\" و\"لامع الدراري\" والمؤلَّفات المقبولة الكثيرة، والشيخ عاشق إلهي الميرتهي، وغيرهم.\nكان جميلًا وسيمًا، مربوع القامة، مائلًا إلى الطول، أبيض اللون، تغلب فيه الحمرة، نحيف الجسم، ناعم البشرة، أزهر الجبين، دائم البشر، خفيف شعر العارضين، يحبّ النظافة والأناقة، جميل الملبس، نظيف الأثواب في غير تكلّف أو إسراف، وكان رقيق الشعور، ذكيّ الحسّ، صادعًا بالحق، صريحًا في الكلام في غير جفاء، شديد الاتِّباع للسُّنَّة، نفورًا عن البدعة، كثير الإِكرام للضيوف، عظيم الرفق بأصحابه، يحبّ الترتيب والنظام في كل شيء، والمواظبة على الأوقات، مشتغلًا بخاصة نفسه، وبما ينفع في الدِّين، متنخِّيًا عن السياسة مع الاهتمام بأمور المسلمين، والحمية والغيرة في الدين، حجَّ سبع مرّات، آخرها في شوال سنة أربع وأربعين من الهجرة.\nله من المصنَّفات: \"المهنّد على المفنّد\"، و\"إتمام النِّعَم على تبويب الحكم\"، و\"مطرقة الكرامة على مرآة الإِمامة\" و\"هدايات الرشيد إلى إفحام العنيد\" كلاهما في الردّ على الشّيعة الإِماميّة، و\"بذل المجهود في شرح سنن أبي داود\".","vol":"1","page":68},{"text":"كانت وفاته بعد العصر من يوم الأربعاء في السادس عشر من ربيع الآخر سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف في المدينة المنوَّرة، وشُيِّعَتْ جنازته في جمع عظيم، ورُؤِيتْ له رؤيا صالحة، ودُفِن في البقيع لدى مدفن أهل البيت (١).\n* * *\n_________\n(١) الترجمة منقولة بتعديل يسير من المجلد الثامن، لكتاب \"نزهة الخواطر\"، طبع دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد، الهند. انظر: (٨/ ١٤٥).\nوانظر ترجمته في كتاب: \"تذكرة الخليل\" للشيخ الميرتهي، و\"مقدمة أوجز المسالك\" (ص ١٣٥) أيضًا.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>ترجمة المؤلف الشيخ السهارنفوري بقلم أحد كبار العلماء </span>(١)\nقال الله ﵎: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (٢)، وقال ﷾: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٣)، وقال ﷾: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤)، وقال ﷾: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥).\nوقال ﵊: \"ما من نبي بعثه الله في أُمّته قبلي إلَّا كان له في أُمّته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنَته ويقتدون بأمره ... \" الحديث (٦)، وقال ﵊: \"لا تزال طائفة من أُمَّتي منصورين لا يضرّهم مَن خذلهم حتى تقوم الساعة\" (٧)، وقال ﵊:\n_________\n(١) المراد به شيخ الإِسلام الإِمام المحدث السيد حسين أحمد المدني، المتوفى لإحدى عشرة خلون من جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وألف (انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٢٦ - ١٣٢)، ولم يصرح الكاتب العلّام باسمه تواضعًا منه وختمه بالعبارة الآتية: \"كتبه بعض المنتسبين إلى أعتاب حضرة الشيخ - غفر الله له ولوالديه ومشايخه أجمعين -\".\n(٢) سورة الشورى: الآية ١٣.\n(٣) سورة يوسف: الآية ٧٦.\n(٤) سورة يوسف: الآية ٥٦.\n(٥) سورة البقرة: الآية ١٠٥.\n(٦) أخرجه مسلم برقم (٨٠).\n(٧) أخرجه الترمذي برقم (٢٢٨٧).","vol":"1","page":70},{"text":"\"إنَّ الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا\" (١).\nوقال ابن سيرين: (إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم (٢).\nوبنًاء على ما تلونا من الآيات، وسردنا من الروايات، وعلى ما يماثله من الآيات والأحاديث والأقوال لم يزل الأسلاف يذكرون تراجم المشايخ والأعلام، ويبثّون ما منحهم الله تعالى من المزايا والمكارم بين الأنام، وأتوا بتصانيف مفردة وغير مفردة في أحوال الرجال، ولم يتساهلوا في تبيين الحق وضبط طبقات أهل الفضل والكمال، فمن مُقِلٍّ ومُكْثِرٍ، ومطنب وموجز، كي تطمئنّ النفوس بإفاضاتهم، وتستقرّ القلوب لدى إفاداتهم، ولا تبقى مَظنَّةٌ لريب المرتابين، وتنقطع أعناق شُبُهَات المنكرين والجاحدين، ويكون ذريعة للسان الصدق في الآخرين، وأسوة حسنة للهداة والمتأسين، ومُهَيِّجًا لِهِمَم الضُّعفاءِ مُذَكِّرًا للغافلين، وهداية للمعرضين عن المقال جانحين إلى الَقائلين، فلا يستمطر كل وَبْلٍ (٣) وطَلٍّ، ولا يقصد باب كلّ مَن جلَّ وقلَّ، ولا يعتمد على كلّ مَن عرف أو جهل: استحسنّا أن نوشح هذا الكتاب بنبذة من ترجمة المؤلِّف دام مجده، فنقول:\nهو الثقة، المثبت، الحجة، الحافظ، الصدوق، محيي السُّنَّة السنيَّة، قامع البدع الشنيعة، شعاره طريقة رسول الله، دثارَه (٤) التقوى ومخافة الله، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يزعجه عن الطريق القويم مهابة غَوِيّ ظالم، حاز قصبات السبق في ميادين الفضل والكمالات، فأعيى الأقران، ونشر ألوية الجهاد في سبيل الله بالحجج والبيِّنات، فَأبْكَمَ كُلَّ مُتَشَدِّقِ لِسانٍ، نبعتْ من إفاداته عيونُ العلم والنُّهَى، وتفجَّرتْ من إفاضاته أنهارُ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه برقم (٨).\n(٢) أخرجه مسلم في \"المقدّمة\"، باب بيان أن الإسناد من الدِّين.\n(٣) الوَبْل: المطر الشديد.\n(٤) في الأصل: \"ثارَه\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"1","page":71},{"text":"الإِحسان والتُقَى، أشرقت أراضي التحديث بأنوار رواياته، وتلألأت أفلاك التفقُّه بأضواء دراياته، أبو حنيفة زمانه، وشبلي عصره ودورانه، مولانا أبو إبراهيم خليل أحمد الأيوبي الأنصاري نسبًا ومحتدًا، والحنفي الرشيدي مشربًا ومذهبًا، والجشتي القادري النقشبندي السهروردي طريقة ومسلكًا، لا زالت بحار فيضه زاخرة على ممرّ الليالي والأيام، وشموس إفاداته لامعة على رؤوس الخلائق والأنام.\nيتّصل نسبه الطّاهر إلى سيّدنا أبي أيُّوب الأنصاري الخزرجي -رضي الله تعالى عنه -، ووُلد - دام مجده - في أواخر صفر سنة تسع وستين بعد الألف والمائتين من هجرة مَن هو مدار الفضائل الروحيّة ومحطّ الفيوض الرحمانية - ﵊ - في أخواله بـ \"نانوته\" - كورة من نواحي سهارنفور - الهند. ثم ترعرع في ظلال أبويه الكريمين - رحمهما الله تعالى- في موطنهما كورة \"انبيتهه\".\nوسُمِّي بظهير الدّين أحمد أيضًا لدلالته على ما يقارب زمان مولده، وللتفاؤل بأنه سيصير ظهيرًا للدِّين الحنيف حسبما صاح به الهاتف المنيف.\nكانت لوائح الذكاء والفطانة تشرق على سرر جبينه في أيام صباه، ومنادي الأقدار كان يُسمع كلّ ذي عقل بأنه سيكون خليل الخليل فتحمد عقباه، فأبرزت لطائف الأقدار مكنوناتها، ولفظت قوى الأرواح بمخزوناتها، حين أخذ عالم الأسباب بما تقرر في عوالم الأمثال، وصارت ألسنة الشهادة تروي له مسلسلات الأفضال، فاشتغل بالعلوم في صباه وأقرانه بين الماء والطين.\nوتأدَّب بآداب الصلاح لدى والده الشاه مجيد علي المرحوم، فمجد في المتعلمين، صار يقرأ ويستفيض سحبه الهطالة في موطنه، حتى لفظته الأقدار إلى رياسة \"كَواليار\" فلازمه إلى مقرّه، وهنالك اشتغل","vol":"1","page":72},{"text":"بمبادئ العلوم العربية على عمّه مولانا الشيخ أنصار علي المرحوم، ثم بعد برهة رجع إلى وطنه، فحضر لدى علماء البلد من أرباب المعرفة والعلوم، ولم يزل يستغرف بحارهم الزاخرة، ويستمطر سحبهم الهطالة إلى أن أُسِّسَت دار العلوم الإِسلامية الفيحاء، بـ \"ديوبند\" الشهيرة الزهراء في سنة ألف ومائتين وثلاث وثمانين من هجرة مَن له المجد والعلياء، فارتحل إليها مقتبسًا عن أنوار شموسها، ومستضيئًا بأضواء كواكبها وبُدورها.\nثم بعد أشهر لمّا تأسست هذه الكلية التي هي منابع للعلوم ومظاهرها، ومطالع لشموس المعارف ومشارقها، المدرسة العلية \"مظاهر العلوم\" بـ \"سهارنفور\"، قصدها مُشَمّرًا عن ساق الجد في تحقيق المسائل وحفظها وإتقان العلوم ووعيها.\nولم يزل يجدُّ في الاستشراق عن كواكبها الدريّة وسياراتها المضيئة حتى أن فرغ مِن سائر الكتب الدرسية، والفنون الآلية العربية، والعلوم العقلية والنقلية، المتوسّطات منها والانتهائية، حينما كان مدار أكثر الإِفاضة ساعتئذٍ على فخر الأكابر والأماثل، قدوة الأماجد والأفاضل، أستاذ الأساتذة، قدوة الأئمة والجهابذة، رئيس العلماء ورأسهم، وإمام أهل التحقيق وأساسهم، مركز دائرة الذكاء والبهاء، وشمس نجوم الأخلاق النبوية والسخاء، صدر المدرِّسين والمحدِّثين، سند المفسّرين والمتكلِّمين، العارف بالله مولانا الشيخ محمد مظهر النانوتوي الحنفي الجشتي القادري النقشبندي السهروردي (١) - قدَّس الله سرّه العزيز- فأخذ عنه الأُمّهات وغيرها من كتب الحديث والتفسير والأصول والفروع، سماع فقه ودراية، ولم يقتنع بسرد الألفاظ ومجرد الرواية، وهو - رحمه الله تعالى- مِن أرشد تلامذة إمام عصره وأوانه، وفريد دهره وزمانه مولانا مملوك علي النانوتوي\n_________\n(١) المتوفَّى سنة ١٣٠٢ هـ، تقدمت الإشارة إلى ترجمته (ص ٦٥).","vol":"1","page":73},{"text":"الصديقي الحنفي (١) - قدَّس الله سرّه العزيز- جدّ المؤلِّف أبي أُمّه، عن شمس العلماء وإمام الأتقياء مولانا رشيد الدِّين خان الدهلوي الحنفي (٢) قدَّس الله سرّه العزيز- عن أبي حنيفة زمانه وبخاري عصره وأوانه، رئيس الحكماء المحقِّقين وسند الأولياء العارفين مولانا الشاه عبد العزيز الدهلوي العمري الحنفي (٣) - قدَّس الله سرّه - وقد روى حضرة مولانا محمد مظهر المومأ إليه \"صحيح البخاري\" عن الشهير في الآفاق مولانا الشاه محمد إسحاق العمري الدهلوي (٤) ثم المكي الحنفي- قدَّس الله سرّه العزيز -.\nوكذلك يروي حضرة الأستاذ المؤلِّف سائر كتب الحديث قراءةً وإجازةً عن حبر الأُمّة كاشف الغمّة مولانا الشيخ عبد القيُّوم البدهانوي ثم البهوبالي، ختن حضرة العلَّامة الشّاه محمد إسحاق المومأ إليه - نَوَّر الله مرقده -.\nويروي أيضًا سائر كتب الحديث وفنونها عن أستاذ الأساتذه رئيس الكرام والجهابذة الإِمام الحجّة مولانا عبد الغني العمري المجددي الدهلوي ثم المدني- قدَّس الله سرّه العزيز - ح، وعن الشهير الإِمام الحجة السيِّد أحمد زيني دحلان مفتي الشافعيّة في زمانه بمكة المكرَّمة - رحمه الله تعالى - ح، وعن صدر علماء دار الهجرة السيّد أحمد البرزنجي مفتي الشافعيّة بالمدينة المنوَّرة - رحمه الله تعالى -.\nولم يزل مولانا الخليل- دام مجده - يغترف من بحار حبر الأمة مولانا محمد مظهر- قُدِّس سرّه العزيز - ويكتسب الأخلاق والمعاني من\n_________\n(١) انظر ترجمته وتراجم مشايخه في: \"أوجز المسالك\" (١/ ١٣٦ - ١٥٠).\n(٢) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٧/ ١٨٠).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أبجد العلوم\" (٣/ ٤٤)، و\"نزهة الخواطر\" (٧/ ٢٦٨).\n(٤) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٧/ ٥١).","vol":"1","page":74},{"text":"صحبته الفيحاء، وينوّر قلبه من معارفه الزهراء إلى أن ارتوى بما لديه من عذب العلوم وكتبها، وشهد له الأساتذة الأعلام بمناصب التكميل وأعالي رُتَبها، وذلك في سنة ثمان وثمانين بعد الألف والمائتين من الهجرة، وكانت سنّه الشريفة إذ ذاك تسع عشرة سنة.\nثم لم تقتنع نفسه المنهومة في العلم، الحريصة في العرفان، بذلك القدر من الحكمة والإِيقان، فأقلقه (١) إلى مركز دوائر الأدبيّات العربيّة، ومنبع أنهار المعالم اللغوية، أستاذ الأساتذة، إمام الحفّاظ الجهابذة، أصمعيّ زمانه، وسيبويه دورانه، مولانا الشيخ فيض الحسن السهارنفوري (٢) الحنفي - قُدس سرّه العزيز- وقد كان إذ ذاك مرجع الفنون العربية ومدارها في \"كليّة لاهور\"، فأقام لديه شهورًا يرتشف مِن عذب بنات شفاهه، ويشنّف آذانه من مزاهر آدابه وبيانه، إلى أن رقته ألطاف المبدأ الفيّاض إلى معارج القيام بخدمة العباد، وإيصالهم إلى خفايا مكمنة في فطرهم من الهداية والرشاد، فولي خدمة التدريس بـ \"منكَلور\"، فشمر عن ساق الجد في طرق الإِفادة، وأسهر الليالي مجتهدًا في مطالعة الفنون والإِفاضة.\nوهنالك أخذته الجذبة الإِلهيّة، والسابقة الأزليّة، واللطائف القدسية، والمنح الربّانيّة فأقلقته إلى حضور ربّ الأرباب والدخول في حلقة الروحانيين الذين أزيل عنهم الرين والحجاب، فوقف مدّة يتطلّع إلى شموس زمانه والأقمار، ويستطلع بغيته في كلّ جنّة ذات ثمار وأزهار، إلى أن تَغَرَّد بلبل التفريد، ورَنَّحَ عندليب التوحيد، وغَنَّى بلحن ناشط سديد، أن دع الهيام والحيرة، واقصد الباب الرشيد، فإنَ هنالك الفوز والوصول لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فلبّاه بقلبه، واعتقده إشارة ربه، فلم يصبر حتى أن ألقى نفسه بفناء إمام العارفين سند الواصلين،\n_________\n(١) قوله: أقلقه، أي: حرّكه.\n(٢) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٣٩٢).","vol":"1","page":75},{"text":"قطب السالكين، شمس الهداة الكاملين، الفاني الباقي، والمرشد الصافي، السالك المجذوب، والصديق المحبوب، قطب العالم مولانا وسيّدنا أبي مسعود رشيد أحمد الأيُّوبي الأنصاري الكَنكَوهي الحنفي الجشتي القادري النقشبندي السهروردي - قدَّس الله سرّه العزيز-.\nفلم يزل واقفًا على أعتابه، يستغيث سحبه الهطالة، ويستضيء شموسه اللَمَّاعة، إلى أن أوصلته العواطف الرَّبَّانية والسوابق الصمدانيَّة أعلى درجات الوصول والنهاية، وبلغ غاية درجات السلوك والهداية، فحقق له أن يفوّض إليه تسليك عباد الله والتربية، وإحياء الأرواح والنفوس بأمطار الرياضات والتزكية، فأجاز له حضرة قطب الأقطاب مولانا الكَنكَوهي المومأ إليه - قدَّس الله سرّه العزيز- إجازة الإِرشاد والإِيصال، بأن كتب بأحواله القدسية ومدارجه العالية إلى ذروة المجد والكمال، إمام العارفين، وحجّة الله في العالمين، القطب الربّاني، والإِمام الصمداني، مولانا الحاج إمداد الله المكي الجشتي النقشبندي القادري السهروردي العمري (١) - قدَّس الله سرّه العزيز-، فَبَخلَهُ وأكرمَهُ بالخرقة والإِجازة، وأقامه مقام نفسه، وأَلْبَسَه (٢) ما كان على رأسه من الطاقية والعمامة، فيا حبّذا من نعمة خصّه الله تعالى بين الأخلاء والأصفياء، وأمدَّه بإمدادات حسده عليها أرباب الأحوال والاهتداء، وذلك سنة ست وتسعين لدى حضوره الحرمين الشريفين، والحجازين المكرمين.\nوقد كان قبل ذلك تشرَّف بالحج والزيارة الشريفة سنة ثلاث وتسعين بعد الألف والمائتين، حين إقامته ببلدة بهوبال.\nوفي هذه المرة اجتمع بسيِّد أرباب الكشف والشهود، وملاذ قاصدي أحاديث الرسول ﵇ والوفود، إمام الرويّة والرواية، قطب الهداية\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٧٩).\n(٢) في الأصل: \"لبسه\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"1","page":76},{"text":"والدراية، مفخر المحدِّثين، وسند المفسِّرين، مَن انتهت إليه رئاسة الحديث بدار الهجرة، واشتهر فضله شرقًا وغربًا بين أرباب الكمال والمهرة، مولانا العارف باللهِ الشيخ عبد الغني (١) الحنفي المجددي النقشبندي الدهلوي ثم المدني المومَأ إليه سابقًا - قدَّس الله سرّه العزيز -، فمنحه حضرة الشيخ الإِجازة العامّة بجميع ما كانت تصح له روايته عن شيخيه المعروفين والإِمامين الهمامين، مولانا العارف بالله الشهير في الآفاق مولانا الشيخ محمد إسحاق العمري (٢) الدهلوي ثم المكي- قدَّس الله سرّه العزيز-، ومولانا العارف بالله الشيخ محمد عابد الأنصاري (٣) الحنفي السندي ثم المدني- قدَّس الله سرّه العزيز-، وأسانيدهما مشهورة.\nثم بعد رجوعه من هذه السفرة الأولى حداه القضاء والقدر لتكميل أهل \"بهاول بور\" وتربيتهم، فَأَدَّى هذه الخدمة الشريفة لدى بعض الخواص من سُكّانها، ثم ولي خدمة التدريس والإِفادة بمدرستها المشهورة لدى أرباب العلم والإِفاضة، فأقام هنالك اثنتي عشرة سنة يسقي ظِماءهم بفراته، ويداوي جرحاهم بمرهم وعظه وشفاء كلماته، فدرَّس هنالك وصنَّف، وقلوبًا أحياها، وآذانًا (٤) شنف، فضرب الناس بعطن، وانقطع عنهم الظمأ وحرارة الفتن.\nثم ولي بعد إقامته برهة بـ \"بريلي\" تدريس أعالي الفنون وكتب الحديث بالمدرسة العالية الديوبندية المشهورة في القديم والحديث، فلم يزل ينوّر قلوب الطالبين بشموس علومه ومعارفه، ويحيي أرواح عفاة الفنون بمعجزات البيان ومعالمه، إلى أن حان أن ينتبه طالع \"مظاهر العلوم\"، ومنذ مدّة كان غاربًا في النوم والغفلة، فاستولت عليها حوادث الدهر،\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"مقدمة أوجز المسالك\" (١/ ١٤٤).\n(٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٣١).\n(٣) انظر ترجمته في: \"اليانع الجني\" (ص ٩٩)، و\"البدر الطالع\" (٢/ ٢٢٧).\n(٤) في الأصل: \"أحزانًا\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"1","page":77},{"text":"فلم تبق له إلَّا اسمه ورسمه، فسعى أركانها إلى حضرة القطب الكَنكوهي المومأ إليه - قُدِّس سرّه العزيز- طالبين أمره الشريف بقَبول صدارة التدريس بها فلبّاه، ورقاها إلى أوج الكمالات فكلّ مسابق أعياه، وذلك في سنة أربع عشرة بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة، فاقتصرت عليه الكتب العالية من الحديث والتفسير والفقه والأصول وغيرها، فدرسها بغاية الإِتقان والتحرير، حتى أنْ ضرب الناس بأكباد إبلهم إلى فنائه ورحابه، وصار المشرق والمغرب يلفظ أفلاذ أكباده إلى أعتابه وجنابه، فنقح المسائل ورتب ونشر الأحاديث في الآفاق وألَّف، وفتح آذانًا صمًّا، وأحيا قلوبًا غلفًا.\nوحيث إنَّ \"سنن أبي داود\" كان مِن أُمَّهات الأحاديث وأصولها، وجامعًا للمعتبر من الروايات وفروعها، كافيًا لمن أراد التبصُّر في السنن النبوية، معتمدًا لمن قصد الاجتهاد في المعارف الدِّينية، وتوجَّه إليه الأئمّة الحاذقون بالشروح والحواشي، وخدموه بإزالة غموضاته وكشف الغواشي، فمنهم مَن توجَّه إلى فقه الأحاديث والمتون، ومنهم مَن قَصَد الأسانيد والاستيعاب لكلّ ما يجب من العلوم والفنون، فمن مطول ومختصر، ومن مطنب ومقتصر.\nولما رأى حضرة الأستاذ - مدَّ الله ظلّه العالي- أنَّ هذه الشروح والحواشي قد لعبت بها بنات الأفلاك وحوادث الدهر، ولم يبق لها في صفحات الوجود إلَّا أساميها الموجبة للحسرات والويلات لأبناء العصر، قصد أن يشرحها شرحًا وجيزًا يحلّ مشكلاته، ويفصل معضلاته، ولا يترك شيئًا من عُجَره وبُجَره، ولا يبقي مستورًا من خبايا كنوزه وبدره.\nولكن عاقته عوائق الدهر عن الإِسعاف، وصادمته صوارف الزمان بكل جور واعتساف، فلم يزل يقاومها بكلّ همّة واستقلال، ويصرف لمعارضتها ثواقب العزم بغاية القوَّة والكمال، إلى أن أيَّدته النفحات القدسية والألطاف العلويّة، فشرع في المأمول، واجتهد في المسؤول،","vol":"1","page":78},{"text":"وكان قد سوّد مضامينها في السنين السالفة، وزَين صفحات الأوراق بجواهر ألفاظها اللامعة، بيد أنه لم يكن يتفرَّغ للتكميل بهجوم مشاغل التدريس والتعليم، وكثرة أفكار تتعلَّق بترتيب المدرسة والتنظيم.\nفلما رجع حضرته من الحجّة السادسة سنة ألف وثلاثمائة وأربعين فرّغ نفسه للتأليف، وتوجَّه بشراشره للترشيق والتصنيف، وشَمَّر نفسه عن ساق الجد في التسويد والترتيب، مُعْرِضًا عن الإِطناب المُمِلّ والإِيجاز الغريب، فجاء بحمد الله ﷿ ما يروق به عيون الأرواح، وتنجلي به الغموم والهموم، وتطمئن الخواطر بالسكون وغاية الارتياح.\nوقد حصل الفراغ من تسويد الجزء الأوَّل سنة أربعين بعد الألف والثلاثمائة، ومن الثاني منه سنة اثنتين وأربعين بعد الألف والثلاثمائة، ثم شرع في الجزء الثالث منه، وعلى الله الإِيفاء بالمقاصد والتكميل، ومن فضله ومنه يُرجى لجزاء الحسن والثواب الجزيل.\nوللمؤلِّف- دام مجده وعُلاه- تصانيف عديدة في مهمّات المسائل وفروعها، وتآليف جميلة في إحقاق العقائد الحقّة وتوطينها، وله ملكة في فنون الجدل والمناظرة، وإقامة البراهين والحجج الباهرة، فإنه داهية كبرى على الشيعة الشنيعة الفاجرة، وطامة عظمى على المبتدعة الضالّة العاجزة.\nفمنها: \"المهنّد على المفنّد\"، ذكر فيها معتقداته ومعتقدات مشايخه الكرام أتباع الأسلاف العظام، وأهل السُّنَّة الفخام، ردًّا على ما افترى عليهم الخبثاء اللئام، بما تقشعِرّ منه الجلود، وتفتّت عنه العظام.\nومنها: \"تنشيط الآذان\"، ذكر فيها ما أخطأ فيه بعض مَن ادَّعى العلم، وانتحله أنَّ محلّ الأذان خارج المسجد يوم الجمعة لدى الخطبة.\nومنها: \"مطرقة الكرامة على مرآة الإِمامة\"، كتاب بسيط في ردّ الروافض، ذكر فيه أصولهم القبيحة، ومعتقداتهم الشنيعة، وأتى على","vol":"1","page":79},{"text":"خزعبلاتهم وترّهاتهم فأوهاها، وأرسل الصواعق على حججهم، فدكَّ جبالهم الشامخة وسوّاها، طبع منه الجزء الأول فقط، ثم عزَّ وجوده ولم يطبع بعد.\nومنها: \"هدايات الرشيد\"، كتاب بسيط جدًّا في ردّ الروافض، وإظهار أصولهم الفاسدة، وعقائدهم الباطلة، وتوهين قواهم، وإخفاض علاهم، عدم النظير في بابه، كامل التقريب في حججه وأبوابه، قَلَّتْ نسخه الآن، فتاه المشتاقون، واشتدّت حاجته الحين، فأصرّ المفتاقون، وعلى الله التيسير، وهو الميسِّر لكلّ عسير.\nومنها: \"إتمام النعم على تبويب الحكم\"، كتاب جليل في تهذيب الأخلاق والتصوُّف، كتبه حضرة الشيخ - مدَّ الله ظلّه العالي - بأمر قطب العالم مولانا العارف بالله المهاجر المكي- قدَّس الله سرّه العزيز - مترجمًا للجواهر المنظمة من حِكَم ابن عطاء الله السكندري - ﵀ - بطريق يسهل على الطالبين الاغتراف من بحاره، وعلى السالكين الاستضاءة من أنواره.\nوله - دام مجده - مؤلَّفات أُخَر شهيرة طبع منها البعض، ولم يطبع البعض.\nولم يزل حضرته- دام مجده- مجدًا في نشر العلوم، وإحياء الدِّين، وتقويم ما تَعَوَّجَ من أمور الإِسلام والمسلمين، علَمًا مضيئًا للطلبة والسالكين، ناصحًا مخلصًا للأُمّة المحمَّديّة أجمعين، إمامًا للهداة والعالمين، خادمًا للعالم الإِنساني والمهتدين، عاضًّا بالنواجذ على سنن سيِّد المرسلين، عليه أفضل صلوات المصلِّين، وأكرم تسليمات المسلِّمين، متَّبعًا لما كان عليه الأسلاف الكرام، مجتنبًا عن جميع ما اخترعته اللئام، مفنيًا أوقاته في إرضاء المفضل المنعام، وعبادات زاكية حين تثقل المضاجع بالنيام، ورياضات شاقّة على النفس والشّيطان، واحتسابات تزيل الغفلة","vol":"1","page":80},{"text":"وتوقظ الوسنان، ومراقبات تديم الشهود والإِحسان، وأذكار تنوِّر الجسد والجنان، وتسليك لعفاة الطريقة، وإرشاد لظمأى خمور العشق والحقيقة، ولمثله ما قيل:\nيبيت مشمرًا سهرالليالي ... وصام نهاره لله خيفه\nوصان لسانه عن كل إفك ... وما زالت جوارحه عفيفه\nيَعِفُّ عن المحارم والملاهي ... ومرضاةُ الإِله له وظيفه\nوقد أخذ عنه العلوم الظاهرة، وروى عنه الأحاديث الظَاهرة أئمّةٌ ذوو رواية وروية، وطلبة أصحاب درايات دُرِّيَّة، لا يحيى عددهم إلا الله العظيم، ولا يحيط بمراكزهم إلَّا الخالق العلم، لم تزل أنهار فيوضه جارية بالمشرقَيْن، وشموس فضائله لامعة على رؤوس أهل المغربين.\nوتاب على يده الشريفة خلق كثيرون، فاستضاء بأنواره الباطنة منهم الصالحون، إلى أن استوى منهم جماعات على عروش التسليك والتلقين، فامتاز بينهم بالخرقة والخلافة إمامًا قائدًا لأهل السكينة واليقين.\nمنهم: حضرة الشيخ الأجلّ والفاضل الأبجل، مَن أَحيى بطبيعته الوقادة العلوم والسنن، ونوَّر بفطانته الثقابة النفوس والزمن مولانا محمد يحيى الكاندهلوي - قدَّس الله سرّه العزيز-.\nومنهم: التقيّ الصالح والورع البارع، مولانا عبد الله الكَنكَوهي - المرحوم (١) -.\nومنهم: الأديب البارع والزكيّ الفارع صاحب التصانيف العالية والتآليف الزاكية مولانا الحاج عاشق إلهي الميرتهي- دام مجده -.\nومنهم: مولانا الحاج فخر الدِّين نزيل غازي آباد (٢).\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"حياة خليل\" للشيخ محمد الثاني (ص ٥٨٦) بالأردية.\n(٢) انظر ترجمته في: المصدر السابق (ص ٥٩٦).","vol":"1","page":81},{"text":"ومنهم: مولانا الحافظ الحاج محمد إلياس الكاندهلوي (١) نزيل نظام الدِّين، دهلي.\nومنهم: مولانا الحافظ فيض الحسن الكَنكَوهي (٢) نزيل لكهنؤ.\nومنهم: الحاج محمد حسين الحبشي نزيل مكة المكرمة، في السلسلة النقشبنديّة خاصّة.\nوليكن هذا آخر ما أردناه عن إفصاح ترجمة حضرة الشيخ- دام مجده - بغير إطناب ولا تطويل، فإنَّ إكمال ذكر ما منحه الله ﷿ لا يحويه إلا الطامور العريض الطويل، بلّغه الله تعالى على أقصى مراداته في الدارين، وأسبل علينا مِن بركاته وفيوضاته ما يسترنا عن فضائح الكونَين.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسَلين، وآله وصحبه وأتباعهم إلى يوم الدّين، آمين.\nكتبه\nبعض المنتسبين إلى أعتاب حضرة الشيخ غفر الله له ولوالديه ومشايخه أجمعين\n_________\n(١) انظر ترجمته في: المصدر السابق (ص ٥٩٨) وكتاب: \"الشيخ محمد إلياس وحركته الدِّينيَّة\" للعلَّامة أبي الحسن الندوي.\n(٢) انظر ترجمته في: المصدر السابق (ص ٥٩٤).","vol":"1","page":82},{"text":"أبو داود\nالإِمام الحافظ الفقيه (٢٠٢ - ٢٧٥ هـ)\nوكتابه \"السنن\"\nبقلم:\nأ. د/ تقي الدّين النّدْوي","vol":"1","page":83},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>عصر أبي داود</span>\nعاش الإِمام أبو داود جميع سنوات عمره في القرن الثالث الهجري، فقد وُلد عام ٢٠٢ هـ، وتوفي سنة ٢٧٥ هـ، وكان العالم الإِسلامي تحت حكم العباسيين الذين اتخذوا بغداد عاصمة لملكهم، وكان العصر العباسي الأول (١٣٢ - ٢٣٢ هـ) عصر قوة الخلفاء واستقلالهم بشؤون الخلافة وحسن تدبيرهم لسياسة الدولة، وعدم تركهم للعناصر الأجنبية من فرس وغيرهم الاستبداد بشؤون الملك وسياسة الدولة.\nولقد أدرك هذا الإِمامُ عهدَ المأمون المتوفى سنة ٢١٨ هـ، والمعتصم المتوفى سنة ٢٢٨ هـ، والواثق المتوفى سنة ٢٣٢ هـ. وبوفاة الواثق انتهى عهد القوة للدولة العباسية، وبدأ الضعف يدِبُّ في أوصالها ابتداء من عهد المتوكل المتوفى سنة ٢٤٧ هـ، ومرورًا بعهد المنتصر المتوفى سنة ٢٤٨ هـ، ثم المستعين بالله المتوفى سنة ٢٥٢ هـ، ثم المعتز بالله المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، ثم المهتدي المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، ثم المعتمد على الله المتوفى سنة ٢٧٩ هـ.\nولقد حجر على المعتمد هذا أخوه الموفق، واستبد بالأمر في دونه، فلم يستقل بالخلافة، وللموفق مع الإِمام قصة ستأتي في هذا الكتاب إن شاء الله.\nولئن عاش الإِمام أبو داود - ﵀ - عصرًا سياسيًّا ابتدأ قويًّا ثم ضعف، فقد عاش عصرًا علميًّا رائعًا جليلًا، نمت فيه العلوم الإِسلامية نموًّا عظيمًا، وأصبح للعلم فيه حواضر كثيرة في كافة أنحاء العالم الإِسلامي","vol":"1","page":85},{"text":"لا سيما في بغداد، فقد نمت المذاهب الأربعة ودوِّنت، وأصبح معظم الناس أتباعًا لها، ونمت علوم القرآن، لا سيما التفسير، وألفت الكتب الكثيرة في السيرة النبوية، والمغازي، والتاريخ، والطبقات، وأسست علوم العربية خدمة للقرآن الكريم، كما أن سيول الثقافة الأجنبية قد انصبت على المجتمع المسلم، ووجدت تشجيعًا عظيمًا لا سيما في عهد الخليفة المأمون، وتُرجم الكثير من الكتب إلى اللغة العربية.\nأما علوم الحديث، فقد بلغت في عصر الإِمام أبي داود دورها الذهبي، ولقد سايرت علوم الحديث تدوين السُّنَّة في سيره، فتقدمت تقدمًا كبيرًا بما قام به علماء هذه الطبقة من جهود كبيرة في تحرير علوم الحديث وتصنيف المؤلفات الكبيرة فيها. ونظرة عابرة على كتاب: \"الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة\" لمحمد بن جعفر الكتاني، تكفي للاطلاع على المؤلفات العظيمة في علوم الحديث لعلماء ذلك العصر.\nوقد عاش في ذلك العصر أعلام محدثي هذه الأمة كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وغيرهم.\nوفي هذا العصر برز في العالم الإِسلامي لا سيما في حاضرة الخلافة بغداد تيّار التصوف، وقد أوجد هذا التيّار قومًا صالحين زهدوا في الدنيا، فانصرفوا عنها وعن زخارفها، وشغلوا أنفسهم بالاجتهاد في طاعة الله تعالى والإِكثار من ذكره، والاستعداد ليوم المعاد، وكان رؤوس هؤلاء القوم: الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، والحارث المحاسبي، وغيرهم.\nوالحق أن الذي كان عليه هؤلاء القوم لم يكتسب اسم التصوف إلَّا فيما بعد، وهو يفترق كثيرًا عن المصطلحات والأحوال التي أصبح عليها فيما بعد من يُدعون بالصوفية.\nهذا، ولم يخلُ هذا العصر من هَنَات أساءت للعلم والعلماء، بل","vol":"1","page":86},{"text":"أساءت للإِسلام والمسلمين، وفي رأسها \"فتنة خلق القرآن\" التي امتحن فيها أئمة أعلام، في مقدمتهم الإِمام أحمد بن حنبل؛ تلك الفتنة التي ابتدعها المعتزلة، وأوحى بها كبيرهم القاضي أحمد بن أبي داود إلى الخليفة المأمون، فهويها وامتحن بها أئمة الإِسلام، ثم أخذ العلماءَ بها من بعده أخوه المعتصم، ثم جاء المتوكل فأزال هذه الفتنة، وأراح الأمة من شرورها.\nوفي هذا العصر برزت تيارات معادية للإِسلام، ترسبت من بقايا المجوسية الفارسية، وسلكت مسلك الكيد الخفي للإِسلام، وكان مقصدها الأول تخريب عقائد المسلمين، وإضعاف دولتهم، وكان منها المزدكية والمانوية والديصانية (١)، بَيْدَ أن يقظة الخلفاء استطاعت أن تتصدى لهذه التيارات وتقمعها.\nهذا، وعلى الرغم من هذه الهنات، فقد كانت الكلمة العليا في المجتمع الإِسلامي للعقيدة الإِسلامية ولأهل السنة والجماعة، وكان الأثر الأعظم في توجيه الأمة لأئمة الإِسلام الأعلام من فقهاء ومحدثين، وفي مقدمتهم أئمة الفقه الأربعة وكبار الأئمة المحدثين.\nهذه كلمة موجزة عن عصر الإِمام أبي داود، أردنا منها أن نعطي القارئ فكرة سريعة عن ذلك العصر لا سيما في ناحيتيه السياسية والعلمية، ثم ننتقل بعدها إلى الحديث عن الإِمام أبي داود - ﵀ رحمة واسعة -.\n* * *\n_________\n(١) هذه أسماء فرق المجوس، انظر: \"الملل والنحل\" للشهرستاني (١/ ٢٥١ - ٢٥٦).","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الإِمَام أبو دَاوُد\nقبسات من سيرته، ولمحات من فضله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>اسمه ونسبه ونسبته:</span>\nهو الإِمام الثَّبَت (١) سيد الحفاظ في وقته أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدَّاد بن عمرو الأزدي السجستاني. وقيل: سليمان بن الأشعث بن شدَّاد بن عمرو بن عامر، ويقال: عمران (٢).\nقلت: لعله وقع شيء من الاختصار.\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: يقال: إن جده عمران قُتل مع علي - ﵁ - بصفين (٣).\nوالأزدي نسبته إلى الأزد، وهي قبيلة معروفة في اليمن (٤).\nثم السجستاني: نسبته إلى سجستان، واختلف العلماء في تعيينه:\nقال ابن خلِّكان: السِّجستاني: بكسر السين المهملة والجيم وسكون\n_________\n(١) يقال رجل ثَبَت- بفتحتين-: إذا كان عدلًا ضابطًا، وجمعه أثبات، مثل سبب وأسباب.\n(٢) انظر: \"خلاصة تذهيب الكمال\" (ص ١٥٠)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ١٣٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ١٧٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٦٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٠٣).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٦٩).\n(٤) جاء في \"القاموس\": الأزْدُ: أبو حي باليمن، ومن أولاده الأنصاركلهم.","vol":"1","page":88},{"text":"السين الثانية وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى سجستان الإِقليم المشهور، وقيل: بل نسبته إلى سجستان أو سجستانة قرية من قرى البصرة، والله أعلم.\nوروى شهاب الدين الحموي عن محمد بن أبي نصر أنه تَتَبَّعَ البصريين فلم يعرفوا بالبصرة قرية يقال لها سجستان، غير أن بعضهم قال: إن بقرب الأهواز قرية تسمى بشيء من نحو ما ذكره، ولم يذكر أحد من الحفاظ أنه من غير سجستان المعروف، وينسب إليها السجزي، وهو من عجيب التغيير في النسب (١).\nوقال السمعاني: السّجستاني نسبة إلى سجستان، وهي إحدى البلاد المعروفة بكابل (٢).\nوقال تاج الدين السبكي: الإِقليم المعروف المتاخم لبلاد الهند (٣).\nوقال الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي: هذه النسبة إلى \"سيستان\" البلد المعروف فيما بين \"السند\" و\"الهراة\" بقرب \"قندهار\" و\"جشت\" (٤).\nوإن سجستان الآن في بلاد أفغانستان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>ولادته:</span>\nولد الإِمام أبو داود سنة اثنتين ومائتين (٥).\nوكان أبو داود قد سكن البصرة، وقدم بغداد غير مرة، وروى كتابه المصنف في السنن بها، ونقله عنه أهلها (٦)، وآخر مرة زارها سنة ٢٧١ هـ (٧).\n_________\n(١) \"معجم البلدان\" (٥/ ٣٧).\n(٢) كتاب \"الأنساب\" (٣/ ٢١).\n(٣) \"طبقات الشافعية الكبرى\" (٢/ ٢٩٣).\n(٤) \"بستان المحدثين\" (ص ١٠٧).\n(٥) \"طبقات الشافعية الكبرى\" (٢/ ٢٩٣).\n(٦) \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٥٦).\n(٧) \"مفتاح السعادة\" (٢/ ٩).","vol":"1","page":89},{"text":"وكانت البصرة في ذلك العصر مركز العلم والعلماء والطلاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>ارتحاله إلى الآفاق:</span>\nلا نعرف إلا الشيء القليل عن بدايته، ولكنه لما نشأ وترعرع كانت دائرة علم الحديث واسعة، ولذلك ذهب يطوف مراكز العلم في العالم الإِسلامي عدة سنوات، واتسعت رحلته فعمت بلاد خراسان، ومصر والحجاز، وكتب عن علماء هذه البلاد.\nقال الخطيب البغدادي: وهو أحد من رحل وطوَّف وجمع وصنَّف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين (١)، وسمع بخراسان والعراق والجزيرة (٢) والشام ومصر.\nقال ابن كثير: أبو داود السجستاني أحد أئمة الحديث، الرحَّالين إلى الآفاق في طلبه (٣).\nوزار طرسوس التي أقام بها عشرين سنة (٤) ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>شيوخه:</span>\nرحل الإِمام أبو داود إلى المراكز المهمة التي حوت كبار المحدثين في بلاد المسلمين، واستفاد من الشيوخ الذين هم محل الثقة والأمانة، وأخذ الحديث ممن لا يحصى كثرة (٦).\n_________\n(١) \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٥٥).\n(٢) الجزيرة: الأراضي الممتدة بين دجلة والفرات، وكان فيها ديار مضر وديار بكر، سميت الجزيرة لأنها بين دجلة والفرات، وهي تقع الآن في سوريا والعراق وتركيا.\n(٣) \"البداية والنهاية\" (١١/ ٥٤).\n(٤) \"تهذيب الأسماء\" (٢/ ٢٦).\n(٥) \"تهذيب ابن عساكر\" (٦/ ٢٤٤).\n(٦) \"مفتاح السعادة\" (٢/ ٩).","vol":"1","page":90},{"text":"قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وشيوخه في \"السنن\" وغيرها نحو من ثلاثمائة نفس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>ومن أعيانهم:</span>\n١ - أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي، الإِمام الشهير، صاحب \"المسند\"، وُلد سنة أربع وستين ومائة، ومات ببغداد يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين (٢).\n٢ - يحيى بن معين، أبو زكريا، أحد الأئمة الأعلام، قال الخطيب: كان إمامًا ربانيًا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا، مات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وحمل على سرير النبي - ﷺ -، وله نحو سبع وسبعين سنة (٣).\n٣ - إسحاق بن راهويه، أبو يعقوب الحنظلي، نزيل نيسابور، أحد أئمة المسلمين وعلماء الدين، مولده سنة ١٦١ هـ، ومات ليلة نصف شعبان سنة ٢٣٨ هـ (٤).\n٤ - عثمان بن محمد بن أبي شيبة أبو الحسن العبسي الكوفي، أحد الحفاظ الأعلام، أخو أبي بكر بن أبي شيبة، صاحب \"المسند\" و\"التفسير\" مات سنة ٢٣٩ هـ (٥).\n٥ - مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي مولاهم، البصري، أبو عمرو، روى عنه ابن معين والبخاري، ومات سنة ٢٢٢ هـ (٦).\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧٢).\n(٢) \"طبقات السيوطي\" (ص ١٨٦)، و\"تاريخ بغداد\" (٤/ ٤١٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ٧٢ - ٧٥).\n(٣) \"طبقات السيوطي\" (ص ١٨٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٤٢٩).\n(٤) \"وفيات الأعيان\" (١/ ٦٤)، و\"ميزان الاعتدال\" (١/ ١٨٢).\n(٥) \"طبقات السيوطي\" (ص ١٩٣)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٩٢).\n(٦) \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٩٢)، و\"العبر\" (١/ ٣٨٥).","vol":"1","page":91},{"text":"٦ - ومنهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن مَسلَمة بن قعنب القعنبي، الحارثي، المدني، نزيل البصرة، المتوفى بمكة سنة إحدى وعشرين ومائتين (١).\n٧ - ومنهم الحافظ أبو الحسن مُسَدَّد بن مُسَرْهَد بن مُسَرْبَل البصري الأسدي، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين (٢).\n٨ - ومنهم أبو سَلَمَة موسى بن إسماعيل التميمي المنقري التبوذكي، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٣).\n٩ - ومنهم الحافظ أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري الملقب بـ بندار، المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين (٤).\n١٠ - ومنهم الحافظ أبو خيثمة زهير بن حرب بن شداد الحَرَشي مولاهم، النسائي، المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين (٥).\n١١ - ومنهم أبو حفص عمر بن الخطاب السجستاني نزيل الأهواز، المتوفى سنة أربع وستين ومائتين (٦).\n١٢ - ومنهم أبو عثمان عمرو بن محمد بن بكير بن سابور الناقد، البغدادي، نزيل الرقة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين (٧).\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٢٥٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣١)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٤٩).\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٥٩١)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٠٧)، و\"تهذيب الكمال\" (٦٤٩١).\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٣٦٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٣٣)، و\"تهذيب الكمال\" (٦٨٣٠).\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ١٤٤)، و\"تهذيب الكمال\" (٥٦٧٥).\n(٥) \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ٤٨٩)، و\"تهذيب الكمال\" (١٩٩٥).\n(٦) \"تهذيب الكمال\" (٤٨١٥).\n(٧) \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ١٤٦)، و\"تهذيب الكمال\" (٥٠٣١).","vol":"1","page":92},{"text":"١٣ - ومنهم الحافظ الصالح أبو السري هنَّاد بن السري بن مصعب التميمي الدارمي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين (١).\n١٤ - ومنهم الحافظ الإِمام نصر بن علي الجهضمي الأزدي، المتوفى سنة خمسين ومائتين (٢).\n١٥ - ومنهم الحافظ المثبت أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائتين (٣).\n١٦ - ومنهم أبو عثمان عمرو بن مرزوق الباهلي البصري، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (٤).\n١٧ - ومنهم الحافظ أبو موسى محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس العنزي البصري، المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين (٥).\n١٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن كثير العبدي البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٦).\n١٩ - ومنهم الحافظ العَلَم أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، الكوفي، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومائتين (٧).\n٢٠ - ومنهم الحافظ أبو العباس حيوة بن شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (٨).\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ٤٦٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٧١٩٨).\n(٢) \"تهذيب الكمال\" (٧٠٠٠) و\"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ١٣٣)\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ٣٩٤)، و\"تهذيب الكمال\" (٦١٢٠).\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٤١٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٩٨).\n(٥) \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ١٢٣) و\"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٤٢٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٦١٧٠).\n(٦) \"تهذيب الكمال\" (٦١٦٢) و\"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٣٨٣).\n(٧) \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ١٢٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢).\n(٨) \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٦٦٨)، و\"تهذيب الكمال\" (١٥٦٥).","vol":"1","page":93},{"text":"ومن شيوخ الإِمام أبي داود: سليمان بن حرب (١) وأبو عمرو الحوضي (٢)، وأبو الوليد الطيالسي (٣)، وغيرهم كثير.\nوقد شارك البخاري ومسلمًا في بعض شيوخهما كأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وقتيبة بن سعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>تلاميذه:</span>\nتوافد عليه الطلبة من كل جهة من الشرق والغرب، فأكب على إفادتهم وإرواء غُلَّتهم بما كان يملكه من المادة الغزيرة في علم الحديث والرواية، فتوسَّع نطاق طلابه، ولا يمكن إحصاؤهم، وربما كان يجتمع في مجلس درسه ألوف من الرجال.\nقد روى عنه خلق من الأئمة، قال الذهبي (٤): كفى به فخرًا أن الإِمام الترمذي (٥) والنسائي من تلاميذه، وحسبه فضلًا أن يروي عنه شيخه أحمد بن حنبل حديثًا ويكتبه عنه، وهو ما رواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة عن أبي العُشَراء الدارمي عن أبيه: \"أن رسول الله - ﷺ - سئل عن العتيرة فحسنها\" (٦).\nقال الحافظ ابن كثير: حدث عنه جماعة، منهم ابنه أبو بكر\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٣٣٠).\n(٢) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٣٥٤).\n(٣) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٣٤١).\n(٤) \"طبقات الحفاظ\" (ص ٢٦١).\n(٥) انظر روايته في: \"جامع الترمذي\" باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه (٢/ ٣٣٢).\n(٦) \"البداية والنهاية\" (١١/ ٥٥)، و\"مناقب أحمد\" لابن الجوزي (ص ٤٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (ص ٥٩٢).","vol":"1","page":94},{"text":"عبد الله، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو بكر أحمد بن سلمان النجاد وهو آخر من روى عنه في الدنيا (١)، ومنهم: الترمذي، وإسماعيل بن محمد الصفَّار، ومحمد بن مخلد الدوري، وأحمد بن محمد بن هارون الخلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>زهده وورعه:</span>\nكان الإِمام أبو داود على درجة عالية من النسك والعفاف والصلاح والورع، وكان مثالًا يحتذى في هديه وسمته.\nقال أبو حاتم: كان الإِمام أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا.\nوقال أبو موسى: تفقّه أبو داود بأحمد بن حنبل ولازمه مدة، وبلغنا عن بعض الأئمة أن أبا داود يُشَبَّه بأحمد بن حنبل في هديه وسمته ودلّه، وكان أحمد يُشَبَّه بوكيع، ووكيع بسفيان، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم، وهو بعلقمة، وهو بابن مسعود، وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي - ﷺ - (٢).\nوجاءه سهل بن عبد الله التستري فقيل له: يا أبا داود، هذا سهل بن عبد الله قد جاءك زائرًا، فرحّب به وأجلسه، فقال له: يا أبا داود، لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: حتى تقول: قضيتها مع الإِمكان، قال: قد قضيتها مع الإِمكان، قال: أَخْرِج لسانك الذي حدَّثْتَ به عن رسول الله - ﷺ - حتى أقبّله، قال: فأخرج لسانه فقبّله (٣).\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (١١/ ٥٥).\n(٢) \"البداية والنهاية\" (١١/ ٥٥).\n(٣) \"وفيات الأعيان\" (٢/ ١٣٩)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٦٧ و١٦٨).","vol":"1","page":95},{"text":"وكان له كُمَّان: كُم واسع، وكم ضيق، فسئل عن ذلك، فقال: الواسع للكتب، والثاني لا نحتاج إليه.\nوقال: من اختصر على لباس دُوْنٍ ومطعم دُوْنٍ أراح جسده (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>اعتزازه بكرامة العلم والعلماء:</span>\nومما يدل على هذا الاعتزاز ما ذكره الإِمام الخطابي بسنده عن أبي بكر بن جابر- خادم أبي داود - قال: كنت مع أبي داود ببغداد، فصلينا المغرب، إذ قُرع الباب ففتحته، فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن، فدخلت إلى أبي داود، فأخبرته بمكانه، فأذن له فدخل وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال: ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟ قال: خلال ثلاث، قال: وما هي؟ قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنًا ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض، قال: هذه واحدة، هات الثانية، قال: تروي لأولادي كتاب \"السنن\"، قال: نعم، هات الثالثة، فقال: تفرد لهم الرواية، فإن أولاد الخلفاء لا يجلسون مع العامة، فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، فإن الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء، قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون، ويضرب بينهم وبين الناس سِتر فيسمعون مع العامة (٢)! !\nوهكذا فليكن العلماء، لا يَسْعَوْن إلى الملوك والأمراء، وإنما يسعى إليهم الملوك والأمراء، وهكذا فلتكن المساواة في العلم والمعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>اعتراف الأئمة بفضله وكماله:</span>\nكان أبو داود عَلَمًا من أعلام الإِسلام حفظًا وفقهًا وعلمًا بالأحاديث\n_________\n(١) \"تهذيب ابن عساكر\" (٦/ ٢٤٦).\n(٢) \"مقدمة معالم السنن\" (ص ٢)، و\"تهذيب ابن عساكر\" (٦/ ٢٤٥)، و\"طبقات الشافعية\" (٢/ ٢٩٦).","vol":"1","page":96},{"text":"وعللها، وقد حظي بتقدير العلماء له، ونال اعتراف أهل العلم والفضل بعلمه وفضله في كل عهد وجيل.\nقال أبو بكر الخلال (١): أبو داود سليمان بن الأشعث الإِمام المقدَّم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورع مقدَّم (٢).\nقال الحافظ موسى بن هارون (٣): خُلِقَ أبو داود في الدنيا للحديث وفي الآخرة للجنة، ما رأيت أفضل منه (٤).\nولما صنف كتابه \"السنن\" قال إبراهيم الحربي (٥): ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود ﵇ الحديد (٦).\nوهو تشبيه يدلى على فضل الرجل في صنعة الحديث، وأنه يَسَّر العسير وقرَّب البعيد وذلَّل الصعب.\nوقال الحاكم (٧): أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة (٨).\n_________\n(١) هو: أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي، له كتب كثيرة، وقد جمع علم أحمد، توفي سنة ٣١١ هـ. \"البداية والنهاية\" (١١/ ١٤٨).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧١).\n(٣) هو: الحافظ الحجة أبو عمران ابن المحدث أبي موسى الحمال البغدادي البزار، محدث العراق، توفي سنة ٢٩٤ هـ. انظر: \"طبقات الحفاظ\" للسيوطي (ص ٢٩٢).\n(٤) \"طبقات الشافعية\" (٢/ ٢٩٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧٢).\n(٥) هو: إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي، كان حافظًا فقيهًا زاهدًا، توفي ببغداد سنة ٢٨٥ هـ. \"شذرات الذهب\" (٢/ ١٩٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (ص ٥٨٤).\n(٦) \"معالم السنن\" (١/ ١٢)، و\"البداية والنهاية\" (١١/ ٥٥).\n(٧) هو: محمد بن عبد الله بن محمد الحاكم النيسابوري صاحب \"المستدرك\"، توفي سنة ٤٠٥ هـ. انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٢/ ٣٣٥).\n(٨) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧٢).","vol":"1","page":97},{"text":"وقال الحافظ أحمد الهروي (١): كان أبو داود أحد حفاظ الإِسلام لحديث رسول الله - ﷺ - وعلمِه وعللِه وسنده في أعلى درجة، مع النسك والعفاف والصلاح والورع، وكان من فرسان الحديث في عصره بلا مدافعة (٢).\nوقال أبو حاتم بن حبان (٣): كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، جمع وصنَّف وذَبَّ عن السنن (٤).\nوقال ابن الجوزي (٥): كان عالمًا عارفًا بعلل الحديث، ذا عفاف وورع، وكان يشبَّه بأحمد بن حنبل (٦).\nوقال الذهبي (٧): كان رأسًا في الحديث، رأسًا في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورعٍ حتى إنه كان يشبَّه بأحمد (٨).\n_________\n(١) هو: أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحداد أبو إسحاق، مصنف \"تاريخ هراة\"، توفي سنة ٣٣٤ هـ. انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٢/ ٣٣٥).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧٢)، و\"المنتظم\" لابن الجوزي (٥/ ٥٧).\n(٣) هو: أبو حاتم محمد بن حبان البستي الشافعي صاحب \"الصحيح\"، توفي سنة ٣٥٤ هـ. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٩٢).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧٢).\n(٥) هو: الإِمام العلامة الحافظ عالم العراق وواعظ الآفاق جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الحنبلي الواعظ المعروف بابن الجوزي، صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم، توفي سنة ٥٩٧ هـ. انظر ترجمته في: \"طبقات السيوطي\" (ص ٤٧٨).\n(٦) \"المنتظم\" (٥/ ٩٧).\n(٧) هو: الإمام الحافظ -، محدث العصر خاتمة الحفاظ، الناقد محمد بن عثمان الذهبي الشافعي الدمشقي، توفي سنة ٧٤٨ هـ. انظر ترجمته في: \"طبقات السيوطي\" (ص ٥١٧).\n(٨) \"شذرات الذهب\" (٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":98},{"text":"وقال النووي (١): واتفق العلماء على الثناء على أبي داود، ووصفه بالحفظ التام، والعلم الوافر، والإِتقان، والورع، والدين، والفهم الثاقب في الحديث وغيره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>تحرِّيه في الإِسناد:</span>\nقال أبو عبد الله بن منده (٣): الذين أخرجوا ومَيزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم وبعدهما أبو داود والنسائي (٤).\nوقد جاء في كتاب \"الميزان\" للذهبي: قال زكريا بن يحيى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات (٥) على ظهوركتبه، فسألته عنه فقال: رأينا في \"مسنده\" أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول، فدافعنا ثم أخرجها بعدُ، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها (٦).\nوذكر ابن يعلى أن محمد بن علي الآجُريّ (٧) قال: قلت لأبي داود:\n_________\n(١) هو: الإِمام الفقيه الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإِسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى ابن شرف النووي، صنف التصانيف النافعة في الحديث والفقه، توفي سنة ٦٧٦ هـ.\nانظر ترجمته في: \"طبقات السيوطي\" (ص ٥١٠).\n(٢) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٢٥).\n(٣) هو: أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ، المتوفى سنة ٣٩٦ هـ.\nانظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٢٨).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٧٢).\n(٥) أي أغلفة يغلف بها الكتب.\n(٦) \"الميزان\" للذهبي (٤/ ٤٥١).\n(٧) هو: الإِمام المحدث أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، كان عالمًا عاملًا صاحب سنة، دَيّنًا ثقة، توفي في محرم سنة ٣٦٠ هـ. \"طبقات السيوطي\" (ص ٣٧٨).","vol":"1","page":99},{"text":"أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد (١) أو عمرو بن مرزوق (٢)؟\nقال: عمرو أعلى عندنا، علي بن الجعد وُسِم بميسم سوء؛ قال: وما يسوءني أن يعذب الله معاوية، وقال: ابن عمر، ذلك الصبي! (٣). يعني أن علي بن الجعد كان يقع في الصحابة، وذلك عندما يقرر أنه لا يسوءه أن يعذب الله معاويه -﵁ -، وكذلك فإن قوله عن ابن عمر: \"إنه صبي\" فيه ما يدل على قلة احترامه للصحابة، وعلى التهوين من شأنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>مذهبه الفقهي:</span>\nواختلف في مذهبه الفقهي، فقيل: حنبلي، وقيل: شافعي (٤). وعدّه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٥) في \"طبقات الفقهاء\" من أصحاب أحمد بن حنبل (٦)، وكذلك ذكره القاضي ابن أبي يعلى في \"طبقات الحنابلة\" (٧).\nوأما السيد صدِّيق حسن خان (٨)، فقد ذكر في كتابه \"أبجد العلوم\"\n_________\n(١) هو: علي بن الجعد الهاشمي مولاهم الجوهري البغدادي، مات سنة ٢٣٠ هـ.\n\"خلاصة تذهيب الكمال\" (ص ٢٧٢).\n(٢) هو: عمرو بن مرزوق الباهلي أبو عثمان البصري، مات سنة ٢٢٤ هـ.\"خلاصة تذهيب الكمال\" (ص ٢٩٣).\n(٣) \"طبقات الحنابلة\" (١/ ١٥٩).\n(٤) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٢٤).\n(٥) هو: إبراهيم بن علي بن يوسف أبو إسحاق الشيرازي، له مؤلفات كثيرة شهيرة، توفي سنة ٤٧٦ هـ. \"شذرت الذهب\" (٣/ ٣٤٩).\n(٦) \"بستان المحدثين\" (ص ٢٢٤).\n(٧) (١/ ١٥٩).\n(٨) هو: صديق بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي أبو الطيب، حَصَلَ العلم في دهلي، ثم ارتحل إلى بهوفال، وتزوج بملكتها، ولقب بنواب عالي الجاه أمير الملك بهادر، وسافر إلى الحجاز وحج، وأخذ عن علماء اليمن من تلاميذ الشوكاني، أكثر التصنيف حتى أربت مؤلفاته على الستين، مولده ١٢٤٨ هـ، ووفاته ١٣٠٧ هـ. انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٢٠٢).","vol":"1","page":100},{"text":"البخاري وأبا داود والنسائي في الشوافع (١).\nوقال صاحب \"كشف الظنون\" (٢) في ذكر أبي داود: ومن مذهبه أن الحديث الضعيف أقوى عنده من رأي الرجال، وهو قول جماعة من العلماء، منهم الإِمام أحمد بن حنبل، إلى أن قال: وبهذا وشبهه يتقوى ما يقال: إن أبا داود وكذلك الترمذي مجتهدان مطلقان منتسبان إلى أحمد وإسحاق (٣).\nوقال الشيخ طاهر الجزائري (٤): وعندي أن البخاري وأبا داود أيضًا كبقية الأئمة المذكورين ليسا مقلِّدَيْن لواحد بعينه، ولا من الأئمة المجتهدين على الإِطلاق، بل يميلان إلى أقوال أئمتهم (٥).\nقال الإِمام العلامة الشيخ محمد أنور الكشميري (٦): النسائي\n_________\n(١) \"أبجد العلوم\" (ص ٨١٠).\n(٢) هو: مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي، المعروف بحاجي خليفة، مؤرخ بحاثة، تركي الأصل، مولده ووفاته في القسطنطينية، من كتبه: \"كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون\"، مولده ١٠١٧ هـ، ووفاته ١٠٦٧ هـ. انظر ترجمته في: \"هدية العارفين\" (٢/ ٤٤٠).\n(٣) \"كشف الظنون\" (٢/ ٢٩٩).\n(٤) هو: طاهر بن صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني الجزائري ثم الدمشقي (١٢٦٨ - ١٣٣٨ هـ)، بحاثة من أكابر العلماء باللغة والأدب، أصله من الجزائر، مولده ووفاته في دمشق، ساعد على إنشاء دار الكتب الظاهرية في دمشق، وأصبح مديرًا لها، وكان أحد أعضاء (المجمع العلمي العربي) بدمشق، له نحو من عشرين مصنفًا في مختلف العلوم. انظر ترجمته في: \"الأعلام\" للزركلي (٣/ ٣٢٠).\n(٥) \"توجيه النظر\" (ص ١٨٥).\n(٦) هو: العلامة المحدث محمد أنور الكشميري المتوفى ١٣٥٢ هـ. وجمع أمالي درسه حول \"الجامع الصحيح\" للإمام البخاري تلميذه البار مولانا بدر عالم الميرتهي ثم المدني المتوفى ١٣٨٥ هـ. وأسمى الكتاب \"فيض الباري\". انظر ترجمته في: \"نفحة العنبر\" للعلامة البنوري.","vol":"1","page":101},{"text":"وأبو داود حنبليان، صرح به الحافظ ابن تيمية (١).\nوفي موضع آخر من \"الفيض\" (ص ٣٠١) جزم بأنه حنبلي.\nوقال الشيخ ابن القيم (٢) في \"إعلام الموقعين\": البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم (٣)، وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتبع له من المقلدين المحض المنتسبين إليه (٤).\nوكذلك ذكر هؤلاء الثلاثة ابن أبي يعلى (٥) في \"طبقات الحنابلة\".\nوأما التاج السبكي (٦) فلم يذكر في \"طبقات الشافعية\" إلَّا البخاري وأبا داود والنسائي. وأما الحنفية والمالكية فلم يذكروا واحدًا منهم في طبقاتهم (٧).\n_________\n(١) \"فيض الباري\" (١/ ٥٨).\n(٢) هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين، من كبار العلماء، والتلميذ الأول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ألف كتبًا كثيرة، منها: \"إعلام الموقعين\" و\"زاد المعاد\" و\"روضة المحبين\"، ومولده ووفاته بدمشق ٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ. انظر ترجمته في: \"الوافي بالوفيات\" (٢/ ٢٧٠)، و\"شذرات الذهب\" (٦/ ١٦٨).\n(٣) هو: الإِمام الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ، الإسكافي الأثرم الطائي، أحد الأعلام، ومصنف \"السنن\"، وتلميذ الإمام أحمد بن حنبل.\nانظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٦٢٤).\n(٤) \"إعلام الموقعين\" (١/ ٢٢٦).\n(٥) هو: محمد بن أبي يعلى المتوفى سنة ٥٢٧ هـ، صاحب \"طبقات الحنابلة\".\nانظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ١٣٩).\n(٦) هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر تاج الدين بن تقي الدين قاضي القضاة، المؤرخ الباحث، وُلد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها. كان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه قضاء القضاة في الشام، جرت عليه محن وشدائد عظيمة، من كتبه \"طبقات الشافعية الكبرى\" ومولده ٧٢٧ هـ، ووفاته ٧٧١ هـ. انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٦/ ٢٢١).\n(٧) انظر: \"مقدمة لامع الدراري\" (ص ٥٩).","vol":"1","page":102},{"text":"قال العلامة المحدث الكبير الشيخ محمد زكريا (١): إن أهل العلم اختلفوا في مسالك أئمة الحديث، فبعضهم عدوهم كلهم من المجتهدين وآخرون عدوهم كلهم من المقلدين.\nوالأوجه عندي أن فيهم تفصيلًا: فإن الإِمام أبا داود عندي حنبلي قطعًا، متشدد في مسلك الحنابلة، كالطحاوي في الحنفية.\nولا يشك في ذلك من أمعن النظر في \"سنن أبي داود\"، فإنه ﵀ كثيرًا ما أشار إلى ترجيح مسلكهم، بخلاف الروايات المعروفة، كما أشار إلى ذلك بتبويب البول قائمًا، والمعروف عنه - ﷺ - البول جالسًا، ولم يذكر هذه الرواية في الباب مع أنه أخرجها في موضع آخر، وترجم بباب الوضوء بفضل طهور المرأة، ثم ذكر بعد ذلك باب النهي عن ذلك إشارة إلى تأخره، وترجم بباب الوضوء مما مست النار، وترجم بعد ذلك بباب التشديد في ذلك، كأنه رجح أن الأمر وقع فيه التشديد بعد التخفيف، ويظهر نظائر ذلك كثيرًا لمن أمعن النظر في الكتاب (٢).\nوقال في موضع آخر: والذي تحقق لي أن أبا داود حنبلي بلا ريب، لا ينكر ذلك من أمعن النظر في \"سننه\"، والإِمام البخاري عندي مجتهد برأسه، وهذا أيضًا ظاهر من ملاحظة تراجمه بدقة النظر لمن يعرف اختلاف الأئمة (٣).\n_________\n(١) هو: أستاذنا المحدث الكبير العلامة محمد زكريا الكاندهلوي صاحب \"أوجز المسالك\" وغيره من المؤلفات الكثيرة والتعليقات النافعة على الكتب الستة، نزيل المدينة المنورة، مولده عام ١٣١٥ هـ. وقد توفي سنة ١٤٠٢ هـ بالمدينة المنورة، ودفن في البقيع، بجوار رسول الله - ﷺ -، انظر ترجمته في كتاب \"تذكرة حياته\" لسماحة الشيخ السيد أبي الحسن الندوي، و\"الإِمام المحدث محمد زكريا الكاندهلوي وآثاره في علم الحديث\" لولدي العزيز الدكتور ولي الدين الندوي.\n(٢) \"مقدمة لامع الدراري\" (ص ٧٢).\n(٣) المرجع السابق (ص ٦٢).","vol":"1","page":103},{"text":"وإذا أردت التفصيل فعليك بمطالعة مقدمة \"لامع الدراري على جامع البخاري\" في الفائدة التاسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>وفاته:</span>\nوبعد هذه الحياة الحافلة بالعلم وجمع الأحاديث ونشرها، توفي الإِمام أبو داود بالبصرة التي أتخذها موطنًا له، وكانت وفاته في شوال سنة خمس وسبعين ومائتين، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري - عليهما رحمة الله -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>ابنه أبو بكر:</span>\nوقد ترك الإِمام أبو داود ابنًا يسمى \"عبد الله\"، وقد صار حافظًا كبيرًا، وهو أبو بكر عبد الله بن أبي داود فهو إمام ابن إمام، وُلد أبو بكر سنة ثلاثين ومائتين، وتوفي سنة ست عشرة وثلاثمائة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>مؤلَّفاته:</span>\n١ - \" المراسيل\": وقد طُبع بالقاهرة سنة ١٣١٠ هـ.\n٢ - \"الردّ على القدريّة\": كما ذكره السيوطي في \"التدريب\" (ص ٥٦)، والحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" باسم \"الردّ على أهل القدر\"، وذكر أنَّ راوي هذا الكتاب عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري (٢). وقال فؤاد سزكين (٣): ذَكَرَه ابن حجر في كتابه \"الإِصابة\".\n٣ - \"النَّاسخ والمنسوخ\": ذكر ابن حجر أنَّ راوي هذا الكتاب عنه (٤)\n_________\n(١) \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٤٣).\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧٠).\n(٣) \"تاريخ التراث العربي\" (١/ ٢٣٨).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧٠).","vol":"1","page":104},{"text":"أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، ونقل السيوطي عن هذا الكتاب (١)، وذكره إسماعيل البغدادي بعنوان \"ناسخ القرآن ومنسوخه\" (٢).\n٤ - \"مسائل الإِمام أحمد\": وهي مرتَّبة على أبواب الفقه، يذكر فيها الإِمام أبو داود السؤال الموجَّه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية، ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الإِمام أحمد بن حنبل. وقد طبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخَّرًا.\n٥ - \"كتاب الزُّهْد\": توجد له نسخة بالقرويين بفاس وفي المكتبة الظاهرية بدمشق (٣). وقد طبع هذا الكتاب.\n٦ - \"رسالته في وصف كتاب \"السنن\"\": وقد طبعت في القاهرة بتحقيق وتعليق العلَّامة محمد زاهد الكوثري سنة ١٣٦٩ هـ، وطبع مع \"بذل المجهود في حلّ أبي داود\" ١٣٩٣ هـ، وطبع بتحقيق وتعليق فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة - رحمه الله تعالى-، وفضيلة الدكتور محمد بن لطفي الصبّاغ أيضًا.\n٧ - \"إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري\". قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، كتاب مفيد (٤). وذكرها فؤاد سزكين (٥) بعنوان: \"سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم\" (٦).\n_________\n(١) \"تحذير الخواص\" (ص ١٩١)\n(٢) \"هدية العارفين\" (١/ ٣٩٥).\n(٣) \"فهرس المخطوطات الظاهرية\" للشيخ الألباني (ص ١٦١).\n(٤) \"مختصر علوم الحديث\" لابن كثير (ص ٤١).\n(٥) \"تاريخ التراث العربي\" (١/ ٢٦٢).\n(٦) صدر الجزء الثالث بتحقيق محمد بن علي العمري من الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":105},{"text":"وذكر أنها موجودة في كوبرلي وباريس، وذكر أنَّ ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيرًا في \"تهذيب التهذيب\" (١). طُبع في الرياض بعام ١٤١٨ هـ.\n٨ - \"تسمية الإِخوة الذين روى عنهم الحديث\": وهي رسالة في ثماني ورقات، محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السِّلفي، ومكتوبة بخطّ مغربي، كما ذكر ذلك الشيخ ناصر الدّين الألباني (٢).\nوذكر الدكتور أكرم ضياء العمري هذه الرسالة بعنوان \"تسمية الإخوة من أهل الأمصار\"، وقال: وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالة \"تسمية الإِخوة\" ما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الإخوة الذين روى عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء، ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضًا (٣).\nوذكر الأستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أنَّ الرسالة تقع في (٧) ورقات، وأنَّ الورقة ٢٤ سطرًا، وأنها مكتوبة بخطّ ناعم. وذكر فؤاد سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس (٤). وقد طُبعَ هذا الكتاب.\n٩ - \"أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء\".\nقال الشيخ ناصر الدّين الألباني: رُتّبت على أسماء بلادهم، ثقات مكة، وثقات المدينة ... وينتهي بضعفاء المدينة. وهي نسخة ناقصة من أولها وموجودة في الظاهرية (٥). وطُبع الكتاب باسم \"مسائل أبي داود\" سنة ١٣٥٣ هـ.\n_________\n(١) \"فهرس مخطوطات الظاهرية\" (ص ١٦١).\n(٢) \"بحوث في تاريخ السُّنَة\" للعمري (ص ٦٥).\n(٣) \"بحوث في تاريخ السنة\" للعمري (ص ٧٣).\n(٤) \"تاريخ التراث العربي\" (١/ ٢٣٨).\n(٥) \"فهرس مخطوطات الظاهرية\" (ص ١٦١).","vol":"1","page":106},{"text":"١٠ - \"كتاب البعث والنشور\": ذكره بروكلمان، وذكر أنه موجود في دمشق (١).\n١١ - \"المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد\": ذكره فؤاد سزكين وقال: إنه موجود في دمشق (٢).\n١٢ - \"دلائل النبوَّة\" ذكره إسماعيل البغدادي (٣)، وابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (٤).\n١٣ - \"التفرُّد في السنن\": ذكره إسماعيل البغدادي (٥).\n١٤ - \"فضائل الأنصار\": ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه \"تهذيب التهذيب\" (٦).\n١٥ - \"مسند مالك\": ذكره ابن حجر في مقدمة \"تهذيب التهذيب\" (٧).\n١٦ - \"الدُّعاء\": ذكره ابن حجر في مقدمة \"تهذيب التهذيب\" (٨).\n١٧ - \"ابتداء الوحي\": ذكره ابن حجر في مقدمة \"تهذيب التهذيب\" (٩).\n١٨ - \"أخبار الخوارج\": ذكره ابن حجر في مقدمة \"تهذيب التهذيب\" (١٠).\n_________\n(١) طبع هذا الكتاب.\n(٢) \"تاريخ التراث العربي\" (ص ٢٨٩).\n(٣) \"هدية العارفين\" (١/ ٣٩٠).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٦).\n(٥) \"هدية العارفين\" (١/ ٣٩٠).\n(٦) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٧).\n(٧) المرجع السابق.\n(٨) المرجع السابق (١/ ٦).\n(٩) المرجع السابق.\n(١٠) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٦).","vol":"1","page":107},{"text":"١٩ - \"أصحاب الشعبي\": ورد في \"سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود\".\n٢٠ - \"الكنى\": ذكره ابن حجر في \"الإِصابة\" (١).\n٢١ - \"ما تفرَّد به أهل الأمصار\": ذكره ابن تيمية في \"رفع الملام\" (٢)، والزركشي في \"النكت\" (٣).\n٢٢ - ومِن أهم تصانيفه كتابه \"السنن\". ولذلك سأشبع الكلام فيه إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(١) (٣/ ٤٣٧).\n(٢) (ص ٢٤). وانظر \"مجموعة الفتاوى\" شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٤٢).\n(٣) (١/ ٤٢).","vol":"1","page":108},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-33> سُنَن أبي دَاوُد\" تأليفه - مكانته - خصائصه</span>\nكانت المؤلَّفات في الحديث - الجوامع والمسانيد ونحوها-يُذْكَر فيها إلى جانب أحاديث الأحكام الفضائل والقصص والمواعظ والآداب والتفسير؛ حتى جاء الإِمام أبو داود وصنَّف كتابه \"السنن\" تصنيفًا خاصًّا بأحاديث الأحكام مع الاستقصاء.\nقال الإِمام الخطابي: كان تصنيف علماء الحديث - قبل زمان أبي داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود. ولذلك حلّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محلّ الإِعجاب، فضربت فيه أكباد الإِبل ودامت إليه الرّحَل (١).\nينبغي أن يعلم أنَ هناك اصطلاحًا خاصًّا للسنن، قال الكتاني: وهي في اصطلاحهم الكتب المرتَّبة على الأبواب الفقهية من الإِيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف، لأنَّ الموقوف لا يسمَّى في اصطلاحهم سنّة، ويسمَّى حديثًا (٢).\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١١).\n(٢) \"الرسالة المستطرفة\" (ص ٣٢)","vol":"1","page":109},{"text":"ومن هنا يتَّضح لنا لماذا سمى أبو داود كتابه بـ \"السنن\"، وقال في رسالته إلى أهل مكة: وإنما لم أصنف في كتاب \"السنن\" إلَّا الأحكام ولم أصنِّف كتب \"الزهد\" و\"فضائل الأعمال\" وغيرها (١).\nوقال الكتاني: وهو أوَّل مَن صنَف في \"السنن\" (٢)، وفيه نظر يتبين ممّا يأتي. قال الخطّابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأُمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدّمًا سبقه إليه ولا متأخّرًا لحقه فيه (٣).\nفاقتصاره في كتابه على أحاديث الأحكام ميزة عظيمة، وكلامه على الرواة في آخر الأحاديث التي يعقِّب عليها ميزة أخرى له، وإنَّ كلامه هذا ليعتبر النواة الصالحة التي تفرع عنها فن الجرح والتعديل فيما بعد، وأصبح بابًا واسعًا في أبواب مصطلح الحديث، وله ملاحظات أخرى يذكرها عقب الأحاديث ليست داخلة في باب الجرح والتعديل هي من الأصول التي بني عليها المحدِّثون أساس بحوثهم في النقد والتعليل، كما أنَّ له بيان المتابعات والشواهد ما يشهد له بالاقتدار والباع الطويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>موضوع الكتاب ومعظم مقصود الإِمام في تأليفه:</span>\nقد أبدع أبو داود في تنظيم كتابه بالنسبة إلى الأبواب الفقهية والمواضيع الشرعية، فهو يبدأ في كتاب الطهارة، وهكذا يتسلسل حسب المواضيع الشرعية.\nقال العلَّامة الكوثري في هامش \"شروط الأئمة\" للحازمي: \"أما الفرق ما بين الخمسة من القصد: فغرض البخاري تخريج الأحاديث الصحيحة المتّصلة، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير، فذكر عرضًا الموقوف والمعلَّق\n_________\n(١) \"رسالة أبي داود\" (ص ٣٤)\n(٢) \"الرسالة المستطرفة\" (ص ١١).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٣).","vol":"1","page":110},{"text":"وفتاوى الصحابة والتابعين - ﵃- وآراء الرجال، فتقطعت عليه متون الأحاديث وطرقها في أبواب كتابه.\nوقصد مسلم تجريد الصحاح بدون تعرُّض للاستنباط على أجود ترتيب ولم تنقطع عليه الأحاديث.\nوهمّة أبي داود جمع الأحاديث التي استدلّ بها فقهاء الأمصار، وبنوا عليها الأحكام، فصنّف \"سننه\"، وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل، وهو يقول: \"وما ذكرت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه\"، وما كان منها ضعيفًا صرَّح بضعفه، وترجم على كل حديث مما قد استنبط منه عالم، وذهب إليه ذاهب، وما سكت عنه فهو صالح عنده. وأحوج ما يكون الفقيه إلى كتابه\" (١).\nوقال الإِمام أبو داود في وصف كتابه \"السنن\": \" أما هذه المسائل: مسائل الثوري ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>كتاب \"سنن أبي داود\" جامع للأحاديث التي استدلّ بها فقهاء الأمصار وبنوا عليها الأحكام:</span>\nقال الإِمام ولي الله الدهلوي: كان الإِمام أبو داود السجستاني همّه جمع الأحاديث التي استدلّ بها الفقهاء ودارت فيهم، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار، فصنّف \"سننه\"، وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل، وما ذكر في \"سننه\" حديثًا أجمع الناس على تركه، وما كان ضعيفًا صرّح بضعفه، وما كان فيه علّة بيّنها للعمل بوجه يعرفها الخائض في هذا الشأن، وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب (٣).\n_________\n(١) هامش \"شروط الأئمة\" للحازمي (ص ٧٣).\n(٢) والبسط في رسالته إلى أهل مكة.\n(٣) \"حجة الله البالغة\" (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":111},{"text":"وقال أبو جعفر بن الزبير الغرناطي (المتوفَى ٧٠٨ هـ): ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره (١).\nوقال الإِمام الغزالي: إنه كافٍ للمجتهد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثناء الأئمة على \"السنن</span>\":\nهو أكثر مِن أن يُحصى ...\nقال الخطابي: \"اعلموا - رحمكم الله - أن كتاب \"السنن\" لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدّين كتاب مثله، وقد رُزِق القَبول من الناس كافة، فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد ومنه شرب، وعليه معوَّل أهل العراق وأهل مصر، وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض، فأمّا أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلَّا أن كتاب أبي داود أحسن وضعًا وأكثر فقهًا\" (٣).\nوقال شيخ الإِسلام محيي الدّين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي - شارح \"صحيح مسلم\" وصاحب المؤلَّفات الكثيرة - في قطعة كتبها في \"شرح أبي داود\": \"وينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بـ \"سنن أبي داود\" وبمعرفته التامّة، فإنَّ معظم الأحاديث التي يحتجّ بها فيه مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنّفه واعتنائه بتهذيبه\" (٤).\nوقال الخطابي: \"سمعت ابن الأعرابي يقول ونحن نسمع منه هذا\n_________\n(١) \"فتح المغيث\" (ص ٢٨).\n(٢) \"حجّة الله البالغة\" (١/ ٣٥٠).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ٦).\n(٤) انظر: \"الحطة في ذكر الصحاح الستة\" (ص ٢١٣).","vol":"1","page":112},{"text":"الكتاب- وأَشار إلى النسخة وهي بين يديه -: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف الذي فيه كتاب الله ﷿، ثم هذا الكتاب؛ لم يحتج معهما إلى شيء من العلم\" (١).\nوقال زكريا الساجي (٢): \"كتاب الله أجل الإِسلام، وكتاب أبي داود عهد الإِسلام\" (٣).\nوقال محمد بن مخلد (٤): \"كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث، فلما صنّف كتاب \"السنن\" وقرأه على الناس صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتّبعونه ولا يخالفونه، وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ\" (٥).\nوعلّق عليه الخطابي وقال: \"وهذا كما قال، لا شك فيه؛ لأنَ الله تعالى أنزل كتابه تبيانًا لكل شيء، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئًا من أمر الدّين لم يتضمَّن بيانه الكتاب، إلَّا أنَ البيان على ضربين:\nبيانٌ جلي: تناوله الذِّكْر نصًّا.\nوبيانٌ خفي: اشتمل على معنى التلاوة ضمنًا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولًا إلى النبي - ﷺ -، وهو معنى قوله سبحانه:\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٨)، و\"مفتاح السعادة\" (ص ١٠).\n(٢) هو: الإِمام الحافظ محدِّث البصرة أبو يحيى زكريا بن يحيى البصري الساجي، مات سنة سبع وثلاثمائة عن نحو تسعين سنة. \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٣٠٦).\n(٣) \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ١٦٩)، و\"طبقات الشافعية الكبرى\" (٢/ ٣٩٥).\n(٤) هو: محمد بن مخلد بن حفص الإِمام المفيد الثقة مسند بغداد أبو عبد الله الدوري العطار الخضيب، مات في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة عن ثمان وتسعين. \"طبقات السيوطي\" (ص ٣٤٥).\n(٥) \"الرسالة المستطرفة\" (ص ١١)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٢٦).","vol":"1","page":113},{"text":"﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. فمن جمع بين الكتاب والسُّنَّة فقد استوفى وجهي البيان.\nوقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأُمَّهات السنن وأحكام الفقه، ما لا نعلم متقدّمًا سبقه إليه ولا متأخّرًا لحقه فيه\" (١).\nوأحسن تعريف بالكتاب يلخّصه لنا إمام عصره العلامة ابن قيِّم الجوزية، فيقول: \"كان كتاب السنن لأبي داود بن الأشعث السجستاني - ﵀ - من الإِسلام بالموضع الذي خصّه الله به، بحيث صار حكمًا بين أهل الإِسلام، وفصلًا في موارد النزاع والأحكام، ورتبها أحسن نظام مع انتقائها أحسن انتقاء، واطّراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء\" (٢).\nقال أبو داود في \"رسالته لأهل مكة\" في وصف كتابه \"السنن\": \"هو كتاب لا يَرِدُ عليك سنة عن النبي - ﷺ - وعلى آله وأصحابه إلَّا وهي فيه، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس من هذا الكتاب، ولا يضرّ رجلًا ألَّا يكتب فيه من العلم شيئًا بعد ما يكتب هذا الكتاب، وإذا نظر فيه وتدبَّره وتفهّمه علم قدره\".\nوقال أبو العلاء: \"رأيت النبي - ﷺ - في المنام، فقال: مَن أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ سنن أبي داود\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>مكانة \"سنن أبي داود\" بين الكتب الستّة تدريسًا:</span>\nقال العلّامة المحدِّث الكبير الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي: \"والأوجه عندي في ترتيب التحصيل أن يقدِّم المحدّث الترمذي ثم أبا داود\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٨).\n(٢) \"تهذيب السنن\" لابن القيِّم (١/ ٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧١).\n(٣) \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ١٦٩)، و\"طبقات الشافعية\" (٢/ ٣٩٥)، و\"تاريخ بغداد\" (٩/ ٥٦).","vol":"1","page":114},{"text":"ثم البخاري ثم مسلمًا ثم النسائي ثم ابن ماجه ثم \"الموطأ\"؛ لأنَّ طالب الحديث أول ما يحتاج إليه تحقيق المذاهب وأنواع الحديث، ثم دلائله، ثم طرق الاستنباط، ثم جمع الروايات، ثم التنبيه على الضعاف، ثم التأييد بالآثار، وهكذا ترتيب وظائف الكتب المذكورة.\nقيل: إنَّ وظيفة الترمذي بيان المذاهب وأنواع الحديث، ومقصود أبي داود جمع دلائل الأئمّة، ومعظم خواصّ البخاري طرق الاستنباط، ودأب مسلم جمع الروايات الكثيرة، وأشار النسائي إلى علل الأحاديث، وجمع ابن ماجه الصحاح والضعاف، وأكثر في \"الموطأ\" من الآثار. ولا بد للحنفي خاصة أن يقدم \"الموطأ\" برواية محمد (١) ثم الطحاوي قبل الأمّهات الستّ، كما ينبغي للمالكي تقديم \"الموطأ\" برواية يحيى (٢) على الستة وفيه فوائد لا تخفى\" (٣).\nوالسائد في بلادنا الهند تدريس \"مشكاة المصابيح\" بإمعانٍ وتحقيقٍ أوّلًا، ثم في العام الثاني الملقّب بـ \"دورة الحديث\" تدريس الكتب الستة على الترتيب المذكور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>شروط الإِمام أبي داود في \"السنن</span>\":\nقال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في \"جزء شروط الأئمة\" له: اعلم أنَ البخاري ومسلمًا ومَن ذكرنَا بعدهم - يعني أصحاب السنن الأربعة - لم يُنْقَل عن واحد منهم أنه قال: شرطتُ أن أُخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سَبْرِ كتبهم، فيُعلم بذلك شرط كل رجل منهم (٤).\n_________\n(١) هو: محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى-.\n(٢) هو: يحيى بن يحيى الليثي الذي روى \"موطأ مالك\".\n(٣) \"مقدمة أوجز المسالك\" (١/ ٢٣٨).\n(٤) \"شروط الأئمة الستة\" (ص ١).","vol":"1","page":115},{"text":"وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده: شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صحّ الحديث باتِّصال السند من غير قطع ولا إرسال (١)\nوقال أبو داود في \"رسالته\": وليس في كتاب \"السنن\" الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره، وما كان في كتابي من حديث فيه وَهنٌ شديد فقد بيّنته، ومنه ما لا يصحّ سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصحّ من بعض (٢).\nوقال الذهبي: وقد وفي بذلك، فإنه يبين الضعيف الظاهر، وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسنًا عنده، ولا بدّ، بل قد يكون بما فيه ضعف (٣).\nوقال السيوطي: إنَّ الحازمي أوضح شروط الأئمة بمثال: وهو أن نعلم مثلًا أن أصحاب الزهري على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت، الطبقة الأولى شرط البخاري، والثانية شرط مسلم، والثالثة شرط أبي داود والنسائي (باختصار) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>مكانة \"سنن أبي داود\" بين الكتب الستّة صحّة:</span>\nقال المحدث العلَّامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في مقدّمة \"لامع الدراري\" (٥): وفي الجملة أنَّ \"صحيح البخاري\" أعلى رتبة في الصحّة وغيرها عند الجمهور، ثم \"الصحيح\" للإِمام مسلم، ثم \"السنن\"\n_________\n(١) \"الحطّة بذكر الصحاح الستّة\" (ص ١٠٦).\n(٢) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٥)، و\"معالم السنن\" (١/ ٦).\n(٣) انظر: \"الطبقات الشافعية الكبرى\" (٢/ ٢٩٥).\n(٤) \"تدريب الراوي\" (ص ٦٩).\n(٥) (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":116},{"text":"للإِمام أبي داود عند هذا العبد. وبذلك جزم صاحب \"مفتاح السعادة\" إذ قال: إعلم أنَّ رئيس هؤلاء الطائفة وقدوتهم بعد مالك الإِمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ويليه في الرتبة كتاب مسلم، ويليهما أبو داود، ويليهم أبو عيسى الترمذي، ويليهم أبو عبد الرحمن النسائي. وبذلك جزم صاحب \"نيل الأماني\" إذ قال في شرح قول القسطلاني: ومنهم من لم يتقيد بذلك كباقي الكتب الستة، قال: وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وهم على هذا الترتيب في الصحّة.\nوكلام ابن سيِّد الناس في شأن أبي داود يشير إلى أنه يجعله في رتبة مسلم إذ قال: فهذا ألزم بما ألزم به أبو داود، فمعنى كلّ منهما واحد ... إلى آخر ما بسطه السيوطي في \"التدريب\".\nوفي \"الحطة\": قال السبكي في \"طبقاته\": الفقهاء لا يتحاشون من إطلاق لفظ الصحيح عليها وعلى الترمذي. وقال صاحب \"الحطة\": بعد \"الصحيحين\" كتاب أبي داود، ثم النسائي، ثم الترمذي.\nوهكذا الترتيب بين الكتب الستة عند أستاذنا المحدِّث الكبير محمد زكريا الكاندهلوي.\nوقال السيوطي في \"التدريب\": قال الذهبي: انحطت رتبة \"جامع الترمذي\" عن \"سنن أبي داود\" و\"النسائي\" لإِخراجه حديث المصلوب والكلبي وغيرهما. كذا ذكره الدمنتي في \"نفع قوت المغتذي\".\nوقال الشيخ: وأيضًا إنَّ الروايات التي حكم عليها بالوضع في الترمذي وإن لم يكن صحيحًا هي أكثر جدًّا بما حكم عليها بالوضع في أبي داود والنسائي، فهذا أيضًا يؤيِّد ما اخترته من \"الترتيب\".\nووضع بعض الناس \"سنن النسائي\" بعد \"الصحيحين\"، وكذلك قدَّم جماعة \"سنن الترمذي\" على \"النسائي\" كما تقدَّم قريبًا عن \"مفتاح السعادة\" و\"نيل الأماني\"، وإليه يشير صنيع شيخ مشايخنا عبد العزيز في \"البستان\"","vol":"1","page":117},{"text":"و\"العجالة\"، إذ ذكر الكتب الستة على هذا المنوال: البخاري، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وسبقه والده الشيخ ولي الله في ذلك الترتيب كما في رسالته \"الإِرشاد إلى مهمّات الإِسناد\"، وتبعهما صاحب \"اليانع الجني\" في هذا الترتيب، ومن الأسلاف ذكرها النووي في \"تقريبه\" أيضًا على هذا المنوال، وآخر الأمّهات الست ابن ماجه بلا خلاف في كونه آخرها رتبة. انتهى باختصار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الكلام على ما سكت عليه أبو داود:</span>\nوفي \"التقريب\": (فقد جاء عنه أنه يذكر فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه وهن شديد بيّنه، وما لم يذكر فيه شيئًا فهو صالح). قال: وبعضها أصحّ مِن بعض (فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقًا) ولم يكن في أحد الصحيحين (ولم يصححه غيره من المعتمدين) الذين يميّزون بين الصحيح والحسن (ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود)؛ لأنَّ الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما، ولا يرتقي إلى الصحة إلَّا، بنصّ، فالأحوط الاقتصار على الحسن، وأحوط منه التعبير عنه بصالح.\nوبهذا التقرير يندفع اعتراض ابن رُشيد (٢) بأنَّ ما سكت عليه قد يكون عنده صحيحًا، وإن لم يكن كذلك عند غيره، وزاد ابن الصلاح أنه قد لا يكون حسنًا عند غيره ولا مندرجًا في حدّ الحسن إذ حكى ابن مسنده أنه سمع محمد بن سعد البارودي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل أحد ممن لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه ويخرج الإِسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده\n_________\n(١) مقدمة \"لامع الدراري\" (ص ١٣٩، و١٤٠).\n(٢) هو: الإِمام المحدِّث محمد الدِّين أبو عبد الله محمد بن عمر، المعروف بابن رُشَيد الفهري السبتي، وُلد سنة ٦٥٧ هـ وتُوُفي سنة ٧٦١ هـ. انظر ترجمته في: \"طبقات السيوطي\" (ص ٥٢٥).","vol":"1","page":118},{"text":"من رأي الرجال، وهذا أيضًا رأي الإِمام أحمد، فعلى ما نقل عن أبي داود يحتمل أن يريد بقوله: \"صالح \" الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضًا (١).\nوقال الشوكاني: قال الإِمام الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير: إنه أجاز ابن الصلاح والنووي وغيرهما من الحفاظ العمل بما سكت عليه أبو داود لأجل هذا الكلام المروي عنه وأمثاله بما روي عنه، قال النووي: إلَّا أن يظهر في بعضها أمر يقدح في الصحة والحسن فيجب ترك ذلك، قال ابن الصلاح: وعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا ولم نعلم صحته، عرفنا أنه من الحسن عند أبي داود؛ لأن ما سكت عنه يحتمل عند أبي داود الحسن والصحة.\nوقد اعتنى المنذري في نقد الأحاديث المذكورة في أبي داود، وبيّن ضعف كثير بما سكت عنه، فيكون خارجًا عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعًا فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلا في مواضع يسيرة قد نبهت على بعضها في هذا الشرح (٢).\nوذكر الحافظ ابن حجر قول ابن منده، ثم قال: من هنا يظهر لك طريق من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عليها، كابن لهيعة، وصالح مولى التوأمة، وموسى بن وردان، فلا ينبغي للناقد أن يتابعه في الاحتجاج بأحاديثهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع يعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ لا سيما إن كان مخالفًا لرواية من هو أوثق منه، فإنه ينحط إلى قبيل المنكر، وقد يخرج أحاديث من هو أضعف من هؤلاء بكثير، كالحارث بن وجيه، وصدقة بن موسى الدقيقي، ومحمد بن\n_________\n(١) \"تدريب الراوي\" (ص ٩٧).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣).","vol":"1","page":119},{"text":"عبد الرحمن البيلماني، وكذا فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين، والضعفاء، والأسانيد التي فيها من أُبهمت أسماؤهم، فلا يتجه الحكم على أحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي، وتارة يكون الذهول، وتارة يكون لظهور شدة ضعف ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته، كأبي حدير، ويحيى بن العلاء، وتارة يكون لاختلاف الرواة عنه، وهو الأكثر، فإن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي، وإن كانت روايته أشهر، ثم قال: الصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا (١).\nقلت: لا بد للناظر في السنن من أن يحقق كل ما سكت عنه الإِمام أبو داود؛ لأنه يجد في بعض المواضع أن الإِمام أبا داود سكت عنه، وسكت عنه المنذري، ولكن بعد التحقيق والبحث يجد أن الحديث ضعيف؛ مثلًا روى أبو داود هذا الحديث: \"رأيت ابن عمر أناخ راحلته ... إلخ \"، وسكت عنه، وفي \"بذل المجهود\": وكذلك سكت عنه المنذري، ولم يتكلم عليه في \"تخريج السنن\"، وذكره الحافظ ابن حجر ولم يتكلم عليه بشيء، وذكر في \"الفتح\" أنه أخرجه أبو داود والحاكم بإسناد حسن، قلت: سكوت المحدثين عليه وقول الحافظ: حسن، عجيب، فإن حسن بن ذكوان راوي الحديث ضعيف ضعفه كثير من المحدثين، فكيف يصلح للاحتجاج به؟ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>مدة تأليف \"السنن</span>\":\nلم أجد في مرجع من المراجع المدة التي تم فيها تأليف كتاب \"السنن\"، ولكنه لما صنف هذا الكتاب عرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده\n_________\n(١) \"المنهل العذب المورود في حل أبي داود\" (١/ ١٨).\n(٢) \"بذل المجهود\" (١/ ١٨٣).","vol":"1","page":120},{"text":"واستحسنه، ويدل ذلك على أنه صنف قبل المائتين وإحدى وأربعين، لأن عام وفاة الإِمام أحمد بن حنبل (١)، فالظاهر أنه فرغ من تأليف هذا الكتاب قبل أربع وثلاثين سنة من وفاته سوى ما ألحقه بعد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>عدد روايات \"السنن</span>\":\nقال أبو داود في \"رسالته\": \"كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث، منها ما ضمنت هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، وأيضًا فيه نحو ستمائة من المراسيل\".\nقال السيوطي: عدة أحاديث كتاب أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة حديث (٢).\nوقال أبو داود في \"رسالته\": \"أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، كسفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره\".\nوقد قسم أبو داود كتابه إلى كتب، والكتب إلى أبواب، وعدة الكتب (٣٥) كتابًا، منها ثلاثة كتب لم يبوب فيها أبوابًا، وعدة الأبواب (١٨٧١) بابًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>يكفي الإِنسان لدينه أربعة أحاديث:</span>\nقال أبو داود: يكفي الإِنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:\nأحدها: \"إنما الأعمال بالنيات\".\nوالثاني: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\".\nوالثالث: قوله - ﷺ -: \"لا يكون المؤمن مؤمنًا حكى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه\".\n_________\n(١) \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ١٥٣).\n(٢) \"تدريب الراوي\" (ص ٩٨).","vol":"1","page":121},{"text":"والرابع: قوله ﵇: \"الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات ... إلخ\".\nقلت: هكذا في \"سنن أبي داود\" بألفاظ مختلفة.\nوفي \"جامع الأولياء\" (ص ١٥٠) في وصايا الإِمام أبي حنيفة لابنه حماد: انتخبت خمسة أحاديث من خمسمائة ألف، الأَربعة هذه والخامس: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\".\nقال أستاذنا المحدث العلامة محمد زكريا: لعل الإِمام أبا داود أخذ هذا من كلام الإِمام الأعظم أبي حنيفة حيث كان معترفًا بفضل الإِمام أبي حنيفة وجلالة قدره؛ لأنه قال: رحم الله أبا حنيفة أن كان إمامًا. كذا ذكره الحافظ ابن عبد البر في كتابه \"الانتقاء\".\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (١)، تحت حديث جرير \"النصح لكل مسلم\": إنه أحد الأحاديث الأربعة التي قيل: إنها أحد أرباع الدين، وعده فيها محمد بن أسلم الطوسي، وقال النووي: بل هو محصل لغرض الدين.\nوقال الشيخ عبد العزيز الدهلوي: ومعنى الكفاية أنه بعد معرفة القواعد الكلية لا تبقى حاجة إلى مجتهد في الجزئيات، فإن الحديث الأول يكتفى به لتصحيح العبادات، والثاني لمحافظة الأوقات، والثالث لمعرفة الحقوق، والرابع لرفع الشك والتردد من اختلاف العلماء .. مختصرًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>خصائص الكتاب:</span>\nمن أراد أن يطالع \"سنن أبي داود\" ينبغي له أن يحفظ هذه الخصائص لئلا يقع في الزلل والخبط:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٠٣).\n(٢) \"الحطة بذكر الصحاح الستة\" (ص ١٠٥)، و\"بسنان المحدثين\" (ص ١١٩).","vol":"1","page":122},{"text":"منها: ما تقدم من قول السيوطي: إن لأبي داود في حصر أحاديث الأحكام ما ليس لغيره، قيل: إنه كافٍ للمجتهد.\nومنها: أنه يجمع الأسانيد في سند واحد، ثم يفصل لفظ كل واحدة منها على حدة، ومن دأب المؤلف أنه يخلط بين إسنادين أو أكثر، وكذا يخلط بين المتنين أو أكثر، ثم يميز كل رجل بما انفرد به من زيادة وصف الراوي، أو بيان نسبته، أو الزيادة في متن الحديث، أو التغيير فيه، أو نحو ذلك مما يتعلق بالحديث، ويكون هذا منه في أثناء الإِسناد أو في أثناء متن الحديث بطريق الاعتراض، ثم يسوق الإِسناد والمتن كما هو.\nومن دأبه: أنه إذا اجتمع السندان على رجل واحد، فإن كانت روايتهما عنه بـ \"حدثنا\" يذكره المؤلف في آخر كل واحد من هذين السندين أو يذكر السندين أولًا، ثم يذكر ذلك الرجل في آخر السند الثاني فيقول: قالا: حدثنا فلان. وإن كانت رواية أحدهما عنه بـ \"حدثنا\" ورواية الآخر عنه بـ \"عن\"؛ فهذا السند الذي تكون روايته بـ \"عن\" يذكره المؤلف متأخرًا، ويذكر في آخره ذلك الرجل فيقول مثلًا: حدثنا فلان، ثنا فلان، ثنا فلان، عن فلان، فهو فلان الذي يتغير عليه الإِسناد من حدثنا إلى عن، هو الذي اجتمع عليه الإِسنادان، فهذا الإِسناد لا بد أن يكون بطريق حدثنا، ثم يتغير إلى عن - فافهم.\nومنها: أنه قد يجمع بين الروايات المختلفة بالترجمة كما فعل في روايات \"النهي عن استقبال القبلة والاستدبار عند الحاجة\"، فبوَّب على روايات الإِباحة بالرخصة.\nومنها: أنه قد نبه بالترجمة على الشمول في الحكم، مثلًا في \"باب المواضع التي نهي عن البول فيها\"، فليس في الروايات ذكر البول، لكنه شَبّهه بها على أن الحكم تشمله العلة.\nومنها: أنه ﵊ قال في المنام: \"من أراد أن يتمسك بالسنن فليقرأ سنن أبي داود\" كما تقدم.","vol":"1","page":123},{"text":"ومنها: أنه أول تأليف في السنن، فقد كانت التصانيف قبل ذلك الجوامع والمسانيد، ولكن فيه نظر، كما مر عليه الكلام.\nومنها: أنه يقدم رواية الأقدم على الأحفظ كما جزم به في رسالته إلى أهل مكة، وجملته عشرة أحاديث.\nومنها: أنه إذا أعاد الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فلزيادة كلام أو كلمة في ذلك؛ كما جزم به في \"رسالته\".\nومنها: أنه قد اختصر الحديث الطويل، إذ لو كتبه لا يعلم بعض من سمعه موضع فقهه كما ذكر في \"رسالته\".\nومنها: أن فيه حديثًا ثلاثيًّا، وفي الحقيقة أنه رباعي، ولكنه في حكم الثلاثي، وهو حديث أبي برزة (١) الذي أخرجه في آخر كتاب الحوض وهو أعلى ما عند أبي داود (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>تجزئة الكتاب:</span>\nإن النساخ والرواة جَزَّؤوا الكتاب إلى أجزاء، أما الخطيب البغدادي الذي روى السنن برواية اللؤلؤي، فجزَّأه في اثنين وثلاثين جزءًا لا كما زعم البعض ثلاثين جزءًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الأحاديث المنتقدة في \"سنن أبي داود</span>\":\nاعلم أن الحافظ ابن الجوزي قد ذكر في كتابه \"الموضوعات\" تسعة أحاديث بما أخرجها أبو داود في \"سننه\"، وحكم عليها بالوضع. والتحقيق أنها ليست بموضوعة كما حققها السيوطي في كتابه \"القول الحسن في الذب عن السنن\" وفي كتابه \"التعقبات على الموضوعات\" وأجاب عن جميع\n_________\n(١) رقم الحديث (٤٧٤٩).\n(٢) \"المنهل العذب المورود\" (١/ ٢٠).","vol":"1","page":124},{"text":"إيرادات ابن الجوزي. ولا تعجب من ابن الجوزي أنه كيف حكم عليها بالوضع وهي في \"سنن أبي داود\"؛ فإنه متساهل في الحكم بالوضع، كما أن الحاكم متساهل في الحكم بالتصحيح، وتساهلهما مشهور.\nوقال شيخ الإِسلام ابن حجر: إن تساهله أي تساهل ابن الجوزي [في \"الموضوعات\"]، وتساهل الحاكم في \"المستدرك\" أعدم النفع بكتابيهما، إذ ما من حديث فيهما إلَّا ويمكن أن يكون بما وقع فيه التساهل (١).\nوقد بسط الكلام في هذا الأمر العلامة الشيخ محمد زكريا في مقدمة كتابه \"لامع الدراري\" (ص ١٩٨) على موضوعات ابن الجوزي.\nوإني أيضًا قد أخرجت من التعقبات إيرادات ابن الجوزي على الكتب الستة في جزء، وسمَّيته: \"الدفاع عما أورده ابن الجوزي على الصحاح\". هو مخطوط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>درجات أحاديث \"السنن</span>\":\nذكر الحافظ الذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (٢) أن الأحاديث في \"سنن أبي داود\" ستة أنواع، فقال:\n١ - إن أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب.\n٢ - ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر.\n٣ - ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيدًا سالمًا من علة وشذوذ.\n٤ - ثم يليه ما كان إسناده صالحًا وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدًا.\n_________\n(١) \"التعقبات على الموضوعات\" (ص ١)، و\"تدريب الراوي\" (ص ١٨١).\n(٢) (١٣/ ٢١٤).","vol":"1","page":125},{"text":"٥ - ثم يليه ما ضُعّف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالبًا.\n٦ - ثم يليه ما كان بيّن الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبًا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته (١).\nوالحق أن أحاديث \"سنن أبي داود\" متفاوتة المراتب، فما كان وهنه شديدًا بيَّنه.\nوعن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه (٢)، وما كان به من حديث فيه وهن شديد فقد بينته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>نسخ الكتاب:</span>\nتوجد لـ \"سنن أبي داود\" نسخ عديدة، بعضها خطية وبعضها مطبوعة، ذكرها بروكلمان وفؤاد سزكين.\nولقد ظفر صاحب \"عون المعبود\" بإحدى عشرة نسخة من سنن أبي داود وكلها من رواية اللؤلؤي، إلَّا نسخة واحدة، وهي من رواية ابن داسة، ثم قابل بعضها على بعض، وقال: فصار هذا المتن والشرح جامعًا لرواية ابن داسة، وابن العبد، وابن الأعرابي أيضًا، بل فيه بعض رواية الرملي أيضًا لكنه قليل جدًّا (٣).\nوذكر صاحب \"بذل المجهود\" أنه ظفر - غير نسخة \"عون المعبود\" - بست نسخ لهذا الكتاب، وأشار إلى اختلاف النسخ في هوامش \"بذل المجهود\".\nوفي مكتبة سماحة الشيخ أحمد عبد العزيز المبارك رئيس القضاء\n_________\n(١) \"قواعد التحديث\" (ص ٢٣٢).\n(٢) \"مختصر المنذري\" (١/ ٢٨)، و\"تدريب الراوي\" (ص ٩٧).\n(٣) \"عون المعبود\" (٤/ ٥٤٩).","vol":"1","page":126},{"text":"الشرعي بـ (أبو ظبي) نسخة خطية من أجل صحيح، وعليها توقيعات كثير من العلماء والمحدثين، وأعتقد أنها أصح النسخ لـ \"سنن أبي داود\".\nوقد قرئت هذه النسخة على عمر بن طبرزد بحضور أحمد بن صلاح الدين الأيوبي وأولاده، وعليها توقيعات سماعات لكثير من المحدثين، كزين الدين العراقي، وابن مفلح، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر المكي، وعليها وقفية أحمد بن صلاح الدين الأيوبي. وقد قرئت هذه النسخة في الجامع الأزهر، وجامع الأقمر، وجامع المزّة بدمشق بحضور كثير من العلماء، وخطها واضح.\nومن المؤسف أن هذه النسخة قد ضاعت من مكتبة الشيخ.\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-49> سنن أبي داود\" ورواته:</span>\nاعلم أن لـ \"سنن أبي داود\" عدة رواة، وقد ذكر الشيخ المحدث عبد العزيز الدهلوي في كتابه \"بستان المحدثين\" ثلاث نسخ فقط مع رواتها، وذكر صاحب \"مرقاة الصعود\" من رواته أبا عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاق أبي داود، وأضاف صاحب \"التهذيب\" على الأربعة أبا الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الأشناني، وأبا عمر أحمد بن علي بن الحسن البصري، وأبا الحسن علي بن الحسن العبد الأنصاري (١)، وأبا أسامة محمد بن عبد الملك بن يزيد الرؤاسي.\nوذكر صاحب \"التذكرة\" أن رواة السنن سبعة نفر، ولم يعد منهم أبا الطيب وأبا عيسى الوراق، وعد أبا سالم محمد بن سعيد الجلودي.\nوذكر الخطيب البغدادي فيمن روى \"السنن\" الإِمام المحدث أبا بكر أحمد بن سلمان بن الحسن البغدادي النجاد المتوفى ٣٤٨ هـ (٢).\nفعدد رواة \"السنن\" عشرة نفر.\n_________\n(١) \"اليانع الجني\" (ص ٥٦).\n(٢) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٥٠٢)، و\"تاريخ الخطيب\" (٤/ ١٨٩).","vol":"1","page":127},{"text":"وها أنا ذا أذكر خمس نسخ مشهورة بين الناس:\nالنسخة الأولى: المروجة في ديارنا الهندية وبلاد الشرق، المفهومة من \"السنن\" لأبي داود عند الإِطلاق: نسخة اللؤلؤي، وهو الإِمام الحافظ أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو البصري، اللؤلؤي، منسوب إلى اللؤلؤ لأنه كان يبيعه.\nوروى عن أبي داود هذه السنن في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين، وروايته من أصح الروايات، لأنها آخر ما أملى أبو داود، وبعدها مات، وعليها المعوِّل عندنا، وقد أخذ عن اللؤلؤي الإِمام أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، والحافظ عبد الله الحسين بن بكر بن محمد الوراق.\nاللؤلؤي: نسب إلى هذه النسبة جماعة كانوا يبيعون اللؤلؤ (١).\nوتوفي اللؤلؤي في سنة ٣٢٩ هـ، وقيل سنة ٣٣٣ هـ (٢).\nالنسخة الثانية: نسخة ابن داسة، وهي مشهورة في ديار المغرب، وتقارب نسخته نسخة اللؤلؤي، وإنما الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير دون الزيادة والنقصان.\nوهو الإِمام الحافظ أبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرزاق بن داسة التمار البصري، المعروف بابن داسة - بفتح السين المهملة المخففة، وقيل بتشديدها -.\nقال بعض العلماء: رواية ابن داسة أكمل الروايات. أخذ عنه الإِمام أبو سليمان الخطابي، وقال: قرأته بالبصرة على أبي بكر بن داسة سنة (٣٤٥ هـ) خمس وأربعون وثلاثمائة، وأبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن القرطبي من قدماء شيوخ ابن عبد البر، وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم وجماعة (٣).\n_________\n(١) \"كتاب الأنساب\" (٤/ ١٩٦).\n(٢) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٣٠٧)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٣٣٤).\n(٣) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٥٣٨)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ١٣٣).","vol":"1","page":128},{"text":"قال السيوطي: أتمها رواية ابن داسة، والمتصلة الآن بالسماع رواية اللؤلؤي (١).\nالنسخة الثالثة: نسخة الرملي، وهي تقارب نسخة ابن داسة.\nوهو الإِمام الحافظ أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاق أبي داود، منسوب إلى رملة مدينة بفلسطين، سكن بغداد، وتوفي بها سنة ٣٢٠ هـ (٢).\n\nالنسخة الرابعة: نسخة ابن الأعرابي.\nوهو الإِمام الحافظ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشير المعروف بابن الأعرابي (٢٤٦ - ٣٤١)، روى عنه أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد بن غالب التمار، وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم، وأبو حفص عمر بن عبد الملك الخولاني (٣).\nوليس في رواية ابن الأعرابي من روايته عن أبي داود كتاب الفتن والملاحم، والحروف والخاتم، وسقط منه من كتاب اللباس نصفه، وفات من كتابِ الوضوء، وكتابِ الصلاة، وكتابِ النكاح: أوراق (٤).\nالنسخة الخامسة: وهي نسخة ابن العبد.\nوهو أبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري المتوفى ٣٢٨ هـ (٥).\nفيها من الكلام على جماعة من الرواة، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (٦).\n_________\n(١) \"تدريب الراوي\" (ص ٩٣).\n(٢) انظر: \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٣٩٥).\n(٣) انظر: \"لسان الميزان\" (ص ٢٠٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٤٠٧)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٢٥٤).\n(٤) \"مرقاة الصعود\" (ص ٢)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٦١).\n(٥) انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" (١١/ ٣٨٣).\n(٦) انظر: \"النكت على ابن الصلاح\" (١/ ٤٤١).","vol":"1","page":129},{"text":"وقال الحافظ السخاوي: ومما يتنبه عليه أن \"سنن أبي داود\" تقدمت روايتها عن مصنفها، ولكل أصل، وبينها تفاوت حتى في وقوع البيان في بعضها دون بعض، ولا سيما رواية أبى الحسن بن العبد، ففيها من كلامه أشياء زائدة على رواية غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>شروح الكتاب والكتب المؤلفة حوله</span>\nقد اعتنى بهذا الكتاب الجليل كثير من العلماء والمحدّثين شرحًا وتعليقًا واختصارًا واستخراجًا، وها هنا أذكر المجهودات المبذولة حول هذا الكتاب.\n١ - \"معالم السنن\"، لأبي سليمان حَمْد بن إبراهيم الخطابي، المتوفى سنة ٣٨٨ هـ (١).\nولا يَعزبنَّ عن البال أن الخطابي لم يشرح جميع الأحاديث، بل يأتي إلى الباب الذي تعددت فيه الروايات، فإذا كان المآل فيها واحدًا شرح منها حديثًا واحدًا، وكأنه بذلك شرح جميع الباب، وإلَّا شرح أكثر من ذلك على حسب ما يتراءى له، وإلى ذلك أشار بقوله: ومن باب كذا (٢).\nوهو يشرح المفردات الغريبة، والكلمات التي تحتاج إلى الشرح شرحًا واسعًا يدل على معرفة متبحرة باللغة، وقد يستشهد لشرحه بأبيات، أو جمل مأثورة عن العرب، ويشرح المراد من الجملة ثم يشرح الحديث، ثم يتحدث عن فقه الحديث، ويذكر آراء العلماء في موضوع الحديث، ويرجح الرأي الذي يرتضيه من هذه الآراء، ثم يذكر ما في الحديث من الفوائد والاستنباطات الأخرى مما قد لا يتصل بالباب.\nطبع هذا الكتاب في حلب بأربعة أجزاء بتحقيق العلَّامة الشيخ محمد راغب الطباخ سنة ١٩٢٠ - ١٩٢٤، ١٩٣٢ - ١٩٣٤ م. ثم طبع مع شرحي المنذري وابن القيم بالقاهرة ١٩٥٠ م، وطبع في ٢٠٠١ م في بيروت.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٢٣)، و\"وفيات الأعيان\" (٢/ ٢١٤).\n(٢) مقتبس من مقدمة الشيخ راغب الطباخ على \"معالم السنن\"، طبع حلب.","vol":"1","page":130},{"text":"٢ - \"عجالة العالم من كتاب المعالم\"، تلخيص الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي، المتوفى سنة ٧٦٥ هـ (١).\n٣ - \"العِدُّ المورود في حواشي سنن أبي داود\"، للحافظ المنذري، المتوفى سنة ٦٥٦ هـ (٢)، وقد ذكر فؤاد سزكين (٣) مكان وجود مخطوطته.\n٤ - وَشَرَح \"السنن\" أيضًا شهاب الدين أحمد بن حسين بن رسلان الشافعي الرملي، المتوفى سنة ٨٤٤ هـ (٤). ومخطوطته موجودة في تركيا (٥)، وصورة له محفوظة في مكتبة جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض رقم (٥٨٦٣ - ٥٨٦٤ - ٥٨٦٥) هي نسخة كاملة، وله نسخة مخطوطة بمكتبة مظاهر العلوم، سهارنفور بالهند، وصورة لها في الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة تحت رقم (١٥٩٣ - ١٥٩٤ - ١٥٩٥) من أول الطهارة إلى باب في الخرص، وله نسخة مخطوطة في مكتبة المحمودية بالمدينة المنورة من أول الكتاب إلى آخر المناسك فقط، وصورتها موجودة عندي.\n٥ - وَشَرَح \"السنن\" قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين (٦) اليمني الشافعي، المتوفى سنة ٧٥٢ هـ (٧)، في أربع مجلدات كبار في آخر عمره، ومات عنه وهو مسوَّدة (٨).\n_________\n(١) \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٠٤)، وانظر ترجمته في: \"الدرر الكامنة\" (١/ ٢٤٢).\n(٢) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٢٣/ ٣١٩).\n(٣) \"تاريخ التراث\" (١/ ٢٣٦).\n(٤) انظر ترجمته في: \"البدر الطالع\" (١/ ٤٩)، و\"الضوء اللامع\" (١/ ٢٨٢)، و\"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٤٨).\n(٥) \"تاريخ التراث\" (١/ ٢٣٦).\n(٦) هكذا في الأصل وفي \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٠٥)، وجاء في \"شذرات الذهب\": \"دمسين\".\n(٧) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٦/ ١٧١).\n(٨) \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٠٥).","vol":"1","page":131},{"text":"٦ - وَشَرَح هذا الكتاب أيضًا الحافظ مغلطاي بن قليج، المتوفى سنة ٧٦٢ هـ، ولم يكمله (١).\n٧ - وَشَرَح هذا الكتاب أيضًا شهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي من أصحاب المزي، المتوفى بالقدس سنة ٧٦٥ هـ. ويبدو أنه هو الذي لخَّص \"المعالم\" المذكور آنفًا، وسمَّى شرحه: \"انتحاء السنن واقتفاء السنن\" (٢).\n٨ - وَشَرَح \"السنن\" أيضًا أبو زرعة العراقي ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم، المتوفى سنة ٨٢٦ هـ (٣)، وأطال في شرحه جدًا (٤).\n٩ - وَشَرَح قطعة منه محمود بن أحمد العيني الحنفي، المتوفى سنة ٨٥٥ هـ (٥). وقد طبع هذا الشرح في مكتبة الرشد، الرياض، في سبع مجلدات مع الفهارس.\n١٠ - وَشَرَحه الحافظ السيوطي، المتوفى سنة ٩١١ هـ (٦)، وسمَّاه: \"مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود\". وتوجد منه مخطوطات عدة ذكرها فؤاد سزكين (٧).\n_________\n(١) \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٠٤)، وانظر ترجمته في: \"طبقات السيوطي\" (ص ٥٣٤)، وانظر: \"شذرات الذهب\" (٣/ ١٩٧).\n(٢) \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٠٤).\n(٣) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٧/ ١٧٣)، و\"الضوء اللامع\" (١/ ٣٣٦)، و\"البدر الطالع\" (١/ ٧٢).\n(٤) \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٠٤).\n(٥) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٨٦)، و\"الضوء اللامع\" (١٠/ ١٣١)، و\"الجواهر المضيئة\" (٢/ ١٦٥)، و\"الفوائد البهية\" (ص ٨٧).\n(٦) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٨/ ٥١)، و\"الضوء اللامع\" (٤/ ٦٥)، و\"البدر الطالع\" (١/ ٣٢٨).\n(٧) \"تاريخ التراث\" (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":132},{"text":"١١ - وقد اختصره علي بن سليمان الدمنتي البُجُمْعَوِي المولود ١٢٣٤ هـ، والمتوفى سنة ١٣٠٦ هـ (١)، وهو مطبوع بالقاهرة سنة ١٢٩٨ هـ، وأسماه: \"درجات مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود\".\n١٢ - وَشَرَحه أبو الحسن محمد بن عبد الهادي السندي، المتوفى سنة ١١٣٨ هـ (٢). وهو شرح لطيف بالقول، سماه: \"فتح الودود على سنن أبي داود\" (٣).\n١٣ - وعلّق عليه الشيخ فخر الحسن الكَنكَوهي، المتوفى سنة ١٣١٥ هـ (٤)، وسماه: \"التعليق المحمود\". طبع بالهند.\n١٤ - \"الهدي المحمود في ترجمة سنن أبي داود\" باللغة الأردية، للمولوي وحيد الزمان اللكهنوي، المتوفى سنة ١٣٣٨ هـ (٥).\n١٥ - \"أنوار المحمود على سنن أبي داود\"، جمعه أحد تلاميذ العلَّامة محمد أنور الكشميري، المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ (٦)، وهو الشيخ أبو العتيق عبد الهادي النجيب آبادي.\nوالكتاب التقاط من أمالي شيخ الهند مولانا محمود الحسن الديوبندي (ت ١٣٣٩ هـ) (٧)، وأمالي العلَّامة محمد أنور الكشميري، وضم إليها فوائد اقتبسها من \"بذل المجهود\"، ومن درس العلَّامة شبير أحمد العثماني (ت ١٣٦٩ هـ) (٨) لكتاب \"صحيح مسلم\"، وفيه أخطاء كثيرة. وقد طبع هذا الكتاب في مجلدين في الهند وباكستان.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"الأعلام\" للزركلي (٤/ ٢٩٢).\n(٢) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٦/ ٦)، و\"فهرس الفهارس\" (١/ ١٤٨).\n(٣) انظر: ترجمته في: \"تاريخ التراث العربي\" (١/ ٢٣٦).\n(٤) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٣٥٤).\n(٥) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٥١٣).\n(٦) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٩٠).\n(٧) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٤٩١).\n(٨) انظر ترجمته في: \"العناقيد الغالية\" (ص ٥٦).","vol":"1","page":133},{"text":"١٦ - \"غاية المقصود في حل سنن أبي داود\"، للشيخ العلَّامة شمس الحق أبي الطيب العظيم آبادي، المتوفى سنة ١٣٢٩ هـ (١).\nوهو شرح كبير، ومن أحسن الشروح عليه، وقد احتوى على مباحث الكتاب والمتون والأسانيد وفوائد كثيرة، ولو تم لكان عملًا جليلًا، إلَّا أنه لم يتم لسعة دائرته وضخامة عمله، ومع الأسف لم يطبع منه إلَّا الجزء الأول بالهند.\n١٧ - \"عون المعبود شرح سنن أبي داود\"، تأليف محمد أشرف العظيم آاَبادي (ت ١٣٢٦ هـ) (٢)، وهو تلخيص \"غاية المقصود\". ويظهر أن الشيخ محمد أشرف لخصه تحت إشراف الشيخ شمس الحق العظيم آبادي، وهو في أربعة مجلدات كبيرة.\nطبع في الهند سنة ١٣٢٢ هـ، وصور حديثًا في بيروت، وقد أثبت في أعلى الصفحات \"متن سنن أبي داود\". ثم نشره محمد عبد المحسن السلفي صاحب المكتبة السلفية في المدينة المنورة، وطبعه في مصر، وضبطه وحقَّقه عبد الرحمن محمد عثمان، ويليه شرح \"عون المعبود\"، ثم نشر مع التهذيب لابن القيم، وصدر الكتاب في أربعة عشر جزءًا، بدأ بطباعته سنة ١٣٨٨ هـ -١٩٦٨ م، وانتهى ١٣٨٩ هـ -١٩٦٩ م في مطابع المجد بالقاهرة.\n١٨ - \"المنهل العذب المورود شرح سنن الاِمام أبي داود\"، تأليف الشيخ محمود محمد خطاب السبكي، المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ (٣).\nوهو من أحسن الشروح، ولكن سرعان ما تغيرت خطته في الجزء الثاني والثالث، فلم يكن على منوال واحد، ثم لم يتم الكتاب، ثم قام ابنه الشيخ أمين محمود خطاب بمحاولة إكمال الكتاب، وسماه: \"فتح الملك\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٤٣٣)، و\"فهرس الفهارس\" (١/ ١٠).\n(٢) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٤٣٢).\n(٣) انظر ترجمته في: \"معجم المؤلفين\" (١٢/ ١٩٣)، و\"الأعلام\" للزركلي (٧/ ١٨٦).","vol":"1","page":134},{"text":"المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود\"، وقد بلغ إلى باب الطيرة رقم الحديث (٣٩٢٥)، وتوفي ولم يتم الكتاب.\n١٩ - \"بذل المجهود في حل أبي داود\"، للعلامة الكبير المحدِّث الجليل الشيخ خليل أحمد السهارنفوري، المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ.\nإن هذا الكتاب ليس شرحًا وافيًا لسنن أبي داود فحسب، بل إنه سفر ضخم يتضمن بحوثًا ذات قيمة كبيرة في علم الحديث، وشرح كلام النبوة، ورواة الحديث ومكانتهم وتراجمهم في ضوء أقوال الأئمة والمحدثين الكبار، وقد اهتم المؤلف بأقوال الإِمام أبي داود وكلامه في الرواة، بتخريج التعليقات والفحص عنها في كتب أخرى، وتطبيق الروايات بالترجمة، كما أنه حكم فيما اختلف الشراح فيه بما شرح الله به صدره، وتكلم بكلام فصل من غير تردد.\nوأبرز مزايا هذا الكتاب أنه ألف على نهج المحدثين وأئمة الحديث الذين تلقت الأمة كتبهم وشروحهم بقبول تام، واشتمل على بحوث قيمة في أسماء الرجال وأصول الحديث.\nوقد علَّق على الكتاب فوائد ذات أهمية كبيرة تلميذه النابغة العلَّامة المحدِّث الكبير فضيلة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي- نوَّر الله مرقده -، ونشرت هذه التعليقات على الهوامش، وطبع الكتاب في الهند في خمس مجلدات كبار، ثم أعيد طبعها في القاهرة سنة ١٣٩٣ هـ الموافق ١٩٧٣ م في عشرين مجلدًا مع التعليقات تحت إشرافنا.\n٢٠ - \"شرح مختصر سنن أبي داود\"، للمنذري.\nوهو زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، المتوفى سنة ٦٥٦ هـ (١)، والحق أن كتاب المنذري مختصر وشرح بآن واحد.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" للذهبي (٤/ ١٤٣٦).","vol":"1","page":135},{"text":"قال الحافظ ابن القيم في وصفه: وكان الإِمام العلَّامة الحافظ زكي الدين المنذري قد أحسن في اختصاره وتهذيبه وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه، فأحسن حتى لم يكد يَدَع للإِحسان موضعًا، وسبق حتى جاء من خلفه له تبعًا (١).\nوطبع في مطبعة أنصار السنَّة المحمدية بالقاهرة منشورًا مع كتابي الخطابي وابن القيم، وصدر في ثمانية أجزاء، كتب على الثلاثة الأولى أنها بتحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي، وكتب على الخمسة الباقية: بتحقيق حامد الفقي، وهي طبعة مشكولة مرقَّمة الأحاديث.\nوقد طبع في الهند في ١٨٩١ م على هامش \"غاية المقصود\" إلى \"باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر\".\n٢١ - \"تهذيب ابن القيم\": وابن القيم هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، المتوفى سنة ٧٥١ هـ (٢).\nوتهذيبه أشبه بالحاشية منه بالتهذيب، فهو قد يسكت عن أحاديث عديدة. ثم تراه يفصل القول في شرح حديث وبيان فقهه، وقد يفصل تفصيلًا لا تراه في المطولات.\nوقد ذكر في مقدمته خطته فقال: \"فهذبته نحو ما هذَّب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها، وأتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها، والكلام على متون مشكلة لم يفتح مغلقها، وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها، وقد بسطت الكلام على مواضع قليلة، لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه\" (٣).\n_________\n(١) \"تهذيب ابن القيم\" (١/ ٩).\n(٢) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٦/ ١٦٨)، و\"الوافي بالوفيات\" (٢/ ٢٧٠).\n(٣) \"تهذيب ابن القيم\" (١/ ٩ - ١٠).","vol":"1","page":136},{"text":"وقد طبع في دهلي أيضًا سنة ١٨٩١ م، على هامش \"غاية المقصود\" إلى \"باب الوضوء من لحوم الإِبل\".\n٢٢ - وشَرَحَ سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي، المتوفى سنة ٨٠٤ هـ (١)، زوائد السنن على \"الصحيحين\"، وتقع في مجلدين (٢).\n٢٣ - واستخرجه أبو محمد قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البيّاني الأصفهاني القرطبي محدث الأندلس، المتوفى سنة ٣٤٠ هـ (٣).\n٢٤ - واستخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ على سنن أبي داود (٤).\n٢٥ - واستخرجه أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو بكر ابن منجويه الأصفهاني محدث نيسابور، المتوفى سنة ٤٢٨ هـ (٥).\n٢٦ - وجمع زكريا الساجي، المتوفى سنة ٣٠٧ هـ (٦) للـ \"سنن\" ما يوافق معانيها من آيات القرآن الكريم (٧).\n٢٧ - ألف أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الجياني، المتوفى سنة ٤٩٨ هـ (٨) كتابًا بعنوان \"تسمية شيوخ أبي داود\" (٩)، وقد طبع هذا الكتاب.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"الضوء اللامع\" (٦/ ١٠٠)، و\"شذرات الذهب\" (٧/ ٤٤)، و\"البدر الطالع\" (١/ ٥٠٨).\n(٢) \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٠٤).\n(٣) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٤٧٣)، و\"لسان الميزان\" (٤/ ٤٥٨).\n(٤) \"تدريب الراوي\" (ص ٣٥)، وانظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٢٤١).\n(٥) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٤٥٥)، و\"طبقات الحفاظ\" للسيوطي (ص ٤٢١).\n(٦) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٢/ ٢٥٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٧٠٩).\n(٧) \"تاريخ الأدب العربي\" لبروكلمان (٣/ ١٨٦).\n(٨) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ١٤٨)، و\"وفيات الأعيان\" (٢/ ١٨٠).\n(٩) \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٠٤).","vol":"1","page":137},{"text":"٢٨ - للشيخ المحدث القاضي حسين بن محسن الأنصاري اليماني، المتوفى سنة ١٣٢٧ هـ (١)، تعليقات على \"سنن أبي داود\".\n٢٩ - ولتلميذه العلَّامة السيد عبد الحي الحسني مؤلف \"نزهة الخواطر\" (٢)، تعليقات على \"السنن\"، ولكنها لم تتم.\n٣٠ - شرحه الإِمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، المتوفى سنة ٦٧٦ هـ (٣)، ولم يتمه (٤).\n٣١ - شرحه أيضًا الحافظ مسعود بن أحمد بن مسعود الحارثي البغدادي، المتوفى سنة ٧١١ هـ (٥). قال ابن رجب: شرح بعض \"سنن أبي داود\" (٦).\n٣٢ - وشرحه أيضًا الشيخ محمد ياسين الفاداني - ﵀ -، المتوفى سنة ١٤١٠ هـ (٧)، بعشرين مجلدًا، ولا يزال مخطوطًا، وسماه: \"الدر المنضود شرح سنن أبي داود\" (٨).\n٣٣ - وللشيخ إبراهيم بن محمد أبي الوفاء الطرابلسي، المتوفى سنة ٨٤١ هـ (٩)، حواش على \"سنن أبي داود\" (١٠).\n٣٤ - وعلَّق على \"مختصر سنن أبي داود\" شرحًا القاضي محمد بن\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ١١).\n(٢) انظر ترجمته في: \"كتاب عبد الحي الحسني\"، تأليف د. قدرة الله الحسيني.\n(٣) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٥/ ٣٥٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٤٧٠).\n(٤) انظر: \"مقدمة تحفة الأحوذي\" (ص ٦٢).\n(٥) انظر ترجمته في: \"الدرر الكامنة\" (٤/ ٣٤٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ٢٧٧).\n(٦) انظر: \"الذيل على طبقات الحنابلة\" (٢/ ٣٦٣).\n(٧) انظر: \"تتمة الأعلام\" للزركلي، مؤلفه محمد خير رمضان.\n(٨) انظر: \"تشنيف الأسماع\" (ص ١١).\n(٩) انظر: \"الضوء اللامع\" للسخاوي (١/ ١٣٨).\n(١٠) انظر: \"معجم الشيوخ\" للحافظ عمر بن فهد (ص ٤٩).","vol":"1","page":138},{"text":"عمار القاهري المالكي، المتوفى سنة ٨٤٤ هـ، وسمَّاه: \"المواهب والمنن في التعريف والأِعلام بفوائد السنن\" (١).\n٣٥ - وشرحه شهاب الدين بهاء الدين المرجاني، المتوفى سنة ١٣٠٦ هـ (٢)، وسمَّاه: \"عون الودود على سنن أبي داود\" (٣).\n٣٦ - وللعلَّامة محمد التاودي بن سودة الفاس المغربي المتوفى سنة ١٢٠٩ هـ، حاشية على \"سنن أبي داود\" (٤).\n٣٧ - وعمل الشيخ محمد حيات السنبهلي، المتوفى سنة ١٤٠٩ هـ، تعليقات على \"سنن أبي داود\"، طبع في الهند (٥).\n٣٨ - وشرحه محمد بن نور الدين الهزاروي، المتوفى سنة ١٣٦٦ هـ، وسماه: \"عون الودود على سنن أبي داود\" (٦).\n٣٩ - وللشيخ محمد طاهر الرحيمي- نزيل المدينة المنورة - كتاب على سنن أبي داود سمَّاه: \"زبدة المقصود في حل ما قال أبو داود\"، اعتنى فيه بشرح أقوال الإِمام (٧).\n٤٠ - وللدكتور علي بن إبراهيم بن سعود عجين كتاب على \"سنن أبي داود\" سمَّاه: \"تغليق التعليق على سنن الإِمام أبي داود\"، اعتنى فيه بشرح أقوال الإِمام وتخريج الراويات والأحاديث التي أشار إليه الإِمام، طبع في مكتبة الرشد بالرياض سنة ١٤٢٣ هـ.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين\n_________\n(١) انظر: \"الذيل على رفع الإصر\" للسخاوي (ص ٣٠١).\n(٢) انظر: \"الأعلام\" (٣/ ١٧٨)، و\"معجم المؤلفين\" (٤/ ٣٠٨).\n(٣) \"فهرس الفهارس\" (١/ ٥٤٣).\n(٤) \"فهرس الفهارس\" (١/ ٢٧٥).\n(٥) \"العناقيد الغالية\" (ص ٦٦).\n(٦) انظر: هامش \"مقدمة غاية المقصود\" (١/ ٤٣).\n(٧) انظر: \"العناقيد الغالية\" (ص ٢٧١).","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>رسالةُ الإِمامِ أَبي داودَ إِلى أَهلِ مكَّةَ في وصْفِ الكِتابِ وبَيان خصائِصِهِ والتِزاماتِهِ</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله على نعمه الجمّة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تزيح كلّ كرب وغمّة، وأشهد أنَّ سيدنا محمّدًا عبده ورسوله الذي أنار بشريعته البيضاء حلك الليالي المدلهمة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه المخصوصين بعلوّ الهمّة.\n\nقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة:\nسلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله (١) الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّي على محمَّد عبده ورسوله - ﷺ - كلَّما ذُكِرَ.\nأمّا بعد: عافانا الله وإيّاكم عافيةً لا مكروه معها، ولا عقابَ بعدَها، فإنكم سألتموني (٢) أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب \"السنن\" أهي أصحُّ ما عرفتُ في الباب؟ ووقفتُ على جميع ما ذكرتم.\nفاعلموا أنه كذلك كله، إلَّا أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين: أحدهما أقوى (٣) إسنادًا، والآخر صاحبه أقدم\n_________\n(١) قوله: \"أحمد إليكم الله\"، أي: أحمد معكم الله.\n(٢) في نسخة: \"سألتم\".\n(٣) في \"شروط الأئمة الخمسة\": \"أحدهما أقدم إسنادًا والآخر صاحبه أقوم في الحفظ\"، وفي مخطوطة الظاهرية: \"أحدهما أقوم إسنادًا، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ\".","vol":"1","page":140},{"text":"في الحفظ، فربما كتبت ذلك (١) [ولا أرى في كتابي مِن هذا عشرة أحاديث].\nولم أكتب بالباب إلَّا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه يكثر [وإنما أردتُ قُربَ منفعته].\nوإذا أعدتُ الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، [وربما فيه كلمة زائدة على الأحاديث]، وربما اختصرتُ الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعضُ مَن سمعه [المراد منه] ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك.\nوأمّا المراسيل: فقد كان يحتجّ بها العلماء فيما مضى، مثل: سفيان الثوري، ومالك [بن أنس]، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها (٢)، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره (٣).\nفإذا لم يكن مسند غير المراسيل، ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتّصل في القوَّة.\nوليس في كتاب \"السنن\" الذي صنَّفته عن رجل متروك الحديث شئ (٤)، إذا كان فيه حديث منكر بيَّنت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره.\n_________\n(١) أي ذلك الأقدم في الإسناد لعلو سنده مع تقدم الآخر في الحفظ.\n(٢) انظر: كتاب \"الرسالة\" للشافعي (ص ٤٦١ - ٤٦٥)، و\"شرح علل الترمذي\" لابن رجب الحنبلي (١/ ٥٤٥ - ٥٥٧).\n(٣) اختلفت الرواية عن أحمد في الاحتجاج بالمرسل وعدمه، انظر: \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٥٥٢).\n(٤) قال ابن رجب في \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٦١٢): مراده أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له، أو لمتروك متفق على تركه.","vol":"1","page":141},{"text":"[(١) وهذه الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك، ولا كتاب وكيع، إلَّا الشيء اليسير، وعامّته في كتاب هؤلاء مراسيل، وفي كتاب \"السنن\" من \"موطأ مالك بن أنس\" شيء صالح، وكذلك من \"مصنَّفات\" حمَّاد بن سلمة، وعبد الرزّاق.\nوليس ثلث هذه الكتب (٢) فيما أحسبه في كتب جميعهم أعني مصنَّفات مالك بن أنس، وحمَّاد بن سلمة، وعبد الرزَّاق.\nوقد ألَّفته نَسَقًا على ما وقع عندي (٣)، فإن ذُكرَ لك عن النبي - ﷺ - سُنَّةٌ ليس ممَّا خرَّجته فاعلم أنه حديث واه (٤)، إلَّا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق؛ لأنه يكثر على المتعلِّم.\nولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري، وكان الحسن بن علي الخلَّال قد جمع منه (٥) قدر تسع مئة حديث، وذكر أنَّ ابن المبارك قال: السنن عن النبيّ - ﷺ - نحو تسعمائة حديث، فقيل له: إنَّ أبا يوسف قال: هي ألفٌ ومئة، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ بتلك الهَنات من هنا وهنا نحو الأحاديث الضعيفة].\nوما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديدٌ، فقد بَيَّنْتُه، ومنه ما لا يصحّ سنده.\n_________\n(١) ما بين المعكوفتين سقط في الأصل وقد زدته من \"رسالة أبي داود\" المطبوعة.\n(٢) أي: كتب \"سننه\" من الطهارة والصلاة والزكاة وما إلى ذلك، ويريد بهذه العبارة أن زيادات كتابه \"السنن\" عن كتب جميع هؤلاء العلماء تبلغ نحو ثلث الكتاب، والله أعلم.\n(٣) يعني أنه ألَّفه على منهج واحد مطّرد حسب ما اقتضاه نظره.\n(٤) قال النووي: إنَّ \"سنن أبي داود\" لم تستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام، ولا معظمها، انظر: \"إرشاد الفحول\" (٤/ ٢٩٩).\n(٥) أي: من حديث السنن.","vol":"1","page":142},{"text":"وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح (١)، وبعضها أصحّ من بعض، [وهذا لو وضعه غيري لقلت أنا فيه أكثر (٢)]، وهو كتاب لا يرد عليك سُنَّة عن النبيّ - ﷺ - بإسناد صالح إلَّا وهي فيه، إلا أن يكون كلام اُسْتُخْرِجَ من الحديث، ولا يكاد يكون هذا.\nولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلَّموا مِن هذا الكتاب، ولا يضرُّ رجلًا أن لا يكتب من العلم - بعد ما يكتب هذا الكتاب - شيئًا، وإذا نظر فيه وتدبَّره وتفهَّمه حينئذ يعلم مقداره.\nوأمّا هذه المسائل، مسائل الثوري ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها، ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأي أصحاب النبي - ﷺ - (٣)، ويكتب أيضًا مثل جامع سفيان الثوري، فإنه أحسن ما وضع الناسُ من الجوامع.\nوالأحاديث التي وضعتها في \"كتاب السنن\" أكثرها مشاهير، وهي عند كل مَن كتب شيئًا من الحديث إلَّا أنَّ تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخرُ بها أنها مشاهير، فإنه لا يُحْتَج بحديثٍ غريبٍ، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات مِن أئمّة العلم.\nولو احتجَّ رجل بحديث غريب وجدتَ مَن يَطْعَنُ فيه ولا يَحْتَجُّ بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًّا، فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يردّه عليك أحد.\n_________\n(١) أي: للاعتبار أو الحجة.\n(٢) أي: لأطريته بالثناء والمدح أكثر ممّا ذكرته.\n(٣) هذا القول من الإِمام أبي داود - رحمه الله تعالى- يشعر بأهميّة أقوال الصحابة واجتهاداتهم فإنها تقع كالشرح والتفسير لمشكلات السنة.","vol":"1","page":143},{"text":"وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريبَ من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانشُدْهُ كما تُنْشَد الضالةُ، فإن عُرِفَ وإلَّا فَدَعْهُ.\nوأنَّ مِن الأحاديث في كتاب \"السنن\" ما ليس بمتَّصِل، وهو مرسل ومدلَّس، وهو إذا لم توجد الصّحاحُ عند عامّة أهل الحديث على معنى أنه متّصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم عن مِقْسَم عن ابن عباس، وليس بمتصل.\nوسماعُ الحكَم عن مِقسَم أربعةُ أحاديث.\nوأما أبو إسحاق عن الحارث (١) عن علي فلم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد.\nو[أمّا] ما في كتاب \"السنن\" من هذا النحو فقليل، ولعلّ ليس للحارث الأعور في كتاب \"السنن\" إلَّا حديث واحد، وإنما كتبته بأَخَرةٍ (٢).\nوربما كان في الحديث ما تثبت (٣) صحّة الحديث منه، إذا كان يخفى ذلك عليَّ، فربّما تركت الحديث إذ لم أفقهه، وربما كتبته [وبيّنته] وربّما لم أقف عليه، وربما أتوقَّف عن مثل هذا؛ لأنه ضرر على العامّة أن يكشف لهم كلُّ ما كان من هذا الباب، فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأنَّ علم العامة يَقْصُر عن مثل هذا.\nوعدد كتب (٤) هذه \"السنن\" ثمانية عشر جزءًا مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل.\n_________\n(١) أي: الحارث الأعور.\n(٢) أي: أخيرًا.\n(٣) في الأصل: \"لم يثبت\".\n(٤) يريد بالكتب هنا: الأجزاء.","vol":"1","page":144},{"text":"وما روي عن النبي - ﷺ - من المراسيل، منها ما لا يصحّ (١)، ومنها هو ما مسند عند غيري، وهو متّصل صحيح (٢).\nولعلّ عدد الذي في كتبي من الأحاديث قَدْرُ أربعة آلاف وثمانمائة حديث (٣)، ونحو ستمائة حديث من المراسيل (٤).\nفَمَن أَحَبَّ أن يُمَيِّزَ هذه الأحاديث مع الألفاظ، فربّما يجيء حديث من طريق، وهو عند العامّة من طريق الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنه ربما طلب اللفظة التي تكون لها معانٍ كثيرة.\nوممَّن عرفتُ مَن نقل مِن جميع هذه الكتب فربّما يجيء الإِسنادُ، فَيُعْلَمُ من حديث غيره أنه غير متّصل، ولا يتبيّنه السامع إلَّا بأن يعلم الأحاديث، ويكون له معرفة فيقف عليه، مثلُ ما يُرْوَى عن ابن جريج، قال: أُخْبِرتُ عن الزهري، ويرويه البُرْسَاني عن ابن جريج عن الزهري. فالذي يَسْمَعُ يَظُنُّ أنه متّصل، ولا يصحّ بتّةً، وإنما تركناه لذلك؛ لأنَّ أصل الحديث غير متّصل، [ولا يصحّ] وهو حديث معلول، ومثل هذا كثير، والذي لا يعلم يقول: قد ترك حديثًا صحيحًا من هذا، وجاء بحديث معلول.\nوإنما لم أُصَنِّف في كتاب \"السنن\" إلَّا الأحكام، ولم أُصَنِّف كتب \"الزُّهْد\" و\"فضائل الأعمال\" وغيرها.\n_________\n(١) لِعِلَّةٍ في سنده غير الإرسال، أو لكون مرسله يرسل عن الضعفاء والمتروكين.\n(٢) ولما لم يكن عنده مسندًا أورده مرسلًا، أو لوجه آخر اقتضى إيراده مرسلًا.\n(٣) وقد عدَّ الأستاذ الشيخ محمد محيي الدّين عبد الحميد أحاديث \"سنن أبي داود\" في الطبعة التي خدمها، فبلغت (٥٢٧٤) حديثًا، ولا غرابة في هذا لأنَ النسخ تختلف بالزيادة والنقصان في عدد الأحاديث.\n(٤) عدد المراسيل حسب ترقيم الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لكتاب \"المراسيل\" (٥٤٤) حديثًا.","vol":"1","page":145},{"text":"فهذه أربعة آلاف والثمانُمائة، كلها في الأحكام (١)، فأمّا أحاديث كثيرةٌ صحاحٌ في \"الزُّهد\" و\"الفضائل\" وغيرها من غير هذا فلم أُخَرِّجها.\nوالسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nوصلَّى الله على سيّدنا محمَّد النَّبِيّ وعلى آله الطيّبين الطَّاهرين، وأصحابه المنتَخَبين، وأزواجه أُمَّهات المؤمنين، وسلَّم تسليمًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل (٢).\nانتهت الرسالة\n_________\n(١) بل في كتاب \"السنن\" بعض أبواب لا تتعلّق أصالة بالأحكام نحو \"الحروف والقراءات\" و\"الملاحم\" و\"السنَة\" وغيرها.\n(٢) أثبتُ بعض السقطات في الأصل، وزدت بعض الفوائد من \"رسالة أبي داود\" المطبوعة بتحقيق فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة - ﵀ - والنسخة المطبوعة بتحقيق الدكتور محمد بن لطفي الصبّاغ.","vol":"1","page":146},{"text":"مقدمة بذل المجهود\n\nصورة الصفحة الأولى من مقدّمة الطبعة الهندية","vol":"1","page":147},{"text":"﴿بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\nكتاب الطهارة\nصورة بداية الكتاب من الطبعة الهندية","vol":"1","page":148},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء الأوَّل\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"1","page":149},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>مُقَدِّمَةُ \"بَذْلِ الْمَجْهُودِ</span>\"\nالحمد لله المتأزر بإزار العظمة والعلاء، المرتدي برداء المجد والعزة والكبرياء، اللهم لا نحصي عليك الثناء، أنت كما أثنيت على نفسك بلا امتراء، فأنت اللهم من درَك العقول والظنون والأوهام وراء الوراء، ثم وراء الوراء، ثم وراء الوراء.\nسبحانك ما أعظم شأنك وأحكم برهانك، مننت علينا بإرسال الرسل، وكرَّمتنا بإنزال الكتب من السماء، وهديتنا الملة الحنيفية السمحة السهلة البيضاء، التي ليلها ونهارها سواء، وعلَّمتنا من العلوم النبوية والحِكَم المصطفوية ما لم نعلم، فَعَلَوْنا به مدارج السماء.\nاللهم فصَلِّ وسَلِّم وزِدْ ودُمْ، وتفضل وبارك وأنعم، على سيدنا سيد الرسل، وخير خلقك عبدك محمد داعي الخلق، والهادي إلى الحق، الماحي سبل الضلال والفسق، تنوَّر العالم بنور هدايته وضيائه، وتزيَّنت السماوات والأرض بزينته وبهائه، وعلى آله وأصحابه نصحائه وأُمنائه.\nأما بعد! فيقول العبد الفقير الحقير الجامع لجميع السيئات والتقاصير، المدعو بخليل أحمد بن الشاه مجيد علي بن شاه أحمد علي بن شاه قطب علي - تجاوز الله عن سيئاته ومشايخه وآبائه أجمعين -:","vol":"1","page":151},{"text":"قد قرأت \"سنن أبي داود\" برواية اللؤلؤي على شيخي وسيدي مولانا محمد مظهر النانوتوي - رحمه الله تعالى، - بعضها قراءة عليه وبعضها سماعًا منه حين كان نازلًا في اللكهنوتي، ثم أجازني به بجميع مروياته شيخي مولانا عبد القيوم بن مولانا عبد الحي البدهانوي ثم البوفالي، ختن مولانا الشاه محمد إسحاق الدهلوي، ثم المهاجر المكي.\nثم حصل لي الإجازة مكاتبة من شيخ العلماء بمكة المحمية السيد أحمد دحلان، ثم قرأت أوائل الصحاح الستة على مولانا وشيخ مشايخنا الشيخ عبد الغني المجددي الدهلوي المهاجر المدني - رحمة الله عليه -، وكتب لي الإجازة العامة سنة أربع وتسعين بعد ألف ومائتين، ثم أجازني مكاتبة ومشافهة حضرة مولانا السيد أحمد البرزنجي المدني حين حضرت المدينة المنورة مرة أخرى سنة أربع وعشرين بعد ألف وثلاث مائة (١).\nوكثيرًا ما كان يختلج في صدري أن يكون على \"سنن أبي داود\" شرح يحل مغلقاته، ويكشف معضلاته، ويذلل صعابه، ويسهل مشكلاته، ولكني كنت أحقر نفسي أن أتحمل هذا الحمل الثقيل، وأكون في هذا المضيق دخيلًا، حتى رأيت جزءًا واحدًا من الشرح الذي ألفه الشيخ أبو الطيب شمس الحق المسمَّى بـ \"غاية المقصود\"، فوجدته لكشف مكنوزاته كافلًا، وبجميع مخزوناته حافلًا - فللَّه دره -، قد بذل فيه وسعه وسعى سعيه، إلَّا أنه في بعض المواضع منه أخذته الحدَّة، فاستطال على مكانة إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان - عليه سجال الرحمة والغفران -، ومع هذا فلم يشع منه إلَّا هذا الجزء الأول، والأجزاء الباقية كأنها سالت بها البطاح، أو طارت بها أدراج الرياح.\nثم رأيت \"عون المعبود\" للشيخ محمد أشرف كان مختصر \"غاية\n_________\n(١) وقد حصلت له أيضًا إجازة عامة من المحدث الكبير الشيخ بدر الدين الشامي مراسلة في سنة ١٣٢٩ هـ. انظر: \"العناقيد الغالية\" (ص ١٢٦).","vol":"1","page":152},{"text":"المقصود\"، فلم يقع في القلب موقعه، ولم يبلغ مبلغه، وهذا الشرح قاصر عن أن يسمى شرحًا مع أن مؤلفه تقلد صاحب \"غاية المقصود\" في الحدة، واختصر شرحه، فوقع فيه ما وقع من الخلل والخطل- والله يتجاوز عنا وعنه -، فلما ذهب عني الشباب وأخذني الشيب كما قيل:\nفلما رأيت النسر عز ابن داية ... وعشش في وكريه جاش له صدري\nووُليت درس الحديث بمدرسة مظاهر العلوم الواقعة في \"سهارنفور\"، ونظرت في أمري، فلم أجد في أعمالي ما يكون لي وسيلة إلى النجاة أو ذريعة إلى حط الخطيئات والسيئات، فألقيَ في رُوْعي أن اكتب على أبي داود تعليقًا مختصرًا جامعًا يفتح أقفال كنوزه، ويسهل صعاب رموزه، مع أني لم أكن أهلًا لذلك، ولكن اعتمدت في ذلك على إعانة الله تعالى سبحانه وعنايته ولطفه، رجاء أن يحشرني الله تعالى في زمرة خدم الحديث وأهله.\nفشرعت فيه في ساعات فارغة من الدرس، وأعانني عليه بعض أحبابي خصوصًا منهم عزيزي وقرة عيني وقلبي الحاج الحافظ المولوي محمد زكريا بن مولانا الحافظ المولوي محمد يحيى الكاندهلوي - رحمه الله تعالى -، فإني كنت لا أقدر على الكتابة، ولا على التتبع لرعشةٍ حدثت في يدي وضعف في دماغي وبصري، فكنت أملي عليه، وهو يكتب ويتتبع المباحث المشكلة من مظانها فيسهل عليَّ إملاؤها، فشكر الله تعالى سعيه وأحسن جزاءه، وما بذل فيه جهده، وأكرمه الله تعالى بعلومه الباطنة والظاهرة النافعة في الدنيا والآخرة، وبالأعمال المبرورة المتقبلة الزاهرة.\nوكان عندي حين إملاء هذا التعليق كتب من العلوم المختلفة.\nفمن علم الحديث وشروحه: الصحاح الستة، والموطآن لمالك بن أنس ولمحمد بن الحسن الشيباني، و\"سنن الدارمي\"، و\"الدارقطني\"،","vol":"1","page":153},{"text":"و\"مصنف ابن أبي شيبة\"، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي، و\"المسند\" للإمام أحمد، و\"شرح معاني الآثار\" للطحاوي، و\"مشكاة المصابيح\" مع شرحه لعلي القاري، و\"مسند أبي داود الطيالسي\"، و\"منتقى الأخبار\" مع شرحه \"نيل الأوطار\" للشوكاني، و\"زاد المعاد في هدي خير العباد\" لابن القيم، و\"فتح الباري\"، و\"القسطلاني\"، و\"شرح مسلم\" للنووي، و\"حاشية السندي على سنن النسائي\"، و\"سنن ابن ماجه\"، وشرح \"الموطأ\" المسمى بـ \"المصفَّى\"، و\"المراسيل\" لأبي داود السجستاني، و\"عمل اليوم والليلة\" لابن السني، و\"المسند\" للإمام أبي حنيفة، و\"المسند\" للشافعي، و\"مجمع الزوائد\" للهيثمي، و\"كتاب الآثار\" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، و\"جزء القراءة\" للبخاري والبيهقي، و\"الأدب المفرد\" للبخاري، و\"جزء رفع اليدين\" له، وكتاب \"المستدرك\" للحا كم، و\"تلخيصه\" للذهبي، وقد وصلا إلينا عند تمام الجزء الأول من هذا الشرح.\nو\"سبل السلام على بلوغ المرام\" للأمير اليماني، و\"شرح العلامة العيني على البخاري\"، و\"درجات مرقاة الصعود\" للدمنتي، وهو المراد بمطلق الشرح في هذا التعليق، و\"إنجاح الحاجة على ابن ماجه\" لحضرة الأستاذ الشيخ عبد الغني، و\"آثار السنن\" وتعليقه كلاهما لمولانا الشوق النيموي، و\"تنسيق النظام على مسند الإِمام\" للشيخ محمد حسن السنبهلي، و\"الجوهر النقي\" لابن التركماني، و\"الزرقاني على الموطأ\"، و\"التعليق الممجد\" لمولانا عبد الحي، و\"التلخيص الحبير على الرافعي الكبير\"، و\"الدراية\" كلاهما للحافظ ابن حجر، و\"شرح مشكلات الآثار\" للطحاوي، و\"الشروح الأربعة للترمذي\" (١)، وتقرير حضرة الشيخ\n_________\n(١) هي مجموعة الشروح الأربعة من \"عارضة الأحوذي\" لابن العربي، و\"قوت المغتذي\" للسيوطي، و\"شرح الشيخ أبي الطيب المدني\" بالفارسية، و\"شرح الشيخ سراج أحمد السرهندي\" بالفارسية أيضًا.","vol":"1","page":154},{"text":"الكَنكَوهي- نوَّر الله مرقده - الذي كتبه مولانا محمد يحيى- المرحوم - عند قراءته \"السنن\" على حضرة الشيخ، و\"شرح الخطابي على أبي داود\"، و\"تخريج الزيلعي\"، و\"حاشية الحصين\" لمولانا عبد الحي، و\"الإكمال والمكمل على المسلم\"، وكتب الموضوعات من \"اللآلي المصنوعة\" وذيله و\"التعقبات\" وغيره.\nومن التفاسير: \"التفسير\" لابن جرير، و\"الدر المنثور\" للسيوطي، و\"التفسير\" للقاضي البيضاوي مع بعض حواشيه كالخفاجي وشيخزاده والقنوي وعبد الحكيم، و\"تفسير الجلالين\" مع بعض شروحه، و\"التفسير الكبير\" للإمام الرازي.\nومن أسماء الرجال: مصنفات إمام الفن، الحافظ ابن حجر - نوَّر الله مرقده - من \"التقريب\"، و\"تهذيب التهذيب\"، و\"تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأربعة\"، و\"كتاب الإصابة في تمييز الصحابة\"، و\"لسان الميزان\"، و\"طبقات المدلسين\"، وأيضًا \"خلاصة تهذيب الكمال\" للخزرجي، و\"ميزان الاعتدال\" و\"تذكرة الحفاظ\" و\"التجريد\" كلها للذهبي، و\"أُسْد الغابة في معرفة الصحابة\" لابن الأثير، و\"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\" لابن عبد البر، و\"كتاب المؤتلف والمختلف\" للأزدي، و\"الطبقات الكبير\" لابن سعد، و\"الجمع بين رجال الصحيحين\" للمقدسي، و\"التاريخ الصغير\" و\"الضعفاء الصغير\" كلاهما للبخاري، و\"الإكمال\" لصاحب \"المشكاة\"، و\"الإنساب\" للسمعاني، و\"رجال جامع الأصول\" لابن الأثير، و\"كتاب الكنى\" للدولابي، و\"المغني\" لصاحب \"المجمع\"، و\"الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية\"، و\"طبقات الشافعية الكبرى\" لأبي نصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، وقطعة من \"لباب الإنساب\"، و\"إسعاف المبطأ برجال الموطأ\" للسيوطي، و\"الفوائد البهية في طبقات الحنفية\" لمولانا عبد الحي، و\"كتاب المنفردات والوحدان\" لمسلم، و\"كتاب الضعفاء والمتروكين\" للنسائي.","vol":"1","page":155},{"text":"ومن كتب أصول الحديث: \"شرح النخبة\" للحافظ، و\"شرح الشرح\" للشيخ وجيه الدين، و\"تدريب الراوي\" للسيوطي على \"تقريب النواوي\"، و\"ألفية الحديث\" للعراقي، وشرحه \"فتح المغيث\" و\"بستان المحدثين\".\nومن كتب الفقه للأحناف: \"بدائع الصنائع\"، و\"المبسوط\" للسرخسي، و\"الهداية مع حواشيه\" من \"الكفاية\"، و\"البناية\"، و\"فتح القدير\"، و\"الكبيري\"، و\"البحر الرائق\"، و\"الدر المختار\" بحاشيتيه الطحطاوي، والشامي، و\"مراقي الفلاح\" مع حاشيته للطحطاوي، و\"الزيلعي على الكنز\"، و\"السعاية\" لمولانا الشيخ عبد الحي.\nومن كتب الفقه لغيرهم: \"كتاب الأم\" للشافعي، و\"حاشية الإقناع\" على شرح الخطيب لمتن أبي الشجاع، و\"تحفة المحتاج في شرح المنهاج\" لابن حجر المكي، و\"روضة المحتاجين\" للشيخ رضوان العدل، و\"كتاب الأنوار\" للشيخ يوسف الأردبيلي، و\"كتاب التوشيح\" للشيخ محمد نووي (١)، كلها في فقه الشافعية، و\"كتاب المدونة\" للإمام مالك، وما على ذيله من \"كتاب المقدمات\" لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد، و\"مختصر الشيخ خليل\" الثلاثة في مذهب المالكية، و\"إعلام الموقعين\" في فقه الحنابلة، و\"كشف الغمة عن جميع الأمة\"، و\"الميزان الكبرى\" للشعراني.\nومن كتب أصول الفقه: \"نور الأنوار\"، و\"التوضيح والتلويح\"، و\"الحسامي\" ببعض حواشيه، و\"التحرير\" لابن الهمام، و\"المستصفى\" للغزالي.\nومن غريب الحديث واللغة: \"مجمع البحار\" للشيخ محمد طاهر، و\"لسان العرب\" لأبي الفضل جمال الدين الإفريقي، و\"القاموس المحيط\" للشيخ مجد الدين محمد الفيروزآبادي، و\"النهاية\" لابن الأثير، و\"مصباح المنير\" لأحمد بن محمد المقرئ، و\"المخصص\" لابن سيده.\n_________\n(١) هو الشيخ محمد نووي بن عمر بن عربي بن علي الجاوي البنتني التناري أبو عبد الله المعطي (ت ١٣١٦ هـ)، انظر: \"شذرات الذهب\" (٨/ ٣٨٤) و\"معجم المؤلفين\" (٨/ ٢٦٨).","vol":"1","page":156},{"text":"ومن كتب السير والتواريخ: \"سيرة ابن هشام\"، و\"تاريخ الطبري\" لابن جرير، و\" تاريخ الخلفاء\" للسيوطي، و\"معجم البلدان\" لياقوت بن عبد الله الحموي، و\"تاريخ الخميس\" للشيخ حسين بن محمد بن الحسن الدياربكري، و\"وفيات الأعيان\" لابن خلكان.\nومن علوم شتى: شرح مولانا عبد الرحمن الجامي على \"الكافية\"، و\"شافية\" ابن الحاجب، وشرحه للرضي، وشرح ابن القاصح في التجويد.\nوكان بيدي من نسخ أبي داود نسخ متعددة.\nأولاها: نسخة مكتوبة عتيقة مصححة، قوبلت ببعض النسخ، وقرئت على بعض المشايخ، وقُرِئَت على مولانا الشيخ محمد إسحاق الدهلوي ثم المهاجر المكي، وهي مملوكة لمولانا خليل الرحمن ابن مولانا الشيخ الحاج الحافظ أحمد علي المحدث السهارنفوري - رحمه الله تعالى-.\nوثانيتها: نسخة صاحب \"عون المعبود\" المنقولة على نواصي صفحاتها.\nوثالثتها: النسخة التي صححها مولانا الشيخ الحاج محمود حسن الديوبندي صدر المدرسين في المدرسة العالية الديوبندية، وقابلها بالنسخ المختلفة، وكان الاعتماد عليها (١) عند اختلاف النسخ غالبًا، وهي التي طبعت في المطبعة المجتبائية في دهلي سنة ١٣١٨ هـ.\nورابعتها: النسخة المطبوعة بمصر، في المطبعة الخيرية في أوائل ذي الحجة سنة ١٣١٠ هـ، التي وضعت على هوامش الزرقاني شرح \"الموطأ\" للإمام مالك - رحمه الله تعالى -.\n_________\n(١) في الأصل: \"عليه\"، وهو تحريف.","vol":"1","page":157},{"text":"وخامستها: التي حُلّيت بتحشية مولانا الشيخ فخر الحسن الكَنكَوهي التي طبع بعضها بأصح المطابع، وبعضها في المطبع النامي، وهي المراد بالكانفورية في هذا التعليق.\nوسادستها: النسخة المطبوعة بأصح المطابع سنة ١٣١٨ هـ، لكنه قد وصلت إلينا في آخر الجزء الثاني، وهي المراد باللكهنوية.\nوسابعتها: النسخة المطبوعة بالمطبعة القادرية في دهلي، قد تم طبعها في شهر شعبان ١٢٧٢ هـ، وهي المراد بـ \"القادرية والقديمة\" (١).\nوكان الاعتماد غالبًا في شرح الحديث على كلام علي القاري في \"المرقاة\"، والحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\"، والعلامة بدر الدين العيني في \"شرح البخاري\"، وفي المسائل الفقهية على \"بدائع الصنائع\"، وفي أحوال الرجال على \"التقريب\" و\"التهذيب\" و\"الإصابة\" و\"الأنساب\" للسمعاني، وفي حل اللغات على \"المجمع\" و\"القاموس\" و\"لسان العرب\".\nولم آخذ من كلام الشارحين المذكورين صاحب \"غاية المقصود\" و\"عون المعبود\" ولا ما نقلاه عن أحد من المتقدمين مقلدًا لمجرد قولهما بدون أن أجده في كلام المتقدمين.\n\nوأهتم في هذا الشرح بأمور قلَّما يوجد في غيرها:\nمنها: أن جُل مباحثها منقول من كلام أكابر القدماء بما يتعلق بتوضيح الحديث وغيره، ولهذا في أكثر مواضعها عزوته إلى قائله، وفي بعضها ما نسبته إليه، وأما ما يتعلق بحل أقوال أبي داود فخاطري مقتضبه غالبًا، لأنه لا يوجد من كتب المتقدمين ما يحل صعب أقواله.\n_________\n(١) وقد حصل الشيخ خلال تأليف الكتاب في المدينة المنورة على نسختين قلميَّتين أيضًا، وكان على إحديهما \"مختصر المنذري\"، انظر (١٠/ ٦١٤ - ٦٢٢، ١٣/ ٥٤٩).","vol":"1","page":158},{"text":"ومنها: أني ذكرت ترجمة كل راوٍ من السند في أول موضع ذكره في السند، ثم إذا وقع ذكره في محل بعده لم أذكره.\nومنها: أني كثيرًا ما أذكر مذهب السادة الحنفية تحت حديث يتعلق بمسألة فقهية، فإن كان الحديث موافقًا لهم فبها، وإلا فذكرت مستدلّهم والجواب عن الحديث وتوجيهه.\nومنها: أني أذكر مناسبة الحديث بترجمة الباب في موضع خفي ذلك.\nومنها: أني في بعض المواضع أنبه على ما وقع فيه التسامح من شارحي أبي داود لئلا يقع الطالب في الغلط اعتمادًا عليه، مع أني ما أبرئ نفسي عن الخطأ والسهو، ولا أقول هذا إعجابًا وفخرًا، بل الغرض منه إظهار الحق والصواب، والله ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق.\nومنها: إعادة بعض المطالب المهمة لمصلحة اقتضت ذلك.\nومنها: ما أورده المصنف من الروايات مختصرًا، وأخرجها غيره مطولًا، فذكرتها مطولة من مظانها.\nومنها: تفصيل مذاهب المجتهدين سيما الأربعة - شكر الله سعيهم -، وأكثرها نقلتها عما ذكره العلامة الشوكاني.\nومنها: ما ذكره المصنف مرسلًا أو معلقًا ذكرته موصولًا، وهو حسبى ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.\nثم اعلم أن لـ \"سنن أبي داود\" روايات عديدة، والمشهور منها ثلاث روايات؛ رواية ابن داسة أبي بكر محمد بن عبد الرزاق، وروايته مشهورة في المغرب، ورواية ابن الأعرابي أبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد، وهي أنقص الثلاثة حتى قيل: ليس فيه كتاب الفتن والملاحم والحروف وغيرها، ورواية اللؤلؤي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، هو آخر من حدث عنه، ولذا يقال لها: أصح الروايات، وهي المتداولة في بلاد المشرق وبلاد الهند.","vol":"1","page":159},{"text":"ومما ينبغي أن يعلم أن المصنف هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني، كما في \"الخلاصة\" (١) و\"وفيات الأعيان\" (٢)، الإِمام الثبت، سيد الحفاظ، كان في أعلى درجة من الورع والعلم والنسك، ولد سنة اثنتين ومائتين، وتوفي في سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين يوم الجمعة - رضي الله تعالى عنه وأرضاه -.\nقال إبراهيم: أُلين لأبي داود الحديث، كما أُلين لداود ﵇ الحديد، قيل: لما صنف \"السنن\" وقرأه على الناس صار كتابه كالمصحف يتبعونه، وأقرّ له أهل زمانه، وقال ابن منده: الذين أخرجوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وقال الحاكم: إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة.\nقال الذهبي في \"التذكرة\" (٣): بلغنا عن بعض الأئمة أن أبا داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه وسمته ودلِّه، وكان أحمد يشبه في ذلك بوكيع، ووكيع بسفيان، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وهو بابن مسعود، قال عقلمة: وكان ابن مسعود يشبه بالنبي - ﷺ - في هديه ودلّه، انتهى.\nاختلف في مذهبه فقيل: حنبلي، وقيل: شافعي.\nواختلف العلماء في \"سجستان\" التي نسب إليها، فقيل: هو الإقليم المشهور، وقيل: قرية من قرى البصرة، وقال مولانا الشاه عبد العزيز (٤) - نوَّر الله مرقده -: \"ابن خلكان را باو جود كمال تاريخ داني درين نسب غلط\n_________\n(١) (ص ١٥٠).\n(٢) (٢/ ٤٠٤).\n(٣) (١/ ٥٩٢). انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٢٤).\n(٤) \"بستان المحدثين\" (ص ١٠٧).","vol":"1","page":160},{"text":"أفتاده كَفته است، كه نسبت إلى \"سجستان\"، أو \"سجستانه\": قرية من قرى البصرة، والشيخ تاج الدين سبكي بعد از نقل اين عبارت كَفته است كه: هذا وهم (١)، والصواب أنه نسبة إلى الإقليم المعروف المتاخم لبلاد الهند، يعني اين نسبت بسيستان است كه ملك است، مشهور فيما بين \"سندهـ\" و\"الهرا ة\" متصل \"قندهار\" و\"جشت\".\nومذهبه في كتابه مذكور في \"رسالته\" إلى أهل مكة، نقله الدمنتي في \"الدرجات\" تركناه اختصارًا، من شاء فليرجع إليه.\nنعم لا بد أن أذكر لك نوعية (٢) الكتاب وهي كونه سننًا، فإن كتب الحديث متنوعة على أقسام:\nمنها: الجوامع، وهو ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث من العقائد والأحكام والرقاق والآداب والتفسير والتاريخ والمناقب والفتن، وقد صنف العلماء في كل فن من هذه الفنون تصانيف مفردة، وأحاديث الأحكام من كتاب الطهارة إلى كتاب الوصايا تسمى بـ \"السنن\" \"سنن أبي داود\" وغيره، والكتب المصنفة فيها غير محصور.\nومنها: المسانيد، وهو ما ذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة.\nومنها: المعاجم، وهو ما يذكر فيه الأحاديث على ترتيب المشايخ.\nومنها: الأجزاء، وهو ما يجمع فيه مرويات الرجل الواحد، سواء كان من الصحابة أو من المشايخ كـ \"جزء حديث أبي بكر\"، وكذا ما يجمع فيه روايات المسألة الجزئية كـ \"جزء رفع اليدين\".\n_________\n(١) بل وهم السبكي وتبعه المؤلف، فإنما قال ابن خلكان: هذه النسبة إلى سجستان، الإقليم المشهور، وقيل: بل نسبته إلى سجستان أو سجستانة، قرية من قرى البصرة، والله أعلم بذلك، انظر: \"وفيات الأعيان\" (٢/ ٤٠٥).\n(٢) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ١٤٢ وبعدها).","vol":"1","page":161},{"text":"ومنها: الأربعينات، وهو ما يجمع فيه أربعون حديثًا.\nومنها: العلل، وهو أن يجمع في كل حديث أو باب طرقه واختلاف رواته، فإن معرفة العلل أجلّ أنواع الحديث.\nومنها: الأطراف، وهو أن يذكر طرف الحديث الدال على بقيته ويجمع أسانيده مستوعبًا أو مقيدًا بكتب مخصوصة.\n* * *","vol":"1","page":162},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(١) كتاب (١) الطهارة\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، هذه العبارة في النسخة المكتوبة لمولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري قبل \"كتاب الطهارة\".\nوفي النسخة المصرية: حدثنا أبو علي محمد بن عمرو اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في المحرم سنة خمس وسبعين ومئتين.\nوفي المجتبائية والكانفورية: أخبرنا الإِمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي قال: أنا الإِمام القاضي أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال: أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي قال: ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في المحرم سنة خمس وسبعين ومئتين.\nوليس في النسخ القديمة شيء منها، ففيها:\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>(١) كِتابُ الطَّهَارَةِ</span>\nقال في \"القاموس\": الطهر بالضم: نقيض النجاسة، طهر كنصر وكرم فهو طاهر، وهكذا في \"لسان العرب\" وغيره من كتب اللغة، ولم يقل أحد\n_________\n(١) بمعنى المكتوب حقيقة، ويطلق على ما يجمع شيئًا من الأبواب والفصول، وأجملَ في \"العَرف الشذي\" (ص ٢٩) و\"معارف السنن\" (١/ ٢٣) الكلام على التراجم. (ش).","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>(١) بَابُ التَّخَلّي عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ</span>\n١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّةِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ\n===\nمنهم إن طهر من باب ضرب، فقول صاحب \"غاية المقصود\": طهر من بابي قتل وضرب، صوابه من بابي قتل وكرم.\nولما كان ترتيب كتاب أبي داود - ﵀ - على ترتيب السنن، وكان ترتيب السنن على ترتيب الأبواب الفقهية، قَدَم الطهارة (١)؛ لأنها شرط الصلاة التي هي أم العبادات وأهمها وعماد الدين.\n\n(١) (بَابُ (٢) التَّخَلّي)\nأي الدخول في الخلوة والتبعُّد عن الناس، أصله: تخلو، لأنه من الخلوة أبدل واوه يًاء، وكسر اللام لمناسبة الياء (عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) أي حاجة التغوط\n١ - (حدثنا (٣) عبد الله بن (٤) مَسْلمة (٥) بن قعنب\n_________\n(١) قدم على الوضوء آداب قضاء الحاجة، لأنه سبب الوضوء ومقدم عليه عادة بل استحبابًا، صرح به بعض الفقهاء، وقد ذكر ابن العربي في \"شرح الترمذي\" (١/ ٢٨) ثلاثين أدبًا للاستنجاء. (ش).\n(٢) استعير من باب الدار، لأنه يدخل منه في البيت. (ش).\n(٣) ثم لا فرق بين التحديث والإخبار عند قدماء المحدثين، ومنهم الإِمام الزهري والإمام البخاري، قيل: وهو مسلك الأئمة الأربعة، وأما المتأخرون - ومنهم الإِمام مسلم والنسائي- فيطلقون التحديث على السماع من لفظ الشيخ، والإخبارَ على القراءة على الشيخ. (ش). انظر: \" فتح الباري\" (١/ ١٤٥).\n(٤) فيه بحث حذف الألف من الابن ذكره النووي، وأشكل بما في التنزيل من لفظ عيسى ابن مريم بإثبات الألف خطًّا، ويجاب بأن رسم القرآن مخصوص به. (ش).\n(٥) بفتح الميم وسكون السين. (ش).","vol":"1","page":164},{"text":"الْقَعْنَبِيُّ (١)، ثَنَا (٢) عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -،\n===\nالقعنبي) (٣) أبو عبد الرحمن المدني البصري، ثقة عابد، وثقه العجلي وأبو حاتم وابن قانع، مات ٢٢١ هـ بمكة.\n(ثنا (٤) عبد العزيز (٥) - يعني ابن محمد -) بن عبيد الدراوردي نسبة إلى دراورد قرية بخراسان، وقال البخاري: درابجرد بفارس، كان جده منها، وقال أحمد بن صالح: كان الدراوردي من أهل أصبهان، نزل المدينة، فكان يقول للرجل إذا أراد أن يدخل: \"اندرون\"، فلقبه أهل المدينة الدراوردي، وقيل: إنه من أندرابه، ولهذا يقال: الأندراوردي.\nيوثقه مالك، وقال أحمد: إذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذاحدّث من كتب الناس فهو وهم، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وعن ابن معين: ثقة حجة، وقال أبو زرعة: سيئ الحفظ فربما حدّث من حفظه شيئًا فيخطئ، قال النسائي: ليس بالقوي، وفي موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يغلط، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وقال العجلي: ثقة، وقال الساجي: كان من أهل الصدق والأمانة إلّا أنه كثير الوهم، أحد الأعلام، توفي سنة ١٨٩ هـ.\nوفائدة إيراد لفظ \"يعني\" دفعُ التوهم في ذلك، وغاية الاحتياط،\n_________\n(١) صفة لعبد الله. (ش).\n(٢) بحذف قال. (ش).\n(٣) نسبة إلى جده. (ش).\n(٤) مخفف حدثنا. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: ليس في الرواة أحد اسمه عبد العزيز بن محمد غيره. (ش).","vol":"1","page":165},{"text":"عن مُحَمَّدٍ - يَعْنِي ابنَ عَمْرٍو-، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ:\n===\nفإنه لو قال: عبد العزيز بن محمد من غير ذكر لفظ \"يعني\" لتوهم بأن لفظ ابن محمد من قول أستاذه عبد الله بن مسلمة، وليس كذلك، بل هو قول المصنف، فزاد لفظ \"يعني\" إيضاحًا بأن عبد الله بن مسلمة لم يقل: ابن محمد، ولكن مراده هذا، وهذا التوجيه (١) يجري في سائر المواضع من السند التي يزيد فيها لفظ \"يعني\".\n(عن محمد - يعني ابن عمرو -) بن علقمة بن وقاص الليثي، أبو عبد الله المدني، أحد أئمة الحديث، وقد تكلم فيه بعض المحدثين، قال إبراهيم الجوزجاني: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يُسْتَضْعَفُ، روى له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات، وفائدة إيراد لفظ \"يعني\" قد ذكرناها فيما تقدم.\n(عن أبي سلمة) (٢) بفتح اللام، ابن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أحد الفقهاء السبعة، اختلف في اسمه، مشهور بكنيته، ثقة، مكثر، مات سنة ٩٤ هـ، وقيل ١٠٤ هـ.\n(عن المغيرة بن شعبة) (٣) بن أبي عامر بن مسعود بن المعتب الثقفي، صحابي، أسلم قبل عمرة الحديبية، مات سنة ٥٠ هـ (٤).\n_________\n(١) وهذا من دأب المحدثين، صرح به النووي في مقدمة شرحه، وكذا في مقدمة \"البذل\". (ش).\n(٢) توهم فيه شارح الترمذي سراج أحمد السرهندي حيث قال: هو منصور بن سلمة الخزاعي، وهو وهم؛ إذ هو من الطبقة العاشرة، فكيف يروي عن الصحابي! وكذا في \"الغاية\". (ش).\n(٣) قال الدارقطني: اختلف فيه على عمرو، فروي عنه هكذا، وروي عنه عن أبي هريرة، والصواب حديث المغيرة. (ش).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ١٨١) رقم (٥٠٧٢).","vol":"1","page":166},{"text":"\"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ \". [ت ٢٠، ن ١٧، جه ٣٣١، دي ٦٦٠، حم ٤/ ٢٤٨، ق ١/ ٩٣، ك ١/ ١٤٠]\n٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ،\n===\n(أن النبي - ﷺ - كان إذا ذهب المذهب) (١) معناه: إذا ذهب موضع الذهاب، وهو موضع يتغوَّط فيه، أو ذهب ذهابًا خاصًا لقضاء الحاجة (أبعد) أي عن أعين الناس في الذهاب حتى لا يراه أحد.\nفدل هذا الحديث وأمثاله على أن الأدب لمن يريد قضاء الحاجة أن يتباعد عن الناس، حتى لا يُرى شخصه، ولا يُسْمع صوت ما يخرج منه من الريح وإن كان التستر يحصل بالقرب.\n٢ - (حدثنا مسدد) كمعظم (ابن مسرهد) بن مجرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن مطربل بن أرندل بن سرندل بن غرندل بن ماسك بن مستورد الأسدي البصري، أبو الحسن، ثقة، حافظ، من العاشرة، مات سنة ٢٢٨ هـ، ويقال: اسمه عبد الملك بن عبد العزيز.\nومن لطائف هذه الأسماء ما صرح به جماعة من شُرّاح \"الصحيحين\" وغيرهما من أرباب الطبقات بأن هذه الأسماء إذا كتبت وعلقت على محموم كانت من أنفع الرقى، وجَرَّبْتُ فكانت كذلك، وقال عاصم: إنها رُقية للعقرب أي مع البسملة، قاله أبو نعيم \"حاشية قاموس\".\n_________\n(١) قال صاحب \"الغاية\": متعين في \"الترمذي\" المصدر؛ لأن لفظه: \"إذا أتى حاجته أبعد في المذهب\". قلت: واختار ابن رسلان في شرحه الظرف، إذ شرحه بقوله: \"ذهب إلى المذهب\"، وهو مكان الغائط، وفي \"التقرير\": هو ظرف، ويحتمل كونه مصدرًا على بُعد، كقوله: أرسلها العراك. (ش).","vol":"1","page":167},{"text":"نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله\n===\n(نا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة، أبو عمرو الكوفي، سكن الشام، أحد الأعلام، ثقة، مأمون، من الثامنة، مات سنة ١٩١ هـ أو ١٨٧ هـ.\n(ثنا إسماعيل بن عبد الملك) بن أبي الصُّفير بالمهملة والفاء مصغرًا كما في \"التقريب\" و\"المغني\"، أو الصُّعير بمهملتين مصغرًا كما في \"الخلاصة\"، أبو عبد الملك الكوفي، ثم المكي. قال البخاري: يكتب حديثه، تركه ابن مهدي، وكان سيئ الحفظ، رديء الفهم، يقلب ما روى، وقال ابن الجارود: ليس بالقوي، وقال الساجي: ليس بذاك، وقال ابن العمار: ضعيف، وهكذا نقل جَرحه عن غيرهم كما في \"تهذيب التهذيب\" (١).\n(عن أبي الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء، الأسدي، المكي، مولى حكيم بن حزام القرشي الأسدي، روى له مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وروى له البخاري متابعة، تكلم فيه شعبة، وقال الإِمام الشافعي - ﵀ -: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة، وهكذا تكلم فيه بعضهم، ووثقه الجمهور، قال يعلي بن عطاء: حدثنا أبو الزبير، وكان أكمل الناس عقلًا وأحفظهم، وقال عطاء: وكان أبو الزبير أحفظنا للحديث، وقال ابن معين والنسائي وغيرهما: ثقة، وقال ابن المديني: أبو الزبير ثقة ثبت، فالحاصل أنه اختلف في جرحه وتعديله، فجرحه بعض المحدثين ووثقه الجمهور، وكان مدلسًا، مات سنة ١٢٨ هـ.\n(عن جابر بن عبد الله) (٢) بن عمرو بن حرام بمهملة وراء، الأنصاري،\n_________\n(١) (١/ ٣١٦).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٢٩٤) رقم (٦٤٧).","vol":"1","page":168},{"text":"قال: \"إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ\". [جه ٣٣٥، دي ١٧]\n===\nالخزرجي، ثم السَّلَمي بفتحتين، صحابي ابن صحابي، واختلفت الروايات في شهوده بدرًا وأحدًا، ويقول: غزوت مع رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة، أحد المُكثرين عن النبي - ﷺ -، وقد كُفَّ بصره في آخر عمره، مات بالمدينة، وهو ابن أربع وتسعين سنة، هكذا قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\" و\"الإصابة\"، وهكذا صرح ابن الأثير في \"أسد الغابة\"، فما قال صاحب \"غاية المقصود\" في شرحه: \"عن أربع وسبعين سنة\" غلط، نقله (١) عن \"الخلاصة\"، ولعله وقع الغلط في \"الخلاصة\" من الكاتب.\n(قال) أي جابر: (إن النبي - ﷺ - كان إذا أراد البَراز) بالفتح اسم لفضاء (٢) واسع، وخَطَّأ الخطابي الكسرة؛ لأنه مبارزة في الحرب، وقال الجوهري بخلافه فجعله مشتركًا بينهما، وقال الفيروزآبادي: وكسحاب اسمٌ، وككتاب: الغائط، ومعنى الحديث أنه - ﷺ - إذا أراد قضاء الحاجة (انطلق) في الصحراء وتَبعَّدَ عن الناس (حتى لا يراه أحد) (٣) منهم، وهذا إذا كان - ﷺ - في السفر وفي الصحراء وقبل بناء الكُنُف في البيوت، وأما إذا كان في العمران فثبت أنه - ﷺ - كان يقضي حاجته في البيت كما رواه ابن عمر (٤)، ويأتي في الرخصة في استقبال القبلة.\n_________\n(١) في الأصل: \"حمله\".\n(٢) فكنّوا به عن قضاء الحاجة كما كنوا عنه بالخلاء؛ لأنهم يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من الناس \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قلت: الظاهر أن غرض المصنف بهذا الحديث بيان الإبعاد في الحديث السابق، أورد عليه بعض الطلبة فكان حقه أن يذكر هذا الحديث، لا الأول، وتكرر هذا الإيراد في السنين العديدة، فكأنهم يأخذون عن الأول فالأول. (ش).\n(٤) وأيضًا لا يخالف ما سيأتي في حديث سباطة، (ش).","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>(٢) بَابُ الرَّجُلِ يَتبوَّأُ لِبَوْلِهِ</span>\n٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ،\n===\n(٢) (بَابُ الرَّجُلِ يَتبوَّأُ لِبَوْلِهِ)\nقال في \"القاموس\": بوّأه منزلًا وفيه أنزله كأباءه، والمكان حَلَّه وأقام كأباء به وتبوّأ، والمباءة: المنزل، وهكذا في غيره، ومعناه (١) يتخذ ويطلب لبوله مكانًا لينًا سهلًا منحدرًا، كي لا يرجع البول إليه ولا يتطاير رشاشه عليه.\n٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، التبوذكي (٢)، البصري، الحافظ، الحجة، أحد الأعلام، وقال ابن خراش: تكلم الناس فيه، وهو صدوق، مات سنة ٢٢٣ هـ، قال الحافظ في \"التقريب\": لا التفات إلى قول ابن خراش: \"تكلم الناس فيه\".\n(نا حماد) (٣) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد، وتغير حفظه في أَخَرَة، قال الحافظ: قال ابن حبان: لم ينصف من جانب حديثه، واحتج في كتابه بأبي بكر بن عياش، فإن كان تركه إياه لما كان يخطئ فغيره من أقرانه مثل الثوري وشعبة كانوا يخطؤون، فإن زعم أن خطأه قد كثر حتى تغير فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا.\n_________\n(١) وقال في \"التقرير\": والمعنى هناك على الطلب والتفحص له. (ش).\n(٢) بفتح التاء نسب إليه، لأنه اشترى بتبوذك دارًا فنسب إليه، وقال: إني مولى بني منقر، إنما نزل داري قوم من تبوذك فسموني التبوذكي، كذا في \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال السيوطي: إن موسى إذا أطلق حمادًا أراد به ابن سلمة، لأنه قليل الحديث عن ابن زيد حتى قيل: إنه لم يرو عن حماد بن زيد إلا حديثًا واحدًا فقط، انتهى، كذا في \"التقرير\"، وكذا نقل ابن رسلان عن الذهلي وغيره، وانظر رواية موسى عن حماد بن زيد في \"السنن\" في \"باب من نام عن صلاة أو نسيها\". (ش).","vol":"1","page":170},{"text":"أَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسٍ\n===\nثم قال الحافظ: وقد عرض ابن حبان بالبخاري لمجانبته حديث حماد بن سلمة حيث يقول: لم ينصف من عدل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفليح وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، قال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين إلَّا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد فأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد، مات سنة ١٦٧ هـ.\n(أنا أبو التياح) بفتح المثناة والتحتانية الثقيلة، يزيد بن حميد الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة، البصري، قال أحمد: ثقة ثبت، مات سنة ١٢٨ هـ.\n(حدثني شيخ) وفي \"مسند أحمد بن حنبل\" عن أبي التياح قال: حدثني رجل أسود طويل، قال: جعل أبو التياح ينعته أنه قدم مع ابن عباس البصرة، فكتب إلى أبي موسى: أن رسول الله - ﷺ - كان يمشي، فمال إلى دمث في جنب حائط فبال، ثم قال: \"كان بنو إسرائيل إذا بال أحدهم فأصابه شيء من بوله يتبعه فقرضه بالمقاريض\"، وقال: \"إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله\"، انتهى، فهذا شيخ مجهول (١) لا يعرف اسمه ولا صفته.\n(قال) أي الشيخ: (لما قدم عبد الله بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم، أبو العباس، ابن عم رسول الله - ﷺ -، أمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، ولد قبل الهجرة بثلاث، وبنو هاشم بالشعب حين حصرت قريش بني هاشم، وإنه كان له عند وفاة النبي - ﷺ - ثلاث عشرة\n_________\n(١) واختلف في قَبول روايته فقيل: يقبل مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا، وقيل: فيه تفصيل، كذا في \"التدريب\" (١/ ٣١٦) (ش).","vol":"1","page":171},{"text":"الْبَصْرَةَ فَكَانَ يُحَدَّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى،\n===\nسنة (١)، وذكر خليفة أن عليَّا ولاه البصرة، فلم يزل ابن عباس على البصرة حتى قتل علي، مات بالطائف سنة ٦٨ هـ (٢) (البصرة) (٣) فتح بائه أشهر من ضمه وكسره.\n(فكان يحدَّث) (٤) قال الشارح علي بن سليمان في \"درجات مرقاة الصعود (٥) \": واسمه ضمير الشأن، إذ برواية البيهقي: \"سمع أهل البصرة يحدثون عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -\" وليس بموجه، بل الصواب أن اسم كان ضمير راجع إلى عبد الله بن عباس، أي كان ابن عباس يحدث ببناء المفعول بأحاديث يحدثونه أهل البصرة عن أبي موسى، والظاهر أن أبا موسى الأشعري لم يكن في ذاك الوقت موجودًا في البصرة، فلما جاء البصرة ابن عباس واليًا عليها جعل أصحاب أبي موسى - ﵁ - يحدثونه بأحاديث تلقَّوها منه.\n(عن أبي موسى) (٦) عبد الله بن قيس الأشعري مشهور باسمه وكنيته، لم يهاجر إلى الحبشة على قول الأكثر، قدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب فقدموا جميعًا، واستعمله النبي - ﷺ - على بعض اليمن، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة، ثم استعمله عثمان على الكوفة، وكان حسن الصوت بالقرآن، واختلف في موته من سنة ٤٢ هـ إلى سنة ٥٣ هـ، واختلفوا في أنه مات بالكوفة أو بمكة\n_________\n(١) فهو أرجح ما قيل فيه، وما في \"الرياض المستطابة\" (ص ٢٠٤) غلط جدًا. (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٨) رقم (٣٠٣٧).\n(٣) وقد يحذف الهاء مع الفتح والكسر، وأنكر الزجاج الفتح مع الحذف، وفي النسب يقال: بصري بالفتح والكسر. (ش).\n(٤) وتوهم من قال: ببناء الفاعل. (ش).\n(٥) (ص ٦).\n(٦) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٦٢) رقم (٣١٣٧).","vol":"1","page":172},{"text":"فَكَتَبَ عَبْدُ الله إِلى أَبِي مُوسَى يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاء، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى: أَنّي كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَأَتَى دَمِثًا في أَصْلِ جِدَارٍ فَبَالَ،\n===\n(فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء) أي عن بعض الأحاديث التي حدثه أهل البصرة عن أبي موسى، فهذا يدل على أن أبا موسى لم يكن ثمة، ولو كان في البصرة لما أحتاج ابن عباس إلى الكتابة.\n(فكتب إليه) (١) أي إلى ابن عباس (أبو موسى) في جوابه وفيه: (إني كنت مع رسول الله - ﷺ - ذات يوم) أي يومًا، فلفظ \"ذات\" مقحم زاده تأكيدًا (فأراد أن يبول فأتى دمثًا) (٢) ككتف على ما هو أشهر، محلّا لينًا سهلًا لئلا يرتدَّ عليه رشاشة البول (في أصل جدار فبال) لعله جدار عاديٌّ لا يملكه أحد، إذ يضر البول بأصل البناء، وهو - ﷺ - لا يفعله بملك أحد إلَّا بإذنه، أو قعد قريبًا منه حيث (٣) لا يصيبه البول، أو علم (٤) برضا صاحبه (٥).\n_________\n(١) فيه جواز الرواية بالكتابة، قال ابن رسلان: هو الصحيح المشهور بين أهل العلم وهو عندهم في المسند الموصول، لكن بشرط أن يعرف المكتوب إليه خط الكاتب، قال في \"التدريب\" (٢/ ٥٧): ومنهم من شرط البَيّنةَ، وهو ضعيف. انتهى. (ش).\n(٢) بكسر الميم فثاء مثلثة، وقيل: كالحِلْف \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) تَجَوّز الراوي إذ عبَّره بأصل الجدار، أو كان دمثًا تشرَّب البول فلم يضر الجدار، ولا يقال: إن فضلاته ﵇ لما كانت طاهرة على ما هو التحقيق، ولم يكن له رائحة كريهة فلا مانع منه، لأنه ﵇ كان يعامل مع نفسه أفعال المكلفين لتعليم الأمة والتشريع، كذا في \"التقرير\" (ش).\n(٤) وما قال صاحب \"الدرجات\" (ص ٦) في توجيهه: \"إنه تعالى أعطى كل ملكه لنبيه، فكل من أقام في الأرض فهو عارية له\" بعيد جدًا. (ش).\n(٥) وهم يتبركون ببوله. (ش).","vol":"1","page":173},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا\". [حم ٤/ ٣٩٦ - ٤١٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>(٣) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ</span>\n٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ\n===\nقلت: ويمكن أن يكون جدار دار تهدَّمَ، وبقي من جدرانه شيء (١).\n(ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعًا)، من الرود (٢) وهو الطلب، أي يطلب مكانًا لينًا لئلا يرجع إليه رشاش بوله (٣).\nومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة.\n\n(٣) (بابُ مَا يَقُولُ الرَّجُل) من الدعاء باسمه ﷾ (إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ) (٤)، أي: إذا أراد دخول مكان الخلوة عند قضاء الحاجة\n٤ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا حماد بن زيد) بن درهم الأسدي،\nإسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، مات سنة ١٧٩ هـ وله ٨١ سنة\n_________\n(١) وقال الشوكاني: الحديث ضعيف. (ش). انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ١١٦).\n(٢) قال ابن رسلان: افتعال من الرياد. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: وهذا أدب مجمع على استحبابه، ويؤخذ منه أن الرشاش لا يعفى في الجسد والثوب، وهو مذهب الشافعي، وصحح النووي العفو للحرج، وفي \"الدر المختار\" (١/ ٥٨٠ - ٥٨١): يعفى عندنا وإن كثر بإصابة الماء إلَّا في الماء، فإن طهارته أوكد. (ش).\n(٤) ممدودًا، الموضع الخالي، ثم نقل إلى موضع قضاء الحاجة، كذا في \"ابن رسلان\"، وبسطه في \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢٠). (ش).","vol":"1","page":174},{"text":"وَعَبْدُ الْوَارِثِ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن أَنَسِ بْنِ مَالكٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ\n===\n(وعبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم، أبو عبيدة التنوري البصري، أحد الأعلام، ثقة ثبت إلَّا أنه قدري، متعصب لعمرو بن عبيد، وكان حماد بن زيد ينهى المحدثين عن الحمل عنه للقدر، وقال يزيد بن زريع: من أتى مجلس عبد الوارث فلا يقربني، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال عبد الصمد: إنه لمكذوب على أبي، وما سمعت منه يقول قط في القدر وكلام عمرو بن عبيد، مات سنة ١٨٠ هـ.\n(عن عبد العزيز) بن صهيب مصغرًا، البناني بموحدة ونونين، نسبة إلى بنانة بن سعد بن لؤي بن غالب، ثم صار بنانة محلة بالبصرة لنزول هذه القبيلة بها، مولاهم، البصري، الأعمى، ثقة. قال الحازمي: وإنما قيل له البناني؛ لأنه كان ينزل سكة بنانة بالبصرة، مات سنة ١٣٠ هـ.\n(عن أنس بن مالك) (١) بن النضر الأنصاري النجاري الخزرجي، أبو حمزة، خادم رسول الله - ﷺ -، خدمه عشر سنين، كنَّاه رسول الله - ﷺ - أبا حمزة ببقلة كان يجتنيها، أقام بعد النبي - ﷺ - في المدينة، ثم قطن البصرة، ومات بها سنة ٩٠ هـ أو بعدها، قال علي بن المديني: كان آخر الصحابة موتًا بالبصرة، له ألف ومئتان وستة وثمانون حديثًا.\n(قال) أنس: (كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء) (٢) أي إذا أراد دخول الخلاء، وفي \"شرح الأبهري\" (٣): قال الشيخ: من يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصّل ويقول: أما في الأمكنة المُعَدَّة لذلك فيقوله قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقوله في أوان الشروع كتشمير ثيابه مثلًا،\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ١٤٨) رقم (٢٥٨).\n(٢) يوضحه لفظ البخاري: \"إذا أراد أن يدخل الخلاء\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٤٤). (ش).","vol":"1","page":175},{"text":"- قَالَ عن حَمَّادٍ - قَالَ: \"اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ\" - وقَالَ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ: قَالَ: \"أَعُوذُ بِاللَّهِ- مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ\". [خ ١٤٢، م ٣٧٥، ت ٥، ن ١٩، جه ٢٩٦، دي ٦٦٩]\n===\nوهذا مذهب الجمهور وقالوا: من نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يجيزه مطلقًا كما نقل عن مالك (١) لا يحتاج إلى التفصيل \"علي القاري (٢) \".\n(- قال (٣) عن حماد - قال: اللهُمَّ (٤) إني أعوذ بك، وقال عن عبد الوارث: قال: أعوذ بالله)، حاصله أن مسددًا له أستاذان، أحدهما حماد بن زيد، والثاني عبد الوارث، فأراد أبو داود أن يبين ما وقع من الاختلاف في لفظيهما فيقول: قال مسدد فيما روى عن حماد: قال رسول الله - ﷺ - بلفظ: \" اللهُمّ إني أعوذ بك \"، وقال مسدد فيما روى عن عبد الوارث بلفظ: \"قال: أعوذ بالله\" (من الخبث والخبائث) العوذ: الالتجاء، والخبث بضمِّ باءٍ (٥) جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، يريد ذكرر الشياطين وإناثهم، وقيل: الخبث (٦) بسكون الباء هو خلاف طيب الفعل من فجور ونحوه، والخبائث الأفعال المذمومة والخصال الرديئة، خص الخلاء بالاستعاذة لكونه مئنة للوحدة وخلوِّه عن الذكر للقذر، ولذا يستغفر إذا خرج.\n_________\n(١) وبه قال النخعي وغيره، كما بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥٠).\n(٣) أي: مسدد. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: يستحب أن يقدم التسمية لرواية علي عند الترمذي (٦٠٦): \"ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذ دخل الكنيف أن يقول: بسم الله\"، قلت: وكذا في \"سنن سعيد بن منصور\" بلفظ: \"بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث\"، قال الحافظ: على شرط مسلم. (ش).\n(٥) وصححه ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ٢٠). (ش).\n(٦) وصححه جماعة كما قال ابن رسلان، فتغليط الخطابي لبس في محله، وكذا أورد على تغليط الخطابي شارح \"العمدة\" في \"إحكام الأحكام\" (١/ ٥٠). (ش).","vol":"1","page":176},{"text":"٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو - يَعْنِي السَّدُوسِي - قَالَ: أَنَا وَكِيعٌ، عن شُعْبَةَ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ- هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ -، عن أَنسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ\"،\n===\n٥ - (حدثنا الحسن بن عمرو - يعني السدوسي-\" (١) البصري، صدوق، ولم يصب الأزدي في تضعيفه حيث ذكر في \"الضعفاء\" الحسن بن عمرو السدوسي البصري، منكر الحديث، مات سنة ٢٢٤ هـ.\n(قال: أنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرُّؤاسي بضم الراء والهمزة ثم مهملة، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ، قال حسين بن حبان عن ابن معين: كان وكيع يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة، مات سنة ١٩٦ هـ أو ١٩٧ هـ.\n(عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، قال الدارقطني في \"العلل\": كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرًا لتشاغله بحفظ المتون، ولد سنة ٨٢ هـ ومات سنة ١٦٠ هـ، قال البخاري في \"تاريخه\": وهو أكبر من الثوري بعشر سنين.\n(عن عبد العزيز - هو ابن صهيب -، عن أنس) بن مالك (بهذا الحديث) أي المذكور سابقًا ولفظه: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء\" (قال) ضمير الفاعل إما أن يرجع إلى شعبة فيكون تقدير العبارة: قال شعبة عن عبد العزيز: (اللَّهُمَّ إني أعوذ بك)، أو يرجع إلى عبد العزيز فيكون التقدير: قال شعبة: قال عبد العزيز مرة: اللَّهُمَّ، ويحتمل أن يرجع إلى رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) قال صاحب \"الغاية\": نسبة إلى سدوس، اسم رجل، والتفسير من المصنف، انتهى. قلت: بل من اللؤلؤي. (ش).","vol":"1","page":177},{"text":"وَقَالَ شُعْبَةُ: وَقَالَ مَرَّةً: \"أَعُوذُ بِاللهِ\". [خ ١٤٢، ٦٣٢٢، م ٣٧٥، ن ١٩، ت ٥، جه ٢٩٨]\nوَقَالَ وُهَيْب: عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ:\n===\n(وقال شعبة: وقال) عبد العزيز (مرة) أخرى: (أعوذ بالله)، وهذا يدل على أن الأَولى في الجملة الأُولى أن يكون مرجع ضمير \"قال\" عبد العزيز أو شعبة.\n(وقال وهيب) (١) بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، صاحب الكرابيس، قال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: وهيب، وثقه أبو داود، وقال العجلي: ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: ما أنقى حديثه! لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء وهو ثقة، وقال ابن سعد: كان قد سجن فذهب بصره، وكان ثقة حجة، وقال الآجري عن أبي داود: تغير وهيب بن خالد، وكان ثقة، وروى البخاري أنه مات سنة ١٦٥ هـ، وكان متقنًا.\n(عن عبد العزيز) بن صهيب، هذا الذي ذكره إما أن يكون مرويًّا بالسند السابق، ويحتمل أن يكون ذكره تعليقًا، ولم نجد رواية وهيب في كتب الحديث.\nوحاصل ما ذكره المؤلف في الحديثين أن عبد العزيز له أربعة أصحاب: حماد بن زيد، وعبد الوارث في الرواية الأولى، وشعبة، ووهيب في الرواية الثانية، والمراد بيان اختلاف ألفاظهم.\nوتفصيل ذلك: أن حمادًا وعبد الوارث اختلفا، فقال عبد الوارث عن عبد العزيز: \"أعوذ بالله\"، وقال حماد عنه: قال \"اللهُمَّ إني أعوذ بك\"، وفي الرواية الثانية روى شعبة عن عبد العزيز، فمرة وافق شعبة حمادًا،\n_________\n(١) كتب في \"التقرير\": ذكره تعليقًا، ولم يدر هل هو بالسند السابق أو لا؟ . (ش).","vol":"1","page":178},{"text":"فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ.\n٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ،\n===\nفقال: \"اللَهُمَّ إني أعوذ بك\"، ومرة وافق عبد الوارث، وهذا الاختلاف في لفظ التعوذ.\nوالاختلاف الثاني الذي يوهم من هذا الكلام: أن الاختلاف الواقع في الرواية الأولى بين حماد وعبد الوارث، هو الاختلاف منهما لا من عبد العزيز.\nوأما الاختلاف المروي عن شعبة فصريح في أنه اختلاف من عبد العزيز، وأما لفظ وهيب فلم يوافق أحدًا منهم، بل لفظه: (فليتعوذ بالله) بصيغة الأمر، وهذا يدل على أن هذه رواية مستقلة غير الحديث الأول، لم يرو فيها فعل النبي - ﷺ -، بل فيها أمرٌ بالتعوذ لمن أراد دخول الخلاء.\n٦ - (حدثنا عمرو (١) بن مرزوق) الباهلي ثقة، سئل عنه أحمد بن حنبل؟ فقال: ثقة مأمون، فتَّشْنا على ما قيل فيه فلم نجد له أصلًا، وعن ابن معين: ثقة مأمون وحمده جدًا، وقال أبو حاتم: كان ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال سليمان بن حرب: جاء بما ليس عندهم فحسدوه، قال القواريري: كان يحيى القطان لا يرضاه في الحديث، وكان أبو الوليد يتكلم فيه، وقال ابن المديني: اتركوا حديث العَمْرَين: عمرو بن حكام، وعمرو بن مرزوق، وقال ابن عمار الموصلي: ليس بشيء، وقال العجلي: عمرو بن مرزوق، بصري، ضعيف، يحدث عن شعبة، ليس بشيء، وقال الحاكم عن الدارقطني: صدوق، كثير الوهم، وقال الحاكم: سيِّئ الحفظ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، روى عنه البخاري مقرونًا بآخر، مات سنة ٢٢٤ هـ.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: تزوج أكثر من ألف امرأة، انتهى. وكان في مجلسه عشرة آلاف رجل، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ١٠١). (ش).","vol":"1","page":179},{"text":"أَنَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَة، عن النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عن رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ،\n===\n(أنا شعبة (١) عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، لكنه مدلس، ورُمِي بالقدر، قاله يحيى بن معين، يقال: وُلد أكمه، مات سنة ١١٧ هـ، (عن النضر بن أنس) بن مالك الأنصاري، أبو مالك البصري، ثقة، مات سنة بضع ومئة.\n(عن زيد بن أرقم) (٢) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور، غزا مع رسول الله - ﷺ - سبع عشرة غزوة، وأول مشاهده الخندق، ونزل الكوفة وشهد صفين مع علي وكان من خواصِّه، قال خليفة: مات بالكوفة أيام المختار سنة ٦٦ هـ (٣).\n(عن رسول الله - ﷺ - قال: إن هذه الحشوش) بضم الحاء المهملة وشينين معجمتين: المراد به الْكُنُفُ ومواضع قضاء الحاجة، واحدها حش (٤) مثلثة، وأصله جماعة نخل كثيف، لأنهم كانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن تتخذ الكنف في البيوت (محتضرة) أي تحضرها الشياطين، ولفظة \"هذه\" إشارة إلى ما هي كانت موجودة في الخارج في ذاك الوقت، والمقصود بإيراد هذه الرواية بيان العلة للتعوذ.\n_________\n(١) ذكر ابن رسلان الكلام في سنده ولم أتحصله. (ش).\n(٢) ذكر الترمذي (١/ ٦) في هذا الحديث الاضطراب الوسيع، وذكر شيئًا منه صاحب \"الغاية\" أيضًا، وفي \"التقرير\": ذكر أبو داود من طرقها ما ترجح عنده، ولا اضطراب بعد الترجيح. (ش).\n[قلت: الحديث أخرجه الحاكم (١/ ١٨٧) من الوجهين، ثم قال: \"كلا الإسنادين من شرط الصحيح\"، ووافقه الذهبي].\n(٣) وفي \"الغاية\" سنة ٦٨ هـ. (ش). [انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٣٢) رقم (١٨١٩)].\n(٤) وقال ابن رسلان: وأصل الحش البستان. (ش).","vol":"1","page":180},{"text":"فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ والْخَبَائِثِ\". [جه ٢٩٦، حم ٤/ ٣٦٩، خزيمة ٦٩، ق ١/ ٩٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>(٤) بَابُ كَرَاهِيَّةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ</span>\n===\n(فإذا أتى (١) أحدكم الخلاء) أي أراد إتيان الخلاء، وقد تقدم الكلام فيه (فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث).\n\n(٤) (بَابُ كَرَاهِيَّةِ (٢) اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ)\nالقبلة ما يُستقبل وُيتَوَّجَهُ إليها، والمراد بها ها هنا جهة الكعبة، فكما أمر في الصلاة بالاستقبال إليها تعظيمًا واحترامًا لها، كذلك نُهِي عن استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة احترامًا وتكريمًا لها.\nواختلف العلماء في ذلك على أقوال ومذاهبَ، قال العيني في \"شرح البخاري\" (٣): ثم اعلم أن حاصل ما للعلماء في ذلك أربعة مذاهب، أحدها: المنع المطلق وقد ذكرناه، الثاني: الجواز مطلقًا، الثالث: أنه لا يجوز الاستقبال في الأبنية والصحراء، ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة - ﵀ -، الرابع: أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في رواية، انتهى.\nثم ذكر العيني ها هنا ثلاثة مذاهب أخرى (٤) لا نطوِّل الكلام بذكرها.\n_________\n(١) أعم من لفظ الترمذي \"دخل\"، قال ابن رسلان: احتجَّ بظاهره جماعة، فأباحوه في الخلاء لحقيقة \"أتى\". (ش).\n(٢) قلت: وظاهر صنع المصنف أن الاستقبال عنده مكروه مطلقًا، مرخَّص ضرورة، حيث ترجم بعد ذلك \"باب الرخصة في ذلك\". (ش).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٩٤).\n(٤) وذكر صاحب \"الغاية\" ثمانية مذاهب، وكذا في \"الأوجز\" (٤/ ١٦٢) (ش).","vol":"1","page":181},{"text":"٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدِ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (١)، عن الأعمَشِ،\n===\nوالحديث دليل على عدم جواز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، سواء كان في الصحراء أو في البنيان (٢)، وهو مذهب أبي حنيفة - ﵀ -، وبه قال أبو أيوب الأنصاري ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وأبو ثور وأحمد في رواية، ونسبه في \"البحر\" إلى الأكثر، ذكره الشوكاني في \"النيل\" (٣).\n٧ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، ثنا أبو معاوية) بضم الميم وألف بعد العين، محمد بن خازم- بمعجمتين - التميمي السعدي مولاهم، الكوفي، الضرير، عمي وهو صغير (٤)، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، وقد رمي بالإرجاء، وقال يعقوب بن شيبة: كان من الثقات، ربما دلَّس، وكان يرى الإرجاء، وقال الآجري عن أبي داود: كان مرجئًا، وقال مرة: كان رئيس المرجئة بالكوفة، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان حافظًا متقنًا، ولكنه كان مرجئًا خبيثًا، مات سنة ١٩٥ هـ، وله اثنتان وثمانون سنة.\n(عن الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد، الكوفي، ثقة حافظ، لكنه يدلس، ولد يوم قتل الحسين - رضي الله تعالى عنه -، ومات سنة ٤٧ هـ، أو سنة ٤٨ هـ (٥).\n_________\n(١) وفي نسخة أخرى \"أبو معوذ\" غلط. كذا في \"غاية المقصود\". (ش).\n(٢) قال ابن دقيق العيد: اختلفوا في العلة، فقيل: كشف العورة، فيحرم الوطء أيضًا، وقيل: خروج النجس؛ فلا يدخل. (ش). (انظر: \"إحكام الأحكام\" ١/ ٥٣).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٠٣).\n(٤) ابن ثمان سنين (ش).\n(٥) أي بعد المئة. (ش).","vol":"1","page":182},{"text":"عن إِبْرَاهِيمَ،\n===\n(عن إبراهيم) (١) بن يزيد بن قيس بن أسود النخعي بنون ومعجمة مفتوحتين، أبو عمران الكوفي، قال ابن معين: مراسيل إبراهيم أحبُّ إليّ من مراسيل الشعبي، ثقة إلَّا أنه يرسل كثيرًا، قال الحافظ أبو سعيد العلائي: هو مكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صحَّحوا مراسيله (٢)، قال ابن المديني: لم يلق النخعي أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقلت له: فعائشة؟ قال: هذا لم يروه غير سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم وهو ضعيف، ورواية سعيد عن أبي معشر ذكرها ابن حبان بسند صحيح إلى سعيد عن أبي معشر أن إبراهيم حدثهم: أنه دخل على عائشة فرأى عليها ثوبًا أحمر، وقال ابن معين: أُدخل على عائشة - ﵂ - وهو صغير، ونقموا عليه قوله: \"لم يكن أبو هريرة فقيهًا\".\nقال الذهبي: قلت: استقر الأمر على أن إبراهيم حجة، مات سنة ٩٦ هـ، وهو ابن خمسين، قلت: قول علي بن المديني: إن إبراهيم لم يلق أحدًا من الصحابة، وكذا قول أبي حاتم: لم يلق النخعي أحدًا من الصحابة إلَّا عائشة ولم يسمع منها، وأدرك أنسًا ولم يسمع منه، مات سنة ٩٦ هـ، وولادته سنة ٥٥ هـ عجيب؛ لأنه ذكره ابن حبان في \"ثقات التابعين\" (٣)، وقال: سمع المغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، ودخل على عائشة وكان مولده سنة خمسين، ومات [سنة] خمس أو ست وتسعين.\nوقال الترمذي في \"كتاب العلل\" (٤): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر\n_________\n(١) نسبه ابن رسلان هكذا: إبراهيم بن يزيد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع، المعروف بالنخعي. (ش). [انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٧٧).\n(٢) قال ابن القيم: كل من له ذوق في الحديث إذا قال إبراهيم: قال: عبد الله، لا يتوقف فيه. (ش) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٨٠).\n(٣) \"كتاب الثقات\" (٤/ ٨).\n(٤) (٥/ ٧٥٥) في آخر كتاب \"سنن الترمذي\".","vol":"1","page":183},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ عن سَلْمَانَ (١)\n===\nالكوفي، نا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن سليمان الأعمش قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود؟ فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله، انتهى.\nوقد عرفت أنه وُلد باعترافهم سنة خمس وخمسين وهو زمان جمع كثير وجم غفير من الصحابة في الكوفة والبصرة ومكة والمدينة وغيرها، كابن أبي أوفى وابن أنيس وأنس وأبي الطفيل وابن الأسقع وغيرهم كثيرون، بل أبو الطفيل وغيره ماتوا بعده بكثير، فكيف لا يسمع منهم مع وجود كثير منهم، والكوفة وغيرها مملوءة منهم؟\nوفي \"مسند الخوارزمي\" (٢) تصريح بسماعه عن أنس بن مالك في فرضية طلب العلم، فإنكارهم سماعه عن الصحابة ولقاءه لا يُعبأ به.\n(عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي والدارقطني، مات أو قتل في الجماجم سنة ٨٣ هـ، قال الدارقطني: هو أخو الأسود وابن أخي علقمة وكلهم ثقات.\n(عن سلمان) الفارسي أبو عبد الله ابن الإِسلام، ويقال له: سلمان الخير، أسلم عند قدوم النبي - ﷺ - المدينة، وتوفي في خلافة عثمان (٣) - ﵁ - سنة ٣٦ هـ. يقال: إنه بلغ ثلاث مئة وخمسين سنة، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): وقرأت بخط أبي عبد الله الذهبي: رجعت عن القول بأنه قارب ثلاث مئة أو زاد عليها، وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك.\n_________\n(١) من المُعَمَّرين \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٥٠). (ش).\n(٢) وانظر: \"العلل المتناهية\" لابن الجوزي (١/ ٦٨) رقم (٦١).\n(٣) بالمدائن. (ش).\n(٤) (٤/ ١٣٩)، وانظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٤٧) رقم (٢١٥١).","vol":"1","page":184},{"text":"قَالَ: قِيلَ لَهُ: \"لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ! قَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا - ﷺ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَأَنْ لَا نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ،\n===\n(قال) عبد الرحمن: (قيل له) أي لسلمان، والقائلون (١) كفار المدينة، وهذا القول صدر منهم طعنًا وتنقيصًا: (لقد علَّمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة) (٢) بكسر الخاء والمد، أدب التخلي والقعود للحاجة، قال الخطابي (٣): أكثرهم يفتحون الخاء، وقال الجوهري: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، (قال) أي سلمان: (أجل) حرف إيجاب، أي: نعم يعلمنا كل شيء حتى الخراءة، أجاب على أسلوب الحكيم (٤) ولم يلتفت إلى استهزائهم.\n(لقد نهانا (٥) - ﷺ - أن نستقبل القبلة (٦) بغائط (٧) أو بول وأن لا نستنجي) (٨) لفظة \"لا\" زائدة (باليمين) أما النهي عن الاستنجاء باليمين، فقال النووي (٩): وقد أجمع العلماء على أنه منهي عنه، ثم الجمهور على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه\n_________\n(١) قال ابن رسلان: رجل يهودي. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: هي الهيئة، أما نفس الحدث فبحذف التاء وبكسر الخاء وفتحها. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١١).\n(٤) يعني نحن نحتاج إليه أيضًا في أمور الدين لآداب الخلاء. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) وهذا مستدل من قال: إن النهي يختص بالاستقبال. \"غاية المقصود\". (ش).\n(٦) قال ابن رسلان: احتج به المانعون مطلقًا، وهو قول أبي أيوب الأنصاري ومجاهد والنخعي والثوري وأبي ثور وأحمد في رواية. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٧) أصله المطمئن من الأرض، ثم صار كناية عن الخارج من الدبر، فالباء بمعنى في \"ابن رسلان\". (ش).\n(٨) والاستنجاء مسح موضع النجو، والنجو: الخرء (الغائط). (ش).\n(٩) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":185},{"text":"وَأَنْ لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ،\n===\nحرام، قال: وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا، ولا تعويل على إشارتهم، انتهى. وعلة النهي عن الاستنجاء باليمين احترامها.\n(وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار) (١) لفظة \"لا\" ها هنا أيضًا زائدة، وقد سقط عن بعض النسخ.\nاختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال، قال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وقد ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور إلى وجوب الاستنجاء، وأنه يجب أن يكون بثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات، وإذا استنجى للقبل والدبر وجب ست مسحات لكل واحد ثلاث مسحات، قالوا: والأفضل أن يكون بست أحجار، فإن اقتصر على حجر واحد له ستة أحرف أجزأه، وذهب مالك وداود إلى أن الواجب الإنقاء، فإن حصل بحجر أجزأه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى أنه ليس بواجب، انتهى.\nفالنهي الذي ورد في هذا الحديث عند الحنفية محمول على أن في غالب الأحوال لا تحصل التنقية إلَّا بها، وأما إذا حصلت التنقية بأقل منها، أو كانت الحالة أنه لم يتلطخ المحل بالنجاسة، ولا يحتاج إلى الاستنجاء كما يشاهد في بعض الأحيان، فحينئذ لو اكتفى على حجرين أو حجر أو لم يستنج أصلًا فالظاهر أنه لا يكره ذلك.\nونظير قولنا في عدم وجوب التثليث قول الشافعية في غسل الطيب عن المحرم، فإنه - ﷺ - قال في رجل جاءه وعليه جبة متضمخة بطيب:\n_________\n(١) قال ابن القصار: ذكر الثلاثة باعتبار الأغلب، فإن لم تحصل التنقية بها يحتاج إلى الزيادة، وإن اكتفى بحجر له أحرف يجوز. وبسطه ابن رسلان، وقال ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ٣٣): في الحديث ست مسائل. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٩٦).","vol":"1","page":186},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات\"، قال النووي: إنما أمر بالثلاث مبالغة في إزالة لونه وريحه، والواجب الإزالة، فإن حصلت بمرة كفته ولم تجب الزيادة، انتهى.\nوقد أشبع الكلام في هذه المسألة العلامة العيني في شرحه على البخاري ذيل حديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود يقول: \"أتى النبي - ﷺ - الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالثة فلم أجدها، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: هذا ركس\".\nقال العلامة العيني (١): قال الخطابي: فيه إيجاب عدد الثلاثة في الاستنجاء إلى آخر ما نقل عن الخطابي، ثم أجاب عنه بقوله: قلت: لا نسلم أن فيه إيجاب عدد الثلاث بل كان ذلك للاحتياط، لأن التطهير في الواحد أو الاثنين لم يكن محققًا، فلذلك نص على الثلاث، لأن في الثلاث يحصل التطهر غالبًا، ونحن نقول أيضًا: إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلَّا بالثلاث يتعين عليه الثلاث، والتعيين ليس لأجل التوقيت فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل فيه، حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس وهلم جرًّا يتعين عليه ذلك، على أن الحديث متروك الظاهر، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع.\nوقوله: وليس في قوله: \"فأخذ الحجرين\" دليل على أنه اقتصر عليهما لجواز أن يكون بحضرته ثالث، فيكون قد استوفاها عددًا ليس كذلك، بل فيه دليل على ذلك، لأنه لو كان الثلاث شرطًا لطلب الثالث، فحيث لم يطلب دل على ما قلناه، وتعليله بقوله: لجواز أن يكون بحضرته\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٣٢).","vol":"1","page":187},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثالث، ممنوع؛ لأن قعوده ﵊ للغائط كان في مكان ليس فيه أحجار، إذ لو كانت هناك أحجار لما قال له: \"ائتني بثلاثة أحجار\"، لأنه لا فائدة لطلب الأحجار وهي حاصلة له، وهذا معلوم بالضرورة.\nوقوله: ولو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، قلنا: إن ذكر الثلاث لم يكن للاشتراط بل للاحتياط إلى آخر ما ذكرناه الآن، قوله: ونظيرها العدة بالأقراء، غير مسلَّم، لأن العدد فيه شرط بنص القرآن والحديث، ولم يعارضه نص آخر بخلاف العدد ها هنا، لأنه ورد: \"من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج\".\nقلت: أخرجه أبو داود في باب الاستتار في الخلاء، وابن ماجه في باب الارتياد للغائط والبول، وأحمد أيضًا (١).\nقال الشوكاني (٢): أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي، ومداره على أبي سعيد الحبراني الحمصي، وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي، قال الحافظ: ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول، وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في \"العلل\"، انتهى.\nقلت: وأيضًا يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود في \"باب الاستنجاء بالأحجار\" عن عائشة ﵂، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه\"، قال الشوكاني: روى أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني\n_________\n(١) انظر \"سنن أبي داود\" رقم (٣٥) و\"سنن ابن ماجه\" رقم (٣٤٩٨) و\"مسند أحمد\" (٢/ ٣٧١).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٩٣).","vol":"1","page":188},{"text":"أَوْ يَسْتَنْجِيَ بِرَجِيع أَوْ عَظْمٍ\". [م ٢٦٢، ت ١٦، ن ٤١، جه ٣١٦]\n===\nوقال: إسناده صحيح حسن، فإن العلة التي ذكرت في الحديث تدل على أنهم أمروا بالاستطابة بثلاثة أحجار، لأن هذا العدد يكفي في غالب الأحوال لحصول الإنقاء، وهذا هو الذي تقول به الحنفية، ويقولون لمن أوجب ذلك: إن الحديث متروك الظاهر عندكم أيضًا، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز عندكم، فعُلِمَ من هذا أن تثليث الأحجار عندكم غير واجب.\n(أو يستنجي برجيع) كأمير: عذرة (١) وروث، سمِّي به إذ رجع عن كونه طعامًا أو علفًا (أو عظم) والاستنجاء برجيع أو عظم يكره اتفاقًا إلَّا أن البعض قالوا: لو استنجى برجيع أوعظم لا يطهر محل النجاسة، لأنه ورد في رواية الدارقطني (٢): \"إنهما لا تطهران\"، وعندنا يكره ذلك، فلو استنجى بهما أحد يجوز ذلك مع الكراهة.\nوحاصل البحث في ذلك أن عندهم قليل النجاسة وكثيرها يمنع الصلاة، فإذا استنجى أحد بثلاثة أحجار أو بحجر واحد له ثلاثة أحرف يطهر محل الاستنجاء بذلك، ولو لم يستنج بثلاثة أحجار أو بحجر له ثلاثة أحرف لا يطهر محل الاستنجاء، وإن حصلت التنقية بالكلية كما تحصل بثلاثة أحجار، واستدلوا على هذا بمفهوم ذلك الحديث، وقالوا: لما وقع التنصيص بأن الروث والعظم لا يطهران فغيرهما من الحجر والمدر وما يلحقهما يطهران بشرط أن يبلغ العدد الثلاث.\nوأما عندنا معشر الحنفية، فالاستنجاء سواء كان بحجر أو مدر أو روث أو بعر أو عظم: غير مطهّر، بل مُنْق ومقلِّل للنجاسة، ولهذا يبقى\n_________\n(١) إن أريد به الأعم فذاك، وإن اختص بالروث، فعذرة الإنسان وغيرها في حكمه. (ش).\n(٢) وأجاب عنه الزيلعي بأن فيه سلمة بن رجاء الكوفي وهو ضعيف. (ش).\n[انظر: \"سنن الدارقطني\" ١/ ٥٦، و\"نصب الراية\" ١/ ٢١٩].","vol":"1","page":189},{"text":"٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: ثَنَا ابنُ الْمُبَارَكِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ،\n===\nالمحل بعد الاستنجاء نجسًا، ولكن الله ﷾ لما رأى ضعفنا وعجزنا وأراد اليسر بنا عفا عنا ذلك القدر من النجس، فإذا استنجى أحد بشيء منها يبقى المحل نجسًا بعد الاستنجاء، فإن بدن الإنسان إذا تنجّس بنجاسة رطبة لا يتطهّر إلَّا بالماء أو ما في معناه، فكذا هذا المحل لا يتطهر إلَّا بالماء أو ما في معناه، حتى لو أن الذي لم يستنج بالماء دخل في الماء القليل أفسده، فعلى هذا قوله ﵊: \"إنهما لا تطهران\"، لا يخالف الحنفية، فإنهم قائلون بأنهما لا تطهران كما أنهم قائلون بأن الحجر والمدر أيضًا لا يطهران.\nوأما الاستدلال بالمفهوم فلا يعتبر عندنا، ووجه كراهة الاستنجاء بالرجيع نجاسته، وكراهة الاستنجاء بالعظم كونه زاد الجن، كما ورد في الأحاديث.\n٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد) بن علي بن نفيل، بنون وفاء مصغرًا، القضاعي (النفيلي) أبو جعفر الحراني، الحافظ، أحد الأئمة، ثقة مأمون، مات سنة ٢٣٤ هـ.\n(قال: ثنا ابن المبارك) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإِسلام، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، ولد سنة ١١٨ هـ، ومات ١٨١ هـ.\n(عن محمد بن عجلان) القرشي، أبو عبد الله المدني، أحد العلماء العاملين، وثقه أحمد وابن معين، وذكره البخاري في \"الضعفاء\"، قال في \"ميزان الاعتدال\" (١): وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه، قال يحيى القطان: كان مضطربًا في حديث نافع، قال مالك بن أنس: لم يكن\n_________\n(١) (٣/ ٦٤٤).","vol":"1","page":190},{"text":"عن الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيم، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ: \"إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ\n===\nابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالمًا، مكث ابن عجلان في بطن أمه ثلاث سنين، فَشُقَّ بطنها لما ماتت، وأُخرج وقد نبتت أسنانه، وكان عجلان مولى لفاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، توفي سنة ١٤٨ هـ.\n(عن القعقاع بن حكيم) الكناني المدني، قال أحمد وابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي صالح) السمان الزيات، اسمه ذكوان المدني، ثقة ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، مات سنة ١٠١ هـ.\n(عن أبي هريرة) (١) الدوسي اليماني صاحب رسول الله - ﷺ - وحافظ الصحابة، كناه أبا هريرة، قيل لأجل هرة كان يحمل أولادها، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا (٢)، توفي سنة ٥٧ هـ، وهو ابن ثمان وسبعين.\n(قال: قال رسول الله): إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم) كلام تأنيس، كما أن الوالد يؤدّب ولده (٣)، كذلك أنا أعلمكم أمور دينكم وأؤدبكم بآداب الشرع. (فإذا أتى (٤) أحدكم) أي أراد\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٥/ ١١٩) رقم (٦٣٢٨).\n(٢) أشار النووي إلى خمسة وثلاثين قولًا، واختلف في صرفه ومنع الصرف أيضًا، ذكر القولين القاري في \"المرقاة\" (١/ ١٣٨). (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: اختلفوا في أن التعليم مستحب أو واجب كما يجب عليه النظر في ماله، وفيه دليل على أن حق الشيخ كحق الوالد بل أولى منه، ولذا قالوا: إن عقوقه لا يغفر بالتوبة. (ش).\n(٤) هو أعم من لفظ دخل فإنه يشمل الصحراء. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":191},{"text":"الْغَائِطَ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِنهِ\"،\n===\n(الغائط) أي إتيان الغائط (فلا يستقبل (١) القبلة) وقد تقدم الكلام عليه (ولا يستدبرها).\nقال العيني (٢): احتج أبو حنيفة - ﵀ - بهذا الحديث على عدم جواز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، سواء كان في الصحراء أو في البنيان، أخذًا في ذلك بعموم الحديث، انتهى (٣).\nوالرواية الثانية عن الإِمام الأعظم - رحمه الله تعالى - أن الاستدبار غير منهي عنها لحديث ابن عمر الآتي قريبًا\" قال: لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله - ﷺ - على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته\".\nقال الحلبي في \"شرحه الكبير على المنية\" (٤): والصحيح الأول، لأنه إذا تعارض قوله ﵇ وفعله رجِّح القول؛ لأن الفعل يحتمل الخصوص والعذر وغير ذلك، وكذلك إذا تعارض المحرم والمبيح رجح المحرم، انتهى.\n(ولا يستطب بيمينه) (٥) أي: لا يستنج باليمنى.\n_________\n(١) بكسر اللام على الجزم لأنه نهي. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٩٣)\n(٣) وأجاب عنه ابن رسلان بثلاثة أجوبة، أحسنها: أن الغائط حقيقة في المكان الواسع، والثاني: أن حقيقة الاستقبال يكون في الصحراء. (ش).\n(٤) (ص ٣٨).\n(٥) قال ابن رسلان: الاستطابة والاستنجاء يكونان بالحجارة والماء، والاستجمار يكون بالحجارة فقط. (ش).","vol":"1","page":192},{"text":"وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارِ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ. [م ٢٦٥، ن ٤٠، جه ٣١٣، حم ٥/ ٤٣٧، خزيمة ٧٤]\n٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، ثنَا سُفْيَانُ،\n===\n(وكان) أي رسول الله - ﷺ - (يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث) (١) بفتح الراء وسكون الواو: رجيع ذات الحوافر (والرمة) جمع رميم وهو العظم البالي، قال في \"المجمع\" (٢): ونهى عنه لاحتمال كونها نجسة ميتة أو لأنها لا تقوم مقام الحجر لملامستها، قلت: وقد وقع التصريح بعلة النهي عنه، لأنها زاد إخوانكم من الجن وهي أولى بالبيان.\n٩ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، ثنا سفيان) (٣) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم، أبو محمد الأعور الكوفي، أحد أئمة الإِسلام.\nقال في \"ميزان الاعتدال\" (٤): أجمعت الأمة على الاحتجاج به وكان يدلس، لكن المعهود منه أنه لا يدلس إلَّا عن ثقة، وقال أحمد: كنت أنا وابن المديني فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان، فقلت أنا: مالك، فإن مالكًا أقل خطأ، وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثًا عن الزهري، ثم ذكرت ثمانية عشر منها، فقلت: هات ما أخطأ فيه مالك فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فإذا ما أخطأ فيه سفيان أكثر من عشرين حديثًا، قال أحمد: وعند مالك عن الزهري نحو من ثلاث\n_________\n(١) وفي رواية البخاري: \"ألقى الروثة وقال: هذا ركس\"، وكذا في رواية الترمذي، وأغرب النسائي فقال: الركس طعام الجن. (ش).\n(٢) (٢/ ٣٨٥).\n(٣) ذكر النووي في سفيان ثلاثة أوجه: ضم السين والفتح والكسر، والأول أشهر؛ وفي عيينة ضم العين وكسرها. (انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" ١/ ٢٢٤). (ش).\n(٤) (٢/ ١٧٠).","vol":"1","page":193},{"text":"عن الزُّهْرِيِّ،\n===\nمئة حديث، وكذا عند ابن عيينة عنه نحو ثلاث مئة، وروى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن يحيى بن سعيد القطان قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة ١٩٧ هـ، فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء، قلت: سمع منه فيها محمد بن عاصم، ويغلب على ظني أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع (١)، وأنا أستبعد هذا الكلام من القطان، وأعدّه غلطًا من ابن عمار، مع أن يحيى متعنّتٌ جدًا في الرجال وسفيان ثقة مطلقًا، انتهى ملخصًا.\nوردّ ذلك الاستبعاد الحافظ العسقلاني في \"تهذيب التهذيب\" (٢) وقال: وهذا الذي لا يتّجه غيره، لأن ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة ممن حج في تلك السنة واعتمد قولهم وكانوا كثيرًا، وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما نقله عنه ابن عمار في حق ابن عيينة، وذلك ما روى أبو سعد بن السمعاني في \"ذيل تاريخ بغداد\": أن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم، فتزيد في إسناده أو تنقص منه، فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سمنتُ، وقد ذكر أبو معين الرازي أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بأخرة، وأن سليمان بن حرب قال له: إن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب، انتهى ملخصًا، ولد سنة ١٠٧ هـ، ومات سنة ١٩٨ هـ، وله إحدى وتسعون سنة.\n(عن الزهري) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن\n_________\n(١) أي: سنة سبع وتسعين ومئة.\n(٢) (٤/ ١٢٠).","vol":"1","page":194},{"text":"عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَن أَبِي أَيُّوبَ رِوَايةً\n===\nشهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري، أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام، متفق على جلالته وإتقانه، قال في \"الميزان\" (١): محمد بن مسلم الزهري الحافظ الحجة، كان يُدَلِّسُ في النادر، قال الحافظ: قال خليفة: ولد سنة ٥١ هـ، وقال يحيى بن بكير: سنة ٥٦ هـ، وقال الواقدي: سنة ٥٨ هـ، وكانت وفاته سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومئة.\n(عن عطاء بن يزيد) الليثي ثم الجُنْدُعي بمضمومة ونون ساكنة فضم دال وبعين مهملة، ثقة، توفي سنة ١٠٥ هـ أو ١٠٧ هـ، وهو ابن ثمانين سنة.\n(عن أبي أيوب) (٢)، هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصاري النجاري الخزرجي المدني، شهد العقبة وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، نزل عنده رسول الله - ﷺ - لما قدم المدينة حتى بني بيوته ومسجده، ولزم الجهاد بعد رسول الله - ﷺ - إلى أن توفي في غزاة القسطنطينية سنة ٥٢ هـ، ودفن إلى أصل حصن بالقسطنطينية، وأهل الروم يستسقون به.\n(رواية) أي عن النبي - ﷺ - هي من صيغ الرفع، نصب مصدرًا بفعل حذف عنه أي: رواه رواية، قال الحافظ في \"شرح النخبة\" (٣): ويلتحق بقولي: \"حكمًا\" ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه - ﷺ -، كقول التابعي عن الصحابي: يرفع الحديث أو يرويه أو ينميه أو رواية أو يبلغ به أو رواه، انتهى. فهذه صيغ الرفع حكمًا، فالحديث الذي يقول التابعي فيه عن الصحابي من هذه الألفاظ يكون مرفوعًا حكمًا.\n_________\n(١) (٤/ ٤٠).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٨١) رقم (٥٧١٥).\n(٣) (ص ٧٨).","vol":"1","page":195},{"text":"قَالَ: \"إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا \". [خ ١٤٤، م ٢٦٤، ت ٩، ن ٢٠ - ٢١ - ٢٢، جه ١٨]\n===\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا أتيتم الغائط) أراد به المعنى الحقيقي وهو المطمئن من الأرض، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة، لأن العادة أن يقضي في المنخفض من الأرض، لأنه أستر له، ثم اتسع حتى أطلق على النجو نفسه - أي الخارج - تسمية للحال باسم محله.\n(فلا تستقبلوا القبلة بغائط (١) ولا بول)، والمراد بالغائط ها هنا المعنى المجازي، يعني الخارج المعروف وهو النجو، فتقديره عند إخراج غائط أو بول. أخرج هذا الحديث الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه بألفاظ مختلفة، ولكن الألفاظ التي في رواية أبي داود ومسلم متقاربة، أما في رواية البخاري ومسلم: \"فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها\"، فهذه الجملة الأخيرة سقطت من رواية أبي داود، فلا ندري هذا اختصار من المصنف أو أحد من الرواة أو سقوط من الناسخ.\n(ولكن شرّقوا (٢) أو غرّبوا) (٣)، أي: توجهوا إلى جهة المشرق\n_________\n(١) قال ابن رسلان: ظاهره اختصاص النهي بخروج النجس، ففي معناه دم الفصد والحجامة والحيض والقيء وغيرها، أو المعنى: النهي عن كشف العورة، ففي حكمه الوطء - إذا كان مع الكشف - والاستحداد وغير ذلك، وقال أيضًا بعد ذلك: ويجوز عندنا الاستقبال والاستدبار حالة الجماع في البنيان والصحراء بلا كراهة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، واختلف فيه على مالك، انتهى.\nقلت: الوطء عندنا يكره تنزيهًا، والتغوط تحريمًا، وقال ابن العربي: العلة حرمة القبلة لخمسة وجوه دون حرمة المصلين كما نقل عن الشعبي. انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢٤). (ش).\n(٢) هذا المذهب الثامن في الاستقبال إذ قالوا: إن المنع يختص بأهل المدينة. (ش).\n(٣) بسط ابن رسلان في صورة شَرِّقوا أو غَرِّبوا. (ش).","vol":"1","page":196},{"text":"فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَكُنَّا نَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ الله.\n===\nوالمغرب لئلا يقع استقبالكم واستدباركم إلى القبلة، وهذا خطاب مختص لأهل المدينة ومن في حكمهم من الساكنين في جهة الشمال والجنوب من الكعبة، فأما من كانت قبلته إلى جهة الغرب أو الشرق، فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال.\n(فقدمنا الشام) (١) أي غزاة ففتحناها (فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبَلَ القبلة)، مراحيض بفتح الميم والحاء المهملة والضاد المعجمة كمصابيح، جمع مرحاض (٢) كمحراب، أمكنة غسل وخلاء، والظاهر أن قدوم أبي أيوب - ﵁ - الشام كان عند فتح الشام، وكانت المراحيض التي بنيت فيها من بناء الكفار النصارى الذين يسكنون فيها قبل فتح المسلمين، فبنوها متوجهًا إلى جهة الكعبة، وبعيد غاية البعد أن يكون بناؤها من المسلمين مستقبل الكعبة.\n(فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله) تعالى، يعني كنا نجلس (٣) مستقبَل القبلة نسيانًا على وفق بناء المراحيض، ثم ننتبه على تلك الهيئة المكروهة، فننحرف عنها، ونستغفر الله تعالى (٤) عنها، وتأويل الاستغفار لباني الكنف في غاية البعد.\n_________\n(١) وفي رواية النسائي و\"موطأ مالك\": \"بمصر\" فتأمل. (ش).\n(٢) أصله المغتسل من قولهم: رحضت الثوب، ثم استعير للمستراح، لأنه موضع غسل النجو (ش).\n(٣) كذا قاله ابن دقيق العيد، انظر: \"إحكام الأحكام\" (١/ ٥٥). (ش).\n(٤) فإن قيل: الساهي لا يأثم، قلت: أهل الورع والمناصب العلية يستغفرون لمثل هذا \"ابن رسلان\". وقال ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ٢٥): هذا يحتمل ثلاثة أوجه. (ش).","vol":"1","page":197},{"text":"١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا وُهَيْب قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عن أَبِي زيد، عن مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأسَدِيِّ\n===\n١٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا وهيب) بالتصغير، ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بأخرة، مات سنة ١٦٥ هـ، وقيل بعدها (قال: ثنا عمرو بن يحيى) هو ابن عمارة بن أبي الحسن الأنصاري المازني (١) المدني، ثقة عند أكثر المحدثين، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: صويلح وليس بالقوي، مات ١٤٠ هـ.\nقال في \"تهذيب التهذيب\" (٢): وقول المصنف: \"إنه ابن بنت عبد الله بن زيد\" وهم، تبع فيه صاحب \"الكمال\"، وسببه ما في رواية مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه أن رجلًا سأل عبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى، فظنوا أن الضمير يعود إلى عبد الله وليس كذلك، بل إنما يعود إلى الرجل وهو عمرو بن أبي حسن عم يحيى، وقيل له جد عمرو بن يحيى تجوُّزًا، لأن العم صنو الأب، فما قال صاحب \"غاية المقصود\" في ترجمة عمرو بن يحيى: \"سبط عبد الله بن زيد بن عاصم\" وهم وغلط، هذا من آفة التقليد وقلة تتبع الكتب، وفقنا الله للصواب.\n(عن أبي زيد) مولى بني ثعلبة، قيل: اسمه الوليد، قال ابن المديني: ليس بالمعروف، وقال في \"التقريب\": مجهول (عن معقل (٣) بن أبي معقل الأسدي) (٤) حلفًا، والأنصاري نسبًا أو بالعكس، ويقال له: ابن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن الهيثم، ويقال: معقل بن أم معقل، صحابي، له ولأبيه صحبة، مات في زمن معاوية - ﵁ -.\n_________\n(١) مازن بن النجار، قاله القاري في \"المرقاة\" (٢/ ٩٦). (ش).\n(٢) (٨/ ١١٩).\n(٣) بفتح الميم وكسر القاف فيهما.\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ١٧٠) رقم (٥٠٣٨).","vol":"1","page":198},{"text":"قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّه - ﷺ - أنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ\". [جه ٣١٩، حم ١٧٣٨٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَبُو زيدٍ هُوَ مَوْلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ.\n١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْن فَارِس قَالَ: ثَنَا صَفْوَانُ ابْنُ عِيسَى،\n===\n(قال) أي معقل: (نهى رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلتين) (١) أي الكعبة وبيت المقدس (ببول أو غائط) فيحتمل أنه احترام لبيت المقدس مدة كونه قبلة لنا، أو لأن باستقباله تستدبر الكعبة لمن كان بنحو طيبة، فليس النهي لحرمة المقدس، وهو نهي تنزيه لا تحريم اتفاقًا، وقال أحمد: هو منسوخ بحديث ابن عمر.\n(قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة).\n١١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس) هو محمد بن يحيى (٢) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي (٣)، الحافظ أبو عبد الله النيسابوري الإِمام، ثقة حافظ جليل، مات سنة ٢٥٨ هـ على الصحيح (قال: ثنا صفوان بن عيسى) الزهري، أبو محمد البصري القسام (٤)، ثقة، مات ١٩٨ هـ.\n_________\n(١) وهو المذهب السابع من المذاهب الثمانية في الباب، وهو مذهب النخعي وغيره، وبه قال بعض الشافعية، ونقل الخطابي الإجماع على جوازه إلى بيت المقدس، انتهى. وقال ابن رسلان: خلاف النخعي وغيره يرد من نقل الإجماع على جوازه، وأجابوا عنه بجوابين: الأول: أنه كان حين كان قبلة فجمعهما الراوي، فهذا تأويل أبي إسحاق المروزي وغيره، والثاني: أنه يلزم الاستدبار للكعبة، وزعم ابن حزم أن النهي عن استقبال بيت المقدس لا يصح، انتهى. (ش).\n(٢) والبخاري في \"الصحيح\" تارًة يقول: محمد، ومرة: محمد بن عبد الله، ومرة: محمد ابن خالد. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) نسبة إلى قبيلة ذهل بن ثعلبة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) تولى البصرة سنة مئتين في خلافة عبد الله بن هارون. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":199},{"text":"عن الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عن مَرْوَانَ الأَصْفَرِ قَالَ: \"رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ في الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ\n===\n(عن الحسن بن ذكوان) بفتح معجمة وسكون كاف، أبو سلمة البصري، صدوق يخطئ، ضعفه كثير من المحدثين، ورمي بالقدر، وكان يُدلِّس.\n(عن مروان الأصفر) أبو خلف البصري، يقال: هو مروان بن خاقان، وقيل: سالم، ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال) أي مروان: (رأيت ابن عمر) (١) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، واستُصْغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان من أشد الناس اتباعًا للأثر، مات سنة ٧٣ هـ في آخرها.\n(أناخ راحلته مستقبل (٢) القبلة ثم جلس) أي ابن عمر (يبول إليها) أي متوجهًا إلى الراحلة، فكان متوجهًا بالبول إلى الكعبة، (فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا) أي عن الاستقبال بالبول إلى القبلة؟ (قال) أي ابن عمر: (بلى، إنما نهي عن ذلك) أي عن الاستقبال بالبول إلى القبلة (في الفضاء) أي الصحراء والأرض الواسعة (فإذا كان بينك وبين القبلة\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٢) رقم (٣٠٨٢).\n(٢) بالنصب على الحال من المستتر \"ابن رسلان\"، وما حكى العيني يدل على أنه جلس مستقبل بيت المقدس، فتأمل، ونحو أبي داود أخرجه الحاكم والبيهقي. (ش).","vol":"1","page":200},{"text":"شَيْءٌ يَسْتُرُك فَلَا بَأْسَ\" (١). [قط ١/ ٥٨، ق ١/ ٩٢، ك ١/ ١٥٤]\n===\nشيء يسترك (٢) فلا بأس).\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): وقول ابن عمر يدل على أن النهي عن الاستقبال والاستدبار إنما هو في الصحراء مع عدم الساتر، وهو يصلح دليلًا لمن فرَّق بين الصحراء والبنيان، ولكنه لا يدل على المنع في الفضاء على كل حال، كما ذهب إليه البعض بل مع عدم الساتر، وإنما قلنا بصلاحيته للاستدلال، لأن قوله: \"إنما نهي عن هذا في الفضاء\"، يدل على أنه قد علم ذلك من رسول الله - ﷺ -، ويحتمل أنه قال ذلك استنادًا إلى الفعل الذي شاهده ورآه، فكأنه لما رأى النبي في بيت حفصة مستدبرًا للقبلة فهم اختصاص (٤) النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا القول للاستدلال به، وأقل شيء الاحتمال، فلا ينتهض لإفادة المطلوب، وأيضًا قال: أخرجه أبو داود وسكت عنه، وقد صح عنه أنه لا يسكت إلَّا عن ما هو صالح للاحتجاج، وكذلك سكت عنه المنذري، ولم يتكلم عليه في تخريج \"السنن\"، وذكره الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" ولم يتكلم عليه بشيء، وذكر في \"الفتح\" أنه أخرجه أبو داود والحاكم بإسناد حسن.\nقلت: سكوت المحدثين عليه وقول الحافظ: إسناده حسن، عجيب، فإن حسن بن ذكوذان راوي الحديث ضعفه كثير من المحدثين، فكيف يصلح\n_________\n(١) قلت: ولأبي داود شيخ آخر في هذا الحديث، ذكره المزي في \"تحفة الأشراف\" (٥/ ٣٣٠) رقم (٧٤٥١) فقال: \"أبو داود عن محمد بن يحبى بن فارس، وأحمد بن إبراهيم، كلاهما عن صفوان بن عيسى ... \"، ثم قال: \"أحمد بن إبراهيم في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم\".\n(٢) على قدر ثلثي ذراع كدابة أو كثيب رمل. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (١/ ١٠١).\n(٤) هكذا في الأصل و\"نيل الأوطار\" والظاهر: فهم عدم اختصاص النهي بالبنيان.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>(٥) بَابُ الرُّخْصَة في ذَلِك</span>\n١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن عَمّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ،\n===\nللاحتجاج به، فقد قال ابن معين وأبو حاتم: ضعيف، وقال أبو حاتم والنسائي أيضًا: ليس بالقوي، قال يحيى بن معين: صاحب الأوابد، منكر الحديث، وضعفه، وقال ابن أبي الدنيا: ليس عندي بالقوي، وقال الإِمام أحمد: أحاديثه أباطيل، وقال عمرو بن علي: كان يحيى يحدث عنه، وما رأيت عبد الرحمن حدَّث عنه قط.\n\n(٥) (بَابُ الرُّخْصَة (١) في ذَلِك)\nأي في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة\n١٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي، أبو عبد الله المدني، الفقيه، أحد أعلام الإِسلام، وإمام دار الهجرة، ولد سنة ٩٣ هـ، وتوفي سنة ١٧٩ هـ، ودفن بالبقيع.\n(عن يحيى بن سعيد) بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري النجاري، ثقة ثبت، مات سنة ١٤٣ هـ، (عن محمد بن يحيى بن حَبَّان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابن منقذ بن عمرو المازني الأنصاري، أبو عبد الله المدني، الفقيه، ثقة، مات ١٢١ هـ، (عن عمه واسع بن حبان) (٢)\n_________\n(١) كأنه إشارة إلى الجمع بين الروايات. (ش).\n(٢) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، يحتمل الصرف ومنعه نظرًا إلى اشتقاقه من حبن أو حب \"ابن رسلان\". (ش) [انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٠٢) رقم (٥٤٣٦)].","vol":"1","page":202},{"text":"عن عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ\n===\nابن منقذ بن عمرو الأنصاري النجاري المازني المدني، صحابي (١) ابن صحابي، وقيل: من الطبقة الثانية من كبار التابعين، ثقة.\n(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب - ﵄ (قال) عبد الله: (لقد ارتقيت) أي صعدت (على ظهر البيت) وهو السقف، أي على سقف بيت حفصة كما هو مصرح في رواية مسلم (٢)، واختلفت الروايات في هذا اللفظ، ففي بعضها \"على ظهر البيت\"، وفي بعضها \" على ظهر بيت لنا\"، وفي أخرى \"على ظهر بيتنا\"، وفي بعضها \"بيت حفصة\"، وطريق الجمع أن يقال: أضاف البيت إلى نفسه على سبيل المجاز إما لكونه بيت أخته، أو أضافه إلى نفسه باعتبار ما آل إليه الحال، لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونه شقيقها، وأضافه إلى حفصة؛ لأنه البيت الذي أسكنها فيه رسول الله - ﷺ -، كذا في \"النيل\" (٣).\n(فرأيت رسول الله - ﷺ -) وهذه الرؤية كانت اتفاقية من دون قصد منه ولا من الرسول - ﷺ -، فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم لعامة الناس لبَيَّنَه لهم، فإن الأحكام العامة لا بد من بيانها (على لبنتين) أي قاعدًا (٤) على لبنتين - بفتح اللام وكسر الباء الموحدة (٥) -\n_________\n(١) وسيأتي على هامش \"باب صفة وضوء النبي - ﷺ - \" ما يدل على خلافه (ص ٥٥٧)، وفرق بينهما الحافظ في \"الإصابة\" (٦/ ٣١١). (ش).\n(٢) وفي \"سنن الترمذي\" أيضًا ح (١١).\n(٣) (١/ ٩٨)، والبسط في \"الفتح\" (١/ ٣٦٦). (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: فيه ارتفاع الجالسين لقضاء الحاجة، ولم أر أحدًا ذكر هذا الأدب. (ش).\n(٥) هو ما يصنع من الطين ونحوه قبل أن يحترق. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":203},{"text":"مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ\". [خ ١٤٥، م ٢٦٦، ت ١١، ن ٢٣، جه ٣٢٢]\n===\n(مستقبل بيت المقدس (١) لحاجته) أي لقضاء حاجته مستدبر القبلة كما هو مصرح في رواية مسلم.\nقال الشوكاني: استدل به من قال بجواز الاستقبال والاستدبار، ورأى أنه ناسخ، واعتقد الإباحة مطلقًا، وبه احتج من خص عدم الجواز بالصحارى كما تقدم، ومن خص المنع بالاستقبال دون الاستدبار بالصحارى والعمران، ومن جَوَّز الاستدبار في البنيان، وهي أربعة مذاهب من المذاهب الثمانية التي تقدمت، ولكنه لا يخفى أن الدليل باعتبار المذاهب الثلاثة الأول من هذه الأربعة أخص من الدعوى، إلى آخره.\nقلت: هذا الحديث (٢) لا يدل على جواز (٣) استدبار الكعبة فضلًا عن أن يستدل به على جواز استقبال الكعبة، فإن الاستدلال به موقوف على أن يكون وقع ذلك بعد النهي ولم يثبت تأخره، فلا يجوز أن يقال: إن هذا الحديث ناسخ للنهي، وغاية ما في الباب أنه لما لم يثبت التقدم والتأخر\n_________\n(١) فيه لغتان: تشديد الدال بضم الميم وفتح القاف بمعنى المطهر من الأصنام وغيرها، أو بتخفيفها بسكون القاف وفتح الميم مكان الطهارة، بسطه ابن رسلان، وقال: من إضافة الموصوف إلى الصفة. (ش).\n(٢) وبسط ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ٢٤) منع الاستقبال والاستدبار معًا، ووجّه بوجوه، وجمع بينهما ابن قتيبة في \"مختلف الحديث\" (ص ١٠٠) يحمل البنيان والصحراء. (ش).\n(٣) قلت: لكن يؤيده حديث ابن ماجه (رقم ٣٢٤): حَوِّلُوا مقعدتي نحو الكعبة، قال النووي في \"شرح مسلم\" (٢/ ١٥٧): إسناده حسن، وصححه ابن الهمام في \"الفتح\" (١/ ٣٦٦)، وبسط ابن القيم على \"حاشية أبي داود\" (١/ ٢٢) الكلام عليه. (ش).","vol":"1","page":204},{"text":"١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ\n===\nفي النهي ووقوع هذا الفعل لزم أن يقال: إنهما وقعا في وقت واحد فيتعارضان ثم يترجح المحرِّم.\nوالأولى في الجواب عنه ما قال الشوكاني (١): إن فعله - ﷺ - لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرر في الأصول، ويمكن أن يؤيد هذا بأن هذا الفعل الذي وقع عنه - ﷺ - في الخلوة، حيث أحبّ أن لا يطلع عليه أحدٌ من أمته لا يكون تشريعًا للفعل، بل يكون مخصوصًا بذاته الشريفة قطعًا، وأيضًا يمكن أن يكون - ﷺ - منهيًا عن استقبال عين الكعبة الشريفة واستدبارها، ويكون - ﷺ - منحرفًا عن عينها مستدبرًا جهتها، وكانت الأمة ممنوعة عن استقبال الجهة واستدبارها، ففهم ابن عمر - ﵁ - أنه مستقبل بيت المقدس ومستدبر الكعبة.\nوالحديث لا يطابق الترجمة، فإنه عقد الباب في جواز استقبال القبلة، والحديث لا يدل عليها، بل يدل على جواز استدبار الكعبة، إلَّا أن يقال: إنه لما كان حكم الاستقبال والاستدبار واحدًا فلما ثبت جواز الاستدبار فهم منه جواز الاستقبال أيضًا.\n١٣ - (حدثنا محمد بن بشّار) بن عثمان العبدي البصري، أبو بكر بندار، قال الذهبي: انعقد الإجماع بعد على الاحتجاج ببندار، كذا في \"الخلاصة\" (٢)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣): قال عبد الله بن محمد بن سيّار: سمعت عمرو بن علي يحلف أن بندارًا يكذب فيما يروي عن يحيى، وقال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي وسألته عن\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٩٩).\n(٢) (ص ٣٢٨).\n(٣) (٩/ ٧١).","vol":"1","page":205},{"text":"قَالَ: ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: نَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ\n===\nحديث رواه بندار عن ابن مهدي إلى آخره، فقال: هذا كذب وأنكره أشد الإنكار، وقال عبد الله بن الدورقي: كنا عند ابن معين وجرى ذكر بندار، فرأيت يحيى لا يعبأ به، ويستضعفه، قال: ورأيت القواريري لا يرضاه، قال: كان صاحب همام، قال الأزدي: بندار قد كتب عنه الناس وقبلوا، وليس قول يحيى والقواريري بما يجرحه، ما رأيت أحدًا ذكره إلَّا بخير وصدق، قال البخاري وغيره: مات في رجب سنة ٢٥٢ هـ.\n(قال: ثنا وهب بن جرير) بن حازم بن زيد الأزدي، أبو العباس البصري، الحافظ، ثقة. قال الحافظ في \"التهذيب\" (١): قال العجلي: بصري تابعي ثقة، كان عفان يتكلم فيه، وقال ابن حبان: كان يخطئ، وقال أحمد: ما روى وهب قط عن شعبة، وقال العقيلي: ها هنا قوم يحدثون عن شعبة ما رأيناهم عنده يَعْرَضُ بوهب، مات سنة ٢٠٦ هـ.\n(قال: نا أبي) وهو جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام من قِبل حفظه، اختلط في آخر عمره، لكن لم يحدث في اختلاطه (٢)، وثقه ابن معين إلَّا في قتادة، وقال البخاري: ربما يهم في الشيء، مات سنة ١٧٠ هـ.\n(قال: سمعت محمد بن إسحاق) بن يسار، أبو بكر أو أبو عبد الله، المطلبي المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، اختلف العلماء في جرحه وتعديله، حتى قال يحيى بن كثير وغيره: سمعنا شعبة يقول: ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال\n_________\n(١) (١١/ ١٦١).\n(٢) لما اختلط حجبه ابنه. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":206},{"text":"يُحَدِّثُ، عن أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عن مُجَاهِدٍ،\n===\nالدارقطني: لا يحتج به، وقال سليمان التيمي: كذاب، وقال وهيب: سمعت هشام بن عروة يقول: كذاب، قال عبد الرحمن بن مهدي: كان يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك يجرحان ابن إسحاق، وقال يحيى بن آدم: حدثنا ابن إدريس قال: كنت عند مالك فقيل له: إن ابن إسحاق يقول: اعرضوا علي علم مالك فإني بَيْطاره، فقال مالك: انظروا إلى دجالٍ من الدجاجلة، وقال وهيب: سألت مالكًا عن ابن إسحاق فاتهمه، ورُمي بالتشيع والقدر، مات سنة ١٥٠ هـ أو بعدها (١).\n(يحدث) أي محمد بن إسحاق (عن أبان بن صالح) بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم، وثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال ابن عبد البر في \"التمهيد\": حديث جابر ليس صحيحًا؛ لأن أبان بن صالح ضعيف، وقال ابن حزم في \"المحلي\" عقب هذا الحديث: أبان ليس بالمشهور، انتهى (٢). وهذه غفلة منهما وخطأ تواردا عليه، فلم يُضَعِّفْ أبانًا هذا أحدٌ قبلهما.\n(عن مجاهد) بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، أبو الحجّاج المخزومي مولاهم، المكي المقرئ، ثقة، إمام في التفسير وفي العلم، وأجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، مات سنة ١٠٤ هـ أو قبلها.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٧/ ٢٢١) رقم (٥٦٤٦)، وقد استوفى الإِمام اللكنوي - ﵀ - توثيق محمد بن إسحاق في كتابه \"إمام الكلام\"، انظر ص (٣٨٠ - ٣٩٠)، وأطال في توثيقه الإِمام البخاري في كتاب \"القراءة خلف الإِمام\" له ص (١٣ - ١٤)، وقال الشيخ ابن الهمام: \"وما نُقل عن مالك فيه لا يثبت، ولو صحّ لم يقبله أهل العلم\"، \"فتح القدير\" (١/ ١٥٩)، وأطال الكلام ابن القيم في توثيقه. انظرت: \"تهذيب مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٩٤ - ٩٧).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٩٤).","vol":"1","page":207},{"text":"عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: \"نَهَى نَبِيُّ اللَّه - ﷺ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْل، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا\". [ت ٩، جه ٣٢٥، حم ٣/ ٣٦٠، ق ١/ ١٩٢، ك ١/ ١٥٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>(٦) بَابٌ: كيْفَ التَكَشُّفُ عِنْدَ الْحَاجَةِ</span>؟\n===\n(عن جابر بن عبد الله قال) أي جابر: (نهى نبي الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)، استدل (١) بهذا الحديث من جوَّز استقبال القبلة والاستدبار قياسًا على الاستقبال بالبول.\nواختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه، فقال الشوكاني (٢): حسّنه الترمذي، ونقل عن البخاري تصحيحه، وحَسَّنه أيضًا البزار، وصححه أيضًا ابن السكن، وتوقف فيه النووي لعنعنة ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد وغيره، وضعفه ابن عبد البر بأبان بن صالح القرشي، قال الحافظ: ووهم في ذلك فإنه ثقة بالاتفاق، وادَّعى ابن حزم أنه مجهول فغلط، والجواب عن الاستدلال بهذا الحديث ما تقدم قبل، وأجاب الحافظ بأنها حكايته فعل لا عموم لها، فيحتمل أن يكون لعذر وأن يكون في بنيان، ومع هذا فقد ضَعَّفه ابنُ القيم في \"تهذيب السنن\" (٣) وأتى ببحث طويل.\n\n(٦) (بَاب: كَيْفَ (٤) التكَشُّفُ) أي: التجرد عن الثوب (عِندَ الْحَاجَةِ؟) أي عند قضاء الحاجة؟\n_________\n(١) قال ابن رسلان: الحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافًا لمن زعمه، بل هو محمول على بناءٍ أو عذر، وبهذين الاحتمالين يضعف الاحتجاج به. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٠٠).\n(٣) (١/ ٣١).\n(٤) وبوَّب عليه الترمذي (١/ ٢١)، \"الاستتار عند الحاجة\"، وأنت خبير بأن ترجمة المصنف أوجه. (ش).","vol":"1","page":208},{"text":"١٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب قَالَ: نَا وَكِيع، عن الأعمشِ، عن رَجُلٍ، عن ابنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثوْبَهُ\n===\n١٤ - (حدثنا زهير بن حرب) بن شدّاد أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، كان اسم جده أشتال فَعُرّبَ شدَّادًا، ثقة ثبت، مات سنة ٢٣٤ هـ وهو ابن أربع وسبعين.\n(قال: نا وكيع، عن الأعمش، عن رجل) لم يسم الرجل، قال في \"درجات مرقاة الصعود\": قال الضياء المقدسي: قد سَمَّاهُ بعضهم القاسم بن محمد. قال الخطابي (١): هو \"بسنن البيهقي\" [١/ ٩٦] كذلك بطريق أحمد بن محمد بن رجاء المِصِّيصي عن وكيع عن الأعمش عن القاسم ابن محمد عن ابن عمر - ﵁ -، انتهى.\nوكذلك قال الحافظ في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" في باب المبهمات: سليمان الأعمش عن رجل عن ابن عمر في قضاء الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، قيل: هو قاسم بن محمد، انتهى.\nفلا يتوهم (٢) أنه غياث بن إبراهيم أحد الضعفاء، وكيف يتوهم ذلك فإنه وقع في رواية الأعمش عن أنس، وهذا (٣) رواية الأعمش عن ابن عمر، فهذا بعيد جدًا ليس عليه دليل ولا قرينة.\n(عن ابن عمر) - ﵁ -: (أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد حاجة) أي قضاءها (لا يرفع ثوبه) أي إزاره\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: السيوطي، انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٩).\n(٢) كما قال صاحب \"الغاية\" تبعًا لابن القيم في \"تهذيب السنن\" (١/ ٢١). (ش).\n(٣) هكذا في الأصل، والصواب هذه.","vol":"1","page":209},{"text":"حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ\". [ت ١٤، ق ١/ ٩٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ السَّلَام بْنُ حَرْبٍ، عن الأعْمَش، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ ضعِيف (١) (٢).\n===\n(حتى يدنو) أي يقرب (٣) (من الأرض)، وهذا لأن النبي - ﷺ - نهى عن التعري في الخلوة أيضًا، وقال: \"فالله أحق أن يُستحيى منه من الناس\".\nوهذا يدل على أن جواز التعري في الخلوة للضرورة، فلا ينبغي أن يرفع ثوبه قبل الضرورة، قال في \"درجات مرقاة الصعود\": والظاهر أن ضمير \"يدنو\" إلى رسول الله - ﷺ -، وقال: والذي فيما بلغني أنه للثوب.\n(قال أبو داود: رواه عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أنس بن مالك، وهو ضعيف) الضمير يرجع إلى الحديث الذي رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس لا إلى عبد السلام بن حرب، قال في \"درجات مرقاة الصعود\": ولم يرد تضعيف عبد السلام؛ لأنه حافظ ثقة من رجال الصحيحين، بل تضعيف طريق من قال: عن أنس؛ لأن الأعمش لم يسمع عن أنس، فلهذا قال الترمذي: مرسلًا، انتهى.\nقلت: وعبد السلام بن حرب هذا ليس هو أخا زهير بن حرب المذكور في أول سند حديث الباب عن ابن عمر، فإنه عبد السلام بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال الرملي: حدثنا أحمد بن الوليد، ثنا عمرو بن عون، ثنا عبد السلام به\".\n(٢) وفي \"تحفة الأشراف (١/ ٤٣٥) رقم (٨٩٢): \"زاد ابن العبد: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا عبد السلام بن حرب، به\".\n(٣) قال ابن رسلان: هذا أدب مستحب بالاتفاق وليس بواجب، وهل يستحب في البنيان؟ وجهان. (ش).","vol":"1","page":210},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحرب بن سلمة النهدي أبو بكر الكوفي، أصله بصري، ثقة حافظ، وهو عند الكوفيين ثقة ثبت.\nوأما زهير بن حرب المتقدم فهو زهير بن حرب بن شدّاد أبو خيثمة النسائي من العاشرة، وهذه الرواية أخرجها الترمذي في \"سننه\" (١) وقال: هكذا روى محمد بن ربيعة عن الأعمش عن أنس هذا الحديث، وروى وكيع والحِمَّاني عن الأعمش قال: قال ابن عمر، الحديث، وكلا الحديثين مرسل، انتهى.\nوحاصل ما قال أبو داود أن ها هنا روايتين؛ رواية عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر، ورواية عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس، فضَعَّف أبو داود رواية أنس بن مالك، لأن هذه الرواية مرسلة، فإن الأعمش (٢) لم يلق أنس بن مالك ولا أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولم يحكم بضعف رواية ابن عمر، لأن الأعمش لا يرويها عن ابن عمر بلا واسطة، بل يرويها عن رجل عن ابن عمر، فالظاهر أن الرجل المبهم عنده ثقة، فلهذا لم يحكم بضعفها، ولو كان الرجل المبهم عنده مجهولًا، أو كان غياث بن إبراهيم أحد الكَذَّابين لحكم بضعفه، وأما الترمذي - رحمه الله تعالى- فإنه أخرج الروايتين كلتيهما عن أنس وابن عمر مرسلتين، فلهذا قال في آخره: وكلا الحديثين مرسل، فلم تصح عنده الروايتان، والله أعلم.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٢١).\n(٢) كما قاله الترمذي، وقال أبو نعيم الأصبهاني: إنه رأى أنس بن مالك وابن أبي أوفى، وسمع عنهما، قال المنذري (١/ ٢٢): والذي قال الترمذي هو المشهور. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>(٧) بَابُ كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الْخَلَاء </span>(١)\n١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، ثنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ،\n===\n\n(٧) (بَابُ كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الْخَلاءِ)\nأي عند قضاء الحاجة وغيرها في الخلاء\n١٥ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة)، هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري الجُشمي مولاهم، أبو سعيد البصري، هكذا ذكر كنيته الحافظ في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\"، وكذا ذكر كنيته البخاري في \"التاريخ الصغير\"، وذكر في \"الخلاصة\" (٢): أبو شعيب البصري، ولعله غلط من الناسخ، ثقة ثبت، مات سنة ٢٣٥ هـ.\n(ثنا ابن مهدي) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، وقيل: الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت، الحافظ الإِمام العَلَم، حتى قال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا، مات سنة ١٩٨ هـ، وهو ابن ثلاث وستين سنة.\n(ثنا عكرمة بن عمار)، أبو عمار اليماني العجلي، أصله من البصرة، يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثقه الدارقطني، وكذا وثقه يعقوب بن شيبة والعجلي وابن معين، وقال: ثقة ثبت، وقال علي بن المديني: كان عكرمة عند أصحابنا ثقة ثبتًا، مات سنة ١٥٩ هـ بالبصرة.\n_________\n(١) في نسخة \"باب كراهية الكلام عند الحاجة\".\n(٢) (ص ٢٥٢).","vol":"1","page":212},{"text":"عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن هِلَالِ بْنِ عِيَاض قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ\n===\n(عن يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر- كتب في \"التقريب\" (١) و\"تهذيب التهذيب\" (٢) بنون وصاد مهملة لم ينقط عليها، وأما في الخلاصة (٣) فبضاد منقوط عليها، ولعل النقطة غلط من الكاتب - اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، قال في \"الميزان\" (٤): قال يحيى القطان: مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح، وكذا في \"تهذيب التهذيب\"، قال أبو حاتم: لم يدرك أحدًا من الصحابة إلَّا أنسًا رآه رؤية، مات سنة ١٣٢ هـ، وقيل قبلها.\n(عن هلال بن عياض)، وهو مرجوح، والراجح عياض بن هلال (٥)، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن أبي زهير الأنصاري، قال الذهلي وأبو حاتم: هلال بن عياض أشبه، وقال ابن حبان في \"الثقات\": ومن زعم أنه هلال بن عياض فقد وهم، وقال الحافظ في \"التقريب\": مجهول، من الثالثة، تفرد يحيى بن أبي كثير بالرواية عنه.\n(قال: حدثني أبو سعيد)، هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الخدري الأنصاري، له ولأبيه صحبة، استصغر يوم أحد ثم شهد ما بعدها (٦)، وروى الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين.\n_________\n(١) (١٠٦٥).\n(٢) (١١/ ٢٦٨).\n(٣) (ص ٤٢٧).\n(٤) (٤/ ٤٠٣).\n(٥) ذكره البخاري في تاريخه بالوجهين. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) أول مشاهده الخندق. (ش) [انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٦٥) و\"الإصابة\" (٢/ ٣٥)].","vol":"1","page":213},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يَخْرُج الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتهمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ الله ﷿ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ\". [جه ٣٤٢، حم ٣/ ٣٦، ق ١/ ١٠٠، ك ١/ ١٧٥، خزيمة ٧١]\n===\n(قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يخرُج الرجلان (١) يضربان الغائط) (٢)، قال في \"مجمع البحار\" (٣): ذهب يضرب الغائط والخلاء والأرض إذا ذهب لقضاء الحاجة، فالمعنى: يقضيان الحاجة، (كاشفين (٤) عن عورتهما) حال من ضمير يضربان، (يتحدثان) أي وهما يتحدثان (٥) (فإن الله ﷿ يمقت) المقت أشد البغض، يعني أن الله ﷿ يغضب (علي ذلك) (٦) أي على كشف العورة عند آخر، والتحدث في تلك الحالة.\nقال في \"مجمع البحار\" (٧): استدلوا به على كراهة الكلام عند التغوط، ولا يدل المقت على الحرمة لحديث: \"أبغض الحلال الطلاق\" (٨)، ويجوز التكلم لضرورة، كإنقاذ الحرقى والغرقى وقتل حية.\nوقال \"الشوكاني\" (٩): الحديث معلول يدل على وجوب ستر العورة\n_________\n(١) ذكر الرجلين خرج مخرج الغالب وإلَّا فالمرأتان، والمرأة والرجل أقبح من ذلك. (ش).\n(٢) يقال: ضرب الغائط إذا قضى حاجته وضرب في الأرض إذا سافر. (ش). [انظر: \"شرح سنن أبي داود\" للعيني (١/ ٦٧)].\n(٣) (٣/ ٣٩٤).\n(٤) قال النووي: كذا ضبطناه في كتب الحديث بالنصب على الحال. (ش).\n(٥) مع الكشف. (ش).\n(٦) قال ابن رسلان: لأن الملكين ينعزلان عنه عند الخلاء، فإذا تكلم أحوجهما إلى أن يعودا فيلعنانه، ويستثنى منه إذا رأى الضرير مثلًا يسقط في البئر. (ش).\n(٧) (٤/ ٦١٦).\n(٨) أخرجه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨).\n(٩) \"نيل الأوطار\" (١/ ٩١).","vol":"1","page":214},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوترك الكلام، فإن التعليل بمقت الله ﷿ يدل على حرمة الفعل المعلَّل ووجوب اجتنابه، وقيل: إن الكلام في تلك الحالة مكروه فقط، والقرينة الصارفة إلى معنى الكراهة الإجماع على أن الكلام غير محرم في هذه الحالة، ذكره الإِمام المهدي في \"الغيث\"، فإن صح الإجماع صلح للصرف عند القائل بحجيته، ولكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة، انتهى ملخصًا.\nقلت: لا يبعد حمل النهي على الكراهة، لأن رسول الله - ﷺ - جعل الفعلين علة للمقت، فلا يلزم أن يكون كل واحد منهما علة مستقلة، بل يجوز أن يكون المجموع من حيث المجموع علة، أو أن يكون أحد الفعلين أو كل واحد منهما علة، وقد اتفقت الأمة على أن التعري وكشف العورة حرام، وسبب لمقت الله ﷿ (١)، فضم إليه رسول الله - ﷺ - التحدث لزيادة الشناعة والقبح، فعلى هذا لا يدل ربطه بالعلة على حرمة التحدث.\nوأيضًا أخرج مسلم والنسائي (٢) عن عائشة - ﵂ - قالت: \"كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد، فيبادرني وأبادره حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي\"، هذا لفظ النسائي.\nوأما لفظ مسلم: \"قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي\"، وهذه الرواية تدل على التحدث والكلام في حالة الغسل وهي حالة الكشف غالبًا، وهذه الرواية وإن كانت لا تدل صريحًا على التكشف ولا على التستر، ولكن\n_________\n(١) وجاء في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٩٤): مقته ﷿ على الزوجين ينظر أحدهما إلى عورة صاحبه، سنده ضعيف. (ش).\n(٢) صحيح مسلم (٣٢١)، و\"سنن النسائي\" (٢٣٩).","vol":"1","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالقرينة الظاهرة تدل على أن في هذه الحالة لم يكن بينهما حجاب ولا عليهما ثياب، فإنه ورد أن رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل هو وعائشة - ﵂ - يكون عندهما قليل من الماء، فلو كان عليهما ثياب لا يكفيهما ذلك الماء القليل.\nأخرج النسائي (١) وغيره عن عائشة - ﵂ - قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد وهو قدر الفَرَقِ، والفرق مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًا، وقد كانا هو - ﷺ - وعائشة - ﵂ - ذَوَي جمَّة من الشعر، ويبالغ في غسل الأيدي حتى إنه ليغسل بالتراب ويبالغ في الاستنجاء، فالذي يقتضيه الظاهر أنه لا يكون في هذه الحالة عليهما ثياب، لأنه لو كان عليهما ثياب لا يكفيهما ذلك الماء القليل، وينشف أكثره الثوب، ولو سلم نظرًا إلى كمال حيائه - ﷺ - كونهما متسترين في هذه الحالة، فاحتمال التجرد عن الثوب لبيان الجواز غير مدفوع.\nويؤيده رواية أم هانئ - ﵂ -، أخرجها البخاري وغيره (٢): ذهبت إلى رسول الله - ﷺ - يوم الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب، فسلَّمت، فقال: \"من هذه\"؟ فقلت: أم هانئ، الحديث. وهذا الحديث إن لم يكن فيه التصريح بعدم وجود الثوب عليه - ﷺ -، ولكن الاحتمال غير مدفوع، واتفقت الأمة على جواز النظر إلى جميع بدن الزوجة والأمة للزوج والسيد وعكسه، فلو سلم أنه - ﷺ - داوم على التستر من أزواجه وما ملكت يمينه يكون النظر من أحدهما إلى الآخر حرامًا.\nوأيضًا يؤيده ما رواه الشيخان (٣) من قصة موسى ﵇، قال:\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٢٣١)، و\"صحيح مسلم\" (٣١٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٨٠)، و\"صحيح مسلم\" (٣٣٦).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٣٧٨)، و\"صحيح مسلم\" (٣٣٩).","vol":"1","page":216},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يُسْنِدْهُ إِلا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ (١).\n===\n\"فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففَرَّ الحَجَرُ بثوبه، قال: فجمح موسى ﵇ بأثره يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر\"، الحديث، فتكلم حال كونه عاريًا، ولم يعاتبه الله تعالى على ذلك، فإن التعري كان للضرورة، ولم يكن بد منه، وأما التكلم فلم يكن مضطرًا إليه، فإن قيل: شرع من قبلنا ليس شرعنا، قلنا: قال الشوكاني (٢): والذي يظهر وجه الدلالة أن النبي - ﷺ - قص القصتين ولم يتعقب شيئًا منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا، فلو كان فيهما شيء غير موافق لبيَّنه، انتهى. فهذا يدل على أن هذا موافق لشرعنا.\nفالحاصل أن حكم التكلم عند التعري لا يزيد على الكراهة، ولا يدخل في حد الحرمة، ولا دليل يدل على حرمته.\n(قال أبو داود: لم يسنده إلَّا عكرمة بن عمار) يشير إلى أن هذا الحديث من طريق عكرمة بن عمار ضعيف لتفرد عكرمة في كونه مسندًا، ولأن بعض الحفاظ ضعَّف حديث عكرمة هذا عن يحيى بن أبي كثير. قال في \"درجات مرقاة الصعود\": وقد أخرجه البيهقي (٣) بطريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن النبي - ﷺ - مرسلًا. قال أبو حاتم: وهذا هو الصحيح، وما لعكرمة غلط، انتهى. قال الشوكاني (٤): ولا وجه للتضعيف بهذا، فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد بحديثه البخاري عن يحيى أيضًا.\n_________\n(١) قلت: قال المزي في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٤٨١) رقم (٤٣٩٧): \"كلام أبي داود على هذا الحديث في رواية أبي عمرو أحمد بن علي البصري وأبي سعيد ابن الأعرابي، عن أبي داود ولم يذكره أبو القاسم\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣١٨).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٠٠).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (١/ ٩١).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>(٨) بَاب: في الرَّجُلِ يَرُدُّ السَّلَامَ وَهُوَ يَبُولُ</span>؟\n١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ\n===\n\n(٨) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَرُدُّ السَّلَامَ وَهُوَ يَبُولُ؟) (١)\nبتقدير حرف الاستفهام، وفي نسخة: \"أيرد السلام\"\nبذكر حرف الاستفهام، وفي نسخة: \"لا يرد السلام\"\n١٦ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة)، أما عثمان فهو ابن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن الكوفي، ثقة حافظ، روى عنه البخاري ومسلم، أنكر عليه أحمد أحاديث، وكان يصحف في القرآن، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال الدارقطني في \"كتاب التصحيف\": حدثنا أبو القاسم بن كأس، ثنا إبراهيم الخصاف، قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير، فلما جهزهم بجهازهم جعل السفينة في رحل أخيه، فقيل له: إنما هو جعل السقاية في رحل أخيه، قال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم، قال الدارقطني: وقيل: إنه قرأ عليهم في التفسير \"واتبعوا ما تتلو الشياطين\" بكسر الباء، قال: وحدثنا أحمد بن كامل، ثني الحسن بن حباب المقرئ أن عثمان بن أبي شيبة قرأ عليه في التفسير ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ قالها \"أل م تر كيف فعل\"، يعني كأول البقرة، وقيل: لا يحفظ القرآن، مات سنة ٢٣٩ هـ.\nوأما أبو بكر بن أبي شيبة فهو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم ابن عثمان العبسي الواسطي الكوفي، ثقة حافظ، صاحب \"المصنف\"، روى عنه البخاري ومسلم، مات سنة ٢٣٥ هـ، قال أبو حاتم: كان عثمان أكبر من أبي بكر.\n_________\n(١) قال ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ١٣٢): فيه خمس مسائل. (ش).\n(٢) (٧/ ١٥١).","vol":"1","page":218},{"text":"قَالَا: ثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْد، عن سُفْيَانَ، عن الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عن نَافِعٍ،\n===\n(قالا) أي عثمان وأبو بكر: (ثنا عمر بن سعد) (١) بن عبيد، أبو داود الحفري بفتح المهملة والفاء، نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقة عابد، مات سنة ٢٠٣ هـ.\n(عن سفيان) (٢) بن سعيد بن مسروق الثوري من ثور بن عبد مناة، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وكان ربما دَلَّس، قال ابن معين: مرسلاته شبه الريح، وكذا قال أبو داود، توفي سنة ١٦١ هـ ومولده سنة ٧٧ هـ.\n(عن الضحاك (٣) بن عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي بكسر أوله وبالزاي، أبو عثمان المدني القرشي، صدوق يهم، وثقه ابن معين وأبو داود وابن سعيد، وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو صدوق، وقال ابن عبد البر: كثير الخطإ ليس بحجة، لَيَّنَه يحيى القطان، مات بالمدينة سنة ١٥٣ هـ.\n(عن نافع) (٤) أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، كان يقول: لقد مَنَّ الله تعالى علينا بنافع، ثقة ثبت فقيه مشهور، لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، مات سنة ١٢٠ هـ.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٣٥٢/ ٤٨٣٠).\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٢١٧/ ٢٣٩١).\n(٣) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٤٧٥/ ٢٩٠٨).\n(٤) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٧/ ٣١٣/ ٦٩٦٨).","vol":"1","page":219},{"text":"عن ابنِ عُمَرَ قَالَ: \"مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ\". [م ٣٧٠، ت ٩٠، ن ٣٧، جه ٣٥٣، ق ١/ ٩٩، خزيمة ٧٣]\n===\n(عن ابن عمر) أي عبد الله (قال: مرَّ رجل على النبي - ﷺ - وهو يبول (١)، فسلم عليه فلم يرد عليه) يعني لم يرد السلام عليه ولم يجبه، وقد كان جواب السلام ورده واجبًا، فعُلِم من ذلك أن في هذه الحالة لا ينبغي أن يسلم عليه، ولو سلم لا يستحق الجواب، وقد صرح علماء الحنفية وغيرهم بكراهة السلام في مثل هذه الحالة، قال في \"الدر المختار\" (٢) نظمًا:\nسَلَامُكَ مَكْرُوْهٌ على مَنْ سَتَسْمَعُ ... ومِن بعدِ ما أَبْدَى يُسَنُ ويُشْرَعُ\nمُصَلّ وتالٍ ذَاكِر وَمُحَدِّثٌ ... خَطيب وَمَنْ يُصْغي إليهم وَيسْمَعُ\nمُكَرِّرُ فِقْه جَالس لقَضَائِهِ ... وَمَنْ بَحَثُوا في الفِقْه دَعْهُمْ لِيَنْفَعُوا\nمُؤذن أيضًا أَوْ مُقِيمٌ مُدَرس ... كَذَا الأجْنَبِيَّاتُ الفَتِيَّاتُ أَمْنَعُ\nوَلُعَّابُ شَطْرَنْج وَشِبْهٍ بِخُلْقِهِمْ ... وَمَنْ هُو مع أهل لَهُ يَتَمَتَّعُ\nوَدَعْ كَافرًا أيضًا وَمَكْشُوفَ عَوْرَة ... وَمَنْ هُو في حالِ التَّغَوُّطِ أَشْنَعُ\nووجه كراهة السلام نهيه - ﷺ - عن السلام في هذه الحالة كما في ابن ماجه (٣) عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا مَرَّ على النبي - ﷺ - وهو يبول فسلَّم عليه، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"إذا رأيتني على مثل هذه الحالة\n_________\n(١) اختلفت الروايات في أن السلام كان حال البول أو بعده، بسطه صاحب \"الغاية\"، وسيأتي في \"البذل\" أيضًا. كتب في \"التقرير\": أن رد السلام في حالة الاستنجاء بالحجر جائز، وفي \"العرف الشذي\" (ص ٧٢) عن مولانا محمد مظهر السهارنفوري: لا يجوز. (ش).\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٣٧٣).\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" (٣٥٢).","vol":"1","page":220},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ. [م ٣٧٠]\n===\nفلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك\"، ووجه كراهة الجواب في مثل هذه الأحوال ما قد مرَّ من أن الكلام عند كشف العورة مكروه، فكيف بذكر الله تعالى فإنه يكون أشد كراهة، فإن قيل: يخالفه ما ورد \"أنه - ﷺ - يذكر الله تعالى على كل أحيانه\"، قلنا: المراد من الأحيان حالة الطهارة والحدث لا حالة كشف العورة والخلاء، والله تعالى أعلم.\n(قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره) هاتان تعليقتان وصلهما المؤلف في باب التيمم في الحضر، والمراد من الغير أبو الجهيم وابن عباس ﵄ (أن النبي - ﷺ - تيمم (١) ثم رد (٢) على الرجل السلام).\nلعل غرض المصنف بذكر هذا التعليق أنه - ﷺ - لم يرد على المسلم الجواب، لأنه لم يكن على طهر، فلما حصل له الطهر بالتيمم رد ﵇، فيمكن أنه - ﷺ - اختار الأفضل، فإنه وإن كان رد السلام وذكر الله تعالى بعد الفراغ من البول جائزًا، لكن الذكر على الطهر أفضل، وأما قبل أن يفرغ من البول فكان رد السلام في تلك الحالة مكروهًا، وما ورد، أنه - ﷺ - كان إذا خرج من الخلاء قال: \"غفرانك\" أو قال: \"الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني\"، محمول على بيان الجواز، أو يقال: إن هذه الأذكار مختصة بذلك الوقت.\n_________\n(١) استدل به البخاري على جواز التيمم في الحضر لمن خاف فوات الوقت، وحجة لأحد القولين عن مالك في التيمم للجنازة \"ابن رسلان\"، وسيأتي ما قال العيني في \"باب التيمم في الحضر\" (٣/ ٤٤). (ش).\n(٢) كتب في \"التقرير\": أن هذا تفضل منه ﵊، وإلَّا فلا يجب الرد على من سلم عند التخلي وأخواته، وقال ابن رسلان: لا يستحق الجواب. (ش).","vol":"1","page":221},{"text":"١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، ثَنَا سَعِيد، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ،\n===\n١٧ - (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي، بفتح العين والنون، أبو موسى البصري، المعروف بالزمن، مشهور بكنيته واسمه، ثقة ثبت حافظ، كان هو وبندار فرسَي رهان، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): قال صالح بن محمد: صدوق اللهجة، وكان في عقله شيء، وقال النسائي: لا بأس به، كان يغير في كتابه، قال: وقد سئل عمرو بن علي عنهما، فقال: ثقتان، يقبل منهما كل شيء إلَّا ما تكلم به أحدهما في الآخر، ولد سنة ١٦٧ هـ، ومات سنة ٢٥٢ هـ.\n(ثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى البصري السامي من بني سامة بن لؤي، أبو محمد، ويلقب أبا همام، وثقه كثيرون، وقال: محمد بن سعد: لم يكن بالقوي، وقال أحمد: كان يرى القدر، وقال ابن حبان: كان متقنًا في الحديث، قدريًا غير داعية إليه، سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه، وقال بندار: والله ما كان يدري أي رجليه أطول، مات سنة ١٨٩ هـ (٢).\n(ثنا سعيد) بن أبي عروبة، بفتح العين، واسمه مهران العدوي، مولى بني عدي بن يشكر، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، ورمي بالقدر، مات سنة ١٥٦ هـ.\n(عن قتادة) بن دعامة، (عن الحسن) بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، بالتحتانية والمهملة، أبو سعيد الأنصاري مولاهم، وأمه خيرة مولاة أم سلمة ﵂، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا، ويدلس، مات سنة ١١٠ هـ، وقد قارب التسعين.\n_________\n(١) (٩/ ٤٢٦).\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٣٣٦/ ٣٦٧٥).","vol":"1","page":222},{"text":"عن حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ، عن الْمُهَاجِرِ بْنِ قنْفُذ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ\n===\n(عن حضين) بمهملة ثم معجمة مصغرًا (ابن المنذر) بن حارث الرقاشي، بتخفيف القاف وبالمعجمة (أبي ساسان) البصري بمهملتين، وهو لقبه (١)، وأبو محمد كنيته، كان صاحب راية علي يوم صفين، ولا يعرف حضين غيره، مات على رأس المئة (٢).\n(عن المهاجر بن قنفذ) (٣) بضم القاف والفاء، ابن عُمَيْر بن جُدْعان، بضم الجيم وسكون المعجمة، التيميّ القرشي، أسلم يوم فتح مكة، استعمله عثمان على شرطته، سكن البصرة، ومات بها (أنه أتى النبي - ﷺ - وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ (٤)، ثم اعتذر إليه) (٥)، وهكذا في رواية النسائي \"وهو يبول\"، وفي رواية ابن ماجه \"وهو يتوضأ\"، وهكذا في رواية أحمد بن حنبل في \"مسنده\"، وفي رواية لأحمد \"أن النبي - ﷺ - كان يبول أو قد بال\".\nقال الشيخ عبد الغني في \"إنجاح الحاجة\": قوله: \"وهو يتوضأ\": يحتمل أن يكون المراد من التوضؤ البول بطريق الاستعارة، لأن الاستعارة\n_________\n(١) وبسط صاحب \"الغاية\" نظائره من أنهم قد يلقبون بصورة الكنية. (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٢١٩/ ١٣٦٦).\n(٣) قيل: إنه لقب واسمه عامر، بسطه صاحب \"الغاية\" (ص ٣٩). (ش).\n(٤) بمعناه اللغوي على ما حمل عليه الأساتذة وبهم التأسي، ويحتمل التعدد، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٥) بسط ابن رسلان في الاعتذار. (ش). [قلت: قال العيني في \"شرح أبي داود\" (١/ ٧٤): فيه استعطاف منه - ﵇ - لخاطر الرجل، وتطييب لقلبه، حيث أخَّر جواب سلامه حتى لا يخطر بباله أنه - ﵇ - قد تغير عليه، وهذا من آدابه وأخلاقه\"].","vol":"1","page":223},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبين السبب والمسبب وغيرهما من المناسبات، والمناسبة ها هنا ظاهرة، وعلى هذا فمناسبة الحديث بالترجمة صريحة، وأما إذا كان المراد من الوضوء الاستنجاء العرفي فتكون المناسبة بالاستنباط، وهو أنه إذا سلم على الرجل وهو غير متوضٍ وَسِعَه تأخير رد السلام، ففي حالة البول أولى، انتهى.\nفإن قلت: قد ثبت عنه - ﷺ - من حديث عائشة -﵂ -: أنه كان إذا خرج من الخلاء يقول: \"غفرانك\". أخرجه أبو داود (١) وصححه الحاكم وأبو حاتم وابن خزيمة وابن حبان، وعن أنس: كان يقول إذا خرج من الخلاء: \"الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني\"، أخرجه ابن ماجه (٢)، فهذا يدل على أن الدعاء بعد أن يخرج من الخلاء مندوب، وحديث الباب يدل على كراهة ذكر الله ﷿ على غير طهارة.\nقلت: قد ثبت عنه - ﷺ - أنه يذكر الله تعالى في كل أحيانه محدثًا وطاهرًا، وأيضًا أن ذكر الله تعالى بالطهارة أفضل، والذكر على نوعين: إما مختص بوقت أو غير مختص به، فالذكر المختص بالوقت يستحب أن يؤتى به في ذلك الوقت، سواء كان طاهرًا أو محدثًا، فالأذكار التي وردت عقيب الخروج من الخلاء مستحب إتيانها بذلك الوقت، فالأفضل فيه أن يأتي بها عقيب الخروج من الخلاء، وهو وقت الحدث ضرورة.\nوأما السلام فإنه ذكر غير مختص بوقت، فإذا سلّم أحدٌ لا يجب ردُّه على الفور، بل يجوز أن يؤخر الجواب إلى أن لا يفوت، فإذا تطهير بالوضوء أو التيمم ثم أجاب يكون آتيًا بالجواب مع الأفضلية، ولكن إذا خاف الفوت\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" ح (٣٠).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" ح (٣٠١).","vol":"1","page":224},{"text":"فَقَالَ: \"إِنّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى ذكره إِلَّا عَلَى طُهْرٍ\"، أَوْ قَالَ: \"عَلَى طَهَارَةٍ\". [ن ٣٨، جه ٣٥٠، حم ٥/ ٨٠، ق ١/ ٩٠، ك ١/ ١٦٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>(٩) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَذْكُرُ الله تَعَالَى عَلَى غيرِ طُهْرٍ</span>\n١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدةَ،\n===\nيرده مُحْدثًا، فعلى هذا الأَفضل لهذا الذكر أن يكون على طهر، فوضح الفرق (١) بين الذكرين وحصل التوفيق، والحمد لله رب العالمين.\n(فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى ذكره إلَّا على طهر، أو قال) أي الراوي: (على طهارة) أو للشك في لفظ طهر أو طهارة، ولعل المراد بالكراهة خلاف الأولى والأفضل، قال الخطابي (٢): فيه دليل على أن السلام الذي يحيي به الناس بعضهم بعضًا، اسم من أسمائه تعالى كما جاء مرفوعًا.\n\n(٩) (بَابٌ: في الرّجُلِ يَذْكُرُ الله تَعَالَى عَلَى غيرِ طُهْرٍ)\nهل يجوز ذلك؟\n١٨ - (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني، أبو كريب الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، حافظ، أحد الأثبات المكثرين. مات سنة ٢٤٨ هـ.\n(ثنا ابن أبي زائدة) وهو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني، بسكون الميم، أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن حافظ، نسب إلى جده، لأن\n_________\n(١) أو يقال: إنه شؤون، ويقال لها في اصطلاح الصوفيه: البسط والقبض، فإن أحوال الصوفية كلها مستنبطة من أحواله - ﷺ -.\nهزار بار بشويم دهن زمشك وكَلاب ... هنوزنام تو كَفتن كمال بي أدبى ست. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٨).","vol":"1","page":225},{"text":"عن أَبِيهِ، عن خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ - يَعْنِي الْفَأْفَاءَ -، عن الْبَهِيِّ، عن عُرْوَةَ،\n===\nأبا زائدة جده، وإنما أبوه زكريا بن أبي زائدة، مات سنة ١٨٣ هـ وله ثلاث وستون سنة.\n(عن أبيه) وهو زكريا بن أبي زائدة، واسم أبي زائدة: خالد الهمداني الوادعي، بكسر الدال المهملة ثم عين مهملة، نسبة إلى وادعة بطن من همدان، مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة، وكان يُدَلِّس، وسماعه من أبي إسحاق بأخرة، مات سنة ١٤٨ هـ.\n(عن خالد بن سلمة) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي الكوفي أبو سلمة، ويقال: أبو المقسم المعروف بالفَأفَاء، أصله مدني، رُمي بالإرجاء والنصب، قُتِل بواسط سنة ١٣٢ هـ، لما زال (١) دولة بني أمية. قال محمد بن حميد عن جرير: كان الفأفاء رأسًا في المرجئة، وكانَ يُبْغض عليًّا (يعني الفَأْفَاءَ) (٢) لقبٌ يُعْرَفُ به.\n(عن البهي) بفتح الموحدة وكسر الهاء وتشديد التحتانية، مولى مصعب بن الزبير، أبو محمد، والبهي لقبه، واسمه عبد الله، وبقال: اسم أبيه يسار، هكذا كتب بالمثناة التحتانية والمهملة المخففة في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\"، وفي شرحَي أبي داود: \"غاية المقصود\" و\"عون المعبود\" كتب بالموحدة والشين المعجمة، ولعله غلط من الناسخ، صدوق يخطئ، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: قال ابن سعد: كان ثقة معروفًا بالحديث. وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" عن أبيه: لا يحتج بالبَهي، وهو مضطرب الحديث.\n(عن عروة) بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والصواب: زالت.\n(٢) من يُكثر تلفظ الفاء بغير حاجة، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"1","page":226},{"text":"عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَذْكُرُ الله ﷿ عَلَى كُلَ أَخيَانِهِ\". [م ٣٧٣، ت ٣٣٨١، جه ٣٠٢، حم ٦/ ٧٠]\n===\nالمدني، ثقة فقيه مشهور، مات سنة ٩٤ هـ، ومولده في أوائل (١) خلافة عمر ﵁ - وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما -، فهو ابن أخت عائشة - ﵂ -.\n(عن عائشة) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، تكنى أم عبد الله، وأمها أم رومان، ولدت بعد المبعث بأربع سنين أو خمس، وتزوّجها رسول الله - ﷺ - وهي بنت ست، وقيل: سبع، ودخل بها وهي بنت تسع، وقُبض رسول الله - ﷺ - وهي بنت ثماني عشرة سنة، ماتت سنة ٥٧ هـ ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وَدُفِنَتْ بالبقيع (٢).\n(قالت: كان رسول الله - ﷺ - يذكر الله (٣) ﷿ على كل أحيانه)، المراد من عموم الأحيان حالة التطهر والحدث، سواء كان الحدث أصغر أو أكبر، إلَّا أن الأكبر يحجزه عن قراءة القرآن، وأما الحدث الأصغر فلا يمنعه عن تلاوة القرآن وغيرها من الأذكار (٤)، وكذلك حالة كشف\n_________\n(١) كذا في \"التقريب\" (٢/ ١٩)، وقيل: في أوائل خلافة عثمان (ش) [اختلف في مولده، فقال الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (١/ ١٢) وغيره تبعًا لمصعب الزبيري: إن مولده أوائل خلافة عثمان، وكذا في النسخة المحققة لـ \"التقريب\"، ولكن رجح الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٨٤)، وجزم في \"التقريب\" (٢/ ١٩) بأن مولده أوائل خلافة عمر الفاروق، وكذا قال المزي في \"تهذيب الكمال\" (٥/ ١٥٦)، وهو الذي رجحه شيخنا في \"أوجز المسالك\" (١/ ٢٦٢)].\n(٢) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٣٤١) رقم (٧٠٩٤).\n(٣) قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (١/ ٧٦): قوله: \"يذكر الله\" عام يشمل جميع أنواع الذكر، ويستثنى منه قراءة القرآن في حين الجنابة والحيض؛ لأنه ثبت بدلائل أُخر عدم القراءة للجنب والحائض.\n(٤) وعلى هذا إجماع. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>(١٠) بَابُ الْخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكرُ الله تَعَالَى يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ</span>\n١٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عن أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عن هَمَّام،\n===\nالعورة كالجماع، وقضاء الحاجة من البول والغائط، فإنه أيضًا لا يذكر الله تعالى في تلك الأحوال، بل لا يتكلم فيها مطلقًا، إلَّا لبيان الجواز في حالة كشف العورة، فالذي ورد من الحديث في الباب المتقدم الدال على كراهة ذكر الله تعالى يحمل على خلاف الأولى، كما ذكرناه قبل، ويمكن أن يكون المراد من ذكر الله ﷿ الذكر القلبي، وهو المعبَّر بالحضور، فحينئذ يكون عموم الأحيان شاملًا لجميع أحيانه لا يُستثنى منه حين، لأنه - ﷺ - كان دائم الذكر، لا ينقطع ذكره القلبي في يقظة ولا نوم ولا في وقت ما.\n\n(١٠) (بَابُ الخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى)\nأي يكون فيه النقوش الدالة على ألفاظ مدلولها ذكر الله تعالى (يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ) بحذف حرف الاستفهام، يعني: أيدخل به الخلاء أم لا؟\n١٩ - (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي الجهضمي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٥٠ هـ.\n(عن أبي علي الحنفي) عبيد الله بن عبد المجيد البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثقه العجلي والدارقطني وابن قانع، وضعفه العقيلي، وعن ابن معين أنه قال: ليس بشيء، مات سنة ٢٠٩ هـ.\n(عن همام) بن يحيى بن دينار العوزي، بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة، مولاهم، أبو عبد الله وأبو بكر البصري، ثقة ربما وهم، قال الساجي: صدوق سيِّئ الحفظ، ما حدَّث عن كتابه فهو صالح، وما حدَّث عن حفظه فليس بشيء، مات سنة ١٦٤ هـ.","vol":"1","page":228},{"text":"عن ابْنِ جُرَيْج، عن الزهْرِيِّ، عن أَنَسٍ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ\". [ت ١٧٤٦، ن ٥٢١٣، جه ٣٠٣، حم ٢/ ٣١١، ق ١/ ٩٥، ك ١/ ١٨٧، حب ١٤١٣]\n===\n(عن ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، منسوب إلى جده، أبو الوليد أو أبو خالد المكي، ثقة فقيه فاضل، أحد الأعلام، وكان يُدَلّسُ ويُرْسِل، مات سنة ١٥٠ هـ، قال الحافظ: قال المخراقي عن مالك: كان ابن جريج حاطب ليل، وعن ابن معين: ليس بشيء في الزهري، وقال الدارقطني: تَجَنَّبْ تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس لا يُدَلِّسُ إلَّا فيما سمعه من مجروح.\n(عن الزهري، عن أنس) بن مالك (قال) أنس: (كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء) أي أراد دخول الخلاء (وضع (١) خاتمه).\nوفي رواية الترمذي والنسائي \"نزع\" بدل \"وضع\"، فمعنى وضع خاتمه يعني ينزع خاتمه من الأصبع، ثم يضعه خارج الخلاء، ولا يدخل الخلاء مع الخاتم، وهذا لتعظيم (٢) اسم الله ﷿.\nويدخل فيه كل ما كان فيه اسم الله تعالى من القرطاس والدراهم إذا كان فيه اسم الله تعالى، بل إذا كان منقوشًا فيه الحروف ينبغي لمن دخل الخلاء أن يضعه قبل دخول الخلاء، لأن الحروف مادة كلامه وأسمائه تعالى، فلها أيضًا شرف وعظمة، وكذلك عند الجماع والاستنجاء وغير ذلك من الحالات.\n_________\n(١) وكذا الحاكم (١/ ١٨٧)، وابن حبان (١٤١٣). \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) لما كان عليه \"محمد رسول الله\" واختلف في كيفيته، ومحل الكلام فيه \"كتاب الخاتم\" (ش).","vol":"1","page":229},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ\". وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ همامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا همَّامٌ.\n===\n(قال أبو داود (١): هذا حديث منكر) ولعل الحكم بنكارته لأمرين؛ الأَول: ترك الواسطة بين ابن جريج والزهري، والثاني: تبديل المتن بمتن آخر، (وإنما يعرف (٢) عن ابن جريج، عن زياد بن سعد) بن عبد الرحمن الخراساني، نزيل مكة ثم اليمن، ثقة ثبت، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهري، (عن الزهري، عن أنس: أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلَّا همام)، وخالفه الترمذي، وقال بعد تخريج هذه الرواية: هذا حديث حسن صحيح غريب (٣)، ولعل الحق مع الترمذي، لأن المنكر من الحديث ما كان فيه الراوي الضعيف بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك مخالفًا للقوي، فالراجح المعروف، ومقابله المنكر.\nقال الحافظ في \"شرح النخبة\" (٤): وإن وقعت المخالفة مع الضعف أي إن كان الراوي المخالف ضعيفًا بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله المنكر. وأيضًا قال الحافظ في موضع آخر من ذلك الكتاب: والثالث: المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة، يعني ما يكون الطعن فيه بسبب كثرة الغلط لا يكون منكرًا، إلَّا على رأي من لا يشترط في المنكر مخالفة الثقة الضعيف كما تقدم، وأما من يشترط فيه ذلك فلا.\n_________\n(١) وقال النسائي: غير محفوظ، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه. (ش).\n(٢) قال المنذري: والمعروف عن أنس طرح خاتم الذهب، ورد على أبي داود، ورد ابن القيم على المنذري. (ش) [انظر: \"تهذيب ابن القيم\" (١/ ٢٤)].\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٣٥٥)، ح (١٧٤٦).\n(٤) (ص ٤٠) طـ الهند.","vol":"1","page":230},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفقول أبي داود: \"وهذا حديث منكر\" لا يكاد يصح على المذهبين، لأن همامًا ثقة حافظ، روى له الشيخان واحتجَّا به فليس بضعيف، ولا ممن يطعن بفحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الجهالة، أو ظهور الفسق، فلا يكون حديثه منكرًا على المذهبين، نعم لو قال أبو داود: وهذا حديث مدلس لكان له وجه؛ لأن أصحاب ابن جريج رووا عن ابن جريج بزيادة واسطة بينه وبين الزهري وخالفهم همام فحذفه.\nوقوله: \"والوهم فيه من همام\" مراده بذلك أن أصحاب ابن جريج أخرجوا بهذا السند، أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه، فغَيَّرَ همام وقلب هذا المتن بمتن آخر، وهو \"كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه\"، فهذا هو الوهم الذي وقع في الحديث من همام.\nوهذه الدعوى أيضًا لا دليل عليها، بل يمكن أن يكون هذان حديثين مختلفين مرويين بهذا السند كما قال في \"درجات مرقاة الصعود\" (١): ولا مانع أن يكون هذا متنًا آخر في ذلك المتن، وقد مال إليه ابن حبان فصحَّحهما معًا، فلا علة له عندي إلَّا تدليس ابن جريج، فإن وجد عنه تصريحه بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في تنقيده، انتهى.\nوأما قول الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\"، فلعل حكمه بالصحة يكون مبنيًا على أن يكون المتنان عند الترمذي بسندين مختلفين، ويكون المتن الأول عنده بدون واسطة زياد بن سعد، ولم يكن بين ابن جريج والزهري في رواية ذلك المتن واسطة، ويكون المتن الثاني مرويًا بزيادة زياد بن سعد بين ابن جريج والزهري، فيكون الحديثان عند الترمذي\n_________\n(١) (ص ١٠).","vol":"1","page":231},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nصحيحين بسندين، ويمكن أن يكون حكمه بالصحة مبنيًا على أن لهذا الحديث شاهدًا.\nقال الشارح في \"درجات مرقاة الصعود\": أخرج البيهقي (١) من طريق يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس: \"أن رسول الله - ﷺ - لبس خاتمًا نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه\"، وابن المتوكل هذا ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": صدوق يخطئ، وقال ابن معين: لا أعرفه.\nفلما تعاضدت رواية همام برواية يحيى بن المتوكل - ولعله عند الترمذي ثقة - حكم بصحته، نعم يشكل على هذا حكم الترمذي بأنه غريب، اللهُمَّ إلَّا أن يقال: إن حكم الصحة لغيره، والغرابة مبنية على الاختلاف في يحيى بن المتوكل، فعلى رأي من وثقه حكم بالصحة، وأما على رأي من ضعفه كابن المديني والنسائي وابن معين فحكم بالغرابة، لأن وجوده كما لعدم.\nوأما رواية ابن جريج عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس \"أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه\"، فأنكرها المحدثون وقالوا: هذا وهم من الزهري، إذ الذي ثبت من طرحه - ﷺ - خاتمه فإنما هو خاتم ذهب لا خاتم فضة، وكان خاتم فضة عنده - ﷺ - إلى آخر عمره الشريف، ثم عند أبي بكر كذلك، ثم عند عمر كذلك، ثم عند عثمان حتى سقط في زمانه في \"بئر أريس\"، فهذا الوهم ليس من همام بل من الزهري، ولعل همامًا أراد أن يصحح الرواية التي أنكرها المحدثون يحمل الإلقاء على إلقائه ووضعه عند قضاء الحاجة، لا على الإلقاء تحريمًا له، حتى يلزم الخلاف،\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٥).","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>(١١) بَابُ الاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ</span>\n٢٠ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وهَنَّاد\n===\nهذا ما حكاه مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه وشيخنا مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي رحمة الله عليه.\n\n(١١) (بَابُ (١) الاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ)\nوالاستبراء (٢): استنقاء الذَّكَر عن البول، قال في \"المجمع\" (٣): وكذلك الاستبراء الذي يذكر مع الاستنجاء في الطهارة، وهو أن يستفرغ بقية البول وينقي موضعه ومجراه، حتى يبرئهما منه، فاستبراء الذكر طلب براءة من بقية بول فيه بتحريكه ونثره وما أشبه ذلك (٤)، حتى يعلم أنه لم يبق فيه شيء منه.\n٢٠ - (حدثنا زهير بن حرب وهناد) بفتح الهاء وتشديد النون، ابن السري بفتح مهملة وكسر راء خفيفة وشدة تحتانية، ابن مصعب\n_________\n(١) بوّب الترمذي \"باب التشديد في البول\".\n(٢) قال ابن عابدين: الاستبراء: طلب البراءة بشيء من المشي أو التنحنح أو النوم، حتى يستيقن بزوال الأثر، وأما الاستنقاء: فهو طلب النقاوة بأن يدلك المقعد بالأحجار أو بالأصبع عند الاستنجاء بالماء، والاستنجاء: استعمال الأحجار أو الماء، هذا هو الأصح في تفسير هذه الثلاثة. (ش).\n(٣) (١/ ١٦٥).\n(٤) كالمشي، فهذا الباب وما سيأتي من باب الاستنجاء بالأحجار حجة على منكري التقليد إذ قالوا: إن أخذ الحجارة بدعة، لم يثبت، ولم يعلم الجهلة أنه إتيانٌ بالمأمور إذ الاستنزاه من البول واجب، فما يخرج من البول ويتقاطر منه يجب الاستبراء منه لهذه الروايات، وأجاد الكلام فيه صاحب \"مظاهر حق\"، والآثار المؤيدة لنا في \"المصنف\" لابن أبي شيبة (١/ ١٨٧)، والتلخيص الحبير\" (١/ ١٦١). (ش).","vol":"1","page":233},{"text":"قَالَا: ثَنَا وَكِيع، ثَنَا الْأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عن طَاوُس، عنِ ابنِ عَبَّاس قَالَ: \"مَرَّ النَّبِيّ - ﷺ - علَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: \"إِنَّهُمَا يُعَذبَانِ، وَمَا يُعَذبَانِ في كبِير:\n===\nالتميمي، أبو السري الكوفي، ثقة، ولد سنة ١٥٢ هـ، ومات سنة ٢٤٣ هـ (١).\n(قالا) أي زهير وهناد: (ثنا وكيع، ثنا الأعمش قال: سمعت مجاهدًا يحدث (٢) عن طاوس) بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحِمْيريّ مولاهم، الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقب، ثقة فقيه فاضل، مات سنة ١٠٦ هـ (٣).\n(عن ابن عباس) أي عبد الله (قال: مر النبي - ﷺ - على قبرين) (٤) اختلف هل هما كافران أو مسلمان؟ كذا في \"درجات مرقاة الصعود\" (٥) (فقال: إنهما (٦) يعذبان (٧) وما يعذبان في كبير)، المراد بالكبير ها هنا فعل يشق تركه وإن كان كبيرًا عند الله تعالى، فعلى هذا يحصل التوافق (٨) بين الروايات.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٣٤/ ١٩٩٥).\n(٢) هكذا أخرج البخاري، وأخرج أيضًا برواية منصور عن مجاهد عن ابن عباس بدون الواسطة، قال الحافظ (١/ ٣١٧): ظاهره صحة الطريقين، ورجح الترمذي طريق الأعمش. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٤٩٥/ ٢٩٤٥).\n(٤) زاد ابن ماجه: \"جديدين\"، قال الحافظ في: \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٠) لا يعرف اسمهما ولا أحدهما، والظاهر أنه على عمد من الرواة سترًا عليهما، وما حكاه القرطبي في \"التذكرة\" وضعّفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ غلط جدًا، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٥) (ص ١٠)، سيأتي مفصلًا في الشرح. (ش).\n(٦) الضمير إلى المقبورين كما يدل عليه لفظ قبرين، أو إلى القبرين، والمراد مَن فيهما. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٧) قال ابن العربي (١/ ٩٠): فيه حجة لأهل السنَّة أن عذاب القبر حق، ثم بسطه. (ش).\n(٨) قال ابن رسلان: زاد البخاري في الأدب (ح ٦٠٥٥): \"بلى إنه لكبير\"، فاستدرك، =","vol":"1","page":234},{"text":"أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ\"، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْب فَشَقَّهُ باثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا\n===\n(أما هذا) أي ذاك الرجل، وأشار إلى أحد القبرين (فكان لا يستنزه من البول) (١)، أي: لا يستبرئ ولا يجتنب من ملاقاة البول أو لا يطهره، وهذا الفعل وإن كان بظاهره غير كبير لكنه يؤدي إلى أمور كبيرة، لأنه يتسبب (٢) بطلان الصلاة.\n(وأما هذا) أي ذاك الرجل الآخر، وأشار إلى القبر الثاني (فكان يمشي بالنميمة) وهي: نقل الحديث على جهة الفساد (٣) والشر، نَمَّ الحديث ينمّه فهو نَمَّام، وهو من أقبح القبائح، والإصرار المفهوم من لفظ \"كان\" يشعر بأنها كبيرة. (ثم دعا (٤) بعسيب رطب) أي جريدة (فشقه باثنين، ثم غرس) (٥) أي غرز (على هذا) أي القبر (واحدًا، وعلى هذا) أي القبر (٦) الآخر\n_________\n= ولفظ ابن حبان: \"يعذبان عذابًا شديدًا في ذنب هَيِّن\"، وقيل: \"ليس بكبير\" في مشقة الاحتراز كما جزم به البغوي، ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل: ليس بكبير بمجرده بل صار كبيرًا بالمواظبة، وقال ابن العربي (١/ ٩٠): الفرق بين الكبير والصغير غامض. (ش).\n(١) قال ابن رسلان: لا حجة في عمومه لنجاسة الأبوال كلها، لأن المراد به بول الإنسان، انتهى مختصرًا، وقال أيضًا: فيه حجة لمن قال: القليل من البول وسائر النجاسات كالكثير، وهو قول مالك، ولم يخففوا في شيء منه. (ش).\n(٢) وإليه مال القاري (\"مرقاة المفاتيح\" ١/ ٣٥١)، فإن مآله إلى عدم التحفظ عن البول المؤدي إلى بطلان الصلاة غالبًا. (ش).\n(٣) أما نقل ما فيه مصلحة أو إزالة مفسدة فهو مطلوب. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وفي حديث أحمد والطبراني أن الذي أتى به أبو بكرة - ﵁ -. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) لفظ البخاري \"وضع\"، وهو أعم. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) وروى ابن حبان من حديث أبي هريرة أنه ﵊ مر بقبر فوقف عليه، فقال: ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ويحتمل أن تكون هذه قضية أخرى \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":235},{"text":"وَاحِدًا، وَقَالَ: \"لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا\"\n===\n(واحدًا، وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لعله (١) يخفف عنهما ما لم ييبسا) (٢).\nقال الحافظ في \"فتح الباري\": قال المازري: يحتمل أن يكون (٣) أوحي إليه أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة، انتهى. فعلى هذا \"لعل\" ها هنا للتعليل، وقال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبًا، فيحصل التخفيف ببركة التسبيح (٤)، وعلى هذا فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة كالذكر وتلاوة القرآن من باب الأولى، وقد استنكر الخطابي ومن تبعه وضع الناس الجريد ونحوه في القبر عملًا بهذا الحديث، قال الطرطوشي: لأن ذلك خاص ببركة يده، وقال القاضي عياض: لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مغيَّب وهو قوله: \"ليعذبان\".\nقلت: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عُذب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن لا ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسّى بريدة بن الحصيب الصحابي بذلك، فأوصى أن توضع على قبره جريدتان، كما سيأتي في\n_________\n(١) الضمير للشأن \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) بسط ابن رسلان في ضبطه واختلاف الروايات فيه. (ش).\n(٣) ولفظ مسلم في الحديث الطويل: \"وأجيبت شفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما لم ييبسا\". (ش). [انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٢٠٥)].\n(٤) قال ابن عابدين (٢/ ٢٤٥): صرح به جمع من الشافعية، وهذا أولى بما حكاه بعض المالكية من أن التخفيف حصل ببركة يده الشريفة. (ش).","vol":"1","page":236},{"text":"قَالَ هَنَّادٌ: \"يَسْتَتِرُ\" مكان \"يَسْتَنْزِهُ\". [خ ٢١٨، م ٢٩٢، ت ٧٠، ن ٣١، جه ٣٤٧، حم ٥/ ٢٦٦]\n===\nالجنائز من هذا الكتاب، وهو أولى أن يتبع من غيره (١)، انتهى.\nوأما الاختلاف الذي وقع في أنهما كانا كافرين أو مسلمين، فرجَّح الاحتمال الثاني الحافظ العسقلاني - ﵀ -، وقال: أما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمَيْن، ففي رواية ابن ماجه: \"مر بقبرين جديدين\"، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد: \"أنه - ﷺ - مر بالبقيع (٢) فقال: من دفنتم اليوم ها هنا\"، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين، ويقوي كونهما مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح: \"يعذبان وما يعذبان في كبير\"، و\"بلى وما يعذبان إلَّا في الغيبة والبول\"، فهذا الحصر ينفيِ كونهما كافرين، لأن الكافر وإن عُذبَ على ترك أحكام الإِسلام، فإنه يُعَذبُ مع ذلك على الكفر بلا خلاف، قال: وجزم ابن العطار في \"شرح العمدة\" بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يقال: إنهما كانا كافرين، لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما لتخفيف العذاب ولا ترجَّاه لهما، ولو كان ذلك من خصائصه لبيَّنه، يعني كما في قصة أبي طالب، انتهى.\n(قال هناد (٣): \"يستتر\" (٤) مكان \"يستنزه\")، الغرض منه بيان اختلاف الألفاظ لزهير وهناد، فإن زهيرًا قال: \"لا يستنزه\"، بالنون والزاء بعدها\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٠).\n(٢) وفي رواية للبخاري: \"مر بحائط من حيطان مكة أو المدينة\"، وفي \"الأفراد\"\nللدارقطني: \"أن الحائط كان لأم مبشر الأنصارية\"، \"ابن رسلان\". (ش). انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٠).\n(٣) اعلم أن تنصيص المؤلف على ذكر لفظ أحد الراويين تصريح منه بأن اللفظ المذكور من قبل الراوي الثاني الذي لم يصرح بلفظه، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) قال ابن العربي (\"عارضة الأحوذي\" ١/ ٩١): يروى هذا اللفظ بثلاثة أوجه: \"يستتر\"، و\"يستنزه\"، و\"يستبرئ\"، ثم بسط معانيه. (ش).","vol":"1","page":237},{"text":"٢١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، ثنَا جَرِير، عن مَنْصُورٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَبِيَّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ\n===\nهاء، وقال هناد: \"لا يستتر\" بالمثناتين الفوقيتين، فمعنى ما روى هناد من لفظ \"يستتر\" يحتمل أن يكون معناه (١): لا يستتر عن أعين الناس، والأولى أن يقال: معنى لا يستتر، أي: لا يجعل بينه وبين البول سترًا، حتى لا يصيبه البول، فحينئذ يوافق هذا معنى ما روى زهير.\n٢١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير) بن عبد الحميد بن قُرط، بضم القاف وسكون الراء بعدها مهملة، الضبي الكوفي، نزيل ري وقاضيها، ثقة، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه، مات سنة ١٨٨ هـ.\n(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب، بمثناة ثقيلة ثم موحدة، الكوفي، ثقة ثبت، أحد الأعلام المشاهير، قال أبو حاتم: متقن لا يخلط ولا يدلس، مات سنة ١٣٢ هـ.\n(عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - بمعناه)، والغرض من نقل هذا السند بيان الاختلاف في رواية مجاهد، فإن الأعمش أدخل في روايته بين مجاهد وابن عباس طاوسًا، ولم يذكر منصور بين مجاهد وبين ابن عباس أحدًا، وكذلك البخاري أخرج الروايتين.\nقال الحافظ (٢): روى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاوسًا، كما أخرجه المؤلف بعد قليل، وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه عن طاوس\n_________\n(١) لكن يشكل على هذا ربطه بقوله: \"من بوله\"، فالصحيح المعنى الثاني، واختاره ابن رسلان. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣١٧).","vol":"1","page":238},{"text":"قَالَ: \"كَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ\"، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: \"يَسْتَنْزِهُ\".\n[انظر الحديث السابق]\n===\nعن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقتين معًا، انتهى.\nقلت: وعلى هذا يدل صنيع أبي داود وتخريجه إياهما بأن الطريقين عنده صحيحان، ولكن قال أبو عيسى الترمذي في \"سننه\" (١): ورواية الأعمش أصح، واستدل عليه بقوله: سمعت أبا بكر محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعًا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور، وهذا يدل على أن رواية الأعمش أرجح عنده من رواية منصور عن مجاهد، ولعل الحق مع المصنف والبخاري والجمهور، والله أعلم.\nثم بعد ذلك ذكر الاختلاف الواقع في قوله: يستتر ويستنزه عن منصور والأعمش، كما ذكر ذلك الاختلاف في روايتي زهير وهناد.\n(قال) أي جرير: (كان لا يستتر من بوله، وقال أبو معاوية: يستنزه).\nظاهر صنيع أبي داود يقتضي أن يكون رواية أبي معاوية وهو محمد بن خازم عن منصور، ولكن ليس الأمر هكذا، بل رواية أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، كما يدل عليه رواية \"صحيح البخاري\" وغيره من كتب الصحاح، فعلى هذا كان الأنسب للمصنف أن يذكره في رواية وكيع عن الأعمش، ويمكن أن يعتذر عنه أنه ذكره ها هنا ليقابل رواية جرير عن منصور، وكونه برواية الأعمش كان غير خافٍ عند المحدثين، ولكن وقع في البخاري برواية أبي معاوية لفظ: \"فكان لا يستتر\"، مخالفًا لقول أبي داود ومسلم.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ١١٣)، \"باب التشديد في البول\".","vol":"1","page":239},{"text":"٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا الأعْمَشُ، عن زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: \"انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ\n===\n٢٢ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (ثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم، أبو بشر، وقيل: أبو عبيدة، ثقة، وفي حديثه عن الأعمش وحده مقال، مات سنة ١٧٩ هـ (١)، (ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب) الجهني، أبو سليمان الكوفي، أسلم في حياة النبي - ﷺ -، ورحل إليه مهاجرًا، فقبض وهو في الطريق فلم يدركه، قال الحافظ في \"التهذيب\": قال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، وقال الحافظ في \"التقريب\": لم يصب من قال: في حديثه خلل، مات سنة ٩٠ هـ، أو بعدها.\n(عن عبد الرحمن (٢) بن حسنة)، وحسنة أمه، فهو عبد الرحمن بن عبد الله بن مطاع بن عبد الله الغطريف، صحابي، أخو شرحبيل بن حسنة، وأنكر العسكري تبعًا لابن أبي خيثمة أن يكون عبد الرحمن أخا شرحبيل.\n(قال) أي عبد الرحمن: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص) (٣) بن وائل السهمي الصحابي المشهور، أسلم سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: بين الحديبية وخيبر، ولي إمرة مصر مرتين، فالمرة الأولى في زمن عمر بن\n_________\n(١) وفي \"الغاية\" سنة ١٧٦ هـ، (ش) [قلت: كذا في التقريب (ص ٣٦٧)، وانظر: \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٤١٧٣)].\n(٢) قال السيوطي في \"زهر الربى\" (١/ ٢٧): ليس له إلَّا هذا الحديث الواحد، وقال ابن رسلان. لم يرو عنه غير زيد. (ش). [انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ١٠٩) رقم (٣٢٨٩)].\n(٣) اختلفوا في أنه بالياء أو بحذفها، قال القاري (١/ ١٨٨): الأصح عدم ثبوت الياء إما تخفيفًا أو بناءً على أنه أجوف، ورجح في \"التعليق الممجد\" (١/ ٢٦٦) وجود الياء، وكذا في \"الزرقاني\". (ش) [انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٣٨٤) رقم (٣٩٧١)].","vol":"1","page":240},{"text":"إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَخَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ثُمَّ اسْتَتَرَ بِهَا ثُمَّ بَالَ، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ،\n===\nالخطاب - ﵁ -، والثانية لمعاوية من صفر سنة ٣٨ هـ، إلى أن مات سنة ٤٣ هـ، وهو ابن تسعين سنة.\n(إلي النبي - ﷺ -) وفي رواية لأحمد: \"قال: كنت أنا وعمرو بن العاص جالسًا\". (فخرج)، وفي رواية لأحمد: \"فخرج علينا\"، وكذلك في رواية النسائي وابن ماجه، والظاهر من هذا السياق أنهما كانا أسلما قبل ذلك، (ومعه درقة) (١) الدرقة الحجفة، وأراد بها الترس من جلد ليس فيها خشب ولا عصب، (ثم استتر بها) أي وضعها وجعلها ساترًا بينه وبين الناس (ثم بال) أي مستقبلًا إليها، وفي رواية لأحمد: \"فوضعها ثم جلس فبال إليه\"، وفي أخرى له: \"فاستتر بها فبال جالسًا\".\n(فقلنا) وفي رواية لأحمد: \"فقال بعض القوم\"، وكذا في رواية النسائي، وفي رواية ابن ماجه: \"فقال بعضهم\"، فعلى هذه الروايات القائل لهذا الكلام الآتي بعض القوم لا هذان، وأما ما ورد في بعض الروايات لفظ \"فقلنا\" كما في حديث الباب، فنسبه إلى أنفسهم مجازًا.\n(انظروا إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (يبول كما تبول المرأة) (٢) وفي رواية لأحمد: \"أيبول رسول الله - ﷺ - كما تبول المرأة\"، يعني يبول جالسًا - وكانت عادة العرب أنهم كانوا يبولون قائمين - أو يبول متسترًا، أو يكون وجه الشبه كلا الأمرين معًا، فإن كان هذا القول صدر منهما وهما كانا مسلمين صحابيين فلا يكون على وجه الطعن والتنقيص، بل على وجه التعجب على خلاف العادة المعروفة، ولكن كان في صورة الطعن والاعتراض.\n_________\n(١) بفتحتين، ولفظ النسائي: في يده كهيئة الدرقة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) ولفظ ابن ماجه (٣٠٩): وكان من شأن العرب البول قائمًا. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":241},{"text":"فَسَمِعَ ذَلِكَ فَقَالَ: \"أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا لَقِيَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ،\n===\nقال العيني في \"شرحه (١) على البخاري\": وهذا القول وقع منهما من غير قصد، أو وقع بطريق التعجب أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل، فلذلك قال ﵊: \"ألم تعلموا\" ... إلخ، ولم يقولا هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف، لأن الصحابة براء من هذا، انتهى.\nوإن كان صدر منهما وهما لم يسلما إلى ذلك الوقت أو من غيرهما من بعض القوم من الكفار، فيكون صدوره على وجه الطعن والاعتراض.\n(فسمع) أي رسول الله - ﷺ - (ذلك) أي قولهم (فقال: ألم تعلموا) وفي رواية لأحمد: فجاءنا فقال: \"أو ما علمتم\"، وفي رواية له: \"ويحك أما علمت\"، وكذلك في رواية ابن ماجه، (ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ (٢) وفي رواية لأحمد، وكذا في رواية النسائي وابن ماجه: \"ما أصاب صاحب بني إسرائيل\" (كانوا) أي بنو إسرائيل (إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم) وفي رواية لأحمد: \"كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض\"، وهكذا في النسائي، وفي أخرى له: \"كان الرجل منهم إذا أصابه شيء من البول\".\nوالظاهر (٣) أن المراد من الذي يصيبه البول هو الثوب وغيره، لا الجلد، ويكون معنى الحديث الذي وقع في أبي داود: \"وكانوا إذا أصابهم\"، أي أصاب ثوبهم، بحذف المضاف، يعني: ما كان يجوز لهم أن يطهِّروا أثوابهم بالماء، وكان التطهير في شرعهم بقطع المتنجس، وأما قطع\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٢٧).\n(٢) هو يعقوب، وخمسة من الأنبياء لهم اسمان. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وإليه يظهر ميل الحافظ. (ش) [انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٠)].","vol":"1","page":242},{"text":"فَنَهَاهُمْ، فَعُذّبَ في قَبْرِهِ\". [ن ٣٠، جه ٣٠٩ - ٣٤٦، حم ٤/ ١٩٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَنْصُورٌ: عن أَبِي وَائِلٍ، عن أَبِي مُوسَى، في هذا الْحَدِيثِ قَالَ: \"جِلْدَ أَحَدِهِمْ\"،\n===\nالجلد من النجاسة، فقال الشارح: لو صح حمله على ظاهره ليؤدي إلى قطع كل أجسادهم، إذ هذا أمر عادي متكرر الوقوع، ولا أراه تعالى يكلف عباده بمثله، وهو أرحم الراحمين، فتكليف القتل أسهل شيء كلفوه.\n(فنهاهم) أي صاحب بني إسرائيل، (فعُذّب في قبره) ومحصل جوابه - ﷺ - أن ما فعلته من البول جالسًا لأَجل التنزه من البول، أو التستر بالدَّرَقة أمر شرعيّ، كما كان قطع المتنجس بالبول في بني إسرائيل أمرًا شرعيًا، فكما عُذّب الناهي عن الأمر الشرعي الذي هو القطع، كذلك الطاعن فينا على الأمر الشرعي ناه عنه، فيستحق العذاب.\nوالعجب من العيني، فإنه قال في \"شرحه على البخاري\" (١): وأراد بصاحب بني إسرائيل موسى ﵊، فإن قلت: كيف يترتب قوله: \"فعذب\" على قوله: \"فنهاهم\"؟ قلت: فيه حذف، تقديره: فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا فعذب الله تعالى، انتهى.\n(قال أبو داود: قال منصور: عن أبي وائل)، هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك النبي - ﷺ -، وقيل: مخضرم، مولده سنة إحدى من الهجرة، ثقة، لا يسأل عن مثله، مات بعد الجماجم سنة ٨٢ هـ، وقيل: في خلافة عمر بن عبد العزيز، (عن أبي موسى، في هذا الحديث) أي حديث عبد الرحمن بن حسنة في قصة صاحب بني إسرائيل (قال) أي أبو موسى: (جلد أحدهم) وهكذا في \"صحيح مسلم\" برواية جرير عن منصور عن أبي\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٢٧).","vol":"1","page":243},{"text":"وَقَالَ عَاصِمٌ: عن أَبِي وَائِلٍ، عن أَبِي مُوسَى، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"جَسَدَ أَحَدِهِمْ\".\n===\nوائل \"جلد أحدهم\"، وفي البخاري برواية شعبة عن منصور عن أبي وائل \"ثوب أحدهم\".\n(وقال عاصم) بن بهدلة، وبهدلة اسم أبيه بقول أحمد وطائفة، واسم أمه بقول كالفلاس (١)، وهو ابن أبي النجود، بنون وجيم، الأسدي الكوفي، أحد السبعة القراء، ثبت حجة في القراءة. قال يحيى القطان: ما وجدت رجلًا اسمه عاصم إلَّا وجدته رديء الحفظ، وقال النسائي: ليس بحافظ، وقال أبو بكر البزار: ولم يكن بالحافظ، ولا نعلم أحدًا ترك حديثه على ذلك.\n(عن أبي وائل، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: جسد أحدهم) غرض المصنف من هذا الكلام بيان الاختلاف في سند الحديث والمتن، فرواية عبد الرحمن بن حسنة مرفوعة، وقوله: \"ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابهم البول منهم\"، الحديث من قول رسول الله - ﷺ -، وأيضًا فيها: \"قطعوا ما أصابه\"، ولم يذكر فيه الثوب ولا الجلد ولا الجسد، ورواية منصور عن أبي وائل عن أبي موسى موقوفة عليه غير مرفوعة، وفيها لفظ \"جلد أحدهم\" في رواية أبي داود ومسلم (٢)، وفي رواية البخاري \"ثوب أحدهم\"، ورواية عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى رفعه إلى النبي - ﷺ - بلفظ: \"جسد أحدهم\"، وتتبعت\n_________\n(١) ذكر المزي في \"تهذيبه\" (١٣/ ٤٧٤): قال عمرو بن علي - هو أبو حفص الفلاس -: عاصم بن بهدَلة، هو عاصم بن أبي النجود، واسم أمه بهدَلة. وانظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٥٧).\n(٢) \"صحيح مسلم\" ح (٢٧٣).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>(١٢) بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًا</span>\n٢٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ\n===\nرواية عاصم فلم أجدها في كتب الحديث، وذَكَرَ هاتين الروايتين تعليقًا، ولم يذكر السند.\nوأخرج البخاري بسنده موصولًا عن منصور عن أبي وائل قال: \"كان أبو موسى الأشعري يُشَدِّد في البول ويقول: إن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه\"، قال الحافظ في \"شرحه على البخاري\" (١): وقع في مسلم \"جلد أحدهم\" (٢)، قال القرطبي: مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود ففيها: \"كان إذا أصاب جسد أحدهم\"، لكن رواية البخاري صريحة في الثياب، فلعل بعضهم رواه بالمعنى، انتهى.\n\n(١٢) (بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًا)\nأي: هل يجوز أم لا؟\n٢٣ - (حدثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سَخْبَرة الأزدي النمري، بفتح النون والميم، أبو عمرو الحوضي البصري وهو بها أشهر، ثقة ثبت، عِيْبَ بأخذ الأجرة على الحديث، مات سنة ٢٢٥ هـ (٣)، (ومسلم ابن إبراهيم) الأزدي الفَراهيدي، أبو عمرو البصري، ثقة مأمون مكثر، عمي بأخرة، وهو أكبر شيخ لأبي داود، مات سنة ٢٢٢ هـ بالبصرة (٤).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٠).\n(٢) وكذا وقع لفظ \"الجلد\" في رواية عائشة في عذاب القبر عند النسائي. (ش).\n(٣) \"تقريب التهذيب\" (١٤١٢).\n(٤) \"تقريب التهذيب\" (٦٦١٥).","vol":"1","page":245},{"text":"قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ. (ح): وثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ - وهَذَا لَفْظ حَفْص -، عن سُلَيْمَانَ، عن أَبِي وَائِل، عن حُذَيْفَةَ قَالَ: \"أَتَى رَسُول اللَّه - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ\n===\n(قالا: ثنا شعبة، (ح (١): وثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) الوضّاح، بتشديد المعجمة ثم المهملة، ابن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، كان من سبي جرجان، مولى يزيد بن عطاء، رأى الحسن وابن سيرين، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت فيما حدَّث من كتابه، وقال: إذا حدَّث من حفظه ربما غلط، وقال ابن المديني: كان أبو عوانة في قتادة ضعيفًا، لأنه كان قد ذهب كتابه، وقال أبو طالب: إذا حدَّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث عن غير كتابه ربما وهم، وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدَّث من كتابه، وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا، وهو صدوق، ثقة، مات سنة ١٧٥ هـ (٢).\n(وهذا) أي المذكور في الكتاب (لفظ حفص) دون مسلم ومسدد (عن سليمان) الأعمش، ويجتمع عليه السَّنَدَان، (عن أبي وائل، عن حذيفة) (٣) بن اليمان، واسم اليمان حُصيب مصغرًا، ويقال: حصن بكسر ثم سكون مهملة، العبسي بالموحدة، حليف الأنصار. صحابي جليل من السابقين، وأبوه صحابي أيضًا، استشهد بأحد، ومات حذيفة في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين.\n(قال: أتى رسول الله - ﷺ - سُباطة قوم) بضم المهملة بعدها موحدة،\n_________\n(١) فيه ستة أقوال. بسطت في مقدمة \"الأوجز\" (١/ ٢١٥). (ش).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٧٤٠٧).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٤٦٨)، و\"الإصابة\" (١/ ٣١٧).","vol":"1","page":246},{"text":"فَبَالَ قَائمًا،\n===\nهي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، كذا قال الحافظ في \"الفتح\" (١)، وقال بعضهم: هي في الأصل قمامة البيت، ثم استعمل بمطرحها وملقاها مجازًا، ثم توسع واستعمل في الفناء، قاله القاري (٢).\nقال الحافظ: وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك، لأنها كانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيف إليهم لقربها منهم، ولهذا بال - ﷺ - عليها، وبهذا يندفع إشكال من قال: إن البول يوهن الجدار وفيه ضرر، فكيف هذا من النبي - ﷺ -.\n(فبال قائمًا) اختلف العلماء في البول قائمًا، فأباحه سعيد بن المسيب وعروة وأحمد وآخرون، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به وإلَّا فمكروه، وقال عامة العلماء: البول قائمًا مكروه إلَّا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، وهو مذهبنا الحنفية.\nوأما الجواب عن التعارض الذي وقع في الروايات الواردة في هذه المسألة، فما روي عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: \"من حدثكم أن رسول الله - ﷺ - بال قائمًا فلا تصدقوه ... إلخ\" (٣).\nفالجواب عنه: أنه مستند إلى علمها، أو يكون ما بال قائمًا يعني في منزله، ولا اطلاع لها على ما في الخارج، ويمكن أن يكون مرادها أنه - ﷺ - ما كان معتادًا بالبول قائمًا، بل كانت عادته الشريفة البول قاعدًا، وليس فيه نفي ما صدر منه لعذرٍ، وأما الأحاديث الأُخر التي وردت في هذا الباب من\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٨).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٦٣).\n(٣) الحديث أخرجه أحمد (١/ ١٣٦)، والترمذي (١٢)، والنسائي (١/ ٢٦)، وابن ماجه (٣٠٧) بنحوه.","vol":"1","page":247},{"text":"ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ\". [خ ٢٢٤، م ٢٧٣، ت ١٣، ن ١٨ - ٢٦ - ٢٧ - ٢٨، جه ٣٠٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: \"فَذَهَبْتُ أَتَبَاعَدُ،\n===\nحديث بريدة ومن حديث عمر، فلا تخالف المذهب، ولا هذا الحديث الذي رواه أبو داود وغيره، فلا حاجة إلى الجواب عنها.\nثم إن العلماء تكلموا في سبب بوله - ﷺ - قائمًا، فقال الشافعي - ﵀ -: إن العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، فنرى أنه كان به إذ ذاك، وقال القاضي عياض: إنما فعله لشغله بأمور المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى حصره البول، ولم يمكن التباعد كعادته، وقال بعضهم: إنه - ﷺ - فعل ذلك (١) بيانًا للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعدًا، وقيل غير ذلك من الأعذار.\n(ثم دعا بماء) فجئته كما في البخاري (فمسح على خفيه)، ويذكر بحث المسح على الخفين في موضعه إن شاء الله تعالى.\n(قال أبو داود: قال مسدد)، غرض المصنف من هذا أن شيخه مسددًا له زيادة على حديث حفص بن عمر، فإن المصنف قد صرح قبلُ أن الذي أخرجه هو لفظ حفص، ثم ذكر زيادة مسدد بعد قوله: \"سباطة قوم\" (قال؟ فذهبت أتباعد) لأجل أنه ظن أن عادة رسول الله - ﷺ - في قضاء\n_________\n(١) قال ابن حبان: لم يجد مكانًا للقعود، وقيل: لأن في القيام يؤمَن من خروج الريح بصوت، ففعله لكونه قريبًا من الديار، وأخرج الحاكم وغيره عن أبي هريرة أنه بال قائمًا لجُرح في مأبضه، ولو صح الحديث لكان فيه غنى عن الكل، لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي، والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز \"ابن رسلان\"، قال أبو عوانة وابن شاهين: إن البول قائمًا منسوخ، وبسطه صاحب \"الغاية\". (ش).\n[قلت: قد بسطه العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (١/ ٩٣)].","vol":"1","page":248},{"text":"فَدَعَاني حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>(١٣) بَاب: في الرَّجُلِ يَبُولُ بِاللَّيْلِ في الإِنَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُ عِنْدَهُ</span>\n٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا حَجَّاجٌ،\n===\nالحاجة التباعد عن الناس (فدعاني) لأجل حصول التستر، ولأجل بيان جواز قضاء حاجة البول عند الناس (حتى كنت عند عَقِبه) العَقِب بفتح العين المهملة وكسر القاف، قال في \"القاموس\": وككتف: مؤخر القدم.\n\n(١٣) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَبولُ بِاللَّيْلِ في الإنَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُ عِنْدَهُ)\nعقد هذا الباب إشارة إلى أنه يجوز ذلك، وإن ورد فيه رواية تدل على المنع.\n٢٤ - (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح، أبو جعفر ابن الطباع البغدادي، نزيل أذنة، قال السمعاني في \"الأنساب\" (١): وأذنة - بفتح الألف والذال المعجمة وفي آخرها النون - وهي من مشاهير البلدان بساحل الشام عند طرسوس، والنسبة أذني، ثقة، فقيه (٢)، قال البخاري: مات سنة ٢٢٤ هـ.\n(ثنا حجاج) بن محمد المِصِّيْصي، بكسر ميم وشدة صاد مهملة أولى، الأعور، أبو محمد، ترمذي الأصل، نزل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، ومات بها سنة ٢٠٦ هـ (٣).\n_________\n(١) (١/ ١٠٣).\n(٢) قيل: كان يحفظ نحو أربعين ألف حديث. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) كذا في \"التهذيب\" (٢/ ٢٠٥) وغيره من كتب الرجال، وفي \"الغاية\" تبعًا \"للخلاصة\"، (ص ٧٣): سنة ١٨٦ هـ. (ش).","vol":"1","page":249},{"text":"عن ابْنِ جُرَيجٍ، عن حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ ابْنَة (١) رُقَيْقَةَ، عن أُمِّهَا أَنَّهَا قَالَتْ: \"كَان لِلنَّبِيِّ - ﷺ - قَدَحٌ مِنْ عَيدَانٍ\n===\n(عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز، (عن حكيمة) مصغرًا (بنت أميمة) مصغرًا (ابنة رُقيقة) مصغرًا، لا تعرف، ولكن قال الحافظ في \"التهذيب\": ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أمها) وهي أميمة (٢) بنت رقيقة وبنت عبد الله بن بجاد التيمي، صحابية، وهي غير أميمة بنت رقيقة الثقفية تلك تابعية، ورقيقة أم أميمة صحابية، أخت خديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها - (أنها) أي أميمة (قالت: كان للنبي - ﷺ - قدح من عَيدان) بفتح مهملة فتحتية: النخلة الطوال المتجردة من السعف من أعلاه إلى أسفله، جمع عيدانة، كذا في \"المجمع\" (٣)، وفي \"القاموس\" في لفظ عود: والعيدان بالفتح: الطوال من النخل، واحدتها بهاء، ومنها كان قدح يبول فيه النبي - ﷺ -، وفي آخر الباب: العَيْدانة أطول ما يكون من النخل يائية واوية، جمعه عيدان، انتهى.\nوقال السندي في \"شرحه (٤) على النسائي\": اختلف في ضبطه، أهو بالكسر والسكون جمع عود، أو بالفتح والسكون جمع عيدانة بالفتح، وهي النخلة الطويلة المتجردة من السعف من أعلاه إلى أسفله، وقيل: الكسر أشهر رواية\" ورُدَّ بأنه خطأ معنى، لأنه جمع عود، وإذا اجتمعت الأعواد لا يتأتى منه قدح لحفظ الماء بخلاف من فتح العين، فإن المراد حينئذ قدح من خشب، هذه صفته ينقر ليحفظ ما يجعل فيه.\nقلت: والجمعية غير ظاهرة على الوجهين، وإن حمل على الجنس يصح\n_________\n(١) في نسخة: \"بنت\".\n(٢) والحاصل أنهما اثنتان اختلفوا في توحيدهما وتثنيتهما، بسطه الحافظ في \"الإصابة\" (٨/ ١٧)، وصاحب \"أسد الغابة\" (٥/ ٢٢١)، أشد البسط. (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٧٠٢).\n(٤) (١/ ٢٩).","vol":"1","page":250},{"text":"تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ\". [ن ٣٢]\n===\nالوجهان، إلَّا أن يقال: حمل عيدان بالفتح على الجنس أقرب، لأنه مما فرق بينه وبين واحده بالتاء، ومثله يجيء للجنس، بل قالوا: إن أصله الجنس يستعمل في الجمع أيضًا، فلا إشكال فيه بخلاف العيدان بالكسر، جمع عود.\nوأجاب بعضهم على تقدير الكسر بأنه جمع اعتبارًا للأجزاء، فارتفع الإشكال على الوجهين، ثم قيل: لا يعارضه (١) ما جاء \"أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول\"، إما لأن المراد أن ذلك إذا طال مكثه، وما يجعل في الإناء لا يطول مكثه غالبًا، أو لأن المراد هناك كثرة النجاسة في البيت، بخلاف ما في القدح، فإنه لا يحصل به النجاسة لمكان آخر، انتهى.\n(تحت سريره) أي موضوع تحته، وفيه أن النوم على السرير لا ينافي (٢) الزهد (يبول فيه بالليل) (٣) رفقًا بنفسه أن يتعبها في القيام لذلك، وتعليمًا لأمته، ولبيان الجواز، قال في \"درجات مرقاة الصعود\": قال ولي الدين: يعارضه ما رواه الطبراني في \"أوسطه\" بسند جيد عن عبد الله بن يزيد عنه - ﷺ - قال:\n_________\n(١) قال صاحب \"الغاية\": لا يخالف أيضًا حديث: \"أكرموا عمتكم النخلة\"، فإن الحديث بطرقه ضعيف، [انظر: \"كشف الخفاء\" (١/ ١٧٢)]، وإن صح فإكرامها سقيها وتلقيحها، فإذا انفصل واتُخذ قدحًا زال اسم النخلة، وأيضًا بوله - ﷺ - تشريف لها وإكرام. (ش).\n(٢) وأيضًا فيه دليل على أن السرير لو يفرش على النجس تصح الصلاة \"ابن رسلان\". قلت: لكن فضلاته - ﷺ - طاهرة فكيف الاستدلال؟ والجواب: أنه ﵊ كان يعامل مع نفسه في هذه الأمور كمعاملة آحاد الأمة لأجل التعليم. (ش).\n(٣) زاد في بعض الروايات بعد ذلك: \"فبال فيه ليلة، ووضع تحت سريره، ثم افتقده، ولم يجد فيه شيئًا، فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدمه: ما فُعل بالبول الذي كان في هذا القدح؟ فقالت: يا رسول الله إني شربته\"، وفي رواية أخرى بعد ذلك: \"صحة يا أم يوسف، وكانت تكنى أم يوسف، فما مرضت قط حتى ماتت\". راجع إلى \"شرح الشفاء\" للقاري (١/ ٣٩١)، وشرح \"المواهب اللدنية\" (٥/ ٥٥٠)، و\"عمدة القاري\" (٢/ ٤٨١)، و\"تحفة المحتاج\"، و\"التلخيص الحبير\" (١/ ١٧١) و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٤٢) للنووي. =","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>(١٤) بَابُ الْمَواضِعِ الَّتِي نُهِي عَنِ الْبَوْلِ فِيهَا</span>\n٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ،\n===\n\"لا ينقع بول في طست في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول منتقع\" (١)، والجواب عنها قد نقلناه قبل، ويمكن أن يجاب عنه أن بوله - ﷺ - بالليل في القدح كان في الابتداء، ثم لما علم أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول منتقع تركه، والحديث ليس فيه دليل (٢) على أن فعله - ﷺ - استمرّ إلى آخر عمره الشريف.\n\n(١٤) (بَابُ الْمَوَاضِعِ (٣) الَّتِي نُهِيَ عَنِ الْبَوْلِ فِيها)\n٢٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بفتح الجيم، ابن طريف الثقفي، أبو رجاء البغلاني، اسمه يحيى، وقيل: علي، وقتيبة لقبه، ثقة ثيت، مات سنة ٢٤٠ هـ، (ثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم، أبو إسحاق القارئ، ثقة ثبت، قدم بغداد فلم يزل بها حتى مات، توفي سنة ١٨٠ هـ.\n(عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقي، بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف، أبو شبل، بكسر المعجمة وسكون الموحدة، المدني، مولى\n_________\n= قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٧٢): قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته، وعد الأئمة ذلك من خصائصه ﵊، فلا يلتفت إلى ما وقع في كتب كثيرة من الشافعية بما يخالف ذلك، فقد استقر الأمر بين أئمتهم على القول بالطهارة. (ش).\n(١) انظر: \"مجمع الزوائد\" (ح ٩٩٩) و\"المعجم الأوسط\" (٢/ ٣١٢) رقم (٢٠٧٧).\n(٢) إلَّا أن في حديث مرض الوفاة: \"ثم دعا بالطست ليبول فيها\" الحديث، إلَّا أن يقال: إنه كان لعذر المرض، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٣) ولا يذهب عليك أنه ليس في الحديثين ذكر البول، فإثبات الترجمة بالقياس، أو يقال: التخلي يعم البول والغائط \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":252},{"text":"عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ\". قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ - ﷺ -: \"الَّذِي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ ظِلِّهِمْ\". [م ٢٦٩، حم ٢/ ٣٧٢، خزيمة ٦٧]\n===\nالحرقة، صدوق ربما وهم، وقال الدوري عن ابن معين: ليس حديثه بحجة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقَّون حديثه، ووثّقه بعضهم، وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث، مات سنة ١٣٢ هـ أو بعدها (عن أبيه) هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، مولى الحُرقة، بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف، تابعي ثقة من أصحاب أبي هريرة.\n(عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: اتقوا اللاعنين) هو تثنية الفاعل، فالفاعل إما بمعنى المفعول، كدافق بمعنى مدفوق، أو كالتامر واللَّابن، أي: ذو التمر واللبن، أو الفاعل على حقيقته يعني اللاعنين أنفسهما بالتسبيب فإنهما يفعلان ما ينجرُّ إلى اللعن، أو المعنى: اتقوا الفعلين اللاعنين اللذين هما سببا اللعن، وحينئذ يشكل الحمل وهو قوله: \"الذي يتخلى\"، فيحمل على المجاز.\n(قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال - ﷺ -: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم) أي يتغوط في محل يمر الناس فيه، فيتأذون به ويستقذرونه، وكذلك التغوط تحت شجرة أو غيرها يستظل الناس بظله (١)، فيتأذون به، والمراد بالظل ها هنا ما اتخذه الناس (٢) مقيلًا ومناخًا ينزلونه، فلا يحرم قضاء الحاجة بكل ظل، إذ قعد - ﷺ - تحت حائش (٣) نخل، وكذلك حكم كل ما يقصدونه لنزولهم.\n_________\n(١) وفي معناه الشجر المثمر وإن لم يستظل به، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٢) ثم النهي تنزيه، والظاهر التحريم لما فيه من إيذاء المسلمين، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٣) قوله: الحائش: النخل الملتف المجتمع، كأنه لالتفافه يحوش بعضه إلى بعض، وأصله واوي، \"النهاية\" لابن الأثير (١/ ٤٦٨).","vol":"1","page":253},{"text":"٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيدٍ الرَّمْلِيُّ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبُو حَفْصٍ - وَحَدِيثُهُ أَتَمُّ -، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: أَنا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ\n===\n٢٦ - (حدثنا إسحاق بن سويد الرملي) هو إسحاق بن إبراهيم بن سويد البلوي منسوب إلى بلي بن عمرو، أبو يعقوب الرملي، وقد ينسب إلى جده، ثقة، مات سنة ٢٥٤ هـ، (وعمر بن الخطاب أبو حفص) السجستاني القشيري مصغرًا، نزيل الأهواز، صدوق مات سنة ٢٦٤ هـ (وحديثه) أي حديث عمر بن الخطاب (أتم) من حديث (١) إسحاق بن سويد، وفيه إشارة إلى أن بين روايتهما اختلافًا في الجملة.\n(أن سعيد بن الحكم) بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء، أبو محمد المصري، ثقة ثبت فقيه، المعروف بابن أبي مريم، مات سنة ٢٢٤ هـ (حدثهم) أي إسحاق بن سويد وعمر بن الخطاب وغيرهما، (قال: أنا نافع بن يزيد) الكلاعي بفتح الكاف واللام الخفيفة، أبو يزيد المصري، يقال: إنه مولى شرحبيل بن حسنة، ثقة عابد، مات سنة ١٦٨ هـ.\n(قال: حدثني حيوة) بفتح أوله وسكون التحتانية وفتح الواو (ابن شريح) مصغرًا، ابن صفوان بن مالك التجيبي، بمضمومة، ويجوز فتحها وكسر جيم وسكون مثناة تحت فموحدة، منسوب إلى تجيب ابن ثوبان، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه عابد، وكان مستجاب الدعوة، يقال: إن الحصاة تتحول في يده تمرة ببركة دعائه، مات سنة ١٥٨ هـ.\n_________\n(١) ولا يدرى أن المذكور لفظ عمر، فيكون المتروك أقصر، أو لفظ إسحاق فيكون المذكور أقصر، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"1","page":254},{"text":"أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْحِمْيَرِيَّ حدَّثَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَة:\n===\n(أن أبا سعيد الحميري) (١) شامي مجهول، وروايته عن معاذ بن جبل مرسلة، قال أبو في اود (٢): لم يسمع من معاذ، وفي \"ميزان الاعتدال\": لا يُدْرى من هو، (حدثه) أي حيوة بن شريح (عن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي، من أعيان الصحابة، والإمام المقدام في علم الحلال والحرام، شهد بدرًا، وهو ابن إحدى وعشرين سنة، مات في الشام (٣) سنة ١٨ هـ.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: اتقوا المَلاعن) وهي جمع ملعنة، وهو الموضع الذي يكثر فيه اللعن علي قضاء الحاجة فيه، أي اتقوا مجالب اللعن، لأن أصحابها يلعنهم المار على فعلهم القبيح، أو لأنهم أفسدوا على الناس منفعتهم، فكان ظلمًا، وكل ظالم ملعون، أو الملعنة أي الفعلة الموجبة لفاعلها اللعن، أي اجتنبوا الفعلات التي توجب اللعن لفاعلها عادة كأنه مَظِنَّة اللعن، وقال زين العرب: جمع ملعن مصدر ميمي، أو اسم مكان، فعلى تقدير كونه مصدرًا معناه اتقوا اللعنات أي أسبابها، أو المصدر بمعنى الفاعل، أي الحاملات والباعثات على اللعن، فيصير نظير قوله: اتقوا اللاعنين مع زيادة الثالث (الثلاثة) هكذا في النسخ، وفي نسخة الخطيب بلا تاء، فهو أصح منه بتاء لأنه مؤنث.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"التقريب\" (٨١٢٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ١١١)، و\"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٣٠).\n(٢) قال ابن رسلان: لم يدر اسمه ولا يعرف بغير هذا الإسناد، لكن الحديث صحّحه ابن السكن والحاكم (١/ ١٦٧). (ش).\n(٣) وقد استعمله عمر - ﵁ - عليها بعد أبي عبيدة بن الجراح، فمات في عامه ذلك في طاعون عمواس \"ابن رسلان\". (ش). [قلت: انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ١٤٢) رقم (٤٩٦١)].","vol":"1","page":255},{"text":"الْبَرَازَ في الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، والظِّلّ\". [جه ٣٢٨، ق ١/ ٩٧، ك ١/ ١٦٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>(١٥) بَابٌ: في الْبَوْلِ في الْمُسْتَحَمّ</span>\n٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمدُ بْن مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ\n===\n(البراز في الموارد) أي قضاء الحاجة فيها، واحدة موردة، وهي طرق الماء أو منهل الماء الذي يرد عليه الناس من عين أو نهر، وقيل: المراد بالموارد الأمكنة التي يأتيها الناس كالأبنية، أي موضع ورود الناس للتحدث.\n(وقارعة الطريق) بقاف، أي وسطه الذي يقرع الناس بأرجلهم وتدقها وتمر عليها، فهي فاعلة بمعنى المفعول.\n(والظل) (١) أي ظل الشجر وغيره، قال الشيخ ابن حجر: والظل في الصيف، ومثله الشمس في الشتاء، أي في موضع يستدفئ فيه الناس بها.\n\n(١٥) (بَابٌ: في الْبَوْلِ في المُسْتَحَمِّ)\nالمستحم الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو الماء الحار، والمراد ها هنا المغتسل مطلقًا، وليست هذه الترجمة في بعض النسخ.\n٢٧ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل) بن هلال بن أسد الشيباني المروزي، ثم البغدادي، أبو عبد الله، خرجت به أمه من مرو وهي حامل فولدته ببغداد، أحد الأئمة، حافظ فقيه حجة، مات سنة ٢٤١ هـ، وله سبع وسبعون سنة (والحسن بن علي) بن محمد الهذلي بمضمومة\n_________\n(١) الظاهر أنهما بالجر عطفًا على الموارد، وضبطهما بعضهم بالنصب، فلا بد من التوجيه، من \"التقرير\" مختصرًا. (ش).","vol":"1","page":256},{"text":"قِالَاِ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ: حَدَّثَنَا معمر\n===\nوفتح ذال معجمة، أبو علي الخلال، نزيل مكة، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٢ هـ.\n(قالا) أي أحمد والحسن: (ثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف، عَمِي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيّع، وقد روى أحاديث في الفضائل لم يتابع عليها، فهذا أعظم ما ذَمُّوه من روايته لهذه الأحاديث ولما رواه في مثالب غيرهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه على تشيّع فيه، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): قال العباس العنبري: لما قدم من صنعاء لقد تجَشَّمْتُ إلى عبد الرزاق وإنه لكذّاب، والواقدي أصدق منه (٢)، مات سنة ٢١١ هـ، وله خمس وثمانون سنة.\n(قال أحمد) شيخ المصنف: (قال) عبد الرزاق: (حدثنا معمر) بن راشد الأسدي الحُدَّاني، بضم الحاء وتشديد الدال المهملة وفي آخره نون بعد الألف، هذه النسبة إلى حدان، وهم الأزد، أبو عروة البصري، سكن اليمن، ثقة ثبت فاضل، إلَّا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، مات سنة ١٥٤ هـ (٣).\n_________\n(١) (٦/ ٣١٤).\n(٢) قال الذهبي: بل والله ما بَرَّ عباس في يمينه، ولَبئس ما قال، يعمد إلى شيخ الإِسلام، ومحدِّث الوقت، ومن احتج به كل أرباب الصِّحاح، - وإن كان له أوهام مغمورة، وغيره أبرع في الحديث منه - فيرميه بالكذب، ويقدم عليه الواقدي الذي أجمعت الحفاظ على تركه، فهو في مقالته هذه خارق للإجماع بيقين. \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ٥٧٢).\n(٣) \"تقريب التهذيب\" (٦٨٠٨).","vol":"1","page":257},{"text":"قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عن أَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ الله، عن الْحَسَنِ، عن عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّل\n===\n(قال) أي معمر: (أخبرني أشعث) (١) بن عبد الله بن جابر الحُدَّاني الأزدي، أبو عبد الله البصري، وقد ينسب إلى جده وهو الحملي بضم المهملة وسكون الميم، صدوق، وقال ابن حبان في \"الثقات\": ما أراه سمع من أنس، وقال العقيلي: في حديثه وهم، وثقه النسائي وغيره.\nوغرض (٢) أبي داود من قوله: \"قال أحمد إلى آخره\" بيان الاختلاف في السندين بأن رواية أحمد فيها تصريح بالتحديث ورواية الحسن معنعنة، وبأن الأشعث في الثاني منتسب إلى أبيه دون الأول، ومما يجب التنبيه عليه أن النسائي أخرج هذه الرواية في \"المجتبى\" فقال: عن الأشعث بن عبد الملك، فالظاهر أنه سهو من الكاتب كما يدل عليه كلام الذهبي في \"الميزان\" (٣)، والصحيح النسخة التي كتبت على الحاشية.\n(وقال الحسن) أي الشيخ الثاني للمصنف: (عن أشعث بن عبد الله) منسوبًا إلى أبيه بلفظ عن، أي قال الحسن: حدثنا عبد الرزاق قال: ثنا معمر عن أشعث بن عبد الله.\n(عن الحسن) البصري، (عن عبد الله بن مففل) (٤) بمعجمة وفاء ثقيلة مفتوحتين، ابن عبد نَهْم بفتح النون وسكون الهاء، أبو عبد الرحمن المزني، صحابي، بايع تحت الشجرة، سكن المدينة، مات بالبصرة سنة ٥٧ هـ، وقيل بعدها.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (١/ ٢٧١).\n(٢) وظاهر ألفاظ المصنف أن الفرق بينهما في ذكر معمر أيضًا، فليفتش. (ش).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٢٦٥).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٨٣) رقم (٣٢٠٢).","vol":"1","page":258},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيْهِ\" - قَالَ أَحْمَدُ: \"ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيْهِ\" -، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ\" (١) [ت ٢١، ن ٣٦، جه ٣٠٤، حم ٥/ ٥٦، ق ١/ ٥٨، ك ١/ ١٦٧]\n===\n(قال) أي عبد الله: (قال رسول الله - ﷺ -: لا يبولن أحدكم في مستحمِّه) أي مغتسله، وفي معناه المتوضأ (ثم يغتسل (٢) فيه). قال القاري: والصواب أن النهي عن الجمع بدليل التعليل الآتي في نفس الحديث، ولأنه لو بال في المستحم ولم يغتسل فيه بأنه جعله مهجورًا من الاغتسال فيه، أو اغتسل فيه ابتداءً ولم يبل يجوز له ذلك.\n(قال أحمد: ثم يتوضأ فيه)، وهذا بيان الاختلاف بين لفظَي أحمد بن حنبل والحسن، فإن أحمد قال: \"ثم يتوضأ فيه\"، وقال الحسن: \"ثم يغتسل فيه\"، ثم اتفقا وقالا (فإن عامة الوسواس منه) (٣) أي يحصل الوسواس من البول في المستحم ثم الغسل فيه أو الوضوء.\nقال ابن الملك (٤): لأنه يصير ذلك الموضع نجسًا، فيقع في قلبه وسوسة، بأنه هل أصابه منه رشاش، أم لا؟ وقال ابن حجر: لأن ماء الطهارة حينئذ يصيب أرضه النجسة بالبول ثم يعود إليه، فكره البول فيه لذلك، ومن ثم لو كان أرضه بحيث لا يعود منه رشاش، أو كان له منفذ بحيث لا يثبت فيه شيء من البول لم يكره البول فيه، إذ لا يجر إلى وسواس لأمنه من عَود الرشاش إليه في الأول ويطهر أرضه في الثاني بأدنى ماء طهور يمر عليها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا مرسل، وهو بما انفرد به أهل مصر\".\n(٢) قال ابن رسلان: يجوز جزمه عطفًا على موضع يبولن، ونصبه بإضمار أن. (ش).\n(٣) قال النسائي: كان يعقوب بن إبراهيم لا يحدث هذا الحديث إلَّا بدينار. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٣٥٩).","vol":"1","page":259},{"text":"٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنَا زُهَيْرٌ،\n===\nويؤيده ما نقله ابن ماجه في \"سننه\" (١) عن علي بن محمد الطنافسي يقول: إنما هذا في الحفيرة، فأما اليوم فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير، فإذا بال فأرسل عليه الماء لا بأس به، وكذلك ما حكى الترمذي عن عبد الله بن المبارك، قال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء (٢).\nفما قال صاحب \"غاية المقصود\" وتبعه صاحب \"عون المعبود\": الأَولى أن لا يقيد المغتسل بلين ولا صلب، فإن الوسواس ينشأ منهما جميعًا فلا يجوز البول في المغتسل مطلقًا، غير صحيح، كيف؟ وقد قال قدوتهم وإمامهم العلامة الشوكاني (٣): وقد قيل: إنه إذا كان للبول مسلك ينفذ فيه فلا كراهة، وربط النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة، انتهى.\n٢٨ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو ابن عبد الله بن يونس نسب إلى جده يونس بن عبد الله بن قيس الكوفي التميمي، ثقة حافظ، مات بالكوفة سنة ٢٢٧ هـ، وهو ابن أربع وتسعين، (ثنا زهير) مصغرًا، ابن معاوية بن حديج، بضم مهملة وفتح دال مهملة وبجيم، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، إلَّا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرةٍ (٤) بعد الاختلاط، وعاب عليه بعضهم أنه كان ممن يحرس خشبة زيد بن علي لما صلب، مات سنة ١٠٢ هـ أو بعدها.\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١/ ١١١).\n(٢) وبوَّب على حديث الباب ابن حبان \"باب ذكر الزجر عن البول في المغتسل الذي لا مجرى له\"، \"ابن رسلان\". (ش). [\"صحيح ابن حبان\" (٤/ ٦٦)].\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٠٥).\n(٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٥١).","vol":"1","page":260},{"text":"عن دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ - وَهُوَ ابنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ - قَالَ: \"لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ - ﷺ - كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ\n===\n(عن داود بن عبد الله) الأودي، بمفتوحة فواو ساكنة فدال مهملة، منسوب إلى أود بن سعد الزعافري، بفتح الزاي والمهملة وكسر الفاء وراء، نسبة إلى الزعافر، بطن من أود، أبو العلاء الكوفي، ثقة، وهو غير عم عبد الله بن إدريس.\n(عن حميد) مصغرًا (الحميري - وهو ابن عبد الرحمن -) الحميري (١) بكسر حاء وسكون ميم وفتح مثناة تحتانية، البصري، ثقة فقيه.\n(قال) أي حميد: (لقيت رجلًا صحب النبي - ﷺ - كما صحبه (٢) أبو هريرة) قال صاحب \"درجات مرقاة الصعود\" (٣): زاد البيهقي: \"أربع سنين\"، قلت: وكذا قال النسائي، قال ولي الدين: اختلف في من لم يسمه، فقيل: عبد الله بن سرجس، أو الحكم بن عمرو الغفاري، أو عبد الله بن مغفل المزني، حكاها ابن القطان بـ \"بيان الوهم والإيهام\"، انتهى.\nقلت: لا خلاف في قبول ما لم يسم فيه الصحابي بعد ما علم أن المتروك هو الصحابي لا غير، إذ الصحابة كلهم عدول ولا خلاف لأحد فيهم.\n_________\n(١) نسبة إلى حمير بن سَبَأ، كذا في \"الغاية\" (ش). [وانظر: \"لب اللباب\" للسيوطي (ص ١٣٩)، و\"تهذيب الكمال\" (١٥١٧)].\n(٢) معنى التشبيه في مدة الصحبة، كذا في \"التقرير\"، قلت: وسيأتي تعيين المدة في \"باب الوضوء بفضل طهور المرأة\". (ش).\n(٣) (ص ١١).","vol":"1","page":261},{"text":"قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّه - ﷺ - أنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ في مُغْتَسَلِهِ\". [ن ٢٣٨، حم ٤/ ١١١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>(١٦) بَابُ النَّهْيِ عنِ الْبَوْلِ في الْجُحْرِ</span>\n٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ،\n===\n(قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يمتشط (١) أحدنا كل يوم) قال في \"الدرجات\": قال الشيخ ولي الدين: هو نهي تنزيه لا تحري، لأنه من باب ترفه وتنعم، فيجتنب، ولا فرق به بين رأس ولحية، قال: فإن قلت: روى الترمذي في \"شمائله\" (٢) عن أنس: \"كان رسول الله - ﷺ - يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته\"، قلت: لا يلزم من إكثاره فعله كل يوم، بل الإكثار يصدق على شيء يفعل بقدر حاجة إليه (٣) (أو يبول في مغتسله) وقد مرَّ شرحه فيما تقدم.\n\n(١٦) (بابُ النَّهْيِ عَنِ البَوْلِ في الجُحْرِ)\nبتقديم الجيم على الحاء\n٢٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، ثنا معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله، واسمه سنبر الدستوائي البصري، سكن اليمن ثم البصرة، صدوق ربما وهم، قال الدوري عن ابن معين: صدوق، وليس بحجة، وقال ابن عدي: أرجو أنه صدوق وربما يغلط، وقال الحميدي بمكة لما قدم معاذ بن هشام: لا تسمعوا من هذا القدري، مات سنة ٢٠٠ هـ.\n_________\n(١) أي بلا ضرورة، أما إذا احتاج إليه لجعودة شعره فلا بأس، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٢) (١/ ٨٤).\n(٣) لكن يشكل عليه ما ورد أنه كان يسرح في كل يوم مرتين، ورُدّ بأنه رواية الغزالي ليس في كتب الحديث، كذا في \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":262},{"text":"حَدَّثَثِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: \"إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى أَنْ يُبَالَ في الْجُحْرِ\"، قَالَ: قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ في الْجُحْرِ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: إِنَّهَا\n===\n(حدثني أبي) هو هشام (١) بن أبي عبد الله سنبر، بمهملة ثم نون ثم موحدة كجعفر، أبو بكر البصري الدستوائي، بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة ثم مد، كان يبيع الثياب التي تجلب من دستواء، وهي من كورة الأهواز، ثقة ثبت، وقد رُمي بالقدر، مات سنة ١٥٤ هـ وله ثمان وسبعون سنة.\n(عن قتادة (٢)، عن عبد الله بن سرجس) (٣) بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة، المزني، حليف بني مخزوم، صحابي، سكن البصرة (٤). (قال) أي عبد الله: (إن النبي - ﷺ - نهى أن يبال في الجحر) هو بضم جيم وسكون حاء مهملة، ثقب في الأرض تحتفره الهوام والسباع لأنفسها. (قال) أي هشام: (قالوا) أي الناس (لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟) ولفظة \"ما\" استفهامية، أي: لِمَ يُكره؟ ولفظة \"من\" زائدة، أو \"ما\" موصلة مبتدأ، ولفظة \"من\" بيانية لـ \"ما\"، و\"يكره\" صلة، والخبر مقدر: الذي يكره من البول في الجحر لماذا؟ (قال) أي قتادة: (كان يقال: إنها) وتأنيث\n_________\n(١) قال معاذ: سمع أبي من قتادة عشرة آلاف حديث. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قيل: إن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس، بسطه صاحب \"الغاية\"، والحديث رواه الحاكم وصححه، لكن قيل: إن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس، انتهى مختصرًا من \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) لم ينصرف، صحابي، له سبعة عشر حديثًا، وقال البخاري وابن حبان: له صحبة،\nوهو القول أحق بالاتباع، وما قاله عاصم من أنه ليس له صحبة فهو خطأ واضح، انتهى مختصرًا من \"الغاية\". (ش).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٦٠٨) رقم (٢٩٧١).","vol":"1","page":263},{"text":"مَسَاكِنُ الجِنِّ. [ن ٣٤، حم ٥/ ٨٢، ق ١/ ٩٩، ك ١/ ١٨٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>(١٧) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ</span>\n٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمِّدٍ النَّاقِدُ، ثنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ،\n===\nالضمير باعتبار أفراد الجنس أو لمراعاة الخبر (مساكن الجن) (١) بصيغة الجمع، والجن ها هنا ليس أحد الثقلين فقط، بل المراد ما يكون مستورًا عن أعين الناس من حشرات الأرض والهوام وغيرها.\nووجه الكراهة إما ما ذكره قتادة أو لأنه لعله يؤذي ما فيها من الهوام.\n\n(١٧) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُل) من الدعاء وذكر الله تعالى (إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ)، أي من محل قضاء الحاجة\n٣٠ - (حدثنا عمرو بن محمد) بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي، نزيل الرقة، ثقة حافظ، وهم في حديث، ذكره في \"التهذيب\"، مات سنة ٢٣٢ هـ (٢)، (ثنا هاشم بن القاسم) بن مسلم الليثي، أبو النضر البغدادي الحافظ، خراساني الأصل، ولقبه قيصر، مشهور بكنيته، وثقه ابن المديني وابن سعد وأبو حاتم وابن قانع، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الحاكم: حافظ ثبت في الحديث، مات سنة ٢٠٧ هـ، وله ثلاث وسبعون سنة.\n_________\n(١) وفي \"المستدرك\" للحاكم (٣/ ٢٥٣): عن ابن عون، عن محمد: \"أن سعد بن عبادة أتى سباطة قوم، فبال قائمًا فَخَرَّ ميتًا، فقالت الجن: نحن قتلنا سيد الخزرج\".\n\"ابن رسلان\". ومات بأرض الشام سنة ١٥ هـ، كذا في \"التقريب\"، والظاهر عندي أن قتل سعد كان لقول عمر - ﵁ -، إذ قال قائل في السقيفة: قتلتم سعدًا: \"قتله الله\". (ش) [انظر: \"تاريخ الطبري\": ٢/ ٣٤٤].\n(٢) [كذا في \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ٤٤٤٢) أيضًا]، وفي \"الغاية سنة ٢٢٢ هـ. (ش).","vol":"1","page":264},{"text":"ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ\n===\n(ثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (١) الهمداني، أبو يوسف الكوفي، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، قال الحافظ في \"التهذيب\" (٢): وروى ابن البراء عن علي بن المديني: إسرائيل ضعيف، وأطلق ابن حزم ضعف إسرائيل وَرَدَّ به أحاديث من حديثه فما صنع شيئًا، وقال عثمان بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي: إسرائيل لص يسرق الحديث، مات سنة ١٦٠ هـ وقيل بعدها، قال في \"الميزان\" (٣): وكان إسرائيل مع حفظه وعلمه صالحًا خاشعًا لله كبير القدر.\n(عن يوسف بن أبي بردة) بن أبي موسى الأشعري الكوفي، أخو بلال، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: ووثّقه العجلي (عن أبيه) هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري الفقيه، اسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته، قال العجلي: كان على قضاء الكوفة (٤) بعد شريح، وكان كاتبه سعيد بن جبير، مات سنة ١٠٤ هـ، وقيل بعدها، وجاوز الثمانين.\n(قال) أي أبو بردة: (حدثتني عائشة) (٥) - رضي الله تعالى عنها - (أن النبي - ﷺ - كان (٦) إذا خرج من الغائط)، وفي الترمذي: \"إذا خرج من\n_________\n(١) نزل الهند. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) (١/ ٢٦١).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٢٠٩).\n(٤) فعزله الحجاج وولى أخاه أبا بكر بن أبي موسى. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) قال ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ٢٢): لا يعرف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث الواحد، وتكلم على سنده وبسطه في معناه. (ش).\n(٦) تكلم صاحب \"المنهل\" (١/ ١١٧) على أن لفظ \"كان\" يدل على الاستمرار أم لا؟ (ش).","vol":"1","page":265},{"text":"قَالَ: \"غُفْرَانَكَ\". [ت ٧، جه ٣٠٠، دي ٦٨٠، ق ١/ ٩٨، ك ١/ ١٥٨، حم ٦/ ١٥٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>(١٨) بَابُ كَرَاهِيَّةِ مَسِّ الذَّكَر بِاليَمِينِ في الاستِبْرَاءِ</span>\n===\nالخلاء\" (قال: غفرانك) نصبه بإضمار فعل مقدّر، قيل: التقدير اغفر غفرانك، أو أسألك غفرانك.\nوفي مناسبة هذا القول بالخروج عن الخلاء قولان؛ أحدهما: أنه استغفر من ترك (١) الذكر مدة مكثه هناك، فإنه كان يذكر الله تعالى في كل أحيانه إلَّا عند الحاجة، وثانيهما: أنه - ﷺ - خاف تقصيره عن شكر هذه النعمة الجليلة، إذ أطعمه تعالى فهضمه فسهل خروجه، ورأى شكره قاصرًا عن بلوغ حق هذه النعمة، فلجأ إلى الاستغفار اعترافًا بالقصور (٢)، والأفضل أن يقول بعده ما ورد في رواية أخرى: \"الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني\"، وفي بعض الآثار: \"الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى لي ما ينفعني\".\n\n(١٨) (بَابُ كَرَاهِيَّةِ مَسِّ الذَّكَرِ بِاليَمِينِ في الاسْتِبْرَاءِ) (٣)\nأي في الاستنجاء، وكذا الحكم في غيره من محل النجاسات يكره أن يستعمل يده اليمنى فيها\n_________\n(١) أو لأجل الذكر القلبي، كذا في \"الكوكب الدري\" (١/ ٣٩) أو تعليم للأمة، كذا في \"المنهل\" (١/ ١١٨). (ش).\n(٢) أو انتقل الذهن من هذا الأذى إلى أذى نفسه، فإن الغذاء صار نجسًا لاتصاله بالجسم. (ش).\n(٣) وهو أعم من الاستنجاء، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"1","page":266},{"text":"٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: ثَنَا أَبَانُ، ثَنَا يَحْيَى، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّه - ﷺ -: \"إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ،\n===\n٣١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا) أي مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل: (ثنا أبان) بن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، ثقة، كان يرى القدر ولا يتكلم فيه، وقد ذكره ابن الجوزي في \"الضعفاء\"، مات في حدود سنة ١٦٠ هـ، (ثنا يحيى) بن أبي كثير.\n(عن عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري السلمي، أبو إبراهيم، ويقال: أبو يحيى المدني، ثقة، مات سنة ٩٥ هـ، (عن أبيه) هو أبو قتادة الأنصاري السلمي، ولا يعلم في الصحابة من يكنى بهذه الكنية سواه، فارس (١) رسول الله - ﷺ -، اسمه على المشهور الحارث بن ربعي، بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة، المدني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، مات سنة ٥٤ هـ (٢)، وهو ابن سبعين سنة (٣).\n(قال) أي أبو قتادة: (قال نبي الله - ﷺ -: إذا بال أحدكم فلا يمسّ (٤) ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسَّح بيمينه)، قال العيني (٥): النهي فيه للتنزيه عند الجمهور خلافًا للظاهرية.\n_________\n(١) وسيأتي وجه تلقيبه به في \"باب من نام عن صلاة أو نسيها\". (ش).\n(٢) يخالفه ما في \"الطحاوي\" أنه قتل مع علي - ﵁ -، وصلى عليه علي - ﵁ -، وسيأتي مزيد بحث فيه في \"باب رفع اليدين\" تحت حديث أبي حميد الساعدي. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٦٨) رقم (٦١٧٤).\n(٤) المس أعم من المسح، كذا في \"ابن رسلان\". والنهي للتنزيه عند الشافعية والتحريم عند الحنابلة والظاهرية، كذا في \"المنهل\" (١/ ١٢٠)، وبسط الكلام عليه صاحب \"الغاية\". (ش).\n(٥) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٢٠).","vol":"1","page":267},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الحافظ في شرحه على \"البخاري\" (١): وقد أثار الخطابي ها هنا بحثًا وبالغ في التبجح به، وحكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنه ناظر رجلًا من الفقهاء الخراسانيين، فسأله عن هذه المسألة، فأعياه جوابها، ثم أجاب الخطابي عنه بجواب فيه نظر، ومحصل الإيراد أن المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي، ومحصل الجواب أنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار، ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فيلصق مقعدته بالأرض، ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه، ويستجمر بيساره، فلا يكون متصرفًا في شيء من ذلك بيمينه، انتهى.\nوهذه هيئة منكرة بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات.\nوقد تعقبه الطيبي بأن النهي عن الاستجمار باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر، فبطل الإيراد من أصله، كذا قال، وما ادّعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان مختصًا بالذكر لكن يلحق به الدبر قياسًا، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلَّا ما خُصّ.\nوالصواب في الصورة التي أوردها الخطابي ما قاله إمام الحرمين ومن بعده كالغزالي في \"الوسيط\"، والبغوي في \"التهذيب\": أنه يمر العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه، وهي قارة غير متحركة، فلا يُعَدُّ مستجمرًا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٣).","vol":"1","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nباليمين ولا ماسًّا بها، ومن ادّعى أنه في هذه الحالة يكون مستجمرًا بيمينه فقد غلط، وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حال الاستنجاء، انتهى كلام ابن حجر - ﵁ -.\nقلت: وأنا أتعجب من هؤلاء الكبراء الذين تحيَّروا من هذا الاعتراض، كأنهم استحالوا أخذ الحجر والذكر بيساره، وظنوا أنه لا يمكن عندهم أن يستنجي رجل بأن يأخذ حجرًا أو مدرًا بيساره ويضع عليه ذكره ويسحقه عليه، وفي زماننا وبلادنا جميع الأطفال والشيوخ والشبان كلهم يستنجون بيسارهم بأخذ المدر والذكر بيسارهم، ولا يخطر في بالهم هذا الإشكال، وهذا في المدر ظاهر، فإنه ينشف البول دفعة واحدة، وأما في الحجر فيمكن أن يكون الحجر صلبًا لا ينشف الماء، فحينئذ يمكن أن يستنجي بحجر واحد، ثم إذا بقي بقية من البول يزيله بآخر، ثم آخر، ولا يحتاج أن يمسك ذكره بيمينه أو أن يستنجي به، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، فبطل الإيراد من أصله.\nوهذا الإيراد والجواب عنه حكيناه لغرابته، وإلَّا فلا ينبغي أن يذكر في الكتب مثل هذه المباحث الواهية، فإنه يرده ما فعله رسول الله - ﷺ - من الاستنجاء، فإن رسول الله - ﷺ - دعا للاستنجاء بثلاثة أحجار، ولم يثبت عنه - ﷺ - أنه استنجى بالجدار أو بحجر ثقيل لا يتحرك ولم يلصق مقعدته بالأرض، فهذه الأشكال والطرق كلها ظنون فاسدة لا يليق أن يلتفت إليه.\nوأما ما قال: إن الصواب ما قاله إمام الحرمين ومن بعده كالغزالي والبغوي من أنه يأخذ الذكر بيساره وُيمِرُّه على ما يستنجى به من الحجر والمدر بعد ما أمسكه بيمينه أيضًا، بعيد، فإنه أيضًا في هذه الصورة","vol":"1","page":269},{"text":"وَإِذَا شَرِبَ فَلَا يَشْرَبْ نَفَسًا وَاحِدًا \". [خ ١٥٣، م ٢٦٧، ت ١٥، ن ٢٤ - ٢٥، جه ٣١٠]\n===\nمستعمل يده اليمنى في النجاسة بأخذ الحجر النجس بيمينه، وأما في صورة الاستنجاء بالماء في صب الماء باليمنى، فليس فيه استعمال اليمنى في النجاسة، فالقياس عليه قياس مع الفارق، ولو سُلِّم أنه في هذه الصورة غير مستنج باليمين، فهذا مختص بصورة لا يمكن أن تحصل بدون استعمال اليمنى كما في التطهير بالماء، وأما في صورة يمكن أن تحصل باليسرى فقط، فلا نُسَلّمُ أنه يجوز استعمال اليمنى فيها، والله أعلم بالصواب.\nفإن قلت: الحديث يقتضي النهي عن مسِّ الذكر باليمين حالة البول، فكيف الحكم في غير هذه الحالة؟ قلت: أخرج أبو داود (١) بسند صحيح عن حديث عائشة - ﵂ - قالت: \"كانت يد رسول الله - ﷺ - اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه\"، وظاهر هذا يدل على عموم الحكم (٢)، كذا في \"العيني\" (٣).\n(وإذا شرب فلا يشرب (٤) نَفَسًا واحدًا)، نقل الشارح عن الطيبي: لأنه إن استوفى رِيّه نفسًا واحدًا تكاوس الماء بموارد حلقه وأثقل معدته، وإذا قطع شربه بأنفاس ثلاثة كان أنفع لِريّه، وأخفّ لمعدته، وأحسن أدبًا، وأبعد من فعل ذي شره، انتهى.\nقلت: وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي بلفظ: \"إذا\n_________\n(١) رقم الحديث (٣٥ و٤١٤٠).\n(٢) وبه جزم النووي، وصححه صاحب \"المنهل\" خلافًا للمناوي، إذ حمل المطلق على المقيد. (ش).\n(٣) (٢/ ٤٢٠).\n(٤) هذا نهي إرشاد وأدب، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":270},{"text":"٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدم بْنِ سُلَيْمَانَ المصيصيُّ، نَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نَا أَبُو أَيُّوبَ - يَعْنِي الإِفْرِيقِيَّ - عن عَاصمٍ، عن الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافعٍ وَمَعْبَدٍ،\n===\nشرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء\"، فخالفهم أبو داود في سياق هذه الجملة، وقال: \"وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا\".\n٣٢ - (حدثنا محمد بن آدم بن سليمان) الجهني (المصيصي) قال في \"القاموس\": والمَصِيْصَة كسفينة: القصعة، وبلدة بالشام، ولا تُشَدَّدُ، وقال السمعاني في \"الأنساب\" (١): المِصيصي بكسر الميم والتحتانية بين الصادين المهملتين، والأولى مشددة، هذه النسبة إلى بلدة كبيرة على ساحل بحر الشام، يقال لها المِصيصة، وقد استولى الفرنج عليها وهي في أيديهم إلى الساعة، واختلف في اسمها، والصحيح الصواب المشدد بكسر الميم، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: صدوق لا بأس به، كان يقال: إنه من الأبدال، مات سنة ٢٥٠ هـ.\n(نا ابن أبي زائدة) هو يحيى بن زكريا، (نا أبو أيوب - يعني الأفريقي -) هو عبد الله (٢) بن علي الإفريقي الكوفي الأزرق، قال أبو زرعة: ليّن، في حديثه إنكار، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدوري عن ابن معين: ليس به بأس، فما قال صاحب \"غاية المقصود\": إنه عبد الرحمن بن زياد فغلط.\n(عن عاصم) بن بهدلة، (عن المسيب بن رافع) الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأَعمى، ثقة، قال الدوري: لم يسمع من أحد من الصحابة إلَّا من البراء وأبي إياس، مات سنة ١٠٥ هـ (ومعبد) بن خالد بن\n_________\n(١) (٤/ ٣١١).\n(٢) به جزم ابن رسلان في \"شرحه\" فقال: لَينَّه أبو زرعة، فللَّه الحمد. (ش).","vol":"1","page":271},{"text":"عن حَارِثَةَ بْنِ وَهْب الخُزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَجْعَلُ يمينه لطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثيَابِهِ، وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ\". [حم ٦/ ٢٨٧، ك ٤/ ١٠٩، حب ٥٢٢٧]\n===\nمُرير بمهملتين مصغرًا، الجدلي بفتح الجيم، من جديلة قيس، الكوفي القاص، ثقة، مات سنة ١١٨ هـ.\n(عن حارثة بن وهب الخزاعي) أخو عبيد الله بن عمر لأمه، اسم أمه أم كلثوم بنت جرول الخزاعية، له صحبة، نزل الكوفة (١) (قال) أي حارثة: (حدثتني حفصة زوج النبي - ﷺ -) وهي بنت عمر بن الخطاب - ﵁ - أم المؤمنين، تزوجها النبي - ﷺ - بعد خنيس بن حذافة سنة ثلاث، وماتت سنة ٤٥ هـ، أو إحدى وأربعين (٢).\n(قالت) أي حفصة: (إن النبي - ﷺ - يجعل (٣) يمينه لطعامه وشرابه)، أي يأخذ الطعام والشراب بيده اليمنى ويأكل ويشرب بها، (وثيابه) قال الشارح: قال وليُّ الدين: يحتمل أنه أراد [أن] يأخذ بها ثيابه للباسه كأخذه بها طعامه لأكله، أو أنه يبدأ باللباس ميامنه أولًا قبل مياسره، (ويجعل شماله لما سوى ذلك) من الخلاء وما كان من أذى، كما يأتي في الحديث الآتي.\nوقال النووي (٤): هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أنَّ ما كان من باب التكريم والتشريف - كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل\n_________\n(١) انظر ترجمته في \"أسد الغابة\" (١/ ٤٠٨) رقم (١٠٠٥).\n(٢) انظر ترجمته في \"أسد الغابة\" (٥/ ٢٤٩) رقم (٦٨٥٣).\n(٣) وهل يخالف ما سيأتي في اللباس عنها: \"كان ﵊ يحب التيامن في شأنه كله\"؟ قال ابن دقيق العيد: لا، كذا في \"الغابة\". (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ١٦٣).","vol":"1","page":272},{"text":"٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن أَبِي مَعْشَرٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَتْ يَدُ رَسُولِ الله - ﷺ - الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذى\". [حم ٦/ ٢٦٥، ق ١/ ١١٣]\n===\nالشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل، والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك بما هو في معناه - يستحب التيامن فيه، وأما ما كان بضده - كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، والخف، وما أشبه ذلك - فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها، انتهى.\n٣٣ - (حدثنا أبو توبة) الربيع بن نافع الحلبي، سكن طرسوس، ثقة حجة عابد، مات سنة ٢٤١ هـ، (نا عيسى بن يونس، عن ابن أبي عروبة) اسمه سعيد، (عن أبي معشر) زياد بن كليب الحنظلي الكوفي، وثقه العجلي والنسائي وابن حبان، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين في حفظه، مات سنة ١١٩ هـ.\n(عن إبراهيم) بن يزيد (١)، (عن عائشة) - ﵂ - (قالت: كانت يد رسول الله - ﷺ - اليمنى لطهوره وطعامه) وغير ذلك من الأفعال الشريفة (وكانت يده اليسرى لخلائه) أي لاستنجائه في الخلاء (وما كان من أذى) فيستخدم اليسرى لذلك، سواء كان من النجاسة أو غيرها بما يستقذره الطبع.\n_________\n(١) قال المنذري: منقطع، فإن إبراهيم لم يسمع عن عائشة. (ش) [انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (١/ ٣٤) للحافظ المنذري].","vol":"1","page":273},{"text":"٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ابْنُ عَطَاءٍ، عن سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ. [انظر الحديث السابق]\n===\n٣٤ - (حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع) بفتح الموحدة وكسر الزاي، أبو بكر البصري، ويقال: أبو سعيد، روى عنه البخاري وغيره، قال النسائي: ثقة، مات سنة ٢٤٩ هـ، (نا عبد الوهاب بن عطاء) الخفاف، أبو نصر، العجلي مولاهم، البصري، سكن بغداد، ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثًا في فضل العباس، يقال: دَلَّسه عن ثور. قال البخاري وغيره: ليس بالقوي عندهم، وقال الميموني عن أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، قال عثمان بن أبي شيبة: عبد الوهاب بن عطاء ليس بكَذَّاب، ولكن ليس ممن يُتَّكل عليه، مات سنة ٢٠٤ هـ وقيل بعدها.\n(عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن، خال إبراهيم النخعي، مخضرمٌ، ثقة، مُكثر، فقيه، زاهد، مات سنة ٧٥ هـ.\n(عن عائشة) - ﵂ - (عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث السابق، ومراده أنه موافق للرواية السابقة في المعنى دون اللفظ.\nوهذه الرواية تدل على أن في الرواية المارة انقطاعًا (١) بين إبراهيم النخعي وبين عائشة - ﵂ -.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: هذه الرواية المتصلة تعضد الرواية السابقة المنقطعة. (ش).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>(١٩) بَابٌ: في الاِسْتِتَارِ في الْخَلاءِ</span>\n٣٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن ثَوْرٍ، عن الْحُصَيْنِ الْحُبْرَانِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ،\n===\n\n(١٩) (باب: في الاسْتِتَارِ (١) في الخَلَاءِ)\n٣٥ - (حدثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي، أبو إسحاق (الرازي) الفراء المعروف بالصغير، ثقة حافظ، فكان أحمد ينكر على من يقول له: الصغير، مات بعد سنة ٢٢٠ هـ، (نا عيسى بن يونس، عن ثور) بن يزيد بن زياد الكلاعي، ويقال: الرحبي، أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، إلَّا أنه يرى القدر، وكان جده قتل يوم صفين مع معاوية، فكان ثور إذا ذكر عليًا قال: لا أحب رجلًا قتل جدي، وقال أبو مسهر: كان الأوزاعي يتكلم فيه ويهجوه، مات سنة ١٥٠ هـ أو بعدها.\n(عن الحصين) مصغرًا (الحبراني) (٢) ويقالى له: الحميري، وحبران بضم المهملة وسكون الموحدة: بطن من حمير، ويقال: إنه حصين بن عبد الرحمن، روى عن أبي سعيد الحبراني، ويقال: عن أبي سعيد الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الذهبي: لا يعرف (٣).\n(عن أبي سعيد) (٤) هو الحبراني الحميري الحمصي، ويقال: أبو سعد الخير الأنماري، ويقال: إنهما اثنان، قيل: اسمه زياد، ويقال: عامر، ويقال: عمر بن سعد، روى عن أبي هريرة حديث \"من اكتحل فليوتر\"،\n_________\n(١) الفرق بينه وبين باب التخلي: أن التفرد عن الناس مقصود الأول، وبعد التفرد أيضًا يحتاج إلى الاستتار، \"غاية المقصود\". (ش).\n(٢) منسوب إلى حبران بن عمرو أبو قبيلة.\n(٣) مجهول من السادسة \"التقريب\". (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: والد المقبري. (ش).","vol":"1","page":275},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ،\n===\nالحديث، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: أبو سعيد الحبراني، سألت أبا زرعة عنه، فقال: لا أعرفه، فقلت: ألقي أبا هريرة؟ فقال: على هذا يوضع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو داود: أبو سعد من أصحاب النبي - ﷺ -.\nقلت: الصواب التفريق بينهما، فقد نص على كون أبي سعد الخير صحابيًا: البخاري وأبو حاتم وابن حبان والبغوي وابن قانع وجماعة، وأما أبو سعيد الحبراني، فتابعيّ قطعًا، وإنما وهم بعض الرواة وقال في حديثه: عن أبي سعد الخير، ولعله تصحيف وحذف. كذا في \"تهذيب التهذيب\" (١).\n(عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: من اكتحل فليوتر) أي: من أراد الاكتحال فيستحب له أن يختار الوتر، وهذا بطريقين (٢)؛ أحدهما: أن يكون الاكتحال في كل واحد من العينين وترًا، مثلًا يكون ثلاثًا في هذه وثلاثًا في هذه (٣)، والثاني: أن يحصل الإيتار في مجموع العينين، مثلًا يكون ثلاثة في اليمنى واثنين في اليسرى (٤) ليكون المجموع وترًا، والتثليث علم من فعله - ﷺ -، ففي \"شمائل الترمذي\": \"أن النبي - ﷺ - كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه\".\n_________\n(١) (١٢/ ١٠٩).\n(٢) وقد جوَّز القاري في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٠٣) والحافظ في \"الفتح\" صورة ثالثة، وهي اثنان في كل عين، وواحدة بينهما، وحكاه المناوي برواية ابن عدي في \"الكامل\" عن أنس مرفوعًا، وقال: فقال ابن سيرين: هكذا الحديث، وأحب أن يكون ثلاثًا ثلاثًا فيهما وواحدة بينهما. (ش).\n(٣) وظاهر ما في \"جمع الوسائل\" أن هذه الصورة أيضًا روي عنه - ﷺ -، بل هو نص المناوي برواية الطبراني عن ابن عمر. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: هذا أصح، لرواية الترمذي في \"الشمائل\". (ش).","vol":"1","page":276},{"text":"مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حرَجَ،\n===\n(من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) (١) يدل على استحباب الإيتار في الأمور. (ومن استجمر) أي استنجى بحجر، فعلى هذا فالاستجمار التمسح بالجمار (٢) وهي الأحجار الصغار، أو المراد بالاستجمار (٣) التبخر، كما يكون في الأكفان، (فليوتر) بواحدة أو ثلاث أو خمس أو سبع. (من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) (٤)، وهذا يدل دلالة واضحة على جواز الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وعدم شرط الإيتار، وهو مذهب أبي حنيفة - ﵁ -.\nقلت: هذا يدل على أن الإيتار أمر مندوب إليه، وهذا أمر متفق عليه، ولا يدل على وجوب التثليث بل يدل على عدم وجوبه، فإنه إذا استنجى بحجر واحد يكون ممتثلًا بهذا الحديث قطعًا، وكذلك الجزء الثاني يدل على أن من ترك الاستنجاء بالوتر، سواء كان واحدًا أو ثلاثة، واستنجى بحجرين، فلا حرج فيه، فلو كان التثليث واجبًا لا يصح أن يقال: \"لا حرج\" في تركه.\nثم نقول: ما المراد بقوله - ﷺ -: \"فليوتر\"؟ إما الإيتار بواحد أو ثلاثة\n_________\n(١) بسط ابن رسلان الكلام على إعرابه. (ش).\n(٢) ومنه تسمى الجمرة للموضع المرمى بالحجارة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: وكان مالك -﵁ - يقوله أولًا ثم رجع عنه، حكاه ابن عبد البر عنه، وشرحه ابن رسلان ببخور الميت وقال: لا يجوز حمله على الاستجمار بالحجارة. (ش).\n(٤) فيه عدم وجوب الإيتار بالثلاث من وجهين: الأول لقوله: من فعل فقد أحسن ... إلخ، والثاني: لأن عموم الإيتار يشمل الواحد. اهـ. قلت: وهذا الثاني لا تساعده الروايات. (ش).","vol":"1","page":277},{"text":"وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظ، وَمَا لَاكَ بلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أًتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ،\n===\nأو ما هو فوق الثلاث عندكم، فلا جائز أن يكون المراد واحدًا، لأنه يستلزم جواز الاستنجاء بواحد وهو خلاف المذهب، ولا جائز أن يكون المراد عدد الثلاث، لأنه يخالفه قوله: \"من فعل فقد أحسن\" ... إلخ، فإنه يدل على عدم وجوب التثليث وهو خلاف المذهب، ولا جائز أن يكون المراد ما فوق الثلاث، لأن الزيادة على الثلاث ليس بمندوب إليها، بل هو أمر ضروري نادر الوقوع، مثلًا إذا كان رجل في حالة لا يكفيه ثلاثة أحجار، ويضطرُّ إلى الزيادة عليها، فحينئذ يستحب له الإيتار، لكن لندرة وقوعه لا يصح أن يكون محملًا للحديث، فثبت بهذا أن الأمر بالتثليث في الاستنجاء للندب، كما أن الأمر بالإيتار للندب، فإن التثليث داخل في الإيتار.\n(ومن أكل فما تخلل) أي ما أخرجه بالخلال من بين أسنانه (فليلفظ) أي فَلْيَرْم وليطرح، (وما لاك) أي ما أخرجه (بلسانه) أي بإدارة لسانه (فليبتلع). قال المظهر: إنما أمر بطرح ما تخلل؛ لأنه ربما يخرج مع الخلال دم، وأما ما لاك بلسانه فهو في حكم اللقمة، فإنها تبتلع بعد إدارة اللسان إياها في جوانب الفم وأطرافه.\n(من فعل فقد أحسن) لأنه اختار الأحوط (ومن لا فلا حرج) لأنه لم يتيقن خروج الدم معه، وإن تيقن كره أكله.\n(ومن أتى الغائط) أي الخلاء (فليستتر) (١) أمر بالتستر ما أمكن، حيث لا يكون قعوده بمكان يقع عليه أبصار الناظرين فيتهتك الستر، وأما إذا كان قعوده بمرأى من الناس أو بممرهم فليس فيه هذا الحكم،\n_________\n(١) وينبغي أن يكون بينه وبين الساتر ثلاثة أذرع أو دونه، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":278},{"text":"فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدم، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ\". [جه ٣٣٧، حم ٢/ ٣٧١، دي ٦٦٢، ق ١/ ١٠٤، حب ١٤٠٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، عن ثَوْرٍ قَالَ: \"حُصَيْنٌ الْحِمْيَرِيُّ\"، قَالَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، عن ثَوْرٍ فَقَالَ: \"أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ\".\n===\nبل الاستتار إذ ذاك حتم. (فإن لم يجد إلَّا أن يجمع كثيبًا) وهو ما ارتفع من الرمل كالتل الصغير (من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب) أي إذا لم يستتر (بمقاعد بني آدم) المقاعد جمع مقعدة، هي أسفل البدن ومحل القعود وكلاهما محتمل ها هنا، أي يتمكن من وسوسة الغير إلى النظر إلى مقعده. (من فعل) أي جمع الكثيب وتستر (فقد أحسن ومن لا فلا حرج) أي إذا لم يره أحد، وأما عند الضرورة فالحرج على من نظر إليه.\n(قال أبو داود: رواه أبو عاصم) هو ضحاك بن مخلد الملقب بالنبيل (١) البصري، ثقة ثبت، مات ٢١٢ هـ أو بعدها، (عن ثور قال) أي أبو عاصم: (حصين الحميري) بدل الحبراني. غرض أبي داود بهذا بيان الاختلاف بين رواية عيسى بن يونس ورواية أبي عاصم، فإن عيسى قال: عن الحصين الحبراني، وقال أبو عاصم: الحميري، وكلاهما صحيح كما مر، فإن حبران بطن من حمير.\n(قال) أي أبو داود: (ورواه عبد الملك بن الصباح) المسمعي، أبو محمد الصنعاني، ثم البصري، صدوق، مات سنة ٢٠٠ هـ أو قبلها، (عن ثور فقال: أبو سعيد الخير) يعني: أن رواية عيسى بن يونس فيها عن\n_________\n(١) اختلف في تلقيبه بذلك على أقوال ذكرت في \"التهذيب\" (٤/ ٤٥٠): من قصة الفيل، أو حلف شعبة، أو الثياب الفاخرة، أو تقبيل المرأة فقال: أنفي. (ش).","vol":"1","page":279},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبي سعيد من غير زيادة عليه، وفي رواية عبد الملك بن الصباح بزيادة لفظ الخير، أخرج رواية عبد الملك بن الصباح ابن ماجه، لكن فيها أبو سعد الخير بدون الياء بزيادة لفظ الخير.\nوبالجملة فها هنا اختلافات ثلاثة؛ الأول: أنه أبو سعيد بالياء أو أبو سعد بغير الياء، والثاني: هل هو صحابي أو ليس بصحابي. والثالث: أنه ملقب بالخير أو لا.\nفأما الاختلاف الأول، فقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، ونسب إلى أبي داود وابن ماجه فقال: أبو سعيد الحبراني الحميري الحمصي، ويقال: أبو سعد الخير الأنماري، ويقال: إنهما اثنان، ثم قال: قلت: الصواب التفريق بينهما، فقد نص على كون أبي سعد الخير صحابيًّا: البخاري وابن حبان وجماعة، وأما أبو سعيد الحبراني فتابعي قطعًا، وقال في \"تقريب التهذيب\" (١): أبو سعيد الحبراني، - ونسبه إلى أبي داود وابن ماجه -، الحمصي، اسمه زياد، مجهول، من الثالثة، ثم قال: وأبو سعيد الخير الأنماري، صحابي، له حديث، وقد وهم من خلطه بالذي قبله، ووهم أيضًا من صحّف الذي قبله به.\nوقال في \"ميزان الاعتدال\" (٢): أبو سعيد، - ونسبه إلى أبي داود وابن ماجه -، الحبراني، حمصي، ويقال: أبو سعد الأنماري، والظاهر أنهما اثنان. وقال صاحب \"درجات مرقاة الصعود\": قال ولي الدين: ما بأصلنا من \"سنن أبي داود\" بسكون عينه كـ \"سُنن ابن ماجه\" و\"البيهقي\" و\"صحيح ابن حبان\"، وقالوا: سعد الخير، ويعلل الدارقطني أن\n_________\n(١) (٨١٢٦).\n(٢) (٤/ ٥٢٩).","vol":"1","page":280},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ هُو مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -.\n===\nعبد الملك بن الصباح والحسن بن علي عن أبي عاصم قالا عن ثور: أبو سعد بسكون عينه، وأن عيسى بن يونس قال عن ثور: أبو سعيد، كأمير، وأنه الصحيح، وقال النووي: المشهور فيه أبو سعيد، كأمير، انتهى.\nفهذه العبارات تدل على أن الظاهر أنه أبو سعيد، كأمير.\nوأما الاختلاف الثاني: فيكفي لدفعه ما قال الحافظ: وأما أبو سعيد الحبراني فتابعي قطعًا، فقول البعض بكونه صحابيًا ليس بصحيح.\nوأما الاختلاف الثالث: فيتكفل لدفعه ما قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": وإنما وهم بعض الرواة فقال في حديثه: عن أبي سعد الخير، ولعله تصحيف وحذف، انتهى.\nفالتصحيف فيه في الجزء الأول بتبديل أبي سعيد بصورة أبي سعد، والحذف في الجزء الثاني، وكان في الأصل الحبراني فحذف الجزء الآخِر وأبقى لفظ الخير، أو يقال: إن التصحيف والحذف في كلا جزئيه، فالتصحيف والحذف في الجزء الأول بحذف الياء، وفي الجزء الثاني بجعل الحاء المهملة خاء معجمة، وجعل الباء الموحدة ياء تحتانية، وحذف الألف والنون والياء من آخرها، فعلم من هذا أن أبا سعيد هذا الذي يروي عن أبي هريرة لا يلقب بالخير.\nوأما ما (قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي - ﷺ -) فغرضه بهذا الكلام دفع اشتباه يمكن أن يقع لبعضهم أن أبا سعيد الذي يروي عن أبي هريرة لعله يشتبه على بعضهم أنه صحابي يروي عن صحابي، فدفع ذلك الاشتباه بأن أبا سعيد الخير هو آخر (١) من أصحاب النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) هذا رأي الحافظ، واقتصر عليه الشارح، ورجح العلامة العيني كون الراوي ها هنا أبا سعيد الخير الصحابي (ش).","vol":"1","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما هذا فليس بصحابي، وليس يلقب بالخير، بل هو أبو سعيد كما بيناه في رواية عيسى بن يونس عن ثور.\nوأما ما قال صاحب \"غاية المقصود\": لكن يقال: إن أبا عاصم النبيل وعبد الملك بن الصباح اتفقا عن ثور بن يزيد على هذا اللفظ، يعني أبا سعيد الخير، فهو مقدم على رواية عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد فإنه متفرد.\nفجوابه: أن هذا لا يلزم أبا داود، فإن أبا داود ذكر الاختلاف بين رواية أبي عاصم وبين رواية عيسى بن يونس، فقال: رواه أبو عاصم عن ثور قال: حصين الحميري، وغرضه أن أبا عاصم خالف عيسى بن يونس في قوله: الحميري، فإن عيسى بن يونس قال: الحبراني، وليس فيه إلَّا اختلاف في اللفظ، وأما في المعنى فليس فيه شائبة الاختلاف، لأن حبران بطن من حمير، فكونه حبرانيًا، وكونه حميريًا، كلاهما صحيح، ولم يذكر أبو داود في رواية أبي عاصم الاختلاف بزيادة لفظ \"الخير\".\nفلو كان عند أبي داود رواية أبي عاصم مخالفة لرواية عيسى بن يونس بزيادة لفظ \"الخير\" لَذَكر لا محالة، وكذلك الاختلاف الذي وقع في رواية عبد الملك بن الصبّاح، عن (١) رواية عيسى بن يونس بزيادة لفظ \"الخير\"، فنسبه أبو داود إلى عبد الملك بن الصبّاح، فلو كان أبو عاصم متفقًا مع عبد الملك بن الصباح في زيادة لفظ \"الخير\" لذكره معه أبو داود ها هنا لا محالة.\nفعلم بهذا أن هذه الزيادة مقصورة على رواية عبد الملك، وليس هذه الزيادة في رواية أبي عاصم، فلا يلزم هذا الإلزام على أبي داود، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) قوله: \"عن\" كذا في الأصل، والظاهر \"و\"، والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>(٢٠) بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ أَنْ يُستَنْجَى بِهِ</span>\n٣٦ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَوْهِبٍ الْهَمَدَانِيُّ، أَنَا الْمُفَضَّلُ - يَعْنِي ابنَ فَضَالَةَ الْمِصْرِيَّ -، عَنْ عَيَّاشِ ابْنِ عَبًَّاسٍ الْقتْبَانِيِّ، أَنَّ شُيَيْمَ بْنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ، عَنْ شَيْبَانَ الْقِتْبَانِيِّ\n===\n\n(٢٠) (بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ أَنْ يُستَنْجَى بِهِ)\nيعني: الغرضُ بعقد هذا الباب بيان الأشياء التي نهى عنها رسول الله - ﷺ - أن يستنجي بها أحد من الناس.\n٣٦ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني) (١) قال في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\": يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب (٢) بفتح الهاء، الهمداني، أبو خالد الرملي، ثقة عابد، مشهور بكنيته، مات سنة ٢٣٢ هـ، (أنا المفضل، يعني ابن فضالة) بن عبيد بن ثمامة القتباني، أبو معاوية، (المصري) قاضيها، ثقة فاضل عابد، أخطأ ابن سعد في تضعيفه، مات سنة ١٨١ هـ.\n(عن عياش بن عباس القتباني) بكسر القاف وسكون المثناة، الحميري، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة، مات سنة ١٣٣ هـ، قال في \"الأنساب\" (٣): وقتبان في اليمن: بطن من رعين، والمنتسب إليه عياش بن عباس القتباني. (أن شييم) بكسر أوله ويقال بضمه وفتح تحتانية وسكون مثلها (ابن بيتان) بلفظ تثنية بيت، القتباني البلوي البصري، ثقة، (أخبره) أي عياش بن عباس (عن شيبان القتباني) هو شيبان بن أمية، أو ابن قيس،\n_________\n(١) بإسكان الميم، \"ابن رسلان\". همدان قبيلة من الحمير، \"غاية المقصود\". (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: ابن أبي أمية البصري مولى عمر أخو مبارك. (ش).\n(٣) (٤/ ٤٤٩).","vol":"1","page":283},{"text":"قَالَ: إِنَّ مَسْلَمَة بْنَ مُخَلَّدٍ اسْتَعْمَلَ رُويفِعَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى أَسْفَلِ الأَرْضِ،\n===\nأبو حذيفة المصري، مجهول، وفي \"الأنساب\": شيبان بن أبي أمية القتباني، أبو حذيفة، شهد فتح مصر، روى عن رويفع بن ثابت وأبي عمرة المزني، روى عنه شييم بن بيتان وبكر بن سوادة الجذامي.\n(قال) أي شيبان: (إن مسلمة (١) بن مُخَلَّدٍ) كمحمد، الأنصاري الزرقي، سكن مصر، وكان واليًا عليها أيام معاوية (٢)، قال علي بن رباح عن مسلمة: ولدت (٣) حين قدم النبي - ﷺ - المدينة، ومات وأنا ابن عشر سنين، قال البخاري: له صحبة، وقال الواقدي: رجع إلى المدينة أيام معاوية فمات بها، وقال ابن حبان: مات بمصر، وقال ابن عبد البر: كانت مدة ولايته على مصر والإفريقية ست عشرة سنة، مات سنة ٦٢ هـ.\n(استعمل) أي جعل عاملًا وأميرًا (رويفع (٤) بن ثابت) بن السكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني، صحابي سكن مصر، وأمّره معاوية على طرابلس سنة ٤٦ هـ، وولي إمرة برقة، وتوفي فيها، قال أحمد بن البرقي: توفي ببرقة، وقد رأيت قبره، وكذا قال ابن يونس، وزاد: سنة ٥٦ هـ، وهو أمير عليها لمسلمة بن مخلّد.\n(على أسفل الأرض) (٥) قال صاحب \"الدرجات\": قال المنذري:\n_________\n(١) بفتح الميم واللام. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وكان من أصحابه. (ش) [انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ١٢٩)، رقم (٤٩٢٥)].\n(٣) وقيل: كان له إذًا أربع سنين \"الغاية\". (ش) [انظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٧/ ١٦٨٢)].\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٠٢) رقم (١٧١٧).\n(٥) أي: أرض ديار مصر. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":284},{"text":"قَالَ شَيْبَانُ: فَسِرْنَا مَعَهُ مِنْ كُومِ شَرِيكٍ إِلَى عَلْقَمَاءَ، أَوْ مِنْ عَلْقَمَاءَ إِلَى كُومِ شَرِيكٍ، يُرِيدُ عَلْقَامَ،\n===\nهو الوجه البحري من مصر، وقال بعضهم: أو أراد المغرب، فولاية رويفع المغرب مشهورة، وولايته للوجه البحري لا تكاد تعرف.\n(قال شيبان: فسرنا معه من كوم (١) شريك) ذكر ابن يونس أنه بطريق الإسكندرية، وشريك كأمير، هو ابن سميّ المرادي الغطيفي، صحابي، شهد فتح مصر (٢)، وإنما أضيف له كوم إذ عمرو بن العاص لما سار لفتح الإسكندرية، وشريك على مقدمته خرج عليهم جمع عظيم من الروم، فخافهم على أصحابه، فلجأ إلى الكوم ودافعهم، وكوم كحوت، وهو المشهور، وضبطه بعض الحفاظ بالفتح، (إلى علقماء) (٣) ضبطه صاحب \"درجات مرقاة الصعود\" بعين فلام فقاف فمد كبيضاء، موضع في أسفل ديار مصر، وأما في النسخ الموجودة عندنا من المكتوبة والمطبوعة الهندية والمصرية فبزيادة الميم بعد القاف.\n(أو من علقماء إلى كوم شريك) هذا شك من الراوي، ولم يتعين الشاك، فيمكن أن يكون شيبان أو غيره، والمراد به أن ابتداء السير كان من كوم شريك، أو من علقماء، وكان مصاحبتنا له منتهيًا إلى علقماء إن كان ابتداء السير من كوم شريك، وإلى كوم شريك إن كان ابتداء السير من علقماء، وكان رويفع بن ثابت - ﵁ - (يريد علقام) وهو موضع آخر غير علقماء.\n_________\n(١) في \"النهاية\" بالضم. قال البكري بالفتح. قال ابن رسلان: موضع بأسفل ديار مصر. (ش).\n(٢) انظر \"الإصابة\" (٢/ ١٥٠).\n(٣) قال العيني في \"شرح أبي داود\" (١/ ١٢٦): علقماء: بلدة في طريق الإسكندرية، وهي اليوم خراب، وكذلك علقام هي أيضًا بلدة وهي اليوم خراب.","vol":"1","page":285},{"text":"فَقَالَ رُويفِعُ: إِنْ كَانَ أَحَدُنَا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - لَيَأخُذَ نِضْوَ أَخِيهِ عَلَى أَنَ لَهُ النّصْفَ مِمَّا يَغْنَمُ وَلَنَا النِّصْفَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَطِيرُ لَهُ النَّصْلُ والرِّيشُ وَللآخَرِ الْقِدْحُ،\n===\n(فقال رويفعُ: إن كان أحدنا في زمن رسول الله - ﷺ -) لفظة \"إن\" مخففة من الثقيلة، ولام (ليأخذ) فارقة (نضو) هو بكسر نون وسكون معجمة فواو، بعير مهزول، وقال في \"لسان العرب\": النِضْوُ: الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها، (أخيه) المراد بالأخ الأخ في الدين، (على) شرط (أن له النصف بما يغنم ولنا النصف) وفي بعض النسخ: \"وله النصف\"، يعني يكون معاملة الشركة (١) بينهما على أن لصاحب البعير المهزول نصف الغنيمة حصة بعيره، ولآخذ البعير الذي يغزو عليه النصف لغزوه.\n(وإن) مخففة (كان أحدنا ليطير له) اللام فارقة، ومعنى \"ليطير\" (٢) ليحصل في القسمة (النصل) حديدة السهم (والريش وللآخر القدح) (٣) بكسر القاف وسكون الدال كسِدْرِ، خشب السهم قبل أن يراش ويركب نصله، يعني: يحصل في الغنيمة شيء قليل، ففي بعض الأحيان يحصل سهم واحد فنقسمه بيننا، فيأخذ أحدنا القدح، والآخر النصل والريش.\nوغرض رويفع - ﵁ - من هذا الكلام بيان حال ابتداء\n_________\n(١) قال الخطابي (١/ ٢٦): فيه حجة لمن أجازه، منهم: الأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ولم يجزه أكثر الفقهاء. \"غاية المقصود\"، و\"ابن رسلان\"، و\"المنهل\". وفي \"التقرير\": ليس على الاستئجار، بل على مجازاة الحسنة بالحسنة. (ش).\n(٢) يقال: طار لفلان كذا، أي حصل له من القسمة. \"ابن رسلان\". (ش). [كذا في \"النهاية\" (٣/ ١٥١)].\n(٣) قال الخطابي (١/ ٢٦): فيه حجة أن تقسيم ما ينتفع به بعد القسمة يجب، بخلاف ما لا يكون مثله كاللؤلؤ، كذا في \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":286},{"text":"ثُمَّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَا رُويفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِو النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا،\n===\nالإِسلام، بأنه كان إذ ذاك خفيفًا، وإعلام بأني كنت قديم الإِسلام فيعتمدوا عليّ ويصدقوا حديثي، ولهذا روى بعد ذلك.\n(ثم قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي) ووقع كما أخبر، فطالت حياته (١)، وأدرك زمن إمارة معاوية - ﵁ -. وأيضًا فيه إخبار عن الغيب من تغيير يحصل في الدين بعد القرن الأول، وهذا أيضًا وقع كما قال.\n(فأخبر الناس أنه من عقد لحيته) (٢) قال الأكثرون: هو معالجتها حتى تتعقد وتتجعد، وهذا مخالف للسنَّة التي هي تسريح اللحية، وقيل: كانوا يعقدونها (٣) في الحرب زمن الجاهلية، فأمرهم ﵇ بإرسالها، لما في عقدها من التشبه بالنساء، وقيل: كان ذلك من دأب العجم أيضًا، فنهوا عنه، وقيل: كان من عادة العرب أن من له زوجة واحدة، عقد في لحيته عقدة صغيرة، ومن كان له زوجتان عقد عقدتين، كذا نقله القاري (٤) عن الأبهري.\n(أو تقلّد وترًا) بفتحتين، أي خيطًا فيه تعويذ أو خرزات، لدفع العين، والحفظ عن الآفات، كانوا يعلقون على رقاب الولد والفرس،\n_________\n(١) وتوفي سنة ٥٣ هـ بأفريقة، وهو آخر من مات بها من الصحابة. \"غاية المقصود\". (ش). [وفي \"التقريب\" (١٩٧١)، و\"التهذيب\" (٣/ ٢٩٩)، و\"الإصابة\" (٢/ ١١٤): مات سنة ستة وخمسين].\n(٢) قال ابن رسلان: في اللحية يكره عشر خصال، هذه إحداها. (ش).\n(٣) تكبرًا وعجبًا، قاله ابن الأثير، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٤) (٢/ ٦٨).","vol":"1","page":287},{"text":"أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَ مُحَمَّدًا - ﷺ - مِنْهُ بَرِئٌ\". [ن ٥٠٦٧، ق ١/ ١١٠، حم ٤/ ١٠٨]\n٣٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالدٍ، نَا مُفَضَّلٌ، عن عيَّاشٍ، أَنَّ شُيَيْمَ بْنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عن أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ،\n===\nوقيل: كانوا (١) يعلقون عليها الأجراس، والمعنى: أو تقلد الفرس وَتْرَ القوسِ، انتهى. كذا قال علي القاري.\n(أو استنجى برجيع دابةٍ أو عظم (٢)، فإن محمدًا - ﷺ - منه بريء). وهذا من باب الوعيد والمبالغة في الزجر الشديد.\n٣٧ - (حدثنا يزيد بن خالد، نا مفضل، عن عياش، أن شييم بن بيتان (٣) أخبره بهذا الحديث أيضًا (٤) عن أبي سالم الجيشاني) هو سفيان بن هانئ المصري، أبو سالم الجيشاني، بفتح الجيم، وسكون التحتانية بعدها معجمة، تابعي، مخضرم، شهد فتح مصر، ويقال: له صحبة، مات بعد سنة ٨٠ هـ.\n_________\n(١) ويحتمل أن النهي لاختناق الدابة، ويحتمل أن يراد ما يجعله جماعة من القلندرية في أعناقهم من الأحبال وغيرها، ويزعمون أنهم يتذكرون بذلك أغلال يوم القيامة، فأخبر ﵊ بأنه سيكون، ونهى عنه لما فيه من تغيير خلق الله. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: وفي رواية الدارقطني (١/ ٥٦): \"أنهما لا تطهران\"، وإسناده صحيح، وهذا حجة على مالك في إباحته بالعظم الطاهر والروث من مأكول اللحم، ثم فرق بين هذا النهي، وبين النهي عن الاستنجاء باليمين، وتقدم الجواب عن رواية الدارقطني من الحنفية في \"باب كراهة استقبال القبلة\". (ش).\n(٣) شِيَيْم: بكسر أوله وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها، ابن بَيْتَان، بلفظ تثنية بيت، القتباني، المصري، ثقة من الثالثة، د ت س، \"تقريب التهذيب\" (٢٨٤١).\n(٤) من آض يئيض أيضًا، أي: رجع، كباع يبع بيعًا، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":288},{"text":"عن عَبْدِ اللَّه بْنِ عمرو يَذْكُرُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعَهُ مُرَابِطٌ بِحِصْنِ بَابِ أَلْيُونَ [انظر الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حِصْنُ أَلْيُونَ بِالْفُسْطَاطِ عَلَى جَبَلٍ.\n===\n(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بالتصغير، ابن سعد بن سهم السهمي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، القرشي، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، واحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحَرَّةِ على الأصح بالطائف على الراجح (١).\n(يذكر) قائله أبو سالم الجيشاني وضمير الفعل يعود إلى عبد الله بن عمرو (ذلك) الحديث (وهو) أي أبو سالم (معه) جملة حالية، والضمير المجرور يرجع إلى عبد الله بن عمرو (مرابط) خبر ثان، والرباط: ارتباط الخيل في الثغر والمقام فيه لجهاد العدو، (بحصن باب أليون) بهمزة فلام فتحتية، كزيتون، مدينة مصر قديمًا، فلما فتحها المسلمون سموها الفسطاط، وأما ألبون بموحدة، فمدينة باليمن، هكذا في \"مجمع البحار\" و\"لسان العرب\" عن ابن الأثير.\nوقال في \"القاموس\": والفسطاط: بالضم مجتمع أهل الكورة، وعلم مصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص، وفي \"نهاية ابن الأثير\" (٢) المطبوعة بمصر: فيه ذكر حصن أليون، هو بفتح الهمزة وسكون اللام وضم الياء، اسم مدينة مصر قديمًا، فتحها المسلمون وسموها الفسطاط.\n(قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل)، قال في \"مجمع البحار\" (٣): وقول أبي داود: حصن ... إلخ لا ينافيه، لأن الذي على جبل هو الحصين، لا نفس أليون.\n_________\n(١) انظر \"أسد الغابة\" (٣/ ٣٤٩)، و\"الإصابة\" (٢/ ٣٥١).\n(٢) (١/ ٦٥).\n(٣) (١/ ٨٢).","vol":"1","page":289},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ شَيْبَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، يُكَنَّى أَبَا حُذَيْفَةَ.\n٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، أَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، نَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، نَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: \"نَهَانَا رَسُولُ اللَّه - ﷺ - أَنْ نتمَسَّحَ بِعَظْم أَوْ بَعْرٍ\". [م ٢٦٣، حم ٣/ ٣٣٦، ق ١/ ١١٠]\n===\n(قال أبو داود: هو) أي شيبان الذي مر في الرواية السابقة (شيبان (١) بن أمية، يكنى أبا حذيفة) غرض أبي داود بيان كنيته واسم أبيه.\n٣٨ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، أنا روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان القيسي، أبو محمد البصري، ثقة فاضل، له تصانيف، مات سنة ٢٠٥ هـ، (نا زكريا بن إسحاق) المكي، ثقة، رُمي بالقدر، (نا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهانا رسول الله - ﷺ -) (أن نتمسّح) أي نستنجي (بعظم) فإنه قال - ﷺ - فيه: \"زاد إخوانكم الجن\"، وتلتحق به المحترمات كلها، كأجزاء الحيوان، وأوراق كتب العلم، وغير ذلك، (أو بعر) فالنهي عن الاستنجاء به لنجاسته، ويلتحق به كل ما كان نجسًا.\nولكن إذا استنجى بالنجس، يجوز ذلك مع الكراهة عندنا، وأما عند الشافعية (٢) فلم يصح استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر، لأن الموضع صار نجسًا بنجاسة أجنبية، وكذلك إذا استنجى بمطعوم يجوز عندنا، ولكن يكره، وعند الشافعية الأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم تنتقل النجاسة من موضعها.\n_________\n(١) لم يرو عنه أبو داود غيرَ هذا، \"ابن رسلان\".\n(٢) وكذا عند الحنابلة، كما في \"نيل الأوطار\" (١/ ٤٠). (ش).","vol":"1","page":290},{"text":"٣٩ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ، نَا ابنُ عَيَّاشٍ، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرو السَّيْبَانِيِّ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ الدَّيْلَمِي، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: \"قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ،\n===\n٣٩ - (حدثنا حيوة) بفتح أوله، وسكون التحتانية، وفتح الواو (ابن شريح) مصغرًا، ابن يزيد الحضرمي، أبو العباس (الحمصي) ثقة، مات سنة ٢٢٤ هـ (نا ابن عياش) هو إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي بنون، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، مات سنة ١٨٢ هـ. (عن يحيى بن أبي عمرو السيباني) بفتح المهملة (١)، وسكون التحتانية، بعدها موحدة، منسوب إلى سيبان، بطن من حمير، أبو زرعة الحمصي، ثقة، وروايته عن الصحابة مرسلة، مات سنة ١٤٨ هـ. (عن عبد الله بن) فيروز (الديلمي) المقدسي، أبو بشر، ويقال: أبو بسر، أخو الضحاك بن فيروز، كان يسكن بيت المقدس، ثقة، من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة (٢).\n(عن عبد الله بن مسعود) بن غافل، بمعجمة وفاء، ابن خبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبه جمة، وأمَّره عمر على الكوفة، مات سنة ٣٢ هـ بالمدينة، أو بعدها (٣). (قال) عبد الله: (قدم وفد الجن) هم جن نصيبين (٤) قدموا مكة قبل الهجرة (على النبي - ﷺ - فقالوا: يا محمد) خاطبوا رسول الله - ﷺ - باسمه\n_________\n(١) وكذا ضبطه صاحب \"الغاية\"، وضبطه ابن رسلان بالشين المعجمة فتأمل. (ش).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٣٥٣٤).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٧٤).\n(٤) وكانوا تسعة، وفيه دليل على وجود الجن، وكثير منهم أنكروه، كما سيأتي في \"كتاب الأدب\". (ش).","vol":"1","page":291},{"text":"انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْم أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمةٍ، فَإِنَّ اللَّه ﷿ جَعَلَ لَنَا فِيْهَا رِزْقًا، قالَ: فَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ\". [ق ١/ ١٠٩، قط ١/ ٥٥]\n===\nالشريف، لأنه لم ينزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١) وكان نزوله بالمدينة.\n(انْهَ) بسكون النون وفتح الحاء (أمتك أن يستنجوا بعظم، أو روثة، أو حُمَمة) (٢) بضم الحاء، وفتح الميم، في \"شرح السنَّة (٣) \": الحمم: الفحم وما أحرق من الخشب أو العظام ونحوهما، والاستنجاء به منهي عنه، لأنه جعل رزقًا للجن، فلا يجوز إفساده، وقوله: رزقًا للجن، أيمما انتفاعًا لهم بالطبخ والدفاء والإضاءة (فإن الله ﷿ جعل لنا) أي: لأنفسنا، ولدوابنا (فيها رزقًا) (٤). (قال) عبد الله: (فنهى النبي - ﷺ - عن ذلك).\n_________\n(١) سورة النور: الآية ٦٣.\n(٢) جمعه حمم، بحذف الهاء. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (١/ ٣٦٦).\n(٤) قال ابن رسلان: وفي \"دلائل النبوة\" (٢/ ٢٣٠): أنهم قالوا ليلة الجن: أعطنا هدية، فأعطاهم ذلك، فلعله ﵊ لما أعطاهم قالوا: اِنْه أمتك، فإذا وجدوا عظمًا وروثًا جعله الله لهم كانه لم يؤكل، وكذا الروث للدواب، فإن كانوا أكلوا شعيرًا جعله الله شعيرًا، وإن كانوا أكلوا تينًا أو غيره من العلف جعله الله كذلك، ويشبه أن يجعل الله الفحم خشبًا لنارهم، ويحتمل أن يكون رزقهم لذلك، هي الرائحة التي تظهر لهم، ونحو ذلك، فيكون قوتهم لا نفس العين، فإن أجسادهم لطيفة لا تليق بها نفس العظم والروث، انتهى مختصرًا.\nثم كونه زادًا لهم مطلق كما هو مقتضى هذه الروايات، أو مخصوص بما لم يذكر اسم الله عليه، كما هو نص رواية الترمذي، وحكم صاحب \"العرف الشذي\" على ما فرقوا بين الميتة والذكية بالمسلم والكافر بالاضطراب، والبسط في هامش \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٦٧).\nثم الحديث حجة في أنهم يأكلون ويشربون، والمسألة خلافية شهيرة، بسطها الحافظ =","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>(٢١) بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالأَحْجَارِ</span>\n٤٠ - حدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: ثنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي حَازمٍ، عن مُسْلِمِ بْنِ قُرْطٍ،\n===\n\n(٢١) (بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالأَحْجَارِ)\n٤٠ - (حدثنا سعيد بن منصور) بن شعبة، أبو عثمان الخراساني المروزي، يقال: وُلد بجوزجان، ونشأ ببلخ، وطاف البلاد، وسكن مكة، ومات بها، ثقة مصنف، قال يعقوب بن سفيان: كان إذا رأى في كتابه خطأ لم يرجع عنه، مات سنة ٢٢٧ هـ، (وقتيبة بن سعيد قالا) أي: سعيد وقتيبة: (ثنا يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري بتشديد التحتانية، المدني، نزيل الإسكندرية، حليف بني زهرة، ثقة، مات سنة ١٨١ هـ.\n(عن أبي حازم) هو سلمة بن دينار، مولى الأسود بن سفيان، الأعرج الأفزر التمار، المدني، القاص، الزاهد، أحد الأعلام، ثقة، مات في خلافة المنصور سنة ١٣٥ هـ أو بعدها.\n(عن مسلم بن قرط) بضم قاف، وسكون الراء، بعدها مهملة، المدني، قال الحافظ: ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: هو يخطئ، ثم قال الحافظ: هو مُقِلٌّ (١) جدًا، وإذا كان مع قلة حديثه يخطئ\n_________\n= في \"الفتح\" (٦/ ٣٤٥)، وأجملها العيني (١٠/ ٦٤٥) بأن فيه ثلاثة أقوال؛ الأول: أنهم لا يأكلون مطلقًا، وهذا بديهي البطلان، والثاني: أن بعضهم يأكلون وبعضهم لا، والثالث: أن كلهم يأكلون، ثم اختلف أهل هذا القول بأن أكلهم حقيقة، أو شم رائحة؟ . (ش).\n(١) قال ابن رسلان: أخرج له المصنف والنسائي (١/ ٤١) هذا الحديث فقط. (ش). [قلت: أخرجه الدارقطني (١/ ٥٤ - ٥٥)].","vol":"1","page":293},{"text":"عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ -﵂ - قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَهَا تُجْزِئُ عَنْهُ\". [ن ٤٤، حم ٦/ ١٠٨، ١٣٣، دي ٩٧٠، قط ١/ ٥٤ - ٥٥، ق ١/ ١٠٣]\n===\nفهو ضعيف، وقد قرأت بخط الذهبي: لا يعرف، وحَسَّنَ حديثه الدارقطني.\n(عن عروة، عن عائشة - ﵂ - قالت: إن رسول الله - ﷺ - قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه) أمر استحباب (بثلاثة أحجار، يستطيب (١) بهن، فإنها تجزئ) (٢) بضم التاء، وكسر الزاي، بعدها همزة، وفي نسخة: بفتح التاء، وكسر الزاي، بعدها ياء، أي تكفي وتغني وتنوب (عنه) أي عن الماء (٣)، وقال ابن حجر: أي عن المستنجي، وهو بعيد، قاله القاري (٤).\nقلت: ليس ببعيد، بل يؤيده ما أخرجه الطحاوي (٥) بسنده عن عائشة -﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا خرج أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار يستنظف بها، فإنها ستكفيه\". وهذا التعليل يدل على أن الأمر السابق لم يكن للوجوب، وقد مر بحثه قبل ذلك.\n_________\n(١) بإثبات الياء ورفع الموحدة على أنه صفة للأحجار، أو بحذفه بالجزم على أنه جواب إلَّامر، ويؤيده رواية النسائي بلفظ: \"فليستطب بهن\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) استدل به ابن رسلان على الوجوب بوجهين، لصيغة الأمر ولفظ الإجزاء، فإنه يستعمل في الوجوب. (ش).\n(٣) أو عن الاستنجاء أو الاستطابة، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٦).\n(٥) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٢١).","vol":"1","page":294},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفمعنى الحديث على احتمال كون المستنجي مرجع الضمير على ما قاله الحافظ ابن حجر المكي أن رسول الله - ﷺ - أمر بثلاثة أحجار للاستطابة بها، لأنها تكفي عن المستنجي في غالب الأحوال، فثبت بذلك أن مراده - ﷺ - بتخصيص الذكر لهذا العدد، ليس هو الإيجاب، بل لأجل حصول التنقية بها في غالب الأحوال، وأما على تقدير أن يكون المرجع الماء أو الاستطابة على ما قاله علي القاري فمعناه أن الاستطابة بثلاثة أحجار تكفي عن الاستطابة بالماء في غالب الأحوال، وأما في بعض الأحوال فلا يكفي ثلاثة أحجار بل يحتاج إلى الزائد منها.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): قالوا: ويجب الزيادة على ثلاثة أحجار إذا لم يحصل الإنقاء بها، انتهى. وكذلك في بعضها لا يحتاج إلى ثلاثة أحجار، بل يكفي الحجر الواحد، أو الحجران عن الاستطابة بالماء، إذا حصل الإنقاء به.\nفالحاصل أن الأمر الوارد في هذا الحديث محول عن الوجوب، ومحمول على الندب، والقائلون بوجوب التثليث أيضًا خالفوه، وقالوا: لو استنجى بحجر واحد له ثلاثة أحرف يجوز، فأبطلوا التثليث، والعجب من الدارقطني أنه روى هذا، وقال: إسناده صحيح حسن، مع أن في سنده مسلم بن قرط، وقد قال الذهبي: لا يعرف، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): هو مقل جدًا، وإذا كان مع قلة حديثه يخطئ فهوضعَيف.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٩٦).\n(٢) (١٠/ ١٣٤).","vol":"1","page":295},{"text":"٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّد النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن عَمْرِو بْنِ خُزَيْمَةَ، عن عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، عن خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عنِ الاسْتِطَابَةِ فَقَالَ: \"بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ\n===\n٤١ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو المنذر، وقيل: أبو عبد الله، ثقة، فقيه، لم ينكر عليه شيء إلَّا بعد ما سار إلى العراق، وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، بلغني أن مالكًا نقم عليه حديثه لأهل العراق، مات سنة ١٤٦ هـ.\n(عن عمرو بن خزيمة) المزني، أبوخزيمة المدني، روى عنه هشام بن عروة، وقيل: عن هشام عن عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن خزيمة، كذا قال علي بن حرب عن أبي معاوية عن هشام، قال في \"التقريب\": مقبول، وفي \"الخلاصة\": وثَّقَه ابن حبان.\n(عن عمارة بن خزيمة) بن ثابت الأنصاري الأوسي، أبو عبد الله، أو أبو محمد المدني، ثقة، قليل الحديث، وغفل ابن حزم في \"المحلى\" فقال: إنه مجهول لا يدرى من هو، مات سنة ١٠٥ هـ، وثقه النسائي وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن خزيمة بن ثابت) بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاري، الخطمي، أبو عمارة المدني، ذو الشهادتين، شهد بدرًا وما بعدها، قتل سنة ٣٧ هـ في صفين (١)، (قال) أي خزيمة: (سئل النبي - ﷺ - عن الاستطابة) أي الاستنجاء (فقال: بثلاثة أحجار) أي الاستنجاء بثلاثة\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ١١٩) رقم (١٤٤٦).","vol":"1","page":296},{"text":"لَيْسَ فِيْهَا رَجِيعٌ\". [جه ٣١٥، دي ٦٧١، حم ٥/ ٢١٣، ق ١/ ١٠٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ - يَعْنِي ابْنَ عُرْوَة -.\n===\nأحجار يكفيكم (ليس فيها رجيع) الرجيع هو العذرة والروث، لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا.\n(قال أبو داود: كذا رواه أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم، الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، مات سنة ٢٠١ هـ، (وابن نمير) هو عبد الله بن نمير بنون مصغرًا، الهمداني، أبو هشام الكوفي، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنَّة، مات سنة ١٩٩ هـ، (عن هشام، يعني: ابن عروة).\nوغرض المصنف (١) من إيراد هذه العبارة بيان أنه وقع الاختلاف في رواية أبي معاوية، فقال علي بن حرب: عن أبي معاوية عن هشام عن عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن خزيمة، وروى عبد الله بن محمد النفيلي: ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة، ولم يذكر واسطة عبد الرحمن بن سعد، فقدى المصنف رواية عبد الله بن محمد النفيلي عن أبي معاوية برواية أبي أسامة وابن نمير، فإنهما رويا عن هشام بن عروة كما رواه عبد الله بن محمد النفيلي عن أبي معاوية، فهذا تعريض على رواية علي بن حرب بان الذي وقع في روايته من زيادة عبد الرحمن ليس بقائم، صرح به الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ترجمة عمرو بن خزيمة،\n_________\n(١) وذكر صاحب \"الغاية\" غرض المصنف التعريض على رواية سفيان التي أخرجها البيهقي (١/ ١٠٣)، وفيها: عن هشام عن أبي وجزة، قال البيهقي: أخطأ فيه إنما هو أبو خزيمة، اسمه عمرو بن خزيمة، إلى آخر ما فيه. (ش).\n(٢) (٨/ ٢٨).","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>(٢٢) بَابٌ: في الاسْتِبْرَاءِ</span>\n٤٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئ\n===\nفارتفع الاضطراب الذي ذكره الذهبي في \"الميزان\" فقال: والحديث مضطرب الإسناد، ففي \"مسند ابن حنبل\": حدثنا وكيع ثنا هشام عن أبي خزيمة، الحديث. وأبو خزيمة هذا هو عمرو بن خزيمة المتقدم.\n\n(٢٢) (بَابٌ: في الاسْتِبْرَاءِ)\nأي هذا باب آخر في الاستبراء، والمراد ها هنا الاستنجاء بالماء (١)، والباب الذي تقدم أولًا \"باب الاستبراء من البول\"، المراد بذلك التوقي من البول مطلقًا، سواء كان في محل الاستنجاء، أو غير ذلك.\n٤٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وخلف بن هشام) بن ثعلب بالمثلثة والمهملة، البزار بالراء في آخره (المقرئ) البغدادي، ثقة، له اختيار في القراءات، مات سنة ٢٢٩ هـ، قال في \"غاية المقصود\"، وتبعه صاحب \"عون المعبود\" (٢)، فقالا: والمقرئي بالضم والسكون وفتح الراء وهمزة ثم ياء نسب إلى مقرأ، قرية بدمشق.\nقلت: قال المجد في \"القاموس\": ومقرأ كمكرم بلدة باليمن، به\nمعدن العقيق، منه المقرئيون من المحدثين وغيرهم، ويفتح ابن الكلبي الميم، وقال السمعاني في \"الأنساب\" (٣): المقرائي بضم الميم وقيل\n_________\n(١) فيكون مؤدى الباب بملاحظة الرواية أن الاستنجاء بالماء ليس بواجب، ومؤدى الباب الآتي استحبابه، ووجه هذا التكرار في تقرير أبي داود للشيخ الكَنكَوهي بعدة توجيهات. (ش).\n(٢) (١/ ٤٢).\n(٣) (٤/ ٣٤٤).","vol":"1","page":298},{"text":"الْمَعْنَى قَالَا: نَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يَحْيَى التَّوْأَمُ\n===\nبفتحها، وسكون القاف، وفتح الراء، بعدها همزة، هذه النسبة إلى مقرى قرية بدمشق، وقد تصفحت أوراق الكتب فلم أجد في شيء منها أن خلف بن هشام هذا ينسب إلى هذه القرية، ويقال له: المقرئي لأجل هذه النسبة، والصحيح عندي أنه ليس فيها ياء النسبة، بل هو صيغة اسم فاعل من أقرأ يقرئ فهو مقرئ بضم الميم وسكون القاف وكسر الراء بعدها همزة، وهو الذي يقرئ القرآن ويدرسه، وخلف بن هشام هذا من القراء المعتبرين كما ذكره في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\"، أما ما في \"التقريب\" فقد ذكر قبل، وأما في \"تهذيب التهذيب\"، فقال ابن حبان: وكان خيِّرًا فاضلًا عالمًا بالقراءات، قال أبو عمرو الداني: قرأ القرآن عن سليم، وأخذ حرف نافع عن إسحاق المسيبي، وحرف عاصم عن يحيى بن آدم، وهو إمام في القراءات، وله اختيار حمل عنه، انتهى.\nقال السمعاني في \"الأنساب\": المقرئ، هذه النسبة إلى قراءة القرآن واقرائه، اختص بهذه النسبة جماعة من المحدثين.\n(المعنى قالا) أي قتيبة وخلف: (نا عبد الله بن يحيى التوأم) بفتح المثناة، وسكون الواو، بعدها همزة مفتوحة، الذي ولد مع غيره في بطن واحد (١)، اسمه عبد الله أو عباد أو عبادة بن يحيى بن سلمان الثقفي، أبو يعقوب التوأم البصري، مشهور بكنيته، ضعيف، قال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف، وقال النسائي: صالح، وقال مرة: ضعيف، ذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: وضعفه العقيلي أيضًا \"تهذيب التهذيب\" (٢).\n_________\n(١) ولا يقال إلَّا لأحدهما، وللاثنين: توأمان. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) (٦/ ٧٦).","vol":"1","page":299},{"text":"(ح): وَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو يَعْقُوبَ التَّوْأَمُ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن أُمِّهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: بَالَ رَسولُ اللَّه - ﷺ - فَقَامَ عُمَرُ\n===\n(ح): هذا اللفظ في اصطلاح المحدثين كناية عن التحويل، إذا تحولوا من إسناد إلى إسناد آخر كتبوا هذا اللفظ. وفائدة التحويل بيان الفرق بين السندين، وهو أن قتيبة وخلفًا ذكرا أستاذهما باسمه، وأما عمرو بن عون فذكره بكنيته، وأيضًا قال الأولان بلفظ التحديث، وقال عمرو بن عون بلفظ الإخبار.\n(ونا عمرو بن عون) بن أوس بن الجعد، أبو عثمان الواسطي البزار البصري، ثقة ثبت، مات سنة ٢٢٥ هـ، (أنا أبو يعقوب التوأم) (١) هو عبد الله بن يحيى المذكور، (عن عبد الله بن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان، أبو بكر، ويقال: أبو محمد التيمي المكي، كان قاضيًا لابن الزبير ومُؤذّنًا له، أدرك ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ -، ثقة، فقيه، مات سنة ١١٧ هـ (٢) (عن أمه) هي ميمونة بنت الوليد بن الحارث بن عامر بن نوفل الأنصارية، ثقة، وقد ذكرها المزي في المبهمات (٣).\n(عن عائشة قالت) أي عائشة: (بال رسول الله - ﷺ - فقام عمر) (٤) بن الخطاب بن نفيل، بنون وفاء مصغرًا، ابن عبد العُزَّى بن رياح بتحتانية،\n_________\n(١) أفرده بالذكر لما بين السندين من البون، فإن في الأول ذكره باسمه، وفي الثاني بالكنية، وفي الأول ذكره بالتحديث، وفي الثاني بالإخبار، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٤/ ١٩٩).\n(٣) وقال المنذري: مجهولة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) اسندل به على إكرام المشايخ بالخدمة وإن لم يطلب. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":300},{"text":"خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَقَالَ: \"مَا هَذَا يَا عُمَرُ\"؟ فَقَالَ: مَاءٌ تَتَوَضّأُ بِهِ. قَالَ: \"مَا أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّة\". [جه ٣٢٧، حم ٦/ ٩٥، ق ١/ ١١٣]\n===\nابن عبد الله بن قرط، بضم القاف، ابن رزاح، براء ثم زاي خفيفة، ابن عدي بن كعب، أبو حفص المكي المهاجري المدني القرشي العدوي، أحد العشرة المبشرة، وأحد فقهاء الصحابة، وثاني الخلفاء الراشدين، أمير المؤمنين، استشهد في ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا.\n(خلفه بكوز) هو ما له عروةٌ من أواني الشرب، وما لا فهو كوب، \"مجمع\" (١)، (من ماء فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما هذا يا عمر؟ فقال: ماء تتوضأ به) أي تطهير به، ويدخل فيه الاستنجاء أيضًا، فحصل المطابقة بين الحديث والترجمة. (قال) النبي - ﷺ - (٢): (ما أمرت) أي وجوبًا (كلما بلت أن أتوضأ) أي أتطهر (ولو فعلت) (٣) أي: لو واظبت وداومت على ذلك (لكانت) هذه الفعلة (سنة) مؤكدة، فثبت بذلك أن التَطَهّر بالماء مستحب غير لازم. قال الطيبي: في الحديث دلالة على أنه ﵊ ما فعل أمرًا، ولا تكلم بشيء إلَّا بأمر الله تعالى، وأن سنته أيضًا مأمور بها، وإن لم تكن فرضًا، وإنه كان يترك ما هو أولى به [تخفيفًا على الأمة]، وأن الأمر مبني على اليسر. \"علي القاري\" (٤).\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٥٤).\n(٢) يستدل به على جواز الكلام للمستنجي إذا احتاج إليه. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال النووي: المراد من التوضؤ هناك الاستنجاء، يعني لو واظبت على الاستنجاء بالماء لصار طريقة واجبة، وفيه رد لما قاله بعض الشيعة: إنه لا يجوز إلَّا بالأحجار مع وجود الماء. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨١).","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>(٢٣) بَابٌ: في الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ</span>\n===\n\n(٢٣) (بَابٌ: في الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ)\nفإن قلت: عقد المصنف من قبل \"باب في الاستبراء من البول\"، ثم عقد ثانيًا بعد عدة أبواب منه \"باب في الاستبراء\"، ثم ثالثًا \"باب في الاستنجاء بالماء\"، فما الفرق بين كل واحد منها؟\nقلت: غرض المصنف من الباب الأول، هو التوقي والتحرز من البول، ولم يختص ذلك الاستبراء بالاستنجاء، فإن الاستنجاء هو تطهير مخرج البول والغائط، وها هنا المراد من الاستبراء التوقي من البول، سواء حصل في موضع من البدن أو من الثوب. وأما الباب الثاني، فالغرض فيه من الاستبراء الاستنجاء بالماء، هل يجب أو لا يجب؟ ولما كان الباب الأول يدل على أن أمر البول فيه تغليظ شديد، ويوهم أنه يجب الاستنجاء بالماء عقد هذا الباب لدفع ذلك التوهم الناشئ من الباب الأول، وقال: لا يجب الاستنجاء بالماء، ثم لما كان هذا الباب الثاني يدل على جواز ترك الاستنجاء ويوهم سُنّيْة ترك الاستنجاء، عقد الباب الثالث: \"باب في الاستنجاء بالماء\" إشارةً إلى أن ترك الاستنجاء بالماء كان لبيان الجواز، والمستحب أن يُستنجى بالماء أيضًا.\nفالغرض من عقد هذا الباب الرد على من قال بكراهة الاستنجاء بالماء لأجل أنّ الماء مطعوم (١)، وبيان الفرق فيهما بأن الماء خلق مطهرًا ومزيلًا للنجاسة، فلا يقاس على ما هو غير مطهر من المطعوم وغيره بما\n_________\n(١) كما هو مروي عن ابن حبيب من المالكية، وروي عن حذيفة قال: \"إذن لا يزال في يدك نتن\"؛ وعن ابن عمر - ﵁ - أنه كان لا يستنجي به، وعن ابن الزبير أنه قال: ما كنا نفعله. \"ابن رسلان\" و\"العارضة\" (١/ ٣٣).\nقلت: قال البجيرمي في هامش \"شرح الإقناع\" (١/ ١٨٧): \"إذا أردت أن لا يظهر للنجاسة ريح في يدك فبلها بالماء قبل الاستنجاء\". (ش).","vol":"1","page":302},{"text":"٤٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ - يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ -، عن خَالِدٍ - يَعْنِي الْحَذَّاءَ -،\n===\nهو محترم، وإلا لزم أن يكره استعمال الماء في جميع التطهيرات من النجاسات، خصوصًا النجاسة الحقيقية، ولكفى مسحها وإزالتها بالأحجار وغيرها، ولم يقل به أحد من الأمة.\n٤٣ - (حدثنا وهب بن بقية) بفتح الموحدة، وكسر القاف، وشدة المثناة التحتية، ابن عثمان، أبو محمد، المعروف بوهبان، ثقة، مات سنة ٢٣٩ هـ؛ وله ست وتسعون سنة، (عن خالد - يعني الواسطي -) ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان، أبو الهيثم، أو أبو محمد المزني، بمضمومة وفتح زاي، منسوب إلى مزينة، مولاهم، الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢ هـ.\nقال الحافظ: ووقع في \"التمهيد\" لابن عبد البر في ترجمة يحيى بن سعيد في الكلام على حديث البياضي في النهي عن الجهر بالقرآن بالليل: رواه خالد الطحان عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي نحوه، وقال: تفرد به خالد وهو ضعيف، وإسناده كله ليس بما يحتج به، قلت: وهي مجازفة ضعيفة، فإن الكل ثقات إلَّا الحارث، فليس فيهم ممن لا يحتج به غيره، انتهى. \"تهذيب التهذيب\" (١).\n(عن خالد - يعني الحذّاء -) وزاد في الاسمين لفظ \"يعني\" لئلا يتوهم أن لفظ الواسطي ولفظ الحذاء من لفظ الأستاذ، بل يدل على أن الأستاذ لم يتلفظ بهذا اللفظ بل هو مراده، هو ابن مهران بكسر الميم، الحذاء بمفتوحة وشدة معجمة، أبو المنازل بفتح الميم، وقيل بضمها وكسر الزاي، البصري، قيل له: الحذَّاء، لأنه كان يجلس عندهم، قال ابن سعد: لم يكن\n_________\n(١) (٣/ ١٠٠).","vol":"1","page":303},{"text":"عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - \"دَخَلَ حَائِطًا وَمَعَهُ غُلَام\n===\nخالد بحذاء، وهو ثقة يرسل. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وأشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تغير لما قدم من الشام، وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان، وكان قد استعمل على العشور بالبصرة، مات سنة ١٤١ هـ أو ١٤٢ هـ.\n(عن عطاء بن أبي ميمونة) واسمه منيع، أبو معاذ، مولى أنس، ويقال: مولى عمران بن حصين، ثقة، وقال أبو حاتم: صالح لا يحتَجّ بحديثه، وكان قدريًا، وقال ابن عدي: وفي أحاديثه بعض ما ينكر عليه، وقال أبو إسحاق الجوزجاني: كان رأسًا في القدر (١)، مات سنة ١٣١ هـ.\n(عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - دخل حائطًا) الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار.\n(ومعه غلام) وفي نسخة: \"وتبعه غلام\"، الغلام هو المترعرع، وقال في \"المحكم\": من لدن الفطام إلى سبع سنين، وفي \"مجمع البحار\" (٢): الغلام يقال للصبي من حين الولادة إلى البلوغ، وحكى الزمخشري أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء غلام فهو مجاز، وفي بعض الروايات \"غلام منا\"، وفي بعضها \"غلام من الأنصار\"، ولم يتعين الغلام من هو؟ ويشير سياق البخاري (٣) أنه ابن مسعود - ﵁ -، وإطلاق الغلام عليه مجاز، ويمكن أن يكون هو جابر بن\n_________\n(١) أخرج له البخاري حديثًا واحدًا عن أنس: كان إذا برز لحاجته أتيته بماء فيغتسل به. \"ابن رسلان\". (ش) [انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٥١)].\n(٢) (٤/ ٦٤).\n(٣) قال ابن رسلان: لأن فيه \"أليس فيكم صاحب النعلين والمطهرة\"، وكان ابن مسعود يتولى ذلك، لكن يرده لفظ \"وهو أصغرنا\"، فإن ابن مسعود أكبر من أنس. (ش).","vol":"1","page":304},{"text":"مَعَهُ مِيْضَأَةٌ وَهُوَ أَصْغَرُنَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ السِّدْرَةِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدْ اسْتَنْجَى بِالمَاءِ\". [م ٢٧٠، خ ١٥٠]\n٤٤ - حَدَّثَنَا محُمَّدُ بْنُ الْعلَاءِ، أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ،\n===\nعبد الله - ﵁ -، فإنه يخدم النبيّ - ﷺ -، ويمكن أن يكون هو أبا هريرة - ﵁ -، ويمكن أن يكون طفلًا من الأنصار غير الثلاثة المذكورة، وهو أوفق بظاهر ألفاظ الروايات.\n(معه ميضأة) قال الشارح: كميزان، وقال في \"المجمع\" (١): الميضأة، بكسر ميم وبهمزة: إناء التوضؤ، شبه المطهرة، تسع ماء قدر ما يتوضأ به، فزنته مفعلة أو مفعال. (وهو أصغرنا) قال الحافظ: فيبعد ذلك الوصف أن يكون الغلام هو ابن مسعود - ﵁ -، ثم ذكر وقال: إلَّا أن يكون المراد من قوله: \"أصغرنا\" أي في الحال لقرب عهده بالإِسلام، قلت: وهذا التأويل بعيد جدًا.\n(فوضعها عند السدرة) (٢) هي شجرة النبق، وهو نوعان؛ عبري: لا شوك له إلَّا ما لا يضر، وضالٌّ: له شوك، ونبقه صغار. وفي الحديث دلالة على جواز استخدام الغلمان الأحرار، واستحباب الاستنجاء بالماء، ورد على من كره الاستنجاء بالماء، لأن الماء مطعوم. (فقضى حاجته، فخرج علينا (٣) وقد استنجى بالماء).\n٤٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا معاوية بن هشام) أبو الحسن القصار\n_________\n(١) (٥/ ٧٥).\n(٢) قال ابن رسلان: هي ظلة على الباب لتقيه من المطر. (ش). [قلت: ما ذكره ابن رسلان هو تفسير للسدة لا للسدرة، والمذكور في الحديث ذا، لا ذاك، \"عاقل\"].\n(٣) فيه حجة على أنه من قول أنس - ﵁ - خلافًا لمن قال من شراح البخاري: إنه مدرج، وأيضًا فيه حجة على أنه -﵊ - استنجى بالماء خلافًا لمن أنكره. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":305},{"text":"عن يُونُسَ بْنِ الْحَارِثِ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنٍ أَبِي مَيْمُونَةَ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"نزَلَتْ هَذ الَايَةُ في أَهْل قُبَاءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالمَاءِ،\n===\nالكوفي الأزدي مولى بني أسد، ويقال له: معاوية بن العباس، صدوق، قال عثمان بن أبي شيبة: رجل صدق ليس بحجة، وقال الساجي: صدوق يهم، وقال أحمد بن حنبل - ﵀ -: هو كثير الخطأ، مات سنة ٢٠٤ هـ.\n(عن يونس بن الحارث) الثقفي الطائفي، نزيل الكوفة، ضعيف، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن معين: كنا نضعفه ضعفًا شديدًا، وقال ابن معين مرة: لا شيء، وقال هو مرة: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال الساجي: ضعيف إلَّا أنه لا يتهم بالكذب.\n(عن إبراهيم بن أبي ميمونة) حجازي، مجهول الحال، ما روى عنه سوى يونس بن الحارث الطائفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: نزلت هذه الآية) التي تذكر قريبًا (في أهل قباء) بضم القاف، وتخفيف الموحدة والمد، كغُراب، وحكي قصره، يذكّر ويؤنَّثُ، ويصرف ويمنع، موضع قريب من المدينة على ميلين أو ثلاثة منها: (﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (١)، قال) أبو هريرة، وفي نسخة: \"قالوا\" وهم الصحابة: (كانوا) أي أهل قباء (يستنجون بالماء) (٢)، فالمراد من التطهر في الآية الاستنجاء\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ١٠٨.\n(٢) قال النووي: وما اشتهر في جمعهم بين الحجر والماء باطل، لا أصل له، ورده الزيلعي (١/ ٢١٨)، وبسطه صاحب \"الغاية\" و\"ابن رسلان\". (ش). [والحديث صححه النووي (٢/ ٩٩) وأخرجه الحاكم (١/ ١٨٧)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي].","vol":"1","page":306},{"text":"فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ\". [ت ٣١٠٠، جه ٣٥٧، ق ١/ ١٠٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>(٢٤) بَابُ الرَّجُلِ يَدْلُكُ يدَهَ بِالأَرْضِ إِذَا اسْتَنْجَى</span>\n٤٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، نَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، نَا شَرِيكٌ، وَهَذَا لَفْظه\n===\nبالماء، لأنه أبلغ في التطهر، والظاهر أنهم كانوا يستنجون أولًا بالأحجار، ثم ينظّفون بالماء (فنزلت فيهم هذه الآية).\n\n(٢٤) (بَابُ الرَّجُلِ يَدْلُكُ يدَهَ بِالأَرْضِ إِذَا اسْتَنْجَى)\n٤٥ - (حدثنا إبراهيم بن خالد) بن أبي اليمان (١)، أبو ثور الكلبي الفقيه البغدادي، ويقال: كنيته أبو عبد الله، وأبو ثور لقب، صاحب الشافعي - ﵀ -، ثقة، كان أولًا يتفقَّهُ بالرأي، حتى قدِم الشافعي بغدادَ فاختلف إليه ورجع عن مذهبه، مات سنة ٢٤٠ هـ.\n(نا أسود بن عامر) أبو عبد الرحمن الشامي، نزيل بغداد، يلقب شاذان، ثقة، قال ابن معين: لا بأس به (٢) مات سنة ٢٠٨ هـ.\n(نا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك النخعي، الكوفي، القاضي بواسط ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق، وثقه ابن معين، والعجلي، وإبراهيم الحربي، يخطئ كثيرًا، تغيَّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، قال الأزدي: كان صدوقًا إلَّا أنه مائل عن القصد، غالي المذهب، سيِّئ الحفظ، كثير الوهم، مضطرب الحديث، مات سنة ١٨٧ هـ، (وهذا لفظه).\n_________\n(١) كذا في \"التقريب\" وغيره، [وكذا في \"تهذيب الكمال\" ١/ ١٠٩]، وأما في \"الخلاصة\" (ص ١٧): ابن اليمان، ولم يذكر ابن رسلان اسم جد إبراهيم. (ش).\n(٢) في \"تهذيب الكمال\" (١/ ٢٦١): عن ابن معين: ثقة، روى له البخاري في الأدب، والباقون سوى الترمذي.","vol":"1","page":307},{"text":"(ح): وحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله - يَعْنِي الْمُخَرِّمِيَّ -، ثَنَا وَكِيع، عن شَرِيكٍ، الْمَعْنَى، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ، عن الْمُغِيرَةِ،\n===\n(ح): هذا تحويل من سند إلى سند آخر، والسندان يلتقيان على شريك بن عبد الله، وشريك له تلميذان: أسود بن عامر ووكيع، فروى أسود بن عامر بلفظ التحديث، وروى وكيع بلفظة عن، وفائدته التقوية، ودفع توهم الانقطاع عن رواية وكيع.\n(وحدثنا محمد بن عبد الله) بن المبارك القرشي (يعني المخرمي) بضم الميم، وفتح المعجمة، وتثقيل الراء المكسورة، نسبة إلى المخرم، وهي محلة ببغداد مشهورة، وإنما قيل لها: المخرم، لأن بعض ولد يزيد بن المخرم نزلها فسميت به، أبو جعفر البغدادي، المدائني، الحافظ، قاضي حلوان، ثقة، مات سنة ٢٥٤ هـ.\n(ثنا وكيع، عن شريك، المعنى) مبتدأ، وخبره مقدر، وهو واحد، يعني ما روى أسود بن عامر عن شريك، وما روى وكيع عن شريك متحدان في المعنى، وأما باعتبار اللفظ فمختلفان، ولكن أورد هنا لفظ رواية أسود بن عامر، ولهذا قال في آخره: هذا لفظه.\n(عن إبراهيم بن جرير) بن عبد الله البجلي، قال ابن معين: لم يسمع من أبيه شيئًا، وقد روى عنه بالعنعنة، وجاءت روايته عن أبيه بصريح التحديث، قال الحافظ: قلت: إنما جاءت روايته عن أبيه بتصريح التحديث منه من طريق داود بن عبد الجبار عنه، وداود ضعيف، نسبه بعضهم إلى الكذب، وولد إبراهيم بعد موت أبيه. وقال ابن القطان: مجهول الحال.\n(عن المغيرة) قلت: ذكر المغيرة في هذا السند بين إبراهيم بن جرير وابن أخيه أبي زرعة، وجد في بعض النسخ المطبوعة بالهند والمطبوعة","vol":"1","page":308},{"text":"عن أَبِي زرْعَةَ،\n===\nبمصر، ولم تكتب هذه الزيادة في نسخة مكتوبة مصححة قرأ فيها مولانا الشيخ أحمد علي المحدث السهارنفوري، على الشيخ الأجل المحدث مولانا محمد إسحاق الدهلوي، ثم المهاجر المكي، مكتوب عليهما إجازة شيخه، بل كتب في حاشيته، وعليها علامة النسخة هكذا: \"عن المغيرة، الحديث\"، أورده في \"الأطراف\" (١) في ترجمة إبرا هيم بن جرير، ولم يذكر بينهما المغيرة.\nوكذلك أخرج هذا الحديث النسائي (٢) وابن ماجه (٣)، وليس في سنديهما ذكر المغيرة بين إبراهيم بن جرير وأبي زرعة، بل قال السيوطي في \"زهر الربى\" (٤): قال الطبراني: لم يروه عن أبي زرعة إلَّا إبراهيم بن جرير، وكذلك قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ذيل ترجمة إبراهيم بن جرير: روى عن أبيه وعن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وكذلك ذكر في ذيل ترجمة أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وعنه عمه إبراهيم بن جرير، فعلم من هذا كله أن ذكر مغيرة في هذا السند غلط من النُّسَّاخ.\n(عن أبي زرعة) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، واختلف في اسمه على أقوال، ويقال: اسمه كنيته، ثقة، رأى عليًا، وروى عن جده وأبي هريرة ومعاوية، وكان انقطاعه إلى أبي هريرة - ﵁ -. فهذا أبو زرعة ابن أخي إبراهيم بن جرير، فهذه رواية الأكابر\n_________\n(١) رقم (١٤٨٨٦).\n(٢) وأصرح منه أن الحديث أخرجه الزيلعي (١/ ٢١٣) عن أبي داود، وليس فيه ذكر المغيرة، وكذا أخرجه الدارمي وليس فيه ذكره، وذكر طرقه صاحب \"الغاية\" باسطًا، وليست زيادة المغيرة في نسخة ابن رسلان. (ش).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٥٠)، و\"سنن ابن ماجه\" (٣٥٨).\n(٤) (١/ ٤٥).","vol":"1","page":309},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ أتَيْتُهُ بِمَاءٍ في تَوْرٍ أَوْ رَكْوَةٍ فَاسْتَنْجَى\". [ن ٥٠ - ٥١، جه ٣٥٨، ق ١/ ١٠٦، حم ٢/ ٣١١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: في حَدِيثِ وَكِيعٍ:\n===\nعن الأصاغر باعتبار النسب، وأما باعتبار السنن، فأبو زرعة أكبر من عمه إبراهيم، فليس هو من باب رواية الأكابر عن الأصاغر.\n(عن أبي هريرة قال: كان النبي - ﷺ - إذا أتى الخلاء) أي أراد إتيان الخلاء، أو معناه: إذا ذهب إلى الخلاء، (أتيته (١) بماء في تور أو (٢) ركوة) (فـ) إذا فرغ (استنجى). التور بفتح تاء، وسكون واو: إناء صغير من صفر أو حجارة يشرب منه، وقد يتوضأ منه، ويؤكل منه الطعام، و\"أو\" للشك لراوي أبي هريرة - ﵁ -، أو أن أبا هريرة - ﵁ - يأتيه تارة بذا وتارة بذا. \"مجمع\" (٣). والركوة بفتح راءٍ، وسكون كافٍ: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، ويتوضأ منه، والجمع ركاء.\n(قال أبو داود: في حديث وكيع) هذه الجملة ليست في النسخة المكتوبة لمولانا الشيخ أحمد علي المحدث، ولا في النسخة المطبوعة في مصر، ووجدت في النسخة المطبوعة الهندية، وعليها علامة النسخة، وأما ما أخرجه النسائي (٤): ففيه في رواية وكيع: \"توضأ، فلما استنجى دلك يده بالأرض\"، وكذلك ما أخرجه ابن ماجه (٥) من رواية وكيع عن شريك،\n_________\n(١) قال ابن رسلان: يحتمل أن يكون هذا هو الغلام في الحديث السابق. (ش).\n(٢) تنويع أو شك من الراوي. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (١/ ٢٧٨).\n(٤) \"سنن النسائي\" (٥٠).\n(٥) \"سنن ابن ماجه\" (٣٥٨).","vol":"1","page":310},{"text":"\" ثُمَّ مَسَحَ يَدَه عَلَى الأرْضِ\n===\nقال فيه: \"إن النبي - ﷺ - قضى حاجته، ثم استنجى من تور، ثم دلك يده بالأرض\"، وليس فيهما ما ذكره أبو داود \"ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ\".\nفالصحيح عندي أن الجملة المذكورة وهي \"قال أبو داود: في حديث وكيع\" دخل غلطًا من الناسخ بين جمل الحديث، ويدل عليه قول أبي داود في آخر الباب: وحديث الأسود بن عامر أتم، فإنه يدل دلالة واضحة أن رواية وكيع أنقص من رواية الأسود بن عامر، فلو كانت هذه الألفاظ من رواية وكيع لانقلب الأمر، وتكون رواية أسود بن عامر أنقص من رواية وكيع، وأيضًا ينافيه قول أبي داود الواقع قبل التحويل: \"وهذا لفظه\"؛ فإنه يقوي هذا الظن، لأنه يدل على أن ما ذكر ها هنا من لفظ الحديث هو من لفظ رواية أسود بن عامر، ولم يذكر ها هنا لفظ رواية وكيع، فثبت بذلك كله أن هذه الجملة دخلت في البين غلطًا من النُّسَاخ.\n(ثم مسح يده (١) على الأرض) (٢) للتنظيف ليذهب ما يحتمل أن يبقى من رائحة خفية، وإن كانت الطهارة حصلت بالغسل فقط، لمّا ذهبت النجاسة بعينها وأثرها.\nقلت: عندي كان هذا الفعل لتعليم الأمة، فعساهم أن يستنجوا فتتلطخ أيديهم بالنجاسة، أو يبقى أثر النجاسة في أيديهم، فيستنظفوا هكذا، فإنه - ﷺ - قال العلماء بطهارة فضلاته، ومحال أن يكون فيها رائحة كريهة، فإنه - ﷺ - طَيبٌ حيًا وميتًا.\nوفي هذا المقام تقرير أنيق كتبه حبيبنا الشيخ محمد يحيى\n_________\n(١) قال ابن رسلان: لا يصح الاستدلال به على نجاسة المني أو رطوبة الفرج. (ش).\n(٢) وفيه رد على من كرهه وقال: إنه يورث الفقر. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":311},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالكاندهلوي - أدخله الله جنة الفردوس-، عن شيخنا وشيخه الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي - جعله الله مع النبيين والصديقين - قال الأستاذ - أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده -: قد اختلفت أقوال فقهائنا الحنفية - كثر الله تعالى جمعهم وشكر على ما بذلوا وسعهم - في طهارة المخرج واليد إذا بقيت رائحة النجاسة بعد زوال جِرْمها. فمنهم من حكم بالطهارة إذا زال جرمها وإن بقيت منها رائحة، ومنهم من ذهب (١) إلى أنها لا تطهير إذًا، إلَّا إذا بقي من أثرها ما يتعسر إزالتَه، ولعل مبنى الاختلاف ما اختلف فيه من حقيقة الرائحة، هل هي بانفصال أجزاء صغار من ذي الرائحة التي لا تدرك بصغرها، أو بتكيف الهواء بكيفية الرائحة؟\nوالحجة للطائفة الأولى: أنا لو سلّمنا انفصال أجزاء صغار من ذي الرائحة واختلاطها بالهواء، إلَّا أن الشرع لما لم يعتد بها كان وجودها في حكم العدم، ألا ترى أن السراويل المبتلّ إذا مرت عليه الريح الخارجة من الدبر لم يتنجس، وكذلك الريح النجسة المنبعثة من المزابل إذا هبت على الثياب المبلولة لم تنجسها اتفاقًا، فلو كانت تلك الأجزاء معتبرة على تقدير تسليم وجودها في الريح لكان التنجس لازمًا.\nويمكن الاستدلال للطائفة الثانية: بأن الريح لو لم تكن ملخوطة بشيء من أجزاء النجاسة لزم أن لا تنتقض الطهارة بخروج الريح.\nوللأولين الاعتذار بأن انتقاض الطهارة بالريح الخارجة من الدبر لتصريح النص بذلك لا لتضمنها أجزاء النجاسة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) منهم صاحب \"الدر المختار\" حيث اشترط زوال الرائحة للطهارة، وحكى ابن عابدين عدم الاشتراط أيضًا (١/ ٦١٥) ولم يرجح أحدهما. (ش).","vol":"1","page":312},{"text":"ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ الأسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ أَتَمّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>(٢٥) بَابُ السِّواكِ</span>\n===\n(ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ) لعل المعنى: ثم أتيته بإناء آخر فيه ماء، أو بماء آخر في ذلك الإناء، وليس ذلك لظن أن الوضوء لا يجوز بالماء الباقي عن الاستنجاء (١)، أو لا يجوز استعمال الإناء الذي استُنجي به في الوضوء؛ إذ قد ثبت الغسل والوضوء والاستنجاء جميعًا بإناء واحد، بل الحاجة إلى الإناء الثاني ها هنا أو الماء لصغره وقلة ما يسع فيه من الماء.\n(قال أبو داود: وحديث الأسود بن عامر أتم) قد ذكرنا قبلُ أن المصنف لما ذكر سند أسود بن عامر قال: وهذا لفظه، كما في بعض النسخ، فهذا يدل على أدن المصنف أورد ها هنا لفظ رواية أسود بن عامر عن شريك، ثم قال في آخر الحديث: وحديث أسود بن عامر أتم، إشارة إلى وجه إيراد لفظ أسود بن عامر وهو كونه أتم، وأما لفظ وكيع عن شريك فلأجل كونه أنقص تركه، وقد حققناه قبل.\n\n(٢٥) (بَابُ السِّواكِ) (٢)\nهو ما تدلك به الأسنان، من ساك فاه يسوكه، وجمعه سؤك، ككتب،\n_________\n(١) كما توهم، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٢) قال القاري (٢/ ٨٩): فيه سبعون فائدة، أدناها تذكر الشهادة عند الموت، وفي الأفيون سبعون مضرة، أدناها نسيانها عند الموت، وقال ابن عابدين (١/ ٢٥٣) في الأول أعلاها، ولم يذكر الأفيون. وهل النساء في السواك كالرجال؟ لم أجده نصًا، وفي صوم الشامي: يستحب مضغ علك لهن لأنه سواكهن، وقال ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ٣٩): فيه سبع مسائل. (ش).","vol":"1","page":313},{"text":"٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عن سُفْيَانَ، عن أَبِي الزّنَادِ،\n===\nيطلق على الفعل والَالة، قال في \"القاموس\": والعود مسواك وسواك بكسرهما، ويُذَكَّرُ، جمعه ككتب.\nوقد اختلف العلماء، فقال بعضهم: إنه من سنَّة الوضوء، وقال آخرون: إنه من سنَة الصلاة، وقال اَخرون: إنه من سنَّة الدين، وهو الأقوى، نقل ذلك عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-، وفي \"الهداية\": أن الصحيح استحبابه، وكذا هو عند الشافعي - ﵀-، وقال ابن حزم: هو سنَّة، ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل، وهو يوم الجمعة فرض لازم، حكى أبو حامد الإسفرائني والماوردي عن أهل الظاهر وجوبه، وعن إسحاق أنه واجب، إن تركه عمدًا بطلت صلاته، وزعم النووي أن هذا لم يصح عن إسحاق.\nوكيفيته عرضًا، لا طولًا عند مضمضة الوضوء، ويستاك على أسنانه ولسانه إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة، ويأخذ المسواك باليمنى، والمستحب فيه ثلاث بثلاث مياه، ويكون في غلظ الخنصر وطول الشبر، والمستحب أن يستاك بعود من أراك وبكون لينًا، والعلك للمرأة يقوم مقام السواك، وإذا لم يجد السواك يعالج بأصبعه (١)، انتهى ملخصًا، \"عيني\" (٢).\n٤٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان (٣)، عن أبي الزناد) (٤)\n_________\n(١) وفي \"المغني\" (١/ ١٣٨): عن أنس: \"أصبعيك سواك عند وضوئك\"، \"ابن رسلان\"، يعني إذا لم يكن السواك، وبسط أنواعه. (ش).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٩٢).\n(٣) ابن عيينة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) لقب به لجودة ذهنه، وكان يغضب منه لما فيه من معنى ملازم للنار. \"زرقاني\" (١/ ٤٦). (ش).","vol":"1","page":314},{"text":"عن الأَعْرَج، عن أَبى هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: \"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لأمَرْتُهُمْ بِتَأخيرِ الْعِشَاءِ،\n===\nعبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، المعروف بأبي الزناد، وقيل: إن أباه كان أخا أبي لؤلؤة، ثقة فقيه، قال البخاري: أصح الأسانيد: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ -، قال الحافظ الذهبي (١): ولي بعض أمور بني أمية، فتكُلِّم فيه لأجل ذلك، وهو ثقة حجة لا يعرف به جرح، وقال أبو يوسف عن أبي حنيفة: قدمت المدينة فإذا الناس على ربيعة، وإذا أبو الزناد أفقه الرجلين، وقال ربيعة فيه: ليس بثقة، ولا رضى. قلت: لا يسمع قول ربيعة فيه، فإنه كان بينهما عداوة ظاهرة، انتهى. وكذلك نقل إنكار مالك عليه ولم يصح، مات سنة ١٣٠ هـ أو بعدها.\n(عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز، وقيل: اسم أبيه كيسان، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ثقة ثبت عالم، مات سنة ١١٧ هـ.\n(عن أبي هريرة يرفعه) (٢) أي يرفع أبو هريرة الحديث إلى النبي - ﷺ - ويحدث عنه - ﷺ -.\n(قال: لولا) مخافة (أن أشق) أي ألقي المشقة وأُثقل (على المومنين) بإيجاب تأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة، والمعنى: لولا خشية وقوع المشقة عليهم (لأمرتهم) (٣) أي وجوبًا (بتأخير العشاء) أي: لفرضت\n_________\n(١) انظر: \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٤١٩).\n(٢) قال ابن رسلان: قال ابن الصلاح وغيره: قولهم: يرفع الحديث، يبلغ به أو ينميه، حكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحًا، وان كان القائل هذه الألفاظ عن التابعي فالحديث مرسل. \"شرح ابن رسلان\"، مخطوط (١/ ٧٠). (ش).\n(٣) وفيه حجة لأهل الأصول أن الأمر للوجوب، لأنه ﵇ نفى الأمر لأجل المشقة، وأمر الندب بالإجماع باقٍ، فلم يرفع إلَّا أمر الوجوب، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":315},{"text":"وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ\". [خ ٨٨٧، م ٢٥٢، ق ١/ ٣٥، حم ٢/ ٢٤٥]\n===\nعليهم تأخيره إلى ثلث الليل (١) أو نصفه (٢)، فإن هذا التأخير (٣) مستحب عند الجمهور، (وبالسواك) أي بفرضيته (٤) (عند كل صلاة) (٥).\nواعلم أنه - ﷺ - كان طيبًا مطيبًا، وكان يناجي ملائكة الله تعالى، فكان - ﷺ - يبتعد كل التبعد أن يتوهم منه شائبة الرائحة، لأن نفسه النفيسة الشريفة لا تقبلها، وكذا المناجاة بالملائكة يقتضي أن يتبعد عن الرائحة، ولهذا كره أكل الطعام الذي فيه البقول النتنة، وكان النبي - ﷺ - أمر بالوضوء لكل صلاة، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة.\nفعلم بذلك أن السواك لكل صلاة كان واجبًا عليه، دون أمته، ثم هم - ﷺ - بإيجابه عليهم، ورأى المشقة لضعفهم وعجزهم، فقال: لولا خوف المشقة، لأوجبت عليهم السواك فلفظة \"لولا\" لامتناع الثاني لوجود الأول، فإذا ثبت وجود الأول، وهو خوف المشقة ها هنا ثبت امتناع الثاني، وهو وجوب السواك، فبقي السواك على ندبيته، فهذا يرد مذهب الظاهرية القائلين بالوجوب.\n_________\n(١) كما هو المشهور في الروايات. (ش).\n(٢) كما هو في رواية أبي هريرة عند الحاكم (١/ ١٤٦)، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٣) أي إلى الثلث. (ش).\n(٤) ولفظ الحاكم (١/ ١٤٦) برواية أبي هريرة: \"لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء، ولأخرت العشاء إلى نصف الليل\"، وهذا القول صححه جماعة، منهم النووي. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: ظاهره يقتضي عموم الاستياك عند كل صلاة، مع أن المشهور في مذهب الشافعي كراهة السواك للصائم من بعد الزوال، قال ابن دقيق العيد: ومن خالف في تخصيص عموم هذا الحديث، فيحتاج إلى دليل خاص يخص به هذا العموم، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":316},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما الاستحباب، فاختلف فيه هل هو عند الصلاة أو عند الوضوء؟ فأكثر الحنفية قائلون باستحباب السواك عند كل وضوء، لما روى ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١) والحاكم (٢) وقال: صحيح الإسناد، والبخاري تعليقًا في كتاب الصوم عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء\"، ولخبر أحمد وغيره: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور\".\nفتبين أن موضع السواك عند كل صلاة، هو قبيل وضوء الصلاة، والشافعية - ﵏ - يجمعون بين الحديثين بالسواك في ابتداء كل منهما، وإنما لم يجعله علماؤنا من سنن الصلاة نفسها، لأنه مَظِنَّة جراحة اللثة وخروج الدم وهو ناقض عندنا، فربما يفضي إلى حرج، ولأنه لم يرو أنه -﵊ - استاك عند قيامه إلى الصلاة، فيحمل قوله ﵊: \"لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" على كل وضوء.\nنعم ما ذكر في بعض الكتب من تصريح الكراهة معللًا بأنه قد يخرج الدم فينقض الوضوء، ليس له وجه، فإن النصوص محمولة على ظواهرها إذا أمكن، وقد أمكن ها هنا، فلا مساغ إذًا على الحمل على المجاز، أو تقدير مضاف، كيف وقد ذكر استحباب السواك عند نفس الصلاة في بعض كتب الفروع المعتبرة، قال في \"التتارخانية\" (٣) نقلًا عن \"التتمة\": ويستحب السواك عندنا عند كل صلاة ووضوء، وكل شيء يغير الفم، وعند اليقظة، انتهى.\nوقال ابن الهمام في شرح \"الهداية\": ويستحب في خمسة مواضع:\n_________\n(١) \"صحيح ابن خزيمة\" (١٤٠).\n(٢) \"المستدرك\" (١/ ١٤٦).\n(٣) (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":317},{"text":"٤٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، نَا عِيسَى بْنُ يُونس، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَيْمِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يَقُول: \"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ\n===\nاصفرار السنن، وتغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء، انتهى. \"علي القاري\" (١).\n٤٧ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، نا عيسى بن يونس، نا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد (التيمي) (٢) القرشي، من ثقات التابعين، وقال العقيلي عن عبد الله بن أحمد عن أبيه: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير أو منكرة، مات سنة ١٢٠ هـ.\n(عن أبي سلمة (٣) بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد الجهني) المدني، أبو عبد الرحمن، صحابي مشهور، نزل الكوفة، ومات بها سنة ثمان وسبعين (٤)، (قال) زيد: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لولا أن أشق (٥)\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨٨).\n(٢) بفتح التاء وسكون الياء نسبة إلى تيم، كذا في \"غاية المقصود\". (ش).\n(٣) قال الترمذي (١/ ٣٤): حديث أبي سلمة عن زيد أصح عند البخاري من حديثه عن أبي هريرة، وعندي كلاهما صحيحان. (ش).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٤١) رقم (١٨٣٢).\n(٥) قال ابن رسلان: ظاهره دليل لمن يقول: إنه ﵊ له أن يحكم بالاجتهاد، لأنه ﵊ جعل المشقة سببًا لعدم أمره، ولو كان الحكم موقوفًا على النص، لكان انتفاء أمره لعدم ورود النص، واختلف أهل الأصول في المسألة على أربعة أقوال؛ ثالثها: كان له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام، ورابعها: الوقف، قلت: وههنا أقوال أخر بسطها الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٧٥). (ش).","vol":"1","page":318},{"text":"عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ\".\nقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَرَأَيْتُ زيدًا يَجْلِسُ في الْمَسْجِدِ وَإِنَّ السِّوَاكَ مِنْ أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، فَكُلَّمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَاكَ. [ن ٢٣، حم ٤/ ١١٤ - ١١٦، ق ١/ ٣٥]\n٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائيُّ، ثنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ،\n===\nعلى أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).\n(قال أبو سلمة: فرأيت زيدًا يجلس في المسجد) (١) لانتظار الصلاة (وإن السواك من أذنه موضع القلم (٢) من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك) (٣) أي للصلاة، آخذًا بظاهر الحديث، وقد انفرد به فلا يصلح حجة، وأما رواية: \"كان محل السواك من أصحاب رسول الله - ﷺ - محل القلم\" (٤)، فمحمول - على تقدير صحتها - على بعضهم الصادق على واحد، فلا يفيد السنية، \"علي القاري\" (٥).\n٤٨ - (حدثنا محمد بن عوف) بن سفيان (الطائي) أبو جعفر الحمصي، ثقة حافظ، مات سنة ٢٧٢ هـ، (ثنا أحمد بن خالد) بن موسى، ويقال: ابن محمد الوهبي الكندي، أبو سعيد بن أبي مخلد الحمصي، صدوق، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: لا بأس به، ونقل أبو حاتم الرازي أن أحمد امتنع من الكتابة عنه، ووقع في كلام بعض شيوخنا أن أحمد اتهمه، ولم أقف على ذلك صريحًا، مات سنة ٢١٤ هـ.\n_________\n(١) يخالفه مذهب الشافعي، فقد قال ابن رسلان: قال الفاكهاني: مذهبنا كراهة السواك في المسجد خشية أن يخرج من فمه دم وغيره بما ينزه المسجد عنه. (ش).\n(٢) ذكر إعرابه صاحب \"الغاية\"، قال ابن رسلان: فيه حذف، أي موضعه من أذنه. (ش).\n(٣) ثم رده إلى أذنه، كما في رواية الترمذي، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: هاتان السنتان متروكتان، فنسأل الله العمل بهما. (ش).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٠١).","vol":"1","page":319},{"text":"ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْن يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: قلْتُ: أَرَأَيْتَ تَوَضُّئَ ابْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْنِيهِ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامرٍ\n===\n(ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن المدني، كان وصي أبيه، وكان أكبر ولد عبد الله بن عمر، ثقة قليل الحديث، مات سنة ١٠٥ هـ (قال) أي محمد بن يحيى: (قلت) لعبد الله بن عبد الله: (أرأيت) (١) أي أخبرني (توضئ) هكذا في النسخ الموجودة، والصواب (٢) توضوء بضم الضاد وبعدها همزة على واو (ابن عمر) أي أبيك عبد الله بن عمر (لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، عم ذاك؟) أي: ما وجهه، مع أنه - ﷺ - لم يوجب الوضوء إلَّا على المحدث؟ !\n(فقال) أي فأجاب عبد الله بن عبد الله: (حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب) (٣) العدوية ابنة عم عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال ابن منده: لها رؤية، استشهد زيد باليمامة بعد النبي ﵇ بقليل، ذكرها ابن حبان وابن منده في \"الصحابة\".\n(أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر) (٤) الراهب الأنصاري، له رؤية، وأبوه حنظلة غسيل الملائكة، قتل يوم أحد، واستشهد عبد الله يوم الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار بها يومئذ\n_________\n(١) بسط صاحب \"الغاية\" في تحقيق لفظ \"أرأيت\" كل البسط. (ش).\n(٢) كذا قال النووي وابن رسلان. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٢١٠) رقم (٦٧٠٨).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٨٢) رقم (٢٩٠٨).","vol":"1","page":320},{"text":"حَدَّثَهَا: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أُمِرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أُمِرَ بَالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ\"، فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً، فَكَانَ لَا يَدَعُ الْوُضُوءَ لِكُل صَلَاةٍ.\n[دي ٦٥٨، حم ٥/ ٢٢٥، خزيمة ١٥، ك ١/ ١٥٥ - ١٥٦، ق ١/ ١٣٧]\n===\n(حدثها) أي أسماء: (أن رسول الله - ﷺ - أُمِرَ (١) بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا وغير طاهر، فلما شق ذلك) أي الوضوء لكل صلاة (عليه) أي على رسول الله - ﷺ - (أمر بالسواك لكل صلاة)، فلعل عبد الله بن حنظلة سمع رسول الله - ﷺ - يقول ذلك، أو أخبره بعض الصحابة، فحينئذ تكون الرواية مرسلة. (فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة).\nحاصله أن رسول الله - ﷺ - كان يجب عليه الوضوء لكل صلاة أحدث أولم يحدث، فلما شق ذلك عليه وصعب، والمشقة تجلب التيسير، أمر بالسواك لكل صلاة، وأقيم السواك مقام الوضوء وسقط وجوب الوضوء، فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فلا يشق عليه (٢) الوضوء لكل صلاة، ويرى أن أفضل الأعمال أشقها، فلهذا كان لا يدع الوضوء لكل صلاة.\nقلت: وهذا الحديث يدل على أن السواك كان واجبًا عليه لكل صلاة، فحينئذ يجب أن ننظر في ذلك، هل كان رسول الله - ﷺ - يأتي بذلك\n_________\n(١) ببناء المجهول على المشهور، وقيل بالمعلوم، كذا في \"الغاية\"، وقال ابن رسلان: قيل: نزلت آية الوضوء ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، رخصة له صلَّى الله تعالى عليه وبارك وسلم، فإنه قبل ذلك لا يعمل عملًا، ولا يتكلم، ولا يرد سلامًا حتى يتوضأ، فأعلمت الآية أن الوضوء إذا قام إلى الصلاة، وقال آخرون: إن الوضوء كان فرضًا لكل صلاة، ثم نسخ في فتح مكة، وقال طائفة: المراد بالأمر فيه الندب، وكان ﵊ يفعله إلى أن فتح مكة، فجمعها بوضوء. (ش).\n(٢) قال ابن سيرين: وكذلك الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة. (ش).","vol":"1","page":321},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالواجب قبيل الصلاة عند أدائها في المسجد، أو يأتي عند الوضوء، أو يأتي عند الوضوء والصلاة جميعًا؟، فنظرنا في ذلك، فرأينا أنه - ﷺ - ما استاك مرة من الدهر قبيل الصلاة عند عقد التحريمة، ولم يثبت ذلك عنه - ﷺ - ولا عن خلفائه -رضي الله تعالى عنهم -، ولو فعله - ﷺ - لنقلت عنه تواترًا، كما نقلت الواجبات الآخر، بل ثبت عنه - ﷺ - أنه إذا استاك للصلاة يستاك عند الوضوء وقبله، كما يدل عليه الروايات الآتية في \"باب السواك لمن قام بالليل\"، فحينئذ إما أن يكون هذا الاستياك هو ما يجب عليه للصلاة أو غيره، ولا يمكن أن يكون غيره، فثبت أنه هو الواجب.\nفظهر بهذا أن المراد بالسواك عند كل صلاة كما في الرواية المتقدمة، وبالسواك لكل صلاة كما في هذه الرواية، هو ما يكون عند الوضوء لا ما هو عند الصلاة، وأنه - ﷺ - ما ترك الاستنان قبل الصلاة، إلَّا لأنه اعتدّ الاستنان الذي في الوضوء عن الذي هو عند الصلاة، وعلم أن هذا يؤدي الواجب الذي هو عند الصلاة، ويكفي عنه، فإن لفظ \"عند\" لا يدل على المقارنة. ويؤيد ذلك أن حالة الصلاة حالة المناجاة مع الرب ﷾، وفي حالة المناجاة كره - ﷺ - النخامة في قبلة المسجد، وشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام، فحكّه بيده فقال: \"إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة\"، وكره البصاق في المسجد، وجعل كفارة تلك الخطيئة دفنها، فيستحيل العقل الغير المشوب بالهوى مع هذه التشديدات أن يندب - ﷺ - أمته إلى أن يستاكوا عند إقامة الصلاة، وتكون الأسوكة المتلطخة بالبصاق وبما أزالوه من النتن والأذى عند نواصيهم على آذانهم فيما بينهم وبين القبلة، وقد منعوا عن أقل وأهون من ذلك، فما هو إلَّا أن رسول الله - ﷺ - أراد بقوله: \"بالسواك عند كل صلاة\" أي عند وضوئها.","vol":"1","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفعلى هذا ما قال صاحب \"غاية المقصود\" وتبعه صاحب \"عون المعبود\" - فقالا: فلا حاجة إلى تقدير العبارة بأن يقال: أي عند وضوء كل صلاة، كما قدرها بعض الحنفية، بل في هذا رد السنَّة الصحيحة الصريحة، وهي السواك عند الصلاة، وعلل بأنه لا ينبغي عمله في المساجد، لأنه من إزالة المستقذرات، وهذا التعليل مردود ... إلخ -، فمردود عليهما، وغلط وباطل، فإن في هذا ليس رد السنَّة مطلقًا، وحاشاهم أن يردوا السنَّة، بل في هذا جمع بين الأحاديث، وعملٌ على جميعها، وإتيانٌ بالمندوب، واجتناب عن المكروه.\nنعم فيما قالاه ردٌّ للسنن الصحيحة التي رواها إمامهم البخاري - ﵀ - في \"صحيحه\"، وارتكاب للمكروه في إتيان المندوب مع أنهم لا يدرون عاقبة قولهم، ولا غرو أن الجهل وغلبة الهوى قد يوقع الإنسان فيما هو أشد وأقبح. وهذا على القول بالكراهة من بعضهم، وإلا فقد قلنا: إن الاستياك عندنا أيضًا مستحب عند الصلاة، وفي غير وقت الصلاة، كما تقدم عن \"التتارخانية\"، وقد حققه الشامي في \"رد المحتار\".\nوأما ما أخرجه البيهقي (١) من طريق ابن إسحاق عن أبي جعفر عن جابر بن عبد الله قال: كان السواك من أذن النبي - ﷺ - موضع القلم من أذن الكاتب، فلا حجة فيه، فإن البيهقي حكم عليه بالضعف، فإنه قال: لم يروه عن سفيان إلَّا يحيى بن اليمان، ويحيى بن اليمان ليس بالقوي عندهم، ومع هذا فلا دليل فيه على أن رسول الله - ﷺ - استاك عند الصلاة.\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٧).","vol":"1","page":323},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ رَوَاهُ عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: عُبَيْدُ اللَّه بنُ عَبْدِ اللَّه.\n===\nوكذلك ما روى الخطيب (١) من طريق يحيى بن ثابت، عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: كان أصحاب النبي - ﷺ - أسوكتهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة، وماروى ابن أبي شيبة عن صالح بن كيسان: أن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يروحون والسواك على آذانهم، لا يُثْبتان المدعى، فإنه ليس فيهما بعد تسليم صحتهما أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يستنون عند القيام إلى الصلاة، فثبت بما قلنا أن ما قاله الحنفية ليس بمخالف للحديث، والله تعالى أعلم.\n(قال أبو داود: إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، وقول من تكلم فيه تحامل، مات سنة ١٨٥ هـ، (رواه عن محمد بن إسحاق قال: عبيد الله (٢) بن عبد الله) وغرض المصنف من هذا الكلام بيان الفرق بين رواية أحمد بن خالد وإبراهيم بن سعد، فكلاهما رويا عن محمد بن إسحاق، فقال أحمد بن خالد: عن محمد بن إسحاق قال: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر مكبرًا، وقال إبراهيم بن سعد فيما روى عن محمد بن إسحاق قال: عبيد الله بن عبد الله مصغرًا، وعبد الله وعبيد الله كلاهما ابنان لعبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ -، فيمكن أن تكون الرواية عنهما، ويحتمل أن يكون ذكر أحدهما وَهْمًا وخطأ من الراوي.\n_________\n(١) انظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ٧١).\n(٢) وأخرجه الدارمي أيضًا بلفظ التصغير (٦٥٨). (ش).","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>(٢٦) بَابٌ: كَيْفَ يَسْتَاكُ</span>\n٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: ثنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ.\nقَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّه - ﷺ - نَسْتَحْمِلُهُ\n===\n\n(٢٦) (بَابٌ: كَيْفَ يَسْتَاكُ) (١)\nيعني هل يكتفي بالاستنان على الأسنان، أو يتسوك على اللسان وفي الحلق؟\n٤٩ - (حدثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي) (٢) أبو الربيع الزهراني البصري، الحافظ، سكن بغداد، ثقة، وقال ابن خراش: تكلم الناس فيه، وهو صدوق، ولا أعلم أحدًا تكلم فيه، بخلاف ما زعم ابن خراش، مات سنة ٢٣٤ هـ، (المعنى) أي معنى حديثيهما واحد، (قالا: ثنا حماد بن زيد) ابن درهم، (عن غيلان بن جرير) (٣) المعولي، بالكسر والسكون، وفتح الواو، نسبة إلى معولة، بطن من الأزد، وقال في \"الأنساب\" بفتح الميم، الأزدي البصري، ثقة، مات سنة ١٢٩ هـ، (عن أبي بردة، عن أبيه) أبي موسى الأشعري.\nفالمصنف - ﵀- لما روى عن أستاذيه، وأشار إلى اتحاد معنى الروايتين بقوله: \"المعنى\" كما في بعض النسخ، فدل على أن بين لفظيهما اختلافًا، فأراد أن يبين اختلاف لفظيهما، فقال: (قال مسدد) يعني لفظ مسدد هكذا: (قال) أي أبو موسى: (أتينا رسول الله - ﷺ - نستحمله)\n_________\n(١) ويستنبط من الحديث مشروعية السواك على اللسان، لا أنه يختص بالأسنان. (ش).\n(٢) نسبة إلى عتيك، حي من العرب، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) بفتح الجيم. (ش).","vol":"1","page":325},{"text":"فَرَأَيْتُهُ يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِهِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُد: وَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَسْتَاكُ، وَقَدْ وَضَعَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ: \"أه أه\"، يَعْنِي يَتَهَوَّعُ. [خ ٢٤٤، م ٢٥٤، ن ٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: كَانَ حَدِيثًا طَوِيلًا اخْتَصَرْتُهُ.\n===\nأي: نطلب منه أن يحملنا على الإبل، (فرأيته يستاك على لسانه) (١).\nثم ذكر لفظ رواية سليمان فقال: (قال أبو داود: وقال سليمان: قال) أي أبو موسى: (دخلت على النبي - ﷺ - وهو يستاك وقد وضع السواك على طرف لسانه وهو) أي النبي - ﷺ - (يقول: أه أه (٢)، يعني يتهوع) أي كأنه يتقيأ.\nفلم يذكر مسدد وضع السواك على طرف اللسان، ولم يذكر التهوع، فلهذا قال (قال أبو داود: قال مسدد: كان حديثًا طويلًا اختصرته) (٣).\nوقد أخرج النسائي (٤) هذا الحديث من حديث قتيبة: ثنا حماد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: أتيت رسول الله - ﷺ - في - يعني- رهط من الأشعريين نستحمله، فقال: \"والله لا أحملكم\"، الحديث،\n_________\n(١) والمراد طرفه الداخل كما عند أحمد (٤/ ٤١٧)، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قوله: أه أه ... إلخ، ضبطه النووي بضم الهمزة، وقال ابن حجر: رواية أبي داود بكسر الهمزة ثم هاء، وللجوزقي: ثم خاء، ولفظ البخاري \"أع أع\"، والنسائي \"عا عا\"، واختلفت الروايات لتقارب المخارج، وكلها ترجع إلى حكايه صوت، وحكاية الأصوات كلها مبنية \"ابن رسلان\".\nقوله: \"يعني\" تفسير من أبي موسى أو ممن دونه، \"الغاية\". (ش).\n(٣) وفي بعض النسخ: أختصره، بصيغة المتكلم من المضارع. \"الغاية\". ويحتمل الماضي، أي أحد من الرواة، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) \"سنن النسائي\" (٣٧٨٠)، و\"صحيح مسلم\" (١٦٤٩/ ٧).","vol":"1","page":326},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوليس فيه ذكر السواك. وكذلك أخرجه مسلم من حديث خلف بن هشام، وقتيبة، ويحيى بن حبيب الحارثي بهذا السند، وليس فيه ذكر السواك، وفي أخرى لمسلم (١) من طريق أبي أسامة عن بُرَيد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله - ﷺ - أسأله لهم الحُمْلان، إذ هم معه في جيش العُسْرة، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله! إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: \"والله لا أحملكم على شيء\"، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينًا، الحديث، وكذلك الروايات الآخر في هذه القصة من مسلم - ﵀ - ليس في أحد منها ذكر السواك.\nوكذلك أخرج البخاري (٢) من حديث أبي النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبيه قال: أتيت النبي - ﷺ - فوجدته يستنُ بسواك بيده يقول: أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع، وليس فيه ذكر سؤال الحملان، وقد أخرج البخاري بهذا السند المذكور حديث الاستحمال في \"كتاب الأيمان\" في \"باب الاستثناء في الأيمان\"، وليس فيه ذكر السواك، وكذلك الروايات التي أخرجها الإِمام أحمد في \"مسنده\" في هذه القصة، ليس فيها ذكر السواك.\nولكن أخرج البخاري ومسلم في \"صحيحيهما\" (٣) قصة أخرى من حديث أبي موسى الأشعري، قال أبو موسى: \"أقبلت إلى النبي - ﷺ - ومعي رَجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنببي - ﷺ - يستاك، فقال: \"ما تقول يا أبا موسى؟ أو يا عبد الله بن\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٦٤٩/ ٨).\n(٢) \"صحيح البخاري\" رقم (٢٤٤).\n(٣) \"صحيح البخاري\" رقم (٦٩٢٣)، و\"صحيح مسلم\" رقم (١٧٣٣).","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>(٢٧) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَسْتَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ</span>\n===\nقيس\" قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني انظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت\"، فهذه القصة فيها ذكر السواك، واللفظ لمسلم.\nفما جمعه أبو داود في حديثه بين قصة الاستحمال وذكر السواك فيها، فلم أجده فيما تتبعت من كتب الحديث، فذكر الاستحمال في هذا الحديث، لعله غير محفوظ.\nوقد ورد في رواية البخاري في قصة الاستحمال، ولفظها: أتينا رسول الله - ﷺ - في رهط من الأشعريين أستحمله وهو يقسم نَعَمًا من نعم الصدقة، قال أيوب أحسبه قال: وهو غضبان، الحديث. وهاتان الحالتان من الغضب وقسمة النعم بظاهرهما تأبيان أن يكون رسول الله - ﷺ - يستاك في هاتين الحالتين، فهذا يؤيد أيضًا أن الجمع بين قصة الاستحمال وذكر السواك كما ذكره أبو داود بعيد، والله تعالى أعلم.\n\n(٢٧) (بَاب: في الرَّجُلِ يَسْتَاكُ (١) بِسِوَاكِ غَيْرِهِ)\nهل يجوز ذلك الفعل أو لا يجوز؟\n_________\n(١) ولعل الغرض من الترجمة رد ما قيل فيه من كراهته مطلقًا، كما نقل عن الحكيم الترمذي، وقال شارح \"مشكاة المصابيح\" (٢/ ٧): الحديث دليل على أنه لا يكره بشرط أن يكون برضاء صاحبه، \"ابن رسلان\". وفي \"شرح الإقناع\" (١/ ١١٩): ذكر صاحب \"الفتاوى الخيرية في مذهب الحنفية\": سئل: هل يكره الاشتراك في المشط والميل والسواك، كما هو شائع بين العوام، يقولون: ثلاثة ليس فيها اشتراك؟ أجاب: لا بأس به، والكراهة لكراهة نفوسهم الاشتراك.\nفالأوجه غرض المصنف الرد على هذا المشهور، ويحتمل أن يكون الغرض إثبات طهارة البزاق، فإن النخعي حكم بنجاسته كما حكاه ابن العربي. (ش). [قلت: كذا حكاه الخطابي عنه، وقال النووي: ولا أظنه يصح عنه، \"شرح النووي\" (٣/ ٤٦)].","vol":"1","page":328},{"text":"٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائَشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَسْتَنُّ، وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَأُوحِيَ إِلِيهِ في فَضْلِ السِّواكِ: أَنْ كَبِّرْ: أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا (١)\n===\n٥٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا عنبسة بن عبد الواحد) بن أمية بن عبد الله بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو خالد الكوفي، الأعور، ثقة عابد، (عن هشام بن عروة، عن أبيه) وهو عروة بن الزبير، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستنُّ) (٢) أي يستاك، (وعنده رجلان، أحدهما كبر من الآخر) أي سنًا أو فضلًا (فأوحي إليه) أي من غير أن يميل إلى الآخر، فيكون تأكيدًا للوحي المنامي، أو بعد إرادته لمقتضى ما هو تقديم الأصغر، فتكون القضية واحدة (في فضل السواك) أي فضيلته وزيادته (أن كَبِّرْ) هو الموحى به أي قَدِّمْ الكبير، يعني: ادفع السواك إلى الأكبر منهما، الظاهر أنهما كانا في أحد جانبيه أو في يساره وهو الإنسب، فأراد تقديم الأقرب، فأمر بتقديم الأكبر، فلا ينافي حديث ابن عباس أو الأعرابي في إيثاره بسؤره - ﵊ - من اللبن لكونه على اليمين على الأشياخ من أبي بكر وعمر وغيرهما.\n(أعط السواك أكبرهما) الظاهر أن هذا تفسير من أحد الرواة، قاله علي القاري (٣).\nقلت: وقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال لنا أبو داود: قال أبو جعفر محمد بن عيسى: عنبسة بن عبد الواحد كنا نعدُّه من الأبدال قبل أن نسمع أن الأبدال من الموالي\".\n(٢) إما لأن السواك يمر على الأسنان، أو لأنه يحددها، بسطه صاحب \"الغاية\". (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٩٩).","vol":"1","page":329},{"text":"قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَزْمٍ: قَالَ لَنَا أَبُو سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ -: هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (١) [م ٣٠٠٣ معناه، خت ٢٤٦]\n===\n\"أراني في المنام\" وليس في رواية البخاري لفظة \"في المنام\" فهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في المنام، ورواية أبي داود عن عائشة - ﵂ - تقتضي أن القضية وقعت في اليقظة.\nويجمع بينهما أن ذلك لما وقع في اليقظة أخبرهم - ﷺ - بما رآه في النوم تنبيهًا على أن أمره بذلك بوحي متقدم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعضهم، هكذا جمع الحافظ ابن حجر، فعلى هذا قال علي القاري: والظاهر أن هذا الحديث محمول على حال حكايته المنام، وإلَّا يشكل تعدد الوحي في أمر واحد.\nقال الحافظ (٢): قال ابن بطال: فيه تقديم ذي السنن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، وقال المهلب: هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنَّة حينئذ تقديم الأيمن.\nوها هنا عبارة كتبت في بعض النسخ المطبوعة بالهند، والنسخة المطبوعة بمصر، وليست في النسخة المكتوبة المقروءة على الشيخ الأجل مولانا محمد إسحاق الدهلوي، وهي هكذا:\n(قال أحمد بن حزم: قال لنا أبو سعيد - هو ابن الأعرابي -: هذا بما تفرد به أهل المدينة)، فهذا أبو سعيد ابن الأعرابي الراوي عن المصنف\n_________\n(١) وقع هناك حديث في نسخة من رواية ابن داسة وكذلك هو في \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٢٢٥) رقم (١٦١٤٤). وهو كما يلي:\n[حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، حدثنا عيسى بن يونس، عن مسعر، عن المقدام بن شريح، عن أبيه قال: قلت: لعائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله - ﷺ - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك].\nوقال المزي: حديث أبى داود في رواية أبى بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٧).","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>(٢٨) بَابُ غَسْلِ السِّواكِ</span>\n٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الأَنْصَارِيُّ،\n===\nنسخة أبي داود، روى عنه تلميذه قوله، فأدرج بعض النساخ غلطًا في نسخة اللؤلؤي، وهذه العبارة كتبت في النسخة المكتوبة على الحاشية، ومعنى هذه العبارة أن رواة هذه الرواية (١) كلهم مدنيون، وهذه لطيفة من لطائف علم الإسناد.\n\n(٢٨) (بَابُ غَسْلِ السِّواكِ)\nلعل غرض المصنف بعقد هذا الباب أنه ذكر في الباب المار جواز الاستياك بسواك غيره، ثم ذكر بعد ذلك إذا استاك بسواك غيره، هل يستاك بعد الغسل أم قبله؟\n٥١ - (حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن عبد الله الأنصاري) ثلاثة؛ أكبرهم اسم جده المثنى، والثاني اسم جده حفص، والثالث زياد، والمذكرر ها هنا هو الأول، وهو محمد بن عبد الله بن مثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، وقال أبو داود: تغير تغيرًا شديدًا، وقال زكريا الساجي: رجل جليل عالم، غلب عليه الرأي، قال: وحدثت عن ابن معين قال: كان محمد بن عبد الله الأنصاري يليق به القضاء، فقيل له: يا أبا زكريا فالحديث؟ قال: للحديث رجال، وقال الأثرم عن أحمد: ما كان يصنع الأنصاري عند أصحاب الحديث إلَّا النظر في الرأي، وأما السماع فقد سمع، مات بالبصرة سنة ٢١٥ هـ.\n_________\n(١) لكنه لا يطابقه التاريخ، وفسره صاحب \"الغاية\" بأن الراوي عن الصحابي وهو ها هنا عروة، وفي \"صحيح مسلم\" هو نافع، كلاهما مدنيان. (ش).","vol":"1","page":331},{"text":"نَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ الحَاسِبُ، نَا كَثِيرٌ، عن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ نَبِيُّ اللَّه - ﷺ - يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لأَغْسِلَهُ،\n===\n(نا عنبسة بن سعيد) بن كثير بن عبيد القرشي التيمي، مولى أبي بكر -﵁ - (الكوفي الحايسب) وكثير هو رضيع عائشة - ﵂ - ثقة، كذا قال ابن معين وأبو حاتم وأبو داود، قال في \"الميزان\" (١): له حديث واحد.\n(نا كثير) بن عبيد التيمي، مولى أبي بكر الصديق، أبو سعيد الكوفي، رضيع عائشة - ﵂ - ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقول الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ذكر عنبسة بن سعيد: روى عن جده أبي العنبس كثير بن عبيد رضيع عائشة - ﵂ - يدل على أن كنية جده كثير بن عبيد أبو العنبس، فالظاهر أنه وهم، فكثير بن عبيد ليس كنيته أبو العنبس، بل كنيته أبو سعيد، كما ذكره الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة كثير بن عبيد، نعم أبو العنبس كنية ابنه سعيد بن كثير، وكذا ما قال في \"الخلاصة\" في ذكر عنبسة بن سعيد، فقال: عن جده، فكتب في الحاشية عن \"تهذيب التهذيب\" هكذا: جده هو أبو العنبس كثير بن عبيد فهذا أيضًا غير صحيح.\n(عن عائشة) -﵂ - (أنها قالت: كان نبي الله - ﷺ - يستاك فيعطيني السواك لأغسله) (٢) للتنظيف، قال ابن حجر: يوخذ منه أن غسل\n_________\n(١) (٣/ ٣٠٠).\n(٢) قال ابن رسلان: قد يستدل به على أن على الزوجة خدمة زوجها، لا سيما إذا طلب منها، واختلف العلماء فيه، مذهب الشافعي ليس عليها الخدمة، لأن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة، وقال بعض المالكية: عليها خدمة مثلها، فإن كانت شريفة المحل فعليها التدبير للمنزل، وإن كانت متوسطة فعليها أن تفرش الفراش، وتناول إناء الشرب، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تكنس وتطبخ، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وسيأتي البسط في ذلك في \"كتاب النكاح\". (ش).","vol":"1","page":332},{"text":"فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ، وَأَدْفَعُهُ إِليْهِ. [ق ١/ ٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>(٢٩) بَابٌ: السّوَاكُ مِنَ الْفِطْرَة</span>\n٥٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ،\n===\nالسواك في أثناء التسوك وبعده قبل وضعه سنَة، وقال ابن الهمام: يستحب في السواك أن يكون ثلاثًا بثلاث مياه.\n(فابدأ به) أي باستعماله قبل الغسل لنيل البركة، ولا أرضى أن يذهب بالماء ما صحبه السواك من ماء أسنانه (فأستاك، ثم أغسله) أي أستاك به تبركًا، ثم أغسله تأدبًا.\nوفيه دليل على أن استعمال سواك الغير برضاه غير مكروه، وإنما فعلت ذلك لما بين الزوج والزوجة من الانبساط.\n(وأدفعه إليه) ليكمل سواكه أو ليحفظه، قال ابن حجر: والثاني غير ظاهر، لأنه خلاف الأدب عرفًا، ولورود: \"كنا نُعِدّ سواكه وطهوره\"، ويحتمل أن يكون المراد وأدفعه إليه وقتًا آخر، بل هذا هو الأظهر. ودلالة الحديث على غسل السواك في أثناء التسوك غير ظاهرة، \"علي القاري\" (١) ملخصًا.\n\n(٢٩) (بَابٌ: السّوَاكُ مِنَ الْفِطْرَة)\n٥٢ - (حدثنا يحيى بن معين) (٢) بن عون الغطفاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور، إمام الجرح والتعديل، ترك أبوه معين - وكان على خراج الري - لابنه يحيى ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث، ولد سنة ثمان وخمسين ومائة، ومات بمدينة الرسول - ﷺ -\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٩٦).\n(٢) بفتح الميم وكسر العين. \"الغاية\" و\"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":333},{"text":"نَا وَكيع، عن زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عن مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عن طَلْقِ بْنِ جَيبٍ، عن ابن الزُّبَيْرِ،\n===\nسنة ثلاث وثلاثين ومأتين، وله سبع وسبعون سنة إلَّا نحوًا من عشرة أيام.\n(نا وكيع) بن الجراح، (عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة) بن جبير بن شيبة بن عثمان العبدري المكي الحجبي، لين الحديث، قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وعن أحمد: روى أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: لا يحمدونه، وليس بقوي، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، ولا بالحافظ، وقال النسائي (١): منكر الحديث، قال في \"الميزان\" (٢): قال أحمد: أحاديثه مناكير، ثم ذكر الحديث، ثم قال: مصعب ضعيف، وقال ابن عدي: تكلموا في حفظه.\n(عن طلق) بسكون اللام (ابن حبيب) العنزي، بفتح المهملة والنون، البصري، قال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وكان يرى الإرجاء، وثقه أبو زرعة وابن سعد والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو الفتح الأزدي: كان داعية إلى مذهبه، مات بين التسعين إلى المِئة.\n(عن) عبد الله (بن الزبير) (٣) بن العوام القرشي الأسدي، أبو بكر، وأبو خبيب بالمعجمة مصغرًا، كان أول مولود في الإِسلام بالمدينة من المهاجرين، وأمه أسماء بنت أبي بكر، هاجرت به أمه إلى المدينة وهي حامل، بويع له بالخلافة عقيب موت يزيد بن معاوية سنة ٦٤ هـ، وكانت ولايته تسع سنين، قتله الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان في ذي الحجة سنة ٧٣ هـ.\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٨/ ١٢٨).\n(٢) (الترجمهَ ٨٥٦٣) (٤/ ١٢٠).\n(٣) انظر ترجمته في \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٩٧)، رقم الترجمة (٢٩٤٩).","vol":"1","page":334},{"text":"عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ،\n===\n(عن عائشة قالت: قال رسول الله عمرو: عشر من الفطرة) (١) أي عشر خصال من سنن الأنبياء الذين أُمِرنا أن نقتدي بهم، فكأنا فطرنا عليها، كذا نقل عن أكثر العلماء، أو السنَّة الإبراهيمية ﵊، أو ما فطرت عليه الطباع السليمة من الأخلاق الحميدة، وركب في عقولهم استحسانها، وهذا أظهر، أو المراد من الفطرة \"الدين\" كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] أي دين الله الذي اختاره لأول مفطور من البشر، وهذه الأفعال من توابع الدين، بحذف المضاف.\n(قص الشارب) (٢) هو شعر ينبت على الشفة العليا، وفي بعض الأحاديث: \"جُزُّوا الشواربَ\"، و\"أحفوا الشوارب\"، و\"أنهكوا الشوارب\"، فكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة، قال القاري: قال ابن حجر: فيسن إحفاؤه (٣) حتى تبدوَ حمرةُ الشفة العليا، ولا يُحْفيه من أصله، والأمر بإحفائه محمول على ما ذكر، وخرج بقصه\n_________\n(١) [قوله: \"من الفطرة\" إشارة إلى عدم الانحصار في العشر لأن \"مِنْ\" للتبعيض والسنَّة كثيرة، \"شرح العيني\" (١/ ١٦٢)].\nوعن عائشة - ﵂ -: كان ﵊ يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان: الشعر والظفر والدم والحيضة والسن والغُلف والتميمة، وراجع إلى \"إتحاف السادة\". (ش).\n(٢) قال ابن دقيق العيد: الأصل في قص الشارب وجهان: مخالفة الأعاجم، وهو منصوص، إذ قال: خالفوا الأعاجم، وإزالتها عن مدخل الطعام والشراب. \"ابن رسلان\". (ش). (انظر: \"إحكام الأحكام\" ١/ ٨٥).\n(٣) وبسط الكلام على أقوال الفقهاء ابن رسلان، وذكر الوعيد على إعفاء الشوارب صاحب \"الخميس\" (٢/ ٣٥)، وبسط الروايات فيه السيوطي في \"زهر الربى\" على النسائي (١/ ١٨). (ش).","vol":"1","page":335},{"text":"وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ،\n===\nحلقه فهو مكروه (١)، وقيل: حرام لأنه مُثلة، وقيل: سنة لرواية به حملت على الإحفاء بالمعنى المذكور.\nوقال صاحب \"مرقاة الصعود\": قال الطحاوي: لم أر عن الشافعي به شيئًا منصوصًا، ومن رأيناه من أصحابه كالمزني، والربيع يُحْفُون، وما أظنهم أخذوه إلَّا عنه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: الإحفاء أفضل من التقصير.\n(وإعفاء اللحية) (٢) هو إرسالها وتوفيرها، وكره قصها، وقص اللحية من سنن الأعاجم، وهو اليوم شعار كثير من المشركين والإفرنج والهنود، ومن لا خلاق له في الدين ممن يتبعونهم ويحبون أن يتزيوا بزيهم.\nوقال في \"الدر المختار\" (٣): ولا بأس بنتف الشيب، وأخذ أطراف اللحية (٤)، والسنَّة فيها القبضة، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد منها (٥) على قبضة قطعه، كذا ذكر محمد في \"كتاب الآثار\" عن الإِمام، قال: وبه نأخذ، \"محيط\".\nثم قال: وكذا يحرم على الرجل قطع لحيته، فعُلم من ذلك أن ما يفعله بعض من لا خلاق له في الدين من المسلمين في الهند والأتراك\n_________\n(١) وقال مالك: بدعة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) ويشكل عليه أنه إذا كان من الفطرة فكيف أهل الجنة جردٌ مردٌ كما ورد، ويظهر الجواب لما في \"اللآلي المصنوعة\" (٢/ ٣٧٩): \"إنه جمال يختص به بعض الأنبياء\"، قال ابن رسلان: اختلفوا فيما إذا طالت، والصحيح أن يتركها على حالها كيف ما كانت لهذا الحديث، وأما حديث عمرو بن شعيب بسنده أنه ﵊ \"يأخذ من أطراف لحيته\"، أخرجه الترمذي لكنه ضعيف. قلت: واستدل ابن عابدين بحديث الترمذي وبسطه. (ش).\n(٣) (٩/ ٥٨٣).\n(٤) وقال في \"كتاب الصوم\": بوجوب أخذ ما زاد على القبضة. (ش).\n(٥) وسيأتي عن ابن عمر في \"باب القول عند الإفطار\". (ش).","vol":"1","page":336},{"text":"وَالسّوَاكُ، والاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ،\n===\nحرام، نعم إذا نبتت اللحية للمرأة فيستحب لها حلقها.\n(والسواك) وقد مر بحثه فيما تقدم قريبًا، (والاستنشاق بالماء) وهو كالمضمضة الآتية سنتان في الوضوء وفرضان في الغسل عندنا، وسنتان عند الشافعي (١)، وقال أحمد ومالك في رواية بوجوبهما.\n(وقص الأظفار) أي تقليمها، وتحصل سُنَيَّتُها بأي كيفية كانت، وأولاها أن يبدأ بمسبحة اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، ثم خنصر اليد اليسرى، ثم بنصرها، ثم وسطاها، ثم مسبحتها، ثم إبهامها، وفي الرجلين بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى (٢).\nوفي \"الشامي\" (٣): قال في \"الهداية\" عن \"الغرائب\": وينبغي الابتداء (٤) باليد اليمنى، والانتهاء بها، فيبدأ بسبابتها، ويختم بإبهامها، وفي الرجل بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى، انتهى. ونقله القهستاني عن \"المسعودية\".\nوقال في \"الدر المختار\": وفي \"المواهب\": قال الحافظ ابن حجر: إنه يستحب كيفما احتاج إليه، ولم يثبت في كيفيته شيء، ولا في تعيين يوم\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وكونهما من الفطرة يؤيد السُّنِّية. (ش).\n(٢) واختاره النووي (٢/ ١٥١). (ش).\n(٣) (٩/ ٥٨٢).\n(٤) بسط الكلام على كيفيته الطحطاوي على \"المراقي\" (ص ٤٢٩) في آخر الجمعة، وقال: قلمها قبل الجمعة مندوب، ولا يلتفت إلى من قال بعدها، وعند البيهقي مرسلًا: \"كان ﵊ يقلم أظفاره، ويقص شاربه قبل الجمعة\"، كذا في \"جمع الوسائل\". (ش). [قلت: هذا الحديث أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٣/ ٢٤٤) مرسلًا، ولكن لم يكن فيه: \"قبل الجمعة\"، وأخرجه في \"شعبه\" (٣/ ٢٤) رقم (٢٧٦٣) مرفوعًا، وفيه: \"قبل الجمعة\"].","vol":"1","page":337},{"text":"وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ،\n===\nله عن النبي - ﷺ - هم، إلَّا أنه لا يترك أكثر من أربعين يومًا، وما يُعْزى من النظم في ذلك للإمام علي قال شيخنا: إنه باطل، وكذا قال السيوطي، قد أنكر الإِمام ابن دقيق العيد جميع هذه الأبيات، وقال: لا تعتبر هيئة مخصوصة، وهذا لا أجل له في الشريعة، ولا يجوز اعتقاد استحبابه، لأن الاستحباب حكم شرعي، لا بد له من دليل.\n(وغسل البراجم) بفتح الباء وكسر الجيم، جمع برجم بضمهما، والبرجمة بالفتح غلظ الكلام، هي عقد الأصابع ومفاصلها (١)، ويلحق بها ما يجتمع من الوسخ بالعرق والغبار في معاطن الأذن، وقعر الصماخ، وداخل الأنف ونحوه، وغسلها سنَّة مستقلة لا تختص بالوضوء.\n(ونتف الإبط) (٢) بسكون الموحدة وتكسر، أي قلع شعره بحذف المضاف، وعلم منه أن حلقه ليس بسنَة، وقيل: النتف أفضل لمن قوي عليه، قال في \"الدر المختار\" و\"شرحه\": وتنظيف بدنه بنحو إزالة الشعر من إبطيه، ويجوز فيه الحلق، والنتف أولى.\n(وحلق العانة) قال في \"لسان العرب\": وعانة الإنسان: إسْبه، الشعر الثابت على فرجه، وقيل: هي منبت الشعر هنالك، قال أبو الهيثم: العانة منبت الشعر فوق القُبُل من المرأة، وفوق الذكر من الرجل،\n_________\n(١) قال ابن رسلان: متفق على استحبابه، وهو سنة مستقلة لا تختص بالوضوء أوضحها الغزالي في \"الإحياء\" (١/ ١٣٨). (ش).\n(٢) قال في \"الغاية\": من نظر إلى الصورة قال: يكفي الحلق، ومن نظر إلى المعنى، يعني أن النتف يقل العرق، قال: لا يكفي الحلق، قال ابن رسلان: وحكي عن يونس بن عبد الأعلى: دخلت على الشافعي وعنده من يحلق إبطه فقال: وأعْلَمُ أن السنَّة النتف، لكن لا أقوى على الوجع، ونتفه سهل لمن تَعَوَّده دون من تَعَوَّد الحلق، فالشعر يقوى ويصعب النتف بعده. (ش).","vol":"1","page":338},{"text":"وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ\" - يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءَ -\n===\nوالشعر الثابت عليهما يقال له الشِّعْرَةُ والإيسْبُ، قال الأزهري: هذا هو الصواب (١).\nقال الشامي (٢): قال في \"الهندية\": ويبتدئ من تحت السرة، ولو عالج بالنَّوْرة يجوز، كذا في \"الغرائب\"، وفي \"الأشباه\": والسنَّة في عانة المرأة النتف، انتهى.\nقال الأبهري: ولا يترك حلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، والأظفار أكثر من أربعين يومًا، كما في رواية مسلم من حديث أنس.\n(وانتقاص الماء (٣)، يعني الاستنجاء بالماء) بالقاف والصاد المهملة هو الصحيح، وصَوَّب بالفاء، قيل: هو الاستنجاء كما حكاه مسلم عن وكيع، وقال أبو عبيدة وغيره: معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره، وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية \"الانتضاح\" بدل \"انتقاص الماء\"، قال الجمهور: الانتضاح نضح الفرج (٤) بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس، وقيل: هو الاستنجاء بالماء، كذا في \"شرح مسلم\" (٥) للنووي.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وفي \"كتاب الودائع\" لأبي العباس: العانة: الشعر المستدير حول حلقة الدبر، قال النووي: هو غريب لكن لا منع من حلقه، أما الاستحباب فلم أر فيه شيئًا غير هذا. (ش).\n(٢) \"رد المحتار\" (٩/ ٦٧٠).\n(٣) أي رش الماء، فالماء ماء الاستنجاء، أو انتقاص الماء بسبب الاستنجاء، فالماء البول. \"ابن رسلان\" أي قطع البول بسبب الاستنجاء بالماء، ولذا قالوا: في الماء تأثير قطع البول. (ش).\n(٤) وفي \"التقرير\": إرادته هناك بعيد، لأنه لإزالة الوهم، ليس من الفطرة. (ش).\n(٥) (٣/ ١٥٠).","vol":"1","page":339},{"text":"قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. [م ٢٦١، ت ٢٧٥٨، ن ٥٠٤٣، جه ٢٩٣، حم ٦/ ١٣٧]\n٥٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن عَلِيِّ بنِ زيدٍ،\n===\n(قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلَّا أن تكون المضمضة)\nفعلى هذا: الناسي هو مصعب بن شيبة، كما ذكره مسلم عن قتيبة، وفي رواية لمسلم أن الذي نسيها زكريا بنُ أبي زائدة، وقائلُ \"إلَّا أن تكون المضمضة\" يحتمل أن يكون مصعبًا، ويحتمل أن يكون الراوي عنه، و\"نُسِّيْت\" في نسخة بالتشديد والبناء للمفعول، وقوله: \"إلَّا أن تكون\" قال الطيبي: استثناء مفرغ أي لم أتذكر العاشرة فيما أظن شيئًا من الأشياء، إلَّا أن تكون مضمضة، وقال ابن حجر: ضمن نسي معنى النفي، لأن الترك موجود في ضمن كل، أي لم أتذكر شيئًا يتم الخصال به عشرًا، إلَّا أن يكون مضمضة، نقله \"علي القاري\" (١)، وقال القاضي عياض: ولعلها الختان المذكور مع الخمس وهو الأولى، كذا قال النووي في \"شرح مسلم\".\n٥٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب) مكبرًا الباهلي، أبو سليمان البصري، قال أبو حاتم: صدوق، روى له البخاري حديثًا واحدًا في أول المحاربين، مات سنة ٢٢١ هـ أو سنة ٢٢٢ هـ (قالا: نا حماد) بن سلمة، كما يفهم من رواية ابن ماجه، وإلَّا فيحتمل أن يكون حماد بن زيد، فإن داود بن شبيب يروي عنهما، وكذلك الحمادان يرويان عن علي بن زيد، (عن علي بن زيد) بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي، أبو الحسن البصري، أصله من مكة، وهو المعروف بعلي بن زيد بن\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥).","vol":"1","page":340},{"text":"عن سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - قَالَ مُوسَى: عن أَبِيهِ، وَقَالَ دَاوُدُ: عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -\n===\nجدعان، ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف، ضعفه كثير من المحدثين، وتفصيله مذكور في \"تهذيب التهذيب\"، مات سنة ١٣١ هـ وقيل قبلها.\n(عن سلمة بن محمد (١) بن عمار بن ياسر) العنسي بالنون، المدني، مجهول، روى عن جده، وقيل: عن أبيه عن جده، روى عنه علي بن جُدْعان وحده، قال البخاري: ولا نعرف أنه سمع من عمار أم لا، قال ابن معين: حديثه عن جده مرسل، وقال ابن حبان: لا يحتج به.\n(قال موسى) أي ابن إسماعيل: (عن أبيه) هو محمد بن عمار بن ياسر العنسي بالنون، مولى بني مخزوم، روى عن أبيه، وعنه ابناه سلمة وأبو عبيدة، وبعضهم يقول: عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر عن عمار، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: حديثه في \"سنن أبي داود\" من روايته عن النبي - ﷺ - مرسلًا، ليس فيه عن عمار، رواه من طريق سلمة بن محمد بن عمار عن جده، ولم يذكر محمدًا، وقد ذكره البخاري في \"الأوسط\" في فصل من مات من ستين إلى سبعين.\n(وقال داود) بن شبيب المذكور: (عن عمار بن ياسر)، غرض أبي داود بيان الاختلاف الواقع بين ألفاظ كلا أستاذيه، فأما موسى فرواه بسنده عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه محمد أن رسول الله - ﷺ - قال .. الحديث، وأما داود بن شبيب فروى بسنده عن سلمة بن محمد بن\n_________\n(١) قال ابن رسلان: أخرج له المصنف وابن ماجه (٢٩٤) هذا الحديث الواحد لا غير. (ش).","vol":"1","page":341},{"text":"أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ مِنَ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ\".\n===\nعمار بن ياسر عن جده عمار بن ياسر أن رسول الله - ﷺ - قال .. الحديث، فعلى الأول مرسل (١)، وعلى الثاني منقطع.\nوهو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي، أبو اليقظان (٢)، مولى بني مخزوم، وأمه سمية من لخم، وكان ياسر قدم من اليمن إلى مكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، فزوجه مولاته سُمَيَّةَ، فولدت له عمارًا فأعتقه أبو حذيفة، وأسلم عمار وأبوه قديمًا، وكانوا ممن يعذب في الله، وقتل أبو جهل سمية، فهي أول شهيدة في الإِسلام، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وتواترت الروايات عن النبي - ﷺ - أنه قال لعمار: \"تقتلك الفئة الباغية\"، قتل مع علي بصفين سنة ٣٧ هـ وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، ودفن هناك بصفين.\nوقد روى هذا الحديث الإِمام أحمد في \"مسنده\" وابن ماجه في \"سننه\" بسنديهما عن عمار بن ياسر، وهذا لفظ أحمد: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن من الفطرة أو الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، والاستحداد، والاختتان، والانتضاح\".\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق،\n_________\n(١) وظاهر كلام ابن رسلان أنه على الأول متصل إذ قال (قال موسى) في روايته (عن أبيه) محمد عن جده عمار، (وقال داود عن جده عمار) فعلم أن رواية موسى عنده متصلة، ويؤيده ما تقدم عن الحافظ في ترجمة سلمة. (ش). [قال العيني في \"شرح السنن\" (١/ ١٦٩): حديثه عن جده عمار، قال ابن معين أيضًا: مرسل، وقال غيره إنه لم يَرَ جده].\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٣٠٨) رقم (٣٨٠٤).","vol":"1","page":342},{"text":"فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذكُرْ إِعْفَاءَ اللّحْيَةِ، وَزَادَ: \"وَالْخِتَانَ\"،\n===\nفذكر نحوه) أي نحو رواية عائشة - ﵂ -، (ولم يذكر إعفاء اللحية) كما ذكر في رواية عائشة - ﵂ -، (وزاد) في هذه الرواية: (والختان) الذي ليس في رواية عائشة.\nوالختان بكسر المعجمة، وتخفيف المثناة، مصدر خَتَنَ أي قطع، والختن بفتح ثم سكون، قطع بعضٍ مخصوص من عضو مخصوص، قال الماوردي: ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به، واختلف في وجوب الختان، فروي عن الشافعي وكثير من المشايخ أنه واجب في حق الرجال والنساء، وعند مالك وأبي حنيفة وهو قول أكثر العلماء أنه سنَّة، قاله الشوكاني (١).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخمسة المذكورة في الباب: الشافعي وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء، حتى قال: لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختن، وعن أحمد وبعض المالكية يجب، وعن أبي حنيفة واجب وليس بفرض، وعنه سنَّة يأثم بتركه، وفي وجه للشافعية لا يجب في حق النساء، انتهى.\nقلت: قال في \"الدر المختار\" (٣): (مسائل شتى): صبيٌّ حشفته ظاهرة بحيث لو رآه إنسان ظنه مختونًا، ولا تقطع جلدة ذكره إلَّا بتشديد آلمه ترك على حاله، كشيخ أسلم، وقال أهل النظر: من لا يطيق الختان ترك أيضًا، ولو ختن ولم تقطع الجلدة كلها، ينظر: فإن قطع أكثر من النصف كان\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(٢) (١٠/ ٣٤٠).\n(٣) (١٠/ ٥١٥).","vol":"1","page":343},{"text":"قَالَ: \"وَالانْتِضَاحَ\"، وَلَمْ يَذْكُرِ انْتِقَاصَ الْمَاءِ، يَعْنِي الاستِنْجَاءَ. [جه ٢٩٤، حم ٤/ ٢٦٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ،\n===\nختانًا، وإن قطع النصف فما دونه لا يكون ختانًا يعتدّ به، لعدم الختان حقيقة وحكمًا، والأصل أن الختان سنَّة كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإِسلام وخصائصه، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإِمام، فلا يترك إلَّا لعذر، وعذرُ الشيخ لا يطيقه ظاهر، انتهى (١).\n(قال) أي الراوي في رواية عمار: (والانتضاح (٢). ولم يذكر) الراوي لفظ (انتقاص الماء) الذي ذكر في رواية عائشة -﵂ -. ثم فسر أبو داود لفظ \"انتقاص الماء\" بقوله: (يعني) بانتقاص الماء (الاستنجاء)، وإن كان مفهوم اللفظ عامًا يشمل الاستنجاء والانتضاح وجميع الغسلات.\n(قال أبو داود: وروي نحوه عن ابن عباس) وهذا أثر ابن عباس\n_________\n(١) هذا الكلام لم يكن عند التأليف، وأضاف الشيخ - قدس سره - بعد الطبع الأول ليزاد في الطبع الثاني [قد زيدت في هذه الطبعة أيضًا]، قلت: قال ابن رسلان: والختان واجب عندنا على الرجال والنساء، وممن أوجبه أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: سنة في حق الجميع، وحجتهم هذا الحديث، فإنه معدود مع السنن، واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، وهو أول من اختتن، وقال أيضًا: وكان ابن عباس يُشَدّدُ في أمره يقول: لا حج له ولا صلاة إذا لم يختتن، والحسن يرخص فيه، ويقول إذا أسلم لا يبالي أن لا يختتن، قلت: وفي \"المغني\" واجب عند الشافعي وأحمد، ولذا يجوز له كشف العورة، وسنَة عند مالك وأبي حنيفة. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: بالضاد المعجمة والحاء المهملة، قال الجمهور: هو أن يرش الماء بعد الوضوء لدفع الوسواس، وقال النووي: قال المحققون: إنه الاستنجاء بالماء بدليل رواية مسلم: و\"انتقاص الماء\". (ش).","vol":"1","page":344},{"text":"وقَالَ: \"خَمْسٌ كُلُّهَا في الرَّأسِ\"، وَذَكَرَ فِيْهَا الْفَرْقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُ حَدِيثِ حَمَّادٍ، عن طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَمُجَاهِدٍ، وعن بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الْمُزَنِيِّ\n===\nتتبعته في كتب الحديث الموجودة عندي فلم أجده فيها (١)، ولكن قال صاحب \"غاية المقصود\": وصله عبد الرزاق في \"تفسيره\"، والطبري (٢) من طريقه بسند صحيح، واللفظ لعبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، الحديث.\n(وقال: خمس كلها في الرأس) أي قال ابن عباس: خمس خصال (٣) كلها توجد في الرأس، (وذكر فيه الفرق) فالغرض منه أن ذكر الفرق موجود في رواية ابن عباس، وغير موجود في رواية عائشة - ﵂ - المذكورة قبلُ، (ولم يذكر) في رواية ابن عباس (إعفاء اللحية) وقد ذكر في رواية عائشة - ﵂ - المارة قبل.\n(قال أبو داود: وروي) بصيغة المجهول (نحو حديث حماد) المذكور قبل (عن طلق بن حببط ومجاهد، وعن بكر بن عبد الله المزني) وهو بكر بن\n_________\n(١) قلت: أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٦٦)، والبيهقي في \"سننه (١/ ١٤٩) عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه الله ﷿ بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" (١/ ٥٧) و\"جامع البيان\" (١/ ٥٧٢) رقم (١٩١٢)، و\"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٧).\n(٣) وهي المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب والفَرْق. (ش).","vol":"1","page":345},{"text":"قَوْلُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرُوا إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ.\n===\nعبد الله بن عمرو المزني، أبو عبد الله البصري، وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا مأمونًا حجة فقيهًا، مات سنة ١٠٨ هـ، وقال ابن المديني والبخاري وابن أبي خيثمة وأبو نصر الكلاباذي وغيرهم: مات سنة ١٠٦ هـ.\n(قولهم) يعني موقوفًا ولم يرفعوه (ولم يذكروا) أي الرواة المذكورون في روايتهم (إعفاء اللحية).\nفأما طلق بن حبيب فله حديثان، أحدهما ما يرويه مرفوعًا، وهو الذي أخرجه المصنف في أوائل الباب، وأيضًا أخرجه مسلم في \"صحيحه\"، وأخرجه ابن ماجه في \"سننه\"، ولكن فيه: عن طلق بن حبيب عن أبي الزبير، وهذا غلط من الكاتب، والصواب: عن ابن الزبير كما في نسخة، وأيضًا أخرجه النسائي، ثم أخرج النسائي بعده رواية طلق موقوفًا، روى عنه سليمان التيمي، وأبو بشر جعفر بن أياس موقوفًا عليه قوله، ثم قال النسائي بعد تخريج الروايتين: قال أبو عبد الرحمن: وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة، ومصعب منكر الحديث.\nقلت: مصعب بن شيبة، وإن كان تكلم فيه بعض المحدثين لكن وثقه بعضهم، وأخرج حديثه مسلم في \"صحيحه\"، وروايته مؤيدة بالشواهد، فعلى هذا تكون روايته صحيحة لغيرها.\nوأما رواية مجاهد (١) وبكر بن عبد الله المزني فلم أجدها في الكتب الموجودة عندنا.\n_________\n(١) وأما رواية مجاهد فقد أخرجها ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١/ ١٩٥) وقال: حدثنا شريك عن ليث عن مجاهد قال: ست من فطرة إبراهيم: قص الشارب، والسواك، والفَرْقُ، وقص الأظفار، والاستنجاء، وحلق العانة، قال: ثلاثة في الرأس، وثلاثة في الجسد.","vol":"1","page":346},{"text":"وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهِ: \"وَإِعْفَاءُ اللّحْيَةِ\".\nوَعَن إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي نَحْوَهُ، وَذَكَرَ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ وَالْخِتَانَ.\n===\n(وفي حديث محمد (١) بن عبد الله بن أبي مريم) المدني الخزاعي مولاهم، ويقال: مولى ثقيف، روى عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وروى عنه صفوان بن عيسى، ومالك، وابن جريج، وسليمان بن بلال، وأبو ضمرة، ويحيى القطان وقال: لم يكن به بأس، وآخرون، وقال: أبو حاتم: شيخ مدني صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، كذا في \"تعجيل المنفعة\" (٢) للحافظ ابن حجر العسقلاني.\n(عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - فيه: وإعفاء اللحية) والغرض من ذكر رواية محمد بن عبد الله بيان أن فيها ذكر إعفاء اللحية، فقوله: \"وإعفاء اللحية\" مبتدأ، وقوله: \"وفي حديث محمد بن عبد الله\" خبره مقدم عليه، وقوله: \"فيه\" تأكيد، واختلف النسخ في ذلك اللفظ، فيوجد في بعضها، ولا يوجد في بعضها، ولكن هذا اللفظ موجود في النسخة المكتوبة لمولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري.\n(وعن إبراهيم النخعي نحوه، وذكر إعفاء اللحية والختان)، يعني (٣)\n_________\n(١) قال صاحب \"الغاية\": أخرج حديثه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ٩١) في الطهارة. (ش). [قلت: وأخرجه البخاري في \"تاريخه\" أيضًا (١/ ١٣٩)]\n(٢) (٢/ ١٨٩).\n(٣) والحاصل أنها حصلت بمجموع الروايات اثنتا عشر سُنَّةٌ، ست في الرأس مع إعفاء اللحية، وثلاث في السبيلين، وهي الختان، والاستجاء، والاستحداد، وثلاث في الجسد: تقليم الأظفار، ونتف الأبط، وغسل البراجم. (ش).","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>(٣٠) بَابُ السِّوَاكِ لِمَنْ قَامَ بِاللَّيْلِ</span>\n٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن حُذَيْفَةَ قَالَ:\n===\nرواية إبراهيم النخعي مثل رواية محمد بن عبد الله بن أبي مريم في المعنى، إلَّا أن فيه ذكر الختان مع ذكر إعفاء اللحية، ولم نجد هاتين الروايتين في كتب الحديث.\n\n(٣٠) (بَابُ السِّوَاكِ لِمَنْ قَامَ بِاللَّيْلِ)\nيعني: يستحب لمن قام بالليل، سواء كان قيامه للصلاة أو لغيرها، أن يستاك؛ لأن النوم مظنة تغير الرائحة لأجل صعود الأبخرة من المعدة إلى الفم، وكذلك في جميع مظان تغير الرائحة، وكذلك عند أكل ما فيه رائحة كريهة، كالثوم، والبصل، والتنباك.\n٥٤ - (حدثنا محمد بن كثير) العبدي، أبو عبد الله البصري، روى عن أخيه سليمان، وكان أكبر منه بخمسين سنة، وعن الثوري، وشعبة. روى عنه البخاري، وأبو داود، وآخرون، قال ابن معين: لم يكن بثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أحمد بن حنبل: ثقة، مات سنة ٢٢٣ هـ، وكان له يوم مات تسعون سنة.\n(نا سفيان) الثوري، (عن منصور) بن معتمر (وحصين) بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل مصغرًا الكوفي، ابن عم منصور بن المعتمر، وثقه أحمد وابن معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال بعضهم: ساء حفظه في آخر عمره وتغير، مات سنة ١٣٦ هـ، وله ثلاث وتسعون سنة.\n(عن أبي وائل) شقيق بن سلمة، (عن حذيفة) بن اليمان (قال:","vol":"1","page":348},{"text":"إِنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - كانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. [خ ٢٤٥، م ٢٥٥، ن ٢، جه ٢٨٦]\n٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، نَا بَهْزُ بْنُ حَكِيم، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى،\n\n===\nإن رسول الله - ﷺ - كان إذا قام من الليل (١) يشوص فاه بالسواك)، والشَّوص: دلك الأسنان بالسواك عرضًا، وقيل: هو الغسل، وقيل: التنقية (٢)، فهذه أقوال الأئمة فيه، كذا قال النووي (٣)، وفي رواية مسلم: \"إذا قام ليتهجد\".\n٥٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة، (نا بهز بن حكيم) بن معاوية بن حيدة، أبو عبد الملك، القشيري البصري، وثقه علي بن المديني ويحيى بن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال صالح جزرة: بهز عن أبيه عن جده إسناد أعرابي، وقال الحاكم: كان من الثقات ممن يجمع حديثه، وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده، لأنها شاذَّة، لا متابع له عليها، وقال الآجري عن أبي داود: هو عندي حجة، وعند الشافعي ليس بحجة، مات بعد سنة ١٤٠ هـ، وقيل قبل سنة ١٦٠ هـ.\n(عن زرارة بن أوفى) العامري الحرشي، بمهملة وراء مفتوحتين ثم معجمة، أبو حاجب البصري، قاضيها، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي: ثقة، وكذلك وثّقه ابن سعد والعجلي، وقال أبو حيان\n_________\n(١) ولفظ البخاري: \"إذا قام للتهجد\"، وكذا لمسلم وغيره، فالظاهر التخصيص به، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٢) وقيل: هو الإمرار على الأسنان من الأسفل إلى الفوق. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ١٤٧).","vol":"1","page":349},{"text":"عن سَعْدِ بْنِ هِشَامِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُوضَعُ لَهُ وَضُوؤُهُ وَسِوَاكُهُ، فَإِذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ تَخَلَّى ثُمَّ اسْتَاكَ. [ق ١/ ٣٩]\n٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، أَنَا هَمَّام، عن عَلِيِّ بْنِ زيدِ، عن أُمِّ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَان لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ فيَسْتَيْقِظُ إِلَّا يَتَسَوَّكُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ. [حم ٦/ ١٦٠، ق ١/ ٣٩]\n===\nالقصاب: صلَّى بنا زرارة الفجر ولما بلغ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (١) شهق شهقة فمات سنة ٩٣ هـ.\n(عن سعد بن هشام) بن عامر الأنصاري المدني، ابن عم أنس، قال النسائي: ثقة، وذكر البخاري أنه قتل بأرض مكران على أحسن أحواله، قال أبو بكر الحازمي: مكران - بضم الميم - بلدة بالهند.\n(عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يوضع له وضوؤه وسواكه) أي يُعِدُّ أهلُه في أول الليل ماء وضوئه وسواكه، (فإذا قام من الليل تخلَّى) أي قضى الحاجة (ثم استاك).\nوهذا الحديث يدل على أنه - ﷺ - كان يستاك عند الوضوء.\n٥٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام) بن يحيى بن دينار، (عن علي بن زيد) بن جدعان، (عن أم محمد) امرأة زيد بن جدعان والد علي بن زيد، يقال: اسمها آمنة، وقيل: أمية بنت عبد الله، (عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان لا يرقد من ليل ولا نهار، فيستيقظ إلَّا يتسوك قبل أن يتوضأ) (٢) لأن النوم مظنة تغير رائحة الفم، فيتأكد السواك عند الاستيقاظ منه إزالة لذلك\n_________\n(١) سورة المدثر: الآيتان ٨ و٩.\n(٢) قال ابن رسلان: قوله: \"قبل أن يتوضأ\" صريح في تقديم السواك قبل الوضوء والتسمية، لتكون التسمية أيضًا على تنظيف الفم، ورواه أبو نعيم من حديث هشام بن =","vol":"1","page":350},{"text":"٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا حُصَيْنٌ، عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتِ،\n===\nالتغير، وفي الحديث دليل على أنه - ﷺ - يتسوك قبل أن يتوضأَ، وأيضًا يدل على أنه - ﷺ - يتسوك بعد الاستيقاظ من النوم، سواء أراد التهجد أو لم يرد.\n٥٧ - (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح، أبو جعفر بن الطباع البغدادي، (نا هشيم) بالتصغير، ابن بشير بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم (١) بالمعجمتين، الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة ١٨٣ هـ، وقد قارب الثمانين.\n(أنا حصين) مصغرًا ابن عبد الرحمن، (عن حبيب) بالحاء مكبرًا (ابن أبي ثابت) قيس بن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، روى عن عروة بن الزبير حديث المستحاضة، وحديث القبلة، وحديث ابن عمر في اعتمار النبي - ﷺ - في رجب وإنكار عائشة -﵂ - لذلك، وحديثًا في الدعوات كان النبي - ﷺ - يقول: \" اللَهُمَّ عافني في جسدي\"، الحديث، وجزم الثوري أنه لم يسمع منه، وإنما هو عروة المزني آخر، وكذا تبع الثوري جماعة من المحدثين.\nوأما أبو داود فيحكي قوله في \"سننه\" ويخالفه ويرده ويقول: قد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا، وهذا ظاهر أن الحديث لا يكون صحيحًا، إلَّا أن يكون حبيب سمعه من عروة بن الزبير. قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن معين والنسائي:\n_________\n= عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - إذا استيقظ تسوك، ثم توضأ، الحديث، قال ابن الصلاح: وفي \"مشكل الوسيط\": الظاهر أن السواك يتأخر، فيكون عند المضمضة، وهذا الحديث يرده، انتهى مختصرًا. (ش).\n(١) أبو خازم كنية قاسم بن دينار.","vol":"1","page":351},{"text":"عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ النَّبِىِّ -ﷺ-، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أَتَى طَهُورَهُ فَأَخَذَ سِوَاكَهُ فَاسْتَاكَ\n===\nثقة، وعن ابن معين: ثقة حجة، قيل له: ثبت؟ قال: نعم، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، ولم يسمع حديث المستحاضة من عروة، وقال الترمذي عن البخاري: لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا، وقال ابن أبي حاتم في \"كتاب المراسيل\" عن أبيه: أهل الحديث اتفقوا على عدم سماعه من عروة، قال: واتفاقهم على شيء يكون حجة.\nقلت: ودعوى الاتفاق غلط، وقال ابن عدي: هو ثقة حجة، وقال العجلي: سمع من ابن عمر غير شيء، ومن ابن عباس، وكان فقيهًا، ومفتي الكوفة، مات سنة ١١٩ هـ.\n(عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس) الهاشمي، ثقة، لم يثبت سماعه من جده، ولا أنه لقيه، مات سنة ١٢٤ هـ أو سنة ١٢٥ هـ.\n(عن أبيه) هو علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، أبو محمد، ثقة عابد قليل الحديث، مات سنة ١١٨ هـ، (عن جده عبد الله بن عباس قال: بت) أي نمت ورقدت (ليلة عند النبي - ﷺ -، فلما استيقظ من منامه أتى طهوره) أي الماء الذي أعدّ لوضوئه - ﷺ - (فأخذ (١) سواكه فاستاك\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وهكذا في رواية الحاكم (٣/ ٦١٧)، ظاهره أنه أخذ السواك من طهوره، فإنه كان يضع فيه ليلين، وفي رواية \"النسائي\" (١٣٢٠) عن طريق حميد بن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة بلفظ: ثم استلّ من فراشه سواكًا فاستاك.\nقلت: وفي حديث ابن ماجه (٣٦١) عن عائشة - رضي الله تعالى عنها -: كنت أضع لرسول الله - ﷺ - ثلاثة آنية مختمرة، إناء لطهوره، وإناء لسواكه، وإناء لشرابه، فهذا محمول على اختلاف الأحوال. (ش).","vol":"1","page":352},{"text":"ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ حَتَّى قَارَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ أَوْ خَتَمَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَتَى مُصَلَّاهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجعَ إِلَى فِرَاشِه فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ رَجعَ إِلَى فِرَاشِه فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، كلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ\n===\nثم تلا (١) هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها)، وفي رواية مسلم: \"فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة\"، ولم يذكر الشك، فالشك المذكور في رواية أبي داود ليس من ابن عباس - ﵁ -، بل من بعض الرواة، يعني يقول الراوي: أشك في قول أستاذي قال: حتى قارب أن يختم السورة، أو قال: حتى ختمها، ولعل الشك (٣) من هشيم.\n(ثم توضأ) أي أتم الوضوء (فأتى مصلاه فصلَّى ركعتين)، وفي رواية مسلم: \"فأطال فيهما القيام والركوع والسجود\"، (ثم رجع إلى فراشه، فنام ما شاء الله، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك) أي تسوك وتوضأ، وتلا الآيات، وصلَّى ركعتين، (ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك) من الاستياك، والوضوء، وتلاوة الآيات، والصلاة، (ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، كل ذلك يستاك) ويتوضأ،\n_________\n(١) استدل به على أن القراءة في الحدث ليس بمكروه، ورد بأن النوم في حقه ليس بناقض، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٩٠.\n(٣) كما أشار إليه المصنف في آخر الحديث. (ش).","vol":"1","page":353},{"text":"وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَر\". [م ٢٥٦، ن ١٧٠٤، حم ١/ ٣٧١]\n===\nويقرأ هؤلاء الآيات، كما في رواية مسلم (ويصلي ركعتين، ثم أوتر) وفي مسلم: \"ثم أوتر بثلاث\".\nقال النووي (١): هذه الرواية مخالفة لباقي الروايات في تخلل النوم بين الركعات وفي عدد الركعات، فإنه لم يذكر في باقي الروايات تخلل النوم وذكر الركعات ثلاث عشرة، قال القاضي عياض: هذه الرواية، وهي رواية حصين عن حبيب بن أبي ثابت بما استدركه الدارقطني على مسلم لاضطرابها واختلاف الرواة، قال الدارقطني: وروي عنه على سبعة أوجه، وخالف فيه الجمهور.\nقلت: قول النووي: هذه الرواية فيها مخالفة لباقي الروايات في تخلل النوم بين الركعات، لعله صدر عنه على غفلة من الرواية التي تقدمت في \"باب السواك\" ما نصه: حدثنا عبد بن حميد نا أبو نعيم نا إسماعيل بن مسلم نا أبو المتوكل أن ابن عباس حدثه: أنه بات عند نبي الله - ﷺ - ذات ليلة، فقام نبي الله - ﷺ - من آخر الليل، فخرج فنظر إلى السماء، ثم تلا هذه الآية التي في آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ثم رجع إلى البيت فتسوّك وتوضأ، ثم قام فصلَّى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء، فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلَّى (٢)، انتهى. فهذه الرواية تؤيد رواية حصين بن عبد الرحمن في تخلل النوم بين الركعات.\nوأما الاختلاف الواقع في ذكر الركعات، فالظاهر أنهما واقعتان مختلفتان، ففي إحداهما صلَّى رسولى الله - ﷺ - ثلاث عشرة ركعة متصلة،\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٣١٣).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٦).","vol":"1","page":354},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: فَتَسوَّكَ وَتَوَضَّأ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ.\n===\nلم يتخلل النوم بينها، وفي بعضها صلاها منفصلة بتخلل النوم بينها، واقتصر على تسع ركعات، فلا مخالفة فيها أصلًا.\nوأما ما قال الدارقطني في اضطرابها، فإن كان المراد بالاضطراب الاضطراب في السند، فالسند ليس فيه اضطراب أصلًا، وأما إن كان المراد بالاضطراب الاضطراب في المتن، فليس في المتن اختلاف لا يمكن الجمع فيه، ووجه الجمع إما الحمل على تعدد القصة أو بما جمع به القاضي عياض - ﵀ -، فلا يرد الحديث الصحيح بمثل ذلك الاختلاف، وهذا الحديث يدل على أن الوتر ثلاث، ومعنى \"أوتر\" يعني أوتر الركعتين، بضم الثالثة معهما، كما تقوله الحنفية.\n(قال أبو داود: ورواه ابن فضيل عن حصين) بن عبد الرحمن (قال: فتسوّك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، حتى ختم السورة)، ورواية ابن فضيل عن حصين أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١) كما ذكرناه.\nوغرض المصنف بذكره ها هنا بيان الاختلاف الواقع في رواية هشيم عن حصين، ورواية ابن فضيل عن حصين، وذكر شيئًا من اختلاف ها هنا، ثم أخرج المصنف هاتين الروايتين فيما بعد في \"باب صلاة الليل\"، وذكر فيه بعض الاختلافات الواقعة فيها في اللفظ، ولا يضر مثل هذا الاختلاف، لأن التحديث بالمعنى جائز عند المحدثين.\n_________\n(١) (٧٦٣).","vol":"1","page":355},{"text":"٥٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوْسَى الرَّازِيُّ قَالَ: ثَنَا عِيْسَى، ثَنَا مِسْعَر، عَنِ الْمِقْدَام بْن شُرَيْح، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِأَيّ شَئءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. [م ٢٥٣، ت ٨، جه ٢٩٠، حم ٦/ ٤١، خزيمة ١٣٤]\n===\n٥٨ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: ثنا عيسى) بن يونس، (ثنا مسعر) بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح المهملة، ابن كِدَام بكسر أوله، وتخفيف ثانيه، ابن زهير الهلالي العامري الرؤاسي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، وكان مرجئًا، مات سنة ١٥٣ هـ أو سنة ١٥٥ هـ، لم يشهد سفيان جنازته من أجل الإرجاء (١).\n(عن المقدام بن شريح) بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي، وثقه أحمد وأبو حاتم والنسائي ويعقوب بن سفيان، (عن أبيه) شريح مصغرًا، ابن هانئ بن يزيد بن نهيك الحارثي المذحجي، أبو المقدام الكوفي، أدرك النبي - ﷺ - ولم يره، وكان من أصحاب علي، قتل بسجستان سنة ٧٨ هـ مع عبيد الله بن أبي بكرة، وثقه أحمد وابن معين والنسائي.\n(قال) أي شريح: (قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله - ﷺ - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك). قال النووي: فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره.\nقلت: وهذا الحديث وجد ها هنا في بعض النسخ المطبوعة في الهند، ولم يوجد في النسخة المكتوبة لمولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري، ولا في المطبوعة بمصر، بل في النسخة المكتوبة الأحمدية كتب هذا الحديث على الحاشية عندما ذكر \"باب في الرجل يستاك بسواك غيره\"، وكتب قبل الحديث هذه العبارة: قال أحمد - هو ابن حزم -: قال\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٧/ ٨٨).","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>(٣١) بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ</span>\n٥٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الْمَلِيح،\n===\nلنا أبو سعيد الأعرابي: هذا بما تفرد به أهل المدينة، ثم ذكر الحديث. وكتب بعد تمام الحديث: هذا الحديث عزاه لأبي داود، ثم قال: حديث أبي داود برواية أبي بكر بن داسة (١).\nوفي النسخة المصرية أدخله في المتن \"باب الرجل يستاك بسواك غيره\"، ولا مناسبة له بترجمة الباب إلَّا أن يقال: أن دخوله بالبيت يعم الليل والنهار، فإذا كان استياكه كلما دخل بيته يلزم منه أنه - ﷺ - يستاك عند دخوله البيت ليلًا كان أو نهارًا، فكان إذا قام من الليل وخرج ثم دخل يستاك، كما يدل عليه ما رواه ابن فضيل عن حصين، ذكره المصنف قبيل هذا مختصرًا، وأخرجه مسلم في \"صحيحه في \"باب السواك\" مطولًا بأنه - ﷺ - قام ذات ليلة من آخر الليل، فخرج فنظر إلى السماء، ثم تلا هذه الآية التي في آل عمران، ثم رجع إلى البيت فتسوّك وتوضأ.\n\n(٣١) (بَابُ فَرْضِ الْوُضُوء) (٢)\nأي هذا باب فرضية الوضوء وكون الوضوء فرضًا\n٥٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج، (عن قتادة) بن دعامة، (عن أبي المليح) بن أسامة بن عمير، قيل:\n_________\n(١) وكذلك هو في: \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٢٢٥) رقم (١٦١٤٤).\n(٢) وفي العبارة نوع إغلاق لإطلاق الفرض في الوضوء على المفروض، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"1","page":357},{"text":"عن أَبِيهِ، عن النَبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَقْبَلُ الله صَدَقَة مِنْ غُلُولٍ،\n===\nاسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عمير، ثقة، مات سنة ٩٨ هـ، وقيل: سنة ١٠٨ هـ، وقيل بعد ذلك. (عن أبيه) (١) أسامة بن عمير بن عامر بن الأقيشر الهذلي البصري، والد أبي المليح، صحابي (٢)، تفرد عنه ولده.\n(عن النبي - ﷺ - قال (٣): لا يقبل (٤) الله صدقة من غلول) بضم الغين (٥) وأصل الغلول (٦) الخيانة في الغنيمة، والمراد ها هنا المال الذي حصل بسبب حرام، ولعل وجه تخصيصه بالذكر أن الغلول لما كان الخيانة\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٧٩) رقم (٨٦).\n(٢) وفي \"الخلاصة\" (ص ٢٦): له سبعة أحاديث. (ش).\n(٣) ذكر ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ٨) في أول هذا الحديث قصة وقال: في الحديث خمس مسائل. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: هكذا رواية الخطيب، والرواية المشهورة للبخاري وغيره ببناء المجهول، والمراد بالقبول ها هنا ما يرادف الصحة، وهو الإجزاء، وأما المراد في مثل قوله ﵊: \"من أتى عرافًا لم تقبل صلاته\"، الحديث، فهو القبول الحقيقي.\nيشكل عليه بأن المراد قبول إجابة أو إثابة، فعلى الثاني يخالف الصلاة بغير طهور، فإن المنفي فيه قبول إجابة بالإجماع، وعلى الأول يخالف ما سيأتي من الجزئية في أداء ما اكتسب من الحرام، فإن هناك تحقيق الإجابة دون الإثابة، وتقدم عن ابن رسلان أن المراد قبول إجابة، فالجواب عن الإشكال بأن صدقة الغلول أيضًا لا تجاب من حيث هي صدقة، بل من حيث لا حل له إلَّا هذا، وليس في الدين من حرج، نعم يشكل عليه ما صرح النووي في \"المناسك\" (ص ٥١): أن الحج بمال الحرام يصح عند الثلاثة خلافًا لأحمد، وعند بعض الحنفية تصح الزكاة أيضًا كما في \"الشامي\" (٣/ ٢١٩). (ش).\n(٥) كما ضبطه جماعة، كذا في \"الغاية\" و\"ابن رسلان\"، وقال القاري (١/ ٣٣٥): لا يصح ما قال ابن حجر: إنه بالفتح مبالغة. (ش).\n(٦) سمي به، لأن الأيدي مغلولة عنها، أي: ممنوعة. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي مال الغنيمة، والغنيمة فيها حق لجميع المسلمين، فإذا كان التصدق من المال الذي له فيه حق غير مقبول، فأولى أن لا يقبل من المال الذي ليس له حق فيه، فالحاصل أن التصدق من مال حرام غير مقبول، حتى قال بعض علمائنا: من تصدق بمال حرام يرجو الثواب كفر.\nقلت: فإن قيل: صرح الفقهاء بأن من اكتسب مالًا بغير حق، فإما أن يكون كسبه بعقد فاسد، كالبيوع الفاسدة والاستئجار على المعاصي والطاعات، أو بغير عقد، كالسرقة والغصب والخيانة والغلول، ففي جميع الأحوال المال الحاصل له حرام عليه، ولكن إن أخذه من غير عقد ولم يملكه يجب عليه أن يرده على مالكه إن وجد المالك، وإلَّا ففي جميع الصور يجب عليه أن يتصدق بمثل تلك الأموال على الفقراء، فهذا القول منهم يخالف الحديث المذكور، فإن الحديث دال على حرمة التصدق بالمال الخبيث، وقد نص الله تعالى في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) الآية، وقولهم بوجوب التصدق معارض بالحديث والآية، فما وجه التوفيق بينهما؟\nقلنا: الآية والحديث يدلان على حرمة التصدق بالمال الحرام لأجل تحصيل الأجر والثواب، وقد أشير إليه في الحديث بقوله: \"لا يقبل الله\" فإذا تصدق بالمال الحرام يريد القبول والأجر يحرم عليه ذلك، وأما إذا كان عند رجل مال خبيث، فإما إن ملكه بعقد فاسد، أو حصل له بغير عقد، ولا يمكنه أن يردّه إلى مالكه، ويريد أن يدفع مظلمته عن نفسه، فليس له حيلة إلَّا أن يدفعه إلى الفقراء، لأنه لو أنفق على نفسه فقد استحكم\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.","vol":"1","page":359},{"text":"وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ\" (١). [ن ١٣٩ - ٢٥٢٣، جه ٢٧١]\n===\nما ارتكبه من الفعل الحرام، ودخل تحت قوله - ﷺ -: \"ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام\" الحديث، أو أضاعه واستهلكه، فد خل تحت قوله - ﷺ -: \"نهى عن إضاعة المال\"، فيلزم عليه أن يدفعه إلى الفقراء، ولكن لا يريد بذلك الأجر والثواب، ولكن يريد دفع المعصية عن نفسه، ويدل عليه مسائل اللقطة.\n(ولا صلاة (٢) بغير طهور) (٣) هو بالضم، الطهر، وبالفتح الماء الذي يتطهر به، قال ابن حجر (٤): أي لا تصح، إذ نفي القبول إما بمعنى نفي\n_________\n(١) قال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب، قال ابن سيد الناس في \"شرحه\": إذا قال الترمذي: \"أصح شيء\" لا يلزم منه أن يكون صحيحًا عنده، وكذلك إذا قال: أحسن \"ابن رسلان\".\nواختلفت الأئمة في مسألة طهارة بدن المصلي وثيابه ومحل صلاته عن الأنجاس، فقال بها الجمهور مستدلبن بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وقالوا: دلالة الآية على طهارة البدن بالأولى، ولم يقل المالكية في المشهور بالوجوب، بل قالوا بالسُّنِّية كما في \"الشرح الكبير\" (١/ ٢٠٠)، والأوجه عندي أنه يصح استدلال الجمهور بهذا الحديث، إذ الطهور بمعنى الطهارة، يعم الأحداث والأنجاس، كما جزم به القاري (١/ ٣١٩) فتأمل! فلم أر أحدًا في فروع الأئمة الثلاثة استدل به. (ش).\n[قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (١/ ١٨١): الحكمة في جمعه - ﵊ - في هذا الحديث بين الصدقة والصلاة، أن العبادة على شوعين: مالىٌّ وبدني، فاختار من أنواع المال الصدقة ومن أنواع البدني الصلاة، انتهى ملخصًا].\n(٢) قال ابن رسلان: في حديث جميع الرواة الصلاة مقدمة. (ش).\n(٣) استدل بالحديث ابن رسلان على مسألة أخرى، وهي أنه مستدل الجمهور أن الوضوء لا يجب لكل صلاة، لأنه ﵊ جعل الطهور غاية القبول، إلى آخر ماقال. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالصحة كما ها هنا، وإما بمعنى نفي الثواب كما في الحديث: \"من أتى عَرَّافًا لم تقبل صلاته أربعين صباحًا\"، والحديث يدل على فرضية الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وعلى تحريمها بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة، إلَّا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير من قولهما: تجوز صلاة الجنازة (١) بغير طهارة، وهذا مذهب باطل، أجمع العلماء على خلافه، فلو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر يكفر عندنا لتلاعبه واستخفافه.\nوأما من لم يجد ماء (٢) ولا ترابًا، فقال النووي (٣): فيه أربعة أقوال للشافعي، وهي مذاهب للعلماء، قال بكل واحد منها قائل، أصحها عند أصحابنا: يجب عليه أن يصلي على حاله، ويجب أن يعيد إذا تمكن من الطهارة، والثاني: يحرم عليه أن يصلي ويجب القضاء، والثالث: يستحب أن يصلي ويجب القضاء، والرابع: يجب أن يصلي ولا يجب القضاء، وهذا القول اختيار المزني، وهو أقوى الأقوال (٤) دليلًا، فأما وجوب الصلاة فلقوله - ﷺ -: \"وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم\"، وأما الإعادة\n_________\n(١) وحكي عن غيرهما أيضًا كما ذكره العيني (١/ ٣٤٨)، وحكى ابن القيم في حاشية \"السنن\" (١/ ٤٤) عن ابن حزم أنه قال: لا يحتاج الوتر إلى الطهارة، وبسط على الحديث أشد البسط، ومال إلى أن سجدة التلاوة لا تحتاج إلى الطهارة. (ش).\n(٢) وذكر في \"العارضة\" (١/ ٩) في المسألة ستة أقوال: منها مذهب مالك، لا أداء ولا قضاء، وفي \"المنهل\" (١/ ٢٠٩): مذهب أحمد والمزني أقوى دليلًا، وهو وجوب الصلاة بلا إعادة، والمشهور عند الشافعية وجوب الصلاة بوجوب الإعادة، وسيأتي الكلام على المسألة في \"باب التيمم\". (ش).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ١٠٥).\n(٤) واختاره في \"شرح المهذب\" كما في القسطلاني (١/ ٤٠٢). (ش).","vol":"1","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإنما تجب بأمر مجدد، والأصل عدمه، وكذا يقول المزني في كل صلاة أمر بفعلها في الوقت على نوع من الخلل لا يجب قضاؤها، والله أعلم، انتهى. وهذا عند الشافعية.\nوأما عندنا فقال في \"البدائع\" (١): وأما المحبوس في مكان نجس لا يجد ماء ولا ترابًا نظيفًا، فإنه لا يصلي عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يصلي بالإيماء، ثم يعيد إذا خرج، وهو قول الشافعي (٢)، وقول محمد مضطرب، وذكر في عامة الروايات مع أبي حنيفة، وفي \"نوادر أبي سليمان\" مع أبي يوسف.\nوجه قول أبي يوسف: أنه إن عجز عن حقيقة الأداء فلم يعجز عن التشبه، فيؤمر بالتشبه، كما في \"باب الصوم\".\nوقال بعض مشايخنا: إنما يصلي بالإيماء على مذهبه إذا كان المكان رطبًا، أما إذا كان يابسًا فإنه يصلي بركوع وسجود، والصحيح عنده يُومئ كيف ما كان، لأنه لو سجد لصار مستعملًا للنجاسة.\nولأبي حنيفة أن الطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، فإن الله تعالى جعل أهل مناجاته الطاهر لا المحدث، والتشبه إنما يصح من الأهل، ألا ترى أن الحائض لا يلزمها التشبه في باب الصوم والصلاة لانعدام الأهلية.\nوالظاهر أن المصلي بغير طهارة إذا قصد به حرمة الوقت لا يكفر، لأنه لا يصدق عليه أنه مستخفٌ، بخلاف ما إذا صلى بغير طهارة عمدًا لا لهذا القصد، فإنه يكفر؛ لأنه مُسْتخفٌّ بالشرع حينئذ، ولو صلى بلا طهارة حياءً أو رياءً أو كسلًا فهل يكون مستخفًّا أم لا؟ محل بحث، والأظهر في\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٧٥).\n(٢) انظر: \"الأم\" (١/ ٤٥).","vol":"1","page":362},{"text":"٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَقْبَلُ اللَّه تَعَالَى صَلَاةَ أَحَدِكُمْ\n===\nالمستحي أن لا يكون مُسْتَخِفًا بخلاف الآخرين، والله أعلم، ملخص من القاري والنووي (١).\n٦٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر) بن راشد، (عن همام بن منبه) (٢) بن كامل الصنعاني اليماني، أبو عقبة أخو وهب، ثقة، مات سنة ١٣٢ هـ على الصحيح، وأصل منبه من خراسان من أهل هراة، أخرجه كسرى من هراة يعني إلى اليمن، فأسلم في عهد النبي - ﷺ -، فحسن إسلامه.\n(عن أبي هريرة) -﵁ - (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يقبل الله تَعَالَى صلاة أحدكم) أي قبول إجابة وإثابة، فإن الطهارة شرط لصحة الصلاة، بخلاف المسبل إزاره والآبق، فإن صلاتهما لا تقبل أيضًا، لكنها لا تقبل إثابةً، وتقبل إجابةً، فلا يرد ما قيل من أنه لا يلزم من عدم القبول عدم الجواز والصحة.\nقال الحافظ (٣): والمراد بالقبول ها هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبّر عنه بالقبول مجازًا، وأما القبول المنفي في مثل قوله - ﷺ -: \"من أتى عرافًا لم تقبل له\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٢)، و\"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ١٠٥).\n(٢) قال ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ٨): هي صحيفة. (ش). [يعني: هذه الرواية في صحيفة همام بن منبه].\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":363},{"text":"إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ\". [خ ١٣٥، م ٢٢٥، ت ٧٦، حم ٢/ ٣٠٨، خزيمة ١١]\n٦١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ قَالَ: حدثنا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ،\n===\nصلاة\"، فهو الحقيقي، لأنه قد يصح العمل، ويتخلف القبول لمانع.\n(إذا أحدث) (١) أي صار ذا حدث (٢) قبل الصلاة أو في أثنائها، والمراد بالصلاة المضافة صورتها أو باعتبار ما كانت (حتى يتوضأ) أي حقيقة أو حكمًا، أو يتوضأ بمعنى يتطهّر، فيشمل الغسل والوضوء والتيمم، قاله القاري (٣).\nقلت: والحديث تفسيرٌ وشرحٌ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ الآية (٤)، فهذه الآية بظاهرها تدل على أنه يجب التوضؤ عند إرادة الصلاة في جميع الأحوال، وبَيَّن الحديث أن المراد في الآية وجوب التوضؤ عند إرادة القيام إلى الصلاة حالة الحدث، فعلى هذا معناها: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وأنتم محدثون ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الآية.\n٦١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع) بن الجراح،\n(عن سفيان) تردد فيه صاحب \"غاية المقصود\" هل هو الثوري أو ابن عيينة؟\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ١٠): أحكام هذا الباب في ثمان مسائل، ثم عدها، وذكر الضابطة في الحدث عند الأئمة الثلاثة كما ستأتي في \"باب الوضوء من الدم\". (ش).\n(٢) وقال ابن دقيق العيد في \"إحكام الأحكام\" (١/ ١٢): الحدث يطلق على ثلاثة معان، الخارج كما يقول الفقهاء: الأحداث كذا وكذا، والخروج، والمانع من العبادة كما يقال: نويت رفع الحدث. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٣٤).\n(٤) سورة المائدة: الآية ٦.","vol":"1","page":364},{"text":"عن ابْنِ عَقِيلٍ،\n===\nوقال: لم أقف على تعيينه، وأغرب الشيخ سراج أحمد في \"شرحه\" على \"الترمذي\" فقال فيما ذكر في أول السند الذي رواه الترمذي عن هناد وقتيبة ومحمود بن غيلان قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان، فقال: ابن سعيد ابن مسروق الثوري الكوفي، أبو عبد الله، ثم ذكر الترمذي بعد التحويل: وحدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان، فقال هذا الشارح ها هنا: ابن عيينة أبي عمران الهلالي الكوفي، فما قال الشارح هو على خلاف اصطلاح المحدثين، فإن السندين يجتمعان على سفيان، فعلى اصطلاح القوم يجب أن يكون ما اجتمع عليه السندان واحدًا، فلعل هذا تسامح من الشيخ - ﵀ -.\nوالذي يغلب على ظني أن الذي ها هنا هو الثوري، فإن الحافظ ابن حجر (١) ذكر سفيان الثوري في شيوخ وكيع الذي روى عنهم، ولم يذكر فيهم ابن عيينة، وقال في ترجمة وكيع في سلسلة من روى عن وكيع: وشيخه سفيان الثوري، فهذا يفيد بأن لوكيع خصوصية مع الثوري التي ليست بابن عيينة، فبهذا يتعين المبهم، قال الحافظ في \"النخبة\": وإن روى الراوي عن اثنين متفقي الاسم، ولم يتميزا فاختصاصه بأحدهما يتبين المهمل، انتهى.\n(عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل مكبرًا، ابن أبي طالب الهاشمي، نسب إلى جده، أبو محمد المدني، ضعفه كثير من المحدثين، مثل يحيى بن معين والنسائي، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال محمد بن إسماعيل:\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١١٣).","vol":"1","page":365},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ،\n===\nوهو مقارب الحديث، وقال ابن عبد البر: هو أوثق من تكلم فيه، انتهى. وهذا إفراط، وقال الذهبي في \"الميزان\": قلت: حديثه في مرتبة الحسن، مات بعد سنة ١٤٠ هـ.\n(عن محمد بن الحنفية) هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم المدني، ثقة عالم، المعروف بابن الحنفية، وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة، ويقال: من مواليهم، سبيت في الردة من اليمامة في خلافة أبي بكر، اختلف في موته، والراجح أنه مات سنة ٨٠ هـ، وقال البخاري في \"تاريخه الصغير\": قال أبو نعيم: مات ابن الحنفية سنة ٨٠ هـ.\n(عن علي) بن (١) أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي (٢)، أبو الحسن، أمير المؤمنين، كناه رسول الله - ﷺ - أبا تراب، ابن عم رسول الله - ﷺ -، وزوج ابنته فاطمة - ﵂ -، من السابقين الأولين، وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال: لم يُروَ لأحد من الصحابة من الفضائل ما روي لعلي، قتل في رمضان سنة ٤٠ هـ، قتله عبد الرحمن بن ملجم، وجهل موضع قبره.\n(قال) أي علي: (قال رسول الله - ﷺ -: مفتاح الصلاة (٣) الطهور) بالضم ويفتح، أي مفتاحها الأعظم، فإنه من جملة شروطها، قاله القاري.\n_________\n(١) قال ابن العربي: سند أبي داود أصح من سند الترمذي في ذلك، وقال أيضًا: في الحديث بحثان وعشر مسائل. (ش) [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٥)].\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٢٨٢) رقم (٣٧٨٩).\n(٣) بسط شيئًا من الكلام على هذه الاستعارة صاحب \"الغاية\"، وسيأتي بعض الكلام على الحديث في \"باب تحريمها التكبير\". (ش).","vol":"1","page":366},{"text":"وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ\". [ت ٣، جه ٢٧٥، دي ٦٨٧، حم ١/ ١٢٣، ١٢٩، ق ٢/ ١٥، قط ١/ ٣٦٠]\n===\n(وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) قال المظهر (١): سمى الدخول في الصلاة تحريمًا، لأنه يحرم الأكل والشرب وغيرهما على المصلي، وسمى التسليم تحليلًا لتحليل ما كان محرمًا على المصلي لخروجه عن الصلاة، قال الطيبي: شبه الشروع في الصلاة بالدخول في حريم الملك المحمى عن الأغيار، وجعل فتح باب الحرم بالتطهر عن الأدناس، وجعل الالتفات إلى الغير والاشتغال به تحليلًا تنبيهًا على التكميل بعد الكمال، انتهى، \"زجاجة\".\nقلت: قد أجمعت الأمة على أن لا دخول في الصلاة إلَّا بتكبيرة الافتتاح، وهي قول العبد: \"الله أكبر\"، ولا خلاف فيه، أو \"الله الأكبر\"، وخالف فيه مالك وأحمد، أو\"الله الكبير\" أو\"الله كبير\" وخالف فيهما الشافعي أيضًا.\nلمالك وأحمد النقل المتوارث من لدن النبي - ﷺ -، وهي قضية متلقاة من الشرع، فنهي فيها إلى ما أنهانا إليه الشرع، وكذلك قال الشافعي - ﵀ -، إلَّا أنه يقول: الأكبر أبلغ في الثناء، لأن تعريف الخبر يقتضي حصره في المبتدأ، فكان مشتملًا على المنقول وزيادة، فيلحق به دلالة (٢).\nوقال أبو يوسف: إن كان يحسن التكبير لا يجوز بغير هذه الأربعة من الألفاظ، لأن النص ورد بلفظ التكبير، قال الله تعالى:\n_________\n(١) انظر \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٩).\n(٢) قلت: وأباح الشافعية التلبية بغير العربية، كما صرح به النووي في \"مناسكه\" (ص ١٨٠)، وقال ﵊: \"خذوا عني مناسككم\". (ش).","vol":"1","page":367},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (١)، و\"تحريمها التكبير\"، وفي العبادات البدنية إنما يعتبر النصوص ولا يشتغل بالتعليل، ولذا لم يقم الخد والذقن مقام الجبهة في السجود، والأذان لا يتأدى بغير لفظ التكبير، فتحريمة الصلاة أولى، وإنما جاز بالكبير، لأن أفعل وفعيلًا في صفاته تعالى سواء، إذ لا يراد بأكبر إثبات الزيادة في صفته بعد المشاركة، لأنه لا يشاركه أحد في أجل الكبرياء، فكان أفعل بمعنى فعيل.\nوقال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى-: إن قال بدلًا عن التكبير: \"الله أجل\" أو\"أعظم\"، أو \"الرحمن أكبر\"، أو \"لا إله إلَّا الله\"، أو \"تبارك الله\"، أو غيره من أسماء الله تعالى وصفاته التي لا يشارك فيها، كالرحمن والخالق والرزاق، وعالم الغيب والشهادة، وعالم الخفيات، والقادر على كل شيء، والرحيم لعباده، أجزأه ذلك عن التكبير، وذلك لأن التكبير المذكور في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وقوله ﵊: \"وتحريمها التكبير\"، وحيث ما ذكر من النصوص معناه التعظيم، فكان المطلوب بالنص التعظيم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢)، وهو أعم من لفظة \"الله أكبر\" وغيرها، ولا إجمال فيه، فالثابت بالفعل المتوارث حينئذ يفيد الوجوب لا الفرضية، وبه نقول، حتى يكره لمن يحسنه تركه، كما قلنا في القراءة مع الفاتحة، وفي الركوع والسجود مع التعليل.\nوقال ابن عُليّة وأبو بكر الأصم: إن تكبيرة الافتتاح ليست بشرط، ويصح الشروع في الصلاة بمجرد النية بغير تكبير، فزعما أن الصلاة أفعال وليست بأذكار، حتى أنكرا افتراض القراءة في الصلاة، فأبو حنيفة ومحمد\n_________\n(١) سورة المدثر: الآية ٣.\n(٢) سورة الأعلى: الآية ١٥.","vol":"1","page":368},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n- رحمهما الله - احتجا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، والمراد منه ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة؛ لأنه عقب الصلاة (١) الذكر بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح، فقد شرع دخول الصلاة بمطلق الذكر، فلا يجوز التقييد باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد، وبه تبين أن الحكم تعلق بتلك الألفاظ من حيث هي مطلق الذكر، لا من حيث هي ذكر بلفظ خاص، وأن الحديث معلول به، لأنا إذا عللناه بما ذكر بقي معمولًا به من حيث اشتراط مطلق الذكر، ولو لم نعلل احتجنا إلى رده أصلًا لمخالفته الكتاب، فإذًا ترك التعليل هو المؤدي إلى إبطال حكم النص دون التعليل.\nعلى أن التكبير يذكر ويراد به التعظيم، قال تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي عظمه تعظيمًا، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي عظمنه، وقال تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي فعظم، فكأن الحديث وارد بالتعظيم، وبأي اسم ذكر فقد عظم الله تعالى، وكذا من سبح الله تعالى، فقد عظّمه ونزّهه عما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدوث، فصار واصفًا له بالعظمة والقدم، وكذا إذا هلَّل، لأنه إذا وصفه بالتفرد والألوهية فقد وصفه بالعظمة والقدم لاستحالة ثبوت الإلهية دونهما.\nوالدليل على أن قوله \"الله أكبر\" أو\"الرحمن أكبر\" سواء، قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢) ولهذا يجوز\n_________\n(١) ويظهر من كلام السندي على البخاري أنه يصح الاستدلال على كون تكبير التحريمة خارجًا عن الصلاة بحديث أنس - ﵁ -: كان النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر - ﵄ - يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. (ش).\n(٢) سورة الإسراء: الآية ١١٠.","vol":"1","page":369},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالذبح باسم الرحمن أو باسم الرحيم فكذا هذا، والذي يحقق مذهبهما ما روي عن عبد الرحمن السلمي أن الأنبياء - صلوات الله عليهم -، كانوا يفتتحون الصلاة بلا إله إلَّا الله، ولنا بهم أسوة، قاله الحلبي والكاساني (١).\nوأما الخروج (٢) عن الصلاة بلفظ السلام فواجب عندنا على ما هو القاعدة عند الحنفية أن الخبر الواحد يفيد الوجوب، وعند مالك والشافعي فرض، حتى لو تركها تفسد صلاته، احتجا بقوله - ﷺ -: \"وتحليلها التسليم\" خص التسليم بكونه محللًا، فدل أن التحليل بالتسليم على التعيين، فلا يتحلل بدونه.\nولنا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لابن مسعود حين علَّمه التشهد: \"إذا قلتَ هذا، أو فعلتَ هذا، فقد قضيت ما عليك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد\". والاستدلال به من وجهين؛ أحدهما: أنه جعله قاضيًا ما عليه عند هذا الفعل أو القول، وما للعموم في ما لايعلم، فيقضى أن يكون قاضيًا جميع ما عليه، ولو كان التسليم فرضًا لم يكن قاضيًا جميع ما عليه بدونه، لأن التسليم يبقى عليه. والثاني: أنه خَيَّرَه بين القيام والقعود من غير شرط لفظ التسليم، ولو كان فرضًا ما خَيَّره، وأما الحديث فليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إلَّا أنه خص التسليم لكونه واجبًا، انتهى ما في \"البدائع\" ملخصًا.\nقلت: حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - أخرجه أحمد في\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٣٤) وحديث السلمي لم أجده، واستدل علماء الحنفية بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، والمراد تكبيرة الافتتاح، لأن الذكر الذي يتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح. انظر: \"إعلاء السنن\" (٢/ ١٥٨).\n(٢) وهناك اختلاف آخر في عدد السلام، وسيأتي في \"باب في السلام\". (ش).","vol":"1","page":370},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"مسنده\" (١) قال: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، ثنا الحسن بن الحرّ، ثني القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي وحدَّثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد عبد الله فعَلَّمه التشهد في الصلاة، قال: \"قل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين\"، قال زهير: حفظت عنه إن شاء الله: \"أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد\"، انتهى.\nوسياق هذا الحديث يوهم إلى أن قوله: \"فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا ... إلخ\" يحتمل أن يكون من قول رسول الله - ﷺ -، ويحتمل أن يكون مدرجًا من قول عبد الله بن مسعود، فلو سُلم أنه من قول ابن مسعود - ﵁ - فهو في حكم المرفوع، لأنه لا دخل للرأي فيه.\nويؤيد رفعه ما أخرجه الترمذي (٢) عن رفاعة بن رافع: \"أن رسول الله - ﷺ - بينما هو جالس في المسجد\"، الحديث. وفي آخره: \"ثم اجْلِسْ فاطمأن جالسًا، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك، قال: وكان هذا أهون عليهم\"، الحديث. فهذا يدل صريحًا على أن قوله: \"فإذا فعلت ... إلخ\" مرفوع من قوله - ﷺ -.\nوأما ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة برواية القعنبي وابن المثنى، ثم ذكر لفظ ابن المثنى، ثم قال في آخره: قال القعنبي:\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤٠٠٧).\n(٢) رقم الحديث (٣٠١).","vol":"1","page":371},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. وقال في آخره: \"فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك، وقال فيه: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء\"، فهذا السياق أيضًا يدل على أن قوله: \"فإذا فعلت هذا\" يحتمل أن يكون مدرجًا من قول أبي هريرة، أو مرفوعًا من قوله - ﷺ -، وأيضًا أنه مرفوع، لأن قوله: \"وقال في آخره\" معناه قال أبو هريرة في آخر الحديث مرفوعًا من قول رسول الله - ﷺ -، فمعنى هذا أن أبا هريرة زاد في آخره، وهذا على سبيل التسليم وإلَّا فيمكن أن يكون ضمير لفظ \"قال\" راجعًا إلى رسول الله - ﷺ -.\nفعلى هذا معنى هذا الكلام بتقدير \"قال\" أي قال أبو هريرة: قال رسول الله - ﷺ - في آخره، ويؤيده قوله في آخر الحديث: \"وقال فيه: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء\"، معناه قال أبو هريرة في هذا الحديث مرفوعًا: \"إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء\"، فإن هذه الجملة ليست مدرجة قطعًا، بل هو مرفوع من قول رسول الله - ﷺ -.\nويحتمل أن يكون ضمير \"قال\" في الموضعين أي قال في آخره، وقال فيه، راجعًا إلى القعنبي أي زاد القعنبي في آخره على خلاف رواية ابن المثنى، وأيضًا زاد القعنبي في هذا الحديث أي في أثنائه \"إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء\"، فالظاهر يدل على أن هذا الكلام من قول رسول الله - ﷺ - وليس مدرجًا من قول الصحابي.\nوأما الخروج بصُنْعه فقال بعض الفقهاء: هو فرض عند أبي حنيفة - ﵀ - خلافًا لهما، وقال الحلبي: اعلم أن كون الخروج بصنعه فرضًا لم يرو عن أبي حنيفة صريحًا، وإنما ألزم بعض علماء المذهب به استدلالًا من جوابه في المسألة الاثني عشرية، وهي الفساد برؤية المتيمم","vol":"1","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>(٣٢) بَابُ الرَّجُلِ يُجَدّدُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ</span>\n٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ يَزِيدَ المُقْرِئ. (ح): وَثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،\n===\nالماء بعد القعود قدر التشهد، ثم نقل الشيخ ابن الهمام عن الكرخي أنه قال: لا خلاف بينهم في أن الخروج بفعله ليس بفرض، ولم يرو عن أبي حنيفة - ﵁ - بل هو حمل من أبي سعيد البردعي لما رأى خلافه في المسائل المذكورة، وهو غلط، لأنه لو كان فرضًا لاختص بفعل هو قُرْبة، انتهى ملخصًا.\n\n(٣٢) (بَابُ الرَّجُلِ يُجَدّدُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ)\nيعني الوضوء على الوضوء من غير سبق حدث ليس بواجب، بل هو فضيلة ومندوب إليه\n٦٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن يزيد) العدوي، مولى آل عمر، أبو عبد الرحمن (المقرئ) القصير، أصله من ناحية البصرة، وقيل: من ناحية الأهواز، وثّقه النسائي والخليلي، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة، مات سنة ٢١٣ هـ وقد قارب المئة، وهو من كبار شيوخ البخاري، فما قال صاحب \"غاية المقصود\" بعد ذكر عبد الله بن يزيد المقرئ: والمقرئ بالضم والسكون وفتح الراء وهمزة ثم ياء، نسبة إلى مقرى قرية بدمشق، غير صحيح، بل هو بضم الميم وكسر الراء بعدها همزة، صيغة اسم فاعل من الإقراء (١)، وليس هو منسوبًا إلى مقرى التي هي قرية بدمشق، ولا تعلق له بتلك القرية.\n(ح: وثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا عيسى بن يونس،\n_________\n(١) انظر: \"كتاب الأنساب\" (٤/ ٣٤٤).","vol":"1","page":373},{"text":"قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زِيَادٍ، - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَنَا لِحَدِيثِ ابْنِ يَحْيَى أَضْبط -، عن غُطَيْفٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عن أَبِي غُطَيْفٍ الْهُذَليِّ\n===\nقالا) أي عبد الله وعيسى: (ثنا عبد الرحمن بن زياد) بن أنعم، بفتح أوله وسكون النون وضم المهملة، الإفريقي، أبو أيوب، ويقال: أبو خالد، القاضي، وكان ضعيفًا في حفظه، وكان رجلًا صالحًا، ولي قضاء إفريقية لمروان، قال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟ قال: نعم، وقال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره، ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث، وكان ابن وهب يُطْريه، وكان أحمد بن صالح ينكر على من يتكلم فيه ويقول: هو ثقة، وقال ابن رشدين عن أحمد بن صالح: من تكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات، قال البخاري عن المقرئ: مات سنة ١٥٦ هـ.\n(قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أضبط) مراده بهذا الكلام أني أخذت هذا الحديث من شيخين؛ أحدهما محمد بن يحيى بن فارس، والثاني مسدد، فعن كليهما رويت هذا الحديث، ولكن ما روى محمد بن يحيى فأنا له أشد ضبطًا وإتقانًا مني لحديث مسدد.\n(عن غطيف) هو أبو غطيف بالتصغير، الهذلي، مجهول، وقيل: هو غطيف، ويقال: غضيف، بالضاد المعجمة، قال الحافظ: قلت: وضعفه الترمذي، (وقال محمد) بن يحيى: (عن أبي غطيف الهذلي) قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: لا يعرف اسمه.\nقلت: وضعفه الترمذي، وغرضه بهذا الكلام بيان الاختلاف بين لفظ مسدد وبين لفظ محمد بن يحيى، فإن مسددًا ذكر في روايته عن غطيف، وسماه محمد بن يحيى بالكنية، وقال: عن أبي غطيف، وزاد النسبة أيضًا فقال: الهذلي.","vol":"1","page":374},{"text":"قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْن عُمَرَ، فَلَمَّا نُودِيَ بِالظُّهْرِ تَوَضَّأ فَصَلَّى، فَلَمَّا نُودِيَ بِالْعَصْرِ تَوَضَّأ! فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - يقُولُ: \"مَنَ تَوَضَّأ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ\". [ت ٥٩، جه ٥١٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ وَهُوَ أَتَمُّ.\n===\n(قال) أبو غطيف: (كنت عند ابن عمر) أي عبد الله بن عمر (فلما نُوْدي بالظهر توضأ) عبد الله (فصلَّى، فلما نودي بالعصر توضأ (١» أي كرَّر الوضوء وجَدَّده، (فقلت له) أي كلمته في تجديد الوضوء مع كونه توضأ قبل، (فقال) أي أجاب ابن عمر: كان رسول الله - ﷺ - يقول: من توضأ (٢) على طهر) أي على وضوء (كتب له عشر حسنات) في \"شرح السنَّة\" (٣): تجديد الوضوء مستحب (٤) إذا كان قد صلَّى بالوضوء الأول صلاة، وكرهه قوم إذا لم يصل بالأول صلاة، ذكره الطيبي، وقال ابن الملك: وإن لم يصل فلا يستحب، قلت: والظاهر في معناها الطواف والتلاوة، ولعل سبب الكراهة هو الإسراف، قاله القاري (٥).\n(قال أبو داود: وهذا) المذكور هو (حديث مسدد وهو أتم) من حديث محمد بن يحيى، أورده ها هنا وإن كان لحديث محمد بن يحيى أضبط لكون حديث مسدد أتم (٦).\n_________\n(١) والحديث أخرجه أبو عبيد في كتاب الطهور برواية ابن لهيعة: أنه رأى ابن عمر يتوضأ للظهر ثم العصر ثم المغرب، قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن أسُنَة هذا الوضوء لكل صلاة؟ قال: إن كان لكافيًا وضوئي لصلاتي كلها ما لم أحدث، لكن سمعت ... الحديث. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) فيه إشعار بأن الغسل لا تجديد فيه، وكذا التيمم لا تجديد فيه. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (١/ ٤٤٩).\n(٤) وهكذا مذهب الشافعية كما بسطه ابن رسلان، وبسط مذهبنا صاحب \"السعاية\". (ش).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٣).\n(٦) يشكل عليه ما نقله صاحب \"الغاية\" أن ابن ماجه أخرج حديث ابن يحيى أتم منه (٥١٢). (ش).","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>(٣٣) بَابُ مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ</span>\n٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِي وَغَيْرُهُمْ قَالُوا: حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَليدِ بْنِ كَثِيرٍ،\n===\n\n(٣٣) (بَابُ ما يُنَجِّسُ المَاءَ) (١)\nغرض المصنف من عقد هذا الباب بيان الأشياء النجسة التي إذا خالطت الماء تُنَجِّسُه\n٦٣ - (حدثنا محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني، (وعثمان بن أبي شيبة (٢)، والحسن بن علي) الخلال (وغيرهم قالوا: حدثنا أبو أسامة) حماد، (عن الوليد بن كثير) المخزومي مولاهم، أبو محمد المدني، ثم الكوفي، وثقه ابن معين وغيره، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة إلَّا أنه إباضي، وقال ابن سعد: له علم بالسيرة والمغازي، وله أحاديث وليس بذاك، وقال الساجي: وكان إباضيًا ولكنه كان صدوقًا، وقال في \"الخلاصة\": وثّقه ابن معين وأبو داود، وقال ابن سعد: ليس بذاك.\nوقال السمعاني في \"الأنساب\" (٣): الإباضي، بكسر الألف وفتح الباء\n_________\n(١) اختلفوا في نجاسة الماء، فقالت الظاهرية والإمام مالك: إنه لا يتنجس ما لم يتغير أحد أوصافه، وقالت الثلاثة: يتنجس القليل بملاقاة النجاسة، ثم اختلفوا في مقدار القليل والكثير، فقال الشافعي وأحمد: بالقلتين، ونحن: بالتحريك، كذا في \"الأجز\" (١/ ٣٨١). وبسط الكلام في \"أنوار المحمود\" (١/ ٢٩)، وذكر صاحب \"السعاية\" (١/ ٣٨٢) فيه خمسة عشر مذهبًا. (ش).\n(٢) عثمان بن محمد بن أبي شيبة. (ش).\n(٣) (١/ ٧٠).","vol":"1","page":376},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوُبهُ مِنَ الدَّوَابِّ والسِّبَاعِ،\n===\nالموحدة في آخره الضاد المعجمة، هذه النسبة إلى جماعة من الخوارج، وهم أصحاب الحارث الإباضي، ويقال لهذه الفرقة: الحارثية أيضًا. وخالف الإباضية في قوله بالقدر على مذهب المعتزلة وفي دعواه أن الاستطاعة قبل الفعل، وأكفرته الإباضية في ذلك، والإباضية جماعة وفرق مختلفة العقائد يكفر بعضهم بعضًا، انتهى. قلت: ورمي برأي الخوارج، مات سنة ١٥١ هـ.\n(عن محمد بن جعفر بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، قال الدارقطني: مدني، ثقة، مات بعد سنة ١١٠ هـ، (عن عبيد الله) مصغرًا (ابن عبد الله بن عمر) وهذا في نسخة، وأما في النسخة المصرية والنسخة المطبوعة الهندية القديمة ففيه: عبد الله مكبرًا، وكلاهما ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فكنية عبد الله أبو عبد الرحمن المدني كان وصي أبيه، وكنية عبيد الله أبو بكر، وهو شقيق سالم، وكلاهما ثقتان، مات عبيد الله سنة ست ومائة، ومات عبد الله سنة ١٠٥ هـ.\n(عن أبيه) هو عبد الله بن عمر (قال: سئل النبي - ﷺ -) السائل غير معلوم (عن الماء) أي عن طهارة الماء ونجاسته الذي يكون في الفلاة كما في بعض الروايات (وما ينوبه) (١) عطف على الماء على سبيل البيان، نحو أعجبني زيد وكرمه. يقال: ناب المكان وأنابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى (من الدواب والسباع) بيان لـ \"ما\"، قال الخطابي: فيه دليل على أن سؤر\n_________\n(١) حكى الدارقطني أن ابن المبارك صحّفه \"يثوبه\" بالثاء المثلثة من ثاب إذا رجع. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":377},{"text":"فَقَالَ - ﷺ -: \"إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ\". [ن ٥٢، ت ٦٧، جه ٥١٧ - ٥١٨، ك ١/ ١٣٣، قط ١/ ١٥، دي ٧٣١، حم ٢/ ١٢ - ٢٦ - ٣٨]\n===\nالسباع نجس، والَّا لم يكن لسؤالهم وجوابه بهذا الكلام معنى، أو ذلك لأن المعتاد من السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول، وربما لا تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها، ذكرها الطيبي، والأول مذهبنا، والثاني مذهب الشافعية (١).\n(فقال) النبي (- ﷺ -: إذا كان الماء قلتين لم يحمل (٢) الخبث) قيل: القلة الجرة الكبيرة التي تسع مئتين وخمسين رطلًا بالبغدادية، فالقلتان خمس مئة رطل، وقيل: ست مئة، سُمِّيَتْ بذلك، لأن اليد تُقِلُّها، وقيل: القلة ما يستقلها البعير، أخرجه الخمسة، وفي لفظ ابن ماجه ولفظ أحمد: \"لم يُنَجّسْه شيء\"، وأخرجه أيضًا الإمام الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما وقد احتجّا بجميع رواته، وقال ابن منده: إسناد حديث (٣) القلتين على شرط مسلم، قاله الشوكاني (٤).\n_________\n(١) والمالكية وعن أحمد روايتان، ففي الحديث مسألتان: سؤر السباع، والحديث يخالفهم، والثانية: مسألة تحديد الماء ولا يخالفنا فيه. (ش).\n(٢) جمع ابن قتيبة في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٤٠٢) بينه وبين قوله ﵊: \"الماء لا ينجسه شيء\". (ش).\n(٣) وأجيب عن حديث القلتين بثمانية أجوبة في \"تقرير المشكاة\" (لهذا العبد الضعيف) منها: ما في \"الهداية\": أن أبا داود ضعفه، وأورد بأنه ليس هنا تضعيفه، ووجّه بتوجيهات؛ منها: أنه يفهم التضعيف إذ أورد فيه الروايات المضطربة، وأورد عليه بأنه رفع الاضطراب بقول أبي داود: \"هو الصواب\"، وقيل: إن النُّسَخَ فيها مختلفة، ولكن الاختلاف في حقنا لا في حق أبي داود، إذ رجح إحداها أيًّا منها، فلا يمكن أن يقال: إن أبا داود ضعفه. (ش).\n(٤) انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٧).","vol":"1","page":378},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومداره على الوليد بن كثير فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، وقيل: عنه عن عبيد الله بن عمر، وقيل: عنه عن عبد الله بن عمر، وهذا اضطراب في الإسناد، وقد روي أيضًا بلفظ: \"إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجس\" كما في رواية لأحمد والدارقطني، وبلفظ: \"إذا بلغ الماء قلة، فإنه لا يحمل الخبث\"، كما في رواية للدارقطني وابن عدي والعقيلي، وبلفظ: \"أربعين قلة\" عند الدارقطني، وهذا اضطراب في المتن.\nوقد أجيب عن دعوى الاضطراب في الإسناد بأنه على تقدير أن يكون محفوظًا من جميع تلك الطرق لا يعد اضطرابًا، لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة، قال الحافظ: وعند التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عمر مكبرًا، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عمر مصغرًا، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. وعن دعوى الاضطراب في المتن بأن رواية \"أو ثلاث\" شاذة ورواية \"أربعين قلة\" مضطربة. وأيضًا ضعفها الدارقطني (١) بالقاسم بن عبد الله العمري.\nقلت: الجواب عن الاضطراب في الإسناد غير صحيح، فإن الاضطراب في الإسناد يكون بالمخالفة بإبدال الراوي، ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى، وإنما كان الاضطراب موجبًا لضعف الحديث لإشعاره بعدم ضبط الراوي، فالجواب عنه بأنه انتقال من ثقة إلى ثقة لا يدفع الاضطراب بل يؤكده.\nوكذلك لو قيل في الجواب بأن الوليد بن كثير يحتمل أن يكون روى\nعن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عمر، ويحتمل أن يكون روى\n_________\n(١) انظر: \"سنن الدارقطني\" (١/ ٦).","vol":"1","page":379},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عمر، فروى عنهما، فهذا لا يفيد أيضًا في دفع الاضطراب، فإن الاحتمال لا يؤثر فيه ولا يغني عنه شيئًا، ألا ترى أن الترمذي قال في \"سننه\" (١) في حديث زيد بن أرقم: وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، فحكم بالاضطراب في إسناده مع أنه قال في آخره: قال أبو عيسى: سألت محمدًا عن هذا، فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا، فمع نقل الاحتمال عن شيخه لم يتوجه إليه، ولم يمتنع عن حكمه بالاضطراب في إسناده.\nوقد اختلف الحفاظ في هذا الاختلاف، فمال المصنف إلى أن حديث محمد بن عباد هو الصواب، كما في بعض النسخ، وفي بعضهما: \"الصواب محمد بن جعفر\"، وليس في النسخة الأحمدية هذا ولا ذاك، وقال ابن أبي حاتم في \"كتاب العلل\" عن أبيه أنه قال: والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه، ومال الدارقطني إلى الجمع بين الروايتين، وصحح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير وعن محمد بن عباد ابن جعفر جميعًا، واختاره البيهقي، ومشى خلفهما الحافظ ابن حجر، فهذا الاختلاف يؤكد الاضطراب ويقويه.\nوأما الجواب عن الاضطراب في المتن فلا يصح أيضًا، فإن زيادة لفظ \"أو ثلاث\" ليس بشاذ، بل هو زيادة ثقة، وكذا رواية \"أربعين قلة\" ليس فيها اضطراب، فإنها رويت مرفوعة وموقوفة، فأما المرفوع فهو ما روي عن القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر، وضَعَّفه الدارقطني بالقاسم، وأما الموقوف فذكر الدارقطني أن الثوري ومعمر بن راشد وروح بن القاسم رووه عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمر موقوفًا.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ١١).","vol":"1","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم روى بإسناد صحيح من جهة روح بن القاسم رووه عن ابن المنكدر عن ابن عمر قال: \"إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس\"، وأخرج رواية سفيان من جهة وكيع وأبي نعيم عنه: \"إذا بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء\"، وأخرج رواية معمر من جهة عبد الرزاق عن غير واحد عنه، فأخرج عن أبي هريرة من جهة بشر بن السري عن ابن لهيعة قال: \"إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثًا\".\nوأنت تعلم أن الموقوف فيما لا مجال للقياس فيه في حكم المرفوع، فصحت رواية أربعين قلة، وثبت الاضطراب في حديث الباب، ولو سلمنا دفع الاعتراض عن السند والمتن، فاختلاف مقدار القُلَّةِ يمنع عن العمل به.\nولذا قال ابن عبد البر في \"التميهد\" (١): ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين، مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع.\nوقال في \"الاستذكار\" (٢): حديث معلول رده إسماعيل القاضي وتكلم فيه، وقال الطحاوي: إنما لم نقل به، لأن مقدار (٣) القلتين لم يثبت، ثم بعد ذلك يعارضه ما ثبت في آثار الصحابة من تنجس البئر بوقوع الحيوان\n_________\n(١) (١/ ٣٣٥).\n(٢) (٢/ ١٠٢).\n(٣) قال ابن رسلان: قلال هجر كانت معلومة عندهم حتى يضرب بها المثل في الكبير، ولذا ورد في حديث المعراج \"مثل قلال هجر\": قلت: فما الحاجة إلى تقييده في حديث المعراج، ولو سلم فإذًا يكون أكبر الكبير بحيث يسع عشر قرب كما قال به بعض الشافعية، فلا يكون أقل من عشر في عشر. (ش).","vol":"1","page":381},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لَفْظُ ابْن العَلَاءِ، وقَالَ عُثْمَانُ والْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بنِ جَعْفرٍ.\n===\nفيها، ونزح الماء عنها، وقد أخرج الطحاوي (١) وغيره تلك الروايات مفصلة، من شاء فلينظر إليها (٢).\n(قال أبو داود: هذا لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر) معناه: يقول أبو داود: هذا الذي ذكرنا في السند من قوله: \"عن محمد بن جعفر بن الزبير\" هو لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي على خلاف لفظ ابن العلاء فقالا: عن محمد بن عباد بن جعفر، بدل عن محمد بن جعفر بن الزبير.\nوغرضه بيان الاختلاف بين ألفاظ الشيوخ، وهذا الاختلاف ليس مقصورًا على الاختلاف في اللفظ، فإن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر راويان مختلفان، وقد ذكرنا محمد بن جعفر، فأما محمد بن عباد بن جعفر، فهو محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي المكي، وثّقه ابن معين وأبو زرعة وابن سعد، وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٣).\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١١ - ١٨).\n(٢) وفي \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٨٤) في حديث القلتين: مداره على مطعون عليه، أو هو مضطرب، أو موقوف. ثم بسطه أشد البسط، وأجاب عن المالكية في مقابل الحنفية والشافعية معًا، فأرجع إليه.\nوالجواب اللطيف عن روايات القلتين والبضاعة كلها: أنه ليس في طريق واحد منها أنها كانت موجودة فيها، بل الغرض دفع الوسواس، كما هو من دأب الشرع. \"العرف الشذي\" (ص ٦٠). (ش).\n(٣) (٣/ ٩).","vol":"1","page":382},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ الصَّوَابُ.\n===\n(قال أبو داود: وهو الصواب) وفي نسخة: والصواب محمد بن جعفر، فعلى النسخة الأولى الضمير يرجع إلى محمد بن عباد بن جعفر، فعند أبي داود على هذه النسخة: الصواب محمد بن عباد بن جعفر، وأما من قال: محمد بن جعفر، فقد وهم. وأما على النسخة الثانية (١) فالصواب عند المؤلف: محمد بن جعفر، فمن قال: محمد بن عباد بن جعفر، فقد وهم، فاختار المؤلف (٢) طريق الترجيح.\nوبعضهم (٣) اختار طريق الجمع فقال في \"سنن الدارقطني\" (٤): قال الشيخ أبو الحسن: فاتفق عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الزبير الحميدي، ومحمد بن حسان الأزرق، ويعيش بن الجهم، ومحمد بن عثمان بن كرامة، والحسين بن علي بن الأسود، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، وأحمد بن زكريا بن سفيان الواسطي، وعلي بن شعيب، وعلي بن محمد بن أبي الخصيب، وأبو مسعود، ومحمد بن الفضيل البلخي، فرووه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، وتابعهم الشافعي عن الثقة عنده، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، و[قال] يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومن\n_________\n(١) قلت: وهو أولى إذا كانت الرواية عن عبيد الله مصغرًا، وسيأتي في كلام الحافظ أن المصغر عنه ابن الزبير. (ش).\n(٢) وكذا اختار بعض الآخرين طريق الترجيح، فقال أبو حاتم: اختلف فيه على أبي أسامة فقيل عنه: عن محمد بن عباد، وقيل: عن محمد بن جعفر، والحديث لمحمد بن جعفر أشبه، وقال ابن منده: هو الصواب، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٣) منهم الدارقطني والبيهقي والحافظ كما تقدم، والحاكم كما يظهر من كتابه، قال ابن رسلان: قال ابن دقيق العيد: الحديث صحيح على طريقة الفقهاء وإن كان مضطرب الإسناد، فإنه يمكن الجمع بين الروايات. (ش).\n(٤) (١/ ١٧).","vol":"1","page":383},{"text":"٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وحَدَّثَنَا أَبُوكَامِلٍ، ثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُريعٍ -؛\n===\nذكرنا معه في أول الكتاب: عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير.\nفلما اختلف على أبي أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فإذا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح القولان جميعًا عن أبي أسامة، وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعًا، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، فكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر، والله أعلم.\nقال الحافظ ابن حجر (١) - ﵀ -: وعند التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن [عبد الله بن] عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن [عبد الله بن] عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم.\n٦٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد) بن سلمة، (ح: وحدثنا أبو كامل) الجحدري، فضيل بن حسين بن طلحة البصري، ثقة حافظ، ابن أخي كامل بن طلحة، وأوثق منه، مات سنة ٢٣٧ هـ، (ثنا يزيد -يعني ابن زريع -) بتقديم الزاي على الراء مصغرًا، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢ هـ\n_________\n(١) \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٤).","vol":"1","page":384},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْن جَعْفَرٍ - قَالَ أَبُو كَامِلٍ: ابْنُ الزُّبَيْر -، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عن أَبِيهِ: أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عن الْمَاءِ يَكُونُ في الْفَلَاةِ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [انظر الحديث السابق]\n===\n(عن محمد بن إسحاق) بن يسار، (عن محمد بن جعفر) بن الزبير، (قال أبو كامل: ابن الزبير) غرض المصنف بهذا الكلام أن شيخه موسى بن إسماعيل قال: محمد بن جعفر ولم يزد عليه شيئًا (١)، وأما شيخه أبو كامل فزاد في روايته بعد لفظة محمد بن جعفر صفة له، فقال: محمد بن جعفر بن الزبير، ثم اتفقا فقالا: عن عبيد الله إلى آخر السند.\n(عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه) عبد الله: (أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الماء يكون في الفلاة، فذكر معناه) غرضه بإيراد هذه الرواية تقوية رواية وليد بن كثير برواية محمد بن إسحاق، وأنت تعلم أن الوليد بن كثير خارجي إباضي، ومحمد بن إسحاق اختلف في جرحه وتعديله، حتى قال بعض الأئمة فيه: إنه كذّاب، ودجّال، فما لا يكون قويًّا بنفسه لا يقوي غيره، فلا يبلغ درجة الصحة (٢)، والغرض الثاني زيادة لفظ قوله: \"يكون في الفلاة\"، فإن هذا اللفظ ليس في رواية الوليد بن كثير، وبيان أن هذه الرواية موافقة لرواية وليد بن كثير في المعنى.\n_________\n(١) فكان محتملًا، لأن تكون النسبة إلى الجد، ويكون المراد محمد بن عباد بن جعفر كما تقدم، فتأمل. (ش).\n(٢) قال العلامة اللكهنوي في \"إمام الكلام\" (ص ٢٨٠): إنه إن كان متكلمًا فيه من جانب كثير من العلماء، لكن جروحهم لها محامل صحيحة، قد يعارضها تعديل جمع من ثقات الأمة، ولذا صرح جمع من النقاد بأن حديثه لا ينحط عن درجة الحسن، بل صححه بعض أهل الاستناد ... إلخ، وقد مر عليه الكلام سابقًا (ص ١٨٩).","vol":"1","page":385},{"text":"٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: أنَا عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا كَانَ الْمَاءُ قلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجَسُ\". [ق ١/ ٢٦٢، جه ٥١٨، حم ٢/ ٢٣ - ١٠٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عَنْ عَاصِمٍ.\n===\n٦٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد قال: أنا عاصم بن المنذر) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، قال أبو زرعة: ثقة، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البزار: ليس به بأس، حدث بحديث واحد في القلتين، قال: ولا نعلمه حدث بغيره ولا روى عنه غير الحمادين.\n(عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: حدثني أبي) عبد الله (أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس) وهذا اللفظ صريح في عدم تنجس الماء بملاقاة النجاسة إذا كان الماء قلتين، فبناءً على هذا يمكن أن يرد تأويل صاحب \"الهداية\" أنه يضعف عن تحمل النجاسة، ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد بأنه يحتمل أن يكون هذا اللفظ أورده الراوي حسب ما فهمه، ورواه بالمعنى الذي فهمه، وفهمه ليس بحجة فلا يكون حجة.\n(قال أبو داود: حماد بن زيد وقفه عن عاصم) هذه العبارة موجودة في النسخة المجتبائية الدهلوية والمصرية، وأما في النسخة المطبوعة القديمة والمكتوبة الأحمدية فلم توجد فيهما، ولكن قال الدارقطني (١) بعد ما أخرج رواية محمد بن إسحاق وذكر رواية عاصم بن المنذر الذي حدث به\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٢).","vol":"1","page":386},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحماد بن سلمة: وخالفه حماد بن زيد فرواه عن عاصم بن المنذر عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه موقوفًا غير مرفوع، وكذلك رواه إسماعيل بن علية [عن عاصم بن المنذر] عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفًا أيضًا، انتهى. فعُلِم بهذا أن هذه العبارة الموجودة في بعض النسخ معناها صحيح.\nوحاصل المعنى: أن عاصم بن المنذر روى عنه حماد بن سلمة وحماد بن زيد هذا الحديث، فرفعه حماد بن سلمة، ووقفه حماد بن زيد، فاختلف الحمادان في رفعه ووقفه، والدارقطني قوى الرواية الموقوفة برواية إسماعيل بن علية، فالظاهر أن كونه موقوفًا أقوى من المرفوع، فالعجب من الذين يحكمون على هذا الحديث بالصحة من المحدثين، كيف يحكمون عليه بكونه صحيحًا على خلاف أصولهم؟ فإن الصحة درجة رفيعة لا يبلغها، إلَّا بعد تحقق جميع أجزائها وشروطها، وهو بعد في حيز المنع، كما سبقت الإشارة إليه، ولو سُلّم فكم من حديث بلغ درجة الصحة لا يكون موجبًا للعمل، إلَّا بعد ارتفاع الموانع، مثلًا لو كان الحديث منسوخًا أو مجملًا وإن كان صحيحًا لا يوجب العمل.\nووجه مناسبة الحديث بترجمة الباب بأنه - ﷺ - سئل عن الماء وعما ينوبه من الدواب والسباع، فهذا يدل على أن دخول الدواب في الماء يُنَجّسُه، لأنها تبول فيه غالبًا، وأيضًا تكون أكارعها ملطخةً بالبول، وكذلك السباع إذا وردت الماء وشربت فسؤرها نجس، فدل هذا الحديث أن هذه تُنَجِّسُ الماء، فإنه ورد السؤال عنها، وخرج عن جوابه - ﷺ - بطريق المفهوم أن الماء إذا خالطه هذه الأشياء وكان أقل من قلتين ينجس، والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>(٣٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ</span>\n٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالُوا: حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَليدِ بْنِ كَثيرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عن عُبَيدِ الله بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ،\n===\n\n(٣٤) (بَابُ مَا جَاءَ في بِئْرِ بُضَاعَةَ)\nأي في طهارة مائها وعدم تنجسها بما يلقى فيها من النجاسات الغليظة\n٦٦ - (حدثنا محمد بن العلاء) أبو كريب، (والحسن بن علي) الخلال، (ومحمد بن سليمان الأنباري) (١) أبو هارون بن أبي داود، وقال الحافظ في \"التقريب\": صدوق، وقال في \"تهذيب التهذيب\": قال الخطيب: كان ثقة، وقال مسلمة: ثقة، وقال الحضرمي: مات سنة ٢٣٤ هـ.\n(قالوا) أي الثلاثة المذكورة: (حدثنا أبو أسامة) حماد، (عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد القرظي، أبو حمزة المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي قريظة، قال البخاري: كان أبوه ممن لم ينبت من سبي قريظة، فخلي سبيله، ثقة عالم، ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال: ولد في عهد النبي - ﷺ -، مات سنة ١٢٠ هـ، وقيل: كان يقصُّ في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف، فمات هو وجماعة تحت الهدم سنة ١١٨ هـ.\n(عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج) ذكره الحافظ في\n_________\n(١) بتقديم النون على الباء الموحدة. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":388},{"text":"عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ\n===\nعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ويقال: ابن عبد الله (١) هو راوي \"حديث بئر بضاعة\" مستور، هكذا في \"التقريب\".\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ذكر عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري: وقيل: عبيد الله بن عبد الله، وقيل: عبد الله، وقيل: إنهما اثنان، ثم قال: قلت: قال ابن القطان الفاسي: في هذا الرجل خمسة أقوال، فذكر الثلاثة، وزاد ما ذكره البخاري عن يونس بن بكير: عبد الله بن عبد الرحمن، فهذا قول رابع، والخامس قاله محمد بن سلمة عن ابن إسحاق: عبد الرحمن بن رافع، ثم قال: وكيف ما كان، فهو من لا يعرف له حال، وقال ابن منده: عبيد الله بن عبد الله بن رافع مجهول، نعم صحح حديثه أحمد بن حنبل وغيره، وقد نص البخاري على أن قول من قال: عبد الرحمن بن رافع وهم.\n(عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله - ﷺ -: أنتوضأ (٣) من بئر بضاعة) بضم الباء وأجيز كسرها، وحكي أيضًا بالصاد المهملة، وهي بئر معروفة بالمدينة، قاله ابن الملك، وقال الطيبي نقلًا عن التوربشتي: بضاعة (٤) دار بني ساعدة بالمدينة، وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة\n_________\n(١) هنا زيادة في الأصل، وهي: \"وقيل: عبد الله، وقيل: إنهما اثنان\"، وهو سبق قلم.\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٧)، و\"تقريب التهذيب\" (٤٣٤٢).\n(٣) بصيغة المتكلم مع الغير، وفي بعض النسخ بصيغة الخطاب، وبالخطاب ضبطه الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٧) وصوّبه النووي، وجعل النون تصحيفًا كما حكاه عنه ابن رسلان. (ش).\n(٤) اسم موضع أو اسم رجل، قولان، كذا في \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":389},{"text":"وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحِيَضُ وَلَحْم الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟\n===\nيضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم \"علي القاري\" (١).\n(وهي بئر (٢) يطرح) على صيغة المجهول، يجوز فيه التذكير والتأنيث، أي يلقى كما في رواية (فيها الحِيَضُ) بكسر الحاء وفتح الياء، جمع حيضة، بكسر الحاء وسكون الياء، وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض أو تستثفرها (ولحم الكلاب).\nقال الطيبي (٣): ووجه معنى \"يلقى فيها\" أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحتمل أن ينزل فيها أهل البادية، فيلقي تلك القاذورات بأفنية منازلهم، فيكسحها السيل فيلقيها في البئر، فَعَبَّر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم، وهذا بما لا يجوّزه مسلم، فأنَّى يظن (٤) ذلك بالذين هم أفضل القرون وأزكاهم \"قاري\" (٥)، وقيل: كانت الريح تلقيها بها أو يفعله (٦) المنافقون \"مرقاة الصعود\".\n(والنتن) بفتح النون وسكون التاء وتكسر، وهي الرائحة الكريهة، والمراد بها ها هنا الشيء المنتن، كالعذرة والجيفة، وكان الماء كثيرًا سيَّالًا يجري بها، ولكثرته لا يؤثر به ذلك ولا يغيره، فسألوا عن حكمها في الطهارة والنجاسة.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥٧).\n(٢) قال ابن رسلان: كانت بئر بضاعة عينًا يجري منها الماء إلى بساتين بني ساعدة. (ش).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٠٤).\n(٤) وبه جزم الخطابي (١/ ٥٩)، كلما بسطه صاحب \"الغاية\". (ش).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥٧).\n(٦) قال في \"الشامل\": يجوز أن يكون هذا من فعل المنافقين كانوا يلقون ذلك، كذا في \"مرقاة الصعود\" (ص ١٧). (ش).","vol":"1","page":390},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَئٌ\". [ن ٣٢٧، ت ٦٦، حم ٣/ ١٥، قط ١/ ٣٠، ق ١/ ٤]\n===\n(فقال رسول الله - ﷺ -: الماء) قيل: الألف واللام للعهد الخارجي، فتأويله أن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة، فالجواب مطابقي لا عموم كلي، كما قاله الإِمام مالك (طهور) أي طاهر مطهر لكونه جاريًا في البساتين، و(لا ينجسه (١) شيء) (٢) أي ما لم يتغير بدليل الإجماع على نجاسة المتغير، فما جاء في بعض الطرق أنه كان كنُقاعة الحِنَّاء، محمول على لون جوهر مائها.\nفإن قيل: لِمَ لم يجبهم بنعم حين قالوا: أنتوضأ؟ قلنا: لأنه يصير مقيدًا بحال الضرورة وليس كذلك، وأيضًا فإنه يفهم من الاقتصار على الجواب بنعم أنه إنما يتوضأ به فقط، ولا يَتَطَهَّرُ به لبقية الأحداث والأنجاس، \"نيل\" (٣).\nوالحديث يدل على أن الماء لا يتنجس بوقوع شيء فيه، سواء كان قليلًا أو كثيرًا ولو تغيرت أوصافه أو بعضها، لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة يتنجس، فلا ينجس الماء بما لاقاه، ولو كان قليلًا إلَّا إذا تغير، وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس وأبو هريرة\n_________\n(١) قال الخطابي (١/ ٦٠): حديث بئر بضاعة لا يناقض حديث القلتين، فإن ماءها كان قلتين، بسطه صاحب \"الغاية\"، وبسط أيضًا الكلام على جرح الحديث وتعديله، قلت: وهذ الحديث نظرًا إلى إطلاقه لا يوافق أحدًا من الأئمة الأربعة، فقيده المالكية بعدم التغير، والشافعية بقلتين، والحنفية بالجريان، وقال ابن رسلان: وقد جزم الشافعي بأن بئر بضاعة لا تتغير بإلقاء ما يلقى لكثرة مائها. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: نكرة في موضع النفي، عام لكل شيء، إلَّا أن الإجماع خص منه المتغير بالنجاسة. (ش).\n(٣) الإشارة إلى \"نيل الأوطار\" في غير محله، محله فيما بعد كما أشرت إليه، فليتنبه.","vol":"1","page":391},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ رَافِعٍ.\n===\nوالحسن البصري وابن المسيب وداود الظاهري ومالك، وذهب ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وابن حنبل وإسحاق إلى أنه ينجس القليل بما لاقاه من النجاسة وإن لم تتغير أوصافه، واختلفوا في حد القليل الذي يجب صونه عن وقوع النجاسة فيه، فقيل ما ظن استعمالها باستعماله؛ وإليه ذهب أبو حنيفة - ﵀ (١) -.\nقال القاري (٢): وأغرب ابن حجر في قوله: أخذ مالك بعموم هذا، يلزم عليه إلغاء العمل بمفهوم حديث القلتين مع عدم المسوغ لذلك.\nقلت: المسوغ له أنه لم يقل بالمفهوم، كما هو قول أئمتنا، ثم قوله وقول أبي حنيفة: إن الماء يتنجس مطلقًا إلَّا إذا عظم بحيث لا يتحرك طرفه بتحرك طرفه الآخر، مخالف لهذا الحديث ولمنطوق حديث القلتين لا يضر، إذ ما خالفهما إلَّا وقد ثبت عنده ما يوجب مخالفتهما، وقد تقدمت علة القلة، وعلة الامتناع عن الأخذ بعموم هذا الحديث مشتركة بين أبي حنيفة والشافعي - رحمهما الله- انتهى.\n(قال أبو داود (٣): وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع)، غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف الواقع بين الرواة في عبيد الله بن عبد الله بن رافع، فقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ومرَّ تحقيقه في السند، فما قال\n_________\n(١) انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٦).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٠٨).\n(٣) قال ابن رسلان: أعله ابن القطان لجهالة الراوي عن أبي سعيد، والاختلاف في الاسم هل هو عبيد الله أو عبد الله؟ والاختلاف في اسم أبيه. (ش).","vol":"1","page":392},{"text":"٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْب وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،\n===\nبعضهم: عبد الرحمن بن رافع كما يقول المصنف، يحتمل (١) أن يكون معناه أن بعضهم يقول: عبد الرحمن بن رافع مكان عبد الله بن رافع والد عبيد الله كما هو قول ثان في والد عبيد الله من قولين: أحدهما عبد الله والثاني عبد الرحمن، والاحتمال الثاني أن يكون معنى قول بعضهم: عبد الرحمن بن رافع، مكان عبيد الله بن عبد الله بن رافع، كما هو قول خامس على ما نقله الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، فحينئذ يتوجه إليه قول البخاري: إن قول من قال: عبد الرحمن بن رافع وهم، والراجح هو الاحتمال الأول كما يسوق المصنف ذلك السند، فيقول: حدثنا أحمد بن أبي شعيب ... إلخ.\n٦٧ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب)، هو أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب مسلم الحراني، أبو الحسن، مولى قريش، ثقة، مات سنة ٢٣٣ هـ، فما قال فيه بعضهم: أحمد بن سعيد الحراني صوابه ابن أبي شعيب.\n(وعبد العزيز بن يحيى) بن يوسف البكائي مولاهم، أبو الأصبغ الحراني، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: ثقة، قال الحافظ في \"التهذيب\": قلت: ذكر عبد الغني أن البخاري روى عنه في \"كتاب الضعفاء\" مات سنة ٢٣٥ هـ (الحرَّانيان قالا) أي أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز: (حدثنا محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي مولاهم، أبو عبد الله الحراني، وثقه كثيرون، وقال أبو عروبة: أدركنا الناس لا يختلفون في فضله وحفظه، مات سنة ١٩١ هـ على الصحيح.\n_________\n(١) وبه جزم صاحب \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":393},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن سَلِيطِ بْنِ أَيُّوبَ، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رَافِعٍ الأَنْصَاريّ ثُمَّ الْعَدَوِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّه - ﷺ - وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ\n===\n(عن محمد بن إسحاق) بن يسار، (عن سليط) بفتح أوله وكسر اللام (ابن أيوب) بن الحكم الأنصاري المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، أخرج له أبو داود والنسائي في قصة بئر بضاعة، قال الحافظ: مقبول، من السادسة.\n(عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي) منسوب إلى جد أبيه عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن حارث بن الخزرج بن عمر بن مالك بن أوس، ولكن لم يشتهر عدوي بتلك النسبة، فإنه قال السمعاني في \"الأنساب\" (١): العدوي بفتح العين والدال المهملتين، هذه النسبة إلى خمسة رجال.\nثم قال: والثالث: عديُ الأنصارِ، منهم حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو الأنصاري (٢) من بني عدي بن النجار، شهد بدرًا، وحارثة بن سراقة من بني عدي بن النجار، فهذا يرشدك أن المشهور الذي في الأنصار هو المنسوب إلى عدي النجار، ولهذا لم يقل أحد ممن ضبط أسماء الرجال لعبيد الله ولا لرافع بن خديج العدوي إلَّا أبو داود.\n(عن أبي سعيد الخدري قال) أي أبو سعيد: (سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يقال له) أي في حال يسأل عنه، فالجملة حالية: (إنه يُستقى لك)\n_________\n(١) (٤/ ١٦٧).\n(٢) وفي الأصل: حسان بن ثابت بن حسان بن عمرو الأنصاري، وهو سبق قلم، والتصويب عن \"الأنساب\" للسمعاني.","vol":"1","page":394},{"text":"مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ! - وَهِيَ بِئْر يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَاب وَالْمَحَائِضُ وَعِذَرُ النَّاسِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ\" [حم ٣/ ٨٦، ق ١/ ٢٥٧، قط ١/ ٣٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سعيدٍ قَالَ: سَألْتُ قَيِّمَ بِئْرِ\n===\nأي يطلب السقي لك (من بئر بضاعة و) الحال (هي) أي بئر بضاعة (بئر يلفى فيها لحوم الكلاب والمحائض) جمع محيض، والمراد به خرق الحيض الملطخة بالدم (وعِذر الناس) بفتح عين وكسر ذال فراء، وروي بكسر عين وفتح ذال، أي: غائطُهم، تلقيها الرياح أو السيل، فإنه كان بمنخفض من المكان ومنحدر السيل.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، والمراد من الماء ماء بئر بضاعة؛ لأن السؤال وقع عن مائها لا ينجسه شيء بما يلقى فيها من لحوم الكلاب والمحائض وعذر الناس، ولا يمكن أن يكون الحكم على عمومها بأن الماء مطلقًا قليلًا كان أو كثيرًا طاهر ومطهر لا ينجسه وقوع شيء، سواء كان مغيرًا لأوصافه أو غير مغير؛ لأنه أجمعت الأمة على أن الماء قليلًا كان أو كثيرًا إذا تغير أحد أوصافه بوقوع النجاسة يتنجس.\nومحال عند العقل أن تلقى في البئر تلك النجاسات الكثيرة، ولا يتغير أحد أوصاف الماء، ويستحيل أيضًا أن يشرب من مثل ذلك الماء من في طبعه أدنى نظافة فضلًا عنه - ﷺ - الذي بلغ من النظافة واللطافة في أعلى المرتبة، فيجب تأويلها بما قاله العلماء من أنه يلقي فيها السيل تلك النجاسات ثم تخرج منها، فليس فيه حجة لأحد من المالكية والشافعية؛ لأنه يزيد على القلتين فلم يتنجس.\n(قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيِّم (١) بئر\n_________\n(١) أي القائم بخدمتها. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":395},{"text":"بُضَاعَةَ عن عُمْقِهَا، فَقُلْتُ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ؟ قَالَ: إِلَى الْعَانَةِ. قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ؟ قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدَّرْتُ أَنَا بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي: مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَرَعْتُهُ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُع، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا،\n===\nبضاعة عن عمقها، فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال) أي القيم: (إلى العانة) أي منبت الشعرة تحت السرة، (قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة).\nلعل غرض المصنف بذلك بيان أن بئر بضاعة لما حكم بطهارة مائها مع وقوع تلك النجاسات فيها ثم لم يأمر النبي - ﷺ - بإخراج مائها ثبت أن الماء لا ينجسه شيء، ثم لما أجاب البعض عنه يكون مائها جاريًا في البساتين والنخلات وقالوا: إن عدم تنجسها لكونها جارية لا لأن الماء بإطلاقه لا ينجسه شيء، أراد أبو داود دفعه بأن الماء فيها كان إلى العانة أو إلى دون العورة، فكيف يحكم عليه بالجريان، ومما ينبغي أن يتنبه عليه أن الجريان لا يستلزم كونها نهرًا، بل الجريان بكثرة النزع من البئر، كما هو في سقي الأشجار أيضًا جريان، وكذلك كثيرًا ما يكون في داخل البئر مدخل الماء، ومخرجه، كما هو مشاهد في \"بئر أريس\"، فيجري الماء فيها.\n(قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي: مددته) أي الرداء (عليها) أي على البئر (ثم ذرعته) أي الرداء، قال في \"القاموس\": وذرع الثوب كمنع: قَاسَه (فإذا عرضها) أي البئر (ستة أذرع) جمع ذراع بالكسر، من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى (وسألت الذي فتح لي باب البستان) الذي فيه البئر (فأدخلني إليه) أي إلى البستان (هل غُيِّرَ بناؤها) أي بناء البئر (عماكانت عليه؟ قال: لا).","vol":"1","page":396},{"text":"وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغِيِّرَ اللَّوْنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>(٣٥) بَابُ الْمَاءِ لَا يُجْنِبُ</span>\n===\nلعل غرضه بهذا الكلام بيان أن المصنف رأى بئر بضاعة ومسحها بردائه ثم ذرعه، فإذا عرضها ستة أذرع وهي باقية على ما كانت عليه في زمان رسول الله - ﷺ - ولم تغير عن حالها، وماؤها يزيد على قلتين، فلأجل ذلك حكم رسول الله - ﷺ - بعدم تنجسها بوقوع النجاسات.\nقال أبو داود: (ورأيت فيها ماء متغير اللون) (١)، ولعل وجه التغير أنها بقيت معطلة عدة أيام لم يخرج منها الماء، ولم يسق منها الأشجار، أو تغير لون الماء بوقوع أوراق الأشجار فيها من البستان، والله أعلم.\n\n(٣٥) (بَابُ الْمَاءِ لا يُجْنِبُ)\nهكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، وعليها علامة النسخة، فيعلم منه أن هذا الباب ليس في بعض النسخ، ويقال: أجنب يجنب، والجنابة الاسم، وهي في الأصل البعد، والجنب يبعد مواضع الصلاة، ثم استعمل في النجاسة؛ لأنها يبعد ويجتنب عنها فلا تستعمل (٢).\n_________\n(١) وفي \"الشرح الكبير\" للحنابلة (١/ ١٣): أجمع كل من يحفظ عنه على أن الوضوء بالمتغير من غير نجاسة حلَّت فيه، جائز، سوى ابن سيرين، فإنه كره ذلك، قلت: وفي \"الشرح الكبير\" (١/ ٦٨) للدردير: قولان لمالك في تغير البئر بالأوراق، وإن كان المعتمد الجواز. (ش).\n(٢) ولعل المقصود من الترجمة بيان حكم الماء المستعمل وهو الذي أزيل به الحدث، فالمذكور سابقًا ما وقع فيه الخبث أي النجاسة الحقيقية، وههنا النجاسة الحكمية. (ش).","vol":"1","page":397},{"text":"٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاك، عن عِكْرِمَةَ،\n===\n٦٨ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص) سلام (١) بن سليم الحنفي مولاهم، الكوفي، الحافظ، وثقه العجلي وابن معين وأبو زرعة والنسائي، مات سنة ١٧٩ هـ.\n(قال: حدثنا سماك) (٢) بكسر أوله وتخفيف الميم، ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة فكان ربما يلقن، وكان شعبة يضعفه، والثوري يضعفه بعض الضعف، وقال زكريا بن عدي عن ابن المبارك: سماك ضعيف، وقال صالح جزرة: يضعف، وقال ابن خراش: في حديثه لين، مات سنة ١٢٣ هـ.\n(عن عكرمة) (٣) البربري، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عباس، أصله من البربر، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن عباس لما ولي البصرة لعلي، اختلف الناس في جرحه وتعديله، فبعضهم رموه بالكذب، وبعضهم رموه برأي الخوارج، ووثقه آخرون، قال ابن منده في \"صحيحه\": أما حال عكرمة في نفسه فقد عدله أمة من علماء التابعين فمن بعدهم، وحدثوا واحتجوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام، روى عنه زهاء ثلاث مئة رجل من البلدان، منهم زيادة على سبعين رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير أحد (٤) من التابعين\n_________\n(١) بتشديد اللام، له نحو أربعة آلاف حديث \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قال الحافظ: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٣٣). (ش).\n(٣) أطال الحافظ ترجمته في مقدمة \"الفتح\" (ص ٤٢٥). (ش).\n(٤) كذا في الأصل، والظاهر: \"لكثير من التابعين\".","vol":"1","page":398},{"text":"عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِيَتَوَضَّأ مِنْهَا - أَوْ يَغْتَسِلَ - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي كُنْتُ\n===\nعلى أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه، وكان يتلقى حديثه بالقبول، ويحتج به قرنًا بعد قرن، وإمامًا بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين أخرجوا الصحيح، وميَّزوا ثابته من سقيمه، وخطأه من صوابه، وأخرجوا روايته، وهم البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وأجمعوا على إخراج حديثه واحتجوا به.\nثم قال الحافظ: قال أبو عبد الله: وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه، وبأن غير واحد من العلماء قد رووا عنه وعدلوه، قال: وكل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد، حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل غير جرحه، مات سنة ١٠٧ هـ.\n(عن) عبد الله (بن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ -) هي ميمونة (١) خالة ابن عباس (في جفنة) بفتح الجيم، قصعة كبيرة، أي مدخلة يدها فيها تغترف (٢) منها (فجاء النبي - ﷺ - ليتوضأ منها أو يغتسل) شك من الراوي (٣) (فقالت) ميمونة (له: يا رسول الله، إني كنت\n_________\n(١) كما في رواية الدارقطني (ح ١٣٧) وغيره، وقيل: سودة، ولعلهما واقعتان.\n\"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) ولا بد من هذا التأويل لئلا يخالف الحديث روايات النهي عن الغسل في الماء الدائم، بل هو مصرح في رواية الدارقطني (ح ١٣٧): \"أجنبت فاغتسلت من جفنة، ففضلت فيه فضلة، فجاء النبي - ﷺ - يغتسل منه\"، الحديث، ذكره صاحب \"الغاية\"، وكذا في رواية \"المصابيح\" عن \"شرح السنَة\" كما في \"المرقاة\" (٢/ ١٥٨). (ش).\n(٣) دون ابن عباس، فالرواية عنه بدون الشك بلفظ \"يغتسل\". \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":399},{"text":"جُنُبًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِب\". [ت ٦٥، جه ٣٧٠ - ٣٧١، ك ١/ ١٥٩، حم ١/ ٢٣٥، ق ١/ ١٨٨]\n===\nجنبًا) (١) أي واغتسلت بهذا الماء، وهو فضلة يدي (فقال رسول الله - ﷺ -: إن الماء لا يُجْنِب) بضم الياء وكسر النون، ويجوز فتح الياء وضم النون، أي لا يصير جنبًا، احتج (٢) به على طهورية الماء المستعمل، وأجيب بأنها اغترفت منه ولم تنغمس، إذ يبعد إلاغتسال داخل الجفنة عادة، و\"في\" بمعنى \"من\"، فيستدل به على أن المحدث إذا غمس يده في الإناء للاغتراف من غير نية رفع الحدث عن يده لا يصير مستعملًا.\nقلت: الغالب أنها - رضي الله تعالى عنها - غسلت يدها قبل إدخالها الجفنة، كما كان رسول الله - ﷺ - يفعله، ولا دليل على أنها أدخلت يدها قبل الغسل، فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الحديث وحديث حميد: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يغتسل الرجل بفضل المرأة\"؟ قلت: هذا الحديث يدل على الجواز، وذلك على ترك الأولى للتنظيف (٣).\n_________\n(١) فيه شاهد اللغة أنه يطلق على الذكر والأنثى والمفرد والجمع. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) كما بسطه صاحب \"المغني\" (١/ ٣١)، وسيأتي الكلام عليه في الباب الآتي، انتهى. قال ابن رسلان: في الحديث دليل للقول القديم للشافعي ومذهب مالك، ورواية لأحمد: أن المستعمل في فرض الطهارة مطهر، وإن قلنا: \"في جفنة\" بمعنى من جفنة، ففيه دليل على الرخصة في الوضوء بفضل وضوء المرأة، كما بَوَّب عليه ابن ماجه. (ش).\n(٣) سيأتي البسط فيه. (ش).","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>(٣٦) باب الْبَوْلِ فِى الْمَاءِ الرَّاكِدِ</span>\n٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ فِى حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ\n===\n\n(٣٦) (بَابُ الْبَوْلِ في الْمَاءِ الرَّاكِدِ) أي الذي لا يجري\n٦٩ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس قال) أي أحمد: (ثنا زائدة) ابن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، قال أحمد: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تُبال أن لا تسمعه عن غيرهما إلَّا حديث أبي إسحاق، قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات في أرض الروم غازيًا سنة ١٦١ هـ.\n(في حديث (١) هشام) مراد المصنف بذلك بيان أن زائدة له شيوخ، فيقول تلميذه أحمد بن يونس: حدثنا زائدة في الأحاديث التي رواها عن شيخه هشام، وهو هشام بن حسان الأزدي القردوسي بضم القاف والدال، أبو عبد الله البصري، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما، وكان شعبة يتكلم في حفظه، وقال ابن معين: كان يتقي حديثه (٢)، وقال ابن المديني: كان القطان يضعف حديثه عن عطاء، وكان أصحابنا يثبتونه. قال أبو داود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء، لأنه كان يرسل، وكانوا يرون أنه أخذ كتب حوشب، مات سنة ١٤٨ هـ.\n(عن محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة\n_________\n(١) قال صاحب \"الغاية\": \"في\" بمعنى \"عن\"، فهو بمعنى عن هشام، قلت: ويحتمل أن يكون المعنى في ذيل حديث هشام الطويل. وكذا في \"التقرير\"، قلت: ويؤيده حديث هشام الآتي، وسكت عن شرحه ابن رسلان. (ش).\n(٢) وفي \"التهذيب\" (١١/ ٣٦): وقال معاذ بن معاذ: كان شعبة يتقي حديث هشام عن عطاء والحسن.","vol":"1","page":401},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». [خ ٢٣٩، م ٢٨١، ت ٦٨، ن ٥٨، جه ٣٤٣]\n===\nالبصري، ثقة ثبت كبير القدر إمام وقته، لا يرى الرواية بالمعنى، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان - ﵁ -، ومات وهو ابن ٧٧ سنة، مات سنة ١١٠ هـ.\n(عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: لا يبولن) (١) صيغة نهي أُكّدَتْ بالنون الثقيلة (أحدكم) أيها الأملى (في الماء الدائم) أي الراى الساكن، من دام الشيء سكن ومكث، وزاد في رواية الصحيحين: \"الذي لا يجري\"، صفة ثانية مؤكدة للأولى، أو صفة كاشفة لها. وقيل: الذي لا يجري بشيء من تبنة وغيرها، وفي معنى الجاري الماء الكثير، وهو العشر في العشر عندنا، ومقدار قلتين عند من يقول به.\n(ثم يغتسل منه) الرواية بالرفع (٢) أي لا يبل، ثم هو يغتسل فيه، فيغتسل خبر لمبتدأ محذوف، عطف الجملة على جملة لا يبولن، وترتيب الحكم على ذلك يدل على أن الموجب للمنع أنه يتنجس، فلا يجوز الاغتسال به، وتخصيصه بالدائم يفهم منه أن البخاري لا يتنجس إلَّا بالتغير، وقيل: الظاهر أنه عطف على لايبولن ويكون \"ثم\" مثل الواو في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أو مثل الفاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ\n_________\n(١) قال ابن دقيق العيد في \"الأحكام\" (١/ ٢١): هذا مستدل الحنفية، وخصه الشافعي بما دون القلتين، ومالك حمل النهي على الكراهة، ولأحمد طريقة أخرى وهي التخصص ببول الآدمي، وأما غيره من النجاسات فكقول الشافعي، وقالت الظاهرية الجامدة: إن الحكم للبول في الماء فلو بال في الكوز وَصَبَّه في الماء لا يفسد، وهذا باطل قطعًا. إلى آخر ما قال. (ش).\n(٢) قال القرطبي: الرواية الصحيحة برفع اللام. \"ابن رسلان\"، وبسط الكلام على الإعراب ونظائره. (ش).","vol":"1","page":402},{"text":"٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». [حم ٢/ ٤٣٣، ق ١/ ٢٣٨، جه ٣٤٤]\n===\nعَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ (١) أي لا يكن من أحد البول في الماء الموصوف، ثم الاغتسال، فثم استبعادية، أي بعيد من العاقل ذلك، أي الجمع (٢) بين هذين الأمرين، \"قاري\" (٣) ملخصًا.\n٧٥ - (حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ، بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة، التميمي، أبو سعيد القطان، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، مات سنة ١٩٨ هـ.\n(عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبي) وهو عجلان، مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة المدني، قال النسائي: لا بأس به، وقال الآجري عن أبي داود: لم يرو عنه غير ابنه محمد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يبولن (٤) أحدكم في الماء الدائم) أي الساكن الراكد الذي لا يجري حقيقة أو حكمًا، فالمراد به الماء القليل (ولا يغتسل) بالجزم والرفع نهيًا وخبرًا (فيه من الجنابة) ويؤيده\n_________\n(١) سورة طه: الآية ٨١.\n(٢) قال ابن رسلان: النهي عن الشيئين يكون تارة عن الجمع، وتارة على الجمع، أما عن الجمع فمعناه عن فعلهما معًا بقيد الجمعية، ولا يلزم منه المنع من أحدهما، وأما على الجمع فمنشأه أن يكون في كل واحد منهما مفسدة، وتستقل بالمنع، فهذا الحديث من باب النهي عن الجمع، والحديث الآتي من باب النهي على الجمع أن لا يبولن فيه ولا يغتسل فيه. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٧١).\n(٤) فالتغوط بالأولى، كما بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"1","page":403},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرواية مسلم قال: \"لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب\"، قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا.\nقال في \"شرح السنَّة\" (١): فيه دليل على أن الجنب إن أدخل يده فيه ليتناول الماء لم يتغير حكمه، وان أدخل يده فيه ليغسلها من الجنابة تغير حكمه، وكذا حكمه عندنا، قاله القاري (٢).\nقلت: اختلف في حكم الماء المستعمل أنه طاهر أم نجس؟ فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يجوز التوضؤ، ولم يذكر أنه طاهر أم نجس، وروى محمد عن أبي حنيفة - ﵀- أنه طاهر غير طهور، وروى أبو يوسف والحسن بن زياد عنه أنه نجس، غير أن الحسن روى عنه أنه نجس نجاسة غليظة يقدر فيه بالدرهم، وبه أخذ، وأبو يوسف روى عنه أنه نجس نجاسة خفيفة يقدر فيه بالكثير الفاحش، وبه أخذ، وقال زفر: إن كان المستعمل متوضئًا فالماء المستعمل طاهر وطهور، وإن كان محدثًا فهو طاهر غير طهور، وهو أحد أقاويل الشافعي، وفي قول له: إنه طاهر وطهور بكل حال، وهو قول مالك.\nثم مشايخ بلخ حققوا الخلاف، وقالوا: الماء المستعمل نجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد طاهر غير طهور، وبه أخذ الشافعي، وهو أظهر أقوال الشافعي، ومشايخ العراق لم يحققوا الخلاف فقالوا: إنه طاهر غير طهور عند أصحابنا، حتى روي عن القاضي أبي حازم العراقي أنه كان يقول: إنا نرجو أن لا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة - ﵀وهو اختيار المحققين (٣) من مشايخنا بما وراء النهر.\n_________\n(١) (٢/ ٦٨).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٧٢).\n(٣) ولأحمد روايتان: طاهر وليس بمطهر، وهو ظاهر المذهب، والثاني: طاهر مطهر، كذا في \"المغني\" (١/ ٣٤)، وكذا حكى صاحب \"المغني\" قولين للشافعي ومالك. (ش).","vol":"1","page":404},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواختلف في سبب صيرورة الماء مستعملًا، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف الماء إنما يصير مستعملًا بأحد الأمرين: إما بإزالة الحدث، أو بإقامة القربة، وعند محمد لا يصير مستعملًا إلَّا بإقامة القربة، وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملًا إلَّا بإزالة الحدث، وهذا الاختلاف لم ينقل عنهم نصًا، لكن مسائلهم تدل عليه.\nوجه قول من قال: إن الماء المستعمل طهورٌ، ما روي عن النبي - ﷺ - منه أنه قال: \"الماء طهور لا ينجسه شيء إلَّا ما غير\"، الحديث (١). ولم يوجد التغير بعد الاستعمال، فبقي على طهوريته، ولأن هذا ماء طاهر لاقى عضوًا طاهرًا، فلا يصير نجسًا، كالماء الطاهر إذا غسل به ثوب طاهر، أما كون الماء طاهرًا فظاهر.\nوأما كون المحل طاهرًا، فالدليل عليه أن كونه طاهرًا حقيقة، فلانعدام النجاسة الحقيقية، وأما حكمًا فلقوله - ﷺ -: \"إن المؤمن لا ينجس\". وقال - ﷺ - لعائشة - ﵂ -: \"ليست حيضتك في يدك\"، ولهذا جازت صلاة حامل الحدث والجنب، وحامل النجاسة لا تجوز، إلَّا أنه لا يجوز التوضؤ به؛ لأنه تمكن فيه نوع خبث لإزالة الآثام كالمال الذي تصدق به، ولهذا سميت الصدقة غُسالة الناس، وقد ورد الشرع باستعمال الماء المطلق، وهو الذي لا يقوم به خبث، وأيضًا استدلوا على طهورية الماء المستعمل (٢) بصبه - ﷺ - لوضوئه على جابر، وبتقريره للصحابة على التبرك بوضوئه.\nوالدليل على كون الماء المستعمل نجسًا، هذا الحديث وما ورد في معناه من الأحاديث التي رواها أصحاب الصحاح، ووجه الاستدلال به\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (١/ ٩٤). (ش).\n(٢) بسط الحافظ في \"الدراية\" (١/ ٥٤) دلائل طهارة الماء المستعمل. (ش).","vol":"1","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأنه - ﷺ - حرم الاغتسال في المال القليل؛ لإجماعنا على أن الاغتسال في الماء الكثير كالبحر مثلًا ليس بحرام، فلولا أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغُسالة لم يكن للنهي معنى؛ لأن إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر فحرام، وكان هذا نهيًا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال، وذا يقتضي التنجيس به.\nلا يقال: يحتمل أنه نهى لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهرًا من غير ضرورة، وذلك حرام؛ لأنا نقول: الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهرًا باختلاط غير المطهر به إذا كان الغير غالبًا عليه، وأما إذا كان مغلوبًا فلا، وها هنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن أقل من غير المستعمل، فكيف يخرج به من أن يكون مطهرًا.\nولا يقال: يحتمل أنه نهى لأن أعضاء الجنب لا تخلو عن النجاسة الحقيقية، وذا يوجب تنجيس الماء القليل؛ لأنا نقول: الحديث مطلق، فيجب العمل بإطلاقه، ولأن النهي عن الاغتسال ينصرف إلى المسنون؛ لأنه هو المتعارف فيما بين المسلمين، والمسنون منه هو إزالة النجاسة الحقيقية عن البدن قبل الاغتسال على أن النهي عن إزالة النجاسة الحقيقية التي على البدن استفيد بالنهي عن البول فيه، فوجب حمل النهي عن الاغتسال فيه على ما ذكرنا، ولأن هذا مما تستخبثه الطبائع السليمة، فكان محرمًا لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١)، والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة، ولأن الأمة أجمعت على أن من كان في السفر ومعه ماء يكفيه لوضوئه وهو بحال يخاف على نفسه العطش يباح له التيمم، ولو بقي الماء طاهرًا بعد الاستعمال لما أبيح؛ لأنه يمكنه أن يتوضأ، ويأخذ الغسالة في إناء نظيف، ويمسكها للشرب.\n_________\n(١) سورة الأعراف: الآية ١٥٧.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>(٣٧) بَابُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ</span>\n٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ فِى حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ\n===\n\n(٣٧) (بَابُ الوُضُوءِ بِسُؤرِ الْكَلْبِ) (١)\nيعني هل يجوز به الوضوء أم لا؟ وهل هو طاهر أم نجس؟\nولعل غرض المصنف بعقد هذا الباب الإشارة إلى رد قول الزهري الذي حكاه البخاري في \"صحيحه\" (٢) من جواز التوضؤ بالماء الذي ولغ فيه الكلب، وتبعه في ذلك الثوري.\n٧١ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس قال: حدثنا زائدة في حديث هشام، عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: طهور) (٣) بضم الطاء وتفتح، قال النووي: الأشهر فيه ضم الطاء، ويقال بفتحها، لغتان، نقله السيد، وقال ابن الملك: بضم الطاء بمعنى التطهر أو الطهارة (إناء أحدكم إذا ولغ (٤) فيه الكلب) (٥) ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب يلغ، كَيَهَبُ، ولْغًا، ويضم، ووُلُوغًا ووَلَغَانًا محرَّكة: شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه، خاص بالسباع، ومن الطير بالذباب، \"قاموس\"، وأكثر ما يكون الولوغ في السباع، ويقال: ليس شيء من الطيور يلغ غير الذباب، \"لسان العرب\".\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ١٣٤): أمهات مسائل الباب في عشرة أحكام. (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٢).\n(٣) وبلفظ الطهور استدل على نجاسة سؤره \"ابن رسلان\" فهو حجة على المالكية. (ش).\n(٤) بسط ابن رسلان في الضابطة الصرفية في كون الفعل من باب فتح. (ش).\n(٥) وكذا الكلاب، وقيل: لكل كلب سبع، بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"1","page":407},{"text":"أَنْ يُغْسَلَ سبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بالتُّرَابِ\". [م ٢٧٩، ت ٩١، ن ٦٣، حم ٢/ ٢٦٥]\n===\nقال الطيبي: هو مبتدأ والظرف معمول له، والخبر (أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب) (١)، وفي رواية أخرى: \"إحداهن بالتراب\"، قال ابن حجر: وهي صحيحة أيضًا على ما ذكره النووي في بعض كتبه، لكن بَيَّن في محل آخر أن في سندها ضعيفًا ومجهولًا، وفي رواية صحيحة: \"أولاهن أو أخراهن بالتراب\"، و\"أو\" فيها للشك كما بينه البيهقي وغيره، وفي أخرى صحيحة أيضًا: \"وعفروه الثامنة بالتراب\"، أخذ بظاهرها أحمد وغيره، وقيل: لا تعارض لإمكان الجمع يحمل رواية \"أولاهن\" على الأكمل، وحمل رواية السابعة على الجواز، ورواية \"إحداهن\" على الإجزاء، قال ابن الملك: فيجب استعمال الطهورين في ولوغ الكلب لكون (٢) نجاسته أغلظ النجاسات، ولو ولغ كلبان أو كلب واحد سبع مرات، فالصحيح أنه يكفي للجميع سبع، وهذا مذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة: يغسل من ولوغه ثلاثًا بلا تعفيركسائر النجاسات.\nوفي \"الشرح الكبير\" (٣) عن مالك: لا يغسل من غير الولوغ (٤)، لأن الكلب طاهر عنده، والغسل من الولوغ تَعَبُّدٌ، وقال النووي: في مذهب\n_________\n(١) يتعين ذلك عند الشافعي ولا يقوم شيء مقامه، وقال أحمد: يجوز مقامه الصابون والأشنان ونحوهما، كذا في \"المنهل\" (١/ ٢٥٣). (ش).\n(٢) في الأصل \"لكونه\" وهو تحريف.\n(٣) والظاهر أن المالكية اضطروا إلى ذلك، لأن الماء لا ينجس عندهم بدون التغير، وتمام ما في \"الشرح الكبير\" (١/ ٧٤): اليسير الذي ولغ فيه الكلب يكره استعماله في الحدث والخبث، ولا يكره استعماله في العادات. (ش).\n(٤) مثلًا وصل إليه اللعاب \"ابن رسلان\"، بل ولو أدخل الفم ولم يحرك اللسان كما صرح به في \"الشرح الكبير\" (١/ ١٤٠). (ش).","vol":"1","page":408},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمالك أربعة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، وهذه الثلاثة عن مالك، والرابع عن عبد الملك بن الماجشون المالكي أنه يفرق بين البدوي والحضري، انتهى.\nوفي \"صحيح البخاري\" (١): وقال الزهري: إذا ولغ في الإناء وليس له وضوء غيره يتوضأ به، وقال سفيان: هذا الفقه بعينه، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢) وهذا ماء، وفي النفس منه شيء يتوضأ ويتيمم.\nوقال ابن الهمام (٣): روى الدارقطني عن الأعرج عن أبي هريرة عنه - ﷺ -، في الكلب يلغ في الإناء يغسل ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، ورواه ابن عدي (٤) مرفوعًا: \"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث (٥) مرات\". ورواه الدارقطني بسند صحيح عن عطاء موقوفًا على أبي هريرة أنه كان إذا ولغ في الإناء أهراقه، ثم غسله ثلاث مرات، وحينئذ فيعارض حديث السبع، وُيقَدَّمُ عليه؛ لأن مع حديث السبع دلالة المتقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر، حتى أمر بقتلها، والتشديد في سؤرها يناسب كونه إذ ذاك، وقد ثبت نسخ ذلك، فإذا عارض قرينته معارض كان المتقدم له، فالأمر الوارد بالسبع محمول على الابتداء مع أن في عمل أبي هريرة - ﵁ - على خلاف حديث السبع - وهو راويه - كفاية؛ لاستحالة أن يترك القطعي للرأي منه، وهذا لأن ظنية خبر الواحد إنما\n_________\n(١) كتاب الوضوء (٣٣) باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.\n(٢) سورة المائدة: الآية ٦.\n(٣) \"فتح القدير\" (١/ ٩٥).\n(٤) في الأصل و\"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٩٣): \"ابن عربي\" وهو تحريف، والصواب: \"ابن عدي\"، انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٩٥)، و\"الكامل في ضعفاء الرجال\" (٢/ ٧٧٦).\n(٥) في الأصل: \"سبع مرات\"، وهو تحريف.","vol":"1","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهو بالنسبة إلى غير راويه، فأما بالنسبة إلى راويه الذي سمعه من في رسول الله - ﷺ - فقطعي حتى ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة في معناه، فلزم أنه لا يتركه إلَّا لعلمه بالناسخ إذ القطعي لا يترك إلَّا بالقطعي فبطل تجويزهم تركه بناءً على ثبوت ناسخ في اجتهاده المحتمل للخطإ، وإذا علمت ذلك كان تركه بمنزلة روايته للناسخ بلا شبهة فيكون الآخر منسوخًا بالضرورة \"علي القاري\" (١).\nثم اعلم أن الحافظ ابن حجر قال في \"الفتح\" (٢): واعتذر الطحاوي\nوغيره بأمور؛ منها كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضًا فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر.\nوأجاب عنه العيني في \"شرح البخاري\" (٣) بقوله: \"ورد بأن هذا إساءة الظن بأبي هريرة، والاحتمال الناشئ من غير دليل لا يعتد به\".\nوأما ما قال: \"بأنه ثبت أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح\"، فأجيب عنه: بأن قوله: \"ثبت أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعًا\" يحتاج إلى البيان، ومجرد الدعوى لا يسمع، ولئن سلمنا ذلك فقد يحتمل أن يكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده، فلما ظهر أفتى بالثلاث، وأما دعوى الرجحان فغير صحيح، لا من حيث\n_________\n(١) \"مرفاة المفاتيح\" (٢/ ١٩٣).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٧).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٨٩ - ٤٩٠).","vol":"1","page":410},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالنظر، ولا من حيث قوة الإسناد، لأن رجال كل منهما رجال الصحيح كما بينا، وأما من حيث النظر فإن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب ولم يقيد بالسبع، فيكون الولوغ من باب الأولى.\nثم قال الحافظ: ومنها دعوى أن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يقيد بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى، وأجيب بأنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منه في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار.\nفأجاب عنه العيني بمنع عدم الملازمة، فإن تغليظ الحكم في ولوغ الكلب إما تعدي، وإما محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وإما أنهم نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلط بذلك عليهم. قلت: ليس هو قياس في مقابلة النص الذي هو فاسد الاعتبار، بل هو من باب ثبوت الحكم بدلالة النص، كما هو ظاهر عند من له أدنى حظ من العلم.\nثم قال الحافظ: ومنها دعوى أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر بالغسل، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدًا؛ لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفل، وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب.\nوأجاب عنه العيني بأن كون الأمر بقتل الكلاب في أوائل الهجرة يحتاج إلى دليل قطعي، ولئن سلمنا ذلك يمكن أن يكون أبو هريرة قد سمع ذلك من صحابي أنه أخبره أن النبي - ﷺ - لما نهى عن قتل الكلاب نسخ الأمر بالغسل، فرواه أبو هريرة عن النبي - ﷺ - لاعتماده على صدق المروي عنه؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وكذلك عبد الله بن مغفل.","vol":"1","page":411},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ أَيُّوبُ وَحَبِيبُ بْنُ الشَهِيدِ: عن مُحَمَّدٍ.\n===\nقلت: قوله: \"وسياق مسلم ظاهر ... إلخ\"، ليس فيه لهم دليل، بل هو حجة لنا، كما هو ظاهر.\nثم قال الحافظ: ومنها إلزام الشافعية بإيجاب ثمان غسلات [عملًا] بظاهر حديث عبد الله بن مغفل، وأجيب بأنه لا يلزم من كون الشافعية لا يقولون بظاهر حديث عبد الله بن مغفل أن يتركوا العمل بالحديث أصلًا ورأسًا، لأن اعتذار الشافعية عن ذلك إن كان متجهًا فذاك، وإلَّا فكل من الفريقين ملوم في ترك العمل به.\nوأجاب عنه العيني بأن زيادة الثقة مقبولة، ولا سيما من صحابي فقيه، وتركها لا وجه له، فالحديثان في نفس الأمر كالواحد، والعمل ببعض وترك بعضه لا يجوز، واعتذارهم غير متجه لذلك المعنى، ولا يلام الحنفية في ذلك؛ لأنهم عملوا بالحديث الناسخ وتركوا العمل بالمنسوخ.\nثم قال الحافظ: وقد اعتذر بعضهم عن العمل به بإجماع على خلافه، وفيه نظر؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري.\n(قال أبو داود (١): وكذلك) أي مثل رواية هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا (قال أيوب) كما يجيء في الرواية الآتية (وحبيب بن الشهيد) هو حبيب بن الشهيد الأزدي، أبو محمد، ويقال: أبو شهيد البصري مولى قريبة، ثقة ثبت، أدرك أبا الطفيل، وأرسل عن الزبير بن العوام وأنس وغيرهما، مات سنة ١٤٥ هـ (عن محمد) فرواية أيوب أخرجها المصنف بعد هذه موقوفة مع زيادة قوله: \"وإذا ولغ الهر\n_________\n(١) والظاهر أن مقصوده تقوية التتريب في رواية ابن سيرين كما يظهر من كلام الزرقاني وسيجيء بعضه. (ش).","vol":"1","page":412},{"text":"٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ يَعْنِى ابْنَ سُلَيْمَانَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ جَمِيعًا، عَنْ أَيُّوبَ،\n===\nغسل مرة\"، ولكن أخرج رواية أيوب الطحاوي وهي مرفوعة وليس فيها زيادة قوله: \"وإذا ولغ الهر ... إلخ\"، وكذلك أخرج رواية أيوب موقوفة من غير زيادة قوله: \"إذا ولغ\"، الحديث، وأخرج الدارقطني برواية حماد بن زيد عن أيوب موقوفًا، وليس فيها \"أولاهن بالتراب\"، وأما رواية حبيب بن الشهيد عن محمد، فلم أجدها في كتب تتبعتها.\n٧٢ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان بفتح طاء مهملة، وقيل: بكسرها، وبخاء معجمة وبراء وبنون، التيمي (١)، أبو محمد البصري، قيل: إنه كان يلقب بالطفيل، ثقة، وقال ابن خراش: صدوق يخطئ من حفظه، وإذا حدث من كتابه فهو ثقة، وعن يحيى بن سعيد القطان قال: إذا حدثكم المعتمر بشيء فأعرضوه، فإنه سيِّئ الحفظ، مات سنة ١٨٧ هـ.\n(ح: وحدثنا محمد بن عبيد) بن الحساب بكسر الحاء وتخفيف السين المهملتين، الغبري بضم المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة، البصري، ثقة، مات سنة ٢٣٨ هـ (قال: حدثنا حماد بن زيد) بن درهم (جميعًا)، أي: المعتمر بن سليمان وحماد بن زيد كلاهما اجتمعا في الرواية عن أيوب.\n(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، بفتح المهملة بعدها معجمة، ثم مثناة، ثم تحتانية، وبعد الألف نون، أبو بكر البصري،\n_________\n(١) ولم يكن تيميًا، بل نزل فيهم فنسب إليهم. \"ابن رسلان\". (ش). انظر: \"تهذيب الكمال\" (٧/ ١٦٩) أيضًا.","vol":"1","page":413},{"text":"عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَرْفَعَاهُ، زَادَ: «وَإِذَا وَلَغَ الْهِرُّ غُسِلَ مَرَّةً». [ت ٩١، حم ٢/ ٢٦٥، ٤٢٧، خزيمة ٩٥ - ٩٦، قط ١/ ٦٤، ك ١/ ١٦١، ق ١/ ٢٤٠]\n٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا أَبَانُ العطار قال: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِى الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ\n===\nمولى عنزة، ويقال: مولى جهينة، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، رأى أنس بن مالك، مات سنة ١٣١ هـ.\n(عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة بمعناه) أي بمعنى حديث هشام (ولم يرفعاه) أي لم يرفع المعتمر بن سليمان وحماد بن زيد (وزاد) (١) أي أيوب: (وإذا ولغ الهر غُسل) الإناء الذي ولغ فيه (مرة).\nقلت: وقد ذكرنا قبل أن الطحاوي أخرج رواية أيوب برواية المعتمر بن سليمان مرفوعة، وليس فيها زيادة قوله: \"وإذا ولغ الهر غسل مرة\"، وكذلك أخرج الدارقطني (٢) رواية أيوب برواية حماد بن زيد موقوفة على أبي هريرة في الكلب يلغ في الإناء قال: \"يهراق ويغسل سبع مرات\". ولم يذكر فيها \"أولاهن بالتراب\"، وكذلك ليس فيها زيادة قوله: \"وإذا ولغ الهر غسل مرة\"، سيجيء تحقيق حكم ما ولغ فيه الهر في بابه.\n٧٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبان) بن يزيد (العطار قال: حدثنا قتادة، أن محمد بن سيرين حدَّثه، عن أبي هريرة أن نبي الله - ﷺ - قال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات،\n_________\n(١) قال المنذري (١/ ٦٢) عن البيهقي: هذا مدرج، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" رقم (١٨٣).","vol":"1","page":414},{"text":"السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ» (١). [ق ١/ ٢٤١، قط ١/ ٦٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأمَّا أَبُو صَالِحٍ، وَأَبُو رَزِينٍ،\n===\nالسابعة بالتراب)، فروى هشام بن حسان وأيوب السختياني وقتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة حديث ولوغ الكلب، واتفقوا على الغسل سبع مرات، ولكن اختلفوا في التراب (٢)، فقال هشام بن حسان: \"أولاهن بالتراب\"، واختلف على أيوب فيما رووا عنه.\nروى الدارقطني من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة في الكلب يلغ في الإناء قال: \"يهراق ويغسل سبع مرات\"، ولم يذكر \"أولاهن بالتراب\"، وأخرج الطحاوي من طريق معتمر بن سليمان عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - مثل حديث أبي صالح، وزاد: \"أولاهن بالتراب\".\nوكذلك أخرج المصنف أبو داود هذا الحديث من طريق معتمر بن سليمان وحماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة بمعنى حديث هشام، وكان في حديث هشام \"أولاهن بالتراب\"، فيفهم منه أن في حديث أيوب هذه الجملة موجودة من طريق معتمر، وكذلك من طريق حماد بن زيد، وقال قتادة: \"السابعة بالتراب\".\n(قال أبو داود: وأما أبو صالح وأبو رزين)، هو مسعود بن مالك\n_________\n(١) وقع في \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٥٨١) رقم (١٣٧٩٩): روى أبو داود عن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات\" قال المزي: هذا في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) قال ابن دقيق العيد في \"إحكام الأحكام\" (١/ ٢٩): لكن المقصود عند الشافعية التتريب في مرة من المرات. (ش).","vol":"1","page":415},{"text":"وَالأَعْرَجُ، وَثَابِتٌ الأَحْنَفُ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَأَبُو السُّدِّىِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَوْهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا التُّرَابَ.\n===\nالأسدي الكوفي، أسد خزيمة، مولى أبي وائل الأسدي، ثقة فاضل، مات سنة ٨٥ هـ، وهو غير أبي رزين عبيد الذي قتله عبيد الله بن زياد بالبصرة، ووهم من خلطهما (١) (والأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (وثابت) بن عياض، بكسر مهملة وخفة تحتية وضاد معجمة، (الأحنف) بمهملة ونون، الأعرج، العدوي مولاهم، وهو مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن عياض، ثقة (وهمام بن منبه، وأبو السدي) (٢) أي والد السدي وهو إسماعيل بن (عبد الرحمن) بن أبي كريمة، مولى قيس بن مخرمة، روى عن أبي هريرة، وعنه ابنه إسماعيل السدي، قال: الحافظ في \"التقريب\": مجهول الحال، من الثالثة، وقال في \"تهذيب التهذيب\": قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (رووه) أي رووا هذا الحديث (عن أبي هريرة، ولم يذكروا التراب).\nفأما رواية أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة ففيها: \"فليرقه (٣) وليغسله سبع مرار\"، أخرجها مسلم والنسائي وابن ماجه، وأما رواية الأعرج عن أبي هريرة فأخرجها البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، وأما رواية ثابت الأحنف فأخرجها النسائي مثل رواية الأعرج، وأما رواية همام بن منبه فأخرجها مسلم ولفظها: \"طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات\"، وأما رواية أبي السدي عن أبي هريرة فلم أجدها في كتب تتبعتها، ولعلهم لم يخرِّجوا روايته لجهالته إلَّا ما ذكره الحافظ في \"فتح الباري\" ولفظه: وفي رواية السدي عند البزار \"إحداهن\"،\n_________\n(١) انظر: \"التقريب\" (رقم الترجمة ٦٦١٢).\n(٢) وكان يقعد بسدة باب الجامع بالكوفة \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) تكلموا على زيادة \"فليرقه\"، وصححه ابن دقيق العيد. (ش).","vol":"1","page":416},{"text":"٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ قَالَ: «مَا لَهُمْ وَلَهَا؟»،\n===\nوهذا مخالف لقول أبي داود: ولم يذكروا التراب، فإن فيها ذكر التراب، نعم أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١) حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر التراب (٢).\n٧٤ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا يحيى بن سعيد) القطان، (عن شعبة قال: حدثنا أبو التيَّاح، عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير، بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة بعدها تحتانية ثم راء، الحرشي، بمهملتين مفتوحتين ثم معجمة، العامري، أبو عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل، ولد في حياة النبي - ﷺ -، وكان من عباد أهل البصرة وزهادهم، مات سنة ٩٥ هـ.\n(عن) عبد الله (٣) (بن مغفل) يقول: (أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الكلاب) (٤)، ولعل الأمر بالقتل لنجاستها ولمنعها من دخول الملائكة في البيت (ثم قال: ما لهم) أي للناس (ولها؟) أي للكلاب، لمَ يتعرضون لقتلها؟ فأفاد النهي عن القتل، وأما الإذن في الاقتناء فلا، فلذلك قال:\n_________\n(١) (٢/ ٤٨٢).\n(٢) قال الحافظ (١/ ٢٧٥): ما ثبت التتريب في شيء من الروايات عن أبي هريرة -﵁ - إلَّا عن ابن سيرين على أن بعض الرواة لم يذكره عنه، إلى آخر ما قاله الزرقاني (١/ ٨٣). (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ١٣٤): إسناده صحيح لا غبار عليه. (ش).\n(٤) أخذ بظاهره المالكية، وقال الجمهور: الأمر بالقتل منسوخ، بسطه صاحب \"الغاية\"، وسيأتي شيء من ذلك، وراجع: \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ١٥٦). (ش).","vol":"1","page":417},{"text":"فَرَخَّصَ في كَلْب الصَّيْدِ وفِي كَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: \"إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسَلُوهُ سَبْعَ مِرَارٍ وَالثامِنَةَ عَفِّرُوهُ بِالتُرابِ\". [م ٢٨، ن ٦٧، جه ٣٦٥، حم ٤/ ٨٦، دي ٧٣٧]\n===\n(فرخَّص) لهم، يعني بعد النهي عن القتل (في كلب الصيد، وفي كلب الغنم، وقال) رسول الله - ﷺ -: (إذا ولغ (١) الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرار، والثامنة عفِّروه بالتراب).\nوهذا الحديث بظاهره يدل على أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثمان مرار، ويخالف مذهب الشافعية وغيرهم الذين أوجبوا الغسل من ولوغ الكلب سبع مرات، فأجابوا عنه كما قال النووي: أما رواية \"وعفروه الثامنة بالتراب\"، فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعًا، واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكان التراب قائمًا مقام غسلة، فسمِّيت ثامنة.\nولهذا قال الحافظ (٢): وتعقبه ابن دقيق العيد (٣)، بأن قوله: \"وعفِّروه الثامنة بالتراب\"، ظاهر في كونها غسلة مستقلة.\nقلت: وأنت ترى أن هذا التأويل ضعيف غير مرضي، ويرده ظاهر قوله - ﷺ -: \"والثامنة\"، أي وفي الغسلة الثامنة عفروه بالتراب، والغسلة لا تكون إلَّا بالماء، فيجب أن تكون غسلة ثامنة بالماء، ويكون معه التعفير بالتراب.\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ١٣٦): يحتمل أن يرجع الأمر بالغسل عند الولوغ إلى المنهي عنه، أو إلى المأذون باتخاذه، ثم برهن على أنه لا يمكن الثاني فيتعين الأول. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٧).\n(٣) في \"الإحكام\" (١/ ٢٩)، قال: الحديث قوي، ومن لم يقل به احتاج إلى تأويل. (ش).","vol":"1","page":418},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ مُغَفَّلٍ.\n===\nوكذلك يرد ما قاله ابن دقيق العيد: لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع، كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازًا، انتهى، فإن لفظ الحديث يوجب أن يكون التتريب مع الغسلة الثامنة، فهذه التأويلات تخالفه صريحًا.\nواعلم أن حديث ابن مغفل هذا يومئ إلى أن ما أمر - ﷺ - من غسل ما ولغ فيه الكلب ثمانيًا كان حين شدد في أمر الكلاب، حتى أمر بقتلها؛ لأنه جمع بينهما، وقد مرَّ أنه لو سُلِّمَ أن الأمر بقتل الكلاب من رسول الله - ﷺ - كان في ابتداء الإِسلام، وابن مغفَّل أسلم سنة سبع، فالظاهر أن يكون كما لم يسمع الأمر بقتل الكلاب من رسول الله - ﷺ -، لأنها واقعة ابتداء الإِسلام، بل رواه من بعض الصحابة مرسلًا، كذلك حكم ولوغ الكلب لم يسمعه منه - ﷺ -، بل سمعه من بعض الصحابة، ورواه مرسلًا، وكيفما روى الصحابي يحتج به ويقبل، لأنهم كلهم عدول.\n(قال أبو داود: وهكذا قال ابن مغفَّل) (١)، هذه العبارة لا توجد في النسخة المكتوبة الأحمدية ولا المطبوعة المصرية، وتوجد في النسخ المطبوعة الهندية، والظاهر أن هذه العبارة ليس لها فائدة يعتَدُّ بها، ويمكن أن يكون مراده بأن قول ابن مغفل في هذه المسألة موافق لما رواه من حديث رسول الله - ﷺ - الذي يدل وجوب ثماني غسلات من ولوغ الكلب (٢).\n_________\n(١) وذكر مولانا أسعد الله عميد جامعة مظاهر العلوم في توجيهه: أن الرواة اختلفوا في ذكر ابن مغفل، فذكره بعضهم هكذا، وبعضهم بلفظ ابن المغفل بالتعريف، فأشار المصنف إلى أن شيخه هكذا قال بالتنكير، فتأمل. (ش).\n[قلت: وفي أكثر مصادر الصحابة \"ابن مغفل\" بالتنكير، انظر: \"أسد الغابة\" (٣/ ٨٣) رقم (٣٢٠٢)، و\"تهذيب الكمال\" (٤/ ٢٩٥) رقم (٣٥٧٨)، و\"المغنى\" (ص ٢٣٨)].\n(٢) بخلاف أبي هريرة، فإنه روي عنه الإفتاء بالثلاث مع روايته بالغسل سبعًا.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>(٣٨) بَابُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ</span>\n٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عن كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ -:\n===\n\n(٣٨) (بابُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ) (١)\nأي ما حكمها في الطهارة والنجاسة؟\nوا لهرة: السنَّور\n٧٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس، (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري النجاري، أبو يحيى المدني، ثقة حجة، مات سنة ١٣٢ هـ، (عن حميدة (٢) بنت عبيد بن رفاعة) الأنصارية الزرقية، أُم يحيى المدنية، وهي والدة ولده يحيى بن إسحاق، مقبولة، (عن كبشة (٣) بنت كعب بن مالك) الأنصارية، زوج عبد الله بن أبي قتادة، وهي خالة حميدة بنت عبيد المذكورة، قال ابن حبان: لها صحبة (وكانت تحت ابن أبي قتادة) أي في نكاحه، وهو عبد الله بن أبي قتادة.\n_________\n(١) وللذكر الهر، وجمعه هررة. (ش).\n(٢) بسط على ترجمتها صاحب \"الغاية\"، قال ابن رسلان: اختلف فيها هل هي بفتح الحاء أو بالتصغير؟ وفي \"الأوجز\" (١/ ٣٧٥): بالفتح في رواية يحيى، هي زوجة إسحاق الراوي عنها، قال ابن منده: أم يحيى اسمها حميدة، وخالتها كبشة، ولا تعرف لهما رواية إلَّا هذه، ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر بوجه من الوجوه وسبيله المعلول، قال ابن دقيق العيد: جرى ابن منده على ما اشتهر عند أهل الحديث أن من لم يرو عنه إلَّا واحد فهو مجهول، ولعل من صححه اعتمد على تخريج مالك مع ما علم من تشدده ... إلخ، قاله ابن رسلان، ونقل عن أحمد بن حنبل يقول: مالك إذا روى عن رجل لا يُعْرَف فهو حجة. (ش).\n(٣) قيل: هي صحابية، فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها، كذا قال ابن رسلان. (ش).","vol":"1","page":420},{"text":"أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ. قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا بِنْتَ (١) أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ،\n===\n(أن أبا قتادة دخل) عليها، كما في رواية، وهي زوج ابنه عبد الله بن أبي قتادة (فسكبت) (٢) أي كبشة، يعني صبَّت، وقال الأبهري: بضم التاء على المتكلم، ويجوز السكون على التأنيث، انتهى، لكن أكثر النسخ الحاضرة المصححة بالتأنيث (له) أي لأبي قتادة (وَضوءًا) بفتح الواو أي ماء الوضوء في إناء، (فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى (٣) لها الإناء) أي أماله إليها (حتى شربت) أي سهلًا.\n(قالت كبشة: فرآني (٤) أي أبو قتادة (أنظر إليه) أي إلى فعله متعجبة (فقال: أتعجبين) من إصغائي الإناء لها وشربها من وضوئي (يا بنت أخي؟) هذا على عادة العرب أن بعضهم يقول لبعض: يا ابن أخي وإن كانا ابني عمَّين، ويا أخا فلان وإن لم يكن أخًا له في الحقيقة، ويجوز في تعارف الشرع لأن المؤمنين إخوة.\n(فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله - ﷺ - يقال: إنها) أي الهرة أو سؤرها (ليست بنجس) مصدر، يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولو قيل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يا ابنة\". (ش).\n(٢) فيه جواز الإعانة على الوضوء، كذا في ابن رسلان. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: قد سقى أبو قتادة الهرة ولم يستأذنها، ففيه دليل على جواز مثل هذا للضيف، وعلى أن الضيف إذا قدم إليه خبز ونحوه له أن يطعم الهرة منه خلافًا لما قاله أصحابنا: إنه ليس له إطعام هو وسائل. (ش).\n(٤) فيه حسن الأدب مع الأكبر في عدم الإنكار عليه. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":421},{"text":"إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ\". [ن ٦٨، ت ٩٢، جه ٣٦٧، حم ٥/ ٢٩٦، طـ ١/ ٢٣]\n===\nبكسر الجيم لقيل: بنجسة، لأنها صفة الهرة، كذا قاله بعض الشراح، وذكر الكاذروني أن بعض الأئمة قال: هو بفتح الجيم، والنجس النجاسة، فالتقدير: أنها ليست بذات نجس ... إلخ، وفيما سمعنا وقرأنا على مشايخنا هو بكسر الجيم وهو القياس، أي ليست بنجسة، ولم يلحق التاء نظرًا إلى أنها في معنى السؤر، وأكثر النسخ المصححة على الأول، فعليه المعوَّل؛ لأن النجس بالفتح في اصطلاح الفقهاء عين النجاسة، وبالكسر المتنجس.\n(إنها) استئناف في معنى التعليل، أي لأنها (من الطوافين عليكم) (١) الطائف الذي يخدمك برفق، شبَّهها بالمماليك وخدم البيت الذين يطوفون بالخدمة، قال الله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وألحقها بهم؛ لأنها خادمة أيضًا حيث تقتل المؤذيات، أو لأن الأجر في مواساتها كما في مواساتهم (والطوَّافات)، وفي رواية (٢) بلفظة \"أو\"، قال ابن حجر: وليست للشك لوروده بالواو في روايات أخر، بل للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث.\nقلت: اختلفت الروايات الواردة في سؤر الهرة، فهذه الروايات التي\n_________\n(١) قال البغوي (١/ ٣٧٦): يؤول بوجهين: أحدهما شبهها بالمماليك والخدم كما في قوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة النور: الآية ٥٨]، والآخر شبهها بمن يطوف للحاجة والمسألة، قال ابن دقيق العيد: وهذا غريب بعيد؛ لأن قوله من \"الطوافين\" يقتضي التعليل بما سبق. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وبـ \"أو\" في نسخة ابن رسلان، وقال: قال الباجي: يحتمل الشك. \"ابن سلان\". (ش).\n[وقال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (١/ ٢١): ويروى بواو العطف ويروى بأو للشك وغيره، وروي الوجهان عن مالك].","vol":"1","page":422},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأخرجها أبو داود وغيره تدل على أن سؤرها طاهر، واختلف المحدثون في رواية أبي قتادة، فصححها البخاري والدارقطني وغيرهما، وأعلَّها ابن منده بأن حميدة الراوية لها عن كبشة مجهولة، وكذلك كبشة، قال: ولم يعرف لهما غير هذا الحديث، وقد قال صاحب \"الجوهر النقي\" (١): وحديث أبي قتادة إسناده مضطرب اضطرابًا كثيرًا، قد بَيَّنَ البيهقي بعضه، وفيه امرأتان مجهولتان، وقد تقدم أن ابن منده قال: لا يثبت بوجه من الوجوه، وكذلك الحديث الثاني فيه أم داود بن صالح مجهولة، ولم أو تصريحًا من أحد المحدثين أنه حكم بصحتها، بل قال صاحب \"الجوهر النقي\": وحديث عائشة فيه مجهولة عند أهل العلم، وهي أم داود بن صالح، ولهذا قال البزار: لا يثبت من جهة النقل.\nوأما الروايات التي تدل على نجاستها أو كراهتها، فمنها ما أخرجه الترمذي (٢) في \"باب ما جاء في سؤر الكلب\"، حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، نا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"يغسل الإناء إذا وَلَغَ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة\"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحو هذا، ولم يذكر فيه: \"وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة\"، فهذه الجملة الأخيرة التي في سؤر الهرة رويت مرفوعة، زيادة ثقة، فتقبل، وقد حكم عليه الترمذي - رحمه الله تعالى - بكونه حسنًا صحيحًا، ولعله لم يلتفت للوقف مع رواية الرفع.\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" مع \"الجوهر النقي\" (١/ ٢٤٨).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (ص ٩١).","vol":"1","page":423},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد أخرج الدارقطني (١) من طريق هشام عن محمد موقوفًا على أبي هريرة، في سؤر الهر يهراق ويغسل الإناء مرة أو مرتين، كذلك أخرج رواية معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفة، قال في الهر يلغ في الإناء قال: اغسله مرة وأهرقه.\nومنها: ما أخرج الدارقطني برواية أبي عاصم قال: حدثنا قرة بن خالد، ثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات، الأولى بالتراب، والهر مرة أو مرتين\"، قرة يشك، قال أبو بكر: كذا رواه أبو عاصم مرفوعًا، ورواه غيره عن قرة ولوغ الكلب مرفوعًا، وولوغ الهر موقوفًا، ثم أخرج الرواية الموقوفة برواية مسلم بن إبراهيم عن قرة موقوفة على أبي هريرة، في الهر يلغ في الإناء قال: اغسله مرة أو مرتين، ووافقهما في الرفع عبد الوارث عن أيوب، وكذلك ابن عون عن محمد بن سيرين في الرفع، وهؤلاء أيضًا جماعة وقد زادوا الرفع، وزيادة الثقة مقبولة على ما عرف، ولا نسلم أن ذلك مدرج، فإن الراوي تارة ينشط فيرفع الحديث، وتارة يفتي به فيقفه، وهذا أولى من تخطئة الرافعين.\nوقد أسند الطحاوي (٢) عن ابن سيرين أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة فقيل له: عن النبي - ﷺ -؟ قال: كل حديث عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، فظهر بهذا أن المرفوع أثبت وأولى من الموقوف، والموقوف له حكم المرفوع.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٦٧).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٠).","vol":"1","page":424},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم ساق الدارقطني الرواية التي تدل على أن الإناء يغسل من الهر كما يغسل من الكلب، منها ما أخرجه من رواية يحيى بن أيوب بسنده عن أبي هريرة موقوفًا، ثم قال: هذا موقوف، ولا يثبت عن أبي هريرة، ويحيى بن أيوب في بعض أحاديثه اضطراب.\nثم أخرج برواية روح بن الفرج عن سعيد بن عفير قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب\"، ثم قال الدارقطني: لا يثبت هذا مرفوعًا، والمحفوظ من قول أبي هريرة، واختلف عنه.\nثم أخرج برواية ليث بن سليم (١) عن عطاء عن أبي هريرة قال: إذا ولغ السنور في الإناء غسل سبع مرات، ثم قال: موقوف لا يثبت، وليث سيئ الحفظ.\nثم أخرج بسنده عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يجعل الهر مثل الكلب، يغسل سبعًا، قال: وحدثنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: الهر؟ قال: هي بمنزلة الكلب، أو شر منه.\nثم أخرج بسنده عن مجاهد أنه قال في الإناء تلغ فيه السنور قال: اغسله سبع مرات.\nفهذه الروايات الموقوفة وإن كان تكلم فيها الدارقطني، ولكن أنت تعلم أن يحيى بن أيوب الغافقي ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الترمذي عن البخاري: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقة حافظًا،\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: ابن أبي سليم، كما في الدارقطني (١/ ٦٧). (ش).","vol":"1","page":425},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال إبراهيم الحربي: ثقة، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة، فقول الدارقطني: في بعض أحاديثه اضطراب، لا يقدح فيه، وروح عن سعيد بن عفير الذي يروي عنه مرفوعًا فقال فيه صاحب \"الجوهر النقي\" (١): قلت: روح هذا روى عنه جماعة من الأئمة، كالمحاملي، والحاكم في \"المستدرك\"، والطبراني، والأصم، وغيرهم، ووَثَّقه أبو بكر الخطيب، فوجب قبول زيادته، كيف وقد تابعه على ذلك غيره، فأخرج الطحاوي هذا الحديث عن ربيع الجيزي، عن سعيد بن عفير بسنده، والجيزي وثقه أيضًا الخطيب، وروى له أبو داود والنسائي، كذا ذكر صاحب \"الإِمام\" عن الطحاوي، انتهى.\nفهذه الروايات لو سُلم ضعفُها بانفرادها، فمجموعها يتقوَّى بعضُها ببعض، تدل على نجاسة سؤر الهرة، وتأيدت بآثار الفقهاء من التابعين طاوس وعطاء ومجاهد، ولولا مخالفة الأحاديث التي تدل على طهارة سؤرها نصًّا وهي أقوى منها، ومخالفة الإجماع الذي في زمان أتباع التابعين من الأئمة لكان القول بنجاسة سؤر الهرة أولى، ولكن لما خالفتها الروايات القوية، ودلت على طهارتها نصًا، ولم يوجد قول أحد من الأئمة بعد طاوس وعطاء ومجاهد بنجاستها، فكأنه انعقد الإجماع على طهارتها، فتركت هذه الروايات، وبقي الاختلاف على وجود الكراهة وعدمها مع بقاء الاتفاق على طهارتها، فهذا حاصل الاختلاف في هذه المسألة.\nوأما المذاهب، فاختلفوا على أقاويل، فقال بعضهم: سؤر الهر طاهر، وإليه ذهب الشافعي (٢) وأبو يوسف، وعند\n_________\n(١) \"الجوهر النقي\" مع \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٤٧).\n(٢) والحنابلة كما في \"المغني\" (١/ ٧٢). (ش).","vol":"1","page":426},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبي حنيفة (١) طاهر مكروه، والكراهة فيه كراهة تحريمية أو تنزيهية قولان.\nقال في \"الهداية\": وسؤر الهرة طاهر مكروه، ثم قيل: كراهته لحرمة اللحم، وقيل: لعدم تحاميها النجاسة، وهذا يشير إلى التنزه، والأول إلى القرب من التحريم.\nوفي \"الدر المختار\" (٢): طاهر للضرورة، مكروه تنزيهًا في الأصح إن وجد غيره، وإلَّا لم يكره أصلًا كأكله لفقير، فالقول بطهارة سؤرها مع كراهة التنزيه أعدل الأقوال وأوفق الروايات؛ لأن النزاع ليس في النجاسة للاتفاق على سقوطها بعلة الطواف المنصوصة في قوله - ﷺ -: \"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات\"، يعني: أنها تدخل المضايق، ولازمه شدة المخالطة بحيث يتعذر معه صون الأواني منها بل النفس، والضرورة اللازمة من ذلك أسقطت النجاسة كما أنه ﷾ أوجب الاستئذان وأسقطه عن المملوكين ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ (٣) أي عن أهلهم في تمكينهم من الدخول في غير الأوقات الثلاثة بغير إذن، لأجل الطواف المفاد بقوله تعالى عقيبه: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤).\nفهذا الحديث المذكور وإن دل على طهارة سؤرها للضرورة، لكنه لا ينفي الكراهة، وقد ثبتت الكراهة بالأحاديث التي ذكرناها بدلالتها على\n_________\n(١) وحكى الطحاوي الإباحة عن الصاحبين، والكراهة عن الإِمام، ونظر فيه لحرمة اللحم، وأجاب عن روايات الطواف بأنها محمولة على مماسة الثياب. (ش).\n[قلت: لكن الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٧/ ٨٢) جعل أبا يوسف مع الشافعي، ومحمدًا مع أبي حنيفة، وهو الأصح].\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (١/ ٣٨٤).\n(٣) سورة النور: الآية ٥٨.\n(٤) سورة النور: الآية ٥٨.","vol":"1","page":427},{"text":"٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عن دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ الْتَّمَّارِ،\n===\nالغسل، وأيضًا يمكن أن يوجه بأنه - ﷺ - نهى المستيقظ عن إدخال اليد في الماء قبل غسلها لتوهم النجاسة، فكره غمسها في الماء، فكذلك لو حكم بكراهية الماء الذي ولغت فيه الهرة لتوهم نجاسة فمها لكان أولى؛ لأن توهم النجاسة في الهرة أقوى من توهم النجاسة في يد المستيقظ.\nفالحديث الذي استدل به الحنفية على كراهة سؤرها من قوله - ﷺ -: \"الهر سبُع\" (١)، لا حاجة إليه، وأما ما قاله الشوكاني (٢): وقال أبو حنيفة: بل نجس كالسبع (٣) لكن خفف فيه، فكره سؤره، ليس معناه أنه نجس مع الكراهة، بل معناه أنه كان في الأصل نجسًا كما هو حكم سؤر الكلب وسائر السباع، إلَّا أنه خفف فيه لعلة الطواف، فارتفعت النجاسة وبقيت الكراهة، والله أعلم.\n٧٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (قال: حدثنا عبد العزيز) بن محمد الدراوردي (عن داود بن صالح بن دينار التمار) مولى الأنصار، روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف والقاسم وسالم وأبي سلمة وأبيه صالح وغيرهم، وعنه هشام بن عروة وابن جريج والدراوردي وغيرهم، قال حرب عن أحمد: لا أعلم به بأسًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، كذا قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، وقال في \"الإكمال\": داود بن صالح هو داود بن صالح بن دينار التمار، مولى الأنصار، المدني، روى عن سالم بن عبد الله، وعن أبيه، وأمه.\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (ح ١٨٠).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٤٤).\n(٣) لقوله ﵊: \"الهرة سبع\"، وبسط الكلام عليه ابن العربي (١/ ١٣٨). (ش).","vol":"1","page":428},{"text":"عن أُمّهِ: أَن مَوْلَاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ فَوَجَدْتُهَا تُصَلِّي، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا، فَجاءَتْ هِزَةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ،\n===\n(عن أمه) (١) أي والدة داود بن صالح، لم يذكرها أحد في الكتب التي تتبعتها إلَّا الذهبي في \"الميزان\" (٢) فقال في آخر كتابه، في من لم تسم من النساء: والدة داود بن صالح التمار عن عائشة وعنها ابنها، ولم يزد على ذلك، فالظاهر أنها مجهولة.\n(أن مولاتها) (٣) أي مولاة أمه أي معتقتها بصيغة المعلوم، ولم تسم أيضًا (أرسلتها) أي أم داود (بهريسة) في \"لسان العرب\": الهرس: الدق، ومنه الهريسة، وقيل: الهريس الحب المهروس قبل أن يطبخ، فإذا طبخ فهو الهريسة، وسمِّيت الهريسة (٤) هريسة، لأن البر الذي هي منه يُدَقُّ ثم يُطبخ، ويسمى صانعها هرَّاسًا (إلى عائشة) قالت أم داود: (فوجدتها) أي عائشة (تصلي فأشارت) أي عائشة (إليَّ أن ضعيها) \"أن\" مفسرة أو مصدرية أي بوضعها، قال الطيبي: \"أن\" مفسرة لمعنى القول في الإشارة، وفيه دليل على أن مثل هذه الإشارة جائزة في الصلاة، انتهى، لأنها ليست بعمل كثير (فجاءت هرة، فأكلت منها، فلما انصرفت) عائشة من صلاتها (أكلت من حيث أكلت الهرة) أي من محل أكلها، انتهى،\n_________\n(١) ذكر ابن رسلان أن اسمها خولة، لكن لم أر في كتب الرجال فيمن اسمها خولة ذكرَ هذا الحديث. (ش).\n(٢) (٤/ ٦١٥).\n(٣) ترك البياض بعدها ابن رسلان. (ش).\n(٤) تتخذ من الحبوب واللحم. (ش).\n[قلت: وقال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (١/ ٣٣٣): الهريسة: طعام من قمح ولحم مدقوق].","vol":"1","page":429},{"text":"فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَوَّافِينَ عَلَيْكُم\"، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يتَوَضَّأ بِفَضْلِهَا. [ق ١/ ٢٤٦، ٢٤٧، قط ١/ ٦٦]\n===\n\"علي القاري\"، وإنما فعلت ذلك ولم تنزه عنها تعليمًا للمسألة، ولو تنزهت لظنت حرمتها ونجاستها.\n(فقالت) هو إما جواب عن سؤال مقدر إن لم تسأل عنها، أو عن محقق إن سئلت: (إن رسول الله - ﷺ - قال: إنها ليست بنجس) بفتح الجيم، وقيل بالكسر (إنما هي من الطوافين عليكم)، فلعلة الطواف وعدم إمكان الاحتراز عنها ارتفع حكم النجاسة؛ لأن الله تعالى يريد بكم اليسر (وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ بفضلها) (١) عملًا بالرخصة (٢) وبيان الجواز، قال ابن حجر: وسنده حسن، وفيه نظر، لأنه قال الدارقطني: تفرد به عبد العزيز بن محمد، عن داود بن صالح، عن أمه، عن عائشة بهذا اللفظ. كذا نقله السيد عن التخريج، قاله القاري (٣).\nقلت: وكيف يكون سنده حسنًا، وفيه أم داود بن صالح مجهولة لا يدرى حالها، والحديث يدل على أن سؤر الهرة طاهر لعلة الطواف، ولا يدل على نفي الكراهة أصلًا، وقد مر البحث فيما تقدم.\n_________\n(١) أخرجه أبو حنيفة في \"مسنده\" وزاد: \"وشرب ما بقي\". (ش). [انظر: \"عقود الجواهر المنيفة\" (١/ ٧٣)].\n(٢) أو رأى النبي - ﷺ - أنها شربت الماء قبل ذلك فارتفعت علة الكراهة، وهي عدم توقيها النجاسة لغسل فمها حينئذ، يستنبط هذا الجواب من كلام \"البحر\" (١/ ٢٣٠). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٨٧).","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>(٣٩) بَابُ الْوُضُوءِ بفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ</span>\n٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ قَالَ: حدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ -\n===\n\n(٣٩) (بَابُ الْوُضُوءِ بِفَضلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ) (١)\nغرض المصنف بعقد هذا الباب بيان جواز الوضوء، بما بقي من تطهير المرأة واستعمالها، فإذا أدخلت المرأة المحدثة يدها في الإناء، فالماء الذي أدخلت فيه اليد هو فضل طهورها، فيصدق كون الماء فضل طهورها على ما إذا توضأ أحد معها أو بعدها.\n٧٧ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى) القطان، (عن سفيان) إما ابن عيينة أو الثوري، ولم يتعين (٢)، ولا يضر إبهامهما، فإنهما ثقتان إمامان، (قال: حدثني منصور) بن المعتمر، (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي، (عن الأسود) بن يزيد، (عن عائشة) ﵂ (قالت: كنت أغتسل (٣) أنا ورسول الله - ﷺ -) عطف (٤) على الضمير المتصل فأكد بالمنفصل\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ٨١): حديث جواز التوضؤ بالفضل صحيح كله، ثم بسطه، ثم قال: وهو أولى بالمنع بوجهين: الأول: لأنه أصح، والثاني: لأنه ﵇ لما أراد الغسل من الفضل منعته ميمونة، فعلم أن المنع مقدم، انتهى مختصرًا. (ش).\n(٢) عَيَّنَ الحافظ أنه سفيان الثوري \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٣)، وكذا في \"عمدة القاري\" (٣/ ١٠٩).\n(٣) وفيه الوضوء أيضًا فثبتت الترجمة، كذا في \"الغاية\"، أو إذا جاز الغسل فالوضوء بالأولى. (ش).\n(٤) ويحتمل أن يكون مفعولًا معه، كذا في \"الغاية\" و\"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":431},{"text":"مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَنَحْنُ جُنُبَانِ\". [خ ٢٩٩، م ٣١٩، ن ٢٣٥، حم ٦/ ١٨٩]\n===\n(من إناء واحد، ونحن جُنبان) (١)، قال في \"مجمع البحار\" (٢): هو لفظ يستوي فيه الواحد وغيره والمؤنث، وقد يجمع على أجناب وجنبين، وهي في الأصل البعد، والجنب يبعد عن مواضع الصلاة.\nوقال في \"لسان العرب\" (٣): قال الأزهري: إنما قيل له جُنُبٌ، لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، فتجنبها وأجنب عنها، أي تَنَحَّى عنها، وقيل: لمجانبته الناس ما لم يغتسل. والرجل جُنُبٌ من الجنابة، وكذلك الاثنان والجميع والمؤنث، كما يقال: رجل رضي وقوم رضى، وإنما هو على تأويل ذوي جُنُبٍ، فالمصدر يقوم مقام ما أضيف إليه، ومن العرب (٤) من يُثَني ويجمع ويجعل المصدر بمنزلة اسم الفاعل، انتهى.\nوقد أخرج مسلم وغيره من أصحاب الصحاح الأحاديث التي تدل على أن عائشة ورسول الله - ﷺ - يغتسلان من إناء واحد من الجنابة، وكذلك عن ميمونة - ﵂ - أخرج مسلم بسنده إلى ابن عباس أنه أخبر أبا الشعثاء: أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة، كذلك روي عن أم سلمة - ﵂ -، فهذه الروايات تدل على أنه يجوز تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد، سواء كان في وقت واحد أو متعاقبًا.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: استدل به الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، ويؤيده ما رواه ابن حبان [\"صحيح ابن حبان\" (١٣/ ٣٩٠) ح ٥٥٧٧]، من طريق سليمان بن موسى أنه سُئِل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته قال: سألت عطاء قال: سألت عائشة - ﵂ -، فذكرت هذا الحديث، فهذا نص في المسألة، انتهى. (ش).\n(٢) (١/ ٣٩٠).\n(٣) (١/ ٢٧٩).\n(٤) كما في حديث الباب فهو على إحدى اللغتين فيه، كذا في \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":432},{"text":"٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عن أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ،\n===\nقال النووي (١): أما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد، فهو جائز بإجماع المسلمين (٢) لهذه الأحاديث التي في الباب، وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فهو جائز بالإجماع أيضًا، وأما تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء، سواء خلت به أو لم تخل، وذهب أحمد بن حنبل (٣) وداود إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها، وأما الحديث الذي جاء بالنهي وهو حديث الحكم بن عمرو.\n\nفأجاب العلماء عنه بأجوبة:\nأحدها: أنه ضعيف. ضعفه أئمة الحديث، منهم البخاري وغيره، والثاني: أن المراد النهي عن فضل أعضائها، وهو المتساقط منها، وذلك مستعمل، الثالث: أن النهي للاستحباب والأفضل (٤)، انتهى، والله أعلم.\n٧٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا وكيع) بن الجراح، (عن أسامة بن زيد) الليثي، بمفتوحة وسكون تحتية وبمثلثة، مولاهم، أبو زيد المدني، قال أحمد: تركه القطان بأَخرَة، وقال الأثرم\n_________\n(١) ذكر صاحب \"الغاية\" ها هنا ستة مذاهب، قال ابن رسلان: يدخل فيه التراب الذي تيمم به، وقال أحمد في المشهور عنه: أنه لا يجوز استعماله إذا خلت به وهو قول ابن سَرْجِسَ. (ش).\n[قلت: ابن سرجس صحابي، انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٣٢)].\n(٢) لكن نقل صاحب \"الغاية\" فيه الخلاف. (ش).\n(٣) أي في الرواية المشهورة، وله رواية أخرى، ذكرها في \"المغني\" (١/ ٢٨٢) أنه يجوز. (ش).\n(٤) انظر \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢٤١).","vol":"1","page":433},{"text":"عن ابْنِ خَرَّبُوذَ، عن أُمِّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ\n===\nعن أحمد: ليس بشيء، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: روى عن نافع أحاديث مناكير فقلت له: أراه حسن الحديث، فقال: إن تدبرت حديثه فستعرف فيه النكرة، قال الدارقطني: تركه البخاري، وقال ابن معين في رواية أبي بكر بن أبي خيثمة: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو يعلى عن يحيى بن سعيد: ثقة، وقال عبد الرحمن الدارمي عنه: ليس به بأس، وقال العجلي: ثقة، مات سنة ١٥٣ هـ.\n(عن ابن خربوذ) هو سالم بن سرج، بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم، أبو النعمان المدني، يقال له: ابن خربوذ، بفتح المعجمة (١)، ثم راء ثقيلة مفتوحة، ثم موحدة مضمومة، آخرها ذال معجمة، وهو الإكاف، قال أبو أحمد الحاكم: من قال: ابن سرج فقد عرَّبه، ومن قال: ابن خربوذ أراد به الإكاف (٢) بالفارسية، ويقال: سالم بن النعمان، مولى أم صبية، روى عن مولاته ولها صحبة، له عندهم حديث واحد عن أم صبية، قالت: اختلفت يدي، الحديث، قلت: وقال البخاري (٣): وقال بعضهم: ابن النعمان، ولم يصح، وخالفه أبو زرعة فرجح رواية من قال: عن سالم بن النعمان، قال ابن معين: ثقة شيخ مشهور، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أم صبية) بصاد مهملة ثم موحدة مصغرة مع التثقيل (الجهنية) لها صحبة، يقال: اسمها خولة بنت قيس، وهي جدة خارجة بن الحارث بن\n_________\n(١) كذا ضبطه ابن رسلان، وقال: قال النووي: الضم أشهر ولم ينصرف \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) بالان خر. (ش).\n(٣) انظر: \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١١٣).","vol":"1","page":434},{"text":"قَالَتْ: \"اختَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في الْوُضُوءِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ\". [جه ٣٨٢، ق ١/ ١٩٠، حم ٦/ ٣٦٦]\n===\nرافع بن بكير، روى حديثها مولاها أبو النعمان سالم بن سرج، وهو ابن خربوذ، وأخوه نافع عنها. (قالت: اختلفت يدي ويد رسول الله - ﷺ - في الوضوء من إناء واحد) أي نتناوب أخذ الماء، فآخذ الماء منه مرة، ويأخذه - ﷺ - مرة، فإن قلت: كيف يجوز ذلك؟ فإن أم صبية لم يثبت لها علاقة المحرمية به - ﷺ -.\nقلت: أجاب عنه بعضهم بأنه لعله كان قبل الحجاب، ويشكل هذا الجواب بأنه لو سُلِّم أن هذه واقعة تقدمت نزول الحجاب، فقبل الحجاب كان كشف الوجه جائزًا لا كشف البدن الذي هو عورة مثل الساعدين والرأس، فالأولى أن يقال: إن هذه واقعة حدثت بعد الحجاب، وكان بينهما حجاب يأخذان الماء من إناء واحد، أو يقال: ظاهر لفظ الحديث وإن كان يدل على أنهما كانا تختلف أيديهما في حالة واحدة، ولكن يمكن أن يقال: إن هذا التوضؤ محمول على حالتين بأن أم صبية تختلف يدها للوضوء في حالة على حدة، وتختلف يد رسول الله - ﷺ - في الوضوء من ذلك الإناء في حالة أخرى على حدة، ووحدة الإناء لا تقتضي أن يكون أخذ الماء في حالة واحدة.\nوقد قال ابن التين حاكيًا عن سحنون في حديث عبد الله بن عمر أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله - ﷺ - جميعًا، أخرجه البخاري: إن معناه كان الرجال يتوضؤون، ويذهبون، ثم تأتي النساء فيتوضئن، قال الحافظ في \"الفتح\" بعد هذا: والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم.","vol":"1","page":435},{"text":"٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عن نَافِعٍ. (ح): وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوب، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ في زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ مُسَدَّدٌ: مِنَ الإِنَاءِ الْوَاحِدِ - جَمِيعًا\". [خ ١٩٣، ن ٧١، جه ٣٨١، حم ٢/ ٤، خزيمة ١/ ١٠٢]\n٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ\n===\nقلت: أما الجواب الأول فقد عرفت ما فيه، وأما الثاني فلا يتمشَّى في حديث أم صبية، فإنها لم تكن زوجة ولا محرمة له - ﷺ -.\n٧٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن نافع) الفقيه، مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت، مات سنة ١١٧ هـ أو بعدها، (ح: وحدثنا مسدد قال: حدثنا حماد) بن زيد، (عن أيوب) السختياني، (عن نافع، عن) عبد الله (بن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضوون في زمان (١) رسول الله - ﷺ -)، وهذا السياق اتفق عليه كلا شيخيه عبد الله بن مسلمة ومسدد، (- قال مسدد: من الإناء الواحد - جميعًا) (٢)، وهذه زيادة من مسدد، لم يَشْرَكْ فيها عبد الله بن مسلمة.\n٨٠ - (حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى) القطان، (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني،\n_________\n(١) فهو في حكم الرفع عند الجمهور. كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٢) وجعل صاحب \"الغاية\"، وكذا الوالد في \"التقرير\" لفظ \"جميعًا\" مشتركًا بين الشيخين، ولفظ \"الموطأ\" يؤيده، فإن فيه \"جميعًا\" موجود. (ش).\n[قلت: وهي حال من الواو في يتوضؤون، \"المنهل\" (١/ ٢٧١)].","vol":"1","page":436},{"text":"قَالَ: حدَّثَنِي نَافِعٌ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا\". [حم ٢/ ١٠٣، خزيمة ١/ ٦٣]\n===\nأبو عثمان، أحد الفقهاء السبعة، ثقة، ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري عن عروة عنها، مات بعد سنة ١٤٠ هـ.\n(قال: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله - ﷺ - من إناء واحد، ندلي فيه أيدينا) أي نلقي وندخل، قال في \"مرقاة الصعود\": قيل: يحمل على التعاقب، أي يتوضأون فيذهبون، فيجئن فيتوضئن بعدهم، فرد بأن قوله: \"جميعًا\" يمنعه، إذ معناه الاجتماع في الفعل، وقال بعضهم: لعله كان قبل نزول الحجاب، والرافعي أراد كل رجل مع زوجته، وإنهما يأخذان من إناء واحد، قال جط: ما شرحه أحد بأحسن ولا أصوب مما للرافعي.\nقلت: وفي نسخة: \"كنا نتوضأ نحن والنساء ونغتسل من إناء واحد على عهد\"، الحديث، فذكر الاغتسال يؤيد الجواب الذي أجاب به الرافعي، فإنه يستحيل أن يكون اغتسال الرجال والنساء الأجانب معًا قبل الحجاب وبعده، فهذا الاغتسال محمول على الزوجين قطعًا، وأما الوضوء فيمكن أن يتوضأ مع زوجته ومحارمه، ويمكن أن يحمل على التعاقب في الغسل في الأجانب، ولا يمنعه قوله: \"ندلي فيه أيدينا\"، لأنه لا يستلزم أن يكون إدلاء الأيدي في وقت واحد، وأما قوله في حديث مسدد: \"جميعًا\"، فيمكن أن يحمل على أن الجمعية فيه اجتماع في الفعل لا في الوقت، كما يقال: الواو للجمع.","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>(٤٠) بَابُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ</span>\n٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: ثنَا زُهَيْرٌ، عن دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. (ح): وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عن حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيّ قَالَ: \"لَقِيتُ رَجُلًا\n===\n\n(٤٠) (بَابُ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ)\nأي عن التوضؤ بفضل طهور المرأة\nلما ذكر المصنف - رحمه الله تعالى- جواز التوضؤ بفضل طهور المرأة وساق أحاديثها، عقَّبه بما يدل على النهي عنه، فعقد باب النهي، ثم ساق الأحاديث التي تدل على النهي عن التطهر بفضل طهور المرأة (١).\n٨١ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس قال: ثنا زهير) بن معاوية بن حُدَيج، بضم مهملة وفتح دال مهملة وبجيم، ابن الرجيل، بجيم مصغرًا، ابن زهير بن خيثمة الجعفي، أبو خيثمة الكوفي، سكن الجزيرة، ثقة ثبت، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين؛ لأنه سمع منه بأَخرَة، مات سنة ١٧٢ هـ أو بعدها.\n(عن داود (٢) بن عبد الله) الأودي، (ح: وحدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله، عن حميد) بن عبد الرحمن (الحميري قال: لقيت رجلًا) قيل: هو الحكم بن عمرو، وقيل: عبد الله بن سرجس،\n_________\n(١) وبسط صاحب \"الغاية\" الكلام على غرض المصنف من التبويب، وأطال الكلام بما لا طائل تحته، وغرضه أن النهي في التبويب يشمل كلتا صورتي الفضل؛ اختلاف الأيدي واستعمال أحدهما بعد فراغ الآخر أيضًا، ولم يبق الجواز إلَّا لمجرد الاغتراف معًا. (ش).\n(٢) فيه تصريح باسم أبيه فما قال ابن حزم: إنه داود بن يزيد الأودي غلط. كذا في \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":438},{"text":"صَحِبَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الْرَّجُلُ بَفَضْلِ الْمَرْأَةِ\". زَادَ مُسَدَّدٌ: \"وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا\". [ن ٢٣٨]\n===\nوقيل: عبد الله بن مغفل، نقله ميرك، \"علي القاري\" (١).\n(صحب النبي - ﷺ - أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة).\nقال صاحب الجوهر النقي (٢): قال البيهقي: رواته ثقات إلَّا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي لقيه، فهو بمعنى المرسل، إلَّا أنه مرسل جيد لولا مخالفة الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود بن عبد الله الأودي لم يحتج به الشيخان البخاري ومسلم.\nقلت: قد قدمت في \"باب تفريق الوضوء\" أن مثل هذا ليس بمرسل، بل هو متصل؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وداود بن عبد الله الأودي وثقه ابن معين وابن حنبل والنسائي، كذا ذكره القطان، ووثقه أيضًا البيهقي بقوله: وهذا الحديث رواته ثقات، فلا يضره كون الشيخين لم يحتجا به؛ لأنهما لم يلتزما الإخراج عن كل ثقة، فلا يلزم من كونهما لم يحتجا به أن يكون ضعيفًا، وقد قال البيهقي في \"كتاب المدخل\": وقد بقيت الأحاديث الصحاح لم يخرجاها، وليس في تركهما إياها دليل على ضعفها، انتهى.\n(قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تغتسل المرأة بفضل الرجل) أي بماء بقي بعد اغتساله في الإناء (أو يغتسل الرجل بفضل المرأة) أي بماء بقي بعد اغتسالها في الإناء، (زاد مسدد) على لفظ أحمد بن يونس، فإنه لم يذكره، وهو قوله: (وليغترفا) بسكون اللام وتكسر (جميعًا) ظاهره معًا، ويحتمل المناوبة.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٥١).\n(٢) \"السنن الكبرى مع الجوهر النقي\" (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":439},{"text":"٨٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ - يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ - قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عن عَاصِمٍ،\n===\n٨٢ - (حدثنا ابن بشار) هو محمد بن بشار (قال: حدثنا أبو داود يعني الطيالسي) (١) وهو سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري، فارسي الأصل، مولى لآل الزبير، وأمه فارسية، قال عمرو بن علي الفلاس: ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود، سمعته يقول: أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخر، وقال ابن المديني: ما رأيت أحفظ منه، وقال إبراهيم الجوهري: أخطأ أبو داود في ألف حديث، قال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: أبو داود محدث صدوق كان كثير الخطأ، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وربما غلط، وقال جعفر بن محمد الفريابي عن عمرو بن علي: أبو داود ثقة، وسألت أحمد بن حنبل عنه، فقال: ثقة صدوق، وكذلك وثقه كثير من المحدثين، مات سنة ٢٠٤ هـ.\n(قال: حدثنا شعبة، عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، مولى بني تميم، قال علي بن المديني عن القطان: لم يكن بالحافظ، وقال عبد الرحمن بن المبارك: قال ابن علية: كل من اسمه عاصم في حفظه شيء، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، ولم يحمل عنه ابن إدريس لسوء حفظه، وما في سيرته بأس، وثقه علي بن المديني وغيره، وقال سفيان الثوري: أدركت حفاظ الناس أربعة وفي رواية ثلاثة، فَيُثَنِّي به، وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان من حفاظ أصحابه، وقال أحمد: شيخ ثقة، وقال أيضًا: من الحفاظ للحديث، ثقة، قال البخاري: مات سنة ١٤٢ هـ أو ١٤٣ هـ.\n_________\n(١) نسبة إلى بيع الطيالسة نوع من الأردية. كذا في \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":440},{"text":"عن أَبِي حَاجِبٍ، عن الْحَكَم بْنِ عَمْرٍو - هُوَ الأَقْرَعُ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ\". [ن ٣٤٢، ت ٦٤، جه ٣٧٣، حم ٤/ ٢١٣ - ٥/ ٦٦]\n===\n(عن أبي حاجب) هو سوادة (١) بن عاصم العنزي بالنون والزاي، البصري، قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي حاجب، فقال: اسمه سوادة، وهو بصري، ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ثقة، وقال: ربما أخطأ.\n(عن الحكم بن عمرو) (٢) بن مُجَدَّعٍ، بضم ميم وفتح جيم وشدة قال مهملة وبعين مهملة، الغِفَاري، بمكسورة وخفة فاء، أخو رافع، ويقال له: الحكم بن الأقرع، صحب النبي - ﷺ - حتى مات، ثم تحوَّل إلى البصرة فنزلها، مات بمرو سنة ٥٠ هـ، وقيل قبلها، (هو الأقرع) الضمير يرجع إلى عمرو والد الحكم يعني (٣) يلقب عمرو بالأقرع (أن النبي - ﷺ - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة).\nفأحاديث هذا الباب تدل على عدم جواز التطهر بفضل المرأة، وتطهر المرأة بفضل الرجل، فإما أن يحمل النهي على كراهة التنزيه، أو يقال (٤):\n_________\n(١) بفتح المهملة والواو المخفف وآخره هاء، وليس بأخي نصر بن عاصم. \"ابن رسلان\". (ش). انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٣٣٤).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٩) رقم (١٢٢٣).\n(٣) قلت: ولعله لأجل ذاك زاد الضمير، لأنه لو قيل: ابن عمرو الأقرع لأوهم كونه صفة لحكم، كما هو دأب المحدثين. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: وأجاب أصحابنا عن حديث حكم بن عمرو بأجوبة؛ أحدها: جواب البيهقي وغيره أنه ضعيف، قال الترمذي (\"سنن الترمذي\" ٦٣): سألت البخاري عنه، فقال: هذا ليس بصحيح، قال البخاري: وحديث ابن سرجس الصحيح أنه موقوف، ومن رفعه، فقد أخطأ، كذا قال الدارقطني (١/ ١١٧)، قال البيهقي في \"المعرفة\" (١/ ١٧٨): أحاديث الرخصة أصح، والثاني: =","vol":"1","page":441},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإن النهي مختص بالأجانب إذا خيف الفتنة، ولكن ينافيه قوله في رواية مسدد: \"وليغترفا جميعًا\"، فإنه يدل على أن النهي ورد في تطهير الزوجين، لأن الاغتراف جميعًا لا يمكن أن يتحقق إلَّا في الزوجين.\nويمكن أن يقال في الجواب: إن الذي ورد في رواية مسدد من قوله: \"وليغترفا جميعًا\"، يحتمل أن يكون مدرجًا من الراوي على ما فهم من النهي عن اغتسال المرأة بفضل الرجل، وعن اغتسال الرجل بفضل المرأة، بأنه لا يتحقق الفضل إلَّا بعد فراغه أو بعد فراغها من الاغتسال، فقال: \"وليغترفا جميعًا\"، وأما إذا كان هذا اللفظ من قول رسول الله - ﷺ -، فحينئذٍ يرد التأويل المذكور.\nوأما الحديث الثاني فيحمل على هذا المعنى قطعًا، ولا مانع فيه، فيكون سدًّا لذريعة الفساد، ويتقوى هذا التأويل بأنه أخرجه البيهقي، فقال في آخره (١): ورواه محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي كذا، إلَّا أنه قال: أو قال: بسؤرها، ثم قال: ورواه ابن وهب عن جرير عن شعبة، ثم قال في آخره: وكان لا يدري عاصم فضل وضوئها أو فضل شرابها، وكذلك أخرج الترمذي على الشك.\nفلما وقع الشك في النهي عن فضل الوضوء أو فضل السؤر، والنهي عن فضل السؤر يحمل على الأجانب، فلو حمل النهي عن فضل الوضوء أيضًا على الأجانب لكان أقرب وأوفق.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وقد جمع بين الأحاديث\n_________\n= أن المراد المتساقط، والثالث: أن النهي للتنزيه، انتهى، قلت: وكذا ضعفه ابن القيم في \"تهذيب السنن\" (١/ ٨١). (ش).\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٩١).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٢).","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>(٤١) بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ</span>\n٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْنِ الأَزْرَقِ\n===\nبحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملًا، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، وأحسن ما جمع به الحافظ في \"الفتح\" من حمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز.\n\n(٤١) (بابُ الْوُضُوءِ (١) بِمَاءِ الْبَحْرِ) (٢)\nغرض المصنف بعقد هذا الباب أن الماء لما كان يتنجس بوقوع النجاسة فيه، والبحر تُلقى فيه النجاسات الكثيرة خصوصًا على السواحل، فيتوهم أنه لعله يكون أيضًا نجسًا، فعقد الباب لبيان طهورية مائه، وأنه لا يتنجس بوقوع النجاسات لكثرته وعدم تغيره بوقوع النجاسات.\n٨٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس، (عن صفوان بن سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام، المدني، أبو عبد الله القرشي الزهري مولاهم، الفقيه، وثقه الكثيرون، ورمي بالقدر، مات سنة ١٣٢ هـ، (عن سعيد بن سلمة) المخزومي (من آل ابن الأزرق) بمفتوحة وسكون زاي فراء فقاف، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، لكن قال\n_________\n(١) والأوجه عندي أنه ترجم بذلك لما كان فيه الخلاف سابقًا، فقيل: لا يجوز كما نقل عن ابن عمر -﵁ - وغيره، كما في \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ١٢٢)، وقيل: يجوز عند الضرورة. (ش).\n(٢) اختلف أهل اللغة في اشتقاقه فقيل: سمي لسعته، وقيل: سمي لشقه الأرض، بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"1","page":443},{"text":"قَالَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ\n===\nالحافظ في ترجمة سعيد بن سلمة: روى عنه صفوان بن سليم والجُلاح أبو كثير، وهو حديث في إسناده اختلاف، ثم قال: قلت: وصحح البخاري فيما حكى عنه الترمذي في \"العلل المفرد\" حديثه، وكذا صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد.\nوذكر البيهقي الاختلاف في \"سننه الكبير\" (١)، فقال: وقد تابع يحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن محمد القرشي سعيدًا على روايته، إلَّا أنه اختلف فيه على يحيى بن سعيد، فروى عنه عن المغيرة بن أبي بردة عن رجل من بني مدلج [عن النبي - ﷺ - وروى عنه عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة أن رجلًا من بني مدلج]، وروى عنه عبد الله بن المغيرة الكندي عن رجل من بني مدلج وعنه عن المغيرة بن عبد الله عن أبيه، وقيل غير هذا، واختلفوا أيضًا في اسم سعيد، فقيل كما قال مالك، وقيل: عبد الله بن سعيد المخزومي، وقيل: سلمة بن سعيد، وهو الذي أراد الشافعي بقوله: في إسناده من لا أعرفه، أو المغيرة أو هما، إلَّا أن الذي أقام إسناده ثقة، أودعه مالك بن أنس \"الموطأ\" (٢)، انتهى.\n(قال) أي سعيد: (إن المغيرة (٣) بن أبي بردة) الكناني، ويقال:\nابن عبد الله بن أبي بردة، ويقال: عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وقلبه بعضهم، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حبان: من أدخل بينه وبين أبي هريرة أباه فقد وهم، صحَّح حديثه عن أبي هريرة\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣).\n(٢) كذا في الأصل. (ش).\n(٣) ولي غزو البحر لسليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":444},{"text":"وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأنَا بهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟\n===\nفي البحر ابنُ خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، والطحاوي، وابن منده، والحاكم، وابن حزم، والبيهقي، وعبد الحق، وآخرون.\n(وهو من بني عبد الدار) (١) أي المغيرة، وهو قبيلة من قريش، منسوب إلى عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة، والنسبة عبدري.\n(أخبره) أي أخبر المغيرة سعيدًا (أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل (٢) رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إنا نركب (٣) البحر) أي مراكبه من السفن (ونحمل معنا القليل من الماء) أي الماء الحلو، (فإن توضأنا به عطشنا)؛ لأنه ينفد باستعماله في الوضوء، (أفنتوضأ بماء البحر؟) أي المالح، فإن الغالب في إطلاق البحر هو المالح.\n_________\n(١) كذا في \"موطأ مالك\"، ليس هو بني عبد الدار، وقال ابن رسلان: بل كان حليفًا لهم، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٣٧٠). (ش)\n(٢) اختلف في اسمة علي اقوال، عبد الله، عبد، عبيد، حميد بن صخر. (ش)\n(٣) وفي بعض طرق الحديث زيادة قوله: \"لنصيد ...... إلخ\" ففيه جواز ركوب البحر للصيد ونحوه من التجارة، وما سيأتي في كتاب الجهاد من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص مرفوعًا: \"لايركب البحر إلَّا حاج أو معتمر أو غازٍ في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا\"، وهو حديث ضعيف، بل ذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\"، وذكر ابن رسلان عن ابن الجلاب: ركوب البحر ثلاثة أنواع، جائز وهو إذا كان من شأنه أنه يقدر علي صلاته ولا يميد، ومكروه وهو ما إذا لم تتقدم له عادة بركوبه ولا يعلم إذا ركبه هل يميد وتتعطل صلاته أم لا؟ وممنوع إذا كان يعلم من شأنه أنه يميد ولا يقدر علي أداء الصلاة. (ش).","vol":"1","page":445},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ\". [ت ٦٩، ن ٥٩، ٣٣١، جه ٣٨٦، طـ ١/ ٢٢، دي ٧٢٩، حم ٢/ ٢٣٧، خزيمة ١١١]\n===\n(فقال رسول الله - ﷺ -: هو) أي البحر (الطهور) (١) أي المطهر (ماؤه) لأنهم سألوه عن طهورية مائه لا عن طهارته، (الحِل ميتته) (٢)، فالميت من السمك حلال بالاتفاق، وفي ما عداه خلاف، ولما سئل النبي - ﷺ - عن ماء البحر وعلم جهلهم بحكم مائه قاس عليه جهلهم بحكم صيده مع عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ .......﴾ الآية [المائدة: ٣]، فزاد في الجواب إرشادًا وهدايةً قوله: \"الحل ميتته\"، \"علي القاري\" (٣).\nوقال صاحب \"مرقاة الصعود\" (٤): قال الطب (٥): سئل عن ماء البحر فقط، فأجابهم عن مائه وطعامه، لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد في البحر، كما يعوزهم ماء بئر، فلما جمعتهما الحاجة منهم انتظم جوابه لهم، وأيضًا فإن علم طهارة الماء مستفيض عند خاصة وعامة، وعلم ميتة البحر وكونها حلالًا مشكل أصالة، فلما رأى السائلَ جاهلًا بأظهر الأمرين لا يستبين حكمه علم أنَّ أخفاهما أولى ببيانه.\nقال: وإنما ارتابوا في ماء البحر، لأنهم لما رأوا تغيره في اللون وملوحة الطعم، وكان من المعقول عندهم في الطهور أنه الماء المفطور\n_________\n(١) بسطه ابن رسلان، وذكره صاحب \"المغني\" (١/ ١٣) أيضًا أن المراد عند بعض الحنفية أن الطهور بمعنى الطاهر لا المطهر، فتأمل. (ش).\n(٢) بالفتح، وأخطأ من كسر. قلت: بسط الشوكاني (١/ ١٧)، والزيلعي (١/ ٩٧) الكلام على علل الحديث الأربعة: الجهالة في سعيد والمغيرة، والاختلاف في اسم سعيد، وأرسله يحيى، والاضطراب، قال ابن العربي: حديث مشهور ولكن في طريقه مجهول، وصحَّحه في \"السعاية\" (١/ ٣٣٤). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٨١).\n(٤) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٩).\n(٥) أي: الخطابي. انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٦٦).","vol":"1","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلى خلقته السليم في نفسه الخلي من الأعراض المؤثرة فيه قال: ...، وأيضًا لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيوانًا قد يموت فيه، والميتة نجسة، احتاج إلى أن يعلمهم أن حكم هذا النوع من الميتة خلاف غيره، كيلا يتوهموا أن ماءه نجس بحلولها به، انتهى.\nوهذا الحديث يدل على أن البحر ماؤه طاهر مطهر، وهذه المسألة إجماعية (١) أجمعت الأمة على ذلك، وأيضًا يدل على أن ميتة البحر حلال، وهذه المسألة اختلفت الأئمة فيها، فعند الإِمام الشافعي يحل جميع حيوانات البحر حتى كلبه وخنزيره وثعبانه وهو المصحح عند الشافعية.\nوقال النووي (٢): وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك، قال أصحابنا: ويحرم الضفدع للحديث في النهي عن قتلها، قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه، أصحها يحل جميعه، والثاني لا يحل، والثالث يحل ما له نظير مأكول في البر دون ما لا يؤكل نظيره، فعلى هذا يؤكل خيل البحر وغنمه وظباؤه، دون كلبه وخنزيره وحماره، انتهى.\nقال في \"البدائع\" (٣): أما الذي يعيش في البحر فجميع ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إلَّا السمك خاصة، فإنه يحل أكله إلَّا ما طفا منه، وهذا قول أصحابنا -﵃ -، وقال بعض الفقهاء وابن أبي ليلى - ﵏ -: إنه يحل أكل ما سوى السمك من الضفدع والسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك، لكن بالذكاة هو قول ليث بن سعد، إلَّا في إنسان الماء وخنزيره أنه لا يحل.\n_________\n(١) قلت: ذكر الشعراني فيه ثلاثة مذاهب للعلماء. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٩٨).\n(٣) (٤/ ١٤٤).","vol":"1","page":447},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الشافعي - ﵀ -: يحل جميع ذلك من غير ذكاة، وأخذه ذكاته، واحتجوا بظاهر قوله تعالى: (﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] واسم الصيد يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر، فيقتضي أن يكون الكل حلالًا، وبقول النبي - ﷺ - حين سئل عن البحر فقال: \"هو الطهور ماؤه والحل ميتته\" (١)، وصف ميتة البحر من غير فصل بين السمك وغيره.\nولنا: قوله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ من غير فصل بين البري والبحري، وقوله عزَ شأنه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والضفدع والسرطان والحية ونحوها من الخبائث.\nوروي عن رسول الله - ﷺ -: \"سئل عن ضفدع يجعل شحمه في الدواء، فنهى ﵊ عن قتل الضفادع\" (٢)، وذلك نهي عن أكله، وروي أنه لما سئل عنه فقال ﵊: \"خبيثة من الخبائث\" (٣)، ولا حجة لهم في الآية، لأن المراد من الصيد المذكور هو فعل الصيد، وهو الاصطياد، لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد، لأنه مفعول فعل الصيد، وإطلاق اسم الفعل عليه يكون مجازًا، ولا يجوز العدول عن حقيقة اللفظ من غير دليل، فثبت أنه لا دليل في الآية على إباحة الأكل، بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم. والمراد من قول النبي ﵊: \"الحل ميتته\"، السمك خاصةً، بدليل\n_________\n(١) واستدل بالحديث أيضًا من قال بإباحة الطافي من السمك، لأنه أحق ما يطلق عليه اسم ميتة البحر، وأجاب عنه صاحب \"الهداية\" (٤/ ٣٥٣) بأن ميتة البحر ما لَفَظه البحر ليكون موته مضافًا إلى البحر. (ش).\n(٢) أخرجه الإِمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٤٩، ٤٥٣)، والدارمي في \"السنن\" (١٩٩٨)، وأبو داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنسائي (٤٣٥٥).\n(٣) أخرجه الإِمام أحمد (٢/ ٣٨١)، وأبو داود (٣٧٩٩).","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>(٤٢) بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ</span>\n٨٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِى فَزَارَةَ،\n===\nقوله - ﷺ -: \"أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: السمك والجراد، والدَّمان: الكبد والطحال\" (١)، فسر النبي - ﷺ - بالسمك والجراد، فدلَّ على أن المراد منها السمك، ويحمل الحديث على السمك وتخصيصه بما تلونا من الآية وروينا من الخبر، انتهى.\n\n(٤٢) (بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ)\nالنبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير\nوغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، فصرف من مفعول إلى فعيل، وسواء كان مسكرًا أو غير مسكر، فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتَصَر من العنب نبيذ، \"نهاية\" (٢) و\"لسان العرب\".\n٨٤ - (حدثنا هناد) (٣) بن السري (وسليمان بن داود العتكي قالا: ثنا شريك) بن عبد الله، (عن أبي فزارة) (٤) بفتح فاء وزاي خفيفة فألف فراء، راشد بن كيسان بفتح كاف، العبسي، بموحدة، الكوفي، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال الدارقطني: ثقة كيس، ولم أر له في كتب أهل النقل ذكرًا بسوء.\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٧١).\n(٢) (٥/ ٧).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ١٢٨): الحديث بعضهم رده وبعضهم رواه، ثم بسط الكلام عليه وعلى المسألة وأطال الرد عليها، انتهى، ودلائلنا في الماء المقيد في هامش \"باب في الجنب يغسل رأسه بالخطمي\". (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: أخرج له مسلم في النكاح. (ش).","vol":"1","page":449},{"text":"عن أَبِي زَيْدٍ،\n===\nقلت: وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حريث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا، وفي \"علل الخلال\": قال أحمد: أبو فزارة في حديث عبد الله مجهول، وتعقبه ابن عبد الهادي فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، وكأنه اشتبه عليه أبو زيد بأبي فزارة (١)، انتهى \"تهذيب التهذيب\".\n(عن أبي زيد) مولى عمرو بن حريث لا يعرف، عن ابن مسعود، وعنه أبو فزارة لا يصح حديثه، ذكره البخاري في \"الضعفاء\"، وقال أبو أحمد الحاكم: رجل مجهول، انتهى \"ميزان\" (٢)، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣): أبوزيد المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو زايد أو أبو زيد بالشك، روى عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ ليلة الجن، وعنه أبو فزارة راشد بن كيسان، قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يوقف على صحة كنيته ولا اسمه ولا له راو غير أبي فزارة، ولم يرو هذا الحديث من وجه ثابت، وأبو زيد مجهول، قال أبو داود: كان أبو زيد نبَّاذًا بالكوفة، وقال الترمذي: مجهول عند أهل الحديث، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث.\nقلت: قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: أبو زيد مجهول لا يعرف، لا أعرف كنيته ولا أعرف اسمه، وقال أبو حاتم: لم يلق أبو زيد عبد الله، وقال ابن المديني: أخاف أن لا يكون أبو زيد سمعه من عبد الله، وقال\n_________\n(١) يعني أنهما اثنان وهذا مجهول، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٢) (٤/ ٥٢٦).\n(٣) (١٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالبخاري: أبو زيد مجهول، لا يعرف بصحبة عبد الله، وقال ابن حبان: لا يدرى من هو؟ وقال أبو إسحاق الحربي: مجهول، وقال ابن المنذر: هذا الحديث ليس بثابت، وقال الكرابيسي: لا يثبت في هذا الباب شيء، وقال ابن عدي: لا يصح، وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول، وحديثه منكر.\nقال العلامة العيني (١): وقال بعضهم - أي الحافظ ابن حجر -: وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه.\nقلت: إنَّما ضعَفوه لأن في رواته أبا زيد، وهو رجل مجهول، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، قاله الترمذي، وقال ابن العربي في \"شرح الترمذي\" (٢): أبو زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان، وأبو روق، وهذا يخرجه عن حد الجهالة.\nعلى أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلًا عن ابن مسعود كما رواه أبو زيد، الأول: أبو رافع عند الطحاوي والحاكم، الثاني: رباح أبو علي عند الطبراني في \"الأوسط\"، الثالث: عبد الله بن عمر، ٤ - عمرو البِكالي، ٥ - أبو عبيدة بن عبد الله، ٦ - أبو الأحوص، ٧ - عبد الله بن مسلمة، ٨ - قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه، ٩ - عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، ١٠ - عبد الله بن عباس، ١١ - أبو وائل شقيق بن سلمة، ١٢ - ابن عبد الله، ١٣ - أبو عثمان بن سنه، ١٤ - أبو عثمان النهدي هذا ملتقط، والتفصيل في شرحه على البخاري، فمن شاء فليرجع إليه.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٨٤).\n(٢) \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":451},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحاصل أن الطعن في هذا الحديث بوجوه: الأول: جهالة أبي زيد، الثاني: التردد في أبي فزارة، هل هو راشد بن كيسان أو غيره؟ الثالث: أن أبا فزارة هذا كان نبَّاذًا بالكوفة، الرابع: أن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - لما سئل هل كنت مع النبي - ﷺ -؟ فقال: ليتني كنت، وكذلك سئل تلميذه علقمة هل كان صاحبكم مع النبي - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال: وددنا أنه كان، الخامس: أنه من أخبار الآحاد ورد على مخالفة الكتاب، ومن شرط ثبوت خبر الواحد أن لا يخالف الكتاب، فإذا خالف لم يثبت، أو ثبت لكنه نسخ به، لأن ليلة الجن كانت بمكة.\nأما الجواب عن جهالة أبي زيد، فمرَّ الجواب عنه بأنه روى عنه أبو فزارة وأبو روق فارتفعت الجهالة، وقال في \"البدائع\" (١): فقد قال صاعد - وهو من زهاد التابعين -: وأما أبو زيد فهو مولى عمرو بن حريث، فكان معروفًا في نفسه وبمولاه، فالجهل بعدالته لا يقدح في روايته على أنه قد روي هذا الحديث من طرق أُخر غير هذا الطريق لا يتطرق إليها طعن.\nوعن الثاني بأن الحافظ وغيره من المحققين صرحوا بأن أبا فزارة هذا الذي يروي عن أبي زيد عن ابن مسعود هو راشد بن كيسان؛ فارتفع التردد منه.\nوعن الثالث بأن أبا فزارة كونه نبَّاذًا بالكوفة لم يثبت، بل الذي كان نباذًا بالكوفة هو شيخه أبو زيد كما نقل الحافظ عن أبي داود، ولو سلم فلا يقدح فيه، لأنه يمكن أن يصنع النبيذ ما لم يبلغ حد الإسكار، ولا مطعن فيه.\nوعن الرابع بما سيأتي في شرح الحديث الآتي.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٩٧).","vol":"1","page":452},{"text":"عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الجِنِّ: \"مَا في إِداوَتك؟ \"\n===\nوعن الخامس بأنه لما قال به جماعة من كبراء الصحابة، منهم علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس - ﵃ -، فتبين أن الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة حيث عمل به الصحابة، وتلقوه بالقبول، ومثله بما ينسخ به الكتاب، ثم إنه لما ثبت من فتاوى نجباء الصحابة - ﵃ - جواز التوضؤ بنبيذ التمر في زمان انسَدَّ فيه باب الوحي، مع أنهم كانوا أعرف الناس بالناسخ والمنسوخ بطلت دعوى النسخ، وما ذكروا من الطعن في الراوي في سند حديث واحد.\nقلت: عمل بعض الصحابة بذلك لا يدل على عدم النسخ، بل محمول على أنه لم يبلغهم النسخ.\n(عن عبد الله بن مسعود) (١) بن غافل، بمعجمة ثم فاء مكسورة بعد الألف، ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، وأمه أم عبد، من السابقين الأولين، من كبار العلماء من الصحابة، أسلم بمكة قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان صاحب نعل رسول الله - ﷺ -، آخى النبي ﵊ بينه وبين سعد بن معاذ، وأمّره عمر على الكوفة، قال البخاري: مات بالمدينة قبل عثمان، وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت، مات سنة ٣٢ هـ أو سنة ٣٣ هـ.\n(أن النبي - ﷺ - قال له) أي لعبد الله بن مسعود (ليلة الجن) أي ليلة ذهب الجن بالنبي (٢) - ﷺ - إلى قومهم ليتعلموا منه الدين، وكان معه عبد الله بن مسعود، وفي رواية: \"زيد بن ثابت\" (ما في إداوتك؟) (٣)، أي: أيُّ شيء\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٧٤) رقم (٣١٨٢).\n(٢) وذكر في \"الخميس\" (١/ ٣٠٣) تفصيل وفود الجن. (ش).\n(٣) جمعها: أداوَى \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":453},{"text":"قَالَ: نَبِيذٌ. قَالَ: \"تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ\". [ت ٨٨، جه ٣٨٤، حم ١/ ٤٠٢]\n===\nفي مِطهرتك؟ في\"النهاية\": الإداوة بالكسر إناء صغير من جلد (قال) أي ابن مسعود: (نبيذ) أي في إداوتي نبيذ (قال: تمرة طيبة وماء طهور) (١) زاد في \"المصابيح\": وتوضأ منه، وزاد أحمد والترمذي: فتوضأ منه، قال ابن الهمام: ورواه ابن أبي شيبة مطولا، وفيه: \"هل معك من وَضوء؟ \"، قلت: لا، قال: \"فما في إداوتك؟ \"، قلت: نبيذ (٢) تمر، قال: \"تمرة حلوة وماء طيب\"، ثم توضأ وأقام الصلاة. \"علي القاري\" (٣).\nقلت: اختلف العلماء في جواز التوضؤ بالنبيذ وعدم جوازه، فعند أبي حنيفة يتوضأ به (٤)، ولا يتيمم بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتد منها صار حرامًا لا يجوز التوضؤ به لحديث عبد الله بن مسعود، فترك القياس بالنص، وعند أبي يوسف يتيمم ولا يتوضأ به، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وهي الرواية المرجوع إليها عن أبي حنيفة وقوله الأخير، وعليه الفتوى واختاره الطحاوي، وهو المذهب المصحح المختار عندنا، لأن الحديث وإن صح لكن آية التيمم ناسخة له إذ هي مدنية، وعند محمد يجمع بينهما، لما ذكرنا أن ليلة الجن كانت بالمدينة أيضًا؛ لأن صاحب\"آكام المرجان\" ذكر أن ظاهر الأحاديث الواردة في وفادة الجن كانت ست مرات، وذكر منها مرة في بقيع الغرقد قد حضرها ابن مسعود فلا يقطع بالنسخ.\n_________\n(١) يعني أصله هذان. (ض).\n(٢) وهي أربعة أنواع كما بسط في هامش \"الكوكب\" (١/ ١١٩). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٨١).\n(٤) وبه قال الحسن والأوزاعي، وقال عكرمة: هو وضوء من لم يجد الماء كما في \"المغني\" (١/ ١٨). (ش).","vol":"1","page":454},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: عن أَبِي زيدٍ أَوْ زيدٍ، كَذَا قَالَ شَرِيكٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ لَيْلَةَ الْجِنِّ.\n٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عن دَاوُد،\n===\n(قال أبو داود: قال سليمان بن داود: عن أبي زيد أو زيد، كذا قال شريك) غرض أبي داود بهذا الكلام أن أبا داود روى هذا الحديث عن شيخيه هناد وسليمان بن داود عن شريك، فأما هناد فلم يشك فيه عن شريك، فقال: عن أبي زيد، وأما سليمان فقال: عن أبي زيد أو زيد، روى عن شريك على الشك، وهكذا عن أبي زيد أو زيد في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا من المكتوبة والمطبوعة المصرية والهندية بالتكني في الأولى والعَلَمية في الثانية، ولكن قال الحافظ في\"تهذيب التهذيب\" كما قدمنا: وقيل: أبو زايد أو أبو زيد بالشك، وبالكنية في الموضعين، ولكن بزيادة الألف بعد الزاي وكذا في \"التقريب\"، ولم أر أحدًا تعرض لهذا الاختلاف، ولفظ \"التقريب\": أبو زيد المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو زايد.\n(ولم يذكر هناد ليلة الجن)، أي لم يذكر هناد لفظ \"ليلة الجن\"، وذكره سليمان بن داود.\n٨٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا وهيب) بن خالد، (عن داود) بن أبي هند، واسمه دينار بن عُذافِر، بضم مهملة وخفة ذال معجمة وكسر فاء، ويقال: طهمان، القشيري مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد، البصري، قال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة:","vol":"1","page":455},{"text":"عن عَامِرٍ، عن عَلْقَمَةَ قَالَ: \"قُلْتُ لِعَبْدِ الله بْنِ مَسعودٍ: مَنْ كَانَ مِنْكُم مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ مَعَهُ مِنَّا أَحَدٌ\". [م ٤٥٠، ت ٣٢٥٨]\n===\nثقة ثبت، وقال ابن حبان: كان من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلَّا أنه كان يهم إذا حدث من حفظه، وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف، مات سنة ١٤٠ هـ، وقيل قبلها.\n(عن عامر) بن شراحيل بن عبد، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل الشعبي، بفتح المعجمة، الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب همدان، ثقة مشهور فقيه فاضل، يقول: أدركت خمسمائة من الصحابة، وقال ابن معين وأبو زرعة وغير واحد: الشعبي ثقة، قال البخاري: مات سنة ١٠٤ هـ.\n(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة رسول الله - ﷺ -، وروى عن عمر وعثمان وعلي وسعد وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم -، وقال أبو المثنى رياح: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله أشبه الناس به سمتًا وهديًا، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرك أن لا ترى علقمة، وهو ثقة ثبت فقيه عابد، قلت: وكان الأسود وعبد الرحمن ابنا يزيد بن قيس ولدا أخي علقمة أسن منه، مات بالكوفة سنة ٦٢ هـ.\n(قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد) (١)، أورد المصنف ذلك الحديث ههنا ليشير إلى أن هذا الحديث المقدم الذي يدل على أن ابن مسعود كان مع\n_________\n(١) وقال ابن قتيبة في \"مختلف الحديث\" (ص ٣٢): معناه لم يكن معه غيري، ونقل ابن السمعاني أن ابن المديني نقل باثني عشر طريقًا أن ابن مسعود - ﵁ - كان مع النبي - ﷺ - ليلة الجن \"ابن رسلان\"، ثم ذكر بعض طرق الحديث الذي جاء فيه ذكر ليلة الجن في غير هذه القصة. وبسط في \"السعاية\" (١/ ٤٧٤). (ش).","vol":"1","page":456},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالنبي - ﷺ - ليلة الجن معارَض بهذا الحديث الصحيح مع كونه ضعيفًا باعتبار السند، فلا يحتج به.\nقال النووي (١): هذا صريح في إبطال الحديث المروي في \"سنن أبي داود\" وغيره، المذكور فيه الوضوء بالنبيذ وحضور ابن مسعود معه - ﷺ - ليلة الجن، فإن هذا الحديث صحيح، وحديث النبيذ ضعيف، قلت: قد مرَّ الجواب عن ضعف الحديث.\nوأما الجواب عن معارضة هذا الحديث بذاك أن ذهاب رسول الله - ﷺ - إلى الجن وقع ست مرات، فيمكن أن يكون ابن مسعود معه في بعضها، ولم يكن معه في بعضها، كيف وقد ذكر الترمذي كونه معه وصححه، فقد أخرج الترمذي (٢) بسنده عن ابن مسعود قال: صلَّى النبي - ﷺ - العشاء ثم انصرف، فأخذ بيد ابن مسعود، حتى خرج به إلى بطحاء مكة فأجلسه، الحديث، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوأيضًا يمكن (٣) أن يجاب عنه أن رسول الله - ﷺ - ترك ابن مسعود، وذهب بنفسه الشريفة في محل آخر، فلم يكن ابن مسعود معه - ﷺ - في ذاك المحل، أي موضع تعليمه للجن، فلا معارضة في الحديثين، ألا ترى إلى ما أخرج الترمذي بسنده عن ابن عباس، قال: ما قرأ رسول الله - ﷺ - على الجن ولا رآهم، وقد ثبت أنه - ﷺ - قرأ عليهم وبلَّغهم وعلَّمهم، فكما هذه المعارضة مدفوعة بالتأويل، فكذلك هذا باختلاف الزمان والمكان، وأوَّلَ\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ١٦٩).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (ح ٢٨٦١).\n(٣) وذكره ابن رسلان أيضًا عن بعض الحنفية، والحافظ في \"الفتح\" (٧/ ١٧٢) عن \"البيهقي\". (ش).","vol":"1","page":457},{"text":"٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ قَالَ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ،\n===\nبعضهم أن المراد بقوله: \"ما كان معه منَّا أحد\"، أي ما شهدها منَّا أحد غيري، نفيًا لمشاركته وإبانةً لاختصاصه بذلك، ذكره ابن الهمام (١) عن الإِمام أبي محمد البطليوسي، فعلى هذا لا معارضة فيهما، ولو سُلِّمَ فالمثبت يقدم على النافي.\n٨٦ - (حدثنا محمد بن بشار) بندار (قال: ثنا عبد الرحمن) بن مهدي (قال: ثنا بشر بن منصور) السَّليمي، بفتح المهملة وبعد اللام تحتانية، أبو محمد البصري الأزدي، صدوق عابد زاهد، قال أبو زرعة: ثقة مأمون، وقال نصر بن علي الجهضمي: ثبت في الحديث، مات سنة ١٨٠ هـ.\n(عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز، (عن عطاء) بن أبي رباح، سيد التابعين علمًا وعملًا وإتقانًا في زمانه بمكة، وكان حجة إمامًا كبير الشأن، أخذ عنه أبو حنيفة، وقال: ما رأيت مثله، قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلينا من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ من كل ضرب، وقال أحمد: ليس في المرسل أضعف من مرسل الحسن وعطاء، كانا يأخذان عن كل أحد، وروى محمد بن عبد الرحيم عن علي بن المديني قال: كان عطاء بأخَرَة قد تركه ابن جريج وقيس بن سعد.\nقلت: لم يعن الترك الاصطلاحي بل عني أنهما أبطلا الكتابة، وإلَّا فعطاء ثبت، قال خالد بن أبي نوف عن عطاء: أدركت مائتين من الصحابة، وقال يعقوب بن سفيان: سمعت سليمان بن حرب يذكر عن بعض مشيخته،\n_________\n(١) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":458},{"text":"أَنَّهُ كَرِهَ الْوضُوءَ بِاللَّبَنِ وَالنَّبِيذِ وَقَالَ: \"إِنَّ التَيّمُّمَ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ\". [ق ١/ ٩]\n٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: \"سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ\n===\nقال: رأيت قيس بن سعد قد ترك مجالسة عطاء، قال: فسألته عن ذلك فقال: إنه نسي أو تغير، فكدت أن أفسد سماعي منه، مات سنة ١١٥ هـ أو ١١٤ هـ.\nقال: (أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب (١) إلى منه)، غرض المصنف بإيراد هذا الأثر تقوية عدم جواز (٢) الوضوء بالنبيذ.\n٨٧ - (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي (قال: حدثنا أبو خلدة) بفتح المعجمة وسكون اللام، المشهور بكنيته، هو خالد بن دينار التميمي السعدي البصري الخياط، قال عثمان بن سعيد عن يحيى: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وقال الترمذي: ثقة عند أهل الحديث، وفي \"تاريخ البخاري\" (٣): قال ابن مهدي: كان خيارًا مسلمًا صدوقًا، مات سنة ١٥٢ هـ.\n(قال: سألت أبا العالية) رفيع، براء وفاء وعين مهملة مصغرًا،\n_________\n(١) قال ابن رسلان: ليس من أفعل التفضيل، فإن الوضوء لا يجوز عنده أصلًا، كما في \"المحلى\". (ش).\n(٢) ولمخالفه أن يقول: أخرج ابن أبي شيبة (١/ ٢٦) عن علي - ﵁ - أنه لم ير به بأسًا، وتقدم قريبًا أنه قال بالجواز علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس - ﵃ -. (ش).\n(٣) (٢/ ١٤٧).","vol":"1","page":459},{"text":"عن رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ وَعِنْدَهُ نَبِيذٌ أَيَغتَسِلُ بِهِ؟ قَالَ: لَا\". [ق ١/ ٩]\n===\nابن مهران الرياحي، بكسر الراء والتحتانية، مولاهم، البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي - ﷺ - بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر، وروى عن علي وابن مسعود وأبي موسى وأبي أيوب وغيرهم من الصحابة، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال اللالكائي: مجمع على ثقته، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وأكثر ما نقم عليه حديث الضحك في الصلاة، وكل من رواه غيره فإنما مدارهم ورجوعهم إلى أبي العالية، والحديث له، وبه يعرف، ومن أجله تكلموا فيه، وسائر أحاديثه مستقيمة صالحة. وقال الشافعي: حديث الرياحي رياح، يعني في القهقهة، مات سنة ٩٠ هـ، وقيل بعدها.\n(عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء، وعنده نبيذ أيغتسل به؟ قال: لا)، أورد المصنف هذا الأثر أيضًا ليقوي ما ثبت عنده من عدم جواز الوضوء بالنبيذ، لأن حكم الغسل والوضوء واحد، فلما لم يجوّز أبو العالية الاغتسال ثبت أنه لا يجوز عنده الوضوء (١) بالنبيذ.\nقلت: مسألة الاغتسال اختلف المشايخ فيها، قال في \"البدائع\" (٢): واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبي حنيفة، فقال بعضهم: لا يجوز، لأن الجواز عُرِف بالنص، وأنه ورد في الوضوء\n_________\n(١) لكن ظاهر سياق البخاري أنه كره التوضؤ منه. (ش). [انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٣)].\n(٢) (١/ ٩٨).","vol":"1","page":460},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nدون الاغتسال، فيقتصر على مورد النص، وقال بعضهم: يجوز لاستوائهم في المعنى، انتهى، وهذا على القول المرجوع عنه، وأما على القول المرجوع إليه، فكما لا يجوز التوضؤ بالنبيذ، كذلك لا يجوز الاغتسال بالأَولى.\nواعلم أنه أخرج صاحب \"البدائع\" (١) رواية أبي العالية فقال: وروي عن أبي العالية الرياحي أنه قال: كنت في جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - في سفينة في البحر، فحضرت الصلاة، ففني ماؤهم، ومعهم نبيذ التمر، فتوضأ بعضهم بنبيذ التمر، وكره التوضؤ بماء البحر، وتوضأ بعضهم بماء البحر وكره التوضؤ بنبيذ التمر.\nوقد أخرج الدارقطني (٢) بسنده إلى أبي خلدة، قال: قلت لأبي العالية: رجل ليس عنده ماء، وعنده نبيذ، أيغتسل به في جنابة؟ قال: لا، فذكرت له ليلة الجن؟ فقال: أَنْبِذَتكُم هذه الخبيثة، إنما كان ذلك زبيبًا وماءً، ففي هذا زيادة تركها أبو داود تدل على خلاف ما استدل عليه أبو داود.\nوكذلك البيهقي (٣) أخرج مثله بسنده إلى أبي خلدة عن أبي العالية قال: يرى نبيذكم هذا الخبيث، إنما كان ماء يلقى فيه تمرات فيصير حلوًا، وهذا الأثر يدل على أن أبا العالية يجوز التوضؤ والاغتسال عنده بالنبيذ ما دام حلوًا رقيقًا، فإذا اشتد وخبث يحكم عليه بعدم الجواز.\n_________\n(١) (١/ ٩٦).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (ح ٢٥٣).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٩ - ١٣)، وفيه: \"نرى\" بدل \"يرى\".","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>(٤٣) بَابٌ: أَيُصَلِّي الرَّجُلُ وهُوَ حَاقِنٌ</span>؟\n٨٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ\n===\n\n(٤٣) (بَابٌ: أَيُصَلِّي الرَّجُلُ وهُوَ حَاقِنٌ؟) (١)\nهو بفتح حاء وكسر قاف (٢)، مَنْ به بول شديد ومن يحبس بوله، أي: هل يصلي الرجل في هذه الحالة التي يدافعه البول؟ وفي معناه الحاقب أي مدافع الغائط، والحازق أي مدافعهما، وقيل: مدافع الريح، فأراد به ما يعم البول والغائط، وكذا الريح.\n٨٨ - (حدثنا أحمد بن) عبد الله بن (يونس قال: حدثنا زهير) بن معاوية، أبو خيثمة (قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عبد الله بن أرقم) (٣) بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، صحابي أسلم عام الفتح، وكتب للنبي - ﷺ - ولأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال أيام عمر - رضي الله تعالى عنه -، قال ابن السكن: توفي في خلافة عثمان، وكذا ذكره البخاري في \"التاريخ الصغير\" (٤).\n_________\n(١) قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لا يصلي إذًا، لكن لو صلى روي عن مالك يعيد في الوقت، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٣٢٤)، وقال ابن العربي (١/ ٢٣٥): اختلف في تعليله ثم بسطه. (ش).\n(٢) قال في \"الدسوقي\": هو بالقاف والنون: الحصر بالبول، والقاف والباء: الحصر بالغائط، والفاء والنون: الحصر بهما، ويقال للحصر بهما معًا أيضًا حقم، والحصر بالريح حفز. \"الشرح الكبير\" (١/ ٢٨٨). (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ٢٣٥): حسن صحيح، وبسط الكلام على ترجمة ابن أرقم هذا، وذكر فضائله ثم قال: ومع هذا سقط حديثه من الصحيح، ودخل فيه بدله حديث عائشة لاختلاف فيه على عروة. (ش).\n(٤) (١/ ٩٢ - ٩٣)، وانظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٤٩) رقم (٢٨١١).","vol":"1","page":462},{"text":"أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ النَّاسُ وَهُوَ يَؤمُّهُمْ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْم أَقَامَ الصَّلَاةَ - صَلَاةَ الصُّبْحِ - ثُمَّ قَالَ: لِيَتَقَدَّمْ أَحَدُكُمْ، وذَهَبَ إِلى الْخَلَاءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَن يَذْهَبَ الْخَلَاء وَقَامَتِ الصَّلَاةُ فَلْيَبْدَا بِالْخَلَاءِ\".\n[ن ٨٥٢، ت ١٤٢، جه ٦١٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ،\n===\n(أنه خرج حاجًّا أو معتمرًا) شك من أحد الرواة، أي يريد الحج أو العمرة (ومعه) أي عبد الله (الناس) سافروا معه ورافقوه، ليتبرَّكوا به ويسألوه ما أشكل عليهم من المسائل (وهو يومهم) في الصلاة ويصلي بهم.\n(فلما كان ذات يوم أقام) أي أمر عبد الله بإقامة (الصلاة) أو المكبر كبَّر وأقام الصلاة بتكبيره، والظاهر الأول (صلاة الصبح، ثم قال) عبد الله: (ليتقدم أحدكم، وذهب) أي عبد الله (إلى الخلاء) أي أراد الذهاب إلى قضاء الحاجة، وقال معتذرًا عن عدم تقدمه: (فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء) لئلا يشتغل (١) قلبه بالخلاء، ويصلي بعد ما يفرغ وقلبه مطمئن.\n(قال أبو داود: روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد الدمشقي الأموي، مولى رملة بنت عثمان، أصله من البصرة، روى عن أبيه وأبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه -\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ٢٣٥): اختلف العلماء في علة المنع، فمنهم من علله بالشغل، فلو كان القلق كثيرًا يعيد الصلاة، وقال أحمد: علته انتقال الحدث وإن لم يظهر، فانتقال المني عنده يوجب الغسل وإن لم يظهر، ويقول: إن الشهوة حصلت بالانتقال فصار كالتقاء الختانين، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر: أجمعت الأمة على منعه، واختلفوا في تعليله ... إلخ. (ش).","vol":"1","page":463},{"text":"وَأَبُو ضَمْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عن هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن رَجُلٍ حَدّثَهُ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَرْقَمَ، وَالأَكْثَرُ الّذِينَ رَوَوْهُ عن هِشَامٍ قَالُوا كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ.\n===\nوتمذهب له، قال أبو طالب عن أحمد: ثقة ما أصح حديثه وأوثقه، وقال أبو داود: ثقة، وهو مرجئ، وقا ل ابن معين ودحيم والنسائي: ثقة، مات سنة ١٨٩ هـ.\n(وأبو ضمرة) أنس بن عياض بن ضمرة، وقيل: عبد الرحمن الليثي المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الخطإ، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال إسحاق بن منصور عنه: صويلح، وقا ل أبو زرعة والنسائي: لا بأس به، مات سنة ٢٠٠ هـ.\n(هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه) أي عروة بن الزبير، (عن رجل) مجهول لم بسم (حدثه) أي حدث ذلك الرجل عروة، (عن عبد الله بن أرقم) يعني زاد وهيب وشعيب وأبو ضمرة بين عروة وعبد الله بن أرقم واسطة رجل مجهول. (والأكثر الذين روَوه عن هشام قالوا كما قال زهير) أي لم يزيدوا واسطة رجل، بل روَوا عن عروة عن عبد الله بن أرقم، ولم يدخلوا بينهما واسطة، فغرض أبي داود بهذا أن ما روى زهير ووافقه أكثر رواة هشام راجح على ما رواه وهيب وشعيب وأبو ضمرة.\nوأخرج الترمذي برواية أبي معاوية عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن أرقم من غير زيادة رجل بين عروة وعبد الله، ثم قال بعد سَوق الحديث: حديث عبد الله بن أرقم حديث حسن صحيح، هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن أرقم، وروى وهيب وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل عن عبد الله بن الأرقم، انتهى.\nفرجح الترمذي رواية أبي معاوية بكثرة الرواة وزيادة الحفظ، كما","vol":"1","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرجح أبو داود رواية زهير بكثرة (١) الرواة، ويمكن أن يوجه (٢) بأن عروة لعله لم يكن مع عبد الله بن أرقم في سفره فأخبره رجل عنه بهذا الحديث، ثم لقي عروة عبد الله، وتلقى منه من غير واسطة، فمرة يروي هكذا، ومرة هكذا.\nثم اعلم أن هذه المسألة اتفقت الأئمة عليها وقالوا بكراهة الصلاة في حال مدافعة البول والغائط.\nقال الحلبي في شرح \"المنية\" (٣): ويكره أن يدخل في الصلاة وقد أخذه غائط أو بول، لقوله ﵊: \"لا صلاة بحضرة الطعام (٤) ولا وهو يدافعه الأخبثان\"، والمراد نفي الكمال كما في نظائره، وهو يقتضي الكراهة، وإن كان الاهتمام بالبول والغائط يشغله، أي يشغل قلبه عن الصلاة ويذهب خشوعه يقطعها، وإن مضى عليها أجزأه، أي كفاه فعلها على تلك الحالة، وقد أساء، وكان آثمًا لأدائه إياها مع الكراهة التحريمية، وكذلك الحكم إن أخذه البول أو الغائط بعد الافتتاح، أي افتتح الصلاة ولم تكن به مدافعة، فحدثت به بعد إلافتتاح، فالحكم أنه يقطعها، وإن لم يقطعها أجزأه مع الإساءة \"كبيري\".\nوفي \"الدر المختار\" (٥): وكره صلاته مع مدافعة الأخبثين أو أحدهما أو الريح للنهي.\n_________\n(١) ورجح البخاري كما نقل عنه الترمذي في \"العلل المفرد\" رواية الواسطة، كذا في \"الغاية\"، وكذا قال الحافظ في \"تهذيبه\". (ش).\n(٢) يأبى هذا التوجيه رواية عبد الرزاق كما في \"الأوجز\" (٣/ ٣٢٣)، نعم يمكن أن يوجه\nبأن عروة كان في هذا السفر، لكن لم يحضر إذ ذاك. (ش).\n(٣) (ص ٣٦٦).\n(٤) حكى الترمذي عن أحمد وإسحاق: يبدأ بالعشاء وإن فاتته الصلاة. (ش).\n(٥) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٤٩٢).","vol":"1","page":465},{"text":"٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُسَدَّدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى - الْمَعْنَى - قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى حَزْرَةَ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - قَالَ ابْنُ عِيسَى فِى حَدِيثِهِ: \"ابْنُ أَبِى بَكْرٍ\"، ثُمَّ اتَّفَقُوا - أَخُو الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ -\n===\n٨٩ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، ومسدد، ومحمد بن عيسى، المعنى) أي معنى حديثهم واحد وإن اختلفت ألفاظهم.\n(قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد) القطان، (عن أبي حزرة) بفتح المهملتين بينهما زاي ساكنة، يعقوب بن مجاهد القرشي المدني القاص، مولى بني مخزوم، يقال: كنيته أبو يوسف، وأبو حزرة لقبه، وهو بها أشهر، وكان قليل الحديث، عن ابن معين: صويلح، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال النسائي: ثقة، مات بالإسكندرية سنة ١٤٩ هـ أو بعدها.\n(قال) أي أبو حزرة: (حدثنا عبد الله (١) بن محمد، قال ابن عيسى) أي شيخ أبي داود (في حديثه) بعد عبد الله بن محمد: (ابن أبي بكر)، وهذا زيادة لفظ \"ابن أبي بكر\" مختص بحديث محمد بن عيسى، وأما الشيخان الآخران لأبي داود أحمد بن محمد بن حنبل ومسدد فلم يزيدا لفظة \"ابن أبي بكر\".\n(ثم اتفقوا) أي الشيوخ الثلاثة لأبي داود: أحمد ومسدد ومحمد بن عيسى فقالوا كلهم: (أخو القاسم بن محمد)، فعبد الله بن محمد هذا هو عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، أخو القاسم، روى عن عائشة في قصة بناء الكعبة. وروى أبو داود في الطهارة من حديث أبي حزرة يعقوب بن مجاهد، قال: ثنا عبد الله بن محمد أبو عتيق\n_________\n(١) وجعله ابن رسلان في \"شرحه\" عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولعله أخذه من رواية مسلم. وصوّبه الحافظ كما في \"البذل\". (ش).","vol":"1","page":466},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأخو القاسم بن محمد، قال: كنا عند عائشة، فذكر حديث: \"لا صلاة بحضرة الطعام\"، كذا في روايته، والحديث قد رواه مسلم من حديث أبي حزرة عن عبد الله بن (١) أبي عتيق وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وهو المحفوظ، وأبو عتيق هو محمد والد هذا، وابن عم القاسم بن محمد وأخيه، وقال مصعب الزبيري: أمه أم ولد، قتل بالحَرَّة، وكانت الحَرَّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، هكذا قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢).\nويدل ذلك الكلام على أنه وقع الاختلاف في مسمى ذلك الراوي، فعند أبي داود هو عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق أخو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعند مسلم: هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وليس هو أخو القاسم، بل هو ابن ابن عم القاسم، فكلاهما من الطبقة الثالثة يرويان عن عائشة - ﵂ -، فقول عائشة في حديث مسلم: مالك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا،\n_________\n(١) وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن:\n................................ أبو بكر .............................\n....... محمد ............................................ عبد الرحمن\n\nعبد الله ..... قاسم ....................................... محمد أبو عتيق\n\n......................................................... عبد الله (ش)\n(٢) (٦/ ٧).","vol":"1","page":467},{"text":"قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ فَجِئَ بِطَعَامِهَا، فَقَامَ الْقَاسِمُ يُصَلِّى، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَقُولُ: «لَا يُصَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ». [م ٥٦٠]\n===\nيكون محمولًا على المجاز، لأن ابن أبي عتيق هذا ليس هو ابن أخي عائشة - ﵂ - بل هو ابن ابن أخي عائشة.\n(قال: كنا عند عائشة فجيء بطعامها، فقام القاسم يصلي) معرضًا عن الطعام؛ لأنه غضب عليها؛ لأنها نصحته وأدَّبته، وقالت: ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا عبد الله بن محمد، وعَيَّرته بأمه (١)، وكان يلحن في كلامه، لأن أمه كانت أم ولد، فتعلم الكلام منها ووقع اللحن في كلامه، وهذه القصة مذكورة في رواية مسلم.\n(فقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يُصَلَّى (٢) بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)، أي لا يصلي في حالة يدافع المصلي الأخبثان البول والغائط، وقد مر حكم الصلاة عند غلبة البول والغائط.\nفأما حكم الصلاة عند حضرة الطعام فقال العيني في \"شرح البخاري\": قالت الظاهرية: لا يجوز لأحد حضر طعامه بين يديه وسمع الإقامة أن يبدأ بالصلاة قبل العشاء، فإن فعل فصلاته باطلة (٣)، والجمهور\n_________\n(١) فقالت: مَا لَكَ لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا، أما إني علمت من أين أتيت، هذا أدبته أمه وأنت أدبتك أمك، الحديث، أخرجه مسلم (ح ٥٦٠)، \"ابن رسلان\" راجع: \"مشكل الآثار\". (ش).\n(٢) وفي معناه حضور الشراب الذي تتوقه النفس \"ابن رسلان\"، ظاهر كلام الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١٦٠) أنه يعم أن يكون له أو لغيره، فينتقل إلى موضع آخر لئلا يشتغل به. (ش).\n(٣) قال الشوكاني (١/ ٤١٥): ظاهر الأحاديث الإطلاق، وزاد الغزالي: قيد خشية فساد الطعام، والشافعية: الاحتياج، ومالك: أن يكون الطعام قليلًا، وابن حزم والظاهرية =","vol":"1","page":468},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلى الصحة، انتهى، فحمل الظاهرية قوله - ﷺ -: \"فابدأوا بالعشاء\" على الوجوب، وحمل الجمهور على الندب.\nوقال العيني (١): قال في \"شرح السنة\": الابتداء بالطعام (٢) إنما هو فيما إذا كانت نفسه شديدة التوقان إلى الأكل، وكان في الوقت سعة، فالحديث يدل على كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من اشتغال القلب وذهاب كمال الخشوع، وهذه الكراهة إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل خرج الوقت لا يجوز تأخير الصلاة، وقال ابن الجوزي: وقد ظن قوم أن هذا من باب تقديم حظ العبد على حق الحق ﷿، وليس كذلك، إنما هو صيانة لحق الحق، ليدخل العباد في العبادة بقلوب غير مشغولة.\nفإن قلت: روى أبو داود من حديث جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره\".\nقلت: هذا حديث ضعيف، فبالضعيف لا يعترض على الصحيح، ولئن سَلَّمنا صحته فله معنى غير معنى الآخر بمعنى إذا وجبت لا تؤخر، وإذا كان الوقت باقيًا يبدأ بالعشاء، فاجتمع معناهما ولم يتهاترا.\n_________\n= وأحمد وإسحاق إلى الوجوب، فأبطلوا الصلاة إذا قدمت الصلاة، انتهى.\nقلت: ما حكي عن أحمد تأباه كتب فروعه، صرح بصحة الصلاة في \"المغني\" (٢/ ٣٧٤)، و\"الروض\" (١/ ٢٦٦)، و\"الشرح الكبير\" (٢/ ٨٢)، وقيد الحنفية باشتغال البال كما في \"مشكل الآثار\" (٥/ ٢٣٥)، و\"شرح معاني الآثار\"، وفي \"الشرح الكبير\" للمالكية: لم يأخذ به مالك لعمل أهل المدينة على خلافه. (ش).\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٧٥).\n(٢) وقال ابن العربي (١/ ٢٣٦): هذا للصائم خاصة، كما جاء مفسرًا في رواية الدارقطني، أو يكون منفردًا وفي الوقت سعة. (ش).","vol":"1","page":469},{"text":"٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قال: حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِىِّ، عَنْ أَبِى حَىٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ ثَوْبَانَ\n===\n٩٠ - (حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا ابن عياش) هو إسماعيل بن عياش، (عن حبيب بن صالح) الطائي، أبو موسى الحمصي، ويقال: حبيب بن أبي موسى، قال أبو زرعة الدمشقي: لا نعلم أحدًا من أهل العلم طعن عليه في معنى من المعاني، وهو مشهور في بلده بالفضل والعلم وسعته، وتركه الأخذ عن كل أحد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٤٧ هـ.\n(عن يزيد بن شريح) مصغرًا (الحضرمي) الحمصي، قال يعقوب بن سفيان: ثنا محمد بن مصفى، ثنا بقية، ثنا حبيب بن صالح، وهو حسن الحديث، عن يزيد بن شريح وهو صالح أهل الشام، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال الدارقطني: يعتبر به، لم يدرك نعيم بن همام، فروايته عنه مرسلة.\n(عن أبي حي) (١) هو شداد بن حي الحمصي (المؤذن) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد، قلت: قول المؤلف: ذكره ابن حبان في \"الثقات\" مجمل، فإن ابن حبان لم يذكره في التابعين، وإنما قال في أتباع التابعين \"تهذيب التهذيب\" (٢).\n(عن ثوبان) (٣) مولى رسول الله - ﷺ -، أبو عبد الله أو أبو عبد الرحمن\n_________\n(١) قال ابن رسلان: كذا للترمذي، وذكره ابن عبد البر فيمن لم يذكر له اسم سوى كنيته. (ش).\n(٢) (٤/ ٣١٥).\n(٣) وقد روي الحديث بطريق أبي أمامة وأبي هريرة، قال الترمذي: والأول أجود إسنادًا \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":470},{"text":"قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: «ثَلَاثٌ لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يَنْظُرُ فِى قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ،\n===\nالهاشمي، صحابي مشهور، أصله من اليمن، أصابه سِبَاءٌ، فاشتراه النبي - ﷺ - فأعتقه، وقال: إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم فعلت، وإن شئت أن تثبت فأنت منا أهل البيت فثبت، ولم يزل معه في سفره وحضره يخدمه إلى أن مات، ثم تحول إلى الرملة، ثم حمص، مات بها سنة ٥٧ هـ في إمارة عبد الله بن قرط (١).\n(قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: ثلاث) أي ثلاث خصال (لا يحل لأحد) من الرجال (أن يفعلهن)، أحدها: (لا يَؤمُّ رجل قومًا) ولا أحد أحدًا (فيخص نفسه (٢) بالدعاء دونهم) أي لا يدخل المقتدين له في دعائه، (فإن فعل) أي خص نفسه بالدعاء ولم يشركهم (فقد خانهم) وأما إذا أمَّ قومًا وأدخلهم في دعائه في محل واحد فقد أدى حقهم.\n(و) الثاني: (لا ينظر في قعر بيت) إذا كان عليه ستر (قبل أن يستأذن)\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٢٨٤) رقم (٦٢٤).\n(٢) ظاهر كلام ابن رسلان أن المراد به أن يأتي بصيغة الجمع بأن يقول: اللهم اهدنا فيمن هديت، ثم أشكل بمثل قوله ﵊: \"اللهم باعد بيني وبين خطاياي\": الحديث، ثم ذكر الكلام في الجمع لم أتحصله حق التحصل، والظاهر أنه حمله على غير القنوت والتشهد أو بغير الثابت، وحكم ابن القيم في \"الهدي\" (١/ ٢٥٥) بوضع الحديث، وقال: لو صح يحمل على القنوت وإلَّا فجلُّ أدعيته صلى الله تعالى عليه وسلم بالإفراد، وبسط الكلام عليه في \"السعاية\" (٢/ ٢٤٥)، وفي \"التقرير\" قوله: فيخص ... إلخ، بأن ينفي عنهم كما قيل: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فلا حاجة إلى تغليط الرواية. (ش).","vol":"1","page":471},{"text":"فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ، وَلَا يُصَلِّى وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ». [ت ٣٥٧، جه ٩٢٣، حم ٥/ ٢٨٠]\n٩١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السّلَمِىُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِىٍّ\n===\nمن رب (١) البيت وأهله، وكذلك إن استأذن فلم يؤذن له، فلا يحل له النظر (فإن فعل) أي نظر داخل البيت قبل الاستئذان من جُحر أو غيرها (فقد دخل) أي فقد ترتب عليه من الإثم ما يترتب عليه من أجل دخوله بغير استئذان.\n(و) الثالث: (لا يصلي وهو حَقِن) أي حابس بوله أو غائطه (حتى يتخفف) عنهما.\n٩١ - (حدثنا محمود بن خالد) بن أبي خالد يزيد (السَّلَمي) بفتح المهملة واللام، إمام مسجد سلمية، أبو علي الدمشقي، ثقة، قال السمعاني في \"الأنساب\" (٢): وأما أيوب بن سليمان القرشي السلمي منسوب إلى سلمية، وهي قرية بحمص، وكان أيوب إمام مسجدها، قال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي الحافظ: سَلَمِيَّةُ بين حماة ورَفَنِيَّة (٣)، وقال: سَلَمِيَّةُ بلدة من بلاد الشام، مات سنة ٢٤٩ هـ.\n(قال: حدثنا أحمد بن علي) النميري، أو يقال: النمري، إمام مسجد سلمية، قال أبو حاتم: أرى أحاديثه مستقيمة، لم يرو عنه غير محمود بن\n_________\n(١) فلو نظر وفقأ عينه لرواية \"الصحيحين\" (خ ٦٩٠٢، م ٢١٥٨)، عن أبي هريرة لا ضمان عليه عند الشافعي - ﵀ -، وعليه الضمان عند أبي حنيفة - ﵀ - ومالك - ﵀ -. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) (٣/ ٢٨٠).\n(٣) وفي الأصل \"رقبة\"، وهو تحريف، والصواب: رَفَنِيَّةُ كما في \"الأنساب\" للسمعاني.","vol":"1","page":472},{"text":"قال: حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِىِّ، عَنْ أَبِى حَىٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُصَلِّىَ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ». ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، قَالَ: «وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إِلَاّ بِإِذْنِهِمْ،\n===\nخالد، وقال ابن منده: روى عنه يزيد بن عبد ربه ومحمد بن أبي أسامة، وقال الأزدي: متروك الحديث ساقط، وقال الحافظ في \"التقريب\": ضعفه الأزدي بلا حجة.\n(قال: حدثنا ثور) بن يزيد، (عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حي المؤذن، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: لا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف) وقد مرَّ تفسيره.\n(ثم ساق) أي ثم ساق ثور حديثه عن يزيد بن شريح (نحوه) أي نحو حديث حبيب بن صالح عن يزيد بمعناه (على هذا اللفظ) الذي يذكر فيما بعد وهو قوله: \"لا يحل لرجل\"، الحديث.\nوحاصله: أن ليزيد بن شريح تلميذين: ثور بن يزيد وحبيب بن صالح، فيريد المصنف أن يُبَيِّن اختلاف الحديثين في اللفظ مع بيان الاتفاق في المعنى، فيقول: إن في رواية ثور قصة النهي عن صلاة الحقن مقدمة، وفي حديث حبيب مؤخرة، وأيضًا في رواية حبيب ذكر الثلاث أولًا مجملًا، ثم فصلها فيما بعد، وفي رواية ثور لم يذكر مجملًا في الأول، ثم ساق بقية حديث ثور.\n(قال) أي قال ثور في حديثه، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى رسول الله - ﷺ -: (ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قومًا إلَّا بإذنهم) نهى فيه رسول الله - ﷺ - عن التسرع إلى الإمامة؛ لأن التسرع إليه","vol":"1","page":473},{"text":"وَلَا يَخْتَصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ». [ك ١/ ١٦٨، جه ٦١٧ مختصرًا]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا\n===\nينبعث عن الكبر، وهذا حكم الإمامة الصغرى، وكذلك حكم الإمامة \"الكبرى\" فإنها لا تنعقد إلَّا باتفاق أهل الحل والعقد من القوم، ولذلك قال - ﷺ -: \"ولا يُؤَمَّنَّ الرجلُ في \"سلطانه، ولا يُجلس على تكرمته إلَّا بإذنه\".\nقال في \"درجات مرقاة الصعود\" (١): قال \"طب\" (٢): أي ما لم يكن أقرأهم وأفقههم، وإلَّا فإن جمع أوصاف الإمامة فله الاستبداد، لأنه أولى بإمامتهم أذنوا له أم لا، إذ الحديث خاص بمن هو ببيت غيره، انتهى.\n(ولا يختص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم)، وقد مرَّ شرحه في الحديث المقدم، وهذا سياق حديث ثور، فالجملة الثانية منها وهي قوله: \"لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم ... إلخ\"، ليس في حديث حبيب بن صالح، وفي حديث حبيب بن صالح جملة ليست في حديث ثور، وهي قوله: \"لا ينظر في قعر بيت ... إلخ\"، ففي الحديثين اختلاف باعتبار الألفاظ من التقديم والتأخير والزيادة والنقصان.\n(قال أبو داود: وهذا) أي هذا الحديث الذي رواه أبو داود بسنده عن ثوبان وعن أبي هريرة، فالاقتصار في إرجاع الضمير إلى أبي هريرة،\n_________\n(١) (ص ١٩).\n(٢) وكذا قال ابن رسلان عن الخطابي. (ش).\n[انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٦٨)].","vol":"1","page":474},{"text":"مِنْ سُنَنِ أَهْلِ الشَامِ لَمْ يَشْرَكْهُمُ فِيهَا أَحَدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>(٤٤) بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْمَاءِ في الْوُضُوءِ</span>\n٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قال: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ\n===\nكما فعله صاحب \"غاية المقصود\" ومقلده، قصور (من سنن أهل الشام) بضم السين المهملة، أي من الأحاديث المرفوعة المروية عن أهل الشام (لم يشركهم فيها) أي في رواية هذا الحديث (أحد) أي غير أهل الشام، أما حديث ثوبان فرواته كلهم شاميون ليس فيها من غير أهل الشام أحد، فمحمد بن عيسى، وإن كان أصله من غير الشام يعني من بغداد، لكنه نزل \"أذنة\"، وهو بلد بساحل الشام عند طرسوس، وكذلك جميع رواته، وأما حديث أبي هريرة فرواته كلهم شاميون إلَّا أبا هريرة.\n\n(٤٤) (بَابُ ما يُجْزِئُ) أي ما يكفي (مِنَ الْمَاءِ في الْوُضُوءِ) (١)\n٩٢ - (حدثنا محمد بن كثير قال: ثنا همام) بن يحيى، (عن قتادة، عن صفية (٢) بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار العبدرية، لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي \"البخاري\" التصريح بسماعها عن النبي - ﷺ - تعليقًا، قال أبان بن صالح: عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة سمعت النبي - ﷺ -، وفي هذا رد على من أنكر إدراكها، قال الدارقطني: لا تصح لها رؤية.\nوأخرج ابن منده من طريق محمد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن\n_________\n(١) ذكر فيه بعض ما ورد في تحديد وضوئه - ﷺ -، وبسط الروايات مجملًا ابن العربي (١/ ٧٥)، فأجاد. (ش).\n(٢) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٣٢٨) رقم (٧٠٦٧).","vol":"1","page":475},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ\". [ن ٣٤٧، جه ٢٦٨، حم ٦/ ١٢١]\n===\nأبي ثور، عن صفية بنت شيبة قالت: والله لكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - حين دخل الكعبة، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين، وأبوها شيبة أسلم يوم الفتح، وقيل: أسلم يوم حنين، قال الزبيري: خرج شيبة يوم حنين يريد أن يغتال رسول الله - ﷺ -، فرأى منه غرة، فأقبل يريده، فرآه فقال: يا شيبة هلم، فقذف الله في قلبه الرعب، ودنا منه - ﷺ -، فوضع النبي - ﷺ - يده على صدره، فثبت الإيمان في قلبه، وقاتل بين يديه، دفع النبي - ﷺ - إليه وإلى ابن عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة مفتاح الكعبة، وقال: \"خذوها يا بني أبي طلحة خالدةً تالدةً لا يأخذها منكم إلَّا ظالم\".\n(عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يغتسل بالصاع (١) ويتوضأ بالمُد) والصاع مكيال يسع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي، وهذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة - رحمهما الله- فالمد رطلان، والصاع ثمانية أرطال لخبر النسائي بذلك، ولفظه هكذا: وعن موسى الجهني قال: أتي مجاهدٌ بقدح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بمثل هذا (٢)، ورجاله رجال الصحيح، وقد قال النووي: وذكر جماعة من أصحابنا وجهًا لبعض أصحابنا أن الصاع ها هنا ثمانية أرطال، والمد رطلان.\n_________\n(١) ظاهر الحديث كما تدل عليه الترجمة أنه من باب بيان مقدار الماء، وقال الباجي (١/ ٩٥): يحتمل بيان الإناء، يعني: يغتسل بهذا الإناء وإن استعمل اليسير من مائه أو كله أو أكثر منه، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٥٠)، ويأبى عن هذا التأويل لفظ أبي عبيد في \"كتاب الأموال\" (ص ٦١٨) برواية هشام عن قتادة بهذا السند بلفظ: \"يتوضأ بقدر المد ويغتسل بقدر الصاع\". (ش).\n(٢) أخرجه النسائي (٢٢٦).","vol":"1","page":476},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ.\n٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قال: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى زِيَادٍ،\n===\nواختلفت الروايات في قدر الماء في الوضوء والغسل، والقدر المجزئ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر، سواء كان صاعًا (١) أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلًا، أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الإسراف، وهكذا الوضوء القدر المجزئ منه ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء، سواء كان مدًّا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد السرف، أو النقصان إلى حد لا يحصل به الواجب.\n(قال أبو داود: رواه أبان) بن يزيد العطار، (عن قتادة قال: سمعت صفية)، غرض المصنف بهذا الكلام أن قتادة مدلس، وهمام روى عنه بصيغة \"عن\"، وعنعنة المدلس غير معتبرة ما لم يثبت سماعه، فصرح المصنف برواية أبان أن قتادة قال: سمعت صفية، فثبت بهذا أن رواية قتادة عن صفية بصيغة \"عَنْ\" معتبرة ومحمولة على السماع.\n٩٣ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا هشيم) بن بشير (قال أنا يزيد (٢) بن أبي زياد) القرشي الهاشمي، أبو عبد الله مولاهم، الكوفي،\n_________\n(١) نقل القاري عليه الإجماع، وقال في \"المغني\" (١/ ٢٩٣): عليه أكثر أهل العلم، ونقل الخلاف عن أبي حنيفة، وأنت خبير بأنه لا يصح النقل عن الحنفية، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٥٠١)، وقال ابن رسلان بعد ذكر الروايات المختلفة في مقدار ماء غسله ﵊: وهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك، وفيه رد على من قدر الغسل والوضوء بما في الباب كابن شعبان من المالكية. (ش).\n(٢) أخرج له مسلم في الأطعمة. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":477},{"text":"عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ\". [حم ٣/ ٣٠٣، جه ٢٦٩]\n===\nقال نضر بن شميل عن شعبة: كان رفاعًا، وقال علي بن المنذر عن ابن فضيل: كان من أئمة الشيعة الكبار، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس حديثه بذاك، وقال مرة: ليس بالحافظ، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بالقوي، وقال أبو يعلى الموصلي عن ابن معين: ضعيف، وقال العجلي: جائز الحديث، وكان بأخرة يلقن، وقال أبو زرعة: لين يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال الجوزجاني: سمعتهم يضعِّفون حديثه، وقال ابن المبارك: ارم به، وقال يعقوب بن سفيان: وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور، قال أحمد بن صالح المصري: يزيد بن أبي زياد ثقة، ولا يعجبني قول من تكلم فيه، وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلَّا أنه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب، وقال البرديجي: روى عن مجاهد، وفي سماعه منه نظر، وليس هو بالقوي، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: لا يخرج عنه في الصحيح، ضعيفٌ يخطئ كثيرًا، ويلقَّن إذا لُقِّن، مات سنة ١٣٧ هـ.\n(عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم، الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة تابعي، وقال إبراهيم الحلبي: مجمع على ثقته، وكذلك وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، واختلف في موته من سبع وتسعين إلى واحدة ومائة، وكان يرسل كثيرًا.\n(عن جابر) بن عبد الله (قال) أي جابر: (كان النبي - ﷺ - يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد) وقد مرَّ في الحديث المتقدم ما يتعلق بذاك الحديث من الشرح.","vol":"1","page":478},{"text":"٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ،\n===\n٩٤ - (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم، أبو عبد الله المدني البصري، المعروف بغُنْدر، بضم معجمة وسكون نون وفتح قال مهملة وقد تضم، صاحب الكرابيس، روى عن شعبة فأكثر وجالسه نحوًا من عشرين سنة، كان يقول: لزمت شعبة عشرين سنة لم أكتب عن أحد غيره شيئًا، وكنت إذا كتبت عنه عرضت عليه، قال أحمد: أحسبه من بلادته كان يفعل هذا، ثقة صحيح الكتاب إلَّا أن فيه غفلة، مات سنة ١٩٣ هـ، أو سنة ١٩٤ هـ.\n(قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج، (عن حبيب الأنصاري) هو حبيب بن زيد بن خلاد الأنصاري المدني، قال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ثقة، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، ووقع في \"معاني الآثار\" للطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي أن عبد الله بن زيد بن عاصم هو جد حبيب بن زيد هذا، فلعله جده لأمه.\n(قال: سمعت عباد بن تميم) (١) بن غزية الأنصاري المازني المدني، روى عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازني وهو أخو تميم لأمه، وجدته أم عمارة، قال عباد: كنت يوم الخندق ابن خمس سنين، قال محمد بن إسحاق [و]، النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال العجلي: تابعي مدني ثقة، هكذا قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، وقال الحافظ في \"الإصابة\" في ذكر تميم بن زيد الأنصاري والد عباد: وأخو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني في قول الأكثر، وقيل: هو أخوه لأمه،\n_________\n(١) اختلف في اسم والد تميم هذا، والبسط في \"الغاية\" و\"الأوجز\" (٣/ ٥٥٢). (ش).","vol":"1","page":479},{"text":"عَنْ جَدَّتِهِ - وَهِىَ أُمُّ عُمَارَةَ -: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ فَأُتِىَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْرُ ثُلُثَىِ الْمُدِّ\". [ن ٧٤]\n===\nوأما أبوه فهو غزية بن عبد عمرو بن عطية بن خنساء، وبذلك جزم الدمياطي تبعًا لابن سعد.\n(عن جدته) أي جدة عباد بن تميم، وفي نسخة \"عن جدتي\". وكذا في النسائي، أي جدة حبيب (١) بن زيد الأنصاري، ولم يتحقق لي وجه كونها جدة لحبيب بن زيد (وهي أم عمارة) (٢) الأنصارية، يقال: اسمها نسيبة بالتصغير، كذا في \"التقريب\"، وقيد ابن ماكولا بفتح النون، وقال في \"مرقاة الصعود\" (٣): وهي نسيبة بنون فسين كسفينة، قال المنذري: كذا للأكثر، وقال بعضهم: لسينة بضم لامه ونون، بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول، وهي أم عبد الله بن زيد بن عاصم، شهدت أحدًا هي وابنها وزوجها، وشهدت بيعة الرضوان واليمامة، وقطعت يدها فيها، روت عن النبي - ﷺ -، وعنها ابن ابنها عباد بن تميم.\n(أن النبي - ﷺ - توضأ) أي أراد التوضؤ (فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد) (٤) وأقل ما ورد في مقدار ماء الوضوء هذا، وأما أنه - ﷺ - توضأ بنصف المد (٥)،\n_________\n(١) قال ابن رسلان: قال ابن عبد البر: أم عمارة الأنصارية اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو، وهي أم حبيب وعبد الله بن زيد بن عاصم، شهدت بيعة العقبة وشهدت أحدًا مع زوجها، وبسط الكلام عليه صاحب \"الغاية\". (ش).\n(٢) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٤٧٥) رقم (٧٥٥١).\n(٣) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٩).\n(٤) وحمله ابن رسلان على مُدِّ هشام الذي كان أكثر من مُدِّ النبي - ﷺ - وقال: لا أحبُّ أن ينقص من مده - ﷺ -. (ش).\n(٥) وما روي بثلث المد، قال الحافظ: لم أجده، \"التلخيص الحبير\" (ح ١٩٥). وفي \"سبل السلام\": لا أصل له \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":480},{"text":"٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَزَّازُ قال: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ،\n===\nففي إسناده صلت بن دينار وهو متروك، فالتقادير التي وردت في الحديث ليست على التحديد.\n٩٥ - (حدثنا محمد بن الصباح) الدولابي، أبو جعفر البغدادي (البزاز) مولى مزينة، صاحب السنن، ولد بالري بقرية يقال لها: دولاب، ثقة حافظ، مات سنة ٢٢٧ هـ، (قال: حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك، (عن عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، أبو محمد الكوفي، وكان أكبر من عمه محمد، قال ابن معين: ثقة، وقال: كان يتشيع، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن خراش والحاكم: هو أوثق ولد أبي ليلى، وعن ابن المديني: هو عندي منكر الحديث، مات سنة ١٣٥ هـ.\n(عن عبد الله بن جبر) بفتح الجيم وسكون الموحدة، ابن عتيك الأنصاري المدني.\nوقد وقع الاختلاف في تسمية اسم هذا الراوي في الروايات، ففي أبي داود في رواية محمد بن الصباح عن شريك عن عبد الله بن عيسى سماه عبد الله بن جبر، وفي أبي داود برواية شعبة قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر، وهكذا قال مسلم في رواية شعبة: عبد الله بن عبد الله بن جبر، وفي \"النسائي\" برواية شعبة: عن عبد الله بن جبر، وفي \"أبي داود\" برواية يحيى بن آدم عن شريك قال: ابن جبر بن عتيك، وهذا كله صحيح ليس فيه اختلاف، فإن الراوي هو عبد الله بن عبد الله بن جبر، ومن قال: عبد الله بن جبر أو ابن جبر فقد نسبه إلى جده.\nوالاختلاف الثاني أنه قال بعضهم: ابن جابر، وصححه، قال","vol":"1","page":481},{"text":"عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ بِإِنَاءٍ يَسَعُ رَطْلَيْنِ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ.\n===\nالنووي (١): وقد أنكره عليه بعض الأئمة (٢)، وقال: صوابه ابن جابر، وهذا غلط من هذا المعترض بل يقال فيه: جابر وجبر، وهو عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، وممن ذكر الوجهين فيه الإِمام أبو عبد الله البخاري، وأن مسعرًا وأبا العميس وشعبة وعبد الله بن عيسى يقولون فيه: جبر، وذكره الحافظ في \"التهذيب\": عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، وقيل: ابن جبر بن عتيك الأنصاري المدني، وقيل: إنهما اثنان، وقال أبو بكر بن منجويه: أهل العراق يقولون: جبر، ولا يصح إنما هو جابر.\nقلت: هذا نقله ابن منجويه من كلام البخاري فإنه قال في \"تاريخه\": عبد الله بن عبد الله بن جابر، سمع ابن عمر وأنسًا، قاله مالك، وقال شعبة ومسعر وأبو العميس وعبد الله بن عيسى: عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، ولا يصح جبر، إنما هو جابر بن عتيك، قال: وقال بعضهم: عن عبد الله بن عيسى عن جبر بن عبد الله، يعني قلبه، وثقه ابن معين والنسائي، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ثقة.\n(عن أنس) بن مالك الأنصاري (قال: كان النبي - ﷺ - يتوضأ بإناء يسع رطلين) (٣) من الماء، وهو قدر المد على قول أهل العراق، وموافق لرواية جابر التي تقدمت في هذا الباب (ويغتسل بالصاع) والصاع مكيال يسع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث أو رطلان، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلث أو ثمانية أرطال.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٢٤٣).\n(٢) ومنهم الذهبي كما قال ابن رسلان. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: استدل به أبو حنيفة على أن المد رطلان، لأنه ثبت وضوؤه ﵊ بمد، وثبت بهذا رطلان. (ش).","vol":"1","page":482},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قال: سَمِعْتُ أَنَسًا، إِلَاّ أَنَّهُ قَالَ: يَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ رَطْلَيْنِ.\n===\n(قال أبو داود: ورواه شعبة (١) قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنسًا، إلَّا أنه) أي شعبة (قال) في حديثه: (يتوضأ بمكوك، ولم يذكر رطلين)، المكوك بفتح الميم وضم الكاف الأولى وتشديدها، جمعه مكاكيك ومكاكي: مكيال يسع صاعًا ونصفًا، قال النووي (٢): ولعل المراد بالمكّوك ها هنا المد، وكذا قال البغوي، وقال في \"النهاية\" (٣): أراد بالمكوك المد، وقيل الصاع، والأول أشبه، لأنه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمد، وقال القرطبي: الصحيح أن المراد به ههنا المد بدليل الرواية الأخرى.\nوغرض المصنف بذكر رواية شعبة بيان الاختلاف فيها وفي رواية عبد الله بن عيسى، فرواية عبد الله بن عيسى معنعنة، ورواية شعبة فيه التحديث والسماع، والثاني أن في رواية عبد الله بن عيسى: عن عبد الله بن جبر منسوبًا إلى جده، فقد قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): وأخرج أبو داود من طريق شريك القاضي عن عبد الله بن عيسى فقال: عن عبد الله بن جبر، نسبه لجده، وفي رواية شعبة ذكر منسوبًا إلى أبيه: عبد الله بن عبد الله بن جبر، والاختلاف الثالث، أن في رواية عبد الله بن عيسى ذكر رطلين، ولم يذكر رطلين في رواية شعبة.\n_________\n(١) أخرجه النسائي (ح ٧٣)، وأخرجه مسلم أيضًا (ح ٣٢٥).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٢٤٤).\n(٣) (٤/ ٣٥٠).\n(٤) (٥/ ٣٨٣).","vol":"1","page":483},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ آدم، عن شَرِيكٍ قَالَ: عن ابْنِ جَبْرِ بْنِ عَتِيكٍ. قَالَ: وَرَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى قَالَ: \"حدَّثَنِي جَبْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: الصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ صَاعُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ،\n===\n(قال أبو داود: ورواه يحيى بن آدم، عن شريك قال) أي شريك: (عن ابن جبر بن عتيك) بفتح العين المهملة، وكسر المثناة الفوقانية، وسكون الياء، وهذه الرواية تخالف (١) الروايتين المتقدمتين بترك اسم الراوي وهو عبد الله بن عيسى (قال) أي أبو داود: (ورواه سفيان، عن عبد الله بن عيسى قال: حدثني جبر بن عبد الله) غرضه بذكر رواية سفيان: أنها تخالف الروايات الثلاثة السابقة؛ بأن رواية سفيان قلب فيها اسم الراوي، فهذا من مقلوب الأسماء.\n(قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: الصالح خمسة أرطال) وقد أسقط عنه (٢) الكسر، وإلّا فالصاع خمسة أرطال وثلث عند أهل الحجاز.\n(قال أبو داود: وهو) أي الصاع الذي هو خمسة أرطال وثلث. (صاع ابن أبي ذئب) وابن أبي ذئب هذا لا يدرى من هو على التعيين، فإن كان هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن حارث بن أبي ذئب المدني (٣)، فلعل وجه نسبة الصاع إليه أنه كان عنده صاع كصاع النبي - ﷺ - فاصطنع الناس أصواعهم (٤) على صاعه، فاشتهر الصاع لأجل ذلك، أو لعله\n_________\n(١) هذا إذا ثبت أنه ترك الواسطة وإلَّا فيحتمل بيان الاختلاف فقط. (ش).\n(٢) كما سيجيء في \"باب في مقدار الماء الذي يجزئ به الغسل\". (ش).\n(٣) وبه جزم ابن رسلان. (ش).\n(٤) وفي الأصل: \"صواع\" وهو تحريف.","vol":"1","page":484},{"text":"وَهُوَ صَاعُ النَّبِيِّ - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>(٤٥) بَابٌ: في الإِسْرَافِ في الْوُضُوءِ</span>\n٩٦ - حَدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ\n===\nكان يصنعها، والله تعالى أعلم. وإن كان غيره فلعله يكون من الأمراء، وكان أمر بذلك الصاع فنسب إليه.\n(وهو صاع (١) النبي - ﷺ -) الضمير يرجع إلى صاع ابن أبي ذئب، أي صاعه مساو لصاعه - ﷺ -، أو يرجع إلى الصاع الذي هو خمسة أرطال وثلث، ومؤداهما واحد، وهذا مبني على ظن المؤلف - رحمه الله تعالى- تبعًا لأهل الحجاز، وأما عند أهل العراق فصاع النبي - ﷺ - كان أربعة أمداد ثمانية أرطال، لأن المد عندهم رطلان.\n\n(٤٥) (بَابٌ في الإِسْرَافِ (٢) في الْوُضُوءِ)\nوفي نسخة: \"كراهة الإسراف في الماء\"، والإسراف: تجاوز الحد، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٣)، أي لا تجاوزوا عن الحد وهو أكل ما لا يحل، وههنا يتحقق (٤) إما بالزيادة على الثلاث في غسل الأعضاء، أو بإراقة الكثير من الماء، كما يفعله الموسوس، وهذا كله يدخل في الكراهة.\n٩٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد (٥)\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": هو مسلَّم، لكن لما كان العراقي أيضًا شائعًا في زمنه ﵊، فالأحوط في إيجاب الفطر الأخذ بالزائد. (ش).\n(٢) ولله در المصنف إذ بوب أولًا ما يندب في استعمال الماء من المقدار، ثم نبَّه بالترجمتين على أن لا يسرف ولا يُبَذِّر. (ش).\n(٣) سورة الأعراف: الآية ٣١.\n(٤) كذا في \"الغاية\" لكن ترجمة النسخة تؤيد الثاني. (ش).\n(٥) حماد بن سلمة. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":485},{"text":"قال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ أَبِى نَعَامَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ\n===\nقال: حدثنا سعيد الجريري) (١) هو سعيد بن إياس، بمكسورة وخفة تحتية وإهمال سين، الجريري، بضم الجيم وفتح راء أولى وكسر الثانية بينهما ياء ساكنة، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، قال ابن حبان: كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، روى عنه في الاختلاط: يزيد بن هارون وابن المبارك وابن أبي عدي (٢)، وكل ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط. إنما الصحيح عنه: حماد بن سلمة والثوري وشعبة وابن علية، وعبد الأعلى من أصحهم سماعًا منه، قبل أن يختلط بثمان سنين، مات سنة ١٤٤ هـ.\n(عن أبي نعامة) بفتح النون، قيس بن عباية، بفتح أوله وتخفيف الموحدة ثم تحتانية، الحنفي الرماني، وقيل: الضبي البصري، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم، مات بعد سنة ١١٠ هـ.\n(أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه) واسمه يزيد (٣) بن عبد الله بن مغفل، صرَّح بذلك الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤)، في ذكر ابن عبد الله بن مغفل، فقال: عن أبيه في ترك الجهر بالبسملة، وعنه أبو نعامة الحنفي،\n_________\n(١) نسبة إلى جرير بن عبادة. \"الغاية\". (ش).\n(٢) وفي الأصل: \"علي\" وهو تحريف، والصواب \"عدي\"، انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٧).\n(٣) قال صاحب \"الغاية\": لم أقف على اسمه، وقال ابن رسلان: قيل: اسمه يزيد، وكان له سبعة أولاد. (ش).\n(٤) (١٢/ ٣٠٢).","vol":"1","page":486},{"text":"يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا، فَقَالَ: أَىْ بُنَىَّ، سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِى هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ\n===\nقيل: اسمه يزيد. قلت: ثبت كذلك في \"مسند أبي حنيفة\" للبخاري (١)، انتهى.\nقلت: وابن عبد الله بن مغفل هذا لعله يكون هو الذي روى عنه أبو نعامة، وذكره الحافظ في \"تهذيبه\"، ويمكن أن يكون هذا ابنًا لعبد الله بن مغفل آخر غير هذا المذكور في \"التهذيب\"، فإن كان آخر فلا ندري ما اسمه.\n(يقول (٢): اللهم إني أسألك القصر) قال في \"المجمع\": القصر: هو الدار الكبيرة المشيدة، لأنه يقصر فيه الحرم، وفي \"القاموس\": القصر: المنزل أو كل بيت من حجر (الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، قال) أي عبد الله لابنه: (أي) حرف نداء (بني) تصغير للابن مضافًا إلى ياء المتكلم، (سل الله الجنة) أي ينبغي لك (٣) أن تكتفي على سؤال الجنة، ولا تجاوز في السؤال عن الحد بزيادة القيود والأوصاف.\n(وتعوَّذ به من النار، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنه) ضمير للشأن (سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون) بتخفيف الدال،\n_________\n(١) هو عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي البخاري، المعروف بالأستاذ، المتوفى سنة ٣٤٠ هـ. انظر: \"الجواهر المضيئة\" (٢/ ٣٤٤).\n(٢) وذكر المزي يحتمل أن يكون الداعي بهذا الدعاء يزيد، انظر: \"شرح سنن أبي داود\" للعيني (١/ ٢٦٤).\n(٣) قيل: لأنه جراءة على الله تعالى، فإن دخول الجنة مجرد فضل منه تعالى، بسطه في \"التقرير\". (ش).","vol":"1","page":487},{"text":"فِي الطّهُورِ وَالدُّعَاءِ\". [جه ٣٨٦٤ مختصرًا، حم ٤/ ٨٦ - ٥/ ٥٥، ك ١/ ١٦٢، ق ١/ ١٩٧، حب ٦٧٦٣]\n===\nيتجاوزون عن الحد الشرعي (في الطهور) بالضم ويفتح، وقد أجمعت الأمة على كراهة الإسراف في الطهور، وضوءًا كان أو غسلًا أو طهارة عن النجاسات، وإن كان على شَطِّ نهر جار كما ورد في الحديث.\n(والدعاء) (١) قال القاري (٢): قال التوربشتي: أنكر الصحابي على ابنه في هذه المسألة حيث طمح إلى ما لم يبلغه عملًا، وسأل منازل الأنبياء، وجعلها من الاعتداء في الدعاء لما فيها من التجاوز عن حد الأدب، ونظر الداعي إلى نفسه بعين الكمال، وقيل: إنه سأل شيئًا معينًا ربما كان مقدرًا لغيره، انتهى ملخصًا.\nقلت: وهذه التأويلات كلها تكلفات بعيدة، فإن القصر الأبيض لا يختص بالأنبياء وليس هو شيئًا معينًا، والأوجه فيه أن يقال: إن إنكار عبد الله بن مغفل على ابنه من قبيل سد باب الاعتداء، فإنه - رضي الله تعالى عنه - لما سمع ابنه يدعو بهذا الدعاء خاف عليه أن يتجاوز (٣) عنه إلى ما فيه الاعتداء حقيقة، فنبه على ذلك وأنكر عليه سدًّا للباب، والله أعلم بالصواب.\n_________\n(١) قيل: المراد في الحديث التكلف في السجع كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقيل: أن يأتي بغير جوامع الكلم، وقيل: أن يأتي بغير المأثور، انتهى. \"الغاية\" و\"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٢٥).\n(٣) ألا ترى أنه قد ورد الترغيب في دعاء الفردوس. (ش).","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>(٤٦) بابٌ فِى إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ</span>\n٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قال: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أَبِى يَحْيَى،\n===\n\n(٤٦) (بَابٌ: في إِسْبَاغِ الْوُضوءِ)\nأي في إكماله بحيث لا ينقص من فرائضه وسننه وآدابه، ويجتنب عن مكروهاته\n٩٧ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: ثنا يحيى) القطان، (عن سفيان) الثوري (قال: حدثني منصور) بن المعتمر، (عن هلال بن يساف) (١) بكسر التحتانية، ثم مهملة، ويقال: ابن إساف الأشجعي مولاهم، الكوفي، أدرك عليًّا، وروى عن غيره من الصحابة، وثقه ابن معين والعجلي وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي يحيى) الأعرج المُعَرْقَبُ مولى عبد الله بن عمرو، اسمه مِصْدع (٢) بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه، وإنما قيل له المعرقب، لأن الحجاج أو بشر بن مروان عرض عليه سبَّ علي فأبى فقطع عُرْقُوبه، قال في \"الميزان\": صدوق، قد تكلم فيه، قال السعدي: زائغ جائر عن الطريق، انتهى، قال الحافظ في \"التهذيب\": وقد ذكره الجوزجاني في \"الضعفاء\" فقال: زائغ جائر عن الطريق، يريد بذلك ما نسب إليه من التشيع، بل الجوزجاني مشهور بالنصب والانحراف، فلا يقدح فيه قوله، وقال ابن حبان في \"الضعفاء\": كان يخالف الأثبات في الروايات، وينفرد بالمناكير.\n_________\n(١) فيه ثلاث لغات: فتح الياء وكسرها والهمزة \"الغاية\"، وضعَّف ابن رسلان كسر الياء، وقال أيضًا: لا ينصرف للعَلَمية ووزن الفعل. وقال المجد في \"القاموس\" في يسف: بالكسر وقد يفتح، انتهى. وهذا يدل على ترجيح الكسر والانصراف، لأن الياء أصلية. (ش).\n(٢) وقيل: اسمه زياد \"الغاية\"، قاله يحيى بن معين. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":489},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - رَأَى قَوْمًا وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ، فَقَالَ: \"ويلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ\". [خ ٦٠، م ٢٤١، ن ١١١، جه ٤٥٠]\n===\n(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص: (أن رسول الله - ﷺ - رأى قومًا) من الصحابة توضؤوا وهم عجال، فلم يسبغوا الوضوء (وأعقابهم تلوح) أي يلمع المحل الذي لم يصبه الماء، ولعلهم لم يعلموا بعدم إصابة الماء، أو ظنوا بأن للأكثر حكم الكل، فاكتفوا بغسل أكثر القدم.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (ويل) (١) في \"النهاية\": الويل: الخزي والهلاك والمشقة من العذاب، والتنوين فيه للتعظيم، أي هلاك عظيم وعقاب أليم، (للأعقاب) (٢) أي لأصحابها (من النار، أسبغوا (٣) الوضوء) بضم الواو، أي: أتمُّوه بإتيان جميع فرائضه وسننه، أو أكملوا واجباته، ولو ثبت فتح الواو لكان له وجه وجيه أيضًا، أي أوصلوا ماء الوضوء إلى الأعضاء بطريق الاستيعاب.\nوهذا الحديث دليل على وجوب غسل الرجلين، وأن المسح لا يجزئ (٤)، وعليه جمهور الفقهاء، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع، وأيضًا يدل على ذلك أن جميع من وصف وضوء رسول الله - ﷺ - في مواطن مختلفة وعلى صفات متعددة متفقون على غسل\n_________\n(١) وقال ابن دقيق العيد: صح الابتداء بالنكرة لأنه دعاء. (ش).\n(٢) قال ابن دقيق العيد: اللام للعهد. (ش).\n(٣) وفي \"التقرير\": السياق قال على أن المراد منه ها هنا غسل الأعضاء بحيث لا يبقى جفة في شيء منها، فالأمر على هذا على معناه الحقيقي من الوجوب. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: وحكي عن بعض أهل الظاهر والإمامية إيجاب المسح، وأن الغسل لا يجزئ، انتهى. (ش).","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>(٤٧) بَابُ الْوُضُوءِ في آنِيَةِ الصُّفْرِ</span>\n===\nالرجلين، ولم ينقل عنهم مسحهما إلَّا في حالة لبس الخفين، ولو كان مسح الرِّجلين جائزًا لَفَعَلَه - ﷺ - مرة من الدهر لبيان الجواز، ولنُقل عنه - ﷺ -.\nفهذا يرشد إلى أن المسح على الرجلين لا يجوز قطعًا خلافًا للروافض استدلالًا بقراءة جر \"أرجلكم\" ولا استدلال فيه، لأنها تعارضها قراءة النصب، ويحمل الجر على المجاورة كما في \"جحر ضب خرب\" و\"ماء شن بارد\" و\"عذاب يوم أليم\" و\"حور عين\"، لأنه المؤيد بالسنة الثابتة المستفيضة.\nوقد بينت السنة أن قراءة الجر محمول على حالة التخفف، وفائدة الجر ما قال الزمخشري: من أن الأرجل مظنة الإفراط في الصب عليها، وأخرج مسلم هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو تامًّا، وهذا لفظه: قال: رجعنا مع رسول الله - ﷺ - من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء الطريق، تعجل قوم عند العصر، فتوضؤوا وهم عجال، فانتهينا إليهم، الحديث.\n\n(٤٧) (بَابُ الْوُضُوءِ (١) في آنيَةِ (٢) الصُّفْرِ)\n_________\n(١) لعل الغرض منه أنه وقع الاختلاف قديمًا، فنقل ابن قدامة كراهة الصفر عن ابن عمر - ﵄ - وزاد في هامش الكانفورية عن السيوطي: وأبي هريرة - ﵁ - لرواية ابن أبي شيبة أنه ﵇ كرهه، [انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" ١/ ٥٢، كتاب الطهارة، باب في الوضوء في النحاس]، والأوجه عندي أن حديث ابن أبي شيبة لو صح حُمل على الأولوية وترك التنعم، لأن روايات الباب أشهر. قال ابن رسلان: وكره الغزالي الوضوء من النحاس، ورواه عن ابن عمر وأبي هريرة وشعبة، لأن الملائكة تكره رائحته، لكن الحديث يرده، انتهى. (ش).\n(٢) قال الموفق (١/ ١٠٥): سائر الآنية مباح اتخاذها، سواء كانت ثمينة كالياقوت والبلور والصفر، أو غير ثمينة كالخشب والخزف في قول عامة أهل العلم، إلَّا أنه روي عن ابن عمر أنه كره الوضوء في الصفر والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك، =","vol":"1","page":491},{"text":"٩٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ\n===\nقال في \"لسان العرب\": والصفر (١): النحاس الجيد، وقيل: ضرب من النحاس، وقال في \"المجمع\": بضم صاد وسكون فاء وكسر الصاد لغة، وهو الذي تعمل منه الأواني، وذكر صاحب \"غياث اللغات\" في ترجمته بالفارسية \"روئين\" الذي يقال له بالهندية \"كانسي\".\n٩٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري (قال: ثنا حماد) بن سلمة بن دينار (قال: أخبرني صاحب لي) وفي السند (٢) الآتي عن رجل، قال الحافظ في \"التقريب\": حماد بن سلمة عن رجل أو عن صاحب له عن هشام بن عروة هو شعبة، وقال في \"تهذيب التهذيب\": حماد بن سلمة عن رجل، وفي رواية: عن صاحب له، عن هشام بن عروة، روي عن حماد عن شعبة عن هشام، انتهى. فعلم بذلك أن المبهم في هذا السند هو شعبة، لكن لم نقف على وجه إبهامه.\n(عن هشام بن عروة) بن الزبير، (أن عائشة) الصديقة أم المؤمنين، وهذا السند فيه انقطاع، كما تدل عليه الرواية الآتية لأن هشامًا لم يدرك عائشة - رضي الله تعالى عنها -.\n_________\n= واختار ذلك أبو الفرج المقدسي، لأن الماء يتغير فيها، وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس، وقال الشافعي - ﵀- في أحد قوليه: ما كان ثمينًا فهو محرم، لأن تحريم الأثمان (الذهب والفضة) تنبيه على تحريم أعلاها، ولأن فيها سرفًا وكسرًا لقلوب الفقراء، ولنا هذا الحديث ... إلخ. (ش).\n(١) ترجم الصفر في \"غياث اللغات\" \"كانسي\" وفي \"غاية الأوطار\" \"يبتل\"، وقول صاحب \"الغاية\" صحيح، كذا في \"الفتاوى الرشيدية\". (ش).\n(٢) وأخرج الحاكم (١/ ٢٧٤) عن حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه بدون ذكر الصاحب. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":492},{"text":"قَالَتْ: \"كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - في تَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ\". [ق ١/ ٣١، ك ١/ ١٦٩]\n٩٩ - حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ حَدَّثَهُمْ، عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عن رَجُلٍ، عن هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِي - ﷺ - بِنَحْوِهِ. [انظر الحديث السابق]\n===\n(قالت: كنت أغتسل (١) أنا ورسول الله - ﷺ - في تَور من (٢) شبه) التور بفتح التاء المثناة الفوقانية، وسكون واو: إناء صغير من صفر أو حجارة، يشرب منه، وقد يتوضأ منه، ويؤكل منه الطعام، والشبه بفتحتين: شيء يشبه الصفر بالفارسية \"برنج\" كذا في \"المجمع\". وقال في \"غياث اللغات\": شبه: برنج كه أز تركيب مس وجست حاصل شود، بهندي آنرا بيتل كَويند.\nودل هذا الحديث على جواز الوضوء من أواني الصفر والشبه، ومشابهته في اللون بالذهب يوهم عدم الجواز، فدفع ذلك الوهم.\n٩٩ - (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب، (أن إسحاق بن منصور) السلولي بفتح المهملة، واللَّامين، مولاهم أبو عبد الرحمن، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان فيه تشيع، وقد كتبت عنه، مات سنة ٢٠٤ هـ أو ٢٠٥ هـ، (حدثهم) أي جماعة فيهم محمد بن العلاء (عن حماد بن سلمة، عن رجل) هو شعبة، كما تقدم في السند السابق (عن هشام) ابن عروة، (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، عن النبي - ﷺ - بنحوه).\n_________\n(١) وفيه الوضوء فناسب الترجمة. (ش).\n(٢) أي: نأخذ منه الماء. كذا في \"الغاية\". لعله ذكر الحديث لأنه يشبه الصفر أو لعدم القائل بالفصل. (ش).","vol":"1","page":493},{"text":"١٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ وَسَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي سَلَمَةَ،\n===\nوالغرض من إيراد هذا السند وإعادته بيان أن الحديث مخرج بطريقين: منقطع ومتصل، ولكن في كلا طريقيه راوٍ مجهول، فسند حديث موسى بن إسماعيل منقطع؛ لأن هشام بن عروة لم يدرك عائشة - رضي الله تعالى عنها -، وسند حديث محمد بن العلاء متصل؛ لأنه ذكر فيه عروة بين هشام وعائشة - ﵂ -.\n١٠٠ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (قال: ثنا أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم، الطيالسي البصري، ثقة ثبت، مات سنة ٢٢٧ هـ، (وسهل (١) بن حماد) العنقزي، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" للحافظ - وفي \"الخلاصة\": العنبري بمهملة ونون وموحدة مفتوحة وراء - بفتح أوله والقاف وزاي معجمة، نسبة إلى العنقز وهو الريحان، أبو عتاب بمهملة ومثناة فوقانية مشددة ثم موحدة، الدلال البصري، عن أحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح الحديث شيخ، وقال العجلي وأبو بكر البزار: ثقة، قال ابن عدي: سهل بن حماد الأزدي، ثنا محمد بن علي، ثنا عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن سهل بن حماد فقال: من سهل؟ قلت: الذي مات قريبًا الأزدي، ثنا عنه أبو مسلم وغيره، فقال: ما أعرفه، قال ابن عدي: هو كما قال، لأنه ليس بالمعروف، قال الحافظ: قلت: فأظن هذا غير أبي عتاب، مات سنة ٢٠٨ هـ.\n(قالا: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون، بكسر\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٤٩)، و\"الخلاصة\" (ص ١٥٧).","vol":"1","page":494},{"text":"عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ قَالَ: \"جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ\". [خ ١٩٧، جه ٤٧١، حم ٤/ ٤٠، ق ١/ ٣١]\n===\nالجيم وضم معجمة وبنون، واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار، أبو عبد الله المدني، نزيل بغداد، مولى آل الهدير، وإنما سمي الماجشون، لأن وجنتيه كانتا حمراوين فسمي بالفارسية \"ماه كَون\"، فشبه وجنتاه بالقمر فعربه أهل المدينة، فقالوا: الماجشون، ثقة فقيه مصنف، مات سنة ١٦٤ هـ.\n(عن عمرو بن يحيى، عن أبيه)، هو يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني، قال ابن إسحاق: كان ثقة، وقال النسائي وابن خراش: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الله بن زيد) بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مَبْذُول بن عَمْرو بن غَنْم بن مَازِن (١) بن النجار، أبو محمد الأنصاري الخزرجي المدني، وقيل في نسبه غير ذلك، شارك وحشي بن حرب في قتل مسيلمة الكذاب، قتل بالحرة في آخر ذي الحجة سنة ٦٣ هـ. (قال: جاءنا رسول الله - ﷺ -، فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ).\nوقد مرَّ شرح اللغات في الحديث السابق (٢)، وفي الحديث دلالة على جواز الاستخدام في الوضوء.\n_________\n(١) وفي الأصل: \"مالك\" وهو تحريف، والصواب \"مازن\"، انظر: \"أسد الغابة\" (٢/ ٦٠٣)، و\"الاصابة\" (٤/ ٧٢).\n(٢) وهل الحديث مختصر من الطويل الذي سيجيء؟ ظاهر كلام العيني نعم، هكذا قال ابن رسلان في آخر الحديث: وسيأتي الحديث بتمامه. (ش).","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>(٤٨) بَابٌ: في التَّسْمِيَةِ عَلَى الْوُضُوءِ</span>\n١٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\n\n(٤٨) (بَاب: في التَّسْمِيَةِ عَلَى الْوُضُوءِ)\nهل هو واجب أم لا؟ ومعناه ذكر اسم الله تعالى في ابتداء الوضوء كقوله: بسم الله. قال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١): وفي \"المحيط\": لو قال: لا إله إلَّا الله، أو الحمد لله، أو أشهد أن لا إله إلَّا الله يصير مقيمًا للسنة، وهو بناء على أن لفظ \"اسم\" أعم بما ذكرنا، انتهى.\n١٠١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا محمد بن موسى) بن أبي عبد الله الفطري، قال الحافظ في \"التقريب\": بكسر الفاء وسكون الطاء: وفي \"الخلاصة\": القطري، بكسر القاف، المدني مولاهم، أبو عبد الله بن أبي طلحة، قال أبو حاتم: صدوق، صالح الحديث كان يتشيع، وقال الترمذي: ثقة، وقال أبو جعفر الطحاوي: محمود في روايته.\n(عن يعقوب بن سلمة) الليثي (٢) مولاهم، حجازي، قال في \"الميزان\": شيخ ليس بعمدة، قال البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة.\n(عن أبيه) هو سلمة الليثي مولاهم، المدني، روى عن أبي هريرة،\n_________\n(١) (١/ ١٩).\n(٢) دون أبي سلمة كما توهم الحافظ. (ش).\n[قلت: إنما المتوهم هو الحاكم كما ذكر الشيخ في \"البذل\"، وأما الحافظ فقد نبه على خطأ الحاكم وتعقبه في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٧٢)، وقال: والصواب أنه الليثي، وانظر أيضًا: \"تلخيص المستدرك\" (١/ ١٤٧)].","vol":"1","page":496},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ». [جه ٣٩٩، حم ٢/ ٤١٨، ق ١/ ٥٠]\n===\nوعنه ابنه يعقوب بن سلمة، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا، في ذكر اسم الله على الوضوء.\nقلت: وهم الحاكم في \"المستدرك\" لما أخرج هذا الحديث، فزعم أن يعقوب هذا ابن الماجشون (١)، وسببه أن في روايته عن يعقوب بن أبي سلمة عن أبيه، فظن أنه الماجشون، وهو خطأ، وسلمة هذا لا يعرف إلَّا في هذا الخبر.\n(عن أبي هريرة (٢) قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) نقل القاري (٣) عن القاضي: أن هذه الصيغة حقيقة في نفي الشيء، ويطلق مجازًا على نفي الاعتداد به لعدم صحته، كقوله ﵊: \"لا صلاة إلَّا بطهور\"، وعلى نفي كماله، كقوله ﵊: \"لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد\"، انتهى.\n_________\n(١) ولذا صححه، ولا يصح، انتهى. قال ابن رسلان: هو وهم منه. (ش).\n(٢) قال ابن العربي (١/ ٤٣): الحديث ضعيف، قال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا، لكنه أوجب التسمية. وقال ابن دقيق العيد: للحديث طرق تدل على أن له أصلًا. انتهى. قال ابن رسلان: أجاب أصحابنا وغيرهم عن الحديث بأجوبة: اْحسنها أنه ضعيف. والثاني: المراد الكامل، والثالث: جواب ربيعة شيخ مالك والدارمي وغيرهما أن المراد منه النية، وسيجيء، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني وبعض المعتزلة إلى أن هذه الصيغة التي دخل فيها النفي على ذوات شرعية مجملة، لأنها مترددة بين نفي الكمال ونفي الصحة كما في \"لا نكاح إلَّا بولي\"، و\"لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب\"، و\"لا صيام لمن لم يُبَيِّتِ الصيام من الليل\". (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٠٦).","vol":"1","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفاتفقت الأمة على أن النفي في الجملة الأولى محمول على نفي الصحة، وأما في الجملة الثانية فاختلف فيها، فعند الظاهرية (١) وإسحاق وأحمد بن حنبل (٢) محمول على الصحة، وذهبت الشافعية والحنفية ومالك (٣)، وربيعة إلى أن التسمية في ابتداء الوضوء سنة، قاله الشوكاني، فالنفي عندهم محمول على الكمال.\nاحتج الأولون بأحاديث الباب، ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال، فإنها تتعاضد لكثرة طرقها وتكتسب قوة، فالظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا.\nواحتج الآخرون بحديث ابن عمر مرفوعًا: \"من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورًا لأعضاء وضوئه\"، أخرجه الدارقطني والبيهقي (٤)، وفيه أبو بكر الداهري، وهو متروك ومنسوب إلى الوضع. ورواه الدارقطني والبيهقي أيضًا من حديث أبي هريرة، وفيه مرداس بن محمد عن أبيه وهما ضعيفان. ورواه الدارقطني والبيهقي أيضًا من حديث ابن مسعود، وفي إسناده يحيى بن هشام [السمسار]، هكذا في \"النيل\" (٥)، وفي \"الميزان\": يحيى بن هاشم السمسار وهو متروك، قالوا: فيكون هذا الحديث قرينة لتوجه ذلك\n_________\n(١) مطلقًا \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) في العمد \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ٤٣): سئل مالك عن ذلك فقال: أتريد أن تذبح، إشارة إلى أن التسمية مشروعة عند الذبح. وقال: ولا دليل عند الشافعي على الاستحباب. (ش).\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (٢٣٣)، و\"السنن الكبرى\" (١/ ٤٤).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":498},{"text":"١٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ\n===\nالنفي إلى الكمال لا إلى الصحة، كحديث: \"لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد\" (١)، ويؤيد ذلك حديث: \"ذكر الله على قلب المؤمن سمَّاه أو لم يسم\" (٢). وأما الجواب عن ضعف هذا الحديث فإنه تعاضد لكثرة طرقه واكتسب قوة كما قلنا في ضعف حديث الباب، واحتج البيهقي على عدم الوجوب بحديث: \"لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله\" (٣).\nواستدل الطحاوي بحديث مهاجر بن قنفذ أنه سلَّم على رسول الله - ﷺ - وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوئه قال: \"إنه لم يمنعني أن أرد عليك، إلَّا أني كرهت أن أذكر الله إلَّا على طهارة\"، على أن التسمية عند الوضوء ليس بلازم، لأن النبي - ﷺ - كره ذكر الله إلَّا على طهارة، فيدل على أنه ﵇ توضأ قبل أن يذكر، فالراجح أن يقال: لا وضوء متكاملًا في الثواب.\nقال ابن الهمام في شرح \"الهداية\" (٤): (فرع): نسي التسمية فذكرها في خلال الوضوء فسمَّى؟ لا يحصِّل السنة، بخلاف نحوه في الأكل، كذا في \"الغاية\" معلِّلًا بأن الوضوء عمل واحد بخلاف الأكل، وهو إنما يستلزم في الأكل تحصيل السنة في الباقي لا استدراك ما فات.\n١٠٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح) هو أحمد بن عمرو بن\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١٥٥٢).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٩/ ٢٤٠)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٢٩٥). بلفظ: \"اسم الله على كل مسلم\".\n(٣) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٨٥٨)، وابن ماجه في \"سننه\" (٤٦٠).\n(٤) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢١).","vol":"1","page":499},{"text":"قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عن الدَّرَاوَرْدِيِّ قَالَ: وَذَكَرَ رَبِيعَةُ أَنَّ تَفْسِيرَ حَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ\": أَنَّهُ الَّذِي يَتَوَضَّاُ وَيَغْتَسِلُ، وَلَا يَنْوِي وُضُوءًا لِلصَّلَاةِ، وَلَا غُسْلًا لِلْجَنَابَةِ.\n===\nعبد الله بن السرح بمهملات، الأموي مولاهم، أبو الظاهر، المصري، قال النسائي: ثقة، مات سنة ٢٥٥ هـ. (قال: حدثنا ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد، المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، وقال ابن سعد: عبد الله بن وهب كان كثير العلم، ثقة فيما قال: حدثنا، وكان يدلس، مات سنة ١٩٧ هـ.\n(عن الدراوردي) عبد العزيز (قال) أي الدراوردي: (وذكر ربيعة) (١) هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي مولاهم، أبو عثمان، المدني، المعروف بربيعة الرأي، وثقه العجلي وأبو حاتم والنسائي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت أحد مفتي المدينة، وقال مصعب الزبيري: أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالمدينة، وكان يحصى في مجلسه أربعون مُعْتَمًّا، قال مطرف: سمعت مالكًا يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا أهل العراق، تقولون: ربيعة الرأي، والله ما رأيت أحدًا أحفظ لسنة منه، مات سنة ١٣٦ هـ بالمدينة أو بالأنبار.\n(أن تفسير حديث النبي - ﷺ -: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\" أنه الذي (٢) يتوضأ ويغتسل، ولا ينوي وضوءًا للصلاة، ولا غسلًا للجنابة)\n_________\n(١) قال صاحب \"لغاية\": أي ذكره في جملة كلامه، يعني ذكر أشياء وذكر تفسير هذا الحديث، انتهى. قلت: لا يحتاج إلى ذلك بل يذكر لفظ ذكر في المذاكرة. (ش).\n(٢) قال في \"التقرير\": وبهذا أوله الشافعي أيضًا. (ش).","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>(٤٩) بابٌ فِى الرَّجُلِ يُدْخِلُ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا</span>\n١٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِى رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ،\n===\nففسر ربيعة حديث: \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\" بالنية لا التسمية، فإن من توضأ أو اغتسل ونوى الصلاة ورفع الجنابة، فكأنه ذكر بقلبه اسم الله عليه، وان لم يذكر اسم الله عليه بلسانه، فذكر اسم الله عليه عنده هو الذكر القلبي لا اللساني، ولهذا حمله على النية، وهذا التفسير لا يخالف الحنفية، فإن عندهم أيضًا النية شرط لتحصيل الأجر والثواب ولكونه عبادة، وإن لم يكن شرطًا لكونه مفتاحًا للصلاة (١).\n\n(٤٩) (بَاب: في الرَّجُلِ يُدْخِلُ (٢) يَدَهُ في الإنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا)\nهل يجوز ذلك أم لا؟ وهل يتنجس الماء بذلك أم لا؟\n١٠٣ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي، (عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن أبي رزين) مسعود بن مالك، (وأبي صالح) السمان، (عن أبي هريرة) - رضي الله تعالى عنه -. (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا قام أحدكم من الليل)، وفي رواية:\n_________\n(١) والمسألة خلافية شهيرة، قال ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٨): اختلف علماء الأمصار هل النية شرط في صحته أم لا؟ بعد اتفاقهم على اشتراطها في العبادات، فذهب فريق إلى أنها شرط، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور وداود، وذهب فريق آخر إلى أنها ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنبفة والثوري، وسبب الخلاف ترددهم في أن الوضوء عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى، أو العبادة المفهومة المعنى، والوضوء فيه شِبْه بالعبادتين ... إلخ. (ش).\n(٢) قال ابن العربي (١/ ٤١): في الحديث ثلاث مسائل. (ش).","vol":"1","page":501},{"text":"فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ\". [خ ١٦٢، م ٢٧٨، ت ٢٤، ن ١، جه ٣٩٣، حم ٢/ ٢٥٣].\n===\n\"إذا استيقظ أحدكم من نومه\" (فلا يغمس يده (١) في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده).\nوالحديث يدل على المنع من إدخال اليد في إناء الوضوء عند الاستيقاظ من الليل، لكن التعليل بقوله: \"فإنه لا يدري أين باتت يده\"، يقضي بإلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة.\nقال النووي (٢): ومذهبنا ومذهب المحققين، أن هذا الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء كان قام من نوم الليل، أو نوم النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم، انتهى.\nوقد اختلف في ذلك، فالأمر عند الجمهور على الندب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل (٣)، وقال الشافعي (٤) وغيره من العلماء:\n_________\n(١) أي كفه بالإجماع. \"الغاية\". (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ١٨٤).\n(٣) وسَوَّى الحسن في نوم الليل والنهار، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٣٦٣)، وحكاه ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٩) عن داود، وحكى في المسألة أربعة مذاهب. (ش).\n(٤) قال الباجي (١/ ٤٨): الأظهر في سبب الحديث أن اليد في النوم لا تخلو عن الحك وغيره، انتهى. وفي \"المنهل\" (١/ ٣٢٧): قال ابن القيم: هذا الحكم تعبدي، ورد بأنه محلل في الحديث بقوله: \"فإنه\" إلى آخره، والصحيح أنه معلل بمبيت الشيطان على يده كمبيته على خيشومه، فإن اليد أعم الجوارح كسبًا فيناسب مبيته ... إلخ. (ش).","vol":"1","page":502},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإن السبب (١) في الحديث، أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق، فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على قذر غير ذلك، فإذا كان هذا سببًا للحديث عرفت أن الاستدلال به على وجوب غسل اليدين قبل الوضوء ليس على ما ينبغي.\nوقال في \"البدائع\" (٢): ولنا أن الغسل لو وجب لا يخلو إما أن يجب من الحدث أو من النجس، لا سبيل إلى الأول؛ لأنه لا يجب الغسل من الحدث إلَّا مرة واحدة، فلو أوجبنا عليه غسل العضو عند استيقاظه من منامه مرة، ومرة عند الوضوء، لأوجبنا عليه الغسل عند الحدث مرتين ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن النجس غير معلوم بل هو موهوم، وإليه أشار في الحديث، حيث قال: \"فإنه لا يدري أين باتت يده\"، وهذا إشارة إلى توهم النجاسة واحتمالها، فيناسبه الندب إلى الغسل واستحبابه لا الإيجاب، لأن الأصل هو الطهارة، فلا تثبت النجاسة بالشك والاحتمال، فكان الحديث محمولًا على نهي التنزيه لا التحريم.\nفحملهم هذا الحديث على الاستحباب، مثل ما روى أبو هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه\" (٣)، فإنه قد وقع الاتفاق على عدم وجوب الاستنثار عند الاستيقاظ، ولم يذهب إلى وجوبه أحد،\n_________\n(١) وأبطله في حاشية \"الإحكام\" (١/ ٢٠) لابن دقيق العيد، ومال إلى أن أمر الغسل تعبدي. (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٠٨).\n(٣) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (ح ٢٣٨).","vol":"1","page":503},{"text":"١٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ- يَعْنِى بِهَذَا الْحَدِيثِ - قَالَ: مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا رَزِينٍ. [انظر الحديث السابق]\n===\nوإنما شرع لأنه يذهب ما يلصق بمجرى النفس من الأوساخ وينظفه، فيكون سببًا لنشاط القارئ وطرد الشيطان.\nوالجمهور من المتقدمين والمتأخرين على أنه لا ينجس الماء إذا غمس يده فيه، وحكي عن الحسن البصري (١) أنه ينجس إن قام من نوم الليل. وحكي أيضًا عن إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري، قال النووي: وهو ضعيف جدًّا، فإن الأصل في اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك، وقواعد الشريعة متظاهرة على هذا.\n١٠٤ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق، (عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن أبي صالح) السمان، (عن أبي هريرة -﵁ -، عن النبي - ﷺيعني بهذا الحديث - قال) أي عيسى بن يونس عن الأعمش: (مرتين أو ثلاثًا، ولم يذكر) أي عيسى بن يونس (أبا رزين) مراده أنه كما روى مسدد برواية أبي معاوية عن الأعمش، كذلك روى مسدد برواية عيسى بن يونس هذا الحديث، ولكن وقع الاختلاف في موضعين: أحدهما في المتن، وهو أن في رواية أبي معاوية: \"حتى يغسلها ثلاث مرات\" من غير شك، وفي رواية عيسى بن يونس: \"حتى يغسلها مرتين أو ثلاثًا\" بالشك، والثاني في السند بأن في رواية أبي معاوية يروي الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح، وفي رواية عيسى بن يونس يروي الأعمش عن أبي صالح فقط، ولم يذكر أبا رزين.\n_________\n(١) لرواية الأمر بالإراقة، وهو زيادة ضعيفة، بسطه صاحب \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>(٥٠) بَابٌ: يُحَرِّكُ يَدَهُ في الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا</span>\n١٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ،\n===\n\n(٥٠) (بَابٌ: يُحَرِّكُ يَدَهُ في الإنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَها)\nهذه الترجمة (١) مذكورة في النسخة الدهلوية المجتبائية، ولم يذكر في غيرها من المكتوبة والمطبوعة، والظاهر أن ذكر هذه الترجمة ليس على ما ينبغي\n١٠٥ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السوح، ومحمد بن سلمة المرادي)\nهو محمد بن سلمة بن عبد الله بن أبي فاطمة المرادي الجملي بفتح الجيم والميم، وهو بطن من مراد (٢)، وهو جمل بن كنانة، مولاهم، أبو الحارث، المصري الفقيه، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٤٨ هـ.\n(قالا: حدثنا ابن وهب) هو عبد الله بن وهب، (عن معاوية بن صالح) بن حدير بضم المهملة الأولى مصغرًا، الحضرمي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن، الحمصي، قاضي الأندلس، كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بمرضي، قال يحيى بن معين: كان ابن مهدي إذا تحدث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد، وقال: أيش هذه الأحاديث؟ وقال أبو صالح الفراء عن أبي إسحاق الفزاري: ما كان بأهل أن يروى عنه، وقال يعقوب بن شيبة: قد حمل الناس عنه، ومنهم من يرى أنه وسط، ليس بالثبت ولا بالضعيف، ومنهم من يضعفه، قال أبو طالب عن أحمد: كان ثقة، وقال جعفر الطيالسي عن ابن معين: ثقة،\n_________\n(١) قال ابن رسلان: ليست هذه في نسخة الخطابي، والظاهر أن المراد يحرك المتوضئ يده في الإناء قبل أن يغسلها أم لا؟ . (ش).\n(٢) بالضم قبيلة في اليمن. (ش).","vol":"1","page":505},{"text":"عَنْ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ\n===\nوكان عبد الرحمن بن مهدي يوثقه، وقال العجلي والنسائي: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة محدث، مات سنة ١٩٨ هـ.\n(عن أبي مريم) الأنصاري، ويقال: الحضرمي الشامي، صاحب القناديل، خادم مسجد دمشق أو حمص، وقيل: إنه مولى أبي هريرة -﵁ -، قال ابن أبي حاتم: اسمه عبد الرحمن بن ماعز، وذكره غير واحد فيمن لم يسم، قال الأثرم عن أحمد: قالوا بحمص: أبو مريم الذي روى عنه معاوية بن صالح معروف عندنا، وقال الميموني عن أحمد: رأيت أهل حمص يحسنون الثناء عليه، وقال العجلي: أبو مريم مولى أبي هريرة - ﵁ - ثقة، وفرق البخاري - رحمه الله تعالى - بين خادم مسجد حمص وبين مولى أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -، وجمعهما أبو حاتم الشامي (١).\n(قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا استيقظ (٢) أحدكم من نومه) سواء كان بالليل أو بالنهار (فلا يدخل يده في الإناء) (٣) أي لا يغمس يده في الماء الذي في الإناء، فالمراد بالإدخال\n_________\n(١) كذا في الأصل و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٣٢)، والظاهر بدله: الرازي، (انظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ الترجمة ٢١٨٦، ٢١٨٧).\n(٢) أشكل عليه بوجهين: الأول: الاستيقاظ لا يكون إلَّا من النوم، فما فائدة من نومه، قيل: لأنه يقال: استيقظ فلان من غشيته وغفلته، والثاني: كل أحد يستيقظ من نومه لا من نوم غيره، فما فائدة لفظ \"أحدكم من نومه\"؟ وأجيب: لإخراج نومه ﵊، فإن قيل: هو يخرج \"من أحدكم\"؟ قيل: نعم، ولكنه توكيد، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٣٦١). (ش).\n(٣) وخرج من لفظ الإناء الحياض ومثلها. (ش).","vol":"1","page":506},{"text":"حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ، أَوْ أَيْنَ كَانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ\" [انظر تخريج الحديث السابق]\n\n(٥١) بَابُ صِفَةِ وُضُوءِ النَّبيَّ (١) - ﷺ -\n١٠٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ\n===\nالغمس (حتى يغسلها ثلاث مرات، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده، أو أين كانث تطوف يده)، قال في \"مرقاة الصعود\": قال ولي الدين: يحتمل أنه شك من راويه أو ترديد منه - ﷺ -، والأول أقرب، وقد مرَّ ما يتعلق به من البحث (٢) في الحديث السابق.\n\n(٥١) (بَابُ صِفَةِ (٣) وُضُوءِ النَّبِيِّ - ﷺ -)\n١٠٦ - (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد (الحلواني) (٤) الخلال (قال: حدثنا عبد الرزاق) بن همام (قال: أنا معمر) بن راشد، (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، (عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران (٥) بن أبان مولى عثمان بن عفان) كان من النمر بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) نقل صاحب \"الغاية\" عن الخطابي في الحديث عدة مسائل. (ش). (انظر: \"معالم السنن\" ١/ ٧١).\n(٣) أورد المصنف فيه عن تسعة من الصحابة: عثمان، وعلي، وابن زيد، والمقدام، ومعاوية، والربيع، وجد طلحة، وابن عباس، وأبي أمامة، وأجاد في \"حاشية شرح الإقناع\" (١/ ١٢٨) في مصالح أعضاء الوضوء. (ش).\n(٤) بالضم نسبة إلى حلوان بلدة بآخر العراق. كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٥) بضم الحاء المهملة، وفي السند ثلاثة أتباع يروي بعضهم عن بعض، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":507},{"text":"قَالَ: \"رأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ\n===\nقاسط، سبي بعين التمر فابتاعه (١) عثمان من المسيب بن نجبة في زمن أبي بكر الصديق - ﵁ - فأعتقه، وكان حمران أحد العلماء الجِلَّة أهل الوجاهة والرأي والشرف، روي أن عثمان مرض فكتب العهد لعبد الرحمن بن عوف، ولم يطلع على ذلك إلَّا حمران، ثم أفاق عثمان، فأطلع حمرانُ عبدَ الرحمن على ذلك، فبلغ عثمان فغضب عليه فنفاه، قال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: حمران من تابعي أهل المدينة، ومحدثيهم، وقال ابن سعد: نزل البصرة وادعى ولده أنهم من النمر بن قاسط، وكان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: وقال الذهبي في \"الميزان\" (٢): وقد أورده البخاري في \"الضعفاء\"، لكن ما قال: ما بَلِيتُه قط.\n(قال) أي حمران: (رأيت (٣) عثمان بن عفان) بن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، يجتمع هو ورسول الله - ﷺ - في عبد مناف، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عمرو، ولد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، أسلم في أول الإِسلام، دعاه أبو بكر إلى الإِسلام فأسلم، فلما أسلم عثمان زوجه رسول الله - ﷺ - بابنته رقية، وهاجرا كلاهما إلى أرض الحبشة، ثم عادا إلى مكة وهاجرا إلى المدينة، ولما قدم إليها نزل على أوس بن ثابت، أخي حسان بن ثابت، ولهذا كان\n_________\n(١) وهو أول سبي دخل المدينة في خلافة أبي بكر - ﵁ - \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) (١/ ٦٠٤).\n(٣) وبسط ابن دقيق العيد في \"الإحكام\" (١/ ٣٢) في تشريح حديث عثمان - ﵁ - هذا، فليراجع إلى \"مشكل الآثار\" للطحاوي (٦/ ٣١٣). (ش).","vol":"1","page":508},{"text":"تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ\n===\nحسان يحب عثمان ويبكيه بعد قتله، وماتت عنده أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين، فلما توفيت قال رسول الله - ﷺ -: \"لو أن لنا ثالثة لزوَّجناك\"، بشَّره رسول الله - ﷺ - بالجنة، وعَدَّه من أهل الجنة، وشهد له بالشهادة.\nقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر سنة خمس وثلاثين، ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حَسن كَوْكَب (١)، كان عثمان اشتراه فوسع به البقيع، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، \"الإصابة\" (٢) ملخصًا، وقال عبد الله بن سلام: لو فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق عنهم إلى قيام الساعة، وكان كما قال.\n(توضأ فأفرغ على يديه (٣) ثلاثًا) من أفرغت الإناء إفراغًا إذا قلبت ما فيه، والمعنى ها هنا صب على يديه، يعني أول ما فعل أنه أفرغ الماء على يديه (فغسلهما) (٤) ثلاثًا، أي: فَدَلَكَهما (ثم تمضمض) المضمضة تحريك الماء (٥) في الفم، وكمالها أن يجعل الماء في فمه ثم يديره فيه ثم يمجُّه، وقال الزندوستي من أصحابنا: أن يُدخل إصبعيه في\n_________\n(١) حش كوكب: هو بستان بظاهر المدينة خارج البقيع، انظر: \"أخبار المدينة\" (١/ ٧٥) و\"النهاية\" (١/ ٣٩٠).\n(٢) (٤/ ٢٢٤)، وانظر: \"أسد الغابة\" (٣/ ٢١٥).\n(٣) وظاهره الإفراغ عليهما معًا، وجاء في رواية: أفرغ بيده اليمنى على اليسرى \"ابن رسلان\"، قال ابن دقيق العيد نحو ذلك وزاد: غسلهما مجتمعة أو مفترقة، والفقهاء اختلفوا في الأفضل من ذلك. (ش).\n(٤) وهل يحتاج في غسلهما إلى النية؟ قال الباجي: من جعلهما من سنن الوضوء، كابن القاسم اشترط، ومن رأى النظافة كأشهب لم يشترطها. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) وهل الإدارة شرط أم لا؟ مختلف عند العلماء. \"نيل الأوطار\" (١/ ١٧٢). (ش).","vol":"1","page":509},{"text":"وَاسْتَنْثَرَ (١)، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ،\n===\nفمه وأنفه، والمبالغة فيهما سنة (٢). (واستنثر) الاستنثار إخراج الماء من الأنف (٣) بعد الاستنشاق، وفي نسخة: واستنشق (٤)، أي جذب الماء بريح أنفه، حتى يبلغ الماء خياشيمه ثم يستنثره، والواو بمعنى \"ثم\" أي ثم استنثر بعد المضمضة.\n(وغسل وجهه ثلاثًا) (٥) والواو هنا أيضًا بمعنى \"ثم\" كما في رواية البخاري، والوجه ما يواجهه الإنسان، وهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن (٦) عرضًا، فإن قلت: ما الحكمة في تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق؟ قلت: ذكروا أن حكمة ذلك اعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدم الأقوى منها، وهو الطعم ثم الريح ثم اللون.\n(وغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى (٧) مثل ذلك،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يده ثلاثًا، فغسلهما ثم مضمض واستنشق\".\n(٢) اختلف العلماء في المضمضة والاستنشاق، فعند الأئمة الثلاثة سنة، وعن أحمد ثلاث روايات. الأولى مثل الجمهور، والثانية وجوبهما وهو المشهور عندهم، والثالثة وجوب الاستنشاق وسنيَّة المضمضة. (ش).\n(٣) وكره مالك بدون الاستعانة باليد، لأنه يشبه فعل الحمار. كذا في \"الأوجز\" (١/ ٣٤٥). (ش).\n(٤) وقيل: هما بمعنى \"الغاية\". (ش).\n(٥) فإن شك أخذ بالأقل وقيل بالأكثر. (ش).\n(٦) خلافًا لمالك إذ قال: ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه، ولم يقل به أحد من الفقهاء غيره، انتهى. كذا في \"الأوجز\" (١/ ٣٤٦). (ش).\n(٧) السنَّة تقديم اليمنى، وقال الشافعي في القديم بوجوبه لما سيأتي من قوله عليه =","vol":"1","page":510},{"text":"ثُمَّ مَسَحَ رَأسَهُ، ثُمَّ غَسَل قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ:\n===\nثم مسح رأسه) وليس فيه ذكر عدد للمسح، وبه قال أكثر العلماء، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى -: يستحب التثليث في المسح (١) كما في الغسل، واستدل له بظاهر رواية لمسلم: \"أن النبي - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا\"، وأجيب بأنه مجمل تبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب أو يختص بالمغسول، قال ابن المنذر: إن الثابت عن النبي - ﷺ - في المسح مرة واحدة، وبأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء.\n(ثم غسل قدمه اليمني (٢) ثلاثًا، ثم اليسرى مثل ذلك)، فالحديث (٣) يدل على أن فرض الوضوء غسل الرجلين لا المسح (ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ مثل وضوئي هذا)، وفي رواية: \"نحو وضوئي هذا\"، والمراد التشبيه والمماثلة، والتشبيه لا عموم له.\n(ثم قال) أي رسول الله ﷺ، ويمكن أن يقال: إن الضمير يرجع إلى عثمان، ويقدر لفظ \"قال\" ثانيًا ويعود ضميره إلى رسول الله - ﷺ -، أي: ثم قال\n_________\n= الصلاة والسلام: \"ابدأوا بميامنكم\". \"ابن رسلان\"، وقال ابن العربي (١/ ٧١): سنَّة، ثم قال ابن رسلان: لا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى، لأن مخرجهما في الكتاب واحد. قال تعالى: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، والفقهاء يعدون اليدين والرجلين عضوًا واحدًا. (ش).\n(١) وأغرب ما يذكر أن التثليث أوجبه بعضهم. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قال ابن دقيق العيد (١/ ٣٧): بعض الفقهاء لا يرى العدد في غسل الرجلين لقربهما من القذر، ولرواية: \"حتى أنقاهما\"، ومثبت العدد أولى. (ش).\n(٣) وسيأتي الكلام عليه مفصلًا في \"باب غسل الرجلين\". (ش).","vol":"1","page":511},{"text":"\"مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللهُ ﷿ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". [خ ١٥٩، م ٢٢٦، ن ٨٤]\n===\nعثمان: قال رسول الله - ﷺ -: (من توضأ مثل وضوئي (١) هذا، ثم صلَّى ركعتين) فيه استحباب صلاة ركعتين عقيب (٢) الوضوء (لا يحدِّث (٣) فيهما نفسه) المراد به ما يمكن المرء قطعه، لأن قوله: \"يحدث\" يقتضي تكسبًا منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه، فذلك معفو عنه (٤)، نعم، من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلًا أعلى درجة بلا ريب، ثم إن تلك الخواطر منها ما يتعلق بالدنيا، والمراد دفعه مطلقًا، ومنها ما يتعلق بالآخرة، فإن كان أجنبيًّا أشبه أحوال الدنيا، وإن كان فيما يتعلق بأمور الآخرة، كالفكر في معاني المتلو من القرآن، والمذكور من الدعوات والأذكار، أو في أمر محمود أو مندوب إليه، لا يضر ذلك، وقد ورد عن عمر - ﵁ - أنه قال: \"إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة\" (٥).\n(غفر الله ﷿ له ما تقدم من ذنبه) يعني من الصغائر دون الكبائر، لأنه قيد في بعض تلك الروايات بقوله: \"ما لم يؤت كبيرة\"، وأيضًا ورد في النص القرآني ارتفاع الكبيرة بالتوبة بطريق الحصر، وظاهر الحديث يعم\n_________\n(١) وفي \"الصحيحين\": \"نحو وضوئي\"، وبسط ابن رسلان على المثل والنحو كلامًا طويلًا، وابن دقيق العيد مختصرًا، [انظر: \"إحكام الإحكام\" (١/ ٣٧)]. (ش).\n(٢) وهي من السنن المؤكدة عند الشافعية خلافًا للمالكية، صرَّح به ابن رسلان. (ش).\n(٣) حاصل ما يظهر من ابن رسلان أن فيه ثلاثة أقوال، لا يحدث مكتسبًا من أمور الدنيا أو الآخرة المتعلقة بالصلاة، وقال عياض: لا يحدث مطلقًا ورأسًا، وردَّه النووي فقال: يحصل الفضل مع طريان الخواطر المعارضة غير المستقرة، وسيأتي بعض ما يتعلق به في \"باب كراهية الوسوسة\". (ش).\n(٤) وبه جزم النووي كما بسطه صاحب \"الغاية\". (ش)\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢/ ٣١٤)، كتاب صلاة التطوع، باب في حديث النفس في الصلاة.","vol":"1","page":512},{"text":"١٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَرْدَانَ قال: حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال: حَدَّثَنِى حُمْرَانُ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ\n===\nالكبائر والصغائر، لكنه خص بالصغائر، والكبائر إنما تكفر بالتوبة، وكذلك مظالم (١) العباد.\nوهذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء، والأصل في الواجب غسل الأعضاء مرة مرة، والزيادة عليها سُنَّة، لأن الأحاديث الصحيحة وردت بالغسل ثلاثًا ثلاثًا، ومرة مرة، ومرتين مرتين، وبعض الأعضاء ثلاثًا ثلاثًا، وبعضها مرتين مرتين، وبعضها مرة مرة، فالاختلاف على هذه الصفة دليل الجواز في الكل، فإن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ.\n١٠٧ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا الضحاك بن مخلد قال: ثنا عبد الرحمن بن وردان) بمفتوحة وسكون راء وبمهملة ونون بينهما ألف، الغفاري، أبو بكر، المكي المؤذن، قال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال الدارقطني: ليس بالقوي \"تهذيب\"، وفي \"الميزان\": حدث عن أبي سلمة، قال الدارقطني: ليس بالقوي.\n(قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني حمران) بن أبان (قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ. فذكر نحوه)، أي فذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن حمران نحو رواية عطاء بن يزيد عن حمران.\n_________\n(١) وللبخاري في الرقاق في آخر هذا الحديث: \"فلا تغتروا\". أي فيستكثروا من الأعمال السيئة، فإن الصلاة المكفرة هي التي يقبلها الله، وأنَّى للعبد بالاطلاع على ذلك، كذا في \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":513},{"text":"وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَضْمَضَةَ وَالاِسْتِنْشَارَ (١)، وَقَالَ فِيهِ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأَ هَكَذَا. وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ دُونَ هَذَا كَفَاهُ». وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الصَّلَاةِ.\n[انظر سابقه]\n===\nإلَّا أنه خالف عطاء في مواضع:\n(و) أولها: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن (لم يذكر المضمضة والاستنثار) وقد ذكرهما عطاء بن يزيد في روايته.\n(و) ثانيها: (قال) أي أبو سلمة (فيه) أي في هذا الحديث: (ومسح رأسه ثلاثًا) (٢) زاد أبو سلمة لفظ \"ثلاثًا\" ولم يذكره عطاء في حديثه.\nوثالثها: قال أبو سلمة: (ثم غسل رجليه ثلاثًا) ذكر رجلين بصيغة التثنية ثم ذكر عدد الثلاث، وأما عطاء بن يزيد فذكر كلتا رجليه منفردة، وذكر \"ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا\" بلفظ القدم \"ثم اليسرى مثل ذلك\"، ولم يذكر العدد مع اليسرى صراحة.\nورابعها: قال أبو سلمة: (ثم قال) أي عثمان: (رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ هكذا، وقال: من توضأ دون هذا كفاه)، أي ما دون الثلاث، ولم يذكر ما ذكر عطاء بن يزيد \"من توضأ مثل وضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله ﷿ ما تقدم من ذنبه\". فلم يذكر حكم الوضوء المماثل (ولم يذكر أمر الصلاة) بل ذكر حكم \"من توضأ دون هذا\"\n_________\n(١) وفي نسخة: \"والاستنشاق\".\n(٢) ومحمل روايات تثليث المسح عندي ما سيأتي في حديث الربيع من مسح كل ناحية لِمَنْصَبِّ الشعر. (ش).","vol":"1","page":514},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأي دون الثلاث مرة واحدة أو مرتين كفاه ويجزئه، وحديث أبي سلمة بن عبد الرحمن هذا يدل على أن التثليث (١) في مسح الرأس سنَّة، وبه قال الشافعي - رحمه الله تعالى -، وأما عندنا فالسنة أن يمسح رأسه مرة واحدة مستوعبًا، والتثليث مكروه، وروى الحسن عن أبي حنيفة - ﵀ - أنه يمسح ثلاث مرات بماء واحد.\nواحتج الشافعي بهذا وبما روي أن عليًّا - ﵁ - حكى وضوء رسول الله - ﷺ - فغسل ثلاثًا ومسح بالرأس ثلاثًا، ولأن هذا ركن أصلي في الوضوء، فيسن فيه التثليث قياسًا على الركن الآخر، وهو الغسل.\nوالجواب عنه أن المشهور عن عثمان وعلي - ﵄ - في الوضوء أنهما مسحا مرة واحدة، قال أبو داود في \"سننه\": إن أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، وكذا روى عبد خير عن علي -﵁ - أنه توضأ في رحبة الكوفة، ومسح رأسه مرة واحدة.\nوأما رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن هذا مع كونه مخالفًا للثقات\nشاذٌّ غير ثابت، لأن فيها عبد الرحمن بن وردان، وقال فيه الدارقطني: ليس بالقوي، كذلك جميع الروايات التي ذكر فيها تثليث المسح لا تخلو عن مقال، حتى قال الشوكاني في \"النيل\" (٢): والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ إلى درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها\n_________\n(١) قال ابن سيرين: يمسح مرتين، مرة للفرض ومرة للسنَّة، كذا في \"العارضة\" (١/ ٥٢)، ورجح ابن رسلان توحيد المسح خلاف المشهور عندهم. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":515},{"text":"١٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ\n===\nمن الزيادة، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما هو المتعين، لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة، وحديث: \"من زاد على هذا فقد أساء وظلم\" الذي صحّحه ابن خزيمة (١) وغيره، قاضٍ بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال فيه النبي - ﷺ - هذه المقالة، كيف! وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، ثم قال: \"من زاد\"، الحديث.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة بجميع الرأس جمعًا بين الأدلة، انتهى.\nولو ثبت ما رواه الشافعي - ﵀ - فهو محمول على أنه فعله بماء واحد، وذلك سنَّة عندنا في رواية الحسن عن أبي حنيفة - ﵀ - لأن التثليث بالمياه الجديدة يقرب إلى الغسل، فكان مخلًاّ بالمسح، وأما الجواب عن القياس فنقول: قياسه على الغسل فاسد من وجهين: أحدهما: أن المسح بُني على التخفيف، والتكرار من باب التغليظ، فلا يليق بالصسح، والثاني: أن التكرار في الغسل مفيد لحصول زيادة نظافة لا تحصل بالمرة الواحدة، ولا يحصل ذلك بتكرار المسح فبطل القياس.\n١٠٨ - (حدثنا محمد بن داود الإسكندراني)، هو محمد بن داود بن\n_________\n(١) \"صحح ابن خزيمة\" (ح ١٧٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":516},{"text":"قال: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ الْمُؤَذِّنُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِىِّ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ\n===\nرزق بن داود بن ناجية بن عمر المهري، أبو عبد الله بن أبي ناجية الإسكندراني، بكسر الألف وسكون المهملة وفتح الكاف وسكون النون وفتح المهملة والراء، وفي آخرها نون، نسبة إلى الإسكندرية، وهي بلدة على طرف بحر المغرب من آخر حد ديار مصر، بناها ذو القرنين الإسكندر، وإليه تنسب البلدة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث، ذكره أحمد بن شعيب فقال: محمد بن داود بن أبي ناجية ثقة، مات سنة ٢٥١ هـ على الصحيح.\n(قال: ثنا زياد بن يونس) بن سعيد بن سلامة الحضرمي، أبو سلامة الإسكندراني، قال ابن يونس: توفي بمصر سنة ٢١١ هـ، وكان طَلَّابًا للعلم، وكان يسمى سوسة العلم، أحد الأثبات الثقات، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث.\n(قال: حدثني سعيد بن زياد المؤذن) المكتّب المدني، مولى جهينة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" هكذا في \"التهذيب\"، وقال في \"التقريب\": مقبول من السادسة.\n(عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي)، هو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي، قال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، هكذا في \"التهذيب\"، وقال الذهبي في \"الميزان\": عثمان بن عبد الرحمن التيمي، قال الدارقطني: ليس بالقوي.\n(قال: سئل ابن أبي مُليكة)، والسائل غير معلوم ولعله جماعة (عن الوضوء) أي عن صفته (فقال) أي ابن أبي مليكة: (رأيت عثمان بن عفان","vol":"1","page":517},{"text":"سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِىَ بِمِيضَأَةٍ فَأَصْغَاها (١) عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِى الْمَاءِ، فَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخَذَ مَاءً فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ: فَغَسَلَ بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:\n===\nسئل عن الوضوء، فدعا بماء) أي طلب الماء في الإناء (فأتي بميضأة) (٢) أي إناء فيه ماء بقدر ما يتوضأ منه (فأصغاها) (٣) أي أمالها (على يده اليمنى) فضم معها اليسرى فغسلهما.\n(ثم أدخلها في الماء) الذي في الإناء (فتمضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى) أي إلى المرفق (ثلاثًا، و) كذلك (غسل يده اليسرى) إلى المرفق (ثلاثًا، ثم أدخل) أي عثمان (يده) في الميضأة (فأخذ ماءً) (٤) جديدًا (فمسح برأسه وأذنيه (٥) فغسل) أي مسح (بطونهما) أي الأذنين بما يلي الوجه (وظهورهما) مما يلي الرأس (مرة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال) أي عثمان:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يسئل عن الوضوء فدعا بماء فأتي بالميضأة فأصغى\".\n(٢) مفعلة أو مفعالة، كذا في \"المجمع\" و\"الغاية\". (ش).\n(٣) فيه إشارة إلى أن الإناء يكون على جانب اليسرى وإلَّا فكيف يصغي على اليمنى، وسيأتي عن ابن رسلان أن الإناء إذا يكون ضيق الفم فيكون على اليسرى وإلَّا فعلى اليمنى. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: ثم أرسله، يدل عليه لفظ فمسح، لأن المسح لا يكون إلَّا بالبلل، فإن كان في يده ماء يصير غسلًا. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: ظاهره مسحهما مع الرأس بماء واحد، وهو مذهب أحمد، وبسطه، وسيأتي المذاهب، ولا يصح النقل عن أحمد، فإن صاحب \"المغني\" وصاحب \"نيل المآرب\" صرَّحا باستحباب التجديد كما سيأتي. (ش).","vol":"1","page":518},{"text":"أَيْنَ السَّائِلُونَ عن الْوُضُوءِ؟ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَسْحِ الرَّأسِ أَنَّهُ مَرَّةً،\n===\n(أين السائلون عن) صفة (الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ).\n(قال أبو داود) أي المؤلف: (أحاديث عثمان الصحاح كلها (١) تدل على مسح الرأس أنه مرة)، واعترض عليه بأن أبا داود نفسه أورد طريقين صحيحين (٢)، صحح أحدهما ابن خزيمة وغيره، أحدهما: ما روى بسنده قال: ثنا عبد الرحمن بن وردان قال: ثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: ثني حمران قال: رأيت عثمان توضأ، وقال فيه: \"ومسح رأسه ثلاثًا\"، والثاني: ما رواه أبو داود بسنده عن عامر بن شقيق بن جمرة عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا.\nفأجاب بعضهم بأن المراد من قوله: \"كلها\" أكثرها، أو يقال: إن هذين الطريقين لا يعارضان الطرق الدالة على كون مسح الرأس مرة لا عددًا، ولا قوة وصحة، فإن الصحاح فيما بينهما بنون بعيد، وإن كان يشمل اسم الصحة كلها.\nوأجاب عنه الحافظ في \"الفتح\" (٣) بأنه يحمل قول أبي داود على إرادة استثناء الطريقين اللذين ذكرهما، فكأنه قال إلَّا هذين الطريقين.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: \"أحاديث عثمان\" التيمي \"الصحاح كلها\" ويحتمل أن يراد به عثمان ابن عفان، انتهى، وفيه ما فيه، فإن الظاهر هو الثاني. (ش).\n(٢) تكلم عليهما ابن قدامة في \"المغني\" (١/ ١٧٨). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":519},{"text":"فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، وقَالُوا فِيهَا: وَ(١) مَسَحَ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا في غَيْرِهِ.\n===\nقلت: ومدار هذه الأجوبة على أن عبد الرحمن بن وردان الذي روى عن أبي سلمة، قال فيه أبو حاتم: ما به بأس، وقال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأما على ما قال فيه الدارقطني كما نقله عنه الحافظ في \"تهذيبه\"، والذهبي في \"الميزان\"، فلا يكون هذا الحديث حسنًا فضلًا عن أن يكون صحيحًا، ويكون الاعتراض عن أصله ساقطًا، وأما الرواية الثانية التي رواها عامر بن شقيق، فأيضًا غير صحيحة، فإنه قال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وعامر بن شقيق مختلف فيه، فالأوجه أن يقال في الجواب: إن عبد الرحمن بن وردان، وكذلك عامر بن شقيق عند أبي داود ليسا بقويين، فعلى هذا قوله: \"أحاديث عثمان الصحاح كلها\" صحيح بلا تأويل.\nولما ادعى المؤلف على أن أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة دون الثلاث استدل فقال: (فإنهم) أي رواة حديث وضوء عثمان (ذكروا) صفة وضوء عثمان، وذكروا أن غسله أعضاء (الوضوء) كان (ثلاثًا) بكل عضو، (وقالوا) أي الرواة (فيها) أي في الروايات: (ومسح رأسه، ولم يذكروا عددًا) في مسح الرأس (كما ذكروا) عدد الغسل (في غيره) أي في غير مسح الرأس من غسل اليدين والوجه والرجلين، فإنهم قالوا فيها ثلاثًا.\nفدل ذلك على أن المسح كان مرة واحدة، لأنه لو كان فيه التثليث\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وقالوا فيها: ثم مسح برأسه\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٩٧).","vol":"1","page":520},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلفعله عثمان -﵁- ولحكى عنه الرواة، بل في بعض روايات عثمان تصريح بأن عثمان - ﵁ - مسح برأسه مرة واحدة، وكذلك في رواية علي - ﵁ - ذكر المسح مرة، كما سيذكرها المصنف، وكما أخرج الترمذي (١) عن أبي حية عن علي -﵁ - وصححه.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وروي عن سلمة بن الأكوع مثله، وعن ابن أبي أوفى مثله أيضًا، ورواه الطبراني في \"الأوسط\" من حديث أنس بلفظ: \"ومسح برأسه مرة\"، قال الحافظ: وإسناده صالح، ورواه أبو علي بن السكن من حديث رزيق بن حكيم عن رجل من الأنصار مثله، وأخرج الطبراني من حديث عثمان مطولًا، وفيه: \"مسح برأسه مرة واحدة\".\nقال الحافظ: وفي روايته من حديث عبد الله بن زيد: \"ومسح برأسه مرة واحدة\"، وكذا حديث ابن عباس، فإنه قيد المسح فيه بمرة واحدة، وأخرج الترمذي من حديث الربيع بلفظ: \"أنها رأت رسول الله - ﷺ - يتوضأ، قالت: مسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة\"، وقال: حسن صحيح، وروى النسائي من حديث حسين بن علي عن أبيه: \"أنه مسح برأسه مرة واحدة\"، وأخرج النسائي من حديث عائشة في تعليمها لوضوء رسول الله - ﷺ -، قال: \"ومسحت رأسها مسحة واحدة\"، انتهى ملخصًا.\nفهذه الأحاديث كلها تدل على أن الثابت عن رسول الله - ﷺ - في\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٤).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":521},{"text":"١٠٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَنَا عِيسَى قَالَ: حَدَّثنَا (١) عُبَيْدُ اللهِ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي زِيَادٍ -،\n===\nالمسح أنه مرة واحدة، قال الحافظ (٢): ومن أقوى الأدلة على عدم العدد الحديث المشهور، الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة الوضوء، حيث قال: قال النبي - ﷺ - بعد أن فرغ: \"من زاد على هذا فقد أساء وظلم\". فإن في رواية سعيد بن منصور هذه التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جمعًا بين الأدلة.\n١٠٩ - (حدثنا إبراهيم بن موسى) الرازي (قال: أنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق (قال: حدثنا عبيد الله - يعني ابن أبي زياد -) القداح، بفتح القاف وتشديد المهملة في آخرها مهملة أيضًا، أبو الحصين المكي، قال علي بن المديني عن يحيى القطان: كان وسطًا لم يكن بذاك، وقال الدوري ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولا المتين، صالح الحديث، يكتب حديثه، وقال الآجري عن أبي داود: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، قال أبو حاتم: لا يحتج به إذا انفرد، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح، وقال أحمد مرة: ليس به بأس، وقال أحمد بن أبي يحيى عن ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي: قد حدث عنه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":522},{"text":"عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن أَبِي عَلْقَمَةَ:\n===\nالثقات، ولم أر في حديثه شيئًا منكرًا، وقال العجلي: ثقة، وقال الحاكم في \"المستدرك\": كان من الثقات، وقال الترمذي عقيب حديثه عن شهر عن أسماء: هذا حديث صحيح، هذا خلاصة ما في \"تهذيب التهذيب\"، و\"الميزان\".\nوقال السمعاني في \"الأنساب\" (١): وأبو الحصين عبيد الله بن أبي زياد القداح من أهل مكة، يروي عن أبي الطفيل والقاسم بن محمد، روى عنه الثوري وهشيم، كان ممن ينفرد عن القاسم بما لا يتابع عليه، وكان رديء الحفظ، كثير الوهم، لم يكن في الإتقان بالحال التي تقبل ما انفرد به، فلا يجوز الاحتجاج بأخباره إلَّا ما يوافق فيه الثقات، مات سنة خمسين ومئة، وكان يحيى بن معين يقول: عبيد الله بن أبي زياد القداح ضعيف، انتهى.\n(عن عبد الله بن عبيد بن عمير) هو عبد الله بن عبيد بالتصغير بغير إضافة، ابن عمير بالتصغير أيضًا، الليثي ثم الجُندعي بضم الجيم، أبو هاشم المكي، قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة يُحتج بحديثه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان مستجاب الدعوة، وقال محمد بن عمر: كان ثقة صالحًا له أحاديث، وقال العجلي: تابعي مكي ثقة، قال إسحاق القراب: قتل بالشام في الغزو سنة ١١٣ هـ.\n(عن أبي علقمة) الفارسي المصري، مولى بني هاشم، قال ابن يونس: مولى ابن عباس، ويقال: حليف الأنصار، كان على قضاء إفريقية، قال أبو حاتم: أحاديثه صحاح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة.\n_________\n(١) (٤/ ٤٥٨).","vol":"1","page":523},{"text":"\"أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، ثُمَّ غَسَلَهُمَا إِلَى الْكُوعَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَذَكَرَ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأَ مِثْلَ مَا رَأَيْتُمُونِى تَوَضَّأْتُ\". ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ وَأَتَمَّ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\n(أن عثمان) بن عفان (دعا بماء فتوضأ) أي أراد الوضوء، أو يقال: أجمل أولًا ثم فصَّله، فقال: (فأفرغ) أي صَبَّ (بيده اليمنى على اليسرى) ثم ضمَّ معها اليمنى، (ثم غسلهما إلى الكوعين) أي الرسغين، (قال: ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، وذكر الوضوء) أي غسل أعضاء الوضوء (ثلاثًا، قال: ومسح برأسه) ولم يذكر فيه عددًا، وهذا يدل على أن المسح كان مرة واحدة (ثم غسل رجليه) ولم يذكر فيه عددًا، ولكن المراد ثلاثًا، لأنه ذكر قبيل ذلك: وذكر الوضوء ثلاثًا، فهذا يدل على أن غسل الرجلين كان ثلاثًا.\n(وقال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ مثل ما رأيتموني توضأت، ثم ساق) أي عبيد الله، فالظاهر أن ضمير الفاعل في \"ساق\" يرجع إلى عبيد الله بن أبي زياد، لأن طبقة عبيد الله والزهري متقاربة، ولأن غرض المصنف بهذا الكلام الإشارة إلى أن رواية عبيد الله بن أبي زياد وإن كان فيه ضعف، لكنها لما وافقت رواية الزهري صار ضعفها مغتفرًا، وبلغت مرتبة الاحتجاج، فما قال صاحب \"غاية المقصود\" وتبعه صاحب \"عون المعبود\" بإرجاع الضمير إلى أبي علقمة، فعندي غير موجه لأن طبقتهما متفاوتة جدًا (نحو حديث الزهري وأتم) (١). وقد أخرج الدارقطني في \"سننه\" هذه الرواية مفصَّلة تصدق قول المصنف بأنها أتم من رواية الزهرى، من شاء فليرجع إليها.\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": فعل ماض، أي: أورده تمامًا، أو أفعل تفضيل. (ش).","vol":"1","page":524},{"text":"١١٠ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قال: حَدَّثَنَا (١) إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ جَمْرَةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ:\n===\n١١٠ - (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، أبو موسى البزاز الحافظ المعروف بالحمّال بالمهملة، وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، يقال: إنما سمي بذلك، لأنه كان بزازًا فتزهد، فصار يحمل الشيء بالأجرة ويأكل منها، مات سنة ٢٤٣ هـ.\n(قال: حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي، مولى آل أبي معيط، أبو زكريا الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة والعجلي وغيرهم، وقال يحيى بن أبي شيبة: ثقة صدوق ثبت حجة ما لم يخالف من هو فوقه، مثل وكيع، مات سنة ٢٠٣ هـ.\n(قال: حدثنا إسرائيل) بن يونس السبيعي، (عن عامر بن شقيق ابن جمرة) بالجيم والراء، الأسدي الكوفي، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: صحح الترمذي حديثه في التخليل، وقال في \"العلل الكبير\": قال محمد: أصح شيء في التخليل حديث عثمان، قلت: إنهم يتكلمون في هذا، فقال: هو حسن، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم.\n(عن شقيق بن سلمة) أبو وائل الأسدي (قال) أي شقيق بن سلمة: (رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنا\".","vol":"1","page":525},{"text":"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فعَلَ هَذا. [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائيلَ، قَالَ: تَوَضَّأ ثَلَاثًا فَقَطْ.\n١١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ،\n===\nأي عثمان: (رأيت رسول الله - ﷺ - فعل هذا) أي التثليث في غسل الذراعين ومسح الرأس، وفي هذا الحديث ذكر تثليث المسح.\n(قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل، قال) وكيع عن إسرائيل: (توضأ ثلاثًا فقط)، وفي نسخة: قط (١)، وغرض المصنف من هذا الكلام أن يحيى بن آدم روى عن إسرائيل هذا الحديث، وذكر فيه تثليث المسح، وخالف وكيعًا في هذا، فإن وكيعًا حدث عن إسرائيل بهذا، وقال في حديثه: توضأ أي عثمان ثلاثًا فقط، يعني ذكر وكيع في حديثه التثليث في الوضوء، أي في غسل أعضائها، ولم يذكر التثليث في المسح تصريحًا، ويحيى بن آدم إذا خالف وكيعًا لا يحتج به كما ذكرناه قبل، فلا يقاوم الروايات الصحيحة التي رواها الحفاظ المتقنون.\nقلت: وقد ذكرنا قبل عن الشوكاني أن عامر بن شقيق مختلف فيه، وقد ذكرنا فيما بينَّا من حاله.\n١١١ - (حدثنا مسدد قال: ثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري، (عن خالد بن علقمة) الهمداني الوادعي، قال في \"الأنساب\" (٢): بفتح الواو وكسر الدال المهملة، هذه النسبة إلى وادعة، وهو بطن من همدان،\n_________\n(١) قال ابن رسلان: بفتح القاف وسكون الطاء أي حسب، وأكثر ما يستعمل بالفاء أي فقط، وهذه الرواية دليل على حذف الفاء، انتهى. (ش)\n(٢) (٤/ ٤٦٠).","vol":"1","page":526},{"text":"عن عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: \"أَتَانَا عَلِيٌّ وَقَدْ صَلَّى فَدَعَا بِطَهُورٍ، فَقُلْنَا: مَا يَصْنَعُ بَالطَّهُورِ وَقَدْ صَلَّى؟ مَا يُرِيدُ إِلَّا لِيُعَلِّمَنَا\n===\nوهو وادعة بن عمرو بن عامر، انتهى. أبو حية الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، ووهم شعبة في تسميته وتسمية أبيه حيث قال: مالك بن عرفطة، وعاب بعضهم على أبي عوانة أنه كان يقول: خالد بن علقمة مثل الجماعة، ثم رجع عن ذلك حين قيل له: إن شعبة يقول: مالك بن عرفطة، واتبعه، وقال: شعبة أعلم مني، وحكاية أبي داود تدل على أنه رجع عن ذلك ثانيًا إلى ما كان يقول أولًا، وهو الصواب.\n(عن عبد خير) بن يزيد الهمداني، أبو عمارة الكوفي، مخضرم أدرك الجاهلية، قال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي: سألت أحمد بن حنبل عن الثبت في علي -رضي الله تعالى عنه - فذكر عبد خير فيهم، وقال الخطيب: يقال: اسم عبد خير عبد الرحمن، عُمِّر طويلًا، قال عبد الملك بن سلعة: قلت لعبد خير: كم أتى عليك؟ قال: عشرون ومئة سنة.\n(قال: أتانا) (١) أي جاء عندنا في مجالسنا في رحبة الكوفة (علي وقد صلَّى) الغداة، أي والحال أنه - ﵁ - فرغ من صلاة الغداة قريبًا (فدعا) أي علي -﵁ - (بطهور) بفتح الطاء أي ماء للوضوء (فقلنا) أي في أنفسنا أو بعضنا لبعض: (ما يصنع بالطهور و) الحال أنه (قد صلى؟) فما استفهامية واستعمل في التعجب (ما يريد) أي علي بالوضوء بعد الفراغ من الصلاة، ولفظة ما نافية (إلَّا ليعلمنا) صفة الوضوء بأن يتوضأ بمرأى منا.\n_________\n(١) وعند النسائي: \"أتينا\". (ش).","vol":"1","page":527},{"text":"فَأُتِيَ بَإِنِاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْتٍ، فَأَفْرَغَ مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَمِينِهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ (١) وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأخُذُ فِيهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَ(٢) غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا، ثُمَّ جَعَلَ يَدَهُ في الإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى (٣) ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ:\n===\n(فأتي) بصيغة المجهول (بإناء فيه ماء وطست) (٤) بجره عطفًا على إناء كعبد وسدر، من آنية صفر، مؤنث، أصله طَسٌّ أبدلت إحدى سينيه تاء تخفيفًا (فأفرغ) أي صَبَّ (من الإناء على يمينه فغسل يده) إلى الرسغين (ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، فمضمض ونثر) (٥) أي استنثر (من الكف الذي يأخذ فيه) الماء، والمراد به اليمنى، فالمَسْنون أن يمضمض ويستنشق باليمنى، وأما النثر أي إخراج الماء من الأنف فالمسنون فيه أن يكون باليسرى، كما ورد في حديث غير هذا.\n(ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل (٦) يده الشمال ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء) فأخذ منه ماء جديدًا للمسح (فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله اليسرى ثلاثًا، ثم قال)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مضمض\".\n(٢) وفي نسخة: \"ثم\".\n(٣) وفي نسخة: \"الشمال\".\n(٤) تفسير الإناء، ويحتمل أن يكون المراد الماء في إناء وطست ليتساقط فيه المستعمل، ويرجح الأول رواية الطبراني: \"فأتي بطست من ماء\"، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٥) ولم يذكر الاستنشاق، فإن ذكر الاستنثار دليل عليه، لأنه لا يكون إلَّا بعده. \"ابن رسلان\"، وفي \"الغاية\": المراد من الاستنثار ها هنا الاستنشاق. (ش).\n(٦) ولفظ مسلم: \"ثم\"، واستدل به صاحب \"الغاية\" على انفراد كل منهما بالغسل. (ش).","vol":"1","page":528},{"text":"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَهُوَ هَذَا\". [ن ٩٢، حم ١/ ١٤١ - ١٥٤، ت ٤٩]\n١١٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ قال: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ، عَنْ زَائِدَةَ قال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْهَمْدَانِىُّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: صَلَّى عَلِيٌّ ﵁ الْغَدَاةَ، ثُمَّ دَخَلَ الرَّحْبَةَ فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتَاهُ الْغُلَامُ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَطَسْتٍ، قَالَ: فَأَخَذَ الإِنَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، وَغَسَلَ (١) كَفَّيْهِ\n===\nأي علي - ﵁ -: (من سره) من السرور أي أعجبه وفرحه، وكل مسلم يعجبه أن يتعلم ما فعل رسول الله - ﷺ - (أن يعلم وضوء رسول الله - ﷺ - فهو هذا) أي وضوء رسول الله - ﷺ -، لكمال شبهه كأنه هو، والمراد به التثليث في غسل الأعضاء، والتوحيد في مسح الرأس.\n١١٢ - (حدثنا الحسن بن علي الحلواني) الخلال (قال: حدثنا الحسين بن علي الجعفي) بضم الجيم وسكون العين المهملة، نسبة إلى جعفي بن سعد من مذحج، ينسب إليه البخاري ولاء، وثقه ابن معين والعجلي وعثمان بن أبي شيبة، مات سنة ٢٠٣ هـ.\n(عن زائدة) بن قدامة الثقفي (قال: حدثنا خالد بن علقمة الهمداني، عن عبد خير) بن يزيد (قال) أي عبد خير: (صلَّى علي) بن أبي طالب صلاة (الغداة) أي فرغ منها، (ثم دخل الرحبة) بفتح الراء وسكون المهملة بعدها موحدة، أي فضاء الكوفة وفسحتها، وقال في \"القاموس\": محلة بالكوفة (فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء، وطست، قال) أي عبد خير: (فأخذ الإناء بيده اليمنى) ووضعه عنده (فأفرغ) من الإناء على يده اليمنى ومنها (على يده اليسرى، وغسل كفيه) أي يديه إلى الرسغين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فغسل\".","vol":"1","page":529},{"text":"ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِى الإِنَاءِ فَتَمَضْمَضَ (١) ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، ثُمَّ سَاقَ قَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ أَبِى عَوَانَةَ، قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ مَرَّةً\". ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ.\n١١٣ - حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قال: حَدَّثَنِى (٣) مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قال: حَدَّثَنِا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ عُرْفُطَةَ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ خَيْرٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ عَلِيًّا - ﵁ - أُتِىَ بِكُرْسِىٍّ\n===\n(ثلاثًا، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فتمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا) يعني تمضمض باليمنى بثلاث غرفات، وكذلك استنشق باليمنى بثلاث غرفات، كما قلنا في الحديث المتقدم في شرح قوله: \"ونثر من الكف الذي يأخذ فيه\".\n(ثم ساق) أي زائدة هذا الحديث (قريبًا من حديث أبي عوانة) في الألفاظ، ثم بينه زائدة (قال) في حديثه: (ثم مسح) علي -﵁ - (رأسه مقدَّمه ومؤخَّره) بأنه بدأ بمقدم رأسه فذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه (مرة، ثم ساق) زائدة (الحديث) أي حديثه (نحوه) أي نحو حديث أبي عوانة.\n١١٣ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثني محمد بن جعفر) غندر (قال: نا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت مالك بن عرفطة)، قال في \"التهذيب\": مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي في الوضوء، وعنه شعبة، كذا سمَّاه، وخالفه الجماعة، فقالوا: خالد، وهو الصواب.\n(قال: سمعت عبد خير قال: رأيت عليًا) أي في الكوفة (أتي بكرسي)، قال في \"القاموس\": الكرسي بالضم وبالكسر: السرير، وقال في \"تفسير\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فمضمض\".\n(٢) وفي نسخة: \"حدثني\".\n(٣) وفي نسخة: \"حدثنا\".","vol":"1","page":530},{"text":"فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِىَ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ مَعَ الاِسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ\"\n===\nالبيضاوي\": وهو في الأصل اسم لما يقعد عليه، ولا يفضل عن مقعد القاعد (فقعد عليه، ثم أتي بكوز) بالضم، وهو ما له عروة من أواني الشرب، وما لا فهوكوب، كذا في \"المجمع\" (من ماء فغسل يده) وفي نسخة: يديه، وهو الأوفق بالروايات (ثلاثًا، ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد).\nوهذا الحديث حجة للشافعي - ﵀ -، فإنه قال بالجمع (١) بينهما بماء واحد، بأن ياخذ الماء بكفه، فيمضمض ببعضه، ويستنشق ببعضه، وقال الترمذي في \"سننه\": قال الشافعي: إن جمعهما في كف واحد فهو جائز، وإن فَرَّقهما فهو أحب (٢) إلينا، وهذا قول ثان له (٣)، وهذا عين مذهب أبي حنيفة - ﵀ -.\nوالجواب عن هذا الحديث بأن هذا اللفظ تفرد به شعبة بل خالف رواة ذلك الحديث، فإن زائدة روى عن خالد بن علقمة، قال في حديثه: \"فتمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا\"، وكذلك روى أبو إسحاق عن أبي حية عن علي هذا الحديث، فقال في حديثه: \"ثم مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا\"، وقد وهم شعبة في هذا الحديث في ذكر اسم الراوي، فقال: مالك بن عرفطة، والصحيح خالد بن علقمة.\n_________\n(١) ورجحه النووي منهم. (ش).\n(٢) ورجحه الرافعي الكبير. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال النووي (٢/ ١٠٨): بأي وجه أوصل الماء إليهما حصل المضمضة والاستنشاق، وفيه خمسة أوجه: الأول: بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة، ثم يستنشق منها ثلاثًا. والثاني: الكل بغرفة، يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق منها ثلاثًا. الثالث: أيضًا بغرفة، لكن يتمضمض ثم يستنشق ثم يتمضمض ثم وثم. الرابع: بغرفتين، يتمضمض بغرفة ثلاثًا، ثم يستنشق بالثانية ثلاثًا. والخامس: بست غرفات. والأوجه الأول، انتهى. (ش).","vol":"1","page":531},{"text":"وَذَكَرَ الْحَدِيث (١) (٢). [حم ١/ ١٢٢، ن ٩٣]\n١١٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ\n===\nوكذلك ما أخرجه الترمذي بسنده عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال: \"رأيت النبي - ﷺ - مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثًا\"، ثم قال الترمذي: وقد روى مالك وابن عيينة وغير واحد هذا الحديث، عن عمرو بن يحيى، ولم يذكروا هذا الحرف \"أن النبي - ﷺ - مضمض واستنشق من كف واحد\"، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث، انتهى. فإما أن يقال: هذه الزيادة شاذَّة، ويمكن أن يحمل أنه - ﷺ - فعل ذلك مرة لبيان الجواز.\n(وذكر الحديث) أي ذكر شعبة هذا الحديث بتمامه، وقد أخرجه النسائي مطولًا في \"المجتبى\" (٣).\n١١٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا أبو نعيم) مصغرًا،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذكر هذا الحديث\".\n(٢) وفي \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٨٨) رقم (١٠٢٠٣): قال أبو داود: مالك بن عرفطة إنما هو \"خالد بن علقمة\" أخطأ فيه شعبة. قال أبو داود: قال أبو عوانة يومًا: حدثنا مالك ابن عرفطة، عن عبد خير، فقال له عمرو الأغضف: رحمك الله يا أبا عوانة، هذا \"خالد بن علقمة\" ولكن شعبة يخطئ فيه، فقال أبو عوانة: هو في كتابي \"خالد بن علقمة\" قال لي شعبة: هو مالك بن عرفطة. قال أبو داود: وسماعه قديم، قال أبو داود: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، وسماعه متأخر، كان بعد ذلك رجع إلى الصواب.\nثم قال المزي: من قول أبي داود (مالك بن عرفطة) إلى قوله: \"رجع إلى الصواب\" في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم.\n(٣) \"سنن النسائي\" (ح ٩٣).","vol":"1","page":532},{"text":"قَالَ: حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ الْكِنَانِيُّ، عن الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو،\n===\nالفضل بن دكين، وهو لقب، واسمه عمرو بن حماد بن زيد بن درهم، مولى آل طلحة الملائي الكوفي الأحول، ذكره الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة طويلة، خلاصتها أنه وثقه كثير من المحدثين، ومدحه كثير، فهو عندهم ثقة ثبت، إلَّا أنه قال: قال أحمد بن صالح: ما رأيت محدثًا أصدق من أبي نعيم، وكان يدلس أحاديث مناكير، وقال ابن معين: كان مزاحًا، ذكر له حديث عن زكريا بن عدي، فقال: ما له وللحديث، ذاك بالتوراة أعلم، يعني أن أباه كان يهوديًا فأسلم، مات سنة ٢١٨ هـ، وهو من كبار شيوخ البخاري.\n(قال: حدثنا ربيعة الكناني) (١) هو ربيعة مكبرًا، ابن عتبة، بمضمومة وسكون فوقية وبموحدة، ويقال: ابن عبيد الكناني، بكسر الكاف ونونين بينهما ألف، قال أبو نعيم: ثقة، وقال أبو حاتم الهمداني: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في مسح الرأس في الوضوء. قلت: وقال العجلي: ثقة، ووهم أبو الحسن بن القطان، فزعم أن البخاري أخرج له، وليس كذلك.\n(عن المنهال (٢) بن عمرو) بكسر الميم وسكون النون، ابن عمرو الأسدي مولاهم، الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة، وتركه شعبة، لأنه سمع من منزله صوت الطنبور، ويقال: صوت قراءة بالتطريب، وقال الغلابي: كان ابن معين يضع من شأن المنهال، وقال الجوزجاني: سيِّئ المذهب.\n_________\n(١) نسبة إلى كنانة بن خزيمة، ذكره صاحب \"الغاية\". (ش).\n(٢) ذكر للحديث علة أنه عن المنهال عن أبي حية عن علي، وقيل: لا علة فيه \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":533},{"text":"عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁، وَسُئِلَ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرْ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. [حم ١/ ١١٠]\n١١٥ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ الطُّوسِيُّ\n===\n(عن زر بن حبيش) زر بكسر زاي وشدة راء، ابن حبيش بالتصغير، ابن حباشة بضم مهملة وخفة موحدة وستين معجمة، ابن أوس بن بلال، وقيل: هلال، الأسدي، أبو مريم، ويقال: أبو مطرف الكوفي، مخضرم أدرك الجاهلية، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ٨٣ هـ، وهو ابن ١٢٧ سنة.\n(أنه) أي زر بن حبيش (سمع عليًا) -﵁ - يعني قوله بعد الفراغ من الوضوء (وَسُئل) الواو للحال، أي والحال أن عليًّا -﵁ - سئل (عن وضوء رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث) أي فذكر زر قصة الوضوء بتمامها (وقال) زر فيه: (ومسح) على (رأسه حتى لمَّا يقطر) (١) يعني زاد في المسح لفظ \"حتى لما يقطر\"، وهذه الزيادة تشير إلى أن المسح كان مرة واحدة (٢)، لأنه لو كان ثلاثًا لتقاطر الماء عن رأسه بعد المسح (وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال) أي علي -﵁ -: (هكذا كان وضوء رسول الله - ﷺ -).\n١١٥ - (حدثنا زياد بن أيوب الطوسي) هو زياد بن أيوب بن زياد البغدادي، أبو هاشم، المعروف بدلُّويه، بفتح الدال المهملة وضم اللام\n_________\n(١) أي لم يقطر، قال ابن رسلان: والفرق بين \"لمَّا\" و\"لم\" بثلاثة وجوه: النفي بلم لا يجب اتصاله بالحال، بخلاف \"لما\"، والفعل بعد \"لما\" يجوز حذفه اختيارًا، بخلاف \"لم\" فلا يجوز بعده إلَّا للضرورة، و\"لم\" تصاحب أدوات الشرط كإن لم، بخلاف \"لمَّا\"، انتهى. (ش).\n(٢) وقيل عكسه \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":534},{"text":"قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى\n===\nالمشددة، وكان يغضب منه، طوسي الأصل، وطوس بلدة بخراسان (١)، قال المروزي عن أحمد: اكتبوا عنه، فإنه شعبة الصغير، وقال أبو إسحاق الأصبهاني: ليس على بسيط الأرض أحد أوثق من زياد بن أيوب، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ثقة، وقال الدارقطني: دلُّويه ثقة مأمون، مات سنة ١٥٢ هـ.\n(قال: ثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار، واسمه باذام العبسي بموحدة، مولاهم، الكوفي، أبو محمد الحافظ، اختلف فيه، قال الميموني: ذكر عند أحمد عبيد الله بن موسى فرأيته كالمنكر له، وقال: كان صاحب تخليط، وحدَّث بأحاديث سوء، قيل له: فابن فضيل؟ قال: كان أستر منه، وقال يعقوب بن سفيان: شيعي، وإن قال قائل: رافضي لم أنكر عليه، وهو منكر الحديث، وقال الجوزجاني: وعبيد الله بن موسى أغلى وأسوأ مذهبًا، وأروى للعجائب، وقال الحاكم: سمعت قاسم بن قاسم السياري، سمعت أبا مسلم البغدادي الحافظ يقول: عبيد الله بن موسى من المتروكين، تركه أحمد لتشيعه، قال الساجي: صدوق، كان يفرط بالتشيع، قال أحمد: روى مناكير، وقد رأيته بمكة فأعرضت عنه، وبعد ذلك عتبوا عليه، ترك الجمعة مع إدمانه على الحج، وأما الموثقون له، فقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة حسن الحديث، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن عدي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا إن شاء الله تعالى، كثير الحديث حسن الهيئة، وكان يتشيع، ويروي أحاديث في التشيع منكرة، وضعف بذلك عند كثير من الناس،\n_________\n(١) قرية ببخارى \"الغاية\"، وفي بعض النسخ: \"القرشي\" وهو غلط، كذا في \"التقرير\". (ش). [قلت: في \"معجم البلدان\" (٤/ ٥٠): طوس من قرى بخارى].","vol":"1","page":535},{"text":"قَالَ: حَدَّثَنَا فِطْرٌ، عن أَبِي فَرْوَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى،\n===\nوقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، وكان يضطرب في حديث سفيان اضطرابًا قبيحًا، مات سنة ٢١٣ هـ.\n(قال: حدثنا فطر) بكسر الفاء وسكون الطاء في آخره راء، ابن خليفة القرشي المخزومي مولاهم، أبو بكر الحفاظ الكوفي، مختلف فيه، وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان وابن معين والنسائي في موضع، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال الساجي: صدوق ثقة ليس بمتقن، كان أحمد بن حنبل يقول: هو خشبي أي من الخشبية - فرقة من الجهمية - مفرط، وقال السعدي: زائغ غير ثقة، وقال الدارقطني: فطر زائغ ولم يحتج به البخاري، وقال أبو بكر بن عياش: ما تركت الرواية عنه إلَّا لسوء مذهبه، وقال ابن سعد: ومن الناس من يستضعفه، وكان لا يدع أحدًا يكتب عنه، وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم يرفع من فطر ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث، وقال النسائي: حدثنا يعقوب بن سفيان عن ابن نمير قال: فطر حافظ كيِّس، مات سنة ١٥٣ هـ.\n(عن أبي فروة) مسلم بن سالم النهدي، أبو فروة الأصغر الكوفي، ويعرف بالجهني لنزوله فيهم، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به.\n(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري (١) المدني ثم الكوفي،\n_________\n(١) وذكر القاري: صحابي شهد أحدًا وما بعدها، كذا في \"التهذيب\"، انتهى، فتأمل فإنه مشكل. (ش). [قلت: وقال القاري بعد ذلك: وفي \"التقريب\" أنصاري، مدني، كوفي، ثقة، من الثانية، اختلف في سماعه عن عمر، وهذا هو الصحيح، وأما ما نسب إلى \"التهذيب\" فهو وهم منه. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٧)، و\"التهذيب\" (٦/ ٢٦٠)، و\"التقريب\" (٣٩٩٣)].","vol":"1","page":536},{"text":"قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا - ﵁ - تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.\n١١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو تَوْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. (ح): وَأخبرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ،\n===\nأبو عيسى، ثقة، اختلف في سماعه من عمر، ولد لست بقين من خلافة عمر، ومات بوقعة الجماجم سنة ٣٨ هـ، وقيل: إنه غرق.\n(قال) عبد الرحمن بن أبي ليلى: (رأيت عليًا) بن أبي طالب (توضأ) ثم فسره بقوله: (فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه) مرة (واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله - ﷺ -) يعني أن غسل الأعضاء كان ثلاثًا، والمسح مرة واحدة، ولم يذكر فيه غسل الرجلين، فلعله اختصار من بعض الرواة.\n١١٦ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (وأبو توبة) ربيع بن نافع (قالا: ثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم (ح) (١): هذا تحويل من سند إلى سند آخر.\n(وأخبرنا عمرو بن عون) بن أوس بن الجعد، أبو عثمان الواسطي البزار، مولى أبي العجفاء السلمي، سكن البصرة، أطنب في الثناء عليه يحيى بن معين، وقال العجلي: ثقة، وقال أبو زرعة: قَلَّ من رأيت أثبت منه، وقال أبو حاتم: حجة ثقة، مات سنة ٢٢٥ هـ.\n(قال: أنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني، أبو إسحاق السبيعي مكبرًا، والسبيع من همدان، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وثَّقه ابن معين والنسائي والعجلي وأبو حاتم\n_________\n(١) ذكر التحويل، لأن الأولين ذكرا أبا الأحوص بالتحديث والثالث بالإخبار، \"تقرير\". (ش).","vol":"1","page":537},{"text":"عن أَبِي حَيَّةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ وُضُوءَهُ كُلَّهُ\n===\nوأحمد بن حنبل، وقال ابن حبان في \"كتاب الثقات\": كان مدلسًا، وكذا ذكره في المدلسين حسين الكرابيسي وأبو جعفر الطبري.\nوقال أبو إسحاق الجوزجاني: كان قوم من أهل الكوفة لا تحمد مذاهبهم يعني التشيع، هم رؤوس محدثي الكوفة، مثل أبي إسحاق والأعمش ومنصور والزبيد وغيرهم من أقرانه، احتملهم الناس على صدق ألسنتهم في الحديث، ووقفوا عندما أرسلوا لما خافوا أن لا تكون مخارجها صحيحة، فأما أبو إسحاق فروى عن قوم لا يعرفون، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلَّا ما حكى أبو إسحاق عنهم، فإذا روى تلك الأشياء عنهم (١) كان التوقف في ذلك عندي الصواب، وحدثنا إسحاق ثنا جرير عن معن قال: أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق يعني بالتدليس، واختلط بأخرة، قال يحيى بن معين: سمع منه ابن عيينة بعد ما تغير، مات ما بين سنة ١٢٦ هـ إلى سنة ١٢٩ هـ.\n(عن أبي حية) بن قيس الوادعي الخارفي، نسبة إلى خارف، وهي بطن من همدان، نزل الكوفة، اختلف في اسمه، وقال أبو أحمد الحاكم (٢) وغيره: لا يعرف اسمه، وقال أبو زرعة: لا يسمى، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو الوليد بن الفرضي: مجهول، قال ابن المديني: وقال ابن القطان: وثَّقه بعضهم، وصحح حديثه ابن السكن وغيره، وقال ابن الجارود في \"الكنى\": وثَّقه ابن نمير.\n(قال) أي أبو حية: (رأيت عليًّا توضأ، فذكر) أبو حية (وضوءه كله)\n_________\n(١) في الأصل \"منهم\" وهو تحريف، والصواب \"عنهم\"، كما في \"التهذيب\" (٨/ ٦٧).\n(٢) وكذا قال ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ٥٩). (ش).","vol":"1","page":538},{"text":"ثَلَاثًا ثَلَاثًا، قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ طُهُورَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. [ت ٤٤ - ٤٩، ن ٩٦، حم ١/ ٧٠]\n١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ قال: حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ،\n===\nأي أكثره إلى غسل الذراعين (ثلاثًا ثلاثًا، قال) أبو حية: (ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين) ولم يذكر في مسح الرأس وغسل الرجلين (٢) عددًا (ثم قال) أي علي -﵁ -: (إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله - ﷺ -) يعني ما كان بي للوضوء من حاجة، وما كنت أريد الصلاة فأتوضأ لها، ولكني أحببت أن أعلِّمكم صفة وضوء رسول الله - ﷺ -.\n١١٧ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني (٣) قال: حدثنا محمد - يعني ابن سلمة -) بن عبد الله الباهلي مولاهم، أبو عبد الله الحراني، قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلًا عالمًا، له فضل ورواية وفتوى، وقال أبو عروبة: أدركنا الناس لا يختلفون في فضله وحفظه، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" مات سنة ١٩١ هـ.\n(عن محمد بن إسحاق) بن يسار، (عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة) بضم الراء (٤) بعد الألف نون، ابن عبد يزيد بن المطلب بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثني\".\n(٢) لكن ذكره في رواية \"النسائي\" (ح ٩٦). (ش).\n(٣) نسبة إلى حران، جزيرة.\"الغاية\". (ش).\n(٤) وتخفيف الكاف. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":539},{"text":"عن عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ، عن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: \"دَخلَ عَلَيَّ عَلِيٌّ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ -\n===\nعبد مناف المطلبي المكي، وثَّقه ابن معين وأَبو داود، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات بالمدينة في أول خلافة هشام سنة ١١١ هـ، وكان قليل الحديث.\n(عن عبيد الله الخولاني) هو عبيد الله بن الأسود، ويقال: ابن الأسد الخولاني، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، هذه النسبة إلى خولان، وعبس وخولان قبيلتان نزلتا بالشام، هكذا في \"الأنساب\" (١)، ربيب ميمونة -﵂ - يعني: أنها رَبَّتْه، فقيل: كان مولاها لا أنه ابن زوجها، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن ابن عباس) -﵁ - (قال) ابن عباس: (دخل عَليَّ عليٌّ)، وفي \"مسند أحمد\": \"دخل عليَّ علي بيتي\" (يعني ابن أبي طالب) هكذا في النسخة المجتبائية الدهلوية بإدخال لفظة \"يعني\" بين لفظة \"علي\" ولفظة \"ابن أبي طالب\"، وفي النسخة المكتوبة: دخل عليَّ علىُّ بن أبي طالب، فلم يزد لفظة \"يعني\"، فإن كانت لفظة \"يعني\" موجودة، فكأنها إشارة إلى أن لفظة \"ابن أبي طالب\" لم تكن في كلام ابن عباس - ﵄ -، ولكن بَيَّنَ الراوي مراده بأن مراده من علي هو ابن أبي طالب، فحينئذ يكون هذا اللفظ لبعض الرواة، وأما إذا لم تكن لفظة يعني موجودة، كما في النسخة المكتوبة، فحينئذ تكون لفظة \"ابن أبي طالب\" من كلام ابن عباس.\nوأما في النسخة المصرية فهكذا: دخل عليَّ يعني علي بن أبي طالب،\n_________\n(١) (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":540},{"text":"وَقَدْ أَهْرَاقَ الْمَاءَ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَتَيْنَاهُ بِتَوْرٍ فِيهِ مَاءٌ حَتَّى وَضَعْنَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَلَا أُرِيكَ كَيْفَ كَانَ يَتَوَضَّأُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟\n===\nفعلى هذا تكون لفظة علي بن أبي طالب من بعض الرواة لا من كلام ابن عباس.\n(وقد أهراق (١) الماء) قال في \"القاموس\": هَراقَ الماءَ يُهَرِيقُه بفتح الهاء هِراقة بالكسر، وأَهْرَقَه يُهْرِيقَهُ إهراقًا، وَأَهْرَاقَه يُهْرِيقُه إِهْرياقًا فهو مُهَرِيقٌ، وذاك مُهَرَاقٌ وَمُهْراقٌ: صَبَّه، وأصله أراقَه يُرِيْقُه إراقَة، وأصل أراقَ أَرْيَقَ، وأصل يُرِيْقُ يُرْيِقُ، وأصل يُرْيِقُ: يُؤَرْيِقُ، انتهى.\nوقال في \"المجمع\": وهو كناية عن البول، فيؤخذ منه استحباب الكناية فيه، ولا يمكن أن يكون المراد به الاستنجاء بعد البول، لأنه أخرج هذه الرواية الإِمام أحمد في \"مسنده\"، فقال فيه: \"وقد بال\"، فهذا يدل على أن المراد بإهراق الماء البول لا غير.\n(فدعا) أي علي (بوضوء) أي ماء للوضوء (فأتيناه بتور فيه ماء حتى وضعناه بين يديه، فقال) أي علي بن أبي طالب: (يا ابن عباس، ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله - ﷺ -؟) أي في بعض الأحيان، وما كان يفعله في بعض الأحيان، يمكن أن يخفى على بعض الصحابة الذين لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، فعلى هذا لو حمل إراءة الوضوء لابن عباس لأجل التعليم لم يبعد.\n_________\n(١) فيه جواز القول به، فما ورد في الرواية من منعه حديث ضعيف، بسطه صاحب \"الغاية\"، وقال ابن رسلان: فيه دليل على جوازه، لكنه مكروه، لرواية الطبراني ولفظه: \"لا يقولن أحدكم: أهرقت الماء ولكن يقول: أبول\". (ش).\n[انظر: \"المعجم الكبير\" للطبراني (٢٢/ ١٥٠)].","vol":"1","page":541},{"text":"قُلْتُ: بَلَى، فَأَصْغَى الإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ (١) فَغَسَلَهَا (٢)، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى الأُخْرَى، ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِى الإِنَاءِ جَمِيعًا، فَأَخَذَ بِهِمَا حُفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى قَبْضَةً مِنْ مَاءٍ، فَصَبَّهَا عَلَى نَاصِيَتِهِ فَتَرَكَهَا تَسْتَنُّ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَظُهُورَ\n===\n(قلت: بلى، فأصغى الإناء على يده) أي اليمنى (فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى) بعد ما غسلها، (فأفرغ بها على الأخرى) أي اليسرى، (ثم غسل كفيه) أي كلتا يديه إلى الرسغين، (ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما (٣) حفنة) (٤) بالضم، في \"القاموس\": الحفنة ملء الكف (من ماء، فضرب بها على وجهه) أي أفاض ذلك الماء على وجهه، وليس المراد بالضرب اللطم، (ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه) أي أدخل إبهاميه، وجعلهما كاللقمة في باطن أذنيه وصماخهما، (ثم الثانية) أي ثم فعل المرة الثانية كذلك، (ثم) فعل المرة (الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبَّها على ناصيته فتركها تستن) أي تسيل (على وجهه، ثم كسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه وظهور (٥)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يديه\".\n(٢) وفي نسخة: \"فغسلهما\".\n(٣) قال ابن رسلان: فيه دليل لما قاله صاحب \"الحاوي\": إن المستحب في غسل الوجه أخذ الماء بيديه جميعًا، لأنه أمكن وأسبغ. (ش).\n(٤) قوله: حفنة بالفتح أيضًا. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: أجاب عنه أصحابنا بأنه محمول على أنه استوعب الرأس، فَمَسَحَ مؤخر الأذن معه ضمنًا لا مقصودًا، ولا يتأتى الاستيعاب غالبًا إلَّا بذلك، انتهى. (ش).","vol":"1","page":542},{"text":"أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ جَمِيعًا، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى رِجْلِهِ وَفِيهَا النَّعْلُ، فَفَتَلَهَا (١) بِهَا، ثُمَّ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: وَفِى النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ وَفِى النَّعْلَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: وَفِى النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: وَفِى النَّعْلَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: وَفِى النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: وَفِى النَّعْلَيْنِ. [حم ١/ ٨٢، خزيمة ١٥٣، ق ١/ ٧٤، حب ١٠٨٠]\n===\nأذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا، فأخذ حفنة من ماء، فضرب بها) أي أفاض وصبَّ بها (على رجله، وفيها النعل) (٢) الواو للحال أي والحال أن في رجله النعل، (ففتلها بها) أي فدلك الرجل بتلك الحفنة، وفي نسخة: \"فغسلها\" وهو ظاهر (ثم الأخرى مثل ذلك) أي أخذ حفنة أخرى من ماء، فغسل بها رجله اليسرى.\n(قال) أي ابن عباس: (قلت) لعلي بن أبي طالب راوي الحديث: (وفي النعلين؟) أي أو غسل الرجلين في النعلين؟ فالاستفهام للتعجب (قال) أي علي: (وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين).\nوفي هذا الحديث (٣) عدة أبحاث:\nأولها: أن ظاهر هذا الحديث يقتضي لطم الوجه بالماء، وقد ورد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فغسلها\".\n(٢) قال الخطابي: لعله وصل الماء إلى تمام الرجل، كما يدل عليه قوله: \"فغسلها\"، أو يقال: إنه ورد عن علي في بعض الطرق: \"هذا وضوء من لم يحدث\"، فيكون هذا منه، \"ابن رسلان\" مختصرًا. (ش).\n(٣) ولما كان ظاهر الحديث مسح الرجلين، قال الشيخ ابن القيم في \"تلخيص السنن\" (١/ ٩٥): للعلماء فيه سبعة مسالك فأرجع إليه: (١) ضعفه، (٢) نسخه، (٣) اختلاف الروايات عن علي في ذلك، (٤) وضوء على الوضوء، (٥) الجوربين، =","vol":"1","page":543},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي \"مسند أحمد\" (١) بهذا اللفظ، فقال: \"ثم أخذ بيديه فصَكَّ بهما وجهه\"، وكذلك أخرج ابن حبان في \"صحيحه\" (٢)، فقال فيه: \"فصَكَّ به وجهه\"، وبوَّب عليه استحباب صَكِّ الوجه بالماء للمتوضئ عند غسل الوجه، وأما العلماء الحنفية والشافعية، فقالوا بكراهة لَطْمِ الوجه بالماء، وصرَّحوا بأنه يندب للمتوضئ أن لا يلطم وجهه بالماء.\nقلت: قال الشوكاني في \"النيل\" (٣): قال المنذري: في هذا الحديث مقال، وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه، وقال: ما أدري ما هذا، انتهى.\nقلت: ولم أدر ما أراد المنذري في هذا الحديث من المقال، وكذلك وجه تضعيف البخاري وعلته، فإن رواته كلهم ثقات، وأما مظنة تدليس ابن إسحاق، فارتفعت برواية الإِمام أحمد في \"مسنده\"، فإنه صرح بالتحديث فيه، وأما ما قال البزار: لا نعلم أحدًا روى هذا هكذا إلَّا من حديث عبيد الله الخولاني، ولا نعلم أن أحدًا رواه عنه إلَّا محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، فهذا كلام البزار لا يقتضي ضعفه، فإنه لا يدل إلَّا على انفراد الخولاني، وانفراد محمد بن طلحة عنه، والانفراد لا يقتضي إلَّا غرابة الحديث، وغرابة الحديث غير مستلزم لضعفه، كما هو ظاهر، ولكن لما حكم عليه البخاري بالضعف، وإن كان غير موجه، لا ينبغي لمقلديه أن\n_________\n= (٦) مذهب خاص، (٧) الثابت هكذا، لكنه مخالف للصحاح.\nقلت: لا حاجة إلى الجواب؛ لأن غسل الرجل في النعل العربي لا يعسر، يشكل على الجواب الرابع قوله: وقد أهراق الماء. (ش).\n(١) (١/ ٨٢).\n(٢) (٣/ ٣٦٢) رقم الحديث (١٠٨٠).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":544},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيستدلوا به، والجواب الثاني عنه ما أجاب به الشيخ ولي الدين: ويمكن تأويل الحديث بأن معناه صب الماء على وجهه لا لطمه به، انتهى.\nقلت: والقرينة على ذلك أن جميع من حكوا وضوء رسول الله - ﷺ - لا يذكرون فيه اللطم، فيكون اللطم محمولًا على الصبِّ والإفاضة أو يكون شاذًّا، وأيضًا يطلق الضرب ويراد به الإلصاق، كما في قوله في هذا الحديث: \"فضرب به على رجله اليمنى\"، وكما في قوله - ﷺ -: \"يضرب الملائكة بأجنحتها\".\nوثانيها: أن في هذا الحديث مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس، وهو قول إسحاق، قال الترمذي: قال إسحاق: واختار أن يمسح مقدمهما مع وجهه ومؤخرهما مع رأسه، فهذا الحديث حجة له، قال الترمذي: وقال بعض أهل العلم: ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس.\nقال الشوكاني في \"النيل\": والحديث يدل على أنه يغسل ما أقبل من الأذنين مع الوجه، ويمسح ما أدبر منهما مع الرأس، وإليه ذهب حسن بن صالح والشعبي.\nقلت: لا دلالة في هذا الحديث على ما قال الشوكاني من أنه يغسل ما أقبل من الأذنين مع الوجه، لأن إلقام الإبهامين المبتلين في صماخ الأذنين لا يقتضي الغسل، بل يدل على المسح فقط.\nوأغرب (١) من ذلك ما قال الشوكاني في شرح هذا اللفظ: \"وألقم\n_________\n(١) قال ابن رسلان: أي جعل إبهاميه للبياض الذي بين الأذن والعذار كاللقمة للفم، وقد استدل به الماوردي على أن البياض من الوجه، وقال مالك: ليس من الوجه، =","vol":"1","page":545},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإبهاميه\"، جعل إبهاميه للبياض الذي بين الأذن والعذار كاللقمة للفم توضع فيه، وهذا تفسير لا يساعده لفظ الحديث، ويخالف هذا التفسير ما قال أولًا: والحديث يدل على أنه يغسل ما أقبل ... إلخ، ثم قال الشوكاني: وذهب الزهري وداود إلى أنهما من الوجه فيغسلان معه.\nقلت: ولم أظفر على دليل من الكتاب والسنَّة يثبت به هذا المذهب، وأما جمهور أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم، قالوا: إن الأذنين من الرأس فيمسح ظاهرهما وباطنهما معه.\nوثالثها (١): إرسال غَرفة من الماء على الناصية بعد غسل الوجه، قال في \"مرقاة الصعود\": قال النووي في \"شرحه\": هذه اللفظة مشكلة إذ ظاهره أنها مرة رابعة بغسل وجهه، وهذا خلاف إجماع المسلمين، فيتأول على أنه بقي من أعلى وجهه شيء لم يكمل بالثلاث، فأكمله بهذه القبضة، وقال ولي الدين: الظاهر أنه إنما صبه على جزء من رأسه، وقصد به تحقق استيعاب وجهه، كما قال الفقهاء، ويجب غسل جزء من رأسه لتحقق غسل وجهه.\nونقل مولانا محمد يحيى - ﵀- عن شيخه - رحمه الله تعالى - في توجيه هذا الفعل: أن إلقاء الحفنة من الماء على ناصيته كان دفعًا للحر\n_________\n= قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار، قال بقول مالك. وقال أبو يوسف: يغسل الأمرد دون الملتحي، انتهى، وكذا قال الشعراني في \"الميزان\"، قلت: فلعل الشوكاني أخذ هذا الشرح من ابن رسلان. (ش).\n(١) قال ابن رسلان: استدل به على أنه يستحب أن يزيد في ماء الوجه، لأن فيه شعوبًا وغصونًا كثيرة، قال الإِمام أحمد: ويؤخذ له ماء أكثر بما يؤخذ لعضو من الأعضاء، انتهى. (ش).","vol":"1","page":546},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلا لإدخاله في الوضوء، وقد فعل النبي - ﷺ - مثل ذلك لمثل ذلك، ولذلك تركها يستن على ناصيته، ولم يمسح بها رأسه، ومسح الناصية على حدة من تلك الحفنة، والقصد بذلك إلى إظهار أن مثل هذه الزيادة جائزة ما لم يعدها من آداب الوضوء وسننه، فإن ذلك بدعة، أو لعل عليًّا فعل ذلك من دون أن يكون النبي - ﷺ - فعله لما قلنا، انتهى.\nورابعها: أن الضمير في \"قال: قلت: \" هل يعود إلى ابن عباس -﵄- أو إلى عبيد الله الخولاني، فقال الإِمام الشعراني \"في كشف الغمة عن جميع الأمة\" (١): إن ضمير \"قال\" يعود إلى ابن عباس، وهو الذي سأل عليًّا - ﵁ - على سبيل التعجب أنه - ﷺ - غسل رجليه حال كونهما في النعلين، وهذا لفظه: قال ابن عباس فسألت عليًّا - ﵁ - فقلت: في النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين.\nويشكل على هذا أن ابن عباس - ﵄ - يحدث عن رسول الله - ﷺ - أنه - ﷺ - غسل رجليه، وفيها النعل، كما يأتي بعد ورقتين من السنن في \"باب الوضوء مرتين\"، فكيف يتعجب مما يحدث هو بنفسه.\nويمكن الجواب عنه أنه - ﵁ - غفل في ذلك الوقت عما روى هو عن رسول الله - ﷺ -، وأما إذا كان مرجع الضمير عبيد الله فلا يرد عليه هذا الإشكال، ولكنه خلاف ظاهر (٢) سياق الحديث، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) (١/ ٥٥).\n(٢) وفي \"التقرير\": هو الظاهر، وكونه مقولة ابن عباس خلاف السياق. (ش).","vol":"1","page":547},{"text":"ِقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ عن شَيْبَةَ يُشْبِهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ، لأنَّهُ قَالَ فِيهِ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن ابْنِ جُرَيْجٍ: وَمَسَحَ بِرَأسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِيهِ عن ابْنِ جُرَيْجٍ: وَمَسَحَ بِرَأسهِ ثَلَاثًا.\n===\n(قال أبو داود: وحديث ابن جريج عن شيبة) (١) هو ابن نِصاح، بكسر النون بعدها مهملة وآخرها مهملة، ابن سرجس بن يعقوب المخزومي المدني القارئ، مولى أم سلمة -﵂ -، أتي به إليها وهو صغير، فمسحت رأسه، كان قاضيًا بالمدينة، قال النسائي: ثقة، روى النسائي حديث حجاج عن ابن جريج عن شيبة عن أبي جعفر عن أبيه عن جده عن علي في \"باب صفة الوضوء\" ولم ينسب شيبة النسائي أيضًا في روايته كما لم ينسبه أبو داود، وقد قال الحافظ في \"التقريب\": شيبة غير منسوب عن أبي جعفر، هو ابن نصاح، مات سنة ١٣٠ هـ.\n(يشبه حديث علي) المذكور فيما تقدم في هذا الباب بروايات مختلفة. (لأنه) الضمير للشأن، أو لحديث علي، وهذا اللفظ موجود في النسخة المجتبائية الدهلوية، وكذا في المصرية، وأما في النسخة الدهلوية المطبوعة القديمة والمكتوبة فلا يوجد فيهما هذا اللفظ (قال فيه حجاج بن محمد عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة واحدة، وقال ابن وهب فيه) أي في حديث علي - ﵁ -، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى مسح الرأس، فأما إرجاع الضمير إلى حديث شيبة كما فعله صاحب \"غاية المقصود\" فبعيد، لأن حديث وهب عن ابن جريج ليس فيه شيبة بن نصاح، لأن ابن جريج يروي عن محمد بن علي بلا واسطة شيبة بن نصاح كما في \"السنن الكبير\" للبيهقي، ولم أجد حديث ابن وهب في غير هذا الكتاب وسيجيء مفصلًا (عن ابن جريج: ومسح برأسه ثلاثًا).\n_________\n(١) قال ابن رسلان: له هذا الحديث الواحد. (ش).","vol":"1","page":548},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأما حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج، فقد ذكرنا تخريجه عند النسائي في \"باب صفة الوضوء\" من \"المجتبى\".\nوأما حديث ابن وهب عن ابن جريج، فقد أخرجه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١) فقال: وأحسن ما روي عن علي فيه ما أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عباس بن الفضل، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده، عن علي أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل رجليه ثلاثًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ، هكذا قال ابن وهب: ومسح برأسه ثلاثًا، وقال فيه حجاج عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة، انتهى بلفظه.\nوغرض المصنف بإيراد هذا الكلام بيان أن ابن جريج اختلف الرواة عنه، فروى حجاج بن محمد عنه مسح الرأس مرة واحدة، وروى ابن وهب عنه مسح الرأس ثلاثًا، ولكن حديث حجاج أقوى، لأنه يشبه حديث علي المذكور فيما قبل، فإن فيه بعض الرواة قالوا بمسح الرأس مرة، وبعضهم لم يذكروا العدد، وأما ابن وهب فخالف تلك الروايات، وقال: ومسح برأسه ثلاثًا، فيسقط هذا بمقابلة الصحيح من الروايات.\nقلت: وقد صرح أهل الحديث بأن ابن وهب مدلس، ويروي عن محمد بن علي معنعنة، ولا يذكر شيبة، فلهذا أيضًا لا يقاوم حديث حجاج بن محمد.\n_________\n(١) (١/ ٦٣).","vol":"1","page":549},{"text":"١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ، عن أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ زيدٍ\n===\n١١٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن عمرو بن يحيى المازني) مازن الأنصار، (عن أبيه) وهو يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري. (أنه) أي يحيى بن عمارة (١) (قال لعبد الله بن زيد) فعلى هذا سائل عبد الله بن زيد عن صفة الوضوء هو يحيى بن عمارة، وهكذا قال الشافعي في \"الأم\": عن مالك عن عمرو عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد، ومثله رواية الإسماعيلي عن أبي خليفة عن القعنبي عن مالك عن عمرو عن أبيه قال.\nوأما الإِمام محمد بن الحسن الشيباني فروى عن مالك، حدثنا عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه سحنون في \"المدونة\"، وقال معن بن عيسى في روايته عن عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع أبا حسن - وهو جد عمرو بن يحيى - قال لعبد الله بن زيد وكان من الصحابة، فذكر الحديث.\nوأما البخاري فأخرج رواية سليمان بن بلال في \"باب الوضوء من التور\"، قال: ثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي يعني عمرو بن أبي حسن يكثر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، وأما أكثر الرواة فأبهموا سائل عبد الله بن زيد، ولم يعيِّنوه، كما وقع في رواية مسلم عن محمد بن الصباح عن خالد الواسطي عن عمرو بن يحيى عن أبيه\n_________\n(١) لو صح فيحمل على المجاز، وإلَّا فالصواب ما في رواية البخاري: \"أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد\"، وضمير \"وهو جد عمرو\" يرجع إلى هذا الرجل المبهم، والمراد به عمرو بن أبي الحسن، فهو السائل كما سيأتي في \"البذل\"، ثم ههنا خمسة مباحث ذكرت في \"الأوجز\" فأرجع إليه (١/ ٣٤٢). (ش).","vol":"1","page":550},{"text":"- وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ-:\n===\nعن عبد الله بن زيد قال: قيل له: توضأ لنا، فذكره مبهمًا، وفي رواية للبخاري بسنده عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى، الحديث، ولكن مع كون السائل في هذه الروايات مبهمًا تدل على أن السائل غير يحيى بن عمارة المازني.\nقال الحافظ في \"فتح الباري\" (١): والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو الحسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضوء النبي - ﷺ -، وتولى السؤال منهم له عمرو بن أبي حسن، فحيث نسب إليه السؤال كان على الحقيقة، وحيث نسب السؤال إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه كان الأكبر، وكان حاضرًا، وحيث نسب السؤال ليحيى بن عمارة فعلى المجاز أيضًا، لكونه ناقل الحديث وقد حضر السؤال، انتهى، وهذا جمع حسن يدفع به الاختلاف ويحصل الاتفاق، ولله الحمد.\n(وهو جد عمرو بن يحيى المازني)، الظاهر أن الضمير يرجع إلى عبد الله بن زيد، أي عبد الله بن زيد هو جد عمرو بن يحيى، لكنه غلط ووهم نشأ من هذه الرواية، والصواب ما في البخاري هكذا: عن أبيه أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى، فعلى هذا مرجع الضمير هو الرجل السائل، وهو عمرو بن أبي حسن عم يحيى بن عمارة بن أبي حسن، فما قال صاحب \"الكمال\" ومن تبعه في ترجمة عمرو بن يحيى: أنه ابن بنت عبد الله بن زيد فغلط (٢)، كذا قال الحافظ في \"الفتح\".\n_________\n(١) (١/ ٢٩٠).\n(٢) توهَّم من هذه الرواية (ش).","vol":"1","page":551},{"text":"هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِى كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ،\n===\nفإن قلت: قد علم من التحقيق المار أن السائل حقيقة هو عمرو بن أبي حسن، وليس هو جدًّا لعمرو بن يحيى، بل اسم جد عمرو بن يحيى عمارة بن أبي حسن، فكما لا يصح كون عبد الله بن زيد جد عمرو بن يحيى، كذلك لا يصح كون عمرو بن أبي حسن جدًّا لعمرو بن يحيى، قلت: نعم، ليس عمرو بن أبي حسن جدًّا لعمرو بن يحيى على الحقيقة بل على المجاز، لأنه أخو جده عم أبيه، فإن عمارة جده الحقيقي وعمرو بن أبي حسن كلاهما شقيقان، فإطلاق الجد على عمرو بن أبي الحسن على المجاز (١).\n(هل تستطيع أن تريني) قال الحافظ (٢): فيه ملاطفة الطالب للشيخ، وكأنه أراد أن يريه بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون الشيخ نسي ذلك لبعد العهد (كيف كان رسول الله يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء) (٣) أي بماء يتوضأ به في\n_________\n(١) وصورته هكذا:\n............................... أبو الحسن ........................\n..... عمرو ............................................ عمارة ....\n....................................................... يحيي ......\n...................................................... عمرو .....\n\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٤).\n(٣) وفي رواية للبخاري: \"فدعا بتور\". (ش).","vol":"1","page":552},{"text":"فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ (١)، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ،\n===\nإناء (فأفرغ) الماء (على يديه فغسل يديه). لم يذكر في هذه الرواية عدد الغسل، وأما في البخاري \"فغسل مرتين\" (٢)، وفي بعض الروايات للحفاظ ثلاثًا، قال الحافظ (٣): وهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمة على الحافظ الواحد، فإن قلت: لم لا يحمل هذا على واقعتين؟ قلت: المخرج واحد والأصل عدم التعدد.\n(ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين)، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي - ﷺ - توضأ وفيه: ويده اليمنى ثلاثًا، ثم الأخرى ثلاثًا، والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء هو العظم الناتي في آخر الذراع، سمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه.\nوقد اختلف العلماء: هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا؟ فقال المُعْظَمُ: نعم، وخالف زفر، وحكاه بعضهم عن (٤) مالك، واستدل بعضهم بأن \"إلى\" في الآية بمعنى \"مع\"، وقال ابن القصار: اليد يتناوله الاسم إلى الإبط لحديث عمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، فلما جاء قوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بقي المرفق مغسولًا مع الذراعين بحق الاسم، انتهى،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يده\".\n(٢) هكذا في \"موطأ محمد\" أيضًا، وأما في \"موطأ مالك\"، فبتكرار مرتين مرتين. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩١).\n(٤) وحكى ابن رشد مذهب مالك مثل الجمهور، وحكى هذا القول عن بعض متأخري أصحاب مالك والطبري. (ش).\n[انظر: \"بداية المجتهد\" (١/ ١١)].","vol":"1","page":553},{"text":"ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ\n===\nفعلى هذا \"فإلى\" ها هنا حد للمتروك من غسل اليدين لا للمغسول، قال الزمخشري: لفظ \"إلى\" يفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه على أحد من الأمرين، فأخذ العلماء بالاحتياط ووقف زفر مع المتيقن.\nويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله - ﷺ -، ففي الدارقطني (١) بإسناد حسن من حديث عثمان: فغسل يديه مع المرفقين حتى مسَّ أطراف العضدين، وفيه عن جابر: كان إذا توضأ أدار الماء على المرفقين، لكن إسناده ضعيف، وفي البزار والطبراني (٢) من حديث وائل بن حجر: وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق، وفي \"الطحاوي\" و\"الطبراني\" من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، فكان فعله بيانًا لمجمل الكتاب، والمجمل إذا التحق به البيان يصير مفسرًا من الأصل.\nوقال الشافعي في \"الأم\": لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله. وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، كذا قال الحافظ (٣).\n(ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما (٤) وأدبر)، وهذا تفسير لمسح الرأس باليدين، أي فأقبل رسول الله - ﷺ - باليدين وأدبر بهما، ثم فسَّر الإقبال والإدبار بقوله: (بدأ بمقدم رأسه) يعني بدأ رسول الله - ﷺ - بمسح\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (ح ٢٧٤ - ٢٧٢).\n(٢) \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٤٩ - ٥١)، وانظر: \"مجمع الزوائد\" (١١٧٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٢).\n(٤) قال صاحب \"الغاية\": له ثلاثة معان ثم بسطها، قلت: بوَّب الترمذي البداية بمؤخر =","vol":"1","page":554},{"text":"ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. [خ ١٨٥، م ٢٣٥، ت ٢٨، ن ٩٧، جه ٤٣٤]\n===\nمقدم رأسه الشريف، (ثم ذهب) - ﷺ - (بهما) أي بيديه (إلي قفاه، ثم ردهما) أي اليدين (حتى رجع) أي كل واحد من اليدين، أو الضمير للمسح (إلى المكان الذي بدأ) المسح (منه) فالظاهر أن قوله: \"بدأ بمقدم رأسه\" من الحديث وليس مدرجًا من كلام مالك، والحكمة في هذا الإقبال والإدبار استيعاب جهتي الرأس بالمسح.\n(ثم غسل رجليه) وفي رواية وهب: إلى الكعبين، والبحث فيه كالبحث في قوله إلى المرفقين، والمشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم، وحكى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة: أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك، وروي عن ابن القاسم عن مالك مثله، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر المتقدمون من الرد على من زعم ذلك، كذا قاله الحافظ (١).\nقلت: لم يقل محمد في الطهارة: إن الكتب هو العظم الناتي في ظهر القدم عند معقد الشراك، بل إنما قال محمد في مسألة المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع الخف أسفل الكعب فقال: إن الكتب ها هنا الذي في مفصل القدم، فنقل هشام ذلك إلى الطهارة.\n_________\n= الرأس، وذكر فيه حديث الربيع الآتي قريبًا، ثم قال: وحديث عبد الله بن زيد أصح، وقال ابن العربي: لا أعلم أحدًا قال: يبدأ بمؤخر الرأس إلَّا وكيع بن الجراح ... إلخ، كذا في \"العارضة\" (١/ ٥١)، وبسط معنى أقبل وأدبر، وكذا بسط الكلام على هذين اللفظين ابن دقيق العيد في \"الإحكام\" (١/ ٤٢ - ٤٣)، وقال ابن رسلان: الإقبال والإدبار يحسب مرة واحدة بخلاف السعي في الحج. (ش).\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":555},{"text":"١١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ (١) مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.\n===\nقال العيني (٢): قال بعضهم: وحكي عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك، قلت: هذا مختلق على أبي حنيفة - ﵀ - ولم يقل أصلًا، بل نقل ذلك عن محمد بن الحسن، وهو أيضًا غلط، لأن هذا التفسير فسَّره محمد في حق المحرم، إذا لم يجد نعلين يلبس خفين يقطعهما أسفل من الكعبين بالتفسير الذي ذكره.\n١١٩ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: نا خالد) بن عبد الله الواسطي، (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة (المازني، عن أبيه) يحيى بن عمارة، (عن عبد الله بن زيد بن عاصم بهذا الحديث) أي حدثنا مسدد بواسطة خالد، عن عمرو بن يحيى بهذا الحديث، أي بالحديث الذي رواه مالك عن عمرو بن يحيى، ولكن في رواية خالد زيادة ليست في رواية مالك، فإن خالدًا (قال: فمضمض واستنشق من كف واحدة) (٣) فزاد لفظ: \"من كف واحدة\" (يفعل ذلك) أي المضمضة والاستنشاق (ثلاثًا، ثم ذكر) خالد (نحوه) أي نحو حديث مالك.\nوقوله في الحديث: (فمضمض واستنشق من كف واحدة) يحتمل معنيين؛ أحدهما: معناه أنه جمع المضمضة والاستنشاق في كف واحدة من الماء، وثانيهما: معناه أنه مضمض من كف واحدة واستنشق من كف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"واستنثر\".\n(٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٣٤).\n(٣) لم يذكر هذا اللفظ غير خالد بن عبد الله \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":556},{"text":"١٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ حَبَّانَ بْنَ وَاسِعٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِىَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ وُضُوءَهُ\n===\nواحدة، أي لا من كفين، فعلى الأول يحمل على بيان الجواز، وقد سبق بحثه فيما تقدم قريبًا.\n١٢٠ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: ثنا ابن وهب) عبد الله بن وهب، (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري مولى قيس، أبو أمية المصري، أصله مدني، كان ابن معين يوثقه جدًّا، وقال أبو زرعة والنسائي والعجلي وغير واحد: ثقة، وقال أبو داود عن أحمد: ليس فيهم مثل الليث لا عمرو ولا غيره، وقد كان عمرو عندي ثقة، ثم رأيت له مناكير، وقال في موضع آخر: يروي عن قتادة أشياء يضطرب فيها ويخطئ، مات قبل سنة ١٥٠ هـ.\n(أن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (ابن واسع) بن حبان بن منقذ، بمضمومة وسكون نون وكسر قاف وبذال معجمة، ابن عمرو الأنصاري المازني المدني، ابن عم محمد بن يحيى، أخرجوا له حديثًا واحدًا في الوضوء. قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، \"تهذيب التهذيب\". (حدثه) أي حدث حبان عمرًا (أن أباه) أي أبا حبان وهو واسع (١) (حدثه) أي حبان (أنه) واسع (سمع عبد الله بن زيد بن عاصم المازني يذكر أنه) أي عبد الله (رأى رسول الله - ﷺ -، فذكر) أي عبد الله بن زيد (وضوءه)\n_________\n(١) وسقط من بعض الرواة لفظ عبد الله بن زيد من سنده، فزعموا أنه صحابي. ولا يصح، كما في \"الإصابة\" (٦/ ٣١١)، و\"أسد الغابة\" (٤/ ٣٠٢) رقم (٥٤٣٦). (ش).","vol":"1","page":557},{"text":"وَقَالَ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ (١)،\n===\nأي وضوء رسول الله - ﷺ -. (وقال: ومسح رأسه بماء غير فضل (٢) يديه) قال النووي (٣): معناه أنه مسح الرأس بماء جديد لا ببقية من ماء يديه، ولا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به، لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه، انتهى.\nقلت: قال الحلبي في \"شرح المنية\" (٤): ولو توضأ ومسح ببلة بقيت على كفيه بعد الغسل يجوز مسحه، لأن البلة الباقية بعد الغسل غير مستعملة، إذ المستعملة فيه ما سال على العضو، وانفصل عنه، ولو مسح رأسه ثم مسح خفيه ببلة بقيت بعد المسح لا يجوز مسحه على الخف، لأن البلة الباقية بعد المسح مستعملة، لأن المستعمل فيه ما أصاب الممسوح وقد أصابه، انتهى.\nقال الترمذي في \"سننه\" (٥): وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله زيد: \"أن النبي - ﷺ - توضأ وأنه مسح رأسه بما غَبَرَ فضلُ يديه\"، ورواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح، لأنه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره أن النبي - ﷺ - أخذ لرأسه ماءً جديدًا، انتهى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن ماء غير فضل يده\".\n(٢) تفرد به أهل مصر كما في \"نيل الأماني\". (ش).\n(٣) قال ابن قدامة (١/ ١٨١): ويمسح بغير فضل يديه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وجوز الحسن وغيره المسح بالبقية، وكذا قال ابن رسلان، وذكر مع الحسن عروة والأوزاعي. (ش).\n(٤) (ص ١١٠).\n(٥) (١/ ٥١).","vol":"1","page":558},{"text":"وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا. [م ٢٣٦، حم ٤/ ٣٩، ت ٣٥]\n١٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ\n===\nقلت: ويؤيد رواية عبد الله بن لهيعة ما أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١): ثنا الحسين بن إسماعيل، نا زيد بن أخزم، نا عبد الله بن داود، نا سفيان، عن ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ: \"أن النبي - ﷺ - توضأ ومسح رأسه ببلل يديه\"، وأخرج أيضًا، قال: ثنا محمد بن هارون أبو حامد، نا محمد بن يحيى الأزدي بهذا الإسناد، قالت: \"كان النبي - ﷺ - يأتينا، فيتوضأ فمسح رأسه بما فضل في يديه من الماء\" الحديث، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، قال الترمذي: صدوق، تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، ونقل الترمذي عن البخاري قال: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديثه.\n(وغسل رجليه حتى أنقاهما) (٢) أي أزال الوسخ عنهما، أورد المصنف هذا الحديث لأجل زيادة وقعت فيه في مسح الرأس، وهو قوله: \"بماء غير فضل يديه\"، وفي غسل الرجلين وهو قوله: \"حتى أنقاهما\"، فهذه الزيادة لا توجد إلَّا في هذه الرواية.\n١٢١ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا أبو المغيرة) هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي، قال أبو حاتم: كان\n_________\n(١) (١/ ٨٧).\n(٢) ويحتاجان إليه؛ لأنهما أكثر ملاقاة بالأقذار والأوساخ \"ابن رسلان\"، وبهذه الرواية حكى ابن دقيق العيد عن بعضهم ليس في غسلهما عدد بل الإنقاء، قلت: وذكر الدسوقي المالكي في غسل القدمين قولين عندهم، أحدهما مثل الجمهور وهو المعتمد، والثاني أن المطلوب فيهما الإنقاء ولو زاد على الثلاثة. (ش).","vol":"1","page":559},{"text":"قال: حَدَّثَنَا حَرِيزٌ قال: حَدَّثَنِى (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِىُّ قال: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِىَّ\n===\nصدوقًا، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢١٢ هـ.\n(قال: ثنا حريز) بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وآخره زاي، ابن عثمان الرحبي بفتح الراء والحاء المهملة بعدها موحدة، الحمصي، قدم بغداد زمن المهدي، وثقه أحمد وابن معين، وقال ابن المديني: لم يزل من أدركناه من أصحابنا يوثقونه، وقال العجلي: شامي ثقة، وكان يحمل على علي، وقال عمرو بن علي: كان ينتقص عليًا وينال منه. وقال في موضع آخر: ثبت شديد التحامل على علي، وقال ابن عدي: وحريز من الأثبات في الشاميين يحدث عن الثقات منهم، وقد وثقه القطان وغيره، وإنما وضع منه ببغضه لعلي، وحكى الأزدي في \"الضعفاء\": أن حريز بن عثمان روى أن النبي - ﷺ - لما أراد أن يركب بغلته جاء علي بن أبي طالب، فحل حزام البغلة ليقع النبي - ﷺ -، انتهى ملخصًا. وبالجملة ذكر الحافظ توثيقه عن كثير من المحدثين، وأثبت نصبه كثير منهم، مات سنة ١٦٣ هـ.\n(قال: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي) (٢) أبو سلمة الحمصي، قال ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير حريز، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. (قال: سمعت المقدام بن معدي كرب) (٣) بن عمرو (الكندي) نزل حمص، صحابي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثنا\".\n(٢) قال صاحب \"الغاية\": حضرموت بلدة بأقصى اليمن وقبيلة، ولا أقف إلى أيهما نسب عبد الرحمن. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: فيه ثلاثة أوجه أفصحها أن يسكن آخر الجزء الأول وهو الياء المثناة. (ش).","vol":"1","page":560},{"text":"قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ: فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا،\n===\nمشهور، وهو أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ - من كندة، مات بالشام (١) سنة ٨٧ هـ، وله إحدى وتسعون سنة (٢).\n(قال: أتي رسول الله - ﷺ - بوضوء) أي بماء يتوضأ به (فتوضأ: فغسل كفيه ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا)، هذا على ما في كثير من النسخ، وفيها المضمضة والاستنشاق بعد غسل الذراعين، وفي نسخة على الحاشية: \"ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا\"، فعلى النسخة الأولى احتج بها من قال: الترتيب في الوضوء غير واجب (٣) لأنه أخَّر المضمضة والاستنشاق من غسل الذراعين، وعطف عليه بـ \"ثم\"، وأجاب عنها صاحب \"غاية المقصود\" فقال: قلت: هذه رواية شاذة لا تعارض الرواية المحفوظة التي فيها تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه.\nقلت: قال الشوكاني في \"النيل\" (٤): الحديث إسناده صالح، وأما الروايات المحفوظة التي فيها تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، فإنها لا تدل على الترتيب، ولا ينتهض الترتيب بثُم في حديث\n_________\n(١) له أربعون حديثًا. \"الغاية\". (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ١٨٦) رقم (٥٠٧٨).\n(٣) قال ابن رسلان: وهل يجب الترتيب والولاء؟ روايتان، وأخرج عن الدارقطني برواية الربيع أيضًا خلاف الترتيب، ونقل عن العباس بن يزيد الراوي الإنكار عليهما باسطًا. (ش).\n(٤) (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":561},{"text":"ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ: ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا. [جه ٤٤٢، حم ٤/ ١٣٢، ق ١/ ٧٦، ك ١/ ١٤٨]\n===\nالباب على الوجوب، لأنه من لفظ الراوي، وغايته أنه وقع من النبي - ﷺ - على تلك الصفة، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، فدعوى وجوب الترتيب لا تتم إلَّا بإبراز دليل عليها يتعين المصير إليه.\n(ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما) ظاهر الأذنين ما يلي\nالرأس وباطنهما ما يلي الوجه، وأما كيفية المسح فما أخرجها ابن ماجه (١) \"أن رسول الله - ﷺ - مسح أذنيه وأدخلهما السبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما\"، وفي رواية النسائي (٢): \"ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه\"، وظاهر حديث الباب يدل على أن الأذنين يمسحان ظاهرهما وباطنهما مع الرأس، وأيضًا يدل على أنه لم يأخذ للأذنين ماء جديدًا (٣)، بل مسح الرأس والأذنين بماء واحد.\nواختلف العلماء في أن الأذنين هل يمسحان ببقية ماء الرأس أو بماء جديد؟ فذهب (٤) مالك والشافعي وأحمد (٥) وأبو ثور إلى أنه يوخذ لهما ماء جديد، وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد،\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (٤٣٩).\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٠٢).\n(٣) وذكر صاحب \"نيل المآرب\" وصاحب \"المغني\" (١/ ١٨١) أخذ الماء الجديد سنَّة، ولم يذكره صاحب \"الروض\" (١/ ٤٧). (ش).\n(٤) وعد في الحاشية مالكًا مع الإِمام، فتأمل، ولا يصح كما في \"الشرح الكبير\" (١/ ٩٨) إذ جعل تجديد الماء سنة مستقلة. (ش).\n(٥) ذكر ابن رسلان مذهب أحمد مسحهما مع الرأس مثل قول أبي حنيفة وبسطه، فتأمل. وتقدم قول إسحاق وغيره: إن ما أقبل منهما يغسل وما أدبر يمسح، وفي \"العارضة\" (١/ ٥٤): للعلماء أربعة أقوال: منها قول الزهري يغسلان مع الوجه. (ش).","vol":"1","page":562},{"text":"١٢٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الأَنْطَاكِىُّ، لَفْظُهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،\n===\nثم قال الشوكاني بعد بيان الاختلاف وتخريج الروايات على المذهب الأول: قال ابن القيم في \"الهدي\" (١): لم يثبت عنه - ﷺ - أنه أخذ لهما ماءً جديدًا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر (٢).\n١٢٢ - (حدثنا محمود بن خالد) السلمي (ويعقوب بن كعب الأنطاكي) هو يعقوب بن كعب بن حامد الحلبي أبو يوسف، نزيل أنطاكية بلدة بالشام، وثقه العجلي وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(لفظه) (٣) أي هذا لفظ يعني الحديث المذكور في الكتاب هو لفظ يعقوب بن كعب، وأما حديث محمود فهو في معناه نحو حديث يعقوب، وليس لفظه، وهو خبر حذف مبتدأه.\n(قالا: ثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولى بني أمية، ثقة، وثقه كثير، لكنه كثير التدليس والتسوية، قال الدارقطني: كان الوليد يرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي (٤) عن شيوخ ضعفاء قد أدركهم الأوزاعي، فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع، وقال مُهَنّا: سألت أحمد عن الوليد، فقال: اختلطت عليه أحاديث، ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات، مات سنة ١٩٥ هـ.\n_________\n(١) (١/ ١٨٧).\n(٢) ولا حجة في الآثار؛ لأن آثار الصحابة مختلفة، والروايات المرفوعة تؤيد الحنفية من روايات التكفير، وقوله ﵊: \"الأذنان من الرأس\"، ورواية الباب. (ش).\n(٣) قال العراقي: ضبطناه بالنصب أي حدثنا لفظه. \"الغاية\". (ش).\n(٤) أي: وقد كانت عند الأوزاعي ... إلخ. (ش).","vol":"1","page":563},{"text":"عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى مِنْهُ بَدَأَ (١). قَالَ مَحْمُودٌ: قَالَ: أَخْبَرَنِى حَرِيزٌ. [ق ١/ ٧٦]\n١٢٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَهِشَامُ بْنُ خَالِدٍ،\n===\n(عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن المقدام بن\nمعدي كرب قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ، فلما بلغ مَسْحَ رأسِه) لفظ المسح ها هنا بسكون السين المهملة مضاف إلى الرأس ومفعول لقوله: بلغ.\n(وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمَرَّهما) من الإمرار أي أجراهما وأمضاهما (حتى بلغ القفا) (٢)، قال في \"القاموس\": القفا وراء العنق، وقد يمد، وفي رواية: \"حتى بلغ القذال\"، بفتح قاف فمعجمة فألف فلام، أول القفا (ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ، قال محمود) أي محمود بن خالد أستاذ أبي داود: (قال) الوليد بن مسلم: (أخبرني حريز).\nغرض أبي داود بهذا الكلام بيان أن كلا شيخيه اختلفا في السند، فأما يعقوب بن كعب فروى عن شيخه وليد بن مسلم بأنه يروي عن شيخه حريز بن عثمان معنعنة، وأما محمود فروى عنه بالتحديث (٣)، ويمكن أن يستدل به على استحباب مسح الرقبة، وسيجيء بحثه قريبًا.\n١٢٣ - (حدثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد) بن يزيد بن مروان\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بدأ منه\".\n(٢) قال ابن رسلان: مقصورة، مؤخر العنق. (ش).\n(٣) كذا في الأصل، والصواب بالإخبار، فارتفعت مظنة التدليس عن الوليد. (ش).","vol":"1","page":564},{"text":"الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: وَمَسَحَ بِأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا. زَادَ هِشَامٌ: وَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِى صِمَاخِ أُذُنَيْهِ. [جه ٤٤٢]\n١٢٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ\n===\nالأزرق، أبو مروان الدمشقي، ويقال: مولى بني أمية، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة في \"الصلة\": ثقة. مات سنة ٢٤٩ هـ، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" - (المعنى) مبتدأ وخبره واحد، أو يقال: ذكرا المعنى فيكون مفعولًا، يقول: الحديثان وإن اختلفا في اللفظ لكنهما متحدان في المعنى.\n(قالا: ثنا الوليد) بن مسلم (بهذا الإسناد) المذكور سابقًا، (قال) أي الوليد في هذه الرواية: (ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما) يعني هذه الزيادة مختصة برواية محمود وهشام ابني خالد، وليست في رواية يعقوب بن كعب، (زاد هشام: وأدخل أصابعه (١) في صماخ (٢) أذنيه) أي في جحري أذنيه، وهذه الزيادة مختصة برواية هشام بن خالد عن الوليد، وليست في رواية محمود بن خالد، ولا في رواية يعقوب بن كعب (٣).\n١٢٤ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني) (٤)، هو مؤمل بن فضل بن مجاهد، ويقال: ابن عمير الحراني، أبو سعيد الجزري، قال أبو حاتم: ثقة رضىً، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٣١ هـ.\n_________\n(١) بلفظ الجمع على إرادة الجنس، وفي نسخة: \"أصبعيه\" بالتثنية. \"الغاية\". (ش).\n(٢) على الجنس، وفي نسخة: \"صماخي\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) الحديث عزاه النووي تبعًا لابن الصلاح إلى النسائي وهو وهم، قال المنذري: أخرجه ابن ماجه. \"الغاية\". (ش) [انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري (١/ ٧٩)، و\"سنن ابن ماجه\" ٤٤٢].\n(٤) حران مدينة بالجزيرة. \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":565},{"text":"قال: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ الْمُغِيرَةُ بْنُ فَرْوَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِى مَالِكٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ\n===\n(قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا عبد الله بن العلاء) بن زبر بفتح الزاي وسكون الموحدة، ابن عطارد بن عمرو بن حجر الربعي، أبو زبر، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي، قال الدوري وابن أبي خيثمة وغير واحد عن ابن معين: ثقة، وكذا قال دحيم وأبو داود ومعاوية بن صالح وهشام بن عمار، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال الدارقطني: ثقة يجمع حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ونقل الذهبي في \"الميزان\": أن ابن حزم نقل عن ابن معين أنه ضعفه، قال شيخنا في \"شرح الترمذي\": لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث، قال إبراهيم بن عبد الله: توفي أبي سنة ١٦٤ هـ، وهو ابن تسع وثمانين.\n(قال: ثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة) الدمشقي، ويقال: فروة بن المغيرة، مشهور بكنيته، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (ويزيد بن أبي مالك) هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، واسمه هانئ الهمداني الدمشقي القاضي ولاه هشيم القضاء، قال ابن أبي حازم (١): سئل أبي عنه، فقال: من فقهاء أهل الشام، وهو ثقة، وقال الدارقطني والبرقاني: من الثقات، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال يعقوب بن سفيان: كان قاضيًا، وابنه خالد، في حديثهما لين، مات سنة ١٣٠ هـ.\n(أن معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، وكتب الوحي، ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقَرَّه عثمان مدة ولايته، ثم ولي الخلافة فكان أميرًا\n_________\n(١) كذا في الأصل و\"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٤٦)، والصواب: ابن أبي حاتم، راجع: \"تهذيب الكمال\" رقم (٧٠٢٢) و\"الجرح والتعديل\" (٩/ الترجمة ١١٦٥).","vol":"1","page":566},{"text":"تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ (١) غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ، حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ. [حم ٤/ ٩٤، ق ١/ ٥٩]\n===\nعشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب، مات في رجب سنة ستين (٢).\n(توضأ للناس) أي ليرى وضوءه الناس (كما رأى) (٣) أي معاوية (رسول الله - ﷺ - يتوضأ، فلما بلغ) معا وية (رأسه) أي مسح رأسه (غرف) معاوية (غرفة من ماء) بيمينه، (فتلقاها) (٤) أي الغرفة (بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، حتى قطر الماء أو كاد) أي قرب أن (يقطر، ثم مسح) أي بدأ المسح (من مقدمه) أي مقدم رأسه (إلى مؤخره)، والمراد أنه بدأ بالمسح من الناصية إلى القفا (ومن موخره إلى مقدمه) أي من القذال إلى الناصية.\nوفي هذا الحديث تلقي الغَرفة باليسرى ووضعها بها على الرأس، وليست هذه في ما رواه علي بن بحر عن الوليد بن مسلم بهذا الإسناد إلى معاوية، كما أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\"، وهذا لفظه: ثنا عبد الله، ثني أبي، ثنا علي بن بحر قال: ثنا الوليد يعني ابن مسلم، قال: ثنا عبد الله بن العلاء، أنه سمع يزيد يعني ابن أبي مالك وأبا الأزهر يحدثان عن وضوء معاوية، قال: يريهم وضوء رسول الله - ﷺ - فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وغسل رجليه بغير عدد، وهكذا أخرجه أبو داود عن محمود بن خالد عن الوليد.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"اغترف\".\n(٢) له مائة وثلاثون حديثًا. \"الغاية\"، [انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ١٥٤) رقم (٤٩٨٥)]. (ش).\n(٣) وهذا اللفظ في حكم المرفوع. \"الغاية\" (ش).\n(٤) لئلا يذهب الماء. \"تقرير\". (ش).","vol":"1","page":567},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما الطحاوي فأخرج بسنده عن علي بن بحر عن الوليد إلى معاوية ولفظه: \"أنه أراهم وضوء رسول الله - ﷺ -، فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، ثم مر بهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما حتى بلغ المكان الذي منه بدأ\".\nوأما وضع الغرفة على وسط الرأس ثم المسح بعد ذلك، فلم يتعرص (١) له أحد من الشراح فيما تتبعت، ولكن كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في تقرير شيخه - ﵀ -: أفاد بذلك (٢) إجزاء الغسل عن المسح فإن الغسل يتضمنه، وإنما كان يتوهم أن لا ينوب أحدهما عن الآخر لكونهما نوعين مختلفين من الأحكام، انتهى.\nوهذا مبني على قوله: حتى قطر، وهو الظاهر لأنه إذا وضع الغرفة\nعلى وسط الرأس يقطر الماء لا محالة، خصوصًا إذا كان الشعر فى دُهْنِيًّا، وعلى هذا قالت الحنفية: ولو أصاب رأسه المطر مقدار المفروض أجزأه، مسحه بيده أو لم يمسحه؛ لأن الفعل ليس بمقصود في المسح، وإنما المقصود هو وصول الماء إلى ظاهر الشعر \"بدائع\" (٣)، وهكذا في \"مراقي\n_________\n(١) قال ابن قدامة: فيه روايتان عندنا؛ إحداهما: لا يكفي لأنه تعالى أمر بالمسح، والثاني: يكفي لأن المُحْدث إذا اغتسل يكفي، وهذا إذا لم يمر اليد، وأما إذا أمَرَّ اليد، كما في رواية معاوية فحصل المسح، انتهى [انظر: \"المغني مع الشرح الكبير\" (١/ ١٣٨)]، وقال ابن رسلان: حكى إمام الحرمين إجزاء الغسل بالاتفاق، لأنه فوق المسح، لكن قال الأكثرون: إنه مكروه، وصحح الغزالي والرافعي عدم الكراهة، وفي \"شرح المنهاج\": الأصح جواز غسله بلا كراهة. (ش).\n(٢) يشكل عليه أنه أمر اليد بعد وضع الغرفة من مقدمه إلى مؤخره، وهو المسح فلا حجة فيه، إلَّا أن يقال: إن هذا الإمرار هو إيصال الماء الذي كان على الرأس لا المسح العرفي، كما يقال في غسل الوجه وغيره بإمرار اليد أنه مسح وجهه. (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٧١).","vol":"1","page":568},{"text":"١٢٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قال: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بِهَذَا الإِسْنَادِ (١) قَالَ: فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بِغَيْرِ عَدَدٍ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n١٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ،\n===\nالفلاح\" وحاشيته للطحطاوي (٢).\n١٢٥ - (حدثنا محمود بن خالد قال: ثنا الوليد) بن مسلم القرشي (بهذا الإسناد) المذكور (قال) الوليد في حديثه: (فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا وغسل رجليه بغير عدد) الجار يتعلق بلفظ قال، أي قال بغير ذكر عدد (٣)، وهكذا أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\"، كما ذكرناه عن قريب.\n١٢٦ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا بشر (٤) بن المفضل) بن لاحق الرقاشي بقاف ومعجمة، مولاهم، أبو إسماعيل البصري، قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وعَدَّه ابن معين في أثبات شيوخ البصريين، وثَّقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والعجلي والبزار وابن سعد، مات سنة ١٨٦ هـ أو ١٨٧ هـ.\n(قال: ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل) مكبرًا ابن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، وأمه زينب الصغرى بنت علي، وقد اختلف الناس فيه، قال ابن سعد: كان منكر الحديث، لا يحتجون بحديثه،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"في هذا الإسناد\".\n(٢) (ص ٤٧ - ٤٨).\n(٣) فلا حجة فيه على أنه لا عدد فيه. \"الغاية\". (ش).\n(٤) بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة، كان يصلي كل يوم خمس مائة ركعة. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":569},{"text":"عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ\n===\nوكان كثير العلم، والإمام مالك لا يروي عنه، ولم يدخله في كتبه، ولا يروي عنه يحيى بن سعيد، وكان ابن عيينة لا يحمد حفظه، وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف الحديث، وقال محمد بن عثمان عن ابن المديني: كان ضعيفًا، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه، وقال أبو حاتم: لين الحديث، ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه، وهو أحبُّ إلى من تمام بن نجيح، يكتب حديثه، وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى وعبد الرحمن يحدثان عنه، والناس يختلفون عليه، وقال العجلي: مدني تابعي جائز الحديث.\nوقال أبو أحمد الحاكم: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يحتجان بحديثه، وليس بذاك المتين المعتمد، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال محمد بن إسماعيل: وهو مقارب الحديث، وقال ابن عدي: روى عنه جماعة من المعروفين الثقات، وهو خير من ابن سمعان، ويكتب حديثه، وقال مسعود السجزي عن الحاكم: عُمِّر فساء حفظه، فحدث على التخمين، وقال في موضع آخر: مستقيم الحديث، وقال ابن عبد البر: هو أوثق من كل من تكلم فيه، انتهى. وهذا إفراط، \"تهذيب التهذيب\" (١) ملخصًا.\n(عن الرُّبَيّع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بنت معوذ بن عفراء) الأنصارية النجارية، صحابية، قال ابن أبي خيثمة عن أبيه: إنها كانت من المبايعات تحت الشجرة، وعفراء بفتح العين المهملة وسكون الفاء، بنت عبيد بن ثعلبة بن مالك بن النجار، ذكرها\n_________\n(١) (٦/ ١٣).","vol":"1","page":570},{"text":"قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتِينَا، فَحَدَّثَتْنَا أَنَّهُ قَالَ: «اسْكُبِى لِى وَضُوءًا،\nفَذَكَرَتْ (١) وُضُوءَ النَّبِيِّ (٢) -ﷺ-، قَالَتْ فِيهِ: فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَوَضَّأَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً،\n===\nابن حبيب في المبايعات، تزوجها الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، فولدت له مُعاذًا ومعوذًا وعوفًا بني الحارث، ثم تزوجت بعد الحارث بكير بن ياليل الليثي، فولدت له أربعة: إياسًا وعاقلًا وخالدًا وعامرًا، وكلهم شهدوا بدرًا، وكذلك إخوتهم لأمهم بنو الحارث، فانتظم من هذا أنها امرأة صحابية لها سبعة أولاد شهدوا كلهم بدرًا مع النبي - ﷺ -، وهذه خصيصة لا توجد لغيرها (٣).\n(قالت) (٤) أي الربيع: (كان رسول الله - ﷺ - يأتينا) قال عبد الله بن محمد: (فحدثتنا) الربيع (أنه) - ﷺ - يومًا و(قال) لي: (اسكبي) أي صُبِّي (لي وضوءًا) أي ماء الوضوء في الإناء، قال عبد الله: (فذكرت) (٥) الربيع (وضوء النبي - ﷺ -، قالت فيه) أي في وضوء النبي - ﷺ -: (فغسل كفيه ثلاثًا، ووَضّأ) من التفعيل أي غسل (وجهه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة) اكتفى على المرة الواحدة لعله لبيان الجواز، وأيضًا فيه تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه، فيقال: إن التأخير في الذكر لا يستلزم التأخير في أداء الفعل، ولو سلم فيحمل على بيان الجواز.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فتحدثنا\".\n(٢) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٢٨٠) رقم (٦٩١٩).\n(٤) قال ابن رسلان: في أحاديث الربيع جواز غسل بعض الأعضاء مرة ومرتين وثلاثًا، وأيضًا جواز بداية المسح بالمؤخر. (ش).\n(٥) وفي نسخة ابن رسلان (١/ ١٩٣): \"فذكر\"، قال: أي عبد الله بن محمد عنها. (ش).","vol":"1","page":571},{"text":"وَوَضَّأَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ: يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ، وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا: ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا، وَوَضَّأَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. [ت ٣٣، جه ٤٤٠، دي ٦٩٠، حم ٦/ ٣٥٨، ق ١/ ٦٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ.\n===\n(ووضأ يديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين: يبدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدَّمه)، وهذا بيان لقوله: مرتين، فلا يدل على أن المسح كان مرتين، بل يدل على أن استيعاب الرأس بالمسح كان مرة واحدة، ولكن حصل ذلك الاستيعاب بالمسح مرتين بالابتداء بمؤخر الرأس ثم بمقدمه، وقد ورد عن الربيع في المسح أنه فعل مرة واحدة، كما يأتي عن قريب.\nوأما قوله: \"يبدء بمؤخر رأسه ثم بمقدمه\"، بظاهره يخالف ما رواه كثير من كبار (١) الصحابة بأنه بدأ بمقدمه ثم بمؤخره، فيمكن أن هذا الذي فعله - ﷺ - فعله لبيان الجواز، ويمكن أن يوجه هذا السياق بأن يقال: معنى قوله: \"يبدأ بمؤخر رأسه\" أي يبدء بإمرار اليدين إلى مؤخر رأسه، ثم بهما إلى مقدمه، وهذا أولى من أن ينسب التحريف إلى الراوي.\n(وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما، ووضأ رجليه (٢) ثلاثًا ثلاثًا، قال أبو داود: وهذا معنى حديث مسدد)، يعني لم أحفظ ألفاظ حديث مسدد فأوردته بالمعنى، وأخرج البيهقي هذا الحديث حديث ابن المفضل، ولكن فيه زيادات كثيرة على ما في حديث أبي داود من السياق.\n_________\n(١) فقيل: شاذ للمخالفة، كذا في حاشية أبي داود، وإليه أشار الترمذي إذ قال: حديث عبد الله أصح من هذا. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وليس ذكر الرجلين في رواية الترمذي. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":572},{"text":"١٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ\n===\n١٢٧ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل) الطالقاني بفتح الطاء المهملة وسكون اللام (١) بعدها القاف المفتوحة وفي آخرها النون، بلدة بين مرو الرُّوذ (٢) وبلخ، بما يلي الجبال، قال يعقوب بن شيبة: ثقة، وكان ابن معين يوثقه، وقال أبو داود والدارقطني: ثقة، وقال عثمان بن خرزاذ: ثقة ثقة، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من ثقات أهل العراق ومتقنيهم، حسده بعض الناس فحلف أن لا يحدث حتى يموت، قال ابن المديني: كان إسحاق بن إسماعيل معنا عند جرير، وكانوا ربما قالوا له: جئنا بتراب - وجرير يقرأ - فيقوم، وضعفه، مات سنة ٢٣٠ هـ.\n(قال: حدثنا سفيان) بن عيينة، هذا ما قاله بعض الشراح، ولم يثبت عندي أنه ابن عيينة أو الثوري، وسيأتي في أبي داود من حديث مسدد، عن عبد الله بن داود، عن سفيان بن سعيد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد أخرج أحمد في \"مسنده\": حدثنا عبد الله، نا أبي، ثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، فثبت بهذا أنهما يرويان عن عبد الله بن محمد بن عقيل، فتعيين أحدهما من غير قرينة مشكل (٣).\n(عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل (بهذا الحديث) المذكور عن بشر بن المفضل عن عبد الله بن محمد بن عقيل، لكن سفيان\n_________\n(١) كذا في \"الأنساب\" للسمعاني (٣/ ٢٤٣)، و\"لب اللباب\" للسيوطي (ص ٢٦٢)، والصواب بفتح اللام، كما في \"معجم البلدان\" (٤/ ٦)، و\"المغني\" (ص ١٥٩) وغيرهما. (ش).\n(٢) وفي الأصل: \"مروروز\" وهو تحريف، والصواب \"مرو الرُّوذ\" كما في \"الأنساب\" (٣/ ٢٤٣)، و\"معجم البلدان\" (٥/ ١١٢).\n(٣) قلت: إن المزي صرح في \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٨٠) بأنه سفيان بن عيينة.","vol":"1","page":573},{"text":"يُغَيِّرُ بَعْضَ مَعَانِى بِشْرٍ، قَالَ فِيهِ: وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا. [انظر الحديث السابق]\n١٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْهَمْدَانِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأَ\n===\n(يغير بعض معاني بشر) يعني حديثي بشر وسفيان، وإن كانا متَّحدين في المعنى في الجملة، لكنهما متغايران في بعض المعاني، فإن سفيان يغير بعض معاني بشر (قال) سفيان (فيه) أي في هذا الحديث: (وتمضمض واستنثر ثلاثًا) وقد كان [بشر بن] المفضل قال فيه: مضمض واستنشق مرة، فهذا هو التغيير.\n١٢٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الهمداني قالا: حدثنا الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بفتح الفاء وسكون الهاء وفي آخرها الميم، وهم بطن من قيس عيلان، أبو الحارث، الإِمام المصري، فاق أهل زمانه بالسخاء والبذل، وكان لا يحدث أحدًا حتى يدخل في جملة من يجري عليهم ما يحتاجون إليه في وقت مقامهم عليه، فإذا خرجوا من عنده زوَّدهم ما فيه البُلْغة إلى أوطانهم، قال الأثرم عن أحمد: ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث، وثَّقه ابن المديني والعجلي والنسائي ويعقوب بن شيبة، وفي حديثه عن الزهري بعض الاضطراب، وقال يحيى بن معين: كان يساهل في السماع والشيوخ، وقال الأزدي: صدوق إلَّا أنه كان يساهل، مات سنة ١٧٥ هـ.\n(عن ابن عجلان) هو محمد بن عجلان القرشي، (عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: أن رسول الله - ﷺ - توضأ","vol":"1","page":574},{"text":"عِنْدَهَا فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ مِنْ قَرْنِ (١) الشَّعْرِ، كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ.\n[حم ٦/ ٣٥٩، ق ١/ ٦٠]\n===\nعندها فمسح الرأس كله من قرن الشعر)، وأثبت الشوكاني (٢) في نقل هذا الحديث في متن \"منتقى الأخبار\": \"فمسح الرأس كله من فوق الشعر\"، ثم قال في \"شرحه\": ووقع في نسخة من الكتاب مكان \"فوق\" \"فرق\"، وفي \"سنن أبي داود\" ثلاث نسخ (٣)؛ هاتان، والثالثة: قرن، أي يبدأ من أعلى الرأس إلى (كل ناحية) كائنة (لمنصبِّ الشعر) (٤) بضم الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة، أي لمحل انصبابه وانحداره وهو أسفل رأسه، فحاصله أنه - ﷺ - مسح من الناصية إلى القذال.\n(لا يحرك الشعر عن هيئته) معناه أنه - ﷺ - مسح الرأس كله بيديه الشريفتين من الأعلى إلى الأسفل مرة واحدة بإمرار اليدين على الرأس باللين والسهولة لا بالعنف والشدة، حتى لا يحرك الشعر عن هيئته، أو لم يمسح من الأسفل إلى الأعلى، فلو مسح من الأسفل إلى الأعلى لاختلَّ نظام الشعر، ولكن هذا التأويل الثاني يعارض ما سبق من حديث الربيع بنت معوذ برواية بشر بن المفضل وسفيان، فإن فيها: \"يبدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه\"، فالأقرب هو التأويل الأول.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قالت: إن رسول الله - ﷺ - توضأ عندها فمسح الرأس كله من فرق الشعر\".\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٠٥).\n(٣) وضبطه ابن رسلان بفوق وقرن، وقال: فيه روايتان، ثم قال: وفي بعض النسخ فرق. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: أي للناحية التي ينصب الشعر إليه ويسترسل، وهذا مخصوص لمن له شعر طويل. (ش).","vol":"1","page":575},{"text":"١٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ -، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، أَنَّ رُبَيِّعَ (١) بِنْتَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ. - قَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ، وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. [ت ٣٤، حم ٦/ ٣٥٩، ق ١/ ٥٩]\n===\n١٢٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا بكر - يعني ابن مضر -)، زاد لفظ \"يعني\" ليدل على أن قوله: \"ابن مضر\" ليس من لفظ الشيخ، وهو بكر بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو محمد أو أبو عبد الملك المصري، مولى ربيعة بن شرحبيل، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وأبو حاتم والعجلي، مات سنة ١٧٣ هـ، (عن ابن عجلان) هو محمد بن عجلان، (عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن ربيع بنت معوِّذ بن عفراء أخبرته) أي عبد الله.\n(قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ، قالت: فمسح رأسه ومسح ما أقبل منه) أي من الرأس (وما أدبر) أي منه (وصدغيه) الصدغ (٢) بالضم ما بين العين والأذن، والشعر المتدلّي على هذا الموضع، قال القاري (٣): قال ابن الملك: هو الشعر الذي بين الأذن وبين الناصية من كل جانب من جانبي الرأس، وهو الإنسب بالمذهب، وفي \"شرح الأبهري\": قال صاحب \"البحر\": الصدغ: الشعر المحاذي لرأس الأذن وما نزل إلى العذار، وفي \"العزيز\": ومما يخرج من حد الوجه الصدغان، وهما جانبا الأذن يتصلان بالعذارين، انتهى، (وأذنيه مرة واحدة).\n_________\n(١) هكذا بالتنكير في القديمة والمجتبائية. (ش).\n(٢) وهل هو من الرأس أو من الوجه؟ ذكر ابن رسلان فيه قولين. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٢).","vol":"1","page":576},{"text":"١٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِى يَدِهِ. [حم ٦/ ١٣٠، قط ١/ ٨٧]\n١٣١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ\n===\n١٣٠ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الله بن داود) بن عامر بن الربيع الهمداني، ثم الشعبي، أبو عبد الرحمن المعروف بالخريبي بضم الخاء وفتح الراء وفي آخرها الباء المنقوطة بواحدة، كوفي الأصل، سكن الخريبة، وهي محلة بالبصرة، وثَّقه ابن سعد وابن معين وأبو زرعة والنسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقًا، مات سنة ٢١٣ هـ.\n(عن سفيان بن سعيد) الثوري، (عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل، (عن الربيع: أن النبي - ﷺ - مسح برأسه من فضل ماء) (١) أي بقية ماء (كان في يده) - ﷺ - من غسل اليدين، وهذا الحديث يدل على أن مسح الرأس ببقية ماء اليدين جائز، وقد تقدم بحثه في \"باب صفة وضوء النبي - ﷺ -\".\n١٣١ - (حدثنا إبراهيم بن سعيد) الجوهري (٢) أبو إسحاق، الطبري\n_________\n(١) وفي رواية ابن ماجه: \"أخذ له ماءً جديدًا\"، فاضطربت الرواية، وأوّله البيهقي بأن المراد فضل ماء جديد، يعني أخذ الماء ورمى نصفه \"الغاية\"، قال ابن رسلان: قال المنذري: وابن عقيل اختلف الحفاظ في الاحتجاج بحديثه، وحديث ابن زيد ليس الخلاف فيه، انتهى. (ش).\n(٢) فيه قصة طلبه الجزء الثالث والعشرين من مسند الصديق، كذا في \"شذرات الرجال\" للعبد الضعيف. (ش). [قلت: وهي ما أخرجه الخطيب في \"تاريخه\" (٦/ ٩٤) عن عبد الله بن جعفر بن خاقان المروزي السلمي قال: سألت إبراهيم بن سعيد الجوهري عن حديث =","vol":"1","page":577},{"text":"قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ،\n===\nالأصل، البغدادي، الحافظ، روى عنه الجماعة سوى البخاري، قال النسائي: ثقة، وقال الخطيب: كان ثقة مكثرًا ثبتًا صنف المسند، وقد وثَّقه الدارقطني والخليلي وابن حبان وغيرهم، تُكُلِّمَ فيه بلا حجة، مات في حدود سنة ٢٥٠ هـ.\n(قال: حدثنا وكيع) بن الجراح (قال: حدثنا الحسن بن صالح) بن صالح بن حي، وهو حيان بن شُفَي بضم المعجمة وفتح الفاء وشدة الياء، ابن هني بن رافع الهمداني الثوري، أبو عبد الله الكوفي، قال يحيى القطان: كان الثوري سيئ الرأي فيه، وقال أبو نعيم: دخل الثوري يوم الجمعة فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق وأخذ نعليه وتحوَّل، وقال أيضًا عن الثوري: ذاك رجل يرى السيف على الأئمة، وقال خلاد بن زيد: جاءني الثوري إلى ها هنا فقال: الحسن بن صالح مع ما سمع من العلم والفقه يترك الجمعة، وقال ابن إدريس: ما أنا وابن حي لا يرى جمعة ولا جهادًا.\nوقال بشر بن الحارث: كان زائدة يحذر الناس من ابن حي وأصحابه. وقال أبو أسامة عن زائدة: أن ابن حي استصلب منذ زمان، وما نجد أحدًا يصلبه، وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستعتب من يأتي الحسن بن حي، وقال علي بن الجعد: حدثت زائدة بحديث عن الحسن، فغضب، وقال: لا أحدثك أبدًا، وقال أبو موسى: ما رأيت يحيى ولا عبد الرحمن حدث عن الحسن بن صالح بشيء، وقال عمرو بن علي:\n_________\n= لأبي بكر الصديق، فقال لجاريته: أخرجي إلى الثالث والعشرين من مسند أبي بكر، فقلت له: لا يصح لأبي بكر خمسون حديثًا من أين ثلاثة وعشرون جزءًا؟ فقال: كل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم، انتهى].","vol":"1","page":578},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ (١):\n===\nكان عبد الرحمن يحدث عنه ثلاثة أحاديث ثم تركه، هذا ما نقل من جرحه.\nوأما التوثيق: فقال أحمد: حسن ثقة، وأخوه ثقة، وقال إبراهيم بن الجنيد وابن أبي خيثمة وابن أبي مريم عن يحيى بن معين: ثقة مأمون مستقيم الحديث، وقال أبو زرعة: اجتمع فيه إتقان وفقه وعبادة وزهد، وقال أبو حاتم: ثقة حافظ متقن، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطني: ثقة عابد، وقال الساجي: الحسن بن صالح صدوق، وقال أبو زرعة الدمشقي: رأيت أبا نعيم لا يعجبه ما قال ابن المبارك في ابن حي، قال: وتكلم في حسن، قال الساجي: وكان عبد الله بن داود الخريبي يحدث عنه ويطريه، ثم كان يتكلم فيه ويدعو عليه، ويقول: كنت أؤم في مسجد بالكوفة فأطريت أبا حنيفة فأخذ الحسن بيدي نحَّاني عن الإمامة، قال الساجي: فكان ذلك سبب غضب الخريبي عليه، مات سنة ١٦٩ هـ، ذكره البخاري في كتاب الشهادات من \"الجامع\".\nوأجاب الحافظ عما نقموا عليه أن قولهم: \"كان يرى السيف\"، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجَور، وهذا مذهب للسلف قديم، وبمثل هذا الرأي لا يقدح في رجل قد ثبتت عدالته؛ واشتهر بالحفظ والإتقان والورع التام، وأما ترك الجمعة ففي جملة رأيه ذلك أن لا يصلي خلف فاسق، ولا يصحح إمامة الفاسق، فهذا ما يعتذر به عن الحسن، وإن كان الصواب خلافه فهو إمام مجتهد (٢).\n(عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ) بن عفراء\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن عفراء\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٨٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٢/ ١٣٣) رقم (١٢٢٢).","vol":"1","page":579},{"text":"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِى جُحْرَىْ أُذُنَيْهِ. [جه ٤٤١، حم ٦/ ٣٥٩، ق ١/ ٦٥]\n١٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ لَيْثٍ،\n===\n(أن النبي - ﷺ - توضأ فأدخل إصبعيه) أي السبَّابتين (في جُحري أذنيه) أي في صماخهما (١).\n١٣٢ - (حدثنا محمد بن عيسى) أبو جعفر (ومسدد) بن مسرهد (قالا: حدثنا عبد الوارث، عن ليث) بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم، أبو بكر الكوفي، وقال يحيى والنسائي: ضعيف، وقال ابن معين أيضًا: لا بأس به، قال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، وقال الدارقطني: إنما كان صاحب سنَّة، إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، وقال الترمذي في \"العلل الكبير\": قال محمد: كان أحمد يقول: ليث لا يفرح بحديثه، قال محمد: وليث صدوق يهم.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\": أما ليث بن أبي سليم فضعفه الجماهير، قالوا: اختلط واضطربت أحاديثه، قالوا: وهو ممن يكتب حديثه، قال أحمد بن حنبل: هو مضطرب الحديث، ولكن حدث الناس عنه، وقال الدارقطني وابن عدي: يكتب حديثه، وقال كثيرون: لا يكتب حديثه، وامتنع كثيرون من السلف من كتابة حديثه، واسم أبي سليم: أيمن، وقيل: أنس، انتهى، مات بعد سنة ١٤٠ هـ.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: قال الشافعي - ﵀ - والأصحاب: يأخذ لهما ماءً جديدًا غير ماء ظاهر الأذنين وباطنهما، وحكى الماوردي وجهًا أنه يكفي البقية، انتهى. (ش).","vol":"1","page":580},{"text":"عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ\n===\n(عن طلحة بن مصرِّف) (١) بن عمرو بن كعب الهمداني اليامي بالتحتانية، أبو محمد، ويقال أبو عبد الله الكوفي، وثقه ابن معين، وأبو حاتم والعجلي وابن سعد، وقال أبو معشر: ما ترك بعده مثله، وأثنى عليه، وقال عبد الله بن إدريس: ما رأيت الأعمش أثنى على أحد يدركه إلَّا على طلحة بن مصرف، أدرك أنسًا، وما ثبت له سماع منه، مات سنة ١١٢ هـ (٢).\n(عن أبيه)، هو مصرف (٣) كمحدث، وحكي كمعظم، وهو ضعيف (٤) أو غلط، ابن عمرو بن كعب، ويقال: مصرف بن كعب بن عمرو اليامي الكوفي، وروى عنه طلحة بن مصرف، مجهول.\n(عن جده)، هو كعب بن عمرو، وقيل: عمرو بن كعب، وهو جد\n_________\n(١) ما أفاده الشيخ - قدس سره - مبني على رواية أبي داود، فإن فيها تصريحًا بكونه ابن مصرف، وقال الحافظ في \"التقريب\": طلحة عن أبيه عن جده في مسح الرأس قيل: هو ابن مصرف وإلّا فهو مجهول، انتهى. وقال في \"تهذيبه\": قيل: إنه ابن مصرف، وقيل غيره، وهو الأشبه بالصواب، ثم ذكر رواية أبي داود هذه، وذكر عدة روايات مصرحة بكونه ابن مصرف، ولم يذكر في خلافه إلَّا قول الإِمام أحمد الذي ذكره أبو داود، وقول أبي زرعة: لا أعرف أحدًا سمى والد طلحة إلَّا أن بعضهم يقول: ابن مصرف، انتهى.\nوالأوجه عندي كونه ابن مصرف لتصريح اسم أبيه في روايات عديدة، وبه جزم صاحب \"الخلاصة\" إذ قال: هو طلحة بن مصرف. انتهى. وقال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ٢٨٧): وصرح بأنه ابن مصرف، ابن السكن، وابن مردويه، ويعقوب ابن سفيان، وابن أبي خيثمة وخلق، انتهى مختصرًا. (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٢٩٦٩)، و\"تقريب التهذيب\" (٣٠٣٤).\n(٣) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٥٨).\n(٤) كذا في \"الدرجات\" (ص ٢٤). (ش).","vol":"1","page":581},{"text":"قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ - وَهُوَ أَوَّلُ الْقَفَا -\n===\nطلحة بن مصرف، سكن الكوفة، وله صحبة (١)، ومن حديثه ما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ، فأمَرّ يده على سالفته (٢)، أخرجه الثلاثة، قال أبو عمرو: وقد اختلف فيه، وهذا أصح ما قيل فيه، هكذا في \"أسد الغابة\" (٣).\n(قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال (٤)، وهو أول القفا) (٥)، أي مسح رأسه من قرن الرأس إلى منتهى الرأس، وهذا لفظ محمد بن عيسى.\n_________\n(١) قال المنذري: له صحبة، ومنهم من ينكرها، انتهى، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) السالفة: صفحة العنق.\n(٣) وبسط صاحب \"الغاية\" الكلام على ترجمته من البيهقي وغيره. (ش). [انظر: \"أسد الغابة\" (٥/ ٥٣٥)].\n(٤) بفتح القاف. (ش).\n(٥) وفي رواية أحمد: \"وما يليه من مقدم العنق\"، بسطه صاحب \"الغاية\". استدل به صاحب \"المغني\" (١/ ١٥١) على مسح الرقبة، واستدل أيضًا برواية ابن عباس: \"امسحوا أعناقكم مخافةَ الغُلِّ\"، واستحبابه رواية لأحمد، والقديم للشافعي، وفي رواية الدارقطني: \"حتى بلغ بهما إلى أسفل عنقه\". كذا في \"غاية المقصود\".\nقال ابن رسلان: استدل به على ما قال البغوي والغزالي: إنه يستحب مسح الرقبة، وصحح الرافعي أنه سنة، ومقتضى كلام الحموي أن فيه قولين، وليس بسنة في الجديد، ثم ذكر عدة الروايات في إثباته، فارجع إليه. وقال الشعراني: قول مالك والشافعي: إنه ليس بسنة، وقول أبى حنيفة وأحمد وبعض الشافعية: مستحب، وبسطه في \"تحفة الطلبة\" لمولانا عبد الحي (ص ١٧). (ش).","vol":"1","page":582},{"text":"وَقَالَ مُسَدَّدٌ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ.\nقَالَ مُسَدَّدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ يَحْيَى فَأَنْكَرَهُ. [حم ٣/ ٤٨١، ق ١/ ٦٠، طح ١/ ١٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: إنّ ابْنُ عُيَيْنَةَ زَعَمُوا (١) أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُهُ،\n===\n(وقال مسدد: ومسح رأسه من مقدَّمه إلى مؤخَّره حتى أخرج (٢) يديه من تحت أذنيه، قال مسدد: فحدثت به) أي بهذا الحديث (يحيى) أي القطان (فأنكره) يعني أنكر هذا الحديث لجهالة مصرف لا لمقال في صحبة جد طلحة، فإنه ليس بشيء، فإنه يصرح في هذا الحديث: \"رأيت رسول الله - ﷺ -\"، وأيضًا يأتي قريبًا بعد عدة أبواب، \"قال: دخلت، يعني على النبي - ﷺ - وهو يتوضأ\"، ويمكن أن يكون يحيى أنكر أن يكون لجد طلحة صحبة لضعف في سند الحديث، فإن ليث بن أبي سليم ضعيف، ومصرفًا مجهول.\n(قال أبو داود: وسمعت أحمد) بن حنبل (يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره) فضمير \"يقول\" يرجع إلى أحمد، ولفظ \"ابن عيينة\" اسم \"إنّ\"، و\"أنه كان ينكره\" خبره، ولفظ \"زعموا\" معترضة بين الاسم والخبر، وضمير \"زعموا\" يرجع إلى الناس وعلماء زمانه، فحاصل تقدير العبارة هكذا: سمعت أحمد بن حنبل يقول: قال العلماء: إن ابن عيينة كان ينكر هذا الحديث، فالإمام أحمد لم يسمع هذا القول من ابن عيينة، بل بلغه بواسطة الرجال.\n_________\n(١) وفي نسخة \"زعموا كان\".\n(٢) قلت: هذا لازم لمسح الرقبة. (ش).","vol":"1","page":583},{"text":"وَيَقُولُ: أَيْشٍ هَذَا: طَلْحَةُ (١)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؟ .\n١٣٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ\n===\n(ويقول) أي ابن عيينة: (أيش) مخفف أي شيء، قال في \"مرقاة الصعود\" (٢): حكى أبو علي الفارسي في \"تذكرته\": حكى أبو الحسن والفراء أنهم يقولون: أيش لك، والقول فيه عندنا أنه أي شيء لك؟ حذف همزه فألقي حركته على الياء فتحرك بالكسر فكسره به فسكن، فلحقه تنوين فحذف لالتقاء الساكنين، قال: فإن قلت: بقي الاسم على حرف واحد، قيل: حسنه الإضافة اللازمة، فصار لزوم الإضافة مشبهًا له بما في نفس الكلمة، حتى حذف منهاكما قيل: فِيْمَ وبِمَ ولمَ، كذلك أيش (هذا: طلحة عن أبيه عن جده؟) لفظ هذا اسم إشارة، والمشار إليه طلحة عن أبيه عن جده، معناه: أي شيء هذا السند؟ أي: لا يعتد به، فاستفهام للإنكار.\nوظاهر هذه العبارة يدل على إنكار هذا السند، لأجل ضعف في هذا السند، وهو جهالة والد طلحة، ولو كان الإنكار (٣) لعدم ثبوت الصحبة لقال: أيش هذا: عن جده رأيت رسول الله - ﷺ -؟ ويحتمل أن يكون الإنكار لأجل الأمرين، أي جهالة مصرف، وعدم ثبوت صحبة جد طلحة.\n١٣٣ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (حدثنا يزيد بن هارون) بن وادي، ويقال: زاذان بن ثابت السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، قال ابن المديني: هو من الثقات، وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة، ثبت في الحديث، وقال أبو حاتم: ثقة، إمام صدوق لا يُسأل عن مثله، وكذلك وثَّقه يعقوب بن شيبة،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"طلحة بن مصرف\".\n(٢) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٢٥).\n(٣) لكن ابن رسلان قال: الإنكار لعله كان لأجل أنه يرى أنه ليس بصحابي. (ش).","vol":"1","page":584},{"text":"قَالَ: أنا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ،\n===\nوابن قانع، وقال يحيى بن أبي طالب: كان يقال: إنَّ في مجلسه سبعين ألف رجل، فكان قد كُفّ في آخر عمره، وذكر ابن أبي خيثمة في \"تاريخه\" أنه كاتب أبي شيبة القاضي جد أبي بكر بن أبي شيبة، قال: وسمعت أبي يعني أبا خيثمة زهير بن حرب، يقول: كان يعاب على يزيد حين ذهب بصره، ربما إذا سئل عن حديث لا يعرفه، فيأمر جاريته، فتحفظه من كتابه، قال: وسمعت يحيى بن معين يقول: يزيد ليس من أصحاب الحديث، لأنه لا يميز ولا يبالي عمن روى، مات سنة ٢٠٦ هـ.\n(قال: أنا عباد (١) بن منصور) الناجي بالنون والجيم، نسبة إلى بني ناجية، أبو سلمة الشامي القاضي بالبصرة، قال في \"الأنساب\" (٢): حديثه مخرج في \"صحيح البخاري\" استشهادًا.\nقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: عباد بن منصور كان قد تغير إلَّا أن حين (٣) رأيناه نحن كان لا يحفظ، ولم أر يحيى يرضاه، وحكى عنه حفيده أحمد بن محمد، قال: جدي عباد ثقة، لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه يعني القدر، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث، يكتب حديثه، وقال أبو داود: وليس بذاك، وعنده أحاديث فيها نكارة، وقالوا: تغير، وقال النسائي: ليس بحجة، وقال في موضع آخر: ليس بقوي، وقال ابن حبان: كان قدريًّا داعية إلى القدر، وقال الدوري عن يحيى بن معين: حديثه ليس بالقوي، وقال مُهَنَّا عن أحمد: كانت أحاديثه منكرة، وكان\n_________\n(١) ولي القضاء خمس مرات. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) (٤/ ٣٩٣).\n(٣) كذا في الأصل. والصواب: \"أنَا حين\"، انظر ترجمة عباد في: \"التهذيب\" (٥/ ١٠٣).","vol":"1","page":585},{"text":"عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً.\n===\nقدريًا، وقال ابن سعد: هو ضعيف عندهم، وله أحاديث منكرة، وقال الجوزجاني: كان سيِّئ الحفظ، وتغير أخيرًا، مات سنة ١٥٢ هـ.\n(عن عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي المكي، وثَّقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي والبخاري، وابن سعد، (عن سعيد بن جبير) (١) مصغرًا، ابن هشام الأسدي الوالبي بكسر اللام والباء الموحدة، نسبة إلى والبة، وهي حي من بني أسد، مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، ثقة، فقيه، إمام، حجة، من أئمة التابعين، روايته عن عائشة، وأبي موسى، وعدي بن حاتم، وعبد الله بن معقل، وعلي ونحوهم مرسلة. خرج مع ابن الأشعث في جملة القراء، فلما هزم ابن الأشعث: هرب سعيد بن جبير إلى مكة، فأخذه خالد القسري بعد مدة، وبعث به إلى الحجاج، فقتله الحجاج صبرًا سنة ٩٥ هـ، فلما بان رأسه، قال: لا إله إلَّا الله، لا إله إلَّا الله، ثم قالها الثالثة، فلم يتمها، كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء، يعني سعيد بن جبير.\n(عن ابن عباس رأى رسول الله - ﷺ - يتوضأ) ثم يقول أبو داود: (فذكر) أي الحسن بن علي (الحديث) وذكر فيه (كله) أي غسل كل واحد من الأعضاء المغسولة (ثلاثًا ثلاثًا، قال) أي الحسن بن علي: (ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة) ويمكن أن يكون قوله: فذكر الحديث مقولة\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٢٢٢٩).","vol":"1","page":586},{"text":"١٣٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَقُتَيْبَةُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ،\n===\nلحسن بن علي أو غيره من الرواة، فيكون ضمير \"ذكر\" و\"قال\" راجعًا إلى أستاذه، ويمكن أن يكون مرجع ضمير \"قال\" ابن عباس، فيكون تقدير العبارة، هكذا: قال أبو داود: وقال ابن عباس: ومسح رسول الله - ﷺ - بر أسه، الحديث.\n١٣٤ - (حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي بمعجمة مكسورة ثم مهملة، نسبة إلى بني واشح، وهم بطن من الأزد، أبو أيوب البصري القاضي بمكة، ثقة، إمام حافظ، قال أبو حاتم: ولقد حضرت مجلس سليمان بن حرب ببغداد فحرزوا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل، ولي قضاء مكة، ثم عزل، فرجع إلى البصرة، فلم يزل بها حتى توفي بها سنة ٢٢٤ هـ.\n(قال: ثنا حماد) بن زيد بن درهم، (ح: وحدثنا مسدد) بن مسرهد (وقتيبة) بن سعيد، (عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة) أبو ربيعة الباهلي البصري، قال الدوري عن ابن معين: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: شيخ مضطرب الحديث، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له البخاري (١) مقرونًا بغيره في \"الصحيح\"، وروى له في \"الأدب المفرد\" أيضًا.\n(عن شهر بن حوشب) (٢) الأشعري، أبو سعيد أو أبو عبد الله أو أبو عبد الرحمن أو أبو الجعد الشامي، تركه شعبة، وقال ابن عون:\n_________\n(١) حديثًا واحدًا \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٦٩)، و\"تهذيب الكمال\" (٣/ ٢٧٦٧).","vol":"1","page":587},{"text":"عَنْ أَبِى أُمَامَةَ،\n===\nإن شهرًا نزكوه، أي طعنوا فيه، وقال عمرو بن علي: ما كان يحيى يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال يحيى بن بكير عن أبيه: كان شهر على بيت المال فأخذ منه دراهم، فقال قائل:\nلَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِيْنَه بِخَرِيْطَةٍ ... فَمَنْ يَأْمَنُ القُرَّاء بَعْدَكَ يَا شَهْرُ\nوقال موسى بن هارون: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد: ما أحسن حديثه، ووثَّقه، وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث وقَوَّى أمره، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة على أن بعضهم قد طعن فيه، وقال الساجي: فيه ضعف، وليس بالحافظ، وكان شعبة يشهد عليه أنه رافق رجلًا من أهل الشام فخانه.\nقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه، وشهر ليس بالقوي في الحديث، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يتدين به، وقال البيهقي: ضعيف، وقال ابن حزم: ساقط، وقال يحيى القطان عن عباد بن منصور: حججنا مع شهر فسرق عيبتي، وقال ابن عدي: ضعيف جدًّا، وقال أبو الحسن [بن] القطان الفاسي: لم أسمع لمضعفه حجة، وما ذكروا من تزيُّئِه بزي الجند وسماعه الغناء بالآلات وقذفه بأخذ الخريطة، فإما لا يصح، أو هو خارج على مخرج لا يضره، وشر ما قيل فيه: إنه يروي منكرات عن ثقات، وهذا إذا كثر منه سقطت الثقة به، مات سنة ١١١ هـ.\n(عن أبي أمامة) (١) هو صدي مصغرًا ابن عجلان، ويقال: ابن عمرو\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٧٥) رقم (٥٦٩٦).","vol":"1","page":588},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالباهلي الصحابي، وقيل: آخر من مات (١) من الصحابة بالشام، وكان مع علي بصفين، مات بالشام سنة ٨٦ هـ.\nقال علي القاري في \"شرحه\" على \"المشكاة\" (٢): أنصاري خزرجي كذا ذكره الطيبي، وقال المصنف: هو سعد بن حنيف الأنصاري الأوسي، مشهور بكنيته، وُلد على عهد رسول الله - ﷺ - قبل وفاته بعامين، ويقال: إنه سمَّاه باسم جده لأمه أسعد بن زرارة وكناه بكنيته، ولم يسمع منه شيئًا لصغره، ولذلك ذكره بعضهم في الذين بعد الصحابة، وأثبته ابن عبد البر في جملة الصحابة، ثم قال: وهو أحد الجلة من العلماء من كبار التابعين بالمدينة، سمع أباه وأبا سعيد وغيرهما، روى نفر عنه، مات سنة مائة، وله اثنتان وسبعون سنة، انتهى. فحديثه من مراسيل الصحابة، وهو مقبول اتفاقًا، ويحتمل أن يكون المراد بأبي أمامة ها ههنا أبا أمامة الباهلي، وهو من المكثرين في الرواية (٣) من الصحابة، والله أعلم، انتهى كلام القاري.\nقلت: وقد أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٤) تحت حديث أبي أمامة\nالباهلي صدي بن عجلان بن عمرو بن وهب الباهلي عن النبي - ﷺ -، فذكر أحاديث كثيرة، ومنها: ثنا عفان، ثنا حماد بن زيد، ثنا سنان أبو ربيعة صاحب السابري عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة، وقال: وصف وضوء رسول الله - ﷺ -، فذكر ثلاثًا ثلاثًا، ولا أدري كيف ذكر المضمضة والاستنشاق، وقال: والأذنان من الرأس، قال: وكان رسول الله - ﷺ - يمسح\n_________\n(١) وبه جزم ابن رسلان. (ش).\n(٢) \"مرقاة المصابيح\" (٢/ ٢٣) طـ باكستان.\n(٣) في الأصل: \"الروية\"، وهو تحريف.\n(٤) (٥/ ٢٥٨).","vol":"1","page":589},{"text":"وَذَكَرَ وُضُوءَ النَّبِىِّ -ﷺ-، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ.\n===\nالمأقين، وقال: بأصبعيه، وأرانا حماد ومسح مأقيه، وهذا يدل على أن أبا أمامة هذا راوي حديث الوضوء عند الإِمام أحمد هو صدي بن عجلان لا غير، وكذلك صنيع الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" و\"الإصابة\" يقوي أن أبا أمامة هذا هو صدي بن عجلان، فإنه ذكر في كتابيه في ذيل من روى عنه شهر بن حوشب، ولم يذكر شهر بن حوشب فيمن روى عن غيره من اسمه أبو أمامة.\n(وذكر) أي أبو أمامة (وضوء النبي - ﷺ -، قال) في ذكر وضوئه - ﷺ -: كان رسول الله - ﷺ - يمسح المأقين) قال في \"المجمع\" (١): المأق بفتح ميم وسكون همزة: طرف عين يلي الأنف، وقيل: يلي الأنف والأذن، وقال في \"النهاية\" (٢): مُؤق العين (٣): مُؤخّرُها، ومَأقُها: مُقدّمُها. قال الخطابي: من العرب من يقول: مَأقٌ ومُؤقٌ بضمهما، وبعضهم يقول: مَأقٍ ومُؤقٍ بكسرهما، وبعضهم [يقول:] ماقٍ، بغير همز، كقاض، والأفصح الأكثر: المأقِي بالهمز والياء، وجمع المؤق: آماق وأمآق، وجمع المأقي: مآقي، انتهى.\nوأخرج الشوكاني في \"النيل\" عن أبي أمامة وهذا لفظه: أنه وصف وضوء رسول الله - ﷺ - فذكر ثلاثًا ثلاثًا، قال: وكان يتعاهد المأقين، رواه أحمد، ولعل وجه (٤) مسح المأقين وتعاهدهما تكميل استيعاب غسل\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٣٠).\n(٢) (ص ٨٥٣).\n(٣) أجمع عليه أهل اللغة \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وفي \"التقرير\": يحتمل المبالغة في الغسل، أو هو مسح للماء عنهما بعد غسل الوجه لئلا تتأذى العينان بالماء، قلت: فعلى هذا يكون الحديث من باب المنديل بعد الوضوء، بسطه في \"العارضة\" (١/ ٥٥). (ش).","vol":"1","page":590},{"text":"قَالَ: وَقَالَ: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» (١). [ت ٣٧، جه ٤٤٤، حم ٥/ ٢٦٤]\nقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: يَقُولُهَا أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَدْرِى هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَوْ مِنْ أَبِى أُمَامَةَ - يَعْنِى قِصَّةَ الأُذُنَيْنِ-\n===\nالوجه، فيمكن أن يجتمع فيهما وسخ لم يصب تحتها الماء، فيتعاهد ويدلك بهما حتى يزيل ذلك الوسخ اليابس.\n(قال: وقال: الأذنان (٢) من الرأس)، قال في \"المجمع\": \"وقال: الأذنان\" عطف على \"قال\" الأول، فيكون من قول الراوي أو عطف على \"كان\"، فيكون من قول النبي - ﷺ -، ولذا تردد حماد.\n(قال سليمان بن حرب) أحد شيوخ أبي داود في السند: (يقولها) أي يقول هذه الجملة (أبو أمامه) يعني يحكم سليمان بن حرب على هذه الجملة أنها قول أبي أمامة قطعًا، وليس بقول النبي - ﷺ - (قال قتيبة: قال حماد: لا أدري (٣) هو) أي القول المذكور، وهو الأذنان من الرأس (من قول النبي - ﷺ - أو من أبي أمامة) ثم فسر المصنف، فقال: (يعني قصة الأذنين).\nقلت: وأخرج ابن ماجه (٤) في \"سننه\": حدثنا محمد بن زياد\n_________\n(١) قال المزي في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٢٢) رقم (٤٨٨٧): حديث مسدد في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره، ولم يذكره أبو القاسم، وتعقبه الحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\". فقال: \"هو ثابت في رواية أبي عمرو اللؤلؤي\"، قلت: قوله: \"أبي عمرو اللؤلؤي\" سبق قلم، والصواب: \"أبو علي\".\n(٢) تقدمت المذاهب في ذلك، واستدل بذلك في \"المغني\" (٥/ ١٥٣) بأنهما في حكمه في باب الإحرام ويكشف الرأس دون الوجه عند الشافعي ومرجح أحمد، ويكشف الوجه أيضًا عندنا ومالك، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٣٩٢). (ش).\n(٣) وجزم ابن العربي (١/ ٥٠) أنه موقوف، وكذا قال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب أنه موقوف \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وبسط صاحب \"الغاية\" الكلام على طرقه، ورواه عن ثمانية من الصحابة. (ش).","vol":"1","page":591},{"text":"قَالَ قُتَيْبَةُ: عَنْ سِنَانٍ أَبِى رَبِيعَةَ. (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>(٥٢) بَابُ الْوُضُوءِ ثَلاثًا ثَلاثًا</span>\n١٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ،\n===\nأنا حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الأذنان من الرأس، وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح المأقين\"، فهذا الحديث فيه تصريح بأن قوله \"الأذنان من الرأس\" قول رسول الله - ﷺ - لا قول أبي أمامة، وكذلك الحديثان اللذان أخرجهما ابن ماجه عن عبد الله بن زيد وعن أبي هريرة فيهما تصريح بأنه من قول رسول الله - ﷺ -.\n(قال قتيبة: عن سنان أبي ربيعة) غرض المصنف بيان اختلاف شيوخه في سنان بن ربيعة، فقال سليمان بن حرب ومسدد: سنان بن ربيعة، وخالفهما قتيبة فقال: عن سنان أبي ربيعة، وهذا الاختلاف لا يرجع إلَّا إلى اللفظ فقط، فإن سنان اسم والده ربيعة فيصح قولهما: \"سنان بن ربيعة\" وكنيته أبو ربيعة صرح به الحافظ في \"التقريب\"، فيصح قول قتيبة: \"عن سنان أبي ربيعة\"، ولعله لسنان ابن اسمه ربيعة، فاكتنى به، والله أعلم.\n\n(٥٢) (بَابُ الْوُضُوءِ ثَلاثًا ثَلاثًا) (٢)\n١٣٥ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: ثنا أبو عوانة) اليشكري\n_________\n(١) وفي نسخة \"الغاية\" بعده: \"قال أبو داود: وهو ابن ربيعة كنيته أبو ربيعة\"، انتهى، \"الغاية\". (ش).\n(٢) نقل الشوكاني (١/ ٢٢٤) عن النووي: أجمع المسلمون على أن الواجب واحد، والسنة ثلاثة، وقد جاءت الآثار بهما وبالاثنين أيضًا، والاختلاف دليل جواز كله، وبسط اختلاف الروايات فيه ابن العربي (١/ ٦١). (ش).","vol":"1","page":592},{"text":"عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِى عَائِشَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ،\n===\nالوضاح (عن موسى بن أبي عائشة) المخزومي الهمداني أبو الحسن الكوفي مولى آل جعدة بن هبيرة، كان الثوري يُحْسن الثناء عليه، ووثَّقه ابن عيينة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: تُريبني رواية موسى بن أبي عائشة حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي - ﷺ -، قلت: عني أبو حاتم أنه اضطرب فيه، وهذا من تعنته، وإلَّا فهو حديث صحيح، وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة، قال الحافظ في \"التقريب\": وكان يرسل.\n(عن عمرو (١) بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله المدني، ويقال: الطائفي، قال أبو حاتم: سكن مكة، وكان يخرج إلى الطائف، قال صدقة بن الفضل: سمعت يحيى القطان يقول: إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: حديثه عندنا واهٍ، وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عندنا فيه شيء، وقال أبو عمرو [بن] العلاء: كان يعاب على قتادة وعمرو بن شعيب أنهما كانا لا يسمعان شيئًا إلَّا حدثا به، وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه ويعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا، وقال أبو داود عن أحمد بن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه.\nوقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: مَنِ الناس بعدهم؟\n_________\n(١) ولم يخرج له الشيخان لأن غالب رواياته عن أبيه عن جده. (ش).","vol":"1","page":593},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فهو كتاب، ومن ها هنا جاء ضعفه، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب أو سليمان بن يسار أو عروة فهو ثقة عن هؤلاء، وقال الآجري: قلت لأبي داود: عمرو بن شعيب عندك حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة، وقال العجلي والنسائي: ثقة، وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ثقة، وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: صح سماع عمرو عن أبيه، وصح سماع شعيب عن جده، وقال ابن عدي: روى عنه أئمة الناس وثقاتهم وجماعة من الضعفاء، إلَّا أن أحاديثه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه لم يدخلوها في صحاح ما خرَّجوا، وقال: هي صحيفة.\nقلت: عمرو بن شعيب ضعفه ناس مطلقًا، ووثَّقه الجمهور، وضعف بعضهم روايته عن أبيه عن جده حسب، ومن ضعَّفه مطلقًا فمحمول على روايته عن أبيه عن جده، فأما روايته عن أبيه فربما دلّس ما في الصحيفة بلفظ: عن، فإذا قال: حدثني أبي فلا ريب في صحتها، وأما رواية أبيه عن جده فإنما يعني بها الجد الأعلى عبد الله بن عمرو (١) لا محمد بن عبد الله، وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن وصح سماعه منه كما تقدم.\nوقال الشافعي في ما أسنده البيهقي في \"المعرفة\" تحته يخاطب الحنفية حيث احتجوا عليه بحديث عمرو بن شعيب: عمرو بن شعيب قد روى أحكامًا توافق أقاويلنا، وتخالف أقاويلكم عن الثقات، فرددتموها ونسبتموه إلى الغلط، فأنتم محجوجون إن كان ممن ثبت حديثه، فأحاديثه\n_________\n(١) وسيأتي في \"باب في الغسل للجمعة\" رواية عنه مصرِّحة باسمه، وقال ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" (١/ ٩٩): إنه احتج به الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة، وقال ابن العربي في \"العارضة\" (٢/ ١١٩): صح سماع بعضهم عن بعض إلى آخر ما قال.","vol":"1","page":594},{"text":"عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ\n===\nالتي وافقناها وخالفتموها أو أكثرها وهي نحو ثلاثين حكمًا حجة عليكم وإلَّا فلا تحتجوا به، ولا سيما إن كانت الرواية عنه لم تثبت، وقال الذهبي: كان أحد علماء زمانه، وقال: قيل: إن محمدًا والد شعيب مات في حياة أبيه فربَّاه جده، قال خليفة وغيره: مات سنة ١١٨ هـ (١). هذا كله من \"تهذيب التهذيب\" للحافظ.\nقلت: وقال الحلبي في \"شرحه الكبير\" (٢) بعد نقل هذا الحديث: هو حديث صحيح رواته ثقات إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأن المراد بجده عند الإطلاق جده أبو أبيه، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -.\n(عن أبيه) هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص الحجازي السهمي، وقد ينسب إلى جده، ذكر البخاري وأبو داود وغيرهما أنه سمع من جده، ولم يذكر أحد منهم أنه يروي عن أبيه محمد، ولم يذكر أحد لمحمد هذا ترجمة إلَّا القليل، قلت: قال ابن حبان في التابعين من \"الثقات\": يقال: إنه سمع من جده عبد الله بن عمرو، وليس ذلك عندي بصحيح، وقال في الطبقة التي تليها: يروي عن أبيه، ولا يصح سماعه من عبد الله بن عمرو، قلت: وهو قول مردود.\n(عن جده) الضمير (٣) في جده يرجع إلى أبيه وهو شعيب لا إلى\n_________\n(١) قال الزيلعي (١/ ٥٨): فعمرو له ثلاثة أجداد، محمد وروايته مرسلة، لأنه تابعي، وعمرو بن العاص صحابي وروايته منقطعة، لأنه لم يدرك عمرًا قطعًا، وعبد الله وهو أيضًا صحابي إلَّا أن روايته عنه تحتاج إلى معرفة السماع، وصرح الترمذي بسماعه عنه، بسطه صاحب \"الغاية\"، ورجح الاستدلال به، انتهى. (ش).\n(٢) (ص ٢٦).\n(٣) قال في \"مرقاة الصعود\": لا تعلق لمحمد في روايات الحديث إلَّا في رواية واحدة، =","vol":"1","page":595},{"text":"قال: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فِى إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأَدْخَلَ (١) إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِى أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ»،\n===\nعمرو، فحاصله أن والد عمرو وهو شعيب يروي عن جده، فالمراد بالجد عبد الله بن عمرو بن العاص (قال: إن رجلًا) أي أعرابيًّا (٢) (أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟) أي سأل عن كيفية الطهور، فأجابه - ﷺ - بالفعل؛ لأنه أبلغ من القول لقربه من الضبط.\n(فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه) أي مع المرفقين (ثلاثًا، ثم مسح برأسه) أي مرة (وأدخل إصبعيه السبَّاحتين) أي اليمنى واليسرى، وأما إطلاق السبَّاحة على اليسرى مع أنه لا يسبح بها، إنما هو على التغليب (في أذنيه) أي في صماخهما، (ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه) أي مما يلي الرأس (وبالسباحتين باطن أذنيه) أي بما يلي الوجه، (ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال) أي رسول الله - ﷺ -: (هكذا الوضوء) أي الكامل، (فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء) أي بترك السنة (وظلم) أي على نفسه بمخالفة النبي - ﷺ -، أو لأنه أتعب نفسه فيما زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له، أو لأنه أتلف الماء بلا فائدة.\n_________\n= وهي التي أخرجها ابن حبان في \"صحيحه\" (رقم ٤٨٥) برواية عمرو عن أبيه عن محمد عن عبد الله مرفوعًا: \"ألا أخبركم باحبكم إلى وأقربكم إلى يوم القيامة\"، الحديث، كذا في الحاشية. (ش).\n(١) وفي نسخة: \"فأدخل\".\n(٢) كما في رواية النسائي \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":596},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\": وقد أشكل ما في رواية أبي داود من زيادة (١) لفظ \"أو نقص\" على جماعة، قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢): (تنبيه): يجوز (٣) أن تكون الإساءة والظلم وغيرهما بما ذكر مجموعًا لمن نقص ولمن زاد، ويجوز أن يكون على التوزيع، فالإساءة في النقص والظلم في الزيادة، وهذا أشبه بالقواعد، والأول أشبه بظاهر السياق، انتهى، ويمكن توجيه الظلم في النقصان بأنه ظلم نفسه بما فوتها بالثواب الذي يحصل بالتثليث، وكذا الإساءة لأن تارك السنَّة مسيء، وأما الاعتداء في النقصان فمشكل، فلا بد من توجيهه إلى الزيادة، ولهذا لم يجتمع ذكر الاعتداء والنقصان في شيء من روايات الحديث، ولا خلاف في كراهة الزيادة على الثلاث. قال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم، وقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث (٤) إلَّا رجل مبتلى، انتهى كلام الشوكاني (٥).\nوذكر الحنفية في سنن الوضوء تثليث الغسل المستوعب، فلو غسل في المرة الأولى وبقي موضع يابس، ثم في المرة الثانية أصاب الماء\n_________\n(١) قال \"ابن رسلان\": وأكثرهم اقتصروا على قوله: نقص، وكذا رواه ابن خزيمة وغيره \"ابن رسلان\"، وكذا أنكر مسلم هذه الزيادة على عمرو، وقال ابن العربي: الحديث لا يثبت. (ش).\n(٢) (١/ ١٢١).\n(٣) وقيل: هذا مجمل، والصواب الزيادة على الثلاث والنقص عن الواحدة، كما هو مصرح في مرسل عن نعيم بن حماد \"الغاية\". (ش).\n(٤) والوجه الثالث في \"الروضة\" أنه حرام \"ابن رسلان\"، ومن الغرائب ما حكاه أبو حامد الإسفرائيني عن بعض العلماء أنه يفسد الوضوء بالزيادة قياسًا على الصلاة \"الغاية\". (ش).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":597},{"text":"أَوْ: «ظَلَمَ وَأَسَاءَ». [ن ١٤٠، جه ٤٢٢، حم ٢/ ١٨٠، خزيمة ١٧٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>(٥٣) بَابٌ: في الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ</span>\n===\nبعضه، ثم في الثالثة أصاب الجميع، لا يكون غسل الأعضاء ثلاثًا، وقالوا: لو زاد لطمأنينة القلب أو لقصد الوضوء على الوضوء لا بأس به، وحديث: \"فقد تعدَّى\"، محمول على اعتقاد السنيَّة، ومع اعتقاد سنيَّة الثلاث لا كراهة في الزيادة والنقصان، فلهذا قالوا: لو زاد لقصد الوضوء على الوضوء، أو لطمأنينة القلب عند الشك، أو نقص لحاجة لا بأس به.\nواعترض عليه علي القاري في شرحه على \"المشكاة \" (١): قلت: أما قوله: \"لطمأنينة القلب عند الشك\"، ففيه أن الشك بعد التثليث - هكذا في النسخة المطبوعة (٢) بمصر، والظاهر قبل التثليث والله أعلم - لا وجه له، وإن وقع بعده فلا نهاية له، وهو الوسوسة، وأما قوله: \"أو بنية وضوء آخر\"، ففيه أن قبل الإتيان بعبادة بعد الوضوء لا يستحب له التجديد مع أنه لا يتصور التجدد إلَّا بعد تمام الوضوء لا في الأثناء.\n(أو ظلم وأساء) شك من الراوي في تقديم أحد اللفظين على الآخر.\n\n(٥٣) (بَابٌ: في الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ)\nأي يغسل أعضاء (٣) الوضوء مرتين\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٤).\n(٢) هكذا في الأصل، والظاهر أن لفظ \"بعد التثليث\" صحيح، والمعنى أن الشك بعد الثلاث لا وجه له، ولو وقع فلا غاية له. (ش).\n(٣) قال في \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٦٢): لا يخلو إما أرادوا الغرفات أو استيعاب العضو في كل مرة. (ش).","vol":"1","page":598},{"text":"١٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا زَيْدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحُبَابِ - قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَوْبَانَ\n===\n١٣٦ - (حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا زيد - يعني ابن الحباب -) (١) بضم المهملة وموحدتين مع خفة الأولى، أبو الحسين العكلي بطن من تميم، الكوفي، أصله من خراسان، ورحل في طلب العلم فأكثر منه، وسكن الكوفة، قال علي بن المديني والعجلي: ثقة، وكذا قال عثمان عن ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: زيد بن حباب كان صدوقًا لكن كان كثير الخطأ، وقال المفضل بن غسان الغلابي عن ابن معين: كان يقلب حديث الثوري، ولم يكن به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، يعتبر حديثه إذا روى عن المشاهير، وأما روايته عن المجاهيل ففيها المناكير، وقال ابن خلفون: وثقه أبو جعفر السبتي وأحمد بن صالح، وقال الدارقطني وابن ماكولا: ثقة، وقال ابن شاهين: وثَّقه عثمان بن أبي شيبة، قال ابن عدي: هو من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه، والذي قاله ابن معين عن أحاديثه عن الثوري، إنما له أحاديث عن الثوري يستغرب بذلك الإسناد، وبعضها ينفرد برفعه، والباقي عن الثوري، وغير الثوري مستقيمة كلها، مات سنة ٢٠٣ هـ.\n(قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثوبان)، هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان منسوب إلى جده، العنسي بفتح المهملة وسكون النون وفي آخرها مهملة، أبو عبد الله الدمشقي الزاهدي، قال الأثرم عن أحمد: أحاديثه مناكير، وقال محمد الوراق عن أحمد: لم يكن بالقوي في الحديث، وعن ابن معين: صالح، ومرة عنه: ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين:\n_________\n(١) قال ابن رسلان: زيد بن حسان، ورواية الخطيب زيد بن الحباب. (ش).","vol":"1","page":599},{"text":"قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِىُّ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. [ت ٤٣، حم ٢/ ٢٨٨، ٣٦٤، ق ١/ ٧٩]\n١٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ\n===\nلا شيء، وقال يعقوب بن شيبة: اختلف أصحابنا فيه، فأما ابن معين فكان يضعفه، وأما علي فكان حسن الرأي فيه، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس بثقة، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وكان رجلًا صالحًا، ويكتب حديثه على ضعفه، وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة يرمى بالقدر، وقال أبو حاتم: ثقة يشوبه شيء من القدر، وتغير عقله في آخر حياته، وهو مستقيم الحديث، وقال أبو داود: كان فيه سلامة، وليس به بأس، وكان مجاب الدعوة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٦٥ هـ وهو ابن تسعين سنة.\n(قال: حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي)، هو عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم المدني، قال حرب عن أحمد: لا بأس به، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن المديني والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - توضأ مرتين مرتين) (١) أي غسل أعضاء الوضوء لبيان الجواز ولبيان أوسط مراتب الغسل.\n١٣٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة بن المختار الحافظ العبدي، أبو عبد الله الكوفي، قال عثمان\n_________\n(١) منصوب على أنه مفعول مطلق لبيان العدد \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":600},{"text":"قَالَ: حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثنَا زَيْدٌ،\n===\nالدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي وابن قانع: ثقة، وقال عثمان بن أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، وقال الآجري عن أبي داود: هو أحفظ من كان بالكوفة، مات سنة ٢٠٣ هـ.\n(قال: حدثنا هشام بن سعد) المدني أبو عباد، ويقال أبو سعد القرشي مولاهم، عن أحمد: لم يكن هشام بالحافظ، وعنه: ليس هو محكم الحديث، وعن ابن معين: ضعيف، وعنه: ليس بذاك القوي، وعنه: ليس بشيء، وعنه: صالح ليس بمتروك الحديث، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وقال العجلي: جائز الحديث حسن الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الآجري عن أبي داود: هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يستضعف، وكان متشيعًا، وعن علي بن المديني: صالح، وليس بالقوي، وذكره يعقوب بن سفيان في \"الضعفاء\"، وقال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد، مات سنة ١٦٠ هـ.\n(قال: حدثنا زيد) هو زيد بن أسلم العدوي أبو أسامة، ويقال: أبو عبد الله المدني، الفقيه، مولى عمر، قال أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، من أهل الفقه والعلم، وكان عالمًا بتفسير القرآن، وقال ابن عيينة: كان زيد بن أسلم رجلًا صالحًا، وكان في حفظه شيء، وذكر ابن عبد البر في مقدمة \"التمهيد\" (١) ما يدل على أنه كان يدلس، كان علي بن الحسين يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطى مجالس قومه، فقال له نافع بن جبير بن مطعم:\n_________\n(١) (١/ ٣١).","vol":"1","page":601},{"text":"عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَاغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ الْيُمْنَى، فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى، فَجَمَعَ بِهَا يَدَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً (١)\n===\nتتخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب، فقال علي: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه، مات سنة ١٣٦ هـ.\n(عن عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني القاص، ويكنيه أهل الشام لما قدمهم بأبي عبد الله، وأهل مصر لما قدمها بأبي يسار، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن سعد: ثقة، مات بالإسكندرية سنة ١٠٤ هـ أو ١٠٣ هـ.\n(قال: قال لنا ابن عباس: أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ؟) وكان غرضه - رضي الله تعالى عنه - أن يريهم أدنى مراتب الغسل التي تجتزئ (فدعا بإناء فيه ماء، فاغترف غرفة (٢) بيده اليمنى، فتمضمض واستنشق) أي جمع المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة، (ثم أخذ أخرى) أي غرفة أخرى، (فجمع بها يديه) بإضافة اليسرى إلى اليمنى، (ثم غسل وجهه) ولفظة \"ثم\" هذه بمعنى الفاء، (ثم أخذ أخرى) أي غرفة أخرى (فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ أخرى) أي غرفة أخرى (فغسل بها يده اليسرى، ثم قبض قبضة) والمراد بالقبضة الغرفة، كما تدل عليه الرواية التي أخرجها البيهقي بسنده عن زيد بن أسلم عن عطاء بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قبضة أخرى\".\n(٢) بالفتح على المصدر، وبالضم على المغروف. \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":602},{"text":"مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى مِنَ الْمَاءِ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَفِيهَا النَّعْلُ، ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ: يَدٌ فَوْقَ الْقَدَمِ وَيَدٌ تَحْتَ النَّعْلِ،\n===\nيسار عن ابن عباس، وفيها: \"ثم غرف غرفة فمسح رأسه وأذنيه، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى\"، ولأن الماء لا يقبض بل يغرف.\n(من الماء ثم نفض يده، ثم مسح بها رأسه وأذنيه) وهذا بظاهره يدل على أن مسح الرأس والأذنين كان بيد واحدة، ويحتمل أن يكون باليدين، فيكون التقدير: ثم قبض قبضة من الماء بيده اليمنى وأضاف إليها اليسرى، ثم نفض يده اليمنى واليسرى، وتؤيد ذاك الاحتمال الثاني رواية البيهقي.\n(ثم قبض قبضة أخرى من الماء فَرَشَّ على رجله اليمنى، وفيها النعل، ثم مسحها بيديه: يد فوق القدم ويد تحت النعل) (١)، معناه أنه - ﵁ - صَبَّ على رجله اليمنى قبضةً من الماء، ثم غسلها بصَبِّ الماء عليها باليد اليمنى، وبإيصال الماء عليها جميعها مستوعبًا بيده اليسرى غسلًا خفيفًا، والحال أن الرِّجل كانت في النعل، ولما كانت نعال العرب ليس فيها غير الشراك والجلدة، فلا يتعسر إيصال الماء إلى جميع الرجل وإن كانت الرجل في النعل، كما يدل عليه صنيع البخاري في \"صحيحه\"، فإنه عقد \"باب غسل الرجلين في النعلين\"، وأورد لها حديث ابن عمر وفيه: \"وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها\".\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": معنى قوله: تحت النعل أي بينه وبين القدم، ووجَّهه بأحسن التوجيه. (ش).","vol":"1","page":603},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال العيني (١): ظاهره كان ﵊ يغسل رجليه، وهما في نعلين، لأن قوله: \"فيها\"، أي في النعال، ظرف لقوله: \"يتوضأ\"، فإن قلت: قوله: \"يد فوق القدم ويد تحت النعل\" يأبى عنه، قلت: كون اليد فوق القدم في وقت لا يأبى أن يفضيها تحت القدم في النعل بعد أن كان فوق القدم، فالمسح في قوله: \"ثم مسحها\" بمعنى الغسل، كما تدل عليه الرواية التي أخرجها البخاري في \"صحيحه\" (٢) في \"باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة\" بسنده عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، وكما تدل عليه الرواية المذكورة التي أخرجها البيهقي.\nوالرواية الثانية التي أخرجها البيهقي (٣) في \"باب غسل الوجه\" عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، وفيها: \"ثم أخذ غرفة من ماء، ثم رشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله اليسرى\".\nوهكذا أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٤)، وأيضًا تدل عليه رواية النسائي (٥)، فإنه أخرج بسنده عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، وفيها: \"ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى\"، فاليد التي فوق القدم هي الغاسل لها بإيصال الماء عليها كلها ودلكها، وإلا فالغرفة الواحدة لا يمكن أن تستوعب\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٦٥).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (ح ١٤٠).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٥٣).\n(٤) (١/ ٢٦٨).\n(٥) \"سنن النسائي\" رقم الحديث (١٠٢).","vol":"1","page":604},{"text":"ثُمَّ صَنَعَ بِالْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. [ت ٣٦، ن ١٠٢، جه ٤٣٩، ك ١/ ١٤٧]\n===\nالقدم. وأما اليد الأخرى التي كانت تحت النعل، فلا مدخل لها في الغسل إلَّا أنها كانت تحمل القدم وترفعها، ولكن ظن الراوي أنها ماسحة أيضًا، فلا حاجة إلى ما قال الشوكاني في \"النيل\" (١): وأما قوله: تحت النعل، فإن لم يحمل على التجوُّز عن القدم فهي رواية شاذة، وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما تفرد به، فكيف إذا خالف؟ قاله الحافظ. وما قال صاحب \"مرقاة الصعود\": هذا مؤول بأنه مسح على الخف، فبعيد جدًّا بل لا يكاد يصح، فإن الروايات التي أخرجها البيهقي والنسائي والبخاري مصرّحة بالغسل، فلا معنى لحمله على المسح من غير دليل ولا قرينة.\nوقد أخرج الطحاوي هذا الحديث في \"باب فرض الرجلين في وضوء الصلاة\" بسنده عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: \"توضأ رسول الله - ﷺ - فأخذ ملء كفه ماءً فَرَشَّ به على قدميه، وهو متنعل\".\nوالحديث لا مناسبة له بترجمة الباب، فإنه ليس فيه ذكر غسل أعضاء الوضوء مرتين، بل لو ذكر في الباب (٢) الآتي \"باب الوضوء مرة\" لكان أنسب، ويمكن أن يوجه للمناسبة بين الحديث وترجمة الباب بأن الغسل مرة مرة، وهي أدنى المراتب تدل بالأولى على جواز الغسل مرتين مرتين، واستحبابه بالأولوية، والله أعلم.\n(ثم صنع باليسرى مثل ذلك).\n_________\n(١) (١/ ١٨٣).\n(٢) ولذا بوّب البخاري والترمذي والنسائي على الحديث: \"الوضوء مرة مرة\" \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>(٥٤) بابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً</span>\n١٣٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قال: حَدَّثَنِى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِوُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً. [خ ١٥٧، ت ٤٢، ن ٨٠، جه ٤١١]\n===\n\n(٥٤) (بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً)\n١٣٨ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ القطان، (عن سفيان) وهو الثوري (١)؛ فإن الترمذي (٢) صرَّح برواية الثوري عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس.\nوكذلك صرَّح الحافظ في \"فتح الباري\" (٣) فقال: وسفيان وهو الثوري، ثم قال: وصرح أبو داود والإسماعيلي في روايتهما بسماع سفيان له من زيد بن أسلم.\n(قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: ألا أخبركم بوضوء رسول الله - ﷺ -؟ فتوضأ مرة مرة) (٤).\nوكان هذا البيان أدنى مراتب الغسل، وأدنى ما يجزئ في الغسل، وأفضل منها مرتين مرتين، وأفضل المراتب كلها ثلاثًا ثلاثًا.\n_________\n(١) وبه جزم ابن رسلان. (ش).\n(٢) وتردد فيه الكرماني، قاله المنذري. \"الغاية\". (ش).\n(٣) (١/ ٣١٥).\n(٤) والحديث جزء من الحديث المتقدم. \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>(٥٥) بَابٌ فِى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ</span>\n١٣٩ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سمِعْتُ لَيْثًا يَذْكُرُ عن طَلْحَةَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: دَخَلْتُ - يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، والْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَرَأَيْتُهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ. [ق ١/ ٥١]\n===\n\n(٥٥) (بَابٌ: في الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاقِ)\nوالمراد بالفرق الفصل بينهما (١)\nبأن يمضمض أولًا ثم بعد الفراغ منها يستنشق\n١٣٩ - (حدثنا حُميد بن مسعدة) بمفتوحة وسكون سين مهملة بعدها عين مهملة، ابن المبارك السامي بالمهملة، الباهلي البصري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي في أسماء شيوخه: ثقة، وينظر كيف يجتمع الباهلي والسامي، مات سنة ٢٤٤ هـ.\n(قال: حدثنا معتمر قال: سمعت ليثًا) ابن أبي سليم (يذكر عن طلحة) بن مصرف، (عن أبيه) هو مصرف، (عن جده) هو كعب بن عمرو أو عمرو بن كعب (قال: دخلت - يعني على النبي - ﷺ -) قائل لفظ: \"يعني على النبي - ﷺ -\" إما مصرف أو غيره من الرواة (وهو يتوضأ) جملة حالية، والضمير يرجع إليه - ﷺ -، (والماء يسيل (٢) من وجهه ولحيته على صدره) - ﷺ - (فرأيته) - ﷺ - (يفصل (٣) بين المضمضة والاستنشاق).\n_________\n(١) ورجحه ابن العربي فقال: الأفضل فصلهما ... إلخ. (ش). [\"العارضة\" (١/ ٤٦)].\n(٢) فيه طهارة الماء المستعمل \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وبه استدل ابن قدامة في \"المغني\" (١/ ١٧٠) على جواز الفصل، وحسّنه ابن الصلاح وابن الهمام كما في \"العرف الشذي\" (ص ٥٢). وأوَّله ابن رسلان أنه تمضمض =","vol":"1","page":607},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>(٥٦) بابٌ: فِى الاِسْتِنْثَارِ</span>.\n١٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِى أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَنْثُرْ» (١). [خ ١٦٢، م ٢٣٧، ن ٨٦، حم ٢/ ٢٤٢]\n١٤١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ:\n===\n\n(٥٦) (بَابٌ: في الاسْتِنْثَارِ) (٢)\n١٤٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس، (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء (٣) ثم لينثر).\n١٤١ - (حدثنا إبراهيم بن موسى قال: حدثنا وكيع) بن الجراح (قال:\n_________\n= بغرفة ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وتأبى عنه رواية الدارقطني بهذا السند: فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا يأخذ لكل ماء جديدًا. وأصرح منه ما في \"آثار السنن\" (١/ ٣١) من فعل علي وعثمان وغيرهم. (ش).\n(١) وفي نسخة: \"لينتثر\".\n(٢) قيل: بوجوبه، والنثرة طرف الأنف، فالاستنثار إخراج ما في النثرة أو تحريكها \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: أكثر روايات البخاري بإسقاط لفظ \"ماء\"، واختلف رواة \"الموطأ\" وهو ثابث عند مسلم. ثم ذكر اختلاف الرواة في قوله: \"لينثر\" بالبسط، ثم قال: والحديث وما بمعناه من الأوامر دليل لمن قال بوجوبه كأحمد وإسحاق وأبي ثور، واستدل الجمهور على أن الأمر للندب بما حسنه الترمذي: \"توضأ كما أمرك الله\"، وليس فيه ذكرهما. انتهى. قلت: وكذا ليس فيه ذكر النية والتسمية أيضًا. (ش).","vol":"1","page":608},{"text":"حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ قَارِظٍ،\n===\nحدثنا ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة، فقيه، قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن ابن معين: ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلَّا أبا جابر البياضي، وكل من روى عنه مالك ثقة، إلَّا عبد الكريم أبا أمية، وقال يعقوب بن شيبة: ابن أبي ذئب ثقة، صدوق، غير أن روايته عن الزهري خاصة تكلم فيها بعضهم بالاضطراب، وقال النسائي: ثقة، وقال الواقدي: كان من أورع الناس وأفضلهم وكانوا يرمونه بالقدر، وما كان قدريًّا، لقد كان يتقي قولهم ويعيبه، ولكنه كان رجلًا كريمًا يجلس إليه كل واحد.\nوقال الخليلي: ثقة، أثنى عليه مالك، فقيه من أئمة أهل المدينة، حديثه مخرج في \"الصحيح\"، إذا روى عن الثقات، فشيوخه شيوخ مالك، لكنه قد يروي عن الضعفاء، وقد بين ابن أخي الزهري كيفية أخذ ابن أبي ذئب عن عمه، قال. إنه سأل عن شيء فأجابه فرد عليه، فتقاولا فحلف الزهري أن لا يحدثه، ثم ندم ابن أبي ذئب، فسأل الزهري أن يكتب له أحاديث من حديثه فكتب له، قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ابن أبي ذئب يفتي بالمدينة وكان عالمًا، ثقة، فقيهًا، ورعًا، عابدًا، فاضلًا، وكان يرمى بالقدر، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من فقهاء أهل المدينة وعبادهم، وكان من أقْوَل أهل زمانه للحق، وكان مع هذا يرى القدر، وكان مالك يهجره من أجله، مات سنة ١٥٨ هـ.\n(عن قارظ) (١) بن شيبة بن قارظ الليثي المدني، حليف بني زهرة، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: يكنى أبا سلمة، قيل: مات سنة ١٣٠ هـ.\n_________\n(١) بالقاف والظاء المعجمة \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":609},{"text":"عَنْ أَبِى غَطَفَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا». [جه ٤٠٨، حم ١/ ٢٢٨، ك ١/ ١٤٨]\n١٤٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ فِى آخَرِينَ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ،\n===\n(عن أبي غطفان) (١) بن طريف، ويقال: ابن مالك المري بالراء، المدني، قيل: اسمه سعد، قال النسائي في \"الكنى\": أبو غطفان ثقة، وقال الدوري عن ابن معين: أبو غطفان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكان قد لزم عثمان وكتب له وكتب أيضًا لمروان، وقال الدوري عن أبي بكر بن داود: أبو غطفان مجهول.\n(عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا) (٢)، أي نظفوا الأنف (٣) بإخراج الماء عنها بعد الإدخال مرتين أو ثلاثًا بالمبالغة، وقوله: \"أو ثلاثًا\"، إما للتنويع (٤) فيكون من قول رسول الله - ﷺ -، أو شك من الراوي فيكون من قول بعض الرواة.\n١٤٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد) وهو داخل (في آخرين) من الشيوخ الذين حدثونا بهذا الحديث (قالوا) أي قتيبة والشيوخ الذين حدثونا كل واحد منهم: (حدثنا يحيى بن سليم) القرشي الطائفي، يقال أبو محمد، ويقال أبو زكريا الخزاز. قال ابن سعد: طائفي، سكن مكة، وقال البخاري عن أحمد بن محمد بن القاسم: مكي، كان يختلف إلى الطائف، فنسب إليه، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير\n_________\n(١) كان له دار بالمدينة عند دار عمر بن عبد العزيز. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قيل: لم يقيد الثلاث بالمبالغة لأن الثالث قام مقام المبالغة. كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٣) كذا في الأصل والظاهر \"الأنوف\".\n(٤) وفي \"الدرجات\" (ص ٢٧): شك، أو للتقسيم أي ثلاثًا مطلقات، أو للتخيير. قال النووي: والآخر هو الظاهر، انتهى. (ش).","vol":"1","page":610},{"text":"عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ\n===\nالحديث، وقال العجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ صالح محله الصدق، ولم يكن بالحافظ، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر، وقال الدولابي: ليس بالقوي، وقال النسائي في \"الكنى\": ليس بالقوي، وقال العقيلي: قال أحمد بن حنبل: أتيته فكتبت عنه شيئًا، فرأيته يخلط في الأحاديث فتركته، وفيه شيء، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، وقال الدارقطني: سيئ الحفظ، مات سنة ١٩٣ هـ أو بعدها.\n(عن إسماعيل بن كثير) الحجازي، أبو هاشم المكي، قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، وقال يعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، والعجلي: مكي ثقة، وصحح حديثه في الوضوء ابن خزيمة وابن الجارود والترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم.\n(عن عاصم بن لقيط بن صبرة) بفتح المهملة وكسر الموحدة، العقيلي، حجازي، قال البخاري: هو ابن أبي رزين العقيلي، وقيل هو غيره، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث (١) واحد في المبالغة في الاستنشاق وغير ذلك.\n(عن أبيه لقيط بن صبرة)، هو لقيط بفتح لام وكسر قاف وطاء مهملة، ابن صبرة بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل، أبو رزين العقيلي، وقيل: هو لقيط بن عامر بن صبرة، قال ابن عبد البر: وقد قيل: إن لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة، وليس بشيء، وقال\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\"، والباقون سوى مسلم، فالترمذي في الصيام، وابن ماجه في الطهارة، والنسائي فيه وفي الوليمة. كذا قال \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":611},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعبد الغني بن سعيد: أبو رزين العقيلي هو لقيط بن عامر بن المنتفق، وهو لقيط بن صبرة، وقيل: إنه غيره، وليس بصحيح، وقد جعلهما ابن معين واحدًا، وقال: ما يعرف لقيط غير أبي رزين، وكذا حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل وإليه نحا البخاري، وتبعه ابن حبان وابن السكن، وأما علي بن المديني وخليفة بن خياط وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والترمذي وابن قانع والبغوي وجماعة فجعلوهما اثنين، هذا خلاصة ما في \"تهذيب التهذيب\" (١).\nوقال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): والراجح في نظري أنهما اثنان، لأن لقيط بن عامر معروف بكنيته، ولقيط بن صبرة لم يذكر كنيته إلَّا ما شذ به ابن شاهين فقال: أبو رزين العقيلي أيضًا، والرواة عن أبي رزين جماعة، ولقيط بن صبرة لا يعرف له راو إلَّا ابنه، وإنما قوي كونهما واحدًا عند من جزم به، لأنه وقع في صفة كل واحد منهما أنه وافد بني المنتفق، وليس بواضح إلى آخر ما قال.\nقلت: صنيع الإِمام أحمد في \"مسنده\" يدل دلالة واضحة على أنهما اثنان عنده، فإنه أفرد عنوان حديث أبي رزين العقيلي لقيط بن عامر بن المنتفق - رضي الله تعالى عنه - وذكر تحت ذلك العنوان أحاديث متعددة مختلفة، ثم أفرد عنوان حديث لقيط بن صبرة - ﵁ - ولم يذكر تحته إلَّا حديث الوضوء مختصرًا ومطوَّلًا، ولم يروه عنه إلَّا ابنه عاصم، وعنه إسماعيل بن كثير، ولم يذكر فيمن روى عن أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي، عاصمًا، ولا حديث الوضوء، فهذا يدل على أنهما عند الإِمام غير متحدين، فما حكى الأثرم عن الإِمام لا نعرف له وجهًا.\n_________\n(١) (٨/ ٤٥٦).\n(٢) (٦/ ٨).","vol":"1","page":612},{"text":"قَالَ: كُنْتُ وَافِدَ (١) بَنِى الْمُنْتَفِقِ - أَوْ: فِى وَفْدِ بَنِى الْمُنْتَفِقِ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ نُصَادِفْهُ فِى مَنْزِلِهِ، وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ فَأَمَرَتْ\n===\n(قال: كنت وافد بني المنتفق (٢) أو في وقد بني المنتفق إلى\nرسول الله - ﷺ -)، الوفد: قوم يجتمعون ويَرِدُون البلاد، الواحد: وافد (٣)،\nوالذين يقصدون الأمراء بالزيارة والاسترفاد والانتجاع، وهم الوفد والوفود، فأما الوفد فاسم للجمع وقيل جمع، وأما الوفود فجمع وافد، قال الجوهري: وقد فلان على الأمير، ولفظ \"أو\" في قوله: \"أو في وفد بني المنتفق\"، للشك، والأول يدل على انفراده أو على كونه زعيم الوفد، وفيه دليل على أنه لا تجب الهجرة على كل من أسلم، لأن بني المنتفق وغيرهم لم يهاجروا بل أرسلوا وفودهم، وهو كذلك إذا كان في موضع يقدر على إظهار الدين فيه. \"مجمع\" (٤).\n(قال: فلما قدمنا على رسول الله - ﷺ - فلم نصادفه)، أي: لم نجده، يقال: صادفت فلانًا، أي لاقيته ووجدته (في منزله، وصادفنا عائشة أم المؤمنين) - رضي الله تعالى عنها - (قال: فأمرت) (٥) عائشة - ﵂ -\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وفد\".\n(٢) بضم الميم وسكون النون وفتح المثناة الفوقية وكسر القاف بعدها فاء. \"ابن رسلان\". (ش).\n[كذا في الأصل، وهو تحريف، والصواب: وكسر فاء وبعدها قاف. انظر: \"المغني\" (ص ٢٤١)].\n(٣) كركب وراكب، كذا في \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٨٦).\n(٥) فيه أن الضيف إذا قدم ولم يجد صاحب المنزل، فيستحب للزوجة ومن يقوم مقامها ممن يتولى أمر المنزل أن يهيئ له طعامًا. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":613},{"text":"لَنَا بِخَزِيرَةٍ فَصُنِعَتْ لَنَا. قَالَ: وَأُتِينَا بِقِنَاعٍ، وَلَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ: الْقِنَاعَ. وَالْقِنَاعُ: الطَّبَقُ فِيهِ تَمْرٌ. ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «أَصَبْتُمْ شَيْئًا أَوْ أُمِرَ لَكُمْ بِشَىْءٍ؟»\n===\n(لنا بخزيرة) (١) هو لحم يؤخذ فيقطع صغارًا في القِدر، ثم يطبخ بالماء الكثير والملح، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق فعُصد به، ثم أدم بأي إدام شيء، ولا تكون الخزيرة إلَّا وفيها لحم، فإذا لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، وقيل إذا كان من دقيق فهو حريرة، وإذا كان من نخالة فهي خزيرة، ولعلها أمرت جاريتها بطبخها وصنعها.\n(فصنعت) بصيغة المجهول أي الخزيرة (لنا قال: وأتينا) بصيغة المجهول أي قدم إلينا (بقناع) القناع: الطبق الذي يؤكل فيه الطعام ويجعل فيه الفاكهة (ولم يقل) وفي نسخة: \"لم يفهم\"، وفي نسخة: \"لم يقم\" (٢) (قتيبة: القناع) فعلى النسخة الأولى معناها: لم يتلفظ قتيبة بلفظ القناع (٣) بل قال: وأتينا بتمر أو أطعمتنا تمرًا، وأما الآخرون فقالوا: أُتينا بقناع فيه تمر، وأما على النسختين الأخريين فمعناه أن قتيبة لم يتلفظ بلفظ القناع تلفظًا واضحًا مفهمًا، بل تكلم به بحيث لم أفهمه جيدًا (٤) (والقناع الطبق) (٥) وهذا تفسير معترض من المصنف أو من بعض الرواة (فيه تمر) صفة لقناع، (ثم جاء رسول الله - ﷺ - فقال: أصبتم شيئًا أو أُمر لكم بشيء؟)\n_________\n(١) بفتح الخاء المعجمة وكسر الزاء وسكون المثناة تحت بعدها راء فتاء تأنيث. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) أي لم يتلفظ بتلفظ صحيح. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وقيل: لم يقله معرفًا بل قاله منكرًا، ويقال: إنه لم يقله واضحًا كما تدل عليه النسختان الأخريان، كذا في \"التقرير\" مبسوطًا. (ش).\n(٤) قاله النووي، كذا في \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) سمي به لأن أطرافه قد أقنعت، أي عطفت إلى داخل. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":614},{"text":"قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.\nقَالَ فَبَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جُلُوسٌ إِذْ دَفَعَ (١) الرَّاعِى غَنَمَهُ إِلَى الْمُرَاحِ، وَمَعَهُ سَخْلَةٌ تَيْعَرُ، فَقَالَ: «مَا وَلَّدْتَ\n===\nوفي نسخة: \"هل أصبتم شيئًا\"، و\"أو\" ها هنا للشك من الراوي (قال: فقلنا: نعم يا رسول الله).\n(قال: فبينا نحن مع رسول الله - ﷺ - جلوس) جمع جالس (إذ دفع) أي سَاقَ وَرَدَّ (الراعي غنمه إلى المُراح) بالضم، أي: مأواها، قال في \"النهاية\" (٢): المراح بالضم (٣): الموضع الذي تروح إليه الماشية أي تأوي إليه ليلًا، وأما بالفتح فهو الموضع الذي يروح إليه القوم، أو يروحون منه، كالمَغْدَى للموضع الذي يُغْدى منه.\n(ومعه) أي الراعي (سخلة) يقال لولد الغنم ساعة تضعه أمه من الضأن والمعز جميعًا ذكرًا كان أو أنثى سخلة، ثم هي البهمة للذكر والأنثى، والجمع بهم (تيعر) أي تصوت وتصيح، يقال: يعرتِ العنزُ تيعر - بالكسر، وقيل: بالفتح- يعارًا بالضم: صاحت، واليعار صوت الغنم، وقيل: صوت المِعْزَى، وقيل: هو الشديد من أصوات النساء.\n(فقال: ما ولَّدت) قال الخطابي (٤): هو بتشديد لام وفتح تاء خطابًا للراعي، وأهل الحديث يخففون اللام ويسكنون التاء، والشاة فاعله\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قلنا: نعم يا رسول الله، قال: فبينما نحن مع رسول الله - ﷺ - وجلوس إذ رفع\".\n(٢) (ص ٣٨١).\n(٣) قال ابن رسلان: والفتح غلط، لأنه اسم مكان، والمكان وغيره من الإفعال بضم الميم. (ش).\n(٤) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٨٣).","vol":"1","page":615},{"text":"يَا فُلَانُ؟ قَالَ: بَهْمَةً، قَالَ: فَاذْبَحْ (١) لَنَا مَكَانَهَا شَاةً، ثُمَّ قَالَ: \"لَا تَحْسِبَنَّ\" - وَلَمْ يَقُلْ: لَا تَحْسَبَنَّ - \"أَنَّا مِنْ أَجْلِكَ ذَبَحْنَاهَا،\n===\nوهو غلط، من ولدت الشاة توليدًا إذا حضرت ولادتها فعالجتها حين تبين الولد منها، والمولدة القابلة، والمحدثون يقولون: ما ولدت يعنون الشاة، والمحفوظ التشديد بخطاب الراعي (يا فلان؟) كناية عن اسم الراعي ولم يعرف اسمه.\n(قال: بهمة) بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء، أي قال الراعي: الذي ولّدت بهمة، فيكون مرفوعًا، أو تقديره ولدت بهمة، فعلى هذا يكون منصوبًا، وهو المحفوظ رواية كما صرح به الشارح، والبهمة: ولد الضأن والمعز الذكر والأنثى، ولكن هذا الحديث يدل على أن البهمة (٢) ها هنا اسم للأنثى، لأنه إنما سأله (٣) ليعلم أذكر ولد أو أنثى؟ وإلَّا فتولد أحدهما كان معلومًا (٤).\n(قال: فاذبح لنا مكانها شاة، ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (لا تَحْسِبَنَ، ولم يقل: لا تَحْسَبَنَّ) وهذا من كلام لقيط بن صبرة أو من بعض الرواة، والغرض منه إظهار كمال حفظه ببيان أن رسول الله - ﷺ - نطق بهذا اللفظ بكسر السين، ولم ينطق بفتحه، وأنه على يقين من ذلك (أنَّا من أجلك ذبحناها) يعني: لا تظن أنت أن الشاة التي ذبحناها من أجلك ذبحناها،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"اذبح\".\n(٢) وفي \"التقرير\": أن الأصل فيه الأنثى، ثم أطلق على الذكر أيضًا. (ش).\n(٣) قال السيوطي: ويحتمل أنه سأل ليعلم هل المولود واحد أو أكثر ليذبح بقدره من الشياه؟ كذا في \"الغاية\"، ويحتمل أنه لمجرد تقرير لا لسؤال، وكذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) وكذا قال ابن رسلان، والأوجه عندي ما قاله السيوطي. (ش).","vol":"1","page":616},{"text":"لَنَا غَنَمٌ مِائَةٌ لَا نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ، فَإِذَا وَلَّدَ الرَّاعِى بَهْمَةً ذَبَحْنَا مَكَانَهَا شَاةً.\nقَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِى امْرَأَةً وَإِنَّ فِى لِسَانِهَا شَيْئًا - يَعْنِى الْبَذَاءَ - قَالَ: «فَطَلِّقْهَا إِذًا»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَهَا صُحْبَةً وَلِى مِنْهَا وَلَدٌ، قَالَ: \"فَمُرْهَا\" - يَقُولُ: عِظْهَا - \"فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلُ\n===\nوهذا من مكارم أخلاقه - ﷺ -، ولعل الغرض من هذا النفي دفع الخجل الذي يحصل له من أن يظن أن الذبح كان لأجله، بل وجه الذبح أن (لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد) أي على المائة، وهذا من باب الاكتفاء على ما يحتاج إليه، والإجمال في طلب الدنيا (فإذا وَلَّد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة) لئلا تزيد على العدد المائة الذي نريد.\n(قال: قلت: يا رسول الله، إن لي امرأة وإن في لسانها شيئًا - يعني: البذاء -) وهذا تفسير للفظ الشيء، والبذاء الفحش في القول (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فطلقها إذًا) أي إذا كان (١) في لسانها بذاء فطلقها.\n(قال: قلت: يا رسول الله) - ﷺ - (إن لها صحبة) أي قديمة، وحق الصحبة يأبى عن مفارقتها (ولي منها ولد) أي والمانع الثاني من الطلاق أن لي منها ولدًا، فإذا طلقتها يضيع الولد ولا يبقى من يكفله.\n(قال: فمُرها، يقول: عظها) (٢) وهذا تفسير من بعض الرواة، معناه: مرها بكف لسانها وعظها أن لا تبذو (فإن يك فيها خير فستفعل) هكذا في \"مسند الإِمام\"، وقال الشارح: في رواية الشافعي وابن حبان في \"صحيحه\": \"فستقبل\".\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": أمر به لما رأى في الصحبة من المضرة الدينية، ثم لما علم في المفارقة أشد المضرة كما بسطه في \"التقرير\" أمره أن يعظها. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: يعني عظها بكتاب الله ورسوله من حسن الصحبة وحسن المعاشرة. (ش).","vol":"1","page":617},{"text":"وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ».\nفَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِى عَنِ الْوُضُوءِ، قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِى الاِسْتِنْشَاقِ إِلَاّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». [ت ٧٨٨، ن ٨٧ - ١١٤، جه ٤٠٧، حم ٤/ ٣٣]\n===\n(ولا تضرب ظعينتك) والظعينة المرأة السايرة في الهودج، والمراد ها هنا الزوجة، أي لا تضرب امرأتك (كضربك (١) أُمَيَّتك) تصغير الأمَة، وفي رواية \"المسند\": أمتك.\n(فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء) أي الوضوء (٢) الكامل (قال: أسبغ الوضوء) بإيصال الماء إلى أعضاء الوضوء مستوعبًا ثلاثًا، والمسح بجميع الرأس والأذنين وإزالة الأوساخ، (وخلل بين الأصابع) (٣) أي بين أصابع اليدين والرجلين (٤) (وبالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا) (٥) لأنه مظنة إفساد الصوم.\n_________\n(١) أي: مثلها، وإلا فاصل الضرب مأذون، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. \"ابن رسلان\". وقيل: منع مطلقًا، والتشبيه للتقبيح. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) ويظهر من الجواب أن مقصود السؤال لم يكن استيعاب كيفية الوضوء، بل كان السؤال عن معظمه أو ما خفي منه. \"الغاية\". (ش).\n(٣) ظاهره أن يُشَبِّكَ بينها، لكن ورد المنع عن التشبيك في الوضوء، بسطه ابن رسلان، وتحريك الخاتم الضيق مستحب. (ش).\n(٤) استدل صاحب \"الغاية\" بالأمر على الوجوب، وبسط الروايات في التخليل، وقال في \"المغني\" (١/ ١٥٢): هو سُنَةٌ لهذه الروايات، وكذا قال ابن رسلان، ونقل الاختلاف فيه صاحب \"العارضة\" (١/ ٥٦) كما سيأتي. (ش).\n(٥) ويأتي الكلام على هذه الكلمة في الصوم، فإن المصنف أعاده هناك مختصرًا، وسيأتي أيضًا أن المنع للصائم يختص بالاستنشاق أو يعم المضمضة أيضًا، انتهى. (ش).","vol":"1","page":618},{"text":"١٤٣ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قال: حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ وَافِدِ بَنِى الْمُنْتَفِقِ أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قَالَ: فَلَمْ نَنْشَبْ أَنْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١) يَتَقَلَّعُ: يَتَكَفَّأُ،\n===\n١٤٣ - (حدثنا عقبة بن مكرم) بضم الميم وإسكان الكاف وفتح الراء (٢) ابن أفلح العمي، والعم بطن من تميم، أبو عبد الملك الحافظ البصري، قال أبو داود: عقبة بن مكرم ثقة، ثقة من ثقات [الناس]، فوق بندار في الثقة عندي، وقال النسائي: ثقة، قال ابن قانع: مات بالبصرة سنة ٢٤٣ هـ.\n(قال: ثنا يحيى بن سعيد) القطان (قال: حدثنا ابن جريج) عبد الملك (قال: حدثني إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه) هو لقيط بن صبرة (وافد بني المنتفق) من غير شك (أنه أتى عائشة) -رضي الله تعالى عنها - (فذكر معناه) يعني ذكر ابن جريج معنى حديث يحيى بن سليم، فهما متحدان معنى لا لفظًا.\n(قال) أي قال ابن جريج: قال إسماعيل: (فلم ننشب) أي لم نلبث، وفي نسخة بالياء التحتانية، قال الشيخ ولي الدين: المحفوظ بالنون (أن جاء النبي - ﷺ - يتقلع: يتكفأ) حالان من النبي - ﷺ - أراد قوة مشيه كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعًا قويًا، لا كمن يمشي اختيالًا، ويقارب خطاه تنعمًا، فإنه من مشي النساء \"مجمع\"، أو يميل يمينًا وشمالًا كالسفينة، وخُطِّئَ بأنه صفة المختال، بل معناه أنه يميل إلى سَنَنِه وقصد مشيه، قال القاضي: هذا لا يقتضيه اللفظ، وإنما يكون\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وقال ابن رسلان: بكسر الراء. (ش).","vol":"1","page":619},{"text":"وَقَالَ \"عَصِيدَة\" مَكَانَ \"خَزِيرَة\". [انظر الحديث السابق]\n١٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ فِيهِ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ». [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nمذمومًا إذا قصده لا ما كان خلقة، وظهر منه أن يتكفأ ليس تفسيرًا ليتقلع، بل جملتان حاليتان ولم يعطف لعدم التناسب.\nوروي عن بعض المحدثين أنه ينبغي لطالب الحديث أن يكون سريع\nالمشي والقراءة والكتابة، وورد في الحديث: \"كان إذا مشى تكفأ تكفيًا\"، وأيضًا ورد: \"كأنما ينحط من صبب\"، أي في صبب، معناه أنه - ﷺ - يتمايل في المشي إلى قدام، والأولى ها هنا أن يكون معنى قوله: \"يتكفأ\" أي يميل إلى قدام، وهذا اللفظ لم يكن في رواية يحيى بن سليم.\n(وقال) أي ابن جريج: (عصيدة مكان خزيرة) والعصيدة دقيق يُلَتّ بالسمن ويطبخ.\n١٤٤ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا أبو عاصم) النبيل ضحاك بن مخلد (قال: حدثنا ابن جريج بهذا الحديث، قال فيه) أي قال ابن جريج في هذا الحديث الذي روى عنه أبو عاصم: (إذا توضأت فمضمض) فزاد أبو عاصم عن ابن جريج في هذا الحديث ذكر المضمضة، ولم يذكر يحيى القطان عن ابن جريج المضمضة، وأحاديث الباب تدل على أن الاستنثار واجب، وكذا المضمضة.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): واختلف في وجوبهما وعدمه، فذهب أحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر إلى وجوب المضمضة\n_________\n(١) (١/ ١٨٤).","vol":"1","page":620},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالاستنشاق والاستنثار، وبه قال ابن أبي ليلى، وحماد بن سليمان، وقال النووي في \"شرح مسلم\" (١): إن مذهب (٢) أبي ثور وأبي عبيد، وداود الظاهري وأبي بكر بن المنذر، ورواية عن أحمد: أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء والمضمضة سنَّة فيهما، واستدلوا على الوجوب بأدلة.\nمنها أنه من تمام غسل الوجه فالأمر بغسله أمر بها، وبحديث أبي هريرة المتفق عليه: \"إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر\"، وبحديث سلمة بن قيس عند الترمذي، والنسائي بلفظ: \"إذا توضأت فانتثر\"، وبحديث لقيط بن صبرة المذكور فيه: \"وبالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا\"، وفي رواية عنه: \"إذا توضأت فمضمض\"، وبحديث أبي هريرة عند الدارقطني ولفظه: \"أمر رسول الله - ﷺ - بالمضمضة والاستنشاق\"، وذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث والحسن البصري والزهري وربيعة ويحيى بن سعيد وقتادة والحكم بن عتيبة ومحمد بن جرير الطبري إلى عدم الوجوب، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أنهما فرض في الجنابة وسنَّة في الوضوء، انتهى مختصرًا.\nواستدل الشافعية بأن الأمر بالغسل عن الجنابة يتعلق بالظاهر دون الباطن، وداخل الأنف والفم من البواطن فلا يجب غسله، واستدل الحنفية بأن الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة\n_________\n(١) (٢/ ١٠٩).\n(٢) قال ابن رسلان: ذهب أحمد وأبو ثور إلى أن الاستنثار واجب دون المضمضة لورود الأمر فيه دون ذلك. (ش).","vol":"1","page":621},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومسح الرأس، وداخل الأنف والفم ليس من جملتها، أما ما سوى الوجه فظاهر، وكذا الوجه لأنه اسم لما يواجه إليه عادة، وداخل الأنف والفم لا يواجه إليه بكل حال، فلا يجب غسله بخلاف باب الجنابة؛ لأن الواجب هناك تطهير البدن بقوله تعالى: (﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١)، أي: طهروا أبدانكم، فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرج ظاهرًا كان أو باطنًا، ومواظبة النبي - ﷺ - عليهما في الوضوء دليل السنية دون الفرضية، فإنه كان يواظب على سنن العبادات.\nوأما الأحاديث التي استدل بها القائلون بالوجوب فأجاب الجمهور عنه أن الأمر للندب بدليل ما رواه الترمذي محسنًا، والحاكم مصححًا من قوله - ﷺ -: \"توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك، وامسح رأسك، واغسل رجليك\"، ولم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق، فهو نص على أن المراد كما أمرك الله في خصوص آية الوضوء لا ما هو أعم من آية الوضوء، فهو دليل صريح على أن المضمضة والاستنشاق ليستا بواجبتين، وأن صيغة الأمر التي وردت فيها هي للندب، وأيضًا يمكن الاستدلال على عدم الوجوب في الوضوء بحديث: \"عشر من سنن المرسلين\" وذكر فيه المضمضة، وأيضًا بحديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: \"المضمضة والاستنشاق سنَّة\" رواه الدارقطني، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلَّا بكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لايعيد، انتهى.\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ٦.\n(٢) (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>(٥٧) بَابُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ</span>\n١٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ - يَعْنِى الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ - قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ زَوْرَانَ (١)، عَنْ أَنَسٍ ابْنَ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: «هَكَذَا أَمَرَنِى رَبِّى ﷿ (٢)». [ق ١/ ٥٤، ك ١/ ١٤٩]\n===\n\n(٥٧) (بَابُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ) (٣)\n١٤٥ - (حدثنا أبو توبة -يعني ربيع بن نافع - قال: ثنا أبو المليح) الحسن بن عمر أو عمر بن يحيى الفزاري مولاهم، أبو المليح الرقي، قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وصحح الدارقطني أن اسم أبيه عمر بضم العين، قال: وهو ثقة، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٨١ هـ.\n(عن الوليد بن زَوران) بزاي ثم واو ثم راء، وقيل بتأخير الواو، السلمي الرقي، قال أبو داود: لا ندري سمع من أنس أو لا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": لين الحديث.\n(عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي) والحنك بفتح مهملة ونون: ما تحت الذقن.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"زروان\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: والوليد بن زوران روى عنه حجاج بن حجاج وأبو المليح الرَّقي\".\n(٣) قال في \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٤٩): للعلماء فيه أربعة أقوال، لا يستحب، به قال مالك في \"العتبية\"، ويستحب، به قال ابن حبيب، الثالث: إن كانت كثيفة لم يجب =","vol":"1","page":623},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"النيل\" (١): الحنك هو باطن أعلى الفم والأسفل من طرف مقدم اللحيين، وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب إلى وجوب ذلك (٢) في الوضوء والغسل الحسن بن صالح وأبو ثور والظاهرية، وذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي إلى أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء، قال مالك وطائفة من أهل المدينة: ولا في غسل الجنابة، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي والليث وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وأكثر أهل العلم: إن تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة، ولا يجب في الوضوء، هكذا في \"شرح الترمذي\" لابن سيد الناس، قال: وأظنهم فرقوا بين ذلك - والله أعلم- بقوله - ﷺ -: \"تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشر\".\nوالإنصاف أن أحاديث الباب بعد تسليم إنهاضها للاحتجاج لا تدل على الوجوب؛ لأنها أفعال، وما ورد في بعض الروايات من قوله - ﷺ -: \"هكذا أمرني ربي\"، لا يفيد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به، انتهى ملخصًا (٣)، \" نيل\".\n_________\n= إلَّا يجب إيصال الماء، والرابع: يغسل وجوبًا ما قابل الذقن وما تحته استحبابًا، وذكر قولين في الغسل، إيجابه وعدمه، وذكر الاختلاف العيني، وأما عند الحنفية فثماني روايات كما في \"الشامي\" (١/ ٢٥٥)، والمرجح أن غسل جميع اللحية وهي ما يحاذي الخدين والذقن واجب، ومسح المسترسل مسنون، كذا في، \"الكوكب\" (١/ ٦٣). (ش).\n(١) (١/ ١٩٧).\n(٢) محتجين بهذا الحديث لكن فيه مجهول، قاله ابن دقيق العيد. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: والصحيح عدم الوجوب، لأنه ﵊ لم يأمره في حديث الأعرابي المتقدم، وهو حديث الترمذي: \"توضأ كما أمرك الله\". (ش).","vol":"1","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>(٥٨) بَابُ الْمَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ</span>\n١٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ،\n===\nقلت: ظاهر هذا الحديث يدل على أن هذه الغرفة التي أخذها - ﷺ - وخلل بها لحيته كانت زائدة على الغرفات الثلاث التي غسل بها وجهه، فيمكن أن يستدل بها على جواز الزيادة على الثلاث إذا كان للتكميل.\n\n(٥٨) (بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ) (١) (٢)\n١٤٦ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى بن سعيد) القطان، (عن ثور) بن يزيد، (عن راشد بن سعد) المُقرائي بضم الميم، وفي \"التقريب\": بفتحها وسكون القاف وفتح الراء [وبعدها همزة] ثم ياء النسبة، نسبة إلى مقرى قرية بدمشق، ولقال: الحبراني، بضم المهملة والباء المعجمة بواحدة والراء المهملة والنون، نسبة إلى حبران بن عمرو بن قيس من اليمن، عن أحمد: لا بأس به، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال الدارقطني: لا بأس به إذا لم يحدث عنه متروك، وله ذكر في الجهاد من \"صحيح البخاري\"، وذكر الحاكم أن الدارقطني ضعفه، وكذا ضعفه ابن حزم، مات سنة ١٠٨ هـ.\n_________\n(١) صرح في فروع الشافعية أن سنَّة الاستيعاب في المسح تحصل بالعمامة، وذكر في \"الروضة\" له أربعة شرائط. (ش).\n(٢) بكسر العين \"الغاية\"، قال ابن العربي (١/ ١٥١): أحاديث المسح على العمامة صحيحة لا غبار عليها، قلت: وبيَّن ابن قتيبة في \"التأويل\" سبب عدم الأخذ بها. انظر: (ص ٢٦٢). (ش).","vol":"1","page":625},{"text":"عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: \"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ.\n===\n(عن ثوبان) مولى رسول الله - ﷺ - (قال: بعث رسول الله - ﷺ - سرية) والسرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية هي التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار، وقيل: سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها، وهذا يقتضي أنها أخذت من السر، ولا يصح لاختلاف المادة، وهي قطعة من الجيش تخرج منه، وهي من مئة إلى خمس مئة، فما زاد على خمس مئة يقال له: منسر بالنون والمهملة، فإن زاد على الثمان مئة سمي جيشًا، وما بينهما تسمى هبطة، فإن زاد على أربعة آلاف يسمى جحفلًا، فإن زاد فجيش جراء، والخميس الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثًا، فالعشرة فما بعدها تسمى حفيرة، والأربعون عصبة، وإلى ثلاث مدّة مقنب بقاف ونون ثم موحدة، فإن زاد سمي جمرة، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر، قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\nقال في \"المجمع\": سموا به لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس.\n(فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله - ﷺ -)، أي: وَشَكوْا إليه ماأصابهم من البرد، كما في رواية أحمد (أمرهم) أي رخص لهم (أن يمسحوا على العصائب) أي العمائم (٢)، لأن العمامة ثوب يعصب به\n===\n(١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٦).\n(٢) كذا فسره أبو عبيد اللغوي، سمي به، لأن الرأس يعصب به \"الغاية\"، وكذا في \"التقرير\" لتبويب المصنف وبسطه، وقال: جعل تعالى في النائب أيضًا بركة، ثم بسطه أشد البسط. (ش).","vol":"1","page":626},{"text":"وَالتَّسَاخِينِ\". [حم ٥/ ٢٧٧، ق ١/ ٦٢، ك ١/ ١٦٩]\n===\nالرأس، (والتساخين) (١) كالثماثيل جمع تسخان بفوقية فسين مهملة فخاء منقوطة فنون كعمران وهي الخفاف، وقال الجوهري: لا واحد له من لفظه، ويقال: أصله كل ما سخن به قدم كخف وجورب.\nقال الشوكاني في \"النيل\": قد اختلف الناس في المسح (٢) على العمامة، فذهب إلى جوازه (٣) الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي، واختلفوا هل يحتاج الماسح على العمامة إلى لبسها على طهارة (٤) أو لا يحتاج؟ فقال أبو ثور (٥): لا يمسح على العمامة إلَّا من لبسها على طهارة قياسًا على الخفين، ولم يشترط ذلك الباقون.\nوكذلك اختلفوا في التوقيت، فقال أبو ثور: إن وقته كوقت المسح على الخفين، وذهب الجمهور - كما قاله الحافظ في \"الفتح\" - إلى عدم جواز الاقتصار على مسح العمامة، قال الترمذي: وقال غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -: لا يمسح على العمامة إلَّا أن يمسح (٦) برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي، وإليه ذهب أيضًا أبو حنيفة، واحتجوا بأن الله فرض المسح على الرأس،\n_________\n(١) وذكر ابن حمزة الأصبهاني أنه معرب، اسم غطاء من أغطية الرأس، وهم يأخذونه على الرأس خاصة دون غيره، انتهى. (ش).\n(٢) وقال ابن العربي (١/ ١٥١): للعلماء فيه خمسة أقوال ثم بسطها. (ش).\n(٣) وبسط ابن رسلان أسماء جماعة قالت به. (ش).\n(٤) وبسط ابن رسلان في شرائط جوازه عند من قال به. (ش).\n(٥) وبه قالت الحنابلة في \"المغني\" (١/ ٣٨٢)، وهامش \"الكوكب\" (١/ ٣٦). (ش).\n(٦) قال ابن رسلان: أما في مذهب الشافعي فلا يجوز الاقتصار على العمامة بلا خلاف عند أصحابه، وأجابوا من الحديث بأنه وقع فيه الاختصار، والمراد مسح الناصية والعمامة، كما يدل عليه حديث المغيرة، فإن قيل: كيف يظن بالراوي حذف مثلها؟ يقال: لأنه كان معلومًا عندهم، انتهى. (ش).","vol":"1","page":627},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحديث في العمامة محتمل التأويل فلا يترك المتيقن للمحتمل، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس، ورد بأنه أجزأ المسح على الشعر، ولا يسمى رأسًا، فإن قيل: يسمى رأسًا مجازًا لعلاقة المجاورة، قيل: والعمامة كذلك بتلك العلاقة، فإنه يقال: قبَّلت رأسه والتقبيل على العمامة، انتهى.\nقلت: قال الإِمام محمد بن الحسن في \"الموطأ\": وبهذا نأخذ، لا يمسح على الخمار ولا على العمامة، بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، قال مولانا عبد الحي في \"تعليقه\" (١): اختلفت فيه الآثار، فروي عن النبي - ﷺ - أنه مسح على عمامته (٢) من حديث عمرو بن أمية الضمري [وبلال] والمغيرة بن شعبة وأنس، وكلها معلولة، انتهى.\nوالحجة ظاهر قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فإن من مسح على شعور رأسه يكون ماسحًا على الرأس، وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - كان يمسح على شعر رأسه، وكان كثير الشعر، والمسح على العمامة ليس مسحًا على الرأس عرفًا وإنكاره مكابرة، فإن قيل: والعمامة كذلك، فإنه يقال: قبَّلت رأسه والتقبيل على العمامة، قلنا: كون تقبيل العمامة تقبيلًا على الرأس عرفًا لا يستلزم أن يكون حكم العرف في المسح كذلك، بل حكم المسح على خلاف ذلك، فإن المسح على العمامة ليس مسحًا على الرأس (٣).\n_________\n(١) \"التعليق الممجدد\" (١/ ٢٨٧).\n(٢) بسط طرقه صاحب \"الغاية\". (ش).\n(٣) قال العيني (٢/ ٥٣١): أوَّله بعضهم بأن المراد منه ما تحته، وأوَّله بعضهم بأن الراوي كان بعيدًا، وأوَّله عياض بأنه يحتمل كان كالجبيرة لمرض ... إلخ، ومسح العمامة كالجبيرة جائز عند مالك، كما في \"الشرح الكبير\" (١/ ١٤٦)، وأجاب عنه ابن رشد في \"البداية\" (١/ ١٤) بعدم الاشتهار في المدينة. (ش).","vol":"1","page":628},{"text":"١٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ\n===\n١٤٧ - (حدثنا أحمد بن صالح) المصري، أبو جعفر الحافظ المعروف بابن الطبري، قال البخاري: ثقة صدوق، ما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة، كان أحمد بن حنبل وعلي وابن نمير وغيرهم يُثبتون أحمد بن صالح، وكان يحيى يقول: سلوا أحمد فإنه أثبت، وقال العجلي: ثقة صاحب سنَّة، وقال أبو حاتم: ثقة كتبت عنه، وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون، وقال أبو سعيد بن يونس: ذكره النسائي فرماه وأساء الثناء عليه، وقال: ثنا معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف، وقال عبد الكريم ابن النسائي عن أبيه: ليس بثقة ولا مأمون، تركه محمد بن يحيى، ورماه يحيى بالكذب، وقال ابن معين: كان النسائي سيّئ الرأي فيه وينكر عليه أحاديث.\nقال ابن عدي: وكلام ابن معين فيه تحامل، وأما سوء ثناء النسائي عليه فسمعت محمد بن هارون البرقي يقول: هذا الخراساني يتكلم في أحمد بن صالح، وحضرت مجلس أحمد فطرده من مجلسه، فحمله ذلك على أن يتكلم فيه، وقال الخطيب: احتج بأحمد جميع الأئمة إلَّا النسائي ويقال: كان آفة أحمد الكبر، ونال النسائي منه جفاء في مجلسه، فذلك السبب الذي أفسد الحال بينهما، قال ابن حبان: كان أحمد بن صالح في الحديث وحفظه عند أهل مصر كأحمد بن حنبل عند أهل العراق، ولكنه كان صَلَفًا (١) تَيَّاهًا (٢)، والذي يروى عن يحيى بن معين أن أحمد بن صالح كذاب، فإن ذلك أحمد بن صالح الشمومي شيخ كان بمكة يضع الحديث، سأل معاوية عنه يحيى، ويقوي ما قاله ابن حبان\n_________\n(١) هو بالتحريك التكلم بما يكرهه صاحبك، والتمدح بما ليس فيك، والادعاء فوق ذلك تكبرًا \"قاموس\". (ش).\n(٢) التيه بالكسر: الكبر والضلال ... قاموس.","vol":"1","page":629},{"text":"قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قال: حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ أَبِى مَعْقِلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ،\n===\nأن يحيى بن معين لم يرد صاحب الترجمة ما تقدم عن البخاري أن يحيى بن معين ثَبَّتَ أحمد بن صالح المصري صاحب الترجمة، مات سنة ٢٤٨ هـ.\n(قال: حدثنا ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم (قال: حدثني معاوية بن صالح) بن حدير، (عن عبد العزيز بن مسلم) الأنصاري، مولى آل رفاعة المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في المسح على العمامة.\n(عن أبي معقل) (١) عن أنس بن مالك في المسح على العمامة، وعنه عبد العزيز بن مسلم الأنصاري، قال أبو علي بن السكن: لا يثبت إسناده، وقال ابن القطان (٢): أبو معقل مجهول، وكذا نقل ابن بطال عن غيره، (عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ وعليه عمامة قِطْرِيَّة)، قال في \"النهاية\" (٣) تحت قوله: كان متوشحًا بثوب قطري: هو ضرب من البرود فيه حمرة، ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: حلل جياد تحمل من قِبلِ البحرين، وقال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يقال لها: قَطَر، وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة وخففوا.\n_________\n(١) وفي \"العرف الشذي\" عن ابن الهمام أن اسمه عبد الله بن معقل، انتهى. وهكذا سمَّاه صاحب \"الأطراف\" (١/ ٧٣٥) كما في أسماء \"التهذيب\". (ش).\n(٢) وقال ابن عبد البر: مجهول وليس بالقسملي. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (ص ٧٥٩).","vol":"1","page":630},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفي \"المجمع\" (١) عن \"التوسط\": ومنه \"توضأ وعليه عمامة قطرية\" هو بكسر قاف فسكون طاء، واستدل به على التعمم بالحمرة، وفيه إبقاء العمامة حال الوضوء، وهو يرد على كثير من الموسوسين ينزعون عمائمهم عند الوضوء، وهو من التعمق المنهي عنه، وكل الخير في الاتباع، وكل الشر في الابتداع.\nقلت: وهذا الذي قاله في \"التوسط\" من أن كل الخير في الاتباع وكل الشر في الابتداع على الرأس والعين، وأما الذي قاله من أن نزع العمامة عند الوضوء من التعمق المنهي عنه فغير مسلَّم، أما أولًا فإن الحديث الذي يستدل بها على إبقاء العمامة على الرأس عند المسح في الوضوء حديث ضعيف لا يحتج به، وأما ثانيًا فإن الذين ينزعون عمائمهم عند الوضوء غرضهم استيعاب الرأس بالمسح، وهو مأمور به ومطلوب ومندوب إليه شرعًا، فكيف يكون ابتداعًا وتعمقًا منهيًا عنه.\nوأما الذي فعله - ﷺ - من إبقاء العمامة على رأسه عند مسحه، فكان مسحه - ﷺ - لبعض الرأس، كما يدل عليه آخر هذا الحديث من قوله: \"فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه\"، وهذا يدل ظاهرًا على أنه - ﷺ - لم يستوعب الرأس بالمسح، فلا يدل على أن إبقاءه - ﷺ - العمامة على الرأس عند المسح كان لوجوبه بل كان لبيان الجواز، والذين ينزعون عمائمهم عند المسح لا يوجبون النزع، فليت شعري كيف يكون هذا تعمقًا وابتداعًا في الدين، وكيف يخرج هذا من الاتباع بل هو عين الاتباع، فلا يغتر بما قاله صاحب \"التوسط\"، ونقل عنه ابن طاهر صاحب \"المجمع\"، وعنه صاحب \"غاية المقصود\"، والله ولي التوفيق.\n_________\n(١) (٤/ ٢٩٣).","vol":"1","page":631},{"text":"فَأَدْخَلَ يَدَهُ (١) مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ فَلَمْ (٢) يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ\". [جه ٥٦٤، ق ١/ ٦١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>(٥٩) بَابُ غَسْلِ الرِّجْلِ</span>\n١٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ،\n===\n(فأدخل يده من تحت العمامة فمسح (٣) مقدم رأسه فلم ينقض العمامة) أي لم يحلها (٤)، وهذا الحديث يدل على أنه - ﷺ - مسح على بعض رأسه ولم يستوعب الرأس بالمسح ولم يمسح على العمامة.\n\n(٥٩) (بَابُ غَسْلِ الرِّجْلِ)\nوفي نسخة: الرِّجلين (٥)، ومراده غسلهما بالاستيعاب، وفي نسخة: باب تخليل أصابع الرجلين\n١٤٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا) عبد الله (بن لهيعة) بفتح اللام وكسر الهاء، ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري الفقيه\n_________\n(١) وفي نسخة \"يديه\".\n(٢) وفي نسخة: \"ولم\".\n(٣) فيه اكتفاء بعض الرأس، وفي \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٥١): فيه أحد عشر قولًا للعلماء ولم يفصلها. قال ابن رسلان: فيه دليل على الإجزاء بالناصية، وممن قال بمسح البعض الحسن، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، والظاهر عن أحمد في حق الرجل وجوب الاستيعاب، وفي حق النساء إجزاء البعض، وقال أبو الحارث: قلت لأحمد: فإن مسح برأسه وترك بعضه، قال: يجزئه، ثم قال: ومن يمكنه أن يأتي الرأس كله، انتهى. (ش).\n(٤) وفي \"التقرير\": لعل غرض المصنف بإيراده توجيه الروايات السابقة بأن المراد فيها هو ذاك. (ش).\n(٥) فيه ثلاثة مذاهب: إيجاب المسح كما تقدم، والتخيير، وقول الجمهور: الغسل، قال ابن رسلان: قال ابن أبي ليلى: أجمع أصحابه - ﷺ - على غسل القدمين. (ش).","vol":"1","page":632},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالقاضي، قال الترمذي في \"سننه\": وابن لهيعة ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقال: أبو داود عن أحمد: ومن كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وقال البخاري عن يحيى بن بكير: احترقت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومئة، وكذا قال يحيى بن عثمان بن صالح عن أبيه، ولكنه قال: لم تحترق بجميعها إنما احترق بعض ما كان يقرأ عليه، وما كتبت كتاب عمارة بن غزية إلَّا من أصله، وقال أبو داود: قال ابن أبي مريم: لم يحترق، وعن زيد بن الحباب: سمعت الثوري يقول: حججت حججًا لألقى ابن لهيعة.\nوقال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح وكان من خيار المتقنين يثني عليه، وقال: إنما كان أخرج كتبه فأملى على الناس حتى كتبوا حديثه إملاء، فمن ضبط كان حديثه حسنًا، إلَّا أنه كان يحضر من لا يحسن ولا يضبط ولا يصحح، ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتابًا ولم ير له كتاب، وكان من أراد السماع منه استنسخ ممن كتب عنه وجاءه فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة لم تضبط جاء فيه خلل كثير، وكل من روى عنه عن عطاء بن أبي رباح فإنه سمع من عطاء، وروى عن رجل عن عطاء، وعن رجلين عن عطاء، وعن ثلاثة عن عطاء، فتركوا من بينه وبين عطاء وجعلوه عن عطاء، قال يعقوب: وقال لي أحمد: مذهبي في الرجال أني لا أترك حديث محدث حتى يجتمع أهل مصر على ترك حديثه، وسئل ابن معين عن رشدين فقال: ليس بشيء، وابن لهيعة أمثل منه، وابن لهيعة أحب إلى من رشدين، قد كتبت حديث ابن لهيعة، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات.\nروى له مسلم مقرونًا بعمرو بن الحارث، وروى البخاري في الفتن","vol":"1","page":633},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن \"صحيحه\"، وفي الاعتصام، وفي تفسير سورة النساء، وفي آخر الطلاق، وفي عدة مواضع هذا مقرونًا، ولا يسميه وهو ابن لهيعة لا شك فيه، قال الحاكم: استشهد به مسلم في موضعين، وقال عبد الغني بن سعيد الأزدي والساجي وغيره: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح؛ ابن (١) المبارك وابن وهب والمقرئ.\nوحكى ابن عبد البر أن الذي في \"الموطأ\" عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في العربان هو ابن لهيعة، وقال ابن قتيبة: كان يقرأ عليه ما ليس من حديثه يعني فضعف بسبب ذلك، وقال عبد الكريم بن عبد الرحمن النسائي عن أبيه: ليس بثقة، وقال ابن معين: كان ضعيفًا لا يحتج بحديثه، وقال ابن شاهين: قال أحمد بن صالح: ابن لهيعة ثقة، وما روي عنه من الأحاديث فيها تخليط يطرح ذلك التخليط، وقال مسعود عن الحاكم: لم يقصد الكذب، وإنما حدث عن حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن الإفريقي وابن لهيعة فقالا جميعًا: ضعيفان، وابن لهيعة أمره مضطرب.\nقال عبد الرحمن: قلت لأبي: إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك فابن لهيعة يحتج به؟ قال: لا، وقال محمد بن سعد: كان ضعيفًا، ومن سمع منه في أول أمره أحسن حالًا في روايته ممن سمع منه بأخرة، وقال مسلم في \"الكنى\": تركه ابن مهدي ويحيى بن سعيد ووكيع، وقال ابن حبان: سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن، فوجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من\n_________\n(١) بيان العبادلة. (ش). انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٧٨).","vol":"1","page":634},{"text":"عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىِّ،\n===\nالأخبار المدلسة عن المتروكين، ووجب ترك الرواية عن المتأخرين بعد احتراق كتبه لما فيها مما ليس من حديثه، وقال أبو جعفر الطبري: اختلط عقله في آخر عمره، مات سنة ١٧٤ هـ.\n(عن يزيد بن عمرو) المعافري المصري، قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن يونس: ولي العرافة، وقال الحافظ في \"التقريب\": صدوق.\n(عن أبي عبد الرحمن الحبلي) بضم الحاء المهملة والباء المنقوطة بواحدة، قال أبو علي البغدادي في \"كتاب التاريخ\" (١): قيل: إن الحبلي منسوب إلى حي من اليمن من الأنصار، والمشهور بهذه النسبة أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي من تابعي أهل مصر، قاله السمعاني في \"الأنساب\".\nوأما ما نقل صاحب \"غاية المقصود\" فقال: قال في \"القاموس\": الحبلي لقب سالم بن غُنْم بن عوف لِعِظَم بطنه، ومن ولده بنو الحُبْلَى بطن من الأنصار، وهو حُبلِيٌّ بالضم، وكجهني، انتهى. فليس في محله، فإن السمعاني فرق بين الحُبُلي المضمومة الحاء والباء الذي فيه نسبة إلى حي من اليمن من الأنصار، وذكر فيها أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي فذكر على حدة، والحُبْلي بضم الحاء وتسكين الموحدة وإمالة اللام، وذكر فيه أن هذه اللفظة لقب سالم بن غنم، فذكره على حدة، فهذا يدل على أن النسبتين متغايرتان، فإدخال إحداهما في الأخرى غير صحيح، فإن عبد الرحمن هذا منسوب إلى الأول لا إلى الثاني.\n_________\n(١) هكذا في الأصل وكتاب \"الأنساب\"، والصواب كتاب \"البارع\" كما حقق محقق كتاب \"الأنساب\" (٢/ ٢٢).","vol":"1","page":635},{"text":"عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ\". [ت ٤٠، جه ٤٤٦، ق ١/ ٧٦ - ٧٧، حم ٤/ ٢٢٩]\n===\nقال في \"لسان العرب\" (١): وبنو الحُبْلَى بطن، النَّسَبُ إليه حُبْلىٌّ على القياس، وحُبَليٌّ على غيره، انتهى.\nوهو عبد الله بن يزيد المعافري بفتح الميم والعين وكسر الفاء والراء، المصري، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد والعجلي: ثقة، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية ليفقههم، فبَث فيها علمًا كثيرًا، ومات بها ودفن بباب تونس.\n(عن المستورد بن شداد) بن عمرو القرشي الفهري الحجازي، نزل الكوفة، له ولأبيه صحبة، مات بمصر في ولاية معاوية سنة ٤٥ هـ (٢).\n(قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا توضأ يدلك) (٣) أي يخلل (٤) (أصابع رجليه بخنصره) أي بخنصر يده اليسرى، أي يبالغ في إيصال الماء في داخل أصابعه لحصول الاستيعاب، ومناسبة الحديث للترجمتين ظاهرة، فإن دَلْكَ الأصابع وتخليلها يقتضي غسل الرجلين مستوعبًا.\n_________\n(١) (٢/ ٧٦٣).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ١١٤) رقم (٤٨٦٧).\n(٣) ولفظ ابن ماجه \"يخلل\" بدل \"يدلك\". (ش).\n(٤) قال في العارضة (١/ ٥٦): إنه واجب في اليدين، واختلف في الرجلين فقال أحمد وإسحاق: يخلل في الوضوء، وقال مالك في \"العتبية\": لا يلزم ذلك، لأنها ملاصقة، نعم يجب في الجنابة، ثم قال: وإذا كانت أصابع اليدين والرجلين ملاصقة سقط ذلك كله ولم يلزم فصلها، انتهى. الحديث تكلم عليه الترمذي وأجاب عنه صاحب \"الغاية\"، وفي \"العارضة\": حسن غريب. (ش).","vol":"1","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>(٦٠) بابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ</span>.\n===\n\n(٦٠) (بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ)\nاتفقت الأمة خلا الروافض (١) وأجمعت الأئمة (٢) على جواز المسح على الخفين، وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - ﷺ -: أنه كان يمسح على الخفين، أخرجه عنه ابن أبي شيبة.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، ولهذا رآه أبو حنيفة من شرائط السنَّة والجماعة، فقال فيها: أن تفضِّل الشيخين، وتحب الختنين، وأن ترى المسح على الخفين. وروي عنه أنه قال: ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار، فكان الجحود ردًا على كبار الصحابة ونسبتهم إلى الخطأ، فكان بدعة، فلهذا قال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين، وروي عن أبي حنيفة - ﵁ - أنه قال: لولا أن المسح لا خلف فيه ما مسحنا، ودل قوله هذا على أن خلاف ابن عباس لا يكاد يصح، وقد نقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنه منهم إنكاره فقد روي عنه إثباته (٤).\n_________\n(١) والخوارج وابن داود، فقالوا: لا يجزئ المسح عن غسل الرجين. (ش) [\"ابن داود\" كذا في الأصل، والصواب \"الإمامية\" كما في \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٣٨)].\n(٢) لا يصح خلاف مالك، بسطه ابن العربي (١/ ١٤١). (ش).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٥).\n(٤) وفي \"السعاية\" (١/ ٥٦٥): هناك بحث أصولي، وهو أن الأصل في رخصة الإسقاط أنه لا يجوز فعل الأصل كالصلاة تمامًا في السفر، والأفضل هناك عند الجمهور =","vol":"1","page":637},{"text":"١٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قال: أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قال: حَدَّثَنِى عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ\n===\n١٤٩ - (حدثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري (قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد) بن أبي النجاد، ويقال: ابن مشكان بن أبي النجاد الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتانية المنقوطة بنقطتين بعدها لام، نسبة إلى بلدة على ساحل بحر القلزم بما يلي ديار مصر، أبو يزيد مولى معاوية بن سفيان، قال ابن المديني وابن مهدي: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح، وعن أحمد: قال وكيع: رأيت يونس بن يزيد الأيلي وكان سيِّئ الحفظ، وقال حنبل بن إسحاق: عن أحمد قال: ورأيته يحمل على يونس، قال: وأنكر عليه، وقال: كان يجيء عن سعيد بأشياء ليست من حديث سعيد وضعَّف أمره، وقال: لم يكن يعرف الحديث، وقال الفضل بن زياد عن أحمد: ثقة، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: يونس أحب إليه أو عقيل؟ قال: يونس ثقة، وعقيل ثقة قليل الحديث عن الزهري، وقال العجلي والنسائي: ثقة، قال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن خراش: صدوق، قال ابن سعد: ليس بحجة ربما جاء بالسيِّئ المنكر، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، توفي بصعيد مصر سنة ١٥٩ هـ.\n(عن ابن شهاب) الزهري (قال: حدثني عباد بن زياد) ابن أبيه المعروف أبوه (١) بزياد بن أبي سفيان، أخو عبيد الله بن زياد، يكنى\n_________\n= غسل الأرجل، وأجاب عنه بوجهين، الأول: أنه لم تبق هناك أيضًا العزيمة المشروعة ما دام متخففًا، وإذا نزع الخف خرج السبب، والثاني: أنه ليس برخصة إسقاط، وبسطه، وأجمله صاحب \"مسلم الثبوت\". (ش).\n(١) لما استلحقه معاوية وقصته مشهورة. (ش). [انظر: \"مروج الذهب\" للمسعودي (٣/ ١٥)].","vol":"1","page":638},{"text":"أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: \"عَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنَا مَعَهُ فِى غَزْوَةِ تبوكَ\n===\nأبا حرب، قال مصعب الزبيري في حديث مالك عن الزهري عن عباد بن زياد من ولد المغيرة عن المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين: أخطأ فيه مالك خطأ قبيحًا، والصواب: عن عباد بن زياد عن رجل من ولد المغيرة، وقال ابن المديني: وروى الزهري عن عباد بن زياد وهو رجل مجهول لم يرو عنه غير الزهري، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، فكلام ابن المديني يُشْعر بأن زياد والد عباد ليس هو زياد الأمير؛ لأن عباد بن زياد الأمير مشهور، ليس بمجهول، والراجح أن عباد بن زياد هذا هو الأمير المشهور، مات سنة ١٥٣ هـ.\n(أن عروة بن المغيرة بن شعبة) الثقفي أبو يعفور الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، قال خليفة بن خياط: ولَّاه الحجاج الكوفة سنة ٧٥ هـ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات بعد سنة ٩٠ هـ.\n(أخبره) أي عبادًا (أنه) أي عروة (سمع أباه) أي (المغيرة) بن شعبة (يقول: عدل رسول الله - ﷺ -) أي مال عن الطريق إلى جهة أخرى لقضاء الحاجة (وأنا معه) (١) - ﷺ - (في غزوة تبوك) بفتح التاء المثناة من فوق، وضم الباء الموحدة، وسكون الواو، وفي آخره كاف، مكان معروف، هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال: بين المدينة وبينها أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، ذكرها في \"المحكم\" في الثلاثي الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتل (٢)، وغزوة تبوك هي آخر\n_________\n(١) فيه أدب التلميذ أن يذهب معه إذا أراد الحاجة ليعطيه ما يحتاج إليه من الماء والأحجار. \"ابن رسلان\". قلت: والأوجه عندي أنه مشروط بأن يعلم من حال الشيخ أن لا يثقل عليه، انتهى. (ش).\n(٢) قاله الحافظ (٨/ ١١١). (ش).","vol":"1","page":639},{"text":"قَبْلَ الْفَجْرِ، فَعَدَلْتُ مَعَهُ، فَأَنَاخَ النَّبِىُّ -ﷺ- فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا إِلَى الْمِرْفَقِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ،\n===\nغزوة غزاها رسول الله - ﷺ - بنفسه، خرج إليها في رجب سنة تسع يوم الخميس.\n(قبل الفجر فعدَلت معه) أي مِلْتُ معه عن الطريق للخدمة (فأناخ النبي - ﷺ -) أي راحلته (فتبرز) (١) أي ذهب في البراز لقضاء الحاجة (ثم جاء) بعد الفراغ من الحاجة (فسكبت) أي صببت الماء (على يده (٢) من الإداوة) بالكسر وهي إناء صغير من جلد (فغسل كفيه) إلى الرسغين (ثم غسل وجهه، ثم حسر عن ذراعيه) أي أراد إزالة الكمين عن ذراعيه وكشفهما.\n(فضاق (٣) كُمَّا جبته) تثنية كُم بضم الكاف وتشديد الميم مضاف إلى الجبة، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها بحسر الكمين عن الذراعين (فأدخل يديه) في الكمين (فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما) أي الذراعين (إلى المرفق، ومسح برأسه، ثم توضأ على خفيه)، وفي رواية لمسلم: \"فتوضأ ومسح على الخفين\"، وفي رواية له: \"فتوضأ وضوءه للصلاة، ثم مسح على خفيه\"، فيمكن أن يكون معنى اللفظ الذي ذكره أبو داود: \"ثم توضأ على\n_________\n(١) والظاهر أنه ﵊ استعمل الأحجار مع وجود الماء كما سيأتي. (ش).\n(٢) والإعانة بمثل صب الماء لا يكره كما بسطه الشامي، فلا حاجة إذًا إلى ما أجاب به صاحب \"الدر المختار\" أنه كان لبيان الجواز، ووقع صب الماء في عدة أحاديث كما في \"الأوجز\" (١/ ٤٤١)، والبسط في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٤٧). (ش).\n(٣) كان ضيقهما اتفاقًا أو قصدًا للسفر محلُّ بحثٍ، ويتفرع عليه استحباب الثياب الضيِّقة في السفر كما في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٢٣). (ش).","vol":"1","page":640},{"text":"ثُمَّ رَكِبَ، فَأَقْبَلْنَا نَسِيرُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ فِى الصَّلَاةِ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى بِهِمْ حِينَ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَوَجَدْنَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ (١) رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ،\n===\nخفيه\"، أي: ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ومسح على خفيه، فيقدر مسح قبل قوله: \"على خفيه\"، ويمكن أن يكون معنى \"توضأ\" مسح على المجاز.\n(ثم ركب، فأقبلنا نسير) أي توجهنا نسير لنلحق الجماعة فانتهينا إليهم (حتى نجد الناس) أي وجدنا الناس مشتغلين (في الصلاة)، وفي رواية مسلم: \"فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة\" (قد قدَّموا (٢) عبد الرحمن بن عوف) (٣) إمامًا لهم (٤). وهو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد الزهري، أحد العشرة المبشرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وكان اسمه عبد الكعبة أو عبد عمرو، فغيَّره النبي - ﷺ -، ومناقبه كثيرة وشهيرة، مات سنة ٣٢ هـ.\n(فصلَّى بهم حين كان وقت الصلاة) أي فصلَّى عبد الرحمن لهم حين ثبت وقت الصلاة ولم ينتظروا رسول الله - ﷺ - (ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر) والجملة حالية، أي وجدنا عبد الرحمن حال كونه قد ركع بالناس ركعة وفرغ منها قبل لحوق رسول الله - ﷺ - بهم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لهم\".\n(٢) فيه أن الإِمام إذا لم يعلم يحضر أو لا، يجوز تقديم غيره. كذا في \"التقرير\"، خلافًا لمالك في الجمعة، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ١٤) رقم (٣٣٧٠).\n(٤) وفيه بيان لقوله ﵊: \"لا يؤم أحد في سلطانه\"، يعني بشرط عدم خوف فوت الوقت وغيره. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":641},{"text":"فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَصَفَّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَلَّى وَرَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى صَلَاتِهِ فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ (١)، فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ، لأَنَّهُمْ سَبَقُوا النَّبِىَّ -ﷺ- بِالصَّلَاة،\n===\n(فقام رسول الله - ﷺ -) في الجماعة (فصف) أي دخل في الصف (مع المسلمين)، وفي رواية لأبي داود: \"فلما رأى النبي - ﷺ - أراد أن يتأخر فأومأ إليه أن يمضي\" (فصلى) رسول الله - ﷺ - (وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية) أي أدى الركعة الثانية مقتديًا خلفه يفعل كما يفعل.\n(ثم سلم (٢) عبد الرحمن) بعدما أتم ركعتيه (فقام النبي - ﷺ -) لأداء ما سبق بها من الركعة الأولى (في صلاته) أي حال كونه في صلاته، معناه أنه - ﷺ - لم يسلم مع إمامه عبد الرحمن بل قام إلى أداء ما سبق بها من غير أن يسلِّم.\n(ففزع المسلمون) لسبقهم رسول الله - ﷺ - بالصلاة وفوت ركعته - ﷺ -، ولعلهم شرعوا الصلاة ظنًا منهم أنه - ﷺ - يصلي الصلاة في الموضع الذي كان فيه، أو ظنوا أنه يجيء فيلحق بهم في أول الصلاة فيؤم الناس ويتأخر عبد الرحمن، فلما جاء رسول الله - ﷺ - ورأوا أنه لم يصل ويريد أن يدخل مع الناس في الصلاة ففزعوا.\n(فأكثروا التسبيح) أي من قولهم: سبحان الله (لأنهم سبقوا النبي - ﷺ - بالصلاة) واعلم أن هذه العبارة تحتمل احتمالين.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الناس\".\n(٢) وهل يقوم المسبوق بعد سلامين معًا أو الواحد؟ بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"1","page":642},{"text":"فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُمْ: «قَدْ أَصَبْتُمْ»، أَوْ: «قَدْ أَحْسَنْتُمْ». [خ ١٨٢، ٢٠٣، ٢٦٣، ٥٧٩٨، م ٢٧٤، ن ١٠٨، جه ٥٤٥، ت ٩٧ بألفاظ مختلفة مطوّلًا ومختصرًا]\n===\nالأول: أن الفزع الذي حصل لهم وإكثارهم التسبيح يكون في وقت مجيئه - ﷺ - وعند دخوله في الصلاة، والدليل عليه ما قال الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (١): وعند ابن سعد: \"فانتهينا إلى عبد الرحمن وقد ركع ركعة، فسبَّح الناس له حين رأوا رسول الله - ﷺ - حتى كادوا يفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه - ﷺ - أن اثبت\"، فهذا السياق يدل على أن ما صدر منهم من فزعهم وتسبيحهم كان حين كانوا في حرمة الصلاة، فعلى هذا كان تسبيحهم لأجل أن يتنبه إمامهم وينكص على عقبيه.\nوالاحتمال الثاني الذي يدل عليه ظاهر سياق رواية أبي داود: أن فزع المسلمين وإكثارهم التسبيح صدر منهم حين فرغوا من الصلاة، فكان إكثارهم التسبيح لأجل فزعهم على تقصيرهم بتفويتهم ركعة النبي - ﷺ - وسبقهم إياه بالصلاة، ويمكن أن يكون الفزع والتسبيح في كلتا الحالتين.\n(فلما سلَّم رسول الله - ﷺ -) وفرغ من أداء الركعة التي سبق بها ورآهم فزعوا لسبقهم رسول الله - ﷺ - (قال لهم) تسكينًا لقلوبهم: (قد أصبتم) أي بلغتم الصواب (أو قد أحسنتم) و\"أو\" هذا للشك من الراوي بأنه قال هذا اللفظ أو هذا.\nقال النووي (٢): في هذا الحديث فوائد، منها جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبي - ﷺ - خلف بعض أمته، وأن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، وأن الإِمام إذا تأخر عن أول الوقت استحب\n_________\n(١) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٧٧).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ١٧٢).","vol":"1","page":643},{"text":"١٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ -.\n(ح): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ،\n===\nللجماعة أن يقدموا أحدهم فيصلي بهم، وأن من سبقه الإِمام ببعض الصلاة أتى بما أدرك، فإذا سلم الإِمام أتى بما بقي عليه، وأن اتباع المسبوق للإمام في فعله في ركوعه وسجوده وجلوسه وإن لم يكن ذلك موضع فعله لازم، وأن المسبوق إنما يفارق الإِمام بعد سلام الإِمام، وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر الصديق - ﵄ - فالفرق بينهما (١) أن في قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة فترك النبي - ﷺ - التقدم، لئلا يختل ترتيب صلاة القوم، بخلاف قضية أبي بكر - ﵁ -.\nقلت: هذا الفرق غير مناسب ولا تؤيده الروايات، فإن الذي ورد فيها أنه - ﷺ - كما أشار إلى أبي بكر الصديق - ﵁ - بعدم التأخر، كذلك أشار إلى عبد الرحمن بن عوف بعدم التأخر، فأبو بكر الصديق - ﵁ - تأخر مع الإشارة له بعدم التأخر، وعبد الرحمن بن عوف -﵁ - لم يتأخر، فالأحسن أن يقال: إن أبا بكر فهم أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر الذي ليس للوجوب، بخلاف عبد الرحمن فإنه فهم أن امتثال الأمر أولى، ولا شك أن الأول أكمل، وقد يقال: إن أبا بكر بلغ من الفرح مبلغًا لم يملك نفسه عن التأخر، وللمبالغة في امتناعه عن التقدم، قاله علي القاري (٢).\n١٥٠ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا يحيى يعني ابن سعيد) ابن فروخ القطان (ح: وحدثنا مسدد قال: حدثنا المعتمر) بن سليمان،\n_________\n(١) وبه جزم ابن رسلان. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨٠).","vol":"1","page":644},{"text":"عَنِ التَّيْمِىِّ قال: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ:\n===\n(عن التيمي) سليمان بن طرخان بفتح طاء مهملة، وقيل بكسرها وبخاء معجمة، أبو محمد البصري والد المعتمر، ولم يكن من بني تميم وإنما نزل فيهم، وثَّقه أحمد وابن معين والنسائي والعجلي وابن سعد، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من عباد أهل البصرة وصالحيهم ثقة وإتقانًا وحفظًا وسنَّة، قال يحيى بن معين: كان يدلس، وفي \"تاريخ البخاري\": ما روى عن الحسن وابن سيرين صالح إذا قال: سمعت أو حدثنا، وقال يحيى بن سعيد: مرسلاته شبه لا شيء، مات بالبصرة سنة ١٤٣ هـ.\n(قال: حدثنا بكر) بن عبد الله المزنى، (عن الحسن) البصري، (عن ابن المغيرة بن شعبة) هو حمزة بن المغيرة أو عروة بن المغيرة المذكور في السند السابق، (عن المغيرة بن شعبة) هكذا وقع في رواية مسلم، قال مسلم: حدثني عبد الله بن محمد بن بزيع قال: نا يزيد يعني ابن زريع قال: نا حميد الطويل قال: نا بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه.\nقال النووي (١): قال أبو علي الغساني: قال أبو مسعود الدمشقي: هكذا يقول مسلم في حديث ابن بزيع: عن عروة بن المغيرة، وخالفه الناس فقالوا فيه: حمزة بن المغيرة بدل عروة، وأما الدارقطني فنسب الوهم فيه إلى محمد بن عبد الله بن بزيع لا إلى مسلم، انتهى كلام الغساني.\nقال القاضي عياض: حمزة بن المغيرة هو الصحيح عندهم في هذا\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ١٧١).","vol":"1","page":645},{"text":"\"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأَ وَمَسَحَ نَاصِيَتَهُ\"، وَذَكَرَ: \"فَوْقَ الْعِمَامَةِ\".\n===\nالحديث، وإنما عروة بن المغيرة في الأحاديث الآخر، وحمزة وعروة ابنان للمغيرة، والحديث مروي عنهما جميعًا، لكن رواية بكر بن عبد الله المزني إنما هي عن حمزة بن المغيرة، وعن ابن المغيرة غير مسمى، ولا يقول بكر: عروة، ومن قال عروة عنه فقد وهم، انتهى.\nقلت: وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١) في ترجمة حمزة: حمزة بن المغيرة بن شعبة الثقفي روى عن أبيه، وروى بكر بن عبد الله المزني عنه عن أبيه في المسح على الخفين، وقال مرة: عن عروة بن المغيرة عن أبيه، وقال الحسن البصري: عن ابن المغيرة عن أبيه في المسح على الخفين، - وقال مرة: عن عروة بن المغيرة عن أبيه - ولم يسمه، قال العجلي: تابعي ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، انتهى. وأيضًا قال الحافظ في ذكر بكر بن عبد الله المزني: روى عن أنس بن مالك، والحسن البصري، وحمزة وعروة ابني المغيرة بن شعبة.\nقلت: فكلام الحافظ في \"التهذيب\" يدل على أن رواية مسلم التي يروي فيها بكر بن عبد الله عن عروة غير محمولة على الوهم عنده، بل يحتمل (٢) أن يكون ابن المغيرة غير مسمى حمزة أو عروة، فلم يقبل الحافظ قول الذين نسبوا الوهم في هذه الرواية إلى مسلم أو إلى أستاذه محمد ابن عبد الله بن بزيع.\n(أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح ناصيته)، والناصية مقدم الرأس (وذكر: فوق العمامة) أي وذكر المغيرة أنه - ﷺ - مسح فوق العمامة\n_________\n(١) (٣/ ٣٣).\n(٢) لكن كلام النووي نص في أن الصواب في رواية بكر هو حمزة. (ش).","vol":"1","page":646},{"text":"قَالَ عَنِ الْمُعْتَمِرِ: سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَعَلَى نَاصِيَتِهِ، وَعَلَى عِمَامَتِهِ\". [م ٢٧٤، ت ١٠٠، ن ١٠٧]\nقَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ ابْنِ الْمُغِيرَةِ.\n===\n(قال) أي مسدد (عن المعتمر: سمعت أبي (١) يحدث عن بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة) بن شعبة: (أن نبي الله - ﷺ - كان يمسح على الخفين، وعلى ناصيته، وعلى عمامته) (٢).\nفالفرق بين رواية يحيى وبين رواية معتمر بأن في رواية يحيى ذكر المسح على الناصية مصرَّح، وذكر مسح العمامة مجمل، ولم يذكر فيها المسح على العمامة مصرّحًا، ورواية المعتمر مصرِّحة بالمسح على الناصية والعمامة، ولكن يشكل هذا بما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من رواية يحيى بن سعيد فإنهم صرحوا فيها بالمسح على العمامة، فيمكن أن يقال: إن هذا الاختلاف مبني على اختلاف تلاميذ يحيى بن سعيد، ففي رواية أبي داود تلميذه مسدد ولم يصرح به، وفي رواية مسلم محمد بن بشار ومحمد بن حاتم، وفي رواية الترمذي محمد بن بشار، وفي رواية النسائي عمرو بن علي، وقد صرحوا بالمسح على العمامة.\n(قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة)، ظاهر سياق أبي داود يدل على أن هذا التعليق من رواية المعتمر، ولكن سياق مسلم والترمذي\n_________\n(١) وهو التيمي. (ش).\n(٢) حمله أحمد على أن الرأس إذا كان مكشوفًا مما جرت العادة بكشفه يمسح على المكشوف والعمامة وجوبًا أو ندبًا وجهان، كذا في \"المغني\" (١/ ٣٨١). (ش).","vol":"1","page":647},{"text":"١٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى رَكْبِةٍ، وَمَعِى إِدَاوَةٌ فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ،\n===\nوالنسائي والبيهقي يدل على أنه من رواية القطان أيضًا، فإنهم صرحوا في آخر لرواية القطان بأنه قال بكر: سمعته من ابن المغيرة، فلا بد أن يقال: إن في سياق أبي داود هذه العبارة داخلة في الروايتين عن القطان والمعتمر، والحديث يدل على جواز المسح على الخفين وعلى العمامة، وقد ذكرنا بحث المسح على الخفين والعمامة فيما تقدم.\n١٥١ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثني أبي) هو يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي بمفتوحة وكسر موحدة وعين مهملة، نسبة إلى سبيع وهو بطن من همدان، أبو إسرائيل الكوفي، ذكر القطان يونس بن أبي إسحاق فقال: كانت فيه غفلة شديدة، وقال أحمد: حديثه مضطرب، ووثَّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وقال ابن سعد: ثقة إن شاء الله تعالى، وقال الساجي: صدوق، وضعفه بعضهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال ابن معين: ليس به بأس، مات سنة ١٥٩ هـ.\n(عن الشعبي) عامر بن شراحيل (قال: سمعت عروة بن المغيرة بن شعبة يذكر عن أبيه) هو المغيرة بن شعبة (قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في رَكَبة) بالحركة، أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها \"مجمع\" (١) (ومعي إداوة) وهو إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة، جمعها أداوى (فخرج لحاجته) أي لقضائها.\n_________\n(١) \"مجمع الأنوار\" (٣/ ٣٧٣).","vol":"1","page":648},{"text":"ثُمَّ أَقْبَلَ، فَتَلَقَّيْتُهُ بِالإِدَاوَةِ، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَضَاقَتْ، فَادَّرَعَهُمَا ادِّرَاعًا، ثُمَّ أَهْوَيْتُ إِلَى الْخُفَّيْنِ لأَنْزِعَهُمَا، فَقَالَ لِى: «دَعِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنِّى أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [خ ٢٠٦، م ٢٧٤]\n===\n(ثم أقبل) بعد ما فرغ منها (فتلقيته بالإداوة (١) فأفرغت عليه) أي صببت من الإداوة (فغسل كفيه ووجهه، ثم أراد أن يخرج ذراعيه) أي من الكمين ليغسلهما (وعليه جبة من صوف من جباب الروم) (٢) أي من صنعتهم (ضيقة الكمين (٣) فضاقت) أي الجبة، أي: كُمَّا جبته (فادَّرعهما ادّراعًا) (٤) أي أخرج الذراعين من تحت الجبة إخراجًا.\n(ثم أهويت) أي مِلْتُ وتوجهت أو مددت يدي (إلى الخفين لأنزعهما) أي عن الرِّجلين ليغسلهما - ﷺ - (فقال) رسول الله - ﷺ - (لي: دع الخفين) في الرجلين ولا تنزعهما (فإني أدخلت القدمين الخفين وهما) أي القدمان (طاهرتان (٥) فمسح عليهما) أي على الخفين.\n_________\n(١) قال ابن عبد البر: في الآثار كلها أن الإداوة كانت مع المغيرة، وليس في شيء منها أنه ناولها رسول الله - ﷺ - ثم ردّها رسول الله - ﷺ -، فاستدل به من قال بجواز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، فإن ثبت بطريق أنه - ﷺ - استنجى في ذاك اليوم بالماء وإلَّا فالاستدلال صحيح، وأيًا ما كان فالفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أفضل وبالأحجار رخصة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) فيه جواز استعمال صنعة الكفار، ويجوز عندنا أيضًا كما في \"الشامي\" و\"جمع الوسائل\" (١/ ١٢٣) خلافًا لما حكى الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٠٧). (ش).\n(٣) وروي: وعليه جُبَّةٌ شامِيّةٌ، وجمع بينهما القاري في \"جمع الوسائل\". (ش).\n(٤) بتشديد الدال فيهما ويجوز الذال، كما بسطه ابن رسلان، وقال: افتعل من ذرع إذا مدّ ذراعيه، انتهى. (ش).\n(٥) حمله الجمهور على ظاهره، وداود على النجاسة الحقيقية، فإذا لم يكن عليهما نجاسة حقيقية يجوز المسح عليه عنده، بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"1","page":649},{"text":"قَالَ أَبِى: قَالَ الشَّعْبِىُّ: شَهِدَ لِى عُرْوَةُ عَلَى أَبِيهِ، وَشَهِدَ أَبُوهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.\n١٥٢ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قال: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى (١)، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قال:\n===\n(قال أبي) أي يقول عيسى: قال والدي يونس: (قال الشعبي: شهد لي عروة) على هذا الحديث (على أبيه) المغيرة بأني أشهد أن أبي المغيرة حدثني بهذا الحديث (وشهد أبوه) المغيرة (على رسول الله - ﷺ -).\n١٥٢ - (حدثنا هدبة بن خالد) بن أسود بن هدبة القيسي الثوباني، أبو خالد البصري الحافظ، يقال له: هداب، وثَّقه ابن معين، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا وهو كثير الحديث صدوق لا بأس به، وقد وثَّقه الناس، وقال مسلمة بن قاسم: بصري ثقة، وقال الذهبي في \"الميزان\": وأما النسائي فقال: ضعيف، وقوَّاه مرة أخرى، توفي سنة ٢٣٥ هـ.\n(قال: حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي، (عن قتادة) بن دعامة، (عن الحسن) البصري، (وعن زرارة بن أوفى) أي يروي قتادة عن الحسن البصري ويروي عن زرارة بن أوفى أنهما قالا: (إن المغيرة بن شعبة قال:\n_________\n(١) هكذا في نسخ أبي داود: \"عن الحسن وعن زرارة بن أوفى\"، وكذلك في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ١٧٥) رقم (١١٤٩٢)، ثم قال المزي: \"وفي رواية أبي عيسى الرملي عن أبي داود: عن الحسن، عن زرارة بن أوفى، عن المغيرة بن شعبة\".\nقلت: والحسن: هو البصري، كما صرح به الشارح والمزي في \"التحفة\"، لكن جاء كلام أبي عيسى الرملي في طبعة عبد الصمد شرف الدين لـ \"تحفة الأشراف\" هكذا: \"عن الحسن بن أعين عن زرارة بن أوفى\" وهو حسن بن محمد بن أعين.\nثم إن المزي في \"تهذيب الكمال\" لم يذكر الحسن في الرواة عن زرارة ولم يذكر زرارة في شيوخ الحسن، ومقتضى رواية الرملي أن يذكر ذلك.","vol":"1","page":650},{"text":"تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ، قَالَ: فَأَتَيْنَا النَّاسَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُصَلِّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِىَّ -ﷺ- أَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَي إِلَيْهِ أَنْ يَمْضِىَ. قَالَ: فَصَلَّيْتُ أَنَا وَالنَّبِىُّ -ﷺ- خَلْفَهُ رَكْعَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِىُّ -ﷺ- فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِى سُبِقَ بِهَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا شَيْئًا\". [انظر الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عُمَرَ يَقُولُونَ:\n===\nتخلف رسول الله - ﷺ -) عن القوم وعدل عن الطريق (فذكر هذه القصة) التي ذكرت في الروايات السابقة من التبرز والمجيء عنه والوضوء وغير ذلك.\n(قال) أي المغيرة: (فأتينا الناس وعبد الرحمن بن عوف يصلي بهم الصبح) أي صلاة الصبح (فلما رأى) أي عبد الرحمن، فضمير الفاعل يرجع إلى عبد الرحمن (النبي - ﷺ -) مفعوله (أراد) أي عبد الرحمن (أن يتأخر) عن موضعِ الإمامة (فأومى) (١) أي النبي - ﷺ - (إليه) أي إلى عبد الرحمن (أن يمضي) أي يداوم على الإمامة ولا يتأخر.\n(قال) أي المغيرة: (فصليت أنا والنبي - ﷺ - خلفه) أي عبد الرحمن مقتديين به (ركعة) وسبقنا بركعة (فلما سلم) أي عبد الرحمن (قام النبي - ﷺ -) إلى أداء ما سبق بها من الركعة الأولى (فصلَّى الركعة التي سُبق بها ولم يزد عليها شيئًا) أي لم يسجد سجدتي السهو، وبه قال جمهور العلماء: إنه ليس على المسبوق سجود.\n(قال أبو داود: أبو سعيد الخدري) هو سعد بن مالك (وابن الزبير) هو عبد الله (وابن عمر) هو عبد الله (يقولون (٢):\n_________\n(١) قال ابن رسلان: لأنه أيضًا كان أحرم بالصلاة. (ش).\n(٢) وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وإسحاق. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":651},{"text":"مَنْ أَدْرَكَ الْفَرْدَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ.\n١٥٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قال: حَدَّثَنَا أَبِى\n===\nمن أدرك الفرد) أي أدرك مع الإِمام ركعة واحدة أو ثلاث ركعات (من الصلاة عليه سجدتا السهو).\nقال مولانا محمد يحيى - ﵀ - في \"تقريره\" عن شيخه - رحمه الله تعالى -: ولعل وجه قولهم ذلك أنهم لما رأوا سجدتي السهو سببًا لجبر النقصان الوارد فيها بترك الواجب، والجماعة واجبة وقد فاتت فيجبر بالسجدة مع ما اعتراها من النقصان.\nقلت: والأوجه عندي (١) أنهم لما رأوا أنه جلس للتشهد مع الإِمام في غير موضع الجلوس وتمكن منه النقصان حكموا عليه بالسجود لجبر النقصان، ولكن لما لم يسجد النبي - ﷺ - في هذه الحالة ثبت أنه لا يجب السجود فيها.\n١٥٣ - (حدثنا عبيد الله (٢) بن معاذ) بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو عمرو البصري الحافظ، وثَّقه أبو حاتم وابن قانع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ابن سمينة وشباب وعبيد الله بن معاذ ليسوا أصحاب حديث، روى عنه البخاري سبعة أحاديث، ومسلم مئة وسبعة وستين حديثًا، مات سنة ٢٣٧ هـ.\n(قال: ثنا أبي) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو المثنى التميمي الحافظ البصري قاضيها، قال أحمد: إليه المنتهى في\n_________\n(١) قال ابن رسلان: لأنه يجلس في غير محله ... إلخ. (ش).\n(٢) وما في بعض النسخ عبد الله مكبرًا غلط ليس في رواة أبي داود، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"1","page":652},{"text":"قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى بَكْرٍ - يَعْنِى ابْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ -، سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ\n===\nالتثبت بالبصرة، وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال النسائي: ثقة ثبت، قال محمد بن عيسى بن الطباع: ما علمت أن أحدًا قدم بغداد إلَّا وقد تعلق عليه في شيء من الحديث إلَّا معاذ العنبري، فإنه ما قدروا أن يتعلقوا عليه في شيء مع شغله بالقضاء، مات سنة ١٩٦ هـ.\n(قال: ثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي بكر، يعني ابن حفص بن عمر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري، اسمه عبد الله المدني، مشهور بكنيته، وثَّقه النسائي والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن عبد البر: قيل: كان اسمه كنيته، وكان من أهل العلم والثقة أجمعوا على ذلك.\n(سمع أبا عبد الله) (١) مولى بني تيم بن مرة، عن أبي عبد الرحمن عن بلال في المسح على العمامة، وعنه أبو بكر بن حفص بن أبي وقاص، وأخرج النسائي أيضًا في الطهارة، وقال الحاكم: أبو عبد الله التيمي معروف بالقبول.\n(عن أبي عبد الرحمن السلمي)، هكذا في النسخة الدهلوية المطبوعة القديمة والجديدة بإثبات لفظ السلمي، وأما في النسخة المكتوبة الأحمدية والنسخة المطبوعة المصرية ففيهما عن أبي عبد الرحمن فقط، وليس فيهما لفظ السلمي، فإن كان لفظ السلمي محفوظًا فأبو عبد الرحمن السلمي هذا عبد الله بن حبيب بن ربيعة بضم الراء وتشديد الياء على صيغة التصغير، السلمي الكوفي القارئ، روى عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، وثَّقه العجلي والنسائي، قال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة،\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: أبو عبد الله سلمان الأغر مولى جهينة ... إلخ. (ش).","vol":"1","page":653},{"text":"أَنَّهُ شَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَسْأَلُ بِلَالًا عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: \"كَانَ يَخْرُجُ يَقْضِى حَاجَتَهُ، فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ، وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ\".\n[ق ١/ ٢٨٩، حم ٦/ ١٢ - ١٣ - ١٥]\n===\nقال بعضهم: مات سنة ٧٢ هـ، وقال ابن قانع: مات سنة ٨٥ هـ، وهو ابن تسعين سنة، فإن كان الذي في السند هذا فهو من الأعلام المشهورين والثقات، وإن لم يكن هذا بالسلمي فأبو عبد الرحمن عن بلال في المسح على العمامة والموقين، وعنه أبو عبد الله مولى بني تيم.\nقال ابن عبد البر (١): مرة يقولون عن أبي عبد الله عن أبي عبد الرحمن، ومرة عن أبي عبد الرحمن عن أبي عبد الله، وكلاهما مجهول لا يعرف، انتهى كلام ابن عبد البر.\nفأما أبو عبد الله التيمي، فقد قدمنا ترجمته وأنه ليس بمجهول، كما يدل عليه قول أبي داود الذي يأتي بعد الحديث، وأما على هذه النسخة وهو الصواب عندي، فإنه لم يذكر أحد من الحفاظ أنه السلمي، فأبو عبد الرحمن قد قيل: إنه مسلم بن يسار، حكى ذلك الدارقطني في \"كتاب العلل\" عن عبد الملك بن الشِخِّير، قال الدارقطني: وليس عندي كما قال، يعني في تسميته، فلو كان أبو عبد الرحمن هذا مسلم بن يسار، فلم نجد في كتب الرجال من اسمه مسلم بن يسار وكنيته أبو عبد الرحمن.\n(أنه) أي أبا عبد الرحمن (شهد) أي حضر (عبد الرحمن بن عوف) - رضي الله تعالى عنه - حال كونه (يسأل بلالًا عن وضوء النبي - ﷺ -؟) فسمع ما أجاب به بلال (فقال) أي بلال: (كان) أي رسول الله - ﷺ - (يخرج يقضي حاجته فآتيه بالماء) فيستنجي (فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه) والموق نوع من الخفاف.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: قال ابن عبد البر: هو إسناد مقلوب مضطرب. (ش).","vol":"1","page":654},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِى تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ.\n١٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِىُّ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ دَاوُدَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: \"أَنَّ جَرِيرًا\n===\n(قال أبو داود: وهو) أي أبو عبد الله المذكور في السند (أبو عبد الله مولى بني تيم بن مرة) وظاهر هذه العبارة يدل على أن عند أبي داود أبو عبد الله هذا ليس بمجهول، قال في \"تهذيب التهذيب\" (١): قال الحاكم: أبو عبد الله التيمي معروف بالقبول.\n١٥٤ - (حدثنا علي بن الحسين الدرهمي) (٢) هو علي بن الحسين بن مطر الدرهمي منسوب إلى درهم، وهو اسم لجد المنتسب إليه، البصري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٣ هـ.\n(قال: ثنا ابن داود) هو عبد الله بن داود الخريبي، (عن بكير بن عامر) البجلي، وثَّقه ابن سعد مقرونًا بقوله: إن شاء الله، والحاكم، وضعَّفه يحيى القطان وأبو زرعة والنسائي، واختلف عن أحمد فمرة قال: ليس بالقوي في الحديث، وقال مرة: صالح الحديث ليس به بأس، وقال الحافظ في \"التقريب\": ضعيف.\n(عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير: أن جريرًا) (٣)، أي جد\n_________\n(١) (٢/ ١٥١).\n(٢) بكسر الدال \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ١٣٩): اتفقوا على صحة حديث جرير، وقال: فيه حجة =","vol":"1","page":655},{"text":"بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِى أَنْ أَمْسَحَ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ؟ قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ (١) نُزُولِ الْمَائِدَة\n===\nأبي زرعة، هو جرير بن عبد الله بن جابر البجلي القسري اليماني، أبو عمرو أو أبو عبد الله الصحابي المشهور، ويلقب بيوسف هذه الأمة، أسلم سنة عشر، وبسط له النبي - ﷺ - ثوبًا، ووجهه إلى ذي الخلصة فهدمها، وعمل على اليمن في أيامه - ﷺ -، نزل الكوفة ثم انتقل من الكوفة إلى قرقيسيا فنزلها، وقال: لا أقيم ببلدة يشتم فيها عثمان، مات سنة ٥١ هـ (٢).\n(بال ثم توضأ، فمسح على الخفين) فاعترض عليه، وقيل له: أتفعل (٣) هذا؟ فأجاب (وقال: ما يمنعني أن أمسح) أي أيُّ شيء يمنعني من المسح (وقد رأيت) (٤) أي والحال أني قد رأيت (رسول الله - ﷺ - يمسح) على الخفين؟\n(قالوا) أي الحاضرون: (إنما كان ذلك) أي المسح على الخفين (قبل نزول) سورة (المائدة) وفيها غسل الرجلين فنسخ بها حكم المسح،\n_________\n= على جواز نسخ القرآن بالحديث، إذ قال: بعد المائدة، وهو مختلف عند أهل الأصول، كما بسطه في محله، وراجع \"مشكل الآثار\" (٦/ ٢٨٩). (ش).\n(١) وفي نسخة: \"قبل المائدة\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٣١٩) رقم (٧٣٠).\n(٣) كما في رواية النسائي. (ش).\n(٤) وحديث الطبراني نص في \"أنه رآه في حجة الوداع يمسح\"، كذا في \"السعاية\" (١/ ٥٨٨). (ش).","vol":"1","page":656},{"text":"قَالَ: مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ\". (١) [خ ٣٨٧، م ٢٧٢، ت ٩٤، ن ١١٨، جه ٥٤٢، ق ١/ ٢٧٠]\n١٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ\n===\nفأجاب عنه و(قال: ما أسلمت إلَّا بعد نزول المائدة).\nحاصل الجواب: أنه لما كان مجيئه عند رسول الله - ﷺ -، وإسلامه (٢) بعد نزول المائدة، ثبت بذلك أن حكم المسح ليس بمنسوخ بآية الوضوء التي في المائدة، بل هو محكم باق بعد نزولها، وهذا إذا لم يحمل قراءة الجر في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على التخفف، وأما إذا حمل عليه فالآية (٣) مثبتة أيضًا للمسح على الخفين غير معارضة له.\n١٥٥ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (وأحمد بن أبي شعيب الحراني)\n_________\n(١) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٧١٥) رقم (٦٤٨٨) حديثًا، وعزاه إلى أبي داود، ولفظه: خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن مقسم عن ابن عباس.\nحديث: أنا عند عمر حين سأله سعد وابن عمر عن المسح على الخفين؟ ...\nالحديث، وفيه: قال ابن عباس: فقلت لسعد: قد علمت أن رسول الله - ﷺ - مسح على خفيه، ولكن قبل المائدة أو بعدها؟\nأبو داود في الطهارة، عن إبراهيم بن الحسن الخثعمي، عن حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني خصيف أن مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل أخبره أن ابن عباس أخبره به.\nثم قال المزي: \"هذا الحديث في رواية أبي الطيب ابن الأشناني، عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم\".\n(٢) فقيل: إسلامه في آخر سنة عشرة، وقيل: في أول سنة إحدى عشرة، كذا قال ابن رسلان. (ش).\n(٣) لكن يشكل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فإن المسح ليس إليهما. (ش).","vol":"1","page":657},{"text":"قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قال: حَدَّثَنَا دَلْهَمُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ\n===\nهو ابن عبد الله (قالا: ثنا وكيع) بن الجراح (قال: ثنا (١) دلهم (٢) بن صالح) الكندي الكوفي، ضعفه ابن معين، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا، ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، وعن أبي داود: ليس به بأس.\n(عن حجير بن عبد الله) الكندي، أخرجوا له حديثًا واحدًا في المسح على الخف، حسنه الترمذي، وقال ابن عدي في ترجمة دلهم: حجير لا يعرف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن ابن بريدة) هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب بمضمومة وفتح مهملة وسكون ياء وبموحدة، الأسلمي، أبو سهل المروزي، قاضي مرو، أخو سليمان، وكانا توأمين، وثَّقه ابن معين والعجلي وأبو حاتم، سئل أحمد بن حنبل: هل سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟ قال: ما أدري، عامة ما يروي عن بريدة عنه، وضعف حديثه، قال إبراهيم الهروي: لم يسمع عبد الله وسليمان من أبيهما، وفيما روى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة، ويتعجب من الحاكم مع هذا القول في ابن بريدة كيف يزعم أن سند حديثه من رواية حسين بن واقد عنه عن أبيه أصح الأسانيد لأهل مرو، مات سنة ١٠٥ هـ أو ١١٥ هـ.\n(عن أبيه) هو بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، أبو عبد الله، أسلم حين مر به النبي - ﷺ - مهاجرًا هو ومن معه، وكانوا\n_________\n(١) هذا لفظ أحمد كما سيجيء، هذا في \"التقرير\". (ش).\n(٢) وهو في \"شرح ابن رسلان\": دلهم بن صبح بضم الصاد وسكون الباء، كذا في \"كتاب التستري\"، والصواب: دلهم بن صالح. (ش).","vol":"1","page":658},{"text":"\"أَنَّ النَّجَاشِىَّ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا\". [ت ٢٨٢٠، جه ٥٤٩، ٣٦٢٠، حم ٥/ ٣٥٢، ق ١/ ٢٨٣]\nقَالَ مُسَدَّدٌ: عَنْ دَلْهَمِ بْنِ صَالِحٍ.\n===\nنحو ثمانين بيتًا، فصلَّى رسول الله - ﷺ - العشاء الآخرة فصلوا خلفه، وأقام بأرض قومه، ثم قدم على رسول الله - ﷺ - بعد أحد، فشهد معه مشاهده: الحديبية وبيعة الرضوان وفتح مكة، واستعمله النبي - ﷺ - على صدقات قومه، وسكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة وابتنى بها دارًا، ثم خرج منها غازيًا إلى خراسان، فأقام بمرو حتى مات، ودفن بها سنة ٦٣ هـ، وبقي ولده بها (١).\n(أن النجاشي) (٢) ملك الحبشة، والنجاشي لقب له ولملوك الحبشة، مثل كسرى للفرس، وقيصر للروم، أسلم في عهد النبي - ﷺ -، وأحسن إلى المسلمين الذين هاجروا إلى أرضه، توفي ببلاده قبل فتح مكة، وصلى عليه النبي - ﷺ - بالمدينة، ولم ير النبي - ﷺ -، ولم يحضر في حضرته.\n(أهدى إلى رسول الله - ﷺ - خفين أسودين ساذجين) قال الشارح: كأنه أراد أنه لم يخالط سوادهما لون آخر، وقال في \"القاموس\": ساذج، معرب ساده، فعلى هذا معناه غير منقش (فلبسهما (٣) ثم توضأ ومسح عليهما، قال مسدد: عن دلهم بن صالح) يعني أن أستاذ المؤلف أحمد بن أبي شعيب صرح بلفظ التحديث، وأما الأستاذ الثاني روى بصيغة عن.\n_________\n(١) انظر: \"أسد الغابة\" (١/ ٢٠٣).\n(٢) اسمه أصحمة بمهملات. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) أي: بعد الوضوء، فلو غسل رجليه أولًا ثم لبسهما ثم توضأ فلا يصح المسح عند الشافعي ومالك في المشهور عنه، كذا قال ابن رسلان. (ش).","vol":"1","page":659},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ.\n١٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ حَىٍّ - هُوَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ - عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ الْبَجَلِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى نُعْمٍ،\n===\n(قال أبو داود: هذا بما تفرد به أهل البصرة)، قال الشارح (١): قال ولي الدين: في قول أبي داود نظر، إذ ليس في رواته بصري إلَّا مسدد، وباقيهم أهل الكوفة أو أهل مرو، فصوابه قوله: هذا بما تفرد به أهل الكوفة، أي لم يروه إلَّا واحد منهم.\nقلت: معنى هذا الكلام أن هذا الحديث من الأحاديث التي تفرد بها أهل البصرة، ولم يروها غيرهم من أهل الكوفة والشام، وهذا الحكم باعتبار غالب الرواة؛ فغالبهم بصريون؛ لأن مسددًا بصري، وبريدة -﵁ - وابنه عبد الله بصريان أيضًا؛ لأن بريدة تحول من المدينة إلى البصرة، وأقام بها، وابتنى بها دارًا، وكان عبد الله معه، لأنه ولد سنة ١٥ هـ، ثم بعد ذلك خرج غازيًا إلى خراسان، وأقام بمرو، ومات بها، فعلى هذا يصح أن يقال: إنهما بصريان. فثلاثة رجال من السند بصريون، واثنان منهم كوفيان: وكيع ودلهم، وأما حجير فلم يعرف أنه بصري أو كوفي، فلعل المصنف أطلق تفرد أهل البصرة به، فقول الشيخ: ليس في رواته من أهل البصرة إلَّا مسدد، فيه نظر أيضًا.\n١٥٦ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس منسوب إلى جده (قال: ثنا ابن حي هو الحسن بن صالح) بن حي، (عن بكير بن عامر البجلي، عن عبد الرحمن بن أبي نعم) بضم النون\n_________\n(١) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٣١).","vol":"1","page":660},{"text":"عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ؟ قَالَ: «لا، بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ، بِهَذَا أَمَرَنِى رَبِّى ﷿»\n[حم ٤/ ٢٤٦، ٢٥٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>(٦١) بَابُ التَّوْقِيتِ في الْمَسْحِ</span>\n===\nوسكون المهملة، البجلي، أبو حكم، الكوفي، العابد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من عباد أهل الكوفة ممن يصبر على الجوع الدائم، أخذه الحجاج ليقتله، وأدخله بيتًا مظلمًا، وسد الباب خمسة عشر يومًا، ثم أمر بالباب ففتح ليُخرج فيُدفن، فدخلوا عليه فإذا هو قائم يصلي، فقال له الحجاج: سر حيث شئت، وثَّقه ابن سعد والنسائي، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف.\n(عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله - ﷺ - مسح على الخفين، فقلت: يا رسول الله، أنسيت) (١) أي غسل الرجلين؟ (قال: بل أنت نسيت) أي حكم المسح على الخفين (بهذا) أي بالمسح على الخفين (أمرني (٢) ربي ﷿) أو يقال (٣): بل أنت نسيت طريق السؤال، وكان المناسب لك الاستفسار عن سبب ذلك، أو نسيت طريق الأدب بنسبتك النسيان إلى نبيِّك.\n\n(٦١) (بَابُ التَّوْقِيتِ (٤) في الْمَسْحِ)\n_________\n(١) فيه تنبيه العالم وتذكيره إذا يعمل ما يخالف العادة ويظن نسيانه، كذا قال ابن رسلان. (ش).\n(٢) يستدل به على وجوبه إذا كان لابسًا. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وقال ابن رسلان: ليس فيه الإخبار عن نسيانه، بل فيه دليل على جواز مثل هذا القول على سبيل المقابلة حتى نسبه إلى النسيان إلى آخر ما بسط. (ش).\n(٤) ذكر صاحب \"الغاية\" الروايات الدالة على ترك التوقيت باسطًا، وقال ابن العربي (١/ ١٤٢): أحاديث التوقيت صحيحة وأحاديث تركه ضعيفة. (ش).","vol":"1","page":661},{"text":"١٥٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ،\n===\nمراده بعقد الباب أن المسح على الخفين موقت، إذا خرج وقته المحدود لا يجوز المسح عليهما إلَّا بعد غسل الرجلين.\n١٥٧ - (حدثنا حفص بن عمر قال: ثنا شعبة، عن الحكم) بن عتيبة بالمثناة ثم الموحدة بعد الياء مصغرًا، الكندي مولاهم، أبو محمد الكوفي، وليس هو حكم بن عتيبة بن النهاس، وثَّقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم وغيرهم، مات سنة ١١٣ هـ.\n(وحماد) معطوف على حكم بن عتيبة، يعني يروي شعبة عن الحكم وعن حماد، وكلاهما يرويان عن إبراهيم النخعي، وهو ابن أبي سليمان مسلم الأشعري مولاهم، أبو إسماعيل الكوفي، الفقيه، أستاذ الإمام أبي حنيفة، قال أحمد: مقارب ما روى عنه القدماء، وكان يرمى بالإرجاء، قال مغيرة: قلت لإبراهيم: إن حمادًا قعد يفتي، فقال: وما يمنعه أن يفتي، وقد سألني هو وحده عما لم تسألوني كلكم عن عُشْره، قال ابن معين: حماد ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان أفقه أصحاب إبراهيم، وقال النسائي: ثقة إلَّا أنه مرجئ، وكان الأعمش سيئ الرأي فيه، ولم يكن يسلم عليه حين تكلم في الإرجاء، وقال: كان غير ثقة.\nوقال جرير عن مغيرة: حج حماد بن أبي سليمان، فلما قدم أتيناه، فقال: أبشروا يا أهل الكوفة رأيت عطاءً وطاوسًا ومجاهدًا فصبيانكم بل صبيان صبيانكم أفقه منهم، قال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، واختلط في آخر أمره، وكان مرجئًا، وكان كثير الحديث، إذا قال برأيه أصاب، وإذا قال عن غير إبراهيم أخطأ، وقال مالك بن أنس: كان الناس عندنا هم أهل العراق حتى وثب إنسان يقال له: حماد، فاعترض هذا الدين، فقال فيه برأيه، مات سنة ١١٩ هـ.","vol":"1","page":662},{"text":"عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِىِّ،\n===\n(عن إبراهيم) (١) بن يزيد بن قيس النخعي، (عن أبي عبد الله الجدلي) الكوفي، اسمه عبد بن عبد (٢)، وقيل: عبد الرحمن بن عبد، روى عن خزيمة بن ثابت وغيره من الصحابة، وعنه أبو إسحاق وإبراهيم النخعي، قال أبو داود: ولم يسمع منه.\nوقال الترمذي في \"جامعه\" بعد ما أورد هذا الحديث من طريق إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - ﷺ -، الحديث: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: وقد روى الحكم بن عتيبة وحماد، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، ولا يصح. قال علي بن المديني: قال يحيى: قال شعبة: لم يسمع إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي حديث المسح، وقال زائدة عن منصور: كنا في حجرة إبراهيم التيمي ومعنا إبراهيم النخعي، فحدثنا إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - ﷺ - في المسح على الخفين، انتهى.\nوقال البيهقي في \"سننه الكبرى\" (٣): قال أبو عيسى - يعني الترمذي -: سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: لا يصح عندي حديث خزيمة (٤) بن ثابت في المسح على الخفين، لأنه لا نعرف\n_________\n(١) وجزم ابن رسلان بأنه إبراهيم بن يزيد التيمي ولا يصح. (ش).\n(٢) به جزم الترمذي. (ش).\n(٣) (١/ ٢٧٨).\n(٤) وادَّعى النووي الاتفاق على ضعف هذا الحديث، ويردّه تصحيح ابن حبان، وأيضًا نقل الترمذي عن ابن معين أنه صححه، كذا قال ابن رسلان، وقال ابن العربي (١/ ١٤٢): فيه ضعفاء ومجاهيل. (ش).","vol":"1","page":663},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلأبي عبد الله الجدلي سماعًا من خزيمة، وكان شعبة يقول: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح، انتهى.\nفاعترض عليه بوجهين: أولهما: بعدم سماع أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة، والجواب عنه أن ما قال البخاري فيه مبني على أنه يشترط ثبوت سماع الراوي عمن روى عنه، ولا يكتفي بإمكان اللقاء، ورد عليه مسلم في خطبة \"صحيحه\"، وحكى عن الجمهور خلاف ذلك، وأنه يكتفي بإمكان اللقاء، وقد خالف الترمذي في \"جامعه\" قول البخاري، فحكم على هذا الحديث بأنه حسن صحيح، وذكر عن ابن معين أنه ثبته وصححه.\nقال الشوكاني (١) في \"النيل\" (٢): وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: هو صحيح، وقال ابن دقيق العيد: الروايات متظافرة متكاثرة برواية التيمي له عن عمرو بن ميمون عن الجدلي عن خزيمة، وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\": قال أبو زرعة: الصحيح من حديث التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة مرفوعًا، والصحيح عن النخعي عن الجدلي بلا واسطة، وادّعى النووي في \"شرح المهذب\" الاتفاق على ضعف هذا الحديث.\nقال الحافظ: وتصحيح ابن حبان يرد عليه مع نقل الترمذي عن ابن معين أنه صحيح أيضًا.\nوثانيهما: بعدم سماع النخعي عن الجدلي، والجواب عنه بأنه يرده تصحيح الترمذي وقول ابن أبي حاتم: قال أبو زرعة: والصحيح عن النخعي عن الجدلي بلا واسطة.\n_________\n(١) وكذا ابن رسلان. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":664},{"text":"عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ». [ت ٩٥، جه ٥٥٣ - ٥٥٤، حم ٥/ ٢١٣ - ٢١٥، ق ١/ ٢٧٦]\n===\nوقال في \"الجوهر النقي\" (١): وعلله ابن حزم بالجدلي نفسه، وأنه لا يعتمد على روايته، وأجاب عنه صاحب \"الإِمام\" بأنه ما قدح فيه أحد من المتقدمين، ولا قال فيه ما قاله ابن حزم فيما علمه، ووثقه ابن حنبل وابن معين وصحح الترمذي حديثه، انتهى. وثقه أحمد بن حنبل وابن معين والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ورمي بالتشيع، وكان المختار بن أبي عبيد استخلفه على الجيش الذي وجهه إلى ابن الزبير، فمن ها هنا أخذوا على أبي عبد الله، ولا يقدح ذلك فيه إن شاء الله تعالى.\n(عن خزيمة بن ثابث) بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاري الخطمي، أبو عمارة المدني، ذو الشهادتين، من كبار الصحابة، ما زال كافًّا سلاحه يوم صفين، حتى قتل عمار فسلَّ سيفه، وقاتل حتى قتل سنة ٣٧ هـ، شهد بدرًا وما بعدها، انتهى (٢).\n(عن النبي - ﷺ - قال: المسح على الخفين) أي وقته (للمسافر ثلاثة أيام) أي إذا لبس الخفين على طهارة يمسح عليهما إلى ثلاثة أيام (و) الوقت (٣) (للمقيم يوم وليلة) لا يزيد عليه بدون غسل رجليه، والحديث يدل على توقيت المسح بالثلاثة الأيام للمسافر واليوم والليلة للمقيم.\n_________\n(١) \"السنن الكبرى مع الجوهر النقي\" (١/ ٢٧٩).\n(٢) انظر: \"أسد الغابة\" (٢/ ١١٩)، رقم (١٤٤٦).\n(٣) وابتداء التوقيت من الحدث عند الشافعي وأبي حنيفة وكثير من العلماء، ونقل عن الأوزاعي وأحمد أنه من وقت اللبس، كذا في \"غاية المقصود\". (ش).","vol":"1","page":665},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، بِإِسْنَادِهِ قَالَ فِيهِ: \"وَلَوِ اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَنَا\".\n===\nوقد اختلف (١) الناس في ذلك، فقال مالك والليث بن سعد: لا وقت للمسح على الخفين، ومن لبس خفيه وهو طاهر مسح ما بدا له، والمسافر والمقيم في ذلك سواء، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح والشافعي وأحمد وإسحاق وداود الظاهري ومحمد ابن جرير بالتوقيت (٢) للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها.\nوكذلك ثبت التوقيت (٣) عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وحذيفة والمغيرة وأبو زيد الأنصاري، وروي عن جماعة من التابعين، قال ابن عبد البر: وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك، فألحق توقيت المسح بأن الخفاف لا تنزع في هذه المدة المقدرة لشيء من الأحداث إلَّا للجنابة.\n(قال أبو داود: رواه منصور بن المعتمر، عن إبراهيم التيمي بإسناده قال فيه: ولو استزدناه (٤) لزادنا)، وقد أخرج هذه الرواية البيهقي في \"سننه\n_________\n(١) وقال ابن العربي: للعلماء فيه ستة أقوال. (ش). [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٤٤)].\n(٢) وبه قال ابن حزم، لكنه ذهب إلى أنه للمسح لا لنقضه، فبعد الوقت لا يجوز له المسح عليهما، لكنه لو مسح قبله فيصلي به إلى متى شاء ما لم يحدث. (ش).\n(٣) ذكر في \"هامش أبي داود\" عن ثمانية عشر صحابيًا، والروايات في التوقيت شهيرة كثيرة. (ش).\n(٤) فالجواب بعد ضعف الروايات أنه تخمين أو من قبيل \"التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين\"، كذا في \"ابن رسلان\"، وفيه أيضًا: وأجابوا عن الحديث بأنه يراد به يمسح ما شاء إذا نزعهما عند انتهاء مدته ثم لبسهما، وقال أيضًا: أو هو منسوخ بالأحاديث الثابتة الصحيحة؛ لأنها متأخرة سيما حديث عوف بن مالك الأشجعي، لأنه ذكر التوقيت في غزوة تبوك، قال الزيلعي (١/ ١٧٥): للحديث ثلاث علل. (ش).","vol":"1","page":666},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالكبير\" (١) في باب ما ورد في ترك التوقيت بسنده إلى زائدة بن قدامة، قال: سمعت منصورًا يقول: كنا في حجرة إبراهيم يعني النخعي ومعنا إبراهيم التيمي، فذكرنا المسح على الخفين، فقال إبراهيم التيمي: ثنا عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت قال: جعل لنا رسول الله - ﷺ - ثلاثًا ولو استزدناه لزادنا.\nوكذلك روى الثوري عن أبيه عن إبراهيم التيمي، ولفظه: \"قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نمسح الخف يومًا وليلة إذا أقمنا، وثلاثًا إذا سافرنا، وأيم الله لو مضى في مسألته لجعلها خمسًا\".\nفرواية إبراهيم التيمي عن أبي عبد الله الجدلي بواسطة عمرو بن ميمون، ورواية إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي من غير واسطة، وفي رواية التيمي زيادة ليست في رواية النخعي وهي قوله: \"ولو استزدناه لزادنا\"، معناه: لو كنا نسأل رسول الله - ﷺ - الزيادة في وقت المسح على الخفين على الثلاث لرخصنا بالزيادة على الثلاث، ولكنا لم نسأله الزيادة فلم يزد - ﷺ - على الثلاث.\nونقل الشوكاني عن \"شرح الترمذي\": لو ثبتت لم تقم بها حجة؛ لأن الزيادة على ذلك التوقيت مظنونة أنهم لو سألوا زادهم، وهذا صريح في أنهم لم يسألوا ولا زيدوا، فكيف تثبت الزيادة بخبر دل على عدم وقوعها.\nقال الشوكاني: وغايتها بعد تسليم صحتها أن الصحابي ظن ذلك، ولم نتعبَّد بمثل هذا، ولا قال أحد: إنه حجة، وقد ورد توقيت المسح بالثلاث واليوم والليلة من طريق جماعة من الصحابة ولم يظنوا ما ظنه خزيمة.\n_________\n(١) (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":667},{"text":"١٥٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ قال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ (١)،\n===\n١٥٨ - (حدثنا يحيى بن معين قال: ثنا عمرو بن الربيع) بفتح راء وكسر موحدة فسكون باء (ابن طارق) بن قرة بن نهيك بن مجاهد الهلالي، أبو حفص الكوفي، ثم المصري، قال العجلي: كوفي ثقة، وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: صدوق، مات سنة ٢١٩ هـ.\n(قال: أنا يحيى بن أيوب) (٢) الغافقي بمعجمة ثم فاء بعد الألف ثم قاف، أبو العباس المصري. قال أحمد: سيِّئ الحفظ، وقال ابن أبي حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي مرة: ليس بالقوي، قال ابن سعد: منكر الحديث، وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب، كان أحمد يقول: يحيى بن أيوب يخطئ خطأ كثيرًا، وقال الحاكم: إذا حدث من حفظه يخطئ، وما حدث من كتاب فليس به بأس، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\"، هذا ما ذكره من جرحه، وأما ما ذكر من توثيقه فقال ابن معين مرة: ثقة، وقال أبو داود: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الترمذي عن البخاري: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقة حافظًا، وقال إبراهيم الحربي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الرحمن بن رزين) بفتح الراء وكسر الزاء آخره نون، ويقال: ابن يزيد الغافقي، مولى قريش، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الذهبي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رزيق\".\n(٢) قال ابن رسلان: اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا، قال ابن عبد البر: لا يثبت وليس له إسناد قائم. (ش).","vol":"1","page":668},{"text":"عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ عِمَارَةَ\n===\nفي \"الميزان\" (١): قال الدارقطني: مجهول، قلت: روى عنه يحيى بن أيوب المصري والعطاف بن خالد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقد لقي سلمة بن الأكوع - ﵁ - بالربذة وقَبَّل يَدَه، روى ذلك عنه العطاف.\n(عن محمد بن يزيد) بن أبي زياد الثقفي الفلسطيني، ويقال: الكوفي، نزيل مصر، مولى المغيرة بن شعبة، قال أبو حاتم: مجهول، قال الخلال: سئل أحمد عن حديثه فقال: رجاله لا يعرفون، وقال ابن حبان: لست أعتمد على إسناد خبره، قال الأزدي: ليس بالقائم، في إسناده نظر، وقال الدارقطني: إسناده لا يثبت، ومحمد وأيوب والراوي عنه مجهولون.\n(عن أيوب بن قطن) بفتح القاف والطاء، الكندي الفلسطيني، عن أبي بن عمارة، وقيل: عن عبادة بن نسي عنه، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، قال: محدث، وعن أبي زرعة: لا يعرف، وقال أبو داود عقب حديثه: اختلف في إسناده وليس بالقوي، وقال ابن حبان في \"الثقات\": أحسبه بصريًا، وقال الأزدي والدارقطني وغيرهما: مجهول، وفي بعض نسخ أبي داود عقب حديثه: قال ابن معين: إسناده مظلم، ووقع في رواية محمد بن نصر المروزي ما يقتضي أن أيوب بن قطن هذا حفيد أبي بن عمارة.\n(عن أبي بن عمارة) (٢) بكسر العين وقيل بضمها والأول أشهر، ويقال: ابن عبادة، المدني، سكن مصر، له حديث واحد في المسح على\n_________\n(١) (٢/ ٥٦٠).\n(٢) قال ابن رسلان: وليس لنا عمارة بكسر العين إلَّا هذا، ومنهم من ضمه، وبكسر العين ضبطه المنذري والزيلعي وابن حجر، كذا في \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":669},{"text":"- قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: وَكَانَ قَدْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اِلْقِبْلَتَيْنِ - أَنَّهُ قَالَ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: «يَوْمًا». قَالَ: \"وَيَوْمَيْنِ\" قَالَ: «وَيَوْمَيْنِ» قَالَ: وَثَلَاثَةً (١)؟ قَالَ: «نَعَمْ وَمَا شِئْتَ». [جه ٥٥٧، ك ١/ ١٧٠]\n===\nالخفين، وعنه أيوب بن قطن، وقيل: وهب بن قطن وعبادة بن نسي، وفي إسناد حديثه اضطراب، وقال أبو حاتم: هو عندي خطأ إنما هو أبو أبي، واسمه عبد الله بن عمرو بن أم حرام، وقال ابن عبد البر: روى عنه عبادة بن نسي، وقوله صواب، فإن أيوب بن قطن أو وهب بن قطن إنما روى عنه بواسطة عبادة بن نسي، هكذا رواه أبو داود وابن حبان والبغوي وغيرهم، وسقط عبادة من إسناده عند ابن ماجه وحده، هكذا في \"التهذيب\" (٢).\n(قال يحيى بن أيوب) المذكور في السند (وكان قد صلَّى) أي أبيّ بن عمارة راوي الحديث (مع رسول الله - ﷺ - القبلتين) بيت المقدس والكعبة، والغرض منه إظهار أن أبيّ بن عمارة من قدماء الصحابة أسلم في ابتداء زمان الهجرة، وفي رواية ابن ماجه: وكان رسول الله - ﷺ - قد صلَّى في بيته القبلتين كلتيهما.\n(أنه قال: يا رسول الله أمسح) بتقدير حرف الاستفهام (على الخفين؟ قال: نعم) أي امسح عليهما (قال: يومًا) أي أأمسح يومًا؟ (قال: ويومين) أي امسح يومين (قال: وثلاثة) أي أأمسح ثلاثة؟ (قال: نعم، وما شئت)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثلاثة أيام\".\n(٢) (١/ ١٨٧)، وفيه: أن واسطة عبادة موجودة في رواية ابن ماجه وهي ساقطة في رواية أبي داود كما ترى؛ فالظاهر أنه وقع في الكلام قلب، كذا في هامش أبي داود للمولوي أيوب. (ش).","vol":"1","page":670},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ الْمِصْرِىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَىٍّ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ عِمَارَةَ، قَالَ فِيهِ: حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «نَعَمْ، وَمَا بَدَا لَكَ».\n===\nأي امسح ما شئت من الأيام بعد الثلاثة، كان مراده - ﷺ - بظاهر اللفظ أنه لا توقيت في المسح.\n(قال أبو داود: ورواه ابن أبي مريم المصري) هو سعيد (١) بن الحكم، (عن يحيى بن أيوب) الغافقي، (عن عبد الرحمن بن رزين (٢)، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نسي) بضم النون وفتح السين المهملة الخفيفة وتشديد التحتانية، الكندي أبو عمرو الشامي الأردني، قاضي طبرية، وثَّقه ابن سعد وأحمد وابن معين والعجلي والنسائي، وقال البخاري: عبادة بن نسي الكندي سيدهم، ووثَّقه ابن نمير، مات سنة ١١٨ هـ.\n(عن أبي بن عمارة، قال) أي ابن أبي مريم (فيه) أي في الحديث المذكور بعد ذكر الثلاثة: (حتى بلغ سبعًا، قال رسول الله - ﷺ -: نعم وما بدا لك) أي ما رضيت وظهر لك من الأيام امسح فيها، قال أبو داود:\n_________\n(١) كذا قال صاحب \"الغاية\"، وقال ابن رسلان: هو أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم فتأمل، ثم ظهر لي أن الصواب الأول؛ لأنه صرح في المتن في النسخة المصرية وهو سعيد لا أبو بكر، وباسم سعيد أخرجه البيهقي. (ش).\n(٢) وفي نسخة ابن رسلان: عبد الرحمن بن يزيد، قال الشارح: هكذا في رواية أبي علي التستري، والصواب: عبد الرحمن بن رزين، كما في رواية الخطيب. (ش).","vol":"1","page":671},{"text":"(١) وَقَدِ اخْتُلِفَ فِى إِسْنَادِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِىِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ\n===\n(وقد اختلف (٢) في إسناده) (٣) أي في إسناد هذا الحديث الذي رواه ابن أبي مريم، قال البيهقي: هكذا في روايتنا، وقيل عن ابن أبي مريم في هذا الإسناد عن عبد الرحمن بن يزيد، وقد قيل في هذا الإسناد غير هذا، أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنا علي بن عمر الحافظ قال: هذا إسناد لا يثبت، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا.\n(وليس هو (٤) بالقوي) أي ليس هذا الحديث قوي الإسناد (ورواه ابن أبي مريم (٥) ويحيى بن إسحاق) هو يحيى بن إسحاق البجلي، أبو زكريا، ويقال: أبو بكر السيلحيني، ويقال: السالحيني، والسلحين (٦): قرية بقرب بغداد، قال أحمد: شيخ صالح ثقة صدوق، وعن ابن معين: صدوق، وقال ابن سعد: كان ثقة حافظًا لحديثه، مات سنة ٢١٠ هـ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) يعني: مضطرب أراد تضعيف عدم التوقيت. (ش).\n(٣) ذكر شيئًا منه الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٥٤)، ونقل عن النووي الاتفاق على ضعف الحديث، وذكره الجوزقاني في \"الموضوعات\" (١/ ٣٨٤)، والبسط في \"البيهقي\" (١/ ٢٨٩)، و\"الغاية\". (ش).\n(٤) وقال صاحب \"الغاية\": وليس أي يحيى بالقوي، انتهى. وقال ابن رسلان: وليس إسناده بالقوي، ثم قال ابن رسلان: قال المنذري (١/ ٩٤): وبمعناه - أي بمعنى قول أبي داود - قال البخاري وأحمد: رجاله لا يعرفون، وقال أبو الفتح الأزدي: حديث ليس بقائم، وقال ابن حبان: لست أعتمد على إسناده. (شى).\n(٥) وصل روايته الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧٩)، والبيهقي في \"سننه\" (١/ ٢٧٨).\n(٦) كذا في الأصل و\"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٧٦)، والظاهر: سيلحين، بعد السين ياء تحتانية، موضع قرب بغداد، وسَلْحين: حصن عظيم بأرض اليمن. انظر: \"معجم البلدان\" (٣/ ٢٣٥).","vol":"1","page":672},{"text":"السِّيْلَحِينِىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِى إِسْنَادِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>(٦٢) بابُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ</span>\n١٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عن وَكِيعٍ،\n===\n(السَّيلحيني، عن يحيى بن أيوب، واختلف في إسناده) (١) ولم أجد (٢) رواية يحيى بن إسحاق السيلحيني فيما تتبعت من كتب الحديث، وهذه العبارة موجودة في النسخ الهندية المطبوعة وفي نسخة \"عون المعبود\"، ولم يوجد في المصرية ولا المكتوبة ولا في نسخة \"غاية المقصود\"، ولكن كتب في المكتوبة على الحباشية: زادها على الحاشية بعض قارئ الكتاب، والسَّيلحيني بمهملة ممالة وقد تصير ألفًا ساكنة، وفتح اللام، وكسر المهملة، ثم تحتانية ساكنة، ثم نون، هو يحيى بن إسحاق، فالواو التي كتبت بين يحيى بن إسحاق وبين السيلحيني في بعض النسخ غلط من الكاتب، فإن السيلحيني هو يحيى بن إسحاق.\n\n(٦٢) (بَابُ المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ)\nأي هل يجوز المسح على الجوربين أم لا؟\nوالجورب (٣): ما يلبس في الرجل لدفع البرد ونحوه بما لا يسمى خفًا ولا جرموقًا.\n١٥٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع) بن الجراح،\n_________\n(١) أي إسناد السيلحيني كما نقله صاحب \"الغاية\" عن \"الأطراف\" (١/ ١٠٩)، وسكت عنه ابن رسلان. (ش).\n(٢) قلت: أخرج روايته ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٧٧)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٤/ ١٦٣) رقم (٢١٤٥).\n(٣) بفتح الجيم كفوعل جمعه جواربة، وربما حذفت هاؤه، كذا في \"ابن رسلان\"، وبسطه صاحب \"الغاية\" جدًا، وكذا في \"الكوكب\" (١/ ١٣٣). (ش).","vol":"1","page":673},{"text":"عَنْ سُفْيَانَ (١)، عَنْ أَبِى قَيْسٍ الأَوْدِىِّ - هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ -، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ\".\n[ت ٩٩، جه ٥٥٩، حم ٤/ ٢٥٢، خزيمة ١٩٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، لأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. (٢).\n===\n(عن سفيان) الثوري، (عن أبي قيسى الأودي هو عبد الرَّحمن بن ثروان) بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة، الكوفي، وثَّقه ابن معين والدارقطني وابن نمير، وقال العجلي: ثقة ثبت، وقال أحمد: يخالف في حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي وليس بحافظ، وقال النسائي: ليس به بأس، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\"، مات سنة ١٢٠ هـ.\n(عن هُزيل) مصغرًا (ابن شُرَحبيل) بضم أوله وفتح الراء وسكون المهملة، الأودي الكوفي الأعمى، أخو الأرقم بن شرحبيل، أدرك الجاهلية، وثَّقه ابن سعد والدارقطني، وقال العجلي: كان ثقة من أصحاب عبد الله، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين، قال أبو داود (٣): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي - ﷺ - مسح على الخُفين)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الثوري\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) قلت: كذا أنكره النسائي أيضًا كما في حاشيته على طريق النسخة، انتهى.\nوالثوري وغيره، كما نقله عنهم صاحب \"الغاية\"، وضعفه ابن العربي أيضًا. (ش).","vol":"1","page":674},{"text":"وَرُوِىَ هَذَا (١) أَيْضًا عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَلَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِىِّ.\n(٢) وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ،\n===\nقلت: وهذا إذا كان حكايته فعل واحد، وأما إذا كان حكايته فعلين مختلفين وقعا في وقتين فحينئذ لا يضره الرواية المعروفة عن المغيرة - ﵁ - في المسح على الخفين، بل يقال: إن المغيرة رآه ﷺ مسح على الخفين في وقت فرواه كما رأى، ورآه - ﷺ - أنه مسح على الجوربين في وقت آخر فرواه أيضًا كما رأى، كيف وقد قال الترمذي (٣) بعد تخريج هذا الحديث: هذا حديث حسن صحيح.\n(وروي هذا) الحديث (أيضًا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي - ﷺ - أنه مسح على الجوربين)، أخرجه ابن ماجه والبيهقي بسنديهما عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى الأشعري: \"أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين\" (٤)\n(وليس بالمتصل) لأنه رواه الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى، قال البيهقي: لم يثبت سماعه (٥) من أبي موسى (ولا بالقوي) لأن في إسناده (٦) عيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به.\n(ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود) هكذا في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هذا الحديث\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) ورجح ابن العربي كلام أبي داود (١/ ١٤٩). (ش).\n(٤) أخرجه ابن ماجه (٥٦٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٨٥).\n(٥) قال ابن رسلان: ضحاك عن أبي موسى منقطع. (ش).\n(٦) وكذا قال ابن رسلان. (ش).","vol":"1","page":675},{"text":"وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَرُوِىَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ.\n===\nالمكتوبة والمصرية (١)، وفي بعضها: \"ابن مسعود\"، وأخرج البيهقي بسنده عن علي بن أبي طالب أنه مسح على الجوربين والنعلين، وكذلك أخرج بسنده عن شعبة عن منصور، مال: سمعت خالد بن سعد يقول: رأيت أبا مسعود الأنصاري يمسح على الجوربين والنعلين.\nولكن قال الشوكاني في \"النيل\" (٢): قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود (٣) والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، ثم قال الشوكاني: وقد قال بجواز المسح عليه من ذكره أبو داود من الصحابة، وزإد ابن سيد الناس في \"شرح الترمذي\" عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبا مسعود البدري عقبة بن عمرو.\n(والبراء بن عازب، وأنس بن مالك) أخرج روايتهما البيهقي بسنده إليهما في \"سننه الكبير\" (٤) (وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حُريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس) ولم يخرج البيهقي روايتهم إلَّا رواية ابن عباس بسنده عنه: \"أن رسول الله - ﷺ - توضأ مرة مرة ومسح على نعليه\"، هكذا رواه داود بن الجراح، وهو يتفرد عن الثوري\n_________\n(١) وكذا في \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٣٥).\n(٣) ونقله صاحب \"الغاية\" عن عبد الرزاق (١/ ١٩٩ - ٢٠٠). (ش).\n(٤) (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":676},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبمناكير، هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذا اللفظ، وروي عن زيد بن الحباب هكذا وليس بمحفوظ.\nثم ساق البيهقي روايته بإسناده، ثم قال: والصحيح رواية الجماعة، فحكوا رشًا على الرجل، والحديث حديث واحد، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير مع فضل من حفظ فيه الغسل بعد رش على من لم يحفظه.\nثم أخرج حديث أوس بن أوس برواية هشيم عن يعلى، وبرواية حماد بن سلمة عن يعلى، ثم قال: وهذا الإسناد غير قوي، وهو يحتمل ما احتمل الحديث الأول، يعني غسل الرجلين في النعلين.\nقال البيهقي: كان الأستاذ أبو الوليد - رحمه الله تعالى- يؤول حديث المسح على الجوربين والنعلين على أنه مسح على الجوربين منعَّلين، لا أنه جورب على الانفراد، ونعل على الانفراد، أخبرنا بذلك [عنه] أبو عبد الله الحافظ، وقد وجدت لأنس بن مالك أثرًا يدل على ذلك، أخبرناه أبو علي الروذباري، ثنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد آباذي (١)، ثنا محمد بن عبيد الله المنادي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا عاصم الأحول، عن راشد بن نجيح قال: رأيت أنس بن مالك دخل الخلاء وعليه جوربان أسفلهما جلود وأعلاهما خز فمسح عليهما.\nواختلف أقوال (٢) العلماء في المسح على الجوربين، فعندنا إن كانا مجلدين أو منعلين يجزئه بلا خلاف عند أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء لا يجوز المسح عليهما\n_________\n(١) بالذال المعجمة، انظر: \"الأنساب\" للسمعاني (٤/ ٢٤٤).\n(٢) وقال ابن العربي (١/ ١٤٩): فيه للعلماء ثلاثة أقوال. (ش).","vol":"1","page":677},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف (١) ومحمد يجوز، وروي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره.\nاحتج أبو يوسف ومحمد بحديث المغيرة بن شعبة: أن النبي - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين، ولأن الجواز في الخف لدفع الحرج لما يلحقه من المشقة بالنزع، وهذا المعنى موجود في الجورب بخلاف اللفافة والمكعب، لأنه لا مشقة في نزعهما.\nولأبي حنيفة أن جواز المسح على الخفين ثبت نصًا بخلاف القياس، فكل ما كان في معنى الخف في إدمان المشي عليه، وإمكان قطع السفر به، يلحق به، وما لا فلا، ومعلوم أن غير المجلد والمنعل من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى، فتعذر الإلحاق على أن شرع المسح إن ثبت للترفيه، لكن الحاجة إلى الترفيه فيما يغلب لبسه، ولبس الجوارب مما لا يغلب، فلا حاجة فيها إلى الترفيه فبقي أصل الواجب بالكتاب وهو غسل الرِّجلين، وأما الحديث يحتمل أنهما كانا مجلدين أو منعلين وبه نقول ولا عموم له، لأنه حكايته حال، ألا يُرى أنه لم يتناول الرقيق من الجوارب.\nوعند الشافعي: لا يجوز المسح على الجوارب، وإن كانت منعلة إلَّا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين، وهذا أحد الأقوال في مذهبه.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): قال الشافعي: ولا يجوز المسح على\n_________\n(١) كذا عند الشافعي كما في \"الغاية\" عن كتبهم، وكذا عند أحمد كما في \"المغني\" (١/ ٣٧٣)، ونقل صاحب \"الغاية\" عن ابن العربي أن عند أحمد يجوز مطلقًا كما سيجيء. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":678},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>(٦٣) بَابٌ</span>\n١٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى\n===\nالجوربين إلَّا أن يكونا منعلين يمكن متابعة المشي فيهما، وهذا قول ثانٍ في مذهبه.\nوقال الترمذي (١) بعد تخريج حديث مغيرة بن شعبة: \"أنه - ﷺ - مسح على الجوربين\": وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين، وءان لم يكونا منعلين إذا كانا ثخينين، وهذا قول ثالث (٢) في مذهبه، قلت: ومحل تفصيل المسألة وتفريعاتها كتب الفقه من شاء فلينظر (٣) فيها.\n\n(٦٣) (بَابٌ)\nهذا على ما في أكثر النسخ من المكتوبة، والمصرية والمجتبائية الدهلوية خَال عن الترجمة، وهو الأنسب، وليس في بعض النسخ لفظ الباب.\n١٦٠ - (حدثنا مسدد وعباد بن موسى) الختلي بضم المعجمة وتشديد المثناة المفتوحة، نسبة إلى قرية على طريق خراسان إذا خرجت من بغداد، أبو محمد الأنباري، نزيل بغداد، قال ابن معين وأبو زرعة وصالح بن محمد: ثقة، وقال ابن معين مرة: ليس به بأس، مات سنة ٢٣٠ هـ.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ١٦٨).\n(٢) قلت: وتقدم الرابع عن \"الغاية\"، وقال ابن رسلان: اضطرب فيه كلام الأصحاب. (ش).\n(٣) والجواب عن الرواية بالضعف كما قال أبو داود، أو بأن المراد مع النعلين، كما سيجيء عن البيهقي، أو كان المقصود الجورب، والنعل فضل كما قال الطحاوي والخطابي، وسيجيء. (ش).","vol":"1","page":679},{"text":"قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ - قَالَ عَبَّادٌ: قَالَ: أَخْبَرَنِى أَوْسُ بْنُ أَبِى أَوْسٍ الثَّقَفِىُّ-\n===\n(قالا: نا هشيم) بن بشير، (عن يعلي بن عطاء) العامري الليثي الطائفي، أثنى عليه أحمد بن حنبل خيرًا، ووثَّقه ابن معين والنسائي وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٢٠ هـ.\n(عن أبيه) هو عطاء العامري الطائفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال شعبة عن يعلي بن عطاء: ولد أبي لثلاث سنين بقيت من خلافة عمر، قال أبو الحسن بن القطان: مجهول الحال، ما روى عنه غير ابنه يعلى، وتبعه الذهبي في \"الميزان\".\n(قال عباد) بن موسى بسنده عن عطاء: (قال) أي عطاء: (أخبرني) غرض المؤلف هذا بيان الاختلاف (١) بين لفظي مسدد وعباد، فإن عبادًا روى بلفظ الإخبار، فقال: أخبرني، ولم يرو مسدد بلفظ الإخبار، بل بلفظ عن (٢)، أو قال مما لا يدل على اللقاء.\n(أوس بن أبي أوس) حذيفة والد عمرو بن أوس (الثقفي) قال أحمد في \"مسنده\": أوس بن أبي أوس الثقفي، وهو أوس بن حذيفة، وقال البخاري في \"تاريخه\": أوس بن حذيفة الثقفي والد عمرو بن أوس، ويقال: أوس بن أبي أوس، وكذا قال ابن حبان في \"الصحابة\".\nوقال أبو نعيم في \"معرفة الصحابة\": اختلف المتقدمون في أوس هذا، فمنهم من قال أوس بن حذيفة (٣)، ومنهم من قال: أوس بن أبي أوس\n_________\n(١) فالاختلاف في روايتهما في ثلاثة مواضع: في لفظ الإخبار، وفي لفظ رأيت، وفي لفظ الميضأة. \"الغاية\". (ش).\n(٢) وفي \"التقرير\": ولم يذكر لفظ مسدد فيحتمل أنه أرسله، ولم يذكر الصحابي. (ش).\n(٣) وفي الأصل: \"حذافة\" وهو تحريف.","vol":"1","page":680},{"text":"\"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ\". [حم ٤/ ٨]\nوَقَالَ عَبَّادٌ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى علي كِظَامَةَ قَوْمٍ\" - يَعْنِى الْمِيضَأَةَ-\n===\nوكنى أباه، ومنهم من قال: أوس بن أوس، وأما أوس بن أوس الثقفي، وقيل: أوس بن أبي أوس، فروى عنه الشاميون.\nقلت: وذكر الحافظ في ترجمة أوس بن أوس الثقفي الصحابي: قال الدوري عن يحيى بن معين: أوس بن أوس وأوس بن أبي أوس واحد، وقيل: إن ابن معين أخطأ في ذلك، لأن أوس بن أبي أوس (١) هو أوس بن حذيفة، قلت: تابع ابن معين جماعة على ذلك منهم أبو داود، والتحقيق أنهما اثنان، وإنما قيل في أوس بن أوس هذا: أوس بن أبي أوس، وقيل في أوس بن أبي أوس الآتي: أوس بن أوس غلطًا، والله أعلم، قال: وتوفي أوس بن حذيفة سنة ٥٩ هـ. \"تهذيب التهذيب\" (٢).\n(أن رسول الله توضأ ومسح على نعليه وقدميه)، وهذا لفظ مسدد (وقال عباد: رأيت رسول الله - ﷺ -)، فاختلفت ألفاظ مسدد وعباد بأن مسددًا أورد بلفظ: \"أن رسول الله - ﷺ -\"، وقال عباد: أي أورد عباد بلفظ: \"رأيت رسول الله - ﷺ -\"، فلفظ مسدد يحتمل الإرسال، ولا يدل صريحًا على الرؤية بخلاف لفظ عباد.\n(أتى على كظامة قوم يعني الميضأة) هي كالقناة، وجمعها كظائم، وهي آبار تحفر في الأرض متناسقة، ويباعد ما بينهما، ثم يحفر ما بين كل بئرين بقناة، ويخرق بعضها إلى بعض تحت الأرض، فتجتمع مياهها\n_________\n(١) بسطه صاحب \"الغاية\" في تحقيقه أشد البسط. (ش).\n(٢) (١/ ٣٨٢).","vol":"1","page":681},{"text":"وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ الْمِيضَأَةَ وَالْكِظَامَةَ، ثُمَّ اتَّفَقَا: \"فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ\".\n===\nجارية، يؤدي الماء من الأولى إلى ما يليها، حتى يجتمع الماء إلى آخرهن، ويبقى في كل بئر ما يحتاج إليها أهلها، ثم تخرج عند منتهاها، فتسيح على وجه الأرض، وقيل: هي السقاية \"مجمع\" (١).\nوفسر في الحديث بالميضأة، وهي بسكون تحتية وفتح ضاد فهمزة: إناء التوضئ شبه المطهرة تسع ماءً قدر ما يتوضأ به، وهذا (٢) لا يوافق أهل اللغة، وهذا تفسير من بعض الرواة فوق عباد.\n(ولم يذكر مسدد الميضأة والكظامة) مراده بهذا الكلام أنه ليس في رواية مسدد ذكر الميضأة ولا ذكر تفسيره بالكظامة، والحاصل أن الكلام الذي أورده عباد في روايته، وهو \"أتى كظامة قوم يعني الميضأة\"، لم يذكره مسدد.\n(ثم اتفقا) أي مسدد وعباد وكلاهما قالا: (فتوضأ) أي رسول الله - ﷺ - (ومسح على نعليه وقدميه) فرواية مسدد لفظها هكذا: \"أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه وقدميه\"، ولفظ رواية عباد: \"قال: رأيت رسول الله - ﷺ - أتى كظامة قوم يعني الميضأة، فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه\".\nقال الطحاوي (٣) بعد تخريج رواية أوس بن أبي أوس هذا: فذهب قوم إلى المسح على النعلين، كما يمسح على الخفين، وقالوا: قد شد ذلك\n_________\n(١) (٤/ ٤٠٦)، وانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (ص ٨٠٣).\n(٢) قلت: لو فسر لفظ الميضأة بالحوض لا يخالف إذًا أهل اللغة فتأمَّل، ويؤيده لفظ \"أتى\". (ش).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٩٧).","vol":"1","page":682},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nما رُوِي بسنده عن أبي ظبيان أنه رأى عليًّا بال قائمًا، ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلَّى، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا نرى المسح على النعلين، وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون رسول الله - ﷺ - مسح على نعلين تحتهما جوربان، وكان قاصدًا بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه، وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك مسحًا أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فضل.\nوقد بين ذلك ما حدثنا علي بن معبد بسنده عن أبي موسى: أن رسول الله - ﷺ - مسح على جوربيه ونعليه، وكذلك عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله - ﷺ - بمثله، فأخبر أبو موسى والمغيرة عن مسح النبي - ﷺ - على نعليه كيف كان منه.\nوقد روي عن ابن عمر في ذلك وجه آخر، فأخرجه بسنده عن نافع: أن ابن عمر كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح على ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله - ﷺ - يصنع هكذا، فأخبر ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قد كان في وقت ما كان يمسح على نعليه، يمسح على قدميه، فقد يحتمل أن يكون ما مسح على قدميه هو الفرض، وما مسح على نعليه كان فضلًا.\nفحديث [أوس بن] أبي أوس (١) يحتمل عندنا ما ذكر فيه عن رسول الله - ﷺ - من مسحه على نعليه أن يكون كما قال أبو موسى والمغيرة، أو كما قال ابن عمر، فإن كان كما قال أبو موسى والمغيرة، فإنا نقول\n_________\n(١) وفي الأصل: \"أبي أوس\" فقط، وكذا في \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي، والصواب: \"أوس بن أبي أوس\".","vol":"1","page":683},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبذلك؛ لأنا لا نرى بأسًا بالمسح على الجوربين، وإن كان كما قال ابن عمر فإن في ذلك إثبات المسح على القدمين، فقد ثبت ذلك، وما عارضه وما نسخه في باب فرض القدمين، فعلى أي المعنيين كان وجه الحديث، فليس في ذلك ما يدل على جواز المسح على النعلين.\nومن طريق النظر لنعلم كيف حكمه؟ فرأينا الخفين الذين قد جُوّزَ المسحُ عليهما إذا تخرَّقا، حتى بدت القدمان منهما أو أكثر القدمين، فكلٌّ قد أجمع أنه لا يمسح عليهما، فلما كان المسح على الخفين إنما يجوز إذا غيَّبا (١) القدمين، ويبطل ذلك إذا لم يغيِّبا القدمين، وكانت النعلان غير مغيبين للقدمين، ثبت أنهما كالخفين اللذين لا يغيبان القدمين \"الطحاوي ملخصًا\".\nقلت: ويمكن أن يوجه هذا الحديث بأنه - ﷺ - مسح على نعليه (٢) وقدميه، أي بالغسل، كما تدل عليه رواية ابن عباس التي تقدمت في \"باب الوضوء مرتين\"، وفيها: \"فَرَشَّ على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحها بيديه ... \" الحديث.\nويمكن أن يقال في تأويل هذا الحديث: إنه - ﷺ - مسح على القدمين\n_________\n(١) وفي الأصل: \"غيب\"، وهو تحريف، والصواب: \"غيبا\"، كما في \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي.\n(٢) قال الزيلعي (١/ ١٨٨): ولأحاديث مسح النعلين ثلاثة أجوبة: الأول: أنه كان في الوضوء المتطوع به، وذكر الآثار الدالة عليه، والثاني ما قاله البيهقي: إن معنى مسح عليه أي غسلهما في النعل لرواية ابن عمر: يتوضأ فيهما، والثالث ما قاله الطحاوي: إنه مسح على الجوربين والنعلين، وكان المقصود الأول، انتهى، ونقل صاحب \"الغاية\" الثالث عن الخطابي، وزاد عن البيهقي أن معناه جوربين منعلين، وبسط صاحب \"الغاية\" الاضطراب في الحديث سندًا ومتنًا. (ش).","vol":"1","page":684},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>(٦٤) بابٌ: كَيْفَ الْمَسْحُ</span>؟\n١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الزِّنَادِ\n===\nوالنعلين عندما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ بالجر، ثم نسخ، والدليل على النسخ قوله - ﷺ -: \"ويل للأعقاب من النار\".\n\n(٦٤) (بَابٌ: كَيْفَ الْمَسْحُ؟) (١)\n١٦١ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز (٢) قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشي مولاهم المدني، قال أبو داود عن ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعن يحيى بن معين: ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث، ليس بشيء، وعنه: ضعيف، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث، وعن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وعنه: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، وقال الساجي وعمرو بن علي: فيه ضعف، وقال النسائي: لا يحتج بحديثه، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق وفي حديثه ضعف، وقال الترمذي والعجلي: ثقة، وصحَّح الترمذي عدة من أحاديثه، وقال في اللباس: ثقة حافظ، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم، وقال الشافعي: كان ابن أبي الزناد يكاد يجاوز القصد في ذم مذهب مالك، مات ببغداد سنة ١٧٤ هـ.\n_________\n(١) ومقدار المسح أدنى ما يطلق عليه الاسم عند الشافعي، وثلاثة أصابع عندنا، وأكثر ظاهره عند أحمد، واستيعاب الظاهر فقط عند مالك، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٤٥٤). (ش).\n(٢) بزائين. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"1","page":685},{"text":"قَالَ: ذَكَرَهُ أَبِى، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ\".\nوَقَالَ غَيْرُ مُحَمَّدٍ: \"عَلَى ظَهْرِ الْخُفَّيْنِ\".\n[ت ٩٨، ق ١/ ٢٩١، حم ٤/ ٢٤٦، قط ١/ ١٩٥]\n===\n(قال: ذكره) أي الحديث (أبي) أي رواه أبي مذاكرةً، وأبوه هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان (عن عروة بن الزبير، عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ - كان يمسح على الخفين، وقال غير محمد) أي غير محمد بن الصباح، وهو علي بن حجر، أخرج روايته الترمذي (١)، ولفظها: \"مسح على الخفين على ظاهرهما\"، وأبو داود الطيالسي، ولكن فيها عن عروة بن المغيرة عن المغيرة بن شعبة، ولفظها: \"أن النبي - ﷺ - مسح ظاهر خفيه\"، أخرجها البيهقي في \"سننه\" (٢) ثم قال: كذا رواه أبو داود الطيالسي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وكذلك رواه إسماعيل بن موسى عن ابن أبي الزناد، ولكن ما وجدت رواية إسماعيل بن موسى في كتب الحديث، ثم قال البيهقي: ورواه سليمان بن داود الهاشمي، ومحمد بن الصباح، وعلي بن حجر [عن ابن أبي الزناد، عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة، انتهى.\nقلت: سليمان بن داود الهاشمي أخرج روايته الدارقطني (٣)، ولفظها: قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - مسح\" (على ظهر الخفين) والفرق بينهما أن رواية غير محمد من شيوخ أبي داود نص في المسح على ظاهر الخفين، وأما رواية محمد بن الصباح وإن كانت بظاهرها تدل على المسح على ظاهر الخفين، ولكنها ليست بنص فيه، بل يحتمل أعلى الخف وأسفله.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (ح ٩٨).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٩١).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":686},{"text":"١٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ -، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ - قَالَ: \"لَوْ كَانَ الدِّينُ\n===\nفثبت بروايات الشيوخ أن الراجح عن عبد الرحمن بن أبي الزناد هو المسح على ظاهر الخف، فالواجب أن يؤَوّل رواية محمد بن الصباح كان يمسح على الخفين بأن يقال: معناه يمسح على ظهر الخفين.\nوقال الترمذي (١): حديث المغيرة حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزياد، عن أبيه، عن عروة عن المغيرة، ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة على ظاهرهما غيره، واستدل بهذا الحديث من قال بمسح ظاهر الخف.\n١٦٢ - (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب (قال: ثنا حفص يعني ابن غياث) بكسر معجمة وخفة مثناة تحت ومثلثة، ابن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمرو الكوفي، قاضيها وقاضي بغداد، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة مأمون فقيه، وقال يعقوب: ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، ووثقه النسائي وابن خراش وابن سعد، وقال أبو زرعة: ساء حفظه بعد ما استقضي، فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلَّا فهو كذا، وقال داود بن رشيد: حفص كثير الغلط، وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حسنًا وكان عسرًا، وقال أحمد بن حنبل: إن حفصًا كان يدلس، مات سنة ١٩٤ هـ.\n(عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن عبد خير، عن علي) - رضي الله تعالى عنه - (قال) أي علي: (لو كان الدين\n_________\n(١) قلت: ويظهر من مجموع كلام الشيخ والترمذي أن الصواب في حديث المغيرة: \"مسح على الخفين\"، وفي حديث عبد الرحمن: \"مسح على ظهر الخفين\".","vol":"1","page":687},{"text":"بِالرَّأْىِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ\". [حم ١/ ٩٥، دي ٧١٥، ق ١/ ٢٩٢]\n===\nبالرأي) أي بظاهر الرأي ومجرد العقل دون الرواية والنقل (لكان أسفل الخف) لقربه من الأوساخ (١) والقاذورات (أولى بالمسح من أعلاه) لبعده منها (وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر خفيه) (٢)، فهذا صريح في أن الأسفل ليس بممسوح، فالمراد بظاهر خفيه أعلى ظاهرهما.\nقال القاري (٣): اعلم أن العقل الكامل تابع للشرع، لأنه عاجز عن إدراك الحكم الإلهية، فعليه التعبد المحض بمقتضى العبودية، وما ضل من ضل من الكفرة والحكماء والمبتدعة وأهل الأهواء إلَّا بمتابعة العقل وترك موافقة النقل، وقد قال أبو حنيفة - ﵀ -: لو قلت بالرأي لأوجبت الغسل بالبول، لأنه نجس متفق عليه، والوضوء بالمني، لأنه نجس مختلف فيه، ولأعطيت الذكر في الإرث نصف الأنثى لكونها أضعف منه، ويمكن أن يقال: وجه الأولوية أن المقصود من المسح هو الطهارة، ولا شك أن الأسفل (٤) أحوج إلى التطهر، فإنه اجتمع فيه الحدث والخبث، انتهى ملخصًا.\n_________\n(١) وإن اشتركا في نسبة الحدث. (ش).\n(٢) قال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ٢٥١): إسناده صحيح، وقال في \"بلوغ المرام\": حسن، كذا في \"المنهل\" (٢/ ١٤٣). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨٥).\n(٤) ذهب جمع من شُرَّاح الحديث والفقه إلى أن المراد بالأسفل محل الوطء، وحكاه ابن الهمام (١/ ١٣٢) عن \"النهاية\" عن \"المبسوط\"، ثم قال: هذا يفيد أن المراد عندهم بالباطن محل الوطء لا ما يلاقي البشرة، ولكن بتقديره لا تظهر أولوية المسح لو كان بالرأي، بل المتبادر من قول علي -﵁ - ما يلاقي البشرة، لأن الواجب من غسل الرجل ليس لإزالة الخبث بل للحديث، ومحل الوطء من باطن =","vol":"1","page":688},{"text":"١٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ\n===\n١٦٣ - (حدثنا محمد بن رافع) بن أبي زيد، واسمه سابور القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري الزاهد، قال البخاري: كان من خيار عباد الله، وقال النسائي: ثقة ثبت مأمون، وقال مسلم بن الحجاج: ثقة مأمون صحيح الكتاب، وقال محمد بن شاذان: ثقة مأمون، وقال أحمد بن سيار في ذكر مشايخ نيسابور: محمد بن رافع كان ثقة، حسن الرواية عن أهل اليمن، روى عنه البخاري ١٧ حديثًا، ومسلم ٣٦٢ حديثًا، مات سنة ٢٤٥ هـ.\n(قال: ثنا يحيى بن آدم) الأموي (قال: نا يزيد بن عبد العزيز) بن سياه بكسر المهملة بعدها مثناة تحت وآخره هاء ساكنة، الأسدي الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم، نسبة إلى بني حمان، وهي قبيلة نزلت الكوفة، أبو عبد الله الكوفي، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو داود ويعقوب بن سفيان والدارقطني، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن الأعمش) سليمان بن مهران (بإسناده) أي حدثنا محمد بن رافع بسنده عن الأعمش بإسناده أي بإسناد الأعمش المذكور في الرواية المتقدمة، وهو عن أبي إسحاق عبد خير عن علي (بهذا الحديث) أي بالحديث المتقدم.\n_________\n= الرجل فيه كظاهره، وكذا روي عن علي: لكان أسفل الخف أولى، يجب أن يراد بالأسفل الوجه الذي يلاقي البشرة، انتهى.\nوتعقبه الكبيري (ص ١٠٩) فقال: لا يلتفت إلى ما قاله ابن الهمام، لأن مسح ما يلاقي البشرة غير ممكن فكيف يقتضي الرأي أولويته، انتهى، قال ابن عابدين (١/ ٤٩٨): المراد بالباطن ما يلي الأرض لا ما يلي البشرة، كما حقَّقه في \"شرح المنية\" خلافًا لما قاله ابن الهمام، انتهى. (ش).","vol":"1","page":689},{"text":"قَالَ: \"مَا كُنْتُ أُرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إِلَاّ أَحَقَّ بِالْغَسْلِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ\". [ق ١/ ٢٩٢، وانظر تخريج الحديث السابق]\n١٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْىِ لَكَانَ بَاطِنُ الْقَدَمَيْنِ\n===\n(قال:) الضمير يرجع إما إلى علي - ﵁ -، ويمكن أن يرجع إلى يزيد بن عبد العزيز، أي قال يزيد بن عبد العزيز في هذا الحديث هذا اللفظ على خلاف ما قال حفص بن غياث (ما كنت أرى) بصيغة المجهول أي أظن (باطن القدمين إلَّا أحق بالغسل، حتى رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظهر خفيه)، فالجملة الأولى في هذا الحديث الذي رواه يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش يخالف سياق ما رواه حفص بن غياث عن الأعمش بأنه ذكر فيها القدمين والغسل، والمراد بباطن القدمين أسفل القدمين إذا كانا في خفين.\nوأما الغسل فإما أن يؤول بالمسح، أو يكون معناه أني ظننت أن أسفل القدمين أحق بالغسل من ظاهرهما، فلما رأيت رسول الله - ﷺ - اكتفى بالمسح على ظاهر خفيه ولم يمسح أسفلهما، استدللت على أن أسفل القدمين ليس بأحق بالغسل من ظاهرهما، بل كلاهما سواء في حكم وجوب الغسل.\n١٦٤ - (حدثنا محمد بن العلاء قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش بهذا الحديث، قال) أي علي: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين) المراد بالباطن أسفل الخف الذي هو محل الوطء لا ما يلاقي","vol":"1","page":690},{"text":"أَحَقَّ بِالْمَسْحِ (١) مِنْ ظَاهِرِهِمَا، وَقَدْ مَسَحَ النَّبِىُّ -ﷺ- عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ.\n[انظر تخريج الحديث السابق]\nوَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: \"كُنْتُ أُرَى أَنَّ بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أَحَقُّ بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا\". قَالَ وَكِيعٌ يَعْنِى الْخُفَّيْنِ.\nوَرَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ، كَمَا رَوَاهُ وَكِيعٌ\n===\nالبشرة، والمراد بالقدمين الخفان (أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النبي - ﷺ - على ظهر خفيه، ورواه وكيع عن الأعمش بإسناده) المذكور فيما تقدم (قال: كنت أرى أن باطن القدمين) أي أسفل الخفين (أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهرهما، قال وكيع: يعني الخفين) هذا تفسير للضمير في ظاهرهما أو تفسير للقدمين.\n(ورواه عيسى بن يونس عن الأعمش كما رواه وكيع)، ولم أجد (٢) في كتب الحديث التي تتبعتها رواية عيسى بن يونس (٣)، إلَّا أن البيهقي (٤) أخرج بسنده عن يونس بن أبي إسحاق عن عبد خير قال: رأيت عليًا ومسح ثم قال: \"لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظهر القدمين لرأيت أن أسفلهما وباطنهما أحق بذلك\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بالغسل\".\n(٢) وكذا في \"المنهل\" (٢/ ١٤٨). (ش).\n(٣) قلت: رواية عيسى بن يونس عن الأعمش بإسناده، أخرجها النسائي في \"الكبرى\".\nانظر: كتاب الطهارة باب المسح على الخفين رقم (١١٨).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٩٢).","vol":"1","page":691},{"text":"وَرَوَاهُ أَبُو السَّوْدَاءِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ ظَاهِرَ قَدَمَيْهِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَفْعَلُهُ\". وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\n===\n(ورواه (١) أبو السوداء) (٢)، هو عمرو بن عمران النهدي الكوفي، وثَّقه أحمد وابن معين وابن نمير وغيره (عن ابن عبد خير) هو المسيب روى عن أبيه عن علي في الوضوء، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الذهبي في \"الميزان\": وضعفه أبو الفتح الأزدي.\n(عن أبيه قال: رأيت عليًّا توضأ فغسل ظاهر قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله، وساق الحديث)، هكذا في النسخ المطبوعة الهندية والمطبوعة بمصر، وأما في النسخة المكتوبة بعد قوله: يفعله، لظننت أن بطونهما أحق بالغسل (٣)، فاختلفت هذه الروايات ففي بعضها المسح، وفي بعضها الغسل، وكذلك في بعضها ذكر القدمين، وفي بعضها الخفين.\nقال البيهقي (٤): وفي كل هذه الروايات المقيدات بالخفين دلالة على اختصار وقع في ما أخبرنا أبو علي الروذباري، ثنا أبو محمد بن\n_________\n(١) هذا الحديث ذكر في نسخة \"اللؤلؤي\" معلقًا، وفي نسخة ابن داسة موصولًا بلفظ: حدثنا حامد بن يحيى، نا سفيان عن أبي السوداء ... إلخ، كذا في \"المنهل\" (٢/ ١٤٨). (ش).\n(٢) بالمد. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) ذكر المزي هذا الحديث وقول أبي داود في \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٨٩) رقم (١٠٢٠٤) وزاد: \"حدثنا حامد بن يحيى قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء، به\".\nثم قال المزي: من قوله: \"لظننت\" ... إلى آخره في رواية أبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٩٢).","vol":"1","page":692},{"text":"١٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ\n===\nشوذب (١) المقرئ بواسط، ثنا شعيب بن أيوب، ثنا أبو نعيم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عبد خير قال: رأيت عليًّا ومسح، ثم قال: \"لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر القدمين لرأيت أن أسفلهما وباطنهما أحق بذلك\".\nثم قال البيهقي: وكذلك رواه أبو السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه، وعبد خير عن علي في صفة وضوء النبي - ﷺ -، فذكر أنه غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، انتهى.\nفهذه الروايات تدل على أن المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف دون باطنه، وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وذهب مالك والشافعي وأصحابهما والزهري وابن المبارك إلى أنه يمسح ظهورهما وبطونهما، قال مالك والشافعي: إن مسح ظهورهما دون بطونهما أجزأه، وقال مالك: من مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه، وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده، وقال ابن شهاب والشافعي في قول: إن من مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما أجزأه، والواجب عند أبي حنيفة مسح قدر ثلاث أصابع من أصابع اليد، وعند أحمد مسح أكثر الخف، وروي عن الشافعي أن الواجب ما يسمى مسحًا، هكذا ذكره الشوكاني (٢).\n١٦٥ - (حدثنا موسى بن مروان) البغدادي أبو عمران التمار، سكن الكوفة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٤٠ هـ أو بعدها\n_________\n(١) وفي الأصل: \"سودة\" وهو تحريف، والصواب: \"شوذب\" كما أثبتناه من \"سنن البيهقي\" (١/ ٢٩٢).\n(٢) (١/ ٢٤٠) وصاحب \"المغني\" (١/ ٣٧٧) أيضًا، ولم يذكرا مذهب مالك، وذكر الشعراني والقاري مذهبه الاستيعاب. (ش).","vol":"1","page":693},{"text":"وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِىُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ مَحْمُودٌ: قال: أَخْبَرَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: \"وَضَّأْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ عْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُمَا (١) \". [ت ٩٧، جه ٥٥٠، حم ٤/ ٢٥١، قط ١/ ١٩٥، ق ١/ ٢٩٠]\n===\n(ومحمود بن خالد الدمشقي، المعنى، قالا: ثنا الوليد) بن مسلم، (قال محمود) شيخ المؤلف: (قال) أي الوليد: (أخبرنا ثور بن يزيد) بلفظ الإخبار، وأما موسى بن مروان فلم يقل بلفظ الإخبار، بل لعله روى بلفظ عن، أو قال بما لا يدل على الاتصال.\n(عن رجاء بن حيوة) بفتح المهملة وسكون المثناة التحتانية وفتح الواو، ابن جرول الكندي، أبو المقدام، ويقال: أبو نصر الفلسطيني، قال ابن سعد: كان ثقة فاضلًا كثير العلم، وقال العجلي والنسائي: شامي ثقة، وقال أحمد بن حنبل: لم يلق رجاء ورّادًا كاتب المغيرة، وكذا حكى الترمذي عن البخاري وأبي زرعة، وروايته عن أبي الدرداء مرسلة، مات سنة ١١٢ هـ.\n(عن كاتب المغيرة بن شعبة) اسمه وراد بفتح الواو وتشديد الراء، الثقفي أبو سعيد، ويقال: أبو ورد الكوفي، كاتب المغيرة ومولاه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن المغيرة بن شعبة قال: وضأت النبي - ﷺ - في غزوة تبوك فمسح على الخفين) وفي نسخة: \"أعلى الخفين\" (وأسفلهما).\nهذا الحديث يدل على أن محل المسح في الخفين أعلاهما\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وأسفله\".","vol":"1","page":694},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأسفلهما، ويؤيده ما رواه البيهقي في \"سننه الكبير\" (١): أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو الوليد الفقيه، ثنا مكي بن عبدان، ثنا عمار بن رجاء، ثنا زيد بن حباب، ثنا سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يمسح على ظهر الخف وباطنه، قال: وحدثنا عمار ثنا زيد، ثنا عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر مثله.\nفهذا الحديث المرفوع قال فيه الترمذي: هذا الحديث (٢) معلول لم يسنده (٣) عن ثور غير الوليد، وسألت أبا زرعة ومحمدًا عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح، ولهذا قال الشافعي وأصحابه: الأكمل في كيفية المسح أن يضع أصابع يده اليمنى مفرجة على مقدم ظهر الخف، وأصابع يده اليسرى على أسفل العقب، ثم يمرهما، فتنتهي أصابع اليمنى إلى آخر الساق، والأخرى من أطراف الأصابع من تحت، فمسح أعلى الخف عندهم واجب، ومسح أسفله سنة، لأن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال بالاتفاق.\nقال القاري (٤): والظاهر أن العمل بالحديث الضعيف محله إذا لم يكن مخالفًا للحديث الصحيح أو الحسن، وسيأتي ما يخالفه من حديثه المتصل، ومن حديث علي كرَّم الله وجهه، وأيضًا إنما يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال الثابتة بأدلة أخرى، وها هنا هذا الحكم ابتدائي مع أنه ليس فيه ما يدل على ثوابه وفضيلته، فتأمل حق التأمل وثبت العرش ثم انقش.\n_________\n(١) (١/ ٢٩١).\n(٢) وكذا قال ابن رسلان وبسط طرقه. (ش).\n(٣) يعني يرسلونه ولا يذكرون المغيرة كما بسطه في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٥١). (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨٣).","vol":"1","page":695},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: وروى البيهقي في \"سننه الكبير\" (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو الوليد الفقيه، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن أشعث، عن الحسن، عن المغيرة بن شعبة قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله - ﷺ - على الخفين\".\nوكذلك أخرج البيهقي في \"سننه الكبير\" بسنده إلى حميد بن مخراق الأنصاري أنه رأى أنس بن مالك بقباء مسح ظاهر خفيه بكفيه مسحة واحدة.\nفهذا الحديث المرفوع وأثر مالك بن أنس - ﵁ - يدل على خلاف ما دل عليه حديث كاتب المغيرة عن المغيرة، فإنه يدل على أنه - ﷺ - مسح أعلى الخف الأيمن والأيسر بيده اليمنى واليسرى مسحة واحدة، فلو سلَّمنا مسحه - ﷺ - أعلى الخف وأسفله لكان صورة المسح أن يمسح أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأسفله باليسرى في أول مرة، ثم في المرة الثانية يمسح الخف الأيسر أعلاه باليمنى وأسفله باليسرى بماء جديد.\nوهذه الصورة لا يثبتها رواية، بل تخالف الحديث الصحيح الذي رواه المغيرة بن شعبة، وأيضًا يخالفه ما روي عن جابر بن عبد الله وعلي بن أبي طالب وغيرهم، فما قال صاحب \"غاية المقصود\": وأما الحديث الثاني للمغيرة وحديث علي فليس بين حديثيهما تعارض ... إلخ، نشأ من قلة التدبر.\n_________\n(١) (١/ ٢٩٢).","vol":"1","page":696},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَبَلَغَنِى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَجَاءٍ.\n===\n(قال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء)، هذا ما في النسخ الموجودة عندنا، ولكن قال البيهقي في \"سننه\" (١): قال أبو داود: ويروى أن ثورًا لم يسمع هذا الحديث من رجاء، وغرض المؤلف بهذا الكلام بيان العلة في هذا الحديث بأن بين ثور بن يزيد ورجاء انقطاعًا.\nقال في \"الجوهر النقي\": قلت: حاصله، أي حاصل ما قال البيهقي: أنه ذكر في الحديث علتين: إحداهما: أن ثورًا لم يسمعه (٢) من رجاء، الثانية: أن كاتب المغيرة أرسله، ويمكن أن يجاب عن الأولى بما تقدم من رواية داود بن رشيد، فإنه صرح (٣) فيها بأن ثورًا قال: حدثنا رجاء، وإن كان داود قد روى عنه أنه قال: عن رجاء، ويجاب عن الثانية بأن الوليد بن مسلم زاد في الحديث ذكر المغيرة، وزيادة الثقة مقبولة، وتابعه على ذلك ابن أبي يحيى، كذا أخرج عنه البيهقي في \"كتاب المعرفة\".\nوبقي في الحديث علَّتان أخريان لم ينبه عليهما البيهقي، إحداهما: أن كاتب المغيرة مجهول، الثانية: أن الوليد مدلس، وقد رواه عن ثور بالعنعنة.\nويجاب عن الأولى بأن المعروف بكتابة المغيرة هو مولاه ورّاد، وهو مخرج له في الصحيحين، فالظاهر أنه هو المراد، وقد أدرج بعض الحفاظ هذا الحديث في ترجمة رجاء عن ورّاد، وذكره المزي في\n_________\n(١) (١/ ٢٩٠).\n(٢) كما صرح به الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٥٠). (ش).\n(٣) وكذا أخرجه الدارقطني (١/ ١٩٥)، كذا قال ابن رسلان. (ش).","vol":"1","page":697},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"أطرافه\" (١) في ترجمة وراد عن المغيرة، وأصرح من هذا أن ابن ماجه أخرجه في \"سننه\"، فقال: عن رجاء عن وراد كاتب المغيرة فصرح باسمه، وقال المزي في \"أطرافه\": رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير عن ورّاد عن المغيرة (٢).\nويجاب عن الثانية بأن أبا داود أخرج هذا الحديث في \"سننه\"، فقال: عن الوليد أخبرنا ثور، فأمن بذلك تدليسه (٣)، انتهى.\nقلت: ومع هذا كله بقي فيه علة أخرى، وهي أن رجاء لم يدرك ورّادًا كاتب المغيرة فثبت الانقطاع، وما وقفت لها على جواب.\nتمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الأول ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الثاني\nوأوله: \"باب في الانتضاح\"\nوصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا\n_________\n(١) (٨/ ٢٠٢).\n(٢) وقال الدارقطني في \"العلل\" (٧/ ١٢٣٨): ليس في هذه الرواية ذكر المسح أسفل الخف.\n(٣) وبسط في علله ابن رسلان وصاحب \"الغاية\". (ش).","vol":"1","page":698},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء الثَّانِي\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"2","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"2","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٢)","vol":"2","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"2","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>(٦٥) بابٌ: فِى الاِنْتِضَاحِ</span>\n١٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قال: حَدَّثَنَا (١) سُفْيَانُ\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٦٥) (بابٌ: في الاِنْتِضَاحِ) (٢)\nفي \"القاموس\": نضح البيت ينضحه: رشَّه، وفي \"المجمع\": وفيه من السنن العشر الانتضاح بالماء: وهو أن يأخذ قليلًا من الماء، فيرش به مذاكيره بعد الوضوء لنفي الوسواس، وقيل: هو الاستنجاء، وقيل: إسالة الماء بالنثر والتنحنح (٣)\n١٦٦ - (حدثنا محمد بن كثير) العبدي (قال: أنا سفيان) الثوري،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نا\".\n(٢) بالحاء المهملة قيل: هو أكثر من المعجمة، وقيل: بالعكس، وقيل غير ذلك، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: في الحديث تأويلات أربعة، الأول أي صب الماء على الأعضاء صبًّا، وعدم الاكتفاء بالمسح، الثاني - ثم ذكر هذه الثلاثة المذكورة في \"البذل\"، وقال في آخره: - قال النووي: الصواب ما قاله الخطابي والمحققون: إنه الاستنجاء بالماء، انتهى. وذكر هذه الأربعة ابن العربي (١/ ٦٦). (ش).","vol":"2","page":5},{"text":"عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْحَكَمِ الثَّقَفِىِّ - أَوِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثقفي - قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا بَالَ يَتَوَضَّأُ (١) وَيَنْتَضِحُ\". [ن ١٣٥، جه ٤٦١، حم ٣/ ٤١٠، ق ١/ ١٦١]\n===\nهكذا في بعض النسخ (عن منصور) بن المعتمر (عن مجاهد) بن جبر المخزومي (عن سفيان بن الحكم الثقفي أو الحكم (٢) بن سفيان الثقفي).\nقال الحافظ في \"التهذيب\" (٣): قد اختلف على مجاهد فيه، قيل: عنه عن الحكم أو ابن الحكم عن أبيه، وقيل: عن الحكم بن سفيان عن أبيه، وقيل: عن الحكم غير منسوب عن أبيه، وقيل: عن رجل من ثقيف عن أبيه، فهذه أربعة أقوال، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان من غير ذكر أبيه، وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له: الحكم أو أبو الحكم، وقيل: عن ابن الحكم أو أبي الحكم بن سفيان، وقيل: عن الحكم بن سفيان أو ابن أبي سفيان، وقيل: عن رجل من ثقيف، وهذه ستة أقوال ليس فيها عن أبيه.\nقال البخاري: قال بعض ولد الحكم بن سفيان: إنه لم يدرك النبي - ﷺ -، وقال الخلال عن ابن عيينة: الحكم ليست له صحبة، وكذا نقله الترمذي في \"العلل\" عن البخاري، وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" عن أبيه: الصحيح الحكم بن سفيان عن أبيه، وكذا قال الترمذي في \"العلل\" عن البخاري، والذهلي عن ابن المديني، وصحَّح إبراهيم الحربي وأبو زرعة وغيرهما أن للحكم بن سفيان صحبة، فالله أعلم، وفيه اضطراب كثير، انتهى بلفظه.\n(قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا بال (٤) يتوضأ وينتضح)،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"توضأ\".\n(٢) وبسط ابن رسلان الاضطراب في هذا الاسم. (ش).\n(٣) (٢/ ٤٢٥).\n(٤) قال ابن رسلان: إذا بال استجمر ثم توضأ، وفي نسخة: \"ثم يتوضأ وينتضح\"، وظاهره أن النضح يكون بعد الوضوء. (ش).","vol":"2","page":6},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشارح: قال الخطابي: الانتضاح ههنا الاستنجاء بالماء، وكان عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة ولا يمسوا الماء، قال: ويتأول أيضًا عن رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء ليدفع بذلك وسوسة الشيطان، انتهى.\nوذكر النووي عن الجمهور أن هذا الثاني هو المراد ها هنا.\nقلت: النضح، كما يستعمل في الرش، كذلك يستعمل في الغسل. قال في \"المجمع\" عن الكرماني: وعند مالك والحنفية النضح بمعنى الغسل كثير معروف، ويؤيد كون النضح ها هنا بمعنى الرش ما أخرجه البيهقي (١) بسنده، قال: ثنا شعيب، عن منصور، عن مجاهد، عن رجل يقال له: الحكم أو أبو الحكم من ثقيف، عن أبيه أنه رأى رسول الله - ﷺ - توضأ ثم أخذ حفنة من ماء فانتضح بها.\nوفي رواية له بسنده عن أسامة بن زيد بن حارثة عن أبيه: \"أن جبرائيل نزل على رسول الله - ﷺ - في أول ما أوحي إليه، فعلَّمه الوضوء، فتوضأ النبي - ﷺ -، فلما فرغ أخذ النبي - ﷺ - بيده ماء فنضح به فرجه\".\nأخرجه الدارقطني (٢) أيضًا بلفظ: \"أن جبرائيل أتاه في أول ما أوحي إليه، فأراه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ حفنة من ماء فنضح بها فرجه\".\n_________\n(١) وأيضًا أخرجه النسائي (ح ١٣٥) بلفظ: \"توضأ فنضح فرجه\". (ش).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١١١).","vol":"2","page":7},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَافَقَ سُفْيَانَ جَمَاعَةٌ عَلَى هَذَا الإِسْنَادِ،\n===\nوأخرج الدارقطني بسنده عن أسامة بن زيد: \"أن جبرائيل لما نزل على النبي - ﷺ - أراه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها في الفرج\".\nوأخرى للبيهقي بسنده عن ابن عباس موقوفًا: أن رجلًا أتاه، فقال: إني أجد بللًا إذا قمت أصلي، فقال ابن عباس: انضح بكأس من ماء، وإذا وجدت من ذلك شيئًا فقل هو منه، فذهب الرجل فمكث ما شاء الله، ثم أتاه بعد ذلك، فزعم أنه ذهب ما كان يجد من ذلك.\nفهذه الروايات كلها تدل على أنه ليس المراد بالنضح ها هنا إلَّا رش الفرج بالماء بعد الوضوء لا الاستنجاء، فإن الاستنجاء لا يكون إلَّا قبل الوضوء.\n(قال أبو داود: وافق سفيان جماعة على هذا الإسناد)، فسفيان مفعول للفعل ولفظ جماعة فاعله، والموافقة في أنه لم يذكروا عن أبيه، قال البيهقي بعد تخريج هذه الرواية (١): كذا رواه الثوري ومعمر وزائدة عن منصور.\nثم أخرج رواية شعبة عن منصور، عن مجاهد، عن رجل يقال له: الحكم أو أبو الحكم من ثقيف عن أبيه أنه رأى ... الحديث، ثم قال البيهقي بعد هذه الرواية: وكذلك رواه وهيب عن منصور، ورواه أبو عوانة وروح بن القاسم وجرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان، ولم يذكروا أباه، فوافق هذه الجماعة سفيان على هذا الإسناد في ترك عن أبيه.\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٦١).","vol":"2","page":8},{"text":"وَقَالَ (١) بَعْضُهُمُ: الْحَكَمُ أَوِ ابْنُ الْحَكَمِ.\n١٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ،\n===\n(وقال بعضهم: الحكم أو ابن (٢) الحكم)، وهذا اختلاف ثان، وقد بين الاختلاف في اسم الحكم بن سفيان عن \"تهذيب\" الحافظ فيما تقدم مفصلًا.\n١٦٧ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل) الطالقاني (قال: ثنا سفيان) هو ابن عيينة، ولم أجد في نسخ أبي داود الموجودة لفظ ابن عيينة، ولكن يدل على كونه ابن عيينة ما قال البيهقي: قال الإِمام أحمد: رواه ابن عيينة عن منصور، فمرة ذكر فيه أباه ومرة لم يذكره، وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا علي بن عيسى، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه، الحديث، ثم قال: رواه أبو عيسى الترمذي عن ابن أبي عمرو عن ابن عيينة عن منصور وابن أبي نجيح هكذا، انتهى.\nوقال الشارح: قال ولي الدين: هو ابن عيينة، لأن إسحاق الطالقاني إنما هو المعروف بالرواية عنه لا عن الثوري.\n(عن ابن أبي نجيح) هو عبد الله بن أبي نجيح، واسم أبي نجيح يسار الثقفي أبو يسار المكي، قال أحمد: ابن أبي نجيح ثقة، وثَّقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي ومحمد بن عمر، وعن ابن معين:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\" بدون الواو.\n(٢) ولا يضر هذا الاختلاف، لأنه في مجرد الاسم مع تعيين المسمى، كذا في \"التقرير\"، وجعله في \"التدريب\" مثال المضطرب، وقال: اختلف فيه بنحو عشرة أقوال. (ش).","vol":"2","page":9},{"text":"عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَالَ ثُمَّ نَضَحَ فَرْجَهُ\". [انظر الحديث السابق]\n١٦٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو،\n===\nكان مشهورًا بالقدر، وقال العجلي: مكي ثقة، يقال: كان يرى القدر، أفسده عمرو بن عبيد، وذكره النسائي فيمن كان يدلس، مات سنة ١٣١ هـ.\n(عن مجاهد) بن جبر (عن رجل من ثقيف) هو الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم. قاله الحافظ في \"التهذيب\" (عن أبيه) الضمير يرجع إلى رجل من ثقيف، وهو سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، فإن كان الرجل المبهم هو الحكم فأبوه سفيان، وإن كان سفيان فأبوه الحكم، وعلى كلا التقديرين تقدمت ترجمته في ترجمة سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان في السند السابق.\n(قال: رأيت رسول الله - ﷺ - بال ثم نضح (١) فرجه)، أي غسل فرجه، فيحمل على الاستنجاء، وهذا ظاهر، ويمكن أن يقدر: بال ثم توضأ ثم نضح فرجه، فحينئذ يحمل على رش الفرج لدفع الوسوسة.\n١٦٨ - (حدثنا نصر بن المهاجر) المصيصي الحافظ، قال مسلمة في الصلة: يكنى أبا بكر، عالم بالحديث، روى عنه ابن وضاح، وذكر أنه كان حافظًا ضابطًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات بعد سنة ٢٣٠ هـ.\n(ثنا معاوية بن عمرو) بن المهلب بن عمرو بن شبيب الأزدي المعني\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وظاهره أن النضح يكون بعد الاستنجاء، كما ذكره النووي وغيره. (ش).","vol":"2","page":10},{"text":"حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الْحَكَمِ - أَوِ ابْنِ الْحَكَمِ - عَنْ أَبِيهِ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَنَضَحَ فَرْجَهُ\". [حم ٤/ ٦٩ - ٥/ ٨٠، وانظر تخريج الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>(٦٦) باب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا تَوَضَّأَ</span>\n١٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِىُّ\n===\nبفتح الميم وسكون المهملة وكسر النون، نسبة إلى معن بن مالك الكوفي، أبو عمرو البغدادي، ويعرف بابن الكرماني، عن أحمد: صدوق ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، نزل بغداد، وتوفي بها سنة ٢١٤ هـ.\n(ثنا زائدة) بن قدامة (عن منصور) بن المعتمر (عن مجاهد، عن الحكم أو ابن الحكم، عن أبيه أن النبي - ﷺ - بال ثم توضأ ونضح فرجه) وهذا السياق أيضًا يحمل على رش الماء على الفرج، ويمكن أن يحمل على الاستنجاء، فإن حرف الواو يدل على تأخير الوضوء والنضح كليهما عن البول، ولا يدل على تأخير النضح عن الوضوء.\n\n(٦٦) (بَابُ مَا يَقولُ الرَّجُلُ إِذَا تَوَضَّأ)\nوفي نسخة: إذا فرغ من وضوئه (١)\n١٦٩ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني)، هو أحمد بن سعيد بن\n_________\n(١) أما الأدعية الواردة في أثنائه، نقل صاحب \"الغاية\" عن \"زاد المعاد\" (١/ ١٨٨) أنها كذب لا أصل لها، وكذا أنكرها ابن العربي (١/ ٧٤)، وابن دقيق العيد، وقال: الواجب الاقتصار على الوارد، قلت: بل لها أصل وإن كان ضعيفًا بسطها صاحب \"السعاية\"، والضعيف في الفضائل يعتبر. (ش) [انظر: \"السعاية\" (١/ ١٨١)].","vol":"2","page":11},{"text":"قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قال: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ - يَعْنِى ابْنَ صَالِحٍ - يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ،\n===\nبشر بن عبيد الله، أبو جعفر المصري، قال النسائي: ليس بالقوي، لو رجع عن حديث بكير بن الأشج في الغار لحدثت عنه، قال الساجي: ثبت، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره النسائي في شيوخه الذين سمع منهم، مات سنة ٢٥٣ هـ.\n(قال: ثنا ابن وهب) هو عبد الله، هكذا في النسخ الموجودة عندنا، وقال الشارح: كذا برواية اللؤلؤي، وببعض الروايات: نا وهب بن بيان نا ابن وهب، وببعضها: الجمع بين الرجلين قالا: نا ابن وهب (١).\n(قال: سمعت معاوية يعني ابن صالح) بن حدير (٢) (يحدث عن أبي عثمان)، قال الحافظ في \"التهذيب\" (٣): أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر عن عمر: \"من أحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله\"، الحديث. وقيل: عن أبي عثمان عن عقبة من غير ذكر جبير، وقيل: عن أبي عثمان عن عمر نفسه. وعنه ربيعة بن يزيد الدمشقي ومعاوية بن صالح، والصحيح عن معاوية عن ربيعة عنه، قال أبو بكر بن منجويه: يشبه أن يكون سعيد بن هانئ الخولاني المصري، وقال ابن حبان: يشبه أن يكون حريز بن عثمان الرحبي، وقال الحافظ في\n_________\n(١) وجاء في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٦٠٦) رقم (٩٩١٤) ما نصه: \"أبو داود في الطهارة عن أحمد بن سعيد الهمداني ووهب بن بيان كلاهما عن ابن وهب بالسند المذكور\"، وقد أشار إليه الشارح، ولكن قال المزي بعد ذلك: حديث وهب بن بيان في رواية أبي عمرو أحمد بن علي البصري عن أبي داود ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) ذكره ابن العربي (١/ ٧٢)، وصحح طريق أبي داود دون الترمذي. (ش).\n(٣) (١٢/ ١٦٤).","vol":"2","page":12},{"text":"عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: \"كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خُدَّامَ أَنْفُسِنَا: نَتَنَاوَبُ الرِّعَايَةَ:\n===\n\"التقريب\" بعد ذكر القولين: وإلَّا فمجهول، قال الذهبي في \"الميزان\": د - ت - س، عن جبير بن نفير، لا يدرى من هو، وخرَّج له مسلم متابعة، روى عنه معاوية بن صالح.\n(عن جبير (١) بن نفير) مصغرًا ابن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الحمصي، أدرك زمان النبي - ﷺ - وروى عنه وعن أبي بكر الصديق - ﵁ - مرسلًا، قال أبو حاتم: ثقة من كبار تابعي أهل الشام، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن حبان في \"ثقات التابعين\": أدرك الجاهلية ولا صحبة له، وقال ابن سعد: كان ثقة فيما يروي من الحديث، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، مات سنة ٨٠ هـ.\n(عن عقبة بن عامر) (٢) بن عبس الجهني، صحابي مشهور، اختلف في كنيته على سبعة أقوالٍ، أشهرها أبو حماد، وكان قارئًا فقيهًا مفرضًا شاعرًا قديم الهجرة والسابقة والصحبة، وهو أحد من جمع القرآن، ومصحفه بمصر إلى الآن بخطه على غير التأليف الذي في مصحف عثمان، وفي آخره بخطه: وكتب عقبة بن عامر بيده، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، مات في قرب ستين سنة.\n(قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - خدام أنفسنا) ما كان لنا عبيد ولا غلمان يخدموننا، بل كنا نتولى أمورنا بأنفسنا (نتناوب الرعاية) يعني قسمنا رعاية إبلنا بيننا، يرعى جمال الرفقة هذا يومًا وذلك يومًا آخر.\n_________\n(١) وما في بعض النسخ جبر مكبرًا غلط ليس في رواية أبي داود، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٣٥٩) رقم (٣٧١١).","vol":"2","page":13},{"text":"رِعَايَةَ إِبِلِنَا، فَكَانَتْ عَلَىَّ رِعَايَةُ الإِبِلِ، فَرَوَّحْتُهَا بِالْعَشِىِّ، فَأَدْرَكْتُ (١) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ النَّاسَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ (٢) إِلَّا فقَدْ (٣) أَوْجَبَ».\n===\nقال النووي (٤): معنى هذا الكلام: أنهم كانوا يتناوبون رعي إبلهم، فتجتمع الجماعة، ويضمون إبلهم بعضها إلى بعض، فيرعاها كل يوم واحد منهم ليكون أرفق بهم، وينصرف الباقون إلى مصالحهم، والرعاية بكسر الراء: هي الرعي.\n(رعاية إبلنا) قال الشارح: أي أهل رفقته الذين قدم معهم على رسول الله - ﷺ - وهم اثنا عشر راكبًا، كما في \"أوسط الطبراني\" (فكانت عليَّ رعاية الإبل) أي جاءت نوبتي يومًا، وكان رعي إبل القوم في ذلك اليوم علىّ (فروَّحتها بالعشي) أي رددت الإبل إلى مراحها ومأواها بالعشي، أي ما بعد الزوال بعد ما فرغت من رعيها، ثم جئت إلى مجلس رسول الله - ﷺ -.\n(فأدركت رسول الله - ﷺ - يخطب الناس، فسمعته يقول: ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء)، أي يأتي بسننه وآدابه (ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه)، قال النووي: وقد جمع رسول الله - ﷺ - بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع، لأن الخضوع بالأعضاء، والخشوع بالقلب على ما قاله جماعة من العلماء (إلَّا فقد أوجب) أي من أتى بهذه العبادة فقد أوجب له الجنة، وفي \"مسلم\": إلَّا وجبت له الجنة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فإذا\".\n(٢) وفي نسخة: \"وبوجهه\".\n(٣) وفي نسخة: \"وقد\".\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ١٢٢).","vol":"2","page":14},{"text":"فَقُلْتُ: بَخٍ بَخٍ، مَا أَجْوَدَ هَذِهِ! فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِ يَدَىَّ: الَّتِى قَبْلَهَا يَا عُقْبَةُ أَجْوَدُ مِنْهَا. فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قُلْتُ (١): مَا هِىَ يَا أَبَا حَفْصٍ (٢) قَالَ: إِنَّهُ قَالَ آنِفًا\n===\n(فقلت: بخ بخ) (٣) كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة، مبنية على السكون، فإن وُصلت جُرَّت ونونت، وربما شددت (ما أجود هذه!) يعني هذه الكلمة أو الفائدة أو البشارة أو العبادة، وجودتها من جهات؛ منها أنها مسهلة ميسرة يقدر عليها كل أحد بلا مشقة. ومنها: أن أجرها عظيم، قاله النووي (٤).\n(فقال رجل بين يدي) أي الذي كان قدامي: (التي قبلها) أي الكلمة التي كانت قبل تلك الكلمة التي سمعتها آنفًا من رسول الله - ﷺ - (يا عقبة أجود منها) أي من تلك الكلمة، فلفظ: \"التي قبلها\" مبتدأ، ولفظ: \"أجود منها\" خبره، والجملة مقولة لقال.\n(فنظرت فإذا هو) أي الرجل الذي بين يدي (عمر بن الخطاب، قلت: ما هي) أي الكلمة التي قبل تلك الكلمة (يا أبا حفص؟) كنية عمر بن الخطاب (قال) أي عمر: (إنه) أي رسول الله - ﷺ - (قال آنفًا) أي قريبًا، وهو بالمد على اللغة المشهورة، وبالقصر على لغة صحيحة، قرأها البزي (٥)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقلت\".\n(٢) وفي النسخ القديمة والمجتبائية: \"يا با حفص\" بدون الألف.\n(٣) ذكره ابن رسلان فيه عدة وجوه. (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ١٢٢).\n(٥) \"البزي\" بفتح الباء وكسر الزاي المشددة، والمشهور بهذه النسبة أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة المكي، مقرئ أهل مكة. \"الأنساب\" (١/ ٢٤٦).","vol":"2","page":15},{"text":"قَبْلَ أَنْ تَجِئَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ وُضُوئِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَاّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ». [م ٢٣٤، ن ١٤٨ - ١٥١، جه ٤٧٠، ت ٥٥، حم ٤/ ١٤٥، ق ١/ ٧٨، خزيمة ١/ ١١]\nقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَحَدَّثَنِى رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ\n===\nفي السبع، \"نووي\" (قبل أن تجيء: ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلَّا فتحت (١) له أبواب الجنة الثمانية (٢) يدخل من أيها شاء)، وأجوديتها من التي قبلها من جهة أنها أسهل وأيسر منها، وأعظم أجرًا منها.\n(قال معاوية) بن صالح: (وحدثني ربيعة بن يزيد) الإيادي بمكسورة وخفة مثناة تحت وإهمال دال، أبو شعيب الدمشقي القصير، وثقه العجلي، وابن عمار، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، والنسائي، وابن سعد، خرج غازيًا بإفريقية في إمارة هشام بن إسماعيل، فقتلته البربر سنة ١٢٣ هـ، وهذا التعليق إما موصول بالسند السابق أو بغيره من سند آخر.\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ٧٤): الذين يدعون من الثمانية أربعة نفر ثم ذكرها. (ش).\n(٢) ظاهره أن للجنة ثمانية أبواب، ولفظ الترمذي: \"ثمانية أبواب الجنة\" يدل على أن لها أكثر من ثمانية، وعددها يبلغ إلى أحد عشر، ذكرها صاحب \"الغاية\"، وقال ابن رسلان: قال ابن القيم: أبواب الجنة لا تنحصر في الثمانية، بل هي أكثر، كما دلت عليه الأحاديث، وسيأتي البسط في ذلك في الهامش في \"كتاب السنَّة\". (ش).","vol":"2","page":16},{"text":"عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ.\n===\n(عن أبي إدريس) هو عائذ الله بن عبد الله بن عمرو، ويقال: عبد الله بن إدريس بن عائذ بن عبد الله بن عتبة بن غيلان، أبو إدريس الخولاني العوذي والعيذي، قال في \"الأنساب\" (١): هذه النسبة إلى عيذ الله بن سعد العشيرة، منهم: أبو إدريس الخولاني العيذي، واسمه عائذ الله بن عبد الله، انتهى.\nقال مكحول: ما رأيت أعلم منه، وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس عالم الشام بعد أبي الدرداء، ولد في حياة النبي - ﷺ - يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، قال العجلي: دمشقي تابعي ثقة، وقال أبو حاتم والنسائي وابن سعد: ثقة، قال ابن معين وغيره: مات سنة ٨٠ هـ.\n(عن عقبة بن عامر) غرض أبي داود بذكر هذا السند أن معاوية بن صالح يروي هذا الحديث بإسنادين: أحدهما عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر، والثاني عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة، أخرج مسلم (٢) أيضًا هذا الحديث في \"صحيحه\" بهذين السندين.\nقلت: وله إسناد ثالث ذكره الإِمام أحمد - رحمه الله تعالى - في \"مسنده\" (٣)، فأخرج بسنده عن معاوية، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير وربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني وعبد الوهاب بن بخت، عن\n_________\n(١) (٣/ ٣٨٦).\n(٢) لكن قال الترمذي (١/ ٧٩): في سنده اضطراب، ولا يصح في هذا الباب كثير شيء، إلَّا أن صاحب \"الغاية\" أجاب عن كلام الترمذي، فأرجع إليه. (ش).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٤٥).","vol":"2","page":17},{"text":"١٧٠ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، عَنْ حَيْوَةَ ابْنُ شُرَيْحٍ (١)، عَنْ أَبِى عَقِيلٍ،\n===\nالليث بن سليم الجهني كلهم يحدث عن عقبة بن عامر قال: قال عقبة، الحديث.\n١٧٠ - (حدثنا الحسين (٢) بن عيسى) بن حمران الطائي، أبو علي، القومسي البسطامي، بفتح الموحدة، الدامغاني، سكن نيسابور، ومات بها، قال أبو حاتم: صدوق، وقال الحاكم: كان من كبار المحدثين وثقاتهم، قال النسائي في \"الكنى\" وفي أسماء شيوخه: ثقة، وكذا قال الدارقطني، مات سنة ٢٤٧ هـ.\n(قال: ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ) قال صاحب \"غاية المقصود\" ها هنا أيضًا: والمقرئي بضم الميم وسكون القاف وفتح الراء وهمزة ثم ياء النسب، منسوب إلى مقرى قرية بدمشق، وقدمنا قبل أن هذا غلط ووهم من الشيخ.\n(عن حيوة بن شريح، عن أبي عقيل) مكبرًا، هو زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام القرشي التيمي، نزيل مصر، روى عن جده وأبيه وابن عمه ولم يسمه، وثَّقه أحمد والنسائي، وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة، وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث لا بأس به، وقال أبو محمد الدارمي: زعموا أنه كان من الأبدال، وقال ابن حبان في \"الثقات\":\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وهو\".\n(٢) قال ابن رسلان: أخرج له البخاري في الوضوء مرتين، ومسلم حديثًا واحدًا. (ش).","vol":"2","page":18},{"text":"عَنِ ابْنِ عَمِّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- نَحْوَهُ (١)، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الرِّعَايَةِ، قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ: «فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ»: ثُمَّ رَفَعَ نظرهُ (٢) إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ. [حم ٤/ ١٥٠، دي ٧١٦]\n===\nيخطئ ويخطأ عليه، وهو ممن استخير الله فيه، مات بالإسكندرية سنة ١٢٧ هـ، وقيل: سنة ١٣٥ هـ.\n(عن ابن عمه) (٣) مجهول لا يعرف، (عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبي - ﷺ - نحوه) أي نحو حديث جبير بن نفير وأبي إدريس عن عقبة (ولم يذكر أمر الرعاية) أي لم يذكر ابن عم أبي عقيل قصة رعاية الإبل (قال) ابن عم أبي عقيل (عند قوله) - ﷺ - (فأحسن الوضوء: ثم رفع) المتوضئ (نظره (٤) إلى السماء) ولم يذكره جبير بن نفير (فقال:) أشهد أن لا إله إلَّا الله، الحديث، (وساق) الراوي (الحديث) سوى ترك قصة الراعي (٥)، وزيادة ثم رفع نظره إلى السماء (بمعنى حديث معاوية).\n_________\n(١) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٦٣٢) رقم (٩٩٧٤) هذا الحديث وهذا السند وزاد: \"وعن هارون بن عبد الله عن عبد الله بن يزيد المقرئ وعن سعيد بن أبي أيوب عن أبي عقيل، به.\nثم قال: حديث هارون في رواية أبي سعيد بن الأعرابي، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) وفي نسخة: \"بصره\".\n(٣) قال ابن رسلان: قال الذهبي: هو ابن عم الصديق. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: للتوجه إلى قبلة الدعاء، ومهابط الوحي، ومصادر تصرف الملائكة، وقال أصحابنا: يستحب الذكر كله مستقبل القبلة. (ش).\n(٥) هكذا في الأصل، والظاهر \"الرعي\".","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>(٦٧) باب الرَّجُلِ يُصَلِّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ</span>\n١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قال: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْبَجَلِىِّ - قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ أَبُو أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو -\n===\n\n(٦٧) (بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ) (١)\nبصيغة الجمع (بِوُضُوءٍ وَاحدٍ) للصلوات\n١٧١ - (حدثنا محمد بن عيسى) أبو جعفر (قال: ثنا شريك) بن عبد الله (عن عمرو بن عامر البجلي قال محمد: هو) أي عمرو بن عامر (أبو) أي والد (أسد بن عمرو) اختلف المحدثون في عمرو بن عامر هذا الذي يروي عن أنس بن مالك، هل هو أنصاري كوفي، أو بجلي كوفي؟ فظاهر ما في أبي داود أنه هو البجلي، ويؤيده ما قال شيخه محمد بن عيسى: هو أي عمرو أبو - أي والد - أسد بن عمرو، فوائد أسد بن عمرو بجلي، وقال الترمذي في \"جامعه\" (٢) بسنده: ثنا سفيان بن سعيد عن عمرو بن عامر الأنصاري، فعلم بذلك أن عنده عمرو بن عامر هذا أنصاري.\nوقال الحافظ في \"التقريب\": إن عمرو بن عامر الأنصاري من الطبقة\n_________\n(١) اتفقت الأئمة على أنه يصلي بوضوئه ما شاء حتى يحدث مع قول النخعي: لا يصلي أكثر من خمس صلوات، ومع قول عبيد بن عمير: يجب الوضوء لكل صلاة، قاله الشعراني (١/ ١٤٧)، ونقل العيني (٢/ ٢٩٠) هذا الأخير عن جماعة من أهل الظاهر وغيرهم. وقال ابن العربي (١/ ٧٧): منهم من قال: يجدد إذا صلَّى بالأول، أو فعل فعلًا يفتقر إلى الطهارة، ومنهم من قال: يجدد مطلقًا، وترك التوضئ لكل صلاة أصح للأحاديث، وابن عمر -﵁ - لعله لم يعلم بالنسخ. (ش).\n(٢) (١/ ٨٨).","vol":"2","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالخامسة، وعليه علامة (ع) تدل على أنه من رواة الستة، وعمرو بن عامر البجلي والد أسد بن عمرو من الطبقة السادسة، وعليه علامة (تمييز) تدل على أنه ليس من رواة الستة.\nفأما أهل الطبقة الخامسة فبعضهم رأوا الواحد أو الاثنين من الصحابة، وأما أهل السادسة فلم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة.\nفعمرو بن عامر هذا إن كان بجليًا لا يصح أن يقول: سألت أنس بن مالك؛ لأنه ليس له لقاء بأنس بن مالك، نعم إن كان أنصاريًا يصح قوله: سألت أنس بن مالك، فعلى هذا قول الترمذي: إنه أنصاري أرجح من قول أبي داود: إنه بجلي.\nولما كان أبو داود حمل هذا السند عن محمد بن عيسى عن شريك، وشريك سيئ الحفظ، كثير الوهم، مضطرب الحديث، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء، كما تقدم في ترجمته، فلعله وقعت هذه الآفة من جهته، فإن نعته بالبجلي صدر من شريك، ولو كان من محمد بن عيسى أو أبي داود لزاد قوله: يعني البجلي.\nثم لما نعته شريك بكونه بجليًا فسَّره محمد بأنه أي عمرو بن عامر البجلي هو أبو أسد بن عمرو، وقول محمد هذا بأن عمرو بن عامر البجلي هو والد أسد بن عمرو صحيح، لا يشوبه خطأ، ولكن الخطأ في أن عمرو بن عامر في هذا السند بجلي ليس بأنصاري، ومحمد بن عيسى وأبو داود لم يلتفتا إلى ذلك، ولم يتأملا فيه، وأما دعوى الاتحاد بينهما","vol":"2","page":21},{"text":"قَالَ: \"سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ،\n===\nفلا يصح أيضًا، فإن البجلي لا يكون أنصاريًا، والله تعالى أعلم.\nوأما عمرو بن عامر الأنصاري الكوفي الذي ذكره الترمذي في هذا السند، فقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): روى عن أنس بن مالك، وعنه أبو الزناد وشعبة والثوري ومسعر وشريك وغيرهم، قال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سألت أنس بن مالك) - ﵁ - (عن) حكم (الوضوء) هل يجب تجديد الوضوء عند كل صلاة، أو يجوز الصلوات بوضوء واحد؟ (فقال: كان النبي - ﷺ - يتوضأ لكل صلاة) أي مفروضة، ووقع في رواية الترمذي من طريق حميد \"طاهرًا أو غير طاهر\"، وظاهره أن تلك كانت عادته.\nقال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه خاصة، ثم نسخ يوم الفتح بحديث بريدة الذي أخرجه مسلم: \"أنه صلَّى الصلوات بوضوء واحد\"، قال: ويحتمل أنه كان يفعله (٢) استحبابًا ثم خشي أن يظن وجوبه، فتركه لبيان الجواز، قال الحافظ (٣): وهذا أقرب.\nقلت: الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن حنظلة\n_________\n(١) (٨/ ٦٠).\n(٢) كذا في \"التقرير\"، وعلى هذا فحديث أنس باعتبار الغالب أو على علمه \"ابن رسلان\"، قلت: وحاصل الأقوال والجمع بينها بأنه ﵊ كان عليه أولًا واجبًا، ثم نسخ بالسواك، لكنه يفعله استحبابًا، لكن لم يفعل في الفتح لبيان الجواز، أو لخشية الوجوب عليهم. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٥).","vol":"2","page":22},{"text":"وَكُنَّا نُصَلِّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ\". [خ ٢١٤، ن ١٣١، ت ٦٠، جه ٥٠٩، حم ٣/ ١٣٢]\n١٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: ثنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قال: حَدَّثَنِى عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ،\n===\n\"أنه - ﷺ - كان أمر بالوضوء لكل صلاة\" يؤيد الاحتمال الأول، وعلى التقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان، فإنه كان بخيبر، وهي قبل الفتح بزمان، هكذا قال الشوكاني في \"النيل\" (١).\nقلت: وحديث سويد بن النعمان: أنه خرج مع رسول الله - ﷺ - عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء، وهي من أدنى خيبر صلَّى العصر، ثم دعا بالأزواد، فأمر به، فثري، فأكل رسول الله - ﷺ - وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلَّى ولم يتوضأ، وأيضًا يدل على النسخ ما رواه أحمد وأبو داود (٢) بسنده عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري \"أن رسول الله - ﷺ - أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلَّا من حدث\".\n(وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد)، أي لا نجدد الوضوء لكل صلاة، بل نكتفي على الوضوء الواحد (٣) لصلوات متعددة ما لم نحدث.\n١٧٢ - (حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى) القطان، (عن سفيان) هو الثوري، صرح به البيهقي في \"سننه\" (٤) (قال: حدثني علقمة بن مرثد)\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٧٢).\n(٢) تقدم في باب السواك، ويؤيده حديث أنس -﵁ - عند الترمذي \"غاية المقصود\". (ش).\n(٣) أي: أحيانًا، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٦٢).","vol":"2","page":23},{"text":"عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْفَتْحِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّى رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ\n===\nبفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة، الحضرمي أبو الحارث الكوفي، عن أحمد: ثبت في الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ثقة، ووثَّقه يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، توفي في آخر ولاية خالد القسري على العراق.\n(عن سليمان بن بريدة) بن الحصيب بمهملتين مصغرًا، الأسلمي المروزي، أخو عبد الله، ولدا في بطن واحد، قال أحمد عن وكيع: يقولون: إن سليمان كان أصح حديثًا من أخيه وأوثق، وقال العجلي: سليمان وعبد الله كانا توأما، تابعيين ثقتين، وقال البخاري (١): لم يذكر [سليمان] سماعًا من أبيه، وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة، ولد هو وأخوه في بطن واحد على عهد عمر بن الخطاب لثلاث خلون من خلافته، ولدا في يوم واحد، وماتا في يوم واحد سنة ١٠٥ هـ.\n(عن أبيه) هو بريدة بن الحصيب (قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - يوم الفتح) أي فتح مكة (خمس صلوات بوضوء واحد) ولم يجدد الوضوء بينها (ومسح على خفيه) حال بتقدير قد (فقال له عمر: إني رأيتك صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه) وهو الصلوات الخمس بوضوء واحد والمسح على الخفين.\nقال القاري (٢): كذا ذكره الشراح، لكن رجع الضمير إلى مجموع المذكور، والمسح على الخفين يوهم أنه لم يكن يمسح على الخفين قبل\n_________\n(١) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٤).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٣٧).","vol":"2","page":24},{"text":"قَالَ: «عَمْدًا صَنَعْتُهُ». [م ٢٧٧، ن ١٣٣، ت ٦١، جه ٥١٠، حم ٥/ ٣٥٨، ق ١/ ١٦٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>(٦٨) باب: في تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ</span>\n١٧٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ قَتَادَةَ بْنَ\n===\nالفتح، والحال أنه ليس (١) كذلك، فالوجه أن يكون الضمير إلى الجمع فقط تجريدًا عن الحال.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (عمدًا) تمييز أو حال من الفاعل (صنعته) ليدل ذلك الفعل على أن كل من أراد القيام إلى الصلاة لا يجب عليه الوضوء إذا لم يكن محدثًا على ما يتوهم، فتقدير الآية: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا، أي وأنتم محدثون.\n\n(٦٨) (بَابٌ في تفْرِيقِ الوُضُوءِ)\nأي: في التفريق (٢) في غسل أعضاء الوضوء\n١٧٣ - (حدثنا هارون (٣) بن معروف) المروزي أبو علي الخزاز الضرير، قال ابن معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم وصالح بن محمد: ثقة. عمي في آخر عمره، مات سنة ٢٣١ هـ.\n(قال: ثنا ابن وهب) هو عبد الله، (عن جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن\n_________\n(١) قلت: وتؤيده رواية النسائي، إذ هي خالية عن ذكر المسح. (ش).\n(٢) والموالاة فرض عند أحمد في الأصح، وكذا عند المالكية إلَّا في النسيان، بخلاف الحنفية والشافعية في الجديد، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٣٥٩)، و\"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وبسط صاحب \"الغاية\" طرق الحديث. (ش). [وانظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٣٨)].","vol":"2","page":25},{"text":"دِعَامَةَ قال: حَدَّثَنَا أَنَسُ: \"أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- وَقَدْ تَوَضَّأَ وَتَرَكَ عَلَى قَدَمَيْهِ (١) مِثْلَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ». [جه ٦٦٥، حم ١/ ٢١، قط ١/ ١٠٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا (٢) الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَاّ ابْنُ وَهْبٍ وَحْدَهُ\n===\nدعامة قال: ثنا أنس) بن مالك - رضي الله تعالى عنه - (أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ - وقد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر) أي ترك على قدمه مقدار الظفر لم يصبه الماء وبقي يابسًا، ويحتمل أن يكون في اللفظ تقديم وتأخير، أي وترك على قدمه موضعًا مثل الظفر (فقال له رسول الله - ﷺ -: ارجع فأحسن وضوءك).\nوالحديث يدل على أنه أمره - ﷺ - بالإحسان، والإحسان يحصل بمجرد إسباغ غسل ذلك العضو، ولا دلالة (٣) فيه على وجوب الإعادة، فثبت بذلك جواز التفريق في غسل أعضاء الوضوء، وعدم وجوب الموالاة فيه (٤).\n(قال أبو داود: هذا الحديث ليس بمعروف) أي هذا الحديث بهذا السند ليس بمعروف، (ولم يروه) عن جرير بن حازم (إلَّا ابن وهب وحده).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي - ﷺ - وقد توضأ وترك على قدميه\".\n(٢) وفي نسخة: \"وأحسن وضوءك، قال أبو داود: وليس هذا الحديث بمعروف\".\n(٣) بل تبويب المصنف صريح فيه، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) وفي \"الغاية\": استدل بعض العلماء به على عدم الوجوب، وقال عياض: يدل على الوجوب إلى آخر ما قال، قلت: نقل ابن رسلان عن النووي أنه رد على عياض، وقال: الاستدلال باطل. (ش).","vol":"2","page":26},{"text":"وَقَدْ رُوِىَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَزَرِىِّ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- نَحْوَهُ قَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ». [م ٢٤٣]\n===\nوقال الدارقطني (١) بعد تخريج هذا الحديث: تفرد به جرير بن حازم عن قتادة، وهو ثقة، فثبت تفرد ابن وهب عن جرير بقول أبي داود، وكذا تفرد جرير عن قتادة بقول الدارقطني.\n(وقد روي (٢) عن معقل بن عبيد الله الجزري) أبو عبد الله العنبسي مولاهم الحراني، وثقه أحمد، واختلف عن ابن معين فقال: ليس به بأس، وكذا قال النسائي، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يخطئ، ولم يفحش خطؤه، فيستحق الترك، مات سنة ١٦٦ هـ.\n(عن أبي الزبير) محمد بن مسلم، (عن جابر) بن عبد الله، (عن عمر) ابن الخطاب - ﵁ -، (عن النبي - ﷺ - نحوه) أي نحو رواية ابن وهب.\n(قال) أي معقل بن عبيد الله في حديثه، أو قال رسول الله - ﷺ - لمن توضأ وترك موضع ظفر: (إرجع فأحسن وضوءك) أخرجه مسلم (٣)، ولفظه: حدثني سلمة بن شبيب، ثنا الحسن بن محمد بن أعين، ثنا معقل بنحوه، ولفظه: \"أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي - ﷺ - فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلَّى\"، فما زاد\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٠٨) ح (٣٨١).\n(٢) قال صاحب \"المنهل\": أورد المصنف هذا التعليق بصيغة التمريض لأنه اختلف في رفعه ووقفه على عمر، انظر: \"المنهل العذب المورود\" (٢/ ١٧١).\n(٣) \"صحيح مسلم\" ح (٢٤٣).","vol":"2","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nصاحب \"التعليق المغني في شرح الدارقطني\" في هذا الحديث من لفظ: \"فتوضأ وقال: فرجع فتوضأ ثم صلَّى\"، لم نجده في \"مسلم\"، ولعله وهم من الشارح (١).\nوقد ذكر هذه الرواية البيهقي في \"سننه\" (٢) عن أبي داود، وقال في آخره: فرجع ثم صلَّى، قال البيهقي: ورواه أبو سفيان عن جابر بخلاف ما رواه أبو الزبير، فأخرج بسنده عن أبي سفيان عن جابر (٣) قال: رأى عمر (٤) بن الخطاب - ﵁ - رجلًا يتوضأ فبقي في رجله لمعة، فقال: أعد الوضوء.\nوقد روي عن عمر ما دل على أن أمره بالوضوء كان على طريق الاستحباب، وأن الواجب غسل تلك اللمعة، فأخرج بسنده أن عمر بن الخطاب - ﵁ - رأى رجلًا وبظهر قدمه لمعة لم يصبها الماء، فقال له عمر: أبهذا الوضوء تحضر الصلاة؟ فقال: يا أمير المؤمنين البرد شديد، وما معي ما يدفئني، فرقّ له بعد ما همّ به فقال له: اغسل ما تركت من قدمك، وأَعِدِ الصلاة، وأمر له بخميصة.\n_________\n(١) كذا في النسخة القديمة \"للتعليق المغني على الدارقطني\" (١/ ١٠٨)، أما في النسخة الجديدة (١/ ١٩٥)، فصحح المحقق هذه العبارة من \"صحيح مسلم\" (٢٤٣).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٨٣).\n(٣) هذا توضيح لما سبق فلا تكرار في العبارة. (ش).\n(٤) وقد أخرج ابن أبي شيبة (١/ ٥٧) الآثار عن عمر وغيره في هذا المعنى.\nقال ابن رسلان بعد قول أبي داود: \"ليس بمعروف\": ويعضده ما رواه الدارقطني (١/ ١٠٩) بسنده عن ابن عمر عن أبي بكر وعمر قالا: جاء رجل قد توضأ وبقي على ظهر قدميه مثل ظفر إبهامه، فقال له النبي - ﷺ -: \"ارجع فأتم وضوءك\" ففعل، قال: وذكر الرافعي أنه أمره بغسل ذلك الموضع. (ش).","vol":"2","page":28},{"text":"١٧٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قال: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَحُمَيْدٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمَعْنَى قَتَادَةَ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n١٧٥ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ،\n===\n١٧٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد) بن سلمة (قال: أخبرنا يونس) بن عبيد بن دينار العبدي مولاهم، أبو عبد الله البصري، رأى أنسًا، وثَّقه ابن سعد وأحمد وابن معين والنسائي، مات سنة ١٣٩ هـ.\n(وحميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة الخزاعي مولاهم البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ويقال له: الطويل، ولم يكن بذاك الطويل، ولكن كان له جار يقال له: حميد القصير، فقيل له: حميد الطويل، ليتميز من الآخر، وكان طويل اليدين، وثَّقه يحيى بن معين والعجلي وأبو حاتم والنسائي وابن سعد، وقال ابن خراش: ثقة صدوق، وقال مرة: في حديثه شيء، يقال: إن عامة حديثه عن أنس، إنما سمعه من ثابت، وقال يوسف بن موسى عن يحيى بن يعلى المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل، فترك زائدة حديثه لأمر آخر لدخوله في أمور الخلفاء، مات سنة ١٤٣ هـ وهو في الصلاة.\n(عن الحسن) بن أبي الحسن البصري (عن النبي - ﷺ - بمعنى قتادة) يعني بمعنى حديث قتادة، وهذا مرسل، فتأيدت رواية قتادة برواية أبي الزبير عن جابر، وبرواية يونس وحميد عن الحسن.\n١٧٥ - (حدثنا حيوة بن شريح قال: ثنا بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يحمد بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم، الحمصي، قال ابن المبارك: صدوق ولكنه كان يكتب عمن أقبل وأدبر،","vol":"2","page":29},{"text":"عن بَحِير،\n===\nوقال ابن أبي خيثمة: سئل يحيى عن بقية فقال: إذا حدث عن الثقات فاقبلوه، وأما إذا حدث عن أولئك المجهولين فلا، وإذا كنى الرجل ولم يسمه فليس يساوي شيئًا، وقال ابن سعد: كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفًا في روايته عن غير الثقات، وقال العجلي: ثقة فيما يروي عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجّ به، وقال النسائي: إذا قال: حدثنا أو أخبرنا، فهو ثقة، وإذا قال: عن فلان، فلا يؤخذ عنه، لأنه لا يدري عمن أخذه، وقال أبو مسهر الغساني: بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية، وقال ابن المديني: صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما عن أهل الحجاز والعراق فضعيف جدًا، وقال الساجي: فيه اختلاف، وقال الخليلي: اختلفوا فيه، وقال البيهقي في \"الخلافيات\": أجمعوا على أن بقية ليس بحجة، وقال ابن القطان: بقية يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك، وهذا إن صح مفسد لعدالته، مات سنة ١٩٧ هـ.\n(عن بحير) مكبرًا، وفي نسخة: هو ابن سعد، وهكذا في \"الأنساب\" و\"المغني\" و\"المؤتلف والمختلف\" بدون الياء، وفي \"تهذيب التهذيب\" و\"الخلاصة\" (١): ابن سعيد بالياء، السحولي بفتح السين وضم الحاء المهملتين بعدهما الواو وفي آخرها اللام، نسبة إلى سحول قرية باليمن، وإليها تنسب الثياب السحولية يعني البيض، اشتهر بهذه النسبة بحير بن سعد، لعله عرف بهذه النسبة لبيعه هذه الثياب السحولية، قاله في \"الأنساب\" (٢).\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٢١)، و\"الخلاصة\" (ص ٥٤).\n(٢) (٣/ ٢٣).","vol":"2","page":30},{"text":"عن خَالِدٍ، عن بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -:\n===\nوقال الحافظ في \"التهذيب\": عن أحمد: ليس بالشام أثبت من حريز إلَّا أن يكون بحيرًا، وقال دحيم وابن سعد والنسائي: ثقة، وقال العجلي: شامي ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن خالد) بن معدان بن أبي كريب الكلاعي، قبيلة نزلت الشام، وأكثرهم نزل حمص، أبو عبد الله الشامي الحمصي، من فقهاء الشام بعد الصحابة، ومن الطبقة الثالثة، يرسل عن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح وأبي ذر وعائشة، روي عنه أنه قال: أدركت سبعين من الصحابة، وقال سلمة بن شبيب: كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة، فلما مات ووضع ليغسل جعل أصبعه كذا يحركها، قال العجلي: شامي، تابعي، ثقة، ووثَّقه يعقوب بن شيبة ومحمد بن سعد وابن خراش والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٠٣ هـ وقيل بعدها.\n(عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -)، قال الشوكاني في \"النيل\" (١): عن بعض أزواج النبي - ﷺ - قال: أعلَّه المنذري ببقية بن الوليد وهو ضعيف إذا عنعن لتدليسه، وفي \"المستدرك\" تصريح بقية بالتحديث، وقال ابن القطان والبيهقي: هو مرسل، وقال الحافظ: فيه بحث، وكأنّ البحث في ذلك من جهة أن خالد بن معدان لم يرسله، بل قال: عن بعض أزواج النبي - ﷺ - فوصله، وجهالة الصحابي غير قادحة، وأطلق النووي أن الحديث ضعيف الإسناد، وقال الحافظ: في هذا الإطلاق نظر، وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: هذا إسناد جيد؟ قال: نعم، قال: فقلت له: إذا قال\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٢٧).","vol":"2","page":31},{"text":"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يُصَلِّى، وَفِى ظَهْرِ قَدَمِهِ (١) لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ النَّبِىُّ -ﷺ- أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ\". [حم ٣/ ٤٢٤، ق ١/ ٨٣]\n===\nرجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ - ولم يسمه، فالحديث صحيح؟ قال: نعم.\nقلت: قول ابن القطان والبيهقي: \"هو مرسل\"، هو الصواب على مذهب البخاري، فإن خالد بن معدان يروي عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - معنعنة، ولم يثبت لقاؤه به، فلا يتيقن بأن بعض أصحاب النبي - ﷺ - الذين يروي عنهم هذا الحديث يرويه عنه مشافهة، ولا يحكم بكونه موصولًا مع ذلك الاحتمال، نعم، لو قال: حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ - لكان الحديث متصلًا، وأما على ما ذهب إليه مسلم والجمهور فهو متصل.\n(أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة)، أي: محل يابس يلمع، في \"القاموس\": اللمعة بالضم: قطعة من النبت أخذت في الْيُبْس، والموضع الذي لا يصيبه الماء من الوضوء والغسل (قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي - ﷺ - أن يعيد الوضوء والصلاة).\nوفي هذا الحديث مع ضعفه يمكن أن يحمل الأمر على الاستحباب كما حمل البيهقي قول عمر -﵁ - في إعادة الوضوء على الاستحباب، ويمكن أن يؤول بأنه أمره بإعادة الوضوء، لأنه صدر منه ما ينقض الوضوء، فأمره بالإعادة لأجله لا لأجل اللمعة، والله أعلم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قدميه\".","vol":"2","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>(٦٩) بابٌ: إِذَا شَكَّ فِى الْحَدَثِ</span>\n١٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ\n===\n\n(٦٩) (بَابٌ: إِذَا شكَّ في الْحَدَثِ)\nهل ينصرف (١) ويتوضأ أو لا؟\n١٧٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل (ومحمد بن أحمد بن أبي خلف) السلمي مولاهم، أبو عبد الله البغدادي، إمام مسجد أبي معمر القطيعي بفتح القاف، قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وذكره ابن حهبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، قلت: وقع في كتاب اللعان لأبي داود: ثنا أحمد بن محمد بن أبي خلف، قال الغساني: أظنه وهمًا، مات سنة ٢٣٧ هـ.\n(قالا: ثنا سفيان) بن عيينهّ، (عن الزهري) ابن شهاب، (عن سعيد بن المسيب) بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، كان من سادات التابعين فقهًا ودينًا وورعًا وعبادة وفضلًا، وكان أفقه أهل الحجاز، وأعبر الناس للرؤيا، ما نودي بالصلاة من أربعين سنة إلَّا\n_________\n(١) قال في \"المغني\" (١/ ٢٦٢): من تيقن في الطهارة ثم شك في الحدث أو العكس، فهو على ما تيقن، بهذا قال سائر أهل العلم فيما علمنا إلَّا الحسن، قال: إن كان قبل الدخول في الصلاة لا يدخل فيها مع الشك، وإن كان في الصلاة مضى فيها، وقال مالك: إن كان يستنكهه كثيرًا فهو على وضوء، وإلًا فلا يدخل في الصلاة مع الشك، انتهى. وقال ابن رسلان: المشهور عن مالك النقض مطلقًا، وروي عنه النقض خارج الصلاة، وروي عنه مثل الجمهور لا وضوء عليه مطلقًا، انتهى.\nقلت: فهذه أربع روايات عن مالك - ﵀ -، وذكر ابن العربي (١/ ١٠٠) خمسة أقوال وبسطها أشد البسط. (ش).","vol":"2","page":33},{"text":"وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: \"شُكِىَ (١) إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- الرَّجُلُ\n===\nوسعيد في المسجد، فلما بايع عبد الملك للوليد وسليمان، وأبى سعيد ذلك، فضربه هشام بن إسماعيل المخزومي ثلاثين سوطًا، وألبسه ثيابًا من شعر، وأمر به فطيف به، ثم سجن، قال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب؟ قال: ومن مثل سعيد ثقة من أهل الخير، فقلت له: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ وقال الميموني عن أحمد بن حنبل: مرسلات سعيد صحاح لا نرى أصح من مرسلاته، وقال الربيع عن الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين.\n(وعباد بن تميم) عطف على سعيد بن المسيب، أي الزهري يروي عنهما، وهو عباد بن تميم بن غزية الأنصاري المازني المدني، روى عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وهو أخو تميم والد عباد لأمه، وقيل: إن له رؤية، قال عباد: كنت يوم الخندق ابن خمس سنين، وعلى هذا فكان عند الوفاة النبوية ابن عشر تقريبًا، ولكن المشهور أنه تابعي، وثَّقه العجلي والنسائي وغيرهما، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عمه (٢» عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، أي سعيد بن المسيب وعباد بن تميم كلاهما (٣) يرويان عن عم عباد بن تميم (شكي إلى النبي - ﷺ - الرجلُ) قال النووي: شكي بضم الشين وكسر الكاف، والرجل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"شَكَى\".\n(٢) اختلف في أنه عمه لأبيه أو لأمه. (ش).\n(٣) ذكره ابن رسلان عن ابن حجر احتمالًا وقال: وعليه جرى صاحب \"الأطراف\" (رقم الحديث ٥٢٩٦)، لكن لم يذكر الاحتمال الثاني، وذكر صاحب \"الغاية\" هناك احتمالًا آخر، وهو أن تكون رواية سعيد مرسلة، إذ روى ابن ماجه عنه عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -. (ش).","vol":"2","page":34},{"text":"يَجِدُ الشَّىْءَ فِى الصَّلَاةِ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ! فَقَالَ: «لَا يَنْفَتِلُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». [خ ١٣٧، م ٣٦١، ن ١٦٠، جه ٥١٣، ق ١/ ١٦١]\n===\nمرفوع، ولم يسم ها هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاري أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوي، وينبغي أن لا يتوهم بهذا أنه شكى مفتوحة الشين والكاف، ويجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا الوهم غلط، انتهى.\nوقال العيني في \"شرح البخاري\" (١) بعد نقل كلام النووي: قلت: دعوى الغلط غلط، بل يجوز الوجهان: شكى بصيغة المعلوم، والشاكي هو عبد الله بن زيد، والرجل حينئذ بالنصب مفعوله، وشكي بصيغة المجهول، والشاكي غير معلوم، والرجل حينئذ بالرفع على أنه مفعول ناب عن الفاعل، وقال الكرماني: الرجل هو فاعل شكى، وهو غلط لا يخفى، انتهى.\n(يجد الشيء في الصلاة) أي الحدث (٢) خارجًا منه (حتى يخيل إليه) والخيال ها هنا بمعنى الظن، والظن ها هنا أعم من تساوي الاحتمالين، أو ترجيح أحدهما على ما هو أجل اللغة، من أن الظن خلاف اليقين.\n(فقال: لا ينفتل) أي ينصرف عن الصلاة على احتمال نقض الوضوء (حتى يسمع صوتًا أو يجد رلحًا) (٣) أي حتى يعلم وجودهما بالعلم اليقيني، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع، فإن الأصم لا يسمع صوته،\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٥٧).\n(٢) وفي \"الغاية\": قيده بعض المالكية بالصلاة، وأوجبوا الوضوء خارج الصلاة، كذا قال \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) أي: رائحة، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"2","page":35},{"text":"١٧٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قال: أَخْبَرَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِى صَالِحٍ،\n===\nوالأخشم الذي زاحت حاسة شمه لا يشم أصلًا، وهذا كما روي أنه ﵊ قال: \"إذا استهل الصبي وُرِّث وصُلِّي عليه\"، ولم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت دون غيره من أمارات الحياة من حركة وقبض وبسط ونحوها، فالمعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى.\nوهذا الحديث أصل من أصول الإِسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها، والعلماء متفقون على هذه القاعدة، قاله العيني في \"شرح البخاري\" (١) والنووي في \"شرح مسلم\" (٢).\n١٧٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد) بن سلمة (قال: أخبرنا سهيل بن أبي صالح) اسمه ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، قال ابن عيينة: كنا نعد سهيلًا ثبتًا في الحديث، وعن أحمد: ما أصلح حديثه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ليس به بأس، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وعاب ذلك عليه النسائي، فقال السلمي: سألت الدارقطني لِمَ ترك البخاري حديث سهيل في كتاب \"الصحيح\"؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان النسائي إذا مر بحديث سهيل، قال: سهيل والله خير من أبي اليمان ويحيى بن بكير وغيرهما، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، وذكر البخاري في \"تاريخه\" قال: كان لسهيل أخ فمات فوجد عليه، فنسي كثيرًا من الحديث، وذكر ابن أبي خيثمة\n_________\n(١) (٢/ ٢٥٨).\n(٢) (٤/ ٤٩).","vol":"2","page":36},{"text":"عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِى الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِى دُبُرِهِ: أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ؟ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». [م ٣٦٢، ت ٧٥، دي ٧٢١، حم ٢/ ٤١٤، خزيمة ٢٤، ق ٢/ ٢٥٤]\n===\nفي \"تاريخه\" عن يحيى قال: لم يزل أهل الحديث يتقون حديثه، وقال ابن سعد: كان سهيل ثقة، كثير الحديث، وقيل في حديثه بالعراق: إنه نسي الكثير منه، وساء حفظه في آخر عمره.\n(عن أبيه) هو أبو صالح السمان ذكوان، (عن أبي هريرة) -﵁ - (أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره) أي اختلاجًا (أحدث أو لم يحدث) أي شك بالاختلاج وحركة الدبر (فأشكل عليه) أنه أحدث أو لم يحدث، ولهذا قال الشراح: لعل فيه تقديمًا وتأخيرًا، أي فأشكل عليه أحدث أو لم يحدث، (فلا ينصرف) أي عن الصلاة على احتمال خروج الريح (حتى يسمع صوتًا) أي صوت الريح الخارجة من الدبر (أو يجد ريحًا) (١) أي يجد نتن الريح، وهذا مجاز عن تيقن الحدث، لأنهما سببان لعلم ذلك.\nقال الإِمام: في الحديث دليل (٢) على أن الريح الخارجة من أحد\n_________\n(١) ولفظ الترمذي: \"لا وضوء إلَّا من صوت أو ريح\"، وبسط ابن العربي الكلام على هذا الحصر [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٩٧)]. (ش).\n(٢) وفي \"التقرير\": استدل بعموم حديث الباب، ولا يصح الاستدلال؛ لأن المذكور هو ما يتخيل في الدبر، نعم الروايات الخالية عن ذكر الدبر يمكن الاستدلال بها إلَّا أنه ليس بريح خارج من النجس فتأمل، انتهى ملخصًا.\nوبسط الاختلاف في \"السعاية\" (١/ ١٩٦)، وقال ابن العربي: فيه الوضوء عند الشافعي، ودليلنا أنه ليس بريح معتاد فأشبه الجشاء، انتهى. (ش).\n[انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٩٨)].","vol":"2","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالسبيلين توجب الوضوء، وقال أصحاب أبي حنيفة- رحمة الله عليه -: خروج الريح من القُبل لا يوجب الوضوء.\nقلت: اختلف في الريح الخارجة من قبل المرأة، وذكر الرجل، فلم يذكر حكمهما في ظاهر الرواية، وروي عن محمد - رحمة الله عليه - أنه قال: فيهما الوضوء، وذكر الكرخي- رحمة الله عليه - أنه لا وضوء فيهما إلَّا أن تكون المرأة مفضاة، فيخرج منها ريح منتنة، فيستحب لها الوضوء.\nوجه رواية محمد - ﵀- أن كل واحد منهما مسلك النجاسة كالدبر، فكانت الريح الخارجة منهما كالخارجة من الدبر، فيكون حدثًا.\nووجه ما ذكره الكرخي - ﵀ -، أن الريح ليست بحدث في نفسها، لأنها طاهرة، وخروج الطاهر لا يوجب انتقاض الطهارة، وإنما انتقاض الطهارة بما يخرج بخروجها من أجزاء النجس، وموضع الوطء من فرج المرأة ليس بمسلك البول، فالخارج منه من الريح لا يجاوره النجس، وإذا كانت مفضاة فقد صار مسلك البول ومسلك الوطء مسلكًا واحدًا، فيحتمل أن الريح خرجت من مسلك البول، فيستحب لها الوضوء ولا يجب؛ لأن الطهارة الثابتة بيقين لا يحكم بزوالها بالشك، وقيل: إن خروج الريح من الذكر لا يتصور، وإنما هو اختلاج يظنه الإنسان ريحًا، كذا في \"البدائع\" (١).\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٢٢).","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>(٧٠) بابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْقُبْلَةِ</span>\n١٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى رَوْقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ،\n===\n\n(٧٠) (بَابُ الْوُضُوءِ (١) مِنَ الْقُبْلَةِ)\nأي: هل يجب الوضوء إذا قبَّل رجل امرأته أو لا؟\n١٧٨ - (حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا يحيى) القطان (وعبد الرحمن) بن مهدي (قالا: ثنا سفيان) الثوري، (عن أبي روق) (٢) بفتح الراء وسكون الواو بعدها قاف، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، صاحب التفسير، قال أحمد والنسائي ويعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن إبراهيم التيمي) هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب، أبو أسماء الكوفي، قتله الحجاج بن يوسف، ولم يبلغ أربعين سنة، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة مرجئ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطني: لم يسمع من حفصة ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما، وقال أحمد: لم يلق أبا ذر، وقال ابن المديني: لم يسمع من علي ولا من ابن عباس، وقال القطان في رواية إبراهيم التيمي عن أنس في القبلة للصائم: لا شيء، لم يسمعه، مات سنة ٩٢ هـ أو بعدها.\n_________\n(١) وبسط ابن العربي (١/ ١٢٤) الكلام عليه، وقال: ليس في الباب حديث ثابت، فليرجع إلى القرآن. (ش).\n(٢) لم يذكره أحد بجرح، كذا في \"الغاية\". (ش).","vol":"2","page":39},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ\". [ن ١٧٠، ت ٨٦، جه ٥٠٢]\n===\n(عن عائشة) أم المؤمنين (أن النبي - ﷺ - قبلها ولم يتوضأ) (١)، وهذا الحديث دليل على أن مس الرجل المرأة غير ناقض للوضوء، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، إلَّا إذا تباشر الفرجان وانتشرت الآلة وإن لم يُمذ، فقول الشيخين فيه انتقاض الوضوء.\nوقال مالك (٢): إن كان المس بشهوة يكون حدثًا، وإن كان بغير شهوة بأن كانت صغيرة أو كانت ذا رحم محرم منه لا يكون حدثًا، وهو أحد قولي الشافعي، وفي قولي يكون حدثًا كيف ما كان بشهوة أو بغير شهوة إذا لمس الأجنبية، احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣)، فالآية صرَّحت بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء، حيث أوجب به إحدى الطهارتين وهي التيمم، وهو حقيقة في لمس اليد، ويؤيد بقاءه على معناه الحقيقي قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ فإنها ظاهرة في مجرد اللمس دون جماع.\nوقال الآخرون: يجب المصير إلى المجاز وهو أن اللمس مراد به الجماع لوجود القرينة، وهي حديث عائشة - ﵂ - في التقبيل، وحديثها في لمسها لبطن قدم رسول الله - ﷺ -، ولحديثها ولفظه: \"بئس ما عدلتمونا بالكلب والحمار، لقد رأيتني ورسول الله - ﷺ - يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يسجد غمزني فقبضت رجلي\" رواه البخاري (٤)، وفي رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: \"إذا أراد أن\n_________\n(١) قال صاحب \"الغاية\": الحديث ضعيف، لكنه مؤيد بروايات عديدة، ثم ذكرها، وبسط في دلائل الفريقين. (ش).\n(٢) وكذا قال مالك في مس الأمرد الجميل، وحكي عن أحمد. كذا قاله الشعراني (١/ ١٤٢). (ش).\n(٣) سورة النساء: الآية ٤٣.\n(٤) \"صحيح البخاري\" رقم الحديث (٥١٩).","vol":"2","page":40},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيوتر مَسَّني برجله\"، وفي رواية أبي سلمة عن عائشة: \"فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي\".\nوأجيب بأن في حديث التقبيل ضعفًا، وأيضًا فهو مرسل، ورُدَّ بأن الضعف منجبر بكثرة رواياته، وبأن المرسل عندنا حجة، وبأحاديث لمس عائشة لبطن قدم النبي - ﷺ -، وبغمزه رجلها، والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها بقدمه - ﷺ -، بما ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١) من أن اللمس يحتمل أنه كان بحائل، أو على أن ذلك خاص به، تكلف ومخالفة للظاهر.\nوأما ما قالوا بأن في حديث معاذ بن جبل -﵁ - الذي أخرجه أحمد والدارقطني والترمذي والبيهقي والحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ: أمر النبي - ﷺ - السائل بالوضوء، وأنه صرح ابن عمر بأن من قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء، وعن ابن مسعود: \"القبلة من اللمس، وفيها الوضوء، واللمس ما دون الجماع\"، وعن عائشة: \"ما كان أو قلَّ يوم إلَّا وكان رسول الله - ﷺ - يأتينا، فيقبل ويلمس\"، وعن أبي هريرة: \"اليد زناها اللمس\"، وفي قصة ماعز: \"لعلك قبَّلت أو لمست\"، وروي عن عمر - ﵁ -: \"القبلة من اللمس وتوضؤوا منها\".\nوالجواب عن هذا كله بأن حديث معاذ منقطع، لأن عبد الرحمن لم يسمع من معاذ. وأصل القصة في \"الصحيحين\" وغيرهما بدون الأمر بالوضوء والصلاة، ولو سُلِّم فيحتمل أن الأمر بالوضوء لأجل المعصية، وقد ورد أن الوضوء من مكفرات الذنوب، أو لأن الحالة التي وصفها مظنة خروج المذي.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٢).","vol":"2","page":41},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ مُرْسَلٌ،\n===\nأو هو طلب لشرط الصلاة المذكورة في الآية من غير نظر إلى انتقاض الوضوء وعدمه، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، وأيضًا لا دلالة فيه على النقض، لأنه لم يثبت أنه كان متوضئًا قبل أن يأمره النبي - ﷺ - بالوضوء، ولا ثبت أنه كان متوضئًا عند اللمس، فأخبره النبي - ﷺ - أنه قد انتقض وضؤوه.\nوأما ما رووا عن ابن عمر وابن مسعود وغيرهما فنحن لا ننكر صحة إطلاق اللمس على الجس باليد، بل هو المعنى الحقيقي، ولكنا ندعي أن المقام محفوف بقرائن توجب المصير إلى المجاز.\nوأما قولهم: بأن القُبْلَةَ فيها الوضوء، فلا حجة في قول الصحابي، لا سيما إذا وقع معارضًا لما ورد عن الشارع، وقد صرح البحر ابنُ عباس الذي علمه الله تأويل كتابه، واستجاب فيه دعوة رسوله بأن اللمس المذكور في الآية هو الجماع، وقد تقرر أن تفسيره أرجح من تفسير غيره لتلك المزية.\nويؤيد ذلك قول أكثر أهل العلم أن المراد بقول بعض الأعراب للنبي - ﷺ -: \"أن امرأته لا ترد يدَ لامس\" الكناية عن كونها زانية، ولهذا قال رسول الله - ﷺ -: طلقها، انتهى. \"نيل\" (١) وغيره ملخصًا.\n(قال أبو داود: هو) أي حديث إبراهيم التيمي (مرسل) (٢) والمرسل: هو ما سقط من آخره بعد التابعي، وصورته أن يقول التابعي سواء كان صغيرًا أو كبيرًا: قال رسول الله - ﷺ - كذا، أو فعل - ﷺ - كذا،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٥٣).\n(٢) قال النسائي (١/ ١٠٤): ليس في الباب أحسن من هذا وإن كان مرسلًا. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":42},{"text":"وإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ لم يسمع مِنْ عَائِشَةَ (١) شيئًا.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَا (٢) رَوَاهُ الْفِرْيَابِىُّ وَغَيْرُهُ.\n===\nأو فُعِلَ بحضرته - ﷺ - كذا، هذا هو المشهور وهو المعتمد، قاله الحافظ في \"شرح النخبة\" (٣)، فعلى هذا إطلاق المرسل ههنا مجاز على الاصطلاح، وحكم المرسل أنه ضعيف مردود لا يحتج به عند جماهير المحدثين.\nوكذا عند الشافعي - رحمة الله عليه - وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول، وقال مالك - رحمة الله عليه - في المشهور عنه: إنه صحيح، وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه - وطائفة من أصحابهما وغيرهم من أئمة العلماء كأحمد في المشهور عنه: إنه صحيح محتج به، بل حكى ابن جرير إجماع التابعين بأسرهم على قبوله، وأنهم لم يأت عنهم إنكاره، ولا عن واحد من الأئمة بعدهم \"شرح الشرح\".\n(وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة) -﵂ - (شيئًا) أي بلا واسطة (قال أبو داود: وكذا) (٤)، أي كما روى يحيى وعبد الرحمن عن سفيان بسنديهما مرسلًا كذا (رواه) أي الحديث (٥) (الفريابي وغيره).\nقال السمعاني في \"الأنساب\" (٦): الفريابي بكسر الفاء وسكون الراء، ثم الياء المفتوحة آخر الحروف وفي آخرها الباء الموحدة، هذه النسبة إلى\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن عائشة\".\n(٢) وفي نسخة: \"هكذا\".\n(٣) انظر: \"شرح النخبة\" للقاري (ص ٤٠٠).\n(٤) قال في \"الغاية\": الغرض أن فيه تعريضًا على من وصله. (ش).\n(٥) ذكر متابعته في \"عقود الجواهر المنيفة\" (١/ ٦٦). (ش).\n(٦) (٣/ ٤٥١).","vol":"2","page":43},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفارياب، هي بلدة بنواحي بلخ، وينسب إليها الفريابي والفاريابي والفيريابي أيضًا بإثبات الياء، خرج منها جماعة من المحدثين والأئمة، وأما المشهور فهو أبو عبد الله محمد بن يوسف الفريابي، سكن قَيْسارِيّة (١) بلدة بساحل الشام، انتهى. وثَّقه ابن معين والعجلي والنسائي وأبو حاتم، قال العجلي: قال بعض البغداديين: أخطأ محمد بن يوسف في مائة وخمسين حديثًا من حديث سفيان، وقال أبو بشر الدولابي، عن البخاري نا محمد بن يوسف: وكان من أفضل أهل زمانه.\nقلت: لم أجد رواية الفريابي في شيء من كتب الحديث، وأما رواية غيره فرواية وكيع، وأبي عاصم، ومحمد بن جعفر، وعبد الرزاق، وقبيصة عن سفيان أخرجها الدارقطني في \"سننه\" (٢)، ورواية عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن أبي روق، أخرجها البيهقي (٣) أيضًا في \"سننه\" بسنده مرسلًا، وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق عطية بن الحارث، ولا نعلم حدّث به عنه غير الثوري وأبي حنيفة - رحمة الله عليهما -، فأسنده الثوري عن عائشة - ﵂ -، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة - ﵂ -، وكلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولا من حفصة ولا أدرك زمانهما.\nوقال الدارقطني (٤): وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن\n_________\n(١) في الأصل: \"فياربة\" وهو تحريف، والصواب: \"قَيْسَاريّة\" كما في \"الأنساب\".\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٣٩).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٧).\n(٤) وقال أيضًا في \"العلل\": رواه إبراهيم بن حراشة عن الثوري بسنده فوصله، كذا في \"حاشية النسائي\". (ش).","vol":"2","page":44},{"text":"١٧٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ \"أَنَّ النَّبِىَّ (١) -ﷺ- قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَنْ هِىَ\n===\nالثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة، فوصل إسناده، واختلف عنه في لفظه، فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: \"إن النبي - ﷺ - كان يُقبِّل وهو صائم\"، وقال عنه غير عثمان: \"إن النبي - ﷺ - كان يقبل ولا يتوضأ\".\nقلت: وتكلم البيهقي في حديث عائشة هذا، وقال: والحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصائم، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها، ولو صح إسناده لقلنا به إن شاء الله تعالى، فهذا تضعيف منه للثقات من غير دليل ظاهر، والمعنيان مختلفان، فلا يعلل أحدهما بالآخر \"الجوهر النقي\"، فلو أنصف لكان عليه أن يبين وجه ضعف رواته، فتضعيف الرواة بلا دليل بعيد من الديانة، والله الموفق.\n١٧٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع) بن الجراح (قال: ثنا الأعمش) سليمان بن مهران، (عن حبيب) بن أبي ثابت، (عن عروة) بن الزبير (٢)، (عن عائشة أن النبي - ﷺ - قبَّل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قال عروة) أي ابن الزبير: (فقلت لها) أي لعائشة: (من) استفهامية (٣) بمعنى النفي (هي) أي المرأة من نسائه التي قبَّلها\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) كذا في \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وأجاد والدي المرحوم في \"الكوكب الدري\" (١/ ١١٥) في وجه هذا السؤال، =","vol":"2","page":45},{"text":"إِلَاّ أَنْتِ؟ فَضَحِكَتْ\". [جه ٥٠٢، ت ٨٦، حم ٦/ ٢١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا رَوَاهُ زَائِدَةُ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِىُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ.\n١٨٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدٍ الطَّالْقَانِىُّ\n===\nرسول الله - ﷺ - (إلَّا أنتِ؟ فضحكت) استبشارًا بمكانتها من رسول الله - ﷺ - وتصديقًا لقول عروة.\n(قال أبو داود: هكذا) أي مثل (١) ما روى وكيع عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة غير منسوب إلى أبيه (رواه زائدة وعبد الحميد الحماني) هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم (٢) ونون بعد الألف، أبو يحيى الكوفي، ولقبه بشمين، أصله خوارزمي، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو داود: كان داعية في الإرجاء، وقال النسائي: ليس بقوي، وقال في موضع آخر: ثقة، وقال ابن عدي: هو وابنه ممن يكتب حديثه، وقال ابن قانع: ثقة، وقال ابن سعد وأحمد: كان ضعيفًا، وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث مرجئ، مات سنة ٢٠٢ هـ (عن سليمان الأعمش).\n١٨٠ - (حدثنا إبراهيمِ بن مخلد الطالقاني)، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثَّقه مسلمة بن قاسم الأندلسي\n_________\n= وحاصله: العلم علمان: علم عيان وبيان، والأول أوكد، فلذا سأل: أي العلمين حصل لك؟ فلله دره، نوَّر الله مرقده. (ش).\n(١) وفي \"التقرير\": الغرض توثيق الرواية بذكر المتابعات، انتهى، قلت: والأوجه ما قاله الشيخ في \"البذل\". (ش).\n(٢) نسبة إلى حمان، قبيلة من تميم نزلوا الكوفة، \"ابن رسلان\"، وأخرج حديثه الدارقطني (١/ ١٤٢). (ش).","vol":"2","page":46},{"text":"قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (١) ابْنَ مَغْرَاءَ قال: حَدَّثَنَا (٢) الأَعْمَشُ قال: ثَنَا (٣) أَصْحَابٌ لَنَا، عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِىِّ،\n===\n(قال: ثنا عبد الرحمن بن مغراء) بفتح الميم وإسكان المعجمة آخره راء، ابن عياض بن الحارث بن عبد الله بن وهب الدوسي، أبو زهير الكوفي، سكن الري وولي قضاء الأردن، وثَّقه أبو خالد الأحمر والخليلي، وقال علي بن المديني: ليس بشيء، كان يروي عن الأعمش ست مائة حديث، تركناه لم يكن بذاك، وقال ابن عدي: وهو كما قال علي، إنما أنكرت على أبي زهير هذا أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات، وله عن غير الأعمش، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، وقال أبو جعفر محمد بن مهران: كان صاحب سمر، وقال الساجي: من أهل الصدق، فيه ضعف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: ثنا الأعمش قال) أي الأعمش: (ثنا أصحاب لنا) أي كثير من شيوخنا، (عن عروة المزني) (٤) (قال الحافظ في \"تهذيبه\" (٥): عروة المزني: روى حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - قبَّل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ\"، وقع في رواية أبي داود والترمذي غير منسوب، ونسب في رواية ابن ماجه عروة بن الزبير أي برواية وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، ثم قال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يعني ابن مغراء\".\n(٢) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٣) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٤) وقال الذهبي: قيل: هو عروة بن الزبير، انتهى. (ش).\n(٥) (٧/ ١٩٠).","vol":"2","page":47},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\n===\nقلت: فعروة المزني على هذا شيخ لا يدرى من هو، ولم أره في كتب مَن صنَّف في الرجال إلَّا هكذا، يعللون هذه الأحاديث ولا يعرفون من حاله بشيء.\n(عن عائشة (١) بهذا الحديث).\nقلت: غرض المصنف بهذا الكلام تضعيف الحديث المار الذي أخرجه بسنده عن حبيب عن عروة عن عائشة بأن عروة هذا ليس هو عروة بن الزبير بل هو عروة المزني مجهول، فيضعف هذا الحديث لجهالته.\nوهذا الظن فاسد (٢) بوجوه:\nالأول: أن الذي قال بأن عروة ها هنا هو عروة المزني: عبد الرحمن بن مغراء، وقد علمت أنه لا يحتج بقوله، فكيف يثبت كونه مزنيًّا بقوله.\nوالثاني: أنه خالفه في ذلك وكيع، وقد صرح بأنه عروة بن الزبير أخرج روايته ابن ماجه: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير: \"أن رسول الله - ﷺ - قبَّل بعض نسائه\"، الحديث، فثبت بهذا أن عروة ههنا هو عروة بن الزبير.\n_________\n(١) وقد روى الطبراني عن عائشة: \"أنه - ﵊ - يُقَبِّلُ بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ\"، وعن أم سلمة: \"كان - ﵊ - يقبل ثم يخرج إلى الصلاة لا يحدث وضوءًا\"، رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وفيه يزيد بن سنان وثقه البخاري وأبو حاتم ولينه ابن معاوية، وبقية رجاله موثوقون، \"ابن رسلان\". (ش) [انظر: \"مجمع الزوائد\" (١٢٨٠ - ١٢٨١)].\n(٢) وكذا حقق كونه ابن الزبير صاحب \"الغاية\" بالبسط. (ش).","vol":"2","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالثالث: أن الأعمش يصرح في حديث عبد الرحمن بن مغراء بأنه حدثه شيوخه عن عروة المزني، فلو كان عروة هذا مجهولًا لا يعرف كيف يحدث عنه الكثيرون من شيوخه؟ فيستدل بهذا أنه عروة بن الزبير، ونعته بالمزني غلط من عبد الرحمن، ووهم منه، لأنه غير موثوق به، خصوصًا إذا خالفه وكيع.\nوالرابع: أن المعروف عند المحدثين أن من يذكر غير منسوب يحمل على ما هو المشهور المتعارف فيما بينهم، ولا يحمل على المجهول قطعًا.\nوالخامس (١): قال عروة: \"فقلت لها من هي إلَّا أنت فضحكت\"، هذا الكلام يدل على أن عروة ها هنا هو ابن الزبير، لأن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يجري إلَّا على لسان من كان بينه وبينها بَسُوْطَة، فعروة بن الزبير ابن أخت عائشة -رضي الله تعالى عنها -، يمكن أن يجسر بمثل هذا الكلام، لأنها خالته، ولا يمكن أن يجسر به عندها من ليس له نوع تعلق بها.\nالسادس: الروايات التي أخرجها الإِمام أحمد في \"مسنده\"، والدارقطني في \"سننه\" بسنديهما من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة تدل أيضًا على أن عروة ههنا، هو ابن الزبير لا المزني.\nالسابع: أن سليمان الأعمش وإن كان ثقة حافظًا، لكن يحدث عن أصحاب له مجهولين، فكيف يعتمد على قولهم: ولا يدرى من هم، والله أعلم.\n_________\n(١) وبهذا جزم الحافظ في \"الدراية\" (١/ ٤٤). (ش).","vol":"2","page":49},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لِرَجُلٍ: احْكِ عَنِّى أَنَّ هَذَيْنِ (١) - يَعْنِى حَدِيثَ الأَعْمَشِ هَذَا عَنْ حَبِيبٍ، وَحَدِيثَهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ فِى الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ - قَالَ يَحْيَى: احْكِ عَنِّى أَنَّهُمَا شِبْهُ لَا شَىْءَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِىَ عَنِ الثَّوْرِىِّ أنه قَالَ: مَا حَدَّثَنَا حَبِيبٌ إِلَاّ عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِىِّ (٢) - يَعْنِى - لَمْ يُحَدِّثْهُمْ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بِشَىْءٍ.\n===\n(قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني) أي ارو وأظهر عني (أن هذين) أي الحديثين كما في نسخة (يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة، قال يحيى: اِحك عني) وهذا تكرار للقول (٣) الأول (أنهما) أي الحديثين (شبه (٤) لا شيء) أي ضعيفان. ووجه ضعفهما أمران: الأول: أن راويهما عروة المزني مجهول، والثاني: أن حبيبًا لم يحدث عن عروة ابن الزبير بشيء، وقد ذكرنا قبل قريبًا ما يكفي في إزالة العلة الأولى، وهي جهالة المزني، وأما ما يتعلق بالعلة الثانية فيأتيك عن قريب.\n(قال أبو داود: وروي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلَّا عن عروة المزني، يعني لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء) وكلام الثوري الذي حكاه أبو داود ها هنا عنه لا يعتمد عليه، لأنه رواه غير مسند، وقول\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الحديثين\".\n(٢) ذكر المزي كلمة الثوري في\" تحفة الأشراف\" مرتين، مرة في (١١/ ٦٢٧) رقم (١٧٣٧١) مع الحديث، ومرة في (١٢/ ٣٣٨) رقم (١٨٧٦٨) مفردة، قال المزي: \"أبو داود في الطهارة عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن يحيى عن سفيان به. قلت: لم نقف عليه في \"سنن أبي داود\" من هذا الوجه.\n(٣) أعاده لبعد الأول، كذا في \"غاية المقصود\". (ش).\n(٤) بكسر الشين وسكون الموحدة، وسقط التنوين للإضافة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":50},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَى حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثًا صَحِيحًا.\n===\nالثوري لو ثبت (١) يحمل على علمه، فإن حبيبًا لا ينكر لقاءه عروة بن الزبير لروايته عمن هو أكبر من عروة وأجل وأقدم موتًا، وقد قال مسلم في خطبة كتابه: لا يلزم ثبوت سماع الراوي عمن روى عنه للاتصال، وادعى الاتفاق على أنه يكفي إمكان اللقاء.\nومال أبو عمر إلى تصحيح هذا الحديث، فقال: صححه الكوفيون وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له، وقد ذكرنا فيما تقدم أن ابن ماجه صرح في \"سننه\" أنه ابن الزبير.\nوقال في \"الجوهر النقي\" (٢): وأيضًا قال الدارقطني (٣): أخرج حديث القُبلة في \"سننه\" [عن] ابن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قَبّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، وقد رد المصنف كلام الثوري هذا ولم يقبله.\n(قال أبو داود (٤): وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا).\nقلت: روى حبيب بن أبي ثابت عن عروة أربعة أحاديث:\n_________\n(١) والأوجه عندي أن حبيبًا إذا لم يحدث الثوري عن غير المزني، فلا يستلزم أنه ما حدّث غيره أيضًا عن غيره. (ش).\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى مع الجوهر النقي\" (١/ ١٢٤).\n(٣) قلت: \"وأيضًا قال الدارقطني ... إلخ\"، كذا في \"الجوهر النقي\"، وهكذا نقل في\nالأصل، وهذا سبق قلم من صاحب \"الجوهر النقي\"، والظاهر أن ابن ماجه أخرج حديث القبلة ... إلخ. انظر: \"سنن ابن ماجه \"ح (٥٠٣).\n(٤) قال الزيلعي (١/ ٧٢): هذا يدل على أن المصنف لم يرض بما حكاه عن الثوري ويقدم هذا، لأنه مثبت، وما قاله الثوري نافٍ. (ش).","vol":"2","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأولها: هذا الذي في القبلة أخرجها أبو داود والترمذي وغيرهما، وقد مر أن عروة ها هنا غير منسوب في أكثر الروايات، وفي رواية ابن ماجه مصرح بأنه ابن الزبير (١).\nوالثاني: ما أخرجه الترمذي (٢) بسنده عن حمزة الزيات، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول: \"اللهُمَّ عافني في جسدي\"، الحديث. ثم قال الترمذي: سمعت محمدًا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا، ولعل (٣) مراد أبي داود في هذا الكلام برواية حمزة الزيات هو هذا الحديث، ولكن لم يصرح فيه الترمذي بأنه عن عروة بن الزبير.\nوالثالث: ما أخرجه أبو داود (٤) بسنده عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة في الاستحاضة، ثم قال أبو داود: ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب هذا الحديث؛ أوقفه حفص بن غياث عن الأعمش، وأنكر حفص بن غياث أن يكون حديث حبيب مرفوعًا، وأوقفه أيضًا أسباط عن الأعمش موقوفًا على عائشة، ثم قال أبو داود: ودل على ضعف حديث حبيب هذا أن رواية الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: \"فكانت تغتسل لكل صلاة\" في حديث المستحاضة، فبيَّن أبو داود ها هنا علتين: إحداهما كون هذا الحديث موقوفًا، والثانية كونه مخالفًا لرواية الزهري، ولم يبين العلة الثالثة وهي عدم سماع حبيب عن عروة، لأنها غير ثابتة عنده.\n_________\n(١) وكذا الدارقطني (١/ ١٣٧)، وابن أبي شيبة. (ش).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (خ ٣٤٨٠).\n(٣) وبه جزم صاحب \"الغاية\". (ش).\n(٤) \"سنن أبي داود\" (ح ٢٩٨).","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>(٧١) بابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ</span>\n١٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ\n===\nوالرابع: ما أخرج الترمذي (١) بسنده عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة قال: سئل ابن عمر في أي شهر اعتمر رسول الله - ﷺ - الحديث. ثم قال الترمذي: سمعت محمدًا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير، وصرح صاحب \"الجوهر النقي\" (٢) فقال: والحديث الذي أشار إليه أبو داود هو أنه ﵇ كان يقول: \"اللَّهُمَّ عافني في جسدي، وعافني في بصري\"، الحديث، رواه الترمذي (٣)، وقال: حسن غريب.\n\n(٧١) (بَابُ الْوُضُوءِ (٤) مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)\n١٨١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، أبو محمد، ويقال: أبو بكر المدني، قال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك: كان كثير الأحاديث، وكان رجل صدق، وقال أحمد: حديثه شفاء، ووثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وقال: ثقة ثبت، وابن سعد والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٥):\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٩٣٦).\n(٢) (١/ ١٢٤).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣٤٨٠).\n(٤) وذكر ابن العربي (١/ ١١٤) فيه مناظرة بين الأئمة لطيفة، فأرجع إليها، وبَلَّغَ فروعَ الباب إلى أربعين بحثًا. (ش).\n(٥) (١/ ٧٢).","vol":"2","page":53},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ: \"دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ،\n===\nعبد الله بن أبي بكر ليس حديثه عن عروة كحديث الزهري عن عروة، ولا عبد الله بن أبي بكر عندهم في حديثه بالمتقن، لقد حدثني يحيى (١) بن عثمان قال: ثنا ابن وزير قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت ابن عيينة يقول: كنا إذا رأينا الرجل يكتب الحديث عند واحد من نفر سمَّاهم، منهم عبد الله بن أبي بكر، سخرنا منه، لأنهم لم يكونوا يعرفون الحديث، مات سنة ١٣٥ هـ.\n(أنه سمع عروة) بن الزبير (يقول: دخلت على مروان بن الحكم) هو ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو القاسم، ويقال: أبو الحكم، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل بأربع، وروى عن النبي - ﷺ -، ولا يصح له منه سماع، وكتب لعثمان - ﵁ -، وولي إمرة المدينة أيام معاوية، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية في آخر سنة أربع وستين، وكانت ولايته تسعة أشهر، قال البخاري: لم ير (٢) النبي - ﷺ -، وعاب الإسماعيلي على البخاري تخريج حديثه، وعدّ من موبقاته أنه رمى طلحة أحدَ العشرة يوم الجمل وهما جميعًا مع عائشة، فقتل، ثم وثب على الخلافة بالسيف، ومات في رمضان سنة خمس وستين، ولعل هذا الدخول (٣) حين كان مروان أميرًا على المدينة.\n_________\n(١) في \"الأصل \"بحير\" وهو تحريف، والصواب \"يحيى\".\n(٢) لأنه ﵊ نفى أباه إلى الطائف، فأقام بها حتى ولي عثمان - ﵁ - المدينة فرده، كذا في\" جامع الأصول\" (١٥/ ١٨٧). (ش).\n(٣) صرح به في رواية النسائي (١/ ١٠٠). (ش).","vol":"2","page":54},{"text":"فَذَكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، فَقَالَ مَرْوَانُ: وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ،\nفَقَالَ مَرْوَانُ: أَخْبَرَتْنِى بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ».\n===\n(فذكرنا ما يكون منه الوضوء) أي فتذاكرنا في نواقض الوضوء، (فقال مروان: ومن مس الذكر)، أي: فقلنا أو قال مروان: ينقض الوضوء من كذا وكذا، فقال مروان: ومن مس الذكر.\n(فقال عروة: ما علمت ذلك) أي أنه يلزم من مس الذكر الوضوء، (فقال مروان: أخبرتني بسرة (١) بنت صفوان)، قال بعضهم: هي بنت صفوان بن نوفل بن أسد القرشية الأسدية، بنت أخي ورقة بن نوفل، كذا نسبه الزبير بن بكار، وقال غيره: هي بسرة بنت صفوان بن أمية بن مُحمِّرِث من بني مالك بن كنانة، قال ابن عبد البر: ليس قول من قال: إنها من كنانة بشيء، قال الشافعي: لها سابقة وهجرة قديمة، وقال ابن حبان: كانت من المهاجرات، وقال مصعب: كانت هي من المبايعات، وذكر ابن الكلبي أنها كانت ماشطة تُقَيّنُ النساء بمكة، عاشت إلى ولاية معاوية (٢).\n(أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من مس ذكره (٣) فليتوضأ) (٤)، هذا الحديث يدل على أن مس الذكر ناقض للوضوء.\n_________\n(١) كانت تحت المغيرة بن أبي العاص، فولدت له معاوية وعائشة، وكانت عائشة تحت مروان بن الحكم. وهي أم عبد الملك بن مروان بن الحكم، كذا قال ابن رسلان (ش).\n(٢) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٢٢٩) رقم (٦٧٧٩).\n(٣) زاد في رواية الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\": \"أو أنثييه أو رفغيه\"، كذا في \"جمع الفوائد\" (١/ ٩٩)، تكلم عليه في \"الجوهر النقي\" (١/ ١٣٧). (ش).\n(٤) أي: استحبابًا أو أدبًا، كما يتوضأ من القهقهة خارج الصلاة أو بكلام الدنيا، أو محمول إذا خرج منه شيء، كذا في \"التقرير\"، والأوجه عندي أن مفعول المس محذوف، أي مس ذكره بفرج المرأة وهي المباشرة الفاحشة. (ش).","vol":"2","page":55},{"text":"[ن ١٦٣، طـ ١/ ٤٢/ ١٥، حم ٦/ ٤٠٦، دي ٧٢٥، ت ٨٢، جه ٤٧٩، خزيمة ٣٣، قط ١/ ١٤٦]\n===\nقال الشوكاني: وقد ذهب إلى ذلك عمر، وابنه عبد الله، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعطاء، والزهري، وابن المسيب، ومجاهد، وأبان بن عثمان، وسليمان بن يسار، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومالك في المشهور، واحتجوا بحديث الباب، صححه أحمد، والترمذي، والدارقطني، ويحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر، والبيهقي، والحازمي (١)، وأما البخاري ومسلم فلم يخرجاه لاختلاف وقع في سماع عروة منها أو من مروان، انتهى ملخصًا (٢).\nوقال المانعون: إن الواسطة بين عروة وبسرة إما مروان وهو مطعون في عدالته، أو حرسيه وهو مجهول، وما أجاب به عنه أهل المقالة الأولى بأنه قد جزم غير واحد من الأئمة بأن عروة سمعه من بسرة كما في \"صحيح ابن خزيمة وابن حبان\". قال عروة: فذهبت إلى بسرة فسألتها فصدَّقته، لا يعتمد عليه، لأنه لو ثبت ذلك لاعتمد عليه البخاري ومسلم، أفلا ترى أنهما لم يقنعا على ذلك، ولم يعتمدا عليه، ونقل البعض بأن ابن معين قال: ثلاثة أحاديث لا تثبت: حديث مس الذكر، ولا نكاح إلَّا بولي، وكل مسكر حرام.\nوأيضًا طعن فيه الطحاوي بأنه إنما روى الزهري عن عروة، فهذا مرسل، لأن الزهري لم يسمعه من عروة، بل دلَّس به، بل إنما هو عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة، وعبد الله بن أبي بكر ليس عندهم في حديثه بالمتقن، وحكي تضعيفه عن ابن عيينة.\n_________\n(١) وغيرهم كما بسطه ابن رسلان وصاحب \"الغاية\". (ش).\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٥٧).","vol":"2","page":56},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكذلك أحاديث أخر التي رويت في هذا الباب، واحتجوا بها، تكلم فيها الطحاوي وصرح بضعفها.\nومن أقواها ما أخرجه أحمد بن حنبل في \"مسنده\"، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١) بسنديهما عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن خالد الجهني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من مس فرجه فليتوضأ\"، فاعترض عليه الطحاوي وقال: قيل له: أنت لا تجعل محمد بن إسحاق [حجة] في شيء إذا خالفه فيه مثل من خالفه في هذا الحديث، ولا إذا انفرد، ونفس هذا الحديث منكر.\nوأخلِق به أن يكون غلطًا، لأن عروة حين سأله مروان عن مس الفرج، فأجابه من رأيه أن لا وضوء فيه، فلما قال له مروان عن بسرة عن النبي - ﷺ - ما قال، قال له عروة: ما سمعت به، وهذا بعد موت زيد بن خالد (٢) بكم ما شاء الله، فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما قد حدثه إياه زيد بن خالد عن النبي - ﷺ -.\nقال البيهقي في جوابه: وأما ما قال من تقديم موت زيد بن خالد الجهني، فهذا منه توهم، فلا ينبغي لأهل العلم أن يطعنوا في الأخبار بالتوهم، فقد بقي زيد بن خالد إلى سنة ثمان وسبعين من الهجرة، ومات مروان بن الحكم سنة خمس وستين، هكذا ذكره أهل العلم بالتواريخ، فيجوز أن يكون عروة لم يسمع من أحد حين سأله مروان، ثم سمعه من بسرة، ثم سمعه بعد ذلك من زيد بن خالد، انتهى على ما نقله صاحب \"غاية المقصود\".\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٩٤)، \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧٣).\n(٢) في الأصل \"خالد\" وهو تحريف، والصواب: \"زيد بن خالد\".","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>(٧٢) بابُ الرُّخْصَةِ فِى ذَلِكَ</span>\n١٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرِو\n===\nثم قال شارحًا لكلام البيهقي: قلت: كلام الطحاوي هذا غلط لا يصح، ثم قال بعد تقرير كلامه: فالعجب من الطحاوي أنه بني الكلام على رواية ضعيفة وترك رواية الأكثرين، وما هو إلَّا لنصرة مذهبه، انتهى.\nقلت: ليس هذا التشنيع والتغليط إلَّا لداعية نفسانية دعته إلى ذلك وما هو لنصرة الحق، فإنه قد اختلف في موت زيد بن خالد على خمسة أقوال: فقيل: مات سنة ٥٠ هـ، وقيل: في آخر أيام معاوية، وقيل: سنة ٦٨ هـ، وقيل: سنة ٧٢ هـ، وقيل: سنة ٧٨ هـ، ثم اختلف في مكان موته، قيل: بالمدينة، وقيل: بمصر، وقيل: بالكوفة (١)، فلو قلنا: إن الراجح عند الإِمام الطحاوي - رحمه الله تعالى - هو أنه مات قبل ذلك، كيف يكون قول بعض أهل التواريخ والسير حجة عليه، والحال أنه إمام في الحديث والسير، فهل عندهم أحد يوازيه في العلم بل يكون قوله حجة عليهم.\n\n(٧٢) (بَابُ الرُّخْصَةِ (٢) في ذَلِكَ)\nأي في ترك الوضوء من مس الذكر\n١٨٢ - (حدثنا مسدد قال: ثنا ملازم بن عمرو)، هو ملازم بن عمرو بن عبد الله بن بدر السحيمي مصغرًا، يلقب بلزيم، قال أبو طالب عن أحمد: من الثقات، وقال عبد الله: قال أبي: ملازم ثقة، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة والنسائي، وقال\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤١٠).\n(٢) ذكر متابعة حديث الباب في \"عقود الجواهر المنيفة\" (١/ ٦٤ - ٦٥). (ش).","vol":"2","page":58},{"text":"الْحَنَفِىُّ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ\n===\nالدارقطني: يمامي ثقة يخرج حديثه، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، وقال أبو داود: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(الحنفي) بفتح المهملة والنون وفي آخرها الفاء، نسبة إلى بني حنيفة.\n(قال: ثنا عبد الله بن بدر) بن عميرة بن الحارث بن شمر، ويقال: سمرة الحنفي السحيمي مصغرًا، نسبة إلى سحيم، بطن من بني حنيفة، اليمامي، جد ملازم بن عمرو، قال ابن معين وأبو زرعة والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن قيس بن طلق) بن علي بن المنذر الحنفي اليمامي، قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين، قلت: عبد الله بن النعمان عن قيس بن طلق، قال: شيوخ يمامة ثقات، وقال العجلي: يمامي تابعي ثقة، وأبوه صحابي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: قيس ليس ممن تقوم به حجة ووهَّاه، وقال الخلال عن أحمد: غيره أثبت منه، وقال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه، وقال ابن معين: لقد أكثر الناس في قيس وأنه لا يحتج بحديثه، وقال الطحاوي بسنده إلى علي بن المديني يقول: حديث ملازم هذا أحسن من حديث بسرة.\n(عن أبيه) هو طلق بن علي بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو الحنفي السحيمي، أبو علي اليمامي، وفد على النبي - ﷺ -، وعمل معه في بناء المسجد، وروى عنه، وعنه ابنه قيس، وبنته خالدة، وعبد الله بن بدر، وعبد الرحمن بن علي بن شيبان، قلت: ذكره ابن السكن. وقال: يقال له: طلق بن ثمامة، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" (١) للحافظ.\n_________\n(١) (٥/ ٣٣).","vol":"2","page":59},{"text":"قَالَ: \"قَدِمْنَا عَلَى نَبِىِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِىٌّ، فَقَالَ: يَا نَبِىَّ (١) اللَّهِ، مَا تَرَى فِى مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ (٢) - ﷺ -: «هَلْ هُوَ إِلَاّ مُضْغَةٌ مِنْهُ»، أَوْ: «بَضْعَةٌ مِنْهُ». [ن ١٦٥، ت ٨٥، جه ٤٨٣، حم ٤/ ٢٣]\n===\n(قال قدمنا على نبي الله - ﷺ -)، والظاهر (٣) أن قدومه مع قومه الذين وفدوا على النبي - ﷺ - حين بني المسجد في أول سني الهجرة (فجاء رجل كأنه بدوي) (٤) لم يعرف اسم الرجل، قال في \"القاموس\": البدو والبادية والباداة والبداوة: خلاف الحضر، والنسبة بَدَاويٌّ كسخاوي، وبِداوِيٌّ بالكسر، وبَدوِيٌّ محركة، نادرة.\n(فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال - ﷺ -: هل هو) أي الذكر (إلَّا مضغة) بضم الميم (منه) أي من الرجل (أو بضعة منه) بفتح الباء الموحدة، وهذا شك من الراوي، ومعناه قطعة من اللحم، فكما لا يجب الوضوء بمس سائر الجسد، كذلك لا يجب الوضوء من مس الذكر، قال الترمذي: وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب.\nوقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه، وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة، وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن، وذهب إلى هذا كثير من علماء الصحابة والتابعين، منهم علي بن أبي طالب،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يا رسول الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"قال: هل\".\n(٣) كذا في \"الغاية\"، وبسطه أشد البسط. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: نسبة إلى البادية خلاف القياس. (ش).","vol":"2","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود (١)، وحذيفة بن اليمان، وعمران ابن الحصين، وأبو الدرداء، وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين عنه، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسفيان الثوري وأصحابه، ويحيى بن معين، وأهل الكوفة.\nقال الشوكاني (٢): صححه عمرو بن علي الفلاس، وقال: هو عندنا أثبت من حديث بسرة، وروي عن علي بن المديني أنه قال: هو عندنا أحسن من حديث بسرة، وقال الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب بخلاف حديث بسرة، وصححه أيضًا ابن حبان، والطبراني، وابن حزم.\nقال الشوكاني: وأجيب بأنه قد ضعفه الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي، وادعى فيها النسخ ابن حبان (٣)، والطبراني، وابن العربي، والحازمي وآخرون.\nقلت: مدار تضعيف الشافعي على أنه قال: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه، فلما لم يعرفه الإِمام الشافعي صار عنده مجهولًا وضعف روايته لجهالته، وأما عند غيره فهو معروف، روى عنه الكثير من الرواة، ولم يثبت عندهم جرح فصحَّحوا حديثه، وقولهم أرجح، لأن مدار قولهم على زيادة العلم، وكذلك جرح غيرهم جرح مبهم لا يلتفت إليه، لأنه جرح من غير دليل خصوصًا في مقابلة الموثقين له، وهو لا يكون إلَّا بدليل.\n_________\n(١) وذكر ابن رسلان بعض الآثار عن ابن مسعود في عدم النقض. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٥٧).\n(٣) وكذا قال ابن رسلان عن البغوي، لأن قدوم طلق في السنة الأولى، وإسلام أبي هريرة في السابعة. (ش).","vol":"2","page":61},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ، وَشُعْبَةُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَجَرِيرٌ الرَّازِىُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ،\n===\nوأما دعوى النسخ فأوهى من ذلك وأوهن، لأن دعوى النسخ يستدل عليها بتقديم إسلام طلق وتأخر إسلام بسرة، وهذا لا يثبت به النسخ كما قال الشوكاني، ولكن هذا غير دليل على النسخ عند المحققين من أئمة الأصول.\nقال ابن الهمام (١): ومما يدل على انقطاع حديث بسرة باطنًا أن أمر النواقض بما يحتاج الخاص والعام إليه، وقد ثبت عن علي، وعمار، وعبد الله بن مسعود وغيرهم من كبار الصحابة أنهم لا يرون النقض منه، وإن روي عن غيرهم كعمر وابنه وغيرهما على أن في الرواية عن عمر نظرًا لما سنذكره عنه في كتاب الصلاة، انتهى ملخصًا.\n(قال أبو داود: رواه) أي حديث طلق بن علي (هشام بن حسان (٢)، وسفيان الثوري (٣)، وشعبة (٤)، وابن عيينة (٥)، وجرير الرازي عن محمد بن جابر) (٦) بن سيار بن طارق السحيمي الحنفي، أبو عبد الله،\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ٤٩).\n(٢) أما رواية هشام بن حسان، فأخرجها عبد الرزاق (١/ ١١٧) رقم (٤٢٦)، ومن طريقه الطبراني (٨/ ٣٩٦) رقم (٨٢٣٣)، وابن عدي (٧/ ٣٣١) ترجمة رقم (١٦٤٦).\n(٣) ورواية سفيان الثوري أخرجها ابن عدي (٧/ ٣٣٠).\n(٤) ورواية شعبة أخرجها ابن عدي (٧/ ٣٣٠).\n(٥) ورواية ابن عيينة أخرجها الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧٥)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (١/ ٢٨) رقم (٣٠)، وابن عدي (٧/ ٣٣٠)، من طرق عنه.\n(٦) قال ابن رسلان: ليس له عند أبي داود وابن ماجه غير هذا الحديث. (ش).","vol":"2","page":62},{"text":"عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ.\n===\nأصله كوفي، ذهبت كتبه، فساء حفظه، وخلط كثيرًا وعمي فصار يلقن، رجحه أبو حاتم على ابن لهيعة، هكذا في \"التقريب\".\nوأما في \"التهذيب\" (١): قال الدوري عن ابن معين: كان أعمى، واختلط عليه حديثه، وكان كوفيًا، فانتقل إلى اليمامة، وهو ضعيف، وقال عمرو بن علي: صدوق، كثير الوهم، متروك الحديث، وقال ابن أبي حاتم عن محمد بن يحيى، سمعت أبا الوليد يقول: نحن نظلم محمد بن جابر بامتناعنا عن التحديث عنه، قال: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: من كتب عنه باليمامة وبمكة فهو صدوق، إلَّا أن في أحاديثه تخاليط، وأما أصوله فصحاح، قال: وسئل أبي عن محمد بن جابر وابن لهيعة فقالى: محلهما الصدق، ومحمد بن جابر أحب إلى من ابن لهيعة.\nوقال البخاري: ليس بالقوي يتكلمون فيه، روى مناكير، وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: روى عنه من الكبار أيوب وابن عون وسرد جماعة، قال: ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء، ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه، وقال يعقوب بن سفيان والعجلي: ضعيف، وقال الذهلي: لا بأس به، وقال ابن حبان: كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس في حديثه، ويسرق مَا ذُوْكِرَ به فيحدث به، وقال أحمد بن حنبل: لا يحدث عنه إلَّا شر منه، وقال الدارقطني: هو وأخوه مقاربان في الضعف، قيل له: يتركان؟ فقال: لا بل يعتبر بهما، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" ملخصًا (عن قيس بن طلق).\n_________\n(١) (٩/ ٨٩).","vol":"2","page":63},{"text":"١٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ (١)، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَقَالَ: \"فِى الصَّلَاةِ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>(٧٣) بابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ</span>\n١٨٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِىِّ،\n===\n١٨٣ - (حدثنا مسدد قال: ثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق بإسناده ومعناه) أي روى محمد بن جابر بإسناد حديث عبد الله بن بدر واتحاد معناه، (وقال: في الصلاة) أي زاد في الحديث لفظ: \"في الصلاة\"، فصار لفظ الحديث هكذا: فقال: \"يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره في الصلاة بعد ما يتوضأ\"، وقد مرَّ أن محمد بن جابر ضعيف، فالزيادة التي تفرد بها ضعيفة أيضًا.\n\n(٧٣) (بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإبِلِ) (٢)\nهل يجب الوضوء من أكلها أم لا؟\n١٨٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم (قال: ثنا الأعمش) سليمان بن مهران، (عن عبد الله بن عبد الله الرازي) أبو جعفر، قاضي الري، مولى بني هاشم، أصله كوفي، وثَّقه أبو معمر الهذلي، ويعقوب بن سفيان، وأحمد بن حنبل، والعجلي، وقال\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن أبيه\".\n(٢) وقال ابن العربي (١/ ١١٢): حديث لحم الإبل صحيح ظاهر مشهور، وترك الوضوء منه ليس بقوي عندي، انتهى. قلت: والآثار الدالة على ترك الوضوء في \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥٠٨ - ٥١٣)، وفي \"شرح ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":64},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: \"سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: «تَوَضَّئُوا مِنْهَا»؛\n===\nعبد الله بن أحمد: كانت جدته مولاة لعلي أو جاريته، وذكره ابن حبان وابن شاهين في \"الثقات\".\n(عن عبد الرحمن (١) بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب) بن الحارث الأنصاري الأوسي، يكنى أبا عمارة، ويقال: أبو عمرو، وله ولأبيه صحبة، استصغره رسول الله - ﷺ - يوم بدر، فلم يشهدها، وأول مشاهده أحد، غزا مع رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة، وسافر معه ثمانية عشر سفرًا، ثم شهد مع علي -رضي الله تعالى عنه - الجمل وصفين وقتال الخوارج، ونزل الكوفة في إمارة مصعب بن الزبير، وأرّخه ابن حبان بأنه مات سنة ٧٢ هـ (٢).\n(قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الوضوء من لحوم الإبل) أي: من أكلها (فقال: توضؤوا منها) (٣) أي: من أكلها.\nفإن قيل: كيف قدّرتم فعل الأكل، والحديث عام لا تخصيص فيه بفعل دون فعل، وما الدليل على ذلك؟\n_________\n(١) روى هذا الحديث حمادُ بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه، بسطه في \"الغاية\". (ش).\n(٢) انظر: \"أسد الغابة\" (١/ ١٩٩) رقم (٣٨٩).\n(٣) ويكفي لصرف الحديث عن معناه الشرعي إلى معناه اللغوي أو المجاز وهو الندب، ترك جمهور الصحابة والخلفاء الأربعة العمل بالحديث، ومن شرائط العمل بخبر الواحد ترك الإعراض عنه في الصدر الأول كما بسط في الأصول، وقال ابن رسلان: الحديث يحتمل المعنى اللغوي والشرعي، وهو غسل الكفين والندب والوجوب والأكثرون ذهبوا إلى عدم النقض، انتهى. (ش).","vol":"2","page":65},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأيضًا لو سلمنا أن المراد أكلُها، فلو أكل أحد لحم الجمل نيئًا غير مطبوخ، هل ينقض وضوؤه أم لا؟ فلو قلتم: إنه ينقض الوضوء، فما الفرق بين الأكل نيًّا وبين مَسِّه بعضو من أعضائه من اليد واللسان، ولو قلتم: إنه لا ينقض الوضوء إلَّا بالنضيج منه، فما الدليل على هذا التخصيص عندكم، والحديث عام يشمل النضيج والنيئ؟\nقلنا: قال الشوكاني (١): وقد اختلف في ذلك، فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، قال النووي: ممن ذهب إلى ذلك الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وجماهير من التابعين، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي وأصحابهم، فإنهم لا يرون الوضوء بأكل لحوم الإبل ولا بمسها، فلا يحتاج إلى الجواب.\nوذهب إلى انتقاض الوضوء به (٢) أحمدُ بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر، وابن خزيمة، واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي، وحكى عن أصحاب الحديث مطلقًا، وحكى عن جماعة من الصحابة.\nفيمكن الجواب عما ذهبوا إليه بأن الوجوب والحرمة إذا نسب إلى الشيء، فالنسب إليه باعتبار الفعل الذي يتعلق به باعتبار ما هو من أعظم منافعه، فلما نسب وجوب الوضوء إلى لحوم الإبل، وأعظم منافع اللحوم ليس إلَّا الأكل، فنُسِبَ وجوب الوضوء إلى أكلها لا لغيره من الأفعال من المسِّ وغيرها.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٦٠).\n(٢) ولو نيئًا، لكن باللحم فقط لا الكبد والطحال وغيرها، كذا في \"نيل المآرب\" (١/ ٦٩). (ش).","vol":"2","page":66},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويمكن الجواب عن الثاني بأنه لما علم تخصيصه بالأكل، والأكل لا يتحقق عرفًا إلَّا بالنضيج، ولا يُؤْكل نيئه عادة، فيختص حكم وجوب الوضوء بالنضيج ضرورة، والله أعلم، واحتج القائلون بالنقض بهذا الحديث وبأمثاله.\nوأما القائلون بعدم النقض فاحتجوا بحديث جابر - ﵁ - الذي أخرجه الأربعة (١) أنه قال: \"كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار\" أي تحقق الأمران: الوضوء والترك، وكان الترك آخر الأمرين، فارتفع الوضوء أي وجوبه.\nولهذا قال الترمذي: وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مسّت النار، ولما كانت لحوم الإبل داخلة فيما مسّت النار، وكانت فردًا من أفراده، ونُسِخ وجوبُ الوضوء عنه بجميع أفراده، استلزم نسخ الوجوب عن هذا الفرد أيضًا.\nفما قال النووي: لكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، مندفع، لأنا لا نسلم كونه منسوخًا بحيث إنه خاص، بل لأنه فرد من أفراد العام الذي نسخ، فإذا نسخ العام وهو وجوب الوضوء مما مست النار نسخ جميع أفرادها، ومن أفرادها أكل لحوم الإبِل التي مسته النار، ولو سُلِّمَ كونها خاصًّا، فالعام والخاص عندنا قطعيان متساويان، لا يقدم أحدهما على الآخر، فعلى هذا العام ينسخ الخاص أيضًا.\nواعلم أن الشوكاني ذكر ها هنا قاعدة تَبَجَّحَ بذكرها، وحاصلها: أن أحاديث الأمر بالوضوء من لحوم الإبِل لم تشمل النبي - ﷺ - لا بالتنصيص\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٩٢)، والترمذي (١/ ١٢٠)، وسنن النسائي (١٨٥)، والبيهقي (١/ ١٠٦).","vol":"2","page":67},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولا بالظهور، بل هو مختص بالأمة، فلا يصلح تركه - ﷺ - للوضوء مما مست النار ناسخًا لها، لأن فعله - ﷺ - لا يعارض القول الخاص بنا، ولا ينسخه، بل يكون فعله لخلاف ما أمر به أمرًا خاصًا بالأمة دليل الاختصاص به، انتهى.\nقلت: والأصل في الشرعيات أن ما ثبت من قوله أو فعله\nأو تقريره - ﷺ -، فهو عام له ولأمته، وإن كان الخطاب فيه خاصًّا ما لم يقم عليه دليل الاختصاص به - ﷺ - أو بأمته، وما دام لم يقم دليل الاختصاص لا يحمل على الخصوص، وها هنا لم يقم دليل الاختصاص، والاستدلال بفعله لخلاف ما أمر به لا يصح، ولا يكون دليلًا على الاختصاص.\nولهذا عَدَّ جمهور الأمة من علماء الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ترك الوضوء مما مسّت النار ناسخًا لما أمر به قبل ذلك من الوضوء مما مسّت النار.\nوقال بعضهم: إن المراد من الوضوء غسل اليدين والفم لما في لحم الإبل من رائحة كريهة ودسومة غليظة بخلاف لحم الغنم.\nويؤيده الروايات التي رويت عن ابن مسعود: أنه جيء بقصعة فيها ثريد ولحم، فأكل ومضمض وغسل أصابعه، ثم قام إلى الصلاة، وكذلك عنه قال: لأن أتوضأ من الكلمة المنتنة أحبُّ إليَّ من أن أتوضأ من اللقمة الطيبة.\nوكذلك روي: أن عثمان -﵁ - أكل خبزًا ولحمًا، وغسل يديه، ثم مسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ.\nوكذلك عن ابن عبّاس: أنه أتي بجفنة من ثريد ولحم، فأكل منها،","vol":"2","page":68},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوغسل أطراف أصابعه، ولم يتوضأ، أخرجها الطحاوي (١).\nفهؤلاء الكبراء من الصحابة لما لم يتوضؤوا من أكل ما مسّته النار وضوءًا اصطلاحيًّا، واكتفوا على الوضوء اللغوي، عُلِمَ بذلك أن المراد بالوضوء ها هنا الوضوء اللغوي لا الاصطلاحي.\nنعم، بقي ها هنا أن الذي ورد في الحديث هو الوضوء من لحوم الإبل غير مقيد بأكلها ولا بكونها نيئًا أو نضيجًا، ثم قيّده الشراح بالأكل كما قال النووي في \"شرح مسلم\" (٢)، فاختلف العلماء في أكل لحوم الجزور، وكذلك قال الشوكاني في \"النيل\" (٣) بعد نقل الحديث، وهو يدل على أن الأكل من لحوم الإبل من جملة نواقض الوضوء، وكذلك صرح القاري في \"شرح المشكاة\" (٤): وفيه تأكيد الوضوء من أكل لحم الإبل، وهو واجب عند أحمد، وهذا يقتضي أن يكون المراد باللحم النضيج لا النيِّء، لأن النئ لا يؤكل.\nفما قال ابن القيم (٥): وأما من يجعل كون لحم الإبل هو الموجب للوضوء سواء مسته النار أو لم تمسه، فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده، فكيف يحتج عليه بهذا الحديث، يلزم عليه أن يجعله عامًا من الأكل والمس أيضًا، لأن لفظ الحديث كما أنه عارٍ عن كونه مطبوخًا كذلك عارٍ عن قيد الأكل، فلما جعله عامًا شاملًا للمطبوخ وغير المطبوخ، كذلك\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٦٧ - ٦٨).\n(٢) (٢/ ٢٨٤).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٦٠).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٣٦).\n(٥) \"تهذيب سنن أبي داود\" (١/ ١٠٦).","vol":"2","page":69},{"text":"وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: «لَا تَتَوَضَّؤوا مِنْهَا»\n===\nيلزم عليه أن يجعله عامًا من الأكل والمس، ولا قائل به غير الشيخ ابن القيم ومقلده صاحب \"غاية المقصود\".\nوبالجملة فكما روي عن رسول الله - ﷺ - الأمر بالوضوء بلحوم الإبل، كذلك روي عنه - ﷺ - الأمر بالوضوء من ألبان الإبل، أخرجه ابن ماجه (١) بسنده عن أسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو يرفعانه، يقول: \"توضؤوا من ألبان الإبل\"، وهذا محمول عند جميع الأمة على شربها بأن يستحب له أن يمضمض ويزيل الدسومة عن فمه، كذلك يستحب له إذا أكل لحم الجزور أن يغسل يده وفمه وينفي الدسومة والزهومة.\n(وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: لا توضؤوا منها)، وفي رواية جابر بن سمرة التي أخرجها مسلم قال: \"إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ\"، فعلى هذا ما في سياق أبي داود قال: \"لا توضؤوا منها\" معناه: لا يجب الوضوء من لحوم الغنم، فسياق رواية مسلم يدل على أن المراد الوضوء اللغوي، لأن قوله - ﷺ -: \"إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ\" في جواب من سأل عن وجوب الوضوء من لحوم الغنم، لو حمل على الوضوء الاصطلاحي لا يطابق الجواب السؤال.\nفإن السؤال لو حمل على وجوب الوضوء لكان جوابه أن يقول: لا، أو يقول: لا تتوضؤوا، كما في سياق أبي داود، فهذا يدل على أن السؤال كان عن استحباب الوضوء اللغوي هل يستحب غسل اليد والفم، فذكر في جوابه كلا الأمرين أي الغسل وعدم الغسل سواء، لأن لحوم الغنم ليس فيها دسومة وزهومة يبقى أثرها بعد الأكل، فقال: \"إن شئت فتوضأ\"، أي فاغسل اليد والفم، \"وإن شئت فلا تتوضأ\" أي فلا تغسلهما.\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" ح (٤٩٦، ٤٩٧).","vol":"2","page":70},{"text":"وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: «لَا تُصَلُّوا فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ، فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ». وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟\n===\nفهذه قرينة واضحة على أن المراد بالوضوء الوضوء اللغوي، وهي ترشدك إلى أن الوضوء في لحوم الإبل هو الوضوء اللغوي لا غير، والله أعلم.\n(وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل (١» المبارك جمع مبرك، وهو موضع بروك الإبل، وهو للإبل بمنزلة الربوض للغنم، والاضطجاع للإنسان، والجثوم للطير، كره الصلاة في مبارك الإبل لما لا يؤمن من نفارها، فيلحق المصلي ضرر من صدمته وغيرها، فلا يكون له حضور.\n(فإنها من الشياطين) (٢)، قال في \"القاموس\": والشيطان معروف، وكل عادٍ متمرد من حسن أو إنس أو دابة.\n(وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟)، والمربض للغنم كالمبرك\n_________\n(١) اختلف المشايخ في علة المنع فقيل: يستتر بها عند الخلاء، وقيل: أهلها لا ينظفونها، وقيل: إنها لا تستقر في معاطنها، وقيل: لثقل رائحتها الكريهة، والأوجه ما هو المنصوص في علته أنها من الشياطين، فقيل على الحقيقة، وقيل: تشبيهٌ للنفور، ولا يشكل بصلاته ﵊ على الناقة، فإن كونها من الشياطين لا تقطع الصلاة، فإن نفس الشيطان يسلط على المصلي في الصلاة، ويقول له: اذكر كذا اذكر كذا، فإنه إذا لم يقطع الصلاة نفسه، فكيف يقطع من هو في حكمه، ثم لو صلى فيها، فالجمهور على الكراهة، وأحمد على الفساد، وللجمهور صلاته - ﷺ - على الناقة، وما قاله الشافعي: إن الشيطان لا يقطع الصلاة كما ورد في عدة روايات، ولا خلاف في الجواز في المرابض، واختلفوا في البقر بأيهما يلحق \"ملخص من الأوجز\" (٣/ ٥٠٤). (ش).\n(٢) وفي \"التقرير\": أي يوسوس بالركض والبول وغير ذلك. (ش).","vol":"2","page":71},{"text":"فَقَالَ: «صَلُّوا فِيهَا، فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ». [ت ٨١، جه ٤٩٤، حم ٤/ ٢٨٨، خزيمة ١/ ٢١ - ٢٢]\n===\nللإبل، وأما المعاطن فهو جمع معطن محل العطن، وهو مبرك الإبل حول الماء.\n(فقال: صلوا فيها، فإنها بركة). قال الشوكاني (١): والحديث يدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم، وعلى تحريمها في معاطن الإبل، وإليه ذهب أحمد بن حنبل فقال: لا تصح بحالٍ، وقال: من صلَّى في عطن إبل أعاد أبدًا، وسئل مالك - رحمه الله تعالى - عمن لا يجد إلَّا عطن إبل قال: لا يصلي فيه، قيل: فإن بسط عليه ثوبًا، قال: لا، وقال ابن حزم: لا تحل في عطن إبل.\nوذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة، وعلى التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة، وذلك متوقف على نجاسة أبوال (٢) الإبل وأزبالها، وقد عرفت ما فيه، ولو سلمنا النجاسة لم يصح جعلها علة، لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم، إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها.\nوأيضًا قد قيل: إن حكمة النهي ما فيها من النفور، فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها، أو أذى يحصل منها، أو تشوش الخاطر\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٧٣).\n(٢) وسيأتي حكم بول ما يؤكل لحمه على هامش باب الجنب يتيمم، وأطال صاحب \"الغاية\" البحث ها هنا في نجاسة الأرواث، واستدل بالحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، إذ المرابض لا تخلو عنها غالبًا، وعلة النهي عن المعاطن كونها من الشياطين، فعلم أنها طاهرة كلها، وأجاب عنه الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٥٢٧) فأرجع إليه. (ش).","vol":"2","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>(٧٤) باب الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ اللَّحْمِ النِّئِ وَغَسْلِهِ</span>\n===\nالمُلهي عن الخشوع في الصلاة، وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي - رحمه الله تعالى- وأصحاب مالك - رحمه الله تعالى-. وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها، وبين غيبتها عنها، إذ يؤمن نفورها حينئذ.\nويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: \"لا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيئتها\".\nثم قال: وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ: \"فإنها بركة\"، فهو إنما ذكر لقصد تبعيدها عن حكم الإبل، فإنه لما وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة، وصف أصحاب الغنم بالسكينة.\nقال في \"مرقاة الصعود\": تكرر هذا في الحديث، فروي: \"الغنم بركه\" (١)، وعن أم هانئ قال لها النبي - ﷺ -: \"اتخذي غنمًا، فإن فيها بركة\" (٢)، وفي حديث ابن عمر رفعه: \"الغنم من دواب الجنة\" (٣).\n\n(٧٤) (بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ اللَّحْمِ النِّيءِ وغَسْلِهِ) (٤)\nفقوله: \"وغسله\" عطف على الوضوء، فمعناه: هذا باب وضوء الرجل من مس اللحم غير المطبوخ، وغسل الرجل يده إذا مس به اللحم النِّيْء،\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٣/ ١٧٠٩).\n(٢) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" ح (٢٣٠٤)، وأحمد في \"مسنده\" ح (٤٢٦٦).\n(٣) أخرجه الخطيب في \"تاريخه\" (٧/ ٤٣١). وانظر: \"كنز العمال\" (١٢/ ٣٢٤).\n(٤) قلت: ولعل الداعي إلى تبويبه ما روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١/ ١٤٢) عن سعيد بن المسيب أنه قال: من مسه يتوضأ، وروي أيضًا عن الحسن وعطاء أنه يغسل يده. (ش).","vol":"2","page":73},{"text":"١٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَأَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّىُّ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِىُّ، الْمَعْنَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ\n===\nأي هل يجب الوضوء الشرعي بمس اللحم؟ أو هل يجب غسل اليد فقط، وهو الوضوء اللغوي، أو لا يجب؟ والنيء من اللحم ما لم يطبخ أو طبخ أدنى طبخ ولم ينضج، من ناء اللحم ينيء نيئًا كناع ينيع نيعًا، فهو نيء بالكسر، وقد تبدل الهمزة وتدغم، ويقال: نِيٌّ مشددًا، كذا في \"المجمع\" (١).\n١٨٥ - (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب (وأيوب بن محمد الرقي) هو أيوب بن محمد بن زياد بن فروخ بفاء مفتوحة وضم راء مشددة وإعجام خاء، الوزان، كان يزن القطن في الوادي، أبو محمد الرقي، نسبة إلى رقة، وهي بلدة على طرف الفرات، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٤٩ هـ.\n(وعمرو بن عثمان الحمصي) هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي، أبو حفص الحمصي، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثَّقه النسائي، وكذا أبو داود ومسلمة وثقاه، مات سنة ٢٥٠ هـ.\n(المعنى) أي معنى ما رووه واحد وإن اختلف لفظهم.\n(قالوا: ثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدرالفزاري، أبو عبد الله الكوفي، الحافظ، عن أحمد: ثبت حافظ، وقال أبو داود عن أحمد: ثقة ما كان أحفظ، وقال ابن معين ويعقوب بن شيبة والنسائي: ثقة، وقال ابن المديني: ثقة فيما يروي\n_________\n(١) (٤/ ٨١٥).","vol":"2","page":74},{"text":"قَالَ: أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ الْجُهَنِىُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ. قَالَ هِلَالٌ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ.\n===\nعن المعروفين، وضعيف فيما يروي عن المجهولين، وقال العجلي: ثقة ثبت ما حدث عن المعروفين فصحيح، وما حدث عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوق، لا يدفع عن صدقه، ويكثر روايته عن الشيوخ المجهولين، وقال الآجري عن أبي داود: كان يقلب الأسماء، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان مروان يغير الأسماء يُعَمِّي على الناس، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وفي \"الميزان\": قال ابن معين: وجدت بخط مروان: وكيع رافضيّ، فقلت له: وكيع خير منك؛ فسبَّني، مات سنة ١٩٣ هـ.\n(قال: أخبرنا هلال بن ميمون الجهني) ويقال: الهذلي، ويقال: أبو المغيرة، ويقال: أبو معبد، الفلسطيني الرملي، نزيل الكوفة، عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عطاء بن يزيد الليثي، قال هلال) أي هلال بن ميمون: (لاأعلمه) أي لا أعلم عطاء (إلَّا) قال: (عن أبي سعيد)، ويحتمل أن يكون مرجع الضمير الحديث، أي لا أعلم الحديث عن عطاء إلَّا عن أبي سعيد، فعلى الاحتمالين ذكْرُ أبي سعيد على الظن، وقال في \"درجات مرقاة الصعود\" (١): في رواية ابن حبان الجزم بأنه عن أبي سعيد، فعلى هذا الروايةُ موصولة، وهذا لفظ محمد بن العلاء.\n_________\n(١) (ص ٣٤).","vol":"2","page":75},{"text":"وَقَالَ أَيُّوبُ وَعَمْرٌو: أُرَاهُ (١) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- مَرَّ بِغُلَامٍ (٢) يَسْلُخُ شَاة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَنَحَّ حَتَّى أُرِيَكَ\"، فَأَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الإِبْطِ، ثُمَّ مَضَى فَصَلَّى لِلنَّاسِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ\". [جه ٣١٧٩، ق ٩/ ٨٦، حب ١١٦٣]\n===\n(وقال أيوب وعمرو: أراه عن أبي سعيد) وهذا اللفظ أيضًا يدل على أن ذكر أبي سعيد ليس على الجزم (أن النبي - ﷺ - مر بغلام) قال في \"القاموس\": والغلام: الطارُّ الشارِب، والكَهْلُ ضدٌّ، أو من حين يولد إلى أن يَشِبَّ، جمعه: أَغْلِمَةٌ وَغِلْمَةٌ وغِلْمَانٌ، قال في \"في رجات مرقاة الصعود\": في رواية الطبراني هو معاذ بن جبل.\n(يسلخ شاة) (٣) أي ينزع الجلد عنها.\n(فقال له رسول الله - ﷺ -: تَنَحَّ) أي تَبَعَّدْ عن مكانك، وكن على جانب منه (حتى أريك) أي أعلمك، وزاد ابن حبان: \"فإني لا أراك تحسن تسلخ\"، كذا قال الشارح.\n(فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها) أي أدخل اليد (حتى توارت) أي اليد (إلى الإبط) \"وقال: هكذا يا غلام فاسلخ\"، قال الشارح: زاده ابن حبان.\n(ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ) وهذا لفظ محمد بن العلاء وأيوب بن محمد.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وأراه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وهو\".\n(٣) قال ابن رسلان: يؤخذ منه جواز ذبح الصبي وسلخه؛ لأن الظاهر أنه لم يسلخ إلَّا وقد ذبحه، لأن قصده صحيح بدليل صحة العبادة عنه، وقال مالك وأحمد: لا يصح. (ش).","vol":"2","page":76},{"text":"(١) زَادَ عَمْرٌو فِى حَدِيثِهِ: يَعْنِى لَمْ يَمَسَّ مَاءً، وَقَالَ: عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّمْلِىِّ.\nقال أبو داود: وَ(٢) رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادةٍ (٣)\n===\nقال أبو داود: (زاد عمرو في حديثه) في تفسير قوله: ولم يتوضأ: (يعني لم يمس (٤) ماء)، فحمل الوضوء في قوله: \"ولم يتوضأ\" على الوضوء اللغوي.\nوهذا الحديث يدل على أن مس اللحم النِّيئ من الحيوان المذبوح غير ناقض للوضوء، ولا فرق فيما كان شاة أو بقرًا أو جزورًا، فإنها كلها سواء في هذا الحكم، لا يجب منه الوضوء الاصطلاحي واللغوي، وإنما لم يغسل اليد ليعلم أن ما تحت الجلد من الدسومة والرطوبة وما بقي من الدم غير المسفوح متصلًا باللحم، ليس بنجس بعد الذكاة.\n(وقال) أي عمرو في روايته: (عن هلال بن ميمون الرملي)، فالفرق بين رواية عمرو وبين رواية محمد بن العلاء وأيوب بن محمد بأنهما قالا بلفظ: أخبرنا هلال، ووصفاه بالجهني، وقال عمرو: عن هلال، ووصفه بالرملي، ولا ضائقة فيه، فإنه اختلاف في اللفظ لا في المعنى.\n(قال أبو داود: ورواه عبد الواحد بن زيادة) العبدي مولاهم،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) وفي نسخة: من غير الواو.\n(٣) هكذا في نسخ أبي داود القديمة والمجتبائية، وفي \"العون\" [وفي نسخة العيني] بدون الهاء، وهو موافق لكتب الرجال (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: فيه دليل لما قاله أصحابنا: إن الدم بعد الذبح في الجلد وغيره معفو عنه. انتهى. قلت: وكذا في \"التقرير\". قال: وأما النهي عن الإتيان به في المسجد فلاحتمال التلويث والذباب. (ش).","vol":"2","page":77},{"text":"وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرَ أَبَا سَعِيدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>(٧٥) بابٌ: في تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْتَةِ</span>\n١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ -،\n===\nأبو بشر، وقيل: أبو عبيدة البصري، وثَّقه ابن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والعجلي، وقال الدارقطني: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عبد البر: أجمعوا لا خلاف بينهم أن عبد الواحد بن زياد ثقة ثبت، وقال ابن القطان الفاسي: ثقة لم يعتل عليه بقادح، وقال صالح بن أحمد عن علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيت عبد الواحد بن زياد يطلب حديثًا قط بالبصرة ولا بالكوفة، وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكره حديث الأعمش، فلا نعرف منه حرفًا، مات سنة ١٧٦ هـ أو بعدها.\n(وأبو معاوية) محمد بن خازم، (عن هلال) أي ابن ميمون، (عن عطاء) أي ابن يزيد، (عن النبي - ﷺ - مرسلًا، لم يذكر) أي كل واحد من عبد الواحد وأبي معاوية، وهكذا في النسخ الموجودة عندنا، وضبط صاحب \"غاية المقصود\" بصيغة التثنية وهو الأظهر، فقال: لم يذكرا (أبا سعيد).\n\n(٧٥) بَابٌ في تَرْكِ الْوُضوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْتَةِ\n١٨٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا سليمان يعني ابن بلال) التيمي القرشي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو أيوب المدني، كان أصله من البربر، عن أحمد: لا بأس به ثقة، وعن ابن معين: ثقة صالح، وقال","vol":"2","page":78},{"text":"عن جَعْفَرٍ،\n===\nابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال الخليلي: ثقة، وقال ابن عدي: ثقة، وأثنى عليه مالك - رحمه الله تعالى-، وقال ابن الجنيد (١): إنما وضعه عند أهل المدينة أنه كان على السوق، وقال ابن الشاهين في \"كتاب الثقات\": قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به وليس ممن يعتمد على حديثه، مات سنة ١٧٧ هـ.\n(عن جعفر) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي، أبو عبد الله المدني الصادق، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فلذلك كان يقول: ولدني أبو بكر مرتين، قال ابن حبان: كان من سادات أهل البيت فقهًا وعلمًا وفضلًا، وقال علي بن الجعد عن زهير بن معاوية: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جارًا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر، فقال جعفر: برأ الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر، وقال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئًا إلَّا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله.\nوثَّقه الإِمام الشافعي، ويحيى بن معين، وأبو حاتم وقال: لا يسأل عن مثله، ووثّقه النسائي، وقال مصعب الزبيري: كان مالك لا يروي عنه حتى يضمه إلى آخر. وقال ابن المديني: سئل يحيى بن سعيد عنه، فقال: في نفسي منه شيء، ومجالد أحب إلى منه، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ولا يحتج به ويستضعف، سئل مرة: سمعت هذه الأحاديث من أبيك؟ فقال: نعم، وسئل مرة، فقال: إنما وجدتها في كتبه، قال الحافظ:\n_________\n(١) في \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧٦): وقال ابن الجنيد عن ابن معين.","vol":"2","page":79},{"text":"عَنْ أَبِيهِ، عَن جَابِرٍ: \"أَنَّ رَسُولَ (١) اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْىٍ\n===\nيحتمل أن يكون السؤالان وقعا عن أحاديث مختلفة، فذكر فيما سمعه أنه سمعه، وفيما لم يسمعه أنه وجده، وهذا يدل على تثبته، وقال الساجي: كان صدوقًا مأمونًا إذا حدث عنه الثقات فحديثه مستقيم، قال أبو موسى: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن سفيان عنه، ولد سنة ٨٠ هـ، ومات سنة ١٤٨ هـ.\n(عن أبيه) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر الباقر، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وليس يروي عنه من يحتج به، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن البرقي: كان فقيهًا فاضلًا، وقال محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر وابنه جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر؟ فقالا لي: يا سالم، تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامَيْ هدى، وعنه قال: ما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلَّا وهو يتولاهما، مات سنة ١١٤ هـ.\n(عن جابر) بن عبد الله: (أن رسول الله - ﷺ - مر بالسوق) قال الشارح: سميت به لقيام الناس غالبًا فيها على سوقها، أو لأن ما يباع يساق إليها.\n(داخلًا من بعض العالية) وجمعها العوالي (٢) وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة من جهة نجد، (والناس كنفتيه) (٣) أي: جانبيه.\n(فمر بجَدْيٍ) والجدي من أولاد المعز ذكرها ما بلغ ستة أشهر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) قال الكرماني: العوالي قرى لشرقي المدينة، كذا في \"الغاية\". (ش).\n(٣) ويروى كنفيه بحذف التاء، أي: جانبيه. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":80},{"text":"أَسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ (١) ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا (٢) لَهُ»؟ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\n[م ٢٩٥٧، حم ٣/ ٣٦٥، ق ١/ ١٣٩]\n===\nأو سبعة أشهر (أَسَكّ) (٣) قال في \"القاموس\": والسَّكَكُ محركةً: الضَّمَمُ، وصِغَرُ الأُذُنِ، ولُزُوقُها بالرأس، وقلة إشرافها، أو صِغَرُ قُوْفِ الأذن، وضيق الصِّماخِ، وهو أَسَكُّ، وهي سَكَّاء، فعلى هذا معناه صغير الأذنين أو مقطوعهما (ميت، فتناوله) أي مد يده إليه (فأخذ بأذنه) لأنه كان صغير الأذنين لا مقطوعهما.\n(ثم قال) - ﷺ - مخاطبًا لمن حضر من الصحابة: (أيكم يحب أن هذا) أي الجدي (له، وساق الحديث) هذا قول أبي داود، أي وساق شيخي عبد الله بن مسلمة الحديث إلى آخره، ولكن اختصرته، وذكرت منه على قدر الضرورة، وتمامه في مسلم (٤)، ثم قال: \"أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ \"، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به، قال: \"تحبون أنه لكم\"، قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أَسَكُّ، فكيف وهو ميت، فقال: \"فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم\"، انتهى.\nوهذا الحديث يدل على أن مس الميتة مع كونه نجسًا لا ينقض الوضوء، فكيف إذا كان لحم الحيوان المذكى طاهرًا، فإنه لا ينقض الوضوء أيضًا (٥).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بأذنيه\".\n(٢) وفي نسخة: \"هذه\".\n(٣) لم ينصرف للوصف ووزن الفعل. \"ابن رسلان\". وفي \"التقرير\": أفاد بزيادة هذا الوصف زيادة في تعييبها وقلة الرغبة فيها. (ش).\n(٤) [\"صحيح مسلم\" ح (٢٩٥٧)]، وكذا في \"الأدب المفرد\" للبخاري ح (٩٦٢). (ش).\n(٥) لأنه لو نقض لنقل إلينا، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":81},{"text":"(٧٦) بابٌ: فِى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ (١) النَّارُ\n١٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ\". [خ ٢٠٧، م ٣٥٤]\n١٨٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِى صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ،\n===\n\n(٧٦) (بابٌ: في تَرْكِ الْوُضُوءِ (٢) مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)\n١٨٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: ثنا مالك) بن أنس الإِمام (عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - (٣) أكل كتف شاة) أي نضيجًا (٤) (ثم صلى ولم يتوضأ) وهذا يدل على أن أكل ما مسته النار غير ناقض للوضوء.\n١٨٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن سليمان الأنباري، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: ثنا وكيع) بن الجراح، (عن مسعر) بن كدام بكسر الكاف وتخفيف الدال.\n(عن أبي صخرة جامع بن شداد) المحاربي الكوفي، وثَّقه ابن معين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مسته\".\n(٢) بذلك قال الجمهور، منهم الخلفاء الأربعة والأئمة الأربعة، كما سيأتي قريبًا، وبسطه في \"المرقاة\" (١/ ٣٣٥). (ش).\n(٣) أفاد القاضي إسماعيل أنه كان في بيت ضباعة، ويحتمل أن يكون في بيت ميمونة، كما في رواية البخاري، انتهى. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) اختلف في الجمع بينه وبين ما ورد عند البخاري وغيره: أنه ﵇ ما أكل شاة مسموطة، راجع الجزء التاسع من \"الفتح\" (٩/ ٥٣١). (ش).","vol":"2","page":82},{"text":"عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: \"ضِفْتُ النَّبِىَّ (١) -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِىَ، وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِى بِهَا مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ.\n===\nوأبو حاتم والنسائي، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة متقن، وقال العجلي: شيخ عالٍ ثقة من قدماء شيوخ الثوري، مات سنة ١٢٧ هـ أو ١٢٨ هـ.\n(عن المغيرة بن عبد الله) بن أبي عقيل اليشكري الكوفي، وثَّقه العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن المغيرة بن شعبة قال) أي المغيرة: (ضفت (٢) النبي - ﷺ -) ضقت بصيغة المتكلم من ضاف يضيف كبعت، أي نزلت عليه ضيفًا، لأنه لم يكن من أهل المدينة، ولا يأوي إلى أهل ولا مال، وكان من الفقراء (ذات ليلة) أي ليلة، ولفظ ذات مقحم.\n(فأمر بجنب فشوي) أي أمر - ﷺ - بطبخ الجنب، أي أحد شقي الشاة الذي فيه الأضلاع، فطبخ (وأخذ) - ﷺ - (الشفرة) أي السكين (فجعل يحزُّ لي) أي يقطع (بها) أي بالشفرة (٣) (منه) أي من الجنب. (قال) أي المغيرة: فبينما هو يأكل (جاء بلال) مؤذن رسول الله - ﷺ - (فآذنه بالصلاة) أي أعلمه بوقت قيام الصلاة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) ولفظ الترمذي في \"شمائله\" (ح ١٥٩): \"ضفت مع النبي - ﷺ -\" يدل على أن المضيف كان غيره ﵊، وسكت عنه صاحب \"المنهل\" (٢/ ٢١٤)، ويمكن الجمع بينهما عندي بأن المغيرة كان ضيفه - ﷺ -، كما هو نص لفظ أبي داود، وكان النبي - ﷺ - مع ضيوفه مدعوًا عند أحد، كما ذكرته في هامش \"الخصائل\". (ش).\n(٣) ويشكل عليه ما سيأتي في الأطعمة من المنع عن القطع بالسكين، قال المنذري (٣/ ٤٥٠): هذا الحديث مما أنكر عليه، وثبت أنه ﵊ قطع بالسكين، كذا في \"ابن رسلان\"، قلت: وسيأتي هناك أنه ذكر في \"الموضوعات\"، لكن لو سلم فالجمع ما سيأتي هناك أن حديث المنع إن صح يحمل على لحم قد تكامل نضجه. (ش).","vol":"2","page":83},{"text":"قال: فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وَقَالَ: «مَا لَهُ؟ تَرِبَتْ يَدَاهُ»، وَقَامَ يُصَلِّى\". و(١) زَادَ الأَنْبَارِىُّ: \"وَكَانَ شَارِبِى وَفَى (٢) فَقَصَّهُ لِى عَلَى سِوَاكٍ، أَوْ قَالَ: \"أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ\". [حم ٤/ ٢٥٢]\n===\n(قال) أي المغيرة: (فألقى) رسول الله - ﷺ - (الشفرة، وقال: ما له) أي لبلال؟ (تربت يداه) هذه كلمة استعملت في اللوم والمعتبة، وإن كان أصلها الدعاء على المقول له بالفقر والذلة، ولكن لما استعملت في اللوم جردت عن معناها الأصلي، وإنما قال ذلك، لأن بلالًا كان الأنسب له أن لا يؤذنه بالصلاة، وهو على الطعام مع الضيف (٣)، بل كان عليه أن ينتظر حتى يفرغ، وأما إذا آذنه بالصلاة، فلم يتوقف النبي - ﷺ - عن القيام تأدبًا بأمر مولاه تعالى، ومسارعة إلى طاعة ربه.\n(وقام يصلي) أي من غير أن يجدد الوضوء، وعلم بذلك جواز الصلاة مع حضور (٤) الطعام إذا لم يشغل قلبه.\n(زاد الأنباري) أي محمد بن سليمان أحد شيخي أبي داود، ولم يزده عثمان: (وكان شاربي) قال في \"القاموس\": وما سال على الفم من الشعر، وما طال من ناحية السبلة، أو السبلة كلها شارب (وَفَى) أي طال (فقصّه) أي الشارب (لي على سواك) (٥) أي وضع السواك تحت الشارب وقصه عليه (أو قال) - ﷺ -، وهذا شك من بعض الرواة: (أقصه) أي الشارب (لك على سواك).\n_________\n(١) في نسخة: بغير واو.\n(٢) في نسخة: \"وفا\".\n(٣) والظاهر بقاء رغبة المغيرة إليه بعد، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) قال الحافظ (١/ ٣١١): استدل به البخاري على أن الأمر بتقديم الطعام خاص لغير الإِمام الراتب، وبسطه صاحب \"المنهل\" (٢/ ٢١٥)، وقال ابن رسلان: حديث تقديم الطعام محمول على حالة الصوم أو الجوع. (ش).\n(٥) فيه النظر في مصالح الضيف وتفقد أحواله، بسطه \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":84},{"text":"١٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قال: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَتِفًا ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ كَانَ تَحْتَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى\". [جه ٤٨٨]\n١٩٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ،\n===\nحاصله أن في رواية الأنباري بعد قوله: وكان شاربي وفَى، وقع الشك لبعض الرواة في أن قص الشارب وقع منه - ﷺ - على سواك، أو لم يقع، بل قال: أقصه في الزمان المستقبل على سواك، ثم بعد ذلك لم يذكر أن القص وقع ولم يقع.\n١٨٩ - (حدثنا مسدد، قال: ثنا أبو الأحوص، قال: ثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال) أي ابن عباس: (أكل رسول الله - ﷺ - كتفًا ثم مسح يده بمسح) المسح (١) بالكسر: البلاس، وهو ثوب من الشعر غليظ، (كان تحته) - ﷺ - (ثم قام) إلى الصلاة (فصلى) أي: من غير أن يجدد الوضوء.\n١٩٠ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، قال: ثنا همام) بن يحيى، (عن قتادة) بن دعامة، (عن يحيى بن يعمر) (٢) بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة، وفي \"المغني\": بفتح الميم وضمها، البصري، أبو سليمان القيسي الجدلي، قاضي مرو، وهو أول من نقط المصاحف، وثقه ابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكان على قضاء مرو، ولاه قتيبة بن مسلم،\n_________\n(١) في \"الشمائل\" ح (٣١٤): \"كان فراشه -﵊ - مِسْحًا نثنيه ثنيتين\"، الحديث. (ش).\n(٢) لم ينصرف لوزن الفعل. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":85},{"text":"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- انْتَهَسَ مِنْ كَتِفٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ\". [حم ١/ ٢٧٩]\n١٩١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِىُّ قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ\n===\nوقيل: إن قتيبة عزله لما بلغه أنه يشرب المُنَصَّف (٢)، مات قبل المئة، وقيل: بعدها.\n(عن ابن عباس) هو عبد الله (أن النبي - ﷺ - انتهس) النهس (٣) بفتح النون وسكون الهاء وسين مهملة، هو الأكل بمقدم الفم، وبالمعجمة بالأضراس، وقيل: هما بمعنى (من كتف، ثم صلَّى ولم يتوضأ) (٤).\n١٩١ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي) أبو إسحاق المصيصي المقسمي، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: ثنا حجاج) بن محمد المصيصي قال: (قال ابن جريج) عبد الملك: (أخبرني محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير بالتصغير، التيمي، أبو عبد الله، أو أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون، وما رأيت\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) الشراب طُبِخَ حتى ذهب نصفه.\n(٣) قال ابن رسلان: بالمهملة، أخذ اللحم بأطراف الأسنان، وبالمعجمة بجميع الأسنان. (ش).\n(٤) بوب عليه البخاري \"باب من لم يتوضأ من لحم شاة والسويق\"، وليس في الحديث ذكر السويق، لكنه يفهم من باب الأولى، فإنه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دسومته، فبالسويق أولى، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":86},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: \"قَرَّبْتُ لِلنَّبِىِّ -ﷺ- خُبْزًا وَلَحْمًا، فَأَكَلَ ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ\".\n[حم ٣/ ٣٢٢]\n===\nأحدًا أجدر أن يقول: قال رسول الله - ﷺ -، ولا يسأل عمن هو من ابن المنكدر لتحريه، وقال الحميدي: حافظ، وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة، وقال الواقدي: كان ثقة ورعًا عابدًا يكثر الإسناد عن جابر، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال إبراهيم بن المنذر: غاية في الحفظ والإتقان والزهد، حجة، مات سنة ١٣٠ هـ.\n(قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قربت (١) للنبي - ﷺ - خبزًا ولحمًا، فأكل ثم دعا بوضوء) (٢) أي بماء للوضوء (فتوضأ به، ثم صلَّى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه) أي بما بقي من الطعام (فأكل) أي ثانيًا (ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ).\nولعله - ﷺ - ترك الوضوء من أكل ما مسته النار، لأنه نسخ وجوب الوضوء به، أو يقال: إنه توضأ أولًا وضوءًا لغويًا استحبابًا، ثم لم يتوضأ ثانيًا لبيان جواز الترك.\n_________\n(١) لعل هذه رواية أخرى غير ما في الترمذي، ولفظه: عن جابر خرج رسول الله - ﷺ - وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت، الحديث (٨٠)، وإلَّا فرواية أبي داود وهم، لأن رواية الترمذي مؤيدة برواية الطحاوي والبيهقي، وسكت عن هذا الاخنلاف صاحب \"العون\" و\"العارضة\" و\"تحفة الأحوذي\" و\"الشروح الأربعة\" و\"التلخيص الحبير\" (١/ ١٧٥). (ش).\n(٢) لوجود حدث آخر، ولم يحدث في العصر، أو توضأ في الظهر لما مسته النار استحبابًا، ولم يتوضأ في العصر خوفًا من أن يفهم الوجوب، كذا في \"التقرير\". (ش).\n[قلت: توضأ النبيﷺ - في الظهر لوجود حدث كما وقعت الصراحة في حديث مفصل أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٢٧٤) ح (١٥٠٨٠)].","vol":"2","page":87},{"text":"١٩٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ أَبُو عِمْرَانَ الرَّمْلِىُّ قال: حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ قال: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِى حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ\". [ن ١٨٥، خزيمة ٤٣، حب ١١٣٤]\n===\n١٩٢ - (حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي) وكان نسائي الأصل، وثَّقه ابن أبي حاتم، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٦٢ هـ.\n(قال: ثنا علي بن عياش) بن مسلم الألهاني، أبو الحسن الحمصي البكاء، وثَّقه العجلي والنسائي، وقال الدارقطني: ثقة حجة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان متقنًا، مات سنة ٢١٩ هـ.\n(قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة) اسمه دينار الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، قال أحمد: ثبت صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة، ووثَّقه العجلي ويعقوب بن أبي شيبة وأبو حاتم والنسائي، مات سنة ١٦٢ هـ.\n(عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما غيرت النار) أي: كان آخر الفعلين من رسول الله - ﷺ -، فالأمر بمعنى المأمور، وهو الفعل، ويحتمل أن يكون الأمر في معناه، فحينئذ يكون معنى هذا الحديث أنه - ﷺ - أمر بالوضوء مما مسته النار أولًا ففعل، ثم أمر بترك الوضوء منه فترك، فكان أَخر الأمرين ترك الوضوء بما مسته النار.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (١): حديث جابر حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٤٣).","vol":"2","page":88},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَذَا اخْتِصَارٌ مِنَ الْحَدِيثِ الأَوَّلِ.\n===\nقال الشوكاني (١): ويشهد لأصل الحديث ما أخرجه البخاري في الصحيح عن سعيد بن الحارث، قلت لجابر: الوضوء مما مست النار؟ قال: لا، وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" ولفظه: \"أكل آخر أمره لحمًا، ثم صلَّى ولم يتوضأ\".\n(قال أبو داود (٢): وهذا اختصار (٣) من الحديث الأول) ولفظ \"هذا\" إشارة إلى قول جابر: \"كان آخر الأمرين\"، الحديث.\nوالمراد من الحديث الأول الحديث الذي تقدم وهو حديث محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قربت للنبي - ﷺ -، الحديث.\nوالذي يفهم من كلام البيهقي أن المصنف أشار بهذا الكلام إلى أن من استدل بقول جابر هذا على نسخ وجوب الوضوء مما مسته النار، فاستدلاله بهذا القول غير سديد، فإن هذا القول لا يدل على أن ترك الوضوء بما مسته النار كان آخر فعله - ﷺ - مطلقًا، بل هذا اختصار من\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٧١).\n(٢) قلت: والحديث سكت عليه النسائي، وقال ابن رسلان: وتأول الحديث بعضهم أن المراد بآخر الأمرين أي من الصلاتين لا مطلقًا، ومنهم أبو داود، فعندهم أحاديث ترك الوضوء منسوخة بأوامر الوضوء، وقال النووي: هذا الذي قالوه ليس كما زعموه، وتأويلهم حديث جابر خلاف الظاهر بغير دليل، فلا يقبل، والجمهور على أن الوضوء منسوخ بحديث جابر هذا وهو الصحيح، انتهى.\nقلت: ويأبى هذا التأويل ما أخرجه البخاري في \"صحيحه\" في \"باب المنديل\" عن جابر: \"كنا لا نتوضأ مما مست النار\"ح (٥٤٥٧). (ش).\n(٣) وقال الشوكاني (١/ ٢٧١): في الحديث علة أخرى أن ابن المنكدر لم يسمعه عن جابر، بل سمعه عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قلت: لكن الطريق الأول يأباه. (ش).","vol":"2","page":89},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالحديث الأول الذي رواه جابر بن عبد الله يقول: \"قربت للنبي - ﷺ - خبزًا ولحمًا فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلَّى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ\".\nفهذا يدل على أن ترك الوضوء بما مسته النار كان آخر الأمرين في ذلك المجلس لا مطلقًا، فلا يستدل به على النسخ، لأنه يمكن أن يكون قوله - ﷺ -: \"الوضوء مما مست النار\" أو \"توضؤوا مما مست النار\"، ورد بعد هذه القصة.\nقلت: وهذا الظن ناشئ من غير دليل يدلس عليه، فإن هذا الظن موقوف على ثبوت أن وضوءه - ﷺ - بعد أكل الخبز واللحم أولًا كان لأجل الأكل، وهو في حيز المنع، بل يحتمل أن وضوءه - ﷺ - لوجود حدث آخر لا لما أكله، ولو سلم ذلك فلا نسلم أن هذا الفعل ليس هو آخر الأمرين مطلقًا بل مختص بذاك المجلس، ونقول: إن هذا الفعل الذي ثبت في هذا المجلس هو آخر الفعلين مطلقًا، ما دام لم يثبت أنه - ﷺ - فعل أو أمر بخلافه بعد ذلك المجلس، ولم يثبت هذا.\nفلو سلَّمنا أن هذا الحديث اختصار من الحديث الأول لا يضرنا، وقد استدل به المحققون من الأئمة بنسخ الوضوء بما مسته النار بهذا القول وبأمثاله من أقوال الصحابة وأفعالهم -﵃-.\nقال البيهقي في \"سننه\" (١): قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: وإنما قلنا: لا يتوضأ منه، لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن عبد الله بن عباس، وإنما صحبه بعد الفتح، يروى عنه أنه رآه يأكل من\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٥٥).","vol":"2","page":90},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكتف شاة ثم صلَّى ولم يتوضأ، وهذا عندنا من أشد الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، وأن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف، والثابت عن رسول الله - ﷺ - أنه لم يتوضأ منه، ثم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبي بن كعب، وأبي طلحة كل هؤلاء لم يتوضؤوا منه.\nقال الشيخ: أما الطريقة الأولى فإليها ذهب جماعة من العلماء، واحتجوا فيها بما احتج به الشافعي من رواية ابن عباس، ثم برواية جابر بن عبد الله الأنصاري ومحمد بن مسلمة وأبي هريرة.\nأما حديث جابر فأخرجه بسنده، قال: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار.\nثم فأخرجه بسند آخر، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - أنه أكل خبزًا ولحمًا، ثم صلَّى ولم يتوضأ.\nوأما حديث محمد بن مسلمة أخرجه بسنده عن محمد بن مسلمة، قال: أكل رسول الله - ﷺ - مما غيرت النار، ثم صلَّى ولم يتوضأ، وكان آخر أمريه.\nوأما حديث أبي هريرة، أخرجه بسنده عن أبي هريرة أنه رأى رسول الله - ﷺ - يتوضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل من كتف شاة، ثم صلَّى ولم يتوضأ.\nثم قال البيهقي (١) بعد تخريج هذه الروايات: وقد روي في حديث آخر ما يتوهم أن يكون الناسخ إيجاب الوضوء منه، ثم ساق تلك الروايات، ثم قال: فهذه الأحاديث قد اختلف فيها، واختلف في الأول\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٥٧).","vol":"2","page":91},{"text":"١٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى كَرِيمَةَ\n===\nوالآخر منها، فلم نقف على الناسخ والمنسوخ منها ببيان بَيِّنٍ يحكم به دون ما سواه، فنظرنا إلى ما اجتمع إليه الخلفاء الراشدون والأعلام من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فأخذنا بإجماعهم بالرخصة فيه، وبالحديث الذي يروى فيه الرخصة عن النبي - ﷺ -.\nقلت فيه: أولًا: أن البيهقي خالف إمامه الشافعي في قوله: فلم نقف على الناسخ والمنسوخ منها، وقد تقدم أن إمامه صرح يكون حكم الوضوء منسوخًا.\nوثانيًا: أن البيهقي صرح يكون إيجاب الوضوء منه ناسخًا على التوهم، والتوهم لا يكون حجة بل لا يكون قابلًا للقبول ولا يلتفت إليه.\nوثالثًا: أن الحديث الذي ذكره في معرض الاستدلال على كون إيجاب الوضوء هو الناسخ، في سنده زيد بن جبيرة عن أبيه، وزيد هذا، قال ابن معين: لا شيء، وقال ابن أبي حاتم والبخاري: منكر الحديث، كذا في \"الجوهر النقي\" (١).\n١٩٣ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: ثنا عبد الملك بن أبي كريمة) الأنصاري مولاهم، أبو زيد المغربي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في ترك الوضوء مما مست النار، قال أبو العرب في \"طبقات علماء القيروان\": كان ثقة خيارًا، يقال: إنه كان مستجابًا، وقال سحنون: كان ورعًا صاحب أحاديث، وقال أبو جعفر أحمد بن أبي خالد المقرئ: كان ثقة، مات سنة ٢٠٤ هـ أو بعدها.\n_________\n(١) (١/ ١٥٨).","vol":"2","page":92},{"text":"- قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ - قَالَ: حَدَّثَنِى عُبَيْدُ بْنُ ثُمَامَةَ الْمُرَادِىُّ قَالَ: \"قَدِمَ عَلَيْنَا مِصْرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ (١) -ﷺ-، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ فِى مَسْجِدِ مِصْرَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِى سَابِعَ سَبْعَةٍ، أَوْ سَادِسَ سِتَّةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\n===\n(قال ابن السرح: من خيار المسلمين) أي يقول المصنف: قال شيخي أحمد بن عمرو بن السرح: كان عبد الملك من خيار المسلمين، وهذا توثيق من ابن السرح لشيخه عبد الملك.\n(قال: حدثني عبيد) مصغرًا (ابن ثمامة المرادي) ويقال: عتبة بن ثمامة، وهو الصواب، قال الحافظ: في \"التقريب\": مقبول من الخامسة.\n(قال: قدم علينا مصر عبد الله بن الحارث بن جزء) (٢) بن عبد الله بن معدي كرب الزبيدي بضم الزاي، حليف أبي وداعة السهمي، وابن أخي محمية بن جزء الزبيدي، قال البخاري: له صحبة، سكن مصر، وذكر أبو جعفر الطحاوي، أن وفاته كانت بسقط القدور قرية بأسفل مصر، ذكر الطبري أنه كان اسمه العاصي، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله، وهو آخر من مات بمصر من الصحابة، مات سنة ٨٥ هـ أو بعدها (من أصحاب رسول الله - ﷺ -).\n(فسمعته يحدث في مسجد مصر قال) أي عبد الله بن الحارث: (لقد رأيتني سابع سبعة أو سادس ستة مع رسول الله - ﷺ -) أي كانوا سبعة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٧٢) رقم (٢٨٧٣).","vol":"2","page":93},{"text":"فِى دَارِ رَجُلٍ، فَمَرَّ بِلَالٌ، فَنَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجْنَا فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ وَبُرْمَتُهُ عَلَى النَّارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَطَابَتْ بُرْمَتُكَ؟». قَالَ: نَعَمْ، بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، فَتَنَاوَلَ (١) مِنْهَا بَضْعَةً، فَلَمْ يَزَلْ يَعْلُكُهَا حَتَّى أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ\".\n===\nوأنا سابعهم، أو كانوا ستة وأنا سادسهم، وهذا شك من بعض الرواة (في دار رجل) لم يعرف من هو (فمر بلال فناداه) أي آذنه (بالصلاة فخرجنا) من الدار (فمررنا برجل) ولم يعرف هذا الرجل (وبُرْمَته) والبرمة بضم الباء وسكون الراء: القدر مطلقًا، وهي في الأصل ما اتخذ من الحجر، وجمعها بِرَامٌ وبُرَمٌ وكصُرَدٍ (على النار) أي تطبخ على النار.\n(فقال له رسول الله - ﷺ -: أطابت بُرْمَتُك) أي تم وكمل نضج برمتك؟ (قال: نعم، بأبي أنت وأمي) أي مفدي أنت بأبي وأمي. (فتناول) أي أخذ (منها) أي من البرمة (بضعة) أي قطعة من اللحم فجعلها في فيه، (فلم يزل يعلكها) أي يمضغها (حتى أحرم (٢) بالصلاة) أي كبر للتحريم، معناه أنه ابتلعها قبيل التكبير (وأنا انظر إليه) (٣) - ﷺ - أي إلى فعله ذلك، ويحتمل أن يكون الغرض منه بيان قوة حفظه لتلك الواقعة، فحينئذ معناه: وكأني أنظر إليه الآن، والأول أقرب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فناوله\".\n(٢) فيه جواز الأكل ماشيًا، وهذا مخصص للنهي الوارد في \"الصحيح\" لمسلم ح (٢٠٢٤): نهى - ﷺ - عن الشرب قائمًا، قال قتادة - ﵁ -: قلنا لأنس - ﵁ -: فالأكل ماشيًا قال: أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ. انتهى. \"ابن رسلان\". وفي \"التقرير\": فيه مسائل: إطابة نفس المسلم، وعدم الطهارة، ولا غسل الأيدي ولا المضمضة. انتهى. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: فيه مراقبة أهل العلم في أفعالهم وأحوالهم، انتهى. (ش).","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>(٧٧) بابُ التَّشْدِيدِ فِى ذَلِكَ</span>\n١٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قال: حَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ». [م ٣٥٢، ت ٧٩، ن ١٧١، جه ٤٨٥، حم ٢/ ٤٥٨]\n===\n\n(٧٧) (بَابُ التَّشْدِيْدِ (١) في ذَلِكَ)\nالمراد بالتشديد: وجوب الوضوء، والإشارة إلى ما مسته النار، ومعناه: باب وجوب الوضوء مما مسته النار\n١٩٤ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: ثنا يحيى) القطان، (عن شعبة) بن الحجاج (قال: حدثني أبو بكر بن حفص) هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو بكر المدني، مشهور بكنيته، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عبد البر: كان من أهل العلم والثقة، أجمعوا على ذلك.\n(عن الأغر) اسمه سلمان أبو عبد الله المدني، مولى جهينة، أصله من أصبهان، قال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة، وقال ابن خلفون: وثقه الذهلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: الوضوء) واجب أو يجب، فالرفع، أو الزموا الوضوء، فيكون منصوبًا على الإغراء (مما أنضجت النار).\n_________\n(١) وصنيع المصنف يؤيد وجوب الوضوء؛ إذ ذكر أولًا عدم الوضوء، وأول رواية جابر - ﵁ -، ثم ذكر التشديد بعده. (ش).","vol":"2","page":95},{"text":"١٩٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قال: حَدَّثَنَا أَبَانُ، عَنْ يَحْيَى، يَعْنِى ابْنَ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُ \"أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ،\n===\n١٩٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي (قال: ثنا أبان) بن يزيد العطار، (عن يحيى -يعني ابن أبي كثير-، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن أبا سفيان بن سعيد بن (١) المغيرة) بن الأخنس بن شريق الثقفي المدني، روى عن خالته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وثقه ابن حبان (حدثه) أي حدث أبا سلمة (أنه) أي أبا سفيان (دخل على أم حبيبة) (٢) هي بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، زوج النبي - ﷺ - أم المؤمنين، اسمها رملة، أسلمت قديمًا، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش، ومات هناك، فتزوجها رسول الله - ﷺ - وهي هناك.\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فتحلليني من ذلك، فحللتها واستغفرت لها، فقالت لي: سررتني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة بمثل ذلك، وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين، جزم بذلك ابن سعد وأبو عبيد.\n(فسقته) أي أم حبيبة أبا سفيان (قدحًا من سويق) القدح بالتحريك: آنية تُروي الرجلين، أو اسم يجمع الصغار والكبار، جمعه أقداح، كذا في \"القاموس\"، والسويق: دقيق القمح المقلو والشعير والذرة وغيرها، كذا في \"المجمع\" (٣).\n_________\n(١) ونسبه النسائي إلى جده فقال: أبو سفيان بن سعيد بن الأخنس. (ش).\n(٢) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٤٣٤) رقم (٧٤١٠).\n(٣) (٣/ ١٥٢).","vol":"2","page":96},{"text":"فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ (١). فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِى، أَلَا تَوَضَّأُ؟ إِنَّ النَّبِىَّ (٢) - ﷺ- قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ»، أَوْ قَالَ: \"مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ\". [ن ١٨٠، حم ٦/ ٣٢٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: فِى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ: يَا ابْنَ أَخِى.\n===\n(فدعا بماء فمضمض. قالت) أي أم حبيبة: (يا ابن أختي) وكان أبو سفيان بن سعيد ابن أختها، كما صرح علماء أسماء الرجال (ألا توضأ؟) الهمزة للإنكار على ترك الوضوء، وتوضأ بصيغة المضارع حذفت إحدى تائيها (إن النبي - ﷺ - قال: \"توضؤوا مما غيرت النار\"، أو قال: \"مما مست النار\") شك من بعض الرواة، أي قال هذا اللفظ أو ذاك.\n(قال أبو داود: في حديث الزهري يا ابن أخي) (٣) في موضع \"يا ابن أختي\"، فكون أبي سفيان ابن أخي أم حبيبة، إما محمول على المجاز، أو مبني على وهم من بعض الرواة، وهذه الأحاديث تدل على وجوب الوضوء مما مسته النار.\nوقد اختلف الناس في ذلك فذهب جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وعائشة -﵃-، وجماهير التابعين، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فتمضمض\".\n(٢) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) قلت: لكن عند النسائي (١٨٠ - ١٨١) في حديث الزهري بطريقين وفيهما: ابن أختي. (ش).","vol":"2","page":97},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وسفيان الثوري، وأهل الحجاز، وأهل الكوفة إلى أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار، ولا ينتقض به، وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي مما مسته النار.\nواستدل الآخرون بالأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مسته النار، وأجاب الأولون من ذلك بجوابين: الأول: أنه منسوخ بحديث جابر، الثاني: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، قال النووي: ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار.\nواعترض الشوكاني (١) على الجواب الأول بأن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم أن فعله - ﷺ - يعارض القول الخاص بنا وينسخه، والمتقرر في الأصول خلافه.\nقلت: هذا من الظنون التي لا مستند لها يُشَدُّ به هذا الظنُّ، فإن دعواه أن وجوب الوضوء وقوله - ﷺ - فيه خاص بنا لا يثبت إلَّا بدليل صريح يثبت الخصوصية، وما لم يثبت لا يكون خاصًا بنا، وأما إذا ثبت الخصوص فلا يعارض فعله - ﷺ -، فما هو متقرر في الأصول فمسلَّم، ولكن ليس هذا موضعه.\nواعترض على الجواب الثاني بأنه قد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها، وحقيقة الوضوء الشرعية هي غسل جميع الأعضاء التي تغسل للوضوء، فلا يخالف هذه الحقيقة إلَّا لدليل.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٦٢).","vol":"2","page":98},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: نعم لا يخالف الحقيقة إلَّا لدليل، وها هنا دليل ظاهر، فإن في حديث ابن عباس أنه يعجب ممن يزعم أن الوضوء مما مست النار، ويضرب فيها الأمثال، ويقول: إنا نستحمّ بالماء المسخن، ونتوضأ به، وندهن بالدهن المطبوخ، وذكر أشياء مما يصيب الناس حتى قال لأبي هريرة حين حدثه أبو هريرة هذا الحديث كما في الترمذي (١) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط، فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدهن! أنتوضأ من الحميم! فقال أبو هريرة: يا ابن أخي! إذا سمعت حديثًا عن النبي - ﷺ - فلا تضرب له مثلًا\".\nفهذا ابن عباس مع وفور علمه لا يمكن أن يخالف قول رسول الله - ﷺ -، ومحال أن يعترض على قول رسول الله - ﷺ - بل هو يعترض على فهم أبي هريرة بأن ما فهمه من هذا الحديث، وحمله على الوضوء الشرعي غلط وباطل، بل هو محمول على الوضوء اللغوي.\nوكذلك استدلاله في مقابلة هذا الحديث بقوله كما رواه البيهقي (٢): \"لقد رأيتني في هذا البيت عند رسول الله - ﷺ - وقد توضأ، ثم لبس ثيابه، فجاء المؤذن، فخرج إلى الصلاة حتى إذا كان في الحجرة خارجًا من البيت لقيته هدية عضو من شاة، فأكل منه لقمة أو لقمتين، ثم صلَّى وما مس ماءً\"، يرشد إلى أنه حمل الوضوء على الوضوء اللغوي استحبابًا، وإلَّا فلا يكون لقوله محملٌ صحيحٌ.\nوأيضًا الحديث الذي رواه ابن عباس في المضمضة من اللبن، وقال\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" ح (٧٩).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>(٧٨) بابٌ: فِى الْوُضُوءِ مِنَ اللَّبَنِ</span>\n===\nفيه: \"إن له دسمًا\"، فهذا التعليل كما يدل على استحباب الوضوء اللغوي على شرب اللبن لإزالة الدسومة، كذلك يدل على استحباب الوضوء اللغوي من أكل كل ما فيه دسومة من لحم الجزور والبقر والغنم، فكما حمل الأمر بالمضمضة والوضوء على استحباب غسل الفم، كذلك يحمل الأمر بالوضوء على استحبابه، وهذا ظاهر جدًا لمن جعل الإنصاف نصب عينيه والله ولي التوفيق.\nوكذلك يدل عليه أنه اجتمع عليه الخلفاء الراشدون والأعلام من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فإن إجماعهم على ترك الوضوء مما مست النار لا يمكن أن يكون مبنيًا على الجهل عن حكم وجوب الوضوء مما مست النار، بل لا بد أن يكون محمولًا على أن هذا الحكم منسوخ عندهم، أو محمولًا على المعنى اللغوي.\nفهذه قرائن تدل بعضها على أن الوضوء مما مست النار محمول على الوضوء اللغوي، وبعضها تدل على أنه محمول على الوضوء الشرعي ومنسوخ.\n\n(٧٨) (بَابٌ: في الْوُضُوءِ مِن اللَّبَنِ)\nالمراد بالوضوء ها هنا الوضوء اللغوي لا الاصطلاحي، بأن من شرب لبنًا يستحب له أن يزيل الدسومة من فيه بالماء، وهذا مجمع عليه، ولم أقف (١) على اختلاف فيه.\n_________\n(١) قلت: لكن ابن أبي شيبة ذكر الآثار ممن قال به، كما في هامش \"الكوكب\" (١/ ١٢٣) وهكذا بوب الترمذي، وقال ابن العربي (١/ ١٣١): مستحب عند العلماء إلَّا أن تكون الرائحة الكريهة غالبة من صناعة أو ملازمة شعث، فتكون إزالتها واجبة، والخروج عن الجماعة لأجلها فرض، كالثوم والبصل يأكلهما المرء. (ش).","vol":"2","page":100},{"text":"١٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- شَرِبَ لَبَنًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ (١) ثُمَّ قَالَ:\n===\n١٩٦ - (حدثنا قتيبة) (٢) بن سعيد (قال: ثنا الليث) بن سعد، (عن عُقَيل) مصغرًا، ابن خالد بن عَقيل مكبرًا، الأيلي، أبو خالد الأموي، مولى عثمان، وثَّقه أحمد ومحمد بن سعد والنسائي، وقال أبو زرعة: صدوق ثقة، وعن ابن معين: أثبت من روى عن الزهري مالك ثم معمر ثم عقيل، وعن ابن معين: عقيل ثقة حجة، وقال العجلي: أيلي ثقة، وأما أبو حاتم فقال: لم يكن بالحافظ، كان صاحب كتاب، محله الصدق، وقال الوليد: قال لي الماجشون: كان عقيل جلوازًا (٣)، وقال عبد الله بن أحمد: ذكر عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عقيل وإبراهيم بن سعد كأنه يضعفهما، وقال: وأي شيء هذا؟ هؤلاء ثقات لم يخبرهما يحيى، مات بمصر سنة ١٤١ هـ.\n(عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، قال الواقدي: كان عالمًا، وكان ثقة فقيهًا كثير الحديث والعلم، شاعرًا وقد عمي، وقال العجلي: كان أعمى، وكان أحد فقهاء المدينة، تابعي، ثقة، رجل صالح، جامع للعلم، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون إمام، مات سنة ٩٤ هـ وقيل بعدها.\n(عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - شرب لبنًا فدعا بماء فتمضمض، ثم قال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فمضمض\".\n(٢) قال ابن رسلان: اعلم أن حديث قتيبة هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الخمسة غير ابن ماجه عن شيخ واحد، وهو قتيية. (ش).\n(٣) \"الجلواز\" بالكسر: الشرطي، ج: الجلاوزة.","vol":"2","page":101},{"text":"\"إِنَّ لَهُ دَسَمًا\". [خ ٢١١، م ٣٥٨، ت ٨٩، ن ١٨٧، جه ٤٩٨]\n===\nإن له دسمًا) الدسم كسبب: الودك، وهذه الجملة أشير بها لعلة المضمضة من اللبن، ووجه المناسبة أنه ربما بقي من آثاره شيء، فتخلل ونزل الجوف في صلاته فأبطلها، أو استمر في فمه فأورثه رائحة كريهة، كذا قال الشارح، وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري في \"صحيحه\" بهذا السند.\nقال الحافظ (١): لكن رواه ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي، فذكره بصيغة الأمر: \"مضمضوا من اللبن\"، كذا رواه الطبراني (٢) من طريق آخر عن الليث بالإسناد المذكور، وأخرج ابن ماجه من حديث أم سلمة وسهل بن سعد مثله، وإسناد كل منهما حسن.\nقال العيني (٣): وبعد، فليس في مضمضته - ﷺ - وجوب مضمضة ولا وضوء على من شربه إذا كانت أفعاله غير لازمة العمل بها لأمته، إذا لم تكن بيانًا عن حكم فرض في التنزيل. وقال صاحب \"التلويح\": فيه نظر.\nقلت: حاصل النظر أن الأحاديث التي أخرجها ابن ماجَه وغيره بصيغة الأمر تدل على الوجوب، قلت: ولكن الحديث الذي رواه أبو داود بسند لا بأس به إلى أنس بن مالك \"أن رسول الله - ﷺ - شرب لبنًا فلم يمضمض ولم يتوضأ وصلَّى\" يدل على نسخ المضمضة.\nقال العيني: والصواب في هذا أن الأحاديث التي فيها الأمر بالمضمضة أمر استحباب لا وجوب، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود المذكور آنفًا، وما رواه الشافعي - ﵀- بإسناد حسن عن أنس\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٢).\n(٢) في \"فتح الباري\": \"الطبري\"، وهو تصحيف.\n(٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٨٣).","vol":"2","page":102},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"أن النبي - ﷺ - شرب لبنًا فلم يتمضمض ولم يتوضأ\"، فإن قلت: ادَّعى ابن شاهين أن حديث أنس ناسخ لحديث ابن عبّاس، قلت: لم يقل به أحد، ومن قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ، كذا في \"العيني\"، وكذلك قال الحافظ في \"الفتح\".\nقلت: وبالجملة فلم يقل أحد (١) بوجوب المضمضة والوضوء الاصطلاحي بشرب اللبن، سواء كان مطبوخًا، أو غير مطبوخ، نعم بقي ها هنا أن ما أخرج ابن ماجه بسنده عن أسيد بن حضير، وفيه: \" توضؤوا من ألبان الإبل\"، وأيضًا من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه: \"توضؤوا من ألبان الإبل\"، يدل على وجوب الوضوء الاصطلاحي من ألبان الإبل، فإن الحديثين وإن كان في بعض رواتهما مقال، ولكنهما لما تأيد كل واحد منهما بالآخر صارا حجة ودليلًا على الوجوب، فإن صيغة الأمر للوجوب، والوضوء لفظ يجب أن يحمل على الحقيقة الشرعية.\nفإن قيل: إن الأحاديث التي رويت في باب الوضوء من اللبن قرينة صارفة عن أن يحمل الأمر على الوجوب، وقد حمل الأمر بالمضمضة على الاستحباب فيها، فكذلك يحمل ها هنا الأمر بالوضوء على الاستحباب دون الوجوب، فإن ألبان الإبل فرد من أفراد جنس اللبن.\nقلنا: لا نسلم ذلك، فإن وجوب الوضوء بألبان الإبل حكم، والمضمضة من اللبن حكم آخر غير ذلك الحكم، فمحال أن يكون هذا قرينة على ذاك، فيمكن أن يكون حكم المضمضة أولًا، ثم أمروا بالوضوء بعد ذلك بشرب ألبان الإبل، بل الأولى في الجواب، أن يقال: إن إجماع\n_________\n(١) قلت: إلَّا أن في إحدى الروايتين عن أحمد نقض الوضوء بألبان الإبل، كما في \"المغني\" (١/ ٢٥٤). (ش).","vol":"2","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>(٧٩) باب الرُّخْصَةِ فِى ذَلِكَ</span>\n١٩٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِىِّ\n===\nالخلفاء الراشدين والأعلام من الصحابة والتابعين والفقهاء من الأئمة المجتهدين يدل على أن هذا إما مؤَوّل بالوضوء اللغوي بعلة الدسومة، أو منسوخ لعلمهم بالناسخ منه والمنسوخ، فإن هذا أمر لا يمكن أن يخفى عليهم لعلمهم، والله تعالى أعلم.\n\n(٧٩) (بابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ)\nأي في الوضوء من اللبن، والمراد من الرخصة جواز ترك الوضوء اللغوي والشرعي من شرب اللبن ومسّه\n١٩٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عنه مطيع بن راشد) البصري (١)، قال في \"الميزان\": لا يعرف، روى عنه زيد بن الحباب، وقال: دلني عليه شعبة، قال الحافظ: قلت: وقال أبو داود: أثنى عليه شعبة، قلت: لم أقف على قول أبي داود هذا، ولعله ذكره في غير ذاك المحل.\n(عن توبة العنبري) هو توبة بن أبي أسد العنبري، أبو المورِّع، بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة، البصري، واسم أبي الأسد كيسان بن راشد، وقيل: توبة بن أبي راشد، ويقال: ابن أبي المورع، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين، وأبو حاتم،\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٧/ ١٣٤) رقم (٦٦٠٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٨٢)، و\"ميزان الاعتدال \" (٤/ ١٣٠).","vol":"2","page":104},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: \"إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شَرِبَ لَبَنًا فَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى\". [ق ١/ ١٦٠]\nقَالَ زَيْدٌ: دَلَّنِى شُعْبَةُ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ.\n===\nوإبراهيم بن عرعرة، والنسائي: ثقة، أصله من سجستان، ومولده اليمامة، ومنشؤه بها، ثم تحول إلى البصرة، وهو مولى أيوب بن أزهر، وفد على عمر بن عبد العزيز، وولَّاه يوسف بن عمرو سابور، ثم ولَّاه الأهواز، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الأزدي وحده: توبة منكر الحديث، وروى بإسناد له عن ابن معين يضعف، وهو جد العباس بن عبد العظيم الحافظ، مات في الطاعون سنة ١٣١ هـ.\n(أنه سمع أنس بن مالك يقول: إن رسول الله - ﷺ - شرب لبنًا فلم يمضمض (١) ولم يتوضأ وصلَّى)، فهذا يدل على أن شرب اللبن لا يجب منه الوضوء ولا المضمضة، فصيغة الأمر الذي ورد فيه محمول على الاستحباب.\n(قال زيد: دلني شعبة على هذا الشيخ) والمراد بهذا الشيخ مطيع بن راشد، وغرض المصنف من نقل قول زيد الإشارة إلى توثيق مطيع بن راشد، فإن زيد بن الحباب يقول: دلني شعبة، وهداني لأخذ الحديث إلى هذا الشيخ، وشعبة إمام متقن، فدلالته عليه لا يكون إلَّا لكونه ثقة، فلو كان ضعيفًا، أو مستورًا لم يدل عليه شعبة قطعًا، وأيضًا قول زيد: \"على هذا الشيخ \"توثيق منه، فإن إطلاق لفظ الشيخ يدل على توثيقه، وإن كان في أدنى المرتبة.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: أغرب ابن شاهين، إذ جعل حديث أنس هذا ناسخًا لحديث ابن عباس المتقدم، ولم يذكر من قال بالوجوب حتى يحتاج إلى النسخ، والصحيح أن هذا الحديث يدل على أن الأمر الوارد فيما قبله محمول على الندب. (ش).","vol":"2","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>(٨٠) باب الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ</span>.\n١٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قال: حَدَّثَنِى صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ،\n===\nقال الحافظ في \"النخبة\" (١): وأدناها ما أشعر بالقرب من أهل التجريح كشيخ، انتهى.\nقلت: شعبة لم يرو عن مطيع بن راشد، ولم يخرج عنه، فكما يومئ الدلالة على توثيقه كذلك يومئ عدم التخريج على ضعفه، والظاهر أنه لو كان عند شعبة ثقة لروى عنه بنفسه، كما دل عليه غيره، وإلَّا فكيف يُحِبُّ لغيره ما لا يحب لنفسه.\n\n(٨٠) (بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ) (٢)\nأي هل يجب الوضوء من سيلان الدم أو لا يجب؟\n١٩٨ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، قال: ثنا ابن المبارك) هو عبد الله، (عن محمد بن إسحاق) بن يسار (قال: حدثني صدقة بن يسار) الجزري، سكن مكة، قال له سفيان: بلغني أنك من الخوارج، قال: كنت منهم فعافاني الله منه، قال أبو داود: كان متوحشًا يصلي بمكة جمعة وبالمدينة جمعة، وذكر بعضهم أنه عم محمد بن إسحاق بن يسار، وهو وهم ممن قاله، وثَّقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وابن سعد،\n_________\n(١) (ص ٢٣٢).\n(٢) يرد على المصنف أنه لم يذكر الوضوء من القيء، لا يقال: إنه لم يكن حديث فيه على شرطه، لأنه يذكر حديث ثوبان في الوضوء من القيء في كتاب الصوم، اللَّهم إلَّا أن يقال: إنه لما كان عنده حكم الوضوء من الدم والقيء سواء اكتفى بأحدهما، ويؤيده أن الترمذي جمعهما في باب واحد. (ش).","vol":"2","page":106},{"text":"عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَعْنِى فِى غَزْوَةِ (١) ذَاتِ الرِّقَاعِ - فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ،\n===\nوالنسائي، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عقيل بن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني، قال في \"الميزان\": فيه جهالة، ما روى عنه سوى صدقة بن يسار، وقال الحافظ: ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله - يعني في غزوة ذات الرقاع -) زاد بعض الرواة لفظة يعني إلى آخره إشارة إلى أنه ليس لفظ: في غزوة ذات الرقاع، من لفظ الأستاذ، ولكن مراده من خروجه معه - ﷺ - هي غزوة ذات الرقاع، وكانت غزوة ذات الرقاع في سنة أربع (٢) من الهجرة، وذكر البخاري: أنها كانت بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، سميت باسم شجرة هناك، وقيل: باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة، يقال له: الرقاع، وقيل: سميت به لرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: سميت بذلك؛ لأن أقدامهم نقبت فلفّوا عليها الخرق، وهذا هو الصحيح، لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهدة، وقد أخبر به، كذا في \"العيني شرح البخاري\" (٣).\n(فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين) الإصابة: التفجيع، أي فجع\n_________\n(١) وفي نسخة: \"غزاة\".\n(٢) به جزم ابن رسلان. (ش).\n(٣) (١٢/ ١٥٨).","vol":"2","page":107},{"text":"فَحَلَفَ أَنِّي (١) لَا أَنْتَهِى حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِىِّ (٢) -ﷺ-، فَنَزَلَ النَّبِىُّ -ﷺ- مَنْزِلًا، فَقَالَ: \"مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا\"، فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ\n===\nرجل من المسلمين امرأة رجل من المشركين، والتفجيع إما بالقتل أو بالسبي (٣) والأسر (فحلف) (٤) أي المشرك (أني لا أنتهي) أي لا أمتنع من الانتقام (حتى أهريق) أي أريق والهاء زائدة (دمًا في أصحاب محمد) أي حتى أقتل واحدًا منهم.\n(فخرج) أي المشرك (يتبع أثر النبي - ﷺ -) الأثر بفتح الهمزة والثاء المثلثة، ويجوز بكسرها وسكون الثاء، قال في \"القاموس\": خرج في إثره وأثره: بعده.\n(فنزل النبي - ﷺ - منزلًا)، إما مفعول أو مصدر، والمراد بالنزول نزول المسافر بالليل للاستراحة (فقال: من رجل يكلؤنا) (٥) أي يحرسنا ويحفظنا، (فانتدب) أي أجاب هذه الدعوة (رجل من المهاجرين) هو عمار بن ياسر\n_________\n(١) هكذا في النسخة القديمة والمجتبائية وغيرهما بلفظ \"أني\"، وصححه الوالد المرحوم في كتابه بلفظ \"أن\"، وتبعه من جاء بعده. [قلت: وجاء لفظ \"أن\" في النسخة المطبوعة ببيروت و\"مسند أحمد\" ٣/ ٣٤٣].\n(٢) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) وبالأول فسره في \"العون\" (١/ ٣٣٣)، وبالثاني في \"التقرير\". (ش).\n(٤) وفي رواية محمد بن نصر في \"قيام الليل\": \"أصاب امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - قافلًا أتى زوجها وكان غائبًا، فلما أخبر الخبر حلف أن لا يرجع حتى يهريق\"، الحديث. (ش).\n(٥) قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] نزل في غزوة أحد، وهي في السنة الثالثة، وهذه قصة ذات الرقاع وهي في الرابعة، كما تقدم، كذا في \"ابن رسلان\"، وما أجاب عنه بشيء. (ش).","vol":"2","page":108},{"text":"وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: «كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ».\nقَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِىُّ وَقَامَ الأَنْصَارِىُّ يُصَلِّى، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ (١)، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ،\n===\n(ورجل من الأنصار) هو عباد بن بشر، وقيل: عمارة بن حزم، والمشهور الأول (فقال) - ﷺ - لهما: (كونا) أي روحا وأقيما (بفم الشعب) (٢) هو الطريق في الجبل، أي أقيما على أعلى الشعب لئلا يدهمهم ويفجأهم عدو.\n(قال) جابر: (فلما خرج الرجلان) أي المهاجري والأنصاري (إلى فم الشعب اضطجع المهاجري) ليستريح (وقام الأنصاري يصلي) ويحرس، كأنهما اقتسما الليل بأن ينام المهاجري نصف الليل ويحرس الأنصاري، ويقوم المهاجري في النصف الآخر يحرس وينام الأنصاري.\n(وأتى الرجل فلما رأى شخصه) أي سواده، والضمير إلى الأنصاري، والشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعد، كذا في \"القاموس\"، (عرف) أي المشرك (أنه) أي السواد (ربيئة) بفتح الراء وكسر الباء الموحدة: الحارس، والطليعة الذي يحرس القوم لئلا يفجأهم عدو، ولا يكون إلَّا على جبل أو شرف ينظر منه، من فتح يفتح، قال الحماسي:\nفما سَوْذَنِيْقُ (٣) عَلَى مَرْبَأ ... خَفِيفُ الْفُؤَادِ حَديدُ النَّظَرِ\n(للقوم فرماه) أي المشركُ الأنصاريَّ (بسهم فوضعه فيه) أيَ أصابه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"القوم\".\n(٢) لأن الآتي يظهر في الفضاء من بعيد، بخلاف الشعاب فلا يُدْرى فيها حتى يخرج منها، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٣) السوذق والسوذنيق: الصقر، وقيل: الشاهين.","vol":"2","page":109},{"text":"فَنَزَعَهُ، حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ، فلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِىُّ مَا بِالأَنْصَارِىِّ مِنَ الدَّمِ (١) قَالَ: سَبْحَانَ اللَّهِ! أَلَا أَنْبَهْتَنِى أَوَّلَ مَا رَمَى؟ قَالَ: كُنْتُ فِى سُورَةٍ أَقْرَأُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا\". [حم ٣/ ٣٤٣، ك ١/ ١٥٦، قط ١/ ٢٢٣، خزيمة ٣٦، حب ١٠٩٦، ق ١/ ١٤٠ و٩/ ١٥٠]\n===\n(فنزعه) وفي \"سنن البيهقي\" بسنده: \"فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا يصلي، ثم عاد الثانية، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا يصلي، ثم عاد له الثالثة، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع فسجد، ثم أَهَبَّ صاحبه، فقال: اجلس، فقد أُتِيْتُ فوثب\"، وفي \"البخاري\": \"فنزفه الدم\"، أي خرج.\n(حتى رماه) أي رمى المشركُ الأنصاريَّ (بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد) أي أتم صلاته (ثم أنبه) وفي بعض النسخ: \"انتبه\"، والأول أوضح (صاحبه) أي المهاجري.\n(فلما عرف) المشرك (أنهم) أي أصحاب محمد - ﷺ - (قد نذروا) أي علموا (به) أي بالمشرك (هرب) أي فر (فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء) أي السائلة الكثيرة من الجروح الثلاثة التي حصلت بالأسهم الثلاثة.\n(قال: سبحان الله) كلمة تقال عند التعجب (ألا أنبهتني) أي أيقظتني (أول ما رمى؟) يعني في أول مرة من الرمي (قال: كنت في سورة أقرؤها) قال الشارح: قال المنذري: هي سورة الكهف (٢) (فلم أحب أن أقطعها) وفي رواية البيهقي: \"حتى أنفذها، فلما تابع عَلَيَّ الرمْيَ ركعتُ فآذنتك (٣)،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الدم\".\n(٢) كذا وقع في رواية البيهقي \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وفي الأصل: \"فأهببتك\".","vol":"2","page":110},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوايم الله، لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله - ﷺ - بحفظه، لقطعت نفسي قبل أن أقطعها أو أُنفِذها\".\nقال الحافظ في \"شرحه على البخاري\" (١): أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كلهم من طريق ابن إسحاق، وكذا قال العيني (٢)، قلت: ولم أجد ذكر الحديث في \"سنن الدارقطني\" (٣).\nوذكر البخاري في \"باب من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين\"، ويذكر عن جابر أن النبي - ﷺ - كان في غزوة ذات الرقاع، فرمي رجل بسهم فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاتِه، ذكره البخاري بصيغة التمريض.\nقال الحافظ: عقيل لا أعرف راويًا عنه غير صدقة، ولهذا لم يجزم به المصنف، أو لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق.\nقلت: الأول والثالث من وجوه التمريض يستلزمه ويقتضيه، وأما الثاني فبعيد، قال العيني (٤): فإن كون الحديث مختصرًا لا يستلزم أن يذكر بصيغة التمريض.\nاختلف العلماء (٥) في أن الدم من نواقض الوضوء أو لا، فذهب إلى\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٨٠).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٠٢).\n(٣) قلت: أخرجه الدارقطني (١/ ٢٢٣).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٠٢).\n(٥) وأصل اختلافهم في الحقيقة هو اختلافهم في علة الحدث، بسطه ابن العربي (١/ ١٢٦)، وابن رشد (١/ ٣٤)، وهو أن علته خروج النجس عندنا الحنفية والثوري وأحمد، والخروج من المخرج المعتاد عند الشافعي، ولذا أوجب من الريح والدودة =","vol":"2","page":111},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأول أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وقيدوه بالسيلان، وذهب ابن عباس، وابن أبي أوفى، وأبو هريرة، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، ومكحول، وربيعة، ومالك، والشافعي إلى أنه غير ناقض، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: لو كان ناقضًا للطهارة، لكانت صلاة الأنصاري به تفسد أول ما أصابه الرمية، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو محدث.\nوالجواب عن هذا الاستدلال أنه فعل واحد من الصحابة، ولعله كان مذهبًا له، أو لم يعلم بحكمه، ومما يقوي هذا أن ظاهر ما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء يدل على أن الدم أصاب ثوبه وبدنه، وكانت ثلاثة أسهم، فالظاهر أنها أصابت ثلاثة مواضع من بدنه، كما يدل عليه لفظ الدماء جمعًا، وذلك يدل على كثرة الدم، ولهذا رآه صاحبه بالليل وهاله، فكما لم يدل مضيه مع النجاسة في الثوب على جواز الصلاة، كذلك لا يدل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء.\nولست أدري كيف يصح الاستدلال بالخبر، والدم إذا سال يصيب بدنه وجلده وربما أصاب ثيابه، ومع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيرًا (١) لا تصح الصلاة عند الشافعي، إلَّا أن يقال: إن الدم كان يخرج على سبيل الرزف، فلا يصيب شيئًا من بدنه، وهذا أمر عجيب خارق للعادة وراء طور العقل.\n_________\n= وغيرهما، والخارج المعتاد من المخرج المعتاد عند مالك حتى لم يوجب من سلس البول كما في \"الكوكب\" (١/ ١٠٧). (ش).\n(١) والدم الكثير نجس عند الأربعة، كما بسط في فروعهم مع الاختلاف فيما بينهم بين القليل والكثير، فإن للشافعي في عفو الدم روايتين إحداهما يعفى مقدار الكف، والثانية لا يعفى منه شيء، كذا في \"الميزان\" للشعراني (١/ ١٣٨)، ويعفى عند مالك قدر الدرهم كما في \"مختصر الخليل\" (١/ ١٠٧). (ش).","vol":"2","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوبالجملة فالاحتجاج بهذا الحديث غير صحيح بوجوه: الأول: أن الحديث ضعيف لأن عقيلًا الراوي مجهول، ومحمد بن إسحاق مختلف فيه، والثاني: أن البخاري لم يجزم به بل ذكره بصيغة التمريض، والثالث: أن هذا فعل صحابي، ولعله كان مذهبًا له، أو لم يعلم بحكمه، أو علم ولكن شغله الاستغراق في لذة المناجاة عن الالتفات إليه، فلا يستقيم (١) الاستدلال به على عدم انتقاض الوضوء.\nوأجاب صاحب \"عون المعبود\" (٢) عن جهالة عقيل بأن التحقيق في مجهول العين أنه إن وثَّقه أحد من أئمة الجرح والتعديل ارتفعت جهالته، وعقيل بن جابر الراوي وثَّقه ابن حبان، وصحَّح حديثه هو وابن خزيمة والحاكم، فارتفعت جهالته.\nقلت: نسبة التوثيق إلى ابن حبان ليس بصحيح، فإنه لم يوثقه، ولم يذكر أحد أنه وثَّقه، نعم ذَكَرَه في \"الثقات\"، وذِكْرُه في \"الثقات\" لا يستلزم التوثيق، ألا ترى أن ابن حبان كثيرًا ما يذكر الرواة في \"الثقات\"، وهم ليسوا بثقات.\nوكذلك تصحيح الحديث من ابن حبان وابن خزيمة والحاكم ليس بتوثيق له عند المحدثين، بل المراد بالتوثيق هو الذي يكون صراحة.\nوأما تصحيح الحاكم فقال العلامة العيني في \"شرح البخاري\" في بحث الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: فالحاكم قد عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، انتهى.\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": عدم الذكر لا يستلزم العدم، فيحتمل الإعادة مع أن تنجس الثياب مسلم بسيلان الدم، فالجواب الجواب والمحيص المحيص. (ش).\n(٢) انظر: (١/ ٣٣٨).","vol":"2","page":113},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم استدل البخاري على عدم النقض بآثار: أولها: قول الحسن: \"ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم\" وذلك لا يجديهم نفعًا، فإنه لا يستلزم أن يكون جراحاتهم سائلة الدم، ولو سلم فلكونهم معذورين لا ينقض طهارتهم، فمن له جراحة سائلة لا يترك الصلاة لأجلها، بل يصلي وجراحته إما معصبة أو مربوطة بجبيرة، مع ذلك لو خرج شيء لا تفسد صلاته.\nوقد روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١): عن هشام عن يونس عن الحسن: أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلَّا ما كان سائلًا، وهذا مذهبه على خلاف ظاهر ما روى، فثبت أنه مؤول.\nوثانيها: قول طاوس ومحمد بن علي وعطاء وأهل الحجاز: \"ليس في الدم وضوء\"، قال العيني (٢): وليس هذا بحجة لهم، لأنهم لا يرون العمل بفعل التابعي، ولا هو حجة على الحنفية من وجهين:\nالأول: أنه لا يدل على أنهم كانوا يصلون والدم سائل، يعني أن لفظ الدم في قولهم: \"ليس في الدم وضوء\" لا يستلزم كونه دمًا سائلًا، بل يمكن أن يحمل على غير السائل، وليس فيه الوضوء عندنا أيضًا.\nوالثاني: لو سلمنا ذلك، فالمنقول عن أبي حنيفة - ﵀- أنه كان يقول: التابعون رجال ونحن رجال يزاحموننا ونزاحمهم.\nثم ذكر البخاري: عَصَرَ ابنُ عمر بَثْرَةً فخرج منها الدم ولم يتوضأ، وبزق ابن أبي أوفى دمًا فمضى في صلاته، وقال ابن عمر والحسن فيمن احتجم: ليس عليه إلَّا غسل محاجمه.\n_________\n(١) (١/ ١٦٢).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٠٤).","vol":"2","page":114},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفالجواب عنه أن الدم الخارج بالعصر لا ينقض الوضوء عند الحنفية أيضًا بالاتفاق ما لم يسل، فإذا سأل ففيه اختلاف، فبعضهم كصاحب \"الهداية\" وغيره قالوا بعدم نقض الوضوء فيه أيضًا، وبعضهم قالوا بالنقض وهو الأظهر، ولم يتعرض فيه السيلان وعدمه.\nوكذلك أثر ابن أبي أوفى ليس بحجة لهم؛ لأن الدم الذي يخرج من الفم يعتبر فيه الغلبة، فإن كان دمًا سائلًا غلب على البزاق، أو ساواه ينقض، وإلَّا فلا.\nقال في \"الدر المختار\" (١): وينقضه دم مائع من جوف أو فم غلب على بزاق حكمًا للغالب، أو ساواه احتياطًا، لا ينقضه المغلوب بالبزاق، انتهى، ولم يتعرض الراوي لذلك فلم يبق حجة.\nوكذلك قول ابن عمر في المحتجم ليس بحجة على الحنفية، لأنه سيأتي من مذهبه أن الدم السائل من الجسد ينقض الوضوء عنده، وكذلك مذهب الحسن، فحينئذٍ معنى قوله: ليس عليه إلَّا غسل محاجمه، أنه لا يلزم عليه غسل جميع بدنه بناءً على ما أخرجه أحمد والدارقطني عن ابن الزبير، عن عائشة -﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: \"يغتسل من أربع: من الجمعة والجنابة والحجامة وغسل الميت\"، وليس المراد نفي لزوم الوضوء والله تعالى أعلم.\nوأجاب العلامة العيني عن هذه الآثار فقال (٢): وهذا الأثر حجة للحنفية، لأن الدم الخارج بالعصر لا ينقض الوضوء عندهم، لأنه مخرج،\n_________\n(١) (١/ ٢٩١).\n(٢) (٢/ ٥٠٥).","vol":"2","page":115},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالنقض يضاف إلى الخارج دون المخرج كما هو مقرر في كتبهم، فإن فرح أحد من الخصوم أنه حجة على الحنفية، فهي فرحة غير مستمرة.\nوأجاب عن أثر ابن أبي أوفى فقال: وهذا ليس بحجة لهم علينا، لأن الدم الذي يخرج من الفم إن كان من جوفه فلا ينقض الوضوء، وإن كان من بين أسنانه فالاعتبار للغلبة بالبزاق والدم، ولم يتعرض الراوي لذلك، فلم يبق حجة.\nوأجاب عن أثر ابن عمر والحسن بأن مقصودهم من هذه الرواية إلزام الحنفية، ولا يسعد ذلك معهم، لأن جماعة من الصحابة رأوا فيه الغسل، منهم ابن عباس وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب، وروته عائشة عن النبي - ﷺ -، وهو مذهب مجاهد أيضًا، وأيضًا فالدم الذي يخرج من موضع الحجامة مُخْرَجٌ، وليس بخارج، والنقض يتعلق بالخارج كما ذكرنا، انتهى.\nقلت: وهذا الأصل الذي بني عليه العلامة العيني أساس الجواب غير سديد عند الفقهاء الحنفية، قال في \"الدر المختار\" (١): والمخرج بعصر والخارج بنفسه سيَّان في حكم النقض على المختار كما في \"البزازية\"، قال: لأن في الإخراج خروجًا فصار كالفصد، وفي \"الفتح\" عن \"الكافي\": أنه الأصح، واعتمده القهستاني، وفي \"القنية\" و\"جامع الفتاوى\": أنه الأشبه، ومعناه أنه الأشبه بالمنصوص روايةً، والراجح درايةً، انتهى.\nوقال الشامي: قوله: لأن في الإخراج خروجًا جواب عما وجه به القول بعدم النقض بالمخرج من أن الناقض خروج النجس، وهذا إخراج،\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار على الدر المختار\" (١/ ٢٨٨).","vol":"2","page":116},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالجواب: أن الإخراج مستلزم للخروج فقد وجد، لكن قال في \"العناية\": إن الإخراج ليس بمنصوص عليه وإن كان يستلزمه، فكان ثبوته غير قصدي ولا معتبر به، انتهى.\nوفيه أنه لا تأثير يظهر للإخراج وعدمه، بل لكونه خارجًا نجسًا، وذلك يتحقق مع الإخراج كما يتحقق مع عدمه، فصار كالفصد، كيف وجميع الأدلة الموردة من السنَّة والقياس تفيد تعليق النقض بالخارج النجس، وهو ثابت في المخرج، انتهى \"فتح\".\nواستوجهه تلميذه ابن أمير حاج في \"الحلية\"، وكذا شارح \"المنية\" والمقدسي، وارتضى في \"البحر\" ما في \"العناية\" حيث ضعف به ما في \"الفتح\"، ولك أن تجعل ما في \"الفتح\" مضعفًا له كما قررناه بناءً على أن الناقض الخارج النجس لا الخروج، وفي \"حاشية الرملي\": لا يذهب عنك أن تضعيف \"العناية\" لا يصادم قول شمس الأئمة، وهو الأصح.\nوبالجملة أن جميع ما ذكر في هذا الباب ليس بحجة على الحنفية، فإن كان من أقوال الصحابة، فكل واحد له تأويل ومحمل صحيح، وإن كان من قول التابعين، فليس بحجة عليهم، لما ذكرنا عن أبي حنيفة - ﵀ -.\nقال العيني (١): واحتج أصحابنا الحنفية بأحاديث كثيرة أقواها وأصحها ما رواه البخاري في \"صحيحه\" (٢) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -﵂ - قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر،\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٠٣).\n(٢) \"صحيح البخاري\" ح (٢٢٨).","vol":"2","page":117},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأفأدع الصلاة؟ قال: \"لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصَلِّي\"، قال هشام: وقال أبي: ثم تَوَضَّئِي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.\nقلت: قال الترمذي: قال أبو معاوية: وتوضَّئِيْ لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت، فبطل ما قالوا: إن قوله: ثم تَوَضَّئِيْ من كلام عروة، وأيضًا لو كان من كلام عروة لقال: ثم تتوضأ لكل صلاة، ففي صيغة الأمر دلالة واضحة بأنه من كلام النبي - ﷺ -؛ لأن الأمر لا يتحقق من عروة، فكأن الراوي قال: قال أبي مرفوعًا: ثم توضئي، وترك ذكر الرفع لوضوحه.\nوهذا الحديث يدل على أن الدم الخارج من العرق، سواء كانت استحاضة أو غيرها ناقض للوضوء، واعترضوا عليه بأن في دم الاستحاضة يجب الوضوء، لأنه خرج من المخرج، فسبيله سبيل الغائط والبول، وإنما الكلام فيما خرج من غير السبيلين.\nقلت: كأنهم لم يتأملوا في قوله - ﷺ -: \"إنما ذلك عرق\" وهذا صريح في أن علة الانتقاض كونه دم عرق لا كونه من السبيلين، فعلم بهذا أنه لا دخل في العِلِّيَّة لكونه من السبيلين، فلا يدور حكم الانتقاض عليه، بل يدور على كونه دم عرق وهو الدم السائل، سواء كان من السبيلين أو غيرهما من البدن.\nوالحديث الثاني ما روى ابن ماجه (١) عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن علي\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١٢٢١).","vol":"2","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nصلاته وهو في ذلك لا يتكلم\". وفي رواية الدارقطني (١): \"ثم ليبنِ على صلاته ما لم يتكلم\"، تكلموا في إسماعيل بن عياش، رواه ابن عياش مسندًا ومرسلًا.\nثم قال البيهقي للمرسل: وهو المحفوظ، فأجاب عنه في \"الجوهر النقي\" (٢) بأن الروايات التي جمع فيها ابن عياش بين الإسنادين أعني المرسل والمسند في حالة واحدة مما يبعد الخطأ عليه، فإنه لو رفعه ما وقفه الناس ربما تطرق الوهم إليه، فأما إذا وافق الناس على المرسل وزاد عليهم المسند، فهو يشعر بتحفظ وتثبت، وإسماعيل وثَّقه ابن معين وغيره، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة عدل، وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ منه، انتهى.\nوالحديث الثالث ما رواه الدارقطني (٣) من حديث أبي بكر الداهري، عن حجاج، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من رعف في صلاته فليرجع فليتوضأ وليبنِ على صلاته\"، أبو بكر الداهري عبد الله بن حكيم متروك الحديث.\nوالحديث الرابع ما أخرجه الدارقطني (٤) بسنده عن ابن أرقم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله: \"إذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف فليغسل عنه الدم، ثم ليعد وضوءه، ويستقبل صلاته\"، سليمان بن أرقم متروك.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٥٣).\n(٢) (١/ ١٤٢).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٥٨٤).\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (٥٦٠).","vol":"2","page":119},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحديث الخامس ما أخرج الدارقطني (١): حدثنا يزيد بن الحسين بن يزيد البزاز، نا محمد بن إسماعيل الحساني، نا وكيع، نا علي بن صالح وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي - ﵁ - قال: إذا وجد أحدكم في بطنه رزءًا أو قيئًا أو رعافًا فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبنِ على صلاته ما لم يتكلم.\nوالحديث السادس ما أخرجه الدارقطني (٢): حدثنا أبو بكر النيسابوري، نا الزعفراني، نا شبابة، نا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث، عن علي - ﵁ - قال: إذا أمَّ الرجل لقوم فوجد في بطنه رزءًا أو رعافًا أو قيئًا فليضع ثوبه على أنفه وليأخذ بيد رجل من القوم فليقدمه، الحديث.\nقلت: لم يجرح الدارقطني أحدًا من رواة الحديثين، وسكت عن الكلام فيهما.\nوالحديث السابع ما أخرجه الدارقطني (٣) بسنده عن عمرو القرشي، عن أبي هاشم، عن زاذان، عن سلمان قال: رآني النبي - ﷺ - وقد سأل من أنس دم فقال: \"أحدث وضوءًا\"، قال المحاملي: أحدث لما أحدثت (٤) وضوءًا، عمرو القرشيء هذا هو عمرو بن خالد أبو خالد الواسطي متروك الحديث، وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: أبو خالد الواسطي كذاب.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٥٦).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٥٧٦).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٥٧٧).\n(٤) في الأصل: \"حدث\"، وهو تحريف.","vol":"2","page":120},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحديث الثامن ما أخرجه الدارقطني (١) من طريق عمر بن رياح، نا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا رعف في صلاته توضأ ثم بني على ما بقي من صلاته\"، عمر بن رياح متروك.\nوالحديث التاسع ما أخرجه الدارقطني (٢) بسنديه من طريق محمد بن الفضل عن أبيه عن ميمون بن مهران عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وبسند آخر عن ميمون بن مهران عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يكون دمًا سائلًا\"، وفي رواية: \"إلَّا أن يكون دمًا سائلًا\"، محمد بن فضل بن عطية ضعيف، وسفيان بن زياد وحجاج بن نصير ضعيفان.\nقلت: قال الذهبي في \"الميزان\": قال يعقوب بن أبي شيبة سألت ابن معين عنه: فقال: صدوق، لكن أخذوا عليه أشياء في حديث شعبة، واقالى البخاري: سكتوا عنه، وأما ابن حبان فذكره في \"الثقات\"، وقال: يخطئ ويهم، قلت: لم يأت بمتن منكر، انتهى.\nوأيضًا قال الذهبي في \"الميزان\": سفيان بن زياد عن حجاج بن نصير ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ: ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث.\nوالحديث العاشر ما أخرجه الدارقطني (٣) بسنده من طريق هشام بن\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٥٧٩).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٥٨٢ - ٥٨٣).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٥٨٦ - ٥٨٧ - ٥٨٩).","vol":"2","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعروة [عن أبيه] عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ على أنفه، ولينصرف فليتوضأ\"، انتهى.\nقلت: وقد علمت مما تقدم من حديث علي -﵁ - أن المراد من الحدث عام شامل للرعاف أيضًا، فلا وجه لتخصيصه بما يخرج من السبيلين من الريح وغيره.\nفهذه الروايات بعضها صحاح، وبعضها حسان، وبعضها ضعاف، فالضعاف لما تأيدت بعضها ببعض صارت في حكم الحسان، ثم ذكرت شاهدة للتقوية، وكذلك آثار الصحابة والتابعين - ﵃- كثيرة في هذا الباب.\nقال في \"الجوهر النقي\" (١): وقد صحَّح البيهقي في باب من قال: يبني من سبقه الحدث، عن ابن عمر أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى على ما صلى، ولم يتكلم.\nثم قال: وفي \"الاستذكار\" (٢) لابن عبد البر: المعروف من مذهب ابن عمر إيجاب الوضوء من الرعاف، وأنه حدث من الأحداث الناقضة للوضوء إذا كان سائلًا، وكذا كل دم سائلٍ من الجسد.\nوقال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، أنا ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر قال: من رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ، فإن لم يتكلم بني على صلاته، وإذا تكلم استأنف.\nوذكر عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر\n_________\n(١) (١/ ١٤١ - ١٤٣).\n(٢) (٢/ ٢٦٧).","vol":"2","page":122},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال: إذا رعف الرجل في صلاته، أو ذرعه القيء، أو وجد مذيًا، فإنه ينصرف فليتوضأ، ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى.\nوروي مثل ذلك عن علي وابن مسعود وعلقمة والأسود والشعبي وعروة والنخعي وقتادة والحكم وحماد كلهم يرى الرعاف وكل دم سائل من الجسد حدثًا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن والأوزاعي وابن حنبل وابن راهويه في الرعاف وكل نجس خارج من الجسد يرونه حدثًا، فإن كان يسيرًا غير سائل لم ينقض الوضوء عند جماعتهم.\nومما يدل على أن الرعاف حدث أن ابن جريج وابن المبارك وعمر بن علي المقدمي والفضل بن موسى رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا أحدث أحدكم فليضع يده على أنفه ثم لينصرف\"، رواه نعيم بن حماد عن الفضل بن موسى بسنده المذكور، ولفظه: \"إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ على أنفه ولينصرف فليتوضأ\"، ذكره البيهقي في ما بعد في باب من أحدث في صلاته قبل الإحلال منها، انتهى.\nوأيضًا قال صاحب \"الجوهر النقي\": ثم ذكر البيهقي عدم الوضوء عن جماعة، قلت: لم يذكر سنده إليهم لينظر فيه، فمن ذكر عنه عدم الوضوء سالمٌ، وقد صحَّ عنه خلاف ذلك، قال ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١): حدثنا معمر عن عبيد الله بن عمر قال: أبصرت سالم بن عبد الله صلَّى صلاة الغداة ركعة، ثم رعف فخرج فتوضأ، ثم بني على ما بقي من صلاته.\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥٩٠٧).","vol":"2","page":123},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومنهم سعيد بن المسيب، وقد قال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، نا عبد الحميد المدني هو ابن جعفر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: رأيت سعيد بن المسيب رعف وهو في صلاته، فأتى في دار أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، فتوضأ، ولم يتكلم، وبنى على صلاته.\nومنهم طاوس، وقد أخرج ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: إذا رعف الرجل في صلاته انصرف فتوضأ، ثم بنى على ما بقي من صلاته.\nومنهم الحسن، وقد قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو عبد الله بن إدريس عن هشام عن الحسن ومحمد بن سيرين كانا يقولان في الرجل يحتجم: يتوضأ ويغسل المحاجم، وقال أيضًا: حدثنا هشيم عن الحسن أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلَّا ما كان سائلًا، والأسانيد الثلاثة صحيحة، انتهى.\nقلت: ولما كان بحثنا مقصورًا على الوضوء من الدم تركنا ذكر الروايات التي ليس فيها ذكر الدم، وفيها الوضوء من القلس والقيء.\nوأما ما استند به القائلون بعدم الوضوء، فأولها ما تقدم من قصة المهاجري والأنصاري الذي أصابته السهام، أخرجه أبو داود وغيره، وقد أجبنا عنه.\nوثانيها ما روى الدارقطني في \"سننه\" (١): عن أنس قال: \"احتجم رسول الله - ﷺ - فصلَّى، ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه\"، وفي\n_________\n(١) (١/ ١٥١).","vol":"2","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"سنده\" صالح بن مقاتل، قال الدارقطني: هو ليس بالقوي، وأبوه غير معروف، وسليمان بن داود مجهول.\nومنها ما رواه الدارقطني أيضًا أن رسول الله - ﷺ - قاء، فدعا بوضوء فتوضأ، فقلت: يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: \"لو كان فريضة لوجدته في القرآن\"، وفي سنده عتبة بن السكن، قال الدارقطني: لم يروه عن الأوزاعي غيره، وهو متروك الحديث.\nقلت: وأيضًا يمكن أن يجاب عنه أنه - ﷺ - قاء بغير مَلءِ الفم، فتوضأ استحبابًا، أو يحدث آخر، ثم أجاب أن الوضوء لو كان فريضة من هذا القيء، أي غير مَلءَ الفمِ ... إلخ.\nومنها ما أخرجه مالك في \"الموطأ\" عن المسور أنه دخل على عمر بن الخطاب في الليلة التي طعن فيها، فصلَّى عمر وجرحه يثعب دمًا.\nقال أصحابنا في الجواب: إن حديث عمر خارج عن محل النزاع، فإنه كان معذورًا، والمعذور لا يضره جريان دمه كما في سلس البول، كذا في \"فتح المنان\"، هكذا في \"السعاية\" (١) للشيخ عبد الحي اللكهنوي.\nفظهر- بما قلنا - أن الجماعة التي قالت بنقض الوضوء من سيلان الدم من الجسد هو الحق لصحة مستنده، وليس من التقول على الله بما لم يقل، بل لو تأمل المنصف الذي كحَّل عينيه بكحل الإنصاف، لوجد الأمر منعكسًا، وهذا الذي قلنا ما يتعلق بالرواية\" وأما البحث المتعلق بالدراية فتركناه لخوف الإطالة.\n_________\n(١) (١/ ٢٠٨).","vol":"2","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>(٨١) بابٌ: في الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ</span>\n١٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال: حَدَّثَنَا (١) ابْنُ جُرَيْجٍ قال: أَخْبَرَنِى نَافِعٌ قال: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرَكُمْ». [خ ٥٧٠، م ٦٣٩]\n===\n\n(٨١) (بَابٌ: في الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ) (٢)\n١٩٩ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا عبد الرزاق) بن همام (قال: أنا ابن جريج) عبد الملك (قال: أخبرني نافع) مولى ابن عمر (قال: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - شغل عنها ليلة) أي عن صلاة العشاء، كما يدل عليها الكلام الآتي (فأخَّرها) أي أخرها عن وقتها المعتاد (حتى رقدنا (٣) في المسجد، ثم استيقظنا ثم رقدنا، ثم استيقظنا ثم رقدنا، ثم خرج علينا فقال) - ﷺ -: (ليس أحد ينتظر (٤) الصلاة) أي صلاة العشاء (غيركم) فإنهم كلهم صلوا ورقدوا، ولم يحصل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثنا\".\n(٢) ذكر ابن العربي (١/ ١٠٤) فيه ثلاثة مذاهب، وجعل أحوال النوم أحد عشر، وذكر العيني (٢/ ٥٨٥) تسعة مذاهب، والصواب الملخص ما سيأتي عن كتب فروعهم. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: هذا وحديث أنس -﵁ - الآتي محمول عند الشافعية على أنهم رقدوا قعودًا، إلَّا أن في \"مسند البزار\" بسند صحيح: أنهم يضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقوم إلى الصلاة. (ش) [انظر: \"نصب الراية\" ١/ ٤٦].\n(٤) على الظاهر، لأن الإِسلام لم يكن إذًا في أطراف المدينة إلَّا قليلًا، والظاهر أنهم صلوا لوقتها، أو علم بالوحي، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"2","page":126},{"text":"٢٠٠ - حَدَّثَنَا شَاذُّ بْنُ فَيَّاضٍ قال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِىُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤونَ. [ق ١/ ١١٩، قط ١/ ١٣١، م ٣٧٦، ت ٧٨]\n===\nفضيلة انتظار الصلاة لغيركم، بل أنتم مختصون بهذه الفضيلة، وهذا القول صدر منه - ﷺ - تسلية لهم، وجبرًا لكلفة الانتظار بحصول الفضيلة لهم.\nوالظاهر أن الحديث غير مناسب لترجمة الباب، لأنه لا يعلم منه أنهم توضؤوا للصلاة بعد الرقاد، أو لم يتوضؤوا، إلَّا أن يقال: إنه لا يخلو إما أن توضؤوا أو لم يتوضؤوا، فإن توضؤوا فيناسب الباب بأنهم رقدوا بحيث يوجب انتقاض الوضوء، وإن لم يتوضؤوا فيناسب بأنهم ناموا بحيث لا يوجب انتقاض الوضوء، فالحديث على كلا الحالين مناسب للباب.\n٢٠٠ - (حدثنا شاذ (١) بن فياض) اليشكري أبو عبيدة البصري، واسمه هلال، وشاذ لقبه غلب عليه، قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال الساجي: صدوق عنده مناكير، وقال ابن حبان: كان ممن يرفع المقلوبات، ويقلب الأسانيد، لا يشتغل بروايته، كان محمد بن إسماعيل شديد الحمل عليه، مات سنة ٢٢٥ هـ.\n(قال: ثنا هشام) بن أبي عبد الله (الدستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق (٢) رؤوسهم) يقال: خفق فلان رأسه إذا حركه من النعاس، أي ينامون حتى تسقط أذقانهم على صدورهم وهم قعود (ثم يصلون ولا يتوضؤون).\n_________\n(١) بفتح الشين المعجمة وشدة الذال، انتهى. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) بفتح التاء وكسر الفاء، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":127},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ فِيهِ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: \"كُنَّا نخفقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\".\nقال أبو داود: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ.\n===\n(قال أبو داود: وزاد فيه شعبة عن قتادة قال) أي أنس: كنا نخفق على عهد رسول الله - ﷺ -)، وقال البيهقي في \"سننه\" (١): قال أبو داود: زاد فيه شعبة عن قتادة: على عهد رسول الله - ﷺ -، ثم ساق الحديث بسنده عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون على عهد رسول الله - ﷺ -، وأخرج مسلم في \"صحيحه\" (٢)، والترمذي في \"سننه\" (٣) رواية شعبة، وليست فيها هذه الزيادة \"ثم يصلون ولا يتوضؤون\"، وهذا يدل على أن النوم ليس بناقض للوضوء في جميع الأحوال، بل هو ناقض عند استرخاء المسكة.\n(قال أبو داود: ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر). قلت: لم أجد رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة فيما تتبعت من كتب الحديث، إلَّا ما ذكر البيهقي (٤) في \"باب ما ورد في نوم الساجد\" بعد سوق حديث يزيد أبي خالد الدالاني، فقال: ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، وكذا قال الترمذي في \"سننه\"، فلعل مراد أبي داود من رواية ابن أبي عروبة هذه الرواية الموقوفة،\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٠).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٣٧٦).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٧٨).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢١).","vol":"2","page":128},{"text":"٢٠١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: \"أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى حَاجَةً،\n===\nفعلى هذا كان ينبغي للمصنف أن يذكر هذا الكلام في ذيل حديث ابن عباس الذي ذكره فيما بعد قريبًا (١).\n٢٠١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: ثنا حماد) لعله ابن سلمة (٢)، (عن ثابت البناني) هو ثابت بن أسلم البناني بضم الموحدة ونونين مخففين، نسبة إلى بنانة بن سعد، أبو محمد البصري، وثَّقه أحمد والعجلي والنسائي، وقال حماد بن سلمة: كنت أسمع أن القصاص لا يحفظون الحديث، فكنت أقلب على ثابت الأحاديث أجعل أنسًا لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس أشوشها عليه، فيجيء بها على الاستواء، وحكي عن ثابت قال: صحبت أنسًا أربعين سنة، قال أحمد بن حنبل: قال يحيى القطان: ثابت اختلط، وفي \"الكامل\" لابن عدي عن القطان: عجب من أيوب يدع ثابتًا لا يكتب عنه، مات سنة ١٢٧ هـ.\n(أن أنس بن مالك قال: أقيمت صلاة العشاء فقام رجل، فقال: يا رسول الله، إن لي حاجة) يعني أريد أن أشاورك وأناجيك،\n_________\n(١) قلت: يحتمل أن المؤلف أراد رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة التي وصلها في كتاب الصلاة (١٣٢١ - ١٣٢٢)، وأيضًا يحتمل أنه أراد رواية من رواه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس فيها زيادة: \"كانوا يضعون جنوبهم فينامون\"، كما أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٥/ ٤٦٧) رقم (٣١٩٩)، وانظر: \"مجمع الزوائد\" للهيثمي (١/ ٢٤٨).\n(٢) به جزم ابن رسلان. (ش).","vol":"2","page":129},{"text":"فَقَامَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَعَسَ الْقَوْمُ أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْ وُضُوءًا\". [ق ١/ ١٢٠، م ٣٧٠]\n٢٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ يَحْيَى،\n===\n(فقام) أي رسول الله - ﷺ - (يناجيه) أي الرجل (حتى نعس (١) القوم أو بعض القوم) أو للشك من الراوي، ومعنى نعس ... إلخ، أي ناموا قاعدين (ثم صلى بهم ولم يذكر) أنس أو ثابت أو غيرهما من الرواة (وضوءًا).\nوقد أخرج مسلم هذا الحديث عن ثابت، عن أنس ولفظه قال: أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي - ﷺ - يناجيه حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلوا، وليس فيه \"لم يذكر وضوءًا\"، وقد ورد ذكر الوضوء في رواية قتادة عن أنس بقوله: \"ولا يتوضؤون\".\nقال النووي (٢): وفيه جواز الكلام بعد إقامة الصلاة لا سيما في الأمور المهمة، ولكنه مكروه في غير المهم، فإنه - ﷺ - إنما ناجاه بعد الإقامة في أمر مهم من أمور الدين مصلحته راجحة على تقديم الصلاة، وفيه أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء.\n٢٠٢ - (حدثنا يحيى بن معين، وهناد بن السري) ابن مصعد (٣) (وعثمان بن أبي شيبة، عن عبد السلام بن حرب، وهذا) أي المذكور (لفظ حديث يحيى) أي ابن معين، ولم يذكر لفظ حديث هناد وعثمان، وهذه\n_________\n(١) بفتح العين، وغلط من ضمها. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٧٣).\n(٣) كذا في الأصل، والظاهر: مصعب. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٧٠).","vol":"2","page":130},{"text":"عَنْ أَبِى خَالِدٍ الدَّالَانِىِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ وَيَنْفُخُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى وَلَا يَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ لَهُ: صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ وَقَدْ نِمْتَ! فَقَالَ: «إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا». زَادَ عُثْمَانُ وَهَنَّادٌ: «فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ». [ت ٧٧، حم ١/ ٢٥٦، ق ١/ ١٢١]\n===\nجملة معترضة، (عن أبي خالد الدالاني) أي روى عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني، هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة الأسدي الكوفي، قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال ابن معين وأحمد بن حنبل والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: منكر الحديث، وقال ابن حبان في \"الضعفاء\": كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، خالف الثقات في الروايات، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق، فكيف إذا انفرد بالمعضلات، وذكره الكرابيسي في المدلسين، وقال الحاكم: إن الأئمة المتقدمين شهدوا له بالصدق والإتقان، وقال ابن عبد البر: ليس بحجة.\n(عن قتادة) بن دعامة، (عن أبي العالية) رفيع بن مهران، (عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - كان يسجد وينام وينفخ) أي يسمع منه صوت نفخه (ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، فقلت) أي قال ابن عباس: فقلت (له) أي لرسول الله - ﷺ -: (صليت ولم تتوضأ، وقد نمت) جملة حالية أي حال كونك قد نمت، والنوم ناقض للوضوء وصليت من غير تجديد الوضوء.\n(فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعًا) وانتهى إلى ههنا حديث يحيى، قال أبو داود: (زاد عثمان وهناد: فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) يعني ليست هذه الجملة في حديث يحيى.\nوالحصر في قوله: إنما الوضوء ... إلخ، ليس بحقيقي، بل هو حصر إضافي تدل عليه الجملة التي رواها عثمان وهناد، \"فإنه إذا","vol":"2","page":131},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَوْلُهُ: «الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَرْوِهِ إِلَاّ يَزِيدُ الدَّالَانِىُّ عَنْ قَتَادَةَ،\n===\nاضطجع ... إلخ\"، فإنه بدل على أن النوم في حد نفسه ليس بناقض للوضوء، فلو كان بنفسه ناقضًا للوضوء، لاستلزم نقض الوضوء في جميع أحواله، ولكن كونه ناقضًا للوضوء مستلزم لاسترخاء المفاصل، واسترخاء المفاصل مظنة لخروج الريح، ولا يدرك خروجه، لأنها حالة عدم الإدراك والشعور، فلهذا أقيم السبب مقام الأصل، كما أقيم السفر مقام الخوف، فالنوم ليس بناقض للوضوء إلَّا في صورة استرخاء المفاصل، فلو نام أحد بحيث لم تسترخ مفاصله لا يكون نومه ناقضًا للوضوء.\nواعلم أن جوابه - ﷺ - هذا جواب على أسلوب الحكيم، فإن ابن عباس -﵄- سأله عن فعله، وكان جوابه أن عيني تنامان ولا ينام قلبي، ولكنه - ﷺ - أجابه بما يختص بالأمة، فإن الحكم في الأمة بأسرها هو عدم انتقاض الطهارة بنومهم في السجود وانتقاضها في حالة الاضطجاع، فأجاب بهذا الجواب إظهارًا لمسألة نقض الوضوء، وإبانةً للسائل بما يفيده، ولو أجاب بالاختصاص لم يفد تلك الفائدة، فلهذا اختار هذا الجواب.\n(قال أبو داود (١): قوله: الوضوء على من نام مضطجعًا، هو حديث منكر لم يروه إلَّا يزيد الدالاني (٢) عن قتادة)، والحديث المنكر (٣) ما خالف فيه الضعيف الحفاظ المتقنين، وقد مر أن يزيد الدالاني ضعيف عند أكثر\n_________\n(١) وكذا ضعفه ابن العربي، وقال: هذا قول ابن عباس. (ش) [انظر: \"عارضة الأحوذي\" ١/ ١٠٣].\n(٢) دالان بطن من همدان، ولم يكن هذا منهم، بل كان نازلًا فيهم. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وقال ابن رسلان: المنكر، كما قاله الحافظ أبو بكر البرزنجي: ما تفرد به أحد ولا يعرف متنه من غير روايته، أنتهى، قلت: وله شاهد عند البيهقي (١/ ١٢٠) من =","vol":"2","page":132},{"text":"وَرَوَى أَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَقَالَ: كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- مَحْفُوظًا،\n===\nالمحدثين، وإن وثقه أبو حاتم، ولعله يكون ضعيفًا عند أبي داود (وروى أوله جماعة عن ابن عباس لم يذكروا شيئًا من هذا).\nقلت: أخرج البيهقي بسنده عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - نام حتى سمع له غطيط، فقام فصلى ولم يتوضأ، وأخرج بسنده عن كريب، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - نام حتى نفخ، ثم قام فصلى ولم يتوضأ، ثم قال البيهقي (١): مخرج في الصحيحين من حديث الثوري دون الزيادة التي تفرد بها أبو خالد الدالاني، وكذلك رواه سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس في حديث المبيت دون تلك (٢) الزيادة، ونومه هذا كان مضطجعًا وكان تركه - ﷺ - الوضوء منه مخصوصًا به.\n(وقال (٣): كان النبي - ﷺ - محفوظًا)، ذكر البيهقي في \"سننه\" بقوله: أخبرنا أبو علي الروذباري، قال: أخبرنا أبو بكر بن داسة، قال: قال أبو داود السجستاني: قوله: الوضوء على من نام مضطجعًا ... إلخ، وفيه: وقال عكرمة: كان النبي - ﷺ - محفوظًا، فعلم بهذا أن لفظ عكرمة متروك في النسخ التي عندنا، ففاعل قال هو عكرمة لا ابن عباس (٤) ومعناه كان\n_________\n= حديث حذيفة، قال: كنت في مسجد المدينة جالسًا، الحديث، وفيه قال ﵊: \"لا، حتى تضع جنبك\". (ش).\n(١) \"السنن \"الكبرى\" (١/ ١٢٢).\n(٢) لكن ابن رسلان أخرجه من أبي أمامة وغيره، فحصلت المتابعة. (ش).\n(٣) هذه دلائل على نكارته، لأن حاصله أنه ﵊، لو اضطجع لا ينقض وضوؤه مع أنه - ﷺ - محفوظ عنه، وأنت خبير بأنه لا تعارض بينهما، لأنه أجاب ابن عباس بما يفيده، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) وجزم ابن رسلان بأن فاعله ابن عباس. (ش). [قلت: أخرج هذا الحديث أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٤٤) وفيه صراحة بأن فاعله عكرمة].","vol":"2","page":133},{"text":"وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «تَنَامُ عَيْنَاىَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِى».\nوَقَالَ شُعْبَةُ: إِنَّمَا سَمِعَ قَتَادَةُ، عنْ (١) أَبِى الْعَالِيَةِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:\n===\nالنبي - ﷺ - محفوظًا من أن يخرج منه حدث ولم يشعر به، وليس معناه أنه - ﷺ - كان محفوظًا من خروج الحدث.\n(وقالت عائشة: قال النبي - ﷺ -: تنام عيناي ولا ينام (٢) قلبي). قال النووي (٣): هذا من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وسبق في حديث نومه - ﷺ - في الوادي، فلم يعلم بفوات وقت الصبح حتى طلعت الشمس، وإن طلوع الفجر والشمس متعلق بالعين (٤) لا بالقلب، وأما أمر الحدث ونحوه متعلق بالقلب (٥)، وقيل: إنه كان في وقت ينام قلبه، وفي وقت لا ينام، فصادف الوادي نومه، والصواب الأول.\nقال في \"مرقاة الصعود\" (٦): قال ولي الدين: إن ابن الصياد تنام عيناه ولا ينام قلبه مكرًا به، لئلا يخلو وقته عن فجور ومفسدة مبالغة في عقوبته، بخلاف قلب المصطفى - ﷺ - فإنه إكرام له، لئلا يخلو وقته عن المعارف الإلهية، والمصالح الدينية والدنيوية، فهو رافع لدرجاته ومعظم لشأنه.\n(وقال شعبة: إنما سمع قتادة عن أبي العالية أربعة أحاديث)،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من\".\n(٢) وهذا من كمال الحضور، ودوام الشهود حتى لا يغفل ﵊ في النوم أيضًا، وبسطه في \"بهجة النفوس\" (١/ ٢١٦) وذكر ما يناسبه من الحكايات. (ش).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٢١).\n(٤) وبه جزم في \"البحر الرائق\" (١/ ٧٦). (ش).\n(٥) وأورد عليه مولانا محمد حسن مفتي بهوبال أن إدراك الحدث متعلق بالحس الظاهر أيضًا، فإن الريح يحيى عند مروره لا بالقلب، فتأمل، قلت: ويؤيده قوله - ﷺ -: \"وكاء السه العينان\"، الحديث، فإنه أدار الحكم على العين لا على القلب. (ش).\n(٦) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٣٦).","vol":"2","page":134},{"text":"حَدِيثَ يُونُسَ بْنِ مَتَّى،\n===\nوفي \"الترمذي\" (١): قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلَّا ثلاثة أشياء: حديث عمر أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وحديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى\"، وحديث علي: \"القضاة ثلاثة\".\nوقال البيهقي (٢) بعد ما نقل قول أبي داود: قال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية ... إلخ. قال الشيخ: وسمع أيضًا حديث ابن عباس في ما يقول عند الكرب، أخرجه الترمذي معنعنًا، ولكن قال: هذا حديث حسن صحيح، وحديثه في رؤية النبي - ﷺ - موسى وغيره، أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٣) في كتاب الأنبياء (٤)، في باب الإسراء برسول الله - ﷺ -، قلت: فعلى هذا تكون الأحاديث التي سمعها قتادة من أبي العالية ستة، فالحصر الذي ورد في الترمذي في الثلاثة، وفي أبي داود في الأربعة تقريبي.\n(حديث يونس بن متى) والحديث أخرجه البخاري (٥) في كتاب الأنبياء بسنده: حدثنا شعبة عن قتادة سمعت أبا العالية حدثنا ابن عم نبيكم يعني ابن عباس، الحديث، وفيه تصريح بسماع قتادة عن أبي العالية، وكذلك أخرجه مسلم (٦) بتصريح السماع في أحاديث الأنبياء (٧)،\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٤٤).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢١).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٦٥).\n(٤) كذا في الأصل. والظاهر: كتاب الإيمان.\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٣٣٩٥).\n(٦) \"صحيح مسلم\" (٢٣٧٧).\n(٧) كذا في الأصل. والظاهر: كتاب الفضائل.","vol":"2","page":135},{"text":"وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِى الصَّلَاةِ، وَحَدِيثَ: \"الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ\"، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"حَدَّثَنِى رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِى عُمَرُ\".\n===\nوأما ما أخرجه المؤلف في باب التخيير بين الأنبياء ﵈، فهو معنعن ليس فيه تصريح بسماع قتادة عن أبي العالية.\n(وحديث ابن عمر في الصلاة) لم أجد (١) هذا الحديث فيما تتبعت من الكتب بل قول الترمذي المذكور يدل على أنه ليس فيه حديث ابن عمر، لأنه حصر السماع في ثلاثة أحاديث ليس فيها حديث ابن عمر (٢).\n(وحديث: القضاة ثلاثة) (٣) نسبه الترمذي إلى علي - ﵁ - ولكن الذي أخرجه المؤلف في \"باب القاضي يخطئ\"، فهو من حديث ابن بريدة عن أبيه، وليس فيه ذكر سماع قتادة عن أبي العالية، وكذلك أخرجه ابن ماجه، وليس فيه ذكر قتادة ولا أبي العاليةّ، وبالجملة فلم أجد هذا الحديث، ولا ذكر سماع قتادة عن أبي العالية في سنده فيما تتبعت من الكتب (٤).\n(وحديث ابن عباس: حدثني رجال مرضيون منهم عمر وأرضاهم عندي عمر) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٥) في \"باب الصلاة بعد الفجر\"\n_________\n(١) وترك ها هنا البياض في \"شرح ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قلت: الصواب \"حديث عمر\" بحذف ابن، كما أخرجه البخاري (٥٨١).\n(٣) واحد في الجنة واثنان في النار، سيأتي في الأقضية، لكن ليس فيها طريق شعبة، وله طرق كثيرة جمعها ابن حجر في جزء مفرد. \"ابن رسلان\". وقال صاحب \"المنهل\" (٢/ ٢٥٠): حديث ابن عمر في الصلاة وحديث القضاة لم نقف عليهما من طريق قتادة عن أبي العالية، انتهى. (ش).\n(٤) قلت: أخرجه وكيع في \"أخبار القضاة\" (١/ ١٨) من طريق روح بن عبادة، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة قال: سمعت رفيعًا أبا العالية ... إلخ.\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٥٨١).","vol":"2","page":136},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَذَكَرْتُ حَدِيثَ يَزِيدَ الدَّالَانِىِّ لأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَانْتَهَرَنِى اسْتِعْظَامًا لَهُ وَقَالَ: مَا لِيَزِيدَ الدَّالَانِىِّ يُدْخِلُ عَلَى أَصْحَابِ قَتَادَةَ؟ وَلَمْ يَعْبَأْ بِالْحَدِيثِ.\n٢٠٣ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِىُّ فِى آخَرِينَ قَالُوا:\n===\nهذا الحديث من طريق شعبة، وفيه تصريح بسماع قتادة من أبي العالية، وكذلك أخرج الترمذي (١) في \"باب كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر\" من طريق منصور، وفيه تصريح بالإخبار، ونقل العيني عن النسائي، وفيه تصريح بالتحديث.\n(قال أبو داود: وذكرت حديث الدالاني لأحمد فانتهرني)، أي زجرني (استعظامًا له) لأجل ضعف يزيد، (فقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث).\nقلت: هذا الذي قاله أبو داود من تضعيف يزيد مخالف لما تقدم من أن الإِمام أحمد، قال: يزيد لا بأس به.\nوقال في \"الجوهر النقي\" (٢): إنه سمع عن قتادة، وذهب ابن جرير الطبري إلى أنه لا وضوء إلَّا من نوم أو اضطجاع، واستدل بهذا الحديث وصححه، وقال: الدالاني لا ندفعه عن العدالة والأمانة، انتهى، ونقل البيهقي هذه العبارة من رواية أبي بكر بن داسة، وفيه تقديم وتأخير، وزيادة ونقص.\n٢٠٣ - (حدثنا حيوة بن شريح الحمصي في آخرين)، أي حال كونه في آخرين من الشيوخ، يعني حدثني هو وغيره من الشيوخ (قالوا:\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١٨٣).\n(٢) (١/ ١٢١).","vol":"2","page":137},{"text":"حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ،\n===\nثنا بقية، عن الوضين بن عطاء)، الوضين بفتح أوله وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم نون، ابن عطاء بن كنانة، أبو عبد الله، أو أبو كنانة، الخزاعي الدمشقي.\nقال أحمد بن حنبل وابن معين ودحيم: ثقة، وفي رواية عنهما: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، وقال ابن قانع: ضعيف، وقال الآجري عن أبي داود: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الساجي: عنده حديث واحد منكر عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي حديث: \"العينان وكاء السه\"، قال الساجي: رأيت أبا داود أدخل هذا الحديث في كتاب \"السنن\"، ولا أراه ذكره فيه إلَّا وهو عنده صحيح.\n(عن محفوظ بن علقمة) الحضرمي، أبو جنادة الحمصي، قال عثمان الدارمي عن ابن معين وعن دحيم: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الرحمن بن عائذ) بتحتانية ومعجمة، الثمالي، ويقال: الكندي، ويقال: اليحصبي، أبو عبد الله الحمصي، قال ابن منده: ذكره البخاري في الصحابة ولا يصح، قال ابن عساكر: لم يذكره البخاري في الصحابة في \"التاريخ\"، وذكره ابن سميع في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: حديثه عن علي مرسل، قال: ولم يدرك معاذًا، وقال الأزدي: ضعيف.","vol":"2","page":138},{"text":"عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ». [جه ٤٧٧، حم ١/ ١١١، ق ١/ ١١٨، قط ١/ ١٦١]\n===\n(عن علي بن أبي طالب (١) قال: قال رسول الله - ﷺ -: وكاء السه العينان) قال في \"القاموس\": الوكاء ككساء: رباط القربة وغيرها، وكل ما شد رأسه من وعاء وغيره وكاء، وفي \"النهاية\": جعل اليقظة للأست كالوكاء للقربة، كما أن الوكاء يمنع ما في القربة أن يخرج، كذلك اليقظة يمنع الأست أن تحدث إلَّا باختيار، والسه حلقة الدبر، قال في \"لسان العرب\": قال الأزهري: السه من الحروف الناقصة، لأن أصلها سته بوزن فرس وجمعها أستاه كأفراس، فحذفت الهاء وعوض منها الهمزة، فقيل: أست، فإذا رددت إليها الهاء وهي لامها وحذفت العين التي هي التاء انحذفت الهمزة التي جيء بها عوض الهاء، فتقول: سه بفتح السين.\nومعنى الحديث، أن الإنسان مهما كان مستيقظًا كانت أسته كالمشدودة الموكأ عليها، فإن العين كنَّى بها عن اليقظة، لأن النائم لا عين له تبصر، فإذا نام انحل وكاؤها، كنى بهذا اللفظ عن الحدث وخروج الريح، وهو من أحسن الكنايات وألطفها.\n(فمن نام فليتوضأ) لأنه إذا نام انحل الوكاء، وزال اختياره، واسترخت مفاصله، فهذه الحالة مظنة خروج الحدث، فأقيم مقام الحدث، فعليه أن يتوضأ.\nقال النووي (٢): اختلف العلماء فيها على مذاهب:\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ١٠٣): الحديث لا يثبت، وفي سنده بقية وعنده مناكير، إلى آخر ماقال. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٧٣)، وقال ابن العربي (١/ ١٠٤): فيه ثلاثة مذاهب: الاثنان مثل ما قاله النووي، والثالث الفرق بين القليل والكثير، وهو قول فقهاء =","vol":"2","page":139},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحدها: أن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى، وسعيد بن المسيب، وأبي مجلز، وحميد الأعرج، وشعبة.\nوالثاني: أن النوم (١) ينقض الوضوء لكل حال، وهو مذهب الحسن البصري، والمزني، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشافعي.\nوالثالث: أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بحال، وهذا مذهب الزهري، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه.\nوالرابع: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين، كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه، سواءً كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض، وهذا مذهب أبي حنيفة، وداود، وهو قول للشافعي غريب.\nوالخامس: أنه لا ينقض إلَّا نوم الراكع والساجد، روي هذا عن أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى-.\nوالسادس: أنه لا ينقض إلَّا نوم الساجد، وروي أيضًا عن أحمد.\n_________\n= الأمصار، ثم بسطه أشد البسط، وجعل الأحوال أحد عشر حالًا، وفي \"الأنوار الساطعة\" (ص ١٩١) جعل النوم الناقض عند الشافعي [نوم] غير ممكن مقعدته، وعند مالك الثقيل، وعند أحمد اليسير من القائم والقاعد غير ناقض، والباقي كله ناقض. (ش).\n(١) لعموم حديث صفوان بن عسال صححه ابن خزيمة وغيره بلفظ: \"إلَّا من بول وغائط ونوم\"، انتهى.\"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>(٨٢) بابٌ: فِى الرَّجُلِ يَطَأُ الأَذَى بِرِجْلِهِ</span>\n٢٠٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِى مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ:\n===\nوالسابع: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، وهو قول ضعيف للشافعي - رحمه الله تعالى -.\nوالثامن: إذا نام جالسًا ممكنًا مقعدته من الأرض لم ينتقض وإلَّا انتقض، سواء قل أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها.\nواتفقوا على أن زوال العقل بالجنون، والإغماء، والسكر بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدواء ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، وسواء كان ممكن المقعدة أو غير ممكِّنها.\n\n(٨٢) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَطَأُ الأذَى) أي النجاسة (بِرِجْلِهِ)\nهل يتوضأ أو لا يتوضأ؟\n٢٠٤ - (حدثنا هناد بن السري، وإبراهيم بن أبي معاوية) هو ابن محمد بن خازم بمعجمتين، السعدي مولاهم، أبو إسحاق بن [أبي] معاوية الضرير الكوفي، قال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق، صاحب سنة، وقال ابن قانع: ضعيف، وقال أبو الفتح الأزدي: فيه لين، ووثَّقه أبو الطاهر المدني نزيل مصر، ومسلمة بن قاسم الأندلسي، وأبو علي الجياني في \"شيوخ أبي داود\"، وأبو الحسن بن القطان وغيرهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٣٦ هـ. (عن أبي معاوية) أي كلاهما عن أبي معاويّة وهو محمد بن خازم.\n(ح): هذا تحويل من سند إلى سند آخر (وحدثنا عثمان بن أبي شيبة،","vol":"2","page":141},{"text":"أخبرنَا شَرِيكٌ وَجَرِيرٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: \"كُنَّا لَا نَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْطِئٍ،\n===\nأخبرنا شريك) بن عبد الله (وجرير) بن عبد الحميد (و) عبد الله (بن إدريس) ابن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي الزعافري بفتح الزاي والعين المهملة وكسر الفاء وراء، نسبة إلى الزعافر بطن من أود، أبو محمد الكوفي، وثَّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: هو حجة يحتج بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن خراش: ثقة، وقال العجلي: ثقة ثبت صاحب سنة، زاهد صالح، وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، مات سنة ١٩٢ هـ.\n(عن الأعمش) أي كلهم من أبي معاوية وشريك وجرير وابن إدريس رووا عن الأعمش، (عن شقيق) بن سلمة (قال) أي شقيق: (قال عبد الله) أي ابن مسعود: (كنا) أي نصلي مع رسول الله - ﷺ - كما في رواية البيهقي.\nو(لانتوضأ من موطئٍ). قال الخطابي (١): الموطئ (٢) ما يوطأ من الأذى في الطريق، وأصله الموطوء بالواو، وإنما أراد بذلك أنهم كانوا لا يعيدون الوضوء للأذى إذا أصاب أرجلهم، لا أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم، ولا ينظفونها من الأذى إذا أصابها.\nوعند البيهقي: \"لا نتوضأ\"، أي لا نغسل الأرجل من موطئ أي من النجاسة اليابسة، قال الشارح: وقال ولي الدين: أو معناه\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١١٣).\n(٢) قال ابن العربي: مفعل من الوطء، وبسط في معناه، وبعض أحكامه يناسب الباب وإن لم يذكر في هذا الحديث. (ش). [انظر: \"عارضة الأحوذي\" ١/ ٢٣٧].","vol":"2","page":142},{"text":"وَلَا نَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا\". [جه ١٠٤١، ت ١٤٣ تعليقًا، ك ١/ ١٧١، ق ١/ ١٣٩]\nقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِى مُعَاوِيَةَ فِيهِ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ،\n===\nلا يغسلونها بما أصابها طينًا بناءً على أن الأصل فيه الطهارة، فالوضوء لغوي. قلت: ويحتمل أن يكون الموطئ مصدرًا، فعلى هذا معناه: لا نتوضأ من وطء النجاسة أو الطين على الاحتمالات الثلاثة.\n(ولا نكف شعرًا ولا ثويًا) يحتمل أن يكون بمعنى المنع، أي لا نمنعهما من الاسترسال حال السجود ليقعا على الأرض، أو بمعنى الجمع، أي لا نضمهما ولا نجمعهما، أي لا نقيهما من التراب صيانة لهما، بل نرسلهما فيقعان على الأرض إذا سجدتا مع الأعضاء \"مجمع\" (١).\n(قال إبراهيم بن أبو معاوية فيه) أي في حديثه: (عن الأعمش) أي حدث أبو معاوية عن الأعمش (عن شقيق، عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة، الفقيه العابد، الكوفي، مخضرم، قال له عمر -﵁ -: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، قال: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن، قال علي بن المديني: ما أقدم على مسروق من أصحاب عبد الله أحدًا، صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعليًّا، قال إسحاق بن منصور: لا يسأل عن مثله، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: مسروق\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٢٠).","vol":"2","page":143},{"text":"أَوْ حَدَّثَهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ هَنَّادٌ: عَنْ شَقِيقٍ أَوْ حَدَّثَهُ عَنْه قالُ: قال عبد الله.\n===\nعن عائشة أحب إليك أو عروة فلم يخير، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وله مناقب كثيرة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من عباد أهل الكوفة، ولاه زياد على السلسلة، ومات بها سنة ٦٣ هـ.\n(أو حُدِّثه (١) عنه) بصيغة المجهول، أي قال الأعمش: روى هذا الحديث شقيق عن مسروق من غير واسطة، أو حدث شقيق هذا الحديث عنه أي عن مسروق بواسطة، مراده بهذا أن هذا الحديث رواه شقيق عن مسروق بواسطة أو بغير واسطة (قال: قال عبد الله) الحديث.\n(وقال هناد) عطف على قوله: قال إبراهيم عن أبي معاوية (عن شقيق أو حَدَّثه عنه) وهذا مثل الأول، ولكنه فرق في إرجاع الضمائر، ففي رواية هناد هذا ضمير نائب الفاعل يرجع إلى الأعمش، وضمير عنه يرجع إلى شقيق، أي حدث الأعمش عن شقيق بواسطة، ولم يذكر فيها مسروق (قال: قال عبد الله) الحديث.\nويمكن أن يكون اللفظ في كلا الموضعين على بناء المعلوم، فعلى هذا يكون المعنى في الأول أن شقيقًا روى عن مسروق بصيغة عن، أو روى الحديث عن مسروق بصيغة التحديث، وكذلك في الموضع الثاني، ولكن هذا اللفظ في المكتوبة والمصرية معرب بإعراب المجهول، والله أعلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"حَدَّثه\".","vol":"2","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>(٨٣) بابٌ: في مَنْ يُحْدِثُ فِى الصَّلَاةِ</span>\n٢٠٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَلَاّمٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ طَلْقٍ\n===\n\n(٨٣) (بَابٌ: في مَنْ يُحْدِثُ في الصَّلاةِ)\nأي: يصدر منه الحدث على قصد أو بغير قصد\n٢٠٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان) بكسر المهملة وتشديد المهملة، الوقاشي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": مقبول من الثالثة، (عن مسلم) بكسر اللام كمكرم (ابن سلام) بتشديد اللام، الحنفي، أبو عبد الملك، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن علي بن طلق) بن المنذر بن قيس الحنفي السحيمي اليمامي، صحابي، روى عن النبي - ﷺ - أحاديث في الوضوء من الريح وغير ذلك، قال الترمذي: سمعت محمدًا يقول: لا أعرف لعلي بن طلق غير هذا الحديث، ولا أعرف هذا من حديث طلق بن علي السحيمي، قال الترمذي: فكأنه رأى أن هذا رجل آخر، وقال ابن عبد البر: أظنه والد طلق بن علي، وبذلك جزم العسكري، قال الحافظ (١): قلت: وهو ظن قوي، لأن النسب الذي ذكره ها هنا هو النسب المتقدم في ترجمة طلق بن علي من غير مخالفة، وقال السمعاني في \"الأنساب\" (٢) في السحيمي: هذه النسبة إلى سحيم، وهو بطن من بني حنيفة نزل اليمامة.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٤١).\n(٢) (٣/ ٢٣).","vol":"2","page":145},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِى الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ (١) وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ». [ت ١١٦٤، قط ١/ ١٥٣، دي ١١٤١، ق ٢/ ٢٥٥، حم ١/ ٨٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>(٨٤) بَابٌ: في الْمَذْيِ</span>\n٢٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ثَنَا عَبِيْدَةُ\n===\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا فسا أحدكم) أي خرج الريح التي لا صوت لها من دبر الإنسان، سواء تعمد خروجه أو لم يتعمد (في الصلاة) أي في خلالها (فلينصرف) عنها (فليتوضأ وليعد الصلاة) (٢) الأمر بإعادة الصلاة إذا تعمد الحدث محمول على الوجوب، وأما إذا سبقه الحدث ولم يتعمده، فمحمول على الاستحباب واختيار الأفضل.\n\n(٨٤) (بَابٌ: فِي الْمَذْيِ) (٣)\nفي \"القاموس\": المَذْيُ والمَذِيُّ كغَنِيٍّ، والمَذِيْ ساكنة الياء: ما يخرج منك عند الملاعبة والتقبيل، يجب فيه الوضوء إذا خرج، ولا يجب من خروجه الغسل\n٢٠٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا عبيدة) بفتح أوله وكسر الثانية\n_________\n(١) في نسخة: \"وليتوضأ\".\n(٢) وقد يستدل به على الجديد من قولي الشافعي، وبه قال مالك أنه يبطل صلاته، وفي القديم له، وبه قالت الحنفية أنه يتوضأ ويبني على صلاته، قاله ابن رسلان. قلت: ولمالك فيه ثلاث روايات، والمشهور أنه يبطل في سائر الأحداث إلَّا الرعاف، فيبني بشرط إن ركع ركعة، ولأحمد ثلاث روايات، والثالث: إن كان الحدث من السبيلين لا يبني. كذا في \"الأوجز\" (١/ ٤٦٣). (ش).\n(٣) ذكر ابن العربي تعريفه والبحث فيه، وقال: الودي ما يخرج بعد البول، أعطوا له حكمه. (ش) [انظر: \"عارضة الأحوذي\" ١/ ١٧٤].","vol":"2","page":146},{"text":"بْنُ حُمَيْدٍ الْحَذَّاءُ، عَنِ الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ - قَالَ: \"كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً،\n===\n(ابن حميد) مصغرًا، ابن صهيب أبو عبد الرحمن الكوفي المعروف بـ (الحذاء). قال الأثرم: أحسن أحمد الثناء عليه جدًّا ورفع أمره، وقال: ما أدري ما للناس وله، ثم ذكر صحة حديثه فقال: كان قليل السقط، وأما التصحيف فليس نجده عنده، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة، وعن ابن معين: لم يكن به بأس، عابوه أنه يقعد عند أصحاب الكتب، وقال ابن المديني: أحاديثه صحاح، وما رويت عنه شيئًا وضعفه، وقال يعقوب بن شيبة: لم يكن من الحفاظ المتقنين، وقال ابن عمار: ثقة، وقال الساجي: ليس بالقوي، وهو من أهل الصدق، وقال ابن سعد: كان ثقة صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، وقال في \"العلل\": كان من الحفاظ، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال عثمان ابن أبي شيبة: عبيدة بن حميد ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: لم يكن حذاء، كان يجالس الحذائين فنسب إليه، مات سنة ١٩٠ هـ.\n(عن الركين) بالتصغير (ابن الربيع) مكبرًا، ابن العميلة بفتح المهملة، الفزاري، أبو الربيع الكوفي، وثَّقه أحمد وابن معين والنسائي ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٣١ هـ.\n(عن حصين) مصغرًا (ابن قبيصة) الفزاري، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من الكوفيين.\n(عن علي) بن أبي طالب (قال: كنت رجلًا مذاءً) (١) كشداد، كثير\n_________\n(١) هو من كثر خروج المذي منه، وقوله: \"كنت\" يحتمل أن يكون حكايته لما مضى، وقد انقطع المذي عند الإخبار، ويحتمل أن تكون الحالة مستديمة له من باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤] \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":147},{"text":"فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِى، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ -ﷺ-، أَوْ ذُكِرَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَفْعَلْ، إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْىَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، فَإِذَا فَضَخْتَ\n===\nالمذي (فجعلت أغتسل) (١) أي اجتهادًا وقياسًا على خروج المني (حتى تشقق ظهري) أي حصل فيه شقوق من شدة ألم البرد، (فذكرت ذلك للنبي - ﷺ -، أو ذكر له) هذا شك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو ذاك، قلت: وقع الاختلاف (٢) في الروايات في ذلك، ففي بعضها أنه سأل بنفسه عن ذلك، وفي بعضها أنه قال: فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، ولا اختلاف في ذلك في الواقع، بل كلها صحيحة، فإنه حيث نسب السؤال إلى نفسه فهو لأنه صاحب القصة ومسبب للسؤال، وحيث نسب إلى المقداد فلأنه السائل حقيقة (٣).\n(فقال رسول الله - ﷺ -: لا تفعل) أي لا تغتسل بخروج المذي (إذا رأيت المذي (٤) فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت) (٥)\n_________\n(١) ولفظ النسائي وابن خزيمة: \"فجعلت أغتسل في الشتاء\"، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وجمعه ابن حبان (٣/ ٣٨٦) بأنه أمر عمارًا ثم المقداد ثم سأل بنفسه، وفي \"عبد الرزاق\" (٥٩٧): تذاكر علي والمقداد وعمار المذي، فقال علي: \"إني رجل مذّاء، فاسألا عن ذلك\"، الحديث، ولفظ النسائي: \"فقلت لرجل جال أجنبي: سله\"، الحديث، انتهى \"ابن رسلان\"، وراجع: \"مشكل الآثار\" (١/ ٤٥). (ش).\n(٣) كذا في\"التقرير\" وبسطه. (ش).\n(٤) في الحديث أربع مسائل اختلافية: الأولى: هل هو في حكم البول فتكفي الأحجار أو يتعين الغسل، والثانية: غسل موضع النجس فقط أو الذكر بتمامه أو الأنثيين أيضًا، والثالثة: يجب الوضوء بمجرد المذي أو كسائر الأحداث عند الصلاة ونحوها، نقله الطحاوي عن قوم قالوا بمجرد خروجه يجب الوضوء على الفور، والرابعة: هل يحتاج في الثوب المتنجس به إلى الغسل، أو يكفي النضح، وسيأتي البسط. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: نضحت بالنون والحاء المهملة.","vol":"2","page":148},{"text":"الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ\". [ن ١٩٣، حم ١/ ١٠٩، خزيمة ٢٠، ق ١/ ١٦٩]\n===\nبفاء وضاد وخاء منقوطتين، أي دفعت (الماء) أي المني (فاغتسل) وهذا الحديث يدل على أن خروج المني (١) موجب للحديث الأكبر، واختلف في طهارته ونجاسته.\nقال النووي (٢): اختلف العلماء في طهارة مني الآدمي (٣)، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسًا، وهو رواية عن أحمد، وقال مالك: لا بد من غسله رطبًا ويابسًا، وقال الليث: هو نجس ولا تعاد الصلاة منه، وقال الحسن: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرًا، وتعاد منه في الجسد وإن قَلَّ.\nوذهب كثير إلى أن المني طاهر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة، وداود، وأحمد في أصح الروايتين، وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الحديث، وقد غلط من أوهم أن الشافعي - ﵀- منفردًا بطهارته، هذا حكم مني الآدمي، ولنا قول شاذ ضعيف: إن مني المرأة نجس دون مني الرجل، وقول أشذ منه: إن مني المرأة والرجل نجس، والصواب أنهما طاهران.\nوهل يحل أكل المني الطاهر؟ فيه وجهان لأصحابنا، أظهرهما لا يحل؛ لأنه مستقذر، فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة علينا.\nوأما مني باقي الحيوانات غير الآدمي، فمنها الكلب، والخنزير، والمتولد من أحدهما، وحيوان طاهر، ومنيها نجس بلا خلاف، وما عداها\n_________\n(١) وبسط صاحب \"السعاية\" (١/ ٣٠٤) الكلام على تعريف المني أشد البسط. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ١٩٧).\n(٣) قال ابن العربي: فيه للعلماء أربعة أقوال ثم بسطها، كذا في \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٧٨). (ش).","vol":"2","page":149},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن الحيوانات في منيه ثلاثة أوجه: الأصح أنها كلها طاهرة من مأكول اللحم وغيره، والثاني أنها نجسة، والثالث مني مأكول اللحم طاهر ومني غيره نجس، والله تعالى أعلم، انتهى.\nواستدل القائلون بطهارة المني بأحاديث الفرك، والقائلون بنجاسته بأحاديث الغسل، قال الحافظ في \"الفتح\" (١): وليس بين حديث الغسل، وحديث الفرك تعارض، لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يحمل الغسل على الاستحباب لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث، وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطبًا والفرك على ما كان يابسًا، وهذه طريقة الحنفية، والطريقة الأولى أرجح، لأن فيه العمل على الخبر والقياس معًا، لأنه لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره، وهم لا يكتفون فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك.\nويرد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة \"كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، وتحكه من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه\"، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين.\nوأما مالك فلم يعرف الفرك وقال: إن العمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النجاسات، وحديث الفرك حجة عليهم، وحمل بعض أصحابه الفرك على الدلك بالماء، وهو مردود بما في إحدى روايات مسلم عن عائشة: \"لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظفري\"، وبما صححه الترمذي من حديث همام بن الحارث: أن عائشة أنكرت على\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٢).","vol":"2","page":150},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nضيفها غسله الثوب، فقالت: لم أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، فربما فركته من ثوب رسول الله - ﷺ - بأصابعي.\nوقال بعضهم: الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة، وهو مردود أيضًا بما في إحدى روايات مسلم من حديثها أيضًا: \"لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فركًا فيصلي فيه\"، وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة، وأصرح منه رواية ابن خزيمة: \"أنها كانت تحكه من ثوبه - ﷺ - وهو يصلي\"، وعلى تقدير عدم ورود شيء من ذلك فليس في حديث الباب ما يدل على نجاسة المني؛ لأن غسلها فعل وهو لا يدل على الوجوب بمجرده، والله أعلم، انتهى.\nوقال العيني في \"شرح البخاري\" (١) رادًّا على ما قال الحافظ بقوله: ثم إن بعضهم ذكر في أول هذا الباب كلامًا لا يذكره من له بصيرة ورؤية، وفيه رد لما ذهب إليه الحنفية، ومع هذا أخذ كلامه هذا من كلام الخطابي مع تغيير، وهو أنه قال: وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض إلى آخر ما قال: وهم لا يكتفون فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك.\nقلت: من هو الذي ادّعى تعارضًا بين الحديثين المذكورين حتى يحتاج إلى التوفيق، ولا نسلم التعارض بينهما أصلًا، وحديث الغسل يدل على نجاسة المني بدلالة غسله، وكان هذا هو القياس أيضًا في يابسه، ولكن خص في حديث الفرك، وقوله: بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب كلام واهٍ، وهو كلام من لا يدري مراتب الأمر الوارد من الشرع، فأعلى مراتب الأمر الوجوب، وأدناها الإباحة،\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٣٥ - ٦٣٧).","vol":"2","page":151},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهنا لا وجه للثاني، لأنه ﵊ لم يتركه على ثوبه أبدًا، وكذلك الصحابة من بعده، ومواظبته - ﷺ - على فعل شيء من غير ترك في الجملة يدل على الوجوب بلا نزاع فيه.\nوأيضًا الأصل في الكلام الكمال، فإذا أطلق اللفظ ينصرف إلى الكامل، اللَّهم إلَّا أن يصرف ذلك بقرينة تقوم فتدل عليه حينئذ، وهو فحوى كلام أهل الأصول، إن الأمر المطلق أي المجرد عن القرائن يدل على الوجوب.\nثم قوله: والطريقة الأولى أرجح ... إلخ، غير راجح فضلًا أن يكون أرجح بل هو غير صحيح، لأنه قال فيها: العمل بالخبر وليس كذلك، لأن من يقول بطهارة المني يكون غير عامل بالخبر، لأن الخبر يدل على نجاسته كما قلنا.\nوكذلك قوله: فيها العمل بالقياس غير صحيح، لأن القياس وجوب غسله مطلقًا، ولكن خص بحديث الفرك بما ذكرنا.\nفإن قلت: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه كالمخاط؟ قلت: لا نسلم أن القياس صحيح، لأن المخاط لا يتعلق بخروجه حدثٌ ما أصلًا، والمني موجب لأكبر المحدثين، وهو الجنابة.\nفإن قلت: سقوط الغسل في يابسه يدل على الطهارة، قلت: لا نسلم ذلك، كما في موضع الاستنجاء.\nوقوله: كالدم وغيره ... إلخ، قياس فاسد، لأنه لم يأت نص بجواز الفرك في الدم ونحوه، وإنما جاء في يابس المني على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص.","vol":"2","page":152},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن قلت: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ (١)، سمَّاه ماء، وهو في الحقيقة ليس بماء، فدل على أنه أراد به التشبيه في الحكم، ومن حكم الماء أن يكون طاهرًا، قلت: إن تسميته ماء لا تدل على طهارته، فإن الله تعالى سمى مني الدواب ماء بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (٢) فلا يدل ذلك على طهارة مني الحيوان.\nفإن قلت: إنه أصل الأنبياء والأولياء، فيجب أن يكون طاهرًا، قلت: هو أصل الأعداء أيضًا، كنمرود وفرعون وهامان وغيرهم، على أنا نقول: العلقة أقرب إلى الإنسان من المني، وهو أيضًا أجل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومع هذا لا يقال: إنها طاهرة.\nوقال هذا القائل أيضًا: وترد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة -﵂ -: كانت تسلت المني من ثوبه - ﵇ - بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، وتحته من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين، قلت: رد الطريقة الثانية بهذا غير صحيح، وليس فيه دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون كان ﵊ يفعل ذلك فيطهر الثوب، والحال أن المني في نفسه نجس، كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى، وهو ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب\"، والمراد من الأذى النجاسة.\nوقال هذا القائل أيضًا: فأما مالك فلم يعرف الفرك، والدمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النجاسات. قلت: لا يلزم من عدم معرفة الفرك\n_________\n(١) سورة الفرقان: الآية ٥٤.\n(٢) سورة النور: الآية ٤٥.","vol":"2","page":153},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأن يكون المني طاهرًا عنده بل عنده المني نجس، كما هو عندنا، وذكر في \"الجواهر\" للمالكية: المني نجس وأصله دم، وهو يمر في ممر البول، فاختلف في سبب التنجس، هل هو رده إلى أصله أو مروره في مجرى البول؟\nوقال هذا القائل أيضًا: وقال بعضهم: الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة، وهو مردود أيضًا إلى آخره، قلت: أراد بقوله: \"وقال بعضهم\"، الحافظ أبا جعفر الطحاوي، فإنه قال في \"معاني الآثار\" بسنده: عن همام بن الحارث أنه كان نازلًا على عائشة، فاحتلم فرأته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه، الحديث.\nوأخرج الطحاوي هذا من أربعة عشر طريقًا وأخرجه مسلم أيضًا، ثم قال: فذهب الذاهبون إلى أن المني طاهر، وأنه لا يفسد الماء وإن وقع فيه، وإن حكمه في ذلك حكم النخامة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وأراد بهؤلاء الذاهبين: الشافعي وأحمد وإسحاق وداود.\nثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل هو نجس (١)، وأراد بالآخرين: الأوزاعي، وا لثوري، وأبا حنيفة وأصحابه، ومالكًا، والليث بن سعد، والحسن بن حي، وهو رواية عن أحمد.\nثم قال الطحاوي: وقالوا: لا حجة لكم في هذه الآثار، لأنها إنما جاءت في ذكر ثياب ينام فيها، ولم يأت في ثياب يصلي فيها، وقد رأينا أن الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصَّلاة فيها، فقد يجوز أن يكون المني كذلك، وإنما يكون هذا الحديث حجة\n_________\n(١) قلت: ويمكن الاستدلال على نجاسته بما سيأتي بطرق عديدة في باب الغسل من الجنابة، من شدة اهتمامه - ﷺ - لغسل الأيدي بعد غسل الفرج، انتهى. (ش).","vol":"2","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلينا لو كنا نقول: لا يصلح النوم في الثوب النجس، فأما إذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم عن النبي - ﷺ - في ذلك، فنقول من بعد: لا يصلح الصلاة في ذلك، فلم نخالف شيئًا بما روي في ذلك عن النبي - ﷺ -، وقد جاءت عن عائشة فيما كانت تفعل بثوب رسول الله - ﷺ - الذي كان يصلي فيه إذا أصابه المني، فذكر بسنده عن عائشة قالت: كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - ﷺ - فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه، وإسناده صحيح على شرط مسلم، قال الطحاوي: وهكذا كانت تفعل عائشة بثوب النبي - ﷺ - الذي كان يصلي فيه تغسل المني منه، وتفركه من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه.\nثم إن هذا القائل استدل في رده على الطحاوي فيما ذكرناه بأن قال: وهذا التعقيب بالفاء ينفي إلى آخره، وهذا استدلال فاسد، لأن كون الفاء للتعقيب لا ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة، لأن أهل العربية قالوا: إن التعقيب في كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان فولد له إذا لم يكن بينهما إلَّا مدة الحمل، وهو مدة متطاولة، فيجوز على هذا أن يكون معنى قول عائشة: لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ -، أرادت به ثوب النوم، ثم تغسله فيصلي فيه، ويجوز أن تكون الفاء بمعنى \"ثم\" كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (١)، فالفاءات فيها بمعنى \"ثم\" لتراخي معطوفاتها، فإذا ثبت جواز التراخي في المعطوف يجوز أن يتخلل بين المعطوف والمعطوف عليه مدة يجوز وقوع الغسل في تلك المدة.\nويؤيد ما ذكرنا ما رواه البزار في \"مسنده\" والطحاوي في\n_________\n(١) سورة المؤمنون: الآية ١٤.","vol":"2","page":155},{"text":"٢٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ،\n===\n\"معاني الآثار\" عن عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - ﷺ - ثم يصلي فيه.\nقوله: وأصرح منه رواية ابن خزيمة ... إلخ، لا يساعده أيضًا فيما ادعاه، لأن قوله: وهو يصلي، جملة اسمية وقعت حالًا منتظرة، لأن عائشة ما كانت تحك المني من ثوب النبي - ﷺ - حال كونه في الصلاة، فإذا كان كذلك يحتمل تخلل الغسل بين الفرك والصلاة. انتهى ملخصًا.\n٢٠٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن أبي النضر) هو سالم بن أبي أمية التيمي أبو النضر المدني، مولى عمر بن عبد الله (١) التيمي، وثَّقه أحمد بن حنبل - رضي الله تعالى عنه - وابن معين، والعجلي، والنسائي، وابن سعد، وابن عيينة، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت، وقال ابن خلفون: وثَّقه ابن المديني وابن نمير، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وكان يرسل، مات سنة ١٢٩ هـ.\n(عن سليمان بن يسار) الهلالي أبو أيوب، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو عبد الله المدني، مولى ميمونة، ويقال: كان مكاتبًا لأم سلمة، ذكر أبو الزناد أنه أحد الفقهاء السبعة، أهل فقه وصلاح وفضل، وقال مالك: كان سليمان من علماء الناس بعد ابن المسيب، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون فاضل عابد، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: أحد الأئمة، وقال ابن سعد: كان ثقة عالمًا رفيعًا فقيهًا كثير الحديث، وقال\n_________\n(١) كذا في \"التهذيب\" (٣/ ٤٣١)، والصواب عبيد الله مصغرًا كما بسطته على ما علقته على \"التهذيب\". (ش). [كذا في \"تهذيب الكمال\" (٣/ ١٩١) رقم (٢١٢٥)].","vol":"2","page":156},{"text":"عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قال: إنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ - ﵁ - أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْىُ، مَاذَا عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ عِنْدِى ابْنَتَهُ\n===\nالعجلي: مدني تابعي ثقة مأمون فاضل عابد، وقال ابن حبان: وهبت ميمونة ولاءه لابن عباس، وقد سمع (١) من المقداد، وهو ابن دون عشر سنين، مات سنة ٩٤ هـ، وقيل بعدها.\n(عن المقداد بن الأسود) (٢) هو مقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البراني (٣)، ثم الكندي، ثم الزهري، أبو الأسود، أو أبو عمرو، أو أبو معبد، كان أبوه حليفًا لبني كندة، وكان هو حليفًا للأسود بن عبد يغوث الزهري، فتبناه الأسود فنسب إليه، صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وشهد بدرًا والمشاهد، ويقال: إن رسول الله - ﷺ - آخى بينه وبين عبد الله بن رواحة، مات سنة ثلاث وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة، فحمل إلى المدينة ودفن بها (٤).\n(إن علي بن أبي طالب (٥) أمره أن يسأل له رسول الله - ﷺ - عن الرجل إذ دنا) أي قرب ويلاعبه (من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟) أي ما الذي يلزم عليه من الطهارة (فإن عندي) أي تحتي وفي نكاحي (ابنته) أي فاطمة\n_________\n(١) وبه جزم الزرقاني (١/ ٨٤) والسيوطي في \"التنوير\" (ص ٦٢) تبعًا لابن عبد البر أنه منقطع، لأنه ولد بعد وفاة مقداد بسنة. (ش)\n(٢) نسب إليه تجوزًا. (ش).\n(٣) صوابه البهراني بفتح الموحدة وسكون الهاء، كما في \"رجال جامع الأصول\" (١٣/ ٢٠١). (ش).\n(٤) انظر: \"أسد الغابة\" (٤/ ١٨٤) رقم (٥٠٧٧).\n(٥) قال ابن رسلان: أطبق أصحاب الأطراف والمسانيد على ذكر هذا الحديث في مسند علي، انتهى. (ش).","vol":"2","page":157},{"text":"وَأَنَا أَسْتَحْيِى أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ الْمِقْدَادُ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ (١) فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ». [ن ١٥٦، جه ٥٠٥، طـ ١/ ٥٣ /٤٠، حم ٦/ ٤ - ٥، خزيمة ٢١، ق ١/ ١١٥]\n٢٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ: \"أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ قَالَ لِلْمِقْدَادِ.\n===\n-رضي الله تعالى عنها - (وأنا أستحيي أن أسأله) أي عن هذه المسألة، وان كان السؤال جائزًا أيضًا، فإن الله لا يستحيي من الحق.\n(قال المقداد: فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك) عما سأله علي (فقال) رسول الله - ﷺ - في جوابه: (إذا وجد أحدكم ذلك) أي خروج المذي (فلينتضح) (٢)، أي فليغسل كما في الرواية المتقدمة: \"فاغسل ذكرك\"، والرواية الآتية: \"ليغسل ذكره\" (فرجه) أي ذكره (وليتوضأ وضوءه للصلاة).\n٢٠٨ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو ابن عبد الله بن يونس (قال: ثنا زهير) هو ابن معاوية، (عن هشام بن عروة، عن عروة) بن الزبير: (أن علي بن أبي طالب قال للمقداد) اعلم أن عروة لم يكن موجودًا وقت قول علي للمقداد، فلعل رواية عروة إما عن علي بن أبي طالب أو عن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فلينضح\".\n(٢) بالحاء المهملة لا يعرف غيره، ولو روي بالمعجمة لكان أولى، لأن النضخ أشهر قال تعالى: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ انتهى. \"ابن رسلان\". واستدل به على تعين الماء للمذي وعدم اكتفاء الحجر، وعندنا الحنفية يكتفي، وهو المرجح عند الشافعية، ولأحمد ومالك فيه روايتان، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٤٧٣)، قال ابن رسلان: صحح النووي في \"شرح مسلم\" تعيين الماء، وصحح في باقي كتبه جواز الاقتصار على الأحجار. (ش).","vol":"2","page":158},{"text":"وَذَكَرَ (١) نَحْوَ هَذَا. قَالَ: فَسَأَلَهُ الْمِقْدَادُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ». [حم ١/ ١٢٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِىُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ (٢)، عَنْ أَبِيهِ، عن المقداد،\n===\nالمقداد، ويحتمل غيرهما (وذكر) أي عروة (نحو هذا) أي نحو حديث سليمان بن يسار (قال) أي علي: (فسأله) أي رسول الله - ﷺ - (المقداد) فاعل سأل (فقال رسول الله: ليغسل ذكره وأنثييه).\nقال الشارح (٣): أمر بغسل أنثييه استظهارًا بزيادة التطهر، لأن المذي ربما انتشر فأصابهما، أو يقال: إذا أصابهما ماء بارد رد المذي وكسر قوته، فلذلك أمره بغسلهما، قال ابن العربي: ذهب أحمد (٤) وغيره إلى وجوب غسل الذكر والأنثيين أخذًا بهذه الرواية.\n(قال أبو داود: رواه الثوري وجماعة عن هشام، عن أبيه، عن المقداد) هكذا في النسخ المطبوعة الهندية، وكذلك في النسخة المكتوبة.\nوليس في المطبوعة المصرية (٥)، لفظ: عن المقداد، والصواب (٦) حذفه، لأن المقداد هو بنفسه سمع الحديث من رسول الله - صلى الله عليه -فكيف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فذكر\".\n(٢) وفي نسخة: \"هشام بن عروة\".\n(٣) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٣٧).\n(٤) وذكره صاحب \"المنهل\" (٢/ ٢٥٨) عن أحمد فقط. (ش).\n(٥) وليس في نسخة ابن رسلان أيضًا. (ش).\n(٦) كذا في \"المنهل\" (٢/ ٢٦٢). (ش).","vol":"2","page":159},{"text":"عن عَلِيٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ قَالَ: حَدَّثَنَا (١) أَبِى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَدِيثٍ حَدَّثَهُ\n===\nيروي عن علي -﵁- والحمل على المجاز (٢) بعيد (عن علي، عن النبي - ﷺ -) وهذا التعليق لم أجد فيما تتبعت من كتب الحديث (٣).\n٢٠٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا أبي) هو مسلمة بن قعنب الحارثي البصري، قال الآجري عن أبي داود: كان له شأن وقدر، كان ابن عون لا يركب إلَّا حماره، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": ثقة.\n(عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن حديث حدثه) أي حدّث (٤) عروة هشامًا، هكدا ضبطه بعض من صحح النسخة، وأرجع الضمائر برقم الهندسة، والذي عندي أنه بصيغة المجهول، ومعناه على هذا أن عروة أخبر هشامًا بحديث حدث عروة بذلك الحديث بواسطة عن علي، فإنه سيجيء قريبًا أن عروة ليس له سماع عن علي.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ني\".\n(٢) بأن يحمل لفظ \"عن\" على معنى الحكاية، وهذا الاستعمال شائع عندهم، اختاره الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٧٩) في أحاديث حمزة في الصوم. (ش).\n(٣) قلت: أما رواية الثوري فلم أجدها فيما عندي من الكتسب، وأما رواية الجماعة فأخرجها عبد الرزاق (١/ ١٥٧) رقم (٦٠٢) و(٦٠٣) عن معمر وابن جريج، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٥٦٣)، وأخرجها أحمد (١/ ١٢٤) من طريق وكيع، وأيضًا من طريق يحيى بن سعيد (١/ ١٢٦)، وأخرجها النسائي (١/ ٩٦) من طريق جرير كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن علي.\n(٤) وفي \"التقرير\": في جملة حديث حدَّثه عنه، انتهى، وكتب عليه شيخي صاحب \"البذل\" قدِّس سره، وفيه تأمل، (ش).","vol":"2","page":160},{"text":"عَنْ (١) عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قُلْتُ لِلْمِقْدَادِ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [ن ١٥٣، حم ١/ ١٢٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عن هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عن عَلِيٍّ (٢).\n===\n(عن علي بن أبي طالب)، هكذا في جميع النسخ الموجودة بلفظ \"عن\"، وكتب على الحاشية لفظ \"أن\"، فعلى الأولى رواية عروة عن علي مصرحة، وأما على الثانية فليس فيه تصريح برواية عروة عن علي، بل يحتملها وغيرها، كما تقدم في الرواية المتقدمة، (قال: قلت للمقداد، فذكر معناه) أي فذكر مسلمة بمعنى حديث زهير.\n(قال أبو داود: ورواه الفضل بن فضالة والثوري وابن عيينة عن هشام، عن أبيه، عن علي)، والظاهر أن هذا تأكيد لقوله المتقدم، وهو قوله: قال أبو داود: رواه الثوري وجماعة ... إلخ، وهذا القول أيضًا يدل دلالة ظاهرة على أن لفظ \"عن المقداد\" في القول المتقدم ليس بصحيح (٣)، وغرض المصنف بإيراد حديث مسلمة، وذكر هذه التعليقات تقوية زهير في ذكر الأنثيين بأنهم كلهم ذكروا في أحاديثهم غسل الأنثيين.\nثم يورد المصنف على خلاف ذلك تعليق محمد بن إسحاق ويقول:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن أبي طالب\".\n(٣) قلت: أورد رواية المفضل والثوري وابن عيينة، الإِمام الدارقطني، ثم قال: وقولهم أولى بالصواب من قول ابن إسحاق لاتفاقهم على خلافه. انظر: \"العلل\" (٣/ ٨٩).","vol":"2","page":161},{"text":"وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِقْدَادِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، ولَمْ يَذْكُرْ «أُنْثَيَيْهِ» (١).\n٢١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -\n===\n(ورواه ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد (٢)، عن النبي - ﷺ - يذكر أنثييه)، ولعل غرض المصنف أن في رواية عروة عن علي ذكر الأنثيين، ورواية عروة عن المقداد خالية عن هذه الزيادة، ولكن قال الشوكاني في \"النيل\" (٣): إن عروة لم يسمع من علي، لكن رواه أبو عوانة في \"صحيحه\" من طريق عبيدة عن علي بالزيادة، وإسناده لا مطعن فيه.\n٢١٠ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: ثنا إسماعيل يعني ابن إبراهيم) بن مقسم الأسدي مولاهم بكسر موحدة (٤) وسكون معجمة، البصري المعروف بابن علية بضم مهملة وفتح لام وشدة تحتية، وهي أمه، وقال الخطيب: زعم علي بن حجر أن علية جدته أم أمه، وكان يقول: من قال: ابن علية فقد اغتابني، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال ابن محرز عن يحيى بن معين: كان ثقة مأمونًا مسلمًا ورعًا تقيًّا، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا في الحديث حجة، وقد ولي صدقات البصرة، وكذا وثَّقه كثير من أئمة الحديث، مات سنة ١٩٤ هـ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال فيه: والأنثيين\".\n(٢) ذكر في نسخة ابن رسلان بعده: عن علي، وقال الشارح: فيه وصل لما أرسل أولًا، فإن عروة سمعه عن علي بواسطة المقداد، وظاهر كلام ابن رسلان أن عروة عن علي بواسطة المقداد، لأن عروة لم يسمع عن علي. (ش).\n(٣) \"نيل ااوطار\" (١/ ٦٣).\n(٤) كذا في الأصل، وههنا سقط وهو \"أبو بشر\" والضبط المذكور في الشرح متعلق به. (ش).","vol":"2","page":162},{"text":"قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قال: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: \"كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْىِ شِدَّةً، وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الاِغْتِسَالَ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ؟\n===\n(قال: أنا محمد بن إسحاق (١) قال: حدثني سعيد بن عبيد بن السباق) الثقفي أبو السباق المدني، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث في المذي، وعند الترمذي آخري الدعاء لأسامة.\n(عن أبيه) هو عبيد بن السباق بمهملة فموحدة شديدة، أبو سعيد الثقفي المدني، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة.\n(عن سهل بن حنيف) بن واهب الأنصاري الأوسي، اختلف في كنيته على خمسة، كان من السابقين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وثبت مع رسول الله - ﷺ - يوم أحد حين انكشف الناس، وكان بايعه يومئذ على الموت، ثم صحب عليًّا من حين بويع فاستخلفه على البصرة بعد الجمل، ثم شهد معه بصفين وولاه فارس، ويقال: آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين علي، مات بالكوفة سنة ٣٨ هـ (٢).\n(قال: كنت ألقى من المذي شدة) أي أصيب منه عناء وصعوبة، (وكنت كثر منه الاغتسال) ولعله كان باجتهاد منه -﵁ -، (فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك) أي عن وجوب الاغتسال، أو عن حكم\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ١٧٦): هذا حديث تفرَّد به ابن إسحاق، فكيف صحَّحه الترمذي ... إلخ. (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٨٨) رقم (٢٢٩٠).","vol":"2","page":163},{"text":"فَقَالَ: «إِنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ (١) الْوُضُوءُ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ (٢) بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِى مِنْهُ؟ قَالَ: «يَكْفِيكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تُرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ». [ت ١١٥، جه ٥٠٦، دي ٧٢٣، حم ٣/ ٤٥٨، خزيمة ٢٩١]\n===\nالمذي (فقال) - ﷺ - في جوابه: (إنما يجزئك) أي يكفيك (من ذلك) (٣) أي من خروج المذي (الوضوء) أي لا يجب الاغتسال منه.\n(قلت: يا رسول الله، فكيف بما يصيب ثوبي منه؟) يعني ما الحكم فيه؟ (قال: يكفيك بأن تأخذ كفًّا من ماء) أي قليلًا من الماء (فتنضح (٤) بها) أي بالكف من الماء (من ثوبك) أي تغسل بها من ثوبك (حيث) (٥) أي في محل من الثوب (ترى أنه) أي المذي (أصابه) أي المحل من الثوب، وهكذا في رواية مسلم عن ابن عباس بلفظ: \"وانضح فرجك\".\nقال النووي: معناه اغسله، فإن النضح يكون غسلًا ويكون رشًّا، وقد جاء في الرواية الأخرى: \"يغسل ذكره\"، فتعين حمل النضح عليه.\nقال الشوكاني (٦): ولكن قد ثبت من رواية الأثرم بلفظ \"فرشّ عليه\" وليس المصير إلى الأشد بمتعين، بل ملاحظة التخفيف من مقاصد الشريعة المألوفة، فيكون الرش مجزئًا كالغسل، انتهى، وترقى عليه صاحب \"عون\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن ذلك\".\n(٢) وفي نسخة: \"كيف\".\n(٣) استدل به من قال: لا يجب فيه أكثر من الاستنجاء والوضوء، \" ابن رسلان \". (ش).\n(٤) بكسر الضاد نص عليه الجوهري وغيره، وأهل الحديث يقرؤونها بالفتح وهو خطأ. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) قلت: مذهب المالكية النضح في المشكوك كما في \"الأوجز\" (١/ ٤٧٩) وغيره. (ش).\n(٦) \"نيل الأوطار\" (١/ ٧٦).","vol":"2","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمعبود\" (١)، فقال: لكن الرش ههنا متعين لرواية الأثرم، انتهى.\nقلت: قد ورد التشديد في الغسل من البول، وهو يقتضي أن يكون حكم ما يلحق به كذلك، ومع هذا يحتمل أن ما ورد في رواية الأثرم من لفظ: \"فرش عليه\" يكون رواية بالمعنى، كأن الراوي عبر النضح بالرش، ورجح أحد احتماليه فرواه بالمعنى، وأيضًا معنى الرش صب الماء قليلًا قليلًا، فعلى هذا لا ينافي الغسل.\nقال في \"المجمع\": فيه \"فرش على رجله\" أي صب الماء قليلًا قليلًا تنبيهًا على الحذر عن الإسراف، ثم قال: ومنه: \"كان الكلاب تقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئًا\"، أي ينضحونه بالماء، بمعنى أنهم لا يصبون عليه الماء لا قليلًا ولا كثيرًا، فلفظ الرش لا يقتضي كونه مجزئًا فضلًا من أن يكون متعينًا، وهذا عند من آتاه الله قلبًا سليمًا.\nواتفقت العلماء على أن الغسل لا يجب لخروج المذي، وعلى أن المذي نجس، وعلى أن الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول.\nواختلف في المذي إذا أصاب الثوب، فقال الجمهور: لا يجزئه إلَّا الغسل، ولم أر أحدًا من الأئمة (٢) قال بالاكتفاء بالنضح والرش إلَّا ما قال الشوكاني ومتبعوه من غير المقلدين.\n_________\n(١) (١/ ٣٥٩).\n(٢) قال ابن رسلان: قال الترمذي (١/ ١٩٨): واختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب فقال بعضهم: لا يجزئه إلَّا الغسل، وهو قول الشافعي وإسحاق، وقال بعضهم: يجزئه النضح، وقال أحمد: أرجو أنه يجزئه النضح، انتهى، وقال أيضًا: قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حديث سهل في المذي ما تقول فيه؟ قال: الذي يرويه ابن إسحاق، قلت: نعم! قال: لا أعلم شيئًا يخالفه، انتهى. =","vol":"2","page":165},{"text":"٢١١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قال: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ صَالِحٍ -، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ،\n===\nواختلف أيضًا فيما إذا خرج المذي من الذكر هل يجب غسل جميع الذكر والأنثيين، أو غسل المحل الذي أصابه المذي من البدن؟ فالجمهور على أنه لا يجب إلَّا غسل المحل الذي أصابه المذي، ولا يجب تعميم غسل الذكر والأنثيين، وقال البعض: يجب تعميم الغسل جميع الذكر والأنثيين. وإن كان المذي أصاب بعضًا منهما، قال الشوكاني: وإليه ذهب الأوزاعي وبعض الحنابلة وبعض المالكية.\nثم قال الشوكاني: ومن العجيب أن ابن حزم مع ظاهريته ذهب إلى ما ذهب إليه الجمهور، وقال: إيجاب غسل كله شرع لا دليل عليه، وهذا بعد أن روى حديث: \"فليغسل ذكره\"، وحديث: \"واغسل ذكرك\"، ولم يقدح في صحتهما، وغاب عنه أن الذكر حقيقة لجميعه ومجاز لبعضه، وكذلك الأنثيين حقيقة لجميعهما، فكان اللائق بظاهريته الذهاب إلى ما ذهب إليه الأولون، انتهى.\n٢١١ - (حدثنا إبراهيم بن موسى) الرازي (قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: ثنا معاوية - يعني ابن صالح -، عن العلاء بن الحارث) بن عبد الوارث الحضرمي أبو وهب، ويقال: أبو محمد الدمشقي، عن أحمد: صحيح الحديث، وعن ابن معين: ثقة، ولكن كان يرى القدر، ووثقه أبو داود ودحيم وأبو حاتم، وقال بعضهم: تغير عقله وكان يفتي حتى خولط، مات سنة ١٣٦ هـ.\n_________\n= قال ابن العربي (١/ ١٧٧): أجمعوا على أنه نجس، لكنهم اختلفوا هل يكفيه النضح؟ فقال مالك والشافعي وإسحاق: لا يجزئه إلَّا الغسل إلى آخر ما قال، وذكر ابن قدامة روايتين لأحمد [انظر: \"المغني\" (١/ ٢٣٣)]. (ش).","vol":"2","page":166},{"text":"عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: \"سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَعَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ؟ فَقَالَ: «ذلكَ (١) الْمَذْىُ،\n===\n(عن حرام) بمهملتين مفتوحتين (ابن حكيم) بن خالد بن سعد بن الحكم الأنصاري العبشمي، ويقال: العنسي الدمشقي، هو حرام بن معاوية، ووهم من جعلهما اثنين، وثَّقه دحيم والعجلي، ونقل بعض الحفاظ عن الدارقطني أنه وثق حرام بن حكيم، وقد ضعَّفه ابن حزم في \"المحلى\" بغير مستند، وقال عبد الحق عقب حديثه: لا يصح هذا، وقال في موضع آخر: حرام ضعيف فكأنه تبع ابن حزم، وأنكر عليه ذلك ابن القطان الفاسي وليس كما قالوا، ثقة كما قال العجلي وغيره، قال الخطيب: وهم البخاري في فصله بين حرام بن حكيم، وبين حرام بن معاوية، لأنه رجل واحد، واعتمد على قوله الدارقطني وتبعه.\n(عن عمه) هو (عبد الله بن سعد الأنصاري) (٢) ويقال: القرشي، قال أبو حاتم وابن حبان: له صحبة، سكن دمشق، تفرد بالرواية عنه ابن أخيه حرام بن حكيم (قال: سألتُ رسول الله - ﷺ - عما يوجب الغسل) أي عن الفعل (٣) الذي يوجب الغسل (وعن الماء يكون بعد الماء (٤) فقال: ذلك المذي).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذاك\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٦٠٨) رقم (٢٩٧٤).\n(٣) قال ابن رسلان: اختلفوا في موجب الغسل على ثلاثة أقوال: الأول: فقيل: الإيلاج والإنزال، والثاني: القيام إلى الصلاة، والثالث: وهو الأصح، الإيلاج أو الإنزال مع القيام إلى الصلاة، انتهى. (ش).\n(٤) وفي \"التقرير\": والأوجه أن المراد منه المذي بعد المني وقد اغتسل، يعني خرج المذي بعد الغسل فقال: فيه الوضوء، ويمكن أن يراد منه المذي، كما سيجيء عن \"مرقاة الصعود\". (ش).","vol":"2","page":167},{"text":"وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِى، فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ». [حم ٤/ ٣٤٢، ق ٢/ ٤١١]\n٢١٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ قال: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -\n===\nقال في \"مرقاة الصعود\": هو إشارة إلى قوله: الماء يكون بعد الماء، لأن ذلك شأن المذي أن يسترسل في خروجه ويستمر، بخلاف المني فإنه إذا دفق انقطع لوقته، ولا يعود إلَّا بعد مضي زمن، أو تجديد جماع، انتهى، ووقع للشيخ ولي الدين ههنا كلام فيه تخليط.\nوقال الشوكاني (١) في \"النيل\" في شرح هذا اللفظ: المراد به خروج المذي عقيب البول متصلًا به، وهذا أيضًا غلط صريح، وخطأ قبيح، فإن الذي قاله الشوكاني هو ودي لا مذي.\n(وكل فحل يمذي) قال في \"القاموس\": الفحل: ذكر من الحيوان، وهذا لا يدل على تخصيص المذي بالذكر، فإن الأنثى أيضًا تمذي، (فتغسل) أي أنت (من ذلك) أي خروج المذي (فرجك) أي ذكرك، فإن الفرج يطلق على العورة، سواء كانت عورة الرجل أو عورة المرأة (وأنثييك) أي خصيتيك، وهذا لاحتمال التلويث، (وتوضأ وضوءك للصلاة).\n٢١٢ - (حدثنا هارون بن محمد بن بكار) بن بلال العاملي الدمشقي، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وكذا قال مسلمة بن قاسم (قال: ثنا مروان يعني ابن محمد) بن حسان الأسدي الطاطري بمهملتين مفتوحتين، يقال بمصر ودمشق لمن يبيع الكرابيس والثياب البيض، وهذه النسبة إليها، كنيته أبو بكر، أو أبو حفص، أو أبو عبد الرحمن الدمشقي، وثَّقه أبو حاتم وصالح بن محمد، وقال أحمد: إنه كان يذهب\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٧٦).","vol":"2","page":168},{"text":"قال: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ قال: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ \"أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: مَا يَحِلُّ لِى مِنَ امْرَأَتِى وَهِىَ حَائِضٌ؟ قَالَ: «لَكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ». وَذَكَرَ مُؤَاكَلَةَ الْحَائِضِ أَيْضًا،\n===\nمذهب أهل العلم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدوري عن ابن معين: لا بأس به، وكان مرجئًا، وقال الدارقطني: ثقة، وضعفه أبو محمد بن حزم فأخطأ، لأنا لا نعلم له سلفًا في تضعيفه إلَّا ابن قانع، وقول ابن قانع غير مقنع، مات سنة ٢١٠ هـ.\n(قال: ثنا الهيثم بن حميد) الغساني مولاهم، أبو أحمد، ويقال: أبو الحارث الدمشقي، قال عثمان الدارمي عن دحيم: كان أعلم الأولين والآخرين بقول مكحول، وعن ابن معين: لا بأس به، وعنه أيضًا: ثقة، وقال أبو داود: قدري ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو مسهر: كان ضعيفًا قدريًّا، وقال أبو مسهر أيضًا: كان صاحب كتب، ولم يكن من الأثبات، ولا من أهل الحفظ، وقد كنت أمسكت عن الحديث عنه استضعفته، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: ثنا العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم، عن عمه) عبد الله بن سعد (أنه) أي عبد الله بن سعد (سأل رسول الله - ﷺ - ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (لك ما فوق الإزار) أي يجوز (١) لك الاستمتاع بما فوق الإزار (وذكر) أي هارون بن محمد أو هيثم بن حميد (مؤاكلة الحائض أيضًا).\n_________\n(١) وسيأتي الكلام على المباشرة في \"باب مؤاكلة الحائض ومجامعتها\"، وذكرت الدلائل في \"باب في الرجل يصيب منها\". (ش).","vol":"2","page":169},{"text":"وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [ت ١٣٣، جه ٦٥١، دي ١٠٧٣، ط ١/ ٥٧/ ٩٣، حم ٤/ ٣٤٢]\n٢١٣ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْيَزَنِىّ\n===\nوالحديث أخرجه مطولًا الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١) بسنده عن معاوية يعني ابن صالح، عن العلاء يعني ابن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد، أنه سأل رسول الله - ﷺ - عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، وعن الصلاة في بيتي، وعن الصلاة في المسجد، وعن مؤاكلة الحائض؟ فقال: \"إن الله لا يستحيي من الحق، أما أنا فإذا فعلت كذا وكذا، فذكر الغسل، قال: أتوضأ وضوئي للصلاة، أغسل فرجي، ثم ذكر الغسل، وأما الماء يكون بعد الماء فذلك المذي، وكل فحل يمذي، فأغسل من ذلك فرجي وأتوضأ، وأما الصلاة في المسجد والصلاة في بيتي فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، ولأن أصلي في بيتي أحبُّ إليَّ من أن أصلي في المسجد، إلَّا أن تكون صلاة مكتوبة، وأما مؤاكلة الحائض فأواكلها، انتهى.\n(وساق الحديث) والضمير يعود إما إلى هارون بن محمد أو إلى الهيثم بن حميد.\n٢١٣ - (حدثنا هشام بن عبد الملك اليزني) هو هشام بن عبد الملك بن عمران اليزني، نسبة إلى يزن، وهو بطن من حمير، أبو تقي الحمصي، قال أبو حاتم: كان متقنًا في الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: شيخ ضعيف، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥١ هـ.\n_________\n(١) (٤/ ٣٤٢).","vol":"2","page":170},{"text":"قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سَعْدٍ (١) الأَغْطَشِ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢) بْنِ عَائِذٍ الأَزْدِىِّ، قَالَ هِشَامٌ: وَهُوَ ابْنُ قُرْطٍ أَمِيرُ حِمْصَ،\n===\n(قال: ثنا بقية) بن الوليد (عن سعدِ (٣) الأغطش، - وهو ابن عبد الله -) ويقال: سعيد بن عبد الله الأغطش بالغين المعجمة الأعمش زنةً ومعنًى، الخزاعي مولاهم، الشامي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا فيما يحل من الحائض لزوجها، وقال أبو داود عقبه: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقاتِ\" في التابعين وسماه سعيدًا، وقال عبد الحق: ضعيف.\n(عن عبد الرحمن (٤) بن عائذ الأزدي، قال هشام) وهشام بن عبد الملك شيخ أبي داود: (وهو ابن قرط) الضمير يرجع إلى عائذ والد عبد الرحمن (أمير حمص) صفة لعبد الرحمن (٥) أو لعائذ والد عبد الرحمن، ولم أجد فيما تتبعت من الكتب كون عبد الرحمن أو والده عائذ أمير حمص غير ما ذكره المصنف.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثنا بقية بن الوليد عن سعيد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وهو\".\n(٣) قال ابن رسلان: سعد، ويقال: سعيد. (ش).\n(٤) وذكر له ابن رسلان مُلْحةً، قال له الحجاج: كيف أصبحت، قال: لا كما يريد الله تعالى، ولا كما يريد الشيطان، ولا كما أنا أريد، قال: ويحك ما تقول؟ قال: نعم كذلك يريد الله أن أكون زاهدًا ورعًا ولست أنا بذاك، ويريد الشيطان أن أكون فاسقًا فاجرًا ولست أنا بذاك، وأريد أن أكون آمنًا في أهلي ولست أنا بذاك. (ش).\n(٥) وظاهر كلام ابن رسلان أن عبد الرحمن أمير حمص. (ش).","vol":"2","page":171},{"text":"عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ وَهِىَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ (١): «مَا فَوْقَ الإِزَارِ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ».\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هُوَ (٢) بِالْقَوِىِّ.\n===\n(عن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله - ﷺ - عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: ما فوق الإزار) أي يجوز له الاستمتاع منها بما فوق الإزار، (والتعفف) أي الامتناع والكف (عن ذلك أفضل) لأنه ورد في الحديث: \"من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه\"، فلعله غلبة الشبق توقعه في الحرام، فندب إلى التعفف احتياطًا.\n(قال أبو داود: وليس هو بالقوي) (٣) أي ليس سعد الأغطش قويًّا عند أهل الحديث، وقد تقدم ذكره في السند قريبًا، وهذا الحديث لا مناسبة له بالباب، وقال مولانا محمد يحيى في ما نقل من تقرير شيخه: ولما كانت (٤) الملاعبة جائزة بهذا الحديث، وهي سبب لخروج المذي، علم بذلك حكم المذي، والرخصة فيما يكون سببه، فناسب إيراد الحديث في باب المذي.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني الحديث\".\n(٣) قال ابن رسلان: ليس الحديث بالقوي، لأنه رواية بقية، ولم يصرح بالتحديث، ورواه الطبراني (٢٠/ ٩٩) برواية إسماعيل بن عياش عن سعد، لكن بقي جهالة سعد، ولم نعرف أحدًا وثَّقه، وقال أبو حاتم: عبد الرحمن بن عائذ عن علي مرسلًا، فهو عن معاذ أشد إرسالًا. (ش).\n(٤) ويحتمل أن الحديث الأول كان فيه ذكر الماء بعد الماء، والحديث الثاني ذكر لمناسبة الأول. (ش).","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>(٨٥) بَابٌ: في الإِكْسَالِ</span>\n٢١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قال: أَخْبَرَنِى عَمْرٌو - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ -، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قال: حَدَّثَنِى بَعْضُ مَنْ أَرْضَى أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِىَّ\n===\n\n(٨٥) (بَابٌ: في الإكْسَالِ) (١)\nقال في \"القاموس\": وأكسل في الجماع: خالطها ولم ينزل،\nأي: ما حكمه؟ من وجوب الغسل أو عدم وجوبه\n٢١٤ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا ابن وهب) هو عبد الله (قال: أخبرني عمرو - يعني ابن الحارث -، عن ابن شهاب (٢) قال: حدثني بعض من أرضى) قال في \"مرقاة الصعود\": قال ابن خزيمة: يشبه أن يكون هو أبا حازم سلمة بن دينار، وقال ابن حبان: تتبعت طرق هذا الخبر على أن أجد أحدًا رواه عن سهل بن سعد، فلم أجد في الدنيا أحدًا إلّا، أبا حازم، فيشبه أن يكون الرجل الذي قال الزهري: حدثني من أرضى عن سهل بن سعد، هو أبو حازم.\n(أن سهل بن سعد الساعدي) هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبو العباس، له ولأبيه صحبة، توفي رسول الله - ﷺ - وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان مولده قبل الهجرة بخمس\n_________\n(١) ذكر ابن العربي في الباب عشر لغات وخمس عشرة مسألة. (ش) [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٦٧)].\n(٢) وأخرج الترمذي بدون الواسطة بلفظ عن الزهري عن سهل وقال: حسن صحيح، اللَّهم إلَّا أن يقال: إنه هو الراجح عنده، والحديث روي بكلا الطريقين كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٠٣)، لكن ما سيأتي عن أبي داود يشير إلى صحة رواية الترمذي. (ش).","vol":"2","page":173},{"text":"أَخْبَرَهُ أَنَّ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِلنَّاسِ فِى أَوَّلِ الإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الثِّيَابِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ\".\n===\nسنين، كان اسمه حزنًا، فسماه رسول الله - ﷺ - سهلًا، عاش مئة سنة، أو أكثر، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، مات سنة ٨٨ هـ وقيل بعدها (١).\n(أخبره) أي أخبر سهل بعض من أرضى (أن أبى بن كعب) بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن مالك بن نجار الأنصاري الخزرجي، سيد القراء، أبو النذر، ويكنى أبا الطفيل أيضًا، من فضلاء الصحابة، شهد بدرًا والعقبة الثانية، وفي موته اختلاف كثير جدًّا، قيل: مات في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان (٢).\n(أخبره أن رسول الله - ﷺ - إنما جعل ذلك رخصة للناس (٣) في أول الإسلام) يعني أمر رسول الله - ﷺ - في أول الإِسلام بأنه إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل لا يجب عليه الغسل، فجعل ذلك رخصة للناس تسهيلًا وترفيقًا بهم لقلة الثياب (٤) وشدة البرد، (ثم أمر بالغسل) بالمجامعة وإن لم ينزل (ونهى عن ذلك) أي ما كان رخصة في أول الإِسلام.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٩٠) رقم (٢٢٩٥).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٥٧) رقم (٣٤).\n(٣) وكان أبي بن كعب يروي أولًا عنه - ﷺ - \"الماء من الماء\" ثم رجع عنه، وقال كما في الباب، والبسط في \"أوجز المسالك\" (١/ ٥١٦)، ولا يخالف إذن ما في البخاري من رواية أبي بالوضوء فقط، وفي \"أنوار المحمود\" (١/ ٩١): أن عبارة البخاري موهمة للخلاف لكنه موافق للجمهور، وأخرج الحازمي في \"الاعتبار\" (ص ٦٥) عن عائشة أن الماء من الماء كان قبل فتح مكة، ثم اغتسل - ﷺ - بعد ذلك، وصححه ابن حبان، فهذا نص في النسخ. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: لأنهما ينامان عريانين ليس بينهما ثوب يحجز بشرة الرجل عن بشرة المرأة، فيكون ذلك سببًا لكثرة الجماع، فلما لبسوا الثياب حالت عن اجتماع =","vol":"2","page":174},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي: \"الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ\". [ت ١١٠، جه ٦٠٩، دي ٧٦٢، حم ٥/ ١١٥، ق ١/ ١٦٥، خزيمة ٢٢٥]\n٢١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ (١) الرَّازِىُّ قال: حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ الْحَلَبِىُّ،\n===\n(قال أبو داود: يعني الماء من الماء) (٢) غرض أبي داود أن لفظ \"ذلك\" الذي ورد في الحديث، المراد به حكم الماء (٣) من الماء، أي حكم وجوب الاغتسال بإنزال الماء لا بالمجامعة، وههنا نسخة أخرى، قال أبو داود: والناس كلهم رووه عن الزهري، عن سهل بن سعد إلَّا عمرو بن الحارث، فإنه أدخل بينهما رجلًا، قال أبو داود: يرون الرجل أبا حازم.\n٢١٥ - (حدثنا محمد بن مهران الرازي) بكسر أوله وسكون الهاء، أبو جعفر الجمال بالجيم، الحافظ، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وعن ابن معين: ليس به بأس، قال البخاري: مات أول سنة ٢٣٩ هـ.\n(قال: ثنا مبشر الحلبي) مبشر بفتح الموحدة وكسر المعجمة الثقيلة، ابن إسماعيل، أبو إسماعيل الكلبي مولاهم، قال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال أحمد بن\n_________\n= بشرتهما، فلم يكثر الجماع، فوجب الغسل لالتقاء الختانين فقط، وقال: هذا ما ظهر لي. (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"البزاز\".\n(٢) المراد منه المني، وتقدم حكمه طهرًا ونجسًا، وبسط الكلام عليه صاحب \"السعاية\" (١/ ٣٠٤) وعلى تعريف المني بأشد البسط، ومر الكلام في \"البذل\" في باب المذي أيضًا. (ش).\n(٣) ستأتي الأجوبة عنه. (ش).","vol":"2","page":175},{"text":"عَنْ مُحَمَّدٍ أَبِى غَسَّانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قال: حَدَّثَنِى أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ \"أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِى كَانُوا يُفْتُونَ أَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ:\n===\nحنبل، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن قانع: ضعيف، وقال الذهبي: تكلم فيه بلا حجة، وخرج له البخاري مقرونًا بآخر، مات بحلب سنة ٢٠٠ هـ.\n(عن محمد أبي غسان) هو محمد بن [مطرف بن داود بن] مطرف بن عبد الله بن سارية التيمي الليثي المدني، يقال: إنه من مولى آل عمر، نزل عسقلان، كان من أهل وادي القرى، وثَّقه أحمد وأبو حاتم والجوزجاني ويعقوب بن شيبة، وعن ابن معين: شيخ ثقة ثبت، وعن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال أبو داود والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: يغرب.\n(عن أبي حازم (١)، عن سهل بن سعد قال: حدثني أبي بن كعب أن الفتيا) قال في \"القاموس\": الفتيا والفتوى: ما أفتى به الفقيه (التي كانوا يفتون) بضم الياء والتاء بصيغة المعلوم، أو بضم الياء التحتانية وفتح التاء بصيغة المجهول، فعلى الأول الضمير يرجع إلى الصَّحابة، وعلى الثاني أيضًا يرجع إلى الصحابة، ولكن كان المفتي لهم رسول الله - ﷺ -، فالمعنى على الأول أن الفتيا التي كان فقهاء الصحابة يفتون للناس، وهم كانوا جماعة من الصحابة كأبي أيوب الأنصاري وغيرهم، وعلى الثاني أن الفتيا التي كانت الصحابة يفتون من رسول الله - ﷺ -.\n(أن الماء من الماء) أي أن استعمال الماء بالاغتسال واجب من\n_________\n(١) لعل غرض المصنف بذكر هذا الحديث بيان المبهم في الحديث المتقدم. (ش).","vol":"2","page":176},{"text":"كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى بَدْءِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالاِغْتِسَالِ بَعْدُ\". [دي ٧٦٠، قط ١/ ١٢٦، حم ٥/ ١١٥، ق ١/ ١٦٦، خزيمة ٢٢٥]\n٢١٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَرَاهِيدِىُّ قال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عن (١) النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ،\n===\nخروج الماء أي المني (كانت) أي الفتيا (رخصة رخصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإِسلام) أي تيسيرًا وتسهيلًا، (ثم) نسخ ذلك الحكم و(أمر بالاغتسال بعد) أي بعد ذلك، فوجب الاغتسال بالجماع أنزل أو لم ينزل.\n٢١٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي قال: ثنا هشام) الدستوائي (وشعبة) بن الحجاج، (عن قتادة) بن دعامة، (عن الحسن) البصري، (عن أبي رافع) هو نفيع بن رافع الصائغ المدني، نزيل البصرة، مولى ابنة عمر، وقيل: مولى بنت العجماء، أدرك الجاهلية، قال ابن سعد: ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة من كبار التابعين، وقال الدارقطني: قيل: إن اسمه نفيع ولا يصح، يعني أن اسمه قتيبة، قال: وهو ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال أبو رافع: كان عمر يمازحني حتى يقول: أكذب الناس الصائغ يقول: اليوم وغدًا.\n(عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا قعد) أي الرجل (بين شعبها) أي المرأة (الأربع) هي جمع شعبة، وهي القطعة من الشيء، قال في \"الفتح\" (٢): قيل: المراد يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أن\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٥).","vol":"2","page":177},{"text":"وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». [خ ٢٩١، م ٣٤٨، ن ١٩١، جه ٦١٠، دي ٧٦١، حم ٢/ ٢٣٤، ق ١/ ١٦٣، قط ١/ ١١٣]\n٢١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قال: أَخْبَرَنِى عَمْرٌو (١)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بنِ\n===\nوفخذاها، وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها وأسكتاها، وقيل: فخذاها وشفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع، قال الأزهري: الأسكتان ناحيتا الفرج، والشفران طرفا الناحيتين، ورجح القاضي عياض الآخر، واختار ابن دقيق العيد الأول، قال: لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة في الجلوس، وهو كناية عن الجماع، فاكتفى به عن التصريح، انتهى.\n(وألزق (٢) الختان بالختان) (٣) أي محل ختان الرجل بمحل ختان المرأة، وهما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية وهو كناية عن إيلاج الحشفة (فقد وجب الغسل) أي سواء أنزل أو لم ينزل، قال الترمذي (٤): وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله - ﷺ -، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة والفقهاء من التابعين ومن بعدهم، مثل سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قلت: وهو مذهب أبي حنيفة - ﵀ - وأصحابه.\n٢١٧ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا ابن وهب) هو عبد الله (قال: أخبرني عمرو) بن الحارث، (عن ابن شهاب) الزهري، (عن أبي سلمة بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن الحارث\".\n(٢) كناية عن الإيلاج أو لازم له كما بسط في \"الأوجز\" (١/ ٥٠٩)، وإلَّا فمجرد الإلزاق والمس لا يوجب الغسل إجماعًا. (ش).\n(٣) ذكرهما تغليبًا وإلَّا فغير المختون وقدرها من المقطوع كذلك. (ش).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (١/ ١٨٣).","vol":"2","page":178},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [م ٣٤١، ق ١/ ١٦٧، حم ٣/ ٢٩]\n===\nعبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ -: الماء من الماء) (١) أي استعمال الماء بالاغتسال منه يجب من إنزال الماء أي المني، (وكان أبو سلمة) أي ابن عبد الرحمن (يفعل ذلك) (٢) أي لا يغتسل إلَّا من الإنزال.\nأخرج البخاري في \"صحيحه\" (٣) بسنده قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله - ﷺ -، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب -﵃- فأمروه بذلك، قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة أن عروة بن الزبير أخبره أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nقال الحافظ في \"شرحه\" (٤): وقد حكى الأثرم عن أحمد أن حديث زيد بن خالد المذكور في هذا الباب معلول، لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وعنه جوابان: أحدهما: أنه منسوخ، والثاني: أنه في مباشرة غير الفرج، فلا يجب فيه الغسل إلَّا بالإنزال، وكتب والدي بين سطور الكتاب: الماء أعم من الحقيقي أو الحكمي، فجعل الإيلاج في حكم الإنزال. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: وكذلك داود الظاهري، وكان الصحابة يفعلون ذلك، ثم انعقد الإجماع على خلافه. (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٢٩٢).\n(٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٧).","vol":"2","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>(٨٦) بَابٌ: في الْجُنُبِ يَعُودُ</span>\n٢١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قال: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ\n===\nالفتوى بخلاف ما في هذا الحديث، وقد حكى يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني أنه شاذٌّ، والجواب عن ذلك أن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده وحفظ رواته، وأما كونهم أفتوا بخلافه فلا يقدح ذلك في صحته لاحتمال أنه ثبت عندهم ناسخه فذهبوا إليه، وكم من حديث منسوخ وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية.\nوقد ذهب الجمهور إلى أن ما دل عليه حديث الباب من الاكتفاء بالوضوء إذا لم ينزل المجامع منسوخ بما دلّ عليه حديثا أبي هريرة وعائشة المذكوران في الباب قبله، وروى ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس أنه حمل (١) حديث \"الماء من الماء\" على صورة مخصوصة، وهي ما يقع في المنام من رؤية الجماع، وهو تأويل (٢) يجمع بين الحديثين من غير تعارض، انتهى ملخصًا.\n\n(٨٦) (بَابٌ: في الْجُنُبِ يَعُودُ)\nإلى وطء امرأته، هل يجب (٣) عليه الغسل فيما بين الوطئات أولا؟\n٢١٨ - (حدثنا مسدد قال: ثنا إسماعيل) بن إبراهيم (قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس) بن مالك (أن رسول الله - ﷺ - طاف) أي دار (ذات يوم)\n_________\n(١) وعليه حمل النسائي. (ش).\n(٢) فالحاصل أن للرواية أجوبة، النسخ كما تقدم، أو الاحتلام كما هذا، أو المباشرة كما تقدم عن ابن رسلان، أو الماء أعم من الحقيقي والحكمي. (ش).\n(٣) والظاهر عندي غرض المصنف ترك الوضوء. (ش).","vol":"2","page":180},{"text":"عَلَى نِسَائِهِ في غُسْلٍ وَاحِدٍ\". [ن ٢٦٣، حم ٣/ ٩٩، ق ١/ ٢٠٤]\n===\nولفظة ذات مقحمة، والمراد باليوم الليل، لأنه يطلق لمطلق الوقت (على نسائه) (١) أي يجامعهن (في غسل واحد) (٢) بعد الفراغ يغتسل من جميعهن.\nقال القاري (٣): فإن قيل: أقل القسمة ليلة لكل امرأة فكيف طاف على الجميع في ليلة واحدة؟ فالجواب أن وجوب القسم عليه مختلف فيه، قال أبو سعيد: لم يكن التسوية واجبًا عليه بل كان يقسم بالتسوية تبرعًا وتكرمًا، والأكثرون على وجوبها، وكان طوافه - ﷺ - عليهن برضاهن.\nوقال الشوكاني (٤): قال ابن عبد البر: ومعنى الحديث أنه فعل ذلك عند قدومه من سفر ونحوه في وقت ليس لواحدة منهن يوم معين معلوم فجمعهن يومئذ، ثم دار بالقسم عليهن بعد، والله أعلم، لأنهن كن حرائر، وسنته - ﷺ - فيهن العدل بالقسم بينهن، وأن لا يمس الواحدة في يوم الأخرى.\nوقال ابن العربي (٥): إن الله أعطى نبيَّه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حق تكون مقتطفة له من زمانه يدخل فيها على جميع أزواجه أو بعضهن، وفي \"مسلم\": إن تلك الساعة كانت بعد العصر، فلو اشتغل عنها كانت بعد\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ٢٣١): إسناده صحيح لا غبار عليه، انتهى، قلت: وفي بعض طرق الحديث \"وهُنَّ تسع\"، ولا يصح اجتماع أكثر من تسع، وقد وهبت سودة يومها فتأمَّل، ولفظ البخاري: \"وهن إحدى عشرة\" أشكل من ذلك. (ش).\n(٢) قال النووي (٣/ ٢١٨): يحتمل أنه ﵊ توضأ بينهما، أو يكون المراد بهذا الحديث جواز ترك الوضوء. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٤٢).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٧).\n(٥) \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢٣١).","vol":"2","page":181},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَمَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِى الأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-.\n===\nالمغرب أو غيره، انتهى، وأما الطواف بغسل واحد فيحتمل أنه - ﷺ - توضأ فيما بينها، أو تركه لبيان الجواز، انتهى.\n(قال أبو داود (١): وهكذا رواه هشام بن زيد عن أنس، ومعمر) عطف على هشام (عن قتادة، عن أنس، وصالح بن أبي الأخضر) عطف على هشام، أي رواه صالح بن أبي الأخضر، (عن الزهري، كلهم) أي هشام وقتادة والزهري (عن أنس) أي ابن مالك الصحابي (عن النبي - ﷺ -).\nأما رواية هشام فأخرجها مسلم في \"صحيحه\" (٢)، والبيهقي في \"سننه\" (٣) بسنديهما عن شعبة عن هشام بن زيد، عن أنس \"أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغسل واحد\".\nوأما رواية معمر عن قتادة، عن أنس، ورواية صالح بن أبي الأخضر عن الزهري، عن أنس فأخرجهما ابن ماجه في \"سننه\" (٤)، ولفظ\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": ذكر المؤيدات لئلا يظن بالوهم عليه لغسله ﵊ عند هذه وهذه. (ش).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٣٠٩).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٤). قلت: ورواية هشام بن زيد عن أنس أخرجها أحمد (٣/ ٢٢٥)، والطحاوي (١/ ١٢٩)، وأبو عوانة (١/ ٢٨٠)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ٦٤) رقم (١١٠٩) أيضًا.\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (٥٨٨ - ٥٨٩). قلت: ورواية معمر عن قتادة عن أنس وصلها أحمد (٣/ ١٨٥)، والترمذي (١٤٠)، والنسائي (٢٦٤)، والطحاوي (١/ ١٢٩)، وابن خزيمة (٢٣٠)، وأبو يعلى (٢٩٤٢) أيضًا.","vol":"2","page":182},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nابن أبي الأخضر: قال: وضعت لرسول الله - ﷺ - غسلًا، فاغتسل من جميع نسائه في ليلة.\nوغرض المصنف من إيراد هذه التعاليق ترجيح رواية أنس في كونه في غسل واحد على رواية أبي رافع التي تأتي في الباب الآتي، فإن الحديثين في ظن أبي داود متعارضان، فقال عقب الحديث الثاني: وحديث أنس أصح من هذا.\nقال الشوكاني (١): وقال النسائي: ليس بين حديث أبي رافع وبين حديث أنس اختلاف، بل كان يفعل هذا مرة وذاك أخرى، وقال النووي (٢): هو محمول على أنه فعل الأمرين في وقتين مختلفين، انتهى.\nومما يجب التنبيه عليه أن قوله: \"كلهم عن أنس، عن النبي - ﷺ -\" لفظة \"عن\" الواقعة بين أنس والنبي - ﷺ - الظاهر أنه غلط من الناسخ، بل يجب أن يكون لفظة \"أن\" في موضع \"عن\"، ويدل عليه أن رواية هشام بن زيد عن أنس أخرجها مسلم بلفظ \"أن\"، وكذلك رواية معمر عن قتادة، عن أنس وفيها: \"أن النبي - ﷺ -\"، أخرجها ابن ماجه، فلفظة \"عن\" تدل على أن أنسًا يروي عن رسول الله - ﷺ - قوله، ولفظة \"أن\" تدل على أن أنسًا لا يروي هذا عن رسول الله - ﷺ -، بل هو أدركه أنه فعل - ﷺ -، كما يدل عليه رواية صالح بن أبي الأخضر، فأنه قال فيها: \"وضعت للنبي - ﷺ - غسلًا\" الحديث، فليس فيه \"عن\" ولا \"أن\".\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٨).\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢١٨).","vol":"2","page":183},{"text":"(٨٧) بَابُ الْوُضُوءِ لِمَنْ (١) أَرَادَ أَنْ يَعُودَ\n٢١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ عَمَّتِهِ سَلْمَى، عَنْ أَبِى رَافِعٍ\n===\n\n(٨٧) (بَابُ الْوُضُوءِ (٢) لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ)\n٢١٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد) بن سلمة (عن عبد الرحمن بن أبي رافع) ويقال: ابن فلان بن أبي رافع، شيخ لحماد بن سلمة، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال في \"التقريب\": مقبول من الرابعة.\n(عن عمته سلمى) (٣) أي عمة عبد الرحمن بن أبي رافع مقبولة من الثالثة، روت عن أبي رافع مولى النبي - ﷺ -، وعنها ابن أخيها عبد الرحمن بن أبي رافع وغيره، ويقال: ابن فلان بن أبي رافع، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: لا تعرف.\n(عن أبي رافع) القبطي مولى رسول الله - ﷺ -، اختلف في اسمه على أربعة أقوال، يقال: إنه كان للعباس فوهبه للنبي - ﷺ -، وأعتقه لما بشره بإسلام العباس، وكان إسلامه قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد أحدًا وما\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إذا\".\n(٢) قلت: ظاهر كلام الشامي (١/ ٣٥٢) أنه يجب غسل الذكر عند المعاودة، إذ قال: إن الوطء بالذكر النجس لا يجوز، وأنت خبير بأنه يتنجس في الوطء الأول. (ش).\n(٣) بالضم في كتاب أبي علي، والصواب الفتح كما في الخطيب، انتهى. \"ابن رسلان\". ثم لا يذهب عليك أنها ليست بزوجة أبي رافع، فما في هامش المجتبائية غلط، وليس الغلط من صاحب \"المؤتلف\" بل من المحشي، لأن زوجة أبي رافع امرأة أخرى، وكلتاهما من رواة أبي داود، وإنما هي أخت أبي رافع كما قاله الشيخ في \"الشرح\". (ش).","vol":"2","page":184},{"text":"\"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ: «هَذَا (١) أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ». [جه ٥٩٠، حم ٦/ ٨، ق ٢/ ٤٦٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ مِنْ (٢) هَذَا.\n===\nبعدها، مات بالمدينة بعد قتل عثمان، وقيل: في خلافة علي (٣).\n(أن النبي - ﷺ - طاف) أي دار (ذات يوم) أي يومًا، والمراد باليوم الليل كما في رواية أبي زكريا السيلحيني بلفظ \"في ليلة واحدة\" (على نسائه يغتسل) أي بعد الفراغ من جماعهن (عند هذه) أي الأولى (وعند هذه) أي الثانية وهلم جرًّا، (قال) أي أبو رافع: (فقلت له: يا رسول الله ألا) حرف التحضيض (تجعله (٤) غسلًا واحدًا) أي لو جعلته غسلًا واحدًا لجميع الجماعات في آخرها لكان أسهل (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (هذا) أي الغسل عند هذه وهذه (أزكى وأطيب وأطهر) (٥).\n(قال أبو داود: وحديث أنس أصح من هذا) وكان المؤلف يومئ إلى الاختلاف بين الحديثين، ولأجل رفع الاختلاف يرجح أحدهما على الآخر.\nقال الشوكاني (٦): قال الحافظ: وهذا الحديث طعن فيه أبو داود، فقال: حديث أنس أصح منه، انتهى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال: هكذا\".\n(٢) وفي نسخة: \"عن\".\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٤٤١) رقم (٥٨٧٥).\n(٤) مناسبة الحديث بالترجمة أن الوضوء داخل في الغسل. (ش).\n(٥) وقال ابن العربي (١/ ٢٣٢): لم أعلم أحدًا قال به، لأنه لا يصح. (ش).\n(٦) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٨).","vol":"2","page":185},{"text":"٢٢٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِى الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُعَاوِدَ\n_________\nو[هذا] ليس بطعن في الحقيقة، لأنه لم ينف عنه الصحة، قال النسائي: ليس بينه وبين حديث أنس اختلاف، بل كان يفعل هذا مرة وذاك أخرى.\n[و] قال النووي: هو محمول على أنه فعل الأمرين في وقتين مختلفين، والحديث يدل على استحباب الغسل قبل المعاودة، ولا خلاف فيه.\nقال الشوكاني: وقد ذهبت الظاهرية وابن حبيب إلى وجوب الوضوء على المعاود، وتمسكوا بحديث الباب، وذهب من عداهم إلى عدم الوجوب، وجعلوا ما ثبت في رواية الحاكم بلفظ: \"إنه أنشط للعود\" صارفًا للأمر إلى الندب، ويؤيد ذلك ما رواه الطحاوي من حديث عائشة قالت: \"كان النبي - ﷺ - يجامع ثم يعود ولا يتوضأ\"، ويؤيده أيضًا الحديث المتقدم بلفظ: \"إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة\"، انتهى.\n٢٢٠ - (حدثنا عمرو بن عون، أخبرنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل) الناجي، هذه النسبة إلى بني ناجية، وهو علي بن داود، ويقال: دُؤاد بضم أوله وفتح الهمزة، الساجي البصري، وثَّقه ابن معين، وأبو زرعة، وابن المديني، والنسائي، والعجلي، والبزار، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٠٨ هـ، وقيل: سنة ١٠٢ هـ.\n(عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - قال: إذا أتى) والإتيان كناية عن الجماع أي جامع (أحدكم أهله ثم بدا له) بلا همزة ناقص (أن يعاود)","vol":"2","page":186},{"text":"فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا». [م ٣٠٨، ت ١٤١، جه ٥٨٧، ن ٢٦٢، حم ٣/ ٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>(٨٨) بَابٌ: في الْجُنُبِ يَنَامُ</span>\n٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: \"ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ\n===\nأي ظهر له الرأي في المعاودة وأراد المعاودة (فليتوضأ (١) بينهما) أي بين الجماعين (وضوءًا) تأكيد للوضوء الذي تضمنه الفعل لدفع توهم كونه لغويًّا.\n\n(٨٨) (بَابٌ: في الْجُنُبِ يَنَامُ) (٢)\nأي: يريد النوم هل يتوضأ؟\n٢٢١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك) الإِمام، (عن عبد الله بن دينار) العدوي، أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، وثَّقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي والعجلي، وعن أحمد: ثقة مستقيم الحديث، وعنه: هو ثبت في نفسه، ولكن نافع أقوى منه، وقال ابن عيينة: لم يكن بذاك ثم صار، مات سنة ١٢٧ هـ.\n(عن عبد الله بن عمر (٣) أنه قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله - ﷺ - أنه)\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ٢٣٣): لم أعلم أحدًا قال به إلَّا أبا علي من أصحاب الشافعي، ورأى بعضهم أنه منسوخ أمر به إذ كان الجنب لا يذكر الله، ذهب إليه الطحاوي، إلى آخر ما قال. (ش).\n(٢) وجمع الترمذي هذا الباب، والباب الآتي في باب واحد، ذكره ابن العربي. (ش).\n(٣) ظاهره أنه من مسند ابن عمر، ورواية النسائي صريحة في أنه من مسند عمر، وجمع =","vol":"2","page":187},{"text":"تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ». [خ ٢٩٠، م ٣٠٦، ن ٢٦٠، ت ١٢٠، جه ٥٨٥، حم ٢/ ٦٤، دي ٧٥٦، ط ١٠٩، ق ١/ ٢٠٢]\n===\nأي ابن عمر كما صرح به الزرقاني (١) (تصيبه الجنابة من الليل) فهل يجوز له النوم قبل الاغتسال؟ (فقال له رسول الله - ﷺ -: توضأ واغسل ذكرك) أي ما أصاب ذكرك من النجاسة (ثم نم).\nوهذا الحديث متمسك من قال بوجوب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام قبل الاغتسال، وهم الظاهرية (٢) وابن حبيب من المالكية، وذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه، وتمسكوا بحديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء.\nواعترض الشوكاني على هذا الاستدلال بثلاثة أوجه، وأيضًا بحديث ابن عباس مرفوعًا: \"إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة\" (٣)، وبحديث ابن عمر: \"أنه سأل النبي - ﷺ - أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم ويتوضأ إن شاء\"، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\" (٤).\n_________\n= بأنه يحتمل أن ابن عمر حضر القصة، كذا في \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٤)، و\"عمدة القاري\" (٣/ ٧٧). (ش).\n(١) انظر: \"شرح الزرقاني\" (١/ ٩٧).\n(٢) ونقله ابن العربي عن مالك والشافعي، قلت: ذهب طائفة إلى أن الوضوء المأمور به هناك هو غسل الفرج واليدين، والمراد التنظيف، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٥٧٠).\n(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٦٠)، والترمذي (١٨٤٧)، والنسائي (١٣٢).\n(٤) \"صحيح ابن حبان\" (١٢١٦)، و\"صحيح ابن خزيمة\" (٢١١).","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>(٨٩) بَابُ الْجُنُبِ يَأْكُلُ</span>\n٢٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قال: \"إنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ\". [م ٣٠٥، ن ٢٥٦، جه ٥٨٤، حم ٦/ ٣٦]\n٢٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زَادَ:\n===\n\n(٨٩) (بَابُ الْجُنُبِ يَأكُلُ)\nأي يريد الأكل فهل يتوضأ؟\n٢٢٢ - (حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: ثنا سفيان) بن عيينة، (عن الزهري، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، (عن عائشة قالت: إن النبي - ﷺ - كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وضوءه (١) للصلاة).\nومناسبة الحديث بالباب باعتبار ما سيذكره في ما بعد من الجملة التي يذكر فيها زيادة على حديث سفيان بسنده عن يونس، عن الزهري تتمة لهذا الحديث.\n٢٢٣ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، قال: ثنا ابن المبارك) عبد الله (عن يونس) بن يزيد الأيلي، (عن الزهري بإسناده) أي بإسناد حديث سفيان (ومعناه) أي ومعنى حديث سفيان.\n(زاد) أي يونس على رواية سفيان قصة الأكل، واقتصر سفيان في\n_________\n(١) قال ابن رسلان: والجمهور على أن الوضوء في الأكل هو غسل اليد، وسيأتي من حديث علي في \"باب في الجنب يقرأ\" أكل اللحم محدثًا. (ش).","vol":"2","page":189},{"text":"«وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ يَدَيْهِ». [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، فَجَعَلَ قِصَّةَ الأَكْلِ قَوْلَ عَائِشَةَ مَقْصُورًا. وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَبِى الأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِىِّ،\n===\nحديثه على ذكر النوم، فقال يونس بعد ما ذكر قصة النوم، كما ذكره سفيان: (وإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه).\n(قال أبو داود: ورواه ابن وهب (١) عن يونس فجعل) أي ابن وهب (قصة الأكل قول عائشة مقصورًا) (٢) أي على عائشة.\nغرض المؤلف بهذا الكلام بيان الفرق بين رواية ابن المبارك عن يونس، وبين رواية ابن وهب عن يونس بأن ابن المبارك جعل في روايته قصة الأكل مرفوعة إلى رسول الله - ﷺ -، وخالفه ابن وهب فجعلها قول عائشة موقوفًا عليها ولم يرفعها (٣).\n(ورواه صالح بن أبي الأخضر) (٤) كما قال ابن المبارك، وهذا تأييد لرواية ابن المبارك بأن صالح بن أبي الأخضر رواها (عن الزهري) قصة\n_________\n(١) قلت: رواية ابن وهب أخرجها النسائي في \"الكبرى\" (٨٩٩٥) من طريق ابن وهب عن يونس والليث عن الزهري، وبهذا السند أخرجها الطحاوي (١/ ١٢٦)، والبيهقي (١/ ٢٠٠) والبغوي (٢/ ١٣٣) رقم (٢٦٥) مرفوعًا، وليس فيها قصة الأكل، وأما رواية وهب موقوفًا عن عائشة فيها قصة الأكل فلم نقف على من وصلها، وفي الظاهر لا تعارض بين هذه الروايتين، لأن البيهقي أخرج عن الليث عن الزهري وفيه قصة النوم مرفوعًا وقصة الأكل موقوفًا.\n(٢) وبسط في \"التقرير\" معناه. (ش).\n(٣) وأخرج البيهقي عن الليث بن سعد عن الزهري. (ش) [\"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٣)].\n(٤) قلت: رواية صالح بن أبي الأخضر وصلها النسائي في \"الكبرى\" (٨٩٩٧)، وأحمد في \"مسنده\" (٦/ ١٩٢) من طريق وكيع عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري.","vol":"2","page":190},{"text":"كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، إِلَاّ أَنَّهُ قَالَ: عَنْ عُرْوَةَ أَوْ أَبِى سَلَمَةَ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>(٩٠) بَابُ مَنْ قَالَ: الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ</span>\n٢٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ\n===\nالأكل مرفوعًا (كما قال ابن المبارك) عن يونس عن الزهري (إلَّا أنه) أي صالح بن أبي الأخضر (قال: عن عروة أو أبي سلمة) على الشك بينهما فخالف ابن المبارك، فإنه رواه عن أبي سلمة وحده من غير شك.\n(ورواه الأوزاعي، عن يونس، عن الزهري، عن النبي - ﷺ -، كما قال ابن المبارك) أي مرفوعًا. وهذا أيضًا تقوية لرواية ابن المبارك في كونها مرفوعة (١).\n\n(٩٠) (بَابُ مَنْ قَالَ: الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ)\nإذا أراد الأكل أو النوم (٢)\n٢٢٤ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) القطان، (ثنا شعبة عن الحكم) بن عتيبة، (عن إبراهيم) النخعي، (عن الأسود) بن يزيد، (عن عائشة\n_________\n(١) قلت: رواية الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا في ذكر النوم فقط أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٨٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٩٩٢)، والطحاوي في \"معاني الآثار\" (١/ ١٢٦) بإسقاط يونس، وأخرج ابن أبي شيبة قصة الأكل موقوفًا بإسقاط يونس (١/ ٦٢).\nأما رواية الأوزاعي عن يونس عن الزهري في قصة الأكل مرفوعًا فلم نقف على من وصلها.\n(٢) والأوجه عندي أن هذا الباب يتعلَّق بالأكل فقط. (ش).","vol":"2","page":191},{"text":"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ، تَعْنِى وَهُوَ جُنُبٌ\". [م ٣٠٥، ن ٢٥٥، دي ٢٠٧٨، حم ٦/ ١٢٦، خزيمة ٢١٥]\n===\nأن النبي - ﷺ - كان إذا أراد أن يأكل أو ينام) أي بعد ما أجنب (توضأ) ثم يأكل أو ينام (تعني) أي عائشة (وهو) أي رسول الله - ﷺ - (جنب) والظاهر أن هذا قول الأسود، غرضه بهذا أنها - ﵂ - لم تصرح في قولها، وهو جنب، ولكن مرادها أن رسول الله - ﷺ - كان يتوضأ إذا أراد أن يأكل أو ينام في حالة الجنابة، فالواو حالية.\nوقد اختلف الحديثان عن عائشة -﵂ - ففي الأول: وإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه، وفي الثاني: كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ.\nفإما أن يحمل الثاني على الأول يحمل الوضوء على المعنى اللغوي، قال علي القاري (١): قيل: المراد به في الأكل والشرب غسل اليدين، وعليه جمهور العلماء، لأنه جاء مفسرًا في خبر للنسائي، انتهى، ولكن يخالفه ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة.\nأو يحمل الحديثان على اختلاف الأحوال والأوقات، ففي بعضها يقتصر على غسل اليدين، وفي بعضها يتوضأ وضوءه للصلاة لتخفيف الحدث (٢) وزيادة التنظيف.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٤٣).\n(٢) قال ابن رسلان: الجمهور على أن المراد منه الشرعي، والحكمة فيه أنه يخفف الحدث سيما على القول بتفريق الغسل، ويؤيده رواية ابن أبي شيبة (٦٦٣) بلفظ: \"فليتوضأ فإنه نصف الغسل\"، [في \"عمدة القاري\" (٣/ ٨١): \"نصف غسل الجنابة\"، وفي \"المصنف\": \" نصف الجنابة\"]، وقيل: لأنها إحدى الطهارتين، وقد روي عنه أنه =","vol":"2","page":192},{"text":"٢٢٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قال: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ،\n===\n٢٢٥ - (حدثنا موسى - يعني ابن إسماعيل- قال: ثنا حماد) بن سلمة (قال: أنا عطاء الخراساني) هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني، أبو أيوب: وقيل: أبو عثمان، أو غير ذلك من الأقوال، البلخي، نزيل الشام، مولى المهلب بن أبي صفرة الأزدي، اسم أبيه عبد الله، ويقال: ميسرة، روى عن الصحابة مرسلًا، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والدارقطني إلَّا أنه قال: لم يلق ابن عباس، وقال أبو داود: لم يدرك ابن عباس ولم يره، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة صدوق، قلت: يُحتج به؟ قال: نعم.\nقال البخاري في تفسير سورة نوح بسنده عن ابن جريج قال: قال عطاء: عن ابن عباس صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب، الحديث بطوله، وقال في كتاب الطلاق بهذا الإسناد عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من رسول الله - ﷺ -، الحديث.\nقال علي بن المديني في \"العلل\": سمعت هشام بن يوسف قال: قال لي ابن جريج: سألت عطاء يعني ابن أبي رباح عن التفسير، فقال: اعفني من هذا، قال هشام: فكان بعد إذا قال: عطاء عن ابن عباس قال: الخراساني. قال هشام: فكتبنا حينًا ثم مَلِلنا، قال علي: وإنما كتبت هذه القصة؛ لأن محمد بن ثور كان يجعلها عطاء عن ابن عباس، فيظن من حملها عنه أنه ابن أبي رباح.\nوقال أبو مسعود في \"الأطراف\" عقيب الحديثين المتقدمين: هذان الحديثان ثبتا من تفسير ابن جريج عن عطاء الخراساني، وقال: ابن جريج\n_________\n= كان يتيمم يعني إذا لم يجد الماء، انتهى ملخصًا، وذكر ابن العربي (١/ ١٨٤) الوضوء عند الأكل مذهب الشافعي فقط. (ش).","vol":"2","page":193},{"text":"عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- رَخَّصَ\n===\nلم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، إنما أخذ الكتاب من ابنه عثمان ونظر فيه.\nقلت: أورد المؤلف من سياق هذا أن عطاء المذكور في الحديثين هو الخراساني، وأن الوهم تم على البخاري في تخريجهما، لأن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، فيكون الحديثان منقطعين في موضعين، والبخاري أخرجهما لظنه أنه ابن أبي رباح، وليس ذلك بقاطع في أن البخاري أخرج لعطاء الخراساني، بل هو أمر مظنون، ثم إنه ما المانع أن يكون ابن جريج سمع هذين الحديثين من عطاء بن أبي رباح خاصة في موضع آخر غير التفسير دون ما عداهما من التفسير، فإن ثبوتهما في تفسير عطاء الخراساني لا يمنع أن يكونا عند عطاء بن أبي رباح أيضًا، ولا ينبغي الحكم على البخاري بالوهم بمجرد هذا الاحتمال، لا سيما قد ذكر البخاري عطاء الخراساني في \"الضعفاء\"، وذكر حديثه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - \"الحديث\"، وقال: لا يتابع عليه، ثم ساق بإسناد له عن سعيد بن المسيب أنه قال: كذب عَلىَّ عطاء ما حدثته هكذا.\nوقال الحافظ في \"مقدمة البخاري\" (١) بعد نقل هذا الجواب: فهذا جواب إقناعي، وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السديد، ولا بد للجواد من كبوة، والله المستعان، انتهى، وقال ابن حبان: كان رديئي الحفظ، يخطئ ولا يعلم، وقال ابن سعد: كان ثقة، روى عنه مالك، مات سنة ١٣٥ هـ.\n(عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر (٢) أن النبي - ﷺ - رخص\n_________\n(١) \"هدي الساري\" (ص ٣٧٥ - ٣٧٦).\n(٢) قال ابن العربي (١/ ١٨٤): (الحديث) ضعيف مقطوع. (ش).","vol":"2","page":194},{"text":"لِلْجُنُبِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ\". [ت ٦١٣، حم ٤/ ٣٢٠، ق ١/ ٢٠٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَيْنَ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِى هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ\n===\nللجنب إذا أكل أو شرب أو نام) أي إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام (أن يتوضأ) فيفعل هذه الأفعال بعد الوضوء.\n(قال أبو داود: بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر في هذا الحديث (١) رجل).\nقال الحافظ في \"التهذيب\": قال الدارقطني: لم يلق عمارًا إلَّا أنه صحيح الحديث عمن لقيه، انتهى، فقول الدارقطني هذا يدل على أن في جميع أحاديثه عن عمار بينه وبينه رجل، فقول أبي داود- في هذا الحديث - ليس قيدًا للاحتراز، بل هو اتفاقي.\nوهذا الحديث أخرجه الإِمام أحمد (٢) بسنده من طريق حماد بن سلمة قال: أخبرنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر أن عمارًا قال: قدمت على أهلي ليلًا، وقد تشققت يداي، الحديث بطوله، وفي آخره: ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ، انتهى.\nقلت: ولم أعرف اسم هذا الرجل الذي بين يحيى وعمار بن ياسر، ولم أجده في شيء من الروايات، وأخرج البيهقي في \"سننه\" (٣) برواية ابن داسة عن أبي داود ولم يذكر اسم هذا الرجل.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وأخرج الحديث الترمذي (٦١٣) عن يحيى بن يعمر عن عمار وقال فيه: \"وضوءه للصلاة\"، وقال: حسن صحيح، انتهى. (ش).\n(٢) \"مسندأحمد\" (٤/ ٣٢٠).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٣).","vol":"2","page":195},{"text":"وَقَالَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: \"الْجُنُبُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ تَوَضَّأَ\".\n===\n(وقال علي بن أبي طالب وابن عمر وعبد الله بن عمرو: الجنب إذا أراد أن يأكل توضأ) (١)، ولم نجد هذه الأقوال المعلقة موصولة (٢)، وهذا الحكم عند الجمهور محمول على الاستحباب.\nقال محمد بن الحسن (٣): وإن لم يتوضأ ولم يغسل ذكره حتى ينام، فلا بأس بذلك أيضًا، أخبرنا أبو حنيفة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة كان رسول الله - ﷺ - يصيب من أهله ثم ينام ولا يمس ماءً، فإن استيقظ من آخر الليل عاد واغتسل، قال محمد: هذا الحديث أرفق بالناس، وهو قول أبي حنيفة.\nقلت: قد تكلم في هذا الحديث، قال أحمد: ليس بصحيح، وقال أبو داود: هو وهم، وقال يزيد بن هارون: هو خطأ، وقال مُهَنَّأ عن أحمد بن صالح: لا يحل أن يروى هذا الحديث، وفي \"علل\" الأثرم: لو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلَّا إبراهيم وحده لكفى، قال ابن مفوز: أجمع المحدثون أنه خطأ من أبي إسحاق، قال الحافظ: وتساهل في نقل الإجماع، وقد صححه البيهقي، وقال: إن أبا إسحاق قد بَيّن سماعه من الأسود في رواية زهير عنه.\n_________\n(١) والجمع بينه وبين قوله: \"لم يمس ماء\" ذكره ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٦٣). (ش).\n(٢) قلت: أثر علي - ﵁ - أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢٨٠) رقم (١٠٧٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٠٢٣) من طرق.\nوأثر ابن عمر - ﵄- أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢٨٠) رقم (١٠٨٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٠٢١) من طرق.\nوأثر عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄- أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٩٢) رقم (٦٠٩)، وأورده البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٣٩).\n(٣) انظر: \"موطأ محمد مع التعليق الممجد\" (١/ ٢٩١).","vol":"2","page":196},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الترمذي: وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبةُ والثوريُّ وغيرُ واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق.\nقال ابن العربي (١) في \"شرح الترمذي\" (٢): تفسير غلط أبي إسحاق هو أن هذا الحديث [الذي]، رواه أبو إسحاق مختصرًا اقتطعه من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه، ونص الحديث الطويل ما رواه أبو غسان قال: أتيت الأسود بن يزيد، وكان لي أخًا وصديقًا، فقلت: يا أبا عمر حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين عن صلاة رسول الله - ﷺ -، فقال: قالت: كان ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول وثب، وربما قالت: قام فأفاض عليه الماء، وما قالت: اغتسل وأنا أعلم ما تريد، وإن نام جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة.\nفهذا الحديث الطويل فيه \"وإن نام وهو جنب توضأ وضوء الرجل للصلاة\"، فهذا يدلك على أن قوله: \"ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماءً\"، يحتمل أحد وجهين، إما أن يريد حاجة الإنسان من البول والغائط، فيقضيهما ثم يستنجي ولا يمس ماء وينام، فإن وطئ توضأ، كما في آخر الحديث، ويحتمل أن يريد بالحاجة الوطء، وبقوله: \"ثم ينام ولا يمس ماء\"، يعني ماء الاغتسال (٣)، ومتى لم يحمل الحديث على أحد هذين الوجهين تناقض أوله وآخره، فتوهم أبو إسحاق\n_________\n(١) ذكره ابن العربي وذكر الحديث الطويل وعنه نقله الشوكاني. (ش) [انظر: \"نيل الأوطار (١/ ٢٨١)].\n(٢) \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٨١).\n(٣) ويؤيد هذا التأويل لفظ أحمد بلفظ: \"حتى يتوضأ ولا يمس ماء\"، فنفى مس الماء مع إثبات الوضوء. (ش).","vol":"2","page":197},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأن الحاجة حاجة الوطء، فنقل الحديث على معنى ما فهمه، هذا ما قاله الشوكاني.\nوأما البيهقي (١) فأخرج هذا الحديث حديث أبي إسحاق بسنده من طريق زهير عن أبي إسحاق قال: سألت الأسود بن يزيد، وكان لي جارًا وصديقًا عما حدثته عائشة عن صلاة رسول الله - ﷺ -، قالت: كان ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له إلى أهله حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماءً، فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب، فلا والله ما قالت: قام وأخذ (٢) الماء، ولا والله ما قالت: اغتسل وأنا أعلم ما تريد، وإن لم يكن له حاجة توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلَّى الركعتين.\nثم قال البيهقي: أخرجه مسلم في \"الصحيح\" عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس دون قوله: \"قبل أن يمس ماء\"، وذلك لأن الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة، وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلس فرواها من تدليساته (٣)، واحتجوا على ذلك برواية إبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود، بخلاف رواية أبي إسحاق.\nأما حديث إبراهيم فأخرجه البيهقي (٤) بسنده عن الحكم عن إبراهيم\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٢).\n(٢) وهكذا في المنقول عنه، والظاهر أفاض، انتهى. (ش).\n(٣) قلت: لكنه يؤيد بروايات أخر، فقد روى الطبراني عن عائشة: \"كان ﵊ إذا جامع بعض نسائه فكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط\"، وروى البيهقي عنها: \"كان إذا أجنب وأراد أن ينام توضأ أو تيمم\"، وإسناده حسن، قاله ابن رسلان، وقال: استدل على عدم وجوب الوضوء لقوله - ﷺ - في حديث ابن عباس: \"إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة\"، انتهى، وهذا أيضًا يؤيد: لم يمس ماءً. (ش).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٢).","vol":"2","page":198},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن الأسود عن عائشة أنها قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا كان جنبًا فأراد أن ينام أو يأكل توضأ\"، أخرجه مسلم من أوجه عن شعبة.\nوأما حديث عبد الرحمن فذكره بسنده عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: \"سألت عائشة كيف كان وضوء النبي - ﷺ - إذا أراد أن ينام وهو جنب؟، فقالت: كانَ يتوضأ وضوءًا للصلاة ثم ينام\".\nقال الشيخ: وحديث أبي إسحاق السبيعي صحيح من جهة الرواية، وذلك أن أبا إسحاق بين فيه سماعه من الأسود في رواية زهير بن معاوية عنه، والمدلس إذا بيَّن سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لرده.\nووجه الجمع بين الروايتين على وجه الجمع، وذلك فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سألت أبا الوليد الفقيه، فقلت: أيها الأستاذ قد صح عندنا حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء\"، وكذلك صح حديث نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر: \"أن عمر قال: يا رسول الله، أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ\"، فقال لي أبو الوليد: سألت أبا العباس بن شريح عن الحديثين، فقال: الحكم بهما جميعًا، أما حديث عائشة فإنما أرادت أن النبي - ﷺ - كان لا يمس ماءً للغسل، وأما حديث عمر فمفسر ذكر فيه الوضوء، وبه نأخذ، انتهى.\nقلت: حصل بما ساق البيهقي من الرواية من طريق زهير عن أبي إسحاق، وبقوله بعد سوقها فوائد؛ أولاها: أن هذا السياق يخالف سياق أبي غسان الذي نقله الشوكاني في \"النيل\" (١) عنه، فلفظ سياق\n_________\n(١) تبعًا لابن العربي. (ش).","vol":"2","page":199},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبي غسان: \"ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء\"، فلفظ الحاجة في هذا السياق يحتمل أن يحمل على الوطء أو على الحدث، ولفظ سياق البيهقي: \"ثم إن كانت له إلى أهله حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء\"، هذا السياق صريح في أن المراد من الحاجة الوطء، لا حاجة الإنسان من البول والغائط، لأن لفظ \"إلى أهله\" يأبى عنها كل الإباء، فيرد المحتمل إلى المتيقن.\nوأيضًا في سياق أبي غسان في آخره، كما نقله الشوكاني: \"وإن نام (١) جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة\"، وليس هذا في سياق البيهقي، بل في سياق البيهقي: \"وإن لم يكن (٢) له حاجة توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلَّى الركعتين\"، فهذا يدلك على أن ما قال الشوكاني وغيره من أن المراد من الحاجة حاجة الإنسان من البول والغائط، فيقضيهما ثم يستنجي ولا يمس ماء وينام، فإن وطئ توضأ، فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة حاجة الوطء، فنقل الحديث على معنى ما فهمه، قد بطل وطاح وسقط وزاح وثبت بأن الحديث لا تناقض في أوله وآخره، وأن معنى الحديث لا مرية فيه.\nوالفائدة الثانية: أن الحفاظ الذين طعنوا في هذه اللفظة: قبل أن يمس ماء، طعنوا فيها توهمًا من غير أن يستند طعنهم إلى دليل، لأن هذا الطعن غير مستند إلى حفظهم، بل هو مستند إلى رأيهم المحض من غير قاطع، ورأيهم ليس بحجة، سواء كان توهمهم ورأيهم في معنى الحديث أو في سنده، أما الذي في معنى الحديث فقد ذكرناه قبل بأنهم ظنوا أن\n_________\n(١) هكذا لفظ الطحاوي (١/ ١٢٥). (ش).\n(٢) هكذا لفظ \"مسلم\" (٧٣٩) بلفظ: \"وإن لم يكن جنبًا\"، والبيهقي (١/ ٢٠١)، والطيالسي (١٣٨٦)، وهو أوضح، وفي \"مسند أحمد\" (٦/ ١٠٢) بطريقين. (ش).","vol":"2","page":200},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبا إسحاق غلط فيه بأنه فهم من لفظ الحاجة حاجة الوطء، وإنما كان المراد حاجة الحدث، وقد بينا أن هذا ليس غلطأ من أبي إسحاق، بل هذا غلط من الذين توهموا الغلط من أبي إسحاق، وما أصدق قول القائل:\nوكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم\nوأما طعنهم في السند فقال البيهقي: إن الحفاظ توهموها مأخوذة عن غير الأسود، وإن أبا إسحاق ربما دلس فرواها من تدليساته، واحتجوا على ذلك برواية (١) إبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود.\nفأجاب عن هذا التوهم البيهقي بأن حديث أبي إسحاق السبيعي صحيح من جهة الرواية، وذلك أن أبا إسحاق بَيَّن فيه سماعه من الأسود في رواية زهير بن معاوية عنه، والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة، فلا وجه لرده.\nوشهد البيهقي على كون رواية أبي إسحاق صحيحة، وأن ليس فيها شائبة التدليس، ثم قوى صحته فيما ذكره من وجه الجمع بين الروايتين، فقال فيه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سألت أبا الوليد الفقيه، فقلت: أيها الأستاذ قد صح عندنا حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، فهذا القول يرشدك إلى أن هذا الحديث صحيح عند أبي عبد الله الحافظ وأبي الوليد الفقيه أيضًا، كما ثبت صحته عند البيهقي.\nوكذلك يرشدك ما أجاب به أبو الوليد، فقال: سألت أبا العباس بن شريح عن الحديثين، فقال: الحكم بهما جميعًا، فقد شهد أبو العباس بن شريح بصحة رواية أبي إسحاق المذكورة، فقد ثبت بهذا أن كثيرًا من\n_________\n(١) في الأصل: \"بمخالفة\" وهو تحريف، والصواب \"برواية\" كما أثبتناه من \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٢).","vol":"2","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>(٩١) بَابٌ: في الْجُنُبِ يؤَخِّرُ الغُسْلَ</span>\n٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. (ح): وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ،\n===\nالمحدثين حكموا بصحته، فمن قال منهم: إن المحدثين أجمعوا على أنه خطأ من أبي إسحاق خطأ صريح وغير مطابق للواقع.\nوأما الجواب عن المعارضة بين الحديثين، فقال النووي (١): أحدهما: جواب الإمامين الجليلين أبي العباس بن شريح وأبي بكر البيهقي أن المراد لا يَمسُّ ماء للغسل، والثاني، وهو عندي حسن: أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلًا لبيان الجواز، إذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه، انتهى.\n\n(٩١) (بَابٌ: فِي الجُنُبِ (٢) يُوَخِّرُ الغُسْلَ)\n٢٢٦ - (حدثنا مسدد قال: ثنا المعتمر) بن سليمان، (ح: وثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم) هو ابن عُلَيَّة (قالا: ثنا برد بن سنان) بكسر مهملة وخفة نون أولى، الشامي، أبو العلاء الدمشقي، مولى قريش، سكن البصرة، ذكره النسائي في الطبقة السادسة، من أصحاب نافع، هرب من الشام من أجل قتل ابن وليد بن يزيد، فلأجل ذلك سمع منه أهل البصرة، وثَّقه ابن معين ودحيم والنسائي وابن خراش، وقال أحمد: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا قدريًا، وقال الدارمي عن علي بن المديني: برد بن سنان ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢١٨).\n(٢) لم يذكر المصنف فيه حكمه، إما كفاية لما يظهر من الرواية إذ أشار فيها إلى ترجيح الجواز، أو يحتمل أنه لم يجزم لما ذكر فيه الروايتين المختلفتين، فتأمَّل. (ش).","vol":"2","page":202},{"text":"عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَىٍّ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: \"قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِى أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ (١) فِى آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِى\n===\nوقال أبو داود: كان يرى القدر، وقال أبو حاتم أيضًا: ليس بالمتين، وقال مرة: كان صدوقًا في الحديث.\n(عن عبادة بن نسي، عن غضيف) بالغين والضاد المعجمتين مصغرًا، ويقال بالطاء المهملة (ابن الحارث) بن زنيم السكوني الكندي، ويقال: الثمالي، أبو أسماء الحمصي، مختلف في صحبته، ومنهم من فرق بين غضيف بن الحارث فأثبت صحبته، وغطيف بن الحارث، فقال: إنه تابعي، وهو أشبه، قال ابن أبي حاتم: قال أبي وأبو زرعة: غضيف بن الحارث له صحبة، وكذا ذكر السكونىَّ في الصحابة البخاريُّ وابنُ أبي حاتم والترمذيُّ وخليفةُ وابنُ أبي خيثمة والطبرانيُّ وآخرون، ومن قال: إن اسمه حارث بن غضيف فقد وهم، والصحيح أنه بقي إلى زمن عبد الملك بن مروان، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام: غضيف بن الحارث الكندي كان ثقة، وقال العجلي: غضيف بن الحارث تابعي شامي ثقة، وقال الدارقطني: ثقة من أهل الشام، فذكره جماعة في التابعين.\n(قال: قلت لعائشة: أرأيت) أي: أخبريني (رسول الله - ﷺ - كان يغتسل) بتقدير حرف الاستفهام أي هل كان يغتسل (من الجنابة في أول الليل) أي على الفور بعد الفراغ من الجنابة (أوفي آخره؟) أي يغتسل في آخر الليل، أي يؤخر الغسل إلى آخر الليل.\n(قالت) أي عائشة: كانت له تاراتٌ وحالاتٌ مختلفة (ربما اغتسل في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أم\".","vol":"2","page":203},{"text":"أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِى آخِرِهِ. قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ! ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى جَعَلَ فِى الأَمْرِ سَعَةً.\nقُلْتُ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ (١) يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَمْ فِى آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أَوْتَرَ فِى أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِى آخِرِهِ.\nقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ! ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى جَعَلَ فِى الأَمْرِ سَعَةً.\nقُلْتُ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ أَمْ يَخافِتُ (٢) بِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ (٣) بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ\n===\nأول الليل) وهذا أقوى وأقرب إلى التنظيف (وربما اغتسل في آخره) تيسيرًا على الأمة ولبيان الجواز (قلت: الله أكبر) استعظامًا لشفقته على الأمة (الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) كدَعَةٍ وزِنَةٍ.\n(قلت: أرأيت) بكسر التاء، أي: أخبريني (رسول الله - ﷺ - كان يوتر) بتقدير الاستفهام (أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما (٤) أوتر) أي صلَّى الوتر (في أول الليل) تيسيرًا، (وربما أوتر في آخره: قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. قلت: أرأيت رسول الله - ﷺ - كان يجهر بالقرآن) أي في صلاة الليل (أو يخافت به؟ قالت: ربما جهر به، وربما خفت.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أكان\".\n(٢) وفي نسخة: \"أم يخفت\".\n(٣) وفي نسخة: \"يجهر\".\n(٤) يشكل عليه ما في \"مسلم\" (٧٤٥) عنها: \"من كل الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ - ... فانتهى وتره إلى السحر\"، الحديث، فإنها جعلت وتر آخر الليل آخر فعله، وروى ابن رسلان عن الطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٢٤٤) عن عقبة بن عامر وأبي موسى أنه - ﷺ - قد يوتر أول الليل ليكون سعة على المسلمين، انتهى، فالظاهر أن مراد عائشة هي هذه، فعلى هذا معنى رواية أبى داود أنه - ﷺ - مع أن أكثر حاله الوتر في السحر قد يوتر أول الليل توسعة، ويحتمل توجيه رواية مسلم أنه - ﷺ - كان ينتهي وتره إلى السحر ولا يتجاوزه. (ش).","vol":"2","page":204},{"text":"قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ! ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى جَعَلَ فِى الأَمْرِ سَعَةً\". [ن ٢٢٣، جه ١٣٥٤، حم ٦/ ٤٧]\n٢٢٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَىٍّ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\nقلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة).\n٢٢٧ - (حدثنا حفص بن عمر قال: ثنا شعبة) بن الحجاج (عن علي بن مدرك) النخعي الوَهْبِيْلي، قال في \"القاموس\": وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع أبو بطن، منهم علي بن مدرك الوَهْبِيْلي المحدث، انتهى، وهكذا في \"الأنساب\" للسمعاني (١): أبو مدرك الكوفي، وثَّقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٢٠ هـ.\n(عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن نجي) بضم النون مصغرًا، ابن سلمة الكوفي الحضرمي، أبو لقمان، قال البخاري وأبو أحمد بن عدي: فيه نظر، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطني: ليس بقوي في الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الشافعي في مناظرته مع محمد بن الحسن في الشاهد واليمين: عبد الله بن نجي مجهول.\n(عن أبيه) هو نجي بضم النون وفتح الجيم وتشديد التحتانية مصغرًا، الحضرمي الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد، كان على مطهرة علي.\n_________\n(١) (٤/ ٤٩٥).","vol":"2","page":205},{"text":"عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ». [ن ٢٦١، ق ١/ ٢٠١]\n===\n(عن علي) بن أبي طالب (عن النبي - ﷺ - قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب (١) ولا جنب) قال الخطابي (٢): يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الملائكة الذين هم الحفظة، فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب، وقيل (٣): إنه لم يرد بالجنب ههنا من أصابته جنابة، فأخر الاغتسال إلى أوان حضور الصلاة، ولكنه الذي يجنب فلا يغتسل ويتهاون به، ويتخذه عادة، فإن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه في غسل واحد، وقالت عائشة -﵂ -: كان رسول الله - ﷺ - ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء.\nوأما الكلب فهو أن يقتني كلبًا ليس لزرع أو ضرع أو صيد، فأما إذا كان للحاجة إليه في بعض هذه الأمور، أو لحراسة داره إذا اضطر إليه، فلا حرج عليه إن شاء الله.\nوأما الصورة فهي كل صورة (٤) من ذوات الأرواح، سواء كانت لها أشخاص، أو كانت منقوشة في سقف أو جدار، أو مصنوعة في نمط، أو منسوجة في ثوب، أو ما كان، فإن قضية العموم تأتي عليه، فليجتنب، وبالله التوفيق.\n_________\n(١) قيل: أي غير مأذون، قال القرطبي والنووي (٧/ ٣٤٣): الأظهر العموم، لأنه - ﷺ - لم يعلم بالجرو، لكن جبرائيل ما دخل، فعلم أن العذر أيضًا يمنع دخولهم، بسطه ابن رسلان، حتى قال النووي: إن الصور على النقود أيضًا يمنع خلافًا لعياض كما سيأتي، ومال الرملي إلى العموم كما في \"شرح الإقناع\". (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١١٨).\n(٣) وقيل: أراد به المشرك الذي تستمر جنابته. (ش).\n(٤) وفي \"الدر المختار\" (١/ ٦٤٩): اختلف المحدثون في امتناع الملائكة بما على النقدين، نفاه عياض وأثبته النووي. (ش).","vol":"2","page":206},{"text":"٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قال: أَخْبَرَنَا (١) سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً\". [ت ١١٨ - ١١٩، جه ٥٨٣، حم ٦/ ٤٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْوَاسِطِىُّ\n===\n٢٢٨ - (حدثنا (٢) محمد بن كثير قال: أنا سفيان) الثوري، (عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن الأسود) بن يزيد النخعي (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - ينام وهو جنب من غير أن يمس (٣) ماء) أي لا يغتسل ولا يتوضأ ولا يغسل ذكره.\n(قال أبو داود: ثنا الحسن بن علي الواسطي) هو حسن بن علي بن راشد الواسطي، نزيل البصرة، قال أسلم: الواسطي ثقة، قال ابن عدي عن عبدان: نظر عباس العنبري في جزء لي فيه عن الحسن بن علي بن راشد، فقال: اتقه، قال ابن عدي: لم أو بأحاديثه بأسًا إذا حدث عنه ثقة، ولم أسمع أحدًا قال فيه شيئًا فنسبه إلى ضعف غير عباس، وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: ثقة، واتهمه ابن عدي بسرقة الحديث، لكن كلامه يقتضي أن الذنب في ذلك للراوي عنه الحسن بن علي العدوي، وقال ابن حبان: مستقيم الحديث جدًا، مات سنة ٢٣٧ هـ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نا\".\n(٢) وفي \"التقرير\": لما لم يكن عدم دخول الملائكة مطلقًا بل مقيدًا بما إذا حان وقت الصلاة ولم يغتسل، أو خرج وقت الصلاة وهو جنب، ذكر هذا الحديث يستدل به على التقييد. (ش).\n(٣) واعترض الشوكاني على الاستدلال بذاك الحديث على عدم الوضوء بثلائة وجوه، الأول: ضعفه، والثاني: أنه يحتمل أن يكون المراد وضوء الغسل، والثالث: أنه فعل لا يقابل القول بنا ... إلخ. (ش) [انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٧٨)].","vol":"2","page":207},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ: هَذَا الْحَدِيثُ وَهَمٌ، يَعْنِى حَدِيثَ أَبِى إِسْحَاقَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>(٩٢) بابٌ: فِى الْجُنُبِ يَقْرَأُ</span>. (١)\n٢٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ\n===\n(قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث (٢) وهم) وقد مر بحثه قريبًا (يعني حديث (٣) أبي إسحاق).\n\n(٩٢) (بَابٌ: في الجُنُبِ (٤) يَقْرأُ)\n٢٢٩ - (حدثنا حفص بن عمر قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة) ابن عبد الله بن طارق الجملي بفتح الجيم والميم، أبو عبد الله الكوفي الأعمى، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم، وكان يرى الإرجاء، ويثني عليه الأعمش، وقال شعبة: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلَّا يدلس، إلَّا ابن عون وعمرو بن مرة، وثَّقه ابن نمير ويعقوب ابن سفيان، وقال ابن عيينة عن مسعر: كان عمرو من معادن الصدق، مات سنة ١١٨ هـ.\n(عن عبد الله بن سلمة) بكسر اللام، المرادي الكوفي، وخلطه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يقرأ القرآن\".\n(٢) كذا قال الترمذي (١/ ٢٠٣): إن الحديث غلط من أبي إسحاق. (ش).\n(٣) وذكره ابن العربي (١/ ١٨٢)، وذكر الحديث الطويل، وعنه نقله الشوكاني. (ش).\n(٤) والعجب من المصنف لم يذكر الحائض تقرأ، وللمالكية فيه روايتان: أصحهما جواز القراءة لها مطلقًا، كذا في \"العارضة\" (١/ ٢١٣)، وبَوَّب الترمذي: الحائض والجنب لا يقرءان القرآن. (ش).","vol":"2","page":208},{"text":"قَالَ: \"دَخَلْتُ عَلَى عَلِىٍّ - ﵁ - أَنَا وَرَجُلَانِ، رَجُلٌ مِنَّا وَرَجُلٌ مِنْ بَنِى أَسَدٍ أَحْسِبُ؛ فَبَعَثَهُمَا عَلِىٌّ - ﵁ - وَجْهًا وَقَالَ: إِنَّكُمَا عِلْجَانِ فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْمَخْرَجَ ثُمَّ خَرَجَ فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَةً فَتَمَسَّحَ بِهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ،\n===\nبعضهم بعبد الله بن سلمة الهمداني، وجعلهما واحدًا، وهذا وهم، وقد وقع الخطأ فيه لبعض المحدثين، قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق تغير حفظه، من الثانية.\n(قال: دخلت على علي أنا ورجلان، رجل منا) أي من بني مراد (ورجل من بني أسد أحسب) وفي رواية البيهقي: \"ورجل أحسب\" من بني أسد\"، بتقديم لفظ أحسب، غرض المصنف بزيادة لفظ \"أحسب\" إشارة إلى أن لفظ \"من بني أسد\" ليس على اليقين، بل هو على غلبة الظن.\n(فبعثهما) أي الرجلين (علي) أي ابن أبي طالب (وجهًا) (١) أي جهة وجانبًا (وقال: إنكما علجان) والعلج بكسر العين وسكون اللام: القوي الضخم، أي إنكما قويان (فعالجا عن دينكما) أي مارسا العمل الذي ندبتكما إليه واعملا به.\n(ثم قام) أي علي (فدخل المخرج) أي الخلاء (ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسح بها) أي غسل بها، ولعله غسل الوجه والكفين (ثم جعل يقرأ القرآن فأنكروا ذلك) أي قراءة القرآن من غير وضوء، ولحتمل أن يكون من باب الإفعال.\n(فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن،\n_________\n(١) قيل: الوجه ما يتوجه إليه الإنسان من عمل وغيره. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":209},{"text":"وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ - أَوْ قَالَ: يَحْجُزُهُ - عَنِ الْقُرْآنِ شَىْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ\". [ت ١٤٦، ن ٢٦٦، ٢٦٧، جه ٥٩٤، حم ١/ ٨٤، ق ١/ ٨٨، ك ٤/ ١٠٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>(٩٣) بَابٌ: في الْجُنُبِ يُصَافِحُ</span>\n٢٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا، يَحْيَى عَنْ مِسْعَرٍ،\n===\nويأكل معنا اللحم) (١) أي على غير وضوء (ولم يكن يحجبه- أو قال: يحجزه- عن القرآن) أي يمنعه عن قراءته (شيء) أي حدث (ليس الجنابة) (٢) أي غير الجنابة.\nوالحديث يدل على جواز قراءة القرآن للمحدث، وأما الجنب فالحديث يدل على أنه لا يقرأ القرآن، وفيه شيء من الاختلاف (٣) بين الفقهاء، والأكثرون على عدم الجواز، ومحل تفصيله كتب الفقه.\n\n(٩٣) (بَابٌ: في الْجُنُبِ يُصَافِحُ)، أي: يجوز ذلك\n٢٣٠ - (حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى) القطان، (عن مسعر،\n_________\n(١) فيه جواز أكل المحدث وشربه بلا خلاف سواء كان المأكول اللحم أو غيره. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) بسط ابن رسلان الكلام على تصحيحه وتضعيفه، وقال: قال الترمذي (١/ ٢٧٤): حسن صحيح، قال النووي: خالف الترمذي الأكثرون فضعفوه ... إلخ، وصححه في \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢١٢). (ش).\n(٣) قال الشعراني (١/ ١٥٦): حرم الشافعي وأحمد مطلقًا، وأبو حنيفة حرم آية تامة، وأباح مالك الآية والآيتين، وداود كله، وفي \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢١٢): لا يقرأ الجنب، وقال بعض المبتدعة: يقرأ، وهل يجوز للصبي الجنب أيضًا؟ بسطه في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٦٤)، وذكر صاحب \"الهداية\" في أحكام الحيض أن إباحة آية مذهبُ الطحاوي، وأجاد الشيخ في \"الكوكب\" الكلام عليه، (ش). [انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ١٧٠)].","vol":"2","page":210},{"text":"عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَقِيَهُ فَأَهْوَى إِلَيْهِ،\n===\nعن واصل) بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي، بياع السابري، وثَّقه ابن معين وأبو داود والنسائي والعجلي ويعقوب بن سفيان وأبو بكر البزار، وأيضًا قال ابن معين: ثبت، وقال أبو حاتم: صدوق، صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٢٠ هـ، وقيل سنة ١٢٩ هـ.\n(عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة، (عن حذيفة) بن اليمان (أن النبي - ﷺ - لقيه) أي حذيفة، وحذيفة جنب (فأهوى إليه) أي مال إليه وتوجه.\nوقد أخرجه مسلم ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - لقيه، فحاد عنه، فاغتسل، ثم جاء فقال: كنت جنبًا فقال: \"إن المسلم لا ينجس\".\nوأخرجه النسائي أيضًا مطولًا عن حذيفة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له، قال: فرأيته يومًا بكرة، فحدت عنه، ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال: \"إني رأيتك فحدت عني\"، فقلت: إني كنت جنبًا فخشيت أن تمسني، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن المسلم لا ينجس\".\nظاهر سياق أبي داود يدل على أن كلام حذيفة مع رسول الله - ﷺ - وقع حين لقي حذيفة معه - ﷺ -، وسياق مسلم والنسائي يدل على أنه وقع بعد ما رجع بعد الفراغ من الغسل، فيمكن أن يقال: إن في سياق أبي داود وقع الاختصار من الراوي، فحين توجه رسول الله - ﷺ - إليه حاد عنه بلا كلام، ثم جاء فقال: إني كنت جنبًا، فعبر عنه الراوي بقوله: \"إني جنب\"، وحملُ الاختلاف على اختلاف الواقعة بعيد.","vol":"2","page":211},{"text":"فَقَالَ: إِنِّى جُنُبٌ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ ليس بنَجُسٍ» (١). [م ٣٧٢، ن ٢٦٨، جه ٥٣٥، حم ٥/ ٣٨٤، ق ١/ ١٩٠]\n٢٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَبِشْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"لَقِيَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَأَنَا جُنُبٌ، فَاخْتَنَسْتُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ (٢): قُلْتُ: إِنِّى كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ عَلَى\n===\n(فقال: إني جنب، فقال: إن المسلم (٣) ليس بنجس) (٤)، معناه أن الأمر بالغسل تعبدي وليس بنجس حقيقة حتى لا يجوز مسه.\n٢٣١ - (حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى) القطان (وبشر) بن المفضل، (عن حميد) الطويل، (عن بكر) بن عبد الله المزني، (عن أبي رافع) الصائغ، (عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله - ﷺ - في طريق من طرق المدينة) أي في سكة من سككها (وأنا جنب، فاختنست) أي تأخرت وحدت عنه (فذهبت، فاغتسلت، ثم جئت) أي عند رسول الله - ﷺ - (فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: قلت: إني كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك على\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: إن المسلم لا ينجس\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) قال ابن رسلان: وكذلك الكافر عندنا وعند مالك وجمهور المسلمين من السلف والخلف، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [سورة التوبة: ٢٨]، فالمراد منه نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد أعيانهم. ثم قال: وتمسك به بعض أهل الظاهر فقال: الكافر نجس عين، وحجة القائلين بالطهارة: أن الله أباح نكاح أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، وأغرب القرطبي في الجنائز من \"شرح مسلم\"، فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي. (ش).\n(٤) أجمع العلماء على طهارة عرقه \"الأوجز\" (١/ ٥٤٩). (ش).","vol":"2","page":212},{"text":"غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ (١): «سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ».\n[خ ٢٨٣، م ٣٧١، ت ١٢١، ن ٢٦٩]\nوَقَالَ: فِى حَدِيثِ بِشْرٍ قال: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قال: حَدَّثَنِى بَكْرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>(٩٤) بَابٌ: في الْجُنُبِ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ</span>\n٢٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قال: حَدَّثَنَا أَفْلَتُ (٢) بْنُ خَلِيفَةَ\n===\nغير طهارة. قال) أي رسول الله - ﷺ -: (سبحان الله! إن المسلم لا ينجس). معناه: أن المسلم إذا أجنب أو أحدث لا يصير نجسًا بهما، وإنما حكم التطهر للتعبد.\n(وقال) أي أبو داود: (وفي حديث بشر: قال: ثنا حميد قال: ثني بكر) غرض المؤلف بهذا أن يحيى رواها بصيغة \"عن\"، وأما بشر فساقها بصيغة التحديث.\n\n(٩٤) (بَابٌ: في الْجُنُبِ يَدْخل الْمَسْجِدَ)، هل يجوز له ذلك؟\n٢٣٢ - (حدثنا مسدد قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا أفلت (٢) بن خليفة) بفاء ساكنة ومثناة فوقانية بعد اللام، ابن خليفة العامري، ويقال: الذهلي، ويقال: الهذلي، أبو حسان الكوفي، يقال له: فليت، قال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الدارقطني: صالح.\nقال الخطابي في شرح \"السنن\" (٣): ضعف جماعة من أهل الظاهر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الأفلت\".\n(٢) وذكر توثيقه ابن رسلان. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٢٢).","vol":"2","page":213},{"text":"قَالَ: حَدَّثَتْنِى جَسْرَةُ بِنْتُ دِجَاجَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: \"جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ»\n===\nهذا الحديث وقالوا: أفلتُ راويهِ مجهول، وقال ابن حزم: أفلت غير مشهور ولا معروف بالثقة، وحديثه هذا باطل.\nوقال البغوي في \"شرح السنة\": ضعف أحمد هذا الحديث، لأن راويه أفلت وهو مجهول، قال الحافظ: قد أخرج حديثه ابن خزيمة في \"صحيحه\" وقد روى عنه ثقات، ووثَّقه من تقدم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" أيضًا.\n(قال: حدثتني جسرة (١) بنت دجاجة) (٢) العامرية الكوفية، قال العجلي: ثقة تابعية، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\" (قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله - ﷺ -)، لعل هذا المجيء (٣) كان من بيته في المسجد (ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد) الجملة حالية، أي والحال أن أبواب البيوت مفتوحة في المسجد.\n(فقال: وجهوا هذه البيوت (٤) عن المسجد)، أي اصرفوا أبواب\n_________\n(١) بكسر الجيم في رواية التستري والخطيب، والمشهور عند المحدثين الفتح. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) بكسر الدال، وفي بعض النسخ بفتحها، \"ابن رسلان\"، قلت: ذكر الاختلاف في ضبطها في حاشية \"السنن\". (ش).\n(٣) كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) وقد ورد في الروايات استثناء باب علي، وأباح له النبي - ﷺ - دخوله جنبًا، وعارضه ما ورد من استثناء خوخة الصديق، كذا في \"الكوكب\"، قال الموفق (١/ ٢٠٠): يجوز العبور في المسجد للجنب عند الأئمة الثلاثة للحاجة لأخذ شيء أو كون الطريق فيه، وأما بغير ذلك لا يجوز بحال، وقال الثوري إسحاق: لا يمر في المسجد إلَّا أن لا يجد بدًّا فيتيمم، وهو قول أصحاب الرأي ... إلخ. (ش).","vol":"2","page":214},{"text":"ثُمَّ دَخَلَ النَّبِىُّ -ﷺ- وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ ينْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، فَإِنِّى لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». [ق ٢/ ٤٤٢، خزيمة ١٣٢٧]\n===\nبيوتها عن المسجد، وافتحوها في الطريق، (ثم دخل النبي - ﷺ -) أي بعد ذلك يومًا (ولم يصنع القوم شيئًا) أي لم يحولوا أبواب بيوتهم عن المسجد، وأبقوها على حالها شارعة في المسجد (رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال: وجهوا) أي حولوا (هذه البيوت) أي أبوابها (عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب).\nقال الشوكاني (١): الحديث صحيح، وقد حسن ابن القطان حديث جسرة هذا عن عائشة، وصححه ابن خزيمة، قال ابن سيد الناس: ولعمري إن التحسين لَأَقَلُّ مراتبه؛ لثقة رواته، ووجود الشواهد له من خارج، فلا حجة لابن حزم في رده، وضعف ابن حزم هذا الحديث فقال: أفلت مجهول الحال، وقال الخطابي: ضعفوا هذا الحديث، وأفلتُ راويهِ مجهول، لا يصح الاحتجاج به.\nوليس ذلك بسديد، فإن أفلت وثَّقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: هو شيخ، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به، وروى عنه سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد، وقال في \"الكاشف\": صدوق، وقال في \"البدر المنير\": بل هو مشهور ثقة.\nقال الحافظ: وأما قول ابن الرفعة في أواخر شروط الصلاة: إن أفلت متروك، فمردود، لأنه لم يقله أحد من أئمة الحديث.\nواختلف في هذه المسألة فقال داود والمزني وغيرهم: يجوز للجنب والحائض دخول المسجد مطلقًا. وقال أحمد بن حنبل (٢) وإسحاق: إنه يجوز\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٦).\n(٢) كذا في \"المغني\" (١/ ٢٠٠). (ش).","vol":"2","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nللجنب إذا توضأ لرفع الحدث لا الحائض فتمنع. وقال سفيان الثوري والحنفية، وهو المشهور من مذهب مالك، والجمهور من الأمة: إنه لا يجوز مطلقًا. وقال الشافعي (١) وأصحابه: يجوز للجنب العبور في المسجد، ولا يجوز المكث فيه.\nاستدل ابن حزم بأنه لم يثبت في هذا الباب شيء، وحديث أفلت باطل، فأجاب عنه الشوكاني بأن الحديث كما عرفت إما حسن أو صحيح، وجزم ابن حزم بالبطلان مجازفة، وكثيرًا ما يقع في مثلها.\nواحتج من قال بجوازه للجنب إذا توضأ بما روي عن الصحابة أنهم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة، وفي إسناده هشام بن سعد، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وضعفه ابن معين وأحمد والنسائي، وقال أبو داود: هو أثبت الناس في زيد بن أسلم، وعلى تسليم الصحة لا يكون ما وقع من الصحابة حجة، ولا سيما إذا خالف المرفوع إلَّا أن يكون إجماعًا.\nواستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢)، والعبور إنما يكون في محل الصلاة، وهو المسجد لا في الصلاة، وتقييد جواز ذلك بالسفر لا دليل عليه، بل الظاهر أن المراد مطلق المار، لأن المسافر ذكر بعد ذلك، فيكون تكرارًا يصان القرآن عن مثله.\nوقد أخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن رجالًا من الأنصار\nكانت تصيبهم جنابة، فلا يجدون الماء، ولا طريق إليه إلَّا من المسجد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢)، وهذا من الدلالة على\n_________\n(١) وذكر ابن رسلان موافقة مالك وأحمد للشافعي، وموافقة إسحاق بن راهويه للحنفية، فتأمل. (ش).\n(٢) سورة النساء: الآية ٤٣.","vol":"2","page":216},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمطلوب بمحل لا يبقى بعده ريب.\nوأما الجمهور القائلون بعدم جواز العبور فاستدلوا بهذا الحديث، وهو بإطلاقه حجة على الشافعي، بل إنما سيق الكلام لمنع المرور في المسجد جنبًا، وعلى هذا معنى الآية أي لا تقربوا الصلاة جنبًا في حال من الأحوال، إلَّا حال كون الجنب مسافرين، وذلك إذا لم يجدوا الماء، أو لم يقدروا على استعماله، ويتيمموا، وهذا على قول علي وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير.\nوقال بعض المفسرين: معنى الآية: لا تقربوا مواضع الصلاة يعني المساجد، بحذف المضاف، جنبًا إلَّا عابري سبيل، يعني إلَّا مجتازين من المسجد بغير مكث، لما روى ابن جرير أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، وكانت تصيبهم جنابة، ولا ماء عندهم، فيريدون الماء، ولا يجدون ممرًا إلَّا في المسجد، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن والنخعي وغيرهم، فإن اللفظ عام وإن كان سبب نزول الآية خاصًّا.\nوالجواب عنه أن هذا الاستدلال يتوقف على تقدير المضاف، وهو خلاف الأصل، فلا يصار إليه، وأيضًا لا معنى لقوله: لا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، فإنه صريح في النهي عن قربان الصلاة، ولا يمكن في المعطوف تقدير غير ما ذكر، أو قدر في المعطوف عليه، وأيضًا لو كان معنى الآية: لا تقربوا مواضع الصلاة لزم حرمة دخول مساجد البيوت للجنب، ولم يقل به أحد.\nوأما الجواب عن لزوم التكرار فذكر السفر بعد ذكره بقوله: إلَّا عابري سبيل، لبيان التسوية بينه وبين المرض بإلحاق الواجد بالفاقد بجامع العجز عن الاستعمال.","vol":"2","page":217},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ فُلَيْتٌ الْعَامِرِىُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>(٩٥) بَابٌ: في الْجُنُبِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَهُوَ نَاسٍ</span>\n٢٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ زِيَادٍ\n===\n(قال أبو داود: هو) أي أفلت بن خليفة اسمه (فليت العامري) أيضًا فكان له اسمان، أحدهما أفلت، وثانيهما فليت.\n\n(٩٥) (بَابٌ: في الْجُنُبِ (١) يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَهُوَ نَاسٍ)\nأي: الجنابة، فتذكَّر! ماذا يصنع (٢)؟\n٢٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة، (عن زياد\n_________\n(١) قال ابن رسلان: قال ابن عبد البر: جملة قول مالك وأصحابه في إمام أحرم بقوم، فذكر أنه جنب، أنه يخرج ويقدم رجلًا، فإن خرج ولم يقدم أحدًا، قدموا لأنفسهم من يتم بهم، فإن لم يفعلوا وصلّوا فرادى أجزأتهم، وإن انتظروا ولم يقدموا أحدًا فسدت صلاتهم. قلت: والجملة أن ههنا ثلاث مسائل: الأولى: صلَّى بهم الإِمام محدثًا ولم يعلموا حتى الفراغ، لا تصح عندنا صلاته ولا صلاتهم، وتصح عند الثلاثة صلاتهم دون صلاته، كما سيأتي عن ابن قدامة، [الثانية]: ولو علم الإِمام في وسط الصلاة لا تصح صلاة الإِمام عند أحد، ولا يجوز له البناء كما في \"الأوجز\" (١/ ٥٢٤)، [الثالثة]: وأما صلاة المأمومين فإن استخلفوا أحدًا أوصلّوا فرادى تصح عند مالك، ولا تصح عندنا والشافعي، كما سيأتي عن ابن رسلان، وكذلك عند أحمد، كما سيأتي عن ابن قدامة، وهكذا صرح بمذهب أحمد في المسائل الثلاث في \"الروض المربع\" (١/ ٢٥١)، وبمذهب مالك في \"الشرح \"الكبير\" (١/ ١٢٤)، وبمذهب الشافعي في \"شرح الإقناع\" (٢/ ٨٧ - ١٥٧).\n(٢) قال ابن قدامة (٢/ ٥٠٤): إذا صلَّى بالجماعة محدثًا أوجنبًا، فلم يعلم هو ولا المأمومون حتى فرغوا صحت صلاتهم دون صلاته، به قال مالك والأوزاعي والشافعي، وعن علي أنه يعيد ويعيدون، وبه قال ابن سيرين والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه، انتهى. =","vol":"2","page":218},{"text":"الأَعْلَمِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ\n===\nالأعلم) هو زياد بن حسان بن قرة بقاف مضمومة وشدة راء، المعروف بزياد الأعلم، والأعلم هو مشقوق الشفة العليا، قال أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن الحسن) البصري، (عن أبي بكرة) هو نفيع بضم أوله وفتح الفاء مصغرًا، ابن الحارث بن كلدة، أبو بكرة الثقفي، قيل: اسمه مسروح، وقيل: كان أبوه عبدًا لحارث بن كلدة يقال له: مسروح، فاستلحق الحارث أبا بكرة، وإنما قيل له: أبو بكرة، لأنه تدلى من حصن الطائف إلى النبي - ﷺ - فأعتقه يومئذ، قال العجلي: كان من خيار الصحابة، مات بالبصرة سنة ٥١ هـ، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، قال أبو نعيم: آخى النبي - ﷺ - يبينهما (١).\n(أن رسول (٢) الله - ﷺ - دخل في صلاة الفجر)، وفي \"البخاري\" من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:\n_________\n= وأثر علي ذكره في \"عبد الرزاق\" ولم ينكر عليه، فكأنه إجماع منهم \"الأوجز\" (١/ ٥٣٣). (ش).\n(١) انظر ترجمته في \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٩١) رقم (٥٧٣٩).\n(٢) وفي \"التقرير\": اختلفوا في الجنب أو المحدث يصلي، هل يصح شروع القوم في الصلاة كما قالت الشافعية، أو لا كما قالت الحنفية، فحملوا حديث الباب على أنه ﵊ تذكَّر بعد الشروع، وعندنا قبل الشروع، قلت: ولا يصح حملهم على بعد الشروع، لأن شرط الصحة عندهم عدم العلم إلى الفراغ عن الصلاة ولم يوجد، فالحاصل أن حديث الباب على صحة قوله: \"كبَّر\" لا يوافق أحدًا من الأربعة. (ش).","vol":"2","page":219},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"أن رسول الله - ﷺ - خرج وقد أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف\".\nقال الحافظ: زاد مسلم من طريق يونس عن الزهري: \"قبل أن يكبر فانصرف\"، ففيه دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة، وهو معارض لما رواه أبو داود وابن حبان عن أبي بكرة: \"أن النبي - ﷺ - دخل في صلاة الفجر فكبر ثم أومأ إليهم\"، ولمالك من طريق عطاء بن يسار مرسلًا: \"أنه - ﷺ - كَبَّرَ في صلاة من الصلوات، ثم أشار بيده أن امكثوا\"، ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله: \"كبر\" على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، أبداه عياض والقرطبي احتمالًا، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان (١) كعادته، فإن ثبت وإلَّا فما في \"الصحيح\" أصح، انتهى \"فتح\" (٢).\nوقال الزرقاني (٣): قال أبو عمر: من قال: إنه كبر زاد، وزيادة حافظ يجب قبولها.\nقلت: والأولى أن يوفق بين الحديثين، الذي ورد عن أبي هريرة أنه قال: \"قبل أن يكبر\"، ورواية أبي بكرة أنه قال: \"كبر\"، بأن أبا هريرة نافٍ للتكبير، ونفيه محمول على أنه لم يسمعه، لأنه كان بعيدًا من الإِمام، وأبا بكرة مثبت، فقوله محمول على أنه كان قريبًا من الإِمام وسمع التكبير، فروى كما سمع ورأى.\n_________\n(١) إذ قال: حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة فعلان في موضعين، خرج ﵊ مرة فكبَّر، ثم ذكر أنه جنب، فانصرف واغتسل، ثم استأنف الصَّلاة، وجاء مرة أخرى، فلما أراد أن يكبر ذكر، فانصرف قبل أن يكبر. \"المنهل\" (٢/ ٣١٦). (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٢١).\n(٣) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٩٩).","vol":"2","page":220},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومما يجب أن ينبه عليه أن الإِمام محمد بن الحسن قال في \"موطئه\" (١) بعد ما أخرج هذا الحديث في \"باب الحدث في الصلاة\" من طريق مالك: ثنا إسماعيل بن أبي حكيم عن عطاء بن يسار مرسلًا، قال: وبهذا نأخذ، من سبقه حدث في صلاة، فلا بأس أن ينصرف ولا يتكلم فيتوضأ، ثم يبني على ما صلى، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-.\nفالإمام محمد فهم من هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - أحرم بالصلاة وكبر، ثم سبقه الحدث فرجع فتوضأ، فصلى للناس.\nقال مولانا الشيخ عبد الحي: استنباط هذه المسألة من حديث الباب كما فعله محمد غير صحيح بوجوهٍ:\nأولها: أنه قد رُويت قصة انصراف النبي - ﷺ - من الصلاة في \"الصحيحين\" من حديث أبي هريرة بلفظ: \"انتظرنا أن يكبر\"، ولفظ: \"قبل أن يكبر\"، فيحمل قوله: \"كبر\" على أنه أراد أن يكبر، قلت: وهذا غير وارد عليه فلعل عنده - رحمه الله تعالى- واقعتان مختلفتان، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان.\nوثانيها: أن انصراف رسول الله - ﷺ - إنما كان لأجل أنه كان جنبًا فنسي، كما أوضحته رواية الدارقطني: \"ثم رجع وقد اغتسل\"، وقد ورد في البخاري وغيره التصريح بأنه اغتسل، ثم رجع ورأسه يقطر ماءً، فعلم أن انصرافه كان لحدث سابق على الصلاة.\nوثالثها: أنه ورد في البخاري وغيره أنه رجع بعد ما اغتسل، والحدث الذي يجوز بحدوثه في الصلاة البناء إنما هو الذي يوجب الوضوء، لا الذي يوجب الغسل.\n_________\n(١) \"التعليق الممجد\" (١/ ٥٢٢).","vol":"2","page":221},{"text":"فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأسُهُ يَقْطُرُ\n===\nورابعها: أن الإِمام إذا أحدث في الصلاة فذهب للتوضؤ لا بد له أن يستخلف، فلو لم يستخلف فسدت صلاته، وصلاة من اقتدى به، ولم ينقل أنه استخلف أحدًا.\nوخامسها: أنه ورد في حديث أبي هريرة: \"ثم رجع إلينا ورأسه يقطر ماء فكبر\"، وهذا نص في أنه لم يَبْنِ على ما سبق، بل استأنف التكبير.\nقلت (١): وهذه الاعتراضات كلها مبنية على أن ما وقع في حديث أبي هريرة وأبي بكرة وأنس، وما وقع لمالك في هذا الحديث المرسل قصة واحدة، ولو حمل على أن ما وقع في هذا الحديث المرسل غير ما وقع في تلك الأحاديث من الواقعة لا تقدحه هذه الاعتراضات، والحكم بوحدة الواقعة رأي محض (٢) من العلماء، واحتمال لا دليل عليه، وإلى هذا أشار مولانا الشيخ اللكهنوي بقوله: وبالجملة إذا جمعت طرق حديث الباب، ونظر إلى ألفاظ رواياته، وحمل بعضها إلى بعض علم قطعًا أنه لا يصلح لاستنباط ما استنبطه محمد، والله أعلم.\n(فأومأ بيده) أي أشار بيده (أن مكانكم) أي الزموا مكانكم، وفي رواية: \"ثم قال كما أنتم\"، كما سيأتي قريبًا، وفي \"البخاري\": \"قال: على مكانكم\"، وفي أخرى له: \"فقال لنا: مكانكم\"، فيحتمل أن يكون هو - ﷺ - جمع بين الكلام والإشارة (ثم جاء) أي رجع من بيته (ورأسه يقطر) جملة حالية، أي والحال أنه اغتسل ورأسه يقطر، قال الحافظ: زاد الدارقطني: فقال: \"إني كنت جنبًا فنسيت أن أغتسل\".\n_________\n(١) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٢٤).\n(٢) ونقل ابن رسلان عن النووي في اختلاف \"كبر\" و\"أراد أن يكبر\" الأظهر أنهما قضيتان، وبذلك قال ابن الهمام، وقال أيضًا: ليس فيه أنه كبر القوم أيضًا. (ش).","vol":"2","page":222},{"text":"فَصَلَّى بِهِمْ\". [حم ٥/ ٤١ - ٤٥، ق ٢/ ٣٩٦، خزيمة ١٦٢٩]\n٢٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قال: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ فِى أَوَّلِهِ: \"فَكَبَّرَ\"، وَقَالَ فِى آخِرِهِ: فَلَمَّا\n===\n(فصلى بهم) أي فكبر، فصلى بهم فصلينا معه كما في \"البخاري\"، استدل البخاري بهذا الحديث على أنه إذا تذكَّر إنسان في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيمم.\nوفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه أخرج الترمذي في \"سننه\" (١) بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ - لعلي: \"يا علي لا يحِلُّ لأحدٍ أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك\"، قال الترمذي: هذا الحديث (٢) حسن غريب، وقد سمع محمد بن إسماعيل مني هذا الحديث واستغربه، فلما كان يحل لرسول الله - ﷺ - استطراق المسجد جنبًا لا يستدل به لغيره، ولو لم يكن له حلالًا لم يكن الله ليدعه أن يدخل المسجد في حالة الجنابة، وهو عليه حرام.\n٢٣٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة بإسناده ومعناه)، أي بإسناد حديث موسى ومعنى حديثه، (وقال في أوله: فكبر) أي زاد يزيد بن هارون على لفظ موسى لفظ \"فكبر\" فكان لفظ حديثه: دخل في صلاة الفجر فكبر.\n(وقال) أي زاد يزيد بن هارون (في آخره) أي في آخر حديثه: (فلما\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣٧٢٧).\n(٢) قال ابن التركماني: مداره على حماد بن سلمة، وجرحه البيهقي في عدة مواضع من كتابه. \"الجوهر النقي\" (٢/ ٣٩٦). (ش).","vol":"2","page":223},{"text":"قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّى كُنْتُ جُنُبًا». [حب ٢٢٣٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزُّهْرِىُّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ (١)، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"فَلَمَّا قَامَ فِى مُصَلَاّهُ وَانْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ ثُمَّ قَالَ: «كَمَا أَنْتُمْ».\n(٢) وَرَوَاهُ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَهِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ،\n===\nقضى الصلاة قال: إنما أنا بشر وإني كنت جنبًا. قال أبو داود: رواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال) أي أبو هريرة: (فلما قام) أي النبي - ﷺ - (في مصلاه وانتظرنا أن يكبر انصرف ثم قال: كما أنتم) أي اثبتوا كما أنتم. وهذا التعليق أخرجه البخاري موصولًا في \"صحيحه\" (٣) في باب هل يخرج من المسجد لعلة.\n(ورواه أيوب) السختياني (٤) (وابن عون) (٥) هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم، أبو عون الخزاز بمعجمة ثم مهملة آخره زاي، البصري، قال الحافظ في \"التقريب\": ثقة ثبت فاضل من أقران أيوب في العمل والسن، قال ابن سعد: كان ثقة، وكان عثمانيًّا، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من سادات أهل زمانه عبادة وفضلًا وورعًا ونسكًا وصلابة في السنة، وشدة على أهل البدع، مات سنة ١٥١ هـ.\n(وهشام) بن حسان (٦) (عن محمد) وفي نسخة: يعني ابن سيرين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عبد الرحمن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٦٣٩) ووصلها المصنف بعد حديث الباب من طرق عنه.\n(٤) قلت: رواية أيوب السختياني عن ابن سيرين لم أقف عليها.\n(٥) قلت: رواية ابن عون وصلها الشافعي في \"الأم\" (١/ ٤٤٣) رقم (٣١٦).\n(٦) قلت: رواية هشام بن حسان وصلها أحمد بن منيع في \"مسنده\"، ذكرها الحافظ البوصيري في \"إتحاف الخيرة المهرة\" (٢/ ٣٢٩) رقم (١٧٩٩).","vol":"2","page":224},{"text":"عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"فَكَبَّرَ ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَوْمِ أَنِ اجْلِسُوا، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ\". وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى حَكِيمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قال: \"إنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَبَّرَ فِى صَلَاةٍ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قال:\n===\nمرسلًا (عن النبي - ﷺ - قال: فكبر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا فذهب فاغتسل).\nأورد المصنف هذا التعليق؛ لأن فيه \"كبر\" على خلاف ما رواه الزهري، وأيضًا فيه \"أن اجلسوا\" أي الأمر بالجلوس على خلاف ما في الروايات المارة، فإنها تشير إلى أنهم كانوا قائمين كما يدل عليه قوله: \"كما أنتم\".\n(وكذلك رواه مالك) (١) أي ابن أنس (عن إسماعيل بن أبي حكيم) القرشي مولاهم المدني، وثقه ابن معين والنسائي والبرقي وابن وضاح، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن عبد البر في \"التمهيد\": كان فاضلًا ثقة، وهو حجة في ما روى عنه جماعة أهل العلم.\n(عن عطاء بن يسار قال: إن رسول الله - ﷺ - كبر في صلاة) وهذا التعليق مرسل أيضًا، أورده لتقوية ما ساق في الروايات السابقة أنه - ﷺ - دخل في الصلاة، وفي بعضها فكبر.\n(قال أبو داود: وكذلك) أي كما حدث أيوب وابن عون وهشام عن محمد، ومالك عن إسماعيل، كذلك (حدثناه مسلم بن إبراهيم قال:\n_________\n(١) أخرجه في \"موطئه\" (١/ ٤٨)، ومن طريقه الشافعي في \"الأم\" (١/ ٤٤٣) رقم (٣١٤).","vol":"2","page":225},{"text":"حدثنا أَبَانُ عَنْ يَحْيَى، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَبَّرَ.\n٢٣٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ (١) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قال: حَدَّثَنَا (٢) الزُّبَيْدِىُّ\n===\nحدثنا أبان) بن يزيد العطار (عن يحيى) وفي نسخة: ابن أبي كثير (عن الربيع بن محمد) روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وقال الحافظ في \"التقريب\": تابعي أرسل حديثًا، مجهول، من الثالثة (عن النبي - ﷺ -)، وهذا تعليق ثالث (٣) أورده لتأييد ما سبق أنه كبر.\n٢٣٥ - (حدثنا عمرو بن عثمان قال: ثنا محمد بن حرب) الخولاني أبو عبد الله الحمصي، كاتب محمد بن وليد الزبيدي بضم الزاي، ولي قضاء دمشق، قال المروزي عن أحمد: ليس به بأس، وقدمه على بقية، وقال عثمان الدارمي قلت لابن معين: فبقية كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أو محمد بن حرب؟ قال: ثقة وثقة، وثَّقه عثمان والعجلي ومحمد بن عوف والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مات سنة ١٩٢ هـ، وقيل: سنة ١٩٤ هـ.\n(قال: ثنا الزبيدي) بالزاي والموحدة مصغرًا، محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهذيل الحمصي القاضي، سئل ابن معين: من أثبت من روى عن الزهري؟ فقال: مالك، ثم معمر، ثم عقيل، ثم يونس، ثم شعيب والأوزاعي والزبيدي وابن عيينة وكل هؤلاء ثقات، والزبيدي أثبت من ابن عيينة، وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي يفضل محمد بن الوليد\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحمصي\".\n(٢) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٣) قال المذي في\" التحفة\" (٨/ ٢٧٦) رقم (١١٦٦٥) بعد إيراده: حديث مسلم بن إبراهيم لم يذكره أبو القاسم، وهو في الرواية.","vol":"2","page":226},{"text":"(ح) (١): وحَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الأَزْرَقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عن يُونُسَ. (ح) (٢): وَحَدَّثنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: ثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ إِمَامُ مَسْجِدِ صَنْعَاءَ\n===\nعلى جميع من سمع من الزهري، وقال الزهري: محمد بن الوليد قد حوى ما بين جنبي من العلم، وثَّقه علي بن المديني وابن سعد والعجلي وأبو زرعة والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الخليلي: ثقة حجة إذا كان الراوي عنه ثقة، مات سنة ١٤٨ هـ.\n(ح: وحدثنا عياش) بتشديد التحتانية وآخره معجمة (ابن الأزرق) ويقال: عياش بن الوليد بن الأزرق، أبو النجم البصري، نزيل أذنة بمعجمة ونون وفتحات، قال العجلي: بصري ثقة قد كتبت عنه، مات سنة ٢٣٧ هـ.\n(قال أخبرنا ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم (عن يونس) بن يزيد الأيلي، (ح: وحدثنا مخلد بن خالد) بن يزيد الشعيري بفتح المعجمة وكسر المهملة، أبو محمد العسقلاني، نزيل طرسوس، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: لا أعرفه، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، أنكر العياض في \"شرح مسلم\" هذا الاسم، وقال: لم أجد له ذكرًا عند أحد صنف رجال الصحيحين، ولا ممن صنف في المؤتلف، ولا أصحاب التقييد، وبالغ في ذلك حتى قال: ليس في الرواة أحد سمي مخلد بن خالد، وقد بالغ النووي في الرد عليه.\n(قال: ثنا إبراهيم بن خالد) بن العبيد القرشي الصنعاني المؤذن، كان مؤذن مسجد صنعاء سبعين سنة، وثَّقه ابن معين وأحمد والبزار والدارقطني، وفي أبي داود (إمام مسجد صنعاء)، مات سنة ٢٠٠ هـ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"2","page":227},{"text":"قَالَ: ثَنَا رَبَاحٌ، عن مَعْمَرٍ (ح): وَثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ثَنَا الْوَلِيدُ عن الأَوْزَاعِيِّ،\n===\n(قال: ثنا رباح) بن زيد القرشي مولاهم، الصنعاني، قال أحمد: كان خيارًا، ما أرى كان في زمانه خيرًا منه، قال أبو حاتم: جليل ثقة، وقال النسائي: ثقة، ووثَّقه العجلي والبزار ومسلم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٨٧ هـ.\n(عن معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزل اليمن، وشهد جنازة الحسن البصري، عن ابن معين: أثبت الناس في الزهري معمر ومالك، قال: ومعمر عن ثابت ضعيف، وثَّقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط، وهو صالح الحديث، قال يحيى بن معين: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلَّا عن الزهري وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا. وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام، مات سنة ١٥٣ هـ.\n(ح: وثنا مؤمل بن الفضل قال: ثنا الوليد) بن مسلم (عن الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، اسمه يحمد الشامي، أبو عمرو الأوزاعي الفقيه، نزل بيروت في آخر عمره، فمات بها مرابطًا، وهذه النسبة إلى أوزاع، وهي قرية بدمشق خارج باب الفراديس، كان من فقراء أهل الشام وقرائهم وزهادهم، وثَّقه ابن معين والعجلي وابن سعد، وقال إبراهيم الحربي: سألت أحمد بن حنبل عن الأوزاعي؟ فقال: حديثه ضعيف، وقال يعقوب بن شيبة عن ابن معين: الأوزاعي في الزهري ليس بذاك، قال يعقوب: الأوزاعي ثقة ثبت، وفي روايته عن الزهري خاصة شيء، وفي سن وفاته اختلاف، مات سنة ١٥٨ هـ، وقيل قبلها.","vol":"2","page":228},{"text":"كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا قَامَ فِى مَقَامِهِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: «مَكَانَكُمْ»، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَنْطُفُ رَأْسُهُ وَقَدِ اغْتَسَلَ وَنَحْنُ صُفُوفٌ\". وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ حَرْبٍ، وَقَالَ عَيَّاشٌ فِى حَدِيثِهِ: \"فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ\".\n[خ ٢٧٥، م ٦٠٥، ن ٨٠٩]\n===\n(كلهم) أي الزبيدي ويونس ومعمر والأوزاعي يحدث (عن الزهري، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن، (عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة وصفَّ) أي: سوَّى (الناس صفوفهم، فخرج رسول الله - ﷺ -) من حجرته الشريفة (حتى إذا قام في مقامه) أي في المحراب (ذكر) أي تذكر (أنه لم يغتسل)، وظاهر هذا الكلام يدل أن هذا التذكر كان قبل أن يكبر تكبيرة الافتتاح.\n(فقال للناس: مكانكم) أي الزموا مكانكم (ثم رجع إلى بيته، فخرج علينا ينطف رأسه) أي يقطر (وقد اغتسل ونحن صفوف، وهذا) أي الذي ذكرنا (لفظ ابن حرب، وقال عياش في حديثه: فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج علينا وقد اغتسل) وهذا السياق يخالف ما تقدم من رواية أيوب وابن عون وهشام عن محمد وفيها: \"ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا\"، وفي هذه: \"فلم نزل قيامًا ننتظرهُ\"، وهذه تدل على أنه - ﷺ - لم يأمرهم بالجلوس، فلما أشار إليهم بالجلوس، فكيف انتظروه قيامًا؟\nوالجواب عنه مع قطع النظر عن كون رواية محمد مرسلة يمكن أن يقال: إنه - ﷺ - أشار إليهم، ففهم بعضهم من الإشارة أنه أشار إلى أن","vol":"2","page":229},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nنكون في مكاننا ولا نتفرق عن المسجد، وبعضهم فهموا أنه - ﷺ - يشير إلى أن نكون على حالنا الموجودة من القيام، وبعضهم فهموا أنه - ﷺ - أمر بالجلوس فرووه كما فهموه، وأما الذي ورد من الجمع من القول والإشارة، فيمكن أن الذين رووا القول فعبروا عن الإشارة بالقول، ويمكن أن يكون - ﷺ - جمع بين القول والإشارة، فبعضهم سمع القول و[رأى] الإشارة، وبعضهم لم يسمع القول ورأى الإشارة، فهذا وجه الاختلاف فيما بينهم.\n(تنبيه): قد تقدم أن الاختلاف الذي وقع في سياق هذا الحديث في أنه - ﷺ - كبر لافتتاح الصلاة أو لم يكبر، فرواية أبي هريرة كما في روايات \"الصحيحين\" تدل على أنه لم يكبر، ورواية أبي بكرة هذه التي أخرجها أبو داود، وكذلك رواية أبي هريرة التي أخرجها الدارقطني، وكذلك رواية أنس التي أخرجها الدارقطني من حديث قتادة عن أنس، والرواية المرسلة لعطاء بن يسار التي أخرجها مالك في \"الموطأ\"، وأبو داود في \"سننه\"، ومرسل محمد بن سيرين، ومرسل ربيع بن محمد اللذين أخرجهما أبو داود، كلها تدل على أنه - ﷺ - دخل في الصلاة وكبر، وأما القوم فلا يدل لفظ من ألفاظ الحديث إلَّا فيما عند الدارقطني من حديث أنس، فإن فيه: \"فكبر فكبرنا\" على أنهم كبروا ودخلوا في الصلاة، فالظاهر كما أنه - ﷺ - لم يحرم بالصلاة ولم يدخل فيها ولم يكبر، كذلك القوم لم يدخلوا في الصلاة، فمن قال: في هذا الحديث دلالة على أنه إذا صلى بالقوم وهو جنب وهم لم يعلموا بجنابته، أن صلاتهم ماضية ولا إعادة عليهم، وكذلك ما قالوا: في الحديث دليل على أن افتتاح المأموم صلاته قبل الإِمام لا يبطل صلاته، فكأنه لم يتدبر فيه كل التدبر.","vol":"2","page":230},{"text":"(٩٦) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَجِدُ البِلَّةَ (١) في مَنَامِهِ\n٢٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِىُّ،\n===\n\n(٩٦) (بابٌ: في الرَّجُلِ يَجدُ الْبِلَّةَ (٢) في مَنَامِه)\nالبلة بكسر الباء وتشديد اللام: النداوة، أي: بعد منامه، فعليه الغسل أم لا؟\n٢٣٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا حماد بن خالد الخياط) بمعجمة وشدة تحتية ومهملة، القرشي البصري، نزيل بغداد، أصله مدني، وثَّقه ابن معين وابن عمار والنسائي وابن المديني وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: ثنا عبد الله العمري) (٣)، هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، أبو عبد الرحمن العمري، اختلف في جرحه وتعديله، عن أحمد: لا بأس به، قد روى عنه، وكان أحمد يحسن الثناء عليه، وعن ابن معين: صويلح، وعنه: ليس به بأس، يكتب حديثه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال ابن عدي: لا بأس به، في رواياته صدوق، وقال العجلي: لا بأس به، وقال ابن عمار الموصلي: لم يتركه أحد إلَّا يحيى بن سعيد، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"البلل\".\n(٢) قلت: لو رأى منيًا فأجمعوا على إيجاب الغسل، وإن لم يتذكر الاحتلام، كذا في \"المغني\" (١/ ٢٧٠)، لكن حكى ابن رسلان خلاف الشافعي في صورة عدم التذكير، ولو شك في المذي والودي فذكر في\" الشامي\" أربع عشرة صورة \"الأوجز\" (١/ ٥٤٠). (ش).\n(٣) وذكر ابن العربي هذا الحديث وتكلَّم على سنده. (ش) [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٧٢)].","vol":"2","page":231},{"text":"عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١) عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ (٢) وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا؟ قَالَ: «يَغْتَسِلُ»،\n===\nحديثه اضطراب، وقال الخليلي: ثقة، غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه، وأما عثمان الدارمي فقال عن ابن معين: صالح ثقة، وقال عبد الله بن علي ابن المديني عن أبيه: ضعيف، وقال صالح جزرة: لين مختلط الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حبان: غلب عليه الصلاح حتى غفل عن الضبط فاستحق الترك، وقال الترمذي عن البخاري: ذاهب لا أروي عنه شيئًا، وقال البخاري في \"التاريخ\": كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم، مات سنة ١٧١ هـ، وقيل بعدها.\n(عن عبيد الله) بن عمر بن حفص، (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن التيمي، قال ابن سعد: أمه أم ولد يقال لها: سودة، كان ثقة رفيعًا عالمًا فقيهًا إمامًا ورعًا كثير الحديث، وقال البخاري: قتل أبوه وبقي القاسم يتيمًا في حجر عائشة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، وقال البخاري: كان أفضل أهل زمانه، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، مات سنة ١٠٦ هـ.\n(عن عائشة قالت: سئل النبي - ﷺ - عن الرجل يجد البلل) أي في ثوبه بعد ما يستيقظ (ولا يذكر) أي لا يتذكر (احتلامًا؟ قال: يغتسل) (٣)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"يجد الشيء\".\n(٣) قال الترمذي (١/ ١٩٢): به قال أحمد وإسحاق، وقال الشافعي: يجب إذا كانت البلة بلة نطفة، انتهى، قال ابن رسلان: عندنا لا يجب الغسل إلَّا أن يتذكر الاحتلام أيضًا، انتهى، وكذا قال ابن العربي في \"العارضة\" (١/ ١٧٣)، وفي \"الشرح الكبير\" للدردير: إن شك في مني أو مذي اغتسل وجوبًا، وإن شك مع ودي أيضًا، أي في الثلاثة لا غسل لضعف احتمال الوجوب، إلى آخر ما قال. (ش) [انظر: \"الشرح الكبير\" (١/ ١٣٢)].","vol":"2","page":232},{"text":"وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنْ (١) قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ؟ قَالَ: «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ». فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ، أَعَلَيْهَا غُسْلٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ».\n[ت ١١٣، جه ٦١٢، حم ٦/ ٢٥٦، دي ٧٦٥]\n===\nأي يجب عليه الغسل (وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: لا غسل عليه، فقالت أم سليم) بنت ملحان بن خالد الأنصارية، أخت أم حرام والدة أنس بن مالك، اختلف (٢) في اسمها سهلة أو رميلة أو رميثة أو أنيثة أو مليكة، زوجة أبي طلحة الأنصاري يقال: إنها هي الغميصاء أو رميصاء، كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت له أنسًا، فلما جاء الله تعالى بالإِسلام أسلمت وعرضت على زوجها الإِسلام، فغضب عليها، وخرج إلى الشام وهلك، فتزوجت بعده أبا طلحة خطبها وهو مشرك، فأبت عليه إلَّا أن يسلم فأسلم، فولدت له غلامًا كان قد أعجب به، فمات صغيرًا وأسف عليه، وقيل: إنه أبو عمير صاحب النغير، ثم ولدت له عبد الله بن أبي طلحة وبورك فيه، وهو والد إسحاق بن أبي طلحة الفقيه وإخوته، وكانوا عشرة، كلهم حمل عنه العلم، ومناقبها كثيرة شهيرة، وماتت في خلافة عثمان.\n(المرأة ترى ذلك) أي البلل ولا تتذكر الاحتلام (أعليها غسل؟ قال: نعم) يجب عليها الغسل (إنما النساء (٣) شقائق الرجال) أي نظائرهم وأمثالهم في الطباع والأخلاق، كأنهن شققن منهم،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنه\".\n(٢) بسطها العيني (٣/ ٦٧)، انتهى. (ش).\n(٣) وكتب الوالد في \"الكوكب الدري\" ما قالت الفقهاء: إن المرأة إذا تذكرت احتلامًا ولم تر بللًا تغتسل لاحتمال أن المني لعله دخل في فرجها لسعته، لا يلتفت إليه لهذا الحديث. (ش) [انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ١٤٥)].","vol":"2","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>(٩٧) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ</span>\n٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثَنَا عَنْبَسَةُ\n===\nولأن حواء خلقت من آدم، قال الخطابي (١): ظاهر الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى البلة، وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق، وروي هذا القول عن جماعة من التابعين، منهم عطاء، والشعبي، والنخعي، وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق، واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط. ولم يختلفوا في أنه إذا لم ير الماء و[إن] كان رأى في النوم أنه قد احتلم، فإنه لا يجب عليه الاغتسال.\nقلت: سياق الكلام يدل على أن المراد من البلل بلل المني لا المذي، ولأن المذي ورد فيه في الروايات الصحيحة عن علي وغيره أنه لا يجب فيه الغسل، بل يكفي فيه الوضوء، كما تقدم ذكره.\n\n(٩٧) (بَابٌ: في الْمَرْأَةِ (٢) تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ)\n٢٣٧ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عنبسة) بن خالد بن يزيد بن أبي النجاد الأموي مولاهم، الأيلي، ابن أخي يونس بن يزيد، قال الآجري عن أبي داود: عنبسة أحب إلينا من ليث بن سعد، سمعت أحمد بن صالح يقول: عنبسة صدوق، قيل لأبي داؤد: يحتج بحديثه؟\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٢٣).\n(٢) في الباب إثبات المني للمرأة، وهو مجمع عند الفقهاء، وأنكره بعض الفلاسفة منهم أرسطاطاليس وابن سينا، بسطه صاحب \"السعاية\" (١/ ٣٠٦)، قال ابن رسلان: أنكره بعضهم لأن فرج المرأة مقلوب يعرفه الطبيب. (ش).","vol":"2","page":234},{"text":"حَدَّثَنَا يُونُسُ (١)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيَّةَ - وَهِىَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ! أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ فِى النَّوْمِ (٢) مَا يَرَى الرَّجُلُ، أَتَغْتَسِلُ أَمْ لَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ إِذَا وَجَدَتِ الْمَاءَ».\n===\nقال: سألت أحمد بن صالح، قلت: كانت أصول يونس عنده أو نُسَخُه؟ قال: بعضها أصول وبعضها نُسَخُه، قال الفسوي: سمعت يحيى بن بكير يقول: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق لم يكن موضعًا للكتابة، قال أبو حاتم: كان على خراج مصر، وكان يعلق النساء بثديهن، قال ابن القطان: كفى بهذا في تجريحه، قال أحمد: ما لنا ولعنبسة، أي شيء خرج علينا من عنبسة، توفي بأيلة سنة ١٩٨ هـ، أخرج له البخاري مقرونًا بغيره.\n(ثنا يونس) بن يزيد، (عن ابن شهاب قال: قال عروة) بن الزبير: (عن عائشة أن أم سليم الأنصارية - وهي أم أنس بن مالك - قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق) (٣)، أي لا يأمر بالحياء من السؤال عن الحق (أرأيت) أخبرني (المرأة إذا رأت في المنام ما يرى الرجل) من الحلم (أتغتسل أم لا؟ قالت عائشة: فقال النبي - ﷺ -: نعم، فلتغتسل (٤) إذا وجدت (٥) الماء) أي المني.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: عن يونس\".\n(٢) وفي نسخة: \"في النوم\".\n(٣) وقال ابن رسلان: أي لا يمتنع من بيان الحق، فيطلق الحياء على الامتناع إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم. (ش).\n(٤) ونفى ابن بطال الخلاف فيه، \"الأوجز\" (١/ ٥٤٢).\n(٥) لا بمجرد الرؤية، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":235},{"text":"قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا فَقُلْتُ: أُفٍّ لَكِ، وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «تَرِبَتْ يَمِينُكِ يَا عَائِشَةُ وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ».\n[م ٣١٤، ن ١٩٦، حم ٦/ ٩٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وكذا رَوَى الزُّبَيْدِيُّ\n===\n(قالت عائشة: فأقبلت عليها فقلت: أُفٍّ لك)، قال في \"القاموس\": وأف كلمةُ تَكَرُّهٍ، ولُغاتها أربعون، وقال في \"لسان العرب\": الناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون: أف له، والخطاب لأم سليم.\n(وهل ترى ذلك المرأة؟)، قالتها تعجبًا، ولعل عائشة لم تكن تدري بذلك لحداثة سنها، أو لأن الاحتلام في النساء نادر، كما أن عدم الاحتلام في الرجال نادر (١).\n(فأقبل عليَّ رسول الله - ﷺ -، فقال: تربت يمينك) (٢)، قال في \"مرقاة الصعود\" (٣): هي كلمة جارية على ألسنة العرب لا يقصدون بها الدعاء على المخاطب، قال النووي: قولها: تربت يمينك خبر.\n(يا عائشة، ومن أين يكون الشبه)، قال النووي (٤): فيه لغتان مشهورتان: إحداهما بكسر الشين وإسكان الباء، والثاني بفتحهما، معناه أن الولد متولد من ماء الرجل وماء المرأة، فأيهما غلب كان الشبه له، ولما كان للمرأة مني فإنزاله وخروجه منها غير مستبعد.\n(قال أبو داود: وكذا) أي كما روى يونس عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة بأنها قصة عائشة مع أم سليم، كذلك (روى الزبيدي\n_________\n(١) وقيل: حفظت أمهات المؤمنين عن الاحتلام، \"الأوجز\" (١/ ٥٤٣). (ش).\n(٢) قال ابن العربي: للعلماء فيه عشرة أقوال (١/ ١٨٨). (ش).\n(٣) (ص ٤٥).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢٢٢).","vol":"2","page":236},{"text":"وعُقَيْلٌ وَيُونُسُ وَابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ، وابْنُ أَبِى الْوَزِيرِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ\n===\nوعقيل ويونس) وذكر يونس تكرار بلا فائدة (وابن أخي الزهري) هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الزهري، أبو عبد الله المدني، ابن أخي الزهري، قال أحمد: لا بأس به، وقال مرةً: صالح الحديث، وعن يحيى القطان: ضعيف، وعن ابن معين: ليس بذاك القوي، وقال مرة: صالح، وقال العقيلي عن ابن معين: ضعيف لا يحتج بحديثه، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: ثقة، سمعت أحمد يثني عليه، وأخبرني عباس عن يحيى بالثناء عليه، وقال ابن عدي: لم أو بحديثه بأسًا، ولا رأيت له حديثًا منكرًا فأذكره، قال ابن حبان: كان رديء الحفظ كثير الوهم، قال الحاكم: إنما أخرج له مسلم في الاستشهاد، انتهى. وليس له في البخاري غير حديثين، قتله غلمانه بأمر ابنه لأمواله- وكان ابنه سفيهًا شاطرًا- سنة ١٥٢ هـ.\n(عن الزهري (١)، وابن أبي الوزير)، أي وكذلك روى ابن أبي الوزير، وهو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم، أبو عمرو، ويقال: أبو إسحاق بن أبي الوزير المكي، نزيل البصرة، روى له البخاري مقرونًا، قال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به، وقال أبو عيسى الترمذي: إبراهيم بن أبي الوزير ثقة، وقال الدارقطني: ثقة ليس في حديثه ما يخالف الثقات، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن مالك) (٢) الإمام، (عن الزهري) مثل رواية يونس في كون الرواية\n_________\n(١) كذا في نسخة: \"عن الزهري\"، [وليس هذا في النسخة الهندية].\n(٢) وفي \"التقرير\": أن رواية الزبيدي وغيره من الأربعة عن الزهري بدون الواسطة، =","vol":"2","page":237},{"text":"وَوَافَقَ الزُّهْرِيَّ مَسَافِعٌ الْحَجَبِيُّ\n===\nعن عروة عن عائشة، وفي كون السائلة أم سليم والرادة عليها عائشة، أخرج النسائي بسنده ما روى الزبيدي عن الزهري، وأخرج مسلم والبيهقي بسنديهما عن عقيل عن ابن شهاب، وأخرج أبو داود رواية يونس عن الزهري، وأما رواية ابن أخي الزهري عن الزهري، وابن أبي الوزير عن مالك عن الزهري، فلم أجدهما موصولًا في تتبعي القاصر.\nنعم أخرج مالك في \"موطئه\" (١) عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير مرسلًا، قال الزرقاني (٢): كذا لرواة \"الموطأ\" ولابن أبي أويس عن أم سليم، وكل من رواه عن مالك لم يذكر فيه عن عائشة إلَّا ابن نافع، وابن أبي الوزير فروياه عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أم سليم، أخرجه ابن عبد البر (٣)، وقال: تابعهما معن وعبد الملك الماجشون وحباب بن جبلة، وتابعهم خمسة عن ابن شهاب، وتابعه مسافع الحجبي عن عروة عن عائشة، وقد أخرجه مسلم وأبو داود من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة، انتهى.\n(ووافق الزهري مسافع الحجبي)، مسافع بن عبد الله بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، نسبة إلى عبد الدار، أبو سليمان الحجبي المكي، وقد ينسب إلى جده، والحجبي نسبة إلى حجابة الكعبة وسدانتها، قال العجلي: مكي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n= ورواية ابن أبي الوزير عن الزهري بواسطة مالك فتأمل، وهو يخالف كلام الشيخ، ويوافق نسخة الحاشية، قلت: ويحتمل أن يكون غرض أول الكلام ما قاله الوالد، وآخره ما قاله الشيخ، فتأمل. (ش).\n(١) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٤١).\n(٢) \"شر الزرقاني\" (١/ ١٠٢).\n(٣) \"التمهيد\" (٨/ ٣٣٣).","vol":"2","page":238},{"text":"قَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،\n===\n(قال: عن عروة عن عائشة) أي وافق مسافع الزهري في أن هذه الرواية عن عروة عن عائشة، كما روى الزهري عن عروة عن عائشة (١).\n(وأما هشام (٢) بن عروة (٣) فقال: عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة) (٤) عبد الله بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة رسول الله - ﷺ -، أمها أم سلمة بنت أبي أمية، يقال: ولدت بأرض الحبشة، وتزوج النبي - ﷺ - أمها وهي ترضعها، وفي \"مسند البزار\" ما يدل على أن أم سلمة وضعتها بعد قتل أبي سلمة فحلت، فخطبها النبي - ﷺ - فتزوجها وكانت ترضع زينب، وكان اسمها برة فغيَّره النبي - ﷺ -، وروي عن آمنة عن زينب أنها قالت: إنه - ﷺ - إذا دخل يغتسل تقول أمي: ادخلي عليه، فإذا دخلت نفخ في وجهي من الماء ويقول: ارجعي، قالت: فرأيت زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء، وفي رواية: فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعمرت، وماتت سنة ثلاث وسبعين، وحضر ابن عمر جنازتها.\n(عن أم سلمة) (٥) اسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن\n_________\n(١) رواية مسافع بن عبد الله الحجبي أخرجها أحمد (٦/ ٩٢) ومسلم (٣١٤) وأبو عوانة (١/ ٢٩٣).\n(٢) رواية هشام بن عروة أخرجها البخاري (١٣٠ - ٢٨٢) ومسلم (٣١٣).\n(٣) وفي \"التقرير\": أن غرض المصنف ترجيح إحدى الروايتين لما في الفرق بين الروايتين أن الحاكية في رواية الزهري هي عائشة وهي القائلة لقوله: \"قلت\"، وفي الثانية أم سلمة، وأئمة الحديث لما تبينوا بذلك نوع اضطراب دفعوه بتصحيح إحدى الروايتين، والجمع بينهما ممكن بأن تكونا حاضرتين في مجلسه ... إلخ. (ش).\n(٤) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٢٩٩) رقم (٦٩٦٧).\n(٥) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٤٥٣) رقم (٧٤٧٣).","vol":"2","page":239},{"text":"أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.\n===\nعمر بن مخزوم المخزومية، أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، تزوجها سنة اثنتين من الهجرة بعد بدر، وبنى بها في شوال، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة، ولما مات زوجها من الجراحة التي أصابته خطبها النبي - ﷺ -، قال ابن حبان: ماتت في آخر سنة ٦١ هـ بعد ما جاءها الخبر بقتل الحسين ابن علي، قال الحافظ: وهذا أقرب.\n(أن أم سليم جاءت إلى رسول الله - ﷺ -) حاصل قول أبي داود أنه اختلفت فيه الروايات في أن هذا الحديث من رواية عائشة أو من رواية أم سلمة، فاختلف فيها الزهري وهشام بن عروة، فروى الزهري عن عروة عن عائشة ووافق الزهريَّ في ذلك مسافعٌ الححبيُّ، فقال هو أيضًا: عن عروة عن عائشة، وأما هشام بن عروة فروى عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة ولم يتابعه أحد، فترجح رواية الزهري على رواية هشام بالمتابعة.\nقال الحافظ (١): ونقل القاضي عياض عن أهل الحديث أن الصحيح أن القصة وقعت لأم سلمة لا لعائشة، وهذا يقتضي ترجيح رواية هشام على رواية الزهري، وأشار أبو داود إلى تقوية رواية الزهري بمتابعة المسافع، لكن نقل ابن عبد البر عن الذهلي أنه صحح الروايتين معًا.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٢): يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعًا أنكرتا على أم سليم، وهو جمع حسن، لأنه لا يمتنع حضورهما عند النبي - ﷺ - في مجلس واحد.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٨).\n(٢) (٣/ ٢٢٢).","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>(٩٨) بابٌ: فِى مِقْدَارِ الْمَاءِ الَّذِى يُجْزِئُ فِى الْغُسْل </span>(١)\n٢٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ - هُوَ الْفَرَقُ - مِنَ الْجَنَابَةِ\".\n[خ ٢٥٠، م ٣١٩،\nن ٢٢٨، ط ١/ ٤٤/ ٦٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ: قَالَتْ: \"كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِيهِ قَدْرُ الْفَرَقِ\".\n===\n\n(٩٨) (بَابٌ: في مِقْدَارِ الْمَاء الَّذِي يُجْزِئُ بِهِ الغُسْلُ)\nيجزئ بهمز اللام، أي يكفي به الغسل أي في الغسل\n٢٣٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك) بن أنس، (عن ابن شهاب، عن عروة) بن الزبير، (عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل (٢) من إناء - هو الفرق - من الجنابة).\nقال في \"المجمع\" (٣): الفرق بالحركة: مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهو اثنا عشر مدًا وثلاثة آصع في الحجاز، انتهى ملخصًا.\n(قال أبو داود: قال معمر (٤) عن الزهري في هذا الحديث: قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد فيه قدر الفرق) أي فيه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يجزئه من الغسل\".\n(٢) تقدم عن الباجي أن الأحاديث تحتمل بيان مقدار الماء وبيان الإناء للوضوء والغسل. (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ١٢٨).\n(٤) قلت: رواية معمر أخرجها عبد الرزاق (١/ ٢٦٧) رقم (١٠٢٧)، ومن طريقه أحمد (٦/ ١٢٧)، والنسائي (٢٣٠)، والبيهقي (١/ ١٩٤)، وابن عبد البر (١/ ١٠١).","vol":"2","page":241},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ نَحْوَ (١) حَدِيثِ مَالِكٍ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: الْفَرَقُ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: صَاعُ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ. قَالَ: فَمَنْ (٢) قَالَ: ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِمَحْفُوظٍ،\n===\nالماء بقدر الفرق، غرض أبي داود بيان الاختلاف في رواية الزهري بين تلميذيه، ففي رواية مالك ذكر اغتسال رسول الله - ﷺ - وحده من الفرق، وفي رواية معمر ذكر اغتساله مع عائشة من الفرق، وليس في الروايتين في الحقيقة اختلاف، لأنه ليس في رواية مالك نفي اغتسال عائشة معه - ﷺ -، ولو كان المراد اغتساله وحده - ﷺ - فيحمل على اختلاف الأحوال.\n(قال أبو داود: وروى ابن عيينة (٣) نحو حديث مالك) والغرض منه تقوية رواية مالك وترجيحه على رواية معمر.\n(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلًا، وسمعته) أي أحمد (يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، قال) أبو داود: فقلت لأحمد: (فمن قال: ثمانية أرطال) فقوله صحيح أم لا؟ (قال) أي أحمد: (ليس ذلك بمحفوظ) (٤).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مثل\".\n(٢) وفي نسخة: \"ومن\".\n(٣) رواية سفيان بن عيينة أخرجها ابن أبي شيبة (١/ ٣٥)، والحميدي (١/ ٨٦) رقم (١٥٩)، وأحمد (٦/ ٣٧)، ومسلم (٣١٩)، وابن الجارود (١/ ٦٠) رقم (٥٧)، وابن عبد البر (٨/ ١٠٠).\n(٤) لمخالفته صاع النبي - ﷺ -، وقد عرفت أن من قال به إنما قال لورود الرواية في تفسير المد برطلين، فأخذ بالاحتياط ليكون فراغ الذمة يقينًا \"التقرير\". (ش).","vol":"2","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولعل ابن أبي ذئب هذا هو محمد بن عبد الرحمن (١) بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، أستاذ أحمد بن حنبل، فنسب الصاع إليه، لأنه شيخه وأستاذه.\nقال الجوهري: الصاع هو الذي يكال به، وهو أربعة أمداد، قال ابن سيده: الصاع مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد، قال ابن الأثير: الصاع مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف.\nواختلف فقهاء البلاد في تقديره، فقال فقهاء الحجاز: الصاع خمسة أرطال وثلث. ويقال: رجع إليه أبو يوسف، قال الحافظ (٢): وتوسط بعض الشافعية فقال: الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث، وهو ضعيف.\nوقال فقهاء العراق: هو ثمانية أرطال، وكذلك وقع الاختلاف في المد، فقال الشافعي وفقهاء الحجاز: المد رطل وثلث بالعراقي، وقال أبو حنيفة وفقهاء العراق: هو رطلان.\nواحتج الفريق الأول بما رواه الشيخان في الفدية، وفيها: \"وأطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع\"، وفي رواية لهما: فأمره رسول الله - ﷺ - أن يطعم فرقًا بين ستة، والفرق اثنا عشر مدًا، والمد ربع الصاع، أو يقال: إن الفرق ستة عشر رطلًا، فثبت بذلك أن الفرق ثلاثة آصع، وأن الصاع خمسة أرطال وثلث.\nوالجواب عن هذا الاستدلال أن استدلالهم بهذا، إما عن قول\n_________\n(١) وبه جزم ابن رسلان. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٤).","vol":"2","page":243},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرسول الله - ﷺ - أو عن غيره، فأما إن كان من قوله - ﷺ - فلم يثبت بقوله - ﷺ - أن الفرق اثنا عشر مدًا أو ستة عشر رطلًا، وأما قول بعض أهل اللغة فليس بحجة على أئمة الأحناف، لأنهم قدوة في اللغة أيضًا.\nوأيضًا الجملة الواقعة في الحديث: \"أن يطعم فرقًا بين ستة\" لا نسلم أن يكون من لفظه - ﷺ -، بل يمكن أن يكون لفظه - ﷺ -: \"لكل مسكين نصف صاع\"، رواه الراوي بالمعنى بما تقرر عنده من مساواة الفرق بثلاثة آصع، فقال: \"فأمره أن يطعم فرقًا بين ستة\"، وسياق لفظ الحديث ظاهر فيما قلنا، فلما وقع ذلك الاحتمال بطل استدلالهم به.\nوأيضًا احتجوا بما أخرجه البيهقي عن الحسين بن الوليد القرشي من قصة قدوم أبي يوسف من الحج، وفحصه عن الصالح لما قدم المدينة، وسأل عن الصاع فأتاه نحو خمسين شيخًا من أبناء المهاجرين مع كل منهم صاعه، وهو يخبر عن أبيه أو عن عمه أو أمه أن هذا صاع رسول الله فعيَّره أبو يوسف فإذا هو خمسة أرطال وثلث، فترك قول أبي حنيفة، وروى أن مالكًا ناظره، واستدل عليه بالصيعان التي جاء بها هؤلاء الرهط، فرجع أبو يوسف إلى قوله.\nوالجواب عنه: أن هذا نقل عن المجهولين لا يستدل به، ولا يصح الاستدلال بمثل هذا على قاعدة المحدثين.\nوأيضًا احتج الطحاوي (١) لهذا الفريق بما أخرجه بسنده عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: \"كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد وهو الفرق\"، وفي رواية: \"من إناء واحد من قدح يقال له: الفرق\".\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٤٨).","vol":"2","page":244},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الطحاوي: قالوا: فلما ثبت بهذا الحديث الذي روي عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل هو وهي من الفرق، والفرق ثلاثة آصع كان ما يغتسل به كل واحد منهما صاعًا ونصفًا، فإذا كان ذلك ثمانية أرطال كان الصاع ثلثيها وهو خمسة أرطال وثلث رطل، وهذا قول أهل المدينة.\nثم أجاب الطحاوي عن هذا الاستدلال بأن حديث عروة عن عائشة إنما فيه ذكر الفرق الذي كان يغتسل منه رسول الله - ﷺ -، وهي لم تذكر مقدار الماء الذي يكون فيه هل هو ملؤه أو أقل من ذلك؟ فقد يجوز أن يكون يغتسل هو وهي بملئه، ويجوز أن يكون كان يغتسل هو وهي بأقل من ملئه مما هو صاعان، فيكون كل واحد منهما مغتسلًا لصاع من ماء، ويكون معنى هذا الحديث موافقًا لمعنى الأحاديث التي رويت عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يغتسل بصاع.\nواحتج الفريق الثاني أولًا بما أخرجه الطحاوي بسند صحيح عن موسى الجهني عن مجاهد قال: دخلنا على عائشة فاستسقى بعضنا فأتي بِعُسّ، قالت عائشة: كان النبي - ﷺ - يغتسل بمثل هذا، قال مجاهد: فحزرته فيما أحزر ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال، وقالوا: لم يشك مجاهد في الثمانية، وإنما شك فيما فوقها، فثبت الثمانية بهذا الحديث، وانتفى ما فوقها.\nوأجيب عن هذا الاستدلال بوجوه:\nالأول: أن الحزر لا يعارض به التحديد، قلت في الجواب عنه: وأين التحديد حتى لا يعارض به؟\nوالثاني: لم يصرح مجاهد بأن الإناء المذكور كان صاعًا، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها.","vol":"2","page":245},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: لما ثبت في أحاديث كثيرة عن عائشة أنه - ﷺ - كان يغتسل بالصاع، ثم أخرجت عائشة بإناء وقالت: كان النبي - ﷺ - يغتسل بمثل هذا، وحزره مجاهد بثمانية أرطال يقينًا وبتسعة وعشرة شكًا، فألغينا المشكوك، علمنا بهذا أن الصاع يكون ثمانية أرطال، ولم يبق فيه ريب حتى يحتاج إلى أن يصرح بها مجاهد بأن الإناء المذكور كان صاعًا.\nوالثالث: أن مجاهدًا قد شك في هذا الحزر والتقدير، فكيف يعارض التحديد المصرح؟ وقلت: وهذا أيضًا فاسد فإن مجاهدًا لم يشك في كونه ثمانية أرطال، وإنما شك فيما فوقها فألغوها، وأما دعوى التحديد المصرح فدعوى محض لا دليل عليه إلَّا لسان القائل.\nوثانيًا: بما أخرجه الدارقطني (١) بسنده عن أنس بن مالك: \"أن النبي - ﷺ - كان يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال\"، لكن ضعفه الدارقطني وقال: تفرد به موسى بن نصر وهو ضعيف الحديث، قلت: لكن قال الحافظ في \"لسان الميزان\" (٢): ذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من \"الثقات\"، والجملة الأولى أخرجها الطحاوي بسنده عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن جبير عن أنس بن مالك قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع\"، وفي رواية له: \"يتوضأ بالمد وهو رطلان\"، قال الطحاوي: فهذا أنس قد أخبر أن مد رسول الله - ﷺ - رطلان، والصاع أربعة أمداد، فإذا ثبت أن المد رطلان ثبت أن الصاع ثمانية أرطال.\nوثالثًا: بما أخرج الطحاوي (٣) فقال: حدثنا ابن أبي عمران قال:\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٩٤).\n(٢) رقم (٤٦٠).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٥١).","vol":"2","page":246},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأنا علي بن صالح وبشر بن الوليد جميعًا عن أبي يوسف قال: قدمت المدينة فأخرج إلى من أثق به صاعًا، فقال: هذا صاع النبي - ﷺ -، فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل، وسمعت ابن أبي عمران يقول: يقال: إن الذي أخرج هذا لأبي يوسف هو مالك بن أنس، وسمعت أبا حازم يذكر أن مالكًا سئل عن ذلك فقال: هو تحري عبد الملك لصاع عمر بن الخطاب، فكأنّ مالكًا لما ثبت عنده أن عبد الملك تحرى ذلك من صاع عمر، وصاع عمر صاع النبي - ﷺ -.\nوقد قدر صاع عمَر على خلاف ذلك، فحدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا وكيع، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن موسى بن طلحة قال: الحجاجي صاع عمر بن الخطاب.\nحدثنا أحمد قال: ثنا يعقوب قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: عيرنا صاع عمر فوجدناه حجاجيًا، والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي.\nحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا سفيان بن بشر الكوفي قال: ثنا شريك، عن مغيرة وعبيدة، عن إبراهيم قال: وضع الحجاج قفيزه على صاع عمر، فهذا أولى بما ذكر مالك من تحري عبد الملك، لأن التحري ليس معه حقيقة، وما ذكره إبراهيم، وموسى بن طلحة من العيار معه حقيقة، فهذا أولى، انتهى.\nقلت: وكان قد فقد صاع عمر فأخرجه الحجاج، وكان يمن على أهل العراق يقول في خطبته: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، ألم أخرج لكم صاع عمر، ولذلك سمي حجاجيًا، وهو صاع العراق.","vol":"2","page":247},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١): وأما كون صاع عمر كذلك فأخرج ابن أبي شيبة: ثنا يحيى بن آدم قال: سمعت حسن بن صالح يقول: صاع عمر ثمانية أرطال، وقال شريك: أكثر من سبعة وأقل من ثمانية.\nقال ابن الهمام: وقيل: لا خلاف بينهم، فإن أبا يوسف لما حزره وجد خمسة وثلثًا برطل أهل المدينة، وهو أكبر من رطل أهل بغداد، لأنه ثلاثون أستارًا، والبغدادي عشرون، وإذا قابلت ثمانية بالبغدادي بخمسة وثلث بالمدني وجدتهما سواء وهو أشبه، لأن محمدًا لم يذكر في المسألة خلاف أبي يوسف ولو كان لذكره على المعتاد، وهو أعرف بمذهبه.\nوحينئذ فالأصل كون الصاع الذي كان في زمن عمر هو الذي كان في زمن النبي - ﷺ - أولى بالاستصحاب إلى أن يثبت خلافه ولم يثبت، وعند ذلك تكون تلك الزيادة التي فيما تقدم من رواية الدارقطني وهي لفظ ثمانية أرطال ورطلان صحيحة اجتهادًا، وإن كان في الرواة الذين في طريقها ضعف، إذ ليس يلزم من ضعف الراوي سوى ضعفها ظاهرًا لا الانتفاء في نفس الأمر، إذ ليس كلما يرويه الضعيف خطأ، وهذا لتأيدها بما ذكر من الحكم الاجتهادي يكون صاع عمر هو صاع النبي - ﷺ -.\nهذا ولا يخفى ما في واقعة أبي يوسف مع مالك لكون النقل عن المجهولين من النظر، بل عدم ذكر محمد خلافه أقوى منها، فيكون ذلك دليل ضعف وقوع أجل الواقعة لأبي يوسف، ولو كان راويها ثقة، لأن وقوع ذلك منه لعامة الناس ومشافهته إياهم به بما يوهم شهرة رجوعه، ولو كان كذا لم يخف على محمد فهو علة باطنة.\n_________\n(١) (٢/ ٢٣١).","vol":"2","page":248},{"text":"قال: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: مَنْ أَعْطَى فِى صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِرَطْلِنَا هَذَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا فَقَدْ أَوْفَى، قِيلَ له: الصَّيْحَانِىُّ ثَقِيلٌ؟ قَالَ:\n===\nثم اعلم أن ما أورده صاحب \"عون المعبود\" (١) في هذا البحث من الطعن علي الإِمام الطحاوي لا نلوث قلمنا بذكره ولا برده، فالله حسيبه وهو مجاز عليه.\n(قال) أي أبو داود: (وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا) أي بالبغدادي (خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى) أي فقد أدى صدقة الفطر بالوفاء كاملًا، حاصل ذلك القول أنه لما ساوى عنده الصاع خمسة أرطال وثلثًا، فمن شاء أدى صدقته بمكيل صاع، ومن شاء أدى بوزن خمسة أرطال وثلث رطل، فإنهما مستويان.\n(قيل له) أي اعترض عليه: (الصيحاني (٢) ثقيل؟)، فإذا أدى منه خمسة أرطال وثلثًا هل يكون مؤديًا للواجب وموفيًا له؟\n(قال) أي الإِمام أحمد (٣) في جوابه، ولم يتأمل في الاعتراض حق\n_________\n(١) (١/ ٤٠٦).\n(٢) وفي \"لسان الميزان\" (١/ ٣١٧) رقم (٩٥٧): في حديث حكم عليه بالبطلان أنه سُمِّي به؛ لأنها صاحت بنخلة أخرى هذا النبي المصطفى وعلي المرتضى، فقال ﵊: \"إنما سمي نخل المدينة صيحانيًا لأنه صاح بفضلي وفضلك\"، وقال ابن رسلان: وكان كبش اسمه صيحان شُدَّ بنخلة فنسب إليه. (ش).\n(٣) وهذا غير ما في \"التقرير\" إذ قال: يعني من أداها وزنًا ولم يؤد بالكيل فقد أدى ما وجب، فقيل له: إن الصيحاني أثقل من غيره فيكون المساوي منه وزنًا أقل كيلًا لثقله، فهل تتأدى فطرته، وهل طاب فعله ذلك؟ وقائل قال: هو الذي كان القائل في قيل، فقال أحمد: لا أدري هل تتأدى أم لا؟ وعندنا لا تتأدى حتى يستوفي مقدار الصاع، انتهى. وما في \"البذل\" أوضح وأوجه، قال ابن رسلان: يشبه أن يكون المعنى لا أدري أيهما أثقل، انتهى، ولم يشرح الكلام أكثر من هذا. (ش).","vol":"2","page":249},{"text":"الصَّيْحَانِىُّ أَطْيَبُ قَالَ: لَا أَدْرِى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>(٩٩) بَابٌ: في الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ</span>\n٢٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ: قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ\n===\nالتأمل: (الصيحاني أطيب) أي أطيب أنواع التمر وأعلاها، فكيف لا يكون إذا أعطى منه خمسة أرطال وثلثًا مؤديًا.\nقال في \"القاموس\": الصيحاني من تمر المدينة، نسب إلى صَيْحان لِكَبْشٍ كان يُرْبَطُ إليها، أو اسم الكبش الصَّيَّاح، وهو من تغييرات النسب، كَصَنْعانِىٍّ، انتهى.\nثم الإِمام أحمد لما تأمل في وجه السؤال، وعلم أن حاصل الاعتراض أن الصيحاني من أنواع التمر يكون أثقل من غيره، فيكون ما يساوي منه خمسة أرطال وثلثًا وزنًا لا يساوي صاعًا إذا كيل في الصاع لثقله، فلا يبلغ الصاع بل يكون أقل منه، والواجب بالنص صاع، وقد قلت: من أعطى خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى، ففي هذا الحال كيف يكون مؤديًا لصدقته، فلم يحضره الجواب و(قال: لا أدري) وأما عندنا الأحناف فلا يكون مؤديًا حتى يستوفي مقدار الصاع (١).\n\n(٩٩) (بَابٌ: في الغُسْلِ)\nأي: في كيفيته وصفته (مِنَ الجَنَابَة)\n٢٣٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: ثنا زهير) بن معاوية\n_________\n(١) وهكذا عند الشافعية كما بسط في \"شرح الإحياء\" (١/ ٨٤)، وهكذا حكي عن الحنابلة في \"المنهل\" (٢/ ٣٣٦). (ش).","vol":"2","page":250},{"text":"قال: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قال: ثنِى (١) سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ،\n===\n(قال: ثنا أبو إسحاق) السبيعي (قال: ثني سليمان بن صُرَد) (٢) بضم المهملة وفتح الراء، ابن الجون الخزاعي، أبو مطرف الكوفي، له صحبة، وكان اسمه في الجاهلية يسار، فسماه النبي - ﷺ - سليمان، سكن الكوفة، وكان له شرف في قومه، وشهد مع علي صفين، وكان في من كتب إلى الحسين يسأله القدوم إلى الكوفة، فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قتل قدم سليمان هو والمسيب بن نجبة الفزاري وجميع من خذله وقالوا: ما لنا توبة إلَّا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه، فعسكروا بالنخيلة، وولّوا سليمان أمرهم، ثم ساروا فالتقوا بعبيد الله بن زياد بموضع يقال له: عين الوردة، فقتل سليمان ومن معه سنة ٦٥ هـ، وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وتسعين سنة.\n(عن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغرًا (ابن مطعم) (٣) ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، قدم على النبي - ﷺ - في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، كان يؤخذ عنه النسب، وكان أخذ النسب عن أبي بكر، مات سنة ٥٩ هـ، (أنهم) أي بعض الصحابة (ذكروا عند رسول الله - ﷺ - الغسل من الجنابة) (٤).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نا\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٧٣) رقم (٢٢٣٢).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٣١٠ (رقم (٦٩٨).\n(٤) المشهور أنه تَعَبُّديٌّ، يخرج المني من الذكر ويغسل سائر بدنه، لكن قال الأطباء: إنه يخرج السم من المسامات عند الخروج بالشهوة. (ش).","vol":"2","page":251},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِى ثَلَاثًا»، وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا.\n[خ ٢٥٤، م ٣٢٧، ن ٢٥٠، جه ٥٧٥، ق ١/ ١٧٦، حم ٤/ ٨٤]\n٢٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ،\n===\nوفي \"مسند أحمد\" قال: \"تذاكرنا الغسل من الجنابة عند رسول الله - ﷺ -\"، وفي رواية النسائي: قال: \"تماروا في الغسل عند رسول الله - ﷺ -، فقال بعض القوم: إني لأغسل كذا وكذا\"، وفي رواية البيهقي: \"قال: تماروا في الغسل عند رسول الله - ﷺ -، فقال بعض القوم: أما أنا فأغسل رأسي كذا وكذا\"، فعلم بهذه الروايات أن في رواية أبي داود اختصارًا.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم (أنا فأفيض) أي الماء (على رأسي (١) ثلاثًا، وأشار بيديه كلتيهما)، وقسيمُ أَمَّا ما ذكره الحاضرون (٢) من الصحابة، أي أما أنتم فتفعلون (٣) ما ذكرتم، وأما أنا فأفعل هكذا، وفيه سنية التثليث في الإفاضة على الرأس، وألحق به غيره فإن الغسل أولى بالتثليث من الوضوء المبني على التخفيف، قلت: لكن بعض الأحاديث تدل على أنه كان يقصد بالثلاث الاستيعاب مرة لا التكرار مرات كما قررناه في حاشية \"سنن أبي داود\"، وهكذا قال السندي في \"شرح النسائي\" (٤).\n٢٤٠ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا أبو عاصم) النبيل\n_________\n(١) ظاهره يدل على أنهم ذكروا أكثر من الثلاث، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وذكره مسلم في \"باب استحباب إفاضة الماء على الرأس\"، فقال بعض القوم: أنا أغسل رأسي بكذا وكذا. (ش).\n(٣) فبيَّن كل منهم فعل نفسه، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١/ ١٣٦).","vol":"2","page":252},{"text":"عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَىْءٍ نَحْوِ الْحِلَابِ،\n===\n(عن حنظلة) بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي المكي، كان وكيع إذا أتى على حديثه قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، وكان ثقة ثقة، وعن أحمد: أنه ثقة ثقة، وعن ابن معين: ثقة حجة، ووثقه أبو زرعة وأبو داود والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره ابن عدي في \"الكامل\"، وأورد له حديثًا استنكره، لعل العلة فيه من غيره، وقال ابن المديني: كان عنده كتاب ولم يكن عندي مثل سيف، مات سنة ٥١ هـ.\n(عن القاسم) بن محمد، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل) أي أراد الاغتسال (من الجنابة دعا بشيء) أي بإناء (نحو الحلاب) أي على مقداره وقريبًا منه، قال في \"المجمع\": فدعا بإناء نحو من صاع أي قدر صاع.\nقال الخطابي (١): الحلاب: إناء يسع قدر حلبة ناقة، وقد ذكره محمد بن إسماعيل في كتابه (٢)، وتأوله على استعمال الطيب في الطهور، وأحسبه توهم أنه يريد به (٣) المحلب الذي يستعمل في غسل\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٢٥).\n(٢) توضيحه أن الإِمام البخاري بوَّب عليه \"باب من بدأ بالحلاب أو الطيب\"، وذكر فيه هذا الحديث، فتفرق الشراح فيه على ثلاث فرق، بسطها الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٦٩)، فقال جماعة: وهم البخاري، والغلط لا يسلم منه أحد. وقال آخرون: في الحديث تصحيف، والصحيح الجلاب بضم الجيم وتشديد اللام: ماء الورد، وقيل بالتوجيه فقيل: أراد تطييب البدن، وقيل: أشار إلى أن لا طيب قبله ... إلخ. إلى آخر ما قال، وبسط في هامش \"اللامع\" (٢/ ٢١٠). (ش).\n(٣) وفي \"المعالم\": \"أريد به\".","vol":"2","page":253},{"text":"فَأَخَذَ بِكَفِّيهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ (١) فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ\". [خ ٢٥٨، م ٣١٨، ن ٤٢٤]\n٢٤١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ\n===\nالأيدي، وليس هذا من الطيب في شيء، وإنما هو ما فسرته لك، ومنه قول الشاعر:\nصَاحِ! هَلْ رَأيتَ أَوْ سَمِعْتَ بِراعٍ ... رَدَّ في الضَّرْعِ مَا قَرَى في الْحِلَابِ؟\n(فأخذ) منه الماء (بكفيه، فبدأ (٢) بشق رأسه الأيمن) أي أدخل الماء في شعور شق رأسه الأيمن ثم الأيسر، (ثم أخذ بكفيه فقال) أي أشار (بهما) أي بكفيه (على رأسه) أي أفاض الماء بكفيه على جميع رأسه، وأخرج البيهقي (٣) بسنده من طريق أبي عاصم عن حنظلة، عن القاسم، عن عائشة: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل في حلاب قدر هذا، وأرانا أبو عاصم قدر الحلاب بيده، فإذا هو كقدر كوز يسع ثمانية أرطال، ثم يصب على شق رأسه الأيمن، ثم يصب على شق رأسه الأيسر، ثم يأخذ كفيه فيصب وسط رأسه\".\n٢٤١ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير العبدي، مولى عبد القيس، أبو يوسف الدورقي الحافظ البغدادي، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي ومسلمة والخطيب: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٢ هـ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بكفه\".\n(٢) وفي \"التقرير\": أي يُشَرِّب الماء شعر رأسه يمينًا ثم يسارًا، فالمذكور أولًا التشريب، والمذكور ثانيًا هو الغسل. (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٨٤).","vol":"2","page":254},{"text":"قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ -، عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ صَدَقَةَ قال: حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ أَحَدُ بَنِى تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ: \"دَخَلْتُ مَعَ أُمِّى وَخَالَتِى عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَتْهَا إِحْدَاهُمَا: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ عِنْدَ الْغُسْلِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ\n===\n(قال: ثنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - عن زائدة بن قدامة، عن صدقة) بن سعيد الحنفي الكوفي، قال أبو حاتم: شيخ ...، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري: عنده عجائب، وقال الساجي: ليس بشيء، وقال محمد بن وضاح: ضعيف.\n(قال: ثنا جميع (١) بن عمير) كلاهما بالتصغير (أحد بني تيم الله بن ثعلبة) التيمي، أبو الأسود الكوفي، قال ابن حبان: رافضي يضع الحديث، وقال ابن نمير: كان من أكذب الناس، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: كوفي تابعي، من عنق الشيعة، محله الصدق، صالح الحديث، وقال الساجي: له أحاديث مناكير، وفيه نظر، وهو صدوق، وقال العجلي: تابعي ثقة، له عند الأربعة ثلاثة أحاديث، وقد حسنن الترمذي بعضها.\n(قال: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة فسألتها إحداهما: كيف كنتم تصنعون عند الغسل؟ فقالت عائشة) في جوابها: كان رسول الله - ﷺ -) أي إذا اغتسل (يتوضأ (٢) وضوءه للصلاة ثم يفيض) أي الماء (على رأسه\n_________\n(١) فهو يروي عن عائشة. كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٢) أوجبه الظاهرية، وهو رواية عن أحمد والشافعي، وقال الجمهور: هو مندوب، والغسل يجزئ عنه بشرط المضمضة والاستنشاق عند من أوجبهما في الغسل، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٤٩٨)، قال ابن رسلان: هو سنَّة خلافًا لأبي ثور إذ قال: شرط =","vol":"2","page":255},{"text":"ثَلَاثَ مَرارٍ (١)، وَنَحْنُ نُفِيضُ عَلَى رُءُوسِنَا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضَّفْرِ\". [جه ٥٧٤، حم ٦/ ١٨٨، دي ١١٤٩]\n٢٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاشِحِىُّ. (ح): (٢) وثنا مُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: يَبْدَأُ فَيُفْرِغُ بيَمِينِهِ (٣)، وَقَالَ مُسَدَّدٌ: - غَسَلَ يَدَيْهِ،\n===\nثلاث مرار، ونحن نفيض على رؤوسنا (٤) خمسًا من أجل الضفر) بفتح الضاد المعجمة وسكون الفاء مصدر من باب ضرب، أي من أجل فتل الشعر، كأنَّ عائشة - ﵂ - أمرتهما بأن تفيضا على رؤوسهما خمسًا إذا كانتا مضفورتي الشعر احتياطًا، ولئلا يبقى ريب في أنّ الماء وَصَلَ أصول الشعر أم لا.\n٢٤٢ - (حدثنا سليمان بن حرب الواشحي (٥)، ح: وثنا مسدد قالا: نا حماد) بن سلمة، (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل) أي أراد الاغتسال (من الجنابة) إلى ههنا اتفق لفظ سليمان ومسدد ثم اختلفا (قال سليمان: يبدأ فيفرغ) أي الماء (بيمينه) على شماله، كما في نسخة، (وقال مسدد: غسل يديه\n_________\n= للغسل، قال ابن المنذر: هو خلاف الإجماع، انتهى، وكذا حكى عنه ابن العربي، وأجاب عن الحديث بثلاثة أجوبة. (ش) [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٥٦)].\n(١) وفي نسخة: \"مرات\".\n(٢) وفي نسخة بغير ح.\n(٣) وفي نسخة: \"من يمينه على شماله\".\n(٤) أي في بعض الأوقات، فلا ينافي ما سيأتي من ثلاث في \"باب في المرأة هل تنقض شعرها\"، وكذا في رواية \"الموطأ\" ثلاثًا. (ش).\n(٥) نسبة إلى بني واشح بطن من الأزد. (ش).","vol":"2","page":256},{"text":"ويَصُبُّ الإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ اتَّفَقَا: فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، - قَالَ مُسَدَّدٌ: يُفْرِغُ عَلَى شِمَالِهِ، وَرُبَّمَا كَنَتْ عَنِ الْفَرْجِ -\n===\nويصب) وفي نسخة: فصب، أما النسخة الأولى فليس فيها واو إلَّا في النسخة الدهلوية، وأما النسخة المكتوبة والنسخة المصرية والنسخة التي في \"عون المعبود\" فكلها خالية عن الواو، وهو الأولى (الإناء على يده اليمنى) (١).\nوحاصل قول مسدد (٢) أنه قال: غسل هو - ﷺ - أولًا يديه، ثم ذكر صفة غسل اليدين بأنه يصب الماء من الإناء أولًا على يده اليمنى، ثم لم يذكر غسل اليسرى، لأنه كان قد فهم من قوله: غسل يديه، وكذلك ما رواه مسلم في \"صحيحه\" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قالت عائشة: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء فغسلها، ثم صب الماء على الأذى الذي به بيمينه وغسل عنه بشماله\".\n(ثم اتفقا) أي سليمان ومسدد بعد الاختلاف المذكور فقالا: (فيغسل فرجه (٣)، وقال مسدد) أي زاد مسدد بعد قوله: \"فيغسل فرجه\" (يفرغ على شماله) أي بيمينه (وربما كَنَتْ عن الفرج) يعني يقول مسدد: إن عائشة ربما لم تذكر لفظ الفرج، بل كَنَتْ عنها بلفظ آخر، كما في \"رواية مسلم\": \"ثم صب الماء على الأذى الذي به\".\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وهذا الأدب إذا كان فم الإناء ضيقًا، كالإبريق ونحوه يكون الإناء يساره ويصب به على يمينه، وإذا كان واسعًا كالقدح يكون على يمينه، انتهى. (ش).\n(٢) وأوضح رواية كليهما في \"التقرير\"، فأرجع إليه إن شئت. (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ١٥٥): فيه جواز ذكر الفرج للضرورة ولا يدخل في الرفث، ورَدَّ على الشافعي في قوله بطهارة المني أو رطوبة الفرج، وذكر في الحديث ثلاثة عشر حكمًا، ورطوبة الفرج نجس عند الصاحبين، طاهر عند الإِمام، وكذا في الأصح عند الشافعية، وسيأتي في \"البذل\" تحت \"باب المني يصيب الثوب\". (ش).","vol":"2","page":257},{"text":"ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ (١) لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَيْهِ (٢) فِى الإِنَاءِ فَيُخَلِّلُ شَعْرَهُ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ الْبَشَرَةَ، أَوْ: أَنْقَى الْبَشَرَةَ، أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، فَإِذَا (٣) فَضَلَ فَضْلَةٌ\n===\nثم اتفقا سليمان ومسدد ولم يختلفا إلى آخر الحديث فقالا: (ثم) أي بعد الفراغ من غسل اليدين والاستنجاء (يتوضأ وضوءه للصلاة) (٤) ظاهره أنه كان يغسل (٥) رجليه قبل غسل سائر البدن، وقد ثبت أنه كان يغسلهما بعد التنحي عن ذلك المكان، ويجمع بأنه كان يفعل أحيانًا كذا وأحيانًا كذا، أو يؤول بأنه كان يغسل رجليه لإزالة الحدث أولًا، ثم يغسل بعد ذلك للنظافة وإزالة الطين ثانيًا، هكذا في تقرير مولانا محمد يحيى - المرحوم -.\n(ثم يدخل يديه في الإناء) أي فيأخذ الماء منه. (فيخلل) (٦) أي فيدخل الماء خلال (شعره حتى إذا رأى أنه) أي الماء (قد أصاب البشرة) أي بشرة (٧) الرأس (أو أنقى البشرة) هذا الشك من بعض الرواة (أفرغ على رأسه ثلاثًا، فإذا فضل (٨) فضلة) أي بقي بقية من الماء، قال في \"القاموس\": الفضلة:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"كوضوئه\".\n(٢) وفي نسخة: \"يده\".\n(٣) وفي نسخة: \"وإذا\".\n(٤) قال الزرقاني عن الحافظ: هو المحفوظ في حديث عائشة، فما في \"مسلم\" عنها: \"ثم يغسل رجليه\"، وهمٌ تفرَّد به أبو معاوية ... إلخ. (ش) [انظر: \"شرح الزرقاني\" (١/ ٩١)].\n(٥) به قال الشافعي ومالك في المشهور عنه، ورجحه الشامي (١/ ٣٢٢). (ش).\n(٦) قال ابن العربى (١/ ١٥٧): خلل رأسه خاصةً، وتخليل اللحية اختلفت الرواية فيه عن إمامنا ... إلخ، وقال الزرقاني (١/ ٩١): هذا التخليل غير واجب اتفاقًا إلَّا أن يكون رأسه ملبدًا بشيء، وقال عياض: احتجَّ به بعضهم على تخليل اللحية إما بالعموم أو بقياسه على الرأس، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٧) أو المراد بشرة البدن بالدلك، \"التقرير\". (ش).\n(٨) هذا ترخيص للتجاوز عن حد الضرورة إذا لم يبلغ حد التبذير، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"2","page":258},{"text":"صَبَّهَا عَلَيْهِ\". [خ ٢٧٢، م ٣١٦، ت ١٠٤، ن ٢٤٣، جه ٥٧٤، ط ١/ ٤٤، حم ٦/ ٥٢، دي ٧٤٨]\n٢٤٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ الْبَاهِلِىُّ\n===\nالبقية، كالفَضْل، والفُضَالَة بالضم، وقال في \"لسان العرب\": والفضل والفضلة: البقية من الشيء، وحركت في كليهما الفاء بالفتح.\n(صبها عليه) والمراد بصب الفضلة عليه صبها على سائر الجسد، كما في رواية النسائي: \"ثم يفرغ على رأسه ثلاثًا، ثم يفيض على سائر جسده\"، وفي أخرى له: \"ويصب على رأسه ثلاثًا، ثم يفيض على سائر جسده\"، وفي أخرى له: \"ثم يفيض على رأسه ثلاثًا، ثم يصب عليه الماء\"، وفي أخرى له: \"ثم يصب على رأسه ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على جسده كله\".\n٢٤٣ - (حدثنا عمرو بن علي الباهلي) وهو عمرو بن علي بن بحر بن كَنِيز، كذا في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" و\"التاريخ الصغير\" للبخاري، و\"تذكرة الحفاظ\" و\"الجمع بين رجال الصحيحين\" مكبرًا.\nوقال في \"الخلاصة\" في ترجمة بحر: بحر بن كنيز - بنون وزاي - مصغر، (١) وضبطه عبد الغني بفتح الكاف، الباهلي، أبو حفص البصري الصيرفي الفلاس الحافظ أحد الأعلام، قال النسائي: ثقة. وقال الدارقطني: كان من الحفاظ، وبعض أصحاب الحديث يفضلونه على ابن المديني ويتعصبون له، وقد صنف العلل والتاريخ، وهو إمام متقن، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الحاكم: وقد كان عمرو بن علي أيضًا يقول في علي بن المديني، وقد أجل الله تعالى محلهما جميعًا عن ذلك يعني أن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا إذا كان غير مفسر لا يقدح، وقال صالح جزرة: ما رأيت في المحدثين بالبصرة أكيس من خياط، ومن أبي حفص\n_________\n(١) في الأصل تقديم وتأخير في العبارة. والصواب ما حررناه من \"الخلاصة\" (ص ٤٦).","vol":"2","page":259},{"text":"قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَدِىٍّ، حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِى مَعْشَرٍ، عَنِ النَّخَعِىِّ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِكَفَّيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ مَرَافِغَهُ\n===\nالفلاس، وكانا متهمين، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة حافظ، وقد تكلم فيه علي بن المديني، وطعن في روايته عن يزيد بن زريع، انتهى، وإنما طعن في روايته عن يزيد؛ لأنه استصغره فيه، مات سنة ٢٤٩ هـ.\n(ثنا محمد بن أبي عدي) منسوب إلى جده، وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، ويقال: إن كنية إبراهيم أبو عدي، فعلى هذا يكون منسوبًا إلى أبيه السلمي مولاهم، القسملي، نزل فيهم، أبو عمرو البصري، أحسن الثناء عليه عبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن معاذ، ووثَّقه أبو حاتم والنسائي وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وفي \"الميزان\": قال أبو حاتم مرة: لا يحتج به، مات سنة ٢٩٤ هـ (١).\n(ثنا سعيد) بن أبي عروبة، (عن أبي معشر) هو زياد بن كليب، (عن النخعي) هو إبراهيم بن يزيد، (عن الأسود) بن يزيد، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بكفيه فغسلهما، ثم غسل مرافغه) (٢) بفتح الميم وكسر الفاء والغين المعجمة، جمع رفغ بضم الراء وفتحها وسكون الفاء، وهي مغابن البدن أي مطاويه، وما يجتمع فيه الأوساخ كالإبطين وأصول الفخذين ونحو ذلك، وعن ابن الأعرابي:\n_________\n(١) كذا في الأصل، وهو مقتضى كونه من التاسعة، لكن صرح في \"التهذيب\" (٩/ ١٣)، و\"الميزان\" (٣/ ٦٤٧)، و\"الكاشف\" (٣/ ١٦)، و\"الخلاصة\" (ص ٣٢٤): سنة ١٩٤ هـ، فتأمل. (ش).\n(٢) قال صاحب \"العون\" (١/ ٤١٣): كنى به عن الفرج لرواية: \"إذا التقى الرفغان وجب الغسل\". (ش).","vol":"2","page":260},{"text":"وَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، فَإِذَا أَنْقَاهُمَا أَهْوَى بِهِمَا إِلَى حَائِطٍ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْوُضُوءَ وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ\". [حم ٦/ ١٧١]\n===\nأصول اليدين والفخذين، لا واحد لها من لفظها، وفي نسخة بالقاف، وفي أخرى بالعين المهملة (١)، قال الشيخ ولي الدين: والأولى هي الصحيحة \"مرقاة الصعود\" (٢).\n(وأفاض عليه الماء)، الظاهر (٣) أن الضمير يرجع إلى رسول الله - ﷺ -، وفي الحديث تقديم وتأخير، وأصل العبارة: ثم غسل فرجه ثم مرافغه، فإذا أنقاهما أي الفرج والمرافغ أو اليدين، أهوى بهما، أي أمال باليدين نحو حائط ليدلكهما تنظيفًا، ثم يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه، وأفاض عليه الماء، أي على جسده، ويمكن (٤) أن يرجع الضمير إلى المرافغ بتأويل ما ذكر، فحينئذ لا يحتاج أن يقال فيه تقديم وتأخير.\n(فإذا أنقاهما) من النجاسة (أهوى بهما) (٥) أي أمالهما (إلى حائط) ليغسلهما بالتراب، فيكون أنظف (ثم يستقبل الوضوء ويفيض) أي يصب (الماء على رأسه).\n_________\n(١) لم أجد في معناه ما يناسب المحل في \"القاموس\" ولا في \"المجمع\". (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: روي مرافقه بالقاف والغين، وعلى الأول غسل الأيدي مع المرافق، وعلى الثاني مطاوي البدن، فليتعهد كل ذلك، فإنه يجب إيصال الماء في الغسل إلى غضون البدن، كداخل السرة، وباطن الأذنين، والإبطين، وما بين الأليتين، وأصابع الرجلين، وكل ذلك متفق عليه. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: استدل به من لم يقل بالدلك، وأوله غيره أنه بمعنى الغسل، وقال ابن العربي: إن حكم الدلك على الاحتياط. (ش).\n(٤) كذا في \"التقرير\"، فقال: يحتمل أن يراد بالمرافغ الذكر مع لواحقه، فالضمير إليه. (ش).\n(٥) فيه إشارة إلى نجاسة المني وإلَّا لا يحتاج إلى مثل هذه الشدة. (ش).","vol":"2","page":261},{"text":"٢٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَوْكَر، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عُرْوَةَ الْهَمْدَانِىِّ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِىُّ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: \"لَئِنْ شِئْتُمْ لأُرِيَنَّكُمْ أَثَرَ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى الْحَائِطِ حَيْثُ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ\". [حم ٦/ ٢٣٦]\n٢٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ\n===\n٢٤٤ - (حدثنا الحسن بن شوكر) بفتح أوله والكاف والراء، البغدادي، أبو علي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قيل: إن البخاري روى عنه، (ثنا هشيم) بن بشير، (عن عروة الهمداني) هو عروة بن الحارث أبو فروة الهمداني الكوفي، وهو الأكبر، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، روى له البخاري مقرونًا بغيره، (ثنا الشعبي) هو عامر (١) (قال: قالت عائشة: لئن شئتم لأرينكم أثر يد رسول الله - ﷺ - في الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة) ويضرب الحائط (٢) بيده ويغسله بترابه، وهذا يدل على أنه - ﷺ - كثيرًا ما يغسل يده بالتراب في الغسل.\n٢٤٥ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا عبد الله بن داود، عن الأعمش) سليمان، (عن سالم) بن أبي الجعد، (عن كريب) بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم، أبو رشدين، أدرك عثمان، وثَّقه ابن معين والنسائي وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات بالمدينة سنة ٩٨ هـ.\n_________\n(١) لم يسمعه الشعبي عن عائشة فهو مرسل، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وفيه أيضًا إشارة إلى نجاسة المني، قال ابن رسلان: وفي \"الطبراني\" بسنده عن ابن مسعود: \"السنَّة في الغسل من الجنابة أن تغسل كفك حتى تَنْقَى، ثم تُدْخِلَ يدك في الإناء فتغسل فرجك حتى تَنْقَى، ثم تضرب يسارك على الحائط أو الأرض فَتَدْلُكَها\"، الحديث (\"المعجم الكبير\": ١٠٤١١). (ش).","vol":"2","page":262},{"text":"قال: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: \"وَضَعْتُ لِلنَّبِىِّ -ﷺ- غُسْلًا يَغْتَسِلُ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ\n===\n(قال: ثنا ابن عباس) عبد الله، (عن خالته ميمونة) بنت الحارث العامرية الهلالية (١)، زوج النبي - ﷺ -، قيل: كان اسمها برة فسماها رسول الله - ﷺ - ميمونة، وتوفيت بسَرِف حيث بني بها رسول الله - ﷺ -، وهو ما بين مكة والمدينة على عشرة أميال من مكة، سنة ٥١ هـ، وصلى عليها عبد الله بن عباس.\n(قالت: وضعت (٢) للنبي - ﷺ - غسلًا)، قال في \"درجات مرقاة الصعود\" (٣): كقفل: ما يغتسل به، كأُكل لما يؤكل، وبكسر غينه ضبطه ابن باطش (٤)، وابن دقيق العيد وابن سيد الناس فغلطوا فيه، (يغتسل به من الجنابة فأكفأ) (٥) أي أمال (الإناء على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثًا (٦) ثم صب على فرجه فغسل فرجه بشماله، ثم ضرب بيده) (٧) أي اليسرى\n_________\n(١) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٤٠١) رقم (٧٣٠٦).\n(٢) فيه استخدام الزوج بالزوجة، والمسألة من كتاب النكاح، قاله ابن العربي (١/ ١٥٥)، قلت: وتقدم في هامش في \"باب غسل السواك\". (ش).\n(٣) (ص ٤٠).\n(٤) كذا في \"الدرجات\" (ص ٤٠)، وفي \"تهذيب اللغات\" للنووي (٢/ ٩٥): ابن باطيش وهو المعروف. (ش).\n(٥) بسط ابن العربي معنى الإكفاء. (ش).\n(٦) قال ابن رسلان: الشرك من الأعمش كما في \"البخاري\"، وأخرج أبو عوانة عن فضيل عن الأعمش ثلاثًا بدون الشك، فعلم أن الأعمش شك أولًا ثم جزم، لأن سماع فضيل متأخر. (ش).\n(٧) قال ابن بطال: هذا محمول على أنه كان على يده أذى من نجاسة، انتهى، وأنت خبير بما فيه، وتقدم الكلام على هذا مفصلًا في \"باب الاستنجاء بالماء\". (ش).","vol":"2","page":263},{"text":"الأَرْضَ فَغَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ (١) وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَة فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ عَنْ جَسَدِهِ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسا، وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ. [خ ٢٥٧، م ٣١٧،\n===\n(الأرض فغسلها) أي بالتراب (ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم صب (٢) على رأسه وجسده، ثم تنحى) أي عن موضع غسله (ناحية) أي جانبًا (فغسل رجليه، فناولته المنديل) بكسر الميم: ما يحمل في اليد للوسخ والامتهان (فلم يأخذه (٣) وجعل ينفض (٤) الماء) أي يزيله (عن جسده، فذكرت ذلك لأبراهيم)، هذا قول الأعمش، يعني ما حدثني (٥) به سالم ذكرته لإبراهيم النخعي، وسألته عن المسح بالمنديل هل يجوز ذلك؟ (فقال: كانوا) أي الصحابة (لا يرون بالمنديل بأسًا) أي لا يمنعون عن إستعمال المنديل (ولكن كانوا يكرهون العادة\" (٦) أي الاعتياد بذلك.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مضمض\".\n(٢) لم يذكر فيه مسح الرأس، وهو مذكور فيما تقدم، وصرف ابن العربي حديث عائشة إلى حديث ميمونة. (ش).\n(٣) وكرهه أنس. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: فيه جواز النفض، ومن منعه لأن النافض كالمتبرم (كذا في الأصل) بماء الوضوء، وفي \"التقرير\": إن كان على الحقيقة فبيان للجواز؛ لأن الوضوء يوزن فيستحب إبقاؤه، وإن كان على المجاز بأن يراد إنتفاض الماء بنفسه لا بفعله ﵊، لكنه لما كان قائما به ظاهرًا نسب إليه، والبسط في \"الحل المفهم لصحيح مسلم\" (١/ ٦١). وذكر الترمذي \"باب المنديل في الوضوء\" مستقلًا، وشرحه ابن العربي (١/ ٦٨)، والعيني (٣/ ١٠) وبسطا في الروايات الدالة على المنديل، وفي الكرماني عن النووي: فيه خمسة أوجه. (ش).\n(٥) كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٦) قال ابن رسلان: أي العادة التي ألفوها في الجاهلية. (ش).","vol":"2","page":264},{"text":"ت ١٠٣، ن ٢٥٣، جه ٥٧٣، دي ٧١٢، حم ٦/ ٣٣٥، ق ١/ ١٧٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ: كَانُوا يَكْرَهُونَهُ لِلْعَادَةِ؟ فَقَالَ: هَكَذَا هُوَ، وَلَكِنْ وَجَدْتُهُ فِى كِتَابِى هَكَذَا.\n===\n(قال أبو داود: قال مسدد: قلت لعبد الله بن داود: كانوا يكرهونه للعادة؟) أي بتقدير الاستفهام هل المراد بهذا كانوا يكرهونه للعادة أي لأجل العادة؟ (فقال) أي عبد الله بن داود: (هكذا هو) أي ما قلتَ لي هو المراد (١) (ولكن وجدته في كتابي هكذا) (٢) أي لفظ العادة بغير اللام الجارة مروية عن الأستاذ.\nاختلف العلماء في تأخير غسل الرجلين في الغسل، فعن مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وعند الحنفية: سنة الغسل أن يقدم الوضوء عليه إلَّا غسل الرجلين، فإنه يؤخره إذا كان قائمًا في مستنقع الماء، أو على تراب بحيث يحتاج إلى غسلهما بعد ذلك، أما لو قام على حجر أو لوح بحيث لا يحتاج إلى غسلهما مرة أخرى، فلا يؤخر غسلهما، وعند الشافعية في الأفضل قولان: أصحهما وأشهرهما أن يكمل وضوءه، لأن أكثر الروايات كذلك.\nوأما المسح بالمنديل فلا يكره عند مالك والثوري، وتمسكوا بحديث قيس بن سعد الذي أخرجه ابن ماجه وأبو داود (٣) ولفظه: \"فاغتسل ثم ناوله\n_________\n(١) فظاهر كلام ابن رسلان: أي في حفظي كذا كما يظهر بما نقلته في صدر الكتاب. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: قال أصحاب الحديث: إذا وجد في الكتاب خلاف الحفظ، فإن حفظه من الكتاب فليرجع إليه، وإن حفظه من فم الشيخ ولا تردد في حفظه فليعتمد على حفظه، والأولى أن ينبه كما قاله المصنف: في حفظي كذا، وكتابي كذا، انتهى. (ش).\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" (٤٦٦)، و\"سنن أبي داود\" (٥١٨٥).","vol":"2","page":265},{"text":"٢٤٦ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ\n===\nملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها\"، وفي الترمذي (١) من حديث عائشة قالت: \"كان للنبي - ﷺ - خرقة ينشف بها بعد الوضوء\"، وفي سنده أبو معاذ، وهو ضعيف.\nوأيضًا في الترمذي من حديث معاذ: \"رأيت رسول الله - ﷺ - إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه\"، قال الحافظ: وإسناده ضعيف، وأخرج ابن ماجه (٢) عن سلمان الفارسي: \"أن رسول الله - ﷺ - توضأ فقلب جبة صوف فمسح بها وجهه\".\nوقال الحنفية: يستحب أن يمسح بدنه بمنديل بعد الغسل وإن كان فيها أحاديث ضعيفة، لكن يجوز العمل بالضعيف في الفضائل، وأيضًا حصل له قوة بتعدد الطرق، وكرهه بعضهم، قال الترمذي: ومن كرهه إنما كرهه من قبل أنه قيل: إن الوضوء يوزن، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري.\nقال الشوكاني (٣): وبهذا قال عمرو بن أبي ليلى وغيره، واستدلوا بما رواه ابن شاهين عن أنس: \"أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يمسح وجهه بالمنديل بعد الوضوء، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا علي، ولا ابن مسعود\". قال الحافظ: وإسناده ضعيف، وأيضًا لا دليل فيه على الكراهة، لأنه يمكن تركهم استعمال المنديل عند ما رآهم أنس لأغراض أخر.\n٢٤٦ - (حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني، نا ابن\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٥٣ - ٥٤).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (٤٦٨).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٣٠).","vol":"2","page":266},{"text":"أَبِى فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: \"إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يُفْرِغُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَارٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ فَنَسِىَ مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ، فَسَأَلَنِى كَمْ أَفْرَغْتُ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِى، فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ،\n===\nأبي فديك) هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك مصغرًا، واسمه دينار، قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ليس بحجة، مات سنة ٢٠٠ هـ.\n(عن ابن أبي ذئب، عن شعبة) بن دينار الهاشمي، مولى ابن عباس، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى المدني، عن أحمد: ما أرى به بأسًا، وعن ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال مالك: ليس بثقة، وقال الجوزجاني والنسائي: ليس بقوي، وقال ابن سعد: لا يحتج به، وقال أبو زرعة والساجي: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال البخاري: يتكلم فيه مالك ويحتمل منه، وقال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكرًا، فأحكم عليه بالضعف إلَّا حديثًا واحدًا، ولعل البلاء من تلميذه، وقال: أرجو أنه لا بأس به.\n(قال: إن ابن عبّاس كان إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار) يمكن أن يحمل هذا العدد على ما كان قبل في ابتداء الإِسلام ثم نسخ، ولعل ابن عباس لم يقل بنسخه، أو الحديث ليس بحجة لضعفه (ثم يغسل فرجه، فنسي) ابن عباس (مرة كم أفرغ) أي نسي عدد إفراغ الماء عليه (فسألني كم أفرغت؟ فقلت: لا أدري) كم أفرغتَ سبعًا أو أقل.\n(فقال) أي ابن عباس: (لا أم لك) هو سبٌّ وذمٌّ يقال عند المعتبة","vol":"2","page":267},{"text":"وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِىَ؟ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَطَهَّرُ\". [حم ١/ ٣٠٧]\n٢٤٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُصْمٍ،\n===\n(وما يمنعك أن تدري؟) أي شيء يمنعك أن تتعلم مني (١)، (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ثم يقول: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يتطهر).\n٢٤٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا أيوب بن جابر) بن سيار بن طارق السحيمي مصغرًا، أبو سليمان اليمامي، ثم الكوفي، قال أحمد: حديثه يشبه حديث أهل الصدق، وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء، وكان علي بن المديني يضع حديث أيوب بن جابر، أي يضعفه، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، ضعيف، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، وقال البخاري في \"الأوسط\": هو أوثق من أخيه محمد، وقال عمرو بن علي: صالح.\n(عن عبد الله بن عصم) بمهملتين وضم أوله، ويقال: ابن عصمة أبو علوان بضم المهملة وسكون اللام، الحنفي العجلي، أصله من أهل اليمامة، وحديثه في الكوفة، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: ليس به بأس؛ وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ كثيرًا، وقد ذكره ابن حبان أيضًا في \"الضعفاء\" فقال: منكر الحديث جدًّا على قلة روايته، يحدث عن الأثبات ما لا يشبه أحاديثهم حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة.\n_________\n(١) فيه تنبيه على المراقبة لأفعال المشايخ، كذا في \"الحاشية\". (ش).","vol":"2","page":268},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مِرَارٍ (١)، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مِرَارٍ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ (٢) الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ (٣) مَرَّةً، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ مَرَّةً\".\n[حم ٢/ ١٠٩، ق ١/ ١٧٩]\n===\n(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (قال: كانت الصلاة) أي في الابتداء حين فرضت (٤) (خمسين) أي صلاة (والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول (٥) من الثوب سبع مرار، فلم يزل رسول الله - ﷺ - يسأل) ربه التخفيف (حتى جعلت) (٦) أي بقيت (الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة).\nواعلم أنه اختلف في غسل البول من الثوب هل يكفيه غسله مرة واحدة أو لا بد من الغسل ثلاثًا؟ فعند الشافعي يطهر بالغسل (٧) مرة واحدة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مرات\".\n(٢) وفي نسخة: \"جعل\".\n(٣) وفي نسخة: \"غسل الجنابة\".\n(٤) قال ابن رسلان: أي كانت أمة موسى مكلفين بها، قال القرطبي: ولم يكلف بها غيرها من الأمم، وعالجهم موسى على إقامتها كما يدل عليه قوله: إني بلوت بني إسرائيل. (ش).\n(٥) وهو رواية لأحمد والثانية مثل الشافعي، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) فيه النسخ قبل العمل، وأنكره بعض الحنفية، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٧) واختاره ابن العربي (١/ ٢٢٢) وأبطل الثلاثة، وقال: قال أحمد: يجب غسل سائر النجاسات سبعًا، وعندنا زوال العين ولو بمرة، كذا في \"الشامي\" (١/ ٥٨٩)، وفي \"المنهل\" (٣/ ١٩): غسل الثوب مرة مذهب الشافعية والمالكية، غير أن الشافعية قالوا: يندب التثليث لكن محله إذا زالت النجاسة، وإلَّا يجب التكرار حتى تزول، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختاره صاحب \"المغني\" (١/ ٧٥)، والثانية له: التسبيع. (ش)","vol":"2","page":269},{"text":"٢٤٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ: حَدَّثَنا الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ (١)، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ،\n===\nاعتبارًا بالحدث إلَّا في ولوغ الكلب، وأما عند الحنفية في ظاهر الرواية أنه لا يطهر إلَّا بالغسل ثلاثًا، لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا\"، فقد أمر بالغسل ثلاثًا في النجاسة التي هي غير مرئية.\nوأيضًا روي أنه قال: \"إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده\"، أمر بالغسل ثلاثًا عند توهم النجاسة، فعند تحققها أولى، ثم التقدير بالثلاث عندنا ليس بلازم، بل هو مفوض إلى غالب رأيه وأكبر ظنه، وإنما ورد النص بالتقدير بالثلاث بناءً على غالب العادات، فإن الغالب أنها تزول بالثلاث، ولأن الثلاث هو الحد الفاصل لإبلاء العذر، كما في قصة الخضر مع موسى ﵉ حيث قال له موسى في المرة الثالثة: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ (٢).\n٢٤٨ - (حدثنا نصر بن علي، نا الحارث بن وجيه) (٣) الراسبي أبو محمد البصري، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم والنسائي: ضعيف، وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير، وعن أبي داود: حديثه منكر وهو ضعيف، وقال الساجي: ضعيف الحديث، وقال العقيلي: ضعفه نصر بن علي، وقال يعقوب بن سفيان: بصري لين الحديث، وقال الطبري: ليس بذاك، وقال الترمذي: الحارث بن وجيه، وقيل: وجبة، شيخ ليس بذاك.\n(نا مالك بن دينار) السامي بمهملة مولاهم، أبو يحيى، كان من\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الراسبي\".\n(٢) سورة الكهف: الآية ٧٦.\n(٣) بفتح الواو وكسر الجيم وسكون الياء، وحكى الترمذي فتح الواو وسكون الجيم ثم باءً موحدة، وقيل: سكون الحاء المهملة، قاله ابن رسلان، وقال ابن العربي (١/ ١٦١): الحارث بن وجيه الراسبي منكر الحديث، وذكر هذا الحديث. (ش).","vol":"2","page":270},{"text":"عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ». [ن ١٠٦، جه ٥٩٧، ق ١/ ١٧٥]\n===\nعلماء البصرة وزهادها المشهورين، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، ويتقوت بأجرته، ولا يأكل شيئًا من الطيبات، وكان من المتعقدة الصبر، والمتقشفة الخشن، كان أبوه من سبي سجستان، وقيل: من كابل، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال بعضهم: صالح الحديث، وقال الأزدي: يعرف وينكر، قال في \"الميزان\": استشهد به البخاري والنسائي، مات سنة ١٣٠ هـ.\n(عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: إن تحت كل شعرة جنابة) الشعرة بفتح الشين وسكون العين، قال في \"القاموس\": الشعر ويحرك: نبتة الجسم مما ليس بصوف ولا وبر، جمعه شعور وشعار وأشعار، الواحد شعرة، وقد يكنى بها عن الجميع، (فاغسلوا الشعر) بفتح العين ويسكن أي جميعه، فلو بقيت شعرة واحدة لم يصل إليها الماء بقيت جنابة (وأنقوا) من الإنقاء (البشر).\nقال القاري (١): قال ابن الملك: البشرة ظاهر الجلد، أي نظفوها من الوسخ، فلو منع الوسخ يعني كالطين اليابس والعجين والشمع وصول الماء لم يرفع الجنابة، قال الخطابي (٢): ظاهر هذا الحديث يوجب نقض القرون والضفائر إذا أراد الاغتسال من الجنابة، لأنه لا يكون شعره كله شعرة شعرة مغسولًا إلَّا بنقضها، وإليه ذهب إبراهيم النخعي، وقال عامة أهل العلم: إيصال الماء إلى أصول الشعر وإن لم ينفذ شعره (٣) يجزيه.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٧).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٢٦).\n(٣) وفي \"المعالم\": \"وإن لم ينقض شعره\".","vol":"2","page":271},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.\n===\nقلت: عند الحنفية فرق في هذا الحكم بين الرجل والمرأة، فإن الشعر المسترسل من ذوائبها غسله موضوع في الغسل إذا بلغ الماء أصول شعرها، بخلاف الرجل فإنه يجب عليه إيصال الماء إلى أثناء الشعر لما في \"مسلم\" (١) من حديث أم سلمة: \"قالت (٢): قلت: يا رسول الله، إني امرأة أَشُدُّ ضفْرَ رأسي أفأنقضه لغسل (٣) الجنابة؟ فقال: لا\"، الحديث.\nقال الخطابي: وقد يحتج به من يوجب الاستنشاق (٤) في الجنابة لما في داخل الأنف من الشعر، واحتج بعضهم في إيجاب المضمضة بقوله: \"وأنقوا البشرة\"، وزعم أن داخل الفم من البشرة، وهذا خلاف قول أهل اللغة، لأن البشرة عندهم ما ظهر من البدن يباشره البصر من الناظر إليه، وأما في داخل الأنف والفم فهو الأدمة، والعرب تقول: فلان مؤدم مبشر، إذا كان حسن الظاهر مخبوء الباطن، قلت: قال في \"القاموس\": والأدمة محركة باطن الجِلْدَةِ التي تلي اللحم، أو ظاهرها الذي عليه الشعر، وما ظهر من جلد الرأس، ورجل مُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ كمكرم: حاذق مجرب، جَمَعَ لينَ الأَدَمَةِ وخُشونَةَ البَشَرَةِ.\n(قال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر، وهو ضعيف) (٥) وقد مر بيان المنكر فيما تقدم.\n_________\n(١) رقم الحديث (٣٣٠).\n(٢) وفي الأصل: \"قال\"، وهو تحريف.\n(٣) وفي الأصل: \"في الغسل\"، وهو تحريف.\n(٤) كذا استدل به صاحب \"السعاية\" (١/ ٢٧٤).\n(٥) ونقل ابن رسلان ضعفه عن الدارقطني وغيره مفصلًا، انتهى، قلت: لكن الجمهور لم يلتفتوا إلى نكارته حيث استدلوا به على وجوب تخليل اللحية في غسل الجنابة، كما تقدم عن ابن سيد الناس. (ش).","vol":"2","page":272},{"text":"٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ،\n===\n٢٤٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (أنا عطاء بن السائب) بن مالك، ويقال: زيد، ويقال: يزيد الثقفي، أبو السائب، أو أبو زيد، أو أبو يزيد، أو أبو محمد الكوفي، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، رجل صالح، وقال أبو طالب عن أحمد: من سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا سفيان وشعبة، وسمع منه حديثًا جرير وخالد وإسماعيل وعلي بن عاصم.\nوقال شعبة: حدثنا عطاء بن السائب وكان نسيًّا، وقال ابن معين: عطاء بن السائب اختلط، وجميع من سمع من عطاء سمع منه في الاختلاط إلَّا شعبة والثوري، وقال أبو حاتم: في حديث البصريين عنه تخاليط كثيرة، لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وعن يحيى القطان قال: سمع منه حماد بن زيد قبل أن يتغير، وقال الدارقطني: دخل عطاء البصرة مرتين، فسماع أيوب وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى صحيح، وقال العقيلي: تغير حفظه، وسماع حماد بن زيد منه قبل التغير، وقال العقيلي أيضًا: وسماع حماد بن سلمة بعد الاختلاط، وقال ابن الجارود في \"الضعفاء\": حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عنه جيد، وحديث جرير وأشباهه ليس بذاك، وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة حجة، وما روى عنه سفيان وشعبة وحماد بن سلمة سماع هؤلاء سماع قديم.\nقال الحافظ بعد ما نقل كلام أهل الجرح والتعديل: فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سماع سفيان الثوري وشعبة وزهير وزائدة وحماد بن زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلَّا حماد بن سلمة فاختلف قولهم فيه، والظاهر أنه سمع منه مرتين: مرة مع أيوب كما يومئ إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير وذويه.","vol":"2","page":273},{"text":"عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ - قال: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ».\nقَالَ عَلِىٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِى، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِى،\n===\n(عن زاذان) بزاي وذال معجمتين، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمر الكندي مولاهم، الكوفي، الضرير، البزار، يقال: إنه شهد خطبة عمر بالجابية في سنة ١٦ هـ، قال ابن معين: ثقة، لا يسأل عن مثله، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال الخطيب: كان ثقة، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن عدي: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عن ثقة، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان يخطئ كثيرًا، مات سنة ٨٢ هـ.\n(عن علي) بن أبي طالب (قال) أي علي: (إن رسول الله - ﷺ - قال: من ترك موضع شعرة من جنابة) متعلق بقوله: ترك، أي من محل جنابة، فمن تبعيضية، أو كائنًا من محل جنابة، فيكون صفة لموضع (لم يغسلها) صفة موضع، وأنث الضمير باعتبار المضاف إليه، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى المضاف إليه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (١) على الراجح، وكقول الله ﷿: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ (٢)، (فعل بها) أي بسبب تلك الشعرة (كذا وكذا من النار) كنايتين (٣) عن العدد أي يضاعف له العذاب أضعافًا كثيرة، قاله الطيبي، وقال البعض: إما كناية عن أقبح ما يفعل به، أو إبهام من شدة الوعيد.\n(قال علي: فمن ثم) أي من أجل هذا التهديد والوعيد الشديد (عاديت رأسي، فمن ثم عاديت رأسي،\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.\n(٢) سورة سبأ: الآية ٤٢.\n(٣) كذا في \"المرقاة\" (١/ ٣٧) (ش).","vol":"2","page":274},{"text":"فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ ﵁. [جه ٥٩٩، دي ٧٥١، حم ١/ ٩٤، ق ١/ ١٧٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>(١٠٠) بَابٌ: في الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ</span>\n٢٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ،\n===\nفمن ثم عاديت رأسي) بتقدير المضاف أي عاديت شعر رأسي، أي عاملت مع شعر رأسي معاملة العدو مع العدو، فجززته وقطعته مخافة أن لا يصل الماء إلى جميع شعري وجلد رأسي، (وكان) أي علي (يجز) أي يحلق (شعره ﵁).\nوبهذا الحديث استدل الطيبي على سنية حلق الرأس لتقريره - ﷺ -، ولأنه من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بمتابعة سنتهم، ورد عليه القاري وابن حجر فقالا: إن فعله - ﵁ - إذا كان مخالفًا لسنته ﵊ وبقية الخلفاء يكون رخصة (١) لا سنة.\n\n(١٠٠) (بَابٌ: في الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ)\nأي إذا توضأ في الغسل هل يجب عليه أن يعيده بعد الغسل أم لا؟\n٢٥٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير) بن معاوية\n_________\n(١) وفي \"المغني\" (١/ ١٢٢): اتخاذ الشعر أفضل من إزالته، والحلق مكروه في إحدى روايتي أحمد لقوله ﵊ في الخوارج: \"سيماهم التحليق\" فجعله علامة لهم، وقال عمر في صبيغ: لو وجدتك محلوقًا لضربت بالسيف، وروي عنه ﵊: \"لا توضع النواصي إلَّا في حج أو عمرة\"، رواه الدارقطني، وقال ابن عباس: الذي يحلق رأسه في المصر شيطان، والأخرى لأحمد لا يكره، لكن تركه أفضل لحديث ابن عمر عند \"مسلم\": \"احلقه كله أو اتركه كله\"، وسيأتي عند أبي داود البسط فيه في \"باب حلق الرأس\". (ش).","vol":"2","page":275},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّى الرَّكْعَتَيْنِ وَصَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَلَا أُرَاهُ يُحْدِثُ وُضُوءًا بَعْدَ الْغُسْلِ\". [ت ١٠٧، ن ٢٥٢، جه ٥٧٩، حم ٦/ ٦٨، ق ١/ ١٧٩، ك ١/ ١٥٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>(١٠١) بابٌ: فِى الْمَرْأَةِ هَلْ تَنْقُضُ شَعَرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ</span>؟\n٢٥١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ السَّرْحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ\n===\n(نا أبو إسحاق) السبيعي، (عن الأسود) بن يزيد، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يغتسل ويصلي الركعتين) أي سنة الفجر قبل صلاة الغداة (وصلاة الغداة) أي ركعتي الفرض (ولا أراه يحدث) أي يجدد (وضوءًا بعد الغسل) (١) بل يكتفي بالوضوء الذي توضأ في الغسل، وهذه المسألة (٢) مجمع عليها.\n\n(١٠١) (بَابٌ: في الْمَرْأَةِ (٣) هَلْ تَنْقُضُ (٤) شَعْرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ) (٥)\nأو لا تنقض، بل تكتفي بإفاضة الماء على رأسها؟\n٢٥١ - (حدثنا زهير بن حرب وابن السرح قالا: نا سفيان بن\n_________\n(١) وقد أخرج ابن عابدين برواية الطبراني عن ابن عباس رفعه: \"من توضأ بعد الغسل فليس منا\". (ش) [انظر: \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣٦٧) ح (١١٦٩١)].\n(٢) وبه جزم ابن العربي، قلت: بل رواية لأحمد: يجب أن يأتي بالوضوء قبل الغسل أو بعده إذا كان الرجل محدثًا بالحدثين الأصغر والأكبر، كذا في \"المغني\" (١/ ٢٨٩)، وقال ابن العربي (١/ ١٦٣): يجب إذا مس فرجه في أثناء الغسل، انتهى. (ش).\n(٣) وكذا الرجل عندهم، كما سيأتي في آخر الباب. (ش).\n(٤) قال الجمهور: لا تنقض بدون التفريق، وقال أحمد: تنقضه في الحيض دون الجنابة، انتهى.\"نيل الأوطار\" (١/ ٣٢٠)، وصحَّح صاحب \"المغني\" (١/ ٣٠١) في مذهبهم عدم التفريق، ونقل الباجي مذهبهم مثل روايته لأحمد بالتفريق كما في \"الأوجز\" (١/ ٥٠٧)، ونقل ابن العربي (١/ ١٦٠) الخلاف لأحمد فقط، وبسط وجه الخلاف، ونقل ابن رسلان عن \"المغني\" إجماع الأربعة على عدم النقض. (ش).\n(٥) وترتيب الأبواب يدل على أن المراد هاهنا غسل الجنابة، والاغتسال من المحيض =","vol":"2","page":276},{"text":"عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالت: \"إنَّ امْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَقَالَ زُهَيْرٌ: إِنَّهَا -\n===\nعيينة، عن أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، والدارقطني، وأبو داود، وابن عبد البر، وشذ الأزدي فقال: لا يقوم إسناد حديثه، ولا عبرة بقول الأزدي، مات سنة ١٣٢ هـ.\n(عن سعيد بن أبي سعيد) واسمه كيسان بفتح كاف وسكون تحتية ومهملة، المقبري، أبو سعد المدني، وكان أبوه مكاتبًا لامرأة من بني ليث، والمقبري نسبة إلى مقبرة بالمدينة، كان مجاورًا لها، وثَّقه ابن المدّيني، وابن سعد، والعجلي، وأبو زرعة، والنسائي، وابن خراش، وقال: أثبت الناس فيه الليث بن سعد، وقال ابن معين: سعيد أوثق من العلاء بن عبد الرحمن، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال يعقوب بن شيبة: قد كان تغير وكبر واختلط قبل موته، يقال بأربع سنين، وكان شعبة يقول: حدثنا سعيد المقبري بعد ما كبر، وقال ابن عدي: إنما ذكرته بقول شعبة هذا، وأرجو أن يكون من أهل الصدق، وما تكلم فيه أحد إلَّا بخير، مات في حدود سنة ١٢٠ هـ.\n(عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة) زوج النبي - ﷺ -، المخزومي، أبو رافع المدني، قال العجلي، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أم سلمة قالت) أي أم سلمة: (إن امرأة من المسلمين) لم يعرف (١) اسمها (وقال زهير: إنها) أي أم سلمة،\n_________\n= يأتي فيما بعد، ويؤيده أيضًا أن جميع الروايات الواردة فيه تتضمن غسل الجنابة لا الحيض. (ش).\n(١) قلت: بل هي أم سلمة، أبهمت نفسها كما في رواية \"مسلم\"، لكن تأبى عنها الرواية =","vol":"2","page":277},{"text":"قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِى، أَفَأَنْقُضُهُ لِلْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْفِنِى عَلَيْهِ ثَلَاثًا».\n===\nوغرض المصنف بيان الاختلاف بين لفظي زهير وابن السرح، ففي سياق ابن السرح أن السائلة امرأة من المسلمين، وفي سياق زهير (١) أن السائلة أم سلمة (قالت) أي امرأة من المسلمين على لفظ ابن السرح، أو أم سلمة على لفظ زهير: (يا رسول الله، إني امرأة أشد) بفتح الهمزة وضم المعجمة على صيغة المتكلم أي أحكم (ضفر) بفتح الضاد وسكون الفاء أي فتل (رأسي) أي شعر رأسي، ويحتمل أن يكون بضم الضاد والفاء جمع ضفيرة.\n(أفأنقضه للجنابة) (٢) أي لأجل غسل الجنابة؟ (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنما يكفيك أن تحفني) أي تصبي بالحفنة (عليه) أي على رأسك (ثلاثًا) والظاهر أن القول بكفاية التثليث إذا كان الغالب في الظن أن الماء يصل إلى أصول (٣) الشعر بالتثليث، وإذا كان غالب الظن أن الماء لا يصل إلى أصول الشعر في التثليث أيضًا، فتجب الزيادة عليه، ولو وصل في المرة الواحدة فالثلاث سنة.\n_________\n= الآتية، وقال ابن العربي (١/ ١٥٩): اختلف فيه الرواة، قلت: ورواية المقبري الآتية تسهل الجمع. (ش).\n(١) ولفظ مسلم: عن أم سلمة: \"قالت: قلت يا رسول الله\" \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) أو الحيضة، كما زاده مسلم، قال صاحب \"المغني\" (١/ ٣٠٠): يجب قبولها. (ش).\n(٣) وأمّا غسل المسترسل ففيه روايتان لأحمد كما في \"المغني\" (١/ ٣٠١): إحداهما: يجب، وبه قال الشافعي، والثانية: لا، وبه قال أبو حنيفة، انتهى، وفي \"مختصر الخليل\" (١/ ١٦٨): ومن الواجبات ضغث مضفور لا نقضه، انتهى، قال ابن رسلان: في الحديث الآتي غمزها لينها، فإن وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهرًا وباطنًا بدون النقض لم يجب نقضه، انتهى. والبسط في \"الشامي\" [انظر: \"رد المحتار\" (١/ ٣١٥)]. (ش).","vol":"2","page":278},{"text":"وَقَالَ زُهَيْرٌ: «تَحْثِى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاثٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ تُفِيضِى عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ، فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ». [م ٣٣٠، ت ١٠٥، ن ٢٤١، جه ٦٠٣، حم ٦/ ٢٨٩، دي ١١٥٧، ق ١/ ١٨١، خزيمة ٢٤٦]\n٢٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، حَدَّثَنَي ابْنُ نَافِعٍ - يَعْنِى الصَّائِغَ -، عَنْ أُسَامَةَ،\n===\n(وقال زهير: تَحْثِي عليه ثلاث حثيات) قال في \"القاموس\": والحثي كالرمي: ما رفعت به يدك، أي ثلاث غرف بيديه، واحدها حثية، كذا في \"لسان العرب\" (من ماء، ثم تفيضي على سائر جسدك) قال في \"القاموس\": والسائر: الباقي لا الجميع، كما توهم جماعات، أو قد يستعمل له، (فإذا أنت) أي إذا فعلت ذلك (قد طهرت) هذا إذا كان لفظ \"إذا\" شرطية، وأما إذا كان ظرفية، فيكون تقدير العبارة: إذا أفضت على سائر جسدك فقد طهرت إذًا.\n٢٥٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، ثني ابن نافع يعني الصائغ) هو عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ المخزومي مولاهم، أبو محمد المدني، قال أحمد: لم يكن صاحب حديث كان ضعيفًا فيه، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ليس بالحافظ، هو لين في حفظه وكتابه أصح، وقال البخاري: في حفظه شيء، وقال أيضًا: يعرف حفظه وينكر، وكتابه أصح، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن معين: عبد الله بن نافع ثبت في مالك، وقال العجلي: ثقة، وقال الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال الخليلي: لم يرضوا حفظه، وهو ثقة، أثنى عليه الشافعي، مات سنة ٢٧٦ هـ.\n(عن أسامة) بن زيد الليثي مولاهم، أبو زيد المدني، قال أحمد:","vol":"2","page":279},{"text":"عَنِ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالت: \"إنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَتْ: فَسَأَلْتُ لَهَا النَّبِىَّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ. قَالَ فِيهِ: «وَاغْمِزِى قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ». [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nليس بشيء، تركه القطان بأخرة، قال ابن معين: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو يعلى الموصلي عن ابن معين: ثقة صالح، وقال الدوري وغيره عنه: ثقة، وزاد غيره: حجة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال العجلي: ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: صالح، وقال ابن القطان: لم يحتج به مسلم، وإنما أخرج له استشهادًا، مات سنة ١٥٣ هـ.\n(عن المقبري) سعيد بن أبي سعيد، (عن أم سلمة قالت) أي أم سلمة: (إن امرأة جاءت إلى أم سلمة بهذا الحديث) أي روى بالحديث المتقدم، (قالت) أي أم سلمة (فسألت لها) أي للمرأة (النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى حديث أيوب بن موسى. (قال) أي أسامة (فيه) أي في حديثه: (واغمزي قرونك) الغمز: العصر والكبس باليد، أي اكبسي ضفائر شعرك باليد (عند كل حفنة) أي غرفة، وهذا يدل على أن إيصال الماء إلى أصول الشعر ضروري، وإلَّا فالحثيات الثلاث إذا لم تكبس لا تستلزم وصول الماء إلى أصول الشعر.\nوغرض المصنف بإيراد هذا السياق الإشارة إلى توجيه الجمع بين روايتي زهير وابن السرح، فإن رواية زهير تدل على أن السائلة أم سلمة - ﵂ - وفي رواية ابن السرح السائلة امرأة من المسلمين.\nووجه الجمع أن امرأة من المسلمين جاءت إلى أم سلمة، فأمرت أم سلمة أن تسأل عن مسألتها، فسألت لها أم سلمة، فإسناد السؤال إلى امرأة من المسلمين مجاز لكونها سبب المسألة، وإلى أم سلمة حقيقة لكونها سائلة حقيقة.","vol":"2","page":280},{"text":"٢٥٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَتْهَا جَنَابَةٌ أَخَذَتْ ثَلَاثَ\n===\n٢٥٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن أبي بكير) واسمه نسر بفتح النون وسكون المهملة، الأسدي القيسي، أبو زكريا الكرماني، كوفي الأصل، سكن بغداد، وثَّقه ابن معين والعجلي وابن المديني، وأثنى عليه أحمد، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات بعد سنة ٢٠٠ هـ.\n(نا إبراهيم بن نافع) المخزومي أبو إسحاق المكي، قال ابن عيينة: كان حافظًا، وقال ابن مهدي: كان أوثق شيخ بمكة، ووثَّقه أحمد وابن معين والنسائي، وكان أحمد يطريه، قال وكيع: كان إبراهيم يقول بالقدر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن الحسن بن مسلم) بن يناق بفتح التحتانية وتشديد النون آخره قاف، المكي، وثَّقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن سعد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت) أي عائشة: (كانت إحدانا) (١) أي إحدى أزواج النبي - ﷺ - والمراد بها نفسها (إذا أصابتها جنابة أخذت ثلاث\n_________\n(١) قال ابن رسلان: له حكم الرفع، سواء نسب إلى النبي - ﷺ - أو لا، وبه جزم الحاكم، انتهى. (ش).","vol":"2","page":281},{"text":"حَفَنَاتٍ هَكَذَا - تَعْنِى بِكَفَّيْهَا جَمِيعًا - فَتَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، وَأَخَذَتْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فَصَبَّتْهَا عَلَى هَذَا الشِّقِّ، وَالأُخْرَى عَلَى الشِّقِّ الآخَرِ\". [خ ٢٧٧]\n٢٥٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"كُنَّا نَغْتَسِلُ وَعَلَيْنَا الضِّمَادُ\n===\nحفنات (١) هكذا، تعني بكفيها جميعًا) وهذا تفسير من بعض الرواة (فتصب على رأسها، وأخذت) أي الماء (بيد واحدة فصبتها على هذا الشق) أي الأيمن (والأخرى) أي مرة أخرى أخذت الماء بيد واحدة (على الشق الآخر) أي الأيسر، وهذا الحديث يشير إلى أن أزواج النبي - ﷺ - لم ينقضن ضفائرهن، وكن يتكلفن لإيصال الماء إلى أصول ضفائرهن.\n٢٥٤ - (حدثنا نصر بن علي، نا عبد الله بن داود، عن عمر بن سويد) ابن غيلان الثقفي، ويقال: العجلي الكوفي، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وفرق البخاري بين العجلي والثقفي، وقال الخطيب: هما واحد، وقال: لا يمتنع أن يكون أحد النسبتين مجازًا.\n(عن عائشة بنت طلحة) بن عبيد الله التيمي، أم عمران، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، قال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وقال أبو زرعة: حدث عنها الناس لفضلها وأدبها، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عائشة قالت: كنا نغتسل وعلينا الضماد) (٢) وأصله الشد،\n_________\n(١) أي بعض الأوقات، فلا ينافي ما تقدم في \"باب الغسل من الجنابة\" من خمس. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: بكسر الضاد المعجمة: لطخ الشعر بالطيب والغسل ونحوه، انتهى. (ش).","vol":"2","page":282},{"text":"وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُحِلَاّتٌ وَمُحْرِمَاتٌ\". [حم ٦/ ٧٩، ق ١/ ١٨٢]\n٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ: قَرَأْتُ فِى أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ عَوْفٍ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِيهِ:\n===\nضمد رأسه وجرحه: إذا شده بالضماد، وهي خرقة يشد بها العضو المؤوف، ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره، وإن لم يشد، أي نكتفي بماء نغسل به الخطمي، ولا نستعمل بعده ماءآخر، هكذا في \"المجمع\" (١).\n(ونحن مع رسول الله - ﷺ - محلات ومحرمات) أي في حالتي الحل والإحرام، وعندي أن استعمال الضماد في حالة الحل لعله لتسكين الشعر في السفر.\n٢٥٥ - (حدثنا محمد بن عوف قال: قرأت في أصل إسماعيل) والمراد بأصل إسماعيل كتابه الذي كتب فيه رواياته عن شيوخه، أي قرأت بنفسي هذا الحديث في ذلك الكتاب.\n(قال ابن عوف: ونا محمد بن إسماعيل) بن عياش بالتحتانية المشددة والمعجمة، ابن سليم العنسي الحمصي، قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئًا، حملوه على أن يحدث فحدث، وقال الآجري: سئل أبو داود عنه، فقال: لم يكن بذاك، وقد رأيته ودخلت حمص غير مرة، وهو حي، وسألت عمر بن عثمان عنه فذمَّه، قلت: وقد أخرج أبو داود عن محمد بن عوف عنه، عن أبيه عدة أحاديث لكن يروونها بأن محمد بن عوف رآها في أصل إسماعيل، (عن أبيه) هو إسماعيل بن عياش.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤١٥).","vol":"2","page":283},{"text":"حَدَّثَنِى ضَمْضَمُ بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: \"أَفْتَانِى جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ: أَنَّ ثَوْبَانَ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُمُ اسْتَفْتَوُا النَّبِىَّ -ﷺ-\n===\nوحاصل هذا الكلام أن الحديث حصل لمحمد بن عوف بطريقين: الأول: القراءة في أصل إسماعيل، وهذا طريق ليس فيه واسطة بين ابن عوف وإسماعيل، والطريق الثاني: أن محمد بن إسماعيل حدثه عن أبيه بهذا الحديث، والغرض منه تقوية الرواية، فإن محمد بن إسماعيل غير موثوق به.\n(ثني ضمضم بن زرعة) بن ثُوَب بضم المثلثة وفتح الواو، الحضرمي الحمصي، قال في \"الميزان\": وثَّقه يحيى بن معين وضعَّفه أبو حاتم، قال الحافظ في \"تهذيبه\": قال أحمد بن محمد بن عيسى صاحب \"تاريخ الحمصيين\": ضمضم بن زرعة بن مسلم بن سلمة بن كهيل الحضرمي، لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير توثيقه.\n(عن شريح بن عبيد) بن شريح الحضرمي المقرائي بمدة، أبو الطيب وأبو الصواب الحمصي، وثَّقه العجلي ودحيم ومحمد بن عوف والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري: سمع معاوية - ﵁ - (قال) أي شريح: (أفتاني جبير بن نفير) لعل شريحًا استفتى جبير بن نفير (عن الغسل من الجنابة) فأفتاه فيه عن الغسل من الجنابة، أي حين استفتيته عن الغسل من الجنابة، أو يحمل لفظ \"عن\" على معنى\"في\".\n(أن) أي بأن (ثوبان حدثهم) أي جبير بن نفير وغيره (أنهم) أي ثوبان وغيره من الصحابة (استفتوا النبي - ﷺ -","vol":"2","page":284},{"text":"عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «أَمَّا الرَّجُلُ فَلْيَنْثرْ (١) رَأْسَهُ فَلْيَغْسِلْهُ حَتَّى يَبْلُغَ أُصُولَ الشَّعْرِ (٢)، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ، فَلَا عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْقُضَهُ، لِتَغْرِفْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِكَفَّيْهَا (٣)».\n===\nعن ذلك) أي عن الغسل من الجنابة (فقال) - ﷺ -: (أما الرجل فلينثر (٤) رأسه) أي فليحل وينقض شعر رأسه إن كان مضفورًا (فليغسله حتى يبلغ) أي الماء (أصول الشعر) أي من المسترسل إلى أصول الشعر، لأنه لا يحرم عليه الحلق، فلا يشق عليه نقض الضفائر، (وأما المرأة فلا) حرج (عليها أن لا تنقضه) لأنها يحرم عليها حلق الشعر، ففي إيجاب النقض عليهن حرج وعسر، (لتغرف) أي المرأة (على رأسها ثلاث غرفات بكفيها) أي فإذا بلغ الماء أصول شعرها، فقد طهرت وإن لم يبلغ الماء الشعر المسترسل.\nقال الشوكاني (٥): وأكثر ما علل به أن في إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من مروياته عن الشاميين، وهو قوي فيهم فيقبل، قلت: والتفرقة بين الرجال والنساء قول الحنفية (٦).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فلينشر\".\n(٢) وفي نسخة: \"شعره\".\n(٣) وفي نسخة: \"تكفيها\".\n(٤) قال ابن رسلان: ظاهر الحديث التفريق بين الرجل والمرأة، ولم أر من قال به، انتهى. (ش).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٢٠).\n(٦) على المرجح كما في \"الشامي\" (١/ ٣١٥) وإلَّا فذكر هو، وكذا في هامش \"الهداية\" الروايتين، ولا تفريق عند الأئمة، كما في \"المغني\" (١/ ٣٠١) و\"ابن رسلان\"، والرواية تؤيد الحنفية. (ش).","vol":"2","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>(١٠٢) بابٌ: فِى الْجُنُبِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِىِّ</span>\n٢٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى سُوَاءَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-: \"أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِىِّ وَهُوَ جُنُبٌ، يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ، وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ\". [ق ١/ ١٨٢]\n===\n\n(١٠٢) (بَابٌ: في الْجُنُبِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ) (١)\nقال في \"القاموس\": والخِطْمِيُّ ويفتح: نبات، أي هل يجزئ ذلك أم يلزم عليه أن يغسله مرة أخرى؟\n٢٥٦ - (حدثنا محمد بن جعفر بن زياد) بن أبي هاشم الوركاني بالواو المفتوحة والراء، كان جار أحمد بن حنبل، وكان يكتب عنه ويرضاه ويوثقه، ووثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٢٨ هـ.\n(نا شريك) بن عبد الله، (عن قيس بن وهب) الهمداني الكوفي، قال أحمد ويعقوب بن سفيان وابن معين والعجلي: ثقة، (عن رجل من بني سواءة بن عامر)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": لم أقف على تسميته، وقال في \"التقريب\": مجهول.\n(عن عائشة، عن النبي - ﷺ - أنه كان يغسل رأسه بالخطمي) أي بالماء الذي خلط بالخطمي (وهو جنب) أي في حالة الجنابة (يجتزئ) أي يكتفي (بذلك) أي بغسل رأسه بالخطمي أولًا (ولا يصب عليه) أي على رأسه (الماء) ثانيًا عند الغسل.\n_________\n(١) أوله ابن رسلان بأنه يحتمل أنه يضع الخطمي أولًا، ثم يصب الماء ويغسل بالماء أولًا ليزول الجنابة، انتهى. (ش).","vol":"2","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا الحديث دليل (١) على أن الماء إذا خالطه شيء طاهر يقصد منه زيادة النظافة، سواء كان يطبخ به أو يخالط كماء الأشنان والصابون، يجوز به إزالة الحدث وان تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه؛ لأن اسم الماء باقٍ وازداد معناه وهو التطهير، والحديث وإن كان ضعيفًا، ولكنه يؤيده ما جرت به السنة في غسل الميت بالماء المغلي بالسدر والحُرُض، نعم إذا زال الرقة وصار غليظًا كالسويق المخلوط فلا يجوز الوضوء به، لأنه حينئذ يزول عنه اسم الماء ومعناه أيضًا.\nقال الحلبي في \"شرح المنية\" (٢): والماء الذي يختلط به الأشنان أو الصابون أو الزعفران بشرط أن تكون الغلبة للماء من حيث الأجزاء إذا لم يَزُل عنه اسم الماء بحيث لو رآه الرائي يطلق عليه اسم الماء، وأن يكون رقيقًا بعد، فحكمه حكم الماء المطلق يجوز الوضوء به، وإلَّا فلا، ولا عبرة بزوال اللون ولا الطعم ولا الريح، وفيه خلاف الأئمة\n_________\n(١) قال في \"المغني\" (١/ ٢١): اختلف أهل العلم فيه، واختلفت الرواية عن إمامنا، فقيل: لا يحصل الطهارة، وبه قال الشافعي ومالك وإسحاق، وهي المنصورة عند أصحابنا، وقيل: يجوز وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، انتهى، وقال: ولا نعلم خلافًا بينهم في جواز الوضوء به إذا خالطه طاهر لم يغيره إلَّا ما حكي عن أم هانئ ... إلخ، وقال صاحب \"المنهل\" (٣/ ٣٣): احتج به الحنفية ولا حجة، فيه رجل مجهول، والحديث مضطرب، فقد رواه أحمد بخلاف ذلك ... إلخ، انتهى، لكنه مؤيد برواية ابن مسعود عند ابن أبي شيبة، كما في \"الفتح\".\nقلت: ويستدل عليه أيضًا بما سيأتي في \"باب ما جاء في وقت النفساء\" من خلط الملح وخلط السدر، وكذا في \"باب الرجل يسلم فيؤمر بالغسل\"، وكذا في \"باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها\"، وكذا في \"غسل الميت\"، كل ذلك بماءٍ وسدرٍ، وكذا ثبت غسله بماءٍ فيه أثر العجين عد النسائي. (ش).\n(٢) (ص ٩٠).","vol":"2","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالثلاثة فيما إذا كان المخالط بما يستغني عنه الماء بخلاف ماء المد، فإن التراب الذي يجري عليه الماء غير مستغني عنه، وأما الأشنان ونحوه فيستغني عنه، فلا يبقى الماء مطلقًا عند مخالطته حيث يقال: ماء الأشنان، وماء الصابون ونحو ذلك، ونحن نقول: إن هذه الإضافة لتعريف المجاور لا لتعريف الذات فلا تفيد التقييد كالبئر ونحوه، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - أمر بغسل الذي وقصته ناقته بماء وسدر، انتهى ملخصًا.\nقلت: قول الحافظ: أخرج ابن أبي شيبة وغيره عن ابن مسعود - ﵁ - إنه كان يغسل رأسه بخطمي، ويكتفي بذلك في غسل الجنابة، يقوي ما ذكرناه، وما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من أهل الحديث من حديث أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله - ﷺ - توفيت ابنته، فقال: \"اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا\"، الحديث.\nقال الحافظ (١): وظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل، وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، لأن الماء المضاف لا يتطهر به، انتهى، وقد يمنع لزوم كون الماء يصير مضافًا بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر، ثم يغسل بالماء في كل مرة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك، انتهى ما قاله الحافظ.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٦).","vol":"2","page":288},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: أما قوله: إن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير فهذا قول الشافعي وغيره، وأما عامة مشايخنا قالوا: إن بالموت يتنجس الميت لما فيه من الدم المسفوح، كما يتنجس سائر الحيوانات التي لها دم سائل بالموت، ولهذا لو وقع في البئر يوجب تنجسه إلَّا أنه إذا غسل يحكم بطهارته كرامة له، فكانت الكرامة عندهم في الحكم بالطهارة عند وجود السبب المطهر في الجملة وهو الغسل، لا في المنع من حلول النجاسة، كما قال محمد بن شجاع البلخي: إن الآدمي لا يتنجس بالموت بتشرب الدم المسفوح في أجزائه كرامة له، لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت، وقول العامة أظهر، لأن فيه عملًا بالدليلين: إثبات النجاسة عند وجود سبب النجاسة، والحكم بالطهارة عند وجود ما له أثر في التطهير في الجملة، ولا شك أن هذا في الجملة أقرب إلى القياس من منع ثبوت الحكم أصلًا مع وجود السبب، كذا قال في \"البدائع\" (١).\nوالجواب عن قوله ﵇: \"المؤمن لا يتنجس\" أي بالحدث الذي دل عليه سياق الحديث، وهو جنابة أبي هريرة أي لا يصير نجسًا بالجنابة، أو لا يصير نجسًا كالنجاسات الحقيقية التي ينبغي إبعادها عن المحترم كالنبي ﵇، وإلَّا فالإجماع على أنه يتنجس بالنجاسة الحقيقية إذا أصابته.\n_________\n(١) (٢/ ٢٤).","vol":"2","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>(١٠٣) بابٌ: فِيمَا يَفِيضُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْمَاءِ</span>\n٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى سُوَاءَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَائِشَةَ فِيمَا يَفِيضُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْمَاءِ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْخُذُ كَفًّا مِنْ مَاءٍ يَصُبُّ عَلَىَّ الْمَاءَ ثُمَّ يَأْخُذُ كَفًّا مِنْ مَاءٍ ثُمَّ يَصُبُّهُ عَلَيْهِ\". [حم ٦/ ١٥٣]\n===\n\n(١٠٣) (بَابٌ: فِيمَا يَفِيضُ)\nبفتح التحتانية من فاض يفيض فيضًا\n(بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْمَاءِ)\nوالمراد به المني أو المذي، أي ما حكمهما في غسلهما؟\n٢٥٧ - (حدثنا محمد بن رافع، نا يحيى بن آدم، نا شريك) بن عبد الله (عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواءة بن عامر، عن عائشة فيما يفيض) أي يسيل (بين الرجل والمرأة من الماء) أي المني أو المذي.\n(قالت) أي عائشة -رضي الله تعالى عنها -: (كان رسول الله - ﷺ - يأخذ كفًّا من ماء يصب على الماء) أي المني أو المذي (ثم يأخذ كفًّا من ماء، ثم يصبه) (١) أي الماء (عليه) أي على المني أو المذي، والغرض منه بيان إزالته وغسله بصب الماء عليه مكررًا للتطهير عندنا، وللتطييب عند الشوافع، هذا إذا حمل الماء على المني، وأما إذا كان المحمل هو المذي، فحينئذ يحمل صب الماء على التطهير عند الجميع.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: فيه حجة لما قال أحمد: إن المذي يكفي فيه النضح، انتهى. (ش).","vol":"2","page":290},{"text":"(١٠٤) (١) بابٌ: في مُؤَاكلَةِ الْحَائِضِ ومُجَامَعَتِهَا\n٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: \"إنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتْ مِنْهُمُ المْرَأَةٌ (٢) أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ، وَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُشَارِبُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِى الْبَيْتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ،\n===\n\n(١٠٤) (بَابٌ: في مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ) (٣)\nأي: المشاركة في الأكل مع الحائض\n(ومجامعتها)\nأي: المساكنة معها في البيوت هل يجوز ذلك؟\n٢٥٨ - (حدثنا (٤) موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (أنا ثابت البناني، عن أن بن مالك قال) أي أنس: (إن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها) في البيت أي لم يشاركوها في الأكل، والشرب، والمساكنة في البيت.\n(فسئل رسول الله - ﷺ -) سأله أصحابه (٥) (عن ذلك) أي عن المؤاكلة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"جماع أبواب الحائض وأحكامها\".\n(٢) وفي نسخة: \"امرأة\".\n(٣) قال الترمذي: عامة أهل العلم لم يروا به بأسًا، \"ابن رسلان\". وتحقيق لفظ الحائض في \"الأوجز\" (١/ ٥٧٨). (ش).\n(٤) قلت: أعاد المصنف هذا الحديث بسنده ومتنه في أواخر\"كتاب النكاح\"، وسيأتي بعض الكلام عليه هناك، فأرجع إليه. (ش).\n(٥) وأول من سأله ثابت بن الدحداح، كذا في \"كتاب النكاح\"، وقيل: أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، وهو قول الأكثرين، \"ابن رسلان\"، قلت: وظاهر الحديث أن مجيئهما بعد نزول الآية. (ش).","vol":"2","page":291},{"text":"فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ) (١) إِلَى آخِرِ الآيَةِ.\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «جَامِعُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ، وَاصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ».\n===\nوالمشاربة والمجامعة في البيت (فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ والمحيض مفعل من الحيض، يصلح من حيث اللغة للمصدر والزمان والمكان، وأكثر المفسرين من الأدباء زعموا أن المراد به المصدر، ويقال فيه: اسم مصدر، والمعنى واحد، وقال ابن عباس: هو موضع الدم، وبه قال محمد بن الحسن، فعلى هذا يكون المراد منه المكان، ورجح كونه مكان الدم بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، فإذا حمل على موضع الحيض كان المعنى فاعتزلوا النساء في موضع الحيض. قالوا: واستعماله في الموضع أكثر، وأشهر منه في المصدر.\n﴿قُلْ هُوَ﴾ أي الدم أو مكان الحيض ﴿أَذًى﴾ وحمل الأذى على هذا يكون بتقدير المضاف، أي ذو أذى، والأذى ما يؤذي، أي شيء يستقذر، ويؤذي من يقربه نفرة منه وكراهة له، (﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٢) إلى آخر الآية) أي وطء النساء في زمان الحيض، أو مكانه، أو في الدم، (فقال رسول الله - ﷺ -: جامعوهن) (٣) أي ساكنوهن (في البيوت، واصنعوا كل شيء) (٤) من المؤاكلة والملامسة والمباشرة (غير النكاح) أي الجماع\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ولا تقربوهن حتى يطهرن\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\n(٣) قال ابن رسلان: المساكنة والمخالطة والأكل من موضع أكلها جائز بلا نزاع. (ش).\n(٤) فيه دليل على جواز الاستمتاع بما تحت الإزار، وسيأتي الكلام عليه في \"كتاب النكاح مفصلًا، وفي آخر الحديث مختصرًا. (ش).","vol":"2","page":292},{"text":"فَقَالَتِ الْيَهُودُ: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِنَا إِلَاّ خَالَفَنَا فِيهِ. فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ\n===\nفي القبل، فبلغ اليهود قول رسول الله - ﷺ - (فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل) يعنون النبي - ﷺ - وعبروا به لإنكارهم نبوته (أن يدع) أي يترك (شيئًا من أمرنا) أي من أمور ديننا (إلَّا خالفنا) بفتح الفاء (فيه) يعني لا يترك أمرًا من أمورنا إلَّا مقرونًا بالمخالفة كقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (١).\n(فجاء أسيد) بالضم مصغرًا (ابن حضير) مصغرًا، ابن سماك بن عتيك بالفتح، الأنصاري الأشهلي، يكنى أبا يحيى، وقيل في كنيته غير ذلك، وكان أسيد من السابقين للإسلام، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، واختلف في شهوده بدرًا، وان شريفًا كاملًا، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين زيد بن حارثة، وكان ممن ثبت يوم أحد، وجرح حينئذ سبع جراحات.\nروى البخاري في \"تاريخه\": لما مات أسيد بن حضير قال عمر لغرمائه، فذكر قصة تدل على أنه مات في أيامه، وقصته أنه لما مات وعليه دين أربعة آلاف درهم فبيعت أرضه، فقال عمر: لا أترك بني أخي عالة، فرد الأرض، وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف، كل سنة ألف درهم، وقيل مات سنة ٢٠ هـ أو سنة ٢١ هـ (٢).\n(وعباد) بفتح أوله وتشديد الباء (ابن بشر) بن وقش بفتح الواو، وسكون القاف وبمعجمة، الأنصاري أبو بشر وأبو الربيع الأشهلي، أسلم بالمدينة على يدي مصعب بن عمير قبل إسلام سعد بن معاذ، وشهد\n_________\n(١) سورة الكهف: الآية ٤٩.\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ١٠٨) رقم (١٧٠).","vol":"2","page":293},{"text":"إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- (١) فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِى الْمَحِيضِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَعَثَ فِى آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا\". [م ٣٠٢، ت ٢٩٧٧، ن ٢٨٨، جه ٦٤٤، دي ١٠٥٨، حم ٣/ ١٣٢، ق ١/ ٣١٣]\n===\nالمشاهد كلها، وكان ممن قتل كعب بن الأشرف، واستشهد باليمامة، وهو ابن خمس وأربعين سنة، آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي حذيفة ابن عتبة (٢).\n(إلي النبي - ﷺ - فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا) وحكى قول اليهود الذي تقدم، (أفلا ننكحهن) أي أفلا نطأهن (في المحيض؟) ليكمل المخالفة (فتمعر وجه رسول الله - ﷺ -) ووجه التغير أنه كان مخالفًا للأمر المنصوص من الله تعالى (حتى ظننا أن قد وجد عليهما) وهذا الظن على معناه الأصلي.\n(فخرجا) خوفًا من زيادة الغضب (فاستقبلتهما هدية) أي استقبل الرجلين شخص معه هدية يهديها إلى رسول الله - ﷺ - (من لبن إلى رسول الله - ﷺ -) أي أهدى إليه، (فبعث) أي رسول الله - ﷺ - (في آثارهما) أي عقبهما أحدًا، فناداهما فجاءاه (فسقاهما) من اللبن تلطفًا بهما، (فظننا) أي فعلمنا (أنه) - ﷺ - (لم يجد) لم يغضب (عليهما) لأنهما ما تكلما من الكلام إلَّا بحسن نيتهما، فكانا في ذلك معذورين، ووقع في رواية مسلم: \"أفلا نجامعهن\" مكان \"أفلا ننكحهن\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٣٤) رقم (٢٧٦١).","vol":"2","page":294},{"text":"٢٥٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ مِسْعَرٍ،\n===\nوفسره القاري (١) في \"المرقاة\" والشيخ عبد الحق في \"اللمعات\": أفلا نجامعهن في البيوت وفي الأكل والشرب لموافقتهم، أو خوف ترتب الضرر الذي يذكرونه، ويأبى عن هذا التأويل ما في رواية أبي داود من قوله: \"أفلا ننكحهن\"، ولعلهما لم يطلعا على هذا اللفظ، فقالا ما قالا.\nواختلف (٢) في هذا الاعتزال المذكور في الآية، فذهب ابن عباس وشريح وابن جبير ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعة من أهل العلم إلى أنه يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار، ويعضده ما صح عن عائشة - ﵂ - أنها تشد عليها إزارها، ثم شأنه بأعلاها، وذهبت عائشة والشعبي وعكرمة ومجاهد والثوري ومحمد بن الحسن وداود إلى أنه لا يجب إلَّا اعتزال الفرج فقط، وهو الصحيح (٣) من قول الشافعي، وروي عن ابن عباس، وعبيدة السلماني أنه يجب اعتزال الرجل فراش زوجته إذا حاضت أخذًا بظاهر الآية، وهو قول شاذ.\n٢٥٩ - (حدثنا مسدد، ثنا عبد الله بن داود، عن مسعر) بكسر أوله\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٩٧)، وبهما معًا فسر الشيخ في \"الكوكب\" (٤/ ٧٩).\n(٢) ستأتي الدلائل في \"باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع\"، وتقدم أيضًا في \"باب في المذي\"، وقال ابن رسلان: روى الطبراني في \"الكبير\": \"سئل ما يحل للرجل وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار، وما تحت الإزار منه حرام\"، وبه قال أكثر العلماء، وذهب كثير من السلف، والثوري وأحمد وإسحاق إلى امتناع الفرج فقط، وبه قال محمد بن الحسن ورجحه الطحاوي، وهو اختيار أصبغ من المالكية، وأحد القولين أو الوجهين من الشافعية، واختاره ابن المنذر، ورجحه النووي لحديث أنس عند مسلم \"ابن رسلان\"، وقال أيضًا: روي عن ابن عباس وعبيدة السلماني: يعتزل فراشها، وهو قول شاذ، قلت: وما حكي من ترجيح الطحاوي تبع فيه الحافظ، وقد رجع عن ذلك الطحاوي كما في هامش \"الأوجز\" (١/ ٥٧٩). (ش).\n(٣) ورجحه ابن رسلان وقال: الروايات الدالة على الائتزار للاستحباب. (ش).","vol":"2","page":295},{"text":"عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كُنْتُ أَتَعَرَّقُ الْعَظْمَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَأُعْطِيهِ النَّبِىَّ -ﷺ-، فَيَضَعُ فَمَهُ فِى الْمَوْضِعِ الَّذِى فِيهِ وَضَعْتُهُ، وَأَشْرَبُ الشَّرَابَ فَأُنَاوِلُهُ فَيَضَعُ فَمَهُ فِى الْمَوْضِعِ الَّذِى كُنْتُ أَشْرَبُ مِنْهُ\" (١). [م ٣٠٠، ن ٢٧٩، جه ٦٤٣، حم ٢/ ٦٢]\n===\nوسكون ثانيه وفتح المهملة، ابن كدام بكسر أوله وتخفيف ثانيه، (عن المقدام بن شريح، عن أبيه) شريح بن هانئ، (عن عائشة قالت: كنت أتعرق العظم) أي آكل ما عليه من اللحم، قال في \"القاموس\": عَرَقَ العَظْمَ عَرْقًا وَمَعْرَقًا، كَمَقْعَدِ: أكل ما عليه من اللحم، كَتَعَرَّقَهُ، والعَرْقُ، وكغُرابٍ: العَظْمُ أُكِلَ لَحْمُه، أو العَرْقُ: العَظْمُ بِلَحْمِهِ، فإذا أُكِلَ لَحْمُه فَعُرَاقٌ، أو كلاهما لكليهما.\n(وأنا حائض) أي في حالة الحيض (فأعطيه النبي - ﷺ -) أي العظم (فيضع) - ﷺ - (فمه (٢) في الموضع الذي فيه) أي الموضع (وضعته) أي فمي (وأشرب الشراب فأناوله) أي الإناء رسول الله - ﷺ - (فيضع فمه) في الإناء (في الموضع الذي كنت أشرب منه)، وهذا يدل على جواز مؤاكلة الحائض ومجالستها، وعلى أن أعضاءها من اليد والفم وغيرهما ليست بنجس، وأما ما نسب إلى أبي يوسف من أن بدنها نجس فغير صحيح.\n_________\n(١) قال المزي في \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٢٢٦) رقم (١٦١٤٥) بعد ذكر هذا الحديث وسنده: \"حديث أبي داود في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم\".\nوقال الحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\": رأيته في نسخة الخطيب التي بخطه من رواية اللؤلؤي، لكن ذكروا أن الخطيب نسخ نسخته من طريق أبي الحسن بن العبد ثم قابلها على رواية اللؤلؤي، فصار الأمر محتملًا.\n(٢) فيه إثبات الميل، وورد: \"لخلوف فم الصائم\" وغير ذلك ترد على أبي علي إذ قال: لا تثبت الميم إلَّا في الشعر. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":296},{"text":"٢٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَضَعُ رَأْسَهُ فِى حِجْرِى فَيَقْرَأُ وَأَنَا حَائِضٌ\". [خ ٢٩٧، م ٣٠١، ن ٢٧٤، جه ٦٣٤، حم ٦/ ٦٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>(١٠٥) بَابٌ: في الْحَائِضِ تَنَاوَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ</span>\n٢٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،\n===\n٢٦٠ - (حدثنا محمد بن كثير) العبدي، (نا سفيان) بن سعيد الثوري، (عن منصور بن عبد الرحمن) بن طلحة بن الحارث القرشي العبدري الحجبي المكي، روى عن أمه صفية بنت شيبة وغيرها، أحسن الثناء عليه الإِمام أحمد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثَّقه ابن سعد والنسائي وابن حبان، وكان يبكي في وقت كل صلاة، وقال ابن حزم: ليس بالقوي.\n(عن صفية) بنت شيبة، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يضع رأسه في حجري) بتثليث الحاء أي في حضني (فيقرأ) أي القرآن (وأنا حائض) (١) وفيه جواز قراءة القرآن بالقرب من محل النجاسة.\n\n(١٠٥) (بَابٌ: في الْحَائِضِ تَنَاوَلُ مِنَ المَسْجِدِ)\nتناول من التفاعل بحذف إحدى التائين، أي تأخذ شيئًا، أو تناول من المفاعلة، أي تعطي شيئًا آخذة بمد يدها من المسجد، أي وهي خارجة عنه.\n٢٦١ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا أبو معاوية،\n_________\n(١) قال الحافظ (١/ ٤٠٢): فيه جواز استناد المريض إلى الحائض إذا كانت ثيابها طاهرة \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":297},{"text":"عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «نَاوِلِينِى الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ». قُلْتُ: إِنِّى حَائِضٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ». [م ٢٩٨، ت ١٣٤، ن ٢٧١، جه ٢٧١، دي ٧٧١، حم ٦/ ٤٥، ق ١/ ٣١٤، ك ١/ ١٧٢، قط ٣/ ٢٧٨]\n===\nعن الأعمش، عن ثابت بن عبيد) الأنصاري الكوفي، مولى زيد بن ثابت، وثَّقه أحمد ويحيى والنسائي وابن سعد والحربي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وفرق أبو حاتم وابن حبان بين ثابت بن عيد الأنصاري، وبين ثابت بن عبيد مولى زيد بن ثابت.\n(عن القاسم) بن محمد، (عن عائشة قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: ناوليني) أي أعطيني (الخمرة) بالضم: حصير صغير من السعف (من المسجد) قيل: حال (١) من النبي - ﷺ -، أي قال لي ذلك حال كونه - ﷺ - في المسجد، فتكون الخمرة في الحجرة، والنبي ﵊ في المسجد، وقيل: حال من الخمرة، فيكون الأمر على العكس وهو الظاهر، وأنكر القاضي عياض الثاني كما نقل عنه النووي.\n(قلت) أي معتذرة: (إني حائض) ولعلها فهمت باجتهادها أن الحائض كما لا تدخل المسجد لا يجوز لها أن تدخل يدها في المسجد.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: إن حيضتك ليست (٢) في يدك)، قال الخطابي (٣):\n_________\n(١) يؤيده رواية النسائي عن أبي هريرة بلفظ: \"بينما النبي - ﷺ - في المسجد إذ قال: يا عائشة ناوليني الثوب\"، الحديث (٢٧٠)، لكن الحديث بلفظ الثوب. (ش).\n(٢) أجاد الوالد المرحوم هاهنا بحثًا لطيفًا في \"الكوكب الدري\" في الفرق بين دخول المسجد، ومسِّ المصحف إذا اعتبر نجاسة اليد فيه دونه، فأرجع إليه. (ش) [انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ١٧٣)].\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٣١).","vol":"2","page":298},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"الحيضة\"- بكسر الحاء-: الحال التي تلزمها الحائض من التجنب، كما قالوا: القعدة والجلسة يريدون حال القعود والجلوس، وأما \"الحيضة\" مفتوحة الحاء: فهي الدفعة الواحدة من دفعات دم الحيض، وفي الحديث: من الفقه أن للحائض أن تتناول الشيء بيدها من المسجد، وأن من حلف لا يدخل دارًا أو مسجدًا، فإنه لا يحنث بإدخال يده أو بعض جسده فيه ما لم يدخله بجميع بدنه.\nقال النووي (١): هو بفتح الحاء، هذا هو المشهور في الرواية وهو الصحيح، وقال الإِمام أبو سليمان الخطابي: المحدثون يقولونها بفتح الحاء وهو خطأ، وصوابها بالكسر، أي الحالة والهيئة، وأنكر القاضي عياض هذا على الخطابي، وقال: الصواب ههنا ما قاله المحدثون من الفتح، لأن المراد الدم وهو الحيض بالفتح بلا شك، لقوله - ﷺ -: \"ليست في يدك\" معناه أن النجاسة التي يصان المسجد عنها وهي دم الحيض ليست في يدك، وهذا بخلاف حديث أم سلمة: \"فأخذت ثياب حيضتي\"، فإن الصواب فيه الكسر، هذا كلام القاضي عياض، وهذا الذي اختاره من الفتح هو الظاهر هاهنا، ولما قاله الخطابي وجه، والله أعلم، انتهى.\nقلت: ما قال الخطابي هو الأوجه عندي، لأن عائشة - رضي الله تعالى عنها - كانت تعلم أن في يدها ليست نجاسة الحيض التي يصان المسجد عنها، وما امتنعت عن إدخال يدها في المسجد إلَّا بأنها علمت أن الحالة العارضة لها من الحيض، وحكمها حلَّت يدها، فلأجل هذا امتنعت عن إدخال يدها في المسجد، ولهذا أجابها رسول الله - ﷺ - بما حاصله: أن هذه الحالة التي هي كونها حائضة عرضت لها باعتبار مجموعها لا باعتبار أجزائها، فلا يقال لليد حائضة حتى يصان عنها المسجد.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٢١١).","vol":"2","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>(١٠٦) بَابٌ: في الْحَائِضِ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ</span>\n٢٦٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ\n===\n\n(١٠٦) (بَابٌ: في الْحَائِضِ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ) (١)\nأي: الصلوات التي لم تصلها أيام محيضها\n٢٦٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب) بن خالد، (نا أيوب) ابن أبي تميمة السختياني، (عن أبي قلابة) هو عبد الله بن زيد بن عمرو، أبو قلابة بكسر القاف و[الجرمي] بجيم، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن سيرين: أبو قلابة إن شاء الله ثقة رجل صالح، وقال أيوب: كان والله من الفقهاء ذوي الألباب، ما أدركت بهذا العصر رجلًا كان أعلم بالقضاء من أبي قلابة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وكان يحمل على علي ولم يرو عنه شيئًا، ولم يسمع من ثوبان، وقال عمر بن عبد العزيز: لن تزالوا بخير يا أهل الشام ما دام فيكم هذا، وقال ابن معين: أرادوه على القضاء فهرب إلى الشام فمات بها، قال ابن خراش: ثقة، مات سنة ١٠٤ هـ أو بعدها.\n(عن معاذة) بنت عبد الله العدوية، أم الصهباء البصرية، امرأة صلة ابن أشيم، قال ابن معين: ثقة حجة، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كانت من العابدات، قال الذهبي: بلغني أنها كانت تحيي الليل، وتقول: عجبت لعين تنام، وقد علمت طول الرقاد في القبور، توفيت سنة ٨٣ هـ.\n_________\n(١) ذكره ابن العربي ولم يأتِ بشيء، وقد روي في \"جمع الفوائد\" ح (٨٧٧) عن سمرة أنه قال: يقضين صلاة المحيض، وسيأتي في \"باب ما جاء في وقت النفساء\" (٢/ ٤٣٠). (ش).","vol":"2","page":300},{"text":"قالت: \"إنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ: أَتَقْضِى الْحَائِضُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ ! لَقَدْ كُنَّا نَحِيضُ عِنْدَ (١) رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ-\n===\n(قالت) أي معاذة: (إن امرأة) لم يعرف اسمها (٢)؛ قال الحافظ (٣): كذا أبهمها همام، وبَيَّن شعبة في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية أخرجها الإسماعيلي من طريقه، وكذا مسلم من طريق عاصم وغيره عن معاذة، انتهى.\nقلت: يعلم من الروايات المختلفة أن بعضهم نسب السؤال إلى معاذة، وبعضهم نسبه إلى امرأة مبهمة بأن معاذة تقول: إن امرأة سألت عائشة، فيمكن الجمع بينهما بأن معاذة وامرأة أخرى سألتا عائشة فأجابتهما عائشة، ففي بعضها نسبت السؤال إلى نفسها، ومرة نسبته إلى امرأة أخرى، وأما القول بأن معاذة أبهمت نفسها فبعيد، فإن المسألة ليست مما تخفي الراوية اسمها، لأنها ليست مما يُستحيى عنه، والله أعلم (٤).\n(سألت عائشة) رضي الله تعالى عنها: (أتقضي) المرأة (الحائض الصلاة؟) أي هل تقضي صلاة أيام محيضها التي لم تصلها في أيام محيضها في أيام طهرها؟ (فقالت) أي عائشة: (أحرورية أنت؟) أي خارجية، نسبت إلى حروراء، قرية في جنب كوفة، كان اجتماع الخوارج وتعاقدهم بها، فنسبوا إليها، وكانوا يوجبون قضاء صلاة زمن الحيض، وهو خلاف الإجماع.\nثم أجابتها عائشة ﵂ (لقد كنا نحيض عند (٥) رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) وفي نسخة: \"على عهد\".\n(٢) قاله العيني (٣/ ١٥٩).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢١).\n(٤) أفاد الشيخ هذا الكلام بعد الطبع الأول للإضافة للطبع الثاني. (ش).\n(٥) من ألفاظ الرفع حكمًا، كما بسطه أهل الأصول. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":301},{"text":"فَلَا نَقْضِى وَلَا نُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ\". [خ ٣٢١، م ٣٣٥، ت ١٣٠، ن ٣٨٢، دي ٩٧٩، حم ٦/ ٣٢]\n===\nفلا نقضي) صلاة أيام محيضنا (ولا نؤمر) أي من الله تعالى، أو من رسوله - ﷺ - (بالقضاء) (١) أي بقضائها.\nقال الشوكاني (٢): نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على أنه لا يجب على الحائض قضاء الصلاة، ويجب عليها قضاء الصيام، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج (٣) أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، قال الحافظ: لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزهري وغيره.\nوالفرق بين الصوم والصلاة: أن الصلاة كثيرة متكررة فيشق قضاؤها بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرة واحدة، وربما كان الحيض يومًا أو يومين.\nوقد اختلف السلف فيمن طهرت من الحيض بعد صلاة العصر وبعد صلاة العشاء هل تصلي الصلاتين أو الأخرى؟ وعن ابن عباس أنه كان يقول: إذا طهرت الحائض بعد العصر صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت\n_________\n(١) قال ابن دقيق العيد (١/ ١٢٨): فالاستدلال بوجهين: إما لأن سقوط القضاء لسقوط الأداء، ووجد الدليل لقضاء الصوم، فبقي قضاء الصلاة على حاله، أو لأن الحاجة لما مست إلى بيانها والنبي - ﷺ - أمر بقضاء الصوم فقط مع الحاجة، فهو دليل على عدم وجوبه، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٦١).\n(٣) قال ابن رسلان: هم فرق كثيرة إلَّا أن من أصولهم المتفق عليه الأخذ بما في القرآن، ورد ما زاد عليه من الحديث، ولهذا استفهمت عائشة ... إلخ، قلت: إما لمجرد عدم وجدانها في القرآن، أو علمت بمذهبهم في ذلك. (ش).","vol":"2","page":302},{"text":"٢٦٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا (١) سُفْيَانُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ -، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ (٢). [انظر تخريج الحديث\nالسابق]\n===\nبعد العشاء صلت المغرب والعشاء، وعن عبد الرحمن بن عوف قال: إذا طهرت الحائض قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء. رواهما سعيد في \"سننه\" والأثرم، انتهى ملخصًا.\n٢٦٣ - (حدثنا الحسن بن عمرو) السدوسي، (أنا سفيان - يعني ابن عبد الملك -) وضمير الفاعل في يعني يعود إلى الحسن، وهذا قول أبي داود، يقول أبو داود: إن الحسن بن عمرو يريد بسفيان أنه ابن عبد الملك، وهو سفيان بن عبد الملك المروزي، صاحب ابن المبارك، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن ابن المبارك) هو عبد الله، (عن معمر) بن راشد، (عن أيوب) السختياني، (عن معاذة العدوية، عن عائشة بهذا الحديث) يتعلق بحدثنا أي حدثنا بهذا الحديث المذكور قبل.\nولعل الغرض من إعادة الحديث بسنده بيان الاختلاف في السند ومتنه، أما الاختلاف في السند فإن الحديث الأول مروي عن أيوب بواسطتين، وهذا الحديث مروي عنه بأربع وسائط، وأيضًا في الحديث الأول روى أيوب عن معاذة بواسطة أبي قلابة، وههنا روى من غير واسطة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"2","page":303},{"text":"وَزَادَ فِيهِ: \"فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>(١٠٧) بَابٌ: في إِتْيَانِ الْحَائِضِ </span>(١)\n٢٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قال: حَدَّثَنِى الْحَكَمُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،\n===\nوأما الاختلاف الواقع فيما بين رواية وهيب ومعمر في المتن فقال: (وزاد) أي معمر (فيه) أي في حديثه: (فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) (٢) فزاد معمر الأمر بقضاء الصوم على رواية وهيب فإنها كانت خالية عن ذكره.\n\n(١٠٧) (بَابٌ (٣): في إِتْيَانِ الْحَائِضِ)\nأي: في مجامعتها في حالة الحيض ما حكمها؟\n٢٦٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن شعبة) بن الحجاج (قال: حدثني الحكم) بن عتيبة، (عن عبد الحميد بن عبد الرحمن) بن زيد بن الخطاب العدوي، أبو عمر المدني، استعمله عمر بن عبد العزيز على الكوفة، وقيل: عداده في أهل الجزيرة، قال الزبير بن بكار: كان أبو الزناد كاتبًا له، قال العجلي والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال أبو بكر بن أبي داود، ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، توفي في خلافة هشام.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من أتى الحائض\".\n(٢) لكثرة تكرارها، أو لمنافاتها الصلاة، بخلاف الصوم لما لم يكن منافيًا لها بالطبع، اعتبر فيه التأخير فقط دون الإسقاط، \"الكوكب الدري\" (١/ ١٦٩). (ش).\n(٣) قال ابن العربي: لا شك في ضعف رواياته. (ش) [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢١٧)].","vol":"2","page":304},{"text":"عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- فِى الَّذِى يَأْتِى امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ (١) دِينَارٍ». [ن ٢٨٩، ت ١٣٦، ١٣٧، جه ٦٤٠، حم ١/ ٢٢٩، ق ١/ ٣١٤، دي ١١٠٥]\n===\n(عن مقسم) (٢) بن بجرة بضم الموحدة وسكون الجيم، ويقال: ابن نجدة بفتح النون وبدال، أبو القاسم، ويقال: أبو العباس، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له، قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم حديث الحجامة، وعن أحمد: لم يسمع الحكم من مقسم إلَّا أربعة أحاديث، وأما غير ذلك فأخذها من كتاب، قال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به، ذكر ابن سعد في \"الطبقات\": كان كثير الحديث ضعيفًا، وذكره البخاري في \"الضعفاء\"، ولم يذكر فيه قدحًا، وقال الساجي: تكلم الناس في بعض روايته، وأما ابن حزم فقال: ليس بالقوي، وقال أحمد بن صالح المصري: ثقة ثبت لا شك فيه، وقال العجلي: مكي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن سفيان والدارقطني: ثقة.\n(عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - في الذي يأتي امرأته) أي يجامعها (وهي حائض) أي في حال حيضها (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (يتصدق بدينار أو نصف دينار) ولفظة \"أو\" ههنا ليست للشك بل للتنويع، يعني إذا كان في إقبال الدم وكان الدم عبيطًا فليتصدق بدينار، وإن كان في انقطاع وكان في الصفرة فنصف دينار، أو يقال: إن كان واجدًا فبدينار، وإن كان غير واجد فبنصف دينار.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بنصف دينار\".\n(٢) أخرج له البخاري حديثًا واحدًا في سورة النساء. (\"صحيح البخاري\" ٤٥٩٥) (ش).","vol":"2","page":305},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ قَالَ: «دِينَارٍ (١) أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ»، وَرُبَّمَا لَمْ يَرْفَعْهُ شُعْبَةُ.\n===\n(قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة، قال: دينار أو نصف دينار) (٢) أي بلفظة \"أو\" التنويعية، (وربما لم يرفعه شعبة) وهذا القول من أبي داود يشير إلى الاختلاف الواقع في السند.\nوغرضه بهذا أن شعبة اختلف في رفعه ووقفه، فرفعه مرة، وربما لم يرفعه كأنه إشارة إلى ضعف هذا الحديث، فروى النضر بن شميل وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن شعبة مرفوعًا، كما روى يحيى القطان، ورواه عفان بن مسلم وسليمان بن حرب عن شعبة موقوفًا، وكذلك رواه مسلم بن إبراهيم وحفص بن عمر الحوضي وحجاج بن منهال وجماعة عن شعبة أنه رجع عن رفعه بعد ما كان يرفعه.\nقال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه من أصل كتابه، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا ابن مهدي، حدثنا شعبة، عن الحكم عن عبد الحميد - يعني ابن عبد الرحمن -، عن مقسم، عن ابن عباس في الذي يأتي امرأته وهي حائض، فذكره موقوفًا، فقيل لشعبة: إنك كنت ترفعه، قال: إني كنت مجنونًا فصححت، فقد رجع شعبة عن رفع الحديث وجعله من قول ابن عباس.\nواختلف العلماء في وجوب الكفارة، فقال الشافعي في أصح قوليه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"دينارًا\".\n(٢) وقال ابن رسلان: أي بالجر فيهما، انتهى، وفيه ما فيه، لأن ظاهر كلامه أن التصحيح بالجر. (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣١٥).","vol":"2","page":306},{"text":"٢٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - يَعْنِى ابْنَ سُلَيْمَانَ -،\n===\nوهو الجديد (١) ومالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وجماهير السلف: إنه لا كفارة عليه، وعليه أن يستغفر ويتوب، وممن ذهب إليه من السلف عطاء وابن أبي مليكة والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وأبو الزناد وربيعة وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري والليث بن سعد - رحمهم الله تعالى-.\nوقال الشافعي في القول القديم الضعيف: إنه يجب عليه الكفارة، وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعي وإسحاق وأحمد في الرواية الثانية عنه.\nواختلف هؤلاء في الكفارة، فقال الحسن (٢) وسعيد: عتق رقبة، وقال الباقون: دينار (٣) أو نصف دينار، وتعلقوا بهذا الحديث، وهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، فالصواب أن لا كفارة، كذا قاله النووي (٤).\n٢٦٥ - (حدثنا عبد السلام بن مطهر) (٥) بن حسان بن مِصَكٍّ بمكسورة وفتح مهملة وشدة كاف، ابن ظالم بن شيطان الأزدي، أبو ظفر بفتح المعجمة والفاء، البصري، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال في \"الزهرة\": روى عنه البخاري أربعة أحاديث، مات سنة ٢٢٤ هـ.\n(نا جعفر - يعني ابن سليمان -) وهذا قول أبي داود، وضمير\n_________\n(١) وكذا بين الاختلاف ابن العربي (١/ ٢١٨). (ش).\n(٢) وهو رواية عن الشافعية. (ش).\n(٣) بالتخيير عند أحمد، كما في \"الروض المربع\" (١/ ١١٦) وغيره، والتنويع أول الحيض وآخره عند الشافعي، كما في \"ابن رسلان\"، انتهى. (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٢٠٩).\n(٥) بضم الميم وتشديد الهاء المكسورة، كذا في \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":307},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالفاعل في يعني يعود إلى عبد السلام، الضبعي، أبو سليمان البصري، عن أحمد: لا بأس به، قيل له: إن سليمان بن حرب يقول: لا يكتب حديثه فقال: إنما كان يتشيع، وكان يحدث بأحاديث في فضل علي، وأهل البصرة يغلون في علي، وعن ابن معين: ثقة، وكان يحيى بن سعيد لا يكتب حديثه ولا يروي عنه، وكان يستضعفه، وقال أحمد بن سنان: رأيت عبد الرحمن بن مهدي لا ينشط (١) لحديث جعفر بن سليمان واستثقل حديثه، وقال ابن سعد: كان ثقة وبه ضعف وكان يتشيع، وقال يزيد بن زريع: من أتى جعفر بن سليمان وعبد الوارث فلا يقربني، وكان عبد الوارث ينسب إلى الاعتزال، وجعفر ينسب إلى الرفض، وقال البخاري في \"الضعفاء\": يخالف في بعض حديثه، وأخرج ابن حبان في كتاب \"الثقات\" بسنده من طريق جرير بن يزيد بن هارون قال: بعثني أبي إلى جعفر، فقلت: بلغنا أنك تسبُّ أبا بكر وعمر، قال: أما السبُّ فلا، ولكن البغض ما شئت (٢)، فإذا هو رافضي مثل الحمار.\nقال ابن حبان: كان جعفر من الثقات في الروايات، غير أنه كان ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، فالاحتجاج بخبره جائز، قال الدوري: كان جعفر إذا ذكر معاوية شتمه، فإذا ذكر عليًا قعد يبكي، وقال ابن شاهين في المختلف فيهم: إنما تكلم فيه لعلة المذهب، وما رأيت من طعن في حديثه إلَّا ابن عمار بقوله: جعفر بن سليمان ضعيف، وقال البزار: لم نسمع أحدًا يطعن عليه في الحديث ولا في خطأ فيه، إنما ذكرت عنه شيعيته، وأما حديثه فمستقيم، مات سنة ١٧٨ هـ.\n===\n(١) وفي \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٩٧) لا ينبسط.\n(٢) في \"تهذيب الكمال\" (١/ ٤٦٣): ولكن بغضًا يا لك، وفي رواية أخرى: بغضًا ما شئت، قال الذهبي عن هذه الحكاية: فهذا غير صحيح عنه، \"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ١٧٦).","vol":"2","page":308},{"text":"عَنْ عَلِىِّ بْنِ الْحَكَمِ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَبِى الْحَسَنِ الْجَزَرِىِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"إِذَا أَصَابَهَا فِى أَوَّلِ الدَّمِ فَدِينَارٌ، وَإِذَا أَصَابَهَا فِى انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ\". [ق ١/ ٣١٨، ك ١/ ١٧٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ،\n===\n(عن علي (١) بن الحكم البناني) أبو الحكم البصري، عن أحمد: لا بأس به، وقال أبو حاتم: لا بأس به صالح الحديث، ووثَّقه أبو داود والنسائي وابن سعد والعجلي وأبو بكر البزار، وابن نمير وغيرهم، وقال الدارقطني: ثقة يجمع حديثه، وقال أبو الفتح الأزدي: زايغ عن القصد، فيه لين، مات سنة ١٣١ هـ أو بعدها.\n(عن أبي الحسن الجزري) شامي، قال ابن المديني: مجهول، وقال الحاكم في \"المستدرك\": أبو الحسن هذا اسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن ثقة مأمون، كذا قال، وقال الحافظ في \"التقريب\": أبو الحسن الجزري مجهول، من السادسة، وأخطأ (٢) من سمّاه عبد الحميد.\n(عن مقسم، عن ابن عباس، قال: إذا أصابها) أي جامعها (في أول الدم) أي في فور حيضها (فدينار) أي يتصدق به، (وإذا أصابها) أي جامعها (في انقطاع الدم) أي عند انقطاع الدم (فنصف دينار).\nقال أبو داود: وكذلك (٣) قال ابن جريج، عن عبد الكريم) بن\n_________\n(١) أخرج له البخاري في الإجارة \"ابن رسلان\". (ش). (\"صحيح البخاري\" ٢٢٨٤).\n(٢) وذكره ابن عبد البر فيمن لم يذكر له اسم سوى كنيته، وذكره مسلم في الكنى ولم يسمه، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) الظاهر أن المراد أنه روى ابن جريج هذا التفسير عن مقسم، وما يدل عليه كلام البيهقي الآتي أن التفصيل في حديث ابن جريج مرفوع، وفي حديث ابن أبي عروبة عن مقسم، فتأمل. (ش).","vol":"2","page":309},{"text":"عن مِقْسمٍ.\n===\nأبي المخارق بضم الميم وبالخاء المعجمة في آخره راء وقاف، أبو أمية المعلم البصري، نزيل مكة، قال مسلم في مقدمة \"صحيحه\" (١): قال معمر: ما رأيت أيوب اغتاب أحدًا قط إلَّا عبد الكريم أبا أمية، فإنه ذكره، فقال: كان غير ثقة، لقد سألني عن حديث لعكرمة، ثم قال: سمعت عكرمة، وقال ابن معين: قال أيوب: لا تأخذوا عن أبي أمية عبد الكريم، فإنه ليس بثقة، وقال الإِمام أحمد: كان ابن عيينة يستضعفه، قلت له: هو ضعيف؟ قال: نعم، وقال الدوري عن ابن معين: قد روى مالك عن عبد الكريم أبي أمية، وهو بصري ضعيف، وعده أبو داود من خير أهل البصرة، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال السعدي: كان غير ثقة، وقال ابن حبان: كان كثير الوهم فاحش الخطأ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به، وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه (٢)، ومن أجل من جرحه أبو العالية وأيوب، مع ورعه غرّ مالكًا سمته، ولم يكن من أهل بلده، مات سنة ١٢٧ هـ.\n(عن مقسم) أخرج البيهقي هذا التعليق في \"سننه\" (٣) موصولًا عن ابن جريج عن أبي أمية عبد الكريم البصري عن مقسم عن ابن عباس (٤) أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أتى أحدكم امرأته في الدم فليتصدق بدينار، إذا وطئها، وقد رأت الطهر ولم يغتسل فليتصدق بنصف دينار\"، ثم قال البيهقي\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١/ ٢١).\n(٢) صاحب \"تنسيق النظام\" (ص ٦٥ - ٧٠) أثبت بسبعة وعشرين وجهًا توثيقه، فقول ابن عبد البر: مجمع على ضعفه تحامل، انظر: \"أوجز المسالك\" (٢/ ٦٥١).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣١٦).\n(٤) قلت: وذلك أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٢٩) رقم (١٢٦٦)، والطبراني (١١/ ٤٠٢) رقم (١٢١٣٤) أيضًا.","vol":"2","page":310},{"text":"٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ- قَالَ:\n===\nبعد تخريجها: كذا في رواية ابن جريج، ورواه ابن أبي عروبة عن عبد الكريم فجعل التفسير من قول مقسم، ثم أخرج رواية سعيد بن أبي عروبة مفصلة.\n٢٦٦ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا شريك، عن خصيف) مصغرًا، ابن عبد الرحمن الجزري، أبو عون الحضرمي الحراني الأموي مولاهم، رأى أنسًا، عن أحمد: ضعيف، وعنه: ليس بحجة ولا قوي في الحديث، وشديد الاضطراب في السند، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، يخلط، وتكلم في سوء حفظه، وقال ابن عدي: إذا حدث عن خصيف ثقة، فلا بأس بحديثه ورواياته، إلَّا أن يروي عنه عبد العزيز بن عبد الرحمن، فإن رواياته عنه بواطيل، والبلاء من عبد العزيز لا من خصيف، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال ابن المديني: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال الدارقطني: يعتبر به، يهم، وقال الساجي: صدوق، وقال ابن معين: إنا كنا نتجنب حديثه، وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي، وقال الأزدي: ليس بذاك، وقال ابن حبان: تركه جماعة من أئمتنا، واحتج به آخرون، وكان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا، إلَّا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروي، وينفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته، إلَّا أن الإنصاف فيه قبول ما وافق الثقات في الروايات، وترك ما لم يتابع عليه.\n(عن مقسم) بن بجرة، (عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال)","vol":"2","page":311},{"text":"«إِذَا وَقَعَ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ وَهِىَ حَائِضٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ». [ت ١٣٦، دي ١١٠٥، حم ١/ ٢٧٢، ق ١/ ٣١٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا قَالَ عَلِىُّ بْنُ بَذِيمَةَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مُرْسَلًا\n===\nأي النبي - ﷺ -: (إذا وقع الرجل بأهله) أي بزوجته بأن وطئها (وهي حائض فليتصدق بنصف دينار).\n(قال أبو داود: وكذا) أي كما اقتصر خصيف عن مقسم على ذكر تصدق نصف دينار مثل ذلك (قال علي بن بذيمة) بفتح الموحدة وكسر المعجمة الخفيفة بعدها تحتانية ساكنة، الجزري، أبو عبد الله، مولى جابر بن سمرة السوائي، كوفي الأصل، قال أحمد: صالح الحديث ولكن كان رأسًا في التشيع، وقال الجوزجاني: زائغ عن الحق معلن به، وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي والعجلي: ثقة، وقال ابن عمار: من الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٣٦ هـ.\n(عن مقسم، عن النبي - ﷺ - مرسلًا) (١) أي لم يذكر فيه ابن عباس، وغرض المصنف (٢) من ذكر رواية خصيف وعلي بن بذيمة الإشارة إلى\n_________\n(١) قلت: أخرجه أحمد (١/ ٣٢٥)، وعبد الرزاق (١/ ٣٢٨) رقم (١٢٦٣) من طريق الثوري عن خصيف عن مقسم مرسلًا، ووصل هذه الرواية البيهقي كما سيذكر المؤلف.\n(٢) قال المنذري (١/ ١٣٣): قد اضطرب في هذا الحديث في إسناده ومتنه، فإسناده أنه روي مرفوعًا موقوفًا مرسلًا معضلًا، واضطرب متنه فروي بالشك، وروي يتصدق بدينار وإن لم يجد فبنصف دينار، وروي التفرقة في أول الدم وآخره، وروي إن كان أحمر فدينار وإلَّا فنصف دينار، وروي بنصف دينار، وروي بخمسي دينار، كما سيأتي، وكذا بسط اضطرابه ابن العربى. (ش) [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢١٧)].","vol":"2","page":312},{"text":"وَرَوَى الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «أمُرُهُ أَنْ (١) يَتَصَدَّقَ بِخُمْسَىْ دِينَارٍ». وَهَذَا مُعْضَلٌ.\n===\nالاختلاف الواقع في متن الحديث واضطرابه بأنه روى بعضهم يتصدّق بدينار أو نصف دينار، وروى البعض بنصف دينار فقط.\nوأخرج البيهقي (٢) بسنده عن سفيان قال: حدثني علي بن بذيمة وخصيف عن مقسم، عن النبي - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض، الحديث، ثم قال البيهقي: حديث خصيف الجزري غير صحيح.\n(وروى الأوزاعي، عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن النبي - ﷺ - قال) الراوي أي عمر بن الخطاب: (أمره) أي أمر رسول الله - ﷺ - السائل، وهو عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه - (أن يتصدق بخمسي دينار، وهذا) أي الحديث (معضل) والمعضل بفتح الضاد: ما سقط من سنده اثنان متواليان فصاعدًا.\nلكن أخرج البيهقي (٣) هذا الحديث بسنده من طريق أبي بكر بن داسة، ثنا أبو داود السجستاني، وروى الأوزاعي، عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن أظنه عن عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"أمره أن يتصدق بخمسي دينار\"، وهذا اختلاف ثالث في إسناده ومتنه رواه إسحاق الحنظلي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنه\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣١٦).\n(٣) قلت: وكذا أخرج هذه الرواية الدارمي في \"سننه\" رقم (١١١٠) من طريق محمد بن يوسف عن الأوزاعي.","vol":"2","page":313},{"text":"(١٠٨) بابٌ: فِى الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْهَا (١) مَا دُونَ الْجِمَاعِ\n٢٦٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ، حَدَّثَنَي (٢) اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ نُدْبَةَ (٣)\n===\nعن بقية بن الوليد عن الأوزاعي بهذا الإسناد عن عمر بن الخطاب أنه كان له امرأة تكره الرجل، الحديث.\nثم قال البيهقي: وكذلك رواه إسحاق عن عيسى بن يونس، عن زيد بن عبد الحميد، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كانت له امرأة، فذكره، وهو منقطع بين عبد الحميد وعمر، والغرض بذكر هذا الحديث الإشارة إلى اختلاف ثالث، كما ذكره البيهقي.\n\n(١٠٨) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْهَا) أي: الحائض (مَا دُونَ الْجِمَاعِ) من المباشرة والملامسة\n٢٦٧ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي، ثني الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة) بن الزبير، الأعور (٤)، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، روى له مسلم حديثًا واحدًا: \"أيُّ العمل أفضل\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، مات في حدود سنة ١٣٠ هـ.\n(عن ندبة) بضم أولها ويقال بفتحها وسكون الدال بعدها موحدة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من الحائض\".\n(٢) وفي نسخة: \"ثنا\".\n(٣) وفي نسخة: \"بُدَيّة\".\n(٤) صفة لحبيب. (ش).","vol":"2","page":314},{"text":"مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ قالت: \"إنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِىَ حَائِضٌ، إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ إِلَى أَنْصَافِ الْفَخِذَيْنِ أَوِ الرُّكْبَتَيْنِ تَحْتَجِزُ بِهِ\". [ن ٢٨٧، دي ١٠٥٧، حم ٦/ ٣٣٢، ق ١/ ٣١٣]\n٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُضَاجِعُهَا زَوْجُهَا.\n===\nهكذا في \"التقريب\"، وقال في القاموس: نَدْبَةُ كَحَمْزَةَ: مولاة ميمونة بنت الحارث، لها صحبة، ويقال: بموحدة أولها مع التصغير (مولاة ميمونة) ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، وذكرها ابن مسنده وأبو نعيم في الصحابة.\n(عن ميمونة قالت: إن النبي - ﷺ - كان يباشر) والمباشرة: إلصاق البشرة بالبشرة (المرأة من نسائه) أي من أزواجه (وهي حائض إذا كان عليها) أي على المرأة (إزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين تحتجز به) أي بالإزار، أي تجعل الإزار حاجزًا بينه وبينها.\n٢٦٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن منصور) بن المعتمر (عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يأمر إحدانا إذا كانت حائضًا أن تتزر) (١) أي تعقد الإزار عليها (ثم يضاجعها زوجها).\n_________\n(١) تكلم ابن رسلان على هذا اللفظ، ورجح المطرزي تأتزر، قال الزمخشري: أخطأ من قال: اتزر يتزر، وقال ابن مالك: هذا موقوف على السماع وقد سمع، قلت: وهو الصواب، كيف وقد سمع هكذا في عدة روايات، ففي البخاري (٣٦١): \"إن كان ضيقًا فاتزر به\"، وفي \"الموطأ\" (٣٢٢): \"إن كان قصيرًا فليتزر به\"، وكذا يأتي في أبي داود في باب إذا كان ثوبًا ضيقًا\"، وفي حديث الترمذي (٢٢٠): \"أيكم يتجر على هذا\"، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] بسطه أبو الطيب شارح \"الترمذي\". (ش).","vol":"2","page":315},{"text":"وَقَالَت (١) مَرَّةً: يُبَاشِرُهَا\". [خ ٣٠٠، م ٢٩٣، ت ١٣٢، ن ٢٨٥، جه ٦٣٦]\n٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ قال: سَمِعْتُ خِلَاسًا\n===\nقال في \"مرقاة الصعود\" (٢): قال الشيخ ولي الدين: انفرد المصنف بهذه الجملة الأخيرة، وليس في رواية بقية الأئمة ذكر الزوج، فيحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون أرادت بزوجها النبي - ﷺ -، فوضعت الظاهر موضع المضمر، وعبرت عنه بالزوج، والآخر: أن يكون قولها أولًا يأمر إحدانا لا من حيث إنها إحدى أمهات المؤمنين، بل من حيث إنها إحدى المسلمات، والمراد أنه يأمر كل مسلمة إذا كانت حائضًا أن تتزر، ثم يباشرها زوجها، لكن جعل الروايات متفقة أولى، ولا سيما مع اتحاد المخرج مع أنه إذا ثبت هذا الحكم في حق أمهات المؤمنين ثبت في حق سائر النساء.\n(وقالت مرة: يباشرها)، هذا قول الأسود يبين اختلاف ألفاظ عائشة بأنها مرة حدثت بهذا الحديث، فقالت: \"يضاجعها\"، ومرة أخرى قالت: \"يباشرها\".\n٢٦٩ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن جابر بن صبح) بضم المهملة وسكون الموحدة، الراسبي، أبو بشر البصري، جد سليمان بن حرب لأمه، وثَّقه ابن معين والنسائي، وقال الأزدي: لا يقوم بحديثه حجة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سمعت خِلاسًا) بكسر معجمة وخفة لام وإهمال سين،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٤١).","vol":"2","page":316},{"text":"الْهَجَرِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - تَقُولُ: \"كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَبِيتُ فِى الشِّعَارِ الْوَاحِدِ وَأَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّى (١) شَىْءٌ\n===\nابن عمرو (الهجري) بهاء وجيم مفتوحتين، نسبة إلى مدينة هجر، البصري، عن أحمد بن حنبل: ثقة ثقة، وروايته عن علي من كتاب، وقال أحمد: كان يحيى بن سعيد يتوقى أن يحدث عن خلاس، عن علي خاصة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة ثقة، وقال أيضًا: كانوا يخشون أن يكون خلاس يحدث عن صحيفة حارث الأعور، وعن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: يقال: وقعت عنده صحف عن علي، وليس بقوي، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال الجوزجانى: كان على شرطة علي، وقال الأزدي: خلاس تكلموا فيه، يقال: كان صحفيًّا، مات قبيل سنة ١٠٠ هـ.\n(قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله - ﷺ - نبيت في الشعار الواحد) الشعار: ما وارى الجسد من الثياب، أو هو ثوب يلي الجسد، لأنه يلي شعره، والدثار: ثوب فوقه، وفيه دليل على جواز المباشرة والمضاجعة مع الحائض في الثوب الواحد، وليس فيه دلالة (٢) على أن هذه المضاجعة كانت بغير إزار، كما قاله صاحب \"عون المعبود\"، بل الأحاديث الكثيرة دالة على أن مباشرته - ﷺ - بنسائه الحُيَّضِ تكون بعد الاتزار، فهذا الحديث يحمل عليها أيضًا.\n(وأنا حائض طامث) (٣) ذكر لفظ الطامث تأكيدًا، وفي رواية النسائي بلفظ \"أو\"، فيكون شكًّا من الراوي، (فإن أصابه) أي بدنه - ﷺ - (مني شيء)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"منه\".\n(٢) واستدل عليه ابن رسلان بأنه لو كان عليه إزار لقالت: في دثار. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: الطمث أول الحيض. (ش).","vol":"2","page":317},{"text":"غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ،\n===\nأي من نجاسة الدم (غسل مكانه) أي اقتصر على غسل النجاسة (ولم يعده) أي ولم يجاوز في غسل النجاسة عن محلها إلى غيره (ثم صلي فيه) (١) هكذا هذا اللفظ في جميع النسخ الموجودة عندي من المكتوبة والمصرية والمطبوعة الهندية، والظاهر أنه من تصحيف (٢) النساخ، وغلط معنى ولفظًا.\nأما معنًى فلأن ضميره لا يمكن أن يرجع إلى الشعار، لأنه يوجب التكرار، ولا إلى بدن رسول الله - ﷺ -، لأن فيه ركاكة.\nوأما باعتبار اللفظ فلأن هذا الحديث أخرجه البيهقي في \"سننه الكبرى\" (٣) برواية ابن داسة عن أبي داود وليس فيه هذا اللفظ، ولفظه: أخبرنا أبو علي الروذباري، ثنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن جابر بن صبح، قال: سمعت خِلاسًا الهجري، قال: سمعت عائشة تقول: \"كنت أنا ورسول الله - ﷺ - نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض، طامث، فإن أصابه شيء غسل مكانه ولم يعده، وإن أصاب - تعني ثوبه - منه غسل مكانه ولم يعده، وصلى فيه.\nفحديث البيهقي هذا يدل على أن التصحيف فيه وقع بعد أبي داود، فإنه لو كان عن أبي داود، أو عمن فوقه لا تكون رواية ابن داسة خالية عنه.\nنعم وقع هذا اللفظ في سياق (٤) النسائي مكررًا، وهذا اللفظ هناك\n_________\n(١) هو موجود في \"ابن رسلان\"، وقال: أي صلَّى في الشعار. (ش).\n(٢) ويدل عليه أيضًا أن المصنف أعاد الحديث بسنده ومتنه في أواخر النكاح، وليس هناك هذه الزيادة، كلما سيأتي في \"باب في إتيان الحائض ومباشرتها\" (ش).\n(٣) (١/ ٣١٣).\n(٤) وقال صاحب \"المنهل\" (٣/ ٥٦): يمكن حمل رواية أبي داود على رواية النسائي، فيكون وإن أصاب تعني ثوبه بيانًا لما بعد العود، وحذف ذلك العود اختصارًا. (ش).","vol":"2","page":318},{"text":"وَإِنْ أَصَابَ - تَعْنِى ثَوْبَهُ - مِنْهُ (١) شَىْءٌ، غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ\". [ن ٢٨٤، دي ١٠١٣، حم ٦/ ٤٤، ق ١/ ٣١٣]\n٢٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ -،\n===\nصحيح، لأن سياق النسائي يغاير سياق أبي داود، ولفظه: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جابر بن صبح، قال: سمعت خلاسًا يحدث عن عائشة قالت: \"كنت أنا ورسول الله - ﷺ - نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث أو حائض، فإن أصابه مني شيء، غسل مكانه ولم يعده، وصلى فيه، ثم يعود، فإن أصابه مني شيء فعل مثل ذلك، غسل مكانه ولم يعده، وصلى فيه\"، فإن في هذا السياق ضمير \"صلى فيه\" في الموضعين يعود إلى ثوب رسول الله - ﷺ -، وليس فيه إشكال، لأنه محمول على تعدد الواقعة، والله تعالى أعلم.\n(وإن أصاب تعني ثوبه) زاد الراوي لفظ تعني، لأنه لم يحفظ ما تكلمت به عائشة من مفعول أصاب (منه شيء، غسل مكانه) أي مكان النجاسة من الثوب (ولم يعده) (٢) أي ولم يجاوز إلى غيره (ثم صلى فيه) أي في الثوب المغسول.\n٢٧٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الله - يعني ابن عمر بن غانم-) الرعيني مصغرًا، أبو عبد الرحمن، قاضي إفريقية، قال أبو حاتم: مجهول، وقال ابن يونس: كان أحد الثقات الأثبات، دخل الشام والعراق\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مني\".\n(٢) ذكر ابن رسلان تفصيلًا في مذهبه لم أتحصله، فأرجع إلى الفروع، ونقل عن ابن العاص أنه لا يطهر إلَّا إذا غسله كله دفعة واحدة، لأنه إذا غسل نصفه، فالجزء الرطب الذي يلاصق اليابس ينجسه. (ش).","vol":"2","page":319},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ- يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ -،\n===\nفي طلب العلم، وقال أبو داود: أحاديثه مستقيمة، ما أعلم حدث عنه غير القعنبي لقيه بالأندلس، وقال ابن حبان في \"الضعفاء\": روى عن مالك ما لم يحدث به مالك قط، لا يحل ذكر حديثه ولا الرواية عنه في الكتب إلَّا على سبيل الاعتبار، ثم قال الحافظ: ولعل ابن حبان ما عرف هذا الرجل، لأنه جليل القدر ثقة لا ريب فيه، ولعل النبلاء في الأحاديث التي أنكرها ابن حبان ممن هو دونه، وقال أبو العرب في \"طبقات القيروان\": كان ثقة نبيلًا فقيهًا، ولي القضاء، وكان عدلًا في قضائه، وقال أسد بن الفرات: كان فقيهًا له عقل وصيانة، وقال ابن خلفون في \"الثقات\": روى عنه القعنبي وغيره، مات سنة ١٩٠ هـ.\n(عن عبد الرحمن - يعني ابن زياد -) بن أنعم بفتح الهمزة وسكون النون وضم المهملة، الإفريقي قاضيها، عداده في أهل مصر، قال يحيى بن سعيد: عبد الرحمن بن زياد ثقة، وقال الترمذي: رأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث، وكان ابن وهب يطريه، وكان أحمد بن صالح ينكر على من يتكلم فيه، ويقول: هو ثقة، وقال أيضًا: من تكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات، وقال أبو العرب القيرواني: كان ابن أنعم من أجِلَّة التابعين، عدلًا في قضائه، صلبًا، وقال سحنون: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ثقة، وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال: سألت هشام بن عروة فقال: دعنا منه، وقال في موضع آخر: ضعف يحيى الإفريقيَّ، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال أيضًا: لا أكتب حديثه؛ وقال أيضًا: منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف يكتب حديثه، وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق رجل صالح، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وفي حديثه ضعف، وقال عبد الرحمن: سألت أبي وأبا زرعة","vol":"2","page":320},{"text":"عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غُرَابٍ قال: \"إنَّ عَمَّةً لَهُ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِحْدَانَا تَحِيضُ وَلَيْسَ لَهَا وَلِزَوْجِهَا إلَّا فِرَاشٌ وَاحِدٌ، قَالَتْ: أُخْبِرُكِ بِمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. دَخَلَ فَمَضَى إِلَى مَسْجِدِهِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: تَعْنِى مَسْجِدَ بَيْتِهِ.\n===\nعن الإفريقي وابن لهيعة فقالا: ضعيفان وأثبتهما الإفريقي، وقال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن خزيمة: لا يحتج به، وقال ابن خراش: متروك، وقال الساجي: فيه ضعف، وقال ابن عدي: عامة حديثه لا يتابع عليه، وقال الغلابي: يضعفونه، ويكتب حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال أبو الحسن بن القطان: كان من أهل العلم والزهد بلا خلاف بين الناس، ومن الناس من يوثقه ويربأ به عن حضيض رد الرواية، والحق فيه أنه ضعيف لكثرة روايته المنكرات، وهو أمر يعترض الصالحين، مات سنة ١٥٦ هـ.\n(عن عمارة بن غراب) بضم المعجمة، اليحصبي بفتح التحتانية وسكون المهملة وفتح الصاد المهملة بعدها موحدة، تابعي، قال أحمد بن حنبل: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يعتبر حديثه من غير رواية الإفريقي عنه، قال الحافظ في \"التقريب\": وهو مجهول، غلط من عده صحابيًّا، بل هو من السادسة.\n(قال) أي عمارة: (إن عمة له) ولم يعرف اسمها ولا حالها (حدثته أنها) أي العمة (سألت عائشة قالت) أي عمة عمارة لعائشة: (إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلَّا فراش واحد) هل يجوز لهما أن يضطجعا في فراش واحد؟ (قالت) أي عائشة: (أخبرك بما صنع رسول الله - ﷺ -. دخل) أي بيتي ليلة (فمضى إلى مسجده، قال أبو داود: تعني مسجد بيته،","vol":"2","page":321},{"text":"فَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى غَلَبَتْنِى عَيْنِى وَأَوْجَعَهُ الْبَرْدُ، فَقَالَ: «اُدْنِى مِنِّى»، فَقُلْتُ: إِنِّى حَائِضٌ، فَقَالَ: «وَإِنْ؛ اكْشِفِى عَنْ فَخِذَيْكِ»، فَكَشَفْتُ فَخِذَىَّ، فَوَضَعَ خَدَّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذَىّ، وَحَنَيْتُ عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ وَنَامَ\" [ق ١/ ٣١٣]\n٢٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ أَبِى الْيَمَانِ، عَنْ أُمِّ ذَرَّةَ،\n===\nفلم ينصرف) أي عن المسجد (حتى غلبتني عيني) أي نمت (وأوجعه البرد، فقال: ادني مني فقلت: إني حائض، فقال: وإن، اكشِفِي عن فخذيك، فكشفت فَخِذَيَّ، فوضع خده وصدره على فَخِذَيَّ، وحنيت عليه) (١) أي ملت عليه وأكبَبْت (حتى دَفِئَ) (٢) وزال عنه أثر البرد (ونام).\n٢٧١ - (حدثنا سعيد بن عبد الجبار) بن يزيد القرشي، أبو عثمان الكرابيسي البصري، نزيل مكة، قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٣٦ هـ (نا عبد العزبز، يعني ابن محمد) الدراوردي.\n(عن أبي اليمان) الرحال، اسمه كثير بن اليمان، وقيل: أدرع، وقيل: ابن جريج، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": مستور من السابعة، (عن أم ذرة) بالذال المعجمة، المدنية، مولاة عائشة، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: تابعية مدنية ثقة.\n_________\n(١) وحنوت لغة فيه، وجاء جنيت بالجيم، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قال ابن العربى (١/ ١٩١): يقال: دفئ الزمان فهو دفيئ ودفأ الرجل فهو دفآن: إذا سخن وذهب برده. (ش).","vol":"2","page":322},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"كُنْتُ إِذَا حِضْتُ نَزَلْتُ عَنِ الْمِثَالِ عَلَى الْحَصِيرِ، فَلَمْ نَقْرُبْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَمْ نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ\".\n٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ -ﷺ- قالت: \"إنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا\". [ق ١/ ٣١٤]\n===\n(عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال) (١) أي عن الفراش (على الحصير، فلم نقرب رسول الله - ﷺ -، ولم ندن منه (٢) حتى نطهر) (٣).\nوهذا الحديث يخالف (٤) الأحاديث المتقدمة الصحيحة، فلا بد من التأويل فيه، قال في \"المجمع\": والحديث منسوخ إلَّا أن يحمل القرب على الغشيان، انتهى، أو يؤول بأن ترك القرب والدنو كان من جانب عائشة -﵂ - لا منه - ﷺ - (٥).\n٢٧٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني، (عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -) لعلها ميمونة (قالت) أي بعض أزواجه: (إن النبي - ﷺ - كان إذا أراد من الحائض شيئًا) أي المباشرة (ألقى على فرجها ثوبًا) أي أمرها بإلقاء الثوب على فرجها، ثم يباشرها.\n_________\n(١) هو الفراش الخلق أو النمط، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وفي نسخة ابن رسلان بدون الواو، قال: هكذا رواية الخطيب بحذف الواو، وهو الصواب. (ش).\n(٣) قيل: هو مذهب ابن عباس، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) أجاب عنه ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ٢٣٥). (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: وهذا مستدل ابن عباس وأبي عبيد، وهو موافق لما حكاه النووي في\"الروضة\" تبعًا للرافعي، وهو قول شاذ من أقوال العلماء. (ش).","vol":"2","page":323},{"text":"٢٧٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُنَا فِى فَوْحِ حَيْضِنَا (١) أَنْ نَتَّزِرَ\n===\n٢٧٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير) بن حازم، (عن الشيباني) هو سليمان بن أبي سليمان، واسمه فيروز، ويقال: خاقان، أو عمر، أبو إسحاق الشيباني مولاهم، الكوفي، قال ابن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث، وقال النسائي والعجلي: ثقة، وقال ابن عبد البر: هو ثقة حجة عند جميعهم، مات سنة ١٤٢ هـ.\n(عن عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، أبو حفص، الفقيه، ويقال: أبو بكر، أدرك عمر، قال ابن معين والنسائي والعجلي وابن خراش: ثقة، وزاد ابن خراش: من خيار الناس، قال محمد بن إسحاق: قدم علينا عبد الرحمن بن الأسود حاجًّا، فاعتلَّت إحدى قدميه، فقام يصلي حتى أصبح على قدم، فصلى الفجر بوضوء العشاء، وفي \"الخلاصة\": أنه حج ثمانين حجة، واعتمر ثمانين عمرة، انتهى، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٩٩ هـ.\n(عن أبيه) الأسود بن يزيد، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا) أي أزواجه (في فوح حيضنا) بفتح الفاء وإسكان الواو، أي في ابتدائها ومعظم دفعها (أن نتزر) وفي رواية: \"تأتزر\"، وهذا أفصح كما قاله الحافظ في \"الفتح\" (٢)، أي تشد إزارًا تحجز من السرة إلى الركبة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حيضتنا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٤).","vol":"2","page":324},{"text":"ثُمَّ يُبَاشِرُنَا، وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْلِكُ إِرْبَهُ\".؟ ! [خ ٣٠٢، م ٢٩٣، ت ١٣٢، ن ٢٨٥، جه ٦٣٥]\n===\n(ثم يباشرنا) والمراد بالمباشرة إلصاق البشرة بالبشرة (وأيكم يملك إربه). قال الخطابي (١): يروى على وجهين (٢): أحدهما مكسورة الألف، والآخر مفتوحة الألف والراء، وكلاهما معناه وطر النفس وحاجتها، يقال: لفلان عندي إرب وأرب وإربة: بغية وحاجة، انتهى.\nوقال في \"المجمع\" (٣): وأكثر المحدثين يروونه بفتح همزة وراء، وبعضهم يرويه بكسر فسكون، وهو يحتمل معنى الحاجة والعضو، أي الذكر، ومعناه: أي ليس منكم أحد يكون غالبًا لهواه ويأمن مع هذه المباشرة الوقوع في الفرج، فهي علة في عدم إلحاق الغير به - ﷺ -، ومن يجيزها له يجعل قولها علة في إلحاقه به، فإنه إذا كان أملك الناس لإربه يباشرها، فكيف لا تباح لغيره، انتهى.\n(كما كان رسول الله - ﷺ - يملك إربه)، والحاصل أن النبي - ﷺ - كان أملك الناس لأمره، فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره ممن يحوم حول الحمى، وكان يباشر فوق الإزار تشريعًا لغيره.\nقال العيني (٤): ثم اعلم أن مباشرة الحائض على أقسام:\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٣٦).\n(٢) قال ابن رسلان: كذا قال الخطابي هاهنا، وأنكره في موضع آخر، أي رواية الكسر، وكذا أنكره النحاس. (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٣).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٣/ ١١٠).","vol":"2","page":325},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحدها: حرام بالإجماع، ولو اعتقد حله يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامدًا، فإن فعله غير مستحل يستغفر الله تعالى ولا يعود إليه.\nالثاني: المباشرة في ما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك، فهذا حلال بالإجماع، إلَّا ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره من أنه لا يباشر شيئًا [منها]، فهو شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة.\nالثالث: المباشرة في ما بين السُّرَّة إلى الركبة (١) في غير القبل والدبر، فعند أبي حنيفة حرام، وهو رواية عن أبي يوسف، وهو الوجه الصحيح للشافعية، وهو قول مالك وقول أكثر العلماء منهم: سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة. وعند محمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية: يتجنب شعار الدم فقط، وممن ذهب إليه عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والحكم، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأصبغ، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وابن منذر، وداود، وهذا أقوى دليلًا لحديث أنس: \"اصنعوا كل شيء إلَّا النكاح\"، واقتصار النبي - ﷺ - في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب، وقول محمد هو المنقول عن علي وابن عباس وأبي طلحة.\n_________\n(١) وأما حكم السرة والركبة قال القسطلاني: لم أر فيه نصًّا، ثم قال: نص الشافعي في \"الأم\" على حل السرة. (ش) [انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٦٢٨)].","vol":"2","page":326},{"text":"(١٠٩) بابٌ: فِى الْمَرْأَةِ تُسْتَحَاضُ، وَمَنْ قَالَ: تَدَعُ الصَّلَاةَ فِى عِدَّةِ (١) الأَيَّامِ الَّتِى كَانَتْ تَحِيضُ.\n٢٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- قالت: \"أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ\n===\n\n(١٠٩) (بَابٌ (٢): في الْمَرْأةِ تُسْتَحَاضُ)\nأي يستمر بها الدم بعد العادة، كثر استعماله مجهولًا، والاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، وأنه يخرج من عرق، يقال له: العاذل بعين مهملة وذال معجمة (ومن قال) عطف على لفظ المرأة، أي باب في قول من قال: (تدع) أي: المستحاضة (الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض) أي قبل استمرار دمها.\n٢٧٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) الإِمام المشهور، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - قالت: إن امرأة) وسيصرح أبو داود بعد سرد رواية أم سلمة أنها فاطمة (٣) بنت أبي حبيش، (كانت تهراق) أصله أراق يُريق ويراق وتبدل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عدد\".\n(٢) بسط الكلام على الباب ابن العربي (١/ ٢٠٩)، وقال: هذا من غوامض الأبواب، وحاصل المذهب في ذلك أن المستحاضة خمسة أنواع: معتادة لم تتميز، وعكسها، ومعًا، ومن لا عادة لها ولا تمييز فمبتدأة، أو متحيِّرَة، وحكمًا لا اعتبار للتمييز عندنا، ويعتبر التمييز في المميزة، والعادة في المعتادة عند الأئمة الثلاثة، وعند وجود التمييز والعادة كليهما العبرة للعادة عند أحمد، وعند الشافعي ومالك للتمييز، والبسط في \"الأوجز\" (١/ ٦٠٥). (ش).\n(٣) وبها جزم ابن رسلان. (ش).","vol":"2","page":327},{"text":"الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ (١): «لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِى وَالأَيَّامِ الَّتِى كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِى أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ،\n===\nالهمزة بالهاء، فيقال: هراق في الماضي، ثم جمع بين الهمزة والهاء، فقيل: أهراق يهريق بزيادة الهمزة (الدماء) أتى بالجمع للدلالة على الكثرة، (على عهد رسول الله - ﷺ - فاستفتت لها أم سلمة) (٢) - ﵂ - (رسول الله - ﷺ - فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لتنظر عدة (٣) الليالي والأيام التي كانت تحيضهن) أي تحيض فيهن (من الشهر قبل (٤) أن يصيبها الذي أصابها) من استمرار دم الاستحاضة (فلتترك الصلاة قدر ذلك) أي قدر الليالي والأيام (من) زمان الحيض في (الشهر).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٥): وقد استنبط منه الرازي الحنفي أن مدة أقل الحيض ثلاثة (٦) أيام، وأكثرها عشرة، لقوله: \"قدر الأيام التي كنت\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: تنظر\".\n(٢) فيه أن السؤال منها ومن فاطمة وعائشة وأسماء، كما ورد في الروايات، والجمع سهل، كما سيأتي في \"البذل\"، ورواية سؤال عائشة في \"الدارقطني\". (ش).\n(٣) وأصلها من العدد أو بمعنى المعدود، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) استدل به من قال: إن العادة ثبتت بمرة واحدة، وهو الأصح من مذهب الشافعية والمالكية، وهو قول أبي يوسف منا وعليه الفتوى، وفي \"المغني\": (١/ ٣٩٧) لا يختلف المذهب عندنا أنها لا تثبت بمرة، وفي المرتين روايتان، فالرواية الثانية أنها لا تثبت إلَّا بالثلاث، وعند الطرفين منا تثبت بمرتين، كذا في \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٢٨). (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٠).\n(٦) وهو مذهب الحنفية بلا خلاف بينهم، وقال أحمد والشافعي: أقله يوم، وأكثره خمسة عشر وسبعة عشر روايتان، كذا في \"المغني\" (١/ ٣٨٨) قال: ولا حد لأقله =","vol":"2","page":328},{"text":"فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ (١) بِثَوْبٍ، ثُمَّ لْتُصَلِّ» [ن ٢٠٨، جه ٦٢٣، حم ٦/ ٢٩٣، ط ١/ ٦٢/ ١٠٥، ق ١/ ٣٣٣، قط ١/ ٢٠٧]\n===\nتحيضين فيها\"، لأن أقل ما يطلق عليه لفظ \"أيام\" ثلاثة، وأكثره عشرة، فأما دون الثلاثة، فإنما يقال: يومان ويوم، وأما فوق عشرة فإنما يقال: أحد عشر يومًا، وهكذا إلى عشرين.\n(فإذا خلفت ذلك) أي الأيام والليالي (فلتغتسل) أي للطهر (٢) من المحيض (ثم لتستثفر بثوب) والاستثفار أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنًا، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها، وتمنع بذلك سيل الدم، وهو مأخوذ من ثفر الدابة (٣) الذي يجعل تحت ذنبها \"نهاية\" (ثم لتصل).\nوالحديث يدل على أن المستحاضة المعتادة ترد على عادتها المعروفة قبل الاستحاضة، وهذا عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-، وأما عند الشافعي - ﵀- يعتبر التمييز بصفة الدم، فإذا كان متصفًا بصفة السواد فهو حيض، وإلَّا فهو استحاضة، كما في حديث فاطمة بنت أبي حبيش الذي أخرجه أبو داود والنسائي (٤) ولفظه: قال لها النبي - ﷺ -: \"إذا كان دم\n_________\n= عند مالك، وأكثره عنده قيل: سبعة عشر، وقيل: ثمانية عشر \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢٠٩)، وفي \"العارضة\" أيضًا: لا يصح فيه خبر، وفي هامش \"نور الأنوار\" ذكر مستدلنا، وبسط السيوطي في \"الدر المنثور\" كثيرًا ما يؤيدنا. (ش) [انظر: \"الدر المنثور\" (١/ ٥٨٢)].\n(١) وفي نسخة: \"لتستذفر\".\n(٢) قال ابن رسلان: فيه حجة لنا، وقال مالك في رواية: تستظهر بثلاثة أيام ... إلخ. (ش).\n(٣) أو من ثفر بمعنى الفرج، وفي رواية: تستذفر، فلو ثبت فبإبدال الثاء ذالًا لقرب المخرج، انتهى. (ش).\n(٤) \"سنن أبي داود\" (٢٨٦)، و\"سنن النسائي\" (٢١٥).","vol":"2","page":329},{"text":"٢٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ (١) رَجُلًا أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، قَالَ: «فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ»، بِمَعْنَاهُ. [دي ٧٨٠، وانظر تخريج الحديث السابق]\n٢٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِى\n===\nالحيضة فإنه أسود يعرف\"، وأيضًا يدل على أن الاغتسال إنما هو مرة واحدة عند إدبار الحيضة، وأيضًا يدل على أنها تترك الصلاة في الأيام التي كانت تحيض فيها قبل استمرار الدم.\n٢٧٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وبزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب قالا: ثنا الليث) بن سعد، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن سليمان بن يسار أن رجلًا (٢) أخبره عن أم سلمة أن امرأة) أي فاطمة بنت أبي حبيش كما سيجيء (كانت تهراق الدم فذكر) أي الليث: (معناه) أي معنى حديث مالك، وإن اختلف في بعض ألفاظه (قال) أي الليث: (فإذا خلفت ذلك) أي الليالي والأيام التي كانت تحيض فيهن قبل استمرار الدم (وحضرت الصلاة) أي وحضرت أيام الصلاة (فلتغتسل بمعناه) أي حدث إلى آخر الحديث بمعناه.\n٢٧٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا أنس- يعني\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن رجل\".\n(٢) قال الزرقاني (١/ ١٢٢): رواه مالك وأيوب بدون الواسطة، وزاد صخر والليث وعبيد الله واسطة الرجل، وقال أيضًا: واختلف فيه على عبيد الله أيضًا، فروي عنه بالواسطة وبدونها، وقال ابن العربي (١/ ٢٠١): حديث أبي سلمة أخرجه مالك، وتركه مسلم والبخاري لعلة معلومة عندنا، وقد أدخلوا مثلها، وبسط الكلام في الرجل في \"الأوجز\" (١/ ٦٢١). (ش).","vol":"2","page":330},{"text":"ابْنَ عِيَاضٍ -، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَ (١)، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ، قَالَ: «فَإِذَا خَلَّفَتْهُنَّ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ»، وَسَاقَ مَعْنَاهُ (٢). [انظر سابقه]\n٢٧٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ وَمَعْنَاهُ،\n===\nابن عياض) أبو ضمرة، (عن عبيد الله) بن عبد الله بن عمر، (عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل من الأنصار: أن امرأة كانت تهراق الدم، فذكر) أي عبيد الله (معنى حديث الليث، قال: فإذا خلفتهن وحضرت الصلاة (٣) فلتغتسل وساق) أي عبيد الله (معناه) أي معنى حديث الليث.\n٢٧٧ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير العبدي، (نا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان، (نا صخر بن جويرية) أبو نافع، مولى بني تميم، ويقال: مولى بني هلال، قال أحمد: شيخ ثقة ثقة، وقال ابن سعد: كان مولى بني تميم، وكان ثقة ثبتًا، وقال عفان: كان أثبت في الحديث، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به، وقال أبو داود: تكلم فيه، قال يحيى بن سعيد: ذهب كتاب صخر فبعث إليه من المدينة، وقال ابن معين: صخر بن جويرية ليس حديثه بالمتروك، إنما يتكلم فيه، لأنه يقال: إن كتابه سقط، وقال الذهلي: ثقة، حكاه الحاكم.\n(عن نافع بإسناد الليث ومعناه) أي ذكر صخر بن جويرية هذا الحديث\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الدماء\".\n(٢) وفي نسخة: \"الحديث\".\n(٣) فيه أن موجب الغسل حضور الصلاة. (ش).","vol":"2","page":331},{"text":"قَالَ: «فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْتَغْتِسِلْ وَلْتَسْتَذفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ تُصَلِّى».\n[انظر سابقه]\n٢٧٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ فِيهِ: «تَدَعُ الصَّلَاةَ وَتَغْتَسِلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَتَسْتَذْفِرُ بِثَوْبٍ وَتُصَلِّى».\n===\nعن نافع موافقًا لإسناد الليث وموافقًا لمعنى حديثه (قال) أي صخر: (فلتترك الصلاة قدر ذلك) أي الليالي والأيام التي تحيضهن في الشهر قبل الاستحاضة، (ثم إذا حضرت الصلاة) أي أوان الصلاة بعد مضي أيام الحيض (فلتغتسل) للتطهير من الحيض، (ولتستذفر) روي بذال معجمة من الذفر، والذفر بالحركة يقع على الطيب والكريه، ولفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به، أي لتستعمل طيبًا يزيل به هذا الشيء عنها، وإن روي بمهملة، فبمعنى لتدفع عن نفسها الذفر، أي الرائحة الكريهة، والمشهور استثفري بمثلثة (بثوب ثم تصلي).\n٢٧٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب) بن خالد، (نا أيوب) (١) السختياني، (عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة بهذه القصة) أي روى أيوب عن سليمان بن يسار، كما رواه نافع عنه بهذه القصة المذكورة في حديث نافع عن سليمان (قال) أي أيوب (فيه: تدع الصلاة) أي في أيام حيضها (وتغتسل فيما سوى ذلك، وتستذفر (٢) بثوب وتصلي).\nقال البيهقي في \"سننه\" (٣) بعد تخريج أحاديث سليمان بن يسار\n_________\n(١) ولم يزد أيوب الرجل. \"زرقاني\" (١/ ١٢٢). (ش).\n(٢) بالمعجمة والمهملة كما في \"العارضة\" (١/ ٢٠٦)، و\"الأوجز\" (١/ ٦٢٥). (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٣٤).","vol":"2","page":332},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمَّى الْمَرْأَةَ الَّتِى كَانَتِ اسْتُحِيضَتْ حَمَّادُ بْنُ\n===\nعن أم سلمة كما أخرجه أبو داود: وحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في شأن فاطمة بنت أبي حبيش أصح من هذا، وفيه دلالة على أن المرأة التي استفتت لها أم سلمة غيرها، ويحتمل إن كانت تسميتها صحيحة في حديث أم سلمة أن كانت لها حالتان في مدة استحاضتها، حالة تميز فيها بين الدمين فأفتاها بترك الصلاة عند إقبال الحيض، وبالصلاة عند إدبارها، وحالة لا تميز فيها بين الدمين فأمرها بالرجوع إلى العادة، ويحتمل غير ذلك والله أعلم، انتهى.\nوغرض المصنف بإيراد حديث أم سلمة بطرق مختلفة الإشارة إلى بيان الاختلاف الذي وقع في روايتها بأنه روى هذا الحديث نافع وأيوب عن سليمان بن يسار، ثم اختلف أصحاب نافع، فقال مالك: عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة، ولم يزد مالك بين سليمان وأم سلمة واسطة، وروى الليث عن نافع فأدخل بين سليمان بن يسار وأم سلمة رجلًا، وروى عبيد الله عن نافع، فقال: عن سليمان بن يسار عن رجل، ولم يذكر أم سلمة، وأما أيوب فوافقت روايته رواية مالك عن نافع، فرجح المصنف رواية مالك عن نافع على رواية الليث وعبيد الله، وقَوَّاه برواية أيوب عن سليمان، والله تعالى أعلم بالصواب.\nومطابقة هذه الأحاديث الخمس المسوقة بالباب ظاهرة، فإنها كلها تدل على أن المرأة التي استفتت لها أم سلمة رسول الله - ﷺ - في استمرار دمها وهي التي سماها حماد بن زيد فاطمة بنت أبي حبيش كانت معتادة، فأمرها النبي - ﷺ - بأن تدع الصلاة في الأيام التي كانت تحيض فيهن.\n(قال أبو داود: سمى المرأة التي كانت استحيضت حماد بن","vol":"2","page":333},{"text":"زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ فِى هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِى حُبَيْشٍ. [حم ٦/ ٣٢٢، ق ١/ ٣٣٤]\n===\nزيد، عن أيوب في هذا الحديث، قال: فاطمة بنت أبي حبيش) حاصل هذا الكلام أن هذا الحديث رواه مالك عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، ورواه الليث، عن نافع، عن سليمان بن يسار أن رجلًا أخبره عن أم سلمة أن امرأة، الحديث، ورواه عبيد الله عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل من الأنصار أن امرأة، الحديث، ورواه صخر بن جويرية، عن نافع بإسناد الليث ومعناه، ورواه وهيب، نا أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة بهذه القصة، وهؤلاء الرواة كلهم أبهموا المرأة ولم يسموها، فقال المصنف بعد تخريج هذه الروايات: إن حماد بن زيد روى هذا الحديث عن أيوب بهذا السند، وسمَّى المرأة المبهمة بأنها فاطمة بنت أبي حبيش.\nوقد أخرج الدارقطني (١) هذه الرواية بسنده ثنا حماد بن زيد، نا أيوب، عن سليمان بن يسار أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، الحديث، وكلام المصنف يوهم بأن غير حماد بن زيد لم يذكر التسمية في هذا الحديث، وهو خلاف الواقع، فإن الدارقطني أخرج بسنده ثنا وهيب، نا أيوب، عن سليمان بن يسار أن فاطمة بنت أبي حبيش فسماها، وكذلك بسنده ثنا عبد الوارث، نا أيوب، عن سليمان بن يسار أن أم سلمة استفتت النبي - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش، فسماها عبد الوارث أيضًا، وكذلك أخرج بسنده نا سفيان عن أيوب السختياني عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أن فاطمة بنت أبي حبيش، الحديث، فسماها، فكل هؤلاء ذكروا اسمها بأنها فاطمة بنت أبي حبيش.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٧٩٣ - ٧٩٤ - ٧٩٥ - ٧٩٦).","vol":"2","page":334},{"text":"٢٧٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ\n===\n٢٧٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث) بن سعد، (عن يزيد بن أبي حبيب) واسمه سويد الأزدي مولاهم، أبو رجاء المصري، قال ابن سعد: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وكان ثقة كثير الحديث، وكان أول من أظهر العلم بمصر والكلام في الحلال والحرام ومسائل، وقال أبو زرعة: مصري ثقة، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٢٨ هـ.\n(عن جعفر) بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة بفتح مهملتين ونون، الكندي، أبو شرحبيل المصري، قال أحمد: كان شيخًا من أصحاب الحديث ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، مات سنة ١٣٦ هـ.\n(عن عراك) بن مالك الغفاري الكناني المدني، قال العجلي: شامي تابعي ثقة من خيار التابعين، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات بعد سنة ١٠٠ هـ.\n(عن عروة) بن الزبير، (عن عائشة أنها قالت: إن أم حبيبة) بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف كما هو مُصرَّح في \"صحيح مسلم\" و\"النسائي\" وقال بعضُهم: إن أم حبيبة بنت جحش وحمنة بنت جحش هما اسمان لواحدة من بنات جحش، وأما الواقدي فزعم أن المستحاضة أم حبيبة بنت جحش أخت حمنة، قال: ومن زعم أنها حمنة فقط غلط، ويؤيده رواية الزهري عن عروة، عن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله - ﷺ - وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، رواه مسلم في \"صحيحه\"، فهذا يرجح ما ذهب إليه الواقدي، وقد رجحه إبراهيم الحربي،","vol":"2","page":335},{"text":"سَأَلَتِ النَّبِىَّ (١) -ﷺ- عَنِ الدَّمِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَرَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلآنَ دَمًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «امْكُثِى قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِى». [م ٣٣٤، ن ٢٠٧، حم ٦/ ٢٢٢، ق ١/ ٣٣١]\n===\nوزيف غيره، واعتمده الدارقطني؛ لأن حمنة بنت جحش لم تكن تحت عبد الرحمن بن عوف، بل كانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، وخلف عليها طلحة بن عبيد الله -﵁ -، فالصحيح (٢) أنهما بنتا جحش.\n(سألت النبي - ﷺ - عن الدم) أي دم الاستحاضة (فقالت عائشة: فرأيت مِرْكَنَها) وهو الإجّانة التي تغسل فيها الثياب (ملآن (٣) دمًا) يعني أنها كانت تغتسل في المركن، فتجلس فيه، وتصب عليها الماء فيختلط الماء المتساقط عنها بالدم، فيحمر الماء، فيصير كله كأنه دم، ثم إنه لابد أنها كانت تتنظف بعد ذلك بالماء الطاهر الصافي عن تلك الغُسالة المتغيرة، كذا قال \"النووي\" (٤).\n(فقال لها) أي لأم حبيبة (رسول الله - ﷺ -: اُمكثي) أي عن الصلاة (قدر ما) أي الأيام التي (كانت تحبسك حيضتك ثم) إذا انقضت أيام حيضتك (اغتسلي) ومطابقة هذا الحديث بالباب في قوله: \"امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك\" ظاهرة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) ويدل على أنهما ثنتان، ما في \"الأوجز\" (١/ ٦٤٢): عن أحمد: أن أحاديث المستحاضة تدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة. (ش).\n(٣) وروي في ملأى، وكلاهما يصح، لأن لفظ المركن مذكر، ومعناه مؤنث. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٢٦١).","vol":"2","page":336},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ قُتَيْبَةُ بَيْنَ أَضْعَافِ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ فِى آخِرِهَا. وَرَوَي (١) عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ وَيُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ\n===\n(قال أبو داود: ورواه قتيبة بين أضعاف حديث جعفر بن ربيعة في آخرها) اختلف المعتنون بحل هذا الكتاب في معنى هذه العبارة، فضبط بعضهم (٢) لفظ \"بَيَّن\" بلفظ الماضي المعلوم من التبيين، وإضعاف بصيغة المصدر بمعنى أظهر ضعف هذ الحديث، وهذا التوجيه غلط بَيَّنٌ يكذبه كون رواة الحديث ثقات، حتى أخرجه مسلم في \"صحيحه\"، وضبط بعضهم لفظة \"بَيْن\" بفتح الموحدة وسكون التحتانية مخففة على أنه ظرف، ولفظ أضعاف (٣) بفتح الهمزة وسكون الضاد المعجمة جمع ضعف، وهو الصحيح عندي.\nفمعنى هذا الكلام على هذا بأنه يقول أبو داود: روى قتيبة هذا الحديث وكتبه بين أضعاف أي تضاعيف (٤) حديث جعفر بن ربيعة في أثنائها وفي آخرها.\nوغرض أبي داود بهذا الكلام بيان أن قتيبة لما حدثه بهذا الحديث، وبين سنده فقال: عن جعفر من غير أن ينسب إلى أبيه، فالتبس أن جعفرًا هذا من هو؟ هل هو ابن ربيعة أو غيره؟ فصرح بهذه العبارة أن قتيبة كتب هذا الحديث بين تضاعيف حديث جعفر بن ربيعة وأثنائها، ففهم منه أن جعفر هذا هو ابن ربيعة، وإن لم ينسبه قتيبة في سند الحديث إلى أبيه، وهذا إحدى القرينتين على ذلك.\nوالقرينة الثانية ما قال: (وروى علي بن عياش ويونس بن محمد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رواه\".\n(٢) هكذا شرحه ابن رسلان في \"شرحه\". (ش).\n(٣) قال المجد: أضعاف الكتاب أثناءُ سطوره وحواشيه. (ش).\n(٤) واستعمال التضاعيف في الذيل معروف، استعمله الحافظ في \"الإصابة\" (انظر: ١/ ٣٦٣، ٣/ ٦٢٠، ٧/ ٩٥). (ش).","vol":"2","page":337},{"text":"عَنِ اللَّيْثِ فَقَالَا: جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ.\n٢٨٠ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، \"أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِى حُبَيْشٍ\n===\nعن الليث فقالا: جعفر بن ربيعة) فهما صرحا بأنه ابن ربيعة، فعلم بهذا أن الذي في حديث قتيبة عن الليث هو ابن ربيعة لا غير، والله تعالى أعلم.\n٢٨٠ - (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم بن عبد الله التجيبي، أبو موسى المصري، لقبه زغبة بضم الزاي وسكون المعجمة بعدها موحدة، قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، قال أبو داود: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٤٨ هـ.\n(أنا الليث) بن سعد، (عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله) ابن الأشج بمعجمة وجيم مشددة، القرشي مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو يوسف المدني، نزيل مصر، قال أحمد: ثقة صالح، وقال يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة، وقال العجلي: مدني ثقة، لم يسمع منه مالك شيئًا، خرج قديمًا إلى مصر، فنزل بها، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث؛ وقال النسائي: ثقة ثبت مأمون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٢٠ هـ وقيل بعدها.\n(عن المنذر (١) بن المغيرة) حجازي، قال أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عروة بن الزبير قال: إن فاطمة بنت أبي حبيش) بمهملة وموحدة ومعجمة مصغرًا، واسمه قيس بن\n_________\n(١) الحديث أخرجه النسائي (١/ ١٨٤) وقال: رواه هشام، ولم يذكر فيه ما ذكره المنذر. (ش).","vol":"2","page":338},{"text":"حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَانْظُرِى إِذَا أَتَى قُرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّى فَإِذَا (١) مَرَّ قُرْؤُكِ فَتَطَهَّرِى، ثُمَّ صَلِّى مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ». [ن ٣٥٨، جه ٦٢٠، حم ٦/ ٤٢٠، ق ١/ ٣٣١]\n٢٨١ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى،\n===\nالمطلب بن أسد بن عبد العزى، الأسدية، مهاجرية جليلة، ذكر إبراهيم الحربي أنها أم محمد بن عبد الله بن جحش (٢). (حدثته أنها سألت رسول الله - ﷺ - فشكت إليه الدم) ولعل في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، أي شكت إليه الدم، أي دم الاستحاضة، فسألت رسول الله - ﷺ - عن حكمه (فقال لها رسول الله - ﷺ -: إنما ذلك) أي هذا الدم (دم عرق) (٣) وليس بدم الحيض (فانظري إذا أتى قرؤك) (٤) أي أيام حيضتك (فلا تصلي، فإذا مر قرؤك (٥) فتطهري) أي اغتسلي (ثم صلي ما بين القرء إلى القرء) أي ما بين الحيض إلى الحيض في أيام الطهر.\n٢٨١ - (حدثنا يوسف بن موسى) بن راشد بن بلال القطان، أبو يعقوب الكوفي، سكن الري، فقيل له: الرازي، ثم انتقل إلى بغداد، ومات بها، قال ابن معين وأبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الخطيب: وصفه غير واحد بالثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة: كان\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وإذا\".\n(٢) انظر ترجمتها في: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٤٢).\n(٣) فيه حجة لنقض الوضوء عن خروج الدم، لأنه ﵊ علَّله بأنه دم عرق وأوجب الوضوء، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٦١٥). (ش).\n(٤) استدل به من قال: إن القرء الحيض، لأن الصلاة لا تترك إلَّا فيها، \"ابن رسلان\". وقال ابن العربي (١/ ٢٠٤): حقيقة القرء الطهر وبسطه. (ش).\n(٥) بفتح القاف والضم لغتان بسط ابن رسلان في ضبط هذه الكلمة. (ش).","vol":"2","page":339},{"text":"حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى صَالِحٍ -، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قال: \"حَدَّثَتْنِى فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَسْمَاءَ أَوْ أَسْمَاءُ، حَدَّثَتْنِى أَنَّهَا أَمَرَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ أَنْ تَسْأَلَ لها\n===\nثقة، مات سنة ٢٥٣ هـ. (نا جرير) (١) بن عبد الحميد، (عن سهيل- يعني ابن أبي صالح -، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها) أي فاطمة (أمرت أسماء أو أسماء) أي أو قال: (حدثتني) ولفظة \"أو\" هذه للشك من الراوي، ولعل الشاك الزهري أو عروة، فلا يقدر قال، وأسماء هذه هي بنت عميس كما هو مصرح في رواية الدارقطني، ولفظها: عن عروة بن الزبير عن أسماء بنت عميس قالت: قلت: يا رسول الله، فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا، الحديث، وفي أخرى له بسنده عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس قالت: قلت: يا رسول الله، فاطمة بنت أبي حبيش لم تطهر منذ كذا وكذا، الحديث، وأسماء (٢) بنت عميس الخثعمية أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، وكانت أولًا تحت جعفر بن أبي طالب، ثم تزوجها أبو بكر، ثم علي بن أبي طالب، وولدت لهم، هاجرت إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا، ولما بلغها قتل ابنها محمد بن أبي بكر جلست في مسجدها، وكظمت غيظها حتى شخبت ثدياها دمًا.\n(أنها أمرتها فاطمة (٣) بنت أبي حبيش أن تسال لها\n_________\n(١) اختلف جرير عن سهيل، وخالد عن سهيل في هذه الرواية، والصواب عند البيهقي لفظ خالد، كما يظهر من كلامه (١/ ٣٣١)، وسيأتي لفظ خالد في \"باب من قال: تجمع بين الصلاتين\". (ش).\n(٢) انظر ترجمتها في: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٩٨).\n(٣) وظاهر البيهقي أن التسمية وهم من سهيل، فتأمل، فإنه قال: الصواب أن فاطمة كانت مميزة. (ش).","vol":"2","page":340},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الأَيَّامَ الَّتِى كَانَتْ تَقْعُدُ ثُمَّ تَغْتَسِلُ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ \"أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَأَمَرَهَا النَّبِىُّ -ﷺ- أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّىَ\".\n===\nرسول الله - ﷺ -) فحذف السؤال، وتقديره: فسألت أسماء لفاطمة رسول الله - ﷺ - عن حكم الاستحاضة، وعن الصلاة في أيامها (فأمرها) أي أمر رسول الله - ﷺ - فاطمة (أن تقعد) أي عن الصلاة (الأيام) أي في أيام الحيض (التي كانت تقعد) عن الصلاة فيها قبل أن تصيبها الاستحاضة (ثم تغتسل).\n(قال أبو داود: ورواه قتادة، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة) وبنت أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال، المخزومية، ربيبة النبي - ﷺ -، وأمها أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، أم المؤمنين، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله - ﷺ - زينب، صحابية فقيهة، كانت أسماء بنت أبي بكر أرضعتها، فهي أحب أولادها من الرضاعة. (أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فأمرها النبي - ﷺ - أن تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي).\nوقال البيهقي (١) بعد ما نقل عن أبي داود قوله: \"ورواه قتادة عن عروة بن الزبير\" إلى قوله: \"ثم تغتسل وتصلي\": قال أبو داود: وقتادة لم يسمع من عروة شيئًا، قال الشيخ: ورواية عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة في شأن أم حبيبة أصح من هذه الرواية، أما رواية حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة في شأن فاطمة، فإنها ضعيفة، وسيرد ضعفها إن شاء الله تعالى، وكذلك حديث عثمان بن سعد الكاتب، عن ابن أبي مليكة، عن فاطمة ضعيف، انتهى.\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٣٢).","vol":"2","page":341},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: \"إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِىَّ -ﷺ-، فَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا وَهَمٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ، لَيْسَ هَذَا فِى حَدِيثِ الْحُفَّاظِ عَنِ الزُّهْرِىِّ إِلَّا مَا ذَكَرَ سُهَيْلُ بْنُ أَبِى صَالِحٍ\n===\nقلت: ولم أجد رواية قتادة موصولًا فيما تتبعت من كتب الحديث.\n(قال أبو داود: وزاد ابن عيينة) (١) أي سفيان (في حديث الزهري) أي ابن شهاب (عن عمرة) (٢) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية كانت في حجر عائشة، قال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن المديني ففخم أمرها، وقال: عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة الأثبات فيها، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، ماتت قبل المئة، وقيل بعدها.\n(عن عائشة قالت: إن أم حبيبة كانت تستحاض، فسألت النبي - ﷺ -، فأمرها) أي أم حبيبة (أن تدع الصلاة أيام أقرائها قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيبنة، ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري، إلَّا ما ذكر (٣) سهيل بن أبي صالح).\n_________\n(١) أخرج روايته الشافعي في \"المسند\" (ص ٣١) ومسلم (٣٣٤) والنسائي (١/ ١٢١) وأبو عوانة (١/ ٣٢٢) والطحاوي (١/ ٩٩).\n(٢) هكذا في النسخ، وكذا في \"ابن رسلان\"، والأوجه عندي هناك عروة بدل عمرة فليفتش. (ش). [قلت: وقع في رواية مسلم كلاهما \"عروة وعمرة\". انظر: \"صحيح مسلم\" ح (٣٣٤)، وقال النووي: وقع في هذه الرواية عن عروة وعمرة وهو الصواب، وكذا روى ابن أبي ذئب، ويحيى بن سعيد الأنصاري وخالفهما الأوزاعي، ورواهما عن الزهري عن عروة عن عمرة، يعني جعل عروة راويًا عن عمرة. انظر: \"شرح سنن أبي داود\" (٢/ ٥٠ - ٥١) للعيني].\n(٣) قال ابن رسلان: أي في الحديث المتقدم، فتأمل. (ش).","vol":"2","page":342},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلعل غرض (١) أبي داود أن الحفاظ لم يذكروا عن الزهري في قصة أم حبيبة \"تدع الصلاة أيام أقرائها\"، وخالف سفيان الحفاظ في ذكرها، فهذا وهم منه، لم تكن هذه اللفظة في قصة أم حبيبة، ولعلها كانت في قصة غيرها من النساء المستحاضة، فأدخلها ابن عيينة في قصة أم حبيبة، ولم يذكر الحفاظ في قصة أم حبيبة إلَّا ما ذكره سهيل بن أبي صالح ولم يذكر سهيل فيها هذا اللفظ.\nقلت: فيه إشكال من وجهين: الأول: أن ابن عيينة ليس بمتفرد في هذه الزيادة، بل شاركه فيها الأوزاعي، كما سيذكره المصنف، والثاني: أن المصنف ماذا أراد بقوله: \"إلَّا ما ذكره سهيل بن أبي صالح\"، إن أراد به\n_________\n(١) أشكل في عبارة المصنف هاهنا، وأزيد منه في عبارة الشارح، وما يخطر في البال في غرض المصنف احتمالان: الأول: أن الكلام من قوله: ورواه قتادة مستأنف، لا تعلق له بحديث أسماء المتقدم، بل المصنف أراد من هاهنا اختصار الروايات الواردة في هذا الباب، وترك أسانيدهم رومًا للاختصار فقال: \"وروى\" أي ما يدل على الترجمة \"قتادة\" عن \"عروة\"، ثم لما جاء ذكر حديث أم حبيبة نبه المصنف على أمر آخر في أحاديثها، وهو أن أصحاب عروة مختلفة في سرد الروايات، فذكرها قتادة مفصلًا، كما أشار إليه المصنف، وكذا ذكره عراك مفصلًا، كما ذكره البيهقي ومسلم، ورواه الزهري عن عروة مختصرًا، كما صرح به البيهقي، ولفظه: \"فقالت: إني أستحاض، فقال: إنما ذلك عرق فاغتسلي، ثم صلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة\"، قال البيهقي: وهكذا رواه جماعة عن الزهري، قلت: ذكر بعضها البيهقي.\nوالاحتمال الثاني: أن يكون الكلام متعلقًا بحديث أسماء أيضًا، ولا بعد فيه، فإن حديث أسماء المتقدم عند البيهقي وهم، كما صرح به، والصواب عنده أنها قصة أم حبيبة فتأمل، فيكون مراد المصنف ما أراده البيهقي فيكون قوله: ورواه قتادة ... إلخ متعلقًا بالحديث المتقدم، ويكون المعنى أن سهيلًا عن الزهري جعل القصة لفاطمة، والصواب كونها لأم حبيبة، وهذا أوجه في مراد المصنف، إلَّا أنه يتوقف أن يكون رأي المصنف مثل رأي البيهقي، فتأمل. (ش).","vol":"2","page":343},{"text":"وَقَدْ رَوَى الْحُمَيْدِىُّ\n===\nالحديث المتقدم، فلا يجوز أن يكون المراد به ذلك الحديث، لأن حديث سمهيل المتقدم في قصة فاطمة بنت قيس، وهذه في قصة أم حبيبة بنت جحش، ولو سُلِّم ففي حديث سهيل أيضًا: \"فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد\"، وهو بمعنى ما زاد ابن عيينة: \"فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها\"، فتوافقت الروايتان، ولم يثبت الزيادة، وإن أراد غيره فلم أقف عليه.\nويقوي هذا الإشكال ما ذكره البيهقي في \"سننه\" (١) بعد ما أخرج حديث الليث عن ابن شهاب عن عروة، الحديث، فقال: وهكذا رواه جماعة عن الزهري، ورواه سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة، فخالفهم في المتن والإسناد جميعًا، وكلام البيهقي هذا يدل على أن حديث سهيل بن أبي صالح عن الزهري وهم أيضًا، وكلام المصنف يدل على أن حديث سهيل يوافق حديث الجماعة.\nثم قال البيهقي: وفي رواية هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة دلالة على أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت يتميز بين الدمين، ورواية سهيل فيها نظر في إسناد حديثه، ثم في الرواية الثانية عنه دلالة على أنه لم يحفظها، كما ينبغي، ثم ساق البيهقي الرواية الثانية عن سهيل، وهي التي أخرجها أبو داود في \"سننه\".\n(وقد روى الحميدي) (٢) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي، أبو بكر الحميدي الأسدي المكي، قال أحمد: الحميدي عندنا إمام، وقال أبو حاتم: هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال الحاكم: ثقة مأمون،\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٣١).\n(٢) أخرجه في \"مسنده\" (١/ ٨٧) رقم (١٦٠).","vol":"2","page":344},{"text":"هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا». وَرَوَتْ قَمِيرُ بِنْتُ عَمْرٍو زَوْجُ مَسْرُوقٍ،\n===\nوكان البخاري إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه إلى غيره من الثقة به، مات سنة ٢١٩ هـ، (هذا الحديث عن ابن عيينة، لم يذكر فيه \"تدع الصلاة أيام أقرائها\") وهذه قرينة ثانية على وهم سفيان.\nوحاصل هذا الكلام أن ما زاد ابن عيينة في حديث الزهري وهمًا على خلاف الحفاظ، قد خالف فيه نفسه، فإنه ذكره مرة ولم يذكره مرة، فإن الحميدي لم يذكر في حديثه عنه، فعلم بهذا أن الزيادة التي زادها وهم منه، قلت: جعل عدم ذكر الحميدي هذا اللفظ عن ابن عيينة قرينةً على وهم سفيان، غير صحيح، فإنه يدل على أن سفيان ما وهم فيه، بل وهم فيه من رواه عن سفيان، وزاده فيه، ولو كان وهمًا من سفيان لزاده الحميدي أيضًا، على أن البيهقي أخرج بسنده من طريق ابن أبي عمرو وبشر بن موسى، قال: حدثنا الحميدي قال: نا سفيان في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه: فقال: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي، فإن كان مراد أبي داود برواية الحميدي هذا الحديث، فقوله: \"لم يذكر فيه\" غير صحيح، لأن فيه تصريحًا بأن فيه \"تدع الصلاة أيام أقرائها\"، وإن كان غيره فلم نجده فيما تتبعنا من كتب الحديث.\n(وروت قمير) (١) بفتح أولها (بنث عمرو) الكوفية، امرأة مسروق ابن الأجدع، قال العجلي: تابعية ثقة، لها عند أبي داود حديثها عن عائشة في المستحاضة، وعند النسائي حكايته عن مسروق (زوج مسروق) ابن الأجدع بن\n_________\n(١) انظر ترجمتها في: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٤٦). وأخرج روايتها عبد الرزاق (١١٧٠)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٥) والطحاوي (١/ ١٠٥) والبيهقي (١/ ٣٢٩)، والدارقطني (١/ ٢١٠)","vol":"2","page":345},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ: \"الْمُسْتَحَاضَةُ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ\".\nوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ،\n===\nمالك الهمداني الوادعي الكوفي، العابد، أبو عائشة، فقيه عابد مخضرم، كان عمرو بن معد يكرب خاله، وكان أبوه أفرس فارس باليمن، قال له عمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، قال: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن، قال الشعبي: كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح، وكان شريح أعلم بالقضاء، كان يصلي حتى تورم قدماه، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٦٣ هـ، وله ثلاث وستون سنة (١).\n(عن عائشة: المستحاضة تترك الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل) أخرج البيهقي هذا التعليق موصولًا بسنده عن عبد الملك بن ميسرة عن الشعبي عن قمير عن عائشة، ولكن بلفظ (٢): \"تدع الصلاة أيام حيضتها\".\nولعل غرض المصنف بذكر هذه التعليقات دفع الإشكال بأنه قال في رواية الزهري: إن سفيان زاد عنه في حديثه: \"فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها\"، ثم حكم عليه بأن هذا وهم من سفيان بن عيينة.\nفلما كان هذا وهمًا ولم يذكره الحفاظ فكيف السبيل إلى ثبوت هذا الحكم، مع أن هذا الحكم ثابت مجمع عليه، فأجاب المصنف بأن هذا الحكم ثابت بروايات كثيرة غير رواية الزهري، أولاها رواية قمير (و) ثانيتها ما (قال عبد الرحمن بن قاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، أبو محمد المدني، أمه قريبة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، قال\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٠٩).\n(٢) وروايته بلفظ الأقراء أيضًا. (ش). (انظر: \"السنن الكبرى\" ١/ ٣٢٩).","vol":"2","page":346},{"text":"عَنْ أَبِيهِ \"أنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا\".\nوَرَوَى (١) أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ أَبِى وَحْشِيَّةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قال\"إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ\" فَذَكَرَ (٢) مِثْلَهُ\n===\nابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وقال أحمد: ثقة ثقة، وقال العجلي والنسائي وأبو حاتم: ثقة، وقال ابن أبي الزناد كان ثقة ورعًا كثير الحديث، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من سادات أهل المديثة فقهًا وعلمًا وديانة وفضلًا، مات سنة ١٢٦ هـ.\n(عن أبيه أن النبي - ﷺ - أمرها) أي المستحاضة (أن تترك الصلاة قدر أقرائها) وسيجيء هذا التعليق موصولًا مسندًا في هذا الكتاب في \"باب من قال: تجمع بين الصلاتين\" ولكن ليس فيه هذا اللفظ، ولعل مراد المصنف به غير ما رواه موصولًا، ولم أجده فيما تتبعت من الكتب (٣).\n(و) ثالثتها ما (روى أبو بشر جعفر بن أبي وحشية) هو جعفر بن إياس، وإياس كنيته أبو وحشية، اليشكري، أبو بشر الواسطي، قال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة، وطعن عليه شعبة في حديثه عن مجاهد، قال: من صحيفة، وقال البرديجي: كان ثقة، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، كان شعبة يضعف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم، ويقول: لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم، مات سنة ١٢٣ هـ أو بعدها.\n(عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن النبي - ﷺ - قال: إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فذكر) أي أبو بشر (مثله) أي مثل ما ذكره\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رواه\".\n(٢) وفي نسخة: \" ثم ذكر\".\n(٣) رواية عبد الرحمن أخرجها عبد الرزاق (١١٧٦) والطحاوي (١/ ١٠٠) مرسلًا.","vol":"2","page":347},{"text":"وَرَوَى شَرِيكٌ عَنْ أَبِى الْيَقْظَانِ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\nعبد الرحمن بن القاسم، وهو: \"أمرها أن تترك الصلاة أيام أقرائها\" (١) (و) رابعتها ما (روى شريك) هو ابن عبد الله بن أبي شريك النخعي (عن أبي اليقظان) (٢) هو عثمان بن عمير البجلي الكوفي الأعمى، ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن أبي حميد، قال أحمد: ضعيف الحديث، كان ابن مهدي ترك حديثه، وقال عمرو بن علي: لم يرض يحيى ولا عبد الرحمن أبا اليقظان، قال أبو حاتم: سألت محمد بن عبد الله بن نمير عن عثمان بن عمير فضعفه، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه، قال ابن عبد البر: كلهم ضعفه؛ وقال ابن حبان: اختلط حتى كان لا يدري ما يقول، لا يجوز الاحتجاج به، وقال ابن عدي: رديء المذهب، غالٍ في التشيع، يؤمن بالرجعة، ويكتب حديثه مع ضعفه.\n(عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي، قال أحمد: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصّهم، وقال العجلي والنسائي: ثقة، قال الدارقطني: فعدي بن ثابت عن أبيه عن جده لا يثبت، ولا يعرف أبوه ولا جده، وعدي ثقة، وقال ابن معين: شيعي مفرط، وقال الجوزجاني: مائل عن القصد، وقال السلمي: قلت للدارقطني: فعدي بن ثابت؟ قال: ثقة إلَّا أنه كان غاليًا في التشيع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١١٦ هـ.\n(عن أبيه) هو ثابت الأنصاري والد عدي بن ثابت، روى أبو اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده حديث المستحاضة، وحديث العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة من الشيطان، قال البرقاني: قلت للدارقطني:\n_________\n(١) رواية أبي بشر أخرجها ابن أبي شيبة (١/ ١٢٥) والمصنف أيضًا (٣٠٤).\n(٢) بسكون القاف. (ش).","vol":"2","page":348},{"text":"عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- «أن الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّى».\nوَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ قال: \"إنَّ سَوْدَةَ\n===\nشريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده كيف هذا الإسناد؟ قال: ضعيف. قلت: من جهة من قال أبو اليقظان: ضعيف، واختلف في اسم جده على أقوال كثيرة، وقال الحافظ (١): ولم يترجح لي في اسم جده إلى الآن شيء من هذه الأقوال كلها، إلَّا أن أقربها إلى الصواب أن جده هو جده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي، والله أعلم.\n(عن جده) أي جد عدي، وهو عبد الله بن يزيد الخطمي، وهو جده لأمه (عن النبي - ﷺ -: أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي) أخرجه الترمذي موصولًا وابن ماجه (٢).\n(و) خامستها ما (روى العلاء بن المسيب) هو ابن رافع الأسدي الكاهلي، ويقال: الثعلبي بالمثلثة، الكوفي، قال ابن معين: ثقة مأون، ووثقه ابن عمار والعجلي ويعقوب بن سفيان وابن سعد، وقال الحاكم: له أوهام في الإسناد والمتن، وقال الأزدي: في بعض حديثه نظر، وتعقبه النباتي بأنه كان يجب أن يذكر ما فيه النظر، وفي \"الميزان\": قال بعضهم: كان يهم كثيرًا، وهو قول لا يعبأ به.\n(عن الحكم) بن عتيبة، (عن أبي جعفر) الباقر، لم يتحقق لي أن أبا جعفر هذا من هو، ولعله محمد بن علي بن الحسين (٣) (قال: إن سودة\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٩).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١٢٦)، \"سنن ابن ماجه\" (٦٢٥)، وأيضًا أخرجه المصنف (٢٩٧).\n(٣) قد جزم به العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (٢/ ٥٣).","vol":"2","page":349},{"text":"اسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا النَّبِىُّ (١) -ﷺ- إِذَا مَضَتْ أَيَّامُهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ\". وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ عَلِىٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَجْلِسُ أَيَّامَ قُرْئِهَا». وكذلك\n===\nاستحيضت، فأمرها النبي - ﷺ - إذا مضت أيامها) أي أيام الحيض (اغتسلت وصلت).\nقال البيهقي في \"سننه\" (٢) بعد تخريجه بسنده: قال الإِمام أحمد - ﵀ - وهذا فيما رواه ابن خزيمة عن العطاردي عن حفص بن غياث عن العلاء أتم من ذلك، انتهى.\nوهذا يدل على أنها في أيام محيضها غير متطهرة فلا تصلي، فإن قلت: هذه الروايات المسرودة كلها ضعيفة، لأن رواية قمير موقوفة، ورواية عبد الرحمن بن القاسم وأبي بشر والعلاء بن المسيب مرسلة، ورواية شريك عن أبي اليقظان ضعيفة لضعف أبي اليقظان، فكيف يحتج المصنف بمثل هذه الروايات.\nقلت: هذه الروايات بانفرادها وإن كانت ضعيفة، لكنها بتعددها اكتسبت قوة، فبلغ مجموعها بمرتبة يحتج بها على أن هذا الحكم لا يتوقف ثبوته على هذه الروايات، بل هو ثابت في غير هذه الروايات أيضًا بأحاديث صحيحة وطرق سديدة، والله أعلم.\nثم ذكر المصنف مذاهب الصحابة - ﵃- والتابعين، فقال: (وروى سعيد بن جبير عن علي وابن عباس: المستحاضة تجلس) أي عن الصلاة (أيام) أي في أيام (قرئها) أي حيضها (وكذلك) أي كما روى\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٣٥). وأيضًا أخرجها ابن أبي شيبة (١/ ١٢٥) مرسلًا، وعلقها المصنف بعد الحديث رقم (٣٠٤).","vol":"2","page":350},{"text":"رَوَاهُ عَمَّارٌ مَوْلَى بَنِى هَاشِمٍ وَطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْقِلٌ الْخَثْعَمِىُّ عَنْ عَلِىٍّ ﵁. وَكَذَلِكَ رَوَى الشَّعْبِىُّ عَنْ قَمِيرَ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ\n===\nسعيد بن جبير (رواه عمار مولى بني هاشم) هو ابن أبي عمار، ويقال: مولى بني الحارث بن نوفل، أبو عمر، وثقه أحمد وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يخطئ، وقال البخاري: كان شعبة يتكلم فيه، وقال النسائي: ليس به بأس.\n(وطلق بن حبيب عن ابن عباس، وكذلك) أي كما رواه سعيد ابن جبير عن علي (رواه معقل (١) الخثعمي)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": روى عن علي، وعنه محمد بن أبي إسماعيل الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مجهول، من السادسة، وقال الذهبي في \"الميزان\": لا يعرف، يكنى أبا عبد الصمد، وقال أبو أحمد الحاكم: لا يتابع في جل روايته، (عن علي، وكذلك روى الشعبي عن قمير امرأة مسروق عن عائشة)، أي أنها قالت: إن المستحاضة تترك الصلاة أيام أقرائها، وقد ذكره المصنف فيما قبل في ما سرد من الروايات المذكورة، وكان المناسب للمصنف أن لا يذكره هناك، فهذا تكرار من غير فائدة.\n(قال أبو داود: وهو قول الحسن) البصري (وسعيد بن المسيب وعطاء) بن أبي رباح (ومكحول) الشامي، أبو عبد الله، أو أبو أيوب،\n_________\n(١) ويقال فيه: زهير بن معقل، والأول أصح. (ش). [كذا في\" شرح سنن أبي داود\" (٢/ ٥٤) للعيني].","vol":"2","page":351},{"text":"وَإِبْرَاهِيمَ وَسَالِمٍ وَالْقَاسِمِ: \"إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا\".\n===\nأو أبو مسلم، الفقيه، الدمشقي، كان أعجميًا، قال مكحول: أعْتِقْتُ بمصر، فلم أدع فيها علمًا إلَّا احتويت عليه فيما أدري، ثم أتيت العراق والمدينة والشام فذكر كذلك، وكان إمام أهل الشام، قال العجلي: تابعي ثقة، وقال ابن سعد: قال بعض أهل العلم: كان مكحول من أهل كابل، وكانت فيه لكنة، وكان يقول بالقدر، وكان ضعيفًا في حديثه ورأيه، وقال يحيى بن معين: كان قدريًا ثم رجع، مات بعد سنة ١١٠ هـ.\n(وإبراهيم النخعي وسالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله المدني الفقيه، قال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه من مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه، قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد الزهري عن سالم عن أبيه، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عاليًا من الرجال، قيل: لما أتى سبي فارس على عمر كان فيه بنات يزدجرد فقومن، فأخذهن علي فأعطى واحدة لابن عمر فولدت له سالمًا، وأعطى أختها لولده الحسين فولدت له عليًا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر فولدت له القاسم، مات سنة ١٠٦ هـ (١).\n(والقاسم: إن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها)، وقد أخرج البيهقي في \"سننه\" (٢) بسنده أن القعقاع بن حكيم أخبره أنه سأل سعيد بن المسيب عن المستحاضة، فقال: يا ابن أخي ما أجد أعلم بهذا مني، إذا\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٩٥) رقم (٢١٣٣).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٣٠).","vol":"2","page":352},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ عُرْوَةَ شَيْئًا.\n٢٨٢ - حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: \"إن فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِى حُبَيْشٍ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: إِنِّى امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ\n===\nأقبلت الحيضة فلتدع الصلاة، وإذا أدبرت فلتغتسل ثم تصلي، وأما ما نقل أبو داود من قول الحسن وغيره من التابعين، فأخرج أكثرهم ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢).\n(قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا) وهذا إشارة إلى ما قال المصنف فيما تقدم قريبًا من قوله: قال أبو داود: ورواه قتادة عن عروة بن الزبير ... إلخ بأن فيه انقطاعًا.\n٢٨٢ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمي اليربوعي الكوفي، وقد ينسب إلى جده، وثَّقه أبو حاتم والنسائي، وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة وليس بحجة، وقال ابن سعد والعجلي: ثقة صاحب سنَّة، وقال ابن قانع: كان ثقة مأمونًا ثبتًا، مات سنة ٢٢٧ هـ، (وعبد الله بن محمد النفيلي قالا) أي أحمد وعبد الله: (ثنا زهير) بن معاوية، (نا هشام بن عروة، عن عروة) بن الزبير، (عن عائشة قالت: إن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت رسول الله - ﷺ - فقالت: إنى امرأة أستحاض).\nوظاهر هذا الكلام يدل على أنها سألت بنفسها رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة\".\n(٢) (١/ ١٥٠). وانظر أيضًا: \"مصنف عبد الرزاق\" (١/ ٣٠٤) و\"سنن الدارمي\" (١/ ١٤٦).","vol":"2","page":353},{"text":"فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ (١)، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِى الصَّلَاةَ، فَإِذَا (٢) أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّى». [خ ٣٠٦، م ٣٣٣، ن ٢٠٣، ت ١٢٥، جه ٦٢٦، قط ١/ ٢٠٦، ق ١/ ٣٢٧]\n٢٨٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِ زُهَيْرٍ وَمَعْنَاهُ، وَقَالَ: «فَإِذَا أَقْبَلَتِ\n===\nوقد سبق فيما تقدم أنها سألت بواسطة أسماء، وتقدم أيضًا أن أم سلمة -﵂ - سألت لها رسول الله - ﷺ -، فكيف وجه التوفيق بين تلك الروايات المختلفة؟\nقلت: وجه التوفيق بينها أنها لعلها مرة سألت بواسطة أم سلمة، ومرة سألت بواسطة أسماء بنت عميس، ومرة سألت بنفسها، ويمكن أن يحمل حديث عائشة على أنها لم تسأل بغير واسطة، بل سألت بواسطة أم سلمة أو أسماء، فحذفت الواسطة، والله أعلم.\n(فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنما ذلك) أي دم الاستحاضة (عرق) أي دم عرق (وليست بالحيضة) لأنها ليست بدم عرق، بل هو دم رحم، (فإذا أقبلت الحيضة فدعي) أي فاتركي (الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي).\n٢٨٣ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) الإِمام، (عن هشام) بن عروة (بإسناد زهير) أي حدثنا القعنبي بإسناد زهير المتقدم (ومعناه) أي ومعنى حديثه، (وقال) أي مالك بهذا اللفظ: (فإذا أقبلت\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بحيضة\".\n(٢) وفي نسخة: \"وإذا\".","vol":"2","page":354},{"text":"الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِى الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِى الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّى». [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>(١١٠) بَابُ مَنْ قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَة تَدَع الصَّلَاة</span>\n===\nالحيضة (١) فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي (٢).\nوهذان الحديثان مطابقان للترجمة على النسخة التي ذكر فيها قبل هذا الحديث، \"باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة\"، وأما على النسخة التي ليس فيها هذا الباب، فلا يطابقان بالباب إلَّا بالتكلف، وهو أن يقال: كما أن إقبال المحيض يعرف بصفات الدم كذلك يعرف بإقبال الأيام التي كانت تحيض فيها قبل الاستحاضة.\n\n(١١٠) (بَابُ مَنْ قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ تَدَعُ الصَّلاةَ)\nفإن قلت: هذه الترجمة مكررة، فإن الترجمة المتقدمة تدل على أن إقبال المحيض وإدباره يعرف في الأيام التي كانت تحيض فيها قبل أن يصيبها الذي أصابها، فعليها أن تدع الصلاة في عدة تلك الأيام.\nقلت: بين الترجمتين فرق ظاهر (٣)، وهو أن الترجمة الأولى منعقدة\n_________\n(١) بالفتح كما عليه المحدثون، واختار الخطابي الكسر، وردّه النووي، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٦١٥). (ش).\n(٢) أخرجه النسائي مفصلًا ح (٢٠٤). (ش).\n(٣) وعندي في توجيه الترجمتين، وجهان آخران، الأول: لما تقدم في الروايات السابقة في قصة فاطمة ذكر الأيام، وهي عندهم مميزة، كما صرح به البيهقي والترمذي وجماعة ذَكَرَ المصنف روايات الإقبال إشارةً إلى الاختلاف الوارد، أو إشارةً إلى الأصح عنده في قصة فاطمة، والوجه الثاني: أن الترجمة الأولى كانت لمن رأى الأيام، فأشار بذكر هذا إلى أن القائل بالأيام يحمل هذه الروايات على الأيام، كما أن من رأى التمييز حمل روايات الأقراء على ذلك، فتأمل، فإنه حسن. (ش).","vol":"2","page":355},{"text":"٢٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، عَنْ بُهَيَّةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ عَائِشَةَ عَنِ امْرَأَةٍ فَسَدَ حَيْضُهَا وَأُهَرِيقَتْ دَمًا،\n===\nفي حق المرأة المعتادة التي عرفت الأيام التي كانت تحيض فيها وهي صالحة، وأما الترجمة الثانية فمشتملة على أمرين، فإن إقبال المحيض يعرف بأمرين: أحدهما: أن المرأة إذا كانت معتادة فتعرف حيضها بالأيام التي كانت تحيض فيها قبل الاستحاضة، والثانىِ: إذا كانت المرأة تعرف حيضها بصفات الدم ولونه، فلا تحتاج إلى معرفتها بالأيام، فالترجمة الثانية تشتمل على كلا النوعين، والترجمة الأولى خاصة بالمعتادة.\n٢٨٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عقيل) مكبرًا، يحيى بن المتوكل العمري المدني ويقال: الكوفي، الحذاء، الضرير صاحب بهية مصغرًا، مولى العمريين، قال سفيان بن عبد الملك: أبو عقيل المحجوب ضعيف، قال حرب: قلت لعبد الله: كيف حديثه فكأنه ضعفه، وقال أحمد بن يحيى. أحاديثه عن بهية منكرة، وما روى عنها إلَّا هو، وهو واهي الحديث، وعن يحيى بن معين: ضعيف ليس حديثه بشيء، منكر الحديث، وعنه: ليس به بأس، وقال عثمان: هو ضعيف، وقال علي بن المديني: ضعيف، وقال ابن عمار: أبو عقيل وبهية ليس هؤلاء بحجة، وقال عمر بن علي: فيه ضعف شديد، وضعفه أبو حاتم والنسائي، وقال ابن عبد البر: هو من عند جميعهم ضعيف، ما سنة ١٦٧ هـ.\n(عن بهية) بموحدة مضمومًا مصغرًا، مولاة أبي بكر، وعنها أبو عقيل، قال ابن عمار: ليست بحجة، وقال في \"التقريب\": لا تعرف. (قالت: سمعت امرأة) لم تعرف اسمها (تسأل عائشة عن امرأة فسد حيضها) أي اختلطت حيضها بالاستحاضة، (وأهريقت دمًا) أي قالت (١) عائشة: فسألت رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) صرح به البيهقي (١/ ٣٣٢). (ش).","vol":"2","page":356},{"text":"فَأَمَرَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ آمُرَهَا فَلْتَنْظُرْ قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحِيضُ فِى كُلِّ شَهْرٍ وَحَيْضُهَا مُسْتَقِيمٌ فَلْتَعْتَدَّ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَيَّامِ، ثُمَّ لْتَدَعِ الصَّلَاةَ فِيهِنَّ أَوْ بِقَدْرِهِنَّ، ثُمَّ لْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَذْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ تُصَلِّى. تُصَلّي. [ق ١/ ٣٤٣، ع ٤٦٢٥]\n٢٨٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَقِيلٍ\n===\n(فأمرني رسول الله - ﷺ - أن آمرها) (١) بصيغة المتكلم (فلتنظر قدر ما كانت تحيض في كل شهر وحيضها) أي والحال أن حيضها (مستقيم، فلتعتد) (٢) أي تعد تلك الأيام (بقدر ذلك من الأيام) أي من أيام استحاضتها (ثم لتدع الصلاة فيهن) أي في تلك الأيام التي اعتدتها من الحيض (أو بقدرهن) شك من الراوي، أو قال: بقدرهن، (ثم لتغتسل ثم لتستذفر بثوب ثم تصلي) والحديث مع ضعفه لا يناسب الباب، بل كان الأنسب (٣) أن يذكر في الباب المتقدم.\n٢٨٥ - (حدثنا ابن أبي عقيل) (٤) لم أجد ذكره في شيء من كتب\n_________\n(١) اختلف أهل الأصول في أن الأمر لأحد أن يأمر غيره يكون أمرًا للغير أم لا، \"زرقاني\". (ش).\n(٢) ضبطه ابن رسلان بفتح التائين المثناتين قبل العين، قال: وفي النسخ بحذف التاء الثانية. (ش).\n(٣) قلت: اللَّهُمَّ إلَّا أن يقال: إنه لبيان أن الإقبال يعم النوعين، كما تقدم في الترجمة، وذكر الحديث ابن رسلان في الترجمة السابقة.\n(٤) قال ابن رسلان: \" حدثنا\" عبد الغني بن رفاعة \"ابن أبي عقيل\"، بفتح العين، اللخمي، أبو جعفر، توفي سنة ٢٥٥ هـ، روى عنه الطحاوي وغيره، قلت: ورقم الحافظ في \"تهذيبه\" (٦/ ٣٦٦) على عبد الغني \"د\" فقط، وقال: عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك اللخمي، أبو جعفر بن أبي عقيل المصري ... إلخ، ولم يذكر في مشايخه ابن وهب، لكن ذكره صاحب \"الخلاصة\"، وأكثر الطحاوي روايته عن ابن وهب، وذكر الحافظ وصاحب الخلاصة\" في تلاميذه \"أبا داود\"، وكتب الشيخ في \"باب الغسل للجمعة\" هو أحمد بن أبي عقيل المصري، وهكذا في \"المنهل\" (٣/ ٨٢). (ش).","vol":"2","page":357},{"text":"وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: \"إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ - خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -: اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ (١) بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ فَاغْتَسِلِى وَصَلِّى». [خ ٣٢٧، م ٣٣٤، ت ١٢٩، ن ٢٠٣، جه ٦٢٦، دي ٧٧٥، حم ٦/ ١٨٧]\n===\nالرجال (ومحمد بن سلمة المصريان قالا: أنا ابن وهب) هو عبد الله، (عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية، (عن عائشة قالت: إن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله - ﷺ -) أي أخت زوجته زينب بنت جحش (وتحت عبد الرحمن بن عوف) أي كانت في نكاحه (استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله - ﷺ - في حكم الاستحاضة، (فقال رسول الله - ﷺ -: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي).\nفإن قلت: خروج دم العرق لا يوجب الاغتسال، فكيف أمرها بالاغتسال؟ قلت: الأمر بالاغتسال محمول على الاغتسال من المحيض، فحاصل قوله - ﷺ -: أن هذا الدم المستمر ليس بدم الحيض، بل هو دم الاستحاضة، فإذا مضت أيام الحيض فلتغتسل ولتصل، وفي بعض الروايات، كما في الصحيحين: \"فكانت تغتسل لكل صلاة\"، قال الشافعي: إنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعًا، وكذا قال الليث بن سعد: إنها لم يأمرها - ﷺ - بالاغتسال لكل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي، وإلى هذا ذهب الجمهور، قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة إلَّا المتحيرة،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ليس\".","vol":"2","page":358},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ الأَوْزَاعِىُّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: \"اسْتُحِيضَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ - وَهِىَ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - سَبْعَ سِنِينَ، فَأَمَرَهَا النَّبِىُّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِى الصَّلَاةَ، فإِذَا أَدْبَرَتْ، فَاغْتَسِلِى وَصَلِّى».\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِىِّ، غَيْرَ الأَوْزَاعِىِّ\n===\nلكن يجب عليه الوضوء، ويمكن أن يحمل اغتسالها لكل صلاة على العلاج لتقليل الدم، ومطابقة هذا الحديث بالباب مع الزيادة التي زادها الأوزاعي ظاهرة، وأما بدونها فخفي.\n(قال أبو داود: زاد الأوزاعي في هذا الحديث) أي في حديث أم حبيبة بنت جحش الذي رواه عمرو بن الحارث (عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة قالت: استحيضت أم حبيبة بنت جحش - وهي تحت عبد الرحمن بن عوف - سبع سنين، فأمرها النبي - ﷺ -، قال: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي، قال أبو داود: ولم يذكر هذا الكلام) أي الذي ذكره الأوزاعي من قوله: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي (أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي) (١).\nوقد أخرج البيهقي في \"سننه\" (٢) بسنده موصولًا من طريق العباس ابن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثني ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة: أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: استحيضت أم حبيبة بنت جحش\n_________\n(١) رواية الأوزاعي هذه أخرجها أحمد (٦/ ٨٣) والنسائي (١/ ١١٧) وابن ماجه (٦٢٦) والدارمي (٧٦٨) وأبو عوانة (١/ ٣٢٠) والطحاوي (١/ ٩٩) والحاكم (١/ ١٧٣).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٢٧).","vol":"2","page":359},{"text":"وَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِىِّ: عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَاللَّيْثُ، وَيُونُسُ، وَابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، وَمَعْمَرٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ،\n===\n- وهي تحت عبد الرحمن بن عوف - سبع سنين، فاشتكت ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"إنها ليست بالحيضة، إنما هو عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي ثم صلي\"، قالت عائشة: وكانت أم حبيبة تقعد في مركن لأختها زينب بنت جحش.\nثم قال البيهقي بعد سوق الحديث: ذكر الغسل في هذا الحديث صحيح، وقوله: \"فإذا أقبلت الحيضة، وإذا أدبرت\"، تفرد به الأوزاعي من بين ثقات أصحاب الزهري، والصحيح أن أم حبيبة كانت معتادة، وأن هذه اللفظة إنما ذكرها هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي كما رواه غيره من الثقات، ثم ساق البيهقي ذلك الحديث.\n(ورواه عن الزهري عمرو بن الحارث) وقد أخرجه المصنف موصولًا فيما تقدم قريبًا مختصرًا، وفيما سيأتي مطولًا، (والليث) أخرج روايته بسنده موصولًا المصنف فيما سيأتي، ومسلم عن عروة وحده، (ويونس) بن يزيد، أخرج حديثه المصنف موصولًا في الباب الآتي، (وابن أبي ذئب) أخرج حديثه المصنف عن الزهري في الباب الآتي، (ومعمر) بن راشد (١) (وإبراهيم بن سعد) أخرج حديثه مسلم موصولًا في \"صحيحه\" (٢).\n(وسليمان بن كثير) العبدي أبو داود، قال ابن معين: ضعيف، وقال النسائي: ليس به بأس إلَّا في الزهري فإنه يخطئ عليه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال العجلي: جائز الحديث لا بأس به، وقال العقيلي: واسطي، سكن البصرة، مضطرب الحديث عن ابن شهاب،\n_________\n(١) أخرج روايته عبد الرزاق (١/ ٣٠٣) رقم (١١٦٤).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٣٣٤). وأيضًا أخرجه أحمد (٦/ ١٨٧) والدارمي (٧٨٢).","vol":"2","page":360},{"text":"وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْكَلَامَ.\n===\nوهو في غيره أثبت، وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا.\nفأما روايته عن الزهري فقد اختلطت عليه صحيفته، فلا يحتج بشيء ينفرد به عن الثقات، وقال ابن عدي: لم أسمع أحدًا في روايته عن غير الزهري شيئًا، قال: وله عن الزهري وعن غيره أحاديث صالحة، ولا بأس به، مات سنة ١٣٣ هـ (١)، أخرج أبو داود حديث سليمان بن كثير هذا في الباب الآتي من طريق أبي الوليد الطيالسي وعبد الصمد.\n(وابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار، أخرج المصنف حديثه موصولًا عن الزهري في الباب الآتي، (وسفيان بن عيينة) أخرج مسلم (٢) حديث سفيان بن عيينة عن الزهري موصولًا، ثم قال في آخره بنحو حديثهم، فيستدل بذلك على أن عند مسلم ليس في حديث سفيان بن عيينة زيادة على حديث الحفاظ عن الزهري كما ادّعاه أبو داود، ويمكن الاعتذار عنه بأن دعوى الزيادة في حديث سفيان عن الزهري على طريق خاص، وهذا الذي ذكره مسلم غير ذلك الطريق، ويدل عليه ما قال أبو في داود: وروى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه \"تدع الصلاة أيام أقرائها\"، فكما لم يذكر الحميدي هذه الزيادة، كذلك لم يذكرها محمد بن المثنى عن سفيان في حديث مسلم، ولكن يشكل حينئذ نسبة الزيادة إلى سفيان، بل الأقرب أن الوهم فيه من تلميذه الذي روى عنه الزيادة، فإنه لو كان الزيادة من سفيان لا بد أن يذكره محمد بن المثنى والحميدي أيضًا.\n(ولم يذكروا هذا الكلام) ضمير الجمع يعود إلى المذكورين من\n_________\n(١) هكذا في \"التهذيب\" (٤/ ٢١٦) بلفظ ثلاث وثلاثين، وفي \"التقريب\" و\"الميزان\" (٢/ ٢٢٠): ثلاث وستين. (ش). [قلت: وفي \"التقريب\" في الطبعة القديمة والجديدة أيضًا \"ثلاث وثلاثين\" وما جاء في \"الميزان\" \"ثلاث وستين\" فهو تحريف].\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٣٣٤).","vol":"2","page":361},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَإِنَّمَا هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فيه\n===\nأصحاب الزهري الذين فيهم سفيان بن عيينة، وقد ادَّعى المصنف فيما تقدم أن سفيان أيضًا زاد في حديثه هذه الزيادة، فكيف نفى هاهنا ما ادّعاه قبل، والجواب عنه: أن سفيان بن عيينة لم يزد هذا الكلام الذي زاده الأوزاعي، بل زاد سفيان ما يغاير في المعنى ما زاده الأوزاعي، وشرحه أن سفيان زاد: \"فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها\"، وهذا الكلام يدل على أنه - ﷺ - جعلها غير مميزة بين الدمين، فأمرها أن يجعل حيضها على الأيام التي كانت تحيض قبل أن يصيبها ما أصابها من استمرار الدم، ولم يأمرها أن تترك الصلاة عند إقبال الحيضة، لأن إقبال الحيضة لم تعرفها.\nوأما الأوزاعي فزاد في حديثه: فأمرها النبي - ﷺ - قال: \"إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي\"، وهذا الأمر محمول على أنها كانت مميزة بين الدمين تعرف إقبال حيضها بلون الدم، فأمرها رسول الله - ﷺ - بترك الصلاة عند إقبال حيضتها التي تعرفها بشدة حمرتها، فما زاد الأوزاعي من الكلام مغاير لما زاده ابن عيينة، فسقط الإشكال عن أصله.\n(قال أبو داود: وإنما هذا) أي إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي (لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) أي في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، أدخل الأوزاعي في حديث الزهري عن عروة وهمًا، وحديث هشام هذا أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.\n(قال أبو داود: وزاد ابن عيينة فيه) أي في الحديث عن الزهري","vol":"2","page":362},{"text":"أَيْضًا \"أَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا\"، وَ(١) هُوَ وَهَمٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِىِّ فِيهِ شَىْءٌ، يَقْرُبُ مِنَ الَّذِى زَادَ الأَوْزَاعِىُّ فِى حَدِيثِهِ.\n٢٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِى حُبَيْشٍ قال: \"إنَّهَا\n===\n(أيضًا: أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، وهو وهم من ابن عيينة) وقع (٢) هذا الكلام هاهنا مكررًا، وقد تقدم ذكر هذا من المصنف قريبًا فتكراره بلا فائدة، (وحديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء) أي من الكلام (يقرب من الذي) أي من الكلام الذي (زاد الأوزاعي في حديثه) وهو هذا (٣).\n٢٨٦ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن أبي عدي، عن محمد - يعني ابن عمرو - قال: ثني ابن شهاب) الزهري، (عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش قال) أي عروة: (إنها) أي فاطمة بنت أبي حبيش\n_________\n(١) وفي نسخة بزيادة: \"قال أبو داود\".\n(٢) ولعله كرره تنبيهًا على أن ذكر سفيان في الجماعة لا يوهم صحة روايته. (ش).\n(٣) وما يخطر في البال أن المراد بحديث محمد بن عمرو غير المذكور هاهنا، والمعنى أن الأوزاعي لم يتفرد به كما بسطه في \"الجوهر النقي\" (١/ ٣٢٧) إلَّا أنه لم يذكر حديث محمد بن عمرو، وهذا المعنى يتوقف عليه إلَّا أن الحاكم قال: تابع محمد ابن عمرو بن علقمة الأوزاعي على روايته هذه على هذه الألفاظ، لكنه ذكر بعده حديث ابن المثنى هذا، وذكره بلفظ: أخبرناه، وهذا يؤيد كلام الشيخ.\nوفي \"المنهل\" (٣/ ٨٥): قال العيني: وجه القرب أن في زيادة الأوزاعي الإقبال والإدبار، وفي حديث محمد بن عمرو الآتي ذكر الأسود وغيره، ولا شك أن الأسود يكون في زمان الأقبال وغير الأسود يكون في زمان الأدبار. (ش).","vol":"2","page":363},{"text":"كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ -ﷺ-: «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِى عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ، فَتَوَضَّئِى وَصَلِّى، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ». [ن ٢١٥، حم ٦/ ٢٣٧، ق ١/ ٣٢٥، قط ١/ ٢٠٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ مِنْ كِتَابِهِ هَكَذَا، ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ بَعْدُ حِفْظًا. قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: \"إنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ\". فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.\n===\n(كانت تستحاض، فقال لها النبي - ﷺ -: إذا كان دم الحيضة، فإنه دم أسود يعرف) أي بسواد لونه تعرفه النساء، (فإذا كان ذلك (١) فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر) أي غير دم الحيض (فتوَضَّئي وصلي، فإنما هو عرق) (٢) أي دم عرق، خروجه لا يمنع الصلاة.\n(قال أبو داود: قال ابن المثنى: ثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا) أي عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش، ولم يذكر فيها عن عائشة، (ثم ثنا به) أي بهذا الحديث (بعدُ) أي بعد الحديث عن الكتاب (حفظًا. قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن فاطمة كانت تستحاض، فذكر معناه) أي فذكر محمد بن أبي عدي حفظًا في معنى الحديث الذي ذكره من كتابه، والفرق بين حديثه من الكتاب، وبين ما حدث حفظًا، أن في حديثه من الكتاب يروي عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش، وفي حديثه حفظًا يروي عن عائشة.\n_________\n(١) وهذا الحديث على ما فيه من الكلام لا يدل على اعتبار اللون، فإنه في معنى حديث أبي أمامة عند الدارقطني. (ش).\n(٢) قد حسن ابن العربي هذا الحديث (١/ ١٩٧).","vol":"2","page":364},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَ(١) رَوَى أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى الْمُسْتَحَاضَةِ قَالَ: \"إِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِىَّ فَلَا تُصَلِّى، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً، فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّى\"\n===\nوأما البيهقي فأخرج هذا الحديث بسنده من طريق أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن أبي عدي، ثنا محمد بن عمرو - يعني ابن علقمة - عن الزهري، عن عروة، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها النبي - ﷺ -، الحديث، فأخرجه مرسلًا، وقال في آخره: قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان ابن أبي عدي حدثنا به عن عائشة ثم تركه، فسياق المصنف عن ابن المثنى يخالف سياق البيهقي عن ابن حنبل (٢).\n(قال أبو داود: وروى أنس بن سيرين) الأنصاري، أبو موسى، مولى أنس، ولد لسنة أو لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ودخل على زيد بن ثابت، وثَّقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، وقال: توفي بعد أخيه محمد، وكان قليل الحديث، مات سنة ١١٨ هـ.\n(عن ابن عباس في المستحاضة قال: إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة (٣) فلتغتسل وتصلي) قال في \"النهاية\": دم بحراني: شديد العمرة، كأنه قد نسب إلى البحر، وهو اسم قعر الرحم، وزادوه في النسب ألفًا ونونًا للمبالغة، يريد الدم الغليظ الواسع، وقيل: نسب إلى البحر لكثرته وسعته، وهذا التعليق لم أجده موصولًا (٤).\n_________\n(١) وفي نسخة بزيادة: \"قد\".\n(٢) والظاهر عندي أن غرض ابن حنبل غير ما أراد أبو داود، فغرضه أن زيادة عائشة كان يزيده حفظًا أولًا، ثم تركه. (ش).\n(٣) ذكر البخاري هذا الجزء تعليقًا، وأخرجه البيهقي مرسلًا. (ش).\n(٤) وصله الدارمي (٨٠٠) وابن أبي شيبة (١/ ١٥٣)، كذا في \"الفتح\" (١/ ٤٢٩). (ش).","vol":"2","page":365},{"text":"وَقَالَ (١) مَكْحُولٌ: \"إِنَّ النِّسَاءَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ، إِنَّ دَمَهَا أَسْوَدُ غَلِيظٌ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ وَصَارَتْ صُفْرَةً رَقِيقَةً، فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّى\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِى الْمُسْتَحَاضَةِ: \"إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ تَرَكَتِ الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ\".\nوَرَوَى سُمَىٌّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: \"تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا\".\nوَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.\n===\n(قال مكحول: إن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك) أي سواد الدم وغلظه (وصارت صفرة رقيقة، فإنها مستحاضة، فلتغتسل ولتصلي)، وقد حكى البيهقي هذا التعليق عن أبي داود ثم قال في آخره: قال الشيخ: وقد روي معنى ما قال مكحول عن أبي أمامة مرفوعًا بإسناد ضعيف، ثم أخرج بسنده حديث أبي أمامة من طريق العلاء، قال: سمعت مكحولًا يقول: عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث.\n(قال أبو داود: وروى حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد) القطان، (عن القعقاع بن حكيم، عن سعيد بن المسيب في المستحاضة، إذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت، وروى سُمي وغيره، عن سعيد بن المسيب: تجلس أيام أقرائها. وكذلك) أي كما روى حماد بن زيد (رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد) القطان، (عن سعيد بن المسيب) وهذه التعليقات التي ذكرها أبو داود أخرج البيهقي (٢) منها أولها\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ولتصل وقال\".\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٢٦).","vol":"2","page":366},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ: \"الْحَائِضُ إِذَا مَدَّ بِهَا الدَّمُ تُمْسِكُ بَعْدَ حَيْضَتِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، فَهِىَ مُسْتَحَاضَةٌ\".\nوَقَالَ التَّيْمِىُّ: عَنْ قَتَادَةَ: \"إِذَا زَادَ (١) عَلَى أَيَّامِ حَيْضِهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَلْتُصَلِّى. قَالَ التَّيْمِىُّ: فَجَعَلْتُ أَنْقُصُ حَتَّى بَلَغْتُ يَوْمَيْنِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمَيْنِ، فَهُوَ مِنْ حَيْضِهَا. وَسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْهُ فَقَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ\".\n===\nموصولًا بسنده من طريق يزيد بن هارون قال: أنبأنا يحيى - يعني ابن سعيد -، أن القعقاع بن حكيم أخبره أنه سأل سعيد بن المسيب عن المستحاضة، الحديث، ثم قال البيهقي: وكذلك رواه حماد بن زيد.\n(قال أبو داود: وروى يونس (٢) عن الحسن) البصري: (الحائض إذا مد) أي استمر (بها الدم تمسك) من الإمساك أي عن الصلاة (بعد حيضتها يومًا أو يومين، فهي) أي بعد مضي يوم أو يومين على عادتها المعروفة (مستحاضة) أي في حكم الطاهرات، فتصوم وتصلي.\n(وقال التيمي) أي سليمان: (عن قتادة: إذا زاد على أيام حيضها خمسة أيام فلتصلي، قال التيمي: فجعلت أنقص) أي أقول: إذا زاد على أيام حيضها أربعة أو ثلاثة (حتى بلغت يومين، فقال: إذا كان يومين، فهو من حيضها) فخالف الحسن، (وسئل ابن سيرين) أي محمد (عنه) أي عن الحيض (فقال: النساء أعلم بذلك) أي هن أعرف بالتمييز بين الدمين، فَحُوِّل الحكم على رأي من ابتليت به.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"زادت\".\n(٢) ومناسبة هذا الأثر وما بعده بالترجمة خفية، إذ الحسن إنما أمرها بعد الحيض يومًا أو يومين بطريق الاستظهار مثل قول المالكية، كما بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"2","page":367},{"text":"٢٨٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ،\n===\n٢٨٧ - (حدثنا زهير بن حرب وغيره قالا: نا عبد الملك بن عمرو) القيسي، أبو عامر العقدي، بفتح المهملة والقاف، البصري، قال النسائي: ثقة مأمون، وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان إسحاق إذا حدث عن أبي عامر قال: حدثنا أبو عامر الثقة الأمين، وقال ابن معين وأبو حاتم: صدوق، مات سنة ٢٠٤ هـ أو ٢٠٥ هـ.\n(نا زهير بن محمد) التميمي، أبو المنذر الخراساني المروزي الخرقي. قلت: قال السمعاني في \"الأنساب\" (١): بفتح الخاء والراء في آخرها القاف، هذه النسبة إلى خرق، وهي قرية على ثلاثة فراسخ من مرو، بها سور قائم (٢)، وجامع كبير حسن، ويقال: إنه من أهل هراة، ويقال: من أهل نيشابور، قدم الشام، وسكن الحجاز.\nقال أحمد: لا بأس به مستقيم الحديث ثقة، قال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح، وقال ابن معين: صالح لا بأس به، وقال عثمان عن يحيى: ثقة، وقال معاوية عن يحيى: ضعيف، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه، فما حدث به من حفظه ففيه أغاليط، وما حدث من كتبه فهو صالح، وقال عثمان الدارمي وصالح بن محمد: صدوق ثقة، زاد عثمان: وله أغاليط كثيرة، وقال النسائي مرة: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس به بأس، وقال ابن عدي: لعل أهل الشام أخطؤوا عليه، فإنه إذا حدث عنه أهل\n_________\n(١) (٢/ ١٤٨).\n(٢) هكذا في الأصل ولكن في \"الأنساب\" بدله: \"سوق قائمة\".","vol":"2","page":368},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ\n===\nالعراق، فروايته عنهم شبه المستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ ويخالف، مات سنة ١٦٢ هـ.\n(عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة) ابن عبيد الله التيمي، أبو إسحاق المدني، وقيل: الكوفي، قال العجلي ويعقوب بن شيبة: ثقة، وقال مصعب الزبيري: استعمله ابن الزبير على خراج الكوفة، وذكر الكلبي أن أمه خولة بنت منظور بن زبان تزوجها أبوه، وقتل يوم الجمل وهي حامل بإبراهيم هذا، فيكون مولده سنة ٣٦ هـ، وتكون روايته عن عمر مرسلة بلا شك، وقال ابن سعد: كان شريفًا صارمًا، له عارضة وإقدام، وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عمه عمران بن طلحة) (١) بن عبيد الله التيمي، ولد على عهد النبي - ﷺ - فسماه عمران، وأمه حمنة بنت جحش، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد عن أمه في الاستحاضة.\n(عن أمه حمنة (٢) بنت جحش) الأسدية، أخت أم المؤمنين زينب بنت\n_________\n(١) وكان ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، وكذا قال الذهبي، والصواب عمران، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وهي متحيرة عندنا، ويحتمل عند الشافعي وأحمد أن تكون متحيرة، وأن تكون مبتدأة كما في \"أجزاء المستحاضات\" لهذا العبد الفقير، وقال النووي في \"شرح المهذب\" (٢/ ٣٧٩): اختلف في حالها، فقيل: كانت مبتدأة، فردها - إلى غالب عادة النساء، وقيل: كانت معتادة، ستة أو سبعة، فردها إليها، وذكر الاحتمالين الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٠٠)، واختار أنها كانت معتادة، واختار صاحب \"المهذب\" أنها كانت مبتدأة، وكذا اختاره إمام الحرمين وابن الصباغ والشاشي وآخرون ورجحه الخطابي ... إلخ. (ش).","vol":"2","page":369},{"text":"قَالَتْ: \"كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِى بَيْتِ أُخْتِى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَرَى فِيهَا؟ قَدْ مَنَعَتْنِى الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ.\n===\nجحش، وكانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له محمدًا وعمران، وأمها وأم أختها زينب أميمة بنت عبد المطلب كانت من المبايعات، وشهدت أحدًا، فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى، وكانت حمنة تستحاض، كما أخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل.\n(قالت: كنت أستحاض حيضة) بكسر الحاء (١) لا غير (كثيرة) في الكمية (شديدة) في الكيفية (٢)، وفيه إطلاق الحيض على دم الاستحاضة تغليبًا.\n(فأتيت رسول الله - ﷺ - أستفتيه وأخبره) بحالي وأستفتيه حكمه، فالواو لمطلق الجمع، (فوجدته) - ﷺ - (في بيت أختي زينب بنت جحش) أي أم المؤمنين.\n(فقلت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة) أي يجري دمي أشد جريًا من دم الحيض، والكثرة من حيث الوقت والدم، (فما ترى فيها؟) أي فما رأيك في هذه الحالة الشديدة؟ (قد منعتني الصلاة والصوم)\n_________\n(١) قاله القاري (٢/ ١٠٣). (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: فيه حجة على أن الحيض ينقسم إلى الشدة والضعف، واختلفوا فيما به الاعتبار في القوة والضعف، فمنهم من يقول: هذا باللون فقط، فالأسود قوي من الأحمر، وهو قوي من الأصفر ... إلخ، وقال العراقيون: إن القوة بثلاثة أمور: اللون والثخانة والرائحة، فما له رائحة كريهة قوي بالنسبة إلى ما دونه.\nقلت: ولعل مناسبة الحديث بالترجمة من حيث إن الشدة والضعف باعتبار اللون. (ش).","vol":"2","page":370},{"text":"فَقَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ». قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فتلجمي». قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قال: \"فاتخذي ثوبًا\". فقالت: هو أكثر من ذلك، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا.\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ\n===\nلأنها زعمت أن الدم الذي يجري من الفرج حيض، والحيض يمنع الصلاة والصيام، فهذا أيضًا يمنعها من الصلاة والصيام.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أنعتُ) أي أصف وأبين (لكِ الكرسف) (١) أي القطن، أي استعمليه في محل الدم، (فإنه) أي القطن (يذهب الدم) أي يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج، أو معناه: فاستعمليه لعل دمك ينقطع، (قالت: هو أكثر من ذلك) أي من أن يكون الكرسف مانعًا من الخروج، أو قاطعًا.\n(قال: فتلجمي) (٢) أي شدي خرقة على هيئة اللجام كالاستثفار، (قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا) أي مطبقًا، (فقالت: هو أكثر من ذلك) أي من أن يمنعه (إنما أثج) بضم المثلثة (ثجًّا) لازم ومتعد، أي أنصبُّ أو أصبُّ، فعلى الثاني تقديره أثج الدم، وعلى الأول إسناد الثج إلى نفسها للمبالغة، أي يسيل دمي سيلانًا فاحشًا.\n(قال رسول الله - ﷺ -: سآمرك) السين للتأكيد (بأمرين) أي بحكمين، أو فعلين (بأيهما) الباء زائدة أي أيّ الفعلين (فعلت أجزأ عنك) أي أغنى\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ٢٠٥): الكرسف له ستة أسماء، ثم ذكرها، ثم قال: وإنما اختار القطن مع قلة وجوده دون الصوف مع كثرته لعلة لسنا لها، وقال ابن رسلان: لكونه مُذهبًا للدم، فاستعمليه بعد الدم لينقطع عنك. (ش).\n(٢) وفي\" عارضة الأحوذي\" (١/ ٢٠٥): افعلي فعلًا يمنع سيلانه كاللجام يمنع استرسال الدابة، وقيل: هو من اللجمة، وهو فوهة النهر، وقال أيضًا: كلمة غريبة لم يقع إليَّ تفسيرها في كتاب. (ش).","vol":"2","page":371},{"text":"مِنَ الآخَرِ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ». فَقَالَ لَهَا: «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ من رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِى سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ\n===\nعنك (من الآخر) أي فالفعلان متساويان في الإجزاء والإغناء، ولفظة \"من\" في قوله: \"من الآخر\" بمعنى البدل، (فإن قويت) أي قدرت (عليهما) أي على كل واحد منهما فاخترت الأقوى منهما (فأنتِ أعلم، قال) - ﷺ - (لها) أي لحمنة: (إنما هذه) أي الثجة (ركضة) أي دفعة وضربة، والركضة: ضرب الأرض بالرجل في حال العدو أو غيره (من ركضات الشيطان) (١) أي إضرار وإفساد منه، وإضافتها إلى الشيطان، لأنه وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها وقت طهرها وصلاتها وصيامها، فكأنها ركضة منه (فتحيضي) أي تعدي (٢) نفسك حائضة (ستة أيام (٣) أو سبعة أيام).\nقال القاري (٤): قيل: \"أو\" للشك من الراوي، وقد ذكر أحد العددين اعتبارًا بالغالب من حال نساء قومها، وقيل: للتخيير بين كل واحد من العددين، لأنه العرف الظاهر والغالب من أحوال النساء، وقال النووي: \"أو\" للتقسيم، أي ستة إن اعتادتها، أو سبعة إن اعتادتها إن كانت معتادة،\n_________\n(١) اختلف في تأويله على وجهين: منهم من جعله حقيقة، وكذا روي عن عائشة وهو الأوجه عندي، ومنهم من جعله مجازًا، كذا في \"عارضة الأحوذي\" مبسوطًا (١/ ٢٠٧). (ش).\n(٢) كذا في الأصل والصوابا \"عُدِّي\". (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: إنما خص الست والسبع، لأنها الغالب في النساء، واختلف في المرأة هل كانت مبتدأة أو معتادة ناسية لعادتها، وصحح الخطابي الأول، فعلى هذا رددناها إلى الغالب، قلت: وعلى ما قاله الخطابي حمله البيهقي، ولذا بوب عليه به، وتقدم شيء منه قريبًا، وقال النووي في \"شرح المهذب\" (٢/ ٣٧٩): قال صاحب \"التتمة\": من قال: كانت معتادة، ذكر في ردها إلى الستة أو السبعة، ثلاث توجيهات وهي المذكورة في \"البذل\" في كلام النووي. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٠٦).","vol":"2","page":372},{"text":"فِى عِلْمِ اللَّهِ تعالي ذكره، ثُمَّ اغْتَسِلِى، حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ، فَصَلِّى ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَأَيَّامَهَا، وَصُومِى، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ،\n===\nولعلها شكت هل عادتها ستة أو سبعة؟، فقال لها: ستة إن لم تذكري عادتك، أو سبعة إن ذكرت أنها عادتك، أو لعل عادتها كانت مختلفة فيهما، فقال: ستة في شهر الستة، وسبعة في شهر السبعة، انتهى.\nوقيل: للتنويع على اعتبار حالها بحال من هي مثلها من النساء المماثلة لها في السنن المشاركهَ لها في المزاج، فإن كانت عادة مثلها ستًا فستًا، وإن سبعًا فسبعًا، ولعل هذا في المتبدأة أو المتحيرة، وقيل: وهو الظاهر أنها كانت معتادة، ونسيت أن عادتها كانت ستًا أو سبعًا، فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تتحرى وتجتهد وتبني على ما تيقنت من أحد العددين، كما يدل عليه قوله: (في علم الله تعالى ذكره) أي فيما علم الله من أمرك.\n(ثم اغتسلي) أي بعد الستة والسبعة من الحيض، (حتى إذا رأيت) أي علمت (أنك قد طهرت) أي بلغت وقت كمال الطهارة (واستنقأت) أي بلغت وقت كمال الاستنقاء، قال في \"المغرب\": الاستنقاء مبالغة في تنقية البدن، والهمزة فيه خطأ. وهي في النسخ كلها مضبوطة بالهمزة، فتكون التخطئة جرأة عظيمة من صاحب \"المغرب\" بالنسبة إلى عدول الضابطين الحافظين مع إمكان حمله على الشذوذ، ومن العجيب أنه لو نقل الزَوْزَنِي عن الأصمعي عن البدوي الذي يبول على عقبيه مثل هذا لوضعوه على رؤوسهم، وهذا النقل المعتمد المسند بالسند خطأ عندهم! ! فهيهات هيات.\n(فصلِّي ثلاثًا وعشرين ليلة) يعني وأيامها إن كانت مدة الحيضة سبعة (أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها) إن كانت مدة الحيض ستة، (وصومي) أي رمضان وغيره من كل شهر كذلك، (فإن ذلك) أي ما قدر لك من الأيام في حق الصلاة والصيام (يجزئك) أي يكفيك.","vol":"2","page":373},{"text":"وَكَذَلِكَ فَافْعَلِى فِى كُلِّ شَهْرٍ، كَمَا يحِضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فإِنْ (١) قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِى الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِى الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ (٢)، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ\n===\n(وكذلك) أي مثل ما ذكرت لك الآن (فافعلي في كل شهر، كما يحضن النساء وكما يطهرن) أي اجعلي حيضتك بقدر ما يكون عادة النساء من ست أو سبع، وكذلك اجعلي طهرك بقدر ما يكون عادة النساء من ثلاث وعشرين، أو أربع وعشرين (ميقات حيضهن وطهرهن) نصب على الظرف، أي في ميقات حيضهن وطهرهن، وهذا مبني على مذهب الشافعي من اعتبار المماثلة بالنساء.\n(فإن قويت) هذا هو الأمر الثاني بدليل قوله: هذا أعجب الأمرين إليّ، وتعليقه - ﷺ - هذا بقوتها لا ينافي قوله السابق: \"وإن قويت عليهما\"، لأن ذلك لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار ما شاءت، وهذا لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار الأحب إليه - ﷺ -، وقيل: لما خيرها بين الأمرين بمعنى: إن قويتِ على الأمرين بما تعلمين من حالك وقوتك فاختاري أيهما شئت، ووصف أحد الأمرين، ورأى عجزها عن الاغتسال لكل صلاة، قال لها: دعي ذلك إن تقوي عليه وإن قويت ... إلخ، ويفهم من هذا أنها إن عجزت عنه أيضًا نزل لها رسول الله - ﷺ - إلى أيسر وأسهل على قدر الاستطاعة.\n(على أن تؤخري الظهر) إلى قريب من آخر وقتها (وتعجلي العصر) في أول وقتها (فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين) أي بغسل واحد (الظهر والعصر) بالجر بدل، ويجوز رفعهما ونصبهما، (وتؤخرين المغرب، وتعجلين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وإن\"\n(٢) وفي نسخة: \"فتغسلي\".","vol":"2","page":374},{"text":"الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِى، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ، فَافْعَلِى، وَصُومِى، إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَىَّ». [ت ١٢٨، جه ٦٢٢، حم ٦/ ٤٣٩، قط ١/ ٢١٤، ك ١/ ١٧٢، ق ١/ ٣٣٨]\n===\nالعشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين) أي المغرب والعشاء (فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي) هذا تأكيد، والشرطية باعتبار المجموع، (وصومي) أي في هذه المدة (إن قدرت على ذلك. قال رسول الله - ﷺ -: وهذا) أي أمر الاستحاضة (أعجب الأمرين إلى) وهما السفر والاستحاضة قاله ابن الملك، والظاهر أن الإشارة إلى الأمر الأخير، وهو الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، لأن فيه رفقًا بها، والأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة، وأعجب معناه أحب وأسهل، انتهى، هذا كله الذي قلته في شرح الحديث ملتقط من \"مرقاة\" علي القاري مع تغيير.\nقلت: وقع أولًا في الحديث: \"سآمرك بأمرين\"، والمراد بالأمرين ههنا هو الوضوء لكل صلاة في أيام استحاضتها، والثاني هو الغسل للصلاتين بعد الجمع بينهما، ووقع ثانيًا في آخر الحديث: \"وهذا أعجب الأمرين إلى\"، ولا يمكن أن يكون المراد ههنا ما كان المراد في الأول، لأنه لا يصح على هذه أن يكون هذا الأمر الثاني أعجب من الأول، لأنه ليس بأيسر وأسهل منه، فلهذا أوّله ابن الملك بأن المراد من الأمرين السفر والاستحاضة.\nوهذا قول لا دليل عليه في الحديث، ولهذا ما ارتضاه علي القاري، وقال (١) ما حاصله (٢): أن المراد بالأمرين ههنا هو الغسل لكل صلاة من\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٠٨).\n(٢) قلت: وهو الأوجه عند والدي، كما بسط في \"تقاريره\"، فالظاهر أن قوله - ﷺ - في أول =","vol":"2","page":375},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nصلوات الخمس، والغسل للصلاتين بعد الجمع بينهما، فقال رسول الله - ﷺ -: إن الغسل للصلاتين بعد الجمع أحب وأسهل عندي، ويدل عليه قول أبي داود في الباب الآتي قريبًا، وهو قوله: \"قال أبو داود (١): في حديث ابن عقيل الأمران جميعًا، قال: إن قَوِيتِ فاغتسلي لكل صلاة، وإلَّا فاجمعي، كما قال القاسم في حديثه\".\nوالعجب من صاحب \"عون المعبود\"، فإنه قال في \"شرحه\" (٢) تحت هذا القول: وهذا أي الأمر الثاني أعجب الأمرين إلى، أي أحبهما إلى لكونه أشقهما، والأجر على قدر المشقة، والشعبي - ﷺ - يحب ما فيه أجر عظيم، انتهى.\nوهذه غفلة عظيمة من الشارح، فإنه لم ينظر إلى قول أبي داود الذي يأتي فيما بعد قريبًا: قال أبو داود: في حديث ابن عقيل الأمران جميعًا،\n_________\n= الحديث من حكم الوضوء لكل صلاة ليس بداخل في الأمرين، بل بيَّن أولًا حقيقة الاستحاضة بقوله: \"ركضة من الركضات\"، ثم بَيَّن حكمه الكلي وهو أنها تمكث بقدر عادتها، ثم تتوضأ لكل صلاة، لكن السائلة لما كانت متحيرة بَيَّن لها الأمرين خاصة، وهما الغسل لكل صلاة والجمع، فعلى هذا ما في الحديث من قوله: فتحيضي ... إلخ، جملة معترضة لبيان الحكم العام، فتأمل، ثم ظهر لي أن المراد من أول الحديث التحري، كما بسطه الطحاوي في \"مشكله\" (٧/ ١٤٢)، فيكون المعنى عندي: سآمرك بأمرين: التحري أو الجمع، ولو قويت عليهما معًا فأنت أعلم، والجمع أحب عندي من التحري، لأن فيه براءة الذمة يقينًا، وهو الأوجه من الأول، ويؤيده ما في البيهقي عن الشافعي: أن الأمرين في حديث حمنة هو الغسل الواحد بعد الانقضاء، والجمع بين الصلاتين، وبه جزم ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٦١). (ش).\n(١) قلت: وعند هذا العبد الضعيف قول أبي داود هذا ليس بمتعلق بحديث حمنة هذا كما سيأتي في محله. (ش).\n(٢) \"عون المعبود\" (١/ ٤٧٩).","vol":"2","page":376},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال: \"إن قويت فاغتسلي لكل صلاة، وإلَّا فاجمعي\"، وهذا القول يدل صريحًا على خلاف ما ذكره الشارح.\nوأيضًا لم يكن النبي - ﷺ - يحب ما هو أشق على الأمة، ولهذا نهى عن الوصال، بل يختار ما هو أيسر كما ورد: \"ما خُيّر بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما\"، قال الخطابي (١) تحت هذا الحديث: وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر، لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك.\nوأما مذهب الحنفية - كثرهم الله تعالى - فعلى ما قال صاحب \"البدائع\" (٢) في أحوال الدم بأن الدم قد يدر درورًا متصلًا، وقد يدر مرة وينقطع أخرى، ويسمى الأول استمرارًا متصلًا، والثاني منفصلًا.\nأما الاستمرار المتصل فحكمه ظاهر، وهو أن ينظر إن كانت المرأة مبتدئة فالعشرة من أول ما رأت حيض، والعشرون بعد ذلك طهرها، هكذا إلى أن يفرج الله عنها، وإن كان صاحبة عادة فعادتها في الحيض حيضها، وعادتها في الطهر طهرها، وتكون مستحاضة في أيام طهرها.\nوأما الاستمرار المنفصل فهو أن ترى المرأة مرة دمًا ومرة طهرًا هكذا، فنقول: لا خلاف في أن الطهو المتخلل بين الدمين إذا كان خمسة عشر يومًا فصاعدًا يكون فاصلًا بين الدمين، ثم بعد ذلك إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضًا يجعل ذلك حيضًا، وإن أمكن جعل كل واحد منهما حيضًا يجعل حيضًا، وإن كان لا يمكن أن يجعل أحدهما حيضًا لا يجعل شيء من ذلك حيضًا، وكذا لا خلاف بين أصحابنا في أن الطهر المتخلل\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٤١).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٦١).","vol":"2","page":377},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يكون فاصلًا بين الدمين، وإن كان أكثر من الدمين، واختلفوا فيما بين ذلك، وعن أبي حنيفة فيه أربع روايات، انتهى.\nقلت: محل تفصيلها كتب الفقه.\nوقال في محل آخر (١): وأما صاحبة العادة في الحيض إذا كانت عادتها عشرة فزاد الدم عليها فالزيادة استحاضة، وإن كانت عادتها خمسة فالزيادة عليها حيض معها إلى تمام العشرة، وإن جاوز العشرة فعادتها حيض وما زاد عليها استحاضة لقول النبي - ﷺ -: \"المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها\"، أي أيام حيضها، ولأن ما رأت في أيامها حيض بيقين، وما زاد على العشرة استحاضة بيقين، وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله فيكون حيضًا فلا تصلي، وبين أن يلحق بما بعده فيكون استحاضة فتصلي فلا تترك الصلاة بالشك، وإن لم تكن لها عادة معروفة بأن كانت ترى شهرًا ستًا وشهرًا سبعًا فاستمر بها الدم، فإنها تأخذ في حق الصلاة والصوم والرجعة بالأقل، وفي حق انقضاء العدة والغشيان بالأكثر، فعليها إذا رأت ستة أيام في الاستمرار أن تغتسل في اليوم السابع لتمام السادس، وتصلي فيه، وتصوم إن كان دخل عليها شهر رمضان، لأنه يحتمل أن يكون السابع حيضًا، ويحتمل أن لا يكون، فدار الصلاة والصوم بين الجواز منها والوجوب عليها في الوقت فيجب، وتصوم رمضان احتياطًا، لأنها إن فعلت وليس عليها أولى أن تترك وعليها ذلك.\nوأما في انقضاء العدة والغشيان فتأخذ بالأكثر، لأنها إن تركت\n_________\n(١) المصدر السابق (١/ ١٥٨).","vol":"2","page":378},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالتزوج مع جواز التزوج أولى من أن تتزوج بدون حق التزوج، وكذا ترك الغشيان مع الحل أولى من الغشيان مع الحرمة، فإذا جاء اليوم الثامن فعليها أن تغتسل ثانيًا، وتقضي اليوم الذي صامت في اليوم السابع، لأن الأداء كان واجبًا، ووقع الشك في السقوط إن لم تكن حائضًا فيه صح صومها ولا قضاء عليها، وإن كانت حائضًا فعليها القضاء، فلا يسقط القضاء بالشك، وليس عليها قضاء الصلوات، لأنها إن كانت طاهرة في هذا اليوم فقد صلت، وإن كانت حائضًا فيه فلا صلاة عليها للحال، ولا القضاء في الثاني، انتهى.\nوقال أيضًا في بيان لون الحيض (١): أما لونه فالسواد حيض بلا خلاف، وكذا العمرة عندنا، وقال الشافعي: دم الحيض هو الأسود فقط، واحتج بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش حين كانت مستحاضة: \"إذا كان الحيض فإنه دم أسود فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي\" (٢).\nولنا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٣)، جعل الحيض أذى، واسم الأذى لا يقتصر على الأسود.\nوقد روى الإِمام مالك - ﵁ - في \"الموطأ\" عن علقمة بن أبي علقمة المدني، عن أمه، واسمها مرجانة مولاة عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان النساء ... الحديث.\n_________\n(١) المصدر السابق (١/ ١٥٢).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٦ و٣٠٤)، وابن حبان (١٣٤٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٧٤).\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.","vol":"2","page":379},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأخرج البخاري - ﵀ - بعد حذف السند: \"وكن نساء يبعثن إلى عائشة - ﵂ - بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة\" (١).\nفقد أخبرت عائشة -﵂ - أن ما سوى البياض حيض، والظاهر أنها قالت ذلك سماعًا من رسول الله - ﷺ -، لأنه حكم لا يدرك بالاجتهاد، ولأن لون الدم يختلف باختلاف الأغذية، فلا معنى للقصر على لون واحد، وما رواه غريب، فلا يصلح معارضًا للمشهور مع أنه مخالف للكتاب. على أنه يحتمل أن النبي - ﷺ - علم من طريق الوحي أيام حيضها بلون الدم، فبنى الحكم في حقها على اللون لا في حق غيرها، وغير النبي - ﷺ - لا يعلم أيام الحيض بلون الدم، انتهى.\nقلت: ويؤيده ما أخرجه البخاري (٢) في \"باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض\"، من طريق أبي أسامة قال: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي - ﷺ - قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة، فقال: \"لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي\".\nوكذلك أخرج البخاري (٣) في \"باب غسل الدم\" من طريق أبي معاوية قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قصة فاطمة بنت أبي حبيش\n_________\n(١) ذكره البخاري تعليقًا في ٦ - كتاب الحيض، ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره، وأخرجه مالك في الموطأ (١٢٧)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١٥٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٣٢٥).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٢٢٨).","vol":"2","page":380},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ،\n===\nبنحو ما رواه أبو أسامة، فإن هذا الحديث دليل على أنه - ﷺ - ردها إلى عادتها، ولم يحولها على معرفة لون الحيض، فلو كان حولها إلى لون الحيض لم يكن لردها إلى عادتها المعروفة معنى.\nوكذلك يؤيده ما أخرجه مسلم (١) من طريق جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة في قصة أم حبيبة بنت جحش، فقال لها: \"امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك\"، وكذلك ما رواه غيره أنه - ﷺ - قال: \"لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، فلتترك الصلاة قدر ذلك\"، وكذلك قوله: \"أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها\".\nفهذه الألفاظ تدل على أنه لو كانت العبرة بلون الدم لما احتاجت النساء إلى أن ينظرن إلى أيام الحيض التي تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، وهذا واضح والله أعلم.\n(قال أبو داود: ورواه عمرو بن ثابت) وهو عمرو بن أبي المقدام الحداد، أبو محمد، ويقال: أبو ثابت الكوفي مولى بكر بن وائل، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة ولا مأمون، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، وقال أبو داود: رافضي، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن المبارك: لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت، فإنه يسب السلف، وكان يقول: كفر الناس بعد رسول الله - ﷺ - إلَّا أربعة، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال العجلي: شديد التشيع، غالٍ فيه، واهي الحديث، وقال البزار: كان يتشيع ولم يترك، مات سنة ١٧٢ هـ.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٣٣٤/ ٦٥ و٦٦).","vol":"2","page":381},{"text":"عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ (١) فقَالَ: قَالَتْ حَمْنَةُ (٢): هَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَىَّ، لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ (٣) النَّبِىِّ -ﷺ-، جَعَلَهُ كَلَامَ حَمْنَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كان عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ رَافِضيًّا، وَذَكَرَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ.\n===\n(عن ابن عقيل فقال) أي عمرو بن ثابت: (قالت حمنة: هذا أعجب الأمرين إلى، لم يجعله) أي عمرو بن ثابت هذ القول (قول النبي - ﷺ -) بل (جعله) أي جعل عمرو بن ثابت هذا القول (كلام حمنة) فخالف عمرو بن ثابت زهير بن محمد، فإنه جعله من قول رسول الله - ﷺ -.\n(قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضيًا) أي فلا اعتماد على نقله، (وذكره) أي ذكر أبو داود جرحه وتضعيفه (عن يحيى بن معين) وفي نسخة على الحاشية، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: في الحيض حديث ابن ثابت عن ابن عقيل في نفسي منه شيء.\nقال البيهقي (٤) بعد نقل كلام أبي داود المتقدم: قال الشيخ: وعمرو بن ثابت هذا غير محتج به، وبلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه سمع محمد بن إسماعيل البخاري يقول: حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن، إلَّا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في هذا الحديث\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فقلت\".\n(٣) وفي نسخة: \"من كلام\".\n(٤) \"السنن الكبري\" (١/ ٣٣٩).","vol":"2","page":382},{"text":"(١١١) باب مَنْ رَوَى (١) أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ\n٢٨٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَقِيلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- قالت: \"إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ - خَتَنَةَ\n===\n\n(١١١) (بَابُ (٢) مَا رُوِيَ أَنَّ المُسْتَحَاضَةَ تَغْتَسِل لِكُلِّ صلَاةٍ)\n٢٨٨ - (حدثنا ابن أبي عقيل) لم نقف على حاله (٣) (ومحمد بن سلمة المرادي قالا: ثنا ابن وهب) هو عبد الله، (عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب) الزهري، (عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: إن أم حبيبة بنت (٤) جحش - ختنة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من رأى\".\n(٢) من ههنا شرع المصنف أحكام المستحاضة بعد بيان أنواعها في البابين، وحكمها مختلف عند العلماء غير الأربعة، فبين المصنف كل حكم في باب، وهكذا ذكر حكمها العيني وابن قدامة، قال العيني (٣/ ١٢٦): لا يجب عليها الاغتسال إلَّا مرة واحدة في وقت انقطاع الحيض، وبه قال الجمهور، وروي عن ابن عمر وعطاء وابن الزبير (وجماعة ذكرها النووي في \"شرح المهذب\" ٢/ ٤٩٤) الغسل لكل صلاة، وعن علي وغيره: كل يوم مرة، وعن الحسن وغيره: من ظهر إلى ظهر، قلت: والغسل لكل صلاة أوجبه الحنفية والشافعية في المتحيرة، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٦٣٣). (ش).\n(٣) قلت: وهو عبد الغني، كلما تقدم بالبسط في هامش \"باب إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة\". (ش).\n(٤) وهي متحيرة عندنا، فيجب عليها الغسل عند كل صلاة، وكذا عند الشافعية كما في كتب الفروع لهم سيما في \"الإقناع\" (١/ ٣٤٣)، والغسل استحباب لكل مستحاضة عند أحمد، كما في \"المغني\" (١/ ٤٤٩)، ولم أر مذهب المالكية في ذلك، وهي متحيرة عند الخطابي أيضًا إلَّا أن الحافظ أنكر على ذلك في \"الفتح\" (١/ ٤٢٧)، =","vol":"2","page":383},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِى ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ فَاغْتَسِلِى وَصَلِّى». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ (١) تَغْتَسِلُ فِى مِرْكَنٍ فِى حُجْرَةِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ\". [انظر تخريج الحديث ٢٧٩ - ٢٨٥]\n===\nرسول الله وتحت عبد الرحمن بن عوف - استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله - ﷺ - في ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي) تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه قريبًا وزاد ههنا قول عائشة (قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن) أي إناء كبير (في حجرة أختها زينب بنت جحش) أم المؤمنين (حتى تعلو حمرة الدم الماء) (٢).\nوهذا الحديث ليس فيه ذكر الاغتسال لكل صلاة، ولكن لما كان في بعض طرقه (٣) ذكر الاغتسال لكل صلاة أخرجه المصنف في هذا الباب ليدل على أن المراد بقول عائشة: فكانت تغتسل في مركن، تعني لكل صلاة.\n_________\n= وقال: الصواب أنها كانت معتادة وتغتسل استحبابًا من عند نفسها، وطعن علي زيادة الأمر بالغسل، وقال ابن رسلان: المستحاضة المتحيرة تغتسل لكل صلاة إن لم تعلم انقطاع الدم في وقت معين، فإن علمت وجب الغسل كل يوم، نبه على ذلك النووي في \"شرح المهذب\" (٢/ ٤٦٧). (ش).\n(١) وفي نسخة: \"وكانت\".\n(٢) ولا بد أن تنظف بعد ذلك من تلك الغسالة المتغيرة، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٣) كما سيجيء. (ش).","vol":"2","page":384},{"text":"٢٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قال: أَخْبَرَتْنِى عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ: \"قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ\". [حم ٦/ ٤٣٤، وانظر سابقه]\n٢٩٠ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنِى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: \"فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ\". [انظر سابقه]\n===\n٢٨٩ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة) بن خالد، (نا يونس) بن يزيد، (عن ابن شهاب قال: أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن أم حبيبة) بنت جحش (بهذا الحديث: قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة).\n٢٩٠ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، ثني الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة بهذا الحديث قال) أي الليث بن سعد (فيه) أي في حديثه: (فكانت تغتسل لكل صلاة) كما قال يونس عن ابن شهاب.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): وهذا الأمر بالاغتسال مطلق فلا يدل على التكرار، فلعلها فهمت طلب ذلك منها بقرينة، فلهذا كانت تغتسل لكل صلاة، وقال الشافعي (٢): إنما أمرها - ﷺ - أن تغتسل وتصلي، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعًا، وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم (٣): لم يذكر ابن شهاب أنه - ﷺ - أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢٧).\n(٢) وهكذا حكى عنه النووي في \"شرح المهذب\" (٢/ ٤٩٥). (ش).\n(٣) أخرجه مسلم (٣٣٤).","vol":"2","page":385},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قال الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ\n===\nشيء فعلته هي، وإلى هذا ذهب الجمهور قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة إلَّا المتحيرة، لكن يجب عليها الوضوء، ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق عكرمة \"أن أم حبيبة استحيضت فأمرها - ﷺ - أن تنتظر أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي، فإذا رأت شيئًا من ذلك توضأت وصلت\"، واستدل المهلبي بقوله لها: \"هذا عرق\" على أنه لم يوجب عليها الغسل لكل صلاة، لأن دم العرق لا يوجب غسلًا، انتهى.\nقلت: فعلى هذا الأمر بالاغتسال محمول على الغسل من المحيض فقط.\n(قال أبو داود: قال القاسم بن مبرور) الأيلي بالفتح وسكون التحتانية، أحد الفقهاء، أثنى عليه مالك، وصلَّى عليه الثوري، مات بمكة سنة ١٠٨ هـ أو سنة ١٠٩ هـ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن يونس، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، عن أم حبيبة بنت جحش).\nغرض المصنف بهذا الكلام الإشارة إلى الاختلاف الواقع في سند هذا الحديث، فإن في الرواية الأولى: عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة، وفي الثانية من طريق يونس عن ابن شهاب قال: أخبرتني عمرة عن أم حبيبة، ولم يذكر فيه عروة ولا عائشة، وزاد فيه قول عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة، وفي الثالثة من طريق الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة لم يذكر فيها عمرة، ولا الرواية عن أم حبيبة، وزاد فيها أيضًا: فكانت تغتسل لكل صلاة، ثم ذكر تعليق القاسم بن مبرور عن يونس عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة عن أم حبيبة، أسقط فيه عروة وزاد عن عائشة عن أم حبيبة، فخالف القاسم بن مبرور ما حدثه عنبسة عن يونس.","vol":"2","page":386},{"text":"وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِمَعْنَاهُ.\nوَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِى حَدِيثِهِ: وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ.\n٢٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِىُّ،\n===\n(وكذلك) أي مثل ما ذكر القاسم بن مبرور عن ابن شهاب عن عمرة (روى معمر عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، وربما قال معمر: عن عمرة عن أم حبيبة بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، وحاصله أن معمرًا يخالف نفسه، فمرة يقول: عن عمرة عن عائشة، وربما قال: عن عمرة عن أم حبيبة.\n(وكذلك) أي كما رواه القاسم (رواه إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم (وابن عيينة) سفيان (عن الزهري) ابن شهاب (عن عمرة عن عائشة) ولم يذكرا عروة ولا أم حبيبة.\n(وقال ابن عيينة في حديثه: ولم يقل) أي الزهري (إن النبي - ﷺ - أمرها أن تغتسل) أي لكل صلاة، فوافق ابن عيينة ليثًا، فإن الليث بن سعد قال في حديثه: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله - ﷺ - أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة ولكنه شيء فعلته هي، كما وقع عند مسلم في \"صحيحه\" (١).\n٢٩١ - (حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي) هو محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب المخزومي المسيبي،\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٣٣٤).","vol":"2","page":387},{"text":"حَدَّثَنِى أَبِى، عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: \"إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ\". [خ ٣٢٧، ن ٣٥٧، م ٣٣٤]\nوكذلك رواه الأوزاعي أيضًا، قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة.\n===\nأبو عبد الله المدني، نزيل بغداد، قال مصعب الزبيري: لا أعلم في قريش أفضل من المسيبي، وثَّقه صالح وابن قانع وإبراهيم بن إسحاق الصواف، قال البخاري وغيره: مات سنة ٢٣٦ هـ.\n(ثني أبي) هو إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب بن أبي السائب المخزومي، أبو محمد، قال الساجي: سئل عنه ابن معين فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ (١)، الآية، وقال أبو الفتح الأزدي: ضعيف يرى القدر، وقال الذهبي في \"الميزان\": صالح الحديث، مات سنة ٢٠٦ هـ.\n(عن ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد البر، (عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: إن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة) وحاصله أن في هذا الحديث ذكر الاغتسال لكل صلاة قول عائشة، كما في رواية عمرو بن الحارث والليث بن سعد ويونس وغيرهم من الحفاظ عن ابن شهاب، لا قول رسول الله - ﷺ -.\n(وكذلك رواه الأوزاعي أيضًا) أي كما روى ابن أبي ذئب وغيره من الحفاظ من أصحاب الزهري عن الزهري (قالت عائشة) - ﵂ -: (فكانت تغتسل لكل صلاة)، فنسب الأوزاعي هذا القول إلى عائشة، كما قاله الحفاظ، ولم ينسبه إلى رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) سورة التوبة الآية ١٠٩.","vol":"2","page":388},{"text":"٢٩٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: \"إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ\"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ .. [دي ٧٧٦ - ٧٨٣، حم ٦/ ٢٣٧، وانظر حديث أم حبيبة المذكور أول الباب]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: \"اسْتُحِيضَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ -ﷺ-:\n===\n٢٩٢ - (حدثنا هناد بن السري، عن عبدة) هو عبدة بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد، أدرك صرد الإِسلام، عن صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، مات ١٨٧ هـ، وقيل بعدها.\n(عن ابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار، (عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله - ﷺ -، فأمرها بالغسل لكل صلاة، وساق) أي محمد بن إسحاق (الحديث).\n(قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي، ولم أسمعه منه) أي لم أسمع هذا الحديث من الطيالسي، بل بلغني بالواسطة عنه (عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: استحيضت زينب بنت جحش) (١) أم المؤمنين (فقالت لها النبي - ﷺ -:\n_________\n(١) اختلف في أن زينب أم المؤمنين هذه استيحضت أم لا؟ وأنكر ابن الجوزي استحاضة الأمهات مطلقًا، كذا في \"الفتح\" (١/ ٤١١)، وأنكر ابن العربي (١/ ٢٠٠) استحاضة =","vol":"2","page":389},{"text":"«اغْتَسِلِى لِكُلِّ صَلَاةٍ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\n===\nاغتسلي (١) لكل صلاة، وساق) أي سليمان بن كثير (الحديث).\nوغرض المؤلف بتخريج رواية أبي الوليد عن سليمان تقوية رواية ابن إسحاق في أن أمر الاغتسال لكل صلاة مرفوع إلى النبي - ﷺ -، لا موقوف على عائشة - رضي الله تعالى عنها -، وقد تقدم عن \"فتح الباري\" (٢) من قوله: أما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير وابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث: \"فأمرها بالغسل لكل صلاة\" فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة، لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها، انتهى.\nثم قال الحافظ في \"الفتح\": والجمع بين الحديثين يحمل الأمر في حديث أم حبيبة على الندب أولى، وقال: وحمله الخطابي على أنها كانت متحيرة، وفيه نظر (٣) لما تقدم من رواية عكرمة: \"أنه أمرها أن تنتظر أيام أقرائها\"، وأجاب بعض من زعم أنها كانت مميزة بأن قوله: \"فأمرها أن تغتسل لكل صلاة\" أي من الدم الذي أصابها، لأنه من إزالة النجاسة، وهي شرط في صحة الصلاة، وقال الطحاوي: حديث أم حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، أي لأن فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة.\nقلت: وحديث محمد بن إسحاق لا يقاوم حديث الثقات الحفاظ من\n_________\n= زينب، وكذا ظاهر كلام ابن رسلان إذ قال: الخامس سودة، وذكر بعضهم زينب، والصحيح خلافه، إنما المستحاضة أختها، وقال ابن عبد البر: الصحيح عند أهل الحديث أنهما كانتا مستحاضتين. (ش).\n(١) قال ابن رسلان: فالمتحيرة تغتسل عند كل صلاة إن لم تعلم انقطاع الدم في وقت معين، نبه على ذلك النووي في \"شرح المهذب\" (٢/ ٤٦٧). (ش).\n(٢) (١/ ٤٢٧).\n(٣) وكذا قال ابن رسلان. (ش).","vol":"2","page":390},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: «تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ».\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا وَهَمٌ مِنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ أَبِى الْوَلِيدِ.\n===\nأصحاب الزهري، وهم عمرو بن الحارث ويونس والليث بن سعد ومعمر وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة وابن أبي ذئب والأوزاعي فإنهم خالفوا ابن إسحاق، ولم يجعلوا حكم الغسل عند كل صلاة من رسول الله - ﷺ -، بل جعلوه من قول عائشة -﵂ - أنها قالت: إن أم حبيبة كانت تفعل ذلك، وأما حديث أبي الوليد الطيالسي فلا حجة فيه، فإن أبا داود ما سمعه من أبي الوليد، ولا يدري الذي سمعه منه من هو على أن حديث أبي الوليد في قصة زينب بنت جحش، وحديث ابن إسحاق في قصة أم حبيبة بنت جحش.\n(قال أبو داود: ورواه عبد الصمد) والذي أظن أنه عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم، التَنُّوري بفتح المثناة وتشديد النون المضمومة، أبو سهل البصري، وثَّقه ابن سعد، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وقال ابن قانع: ثقة يخطئ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وقال علي بن المديني: عبد الصمد ثبت في شعبة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو أحمد: صدوق صالح الحديث، مات سنة ٢٠٧ هـ.\n(عن سليمان بن كثير قال: توضَّئِئ لكل صلاة، قال أبو داود: وهذا وهم من عبد الصمد) أي قوله: توضَّئِي لكل صلاة، قاله وهمًا وغلطًا (والقول فيه) أي القول الصحيح فيه (قول أبي الوليد) وهو: اغتسلي لكل صلاة.","vol":"2","page":391},{"text":"٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِى الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ،\n===\nحاصله: أن أبا الوليد وعبد الصمد اختلفا في الرواية عن سليمان بن كثير في قصة زينب بنت جحش فقال أبو الوليد: قال لها النبي - ﷺ -: \"اغتسلي لكل صلاة\"، وقال عبد الصمد في حديثه: قال لها النبي - ﷺ -: \"توضَّئيْ لكل صلاة\"، فرجح أبو داود رواية أبي الوليد على رواية عبد الصمد، لأن ما لأبي الوليد من الضبط والإتقان ليس لعبد الصمد ولا يدانيه فيه، قال البيهقي (١) بعد نقل قول أبي داود هذا: قال الشيخ: رواية أبي الوليد أيضًا غير محفوظة، فقد رواه مسلم بن إبراهيم عن سليمان بن كثير، كما رواه سائر الناس عن الزهري.\n٢٩٣ - (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر) التميمي المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، مولاهم، أبو معمر المقعد البصري، واسم أبي الحجاج ميسرة، قال ابن معين: ثقة ثبت، وقال يحيى: ثقة نبيل عاقل؛ وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا صحيح الكتاب، وكان يقول بالقدر، قال أبو داود: وكان الأزدي لا يحدث عن أبي معمر لأجل القدر، وكان لا يتكلم فيه، وقال العجلي: ثقة، وكان يرى القدر، وقال أبو حاتم: صدوق متقن قوي الحديث غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قدر عند أهل العلم، وقال ابن أبي حاتم عن أبي ذر: كان ثقة حافظًا، قال عبد الغني: يعني أنه كان متقنًا، وقال ابن خراش: كان صدوقًا، وكان قدريًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٢٤ هـ.\n(نا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان، (عن الحسين) بن ذكوان المعلم العوذي بفتح المهملة وسكون الواو بعدها معجمة، نسبة إلى عوذ\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٥٠).","vol":"2","page":392},{"text":"عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: \"حدَّثتْنِى (١) زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّىَ\"\n===\nبطن من الأزد، البصري المكتب، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، وقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: سألت ابن المديني: من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي ثم الأوزاعي وحسين المعلم، وقال الدارقطني: من الثقات، ووثَّقه ابن سعد والعجلي والبزار، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو جعفر العقيلي: ضعيف مضطرب الحديث، حدثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو بكر بن خلاد سمعت يحيى بن سعيد هو القطان، وذكر حسين المعلم فقال: فيه اضطراب، مات سنة ١٤٥ هـ.\n(عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (قال: حدثتني زينب بنت أبي سلمة أن امرأة (٢) كانت تهراق الدم) وهي أم حبيبة بنت جحش (وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله - ﷺ - أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي)، وهذا تأييد وتقوية لحديث ابن إسحاق عن الزهري، وسليمان بن كثير عن الزهري.\nقال الخطابي (٣): هذا الحديث مختصر، وليس فيه ذكر حال هذه المرأة، ولا بيان أمرها وكيفية شأنها في استحاضتها، وليس كل امرأة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أخبرتني\".\n(٢) وهم فيه مالك في \"موطئه\" (١٠٦) إذ قال: زينب بنت جحش، الحديث، والصواب إبهام المرأة. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٣).","vol":"2","page":393},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هي فيمن تبتلى وهي لا يتميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها، فهي لا تعرف موضعها، ولا عددها، ولا وقت انقطاع الدم عنها من أيامها المتقدمة، فإذا كانت كذلك فإنها لا تدع شيئًا من الصلاة، وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة، لأنه قد يمكن أن يكون ذلك الوقت قد صادف زمان انقطاع دمها، فالغسل عليها عند ذلك واجب، ومن كان هذا حالها من النساء لم يأتها زوجها في شيء من الأوقات، لإمكان أن تكون حائضًا، وعليها أن تصوم شهر رمضان كله مع الناس، وتقضيه بعد ذلك، لتحيط علمًا بأن قد استوفت عدد ثلاثين يومًا في وقت كان لها أن تصوم فيه، وان كانت حاجّة طافت طوافين بينهما خمسة عشر يومًا، لتكون على يقين من وقوع الطواف في وقت حكمها فيه حكم الطهارة، وهذا على مذهب من رأى أكثر أيام الحيض خمسة عشر يومًا، انتهى.\nقلت: أخرج مسلم في \"صحيحه\" (١) من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، ومن طريق بكر بن مضر، قال: حدثني جعفر بن ربيعة في قصة أم حبيبة بنت جحش، وفيه: فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي\"، فهذه الرواية تدل على أنها كانت معتادة أو مميزة، فكيف يمكن أن يأمرها رسول الله - ﷺ - وجوبًا بالاغتسال لكل صلاة للتطهير، وقد طهرت من المحيض واغتسلت؟ ولو كان قابلًا للحجة فلا يخلو إما أن يكون الأمر لكل صلاة محمولًا على العلاج، أو للندب، أو لإزالة الدم من الجسد، أو لتقليل النجاسة فقط، والله أعلم.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٣٣٤/ ٦٥ و٦٦).","vol":"2","page":394},{"text":"وَأَخْبَرَنِى أَنَّ أُمَّ بَكْرٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِى الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرِيبُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ: «إِنَّمَا هِىَ - أَوْ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ - عِرْقٌ\"، أَوْ قَالَ: \"عُرُوقٌ». [جه ٦٤٦، ق ١/ ٣٣٧، حم ٦/ ٧١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَفِى حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ الأَمْرَانِ جَمِيعًا. وَقَالَ: «إِنْ قَوِيتِ فَاغْتَسِلِى لِكُلِّ صَلَاةٍ،\n===\n(وأخبرني) عطف على قوله: عن أبي سلمة، أي قال يحيى بن أبي كثير: وأخبرني (١) أي أبو سلمة (أن أم بكر أخبرته) أي أبا سلمة، ويقال: أم (٢) أبي بكر، روت عن عائشة في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر، وعنها أبو سلمة بن عبد الرحمن، روى لها أبو داود، ولم يذكرها المزي، قال في \"التقريب\": لا يعرف حالها، وقال في \"الميزان\": لا تعرف.\n(أن عائشة قالت: إن رسول الله - ﷺ - قال في المرأة ترى ما يريبها (٣) بعد الطهر) أي بعد أن تطهير من المحيض (إنما هي، أو قال: إنما هو عرق، أو قال: عروق) أي دم عرق يخرج من انفجاره، وليس هو دم رحم حتى يجب الغسل من خروجه، ولعل غرض المصنف بذكر هذه الرواية الإشارة إلى أن الأمر بالاغتسال لكل صلاة ليس هو لأجل التطهر من الحيض، بل لعلة أخرى.\n(قال أبو داود: في حديث ابن عقيل) أي عبد الله بن محمد بن عقيل المتقدم قريبًا (الأمران جميعًا، قال: إن قويت فاغتسلي لكل صلاة،\n_________\n(١) وكذ في\" ابن رسلان\". (ش).\n(٢) كذا في \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) بفتح الياء. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":395},{"text":"وَإِلَّا فَاجْمَعِى»، كَمَا قَالَ الْقَاسِمُ فِى حَدِيثِهِ. وَقَدْ رُوِىَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَلِىٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.\n===\nوإلَّا فاجمعي) حاصله (١): أن ما تقدم في الحديث المتقدم في قصة حمنة بنت جحش أنه - ﷺ - أمرها بأمرين، ثم قال: \"وهذا أعجب الأمرين إلى\"، فالأمران: أحدهما: الاغتسال لكل صلاة، وثانيهما: الاغتسال للجمع بين الصلاتين وأدائهما بغسل واحد، (كما قال القاسم في حديثه) الظاهر (٢) أن المراد بالقاسم قاسم بن محمد بن أبي بكر، وسيخرج المصنف حديثه في الباب الآتي.\n(وقد روي هذا القول) أي القول بالغسل لكل صلاة والقول بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد (عن سعيد بن جبير، عن علي وابن عباس) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣) بسنده عن سعيد بن جبير: أن امرأة أتت ابن عباس بكتاب بعد ما ذهب بصره، فدفعه إلى ابنه، فتترتر (٤) فيه، فدفعه إليّ، فقرأته، فقال لابنه: ألا هذرمته كما هذرمه (٥) الغلام\n_________\n(١) حاصله عندي غير ما أفاده الشيخ: والظاهر عندي أنه لا تعلق لهذا الكلام بحديث حمنة، بل يتعلق بأحاديث الباب، والمعنى أن المذكور في روايات الباب الغسل لكل صلاة فقط، وفي حديث ابن عقيل كلا الحكمين مذكور، الغسل لكل صلاة والجمع أيضًا، يدل على ذلك أن ما تقدم من حديث ابن عقيل في قصة حمنة ليس سياقه (إن قويت فاغتسلي لكل صلاة إلَّا فاجمعي\"، فالظاهر عندي أن المراد بحديث ابن عقيل هاهنا غير المذكور سابقًا، وقد أخرج ابن ماجه ح (٦٢٢) حديث ابن عقيل في قصة أم حبيبة أيضًا، لكنه لم يذكر ألفاظه بتمامها، بل أحال على لفظ شريك، ولفظ شريك بسياق آخر. (ش).\n(٢) وقال ابن رسلان: كما قال القاسم بن مبرور الأيلي في حديثه. (ش)\n(٣) (١/ ٩٩).\n(٤) الترترة: التحريك وإكثار الكلام، واسترخاء في البدن والكلام.\n(٥) الهذرمة: سرعة الكلام والقراءة.","vol":"2","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>(١١٢) بَابُ مَنْ قَالَ: تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتينِ وتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا</span>\n٢٩٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَي (١) أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،\n===\nالمصري، فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: من امرأة من المسلمين، أنها استحيضت، فاستفتت عليًا فأمرها أن تغتسل وتصلي، فقال: والله لا أعلم القول إلَّا ما قال علي ثلاث مرات، قال قتادة: وأخبرني عزرة عن سعيد أنه قيل له: إن الكوفة أرض باردة وأنه يشق عليها الغسل لكل صلاة، فقال: لو شاء الله لابتلاها بما هو أشد منه.\nثم قال الطحاوي بعد ما ذكر قول الجمع بين الصلاتين: قالوا: وقد روي ذلك أيضًا عن علي وابن عباس، ثم أخرج بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءته امرأة مستحاضة تسأله فلم يفتها، وقال: سلي غيري، قال: فأتت ابن عمر فسألته، فقال لها: لا تصلي ما رأيت الدم، فرجعت إلى ابن عباس، فأخبرته، فقال: ﵀، إن كاد ليكفرك، قال: ثم سألت علي بن أبي طالب فقال: تلك ركضة من الشيطان، أو قرحة في الرحم، اغتسلي عند كل صلاتين مرة وصلي، قال: فلقيت ابن عباس بعد، فسألته فقال: ما أجد لك إلَّا ما قال علي.\n\n(١١٢) (بَابُ مَنْ قَالَ: تَجْمَعُ) (٢) أي: المستحاضة (بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ)\nأي: بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء (وتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا) أي: تغتسل للظهر والعصر غسلًا، وللمغرب والعشاء غسلًا\n٢٩٤ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، ثني أبي) هو معاذ بن معاذ العنبري أبو المثنى، (نا شعبة) بن الحجاج.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) وبه قال عطاء والنخعي. \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٢٧). (ش).","vol":"2","page":397},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: \"اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأُمِرَتْ أَنْ تُعَجِّلَ الْعَصْرَ وَتُؤَخِّرَ الظُّهْرَ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا، وَأَنْ تُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا، وَتَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلًا\". [ن ٣٦٠، دي ٧٧٧، ٧٨٣، حم ٦/ ١١٩، ق ١/ ٣٥٢]\nفَقُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-؟ فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِشَىْءٍ. (١).\n===\n(عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) هو قاسم بن محمد بن أبي بكر (عن عائشة قالت: استحيضت امرأة) (٢) ولعلها سهلة بنت سهيل كما يأتي في الحديث الآتي (على عهد رسول الله - ﷺ -، فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلًا، وأن توخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا، فقلت) هذا قول شعبة أي يقول شعبة (لعبد الرحمن: عن النبي - ﷺ -؟) بتقدير حرف الاستفهام، وفي نسخة بذكر حرف الاستفهام، أي هل تحدث عن النبي - ﷺ - مسندًا إليه.\n(فقال) أي عبد الرحمن (٣) (لا أحدثك عن النبي - ﷺ - بشيء) هذا هو الموجود في أكثر النسخ، وفي بعضها: \"لا أحدثك إلَّا عن النبي - ﷺ -\"، ومعناه على هذه النسخة ظاهر، وأما على النسخة المشهورة فمعناه (٤) بتقدير حرف الاستفهام الإنكاري: كلما أحدثك فهو عن النبي - ﷺ -، فإن نفي النفي إثبات.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"شيئًا\".\n(٢) وقال ابن رسلان: الظاهر أنَّها حمنة بنت جحش. (ش).\n(٣) كذا في نسخة ابن رسلان. (ش).\n(٤) لكن ظاهر كلام البيهقي يأبى عن هذا المعنى إذ قال: وذكر جماعة منهم امتناع عبد الرحمن عن رفع الحديث. \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٥٢). (ش).","vol":"2","page":398},{"text":"٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِا (١) مُحَمَّدُ - يعني ابْنُ سَلَمَةَ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: \"إنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ اسْتُحِيضَتْ، فَأَتَتِ النَّبِىَّ -ﷺ-، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ. [ق ١/ ٣٥٣]\n===\n٢٩٥ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى) الحراني، (نا محمد - يعني ابن سلمة -) المرادي، (عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) هو قاسم بن محمد بن أبي بكر، (عن عائشة قالت: إن سهلة بنت سهيل) (٢) بن عمرو القرشية العامرية، أسلمت قديمًا وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة، فولدت له هناك محمد بن أبي حذيفة، وهي التي كانت أرضعت سالمًا مولى أبي حذيفة وهو رجل كبير. (استحيضت فأتت النبي - ﷺ -، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها) أي شق عليها (ذلك) أي الغسل عند كل صلاة (أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح).\nقال الطحاوي (٣): قالوا - أي الفريق الثاني -: فهذه الآثار قد رويت عن رسول الله - ﷺ - كما ذكرنا في جمع الظهر والعصر بغسل واحد، وفي جمع المغرب والعشاء بغسل واحد، وإفراد الصبح بغسل واحد، فبهذا نأخذ، وهو أولى من الآثار الأول التي فيها ذكر الأمر بالغسل لكل صلاة،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ني\".\n(٢) تكلم عليها البيهقي وقال: التسمية وهم، وظاهر ميلانه أنه رجح كونها أم حبيبة، وفي \"عارضة الأحوذي\": حديث سهلة أخرجه أبو داود، وهو معلول، ولم يفصل وجه العلة. (ش) [انظر: \"العارضة\" (١/ ١٩٩)].\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٠١).","vol":"2","page":399},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ قال: \"إنَّ امْرَأَةً اسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (١) فَأَمَرَهَا\" بِمَعْنَاهُ.\n٢٩٦ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ سُهَيْلٍ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى صَالِحٍ -، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ (٢) بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: \"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِى حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ تُصَلِّ. فَقَالَ\n===\nلأنه قد روي ما يدل على أن هذا ناسخ لذلك، ثم ساق الطحاوي هذه الرواية المذكورة في قصة سهلة ابنة سهيل ثم قال: قالوا: فدل ذلك على أن هذا الحكم ناسخ للحكم الذي في الآثار الأول، لأنه إنما أمر به بعد ذلك، فصار القول به أولى من القول بالآثار الأول، انتهى.\n(قال أبو داود: ورواه ابن عيينة) أي هذا الحديث (عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه قال) أي القاسم: (إن امرأة استحيضت فسألت النبي - ﷺ - فأمرها بمعناه) أي حدث ابن عيينة بمعنى حديث ابن إسحاق.\n٢٩٦ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن، (عن سهيل - يعني ابن أبي صالح -، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس قالت: قلت: يا رسول الله، إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا) أي سبع (٣) سنين (فلم تصل، فقال\n_________\n(١) وفي نسخة: \" فأتت رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \" يعني\".\n(٣) هذا يحتاج إلى تنقير، فإن المذكور فيما تقدم سبع سنين في رواية أم حبيبة لا فاطمة، وفي \"الطحاوي\" في حديث فاطمة: أحيض الشهر والشهرين. (ش).","vol":"2","page":400},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «سُبْحَانَ اللَّهِ! (١) هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، لِتَجْلِسْ فِى مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً (٢) فَوْقَ الْمَاءِ، فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ». [ق ١/ ٣٥٤، قط ١/ ٢١٦]\n===\nرسول الله - ﷺ -: سبحان الله (٣) هذا) أي استحاضتها وترك الصلاة بها (من الشيطان) أي من ركضته وتسويله، (لتجلس في مركن) هو إناء كبير تغسل فيها الثياب، (فإذا رأت صفرة فوق الماء، فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا، وتوضأ فيما بين ذلك).\nحاصله أنه - ﷺ - أمرها بالجلوس في المركن الذي مليء ماءً للعلاج، فإذا رأت صفرة فوق الماء ظهر لها وصول أثر الماء وبرودته إلى باطن الجسد، فلما جلست في المركن الذي ظهر فيها لون الدم تنجست بالماء الممزوج بالدم، فأمرها بالغسل للتطهير من نجاسة الدم، وأمر بالجمع لليسر، ولئلا يشق عليها الغسل لكل صلاة، وأمرها بالتوضؤ فيما بين ذلك، أي فيما بين الظهر والعصر للعصر، وفيما بين المغرب والعشاء للعشاء، لأنها صاحبة عذر، فإذا خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر انتقضت طهارتها، وكذا فيما بين المغرب والعشاء.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سبحان الله تعالى\".\n(٢) وفي نسخة: \"صفارة\".\n(٣) فيه التسبيح عند التعجب، قال ابن رسلان: ومعناه كيف يخفى هذا الأمر الظاهر الذي لا يحتاج في فهمه إلى فكر. (ش).","vol":"2","page":401},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ورَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ\n===\nوهذا الحكم كان لها في الأيام التي كانت فيها مستحاضة فيما سوى أيام الحيض، فإن هذا الحديث، أي حديث سهيل بن أبي صالح من طريق جرير قد تقدم بعضه في \"باب في المرأة تستحاض، ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض\"، ولفظه: \"فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل\"، ففي هذا الجزء من الحديث بَيّن لها رسول الله - ﷺ - حكم أيام الحيض، وفي حديث سهيل من طريق خالد بَيّن لها رسول الله - ﷺ - حكم أيام الطهارة وما كان ينبغي لها أن تفعل فيها، وهذا على قول الحنفية، وأما على قول الشوافع، فيحمل الأمر بالوضوء فيما بين الصلاتين على قضاء الفوائت.\n(قال أبو داود: ورواه) أي حديث الجمع بين الصلاتين بغسل واحد (مجاهد عن ابن عباس) أي عبد الله: (لما اشتد عليها الغسل) أي المستحاضة التي سألت عن حكمها، واعتذرت بأن أرضنا أرض باردة (أمرها أن تجمع بين الصلاتين) أخرج الطحاوي هذا التعليق موصولًا بسنده عن مجاهد عن ابن عباس (١).\n(قال أبو داود: ورواه) أي الجمع بين الصلاتين بغسل واحد (إبراهيم) لعله النخعي، ولم يسمع من ابن عباس، فتكون الرواية مرسلة (عن ابن عباس) ولم أقف على هذا التعليق موصولًا (وهو) أي الجمع بين\n_________\n(١) ليس فيه قصة فاطمة بنت أبي حبيث. (ش) [\"شرح معاني الآثار\" ١/ ١٠١].","vol":"2","page":402},{"text":"قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>(١١٣) بابٌ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ مَنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ</span>\n٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا (ح): وَأَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِى الْيَقْظَانِ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\nالصلاتين بغسل المستحاضة (قول إبراهيم النخعي وعبد الله بن شدّاد) (١) لعله هو عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، أبو الوليد المدني، كان يأتي الكوفة، وأمه سلمة بنت عميس الخثعمية أخت أسماء، قال العجلي والخطيب: هو من كبار التابعين وثقاتهم، ووثَّقه أبو زرعة والنسائي وابن سعد، وكان معدودًا في الفقهاء، ولد على عهد النبي - ﷺ -، ومات بالكوفة مقتولًا سنة ٨١ هـ.\n\n(١١٣) (بَابُ (٢) مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلى طُهْرٍ)\nأي تغتسل المستحاضة بعد انقضاء أيام حيضها مرة واحدة، ثم لا يجب عليها الاغتسال في أيام استحاضتها وتتوضأ للصلاة.\n٢٩٧ - (حدثنا محمد بن جعفر بن زياد قال: أنا، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة قال: نا شريك) هو ابن عبد الله بن أبي شريك، (عن أبي اليقظان) عثمان بن عمير البجلي، (عن عدي (٣) بن ثابت) الأنصاري، (عن أبيه)\n_________\n(١) قلت: قول إبراهيم النخعي أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٠٥) رقم (٣٣١٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٧)، والدارمي (٨٠٣)، وقول عبد الله بن شداد أخرجه الدارمي (٨٠٧).\n(٢) وفي نسخة ابن رسلان بدله: \"باب من قال: تغتسل مرة\". (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ٢٠١): أما حديث عدي بن ثابت، فإنه لا يصح، لأنه مجهول، ولا يعلم من جده ... إلخ. (ش).","vol":"2","page":403},{"text":"عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- فِى الْمُسْتَحَاضَةِ «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّى، وَالْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ\" [ت ١٢٦، جه ٦٢٥، ق ١/ ٣٤٧، دي ٧٩٣]\n===\nهو ثابت الأنصاري، (عن جده) عبد الله بن يزيد، (عن النبي - ﷺ - في المستحاضة تدع) أي المستحاضة (الصلاة أيام أقرائها) أي الأيام التي تحيض فيها قبل أن يصيبها ما أصابها، (ثم تغتسل) أي للطهارة من الحيض (وتصلي) بعد الغسل، (والوضوء عند كل صلاة) أي أمر بالوضوء، لأنها لما كانت معتادة، ومضت أيام أقرائها، واغتسلت صارت طاهرة من الحيض، فتتوضأ للصلاة كما تتوضأ الطاهرة.\nقال الطحاوي (١): اختلف الذين قالوا: إنها تتوضأ لكل صلاة، فقال بعضهم: تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وقال اخرون: بل تتوضأ لكل صلاة ولا يعرفون ذكر الوقت في ذلك، فأردنا نحن أن نستخرج من القولين قولًا صحيحًا، فرأيناهم قد أجمعوا أنها إذا توضأت في وقت صلاة فلم تصل حتى خرج الوقت، فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء، أنه ليس له ذلك لها حتى تتوضأ وضوءًا جديدًا، ورأيناها لو توضأت في وقت صلاة فصلت، ثم أرادت أن تطوع بذلك الوضوء، كان ذلك لها ما دامت في الوقت، فدل ما ذكرنا أن الذي ينقض تطهرها هو خروج الوقت، وأن وضوءها يوجبه الوقت لا الصلاة، وقد رأيناها (٢) لو فاتتها صلوات، فأرادت أن تقضيهن كان لها أن تجمعهن في وقت صلاة واحدة بوضوء واحد، فلو كان الوضوء يجب\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٠٦).\n(٢) هكذا قال الطحاوي، وهو مشكل كما حررته على هامشه، إذ لا يكون إذ ذاك ثمرة الخلاف بين القولين. (ش).","vol":"2","page":404},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعليها لكل صلاة لكان يجب أن تتوضأ لكل صلاة من الصلوات الفائتات، فلما كانت تصليهن جميعًا بوضوء واحد ثبت بذلك أن الوضوء الذي يجب عليها هو لغير الصلاة وهو الوقت.\nوحجة أخرى أنا قد رأينا الطهارات تنتقض بأحداث منها الغائط والبول، وطهارات تنتقض بخروج أوقات، وهي الطهارة بالمسح على الخفين ينقضها خروج وقت المسافر وخروج وقت المقيم، وهذه الطهارات المتفق عليها لم نجد فيما ينقضها صلاة، إنما ينقضها حدث أو خروج وقت، وقد ثبت أن طهارة المستحاضة طهارة ينقضها الحدث وغير الحدث، فقال قوم: هذا الذي هو غير الحدث هو خروج الوقت، وقال آخرون: هو فراغ من صلاة، ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثًا في شيء غير ذلك، وقد وجدنا خروج الوقت حدثًا في غيره، فأولى الأشياء أن نرجع في هذا الحدث المختلف فيه فنجعله كالحدث الذي قد أجمع عليه، ووجد له أصل، ولا نجعله كما لم يجمع عليه، ولم نجد له أصلًا، فثبت بذلك قول من ذهب إلى أنها تتوضأ لكل وقت صلاة، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (١) ما ملخصه:\nوأما أصحاب الأعذار كالمستحاضة ممن لا يمضي عليها وقت صلاة إلَّا ويوجد به من الحدث فيه، فخروج النجس من هؤلاء لا يكون حدثًا ما دام وقت الصلاة قائمًا، وهذا عندنا.\nوقال الشافعي: إن كان العذر من أحد السبيلين، كالاستحاضة وسلسل البول وخروج الريح يتوضأ لكل فرض ويصلي ما شاء من\n_________\n(١) (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالنوافل، وقال مالك في أحد قوليه: يتوضأ لكل صلاة، واحتجَّا بما روي عن النبي - ﷺ - قال: \"المستحاضة تتوضأ لكل صلاة\" (١)، فمالكٌ عمل بمطلق اسم الصلاة، والشافعي قَيّده بالفرض، لأنه الصلاة المعهودة، ولأن طهارة المستحاضة ضرورية، لأنه قارنها ما ينافيها أو طرأ عليها، والشيء لا يبقى مع المنافي، إلَّا أنه لم يظهر حكم المنافي لضرورة الحاجة إلى الأداء، والضرورة إلى أداء فرض الوقت، فإذا فرغ من الأداء ارتفعت الضرورة، فظهر حكم المنافي، والنوافل أتباع الفرائض، لأنها شرعت لتكميلها وجبرًا للنقصان فيها، فكانت ملحقة بأجزائها، والطهارة الواقعة لصلاة واقعة لها بجميع أجزائها بخلاف فرض آخر، لأنه ليس بتبع بل هو أصل بنفسه.\nولنا ما روى أبو حنيفة بإسناده عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة\"، وهذا نص في الباب، ولأن العزيمة شغل جميع الوقت بالأداء شكرًا للنعمة إلَّا أنه جوز ترك شغل بعض الوقت بالأداء رخصة وتيسيرًا، فضلًا ورحمة، وجعل ذلك شغلًا لجميع الوقت حكمًا، فصار وقت الأداء شرعًا بمنزلة وقت الأداء فعلًا، ثم قيام الأداء مبقٍ للطهارة فكذلك الوقت القائم مقامه.\nوما رواه الشافعي فهو حجة عليه، لأن مطلق الصلاة ينصرف إلى المعهودة المتعارفة كما في قوله \"الصلاة عماد الدين\" ونحو ذلك، والصلاة المعهودة هي الصلوات الخمس في اليوم والليلة فكأنه قال: المستحاضة تتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات، فلو أوجبنا عليها الوضوء لكل صلاة أو لكل فرض تقضي لزاد على الخمس بكثير، وهذا خلاف النص، ولأن\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٣٥٤، ١٣٥٥).","vol":"2","page":406},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وزَادَ عُثْمَانُ: «وَتَصُومُ وَتُصَلِّى».\n٢٩٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،\n===\nالصلاة تذكر على إرادة وقتها، كما قال: \"أينما أدركتني الصلاة تيممت\" (١)، والمدرك هو الوقت دون الصلاة التي هي فعله.\nوقال: \"إن للصلاة أولًا وآخرًا\" (٢)، أي لوقت الصلاة، ويقال: آتيك لصلاة الظهر، أي لوقتها، فجاز أن تذكر الصلاة ويراد بها وقتها، ولا يجوز أن يذكر الوقت ويراد به الصلاة، فيحمل المحتمل على المحكم توفيقًا بين الدليلين صيانة لهما عن التناقض، انتهى.\nقلت: قال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٣): وأما حديث المستحاضة: \"تتوضأ لوقت كل صلاة\"، فذكر سبط ابن الجوزي أن الإِمام أبا حنيفة رواه، انتهى، وفي \"شرح مختصر الطحاوي\": روى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن النبي - ﷺ - قال لفاطمة بنت أبي حبيش: \"توضَّئِي لوقت كل صلاةِ، ذكره محمد في \"الأصل\" معضلًا، وقال ابن قدامة في \"المغني\" (٤): وروي في بعض ألفاظ حديث فاطمة بنت أبي حبيش: وتوضَّئِي لوقت كل صلاة.\n(قال أبو داود: وزاد عثمان) أي ابن أبي شيبة شيخ المؤلف: (وتصوم وتصلي) فزاد ذكر الصوم.\n٢٩٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع) بن الجراح،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).\n(٢) أخرجه الترمذي (١٥١)، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢١٣).\n(٣) (١/ ١٥٩).\n(٤) (١/ ٤٥٠).","vol":"2","page":407},{"text":"عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ-، فَذَكَرَ خَبَرَهَا وَقَالَ: «ثُمَّ (١) اغْتَسِلِى ثُمَّ تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّى». [جه ٦٢٤، حم ٦/ ٤٢، ق ١/ ٣٤٤، قط ١/ ٢١٢]\n٢٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِى مِسْكِينٍ،\n===\n(عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة) بن الزبير، (عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ -، فذكر) أي الراوي (خبرها) أي قصة فاطمة بنت أبي حبيش (وقال) أي رسول الله - ﷺ -، أو أحد من الرواة: (ثم اغتسلي ثم توَضَّئي لكل صلاة وصلي).\n٢٩٩ - (حدثنا أحمد بن سنان) بن أسد بن حبان بكسر المهملة (القطان) أبو جعفر (الواسطي) الحافظ، قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: كان من الثقات الأثبات، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما، وليس له عند البخاري سوى حديث واحد، مات سنة ٢٥٩ هـ.\n(نا يزيد) بن هارون، (عن أيوب بن أبي مسكين) ويقال: مسكين التميمي، أبو العلاء، القصاب، الواسطي، قال أحمد: لا بأس به، وقال مرة: رجل صالح ثقة، وقال إسحاق الأزرق: ما كان الثوري بأورع منه، ولا أبو حنيفة بأفقه منه، وقال ابن سعد والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان يخطئ، وقال أبو داود: كان يتفقّه ولم يكن بجيد\n_________\n(١) وفي نسخة: \" ثم قال\".","vol":"2","page":408},{"text":"عَنِ الْحَجَّاجِ (١)، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ،\n===\nالحفظ للإسناد، وقال الحاكم أبو أحمد: في حديثه بعض الاضطراب، مات سنة ١٤٠ هـ.\n(عن الحجاج) بن أرطأة بفتح الهمزة، ابن ثور بن هبيرة مصغرًا النخعي، أبو أرطأة الكوفي القاضي، ولي قضاء البصرة وكان جائز الحديث إلَّا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ومكحول ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس، وقال أحمد: كان من الحفاظ، قيل: فلم ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، وقال ابن معين: صدوق ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: صدوق يدلس، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وقال الساجي: كان مدلسًا صدوقًا، سيِّئ الحفظ، ليس بحجة، قرأت بخط الذهبي: هذا القول فيه مجازفة، وأكثر ما نقم عليه التدليس، وكان فيه تنبيه لا يليق بأهل العلم، وكان يقول: أهلكني حب الشرف، مات سنة ١٤٥ هـ.\n(عن أم كلثوم) قال الحافظ في \"التقريب\": أم كلثوم الليثية يقال: بنت محمد بن أبي بكر الصديق، فعلى هذا فهي تيمية لا ليثية، لها حديث عن عائشة من رواية عبد الله بن عبيد الله بن عمير عنها، وروى حجاج بن أرطأة عن أم كلثوم عن عائشة في الاستحاضة، وروى عمرو بن عامر عن أم كلثوم عن عائشة في بول الغلام، فما أدري هل الجميع واحدة أم لا، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قلت: ولعلهن كلهن واحدة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن حجاج\".","vol":"2","page":409},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ فِى الْمُسْتَحَاضَةِ: \"تَغْتَسِلُ - تَعْنِى (١) مَرَّةً وَاحِدَةً -\n===\n(عن عائشة في المستحاضة: تغتسل) أي قالت عائشة: تغتسل (تعني مرة واحدة) إن كان بالتاء بصيغة المؤنث، فالظاهر أنه قول أم كلثوم، وفاعله ضمير عائشة، وإن كان على التذكير فالقائل بعض الرواة، والفاعل ضمير شيخه، ذكر المصنف هذا الحديث موقوفًا على عائشة.\nوخالفه البيهقي فأخرجه في \"سننه\" (٢) مرفوعًا، وهذا لفظه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا العباس بن محمد الدوري، ثنا يزيد بن هارون، ثنا أبو العلاء - يعني أيوب بن أبي مسكين -، عن الحجاج بن أرطأة، عن أم كلثوم، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال في المستحاضة: \"تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل مرة، ثم توضأ إلى مثل أيام أقرائها، وإن رأت صفرة انتضحت وتوضأت وصلت\".\nقال: وحدثنا العباس بن محمد، ثنا يزيد بن هارون، نا أبو العلاء، عن ابن شبرمة، عن امرأة مسروق، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - مثله.\nأخبرنا أبو علي الروذباري، نا أبو بكر بن داسة، نا أبو داود، نا أحمد بن سنان القطان، نا يزيد، فذكرهما بالإسنادين، إلَّا أنه جعل الأول من قول عائشة، قال أبو داود: وحديث أيوب أبي العلاء ضعيف لا يصح، قال الشيخ - ﵀ -: وروي عن أبي يوسف مرفوعًا.\nثم ساق البيهقي بسنده من طريق عمار بن مطر، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن قمير\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يعني\".\n(٢) \"السنن \"الكبرى\" (١/ ٣٤٥، ٣٤٦).","vol":"2","page":410},{"text":"ثُمَّ تَوَضَّأُ إِلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا\".\n٣٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ (١)، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ أَيُّوبَ أَبِى الْعَلَاءِ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، عَنِ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِثْلَهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ هذا\n===\nامرأة مسروق، عن عائشة أن فاطمة أتت النبي - ﷺ - وفيه: \"ثم توضَّئِي لكل صلاة\"، ثم قال البيهقي: قال علي: تفرد به عمار بن مطر وهو ضعيف عن أبي يوسف، والذي عند الناس عن إسماعيل بهذا الإسناد موقوفًا: \"المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، وتغتسل وتتوضأ لكل صلاة\".\n(ثم توضأ إلى أيام أقرائها).\n٣٠٠ - (حدثنا أحمد بن سنان، نا يزيد) بن هارون، (عن أيوب أبي العلاء) بن أبي مسكين، (عن ابن شبرمة) بضم المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء، هو عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن حسان بن المنذر، أبو شبرمة الكوفي الضبي القاضي الفقيه، كان قاضيًا على السواد، وكان عفيفًا حازمًا عاقلًا فقيهًا شاعرًا حسن الخلق جوادًا، وثَّقه أحمد وأبو حاتم والنسائي، وقال الثوري: فقهاؤنا ابن شبرمة وابن أبي ليلى، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٤٤ هـ.\n(عن امرأة مسروق) بن الأجدع، هي قمير بنت عمرو، (عن عائشة، عن النبي - ﷺ - مثله) أي مثل ما روت أم كلثوم عن عائشة.\n(قال أبو داود: وحديث عدي بن ثابت هذا) المتقدم الذي روى عنه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الواسطي\".","vol":"2","page":411},{"text":"وَالأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ، وَأَيُّوبَ أَبِى الْعَلَاءِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَصِحُّ (١). وَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ هَذَا الْحَدِيثُ؛ أَوْقَفَهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ. وَأَنْكَرَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ حَبِيبٍ مَرْفُوعًا. وَأَوْقَفَهُ أَيْضًا أَسْبَاطٌ عَنِ الأَعْمَشِ، مَوْقُوفًا عَنْ (٢) عَائِشَةَ.\n===\nأبو اليقظان (والأعمش) أي وحديث الأعمش، (عن حبيب) أي ابن أبي ثابت (وأيوب) أي وحديث أيوب (أبي العلاء) أي الذي روى عن الحجاج، عن أم كلثوم، عن عائشة موقوفًا، والذي روى عن ابن شبرمة عن امرأة مسروق عن عائشة مرفوعًا (كلها) أي أربعتها (ضعيفة لا تصح، ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب هذا الحديث) أي المتقدم، ولفظ هذا الحديث بدل (٣) من لفظ حديث الأعمش (أوقفه حفص بن غياث (٤) عن الأعمش، وأنكر حفص بن غياث أن يكون حديث حبيب مرفوعًا، وأوقفه أيضًا أسباط) بمفتوحة وسكون مهملة وموحدة وطاء مهملة، ابن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي مولاهم، أبو محمد، وثَّقه ابن معين ويعقوب بن شيبة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الغلابي عنه: ثقة، والكوفيون يضعفونه، وقال البرقي عنه: الكوفيون يضعفونه، وهو عندنا ثبت فيما يروي عن مطرف والشيباني، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا إلَّا أنه فيه بعض الضعف، وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة. ٢٠٠ هـ، (عن الأعمش موقوفًا عن عائشة).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لا يصح منها شيء\".\n(٢) وفي نسخة: \"على\".\n(٣) والأوجه أنه فاعل \"دل\" بتقدير أن، وما حكى البيهقي عن أبي داود أوضح من هذا. (ش).\n(٤) قلت: رواية حفص بن غياث أخرجها الدارقطني في\"سننه\" (١/ ٢١٣)، ورواية أسباط بن محمد أشار إليها الدارقطني (١/ ٢١١)، والبيهقي (١/ ٣٥٤) ولم أقف عليها مسندة.","vol":"2","page":412},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ دَاوُدَ عَنِ الأَعْمَشِ مَرْفُوعًا أَوَّلُهُ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.\n===\nولما كان (١) ضعف حديث الأعمش عن حبيب غير ظاهر، لأن رواته ثقات احتاج المصنف إلى بيان علته الخفية التي لا يدركه إلَّا الحذاق، فحاصل هذا الدليل: أنه اختلف أصحاب الأعمش في وقفه وإرساله، فرفعه حبيب (٢) بن أبي ثابت على خلاف حفص بن غياث وأسباط، وهما أوقفاه على عائشة، فثبت بهذا أن رفعه غير ثابت، قلت: وهذا القدر لا يقتضي ضعف حديث حبيب، لأنه زيادة ثقة، وهي معتبرة عندهم، فكيف يقال: إن وقف البعض يقتضي ضعف الرفع، والحال أن حبيب بن أبي ثابت هذا ليس بأدون من حفص بن غياث وأسباط بن محمد، بل هو أقوى منهما وأرجح.\n(قال أبو داود: ورواه ابن داود (٣) عن الأعمش مرفوعًا أوله) غرض المصنف بهذا الكلام دفع إشكال يرد على الكلام المتقدم، وحاصله: أنكم قلتم: إن حبيب بن أبي ثابت تفرد بالرفع عن الأعمش، وهذا لا يصح، لأن ابن داود رفعه أيضًا عن الأعمش، فأجاب عنه بأن ابن داود رفع أول الحديث، وأما آخره، وهو الوضوء عند كل صلاة، فلم يرفعه، بل (وأنكر أن يكون فيه الوضوء عند كل صلاة) وكان غرضنا بتضعيف الحديث\n_________\n(١) والأوجه عندي أن المصنف أراد من هاهنا الكلام على الثلاثة المذكورة على غير ترتيب السلف، وهذا بيان حديث الأعمش عن حبيب، ومن قوله: روى أبو اليقظان الكلام على حديث عدي، ومن قوله: روى عبد الملك الكلام على حديث عائشة كما سترى، وبهذا يظهر مناسبة الآثار أيضًا. (ش).\n(٢) هذا سهو من الناسخ، فإن حبيبًا ليس من أصحاب الأعمش بل من مشايخه، فالصواب وكيع، وكذا فيما بعد. (ش).\n(٣) قلت: أما رواية عبد الله بن داود عن الأعمش فأخرجها أبو يعلى في \"مسنده\" (٨/ ٢٢٩) رقم (٤٧٩٩)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٢١٢)، والبيهقي في \"سننه\" (١/ ٣٤٥).","vol":"2","page":413},{"text":"وَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ حَبِيبٍ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ\" فِى حَدِيثِ الْمُسْتَحَاضَةِ،\n===\nتضعيف تلك الجملة من الحديث، قلت: وإنكار ابن داود عن كون ذكر الوضوء في كل صلاة في الحديث لا يستلزم أن لا يكون فيه، لأن إنكاره مستند إلى عدم علمه، ومن ذكره فذكره يعتمد على علمه، فيكون الإنكار من غير دليل، فلا يعتبر.\nثم قال: (ودل على ضعف حديث حبيب هذا) هذا دليل ثانٍ على ضعف الحديث (أن رواية الزهري عن عروة) بن الزبير (عن عائشة قالت: فكانت تغتسل لكل صلاة في حديث المستحاضة).\nوحاصل هذا الدليل: أن حبيب بن أبي ثابت خالف الزهري مع جلالته، فإنه يروي بهذا السند عن عروة عن عائشة: \"فكانت تغتسل لكل صلاة\"، وحبيب بن أبي ثابت يروي عن عروة، عن عائشة: \"توضئي لكل صلاة\" فمع مخالفة الزهري لا يعتبر حديثه.\nورد الخطابي هذا الدليل، فقال (١): أما قول أكثر الفقهاء فهو الوضوء لكل صلاة، وعليه العمل في قول عامتهم، ورواية الزهري لا تدل على ضعف حديث حبيب بن أبي ثابت، لأن الاغتسال لكل صلاة في حديث الزهري مضاف إلى فعلها، وقد يحتمل أن يكون ذلك اختيارًا منها، وأما الوضوء لكل صلاة في حديث حبيب، فهو مروي عن رسول الله - ﷺ -، ومضاف إليه وإلى أمره إياها بذلك، والواجب هو الذي شرعه النبي - ﷺ - وأمر به، دون ما فعلته وأتته من ذلك، انتهى.\nقلت: أخرج البخاري في \"صحيحه\" في باب غسل الدم من طريق\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٧).","vol":"2","page":414},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبي معاوية، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش وفي آخره قال: وقال أبي: \"ثم توضَّئِي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت\"، فحديث هشام عن أبيه هذا يؤيد حديث حبيب بن أبي ثابت ويقويه.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): ادَّعى بعضهم أن قوله: \"ثم توضَّئِي\" من كلام عروة موقوفًا عليه، ففيه نظر؛ لأنه لو كان كلامه لقال: ثم تتوضأ بصيغة الإخبار، فلما أتى به بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع، وهو قوله: فاغسلي.\nوأجاب عنه في \"الجوهر النقي\" (٢): قلت: رواه أيضًا كرواية وكيع مرفوعًا عن الأعمش الجريري وسعيد بن محمد الوراق وعبد الله بن نمير ذكر ذلك الدارقطني، وأشار إليه البيهقي بقوله: وجماعة، فهؤلاء سبعة، أكثرهم أئمة كبار زادوا عن الأعمش الرفع، فوجب على مذاهب الفقهاء وأهل الأصول ترجيح روايتهم، لأنها زيادة ثقة، وكذا على مذهب أهل الحديث؛ لأنهم أكثر عددًا، وتحمل رواية من وقفه على عائشة أنها سمعته من النبي - ﷺ -، فروته مرة وأفتت به مرة أخرى، كما مرت نظائره.\nثم علله البيهقي أيضًا بقول الثوري وغيره: لم يسمع حبيب من عروة شيئًا، قلت: قد ذكرنا في \"باب الوضوء من الملامسة\" من كلام أبي داود ما يدل ظاهره على صحة سماعه من عروة، ثم قد روى هذا الحديث غير حبيب عن عروة، ورواه غير عروة عن عائشة، ذكره الطحاوي وخرجه هو وغيره من المصنفين، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٢).\n(٢) (١/ ٣٤٥).","vol":"2","page":415},{"text":"وَرَوَى (١) أَبُو الْيَقْظَانِ عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ -، وَعَمَّارٍّ مَوْلَى بَنِى هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ،\n===\n(وروى (٢) أبو اليقظان عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن علي) وفيه الوضوء عند كل صلاة، أي كما روى أبو اليقظان عن عدي بن ثابت، عن جده مرفوعًا، كذلك روى أبو اليقظان عن أبيه، عن علي موقوفًا، أخرج البيهقي موصولًا (٣) من طريق شريك موقوفًا على علي وعن جد عدي مرفوعًا. (وعمار) أي وكذا روى عمار (مولى بني هاشم عن ابن عباس) وذكر الوضوء عند كل صلاة.\n(وروى (٤) عبد الملك بن ميسرة) الهلالي، أبو زيد العامر الكوفي الدراع، أي صانع الدروع، وثَّقه ابن معين وابن خراش والنسائي وأبو حاتم وابن سعد والعجلي وابن نمير، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقد أخرج البيهقي عن طريق شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن الشعبي، عن قمير امرأة مسروق، عن عائشة قالت: المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضتها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رواه\".\n(٢) والغرض من ذكره عندي كما تقدم أن المصنف أراد من هاهنا الكلام على حديث عدي، ومراده أنه اختلف فيه على عدي فروي عنه كما تقدَّم، وروي عنه عن أبيه عن علي، وكلاهما ضعيفان عنده، كما سيصرح به، والصحيح أنه لا يصح عن علي بل يصح عن ابن عباس، كما روى عنه عمار، إلَّا أن المعروف عنه أيضًا الغسل، كما سيقوله في آخر الباب، فتأمل، فعلى هذا يوجه أثر ابن عباس أيضًا، وذكر هذه الآثار أيضًا، وإلا فلا وجه لإدخال آثار الوضوء في الباب فافهم. (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٤٧) قلت: أخرجه أيضًا الطحاوي مرفوعًا وموقوفًا بكلا الطريقين. (ش) [انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٠٢)].\n(٤) وغرضه عندي على ما تقدم أنه أراد من هاهنا ببان الاضطراب في حديث عائشة من رواية الوضوء وغيره. (ش).","vol":"2","page":416},{"text":"وبَيَانٌ، ومُغِيرَةُ، وفِرَاسٌ\n===\n(وبيان) بن بشر الأحمسي بمهملتين، أبو بشر الكوفي المعلم، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي، زاد أبو حاتم: وهو أعلى من فراس ويعقوب بن سفيان، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا، وقال الدارقطني: هو أحد الثقات الأثبات، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، أخرج البيهقي حديثه بسنده موصولًا من طريق شعبة وزائدة عن بيان قال: سمعت الشعبي حديث عن قمير، عن عائشة قالت في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، وتغتسل وتستثفر وتوضأ عند كل صلاة.\n(ومغيرة) بن مقسم بكسر الميم، الضبي مولاهم، أبو هشام الكوفي الفقيه، وقيل: إنه ولد أعمى، قال ابن فضيل: كان يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلَّا ما قال: حدثنا إبراهيم، وقال شعبة: كان مغيرة أحفظ من الحكم، وفي رواية: أحفظ من حماد، وقال أبو بكر بن عياش: ما رأيت أحدًا أفقه من مغيرة فلزمته، قال مغيرة: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته، قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال العجلي: مغيرة ثقة فقيه الحديث، إلَّا أنه كان يرسل الحديث عن إبراهيم، وكان عثمانيًّا، وقال النسائي: مغيرة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان مدلسًا، وقال إسماعيل القاضي: ليس بقوي فيمن لقي لأنه يدلس، فكيف إذا أرسل، مات سنة ١٣٦ هـ.\n(وفراس) بن يحيى الهمداني الخارفي، نسبة إلى خارف وهي بطن من همدان، نزل الكوفة، أبو يحيى الكوفي المكتب، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد وابن عمار والعجلي، وقال أبو حاتم: شيخ ما بحديثه بأس، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق، قيل له ثبت؟ قال: لا، وقال يعقوب بن شيبة: كان مكتبًا وفي حديثه لين، وهو ثقة، مات سنة ١٢٩ هـ.","vol":"2","page":417},{"text":"وَمُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ حَدِيثِ قَمِيرَ، عَنْ عَائِشَةَ: «تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَرِوَايَةُ دَاوُدَ وَعَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ قَمِيرَ، عَنْ عَائِشَةَ: «تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً». وَرَوَى (١) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: \"الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ (٢) لِكُلِّ صَلَاةٍ\".\n===\n(ومجالد) بضم الميم وتخفيف الجيم، ابن سعيد بن عمير الهمداني، أبو عمرو الكوفي، قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئًا، وقال ابن معين: ضعيف واهي الحديث لا يحتج بحديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، ووثَّقه مرة، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، وكان يحيى بن سعيد يقول: كان مجالد يلقن في الحديث إذا لقن، وقال البخاري: صدوق، وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه وهو صدوق، مات سنة ١٤٤ هـ.\n(عن الشعبي، عن حديث قمير، عن عائشة: \"توضأ لكل صلاة\"، ورواية داود وعاصم) مبتدأ خبره تغتسل كل يوم مرة، كأن المصنف يشير إلى أنه اختلف على الشعبي عن قمير عن عائشة، فأكثر أصحابه رووا عنه \"توضأ لكل صلاة\"، وأما داود وعاصم فخالفاهم فرويا (عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة: \"تغتسل كل يوم مرة\"، وروى هشام بن عروة عن أبيه: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة).\nقدمنا قريبًا أن البخاري أخرج بسنده من طريق أبي معاوية، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وفي آخره: وقال أبي: \"ثم توضَّئِي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت\"، فيشير المصنف إلى أن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رواه\".\n(٢) وفي نسخة: \"توضأ\".","vol":"2","page":418},{"text":"وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ إِلَاّ حَدِيثَ قَمِيرَ وَحَدِيثَ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِى هَاشِمٍ وَحَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ،\n===\nقوله: \"تتوضأ لكل صلاة\" قول عروة موقوف عليه، وليس هو بمرفوع إلى رسول الله - ﷺ -.\nوقدمنا أيضًا أن الحافظ في \"الفتح\" (١) قال: ادعى البعض أن قوله: \"توضئِي\" من كلام عروة موقوفًا عليه، وفيه نظر، لأنه لو كان كلامه لقال: ثم تتوضأ بصيغة الإخبار، قلت: فعلم من هذا أن ما رواه أبو داود بصيغة الإخبار مخالف لما رواه البخاري وغير صحيح، ثم قوله في آخر الحديث: \"حتى يجيء ذلك الوقت\" يأبى أيضًا أن يكون من كلام عروة، بل هو أمر من رسول الله - ﷺ - بالوضوء لكل صلاة، فإن بيان الغاية لا ينبغي إلَّا لرسول الله - ﷺ -.\n(وهذه الأحاديث) أي الآثار المذكورة الموقوفة، أو الأحاديث المرفوعة والموقوفة (كلها ضعيفة، إلَّا حديث قمير، وحديث عمار مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عروة عن أبيه).\nقد تقدم أن المصنف - رحمه الله تعالى - قد أخرج في هذا الباب في بدئه أربعة أحاديث: حديث أبي اليقظان عن عدي بن ثابت مرفوعًا، وحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت مرفوعًا، وحديث أيوب بن أبي مسكين عن الحجاج موقوفًا على عائشة - ﵂ -، وحديث أيوب بن أبي مسكين أبي العلاء عن ابن شبرمة مرفوعًا، وفي كلها ذكر الوضوء، ثم بين المصنف تزييفها كلها، ثم بعد ذلك أخرج آثارًا موقوفة، أولها أثر علي الذي رواه أبو اليقظان، وثانيها أثر\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٢).","vol":"2","page":419},{"text":"وَالْمَعْرُوفُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ الْغُسْلُ.\n===\nابن عباس الذي رواه عمار مولى بني هاشم، وثالثها أثر عائشة الذي رواه عبد الملك وبيان ومغيرة وفراس ومجالد، ورابعها أثر عروة الذي روى عنه هشام.\nثم قال بعد تخريجها: وهذه الأحاديث أي الآثار الموقوفة كلها ضعيفة، إلَّا حديث قمير الذي رواه عبد الملك وغيره عن الشعبي عن قمير، وحديث عمار مولى بني هاشم أي أثر ابن عباس الذي روى عنه عمار، وحديث هشام بن عروة، عن أبيه، أي أثر عروة الذي روى عنه هشام ابنه، فهذه الآثار الثلاثة مستثناة من جملتها، فلم يبق فيها إلَّا أثر علي الذي رواه أبو اليقظان، وأما أثر عائشة الذي رواه داود وعاصم عن الشعبي، عن قمير فهو أيضًا وإن كان داخلًا في الصحاح، ولكن تغير سياق العبارة يشير إلى أن الغرض من ذكره ليس إلَّا بيان الاختلاف فيما روي في هذا الباب عن قمير، عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -، ويحتمل أن يكون لفظة هذه إشارة إلى ما ذكر في الباب من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة جميعها.\nوقد بَيَّن ضعف الأحاديث المرفوعة فيما تقدم، فيكون ذكر تضعيفها ههنا مكررًا للتأكيد، وعلى هذا التقدير استثناء حديث قمير يكون راجعًا إلى الأثر الموقوف على عائشة الذي رواه عبد الملك بن ميسرة وغيره، لا إلى الحديث المرفوع الذي رواه أيوب أبو العلاء عن ابن شبرمة، لأنه صرح بضعفها فيما تقدم، فلا يدخل في الاستثناء.\n(والمعروف عن ابن عباس الغسل) حاصله: أن ما روى عمار مولى بني هاشم عن ابن عباس منكر، لأن المعروف عنه الغسل أي الغسل لكل","vol":"2","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>(١١٤) بَابُ مَنْ قَالَ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ</span>\n٣٠١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ\n===\nصلاة، قلت: لم أقف على حديث عمار موصولًا ولا على أن المعروف عنه الغسل، إلَّا ما حكى البيهقي (١)، قال الشيخ: وروينا عن علي أنها تغتسل كل يوم، وفي رواية: لكل صلاة، وعن ابن عباس: عند كل صلاة، وفي رواية أخرى عن علي وابن عباس وعائشة: الوضوء لكل صلاة، انتهى ملخصًا، وظاهر العبارة فيه إشكال، وهو أن ما تقدم من الاستثناء يدل على أن حديث عمار عن ابن عباس ليس فيه ضعف، وهذا يدل على أنه ضعيفٌ، لأنه لما كان المعروف عن ابن عباس الغسل فصار الوضوء لكل صلاة منكرًا، والمنكر من أقسام الضعيف.\nقال القاري في \"شرحه\" (٢) على \"شرح النخبة\": وإن وقت المخالفة مع الضعف أي كان الراوي المخالف ضعيفًا بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله المنكر.\n\n(١١٤) (بَابُ (٣) مَنْ قَالَ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ)\nبالظاء المعجمة، أي: من وقت الظهر إلى ظهر آخر من الغد\n٣٠١ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن سمي) مصغرًا (مولى أبي بكر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وثَّقه أحمد وأبو حاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٥٦).\n(٢) (ص ٣٣٧).\n(٣) قال العيني (٣/ ١٢٦): هو مذهب ابن المسيب والحسن، وسيأتي عند المصنف أنه قول سالم والحسن وعطاء. (ش).","vol":"2","page":421},{"text":"\"أَنَّ الْقَعْقَاعَ وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَرْسَلَاهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَسْأَلُهُ: كَيْفَ تَغْتَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ؟ فَقَالَ: تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ بِثَوْبٍ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِىَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ \"تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ\"\n===\nقتلته الحرورية سنة ١٣٠ هـ، (أن القعقاع) بن حكيم الكناني (وزيد بن أسلم أرسلاه) أي سُمَيًّا (إلى سعيد بن المسيب يسأله: كيف تغتسل المستحاضة؟) أي تغتسل (١) لكل صلاة، أو تجمع بين الصلاتين في الغسل، أو تغتسل كل يوم مرة.\n(فقال: تغتسل من ظهر إلى ظهر) (٢) أي تغتسل من وقت الظهر إلى وقت الظهر الثاني كل يوم مرة، (وتوضأ لكل صلاة) أي فيما بين الغسلين (فإن غلبها الدم) وكثر سيلانه (استثفرت) أي شدت عليها (بثوب) لئلا يشيع الدم.\n(قال أبو داود: وروي عن ابن عمر (٣)، وأنس بن مالك (٤): تغتسل من ظهر إلى ظهر) أي كما قاله سعيد بن المسيب، وقال البيهقي في\n_________\n(١) فالسؤال عن الوقت دون الكيفية، ما يدل عليه الجواب والسؤال. (ش).\n(٢) وروى مالك في \"الموطأ\" (١٠٧): من طهر بالمهملة، والظاهر على ما رواه هو الصحيح عنده. (ش).\n(٣) رواية ابن عمر أخرجها الدارمي في \"سننه\" (١/ ١٤٤) رقم (٨١٥).\n(٤) قلت: وقول أنس بن مالك لم أقف على من أخرجه ولكن أشار محقق \"المصنف\" لعبد الرزاق إلى احتمال سقوط السند من الكتاب، لأن في \"المصنف\" (١/ ٣٠٤): قالا: تغتسل من الظهر إلى الظهر ... \" إلخ، وقال الشيخ الأعظمي في الحاشية: وظني أن ضمير \"قالا\" يرجع إلى ابن عمر وأنس فإن أبا داود قال: روي عن ابن عمر وأنس: \"تغتسل من ظهر إلى ظهر\" فالساقط إذًا أسماؤهما مع إسناد المصنف إليهما.","vol":"2","page":422},{"text":"وَكَذَلِكَ رَوَى (١) دَاوُدُ وَعَاصِمٌ عن الشَّعْبِيِّ، عن امْرَأَتِهِ،\n===\n\"سننه\" (٢) وعن ابن عمر وأنس بن مالك: \"تغتسل من طهر إلى طهر\" بالطاء الغير (٣) المنقوطة (٤).\n(وكذلك) أي كما روي عن سعيد بن المسيب وابن عمر وأنس بن مالك (روى داود وعاصم عن الشعبي عن امرأته) هكذا في بعض النسخ الموجودة، وفي بعض النسخ: \"عن امرأة\"، ولم يتحقق لي مراد المصنف بهذا اللفظ بأنها من هي، والذي أظن أن هذا اللفظ دخل غلطًا من النساخ، فإن هذه الرواية قد ذكرها المصنف فيما تقدم قريبًا، وهكذا لفظه: ورواية داود وعاصم عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة: \"تغتسل كل يوم مرة\"، ولم يذكر فيها عن امرأته، ثم أعاد ههنا الرواية السابقة، وبَيَّن الفرق بين لفظيهما، فلا يمكن أن يكون المخالفة في السند، ويحتمل أن الشعبي ذكر مرة عن قمير باسمها، ومرة عن امرأة مسروق، فجمع الراوي بينهما، وترك لفظ مسروق، وغلط في ذكر الضمير، ولا يوجد للشعبي رواية عن امرأته عن قمير، فهذا اللفظ غلط إن شاء الله تعالى.\nويؤيده ما أخرجه الدارمي (٥) من رواية داود هذا عن الشعبي، فقال: أخبرنا حجاج قال: ثنا حماد، عن داود، عن الشعبي، عن قمير امرأة مسروق أن عائشة قالت في المستحاضة: \"تغتسل كل يوم مرة\"،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رواه\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٥٦).\n(٣) كذا في الأصل والظاهر \"غير المنقوطة\".\n(٤) لكن ذكر المصنف أثرهما في باب الظهر يدل على أن الصواب عنده فيهما أيضًا الإعجام. (ش).\n(٥) \"سنن الدارمي\" (٧٩٩).","vol":"2","page":423},{"text":"عَنْ قَمِيرَ، عَنْ عَائِشَةَ، إِلَاّ أَنَّ دَاوُدَ قَالَ: \"كُلَّ يَوْمٍ\"، وَفِى حَدِيثِ عَاصِمٍ قال: \"عِنْدَ الظُّهْرِ\"، وَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ. قَالَ مَالِكٌ: إِنِّى لأَظُنُّ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ قال فيه: \"إنما هو مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ\"، وَلَكِنَّ الْوَهَمَ دَخَلَ فِيهِ.\nوَرَوَاهُ الْمِسْوَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ\n===\nولم يذكر بين الشعبي وبين (١) قمير أحدًا.\n(عن قمير، عن عائشة إلَّا أن داود قال: كل يوم) أي تغتسل كل يوم مرة (وفي حديث عاصم قال: عند الظهر) أي تغتسل عند الظهر، فالروايتان وإن اختلفتا في اللفظ لكن معناهما واحد، وهو أن تغتسل المستحاضة كل يوم مرة، وهذا قدر مشترك بين الروايتين. (وهو قول سالم بن عبد الله والحسن وعطاء) (٢).\n(وقال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب من ظهر إلى ظهر قال فيه: إنما هو من طهر إلى طهر. ولكن الوهم دخل فيه).\n(ورواه مسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع).\nقال في \"التقريب\": المسور بن عبد الملك بن سعيد بن يربوع المدني، مقبول، من السادسة، حديثه في الطهارة من السنن، وله تذكرة أخرى،\n_________\n(١) قلت: لكن في رواية \"المصنف\" لابن أبي شيبة (١/ ١١٩) رقم (١٣٥١) عن داود عن الشعبي قال: أرسلت امرأتي إلى امرأة مسروق، فسألتها عن المستحاضة، فذكرت عن عائشة، الحديث. (ش).\n(٢) أما قول سالم، فوصله ابن أبي شيبة (١/ ١٢٧)، وقول الحسن فوصله ابن أبي شيبة (١/ ١٢٧)، والدارمي (١/ ١٤٤) رقم (٨١١).\nوقول عطاء وصله الدارمي (١/ ١٤٤) رقم (٨١٣).","vol":"2","page":424},{"text":"قَالَ فِيهِ: \"مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ\"، فقَلَبَهَا النَّاسُ: \"مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرِ\".\n===\nوقال الذهبي في \"الميزان\": مسور بن عبد الملك، حدث عنه معن القزاز، ليس بالقوي، قاله الأزدي، انتهى، وقال الحافظ في \"لسان الميزان\": مسور بن عبد الملك، حدث عنه معن القزاز، ليس بالقوي قاله الأزدي، انتهى، وأخرج له من رواية عثمان بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن بسرة بنت صفوان في الوضوء من مس الذكر، قال في آخره: والمرأة كذلك، وسمى ابن أبي حاتم جده سعيد بن يربوع، وذكر في الرواة عنه أيضًا ابنُ وهبٍ أشهبَ وعبدَ الله بن الحكم، انتهى.\n(قال فيه: من طهر إلى طهر) أي بالطاء المهملة (فقلبها الناس: من ظهر إلى ظهر) أي بالظاء المعجمة، قوى المصنف قول مالك بالتصحيف الواقع في لفظ من ظهر إلى ظهر برواية مسور بن عبد الملك، ومسور هذا ليس بقوي، فكيف تؤيد روايته، ولم أقف على شيخ مسور بن عبد الملك، فلعله سعيد بن المسيب أو غيره.\nقال الخطابي (١): قال أبو داود: قال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب \"من ظهر إلى ظهر\" إنما هو \"من طهر إلى طهر\"، ولكن الوهم دخل فيه فقلبه الناس فقالوا: من ظهر إلى ظهر، ما أحسن ما قال مالك، وما أشبهه بما ظنه من ذلك، لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى مثلها من صلاة الغد، ولا أعلمه قولًا لأحد من الفقهاء، وإنما هو \"من طهر إلى طهر\"، وهو وقت انقطاع دم الحيض، انتهى.\nقلت: الذي ظنه الإِمام - ﵀ - هو ظن منه لم أقف على مستنده، ولا يبعد أن تكون الرواية على كلا اللفظين بالطاء المهملة والظاء\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٦).","vol":"2","page":425},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمعجمة، وقد أخرج الدارمي (١) قول سعيد بن المسيب هذا بطرقٍ وألفاظٍ مختلفةٍ، فأوله ما أخرج بسنده عن سمي قال: سألت سعيد بن المسيب عن المستحاضة، فقال: وتغتسل من الظهر إلى الظهر بالمعجمة.\nوعن الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: تغتسل من ظهر إلى ظهر بالظاء المعجمة، وفي رواية عن سمي، قال: قال سعيد: تغتسل من الظهر إلى مثلها من الغد لصلاة الظهر.\nوأخرج بسنده عن عبد الكريم عن سعيد بن المسيب قال: المستحاضة تغتسل كل يوم عند صلاة الأولى.\nوقد قوى قول سعيد بن المسيب هذا بقول الحسن، فقال: وكان الحسن يقول ذلك، وأخرج بسنده عن حميد عن الحسن قال: المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها من الشهر، ثم تغتسل من الظهر إلى الظهر، وبقول ابن عمر، فأخرج بسنده عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر.\nولما بلغ ثبوت هذا اللفظ وصحته بتلك المثابة، فكيف يجترئ على القول بالوهم فيه، ومعنى الحديث على الرواية بالمعجمة أن المقصود بالأمر بالغسل هو المعالجة لتقليل الدم بالتبريد، وأحسن الأوقات للتبريد وأحوجها إليه ما هو أشد في الحرارة وهو وقت الظهر، ولذلك أمر بالغسل فيه لتسكين الحرارة وتقليلها (٢).\n_________\n(١) \"سنن الدارمي\" (١/ ١٤٤).\n(٢) وأجاد ابن رسلان في توجيه الأثر، فحمله على امرأة كان ينقطع حيضها عند الظهر، قال: فيحتمل أن الراوي ذكر الجواب فقط، ولم يذكر السؤال. (ش).","vol":"2","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>(١١٥) بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، وَلَمْ يَقُلْ: عِنْدَ الظُّهْرِ</span>\n٣٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مَعْقِلٍ الْخَثْعَمِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ - قَالَ: \"الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا انْقَضَى حَيْضُهَا اغْتَسَلَتْ كُلَّ يَوْمٍ، وَاتَّخَذَتْ صُوفَةً فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ\".\n===\n\n(١١٥) (بَابُ مَنْ (١) قَالَ: تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، وَلَمْ يَقُلْ: عِنْدَ (٢) الظُّهْرِ)\n٣٠٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن نمير، عن محمد ابن أبي إسماعيل) واسم أبي إسماعيل راشد، السلمي الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، قال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو عمر وإسماعيل، ويعرفون ببني أبي إسماعيل، ومحمد أحبهم إلى، وقال يحيى بن آدم: عن شريك أنه سئل عن امرأة ولدت في بطن أربعة، فقال: قد رأيت بني أبي إسماعيل أربعة ولدوا في بطن وعاشوا، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٤٢ هـ.\n(عن معقل الخثعمي، عن علي) بن أبي طالب (قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها) أي أيام حيضها (اغتسلت كل يوم) ليتقلص الدم، ويتقلل لتبريده، فليس هذا الغسل للتطهر بل للعلاج (٣) (واتخذت صوفة فيها سمن (٤) أو زيت)، وهذا أيضًا بطريق العلاج، فلعل استعمال السمن أو الزيت ينفع من سيلان الدم.\n_________\n(١) قال العيني (٣/ ١٢٦): وروي ذلك عن علي وابن عباس وعائشة، وإلى عائشة فقط عزاه النووي في \"شرح المهذب\" (٢/ ٤٩٤). (ش).\n(٢) ليس هذا في نسخة ابن رسلان. (ش).\n(٣) قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (٢/ ٩٣): لأجل الاحتياط.\n(٤) قال ابن رسلان: قال أصحابنا: هذا الحشو والشد واجب إلَّا في موضعين: =","vol":"2","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>(١١٦) بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ بَيْنَ الأَيَّامِ</span>\n٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ \"أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ؟ قَالَ (١): تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ فَتُصَلِّى، ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِى الأَيَّامِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>(١١٧) بَابُ مَنْ قَالَ: تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ</span>\n٣٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ،\n===\n\n(١١٦) (بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ بَيْنَ الَأيَّامِ)\n٣٠٣ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (نا عبد العزيز، يعني ابن محمد) بن عبيد، (عن محمد بن عثمان) بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي المدني، قال أحمد: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ مدني محله الصدق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (أنه) أي محمد بن عثمان (سأل القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق (عن المستحاضة؟ قال) أي القاسم: (تدع) أي المستحاضة (الصلاة أيام أقرائها) أي حيضها، (ثم تغتسل) وهذا الغسل هو الواجب للتطهر من الحيض (فتصلي، ثم تغتسل في الأيام) أي في أيام طهرها، وهذا الغسل هو المندوب علاجًا لتقليل الدم وتنظيف البدن.\n\n(١١٧) (بَابُ مَنْ قَالَ: تَوَضَّاُ لِكُلِّ صَلاةٍ) (٢)\n٣٠٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا ابن أبي عدي) هو محمد\n_________\n= أحدهما: أن تتأذى بالشد ويجرحها الدم، فلا يلزمها بما فيه من الحرج، وثانيهما: أن لا تكون صائمة، فتترك الحشو، وتكتفي بالشد وتلجم. (ش).\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) تقدم الكلام على المسألة في \"باب من قال: تغتسل من طهر إلى طهر\". (ش).","vol":"2","page":428},{"text":"عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - قال: حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِى حُبَيْشٍ \"أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ -ﷺ-: «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِى عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِى وَصَلِّى». [تقدم برقم ٢٨٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَحَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ حِفْظًا فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ\n===\n(عن محمد - يعني ابن عمرو- قال: ثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش \"أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي - ﷺ -: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضَّئِي (١) وصلي\").\n(قال أبو داود: قال ابن المثنى: وثنا به ابن أبي عدي حفظًا فقال: عن عروة، عن عائشة أن فاطمة ...).\nهذا الحديث الذي ذكره المصنف هاهنا مكرر بسنده ومتنه، وقد تقدم هذا الحديث وشرحه في \"باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة\"،\n_________\n(١) اختلف الأئمة في وضوء صاحب العذر، فأوجبه الأئمة الثلاثة إلَّا أن عند الشافعي لكل صلاة، وعندنا وأحمد لوقت كل صلاة، ولم يوجبه الإِمام مالك أصلًا بل استحبه، كما هو مصرح في كتبهم، فغرض المصنف من الباب الأول إثبات من ذهب إلى إيجاب الوضوء، وبالثاني من قال باستحبابه ولم يوجب الوضوء.\nوفي \"المنهل\" (٣/ ١٢٧): ينتقض بخروج الوقت عند أبي حنيفة ومحمد وبدخوله عند أبي يوسف، وقال زفر: ينتقض بالدخول والخروج، وهو أصح الروايتين لأحمد، وفي \"الهداية\" (١/ ٣٤): مذهب الطرفين النقض بالخروج، وعند زفر بالدخول، وعند أبي يوسف بأيهما كان ... إلخ. (ش).","vol":"2","page":429},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِىَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَشُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ، قَالَ الْعَلَاءُ: عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، وَأَوْقَفَهُ شُعْبَةُ عَلَى أَبِى جَعْفَرٍ: تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.\n===\nوبَيَّنَّا هناك أن هذا الذي ذكره المصنف من طريق محمد بن المثنى يخالف ما ذكره البيهقي بسنده عن الإِمام أحمد بن حنبل، فإن ما ذكره الإِمام أحمد عن ابن أبي عدي لم يذكر فيه عن فاطمة، بل ذكره مرسلًا، وما أخرجه المصنف عن ابن المثنى فهو مسند عن فاطمة، وأيضًا يقول الإِمام أحمد: إن ابن أبي عدي يحدثنا عن عائشة ثم تركه، وهذا القول يدل على أن ابن أبي عدي كان يروي موصولًا عن عائشة ثم ترك ذكرها، ويروي مرسلًا، وأما على تخريج المصنف فإنه يقتضي أن ابن أبي عدي يروي من كتابه عن عروة، عن فاطمة ولا يذكر بينهما عائشة، ويروي حفظًا فيروي عن عروة، عن عائشة، ولا يروي عن فاطمة، كأنه لم يترك عن عائشة، ويمكن أن يقال: إنه يذكر عائشة فيما يروي حفظًا غلطًا ونسيانًا، ثم لما تنبه ترك ذكرها بعد التنبه، والله أعلم.\n(قال أبو داود: وروي عن العلاء بن المسيب (١) وشعبة عن الحكم) ابن عتيبة (عن أبي جعفر) هو محمد بن علي بن الحسين الباقر، ثم أراد المصنف أن يبين الفرق بين رواية العلاء وبين رواية شعبة فقال: (قال العلاء: عن النبي - ﷺ -) أي روى العلاء عن الحكم، عن أبي جعفر، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (وأوقفه شعبة) وفي نسخة: (على أبي جعفر)، أي رواه شعبة عن الحكم، عن أبي جعفر موقوفًا عليه، ولم يذكر النبي - ﷺ - (توضأ) أي تتوضأ بحذف إحدى التائين أي المستحاضة (لكل صلاة) في أيام استحاضتها.\n_________\n(١) أخرج رواية العلاء ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>(١١٨) بَابُ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْوُضُوءَ إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ</span>\n٣٠٥ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قال: إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَأَمَرَهَا النَّبِىُّ -ﷺ- أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّى، فَإِنْ رَأَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ\". [ق ١/ ٣٥١]\n===\n\n(١١٨) (بَابُ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْوُضَوءَ إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ) (١)\nمن نواقض الوضوء غير دم الاستحاضة\n٣٠٥ - (حدثنا زياد بن أيوب) الطوسي، (نا هشيم) بن بشير، (نا أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية، (عن عكرمة) مولى ابن عباس، كما هو ظاهر الإطلاق، فإن المطلق يحمل عليه، ويؤيده أن الحافظ ذكر في \"تهذيب التهذيب\": أن أبا بشر يروي عن عكرمة مولى ابن عباس، ولم يذكر روايته عن عكرمة بن عمار، وأما كلام الشوكاني فيقتضي أنه عكرمة بن عمار، ولم يتحقق لي صريحًا أنه مولى ابن عباس أو ابن عمار.\n(قال) أي عكرمة: (إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فأمرها النبي - ﷺ - أن تنتظر أيام أقرائها) أي مضي أيام أقرائها، فلا تصلي فيها (ثم تغتسل) أي للطهر من الحيض بعد فراغها منه (وتصلي، فإن رأت شيئًا) (٢) بعد ما تنقضي أيام أقرائها (من ذلك) أي من جميع ما ينقض الطهارة (توضأت وصلت)، هذه الرواية قد ذكرها المصنف فيما تقدم معلقة ومرسلة، وقد أعادها هنا موصولة مرسلة.\n_________\n(١) قال العيني في \"شرحه\" (٢/ ٩٦): أي هذا باب في بيان قول من لم يذكر الوضوء للمستحاضة إلَّا عند الحدث.\n(٢) وهذا ينايسب الترجمة، وقال ابن رسلان: شيئًا من ذلك أي الدم، وهذا يناسب المذهب. (ش).","vol":"2","page":431},{"text":"٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، ثني اللَّيْثُ، عَنْ رَبِيعَةَ \"أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ وُضُوءًا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إِلَاّ أَنْ يُصِيبَهَا حَدَثٌ غَيْرُ الدَّمِ فَتَوَضَّأُ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، يَعْنِى ابْنَ أَنَسٍ.\n===\n٣٠٦ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب) بن الليث بن سعد الفهمي بمفتوحة وسكون هاء، منسوب إلى فهم بن عمرو، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٤٨ هـ، (ثني عبد الله بن وهب، ثني الليث) بن سعد، (عن ربيعة) بن أبي عبد الرحمن الرأي (أنه) أي ربيعة (كان لا يرى على المستحاضة وضوءًا عند كل صلاة إلَّا أن يصيبها حدث غير الدم فتوضأ، قال أبو داود: هذا قول مالك يعني ابن أنس).\nقلت: وهذا الذي قاله ربيعة هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ومن تبعه (١)، فإن عندهم أصحاب الأعذار كالمستحاضة وغيرها خروج النجس الذي ابتلوا به من هؤلاء لا ينقض الطهارة، فلها أن تصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل ما لم يخرج الوقت، وإن دام السيلان فلا يجب عليها الوضوء عند كل صلاة بهذا الحدث الذي ابتليت به، إلَّا أن يصيبها حدث غير ما ابتليت به، فتوضأ.\nوقال الخطابي في \"شرحه\" (٢): الحديث لا يشهد لما ذهب إليه ربيعة، وذلك أن قوله: \"فإن رأت شيئًا من ذلك توضأت وصلت\"، يوجب\n_________\n(١) قلت: مذهب مالك في المشهور عنه أنه لا ينقض بخروج الوقت أيضًا، فالفرق بين المذهبين حتم. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٦).","vol":"2","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>(١١٩) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ والْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ</span>\n٣٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن قَتَادَةَ، عن أُمِّ الْهُذَيْلِ،\n===\nعليه الوضوء ما لم يتيقن زوال تلك العلة وانقطاعها عنها، وذلك لأنها لا تزال ترى شيئًا من ذلك أبدًا، إلَّا أن تنقطع عنها العلة، وقول ربيعة شاذ، وليس العمل به، وهذا الحديث منقطع، وعكرمة لم يسمع عن أم حبيبة بنت جحش، انتهى ملخصًا.\nقلت: عقد المصنف هذا الباب وقال: \"باب من لم يذكر الوضوء إلَّا عند الحدث\"، فلو أريد بالحدث غير دم الاستحاضة الذي ابتليت به، وأريد بقوله في الحديث: \"فإن رأت شيئًا من ذلك\" ما تنقض الوضوء غير دم الاستحاضة، فالحديث حينئذ يطابق الباب، ويشهد لما ذهب إليه ربيعة، فكأن الخطابي لم يسبق ذهنه إلى هذا التأويل، وفهم من الحدث الحدث الذي أصابها من الاستحاضة، وكذلك في الحديث فهم أن الإشارة في قوله: \"من ذلك\" إلى ذلك الحدث، فاعترض بأن الحديث لا يشهد لما ذهب إليه ربيعة، وقول الخطابي: \"قول ربيعة شاذ\" غير مسلم، كيف وقد قال أبو داود على ما في بعض النسخ: وهذا قول مالك بن أنس، وقد بينا قبل أن هذا هو قول أبي حنيفة ومن تبعه، فلا يكون قول ربيعة قولًا شاذًا، والله أعلم.\n\n(١١٩) (بَابٌ: في المَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ)\n٣٠٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (عن قتادة، عن أم الهذيل) هي حفصة بنت سيرين الأنصارية البصرية، أخت محمد بن سيرين، قال ابن معين: ثقة حجة، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، ماتت سنة ١٠١ هـ.","vol":"2","page":433},{"text":"عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - وَكَانَتْ بَايَعَتِ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَتْ: \"كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا\". [خ ٣٢٦، ن ٣٦٨، جه ٦٤٧، ق ١/ ٣٣٧، ك ١/ ١٧٤]\n٣٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِمِثْلِهِ. (١) [انظر الحديث السابق]\n===\n(عن أم عطية) (٢) هي نسيبة مصغرًا، ويقال مكبرًا، بنت كعب، ويقال: بنت الحارث، كانت تغزو مع رسول الله - ﷺ - تمرض المرضى وتداوي الجرحى، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت، صحابية مشهورة، سكنت البصرة.\n(وكانت بايعت النبي - ﷺ - قالت) أي أم عطية: (كنا لا نعد) أي في زمن النبي - ﷺ - مع علمه بذلك، وبهذا يعطى الحديث حكم الرفع، وبهذا جزم الحاكم وغيره خلافًا للخطيب، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٣) (الكدرة والصفرة بعد الطهر) أي بعد حصول الطهر (شيئًا) من الحيض، فأما قول عائشة - ﵂ -: \"لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء\"، فمحمول على ما إذا رأت الصفرة أو الكدرة في أيام الحيض، وأما قول أم عطية فيحمل على بعد انقضاء أيام الحيض في الطهر.\n٣٠٨ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل) بن علية، (نا أيوب) بن أبي تميمة، (عن محمد بن سيرين، عن أم عطية بمثله)، أي روى محمد بن سيرين عن أم عطية بمثل ما روته أخته أم الهذيل عن أم عطية، ويمكن أن يقال: حدث مسدد بسنده عن أم عطية بمثل ما حدث موسى بن إسماعيل بسنده عنها.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مثله\".\n(٢) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٤٧٣) رقم (٧٥٤٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢٦).","vol":"2","page":434},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الخطابي (١): اختلف الناس في الصفرة والكدرة (٢) بعد الطهر والنقاء، فروي عن علي -﵁ - أنه قال: ليس ذلك بحيض، ولا تترك لها الصلاة، ولتتوضأ ولتصل، وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي، وقال سعيد بن المسيب: إذا رأت ذلك اغتسلت وصلت، وبه قال أحمد بن حنبل.\nوعن أبي حنيفة: إذا رأت بعد الحيض وبعد انقطاع الدم الصفرة والكدرة يومًا أو يومين ما لم تجاوز العشر، فهو من حيضها، ولا تطهير حتى ترى البياض خالصًا.\nواختلف قول أصحاب الشافعي في هذا، فالمشهور من مذهب أصحابه: أنها إذا رأت الصفرة أو الكدرة بعد انقطاع دم العادة ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا، فإنها تحيض، وقال بعضهم: إذا رأتها في أيام العادة كانت حيضًا، ولا يعتبرها فيما جاوزها، فأما البكر إذا رأت أول ما رأت الدم صفرة أو كدرة فإنهما لا تعدان في قول أكثر الفقهاء حيضًا، وهو قول عائشة وعطاء، وقال بعض أصحاب الشافعي: حكم المبتدأة بالصفرة والكدرة حكم الحيض.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٧).\n(٢) قال العيني (٣/ ١٧٣): ذهب الجمهور إلى معنى الحديث كما ترجم البخاري فقالوا: هما في زمن الحيض حيضٌ لا بعده، به قال الثوري والليث وأبو حنيفة ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو يوسف: ليس في قبل الحيض حيضٌ بعده حيضٌ، وقال مالك: حيضٌ قبله وبعده، وقريب منه ما في \"المغني\" (١/ ٤١٣) إلَّا أنه عد مالكًا أيضًا مع الجمهور، ويشكل أن مذهب مالك العبرة بالتمييز، وأجبت عنه في هامش \"اللامع\" (٢/ ٢٨٤). (ش).","vol":"2","page":435},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُمُّ الْهُذَيْلِ هِىَ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ كَانَ ابْنُهَا اسْمُهُ: هُذَيْلٌ، وَاسْمُ زَوْجِهَا: عَبْدُ الرَّحْمَنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>(١٢٠) بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ يَغْشَاهَا زَوْجُهَا</span>\n٣٠٩ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ خَالدٍ، نَا مُعَلَّى- يَعْنِي ابْن مَنْصُورٍ -،\n===\n(قال أبو داود: أم الهذيل هي حفصة بنت سيرين، كان ابنها اسمه هذيل، واسم زوجها عبد الرحمن).\n\n(١٢٠) (بَابُ المُسْتَحَاضَةِ يَغْشَاهَا زَوْجُهَا) (١)\nأي يجامعها زوجها في حالة الاستحاضة وسيلان دمها\n٣٠٩ - (حدثنا إبراهيم بن خالد، نا معلى - يعني ابن منصور-) الرازي، أبو يعلى، نزيل بغداد، قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة صاحب سنَّة، وكان نبيلًا، طلبوه للقضاء غير مرة فأبى، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة فيما تفرد به وشورك به فيه، متقن صدوق فقيه مأمون، وقال ابن سعد: كان صدوقًا صاحب حديث، وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقًا في الحديث، وكان صاحب رأي، وقال أحمد بن حنبل: معلي بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به لأني لم أجد له حديثًا منكرًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان ممن جمع\n_________\n(١) به قال الجمهور خلافًا لرواية لأحمد، كذا في \"المغني\" (١/ ٤٢٠)، وهو المختار عندهم إلَّا أن يخاف على نفسها، كذا في كتبهم المطولة والمختصرة، وكذا نقله العيني مفصلًا، ونقل عن باقي الأئمة الجواز، وكذا في \"الميزان\" (ص ١٦٦) و\"ابن رسلان\"، ونقل مستدل أحمد أثر عائشة: \"المستحاضة لا يغشاها زوجها\"، رواه الخلال. (ش).","vol":"2","page":436},{"text":"عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: \"كَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ، فَكَانَ (١) زَوْجُهَا يَغْشَاهَا\". [ق ١/ ٣٢٩]\n===\nوصنف، ونقل عبد الحق في \"الأحكام\" عن أحمد: أنه رماه بالكذب، وقال الحافظ في \"التقريب\": أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، مات سنة ٢١١ هـ.\n(عن علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء، القرشي أبو الحسن الكوفي، الحافظ، قاضي الموصل، قال أحمد: صالح الحديث، وثَّقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن سعد، والعجلي وقال: كان ممن جمع الحديث والفقه، ثقة، وعن يحيى بن معين: أنه وُلّي قضاء أرمينية فاشتكى عينه، فدس القاضي الذي كان بأرمينية إليه طبيبًا فكحله، فذهبت عينه، ورجع إلى الكوفة أعمى، مات سنة ١٨٩ هـ.\n(عن الشيباني) هو سليمان، (عن عكرمة) الظاهر أنه مولى ابن عباس (قال) أي عكرمة: (كانت أم حبيبة تستحاض) أي تصيبها الاستحاضة (فكان زوجها) واسم زوجها عبد الرحمن بن عوف (يغشاها) أي يجامعها، فإن قيل: كان يكون فعل الصحابي حجة مادام لم يثبت أن رسول الله - ﷺ - أذن له بذلك؟ قلت: الظاهر أنه لا يجترئ على ذلك مع أنه قد ورد النهي عن قربان الحيض في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٢) إلَّا بإذن منه - ﷺ -.\nوقال الشوكاني (٣) في الجواب: وينبغي التعويل في الاستدلال على أن التحريم إنما يثبت بدليل، ولم يرد في ذلك شرع يقتضي المنع منه، وفيه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٢) سورة البقرة الآية ٢٢٢.\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٦٤).","vol":"2","page":437},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مُعَلَّى ثِقَةٌ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَرْوِى عَنْهُ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِى الرَّأْىِ.\n٣١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى سُرَيْجٍ الرَّازِىُّ، أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ:\n===\nنظر، لأنه قد منع الله من وطء الحائض معللًا بالأذى، والأذى موجود في المستحاضة، فثبت التحريم في حقها (٢).\n(قال أبو داود: قال يحيى بن معين: معلى (٣) ثقة، وكان أحمد ابن حنبل لا يروي عنه، لأنه كان ينظر في الرأي)، قلت: وهذا القدر لا يقتضي الجرح، وقد ذكرنا توثيقه في ما تقدم في ترجمته حتى إن الإِمام أحمد بن حنبل أيضًا ذكر توثيقه، وقال: معلي بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية (٤).\n٣١٠ - (حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي) هو أحمد بن الصباح النهشلي، أبو جعفر، ابن أبي سريج بمهملة وآخره جيم، مصغرًا، الرازي، المقرئ، وقيل: اسم أبيه عمر، بغدادي، روى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي وقال: ثقة، ويعقوب بن شيبة وقال: كان ثقة ثبتًا، وقال ابن حبان في \"الثقات\": يغرب على استقامته.\n(نا عبد الله بن الجهم) الرازي، أبو عبد الرحمن، قال أبو زرعة: رأيته ولم أكتب عنه، وكان صدوقًا، وقال أبو حاتم: رأيته ولم أكتب عنه، وكان يتشيع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: أنا\".\n(٢) وقد وردت عدة روإيات في \"جمع الفوائد\" ما يدل على جواز الغشيان. (ش). [انظر: \"جمع الفوائد\" (١/ ١٣٢)].\n(٣) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٣٦٩)، و\"ميزان الاعتدال\" (٤/ ١٥٠).\n(٤) قال الذهبي في معلي بن منصور: العلامة الحافظ الفقيه الحنفي.","vol":"2","page":438},{"text":"حَدَّثَنَا عَمْرُو - يعني ابْنُ أَبِى قَيْسٍ -، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ \"أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً وَكَانَ زَوْجُهَا يُجَامِعُهَا\". [ق ١/ ٣٢٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>(١٢١) بَابُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ النُّفَسَاءِ</span>\n٣١١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ،\n===\n(نا عمرو - يعني ابن أبي قيس -) الرازي الأزرق، كوفي، نزل الري، قال الآجري عن أبي داود: في حديثه خطأ، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به كان يهم في الحديث قليلًا، وقال أبو بكر البزار في \"السنن\": مستقيم الحديث. قال عبد الصمد: دخل الرازيون على الثوري فسألوه الحديث، فقال: أليس عندكم ذلك الأزرق، يعني عمرو بن أبي قيس.\n(عن عاصم) بن بهدلة، (عن عكرمة) لم يتحقق لي أنه مولى ابن عباس أو ابن عمار، وظاهر الإطلاق أن يكون مولى ابن عباس، وأيضًا عكرمة هذا يروي عن ابن عباس في المستحاضة أنه لم ير بأسًا أن يأتيها زوجها أخرجه الدارمي (١) (عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها) واسم زوجها طلحة بن عبيد الله.\n\n(١٣١) (بَابُ مَا جَاءَ (٢) فِي وَقْتِ النُّفَسَاءِ)\nأي في تعيين وقت نفاسها\n٣١١ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير) بن معاوية\n_________\n(١) \"سنن الدارمي\" (١/ ١٤٤) رقم (٨١٧).\n(٢) لم يذكر المصنف توقيت الحيض، ولعله لأنه لم يجئ فيه شيء ثابت من الروايات، =","vol":"2","page":439},{"text":"نَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عن أَبِي سَهْلٍ، عن مُسَّةَ،\n===\n(نا علي بن عبد الأعلى) بن عامر الثعلبي بالمثلثة والمهملة، أبو الحسن الكوفي الأحول، قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال الدارقطني في \"العلل\": ليس بالقوي، وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس، ووثَّقه الترمذي، وقال البخاري فيما نقل عنه الترمذي: ثقة، وكان قاضيًا بالري.\n(عن أبي سهل) كثير بن زياد البرساني بضم موحدة وسكون راء وإهمال سين، الأزدي العتكي البصري، سكن بلخ، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان ممن يخطئ، ثم غفل فذكره في \"الضعفاء\"، وقال: يروي عن الحسن وأهل العراق مقلوبات، وقال البخاري: ثقة.\n(عن مُسَّةَ) بضم أولها وتشديد السين المهملة، الأزدية، أم بُسَّةَ بضم الموحدة والتشديد أيضًا، مقبولة، كذا في \"التقريب\"، وفي \"تهذيب التهذيب\": روى عنها أبو سهل كثير بن زياد، وذكر الخطابي وابن حبان أن الحكم بن عتيبة روى عنها أيضًا، وقال الذهبي في \"الميزان\": قال الدارقطني: لا يحتج بها، قلت: ما نقله الذهبي عن الدارقطني لم أره في \"سننه\"، وقد أخرج بسنده روايتها عن الحكم بن عتيبة وعن أبي سهل كثير بن زياد عن مسة الأزدية، وعادته فيها أنه يبين ضعف الرواة وجرحهم، فلم يذكر لها شيئًا من ذلك، وقال الشوكاني (١) في \"النيل\": ومُسة الأزدية مجهولة الحال، قال ابن سيد الناس: لا يعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث.\n_________\n= كما يظهر من كلام ابن العربي (١/ ٢٢٨)، حيث قال: لا يصح فيه خبر، وتقدم مستنبط الحنفية في هامش \"باب في المرأة تستحاض\". (ش).\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٦٥).","vol":"2","page":440},{"text":"عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: \"كَانَتِ النُّفَسَاءُ (١) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً،\n===\nقلت: روى عنها أبو سهل كثير بن زياد والحكم بن عتيبة كما أخرج عنهما الدارقطني عن مسة، فارتفعت جهالتها، فصح ما قال الحافظ: إنها مقبولة.\n(عن أم سلمة قالت) أي أم سلمة: (كانت النفساء على عهد رسول الله - ﷺ - تقعد) عن الصلاة (بعد نفاسها) أي بعد بدء نفاسها (أربعين) أي إلى أربعين (يومًا، أو) للشك (٢) (أربعين ليلة) أي أو قال الراوي: أربعين ليلة، وكان ذلك بأمره - ﷺ - وتشريعه لئلا يكون الخبر كذبًا، إذ لا يمكن أن تتفق عادة نساء عصر في نفاس أو حيض، هكذا نفله الشوكاني عن مصنف \"منتقى الأخبار\".\nقال الشوكاني (٣): وقد اختلف الناس في أكثر النفاس، فذهب علي وعمر وعثمان وعائشة وأم سلمة والجمهور (٤) إلى أن أكثر النفاس أربعون يومًا، واستدلوا بحديث الباب وبما ذكرنا بعده من الروايات، وقال الشافعي في قول: بل سبعون، وفي قول للشافعي وهو الذي في كتب الشافعية، وروي أيضًا عن مالك: ستون يومًا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النساء\".\n(٢) قال ابن رسلان: وفي رواية الترمذي: \"أربعين يومًا\" من غير شك، ولابن ماجه زيادة وهي: \"وقت لها أربعين يومًا إلَّا أن ترى الطهر قبل ذلك\". (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٦٥).\n(٤) وبه قالت الحنفية وأحمد، كذا في \"المغني\" (١/ ٤٢٠)، قال ابن رسلان: به قال المزني وحكى عن الشافعي، قال الترمذي (١/ ٢٥٨): وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو قول جماعة من الصحابة، سمى بعضهم، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعًا، قلت: ولم يذكر ابن رسلان قول الشافعي بستين. (ش).","vol":"2","page":441},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يومًا متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار، فالمصير إليها متعين، قال الترمذي في \"سننه\" (١): وقد أجمع أصحاب النبي - ﷺ - والتابعون ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلَّا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي.\nواختلفوا في تقدير أقل النفاس، فعند العترة والشافعي ومحمد: لا حد لأقله، واستدلوا بما سبق من قوله: \"فإن رأت الطهر قبل ذلك\"، وقال زيد بن علي: ثلاثة أقراء، فإذا كانت المرأة تحيض خمسًا فأقل نفاسها خمسة عشر يومًا، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: بل أحد عشر يومًا كأكثر الحيض وزيادة يوم لأجل الفرق، وقال الثوري: ثلاثة أيام، وجميع الأقوال ما عدا الأول لا دليل عليها ولا مستند لها إلَّا الظنون، انتهى ملخصًا بتغيير.\nقلت: وما نسب الشوكاني إلى أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - من أنهما قدرا أقل النفاس أحد عشر يومًا لم أره في كتبنا، بل قال في \"البدائع\" (٢): وأما الكلام في مقداره فأقله غير مقدر بلا خلاف، حتى إنها إذا ولدت ونفست وقت صلاة لا تجب عليها تلك الصلاة، وما ذكر من الاختلاف بين أصحابنا في أقل النفاس، فذاك في موضع آخر، وهو أن المرأة إذا طلقت بعد ما ولدت ثم جاءت وقالت: نفست ثم طهرت ثلاثة أطهار وثلاث حيض، فبكم تُصدق في النفاس، فعند أبي حنيفة لا تُصدق في أقل من خمسة وعشرين (٣) يومًا، وعند أبي يوسف لا تُصدق في أقل من أحد عشر يومًا، وعند محمد تصدق في ما ادّعت وإن كان قليلًا، انتهى.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٢٥٨).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٥٧).\n(٣) كذا في \"البحر الرائق\" (١/ ٢١٩)، وما في \"البدائع\": \"خمسة عشر\" فهو تحريف.","vol":"2","page":442},{"text":"وَكُنَّا نَطْلِي عَلَى وُجُوهِنَا الْوَرْس- تَعْنِي مِنَ الْكَلَفِ\". [ت ١٣٩، جه ٦٤٨، دي ٩٥٥، ق ١/ ٣٤١، ك ١/ ١٧٥، قط ١/ ٢٢٢]\n===\nوفي \"الدر المختار\" (١): لا حد لأقله إلَّا إذا احتيج إليه لعدة كقوله: \"إذا ولدتِ فأنت طالق\" فقالت: مضت عدتي، فقدره الإِمام بخمسة وعشرين مع ثلاث حيض، والثاني بأحد عشر، والثالث بساعة، قال الشامي: فأدنى مدة تصدق فيها عنده خمسة وثمانون يومًا، خمسة وعشرون نفاس وخمسة عشر طهر، ثم ثلاث حيض، كل حيضة خمسة أيام، وطهران بين الحيضتين ثلاثون يومًا، وأما الثاني فأدنى مدة تصدق فيها عنده خمسة وستون يومًا، أحد عشر نفاس، وخمسة عشر طهر، وثلاث حيض لتسعة أيام بينهما طهران بثلاثين يومًا، وعند الثالث تصدق في أربعة وخمسين يومًا وساعة، خمسة عشر طهر، ثم ثلاث حيض بتسعة، ثم طهران ثلاثون.\n(وكنا نطلي) (٢) أي نلطخ (على وجوهنا الورس) قال في \"القاموس\": الورس (٣): نبات كالسمسم، ليس إلَّا باليمين، يزرع فيبقى عشرين سنة، نافِعٌ لِلْكَلَفِ طلاءً، وللبَهَقِ شربًا، انتهى، (تعني من الكلف) أي من أجل الكلف، قال في \"المجمع\" (٤): الكلف: شيء يعلو الوجه كالسمسم، والكلف لون بين سواد وحمرة وكدرة تعلو الوجه، انتهى.\nقال الخطابي (٥): وحديث مسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل.\nوقال: مسة هذه أزدية، واسم أبي سهل كثير بن زياد، وهو ثقة، وعلي بن عبد الأعلى ثقة.\n_________\n(١) انظر: \"الرد المحتار\" (١/ ٥٤٦).\n(٢) وفي \"المجمع\" (٣/ ٤٥٨): اطّليت به افتعال من طليته بنورة، أي: لطخته بها. (ش).\n(٣) وينبت على الرمث مرعى من مراعي الإبل. (ش).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٢٨).\n(٥) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٩).","vol":"2","page":443},{"text":"٣١٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - يَعْنِى حِبِّى -، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِى الأَزْدِيَّةُ - يَعْنِى مُسَّةَ - قَالَتْ: \"حَجَجْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ\n===\n٣١٢ - (حدثنا الحسن بن يحيى) بن هشام الرُّزِّي بضم الراء وتشديد الزاي، نسبة إلى الرز وهو الأرز، أبو علي البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث كان صاحب حديث، وقال الصريفيني والذهبي: كان حافظًا.\n(نا محمد بن حاتم يعني حبي) ابن يونس الجرجرائي بجيمين مفتوحتين بينهما راء ساكنة، مدينة من أرض العراق، أبو جعفر المصيصي، العابد، المعروف بحِبِّي بكسر (١) المهملة والموحدة المشددة، لقب له، قال أبو داود: كان من الثقات، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، مات سنة ٢٢٥ هـ.\n(نا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن نافع) الخراساني، أبو غانم المروزي القاضي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: يخطئ، قال ابن المبارك: هو أول من اختلفت إليه، مات سنة ٢٥٩ هـ.\n(عن كثير بن زياد قال: ثتني الأزدية - يعني مسة - قالت: حججت، فدخلت على أم سلمة) ولعل هذا الدخول عليها كان في مكة لما أنها جاءت مكة للحج، أو في المدينة حين مرت عليها في سفرها من البصرة (فقلت: يا أم المومنين، إن سمرة بن جندب) بن هلال\n_________\n(١) وروي بضمها، والأول أشهر، كذا في \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":444},{"text":"يَأْمُرُ النِّسَاءَ يَقْضِينَ صَلَاةَ الْمَحِيضِ! فَقَالَتْ: لَا يَقْضِينَ، كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِىِّ -ﷺ- تَقْعُدُ فِى النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا يَأْمُرُهَا النَّبِىُّ -ﷺ- بِقَضَاءِ (١) صَلَاةِ النِّفَاسِ\". [ق ١/ ٣٤١]\nقَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ حَاتِمٍ -: وَاسْمُهَا مُسَّةُ، تُكْنَى أُمَّ بُسَّةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ، كُنْيَتُهُ: أَبُو سَهْلٍ.\n===\nالفزاري، أبو سعيد، صحابي مشهور، كان حليف الأنصار، سكن البصرة، وكان شديدًا على الحرورية، مات بالبصرة سنة ٥٨ هـ (يأمر النساء يقضين صلاة المحيض)، أي الصلوات التي فاتتهن في أيام الحيض، ولعل هذا الأمر لقضاء صلاة المحيض كان اجتهادًا منه، ولم يبلغه الحديث من رسول الله - ﷺ -.\n(فقالت) أي أم سلمة: (لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي - ﷺ -) ليس المراد بالنساء الأزواج، بل المراد من نساء قرابته، أو من نساء أصحابه (تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي - ﷺ - بقضاء صلاة النفاس) فلما لم يأمرهن (٢) بقضاء صلاة النفاس، وهو قليل الوجود، فكيف يأمر فيما هو أكثر وجودًا وأشد مشقة وهو الحيض (٣).\n(قال محمد - يعني ابن حاتم -: واسمها) أي اسم الأزدية (مُسَّة، تُكنى أُمّ بُسَّةَ، قال أبو داود: كثير بن زياد كنيته أبو سهل).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لقضاء\".\n(٢) قال ابن رسلان: وقاست الحيض عليه؛ لأن المعنى واحد، انتهى. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: وعدم وجوب قضاء الصلاة في الحيض والنفاس إجماعي إلَّا ما روي عن بعض الخوارج. (ش).","vol":"2","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>(١٢٢) بَابُ الاغْتِسَالِ مِنَ الْحَيْضِ </span>(١)\n٣١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، ثَنَا سَلَمَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ -،\n===\n\n(١٢٢) (بَابُ الاغْتِسَالِ مِنَ الْحَيْضِ)\nأي: في كيفيته (٢)\n٣١٣ - (حدثنا محمد بن عمرو) بن بكر (الرازي) التميمي العدوي، أبو غسان الطيالسي، المعروف بزنيج بزاي ونون وجيم مصغرًا، روى عنه مسلم وأبو داود، وذكره الدارقطني في شيوخ البخاري، وثَّقه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٤١ هـ.\n(ثنا سلمة - يعني ابن الفضل -) الأبرش بموحدة فراء فمعجمة، الأنصاري مولاهم، أبو عبد الله الأزرق، قاضي الري، قال البخاري: عنده مناكير، وهَّنه علي، قال علي: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه، وعن أبي زرعة: كان أهل الري لا يرغبون فيه لمعان فيه من سوء رأيه وظلم فيه، وأما إبراهيم بن موسى فسمعته غير مرة وأشار أبو زرعة إلى لسانه يريد الكذب، وقال أبو حاتم: محله الصدق، في حديثه إنكار، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي عن البخاري: ضعَّفه إسحاق، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وعن ابن معين: ثقة كتبنا عنه، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، وعن ابن معين: سمعت جريرًا يقول: ليس من لدن بغداد إلى أن يبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكر ابن خلفون أن أحمد سئل عنه، فقال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"المحيض\"\n(٢) قال في \"المغنى\" (١/ ٣٠٢): والغسل من الحيض كغسل الجنابة إلَّا أنه يستحب فيه السِّدْرُ، وأن تأخذ فرصة ممسكة. (ش).","vol":"2","page":446},{"text":"أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بِنْتِ أَبِى الصَّلْتِ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى غِفَارٍ قَدْ سَمَّاهَا لِى قَالَتْ: \"أَرْدَفَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ،\n===\nلا أعلم إلَّا خيرًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات بعد سنة ١٩٠ هـ.\n(أنا محمد يعني ابن إسحاق) بن يسار، (عن سليمان بن سحيم) بمهملتين مصغرًا، أبو أيوب المدني، قال أحمد: ليس به بأس، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: وكان ثقة، وكذا قال ابن حبان في \"الثقات\"، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير تَوثيقه، وقال البرقي عن ابن معين: سليمان بن سحيم أبو أيوب الهاشمي ثقة، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال أحمد بن صالح: له شأن، ثبت.\n(عن أمية بنت أبي الصلت) الغفارية، ويقال: آمنة، واسم أبي الصلت الحكم فيما قيل، قال في \"التقريب\": لا يعرف حالها. (عن امرأة من بني غفار) زعم السهيلي أن اسم هذه المرأة التي من بني غفار ليلى، ويقال: هي امرأة أبي ذر (قد سماها لي) هذا قول أحد من رواة السند، يقول: سمى المرأة الغفارية لي شيخي فنسيته.\n(قالت) أي المرأة الغفارية: (أردفني رسول الله - ﷺ -) أي أركبني خلفه على الراحلة (على حقيبة رحله) قال في \"النهاية\": وهي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب، فإن قيل: كيف أردفها - ﷺ - وهي أجنبية؟ قلت: قال الشارح: الإرداف على الحقيقة لا يستلزم المماسة، فلا إشكال (٢) فيه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ني\"، وفي نسخة: \"نا\".\n(٢) قال ابن رسلان: يجوز أن تكون المرأة أجنبية له لعصمته وعدم التهمة في حقه، قلت: والأوجه عندي أنها كانت جارية لم تبلغ حد النساء لما أن ذلك أول حيضةٍ حاضتها، ثم لما حاضت وكان الطريق، فأعادها إلى محلها للضرورة. (ش).","vol":"2","page":447},{"text":"قالَتْ: - فَوَاللَّهِ لنزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الصُّبْحِ، فَأَنَاخَ وَنَزَلْتُ عَنْ حَقِيبَةِ رَحْلِهِ، فَإِذَا (١) بِهَا دَمٌ مني، وكَانَتْ أَوَّلَ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا. قَالَتْ: فَتَقَبَّضْتُ إِلَى النَّاقَةِ وَاسْتَحْيَيْتُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا بِى وَرَأَى الدَّمَ قَالَ: «مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ.\nقَالَ: «فَأَصْلِحِى مِنْ نَفْسِكِ، ثُمَّ خُذِى إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِى فِيهِ مِلْحًا ثُمَّ اغْسِلِى مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنَ الدَّمِ ثُمَّ عُودِى لِمَرْكَبِكِ».\n===\n(قالت: فوالله لنزل رسول الله - ﷺ - إلى الصبح) بعد ما سار إلى الصبح، (فأناخ) أي راحلته (٢) (ونزلت عن حقيبة رحله، فإذا بها) أي بالحقيبة (دم مني، وكانت) أي تلك الحيضة (أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت) على ما هو من عادة النساء.\n(فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما بي) من الاستحياء والتقبض إلى الناقة (ورأى الدم) أي على حقيبة الرحل (قال: ما لك؟ لعلك نفست) أي حضت، قال الخطابي (٣): يقال: نفست المرأة، مفتوحة النون (٤) مكسورة الفاء: إذا حاضت، ونفست بضم النون: إذا أصابها النفاس.\n(قلت: نعم. قال: فأصلحي من نفسك) أي شدي عليك ثيابك، وأصلحيها لئلا يشيع الدم ويخرج إلى الحقيبة (ثم خذي إناءً من ماء فاطرحي فيه ملحًا، ثم اغتسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك) أي: اركبي على الحقيبة ثانيًا كما ركبت أولًا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وإذا\".\n(٢) قال ابن رسلان: فيه أنه لا ينيخ الرجل لأجله، لأنه أبعد من الترفه وينيخ للمرأة. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٩).\n(٤) وهذا قول كثير من أهل اللغة، وقال الأصمعي: يقال: بضم النون فيهما، انتهى، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":448},{"text":"قَالَتْ: فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيْبَرَ رَضَخَ لَنَا مِنَ الْفَىْءِ. قَالَتْ: وَكَانَتْ لَا تَطَّهَّرُ مِنْ حَيْضَةٍ إِلا جَعَلَتْ فِى طَهُورِهَا مِلْحًا، وَأَوْصَتْ بِهِ أَنْ يُجْعَلَ فِى غُسْلِهَا حِينَ مَاتَتْ\". [حم ٦/ ٣٨٠]\n٣١٤ - حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا (١) سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ،\n===\n(قالت: فلما فتح رسول الله - ﷺ - خيبر رضخ) أي أعطى (لنا من الفيء. قالت) أي أمية: (وكانت) أي المرأة الغفارية (لاتطهر من حيضة إلَّا جعلت في طهورها) أي في الماء الذي تتطهر به (ملحًا، وأوصت به) أي بالملح (أن يجعل في غسلها) أي في الماء الذي تغسل به (حين ماتت).\nقال الخطابي (٢): فيه من الفقه أنه أستعمل الملح في غسل الثوب وتنقيته من الدم، والملح مطعوم، فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالغسل إذا كان ثوبًا من إبريسم يفسده الصابون، وبالخل إذا أصابه الحبر ونحوه، ويجوز على هذا التدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بدقيق الباقلّى والبطيخ ونحو ذلك من الأشياء التي لها قوة الجلاء، وحدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت الحمام بمصر، فرأيت الشافعي يتدلك بالنخالة (٣).\n٣١٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سلام بن سليم، عن إبراهيم بن مهاجر) بن جابر البجلي، أبو إسحاق الكوفي، قال الثوري وأحمد: لا بأس\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٩).\n(٣) قلت: ويصح الاستدلال به على أن النجاسة تطهير بغير الماء خلافًا لهم، كما في \"المغني\" (١/ ٢٧)، لأن الماء المخلوط بالطاهر لم يبقَ مطهرًا عندهم كما تقدم، ولذا منعوه عن التطهير به، فعلم أن إزالة النجاسة بالطاهر يصح وإن لم يكن مطهرًا، إلَّا أنه يمكن الجواب عنه أن الملح عندهم مستثنى كما صرح به في \"المغني\"، =","vol":"2","page":449},{"text":"عن صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"دَخَلَتْ أَسْمَاءُ\n===\nبه، وقال يحيى القطان: لم يكن بقوي، وقال أحمد: قال ابن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهدي وذكر إبراهيم بن مهاجر وآخر، فقال: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن وكره ما قال، وقال عباس عن يحيى: ضعيف، وقال النسائي في \"الكنى\": ليس بالقوي في الحديث، وقال ابن سعد: ثقة، وقال الحاكم: قلت للدارقطني: فإبراهيم بن مهاجر؟ قال: ضعفوه، تكلم فيه يحيى بن سعيد وغيره، قلت: بحجة، قال: بلى، حَدّث بأحاديث لا يتابع عليها، وقد غمز شعبة أيضًا، وقال الساجي: صدوق اختلفوا فيه، وقال أبو داود: صالح الحديث.\nقلت: ولكن قال الترمذي في \"سننه\" (١) بعد تخريج حديثه في \"باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان\": حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم: أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلَّا من عذر: أن يكون على غير وضوء، أو أمرٍ لا بد منه، انتهى، فالحكم بصحة حديثه يدل على توثيقه عنده.\n(عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: دخلت أسماء)، قال الحافظ (٢) في \"الفتح\" (٣): سماها مسلم في رواية أبي الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر أسماء بنت شكل بالشين المعجمة والكاف\n_________\n= وقال ابن رسلان: يؤخذ منه أن المتغير بالملح المائي لا يضر التغير به دون الجَبَلي كالثلج، وهو أصح الأوجه عند الشافعية، انتهى. (ش).\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٩٧).\n(٢) وكذا قال العيني (٣/ ١٣٩). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٥).","vol":"2","page":450},{"text":"عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: «تَأْخُذُ سِدْرَهَا وَمَاءَهَا فَتَوَضَّأُ، ثُمَّ (١) تَغْسِلُ رَأْسَهَا وَتَدْلُكُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَى جَسَدِهَا ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَتَهَا\n===\nالمفتوحتين ثم اللام، وروى الخطيب في \"المبهمات\" من طريق يحيى بن سعيد عن شعبة هذا الحديث، فقال: \"أسماء بنت يزيد بن السكن بالمهملة والنون، الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزي في \"التلقيح\" والدمياطي وزاد: أن الذي وقع في مسلم تصحيف، لأنه ليس في الأنصار من يقال له: شكل، وهو ردٌّ للرواية الثابتة بغير دليل، وقد يحتمل أن يكون شكل لقبًا لا اسمًا، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث أسماء بنت شكل [كما في مسلم] أو أسماء بغير نسب، كما في أبي داود، انتهى.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": وذكر أسماء بنت شكل جماعة في الصحابة منهم: ابن سعد والباوردي والطبراني وابن مسنده وغيرهم.\n(على رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: تأخذ سدرها وماءها) والسدر: شجر النبق، ومعنى الكلام أنها تأخذ الماء الذي أغلي فيها (٢) أوراق السدر، وإنما أمرها به للمبالغة في التنظيف، لأنه يطيب الجسد، (فتوضأ) بحذف إحدى التائين (ثم تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض على جسدها، ثم تأخذ فرصتها).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"و\".\n(٢) هكذا في الأصل، والظاهر: \"فيه\".","vol":"2","page":451},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): بكسر الفاء، وحكى ابن سيده تثليثها وبإسكان الراء وإهمال الصاد: قطعة من صوف أو قطن أو جلدة عليها صوف، حكاه أبوعبيدة وغيره، وقال ابن قتيبة: هي قرضة بفتح القاف وبالضاد المعجمة، وقوله: \"من مسك\" بفتح الميم، والمراد قطعة جلد، وهي رواية من قاله بكسر الميم، واحتج بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، وتبعه ابن بطال.\nوفي \"المشارق\": أن أكثر الروايات بفتح الميم، ورجح النووي الكسر وقال: إن الرواية الأخرى وهي قوله: \"فرصة ممسكة\" تدل عليه، وفيه نظر، لأن الخطابي قال: يحتمل أن يكون المراد بقوله: \"ممسكة\" (٢) أي مأخوذة باليد، يقال: أمسكته ومسكته، لكن يبقى الكلام ظاهر الركاكة، لأنه يصير هكذا: خذي قطعة مأخوذة، وما استبعده ابن قتيبة من امتهان المسك ليس ببعيد (٣) لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه، قال النووي (٤): والمقصود باستعمال الطيب دفع الرائحة الكريهة على الصحيح، وقيل لكونه أسرع إلى الحبل، حكاه الماوردي.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٥).\n(٢) قال ابن رسلان: بضم الميم الأولى وسكون الثانية وفتح السين أو كسرها، قاله القيسي، وقال القرطبي: روايتنا ضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين، أي مطيبة بالمسك، وقال الزمخشري: الممسكة الخلقة، يعني لا تستعمل الجديد، لأن الخلق أوفق حالًا، قال في \"النهاية\": الأقوال كلها بعيدة، والأوجه قطعة من مسك ليزيل الرائحة الكريهة لا للعلوق، وهو سنَّة مؤكدة يكره تركه بعد الغسل على المذهب، وقيل قبله، هان لم تجد مسكًا فشيء آخر من الطيب، انتهى. (ش).\n(٣) لكن يبعد إذًا لفظ \"تطهري بها\" كما في هامش \"السنن\" عن \"المرقاة\". (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٢٥٠).","vol":"2","page":452},{"text":"فَتَطَّهَّرُ بِهَا».\nقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ الَّذِى يَكْنِى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. فَقُلْتُ لَهَا: تَتَّبِعِينَ بِهَا آثَارَ الدَّمِ\". [خ ٣١٤، م ٣٣٢، ن ٢٥١، جه ٦٤٢، دي ٧٧٣، خزيمة ٢٤٨]\n٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ نِسَاءَ الأَنْصَارِ فَأَثْنَتْ عَلَيْهِنَّ وَقَالَتْ لَهُنَّ مَعْرُوفًا. وَقَالَتْ: دَخَلَتِ\n===\n(فتطهر) بحذف إحدى التائين أي تتنظف (بها) بأن تضعها في فرجها.\n(قالت) أي أسماء: (يا رسول الله، كيف أتطهر) أي أتنظف (بها؟ قالت عائشة: فعرفت) أي فهمت (الذي يكني عنه رسول الله - ﷺ -) وهو أنه يريد أن يدخلها في فرجها، (فقلت لها: تتبعين بها آثار الدم) قال النووي: المراد به عند العلماء الفرج، وقال المحاملي: يستحب لها أن تطيب كل موضع أصابه الدم من بدنها، ويؤيد قول المحاملي رواية أبي داود هذه بصيغة الجمع، وأيضًا رواية الإسماعيلي: \"تتبعي بها مواضع الدم\".\n٣١٥ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا أبو عوانة) هو وضاح بن عبد الله، (عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفًا) أي قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم [يكن] يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، كما في الرواية الآتية، (وقالت) أي عائشة: (دخلت","vol":"2","page":453},{"text":"امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، إِلَاّ أَنَّهُ قَالَ: «فِرْصَةً مُمَسَّكَةً». قَالَ مُسَدَّدٌ: كَانَ أَبُو عَوَانَةَ يَقُولُ: فِرْصَةً، وَكَانَ أَبُو الأَحْوَصِ يَقُولُ: قَرْصَةً. [انظر الحديث السابق]\n٣١٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، أَخْبَرَنِى أَبِى، نا شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ - يَعْنِى ابْنَ مُهَاجِرٍ -، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ \"أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِىَّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ قَالَ: «فِرْصَةً مُمَسَّكَةً»، فقَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ!\n===\nامرأة منهن) وهي أسماء المتقدمة (على رسول الله - ﷺ -، فذكر) أي أبو عوانة عن إبراهيم (معناه) أي معنى ما ذكره سلام بن سليم عن إبراهيم (إلَّا أنه قال: فرصة ممسكة) وهذا بيان الاختلاف فيما بين رواية سلام ورواية أبي عوانة (وقال مسدد: كان أبو عوانة يقول: فرصة) بالفاء (وكان أبو الأحوص يقول: قرصة) بالقاف، قال الحافظ (١): ووجهه المنذري، فقال: يعني شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين، انتهى، ووهم من عزا هذه الرواية للبخاري.\n٣١٦ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، نا أبي) هو معاذ العنبري، (نا شعبة، عن إبراهيم -يعني ابن مهاجر -، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة أن أسماء سألت النبي - ﷺ - بمعناه) أي حدث شعبة بمعنى الحديث المتقدم، (قال) شعبة: (فرصة ممسكة، فقالت) أي أسماء: (كيف أتطهر بها؟) أي سألته عن كيفية التطهر، لأنها لم تفهم عما كنى عنه رسول الله - ﷺ - بالتطهر.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (سبحان الله) تعجبًا من عدم فهمها ما هو ظاهر\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٥).","vol":"2","page":454},{"text":"تَطَهَّرِى بِهَا\"، وَاسْتَتِرِى بِثَوْبٍ، وَزَادَ: وَسَأَلَتْهُ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ. قَالَ (١): «تَأْخُذِينَ مَاءَكِ فَتَطَهَّرِينَ أَحْسَنَ الطُّهُورِ وَأَبْلَغَهُ، ثُمَّ تَصُبِّينَ عَلَى رأْسِكِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَدْلُكِينَهُ حَتَّى يَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِكِ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ» قَالَ: وَقَالَتْ (٢) عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَسْأَلْنَ عَنِ الدِّينِ، وَيَتَفَقَّهْن (٣) فِيهِ. [م ٣٣٢، جه ٦٤٢]\n===\nلا يحتاج الإنسان في فهمه إلى التصريح، (تطهري بها) أي بالفرصة الممسَّكة (واستتر بثوب) استحياء، وهذا الاستتار بالثوب أيضًا كناية لطيفة عما يريد رسول الله - ﷺ - إفهامها، فاجتمعت الكنايتان ههنا قولية وفعلية، (وزاد) أي شعبة (وسألته عن الغسل من الجنابة، قال: تأخذين ماءك فتطهرين أحسن الطهور (٤) وأبلغه) أي تستنجين وتوضئين به، (ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ) أي الماء (شؤون (٥) رأسك).\nقال في \"النهاية\": هي عظامه وطرائقه ومواصل قبائله، وهي أربعة بعضها فوق بعض، والمراد به إيصال الماء أصول الشعر حتى يبلغ جلد الرأس (ثم تفيضين عليك الماء، قال) أي شعبة بسنده: (وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقهن فيه).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقالت\".\n(٣) وفي نسخة: \"وأن يفقهن\".\n(٤) قلت: قال العيني في \"شرحه\" (٢/ ١١٤): \"الطهور\" بضم الطاء، والمراد منه الوضوء الكامل.\n(٥) ظاهره عدم نقض الضفائر، وبه قال الجمهور، وفي رواية لأحمد ومالك: أن =","vol":"2","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>(١٢٣) بَابُ التَيَمُّمِ</span>\n٣١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ-،\n===\n\n(١٢٣) (بَابُ التَّيَمُّمِ)\nمصدر من باب التفعل، وأصله من الأَمِّ وهو القَصد (١)، فالتيمم في اللغة: مطلق القصد، وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لاستباحة الصلاة وامتثال الأمر، واختلف في التيمم هل هو عزيمة (٢) أو رخصة؟ وفصل بعضهم فقال: هو لعدم الماء عزيمة، والعذر رخصة، والتيمم فضيلة خصت بها هذه الأمة دون غيرها من الأمم وثابت بالكتاب والسنَّة والإجماع.\n٣١٧ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا أبو معاوية) محمد بن خازم، (ح: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبدة) بن سليمان (المعنى واحد) أي الروايتان رواية أبي معاوية ورواية عبدة متحدتان في المعنى.\n_________\n= الحائض تنقض دون الجنب كما تقدم في \"باب في المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل؟ \". (ش).\n(١) قال ابن رسلان: ولوجود معنى القصد في التيمم اتفق فقهاء الأمصار على وجوب النية فيه إلَّا ما حكي عن الأوزاعي، انتهى، وحكى صاحب \"الهداية\" (١/ ٢٨) فيه خلاف زفر أيضًا، وابن رشد في \"البداية\" (١/ ٦٧) عن الحسن بن حي، قال القسطلاني (١/ ٦٦٨): شرع سنة خمس أو ست، انتهى، وذكره في \"الخميس\" (١/ ٤٧٣) سنة ٥ هـ، وفي \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٤٠) سنة ٤ هـ، وفي \"المنهل\"، (٣/ ١٤٧) في غزوة بني المصطلق سنة ٥ هـ. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: ويبني عليه قضاء القاضي بسفره، والصحيح أنه يقضي لأنه رخصة، وقيل: لا يقضي لأنه عزيمة، فتأمل. (ش).","vol":"2","page":456},{"text":"عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَأُنَاسًا مَعَهُ فِى طَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ\n===\n(عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عائشة قالت: بعث رسول الله - ﷺ - أسيد بن حضير) - ﵁ - (وأناسًا معه في طلب قلادة) القلادة ما يقلد في العنق ويعلق (أضلتها) أي أضاعتها وسقطت عنها (عائشة) جعلت نفسها غائبة (فحضرت الصلاة) أي للذين بعثوا في طلب القلادة (فصلوا (١) بغير وضوء) (٢)، لأنه لم يكن هناك ماء ولم ينزل حكم التيمم.\nقال العيني في \"شرحه على البخاري\" (٣): قال النووي: فيه دليل على أن من عدم الماء والتراب يصلي على حاله، وهذه المسألة فيها خلاف، وهو أربعة أقوال: وأصحها عند أصحابنا: أنه يجب عليه أن يصلي ويعيد الصلاة.\nوالثاني: أنه لا تجب عليه الصلاة، ولكن يستحب، ويجب عليه القضاء سواء صلَّى أو لم يصل، والثالث: تحرم عليه الصلاة لكونه محدثًا،\n_________\n(١) قال ابن رسلان: أغرب ابن المنذر فادَّعى أنه تفرَّد ابن عبدة بهذه الزيادة. (ش).\n(٢) استدل ابن قدامة بهذا الحديث على أنه يصلي بدون الوضوء، ثم هل يقضي؟ فلهم فيه قولان؛ والراجح عدم القضاء، [انظر: \"المغني\" (١/ ٣٢٨)]، وكذا استدل ابن رسلان وقال: به قال الشافعي وأحمد وأكثر أصحاب مالك، انتهى، وحكى القسطلاني (١/ ٦٧٣) عن أحمد وجوب الأداء وعدم القضاء، لأنه يكون بأمر جديد، ولا أمر ههنا. (ش).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ١٩٩).","vol":"2","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوتجب عليه الإعادة، وهو قول أبي حنيفة - ﵀ -، والرابع: تجب الصلاة ولا تجب الإعادة، وهو مذهب المزني، وهو أقوى الأقوال دليلًا، ويعضده هذا الحديث، فإنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - إيجاب الإعادة مثل هذه الصلاة.\nوقال ابن بطال: الصحيح من مذهب مالك أنه لا يصلي ولا إعادة عليه قياسًا على الحائض، وقال أبو عمر (١): قال ابن خواز منداد: الصحيح من مذهب مالك أن كل من لم يقدر على الماء، ولا على الصعيد حتى خرج الوقت أنه لا يصلي ولا شيء عليه، رواه المدنيون عن مالك (٢) وهو الصحيح.\nوقال في \"البدائع\" (٣): المحبوس في مكان نجس لا يجد ماءً ولا ترابًا نظيفًا فإنه لا يصلي عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يصلي بالإيماء ثم يعيد إذا خرج، وهو قول الشافعي، وقول محمد مضطرب، وجه قول أبي يوسف أنه إن عجز عن حقيقة الأداء فلم يعجز عن التشبّه فيؤمر بالتشبّه كما في باب الصوم، وقال بعض مشايخنا: إنما يصلي بالإيماء على مذهبه إذا كان المكان رطبًا، أما إذا كان يابسًا فإنه يصلي بركوع وسجود، والصحيح عنده أنه يومئ كيف ما كان، لأنه لو سجد لصار مستعملًا للنجاسة، ولأبي حنيفة أن الطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، فإن الله تعالى جعل أهل مناجاته الطاهر لا المحدث، والتشبه\n_________\n(١) أي ابن عبد البر، ويشكل عليه ما في \"المغني\" (١/ ٣٢٨) عنه أنه قال: هذه رواية منكرة، ويزول الإشكال عن العيني إذ حكى كلامه مفصلًا. (ش).\n(٢) وبه جزم في \"مختصر الخليل\" (١/ ٢٠٠)، والدردير (١/ ١٦٢). (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٧٥).","vol":"2","page":458},{"text":"فَأَتَوُا النَّبِىَّ -ﷺ-، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ\n===\nإنما يصح من الأهل، ألا ترى أن الحائض لا يلزمه التشبه في باب الصوم والصلاة لانعدام الأهلية.\nوقال في \"الدر المختار\" وحاشيته (١): والمحصور فاقد الطهورين بأن حُبِس في مكان نجس ولا يمكنه إخراج تراب مطهر، وكذا العاجز عنهما لمرض، يؤخرها عنده لقوله ﵊: \"لا صلاة إلَّا بطهور\"، وقالا: يتشبه بالمصلين وجوبًا أي احترامًا للوقت ولا يقرأ سواء حدثه أصغر أو أكبر، وظاهره أنه لا ينوي أيضًا، لأنه تشبه لا صلاة حقيقة، فيركع ويسجد إن وجد مكانًا يابسًا، وإلَّا يومئ قائمًا ثم يعيد كالصوم، أي في مثل الحائض إذا طهرت في رمضان فإنها تمسك تشبهًا بالصائم لحرمة الشهر ثم تقضي، به يفتى، وإليه صح رجوعه أي الإِمام كما في \"الفيض\".\n(فأتوا النبي - ﷺ -، فذكروا ذلك له) أنهم حضرتهم الصلاة، ولم يكن هناك ماء فصلوا بغير وضوء، (فانزلت آية التيمم) واستدل على جواز صلاتهم، بأنهم ذكروا ذلك للنبي - ﷺ - فلم ينكر عليه - ﷺ -، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي - ﷺ -.\nقلت: وفيه أولًا عدم ذكر الإنكار في الرواية لا يستلزم عدمه، وثانيًا لما صح من قوله - ﷺ -: \"لا صلاة إلَّا بطهور\"، فهذا يدل على نفي الصلاة عند عدم الطهارة من غير احتمال، وهذا الحديث لو سلم دلالته يدل على جواز الصلاة مع احتمال عدم الجواز فيه، فلهذا لا يعارض المنع، فلأجل ذلك اختارت الحنفية عدم جواز الصلاة وقالوا: يتشبه بالمصلين صورة، ولا يصلي حقيقة، ورجحوا المنع، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) \"رد المحتار\" (١/ ٤٧٢).","vol":"2","page":459},{"text":"زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ: فَقَالَ لَهَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: يَرْحَمُكِ اللَّهُ، مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلَّا جَعَلَ (١) اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِ فِيهِ فَرَجًا\". [خ ٣٣٦، م ٣٦٧، ن ٣١٠، جه ٥٦٨، حم ٦/ ٥٧، ط ١/ ٥٣/ ٨٩، دي ٧٤٦، ق ١/ ٢٠٤]\n===\nقال ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة، قال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة، وقال القرطبي: هي آية النساء، لأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وليس في آية النساء ذكر الوضوء.\nقلت: لو وقف هؤلاء على ما ذكره الحميدي في جمعه في حديث عمرو بن الحارث، فذكر الحديث، وفيه: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) لما احتاجوا إلى هذا التخرص، وكأن البخاري أشار إلى هذا إذ تلا بقية الآية الكريمة، كذا في \"شرح البخاري\" (٣) للعيني، واستدل بالآية على وجوب النية في التيمم، لأن معنى \"فتيمموا\" اقصدوا، وهو قول فقهاء الأمصار إلَّا الأوزاعي.\n(زاد ابن نفيل) أي على رواية عثمان: (فقال لها) أي لعائشة - ﵂ - (أسيد بن حضير: يرحمك الله) وإنما قال ما قال دون غيره، لأنه كان رأس من بعث في طلب العقد الذي ضاع (ما نزل بك أمر تكرهينه إلَّا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجًا)، لعله إشارة إلى ما وقع لها في قصة الإفك من الكراهة وحصول الفرج بنزول الآيات.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"جعله\".\n(٢) صورة المائدة: الآية ٦.\n(٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ١٨٩).","vol":"2","page":460},{"text":"٣١٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حدثنِى (١) يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قال: إن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ \"أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ\n===\n٣١٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، حدثني يونس) بن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب قال: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، روى عن أبيه، وأرسل عن عم أبيه عبد الله بن مسعود، قال الواقدي: كان عالمًا ثقة فقيهًا كثير الحديث والعلم، وقال العجلي: كان أحد فقهاء المدينة تابعي ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون إمام، وقال ابن عبد البر: كان أحد الفقهاء العشرة ثم السبعة الذين يدور عليهم الفتوى، وكان عالمًا فاضلًا مقدمًا في الفقه تقيًا شاعرًا محصنًا، لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا فيما علمت فقيه أشعر منه، ولا شاعر أفقه منه، مات سنة ٩٤ هـ أو بعدها.\n(حدثه (٢) عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث) أي يروي لتلامذته من التابعين (أنهم) أي الصحابة (تمسحوا) أي تيمموا (وهم مع رسول الله - ﷺ - بالصعيد (٣) لصلاة الفجر) أي لأدائها، (فضربوا) بيان لتمسحوا (بأكفهم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أخبرني\".\n(٢) قال ابن رسلان: هو منقطع لأن عبيد الله لم يدرك عمارًا، ورواه ابن ماجه عن عبيد الله عن أبيه عن عمار وهو متصل، قلت: وستأتي رواية عبيد الله عن ابن عباس عن عمار، وقال ابن العربي (١/ ٢٣٩): ومن الغريب اتفاقهم على حديث عمار مع ما فيه الاضطراب والنقص والزيادة وغير ذلك. (ش).\n(٣) اختلف أهل التفسير في المراد بالصعيد، قال ابن رسلان: الأكثرون على أنه التراب، وقال آخرون: هو جميع ما على الأرض، فلذا اختلفت الفقهاء في اشتراط التراب للتيمم، قال به الشافعي وأبو يوسف، ولم يقله الإِمام ومالك، وهما قولان لأحمد، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٥٧٧). (ش).","vol":"2","page":461},{"text":"الصَّعِيدَ، ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ (١) مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ\". [ن ٣١٤، جه ٥٦٦، حم ٤/ ٣٢٠، ق ١/ ٢٠٨]\n===\nالصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة) بطريق الاستيعاب، (ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى) أي ضربة أخرى، (فمسحوا بأيدهم كلها إلى المناكب والآباط) بالمد جمع إبط (من بطون أيديهم) من للابتداء أي ابتدأوا بالمسح من بطون الأيدي لا من ظهورها كما ذكره الفقهاء في باب الاستحباب، ويمكن أن يقال: المراد بالابتداء ابتداء آلة المسح لا ابتداء الممسوح، فيوافق ما ذكروه في ذلك الباب وهو أقرب للصواب.\nقال البغوي في \"المعالم\": ذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين لما روي عن عمار أنه قال: تيممنا إلى المناكب، وذلك حكايه فعله لم ينقله عن النبي - ﷺ -، كما روي أنه قال: أجنبت فتمعكت، فلما سأل النبي - ﷺ - أَمَرَه بالوجه والكفين، انتهى إليه.\nوقال البيضاوي: اليد اسم للعضو إلى المنكب، وما روي أنه ﵊ تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه، والقياس [على الوضوء] دليل على أن المراد بالأيدي هنا إلى المرافق، انتهى، ويعني بالقياس قياس الفرع على الأصل، والله أعلم، \"علي القاري\" (٢).\nوأما رواية الآباط فقال الشافعي ﵀ وغيره: إن كان ذلك (٣) وقع بأمر النبي - ﷺ - فكلُّ تيمم صح للنبي - ﷺ - بعده، فهو ناسخ له،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بوجوههم\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٩١).\n(٣) مع الاختلاف في ذلك، ففي الرواية الآتية إلى ما فوق المرفقين. (ش).","vol":"2","page":462},{"text":"٣١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ، \"قَالَ قَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا\"، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَنَاكِبَ وَالآبَاطَ. قَالَ ابْنُ اللَّيْثِ: إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ. [انظر سابقه]\n===\nوإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به (١).\n٣١٩ - (حدثنا سليمان بن داود المهري) هو سليمان بن داود بن حماد بن سعد المهري، أبو الربيع، ابن أخي رشدين المصري، قال الآجري: ذكر لأبي داود أبو الربيع ابن أخي رشدين؟ فقال: قل من رأيت في فضله، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن يونس: كان زاهدًا فقيهًا على مذهب مالك، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٣ هـ.\n(وعبد الملك بن شعيب، عن ابن وهب نحو هذا الحديث) أي حدث سليمان وعبد الملك عن ابن وهب نحو ما حدث أحمد بن صالح عنه باتحاد المعنى واختلاف اللفظ.\n(قال) أي ابن وهب أو كل واحد من سليمان وعبد الملك: (قام المسلمون فضربوا بأكفهم التراب، ولم يقبضوا (٢) من التراب شيئًا، فذكر) بعد ذكر الاختلاف (نحوه) أي نحو ما تقدم (ولم يذكر المناكب والآباط، قال ابن الليث) أي عبد الملك بن شعيب: (إلى ما فوق المرفقين) أي\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: فيه أنه يستحب الإطالة للغرة والتحجيل في التيمم كما في الوضوء، وهو قول أصحابنا كما هو ظاهر \"المنهاج\"، فيبلغ إلى الآباط. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: يؤخذ منه أنه يجوز التيمم وإن لم يعلق بهما التراب، وبه قال مالك وأبو حنيفة خلافًا للشافعي وأحمد، إذ قالا: لا يجوز إلَّا أن يعلق بالكف من التراب شيء. (ش).","vol":"2","page":463},{"text":"٣٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِىُّ\n===\nمسحوا إلى ما فوق المرفقين، وهذا الحديث منقطع؛ فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر.\nوقد أخرج الطحاوي (١) هذا الحديث منقطعًا وموصولًا، فأخرج من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس (٢) عن عمار بن ياسر، ومن طريق ابن أبي ذئب عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عمار بن ياسر، ومن طريق محمد بن إسحاق وصالح عن الزهري عن عبيد الله عن عبد الله بن عباس عن عمار، ومن طريق مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أخبره عن أبيه عن عمار.\n٣٢٠ - (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذويب الذهلي، الحافظ، أبو عبد الله (النيسابوري) الإِمام، قال أبو حاتم: محمد بن يحيى إمام زمانه وهو ثقة، وقال النسائي: ثقة ثبت مأمون أحد الأئمة في الحديث، وقال ابن خراش: كان محمد بن يحيى من أئمة العلم، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين والحفاظ المتقنين والثقات المأمونين، وقال أبو أحمد الفراء: محمد بن يحيى عندنا إمام ثقة مبرز، وقال أحمد بن سيار: كان ثقة، كتب الكثير ودون الكتب، مات سنة ٢٥٨ هـ.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١١١).\n(٢) وسيأتي عند المصنف أيضًا بهذا السند، وذكر ابن رسلان أن ابن ماجه أخرجه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار فتأمل، قلت: وإليه أشار المصنف أيضًا كما سيأتي وهو الاضطراب الذي ذكره ابن العربي. (ش). [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢٤٠)].","vol":"2","page":464},{"text":"فِى آخَرِينَ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، أَخْبَرَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،\n===\n(في آخرين) \"في\" إما بمعنى \"مع\"، أو معناه: حدثنا محمد بن أحمد ومحمد بن يحيى حال كونهما داخلين في آخرين من المحدثين الذين حدثونا بهذا الحديث، (قالوا) أي محمد بن أحمد ومحمد بن يحيى وآخرون: (نا يعقوب) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وثَّقه ابن معين والعجلي وابن سعد، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٠٨ هـ.\n(نا أبي) هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، قال أحمد: ثقة وأحاديثه مستقيمة، وقال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي وأبو حاتم: ثقة، وقال صالح جزرة: حديثه عن الزهري ليس بذاك؛ لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزهري، قال ابن عدي: هو من ثقات المسلمين، حدث عنه جماعة من الأئمة، ولم يختلف أحد في الكتابة عنه، وقول من تكلم فيه تحامل، وله أحاديث صالحة مستقيمة عن الزهري وغيره، مات سنة ٨٥ هـ.\n(عن صالح) بن كيسان المدني أبو حمد، ويقال: أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، رأى ابن عمر وابن الزبير، وقال ابن معين: سمع منهما، قال حرب: سئل عنه أحمد قال: بخ بخ، وقال أحمد، وابن المديني: صالح أكبر من الزهري، وثَّقه ابن معين، وقال يعقوب بن شيبة: صالح ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: ثقة يعد في التابعين، ووثَّقه النسائي وابن خراش والعجلي.\n(عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة،","vol":"2","page":465},{"text":"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ، فَحَبَسَ النَّاسَ ابْتِغَاءُ عِقْدِهَا ذَلِكَ، حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ!\nفَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذكرُهُ عَلَى رَسُولِهِ -ﷺ-\n===\n(عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله - ﷺ - عرَّس) والتعريس نزول المسافر آخر الليلة نزلة للاستراحة (بأولات الجيش) وفي رواية البخاري: \"بالبيداء (١) وبذات الجيش\"، قال العيني: قال أبو عبيد: إن ذات الجيش من المدينة على بريد، قال: وبينها وبين العقيق سبعة أميال، (ومعه عائشة، فانقطع عقد لها) وهو القلادة، وهو كل ما يعقد ويعلق في العنق، قيل: كان ثمنه اثني عشر (٢) درهمًا، (من جزع ظفار) بفتح الجيم وسكون الزاي جمع جزعة: خرز يماني، وظفار كقطام اسم مدينة لحمير باليمن، وروي جزع أظفار، والصحيح (٣) رواية ظفار كقطام.\n(فحبس الناس ابتغاء) أي طلب (عقدها (٤) ذلك) أي الساقط (حتى أضاء) أي برق (الفجر وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر وقال: حبست الناس وليس معهم ماء! ! فأنزل الله تعالى ذكره على رسوله - ﷺ -\n_________\n(١) واختلفوا في أنه كان في طريق مكة أو طريق خيبر، هذا في \"الأوجز\" (١/ ٥٥٥)، وأيًّا ما كان فهذه أسماء المياه فيشكل قولهم: ليسوا على ماء إلَّا أن يقال: إن المراد قرب هؤلاء المواضع، ولأجل هذا اختلفت التعبيرات. (ش).\n(٢) كذا في \"العيني\" (٣/ ١٨٧). (ش).\n(٣) وقال ابن رسلان: وروي أظفار، وهو اسم لنوع من الجزع يعرفونه. (ش).\n(٤) وقالوا بفقدانه مرتين لاختلاف الروايات \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٥٤). (ش).","vol":"2","page":466},{"text":"رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الآبَاطِ\". [خ ٣٣٤، م ٣٦٧، ن ٣١٤، ق ١/ ٢٠٨]\nزَادَ ابْنُ يَحْيَى فِى حَدِيثِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِى حَدِيثِهِ: وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ\n===\nرخصة التطهر بالصعيد الطيب) أي آية التيمم، (فقام المسلمون) أي الذين كانوا (مع رسول (١) الله - ﷺ - فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا (٢) من التراب شيئًا فمسحوا بها) أي بالأيدي التي ضرب بها الأرض (وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط، زاد ابن يحيى في حديثه: قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس) أي لا يأخذ (٣) الفقهاء في التيمم بهذا القول، وقد عزى البعض هذا القول إلى الزهري كما تقدم.\n(قال أبو داود: وكذلك) أي كما رواه صالح بن كيسان\n_________\n(١) وهل تيمم - ﷺ - أيضًا؟ ظاهر اللفظ، نعم، ولكن قال ابن رسلان: قال ابن عبد البر: ومعلوم أنه - ﷺ - لم يصل منذ افترضت عليه الصلاة إلَّا بوضوء ولا يدفع ذلك إلَّا جاهل أو معاند، وكذا حكاه عنه صاحب \"المنهل\" (٣/ ١٤٧). (ش).\n(٢) فيه حجة لنا ولمالك كما تقدم. (ش).\n(٣) قال الخطابي (١/ ١٥١): لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم المسح ما وراء المرفقين، وفيه نظر لما سيأتي أنه مذهب الزهري والصديق - ﵁ -، قلت: ويشكل على هذا قول الزهري \"لا يعتبر به الناس\"، فتأمل. (ش).","vol":"2","page":467},{"text":"رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَذَكَرَ ضَرْبَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ يُونُسُ. وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ: ضَرْبَتَيْنِ.\n===\n(رواه ابن إسحاق) أي محمد (قال فيه: عن ابن عباس) أي أدخل في السند بين عبيد الله بن عبد الله وعمار بن ياسر عبد الله بن عباس، وأخرج رواية صالح وابن إسحاق الإِمام الطحاوي (١) (وذكر) أي ابن إسحاق (ضربتين) ولكن كلام الطحاوي يومئ إلى خلاف ما قال المصنف، فإن كلام المصنف يدل على أن صالح بن كيسان ذكر ضربة واحدة وخالفه ابن إسحاق فذكر ضربتين.\nوأما الطحاوي فأخرج رواية ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمار قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - حين نزلت آية التيمم فضربنا ضربة واحدة للوجه، ثم ضربنا ضربة واحدة لليدين إلى المنكبين ظهرًا وبطنًا. ثم أخرج رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب، وقال، فذكر بإسناده مثله، وكلام الطحاوي هذا يدل على أن صالحًا أيضًا ذكر في روايته ضربتين على وفق ما ذكره ابن إسحاق.\n(كما ذكره) أي الضربتين (يونس) وقد تقدمت رواية يونس عن ابن شهاب موصولة من المصنف، (ورواه معمر عن الزهري ضربتين) (٢) أي كما رواه ابن إسحاق ويونس.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١١٠)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى في \"مسنده\" (٣/ ١٩٩) رقم (١٦٣٠)، والبزار في \"مسنده\" (٤/ ٢٢١) رقم (١٣٨٤)، والطيالسي في \"مسنده\" (ص ٨٨) رقم (٦٣٧).\n(٢) رواية معمر عن الزهري وصلها عبد الرزاق (١/ ٢١٣) رقم (٨٢٧)، ومن طريقه أحمد (٤/ ٣٢٠)، وأبو يعلى (٣/ ٢٠٠) رقم (١٦٣٢)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٩/ ٢٨٥).","vol":"2","page":468},{"text":"وَقَالَ مَالِكٌ: عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ\n===\n(وقال مالك: عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه (١) عن عمار) أخرجه الطحاوي (٢) كما قدمنا، وزاد مالك فيه: عن أبيه، ولم يذكر ضربتين. (وكذلك) أي مثل ما قال مالك بزيادة عن أبيه في السند (قال أبو أويس) (٣) هو عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو أويس المدني، ابن عم مالك، وصهر على أخته، قال أبو داود عن أحمد: ليس به بأس، أو قال: ثقة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صالح ولكن حديثه ليس بذاك الجائز، وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ليس بقوي، وقال مرة: ابن أويس وابنه ضعيفان، وعن ابن معين: أبو أويس مثل فليح فيه ضعف، وقال إبراهيم بن جنيد عن ابن معين: ضعيف، وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وقال عمرو بن علي: فيه ضعف وهو عندهم من أهل الصدق، وقال النسائي: مدني ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج وليس بالقوي، وقال الخليلي: منهم من رضي حفظه ومنهم من يضعفه، وهو مقارب الأمر، وقال ابن عبد البر: لا يحكي عنه أحد جرحة في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وقال الحاكم أبو عبد الله: قد نسب إلى كثرة الوهم، مات سنة ١٦٧ هـ.\n_________\n(١) رجَّح الزيلعي رواية أبيه على الرواية التي ليس فيها الواسطة، وذكر الترجيح في واسطة ابن عباس وأبيه. [انظر: \"نصب الراية\" (١/ ١٥٦)]. (ش).\n(٢) (١/ ١١٠)، وأخرجه أيضًا النسائي (١/ ١٦٨) رقم (٣١٥)، وابن حبان (٤/ ١٣٤) رقم (١٣١٠)، وابن عبد البر (١٩/ ٢٨٣)، والبيهقي (١/ ٢٠٨).\n(٣) رواية أبي أويس أخرجها أبو يعلى في \"مسنده\" (٣/ ١٩٩) رقم (١٦٣١).","vol":"2","page":469},{"text":"عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَشَكَّ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وقَالَ فيه مَرَّةً: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، اضطرب فيه، وَمَرَّةً (١) قَالَ: عَنْ أَبِيهِ، وَمَرَّةً قَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اضْطَرَبَ فيه (٢) وَفِى سَمَاعِهِ عنَ (٣) الزُّهْرِىِّ (٤)،\n===\n(عن الزهري، وشك فيه ابن عيينة) أي سفيان (وقال فيه مرة: عن عبيد الله عن أبيه، أوعن عبيد الله عن ابن عباس)، فالشك والتردد إنما وقع منه في لفظ \"عن أبيه\" وفي لفظ \"عن ابن عباس\"، يعني أن عبيد الله بن عبد الله في حديثه روى عن أبيه عبد الله بن عتبة، أو عن عبد الله بن عباس، وهذا بيان للشك، و(اضطرب فيه و) هذا بيان الاضطراب بأنه (مرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس).\nوحاصل هذا الكلام أن سفيان بن عيينة روى هذا الحديث مرة بالشك في لفظ \"عن أبيه وعن ابن عباس\" بين عبيد الله وبين عمار بأنه قال في سنده عن الزهري: عن عبيد الله عن أبيه عن عمار، أو عن ابن عباس عن عمار بن ياسر، واضطرب فيه مرة أخرى فروى مرة عن الزهري، عن عبيد الله عن أبيه عن عمار، وروى مرة عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمار.\n(اضطرب فيه) (٥) أي في سند الحديث يذكر عن أبيه مرة، ويذكر عن ابن عباس مرة أخرى (وفي سماعه) أي واضطرب ابن عيينة في سماعه (عن الزهري). قال البيهقي في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: مرة\".\n(٢) وفي نسخة: \"اضطرب فيه ابن عيينة\".\n(٣) وفي نسخة: \"من\".\n(٤) زاد في نسخة: \"شك\".\n(٥) تأكيد للأول إن كانت الواو بعده صحيحة والأوجه النسخة التي بدون الواو، واضطرب فيه في سماعه ... إلخ، فهذا اضطراب ثانٍ. (ش).","vol":"2","page":470},{"text":"وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ (١) الضَّرْبَتَيْنِ إِلَّا مَنْ سَمَّيْتُ.\n٣٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: \"كُنْتُ جَالِسًا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ؟\n===\n\"سننه\" (٢): وأما سفيان بن عيينة فإنه شك في ذكر أبيه في إسناده، ورواه مرة عن ابن دينار عن الزهري، ومرة عن الزهري نفسه (ولم يذكر أحد منهم) أي من أصحاب الزهري (الضربتين إلَّا من سميت)، فعلى قول المصنف الذين ذكروا الضربتين عنه ثلاثة من أصحاب الزهري: يونس وابن إسحاق ومعمر، ولم يذكره غيرهم من أصحابه، وهذا الحصر منقوض بقول البيهقي: وحفظ فيه معمر ويونس ضربتين كما حفظهما ابن أبي ذئب.\nوقد تقدم أن الطحاوي قال: إن صالح بن كيسان روى عن الزهري مثل ما روى ابن إسحاق ضربتين فصاروا خمسة، فعلم بذلك أن الحصر استقرائي.\n٣٢١ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش) هو سليمان، (عن شقيق) أبي وائل، (قال) أي شقيق: (كنت جالسًا بين يدي عبد الله) أي ابن مسعود (وأبي موسى الأشعري، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن) كنية عبد الله بن مسعود، (أرأيت) أي أخبرني (لو أن رجلًا أجنب) أي صار جنبًا (فلم يجد الماء شهرًا، أما كان يتيمم؟)، وكأنه بلغه أن ابن مسعود يقول\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في هذا الحديث\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٨).","vol":"2","page":471},{"text":"فَقَالَ (١): لَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِى سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢)، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِى هَذَا (٣) لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ.\n===\nباختصاص التيمم بالمحدث، ولا يجيز التيمم للجنب، فجرى بينهما الكلام في هذه المسألة.\n(قال: لا) أي لا يتيمم، وفي رواية البخاري: \"فقال عبد الله: لا يصلي حتى يجد الماء\" (وإن لم يجد الماء شهرًا) فلا يتيمم ولايصلي؛ فإنه فاقد الطهورين لقوله - ﷺ -: \"لا صلاة إلَّا بطهور\".\n(فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فإن هذه الآية تدل على جواز التيمم للجنب، لأن قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ كناية عن الجماع (فقال عبد الله) أي ابن مسعود: (لو رخص لهم) أي للناس عامة (في هذا) أي في التيمم للجنب (لأوشكوا) (٤) أي لأسرعوا (إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد).\nقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه الملازمة بين الرخصة في تيمم الجنب وتيمم المتبرد، حتى صح أن يقال: لو رخصنا لهم في ذلك لكان إذا وجد أحدهم البرد تيمم؟ قلت: الجهة الجامعة بينهما اشتراكهما في عدم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) سورة المائدة: الآية ٦.\n(٣) وفي نسخة: \"هذه\".\n(٤) فيه رد على من قال: إن \"أوشك\" لا يستعمل ماضيًا بل مضارعًا فقط، كذا قال ابن رسلان. (ش).","vol":"2","page":472},{"text":"فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِهَذَا (١)؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِى الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ-، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا»، فَضَرَبَ (٢) بِيَدِهِ عَلَى الأَرْضِ\n===\nالقُدْرة على استعمال الماء، لأن عدم القدرة إما بفقد الماء وإما بتعذر الاستعمال، انتهى، نقله العيني (٣).\n(فقال له أبو موسى: وإنما) بتقدير همزة الاستفهام (كرهتم هذا) أي التيمم للجنب (لهذا؟) أي لأجل هذا المعنى (قال: نعم، فقال له) أي لعبد الله (أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله - ﷺ - في حاجة فأجنبت) أي صرت جنبًا، (فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة (٤)، ثم أتيت النبي - ﷺ - فذكرت ذلك) أي الشأن والقصة من التمرغ في الصعيد لغرض التيمم من الجنابة (له) أي لرسول الله - ﷺ -.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض)، وفي رواية البخاري: \"فضرب النبي - ﷺ -\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لذا\".\n(٢) وفي نسخة: \"وضرب\".\n(٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٣٢).\n(٤) قال ابن رسلان: الظاهر أن اللمس المذكور في الآية لم يكن عنده بمعنى الجماع، فلما رأى الوضوء خاصًا ببعض الأعضاء وبدله التيمم وهو أيضًا خاص بالبعض فقاس عليه أن الغسل هو تعميم البدن بالغسل، فتيمم الجنابة أيضًا يكون كذلك، ثم بسط ابن رسلان الكلام على أن القياس يجوز أم لا، لأن ابن حزم أبطل بهذا الحديث القياس مطلقًا، فارجع إليه. (ش).","vol":"2","page":473},{"text":"فَنَفَضَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ \". [خ ٣٤٧، م ٣٦٨، ن ٣٢٠، ق ١/ ٣١٥]\n===\nبكفيه الأرض\"، وفي أخرى له: \"وضرب بكفه ضربة على الأرض\"، وفي رواية مسلم من طريق أبي معاوية: \"ثم ضرب بيديه\"، وفي نسخة: \"بيده\"، ومن طريق عبد الواحد عن الأعمش: \"وضرب بيديه إلى الأرض\".\n(فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين)، وفي رواية البخاري: \"ثم نفضهما\"، وفي أخرى له: \"ونفخ فيهما\"، والمراد بضرب الشمال على اليمين، وبضرب اليمين على الشمال مسح اليمين بالشمال ومسح الشمال باليمين على الكفين أي فقط لا على الذراعين.\n(ثم مسح وجهه) أي بعد مسح الكفين، وفي رواية البخاري: \"ثم مسح بها ظهر كله بشماله أو ظهر شماله بكفه\". قال الحافظ في \"الفتح\" (١): كذا في جميع الروايات بالشك، وفي هذا السياق تقديم مسح الكفين على مسح الوجه، وفي مسلم بالواو لا بلفظ ثم، وهذه الرواية تقتضي على خلاف الترتيب تقديم مسح اليدين على مسح الوجه.\n(فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟).\nواعلم أنه قد وقع في هذا السياق من الكلام تقديم وتأخير، فإن الظاهر أن أبا موسى الأشعري - ﵁ - استدل أولًا بقصة عمار\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٦).","vol":"2","page":474},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوعمر - ﵄ - فلم يقبله عبد الله، وقال: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار، فكيف يستدل بأمر لم يقنع عمر عليه ولم يقبله، وجواب ابن مسعود هذا وإن لم يكن قاطعًا لاستدلال أبي موسى، لأن عدم قناعة عمر كان لأنه لم يحفظه، فكيف يسقط الاحتجاج بقول من حفظه، ولكن انتقل أبو موسى إلى استدلال آخر قصرًا للبحث وحذرًا عن طول الكلام، فاستدل على مدعاه بالآية التي في سورة المائدة، فقبل عبد الله هذا الاستدلال، وان كان يمكن له أن يقول: المراد بالملامسة غير المجامعة، ولكن اكتفى عبد الله بن مسعود على بيان مذهبه.\nوحاصله أنه لا يقول بعدم جواز التيمم للجنب مطلقًا بل هو مسلم عنده أيضًا. وهذا الذي قلته من عدم جوازه كان دفعًا للمفسدة لئلا يتسارع الناس في ذلك إذا برد عليهم الماء أو عرض لهم عذر يسير، فلو رخص لهم في ذلك لاستبقوا إلى التيمم، فلأجل ذلك قلت هذا القول احتياطًا وسدًّا للباب، وقد أخرج البخاري هذا الحديث في \"صحيحه\" بهذا الترتيب من طريق حفص بن غياث عن الأعمش، عن شقيق، وأما على هذا الترتيب الذي في أبي داود، فلما انقطع البحث بالاستدلال بالآية، ووافق عبد الله أبا موسى في المسألة، فلا معنى بعده للاستدلال بقول عمار.\nواعلم أن العلماء بعد ما اتفقوا على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء من غير فرق بين المحدث والجنب، وأجمعوا على ذلك، ولم يخالف فيه أحد إلَّا ما حكي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب، وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، اختلفوا في أن التيمم ضربة واحدة أو ضربتان أو ثلاث ضربات، وفي أن محل المسح في التيمم من","vol":"2","page":475},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nاليدين إلى الكفين فقط أو إلى المرفقين أو الآباط، ولم يذهب إلى هذا المذهب الأخير إلَّا الزهري.\nوقد ذهب في الاختلاف الأول إلى القول الأول عطاء (١) ومكحول والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، ونقله ابن المنذر (٢) عن جمهور العلماء، وهو قول عامة أهل الحديث.\nوذهب إلى الثاني من الفقهاء سفيان الثوري ومالك (٣) وأبو حنيفة وابن المبارك والشافعي، وبه قال بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين منهم: ابن عمر وجابر وإبراهيم النخعي والحسن البصري، وذهب ابن المسيب وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات، ضربة للوجه وضربة للكفين وضربة للذراعين.\nاحتج الفريق الأول بحديث الباب وبأمثاله من الأحاديث المُجْمَع على صحتها، واستدل الفريق الثاني بالأحاديث الكثيرة التي فيها ذكر الضربتين، والاستدلال بها موقوف على تمهيد عدة مقدمات.\nأولاهما: أن عدم ذكر الشيء والسكوت عنه لا يدل على نفيه، وكذا إذا ذكر العدد فهو لا ينفي ما فوقه، لأن مفهوم العدد غير معتبر.\nوثانيتها: أن الزيادة إذا ثبتت تقبل ما لم تكن منافية لما ثبت في غيرها من الروايات الثابتة.\nوثالثتها: أن الروايات الضعيفة إذا تعددت طرقها اكتسبت قوة وتبلغ\n_________\n(١) ونقله ابن رسلان عن عامة أصحابهم. (ش).\n(٢) ورواية عن مالك، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٥٧١). (ش).\n(٣) المرجح عند مالك ضربة فرض، وضربتان سنة، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٥٧١). (ش).","vol":"2","page":476},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمبلغ الاحتجاج بها، حتى إنها تبلغ مرتبة الشهرة والتواتر، حتى لا يقدح فيها ضعف الرواة.\nورابعتها: أن الحديث إذا رواه ثقة مرفوعًا، ورواه ثقة أو ثقات موقوفًا، فوقفهم الحديث لا يستلزم ضعف الرفع، ولا يستدل به على ضعف المرفوع، فإنه زيادة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة إلَّا أن تدل القرينة على الشذوذ، ولأن الراوي يرويه مرة فيريد أن يحدث به تحديثًا فيرفعها، ويريد أن يفتي به مرة فيوقفها، فلا منافاة في كونه مرفوعًا وموقوفًا، فيصح رفعه ووقفه، فقول بعض المحدثين: فالصواب موقوف في الحديث الذي روي مرفوعًا بطريق صحيح، وكذلك موقوفًا غير موجه.\nفإذا تمهدت المقدمات فنقول بحول الله وقوته: إن الأحاديث المثبتة لوحدة الضربة صريحًا لم أجدها في البخاري، ولكن في رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش فقال: \"إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه\"، وفي نسخة: \"بيده إلى الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه\"، وهذه الرواية على النسخة التي فيها لفظة \"بيده\" بالإفراد دليل ظاهر على أن المقصود، والغرض بهذا التيمم بيان صورة الضرب والمسح، لا جميع ما يحصل به التيمم.\nوكذلك قوله: \"ثم مسح الشمال على اليمين\"، فإن الاكتفاء على مسح الشمال على اليمين ظاهر في أن الغرض ليس إلَّا بيان الصورة الإجمالية.\nوكذلك ما ورد في هذه الرواية: \"وظاهر كفيه\"، وكذا في رواية البخاري: \"ثم مسح بها ظهر كله بشماله أو ظهر شماله بكفه\"، ففي الاكتفاء على مسح ظاهر الكفين على رواية مسلم، وعلى ظهر أحدهما خاصة على","vol":"2","page":477},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرواية البخاري أصرح دلالة على ما قلنا، وإلَّا فالواجب في المسح أن يكون على ظهر الكف الواحد أو الكفين لا جميع الكفين، لأنه أقل ما ورد فيه في الروايات الصحيحة الصريحة ولم يقل به أحد.\nوفي رواية له من طريق عبد الواحد عن الأعمش: فقال: \"إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض فنفض يديه\"، وأما في البخاري ففيه: فقال النبي - ﷺ -: \"إنما كان يكفيك هكذا، فَضَرَبَ النبي - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه\".\nوفي رواية له: فقال: \"يكفيك الوجه والكفين\" (١)، وفي أخرى له: قال عمار: \"فضرب النبي - ﷺ - بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه\"، وفي أخرى له في باب التيمم ضربة: فقال: \"إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كله بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه\"، وفي أخرى له في هذا الباب: فقال: \"إنما يكفيك هكذا ومسح وجهه وكفيه واحدة\".\nوهذا السياق الأخير للبخاري وإن كان فيه تصريح بالوحدة، ولكن ليس فيه ذكر ضربة ولا ضربتين، فالظاهر أن معناه: ومسح وجهه وكفيه واحدة، أي مسحة واحدة، كما فسر به الحافظ في \"الفتح\"، وكأن البخاري - ﵀ - أخذ بهذا أن المراد من المسحة الواحدة الضربة الواحدة، ولذلك أخرجه في \"باب التيمم ضربة\".\n_________\n(١) قوله: \"والكفين\" بالنصب رواية أبي ذر وكريمة، وفي رواية الأصيلي وغيره \"والكفان\" بالرفع وهو الظاهر، والأحسن وجه النصب أن تكون \"الواو\" بمعنى \"مع\". كذا في \"شرح العيني\" للبخاري (٣/ ٢١٤).","vol":"2","page":478},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلنا: لا نسلم ذلك بل يحتمل أن يكون معناه: ومسح كل واحد من الوجه والكفين مسحة واحدة، لا مسحتين ولا ثلاث مسحات، فحينئذ لا يمكن أن يستدل بهذا على وحدة الضربة، وأما الروايات التي تقدم ذكرها، فلا يجوز أن يستدل بها أيضًا، لأن الروايات التي صرح فيها بالوحدة لا تدل على نفي ما فوقها، وكذلك الروايات التي ليس فيها ذكر الوحدة بل ذكر فيها الضربة كما في البخاري: \"وضرب بكفه ضربة\"، فهي أيضًا لا يقتضي نفي الزائد إلَّا بطريق المفهوم، والاستدلال بالمفهوم لا تقوم به حجة على الخصم، فبقيت الروايات المثبتة للضربتين سالمة عن المعارضة.\nوأما الروايات المثبتة للضربتين، فمنها ما ذكره المصنف وغيره من طريق يونس عن ابن شهاب، عن حديث عمار بن ياسر: \"أنهم تمسحوا بأكفهم للصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم\"، قال أبو داود: وكذلك رواه ابن إسحاق قال فيه: عن ابن عباس، وذكر فيه ضربتين كما ذكره يونس، ورواه معمر عن الزهري ضربتين، انتهى.\nقلت: وكذلك رواه ابن أبي ذئب عن الزهري وفيه: قال عبد الله: \"وكان يحدث أن الناس طفقوا يومئذ يمسحون بأكفهم الأرض فيمسحون وجوههم، ثم يعودون فيضربون ضربة أخرى، فيمسحون بها أيديهم إلى المناكب والآباط\"، أخرجه البيهقي (١)، وهذه الروايات ظاهرة في أنهم كانوا علموا بالآية أنهم أمروا بالتيمم بمسح الوجه والأيدي، ولكن\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٨).","vol":"2","page":479},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلم يعلموا أن المراد بالأيدي كلها من الأنامل إلى المناكب والَاباط أو بعضها، وعلموا أنهم أمروا بضربتين في التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين.\nقال الشوكاني (١): وقد روى الطبراني في \"الأوسط\" و\"الكبير\" أنه - ﷺ - قال لعمار بن ياسر: \"يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفين\"، وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وهو ضعيف وإن كان حجة عند الشافعي.\nقلت: قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: كان إبراهيم بن أبي يحيى قدريًّا، قيل للربيع: فما حمل الشافعي على أن روى عنه؟ قال: كان يقول: لأن يخرّ إبراهيم من بعد أو من السماء أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث، وقال أبو أحمد بن عدي: سألت أحمد بن محمد بن سعيد يعني ابن عقدة فقلت له: تعلم أحدًا أحسن القول في إبراهيم غير الشافعي؟ فقال: نعم، حدثنا أحمد بن يحيى الأودي سمعت حمدان بن الأصبهاني قلت: أتدين بحديث إبراهيم بن أبي يحيى؟ قال: نعم، ثم قال لي أحمد بن محمد بن سعيد: نظرت في حديث إبراهيم كثيرًا وليس بمنكر الحديث، قال ابن عدي: وهذا الذي قاله كما قال، وقد نظرت أنا أيضًا في حديثه الكثير فلم أجد فيه منكرًا، إلَّا عن شيوخ يحتملون، وإنما يروي المنكر من قبل الراوي عنه، أو من قبل شيخه، وهو من جملة من يكتب حديثه.\nوأيضًا قال الحافظ في ترجمته في موضع آخر: وقال الشافعي في كتاب \"اختلاف الحديث\": ابن أبي يحيى أحفظ من الدراوردي، وقال\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٤٠).\n(٢) (١/ ١٥٩).","vol":"2","page":480},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأيضًا: قال العجلي: كان قدريًّا معتزليًّا رافضيًّا، وكان من أحفظ الناس، وكان قد سمع علمًا كثيرًا، وقرابته كلهم ثقات، وهو غير ثقة، وقال الذهبي في \"الميزان\": وقد وثَّقه الشافعي وابن الأصبهاني.\nومنها ما أخرجه الطحاوي (١) وغيره عن أسلع التميمي -﵁ - مرفوعًا: حدثنا محمد بن الحجاج قال: ثنا علي بن معبد قال: ثنا أبو يوسف عن الربيع بن بدر قال: حدثني أبي عن جدي عن أسلع التميمي قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فقال لي: \"يا أسلع قم فارحل لنا\" قلت: يا رسول الله - ﷺ - أصابتني بعدك جنابة فسكت عني، حتى أتاه جبرئيل - ﵇ - بآية التيمم فقال لي: \"يا أسلع! قم فتيمم صعيدًا طيبًا ضربتين: ضربة لوجهك وضربة لذراعيك ظاهرهما وباطنهما\"، الحديث.\nقال الشوكاني (٢): وفيه الربيع بن بدر وهو ضعيف، وقال البيهقي: الربيع بن بدر ضعيف إلَّا أنه غير متفرد.\nومنها ما روي عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا، فالمرفوع ما أخرجه الدارقطني (٣): حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي، ثنا عبد الله بن الحسين بن جابر، ثنا عبد الرحيم بن مطرف، ثنا علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: \"التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين\"، كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعًا، ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١١٣).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٤٠).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٨٠).","vol":"2","page":481},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: قال الشوكاني: وفي إسناده علي بن ظبيان، قال الحافظ: هو ضعيف ضعفه القطان وابن معين وغير واحد، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١) في ترجمته بعد ما نقل تضعيفه عن جمهور المحدثين: وقال طلحة بن محمد بن جعفر: علي بن ظبيان رجل جليل دَيِّنٌ متواضع حسن العلم بالفقه من أصحاب أبي حنيفة، وكان خشنًا في باب الحكم ولَّاه هارون الرشيد، وأخرج الحاكم في \"المستدرك\" (٢) حديثه في التيمم وقال: إنه صدوق، ثم أخرج رواية يحيى بن سعيد وهشيم عن ابن عمر أنه كان يقول: التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة للكفين إلى المرفقين، فهذه الرواية الموقوفة في حكم المرفوع، لأنه لا مدخل فيه للرأي والاجتهاد، أو يقال: إن ابن عمر أفتى من نفسه مرة فلم يرفعه، ورفعه مرة.\nومن المرفوع أيضًا ما أخرجه الدارقطني (٣) بسنده من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: \"تيممنا مع النبي - ﷺ - بضربتين: ضربة للوجه والكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين\"، ومن طريق سليمان بن أبي داود الحراني عن سالم ونافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: \"في التيمم ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين\"، قال الدارقطني: سليمان بن أرقم وسليمان بن أبي داود ضعيفان.\nومنها ما روي عن جابر مرفوعًا وموقوفًا، فالمرفوع ما أخرجه الدارقطني بسنده: حدثنا محمد بن مخلد وإسماعيل بن علي وعبد الباقي بن\n_________\n(١) (٧/ ٣٤١).\n(٢) (١/ ١٧٩).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٦٨٩ - ٦٩٠).","vol":"2","page":482},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقانع قالوا: نا إبراهيم بن إسحاق الحربي، نا محمد بن عثمان (١) الأنماطي، ثنا حرمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: \"التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين\"، ثم قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، والصواب موقوف.\nقال الشيخ شمس الحق في \"حاشيته على الدارقطني\": قوله: رجاله كلهم ثقات، وقال الحاكم أيضًا: صحيح الإسناد، وقال ابن الجوزي في \"التحقيق\": وعثمان بن محمد متكلم فيه، وتعقبه صاحب \"التنقيح\" تابعًا للشيخ تقي الدين في \"الإِمام\"، وقال ما معناه: إن هذا الكلام لا يقبل منه، لأنه لم يبين من تكلم فيه، وقد روى عنه أبو داود وأبو بكر بن أبي عاصم وغيرهما، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الذهبي: فيه لين، قال العيني (٢): وأخرجه البيهقي أيضًا والحاكم أيضًا من حديث إسحاق الحربي (٣)، وقال: هذا إسناد صحيح، وقال الذهبي أيضًا: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته.\nومنها ما روي عن ابن عمر مرفوعًا فقد أخرج البيهقي (٤) وغيره بسنده من طريق محمد بن ثابت العبدي: حدثنا نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجته إلى ابن عباس فلما أن قضى حاجته كان من حديثه يومئذ قال: \"بينما النبي - ﷺ - في سكة من سكك المدينة، وقد خرج النبي - ﷺ - من غائط أو بول،\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر بدله عثمان بن محمد. انظر: \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٨).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢١٠).\n(٣) كذا في \"العيني\"، والظاهر بدله ابن إسحاق. (ش).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٦).","vol":"2","page":483},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفسلم عليه رجل فلم يرد عليه، ثم إن النبي - ﷺ - ضرب بكفيه فمسح لوجهه مسحة، ثم ضرب بكفيه الثانية فمسح ذراعيه إلى المرفقين\"، الحديث.\nثم قال البيهقي: وقد أنكر بعض الحفاظ رفع هذا الحديث على محمد بن ثابت، فقد رواه جماعة عن نافع من فعل ابن عمر، ثم أخرج رواية يزيد بن الهاد أن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال: أقبل رسول الله - ﷺ - من الغائط، الحديث، فرفعه يزيد بن الهاد كما رفعه محمد بن ثابت، ثم قال البيهقي: فهذه الرواية شاهدة لرواية محمد بن ثابت العبدي إلَّا أنه حفظ فيها الذراعين، انتهى.\nثم قال بسنده إلى عثمان بن سعيد الدارمي يقول: سألت يحيى بن معين قلت: محمد بن ثابت العبدي، قال: ليس به بأس، كذا قال في رواية الدارمي عنه، وهو في هذا الحديث غير مستحق للتزكية بالدلائل التي ذكرتها، وقد رواه جماعة من الأئمة عن محمد بن ثابت مثل يحيى بن معين ومعلي بن منصور وسعيد بن منصور وغيرهم، وأثنى عليه مسلم بن إبراهيم ورواه عنه، وهو عن ابن عمر مشهور.\nقال مولانا الشيخ عبد الحي في \"السعاية\" (١):\nومنها ما أخرجه أحمد (٢) من حديث أبي هريرة: أن قومًا جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: إنا نسكن الرمال ولا نجد الماء شهرًا أو شهرين، وفينا الجنب والحائض والنفساء، فقال: \"عليكم بأرضكم ثم ضرب بيده على الأرض ضربة واحدة، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها على يديه إلى المرفقين\".\n_________\n(٢) انظر: \"نصب الراية\" (١/ ١٥٦). و\"مسند أحمد\" (٢/ ٢٧٨ - ٣٥٢).","vol":"2","page":484},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١): وهو حديث يعرف بالمثنى بن الصباح، وقد ضعَّفه أحمد وابن معين في آخرين، ورواه أبو يعلى من حديث ابن لهيعة وهو أيضًا ضعيف، وله طريق آخر في \"معجم الطبراني الأوسط\"، حدثنا أحمد بن محمد البزار الأصبهاني، ثنا الحسن بن عمارة الحضرمي، ثنا وكيع بن الجراح، عن إبراهيم بن يزيد، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره، وقال: لا نعلم لسليمان الأحول عن سعيد غير هذا الحديث، انتهى، وفيها إبراهيم بن يزيد وهو ضعيف أيضًا.\nومنها حديث عائشة -﵂ - مرفوعًا: \"التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين\"، رواه البزار (٢) بسنده عن عائشة مرفوعًا. قلت: قال العيني في \"شرحه على البخاري\" (٣): حديث عائشة أخرجه البزار بإسناده عنها عن النبي - ﷺ - قال: \"في التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين\"، وفي إسناده الحريش بن الخريت، ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة.\nقلت: قال الحافظ في \"التهذيب\": وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال يحيى: ليس به بأس، وقال البخاري في \"تاريخه\": أرجو أن يكون صالحًا، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا.\nومنها ما روي عن أبي أمامة -﵁ - أخرجه الطبراني (٤)\n_________\n(١) (١/ ١١٢).\n(٢) انظر: \"مجمع الزوائد\" (١/ ٥٩١).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢١٠).\n(٤) \"المعجم الكبير\" (٨/ ٧٩٥٩).","vol":"2","page":485},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبإسناده إليه عن النبي-صلي الله عليه وسلم- قال: \"التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين\"، وفي إسناده جعفر بن الزبير، قال شعبة: وضع أربع مئة حديث، قلت: قال الحافظ في \"التقريب\": متروك الحديث، وكان صالحًا في نفسه، وقال في \"تهذيب التهذيب\": قال أبو داود: من خيار الناس، ولكن لا أكتب حديثه، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في مس الذكر.\nواستدلوا أيضًا بالكتاب لقوله تعالي: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١)، وأمروا بمسح الوجه واليدين، وفي الغسل لا يجوز استعمال ماء واحد في عضوين في الوضوء، فلا يجوز استعمال تراب واحد في عضوين في التيمم، لأن الخلف لا يخالف الأصل، فإن النص وان لم يتعرض للتكرار نصًّا وهو متعرض له دلالة فلا يقال فيه: إنه إثبات الحكم بالقياس بمقابلة النص، ألا ترى أن استيعاب العضوين (٢) بالمسح وإن لم يتعرض له النص، لكن لما كان التيمم بدلًا عن الوضوء والاستيعاب فيه من تمام الركن فكذا في البدل.\nوأما الآثار المروية من الصحابة والتابعين في هذا الباب فكثيرة، ولكن لا نطول الكلام بذكرها.\nوأما الاختلاف الثاني فقد اختلف في محل المسح في التيمم، قال الأكثرون: هو ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومالك والشافعي وأصحابهما، والليث بن سعد، غير أن عند مالك إلى الرسغين فرض، وإلى المرفقين اختيار، وقال\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ٦.\n(٢) قال ابن القيم: الاقتصار في التيمم على العضوين في غاية الموافقة للقياس \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٨). (ش).","vol":"2","page":486},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالحسن بن حي وابن أبي ليلى: ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه، وقال الخطابي: لم يقل ذلك أحد من أهل العلم، وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة للذراعين، وضربة لهما أخرى جميعًا، حكي ذلك القول في \"البدائع\" (١).\nوقال الزهري (٢): يتيمم الآباط، وقالت طائفة من العلماء: يضرب أربع ضربات، ضربتان للوجه وضربتان لليدين، وليس له أصل من السنة، وقال بعض العلماء: يتيمم الجنب إلى المنكبين وغيره إلى الكوعين، وهو قول ضعيف، وفي رواية عن ابن سيرين: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين.\nقال النووي (٣): اختلف العلماء في كيفية التيمم، فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنه لا بد من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وممن قال بهذا من العلماء علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد الله وسفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة واْصحاب الرأي وآخرون - ﵃ أجمعين-.\nوذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين (٤)، وهو مذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وعامة\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٦٥).\n(٢) وحكاه ابن رسلان عن ابن المنذر والطحاوي وغيرهما أنه مذهب أبي بكر الصديق - ﵁ -. (ش).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٢٩٥).\n(٤) ونقل ابن رسلان عن النووي في \"شرح المهذب\" (٢/ ٢٦٢) أنه الأقوى دليلًا، وهو قول قديم للشافعي. (ش).","vol":"2","page":487},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأصحاب الحديث، قلت: وأهم ما يعتنى به من هذه الأقوال المذكورة في هذا الباب قولان، القول الأول ما قاله أصحابنا الحنفية وأكثر الفقهاء، والقول الثاني ما قاله أصحاب الحديث وغيرهم.\nواستدل الفريق الثاني بما رواه عمار في حديثه: \"ثم مسح بهما وجهه وكفيه\"، وأيضًا في قصة عمار فقال: \"يكفيك الوجه والكفان\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فاما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في \"الصحيحين\"، وبذكر المرفقين في \"السنن\"، وفي رواية \"إلى نصف الذراع\"، وفي رواية \"إلى الآباط\"، فأما رواية المرفقين وكذا نصفط الذراعين ففيهما مقال، وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي - ﷺ - فكل تيمم صح للنبي - ﷺ - بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره بالحجة فيما أمر به.\nقال العيني (٢): قلت: قوله: لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، غير مسلَّم، لأنا قد ذكرنا أنه روي فيه عن جابر مرفوعًا: \"إن التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين\"، وأن الحاكم قال: إسناده صحيح، وأن الذهبي قال: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته، فإن قلت: رواه جماعة موقوقًا، قلت: الرفع أقوى وأثبت، لأنه أسند من وجهين.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٤).\n(٢) \"عدة القاري\" (٣/ ٢١١).","vol":"2","page":488},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفقوله: أما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا، غير صحيح، ولا يطلق عليه حد الإجمال، بل هو مطلق يتناول إلى الكفين وإلى المرفقين وإلى ما وراء ذلك، ولكن رواية الدارقطني في هذا الحديث خصصته وفسرته بقوله: \"فمسح بوجهه وذراعيه\"، فإن قلت: هذا القائل لم يرد الإجمال ألاصطلاحي، بل أراد الإجمال اللغوي، قلت: إن كان كذلك، فحديث الدارقطني أوضحه وكشفه كما ذكرنا، انتهى.\nقلت: قد ذكرنا فيما تقدم أن حديث عمار اختلفت ألفاظه فيما رواه البخاري ومسلم، ففي رواية عن عمار: فقال النبي - ﷺ -: \"إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه\"، وفي أخرى له: فأتيت النبي - ﷺ - فقال: \"يكفيك الوجه والكفين\"، وفي هذين الحديثين ذكر الوجه والكفين، وفي أخرى له: ذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: \"إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كله بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه\"، وفي رواية له: قال عمار: \"فضرب النبي-صلي الله عليه وسلم- بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه\".\nفاختلفت روايات البخاري في أن آلة المسح من رسول الله - ﷺ - هل كانت واحدة أو ثنتين؟ فالرواية التي فيها \"فضرب بكفيه\" تدل على أن آلة المسح من رسول الله - ﷺ - كانت كفيه، والرواية التي فيها ضرب النبي -صلي الله عليه وسلم- بيده أو ضرب بكفه تدل على أن آلة المسح من رسول الله - ﷺ - كانت واحدة، ومثل ذلك الاختلاف وقع الاختلاف في محل المسح أيضًا، وفي بعضها: \"مسح وجهه وكفيه\"، وفي بعضها: \"مسح ظهر كفه بشماله\"، أو \"ظهر شماله بكفه\".","vol":"2","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفيفهم من هذه الروايات أن أدنى ما يكفي المتيمم من المسح أن يمسح بيد واحدة على ظهر الكفين؛ ظهر كف اليمين بالشمال، وظهر كف الشمال باليمين، بل رواية لفظ \"أو\" تدل على أن أدنى الكفاية أن يمسح بيد واحدة ظهر كف إحدى يديه اليمين أو الشمال.\nوأما الروايات التي ورد فيها مسح الكفين، فيمكن أن يؤؤَّل بحذف المضاف أي وظهر كفيه، أو يقال: إن أدنى ما يكفي في التيمم من المسح هو المسح بيد واحدة على ظهر الكفين أو على ظهر كف واحد، وأما مسح الكفين جميعهما ظهرًا وبطنًا فاختيار، فليت شعري أي شيء حملهم على أنهم تركوا هذه الروايات الصريحة الصحيحة، وأوجبوا مسح الكفين ظاهرًا وباطنًا، فلو اعتذروا أنه - ﷺ - فعل ذلك الفعل وكان غرضه بيان صورة الضرب لا بيان جميع ما يحصل به التيمم، فهذا هو قول المخالفين، ويثبت أن يلزم مسح الذراعين إلى المرفقين، وإلَّا فلا يثبت لزوم المسح على الكفين ظاهرًا وباطنًا.\nوأما الفريق الثاني فاستدلوا على أن التيمم يلزم فيه المسح على الوجه واليدين إلى المرفقين، واستدلوا بأحاديث كثيرة، منها حديث أبي الجهيم بن الحارث الصمة الأنصاري أخرجه مسلم وأبو داود (١) بلفظ: \"فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇\"، وهذا لفظ مسلم وأبي داود، وأخرجه الدارقطني والبيهقي (٢) من طريق الليث ولفظه: \"فمسح بوجهه وذراعيه ثم رد ﵇\".\nثم بعد إخراج رواية الليث المتقدمة، قال البيهقي (٣): أخبرنا\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١١٤)، و\"سنن أبي داود\" (٣٢٩).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٦٧١)، و\"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٥).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٥).","vol":"2","page":490},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبو زكريا بن إسحاق وأبو بكر بن الحسن قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنا الربيع بن سليمان، أنا الشافعي، ثنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة قال: \"مررت على رسول الله - ﷺوهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد عليَّ، حتى قام إلى جدار، فحَتَّه بعصًا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم ردَّ عليَّ\"، هذا شاهد رواية أبي صالح كاتب الليث إلَّا أن هذا منقطع، لأن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج لم يسمع من ابن الصمة، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قد اختلفت الحفاظ في عدالتهما، إلَّا أن لروايتهما بذكر الذراعين فيه شاهدًا من حديث ابن عمر.\nقلت: وإبراهيم بن محمد هذا وإن تكلم فيه أهل الحديث لكن وثَّقه الشافعي وابن الأصبهاني وابن عقدة، وقد تقدم ذكره، وعبد الرحمن بن معاوية هذا، قال الذهبي في \"الميزان\" (١): قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي قال: أبو الحويرث روى عنه سفيان وشعبة، فقلت: إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالكًا عنه، فقال: ليس بثقة فأنكره، ثم قال: لا، قد حدث عنه شعبة، وروى عثمان بن سعيد وغيره، عن ابن معين: ثقة.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): وقال بشر بن عمر عن مالك: ليس بثقة، وقال عبد الله بن أحمد: أنكر أبي ذلك عن قول مالك، وقال: قد روى عنه شعبة وسفيان، ونقل ابن عدي في ترجمته من طريق أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا من طريق عثمان الدارمي عن يحيى، وقال العقيلي: وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) رقم الترجمة: (٥٩١٢).\n(٢) (٦/ ٢٧٢).","vol":"2","page":491},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال أبو الجويرية: ونقل ذلك الحاكم أبو أحمد عن البخاري، ثم قال: وهو وهم، ولم يتكلم فيه البخاري بشيء.\nوأيضًا أخرج الدارقطني (١): حدثنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن إبراهيم المروزي، ثنا محمد بن خلف بن عبد العزيز بن عثمان بن جبلة، ثنا أبو حاتم أحمد بن حمدويه بن جميل بن مهران المروزي، ثنا أبو معاذ، ثنا أبو عصمة، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، وفيه: \"فضرب الحائط بيده ضربة فمسح بها وجهه، ثم ضرب بها أخرى فمسح بها ذراعيه إلى المرفقين، ثم رد عليَّ السلام\"، قال أبو معاذ: وحدثني خارجة عن عبد الله بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم عن النبي - ﷺ - مثله.\nفهذه الروايا التي أخرجها الدارقطني وفيها ذكر مسح الذراعين تدل على أن ما وقع في رواية مسلم وأبي داود وغيرهما من رواية أبي الجهيم بلفظ: \"فمسح بوجهه ويديه\"، محمول على الذراعين لا على الكفين.\nومنها حديث ابن عمر الذي أخرجه أبو داود (٢) وغيره من طريق محمد بن ثابت العبدي ولفظه: قال: \"مر رجل على رسول الله - ﷺ - في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، فضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما ضربة أخرى ومسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام\"، قال أبو داود: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيمم لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٧٧).\n(٢) ح (٣٣٠).","vol":"2","page":492},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني (١): وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وأحمد، قلت: قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال محمد بن سليمان: لُوَيْنٌ، وأحمد بن عبد الله العجلي: ثقة، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين يكتب حديثه. وقال الذهبي في \"الميزان\" (٣): وروى معاوية بن صالح عن يحيى: ليس به بأس، ينكر عليه حديث ابن عمر في التيمم لا غير، يعني أنه ﵊ تيمم لرد السلام، والصواب موقوف.\nقال البيهقي (٤): قد أنكر بعض الحفاظ رفع هذا الحديث على محمد بن ثابت العبدي، فقد رواه جماعة عن نافع من فعل ابن عمر، والذي رواه غيره عن نافع من فعل ابن عمر إنما هو التيمم فقط، فأما هذه القصة فهي عن النبي - صلي الله عليه وسلم - مشهورة برواية أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة وغيره، وثابت عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا مر ورسول الله - ﷺ - يبول فسلم فلم يردّ عليه، إلَّا أنه قصر بروايته، ورواه يزيد بن الهاد أتم من ذلك.\nثم قال البيهقي: وفعل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين إلى المرفقين شاهد لصحة رواية محمد بن ثابت.\nومنها حديث جابر -﵁ - أخرجه الدارقطني (٥) مرفوعًا\n_________\n(١) \" نيل الأوطار\" (١/ ٢٤٠).\n(٢) (٩/ ٨٥).\n(٣) (٣/ ٤٩٥).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٦).\n(٥) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٨١).","vol":"2","page":493},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبسنده عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: \"التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين\"، ثم قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، وقد صححه الحاكم.\nوقال العلامة العيني (١): قال الذهبي أيضًا: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته، وهذا حديث صحيح صريح في إثبات الدعوى، ولو لم يكن هذا الحديث الصحيح الصريح بأيدي الفريق الأول لكانت الأحاديث الضعاف التي تكلم فيه كافية في إثبات الدعوى، لأن لمجموعها قوة تكفي في إثبات الدعوى.\nواستدلوا أيضًا بالكتاب (٢) بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣)، فإن الله تعالى أمر بمسح اليد، فلا يجوز التقييد فيه إلَّا بدليل، وقد ورد في التقييد أحاديث مختلفة، فأدنى التقييد الذي ورد فيه هو ظهر الكف الواحد ثم الكفين والثالث إلى المرفقين.\nفأما التقييد بالأولين فيحتمل أن يكون لأجل بيان صورة الضرب، ويحتمل أن يكون لأجل بيان ما يحصل به جميع الفعل، فلما كان مبناه على الاحتمال لم يبق الاستدلال، ولا يصح الاحتجاج به، وبقي التقييد بالمرفق، وليس فيه احتمال يمنع الاستدلال، فيؤخذ به، وهو الأشبه بالقياس؛ لأن المرفق جعل غاية للأمر بالغسل في الوضوء، والتيمم بدل\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢١١).\n(٢) واستدل ابن العربي بالقرآن على خلافه، ونقله عن ابن عباس - ﵄-. (ش) [انظر: \"العارضة\" (١/ ٢٤٠)].\n(٣) سورة المائدة: الآية ٦.","vol":"2","page":494},{"text":"٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا (١) سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى مَالِكٍ،\n===\nعن الوضوء، والبدل لا يخالف المبدل، وذكر الغاية هناك يكون ذكرًا هاهنا بالقياس ودلالة النص، وقد قام دليل الإجماع في إسقاط ما وراء المرفقين، فسقط وبقي ما دونهما على الأصل.\nقال الخطابي (٢): وقد يقول من يخالف في هذا: لو كان حكم التيمم حكم الطهارة بالماء لكان التيمم على أربعة أعضاء، فيقال له: إن العضوين المحذوفين لا عبرة بهما، لأنهما إذا سقطا سقطت (٣) المقايسة عليهما، فأما العضوان الباقيان فالواجب أن يراعى فيهما حكم الأصول، ويستشهد لهما بالقياس، ويستوفى شرطه في أمرهما كركعتي السفر قد اعتبر فيهما حكم الأصل، وإن كان الشطر الآخر ساقطًا.\n٣٢٢ - (حدثنا محمد بن كثير العبدي، نا سفيان) بن سعيد الثوري، (عن سلمة بن كهيل) بن حصين الحضرمي، أبو يحيى الكوفي، قال أحمد: سلمة بن كهيل متقن الحديث، ووثَّقه ابن معين والعجلي وابن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكان يتشيَّع، أتى سلمة بن كهيل زيد بن علي بن الحسين، لما خرج فنهاه عن الخروج وحذَّره من غدر أهل الكوفة، فأبى فقال له: أتأذن لي أن أخرج من البلد؟ فأذن له، فخرج إلى اليمامة، مات سنة ١٢١ هـ.\n(عن أبي مالك)، قال البيهقي (٤): هو حبيب بن صهبان الكاهلي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٥٢).\n(٣) وفي الأصل: \"أسقطنا\"، وفي \"المعالم\": \"سقطت\" بدل \"أسقطنا\".\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٠).","vol":"2","page":495},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: \"كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَكَانِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ\n===\nعن عبد الرحمن، قال الحافظ: قال ابن سعد: كان ثقة معروفًا قليل الحديث، وقال العجلي: ثقة، روى عن عمر وعمار بن ياسر، وعنه الأعمش والمسيب بن رافع وأبو حصين.\nقلت: والذي يظهر لي (١) أن أبا مالك هذا هو غزوان الغفاري الكوفي، قال ابن معين: أبو مالك هو الغفاري كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، لأنه ذكر الحافظ في شيوخ غزوان عبد الرحمن بن أبزى في ترجمة غزوان، وفي من روى عنه سلمة بن كهيل، ولم يذكر في ترجمة حبيب بن صهبان في شيوخه عبد الرحمن بن أبزى، ولا فيمن روى عنه سلمة بن كهيل، وأيضًا حبيب بن صهبان ليس عليه علامة إلَّا (بخ)، كأنه لم يرو عنه أصحاب الكتب الستة إلَّا البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأما غزوان فعليه علامة (خت د ت س) في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" و\"الخلاصة\"، كأنه روى عنه البخاري في التعليق وأبو داود والترمذي والنسائي، والله تعالى أعلم.\n(عن عبد الرحمن بن أبزى) الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث، استخلفه نافع بن عبد الحارث على أهل مكة أيام عمر، وقال لعمر: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، ثم سكن الكوفة، مختلف في صحبته، ذكره ابن حبان في \"ثقات التابعين\"، وقال البخاري: له صحبة، وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي - ﷺ - وصلَّى خلفه.\n(قال: كنت عند عمر) أي ابن الخطاب أمير المؤمنين (فجاءه رجل) لم يسم (٢) (فقال: إنا نكون بالمكان الشهر أو الشهرين) أي فتصيبنا\n_________\n(١) به جزم ابن رسلان، فللَّه الحمد. (ش).\n(٢) قاله الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٤٣). (ش).","vol":"2","page":496},{"text":"فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَكُنْ أُصَلِّى حَتَّى أَجِدَ الْمَاءَ. قَالَ: فَقَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِى الإِبِلِ فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ، فَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَأَتَيْنَا النَّبِىَّ -ﷺ- فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا»، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ (١) بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَمَّارُ، اتَّقِ اللَّهَ! فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ شِئْتَ وَاللَّهِ لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَدًا.\n===\nالجنابة، ولا نجد الماء إلّا قليلًا (قال عمر) -﵁ -: (أما أنا فلم كن أصلي حتى أجد الماء) أي إذا أصابتني الجنابة.\n(قال: فقال عمار: يا أمير المومنين، أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل) أي في رعيتها في البر (فأصابتنا جنابة) فلم نجد الماء (فأما أنا فتمعكت) أي تمرَّغْت وتقلَّبْت في التراب (فأتينا النبي - ﷺ - فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول) أي تفعل (هكذا وضرب بيده إلى الأرض، ثم نفخهما (٢)، ثم مسح بهما وجهه وبديه إلى نصف (٣) الذراع؟ فقال عمر: يا عمار، اتق الله) أي فيما تقول، ولا أعلم تلك القصة.\n(فقال) أي عمار: (يا أمير المومنين، إن شئت والله لم أذكره) (٤) أي هذا الأمر (أبدًا) ولفظ \"والله\" قسم اعترض بين الشرط والجزاء،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مس\".\n(٢) قال ابن رسلان: استدل به أيضًا على ما تقدم، أن التيمم يجوز بدون الغبار إذ لو كان الغبار مطلوبًا ما نفخ فيه، وأجيب بأنه يحتمل تقليلًا للتراب، انتهى. (ش).\n(٣) قال ابن عطية: لم يقل به أحد من العلماء، كذا في \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) لأن طاعتك أولى من إشاعة هذا الخبر، أو لأن التبليغ قد حصل في الجملة، أو لا أذكره، أي: با لإشاعة الفاشلة، \"ابن رسلان\"، (ش).","vol":"2","page":497},{"text":"فَقَالَ عُمَرُ: كَلَاّ، وَاللَّهِ لَنُوَلِّيَنَّكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ\". [خ ٣٣٨، م ٣٦٨، ت ١٤٤، ن ٣١٢، جه ٥٦٩، ق ١/ ٢٠٩]\n٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: «يَا عَمَّارُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ إلي الأَرْضَ، ثُمَّ ضَرَبَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَالذِّرَاعَيْنِ (١) إِلَى نِصْفِ السَّاعِدَ (٢)، وَلَمْ يَبْلُغِ الْمِرْفَقَيْنِ: ضَرْبَةً وَاحِدَةً\". [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ،\n===\n(فقال عمر: كلا) حرف ردع، أي: لا أنهاك عن ذكره فلا تمتنع منه (والله لنولينك) أي لنحملنك (من ذلك) أي من تلك القصة (ما توليت) أي ما تحملت به ورضيت له.\n٣٢٣ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا حفص) بن غياث، (نا الأعمش) سليمان بن مهران، (عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى) هو عبد الرحمن، (عن عمَّار بن ياسر في هذا الحديث فقال) رسول الله - ﷺ -: (يا عمار، إنما يكفيك هكذا، ثم ضرب بيديه إلى الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعد، ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة).\n(قال أبو داود: ورواه وكيع (٣) عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وذراعيه\".\n(٢) وفي نسخة: \"الساعدين\".\n(٣) أخرج ابن أبي شيبة رواية وكيع في \"مصنفه\" (١/ ١٥٩).","vol":"2","page":498},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. قال: وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، يَعْنِى عَنْ أَبِيهِ.\n٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ -، أَخْبَرَنَا (١) شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ ذَرٍّ،\n===\nعن عبد الرحمن بن أبزى. قال) أي أبو داود: (ورواه جرير (٢) عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، يعني عن أبيه) (٣) أراد المصنف بإيراد هذه الروايات أن أصحاب الأعمش اختلفوا فيما بينهم في الرواية عنه فقال: حفص عنه عن سلمة بن كهيل عن ابن أبزى عن عمار، فلم يدخل بين سلمة بن كهيل وبين ابن أبزى أحدًا ولم يسم ابن أبزى، وأما وكيع فروى عنه عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزى فوافق حفصًا في ترك الواسطة، ولكن سمى ابن أبزى، وأما جرير فروى عنه عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن، فزاد بين سلمة بن كهيل وبين ابن أبزى سعيد بن عبد الرحمن، وقد تقدم أنه كان في حديث الثوري بين سلمة بن كهيل وابن أبزى واسطة أبي مالك.\n٣٢٤ - (حدثنا محمد بن بشار، نا محمد - يعني ابن جعفر -، نا شعبة، عن سلمة) بن كهيل، (عن ذر) بفتح معجمة وشدة راء، ابن عبد الله\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٢) ورواية جرير أخرجها الدارقطني (١/ ١٨٣)، وأبو عوانة (١/ ٣٠٥)، والبزار (٤/ ٢٢٥) رقم (١٣٨٦).\n(٣) قلت: رواية وكيع في هذه النسخة من \"السنن\" عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار، وهذه الرواية أخرجها ابن أبي شيبة، فيها عن ابن أبزى عن أبيه عن عمار، فتبين خطأ هذه النسخة، والصواب ذكر \"أبيه\" في السند، كلما في \"تحفة الأشراف\" للمزي (١٠٣٦٢)، وقد أشار إليه الأستاذ محمد عوامة في تحقيقه للسنن: أن هناك نسخة أخرى بزيادة \"أبيه\".","vol":"2","page":499},{"text":"عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ». وَضَرَبَ النَّبِىُّ -ﷺ- بِيَدِهِ (١) إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا (٢) وَمَسَحَ بِهَا (٣) وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. شَكَّ سَلَمَةُ قَالَ: لَا أَدْرِى فِيهِ \"إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ - يَعْنِى - أَوْ إِلَى الْكَفَّيْنِ\". [انظر سابقه]\n===\nالمرهبي، بضم الميم وسكون الراء وكسر الهاء وموحدة، نسبة إلى مرهبة بطن من همدان، الهمداني، أبو عمرو الكوفي، قال ابن معين والنسائي وابن خراش: ثقة، ووثَّقه ابن نمير، وقال أبو حاتم والبخاري: صدوق، وقال أبو داود: كان مرجئًا، وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير للإرجاء، وقال أحمد بن حنبل: لم يسمع من عبد الرحمن بن أبزى.\n(عن ابن عبد الرحمن بن أبزى) اسمه سعيد بن عبد الرحمن الخزاعي مولاهم الكوفي، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث، (عن أبيه) هو عبد الرحمن بن أبزى، (عن عمار بهذه القصة) أي حدثنا محمد بن بشار بهذه القصة.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنما كان يكفيك، وضرب النبي -صلي الله عليه وسلم- بيده إلى الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه، شك سلمة) وهذا قول شعبة أي قال شعبة بسنده إلى عمار فقال، الحديث (قال) أي سلمة: (لاأدري فيه) أي في هذا الحديث (إلي المرفقين) أي ومسح بها إلى المرفقين (يعني) وضمير الفاعل في \"يعني\" يرجع إلى سلمة، معناه: أن شعبة لم يحفظ لفظ سلمة الذي تكلم به بعد قوله: \"إلى المرفقين\"، ولكن حفظ معناه، فقال شعبة: يريد سلمة بما تكلم به بعد قوله: إلى المرفقين (أو إلى الكفين).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بيديه\".\n(٢) وفي نسخة: \"فيهما\".\n(٣) وفي نسخة: \"بهما\".","vol":"2","page":500},{"text":"٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِىُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ - يَعْنِى الأَعْوَرَ -: حَدَّثَنِى شُعْبَةُ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: \"ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا (١) وَمَسَحَ بِهَا (٢) وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، أَوْ: إِلَى الذِّرَاعَيْنِ. قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ سَلَمَةُ يَقُولُ: الْكَفَّيْنِ وَالْوَجْهَ وَالذِّرَاعَيْنِ. فَقَالَ لَهُ مَنْصُورٌ ذَاتَ يَوْمٍ: انْظُرْ مَا تَقُولُ،\n===\n٣٢٥ - (حدثنا علي بن سهل الرملي) ابن قادم، ويقال: ابن موسى الحرشي بمهملة وراء مفتوحتين وشين معجمة، أبو الحسن الرملي، بفتح راء وسكون ميم، منسوب إلى رملة قرية من فلسطين، نسائي الأصل، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحاكم: كان محدث أهل الرملة وحافظهم، مات سنة ٢٦١ هـ.\n(نا حجاج - يعني الأعور -) ابن محمد، (حدثني شعبة بإسناده بهذا الحديث) أي الحديث المتقدم، (قال) أي عمار: (ثم نفخ فيها) أي في اليد (ومسح بها) أي باليد (وجهه وكفيه إلى المرفقين أو إلى الذراعين).\nغرض المصنف بذكر هذه الرواية أن الرواية الأولى تدل على أن سلمة شك في قوله: \"إلى المرفقين أو إلى الكفين\"، وهذه الرواية تدل على أنه شك في لفظ: \"إلى المرفقين أو إلى الذراعين\"، هذا الشك ليس فيه إلَّا اختلاف في اللفظ، وأما الشك الأول ففيه اختلاف في اللفظ والمعنى.\n(قال شعبة: كان سلمة يقول: الكفين والوجه والذراعين) يعني يقول سلمة في حديثه: ومسح بها وجهه وكفيه والذراعين، (فقال له) أي لسلمة (منصور) بن المعتمر (ذات يوم) أي يومًا، ولفظ ذات مقحم: (انظر ما تقول،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فيهما\".\n(٢) وفي نسخة: \"بهما\".","vol":"2","page":501},{"text":"فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ غَيْرُكَ\". [انظر سابقه]\n٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِى الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارٍ فِى هَذَا الْحَدِيثِ (١) قَالَ: فَقَالَ: - يَعْنِى النَّبِىَّ -ﷺ-: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ إِلَى الأَرْضِ وتَمْسَحَ (٢) بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ»\n===\nفإنه لا يذكر الذراعين غيرك) أي فأنت متفرد في ذكر الذراعين من بين أصحاب ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، فإن كنت على يقين منه فاذكره وإلَّا فلا تذكره، ثم ساق المصنف الحديث من غير طريق سلمة بن كهيل، وهو طريق الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن الذي ليس فيه ذكر الذراعين فقال:\n٣٢٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن شعبة) بن الحجاج، (حدثني الحكم) بن عتيبة، (عن ذر) بن عبد الله، (عن ابن عبد الرحمن بن أبزى) سعيد، (عن أبيه) هو عبد الرحمن بن أبزى، (عن عمار في هذا الحديث قال) أي عمار، وهذا قول عبد الرحمن بن أبزى: (فقال- يعني النبي -ﷺ -) زاد لفظ \"يعني\" لأن عمارًا لم يقل لفظ النبي - ﷺ -، وإنما قال عمار لفظ \"فقال\" فقط، فلو لم يزد لفظ \"يعني\" لتوهم أن لفظ النبي -ﷺ - من قول عمار: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك إلى الأرض وتمسح بهما وجهك وكفيك).\nقلت: حديث سلمة عن ذر وحديث الحكم عن ذر كلاهما صحيحان،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بهذا\".\n(٢) وفي نسخة: \"فتمسح\".","vol":"2","page":502},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالفرق بينهما بأن سلمة بن كهيل ذكر في حديثه غاية المسح، فقال: \"ومسح بها وجهه وكفيه إلى المرفقين أو إلى الذراعين\"، وأما الحكم فلم يذكر غاية المسح في حديثه، وقال: \"وتمسح بهما وجهك وكفيك\"، فاقتصر على ذكر مسح الكفين ولم يذكر غاية المسح، وزيادة الثقة مقبولة، لأنه لا تنافي بينهما، فإن المسح على المرفقين يشتمل مسح الكفين، وهو متضمنه، فتقبل زيادة سلمة بن كهيل.\nفإن قلت: قد شك سلمة في هذه الزيادة كما تقدم من شعبة، قال: \"لاأدري فيه إلى المرفقين - يعني - أو إلى الكفين\".\nقلت: قد تقدم أن القول الصحيح المحقق أن سلمة شك في لفظ الغاية أنها إلى المرفقين أو إلى الذراعين، وأما الشك في لفظ إلى المرفقين أو إلى الكفين فلم يتحقق، فإن الحديث الذي ذكر شعبة فيه ذلك الشك فلفظه: \"وضرب النبي -ﷺ - بيده إلى الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه\"، فلا معنى ههنا لقوله: \"إلى الكفين\"، حتى يقع الشك في لفظ \"إلى المرفقين\" أو لفظ \"إلى الكفين\"، ويدل عليه زيادة لفظ \"يعني\"، فإن زيادة لفظ \"يعني\" تدل دلالة واضحة على أن سلمة لم يقل: أو إلى الكفين، بل شعبة فهم من كلامه أن الشك واقع في \"إلى المرفقين\" أو \"إلى الكفين\"، وفهم شعبة ليس بحجة، والصحيح ما رواه حجاج الأعور عن شعبة، وفيه أن الشك في \"إلى المرفقين\" أو \"إلى الذراعين\".\nفثبت بهذا التقرير أن سلمة بن كهيل ليس بشاك في المرفقين والكفين، بل هو شاك في المرفقين والذراعين، وهذا الشك لا يضر، لأن هذا الشك واقع في لفظ الغاية بأن لفظ الغاية كان إما المرفقين أوالذراعين، وهذا شك في اللفظ فقط لا في المعنى.","vol":"2","page":503},{"text":"وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِى مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارًا يَخْطُبُ بِمِثْلِهِ، إِلَاّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَنْفُخْ. وَذَكَرَ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: \"فضَرَبَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الأَرْضِ وَنَفَخَ\".\n٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ،\n===\n(وساق الحديث) أي بتمامه، وقد ذكره مسلم في \"صحيحه\" فقال عمر: \"اتق الله يا عمار\"، الحديث.\n(قال أبو داود: ورواه شعبة، عن حصين، عن أبي مالك) هو غزوان (١) الغفاري (قال: سمعت عمارًا يخطب بمثله) أي بمثل ما تقدم في الحديث من مسح الوجه والكفين (إلَّا أنه قال: لم ينفخ) وكان الحديث المتقدم خاليًا عن ذكر النفخ ونفيه، (وذكر حسين بن محمد) هو حسين بن محمد بن بهرام (٢) بكسر موحدة، وقيل بفتحها، التميمي، أبو أحمد، ويقال: أبو علي، المؤدب، المروزي، سكن بغداد، وثَّقه ابن سعد وابن قانع ومحمد بن مسعود وابن نمير والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢١٣ هـ أو بعدها. (عن شعبة عن الحكم) بن عتيبة (في هذا الحديث) المتقدم (قال: فضرب بكفيه إلى الأرض ونفخ) فزاد ذكر النفخ.\n٣٢٧ - (حدثنا محمد بن المنهال) التميمي المجاشعي أبو جعفر، ويقال: أبو عبد الله البصري، الضرير، الحافظ، وثقه العجلي وأبو حاتم،\n_________\n(١) وبه جزم ابن رسلان. (ش).\n(٢) هكذا في \"شرح ابن رسلان\".","vol":"2","page":504},{"text":"حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- عَنِ التَّيَمُّمِ، فَأَمَرَنِى ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ\". [ت ١٤٤، دي ٧٤٥، حم ٤/ ٢٦٣، ق ١/ ٢١٠، خزيمة ٢٦٧]\n===\nوقال عثمان بن الخرزاذ: أحفظ من رأيت أربعة، فذكره أولهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثفه ابن معين، مات سنة ٢٣١ هـ.\n(نا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرًا، (عن سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة) بن دعامة، (عن عزرة) بن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعي الكوفي الأعور، قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان من الطبقة الثالثة في \"الثقات\". وأما الحديث الذي روى أبو داود وابن ماجه من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قصة شبرمة، فوقع عندهما عزرة غير منسوب، وجزم البيهقي بأنه عزرة بن يحيى.\nقال الحافظ في \"تهذيبه\" (١): وعزرة بن يحيى لم أر له ذكرًا في \"تاريخ البخاري\"، ونقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: روى قتادة أيضًا عن عزرة بن ثابت، وعن عزرة بن عبد الرحمن، وعلى هذا فقتادة روى عن ثلاثة كل منهم اسمه عزرة.\n(عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه) عبد الرحمن، (عن عمار بن ياسر قال) أي عمار: (سألت النبي - ﷺ - عن التيمم، فأمرني ضربةً واحدةً للوجه والكفين)، وأما من يقول بضربتين فيتأول فيه فأمرني ضربة واحدة للوجه وضربة واحدة للكفين، لما تقدم في رواية عمار في\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٩٣).","vol":"2","page":505},{"text":"٣٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ: سُئِلَ قَتَادَةُ عَنِ التَّيَمُّمِ فِى السَّفَرِ فَقَالَ: حَدَّثَنِى مُحَدِّثٌ عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ». [انظر سابقه]\n===\nالتيمم بضربتين، وأما تأويل الكفين فبتقدير الغاية أي والكفين إلى المرفقين، لما روي عنه فيما تقدم من قوله: إلى المرفقين أو إلى الذراعين، فما قال البعض من أن فيه دليلًا صريحًا على الاقتصار في التيمم على الوجه والكفين بضربة واحدة، وإن ما زاد على الكفين ليس بضروري، وهذا القول قوي من حيث الدليل غير مستقيم، ومر بحثه فيما تقدم بأنه ورد في الروايات الصحيحة الصريحة الاكتفاء في التيمم بيد واحدة بظهر إحدى اليدين يكون (١) التيمم على الكفين ظهرًا وبطنًا إلَّا بالاختيار وتحصيل الفضل.\n٣٢٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان) العطار (قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر فقال) أي قضادة: (حدثني محدث) وعبّر بلفظ المحدث للإشارة إلى أدنى التوثيق، لأنه كان ثقة عنده، فلا يضر جهالته، وقد أخرجه المصنف على سبيل المتابعات، ويحتمل في المتابعات ما لا يحتمل في الأصول كما قد أخرج البخاري، وعن أيوب عن رجل عن أنس بن مالك في الحج بإسناد مجهول، لكنه ذكره على سبيل المتابعة.\n(عن الشعبي) عامر بن شراحيل، (عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن ياسر أن رسول الله قال: إلى المرفقين)، يعني أنه - ﷺ - أمرني ضربة واحدة للوجه والكفين إلى المرفقين، فما ورد في الرواية\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر \"فلا يكون\"، فليتأمل.","vol":"2","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>(١٢٤) بَابُ التَيَمُّمِ في الْحَضَرِ</span>\n٣٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قال: ثني أَبِى،\n===\nالمتقدمة عن قتادة عن عزرة قوله: \"والكفين\" فقال فيه قتادة: إنه روي من غير هذا السند أن فيه إلى المرفقين.\nوقال البيهقي في \"السنن\" (١): وأخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث (٢) الفقيه، أنا علي بن عمر الحافظ، ثنا القاضيان الحسين بن إسماعيل وأبو عمر محمد بن يوسف، قالا: ثنا إبراهيم بن هانئ، نا موسى بن إسماعيل، ثنا أبان، قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر فقال: كان ابن عمر يقول: \"إلى المرفقين\"، وان الحسن وإبراهيم النخعي يقولان: \"إلى المرفقين\"، قال: وحدثني محدث عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن ياسر أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إلى المرفقين\" (٣)؛ قال: إلى المرفقين، قال: إلى المرفقين، قال أبو إسحاق: فذكرته لأحمد بن حنبل فعجب منه، وقال: ما أحسنه.\n\n(١٢٤) (بَابُ التَّيمُّم (٤) في الْحَضَرِ)\n٣٢٩ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: ثني أبي) شعيب بن الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٠).\n(٢) وقع في الأصل: \"الحرز\" بدل \"الحارث\"، وهو تحريف.\n(٣) قد كرر في الأصل: \"قال: إلى المرفقين\" ثلاث مرات، وفي \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٠)، قال مرة واحدة، والظاهر أنّ ما في الأصل هو خطأ من الناسخ، فليتأمل.\n(٤) بجوازه قالت الأربعة إلَّا في رواية عن الحنفية والمالكية كما بسطه في \"الأوجز\" (١/ ٥٦٩) مع اضطراب الأقوال فيه للأئمة، والظاهر أنه مبني على أنه يمكن إعواز =","vol":"2","page":507},{"text":"عَنْ جَدِّى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: \"أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ-\n===\nالمصري، قال ابن وهب: ما رأيت أفضل من شعيب بن الليث، وقال الخطيب: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أحمد بن صالح: كان ثقة، مات سنة ١٩٩ هـ.\n(عن جدي) (١) ليث بن سعد، (عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن ابن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس) ابن عبد الله الهلالي، أبو عبد الله المدني، مولى أم الفضل والدة عبد الله بن عباس، قال ابن إسحاق: وكان ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٠٤ هـ.\n(أنه) أي عبد الرحمن بن هرمز (سمعه) أي عميرًا (يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي -صلي الله عليه وسلم-) لم أجد ترجمته فيما عندي من كتب أسماء الرجال، ولكن قال الحافظ (٢): هو أخو عطاء بن يسار التابعي المشهور، وهو عند مسلم في هذا الحديث عبد الرحمن بن يسار وهو وهم، وقال النووي (٣): وهم أربعة إخوة: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الملك، وعطاء مولى ميمونة.\n_________\n= الماء في الحضر أم لا، وهل يجب الإعادة إذا وجد؟ قال الشافعي: نعم، وقال مالك: لا، وهما روايتان لأحمد، قال القسطلاني (١/ ٦٧٤): يجوز عند الشافعي لكن يجب الإعادة لندرة العذر، وفي \"البداية\" (١/ ٤٧): يجوز عند الشافعي ومالك خلافًا لأبي حنيفة. (ش).\n(١) قال ابن رسلان: هذا أحد الأحاديث الأربعة المعلقة في مسلم إذ قال: وروى الليث ... إلخ. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٣). وانظر:، \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ١٧٥) و\"كتاب الثقات\" (٥/ ٥٣).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٠٠).","vol":"2","page":508},{"text":"حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِى الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِىِّ، فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ﵇، حَتَّى أَتَى عَلَى جِدَارٍ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ،\n===\n(حتى دخلنا على أبى الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري (١) فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله - ﷺ - نحو بئر جمل) بفتح الجيم والميم، أي من جهة الموضع الذي يعرف بذاك، وهو معروف (٢) بالمدينة، كذا في \"الفتح\" (٣)، وفي \"المجمع\": موضع بقرب المدينة.\n(فلقيه رجل) هو أبو الجهيم الراوي بَيَّنَه الشافعي في روايته (فسَلَّم عليه، فلم يرد رسول الله - ﷺ - ﵇ حتى أتى على جدار)، وزاد الشافعي (٤): فحته بعصًا، وهو محمول على أن الجدار كان مباحًا أو مملوكًا لإنسان يعرف رضاه، كذا قاله الحافظ.\n(فمسح بوجهه ويديه) قال الحافظ (٥): وللدارقطني من طريق أبي صالح عن الليث: \"فمسح بوجهه وذراعيه\"، وكذا للشافعي من رواية\n_________\n(١) وفي \"العرف الشذي\": إنه وقع برواية البخاري مصغرًا، ورجحه الحافظ، ووقع عند مسلم أبو الجهم بدون التصغير، وبسط في \"الأوجز\" (٢/ ٣٣٤): أن الصواب في \"السترة\" و\"التيمم\" التصغير، وفي \"الأنبجانية\": التكبير، وأيضًا اختلف في اسم أبي الجهيم واسم أبيه على أقوال: فقيل: هو عبد الله بن الحارث بن الصمة، وقيل: هو بنفسه الحارث بن الصمة، ولفظ ابن فيما بين أبي الجهيم وحارث غلط، وقيل غير ذلك. (ش).\n(٢) وفي \"النسائي\": هو من العقيق. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٢).\n(٤) تكلم صاحب \"السعاية\" (١/ ٥٢٤) على هذه الزيادة. (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٢).","vol":"2","page":509},{"text":"ثُمَّ رَدَّ ﵇\". [خ ٣٣٧، م ٣٦٩، ن ٣١١، ق ١/ ٢٠٥، قط ١/ ١٧٦]\n٣٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِىُّ أَبُو عَلِىٍّ، أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْعَبْدِىُّ،\n===\nأبي الحويرث، وله شاهد، لكن خطأ الحفاظ راويه في رفعه وصوبوا وقفه، والثابت في حديث أبي جهيم أيضًا بلفظ \"يديه\" لا ذراعيه، فإنها رواية شاذة مع ما في أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف.\n(ثم رد عليه) أي الرجل (السلام) قال العيني (٢): استدل به الطحاوي على جواز التيمم للجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي، لأنه - ﷺ - تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فوت الرد وإن كان ليس شرطًا، ومنع مالك والشافعي وأحمد ذلك وهو حجة عليهم.\n٣٣٠ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) بن خالد (الموصلي أبو علي) نزيل بغداد، كتب عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وقال: لا بأس به، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٣٦ هـ.\n(أنا محمد بن ثابت العبدي) أبو عبد الله البصري، قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال عثمان الدارمي: ليس به بأس، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال الدوري عن ابن معين: ضعيف، قال: فقلت له: أليس قد قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط، وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ينكر عليه حديث ابن عمر في التيمم لا غير، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين يكتب حديثه،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نا\".\n(٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٠٥).","vol":"2","page":510},{"text":"أَخْبَرَنَا نَافِعٌ قَالَ: \"انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِى حَاجَةٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ، وكَانَ (١) مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ،\n===\nوقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال محمد بن سليمان لُوَيْنٌ وأحمد بن عبد الله العجلي: ثقة، وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه، روى عن نافع عن ابن عمر في التيمم، ورواه أيوب والناس عن نافع عن ابن عمر فعله.\n(نا نافع) مولى ابن عمر (قال: انطلقت مع ابن عمر) أي عبد الله (في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته) التي كانت متعلقة بابن عباس ثم رجع، (وكان من حديثه) أي عبد الله بن عمر (٢) (يومئذ أن قال: مر رجل) لم أقف على اسمه، ولعله هو أبو الجهيم إن كانت القصة واحدة، وإلَّا فغيره (على رسول الله - ﷺ - في سكة من السكك) أي في طريق من طرق المدينة (وقد خرج) أي رسول الله - ﷺ - (من غائط أو بول) أي من بعد فراغه من غائط أو بول (٣).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فكان\".\n(٢) وهكذا في \"المنهل\" (٣/ ١٧١) حيث قال: أي من حديث ابن عمر لا ابن عباس، لأنه روي من طرق عن ابن عمر - ﵄-، ولم يعرت لابن عباس -﵄-، ويشكل عليه أن الطحاوي جعله عن نافع عن ابن عباس، وتبعه في ذلك العيني في \"شرح الطحاوي\": وهو تسامح منهما، فإن الحديث معروف لابن عمر - ﵄-، كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٥١)، و\"نصب الراية\" (١/ ٥)، وجعله البيهقي شاهدًا لحديث ابن عباس عن أبي جهم، وأصرح من ذلك كله أن الطيالسي صرح باسم ابن عمر. (ش). (انظر: \"مسند الطيالسي\" ٣/ ٣٨١ رقم ١٩٦٢).\n(٣) وهذا يخالف ما تقدم من أنه سلَّم في حالة البول، فتأمل، وجمع بالتعدد والمجاز، كذا في \"غاية المقصود\" (ص ٣٨). (ش).","vol":"2","page":511},{"text":"فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِى السِّكَّةِ، ضَرَبَ (١) بِيَدَيْهِ (٢) عَلَى الْحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا (٣) وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بهما (٤) ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِى أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَاّ أَنِّى لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ». [قط ١/ ١٧٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ\n===\n(فسلم) أي الرجل (عليه) أي على رسول الله - ﷺ - (فلم يرد عليه) أي لم يجبه، (حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى) أي يغيب (في السكة، فضرب) أي رسول الله - ﷺ - (بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما ضربة أخرى فمسح ذراعيه) أي إلى المرفقين (ثم رد على الرجل السلام، وقال) أي رسول الله - ﷺ - معتذرًا عن تأخير الجواب: (إنه) أي الشأن (لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلَّا أني لم كن على طهر).\nقال العيني (٥): قال ابن الجوزي: كره أن يرد ﵇، لأنه اسم من أسماء الله تعالى، أو يكون هذا في أول الأمر، ثم استقر الأمر على غير ذلك، وفي \"شرح الطحاوي\": حديث المنع من رد السلام منسوخ بآية الوضوء، وقيل: بحديث عائشة -﵂ -: \"كان لِذكر الله على كل أحيانه\".\n(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ضرب\".\n(٢) وفي نسخة: \"بيده\".\n(٣) وفي نسخة: \"بها\".\n(٤) وفي نسخة: \"بها\".\n(٥) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٠٤).","vol":"2","page":512},{"text":"ثَابِتٍ حَدِيثًا مُنْكَرًا فِى التَّيَمُّمِ.\nقَالَ ابْنُ دَاسَةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يُتَابَعْ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى \"ضَرْبَتَيْنِ\"\n===\nثابت حديثًا منكرًا في التيمم) قلت: المنكر ما رواه الضعيف بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك مخالفًا للثقة، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله المنكر، وتحقق المنكر موقوف على تحقق أمرين: أحدهما المخالفة، وثانيهما ضعف الراوي.\nأما المخالفة فلم يوجد هاهنا، فإن محمد بن ثابت زاد ضربة واحدة، والزيادة ليست بمخالفة، بل هو إثبات أمر لم يكن في غيره، فالرواية التي ذكر فيها ضربة واحدة كأنها ساكتة عن ذكر الضربة الثانية، وزيادة الثقة مقبولة.\nوالأمر الثاني أعني الضعف وهو غير ثابت أيضًا، لأنه قد تقدم في ترجمة محمد بن ثابت أنه وثَّقه محمد بن سليمان لوين وأحمد بن عبد الله العجلي، وحكى عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي مرة: ليس به بأس، ومن تكلم فيه فإنما تكلم فيه لأجل هذا الحديث، قال معاوية بن صالح عن ابن معين: ينكر عليه حديث ابن عمر في التيمم لا غير، وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه، روى عن نافع عن ابن عمر في التيمم مرفوعًا، ورواه أيوب والناس عن نافع عن ابن عمر فعله، فعلى هذا لا يكون حديثه منكرًا ولا تثبت نكارته.\n(قال ابن داسة) هو أبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرزاق بن داسة التمار البصري المعروف بابن داسة، بفتح السين وتخفيفها، وقال بعضهم: بتشديد السين، تلميذ أبي داود واحد رواة \"سنن أبي داود\" عنه.\n(قال أبو داود: لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين","vol":"2","page":513},{"text":"عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، وَرَوَوْهُ (١) فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ.\n===\nعن النبي - ﷺ -، ورووه فعل ابن عمر) قلت: وقد أخرج البيهقي (٢) من طريق أبي صالح كاتب الليث من حديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة، ومن طريق الشافعي ثنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة مرفوعًا، وفيه: ومسح بوجهه وذراعيه.\nثم قال البيهقي لحديث الشافعي: هذا شاهد لرواية أبي صالح كاتب الليث إلَّا أن هذا منقطع، عبد الرحمن بن هرمز الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة، إنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قد اختلف الحفاظ في عدالتهما، إلَّا أن لروايتهما بذكر الذراعين شاهدًا من حديث ابن عمر، ثم ساق البيهقي حديث ابن عمر مرفوعًا، ولفظه: ثم إن النبي - ﷺ - ضرب بكفيه فمسح بوجهه، ثم ضرب بكفيه الثانية فمسح ذراعيه إلى المرفقين، انتهى.\nثم قال البيهقي: وقد أنكر بعض الحفاظ رفع هذا الحديث على محمد بن ثابت العبدي فقد رواه جماعة عن نافع من فعل ابن عمر، والذي رواه غيره عن نافع من فعل ابن عمر إنما هو التيمم فقط، فأما هذه القصة فهي عن النبي - ﷺ - مشهورة برواية أبي الجهيم وغيره، وثابت عن الضحاك بن عثمان [عن نافع] عن ابن عمر إلَّا أنه قصر بروايته، ورواه يزيد بن الهاد أتم من ذلك.\nثم ساق رواية يزيد بن الهاد عن ابن عمر قال: أقبل رسول الله - ﷺ - من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل، فسلم عليه، فلم يرد رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ورواه\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٥).","vol":"2","page":514},{"text":"٣٣١ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْبُرُلُّسِىُّ،\n===\nحتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط، فمسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله - ﷺ - على الرجل السلام.\nفهذه الرواية شاهدة لرواية محمد بن ثابت العبدي إلَّا أنه حفظ فيها الذراعين ولم يثبتها غيره، كما ساق هو وابن الهاد الحديث بذكر تيممه، ثم رده جواب السلام، وإن كان الضحاك بن عثمان قصر به، وفعل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين إلى المرفقين شاهد لصحة رواية محمد بن ثابت.\nوقال البيهقي أيضًا بسنده عن عثمان بن سعيد الدارمي يقول: سألت يحيى بن معين، قلت: محمد بن ثابت العبدي؟ قال: ليس به بأس، كذا قال في رواية الدارمي عنه: وهو في هذا الحديث غير مستحق للتنكير بالدلائل التي ذكرتها، وقد رواه جماعة من الأئمة مثل يحيى بن معين ومعلي بن منصور وسعيد بن منصور وغيرهم، وأثنى عليه مسلم بن إبراهيم ورواه عنه، وهو عن ابن عمر مشهور، انتهى.\n٣٣١ - (حدثنا جعفر بن مسافر) بن راشد التنيسي، بكسر أوله والنون المشددة آخره مهملة، نسبة إلى تنيس بلد قرب دمياط، أبو صالح الهذلي مولاهم، قال النسائي: صالح، وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كتب عن ابن عيينة ربما أخطأ، مات سنة ٢٥٤ هـ.\n(نا عبد الله بن يحيى) المعافري، ويقال: الكلاعي، أبو يحيى المصري، المعروف بـ (البرلسي) بضم الموحدة والراء وتشديد اللام المضمومة وفي آخرها المهملة، هذه النسبة إلى البرلس، وهي بليدة من سواحل مصر، قال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢١٢ هـ.","vol":"2","page":515},{"text":"حَدَّثَنَا (١) حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ قال: إنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْغَائِطِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ عِنْدَ بِئْرِ جَمَلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْحَائِطِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْحَائِطِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ\". [ق ١/ ٢٠٦، قط ١/ ١٧٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>(١٢٥) بَابُ الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ</span>\n===\n(أنا حيوة بن شريح، عن ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، أبو عبد الله المدني، قال أحمد: لا أعلم به بأسًا، ووثَّقه ابن معين والنسائي ويعقوب بن سفيان والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٣٩ هـ.\n(قال: إن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال: أقبل رسول الله - ﷺ - من الغائط) أي من قضاء الحاجة (فلقيه رجل) هو أبو الجهيم (عند بئر جمل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله - ﷺ -، حتى أقبل على الحائط) أي على الجدار، (فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه وبديه) أي ذراعيه (ثم رد رسول الله - ﷺ - على الرجل السلام).\n\n(١٢٥) (بَابُ الْجُنُبِ يَتيمَّمُ)\nوغرض المصنف بعقد هذا الباب أن هذه المسألة كانت مختلفةً فيها في زمان الصحابة، فإن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود - ﵄- لا يُجَوِّزان ذلك، وقيل: رجعا عنه، ثم أجمع (٢) العلماء على جوازه، ولم يبق بينهم اختلاف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نا\".\n(٢) ونقل الإجماع ابن العربي أيضًا. (ش). [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٩٤)].","vol":"2","page":516},{"text":"٣٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا (١) خَالِدٌ الْوَاسِطِىُّ، (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِىَّ - عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: \"اجْتَمَعَتْ غُنَيْمَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ ابْدُ فِيهَا»\n===\n٣٣٢ - (حدثنا عمرو بن عون، نا خالد) بن عبد الله (الواسطي، ح: وحدثنا مسدد قال: نا خالد - يعني ابن عبد الله الواسطي -، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد، (عن عمرو بن بجدان) (٢) بضم الموحدة وسكون الجيم، العامري، حديثه في البصريين، قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره، وقال الذهبي في \"الميزان\": مجهول الحال، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: عمرو بن بجدان معروف؟ قال: لا، وقال ابن القطان: لا يعرف، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.\n(عن أبي ذر) الغفاري، قيل: اسمه جندب بن جنادة بن قيس، وقيل: برير مصغرًا ومكبرًا، صحابي مشهور، وكان أخا عمرو بن عبسة السلمي لأمه، مناقبه وفضائله كثيرة جدًّا، تقدم إسلامه وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدرًا وأحدًا، ولم يتهيأ له الهجرة إلَّا بعد ذلك، وكان أزهدهم في الدنيا، وكان يوازي ابن مسعود في العلم، مات بالربذة سنة ٣٢ هـ في خلافة عثمان.\n(قال: اجتمعت غنيمة) (٣) بالتصغير أي قطيع من النساء (عند رسول الله - ﷺ - فقال: يا أبا ذر اُبد) أي اخرج إلى البادية (فيها) أي في الغنيمة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أخبرنا\".\n(٢) قال ابن العربي (١/ ١٩٣): حديث ابن بجدان هذا مختلف فيه، تارةً يقول أبو قلابة هكذا، وتارةً كما سيأتي. (ش).\n(٣) زاد في بعض الطرق: \"من الصدقة\"، ففيه جواز تأخير قسمتها عن وقتها. (ش).","vol":"2","page":517},{"text":"فَبَدَوْتُ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَكَانَتْ (١) تُصِيبُنِى الْجَنَابَةُ، فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ، فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- فَقَالَ: «أَبُو ذَرٍّ!» (٢)، فَسَكَتُّ، فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ\n===\n(فبدوت) أي خرجت مع الغنيمة (إلى الربذة) قرية بقرب المدينة، بالتحريك وإعجام الذال، (فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والست) أي خمس ليال أو ست ليال، لا أجد الماء فأغتسل (فأتيت النبي-صلي الله عليه وسلم-).\nوفي \"مسند أحمد\": \"فأصابتني جنابة، فتيممت بالصعيد، وصليت أيامًا، فوقع في نفسي من ذلك، حتى ظننت أني هالك، فأمرت بناقة لي أو قعود، فشدّ عليها، ثم ركبت، فأقبلت حتى قدمت المدينة، فوجدت رسول الله - ﷺ - في ظل المسجد في نفر من أصحابه، فسلمت عليه، فرفع رأسه، وقال: سبحان الله أبو ذر؟ فقلت: نعم يا رسول الله، إني أصابتني جنابة فتيممت أيامًا فوقع في نفسي من ذلك حتى ظننت أني هالك فدعا\"، الحديث (٣).\n(فقال: أبو ذر) أي أنت أبو ذر، ولعله - ﷺ - كشف له حال أبي ذر، فتكلم معه تعجبًا كما هو ظاهر من رواية الإِمام أحمد (فسكت)، وفي رواية أحمد: \"فقلت: نعم يا رسول الله\"، ولعله سكت أولًا حياءً منه - ﷺ -، ثم تكلم معه ليتعلم حكم الجنابة، وليحصل له المخرج بما كان فيه من المصيبة.\n(فقال: ثكلتك أمك) (٤) وهذه ألفاظ تجري على ألسنة العرب ولا يراد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكانت\".\n(٢) وفي نسخة: \"يا أبا ذر\".\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" برقم (٥/ ١٤٦).\n(٤) وفي رواية الطبراني \"المعجم الأوسط\" (٢/ ٨٧) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: أبا ذر؟ فسكت، فرددها فسكت، الحديث. (ش).","vol":"2","page":518},{"text":"أَبَا ذَرٍّ، لأُمِّكَ الْوَيْلُ!»، فَدَعَا لِى بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ، فَجَاءَتْ بِعُسٍّ فِيهِ مَاءٌ، فَسَتَرَتْنِى بِثَوْبٍ، وَاسْتَتَرْتُ بِالرَّاحِلَةِ وَاغْتَسَلْتُ، فَكَأَنِّى أَلْقَيْتُ عَنِّى جَبَلًا. فَقَالَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ».\n===\nبها الدعاء، كتربت يداك، وقد ورد بمعنى التعجب، ومنه: ويل أمه مُسْعِرُ حرب، تعجبًا من شجاعته (أبا ذر) بتقدير حرف النداء، (لأمك الويل (١)! فدعا لي بجارية سوداء) أي وأمرها أن تأتي بالماء، (فجاءت بعُسٍّ) العس القدح الكبير، في \"القاموس\": العساس ككتاب: الأقداح العظام، الواحد عُس بالضم (فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترت) أي من جهة أخرى (بالراحلة واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا) أي كأني كان على رأسي ثقل جبل من الجنابة، فألقيته عن رأسي بالغسل.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (الصعيد الطيب وضوء المسلم) أي طهوره ما لم يجد الماء (ولو إلى عشر سنين) أي ولو لم يجد الماء (٢) إلى عشر سنين، فيكفيك الصعيد الطيب، (فإذا وجدت (٣) الماء فأمسه) أي بشرتك كما في رواية أحمد، معناه فاغتسل، (فإن ذلك خير) وهذا اللفظ ليس في رواية أحمد، ومعناه: فإن الاغتسال عند وجدان الماء خير، فصيغة (٤) التفضيل معناه نفس الفعل من غير زيادة عليه.\n_________\n(١) زاد الطبراني: قلت: \"إني جنب، وأكره أن أخاطبك وأنا على غير طهارة\" \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) استدل به الحنفية أنه لا يبطل بخروج الوقت خلافًا لهم الثلاثة، وسيأتي قريبًا. (ش).\n(٣) استدل به على ما قاله الحنفية والحنابلة أن وجدانه ينقض التيمم ولو في الصلاة خلافًا لمالك والشافعي. (ش).\n(٤) بسط في \"الكوكب\" (١/ ١٥٧) في توجيهاته. (ش).","vol":"2","page":519},{"text":"وَقَالَ مُسَدَّدٌ: غُنَيْمَةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ. [ت ١٢٤، ن ٣٢٢، حم ٥/ ١٥٥، خزيمة ٢٢٩٢، ق ١/ ٢١٢، ك ١/ ١٧٦، قط ١/ ١٨٦، حب ١٣١١]\n(١) وَحَدِيثُ عَمْرٍو أَتَمُّ.\n٣٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى عَامِرٍ قَالَ: دَخَلْتُ فِى الإِسْلَامِ فَأَهَمَّنِى دِينِى، فَأَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ،\n===\n(وقال مسدد: غنيمة من الصدقة) فزاد لفظ \"من الصدقة\"، وليس هذا اللفظ في حديث ابن عون (وحديث عمرو) بن عون (أتم) أي من حديث مسدد.\n٣٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (عن أيوب) السختياني، (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد، (عن رجل من بني عامر) هو عمرو بن بجدان (٢) المذكور في الرواية المتقدمة (قال: دخلت في الإِسلام فأهمني ديني).\nولفظ \"المسند\": \"كنت كافرًا فهداني الله للإسلام، وكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي، فتصيبني الجنابة فوقع ذلك في نفسي\".\n(فأتيت أبا ذر) ولفظ \"المسند\": \"فحججت فدخلت مسجد مني فعرفته بالنعت، فإذا شيخ معروق (٣) آدم، عليه حلة قطرية، فذهبت حتى قمت إلى جنبه وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد عليَّ، ثم صلى صلاة أتمها وأحسنها وأطولها، فلما فرغ ردَّ عليَّ، قلت: أنت أبو ذر؟ قال: إن أهلي ليزعمون ذلك، قال: كنت كافرًا فهداني الله للإسلام، وأهمني ديني، وكنت\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) قاله المنذري وابن رسلان. (ش). [انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (١/ ١٥٦)].\n(٣) في الأصل: معروف، وهو تصحيف، والتصويب من \"مسند أحمد\" رقم الحديث (٥/ ١٤٦) ومعروق: معناه قليل اللحم.","vol":"2","page":520},{"text":"فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: إِنِّى اجْتَوَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِذَوْدٍ وَبِغَنَمٍ، فَقَالَ لِى: «اشْرَبْ مِنْ أَلْبَانِهَا» (١) - وَأَشُكُّ فِى «أَبْوَالِهَا» -، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ وَمَعِى أَهْلِى، فَتُصِيبُنِى الْجَنَابَةُ، فَأُصَلِّى بِغَيْرِ طُهُورٍ،\n===\nأعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة، فوقع ذلك في نفسي، قال: هل تعرف أبا ذر؟ قلت: نعم، قال: فإني اجتَوَيتُ\"، الحديث.\n(فقال أبو ذر: إني اجتويت المدينة) قال في \"النهاية\" (٢): اجتووا المدينة أي أصابهم الجوى، هو المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها، ويقال: اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة.\n(فأمر لي رسول الله - ﷺ - بذود) أي إبل (وبغنم، فقال لي: اشرب من ألبانها، - وأشك في أبوالها -)، والشاك حماد (٣) بن سلمة أو موسى بن إسماعيل، فإنه شك هل قال شيخه لفظ أبوالها أو لا؟ .\n(فقال أبو ذر: فكنت أعزب) بالمهملة والزاي كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ (٤)، قال في القاموس: والعُزُوبُ: الغَيْبَةُ، يَعْزُبُ وَيَعْزِبُ أي من حد نصر وضرب، وأما ما ضبطه في الحاشية (٥) بالتشديد ولعله فهم بالغين المعجمة والراء فلم أجد له أصلًا في الرواية (عن الماء ومعي أهلي، فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال حماد\".\n(٢) (ص ١٧٤).\n(٣) وتؤيده نسخة الحاشية. (ش).\n(٤) سورة يونس الآية ٦١.\n(٥) والظاهر عندي أن ما في الحاشية، مجهول من التفعيل، وضبطه صاحب \"الدرجات\" (ص ٤٢) بزاي كأنصر أي أغيب. (ش).","vol":"2","page":521},{"text":"فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِنِصْفِ النَّهَارِ، وَهُوَ فِى رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ فِى ظِلِّ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «أَبُو ذَرٍّ!». فَقُلْتُ نَعَمْ، هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.\nقَالَ «وَمَا أَهْلَكَكَ؟». قُلْتُ: إِنِّى كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ وَمَعِى أَهْلِى فَتُصِيبُنِى الْجَنَابَةُ، فَأُصَلِّى بِغَيْرِ طُهُورٍ، فَأَمَرَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَاءٍ، فَجَاءَتْ بِهِ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ بِعُسٍّ يَتَخَضْخَضُ، مَا هُوَ بِمَلآنَ، فَتَسَتَّرْتُ إِلَى بَعِيرِى فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ،\n===\nأي جنبًا من غير اغتسال، والحديث المتقدم من \"المسند\" يدل على أنه كان يتيمم.\n(فأتيت رسول الله - ﷺ - بنصف النهار، وهو في رهط) أي جماعة، قال في \"المجمع\": وهو من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط، وأراهط جمع الجمع (من أصحابه، وهو في ظل المسجد) أي في المسجد النبوي في المدينة، (فقال - ﷺ -: أبو ذر) مبتدأ خبره مقدر أي كيف حالك، ولعله كان همه وغمه من الجنابة ظاهرًا من وجهه، أو كشف له - ﷺ - حاله.\n(فقلت: نعم) أي أنا أبو ذر، وحالي أني (هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قلت: إني كنت أعزب) بالعين المهملة والزاي (من الماء ومعي أهلي) أي زوجتي فأجامعها (فتصيبني الجنابة) فما أجد الماء، (فأصلي بغير طهور، فأمر لي رسول الله - ﷺ -) أي جارية سوداء (بماء فجاءت به) أي بالماء (جارية سوداء بعس) أي بقدح ضخم (يتخضخض) أي يتحرك (ما هو) أي العس (بملآن) أي بممتلئ بالماء.\n(فتسترت إلى بعير فاغتسلت، ثم جئت) أي عند رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":522},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ، وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ». [حم ٥/ ١٤٦، ق ١/ ٢١٧، قط ١/ ١٨٧، حب ١٣١٢]\n===\n(فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر، إن الصعيد الطيب طهور) أي مطهر تيممه عن الأحداث، (وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه (١) جلدك)، وهذا يدل على أنه إذا وجد الماء انتقض تيممه ويجب عليه الاغتسال.\nقال الخطابي (٢): يحتج من هذا الحديث بقوله: \"الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين\" من يرى أن للمتيمم أن يجمع بتيممه بين صلوات ذات عدد، وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة، ويحتجون أيضًا بقوله: \"فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك\"، في إيجاب انتقاض طهارة المتيمم بوجود الماء على عموم الأحوال، سواء كان في صلاة أو غيرها.\nويحتج به من يرى إذا وجد من الماء ما لا يكفي إكمال الطهارة أن يستعمله في بعض أعضائه، ويتيمم للباقي، وكذلك في من كان على بعض أعضائه جرح، فإنه يغسل ما لا ضرر عليه في غسله، ويتيمم للباقي منه، وهو قول الشافعي، ويحتج به أيضًا أصحابه في أن لا يتيمم في مصر لصلاة فرض ولا لجنازة ولا لعيد، لأنه واجد للماء فعليه أن يمسه جلده.\nومعنى قوله: \"ولو إلى عشر سنين\" أي أنه يجوز له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى، وإن بلغت مدة عدم الماء إذا اتصلت إلى عشر سنين، وليس معناه أن التيمم دفعة واحدة يكفيه لعشر سنين، انتهى.\n_________\n(١) فيه حجة لمن قال: لا يجب الدلك بل يكفي إسالة الماء. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٥٥).","vol":"2","page":523},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوعندنا معشر الحنفية لا يجمع بين التيمم والغسل، لأن الجمع بين التيمم والغسل ممتنع إلَّا في حال وقوع الشك في طهورية الماء ولم يوجد.\nقال في \"البدائع\" (١): ولو كان ببعض أعضاء الجنب جراحة أو جدري، فإن كان الغالب هو الصحيح غسل الصحيح وربط على السقيم الجبائر، ومسح عليها، وإن كان الغالب هو السقيم تيمم، لأن العبرة للغالب، ولا يغسل الصحيح عندنا خلافًا للشافعي.\nوأيضًا فيه: وهذا الشرط الذي ذكرنا لجواز التيمم وهو عدم الماء فيما وراء صلاة الجنازة وصلاة العيدين، فأما في هاتين الصلاتين فليس بشرط، بل الشرط فيهما خوف الفوت لو اشتغل بالوضوء، وهذا عند أصحابنا، وقال الشافعي: لا يتيمم استدلالًا بصلاة الجمعة وسائر الصلوات وسجدة التلاوة.\nولنا ما روي عن ابن عمر أنه قال: \"إذا فجئتك جنازة تخشى فوتها وأنت على غير وضوء فتيمم لها\"، وعن ابن عباس - ﵄ - مثله، ولأن شرع التيمم في الأصل لخوف فوت الأداء وقد وجد ههنا بل أولى، لأن هناك تفوت فضيلة الأداء فقط، فأما الاستدراك بالقضاء فممكن، وههنا تفوت صلاة الجنازة أصلًا فكان أولى بالجواز، حتى لو كان ولي الميت لا يباح له التيمم، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة - ﵁ -، لأن له ولاية الإعادة فلا يخاف الفوت، وحاصل الكلام فيه راجع إلى أن صلاة الجنازة لا تقضى عندنا، وعنده تقضى بخلاف الجمعة، لأنها تفوت إلى خلف.\n_________\n(١) (١/ ١٧٧).","vol":"2","page":524},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ورَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ لَمْ يَذْكُرْ «أَبْوَالَهَا» (١).\nهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَيْسَ فِى أَبْوَالِهَا إِلا حَدِيثُ أَنَسٍ\n===\n(قال أبو داود: ورواه حماد بن زيد عن أيوب لم يذكر \"أبوالها\") (٢) أي لفظ \"أبوالها\" في هذا الحديث، أراد المصنف بهذا الكلام أن حماد بن سلمة وحماد بن زيد رويا هذا الحديث عن أيوب السختياني، فأما حماد بن سلمة فذكر لفظ \"أبوالها\" بطريق الشك دون اليقين، وأما حماد بن زيد فلم يذكره مطلقًا، فترك حماد بن زيد لفظ \"أبوالها\" دليل على أن ذكر هذا اللفظ في هذا الحديث غير صحيح، لأن اليقين قاض على الشك، ولذا يقول المصنف فيما بعد: هذا ليس بصحيح.\nقال أبو داود: (هذا) أي ذكر الأبوال كما في حديث حماد بن سلمة (ليس بصحيح وليس في أبوالها إلَّا حديث أنس) (٣) الذي أخرجه الشيخان\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في هذا الحديث، قال أبو داود: أبوالها\".\n(٢) قال في \"البدائع\" (١/ ١٩٧) قال قتادة: إنه - ﷺ - أمر بشرب ألبانها دون أبوالها، وبسط الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٣٨) أن القصة منسوخة أو محمولة على التداوي عند الاضطرار، وفي \"الشامي\" (١/ ٦٢٣): اتقوا البول، فإنه أول ما يحاسب عنه في القبر، رواه الطبراني (٨/ ١٣٣) بإسناد حسن، وفي \"نور الأنوار\": إنه منسوخ بدليل نسخ المثلة الواردة فيه إجماعًا. (ش).\n(٣) ففيه ذكر شرب الأبوال ثابت، قال ابن العربي (١/ ٩٥ - ٩٦): هذا حديث صحيح ثابت، واختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، فقال مالك: طاهر مع رجيعه، وقال أبو حنيفة والشافعي: نجس، وتعلقوا بعموم القول الوارد في البول، وقال ابن رسلان: احتج به على طهارة بول مأكول اللحم، وهو قول مالك وأحمد، ووافقهم ابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم، انتهى. واستدل الجمهور بعموم \"استنزهوا عن البول\"، وبحديث عمار \"يغسل الثوب من خمس\"، وبأن العرب يجعله خبيثًا وحرم الخبائث، \"أوجز المسالك\" (٣/ ٥٠٩). (ش).","vol":"2","page":525},{"text":"تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>(١٢٦) بَابٌ: إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ</span>؟ (١)\n٣٣٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أيوبَ يُحَدّثُ عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ،\n===\nوالترمذي (٢)، وقصته على ما في \"البخاري\"، هكذا: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا همام عن قتادة، عن أنس: \"أن ناسًا اجتووا في المدينة، فأمرهم النبي - ﷺأن يلحقوا براعيه يعني الإبل، فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى صلحت أبدانهم، فقتلوا الراعى وساقوا الإبل، فبلغ النبي - ﷺ -، فبعث في طلبهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم\".\n(تفرد به) أي بهذا الحديث (أهل البصرة) فإن رجال سنده من موسى بن إسماعيل إلى رجل من بني عامر كلهم بصريون.\n\n(١٢٦) (بَابٌ: إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ؟) (٣)\n٣٣٤ - (حدثنا ابن المثنى) محمد، (نا وهب بن جرير، نا أبي) جرير ابن حازم (قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"تيمم\".\n(٢) وسيأتي عند المصنف في الحدود أيضًا ح (٤٣٦٤)، [وانظر: \"صحيح البخاري\" (١٥٠١)، و\"صحيح مسلم\" (١٦٧١)، و\"سنن الترمذي\" (٧٢)].\n(٣) والخلاف في هذه المسألة بسطه العيني (٣/ ٢٢٩)، وصاحب \"المغني\" (١/ ٢٠١)، وحاصله أنه يلزمه التيمم عند الأربعة بل الكل إلَّا الحسن إذ قال: يغتسل وإن مات، وهو مقتضى قول ابن مسعود، إلَّا أنهم اختلفوا في الإعادة فلا يجب عندنا ومالك، وعن أحمد روايتان ويجب عند الشافعي للحاضر دون المسافر. (ش).","vol":"2","page":526},{"text":"عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِى أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِىِّ (١)، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٢) قَالَ: \"احْتَلَمْتُ فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِى غَزْوَةِ (٣) ذَاتِ السَّلَاسِلِ،\n===\nعن عمران بن أبي أنس) القرشي العامري المصري، ويقال: مولى أبي خراش السلمي، مدني، نزل الإسكندرية، قال أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي: ثقة، وحكي عن ابن أبي شيبة أن أبا أنس كان مولى لعبد الله بن سعد بن أبي السرح واسمه نوفل، مات سنة ١١٧ هـ.\n(عن عبد الرحمن (٤) بن جبير المصري) الفقيه الفرضي المؤذن العامري، قال النسائي: ثقة، وثَّقه يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن لهيعة: كان عالمًا بالفرائض، مات سنة ٩٨ هـ.\n(عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات (٥) السلاسل). قال في \"المجمع\": بضم سين مهملة أولى وكسر ثانية، ماء بأرض جذام، وبه سميت الغزوة، وقيل: سميت ذات السلاسل، لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وكانت وراء وادي القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيام، سنة (٦) ثمان من الهجرة أو سبع بعد غزوة موتة، وهي غزوة لخم وجذام.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عبد الرحمن بن جبير\" فقط.\n(٢) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٣) وفي نسخة: \"غزاة\".\n(٤) قال ابن رسلان: له عند الجماعة أربعة أحاديث. (ش).\n(٥) وكانت سرية كما سيأتي. (ش).\n(٦) به جزم في \"التلقيح\" (ص ٤٠)، قال ابن رسلان: في جمادى الأولى سنة ثمان. (ش).","vol":"2","page":527},{"text":"فَأَشْفَقْتُ إِنِ (١) أغْتَسَلُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِى الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ: «يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟». فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِى مَنَعَنِى مِنَ الاِغْتِسَالِ، وَقُلْتُ: إِنِّى سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ:\n===\nوقصتها أن جمعًا من قضاعة تجمعوا وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة، فدعا النبي - ﷺ - عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاث مئة من سراة المهاجرين والأنصار، فلما قرب منهم بلغه أن لهم جمعًا كثيرًا، فبعث رجلًا إلى رسول الله - ﷺ - يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مأتين من سراة المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر حتى وصل إلى العدو، وحمل عليهم المسلمون، فهربوا في البلاد وتفرقوا، وكانت (٢) أم عمرو بن العاص كانت من بلي من قضاعة.\n(فأشفقت) أي خفت (إن) حرف شرط أو مصدر (أغتسل فأهلك) من شدة البرد، (فتيممت ثم صليت (٣) بأصحابي الصبح) أي صلاة الصبح (فذكروا ذلك) أي بعد رجوعهم من الغزو إلى المدينة (لرسول الله - ﷺ - فقال) (٤) أي رسول الله - ﷺ -: (يا عمرو، صليت) بتقدير حرف الاستفهام (بأصحابك وأنت جنب؟) جملة حالية (فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال) وهو خوف الهلاك، (وقلت) مستدلًا بالآية (إني سمعت الله يقول:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إن اغتسلت أن أهلك\".\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر كما في \"السيرة\" لابن هشام (٤/ ٢٨٠): وذلك أن أم العاص بن وائل كانت امرأة من بلىّ.\n(٣) فيه إمامة المتيمم جاز عند الأربعة إلَّا عند مالك فكرهه، أو قال خلاف الأفضل، وقال محمد من الحنفية: لا يجوز. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: وفي رواية الطبراني: \"فلما قدموا ذكروا ذلك له - ﷺ - فأقره وسكت\". (ش) [انظر: \"المعجم الكبير\" (١/ ٢٣٤)].","vol":"2","page":528},{"text":"﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ الله (١) - ﷺ - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ جُبَيْرٍ مِصْرِيٌّ مَوْلَى خَارِجَةَ ابْنِ حُذَافَةَ، وَلَيْسَ هُوَ ابْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفيْرٍ.\n٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيّ، نَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ،\n===\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣) فضحك (٤) رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا).\nقال الخطابي: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فشدد فيها عطاء بن أبي رباح، وقال: يغتسل وإن مات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥)، وقال الحسن نحوًا من قول عطاء، وقال سفيان ومالك: يتيمم، وهو بمنزلة المريض، وأجازه أبو حنيفة في الحضر، وقال صاحباه: لا يجزيه في الحضر، وقال الشافعي: إذا خاف على نفسه التلف من شدة البرد تيمم وصلى وأعاد كل صلاة صلاها كذلك، ورأى أنه من العذر النادر، وإنما جاءت الرخص التامة في الأعذار العامة.\n(قال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة، وليس هو ابن جبير بن نفير) فهما متغايران، وذكر الفرق لئلا يلتبس الحال على من لا خبرة له.\n٣٣٥ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نبي الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٣) سورة النساء: الآية ٢٩.\n(٤) قال ابن رسلان: التبسم والاستبشار أقوى حجة من السكوت، كما في قصة المدلجي عند رؤية الأقدام. (ش).\n(٥) سورة المائدة: الآية ٦.","vol":"2","page":529},{"text":"عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِى أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِى قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) \"أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ، وَذَكَرَ (٢) الْحَدِيثَ نَحْوَهُ، وقَالَ: فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ،\n===\nعبد الله (عن ابن لهيعة) عبد الله، (وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس (٣) مولى عمرو بن العاص) السهيمي، ويقال: إنه رأى أبا بكر الصديق - ﵁ -، وكان أحد فقهاء الموالي الذين أدركهم يزيد ابن أبي حبيب، واسمه عبد الرحمن بن ثابت، ذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٥٤ هـ.\n(أن عمرو بن العاص كان على سرية) أي كان أميرًا عليها (وذكر) أي كل واحد من ابن لهيعة وعمرو بن الحارث (الحديث نحوه) أي نحو الحديث الذي ذكره يحيى بن أيوب، ويمكن أن يقال: فذكر أي محمد بن سلمة الحديث نحو الذي ذكره ابن المثنى.\n(وقال) أي ابن لهيعة، وكذا عمرو بن الحارث: (فغسل مغابنه) قال في \"القاموس\": وكمنزل: الإبْطُ والرَّفْعُ، جمعه مغابن، وقال في \"المجمع\": أي مكاسر جلده وأماكن تجمع فيه الوسخ والعرق (وتوضأ\n_________\n(١) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٢) وفي نسخة: \"فذكر\".\n(٣) ذكره ابن عبد البر فيمن لا يذكر له اسم سوى الكنية، ويقال: هو عبد الرحمن بن أسد. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":530},{"text":"ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ\". [ق ١/ ٢٢٦، ك ١/ ١٧٧، قط ١/ ١٧٩]\n===\nوضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، فذكر نحوه) كرر هذا للتأكيد، (ولم يذكر التيمم) فالمخالفة (١) بين الروايتين بزيادة قوله: فغسل مغابنه إلى قوله: ثم صلى بهم، فإن هذه الزيادة ليست في الرواية المتقدمة، وبعدم ذكر التيمم في هذه الرواية، وقد ذكر في المتقدمة.\nقلت: وقد أخرج الإِمام أحمد بن حنبل في \"مسنده\" (٢) رواية ابن لهيعة هذه: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب إلى آخر السند، ولم يذكر أبا قيس ولا فغسل مغابنه إلى آخره، وذكر التيمم أيضًا.\nلكن أخرج البيهقي (٣) بسنده إلى ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث ورجل آخر أظنه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب إلى آخر الإسناد، وذكر فيه أبا قيس، ولفظه: إن عمرو بن العاصي كان على سرية، وإنه أصابه برد شديد لم ير مثله، فخرج لصلاة الصبح، فقال: والله لقد احتلمت البارحة، ولكن والله ما رأيت بردًا مثل هذا، هل مر على وجوهكم مثله؟ قالوا: لا، فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، فلما قدم على رسول الله - ﷺ - سأل رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) قلت: هذا في المتن، وأما في السند فزيادة أبي قيس في الثاني، قال ابن رسلان: قال البيهقي: يحتمل أنه فعلهما جميعًا، غسل المغابن أيضًا وتيمم، قال النووي: بل هو المتعين، كذا في \"الفتح\" (١/ ٤٥٤)، قلت: ذكر البخاري رواية التيمم في \"صحيحه\" تعليقًا، ورجح الحاكم هذا الثاني وتبعه الذهبي. (ش).\n(٢) (٤/ ٢٠٣).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٥).","vol":"2","page":531},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ هَذِهِ القِصَّةُ عن الأوزَاعِيِّ عن حَسَّانَ ابْنِ عَطِيَّةَ قَالَ فِيهِ: \"فَتَيَمَّمَ\".\n===\nكيف وجدتم عمرًا وصحابته؟ فأثنوا عليه خيرًا، وقالوا: يا رسول الله صلى بنا وهو جنب، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى عمرو فسأله، فأخبره بذلك وبالذي لقي من البرد، فقال: يا رسول الله إن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) ولو اغتسلت منه (٢)، فضحك رسول الله - ﷺ -، انتهى.\n(قال أبو داود: ورُوي هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية) المحاربي مولاهم، أبو بكر الدمشقي، قال ابن معين: ثقة وكان قدريًّا، قال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره البخاري في \"الأوسط\"، وقال: كان من أفاضل أهل زمانه، مات بعد سنة ١٢٠ هـ.\n(قال فيه: فتيمم) قلت: لم أقف (٣) على رواية الأوزاعي، وحاصل هذا الكلام أن التيمم لم يذكر في الحديث، وظاهر لفظه يوهم أن عمرو بن العاص صلى بهم بعد غسل المغابن والوضوء من غير تيمم، فدفع المصنف هذا الوهم بأن الأوزاعي روى هذه القصة عن حسان بن عطية، وقال فيه: فتيمم، أي زاد الأوزاعي بعد قوله: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة قوله: وتيمم ثم صلى بهم.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية: ٢٩.\n(٢) كذا في الأصل، وهو تحريف، والصواب: متُّ. انظر: \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٥).\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٥٤): والحديث أخرجه عبد الرزاق بسند آخر.","vol":"2","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>(١٢٧) بَابٌ: فِي الْمَجْرُوحِ يَتَيَمَّمُ</span>\n٣٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْطَاكِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"خَرَجْنَا فِى سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا (١) حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِى رَأْسِهِ،\n===\n\n(١٢٧) (بَابٌ: في المَجْرُوحِ)\nوفي نسخة: المجدور، وفي أخرى: المعذور (يَتَيَمَّمُ) (٢) أي: إذا كان الرجل في جسده جراحة هل يتيمم أو يشد على جرحه عصابة فيمسح محل الجرح، ويغسل ما صح من جسده؟\n٣٣٦ - (حدثنا موسى بن عبد الرحمن) بن زياد الحلبي (الأنطاكي) أبو سعيد القلّاء، بقاف وتشديد، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وتتمة كلامه يغرب، وقال مسلم بن قاسم: ثقة.\n(ثنا محمد بن سلمة) الحراني، (عن الزبير بن خريق) مصغرًا، الجزري، مولى بني قشير، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في التيمم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الحافظ: قال أبو داود عقب حديثه في كتاب \"السنن\": ليس بالقوي، وكذا قال الدارقطني.\nقلت: لم أجد في النسخ الموجودة من \"سنن أبي داود\" أن أبا داود قال للزبير بن خريق: ليس بالقوي، نعم قال الدارقطني: ليس بالقوي.\n(عن عطاء) بن أبي رباح، (عن جابر) بن عبد الله (قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا (٣) منا حجر فشجه في رأسه). قال في \"المجمع\":\n_________\n(١) وفي نسخة: \"معنا\".\n(٢) قال صاحب \"المغني\" (١/ ٣٣٩): الجمهور على أنه يتيمم خلافًا للحسن، إذ قال: لا بدَّ من الغسل، انتهى مختصرًا. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: الرواية الصحيحة رجلًا معنا. (ش).","vol":"2","page":533},{"text":"ثُمَّ احْتَلَمَ (١)، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِى رُخْصَةً فِى التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا (٢): مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ- أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّهُ تعالي\n===\nالشجُّ: ضرب الرأس خاصة وجرحه وشقه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء (ثم احتلم، فسأل) أي ذلك الرجل (أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء)\nأفتوا ذلك لأنهم غفلوا عن اليسر في الشريعة، وأن ليس المراد من الوجدان في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ على الحقيقة، بل تعم عدم الوجدان صورة ومعنى، ومعنى فقط، فعدم الوجدان صورة ومعنى فهو أن يكون بعيدًا عنه، وأما العدم من حيث المعنى فقط فهو أن يعجز عن استعمال الماء مع قربه لمانع، كما إذا لم يجد آلة الاستقاء على رأس البئر، أو كان بينه وبين الماء عدو أو سبع أو حية أو يخاف العطش على نفسه، فيكون عادمًا للماء معنى، لأن الله تعالى حرم إلقاء النفس إلى التهلكة.\n(فاغتسل) أي فدخل الماء في جرحه (فمات) أي من الغسل، (فلما قدمنا على النبي - ﷺ - أخبر بذلك) أي الخبر (فقال: قتلوه) أسند القتل إليهم، لأنهم تسببوا بتكليفهم به باستعمال الماء مع وجود الجرح في رأسه، ليكون أدل على الإنكار عليهم \"علي القاري\" (٣).\n(قتلهم الله تعالى) إنما قاله زجرًا وتهديدًا، وأخذ منه أن لا قود ولا دية على المفتي وإن أفتى بغير الحق، وإن صاحب الخطأ الواضح غير معذور.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فاحتلم\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقالوا\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨٩).","vol":"2","page":534},{"text":"أَلَّا (١) سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا! فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ» - شَكَّ مُوسَى - «عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». [ق ١/ ٢٢٨، قط ١/ ١٩٠]\n===\n(ألَّا) (٢) بفتح الهمزة وتشديد لام، حرف تحضيض، دخل على الماضي، فأفاد التنديم (سألوا إذ لم يعلموا) والمعنى: فلم لم يسألوا ولم يتعلموا ما لا يعلمون، (فإنما شفاء العيّ) بكسر العين هو العجز عن النطق والتحير في الكلام وغيره (السؤال) فإنه لا شفاء لداء الجهل إلَّا بالتعلم، قد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).\n(إنما كان يكفيه) أي الرجل المحتلم (أن يتيمم) أولًا (ويعصر) (٤) لم يوجد لفظ \"ويعصر\" فيما أخرج البيهقي هذا الحديث في \"سننه\" من رواية ابن داسة، وأخرج الدارقطني هذا الحديث برواية ابن أبي داود عبد الله بن سليمان بن الأشعث، وفيه كما في أبي داود: \"ويعصر أو يعصب\"، ثم قال في آخره: شك موسى.\n(أو يعصب) أي يشد، و\"أو\" للشك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو ذاك (شك موسى) في هذا اللفظ (على جرحه) بضم الجيم (خرقة) أي قطعة من الثوب لئلا يصل إليه بلة الماء (ثم يمسح عليها) أي على الخرقة باليد (وبغسل سائر جسده) وهذا يدل على الجمع بين التيمم وغسل سائر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ألا تسألوا إذ لم تعلموا\".\n(٢) قال ابن رسلان: قال أهل اللغة: يجوز تخفيف ألا وتشديدها، فمن شدَّد فمغيَّرة من هلَّا، أو هي مغيرة من ألَّا. (ش).\n(٣) سورة النحل: الآية ٤٣.\n(٤) قال ابن رسلان: يحتمل أنه أراد بـ \"يعصب\" شدَّ الخرقة على الجرح مع الربط. (ش).","vol":"2","page":535},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالبدن بالماء دون الاكتفاء بأحدهما، كما هو مذهب الشافعي (١).\nوالجواب أن الحديث ضعيف، قد تفرد به (٢) زبير بن خريق، وليس بالقوي، وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء، عن ابن عباس وهو الصواب، قال الدارقطني (٣): اختلف (٤) فيه على الأوزاعي، والصواب أن الأوزاعي أرسل آخره عن عطاء، وصحح هذا الحديث ابن السكن، وروى من طريق الوليد بن عبيد بن أبي رباح عن عمه عطاء مرفوعًا، والوليد بن عبيد ضعفه الدارقطني، وقواه من صحح حديثه، وأيضًا مع ضعفه مخالف للقياس، وهو الجمع بين البدل والمبدل منه.\nوحاصله أن المأمور به الغسل المبيح للصلاة، والغسل الذي لا يبيح الصلاة، وجوده وعدمه بمنزلة واحدة كما لو كان الماء نجسًا، ولأن الغسل إذا لم يفد الجواز كان الاشتغال به سفهًا مع أن فيه تضييع الماء، وأنه حرام، فصار كمن وجد ما يطعم به خمسة مساكين فكفَّر بالصَّوم أنه يجوز ولا يؤمَرُ بإطعام الخمسة لعدم الفائدة، فكذا هذا بل أولى، لأن هناك لا يؤدي إلى تضييع المال، فالمراد من الماء المطلق في الآية هو المقيد، وهو الماء المفيد لإباحة الصلاة عند الغسل به، كما يقيد بالماء الطاهر، ولأن مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب\n_________\n(١) مذهب الشافعي وأحمد أنه يغسل الصحيح ويتيمم للباقي، وعند الحنفية ومالك: إن كان الأكثر جريحًا يتيمم وإلَّا يغسل كما في \"المغني\" (١/ ٣٣٦) ويمسح للباقي، ولو تساويا فكذلك، كما في \"الشامي\" (١/ ٤٨١). (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: تفرد زريق بذكر التيمم لم يقع في رواية عطاء، نبَّه على ذلك ابن القطان. (ش).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٩٠).\n(٤) قلت: بل اختلف فيه على عطاء أيضًا كما ترى. (ش).","vol":"2","page":536},{"text":"٣٣٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ:\n===\nالوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل، فينصرف المطلق إليه.\nأو يقال: إن لفظ الواو في قوله: ويعصر بمعنى أو، فعلى كلا التوجيهين لا يدل الحديث على الجمع بين التيمم وغسل سائر البدن.\nثم اعلم أن مطابقة الحديث بالباب إذا كانت ترجمة الباب بلفظ المجدور والمعذور ظاهرة، وأما إذا كانت بلفظ المجروح فمطابقته على مذهب الشافعي واضحة، وأما على مذهبنا فإن المجروح إذا كان جرحه في غالب البدن يجوز له التيمم، وأما إذا كان أكثر البدن صحيحًا، فحينئذ يغسل الصحيح، ويمسح المجروح، فالمطابقة على الأول ثابتة وجودًا، وعلى الثاني عدمًا.\n٣٣٧ - (حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\"، وقال: لا يتابع على حديثه، وذكره ابن وضاح وقال فيه: شيخ.\n(ثنا محمد بن شعيب) بن شابور بالمعجمة والموحدة، الأموي مولاهم، أبو عبد الله الدمشقي، كان يسكن بيروت، قال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسًا، وما علمت إلَّا خيرًا، وقال ابن معين: كان مرجئًا، وليس به في الحديث بأس، وقال إسحاق بن راهويه: روى ابن المبارك عن محمد بن شعيب فقال: أخبرنا الثقة من أهل العلم محمد بن شعيب، وقال ابن عمار ودحيم: ثقة، وقال العجلي: شامي ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: محمد بن شعيب في الأوزاعي ثبت، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٠٠ هـ.","vol":"2","page":537},{"text":"أَخْبَرَنِى الأَوْزَاعِىُّ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أَصَابَ رَجُلًا جُرْحٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ احْتَلَمَ، فَأُمِرَ بِالاِغْتِسَالِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذلك رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ تعالي، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالَ؟». [جه ٥٧٢، دي ٧٥٢، حم ١/ ٣٣٠، ق ١/ ٢٢٧، ك ١/ ١٦٥]\n===\n(أخبرني الأوزاعي أنه) أي الأوزاعي (بلغه عن عطاء بن أبي رباح) أي الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث من عطاء، ولكن وصل إليه بلاغًا بالواسطة، (أنه) أي عطاء (سمع عبد الله بن عباس قال) أي ابن عباس: (أصاب رجلًا جرح في عهد رسول الله - ﷺ -، ثم احتلم) أي أصابته جنابة (فأمر بالاغتسال) أي أمره بعض من كان معه من الرفقاء بالاغتسال (فاغتسل) بفتواهم، فأضرّه الغسل (فمات) أي دخل الماء في جرحه فمات منه.\n(فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: قتلوه) أي أهلكوه بفتواهم (قتلهم (١) الله تعالى) أي أهلكهم أو لعنهم، (ألم يكن شفاء العي السؤال؟) أي لما كانوا أعياء كان يجب عليهم أن يسألوا العلماء عن المسألة ويحققوها عنهم، أو معناه: كان عليهم أن يسألوا عن المسألة رسول الله - ﷺ - ولم يفتوا قبل أن يتعلموا منه - ﷺ -.\nأخرج ابن ماجه هذا الحديث موصولًا في \"سننه\"، (٢)، ولفظه: حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، ثنا الأوزاعي،\n_________\n(١) قال ابن الصلاح: إذا أتلف المستفتي بفتوى أحد شيئًا ثم علم خطأه، يضمن المفتي إن كان أهلًا، وإلَّا فلا؛ لأن التقصير إذًا من المستفتي، وقال ابن رسلان: الظاهر أن من نصب للفتوى واشتهر فلا تقصير من المستفتي. (ش).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" ح (٥٧٢).","vol":"2","page":538},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن عطاء بن أبي رباح قال: \"سمعت ابن عباس يخبر أن رجلًا أصابه جرح في رأسه على عهد رسول الله - ﷺ -، ثم أصابه احتلام، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فكُزَّ (١) فمات، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: قتلوه قتلهم الله، أو لم يكن شفاء العي السؤال؟ قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله - ﷺ - قال: لو غسل جسده وترك رأسه وحيث أصابه الجراحة\"، انتهى.\nواختلف في أن الأوزاعي سمع هذا الحديث عن عطاء، فحكي عن أبي زرعة وأبي حاتم: لم يسمعه الأوزاعي عن عطاء، إنما سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء، بين ذلك ابن أبي العشرين في روايته عن الأوزاعي، ولكن حكى الشيخ أبو الطيب في \"التعليق المغني\" (٢) وقال: ورواه الحاكم من حديث بشر بن بكر، ثنا الأوزاعي، ثني عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس: \"أن رجلًا أصابه جرح على عهد رسول الله - ﷺ -، ثم أصابه احتلام، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك\"، الحديث. قال الحاكم: بشر (٣) بن بكر ثقة مأمون، وقد أقام إسناده، وهو صحيح على شرطهما، انتهى.\nوقال الدارقطني: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا: رواه ابن أبي العشرين عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، وأسند الحديث، قلت: فيمكن أن يكون الأوزاعي روى عن عطاء بطريقتين بواسطة وبغير واسطة، والله أعلم، ولفظة \"لو\" إما للتمني، أو الجزاء محذوف أي لأصاب أو لكفاه.\n_________\n(١) فكُزَّ: بكاف وزاي مشددة على بناء المفعول: داءٌ يأخذ من شدة البرد.\n(٢) انظر: \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٥٠).\n(٣) ليست هذه العبارة في نسخة الحاكم الذي عندنا، بل سكت عن التصحيح وسكت عنه الذهبي. (ش).","vol":"2","page":539},{"text":"(١٢٨) بَابٌ: في الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَمَا يُصَلِّي (١) في الْوَقْتِ\n٣٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: \"خَرَجَ رَجُلَانِ فِى سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِى الْوَقْتِ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>(١٢٨) (بَابٌ: في الْمُتَيَمِّمِ يَجدُ الْمَاءَ بَعْدَمَا يُصَلِّي في الْوَقْتِ)</span>\nأي هل يعيد الصلاة أو لا؟\n٣٣٨ - (حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، نا عبد الله بن نافع) الصائغ، (عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة) بن ثمامة الجذامي، بجيم ثم معجمة (٢)، أبو ثمامة المصري، كان فقيهًا مفتيًا، أرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقههم، قال النووي: لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" من التابعين، ثم أعاده في أتباعهم فقال: يخطئ، مات سنة ١٢٨ هـ.\n(عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان (٣) في سفر، فحضرت الصلاة) أي وقتها (وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا) التيمم هاهنا يمكن أن يحمل على المعنى اللغوي أي قصداه، ويمكن أن يراد المعنى الشرعي، فيكون على نزع الخافض أي بالصعيد (فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"صلى\".\n(٢) بضم الجيم وتخفيف الذال المعجمة، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: قال الحافظ: لم أقف على اسمهما ولا على تعيين الصلاة. (ش).","vol":"2","page":540},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأجمعوا (١) على أنه إذا رأى الماء بعد فراغه من الصلاة لا إعادة عليه، وإن كان الوقت باقيًا، واختلفوا فيما إذا وجد الماء بعد دخوله في الصلاة، فالجمهور على أنه لا يقطعها وهي صحيحة، وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية (٢): يبطل تيممه، أما إذا تيمم ثم وجد الماء قبل دخول الصلاة، فالإجماع على بطلان تيممه، قاله القاري (٣).\nوقال الشوكاني (٤) في الصورة الأولى: لا يجب عليه (٥) الإعادة عند أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وتجب الإعادة مع بقاء الوقت عند طاوس وعطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة لتوجه الخطاب مع بقائه، وشرط في صحتها الوضوء، وقد أمكن في وقتها، ورُدَّ بأنه لا يتوجه الطلب بعد قوله: \"أصبت السنة وأجزأتك صلاتك\".\nوقال في الصورة الثالثة: أما إذا وجد الماء قبل الصلاة بعد التيمم وجب الوضوء عند الفقهاء، وقال داود وسلمة بن عبد الرحمن: لا يجب لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٦).\nوقال في الصورة الثانية: وأما إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها، فإنه يجب عليه الخروج من الصلاة، وإعادتها بالوضوء\n_________\n(١) أي الأربعة وإلَّا فخالف فيه طاوس وعطاء وابن سيرين والزهري وغيرهم، كما في \"إحكام الأحكام\" (١/ ١٢٠)، وسيأتي عن الشوكاني. (ش).\n(٢) هذا هو المرجح في مذهبه بل رجع إليها كما في \"المغني\" (١/ ٣٤٧). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٩٠).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٤٣).\n(٥) وكذا قال ابن رسلان. (ش).\n(٦) سورة محمد: الآية ٣٣.","vol":"2","page":541},{"text":"فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِى لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»، وَقَالَ لِلَّذِى تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». [ن ٤٣٣، دي ٧٤٤، ق ٢٣١/ ١، ك ١/ ١٧٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَغَيْرُ ابْنِ نَافِعٍ،\n===\nعند أبي حنيفة (١) والأوزاعي، والثوري، والمزني وابن شريح، وقال مالك (٢) وداود: لا يجب عليه الخروج بل يحرم والصلاة صحيحة.\n(فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء) إما ظنًّا بأن الأولى كانت باطلة،\nوإما احتياطًا، (ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله - ﷺ - فذكرا ذلك) أي ما وقع لهما (له) أي لرسول الله - ﷺ -، (فقال للذي لم يعد) أي الصلاة: (أصبت السنة) أي صادفت الشريعة الثابتة بالسنة (وأجزأتك صلاتك) أي كفتك عن القضاء، والإجزاء عبارة عن كون الفعل مسقطًا للإعادة.\n(وقال للذي توضأ وأعاد) أي الصلاة في الوقت: (لك الأجر مرتين) أي لك أجر الصلاتين اللتين صليتهما كلتيهما مرتين، فإن كلًاّ منهما صحيحة تترتب عليهما مثوبة، وإن كانت إحداهما فرضًا والأخرى نفلًا.\n(قال أبو داود: وغير ابن نافع) وهو يحيى بن بكير وعبد الله بن المبارك، أخرج رواية يحيى البيهقي (٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، ثنا يحيى بن بكير،\n_________\n(١) وإليه رجع أحمد وقال: كنت أقول: يمضي في الصلاة، لكن كثرة الدلائل على أنه يخرج. (ش).\n(٢) وبه قال الشافعي. (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٣١)، وأيضًا أخرجه الحاكم (١/ ١٧٩).","vol":"2","page":542},{"text":"يَرْوِيهِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ أَبِى نَاجِيَةَ،\n===\nعن الليث، عن عمير بن أبي ناجية، فذكره، كذا في كتابي عمير؛ والصواب عميرة بن [أبي] ناجية.\nوأخرج رواية عبد الله بن المبارك الدارقطني (١) ولفظه: حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي، نا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الرزاق، عن عبد الله بن المبارك، عن ليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار أن رجلين أصابتهما جنابة فتيمما نحوه، ولم يذكر أبا سعيد، وقال: تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلًا، وخالفه ابن المبارك وغيره، وأيضًا أخرج النسائي رواية عبد الله في \"مجتباه\" (٢) مرسلًا.\n(يروبه) أي يروي غير ابن نافع وهو يحيى بن بكير هذا الحديث (عن الليث عن عميرة (٣) بن أبي ناجية) واسمه حريث الرعيني، أبو يحيى المصري، مولى حجر بن رعين، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة ١٥١ هـ.\nوقال الشوكاني (٤): وقد رواه ابن السكن في \"صحيحه\" موصولًا من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية جميعًا، عن بكر موصولًا، ورواه ابن لهيعة عن بكر، فزاد بين عطاء وأبي سعيد أبا عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد الله، وابن لهيعة (٥) ضعيف، ولا يلتفت إلى زيادته ولا تُعَلُّ بها رواية الثقة، ومعه عميرة بن أبي ناجية.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" ح (٧٢٨).\n(٢) \"سنن النسائي\" (١/ ٢١٣).\n(٣) بفتح العين \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٤٣).\n(٥) وكذا نقله ابن رسلان عن ابن حجر. (ش).","vol":"2","page":543},{"text":"عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَذِكْرُ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.\n٣٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ. [ن ٤٣٤، وانظر تخريج الحديث السابق]\n===\n(عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي - ﷺ -، قال أبو داود: وذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ وهو مرسل) (١).\nقال الشوكاني: قال موسى بن هارون: رفعه وهم من ابن نافع، ولكن يقوي رفعه ويصححه ما تقدم من رواية أبي علي بن السكن في \"صحيحه\" موصولًا، فلا يقدح فيه كونه مرسلًا من بعض الطرق، وهذا الحديث حجة للحنفية ومن معهم فيما إذا صلى بالتيمم ثم وجد الماء بعد ما صلى في الوقت، لا يجب عليه الإعادة.\n٣٣٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا ابن لهيعة) عبد الله، (عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد) المصري، قال الذهبي: لا يعرف، وقال الحافظ في \"التقريب\": مجهول، (عن عطاء بن يسار أن رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\nغرض المصنف بتخريج حديث ابن لهيعة الإشعار بأن حديث\n_________\n(١) لكن أخرج الحاكم موصولًا وصحَّحه على شرطهما كما نقله عنه ابن رسلان. [انظر: \"المستدرك\" (١/ ١٧٩)]. (ش).","vol":"2","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>(١٢٩) بَابٌ: في الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ </span>(١)\n٣٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا\n===\nعبد الله بن نافع فيه انقطاع، لأنه لم يذكر فيه بين بكر بن سوادة وعطاء أبا عبد الله، وأن الحديث مرسل، وابن نافع زاد فيه أبا سعيد الخدري، وهو غير محفوظ، وقد تقدم أن ابن لهيعة ضعيف فلا يلتفت إلى زيادته ولا تُعَلُّ بها رواية الثقات.\n\n(١٢٩) (بَابٌ: في الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ)\nهل يجب أو لا؟\n٣٤٠ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا معاوية) بن سلَّام بالتشديد، ابن أبي سلام ممطور الحبشي بضم المهملة، ويقال: الألهاني، أبو سلام الدمشقي، قال أحمد: ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وعن دحيم: جيد الحديث ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: دفع إليه يحيى بن أبي كثير كتابًا ولم يقرأه ولم يسمعه.\n(عن يحيى) بن أبي كثير، (أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره) أي أبا سلمة، (أن عمر بن الخطاب بينا) هو، وفي نسخة: بينما هو، قال في \"القاموس\": وبينا نحن كذا: هي بَيْنَ أُشْبِعَتْ فتحتها، فحدثت الألف، وبينا وبينما من حروف الابتداء، والأصمعي يخفض بعد بينا إذا صَلُحَ موضعُه، وغيره يرفع ما بعدها على الابتداء والخبر.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يوم الجمعة\".","vol":"2","page":545},{"text":"هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَتَوَضَّأْتُ. قَالَ (١) عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا! أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ\n===\n(هو) أي عمر بن الخطاب (يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل) ولفظ البخاري: \"إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي - ﷺ -\"، ولفظ رواية مسلم: \"إذ دخل عثمان بن عفان\" (فقال عمر) -﵁ - لما رآه متأخرًا في الحضور للجمعة منكرًا عليه: (أتحتبسون) أي في أشغالكم وحوائجكم (عن الصلاة) (٢) ولا تبكرون لها.\n(فقال الرجل) أي عثمان بن عفان - ﵁ - معتذرًا: (ما هو) أي الشأن (إلَّا أن سمعت النداء فتوضأت) فحضرت الصلاة (قال عمر: والوضوء أيضًا) هو منصوب أي وتوضأت الوضوء أي اقتصرت عليه دون الغسل، فيه إشعار بأنه قبل عذره في ترك التبكير، لكنه استنبط منه معنى آخر اتجه له عليه فيه إنكار ثانٍ، والمعنى ما اكتفيت بتأخير الوقت بتفويت الفضيلة، حتى تركت الغسل، وإنما ترك الغسل، لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة والاشتغال بالغسل وكل منهما مرغب فيه، فآثر سماع الخطبة \"فتح\" (٣).\n(أو لم تسمعوا (٤) رسول الله - ﷺ - يقول: إذا أتى (٥) أحدكم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) فيه جواز الإنكار على الكبار في المجمع، \"ابن رسلان\"، وأيضًا فيه الكلام في الخطبة أمرًا بالمعروف، \"ابن رسلان\"، وسيأتي البسط فيه في الجمعة، وقال السندي على البخاري: لم يكن المحادثة في الخطبة كما لم يكن قوله ﵊: \"أركعت\" لمن دخل في المسجد في الخطبة. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٦٠).\n(٤) ولفظ البخاري: \"وقد علمت\"، ابن رسلان. (ش).\n(٥) ظاهره اختصاصه بمن أتى الجمعة، وبه قال الأربعة كما سيأتي. (ش).","vol":"2","page":546},{"text":"الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ\". [خ ٨٨٢، م ٨٤٥، ت ٤٩٤، ق ١/ ٢٩٦، ط ١/ ١٠١/ ٣]\n===\nالجمعة) أي أراد إتيان الجمعة (فليغتسل) استدل بهذا الحديث من قال: بعدم وجوب الغسل للجمعة، ووجه الدلالة أن عثمان - ﵁ - فعله، وأقره عمر - ﵁ - ولم يأمره بالرجوع للغسل، وأقره حاضرو الجمعة، وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجبًا لما تركه ولألزموه به، فعلى هذا الأمر الوارد في الحديث محمول على الندب.\nوأجاب عنه الآخرون بأن إنكار عمر - ﵁ - على رأس المنبر في ذلك الجمع على مثل ذلك الصحابي الجليل، وتقرير جمع الحاضرين الذين هم جمهور الصحابة لذلك الإنكار من أعظم الأدله القاضية بأن الوجوب كان معلومًا عند الصحابة، ولو كان الأمر عندهم على عدم الوجوب لما عول ذلك الصحابي في الاعتذار على غيره، فأي تقرير من عمر ومن حضر هذا بعد هذا.\nولعل النووي ومن معه ظنوا أنه لو كان الاغتسال واجبًا لنزل عمر من منبره، وأخذ بيد ذلك الصحابي، وذهب به إلى المغتسل، أو لقال له: لا تقف في هذا الجمع، أو اذهب فاغتسل فإنا سننظرك، أو ما أشبه ذلك، ومثل هذا لا يجب على من رأى الإخلال بواجب من واجبات الشريعة، وغاية ما كُلِّفنا به في الإنكار على من ترك واجبًا هو ما فعله عمر في هذه الواقعة، انتهى، قاله الشوكاني (١).\nقلت: وهذا الذي قاله الشوكاني كلام من غفل عما جُبِل عليه عمر بن الخطاب - ﵁ - من الشدة والغلظة في الدين، وتأديبه\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٠٠).","vol":"2","page":547},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالناس في إخلالهم بواجبات الشرع، فإنه - ﵁ - لَبَّبَ برداء هشام بن حكيم بن حزام على أنه كان يقرأ سورة الفرقان على غير ما يقرؤها عمر، وجاء به إلى رسول الله - ﷺ - يقوده حتى قال له رسول الله - ﷺ -: \"أرسله\".\nوأيضًا أخرج أم فروة أخت أبي بكر الصديق - ﵁ - من البيت حين ناحت، وأيضًا ضرب بين ثديي أبي هريرة حين بعثه رسول الله - ﷺ - بنعليه، وقال له: من لقيت يشهد أن لا إله إلَّا الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة، حتى خَرَّ لإسته، وقال: ارجع فرجع فأجهش بالبكاء.\nوأيضًا لما أراد رسول الله - ﷺ - أن يصلي على عبد الله بن أُبَيّ المنافق جذبه، وقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين.\nوهكذا تثقيفاته وتشديداته أكثر من أن يحصيها نطاق البيان، فمن له علم وخبرة بها يستحيل منه أن يستبعد من مثل عمر أن يقيمه من مجلسه، ويرده إلى بيته ليغتسل، ويتركه يجلس ويصلي وقد ترك الواجب، فالعجب من العلامة الشوكاني مع أنه له باع طويل في الحديث والسير، وعارف بسيرته وتثقيفاته، كيف لم يتنبه لها، واستبعد منه - ﵁ - أن يقول لذلك الرجل: اذهب فاغتسل، ثم احضر.\nوقد تنبه له الإِمام الشافعي فقال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل ذلك على أنهما قد علما أن أمر رسول الله - ﷺ - كان على الاختيار، وكذا الطحاوي والخطابي وغيرهما.\nوفي هذا الحديث إشارة إلى أن الغسل للصلاة لا لليوم، وهو الصحيح، وفيه أيضًا أنه لا يصح غسل الجمعة قبل الصبح.","vol":"2","page":548},{"text":"٣٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». [خ ٨٥٨، م ٨٤٦، ن ١٣٧٧، جه ١٠٨٩، ق ١/ ٢٩٤، دي ١٥٣٧، ط ١/ ١٠٢/ ٤]\n===\n٣٤١ - (حَدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عن مالك) بن أنس (عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: غسل يوم الجمعة واجب) أي ثابت، لا ينبغي أن يترك، لا أنه يأثم تاركه، قيل: هذا وأمثاله تأكيد للاستحباب كما يقال: رعاية فلان علينا واجبة، قاله القاري (١).\nوقال الخطابي (٢): قوله: \"واجب\" (٣) معناه وجوب الاختيار والاستحباب، دون وجوب الفرض، ويشهد لصحة هذا التأويل حديث عمر الذي تقدم ذكره.\n(على كل محتلم) (٤) أي بالغ مدرك أوان الاحتلام، وسببه أن القوم كانوا يعملون في المهنة ويلبسون الصوف، وكان المسجد ضيقًا مقارب السقف، فإذا عرقوا تثور منهم رياح، وتأذى بعضهم برائحة بعض خصوصًا في بلادهم التي في غاية من الحرارة، فندبهم إلى الاغتسال بلفظ الوجوب ليكون أدعى إلى الإجابة.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٩٢).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٥٩).\n(٣) وقال ابن رسلان: أي كالواجب جمعًا بين الأدلة. (ش).\n(٤) ظاهره عموم استحباب الغسل لكل أحد، قال الشعراني (١/ ٢٤٦): خصص الأربعة مندوبيته، على من حضر الجمعة، وقال أبو ثور: إنه مستحب على كل أحد حضر =","vol":"2","page":549},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال النووي (١): اختلف العلماء في غسل الجمعة، فحكي وجوبه عن بعض الصحابة، به قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك (٢)، وحكاه الخطابي عن الحسن ومالك، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سنة مستحبة ليس بواجب، قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه، واحتج من أوجبه بظواهر الأحاديث.\nواحتج الجمهور بأحاديث صحيحة، منها: حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل، ومنها قوله - ﷺ -: \"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل\"، حديث حسن في \"السنن\" مشهور، ومنها قوله - ﷺ -: \"لو اغتسلتم يوم الجمعة\"، وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب، لأن تقديره لكان أفضل وأكمل.\nوقال الخطابي (٣): ولم تختلف الأمة في أن صلاته مجزئة إذا لم يغتسل، فلما لم يكن الغسل من شرط صحتها دل على أنه استحباب، كالاغتسال للعيد وللإحرام الذي يقع الاغتسال فيه متقدمًا لسببه، ولو كان واجبًا لكان متأخرًا عن سببه، كالاغتسال للجنابة والحيض والنفاس.\n_________\n= أو لا، والظاهر أن من قال باستحبابه لليوم يقول بالعموم، والبسط في \"السعاية\" (١/ ٣٢٥) و\"الأوجز\" (٢/ ٣٨٣). (ش).\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٣٩٤).\n(٢) وحكاه عنه في \"الهداية\" (١/ ٢٠) أيضًا، ونقل ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٣٦٥)، ثلاث روايات لأحمد، ورجح الوجوب، والثالثة التفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو مستغنٍ عنه فيستحب له. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٥٩).","vol":"2","page":550},{"text":"٣٤٢ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِىُّ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ - يَعْنِى ابْنَ فَضَالَةَ -، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ رَوَاحُ الْجُمُعَةِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ». [ن ١٣٧١، خزيمة ١٧٢١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ أَجْنَبَ.\n===\n٣٤٢ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا المفضل) كمحمد (يعني ابن فضالة، عن عياش) بالمثناة التحتية والشين المعجمة (ابن عباس) بالموحدة والسين المهملة، (عن بكير) مصغرًا، ابن الأشج، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) عبد الله، (عن حفصة) بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين، (عن النبي - ﷺ - قال: على كل محتلم) أي بالغ (رواح الجمعة) أي يجب (وعلى كل من راح) أي أراد الرواح (إلى الجمعة) أي إلى صلاتها يجب (الغسل، قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر) أي من يوم الجمعة (أجزأه) (١) أي كفاه ذلك الغسل من (غسل الجمعة وإن أجنب) (٢) أي وإن اغتسل من الجنابة، فيتداخل الغسلان (٣).\n_________\n(١) قال ابن رسلان: به قال أحمد والثوري والشافعي، وحكي عن الأوزاعي أنه يجزؤه قبل الفجر، وحكي عن مالك أنه لا يجزؤه إلَّا أن يتعقبه الرواح.\n(٢) قال ابن رسلان: معناه أنه إذا اغتسل للجمعة ثم أجنب لا يبطل غسل الجمعة، فيغتسل للجنابة ويبقى غسل الجمعة، قال النووي: لأنه لا وجه لإبطاله، فهذا غير المعنى الذي شرح به الشيخ، فتأمل.\n(٣) قال ابن رسلان: هو الصحيح المنصوص عند الشافعية، وقيل: لا، كما يتداخل الفرض والراتبة، ونقل الشعراني أن من اغتسل لهما يكفي لهما عند الثلاثة، ولا يكفي لواحد منهما عند مالك. (انظر: \"الميزان\" ١/ ٢٤٦) قلت: والصحيح أنه يكفي لهما عنده أيضًا كما في \"الأوجز\" (٢/ ٣٩٢). (ش).","vol":"2","page":551},{"text":"٣٤٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ الْهَمْدَانِىُّ. (ح): وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.\n(١) قَالَ يَزِيدُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِى حَدِيثِهِمَا: عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ،\n===\n٣٤٣ - (حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني، ح:) تحويل، (وحدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قالا) أي يزيد بن خالد وعبد العزيز: (نا محمد بن سلمة، ح:) تحويل، (وحدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة (وهذا حديث محمد بن سلمة) أي لفظ هذا الحديث لفظ حديث محمد بن سلمة لا لفظ حديث حماد.\n(عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد القرشي التيمي، أبو عبد الله المدني، كان جده الحارث من المهاجرين الأولين، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن خراش ويعقوب بن شيبة: ثقة، وعن أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير ومنكرة، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يسمع من جابر ولا من أبي سعيد، انتهى، وحديثه عن عائشة عند مالك والترمذي وصححه، وعائشة ماتت قبل أبي سعيد وجابر، مات سنة ١٢٠ هـ.\n(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال يزيد) أي ابن خالد (وعبد العزيز) الحراني (في حديثهما: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\". (ش).","vol":"2","page":552},{"text":"عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ وَأَبِى هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كانت\n===\nغرض المصنف بهذا بيان الاختلاف في ما بين شيوخه، وحاصله أن موسى بن إسماعيل اقتصر على أبي سلمة بن عبد الرحمن ولم يذكر معه أبا أمامة، وأما يزيد وعبد العزيز فزادا في حديثهما مع أبي سلمة أبا أمامة بن سهل.\nأبو أمامة بن سهل هذا هو أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، وقيل: اسمه سعد، وقيل: قتيبة، ولد في حياة النبي -صلي الله عليه وسلم -، وسمي باسم جده لأمه أسعد بن زرارة، وكني بكنيته، وُلد قبل وفاة النبي -صلي الله عليه وسلم - بعامين، قال الطبراني: له رؤية، وقال البخاري: أدرك النبي - ﷺ - ولم يسمع منه، وكان من أكابر الأنصار وعلمائهم، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي قيل له: هو ثقة؟ فقال: لا يسأل عن مثله هو أجلُّ من ذاك، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٠٠ هـ.\n(عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله - ﷺ -: من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان) أي الطيب (عنده، ثم أتى الجمعة، فلم يتخط أعناق (١) الناس، ثم صلى ما كتب الله تعالى له، ثم أنصت) أي سكت (٢) عن التكلم ولم يلغ (إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت) أي تلك الصلاة\n_________\n(١) بسط ابن رسلان روايته. (ش).\n(٢) وهل السكوت واجب أو سنَّة؛ قولان للشافعي، بسطهما ابن رسلان. قلت: محله أبواب صلاة الجمعة. (ش).","vol":"2","page":553},{"text":"كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِى قَبْلَهَا». قَالَ: وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»، وَيَقُولُ: «إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». [حم ٣/ ٨١، خزيمة ١٧٦٢، م ٨٥٨ مختصرًا]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ أَتَمُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَمَّادٌ كَلَامَ أَبِى هُرَيْرَةَ.\n٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،\n===\n(كفارة لما بينها) أي بين تلك الصلاة، أو بين الساعة التي يصلي فيها الجمعة (وين جمعته) أي صلاة جمعته (التي قبلها. قال) أي أبو سلمة (١): (ويقول أبو هريرة (٢): وزيادة ثلاثة أيام، ويقول) أي أبو هريرة: (إن الحسنة بعشر أمثالها).\nقال الخطابي (٣): قرانه بين غسل الجمعة وبين لبسه أحسن ثيابه ومسه الطيب (٤) يدل على أن الغسل مستحب كاللباس والطيب، وفيه أن القران في اللفظ لا يستلزم القران في الحكم.\n(قال أبو داود: وحديث محمد بن سلمة أتم) أي من حديث حماد (ولم يذكر حماد كلام أبي هريرة).\n٣٤٤ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب) عبد الله،\n_________\n(١) هكذا في الأصل أي أبو سلمة، وفي \"العون\" (٢/ ٩): أي محمد بن سلمة، ويحتمل أبو سلمة، وليس في نسخة ابن رسلان لفظ \"قال\"، بل فيه: ويقول أبو هريرة ... إلخ. (ش).\n(٢) لم يزده أبو سعيد الخدري. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٥٩).\n(٤) لكن أوجب الطيب أبو هريرة - ﵁ - كما سيجيء. (ش).","vol":"2","page":554},{"text":"عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِى هِلَالٍ وَبُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ،\n===\n(عن عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، يقال: أصله من المدينة، روى عن جابر وأنس مرسلًا، أورد البخاري حديثه عن جابر معلقًا متابعة، ووصله الترمذي وقال: هذا مرسل، وثَّقه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي والخطيب والعجلي وابن عبد البر وغيرهم، وقال الساجي: صدوق، وكان أحمد يقول: ما أدري أيّ شيء يخلط في الأحاديث، مات سنة ١٣٥ هـ.\n(وبكير بن عبد الله بن الأشجّ حدثاه عن أبي بكر بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير التيمي، كان أسنَّ من أخيه محمد، قال أبو حاتم: لا يسمى، وقال الآجري عن أبي داود: كان من ثقات الناس، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة قليل الحديث.\n(عن عمرو بن السليم (١) الزرقي) هو عمرو بن سليم مصغرًا، ابن خلدة، بفتح معجمة وسكون لام، ابن مخلد بن عامر بن زريق الأنصاري، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن خراش: ثقة، في حديثه اختلاط، وقال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر، مات سنة ١٠٤ هـ.\n(عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري) الأنصاري الخزرجي، أبو حفص، ويقال: أبو محمد، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان\n_________\n(١) هكذا بالتعريف في النسخة القديمة والمجتبائية وغيرهما. (ش).","vol":"2","page":555},{"text":"عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكُ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قُدِّرَ لَهُ\". إِلا أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ،\n===\nفي \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ويستضعفون روايته ولا يحتجون به، وقال العجلي: تابعي مدني ثقة، مات سنة ١١٢ هـ.\n(عن أبيه) هو أبو سعيد الخدري (أن النبي - ﷺ - قال: الغسل يوم الجمعة) ثابت (على كل محتلم) أي بالغ، (والسواك) (٢) عطف على الغسل، أي والسواك يوم الجمعة ثابت على كل محتلم، (ويمس من الطيب (٣) ما قدر له)، وفي رواية مسلم: \"ما قدر عليه\".\nقال النووي (٤): قال القاضي: محتمل لتكثيره ومحتمل لتأكيده حتى يفعله بما أمكنه، ويؤيده قوله: \"ولو من طيب المرأة\"، وهو مكروه للرجال، فأباحه ههنا للضرورة لعدم غيره، وهذا يدل على تأكيده.\nقلت: وهذان الاحتمالان في لفظ مسلم، وأما في لفظ أبي داود فاحتمال التأكيد أقرب.\n(إلَّا أن بكيرًا لم يذكر عبد الرحمن) استثناء من المقدر، أي توافق سعيد بن هلال وبكير في سند الحديث ومتنه، إلَّا أن بكيرًا خالف سعيدًا في عبد الرحمن فلم يذكره، وقد ذكره سعيد، وهذه مخالفة في السند\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) أوجبه ابن حزم كما تقدم في السواك. (ش).\n(٣) أوجبه أبو هريرة يوم الجمعة، ولعله إيجاب سنة، وإن كان حقيقة فالجمهور على خلافه، كذا في \"الزرقاني\" (١/ ٢١٢). (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٣٩٨).","vol":"2","page":556},{"text":"وَقَالَ فِى الطِّيبِ: «وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ». [خ ٨٨٠، م ٨٤٦، ن ١٣٧٥]\n٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْجَرْجَرَائِىُّ، حِبِّى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، حَدَّثَنِى حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِى أَبُو الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىُّ، حَدَّثَنِى أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ الثَّقَفِىُّ\n===\n(وقال) أي بكير (في الطيب: ولو من طيب المرأة) (١) أي خالف بكير سعيدًا في متن الحديث في الطيب، وزاد: ولو من طيب المرأة ولم يزد هذا اللفظ سعيد.\n٣٤٥ - (حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي) بجيمين بينهما راء ثم راء، لقبه (حِبِّي، نا ابن المبارك، عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، (حدثني حسان بن عطية، حدثني أبو الأشعث الصنعاني) بفتح المهملة، وسكون النون، والنون بعد الألف، نسبة إلى صنعاء المنتسب فيها بالخيار بين إثبات النون وإسقاطها، والأصل أن كل اسم في آخره ألف مقصورة فالمنتسب إليه بالخيار بين إثبات النون وإسقاطها، وصنعاء: بلدة باليمن قديمة معروفة، وقرية بالشام على باب دمشق، خربت الساعة وبقيت مزارعها، وأبو الأشعث منتسب إلى صنعاء الشام، واسمه شراحيل بن آدة بالمد وتخفيف الدال، ويقال: آدة جد أبيه، قال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، فقال: شراحيل بن شرحبيل بن كليب بن آدة، توفي زمن معاوية، وكان ينزل دمشق.\n(حدثني أوس بن أوس الثقفي) (٢) صحابي سكن دمشق ومات بها،\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وهو المراد في رواية البخاري من لفظ \"طيب بيته\". (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ١٦٣) رقم (٢٨٨).","vol":"2","page":557},{"text":"قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ،\n===\nروى عن النبي - ﷺ - في فضل الاغتسال يوم الجمعة، وعنه أبو الأشعث الصنعاني وعبادة بن نسي وغيرهما، نقل عباس عن ابن معين أن أوس بن أوس الثقفي وأوس بن أبي أوس الثقفي واحد، وقيل: إن ابن معين أخطأ في ذلك، لأن أوس بن أبي أوس هو أوس بن حذيفة، والله أعلم، قلت: تابع ابن معين جماعة على ذلك منهم أبو داود، والتحقيق أنهما اثنان، وإنما قيل في أوس بن أوس هذا: ابن أبي أوس، وقيل في أوس بن أبي أوس: أوس بن أوس غلطًا (١).\n(قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من غسل (٢»، قال الشوكاني: روي بالتخفيف والتشديد (يوم الجمعة) أي للجمع (واغتسل) قيل: هما بمعنى كرر للتأكيد، وقيل: غسل رأسه أولًا بالخطمي وغيره ثم اغتسل، وقيل: من غسل امرأته أي جامعها (٣) قبل الخروج إلى الصلاة، لأنه إذا جامعها أحوجها إلى الغسل، وقيل: غسل أعضاء الوضوء، ثم اغتسل.\n(ثم بكر وابتكر) قيل: هما أيضًا بمعنى كرر للتأكيد، وقيل: معنى بكر أتى الصلاة أول وقتها، وكل من أسرع إلى الشيء فقد بكر إليه، ومعنى ابتكر أدرك أول الخطبة، يقال: ابتكر إذا أكل باكورة الفواكه.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٨١).\n(٢) وذهب الأثرم صاحب أحمد إلى أن هذه الألفاظ لمجرد التأكيد لقوله: مشى ولم يركب، \"ابن رسلان\"، وقال ابن العربي (٢/ ٢٧٩): وفي بعض طرق الحديث، ولم يفرق بين الاثنين أي الرجلين، أو بين الخطبة والصلاة، وقيل: لم يتخط رقاب الناس، تاويلات. (ش).\n(٣) اختاره ابن خزيمة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":558},{"text":"وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ (١)، وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ: أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا». [ت ٤٩٦، ن ١٣٨١، جه ١٠٨٧، حم ٤/ ١٠، دي ١٥٤٦، خزيمة ١٧٦٧، ق ٣/ ٢٢٩، ك ١/ ٢٨٢]\n٣٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ،\n===\n(ومشى) أي إلى الجمعة على قدميه (ولم يركب). فعلى هذا اللفظان بمعنى واحد، (ودنا) أي قرب (من الإمام فاستمع) وهما شيئان متخالفان إذ قد يدنو ولا يستمع، وقد يستمع ولا يدنو، وندب إليهما جميعًا، (ولم يلغ) أي لم يصدر عنه لغو من القول والفعل.\n(كان له بكل خطوة) هي بالضم بُعد ما بين القدمين في المشي، وبالفتح: المرَّةُ، وجمعها خطًا وخطوات بسكون طاء وضمها وفتحها، وقال في \"القاموس\": والخُطْوَة ويفتح: ما بين القدمين، جمعه خطًا وخُطْواتٌ، وبالفتح: المرَّةُ، جمعه خَطَواتٌ (عمل سنة) أي أجر عمل سنة، ثم أبدل منه توضيحًا (أجر صيامها) أي السنة (وقيامها) أي أجر قيام السنة في لياليها بالصلاة.\n٣٤٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث) بن سعد، (عن خالد بن يزيد) الجمحي بجيم مضمومة وفتح ميم وإهمال حاء، منسوب إلى جمح بن عمر، أبو عبد الرحيم المصري، مولى ابن الصبيغ، قال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، قال أبو زرعة والنسائي والعجلي ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٣٩ هـ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"واستمع\".","vol":"2","page":559},{"text":"عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَىٍّ، عَنْ أَوْسٍ الثَّقَفِىِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ» وسَاقَ (١) نَحْوَهُ. [حم ٢/ ٢٠٩ وانظر تخريج الحديث السابق]\n٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَقِيلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ ابْنُ أَبِى عَقِيلٍ قال: أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ -،\n===\n(عن سعيد بن أبي هلال، عن عبادة بن نسي، عن أوس الثقفي) هو أوس بن أوس الثقفي المذكور في الرواية المتقدمة، (عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل، وساق) أي عبادة (نحوه) أي نحو حديث أبي الأشعث، ويمكن أن يكون مرجع الضمير في \"ساق\" قتيبة، أورد المصنف حديث عبادة لزيادة فيه، وهو لفظ \"رأسه\"، فعلى هذا تقدير لفظ الرأس في الحديث المتقدم أولى.\n٣٤٧ - (حدثنا ابن أبي عقيل) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": أحمد بن أبي عقيل المصري (٢)، روى عن ابن وهب، وعنه أبو داود، ذكره ابن خلفون في مشيخة أبي داود، نقلته من خط مغلطاي، انتهى، قلت: ولم يتعرض لتعديله وجرحه، ولم أجد ترجمته في غير هذا الكتاب.\n(ومحمد بن سلمة) المرادي (المصريان قالا: نا ابن وهب) عبد الله، (قال ابن أبي عقيل: قال) أي ابن وهب: (أخبرني أسامة - يعني ابن زيد -) أي يريد ابن وهب أسامة بن زيد، وأما محمد بن سلمة فلعله روى معنعنة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثم ساق\".\n(٢) قال ابن رسلان: أي عبد الغني بن رفاعة، وهو الأوجه عندي، فإنه لم يذكر الحافظُ أحمدَ بنَ أبي عقيل في \"التقريب\"، ولا الذهبي في \"الكاشف\"، ولا الخزرجي في \"الخلاصة\"، نعم ذكروا عبد الغني بن رفاعة بن أبي عقيل. (ش).","vol":"2","page":560},{"text":"عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١)، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ - إِنْ كَانَ لَهَا -، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا، وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا». [خزيمة ١٨١٠]\n٣٤٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ،\n===\n(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) هو شعيب بن محمد، (عن عبد الله (٢) ابن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - أنه قال: من اغتسل يوم الجمعة) أي لصلاة الجمعة، (ومس من طيب امرأته) لأنهن كن يستعملن الطيب (إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه) أي أنظفها، (ثم لم يتخط) أي لم يتجاوز عاليًا قدمه على (رقاب الناس، ولم يلغ) أي لم يرتكب اللغو من القول والفعل (عند الموعظة) أي موعظة الإِمام الناس وهي الخطبة، (كانت) تلك الخصال مع صلاة الجمعة، أو الصلاة إذا صلى بعد هذه الخصال (كفارة لما بينهما) أي بين الجمعتين.\n(ومن لغا) أي بالقول أو الفعل (وتخطى) أي على (رقاب الناس) متجاوزًا (كانت) أي صلاة الجمعة (له ظهرًا) أي ثواب صلاة الظهر، ولا يحصل له فضل صلاة الجمعة، ولا يترتب عليها من أجر صيام السنة وقيامها، ولا تكون كفارة لما بين الجمعتين.\n٣٤٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٢) فيه تصريح يكون المراد بالجد عبد الله، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":561},{"text":"حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَنَزِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَغْتَسِلُ\n===\nنا زكريا) بن أبي زائدة، (نا مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العنزي، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته: أن النبي - ﷺ - كان يغتسل) قال في \"الحاشية\": قال السندي: أي يأمر بالغسل من أربع، لأن غسل الميت لم يثبت عنه - ﷺ - لذاته الشريف، انتهى.\nوقال الخطابي (١): قد يجمع اللفظ قرائن الألفاظ والأشياء المختلفة الأحكام والمعاني ترتبها وتنزلها منازلها، فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق، وأما الاغتسال للجمعة، فقد قام دليل على أنه كان يفعله، ويأمر به استحبابًا، ومعقول أن الاغتسال من الحجامة (٢) إنما هو لإماطة الأذى، ولما لا يؤمن من أن يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم، فالاغتسال منه استظهار بالطهارة واستحباب للنظافة.\nوأما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق أكثر العلماء على أنه غير واجب، وقال أحمد (٣): لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث، ويشبه أن يكون من رأى الاغتسال منه إنما رأى ذلك لما لا يؤمن أن يصيب الغاسل من رشاش المغسول نَضْح، وربما كانت على بدن الميت نجاسة، فأما إذا علمت سلامته منها فلا يجب الاغتسال منه.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٦١).\n(٢) بسط فيه ابن رسلان الكلام والاختلاف في أصحابه هل يستحب الغسل للحجامة أم لا؟ وقد صرح باستحبابه جماعة سردها، وأنكره معظم أصحابنا. (ش).\n(٣) قال الشافعي في \"البويطي\": واجب إن صح الحديث، ونقل بعضهم للحديث مئة وعشرين طريقًا. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":562},{"text":"مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الْحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ\". [حم ٦/ ١٥٢، ق ١/ ٣٠٠، قط ١/ ١١٣، خزيمة ٢٥٦، ك ١/ ١٦٣]\n٣٤٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِىُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ مَكْحُولًا عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: غَسَلَ وَاغْتَسَلَ؟ قَالَ (١): غَسَلَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ جَسَدَهُ.\n===\nوقال أبو داود (٢): وحديث مصعب بن شيبة ضعيف، قلت: وهذا القول من أبي داود لعله في غير \"السنن\"، ولعله لضعف مصعب بن شيبة، وقد وثَّقه يحيى بن معين والعجلي، وضعفه آخرون.\n(من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت) ولا تنحصر غسلاته في هذه الأربع، بل كان يغتسل للإحرام، ودخول مكة وغيرهما.\n٣٤٩ - (حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، نا مروان) بن محمد، (نا علي بن حوشب) بفتح أوله وسكون الواو وفتح المعجمة، الفزاري، ويقال: السلمي، أبو سليمان الدمشقي، قال أبو زرعة: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: ما تقول في علي بن حوشب؟ قال: لا بأس به، قلت: ولم لا تقول ثقة، ولا نعلم إلَّا خيرًا؟ قال: قد قلت لك: إنه ثقة، وقال يعقوب بن سفيان عن دحيم: شيخ فزاري يجالس سعيد بن عبد العزيز، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثَّقه العجلي.\n(قال: سألت مكحولًا عن هذا القول: غسل واغتسل؟) أي: ما معناه؟ (قال:) معناه (غسل رأسه وغسل جسده).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) قلت: سيعيده المصنف في الجنائز، وقال فيه: حديث مصعب فيه خصال ليس العمل به، ولعله هو المراد بالتضعيف. (ش).","vol":"2","page":563},{"text":"٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِى (١) «غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ» قَالَ: قَالَ سَعِيدٌ: \"غَسَلَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ جَسَدَهُ\".\n٣٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ:\n===\n٣٥٠ - (حدثنا محمد بن الوليد) بن هبيرة الهاشمي أبو هبيرة (الدمشقي) القلانسي، نسبة إلى القلانس جمع قلنسوة، وعملها، قال ابن أبي حاتم: صدوق، وقال مسلمة: لا بأس به، أحاديثه مستقيمة، مات سنة ٢٨٠ هـ.\n(نا أبو مسهر) عبد الأعلى، (عن سعيد بن عبد العزيز) بن أبي يحيى التنوخي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد العزيز الدمشقي، قال ابن معين وأبو حاتم والعجلي: ثقة، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال: أبو مسهر كان قد اختلط قبل موته، وقال الآجري عن أبي داود: تغير قبل موته، وكذا قال حمزة الكناني، وقال الدوري عن ابن معين: اختلط قبل موته، وكان يعرض عليه فيقول: لا أجيزها لا أجيزها، مات سنة ١٦٧ هـ.\n(في غسل واغتسل) أي في معنى قوله: غسل واغتسل (قال) أي أبو مسهر في معناه (قال سعيد) أي ابن عبد العزيز: (غسل رأسه وغسل جسده) مثل قول مكحول، وهكذا حكى الترمذي عن ابن المبارك، وقال وكيع: اغتسل هو وغسل امرأته.\n٣٥١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) الإِمام، (عن سمي) مولى أبي بكر، (عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"في قوله\".","vol":"2","page":564},{"text":"\"مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ\n===\nمن اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة) بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي غسلا كغسل الجنابة، كقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (١)، وظاهره أن التشبيه في الكيفية (٢)، وقيل: فيه إشارة إلى الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة.\n(ثم راح) قال النووي (٣): والمراد بالرواح الذهاب أول النهار، وفي المسألة خلاف مشهور، فمذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي حسين وإمام الحرمين من أصحابنا أن المراد بالساعات ههنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، والرواح عندهم بعد الزوال، وادعوا أن هذا معناه في اللغة، ومذهب الشافعي وجماهير العلماء استحباب التبكير إليها أول النهار، والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره، قال الأزهري: لغة العرب الرواح الذهاب، سواء كان أول الليل أو آخره أو في الليل، وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث.\n(فكأنما قرب) أي تصدق وتقرب بها (بدنة) والمراد بالبدنة (٤) البعير ذكرًا كان أو أنثى، والتاء فيها للوحدة، سمي بذلك لأنهم كانوا يسمنونها.\n(ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح\n_________\n(١) سورة النمل: الآية ٨٨.\n(٢) وقال ابن رسلان: فيه حجة لأصحابنا من اغتسل للجنابة سقطت عنه الجنابة وحصل له الفضل لغسل الجمعة. (ش).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٣٩٩).\n(٤) واستدل به على خلاف الحنفية في قولهم: إن البدنة تشمل البقرة أيضًا. (ش).","vol":"2","page":565},{"text":"فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». [خ ٨٨١، م ٨٥٠، ن ١٣٨٥، ت ٤٩٩، جه ١٠٩٢، ق ٣/ ٢٢٦]\n===\nفي الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن) وصفه بالأقرن، لأنه أحسن وأكمل صورة، ولأن قرنه ينتفع به، قاله النووي.\n(ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة) بالفتح ويجوز الكسر، وحكى الليث الضم أيضًا، واستشكل التعبير في الدجاجة والبيضة بقوله في رواية الزهري: كالذي يهدي (١)، لأن الهدي لا يكون منهما، فالمراد بالهدي هاهنا التصدق، كما دلَّ عليه لفظ التقريب.\n(ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما (٢) قرب بيضة، فإذا خرج الإمام) استنبط منه الماوردي أن التبكير لا يستحب للإمام (حضرت الملائكة) (٣) أي عند المنبر (يستمعون الذكر) والمراد به ما في الخطبة من المواعظ وغيرها (٤).\n_________\n(١) استدل بذلك ابن قدامة أن من نذر هدي البيضة وغيرها يصح ... إلخ. (ش). [انظر: \"المغني\" (٥/ ٤٥٢)].\n(٢) يشكل عليه أن الساعات من الطلوع إلى الزوال ست لا خمس، وخروج الإِمام يكون في السابعة، كذا في \"ابن رسلان\" باسطًا، فأرجع إليه، قال ابن العربي (٢/ ٢٨١): في الحديث: ست مسائل. (ش).\n(٣) الظاهر أنهم غير الحفظة \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وفي بعض روايات النسائي زيادة: البطة والعصفور، وتكلَّم عليها [انظر رقم الحديث: (١٣٨٥، ١٣٨٧)]. (ش).","vol":"2","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>(١٣٠) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ في تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ</span>\n٣٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ النَّاسُ مُهَّانَ أَنْفُسِهِمْ، فَيَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ\". [خ ٩٠٣، م ٨٤٧ نحوه]\n===\n\n(١٣٠) (بَابٌ: في الرُّخْصَةِ في تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)\n٣٥٢ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة) بنت عبد الرحمن، (عن عائشة قالت: كان الناس) أي الصحابة - ﵃- (مهان) (١) جمع ماهن كطالب وطلاب، والماهن: العبد والخادم (أنفسهم) أي لم يكن لهم عبيد وخدم يكفونهم مؤنة عملهم فيخدمون أنفسهم، (فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم) أي بحالهم (٢) وكيفيتهم من لباس الصوف والعرق؛ فتثور منهم رياح.\n(فقيل لهم) والقائل هو النبي-صلي الله عليه وسلم -، كما في رواية البخاري: \"فقال النبي - ﷺ -: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا\" (لو اغتسلتم) لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب، أو للشرط والجواب محذوف، تقديره لكان حسنًا، قال الحافظ (٣): وقال القرطبي: فيه رد على الكوفيين حيث لم يوجبوا الجمعة على من كان خارج المصر، وفيه نظر، لأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعًا.\n_________\n(١) وروي مهنة، وهما جمع ماهن، كطلاب وطلبة، وكذا كاتب وكتاب وكتبة، وروي مهان بكسر الميم وتخفيف الهاء، كقائم وقيام. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) بوب عليه البخاري \"الجمعة بعد الزوال\"، فالاستدلال بلفظ الرواح. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٦).","vol":"2","page":567},{"text":"٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ عَمْرِو يعني بْنِ أَبِى عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ: \"أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ،\n===\n٣٥٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد -، عن عمرو -يعني ابن أبي عمرو-) اسمه ميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، أبو عثمان المدني، قال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن معين: ضعيف ليس بالقوي، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: ليس هو بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال عثمان الدارمي في حديث رواه في الأطعمة: هذا الحديث فيه ضعف، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن عدي: لا بأس به، لأن مالكًا يروي عنه، ولا يروي مالك إلَّا عن صدوق ثقة، وقال ابن حبان في \"الثقات\": ربما أخطأ، يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه، وقال العجلي: ثقة ينكر عليه حديث البهيمة، وقال الساجي: صدوق إلَّا أنه يهم، وكذا قال الأزدي، وقال الطحاوي: تكلم في روايته بغير إسقاط، وقال الذهبي: حديثه حسن منحط من رتبة العليا من الصحيح، كذا قال، وحق العبارة أن يحذف العليا، مات بعد سنة ١٥٠ هـ.\n(عن عكرمة) مولى ابن عباس: (أن ناسًا من أهل العراق جاؤوا) أي إلى ابن عباس حين كان واليًا على البصرة، (فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا) يُعاقب تاركه؟ (قال: لا) أي لا يجب (ولكنه) (١) أي الغسل (أطهر) أي أزيد في التطهر (وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس) أي الغسل (عليه بواجب) بل يكفيه الوضوء.\n_________\n(١) وهذا مزيد على الجواب من أسلوب الحكيم والنصح. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":568},{"text":"وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ: كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ، يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ، إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ.\nفَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى يَوْمٍ حَارٍّ، وَعَرِقَ النَّاسُ فِى ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تِلْكَ الرِّيحَ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ\n===\n(وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين) أي واقعين في الجهد والمشقة من العسرة الشديدة (يلبسون الصوف)، الصوف للضأن كالشعر للمعز، والوبر للإبل، والجمع أصواف، (ويعملون على ظهورهم (١) وكان مسجدهم ضيقًا) أي غير واسع (مقارب السقف) أي قريب السقف من الأرض (إنما هو) أي السقف (عريش) أي لم يكن سقف المسجد كسائر السقف مرتفعًا يكِنّ من المطر وحر الشمس، بل كان شيئًا يُستظل به عن الشمس كعريش الكرم، وهي خشبات تجعل تحت أغصانه ليرتفع عليها.\n(فخرج رسول الله - ﷺ -) أي إلى المسجد (في يوم حار، وعَرِقَ الناس في ذلك الصوف حتى ثارت) أي ارتفعت وخرجت (منهم رياح) منتنة (آذى بذلك بعضهم بعضًا) من الرياح المنتنة التي تثور منهم.\n(فلما وجد) أي أحس (رسول الله - ﷺ - تلك الريح) المنتنة (قال: أيها الناس، إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من\n_________\n(١) كما قال ثابت: رأيت أبا هريرة - ﵁ - أقبل من السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذٍ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك، كذا في \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":569},{"text":"دُهْنِهِ وَطِيبِهِ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ تعالي ذكرُهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ، وَكُفُوا الْعَمَلَ، وَوُسِّعَ (١) مَسْجِدُهُمْ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِى كَانَ يُؤْذِى بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ\". [حم ٤/ ١٣٦، خزيمة ١٧٧٥، ق ١/ ٢٩٥، ك ١/ ٢٨١].\n٣٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\n===\nدهنه (٢) وطيبه، قال ابن عباس: ثم جاء الله تعالى ذكره بالخير) أي بالأموال والثياب والعبيد والخدم (ولبسوا كير الصوف) أي من القطن والكتان، (وكفوا) بصيغة المجهول (العمل) أي كفاهم خدمهم أعمالهم، (ووسع مسجدهم، وذهب) أي زال (بعض الذي كان يوذي بعضهم بعضًا) من الرياح المنتنة (من العرق).\nوحاصل قول (٣) ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - ما أوجب غسل يوم الجمعة على الأمة إيجابًا لا يجوز تركه، ولكن ندبهم إلى الغسل لئلا يتأذى المسلمون بعضهم بريح بعض، ويدل عليه قوله - ﷺ - في رواية عائشة المتقدمة: \"لو اغتسلتم\"، والله أعلم.\n٣٥٤ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا همام) بن يحيى، (عن قتادة، عن الحسن) البصري، (عن سمرة) بن جندب (قال) سمرة: (قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ووسع الله\".\n(٢) قال ابن رسلان: هذه الرواية بواو الجمع فيستعمل منهما، ويحتمل أن يراد به دهن الشعر، وهو المراد بـ \"أو\" في رواية البخاري، والمراد بالدهن الطيب المائع، وبالطيب الجامد أو دهن الشعر والطيب. (ش).\n(٣) وقال ابن رسلان: حاصله أنه ﵊ أوجب عليهم لتلك العلَّة، فارتفع الوجوب لارتفاع العلة، والفرق بينه وبين النسخ أن الوجوب يرجع لرجوع العلة فيه لا في النسخ، انتهى مختصرًا. (ش).","vol":"2","page":570},{"text":"\"مَنْ تَوَضَّأ (١) فَبِهَا وَنَعِمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ\". [ت ٤٩٧، ن ١٣٨٠، حم ٥/ ٨، دي ١٥٤٠، ق ١/ ٢٩٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>(١٣١) بَابٌ: في الرَّجُلِ يُسْلِمُ فَيُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ</span>\n٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَغَرُّ،\n===\nمن توضأ فبها) أي وبالسنَّة أخذ (ونعمت) السنَّة.\nقال في \"المجمع\" (٢): \"فبها ونعمت\"، أي: فبهذه الخصلة يعني الوضوء ينال الفضل، ونعمت الخصلة هي، وقيل: ونعمت الرخصة، لأن السنَّة الغسل، وقال بعضهم: فبالفرضية أخذ ونعمت الفريضة، ونعمت بكسر النون وسكون العين هو المشهور، وروي بفتح النون وكسر العين، وهو الأصل في هذه اللفظة، والمقصود أن الوضوء ممدوح شرعًا لا يذم من يقتصر عليه.\nقال الخطابي (٣): وفيه البيان الواضح أن الوضوء كاف للجمعة، وأن الغسل لها فضيلة (ومن اغتسل فهو أفضل).\n\n(١٣١) (بَابٌ (٤): في الرَّجُلِ يُسْلِمُ فَيُؤمَرُ بِالْغُسْلِ)\nبعد إسلامه ويحتمل أن يقال: يسلم أي يريد الإِسلام فيؤمر بالغسل قبل إسلامه استحبابًا.\n٣٥٥ - (حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنا سفيان) الثوري، (نا الأغر)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يوم الجمعة\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٣٨)، وبسطه في، \"تهذيب اللغات\" للنووي (٢/ ٣٥). (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٦٣).\n(٤) وبوب الترمذي اغتسال الرجل عندما يسلم، كذا في \"العارضة\" (٣/ ٨٤)، وقال: لا يصح إسناده للأغر، وبسط العيني (٣/ ٥١٦) وصاحب \"السعاية\" (١/ ٣٢٠) على اعتبار غسل الكافر. (ش).","vol":"2","page":571},{"text":"عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدِّهِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: \"أَتَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- أُرِيدُ الإِسْلَامَ، فَأَمَرَنِى أَنْ أَغْتَسِلَ\n===\nبفتح المعجمة بعدها راء مشددة، ابن الصباح التميمي المنقري الكوفي، مولى آل قيس بن عاصم، والد الأبيض، قال ابن معين والنسائي والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن حبان في \"الثقات\": إنه من أهل البصرة.\n(عن خليفة بن حصين) بن قيس بن عاصم التميمي المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف بعدها راء، نسبة إلى بني منقر، وهو بطن من بني سعد تميم، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن جده قيس بن عاصم) (١) بن سنان بكسر المهملة ونونين بينهما ألف، ابن خالد بن منقر التميمي السعدي، أبو علي، ويقال: أبو قبيصة، ويقال: أبو طلحة المنقري، وفد على النبي - ﷺ - في وفد بني تميم سنة تسع، فأسلم، وقال النبي - ﷺ -: \"هذا سيد أهل الوبر\"، وكان عاقلًا حليمًا سمحًا، قيل للأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس، وكان قد حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، نزل قيس البصرة، وبنى بها دارًا، وبها مات عن اثنين وثلاثين ذكرًا من أولاده، ولما مات رثاه عبدة بن الطيب بشعره:\nعَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا\nوَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكَ واحدٍ ... وَلكنَّه بُنْيَانَ قَوْمٍ تَهَدَّمَا\n(قال: أتيت (٢) النبي - ﷺ - أريد الإِسلام (٣)، فأمرني أن أغتسل\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٥٠٢) رقم (٤٣٧١).\n(٢) في وقد بني تميم سنة تسع، فلما رآه - ﷺ - قال: \"هذا سيد أهل الوبر\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: أي أريد أن أجدد الإِسلام على يدك، فإن الكافر لا يؤخر إسلامه إلى =","vol":"2","page":572},{"text":"بِمَاءٍ وَسِدْرٍ\". [ت ٦٠٥، ن ١٨٨، حم ٥/ ٦١، خزيمة ٢٥٤ - ٢٥٥، ق ١/ ١٧١، حب ١٢٤٠]\n===\nبماء وسدر) (١) والسدر شجر النبق، أي أمرني بالاغتسال بعد ما أسلمت، ويؤيده ما رواه الخمسة إلَّا ابن ماجه والإمام أحمد في \"مسنده\" (٢) بهذا الإسناد من طريق عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان ولفظه: \"أنه أسلم فأمره النبي - ﷺ - أن يغتسل بماء وسدر\".\nويحتمل أن يكون المعنى: أتيت أريد الإِسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر، ثم أسلم، ويؤيده ما رواه البخاري (٣) في المغازي في قصة ثمامة بن أثال، ولفظه: فقال: \"أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد: فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله\".\nقال الخطابي (٤): هذا عند أكثر أهل العلم على الاستحباب، لا على الإيجاب، وقال الشافعي: إذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل، فإن لم يفعل ولم يكن جنبًا أجزأه أن يتوضأ ويصلي، وكان أحمد بن حنبل وأبو ثور يوجبان الاغتسال على الكافر إذا أسلم قولًا بظاهر الحديث، قالوا: ولا يخلو المشرك في أيام كفره من جماع أو احتلام وهو لا يغتسل،\n_________\n= أن يغتسل، بل يسلم ثم يغتسل، ولا يصح الغسل من كافر، ثم قال: فأمرني، أي: بعد أن أسلمت أن أغتسل ... إلخ، فلا يذهب عليك أن الحديث لا يوافقهم. (ش).\n(١) قلت: فيه حجة على جواز التطهر بالماء المقيد، وتقدم في \"باب في الجنب يغسل رأسه بالخطمي\"، قال ابن رسلان: هذا إذا لم يتغير بالسدر، أما إذا تغير فيصبه أولًا على جسده للتنظيف، ثم صافيًا بعده للاغتسال. (ش).\n(٢) \"مسندأحمد\" (٥/ ٦١).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٤٣٧٢).\n(٤) \"معالم السنن\" (١/ ١٦٣).","vol":"2","page":573},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولو اغتسل لم يصح منه ذلك، لأن الاغتسال من الجنابة فرض من فروض الدين وهو لا يجزؤه إلَّا بعد الإيمان، كالصلاة والزكاة ونحوهما، وكان مالك يرى أن يغتسل الكافر إذا أسلم.\nواختلفوا في المشرك يتوضأ في حال تركه ثم يسلم، فقال أصحاب الرأي: له أن يصلي بالوضوء المتقدم في حال تركه، ولكنه لو كان تيمم ثم أسلم لم يكن له أن يصلي بذلك التيمم، حتى يستأنف التيمم في الإِسلام، إن لم يكن واجدًا للماء، والفرق بين الأمرين عندهم أن التيمم مفتقر إلى النية، ونية العبادة لا تصح من مشرك، والطهارة بالماء غير مفتقرة إلى النية، فإذا وجدت من المشرك صحت في الحكم، كما توجد من المسلم سواء.\nوقال الشافعي: إذا توضأ وهو مشرك أو تيمم ثم أسلم كانت عليه إعادة الوضوء للصلاة بعد الإِسلام، وكذلك التيمم لا فرق بينهما، ولكنه لو كان جنبًا فاغتسل ثم أسلم، فإن أصحابه قد اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: يجب عليه الاغتسال ثانيًا كالوضوء سواء، وهذا أشبه، ومنهم من فرق بينهما، فرأى عليه أن يتوضأ على كل حال، ولم ير عليه الاغتسال، فإن أسلم وقد علم أنه لم تكن أصابته جنابة قط في حال كفره، فلا غسل عليه في قولهم جميعًا، وقول أحمد في الجمع بين إيجاب الاغتسال والوضوء عليه إذا أسلم أشبه بظاهر الحديث (١) وهو أولى، انتهى.\n_________\n(١) العجب كيف هو أشبه، فإن الغسل في الحديث بظاهره قبل الإِسلام، ثم إن جملة المذاهب فيه أنه يجب غسل الكافر إذا أسلم عند أحمد مطلقًا، وعند الأئمة الثلاثة الباقية يجب الغسل لو وجد منه في كفره ما يوجب الاغتسال وإلا فيستحب، لكن لو اغتسل الكافر الجنب يعتبر غسله عندنا، لا عند الشافعي ومالك، بل لا بدَّ من الغسل بعد الإِسلام، وذلك لأنه لا بدَّ للغسل من نية عند الجمهور، ولا نية للكافر. (ش).","vol":"2","page":574},{"text":"٣٥٦ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: \"أُخْبِرْتُ عَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ،\n===\nواحتج القائلون بالاستحباب إلَّا لمن أجنب، لأنه لم يأمر النبي - ﷺ - كل من أسلم بالغسل، ولو كان واجبًا لما خص الأمر به بعضًا دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب، وأما وجوبه على المجنب فللأدلة القاضية بوجوبه، لأنه لم يفرق بين كافر ومسلم.\nواحتج القائل بالاستحباب مطلقًا لعدم وجوبه على المجنب بحديث: \"الإِسلام يجب\"، وفي رواية: \"يهدم ما كان قبله\".\nقلت: وعند الحنفية ما قال في \"المنية\" (١) وشرحه للحلبي: وواحد منها أي من الأغسال مستحب، وهو غسل الكافر، هكذا ذكره مطلقًا شمس الأئمة السرخسي في شرحه \"للمبسوط\"، وذكر في \"المحيط\": أن الكافر إذا أجنب ثم أسلم، الصحيح أنه يجب (٢) عليه الغسل، لأن الجنابة صفة باقية بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث، وقال في \"الدر المختار\" (٣): كما يجب على من أسلم جنبًا أو حائضًا أو نفساء ولو بعد الانقطاع على الأصح لبقاء الحدث الحكمي.\n٣٥٦ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا عبد الرزاق) بن همام، (أنا ابن جريج) عبد الملك (قال: أخبرت) أي أخبرني رجل (٤) (عن عثيم) مصغرًا بمهملة ثم مثلثة (ابن كليب) هو عثيم بن كثير بن كليب مصغرًا، الحضرمي، أو الجهني، حجازي، وقد ينسب إلى جده، قال في \"التقريب\": مجهول، قال ابن حبان: روى ابن جريج عن رجل عنه.\n_________\n(١) (ص ٥٦).\n(٢) وكذا في \"البرهان\"، و\"مراقي الفلاح\" (ص ٧٩) وغيره. (ش).\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" (١/ ٣٣٨).\n(٤) هو: إبراهيم بن أبي يحيى. (ش).","vol":"2","page":575},{"text":"عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ: قَدْ أَسْلَمْتُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -ﷺ-: «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ»، يَقُولُ: احْلِقْ.\n===\n(عن أبيه) (١) هو كثير (٢) بن كليب عن أبيه، وعنه ابنه عثيم، هكذا في \"الخلاصة\" (٣)، وقال في \"الحاشية\": هذه الترجمة ليست في \"التهذيب\" و\"الكاشف\" ولا \"التقريب\"، قلت: وما وجدت له ترجمة في كتب أسماء الرجال، إلَّا ما قال الحافظ في \"الإصابة\": وقال ابن أبي حاتم في ترجمة كثير بن كليب: روى عن أبيه غنيم (٤)، سمعت أبي يقول ذلك، انتهى.\n(عن جده) هو كليب الجهني (٥)، ويقال: الحضرمي، معدود في الصحابة، له ثلاثة أحاديث، أحدها الذي أخرجه أبو داود، وذكر ابن مسنده وغيره أن اسم والد كليب الصلت (أنه) أي جد عثيم وهو كليب (٦) (جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: قد أسلمت) أي دخلت في الإِسلام.\n(فقال له النبي - ﷺ -: ألق عنك شعر الكفر) والشعر نبتة الجسم مما ليس بصوف ولا وبر، جمعه أَشْعارٌ وشُعورٌ وشِعارٌ، الواحدة شَعْرَةٌ، وقد يكنى بها عن الجميع \"قاموس\"، أي أزل وأسقط ما كان على رأسك من شعر زمان الكفر، أو ما كان عليك من الشعور التي تكون علامة الكفر، كالشوارب الطويلة وغيرها.\n(يقول: احلق) هذا تفسير من بعض الرواة للفظ \"ألق\" أي معناه احلق.\n_________\n(١) تكلَّم في مصداقه ابن العربي (٣/ ٨٥). (ش).\n(٢) به جزم صاحب \"المنهل\" (٣/ ٢٢٥). (ش).\n(٣) (ص ٣٢٠).\n(٤) كذا في \"البذل\" و\"الإصابة\" (٥/ ٣١٤)، والصواب: روى عن أبيه، روى عنه ابنه عثيم. انظر: \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٥٦).\n(٥) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٥٤٥) رقم (٤٥٠١).\n(٦) وهكذا قال ابن عبد البر، وفي \"العارضة\" (٣/ ٨٥): أن الأمر على رواية أبي داود لوالد كليب أيده بكلام البخاري في \"التاريخ\". (ش).","vol":"2","page":576},{"text":"قَالَ: وَأَخْبَرَنِى آخَرُ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ لآخَرَ مَعَهُ: «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ». [حم ٣/ ٤١٥، ق ١/ ١٧٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>(١٣٢) بَابُ الْمَرْأَةِ تَغْسِلُ ثَوْبَهَا الَّذِي تَلْبَسُهُ في حَيْضِهَا </span>(١)\n٣٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، قال: حَدَّثَتْنِى أُمُّ الْحَسَنِ - يَعْنِى جَدَّةَ أَبِى بَكْرٍ الْعَدَوِىِّ -\n===\n(قال) لعل القائل والد عثيم: (وأخبرني آخر) أي رجل آخر (إن النبي - ﷺ - قال لآخر) أي لرجل آخر (معه) أي مع الرجل المخبر، أو مع رسول الله - ﷺ -: (ألق (٢) عنك شعر الكفر واختتن) (٣) أمره بالاختتان، لأنه من زي الإِسلام وشعاره، والحديث ليس له مطابقة بالباب، إلَّا أن يقال: لما أمره بإزالة شعر الكفر فإزالة الأوساخ التي في حالة الكفر أولى وأهم، لأن النظافة مندوب إليها في الإِسلام فيغتسل.\n\n(١٣٢) (بَابُ الْمَرْأَةِ تَغْسِلُ) أي: هل تغسل\n(ثَوْبَهَا الَّذِي تَلْبَسُهُ في حَيْضِهَا) ولم تصبه النجاسة، أو أصابته ٣٥٧ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي) عبد الوارث (قال: حدثتني أم الحسن - يعني: جدة أبي بكر العدوي -) قال في \"التقريب\": لا يعرف حالها، وقال الذهبي في \"الميزان\": لا تعرف.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حيضتها\".\n(٢) يسن الحلق إذا أسلم عند الشافعي \"شرح الإقناع\" (١/ ٢٥٣). (ش).\n(٣) ويجوز النظر إلى الفرج للضرورة كما في الاحتقان للطبيب، كما في \"الهداية\" (٤/ ٣٦٩)، و\"الشامي\" (٩/ ٦١١)، و\"الفتاوى الهندية\" (عالمكَيرية) (٥/ ٣٣٠)، =","vol":"2","page":577},{"text":"عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: \"سُئلتْ (١) عَائِشَةَ - ﵂ - عَنِ الْحَائِضِ يُصِيبُ ثَوْبَهَا الدَّمُ. قَالَتْ: تَغْسِلُهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَىْءٍ مِنَ صُفْرَةٍ. وقَالَتْ: وَلَقَدْ كُنْتُ أَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثَ حِيَضٍ جَمِيعًا، لَا أَغْسِلُ لِى ثَوْبًا\". [حم ٦/ ٢٥٠]\n٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ\n===\n(عن معاذة قالت: سئلت عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم) أي من دم الحيض. (قالت: تغسله) أي يجب (٢) غسله (فإن لم يذهب أثره) أي لونه (فلتغيره بشيء من صفرة) (٣) ليخفى (٤) لون دم الحيض. (وقالت) أي عائشة: (ولقد كنت أحيض عند رسول الله - ﷺ - ثلاث حيض جميعًا) أي مجتمعات متواليات (لا أغسل لي ثوبًا) أي لا يصيبه (٥) دم، فلا أغسله بل أصلي فيه من غير أن أغسله.\n٣٥٨ - (حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنا إبراهيم بن نافع\n_________\n= قال ابن رسلان: الأمر به يقتضي الوجوب، وهو قول الجمهور، والمذهب وجوبه إن أمن على نفسه الهلاك، وقد اختتن إبراهيم - ﵊ - وهو ابن ثمانين، وتقدم شيء من الكلام عليه تحت حديث: \"عشر من الفطرة\". (ش).\n(١) وفي نسخة: \"سألتُ\".\n(٢) أي بشرط أن يكون أكثر من قدر الدرهم عند الحنفية والمالكية، وقدر الكف في القديم للشافعية، والفاحش للحنابلة، كما في \"الأوجز\" (١/ ٦٠٠). (ش).\n(٣) وهو مستحب، قاله ابن العربي (١/ ٢٢٢) لحديث خولة بنت يسار مرفوعًا: \"ولا يضرك أثره\"، قال ابن رسلان: إذا لم يذهب أثره بعد الجهد فهو طاهر، وفي \"التتمة\": وجه أنه نجس معفو، وليس بشيء، لكن تكلم على الحديث القاري (٢/ ٦٨) فلينقح. (ش).\n(٤) ولا يستقذره أحد، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) ونحوه في \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"2","page":578},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - يَذْكُرُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: \"مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلَاّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذا (١) أَصَابَهُ شَىْءٌ مِنْ دَمٍ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا، ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِرِيقِهَا\". [خ ٣١٢، ق ٢/ ٤٠٥]\n٣٥٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ يَحْيَى،\n===\nقال: سمعت الحسن- يعني: ابن مسلم- يذكر عن مجاهد) بن جبر (قال: قالت عائشة: ما كان لإحدانا) (٢) أي إحدى أزواج النبي - ﷺ - (إلَّا ثوب واحد تحيض فيه) أي تكون حائضًا في لبسها ذلك الثوب، (فإذا أصابه شيء من دم) ويبس (بَلَّتْه بريقها) أي بَلَّتْه بنداوة ريقها (ثم قصعته) أي دلكته (بريقها) وفي نسخة: \"بظفرها\"، ولعل (٣) عائشة - رضي الله تعالى عنها - تغسله بعد ما تقصعه بريقها، ولم يذكره الراوي، ويمكن أن يكون الدم قليلًا معفوًا عنه فلا تغسله، وهذا إذا كان بعد الفراغ ن الحيض، وأما إذا كان هذا في زمان الحيض فلا يلزم غسلها وإن كان كثيرًا، والله أعلم.\n٣٥٩ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم، نا عبد الرحمن- يعني: ابن مهدي- نا بكار بن يحيى) روى عن جدته عن أم سلمة في الحيض، وعنه ابن مهدي فقط، وقال في \"التقريب\": بكار بن يحيى مجهول (٤) من الثامنة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فَإِنْ\".\n(٢) بوب عليه البخاري \"باب الصلاة في ثوب تحيض فيه\"، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) يأبى عنه ما قاله الحنفية إذ استدلوا به على جواز الغسل بالمائع دون الماء، به قال صاحب \"المنهل\" (٣/ ٢٢٨)، ولذا أوَّله ابن رسلان فقال: لعلها تغسله بعدها، أو يكون قليلًا معفوًا، والأول أقوى. (ش).\n(٤) وكذا قال ابن رسلان. (ش).","vol":"2","page":579},{"text":"حَدَّثَتْنِى جَدَّتِى قَالَتْ: \"دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنِ الصَّلَاةِ فِى ثَوْبِ الْحَائِضِ؟ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قَدْ كَانَ يُصِيبُنَا الْحَيْضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَتَلْبَثُ إِحْدَانَا (١) أَيَّامَ حَيْضِهَا، ثُمَّ تَطْهُرُ، فَتَنْظُرُ الثَّوْبَ الَّذِى كَانَتْ تَقْلِبُ (٢) فِيهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ دَمٌ غَسَلْنَاهُ وَصَلَّيْنَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَهُ شَىْءٌ\n===\n(حدثتني جدتى) لا يعرف (٣) اسمها ولا حالها (قالت: دخلت على أم سلمة، فسألتها امرأة من قريش) لم أقف على اسمها (عن الصلاة في ثوب الحائض؟) أي في الثوب الذي تلبسه الحائض أيام حيضها.\n(فقالت أم سلمة: قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله - ﷺ -، فتلبث إحدانا) أي إحدى أمهات المؤمنين (أيام حيضها، ثم تطهير) بحذف إحدى التائين من باب التفعل بمعنى تغتسل، أو من باب نصر وكرم أي ينقطع دمها.\n(فتنظر الثوب الذي كانت تقلب) بحذف إحدى التائين من باب التفعل، أي تمشي كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ (٤)، (فيه) أي في ذلك الثوب في أيام حيضها، وقال صاحب \"العون\" (٥): من باب ضرب يضرب أي تحيض، وهو مأخوذ من قولهم: قلبت البسر إذا احمرت، وهو في غاية البعد.\n(فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيه، وإن لم يكن أصابه شيء) أي من\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إلى تمام\".\n(٢) وفي نسخة: \"تعلت\".\n(٣) سماها ابن رسلان أم سلمة، وقال: مجهولة. (ش).\n(٤) سورة النحل: الآية ٤٦.\n(٥) \"عون المعبود\" (٢/ ٢٣).","vol":"2","page":580},{"text":"تَرَكْنَاهُ وَلَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ مِنْ أَنْ نُصَلِّىَ فِيهِ.\nوَأَمَّا الْمُمْتَشِطَةُ فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَكُونُ مُمْتَشِطَةً، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ لَمْ تَنْقُضْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهَا تَحْفِنُ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، فَإِذَا رَأَتِ الْبَلَلَ فِى أُصُولِ الشَّعْرِ، دَلَكَتْهُ، ثُمَّ أَفَاضَتْ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهَا. [خزيمة ٢٧٨]\n٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ،\n===\nدم الحيض (تركناه) أي ذاك الثوب من الغسل (ولم يمنعنا ذلك) أي الثوب الغير المغسول، أو تلبث إحدانا فيه أيام حيضها (من أن نصلي فيه).\n(وأما الممتشطة) أي المستصلحة شعرها بالمشط ومضفورتها (فكانت إحدانا تكون ممتشطة، فإذا اغتسلت) أي للجنابة (لم تنقض ذلك) أي ضفائرها (ولكنها تحفن) أي تحثي (على رأسها ثلاث حفنات) أي حثيات (فإذا رأت البلل في أصول الشعر دلكته، ثم أفاضت) أي الماء (على سائر جسدها) أي باقيه.\nقال في \"النهاية\": والسائر- مهموز- الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء، ومثله في \"المجمع\"، قال في \"القاموس\": والسائر: الباقي لا الجميع، كما توهم جماعات، أو قد يستعمل له.\n٣٦٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة) الحراني، (عن محمد بن إسحاق) بن يسار، (عن فاطمة بنت المنذر) بن زبير بن العوام الأسدية، زوجة هشام بن عروة، قال العجلي: مدنية تابعية ثقة، قال هشام بن عروة: كانت أكبر مني بثلاث عشرة سنة، فيكون مولدها سنة ثمان وأربعين، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\".","vol":"2","page":581},{"text":"عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ: \"سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَيْفَ تَصْنَعُ إِحْدَانَا بِثَوْبِهَا إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ، أَتُصَلِّى فِيهِ؟ قَالَ: «تَنْظُرُ، فَإِنْ رَأَتْ فِيهِ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ بِشَىْءٍ مِنْ مَاءٍ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ،\n===\n(عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق - ﵁ - زوج الزبير بن العوام، وكانت تسمى ذات النطاقين، أسلمت قديمًا بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وهاجرت إلى المدينة، وهي حامل بابنها عبد الله، وماتت بمكة بعد قتله بعشرة أيام، وقيل: بعشرين يومًا سنة ٧٣ هـ، قال هشام بن عروة عن أبيه: كانت أسماء قد بلغت مئة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل.\n(قالت: سمعت امرأة) لم يعرف اسمها، ولعلها أم قيس، (تسأل رسول الله - ﷺ - كيف تصنع إحدانا) أي إحدى نساء الأمة (بثوبها إذا رأت الطهر) أي بعد ما فرغت من الحيض (أتصلي فيه؟) أي في ذلك الثوب.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ - في جوابها: (تنظر (١)، فإن رأت فيه) أي في ذلك الثوب (دمًا فلتقرصه) القرص والتقريص: الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه، وهو أبلغ من غسله بجميع اليد \"مجمع\" (٢) (بشيء من ماء، ولتنضح) (٣) أي ولتغسل غسلًا خفيفًا (ما لم تر) فيه أي ما دامت لم تر فيه أي ذلك الماء أثر الدم، ويمكن أن يكون معنى الجملة \"ولتنضح\": أي ولتغسل ثوبًا لم تر في ذلك الثوب الدم، وهذا الحكم يكون على سبيل التنظيف ودفع الرائحة الكريهة.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: هذا النظر ليس بواجب ... إلخ، قلت: وهل يصح الاستدلال على الوجوب بما سيأتي: \"ما لم ير فيه أذى\". (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٤٩).\n(٣) ولا يذهب عليك مذهب مالك النضح في المشكوك، وسيأتي في \"البذل\" (٣/ ٤٣٥) في \"باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون\". (ش).","vol":"2","page":582},{"text":"وَلْتُصَلِّ (١) فِيهِ\". [خ ٢٢٧، م ٢٩١]\n٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «إِذَا أَصَابَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضِ، فَلْتَقْرِصْهُ، ثُمَّ لْتَنْضَحْهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ لْتُصَلِّ (٢)». [خ ٣٠٧، م ٣٩١، ت ١٣٨، ن ٢٩٣، جه ٦٢٩، ط ١/ ٦٠/ ١٠٣]\n===\n(ولتصل فيه) ويؤيد هذا التأويل الثاني ما أخرجه الدارمي (٣) من طريق أحمد بن خالد بهذا السند ولفظه: \"كيف تصنع بثوبها إذا طهرت من محيضها؟ قال: إن رأيت فيه دمًا فحكيه، ثم اقرصيه، ثم انضحي في سائر ثوبك، ثم صلي فيه\".\n٣٦١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك) الإِمام، (عن هشام بن عروة (٤)، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: سألت امرأة) لم يعرف (٥) اسمها، ولعلها أم قيس بنت محصن الآتي حديثها (رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، أرأيت) أي أخبرني (إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا أصاب إحداكن) أي ثوب إحداكن (الدم من الحيض، فلتقرصه) أي فلتدلكه بأطراف أصابعها (ثم لتنضحه) أي لتغسله (بالماء، ثم لتصل) أي فيه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وتصلي\".\n(٢) وفي نسخة: \"لتصلي\".\n(٣) \"سنن الدارمي\" رقم الحديث (٧٧٢).\n(٤) وقع فيه الوهم في \"موطأ مالك\" ح (١٣٣) إذ روى هشام بن عروة عن أبيه عن فاطمة. (ش).\n(٥) وأخرج الشافعي عنها بلفظ \"سَأَلتُ\"، وضعفه النووي، ووجهه الحافظ وقال: يحتمل أن تكون سائلة. \"الأوجز\" (١/ ٥٩٨). (ش).","vol":"2","page":583},{"text":"٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ (١): «حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ انْضَحِيهِ». [انظر تخريج الحديث السابق]\n٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ -، عَنْ سُفْيَانَ قال: حَدَّثَنِى ثَابِتٌ الْحَدَّادُ،\n===\n٣٦٢ - (حدثنا مسدد، ثنا حماد) بن سلمة، (ح: وحدثنا مسدد قال: حدثنا عيسى بن يونس، ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد- يعني: ابن سلمة- عن هشام) بن عروة (بهذا المعنى) أي بمعنى هذا الحديث المتقدم (قالا) أي عيسى بن (٢) يونس وحماد بن سلمة: (حتيه) أي حُكِّيْ ذلك الدم (ثم اقرصيه) أي ادلكيه (بالماء ثم انضحيه) أي اغسليه.\nوغرض المصنف بإيراد حديث هشام بن عروة بعد حديث محمد بن إسحاق الإشارة إلى أن محمد بن إسحاق خالف في حديثه هشام بن عروة، وزاد: \"ولتنضح ما لم تر\"، ولم يذكر هشام هذه الزيادة، وهشام أثبت من محمد بن إسحاق.\n٣٦٣ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى -يعني ابن سعيد القطان -، عن سفيان) الثوري (قال: ثني ثابت الحداد) وهو ثابت بن هرمز الكوفي، أبو المقدام، مولى بكر بن وائل، قال أحمد وابن معين وأبو داود: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة، ووثَّقه ابن المديني وأحمد وابن صالح\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) وفي \"المنهل\" (٣/ ٢٣٣): أي مسدد وموسى بن إسماعيل، أو عيسى بن يونس وحماد بن سلمة، أو الحمادان إن أريد بالأول حماد بن زيد كما قال العيني (٦٢٨/ ٢)، انتهى مختصرًا. (ش). (انظر: \"شرح سنن أبي داود للعيني ٢/ ١٨٨).","vol":"2","page":584},{"text":"حَدَّثَنِى عَدِىُّ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: \"سَمِعْتُ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ تَقُولُ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يَكُونُ فِى الثَّوْبِ؟ قَالَ: «حُكِّيهِ بِضِلْعٍ\n===\nوغيرهما، أخرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه في الحيض في \"صحيحيهما\"، وصححه ابن القطان، وقال عقبة: لا أعلم له علة، وثابت ثقة، ولا أعلم أحدًا ضعفه غير الدارقطني، وقال الأزدي: يتكلمون فيه.\n(ثني عدي بن دينار) المدني مولى أم قيس بنت محصن، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، أخرجوا له هذا الحديث الواحد في دم الحيضة.\n(قال: سمعت أم قيس بنت محصن) (١) الأسدية أخت عكاشة، أسلمت بمكة قديمًا، وهاجرت إلى المدينة، دعا لها رسول الله - ﷺ - بطول عمرها، فلا تعلم امرأة عمرت ما عمرت، وكانت من الصحابيات المشهورات وقيل: إن اسها آمنة. (تقول: سألت النبي -صلي الله عليه وسلم - عن دم الحيض يكون في الثوب؟) أي يكون (٢) متجسدًا يابسًا في الثوب.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (حكيه) أي الدم (بضلع) كعنب (٣) وجذع مؤنثة، جمعه: أضلع وضلوع وأضلاع، والمراد ههنا عود، وأصله ضلع الحيوان، فسمي به عود يشبهه، وإنما أمر بحكه بالضلع لينقلع المتجسد منه اللاصق بالثوب، ثم يتبعه الماء ليزيل الأثر.\n_________\n(١) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٤٨٢) رقم (٧٥٧٢).\n(٢) أو تامة، أي: يوجد.\n(٣) وروي بصلع بالمهملة، قال ابن دقيق العيد: هو حجر، وصحَّف من قال بالمعجمة، \"ابن رسلان\"، فقد ضبطه ابن دقيق العيد بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وهو الحجر، ووقع بكسر المعجمة وفتح اللام، وهو تصحيف، فتأمل. (ش).","vol":"2","page":585},{"text":"وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ». [ن ٢٩٢، جه ٦٢٨، دي ١٠١٩ هـ، حم ٦/ ٣٥٥، ق ٢/ ٤٠٧، خزيمة ٢٧٧]\n٣٦٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"قَدْ كَانَ يَكُونُ لإِحْدَانَا الدِّرْعُ؛ فِيهِ تَحِيضُ، وَفِيهِ تُصِيبُهَا الْجَنَابَةُ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ، فَتَقْصَعُهُ بِرِيقِهَا\". [انظر رقم ٣٥٨]\n٣٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن كثير قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم- يَعْنِي\n===\n(واغسليه بماء وسدر) (١) وإنما أمر بزيادة ورق السدر في الماء لزيادة التنظيف.\n٣٦٤ - (حدثنا النفيلي) هو عبد الله بن محمد بن علي النفيلي، (ثنا سفيان) بن عيينة (٢)، (عن ابن أبي نجيح، عن عطاء) بن أبي رباح، (عن عائشة) - ﵂ - (قالت: قد كان يكون لإحدانا الدرع) أي القميص (فيه) أي في الدرع (تحيض، وفيه تصيبها الجنابة، ثم ترى فيه قطرة من دم، فتقصعه) أي تدلكه (بريقها) كأنها (٣) أرادت أنها لا تغسلها لقلتها وكونها معفوًّا عنها.\n٣٦٥ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا إبراهيم - يعني\n_________\n(١) وفيه حجة للحنفية في التطهر بالماء المقيد. (ش).\n(٢) كتب فضيلة الشيخ أسعد الله على كتابه: الظاهر أنه الثوري، لأن المطلق ينصرف إليه، وإليه مال صاحب \"المنهل\" (٣/ ٢٣٥). قلت: ولم يتعرض له ابن رسلان، وما ذكره من الأصل ليس بمطرد، ويؤيد الشيخ أن الحافظ في \"التهذيب\" (٤/ ١١٩) ذكر النفيلي في تلامذة ابن عيينة دون الثوري. (ش).\n(٣) وعليه حمله ابن العربي (١/ ٢٢٦)، وهل يحتاج إليه عند الحنفية أيضًا؟ وتقدم قريبًا. (ش).","vol":"2","page":586},{"text":"ابْن نَافِع- قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَذْكُر عَنْ مُجَاهِد قَالَ: قَالَتْ عَائِشَة: مَا كَانِ لإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْب، فِيهِ تَحِيض، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيءٌ مِنْ دَمٍ بَلَّتْهُ بِريقِهَا، ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِرِيقِهَا. [خ ٣١٢، ق ٢/ ٤٠٥] ........ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>(١٣٣) بَابُ الصَّلَاةِ في الثَّوْبِ الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ فِيهِ </span>(٢)\n٣٦٦ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، نَا اللَّيْثُ،\n===\nابن نافع- قال: سمعت الحسن يذكر عن مجاهد قال: قالت عائشة: ما كان لأحدانا إلَّا ثوب، فيه تحيض، فإن أصابه شيء من دم بَلَّتْه بريقها، ثم قصعته بريقها) هذا الحديث وجد في بعض النسخ ههنا أيضًا، فعلى هذا هو مكرر مع ثاني حديث الباب (٣).\n\n(١٣٣) (بَابُ الصَّلَاةِ في الثَّوْبِ الَّذِي يُصِيبُ)\nأي: يجامع (أَهْلَهُ فِيهِ) هل يصلي فيه قبل أن يغسله أو لا؟\n٣٦٦ - (حدثنا عيسى بن حماد المصري، أنا الليث) بن سعد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة: \"أن خولة بنت يسار أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إنه ليس لي إلَّا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: \"إذا طهرت فاغسليه، ثم صلي فيه\". فقالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: \"يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره\".\n[قلت: ذكر المزي هذا الحديث في \"الأطراف\" (١٤٢٨٦)، وقال بعد إيراده: هذا الحديث في رواية أبي سعيد ابن الأعرابي، ولم يذكره أبو القاسم اللؤلؤي].\n(٢) وفي نسخة: \"يجامع فيه أهله\".\n(٣) قال العيني في \"شرحه\" (٢/ ١٩٠): الأصح إسقاطه، لأنه ليس بموجود في النسخ الكثيرة الصحيحة، وأيضًا: تكراره ليس فيه زيادة فائدة.","vol":"2","page":587},{"text":"عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ \"أَنَّهُ سَأَلَ أُخْتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ -ﷺ-: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى فِى الثَّوْبِ الَّذِى يُجَامِعُهَا فِيهِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذىً\". [ن ٢٩٤، جه ٥٤٠، دي ١٣٧٥، حم ٦/ ٣٢٥]\n===\n(عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد) مصغرًا (ابن قيس) التجيبي، بضم المثناة وكسر الجيم ثم تحتانية ثم موحدة، نسبة إلى تجيب، وهي قبيلة، وهو اسم امرأة، وهذه القبيلة نزلت بمصر، وبالفسطاط محلة تنسب إليهم، المصري، قال النسائي: ثقة، ووثَّقه يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الذهبي في \"الميزان\": مصري، عن زهير البلوي، لا يعرف، تفرد عنه يزيد بن أبي حبيب، لكن وثَّقه النسائي، انتهى.\n(عن معاوية بن حديج) بمهملة ثم جيم مصغرًا، التجيبي الكندي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو نعيم المصري، مختلف في صحبته، ذكره ابن سعد في تسمية من نزل مصر من الصحابة، وذكره ابن حبان في \"ثقات التابعين\"، وقال مفضل الغلّابي: لمعاوية صحبة، وكذا أثبت صحبته البخاري وأبو حاتم وابن البرقي، وقال ابن يونس: وفد على رسول الله - ﷺ -، وشهد فتح مصر، وكان الوافد على عمر بفتح الإسكندرية، مات سنة ٥٢ هـ، وقد ذكره ابن حبان في الصحابة أيضًا، وقال الأثرم عن إسماعيل عن أحمد: ليس لمعاوية صحبة.\n(عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي - ﷺ -: هل كان رسول، لله - ﷺ - يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقالت) أي أم حبيبة: (نعم) يصلي فيه أي في ذلك الثوب (إذا لم ير (١) فيه أذى)\n_________\n(١) استدل به ابن رسلان على طهارة رطوبة الفرج، ولا يصح. (ش).","vol":"2","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>(١٣٤) بَابُ الصَّلَاةِ في شُعُرِ النِّساءِ</span>\n٣٦٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُصَلِّى فِى شُعُرِنَا،\n===\nأي نجاسة (١)، وهذا الحديث يدل على نجاسة المني كما هو ظاهر.\n\n(١٣٤) (بَابُ الصَّلاةِ (٢) في شُعُرِ النِّساءِ)\nبضم الشين المعجمة والعين المهملة، جمع شعار ككتاب، ويفتح، وهو ما تحت الدثار من اللباس يلي شعر الجسد، أي لا يصلي فيها.\n٣٦٧ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي) معاذ العنبري، (نا أشعث) (٣) بن عبد الله، (عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق) العقيلي مصغرًا، نسبة إلى عقيل بن كعب، أبو عبد الرحمن البصري، قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو حاتم وابن خراش وأبو زرعة والعجلي: ثقة، كان عثمانيًّا يبغض عليًّا، وكان سليمان التيمي سيِّئ الرأي فيه، مات سنة ١٠٨ هـ.\n(عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - لا يصلي في شعرنا) جمع شعار،\n_________\n(١) أوَّله ابن رسلان بما فيه عجيب للناظر. (ش).\n(٢) وسيعيد المصنف الترجمة مع الحديث الأول بعد \"باب ما جاء في السدل في الصلاة\"، وبوَّب الترمذي الصلاة في لحف النساء، وبوَّب البخاري في \"صحيحه\" \"الصلاة على الفراش\"، وذكر فيه حديث عائشة: \"كان ﵊ يصلي وأنا معترضة\"، الحديث، قال الحافظ (١/ ٤٩١): لعله إشارة إلى حديث، رواه أبو داود عن عائشة - ﵂ -: \"كان ﵊ لا يصلي في لحفنا\"، وكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذًّا مردودًا، وبَيَّنَ أبو داود علته، (ش).\n(٣) وفي \"المنهل\" (٣/ ٢٣٨): أشعث بن عبد الملك. قلت: وهو مصرح في رواية الترمذي (٢/ ٤٩٦) فهو المتعين، وفي النسائي بدون النسب.","vol":"2","page":589},{"text":"أَوْ في لُحُفِنَا\"، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: شَكَّ أَبِي. [ت ٦٠٠، ن ٥٣٦٦، حم ٦/ ١٠١]\n٣٦٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَائِشَةَ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ لَا يُصَلِّى فِى مَلَاحِفِنَا\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nوهو ما يلي الجسد من اللباس، (أو في لحفنا) جمع لحاف، وهو ما يلتحف به من الثوب (قال عبيد الله) أي ابن معاذ: (شك (١) أبي) أي معاذ في الشعار واللحاف، أي في أن شيخه أشعث قال: \"شعرنا\"، أو قال: \"لحفنا\".\nفإن قيل: عقد المصنف \"باب الصلاة في شعر النساء\"، ولفظ الشعر مشكوك فيه، فكيف يثبت الحديث حكم الشعر، قلت: وجهه أنه لو كان في الحديث لفظ الشعر فثبوت المدعى به ظاهر، ولو كان لفظ اللحف فاللحف يشمل الشعر ويصدق عليه، أو يقال: إذا كان في الحديث لفظ اللحف فيثبت حكم اللحف، ثم يثبت حكم الشعر بالأولوية، لأنه إذا ثبت الاجتناب عن اللحف فيثبت في الشعر بالأولى، لأنها أقرب إلى النجاسة، وهذا الحكم مبناه على الاحتياط.\n٣٦٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا سليمان بن حرب، نا حماد) لعله ابن زيد (٢)، (عن هشام) لعله ابن عروة (٣) أو ابن حسان، (عن ابن سيرين) هو محمد، (عن عائشة) قال أبو حاتم: لم يسمع ابن سيرين عن عائشة - ﵂ - (أن النبي -صلي الله عليه وسلم -كان لا يصلي في ملاحفنا) جمع ملحفة.\n_________\n(١) وفي رواية الترمذي عن خالد عن أشعث لفظ \"اللحف\" بدون الشك، وكذا في رواية النسائي بطريقين عن أشعث. (ش).\n(٢) جزم به العيني في \"شرحه\" لـ \"سنن أبي داود\" (١/ ١٩٣) وكذا ابن رسلان.\n(٣) جزم به العيني وابن رسلان.","vol":"2","page":590},{"text":"قَالَ حَمَّادٌ: وَسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ أَبِى صَدَقَةَ قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ، فَلَمْ يُحَدِّثْنِى وَقَالَ: سَمِعْتُهُ مُنْذُ زَمَانٍ، وَلَا أَدْرِى مِمَّنْ سَمِعْتُهُ، وَلَا أَدْرِى أَسَمِعْتُهُ مِنْ ثَبَتٍ أَوْ (١) لَا، فَسَلُوا عَنْهُ.\n===\n(قال حماد) أي ابن زيد: (وسمعت سعيد بن أبي صدقة) البصري، أبو قرة بضم قاف وشدة راء، قال أحمد وابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سألت محمدًا) أي ابن سيرين (عنه) أي عن هذا الحديث (فلم يحدثني) وامتنع عن تحديث هذا الحديث واعتذر (وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري ممن سمعته) أي لم أحفظ اسم شيخي الذي سمعت هذا الحديث منه (ولا أدري) أي ولم أحفظ (أسمعته من ثبت) أي من رجل ثبت وثقة في الحديث، فثبت مصدر، وصف به مبالغة، كما يقال: زيد عدل، ورجل صدق، والهمزة فيه للاستفهام، والاستفهام ليس بمراد، بل هو لتأكيد التردد (أو لا) أي غير ثبت (فسلوا) أي الناس (عنه) أي عن حال هذا الحديث.\nقلت: والغرض من هذا الكلام بيان أن حمادًا روى هذا الحديث عن هشام عن ابن سيرين عن عائشة، ومحمد بن سيرين لم يسمع من عائشة شيئًا، ما قاله أبو حاتم، ثم أثبت هذا الانقطاع من سعيد بن أبي صدقة، فإنه سأل محمدًا عن هذا الحديث، فلم يحدثه محمد بن سيرين، وقال: لا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعته من ثقة ثبت أو غيره، فلا يثبت هذا الحديث بهذا السند.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أم\".","vol":"2","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>(١٣٥) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ </span>(١)\n٣٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِىِّ (٢)، سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، يُحَدِّثُهُ عَنْ مَيْمُونَةَ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى وَعَلَيْهِ مِرْطٌ وَعَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ مِنْهُ، وَهِىَ حَائِضٌ (٣) يُصَلِّى، وَهُوَ عَلَيْهِ\". [جه ٦٥٣، حم ٦/ ٣٣٠، خزيمة ٧٦٨]\n===\n\n(١٣٥) (بَابٌ: في الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ)\nأي: الرخصة في الصلاة في شعر النساء (٤)\n٣٦٩ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان) بن أبي سفيان الجرجرائي بجيمين ومهملتين، الثانية ممدودة، وبعدها همزة، أبو جعفر التاجر، مولى عمر بن عبد العزيز، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو زرعة ومحمد بن عبد الله الحضرمي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مات سنة ٢٤٠ هـ.\n(نا سفيان) الثوري، (عن أبي إسحاق الشيباني) سليمان، (سمعه من عبد الله بن شداد يحدثه عن ميمونة) زوج النبي - ﷺ - (أن النبي - ﷺ - وعليه مرط) أي كساء، ويكون من صوف، وربما كان من خز أو غيره (وعلى بعض أزواجه منه) (٥) أي بعض من المرط، (وهي) أي بعض أزواجه (حائض) جملة حالية (يصلي) رسول الله - ﷺ -، (وهو) أي والحال أن المرط (عليه) أي على رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فيه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بحديث\".\n(٣) زاد في نسخة: \"وهو\".\n(٤) قلت: ليس في الحديث ذكر الشعار، وكذا ليس فيما سيأتي إلَّا ذكر الكساء. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: فيه حجة على وقوف المرأة جنب الرجل وصلاته صحيحة، أبطلها أبو حنيفة. قلت: وأنت خبير لا حجة فيه. (ش).","vol":"2","page":592},{"text":"٣٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى بِاللَّيْلِ، وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَىَّ مِرْطٌ لِى، وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ\". [م ٥١٤، ن ٧٦٨، جه ٦٥٢، حم ٦/ ٦٧]\n===\nومناسبة الحديث بالباب بأن المرط الذي كان بعضه على بعض أزواجه - ﷺ - كأنه كان لها لاستعمالها، فلما صلى فيه رسول الله - ﷺ - ثبت الرخصة في الصلاة في ثياب النساء، وهذا إذا كان ما وقع في هذا الحديث قصة مغايرة لما يأتي في الحديث اللاحق، وأما إذا كانت القصتان واحدة فالمناسبة ظاهرة.\n٣٧٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع بن الجراح، نا طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، نزيل الكوفة، قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالقوي، وقال الساجي: صدوق لم يكن بالقوي، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال أبو زرعة والنسائي: صالح، وقال يعقوب بن شيبة: لا بأس به، في حديثه لين، وقال يعقوب بن شيبة أيضًا والعجلي: ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال صالح بن أحمد عن أبيه، والحاكم عن الدارقطني: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، مات سنة ١٤٨ هـ.\n(عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بالليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعليَّ مرط لي، وعليه بعضه)، أي: بعض من المرط، فثبت الرخصة في الصلاة في شعر النساء.","vol":"2","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>(١٣٦) بَابُ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ</span>\n٣٧١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ (١) شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ \"أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَرضي الله عنها -، فَاحْتَلَمَ، فَأَبْصَرَتْهُ جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ وَهُوَ يَغْسِلُ أَثَرَ الْجَنَابَةِ مِنْ ثَوْبِهِ،\n===\n\n(١٣٦) (بَابُ الْمَنِيَّ (٢) يُصيبُ الثَّوْبَ)\nهل يتنجس الثوب ويلزم تطهيره؟\nوهل يحكم بطهارة المني أو نجاسته؟\n٣٧١ - (حدثنا حفص بن عمر عن شعبة، عن الحكم) هو ابن عتيبة الكندي، أبو محمد الكوفي، (عن إبراهيم) النخعي، (عن همام بن الحارث) النخعي الكوفي العابد، قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان من عباد أهل الكوفة، وكان لا ينام إلَّا قاعدًا، مات سنة ٦٥ هـ.\n(إنه كان عند عائشة) أي كان عندها ضيفًا، كما يدل عليه ما أخرجه الترمذي من طريق الأعمش عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال: ضاف عائشة ضيف، الحديث. فكنى في هذا الحديث عن نفسه (٣) بالضيف استحياءً.\n(فاحتلم فأبصرته) أي همام بن الحارث (جارية لعائشة و) الحال أنه (هو) أي همام (يغسل أثر الجنابة من ثوبه) إضافة الثوب إليه لملابسة الاستعمال، وإلَّا فالثوب كان لعائشة -﵂وهو الذي أمرت له\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) وكذا بوب عليه الترمذي كما في \"العارضة\" (١/ ١٧٧). (ش).\n(٣) لكن رواية \"جمع الفوائد\" (١/ ٦٥) صريحة في أن الضيف كان عبد الله بن شهاب الخولاني. (ش).","vol":"2","page":594},{"text":"أَوْ: يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِى وَأَنَا أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\". [م ٢٨٨، ن ٢٩٦، ت ١١٦، جه ٥٣٧، ٥٣٨، حم ٦/ ٤٣، خزيمة ١٤٦، ١٤٧]\n===\nعائشة به، وهي ملحفة صفراء، كما هو مصرح به في رواية الترمذي، (أو يغسل ثويه) شك من الراوي.\n(فأخبرت) الجارية (عائشة فقالت: لقد رأيتني وأنا أفركه) أي أدلك المني (من ثوب رسول الله - ﷺ -) وأما ما أخرجه مسلم (١) من قصة عبد الله بن شهاب الخولاني قال: \"كنت نازلًا على عائشة، فاحتلمت في ثوبي\"، الحديث، فهي قصة أخرى غير قصة همام بن الحارث.\nاختلف العلماء (٢) في طهارة المني، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسًا، وهو رواية عن أحمد، وقال مالك: لا بدَّ من غسله رطبًا ويابسًا، وقال الليث: هو نجس، ولا تعاد الصلاة منه، وقال الحسن: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرًا، وتعاد منه في الجسد، وإن قل، وذهب كثير إلى أن المني طاهر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة وداود وأحمد في أصح الروايتين (٣)، وهو مذهب\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" رقم الحديث (٢٩٠).\n(٢) وتقدم البحث فيه في \"باب المذي\"، قال ابن رسلان: استدل الشافعية بأحاديث الفرك، وحملوا روايات الغسل على زيادة النظافة، وقال القرطبي: لا حجة فيه للشافعي بوجهين، ثم بسطها، وحاصلها: أن الغسل في موضع الاستدلال دليل على أنه للطهارة، والثاني: أن الأصل في الغسل التطهير كما قالوا في غسل الإناء من ولوغ الكلب ولم يقولوا للتنظيف، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٦٠١)، و\"الكوكب\" (١/ ١٤٧). (ش).\n(٣) والثالثة لا يعفى قليله أيضًا. (ش).","vol":"2","page":595},{"text":"٣٧٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، أنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِىَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَيُصَلِّى فِيهِ\". [م ٢٢٨، ٢٩٠، جه ٥٣٩، حم ٦/ ٣٥، وانظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَافَقَهُ مُغِيرَةُ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَوَاصِلٌ، ورواه الأعمش\n===\nالشافعي (١) وأصحاب الحديث، انتهى كلام \"النووي\" (٢).\n٣٧٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة، عن حماد ابن أبي سليمان، عن إبراهيم) النخعي، (عن الأسود) بن يزيد، (أن عائشة قالت: كنت أفرك المني) أي أدلك يابسه (من ثوب رسول الله - ﷺ - فيصلي) أي رسول الله - ﷺ - (فيه) أي في الثوب الذي أزيل منه المني اليابس بالدلك.\n(قال أبو داود: وافقه (٣) مغيرة) بن مقسم (وأبو معشر وواصل) الأحدب، أخرج روايتهم مسلم في \"صحيحه\" (٤) (ورواه) أي هذا الحديث، حديث الفرك (الأعمش) سليمان بن مهران، ذكره الطحاوي في \"معاني الآثار\" (٥) والترمذي (٦)، بل أخرج الطحاوي عن منصور عن إبراهيم عن\n_________\n(١) له ثلاث روايات، الثالث: منيه طاهر لا منيها. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٢٠١).\n(٣) وفي نسخة ابن رسلان بدله: أوقفه، وبسط في معناه، وقال: الموقوف من الحديث ما قصرته بواحد من الصحابة ... إلخ، والظاهر أن هذا كله وهم منه، والصواب ما قاله الشيخ. (ش).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (٢٨٨).\n(٥) (١/ ٤٨).\n(٦) \"سنن الترمذي\" ح (١١٦)، وانظر: \"مسند أحمد\" (٦/ ٤٣)، و\"سنن ابن ماجه\" (٥٣٧ - ٥٣٨)، و\"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ١٤٥) رقم (٢٨٨).","vol":"2","page":596},{"text":"كما رواه الحكم.\n٣٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. (ح): وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ الْبَصْرِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمٌ - يَعْنِى ابْنَ أَخْضَرَ- الْمَعْنَى وَالإِخْبَارُ فِى حَدِيثِ سُلَيْمٍ -؛\n===\nهمام كما رواه الأعمش (كما رواه الحكم) بن عتيبة.\nحاصل هذا الكلام أن أصحاب إبراهيم النخعي اختلفوا في رواية هذا الحديث عن إبراهيم، فروى الحكم عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن عائشة، وروى حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ووافق حمادَ بنَ أبي سليمان مغيرةُ وأبو معشر وواصلٌ، ووافق (١) الأعمش الحكم، وكل هؤلاء حفاظ وثقات لا يقدح هذا الاختلاف في حديثهم، فثبت أن إبراهيم النخعي روى عنهما جميعًا، وقد أخرج الطحاوي عن، الأعمش عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد وهمام عن عائشة - ﵂ -.\n٣٧٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير) بن معاوية، (ح: وحدثنا محمد بن عبيد بن حساب البصري، نا سليم) مصغرًا، كذا في \"الخلاصة\" و\"التقريب\"، وقال في حاشية \"الخلاصة\" (٢): قال النووي في \"شرح مسلم\": سليم بن أخضر بفتح السين المهملة (يعني ابن أخضر) البصري، قال أحمد: كان من أهل الصدق والأمانة، وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن سعد وأبو القاسم الطبري: ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٨٠ هـ، (المعنى) يعني معنى حديث زهير وسليم بن أخضر واحد.\n(والإخبار في حديث سليم) يحتمل هذا الكلام معنيين، أحدهما:\n_________\n(١) ورجح الترمذي حديث الأعمش. (ش).\n(٢) (ص ١٤٩).","vol":"2","page":597},{"text":"قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قال: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: \"إِنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِىَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَتْ: ثُمَّ أَرَى فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا\". [خ ٢٢٩، م ٢٨٩، ت ١١٧، ن ٢٩٥، جه ٥٣٦، خزيمة ٢٨٧، حب ١٣٨١، قط ١/ ١٢٥، ق ٢/ ٤١٨، حم ٦/ ٤٧]\n===\nمعناه أن الألفاظ في حديث سليم يعني أنه اختلف لفظ حديث زهير ولفظ سليم، فذكرنا هاهنا ألفاظ حديث سليم.\nوالثاني: معناه أن الإخبار والسماع في حديث سليم، والعنعنة في حديث زهير، والمقصود إثبات سماع سليمان بن يسار من عائشة، وهذا الاحتمال الثاني اختاره صاحب \"عون المعبود\"، ويؤيده (١) ما أخرجه البخاري من حديث زهير قال: حدثنا عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، عن عائشة، الحديث.\n(قالا: نا عمرو بن ميمون بن مهران) الجزري أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن الرقي، أمه أم عبد الله بنت سعيد بن جبير، قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، ووثَّقه النسائي وابن نمير وغيرهما، مات سنة ١٤٧ هـ.\n(قال: سمعت سليمان بن يسار يقول: سمعت عائشة تقول) أي عائشة: (إنها) أي عائشة كانت تغسل المني من ثوب رسول الله - ﷺ -) يحتمل أن سليمان بن يسار بدل لفظها، وهو \"إني كنت\" بالغيبة، أو جعلت هي نفسها غائبة وعبرتها بالغيبة، ويدل عليه قوله: (قالت: ثم أراه) أي الغسل أو المني أي أثره (فيه بقعة أو بقعًا) يحتمل أن يكون لفظة \"أو\" من كلامها، وينزل على حالتين، أو شكًّا من أحد رواته، قاله الحافظ (٢).\n_________\n(١) قلت: ليس فيه تصريح السماع، فكيف التأييد، والحديث أخرجه النسائي بلفظ عن. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٥).","vol":"2","page":598},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nاستدل القائلون بطهارة المني بحديث الفرك، وقالوا: أحاديث الغسل محمول على الاستحباب والتنظيف.\nوأما القائلون بنجاسته فاحتجوا بحديث الغسل، وقالوا: يطهره الفرك، ولو كان طاهرًا لم تحتج عائشة - ﵂ - إلى تطهيره بالفرك وبالغسل، والظاهر أن فعلها لم يكن إلَّا بأمر رسول الله - ﷺ - أو اطلاعه، وأيضًا لو كان طاهرًا لتركه على حاله مرة لبيان الجواز، فلما لم يتركه رسول الله - ﷺ - على ثوبه مرة، وكذلك الصحابة من بعده علم أنه نجس، ومواظبته - ﷺ - على فعل شيء من غير ترك في الجملة يدل على الوجوب بلا نزاع فيه.\nوقال الطحاوي (١): إنما جاءت أحاديث الفرك في ثياب ينام فيها، ولم تأت في ثياب يصلي فيها، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم، لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها، وقد يجوز أن يكون المني كذلك، فغسل الثوب محمول على إرادة الخروج إلى الصلاة، كما يدل عليه رواية عائشة - ﵂ -: \"كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - ﷺ -، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه\"، فهكذا كانت عائشة تفعل بثوب النبي - ﷺ - الذي كان يصلي فيه تغسل المني منه، وتفركه من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، انتهى.\nويؤيده حديث أم حبيبة -﵂ - لما سئلت هل كان النبي - ﷺ - يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم إذا لم يصبه أذى.\nويؤيده ما أخرجه أبو داود فيما تقدم في الغسل من الجنابة من حديث عائشة ولفظه: \"ثم غسل مرافغه وأفاض عليه الماء، فإذا أنقاهما أهوى بهما إلى حائط\".\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٩).","vol":"2","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>(١٣٧) بَابُ بَوْلِ الصَّبِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ</span>\n٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ \"أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ\n===\nوأيضًا قالت عائشة: \"لئن شئتم لأرينكم أثر يد رسول الله - ﷺ - في الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة\".\nفهذه المبالغة في غسل الأيدي بالتراب من رسول الله - ﷺ - لم يكن إلَّا لتطهيرها وتنظيفها، ولم يكن عليها من النجاسة إلَّا ما كان من أثر الجنابة عليها، فيثبت بهذا أن المني نجس.\nوقال الشوكاني (١): إن التعبد بإزالة المني غسلًا، أو مسحًا، أو فركًا أو حتًّا، أو سلتًا، أو حكًّا ثابت، ولا معنى لكون الشيء نجسًا إلَّا أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشرع، فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة.\n\n(١٣٧) (بَابُ بَوْلِ الصَّبِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ)\nقال في \"لسان العرب\": والصبي من لدن يولد إلى أن يفطم\n٣٧٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك) الإِمام، (عن ابن شهاب) الزهري، (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن (٢) لها صغير لم يأكل الطعام) أي ما عدا اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعق به\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٧٩).\n(٢) قال الحافظ (١/ ٣٢٦): لم يعرف اسمه. (ش).","vol":"2","page":600},{"text":"إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ\". [خ ٢٢٣، م ٢٨٧، ن ٣٠٢، ت ٧١، جه ٥٢٤، ط ٥١٣، حم ٦/ ٢٥٥، دي ٧٤١، خزيمة ٢٨٥، حب ١٣٧٣، ق ٢/ ٤١٤، طب ٤٣٥]\n===\nللمداواة وغيرها، فكان المراد أنه لم يحصل الاغتذاء بغير اللبن علي الاستقلال، نقله الحافظ (١) عن النووي، ثم قال: ويحتمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ليحنكه (٢) - ﷺ -، فيحمل (٣) النفي على عمومه.\n(إلى رسول الله - ﷺ -، فأجلسه) أي ذلك الابن (رسول الله - ﷺ - في حجره) بكسر الحاء وتفتح، قال في \"المشارق\": بفتح الحاء وكسرها هو الثوب والحضن، (فبال) أي ذلك الابن (على ثوبه) (٤) أي ثوب رسول الله - ﷺ -، (فدعا بماء فنضحه) (٥) أي أسال الماء وصبَّه عليه، وفي رواية: \"فرشه\"، ولا تخالف بين النضح والرش، لأن المراد به أن الابتداء كان بالرش، وهو تنقيط الماء، وانتهى إلى النضح.\n(ولم يغسله) (٦) قال الحافظ (٧): ادعى الأصيلي أن هذه الجملة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٦).\n(٢) وقد ورد التصريح بذلك في الطحاوي. (ش). (انظر: \"شرح معاني الآثار\" ١/ ٩٢).\n(٣) قلت: والظاهر الأول، لأن أمه جاءت به بنفسها، ومشي المرأة بعد وضع الحمل لا يكون عادة. (ش).\n(٤) وقيل: على ثوب الولد فإتباعه - ﷺ - الماء كان احتياطًا، قاله ابن شعبان المالكي، \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٤٦). (ش).\n(٥) قال ابن العربي (١/ ٩٣): النضح في كلام العرب يستعمل في معنيين: الرش وصب الماء الكثير. (ش).\n(٦) وقال ابن العربي: معناه لم يعركه. (ش).\n(٧) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٧).","vol":"2","page":601},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن كلام ابن شهاب راوي الحديث، وأن المرفوع انتهى عند قوله: \"فنضحه\".\nقال النووي (١): قد اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا، الصحيح المشهور المختار: أنه يكفي النضح في بول الصبي، ولا يكفي في بول الجارية، بل لا بدَّ من غسله كسائر النجاسات، والثاني: أنه يكفي النضح فيهما، والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهذان الوجهان حكاهما صاحب \"التتمة\" من أصحابنا وغيره، وهما شاذان ضعيفان، وممن قال بالفرق علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وأصحاب الحديث وابن وهب من أصحاب مالك - ﵃-، وروي عن أبي حنيفة، وممن قال بوجوب غسلهما أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما وأهل الكوفة.\nواعلم أن هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلَّا داود الظاهري (٢).\nقال الخطابي (٣) وغيره: وليس تجويز من جوز النضح في الصبي من\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ١٩٨).\n(٢) وحكى الشوكاني (١/ ٧٠) عن ابن حزم الاكتفاء بالنضح، وحكي الطهارة عن أبي ثور وغيره في \"فتح الملهم\" (١/ ٤٥١)، وقال الموفق (٢/ ٤٩٥): قال القاضي: رأيت لأبي إسحاق كلامًا يدل على طهارة بول الغلام، لأنه لو كان نجسًا لوجب غسله. (ش).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":602},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأجل أن بوله ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته، فهذا هو الصواب، وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر فينضح، فحكاية باطلة قطعًا.\nقال الشوكاني (١): وأحاديث الباب ترد المذهب الثاني والثالث، وقد استدل في \"البحر\" لأهل المذهب الثالث بحديث عمار المشهور، وفيه: \"إنما تغسل ثوبك من البول ... إلخ\"، وهو مع اتفاق الحفاظ على ضعفه لا يعارض أحاديث الباب، لأنها خاصة، وهو عام، قلت: أحاديث الباب لا ترد الثالث، فإن الأحاديث لا تدل على عدم الغسل، فإن النضح الوارد في الحديث غسل (٢) وصب، وقوله: \"ولم يغسله\" محمول على المبالغة في الغسل، لئلا يتعارض القولان، وليس هذا خلاف الظاهر.\nقال الإِمام الطحاوي (٣): ذهب قوم إلى التفريق بين حكم بول الغلام وبول الجارية قبل أن يأكل الطعام، فقالوا: بول الغلام طاهر، وبول الجارية نجس.\nوخالفهم في ذلك آخرون، وسووا بين بوليهما جميعًا، وجعلوهما نجسين، وقالوا: قد يحتمل قول النبي - ﷺ -: \" بول الغلام ينضح\"، إنما أراد بالنضح صب الماء عليه، فقد تسمي العرب ذلك نضحًا.\nثم قال بعد ما نقل من الروايات (٤): فلما كان ما ذكرناه كذلك ثبت\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٧٠).\n(٢) كما جزم به الشافعي وأحمد في نضح ما لم تر من أثر الدم، والشافعي ومالك في نضح المذي. (ش).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٩٢).\n(٤) أي الواردة بلفظ الصب في بول الغلام. (ش).","vol":"2","page":603},{"text":"٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: \"كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ - ﵁ - فِى حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَبَالَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: الْبَسْ ثَوْبًا وَأَعْطِنِى إِزَارَكَ\n===\nأن النضح الذي أراد به في الحديث الأول هو الصب المذكور هاهنا حتى لا يتضاد الأثران، انتهى.\n٣٧٥ - (حدثنا مسدد بن مسرهد والربيع بن نافع أبو توبة المعنى قالا: نا أبو الأحوص) سلام بن سليم، (عن سماك) بن حرب، (عن قابوس) بن أبي المخارق، ويقال: ابن المخارق بن سليم الشيباني الكوفي، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ذكره ابن يونس فيمن قدم مع محمد بن أبي بكر مصر في خلافة علي، فهو على هذا قديم لا يمتنع إدراكه لأم الفضل.\n(عن لبابة بنت الحارث) بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون، الهلالي، أم الفضل، زوج العباس بن عبد المطلب، أخت ميمونة أم المؤمنين لأبويها، وأختهن أم حفيدة واسمها هزيلة بنت الحارث، ولهن أختان من أمهن سلمة وأسماء بنتا عميس، وأختهن لبابة أم خالد بن الوليد وهي الكبرى، وقيل: الصغرى، واسمها عصماء، ويقال: بل عصماء أخت أخرى لهن، ماتت قبل زوجها العباس بن عبد المطلب في خلافة عثمان - ﵁ -، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" و\"الإصابة\"، وقال في \"التقريب\": ماتت بعد العباس في خلافة عثمان -﵁ -.\n(قالت: كان الحسين بن علي -﵁ - في حجر) أي في حضن (رسول الله - ﷺ - فبال عليه، فقلت) أي لرسول الله: (البس ثوبًا) أي إزارًا آخر (وأعطني إزارك) الذي بال عليه الحسين","vol":"2","page":604},{"text":"حَتَّى أَغْسِلَهُ. قَالَ: «إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ (١) بَوْلِ الأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ». [جه ٥٢٢، حم ٦/ ٣٣٩، ك ١/ ١٦٦، ق ٢/ ٤١٤، خزيمة ٢٨٤]\n٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمَعْنَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ،\n===\n(حتى أغسله، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنما يغسل) أي بالمبالغة (من بول الأنثى، وينضح) أي يصب الماء (من بول الذكر).\nقال الطحاوي (٢): وإنما فرق بينهما، لأن بول الغلام يكون في موضع واحد لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق لسعة مخرجها، فأمر في بول الغلام بالنضح، يريد صب الماء في موضع واحد، وأراد بغسل بول الجارية أن يتتبع بالماء، لأنه يقع في مواضع متفرقة.\n٣٧٦ - (حدثنا مجاهد بن موسى) بن فروخ الخوارزمي، أبو علي الختلي، بضم المعجمة وتشديد المثناة المفتوحة، نزيل بغداد، قال ابن معين: ثقة لا بأس به، وقال النسائي: بغدادي ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة، وقال صالح بن محمد وموسى بن محمد: صدوق، مات سنة ٢٤٤ هـ.\n(وعباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل بن توبة العنبري، أبو الفضل البصري، الحافظ، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال مسلمة: بصري ثقة، مات سنة ٢٤٦ هـ، (المعنى قالا: نا عبد الرحمن بن مهدي، حدثني يحيى بن الوليد) بن المسير الطائي ثم السنبسي،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن\".\n(٢) \"معاني الآثار\" (١/ ٩٢).","vol":"2","page":605},{"text":"حَدَّثَنِى مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنِى أَبُو السَّمْحِ قَالَ: \"كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِىَّ (١) -ﷺ-، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ: «وَلِّنِى قَفَاكَ». قال فَأُوَلِّيهِ قَفَاىَ، فَأَسْتُرُهُ بِهِ، فَأُتِىَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ (٢)\n===\nأبو الزعراء، بفتح الزاي وسكون المهملة، الكوفي، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(حدثني محل) بضم أوله وكسر ثانيه (٣) (ابن خليفة) الطائي الكوفي، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، زاد أبو حاتم: صدوق، ووثَّقه ابن خزيمة والدارقطني، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" في الكلام على بول الصبي: إن المحل بن خليفة ضعيف، ولم يتابع ابن عبد البر على ذلك.\n(حدثني أبو السمح) (٤) مولى رسول الله - ﷺ - وخادمه، يقال: اسمه إياد، قال أبو زرعة: لا أعرف اسمه، ولا أعرف له غير هذا الحديث، روى أبو داود وابن ماجه منه الجملة الأولى، وقد رواه مجموعًا ابن خزيمة في \"صحيحه\" والبزار، وقال: لا نعلم حديث أبي السمح بغير هذا الحديث، ولا له إسناد إلَّا هذا.\n(قال: كنت أخدم النبي-صلي الله عليه وسلم-، فكان) أي رسول الله (إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك) أي اصرف وجهك عني، وحول قفاك وظهرك إليَّ لتكون ساترًا عن أعين الناس.\n(قال) أي أبو السمح: (فأوليه قفاي، فأستره به) وفي رواية الدارقطني: \"فأوليه قفاي، وأنشر الثوب\"، يعني أستره، (فأتي بحسن أو حسين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"بحسين\".\n(٣) وتشديد اللام، كذا قاله ابن رسلان. (ش).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٤٧٨) رقم (٥٩٨٦).","vol":"2","page":606},{"text":"- ﵄ - فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ، فَجِئْتُ أَغْسِلُهُ، فَقَالَ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ». [ن ٣٠٤، جه ٥٢٦، خزيمة ٢٨٣، ك ١/ ١٦٦، قط ١/ ١٣٠]\nقَالَ عَبَّاس: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ أَبُو الزَّعْرَاءِ (١) قَالَ هَارُونُ بْنُ تَمِيمٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: \"الأَبْوَالُ كُلُّهَا سَوَاءٌ\".\n===\n-﵄-) فأجلسه على صدره (فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: يغسل من بول الجارية، ويرش) أي يصب الماء على البول (من بول الغلام، قال عباس) أي ابن عبد العظيم: (حدثنا يحيى بن الوليد) بصيغة الجمع، وقد قال مجاهد بصيغة الواحد.\n(قال أبو داود: وهو) أي يحيى بن الوليد كنيته (أبو الزعراء، وقال هارون بن تميم، عن الحسن البصري قال: الأبوال كلها) (٢) أي بول الذكر وبول الأنثى (سواء) أي في كونها نجسًا، واعلم أني لم أقف على ترجمة (٣) هارون بن تميم في كتب أسماء الرجال، ولم أجد (٤) هذا التعليق فيما تتبعت من الكتب.\n_________\n(١) قال العيني في \"شرحه\" (٢/ ٢٠٧): الأصح أنه ليس بموجود في النسخ الصحيحة.\n(٢) قال العيني: هذا ليس بثابت في غالب النسخ الصحيحة؛ والمعنى سواء كان بول الصغير أو الكبير أو الذكر أو الأنثى.\n(٣) وترك بعد هارون البياض في ابن رسلان، وكتب صاحب \"المنهل\" (٣/ ٢٥٣) هو الراسبي يروي عن الحسن البصري، وعنه أبو هلال الراسبي، وثَّقه ابن حبان. (ش) [قلت: وكذا قال العيني في \"شرحه\" (٢/ ٢٠٩)].\n(٤) نعم أخرج ابن أبي شيبة في \"باب بول البعير والشاة\" برواية هشام والأشعث عن الحسن بمعناه. انظر: \"المصنف\" (١/ ١٠٩). (ش).","vol":"2","page":607},{"text":"٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى حَرْبِ بْنِ أَبِى الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ - قَالَ: \"يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ، مَا لَمْ يَطْعَمْ\". [ت ٦١٠، جه ٥٢٥، حم ١/ ٧٦، خزيمة ٢٨٤، حب ١٣٧٥، قط ١/ ١٢٩، ك ١/ ١٦٥، ق ٢/ ٤١٥]\n٣٧٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى،\n===\n٣٧٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن ابن أبي عروبة) هو سعيد، (عن قتادة) بن دعامة، (عن أبي حرب بن أبي الأسود) الديلي البصري، قيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه محجن، وقيل: عطاء، قال ابن عبد البر في الكنى (١): هو بصري ثقة، مات سنة ١٠٨ هـ.\n(عن أبيه) هو أبو الأسود الديلي، ويقال: الدؤلي، البصري، القاضي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن عثمان، وهو أول من تكلم في النحو، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وذكره ابن عبد البر في \"الاستيعاب\"، فقال: كان ذا دين، وعقل، ولسان، وبيان، وفهم، وذكاء، وحزم، وكان من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، مات سنة ٦٩ هـ.\n(عن علي - ﵁ - قال: يغسل من بول الجارية وينضح) أي يغسل خفيفًا بصب الماء عليه (من بول الغلام، ما لم يطعم) أي الطعام، ولم يبلغ الفطام.\n٣٧٨ - (حدثنا ابن المثنى) محمد، (نا معاذ بن هشام، حدثني أبي)\n_________\n(١) يعني ذكره في من لم يسم. (ش).","vol":"2","page":608},{"text":"عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى حَرْبِ بْنِ أَبِى الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ (١)، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «مَا لَمْ يَطْعَمْ». زَادَ: قَالَ قَتَادَةُ: \"هَذَا مَا لَمْ (٢) يَطْعَمَا الطَّعَامَ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا\". [انظر سابقه]\n٣٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِى الْحَجَّاجِ (٣)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ\n===\nهشام الدستوائي، (عن قتادة) بن دعامة، (عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه) أبي الأسود، (عن علي بن أبي طالب -﵁ - أن نبي الله - ﷺ - قال، فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم، (ولم يذكر) أي هشام في روايته لفظ: (ما لم يطعم، زاد) أي هشام في حديثه على حديث ابن أبي عروبة: (قال قتادة: هذا) أي هذا الفرق في بول الجارية والغلام (ما) أي ما دام (لم يطعما الطعام، فإذا طعما) أي الطعام المعروف (غُسِلا جميعًا).\nوأعاد المصنف حديث علي - ﵁ - لأن الذي رواه ابن أبي عروبة كان موقوفًا على علي -﵁ -، وحديث هشام مرفوع، قال القاري (٤): والفرق بين الصبي والصبية أن بولها بسبب استيلاء الرطوبة والبرد على مزاجها يكون أغلظ وأنتن، فيفتقر في إزالتها إلى زيادة مبالغة بخلاف الصبي.\n٣٧٩ - (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، نا عبد الوارث) بن سعيد، (عن يونس) بن عبيد، (عن الحسن) البصري، (عن أمه) وهي خيرة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن أبي الأسود\".\n(٢) وفي نسخة: \"لما\".\n(٣) زاد في نسخة: \"أبو معمر\".\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٠).","vol":"2","page":609},{"text":"قالت: \"إنَّهَا أَبْصَرَتْ أُمَّ سَلَمَةَ تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ، فَإِذَا طَعِمَ غَسَلَتْهُ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ بَوْلَ الْجَارِيَةِ\". [ق ٢/ ٤١٦ من وجه آخر]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>(١٣٨) بَابُ الأَرْضِ يُصِيبُهَا الْبَوْلُ</span>\n٣٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَابْنُ عَبْدَةَ فِى آخَرِينَ قال: وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ عَبْدَةَ\n===\nأم الحسن البصري مولاة أم سلمة، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، (قالت) أي أم الحسن: (إنها أبصرت) مولاتها (أم سلمة) أم المؤمنين - ﵂ - (تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم) أي الغلام (غسلته) أي بوله، (وكانت تغسل بول الجارية) أي قبل الطعام وبعد الطعام.\n\n(١٣٨) (بابُ الأرْضِ يُصِيبُهَا الْبَوْلُ)\nأي: كيف تطهر؟\n٣٨٠ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وابن عبدة) هو أحمد بن عبدة بن موسى الضبي، أبو عبد الله البصري، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، قال النسائي في موضع آخر: لا بأس به، وتكلم فيه ابن خراش، فلم يلتفت إليه أحد للمذهب، وقال الذهبي في \"الميزان\" (١): وقال ابن خراش: تكلم الناس فيه، فلم يصدق ابن خراش في قوله هذا، فالرجل حجة (في آخرين) حال، أي حال كون أحمد وابن عبدة داخلين في آخرين من الشيوخ، فكما رويا هذا الحديث رواه الشيوخ الآخرون أيضًا (قال: وهذا) أي المخرج في الكتاب (لفظ ابن عبدة) لا لفظ ابن السرح وغيره.\n_________\n(١) (١/ ١١٨).","vol":"2","page":610},{"text":"قال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ \"أَنَّ أَعْرَابِيًّا\n===\n(قال) أي ابن عبدة، أو كل واحد من ابن السرح وابن عبدة: (أنا سفيان) أي ابن عيينة (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن أعرابيًا) قال في \"النهاية\" (١): والأعراب: ساكن البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن، والنسب إليها أعرابي وعربي.\nوقال في \"لسان العرب\": والأعرابي البدوي، وهم الأعراب، وقيل: ليس الأعراب جمعًا لعرب، وإنما العرب اسم جنس، والنسب إلى الأعراب أعرابي، قال سيبويه: إنما قيل في النسب إلى الأعراب أعرابي، لأنه لا واحد له على هذا المعنى، ألا ترى أنك تقول: العرب، فلا يكون على هذا المعنى، فهذا يقويه.\nقال الحافظ (٢): حكى أبو بكر التاريخي عن عبد الله بن نافع المزني: أنه الأقرع بن حابس التميمي، وقيل غيره، وفي رواية أبي موسى المدني في الصحابة قال: \"اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلًا جافيًا\"، وفي رواية: \"اطلع ذو الخويصرة التميمي وكان جافيًا \"، والتميمي هو حرقوص بن زهير الذي صار بعد ذلك من رؤوس الخوارج، وقد فرق بعضهم بينه وبين اليماني، ونقل عن الحسين بن فارس أنه عيينة بن حصن (٣)، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(١) (ص ٦٠١).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٣).\n(٣) وقيل: الأقرع بن حابس، ابن رسلان. (ش).","vol":"2","page":611},{"text":"دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ، فَصَلَّى - قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: رَكْعَتَيْنِ - ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا. فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا»، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِى نَاحِيةِ الْمَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِىُّ -ﷺ- وَقَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ،\n===\n(دخل المسجد، ورسول الله - ﷺ - جالس، فصلى) (١) أي ذلك الأعرابي (قال ابن عبدة: ركعتين) أي زاد ابن عبدة بعد قوله: \"فصلى\" لفظ \"ركعتين\"، ولم يقله ابن السرح، (ثم قال) ذلك الأعرابي: (اللَّهمَّ ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبيﷺ -: لقد تحجرت واسعًا) أي ضيقت ما وسعه الله تعالى من رحمته، وخصصت به نفسك دون غيرك \"نهاية\".\n(ثم لم يلبث) أي لم يبطئ ولم يمهل (أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه) أي هرولوا إليه ليمنعوه، وفي رواية للبخاري عن أنس: \"فقاموا إليه\"، وفي رواية البيهقي والنسائي: \"فصاح الناس به\"، فقال الحافظ بعد نقل هذه الألفاظ المختلفة بأن تناوله كان بالألسنة لا بالأيدي. (فنهاهم النبي - ﷺ -) (قال الحافظ (٢): في رواية عبدان: \"اتركوه فتركوه\"، ووجه النهي بأنه كان أعرابيًا جاهلًا لم يتأدب بآداب الشريعة، ولم يعلم عدم جواز البول في المسجد لقرب عهده بالإِسلام وبعده عنه - ﷺ -، وقيل: لئلا يشيع النجاسة في الأمكنة المتعددة، وقيل: لئلا يتضرر باحتباس البول.\n(وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) إسناد البعث إليهم\n_________\n(١) والظاهر قبل السلام، كما هو نص حديث المسيء في صلاته، فلذا قالوا: تقدم تحية المسجد على السلام. \"ابن رسلان\" (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٤).","vol":"2","page":612},{"text":"صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ»، أَوْ قَالَ: «ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ». [خ ٢٢٠، ت ١٤٧، ن ٥٦، جه ٥٢٩، حم ٢/ ٢٣٩، خزيمة ٢٩٨]\n===\nعلى طريق المجاز، لأنه هو المبعوث - ﷺ - بما ذكر، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، إذ هم (١) مبعوثون من قبله بذلك، وكان ذلك شأنه - ﷺ - في حق كل من يبعثه إلى جهة من الجهات يقول: \"يسروا ولا تعسروا\".\n(صبوا عليه سجلًا من ماء) السجل بالفتح: الدلو العظيمة ملأى ماء، (أو) للشك من الراوي (قال: ذنوبًا من (٢) ماء)، قال في \"المجمع\" (٣): ومنه سجلًا من ماء أو ذنوبًا: وهو الدلو الكبير أو المملوء، وكذا الذنوب، فأو للشك على الترادف، وللتخيير على غيره.\nقال القاري (٤): قال المظهر: في الحديث دليل على أن الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والمغالبة طهرها، وعلى أن غسلات النجاسة طاهرة إذا لم يكن فيها تغير وإن لم تكن مطهرة، ولولاه لكان الماء المصبوب على البول أكثر تنجيسًا للمسجد من البول نفسه (٥).\nقال ابن الملك: وعند أبي حنيفة: لا يطهر حتى يحفر ذلك التراب،\n_________\n(١) والشيخ مولانا محمد أسعد الله صحَّح العبارة هكذا: أو هُم مبعوثون من قبله، وكان ذلك شأنه ... إلخ. (ش).\n(٢) والجمع بينه ويين قوله: خذوا ما بال عليه من التراب، ذكره ابن قتيية في \"التأويل\" (ص ٢٤١). (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤١).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٦).\n(٥) قال ابن العربي: قال ﵊: \"لا يدخل أحدكم يده في الإناء\" ... إلخ، فعلم الفرق بين إدخال النجاسة في الماء وإدخال الماء على النجاسة، وبسطه وذكر حديث الباب (ش).","vol":"2","page":613},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن وقع عليه الشمس وجفت أو ذهب أثرها طهرت عنده من غير حفر ولا صب ماء.\nقال ابن الهمام (١): قول صاحب \"الهداية\": فجفت بالشمس اتفاقي، إذ لا فرق بين الجفاف بالشمس أو الريح، والمراد من الأثر الذاهب اللون أو الريح.\nوقال ابن الهمام: ليس في الحديث دلالة على أن الأرض لا تطهر بالجفاف، وقد صح عن ابن عمر أنه قال: \"كنت عزبًا أبيت في المسجد، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون من ذلك\"، فلولا اعتبارها أنها تطهر بالجفاف كان ذلك تبقية لها بوصف النجاسة مع العلم بأنهم يقومون عليها في الصلاة البتة، إذ لا بد منه مع صغر المسجد وعدم من يتخلف في بيته، وكون ذلك يكون في بقع كثيرة حيث تقبل وتدبر وتبول، فإن هذا التركيب في الاستعمال يفيد تكرار الكائن منها.\nأو لأن تبقيتها نجسة ينافي الأمر بتطهيره، فوجب كونها تطهير بالجفاف بخلاف أمره -﵊ - بإهراق ذنوب من ماء، لأنه كان نهارًا، وقد لا يجف قبل وقت الظهر، فأمر بتطهيرها بالماء، بخلاف مدة الليل.\nأو لأن الوقت كان إذ ذاك قد آن، أو أريد إذ ذاك أكمل الطهارتين المتيسر في ذلك الوقت هذا، وإذا قصد تطهير الأرض صب الماء عليه ثلاث مرات وجففت بكل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صب (٢) عليه ماء بكثرة ولم يظهر لون النجاسة ولا ريحها فإنها تطهير، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ١٧٤).\n(٢) وهكذا في \"الشامي\" (١/ ٥٦٣). (ش).","vol":"2","page":614},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأو يقال: روي أن في ذلك المكان منفذًا فحينئذ كان الماء جاريًا عليه، قال ابن الملك: استدل به الشافعي على أن الأرض النجسة تطهر بصب الماء عليها بحيث يغمرها.\nقلت: يجوز أن يكون الصب لتسكين رائحة تلك الحالة لا للتطهير، بل التطهير يحصل باليبس لخبر: \"ذكاة الأرض يبسها\"، لكن قال الزركشي: حديث: \"ذكاة الأرض يبسها\" لا أصل له، إنما هو قول محمد بن الحنفية، أخرجه ابن جرير في \"تهذيب الآثار\" (١)، وقال السيوطي: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عنه، وأخرجه أيضًا عن أبي جعفر، وعن أبي قلابة قولهما، وزاد في \"اللؤلؤ المرصوع\": وقد روي عن عائشة موقوفًا، وجعله في \"الهداية\" مرفوعًا، قال ابن حجر: لم أره.\nوقال القاري في \"موضوعاته الكبير\": حديث: \"زكاة (٢) الأرض يبسها\"، قال ابن الربيع: احتج به الحنفية (٣)، ولا أصل له في المرفوع، نعم ذكره ابن أبي شيبة مرفوعًا عن أبي جعفر الباقر، قلت: ونعم السند الظاهر من الإِمام الباهر، المسمى بسلسلة الذهب، وهي كافية لصحة المذهب المهذب مع أن المجتهد إذا استدل بحديث على حكم من الأحكام، فلا يتصور أن لا يكون صحيحًا أو حسنًا عنده، ثم لا يضره دخول ضعف أو وضع في سنده.\nقلت: قد تقدم رفعه، وقد روي عن عائشة موقوفًا،\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (١/ ٢١١)، و\"التلخيص الحبير\" (١/ ٥٤).\n(٢) كذا في \"الهداية\" (١/ ٣٥)، و\"الدراية\" (١/ ٩٢). وذكره صاحب \"المجمع\" في الذال. (ش).\n(٣) ويستفاد من \"الأوجز\" (١/ ٦٥٢) أن أحد قولي الأئمة الثلاثة يوافق الحنفية. (ش).","vol":"2","page":615},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأصله في \"الهداية\" مرفوعًا لكن قال مخرجه: لم أره، ومن المعلوم أن موقوف الصحابة حجة عندنا، وكذا الحديث المنقطع إذا صح سنده، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (١): والمذكور في كتب الحنفية التفصيل بين ما إذا كانت الأرض رخوة بحيث يتخللها الماء حتى يغمرها، فهذه لا تحتاج إلى حفر، وبين ما إذا كانت صلبة فلا بد من حفرها وإلقاء التراب، لأن الماء لم يغمر أعلاها وأسفلها، واحتجوا فيه بحديث جاء من ثلاث طرق، أحدها موصول عن ابن مسعود أخرجه الطحاويِ، لكن إسناده ضعيف، قاله أحمد وغيره، والآخران مرسلان أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل بن مقرن، والآخر من طريق سعيد بن منصور من طريق طاوس، ورواتهما ثقات، وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقًا، وكذا من يحتج به إذا اعتضد مطلقًا.\nقلت: والحديث الذي أخرجه الطحاوي (٢) موصولًا عن ابن سعود هو ما قال الطحاوي: حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن سمعان بن مالك الأسدي، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: بال أعرابي في المسجد، فأمر به النبي - ﷺ -، الحديث، قال الدارقطني: سمعان مجهول، وقال الشوكاني: وفيه سمعان بن مالك وليس بالقوي، وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" عن أبي زرعة: هو حديث منكر، وكذا قال أحمد، وقال أبو حاتم: لا أصل له.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٥).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٤).","vol":"2","page":616},{"text":"٣٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ حَازِمٍ - قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَيْرٍ - يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: \"صَلَّى أَعْرَابِىٌّ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ-،\n===\n٣٨١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا جرير -يعني ابن حازم- قال: سمعت عبد الملك، يعني ابن عمير) بن سويد بن حارثة القرشي، في \"التقريب\": يقال له: الفرسي بفتح الراء والفاء ثم مهملة، نسبة إلى فرس له سابق يقال له: القبطي، بكسر القاف وسكون الموحدة، اللخمي، أبو عمر الكوفي، رأى عليًّا وأبا موسى، له نحو مأتي حديث، قال أحمد: عبد الملك مضطرب الحديث جدًّا، وقال العجلي: صالح الحديث تغير حفظه قبل موته، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن نمير: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال ابن البرقي عن ابن معين: ثقة إلَّا أنه أخطأ في حديث أو حديثين.\nواختلف في ضبط القرشي، فقيل بالقاف والمعجمة، نسبة إلى قريش، يدل عليه قول ابن سعد: إنه حليف بني عدي بن كعب، وعليه مشى المؤلف بقوله: القرشي، ويقال: اللخمي، وأما أبو حاتم ويعقوب بن أبي سفيان، وغير واحد فضبطوه بالفاء والمهملة لنسبته إلى فرسه، حتى خطأ ابن الأثير من قال غير ذلك، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران لما أسلفنا.\n(يحدث عن عبد الله بن معقل) بفتح أوله وسكون المهملة بعدها قاف (ابن مقرن) المزني أبو الوليد الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، مات بالبصرة سنة ٨٨ هـ. (قال: صلى أعرابي مع (١) النبي - ﷺ) وقد تقدم الكلام في تسميته\n_________\n(١) ويشكل عليه أن القصة المتقدمة كانت، والنبي - ﷺ - جالس، وفي هذه القصة صلَّى مع =","vol":"2","page":617},{"text":"بِهَذِهِ الْقِصَّةِ (١). (٢) قَالَ فِيهِ: وقَالَ: - يَعْنِي النَّبِيِّ - ﷺ -: \"خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ، فَألْقُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً\". [ق ٢/ ٤٢٨، قط ١/ ١٣٢]\n===\n(بهذه القصة) أي حدث بهذه القصة، وهي بوله في ناحية المسجد، وتناول الناس إياه، ونهي النبي - ﷺ - إياهم.\n(قال) أي ابن معقل (فيه: وقال -يعني النبي - ﷺ -: خذوا ما بال عليه من التراب (٣) فألقوه) أي خارجًا من المسجد (وأهريقوا).\nقال في \"القاموس\": هَرَاق الماءُ يَهْرِيقه بفتح الهاء، هِراقة بالكسر، وأهرقه يهريقه إِهراقًا، وأهْراقَه يُهْرِيقُه اِهرِياقًا، فهو مُهَرِيق، وذاك مُهَراق ومُهْراق: صبه، وأصله أراقه يريقه إراقةً، وأصل أراق أَرْيَقَ، وأصل يُرِيقُ: يُرْيِقُ، وأصل يُرْيِقُ: يُؤَرْيِقُ، وقالوا: أُهَرِيقُه، ولم يقولوا: أُأَرِيقُه لاستثقال الهمزتين.\n(على مكانه) أي مكان التراب الذي نقل (ماء) لزيادة التنظيف، وليزيل طيب التراب رائحة البول.\n_________\n= النبي - ﷺ - فتأمل، والأوجه عندي تعدد القصة، فصب الماء مرة، وحفر الأرض أخرى. (ش).\n(١) وفي نسخة: \"الصفة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) قال ابن رسلان: يحتمل أن يكون هذا التراب الذي يبسط في المسجد أيام قدوم الحاج لا تراب المسجد، انتهى ملخصًا. قلت: وهذا على مذهبهم، وقال ابن العربي (١/ ٢٤٥): لا يصح أي هذا اللفظ من الحديث، وقال ابن رسلان: قالت الحنفية: لا تطهير الأرض إلَّا بحفرها لهذا الحديث، كذا أطلقه النووي وغيره، والمذكور في كتب الحنفية التفصيل بين الرخوة فلا تحفر، والصلبة تحفر. (ش).","vol":"2","page":618},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ مُرْسَلٌ. ابْنُ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>(١٣٩) بَابٌ: في طُهُورِ الأَرْضِ إِذَا يَبِسَت</span>\n٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ،\n===\n(قال أبو داود: وهو) أي حديث عبد الله بن معقل (مرسل) وهو ما قال التابعي: قال رسول الله - ﷺ - أو فعل. (ابنُ معقل) أي عبد الله (لم يدرك النبي-صلي الله عليه وسلم -).\nقال الشوكاني (١): قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢): إن الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أجدت قوة، قال: ولها إسنادان موصولان: أحدهما عن ابن مسعود رواه الدارمي والدارقطني ولفظه: \"فأمر بمكانه فاحتفر وصب عليه دلو من ماء\"، وفيه سمعان بن مالك وليس بالقوي، قاله أبو زرعة، وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" عن أبي زرعة: هو حديث منكر، وكذا قال أحمد، وقال أبو حاتم: لا أصل له، وثانيهما عن واثلة بن الأسقع رواه أحمد والطبراني، وفيه عبيد الله بن أبي حميد الهذلي، وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم، وأيضًا قال الشوكاني: واستدلوا بما أخرجه الدارقطني من حديث أنس بلفظ: \"احفروا مكانه، ثم صبوا عليه\"، وأعلّه بتفرد عبد الجبار به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ.\n\n(١٣٩) (بَابٌ: في طُهُورِ الأرْضِ إِذَا يَبِسَتْ) (٣)\n٣٨٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٣).\n(٢) (١/ ٥٥).\n(٣) وبه استدل الشامي. (ش).","vol":"2","page":619},{"text":"أَخْبَرَنِى (١) يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ (٢) ابْنُ عُمَرَ: \"كُنْتُ أَبِيتُ فِى الْمَسْجِدِ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا. وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِى الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ\". [خ ١٧٤، حم ٢/ ٧١]\n===\nأخبرني يونس) بن يزيد، (عن ابن شهاب، حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب، أبو عمارة، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره ابن المديني عن يحيى بن سعيد في فقهاء أهل المدينة، وهو شقيق سالم.\n(قال: قال ابن عمر) أي عبد الله: (كنت أبيت) (٣) أي أسكن وأنام في الليل (في المسجد في عهد رسول الله - ﷺ -)، قال الحافظ (٤): روي عن ابن عباس كراهيته إلَّا لمن يريد الصلاة، وعن ابن مسعود مطلقًا، وعن مالك التفصيل (٥) بين من له مسكن فيكره، وبين من لا مسكن له فيباح.\n(وكنت فتًى شابًّا) كلاهما بمعنى (عزبًا) بالمهملة والزاي، والمشهور فيه عزب، والأعزب لغة قليلة مع أن القزاز أنكرها.\n(وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا) أي الصحابة (يرشون) أي يصبون عليه (شيئًا) من الماء (٦) (من ذلك) أي من أجل ذلك البول.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عبد الله\".\n(٣) قال ابن العربي (٢/ ١١٧): النوم في المسجد كرهه ابن عباس. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٥).\n(٥) ويجوز عند الشافعي كما قال به النووي، وللمسافر عند أحمد. (ش).\n(٦) قال ابن رسلان: استدل به الحنفية، لأن الأرض تحيل الشيء إلى طبعها، ولذا قال =","vol":"2","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>(١٤٠) بَابٌ: في الأَذَى يُصِيْبُ الذَّيْلَ</span>\n٣٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ،\n===\n\n(١٤٠) (بَابٌ: في الأذَى)\nأي: اليابس (يُصِيبُ الذَّيْلَ)\n٣٨٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) الإِمام، (عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني الحزمي، قال يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح ليس بذاك القوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن محمد بن إبراهيم) التيمي، (عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) قال في \"التقريب\": حميدة عن أم سلمة يقال: هي أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، مقبولة، من الرابعة.\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة حميدة: إنها سألت أم سلمة، وقالت: إني امرأة طويلة الذيل، وعنها محمد بن إبراهيم بن حارث، وقيل: عنه عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة، وهو المشهور، قلت: يجوز أن يكون اسم أم الولد حميدة فيلتئم القولان، وقال في \"الميزان\": تفرد عنها محمد بن إبراهيم التيمي.\n_________\n= تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [سورة الكهف: ٨]، وأجاب الشافعية بأن الأرض لا تحيل الجواهر، والمراد بالآية العلماء والأمراء كما فسره ابن عباس. (ش)","vol":"2","page":621},{"text":"أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَتْ: \"إِنِّى امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِى وَأَمْشِى فِى الْمَكَانِ الْقَذِرِ. فَقَالَتْ (١) أُمُّ سَلَمَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ». [ت ١٤٣، جه ٥٣١، دي ٧٤٨، ط ١/ ٢٤/ ١٦، حم ٦/ ٢٩٠]\n٣٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ،\n===\n(أنها سألت أم سلمة (٢) زوج النبي - ﷺ - فقالت) أي أم ولد إبراهيم لأم سلمة: (إني امرأة أطيل ذيلي) وأجرها على الأرض (وأمشي في المكان القذر) أي في مكان ذي قذر يابس، فكيف الحكم بالطهارة أو النجاسة فيه؟\n(فقالت أم سلمة: قال رسول الله - ﷺ -) في جواب هذه المسألة: (يطهره) أي الذيل (ما بعده) أي المكان الذي بعد المكان القذر بزوال ما يتشبث بالذيل من القذر يابسًا، وهذا التأويل على تقدير صحة الحديث متعين عند الكل لانعقاد الإجماع (٣) على أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهر إلَّا بالغسل، فإطلاق التطهير مجازي.\n٣٨٤ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وأحمد بن يونس قالا: نا زهير) بن حرب، (نا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله بن يزيد) الأنصاري الخطمي، بفتح المعجمة وسكون المهملة، الكوفي، قال ابن معين والعجلي والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قالت\".\n(٢) قال ابن العربي (١/ ٢٣٧): هذا الباب لا يصح منه شيء إلَّا حديث أم سلمة هذا، وقال: معنى يطهره أي اليابس، وأطلق بعض علمائنا في الرطب أيضًا ولا يصح، ثم بسطه في فروع الباب. (ش).\n(٣) نقل فيه الخلاف ابن العربي (١/ ٢٣٨).","vol":"2","page":622},{"text":"عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: \"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً، فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ (١) هِىَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟»، قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ». [جه ٥٣٣، حم ٦/ ٤٣٥، ق ٢/ ٤٣٤]\n===\n(عن امرأة من بني عبد الأشهل) قال في \"التقريب\": صحابية لم تسم.\nقال الخطابي (٢): وفي إسناد الحديثين معًا مقال، لأن الأول عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن، وهي مجهولة لا يعرف حالها في الثقة والعدالة، والحديث الآخر عن امرأة من بني عبد الأشهل، والمجهول لا تقوم به الحجة في الحديث (٣).\nقلت: قد أجمعت الأمة على أن الصحابة كلهم عدول فلا يضر الجهل بأعيانهم، فالحديث الذي روته امرأة من بني عبد الأشهل لا مجال للمقال فيه، نعم الحديث الأول الذي رواه محمد بن إبراهيم عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فيه مقال لجهالة أم الولد.\n(قالت: قلت: يا رسول الله، إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة) أي مستقذرة خبيثة الرائحة (فكيف نفعل إذا مطرنا؟) أي إذا مطر تثور منه رائحة النتن، فإذا مررنا عليه تعفن الأرجل، فكيف نفعل بها هل نطهرها أم ماذا نفعل؟\n(قال: أليس بعدها) أي بعد الطريق المنتنة (طريق هي) أي الطريق الثانية (أطيب منها؟) أي من الأولى (قالت: قلت: بلى) أي بعدها طريق أطيب منها (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فهذه) أي الطريق الثانية (بهذه)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"طريقًا\".\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٧٠).\n(٣) قال النووي: فيه نظر، لأنها صحابية. (ش).","vol":"2","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>(١٤١) بَابٌ: في الأَذَى يُصِيْبُ النَّعْلَ</span>\n٣٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ. (ح): وَحَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ\n===\nأي بدل الطريق الأولى، فإنه إذا مشى على الطريق الثانية زال عن الأرجل ما تعلق بها من النتن والعفونة بالمشي على الطريق الأولى، ويمكن أن يؤول بالنجاسة اليابسة ويحمل النتن عليها.\nقال الخطابي (١): قال مالك فيما روي أن الأرض يطهر بعضها بعضًا إنما هو أن يطأ الأرض القذرة ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة (٢)، فإن بعضها يُطَهِّرُ بعضًا، فأما النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد، فإن ذلك لا يطهره إلَّا الغسل.\n\n(١٤١) (بَابٌ: في الأَذَى) أي: النجاسة (يُصِيبُ النَّعْلَ) (٣) وفي معناه الخف\n٣٨٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو المغيرة) عبد القدوس، (ح: وحدثنا عباس بن الوليد بن مزيد) بفتح الميم وسكون الزاي وفتح المثناة التحتانية، العذري بضم المهملة وسكون المعجمة، البيروتي بفتح الموحدة وآخره مثناة، قال ابن أبي حاتم: سمعت منه، صدوق ثقة، وقال النسائي في مشيخته: ثقة، وقال مسلمة: كان يفتي برأي الأوزاعي هو وأبوه، وكان ثقة مأمونًا فقيهًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال:\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٧٠).\n(٢) وقال ابن رسلان: قال الشافعي: هذا فيما إذا جر على مكان يابس يعلق منه شيء، وظاهر \"المغني\" (٢/ ٥٠٢) حمله على طين الشارع، وفي شرح \"الإقناع\" (١/ ٢٤٠) عفي طين الشارع النجس يقينًا للضرورة. (ش).\n(٣) أي أصابه قبل الصلاة وعلم به كما يظهر من الحديث، وأما إذا لم يعلم به فسيأتي في \"باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما\"، من إلقائه - ﷺ - نعليه لإخبار جبرئيل. (ش).","vol":"2","page":624},{"text":"قال: أَخْبَرَنِى أَبِى. (ح): وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ -، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ؛ الْمَعْنَى قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ سَعِيدَ (١) الْمَقْبُرِىَّ حَدَّثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلَيْهِ الأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ». [ك ١/ ١٦٦، ق ٢/ ٤٣٠]\n===\nكان من خيار عباد الله المتقنين في الروايات، مات سنة ٢٦٩ هـ.\n(قال: أخبرني أبي) هو الوليد بن مزيد بفتح الميم وسكون الزاي وفتح التحتانية، العذري، أبو العباس البيروتي، قال دحيم وأبو داود ومسلمة: ثقة، وقال الدارقطني: ثقة ثبت، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وقال النسائي: لا يخطئ ولا يدلس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٨٣ هـ.\n(ح: وحدثنا محمود بن خالد، نا عمر يعني ابن عبد الواحد) بن قيس السلمي، أبو حفص الدمشقي، قال ابن سعد: كان ثقة، وقال العجلي وإبراهيم بن يوسف ودحيم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٠٠ هـ.\n(عن الأوزاعي) عبد الرحمن (المعنى) أي معنى حديث أبي المغيرة وحديث ابن مزيد وحديث ابن عبد الواحد واحد وان اختلفت ألفاظها (قال) أي الأوزاعي: (أنبئت) بصيغة المجهول، أي أخبرت، أخبرني رجل يقال: هو ابن عجلان، كما يدل عليه الرواية الثانية (أن سعيد المقبري حدث عن أبيه) كيسان (عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا وطئ) أي داس (أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور) أي مطهر (٢).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سعيد بن أبي سعيد المقبري\".\n(٢) وقالت الشافعية: قوله: طهور بمنزلة قوله ﵊: \"السواك مطهرة للفم\". (ش).","vol":"2","page":625},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال القاري (١) عن \"شرح السنة\": ذهب أكثر أهل العلم إلى ظاهر الحديث، وقالوا: إذا أصاب أكثر الخف أو النعل نجاسة، فدلكه بالأرض، حتى ذهب أثرها، فهو طاهر، وجازت الصلاة فيها، وبه قال الشافعي في \"القديم\"، وقال في الجديد: لا بد (٢) من الغسل بالماء، فيؤول هذا الحديث بأن الوطء على نجاسة يابسة فيتشبث به شيء منها يزول بالدلك، كما أول حديث أم سلمة المتقدم.\nقل التوربشتي: بين الحديثين بون بعيد، فإن حديث أم سلمة على ظاهره يخالف الإجماع، لأن الثوب لا يطهر إلَّا بالغسل بخلاف الخف، فإن جماعة من التابعين ذهبوا إلى أن الدلك يطهره على أن حديث أبي هريرة حسن لم يُطعن فيه، وحديث أم سلمة مطعون فيه.\nثم قال: وقول أبي حنيفة في ظاهر الرواية: إن الخف إنما يطهر بالدلك إذا جفت النجاسة عليه بخلاف الرطبة، نعم عن أبي يوسف أنه إذا مسحه على وجه المبالغة، والنجاسة متجسدة كالعذرة والروث والمني تطهر إذا كان بحيث لا يبقى لها أثره، وعليه الفتوى لعموم البلوى، وإن لم تكن النجاسة متجسدة كالخمر والبول لا تطهير إلَّا بالغسل، كذا ذكره قاضي خان.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٢).\n(٢) كذا قاله الحنابلة كما في حاشية \"نيل المآرب\" (١/ ٩٦)، وذكر صاحب \"المغني\" (٢/ ٤٨٧) ثلاث روايات، ورجح الطهارة بالدلك مطلقًا، الثالثة: يجب الغسل في البول والعذرة، ويكفي في غيرهما الدلك، قال ابن رسلان: أخذ بظاهر الحديث أبو ثور وإسحاق وهو رواية عن أحمد أنه يطهر بالدلك مطلقًا يعم الرطب واليابس، وقال أبو حنيفة: يطهر إذا يبس، وبه قال القاضي من الحنابلة، وذهب الشافعي وهو رواية عن أحمد أنه لا بدَّ من الغسل، وأولوا الروايات بأن المراد منه المستقذر الطاهر، ومعنى طهورهما أي مزيلهما، كقوله ﵊: \"السواك مطهرة للفم\" انتهى. (ش).","vol":"2","page":626},{"text":"٣٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ - يَعْنِى الصَّنْعَانِىَّ -، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ قَالَ: «إِذَا وَطِئَ\n===\n٣٨٦ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) بن كثير بن زيد الدورقي النكري البغدادي، أبو عبد الله، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٦ هـ.\n(حدثني محمد بن كثير يعني الصنعاني) ابن أبي عطاء الثقفي مولاهم، أبو أيوب الصنعاني، نزيل المصيصة، يقال: هو من صنعاء دمشق، قال البخاري: ضعفه أحمد، وقال عبد الله بن أحمد: ذكر أبي محمدَ بنَ كثير فضعفه جدًّا. وقال: هو منكر الحديث يروي أشياء منكرة، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: لم يكن عندي ثقة، وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا سكن المصيصة وأصله من صنعاء اليمن، وقال صالح بن محمد: صدوق كثير الخطأ، وقال البخاري: لين جدًّا، وقال إبراهيم بن جنيد عن ابن معين: كان صدوقًا، وقال عبيد بن محمد الكشوري عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: سمعت الحسن بن الربيع يقول: محمد بن كثير اليوم أوثق الناس، وينبغي لمن يطلب الحديث لله تعالى أن يخرج إليه، وقال ابن سعد: كان من صنعاء، ونشأ بالشام، ونزل المصيصة، وكان ثقة، ويذكرون أنه اختلط في أواخر عمره، مات سنة ٢١٦ هـ.\n(عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، (عن ابن عجلان) هو محمد، (عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه) أبي سعيد المقبري، (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي حدث محمد بن كثير عن الأوزاعي بمعنى ما حدث أبو المغيرة وابن مزيد وعمر.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -، ويمكن أن يكون مرجع الضمير محمد بن كثير، أي قال محمد بن كثير في حديثه بهذا اللفظ (إذا وطئ) أي أحدكم","vol":"2","page":627},{"text":"الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ\". [ك ١/ ١٦٦، ق ٢/ ٤٣٠، حب ١٤٠١، خزيمة ٢٩٢]\n٣٨٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ عَايذٍ -، حَدَّثَنِى (١) يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ حَمْزَةَ -، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ قال: أَخْبَرَنِى أَيْضًا سَعِيدُ\n===\n(الأذى) أي النجاسة اليابسة، أو الرطبة المتجسدة (بخفيه فطهورهما) أي مطهرهما (التراب) فإذا مسح بعد ذلك بالتراب وزال أثر النجاسة عن الخف يطهر.\n٣٨٧ - (حدثنا محمود بن خالد، نا محمد -يعني ابن عايذ -) بتحتانية، ابن أحمد، ويقال: سعيد، ويقال: عبد الرحمن، القرشي، أبو أحمد، ويقال: أبو عبد الله، الدمشقي، صاحب المغازي، قال ابن معين: ثقة، وقال صالح بن محمد: ثقة إلَّا أنه قدري، وقال أبو زرعة عن دحيم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، قال أبو داود: ولي خراجًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٣٣ هـ.\n(حدثني يحيى يعني ابن حمزة) بن واقد الحضرمي، أبو عبد الرحمن البتلهي، نسبة إلى بيت لهيا بكسر اللام وسكون الهاء ومثناة تحتانية وألف مقصورة، قرية بقرب دمشق. الدمشقي القاضي، من أهل بيت لهيا، قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة، وقال الغلابي: كان ثقة وكان قدريًّا، ووثَّقه دحيم وأبو داود والنسائي ويعقوب وسفيان والعجلي ويعقوب بن شيبة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٨٣ هـ.\n(عن الأوزاعي، عن محمد بن الوليد قال: أخبرني (٢) أيضًا سعيد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نا\".\n(٢) سكت عنه ابن رسلان. (ش).","vol":"2","page":628},{"text":"ابْنُ أَبِى سَعِيدٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>(١٤٢) بَابُ الإِعَادَةِ مِنَ النَّجَاسَةِ تَكُونُ في الثَّوبِ</span>\n===\nابن أبي سعيد) اختلف المعتنون بشرح الكتاب في شرح هذا اللفظ بأن المصنف ماذا أراد بهذا اللفظ؟ فقال بعضهم: هذا قول الأوزاعي بتقدير الواو، أي حدث الأوزاعي عن محمد بن الوليد قال: وأخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد كلاهما عن القعقاع بن حكيم.\nوقال صاحب \"عون المعبود\" (١): ما معناه أن الأوزاعي حدث عن محمد بن الوليد، قال محمد بن الوليد: أخبرني سعيد بن أبي سعيد أيضًا عن القعقاع بن حكيم عن عائشة، كما أخبرني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وعلى هذا يعود ضمير \"قال\" إلى محمد بن الوليد، ويكون قوله: \"أخبرني\" من كلام محمد بن الوليد، ويحتمل أن يكون المعنى، قال محمد بن الوليد: أخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد، كما أخبرني غيره عن القعقاع بن حكيم عن عائشة.\n(عن القعقاع بن حكيم، عن عائشة، عن رسول الله - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم عن أبي هريرة.\n\n(١٤٢) (بَابُ الإعَادَةِ مِنَ النَّجَاسَةِ تَكُونُ في الثَّوْبِ) (٢)\nأي: حكم إعادة الصلاة من أجل النجاسة التي تكون في الثوب هل تعاد أم لا؟ ويحتمل أن يكون معناه إعادة الثوب إلى الأهل للغسل والتطهير من أجل النجاسة التي تكون في الثوب\n_________\n(١) (٢/ ٤٩).\n(٢) ولو رأى النجاسة في أثناء الصلاة، فيه تفصيل عند المالكية، قاله ابن العربي (١/ ٢٢٤). قلت: لكن طهارة الثوب ليس بشرط عند مالك. (ش).","vol":"2","page":629},{"text":"٣٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ يُونُسَ بِنْتُ شَدَّادٍ قَالَتْ: حَدَّثَتْنِى حَمَاتِى أُمُّ جَحْدَرٍ الْعَامِرِيَّةُ \"أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ (١) يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَتْ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَيْنَا شِعَارُنَا، وَقَدْ أَلْقَيْنَا فَوْقَهُ كِسَاءً، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ الْكِسَاءَ فَلَبِسَهُ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ جَلَسَ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لُمْعَةٌ\n===\n٣٨٨ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا أبو معمر) عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، (نا عبد الوارث) بن سعيد، (حدثتنا أم يونس بنت شداد). قال في \"التقريب\": أم يونس بنت شداد لا يعرف حالها (قالت: حدثتني حماتي). قال في \"القاموس\": حَمْوُ المرأةِ وحَموها وحَماها وحَمُها وحَمْؤها: أبو زوجها، ومن كان من قبله، والأنثى: حماة، (أم جحدر العامرية). قال في \"التقريب\": أم جحدر العامرية لا يعرف حالها (أنها سألت عائشة عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقالت: كنت مع رسول الله - ﷺ -) أي ليلة وأنا حائض (وعلينا شعارنا) أي الثوب الذي يلي الجسد، (وقد ألقينا فوقه كساء) لعله لأجل البرد.\n(فلما أصبح رسول الله - ﷺ - أخذ الكساء فلبسه ثم خرج) من البيت إلى المسجد (فصلى الغداة) أي صلاة الفجر (ثم جلس) بين الناس (فقال رجل: يا رسول الله هذه لمعة).\nقال في \"القاموس\": اللمعة بالضم: قطعة من النبت أَخَذَتْ في اليبس، جمعه ككتاب، والجماعة من الناس والموضع الذي لا يصيبه الماء\n_________\n(١) وفي نسخة: \"المحيض\".","vol":"2","page":630},{"text":"مِنْ دَمٍ. فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مَا يَلِيهَا، فَبَعَثَ بِهَا إِلَىَّ مَصْرُورَةً فِى يَدِ الْغُلَامِ فَقَالَ: «اغْسِلِى هَذِهِ وَأَجِفِّيهَا، و(١) أَرْسِلِى بِهَا إِلَىَّ»، فَدَعَوْتُ بِقَصْعَتِى، فَغَسَلْتُهَا، ثُمَّ أَجْفَفْتُهَا فَأَحَرْتُهَا (٢) إِلَيْهِ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِنِصْفِ (٣) النَّهَارِ وَهِىَ (٤) عَلَيْهِ\".\n===\nفي الوضوء أو الغسل، والبُلْغة من العيش، ومن الجسد بَرِيْق لونه، انتهى، والمراد ههنا شيء يسير من الدم يلمع.\n(من دم فقبض رسول الله - ﷺ - على ما يليها) أي اللمعة (فبعث بها) أي بالكساء (إليَّ مصرورة) أي مجموعة ومقبوضة (في يد الغلام فقال: اغسلي هذا) أي الدم، وفي نسخة: هذه، وهو أنسب (وأجِفِّيْها وأرسلي بها) أي بالكساء (إليّ، فدعوت بقصعتي) أي صحفتي (فغسلتها، ثم أجففتها فأحرتها) من الحور، أي رددتها (إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (فجاء رسول الله - ﷺ - بنصف النهار وهي) أي الكساء (عليه) أي رسول الله - ﷺ - أي وهو لابسها.\nومناسبة الحديث (٥) بترجمة الباب بأنه لم يذكر في الحديث أنه - ﷺ - أعاد الصلاة (٦) بتلك اللمعة،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثم\".\n(٢) وفي نسخة: \"فأخرجتها\".\n(٣) وفي نسخة: \"نصف النهار\".\n(٤) وفي نسخة: \"وهو\".\n(٥) ولو ثبت الإعادة فالترجمة شارحة، كذا قال ابن رسلان، وقال: ما ورد في الدارقطني في رواية أبي هريرة أنه ﵊ أعاد من الدم محمول على أنه ﵊ علم به. (ش).\n(٦) واختلف فيه الأئمة كما قال به ابن العربي (١/ ٢٢٤): وحاصله لا يعيد عند المالكية، وللشافعي قولان، ولأحمد قولان، ويعيد عندنا، وفي (شرح الإقناع) (١/ ١٢٣): يعيد، ولا يعتبر النسيان أو الجهل. (ش).","vol":"2","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>(١٤٣) بَابٌ: في الْبُزَاقِ يُصِيبُ الثَّوْبَ</span>\n٣٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عن أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: \"بَزَقَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - في ثَوْبِهِ وَحَكَّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ\". [حم ٣/ ٤٢]\n===\nفلو أعادها (١) لنقل وذكر، فعلم بهذا أن القليل من النجاسة إذا أصابت الثوب لا تعاد الصلاة بها، هذا على التقدير الأول، وأما على التقدير الثاني وهو إعادة الثوب للغسل، فالمناسبة واضحة.\n\n(١٤٣) (بَابٌ: في البُزَاقِ يُصِيبُ الثَّوْبَ)\nهل يُطَهَّرُ الثَّوْب لأجله أم لا؟\n٣٨٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (أنا ثابت البناني) هو ثابت بن أسلم، (عن أبي نضرة) هو منذر بن مالك بن قطعة، بضم القاف وفتح المهملة، العبدي، العوقي، بفتح المهملة والواو ثم قاف، البصري، وثَّقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وأحمد بن حنبل، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وليس كل واحد يحتج به، مات سنة ١٠٨ هـ.\n(قال: بزق رسول الله - ﷺ - في ثوبه) أي تفل فيه (وحك) أي ذلك (بعضه) أي بعض الثوب (ببعض) وهذا الحديث مرسل، لأن أبا نضرة تابعي لم يدرك النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) لا يقال: إن السكوت في محل البيان بيان، لأن السؤال ليس عن الصلاة بل عن حكم دم الحيض، كما يظهر عن ألفاظ السؤال والجواب. (ش).","vol":"2","page":632},{"text":"٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ. [خ ٢٤١، ن ٣٠٨، جه ١٠٢٤، دي ١٣٩٦]\nآخر كتاب الطهارة\n===\n٣٩٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (عن حميد) الطويل، (عن أنس) بن مالك، (عن النبي -صلي الله عليه وسلم- بمثله) أي بمثل (١) حديث ثابت البناني عن أبي نضرة.\nآخر كتاب الطهارة\n_________\n(١) قال ابن رسلان: قال ابن بطال: فعلم أن البزاق طاهر، ولا أعلم فيه خلافًا لأحد، إلَّا ما روي عن سلمان الفارسي، فإنه جعله غير طاهر، والحسن البصري كرهه في الثوب تنزهًا. قلت: وحكى ابن العربي عن النخعي نجاسته. (ش).","vol":"2","page":633},{"text":"تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الثاني\nويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الثالث\nوأوله: \"كتاب الصلاة\"\nوصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا\nمحمد وآله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا","vol":"2","page":634},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء الثَّالِث\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"3","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"3","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٣)","vol":"3","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"3","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>(٢) كِتَابُ الصَّلَاةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>(١) أَوَّلُ كِتَابِ الصَّلَاةِ </span>(١)\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(١) (أَوَّلُ كِتَابِ الصَّلَاةِ) (٢)\nلما فرغ من بيان الطهارة التي من شروط الصلاة شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة، فلذلك أخرها عن الطهارات، لأن شرط الشيء يسبقه، وحكمه يعقبه، ثم معنى الصلاة في اللغة الغالبة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، وفي الحديث: \"وإن كان صائمًا فليصل\"، أي فليدع لهم بالخير والبركة، وقيل: مشتقة من صليت العود على النار إذا قومته.\nقال النووي: هذا باطل، لأن لام الكلمة في الصلاة واو بدليل الصلوات، وفي صليت ياء، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية.\nقلت: دعواه بالبطلان غير صحيحة، لأن اشتراط اتفاق الحروف الأصلية في الاشتقاق الصغير دون الكبير والأكبر، وقيل: الصلاة مشتقة من الصَّلَوَيْن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب فرض الصلاة\".\n(٢) وقال ابن القيم في \"الهدي\" (٤/ ٣٣٢): إن الصلاة صلة بين الرب والعبد، وذكر منافعها الدنيوية. (ش).\n(٣) سورة التوبة: الآيهّ ١٠٣.","vol":"3","page":5},{"text":"٣٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قال: إنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ\n===\nتثنية الصَّلَا، وهو ما عن يمين الذنب وشماله، وذلك لأن المصلي يحرك صَلَوَيْه في الركوع والسجود، وقيل: مشتقة من المصلي وهو الفرس الثاني من خيل السباق، لأن رأسه تلي صلوى السابق، وأما معناه الشرعي فهي عبارة عن الأركان المعهودة والأفعال المخصوصة، هذا خلاصة ما قاله العيني في شرح البخاري (١)، وفرضت الصلاة بمكة قبل الهجرة في الإسراء.\n٣٩١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك) التيمي المدني، عم مالك بن أنس الإِمام، حليف بني تيم، اسمه نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، كان يؤخذ عنه القراءة بالمدينة.\n(عن أبيه) مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو أنس، ويقال: أبو محمد، جد مالك بن أنس الفقيه، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، مات سنة ٧٤ هـ.\n(قال: إنه سمع طلحة بن عبيد الله) (٢) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة المبشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإِسلام، وأحد الستة الشورى، غاب عن بدر، لأنه كان عند وقعة بدر في الشام، بعثه رسول الله - ﷺ - مع سعيد بن زيد يتجسسان خبر العير التي كانت لقريش مع أبي سفيان بن حرب، فعادا يوم اللقاء ببدر، فضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره، وشهد أحدًا وما بعدها، وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، آخى النبي - ﷺ - بمكة بينه وبين الزبير، وآخى بالمدينة بينه وبين\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٤٩٠) رقم (٢٦٢٧).","vol":"3","page":6},{"text":"يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى إذا دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ».\n===\nأبي أيوب الأنصاري، مات يوم الجمل بسهم رماه مروان فأصاب ركبته، وقيل: أصابه سهم غريب فقتله سنة ٣٦ هـ.\n(يقول جاء رجل) قيل (١) هو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر (إلى رسول الله - ﷺ - من أهل نجد) والنجد: ما ارتفع من الأرض ضد التهامة، وهو الغور، سميت به الأرض الواقعة بين تهامة، أي مكة وبين العراق (ثائر الرأس) أي منتشر شعر الرأس غير مرجله بحذف المضاف، أو سمي الشعر رأسًا مجازًا تسمية للحال باسم المحل، أو مبالغة بجعل الرأس كأنه المنتشر (يسمع) بصيغة المجهول (دوي صوته) الدوي بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، قال في \"المجمع\": هو صوت ليس بالعالي نحو صوت النحل، وقال في \"القاموس\": دوي الريح حفيفها، وكذا من النحل والطائر.\n(ولا يفقه) بصيغة المجهول أي لا يفهم من جهة البعد، وروي فيهما بصيغة المتكلم المعلوم (ما يقول) أي ما يتكلم به من الكلام لا يفهم لضعف صوته وبعده (حتى إذا دنا) أي قرب من رسول الله - ﷺ -، أي إلى أن قرب ففهمنا (فإذا) للمفاجأة (هو) أي الرجل (يسأل) أي رسول الله - ﷺ - (عن الإِسلام) أي عن فرائضه، ولذا لم يذكر الشهادتين، ولكون السائل متصفًا به.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: خمس صلوات في اليوم والليلة) مبتدأ محذوف\n_________\n(١) وفي حاشية أبي داود عن \"مرقاة الصعود\": جزم به جماعة خلافًا للقرطبي، ومثله في \"ابن رسلان\" مختصرًا فقال: قيل هذا الرجل ضمام بن ثعلبة المذكور في حديث \"آلله أمرك بهذا\"، الحديث، واستبعده القرطبي فقال: هما حديثان سياقهما مختلف، فالظاهر أنه شخص آخر، ورجحه الحافظ والبسط في \"الأوجز\" (٣/ ٥٨٥). (ش).","vol":"3","page":7},{"text":"قَالَ (١): هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: «لَا، إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ. قَالَ (٢): هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا،\n===\nالخبر، أو خبر مبتدأه محذوف، أي عليك خمس صلوات، أو فرض الإِسلام خمس صلوات (قال) أي الرجل: (هل عليَّ) أي هل يجب عليَّ من الصلاة (غيرهن؟) أي في اليوم والليلة (قال: لا) أي لا يجب عليك غيرها، وهذا قبل وجوب الوتر، أو أنه تابع للعشاء، وصلاة العيد، لأنها ليست من الفرائض اليومية، بل هي من الواجبات السنوية.\n(إلَّا أن تطوع) بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوع بتائين فأبدلت وأدغمت، وروي بحذف إحداهما وتخفمف الطاء، والمعنى: إلَّا أن تشرع في التطوع، فإنه يجب عليك إتمامه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣)، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى لكن التطوع باختيارك أي ابتداء كما هو مذهبنا، أو انتهاء أيضًا كما هو مذهب الشافعي.\n(قال) أي طلحة أو غيره من الرواة: (وذكر له رسول الله - ﷺ - صيام شهر رمضان) كأن الراوي نسي لفظه بميرِو فحكاه بهذا العنوان، وفي البخاري ومسلم: قال رسول الله - ﷺ -: \"وصيام شهر رمضان\" أي يجب عليك.\n(قال) أي الرجل: (هل عليَّ غيره؟) أي هل يجب عليَّ صوم فرض سوى صوم رمضان؟ (قال) أي رسول الله -ﷺ -: (لا) أي لا يجب عليك سوى صوم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) وعلى هذا فالاستثتاء متصل، قال ابن رسلان: وإذا حملناه على الاستثناء المتصل لزم وجوب التطوع، ولا قائل به لاستحالته، فلم ييق إلَّا ها ذهب إليه مالك أتى التطوع يصير واجبًا بالشروع، ويكون المعنى: إلَّا أن تشرع بالتطوع، ومن ادعى أن الاستثناء من غير جنسه طولب بتصحيح ما ادعاه، انتهى- قلت: وبه قالت الحنفية. (ش).","vol":"3","page":8},{"text":"إِلَاّ أَنْ تَطَّوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصَّدَقَةَ. قَالَ (١): فَهَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَاّ أَنْ تَطَّوَّعَ». قال: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». [خ ٤٦، ١١، ن ٤٥٨، ق ١/ ٣٦١]\n===\nرمضان (إلَّا أن تطوع، قال) أي طلحة: (وذكر له رسول الله - ﷺ - الصدقة) أي وجوب الزكاة (قال: فهل عليَّ غيرها؟) أي غير الزكاة (قال: لا، إلَّا أن تطوع).\nقيل: يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بشروطها، وهو ظاهر إن أريد به الحقوق الأصلية المتكررة تكررها، وإلَّا حقوق المال كثيرة، كصدقة الفطر، ونفقة ذوي الأرحام، والأضحية.\n(قال) أي طلحة: (فأدبر الرجل) أي رجع (وهو) أي والحال أنه (يقول: والله لا أزيد على هذا) أي في الإبلاغ أو في نفس الفرضية (٢) (ولا أنقص) أي منه شيئًا (فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح) (٣) أي فاز وظفر (إن صدق) (٤).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) قال ابن رسلان: إن قيل: كيف قال: لا أزيد، وليس في الحديث الواجبات ولا كل المنهيات؟ والجواب: أنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث زيادة توضح المقصود، فإنه قال: وأخبره رسول الله - ﷺ - بشرائع الإِسلام، انتهى، وقال أيضًا: أو يقال: إن معنى قوله لا أزيد فرضًا ولا أنقص فرضًا، وهو أحسن ما يقال فيه. وأشكل على الحديث بأنه حلف على ترك مندوب وهو مكروه، أجاب عنه الموفق بوجوه؛ منها: أنها إن تضمنت ترك المندوب فقد تضمنت الحلف على مواظبة الفرائض في قوله: لا أنقص، وهذا يزيد في الفضل، ولأن فيه تقريرًا بأن ترك المندوب لا يؤاخذ عليه \"أوجز المسالك\" (٣/ ٥٩٦). (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: الفلاح هو الفوز، وقيل: هو اسم لأربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغناء بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل.\n(٤) قال ابن رسلان: فيه ثلاثة أوجه؛ تنبيه على أن سبب فلاحه صدقه، أو فعلُ ماضٍ أريد به المستقبل، أو فعل تعلق بالشرط المؤخر. (ش).","vol":"3","page":9},{"text":"٣٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِىُّ، عَنْ أَبِى سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِى عَامِرٍ، بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: «أَفْلَحَ - وَأَبِيهِ - إِنْ صَدَقَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ - وَأَبِيهِ - إِنْ صَدَقَ». [م ١١، خزيمة ٣٠٦، ق ٢/ ٤٦٦]\n===\n٣٩٢ - (حدثنا سليمان بن داود، نا إسماعيل بن جعفر المدني، عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر بإسناده) أي بإسناده في الحديث المتقدم (بهذا الحديث) أي بالحديث المتقدم (قال) أي إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل، ويمكن أن يكون مرجع الضمير رسول الله - ﷺ - (أفلح - وأبيه - إن صدق، دخل الجنة - وأبيه - إن صدق).\nوالغرض من إعادة الحديث بيان الاختلاف، فإن في حديث مالك بن أنس: أفلح إن صدق، وزاد إسماعيل بن جعفر في حديثه لفظ \"وأبيه\"، وأيضًا زاد: دخل الجنة وأبيه إن صدق.\nوفي ظاهر هذا اللفظ إشكال، لأنه ورد: \"لا تحلفوا بآبائكم\" وأيضًا ورد: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\"، فقيل: إنه قبل النهي، وقيل: فيه حذف مضاف أي ورب أبيه، وقيل: إنه والله، وإن الكاتب قصر اللامين، وقيل: إن الكراهة في غير الشارع، كما نقله البيهقي عن بعض مشايخه، وأغرب ابن حجر فضعف الأقوال المذكورة جميعها، وحمل على أن هذا وقع من غير قصد، وهو في غاية من البعد، ويشكل أيضًا بما رواه أبو هريرة في هذه القصة فإنه قال فيه: \"من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا\"، فحكم بفلاحه على القطع، وهاهنا علق الفلاح بالصدق، وهو في محل التردد.\nوالجواب عنه: أنه - ﷺ - علق الفلاح بصدقه بحضوره لئلا يغتر، فلما ذهب قال: من سره ... إلخ، وقيل: يحتمل أن يكون التعليق قبل أن يطلعه الله تعالى على صدقه، ثم أطلعه الله عليه فأخبر به.","vol":"3","page":10},{"text":"(٢) بَابٌ (١): في المَوَاقِيتِ\n٣٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ فُلَانِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ العَيَّاشِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَة،\n===\nويمكن أن يقال: لا يلزم من كون الرجل من أهل الجنة أن يكون مفلحًا، لأن المفلح هو الناجي من السخط والعذاب، فكل مؤمن من أهل الجنة، وليس كل مؤمن مفلحًا، قلت: ويأبى عن هذا التأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (٢)، فإن الفوز هو الفلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>(٢) (بَابٌ: في الْمَوَاقِيتِ) </span>(٣)\nأي: في بيان مواقيت الصلاة، قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٤) أي جعل لها وقتًا معينًا مقدرًا ابتداءً وانتهاءً، فلو أدى قبل ذلك الوقت أو بعد إنقضائه لا يكون مؤديًا\n٣٩٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن سفيان) الثوري، (حدثني عبد الرحمن بن فلان بن أبي ربيعة، قال أبو داود: هو) أي عبد الرحمن بن فلان (عبد الرحمن بن الحارث بن العياش بن أبي ربيعة) قال في \"التقريب\" و\"الخلاصة\": عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش، بتحتانية ثقيلة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما جاء في المواقيت\".\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٨٥.\n(٣) اختلفوا في الحكمة لتعيين هذه المواقيت، وسيأتي قريبًا أنها لما عرض من العوارض للأنبياء، وذُكر بعض الحكم في \"التفسير الكبير\" للرازي (١١/ ٢٤)، و\"شرح المنهاج\" لابن حجر المكي (١/ ٤٨٩)، وفي \"المصالح العقلية\" لمولانا التهانوي، وفي هامش \"اللامع\" (٣/ ٢). (ش).\n(٤) سورة النساء: الآية ١٠٣.","vol":"3","page":11},{"text":"عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَّنِى جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ الْبَيْتِ\n===\nومعجمة، ابن عبد الله (١) بن أبي ربيعة، واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أبو الحارث المدني، عن ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال العجلي: مدني ثقة، وقال ابن نمير: لا أقدم على ترك حديثه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد: متروك، وضعفه علي بن المديني، مات سنة ١٤٣ هـ.\n(عن حكيم بن حكيم) (٢) بن عباد بمفتوحة وشدة موحدة، ابن حنيف مصغرًا، الأنصاري الأوسي، قال ابن القطان: لا يعرف حاله، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، ولا يحتجون بحديثه، وقال العجلي: ثقة، وصحح له الترمذي وابن خزيمة وغيرهما، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن نافع بن جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله المدني، قال ابن سعد وأبو زرعة: ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن خراش: ثقة مشهور أحد الأئمة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٩٩ هـ.\n(عن ابن عباس) عبد الله (٣) (قال: قال رسول الله - ﷺ -: أمني جبرئيل ﵇) بتشديد الميم، أي صار إمامًا لي (عند البيت) (٤) وفي رواية\n_________\n(١) ليس ذكر عبد الله في نسبه بين عياش وأبي ربيعة إلَّا في \"الخلاصة\" وحده، وليس في \"التقريب\" و\"التهذيب\" وغيرهما.\n(٢) بفتح الحاء فيهما، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ٢٥٠): حديث ابن عباس اجتنبه الناس قديمًا، وما حقه أن يجتنب، فإن طريقه صحيح، وتكلم بسيطًا على عدم تخريج البخاري إياه. (ش).\n(٤) ولا يلزم منه الصلاة إلى البيت، فلا نكارة في الحديث، \"ابن رسلان\"، وقال ابن العربي: حاذاهما معًا. (ش).","vol":"3","page":12},{"text":"مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ (١) الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْس وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ،\n===\nللشافعي (٢): عند باب الكعبة (مرتين) أي في يومين ليعرفني كيفية الصلاة وأوقاتها.\nقال الشوكاني (٣): قال ابن عبد البر: وكان إمامة جبرئيل بالنبي - ﷺ - في اليوم (٤) الذي يلي ليلة الإسراء، وأول صلاة أديت كذلك الظهر على المشهور (٥)، وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح النبي - ﷺ - من الليلة التي أسري به فيها لم يرعه إلَّا جبرئيل، نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت الأولى، فأمر فصيح بأصحابه: الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصلى جبرئيل بالنبي - ﷺ - وصلَّى النبي بالناس، وطول الركعتين الأوليين، ثم قصر الباقيتين.\n(فصلى بي الظهر حين زالت الشمس) أي الفيء وجرم الشمس عن وسط\n_________\n(١) ذكر بعض تخصيص البدأة بالظهر في \"العرف الشذي\" (١/ ٨٨)، و\"شرح المنهاج\" (١/ ٤٩٠). وحاشية \"البحر الرائق\" (١/ ٤٢٥). (ش).\n(٢) وكذا البيهقي (١/ ٣٦٧)، والطحاوي في مشكله (١/ ١٤٦)، \"ابن رسلان\"، وهذا مشكل، لأن المصلي عند باب الكعبة لا يمكن له التوجه إليهما معًا، بل لا بدَّ من استدبار أحدهما، فتأمل. قال ابن رسلان: وأنكر النووي على الغزالي في هذا الحديث عند باب البيت، وقال: المعروف عند البيت، كما رواه أبو داود وغيره، وقال ابن رسلان: هذا ليس بجيد، لأنه ثبت لفظ الباب في الروايات. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٨).\n(٤) المشهور على الألسنة أن الصلاة ما صليت بالجماعة إلَّا بعد إسلام عمر. والجواب: أن الأمر في الجماعة كان في أول الأمر كما في حديث الباب، ولكنهم كانوا يصلون بعد ذلك سرًا لخوف الكفار، وصلوا بالجماعة جهارًا عند إسلام عمر. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: لكن في رواية أبىِ هريرة عند النسائي الصبح، وكذا رواه ابن أبي حبيب بسنده عن اين عباس قال: لما فرضت الصلاة أتى جيرئيل فصلَّى الصبح، الحديث. ويمكن التقصي عنه بأنها رواية شاذة تخالف الروايات المشهورة. (ش).","vol":"3","page":13},{"text":"وَصَلَّى بِىَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِىَ - يَعْنِى الْمَغْرِبَ - حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِىَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِىَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِىَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ،\n===\nالسماء (وكانت) أي الشمس والمراد بها الفيء (قدر الشراك) (١) أي مثل شراك النعل، والمراد منه أن وقت الظهر حين يأخذ الظل في الزيادة بعد الزوال.\n(وصلى بي العصر) أي صلاة العصر (حين كان ظله) وفي نسخة: صار ظل كل شيء (مثله) أي بعد ظل الزوال، لأن المراد بالظل الحادث.\n(وصلى بي - يعني المغرب- حين أفطر الصائم) أي دخل في وقت إفطاره بأن غابت الشمس ودخل الليل، وفيه إيماء بأن إفطار الصائم ينبغي أن يقع قبل صلاة المغرب.\n(وصلَّى بي العشاء حين غاب الشفق) أي الأحمر أو الأبيض.\n(وصلَّى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم) أي أول طلوع الفجر الثاني، أو في أول وقت تبينه.\n(فلما كان الغد) أي اليوم الثاني (صلَّى بي الظهر حين كان ظله) أي ظل كل شيء (مثله) وفي رواية: حين كان ظل كل شيء مثله كوقت العصر بالأمس، أي: فرغ من الظهر حينئذٍ كما شرع في العصر في اليوم الأول حينئذٍ.\nقال الشافعي: وبه يندفع اشتراكهما في وقت واحد، ويدل له خبر \"مسلم\": \"وقت الظهر ما لم يحضر العصر\" على أنه لو فرض عدم إمكان الجمع بينهما وجب تقديم خبر \"مسلم\"، لأنه أصح مع كونه متأخرًا.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: هذا في مكة، ويختص بأطول يوم، والمراد الجانب الشرقي، فإنه يزول الظل فيها هناك رأسًا. انتهى مختصرًا، وقال أيضًا: قال به جماعة فأوجبوا قدر الشراك، والجمهور على الزوال. (ش).","vol":"3","page":14},{"text":"وَصَلَّى بِىَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيهُ، وَصَلَّى بِىَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِىَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِىَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَىَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ،\n===\n(وصلى بي العصر حين كان ظله) أي ظل كل شيء (مثليه) (١) أي غير ظل الاستواء (وصلَّى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلَّى بي العشاء إلى ثلث (٢) الليل) أي منتهيًا إليه، وقيل: \"إلى\" بمعنى مع، أو بمعنى في.\n(وصلى بي الفجر فأسفر) أي أضاء به، أو دخل في وقت الإسفار (ثم التفت) أي جبرئيل ﵇ (إليَّ فقال: يا محمد (٣) هذا) أي ما ذكر من الأوقات الخمسة في اليومين، أو الإشارة إلى الإسفار فقط (وقت الأنبياء من قبلك) (٤).\nقال ابن حجر المكي (٥): هذا وقت الأنبياء باعتبار التوزيع عليهم بالنسبة لغير العشاء، إذ مجموع هذا الخمس من خصوصياتنا، وأما بالنسبة إليهم فكان ما عدا العشاء مفرقًا فيهم، أخرج أبو داود وابن أبي شيبة والبيهقي عن معاذ بن جبل قال: أخَّر رسول الله - ﷺ - صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أنه قد صلَّى،\n_________\n(١) وبه قال الأصطخري وغيره، لكن الجمهور على أنه إلى الغروب، لأن رواية \"من أدرك ركعة\" أصح منه، أو يقال: إنه بين وقت الاختيار جمعًا بين الروايات. \"ابن رسلان\". قلت: فكيف لا يصح للحنفي أن يقول مثله في الظهر؟ وسيأتي عن النووي أن حديث إمامة جبرئيل لم يستوعب وقت الجواز، بل اقتصر فيه على بيان وقت الاختيار سوى الظهر. (ش).\n(٢) به قال الأصطخري، فقال: لا وقت للعشاء إلَّا إلى ثلث الليل، والجمهور على أنه إلى الصبح، وحمله الشافعي على وقت الاختيار \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: كان هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ [النور: ٦٣] الآية. (ش).\n(٤) وقال ابن العربي (١/ ٢٥٧): معناه: أي مثله وقت الأنبياء قبلك كان موسعًا لها أول وآخر ... إلخ. (ش).\n(٥) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٢٤).","vol":"3","page":15},{"text":"وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ\". [ت ١٤٩، حم ١/ ١٣٣، عب ٢٠٢٨، ش ١/ ٣١٧، خزيمة ٣٢٥، طب ١٠٧٥٢، قط ١/ ٢٥٨، ك ١/ ١٩٣، ق ١/ ٣٦٥]\n===\nثم خرج فقال: \"اعتموا بهذه الصلاة، فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم\" ..\nوأخرج الطحاوي عن عبيد الله بن محمد عن عائشة: أن آدم (١) لما تيب عليه عند الفجر صلَّى ركعتين فصارت الصبح، وفدى إسحاق عند الظهر فصلَّى أربع ركعات فصارت الظهر، وبعث عزير فقيل له: كم لبثت؟ قال: يومًا فرأى الشمس، فقال: أو بعض يوم، وصلى أربع ركعات فصارت العصر، وغفر لداود عند المغرب فقام فصلَّى أربع ركعات، فجهد في الثالثة، أي تعب فيها عن الإتيان بالرابعة لشدة ما حصل له من البكاء على ما اقترفه مما هو خلاف الأولى به، فصارت المغرب ثلاثًا، وأول من صلَّى العشاء الآخرة نبينا - ﷺ -.\nوقال البيضاوي في توجيه الحديثين: إن العشاء كانت الرسل تصليها نافلة لهم، ولم تكتب على أممهم كالتهجد، فإنه وجب على نبينا - ﷺ -، فحينئذٍ لا معارضة بينهما، فإن هذا وقت العشاء وقت الأنبياء من قبلك باعتبار أدائهم تلك الصلاة نافلة، وعدم أداء الأمة تلك الصلاة لا يعارضها، ورجح القاري توجيه القاضي وقال: والحق أن الحق مع القاضي، قال: أو يجعل هذا إشارة إلى وقت الإسفار، فإنه قد اشترك فيه جميع الأنبياء الماضية والأمم الدارجة، انتهى.\n(والوقت) أي المستحب والسمح الذي لا حرج ي (ما بين هذين الوقتين) فيجوز الصلاة في أوله ووسطه وآخره، وزاد النسائي في روايته: فتقدم جبرئيل ﵇ ورسول الله - ﷺ - خلفه، يعني أنه - ﷺ - كان متقدمًا عليهم ليبلغهم أفعال\n_________\n(١) وفي \"الشامي\" (٢/ ٥): قيل: إن الفجر لآدم ﵊، والظهر لداود، والعصر لسليمان، والمغرب ليعقوب، والعشاء ليونس على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وقيل غير ذلك. (ش).","vol":"3","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nجبرئيل، فهم في الحقيقة مقتدون (١) بجبرئيل لا بالنبي - ﷺ -.\nقلت: لو كان كذلك لم يكن النبي - ﷺ - متقدمًا عليهم، بل كان لاحقًا في الصف مساويًا لهم، لكن في رواية ابن إسحاق: \"فصلى به جبرئيل وصلَّى النبي - ﷺ - بأصحابه\"، وظاهره صحة الاقتدإء بالمقتدي، لأن الصحابة لم يشاهدوا جبرئيل وإلا لنقل ذلك، والأظهر دفعه بأن إمامة جبرئيل لم تكن على حقيقته، بل على النسبة المجازية من دلالته بالإيماء والإشارة إلى كيفية أداء الأركان وكميتها، كما يقع لبعض المعلمين، حيث لم يكونوا في الصلاة ويعلمون غيرهم بالإشارة القولية، \"قاري\" (٢).\nواختلف العلماء في أوقات الصلاة مع الاتفاق على أن الصلاة لها أوقات مخصوصة لا تجزئ قبلها، وأجمعوا (٣) على أن ابتداء وقت الظهر الزوال ولا خلاف في ذلك يعتد به، واختلف في آخره هل يخرج وقت الظهر بمصير ظل الشيء مثله أم لا؟ فذهب مالك (٤) وطائفة من العلماء أنه يدخل وقت العصر ولا يخرج وقت الظهر، وقالوا: يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالحًا للظهر والعصر أداء.\nواحتجوا بقوله - ﷺ -: \"فصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلَّى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله\"، وظاهره اشتراكهما في قدر أربع ركعات.\n_________\n(١) وأوله المالكية بالخصوص، لأن إمامة الملك لا يصح عندهم على المشهور \"شرح الدسوقي\" (١/ ٣٢٦). (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٢٥).\n(٣) كذا ذكر عليه الإجماع ابن رسلان، وقال: كان فيه الخلاف قديمًا عن بعض الصحابة، لكنه استقرَّ عليه الإجماع إلَّا في الجمعة فقال أحمد وإسحاق بجوازها قبل الزوال. (ش).\n(٤) وابن المبارك وإسحاق بن راهويه. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":17},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوذهب الأكثرون إلى أنه لا اشتراك بين وقت الظهر ووقت العصر، بل متى خرج وقت الظهر بمصير ظل الشيء مثله غير الظل الذي يكون عند الزوال دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر، واحتجوا بحديث فسلم مرفوعًا، ولفظه: \"وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر\".\nثم اختلفوا في آخر وقت الظهر (١) فقال الأكثرون- وفيهم أبو يوسف ومحمد - آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله وهو رواية عن الإِمام الأعظم أبي حنيفة - رحمه الله تعالى- وقال أبو حنيفة في ظاهر الرواية عنه: آخر وقت الظهر إذا صار الظل قامتين، واحتجوا له بحديث أمر فيه بإبراد الظهر حتى ساوى الظل التلول، ولا يحصل ذلك الإبراد إلَّا إذا بلغ ظل كل شيء مثليه.\nوأما أول وقت العصر فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في آخر وقت الظهر، وأما آخر وقته فاختلفوا فيه، فعند الجمهور: آخره حين تغرب الشمس لقوله - ﷺ -: \"من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها\".\nوعند الشافعي قولان: في قول: إذا صار ظل كل شيء مثليه يخرج وقت العصر، ولا يدخل وقت المغرب حتى تغرب الشمس، فيكون بينهما وقت مهمل، وفي قول: إذا صار ظل كل شيء مثليه يخرج وقته المستحب، ويبقى أجل الوقت إلى غروب الشمس.\n_________\n(١) وروى الطحاوي عن الإِمام آخر وقت الظهر بالمثل، وأول العصر بالمثلين، كما في \"التعليق الممجد\" (١/ ١٥٢) وهو رواية أسد عنه، كما في \"البدائع\" (١/ ٣١٧). قلت: وقوله تعالى: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، يؤيد الحنفية في قولهم من تأخير الفجر والعصر بأن قبل يشير إلى الاتصال كما هو ظاهر، ومن الأصول الموضوعة أن الأوفق بالقرآن أرجح عندنا الحنفية، وفي \"التفسير الكبير\" (١٨/ ٥٩): إن قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، يقوي قول أبي حنيفة، وسيأتي بيان الإسفار في \"باب وقت الصبح\". (ش).","vol":"3","page":18},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"الأم\" (١): ومن أخَّر العصر حتى تجاوز ظل كل شيء مثليه في الصيف، أو قدر ذلك في الشتاء، فقد فاته وقت الاختيار، ولا يجوز عليه أن يقال: قد فاته وقت العصر مطلقًا، كما جاز على الذي أخَّر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شيء مثله، لما وصفت من أنه تحل له صلاة العصر في ذلك الوقت، وهذا لا يحل له صلاة الظهر في هذا الوقت، انتهى.\nوأما أول وقت المغرب فحين تغرب الشمس بلا خلاف فيه، وأما آخره فقد اختلفوا فيه، فعندنا: آخره حين يغيب الشفق، وقال الشافعي (٢): لا وقت للمغرب إلَّا وقت واحد، وهو ما يتطهر فيه الإنسان ويؤذن ويقيم ويصلي ثلاث ركعات حتى لو صلاها بعد ذلك كان قضاءً لا أداءً عنده، وبه قال الأوزاعي ومالك لحديث إمامة جبرئيل ﵇ أنه صلَّى المغرب في المرتين في وقت واحد.\nولنا ما روى أبو هريرة: \"أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وآخره حين يغيب الشفق\"، وكذلك عن ابن عمرو -﵁ - مرفوعًا أنه قال: \"وقت المغرب ما لم يغب الشفق\"، قلت: وكذا في رواية مسلم وغيره عن عبد الله بن عمرو: \"وقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق\" وكذا عن أبي موسى وبريدة الأسلمي: \"ثم أخَّر المغرب حين كان عند سقوط الشفق\"، وفي لفظ: \"فصلَّى المغرب قبل أن يغيب الشفق\"، وقد اختار بعض أصحاب الشافعي هذا القول.\nوقال النووي (٣): وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم\n_________\n(١) (١/ ٧٣).\n(٢) في الجديد \"ابن رسلان\".\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٢٣).","vol":"3","page":19},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبتأخيرها عن أول الوقت، وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره.\nوالجواب عن حديث جبرئيل حين صلَّى المغرب في اليومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر.\nوالثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في آخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها.\nوالثالث: أن هذه الأحاديث اْصح إسنادًا من حديث بيان جبرئيل فوجب تقديمها، انتهى.\nثم اختلفوا في الشفق ما هو؟ فقالت طائفة: هو العمرة، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول مكحول وطاوس، وبه قال مالك وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وروي عن أبي هريرة أنه قال: الشفق هو البياض، وعن عمر بن عبد العزيز مثله، وإليه ذهب أبو حنيفة وهو قول الأوزاعي.\nوأما أول وقت العشاء (١) فالاختلاف فيه مبني على الاختلاف في آخر وقت المغرب، وأما آخر وقت العشاء الآخرة فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة أن آخر وقتها ثلث الليل، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي في قول بظاهر حديث ابن عباس، وقال الثوري وأصحاب الرأي وابن المبارك وإسحاق بن راهويه: آخر وقتها نصف الليل.\nوحجة هؤلاء حديث عبد الله بن عمرو، قال: وقت العشاء إلى نصف الليل، وكان الشافعي يقول به إذ هو بالعراق، وقد روي عن ابن عباس أنه قال:\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ٢٧٧): لا خلاف بين الأمة في أن أول وقته غروب الشفق. (ش).","vol":"3","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلا يفوت وقت العشاء إلى الفجر، وإليه ذهب عطاء وطاوس وعكرمة، وبه قال الحنفية لما روى أبو هريرة: \"وأول وقت العشاء حين يغيب الشفق وآخره حين يطلع الفجر\" استدل به صاحب \"البدائع\" (١) من الحنفية، ولم أقف على هذا الحديث في كتب الحديث، واستدلوا أيضًا أن الوتر من توابع العشاء ويؤدى في وقتها، وأفضل وقتها السحر، فدل ذلك على أن السحر آخر وقت العشاء.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): الحق أن آخر وقعت اختيار العشاء نصف الليل، وأما وقت الجواز والاضطرار (٣) فهو ممتد إلى الفجر لحديث أبي قتادة عند مسلم وفيه: \"أن ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى\"، فإنه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلَّا صلاة الفجر (٤)، فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع، انتهى.\nوأما أول وقت الفجر فحين يطلع الثاني، والتقييد بالفجر الثاني، لأن الفجر الأول هو البياض المستطيل يبدو في ناحية من السماء، وهو المسمى بذنب السرحان عند العرب، ثم ينكتم، ولهذا يسمى فجرًا كاذبًا، وهذا الفجر لا يحرم به الطعام على الصائم، ولا يخرج به وقت العشاء، ولا يدخل به وقت الفجر، والفجر الثاني هو المستطير المعترض في الأوفق لا يزال يزداد نوره، وهذا يسمى فجرًا صادقًا يخرج به وقت العشاء، ويدخل به وقت صلاة الفجر، وهذا لم يختلف فيه.\nوأْما آخر وقت الفجر فذهب الشافعي إلى أنه الإسفار، وذلك لأصحاب\n_________\n(١) (١/ ٣٢١).\n(٢) (٢/ ٤٢٢).\n(٣) وكذا قال ابن رسلان، واستدل بهذا الحديث. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: خرجنا عن مقتضاها في الصبح بدليل، فبقي غيره على مقتضاها. (ش).","vol":"3","page":21},{"text":"٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِىِّ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ\n===\nالرفاهية ولمن لا عذر له، وقال: من صلَّى ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس لم يفته الصبح، وقال مالك (١) وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: من صلَّى ركعة من الصبح وطلعت له الشمس أضاف إليها أخرى، فجعلوه مدركًا للصلاة على ظاهر حديث أبي هريرة.\nوأما عند الحنفية فآخر وقت الفجر حين تطلع الشمس لقول النبي - ﷺ -: \"ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس\"، أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو، ولقوله - ﷺ -: \"من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها\".\nوقالوا أيضًا: من طلعت عليه الشمس وقد صلَّى ركعة من الفجر فسدت صلاته، وقالوا فيمن صلَّى من العصر ركعة أو ركعتين فغربت الشمس قبل أن يتمها: فصلاته تامة، وبيان الفرق فيهما يجيء بحثه تحت شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى.\n٣٩٤ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب) عبد الله، (عن أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب (٢) أخبره) أي أسامة بن زيد (أن عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أبو حفص المدني ثم الدمشقي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، له فقه وعلم وورع، وكان إمام عدل، إنه دخل إصطبل أبيه وهو غلام فضربه فرس فشجه، فجعل أبوه يمسح عنه الدم، ويقول: إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد، وقال أنس: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - هذا الفتى، وقال محمد بن\n_________\n(١) وحكى ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك آخره الإسفار \"عمدة القاري\" (٤/ ١٠٣). (ش).\n(٢) ولفظ ابن ماجه: عن ابن شهاب أنه كان قاعدًا على مياثر عمر بن عبد العزيز في إمارته على المدينة ومعه عروة بن الزبير فأخر عمر العصر شيئًا، الحديث. (ش).","vol":"3","page":22},{"text":"كَانَ قَاعِدًا عَلَى الْمِنْبَرِ، فَأَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَدْ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا -ﷺ- بِوَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ\n===\nعلي بن الحسين: لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده، توفي سليمان بن عبد الملك في صفر سنة ٩٩ هـ، واستخلف عمر بن عبد العزيز يوم مات، وكان مع سليمان كالوزير، فعد من الخلفاء الراشدين، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، مات في رجب سنة ١٠١ هـ.\n(كان قاعدًا على المنبر) وهذا إشارة إلى سبب تأخيره، وكأنه كان إذ ذاك مشغولًا بشيء من مصالح المسلمين (فأخر العصر شيئًا) أي حتى كاد أن يخرج الوقت المستحب (فقال له) أي لعمر بن عبد العزيز (عروة بن الزبير: أما) حرف (١) تنبيه (إن جبرئيل ﵇ قد أخبر محمدًا - ﷺ - بوقت الصلاة) حاصله: أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا من عند الله، فأخبر جبرئيل محمدًا - ﷺ - بأوقات الصلوات أولها وآخرها.\n(فقال له) أي لعروة (عمر: اعلم) بصيغة الأمر من العلم، وقيل: من الإعلام، ويحتمل أن يكون بصيغة المتكلم إلَّا أن الأول هو الصحيح، (ما تقول) كأنه استبعاد لقول عروة: صلى إمام رسول الله - ﷺ -، كما في رواية \"مسلم\" (٢)، مع أن الأحق بالإمامة هو النبي - ﷺ -، ويدل عليه ما ورد في رواية مالك في \"الموطأ\": أو أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله - ﷺ - وقت الصلاة؟ والأظهر أنه استبعاد لإخبار عروة بنزول جبرئيل بدون الإسناد، فكأنه غلظ عليه بذلك مع عظيم جلالته إشارة إلى مزيد الاحتياط في الرواية، لئلا يقع في محظور الكذب على رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) وقع الاختصار هاهنا في الرواية\" كما يدل عليه سياق \"الموطأ\". (ش).\n(٢) \"صحيح مسلم\" برقم (٦١٠).","vol":"3","page":23},{"text":"فَقَالَ له عُرْوَةُ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِى مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىَّ\n===\n(فقال له) أي لعمر (عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود) بفتح الموحدة، ابن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري المدني، قيل: إن له صحبة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"ثقات التابعين\"، وكذا البخاري ومسلم وأبو حاتم الرازي.\n(يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري) (١)، قال في \"تهذيب التهذيب\": هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بفتح الهمزة وكسر المهملة، ابن عسيرة الأنصاري، أبو مسعود البدري، صاحب النبي - ﷺ -، شهد العقبة، وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: لم يشهد بدرًا، وهو قول ابن إسحاق، وقال ابن سعد: شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، ليس بين أصحابنا في ذلك اختلاف.\nقال الحافظ: قلت: وقع في \"صحيح البخاري\" من حديث عروة بن الزبير قال: أخر المغيرة بن شعبة العصر فدخل عليه أبو مسعود عقبة بن عمرو جد زيد بن حسن، وكان قد شهد بدرًا، فقال: يا مغيرة، فذكر الحديث، سمعه عروة من بشير بن أبي مسعود، عن أبيه، وبذلك عده البخاري في البدريين.\nوقال مسلم بن الحجاج في \"الكنى\": شهد بدرًا، وقال أبو القاسم البغوي: حدثني أبو عمرو يعني علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد يعني القاسم بن سلام قال: أبو مسعود عقبة بن عمرو شهد بدرًا، وقال ابن البرقي: لم يذكره ابن إسحاق في أهل بدر، وفي غير حديث أنه فيمن شهد بدرًا، وقال أبو القاسم الطبراني: أهل الكوفة يقولون: إنه شهد بدرًا، ولم يذكره أهل المدينة فيمن شهدها، وذكره عروة بن الزبير فيمن شهد العقبة.\nقلت: فإذا شهد العقبة فما المانع من شهوده بدرًا، وما ذكره المؤلف عن ابن سعد لم يقله من عند نفسه إنما نقله عن شيخه الواقدي، ولو قبلنا قوله في\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٩٦) رقم (٦٢٥١).","vol":"3","page":24},{"text":"يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ:\n«نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَنِى بِوَقْتِ الصَّلَاةِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ»، يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ.\n===\nالمغازي مع ضعفه فلا يرد به الأحاديث الصحيحة، ونزل الكوفة، واستخلف عليها مرة، وكان من أصحاب علي، قيل: مات بالكوفة، وقيل: بالمدينة، الصحيح أنه مات بعد سنة ٤٠ هـ.\n(يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: نزل جبرئيل فأخبرني بوقت الصلاة) ولفظ البخاري ومسلم: \"فأمني\" (فصليت معه، ثم (١) صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه). قال القاري (٢): قال الطيبي: معنى إيراد عروة الحديث أني كيف لا أدري ما أقول، وأنا صحبته وسمعت ممن صحب، وسمع ممن صاحب رسول الله - ﷺ -، وسمع منه هذا الحديث فعرفت كيفية الصلاة وأوقاتها وأركانها، يقال: ليس في الحديث بيان أوقات الصلاة، يجاب عنه بأنه كان معلومًا عند المخاطب، فأبهمه في هذه الرواية، وبينه في رواية جابر وابن عباس، انتهى.\nوقال ابن حجر: الذي يظهر لي أن عمر لم ينكر بيان الأوقات، وإنما استعظم إمامة جبرئيل للنبي - ﷺ -، انتهى، وهو كذلك لأن معرفة الأوقات تتعين على كل أحد، فكيف تخفى على مثله -﵁ -.\n(يحسب) بالتحتانية وضم السين، والظاهر أن فاعله النبي - ﷺ -، وقيل بالنون (بأصابعه خمس صلوات) ال الشيخ ولي الدين: يحتمل أن يكون مفعول\n_________\n(١) قال ابن رسلان: الإيراد بلفظ \"ثم\" دليل على أن الترتيب واجب في الصلاة، وهو كذلك عند الشافعي في الأداء، ومستحب في الفوائت خلافًا لأبي حنيفة، قلت: وأي شيء فارق بين الأداء والقضاء. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٢٦).","vol":"3","page":25},{"text":"فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حِينَ يَشْتَدُّ الْحَرُّ، وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَهَا الصُّفْرَةُ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَيَأْتِى ذَا الْحُلَيْفَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيُصَلِّى الْمَغْرِبَ حِينَ تَسْقُطُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّى الْعِشَاءَ حِينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ، وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، وَصَلَّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ، ثُمَّ صَلَّى (١) مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ كَانَتْ\n===\nصليت، ويحتمل أن يكون مفعول يحسب (فرأيت رسول الله - ﷺ - صلَّى الظهر حين تزول الشمس، وربما أخرها حين يشتد الحر) لقوله - ﷺ -: \"إذ اشتد الحر فأبردوا بالصلاة\"، وفي رواية: \"فإن شدة الحر من فيح جهنم\".\n(ورأيته) أي رسول الله - ﷺ - (يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة، فينصرف الرجل من الصلاة) أي فيفرغ منها فيروح (فيأتي ذا الحليفة). قال في \"القاموس\": وذو الحليفة موضع على ستة أميال من المدينة، وهو ماء من بني جشم، وميقات لأهل المدينة (قبل غروب الشمس)، وهذا دليل على أن ابتداء وقت العصر كان في ذلك الوقت إذا كان ظل كل شيء مثله، كما هو مذهب جمهور الفقهاء، وهو قول محمد وأبي يوسف صاحبي أبي حنيفة ورواية عنه.\n(ويصلي المغرب حين تسقط) أي تغيب (الشمس، ويصلي العشاء حين يسود الأفق) ويغيب الشفق الأبيض والأحمر، وهذا دليل على أن ابتداء وقت العشاء بعد غيبوبة الشفق الأبيض، كما هو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-.\n(وربما أخرها) أي صلاة العشاء (حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها) أي بصلاة الفجر (ثم كانت\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الصبح\".","vol":"3","page":26},{"text":"صَلَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ\". [خ ٥٢٢، م ٦١٠، ن ٤٩٤، جه ٦٦٨، ق ١/ ٣٦٣، خزيمة ٣٥٢، ط ١/ ٣/ ١، قط ١/ ٢٥٠]\n===\nصلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد) الظاهر بضم العين من عاد يعود، ويحتمل أن يكون من عدا يعدو (إلى أن يسفر).\nوهذا يدل على أن الأفضل في الفجر التغليس، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والأوزاعي، وهو المروي عن عمر وعثمان وابن الزبير وأنس وأبي موسى وأبي هريرة.\nوذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وأكثر العراقيين، وهو مروي عن علي وابن مسعود - ﵄- إلى أن الإسفار أفضل، واحتجوا بحديث: \"أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر\"، رواه الخمسة (١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nويمكن أن يجاب (٢) عن تغليسه - ﷺ - بأن التغليس فعله - ﷺ -، والإسفار أمره للأمة، ولعل تغليسه - ﷺ - كان لأجل أن الزمان كان زمان خير، وكان الصحابة يحضرون أول وقت الصلاة، بل قبل ذلك، فلو أسفر بهم لأدى ذلك إلى الضجر والتعب، فلذلك العارض اختار - ﷺ - التغليس.\nوأما جوابهم عن حديث الإسفار بأن المراد من الإسفار تحقق الفجر بحيث لا يبقى في طلوعه شك وشبهة، فيأباه لفظ الحديث ويرده، فإنه إذا صلى في وقت لم يتحقق فيه الفجر، وبقي فيه شك في أن الفجر طلع أو لم يطلع لا يجوز صلاته، فأعظمية الأجر لا يتحقق إلَّا فيما كان في جانب المفضل عليه شيء من الأجر، وإذا صلى شاكًّا في الوقت لا يجوز صلاته، ولا يكون له شيء\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٤٢٤)، و\"سنن الترمذي\" (١٥٤)، و\"سنن النسائي\" (٥٤٧)، و\"سنن ابن ماجه\" (٦٧٢)، و\"مسند أحمد\" (٤/ ١٤٢).\n(٢) ويمكن أن يقال: المراد نفي الإسفار الشديد، أو نفي الشروع في الإسفار، كما هو مختار الطحاوي، أي الشروع في الغلس والفراغ في الأسفار. (ش).","vol":"3","page":27},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ، لَمْ يَذْكُرُوا الْوَقْتَ الَّذِي صَلَّى فيهِ وَلَمْ يُفَسِّرُوهُ.\n===\nمن الأجر، لأن القاعدة الكلية المتفق عليها: أن اليقين لا يزول بالشك، فبالشك بالفجر لا يثبت الفجر، بل يكون له حكم الليل قطعًا، وهذا ظاهر.\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث عن الزهري معمر) بن راشد (ومالك) بن أنس الإِمام (وابن عيينة) سفيان (وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وغيرهم، لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه ولم يفسروه).\nوغرض المؤلف بهذا الكلام بيان الاختلاف الواقع في أصحاب الزهري بأن أسامة بن زيد روى هذا الحديث عن الزهري، فذكر أولًا أوقات الصلاة مجملًا ثم فسرها فيما بعد، وأما هؤلاء الذين ذكرهم وهم: معمر ومالك وابن عيينة وشعيب والليث وغيرهم، فإنهم ذكروا أوقات الصلاة مجملة، واقتصروا عليها ثم لم يفسروا (١)، ففي رواية أسامة بن زيد زيادة من قوله: فرأيت رسول الله - ﷺ - صلى الظهر حين تزول الشمس، إلى آخر الحديث، وليست هذه الزيادة في رواية هؤلاء المذكورين.\nأما رواية معمر عن الزهري فأخرجها عبد الرزاق (٢) قال: حدثنا معمر عن الزهري، الحديث.\nوأما رواية مالك فأخرجها مسلم في \"صحيحه\" (٣) من طريق يحيى بن\n_________\n(١) نقل الزرقاني عن الحافظ عن أبي داود، تفرد أسامة بتفسير الأوقات. (ش) [انظر: \"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٥)].\n(٢) \"المصنف\" (١/ ٥٤٠) رقم (٢٠٤٤)، وأخرجها أيضًا أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٢٠)، وأبو عوانة (٢/ ٣٤٣)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٢٥٧) رقم (٧١٢).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٦١٠) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٧٤)، وأخرجها أيضًا البخاري (٥٢١)،\nومالك في \"موطئه\" (١/ ٣٣) رقم (١)، والطبراني (١٧/ ٢٥٧) رقم (٧١٢).","vol":"3","page":28},{"text":"وَكَذَلِكَ أَيْضًا رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ\n===\nيحيى التميمي قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، وأيضًا أخرجها الإِمام أحمد في \"مسنده\" من طريق عبد الرحمن عن مالك بن أنس عن ابن شهاب، الحديث.\nوأما رواية سفيان بن عيينة عن الزهري فأخرجها البيهقي (١) من طريق حسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري أن عروة بن الزبير قال، الحديث، ثم قال البيهقي في آخرها: وكذلك رواه الجمهور من أصحاب الزهري نحو معمر وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وغيرهم، لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه ولم يفسروه، وكذلك رواه أسامة بن زيد الليثي عن الزهري، إلَّا، أنه زاد: ما أخبره أبو مسعود عما رآه يصنع بعد ذلك.\nوأما رواية شعيب بن أبي حمزة - واسمه دينار - عن الزهري فأخرجها أيضًا البيهقي في \"سننه\" (٢).\nوأما رواية ليث بن سعد فأخرجها مسلم في \"صحيحه\" (٣).\nوأما رواية غيرهم من الأوزاعي عن الزهري، ومحمد بن إسحاق عن الزهري فلم أجدها فيما تتبعت من كتب الحديث.\n(وكذلك أيضًا روى هشام بن عروة وحبيب بن أبي مرزوق) الرقي بفتح الراء وفي آخرها القاف المشددة، نسبة إلى الرقة، وهي بلدة على طرف\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٦٣)، وأخرجها أيضًا الحميدي (١/ ٢١٤) رقم (٤٥١)، وابن أبي شيبة (١/ ٣١٩)، وأبو عوانة (١/ ٣٤١)، والطبراني (١٧/ ٢٥٨) رقم (٧١٤).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٤١)، وأخرجها أيضًا البخاري (٤٠٠٧).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٦١٠)، وأخرجها أيضًا البخاري (٣٢٢١)، والنسائي (١/ ٢٤٥)، وابن ماجه (٦٦٨)، وأبو عوانة (١/ ٣٤٢)، وابن حبان (٤/ ٢٩٦) رقم (١٤٤٨)، والطبراني (١٧/ ٢٥٨) رقم (٧١٢)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ١٢).","vol":"3","page":29},{"text":"عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَأَصْحَابِهِ، إِلا أَنَّ حَبِيبًا لَمْ يَذْكُرْ بَشِيرًا.\nقال أبو داود: وَرَوَى وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- وَقْتَ الْمَغْرِبِ قَالَ: \"ثُمَّ جَاءَهُ لِلْمَغْرِبِ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ - يَعْنِى مِنَ الْغَدِ - وَقْتًا وَاحِدًا\".\n===\nالفرات، مشهورة من الجزيرة، قال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال ابن معين: مشهور، وقال الدارقطني: ثقة يحتج به، وقال الآجري عن أبي داود: جزري ثقة.\n(عن عروة) أي ابن الزبير (نحو رواية معمر وأصحابه، إلَّا أن حبيبًا) أي ابن أبي مرزوق (لم يذكر بشيرًا) أي ابن أبي مسعود وروى منقطعًا، قلت: رواية (١) هشام بن عروة وحبيب بن أبي مرزوق عن عروة لم أجدها فيما تتبعت من كتب الحديث.\n(قال أبو داود: وروى وهب بن كيسان) القرشي مولى آل الزبير، أبو نعيم المدني المعلم، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال علي بن الحسين بن الجنيد عن ابن معين: ثقة، وكذا قال عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: لم يكن له فتوى، وكان محدثًا ثقة، توفي سنة ١٢٧ هـ.\n(عن جابر عن النبي - ﷺ - وقت المغرب قال) أي جابر: (ثم جاءه) أي جاء جبرئيل رسول الله - ﷺ - (للمغرب حين غابت الشمس -يعني من الغد- وقتًا واحدًا)\n_________\n(١) قال الزرقاني: رواية هشام أخرجها سعيد بن منصور، ورواية حبيب أخرجها الحارث بن أسامة في \"مسنده\" انتهى، وبسط الكلام على طرق هذا الحديث. (ش). [قلت: رواية هشام بن عروة عن أبيه وصلها ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ٢٠) من طريق شريح بن النعمان، وعزاه الحافظ لسعيد بن منصور في \"سننه\"، وأما رواية حبيب بن مرزوق فأخرجها الحارث بن أسامة في \"مسنده\"، انظر: \"بغية الباحث في زوائد مسند الحارث\" للهيثمي رقم (١٠٧)، ومن طريقه ابن عبد البر في \"التهيد\" (٨/ ٢١)].","vol":"3","page":30},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رُوِىَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"ثُمَّ صَلَّى بِىَ الْمَغْرِبَ - يَعْنِى مِنَ الْغَدِ - وَقْتًا وَاحِدًا\" (١).\nوَكَذَلِكَ رُوِىَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٢) مِنْ حَدِيثِ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ،\n===\nأخرج الدارقطني في \"سننه\" (٣) والنسائي في \"مجتباه\" (٤) رواية وهب بن كيسان قال: حدثنا جابر بن عبد الله، ولفظ الدارقطني: جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتًا واحدًا لم يزل عنه.\n(قال أبو داود: وكذلك روي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: ثم صلى بي المغرب - يعني من الغد- وقتًا واحدًا) أخرجها الدارقطني (٥) بسنده من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - ولفظه: ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، وقال في اليوم الثاني: ثم جاءه من الغد، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس في وقت واحد.\nوأخرج أيضًا بسنده عن محمد بن عمار بن سعد المؤذن: أنه سمع أبا هريرة يذكر أن رسول الله - ﷺ - حدثهم أن جبرئيل أتاه، ثم قال: ثم جاءني -يعني من الغد- في المغرب، فصلى في ساعة غابت الشمس لم يغيره.\n(وكذلك) أي كما روي عن جابر وأبي هريرة من اتحاد وقت المغرب في اليومين كذلك (روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص من حديث حسان بن عطية\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لوقت واحد\".\n(٢) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٥٦).\n(٤) \"سنن النسائي\" برقم (٥٢٦)، وأخرجه أيضًا أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٣٠)، والترمذي (١٥٠)، وابن حبان (٤/ ٣٣٥) رقم (١٤٠٧٢)، والحاكم (١/ ١٩٥)، والبيهقي (١/ ٣٦٨).\n(٥) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٦١)، وأخرجها أيضًا النسائي (١/ ٢٤٩)، والبيهقي (١/ ٣٦٩).","vol":"3","page":31},{"text":"عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-.\n٣٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا (١) بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى مُوسَى، عَنْ أَبِى مُوسَى: أَنَّ سَائِلًا\n===\nعن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب، (عن جده) أي جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، (عن النبي - ﷺ -) وهذه الرواية أخرجها البيهقي في \"سننه\" (٢) بسنده إلى الأوزاعي، حدثنان بن عطية، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ -، الحديث.\n٣٩٥ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (نا عبد الله بن داود) بن عامر المعروف بالخريبي، (نا بدر) بفتح الباء الموحدة (ابن عثمان) الأموي مولاهم، الكوفي، وثَّقه ابن معين والعجلي والدارقطني، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكر ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا أبو بكر بن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي، يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر، قال الآجري: قلت لأبي داود: سمع أبو بكر من أبيه؟ قال: أراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة بن أبي موسى، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، أكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: تتمة كلامه: اسمه كنيته، ومن زعم أن اسمه عامر، فقد وَهِمَ، عامر اسم أبي بردة، وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: لا، وقال أبو بكر بن أبي عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن سعد: اسمه كنيته، وكان قليل الحديث يستضعف، وقال خليفة. مات سنة ١٠٦ هـ.\n(عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (أن سائلًا) لم أقف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٦٩).","vol":"3","page":32},{"text":"سَأَلَ النَّبِىَّ -ﷺ- (١)، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لِلْفَجْرِ (٢)، حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، فَصَلَّى حِينَ كَانَ الرَّجُلُ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ، أَوْ: أنَّ الرَّجُلَ لَا يَعْرِفُ مَنْ إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى (٣) قَالَ الْقَائِلُ: انْتَصَفَ النَّهَارُ.\n===\nعلى اسمه (سأل النبي - ﷺ -) يعني عن مواقيت الصلاة كما في نسخة، (فلم ير عليه شيئًا) أي فلم يجبه ببيان الأوقات قولًا، بل قال له: أقم معنا، ثم بينها فعلًا (حتى أمر بلالًا) هو بلال بن رباح التيمي مولاهم، المؤذن، مولى أبي بكر الصديق، أبو عبد الله، وقيل في كنيته غير ذلك، وهو ابن حمامة وهي أمه، أسلم قديمًا، وعذب في الله، وشهد بدرًا والمشاهد كُلَّها، وسكن دمشق، مات بالشام زمن عمر -﵁ -، قال البخاري: بلال بن رباح أخو خالد وغفرة.\n(فأقام الفجر) أي فأَذَّن وأقام للفجر (حين انشقَّ الفجر) أي انشقَّ الظلام في الأفق فخرج منه ضوء الفجر، (فصلى) أي صلاة الفجر (حين كان الرجل لا يعرف وجه صاحبه) لشدَّة التغليس وكثرة الظلام، (أو أن الرجل لا يعرف من إلى جنبه)، ولفظة \"أو\" هذه للشك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو ذاك، (ثم أمر بلالًا فأقام الظهر) أي فأقام صلاة الظهر (حين زالت الشمس) أي عن كبد السماء (حتى قال القائل: انتصف النهار).\nقال في \"مرقاة الصعود\" (٤): قال الشيخ ولي الدين: هو على سبيل الاستفهام قطعًا، قلت: فعلى هذا يكون بفتح الهمزة، والمحذوف همزة الوصل، كقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ (٥)، ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (٦) قلت:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني عن مواقيت الصلاة\".\n(٢) وفي نسخة: \"للفجر\".\n(٣) وفي نسخة: \"حين\".\n(٤) انظر: \"درحات مرقاة الصعود\" (ص ٤٦).\n(٥) سورة الصافات الآية ١٥٣.\n(٦) سورة سبأ الآية ٨.","vol":"3","page":33},{"text":"وَهُوَ أَعْلَمُ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ صَلَّى الْفَجْرَ وَانْصَرَفَ (١). فَقُلْنَا: أَطَلَعَتِ الشَّمْسُ؟ فَأَقَامَ الظُّهْرَ فِى وَقْتِ الْعَصْرِ الَّذِى كَانَ قَبْلَهُ،\n===\nولا مانع من أن يكون خبرًا، وحينئذ بكسر همزة انتصف، بل كونه خبرًا أولى، فإن مسلمًا أخرج في \"صحيحه\" هذا الحديث ولفظه: والقائل يقول: قد انتصف النهار (٢).\n(وهو) أي رسول الله - ﷺ - (أعلم) بأن الشمس قد زالت، (ثم أمر بلالًا فأقام العصر والشمس (٣) بيضاء مرتفعة، وأمر بلالًا فأقام المغرب حين غابت الشمس، وأمر بلالًا فأقام العشاء حين كتاب الشفق)، فحاصله أنه - ﷺ - صلى الصلوات الخمس في أول وقتها.\n(فلما كان من الغد) يحتمل أن تكون لفظة \"كان\" ناقصة، واسمها ضمير يرجع إلى الوقت و\"من الغد\" خبره، ويمكن أن يكون تامة، ويكون \"الغد\" فاعلها، و\"من\" زائدة، (صلى الفجر وانصرف) أي من صلاة الفجر (فقلنا) أي قال بعضنا لبعض: (أطلعت الشمس؟) بهمزة الاستفهام، وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" وفيه: \"قد طلعت الشمس\"، أي من شدة تأخيره، (فأقام الظهر في وقت العصر الذي كان قبله) أي في اليوم الأول.\nفإن قيل: هذا الحديث يدل على اشتراك وقت الظهر والعصر بأن آخر وقت الظهر وأول وقت العصر مشترك بين الظهر والعصر!\nقلنا: لا، لأنه يمكن أنه - ﷺ - صلى الظهر في اليوم الثاني بحيث أتمها في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فانصرف\".\n(٢) وفي رواية الطحاوي \"انتصف النهار أولًا\" فعلى هذا صورة الاستفهام أولى. (ش).\n(٣) ولا يذهب عليك أن الحديث ساكت عن المثل والمثلين، وليس ذكر المثل إلَّا في حديث إمامة جبرئيل الذي فيه بيان وقت الاختيار كما تقدم. (ش).","vol":"3","page":34},{"text":"وَصَلَّى الْعَصْرَ وَقَدِ اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوْ قَالَ: أَمْسَى، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصلاة؟ الوقت\n===\nوقت، وابتدأ صلاة العصر في اليوم الأول من الساعة التي اتصلت بما أتم فيها الظهر، فلا يلزم الاشتراك، ولأجل اتصال الوقتين أطلق بأنه صلى الظهر في وقت العصر (١).\n(وصلى العصر وقد اصفرت الشمس) أي دنت للغروب، (أو قال: أمسى)، و\"أو\" للشك من الراوي، (وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق).\nقال القاري (٢): وهذا الحديث حجة على الشافعي ومالك في تضييق وقت المغرب، قلت: قال الإِمام الشافعي - ﵀ - في كتاب \"الأم\" (٣): لا وقت للمغرب إلَّا واحدًا، وذلك حين تجب الشمس، واستدل بحديث إمامة جبرئيل وبغيره من الأحاديث التي فيها أنه - ﷺ - صلى المغرب وقتًا واحدًا (٤).\n(وصلى العشاء إلى ثلث الليل) (٥)، قال القاري: ولعله لم يؤخرها إلى آخره وهو وقت الجواز، لأنه يلزم منه الكراهة في حق غيره، ولحصول الحرج بسهر الليل كله، وكراهة النوم قبل العشاء.\n(ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟) فأجابه السائل أنا يا رسول الله، كما في رواية بريدة: \"فقال الرجل: أنا يا رسول الله\" (الوقت) أي قال\n_________\n(١) قلت: يوضحه حديث مسلم ولفظه: \"ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس\"، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٢٢).\n(٣) (١/ ٧٣).\n(٤) وهو الجديد من مذهب الشافعي، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: هو وقت الاختيار، ووقت الجواز إلى طلوع الفجر لحديث أبي قتادة: ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن لا يصلي، حتى يجيء وقت الأخرى، وأخرجنا الصبح بدليل، فما عداها على حاله. (ش).","vol":"3","page":35},{"text":"فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ\". [٦١٤، ن ٥٢٣، حم ٦/ ٤١٤، ق ١/ ٣٧١]\nقَالَ (١) أَبُو دَاوُدَ: رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عن عَطَاءٍ، عن جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - في المَغْرِبِ نَحْوَ (٢) هَذَا،\n===\nرسول الله - ﷺ -: الوقت المستحب للصلوات (فيما بين هذين) أي الوقتين في اليومين.\n(قال أبو داود: روى سليمان بن موسى) الأموي مولاهم، أبو أيوب، ويقال: أبو الربيع، ويقال: أبو هشام الدمشقي، الأشدق، فقيه أهل الشام في زمانه، قال سعيد بن عبد العزيز: كان أعلم أهل الشام بعد مكحول، وقال عطاء بن أبي رباح: سيد شباب أهل الشامِ سليمان بن موسى، وقال الزهري: سليمان بن موسى أحفظ من مكحول، وثَّقه دحيم، وعن ابن معين: ثقة في الزهري، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث، وقال الدارقطني في \"العلل\": من الثقات، أثنى عليه عطاء والزهري، وقال ابن سعد: ثقة، أثنى عليه ابن جريج، وذكر العقيلي عن ابن المديني: كان من كبار أصحاب مكحول، وكان خولط قبل موته بيسير، وقال يحيى بن معين ليحيى بن أكثم: سليمان بن موسى ثقة، وحديثه صحيح عندنا، قال ابن سعد: مات سنة ١١٩ هـ.\n(عن عطاء) أي ابن أبي رباح (عن جابر) بن عبد الله (عن النبي - ﷺ - في المغرب نحو هذا).\nحاصل هذا الكلام: أن رواية سليمان بن موسى عن عطاء عن جابر هذه توافق رواية أبي بكر بن أبي موسى عن أبي موسى في المغرب بأن فيهما: صلى\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبو علي سمعت أبا داود يقول\".\n(٢) وفي نسخة: \"بنحو هذا\"، وفي نسخة: \"كنحو هذا\".","vol":"3","page":36},{"text":"قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَقَالَ بَعْضهُمْ: إِلَى شَطْرِهِ\n===\nرسول الله - ﷺ - المغرب في اليوم الأول في أول وقتها، وفي اليوم الثاني صلاها في آخر وقتها قبل أن يغيب الشفق.\nأخرج البيهقي في \"سننه\" (١) بسنده عن سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: \"سأل رجل رسول الله - ﷺ - عن وقت الصلاة، فقال: صل معنا\"، فذكر الحديث، وفيه: ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، وقال في اليوم الثاني: ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ورواه برد بن سنان عن عطاء، فذكر قصة إمامة جبرئيل النبي - ﷺ -، وذكر وقت المغرب واحدًا وتلك قصة، وسؤال السائل عن أوقات الصلاة قصة أخرى، كما نظن، وروينا عن ابن عباس في قوله: وقت المغرب إلى العشاء، انتهى.\n(قال: ثم صلى العشاء، قال بعضهم: إلى ثلث الليل، وقال بعضهم: إلى شطره) يحتمل أن يكون معنى هذا الكلام: قال جابر في حديثه بعد ما ذكر المغرب: ثم صلى العشاء، فقال بعض الصحابة لهذه الصلاة أنه صلاها: إلى ثلث الليل، وقال بعضهم: إلى شطره، فاختلفوا في آخر الوقت على حسب ظنهم، وهذا الاحتمال ذكره صاحب \"عون المعبود\" (٢).\nويحتمل أن يكون المعنى: قال سليمان بن موسى بسنده: ثم صلى العشاء، قال بعض رواة الحديث عن جابر: إلى ثلث الليل، وقال بعضهم: إلى شطره، والاحتمال الثالث أن يكون المعنى، قال جابر: ثم صلى العشاء، وانتهى حديث جابر إلى ههنا، ثم يقول أبو داود: اختلف الصحابة في بيان آخر وقت العشاء، فقال بعضهم في حديثه: صلاها إلى ثلث الليل، وقال بعضهم:\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٧٢)، وأخرجه أيضًا أحمد (٣/ ٣٥١)، والنسائي (١/ ٢٥٢)، والطحاوي (١/ ١٤٧).\n(٢) انظر: (٢/ ٦٧).","vol":"3","page":37},{"text":"وَكَذَلِكَ رَوَى (١) ابْنُ بُرَيْدة عن أَبِيهِ عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n٣٩٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، أنه سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ (٢)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ:\n===\nصلاها إلى شطره، فإن حديث أبي موسى وبريدة يدلان على أنه أخرها إلى ثلث الليل، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الآتي للمؤلف، وعند \"مسلم\": \"وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل\".\n(وكذلك) أي كما روى أبو بكر بن أبي موسى عن أبي موسى وسليمان بن موسى عن عطاء عن جابر مثل ذلك (روى ابن بريدة عن أبيه عن النبي - ﷺ -) باختلاف وقت المغرب في أوله وآخره، أخرج البيهقي هذه الرواية في \"سننه\" (٣) ومسلم في \"صحيحه\" (٤)، والله أعلم.\n٣٩٦ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي) هو معاذ، (نا شعبة) بن الحجاج، (عن قتادة) بن دعامة، (أنه سمع أبا أيوب) المراغي بفتح الميم وفي آخرها الغين المعجمة، الأزدي العتكي البصري، اسمه يحيى، ويقال: حبيب بن مالك، يقال: إن المراغة قبيلة من الأزد، ويقال: موضع بناحية عمان، قال في \"الأنساب\": قال أبو بكر بن أبي داود: المراغة بطن من الأزد، والمراغة بلدة من بلاد آذربيجان، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات بعد سنة ٨٠ هـ.\n(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص، (عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رواه\".\n(٢) وفي نسخة: \"يحدث\".\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٧١).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (٦١٣)، وأخرجه أيضًا أحمد (٥/ ٣٤٩)، والترمذي (١٥٢)، والنسائي (١/ ٢٥٨)، وابن ماجه (٦٦٧)، والطحاوي (١/ ١٤٨)، وابن خزيمة (١/ ٦٦) رقم (٣٢٣)، وابن حبان (٤/ ٣٩٥) رقم (١٤٩٢)، والدارقطني (١/ ٢٦٢).","vol":"3","page":38},{"text":"«وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ (١) الشَّفَقِ،\n===\nوقت الظهر ما لم تحضر العصر) أي ينتهي إلى ما لم تحضر العصر، ولفظ سياق مسلم من طريق همام عن قتادة: \"وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر\"، وهذا يدل على أن وقت الظهر يمتد بعد ما صار ظل الشيء كطوله إلى ما لم تحضر العصر، فلا يكون له غاية إلَّا إلى ما يكون ظل الشيء مثليه كما يقوله الإِمام أبو حنيفة - ﵀-، وأيضًا يدل على أن لا فاصلة بين وقتيهما ولا تشترك بينهما، وعلى أن لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر الوقت.\n(ووقت العصر) يمتد من حضوره وشروعه على اختلاف القولين من المثل أو المثلين إلى (ما لم تصفر الشمس) أي سقط قرنه الأول، وهذا يدل على كراهة التأخير إلى وقت الاصفرار، فالمراد به وقت الاختيار.\n(ووقت المغرب) يمتد من غروب الشمس كما في الروايات المتقدمة إلى (ما لم يسقط فور الشفق) وهو الحمرة التي تلي الشمس بعد الغروب عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد، وبه يفتى، وهو المروي عن ابن عمر وابن عباس، والبياض الذي يكون بعد الحمرة عند أبي حنيفة، وهو المروي عن أبي هريرة، وبه قال ابن عبد العزيز والأوزاعي، وهذا يدل على امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق، وإليه ذهب الشافعي قديمًا، والثوري وأحمد وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nوذهب مالك والأوزاعي وابن المبارك والشافعي جديدًا إلى أن صلاة المغرب لها وقت واحد مضيق، لأن جبرئيل ﵊ صلاها في اليومين في وقت واحد، وهو قدر وضوء وأذان وإقامة وخمس ركعات متوسطات.\nقال النووي (٢): وهذا الحديث وما بعده من الأحاديث صرائح في أن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثور\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٢٣).","vol":"3","page":39},{"text":"وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ\". [م ٦١٢، ن ٥٢٢، حم ٢/ ٢١٠، خزيمة ٣٥٤]\n===\nوقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق، وهذا أحد القولين في مذهبنا، وهو ضعيف عند جمهور نقلة مذهبنا، وقالوا: الصحيح أنه ليس لها إلَّا وقت واحد، وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارت قضاء.\nوذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشمس، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت، وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره.\nوالجواب عن حديث جبرئيل ﵇ حين صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر.\nوالثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها.\nوالثالث: أن هذه الأحاديث أصح إسنادًا من حديث بيان جبرئيل ﵇ فوجب تقديمها، انتهى.\nقوله: \"فور الشفق\" بالفاء، قال الخطابي (١): \"فور الشفق\": هو بقية حمرة الشمس في الأفق، وسمي فورًا لفورانه وسطوعه، وروي أيضًا \"ثور الشفق\" وهو ثوران حمرته.\n(ووقت العشاء) ممتد (إلى نصف الليل) أي اختيارًا (ووقت صلاة الفجر) من طلوع الفجر إلى (ما لم تطلع الشمس).\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٧٦).","vol":"3","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>(٣) بَابٌ: في وَقْتِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكَيْفَ كَانَ يُصلِّيهَا</span>\n٣٩٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ الْحَسَنِ -\n===\n\n(٣) (بَابٌ: في وَقْتِ صَلاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكَيْفَ كَانَ يُصَلِّيهَا)\nوحاصل الترجمة: أن أوقات الصلوات الخمس كانت ممتدة ظرفًا تفضل عن قدر الصلاة لا معيارًا، فالغرض من عقد هذا الباب أن يبين فيه أن رسول الله - ﷺ - أي جزء منها يختار لصلاته، وكيف يصليها في الأوقات المختلفة\n٣٩٧ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة) بن الحجاج، (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق، ويقال: أبو إبراهيم، أمه أم كلثوم بنت سعد، وكان قاضي المدينة والقاسم بن محمد حيٌّ، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال صالح بن أحمد عن أحمد: ثقة، وُلِّي قضاء المدينة، وقال الدوري وغير واحد عن ابن معين: ثقة، وكذا قال العجلي، وأبو حاتم والنسائي، وقال الساجي: ثقة، أجمع أهل العلم على صدقه والرواية عنه إلَّا مالك، ويقال: إن سعدًا وعظ مالكًا فوجد عليه فلم يرو عنه، كان أحمد بن حنبل يقول: سعد ثقة، فقيل له: إن مالكًا لا يحدث عنه، فقال: من يلتفت إلى هذا، سعد ثقة، قال الساجي: ومالك إنما ترك الرواية عنه، فأما أن يكون يتكلم فيه فلا أحفظه، وقال أحمد بن البرقي: سألت يحيى عن قول بعض الناس في سعد: إنه كان يرى القدر، وترك مالك الرواية عنه، فقال: لم يكن يرى القدر، وإنما ترك مالك الرواية عنه، لأنه تكلم في نسب مالك، فكان مالك لا يروي عنه، وهو ثبت لا شك فيه، مات سنة ١٢٥ هـ، وقيل بعدها.\n(عن محمد بن عمرو، وهو) أي عمرو (بن الحسن) بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، أمه رملة بنت عقيل بن أبي طالب، قال أبو زرعة والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".","vol":"3","page":41},{"text":"قال: \"سَأَلْنَا جَابِرًا عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ النَّبِىِّ -ﷺ-، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ،\n===\n(قال: سألنا جابرًا) أي ابن عبد الله الأنصاري الصحابي (عن وقت علاة رسول الله - ﷺ -، فقال) أي جابر: (كان يصلي الظهر بالهاجرة). قال في \"القاموس\": والهَجِيرُ والهَجِيْرَةُ والهَجْرُ والهاجِرَةُ: نصفُ النهار عند زوال الشمس مع الظُّهْرِ، أو من عند زوالها إلى العَصْر، لأن الناس يستكِنُّون في بيوتهم، كأنهم قد تهاجروا، وشدةُ الحر، انتهى، وهذا بظاهره يعارض ما أمر به من الإبراد.\nوالجواب عنه ما قاله الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١)، ما حاصله: ذهب قوم إلى استحباب تعجيل الظهر في الزمان كله في أول وقتها، واحتجوا بالأحاديث الدالة عليه، منها هذا الحديث، ومنها حديث خباب: \"شكونا إلى رسول الله - ﷺ - حر الرمضاء بالهجير فما أشكانا\"، ومنها حديث عائشة -﵂ -: \"ما رأيت أحدًا أشد تعجيلًا لصلاة الظهر من رسول الله - ﷺ -، ما استثنت أباها ولا عمر - ﵄-\"، وكذلك الأحاديث الآخر المروية في هذا الباب.\nوخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: أما في أيام الشتاء فيعجل بها، وأما في أيام الصيف فيؤخر، واحتجوا في ذلك بالأحاديث الواردة في الإبراد المروية عن أبي ذر وأبي سعيد وأبي هريرة وأبي موسى.\nوقال: قد روي أن تعجيل الظهر في الحر قد كان يفعل، ثم نسخ، دل عليه حديث المغيرة بن شعبة، قال: \"صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الظهر بالهجير، ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة\"، فأخبر المغيرة في حديثه هذا أن أمر رسول الله - ﷺ - بالإبراد بالظهر بعد أن كان يصليها في الحر، فثبت بذلك نسخ تعجيل الظهر في شدة الحر، ووجب استعمال الإبراد\n_________\n(١) (١/ ١٨٦).","vol":"3","page":42},{"text":"وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ\". [خ ٥٦٠، م ٦٤٦، ن ٥٢٧]\n===\nفي شدة الحر، وقد روي عن أنس بن مالك وأبي مسعود: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يعجلها في الشتاء، ويؤخرها في الصيف\"، انتهى.\nوقال الحافظ (١): وحديث مغيرة بن شعبة حديث رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -، وجمع بعضهم بأن الإبراد رخصة، والتعجيل أفضل، وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل، وحديث خباب يدل على الجواز.\n(والعصر) أي ويصلي العصر (والشمس) أي والحال أن الشمس (حية) أي باقية على ضوئها، قال الخطابي (٢): يفسر على وجهين: أحدهما: أن حياتها شدة وهجها وبقاء حرِّها لم ينكسر منه شيء، والآخر: أن حياتها صفاء لونها لم يدخلها التغير.\n(والمغرب) أي ويصلي المغرب (إذا غربت الشمس، والعشاء) أي ويصلي العشاء (إذا كثر الناس) أي اجتمع الناس في أول وقتها (عجل، وإذا قلوا) أي إذا كانوا (٣) في أول الوقت قليلًا ولم يجتمع أكثرهم (أخر) منتظرًا بهم (والصبح بغلس)، والغلس بفتحتين: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٧).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٧٦).\n(٣) قال ابن دقيق العيد (١/ ١٣٥): هذا الحديث يشتمل شيئًا لم يتكلموا عليه، وهو أن صلاة الجماعة أفضل من الصلاة أول الوقت، فلو تعارضا لأحد فالأقرب عندي أن التأخير للجماعة أفضل، \"ابن رسلان\"، وكذا قال ابن العربي، ونقل فيه خلاف الشافعي. (ش). [انظر: \"العارضة\" (١/ ٢٦٧)].","vol":"3","page":43},{"text":"٣٩٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِى بَرْزَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّى الْعَصْرَ وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَذْهَبُ (١) إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَيَرْجِعُ (٢) وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ،\n===\n٣٩٨ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة) بن الحجاج، (عن أبي المنهال) البصري سيار بن سلامة الرياحي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة ١٢٩ هـ.\n(عن أبي برزة) (٣) الأسلمي نضلة بنون مفتوحة وبمعجمة ساكنة، ابن عبيد، صاحب النبي - ﷺ -، كان من ساكني المدينة ثم البصرة، وغزا خراسان، وشهد مع علي فقاتل الخوارج بالنهروان، قيل: مات بنيسابور، وقيل: بالبصرة، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: إنه بقي إلى ولاية عبد الملك، مات سنة ٦٥ هـ على الصحيح.\n(قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي الظهر إذا زالت الشمس) ومقتضى ذلك أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها، ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد، لأنه يختص بشدة الحر، أو لبيان الجواز.\n(ويصلي العصر وإن أحدنا ليذهب) أي بعد الفراغ من الصلاة (إلى أقصى المدينة) أي إلى رحله في منتهى بيوت المدينة (ويرجع) أي ويرجع من رحله في أقصى المدينة إلى المسجد (والشمس حية) أي لم يدخلها التغير، هذا الذي قلنا\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لو ذهب يذهب\".\n(٢) وفي نسخة: \"ورجع\".\n(٣) له في مسلم أربعة أحاديث، وفي البخاري حديثان، \"ابن رسلان\". (ش). [انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٨٦) رقم (٥٧٢٧)].","vol":"3","page":44},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن أن ظاهره حصول الذهاب إلى أقصى المدينة والوجوع من ثم إلى المسجد، هو على ظاهر سياق لفظ أبي داود، وعلى سياق لفظ البخاري من طريق شعبة: \"والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة ويرجع والشمس حية\"، فقوله: \"ويرجع\" هكذا في رواية، وفي رواية أبي ذر والأصيلي: \"رجع والشمس حية\"، ويخالفه ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك عن عوف ولفظه: \"ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية\"، فليس فيه إلَّا الذهاب فقط.\nوطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: يحتمل أن الواو في قوله: \"وأحدنا\" بمعنى ثم، والتقدير: ثم يذهب أحدنا أي ممن صلى معه، وأما قوله: \"رجع\" فيحتمل أن يكون بمعنى يرجع، ويكون بيانًا لقوله: \"يذهب\"، ويحتمل أن يكون \"رجع\" في موضع الحال، أي يذهب راجعًا، ويحتمل أن أداة الشرط سقطت إما لو أو إذا، والتقدير: ولو يذهب أحدنا ... إلخ.\nوجوز الكرماني أن يكون \"رجع\" خبرًا للمبتدأ الذي هو \"أحدنا\"، و\"يذهب\" جملة حالية، وهو وإن كان محتملًا من جهة اللفظ لكنه يغاير رواية عوف، وقد رواه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة بلفظ: \"والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية\"، ولمسلم والنسائي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة مثله، لكن بلفظ \"يذهب\" بدل يرجع.\nوقال الكرماني أيضًا بعد أن حكى احتمالًا آخر وهو أي قوله: \"رجع\" عطف على \"يذهب\"، والوا ومقدرة، و\"رجع\" بمعنى يرجع، ويؤيد ذلك رواية أبي داود عن حفص بن عمر بلفظ: \"وإن أحدنا ليذهب إلى أقصى المدينة ويرجع والشمس حية\"، وقد قدمنا ما يرد عليها، وأن رواية عوف أوضحت أن المراد بالرجوع الذهاب إلى المنزل من المسجد، وإنما سمي رجوعًا، لأن ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذهاب منه إلى المنزل","vol":"3","page":45},{"text":"وَنَسِيتُ الْمَغْرِبَ، وَكَانَ لَا يُبَالِى (١) تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ\".\nقَالَ: ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ\n===\nرجوعًا، هذا (٢) خلاصة ما قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٣).\nقلت: رواية عوف في البخاري، وكذلك رواية أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة، وكذلك رواية مسلم والنسائي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة مصرحة بأن المراد من الرجوع، الرجوع من المسجد إلى أقصى المدينة، فعلى هذا لا ينبغي أن يعتمد على ما في ظاهر سياق لفظ أبي داود من أن المراد من الرجوع، الرجوع من أقصى المدينة إلى المسجد، بل يجب أن يؤول في سياق أبي داود بأن قوله: \"ويرجع\" عطف تفسيري ليذهب، ويكون تقديره: وإن أحدنا ليذهب أي يرجع إلى أقصى المدينة والشمس حية، فعلى هذا تتوافق جميع الروايات في هذا المعنى، والله أعلم.\n(ونسيت المغرب) قائل ذلك (٤) هو أبو المنهال، أي نسيت ما قال أبو برزة في صلاة المغرب، (وكان) أي رسول الله - ﷺ - (لا يبالي تأخير العشاء إلى ثلث الليل)، ولفظ البخاري: \"وكان يستحب أن يؤخر من العشاء\"، قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استحباب التأخير قليلًا، لأن التبعيض يدل عليه، وتعقب بأنه بعض مطلق لا دلالة فيه على قلة وكثرة، والتأخير إنما كان لانتظار من يجيء لشهود الجماعة، يدل عليه حديث جابر المتقدم.\n(قال) أي أبو المنهال (٥): (ثم قال) أي أبو برزة حمرة أخرى (إلي شطر الليل)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لا يبالي بعض\".\n(٢) وقريب منه ما قاله ابن رسلان، والحاصل أن الذهاب والرجوع كليهما ليس بمراد هاهنا. (ش).\n(٣) (٢/ ٢٢).\n(٤) قال ابن رسلان: قائله يسار كما بينه أحمد في روايته عن حجاج عن شعبة. (ش).\n(٥) والأوجه عندي قال شعبة: ثم قال أبو المنهال، كما سيجيء من رواية البخاري، ويؤيده نسيانه في المغرب. (ش).","vol":"3","page":46},{"text":"قَالَ: \"وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا\n===\nمعناه: كان رسول الله - ﷺ - لا يبالي بتأخير العشاء في انتظار من يجيء لشهود الجماعة إلى شطره، وقال البخاري: وقال معاذ: قال شعبة: ثم لقيته مرة فقال: أو ثلث الليل، قال الحافظ في \"شرحه\" (١): وجزم حماد بن سلمة عن أبي المنهال عند مسلم بقوله: إلى ثلث الليل، وكذا لأحمد عن حجاج، عن شعبة.\n(قال) أي أبو المنهال: (وكان) أي رسول الله - ﷺ - (يكره النوم قبلها) أي قبل العشاء (٢)، قال الترمذي (٣): قد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص في ذلك بعضهم، وقال ابن المبارك: أكثر الأحاديث على الكراهة، ورخص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء في رمضان.\nقال ابن سيد الناس في \"شرح الترمذي\": وقد كرهه جماعة وأغلظوا فيه، منهم ابن عمر وعمر وابن عباس، وإليه ذهب مالك، ورخص فيه بعضهم، منهم علي وأبو موسى، وهو مذهب الكوفيين، وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه لصلاتها، وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي.\nوالعلة في الكراهة قبلها لئلا يذهب النوم بصاحبه ويستغرقه، فتفوته أو يفوته فضل وقتها المستحب، أو يترخص في ذلك الناس فينام عن إقامة جماعتها.\nاحتج من قال بالجواز بما أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة: \"أن رسول الله - ﷺ - اعتم بالعشاء حتى ناداه عمر نام النساء والصبيان، ولم ينكر عليهم\"، وبحديث ابن عمر: \"أن رسول الله - ﷺ - شغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢).\n(٢) خشية التمادي إلى وقت الكراهة أو خشية نسيانها، كذا قال ابن رسلان. (ش).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣١٤).","vol":"3","page":47},{"text":"وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يُصَلّي الصُّبْحَ وَمَا يَعْرِفُ (١) أَحَدُنَا جَلِيسَهُ الَّذِي\n===\nرسول الله - ﷺ -، الحديث، ولم ينكر عليهم، قاله في \"النيل\" (٢).\n(والحديث بعدها) (٣) قال النووي (٤): واتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلَّا ما كان في خير، قيل: وعلة الكراهة (٥) ما يؤدي إليه السهر من مخافة غلبة النوم آخر الليل عن القيام لصلاة الصبح في جماعة، أو الإتيان بها في وقت الفضيلة والاختيار، أو القيام للورد من صلاة أو قراءة في حق من عادته ذلك، ولا أقل لمن أمن ذلك من الكسل بالنهار عما يجب من الحقوق فيه والطاعات.\nوهذا الحديث يدل على كراهة السمر بعد العشاء، وحديث عمر قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين\"، وأيضًا حديث ابن عباس قال: \"رقدت في بيت ميمونة ليلة\"، وفيه قال: \"فتحدث النبي - ﷺ - مع أهله ساعة ثم رقد\"، رواه مسلم، يدلان على جوازه، وطريقة الجمع بينهما بأن توجه أحاديث المنع إلى الكلام المباح الذي ليس فيه فائدة تعود على صاحبه، وأحاديث الجوإز إلى ما فيه فائدة تعود على المتكلم، قاله الشوكاني (٦).\n(وكان يصلي الصبح وما يعرف أحدنا جليسه الذي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"تعرف\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٢٦).\n(٣) وأورد المصنف آخر الحديث في كتاب الأدب، وترجم له \"باب السمر بعد العشاء\". (ش).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٥٨).\n(٥) أو خشية الوقوع في اللغط واللغو، وفيما لا ينبغي عليه ختم اليقظة، قاله ابن رسلان. قلت: ويؤيده استثناء المذاكرة والوعظ، وقيل: جعل تعالى شأنه الليل سكنًا فلا يخالفه، وقيل: كان من أفعال الجاهلية، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) \"نيل الأطار\" (٢/ ٤٢٦).","vol":"3","page":48},{"text":"كَانَ يَعْرِفُهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا مِنَ السِّتّينَ (١) إِلَى الْمِئَةِ\". [خ ٧٧١، م ٦٤٧، ن ٤٩٥، جه ٦٧٤، حم ٤/ ٤٢٠]\n===\nكان يعرفه) أي الذي بجنبه، هكذا في النسخة الدهلوية، وفي المكتوبة القديمة، وكذا في الكانفورية بزيادة لفظ \"ما\" النافية، وأما النسخة المصرية (٢) والنسخة التي اختارها صاحب \"عون المعبود\" فليس فيها زيادة لفظ \"ما\" النافية، والظاهر (٣) أنها الصواب، لأنهما موافقتان لرواية البخاري، ولفظها من طريق شعبة: \"كان النبي - ﷺ - يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه\"، وفي رواية له من طريق عوف: \"وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه\"، وكذلك في رواية لمسلم ولفظه: \"فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرفه فيعرفه\"، وله في أخرى: \"وننصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض\"، ولو سلم صحة هذا اللفظ فيمكن أن يحمل عدم المعرفة قبل الشروع من الصلاة والمعرفة على ما بعد الفراغ منها.\n(وكان) أي رسول الله - ﷺ - (يقرأ فيها) أي في صلاة الصبح (من الستين إلى المئة) يعني من الآي، الظاهر أن هذا القدر من القراءة ما كانت في الركعتين، وقَدَّرها في رواية للطبراني بسورة \"الحاقة\" ونحوها، والاستدلال بهذا الحديث على التعجيل بصلاة الصبح ممنوع، لأن المسجد الشريف كان مسقفًا، فابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه لا يكون في أواخر الغلس، بل يحصل إذا كان الإسفار جدًّا، وكذلك عدم المعرفة قبل الصلاة لا يقتضي التغليس، بل يدل على أنه - ﷺ - كان يصلي الصبح في أواخر الغلس وأوائل الإسفار، وعدم المعرفة كانت لأجل كون المسجد مسقفًا، ولأن قراءة نحو سورة \"الحاقة\" ليست بطويلة حتى يستدل بها على التغليس، والله أعلم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بالستين\".\n(٢) وليس أيضًا في نسخة ابن رسلان، وقال: هذا يخالف حديث عائشة: \"ما يعرفن من الغلس\" إلَّا أن يقال: هذا متعلق بمن تلَفَّفَ بالجلباب. (ش).\n(٣) واختاره في \"فيض الباري\" (٢/ ١١٠). (ش).","vol":"3","page":49},{"text":"(٤) بَابٌ (١): في وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ\n٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"كُنْتُ أُصَلِّى الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَآخُذُ\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>(٤) (بَابٌ: في وَقْتِ صَلاةِ الظُّهْرِ)</span>\n٣٩٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا عباد بن عباد) بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي العتكي بفتح المهملة والمثناة، بطن من الأزد، أبو معاوية البصري، قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: عباد بن عباد وعباد بن العوام جميعًا ثقة، وعباد بن عباد أوثقهما وأكثرهما حديثًا، وقال يعقوب بن شيبة وأبو داود والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال الترمذي عن قتيبة: ما رأيت مثل هؤلاء الفقهاء الأشراف مالكًا والليث وعبد الوهاب الثقفي وعباد بن عباد، كنا نرضى أن نرجع من عند عباد كل يوم بحديثين، ووثَّقه العجلي والعقيلي وأبو أحمد المروزي وابن قتيبة، وقال ابن سعد: كان ثقة وربما غلط، ولم يكن بالقوي في الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، قيل له: يحتج بحديثه؟ قال: لا. وأورد ابن الجوزي في \"الموضوعات\" حديث أنس: \"إذا بلغ العبد أربعين سنة\" من طريق عباد هذا، فنسبه إلى الوضع، وأفحش القول فيه، فوهم وهمًا شنيعًا، فإنه التبس عليه براوٍ آخر، مات سنة ٨٠ هـ.\n(نا محمد بن عمرو) بن علقمة، (عن سعيد بن الحارث) بن أبي سعيد بن المعلى بميم مضمومة وفتح لام مشددة، ويقال: ابن أبي المعلى (الأنصاري) المدني القاص، وذكر ابن سعد أنه سعيد بن أبي سعيد الحارث بن أوس بن المعلى، وصوَّبه أبو أحمد الدمياطي، قال يعقوب بن سفيان: هو ثقة، وقال ابن معين: مشهور، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن جابر بن عبد الله قال: كنت أصلي الظهر مع رسول الله - ﷺ -، فآخذ\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما جاء في وقت ... إلخ\".","vol":"3","page":50},{"text":"قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِى كَفِّى، أَضَعُهَا لِجَبْهَتِى أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ\". [ن ١٠٨١، حم ٣/ ٣٢٧]\n٤٠٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ،\n===\nقبضة من الحصى لتبرد في كفي، أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر) (١) قال الخطابي (٢): فيه من الفقه تعجيل صلاة الظهر، وفيه أنه لا يجوز السجود إلَّا على الجبهة، ولو جاز السجود على ثوب هو لابسه (٣) أو الاقتصار من السجود على الأرنبة دون الجبهة، لم يكن يحتاج إلى هذا الصنيع، وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة، انتهى.\nقلت: هذا الحديث لا يدل على تعجيل صلاة الظهر، لأن شدة الحر قد توجد مع الإبراد، وقد تبقى الحرارة في الحصباء بعد الإبراد (٤) أيضًا حتى يحتاج إلى تبريدها، وأما قوله: لو جاز السجود على ثوب هو لابسه، فهو أيضًا ممنوع، لأن هذا لو كان عليه ثوب فاضل فلم يسجد عليه لثبت ذلك الحكم، ولم يثبت ههنا أنه كان عليه ثوب فاضل يمكنه أن يسجد عليه فلم يسجد، وكذا قوله: الاقتصار من السجود على الأرنبة، فإنه كما لا يمكن السجود لشدة الحر على الجبهة، فكذلك لا يمكن على الأرنبة، والله أعلم.\n٤٠٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبيدة بن حميد، عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق) بكسر الراء، ابن أشيم بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة\n_________\n(١) قال الطحاوي (١/ ١٨٧) وغيره: إنه منسوخ بحديث الإبراد، وكذا قال السبكي، ويدل عليه حديث الخلال: \"كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - الإبراد بالظهر\"، قال الطحاوي: رواية المغيرة \"كنا نصلي بالهاجرة فقال لنا: أبردوا\" دليل على تأخر الإبراد، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٧٧).\n(٣) بناءً على مسلك الشافعية فإنه لا يجوز عنده السجود على الثوب المتصل. (ش).\n(٤) حتى إلى بعد المغرب أيضًا. (ش).","vol":"3","page":51},{"text":"عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنِ الأَسْوَدِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: \"كَانَتْ (١) قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ،\n===\nوفتح مثناة تحتية، أبو مالك الأشجعي الكوفي، قال أحمد وابن معين والعجلي: ثقة، وقال ابن إسحاق في \"السيرة\": ثقة، وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم، وقال ابن خلفون: وثَّقه ابن نمير وغيره، وقال العقيلي: أمسك يحيى بن سعيد عن الرواية عنه.\n(عن كثير بن مدرك) الأشجعي أبو مدرك الكوفي، قال العجلي: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند مسلم حديث واحد في المتابعات في التلبية.\n(عن الأسود) في يزيد النخعي (أن عبد الله بن مسعود قال: كانت قدر صلاة (٢) رسول الله - ﷺ -) أي الظهر كما هو مصرح في رواية النسائي (في الصيف) أي في زمانه (ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام) أي كان يصلي إذا صار ظل كل شيء من ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، قال في \"القاموس\": القدم: الرجل مؤنثة، جمعه أقدام، وقال في \"النهاية\" (٣): وفي حديث مواقيت الصلاة: \"كان قدر صلاته الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام\"، أقدام الظل التي تعرف بها أوقات الصلاة هي قدم كل إنسان على قدر قامته، وهذا أمر مختلف باختلاف الأقاليم والبلاد.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"كان\".\n(٢) قال ابن رسلان: قال تقي الدين السبكي: اختلفوا في معناه، والذي عندي أنه كان يصلي في الصيف بعد نصف الوقت، وفي الشتاء أوله، لأن أول الصيف لا يبقى في المدينة ظل وقت الزوال، وأول الشتاء يكون عند الزوال سبعة أقدام، فصلاته في أول الصيف ثلاثة أقدام، وبعد ذلك خمسة أقدام إذ صار الظل قدمين، وفي أول الشتاء سبعة أقدام يعني أول الوقت، ثم لما نقص الظل صارت إلى خمسة، فصلاته ﵊ لم تختلف في الصيف عن نصف الوقت للتبريد، وفي الشتاء عن أول الوقت، انتهى مختصرًا، وراجع إلى \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٠). (ش).\n(٣) (ص ٧٣٧).","vol":"3","page":52},{"text":"وَفِى الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ\". [ن ٥٠٣، ك ١/ ١٩٩، ق ١/ ٣٦٥]\n===\n(و) كان يصلي (في الشتاء) أي في زمانه (خمسة أقدام) أي من خمسة أقدام (إلى سبعة أقدام) قال الخطابي (١): وهذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك أن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكُلَّما كان أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدًا أطول من ظلال الصيف في كل مكان، وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكة والمدينة، وهما من الإقليم الثاني، ويذكرون أن الظل فيهما في أول شهر آذار (٢) ثلاثة أقدام وشيء. ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام.\nوأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون ستة أقدام أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم، دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني، والله أعلم، انتهى.\nوقال السندي في \"حاشية النسائي\" (٣): قوله: كان قدر صلاة رسول الله - ﷺ - ... إلخ، أي قدر تأخير الصلاة عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٧٧).\n(٢) الظاهر أنها من السنين السكندرية الرومية، وهي: تشرين أول، تشرين آخر، كانون الأول، كانون الثاني، شباط، آذار، نيسان، أيار، حزيران، تموز، آب، أيلول. وأما شهور السنين العبرانية وهي: تشرين، حسوان، كسليف، طابت، شباط، آذار، نيسان، أيار، سيوان، تموز، آب، أيلول، تشترك في بعض الأسماء بالسنين الأولى كما في \"تقويم البلدان\"، ويتفق تاريخ السنة الميلادية مع تاريخ السنة الرومية تمام الاتفاق من اليوم الأول من شهر كانون الثاني مع اليوم الأول من شهر يونيو. (ش).\n(٣) (١/ ٢٥١).","vol":"3","page":53},{"text":"٤٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى أَبُو الْحَسَنِ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو الْحَسَنِ هُوَ مُهَاجِرٌ - قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ الظُّهْرَ، فَقَالَ: «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ: «أَبْرِدْ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا،\n===\nأقدام للظل، أي يصير كل ظل إنسان ثلاثة أقدام من أقدامه، فيعتبر قدم كل إنسان بالنظر إلى ظله، والمراد أن يبلغ مجموع الظل الأصلي والزائد هذا المبلغ، لا أن يصير الزائد هذا القدر، ويعتبر الأصلي سوى ذلك، فهذا قد يكون لزيادة الظل الأصلي كما في أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة الظل الزائد بسبب التبريد كما في أيام الصيف، والله أعلم.\n٤٠١ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام بن عبد الملك الباهلي، (نا شعبة) بن الحجاج، (أخبرني أبو الحسن) مهاجر التيمي الكوفي الصائغ، مولى بني تيم الله، قال أحمد وابن معين والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان والعجلي: كوفي ثقة، وأحسن شعبة عليه الثناء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال أبو داود: أبو الحسن هو مهاجر، قال: سمعت زيد بن وهب يقول: سمعت أبا ذر) الغفاري (يقول: كنا مع النبي - ﷺ -) أي في سفر كما في \"البخاري\" (فأراد المؤذن) (١) أي بلال (أن يوذن الظهر، فقال) أي النبي - ﷺ - للمؤذن: (أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أبرد (٢) مرتين أو ثلاثًا)\n_________\n(١) قال ابن رسلان: ولفظ البخاري: أذن المؤذن ... إلخ، وظاهره أن الأمر بالإبراد وقع بعد الأذان، فيجمع أن المؤذن شرع في الأذان فمنعه فقطع الأذان، فمعنى لفظ البخاري \"أذن\" أي شرع، ومعنى لفظ أبي داود \"أراد\" أن يتم الأذان.\nقلت: والأوجه عندي المراد في رواية البخاري أي أراد الأذان لكي تتفق الروايتان، وهذا معروف في الرواية كما ورد: إذا دخل الخلاء، الحديث. (ش).\n(٢) الجمع بينها وبين حديث خباب: \"شكونا حر الرمضاء فلم يشكنا\"، راجع إلى \"مختلف الحديث\" لابن قتيبة (ص ٧٤). (ش).","vol":"3","page":54},{"text":"حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ،\n===\nأي صدر إرادة المؤذن الأذان وتهيؤه للأذان، وقوله - ﷺ - له: \"أبرد\" مرتين أو ثلاثًا.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): فإن قيل: الإبراد للصلاة فكيف أمر المؤذن به للأذان؟ فالجواب: أن ذلك مبني على أن الأذان هل هو للوقت أو للصلاة؟ وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوي القول بأنه للصلاة، وأجاب الكرماني (٢) بأن عادتهم جرت بأنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان لغرض الإبراد بالعبادة.\n(حتى رأينا فيء التلول) قال الحافظ: هذه الغاية متعلقة بقوله: \"فقال له: أبرد\" أي كان يقول له في الزمان الذي قبل الرؤية: أبرد، أو متعلقة بأبرد، أي قال له: أبرد إلى أن ترى، أو متعلقة بمقدر، أي قال له: أبرد فأبرد إلى أن رأينا.\nوالفيء بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة: هو ما بعد الزوال من الظل، والتلول جمع تل بفتح المثناة وتشديد اللام: كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة فلا يظهر لها ظل إلَّا إذا ذهب أكثر وقت الظهر.\nوقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتى يصير الظل ذراعًا بعد ظل الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل غير ذلك.\nوأما ما وقع عند المصنف في الأذان بلفظ: \"حتى ساوى الظل التلول\" فظاهره يقتضي أنه أخرها إلى أن صار ظل كل شيء مثله، ويحتمل (٣) أن يراد\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠).\n(٢) قال ابن رسلان: لو جمعوا بعد الأذان ينبغي أن يبرد بالأذان وإلَّا فيؤذن أول الوقت. (ش).\n(٣) قلت: وهل هو إلَّا تأييد لمذهبه. (ش).","vol":"3","page":55},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ،\n===\nبهذه المساواة ظهور الظل بجنب التل بعد أن لم يكن ظاهرًا، فساواه في الظهور لا في المقدار، أو يقال: قد كان ذلك في السفر، فلعله أخر الظهر حتى يجمعها مع العصر.\n(ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم) أي من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح أي متسع، وهذا كناية عن شدة استعارها، وظاهره أن مثار وهج الحرِّ في الأرض من فيح جهنم حقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه أي كأنه نار جهنم في الحر، والأول أولى، ويؤيده الحديث الآتي: \"اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين\" \"فتح\" (١).\nوهذا تعليل لمشروعية التأخير المذكور، وهل الحكمة فيه دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع؟ وهذا أظهر، أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب؟ ويؤيده حديث مسلم حيث قال: \"أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم\".\nوقد استشكل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب، فكيف أمر بتركها؟ وأجاب عنه أبو الفتح بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه.\nواستنبط له الزين بن المنير معنى يناسبه فقال: وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب إلَّا من أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبًا ودعاءً فناسب الاقتصار عنها حينئذ، واستدل بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم سوى نبينا - ﷺ - فلم يعتذر، بل طلب لكونه أذن له في ذلك.\nقلت: وهذا التعليل يرد قول الشافعية في تأويل هذا الحديث بأنه - ﷺ - أخّرها ليجمعها مع العصر، فإن التأخير المندوب إليه لا يختص بالسفر، وأما\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٧).","vol":"3","page":56},{"text":"فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ\". [خ ٥٣٥، م ٦١٦، ت ١٥٨، حم ٥/ ١٥٥، ش ١/ ٣٢٤، خزيمة ٣٢٨، حب ١٥٠٩، ق ١/ ٤٣٨]\n===\nالجمع بين الصلاتين فمختص به، فيثبت بذلك الحديث ما قاله أبو حنيفة - رحمه الله تعالى- من أن وقت صلاة الظهر يبقى بعد ما يصير ظل كل شيء مثله.\n(فإذا اشتد الحر) (١) أصله اشتدد بوزن افتعل من الشدة، ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد من باب الأولى.\n(فأبردوا (٢) بالصلاة (٣) بقطع الهمزة وكسر الراء أي أخروا إلى أن يبرد الوقت، والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب، حكاه القاضي وغيره، والباء للتعدية، وقيل زائدة، ومعنى \"أبردوا\" أخروا على سبيل التضمين أي أخروا الصلاة، وفي رواية: \"عن الصلاة\"، وقيل زائدة أيضًا، أو عن بمعنى الباء، أو هي للمجاوزة، أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر، والمراد بالصلاة الظهر، لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبًا في أول وقتها، وقد جاء صريحًا في حديث أبي سعيد، \"فتح\" (٤).\n_________\n(١) أُشكل عليه أن الصلاة سبب الرحمة، قال اليعمري: التعليل إذا جاء من الشارع وجب قبوله، قيل: هذا طلب، والطلب عند الغضب لا يكون إلَّا بالإذن كما في قصة الأنبياء عند القيامة، \"ابن رسلان\".\nويشكل عليه أنه ﵊ إذا رأى السحاب خاف وفزع إلى الصلاة، وكذلك في الكسوف، ويمكن أن يقال: إن الأمر بالإبراد لوجود المشقة في شدة الحر، أو يقال بالفرق بين ما هو للتعذيب أعني حرَّ جهنم، وبين ما هو للتخويف أي الكسوف ونحوه. (ش).\n(٢) قال ابن العربي: حكم الإبراد مقيد بثلاث شرائط، وقال ابن رسلان: قيده الشافعي بالبلاد الحارة، وعند أحمد وإسحاق والكوفيين التسوية بين البلاد. (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ٢٧٢): ولا يبرد بالجمعة، واختلف فيه عن الشافعي ... إلخ. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٧).","vol":"3","page":57},{"text":"٤٠٢ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ» - قَالَ ابْنُ مَوْهَبٍ: بِالصَّلَاةِ - \"فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم\". [خ ٥٣٦، م ٦١٥، ن ٥٠٠، جه ٦٧٧، ت ١٥٨، ط ١/ ١٦/ ٢٨، عب ٢٠٤٩، حم ٢/ ٢٦٦، دي ١٢١٠، حب ١٥٠٧، ق ١/ ٤٣٧]\n٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: \"أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ\". [م ٦١٨، جه ٦٧٣، ق ١/ ٤٣٧، حم ٥/ ١٠٦]\n===\n٤٠٢ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الهمداني وقتيبة بن سعيد الثقفي، أن الليث) بن سعد (حدثهم عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) بن عبد الرحمن، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، قال ابن موهب: الصلاة) يعني اختلف ألفاظ شيوخ المصنف، فقتيبة روى بلفظ \"عن\"، وأما ابن موهب وهو يزيد بن خالد، فروى بلفظ الباء (١) الموحدة (فإن شدة الحر من فيح جهنم) وقد مر شرح الحديث في الحديث المتقدم فكن على ذكر منه.\n٤٠٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة) بن جنادة، ويقال: ابن عمرو بن جندب السوائي بضم السين وتخفيف الواو، نسبة إلى سُواءة بن عامر، أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، له ولأبيه صحبة، نزل الكوفة، ومات بها، وله عقب بها، توفي سنة ٧٤ هـ. (أن بلالًا كان يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس) (٢) أي زالت عن وسط السماء إلى جهة المغرب.\n_________\n(١) وبسط ابن رسلان الكلام على الفرق بين قوله: \"بالصلاة\" وبين قوله: \"عن الصلاة\". (ش).\n(٢) ولا يخالف، فإنه يحتمل الشتاء ويحتمل الأول، \"ابن رسلان\". وقلت: ويحتمل أن الأذان للوقت لا للصلاة، كما تقدَّم قريبًا في \"البذل\". (ش).","vol":"3","page":58},{"text":"(٥) بَابٌ (١): في وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ\n٤٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، وَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِى وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ\". [خ ٥٥٠، م ٦٢١، ن ٥٠٦، جه ٦٨٢، ق ١/ ٤٤٠]\n٤٠٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: \"وَالْعَوَالِى عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: أَوْ أَرْبَعَةٍ\".\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>(٥) (بَابٌ: في وَقْتِ صَلاةِ الْعَصْرِ)</span>\n٤٠٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث) بن سعد، (عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك) بن نضر (أنه أخبره أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي العصر والشمس بيضاء) أي لم يدخلها صفرة (مرتفعة حية) وحياتها بقاء حرها وضوئها، (ويذهب الذاهب) أي بعد الفراغ من صلاة العصر (إلى العوالي) وهي جمع عالية، وهي القرى التي حول المدينة من جهة نجد، وأما من جهة تهامة فيقال لها: السافلة، فيلحق العوالي (والشمس) أي والحال أن الشمس (مرتفعة) أي دون ذلك الارتفاع، وعلى هذا العامل في الحال فعله المقدر وهو يصلها أو يدخلها، ويحتمل أن يكون العامل فيها الفعل المذكور وهو قوله: \"فيذهب الذاهب\"، وحينئذ لا يقدر لها الفعل.\n٤٠٥ - (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد، (نا عبد الرزاق) بن همام، (أنا معمر) بن راشد، (عن الزهري قال) أي الزهري: (والعوالي على ميلين أو ثلاثة، قال) أي معمر: (وأحسبه) أي الزهري (قال: أو أربعة) والميل ثُلُثُ فرسخ، أربعة آلاف ذراع بذراع محمد بن فرج الشاشي، طولها أربعة وعشرون\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما جاء ... إلخ\".","vol":"3","page":59},{"text":"٤٠٦ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: \"حَيَاتُهَا أَنْ تَجِدَ حَرَّهَا\".\n===\nإصبعًا بعدد حروف لا إله إلَّا الله محمد رسول الله، وعرض الإصبع ست حبات شعير ملصقة ظهرًا لبطن، وزنة الحبة من الشعير سبعون حبة خردل، وفسر أبو شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع وخمس مدّة ذراع إلى أربعة آلاف ذراع، وفي \"الينابيع\": الميل ثلث الفرسخ، أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربعة وعشرون أصبعًا. \"عيني\" (١).\nواختلفت الروايات في تقدير بُعد العوالي من المدينة من ميلين إلى ثمانية أميال، فأقرب العوالي من المدينة على مسافة ميلين، وأبعدها (٢) على ثمانية أميال، فبهذا يحصل التوفيق بين الروايات.\n٤٠٦ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا جرير) بن عبد الحميد، (عن منصور) بن المعتمر، (عن خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سبرة بفتح المهملتين بينهما موحدة ساكنة، واسمه يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذؤيب الجعفي الكوفي، لأبيه ولجده صحبة، وقد جده أبو سبرة إلى النبي - ﷺ - ومعه ابناه سبرة وعزيز، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، لم ينجُ من فتنة ابن الأشعث إلَّا هو وإبراهيم النخعي، وقال مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إليَّ منهما، مات بعد سنة ٨٠ هـ.\n(قال: حياتها أن تجد حرها) (٣) فالحياة مستعارة عن صفاء لونها عن التغير والاصفرار وقوة ضوئها وشدة حرها، فإن كل شيء ضعفت قوته فكأنه قد مات وكأنه جعل المغيب موتها.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٢).\n(٢) وفي \"المدونة\" (١/ ١٤٣): عن مالك: أبعد العوالي على ثلاثة أميال، قال ابن عبد البر: هذا باعتبار المعظم، وإلَّا فأبعدها ثمانية أميال، ابن رسلان، وسيأتي أنهم يصلون إلى بيوتهم بعد المغرب حتى ترى مواقع نبلهم. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: وذلك يكون عند المثلين غالبًا، انتهى. (ش).","vol":"3","page":60},{"text":"٤٠٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (١) قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِى حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ\". [خ ٥٢٢، م ٦١١، ت ١٥٩، ن ٥٠٥، جه ٦٨٣، ط ١/ ٤/ ٢، عب ٢٠٧٢، ش ١/ ٣٢٦، حم ٦/ ٣٧، دي ١٨٩، خزيمة ٣٣٢، حب ١٥٢١]\n٤٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ\n===\n٤٠٧ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة (قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب، قال عروة: ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي العصر والشمس) والمراد بالشمس ضوؤها (في حجرتها) أي باقية (قبل أن تظهر) (٢) أي قبل أن تصعد وتخرج من الحجرة.\nقال العيني (٣): استدل به الشافعي ومن تبعه على تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وقال الطحاوي: لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة (٤) كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلَّا بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجيل.\n٤٠٨ - (حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري) ابن عبد الصمد، أبو عبد الله البصري، قال علي (٥) بن الجنيد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عبد الله بن مسلمة القعنبي\".\n(٢) ولفظ ابن رسلان: \"قبل أن يظهر الفيء\" قال: أي قبل أن ينبسط في حجرتها، قال ابن رسلان: ولفظ البخاري: \"قبل أن تظهر\"، أي ترتفع، فهذا الظهور غير ذاك الظهور، ولا اختلاف بينهما، لأن انبساط الفيء لا يكون إلَّا بعد خروج الشمس. (ش).\n(٣) \" عمدة القاري\" (٤/ ٤٦).\n(٤) وسيأتي بيان الحجرة على هامش \"باب ما جاء في البناء\" من كتاب الأدب. (ش).\n(٥) هكذا في \"التهذيب\". (ش). [وفي \"تهذيب الكمال\" (٦/ ٤٠١): عليّ بن الحسين الجنيد].","vol":"3","page":61},{"text":"أَبِى الْوَزِيرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْيَمَامِىُّ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِىِّ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: \"قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ\n===\n(نا إبراهيم بن أبي الوزير) هو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم، أبو عمرو، ويقال: أبو إسحاق المكي، نزيل البصرة، قال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به، روى له البخاري مقرونًا، وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، ثنا إبراهيم بن أبي الوزير ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، ليس في حديثه ما يخالف الثقات.\n(نا محمد بن يزيد اليماي) روى عن يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان اليمامي، وعنه إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، قال في \"الميزان\": شيخ معاصر لوكيع لا يعرف، وقال في \"الخلاصة\": مجهول.\n(حدثني يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان) الحنفي اليمامي قال في \"الميزان\": لا يعرف، وقال في \"الخلاصة\": مجهول، وكذا في \"التقريب\"، (عن أبيه) عبد الرحمن بن علي بن شيبان الحنفي اليمامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: تابعي ثقة.\n(عن جده علي بن شيبان) (١) بن محرز بن عمرو الحنفي السحيمي اليمامي، أبو يحيى، كان أحد الوفد من بني حنيفة، وله أحاديث أخرجها البخاري في \"الأدب المفرد\" وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان، روى عنه ابنه عبد الرحمن.\n(قال) أي علي بن شيبان: (قدمنا على رسول الله - ﷺ - المدينة) أي من اليمامة وافدين عليه فبايعناه، (فكان يؤخر العصر) (٢) أي يصلي العصر مؤخرة\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٢٨٢) رقم (٣٧٨٨).\n(٢) في \"العارضة\" (١/ ٢٨٤): اختلفوا في أن الأفضل في العصر التأخير، كما قال به الحنفية، أو التعجيل، كما قال به الثلاثة ... إلخ. قلت: واستدل الحنفية على تأخير العصر بما في \"الشرح الكبير\" (١/ ٣٨٣) من أمره - ﷺ - بتأخيره، إلَّا أن الحديث ضعيف. (ش).","vol":"3","page":62},{"text":"مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً\".\n===\n(مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً) أي صافية اللون لم يدخلها تغير وصفرة.\nقال العيني (١): قال القرطبي: خالف الناس كلهم أبا حنيفة فيما قاله حتى أصحابه، قلت: إذا كان استدلال (٢) أبي حنيفة بالحديث فما يضر مخالفة الناس له، ويؤيد ما قال أبو حنيفة حديث علي بن شيبان هذا، وهذا يدل على أنه كان يصلي العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه، وحديث جابر: \"صلى بنا رسول الله - ﷺ - العصر حين صار ظل كل شيء مثليه قدر ما يسير الراكب إلى ذي الحليفة العنق\"، رواه ابن أبي شيبة بسندٍ لا بأس به.\nوقال في \"الجوهر النقي\" (٣): أخرجه أبو داود وسكت عنه، قلت: ويؤيده ما ذكره البيهقي (٤) من رواية عبد الواحد أو عبد الحميد بن نافع أو نفيع الكلابي عن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبيه: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يأمرهم بتأيخر العصر\"، وهو مختلف في اسمه واسم أبيه، واختلف عليه في اسم ابن رافع فقيل فيه: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، قال البخاري: لا يتابع عليه، وحكي عن الدارقطني أنه قال: الصحيح عن رافع ضد هذا.\nوأجاب عنه في \"الجوهر النقي\"، قلت: ذكر ابن حبان في ثقات التابعين عبد الله بن رافع، وذكر في ثقات أتباع التابعين عبد الواحد ابن نافع.\nوما أخرج الحاكم (٥) بسنده - وقال: صحيح على شرط البخاري - عن العباس بن ذريح عن زياد بن عبد الله النخعي قال: كنا جلوسًا مع علي في\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٧).\n(٢) ولا يذهب عليك أن الأصل المرجح عندنا في كل شيء أن الأوفق بالقرآن أقدم من كل شيء، فقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يدل على اتصال الصلاتين بالطلوع والغروب، فإن بعد المثل لا يقال قبل الغروب كما لا يخفى. (ش).\n(٣) (١/ ٤٤١).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٤٣).\n(٥) \"المستدرك\" (١/ ١٩٢).","vol":"3","page":63},{"text":"(١).\n٤٠٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِى زَائِدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ،\n===\nالمسجد الأعظم، والكوفة يومئذٍ أخصاص، فجاء المؤذن، فقال، الصلاة يا أمير المؤمنين للعصر، فقال: اجلس فجلس، ثم عاد، فقال ذلك له، فقال على: هذا الكلب يعلمنا بالسنَّة، فقام فصلى بنا العصر، ثم انصرفنا إلى المكان الذي كنا فيه، فجثونا للركب لنزول الشمس للمغيب نتراءاها، والعباس ثقة، وزياد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين.\nوما أخرج الترمذي (٢) بسنده عن أم سلمة -﵂ - قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - أشد تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه\"، وسكت الترمذي عن الحديث، ورجاله على شرط الصحيح.\nوما في \"مصنف عبد الرزاق\" (٣) عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: \"كان من كان قبلكم أشد تعجيلًا للظهر وأشد تأخيرًا للعصر منكم\"، وعن الثوري عن الأعمش: \"كان أصحاب ابن مسعود يعجلون الظهر ويؤخرون العصر\"، وعن الثوري عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد: \"أن ابن مسعود كان يؤخر العصر\"، وعن معمر عن خالد الحذاء: \"أن الحسن وابن سيرين وأبا قلابة كانوا يمسون بالعصر\"، انتهى.\n٤٠٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وبزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد) بن سيرين، (عن عبيدة) بفتح المهملة وكسر الموحدة، ابن عمرو، ويقال: ابن قيس بن عمرو السلماني،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في الصلاة الوسطى\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١٦١).\n(٣) (١/ ٥٤٠).","vol":"3","page":64},{"text":"عن عَليٍّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ:\n===\nقال في \"الأنساب\" (١): بفتح السين المهملة وسكون اللام وفي آخره النون، هذه النسبة إلى سلمان، حي من مراد، قاله محمد بن حبيب بإسكان اللام، وأصحاب الحديث يُحرِّكون اللام، والمشهور بهذه النسبة عبيدة السلماني، وهو من أصحاب علي وابن مسعود، أسلم قبل وفاة رسول الله - ﷺ - بسنتين، وسمع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير، ولم ير النبي - ﷺ -، نزل بالكوفة، وكان شريح إذا أشكل عليه الشيء قال: إن هاهنا رجلًا في باب سلمة فيه جرأة، فيرسله إلى عبيدة، وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه، وكل شيء روى محمد بن سيرين عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي.\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال العجلي: كوفي تابعي ثقة جاهلي، أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين ولم يره، وقال ابن معين: ثقة، لا يسأل عن مثله، وقال عثمان الدارمي: علقمة وعبيدة ثقتان، وقال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي، مات سنة ٧٢ هـ.\n(عن علي) بن أبي طالب (-﵁ -، أن رسول الله (٣) - ﷺ - قال يوم الخندق) أي يوم غزوة الخندق وهي الأحزاب، كانت في ذي القعدة (٤) سنة خمس من الهجرة.\n_________\n(١) (٣/ ٤٤).\n(٢) (٧/ ٨٤).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ٢٩١) في حديث فوت أربع صلوات: قد أخرجه الترمذي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، فقال: هذا إسناد منقطع، والصواب ما سيأتي أنه ﵊ شغل ذاك اليوم عن صلاة واحدة وهي العصر فقط، ثم قال مالك وأبو حنيفة وأحمد: إن الترتيب بين الفوائت واجب، وقال الشافعي: لا يجب، وبسط في الدلائل. (ش).\n(٤) وفي ابن رسلان شوال. (ش).","vol":"3","page":65},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقصتها على ما في \"المجمع\" (١): أنه لما أجلي بنو النضير ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة يستنفر قريشًا إلى حرب المسلمين، وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصلهم، ودعوا غطفان، فنشطت قريش للقتال، ونزلوا قريبًا من المدينة، فأشار سلمان إلى حفر الخندق، وكانوا (٢) عشرة آلاف، وخرج - ﷺ - لثامن ذي القعدة في ثلاثة آلاف فضربوا عسكرهم، وكان كعب بن أسد وادع النبي - ﷺ - على قومه فنقض العهد بما أغراه حيي بن أخطب اليهودي، فاشتد الخوف من كل جانب، ونجم النفاق من المنافقين، ومرَّ على ذلك أربعة وعشرون يومًا، ولم يكن حرب إلَّا الرمي بالنبل، ورُمي سعد بن معاذ بالأكحل.\nفلما اشتدَّ ذلك أتى نعيم بن مسعود فقال: يا رسول الله! إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، قال: خَذِّلْ عنَّا إن استطعت، فإن الحرب خدعة، فأتى قريظة، فقال: يا بني قريظة إن قريشًا وغطفان بغير بلدكم، به نساؤهم وذرياتهم، فإن انهزموا رجعوا إليه وخلوا بينكم وبين الرجل لا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنًا من أشراف قريش وغطفان يكونون بأيديكم ثقة لكم، ثم أتى نعيم قريشًا، فقال: يا معشر قريش إن اليهود ندموا على ما صنعوا وأرسلوا بالندامة إلى محمد، وبأنهم يأخذون من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فيعطونهم إياه، ثم أتى غطفان، وقال لهم مثل ذلك، فاستوحش كل فريق عن صاحبه بسبب ذلك، وهبت ريح شديدة لا تترك قدرًا ولا نارًا، ففزعوا وفروا والحمد لله، وقتل من المسلمين ستة ومن المشركين ثلاثة، فانصرفوا إلى المدينة ووضعوا السلاح.\nفنزل جبرئيل وأمر بالسير إلى بني قريظة، فسار - ﷺ - إليهم، فحاصرهم\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٦٣).\n(٢) أي الكفار، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":66},{"text":"«حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ (١)، مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» (٢). [خ ٢٩٣١، م ٦٢٧، ت ٢٩٨٤، ن ٤٧٣، جه ٦٨٤، دي ١٢٣٢، ق ٢/ ١٨٨، حم ٥٩٢]\n===\nخمسًا وعشرين ليلة حتى جهدوا، فمنهم من آمن كثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة وأسيد بن عبيد، ونزل الآخرون على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل الرجال ونهب الأموال وسبي الذراري والنسوان، فحبسوا في دار، وخرج - ﷺ - إلى السوق وخندق فيها، فيجاء بهم أرسالًا ويضرب أعناقهم، وهم ست مئة أو سبع مئة أو ثمان مئة أو تسع مئة، أقوال، وكان علي والزبير يضربان أعناقهم وهو - ﷺ - جالس هناك، ثم قسم أموالهم، وبعث بعض سباياهم إلى نجد ليبتاع بهم خيلًا وسلاحًا، واصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمر فكانت عنده حتى توفي.\n(حبسونا) أي منعتنا الأحزاب (عن صلاة (٣) الوسطى) هذا عند الكوفيين من إضافة الموصوف إلى الصفة، وأما البصريون فيقدرون لها موصوفًا أي صلاة الساعة الوسطى (صلاة العصر) بدل من صلاة الوسطى، ويحتمل الرفع بتقدير المبتدأ، أي وهي صلاة العصر، (ملأ الله بيوتهم) أي أحياء (وقبورهم) أي أمواتًا (نارًا).\nقال العيني (٤): وقد اختلفوا فيه، والجمهور على أنها صلاة العصر، وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب (٥) أبي حنيفة وقول\n_________\n(١) قال ابن العربي: هذا أصح من حديث الترمذي: \"حبسونا عن أربع صلوات\"، وفي هامش البخاري: منهم من قال: إن الأحزاب كانت أيامًا .. (ش).\n(٢) قال القاري في شرح \"الشمائل\" في الفرق بينه وبين ما قال ﵊ حين كسرت رباعيته: \"اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون\": إن الأول كان من حق الله تعالى، والثاني من حقه فعفا فيه ... إلخ. (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ٢٩٥): يحتمل أن يكون بمعنى الفضلى من قولهم: وسط أي خيار، ويحتمل أن يراد الوسط وهو المساوي في البعد. (ش).\n(٤) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٦٩).\n(٥) قال في \"الدر المختار\" (٥/ ٣٦١): وهي الوسطى على المذهب. (ش).","vol":"3","page":67},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية، وقال النووي: وهو قول أكثر علماء الصحابة، وقال الماوردي: هو قول جمهور التابعين، وقال ابن عبد البر: وهو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية.\nوقد جمع الحافظ الدمياطي في ذلك كتابًا سماه \"كشف المغطى عن الصلاة الوسطى\"، وذكر فيها تسعة عشر قولًا، الأول: أنها الصبح، والثاني: أنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية، والثالث: أنها العصر، والرابع: أنها المغرب، لأنها لا تقصر في السفر، ولأن قبلها صلاتي السر، وبعدها صلاتي الجهر، والخامس: أنها جميع الصلوات، والسادس: أنها الجمعة، السابع: الظهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة، الثامن: العشاء لأنها بين صلاتين لا تقصران، التاسع: الصبح والعشاء، العاشر: الصبح والعصر، الحادي عشر: صلاة الجماعة، الثاني عشر: الوتر، الثالث عشر: صلاة الخوف، الرابع عشر: صلاة عيد الأضحى، الخامس عشر: صلاة عيد الفطر، السادس عشر: صلاة الضحى، السابع عشر: واحدة من الخمس غير معينة، الثامن عشر: الصبح أو العصر على الترديد، التاسع عشر: التوقف، وزاد بعضهم العشرين وهي صلاة الليل، فإن قلت (١): لِمَ لم يصلوا صلاة الخوف؟ قلت: لأن هذا كان قبل نزول صلاة الخوف (٢).\nومناسبة الحديث بالباب تؤخذ من قوله: \"حبسونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر\"، فإن الحبس يقتضي فوتها، والفوت لا يكون إلَّا بالتوقيت بأن يكون له وقت باعتبار الابتداء والانتهاء، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٥١).\n(٢) فلا يجوز عند الجمهور تأخير الصلاة بعد نزول صلاة الخوف، وذهب مكحول والشاميون إلى جواز تأخير صلاة الخوف، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":68},{"text":"٤١٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِى يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهُ قَالَ: \"أَمَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١)، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عَلَىَّ \" ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ،\n===\n٤١٠ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) الإِمام، (عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة) ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في \"صحيح مسلم\" وفي \"السنن\" حديثان (٢) عن عائشة، وروى له البخاري في \"الأدب\" آخر، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وقال في \"التقريب\": ثقة.\n(أنه) أي أبا يونس (قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها) أي لعائشة (مصحفًا) أي قرآنًا (وقالت) أي عائشة لمولاها أبي يونس: (إذا بلغت) أي في الكتابة (هذه الآية فآذني) أي أعلمني (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾) أي جميعها (﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) أي بخصوصها.\n(فلما بلغتها) أي بلغت كتابتي إليها (آذنتها، فأملت) بتشديد اللام من الإملال، وبتخفيفها من الإملاء، وكلاهما بمعنى أي ألقت (عليَّ) لأكتب (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وصلاة (٣) العصر) فزادت: وصلاة\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٨.\n(٢) كذا في \"التهذيب\". قلت: أحدهما هذا، والثاني يأتي في كتاب الصوم \"باب من أصبح جنبًا في شهر رمضان\". (ش).\n(٣) بالواو في الروايات الكثيرة الشهيرة، واستدل بها على أن الوسطى غير العصر، لأن العطف يقتضي المغايرة، \"ابن رسلان\"، ورده في \"الأوجز\" (٣/ ٩٠)، وفيه أيضًا أن المشهور من الأقوال ثلاثة، العصر قول الجمهور والحنفية وأحمد، والظهر رواية لأبي حنيفة، والصبح مذهب مالك والشافعي. (ش).","vol":"3","page":69},{"text":"﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ \"، ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -\". [م ٦٢٩، ن ٤٧٢، ت ٢٩٨٢، ط ١/ ١٣٨/ ٢٥، حم ٦/ ٧٣]\n٤١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ أَبِى حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ\n===\nالعصر (﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ثم قالت (١) عائشة: سمعتها) أي هذه الكلمة \"وصلاة العصر\" (من رسول الله - ﷺ -).\nوظاهره أن الوسطى غير العصر، لأن العطف يقتضي المغايرة، ويمكن حمل العطف على التفسير ليتفق الحديثان، وهذه القراءة شاذة لا عبرة بها، لأنها لم تثبت متواترة، ولعله - ﷺ - قالها تفسيرًا، أو كانت فنسخت تلاوتها، والمناسبة بالباب باعتبار الأمر بالمحافظة عليها تستدعي كونها مؤقتة.\n٤١١ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر) غندر، (نا شعبة) بن الحجاج، (حدثني عمرو بن أبي حكيم) (٢) الواسطي أبو سعيد، ويقال: أبو سهل، ويعرف بابن الكردي، يقال: إنه مولى لآل الزبير، قال أبو داود والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: صالح الحديث.\n(قال: سمعت الزبرقان) (٣) بن عمرو بن أمية الضمري بفتح المعجمة وسكون الميم، نسبة إلى بني ضمرة، ويقال: الزبرقان بن عبد الله بن أمية، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال يحيى بن سعيد: كان زبرقان ثقة، قال علي: فقلت له: أكان ثبتًا؟ قال: كان صاحب حديث، فقلت: إن سفيان لا يحدث عنه، قال: لم يره، وليس كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة.\n_________\n(١) ورواية \"الموطأ\": أن المصحف كان لحفصة، ونحوه أخرج ابن أبي داود في \"كتاب المصاحف\" من نحو عشرين طريقًا، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) بفتح الحاء. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) بكسر الزاء والراء.\"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":70},{"text":"يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّى صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وَقَالَ: «إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ». [حم ٥/ ١٨٣، ق ١/ ٤٥٨]\n===\n(يحدث عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت) (١) بن الضحاك بن زيد بن لوذان الأنصاري النجاري، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، وقال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين الفرائض والقرآن، وفضائله كثيرة، قيل: إن أول مشاهده يوم الخندق، توفي سنة ٤٥ هـ أو بعدها.\n(قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي الظهر بالهاجرة) أي في شدة الحر عقب الزوال، (ولم يكن يصلي صلاة أشد) أي أشق وأصعب (على أصحاب رسول الله - ﷺ - منها) ولذا شكوا حر الرمضاء، وكانوا يسجدون على ثيابهم فيها، (فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ أي الفضلى، إذ الأوسط هو الأفضل، وواسطة العقد أشرف ما فيه.\n(وقال) أي زيد بن ثابت (٢)، وهو الصواب، وقيل: النبي - صلي الله عليه وسلم -، حكاه القاري عن السيد: (إن قبلها) أي الظهر (صلاتين) إحداهما نهارية والأخرى ليلية (وبعدها صلاتين) أي كذلك، أو هي واقعة وسط النهار.\nوالظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابي نشأ من ظنه أن الآية نزلت في الظهر، فلا يعارض نصه ﵊: \"أنها العصر\"، ولا مناسبة لهذا الحديث بالباب، إلَّا أن يقال: لما ساق الروايات الدالة على أن المراد بالصلاة الوسطى العصر أتبعها بهذه التي تدل على أنها الظهر استطرادًا، أو يقال: إنه\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٣٥) رقم (١٨٢٤).\n(٢) والأوجه عندي أحد من الرواة، فإن المنقول عن زيد في وجهه أنه في وسط النهار، كما في \"ابن رسلان\"، إلَّا أن يقال: إنه تعدد منه الروايات في الوجوه. (ش).","vol":"3","page":71},{"text":"٤١٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنِى ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ\n===\nورد الأمر فيها بالمحافظة والمحافظة تقتضي كونها موقوتة، ثم أكثر النسخ خالية عن لفظ الباب ههنا، وكتب في حاشية النسخة الدهلوية ههنا: \"باب من أدرك ركعة منها فقد أدركها\".\n٤١٢ - (حدثنا الحسن بن الربيع) بن سليمان البجلي القسري، نسبة إلى قسر بفتح القاف وسكون المهملة، بطن من بجيلة، أبو علي الكوفي البوراني الحصار، ويقال: الخشاب، قال العجلي: كان يبيع البواري، كوفي ثقة، رجل صالح متعبد، وقال أبو حاتم: كان من أوثق أصحاب ابن إدريس، وقال ابن خراش: كوفي ثقة، كان يبيع القصب، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال عثمان بن أبي شيبة: الحسن بن الربيع صدوق، وليس بحجة، وقال ابن حبان في \"الثقات\": هو الذي غمض ابن المبارك ودفنه، مات سنة ٢٢١ هـ.\n(حدثني ابن المبارك) عبد الله، (عن معمر) بن راشد، (عن ابن طاوس) هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، أبو محمد الأبناوي بفتح الهمزة وسكون الموحدة، قال في \"الأنساب\": وكل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس بعربي يسمونهم الأبناء، ومنهم أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الأبناوي، أمه من أبناء فارس، وأبوه من النمر بن قاسط، انتهى، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وكذا قال الدارقطني في \"الجرح والتعديل\"، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكان من خيار عباد الله فضلًا ونسكًا ودينًا، وتكلَّم فيه بعض الرافضة، مات سنة ١٣٢ هـ.\n(عن أبيه) طاوس بن كيسان، (عن ابن عباس) عبد الله، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس","vol":"3","page":72},{"text":"فَقَدْ أَدْرَكَ\". [خ ٥٧٩، م ٦٠٧، ت ٥٢٤، ن ٥١٤، جه ١١٢٢، ط ١/ ١٠/ ١٥، عب ٢٢٢٤، حم ٢/ ٢٤١، دي ١٢٣، خزيمة ١٥٩٥، حب ١٤٨٣، ك ١/ ٢١٦، ق ١/ ٣٧٩]\n===\nفقد أدرك (١)، ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك) (٢).\nظاهر سياق هذا الحديث يقتضي أن من أدرك ركعة قبل غروب الشمس، ومن الفجر ركعة قبل طلوعها فقد أدركهما، فلا يجب عليه إتمامهما.\nويؤيده ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر\". ولم يقل به أحد من أهل العلم، لأنه روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة.\nوقد أخرج البخاري من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته\".\nوهذا يقتضي أن المدرك جزءًا من الصلاة لا يكون مدركًا لجميعها بحيث لا يكون إتمامها عليه واجبًا، فعلى هذا يجب أن يقدر معمولًا لقوله: \"فقد أدرك\"، أي من أدرك ركعة من الصلاة يعني في الوقت فقد أدرك الوقت، أو يقدر لفظ الوجوب، أي فقد أدرك وجوب الصلاة، فعلى هذا معنى الحديث: إذا أدرك قدر ركعة من الوقت لكونه صبيًا فبلغ، أو كان كافرًا فأسلم، أو كانت المرأة حائضًا فطهرت، فقد أدرك وجوب الصلاة، أو يحمل على ما إذا كان أدرك ركعة من الصلاة مع الإِمام فقد أدرك أي فضل الجماعة.\n_________\n(١) قال ابن العربي (١/ ٣٠١): حاصل ما للعلماء فيه قولان: أحدهما قول أبي حنيفة: إنه لبيان الوقت فقط، والثاني ما للجمهور: إنه لبيان أوقات أهل الضرورة. (ش).\n(٢) قلت: وفي الحواشي القديمة \"للموطأ\" وجّهه بتوجيهات. (ش).","vol":"3","page":73},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال العيني (١) ما ملخصه: إنهم اختلفوا في معنى الإدراك هل هو للحكم أو للفضل أو للوقت في أقل من ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة، وهو أحد قولي الشافعي إلى أنه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقل من ركعة، متمسكين بلفظ الركعة، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في قول إلى أنه يكون مدركًا لحكم الصلاة.\nفإن قلت: قيد في الحديث بركعة فينبغي أن لا يعتبر أقل منها؟ قلت: قيد الركعة فيه خرج مخرج الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة أو نحوها، حتى قال بعض الشافعية: إنما أراد رسول الله - ﷺ - بذكر الركعة البعض من الصلاة، لأنه روي عنه: \"من أدرك ركعة من العصر\"، و\"من أدرك ركعتين من العصر\"، و\"من أدرك سجدة من العصر\"، فأشار إلى بعض الصلاة مرة بركعة، ومرة بركعتين، ومرة بسجدة، والتكبيرة في حكم الركعة لأنها بعض الصلاة، فمن أدركها فكأنه أدرك ركعة.\nواستدل أبو حنيفة ومن تبعه بالحديث المذكور على أن آخر وقت العصر هو غروب الشمس، لأن من أدرك فيه ركعة أو ركعتين مدرك له، فإذا كان مدركًا يكون ذلك الوقت من وقت العصر، لأن معنى قوله: \"فقد أدرك\" أدرك وجوبها، حتى إذا أدرك الصبي أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض قبل غروب الشمس تجب عليه صلاة العصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءًا يسيرًا لا يسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا يجب ما لم يجد وقتًا يسع الأداء فيه حقيقة، وعن الشافعي قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلًا: أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه، وهو أصحهما.\nوفي الحديث (٢) دليل صريح على أن من صلَّى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يتمها، وهذا بالإجماع، وأما في الصبح\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٩).\n(٢) وراجع: \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٩)، و\"مشكل الآثار\" (١٠/ ١٤١). (ش).","vol":"3","page":74},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفكذلك عند الشافعي ومالك وأحمد، وعند أبي حنيفة: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها، وقالوا: الحديث حجة عليه.\nقلت: من وقف على ما أسس عليه أبو حنيفة عرف أن الحديث ليس بحجة عليه، وعرف أن غير هذا الحديث من الأحاديث حجة عليهم، فنقول: إن الوقت (١) سبب للصلاة وظرف لها، ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببًا، لأنه يستلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعين أن يجعل بعض الوقت سببًا، وهو الجزء الأول لعدم المزاحم، فإذا لم يتصل به الأداء انتقلت السببية إلى ما بعده من الأجزاء، حتى تنتهي إلى آخر جزء من أجزاء الوقت، ثم هذا الجزء إن كان صحيحًا بحيث لم ينسب إلى الشيطان كما في الفجر وجب عليه كاملًا، فلا يؤدي إلَّا كاملًا، حتى لو طلع الشمس في خلال الصلاة فسدت، لأن ما وجب كاملًا لا يتأدى بالناقص، كالصوم المنذور المطلق وصوم القضاء لا يتأدى في أيام النحر والتشريق، وإن كان هذا الجزء ناقصًا كان منسوبًا إلى الشيطان كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصًا، لأن نقصان السبب مؤثر في نقصان المسبب، فيتأدى بصفة النقصان، لأنه أدى كما لزم، كما إذا نذر صوم النحر وأداه فيه، فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العصر، لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه، لأن ما وجب ناقصًا يتأدى كاملًا بالطريق الأولى.\nفإن قلت: يلزم أن تفسد العصر إذا شرع فيه في الجزء الصحيح ومدها إلى أن غربت.\nقلت: لما كان الوقت متسعًا جاز له شغل كل الوقت، فيعفى الفساد الذي\n_________\n(١) والأوجه عندي في الجواب أن الحقيقة كان كذلك، يعني منع الصلاة في الوقتين لترجيح النهي، لكن الحنفية دأبهم ترجيح ما هو الأوفق بالقرآن وإن كان بظاهره يخالف الحديث، وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، يبيح الصلاة عند الغروب، فخصص من النهي، وبقي الفجر على حاله، فتأمل وتشكر. (ش).","vol":"3","page":75},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيتصل به بالبناء، لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر، وأما الجواب عن الحديث المذكور فهو ما ذكره الإِمام الطحاوي، وهو: أنه يحتمل أن يكون معنى الإدراك في الصبيان الذين يدركون قبل طلوع الشمس، والحيَّض اللاتي يطهرن، والنصارى الذين يسلمون، فيكون هؤلاء الذين سميناهم ومن أشبههم مدركين لهذه الصلاة، فيجب عليهم قضاؤها، وإن كان الذي بقي عليهم من وقتها أقل من المقدار الذي يصلونها فيه.\nفإن قلت: فما تقول فيما أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -، الحديث، وفيه: \"إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته\"، فإنه صريح في ذكر البناء بعد طلوع الشمس.\nقلت: قد تواترت الآثار بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس ما لم تتواتر بإباحة الصلاة عند ذلك، فدلى ذلك على أن ما كان فيه الإباحة كان منسوخًا بما كان فيه التواتر بالنهي.\nفإن قلت: ما حقيقة النسخ في هذا والذي تذكره احتمال، وهل ثبت النسخ بالاحتمال؟ قلت: حقيقة النسخ ههنا أنه اجتمع في هذا الموضع محرم ومبيح، وقد عرف من القاعدة أن المحرم والمبيح إذا اجتمعا يكون العمل للمحرم، ويكون المبيح منسوخًا، وذلك لأن الناسخ هو المتأخر، ولا شك أن الحرمة متأخرة عن الإباحة، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم عارض، ولا يجوز العكس، لأنه يلزم النسخ مرتين.\nفإن قلت: إنما ورد النهي عن التطوع خاصة دون الفرائض، قلت: دل حديث عمران بن حصين الذي أخرجه البخاري وغيره على أن الصلاة الفائتة قد دخلت في النهي، لأن فيه أنه - ﷺ - أخَّر صلاة الصبح حين فأتت عنهم إلى أن ارتفعت الشمس، ولم يصلها قبل الارتفاع، فدل ذلك أن النهي عام يشمل الفرائض والنوافل، والتخصيص بالتطوع ترجيح بلا مرجح.","vol":"3","page":76},{"text":"٤١٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَامَ يُصَلِّى الْعَصْرَ،\n===\nوأما حكم هذه الصلاة فالصحيح أنها كلها أداء، وقال بعض الشافعية كلها قضاء، وقال بعضهم: تلك الركعة أداء وما بعدها قضاء، وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى العصر وصلى ركعة في الوقت، فإن قلنا: الجميع أداء فله قصرها، وإن قلنا: كلها قضاء أو بعضها وجب إتمامها أربعًا، إن قلنا: إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها، وهذا كله إذا أدرك ركعة في الوقت، فإن كان دون ركعة فقال الجمهور: كلها قضاء (١)، انتهى.\nومناسبة الحديث بترجمة الباب على ما في أكثر النسخ بأن الحديث يدل أن وقت العصر ينتهي إلى غروب الشمس.\n٤١٣ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال: دخلنا على أنس بن مالك) في داره بالبصرة، وداره بجنب المسجد كما في رواية مسلم (بعد الظهر) أي بعد الفراغ من صلاة الظهر، ولعل وجه تأخيره بأنه صلاها في الجماعة مع الإِمام، والأئمة إذ ذاك كانوا يؤخرونها، وهذا كان حين ولي عمر بن عبد العزيز المدينة نيابة لا في خلافته، لأن أنسًا - ﵁ - توفي قبل خلافة عمر بن عبد العزيز بنحو تسع سنين، وإنما أخرها عمر بن عبد العزيز على عادة الأمراء قبله قبل أن تبلغه السنة في تقديمها، فلما بلغته صار إلى التقديم، ويحتمل أنه أخرها لشغل وعذر عرض له، قاله النووي (٢).\n(فقام) أي أنس بن مالك (يصلي العصر) وإنما لم ينتظر صلاة الإِمام، لأنه روى ابن مسعود عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها؟ قلت: فما تأمرني إذا أدركني ذلك\n_________\n(١) يشكل عليه ما في باب القضاء من \"الشامي\" (٢/ ٦٢٧) إذ قال: والأداء فعل الواجب في وقته، وبالتحريمة فقط بالوقت يكون أداء عندنا، وبركعة عند الشافعي. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٣٤).","vol":"3","page":77},{"text":"فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ أَوْ: ذَكَرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ، أَوْ: عَلَى قَرْنَىِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا\n===\nيا رسول الله؟ قال: صل الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سبحة\"، كما سيأتي عن قريب في \"باب إذا أخر الإِمام الصلاة عن الوقت\".\n(فلما فرغ) أي أنس (من صلاته) أي العصر (ذكرنا تعجيل الصلاة) أي قلنا له: إنك تعجلت بالصلاة (أو) للشك من الراوي (ذكرها) أي ذكر أنس وجه تعجيل الصلاة، (فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: تلك) أي صلاة العصر التي أخرت إلى الاصفرار (صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين) كررها تشديدًا وتغليظًا (يجلس) أي يستمر جالسًا (أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس) أي تغير لونها (فكانت بين قرني شيطان) أي دنت للغروب.\nقال النووي (١): اختلفوا فيه فقيل: هو على حقيقته وظاهر لفظه، والمراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها، لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له، وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنيه: علوه وارتفاعه وسلطانه وتسلطه وغلبة أعوانه وسجود مطيعيه من الكفار للشمس، قال الخطابي (٢): هو تمثيل ومعناه: أن تأخيرها بتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها، كمدافعة ذوات القرون لما تدفعه، والصحيح الأول، انتهى.\n(أو على قرني الشيطان) شك من الراوي (٣) (قام) إلى الصلاة (فنقر أربعًا) والمراد بالنقر: سرعة الحركات، كنقر الطائر حين يلتقط الحب من الأرض، والنقر\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٣٤).\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ١٨٠).\n(٣) في لفظ \"بين\" و\"على\"، وظاهر \"الموطأ\" أن الشك في التثنية والإفراد أيضًا. (ش).","vol":"3","page":78},{"text":"لَا يَذْكُرُ الله ﷿ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا\". [م ٦٢٢، ن ٥١١، ت ١٦٠، عب ٢٠٨٠، حم ٣/ ١٠٢، خزيمة ٣٣٣، قط ١/ ٢٥٤، ق ١/ ٤٤٣] ... (١).\n٤١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «الَّذِى تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ». [خ ٥٥٢، م ٦٢٦، ن ٤٧٨، ت ١٧٥، جه ٦٨٥،\nعب ٢٠٧٥، ش ١/ ٣٤٢، حم ٢/ ٦٤، دي ١٢٣١، حب ١٤٦٩، ق ١/ ٤٤٤]\n===\nكناية عن السجود، وإطلاق الأربع مع أن السجود في العصر ثمانية باعتبار جعل السجدتين ركنًا واحدًا بإرادة الجنس، أو وروده في السفر، أو حين كان صلاة العصر ركعتين قبل الزيادة، أو لما كان لم يفصل بين السجدتين فكأنهما سجدة واحدة.\n(لا يذكر الله ﷿ فيها) أي ذكرًا يعتد به لعدم اعتقاده أو لخلوه عن الإخلاص (إلَّا قليلًا) الظاهر أنه منفصل، أي لكنه في زمن قليل يذكر الله بلسانه فقط.\n٤١٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) عبد الله، (أن رسول الله - ﷺ - قال (٢): الذي تفوته) أي بغير اختياره (صلاة العصر) (٣) أي عن آخر الوقت بغروب الشمس، وقيل: عن الوقت المختار باصفرار الشمس، وقيل: المراد فواتها في الجماعة (فكأنما وتر) على بناء المفعول أي سلب وأخذ (أهله وماله) بنصبهما ورفعهما، أي فكأنما فقدهما بالكلية أو نقصهما، قال في \"القاموس\": ووتره ماله: نقصه إياه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب التشديد في الذي تفوته صلاة العصر\".\n(٢) قال ابن العربي (١/ ٢٨٦): إسناد الحديث أصح من أن يتكلم عليه، ثم بسط معناها. (ش).\n(٣) يختص بالعصر، وقيل: خرج مخرج الجواب ويعم الصلوات لرواية ابن عبد البر (١٤/ ١١٨) بلفظ الصلاة، لكن فيه انقطاع، بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":79},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ (١) بْنُ عُمَرَ: «أُتِرَ»، وَاخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ فِيهِ، وَقَالَ الزُّهْرِىُّ: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «وُتِرَ» (٢).\n===\nوقال الخطابي (٣): قوله \"وتر\" أي نقص أو سلب، فيبقى وترًا فردًا بلا أهل ولا مال، يريد ليكن خطره (٤) من فوتها كخطره من فوات أهله (٥) وماله.\n(قال أبو داود: وقال عبيد الله بن عمر) بن حفص، أي في روايته عن نافع عن ابن عمر: (أتر) بالهمزة المبدلة من الواو كما في وجوه، ووقتت، على خلاف ما رواه مالك عن نافع فإنه بالواو، ولكن أخرج الدارمي رواية عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر وفيه \"وتر\" بالواو على خلاف ما قاله المصنف.\n(واختلف على أيوب فيه) أي في هذا اللفظ في الحديث، فقال بعض أصحابه: بالواو، وقال بعضهم: بالهمزة، ولكن لم نقف على رواية أيوب إلَّا ما حكاه في \"الفتح\" (٦)، وقال: ويؤيد الذي قبله رواية أبي مسلم الكجي من طريق حماد بن سلمة عن أيوب، عن نافع، فذكر نحو هذا الحديث، وأيضًا لم نقف على اختلاف أصحاب أيوب فيما تتبعناه من الكتب.\n(وقال الزهري: عن سالم، عن أبيه، عن النبي -صلي الله عليه وسلم - قال: وتر) أي بالواو، أخرج رواية الزهري عن سالم مسلم في \"صحيحه\" (٧) وغيره.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"أتر\".\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٠).\n(٤) وفي \"معالم السنن\" (١/ ١٨٠)، فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله.\n(٥) روى ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" له: أنه تشبيه وتمثيل لحبوط عمله بتركها، كأنه شبه اْعماله الصالحة بانتفاعه بها بمنزلة الأهل والمال، وجزم بأن من فاته العصر عمدًا حبطت أعماله الآخر، لحديث بريدة عند البخاري: \"فقد حبط عمله\". (ش).\n(٦) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠).\n(٧) \"صحيح مسلم\" (٢٠١/ ٦٢٦).","vol":"3","page":80},{"text":"٤١٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو- يَعْنِى الأَوْزَاعِىَّ -: \"وَذَلِكَ أَنْ تَرَى مَا عَلَى الأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ صَفْرَاءَ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>(٦) بَابٌ: في وَقْتِ الْمَغْرِبِ</span>\n٤١٦ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"كُنَّا نُصَلِّى الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- ثُمَّ نَرْمِى، فَيَرَى أَحَدُنَا مَوْضِعَ نَبْلِهِ\". [حم ٣/ ١١٤، خزيمة ٣٣٨]\n===\n٤١٥ - (حدثنا محمود بن خالد) الدمشقي، (نا الوليد) بن مسلم القرشي (قال: قال أبو عمرو -يعني الأوزاعي-: وذلك) أي فوات العصر، وهذا على قول من أراد بالفوات ذهاب وقتها المختار، وقال الحافظ (١): ولعله مبني على مذهبه في خروج وقت العصر (أن ترى ما على الأرض من الشمس) أي من ضوئها، فلفظة \"من\" بيانية، ويمكن (٢) أن تكون لفظة \"من\" هذه أجلية، فعلى هذا معناه: أن ترى ما على الأرض من أجل تغير الشمس (صفراء).\n\n(٦) (بَابٌ: في وَقْتِ الْمَغْرِبِ) (٣)\n٤١٦ - (حدثنا داود بن شبيب، ثنا حماد) بن سلمة أو ابن زيد، (عن ثابت) بن أسلم (البناني، عن أنس بن مالك) بن النضر (قال: كنا نصلي المغرب مع النبي - ﷺ - ثم) أي بعد الانصراف من الصلاة (نرمي) السهم (فيرى أحدنا موضع نبله) أي يبصر (٤) محل سقوط النبل، والحاصل أنه - ﷺ - يصلي صلاة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١).\n(٢) وقيل: المراد إخراجها عن الوقت المختار. (ش).\n(٣) ذكره ابن العربي (١/ ٢٧٤) وبين اشتقاقه، وقال: لا خلاف في أول وقته، وفي آخره أربعة أقوال، وتقدمت المذاهب. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: يوضحه رواية أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣٦) عن بعض الأنصار: \"كنا =","vol":"3","page":81},{"text":"٤١٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: \"كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يُصَلِّى الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ إِذَا غَابَ حَاجِبُهَا\". [خ ٥٦١، م ٦٣٦، ت ١٦٤، جه ٦٨٨، حم ٤/ ٥١، دي ١٢١٢، حب ١٥٢٣، طب ٦٢٨٩، ق ١/ ٤٤٦]\n===\nالمغرب في أول وقتها معجلة، وكذلك المذهب المتفق عليه أن المستحب في المغرب التعجيل في الشتاء والصيف جميعًا، وتأخيرها إلى اشتباك النجوم مكروه.\n٤١٧ - (حدثنا عمرو بن علي، عن صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عبيد) الحجازي، أبو خالد الأسلمي، مولى سلمة بن الأكوع، قال الآجري عن أبي داود: ثقة، وعن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: حجازي تابعي ثقة، وقال ابن سعد: توفي بالمدينة، وكان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٤٧ هـ.\n(عن سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله الأسلمي، أبو مسلم، أو أبو إياس، أو أبو عامر، صحابي مشهور، شهد بيعة الرضوان، وكان شجاعًا راميًا، وكان يسبق الفرس شدًّا على قدميه، وفي \"البخاري\": لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، وتزوج بها امرأة، وولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال فنزل المدينة، قال أبو نعيم: توفي سنة ٧٤ هـ.\n(قال: كان النبي - ﷺ - يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حاجبها) أي حرفها الأعلى من قرصها، وهذا الحديث أيضًا يدل على تعجيله - ﷺ - في المغرب.\n_________\n= نصلي المغرب فنترامى حتى نأتي دارنا\"، قلت: أخرج أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٠٣) عن جابر بلفظ: \"ثم نأتي منازلنا وهي على ميل فنرى مواقع النبل\"، وفي موضع آخر: \"ثم نرجع إلى بني سلمة\". (ش).","vol":"3","page":82},{"text":"٤١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيُّوبَ غَازِيًا - وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ يَوْمَئِذٍ عَلَى مِصْرَ - فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ يَا عُقْبَةُ؟ قَالَ (١): شُغِلْنَا. قَالَ (٢): أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِى بِخَيْرٍ - أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ -، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ\n===\n\n٤١٨ - (حدثنا عبيد الله بن عمر) بن ميسرة، (نا يزيد بن زريع، نا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد (٣) بن عبد الله) اليزني بفتح التحتانية والزاي، نسبة إلى يزن، وهو بطن من حمير، أبو الخير المصري الفقيه، روى عن عقبة بن عامر الجهني وكان لا يفارقه، وكان مفتي أهل مصر في زمانه، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فضل وعبادة، قال ابنِ معين: كان عند أهل مصر مثل علقمة عند أهل الكوفة، وكان رجل صدق، ووثَّقه يعقوب بن سفيان، مات سنة ٩٠ هـ.\n(قال: لما قدم علينا أبو أيوب غازيًا، وعقبة بن عامر يومئذ) أي يوم قدم أبو أيوب مصر غازيًا (على مصر) أي أمير على مصر من قبل معاوية -﵁ - (فَأَخَّر) أي عقبة (المغرب) أي صلاته (فقام إليه) أي إلى عقبة (أبو أيوب فقال له: ما هذه الصلاة) التي تصليها مؤخرة، قال ذلك منكرًا عليه التأخير (يا عقبة؟ قال) أي عقبة معتذرًا: (شغلنا) أي منعنا عن تعجيل الصلاة وتبكيرها الشغل (قال) أي أبو أيوب: (أما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تزال أمتي بخير أو قال: على الفطرة) بالشك (٤) من الراوي (ما لم يوخروا المغرب إلى أن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) بفتح الميم، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) ولفظ ابن ماجه \"بالفطرة\" بدون الشك، في \"ابن رسلان\"، قلت: لكنه من مسند عباس ليس بهذا السند. (ش).","vol":"3","page":83},{"text":"تَشْتَبِكَ النُّجُومُ\"؟ ! . [حم ٤/ ١٤٧، ك ١/ ١٩٠ - ١٩١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>(٧) بَابٌ: في وَقْتِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ</span>\n٤١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ،\n===\nتشتبك النجوم؟)، أي ظهرت جميعها واختلط بعضها لبعض لكثرة ما ظهر منها، واشتباكها ظهور نورها، فالحديث دليل على أن تأخير المغرب إلى اشتباك النجوم مكروه، وهو قول أبي حنيفة.\n\n(٧) (بَابٌ: في وَقْتِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ)\n٤١٩ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (نا أبو عوانة) وضاح بن عبد الله، (عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية، (عن بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة مكبرًا (ابن ثابت) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير، بصري، قال ابن معين: ثقة، رووا له حديثًا واحدًا في وقت العشاء، ومنهم من أسقطه من الإسناد، وصحح الترمذي إثباته فإنه قال في \"جامعه\" (١): قال أبو عيسى: روى هذا الحديث هشيم عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، ولم يذكر فيه هشيم \"عن بشرِ بن ثابت\"، وحديث أبي عوانة أصح عندنا، لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة، انتهى، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: من زعم أنه بشر بغير ياء فقد وهم.\n(عن حبيب) بفتح الحاء المهملة (ابن سالم) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير وكاتبه، قال أبو حاتم: ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو أحمد بن عدي: ليس في متون أحاديثه حديث منكر، بل قد اضطرب في أسانيد ما يروى عنه.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٠٦).","vol":"3","page":84},{"text":"عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: \"أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، صَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ\" (١). [ت ١٦٥، ن ٥٢٨، دي ١٢١١، حم ٤/ ٢٧٠، ش ١/ ٣٣٠، حب ١٥٢٦، قط ١/ ٢٦٩، ك ١/ ١٩٤، ق ١/ ٤٤٨]\n===\n(عن النعمان) بضم النون (ابن بشير) (٢) بكسر (٣) الموحدة، الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله المدني، له ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رواحة، ولد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي - ﷺ -، كان أميرًا على الكوفة في عهد معاوية، ثم عزله عن الكوفة، وكان أخطب الناس، أتى به أبوه بشير بن سعد إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، اُدع له فقال: \"أما ترضى أن يبلغ ما بلغت، ثم يأتي الشام فيقتله منافق من أهل الشام\"، فكان في حمص، فبايع لابن الزبير بعد موت يزيد بن معاوية، فلما تمرد أهل حمص خرج هاربًا فأتبعه خالد بن خلي الكلاعي، فقتله سنة ٦٥ أو ٦٦ هـ.\n(قال: أنا أعلم (٤) الناس بوقت هذه الصلاة) هذا من باب التحدث بنعمة الله عليه لزيادة العلم مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد مرويه، ولعل وقوع هذا القول منه بعد موت غالب أكابر الصحابة وحفاظهم الذين هم أعلم بذلك منه، قاله القاري (٥)، ويحتمل أنه صدر منه على ظن أنه لم يضبط هذه العلامة من الصحابة أحد، كما ضبطتها وأتقنتها.\n(صلاة العشاء) بالجر على البدل وبالنصب بتقدير أعني (الآخرة) احتراز عن المغرب كان رسول الله - ﷺ - يصليها لسقوط القمر) اللام للوقت أي وقت غروبه (الثالثة) أي في ليلة ثالثة من الشهر، قال القاري: والأظهر أنه متعلق\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لثلاث\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٢٣٥) رقم (٥٢٣٨).\n(٣) هكذا في الأصل والظاهر بفتح الموحدة. (ش).\n(٤) وفيه ثناء الرجل على نفسه لمصلحة قبول روايته وانتشار العلم به. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٣٨).","vol":"3","page":85},{"text":"٤٢٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِى أَشَىْءٌ شَغَلَهُ أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ،\n===\nبسقوط القمر، ويؤيده ما في نسخة \"ليلة الثالثة\" بالنصب، انتهى. قلت: ويحتمل أن يكون صفة للقمر أي لسقوط القمر الكائن لليلة ثالثة من الشهر.\nقال القاري (١): قال ابن حجر (٢): والقمر غالبًا يسقط في تلك الليلة قرب غيبوبة الشفق الأحمر، وفيه أصرح دليل لمذهب الشافعي أن الأفضل الصلاة لأول وقتها حتى العشاء، وفيه أن هذا قول غير محرر، فإن القمر في الليلة الثانية يقرب غيبوبة الشفق دون الثالثة، فتدبر فإنها أمر مشاهد.\n٤٢٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير) بن عبد الحميد، (عن منصور) بن المعتمر، (عن الحكم) بن عتيبة، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن عبد الله بن عمر قال: مكثنا) من نصر وكرم، أي لبثنا في المسجد (ذات ليلة) ذات الشيء نفسه، والمراد ما أضيف إليه، أي ليلة من الليالي (ننتظر رسول الله - ﷺ - لصلاة العشاء) أي وقت صلاة العشاء، فاللام للوقت، ويحتمل أن يكون متعلقًا بالخروج المقدر، وتقديره: ننتظر خروجه - ﷺ - لصلاة العشاء.\n(فخرج) أي رسول الله - ﷺ - (إلينا حين ذهب) أي مضى (ثلث الليل أو بعده) عطف على \"حين ذهب\"، و\"أو\" للشك من ابن عمر - ﵁ -، (فلا ندري أشيء شغله) في أهله، أي جعله مشغولًا في أهله، فأخرها عن الوقت المعتاد (أم غير ذلك) (٣) بأن أخرها، قصد البيان أن تأخير العشاء أفضل.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٣٨).\n(٢) وقال ابن رسلان: استدل به الأوزاعي وأبو حنيفة وابن المنذر على أن الشفق هو البياض. (ش).\n(٣) وفي الطبراني بسند صحيح: \"أنه كان يجهز جيشًا\"، قال ابن رسلان: فيه حجة للقول =","vol":"3","page":86},{"text":"فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: \"أَتَنْتَظِرُونَ هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ لَوْلَا أَنْ تَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِى لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ». ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ\". [م ٦٣٩، ن ٥٣٧]\n===\n(فقال حين خرج) أي من الحجرة الشريفة: (أتنتظرون هذه الصلاة؟) أي انتظار هذه الصلاة من بين سائر الصلوات من خصوصياتكم التي خصكم الله بها، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل مع أن الوقت زمان يقتضي الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة، ولأن الذاكر في الغافلين كالصابر في الفارين، \"علي القاري\" (١).\n(لولا أن تثقل على أمتي لصليت بهم) أي صلاة العشاء في دائمًا (هذه الساعة، ثم أمر الموذن فأقام الصلاة).\nقال النووي (٢): اختلف العلماء هل الأفضل تقديم العشاء أم تأخيرها؟ فمن فضل التأخير احتج بهذا الحديث وغيره، ومن فضل التقديم احتج بأن العادة الغالبة لرسول الله - ﷺ - تقديمها، وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز أو لشغل أو لعذر.\nوأجاب عنه القاري فقال: قلت: في الاحتجاج الثاني نظر ظاهر، لأنه ﵊ نص على الحذر للعمل بالعادة الغالبة، فلا معنى لبيان الجواز أو عذر مع تحقق أن التأخير كان قصدًا لا لعذر، ولا يضر تردد\n_________\n= الثاني إن تأخير العشاء إلى ثلث الليل، وكذا عند أحمد، فإنه قال: أول الأوقات أعجب إليّ إلَّا في الاثنتين: صلاة العشاء وصلاة الظهر، وهو محمول على أن المراد خصوص تلك الساعة التي أخر فيها الصلاة لا كل ليلة، لأن الغالب كان تقديم الصلاة، والأفضل ما واظب عليه، انتهى، قلت: وأنت خبير بأنه ﵊ لما رغب في التأخير، وبين العذر في تركه أعني خوف المشقة والثقل فكيف يكون المواظب عليه أفضل؟ . (ش).\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٤٠).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٥٢).","vol":"3","page":87},{"text":"٤٢١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا حَرِيزٌ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ السَّكُونِىِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَقُولُ: \"أبقَينَا (١) النَّبِىَّ -ﷺ- فِى صَلَاةِ الْعَتَمَةِ، فَتأَخَّرَ حَتَّى ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ، وَالْقَائِلُ مِنَّا يَقُولُ: صَلَّى، فَإِنَّا لَكَذَلِكَ\n===\nالصحابي أوّلًا أنه بعذر أو لا، فقول ابن حجر: وبهذا التردد يتعين أنه لا دليل فيه لأفضلية التأخير، معلول بأنه غير معقول ومقبول.\n٤٢١ - (حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي، نا أبي) عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو عمرو الحمصي، قال أحمد وابن معين: ثقة، وقال الحاكم في \"المستدرك\": ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عبد الوهاب بن نجدة: مات سنة ٢٠٩ هـ.\n(نا حريز) بن عثمان، (عن راشد بن سعد) المقرائي، (عن عاصم بن حميد السكوني) الحمصي، مخضرم، من أصحاب معاذ بن جبل، روى عنه وعن عمر بن الخطاب، وشهد خطبته بالجابية، قال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال البزار: روى عن معاذ ولا أعلمه سمع منه، وعن عوف بن مالك، ولم يكن له من الحديث ما يعتبر به حديثه، وقال ابن القطان: لا نعرف أنه ثقة، انتهى، وذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة العليا من تابعي أهل الشام.\n(أنه سمع معاذ بن جبل) الأنصاري (يقول: أبقينا النبي - ﷺ -) وفي نسخة: \"بقينا\"، وفي \"النهاية\": وفي حديث معاذ: \"بقينا رسول الله - ﷺ - وقد تأخر لصلاة العتمة\"، يقال: بقيت الرجل أبقيته: إذا انتظرته ورقبته (في صلاة العتمة) أي العشاء الآخرة، (فتأخر) أي رَاثَ ولَبِثَ (حتى ظن الظان أنه) - ﷺ - (ليس بخارج) أي إلى المسجد، صلى في بيته أو لم يصل؟ (والقائل منا يقول: صلى) أي فرغ من الصلاة (فإنا لكذلك) أي في حالة التردد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ارتقبنا\".","vol":"3","page":88},{"text":"حَتَّى خَرَجَ النَّبِىُّ -ﷺ-، فَقَالُوا لَهُ كَمَا قَالُوا، فَقَالَ (١): «أَعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ، وَلَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ». [حم ٥/ ٢٣٧، ق ١/ ٤٥١]\n٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ\n===\nوالاختلاف (حتى خرج النبي - صلي الله عليه وسلم -) من حجرته إلى المسجد (فقالوا له كما قالوا) فيما بينهم.\n(فقال: أعتموا) (٢) أمر من الإفعال (بهذه الصلاة) أي أخروها وصلوها في العتمة، والعتمة شدة الظلام (فإنكم (٣) قد فضلتم بها) (٤) أي بصلاة العتمة (على سائر الأمم) أي على جميع الأمم أو باقيها بعد إخراج هذه الأمة منها، (ولم تصلها) أي صلاة العشاء (أمة) أي من الأمم (قبلكم) وقد تقدم توجيه التعارض بين هذا الحديث، وبين ما تقدم من حديث إمامة جبرئيل، وفيه: \"هذا وقت الأنبياء من قبلك\" فلا نعيده.\n٤٢٢ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (نا بشر بن المفضل، نا داود بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال لهم\".\n(٢) يقال: أعتم إذا دخل في العتمة كما يقال: أصبح، \"ابن رسلان\"، وفي الحديث جواز القول بالعتمة، وفيه أيضًا حجة لمختار الحنفية من أفضلية تأخير العشاء خلافًا للشافعية كما في \"التوشيح\" إذ قال: أفضلها أولها كما في \"روضة المحتاجين\". (ش).\n(٣) تعليل للتأخير، لأنكم إذا فضلتم بها واختصت بكم، فمن كمال الاهتمام بشأنه التأخير بشرط انتظارها، فإن كل من انتظرها يكون في حكم الصلاة، والأصل في العشاء آخر الوقت، كما يدل عليه تقسيم الأوقات على الصلوات على ما قرره شيخ الإِسلام مولانا حسين أحمد المدني - قدس سره -، فعلى هذا الأصل إتيانها في نصف الليل، لكنه قدم إبقاء على الأمة، فتأمل فإنه دقيق. (ش).\n(٤) ظاهره أفضلية العشاء على بقية الصلوات إذ هي خصيصة لأفضل الأمم، وما ورد من القول الراجح في المراد بالصلاة الوسطى أنها العصر يقتضي ترجيحها، ونقل صاحب \"الإحياء\" (١/ ٣٥١) برواية عائشة مرفوعًا: \"أفضل الصلوات عند الله المغرب لم يحطها عن مسافر ولا عن مقيم، فتح بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار\" ... إلخ. (ش).","vol":"3","page":89},{"text":"أَبِى هِنْدٍ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: \"صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْعَتَمَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: «خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ»، فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا، فَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِى صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ، وَسَقَمُ السَّقِيمِ، لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ». [ن ٥٣٨، جه ٦٩٣، حم ٣/ ٥]\n===\nأبي هند، عن أبي نضرة) منذر بن مالك، (عن أبي سعيد الخدري قال: صلينا) أي أردنا أن نصلي مع (رسول الله - ﷺ - صلاة العتمة) أي جماعة (فلم يخرج) أي من بيته إلى المسجد (حتى مضى نحو) أي قريب (من شطر الليل) أي نصفه، ثم خرج (فقال: خذوا مقاعدكم) أي الزموا محل قعودكم لاْبين لكم فضيلة التأخير.\n(فأخذنا مقاعدنا) أي لزمنا مكاننا، فبين لنا فضيلة التأخير لوجهين (فقال:) أولهما (إن الناس) أي المعذورين والنساء والصبيان (قد صلوا) أي فرغوا من الصلاة (وأخذوا مضاجعهم) أي رقدوا (وإنكم) أي المنتظرين لصلاة الجماعة (لم تزالوا في صلاة) أي في أجرها وثوابها (ما) أي ما دمتم (انتظرتم الصلاة) وحاصل هذا الكلام أن انتظاركم الصلاة عبادة موجبة للأجر والثواب، وأيضًا فيه تعب ومشقة، فيكون سببًا لزيادة الأجر، فحصل لكم لهذا الانتظار أجر عظيم.\n(و) ثانيهما (لولا ضعف الضعيف) أي مخافته ورعايته (وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة) أي صلاة العشاء (إلى شطر الليل) أي نصفه، لأنه أفضل.\nوحاصل الوجه الثاني أن تأخير العشاء إلى نصف الليل أدخل في الفضيلة، ولكن رعاية جانب الضعفاء وذوي الأسقام الذين يقدرون على الحضور في الجماعة، ولكن لأجل ضعفهم وسقمهم يشق عليهم الانتظار ويتعبهم، فلأجل هذا العذر لا أؤخرها إلى نصف الليل، فإن في إحراز تلك الفضيلة تفويت فضيلة أخرى هي أهم منها، وهي تكثير الجماعة، والله أعلم.","vol":"3","page":90},{"text":"(٨) بَابٌ: في وَقْتِ (١) الصُّبْحِ\n٤٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ (٢)، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، أَنَّهَا قَالَتْ: \"إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيُصَلِّى الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>(٨) (بَابٌ: في وَقْتِ الصُّبْحِ) </span>(٣)\n٤٢٣ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) الإِمام، (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن عمرة) بنت عبد الرحمن، (عن عائشة (٤) أنها قالت: إن كان) إن هي المخففة من المثقلة، واللام لازمة بعدها في خبرها (رسول الله - ﷺ - ليصلي الصبح) هذه هي اللام الداخلة على خبر لفظة إن (فينصرف النساء) أي يرجعن إلى البيوت، أو ينصرفن من الصلاة (متلففات) وفي نسخة: \"متلفعات\" حال من النساء، أي مستترات وجوههن وأبدانهن (بمروطهن) المرط بالكسر: كساء من صوف تستعمله النساء، وقيل: كساء من صوف مربع سداه شعر، وقيل: الجلباب. (ما يعرفن) ما نافية، أي ما يعرفهن أحد، وفي رواية للبخاري: ولا يعرف بعضهن بعضًا، واختلف في معناه فقيل: لا يعرفن أنساء أم رجال، أي لا يظهر للرائي إلَّا الأشباح خاصة، وقيل: لا يعرف أعيانهن بأن لا يكون الامتياز بين خديجة وزينب، وهذا أقرب (٥) وأولى وإن ضعفه النووي (٦).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"صلاة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بنت عبد الرحمن\".\n(٣) قال ابن رسلان: لها خمسة أسماء غير الفجر يسمى الغداة، وقال الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٣٢): أحب أن لا أسمي به، لأنه تعالى سماه الفجر. (ش) [قلت: وفي النسخة المطبوعة لكتاب \"الأم\" هكذا: الصبح والفجر لا أحب أن تسمى إلَّا بأحدهما].\n(٤) ذكره ابن العربي وصحَّح حديث عائشة دون حديث رافع الآتي. (ش). [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢٦١)].\n(٥) واختاره ابن رسلان. (ش).\n(٦) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٥٧).","vol":"3","page":91},{"text":"مِنَ الْغَلَسِ\". [خ ٨٦٧، م ٦٤٥، ن ٥٤٦، ت ١٥٣، جه ٦٦٩، حم ٦/ ١٧٨، حب ١٤٩٩، ق ١/ ٤٥٤]\n===\n(من الغلس) من أجلية، والغلس: ظلمة آخر الليل، استعمل على الاتساع فيما بقي منه بعد الصباح، وقيل: من غلس المسجد أي من أجل ظلمته وعدم إسفاره، لأنه كان مسقفًا، فلا يظهر النور فيه إلَّا بطلوع الشمس.\nاختلف العلماء في أن الأفضل في صلاة الفجر التغليس أو الإسفار، فقال الشافعي والجمهور بالتغليس، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١)، والتعجيل من باب المسارعة إلى الخير، وذم الله تعالى أقوامًا على الكسل بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (٢)، والتأخير من الكسل.\nوروي أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال: \"الصلاة لأول وقتها\"، وروي: \"أول الوقت رضوان الله\"، وبهذا الحديث الذي أخرجه المصنف - ﵀-.\nوقال الحنفية: المستحب في الفجر الإسفار، وهو أفضل من التغليس بصلاة الفجر في السفر والحضر والصيف والشتاء في حق جميع الناس إلَّا في حق الحاج بمزدلفة، فإن التغليس بها أفضل في حقه.\nواستدلوا بالحديث الذي يخرجه المصنف عن رافع بن خديج فيما بعد من قوله: \"أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر\"، وبما قال عبد الله بن مسعود: \"ما صلى رسول الله - ﷺ - صلاة قبل ميقاتها إلَّا صلاتين: صلاة العصر بعرفة، وصلاة الفجر بمزدلفة\"، فإنه قد غلس بها، فسمى التغليس بالفجر صلاة قبل الميقات، فعلم أن العادة في الفجر الإسفار، وعن إبراهيم النخعي أنه قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله - ﷺ - على شيء كاجتماعهم على تأخير العصر والتنوير بالفجر.\nولأن في التغليس تقليل الجماعة، وفي الإسفار تكثيرها، فكان أفضل،\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ١٣٣.\n(٢) سورة النساء: الآية ١٤٢.","vol":"3","page":92},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولهذا يستحب الإبراد بالظهر في الصيف، ولأن في حضور الجماعة في هذا الوقت ضرب حرج خصوصًا في حق الضعفاء، وقد قال النبي - ﷺ -: \"صلِّ بالقوم صلاة أضعفهم\"، ولذلك ترك رسول الله - ﷺ - تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل، وقال: \"لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل\".\nوأما الجواب عما احتجوا بها فنقول بها في بعض الصلوات على ما نذكر، لكن قامت الدلائل في بعضها على أن التأخير أفضل لمصلحة وجدت في التأخير، ولهذا قال الشافعي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، لئلا يقع في السمر بعد العشاء، ثم الأمر بالمسارعة ينصرف إلى مسارعة ورد الشرع بها، ألا ترى أن الأداء قبل الوقت لا يجوز، وإن كان فيه مسارعة لما لم يرد الشرع بها.\nوقيل: في الحديث أن العفو عبارة عن الفضل، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (١) أي الفضل، فكان معنى الحديث على هذا - والله أعلم- أن من أدى الصلاة في أول الأوقات فقد نال رضوان الله، وأمن من سخطه وعذابه، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك.\nوأما حديث عائشة فالصحيح من الروايات إسفار رسول الله - ﷺ - لصلاة الفجر لما روينا من حديث ابن مسعود -﵁ -، فإن ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر أو كان ذلك في الابتداء حين كن يحضرن الجماعات، ثم لما أمرن بالقرار في البيوت انتسخ ذلك، والله تعالى أعلم، \"بدائع\" (٢).\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢١٩.\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٢٢ - ٣٢٤).","vol":"3","page":93},{"text":"٤٢٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ\n===\n٤٢٤ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل) الطالقاني، (نا سفيان) بن عيينة، على الظاهر، (عن ابن عجلان) محمد، (عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان) بن زيد الأنصاري الظفري الأوسي أبو عمرو، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: أمره (١) عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة ففعل، وكان ثقة كثير الحديث عالمًا، وقال البزار: ثقة مشهور، وقال عبد الحق في \"الأحكام\": هو ثقة عند أبي زرعة وابن معين، وقد ضعَّفه غيرهما، وقد رد ذلك عليه ابن القطان، وقال: بل هو ثقة عندهما، ولا أعرف أحدًا ضعفه ولا ذكره في الضعفاء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن محمود بن لبيد) بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري الأشهلي، أبو نعيم المدني، وأمه أم منظور بنت محمد بن مسلمة، ولد على عهد النبي - ﷺ -، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، ومسلم في الطبقة الثانية من التابعين، وقال ابن عبد البر: قول البخاري أولى يعني في إثبات الصحبة، وكذا ذكره ابن حبان في \"الصحابة\"، وقال الترمذي: رأى النبي - ﷺ - وهو غلام صغير، فعلى هذا لا يحتاج في توثيقه، وأما على كونه تابعيًّا فقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، مات سنة ٩٦ هـ.\n(عن رافع بن خديج) (٢) بفتح معجمة وكسر دال مهملة وبجيم، ابن رافع بن عدي الحارثي الأوسي الأنصاري، صحابي جليل، أبو عبد الله، ويقال:\n_________\n(١) وقد عليه في دين لزمه فأمره به. (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ١٦٠) رقم (١٥٨٠).","vol":"3","page":94},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَصْبِحُوا بالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأُجُورِكُمْ\"، أَوْ: \"أَعْظَمُ لِلأَجْرِ\". [ن ٥٤٨، ت ١٥٤، جه ٦٧٢، حم ٣/ ٤٦٥، حب ٤٨٩]\n===\nأبو رافع، أول مشاهده أحد ثم الخندق، مات سنة ٧٣ أو ٧٤ هـ، وقيل قبل ذلك.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: أصبحوا) (١) أي نوروا وأسفروا (بالصبح) أي بصلاة الصبح (فإنه) أي التنوير بصلاة الصبح (أعظم لأجوركم، أو أعظم للأجر) رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وصححه غير واحد.\nوهذا الحديث يعارض الأحاديث التي وردت في التغليس، وقد أجاب القائلون بالتغليس عن أحاديث الإسفار بأجوبة، منها أن المراد بالإسفار التبين والتحقق، قال الترمذي: وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار أن يضح الفجر فلا يشك فيه، ولم يَرَوا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة، ورد بما أخرجه ابن أبي شيبة وإسحاق وغيرهما بلفظ: \"ثوب بصلاة الصبح يا بلال حين يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار\".\nوذكر الخطابي (٣): يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين الفجر الأول والثاني طلبًا للثواب فقيل لهم: صلوا بعد الفجر الثاني وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم، وهذا التأويل أيضًا ركيك، فإنهم ما صلوا إلَّا مع رسول الله - ﷺ -، ومحال أن يغلط رسول الله - ﷺ - في أداء الصلاة\n_________\n(١) ويؤيد الحنفية أيضًا قوله تعالى في آخر سورة الطور: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، ولذا ترى شراح الشافعية والمفسرين منهم اضطروا إلى تأويلها. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٣).","vol":"3","page":95},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويصلي قبل الوقت، وقال الطحاوي (١): إنما تتفق معانى الآثار بأن يكون دخوله - ﷺ - في صلاة الصبح مغلسًا، ثم يطيل القراءة حتى ينصرف عنها مسفرًا.\nوقال البهكلي (٢) في \"شرح النسائي\": وقد جمع بعضهم بتعدد القصة، فتارة فعل التغليس وتارة فعل الإسفار، وهاهنا وجه آخر يتمشى على القواعد الأصولية، وهي أن الخطاب الخاص بالأمة لا يعارضه فعل النبي - ﷺ -، فالأمر للأمة بالإسفار لا يشمل النبي - ﷺ - لا ظاهرًا ولا نصًّا، فيكون فعله التغليس، ومداومته عليه لا يقدح في أحاديث الإسفار للأمة، إلَّا أن هذا يتم لو كان التغليس من خصائه ولم يفعله معه الصحابة.\nأما والحال أن الصحابة فعلوه معه وبعده، فلا يتم لنا الجمع بهذه القاعدة، فلا بد من التأويل الذي جنح إليه الطحاوي، أو بتعدد القصة، أو بالتفرقة باعتبار الأوقات كما في حديث معاذ بن جبل: \"بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن فقال: يا معاذ إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس، ولا تملهم، وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير والناس ينامون، فأمهلهم حتى يدركوا\"، رواه الحسين بن مسعود البغوي في \"شرح السنة\"، وأخرجه بقي بن مخلد في \"مسنده\" والمصنف، وأخرج أبو نعيم في \"الحلية\"، فهذا يكون وجهًا للجمع بأن التغليس في الشتاء والإسفار في الصيف.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٧٦).\n(٢) ولم أجد بعد من هو. (ش) [قلت: هو عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن بن علي البهكلي الضمدي، (١١٨٢ - ١٢٤٨ هـ)، من مؤلفاتة: \"تيسير اليسرى بشرح المجتبى من السنن الكبرى\"، مات متأثرًا من سم دسَّ له، انظر: \"معجم المؤلفين\" (٥/ ١١٧)، و\"الأعلام\" (٣/ ٢٩٨)].","vol":"3","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>(٩) بَابٌ: في الْمُحافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ </span>(١)\n٤٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ هَارُونَ -، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصُّنَابِحِىِّ\n===\n\n(٩) (بَابٌ: في الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ)\nوفي نسخة: \"على الوقت\"، فالمحافظة عليها إما باعتبار إتيان سننها ومندوباتها وخضوعها وخشوعها، وإما باعتبار الوقت باعتبار أدائها في الوقت المستحب لها.\n٤٢٥ - (حدثنا محمد بن حرب الواسطي) النسائي بالمعجمة، أبو عبد الله، صدوق، مات سنة ٢٥٥ هـ، (نا يزيد - يعني ابن هارون -، أنا محمد بن مطرِّف) بن داود بن مطرف بن عبد الله بن سارية التيمي الليثي، أبو غسان المدني، يقال: إنه من موالي آل عمر، نزل عسقلان، أحد علماء الأثبات، قال علي بن سراج: كان من أهل وادي القرى، قدم بغداد أيام المهدي، قال أحمد وأبو حاتم والجوزجاني ويعقوب بن شيبة: ثقة، وعن ابن معين: شيخ ثقة، وأيضًا عنه: لا بأس به، وثَّقه مجاهد ابن موسى، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يُغرب.\n(عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن الصُّنابحي) (٢) هكذا في أكثر نسخ أبي داود من المطبوعة والمكتوبة، وفي نسخة واحدة عليها الشرح لمولانا فخر الحسن الكَنكَوهي المرحوم،\n_________\n(١) في نسخة: \"على الوقت\".\n(٢) قال ابن رسلان: هكذا رواه أبو داود ومالك بن أنس وأبو غسان محمد بن مطرف، والذي صححه الجمهور هو عبد الرحمن بن عسيلة، والصُّنابح- بضم الصاد- بطن من مراد، والبسط في \"الأوجز\" (١/ ٤١١). (ش).","vol":"3","page":97},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفيه: عبد الله الصنابحي بغير لفظ ابن، وكذا ضبطه الخطابي في شرحه وهو الصواب.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١) في ترجمة عبد الله الصنابحي: عبد الله الصنابحي، مختلف في صحبته، روى عن النبي - ﷺ - وعن عبادة بن الصامت، وعنه عطاء بن يسار، قال الدوري عن ابن معين: عبد الله الصنابحي روى عنه المدنيون يشبه أن يكون له صحبة، وقال ابن السكن: عبد الله الصنابحي يقال: له صحبة، معدود في المدنيين، روى عنه عطاء بن يسار، قال: وأبو عبد الله الصنابحي يعني عبد الرحمن بن عسيلة أيضًا مشهور، روى عن أبي بكر وعبادة بن الصامت، ليس له صحبة.\nوقال مالك: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي عن النبي - ﷺ -: \"إذا توضأ العبد المسلم\"، الحديث، قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه فقال: وهم فيه مالك، وهو أبو عبد الله، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي - ﷺ -، وقال سويد بن سعيد عن حفص بن ميسرة: عن زيد بن أسلم عن عطاء عن عبد الله الصنابحي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الشمس تطلع مع قرني الشيطان\"، الحديث.\nوقال أبو غسان محمد بن مطرف: عن زيد بن أسلم عن عطاء عن عبد الله الصنابحي عن عبادة في الوتر، وهكذا رواه زهير بن محمد عن زيد بن أسلم، فاتفق حفص بن ميسرة وأبو غسان وزهير على قولهم: عبد الله، فنسبة الوهم في ذلك إلى مالك وحده فيه نظر، انتهى كلام الحافظ.\n_________\n(١) (٦/ ٩٠ - ٩١).","vol":"3","page":98},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: وهذا الكلام يدل على أنهما اثنان؛ عبد الله الصنابحي رجل مختلف في صحبته، معدود في المدنيين، روى عنه المدنيون، صحابي في قول ابن معين وابن السكن، ويوافقه ما قال الترمذي (١) في \"جامعه\" في \"باب ما جاء في فضل الطهور\": وفي الباب عن عثمان وثوبان والصنابحي وعمرو بن عبسة وسلمان وعبد الله بن عمرو، والصنابحي الذي روى عن أبي بكر الصدِّيق ليس له سماع من النبي - ﷺ -، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ويكنى أبا عبد الله، رحل إلى النبي - ﷺ -، فقبض النبي - ﷺ - منه وهو في الطريق، وقد روى عن النبي - ﷺ - أحاديث (٢)، انتهى.\nويخالفه ما حكى الترمذي عن شيخه البخاري فقال: قال البخاري: وهم فيه مالك، وهو أبو عبد الله، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي - ﷺ -، وكلام الترمذي يقتضي أنة لم يرض بقول شيخه، وكذا لم يقبله الحافظ، وقال: فيه نظر.\nوقال الحافظ (٣) في ترجمة عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل بن عسال المرادي: أبو عبد الله الصنابحي، رحل إلى النبي - ﷺ - فوجده قد مات قبله بخمس ليال أو ست، وصلَّى خلف أبي بكر، ثم نزل الشام، قال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصنابحيون الذين يروى عنهم في العدد ستة، وإنما هما اثنان فقط: الصنابحي الأحمسي، وهو الصنابح الأحمسي هذان واحد، من قال فيه الصنابحي فقد أخطأ، وهو الذي يروي عنه الكوفيون، والثاني عبد الرحمن بن عسيلة، كنيته أبو عبد الله، لم يدرك النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٧ - ٨).\n(٢) في كلام الترمذي هذا احتمالان كما حققته على ما علقته على هامش \"الكوكب الدري\" (١/ ٣٣). (ش).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢٢٩).","vol":"3","page":99},{"text":"قَالَ: زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، فَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ:\n===\nبل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر وغيره، فمن قال: عن عبد الرحمن الصنابحي فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبد الله الصنابحي فقد أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبد الرحمن فقد أخطأ، قلب اسمه فجعله كنيته، ومن قال: عن عبد الله الصنابحي فقد أخطأ، قلب كنيته فجعلها اسمه، هذا قول علي بن المديني ومن تابعه، قال يعقوب: هو الصواب عندي، انتهى.\nقلت: وهذا القول يدل على أن عبد الله الصنابحي ليس له وجود، بل هو أبو عبد الله الصنابحي وهو عبد الرحمن بن عسيلة، وهذا قول علي بن المديني ويعقوب بن شيبة والبخاري، والله تعالى أعلم.\n(قال: زعم) أي قال (أبو محمد) قال الحافظ في \"الإصابة\" (١): أبو محمد الأنصاري ذكره مالك في \"الموطأ\" من طريق عبد الله بن محيريز عن المذحجي أن رجلًا كان بالشام يكنَّى أبا محمد كانت له صحبة، قال: الوتر واجب، وذكر له قصة مع عبادة بن الصامت، وأخرجه أبو داود وغيره من طريق مالك، قيل: اسمه مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم، وقيل: مسعود بن زيد (٢) بن سبيع، وقيل: اسمه قيس بن عامر بن عبد بن حارث الخولاني، حليف بني حارثة من الأوس، وقيل: مسعود بن يزيد، عداده في الشاميين، وسكن داريا، وقيل: اسمه سعد بن أوس، وقيل: قيس بن عباية، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر، وزعم ابن الكلبي أنه شهد بدرًا، ثم شهد مع علي صفين.\n(أن الوتر واجب) أي حق ثابت تأكده بالسنَّة (فقال عبادة بن الصامت)\n_________\n(١) (٧/ ١٧٣).\n(٢) به جزم في \"العارضة\" (١/ ٢٤٢). (ش).","vol":"3","page":100},{"text":"كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَشْهَدُ أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ\n===\nابن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، صحابي مشهور، أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا وما بعدها، آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي مرثد، وهو أحد من جمع القرآن في زمن النبي - ﷺ -، وأرسله عمر إلى فلسطين ليعلِّم أهلها القرآن، فأقام بها إلى أن مات، مات سنة ٣٤ هـ، وقال دحيم: توفي ببيت المقدس، وقال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار.\n(كذب) أي غلط ولم يصب في ظني (أبو محمد) قال الخطابي (١): يريد أخطأ أبو محمد، ولم يرد به تعمد الكذب الذي هو ضد الصدق، لأن الكذب إنما يجري في الأخبار، وأبو محمد هذا إنما أفتى فتيا ورأى رأيًا فأخطأ فيما أفتى به، وهو رجل من الأنصار، له صحبة، والكذب عليه في الأخبار غير جائز، والعرب تضع الكذب موضع الخطأ في كلامها، فيقول: كذب سمعي، وكذب بصري: أي زَل ولم يدرك ما رأى وما سمع، ولم يُحِط به، وإنما أنكر عبادة أن يكون الوتر واجبًا وجوب فرض كالصلوات الخمس، دون أن يكون واجبًا في السنَّة، ولذا استشهد بالصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة.\n(أشهد أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: خمس صلوات (٢)\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٣).\n(٢) ذكر محمد بن نصر في \"قيام الليل\" أن رجلًا جاء إلى أبي حنيفة فقال: أخبرني عن عدد الصلوات المفروضة كم هي؟ فقال: خمس، فقال: ما تقول في الوتر؟ قال: فريضة، فقال: كم عدد الصلوات المفروضة؟ قال: خمس، قال: عدهن، فعد الفجر، والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال الرجل: والوتر؟ فقال: فريضة، فقال: فكم الصلوات؟ قال: خمس، فقال: فأنت لا تحسن الحساب، فقام وذهب، وقال ابن رسلان: استدل بهذا الحديث على أن التهجد منسوخ في حق الأمة هو مجمع عليه، وعلى أن صلاة العيد ليس بفرض خلافًا لما قاله الإصطخري: إنها فرض كفاية، والبسط في \"الأوجز\" (٢/ ٥٤٥) وهامش \"اللامع\" (٤/ ١٧٥). (ش).","vol":"3","page":101},{"text":"افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَاّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ». [حم ٥/ ٣١٧، ن ٤٦١، جه ١٤٠١، دي ١٥٧٧، ط ١/ ١٤/ ١٢٣]\n٤٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِىُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ،\n===\nافترضهن الله ﷿) أي على عباده (من أحسن وضوءهن) أي وأكمله بإتيان آدابه وسننه (وصلاهن لوقتهن) من الأوقات المستحبة لها (وأتم ركوعهن) بالطمأنينة فيها (وخشوعهن) بإقبال القلب عليها (كان له على الله عهد) أي وعد (أن يغفر له) فإن قلت: مذهب أهل السنَّة أنه لا يجب على الله شيء، وهذا الحديث يثبت الوجوب؟ قلت: المراد بالوجوب لزومه (١) باعتبار الوعد كرمًا لا الوجوب العقلي (ومن لم يفعل) أي أداءهن لوقتهن وإتمام ركوعهن وخشوعهن (فليس له على الله عهد) (٢) أي بأن يغفر له (إن شاء) أي مغفرته (غفر له، وإن شاء) تعذيبه (عذبه) أي على تفريطه في إتيان ما فرض الله عليه.\n٤٢٦ - (حدثنا محمد بن عبد الله) بن عثمان (الخزاعي) أبو عبد الله البصري، قال البخاري عن علي: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال ابن قانع: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (وعبد الله بن مسلمة) القعنبي (قالا: ثنا عبد الله بن عمر) العمري، (عن القاسم بن غنام) بفتح معجمة وشدة نون، الأنصاري البياضي المدني، روى عن عمته أم فروة، وقيل: عن بعض أمهاته عن أم فروة، وقيل: عن جدة له عن عمته أم فروة في فضل أول الوقت.\n_________\n(١) فإن الله لا يخلف الميعاد. (ش).\n(٢) وفي \"مشكل الآثار\": \"من لم يحافظ فهو مع فرعون\"، وهل هو مرتد أم لا؟ راجع: \"مشكل الآثار\" ح (٣١٨٠). (ش).","vol":"3","page":102},{"text":"عن بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ، عن أُمِّ فَرْوَةَ\n===\nقلت: أخرج الدارقطني (١) حديث القاسم بن غنَّام هذا الذي اضطرب فيه، فقال مرة: عن جدته أم فروة، وقال مرة: عن جدته عن أم فروة، وقال مرة: عن بعض أمهاته عن أم فروة، وقال مرة: عن جدته أم أبيه الدنيا عن جدته أم فروة، وقال مرة: عن بعض أهله عن أم فروة، وفي رواية عن القاسم بن غنام البياضي عن امرأة من المبايعات، روى له أبو في داود والترمذي وقال: اضطربوا في هذا الحديث، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\"، وقال: في حديثه اضطراب.\n(عن بعض أمهاته) ولم تعرف من هي (عن أم فروة) عمة القاسم بن الغنام الأنصارية، كانت (٢) من المبايعات، روى حديثها عبد الله بن عمر العمري عن القاسم بن غنام عن عمته أم فروة، وقيل: عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته عن أم فروة في فضل الصلاة أول الوقت، وذكر ابن عبد البر والطبراني أن أم فروة هذه هي بنت أبي قحافة أخت أبي بكر الصدِّيق، وتبعه على ذلك القاضي أبو بكر بن العربي وغيره، ووهموا من قال: إنها أنصارية، لكن قال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): والراجح أنها غيرها، فقد جزم ابن منده بأن بنت أبي قحافة لها ذكر، وليس لها حديث (٤)، وراوية حديث الصلاة أنصارية، فإن مدار حديثها على القاسم بن غنام، وهي جدته أو عمته أو إحدى أمهاته أو من أهله على اختلاف الرواة عنه في ذلك، فهي على كل حال ليست أخت أبي بكر الصدِّيق، قاله ابن الأثير.\n_________\n(١) انظر: \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٤٧).\n(٢) قال ابن رسلان: كانت من المبايعات، وقيل فيها: الأنصارية وهو وهم. (ش).\n(٣) (٨/ ٢٦٦) وانظر: \"أسد الغابة\" (٧/ ٣٧٦).\n(٤) ونقل ابن رسلان عن \"تجريد الذهبي\" لها رواية، وذكر أم فروة أخرى ظئر النبي - ﷺ -، فتأمل. (ش).","vol":"3","page":103},{"text":"قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَىُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ فِى أَوَّلِ وَقْتِهَا». [ت ١٧٠، حم ٦/ ٣٧٥، ق ١/ ٤٣٤، قط ١/ ٢٤٨، ك ١/ ١٨٩]\nقَالَ الْخُزَاعِىُّ فِى حَدِيثِهِ: عَنْ عَمَّةٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ فَرْوَةَ، قَدْ بَايَعَتِ النَّبِىَّ -ﷺ-، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- سُئِلَ.\n===\n(قالت: سئل رسول الله - ﷺ - أي الأعمال أفضل؟) أي أكثر ثوابًا (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (الصلاة في أول وقتها) (١) أي أفضل وأكثر ثوابًا (٢).\n(قال الخزاعي) أي محمد بن عبد الله (في حديثه) بهذا اللفظ: (عن عمة له يقال لها: أم فروة، قد بايعَتِ النبي - ﷺ -، أن النبي - ﷺ - سئل) (٣).\nغرض المصنف بهذا الكلام بيان أن الخزاعي خالف عبد الله بن مسلمة، فإن عبد الله بن مسلمة قال في روايته: عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته عن أم فروة قالت: سئل رسول الله - ﷺ -، والخزاعي قال في حديثه: عن القاسم بن غنام عن عمة له يقال لها: أم فروة، فلم يذكر عن بعض أمهاته، وجعل روايته عنها من غير واسطة، وجعلها عمة له، وزاد ذكر المبايعة.\nويحتمل أن يكون الاختلاف بأن عبد الله بن مسلمة لم يذكر لفظة \"عن عمة له\"، وأسند عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته عن أم فروة، وكذلك ترك ذكر المبايعة، وأما الخزاعي فأسند عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته\n_________\n(١) بَوّب عليه الترمذي مستقلًا، وتكلم على سند حديث أم فروة. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: من أصحابنا من يقول بأن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلَّا إذا قدم ما يمكن تقديمه على الوقت، كالطهارة وغيرها، وهو ضعيف، والصحيح عندنا بأنه يحصل بأن يشتغل بأسباب كما دخل الوقت. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: سأله ابن مسعود، ففي رواية \"الصحيحين\": سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: حدثنا صاحب هذه الدار وأشار إلى دار عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: سألت النبي - ﷺ -، الحديث. (ش).","vol":"3","page":104},{"text":"٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أنَا خَالِدٌ، عن دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عن أَبِي حَرْب بْن أَبِي الأَسْوَدِ، عن عَبْدِ الله بْنِ فَضَالَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ الله - ﷺ -، فَكَانَ (١) فِيمَا عَلَّمَنِي: \"وَحَافِظْ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ\" قَالَ:\n===\nعن عمة له يقال لها: أم فروة، فزاد لفظ \"عن عمة له\" الذي لم يذكره عبد الله بن مسلمة، وزاد ذكر المبايعة أيضًا.\nولكن يخالف الاحتمالين ما أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) فأخرج حديث الخزاعي بهذا اللفظ: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا الخزاعي، أنا عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن جدته الدنيا، عن أم فروة، وكانت قد بايعت رسول الله - ﷺ -، الحديث، فخالف الاحتمال الأول بأنه ذكر بين القاسم وأم فروة واسطة \"عن جدته الدنيا\"، وخالف الاحتمال الثاني بأنه لم يذكر فيها \"عن عمته\"، والله أعلم.\n٤٢٧ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا خالد) بن عبد الله الواسطي، (عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فضالة) الليثي الزهراني، قال ابن مسنده وأبو نعيم: لا تصح له صحبة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكان على قضاء البصرة، عاش إلى زمن الوليد بن عبد الملك.\n(عن أبيه) هو فضالة الليثي الزهراني (٣)، قيل: هو ابن عبد الله، وقيل: ابن وهب بن بحرة بن بحيرة، يعد في أهل المدينة، له عن النبي - ﷺ - حديث واحد على المحافظة على العصرين، وعنه ابنه عبد الله، وفي إسناد حديثه اختلاف.\n(قال: علمني رسول الله - ﷺ -) أي أعمال الإِسلام وأحكامها، (فكان فيما علَّمني: وحافظ) بصيغة الأمر (على الصلوات الخمس، قال) أي فضالة:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٢) (٦/ ٣٧٤).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٥٩) رقم (٤٢٣٤).","vol":"3","page":105},{"text":"قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ سَاعَاتٌ لِي فِيهَا أَشْغَالٌ، فَمُرْنِي بِأَمْرٍ جَامِعٍ إِذَا أَنَا فَعَلْتُهُ أَجْزَأَ عَنِّي. فَقَالَ: \"حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ\" - وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا- فَقُلْتُ: وَمَا الْعَصْرَانِ؟ فَقَالَ: \"صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا\". [ق ١/ ٤٦٦، ك ١/ ٢٠، حب ١٧٤١، حم ٤/ ٣٤٤]\n===\n(قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال) أي دنيوية (فمرني بأمر جامع (١) إذا أنا فعلته أجزأ) أي كفى (عني) أي عن غيره (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (حافظ على العصرين (٢)، وما كانت) أي لفظة العصرين مستعملة (من لغتنا) في لساننا، فلم أفهم معناها (فقلت) أي سألت رسول الله - ﷺ - (وما العصران؟ فقال: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها).\nقال الخطابي (٣): يريد بالعصرين صلاة العصر وصلاة الصبح، والعرب قد تحمل أحد الاسمين على الآخر، فتجمع بينهما في التسمية طلبًا للتخفيف، كقولهم: سنة العمرين، لأبي بكر وعمر - ﵄ -، والأسودين، يريدون التمر والماء، والأصل في العصرين عند العرب الليل والنهار، ويشبه أن يكون إنما قيل لهاتين الصلاتين: العصران، لأنهما تقعان في طرفي العصرين، وهما الليل والنهار.\nقال في \"درجات المرقاة\": قال ولي الدين: هذا الحديث مشكل ببادئ الرأي، إذ يوهم إجزاء صلاة العصرين لمن له أشغال عن غيرهما، فقال البيهقي (٤) بـ \"سننه\" في تأويله وأحسن: كأنه أراد - والله أعلم- حافظ\n_________\n(١) لأنواع الفضائل \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) ذكر ابن رسلان أصلًا أن التغليب يكون تبعًا للأغلب، ثم أجاب عن القمرين وعمرين، فارجع إليه. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٤).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٦٦).","vol":"3","page":106},{"text":"٤٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خالِدٍ،\n===\nعليهما بأول أوقاتهما، فاعتذر بأشغال مقتضية لتأخيرهما عن أولهما، فأمره بالمحافظة على الصلاتين بأول وقتهما (١).\nوتأول ابن حبان بـ \"صحيحه\" بأن المحافظة على العصرين إنما هو زيادة تأكيد لهما مع بقاء الأمر بالمحافظة على أول وقت كل.\nوقال أحمد بـ \"مسنده\" (٢): نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن قتادة عن نصر بن عاصم، عن رجل منهم \"أنه أتى النبي - ﷺ - فأسلم على أنه لا يصلي إلَّا صلاتين، فقبل ذلك منه\".\nفظاهر هذا أنه أسقط عنه ثلاث صلوات، فكان من خصائصه - ﷺ - أنه يخص (٣) من شاء بما شاء من الأحكام، ويسقط عمن شاء ما شاء من الواجبات، كما بينته بكتاب \"الخصائص\" فهذا منه، فالظاهر أن هذا الرجل المبهم بأحمد (٤) هو فضالة فإنه ليثي، ونصر بن عاصم ليثي، فقال: عن رجل منهم.\n٤٢٨ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (نا يحيى) القطان، (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم، البجلي، قال ابن المبارك عن الثوري:\n_________\n(١) هكذا في \"الدرجات\" (ص ٥١)، ولفظ البيهقي في \"سننه\": وكأنه أراد - والله أعلم-، حافظ عليهن في أوائل أوقاتهن، فاعتذر بالأشغال المفضية إلى تأخيرها عن أوائل أوقاتهن، فأمره بالمحافظة على هاتين الصلاتين بتعجيلهما في أوائل وقتيهما، الظاهر أنه وقع التحريف في \"الدرجات\" (ص ٥٢) بتبديل ضمائر المؤنث بضماثر التثنية. (ش).\n(٢) (٥/ ٢٥)\n(٣) وقد ذكر السيوطي في \"الخصائص الكبرى\" (٢/ ٢٦٢) له نظائر، وكذا الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ٢٠٤)، ويشكل عليه أنه يخالف قوله تعالى: \"هي خمس وهي خمسون ما يبدل القول لدي\"، وأجيب عنه بأنه حكم عام لا ينافي تخصيص حكم لخاص. (ش).\n(٤) أي في \"مسند أحمد\".","vol":"3","page":107},{"text":"نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ رُؤيْبَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ (١): أَخْبِرْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -؟ قَالَ: سَمِعْتُ\n===\nحفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل وعبد الملك بن أبي سليمان ويحيى بن سعيد، قال ابن مهدي وابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن عمار الموصلي: حجة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان طحانًا، وقال يعقوب بن أبي شيبة (٢): كان ثقة ثبتًا، رأى أنسًا رؤية ولم يسمع منه، وقال يعقوب بن سفيان: كان أميًا حافظًا ثقة، وقال هشيم: كان إسماعيل فحش اللحن، كان يقول: \"حدثني فلان عن أبوه\"، وقال أبو نعيم: أدرك إسماعيل اثني عشر نفسًا من الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من رآه رؤية، مات سنة ١٤٦ هـ.\n(نا أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة) براء وموحدة مصغرًا، الثقفي الكوفي، وثَّقه ابن حبان، مقبول، من الثالثة، هكذا في \"الخلاصة\" و\"التقريب\"، ولم أجده في \"تهذيب التهذيب\" (٣).\n(عن أبيه) هو عمارة (٤) بضم المهملة والراء، ابن رؤيبة براء مضمومة وموحدة، الثقفي الكوفي، أبو زهرة، وذكر المزي في \"التهذيب\" أن له رواية عن علي فوهم، فإن الراوي عن علي حرمي فهو ليس بصحابي، لأنه كان صغيرًا في زمن علي، وأما هذا فهو صحابي ثقفي.\n(قال: سأله) أي عمارة (رجل من أهل البصرة) وهو أيضًا صحابي سكن البصرة، لكن لم يعرف اسمه (فقال: أخبرني ما) موصولة (سمعت) والعائد إلى الموصول مقدر، أي سمعته (من رسول الله - ﷺ -؟ قال) أي عمارة: (سمعت\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) كذا في \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٩١)، والصواب: يعقوب بن شيبة. انظر: \"تهذيب الكمال\" (١/ ٢٢٨).\n(٣) انظر: \"تهذيب الكمال\" رقم (٧٢٥٠).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٣١٤) رقم (٣٨١٣).","vol":"3","page":108},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ». قَالَ: أأَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْهُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: نَعَمْ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى. فَقَالَ (١) الرَّجُلُ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ. [م ٦٣٤، ن ٤٧١، ق ١/ ٤٦٦، حب ١٧٤٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>(١٠) بَابٌ: إِذَا أَخَّرَ الإِمَامُ الصَّلَاةَ عَنِ الْوَقْتِ</span>\n===\nرسول الله - ﷺ - يقول: لا يلج النار) أي لا يدخلها أصلًا للتعذيب، أو على وجه التأبيد (رجل صلَّى قبل طلوع الشمس) أي صلاة الفجر (وقبل أن تغرب) أي صلاة العصر، أي: حافظ (٢) عليهما، وخصهما، لأن وقت العصر وقت الاشتغال، ووقت الفجر وقت النوم، فمن حافظ عليهما كان لغيرهما من الصلوات أحفظ.\n(قال) الرجل البصري: (أأنت (٣) سمعته منه؟ ثلاث مرات) متعلق بقال (قال) عمارة: (نعم) أي سمعته منه، (كل (٤) ذلك يقول: سمعته أذناي ووعاه) أي حفظه (قلبي، فقال الرجل) البصري: (وأنا سمعته) أي رسول الله - ﷺ - (يقول ذلك) أي الحديث الذي رواه عمارة.\n\n(١٠) (بَابٌ: إِذَا أَخَّرَ الإمَامُ الصَّلاةَ عَنِ الوَقْتِ)\nأي: فماذا يفعل الناس، هل ينتظرون صلاة الإِمام ويؤخرونها كما يؤخر الإِمام، أو يتركون الجماعة ويؤدونها في أول وقتها؟\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) وفي \"العرف الشذي\" (ص ٢٠٥): أن وجوب البردين قبل الخمسة، والوتر، قلت: لكن هذا التوجيه لا يتمشى ههنا للرواية السابقة. (ش).\n(٣) بهمزتين خفيفتين، ويجوز تسهيل الثانية وإبدالها ألفًا. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) أي في كل مرة يقول: سمعته ... إلخ، شرحه ابن رسلان: يعني كل الحديث سمعته، والأول أوجه. (ش).","vol":"3","page":109},{"text":"(١).\n٤٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَبِي عِمْرَانَ- يَعْنِي الْجَوْنِيَّ -،\n===\n٤٢٩ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (نا حماد بن زيد، عن أبي عمران - يعني الجوني (٢) -) عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري، أحد العلماء، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وفي \"الطبراني\" بإسناد صحيح: عن أبي عمران الجوني قال: بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام فاستفتيت جندبًا، مات سنة ١٢٨ هـ، وقيل غيرها.\n_________\n(١) ههنا روايتان في نسخة ابن الأعرابي، ذكرتا في النسخ القديمة:\n* حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدّثَنَا أبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ، حَدَّثنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، حَدَّثنَا قَتَادَةُ وَأَبَانُ كِلَاهُمَا عن خُلَيْدٍ الْعَصْرِيِّ، عن أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيْمَانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبيلًا، وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَأدَّى الأَمَانَةَ\". قالُوا: يَا أبَا الدَّرْدَاءِ، وَمَا أَدَاءُ الَأمَانَةِ؟ قَالَ: الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ. [رواه الطبراني في \"الكبير\"، انظر: \"مجمع الزوائد\" رقم ١٣٩].\n* حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح المِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عن ضُبَارَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سُلَيْكَ الأَلْهَانِي قَالَ: أخْبَرَنِي اَبْنُ نَافِع، عن ابْنِ شِهَاب الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ أخْبَرَهُ قَالً: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"قَالَ الله ﷿: إِني فَرَضْتُ عَلَى أُمَّتِكَ خَمْسَ صَلَوَات، وَعَهِدْتُ عِنْدِي عَهْدًا: أَنَّهُ مَنْ جَاءَ يُحَافِظُ عَلَيْهِنَّ لِوَقْتِهِنَّ أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ فَلَا عَهْدَ لَهُ عِنْدِي\"]. [جه ١٤٠٣].\n[قلت: هذان الحديثان في نسخة، وقد ذكرهما المزي في \"الأطراف\" (٧/ ٤٣٩) رقم (١٠٩٣٠)، (٨/ ٥٢٦) رقم (١٢٠٨٢)، وقال بعد إيراد الأول: هذا الحديث في رواية أبي سعيد ابن الأعرابي، عن أبي أسامة محمد بن عبد الملك بن يزيد الرّوَّاس، عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم.\nوقال بعد إيراد الثاني: حديث أبى داود في رواية أبي سعيد ابن الأعرابى، عن محمد بن عبد الملك الرَّوَّاس، عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم].\n(٢) بفتح الجيم. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":110},{"text":"عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يَا أَبَا ذَرٍّ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيْتُونَ الصَّلَاةَ؟ \" أَوْ قَالَ: \"يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ؟ \" قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: \"صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّهِ، فَإِنَّهَا\n===\n(عن عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ابن أخي أبي ذر، قال النسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: يكنى أبا النضر، وكان ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال الذهبي في \"الميزان\": قال بعضهم: ليس بحجة، قلت: قد احتج به مسلم دون البخاري، انتهى، مات بعد سنة ٧٠ هـ.\n(عن أبي ذر) الغفاري هو جندب (قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر، كيف أنت) أي: ماذا يكون حالك، وماذا تفعل أنت (إذا كانت) استولت وتسلطت (عليك أمراء يميتون الصلاة؟) أي يؤخرونها (١) عن وقتها المختار (أو قال: يؤخرون الصلاة؟) شك من الراوي بأنه قال هذا اللفظ أو ذاك (قلت: يا رسول الله فما تأمرني؟) ما استفهامية مبتدأ، وتأمرني خبره، والعائد مقدر وهو لفظ \"به\"، أي فأي شيء تأمرني به، أو لفظة ما موصولة، وتأمرني صلته، وخبره مقدر، ومعناه: فالذي تأمرني به أفعل.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (صلِّ الصلاة لوقتها) أي إذا أخر الإِمام الصلاة وأماتها فصلِّ الصلاة أنت لوقتها أي منفردًا (فإن أدركتها معهم) بأن حضرت الجماعة (فصله) بتذكير الضمير بتأويل الفرض، وقيل: هاء ساكنة للسكت، وفي بعض النسخ: \"فصلها\" بتأنيث الضمير، فالضمير للصلاة (فإنها)\n_________\n(١) هذا هو مختار النووي، وكذا ابن رسلان في \"شرحه\" حيث قال: ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها ... إلخ، والحافظان ابن حجر والعيني حملا الإِماتة على الخروج عن جميع الوقت، وقد وجد ذلك عن الحجاج وأميره الوليد بن عبد الملك، جاءت الآثار بذلك في \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ٣٧٩). (ش).","vol":"3","page":111},{"text":"لَكَ نَافِلَةٌ\". [م ٦٤٨، ت ١٧٦، ن ٧٧٨، جه ١٢٥٦، دي ١٢٢٨، عب ٣٧٨٠، ش ٢/ ٣٨١، حم ٥/ ١٤٧، خزيمة ١٦٣٧، حب ١٧١٨، طب ١٦٣٣، ق ٢/ ٢٩٩]\n٤٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ،\n===\nأي الصلاة التي صليت مع الجماعة (لك نافلة) أي زائدة على الفرض، لأن الفرض هو الذي صليته منفردًا، أو فإنها لك زيادة خير.\nقال القاري (١): وهو محمول على الظهر والعشاء عندنا وعند بعض الشافعية، لأن الصبح والعصر لا نفل بعدهما، والمغرب لا تعاد عندنا، لأن النفل لا يكون ثلاثيًا، وإن ضم إليها ركعة ففيه مخالفة الإِمام، وعند الشافعية، لأنها تصير شفعًا، فإن أعادها يكره، وظاهر الحديث الإطلاق، فترفع الكراهة للضرورة، إذ الضرورات تبيح المحظورات، والمعنى: فصَلِّها معهم، وهو يحتمل أن ينوي الإعادة أو النافلة، فقول ابن حجر: وفيه أن إعادة الصلاة مع الجماعة سنَّة، ومن منعها محجوج بهذا، غير صحيح، بل يدل على أنه ينوي النافلة لا القضاء ولا الإعادة (٢)، انتهى.\n٤٣٠ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو بن ميمون القرشي الأموي، مولى آل عثمان، أبو سعيد (الدمشقي) القاضي المعروف بدحيم بدال وحاء مهملتين مصغرًا، الحافظ ابن اليتيم، وثَّقه ابن يونس، وأثنى عليه أحمد، وقال العجلي وأبو حاتم والنسائي والدارقطني: ثقة، وقال أبو داود: حجة لم يكن بدمشق في زمنه مثله، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يكره أن يقال له: دحيم، وقال في موضع آخر: دحيم تصغير دحمان، ودحمان بلغتهم خبيث، وقال الخليلي في \"الإرشاد\": كان أحد حفاظ الأئمة، متفق عليه، ويعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام وجرحهم، مات سنة ٢٤٥ هـ.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٣٤).\n(٢) يعني الجمع أولى، ولو أراد الاقتصار على أحدهما فهل الصلاة أول الوقت أفضل أو الانتظار؟ الاختلاف فيه مشهور عند الشافعية، ورجح النووي الثاني إن لم يفحش التأخير، كذا قال ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":112},{"text":"حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى حَسَّانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِىِّ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْيَمَنَ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْنَا، قَالَ: فَسَمِعْتُ تَكْبِيرَهُ مَعَ الْفَجْرِ: رَجُلٌ أَجَشُّ الصَّوْتِ\n===\n(نا الوليد) بن مسلم، (نا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، (حدثني حسان) بن عطية، (عن عبد الرحمن بن سابط) ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط، ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سابط بن أبي حميضة الجمحي المكي، تابعي، أرسل عن النبي - ﷺ -، وثَّقه ابن سعد، وكذا ذكره البخاري وأبو حاتم وابن حبان في \"الثقات\" وغير واحد كلهم في عبد الرحمن بن عبد الله، وقال: تابعي ثقة، مات سنة ١١٨ هـ.\n(عن عمرو بن ميمون الأودي) أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الكوفي، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي - ﷺ -، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، حج ستين ما بين حجة وعمرة، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن عبد البر في \"الاستيعاب\"، فقال: أدرك النبي - صلي الله عليه وسلم - وصدق إليه وكان مسلمًا في حياته، وذكره ابن حبان في \"ثقات التابعين\"، مات سنة ٧٤ هـ.\n(قال: قدم علينا) أي على أهل اليمن (معاذ بن جبل اليمن) سنة عشر (رسول (١) رسول الله - ﷺ -) حال من معاذ (إلينا) متعلق برسول، (قال: فسمعت تكبيره مع الفجر) أي قدم علينا وقت السحر على القرب من الفجر رافعًا صوته بالتكبير، كما يدل عليه حديث ذكره الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة عمرو بن ميمون.\n(رجل أجش الصوت) بفتح الهمزة والجيم والشين المعجمة المشددة حال، قال الخطابي (٢): هو الذي في صوته جُشَّةٌ، وهي شدة الصوت وفيها غنة.\n_________\n(١) منصوب على الحال، أي: قدِم رسولًا. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٥).","vol":"3","page":113},{"text":"قَالَ: فَأُلْقِيَتْ مَحَبَّتِى (١) عَلَيْهِ، فَمَا فَارَقْتُهُ حَتَّى دَفَنْتُهُ بِالشَّامِ مَيْتًا، ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى أَفْقَهِ النَّاسِ بَعْدَهُ، فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَلَزِمْتُهُ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَتَتْ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا؟»، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلْ صَلَاتَكَ مَعَهُمْ\n===\n(قال: فألقيت (٢) محبتي عليه، فما فارقته) أي فلزمته (حتى دفنته بالشام ميتًا) أي مات بالشام (٣) فدفنته (ثم نظرت إلى أفقه الناس) أي الصحابة (بعده) أي بعد معاذ (فأتيت ابن مسعود فلزمته حتى مات، فقال) أي ابن مسعود: (قال لي رسول الله - ﷺ -: كيف بكم) أي ماذا يكون حالكم، وماذا تفعلون (إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها؟) أي المختار، لا لغير ميقاتها الحقيقي، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع، وهذا من المعجزات، فإنه قد وقع كما أخبر به رسول الله - ﷺ -.\n(قلت: فما تأمرني إذا أدركني ذلك) أي الوقت (يا رسول الله؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (صلِّ الصلاة (٤) لميقاتها) المختار، (واجعل صلاتك معهم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عليه محتبي\".\n(٢) ضبطه ابن رسلان ببناء المجهول، قال ابن رسلان: هو من القلب، أي ألقيت محبته علي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ الآية [القصص: ٧٦]، ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ [يونس: ١٠٧] أي يريد الخير بك وغير ذلك، قلت: أليس أن يقال: هو مثل قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] على إحدى التفسيرين، فإنهم قالوا: إن لفظ \"مني\" متعلق بأحببت، أي إني أحببتك، والثاني: أنه متعلق بمحذوف أي محبة كائنة مني. (ش).\n(٣) وقد استعمله عمر عليها بعد أبي عبيدة بن الجراح، فتوفي في عامه ذلك في طاعون عمواس، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وزاد في \"مسلم\": \"ثم اذهب لحاجتك وإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد\"، الحديث (٦٤٨). \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":114},{"text":"سُبْحَةً\". [جه ١٢٥٥، حم ٥/ ٢٣١، ق ٣/ ١٢٤، حب ١٤٧٩، ن ٧٧٨]\n===\nسُبحة) بضم المهملة وسكون الموحدة وحاء مهملة، أي نافلة، وإنما خصَّت النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في التسبيح إذ تسبيحات الفرائض نفل، فسميت الصلاة النافلة سبحة، لأنها نافلة كالتسبيحات.\nقال الشوكاني (١) ما حاصله (٢): وقد اختلف في الصلاة التي تصلَّى مرتين، هل الفريضة الأولى أو الثانية؟ فذهب الأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي إلى أن الفريضة الثانية، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي إلى أن الفريضة الأولى (٣)، وعن بعض أصحاب الشافعي أن الفرض أكملهما، وعن بعض أصحاب الشافعي أيضًا أن الفرض أحدهما على الإبهام (٤)، فيحتسب الله تعالى بأيتهما شاء، وعن الشعبي وبعض أصحاب الشافعي أيضًا: كلتاهما فريضة.\nاحتج الأولون بحديث يزيد بن عامر عند أبي داود (٥) مرفوعًا وفيه: \"فإذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم، وإن كنت صليت ولتكن لك نافلة وهذه مكتوبة\"، ورواه الدارقطني (٦) بلفظ: \"وليجعل التي صلى في بيته\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٩).\n(٢) ههنا ثلاث مسائل: الأولى: في صورة الإِعادة أي الصلاتين منهما فريضة وأيهما نافلة وهي التي ذكرها الشيخ في \"البذل\"، والثانية: هل الإِعادة تكون لجميع الصلوات أو لبعضها، والثالثة: حكم الإِعادة خاص لمن صلَّى قبله منفردًا أو عام، أشار إليها ابن رسلان حيث قال: إنه يعيد عند الشافعي مطلقًا، فهي من النوافل التي هي ذوات السبب، وعند مالك يعيد غير المغرب، وعند الحنفية الإِعادة للظهر والعشاء فقط، وقال أيضًا: ثم اختلفوا في أن من صلَّى جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى هل يعيد؟ قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يعيد، وقال أحمد وإسحاق: يعيد إن شاء ... إلخ، وسيأتي \"باب إذا صلَّى في جماعة ثم أدرك جماعة\". (ش).\n(٣) وبه قالت الحنابلة، كما في \"الشرح الكبير\" و\"المغني\" (٢/ ٥٢٢)، وقال: يعيد كلها ويشفع المغرب، والإِعادة مستحب وليس بواجب. (ش).\n(٤) به جزم الدردير (١/ ٣٢١)، كما سيأتي. (ش).\n(٥) \"سنن أبي داود\" ح (٥٧٧).\n(٦) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٤١٤).","vol":"3","page":115},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nنافلة\"، وأجيب بأنها رواية شاذة مخالفة لرواية الحفاظ والثقات، كما قال البيهقي، وقد ضعفها النووي، وقال الدارقطني: هي رواية ضعيفة شاذة.\nواستدل القائلون بأن الفريضة هي الأولى بحديث يزيد بن الأسود عند أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم (١)، وصححه ابن السكن بلفظ: \"إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد الجماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة\"، قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول، لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه، ولا لابنه جابر راو غير يعلى، قال الحافظ: يعلى من رجال مسلم، وجابر وثَّقه النسائي وغيره، وقال: قد وجدنا لجابر راويًا غير يعلى، أخرجه ابن منده في \"المعرفة\".\nومن حجج أهل القول الثاني حديث الباب فإنه صريح في المطلوب، ولأن تأدية الثانية بنية الفريضة يستلزم أن يصلي في يوم مرتين، وقد ورد النهي عنه من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"لا تصلوا صلاة في يوم مرتين\" عند أبي داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان (٢).\nواحتج من قال: بأنهما فريضة بعدم المخصص بالاعتداد بإحداهما، وردّ بحديث: \"لا ظهران في يوم\" (٣)، وحديث: \"لا تصلى صلاة مكتوبة في يوم مرتين\" (٤).\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٦٠)، \"سنن أبي داود\" ح (٥٧٥ - ٥٧٦)، \"سنن الترمذي\" ح (٢١٩)، \"سنن النسائي\" ح (٨٥٨)، \"سنن الدارقطني\" (١/ ٤١٣)، \"صحيح ابن حبان\" (٤/ ٥٧)، \"المستدرك\" (١/ ٢٤٤).\n(٢) \"سنن أبي داود\" ح (٥٧٩)، \"سنن النسائي\" ح (٨٦٠)، \"صحيح ابن خزيمة\" ح (١٦٤١)، \"صحيح ابن حبان\" ح (٢٣٩٦)، وانظر: \"مسند أحمد\" (٢/ ١٩)، و\"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٠٣). و\"نصب الراية\" (٢/ ٥٥)، و\"سنن الدارقطني\" (١/ ٤١٥).\n(٣) قال الحافظ في \"التلخيص\": لم أره بهذا اللفظ، وقال ابن الملقن في \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٧١): حديث: \"لا ظهران في يوم\" غريب.\n(٤) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ٤١٦).","vol":"3","page":116},{"text":"٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن أَبِي الْمُثَنَّى،\n===\nقلت: ويدل عليه ما يأتي من حديث عبادة بن الصامت عند المصنف، ورجال إسناده ثقات، وقد أخرجه ابن ماجه أيضًا، وسكت أبو داود والمنذري عن الكلام عليه، ففيه دليل على أن الصلاة المعادة نافلة، فإن قوله في الحديث: \"إن شئت\" دليل على عدم الوجوب، وكذلك في لفظ: \"واجعلوا صلاتكم معهم سبحة\" الذي أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" في \"باب ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها\" من طريق سفيان بن عيينة بهذا السند.\n٤٣١ - (حدثنا محمد بن قدامة بن أعين) بن مسور القرشي، مولى بني هاشم، أبو عبد الله المصيصي، قال النسائي: لا بأس به، وقال مرة: صالح، وقال الدارقطني: ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات قريبًا من سنة ٢٥٠ هـ.\n(نا جرير) بن عبد الحميد، (عن منصور) بن المعتمر، (عن هلال بن يساف (١)، عن أبي المثنى) الحمصي، هو ضمضم أبو المثنى الأملوكي (٢)، بضم الألف وسكون الميم وضم اللام وفي آخرها كاف، نسبة إلى أملوك، وهو بطن من رومان، ورومان بطن من رعين، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: أبو المثنى مجهول، قال: وأما قول ابن عبد البر: أبو المثنى ثقة فلا يقبل منه، وتعقبه ابن المواق بأنه لا فرق بين أن يوثقه الدارقطني أو ابن عبد البر، وقال أبو عمرو الصدفي في \"تاريخه\": حدثني أبو مسلم قال: أملى عليَّ أبي، وقال: أبو المثنى (٣) الوصابي شامي تابعي ثقة.\n_________\n(١) لا ينصرف. (ش).\n(٢) وقال فيه ابن المبارك: المليكي، وهو وهم. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: وفي بعض النسخ ابن المثنى، وهو وهم. (ش).","vol":"3","page":117},{"text":"عَنِ ابْنِ أُخْتِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، الْمَعْنَى، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أَبِى الْمُثَنَّى الْحِمْصِىِّ، عَنْ أَبِى أُبَىٍّ ابْنِ امْرَأَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّهَا سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ بَعْدِى أُمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ\n===\n(عن ابن أخت (٢) عبادة بن الصامت) (٣) هو أبو أُبي الأنصاري، ابن امرأة عبادة بن الصامت، وهي أم حرام بنت ملحان، وقيل: إنه ابن أخت عبادة، وقيل: ابن أخيه، والأول أصح، هو عبد الله بن عمرو بن قيس بن زيد الأنصاري، وقيل: عبد الله بن أُبي، وقيل: ابن كعب، وذكر ابن حبان أن اسمه شمعون، وخطَّأ ابن عبد البر قول من قال: إنه عبد الله بن أُبي، وكان خيِّرًا فاضلًا، قال يحيى بن منده: هو آخر من مات من الصحابة بفلسطين.\n(عن عبادة بن الصامت) الأنصاري، (ح: وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا وكيع) بن الجراح، (عن سفيان) الثوري قاله الشيخ ولي الدين، وسياق رواية ابن ماجه يقتضي أنه ابن عيينة، ويمكن أن يكون رواية المصنف من طريق الثوري، ورواية ابن ماجه من طريق ابن عيينة (المعنى) أي معنى رواية سفيان، ورواية جرير عن منصور واحد.\n(عن منصور) بن المعتمر، (عن هلال بن يساف، عن أبي المثنى الحمصي) ضمضم، (عن أبي أُبيِّ ابن امرأة عبادة بن الصامت) الأنصاري، (عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنها) ضمير للقصة (ستكون عليكم بعدي أمراء (٤) تشغلهم) أي تمنعهم (أشياء) (٥) أي مشاغل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لي\".\n(٢) قال ابن رسلان: صوابه: ابن امرأة عبادة. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٦٧) رقم (٥٦٦٨).\n(٤) لا ينصرف للألف الممدودة \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: لم ينصرف، واختلفوا في علته كثيرًا، قيل: أصله كحمراء واستثقلوا وجود همزتين فقلبوا ... إلخ. (ش).","vol":"3","page":118},{"text":"عَنِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا، حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُصَلِّى مَعَهُمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ»، وَقَالَ (١) سُفْيَانُ: إِنْ أَدْرَكْتُهَا مَعَهُمْ أُصَلِّى مَعَهُمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ». [جه ١٢٥٧، حم ٥/ ٣١٥]\n٤٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ - يَعْنِى الزَّعْفَرَانِىَّ-،\n===\n(عن الصلاة) أي عن أداء الصلاة (لوقتها) (٢) أي المختار، فلا يؤدونها (حتى يذهب وقتها) أي المختار، وإذا كان كذلك (فصلوا) أنتم (الصلاة) منفردين (لوقتها) أي المختار (فقال رجل: يا رسول الله، أصلي معهم؟) أي مع الإِمام والجماعة (قال: نعم، إن شئت) (٣)، أي: إن شئت أن تصلي معهم فصل.\n(وقال سفيان: إن أدركتها معهم) أي الصلاة (أصلي معهم؟) بتقدير حرف الاستفهام (قال: نعم، إن شئت) غرض المصنف بهذا الكلام بيان الاختلاف الواقع بين لفظ جرير عن منصور، وبين لفظ سفيان عن منصور، فإن جريرًا قال: يا رسول الله أصلي معهم؟ قال: نعم إن شئت، ولفظ سفيان: يا رسول الله إن أدركتها معهم أصلي معهم؟ قال: نعم إن شئت.\n٤٣٢ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام، (نا أبو هاشم- يعني الزعفراني-) انتسب إلى بيع الزعفران، وليس منسوبًا إلى القرية الزعفرانية، وهي قرية من قرى بغداد تحت كلواذا، هو عمار بن عمارة البصري، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، ما أرى به بأسًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وفي حديث\".\n(٢) ولفظ ابن ماجه \"عن وقتها\". (ش).\n(٣) فيه دليل على أن الأوامر السابقة ليست للوجوب، أو يقال: إن هذا محمول على ما إذا صلى أولًا جماعة، فالجمهور إذ ذاك على عدم الإِعادة خلافًا لأحمد وإسحاق. (ش).","vol":"3","page":119},{"text":"حَدَّثَنِى صَالِحُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَكُونُ (١) عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِى يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ، فَهِىَ لَكُمْ وَهِىَ عَلَيْهِمْ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلَّوُا الْقِبْلَةَ». [طب ٦٩٧]\n===\nوقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو الوليد الطيالسي: كان ثقة، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\".\n(حدثني صالح بن عبيد) (٢) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ويقال: إنه الذي روى عنه عمرو بن الحارث المصري، وقد فرق (٣) بينهما البخاري في \"تاريخه\"، وأبو بكر البزار في \"السنن\"، وقال ابن السواق: سواء كان صالح هذا هو صاحب قبيصة أو صاحب نابل فهما مجهولان، وقال ابن القطان: صالح بن عبيد لا نعرف حاله أصلًا، وقال الحافظ في \"التقريب\": قيل: هو مقبول، وقال في \"الخلاصة\": صالح بن عبيد عن قبيصة بن وقاص، وعنه أبو هاشم الزعفراني وعمرو بن الحارث موثق.\n(عن قبيصة بن وقاص) (٤) السلمي، ويقال: الليثي، وهو أصح، قال البخاري: له صحبة، يعد في البصريين، قال الأزدي: تفرد بالرواية عنه صالح بن عبيد، وقال الذهبي: لا يعرف إلَّا بهذا الحديث.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة) أي عن وقتها المستحب، (فهي) أي الصلاة المؤخرة (لكم) أي نافعة لكم، لأنكم ما أخرتم باختياركم، فلأجل هذا لا يعود ضرره عليكم (وهي) أي الصلاة المؤخرة (عليهم) أي عائدة بالضرر على الأمراء، فإنهم يؤخرونها ويضيعونها، (فصلوا) بصيغة الأمر (معهم) أي الأمراء (ما صلوا القبلة) أي ما داموا يصلون\n_________\n(١) وفي نسخة: \"تكون\".\n(٢) قال ابن رسلان: أخرج له أبو داود هذا الحديث الواحد. (ش).\n(٣) وذكره ابن رسلان أيضًا مع البسط. (ش).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٧٢) رقم (٤٢٦٧).","vol":"3","page":120},{"text":"(١١) بَابٌ (١): فِيمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا\n٤٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (٢)، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، فَسَارَ لَيْلَةً (٣) حَتَّى\n===\nمتوجهين إلى القبلة، والمراد به أنهم ما داموا مسلمين صلوا معهم الصلاة وإن أخروا.\n\n(١١) (بَابٌ: فِيمَنْ نَامَ عَن صَلاةٍ (٤) أَوْ نَسِيَهَا)\nفمتى يصلي؟\n٤٣٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب) عبد الله، (أخبرني يونس) ابن يزيد، (عن ابن شهاب، عن ابن المسيب) سعيد، (عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - حين قفل) أي رجع إلى المدينة (من غزوة خيبر) (٥) غزاها سنة سبع، وهي على ثمانية برد من المدينة، خرج إليها في آخر محرم (فسار ليلة حتى\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما جاء ... إلخ\".\n(٢) قلت: زاد المزي في \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٤٠٩) رقم (١٣٣٢٦): \"أبو داود، عن أحمد بن صالح، عن عنبسة بن خالد، عن يونس، به. وأبو داود قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، به\".\nثم قال: \"حديث أحمد بن صالح، عن عنبسة بن خالد وما بعده في رواية أبي الطيب الأشناني وأبي عمرو البصري، عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم\".\n(٣) وفي نسخة: \"ليله\".\n(٤) ذكره ابن العربي (١/ ٢٩٠) باسطًا عليه، وأثبت أن النوم وقع ثلاث مرات، وكذا قال ابن الحصار كما سيأتي. (ش).\n(٥) كذا في \"مسلم\" وغيره، قال الباجي وابن عبد البر وغيرهما: هو الصواب. وقال الأصيلي: هو غلط، والصواب حُنين، ولم يقع ذلك إلَّا مرة حين رجع من حُنين إلى مكة، وفي رواية لمسلم عن ابن مسعود: من الحديبية، وللطبراني وغيره: بطريق تبوك، والمحققون على التعدد، والبسط في \"الأوجز\" (١/ ٣١٥). (ش).","vol":"3","page":121},{"text":"إِذَا أَدْرَكَنَا الْكَرَى عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلَالٍ: «اكْلأْ لَنَا اللَّيْلَ». قَالَ: فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النَّبِىُّ -ﷺ- وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nإذا أدركنا) أي أخذنا (الكبرى) بفتح الكاف، وهي النعاس، وقيل: النوم (عرس) نزل للنوم والاستراحة، والتعريس: نزول المسافر آخر الليلة (١) نزلة للاستراحة والنوم من غير إقامة (وقال) أي رسول الله - ﷺ - (لبلال: اكلأ) أي احفظ واحرس (لنا الليل) معناه: لا تنم ولا تزل مستيقظًا إلى آخر الليل حتى لا تفوتنا صلاة الصبح.\n(قال) أي أبو هريرة: (فغلبت بلالًا عيناه)، وهذه عبارة عن النوم، وحاصله أنه نام من غير اختيار (وهو مستند إلى راحلته) جملة حالية، أي صلى بلال ما قدر له، فلما تقارب الفجر استند إلى راحلته، فغلبته عيناه وهو مستند إلى راحلته (فلم يستيقظ النبي - ﷺ - ولا بلال ولا أحد من أصحابه، حتى إذا ضربتهم الشمس) أي أصابهم حرها، (فكان رسول الله - ﷺ - أولهم (٢) استيقاظًا، ففزع (٣) رسول الله - ﷺ -).\nقال الخطابي (٤): معناه انتبه من نومه، يقال: أفزعت الرجل من نومه\n_________\n(١) هكذا قال خليل وغيره، وقال أبو زيد: التعريس: النزول للاستراحة أيَّ وقت كان. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وفي \"عمدة القاري\" (٣/ ٢١٧) ح (٣٤٤): يخالفه حديث البخاري: كان عمر الرابع استيقاظًا، فكبر فاستيقظ ﵊ ... إلخ، وقال ابن رسلان: وقع في رواية: أول من استيقظ عمر، وفي أخرى: أولهم ذو مخبر، ولعل القصة متعددة. (ش).\n(٣) واختلفوا في معنى هذا الفزع وسببه على أقوال، قال الأصيلي: فزع لأجل العدو أن يجدهم على غرة، وقال غيره: الفزع لأجل الصلاة، ويؤيده قولهم: \"ما كفارة تفريطنا\" وقيل: فزع أي أسرع إلى الصلاة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٦).","vol":"3","page":122},{"text":"فَقَالَ (١): «يَا بِلَالُ!» فَقَالَ: أَخَذَ بِنَفْسِى الَّذِى أَخَذَ بِنَفْسِكَ يا رسول الله، بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى. فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ (٢) شَيْئًا\n===\nففزع، أي أنبهته فانتبه، وقال الطيبي: فزع، أي هبَّ وانتبه، كأنه من الفزع والخوف؛ لأن من ينتبه لا يخلو عن فزع ما.\n(فقال: يا بلال) والعتاب محذوف ومقدر، أي لم نِمْتَ ولم خالفت حتى فاتتنا الصلاة (فقال) أي بلال معتذرًا: (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله).\nقال القاري (٣) نقلًا: أي كما توفاك في النوم توفاني، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (٤)، وقال ميرك: وفيه نظر، والظاهر أن يقال: معناه غلب على نفسي ما غلب على نفسك من النوم، أي كان نومي بطريق الاضطرار دون الاختيار ليصح الاعتذار.\n(بأبي أنت وأمي) أي مُفَدّى بأبي أنت وأمي، (فاقتادوا) أي جروا بأخذ زمامها (رواحلهم شيئًا)، وفي رواية \"مسلم\" قال: \"اقتادوا فاقتادوا رواحلهم\"، قال الخطابي (٥): قد اختلف الناس في معنى ذلك وتأويله، فقال بعضهم: إنما فعل ذلك لترتفع الشمس، فلا تكون صلاتهم في الوقت المنهي عن الصلاة فيه، وذلك أول ما تبزغ الشمس. قالوا: والفوائت لا تقضى في الأوقات المنهي عن الصلاة [فيها]، وهذا على مذهب أصحاب الرأي (٦).\nوقال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: تقضى الفوائت في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) وصرح الشافعية بكراهة الصلاة في ذلك الوادي دون غيره، وقال في \"تحفة المحتاج\" (١/ ٤٦٥): لنصه - ﷺ - أن هناك شيطانًا. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٧٧).\n(٤) سورة الزمر: الآية ٤٢.\n(٥) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٦).\n(٦) ما حكاه الخطابي عنهم ردّه العيني. (ش).","vol":"3","page":123},{"text":"ثُمَّ تَوَضَّأ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لَهُمْ الصَّلَاةَ وَصَلَّى لَهُمْ الصُّبْحَ.\n===\nكل وقت نهي عن الصلاة فيه أو لم ينه عنها، وإنما نهي عن الصلاة في تلك الأوقات إذا كانت تطوعًا وابتداء من قِبل الاختيار دون الواجبات، فإنها تقضى الفوائت فيها إذا ذُكرت أيَّ وقت كان، وروي معنى ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس -رضي الله تعالى عنهما - وهو قول النخعي والشعبي وحماد.\nومنهم من تأول القصة في قود الرواحل، وتأخير الصلاة عن المكان الذي كانوا به على أنه أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابتهم الغفلة فيه والنسيان، وقد روي هذا المعنى في هذا الحديث من طريق أبان العطار، انتهى.\nقال النووي (١): فإن قيل: كيف نام النبي - ﷺ - عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس مع قوله - ﷺ -: \"إن عيني تنامان ولا ينام قلبي\"؟ فجوابه من وجهين:\nأصحهما وأشهرهما: أنه لا منافاة بينهما، لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة وإن كان القلب يقظان.\nوالثاني: أنه كان له حالان أحدهما ينام فيه القلب وصادف هذا الموضع، والثاني لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله، وهذا التأويل ضعيف.\n(ثم توضأ (٢) النبي - ﷺ - وأمر) أي رسول الله - ﷺ - (بلالًا فأقام) أي بلال (لهم الصلاة وصلَّى) أي رسول الله (لهم) أي بهم (الصبح) (٣)، قال القاري (٤): قال ابن الملك: وإنما لم يؤذن لأن القوم حضور، قلت: هذا خلاف المذهب، فالأولى أن يحمل على بيان الجواز، مع أنه لا دلالة فيه\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٠٤).\n(٢) زاد أبو نعيم في \"المستخرج\": \"وتوضأ الناس\". (ش).\n(٣) فيه الجماعة للفائتة، لكن لا يتأكد مثل تأكدها للمقيم، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٥٤).","vol":"3","page":124},{"text":"فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: \"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا (١)،\n===\nعلى نفي الأذان، بل في الحديث الآتي أنه جمع بينهما، فالمعنى أقام الصلاة بعد الأذان، انتهى (٢).\n(فلما قضى الصلاة) أي أنهما (قال: من نسي صلاة) والمراد غفل عنها، سواء كان بنوم أو نسيان، فاكتفى بالنسيان عن النوم، لأنه مثله في الغفلة وعدم التقصير (فليصلِّها إذا ذكرها).\nقال النووي (٣): شذَّ بعض أهل الظاهر (٤) فقال: لا يجب قضاء الفائتة بغير عذر، وزعم أنها أعظم من أن يخرج من وبال معصية هذا القضاء، وهذا خطأ من قائله وجهالة (٥).\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٦): ذهب داود وابن حزم إلى أن العامد لا يقضي الصلاة لهذا الحديث، لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم\n_________\n(١) واستدل به الشافعية على عدم الترتيب في الفوائت، وتقدم على هامش \"باب في وقت صلاة العصر\". (ش).\n(٢) مختصرًا من القاري (٢/ ١٧٨) قال: وقال ابن حجر: ظاهره أن الفائتة لا يؤذَّن لها، وهو مذهب الشافعي في الجديد، لكن المعتمد عند أصحابه قوله القديم: إنه يؤذن لها ... إلخ.\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٠٣).\n(٤) وقال ابن رسلان: شذ بعضهم فقال: لا يجب القضاء لأكثر من خمس صلوات. واستدلوا بهذا الحديث يعني المأمور هو الصلاة إذا نسي، وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس ولم ينم لا يصلي، وأجاب من قال بالإِيجاب بأنه من قبيل ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، واستدل عليه بعضهم بقوله: \"نسي\" فإنه أعم، قال الله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] ويؤيده قوله ﵇: \"لا كفارة لها إلَّا ذاك\"، والكفارة تكون للذنب، ولا ذنب في السهو. (ش).\n(٥) يشكل عليه ما عده العيني من أجلة الصحابة القائلين به. (ش). [انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ١٣١)].\n(٦) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣١).","vol":"3","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمنه أن من لم ينس لا يصلي، ثم نقل عن ابن تيمية أنه اختار ما ذكره داود ومن معه.\nوقال ابن تيمية: والمنازعون لهم ليس لهم حجة قط يرد إليها عند التنازع، ثم قال بعد نقل كلامه: والأمر كما ذكره، فإني لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد على دليل ينفق في سوق المناظرة، ويصلح للتعويل عليه، إلَّا حديث: \"فَدَيْنُ الله أحق أن يقضى\" (١)، باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم، ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسًا، وأنهض ما جاؤوا به في هذا المقام قولهم: إن الأحاديث الواردة بوجوب القضاء على الناسي يستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد، لأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فتدل بفحوى الخطاب وقياس الأولى على المطلوب، وهذا مردود، لأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالًا من الناسي، بل صرح بأن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الإثم عنه، فلا فائدة فيه، فيكون إثباته مع عدم النص عبثًا بخلاف الناسي والنائم، فقد أمرهما الشارع بذلك وصرح بأن القضاء كفارة لهما، ولا كفارة لهما سواه.\nقلت: استدل الموجبون للقضاء على العامد بدلالة هذا النص، كما يستدل على حرمة ضرب الأبوين بحرمة التأفيف المنصوص في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٢) فقول ابن تيمية: والمنازعون لهم ليس لهم حجة قط، وكذلك قول الشوكاني: فإني لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد على دليل ينفق في سوق المناظرة، ويصلح للتعويل عليه، ناشٍ عن الغفلة، فإن الاستدلال بدلالة النص عند الموجبين كالاستدلال بعبارة النص، وإن كان عند المانعين داخلًا في القياس، ولكنه قياس جلي، والصحيح أن الدلالة غير داخلة\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٩٥٣) ومسلم (١١٤٨).\n(٢) سورة الإِسراء: الآية ٢٣.","vol":"3","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي القياس، لأن القياس يختص بالمجتهد، لأنه موقوف على النظر، والدلالة يعرفها كل من كان من أهل اللسان من غير احتياج إلى ترتيب المقدمات والنظر، ولأن الدلالة مشروعة قبل شرع القياس، فإن كل واحد من أهل اللسان يفهم بمجرد سماع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، لا تضربهما، ولا تشتمهما.\nعلى أنّ هاهنا أمرين:\nأحدهما: ثبوت الإثم على ترك الصلاة عامدًا، فترك الصلاة عامدًا معصية، والمعصية صغيرة كانت أو كبيرة ترتفع بالتوبة.\nوالثاني: شغل الذمة بوجوب الفعل، فإن الفعل إذا وجب على العبد لا يسقط عنه إلَّا بالأداء أو القضاء، ولا يفرغ ذمته إلَّا بأحدهما، فعند المحققين من عامة الحنفية وغيرهم يجب القضاء بالسبب الذي يجب به الأداء، وهو النص الموجب للأداء، فحينئذ لا يحتاجون إلى دليل مستقل على وجوب القضاء.\nوأما ما ورد من قوله - ﷺ -: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها\"، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، إنما ورد للتنبيه على أن الأداء باقٍ في ذمتكم بالنصين الموجبين للأداء ولم يسقط بالفوات، فإن الأداء صار مستحقًا عليه، وفراغ من عليه الحق عن الحق إما بالأداء ولم يوجد، وإما بالعجز ولم يوجد، فإنه قادر على أصل العبادة وإن عجز عن إدراك فضيلة الوقت، وإما بإسقاط صاحب الحق وهو لم يوجد، لا صراحة - كما هو الظاهر- ولا دلالة، فإنه لم يحدث إلَّا خروج الوقت، وهو لا يصلح مسقطًا، بل يقرر ما على ذي الحق من العهدة.\nولما لم يوجد فراغ الذمة كان الواجب مطلوبًا من الشارع، فيجب الإتيان به لأجل براءة الذمة من الواجب، فلو لم يصح إتيان القضاء من العامد لكان طلب الشارع طلبًا للمحال، فقول المانعين: إنه لا يسقط الإثم عنه فلا فائدة في\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٤.","vol":"3","page":127},{"text":"فَإِنَّ الله قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) \". [م ٦٨٠، جه ٦٩٧، ن ٦٢٠، ق ٢/ ٢١٧، ت ٣١٦٣]\n===\nإتيان القضاء فيكون عبثًا، خلط بين الأمرين وغلط منهم، فإنا نسلم أيضًا أن إتيان القضاء لا يسقط عنه الإثم، ولكن نقول: إن سقوط الإثم عنه منوط بالتوبة، وسقوط الواجب عن الذمة منوط بإتيان القضاء، فلا يكون إتيان القضاء عبثًا.\nوقد رجع إليه الشيخ الشوكاني (٢) وقال في آخر كلامه: وقد أنصف ابن دقيق العيد فرد جميع ما تشبثوا به، والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقًا من عموم حديث: \"فَدَيْنُ الله أحق أن يقضى\"، لا سيما على قول من قال: إن وجوب القضاء بدليل هو الخطاب الأول الدال على وجوب الأداء، فليس عنده على وجوب القضاء على العامد فيما نحن بصدده تردد، لأنه يقول: المتعمد للترك قد خوطب بالصلاة، ووجب عليه تأديتها، فصارت دينًا عليه، والدين لا يسقط إلَّا بأدائه أو قضائه.\nقلت: وفيه أن صحة وجوب القضاء ثبت بالخطاب الأول الدال على وجوب الأداء، وأما حديث: \"فدين الله أحق أن يقضى\" لا مدخل له في كونه دليلًا، بل يكون من باب التنبيه على عدم السقوط، فمن قال بوجوب القضاء بدليل الخطاب الأول لا يحتاج إلى هذا الحديث في الاستدلال، نعم من قال: إن وجوب القضاء بسبب جديد يحتاج إلى هذا الحديث وأمثاله، والله تعالى أعلم.\n(فإن الله) تعالى (٣) (قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾) هكذا في بعض النسخ\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لذكرى\". [سورة طه: الآية ١٤].\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣١).\n(٣) اختلف في أنه من مقولة قتادة كما في رواية لمسلم: قال قتادة: قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، أو مقولة النبي - ﷺ - كما في أخرى له: قال قتادة: قال النبي - ﷺ -: قال تعالى ... إلخ\"، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":128},{"text":"قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ. قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عَنْبَسَةُ - يَعْنِي عَنْ يُونُسَ - في هَذَا الْحَدِيثِ: لِلْذِّكْرَى\n===\nمن المكتوبة (١) والمطبوعة المصرية وهو الأقرب، وفي بعضها من المطبوعة الهندية \"لذكري\" بالإضافة إلى ياء المتكلم.\n(قال يونس) صاحب ابن شهاب: (وكان ابن شهاب يقرؤها) أي هذه الآية (كذلك) أي يقرؤها في رواية هذا الحديث معرفًا باللام من غير إضافة إلى ياء المتكلم، وليس المراد أنه يقرؤها في القرآن.\nقال الحافظ (٢): واختلف (٣) في المراد بقوله: لذكري، فقيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بالمدح، فقيل: إذا ذَكّرتها أي لتذكيري لك إياها، وهذا يعضد قراءة من قرأ للذكرى، وقال النخعي: اللام للظرف، أي إذا ذكرتني، أي إذا ذكرت أمري بعد ما نسيت، وقيل: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكرًا لذكري، وقيل: المراد بقوله: \"لذكري\" ذكر أمري، وقيل: المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني، فإن الصلاة عبادة لله، فمتى ذكرها ذكر المعبود، فكأنه أراد بذكر الصلاة، انتهى.\n(قال أحمد) أي ابن صالح شيخ المصنف: (قال عنبسة) بن خالد بن يزيد الأيلي (يعني عن يونس في هذا الحديث: للذكرى)، الظاهر أن هذا كلام أحمد شيخ المصنف، حاصله: أن ما قال عنبسة في هذا الحديث لفظ \"للذكرى\" معرَّفًا باللام مع الألف المقصورة، وإن لم يصرح بأنه عن يونس، ولكنه يريد أن هذا اللفظ يروى عن يونس هكذا، أي يقرأ شيخي ابن شهاب، في هذا الحديث \"للذكرى\" معرفًا باللام، وهذه تقوية لرواية ابن وهب عن يونس\n_________\n(١) وهكذا في ابن رسلان، قال: بلام مكررة وتشدد الذال. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٢).\n(٣) وقال ابن رسلان: للمفسرين في تفسيره أقوال كثيرة؛ أقواها ما يرشد إليه كلام الإِمام الشافعي: أي أقم الصلاة حيث تذكرها \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":129},{"text":"قَالَ أَحْمَدُ: الْكَرَى: النُّعَاسُ.\n٤٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ فِى هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمُ الَّذِى أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ». قَالَ: فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى. [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nعن ابن شهاب، فإن عنبسة يروي هذا اللفظ عن يونس عن ابن شهاب كرواية ابن وهب.\n(قال أحمد: الكبرى) بفتحتين والألف المقصورة (النعاس) (١)، وهذا تفسير لشيخ المصنف، فسر لفظ الكرى الواقع في الحديث.\n٤٣٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان) بن يزيد العطار، (نا معمر) ابن راشد، (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في هذا الخبر) المتقدم متعلق بقوله: حدثنا، أي حدثنا معمر في هذا الخبر عن ابن شهاب زائدًا على حديث يونس المتقدم عن ابن شهاب (قال رسول الله - ﷺ -) لأصحابه: (تحولوا) أي انتقلوا (عن مكانكم (٢) الذي أصابتكم فيه الغفلة، قال) أي أبو هريرة: (فأمر) أي رسول الله - ﷺ - (بلالًا فأذن وأقام وصلَّى) فزاد معمر في حديثه الأذان.\nوقد أخرج البيهقي في \"سننه\" (٣) في \"باب الأذان والإقامة للفائتة\" هذا الحديث، حديث أبان العطار عن معمر موصولًا مفصلًا، ثم قال في آخره:\n_________\n(١) وقيل: النوم \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قال القرطبي: اختلفوا في أنه يختص بذلك الوادي، أو عام لكل واد، أو مكان أصاب فيه الغفلة لأحد، واختلفوا أيضًا في أنه يختص بالنبي - ﷺ -، أو يعم لكل من غفل أو سها أو نام، وكره الغزالي الصلاة في بطن الوادي مطلقًا، قال السبكي: وأنكروه عليه، \"ابن رسلان\" وبسط الكلام عليه فأرجع إليه. (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٠٣).","vol":"3","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوروى مالك في \"الموطأ\" عن الزهري عن ابن المسيب مرسلًا، وذكر فيه الأذان، والأذان في هذه القصة صحيح ثابت قد رواه غير أبي هريرة، ثم ساق حديث أبي قتادة، وفيه: \"ثم قال: يا بلال قم فأذِّن الناس بالصلاة فتوضأ، فلمَّا ارتفعت الشمس وابيضَّت قام فصلَّى\"، رواه البخاري في \"الصحيح\".\nثم أخرج حديثًا آخر عن أبي قتادة مختصرًا، وقال: وفيه: \"ثم نادى بلال بالصلاة فصلَّى رسول الله - ﷺ -\"، وقال: رواه مسلم في \"الصحيح\".\nثم أخرج من طريق أبي رجاء العطاردي عن عمران بن حصين، ومن طريق الحسن عن عمران بن حصين فلفظ الأول: \"فدعا بوضوء ونادى بالصلاة\"، وقال: رواه مسلم، ولفظ الثاني: \"فأمر بلالًا فأذن وصلَّى ركعتين، ثم انتظر حتى استعلت الشمس، ثم أمره فأقام فصلَّى بهم\".\nثم أخرج عن أبي مسعود وفيه: \"فأمر بلالًا فأذن ثم أقام\".\nثم أخرج حديث عمرو بن أمية الضمري وفيه: \"ثم أمر بلالًا فأذن\".\nثم قال البيهقي بعد ما أخرج هذه الأحاديث: وروينا في ذلك عن ابن عباس وذي مخبر الحبشي وعبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\nقلت: وقول البيهقي في حديث مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب: وذكر فيه الأذان، مخالف لقول المصنف: إنه لم يذكر الأذان، والصواب ما قال المصنف، فإنه ليس في حديث مالك هذا ذكر الأذان، بل نقل الزرقاني في \"شرحه\" (١) على \"الموطأ\": قال عياض: أكثر رواة \"الموطأ\" على \"فأقام\"، وبعضهم قال: \"فأذن أو أقام\" بالشك،\n_________\n(١) (١/ ٣٤).","vol":"3","page":131},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَالأَوْزَاعِىُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ إِسْحَاقَ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الأَذَانَ فِى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ هَذَا، وَلَمْ يُسْنِدْهُ مِنْهُمُ أحدٌ إلَّا الأَوْزَاعِىُّ وَأَبَانُ الْعَطَّارُ عَنْ مَعْمَرٍ.\n===\nفثبت بهذا أنه ليس فيه ذكر الأذان، إلَّا عند بعض الرواة بالشك، والشك لا يثبت به شيء.\n(قال أبو داود: رواه مالك) الإمام (وسفيان بن عيينة والأوزاعي وعبد الرزاق عن معمر، وابن إسحاق) أي محمد: (لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري هذا).\nظاهر هذه العبارة يوهم أن يكون رواية مالك، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، وعبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب، وليس كذلك، فإن مالكًا، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، كلهم أصحاب الزهري بلا واسطة معمر، نعم عبد الرزاق يروي عن معمر عن ابن شهاب، فمعنى هذه العبارة أن المصنف أبا داود يقول: روى هذا الحديث مالك وسفيان بن عيينة والأوزاعي عن ابن شهاب، وعبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب، وابن إسحاق أي عن ابن شهاب، فحينئذ يكون قوله: وابن إسحاق معطوفًا على مالك، وحاصله أن مالكًا وغيره من أصحاب الزهري خالفوا معمرًا في ذكره الأذان في حديث الزهري، وكذلك خالف عبد الرزاق أبان العطار عن معمر في ذكره الأذان.\n(ولم يسنده منهم أحد إلَّا الأوزاعي) أي عن ابن شهاب (وأبان العطار عن معمر) عن ابن شهاب، وقد أخرج هذا الحديث مالك في \"موطئه\" (١) عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب مرسلًا، قال الزرقاني (٢): وهذا مرسل\n_________\n(١) برقم (٢٥).\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٣٢).","vol":"3","page":132},{"text":"٤٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ (١)، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيّ،\n===\nعند جميع رواة \"الموطأ\"، وقد تبيَّن وصله فأخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه من طريق ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ورواية الإرسال لا تضر في رواية من وصله، لأن يونس من ثقات الحفاظ، احتج به الأئمة الستة، وتابعه الأوزاعي وابن إسحاق في رواية ابن عبد البر، وتابع مالكًا على إرساله معمر في رواية عبد الرزاق عنه وسفيان بن عيينة، ووصله في رواية أبان العطار عن معمر، لكن عبد الرزاق أثبت في معمر من أبان، ومحمد بن إسحاق في \"السيرة\"، عن ابن شهاب عن سعيد مرسلًا، فيحمل على أن الزهري حدث به على الوجهين مرسلًا وموقوفًا.\n٤٣٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن زيد، كما صرح به النسائي والترمذي في روايتهما عن قتيبة عن حماد بن زيد، وابن ماجه برواية أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد، أو حماد بن سلمة، كما صرح به الدارقطني في رواية من طريق يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة، وأما حماد بن واقد الذي يروي عنه زياد بن يحيى الحساني فضعيف، وليس من رواة أبي داود، أخرج روايته أيضًا الدارقطني.\n(عن ثابت) بن أسلم (البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري) أبو خالد المدني، سكن البصرة، قال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقهّ، وقال ابن خراش: هو من أهل المدينة، قدم البصرة، لا أعلم مدنيًا حدث عنه، وهو رجل جليل، وكذا قال ابن المديني، وقال النسائي: ثقة، وقال خالد بن سمير: كانت الأنصار تفقهه، قتله الأزارقة، وفي \"تهذيب التهذيب\": قرأت بخط الذهبي: أنه توفي في حدود سنة ٩٠ هـ، فهذا أشبه، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن زيد\".","vol":"3","page":133},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ فِى سَفَرٍ لَهُ، فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١) وَمِلْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: «انْظُرْ». فَقُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، هَذَانِ (٢) رَاكِبَانِ، هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ، حَتَّى صِرْنَا سَبْعَةً، فَقَالَ: «احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا» يَعْنِى صَلَاةَ الْفَجْرِ-، فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ، فَمَا أَيْقَظَهُمْ إلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَقَامُوا فَسَارُوا هُنَيَّةً،\n===\n(نا أبو قتادة: أن النبي - ﷺ - كان في سفر له، فمال النبي - ﷺ -) عن الطريق (٣) كما في رواية مسلم (وملت معه) أي عدلت معه عن الطريق (فقال: انظر)، وفي رواية مسلم: \"ثم قال: هل ترى من أحد\" (فقلت: هذا راكب، هذان راكبان، هؤلاء ثلاثة، حتى صرنا سبعة)، وفي رواية مسلم: \"قلت: هذا راكب، ثم قلت: هذا راكب آخر، حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب\".\n(فقال: \"احفظوا (٤) علينا صلاتنا\" -يعني صلاة الفجر-)، هذا تفسير من عبد الله بن رباح أو من بعض رواته (فضُرب على آذانهم) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ قال الخطابي (٥): كلمة فصيحة من كلام العرب، معناه: أنه حجب الصوت والحس [عن] أن يلج آذانهم فينتبهوا، ومن هذا قوله سبحانه: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ (٦).\n(فما أيقظهم إلَّا حر الشمس، فقاموا فساروا هنية) أي شيئًا يسيرًا، قال في \"القاموس\": وفي الحديث \"هُنَيَّة\" مصغرة هَنَةٍ أصلُها هَنْوَةٌ، أي شيء يسير،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"هذا\".\n(٣) يخالفه شرح ابن رسلان إذ قال: مال عن راحلته وملت معه، وصرت له كالدعامة تحته، زاد مسلم: حتى كاد أي قارب أن يقع، انتهى. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: الظاهر أنها غير قصة أبي هريرة إذا كلأ فيها بلال، وههنا سبعة، وروى الطبراني أن ذي مخبر كلأ لهم. (ش).\n(٥) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٧).\n(٦) سورة الكهف: الآية ١١.","vol":"3","page":134},{"text":"ثُمَّ نَزَلُوا فَتَوَضَّئُوا، وَأَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّوْا رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ، ثُمَّ صَلَّوُا الْفَجْرَ وَرَكِبُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ فَرَّطْنَا فِى صَلَاتِنَا، فَقَالَ النَّبِىُّ (١) -ﷺ-: «إِنَّهُ لَا تَفْرِيطَ فِى النَّوْمِ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِى الْيَقَظَةِ، فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَذْكُرُهَا،\n===\nويروى \"هُنَيْهَةً\" بإبدال الياء هاءً، انتهى، والمراد به الزمان أو المسافة.\n(ثم نزلوا فتوضووا، وأذَّن بلال) أي وأقام (فصلوا ركعتي الفجر) أي ركعتي السنَّة (٢) (ثم صلوا الفجر) أي الفرض (وركبوا، فقال بعضهم لبعض: قد فرطنا) أي قصرنا (في صلاتنا) أي بتفويتنا.\n(فقال النبي -صلي الله عليه وسلم-: إنه) الضمير للشأن (لا تفريط في النوم) أي لا تقصير (٣) من العبد في تفويته في حالة النوم (وإنما التفريط في اليقظة) بأن يكون مستيقظًا ولا يصلي حتى يخرج وقتها، فهذا تقصير من العبد، ويؤاخذ به (فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها)، وفي رواية مسلم: \"إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها\".\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٤): واعلم أن الصلاة المتروكة في وقتها لعذر النوم والنسيان لا يكون فعلها بعد خروج وقتها المقدر لها لهذا العذر قضاء،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) فيه دليل على قضاء راتبة الفجر في السفر \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: فيه دليل لما أجمع عليه العلماء من أن النائم ليس بمكلف، وإنما يجب عليه القضاء بأمر جديد، وهذا هو المذهب الصحيح المختار عند أصحاب الفقه والأصول، ومنهم من قال: يجب القضاء بالخطاب الأول، وهذا يوافق أن النائم مكلف، فإذا أتلف النائم برجله شيئًا في حال نومه يجب الضمان، كما يجب الضمان على الصبي والمجنون إذا أتلفا شيئًا، وغرامة المتلفات لا يشترط لها التكليف بالإِجماع. (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٣).","vol":"3","page":135},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوإن لزم ذلك باصطلاح الأصول، لكن الظاهر من الأدلة أنها أداء لا قضاء، فالواجب الوقوف عند مقتضى الأدلة حتى ينتهض دليل يدل على القضاء.\nقلت: والدليل الذي يدل على القضاء هو أنه - ﷺ - أحرم بعمرة الحديبية، فأحصر فحل منها، ورجع من غير أن يؤديها، ثم أحرم لها من قابلٍ وأداها، فسمى عمرة القضاء وعمرة القصاص، فهذا يدل على أن المؤدى بعد الفوت في الوقت قضاء لا أداء.\nثم قال الشوكاني: وفي الحديث أن الفوائت يجب قضاؤها على الفور، وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والمزني والكرخي، وقال القاسم ومالك والشافعي: إنه على التراخي، وأستدلوا في قضاء الصلاة أنه - ﷺ - لمَّا استيقظ بعد فوات الصلاة بالنوم أخَّر قضاءها، واقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادي، ورُدَّ بان التأخير لمانع آخر، وهو ما دل عليه الحديث بأن ذلك الوادي كان به شيطان، وقال: وإنها تقضى في أوقات النهي وغيرها.\nقلت: وعندنا الحنفية لا تقضى في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها بدليل أنه - ﷺ - لم يصلها حين انتبه من النوم، بل أخَّرها حتى إذا ارتفعت الشمس نزل ثم صلَّى، وفي رواية مسلم (١): \"حتى إذا استيقظ رسول الله - ﷺ -، فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت، قال: ارتحلوا فسار بنا حتى إذا ابيضّت الشمس نزل فصلَّى بنا الغداة\"، وقد تقدم ما رواه البيهقي ونسب روايتها إلى البخاري في \"الصحيح\" عن عمران بن ميسرة عن محمد بن فضيل.\nفهذه الروايات كلها تدل على أنه - ﷺ - أخر الصلاة ليخرج وقت الكراهة، فلو جازت الصلاة في الوقت المنهي عنه لما أخّرها إلى أن ابيضّت الشمس وارتفعت.\nوقال: وإن من مات وعليه صلاة فإنها لا تقضى عنه ولا يطعم عنه لها، لقوله: \"لا كفارة لها إلَّا ذلك\".\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٦٨٢).","vol":"3","page":136},{"text":"وَمِنَ الْغَدِ لِلْوَقْتِ\". [م ٦٨١ مطوَّلًا، ت ١٧٧، ن ٦١٨، جه ٦٩٨، حم ٥/ ٢٩٨ طرفًا منه]\n===\nقلت: لا دليل في هذا الحديث على أن من مات وعليه صلاة نسيها أو نام عنها أو تركها متعمدًا أنه لا يطعم عنه لها، لأن قوله: \"لا كفارة لها إلَّا ذلك\" وارد في حق من نام أو نسي وهو حي، ففي الحالة الموجودة كفارتها وبدلها أن يؤديها لا غير، وأما إذا لم يؤد في زمان حياته ثم مات فلا يتعلق هذا القول به.\nثم قال الشوكاني (١): وظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم سواء كان قبل دخول وقت الصلاة أو بعده قبل تضيقه، وقيل: إنه إذا تعمد النوم قبل تضيق الوقت، واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه أنه لا يستيقظ إلَّا وقد خرج الوقت كان آثمًا، والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم، لأنه فعله في وقت يباح فعله فيه فيشمله الحديث، وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك فلا إشكال في العصيان بذلك، ولا شك في إثم من نام بعد تضيق الوقت لتعليق الخطاب به، والنوم مانع من الامتثال، والواجب إزالة المانع، انتهى.\n(ومن الغد للوقت) (٢)، قال الخطابي (٣): قوله: \"ومن الغد للوقت\"، فلا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به وجوبًا، ويشبه أن يكون الأمر به استحبابًا، ليحرز فضيلة الوقت في القضاء عند مصادفة الوقت.\nقلت: وهذا إذا كان معنى هذه الجملة أنه إذا سها أحدكم عن صلاة فليصل هذه الصلاة مرة حين يذكرها، ومرة أخرى من الغد للوقت، ولا دليل عليه، بل يمكن أن يكون معنى هذا الكلام: إذا سها أحدكم عن صلاة مثلًا صلاة الصبح فليصل تلك الصلاة حين يذكرها مرة واحدة، ويصلي صلاة الصبح\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٤).\n(٢) قال ابن رسلان: اضطربت أقوال العلماء فيه، واختار المحققون أن يصلي صلاة الغد في وقتها لا يحولها عن وقتها. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٧).","vol":"3","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن الغد للوقت أي لوقتها المقدر لها، ولا يؤخرها عن وقتها بظن أنه حول وقتها (١) كما يدل عليه قوله - ﷺ -: \"فإن ذلك وقتها\".\nويؤيده قوله - ﷺ -: \"لا كفارة لها إلَّا ذلك\"، لأنه استفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها، وقد عقد البخاري في \"صحيحه\" في هذا \"باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة\"، قال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر، قال: ويحتمل أن يكون البخاري أشار بقوله: \"ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة\" إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة حيث قال: \"فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها\"، فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة القضية مرتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، ولكن اللفظ المذكور ليس نصًا في ذلك، لأنه يحتمل أن يريد بقوله: \"فليصلها\" عند وقتها، أي الصلاة التي تحضر، لا أنه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج وقتها، لكن في رواية أبي داود من حديث عمران بن حصين في هذه القصة: \"من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحًا فليقض معها مثلها\".\nقلت: هذا سهو لأن هذا السياق في أبي داود من حديث أبي قتادة برواية خالد بن سمير عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة، لا من حديث عمران بن حصين.\nقال الخطابي (٣): لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون\n_________\n(١) قال النووي (٣/ ٢٠٥): معناه لا يتحول وقتها في المستقبل ولا يتغير، بل يبقى كما كان، فإذا كان في الغد يصلي في وقتها المعتاد \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٧١).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٧).","vol":"3","page":138},{"text":"٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، نَا خَالِدُ بْنُ سُمَيْر\n===\nالأمر فيه للاستحباب ليحرز فضيلة الوقت في القضاء، انتهى (١).\nولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضًا، بل عدوا الحديث غلطًا من الراوي، وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري، ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضًا \"أنهم قالوا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟، فقال - ﷺ -: لا، ينهاكم الله عن الربا ويأخذ منكم\".\n٤٣٦ - (حدثنا علي بن نصر) بن علي بن نصر بن علي بن صهبان الجهضمي، أبو الحسن البصري الصغير الحافظ، وثَّقه أبو حاتم، وأطنب في ذكره والثناء عليه، وقال صالح بن محمد: ثقة صدوق، وقال الترمذي: كان حافظًا صاحب حديث، وقال النسائي: نصر بن علي الجهضمي وابنه علي ثقتان، وذكرهما ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٠٥ هـ.\n(نا وهب بن جرير، نا الأسود بن شيبان) السدوسي البصري، أبو شيبان، قال ابن معين والعجلي وأحمد: ثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال محمد بن عوف: كان من عباد الله الصالحين، كان يحج على ناقة له ولا يتزود شيئًا، يشرب من لبنها حتى يرجع، ويرسلها ترعى.\n(نا خالد بن سمير) هكذا في جميع النسخ الموجودة بالسين المهملة مصغرًا، وفي \"الخلاصة\" (٢): خالد بن شمير بمعجمة مصغرًا، السدوسي البصري، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: بصري ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر له ابن جرير الطبري وابن عبد البر والبيهقي حديثًا أخطأ في\n_________\n(١) أي كلام الخطابي، والكلام الآتي من بقية كلام الحافظ. (ش).\n(٢) (ص ١٠١).","vol":"3","page":139},{"text":"قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الأَنْصَارِىُّ مِنَ الْمَدِينَةِ - وَكَانَتِ الأَنْصَارُ تُفَقِّهُهُ - فَحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِىُّ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَيْشَ الأُمَرَاءِ،\n===\nلفظة منه، وهي قوله في الحديث: كنا في جيش الأمراء يعني مؤتة، والشعبي - ﷺ - لم يحضرها.\n(قال) أي خالد بن سمير: (قدم علينا) أي في البصرة (عبد الله بن رباح الأنصاري من المدينة- وكانت الأنصار تفقهه-) أي تنسب (١) عبد الله بن رباح إلى الفقه، ويقولون له: إنه فقيه، (فحدثنا قال) أي عبد الله بن رباح: (حدثني أبو قتادة الأنصاري فارس رسول الله - ﷺ -) وكان يقال له (٢): فارس رسول الله - ﷺ -؛ لأنه وقع في \"صحيح مسلم\" (٣) في حديث سلمة بن الأكوع الطويل في قصة ذي قرد أنه قال له رسول الله - ﷺ -: \"خير فرساننا أبو قتادة\".\n(قال) أي أبو قتادة: (بعث رسول الله - ﷺ - جيش الأمراء) (٤)، قال في \"درجات مرقاة الصعود\": هو جيش غزوة مؤتة، قال في \"القاموس\": مؤتة بالضم موضع بمشارق الشام، قتل فيه جعفر بن أبي طالب، وهي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق، وسمي بهذا الاسم، لأنه - ﷺ - لمَّا وجههم إليها أمَّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فإن قُتل فليرتض المسلمون بينهم\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: وكان الأنصار تعلمه الفقه في الدين وقواعد الشرع. (ش).\n(٢) ويلقب به لشجاعته \"بن رسلان\". (ش).\n(٣) رقم الحديث (١٨٠٧).\n(٤) قال ابن رسلان: لعله سمي به لما فيه من كثرة الأمراء والأكابر، قال العيني (٣/ ٢١٩): هذا وهم من خالد عند الجميع، فإن جيش الأمراء هو غزوة مؤتة، ولم يكن ﵊ بنفسه الشريفة فيها ... إلخ، وفي \"المنهل\" (٤/ ٣٥): وهم خالد بن سمير في هذا الحديث في ثلاثة مواضع، الأول في قوله: جيش الأمراء، الثاني في قوله: من كان منكم يركع، الثالث في قوله: ليقض معها مثلها. (ش).","vol":"3","page":140},{"text":"بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: فَلَمْ تُوْقِظْنَا إِلَّا الشَمْسُ طَالِعَةً، فَقُمْنَا وَهِلِينَ لِصَلَاتِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"رُوَيْدًا رُوَيدًا\"،\n===\nرجلًا، فلأجل أن رسول الله - ﷺ - أمَّر فيها أمراء، أميرًا بعد أمير، سمِّي جيش الأمراء، وكانت هذه السرية سنة ثمان من الهجرة، والله أعلم.\nثم اعلم أن الذي فسر الشارح جيش الأمراء بغزوة مؤتة غير صحيح، فإن سياق الحديث صريح في أن رسول الله - ﷺ - كان بنفسه الشريفة في هذه الغزوة موجودًا، وسرية مؤتة متفق عليها أن رسول الله - ﷺ - لم يكن فيها، فلا يمكن أن تكون هذه القصة في سرية مؤتة، بل الصحيح أن هذه القصة وقعت في الرجوع من خيبر، والمراد بجيش الأمراء غزوة خيبر، فإن رسول الله - ﷺ - لمَّا نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج للقتال، وإن أبا بكر أخذ راية رسول الله - ﷺ - ثم نهض فقاتل قتالًا شديدًا، ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالًا شديدًا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: \"أما والله لأعطينها غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يأخذها عنوة\"، وليس ثمة علي، فتطاولت لها قريش، ورجا كل واحد منهم أن يكون صاحب ذلك، فجاء علي على بعير له حتى أناخ قريبًا من خباء رسول الله - ﷺ - وهو أرمد، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما لك؟ \" قال: رمدت بعد، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ادنُ مني\"، فدنا منه، فتفل في عينيه، فما وجعها قط، ثم أعطاه الراية، فنهض بها معه إلى آخر القصة، فهذه الغزوة أيضًا تستحق أن تسمى بجيش الأمراء، لأنها تأمَّر فيها أميرًا بعد أمير، وهذا هو الموافق لسياق الحديث، والله أعلم.\n(بهذه القصة) أي حدث خالد بن سمير عن عبد الله بن رباح بهذه القصة المذكورة في الحديث المتقدم عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح.\n(قال) أي أبو قتادة: (فلم توقظنا إلَّا الشمس طالعة) بالنصب على الحال (فقمنا وهلين) أي فزعين (لصلاتنا) أي لأجل فوات صلاتنا.\n(فقال النبي - ﷺ -: رويدًا رويدًا) أي ارفقوا رفقًا، وهو مصغر رود من أرود","vol":"3","page":141},{"text":"حَتَّى إِذَا تَعَالَتِ الشَّمْسُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ فَلْيَرْكَعْهُمَا\"، فَقَامَ مَنْ كَانَ يَرْكَعُهُمَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُهُمَا فَرَكَعَهُمَا،\n===\nبه إروادًا أي رفق (حتى إذا تعالت (١) الشمس) أصله تعالوت وزنه تفاعلت من العلو فسقط اللام، هكذا في سائر الروايات، وفي نسخة: \"تقالت\" بالقاف وتشديد اللام، يريد استقلالها في السماء وارتفاعها إن كانت الرواية هكذا، قاله الخطابي (٢).\n(قال رسول الله - ﷺ -: من كان (٣) منكم يركع) أي يصلي، يريد يعتاد (٤) (ركعتي الفجر) أي سنته (\"فليركعهما\" فقام من كان يركعهما)، أي يعتاد أداءهما في السفر (ومن لم يكن يركعهما) أي لم يكن يعتاد أداءهما في السفر، لأنهم فهموا من قوله - ﷺ - أنه ندب إليهما (فركعهما) أي ركع كل واحد من الفريقين اللذين كانا يركعهما ومن لم يكن يركعهما.\nقال الخطابي (٥): وفي أمره - ﷺ - إياهم بركعتي الفجر قبل الفريضة دليل على أن قوله: \"فليصلها إذا ذكرها\" ليس على معنى تضييق الوقت فيه وحصره بزمان الذكر، حتى لا يعدوه بعينه، ولكنه على أن يأتي بها على حسب الإمكان بشرط أن لا يغفلها ولا يتشاغل عنها بغيرها.\n_________\n(١) بتخفيف اللام، وفيه حجة لما قاله الحنفية من أنها ينتظر خروج الوقت المكروه، وأجاب عنه الشافعية بما قاله ابن رسلان بأن التأخير لعله لانتظار الوحي، وقال القاضي عياض: إنه منسوخ بقوله ﵊: \"فليصلها إذا ذكرها\". (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٨).\n(٣) في السفر. (ش).\n(٤) وشرحه في \"التقرير\" بأحسن توجيه، وحاصله: من يريد أن يركع ركعتي الفجر فليركعهما، فقام من كان ركعهما قبل ذلك لإِقامة الصفوف، ومن لم يركعهما بعدُ ركعهما. (ش).\n(٥) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٨).","vol":"3","page":142},{"text":"ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ، فَنُودِىَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَصَلَّى بِنَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ فقَالَ (١): «أَلَا إِنَّا نَحْمَدُ اللَّهَ أَنَّا لَمْ نَكُنْ فِى شَىْءٍ مِنْ أُمُورِ (٢) الدُّنْيَا يَشْغَلُنَا عَنْ صَلَاتِنَا، وَلَكِنَّ أَرْوَاحَنَا كَانَتْ بِيَدِ اللَّهِ ﷿، فَأَرْسَلَهَا أَنَّى شَاءَ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مِنْ غَدهِ صَالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا». [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\n(ثم أمر رسول الله - ﷺ - أن ينادى) أي يؤذن (٣) (بالصلاة، فنودي بها، فقام رسول الله - ﷺ - فصلَّى بنا) أي صلاة الفجر الفائتة، (فلما انصرف) أي من الصلاة، وتوجه إلينا (فقال: ألا) حرف تنبيه (إنا نحمد الله) ﷿ (أنا لم نكن في شيء من أمور الدنيا يشغلنا) أي يلهينا (عن صلاتنا، ولكن أرواحنا كانت بيد الله) تعالى، أي كنا نائمين (فأرسلها) أي أرسل الله تعالى الأرواح (أنى شاء) أي متى شاء، (فمن أدرك منكم صلاة الغداة) أي الفجر (من غده صالحًا) أي في وقتها (فليقض) أي فليصل (معها) أي مع صلاة الفجر في الغد (مثلها)، والمراد بها الصلاة الفائتة، أي يصلي الفائتة مع الوقتية مرة ثانية.\nوقد تقدم عن الخطابي (٤) أنه قال: لا أعلم أحدًا (٥) من الفقهاء قال بها وجوبًا، ويشبه أن يكون الأمر به استحبابًا ليحرز فضيلة الوقت في القضاء عند مصادفة الوقت.\nقلت: وقد تقدم أيضًا أن الحافظ تعقبه في \"الفتح\" (٦)، وقال: لم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضًا، بل عدوا الحديث غلطًا من راويه، وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري، ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) وفي نسخة: \"أمر الدنيا\".\n(٣) وقيل: يقيم. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٧).\n(٥) وقال ابن رسلان: قال به طائفة. (ش).\n(٦) (٢/ ٧١).","vol":"3","page":143},{"text":"٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ فِى هَذَا الْخَبَرِ. قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حَيْثُ شَاءَ، وَرَدَّهَا حَيْثُ شَاءَ، قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ»، فَقَامُوا فَتَطَهَّرُوا، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ النَّبِىُّ -ﷺ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ. [خ ٥٩٥، م ٦٨١، ن ٨٤٦، حم ٥/ ٣٠٧، خزيمة ٤٠٩]\n===\nحديث عمران بن حصين أيضًا: أنهم قالوا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد، فقال - ﷺ -: \"لا، ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم\"، انتهى.\n٤٣٧ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان الواسطي، (عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي، (عن) عبد الله (بن أبي قتادة، عن أبي قتادة في هذا الخبر) أي حدثنا عمرو بن عون بسنده عن أبي قتادة في هذا الخبر (قال) أبو قتادة: (فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن الله قبض أرواحكم (١) حيث شاء) أي متى شاء (وردها) عليكم (حيث شاء، قم فأذِّن (٢) بالصلاة، فقاموا) أي رسول الله - ﷺ - وأصحابه (فتطهَّروا) أي توضؤوا (حتى إذا ارتفعت الشمس)، وخرج وقت الكراهة (قام النبي - ﷺ - فصلَّى بالناس).\nولعل غرض المصنف بإعادة هذا الحديث بيان أن فيه الأمر بالأذان بالصلاة الذي ليس في الحديث المتقدم (٣)، وذكر قيام الصحابة للتطهر وتَطهُّرَهم.\n_________\n(١) ولا يلزم منه الموت، فإنه انقطاع تعلق الروح بالبدن، هذا انقطاع ظاهره فقط \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) بتشديد الذال، وفي رواية البخاري بالمد وتخفيف الذال. (ش).\n(٣) وأورد عليه الشيخ محمد أسعد الله - رحمه الله تعالى- بأن الأمر بالأذان موجود في الحديث المتقدم كما ترى، اللهم إلَّا أن يقال: المراد بالنداء في الحديث المتقدم الإِقامة وهو الأظهر. (ش).","vol":"3","page":144},{"text":"٤٣٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ قَالَ: \"فَتَوَضَّأَ حِينَ ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى بِهِمْ. [انظر رقم ٤٣٧]\n٤٣٩ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ - وَهُوَ الطَّيَالِسِىُّ -، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغِيرَةِ -،\n===\n٤٣٨ - (حدثنا هناد) بن السري، (نا عبثر) بفتح أوله وسكون الموحدة وفتح المثلثة آخره راء، ابن القاسم الزبيدي بضم الزاي، أبو زبيد الكوفي، قال صالح بن أحمد عن أبيه: صدوق ثقة، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو داود: ثقة ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٧٨ هـ.\n(عن حصين، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) أبي قتادة، (عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي حدثنا هناد قال: حدثنا عبثر عن حصين بمعنى حديث خالد عن حصين (قال: فتوضأ) أي رسول الله - ﷺ -، وفي نسخة: \"فتوضؤوا\"، أي رسول الله - ﷺ - وأصحابه (حين ارتفعت الشمس فصلَّى بهم).\nوالغرض من إعادة هذا الحديث الإشارة إلى الاختلاف الواقع فيه، فإن في الحديث المتقدم ذكر الوضوء كان قبل ارتفاع الشمس، وفي هذا الحديث بعده.\n٤٣٩ - (حدثنا العباس) بن عبد العظيم (العنبري، نا سليمان بن داود- وهو الطيالسي-، نا سليمان -يعني ابن المغيرة-) القيسي مولاهم، أبو سعيد البصري، قال قراد أبو نوح: سمعت شعبة يقول: سليمان بن المغيرة سيد أهل البصرة، وقال أبو داود الطيالسي: كان من خيار الرجال، وقال عبد الله بن داود الخريبي: ما رأيت بالبصرة أفضل من سليمان بن المغيرة ومرحوم بن عبد العزيز، وعن أحمد: ثبت ثبت، وعن يحيى بن معين: ثقة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا، وقال النسائي: ثقة، وقال سليمان بن حرب: ثقة مأمون، وقال عثمان بن","vol":"3","page":145},{"text":"عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَيْسَ فِى النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِى الْيَقَظَةِ أَنْ تُؤَخَّرَ صَلَاة (١) حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى». [م ٦٨١، ت ١٧٧، ن ٦١٥، جه ٦٩٨، حم ٥/ ٣٠٠]\n٤٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّامٌ،\n===\nأبي شيبة: هو ثقة، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير والعجلي وغيرهما توثيقه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو مسعود الدمشقي في \"الأطراف\" في مسند أنس: ليس لسليمان بن المغيرة عند البخاري غير هذا الحديث الواحد وقرنه بغيره، وقال البزار: كان من ثقات أهل البصرة.\n(عن ثابت) البناني، (عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليس في النوم تفريط) أي تقصير (إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر) بصيغة الخطاب المعلوم، ويحتمل أن يكون بالغيبة مجهولًا (صلاة) بالنصب على المفعولية، أو بالرفع على الفاعلية (حتى يدخل وقت (٢) أخرى) أي وقت صلاة أخرى. وهذا كناية عن خروج وقت الصلاة، لأن الغالب في أوقات الصلوات إذا خرج وقت صلاة دخل وقت صلاة أخرى.\nوالغرض من ذكر حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت بيان الزيادة فيه، بأن فيه أن التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى، ولم يكن هذا في حديث حماد ولا في حديث خالد بن سمير، وكان المناسب للمصنف أن يخرج هذه الرواية عقب رواية حماد عن ثابت، لأن الغرض أن ابن المغيرة عن ثابت زاد على رواية حماد عن ثابت في حديث أبي قتادة زيادة ليست فيها.\n٤٤٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الصلاة\".\n(٢) قلت: فيه دليل لمن أنكر الجمع في وقت واحد. (ش).","vol":"3","page":146},{"text":"عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ نَسِىَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ». [خ ٥٩٧، م ٦٨٤، ت ١٧٨، ن ٦١٣، جه ٦٩٦]\n٤٤١ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ يُونُسَ (١)، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ\n===\n(عن قتادة) بن دعامة، (عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: من نسي صلاة فليصلِّها (٢) إذا كرها، لا كفارة لها إلَّا ذلك) قال الخطابي (٣): يريد أنه لا يلزمه في تركها غرم أو كفارة من صدقة أو نحوها، كما يلزمه في ترك الصوم في رمضان من غير عذر الكفارة، وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئًا من نسكه كفارة وجبران من دم وإطعام ونحوه، وفيه دليل على أن أحدًا لا يصلي عن أحد، كما يحج عنه، وكما يؤدي عنه الديون ونحوها، وفيه دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال، كما يجبر الصوم وغيره.\n٤٤١ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) بن عبد الله الواسطي، (عن يونس) بن عبيد بن دينار، (عن الحسن) البصري، (عن عمران بن حصين (٤» مصغرًا، ابن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد مصغرًا، صحابي مشهور، أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر، وكان فاضلًا، استقضاه عبد الله بن عامر على البصرة ثم استعفاه، ومات بها سنة ٥٢ هـ، وقال ابن سعد: استقضاه زياد ثم استعفاه، وكانت الملائكة تصافحه قبل أن يكتوي.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن عبيد\".\n(٢) جعل عياض تأخير الصلاة في الوادي منسوخًا بهذا القول \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٨٨).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٠٨) رقم (٤٠٤٨).","vol":"3","page":147},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- كَانَ فِى مَسِيرٍ لَهُ، فَنَامُوا عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَاسْتَيْقَظُوا بِحَرِّ الشَّمْسِ، فَارْتَفَعُوا قَلِيلًا حَتَّى اسْتَقَلَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ\". [خ ٣٤٤، م ٦٨٢ مطوَّلًا، ق ٤/ ٤٠١، قط ١/ ٣٨٣، ك ١٠١٦]\n===\n(أن رسول الله - ﷺ - في مسير له) قال الحافظ (٢): اختلف (٣) في تعيين هذا السفر، ففي مسلم من حديث أبي هريرة أنه وقع عند رجوعهم من خيبر قريب من هذه القصة، وفي أبي داود من حديث ابن مسعود: \"أقبل النبي - ﷺ - من الحديبية ليلًا\"، وفي \"الموطأ\" عن زيد بن أسلم مرسلًا: \"عرس رسول الله - ﷺ - ليلًا بطريق مكة\"، وفي \"مصنف عبد الرزاق\" عن عطاء بن يسار مرسلًا أن ذلك كان بطريق تبوك، ووقع في رواية لأبي داود أن ذلك كان في غزوة جيش الأمراء، وتعقبه ابن عبد البر بأن غزوة جيش الأمراء هي غزوة مؤتة ولم يشهد النبي - ﷺ -، وهو كما قال، لكن يحتمل أن يكون المراد بغزوة جيش الأمراء غزوة أخرى غير غزوة مؤتة، وهي غزوة خيبر، كما تقدَّم.\n(فناموا) أي رسول الله - ﷺ - وأصحابه (عن صلاة الفجر، فاستيقظوا بحر الشمس، فارتفعوا قليلًا) أي راحوا وساروا زمانًا قليلًا (حتى استقلت) أي ارتفعت (الشمس، ثم أمر مؤذنًا فأذن، فصلَّى) أي رسول الله - ﷺ - (ركعتين) أي سنَّة الفجر (قبل) فرض (الفجر، ثم أقام) أي المؤذن (ثم صلَّى) رسول الله - ﷺ - (الفجر) أي فرض الفجر بالجماعة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٨).\n(٣) ولذا اختلفوا في أن قصة التعريس وقع مرة أو أكثر منها، كما بسطناه في \"الأوجز\" (١/ ٣١٥)، وفي \"التلخيص الحبير\" (١/ ٣٢١): قال ابن الحصار: هي ثلاث نوازل، تقدم مثله عن ابن العربي (١/ ٢٩٠) على هامش \"باب في من نام عن صلاة أو نسيها\"، وذكره في \"تاريخ الخميس\" (٢/ ٥٩) في وقائع السنَّة السابعة من الهجرة. (ش).","vol":"3","page":148},{"text":"٤٤٢ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِىُّ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ - وَهَذَا لَفْظُ عَبَّاسٍ -، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِى الْقِتْبَانِىَّ -، أَنَّ كُلَيْبَ بْنَ صُبْحٍ حَدَّثَهُمْ (١)، أَنَّ الزِّبْرِقَانَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَمِّهِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىِّ\n===\n٤٤٢ - (حدثنا عباس العنبري، ح: وحدثنا أحمد بن صالح- وهذا) أي الذي أوردناه (لفظ عباس- أن عبد الله بن يزيد) أبو عبد الرحمن المقرئ المكي القصير (حدثهم عن حيوة بن شريح، عن عياش بن عباس- يعني القتباني- أن كليب بن صبح) الأصبحي المصري، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (حدثهم أن الزبرقان) بن عبد الله الضمري، روى عن عم أبيه عمرو بن أمية الضمري، وعن عمه جعفر بن عمرو بن أمية، وعنه كليب بن صبح، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الصلاة، وقال أحمد بن صالح: الصواب فيه الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية عن عمه جعفر بن عمرو عن عمرو بن أمية، ثم ذكر الحافظ بعد هذا في ترجمة مستقلة الزبرقان بن عمرو بن أمية الضمري، وقال: لم يفرق البخاري فمن بعده بينهما إلَّا ابن حبان ذكر هذا في ترجمة مفردة عن الذي يروي عنه كليب بن صبح. قال في \"التقريب\": ثقة.\n(حدثه عن عمه عمرو بن أمية) بن خويلد بن عبد الله (الضمري) (٢) أبو أمية، صحابي مشهور، أسلم حين انصرف المشركون من أحد، وكان شجاعًا له إقدام، وكان أول مشاهده بئر معونة، فأسرته بنو عامر يومئذ، فجزَّ عامر بن طفيل ناصيته وأطلقه، بعثه النبي - ﷺ - إلى النجاشي في زواج أم حبيبة، وقد بعثه رسول الله - ﷺ - عينًا وحده إلى مكة، فحمل خبيبًا من خشبته، وكان رسول الله - ﷺ - يبعثه في أمور، مات بالمدينة في خلافة معاوية.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثه\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٣٥١) رقم (٣٨٦٢).","vol":"3","page":149},{"text":"قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَنَامَ عَنِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «تَنَحُّوا (١) عَنْ هَذَا الْمَكَانِ». قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ تَوَضَّئُوا وَصَلَّوْا رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ.\n٤٤٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، نَا حَجَّاجٌ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، ثنَا حَرِيزٌ (٢)، (ح): وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ،\n===\n(قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره) جمع سفر، وقد قدمنا عن الحافظ أنه قال: اختلف في تعيين هذا السفر (فنام عن الصبح) أي عن صلاته (حتى طلعت الشمس، فاستيقظ رسول الله - ﷺ -، فقال: تنحوا) أي تحولوا (عن هذا المكان) إما لأنه حضر بذلك الوادي شيطان (٣)، أو ليخرج وقت الكراهة (قال: ثم أمر بلالًا فأذن، ثم توضؤوا وصلوا ركعتي الفجر) أي سنته، (ثم أمر بلالًا فأقام الصلاة فصلَّى) أي رسول الله - ﷺ - (بهم) أي بأصحابه (صلاة الصبح) أي ركعتي الفرض.\n٤٤٣ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعمي، أبو إسحاق المصيصي المقسمي، كتب عنه أبو حاتم، وقال: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (نا حجاج -يعني ابن محمد-) المصيصي، (ثنا حريز) بن عثمان.\n(ح: وحدثنا عبيد بن أبي الوزير) هو عبيد الله بن أبي الوزير، ويقال: أبو الوزير بفتح الزاي مصغرًا بعدها تحتانية، الحلبي، من شيوخ أبي داود،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نتحول\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بن عثمان\".\n(٣) كما ورد في عدة روايات، لكن يشكل عليه أن الشيطان لا يسلط عليه صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم، كما ورد في عدة روايات، وأجاب عنه القاضي في \"الشفاء\" (٤/ ١٢٩) أنه ليس فيه ذكر تسلطه عليه ﵊. (ش).","vol":"3","page":150},{"text":"حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ - يَعْنِى الْحَلَبِىَّ -، حَدَّثَنَا حَرِيزٌ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ -، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ (١)، عَنْ ذِى مِخْبَرٍ الْحَبَشِىِّ، وَكَانَ يَخْدُمُ النَّبِىَّ -ﷺ-، فِى هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ - يَعْنِى النَّبِىَّ -ﷺ-\n===\nلم يعرف بشيء من حاله، قال الذهبي في \"الميزان\": عبيد بن أبي الوزير الحلبي، ما عرفت أحدًا روى عنه سوى أبي داود، لا بأس به، وقد يقال: عبيد الله بن أبي الوزير، انتهى.\n(ثنا مبشر - يعني الحلبي-، حدثنا حريز - يعني ابن عثمان-، حدثني يزيد بن صالح) وقيل: ابن صليح، كما في نسخة بالتصغير، ويقال: ابن صبح، الرحبي الحمصي، روى عن ذي مخبر، وعنه حريز بن عثمان، قال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: لا يعتبر به، وصحح المزي في \"الأطراف\" أن اسم أبيه صليح، وبه جزم البخاري وابن أبي خيثمة ويعقوب بن سفيان وغير واحد، وقال في \"الميزان\": يزيد بن صالح أو يزيد بن صليح تابعي حمصي، لا يكاد يعرف.\n(عن ذي مخبر) (٢) بكسر أوله وسكون المعجمة وفتح الموحدة وقيل بدلها ميم (الحبشي) ابن أخي النجاشي، صحابي، كان يخدمه - ﷺ -، وفد على النبي - ﷺ -، ثم نزل الشام، وكان الأوزاعي لا يقوله إلَّا بالميم، وصححه كذلك ابن سعد، وأما الترمذي فصححه بالباء.\n(وكان يخدم النبي - ﷺ -، في هذا الخبر) أي حدث في هذه القصة المتقدمة من نومه عن الصبح (قال) أي ذو مخبر: (فتوضأ -يعني النبي - ﷺ -) ضمير الفاعل في يعني يعود إلى ذي مخبر، حاصله: أن يزيد بن صليح يقول: قال ذو مخبر: فتوضأ، ولم يذكر النبي - ﷺ -، ولكن يريد أن مرجع ضميره النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"صليح\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ١٥٣) رقم (١٥٥٥).","vol":"3","page":151},{"text":"وُضُوءًا لَمْ يَلْثَ مِنْهُ (١) التُّرَابُ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَامَ النَّبِىُّ -ﷺ- فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ عَجِلٍ، ثُمَّ قَالَ لِبِلَالٍ: «أَقِمِ الصَّلَاةَ»، ثُمَّ صَلَّى الْفَرْضَ وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ.\nقَالَ: عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُلَيْحٍ قال: حَدَّثَنِى ذُو مِخْبَرٍ - رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ -. وَقَالَ عُبَيْدٌ: يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ.\n===\n(وضوءًا لم يلث منه التراب) على وزن لم يخش، نقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": لم يلث هو بالمثلثة من لثي بالكسر إذا ابتل، وهو كناية عن تخفيف وضوئه، وقيل بضم اللام وتشديد المثناة من فوق، من لث السويق إذا خلطه بشيء، أي لم يخلط التراب بالماء من ذلك الوضوء، والمراد واحد.\n(ثم أمر بلالًا فأذن، ثم قام النبي - ﷺ - فركع ركعتين) أي سنتي الفجر (غير عجل) أي لم يستعجل فيهما، بل أداهما بالتأني والطمأنينة، (ثم قال لبلال: أقم الصلاة، ثم صلَّى الفرض وهو غير عجل) أخرج هذه الرواية، لأن فيها شيئًا من الزيادة على الرواية المتقدمة.\n(قال: عن حجاج) وفي نسخة: \"قال حجاج\"، فعلى الأولى ضمير \"قال\" يعود إلى إبراهيم، وعلى الثاني فاعل \"قال\" حجاج، وفي نسخة: \"قال غير حجاج\"، (عن يزيد بن صليح قال: حدثني ذو مخبر- رجل من الحبشة-، وقال عبيد: يزيد بن صلح) وفي نسخة: يزيد بن صالح، وفي المكتوبة: \"صبح\"، فاختلفت النسخ في هذا اللفظ اختلافًا كثيرًا.\nوحاصل هذا الكلام أن المصنف يقول: إن شيخي إبراهيم بن الحسن قال: عن شيخه حجاج، عن حريز قال: يزيد بن صليح. وقال ابن أبي الوزير بسنده عن حريز قال: ابن صالح أو ابن صلح أو ابن صبح، فعلى هذا تختلف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لم يلث\" فقط.","vol":"3","page":152},{"text":"٤٤٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ حَرِيزٍ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ -، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صَلِيحٍ (١)، عَنْ ذِى مِخْبَرٍ بْنِ أَخِى النَّجَاشِىِّ فِى هَذَا الْخَبَرِ قَالَ: \"فَأَذَّنَ وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ\".\n٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى عَلْقَمَةَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ،\n===\nروايتاهما في هذا اللفظ، وأما النسخة التي فيها: قال غير حجاج، فليس له وجه وجيه، إلَّا أن يراد بغير الحجاج وليد بن مسلم، كما يأتي في الحديث الذي بعد هذا.\n٤٤٤ - (حدثنا مؤمل بن الفضل) الجزري، (ثنا الوليد) بن مسلم، (عن حريز - يعني ابن عثمان -، عن يزيد بن صليح، عن ذي مخبر ابن أخي النجاشي في هذا الخبر) أي حدث في هذا الخبر المتقدم، وزاد فيه (قال) أي ذو مخبر: (فأذن) أي مؤذن (وهو غير عجل)، فزاد في الأذان لفظ \"وهو غير عجل\".\n٤٤٥ - (حدثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر) غندر، (ثنا شعبة) بن الحجاج، (عن جامع بن شداد، سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة) هو عبد الرحمن بن علقمة، ويقال: ابن أبي علقمة، مختلف في صحبته، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليست له صحبة، وقال ابن حبان: ويقال: له صحبة، وقال الدارقطني: لا تصح له صحبة ولا نعرفه، وذكره في الصحابة جماعة ممن ألف فيهم، منهم خليفة ويعقوب بن سفيان وابن منده.\n(سمعت عبد الله بن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية) أي في زمان غزوها.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"صالح\".","vol":"3","page":153},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ يَكْلَؤُنَا؟». فَقَالَ بِلَالٌ: أَنَا. فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِىُّ -ﷺ- فَقَالَ: «افْعَلُوا كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ». قَالَ فَفَعَلْنَا. قَالَ: «فَكَذَلِكَ (١) فَافْعَلُوا، لِمَنْ نَامَ أَوْ نَسِىَ». [ن ٦٢٤، حم ٥/ ٢٦٧]\n===\nوالحديبية قرية قريبة من مكة في طريق جدة، والآن يقال لها: شميسية سميت ببئر هناك، وهي مخففة، وكثير منها يشددونها. خرج رسول اللهﷺ - للعمرة في ذي القعدة سنة ست من مهاجره، وخرج معه من المسلمين ألف وست مأة وخمسة وعشرون رجلًا، فصلَّى الظهر بذي الحليفة، وساق بدنًا فجللها وأشعرها وقلدها، وفيها جمل أبي جهل الذي غنمه يوم بدر، وأحرم ولبى، فسار حتى دنا من الحديبية، وهي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة.\nنقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": هذا يخالف ما تقدم أن هذه القصة كانت في رجوعه من خيبر، وجاء في الطبراني أنها كانت في غزوة تبوك، وجمع بتعدد القصة.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: من يكلؤنا؟) أي من يحفظنا حتى لا تفوتنا الصلاة (فقال بلال: أنا) أي أنا أكلؤكم. (فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ النبي - ﷺ -) أي ثم استيقظ أصحابه (فقال: افعلوا) بالصلاة كما كنتم تفعلون) أي بها قبل طلوع الشمس، أي أدوها قضاء كما كنتم تؤدونها أداء (قال: ففعلنا) أي فصلينا، كما كنا نصلي في الوقت بأن توضأنا وأذنا وأقمنا وصلينا سنَّة الفجر ثم صلينا الفرض. (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فكذلك فافعلوا، لمن نام أو نسي) اللام متعلق بقال، أي قال في حق من نام أو نسي بعد ذلك من الأمة بأنه يفعل مثل الذي فعلنا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكذلك\".","vol":"3","page":154},{"text":"(١٢) (١) بَابٌ: في بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ\n٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُفْيَانَ - يعني الثَّوْرِىِّ -، عَنْ أَبِى فَزَارَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ». [عب ٥١٢٧، حب ١٦١٥]\n===\n\nتَفْرِيعُ أَبْوَابِ (٢) الْمَساجِدِ\n(١٢) (بَابٌ: في بِنَاء (٣) الْمَسَاجِدِ)\n٤٤٦ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أنا سفيان بن عيينة، عن سفيان -يعني الثوري-، عن أبي فزارة) راشد بن كيسان، (عن يزيد بن الأصم) واسمه عمرو بن عبيد بن معاوية، أبو عوف البكائي بفتح الموحدة وتشديد الكاف، كوفي، نزل الرقة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، أمه برزة بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين، يقال: له رؤية، ولا يثبت، قال العجلي وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن عمار: ربته ميمونة بنت الحارث، مات سنة ١٠٣ هـ.\n(عن) عبد الله (٤) (بن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما أمرت) ما نافية (بتشييد المساجد) أي برفعها وإعلاء بنائها، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٥)، وهي التي طول بناؤها أو تجصيصها، يقال: شدت الشيء أشيده\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"تفريع أبواب المساجد\".\n(٢) لم يذكر المصنف فيه النوم في المسجد، وبوب له غيره من أصحاب الصحاح، وتقدم عند المصنف في حديث ابن عمر النوم فيه في \"باب في طهور الأرض إذا يبست\". (ش).\n(٣) كان بدؤه في السنة الأولى. \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٣٩). (ش).\n(٤) لم يذكر البخاري المرفوع للاختلاف على يزيد. \"ابن رسلان\"، نعم ذكر أثر ابن عباس تعليقًا. (ش).\n(٥) سورة النساء: الآية ٧٨.","vol":"3","page":155},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: \"لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى\". [خت- باب بنيان الْمسجد-].\n===\nإذا بنيته بالشيد وهو الجص (١).\n(قال ابن عباس) وهو موقوف (٢) لكنه في حكم المرفوع، لأنه من إخبار ما يأتي، وهو لا يكون إلَّا عن النبي - ﷺ -: (لَتُزَخْرِفُنَّهَا) (٣) بفتح اللام (٤)، وهي لام القسم، وبضم المثناة وفتح الزاي وسكون الخاء المعجمة وضم الفاء وتشديد النون، وهي نون التأكيد، والزخرفة الزينة، وأصله الذهب، ثم استعمل في كل ما يتزين به (كما زخرفت اليهود والنصارى) أي بيعهم وكنائسهم، وهذا بدعة لأنه لم يفعله ﵇، وفيه موافقة أهل الكتاب.\nقال الشوكاني (٥): وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لإخباره - ﷺ - عما سيقع بعده، فإن تزويق المساجد والمباهات بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان في القاهرة والشام وبيت المقدس بأخذ أموال الناس ظلمًا وعمارتهم إياها على شكل بديع، انتهى.\nوالحديث يدل على أن تشييد المساجد بدعة، وقد روي عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك، وقال البدر بن المنير: لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وهذان قولان في قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]، أي طويل عال، وقيل: مجصص، والمشهور في الحديث أن المراد هاهنا رفعه وتطويله، كما قاله البغوي وغيره، وفيه رد على من حمل قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، على رفع البناء للحقيقة، بل المراد أن تعظم. (ش).\n(٢) وزعم الطيبي أنه مرفوع، بسطه ابن رسلان والحافظ (١/ ٥٤٠)، وتعقبه العيني (٣/ ٤٧١). (ش).\n(٣) وأول من زخرف المساجد وليد بن عبد الملك بن مروان. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وقيل: بالكسر تعليل لما سبق، قال ابن حجر: الرواية بالقتح لا غير \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٧٥).","vol":"3","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونًا لها عن الاستهانة، وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل بال المصلي بالزخرفة فلا، ومن جملة ما عوّل عليه المجوّزون للتزيين بأن السلف لم يحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك، وبأنه بدعة مستحسنة وبأنه مرغب إلى المسجد، وهذه حجج لا يُعَوِّلُ عليها من له حظ من التوفيق لا سيما مع مقابلتها للأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمر رسول الله - ﷺ -، وأنه نوع من المباهاة المحرمة، وأنه من علامات الساعة، وأنه من صنع اليهود والنصارى.\nودعوى ترك إنكار السلف ممنوعة، لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الدول الجائرة، وسكت العلماء عنهم تقية لا رضي، بل قام في وجه باطلهم جماعة من علماء الآخرة، ودعوى أنه بدعة مستحسنة باطلة، ودعوى أنه مرغب إلى المسجد فاسدة، انتهى ملخصًا.\nقلت: قال في \"الدر المختار: ولا بأس بنقشه خلا محرابه فإنه يكره، لأنه يلهي المصلي، ويكره التكلف بدقائق النقوش ونحوها خصوصًا في جدار القبلة، قاله الحلبي، وفي حظر \"المجتبى\": وقيل: يكره في المحراب دون السقف والمؤخر، انتهى، وظاهره أن المراد بالمحراب جدار القبلة، فليحفظ بجص وماء ذهب لو بماله الحلال، لا من مال الوقف فإنه حرام، وضمن متوليه لو فعل النقش أو البياض، إلَّا إذا خيف طمع الظلمة فلا بأس به \"كافي\"، وإلَّا إذا كان لإحكام البناء، أو الواقف فعل مثله لقولهم: \"إنه يعمر الوقف كما كان\" وتمامه في \"البحر\".\nوقال في حاشيته \"رد المحتار\" (١): قوله: ولا بأس، في هذا التعبير كما قال شمس الأئمة: إشارة إلى أنه لا يؤجر، ويكفيه أن ينجو رأسًا برأس،\n_________\n(١) (٢/ ٥٢٠).","vol":"3","page":157},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nانتهى، قال في \"النهاية\": لأن لفظ لا بأس دليل على أن المستحب غيره، لأن البأس الشدة، انتهى، ولهذا قال في حظر \"الهندية\" عن \"المضمرات\": والصرف إلى الفقراء أفضل، وعليه الفتوى، انتهى.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): ورخص في ذلك بعضهم، وهو قول أبي حنيفة، إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال.\nفهاهنا أمور: أولها: أن تزويق المساجد وتحسينها إذا كان يلهي المصلين ويشغل قلوبهم فهو مجمع على كراهته.\nوالأمر الثاني: إذا كان هذا مباهاة ورياءً وسمعة فهو أيضًا مكروه، بل بناء المساجد بهذه النية الفاسدة يكون مكروهًا أيضًا فضلًا عن التزيين والتحسين.\nوالأمر الثالث: أن يحكم بناؤها ويبنى بالجص وغيرها مما يستحكم به الصنعة، فهذا غير مكروه عندنا، والدليل عليه ما أخرجه الشيخان عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من بني لله مسجدًا بني الله له مثله في الجنة\".\nوأيضًا يؤيده ما فعل عثمان في خلافته كما في الحديث الذي بعد هذا، فإنه فعل ما فعل مستدلًا بهذا الحديث، وكل ما فعل كان من باب الأحكام لا من باب التزيين المحض، وأما الحجارة المنقوشة فلم ينقشها ولم يأمر بنقشها، بل حصل له كذلك منقوشة من بعض ولاياته، فركبها في المسجد، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٤١).","vol":"3","page":158},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالذين أنكروا عليه من الصحابة لم يكن عندهم دليل يوجب المنع إلَّا الحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية، وهذا كما ترى لا يقتضي التحريم ولا الكراهية.\nوأما حديث أبي داود هذا فهو أيضًا لا يدل على المنع، ودلالته على المنع ممنوعة، فإن فيه \"ما أمرت بتشييد المساجد\" فنفي كون التشييد مأمورًا به لا يقتضي الكراهة، فإن نفي الوجوب يصدق بجواز الفعل أيضًا فلا يستوجب الكراهة، وأما قول ابن عباس: \"لتزخرفنها\" فلا دليل فيه أيضًا، لأنه موقوف على ابن عباس، ولو سلم رفعها حكمًا فهو محمول على التزيين، والزخرفة التي تلهي بال المصلي، أو تكون مباهاة ورياءً وسمعةً كما تفعله اليهود والنصارى.\nوالأمر الرابع: أن يبنى المسجد بالغصب بأخذ أموال الناس ظلمًا.\nوالخامس: بأنه يبنيه الواقف بمال الوقف فهذا أيضًا حرام لم يرخص فيه أحد من العلماء.\nثم اعلم أنه قد ثبت أن عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنه - قد بني الكعبة ورفع بناءها على ما كان قبل ذلك من البناء، وشَيَّدها.\nواللذين خالفوه ما كان عندهم حجة إلَّا أنهم يقولون: لا ينبغي أن يغير عما كانت عليه، كما أشار ابن عباس على ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة ويجدد بناءها بأن يرِمَّ ما وهي منها، ولا يتعرض لها بزيادة ونقصان، وقال له: لا آمن أن يجيء من بعدك أمير فيغير الذي صنعت، وقد حكي عن الرشيد أو المهدي أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك فتركه، فإنكار الشوكاني وغيره على تشييد المساجد مطلقًا من غير تفصيل ليس في محله.","vol":"3","page":159},{"text":"٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِى الْمَسَاجِدِ». [ن ٦٨٩، جه ٧٣٩، حم ٣/ ١٣٤، دي ١٤٠٨]\n٤٤٨ - حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ الْمُرَجَّى، ثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَاّلُ،\n===\n٤٤٧ - (حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، ثنا حماد بن سلمة عن أيوب) السختياني، (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد، (عن أنس) بن مالك، (وقتادة (١)، عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) أي يتفاخرون في بناء المساجد (٢)، يعني يتفاخر كل واحد بمسجده يقول: مسجده أرفع أو أزين أو أوسع أو أحسن رياءً وسمعة واجتلابًا للمدحة، ويؤيده ما نقله الحافظ (٣) من \"مسند أبي يعلى\" و\"صحيح ابن خزيمة\" من طريق أبي قلابة أن أنسًا قال: سمعته يقول: \"يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلَّا قليلًا\" (٤)، وعند أبي نعيم في \"كتاب المساجد\": \"يتباهون بكثرة المساجد\".\n٤٤٨ - (حدثنا رجاء بن المُرَجَّى) بمضمومة وفتح راء وشدة جيم مفتوحة وقصر، ابن رافع الغفاري، أبو محمد، ويقال: أبو أحمد بن أبي رجاء المروزي، ويقال: السمرقندي، الحافظ، سكن بغداد، قال أبو حاتم: صدوق، وقال الدارقطني: حافظ ثقة، وقال ابن حبان: كان متيقظًا ممن جمع وصنف، وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا إمامًا في علم الحديث وحفظه والمعرفة به، مات سنة ٢٤٩ هـ.\n(ثنا أبو همام الدلال) محمد بن محبب - بموحدتين على وزن محمد -\n_________\n(١) أي وأيوب عن قتادة \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قلت: ويحتمل أن يكون المعنى: يتفاخرون فيما بينهم جالسين في المسجد. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٩).\n(٤) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" برقم (٢٨١٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" برقم (١٣٢١).","vol":"3","page":160},{"text":"حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى الْعَاصِ (١): \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ حَيْثُ كَانَ طَوَاغِيتُهُمْ\". [جه ٧٤٣، ك ٣/ ٦١٨]\n===\nابن إسحاق القرشي البصري، صاحب الدقيق، قال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق، ثقة في الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، قال: سمعت أبا داود يثني عليه، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة معروف، وقال الحاكم: روى عنه البخاري في \"الصحيح\" محتجًا به، فوهم الحاكم في ذلك، مات سنة ٢٢١ هـ.\n(ثنا سعيد بن السائب) بت يسار الثقفي الطائفي، قال ابن معين والدارقطني: ثقة، وقال أبو داود والنسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال سفيان: لا تكاد تجف له دمعة، وقال شعيب بن حرب: ثقة، كنا نعده من الأبدال، مات سنة ١٧١ هـ.\n(عن محمد بن عبد الله بن عياض) الطائفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مقبول، (عن عثمان بن أبي العاص) (٢) الثقفي الطائفي، أبو عبد الله، صحابي شهير، استعمله النبي - ﷺ - على الطائف، وهو الذي أمسك ثقيفًا عن الردة، قال لهم: يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا، مات في خلافة معاوية بالبصرة.\n(أن النبي - ﷺ - أمره) حين استعمله على الطائف (أن يجعل مسجد الطائف) أي يبنيه (حيث كان طواغيتهم) (٣) جمع طاغوت، وهو الشيطان، أو ما يزين لهم أن يعبدوه من الأصنام، ويقال للصنم: طاغوت \"نهاية\" (٤)، ولفظ ابن ماجه من\n_________\n(١) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٢١٢) رقم (٣٥٨١).\n(٣) وهكذا كان كثير من الصحابة حيث فتحوا البلاد جعلوا معابدهم مساجد \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) (ص ٥٦٤).","vol":"3","page":161},{"text":"٤٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى - وَهُوَ أَتَمُّ - قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: \"أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ (١)، وعَمَدُهُ - قَالَ مُجَاهِدٌ: وَعَمَدُهُ - مِنْ خَشَبِ النَّخْلِ (٢)،\n===\nطريق محمد بن يحيى بهذا السند: \"حيث كان طاغيتهم\"، وهي ما كانوا يعبدونه من الأصنام وغيرها، والغرض منه انتهاك الكفر، ودفع أثره، وإيذاء الكفار وتنديمهم حيث عبدوا غير الله هاهنا.\n٤٤٩ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ومجاهد بن موسى - وهو أتم - قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي) هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، (عن صالح) بن كيسان (قال: نا نافع) مولى ابن عمر (أن عبد الله بن عمر أخبره أن المسجد) النبوي كان على عهد رسول الله - ﷺ - مبنيًا باللبن) (٣) وهو المضروب من الطين مربعًا للبناء غير مطبوخ (والجريد) قال في \"النهاية\": الجريدة: السعفة، وجمعها جريد، وقال في \"القاموس\": والجريدة: سعفة طويلة رطبة أو يابسة أو التي تقشمر من خوصها، أي وسقفه الجريد كما في رواية \"البخاري\".\n(وعَمَدُهُ- قال مجاهد: وعُمُدُه (٤) - من خشب النخل) غرضه بيان الاختلاف بين لفظي شيخيه محمد ومجاهد، فإنه قال أحدهما بفتح العين والميم، والثاني بضمهما (٥)، والإعرابان جائزان، قال الحافظ: بفتح أوله وثانيه ويجوز ضمهما،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وسقفه بالجريد\".\n(٢) وفي نسخة: \"عمده خشب النخل\".\n(٣) بفتح اللام وكسر الباء \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) ويظهر من كلام ابن رسلان أن لفظ العمد ليس في رواية محمد، بل هو مخصوص برواية مجاهد. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: يجوز فيه الوجهان: فتحهما وضمهما جمعًا وإفرادًا. (ش).","vol":"3","page":162},{"text":"فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ (١): وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ (٢) فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عَمَدَهُ - وقَالَ مُجَاهِدٌ: عُمُدَهُ خَشَبًا، وَغَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً\n===\nوفي \"المجمع\" (٣): وحديث \"وعمده خشب\" بضم عين وميم وبفتحهما، هكذا قال بعض الشراح، ويمكن أن يقال: إن محمد بن يحيى قال: وعمده بالجر معطوفًا على اللبن من غير زيادة قوله: \"من خشب النخل\"، وأما مجاهد فقال: وعمده بالضم على الابتداء وزيادة قوله: \"من خشب النخل\" وهو خبره.\n(فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا (٤)، وزاد فيه عمر: وبناه على بنائه في عهد رسول الله - ﷺ - باللبن والجريد) أي كما كان بناؤه على عهد رسول الله - ﷺ - باللبن والجريد، كذلك فعل عمر في بنائه، وزاد فيه من جانب القبلة من الأرض شيئًا ووسع المسجد، ولما كان فيه مَظِنَّةُ إشكال بأن عمر - رضي الله تعالى عنه - لمَّا بني المسجد على بناء رسول الله - ﷺ - فكيف يصح أن يقال: إنه زاد فيه، لأن بناءه على بنائه والزيادة فيه متنافيان، فلهذا قال الحافظ في \"شرحه\" أي بجنس الآلات المذكورة، ولم يغير شيئًا من هيئته إلَّا توسيعه، انتهى.\n(وأعاد عَمَدَه) وهذا لفظ محمد بن يحيى (وقال مجاهد: عُمُدَه خشبًا) وفي هذه العبارة الاحتمالان المتقدمان الذان قالهما بعض الشراح، وما قلته جاريان أيضًا، أولهما: الاختلاف في حركة لفظ عمد فقط، والثاني: زيادة لفظ خشب وعدمها.\n(وغَيَّره عثمان) أي من الوجهين التوسيع وتغيير الآلات (فزاد (٥) فيه زيادة\n_________\n(١) في نسخة: \"عمر بن الخطاب\".\n(٢) وفي نسخة: \"بنيانه\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٧٣).\n(٤) حين جدده، وإنما احتاج إلى تجديده لأنه نخر في زمانه \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: أنكر بعض الصحابة على عثمان، وسكت كثير من أهل العلم لخوف الفتنة. (ش).","vol":"3","page":163},{"text":"كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عَمَدَهُ (١) مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَّفَهُ بِالسَّاجِ\". [خ ٤٤٦، حم ٢/ ١٣٠، خزيمة ١٣٢٤]\n===\nكثيرة) أي وسعه توسيعًا كثيرًا بأن زاد فيه من الأرض لتوسيع المسجد الشريف.\n(وبنى جداره بالحجارة المنقوشة) بدل اللبن (والقصة) أي بدل الطين في سافات البناء، قال في \"القاموس\": القصة الجصة، وفي \"المجمع\" (٢): عن الكرماني: ومنه \"بالحجارة المنقوشة والقصة\" أي الجص، وكذلك في \"النهاية\".\nوقال الخطابي (٣): والقصة شيء يشبه الجص، وليس به، وقال في \"لسان العرب\" في جصص: وليس الجص بعربي، وهو من كلام العجم، ولغة أهل الحجاز في الجص القص، وفي \"القاموس\": الجص ويكسر، معروف، معرب كج، فما قاله الخطابي: إن القصة شيء يشبه الجص وليس به، لا يثبت في اللغة.\n(وجعل عمده) أي سواريه (من حجارة منقوشة) بدل خشب النخل (وسقفه) (٤) أي سقف المسجد (بالساج) أي بدل الجريد أي بخشب الساج، قال في \"لسان العرب\": والساج خشب يجلب من الهند، واحدته ساجة، والساج شجر يعظم جدًا، ويذهب طولًا وعرضًا، وله ورق أمثال التراس الديلمية، يتغطى الرجل بورقة منه، تكنّه من المطر، انتهى. يقال له في الهندية: ساكَون، بكاف عجمية مفتوحة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال مجاهد: وعُمُده\" بضمهما.\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٨٣).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٩٠).\n(٤) بلفظ الماضي عطفًا على جعل، وبإسكان القاف عطفًا على عمده، \"ابن رسلان\"، وفي \"المنهل\" (٤/ ٥٠): رواية محمد جملة فعلية معطوفة على جعل، ورواية مجاهد جملة اسمية، انتهى. وفي بين سطور أبي داود: وضبط رواية مجاهد بالتفعيل. (ش).","vol":"3","page":164},{"text":"قَالَ مُجَاهِدٌ: وَسَقْفُهُ السَّاجُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْقَصَّةُ: الْجِصُّ.\n٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ (١)، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ،\n===\n(قال مجاهد: وسقفه الساج) يعني اختلف لفظ محمد بن يحيى ومجاهد بن موسى، فقال محمد: بالساج بزيادة الباء، وقال مجاهد: الساج ولم يزد حرف الباء (قال أبو داود: القصة الجص).\n٤٥٠ - (حدثنا محمد بن حاتم) بن بزيع، (ثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا إلَّا على حاشية النسخة المجتبائية ففيه: سفيان، وهو بفتح الشين المعجمة، ابن عبد الرحمن التميمي مولاهم، النحوي، نسبة إلى بطن من الأزد، قال في \"الأنساب\": شيبان بن عبد الرحمن النحوي لم يكن نحويًا، إنما هو من نحو بن شمس، أبو معاوية البصري المؤدب، سكن الكوفة، ثم انتقل إلى بغداد، قال أحمد: هشام حافظ، وشيبان صاحب كتاب، وقال أيضًا: ما أقرب حديثه، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: شيبان ثبت في كل المشايخ، وعن ابن معين: وشيبان أحب إليّ من معمر في قتادة، وعن يحيى: شيبان ثقة، وهو صاحب كتاب، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فشيبان ما حاله في الأعمش؟ قال: ثقة في كل شيء، ووثَّقه العجلي والنسائي وابن سعد والترمذي وأبو بكر البزار، مات سنة ١٦٤ هـ.\n(عن فراس) بن يحيى، (عن عطية) بن سعد بن جنادة بضم الجيم، العوفي بفتح المهملة وسكون الواو بعدها فاء، الجدلي بجيم ودال مهملة مفتوحتين، القيسي الكوفي، أبو الحسن، قال أحمد: هو ضعيف الحديث، وقال البخاري عن يحيى: كان هشيم يتكلم فيه، وعن ابن معين: صالح، وقال أبو زرعة: لين،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سفيان\".","vol":"3","page":165},{"text":"عَنِ ابْنِ عُمَرَ قال: \"إنَّ مَسْجِدَ النَّبِىِّ -ﷺ- كَانَتْ سَوَارِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، أَعْلَاهُ مُظَلَّلٌ بِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نُخِرَتْ فِى خِلَافَةِ أَبِى بَكْرٍ، فَبَنَاهَا بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَبِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نُخِرَتْ فِى خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَبَنَاهَا بِالآجُرِّ، فَلَمْ تَزَلْ ثَابِتَةً حَتَّى الآنَ\".\n===\nوقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه، وقال الجوزجاني: مائل، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن علي: هو مع ضعفه يكتب حديثه، وكان يعد مع شيعة أهل الكوفة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به، وقال أبو داود: وليس بالذي يعتمد عليه، وقال الساجي: ليس بحجة، وكان يقدم عليًا على الكل، مات سنة ١١١ هـ.\n(عن ابن عمر قال) أي عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: (إن مسجد النبي - ﷺ - كانت سواريه) أي أساطينه (على عهد رسول الله - ﷺ - من جذوع النخل) قال في \"المجمع\": كان فيه جذع، بكسر جيم وسكون معجمة، واحد جذوع النخل، قال في \"القاموس\": الجذع بالكسر: ساق النخلة (أعلاه) أي أعلى المسجد (مظلل) أي مسقف كالظلة (بجريد النخل) أي بسعفه. (ثم إنها) أي السواري (نخرت) أي بليت (في خلافة أبي بكر فبناها) أي أبو بكر (بجذوع النخل وبجريد النخل) أي بدل جذوعها البالية والجريد البالية بجذوع أخرى وجريد أخرى.\n(ثم إنها) أي الجذوع (نخرت في خلافة عثمان، فبناها) أي عثمان جدران المسجد وسواريه (بالأجر) أي اللبن المطبوخة الموقدة عليها النار (فلم تزل) أي بناء المسجد الذي بناها عثمان (ثابتة حتى الآن) (١) أي وقت رواية الحديث، ولم يذكر ابن عمر بناء عمر -رضي الله تعالى عنه -، لأن بناء عمر كانت كبناء أبي بكر - ﵁ - فكان فعله كفعله، فلذا ذكره مرة حيث أراد ذكر\n_________\n(١) أي إلى زمان ابن عمر الراوي، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":166},{"text":"٤٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِى عُلْوِ الْمَدِينَةِ فِى حَىٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِى النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ سُيُوفَهُمْ،\n===\nالزيادة، وتركه مرة حيث لم يرد ذكرها، وأما بناء عثمان فكانت مغايرة لبنائهم باعتبار تغيير الآلات والزيادة فاحتاج إلى ذكره.\n٤٥١ - (حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك) -رضي الله تعالى عنه - (قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة) أي مهاجرًا من مكة (فنزل في علو (١) المدينة) كل ما في جهة نجد يسمى عالية، وما في جهة تهامة يسمى سافلة، والمراد من علو المدينة قباء، وهي قرية من عوالي المدينة، وأخذ من نزوله في العلو التفاؤل له ولدينه - ﷺ - بالعلو (في حي) أي قبيلة (يقال لهم: بنو عمرو بن عوف) أي ابن مالك بن أوس بن حارثة.\n(فأقام فيهم أربع عشرة (٢) ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار) وهم أخوال عبد المطلب، لأن أمه سلمى منهم، فأراد النبي - ﷺ - النزول عندهم لما تحول من قباء، وبنو النجار بطن من الخزرج (فجاؤوا متقلدين (٣) سيوفهم) أي في أعناقهم، منصوب على الحال.\n_________\n(١) بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وفي رواية الحموي والمستملي: أربع وعشرون، والصواب الأولى، كما ذكره المصنف ومسلم، \"ابن رسلان\". وهو الأنسب لأنه ﵊ بَدَرٌ وكمالُه في أربعة عشر. \"ابن رسلان\". قلت: وأيًّا ما كان ففيه إشكال قويٌ من أنه ﵊ وصلها يوم الاثنين كما في الروايات قاطبة، وخرج منها يوم الجمعة وجمع في بني سالم، وهذا لا يوافق بحال رواية أربعة عشر يومًا بخلاف رواية أربع وعشرين بإخراج يومي الدخول والخروج فدخل يوم الاثنين، ثم أقام أربعة وعشرين يومًا، ثم خرج ليلة الجمعة. (ش).\n(٣) ليروا اليهود ما أعدوا لنصرته - ﷺ -.\"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":167},{"text":"فَقَالَ (١) أَنَسٌ: فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ، وَمَلأُ بَنِى النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِى أَيُّوبَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّى فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِى النَّجَّارِ (٢)،\n===\n(قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - على راحلته وأبو بكر ردفه (٣) أي خلفه - ﷺ - راكبًا على راحلته - ﷺ -، كأنه - ﷺ - أردفه تشريفًا له وتنويهًا بقدره، وإلَّا فقد كان لأبي بكر ناقة أخرى هاجر عليها.\n(وملأ بني النجار حوله) قال في \"المجمع\" (٤): الملأ أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم، وجمعه أملاء، لأنهم ملء بالرأي والغناء، والمراد جماعتهم، وكأنهم مشوا معه متقلدين سيوفهم أدبًا وتكريمًا.\n(حتى ألقى) أي رحله، أي نزل (بفناء) والفناء بكسر الفاء وبالمد: ما امتد من الناحية المتسعة أمام الدار (أبي أيوب) (٥) هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري من بني مالك بن النجار (وكان رسول الله - ﷺ - يصلي) قبل بناء المسجد (حيث أدركته الصلاة) أي وقت الصلاة (ويصلي في مرابض الغنم) (٦) جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء، موضع ربوض الغنم ومأواها.\n(وإنه) أي - ﷺ - (أمر) بصيغة المعلوم، أي الناس، أو بصيغة المجهول، أي من ربه (ببناء المسجد، فأرسل) أي رسولًا (إلى بني النجار) يدعوهم،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فجاؤوا\".\n(٣) بكسر فسكون، وفي \"النسائي\": \"رديفه\"، وهما لغتان. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٠٤).\n(٥) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٨١) رقم (٥٧١٥).\n(٦) أي يحب أن يصلي فيها، ويحتمل أن يكون المعنى يصلي حيث أدركته الصلاة ولو في مرابض الغنم أو غيرها، وكلاهما مستنبط من الروايات، وسيأتي في \"باب النهي عن الصلاة في مبارك الإِبل\". (ش).","vol":"3","page":168},{"text":"قَالَ: \"يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا\"، فَقَالُوا: واللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّه ﷿.\nقَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكينَ،\n===\n(قال: يا بني النجار ثامنوني) أي ساوموني (١) بالثمن، أو أعطوني بالثمن (بحائطكم هذا) أي بستانكم.\nوفي رواية: إنه كان مربدًا، فلعله كان أولًا حائطًا، ثم خرب فصار مربدًا، وقيل: كان بعضه بستانًا وبعضه مربدًا.\nوفي البخاري: إن هذا المكان كان لسهيل وسهل (٢)، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، قال الحافظ: وذكر ابن سعد بسنده عن الزهري، أن النبي - ﷺ - أمر أبا بكر أن يعطيهما ثمنه، وفي رواية (٣): فأعطاهما أبو بكر عشرة دنانير.\n(فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله ﷿) تقديره: لا نطلب الثمن لكن الأمر فيه إلى الله، أو \"إلى\" بمعنى من، أو يقال: لا نطلب أجر ثمنه إلَّا عند ذهابنا إلى الله، أي في الآخرة.\nفظاهر الحديث (٤) أنهم لم يأخذوا منه ثمنًا، ولكن وقع في البخاري: فأبى رسول الله - ﷺ - أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ولا منافاة بينهما؛ فإنه - ﷺ - لمَّا لم يقبل منهما هبة، باعاه منه - ﷺ -.\n(قال أنس: وكان فيه) أي في الحائط الذي بني مكانه المسجد (ما أقول لكم) أي أُبيِّن لكم: (كانت فيه) أي في بعض جوانبه (قبور المشركين،\n_________\n(١) وبوب عليه البخاري \"صاحب السلعة أحق بالثمن\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) واختلف أهل الرجال في تعيينهما جدًا، كما حكى ابن الأثير الاختلاف في ابني بيضاء وابني رافع وابني عمرو وغيرهم فتأمل. (ش).\n(٣) عند ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ١٣٨) عن الواقدي. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) بسطه صاحب \"المنهل\" (٤/ ٥٦) وأورد الروايات المختلفة. (ش).","vol":"3","page":169},{"text":"وَكَانَتْ فِيهِ خَرِبٌ، وَكَانَتْ فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخَرِب فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصُفِّفَ (١) النَّخْلُ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مَعَهُمْ،\n===\nوكانت فيه) أي في بعضه (خرب) المعروف فيه فتح الخاء المعجمة وكسر الراء بعدها موحدة جمع خربة ككلم وكلمة، وحكى الخطابي كسر أوله وفتح ثانيه جمع خربة، كعنب وعنبة، وهي الخروق المستديرة في الأرض، وفي رواية للبخاري (٢): \"حرث\" بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة.\n(وكانت فيه) أي في بعضه (نخل، فأمر رسول الله - ﷺ - بقبور المشركين فنبشت) أي أخرجت منها ما كان فيها من عظامهم، لأن المشرك (٣) لا حرمة له (وبالخرب) أي الخروق والحدوب من الأرض (فسويت، وبالنخل فقطع، فصفف النخل) أي جذوعه (قبلة (٤) المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة) والعضادة هي الخشبة التي على كتف الباب، وأعضاد كل شيء ما يَشُدُّ جوانبه، أي جعلوا في جوانبي (٥) جذوع النخل حجارة للإحكام.\n(وجعلوا) أي الصحابة (ينقلون الصخرة) أي يجيؤون بها ليجعلوها عضادتي جذوع النخل (وهم يرتجزون) أي يقولون رجزًا، وهو ضرب من الشعر (٦) على الصحيح، وقيل: ضرب من الكلام الموزون (والنبي - ﷺ - معهم)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فصفوا\".\n(٢) وللمصنف فيما سيأتي. (ش).\n(٣) أي الحربي، كما سيأتي في \"باب نبش القبور العادية\". (ش).\n(٤) ولا يذهب عليك حقيقة القبلة، وسيأتي شيء من الكلام عليه في \"باب كيف كان الأذان؟ \". (ش).\n(٥) كذا في الأصل، والصواب: جانبي.\n(٦) اختلفوا في أن الرجز شعر أم لا، واتفقوا على أن الشعر لا يكون شعرًا إلَّا بالقصد، كذا قال ابن رسلان. وبسطه العيني (٣/ ٤٣٤). (ش).","vol":"3","page":170},{"text":"وَهُوَ يَقُولُ: \"اللهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ (١)، فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ\". [خ ٤٢٨، م ٥٢٤، ن ٧٠٢]\n٤٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَبِي التَّيَّاحِ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ حَائِطًا لِبَنِي النَّجَّارِ فِيهِ حَرْثٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"ثَامِنُونِي بِهِ\" (٢)، فَقَالُوا: لَا نَبْغِي (٣)، فَقَطَعَ النَخْلَ،\n===\nأي مع الصحابة يفعل ما يفعلون في تعمير المسجد من نقل الحجارة وغيرها (وهو يقول) وفي رواية للبخاري: \"يقولون\"، ولا منافاة فيه، فإنه - ﷺ - يقوله مرة والصحابة يقولون مرة: (اللهم لا خير إلَّا خير الأخرهْ فانصر) وفي رواية للبخاري (٤): \"فاغفر\" لـ (الأنصار والمهاجرهْ).\n٤٥٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك قال: كان موضع المسجد حائطًا) أي بستانًا (لبني النجار فيه حرث) (٥) أي زرع، وهذا اللفظ بدل ما كان في رواية عبد الوارث عن أبي التياح المتقدمة من قوله: فيه خرب (ونخل وقبور المشركين، فقال رسول الله - ﷺ -: ثامنوني به، فقالوا) أي بنو النجار: (لا نبغي) أي لا نطلب منك ثمنه، بل نعطيكه احتسابًا من غير ثمن.\nولما كان هذا الحائط ليتيمين من بني النجار لم يرض رسول الله - ﷺ - أن يقبله مجانًا؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع فيه لا من الأيتام ولا من أوليائهم، فأخذه بالثمن، كما تقدم، فأمر رسول الله - ﷺ - بقطع النخل (فقطع النخل) أي من\n_________\n(١) وفي نسخة: \"اللَّهُم إن الخير خير الآخرة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أتخذ مسجدًا\".\n(٣) زاد في نسخة: \"به ثمنًا\".\n(٤) وللمصنف أيضًا فيما سيأتي.\n(٥) قالوا: هذا وهم من حماد \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":171},{"text":"وَسَوَّى الْحَرْثَ، وَنَبَشَ قُبُورَ الْمُشْرِكِينَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: \"فَاغْفِرْ\"، مَكَانَ: \"فَانْصُرْ\".\nقَالَ مُوسَى، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بِنَحْوِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الْوَارِثِ يَقُولُ: خَرِبٌ، وَزَعَمَ عَبْدُ الْوَارِثِ أَنَّهُ أَفَادَ حَمَّادًا هَذَا الْحَدِيثَ.\n===\nذلك الحائط، وقلع أصولها (وسوى الحرث) أي سوى محل الحرث، والمناسب للتسوية لفظ الخرب (١)؛ فإن الحرث لا يكون إلَّا في محل مستو (ونبش قبور المشركين، وساق) أي حماد بن سلمة (الحديث) بعد هذا كما ساق عبد الوارث.\n(وقال) أي حماد بن سلمة: (فاغفر مكان فانصر) أي قال عبد الوارث: \"فانصر\"، وقال حماد مكانه: \"فاغفر\"، ولكن في رواية البخاري من طريق عبد الوارث عن أبي التياح عن أنس فيه: \"فاغفر\".\n(قال موسى) بن إسماعيل شيخ أبي داود: (وحدثنا عبد الوارث بنحوه) أي بنحو ما حدثناه حماد بن سلمة (وكان عبد الوارث يقول: خرب) أي يقول موسى: إن شيخي حماد بن سلمة يقول: \"حرث\"، بالحاء المهملة في آخره مثلثة، وأما عبد الوارث فكان يقول: \"خرب\"، بالخاء المعجمة آخره موحدة.\n(وزعم) أي قال (عبد الوارث أنه) أي عبد الوارث (أفاد حمادًا) أي بلغه (هذا الحديث) عن أبي التياح، ثم بعد ما استفاد حماد بن سلمة هذا الحديث من عبد الوارث رحل إلى أبي التياح فسمع منه.\n_________\n(١) ولذا قال الخطابي: لعل الصواب: \"خرب\" بالخاء المعجمة، وقال القاضي: لا حاجة إلى هذا التكلف، لأن ما ورد في الرواية صحيح المعنى، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>(١٣) بَابُ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ في الدُّورِ </span>(١)\n٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عن زَائِدَةَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"أَمَرَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ في الدُّورِ وَأنْ تُنَظَّفَ\n===\n\n(١٣) (بَابُ اتِّخَاذِ المسَاجِدِ) (٢) أي: بناؤها (في الدُّورِ)\nأي: المحلات والقبائل، بضم دال وسكون واو، جمع دار، وكل قبيلة اجتمعت في محلة سميت المحلة دارًا، وسمي ساكنوها بها مجازًا (٣). وهو اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة، ويحتمل كونه إذنًا لبناء المسجد في داره يصلي فيه أهل بيته\n٤٥٣ - (حدثنا محمد بن العلاء، ثنا حسين بن علي، عن زائدة) بن قدامة، (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عائشة قالت) أي عائشة: (أمر رسول الله - ﷺ - ببناء المسجد في الدور) (٤) أي في المحلات والقبائل، أو محمول على اتخاذ بيت في الدار للصلاة كالمسجد يصلي فيه أهل البيت، والأول هو المعول (٥) وعليه العمل، والحكمة فيه أنه قد يتعذر على أهل محلة الذهاب للأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه، فأمروا بذلك ليتيسر لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة تلحقهم.\n(وأن تنظف) (٦) أي وأمر - ﷺ - بأن ينظف ذلك المسجد من القذى والنتن\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في المساجد تبنى في الدور\".\n(٢) وبوب على حديث الباب الترمذي: تطييب المساجد، وقال: الصحيح سقوط عائشة، قلت: وكذا رجح الترمذي الإِرسال على الاتصال. (ش).\n(٣) وبسطها ابن رسلان لغة. (ش).\n(٤) وكان في المدينة تسعة مساجد، راجع: \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٦٧)، و\"مشكل الآثار\". (ش).\n(٥) وبه جزم ابن رسلان، وبسط الأقاويل في ذلك. (ش).\n(٦) ولفظ ابن ماجه: \"تطهر\" ويرجع كل الروايتين إلى الأخرى. (ش).","vol":"3","page":173},{"text":"وَتُطَيَّبَ\". [ت ٥٩٤، جه ٧٥٨، حم ٦/ ٢٧٩، حب ١٦٣٤، خزيمة ١٢٩٢، ق ٢/ ٤٤٠]\n٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، ثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ -، ثنَا سُلَيْمَانُ بْن مُوسَى،\n===\nوالتراب (وتطيب) (١) بالبخور ورش العطر، قال القاري (٢): قال ابن حجر: وبه يعلم أنه يستحب تجمير المسجد بالبخور، فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر -﵁ - على المنبر، وقد استحب بعض السلف تخليق المسجد بالزعفران والطيب، وروي عنه ﵇ فعله، وقال الشعبي: وهو سنة، وأخرج ابن أبي شيبة (٣): \"أن ابن الزبير لمَّا بني الكعبة طلا حيطانها بالمسك\"، وأنه يستحب أيضًا كنس المسجد وتنظيفه، وقد روى ابن أبي شيبة أنه - ﵇ - كان يتتبع غبار المسجد بجريدة.\n٤٥٤ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان) مقبول من العاشرة، (ثنا يحيى -يعني ابن حسان-) بن حيان بحاء مهملة وياء مثناة تحتانية مشددة، التنيسي البكري، أبو زكريا البصري، سكن تنيس، قال أحمد: ثقة صالح صاحب حديث، وقال العجلي: كان ثقة مأمونًا عالمًا بالحديث، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن يونس: كان ثقة حسن الحديث، وصنف كتبًا وحدث بها، وقال أبو بكر البزار: يحيى بن حسان ثقة صاحب حديث، وقال مطين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٠٨ هـ.\n(ثنا سليمان بن موسى) الزهري أبو داود الكوفي، خراساني الأصل، سكن الكوفة ثم تحول إلى دمشق، قال عباس بن الوليد: كان ثقة، وقال أبو داود: كوفي، نزل دمشق، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: أرى حديثه\n_________\n(١) قال ابن رسلان: لكن بعطور الرجال، لأن اللون قد يشغل قلب المصلي. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٠٥).\n(٣) \"المصنف\" (٢/ ١٤١) رقم (٧٤٤٣).","vol":"3","page":174},{"text":"ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ، ثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ،\n===\nمستقيمًا، محله الصدق، صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر العقيلي عن البخاري أنه قال: منكر الحديث، وحكى ابن عساكر أن أبا زرعة ذكره في الضعفاء.\n(ثنا جعفر بن سعد بن سمرة) بن جندب الفزاري، أبو محمد السمري بالفتح والضم، نسبة إلى سمرة بن جندب والد مروان، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق في \"الأحكام\": ليس ممن يعتمد عليه، وقال ابن عبد البر: ليس بالقوي، وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله يعني جعفرًا وشيخه وشيخ شيخه، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث، قد ذكر البزار منها نحو المأة، ففي \"سنن أبي داود\" من ذلك ستة أحاديث (١)، وبكل حال هذا إسناد مظلم لاينهض بحكم.\n(ثني خبيب) بالخاء المعجمة وبموحدتين مصغرًا (ابن سليمان) بن سمرة بن جندب، أبو سلمان الكوفي، ابن عم جعفر بن سعد بن سمرة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حزم: مجهول، وقال الذهبي في \"الميزان\": لا يعرف، وقد ضعف كما مضى في جعفر بن سعد.\n(عن أبيه سليمان بن سمرة) بن جندب الفزاري، روى عن أبيه نسخة كبيرة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو الحسن بن القطان: حاله مجهولة، وفي \"التقريب\": سليمان بن سمرة بن جندب الفزاري مقبول.\n_________\n(١) قاله الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٤٠٧)، قلت: الأول منها هذا، والثاني في \"باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد\"، والثالث في \"باب العروض إذا كانت للتجارة\"، والرابع في \"باب في النداء عند النفير يا خيل الله اركبي\"، والخامس في \"باب النهي عن الستر على من غَلّ\"، والسادس في آخر الجهاد \"باب الإِقامة بأرض الشرك\". (ش).","vol":"3","page":175},{"text":"عن أَبِيهِ سَمُرَةَ قَالَ: \"إِنَّهُ كَتَبَ إِلَى بَنيهِ (١): أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُنَا بالْمَسَاجِدِ أَنْ نَصْنَعَهَا في دُورِنَا (٢)، وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا وَنُطَهِّرَهَا\" (٣). [حم ٥/ ١٧، ق ٢/ ٤٤٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>(١٤) بَابٌ: في السُّرُجِ في الْمَسَاجِدِ</span>\n٤٥٥ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا مِسْكِينٌ،\n===\n(عن أبيه سمرة) بن جندب (قال) أي سليمان: (إنه) أي سمرة (كتب إلى بنيه: أما بعد (٤)، فإن رسول الله - ﷺ - كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها) أي نبنيها (في دورنا) أي في محلاتنا، والظاهر أن الأمر ليس للوجوب، بل كان مبناه على دفع المشقة عنهم إذا مشوا إلى محلة أخرى، فكان معناه كان يأذن لنا (ونصلح صنعتها) أي نحسن بناءها (ونطهرها) من النجاسات والوسخ والنتن.\n\n(١٤) (بَابٌ: في السُّرُج في المَسَاجِدِ)\nأي: في اتخاذ السرج في المساجد، والمراد استحباب تنوير المساجد بالسرج\n٤٥٥ - (حدثنا النفيلي) عبد الله بن محمد، (ثنا مسكين) بن بكير الحراني، أبو عبد الرحمن الحذاء، قال الأثرم: سمعت أحمد يحسن أمره، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ، وقال ابن معين: لا بأس به، وكذا قال أبو حاتم وزاد: كان صالح الحديث يحفظ الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو أحمد الحاكم: له مناكير\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ابنه\".\n(٢) وفي نسخة: \"ديارنا\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: سليمان أصله كوفي يعني ابن موسى\".\n(٤) بعد الحمد لله تعالى والصلاة على رسول الله - ﷺ -. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":176},{"text":"عن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن زِيادِ بْن أَبِي سَوْدَةَ، عن مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النَبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، أَفْتِنَا في بَيْتِ الْمَقْدِسِ،\n===\nكثيرة، كذا قال الذهبي في \"الميزان\"، والذي في \"الكنى\" لأبي أحمد: كان كثير الوهم والخطأ، وقال في موضع آخر: ومن أين كان مسكين يضبط عن سعيد؟، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال ابن عمار: يقولون: إنه ثقة، لم أسمع منه شيئًا، مات سنة ١٩٨ هـ.\n(عن سعيد بن عبد العزيز) التنوخي، (عن زياد بن أبي سودة) بمفتوحة وسكون واو، أبو المنهال، ويقال: أبو نصر المقدسي بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال والسين المهملتين، هذه النسبة إلى بيت المقدس، وهي بلدة مشهورة، كذا في \"الأنساب\"، أخو عثمان، أمهما مولاة لعبادة بن الصامت، وأبوهما مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، روى عن أخيه وميمونة خادم النبي - ﷺ - في الصلاة في بيت المقدس، والصحيح (١) عن أخيه عثمان عنها، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وحكى أبو زرعة الدمشقي عن مروان بن محمد أنه قال: عثمان بن أبي سودة وأخوه زياد من أهل بيت المقدس، ثقتان ثبتان.\n(عن ميمونة) (٢) بنت سعد، ويقال: بنت سعيد، خادمة النبي - ﷺ -، روى عنها زياد وعثمان ابنا أبي سودة، وقال ابن السكن وابن منده وصاحب \"الاستيعاب\": إن التي روى عنها عثمان وزياد ميمونة أُخرى غير خادمة النبي - ﷺ -، وقال أبو نعيم: هي عندي ميمونة بنت سعد (مولاة النبي - ﷺ -) وخادمته (أنها) أي ميمونة (قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس) أي بيِّن لنا حكم السفر إليه بشد الرحال والصلاة فيه.\n_________\n(١) قال العلائي: فيه انقطاع، والصواب عن زياد عن أخيه عثمان عن ميمونة كما في ابن ماجه. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: لها في الكتاب أربعة أحاديث هذا أحدها. (ش).","vol":"3","page":177},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ\"، وَكَانَتِ الْبِلَادُ إِذْ ذَاكَ حَرْبًا، \"فَإِنْ لَمْ تَأتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ في قَنَادِيلِهِ\". [جه ١٤٠٧، حم ٦/ ٤٦٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>(١٥) بَابٌ: في حَصَى الْمَسْجِدِ</span>\n٤٥٦ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ تَمَّامِ بْنِ بَزِيعٍ،\n===\n(فقال رسول الله - ﷺ -: ائتوه) وفي رواية (١): \"أرض المحشر والمنشر ائتوه\"، وصيغة الأمر للندب أو للإباحة (فصلوا فيه) أي في مسجده، وفي رواية: \"فإن الصلاة فيه كألف صلاة\". (وكانت البلاد إذ ذاك حربًا) أي كانت الحرب قائمة إذ ذاك في البلاد بين المسلمين والمشركين، فلا يقدر أحد من المسلمين ليسافر إليه ويأتيه. وفي بعض الروايات: \"قالت: أرأيت يا رسول الله من لم يطق أن يأتيه؟ قال: فإن لم يطق أن يأتيه فليهد إليه زيتًا يسرج فيه، فمن أهدى إليه كان كمن صلَّى فيه\".\n(فإن لم تأتوه) أي فإن لم تقدروا على أن تأتوه (وتصلوا فيه، فابعثوا بزيت) (٢) أي دهن الزيتون (يسرج (٣) في قناديله) أي في قناديل مسجده.\n\n(١٥) (بَابٌ: في حَصَى الْمَسْجدِ)\nالحصى: صغار الحجارة، الواحد حصاة، وجمعه: حصيات وحصى، أي: هل يفرش في المسجد وهل يخرج منها كالقذى والغبار؟\n٤٥٦ - (حدثنا سهل بن تمام) بتشديد الميم (ابن بزيع) بفتح الموحدة\n_________\n(١) كما في ابن ماجه. (ش).\n(٢) والجامع بينهما أن الصلاة نور. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: وفيه إسراج القناديل في المساجد، وأول من أسرج في المساجد تميم الداري، قلت: الظاهر أن المراد الاعتياد، وإلَّا فالجواز ثابت برواية الباب، وما يتوهم أن السراج لم يكن في زمنه - ﷺ - يأبى عنه ما سيأتي في \"باب إطفاء النار بالليل\". (ش).","vol":"3","page":178},{"text":"ثَنَا عُمَرُ بْنُ سُلَيْم الْبَاهِليُّ، عن أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْحَصَى الَّذِي في الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مُطِرْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَصْبَحَتِ الأَرْضُ مُبْتَلَّةً، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأتِي (١) بالْحَصَى في ثَوْبهِ فَيَبْسُطُهُ تَحْتَهُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّه - ﷺ -\n===\nوكسر الزاي مكبرًا، الطفاوي السعدي، أبو عمرو النصري، قال أبو زرعة: لم يكن بكذاب، كان ربما وهم في الشيء، وقال أبو حاتم: شيخ، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ.\n(ثنا عمر) بضم المهملة وفتح الميم (ابن سليم (٢) الباهلي) البصري، قال أبو زرعة: صدوق، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال العقيلي: هو غير مشهور، يحدث بمناكير، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي الوليد) عن ابن عمر في الحصى الذي في المسجد، قال أبو حاتم: هو مولى لابن رواحة، وقال غيره: هو عبد الله بن الحارث البصري نسيب ابن سيرين، قال الحافظ: أنكر العقيلي أن يكون هو نسيب ابن سيرين، وقال: إنه لا يعرف (٣)، وكذا فرق بينهما مسلم وابن عبد البر وابن الجارود وابن القطان.\n(قال) أبو الوليد: (سألت ابن عمر عن الحصى الذي) هو مفترش (في المسجد) هل فيه (٤) حديث عن النبي - ﷺ -؟ وهل يجوز ذلك؟ (فقال) ابن عمر: (مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض) أي أرض المسجد (مبتلة) لأن سقف المسجد جريد النخل (فجعل الرجل) أي المصلي (يأتي بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته) فيجف ذلك المكان من البِلَّة ويمنعه من الطين (فلم قضى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"يجيء\".\n(٢) مصغرًا. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) أي: مولى ابن رواحة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) والظاهر من الجواب أن السؤال كان عن بدايته. (ش).","vol":"3","page":179},{"text":"الصَّلاةَ قَالَ: \"مَا أَحْسَنَ هَذَا\". [خزيمة ١٢٩٨، ق ٢/ ٤٤٠]\n٤٥٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ قَالَا: نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي صَالِحٍ قَالَ: \"كَانَ يُقَالُ: إِنَ الرَّجُلَ إِذَا أَخْرَجَ الْحَصَى مِنَ الْمَسْجِدِ يُنَاشِدُهُ\".\n٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ (١) أَبُو بَكْرٍ،\n===\nالصلاة) (٢) ورأى ذلك الذي فعلوه من بسط الحصى (قال: ما أحسن هذا).\nقلت: وهذا الاستحسان إذا كانت الأرض غير مفروشة بالرخام والآجر يصيبها المطر فيشّق فيه الصلاة لأجل الطين، وأما إذا كان المسجد مفروشًا بالرخام أو الآجر ومحفوظًا عن المطر، فالظاهر حينئذ عدم استحباب بسط الحصى فيه بل يخرج عنه، والله تعالى أعلم.\n٤٥٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية ووكيع قالا: نا الأعمش، عن أبي صالح قال) أي أبو صالح: (كان يقال) أي كان الناس يقولون ولا يروونه عن النبي - ﷺ - بالسند، فظاهره أنه ليس بمرفوع، ولكن لما كان هذا أمرًا لا مدخل للعقل فيه والقائلون به الصحابة، فجعله مرفوعًا حكمًا غير بعيد (إن الرجل إذا أخرج الحصى من المسجد يناشده) (٣) أي يسأله بالله أن لا يخرجه من المسجد، لأن كونه في المسجد سبب لراحة المصلين، وقد استحسنه - ﷺ -.\n٤٥٨ - (حدثنا محمد بن إسحاق) بن جعفر (أبو بكر) الصاغاني، خراساني الأصل، نزل بغداد، وكان أحد الحفاظ الرحالين، قال ابن أبي حاتم: ثبت صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني الصاغاني\".\n(٢) والظاهر أنها صلاة الصبح \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) يحتمل أن يكون من الوحي أو سمع مناشدته، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":180},{"text":"ثَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَنَا شَرِيكٌ،\n===\nثقة مأمون، وقال الدارقطني: ثقة وفوق الثقة، وقال الخطيب: كان أحد الأثبات المتقنين مع الصلابة في الدين واشتهار بالسنَّة واتساع في الرواية، مات سنة ٢٧٠ هـ.\n(ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد) بن قيس السكوني بمفتوحة وضم كاف، نسبة إلى السكون بن أشرس الكوفي، قال المروزي: فقلت لأحمد: ثقة هو؟ قال: أرجو أن يكون صدوقًا، قال: ولقيه ابن معين يومًا فقال له: يا كذاب، فقال له الشيخ: إن كنت كذابًا وإلَّا فهتكك الله، قال أبو عبد الله: فأظن دعوة الشيخ أدركته، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: شجاع بن الوليد ثقة، وقال العجلي: كوفي، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالمتين، لا يحتج بحديثه، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير توثيقه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٠٥ هـ.\n(ثنا شريك) هكذا وقع في جميع النسخ الموجودة عندنا لأبي داود غير منسوب، ولم أجد في كتب أسماء الرجال أحدًا اسمه شريك كان شيخه أبا حصين أو الراوي عنه أبا بدر شجاع بن الوليد، والظاهر أن هذا شريك بن عبد الله بن أبي شريك (١) النمري القرشي، أبو عبد الله المدني، قال ابن معين والنسائي: ليس به بأس،\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وليس في \"التقريب\" و\"التهذيب\" و\"الخلاصة\" إلَّا شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي، والصواب بدله ابن أبي نمر القرشي كما في كتب الرجال، ثم ما أفاده الشيخ- قدس سره- من تعيينه بابن عبد الله بن أبي نمر ووافقه ذلك صاحب \"المنهل\" (٤/ ٦٧) يخالف لما عينه ابن رسلان من كونه شريك بن عبد الله النخعي، وهو الأوجه على الظاهر، لأن شريك بن عبد الله بن أبي نمر من رواة أنس، وأيضًا جُلُّ الآخذين منه تنتهي طبقتهم إلى الثامنة، وشجاع من التاسعة، فالظاهر ما قاله ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":181},{"text":"ثنَا أَبُو حُصَيْنٍ (١)، عن أبي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ - قَالَ أَبُو بَدْرٍ: أُرَاهُ قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الْحَصَاةَ لَتُنَاشِدُ الَّذِي يُخْرِجُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ\". [ق ٥/ ١٢٨، شرح السنة ٢/ ١٢١، ٤٧٩]\n===\nوقال النسائي أيضًا: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال ابن الجارود: ليس به بأس وليس بالقوي، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، قال الساجي: كان يرى القدر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات في حدود سنة ١٤٠ هـ.\n(ثنا أبو حصين) بفتح الحاء (٢) وكسر الصاد المهملتين مكبرًا، عثمان بن عاصم، ويقال: زيد بن كثير بن زيد بن مرة الأسدي الكوفي، عده ابن مهدي في أثبات أهل الكوفة، وقال أحمد: كان صحيح الحديث، وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان عثمانيًا رجلًا صالحًا، وقال أيضًا: كان شيخًا عاليًا وكان صاحب سنَّة، وقال أيضًا: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال ابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة والنسائي وابن خراش: ثقة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة حافظ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" في أتباع التابعين، مات سنة ١٢٧ هـ وقيل بعدها.\n(عن أبي صالح) السمان المدني، (عن أبي هريرة، قال أبو بدر: أراه) بصيغة المجهول، ويحتمل المعلوم، أي أظنه أي شريكًا (قد رفعه) أي الحديث (إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد).\n_________\n(١) والحديث أخرجه البيهقي (٥/ ١٢٨) برواية إسرائيل عن أبي حصين مرفوعًا، لكن بالشك بين أبي هريرة وكعب. (ش).\n(٢) وضبطه ابن رسلان مصغرًا. (ش).","vol":"3","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>(١٦) بَابٌ: في كَنْسِ الْمَسْجِدِ</span>\n٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الخَزَّازُ، ثنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ،\n===\n\n(١٦) (بَابٌ: في كَنْسِ المَسْجدِ)\nأي: في فضل كسح المسجد، كما هو في نسخة.\n٤٥٩ - (حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الخزاز) هو عبد الوهاب بن عبد الحكم بن نافع، أبو الحسن الوراق البغدادي، وهو نسائي الأصل، ويقال له: أبو الحكم أيضًا، قال أحمد: ليس يعرف مثله، وقال النسائي والدارقطني: ثقة، وقال الخطيب: كان ثقة رجلًا صالحًا ورعًا زاهدًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٠ هـ، وأما ما قال أبو داود في نسبته بكونه خزازًا فلم أجده في كتب أسماء الرجال، بل وصفوه بكونه وراقًا (١).\n(ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد) بفتح الراء وتشديد الواو، الأزدي، مولى المهلب، أبو عبد الحميد المكي، قال أحمد: ثقة، وكان فيه غلو في الإرجاء، وقال ابن معين: ثقة، كان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان يعلن بالإرجاء، قال الآجري عن أبي داود: ثقة، قال أبو داود: وكان مرجئًا داعية في الإرجاء، وما فسد عبد العزيز حتى نشأ ابنه، وأهل خراسان لا يحدثونه، وقال النسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه، وقال الدارقطني: لا يحتج به، ثبت في حديث ابن جريج، قال العقيلي: ضعفه محمد بن يحيى، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث مرجئًا ضعيفًا، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، مات سنة ٢٠٦ هـ.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٥/ ١٧) رقم (٤١٩٠).","vol":"3","page":183},{"text":"عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن الْمُطَّلِب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا\". [ت ٢٩١٦، خزيمة ١٢٩٧، ق ٢/ ٤٤٠، طس ٦٤٨٥]\n===\n(عن ابن جريج) عبد الملك، (عن المطلب بن عبد الله بن حنطب) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب (١) بن الحارث المخزومي، وقيل بإسقاط المطلب في نسبه، وقيل: إنهما اثنان، قال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه، لأنه يرسل كثيرًا، وقال يعقوب بن سفيان والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري في \"التاريخ\": سمع عمر، لكن تعقبه الخطيب بأن الصواب ابن عمر، ثم ساق حديثه عن ابن عمر في الوتر بركعة.\n(عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: عرضت علي) لعل هذا العرض ليلة المعراج (أجور أمتي) أي ثواب أعمالهم (حتى القذاة) بفتح القاف: ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ، والمراد الشيء القليل الذي يؤذي المسلمين، سواء كان من تبن أو وسخ أو غير ذلك من بصاق أو نخامة يخرجها الرجل من المسجد، ولا بد في الكلام من تقرير مضاف أي أجور أعمال أمتي، وأجر إخراج القذاة (يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا) أي يترتب على نسيان (أعظم من سورة) أي من ذنب نسيان سورة كائنة (من القرآن أو آية أوتيها رجل) أي علمه الله إياها (ثم نسيها) (٢).\n_________\n(١) وفي نسخ \"الموطأ\": \"حويطب\"، وهو خطأ، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٢) فيه جواز قول الرجل: نسيت آية كذا، فما في مسلم: \"بئسما يقول أحدكم: نسيت بل نسي\" أنه من ذم الحال لا ذم القول \"ابن رسلان\". وقال صاحب المنهل (٤/ ٧٠): اختلف فيه العلماء، فذهب مالك إلى أن حفظ الزائد عما تصح به الصلاة مستحب، =","vol":"3","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن قلت: هذا مناف لما مرَّ في باب الكبائر، قلت: إن سلم أن أعظم وأكبر مترادفان، فالوعيد على النسيان لأجل أن مدار هذه الشريعة على القرآن، فنسيانه كالسعي في الإخلال بها، فإن قلت: النسيان لا يؤاخذ به، قلت: المراد تركها عمدًا إلى أن يفضي إلى النسيان، وقيل: المعنى أعظم من الذنوب الصغائر إن لم تكن عن استخفاف وقلة تعظيم، كذا نقله ميرك.\nقال الطيبي: شرح الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (١)، أكثر المفسرين على أنها في المشرك، والنسيان بمعنى ترك الإيمان، وإنما قال: \"أوتيها\" دون حفظها إشعارًا بأنها كانت نعمة جسيمة أولاها الله ليشكرها، فلما نسيها فقد كفر تلك النعمة، فبالنظر إلى هذا المعنى كان أعظم جرمًا، وإن لم يعد من الكبائر.\nواعترضه ابن حجر وقال: قول الشارح: \"وإن لم يعد من الكبائر\" عجيب مع تصريح أئمتنا بأن نسيان شيء منه ولو حرفًا بلا عذر كمرض، وغيبة عقل كبيرة، انتهى، والنسيان عندنا أن لا يقدر أن يقرأ بالنظر، كذا في \"شرح شرعة الإسلام\".\nقال الطيبي: فلما عد إخراج القذاة التي لا يؤبه لها من الأجور تعظيمًا لبيت الله عد أيضًا النسيان من أعظم الجرم تعظيمًا لكلام الله سبحانه، فكأن فاعل ذلك عد الحقير عظيمًا بالنسبة إلى العظيم فأزاله عنه، وصاحب هذا عد العظيم حقيرًا فأزاله عن قلبه، \"علي القاري\" (٢).\nقلت: وقد أخرج مسلم (٣) عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عرضت\n_________\n= فنسيانه مكروه، وذهب الشافعي إلى أن نسيان كل حرف منه كبيرة، وظاهر مذهب الحنابلة إلى أن نسيانها من الكبائر، وقالت الحنفية: نسيانه كله أو بعضه ولو آية كبيرة. (ش).\n(١) سورة طه: الآية ١٢٦.\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٠٦).\n(٣) برقم (٥٥٣).","vol":"3","page":185},{"text":"(١٧) بَابٌ: في اعْتِزَالِ النِّسَاءِ في الْمَسَاجِدِ (١) عَنِ الرِّجَالِ\n٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو مَعْمَرٍ، ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، ثَنَا أَيُّوبُ، عن نَافِع، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّه - ﷺ -: \"لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ\". قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَدْخُلْ (٢) مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ. وَقَالَ غَيْرُ عَبْدِ الْوَارِثِ: قَالَ عُمْرُ، وَهُوَ أَصَحُّ.\n===\nعليَّ أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>(١٧) (بَابٌ: في اعْتِزَالِ النِّسَاءِ في المَسَاجِدِ عَنِ الرِّجَالِ)</span>\n٤٦٠ - (حدثنا عبد الله بن عمرو أبو معمر، ثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان، (ثنا أيوب) بن أبي تميمة السختياني، (عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: لو تركنا هذا الباب للنساء) إشارة إلى الباب الذي خصه بالنساء الذي يسمى بباب النساء، أي لو خصصنا هذا الباب للنساء فلا يدخلها إلَّا النساء لكان أحسن، لأنه إذ ذاك لا يكون الاختلاط بين الرجال والنساء.\n(قال نافع: فلم يدخل) أي المسجد (منه) أي من الباب الذي خصه للنساء (ابن عمر حتى مات (٣» لأنه فهم من قوله - ﷺ - هذا النهي عن دخوله للرجال، وأما غير ابن عمر فلعلهم دخلوا المسجد منه؛ لأنه لم يقع منه - ﷺ - نهي صريح عنه.\n(وقال غير عبد الوارث: قال عمر) يعني اختلف أصحاب أيوب في الرواية عنه، فرفعه عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، وأما غير عبد الوارث وهو إسماعيل، كما سيأتي روايته، فإنه لم يذكر عن ابن عمر ولا رفعه، بل أوقفه على عمر (وهو أصح) (٤).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"المسجد\".\n(٢) وفي نسخة: \"فما دخل\".\n(٣) لشدة اتباعه. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وسيأتي في \"باب التشديد في ذلك\" أن الرفع وهم من عبد الوارث. (ش).","vol":"3","page":186},{"text":"٤٦١ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، ثَنَا إِسمَاعِيلُ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، فذكر بِمَعْنَاهُ (١)، وَهُوَ أَصَحُّ.\n===\n٤٦١ - (حدثنا محمد بن قدامة بن أعين) القرشي، (ثنا إسماعيل) بن إبراهيم المشهور بابن علية، (عن أيوب، عن نافع قال: قال عمر بن الخطاب -﵁ - فذكر) أي إسماعيل أو محمد بن قدامة (بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم الذي رواه عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا (وهو أصح) (٢) أي كونه قول عمر - رضي الله تعالى عنه - موقوفًا عليه أصح من كونه مرفوعًا، ولعل الدليل على أصحيته ما سيذكره المصنف فيما بعد: عن بكير، عن نافع قال عمر بن الخطاب ... إلى آخره، فلما تأيد وقفه برواية بكير اكتسب قوة.\nقلت: وعندي هذا الترجيح غير موجه، فإن رواية الرفع فيها عبد الله بن عمرو وعبد الوارث كلاهما ثقتان ثبتان، فلا ترجح رواية الوقف عليه، على أن الترجيح يحتاج إلى أن يكون بينهما معارض وليس كذلك، بل يمكن أن يكون مرفوعًا أيضًا قاله رسول الله - ﷺ -، ثم قاله عمر بن الخطاب، ونهى عنه لما رأى من رغبته - ﷺ - فيه، ولم يكن عن النبي - ﷺ - نهيًا صريحًا بل إشارة، فنهى عنه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - لما رأى في ذلك من المصلحة، فإن راوي الحديث قد يسمع الحديث منه - ﷺ - ثم يفتي به ولا يرفعه إليه - ﷺ - مع أن رواية نافع عن عمر - رضي الله تعالى عنه - منقطعة، قال أحمد بن حنبل: نافع عن عمر منقطع.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"معناه\".\n(٢) والعجب من ابن رسلان إذ قال: وهو -أي ترك الباب لهن- أصح من الاجتماع مع الرجال. (ش).","vol":"3","page":187},{"text":"٤٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ -، ثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ-، عن عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عن بُكَيْرٍ، عن نَافِعٍ قَالَ: \"إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَى أَنْ يُدْخَلَ مِنْ بَابِ النِّسَاءِ\".\n\n(١٨) بَابٌ: فِيمَا يَقُولُهُ الرَّجُلُ عِنْدَ دُخُولِهِ (١) الْمَسْجِدَ\n٤٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ،\n===\n٤٦٢ - (حدثنا قتيبة -يعني ابن سعيد-) فقوله: \"يعني ابن سعيد\" قول تلميذ المصنف، يريد أن شيخي قال: قتيبة، ولم ينسبه إلى أبيه، ولكن يريد أنه ابن سعيد (ثنا بكر -يعني ابن مضر-، عن عمرو بن الحارث، عن بكير) بن عبد الله بن الأشج، (عن نافع قال) أي نافع: (إن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يدخل) أي المسجد أحد من الرجال (من باب (٢) النساء) فإنه يختص بدخول النساء منه، وهذ الحديث الموقوف لا يدل على أن النبي - ﷺ - لم يكن يروى عنه في هذا الباب شيء، بل يدل أنه - ﷺ - صدر عنه ما يقتضي النهي فأكده سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه -.\n\n(١٨) (بَابٌ: فِيمَا يَقُولُه الرَّجُلُ) من الدعاء والذكر (عِنْدَ دُخُولِه المَسْجدَ)\n٤٦٣ - (حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي) هو محمد بن عثمان التنوخي، أبو الجماهر بضم الجيم، الكَفْرسُوسي، نسبة إلى كفرسوس قرية من قرى دمشق، أو أبو عبد الرحمن، قال أبو حاتم: أبو الجماهر ثقة، وكذا وثَّقه أبو مسهر وعثمان الدارمي، وقال: كان أوثق من أدركنا بدمشق، ورأيت أهل دمشق مجتمعين على صلاحه، ورأيته يقدمونه على هشام وأبي أيوب، وقال الآجري عن أبي داود: دحيم حجة، لم يكن بدمشق في زمانه مثله، وأبو الجماهر أسند منه وهو ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٢٤ هـ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"دخول\".\n(٢) ولعل المصنف أورده لتأييد قوله: \"وهو أصح\". (ش).","vol":"3","page":188},{"text":"ثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْني الدَّرَاوَرْدِيَّ-، عن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ أَوْ أَبَا أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ\n===\n(ثنا عبد العزيز - يعني الدراوردي-، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد) الأنصاري المدني، روى عن أبي أسيد، أو عن أبي حميد، وقيل: عن أبي أسيد وأبي حميد، قال النسائي: ليس به بأس، له في الكتب حديثان: أحدهما في القول عند دخول المسجد، والآخر في قبلة الصائم، ولا يبعد أن يكون لعبد الملك رؤية، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة.\n(قال: سمعت أبا حميد) (١) الساعدي الصحابي المشهور، اختلف في اسمه فقيل: عبد الرحمن بن سعد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد، وقيل: منذر بن سعد، ويقال: إنه عم عباس بن سهل بن سعد، شهد أحدًا وما بعدها، توفي في آخر خلافة معاوية، أو أول خلافة يزيد بن معاوية.\n(أو أبا (٢) أسيد الأنصاري) (٣) مالك بن ربيعة بن البدن بفتح الموحدة والمهملة بعدها نون، أبو أسيد بضم الهمزة (٤)، الساعدي، شهد بدرًا والمشاهد كلها، صحابي مشهور، مات سنة ٦٠ هـ، وقيل قبلها، وهو آخر من مات من البدريين.\n(يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إذا دخل) أي أراد أن يدخل (أحدكم المسجد\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٤٢١) رقم (٥٨٣٠).\n(٢) أخرجه ابن ماجه برواية عمارة بن غزية عن ربيعة بسنده عن أبي حميد وحده، فالظاهر أن الشك من الدراوردي، لكن حكى القاري أن النسائي أخرج عنهما معًا، قلت: وهو كذلك في النسائي برواية سليمان عن ربيعة. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٧٣) رقم (٥٦٨٨).\n(٤) وكذا في \"ابن رسلان\"، وصححه القاري، قال: وروي بفتح أوله. (ش).","vol":"3","page":189},{"text":"فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ\". [م ٧١٣، ن ٧٢٩، جه ٧٧٢، دي ٢٦٩١، حم ٣/ ٤٩٧]\n٤٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُبَارَكِ، عن حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: لَقِيْتُ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ\n===\nفليسلم على النبي - ﷺ - (١) ثم ليقل: اللَّهُم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللَّهُم إني أسألك من فضلك)، والأمر فيه للاستحباب لا للوجوب، ونقل القاري (٢) عن الطيبي: لعل السر في تخصيص الرحمة بالدخول والفضل بالخروج، أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلى ثوابه وجنته فيناسب ذكر الرحمة، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل، كما قال تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣).\n٤٦٤ - (حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور) السليمي أبو بشر البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وروى عنه البخاري في \"التاريخ\"، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: صدوق وكان قدريًا.\n(ثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان، (عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح قال) أي حيوة: (لقيت عقبة بن مسلم) التجيبي بضم المثناة وكسر الجيم بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة، أبو محمد المصري، القاص، إمام المسجد العتيق بمصر، قال العجلي: مصري تابعي ثقة، ووثَّقه يعقوب ابن سفيان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، توفي قريبًا من سنة ١٢٠ هـ.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: أي بعد الصلاة على النبي - ﷺ -، قال تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وفي رواية ابن السنّي عن أنس: كان صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم إذا دخل المسجد قال: بسم الله اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٩٨).\n(٣) سورة الجمعة: الآية ١٠.","vol":"3","page":190},{"text":"فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ حَدَّثْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: \"أَعُوذُ باللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيم، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ\". قَالَ: أَقَطْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: \"فَإِذَا قَال ذَلِكَ قَال الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ\".\n===\n(فقلت له) أي لعقبة: (بلغني أنك حدثت) على صيغة المعلوم، (عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ -)، كان حيوة بن شريح بلغه هذا الحديث عن عقبة بواسطة، فأحب أن يحدثه مشافهة فيسقط الواسطة، ويحصل له العلو في السند في هذا الحديث (أنه) أي رسول الله - ﷺ - (كان إذا دخل المسجد) أي أراد الدخول (قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه) أي ذاته (الكريم وسلطانه) أي غلبته (القديم من الشيطان الرجيم).\nقال القاري: الرجيم فعيل بمعنى مفعول، أي المطرود من باب الله، أو المشتوم بلعنة الله. الظاهر أنه خبر معناه الدعاء يعني اللَّهُم احفظني من وسوسته وإغوائه وخطراته وإضلاله، فإنه السبب في الضلالة والباعث على الغواية والجهالة، وإلا ففي الحقيقة أن الله هو الهادي المضل، ولذا قال بعض العارفين: لولا أنَّ الله أمرني بالاستعاذة منه لما تعوَّذت منه، فإنه أحقر وأصغر، ويحتمل أن يكون التعوذ من صفاته وأخلاقه من الحسد والكبر والعجب والغرور والإباء والإغواء.\n(قال) أي عقبة: (أقط؟) (١) الهمزة للاستفهام، أي انتهى الحديث الذي بلغك عني، (قلت: نعم) هذا الذي بلغني عنك فقط (قال) عقبة، ويمكن أن يكون مرجع الضمير رسول الله - ﷺ -، فمعناه على الأول قال عقبة: لم ينته الحديث على ما ذكرت من الكلام فقط، بل بعده في الحديث (فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ) أي الداعي بهذا الدعاء (مني سائر اليوم) (٢) أي بقيته\n_________\n(١) بفتح القاف وسكون الطاء ويجوز كسرها بمعنى حسب. (ش).\n(٢) وكذا الليل فذكر اليوم تشبيه، وقيل: المراد به مطلق الوقت. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>(١٩) بَابُ مَا جَاءَ في الصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ</span>\n٤٦٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثَنَا مَالِكٌ، عن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ،\n===\nأو جميعه، وعلى الثاني يقدر بعد قوله: قلت: نعم، قال عقبة: لم ينته الحديث على هذا القدر، بل بعده هذا الكلام أيضًا، وهو: قال رسول الله - ﷺ -: فإذا قال الداعي ذلك ... الحديث.\nقال القاري (١): ويقاس عليه الليل، أو يراد باليوم مطلق الوقت فيشمله. قال ابن حجر: إن أريد حفظه من جنس الشياطين تعين حمله على حفظه من كل شيء مخصوص كأكبر الكبائر، أو من إبليس اللعين فقط بقي الحفظ على عمومه وما يقع منه من إغواء جنوده، وإنما ذكرت ذلك لأنا نرى ونعلم من يقول ذلك ويقع في كثير من الذنوب، فتعين حمل الحديث على ما ذكرته، انتهى، وفيه (٢) أن الظاهر أن لام الشيطان للعهد، والمراد منه قرينه الموكل على إغوائه، وأن القائل ببركة ما ذكر من الذكر يحفظ منه في الجملة في ذلك الوقت عن بعض المعاصي وتعيينه عند الله تعالى، وبه يرتفع أصل الإشكال، والله أعلم بالحال.\n\n(١٩) (بَابُ مَا جَاءَ في الصَّلَاةِ عِنْدَ دخُولِ المَسْجدِ)\n٤٦٥ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (ثنا مالك) بن أنس، (عن عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي، قال أحمد: ثقة من أوثق الناس، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صالح، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان عابدًا فاضلًا فكان ثقة مأمونًا، وقال الخليلي: أحاديثه كلها يحتج بها، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٢١ هـ.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٢٧).\n(٢) وعندي أن الحفظ من الشيطان مطلقًا، وصدور المعاصي من النفس الأمارة. (ش).","vol":"3","page":192},{"text":"عن عَمْرِو بْن سُلَيْمٍ (١)، عن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُصَلِّ سَجْدَتَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْلِسَ\". [خ ٤٤٤، م ٧١٤، ت ٣١٦، ن ٧٣٠، جه ١٠١٣، حم ٥/ ٢٩٦، دي ١٣٩٣]\n===\n(عن عمرو بن سليم (٢)، عن أبي قتادة أن رسول الله - ﷺ -: إذا جاء أحدكم المسجد فليصل سجدتين) أي ركعتين (٣) (من قبل أن يجلس) (٤).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٥): واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب، ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صرح به ابن حزم عدمه، ومن أدلة عدم الوجوب قوله - ﷺ - للذي رآه يتخطى: \"اجلس فقد آذيت\"، ولم يأمره بصلاة، كذا استدل به الطحاوي وغيره، وفيه نظر.\nوقال الطحاوي أيضًا: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها، قلت: هما عمومان تعارضا، الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلا بد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمع إلى عكسه، وهو قول الحنفية (٦) والمالكية.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الزرقي\".\n(٢) مصغرًا \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) فلا تتأدى بأقل منهما بالإِجماع، وان اختلفوا في صحة الأقل، كما بسطه في \"الأوجز\" (٣/ ٣٥٢). (ش).\n(٤) استنبط ابن دقيق العيد أن النهي لمن يريد الجلوس، وبه قال مالك إذ خصص التحية بمن يريد الجلوس، وعمم في فروع الشافعية والحنابلة جلس أو لا، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٣٥٤). وتفوت تحية المسجد بالجلوس القصير عمدًا، وبالطويل مطلقًا عند الشافعية، ولا يبطل عندنا ومالك مطلقًا، وعند أحمد يبطل بالطويل لا القصير. (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٧).\n(٦) وفرق الإِمام أحمد بين وقت الخطبة وغيره، ففي الأول مع الشافعي، وفي غيره معنا. (ش).","vol":"3","page":193},{"text":"٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا أَبُو عُمَيْسٍ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ،\n===\nقال الشوكاني (١): ومن جملة أدلة الجمهور على عدم الوجوب ما أخرجه (٢) ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: \"كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون\".\nومن أدلتهم أيضًا: حديث ضمام بن ثعلب عند البخاري ومسلم وغيرهما لما سأل رسول الله - ﷺ - عما فرض الله عليه من الصلاة، فقال: \"الصلوات الخمس، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلَّا أن تطوع\".\nقال العيني (٣): ولو قلنا بوجوبهما لحرم على المحدث بالحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم (٤) منه أنه لا يجب عليه سجودها عند دخوله.\n٤٦٦ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، نا أبو عميس) بمهملتين مصغرًا (عتبة بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي، قال أحمد وابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن رجل من بني زريق)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في باب المبهمات: عامر بن عبد الله بن الزبير عن رجل من بني زريق عن أبي قتادة هو عمرو بن سليم، ولعل المصنف أورد هذا مبهمًا بعد ما سماه في الرواية المتقدمة ليعلم أن هذا المبهم هو المسمى.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٨٨).\n(٢) وأيضًا روى حماد عن الجريري عن أنس قال: إذا دخلت المسجد فصل فيه، فإن لم تصل فاذكر الله فكأنك قد صليت، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٦٧).\n(٤) وفي الأصل: \"يلزم\"، والتصويب من العيني.","vol":"3","page":194},{"text":"عن أَبِي قَتَادَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ، وزَادَ: \"ثُمَّ لِيَقْعُدْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ أَوْ ليَذْهَبْ لِحَاجَتِهِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>(٢٠) بَابٌ: في فَضْلِ الْقُعُودِ في الْمَسْجِدِ</span>\n٤٦٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي الزِّنَادَ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قَالَ: \"الْمَلَائِكَةُ\n===\n(عن أبي قتادة) -﵁ - (عن النبي - ﷺ - نحوه) أي نحو الحديث المتقدم من طريق مالك، (وزاد) أي أبو عميس على حديث مالك، (ثم ليقعد بعد) أي بعد ما صلَّى ركعتين تحية المسجد (إن شاء) أي يقعد في المسجد إن أراد القعود، (أو ليذهب لحاجته).\n\n(٢٠) (بَابٌ: في فَضْلِ الْقُعُودِ في المَسْجدِ) (١)\nعقد البخاري \"باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد\"، فصنيعه يدل على أنه حمل الحديث على القعود لانتظار الصلاة، وأما صنيع المصنف فيدل على أن القعود في المسجد عنده عام، سواء كان لانتظار الصلاة أو بعد الفراغ من الصلاة للذكر وتلاوة القرآن وغيرها من العبادات، ويمكن أن يقال: إن البخاري زاد قوله: \"وفضل المساجد\" ليدل على أن القعود فيه لانتظار الصلاة وغيرها يقتضي الفضل.\n٤٦٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك) بن أنس، (عن أبي الزناد) عبد الرحمن بن ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: الملائكة تصلي) أي تستغفر (٢) وتدعو له\n_________\n(١) والمسجد الذي أسس على التقوى، لم يذكره المصنف وذكره الترمذي والنسائي. (ش).\n(٢) أشكل عليه أن حملة العرش يستغفرون للذين آمنوا فلم يبق لهم مزية، وأجيب بأن المراد هناك الرحمة، \"ابن رسلان\". أو المراد هناك ملائكة أخر، فيكرر لهم الدعاء. (ش).","vol":"3","page":195},{"text":"تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ. مَا دَامَ في مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي (١) فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَقُوم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ\". [خ ٤٤٥، م ٦٤٩ مطولًا، ت ٣٣٠، ن ٧٣٣، جه ٧٩٩، حم ٢/ ٢٨٩]\n٤٦٨ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ في صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ\" [خ ٦٥٩، م ٣٦٢، ط ١/ ١٦٠، ق ٣/ ٦٥]\n===\n(على أحدكم ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه)، أي منتظرًا للصلاة، كما صرح به البخاري في الطهارة من وجه آخر، وفي نسخة: \"الذي صلى فيه\"، فيكون هذا محمولًا على ما بعد الفراغ من الصلاة.\n(ما لم يحدث) قال الحافظ (٢): المراد بالحدث الناقض (٣) للوضوء، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، لكن صرح في روية أبي داود من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة بأول.\n(أو يقوم) وفي نسخة: \"أو يقم\"، وهو الأقيس أي ما لم يقم من مكانه ذلك، فإذا أحدث، أو قام، تنقطع صلاتهم (اللَّهُم اغفر له، اللَّهُم ارحمه).\n٤٦٨ - (حدثنا القعنبي، عن مالك) بن أنس، (عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة) -رضي الله تعالى عنه - (أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يزال أحدكم في صلاة) أي حكمًا أخرويًا يتعلق به الثواب، (ما كانت الصلاة تحبسه) أي ما دام ينتظرها، فإن الأَعمال بالنيات، بل نية المؤمن خير من عمله، (لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلَّا الصلاة).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"صلى\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٦٥).\n(٣) وهكذا روي عن مالك، ووجهه: أن من أحدث لم يبق منتظرًا للصلاة، وهو أولى من كلام من قال: إن الحدث هو الكلام القبيح، \"ابن رسلان\". ويطلق الإِحداث على الزنا أيضًا، ومنه حديث: \"أتي ﵊ بيهودي ويهودية قد أحدثا\". (ش).","vol":"3","page":196},{"text":"٤٦٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَبِي رَافِعٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَزَالُ الْعَبْدُ في صَلاةٍ مَا كَانَ في مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ\". فَقِيلَ: مَا يُحْدِثُ؟ . قَالَ: \"يَفْسُو أَوْ يَضْرِطَ\". [م ٦٤٩ حم ٢/ ٤١٥، خزيمة ٣٦٠]\n===\n٤٦٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة أو ابن زيد، والظاهر كونه ابن سلمة، كما في رواية مسلم، (عن ثابت) البناني، (عن أبي رافع) الصائغ، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يزال العبد في صلاة) أي حكمًا أخرويًا (ما) أي ما دام (كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللَّهُم اغفر له، اللَّهُم ارحمه، حتى ينصرف) عن مصلاه أو عن المسجد، (أو يحدث) (١) أي يبطل الوضوء بالحدث.\n(فقيل) أي قال قائل لأبي هريرة، والقائل رجل من حضرموت، وفي رواية مسلم لأبي رافع: \"قلت: ما يحدث؟ \"، فعلى هذا القائل أبو رافع، (وما يحدث؟) أي ما معنى قوله: يحدث، وما المراد بالحدث؟ ولعل سبب (٢) الاستفسار إطلاق الحدث على غير ذلك عندهم، أو ظنوا أن الإحداث بمعنى الابتداع، وتشديد الدال خطأ.\n(قال) أي أبو هريرة: (يفسو أو يضرط) أي معنى قوله: \"يحدث\" يفسو أو يضرط، الفساء: ريح من الدبر يخرج من غير صوت، والضراط: صوت من الدبر مع الريح.\n_________\n(١) اختلفوا هل يجوز إخراج الريح في المسجد؟ والبسط في \"الأوجز\" (٣/ ٣٣١)، وفي \"روضة المحتاجين\": ويجوز للمعتكف الخروج من المسجد للريح. (ش).\n(٢) وقيل: كان السائل أعجميًا لم يفهم معناه، \"بن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":197},{"text":"٤٧٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، ثنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ،\n===\n٤٧٠ - (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير بنون مصغرًا، ابن ميسرة بن أبان السلمي، ويقال: الظفري، أبو الوليد الدمشقي، خطيب المسجد الجامع بها، قال ابن معين: ثقة، وقال: كيس كيس، وقال العجلي: ثقة، وقال مرة: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الدارقطني: صدوق كبير المحل، وقال عبدان: ما كان في الدنيا مثله.\nوقال أبو حاتم: لما كبر هشام تغير، فكل ما دفع إليه قرأه وكل ما لقن تلقن، وكان قديمًا أصح، كان يقرأ من كتابه، وقال الآجري عن أبي داود: حدث هشام بأربع مائة حديث مسندة ليس لها أصل.\nوقال ابن عدي: سمعت فلسطين (١) يقول: حضرت مجلس هشام، فقال له المستملي: من ذكرت؟ فقال: حدثنا بعض مشايخنا ثم نعس، فقال المستملي: لا تنتفعون به، فجمعوا له شيئًا فأعطوه.\nوقال ابن وارة: عزمت زمانًا أن أمسك عن حديث هشام لأنه كان يبيع الحديث، وكان يأخذ على كل ورقتين درهمين.\nقال المرُّوذي: ذكر أحمد هشامًا، فقال: طياش خفيف، وذكر له قصة في اللفظ في القرآن أنكر عليه أحمد حتى إنه قال: إن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة، مات سنة ٢٤٥ هـ.\n(ثنا صدقة بن خالد) الأموي أبو العباس الدمشقي، مولى أم البنين أخت معاوية، وقيل: أخت عمر بن عبد العزيز، قال أحمد: ثقة ثقة، ليس به بأس، صالح الحديث، وقال ابن معين ودحيم وابن نمير والعجلي ومحمد بن سعد\n_________\n(١) كذا في الأصل و\"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٥٣) وهو تحريف، والصواب قسطنطين، هو قسطنطين بن عبد الله الرومي مولى المعتمد على الله أمير المؤمنين، انظر: \"تهذيب الكمال\" (٧/ ٤١٣).","vol":"3","page":198},{"text":"نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ الأَزْدِيُّ، عن عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ فَهُوَ حَظُّهُ\". [ق ٢/ ٤٤٧]\n===\nوأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائي في \"الكنى\" وابن عمارة: ثقة، مات سنة ١٨١ هـ، وقيل بعدها.\n(نا عثمان بن أبي العاتكة الأزدي) أبو حفص الدمشقي القاص، واسم أبي العاتكة سليمان، قال ابن معين: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: ليس بشيء، وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: ضعيف، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال العجلي: لا بأس به، وقال عثمان الدارمي: سمعت دحيمًا يثني عليه، وينسبه إلى الصدق، وقال أبو حاتم عن دحيم: لا بأس به، كان قاص الجند، وقال أبو داود: صالح، وقال خليفة: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٥٥ هـ.\n(عن عمير بن هانئ العنسي) بمهملتين وسكون النون، أبو الوليد الدمشقي الداراني، قال الحاكم وأحمد: يقال: أدرك ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ -، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، قال أبو داود: وكان قدريًا، وكان يسبِّح في اليوم مئة ألف تسبيحة، قتل سنة ١٢٧ هـ، وقال دحيم: لم يقتل هو إنما المقتول ابنه.\n(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أتى المسجد لشيء) أي لنية شيء من غرض ديني أو دنيوي (فهو) أي ذلك الغرض والمقصود (حظه) أي نصيبه يؤجر عليه أو يعاقب (١).\n_________\n(١) فمن جاء للصلاة فهي حظه، ومن جاء لها ولطلب العلم ولقاء المسلمين وغير ذلك حصل له ما أتاه لأجله، فهو حث على تكثير المقاصد، وقيل: احتراز عن سيِّئ النية كإنشاد الضالة مثلًا، ولذا عقبه به، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>(٢١) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ إِنْشَادِ الضَّالَّةِ في الْمَسْجِدِ</span>\n٤٧١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا حَيْوَةُ - يَعْنِي ابْنَ شُرَيْحٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَسْوَدِ (١) يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللُّهِ مَوْلَى شَدَّادٍ\n===\n\n(٢١) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ إِنْشَادِ الضَّالَّةِ في المَسْجدِ)\nأي: طلبها برفع الصوت\n٤٧١ - (حدثنا عبيد الله بن عمر الجشمي، ثنا عبد الله بن يزيد) المكي أبو عبد الرحمن المقرئ، (ثنا حيوة -يعني ابن شريح- قال) أي حيوة: (سمعت أبا الأسود يقول) أي أبو الأسود، وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود الأسدي المدني، يتيم عروة لأن أباه كان أوصى إليه، وكان جده الأسود من مهاجرة الحبشة، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: ليس له عقب، وكان كثير الحديث، ثقة، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال أحمد بن صالح: هو ثبت له شأن وذكر، وقال ابن البرقي: لا يعلم روايته عن أحد من الصحابة مع أن سنه يحتمل ذلك، مات بعد سنة ١٣٠ هـ.\n(أخبرني أبو عبد الله مولى شداد) هو سالم بن عبد الله النصري بنون مفتوحة وسكون مهملة، وهو سالم مولى النصريين، وهو سالم سبلان بفتح السين المهملة والموحدة، وهو سالم مولى مالك بن أوس بن الحدثان، وهو سالم مولى دوس، وهو سالم أبو عبد الله الدوسي، وهو سالم مولى المهري، وهو أبو عبد الله الذي روى عنه بكير بن الأشج، وكانت عائشة - ﵂ - تستعجب بأمانته تستأجره، قال: فأرتني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ، قال العجلي: سالم مولى المهري تابعي ثقة، وسالم مولى النصريين تابعي ثقة، وسالم سبلان تابعي ثقة، هكذا فرق بينهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١١٠ هـ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني محمد بن عبد الرحمن بن نوفل\".","vol":"3","page":200},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً في الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا أَدَّاهَا اللهُ إِلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا\". [م ٥٦٨، جه ٧٦٧، حم ٢/ ٤٢٠، دي ١٤٠١، ق ٢/ ٢٩٧]\n===\n(أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من سمع رجلًا ينشد (١) ضالة) (٢) أي يطلبها برفع الصوت (٣) (في المسجد) متعلق بينشد (فليقل: لا أداها الله إليك) أي لا أوصلها الله إليك، وفي رواية مسلم: \"لا ردها الله عليك\"، فإنه لما ترك احترام المسجد، ونشد فيه الضالة جوزي بالدعاء عليه بعدم وجدانها، فعلى هذا كلمة لا نافية، ويحتمل أن يكون لا ناهية أي لا تنشد، وقوله: \"أداها الله\" دعاء له لإظهار أن النهي نصح له، إذ الداعي بخير لا ينهى إلَّا نصحًا، لكن اللائق حينئذ الفصل بأن يقال: لا، وأداها الله إليك بالواو، لأن تركها موهم، إلَّا أن يقال: الموضع موضع زجر فلا يضربه الإيهام لكونه إيهام شيء هو آكد في الزجر، هكذا نقل عن \"فتح الودود\".\n(فإن المساجد لم تبن لهذا) تعليل للحكم، ويحتمل أن يكون من جملة المقول، والإشارة إلى نشدان الضالة، بل المساجد بنيت لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والوعظ، حتى كره مالك (٤) البحث العلمي، وجوزه أبو حنيفة وغيره، ويستثنى من ذلك عقد النكاح فيه.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: بفتح الياء وضم الشين، يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها عرفتها. (ش).\n(٢) بالهاء للذكر والأنثى، والجمع الضوالُّ كدابة ودواب، وهو مخصوص بالحيوان، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقطة. (ش).\n(٣) قال مالك وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت للعلم أيضًا، وأباحه أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك، \"ابن رسلان\". وبسطه العيني (٣/ ٥٠٤)، وسيأتي حكم إنشاد الشعر في المسجد في الجمعة. (ش).\n(٤) وهل يجوز النوم؟ قال الزيلعي في حاشيته على \"الكنز\": لا بأس به لغير المعتكف أيضًا، وفي \"الدر المختار\" (٢/ ٥٢٥): مكروه. (ش).","vol":"3","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>(٢٢) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ البُزَاقِ في الْمَسْجِدِ</span>\n٤٧٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ وَأَبَانُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"التَّفْلُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُوَارِيَهُ\". [م ٥٥٢، حم ٣/ ١٨٣]\n٤٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ (١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"إِنَّ الْبُزَاقَ في الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ،\n===\n\n(٢٢) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ البُزَاقِ (٢) في الْمَسُجدِ)\nأي: إلقاؤه في المسجد، قال في \"القاموس\": البصاق كغراب والبساق والبزاق: ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فـ: ريقٌ\n٤٧٢ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي، (ثنا هشام) الدستوائي (وشعبة وأبان) بن يزيد العطار، (عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - قال: التفل) (٣) بسكون فاء أي إلقاء البزاق (في المسجد خطيئة) أي ذنب، (وكفارته أن يواريه) أي يدفنه.\n٤٧٣ - (حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) وضاح بن عبد الله، (عن قتادة، عن أنس) بن مالك (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن البزاق) أي إلقاءه، وقد يقال بالسين والصاد المهملتين (في المسجد) (٤) أي في أرضه وجدرانه (خطيئة) أي إثم، وإنما أطلق عليه الخطيئة، لأن من شأن المسلم أن لا يصدر منه ذلك الفعل إلَّا خطأ، حتى قال ابن العماد: لا خلاف أن من بصق في المسجد استهانة به كفر.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن مالك\".\n(٢) سيأتي في هذا الباب أن النخعي قال بنجاسته. (ش).\n(٣) بفتح المثناة. \"ابن رسلان\".\n(٤) قال صاحب \"العون\" (٢/ ١٣٨): ظرف للفعل، قلت: بل للمفعول أي البزاق، قال ابن رسلان: ظرف للبزاق فلو كان البازق خارجه، وبزق فيه يتناوله النهي، قلت: دون عكسه. (ش).","vol":"3","page":202},{"text":"وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا\". [خ ٤١٥، م ٥٥٢، ن ٧٢٣، ت ٥٧٢]\n===\n(وكفارتها) أي إذا فعلها خطأ (دفنها) والضمير للبزاق وتأنيثها باعتبار الخطيئة، قال النووي (١): اعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقًا سواء احتاج إليه أو لم يحتج، بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة، وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق، هذا هو الصواب كما صرح به رسول الله - ﷺ -، وقال العلماء والقاضي عياض: فيه كلام باطل.\nحاصله: أن البزاق ليس بخطيئة إلَّا في حق من لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة، واستدل له بأشياء باطلة، فقوله هذا باطل صريح مخالف لنص هذا الحديث ولما قاله العلماء، نبهت عليه لئلا يغتر به.\nواختلف العلماء في المراد بدفنها، فالجمهور قالوا: المراد دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاته إن كان فيه تراب أو رمل أو حصاة ونحوها، وإلَّا فيخرجها.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وحاصل النزاع أن هاهنا عمومين تعارضا، وهما: قوله: \"البزاق في المسجد خطيئة\" وقوله: \"وليبصق عن يساره أو تحت قدمه\"، فالنووي يجعل الأول عامًا ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عامًا ويخص الأول بمن لم يرد دفنها، وقد وافق القاضي جماعة منهم ابن مكي في \"التنقيب\" والقرطبي في \"المفهم\" وغيرهما.\nويشهد لهم ما رواه أحمد (٣) بإسناد حسن من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: قال: \"من تنخم في المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه\".\nوأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد والطبراني (٤) بإسناد حسن من\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥١١).\n(٣) \"مسند أحمد\" (١/ ١٧٩).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٦٠)، \"المعجم الكبير\" (٨٠٩٢).","vol":"3","page":203},{"text":"٤٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، ثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ -، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"النُّخَاعَةُ في الْمَسْجِدِ\"، فَذكَرَ مِثْلَهُ. [حم ٣/ ١٠٩، وانظر سابقه]\n٤٧٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثنَا أَبُو مَوْدُودٍ،\n===\nحديث أبي أمامة مرفوعًا قال: \"من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة\"، فلم يجعله سيئة إلَّا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم (١) مرفوعًا قال: \"ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن\".\nفدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها لا بمن دفنها، وعلة النهي ترشد إليه، وهي تأذي المؤمن بها، ومما يدل على أن عمومه مخصوص بجواز ذلك في الثوب ولو كان في المسجد بلا خلاف.\nوتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر، وهو تفصيل حسن، والله أعلم.\n٤٧٤ - (حدثنا أبو كامل) فضيل بن حسين الجحدري، (ثنا يزيد- يعني ابن زريع-، عن سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: النخاعة في المسجد) قال النووي (٢): قال أهل اللغة المخاط من الأنف، والبصاق والبزاق من الفم، والنخامة وهي النخاعة من الرأس أيضًا ومن الصدر (فذكر) أي سعيد (مثله) أي مثل الحديث المتقدم الذي رواه أبو عوانة عن قتادة، وكذلك هشام وشعبة وأبان عن قتادة.\n٤٧٥ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (ثنا أبو مودود)\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" ح (٥٥٣).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٥).","vol":"3","page":204},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"مَنْ دَخَلَ هَذَا الْمَسْجِدَ فَبَزَقَ فِيهِ أَوْ تَنَخَّمَ، فَلْيَحْفُرْ وَلْيَدْفِنْهُ (١)، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلْيَبْزُقْ في ثَوْبِهِ، ثُمَّ لِيَخْرُجْ بِهِ\". [حم ٢/ ٢٦٠، خزيمة ١٣١٠]\n٤٧٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن أَبِي الأَحْوَصِ، عن مَنْصُورٍ، عن رِبْعِيٍّ،\n===\nهو عبد العزيز بن أبي سليمان الهذلي مولاهم، المدني، كان قاصًا لأهل المدينة، رأى أبا سعيد الخدري وغيره، قال أحمد وابن معين وأبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن المديني وابن نمير: أبو مودود المدني ثقة، وقال البرقي: وممن يضعف في روايته ويكتب حديثه أبو مودود المدني.\n(عن عبد الرحمن بن أبي حدرد) بمهملات، واسمه عبد (الأسلمي) المدني، قال الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: من دخل هذا المسجد فبزق فيه) أي فأراد إلقاء البزاق فيه (أو تنخّم) أي أراد إلقاء النخامة فيه، ويحتمل أن لا يقدر فيه الإرادة (فليحفر وليدفنه، فإن لم يفعل) أي إن لم يحفر ويدفن (فليبزق في ثوبه، ثم ليخرج به) أي من المسجد.\n٤٧٦ - (حدثنا هناد بن السري) بن مصعب، (عن أبي الأحوص) سلام بن سليم الحنفي، (عن منصور) بن المعتمر، (عن ربعي) بكسر أوله وسكون الموحدة، ابن حراش بكسر المهملة وآخره معجمة، أبو مريم العبسي الكوفي، مخضرم، سمع خطبة عمر بالجابية، قال العجلي: تابعي ثقة من خيار الناس لم يكذب كذبة قط، ووثَّقه ابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال اللالكائي: مجمع على ثقته، مات سنة ١٠٠ هـ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فليدفنه\".","vol":"3","page":205},{"text":"عن طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"إِذَا قَامَ الرَّجُلُ إِلَى الصَّلَاةِ، أَوْ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْزُقَنَّ (١) أَمَامَهُ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ،\n===\n(عن طارق بن عبد الله المحاربي) (٢) الكوفي، له رؤية وصحبة، له حديثان أو ثلاثة، (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا قام الرجل إلى الصلاة (٣) أو إذا صلَّى أحدكم) لفظة \"أو\" للشك (٤) من الراوي (فلا يبزقن أمامه) لأنه يناجي الله تعالى وكأنه قبل وجهه (ولا عن يمينه) (٥) تعظيمًا لليمين وزيادة لشرفها، أو لأن عن يمينه ملكًا يكتب الحسنات التي هي علامة الرحمة فهو أشرف، وقد ورد أنه أمير على ملك اليسار يمنعه من كتابة السيئات إلى ثلاث ساعات لعله يرجع.\nقال الطيبي (٦): يحتمل أن يراد ملك آخر غير الحفظة يحضر عند الصلاة للتأييد والإلهام والتأمين على دعائه، فسبيله سبيل الزائر، فيجب أن يكرم زائره فوق من يحفظه من الكرام الكاتبين، قال ابن حجر: واستثنى بعضهم من المسجد النبوي مستقبل القبلة، فإن بصاقه عن يمينه أولى لأنه ﵇ عن يساره، انتهى، وهو وجيه كما لو كان عن يساره جماعة ولم يتمكن منه تحت قدمه، فإن الظاهر أنه حينئذ عن اليمين أولى، تم كلامه، والظاهر أنه إذا صلَّى داخل الكعبة أو الحجر فيتعين تحت قدمه إذا كان تحته ثوب أو يأخذه بكمه أو ذيله.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فلا يبزق\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٤٨٠) رقم (٢٥٩٥).\n(٣) وإيراده في باب المسجد كأنه فهم أنه يختص بالمسجد لكن اللفظ أعم، قاله ابن رسلان، قلت: بل عمومه يتناول المسجد خلافًا لما تقدم عن النووي. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: ولفظ البخاري \"إذا قام\" بدون الشك، قلت: أخرجه برواية أبي هريرة، وليس لطارق حديث عند البخاري. (ش).\n(٥) وهل منع اليمين مختص بالصلاة أو يعم خارجها؟ مختلف فيه، راجع: \"عمدة القاري\" (٣/ ٣٩٨). (ش).\n(٦) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٠١).","vol":"3","page":206},{"text":"وَلَكِنْ عَنْ تِلْقَاءِ يَسَارِهِ إِنْ كَانَ فَارِغًا، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ ليَقُلْ بِهِ\". [ن ٧٢٦، ت ٥٧١، جه ١٠٢١، حم ٦/ ٣٩٦، خزيمة ٨٧٦]\n٤٧٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا حَمَّادٌ، ثَنَا أَيُّوبُ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ الله - ﷺ -\n===\n(ولكن عن تلقاء يساره) أي على ثوبه إن كان في المسجد، فإن قيل: ما وجه اختصاص اليمين بالمنع مع أن على اليسار ملكًا آخر، وأجاب جماعة من القدماء باحتمال اختصاصه بملك اليمين تشريفًا له، ولا يخفى ما فيه، وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في هذ الحديث قال: \"فإن عن يمينه كاتب الحسنات\"، وفي \"الطبراني\": \"أنه يقوم بين يدي الله، وملك عن يمينه، وقرينه عن يساره\"، فالبصاق حينئذ إنما يقع على القرين وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك. \"علي القاري\" (١).\n(إن كان فارغًا) أي خاليًا عن الناس، وأما إذا كان على يساره أحد فلا يجوز أن يبصق عن يساره، لأنه يؤذيه، وإيذاء المؤمن حرام (أو تحت قدمه اليسرى) أي يبصق تحت قدمه اليسرى (ثم ليقل) أي ليمسح ويدلك، قال في \"المجمع\" (٢): العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال نحو: قال بيده أي أخذ، وقال برجله أي مشى، وقالت له العينان سمعًا وطاعة أي أومأت، وقال بالماء على يده أي قلب، وقال بثوبه رفعه، وكله مجاز كما روي في حديث السهو: \"ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق\"، روي أنهم أومأوا برؤوسهم أي نعم، ولم يتكلموا، (به) أي بالبصاق.\n٤٧٧ - (حدثنا سليمان بن داود) العتكي، (ثنا حماد) بن زيد، (ثنا أيوب) السختياني، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن ابن عمر قال: بينما رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٠١).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٣٤).","vol":"3","page":207},{"text":"يَخْطُبُ يَوْمًا، إِذْ رَأَى نُخَامَةً في قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَتَغَيَّظَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَكَّهَا. قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فَدَعَا (١) بِزَعْفَرَانٍ فَلَطَّخَهُ بِهِ، قَال: وَقَالَ: \"إِنَّ الله تَعَالَى قِبَلَ وَجْهِ أَحَدِكُمْ إِذَا صَلَّى،\n===\nيخطب يومًا إذ) للمفاجأة وهي الواقعة بعد بين وبينما (رأى نخامة في قبلة المسجد) أي جدار المسجد الذي يلي القبلة، والظاهر أنه رآها بعد ما فرغ من الخطبة وتوجه إلى القبلة، ويمكن أنه رآها في حالة الخطبة حين كان موليًا ظهره كما ورد في الحديث: (إني أراكم من وراء ظهري\".\n(فتغيظ) أي أظهر الغضب على هذا الفعل (على الناس، ثم حكها) (٢) أي النخامة (قال) أي نافع أو أحد من رواة السند غيره: (وأحسبه) أي ابن عمر، وعلى الثاني مرجع الضمير شيخ القائل (قال: فدعا بزعفران (٣) فلطخه) أي محل النخامة (به) أي بزعفران (قال: وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالى قبل وجه أحدكم إذا صلَّى).\nقال الخطابي (٤): تأويله أن القبلة التي أمر الله ﷿ بالتوجه إليها في الصلاة قبل وجهه فليصنها عن النخامة، وفيه إضمار وحذف واختصار، كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (٥) أي حب العجل، وإنما أضيف تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما قيل: بيت الله وكعبة الله تعالى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ودعا\".\n(٢) زاد البخاري: \"بيده\"، والمعنى تولى بنفسه لا أنه باشر بيده، ويؤيده ما سيأتي بعرجون، ولا مانع من تعدد القصة. (ش).\n(٣) ولفظ النسائي: \"فقامت امرأة من الأنصار، فحكتها فجعلت مكانها خلوقًا\"، \"ابن رسلان\"، وقال أيضًا: فيجمع على التعدد، أو أن النسبة إليه مجازي بالأمر. (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (١/ ١٩٥).\n(٥) سورة البقرة: الآية ٩٣.","vol":"3","page":208},{"text":"فَلَا يَبْزُقْ (١) بَيْنَ يَدَيْهِ\". [خ ٧٥٣، م ٥٤٧، ج ٧٦٣، ن ٧٢٤، حم ٣/ ١٩١، دي ١٣٩٧]\n٤٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، ثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ-،\n===\n(فلا يبزق بين يديه)، وفي نسخة الحاشية: قال أبو داود: ورواه إسماعيل (٢) وعبد الوارث (٣)، عن أيوب، عن نافع، ومالك (٤) وعبيد الله (٥) وموسى بن عقبة (٦)، عن نافع نحو حماد، إلَّا أنهم لم يذكروا الزعفران، ورواه معمر (٧) عن أيوب، وأثبت الزعفران فيه، وذكر يحيى بن سليم (٨) عن عبيد الله، عن نافع الخلوق.\n٤٧٨ - (حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي) الحارثي، وقيل: الشيباني، أبو زكريا البصري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة مأمون، قَلَّ شيخ رأيت بالبصرة مثله، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة.\n(ثنا خالد -يعني ابن الحارث-) بن عبيد بن سليم الهجيمي بمضمومة وفتح جيم، أبو عثمان البصري، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة،\n_________\n(١) في نسخة: \"فلا يبزقن\".\n(٢) رواية إسماعيل وصلها أحمد (٢/ ٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٥)، ومسلم (٥٤٧)، وابن خزيمة (٢/ ٦٢) رقم (٩٢٣).\n(٣) رواية عبد الوارث لم أقف على من أخرجها فيما تتبعت من الكتب.\n(٤) رواية مالك، فهي في \"الموطأ\" (١/ ١٨٧) رقم (٤٦٦) ومن طريق مالك أخرجها أحمد (٢/ ٦٦)، والبخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٤٧).\n(٥) ورواية عبيد الله بن عمر أخرجها أحمد (٢/ ٢٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٥)، ومسلم (٥٤٧).\n(٦) ورواية موسى بن عقبة وصلها مسلم (٥٤٧).\n(٧) ورواية معمر وصلها عبد الرزاق (١٦٨٣).\n(٨) ورواية يحيى بن سليم لم أعثر على من أخرجها فيما تتبعت من الكتب.","vol":"3","page":209},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عن (١) عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِي (٢) سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُحِبُّ الْعَرَاجِينَ، وَلَا يَزَالُ في يَدِهِ مِنْهَا، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى نُخَامَةً في قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ مُغْضَبًا (٣) فَقَالَ: \"أَيَسُرُّ أَحَدُكُمْ\n===\nوقال أبو زرعة: كان يقال له خالد الصدق، وقال ابن سعد: ثقة، وقال أبو حاتم: إمام ثقة، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال الترمذي: ثقة مأمون، وكان من عقلاء الناس ودهاتهم، مات سنة ١٨٦ هـ.\n(عن محمد بن عجلان، عن عياض بن عبد الله) بن سعد بن أبي سرح بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مهملة، القرشي العامري المكي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن يونس: وُلد بمكة، ثم قدم مصر مع أبيه، ثم رجع إلى مكة فلم يزل بها حتى مات، وفي \"التقريب\": مات على رأس المأة.\n(عن أبي سعيد الخدري: أن النبي - ﷺ - كان يحب العراجين) (٤) قال في \"القاموس\": العرجون كزنبور: العِذْقُ، أو إذا يبس واعوَجَّ، أو أصله، أو عود الكِبَاسَة، أو نبت كالفُطْرِ يشبه الفَقْعَ، جمعه عراجين، وفي \"المجمع\": ومنه \"كان يحب العراجين\"، وهو قضيب منقوش فيه شماريخ عذق الرطب.\n(ولا يزال في يده منها، فدخل) أي رسول الله - ﷺ - (المسجد فرأى نخامة في قبلة المسجد) أي جدار المسجد الذي يلي القبلة (فحكها) أي النخامة بالعرجون، (ثم أقبل) أي توجه (على الناس مغضبًا) بفتح الضاد المعجمة على صيغة المفعول أي في حالة الغضب (فقال: أيسر أحدكم) مفعول للفعل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سمع عن\".\n(٢) وفي نسخة: \"سمع أبا سعيد\".\n(٣) بفتح الضاد، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) قيل: يحبها استذكارًا لقوله تعالى: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]. (ش).","vol":"3","page":210},{"text":"أَنْ يُبْصَقَ في وَجْهِهِ، إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ ﷿، وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَا يَتْفُلْ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا في قِبْلَتِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ هَكَذَا\"، وَوَصَفَ لَنَا ابْنُ عَجْلَانَ ذَلِك: أَنْ يَتْفُلَ في ثَوْبِهِ، ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ. [ك ١/ ١٥٧، وانظر م ٥٤٨]\n٤٧٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ السِّجِسْتَانِيُّ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ (١)\n===\n(أن يبصق) على صيغة المجهول (في وجهه) (٢) فاعل له، والاستفهام بمعنى النفي (إن أحدكم إذا استقبل القبلة فإنما يستقبل ربه ﷿) أي يناجيه فكأنه مستقبله (والملك (٣) عن يمينه فلا يتفل عن يمينه ولا في قبلته، وليبصق عن يساره (٤) أو تحت قدمه، فإن عجل به أمر فليقل) أي فليدلك (هكذا، ووصف) أي بين (لنا ابن عجلان) وهذا قول خالد بن الحارث (ذلك) أي هذا الفعل الذي أشار به - ﷺ - (أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض).\n٤٧٩ - (حدثنا يحيى بن الفضل السجستاني) قال في \"التقريب\": مقبول، (وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن) بن عيسى التميمي الدمشقي، أبو أيوب، ابن بنت مسلم بن شرحبيل الخولاني، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق مستقيم الحديث، ولكنه روى عن الضعفاء والمجهولين، وقال أبو داود: ثقة يخطئ كما يخطئ الناس، وقال ابن معين: ثقة إذا روى عن المعروفين، وقال النسائي: صدوق، قال الحاكم: قلت للدارقطني: سليمان بن عبد الرحمن؟ قال: ثقة، قلت: أليس عنده مناكير؟ قال: حدث بها عن قوم ضعفاء، وأما هو فثقة، مات سنة ٢٣٣ هـ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الدمشقيان بهذا الحديث، وهذا لفظ يحيى بن الفضل السجستاني\".\n(٢) وهو حجة لنا في أن السواك المتلطخ بالبزاق لا يكون قدام المصلي. (ش).\n(٣) تقدم الإِشكال بملك اليسار كاتب السيئات. (ش).\n(٤) فيقع على قرينه، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":211},{"text":"قَالُوا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ-، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرًا- يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ- وَهُوَ في مَسْجِدِهِ فَقَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّه - ﷺ - في مَسْجِدِنَا هَذَا وَفِي يَدِهِ عُرجُونُ ابْنِ طَابٍ،\n===\n(قالوا: حدثنا حاتم -يعني ابن إسماعيل-) المدني، أبو إسماعيل الحارثي مولاهم، قال ابن سعد: كان أصله من الكوفة ولكن انتقل إلى المدينة فنزلها، ومات بها سنة ١٨٦ هـ، وكان ثقة مأمونًا كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أحمد: زعموا أن حاتمًا كان فيه غفلة إلَّا أن كتابه صالح، وقال الذهبي في \"الميزان\": قال النسائي: ليس بالقوي.\n(ثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت) الأثصاري المدني، أبو الصامت، ويقال له: عبد الله أيضًا، قال أبو زرعة والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كنيته أبو الوليد.\n(قال) أي عبادة: (أتينا جابرًا -يعني ابن عبد الله-)، وهذا قول يعقوب، غرضه بهذا أن عبادة لم يقل لفظ ابن عبد الله ولكن كان يريد ذلك (وهو) أي جابر (في مسجده) أي في مسجد محلته وقبيلته وهو مسجد (١) بني سلمة.\n(فقال) جابر: (أتانا رسول الله - ﷺ - في مسجدنا هذا وفي يده عرجون ابن طاب).\nقال في \"القاموس\": وعذق ابن طاب نخل بها، وابن طاب ضرب من الرطب، وفي \"المجمع\" (٢): وحديث \"أتينا برطب ابن طاب\" هو نوع من أنواع\n_________\n(١) ويسمى مسجد بني حرام كما في \"خلاصة الوفاء\" (٢/ ٣٠٩) و\"وفاء الوفاء\"، ووهم من جعله مسجد القبلتين. (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٧٧).","vol":"3","page":212},{"text":"فَنَظَرَ فَرَأَى في قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً، فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَحَتَّهَا بِالْعُرْجُونِ ثُمَّ قَالَ: \"أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ بِوَجْهِهِ\"؟ !\nثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ (١) عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ، فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذا\"، وَوَضَعَهُ عَلَى فِيهِ ثُمَّ دَلَكَهُ ثُمَّ قَالَ: \"أَرُونِي عَبِيرًا\"،\n===\nتمر المدينة منسوب إلى ابن طاب رجل من أهلها، يقال: عذق ابن طاب، وتمر ابن طاب، وعرجون ابن طاب.\n(فنظر) أي نظر فجأة أو أخبره بها جبرئيل ﵇، (فرأى) رسول الله - ﷺ - (في قبلة المسجد) أي جدار المسجد الذي يلي القبلة (نخامة)، وهي بلغم لزج ينزل من الرأس أو يخرج من الصدر (فأقبل عليها) أي تقدم إليها (فَحَتَّها) أي حَكَّها وأَزَالَها (بالعرجون، ثم قال: أيكم يُحِبُّ أن يعرض الله عنه بوجهه؟) أي إلقاء النخامة في جدار القبلة سبب لأن يعرض الله عنه بوجهه، فمن فعل هذا فكأنه أحبَّ ذلك، والاستفهام للتوبيخ والتهديد.\n(ثم قال: إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه)، وقد تقدم تأويله عن الخطابي، (فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة) أي إن بدرت به بادرة النخامة وغلبته فلا تمهل أن يبصق عن يساره تحت رجله (فليقل) أي فليتفل (بثوبه هكذا) أي فليفعل هكذا (ووضعه) أي الثوب (على فيه (٢) ثم دلكه)\n(ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (أروني) أي آتوني (عبيرًا) قال في القاموس: العبير: الزعفران أو أخلاط من الطيب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وليبزق\".\n(٢) وفيه وفيما بعده حجة على طهارة البزاق، ولا أعلم أحدًا قال بنجاسته إلَّا إبراهيم النخعي، قاله ابن رسلان، وتقدم. (ش).","vol":"3","page":213},{"text":"فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ في رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - فَجَعَلَهُ عَلَى رَأسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَّخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَة\".\nقَالَ جَابِر: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ في مَسَاجِدِكُمْ. [م ٣٠٠٨]\n٤٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عن بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ الْجُذامِيِّ، عن صَالِحِ بْنِ خَيْوَانَ،\n===\n(فقام فتى) أي شاب (من الحي) لم أقف على اسمه (يشتد) أي يعدو (إلى أهله، فجاء بخلوق) قال في \"المجمع\" (١): الخلوق: طيب مركَّب من الزعفران وغيره (في راحته، فأخذه رسول الله - ﷺ - فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به) أي بالخلوق (على أثر النخامة) أي محلها.\n(قال جابر: فمن هناك) أي من أجل ما فعل رسول الله - ﷺ - هاهنا (جعلتم الخلوق في مساجدكم) لأنه ثبت استحبابه بفعله - ﷺ - ذلك.\n٤٨٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو) بن الحارث، (عن بكر بن سوادة الجذامي (٢)، عن صالح بن خيوان (٣) بالمعجمة وقيل بالمهملة، قال ابن الأعرابي عن أبي داود: ليس أحد يقوله بالخاء المعجمة إلَّا أخطأ، وقال الدارقطني: هو بالخاء المعجمة، وقال ابن ماكولا: قاله البخاري وابن يونس (٤) بالمهملة ولكنه وَهْمٌ، السبائي بفتح المهملة نسبة إلى سبأ بن يشجب المصري، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عبد الحق: لا يحتج به، وعاب ذلك عليه ابن القطان، وصحح حديثه.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١٠٠).\n(٢) بضم الجيم وتخفيف الذال المعجمة. (ش).\n(٣) لم يرو عنه أبو داود غير هذا الحديث، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وكذا قاله الذهبي، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":214},{"text":"عن أَبِي سَهْلَةَ السَّائِبِ بْنِ خَلَاّدٍ - قَالَ أَحْمَدُ: مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ في الْقِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ فَرَغَ: \"لَا يُصَلِّي لَكُمْ\"، فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ، فَمَنَعُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"نَعَمْ\"، وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: \"إِنَّكَ آذَيْتَ الله وَرَسُولَهُ - ﷺ -\". [حم ٤/ ٥٦]\n===\n(عن أبي سهلة السائب بن خلاد) (١) بمفتوحة وشدة لام، ابن سويد بن ثعلبة الخزرجي المدني الصحابي، استعمله عمر على اليمن، قال أبو عبيد: شهد بدرًا، وولي اليمن لمعاوية، مات سنة ٧١ هـ.\n(قال أحمد) وهذا قول أبي داود يقول: قال شيخي أحمد بن صالح: (من أصحاب النبي - ﷺ -) فهذا قول شيخه أحمد بن صالح (أن رجلًا أمَّ قومًا) ولعلهم وفدوا عليه - ﷺ -، (فبصق) أي ذلك الإِمام (في القبلة) أي في جهتها (ورسول الله - ﷺ - ينظر، فقال رسول الله - ﷺ - حين فرغ) من الصلاة: (لا يصلي لكم) أي لا يكن هذا الرجل إمامكم في الصلاة بعد هذا.\n(فأراد) ذلك الرجل (بعد ذلك) أي بعد القول الذي صدر عنه - ﷺ - (أن يصلي لهم)، أن يؤمّهم فيصلي بهم، ولعله لم يبلغه قوله - ﷺ - فيه، (فمنعوه) عن الإمامة، (وأخبروه بقول رسول الله - ﷺ -) أي أنه - ﷺ - قال: \"لا يصلي لكم\".\n(فذكر) أي الرجل (ذلك) أي منع القوم، وبأنه - ﷺ - قال ذلك، (لرسول الله - ﷺ - فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (نعم) أي أنا أمرتهم بذلك.\n(وحسبت) أي قال أبو سهلة: حسبت (أنه) - ﷺ - (قال: إنك آذيت الله ورسوله - ﷺ -).\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٦٦) رقم (١٩٠٩).","vol":"3","page":215},{"text":"٤٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عن أَبِي الْعَلَاءِ، عن مُطَرِّفٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَبَزَقَ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى. [حم ٤/ ٢٥، خزيمة ٨٧٩]\n===\nوفي هذا القول زجر عظيم وتهديد بليغ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (١)، ولكن لما صدر من الرجل ذلك الفعل جلًا وخطأ لم يعده كفرًا، ويحتمل أن يكون ذاك الرجل منافقًا وعلم نفاقه - ﷺ - إذ ذاك فنهى عن إمامته، وما نقل ابن حجر عن الطبراني (٢) من حديث عبد الله بن عمرو قال: أمر رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلي بالناس الظهر فتفل في القبلة، وقال: هذا شاهد لحديث السائب بن خلاد، فيمكن أن تكون هذه قصة أخرى غير تلك.\n٤٨١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة، (أنا سعيد) بن إياس (الجريري، عن أبي العلاء) هو يزيد بن عبد الله بن الشخّير العامري البصري، أخو مطرف، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٠٨ هـ.\n(عن مطرف) بن عبد الله، (عن أبيه) هو عبد الله بن الشخير (٣) بكسر الشين وتشديد الخاء المعجمتين، العامري، له صحبة، وعداده في أهل البصرة، وذكره ابن سعد في طبقة مسلمة الفتح، وقال ابن منده: وفد في وفد بني عامر.\n(قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وهو يصلي فبزق تحت قدمه اليسرى).\n_________\n(١) سورة الأحزاب: الآية ٥٧.\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" ورجاله ثقات، انظر: \"مجمع الزوائد\" (رقم الحديث ٢٠١١).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٦٢٠) رقم (٣٠٠٥).","vol":"3","page":216},{"text":"٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عن سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي الْعَلَاءِ، عن أَبِيهِ، بِمَعْنَاهُ، زَادَ: \"ثُمَّ دَلكَهُ بِنَعْلِهِ\".\n٤٨٣ - حَدَّثَنَا قتيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ\n===\n٤٨٢ - (حدثنا مسدد، ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن أبيه بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم الذي رواه حماد عن سعيد، حاصله أن أبا العلاء روى عن أخيه مطرف عن أبيه في رواية حماد، وأما في رواية يزيد بن زريع، فروى أبو العلاء عن أبيه بلا واسطة أخيه، و(زاد) أي يزيد بن زريع في حديثه على حديث حماد (ثم دلكه بنعله).\n٤٨٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الفرج بن فضالة) بن النعمان بن نعيم التنوخي القضاعي، أبو فزارة الحمصي، ويقال: الدمشقي، قال أبو داود عن أحمد: إذا حدث عن الشاميين فليس به بأس، ولكنه حدث عن يحيى بن سعيد مناكير، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، ونقل عنه أنه قال: ليس به بأس، وأيضًا قال: صالح، وعن ابن المديني: هو وسط وليس بالقوي، وقال ابن المديني عن أبيه: ضعيف لا أحدث عنه، وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف الحديث، وقال الساجي: ضعيف الحديث، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، لا يحل الاحتجاج به، مات سنة ١٧٧ هـ.\n(عن أبي سعيد) وفي نسخة على الحاشية \"أبي سعد\"، وهكذا في النسخة المصرية، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": أبو سعد الحميري الحمصي عن واثلة بن الأسقع في الصلاة في النعلين، قال ابن القطان: لا يعرف، قال: ووقع في رواية أبي سعيد ابن الأعرابي بزيادة، والصحيح أبو سعد (١).\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب أبو سعيد كما في \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٠٦).","vol":"3","page":217},{"text":"قَالَ: رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ بَصَقَ عَلَى الْبُورِيِّ (١) ثُمَّ مَسَحَهُ برِجْلِهِ، فَقِيلَ لهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: \"لأَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (٢) - ﷺ - يَفْعَلُهُ\". [حم ٣/ ٤٩٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>(٢٣) بَابُ مَا جَاءَ في الْمُشْرِكِ يدخلُ الْمَسْجِدَ</span>\n===\n(قال) أي أبو سعيد: (رأيت واثلة بن الأسقع) (٣) بالقاف، ابن كعب بن عامر بن ليث الليثي، أسلم قبل تبوك وشهدها، كان من أهل الصفة، فلما قبض رسول الله - ﷺ - خرج إلى الشام، مات سنة ٨٥ هـ وهو ابن مأة وخمس سنين، وكان آخر الصحابة موتًا بدمشق.\n(في مسجد دمشق بصق على البوري) قال في \"المجمع\": هي الحصير المعمول من القصب (ثم مسحه برجله، فقيل له: لم فعلت هذا؟ قال: لأني رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله) أي يبصق على البوري ثم يمسحه برجله.\n\n(٢٣) (بَابُ مَا جَاءَ في المُشْرِكِ يَدْخلُ المَسْجدَ) (٤)\nيعني يجوز دخول المشرك في المسجد، كأن المصنف يشير إلى أن النهي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٥) مبني على نجاسة اعتقادهم لا على نجاسة أبدانهم، وفي دخول المشرك المسجد مذاهب:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"البواري\".\n(٢) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٠٠) رقم (٥٤٣٠).\n(٤) وعن أحمد في ذلك روايتان: لا يجوز مطلقًا، ويجوز بإذن الإِمام، قال: وأما الحرم فلا يجوز لهم الدخول بحال، كذا في \"المغني\" (١٣/ ٢٤٦)، ثم لا يخفى عليك أنه ترجم البخاري على هذا الحديث \"باب القراءة والعرض على المحدث\" ومقتضاه كون الرجل السائل مسلمًا إذ عرض الكافر لا يعتبر به، وأما ترجمة المصنف فصريح في أنه كان مشركًا، وسيأتي في \"البذل\". (ش).\n(٥) سورة التوبة: الآية ٢٨.","vol":"3","page":218},{"text":"٤٨٤ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا لَهُ: هَذَا الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ،\n===\nفعند الحنفية (١) الجواز مطلقًا، وعن المالكية والمزني المنع مطلقًا، وعن الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره للآية (٢).\n٤٨٤ - (حدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث) بن سعد، (عن سعيد المقبري، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أن بن مالك يقول) أي أنس: (دخل رجل على جمل) وهو ضمام بن ثعلبة السعدي وافد بني سعد بن بكر، وكان عمر بن الخطاب يقول: ما رأيت أحدًا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة، والراجح أن قدومه كان سنة تسع.\n(فأناخه في المسجد) فيه مجاز الحذف، والتقدير: فأناخه في ساحة المسجد أو نحو ذلك، لأنه صريح (٣) في رواية ابن عباس الآتية، ولفظها: \"فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل\"، وفي رواية أبي نعيم: \"أقبل على بعير له حتى أتى المسجد فأناخه، ثم عقله فدخل المسجد\"، (ثم عقله) بتخفيف القاف أي شد ساعد الجمل إلى فخذه ملويًا.\n(ثم قال: أيكم محمد؟ ورسول الله - ﷺ - متكئٌ بين ظهرانيهم) أي وسطهم، قال في \"القاموس\": وهو بين ظهريهم وظهرانيهم ولا تكسر النون، وبين اْظهرهم أي وسطهم، (ففلنا له: هذا الأبيض المتكئ) مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر حذف مبتدؤه بقرين السؤال، وهو محمد.\n_________\n(١) غير محمد كما بسطه الشامي (٦/ ٣٢٤). (ش).\n(٢) وكذا قال ابن رسلان، وبسطه العيني (٣/ ٥١٥). (ش).\n(٣) فلا يصح ما استنبطه ابن بطال من طهارة بول مأكول اللحم، كما هو مذهب مالك وأحمد، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":219},{"text":"فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -ﷺ-: «قَدْ أَجَبْتُكَ»، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّى سَائِلُكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ٦٣، م ١٢، ن ٢٠٩١، جه ١٤٠٢، ت ٦١٩، حم ٣/ ١٦٨، دي ٦٥٠، ق ٣/ ٦٢]\n===\n(فقال له) أي لرسول الله - ﷺ - (الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبي - ﷺ -: قد أجبتك) (١) أي سمعتك، أو المراد إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق، (فقال له الرجل: يا محمد).\nقال العلماء: لعل هذا كان قبل النهي عن مخاطبته - ﷺ - باسمه قبل نزول قول الله ﷿: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٢)، ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية ولم تبلغ الآية هذا القائل.\nقلت: وهذا التأويل محمول على أن قوله في الحديث: آمنت بما جئت، يكون (٣) إخبارًا، وإما على احتمال أن يكون قوله إنشاء، ورجحه القرطبي، فلا يحتاج إلى هذه التأويلات، ويؤيده ما عقد المصنف من الباب في المشرك يدخل المسجد، فإنه يقتضي أنه أسلم بعد ما تكلم مع النبي - ﷺ - وسمع جوابه.\n(إني سائلك، وساق الحديث) أخرجه (٤) البخاري مطولًا من طريق عبد الله بن يوسف.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: لم يقل نعم، لأنه لم يخاطبه بما يليق من التعظيم، وقال الخطابي (انظر: \"مختصر المنذري مع معالم السنن\" ١/ ١٩٧): لم يرض بما ناداه من الانتساب إلى جده الكافر فأجابه، وأشكل بقوله ﵊ في حنين: \"أنا ابن عبد المطلب\"، وأجابه بأنه كان لضرورة، كما في \"عون المعبود\" (٢/ ١٥٢)، والأوجه عندي أنه إخبار لإِجابته أولًا. (ش).\n(٢) سورة النور: الآية ٦٣.\n(٣) وعلى هذا فتبويب المصنف محمول على أنهم تركوا شخصًا يدخل المسجد من غير استفسار، \"ابن رسلان\".\nوقلت: وعلى هذا يتفق رأي المصنف رأي البخاري إذ بوب عليه \"العرض على المحدث\"، قال ابن رسلان: ليتهم أوّلوا بتبويب البخاري وأقروا بتبويب أبي داود على ظاهره فإنه أصرح في المسألة. (ش).\n(٤) الذي فيه تكرار \"آلله أمرك بهذا قال: نعم\". (ش).","vol":"3","page":220},{"text":"٤٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَت بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عند (١) بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ: فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، قَالَ (٢): يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [حم ١/ ٢٦٤، دي ٦٥٢ مطولًا]\n===\n٤٨٥ - (حدثنا محمد بن عمرو) بن بكر الرازي أبو غسان زنيج بزاي ونون وجيم، مصغرًا، ثقة، (ثنا سلمة) بن الفضل، (حدثني محمد بن إسحاق، حدثني سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع) الأسدى مولى آل زبير، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال الذهبي: ما روى عنه غير ابن إسحاق، أخرج أبو داود حديثه مقرونًا بسلمة بن كهيل.\n(عن كريب) بن أبي مسلم، (عن ابن عباس قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة (٣) إلى رسول الله - ﷺ -) أي وافدًا، (فقدم) ضمام (عليه) أي على رسول الله - ﷺ -، (فأناخ بعيره عند باب المسجد، ثم عقله) أي شد العقال على ركبته، (ثم دخل المسجد، فذكر) أي ابن عباس أو محمد بن عمرو (نحوه) أي نحو ما ذكره أنس بن مالك، أو عيسى بن حماد في الحديث المتقدم.\n(قال) أي ابن عباس: (فقال) ضمام: (أيكم ابن عبد المطلب (٤)؟ فقال رسول الله - ﷺ -: أنا (٥) ابن عبد المطلب، قال: يا ابن عبد المطلب، وساق الحديث) أي ابن عباس أو محمد بن عمرو، والغرض منه بيان الاختلاف الواقع\n_________\n(١) وفي نسخة: \"على\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) وزاد الطبراني في روايته: \"وكان مسترضعًا فيهم\". (ش).\n(٤) ولعله سأل أيكم محمد بن عبد المطلب؟ فذكر كل راو جزءًا. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: فيه جواز قول الرجل: \"أنا\"، وأنكرها بعضهم. (ش).","vol":"3","page":221},{"text":"٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"الْيَهُودُ أَتَوُا النَّبِىَّ -ﷺ- وَهُوَ جَالِسٌ فِى الْمَسْجِدِ فِى أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فِى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا مِنْهُمْ\". (١). [ق ٢/ ٤٤٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>(٢٤) بَابٌ: في الْمَواضِعِ الَّتي لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ</span>\n٤٨٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ،\n===\nبين روايتي ابن عباس وأنس بأن في رواية أنس لم يذكر اسم الجائي، وقال: أناخ في المسجد، وعبر في السؤال باسمه الشريف، وفي رواية ابن عباس صرح باسم الجائي، قال: وأناخ بعيره عند باب المسجد، وعبر بلفظ ابن عبد المطلب.\n٤٨٦ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، ثنا رجل من مزينة) مجهول، (ونحن عند سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال) أي أبو هريرة: (اليهود أتوا النبي - ﷺ - وهو) أي النبي - ﷺ - (جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، في رجل) أي تكلموا في رجل (وامرأة زنيا منهم)، وسيجيء الحديث مفصلًا في الحدود في رجم اليهوديين.\n\n(٢٤) (بَابٌ: في الْمَوَاضِعِ التِي لا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ)\n٤٨٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير) بن حازم، (عن الأعمش، عن مجاهد) بن جبر، (عن عبيد بن عمير) بن قتادة الليثي ثم الجندعي،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"منهم زنيا\".","vol":"3","page":222},{"text":"عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «جُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا». [حم ٥/ ١٤٥، دي ٢٤٦٧]\n===\nأبو عاصم المكي، قاص أهل مكة، ولد على عهد النبي - ﷺ -، قاله مسلم، وعده غيره في كبار التابعين، مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر، قال العجلي: مكي تابعي ثقة، من كبار التابعين، كان ابن عمر يجلس إليه ويقول: لله در ابن قتادة ماذا يأتي به، وقال ابن حبان في \"الثقات\": مات سنة ٦٨ هـ.\n(عن أبي ذر) الغفاري (قال: قال رسول الله - ﷺ -: جعلت لي الأرض (١) طهورًا) أي مطهرًا (٢) عند عدم الماء، كما وقع في كتاب الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣) (ومسجدًا) (٤) أي موضع صلاة.\nقال الخطابي: وقد يحتج بظاهر خبر أبي ذر من يرى التيمم جائزًا بجميع أجزاء الأرض من جص ونورة وزرنيخ وغيرها، وإليه ذهب أهل العراق، وقال الشافعي: لا يجوز التيمم إلَّا بالتراب.\nقال الخطابي (٥): حديث أبي ذر فيه إجمال وإبهام، وتفصيله في حديث حذيفة بن اليمان: \"جعلت لنا الأرض مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورًا\" وإسناده جيد، والمفسر من الحديث يقضي على المجمل.\n_________\n(١) حجة لنا في كونها محل التيمم بدون تخصيص التراب. (ش).\n(٢) فإن الطهور قد يطلق على الطاهر أيضًا لكنه طاهر في حق الجميع فلا وجه للتخصيص، فلا بد أن يراد به المطهر، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) سورة النساء: الآية ٤٣.\n(٤) وفي \"صحيح مسلم\" ح (٥٢٢) عن حذيفة قال: فُضِّلْنا على الأمم بثلاث، جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، قال القاري (٢/ ٨٥): لأن الأمم السابقة لم تجز لهم الصلاة إلَّا في الكنائس والبيع، وقال أيضًا برواية عمرو بن شعيب: وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم، وأجاب عما يرد بعيسى ﵊ وعلى نبينا أنه كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة، وأجاب عنه العيني (٣/ ١٩٥) بأن الخصيصة في التيمم دون الصلاة، وكذا قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٣٧). (ش).\n(٥) \"معالم السنن\" (١/ ١٩٧).","vol":"3","page":223},{"text":"٤٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ لَهِيعَةَ وَيَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ الْمُرَادِىِّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ الْغِفَارِىِّ \"أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - مَرَّ بِبَابِلَ وَهُوَ يَسِيرُ، فَجَاءَهُ\n===\nقلت: وحديث حذيفة لا يستدل به على أن لا يجوز التيمم إلَّا بالتراب، فإنه لا يدل على الحصر، ولا نسلم أنه تفسير لإجمال حديث أبي ذر، بل نقول: لا إجمال فيه مطلقًا، بل غايته أنه مطلق ومقيد، والأصل فيه ما وقع في القرآن من لفظ \"صعيدًا\"، فإنه الأرض مطلقًا، والتخصيص بالتراب تقييد لمطلق الكتاب بخبر الواحد وذلك لا يجوز.\nثم قال الخطابي: إنما جاء قوله: \"جعلت الأرض مسجدًا وطهورًا\" على مذهب الامتنان على هذه الأمة بأن رخص لهم في الطهور في الأرض والصلاة عليها في بقاعها، وكانت الأمم المتقدمة لا يصلون إلَّا في كنائسهم وبيعهم.\n٤٨٨ - (حدثنا سليمان بن داود) العتكي، (أنا ابن وهب) عبد الله (قال: حدثني ابن لهيعة) عبد الله (ويحيى بن أزهر) المصري مولى قريش، أثنى عليه ابن بكير خيرًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وفي \"التقريب\": صدوق.\n(عن عمار بن سعد المرادي) السلهمي بمهملة مفتوحة ثم لام ساكنة بعدها هاء مفتوحة، المصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن يونس: ثقة، توفي سنة ١٤٨ هـ.\n(عن أبي صالح الغفاري) سعيد بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال ابن يونس: روايته عن علي مرسلة وما أظنه سمع منه، (أن عليًا مَرّ ببابل (١» قال في \"القاموس\": بابل كصاحب: موضع بالعراق، وإليه ينسب السحر والخمر، (وهو يسير (٢)، فجاءه)\n_________\n(١) أنزل الله ﷿ فيها السحر بملكين هاروت وماروت ابتلاءً للناس، و\"بابل\" اسم سرياني لم ينصرف للعجمة والعلم، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) ولعله في مسيره إلى البصرة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":224},{"text":"الْمُؤَذِّنُ يُؤْذُنُه لِصَلَاةِ (١) الْعَصْرِ، فَلَمَّا بَرَزَ مِنْهَا أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: إِنَّ حِبِّى (٢) ﵇ نَهَانِى أَنْ أُصَلِّىَ فِى الْمَقْبُرَةِ، وَنَهَانِى أَنْ أُصَلِّىَ فِى أَرْضِ بَابِلَ، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ\". [ق ٢/ ٤٥١]\n٤٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،\n===\nأي عليًا -﵁ - (المؤذن يؤذنه) من الإفعال أي يعلمه (لصلاة العصر) فلم يجبه، (فلما برز منها) أي خرج من أرض بابل (أمر الموذن فأقام) أي المؤذن (الصلاة، فلما فرغ) أي علي بن أبي طالب من الصلاة (قال: إن حبي ﵇) يعني النبي - ﷺ - (نهاني أن أصلي في المقبرة) أي موضع المقبور (ونهاني أن أصلي في أرض بابل، فإنها ملعونة) (٣).\nقال الخطابي (٤): في إسناد هذا الحديث مقال (٥)، ولا أعلم أحدًا من العلماء حرَّم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله - ﷺ -: \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\"، ويشبه أن يكون معناه: إن ثبت أنه نهاه أن تتخذ أرض بابل وطنًا ودارًا للإقامة فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها، أو مخرج النهي فيه على الخصوص، ألا تراه يقول: \"نهاني\"، ولعل ذلك منه إنذار له بما أصابه من المحنة بكوفة وهي أرض بابل، ولم ينتقل أحد من الخلفاء الراشدين قبله من المدينة، انتهى، وأما كونها ملعونة فلعله (٦) لأجل أنه خسف بها أهلها.\n٤٨٩ - (حدثنا أحمد بن صالح) المصري، (ثنا ابن وهب) عبد الله،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بصلاة\".\n(٢) وفي نسخة: \"حبيبي\".\n(٣) مجاز، أي: ملعونة أهلها، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (١/ ١٩٨).\n(٥) بسطه العيني (٣/ ٤٤٩). (ش).\n(٦) وخسف بها نمرود بن كنعان، كما بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":225},{"text":"أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ وَابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ الْغِفَارِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ، بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ قَالَ: \"فَلَمَّا (١) خَرَجَ\" مَكَانَ \"فَلَمَّا بَرَزَ\". [انظر الحديث السابق]\n٤٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ،\n===\n(أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة) عبد الله، (عن الحجاج بن شداد) بمفتوحة وشدة دال مهملة أولى، الصنعاني، يعد في المصريين، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، وقال في \"التقريب\": حجّاج بن شداد الصنعاني، نزيل مصر، مقبول، من السابعة.\n(عن أبي صالح الغفاري) سعيد بن عبد الله (٢)، (عن علي) بن أبي طالب (بمعنى سليمان بن داود) حاصله أن المؤلف أبا داود يقول: حديث أحمد بن صالح هذا يخالف حديث سليمان بن داود في أن في سند حديث سليمان بن داود يروي ابن لهيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد، عن أبي صالح، وفي حديث أحمد بن صالح يرويان عن الحجاج بن شدّاد، عن أبي صالح، ولكنه يوافق معنى حديث سليمان بن داود.\n(قال) أي أحمد بن صالح: (\"فلما خرج منها\" مكان \"فلما برز\") يعني أن أحمد بن صالح وسليمان بن داود بعد اتفاقهما في معنى الحديث اختلفا في اللفظ بأن سليمان بن داود قال: فلما برز، وأما أحمد بن صالح فقال: فلما خرج.\n٤٩٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري، (ثنا حماد) بن سلمة، (ح: وحدثنا مسدد) بن مسرهد، (ثنا عبد الواحد) بن زياد، (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني، (عن أبيه) يحيى بن عمارة المازني، (عن أبي سعيد)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لما\".\n(٢) غلط من الناسخ، والصواب عبد الرحمن. (ش).","vol":"3","page":226},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ مُوسَى فِى حَدِيثِهِ: فِيمَا يَحْسَبُ عَمْرٌو: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ-: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَاّ الْحَمَّام وَالْمَقْبُرَة». [ت ٣١٧، جه ٧٤٥، دي ١٣٩٩، خزيمة ٧٩١، حم ٣/ ٨٣، ك ١/ ١٥١، حب ١٦٩٩، ع ١٣٥٠، ق ١/ ٤٣٥]\n===\nالخدري (١) سعد بن مالك (قال) أي أبو سعيد: (قال رسول الله - ﷺ -) وهذا في حديث مسدد، (وقال موسى) أي ابن إسماعيل شيخ المؤلف (في حديثه: فيما يحسب) أي يظن (عمرو: أن النبي -صلي الله عليه وسلم-).\nوحاصله (٢) أن هذا بيان الاختلاف الواقع في حديث مسدد وفي حديث موسى بن إسماعيل، فإن مسددًا رفع الحديث قطعًا من غير ذكر لفظ يدل على الشك فيه، وأما موسى فقد ذكر الرفع في حديثه بطريق يدل على أن رفع الحديث مظنون غير متيقن.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (الأرض كلها مسجد (٣) إلَّا الحمام (٤) والمقبرة) بفتح الباء وضمها، وفي \"القاموس\": المقبرة مثلثة الباء وكَمِكْنَسَهٍ: موضع القبور، فالنهي بالصلاة في الحمام لأنه محل النجاسة والشيطان.\nقال القاري (٥): اختلفوا في أن النهي بالصلاة في المقبرة هل هو للتنزيه أو للتحريم؟ قال ابن حجر: ومذهبنا الأول، ومذهب أحمد التحريم، بل وعدم انعقاد الصلاة، لأن النهي عنده في الأمكنة يفيد التحريم والبطلان كالأزمنة.\n_________\n(١) قال ابن العربي (٢/ ١١٣): حديث أبي سعيد مضطرب. (ش).\n(٢) والظاهر أن هذا غير الاختلاف المشهور في هذا الحديث، فإنهم اختلفوا في وصله وإرساله، كما بسطه ابن رسلان، ونقل عن البيهقي، و\"علل الدارقطني\" ترجيح الإِرسال، وسيأتي شيء منه في آخر الحديث. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: له معنيان: الأرض الموقوفة، والأظهر موضع السجود. (ش).\n(٤) ذكروا لمنعه علتين: إما كونها لا يخلو عن رشاش وكشف عورات أو كونها مأوى الشياطين، \"ابن رسلان\"، وفيه التصاوير عادة أو تشتت البال. (ش).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٠٢).","vol":"3","page":227},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال شارح \"المنية\" (١): وفي \"الفتاوى\": لا بأس بالصلاة في المقبرة إذا كان فيهما موضع أعد للصلاة وليس فيها قبر (٢).\nقال أبو عيسى الترمذي (٣) بعد تخريج هذا الحديث: حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين: منهم من ذكر عن أبي سعيد، ومنهم من لم يذكره، وهذا حديث فيه اضطراب (٤)، روى سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي - ﷺ - مرسلًا، ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ -، ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه، قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ -، ولم يذكر فيه عن أبي سعيد، وكأنّ رواية الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي - ﷺ - أثبت وأصح، انتهى.\nقلت: هذا الذي قاله الترمذي غير موافق لأصول المحدثين، فكما أن الثوري أرسل هذا الحديث رواه حماد بن سلمة موصولًا، وقد تعاضد وصله بما رواه عبد الواحد عن عمرو بن يحيى في رواية أبي داود، وأما محمد بن إسحاق، فقال الترمذي: كان روايته عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ -، وهذا أيضًا يؤيد الوصل، فكيف يمكن أن يرجح الإرسال على الوصل على أن في الوصل إثباتًا للزيادة، وقول المثبت للزيادة أولى بالقبول، لأنه يدل على العلم، وقد حكى القاري عن ميرك، وقد رواه أبو داود مسندًا، والذي وصله ثقة فلا يضره إرساله.\n_________\n(١) \"غنية المتملي\" (ص ٣٦٣).\n(٢) ولا نجاسة ولا قبلته إلى قبر، كذا في \"الشامي\" (٢/ ٥٣)، وذكر جملة المواضع المكروهة فيها، وذكر علل الكراهة أيضًا. (ش).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢/ ١٣١).\n(٤) قال الحافظ في \"فتح الباري\": (١/ ٥٢٩) اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان. انظر: \"المستدرك\" (١/ ١٥١)، و\"الإِحسان\" (٤/ ٥٩٨).","vol":"3","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>(٢٥) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ في مَبَارِكِ الإِبْلِ </span>(١)\n٤٩١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاةِ فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ، فَقَالَ: «لَا تُصَلُّوا فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ»، وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ،\n===\n\n(٢٥) (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ في مَبَارِكِ الإبِلِ)\nجمع مبرك، وهو الموضع الذي تبرك فيه الإبل عند الرجوع عن الماء، ويستعمل في الموضع الذي تكون فيه الإبل بالليل أيضًا.\n٤٩١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم، (ثنا الأعمش) سليمان، (عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال) أي الراء: (سئل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها) أي الإبل (من الشياطين) (٢).\nوفي \"ابن ماجه\" من رواية الحسن عن عبد الله بن مغفل ولفظه: \"فإنها خلقت من الشياطين\"، وعند أحمد من حديث ابن مغفل بإسناد صحيح ولفظه: \"لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت\".\n(وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم) قال الجوهري: المرابض للغنم كالمعاطن للإبل، واحدها مربض بكسر الباء الموحدة كمجلس، وقال: وربوض الغنم والبقر والفرس مثل بروك الإبل وجثوم الطير.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب في الصلاة في مبارك الإِبل\".\n(٢) وبسط في معناه ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ٩٠). (ش).","vol":"3","page":229},{"text":"فَقَالَ: \"صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ (١) \". [راجع تخريج الحديث رقم ١٨٤]\n===\n(فقال: صلوا فيها فإنها بركة) قال الشوكاني (٢): والحديث يدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم، وعلى تحريمها في معاطن الإبل، وإليه ذهب أحمد بن حنبل فقال: لا تصح بحال، فإن صلَّى فيها أعاد (٣) أبدًا، وقال ابن حزم: لا تحل في معاطن إبل.\nوذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة، وعلى التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة، وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها، ولو سلمنا النجاسة فيه لم يصح جعلها علة، لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم، إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها، كما قال العراقي.\nوأيضًا قد قيل: إن حكمة النهي (٤) ما فيها من النفور، فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها، أو أذى يحصل له منها أو تشوش الخاطر الملهي عن الخشوع في الصلاة، وبهذا (٥) علل النهي أصحابُ الشافعي وأصحاب مالك، وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ.\nوإذا عرفت هذا الاختلاف في العلة تبين لك أن الحق الوقوف على مقتضى النهي وهو التحريم، كما ذهب إليه أحمد والظاهرية، وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فأمر إباحة ليس للوجوب اتفاقًا.\nقلت: والحق عندي أن النهي في الحديث محمول على التنزيه إذا لم تكن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مباركة\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٦٠).\n(٣) وهو رواية ابن حبيب عن مالك، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٥٠٦). (ش).\n(٤) وقيل: علته أن الإِبل ربما يستتر به وبرحاله المتخلي لقضاء الحاجة، ويبول الرجل إلى البعير المبارك فأشبه بيت الخلاء، \"ابن رسلان\". وبسط الكلام على العلل في \"الأوجز\" (٣/ ٥٠٤). (ش).\n(٥) ويؤيده قوله ﵊: \"فإنها خلقت من الشياطين\". (ش).","vol":"3","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>(٢٦) بَابٌ: مَتَى يُؤْمَرُ الْغُلامُ بِالصَّلَاةِ</span>\n===\nالأرض نجسة لقوله ﵇: \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" ولقوله: \"أينما أدركتك الصلاة فصلها\" (١)، ولأن ابن عمر - ﵁ - وغيره من الصحابة رووا أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي إلى بعيره، وأيضًا كان يصلي على راحلته، وقد ذكر الطحاوي (٢) نسخة رسالة كتبها عبد الله بن نافع إلى الليث بن سعد، وفيها: وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة فيصلي إليها وهي تبعر وتبول.\nقال الإِمام الشافعي - ﵀- في \"الأم\" (٣): وفي قول النبي - ﷺ -: \"لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها جن من جن خلقت\" دليل على أنه إنما نهي عنها كما قال - ﷺ - حين نام عن الصلاة: \"أخرجوا بنا من هذا الوادي، فإنه واد به شيطان\" (٤)، فكره أن يصلي في قرب الشيطان، فكان يكره أن يصلي قرب الإبل، لأنها خلقت من جن لا لنجاسة موضعها، وقال في الغنم: \"هي من دواب الجنة\"، فأمر (٥) أن يصلي في مُرَاحِها، يعني في الموضع الذي يقع عليه اسم مراحها الذي لا بعر فيه ولا بول، قال: ولا يحتمل الحديث معنى غيرهما، وهو مستغنٍ بتفسيرِ حديث النبي - ﷺ - والدلائل عنه عن بعض هذا الإيضاح.\n\n(٢٦) (بَابٌ: مَتَى يَؤْمَرُ الغُلَامُ بِالصَّلَاةِ)\nالغلام يقال للصبي من حين الولادة إلى البلوغ، ويقال للرجل المستحكم القوة، والأنثى غلامة \"مجمع\" (٦)، والمراد هاهنا من لم يحتلم.\n_________\n(١) وفي الأصل: \"فصله\" وهو تحريف.\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٨٦).\n(٣) (١/ ٢٧٤).\n(٤) أخرجه مسلم (٦٨٠).\n(٥) لكن في \"ابن ماجه\" بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: \"إن لم تجدوا إلَّا معاطن الإِبل ومراح الغنم فصلوا فيها ولا تصلوا في المعاطن\" الحديث (٧٦٨)، فعلم بهذا أن الإِطلاق في الروايات مقيد بعدم الوجدان، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٠).","vol":"3","page":231},{"text":"٤٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ الطَّبَّاعِ -، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «مُرُوا\n===\n٤٩٢ - (حدثنا محمد بن عيسى - يعني ابن الطباع -، ثنا إبراهيم بن سعد، عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة) بن معبد الجهني، وثَّقه العجلي، وقال أبو خيثمة: سئل يحيى بن معين عن أحاديث عبد الملك بن الربيع عن أبيه عن جده فقال: ضعاف، وحكى ابن الجوزي عن ابن معين أنه قال: عبد الملك ضعيف، وقال أبو الحسن بن القطان: لم تثبت عدالته وإن كان مسلم أخرج له، فغير محتج به، انتهى، ومسلم إنما أخرج له حديثًا واحدًا في المتعة متابعة، وقال الذهبي في \"الميزان\": عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه صدوق إن يشاء الله، ضعفه يحيى بن معين فقط.\n(عن أبيه) أي عن أبي عبد الملك وهو الربيع بن سبرة بفتح مهملة وسكون موحدة، ابن معبد الجهني المدني، قال العجلي: حجازي تابعي ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن جده) أي جد عبد الملك هو سبرة بن معبد الجهني أبو ثرية (١) بفتح المثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية، له صحبة، ذكره ابن سعد فيمن شهد الخندق فما بعدها.\n(قال) أي سبرة: (قال النبي - ﷺ -: مروا) (٢) أمر للأولياء، لأن الصبي غير مكلف (٣) لقول رسول الله - ﷺ -: \"رفع القلم عن ثلاثة\" وفيه \"وعن الصبي حتى\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٧٦) رقم (١٩٣٧).\n(٢) والأمر للولي، قيل للوجوب وقيل للاستحباب، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن العربي (٢/ ١٩٨): ليس لسن الصبي حد، والجملة أنه إذا يعقل يصلي، وقال مالك: إذا بدل أسنانه، وقال ابن رسلان: المراد استكمال العشر أو في العاشر قولان، وحكى في وجهه قولين: إما توهم البلوغ بالاحتلام أو قوته وتحمله للضرب. (ش).","vol":"3","page":232},{"text":"الصَّبِىَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا (١) بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ (٢) عَلَيْهَا». [ت ٤٠٧، حم ٣/ ٤٠٤، دي ١٤٣١، قط ١/ ٢٣٠، ك ١/ ٢٠١، ق ٢/ ١٤]\n===\nيشب أو يحتلم\" فهو ليس بمخاطب إلَّا ما ورد في قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ (٣) الآية.\n(الصبي) (٤) قال في \"القاموس\": والصبي من لم يفطم بعد، قلت: والمراد هاهنا الذي لم يحتلم فأمرهم (بالصلاة) (٥) لهم للتخلق والاعتياد (إذا بلغ سبع سنين، إذا بلغ) أي الصبي (عشر سنين فاضربوه) أي الصبي (عليها) أي على الصلاة أي تركها.\nوقال الخطابي (٦): قوله هذا يدل على إغلاظ العقوبة له إذا تركها متعمدًا بعد البلوغ، وكان بعض فقهاء أصحاب الشافعي يحتج به في وجوب قتله إذا تركها متعمدًا بعد البلوغ، ويقول: إذا استحق الصبي الوضوء وهو غير بالغ فقد عقل أنه بعد البلوغ يستحق من العقوبة ما هو أشد من الضرب، وليس بعد الضرب شيء مما قاله العلماء أشد من القتل.\nوقد اختلف الناس في حكم تارك الصلاة، فقال مالك والشافعي: يقتل،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فإذا\".\n(٢) وفيه ضرب الأولاد، وفي \"الدر المنثور\" (٥/ ٢٦٥) برواية البيهقي عن أم أيمن مرفوعًا: \"وأنفق على أهلك من طَوْلك ولا ترفع عصاك عنهم\"، وفيه أيضًا: لي ضرب الأولاد كضرب المماليك. [قلت: قال العينى في \"شرحه\" (٢/ ٤١٤): هذا الأمر للإِرشاد والتأديب وليس للوجوب]. (ش).\n(٣) سورة النور: الآية ٥٨.\n(٤) وفي معناه الصبية إجماعًا، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) إن احتيج للتعلم إلى الأجرة فهي من مال الصبي، فإن لم يكن له مال فعلى الأب ثم على الأم، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) \"معالم السنن\" (١/ ١٩٩).","vol":"3","page":233},{"text":"٤٩٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ - يَعْنِى الْيَشْكُرِىَّ -، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ سَوَّارٍ أَبِى حَمْزَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ سَوَّارُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو حَمْزَةَ الْمُزَنِىُّ الصَّيْرَفِىُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ\n===\nوقال مكحول: يستتاب فإن تاب وإلّا قتل، وإليه ذهب حماد بن زيد ووكيع بن الجراح، وقال أبو حنيفة: لا يقتل، ولكن يضرب ويحبس، وعن الزهري أنه قال: إنما هو فاسق يضرب ضربًا مبرحًا، ويسجن، ويرده ما قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث\" الحديث، وهذا الذي قالوا حكم في مقابلة النص الصحيح الصريح.\n٤٩٣ - (حدثنا مؤمل بن هشام -يعني اليشكري-) أبو هشام البصري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود والنسائي ومسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٣ هـ.\n(ثنا إسماعيل) هو ابن عليّة وكان صهره، (عن سوار) بتشديد الواو وآخره راء (أبي حمزة) بن داود المزني الصيرفي البصري، صاحب الحلي، قال أبو طالب عن أحمد: شيخ بصري لا بأس به، روى عنه وكيع فقلب اسمه، وهو شيخ يوثق بالبصرة، لم يرو عنه غير هذا الحديث، وقال الدارقطني: لا يتابع على أحاديثه فيعتبر به، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال أبو داود: وهو) أي سوار (سوار بن داود أبو حمزة المزني الصيرفي) يقول: إن سوار الراوي اسم أبيه داود، وكنيته أبو حمزة، ومنسوب إلى قبيلة مزينة، وأيضًا منسوب إلى تجارة الذهب والفضة فيقال: صيرفي، والغرض بذكر هذا إشارة إلى أن وكيعًا غلط فيه وقلبه فقال: داود بن سوار.\n(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) هو شعيب بن محمد، (عن جده) أي جد","vol":"3","page":234},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ». [حم ٢/ ١٨٠، ك ١/ ١٩٧، ق ٣/ ٨٤، قط ١/ ٢٣٠]\n٤٩٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنِى دَاوُدُ بْنُ سَوَّارٍ الْمُزَنِىُّ (١) بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَزَادَ فيه: «وَإِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ».\n===\nشعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص (قال) جد شعيب عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله - ﷺ -: مروا أولادكم) من الغلمان والجواري (بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها) أي على تركها (وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم (٢) في المضاجع) قال في \"المجمع\": وحديث \"فرقوا بينهم في المضاجع\"، أي فرقوا بين الأخ والأخت مثلًا في المضاجع لئلا يقعوا فيما لا ينبغي، لأن بلوغ العشر مظنة الشهوة.\n٤٩٤ - (حدثنا زهير بن حرب، ثنا وكيع) بن الجراح، (حدثني داود بن سوار المزني) هذا ما وهم فيه وكيع، وصوابه سوار بن داود (بإسناده) أي حدث وكيع بموافقة إسناد حديث (٣) مؤمل (ومعناه) أي ومعنى حديث مؤمل (وزاد) أي وكيع (فيه) أي في حديثه: (وإذا زوج أحدكم خادمه) مفعول أول لِزَوَّجَ، والمراد الأمة (عبده) مفعول ثان لِزَوَّجَ، (أو) للشك من الراوي (أجيره) أي قال لفظ عبده أو أجيره (فلا ينظر) أي أحدكم (إلى ما دون السرة) أي سرة الأمة (وفوق الركبة) أي فوق ركبة الأمة، ويمكن أن يرجع ضمير \"فلا ينظر\" إلى لفظ الخادم باعتبار تذكيره، فحينئذ يكون المعنى: فلا يحل للأمة المزوجة أن تنظر إلى مَا دون سرة مولاها وفوق ركبته.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الصيرفي\".\n(٢) وقال ابن رسلان: فرقوا بين الغلمان، فالغلام والجارية بالطريق الأولى. (ش).\n(٣) الصواب بإسناد إسماعيل، كذا قال الشيخ أسعد، وسكت عنه ابن رسلان، ووافق صاحب \"العون\" (٢/ ١٦٣) الشيخ قدس سره. (ش).","vol":"3","page":235},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهِمَ وَكِيعٌ فِى اسْمِهِ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِىُّ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ (١): حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ سَوَّارٌ الصَّيْرَفِىُّ.\n٤٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِى مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ الْجُهَنِىُّ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: مَتَى يُصَلِّى الصَّبِىُّ؟ فَقَالَتْ: كَانَ\n===\n(قال أبو داود: وهم وكيع في اسمه) أي في اسم شيخه، فقلب اسمه باسم أبيه واسم أبيه باسمه، كما تقدم في ترجمته (وروى عنه أبو داود الطيالسي هذا الحديث) وروى عنه أي عن سوار بن داود هذا الحديث.\n(فقال: ثنا أبو حمزة سوار الصيرفي) كما قال إسماعيل، فثبت بهذا أن ما قال وكيع من القلب فوهم منه.\n٤٩٥ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب) عبد الله (أخبرني هشام بن سعد، حدثني معاذ بن عبد الله بن خبيب) مصغرًا (الجهني) المدني، قال ابن معين: هو من الثقات، وقال أبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: ليس بذاك، وقال ابن حزم: مجهول، مات سنة ١١٨ هـ.\n(قال) أي هشام بن سعد: (دخلنا عليه) أي على معاذ بن عبد الله (فقال) أي معاذ بن عبد الله (لامرأته) قال الشوكاني (٢): قال ابن القطان: لا تعرف هذه المرأة ولا الرجل الذي روت عنه، وقد رواه الطبراني من هذا الوجه فقال: عن أبي معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه به، قال ابن صاعد: حسن غريب.\n(متى يصلي) أي يؤمر بالصلاة (الصبي؟ فقالت) أي امرأة معاذ: (كان\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٦٩).","vol":"3","page":236},{"text":"رَجُلٌ مِنَّا يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ، فَمُرُوهُ بِالصَّلَاةِ». [ق ٣/ ٨٤، طس ٣٠٤٣]\n\n(٢٧) بَابُ (١) بَدْءِ الأَذَانِ (٢)\n===\nرجل منا يذكر عن رسول الله - ﷺ -) ولعله كان هذا الرجل المبهم من الصحابة فلا يضر إبهامه، وإن كان من دون الصحابة فجهله يضعف الحديث (أنه) أي رسول الله - ﷺ - (سئل عن ذلك) أي متى يؤمر الصبي بالصلاة؟ (فقال: إذا عرف يمينه من شماله، فمروه بالصلاة) والغالب أنه يحصل ذلك على سبع سنين، وبعضهم يعرف قبلها، وبعضهم لا يعرف بعدها فلا يعتد بهم لقلتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>(٢٧) (بَابُ بَدْءِ الأذَانِ) </span>(٣)\nأي ابتداؤه، واختلفت الروايات في أن الأذان متى شرع ابتداءً، فإنها وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة، ففي بعضها أن جبرئيل أمر النبي - ﷺ - بالأذان حين فرضت الصلاة، وفي بعضها أنه - ﷺ - علم الأذان ليلة الإسراء، ولكن قال الحافظ ابن حجر (٤): والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث (٥)، وقد جزم ابن المنذر بأنه - ﷺ - كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثم حديث عبد الله بن زيد.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب في الأذان\". وأيضًا \"باب ما جاء في بدء الأذان\".\n(٢) هل باشر النبي - ﷺ - الأذان؟ راجع \"فتح الباري\" (٢/ ٧٩)، وبسط صاحب \"فيض الباري\" في الأذان أبحاثًا كثيرة فأرجع إليه (٢/ ١٥٦). (ش).\n(٣) قال ابن العربي (١/ ٣١١): وقد ذكر فيه الترمذي تسعة عشر حديثًا بأبوابها، وسرد الكلام على شرحها جملة، فأرجع إليه. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٩).\n(٥) والراجح أنه شرع في المدينة سنة ١ هـ عند الجمهور، وقيل سنة ٢ هـ، كما بسط في \"الأوجز\" (٢/ ٥). (ش).","vol":"3","page":237},{"text":"٤٩٦ - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَّلِىُّ وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ - وَحَدِيثُ عَبَّادٍ أَتَمُّ - قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ - قَالَ زِيَادٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ -، عَنْ أَبِى عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: اهْتَمَّ النَّبِىُّ -ﷺ-\n===\nوالأذان لغة: الإعلام، وشرعًا: الإعلام لوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، وهو مع قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقائد.\nقال الحافظ (١) نقلًا عن القرطبي: لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمَّن وجود الله وكماله، ثم ثنّى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد - ﷺ -، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنها لا تعرف إلَّا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإِسلام.\n٤٩٦ - (حدثنا عباد بن موسى الختلي وزياد بن أيوب- وحديث عباد أتم-)، أي حديث عباد أتم من حديث زياد بن أيوب، (قالا: ثنا هشيم) بن بشير، (عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية، (قال زياد: أنا أبو بشر) يعني أن عبادًا قال بلفظة: \"عن\"، وأما زياد فقال بلفظة: \"أخبرنا\".\n(عن أبي عمير (٢) بن أنس) بن مالك الأنصاري، وكان أكبر ولد أنس، قال الحاكم أبو أحمد: اسمه عبد الله، قال الذهبي في \"الميزان\": قال ابن القطان: لم تثبت عدالته، وصحح حديثه ابن المنذر وابن حزم وغيرهما، فذلك توثيق له، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به.\n(عن عمومة له من الأنصار) أي من الصحابة، ولم يعرف أسماؤهم (قال) أي أبو عمير أو بعض العمومة: (اهتم) أي اعتنى وقلق (النبي - ﷺ -\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٧).\n(٢) بضم العين المهملة مصغرًا، \"ابن رسلان\".","vol":"3","page":238},{"text":"لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا؟ فَقِيلَ لَهُ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ. قَالَ: وَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ (١) - يَعْنِى الشَّبُّورَ، وَقَالَ زِيَادٌ: شَبُّور الْيَهُودِ -، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ وَقَالَ: «هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ»\n===\nللصلاة) أي لأجل دعوة الناس للصلاة (كيف يجمع) أي رسول الله - ﷺ -، ويحتمل أن يكون بصيغة المجهول (الناس لها؟) أي للصلاة (٢).\n(فقيل له) أي قال بعض الصحابة لرسول الله - ﷺ -: (انصب) قال في \"القاموس\": ونصبه المرض ينصبه: أوجعه، كأنصبه، والشيء: وضعه ورفعه، ضدٌّ، كنَصَّبه فانتصب، أي ارفع (راية) والراية: العلم وما يعقد على رأسه من الثوب (عند حضور الصلاة) أي وقتها (فإذا رأوها) أي رأى المسلمون الراية (آذن) من الإفعال أي أعلم (بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك) لأن هذا إعلام يختص بالذي ينظر إليه وهو نادر، فأما الذين مشتغلون بأشغالهم فلا يكون إعلامًا لهم، بل هم يحتاجون إلى الإخبار والسماع.\n(قال) أي أبو عمير أو بعض عمومة له: (وذكر له القنع) بضم قاف وسكون نون (يعني الشَّبُّور) قال في \"القاموس\": كتنور: البوق، وقال فيه: وليس بتصحيف قُبْعٍ ولا قُثْعٍ، بل ثلاث (٣) لغات، وهو الذي ينفخ فيه ليخرج منه الصوت (وقال زياد: شبور اليهود، فلم يعجبه) أي رسول الله - ﷺ - (ذلك) أي استعمال القنع ليجمع المسلمين للصلاة، لأنه من زي اليهود، وقد كره التشبه بهم (وقال: هو من أمر اليهود).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"القبع\"، وأيضًا \"القثع\". وقال ابن العربي (١/ ٣٠٩): كلها يرجع إلى معنى القرن، والقاف والنون أصح من قولهم: أقنع رأسه إذا رفع. (ش).\n(٢) فإنهم أول ما قدموا المدينة كانوا يتحينون الصلاة، أي يطلبون وقته الذي يصلون فيه، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وبسط ابن رسلان الكلام على ذلك، وقال: قال الخطابي: سألت غير واحد من أهل اللغة فلم يفسره أحد، ثم ذكر وجه القبع والقنع، وقال: القثع ليس بشيء. انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٢٠٠). (ش).","vol":"3","page":239},{"text":"قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ، فَقَالَ: «هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى». فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ (١) وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأُرِىَ الأَذَانَ فِى مَنَامِهِ. قَالَ: فَغَدَا عَلَى\n===\n(قال) أي أبو عمير أو بعض العمومة: (فذكر له الناقوس)، قال في \"القاموس\": الناقوس: الذي يضربه النصارى لأوقات صلاتهم، خشبةٌ كبيرةٌ طويلة، وأخرى قصيرة، واسمها الوبيل، (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (هو) أي استعمال الناقوس للدعاء إلى الصلاة (من أمر النصارى) (٢)، أي فلم يعجبه ذلك أيضًا للتشبه بهم.\n(فانصرف) أي رجع من مجلس رسول الله - ﷺ - إلى بيته (عبد الله بن زيد (٣» بن عبد ربه بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أبو محمد المدني، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد، وهو الذي أري النداء للصلاة في النوم، وكانت رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد، قال الترمذي عن البخاري: لا يعرف له إلَّا حديث الأذان، وكذا قال ابن عدي، قال الحافظ: وقد وجدت له الأحاديث غير الأذان، مات سنة ٣٢ هـ، وقيل: استشهد بأحد.\n(وهو) أي عبد الله بن زيد، والواو للحال، أي والحال أن عبد الله بن زيد (مهتم) أي معتن (٤) وقلق (لِهَمِّ) أي لاعتناء (رسول الله - ﷺ -، فأري) أي عبد الله بن زيد (الأذان في منامه)، سيجيء تفصيل رؤياه في الرواية الآتية.\n(قال) أي أبو عمير أو بعض عمومته: (فغدا) أي عبد الله بن زيد (على\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عبد ربه\".\n(٢) زاد في رواية روح عند أبي الشيخ: \"قالوا: نرفع نارًا، فقال: هذا للمجوس\" \"ابن رسلان\"، وهذه الرواية نص في أمورهم، فما في رواية البخاري: \"فذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى\" اختصار مخل. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٦٠٢) رقم (٢٩٥٥).\n(٤) حتى ترك الطعام ودخل المسجد يصلي، كما في \"مسند أبي حنيفة\" (ص ٤٤)، وقال ابن رسلان: فيه أنه ينبغي للتلميذ والمريد أن يهتم بهم الشيخ والأستاذ. (ش).","vol":"3","page":240},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ، إِذْ أَتَانِى آتٍ فَأَرَانِى الأَذَانَ. قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا، قَالَ: ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِىَّ -ﷺ- فَقَالَ لَهُ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنِى؟» (١) فَقَالَ: سَبَقَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فَاسْتَحْيَيْتُ،\n===\nرسول الله - ﷺ -) أي ذهب عنده في أول النهار (فأخبره) (٢) أي بما رأى في منامه من الأذان، (فقال: يا رسول الله، إني لبين (٣) نائم ويقظان) أي خفيف النوم (إذ أتاني آتٍ) أي الملك (فأراني) أي فعلمني (الأذان).\n(قال) أي أبو عمير أو بعض عمومته، ويحتمل أن يرجع إلى عبد الله بن زيد: (وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - قد رآه قبل ذلك) أي قبل رؤية عبد الله بن زيد (فكتمه) أي عن النبي - ﷺ - (عشرين يومًا)، ثم بعد ما كتمه عمر عشرين يومًا، وأخبر عبد الله بن زيد رسول الله - ﷺ - برؤياه.\n(قال: ثم أخبر) أي عمر (النبي - ﷺ -) برؤياه، (فقال له) أي رسول الله - ﷺ -: (ما) استفهامية (منعك أن تخبرني؟) أي برؤياك، (فقال) أي عمر: (سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت)، ولعل عمر بن الخطاب لما أري الأذان نسي بعده أن يخبر النبي - ﷺ -، ثم لما أخبر عبد الله بن زيد برؤياه تذكر عمر فاستحيى أن يخبر رسول الله - ﷺ - برؤياه، ثم بعد ذلك أخبره.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"تخبرنا\".\n(٢) ظاهره أن شرعية الأذان برؤيا عبد الله، وفي \"مسند أبي حنيفة\" (ص ٤٦): \"أول من أخبره أبو بكر\"، وفي \"البخاري\": \"أنه من رأى عمر\"، قال ابن رسلان: وقيل: سبعة رأوه، كما رأى عمر، وبسط السندىِ على البخاري في معنى قول عمر: \"أو لا تبعثون ... إلخ\". وينظر ما في حاشية الترمذي عن \"اللمعات\". (ش).\n(٣) قال العراقي: هذا مشكل؛ لأن الرجل إما نائم أو يقظان، فمراده أن نومه كان خفيفًا، قال السيوطي: بل هو حالة تعتري أرباب الأحوال، وفي \"كتاب الصلاة\" لأبي نعيم: لولا اتهامي النفس لقلت: إني لم أكن نائمًا، كذا في \"السعاية\" (٢/ ٦)، وسيأتي عند أبي داود أيضًا: لولا أن يقول الناس ... إلخ، فالأوجه عندي ما قاله السيوطي. (ش).","vol":"3","page":241},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا بِلَالُ، قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فَافْعَلْهُ». قَالَ: فَأَذَّنَ بِلَالٌ. قَالَ أَبُو بِشْرٍ: فَأَخْبَرَنِى أَبُو عُمَيْرٍ أَنَّ الأَنْصَارَ تَزْعُمُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ مَرِيضًا لَجَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُؤَذِّنًا. [ق ١/ ٣٩٠]\n===\n(فقال رسول الله - ﷺ -) أي بعد ما أخبره عبد الله بن زيد برؤياه، فقصة رؤيا عمر -﵁ - معترضة: (يا بلال، قم (١) فانظر) أي فاستمع (ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله).\nقال الخطابي (٢): وفيه دليل على أن الواجب أن يكون الأذان قائمًا، ولكن قال النووي (٣): هذا الذي قاله ضعيف، لأن المراد قم فاذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة، ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان، لكن يحتج للقيام في الأذان بأحاديث معروفة غير هذا، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، انتهى ملخصًا.\n(قال: فأذن بلال) أي كما ألقى عليه عبد الله بن زيد، (فقال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم) أي تقول: (أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذ مريضًا) لا يطيق أن يرفع الصوت بالأذان كل الرفع (لجعله) أي عبد الله بن زيد (رسول الله - ﷺ - مؤذنًا) وهذا ظن منهم، والظاهر أنه - ﷺ - لم يأمره بالأذان، لأن بلالًا كان أرفع صوتًا (٤) منه، ولو كان كذلك لجعله رسول الله - ﷺ - بعد ما برئ وصح مؤذنًا، والله أعلم.\n_________\n(١) فيه أن أدب الأذان القيام، فلو أذن قاعدًا يجوز مع الكراهة لحصول المقصود، وقيل: لا يصح لمداومة السلف والخلف على القيام، انتهى، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٢٠١).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣١٢).\n(٤) كما سيأتي نصًا، والأوجه عندي في ترجيح بلال أنه كان مأمورًا من الملك المنزل، كما هو مصرح في رواية \"مسند أبي حنيفة\" (ص ٤٦). (ش).","vol":"3","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>(٢٨) بَابٌ: كَيْفَ الأَذَانُ</span>؟\n٤٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِىُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنِى أَبِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ\n===\n\n(٢٨) (بَابٌ: كَيْفَ الأذَانُ؟) (١)\nأي: باب في كيفية مشروعية الأذان\n٤٩٧ - (حدثنا محمد بن منصور الطوسي) هو محمد بن منصور بن داود بن إبراهيم الطوسي، أبو جعفر العابد، نزيل بغداد، قال أحمد: لا أعلم إلَّا خيرًا، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وقال مسلمة: ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٤ هـ.\n(ثنا يعقوب) بن إبراهيم، (ثنا أبي) هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، (عن محمد بن إسحاق) صاحب المغازي، (حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه) الأنصاري الخزرجي المدني، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن منده: ولد في عهد النبي - ﷺ -.\n(حدثني أبي) بالإضافة إلى ياء المتكلم (عبد الله بن زيد) بدل من أبي (قال: لما أمر رسول الله - ﷺ - بالناقوس يعمل ليضرب به للناس\n_________\n(١) فيه خلافيتان مشهورتان: إحداهما: أن التكبير في أول الأذان مرتان عند مالك، وأربع عند الثلاثة، والثانية: قال مالك والشافعي بالترجيع، ولم نقل نحن وأحمد به، وحكى في\"البدائع\" (١/ ٣٦٥) اختلافًا ثالثًا: أن الختم عند مالك بالتكبير ولم أجده، والرابع في أذان الصبح وسيأتي، وذكر ابن العربي عدة حكم للأذان، راجع إلى \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٣٠٧). (ش).","vol":"3","page":243},{"text":"لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا في يَدِهِ،\n===\nلجمع الصلاة)، فإن قلت: كيف يصح أن يقال: أمر رسول الله - ﷺ - بالناقوس يعمل؟ وقد ثبت أنه كرهه، وقال: \"هو من أمر النصارى\".\nقلت: ذكر لرسول الله - ﷺ - شَبُّور اليهود وناقوس النصارى فكرههما من أجلهما، ثم بعد ذلك لما كان النصارى أقرب إلى رسول الله - ﷺ - من اليهود باعتبار المودة والطواعية لعله اختار (١) أمرهم وأمر بالناقوس أن يعمل، أو يؤول بالإرادة، ولكن يشكل تقدير الإرادة أيضًا فإنه لا يصح أن يريد فعلًا يكرهه لأجل التشبه بالكفار، وهذا على أن يثبت الرواية بصيغة المعلوم.\nويمكن (٢) أن يقال: إن هاهنا لفظة \"أمر\" بصيغة المجهول، أي لما أشير رسول الله - ﷺ -، أي أشار له بعض الصحابة بالناقوس ليعمل، وهذا ظاهر على سياق أبي داود، وأما على سياق الدارمي في \"سننه\" فالظاهر فيه أن لفظ \"أمر\" بلفظ المعلوم ولفظه: \"فهم رسول الله - ﷺ - أن يجعل بوقًا كبوق اليهود الذين يدعون بهم لصلاتهم ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به للمسلمين إلى الصلاة\"، وكذلك سياق حديث ابن ماجه ولفظه: \"كان رسول الله - ﷺ - قد همَّ بالبوق وأمر بالناقوس\"، فهذان السياقان بظاهرهما يدلان على أن لفظ \"أمر\" بصيغة المعلوم فيهما.\n(طاف بي وأنا نائم) جملة حالية، أي في حالة النوم (رجل) فاعل لطاف والمراد بالرجل طيفه وهو الخيال الذي يلم المائم (يحمل ناقوسًا في يده)\n_________\n(١) قال ابن رسلان: يحتمل أنه أمر به أولًا، ثم كرهه لمشابهة النصارى. (ش).\n(٢) ولفظ ابن ماجه: \"هَمَّ بالبوق وأمر بالناقوس فنحت\" يؤيد الأول، لكن قال القاري (٢/ ١٥٦): لعل معناه أراد أن يأمر به، ولفظ ما في \"نيل الأطار\" (٢/ ٤٥١): \"لما أجمع رسول الله - ﷺ - أن يضرب بالناقوس وهو له كاره\"، وسيأتي حتى نقسوا أو كادوا أن ينقسوا. (ش).","vol":"3","page":244},{"text":"فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ فقَالَ (١): وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ،\n===\nصفة لرجل، (فقلت) أي لذلك الرجل الذي طاف بي في منامي: (يا عبد الله (٢)، أتبيع الناقوس؟ فقال) ذاك الرجل: (وما تصنع به؟) أي ما تريد (٣) أن تصنع بالناقوس، ولأيِّ غرض تشتريه؟ (فقلت: ندعو به) أي بضربه وصوته المسلمين (إلى الصلاة) ليجتمعوا ويصلوا.\n(قال: أفلا أدلك على ما) أي الذي (هو خير من ذلك؟) أي من الناقوس وضربه، (فقلت له: بلى) دُلّني على ذلك، (قال) أي عبد الله: (فقال) الرجل الطائف: (تقول (٤)؟ الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) أي (٥) أكبر من أن يعرف عنه كبريائه وعظمته، أو من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو من كل شيء سواه، وقيل: معناه الله كبير، وقال بعض المحققين: إن أفعل قد يقطع عن متعلقه قصدًا إلى نفس الزيادة وإفادة المبالغة، ونظيره فلان يعطي ويمنع، وعلى هذا يحمل كل ما جاء من أوصاف الباري جَلَّ وعلا نحو أعلم، ولعل وجه تكريره أربعًا إشارة إلى أن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) فيه نداء من لا يعرف اسمه بـ \"يا عبد الله\" ونحوه، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قالوا: وفي الحديث أدبان: الأول: أن من ينظر إلى ما يباع مما يحتاج إليه شيخه أو أستاذه يشتريه من عند نفسه، والثاني: أن البائع إذا يرى للمشتري شيئًا أنفع من سلعته يرشده إليه ولا يكتمه ترويجًا لسلعته، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) أي أربع مرات، فقوله: أمر بلالًا أن يشفع الأذان أي باعتبار المعظم، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٥) وينبغي الاحتراز من اللحن فيه، فإن بعض المؤذنين يمدون الباء من أكبر، فيقولون: \"أكبار\" فينقلب المعنى، فإن أكبار يصير بمعنى الطبل جمع كَبَر، كسبب وأسباب، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":245},{"text":"أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّى غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: ثم (١) تَقُولُ إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ،\n===\nهذا الحكم جار في الجهات الأربع، وسار في تطهير شهوات النفس الناشئة عن طبائعها الأربع، كذا قال القاري (٢).\n(أشهد أن لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ) اسم فعل بمعنى الأمر، وفتحت ياؤه لسكون ما قبلها، أي هلموا إليها وأقبلوا إليها (على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح) أي (٣) أسرعوا إلى ما هو سبب الخلاص من العذاب، والظفر بالثواب، والبقاء في دار المآب، وهو الصلاة (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله) ختم به ليتوافق النهاية والبداية إيماءً إلى أنه الأول والآخر.\n(قال) أي عبد الله بن زيد: (ثم استأخر) أي تأخر (عني غير بعيد، ثم قال) ذاك الرجل الطائف: (ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر) مرتين (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"و\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٥٠).\n(٣) والأوجه عندي أنه أطلق على الصلاة الفلاح، وهو الفوز في الدنيا والآخرة لما ورد في عدة روايات أن الصلاة سبب لسعة الرزق أيضًا، كما أخرجه صاحب \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣٨) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢] وفيها: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. (ش).","vol":"3","page":246},{"text":"قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.\nفَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالي، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ»، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ\n===\nقد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله).\n(فلما أصبحت أتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته بما رأيت) أي من الرؤيا (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنها) أي رؤياك (لرؤيا حق) أي صادقة مطابقة للوحي، أو موافقة للاجتهاد (إن شاء الله تعالى) للتبرك أو للتعليق، (فقم (١) مع بلال فألق (٢) بفتح الهمزة وكسر القاف من الإلقاء (عليه) أي على بلال (ما رأيت) أي من الأذان (فليؤذن) أي بلال (به) أي بأذانك الذي تلقي إليه (فإنه) أي بلالًا، هذا علة للعدول عن ابن زيد في الأذان (٣) وأمره بلالًا بالأذان (أندى) أي أرفع (صوتًا منك) قال النووي (٤): يؤخذ من هذا الحديث استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه.\n(فقمت (٥) مع بلال، فجعلت ألقيه) أي ألقي الأذان (عليه) أي على بلال\n_________\n(١) أشكل عليه بوجهين: الأول: أن ظاهره شرعية الأذان برؤية عبد الله بن زيد، ووقع في \"الصحيحين\" من قول عمر: أو لا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة، فقال - ﷺ -: \"قم يا بلال فناد بالصلاة\"، والثاني: بناء الحكم الشرعي على الرؤيا، وجوابهما في \"الأوجز\" (٢/ ٩)، وأغرب ابن العربي (١/ ٣٠٧) حيث قال: حديث عبد الله بن زيد أصح من حديث ابن عمر مع أن حديث ابن عمر متفق عليه، وحديث ابن زيد من روايات السنن. (ش).\n(٢) استدل به الشيخ ولي الله الدهلوي في \"تراجم البخاري\" جواز أذان الجوق إذا أذنا معًا. (ش).\n(٣) وأيضًا فيه تسلية له حيث كان يجب أن يؤذن بنفسه، كما سيأتي في \"باب الرجل يؤذن ويقيم آخر\". (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣١٣).\n(٥) والقيام للأذان سنَّة، نقل ابن المنذر عليه الإجماع، وذكر المذاهب الرزقاني (١/ ١٥٣). (ش).","vol":"3","page":247},{"text":"وَيُؤَذِّنُ بِهِ. قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -، وَهُوَ فِى بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ (١): وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ». [ت ١٨٩، جه ٧٠٦، حم ٤/ ٤٢، دي ١١٨٧، خزيمة ٣٦٣، حب ١٦٧٩، قط ١/ ٢٤١، ق ١/ ٣٩٠]\n===\n(ويؤذن به، قال) عبد الله بن زيد: (فسمع ذلك) أي صوت الأذان (عمر بن الخطاب (٣) -﵁وهو في بيته) جملة حالية (فخرج) أي مسرعًا (يجر رداءه وبقول: والذي) الواو للقسم (بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أري) أي عبد الله بن زيد، ولعل هذا القول صدر عنه بعد ما حكى له بالرؤيا السابقة، أو كان مكاشفة له -﵁ - وهذا ظاهر العبارة.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: فلله الحمد) حيث أظهر الحق ظهورًا، قلت: وهذا الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق فيه ذكر الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة.\nويؤيده ما قال الترمذي بعد ما أخرج هذا الحديث من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن إسحاق: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أتم من هذا الحديث وأطول، وذكر فيه قصة الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة.\nوكذلك أخرج الدارمي في \"سننه\" هذا الحديث من طريق مسلمة، عن محمد بن إسحاق وفيه: \"ثم استأخر غير كثير، ثم قال مثل ما قال، وجعلها\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يقول: يا رسول الله والذي بعثك بالحق\".\n(٢) وفي نسخة: \"ما رأى\".\n(٣) وفي \"قوت المغتذي\" عن \"مراسيل أبي داود\" (ص ٨١) رقم (٢٠): لما رأى عمر الأذان أتى النبي - صلي الله عليه وسلم - ليخبره، وقد جاء الوحي بذلك، فما رأى ثَمَّ إلَّا بلالًا يؤذن، فقال النبي - ﷺ -: \"سبقك بذلك الوحي ... إلخ\". (ش).","vol":"3","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوترًا إلَّا أنه قال: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة\"، فهذه الأحاديث تدل على أن الإقامة مرة مرة إلَّا قوله: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.\nوكذلك يؤيده ما روي عن ابن عمر أنه قال: كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، غير أنه كان إذا قال: قد قامت الصلاة قالها مرتين، وعن أنس: قال: أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلَّا الإقامة.\nقال الشوكاني (١): وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة كلمة كلها مفردة إلَّا التكبير في أولها وآخرها، ولفظ \"قد قامت الصلاة\" فإنها مثنى مثنى.\nقال الخطابي: مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإِسلام أن الإقامة فرادى، وقال أيضًا: مذهب كافة العلماء أنه يكرر قوله: \"قد قامت الصلاة\" إلَّا مالكًا فإن المشهور عنه أنه لا يكررها، وذهب الشافعي في قديم قوليه إلى ذلك.\nوذهبت الحنفية والثوري وابن المبارك وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الأذان عندهم مع زيادة \"قد قامت الصلاة\" مرتين، واستدلوا بما في رواية من حديث عبد الله بن زيد عند الترمذي وأبي داود بلفظ: \"كان أذان رسول الله - ﷺ - شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة\".\nوأجيب عن ذلك بأنه منقطع كما قال الترمذي، وقال الحاكم والبيهقي: الروايات عن عبد الله بن زيد في هذا الباب كلها منقطعة، وقد تقدم ما في سماع ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد.\nويجاب عن هذا الانقطاع أن الترمذي قال بعد إخراج هذا الحديث:\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٩).","vol":"3","page":249},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد ما لفظه: وقال شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد - ﷺ -: أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام، قال الترمذي: وهذا أصح، انتهى.\nوقد روى ابن أبي ليلى عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعلي وعثمان وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب والمقداد وبلال وكعب بن عجرة وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان وصهيب وخلق يطول ذكرهم، وقال: أدركت مأة وعشرين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم من الأنصار فلا علة للحديث، لأنه على الرواية عن عبد الله بدون توسيط الصحابة مرسل عن الصحابة، وهو في حكم المسند، وعلى روايته عن الصحابة عنه مسند، ومحمد بن عبد الرحمن وإن كان بعض أهل الحديث يضعفه فمتابعة الأعمش إياه عن عمرو بن مرة، ومتابعة شعبة كما ذكر ذلك الترمذي مما يصحح خبره وإن خالفاه في الإسناد وأرسلا، فهي مخالفة غير قادحة.\nواستدلوا أيضًا بما رواه الحاكم والبيهقي في \"الخلافيات\" والطحاوي من رواية سويد بن غفلة أن بلالًا كان يثني الأذان والإقامة، وادعى الحاكم فيه الانقطاع، قال الحافظ (١): ولكن في رواية الطحاوي: \"سمعت بلالًا\"، ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، عن جبر بن علي، عن شيخ - يقال له: حفص- عن أبيه عن جده -وهو سعد القرظ- قال: أذن بلال حياةَ رسول الله - ﷺ - ثم أذن لأبي بكر في حياته، ولم يؤذن في زمان عمر، وسويد بن غفلة هاجر في زمن أبي بكر.\nوأما ما رواه أبو داود من أن بلالًا ذهب إلى الشام في حياة أبى بكر فكان بها حتى مات فهو مرسل، وفي إسناده عطاء الخراساني وهو مدلس.\nوروى الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢) من طريق جنادة بن أبي أمية\n_________\n(١) \"التلخيص الحبير\" (١/ ٣٢٧).\n(٢) (٢/ ٢٢٧).","vol":"3","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة مثنى مثنى، وفي إسناده ضعف، قال الحافظ: وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائي (١) وغيره، وحديث أبي محذورة حديث صحيح ساقه الحازمي في \"الناسخ والمنسوخ\"، وذكر فيه الإقامة مرتين مرتين، وقال: هذا حديث حسن على شرط أبي داود والترمذي والنسائي، وسيأتي ما أخرجه عنه الخمسة أن النبي - ﷺ - علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة، وهو حديث صححه الترمذي وغيره، وهو متأخر عن حديث بلال الذي فيه الأمر بإيتار الإقامة، لأنه بعد فتح مكة، لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح، وبلالًا أُمِرَ بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان، فيكون ناسخًا.\nوقد روى أبو الشيخ أن بلالًا أذّن بمنى ورسول الله - ﷺ - ثَمَّ مرتين مرتين، وأقام مثل ذلك.\nإذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها لما أسلفناه، وأحاديث إفراد الإقامة وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في \"الصحيحين\" لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها كما عرفناك.\nوقد أجاب القائلون بإفراد الإقامة عن حديث أبي محذورة بأجوبة: منها: أن من شرط الناسخ أن يكون أصح سندًا وأقوم قاعدة، وهذا ممنوع، فإن المعتبر في الناسخ مجرد الصحة لا الأصحية.\nومنها: أن جماعة من الأئمة ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة، وهذا الوجه غير نافع، لأن القائلين بأنها غير محفوظة غاية ما اعتذروا به عدم الحفظ وقد حفظ غيرهم من الأئمة كما تقدم، ومن علم حجة على من لا يعلم.\n_________\n(١) برقم (٦٣١ - ٦٣٢).","vol":"3","page":251},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَكَذَا رِوَايَةُ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ». وَقَالَ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ فِيهِ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ»، لَمْ يُثَنِّيَا (١).\n===\nوأما رواية إيتار الإقامة عن أبي محذورة فليست كروايته التشفيع على أن الاعتماد على الرواية المشتملة على الزيادة.\nومنها: أن تثنية الإقامة لو فرض أنها محفوظة وأن الحديث بها ثابت لكانت منسوخة، فإن أذان بلال هو آخر الأمرين، لأن النبي - ﷺ - لمَّا عاد من حنين إلى المدينة أقر بلالًا على أذانه وإقامته، قالوا: وقد قيل لأحمد بن حنبل: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد، لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ قال: أليس قد رجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة؟ فأقر بلالًا على أذان عبد الله بن زيد، وهذا أنهض ما أجابوا به، لكنه متوقف على نقل صحيح أن بلالًا أذن بعد رجوع النبي - ﷺ - المدينة، وأفرد الإقامة، ومجرد قول أحمد بن حنبل لا يكفي، انتهى ملخصًا.\n(قال أبو داود: وهكذا) أي مثل رواية محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه (رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن زيد)، ولكن اختلف أصحاب الزهري في حديثه (وقال فيه) أي في حديث الزهري (ابن إسحاق) (٢) أي محمد بن إسحاق (عن الزهري: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) أربع مرات (وقال معمر (٣) ويونس (٤) عن الزهري فيه) أي في حديثه: (الله أكبر الله أكبر) مرتين (لم يثنيا) أي لم يكررا ولم يقولا أربع مرات.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يثن\".\n(٢) رواية ابن إسحاق عن الزهري أخرجها أحمد (٤/ ٤٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٤١٥)، وابن خزيمة (١/ ١٩٣) رقم (٣٧٣).\n(٣) ورواية معمر عن الزهري أخرجها عبد الرزاق (١/ ٤٥٥) رقم (١٧٧٤).\n(٤) ورواية يونس عن الزهري أخرجها البيهقي (١/ ٤١٤).","vol":"3","page":252},{"text":"٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى مَحْذُورَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ\n===\n٤٩٨ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (ثنا الحارث بن عبيد) أبو قدامة الإيادي، بكسر الهمزة بعدها تحتانية، نسبة إلى إياد بن نزار البصري المؤذن، قال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ليس بذاك القوي، واستشهد به البخاري متابعة في موضعين، وقال ابن حبان: كان ممن كثر وهمه حتى خرج عن جملة من يحتج بهم إذا انفردوا، قال الساجي: صدوق عنده مناكير، وقال النسائي في \"الجرح والتعديل\": صالح، وقال ابن مهدي: كان من شيوخنا وما رأيت إلَّا جيدًا.\n(عن محمد (١) بن عبد الملك بن أبي محذورة) الجمحي المكي المؤذن، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عبد الحق: لا يحتج بهذا الإسناد، وقال ابن القطان: مجهول الحال، لا نعلم روى عنه أحد إلَّا الحارث، وقال الذهبي في \"الميزان\" (٢): محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، [عن أبيه] في الأذان، ليس بحجة، يكتب حديثه اعتبارًا.\n(عن أبيه) هو عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مقبول، (عن جده) أبي محذورة القرشي الجمحي المكي المؤذن، له صحبة، كان أحسن الناس أذانًا وأنداهم صوتًا، توفي بمكة سنة ٥٩ هـ وقيل سنة ٧٩ هـ، ولاه النبيﷺ - الأذان بمكة يوم الفتح، اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال، قيل: اسمه أوس، وقيل: سمرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان، وقال الترمذي في \"جامعه\": وأبو محذورة اسمه سمرة بن مِعْيَر، انتهى، ومعير بكسر الميم وسكون المهملة وفتح التحتانية\n_________\n(١) قال ابن رسلان: ليس في طريق عبد الله بن زيد أصح من هذا، لأن محمدًا سمع من أبيه، وعبد الرحمن لم يسمع من عبد الله بن زيد، فتأمل. (ش).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٦٣١).","vol":"3","page":253},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِى سُنَّةَ الأَذَانِ. قَالَ: فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِى\n===\nكمنبر، وقال الزبير بن بكار: أبو محذورة اسمه أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جُمَح، من قال غير هذا فقط أخطأ.\n(قال) أي أبو محذورة: (قلت: يا رسول الله، علمني سنَّة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي).\nوتفصيل القصة فيما أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١): قال: خرجت في نفر، وفي رواية: لمَّا خرج النبي - ﷺ - إلى حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة أطلبهم، فكنا في بعض طريق حنين، فقفل رسول الله - ﷺ - من حنين، فلقينا رسول الله - ﷺ - في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله - ﷺ - للصلاة، قال: فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فسمع النبي - ﷺ - الصوت فأرسل إلينا- وفي رواية: قال - ﷺ -: ائتوني بهؤلاء الفتيان، فقال: أذِّنوا- إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ \" فأشار القوم كلهم إليّ وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، فقال: \"قم فأذن بالصلاة\" فقمت ولا شيء أكره إليَّ من النبي - ﷺ - وما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله - ﷺ -، فألقى عليَّ رسول الله - ﷺ - التأذين هو بنفسه، فقال: \"قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر\" حتى ختم الأذان، وفي آخره: ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صُرّةً فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أَمرَّها على وجهه، ثُمَّ أَمَرَّ بين ثدييه، ثم على كبده، ثم حتى بلغت يده سُرَّة أبي محذورة، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"بارك الله فيك، وبارك الله عليك\"، فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال: \"قد أمرتك [به] \"، وذهب كل شيء كان لرسول الله - ﷺ - من كراهيته، وعاد ذلك كله محبة للنبي - ﷺ -، الحديث.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٣٣).","vol":"3","page":254},{"text":"قَالَ: «تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ. فَإِنْ كَانَ صَلَاةَ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ».\n[حم ٣/ ٤٠٨، ن ٦٣١، م ٣٧٩، ت ١٩١، دي ١١٩٦، جه ٧٠٩]\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (تقول) خبر بمعنى الأمر أي قل (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم (١)، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله).\nوهذا الحديث يحتج به على سُنِّيَّة الترجيح في الأذان، وهو أن يرجِّع ويرفع صوته بالشهادتين بعد ما خفض بهما، وبه قال الشافعي ومالك لأنه ثابت في حديث أبي محذورة، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم مشتمل على زيادة غير منافية فيجب قبولها، وهو أيضًا متأخر عن حديث عبد الله بن زيد، لأن\n_________\n(١) فيه أن التثويب في صلاة الصبح وحدها لما روى الترمذي (١٩٨) وابن ماجه (٧١٥) من حديث بلال مرفوعًا: \"لا تثوبن في شيء من الصلاة إلَّا في صلاة الفجر\"، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":255},{"text":"٤٩٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُثْمَانُ بْنُ\n===\nحديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر، ويرجحه أيضًا عمل أهل مكة والمدينة به.\nوذهب أبو حنيفة - ﵀- والكوفيون إلى عدم استحباب الترجيح، وحجتهم حديث عبد الله بن زيد من غير ترجيع فيه، وأذان الملك النازل من السماء لم يكن فيه ترجيع أيضًا.\nوالجواب عن حديث أبي محذورة أن الترجيح في أذانه لم يكن لأجل الأذان بل كان لأجل التعليم، فإنه كان كافرًا، فكرر رسول الله - ﷺ - الشهادتين برفع الصوت لترسخا في قلبه، كما تدل عليه قصته المفصلة، فظن أبو محذورة أنه ترجيع وأنه في أصل الأذان.\nوقد روى الطبراني في \"معجمه الأوسط\" (١) عن أبي محذورة أنه قال: ألقى عليَّ رسول الله - ﷺ - الأذان حرفًا حرفًا، الله أكبر الله أكبر إلى آخره لم يذكر فيه ترجيعًا، وأذان بلال بحضرة رسول الله - ﷺ - سفرًا وحضرًا قبل حنين وبعده، وهو مؤذن رسول الله - ﷺ - بإطباق أهل الإِسلام إلى أن توفي رسول الله - ﷺ -، ومؤذن أبي بكر الصديق إلى أن توفي من غير ترجيع.\nوأيضًا يدل على عدم الترجيح ما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة غير أنه يقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، وفي رواية بلفظ: مثنى مثنى والإقامة فرادى، وفي هذا دليل على أنه لم يكن فيه ترجيع.\n٤٩٩ - (حدثنا الحسن بن علي، ثنا أبو عاصم) ضحاك بن مخلد (وعبد الرزاق) بن همام، (عن ابن جريج) عبد الملك، (قال: أخبرني عثمان بن\n_________\n(١) \"المعجم الأوسط\" رقم الحديث (١١١٠).","vol":"3","page":256},{"text":"السَّائِبِ، أَخْبَرَنِى أَبِى وَأُمُّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى مَحْذُورَةَ، عَنْ أَبِى مَحْذُورَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ، وَفِيهِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فِى الأُولَى (١) مِنَ الصُّبْحِ».\n[خزيمة ٣٨٥، قط ١/ ٢٣٥، ق ١/ ٤١٦، وانظر تخريج الحديث السابق]\n===\nالسائب) الجمحي المكي، مولى أبي محذورة، روى له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا، قال ابن القطان: غير معروف، وقال في \"التقريب\": مقبول.\n(أخبرني أبي) وهو السائب والد عثمان الجمحي المكي، مولى أبي محذورة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في أبي داود والنسائي حديث واحد في الأذان، قال الذهبي في \"الميزان\" (٢): السائب عن مولاه أبي محذورة في الأذان لا يعرف، فإن كان والد عطاء فهو ثقة.\n(وأم عبد الملك بن أبي محذورة) عن أبي محذورة، وعنهما عثمان بن السائب، وقال في \"التقريب\": زوج أبي محذورة مقبولة، (عن أبي محذورة) الجمحي، (عن النبي - ﷺ - نحو هذا الخبر) أي مثل الخبر المتقدم عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده.\n(وفيه) أي في هذا الخبر: (الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى) (٣) أي في الأذان الأول، وبهذ احتراز عن الإقامة (٤) (من الصبح) أي يستحب أن يُدْخِلَ في أذان الصبح بعد حَىَّ على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الأول\".\n(٢) (٤/ ١١٤).\n(٣) ولعل التأنيث باعتبار الدعوة، فإنه - ﷺ - سماه بها كما ورد: \"اللَّهُم رب هذه الدعوة التامة\" الحديث. (ش).\n(٤) عند الجمهور، وقال الشافعي في الجديد: احتراز عن الأذان الذي بعد الفجر، فإنه يسن عنده في الأذان قبل الفجر، لكن القديم منه المفتى به عند أهله أنه يُثَوِّبُ في الأذان بعد الفجر أيضًا، قاله ابن رسلان، وبسط اختلاف الأقوال في مذهبه. (ش).","vol":"3","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالغرض منه بيان الاختلاف في هذا الحديث والحديث المتقدم، فإن قوله: \"الصلاة خير من النوم\" ذكر في الحديثين جميعًا، وقوله: \"في الأولى من الصبح\" لم يذكر إلَّا في الثاني.\nوهذا التثويب (١) ذهب إلى مشروعيته عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري وابن سيرين والزهري ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأصحاب الشافعي، وهو رأي الشافعي في القديم، ومكروه عنده في الجديد، وأبو حنيفة، واستدل على ثبوته بهذين الحديثين، والحديث الأول منهما وإن كان في إسناده محمد بن عبد الملك وهو غير معروف الحال، ولكن الثاني منهما صححه ابن خزيمة من طريق ابن جريج، ورواه النسائي من وجه آخر، وصححه أيضًا ابن خزيمة.\nوروى التثويب أيضًا الطبراني والبيهقي بإسناد حسن عن ابن عمر بلفظ: كان الأذان بعد حَيَّ على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين، قال اليعمري: وهذا إسناد صحيح، وروى ابن خزيمة والدارقطني عن أنس أنه قال: من السنَّة إذا قال المؤذن في الفجر: حَيَّ على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم، قال ابن سيد الناس اليعمري: وهو إسناد صحيح، قاله الشوكاني (٢).\nوقال القاري (٣): وأما قول ابن حجر: وفي هذا تصريح بندب ما ذكر في الصبح، وهو مذهبنا كأكثر العلماء خلافًا لأبي حنيفة، فغير صحيح نشأ عن قلة اطلاع على مذهبه.\nوملخص الاختلاف أن الشافعي - ﵀ - أخذ بأذان أبى محذورة وإقامة بلال، وأبو حنيفة - ﵀- أخذ بأذان بلال وإقامة أبي محذورة،\n_________\n(١) والظاهر شرعيته مرفوعًا، ورواية \"الموطأ\" تخالفه، والبسط في \"الأوجز\" (٢/ ٤٠). (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٦).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٥٣).","vol":"3","page":258},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ مُسَدَّدٍ أَبْيَنُ، قَالَ فِيهِ: وقَالَ: \"وَعَلَّمَنِى الإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ\".\n===\nومالك - ﵀- أخذ بما رأى عليه أهل المدينة من الاقتصار على التكبير مرتين، وعلى كلمة الإقامة مرة واحدة -﵃ كلهم-، فإنهم اجتهدوا في متابعة السنَّة، قاله ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١).\n(قال أبو داود: وحديث مسدد) أي حديث مسدد الذي أخرجه قبل هذا الحديث (أبين) أي أصرح، وأكمل في الأذان من هذا الحديث حديث الحسن بن علي، (قال) أي الحسن بن علي (فيه) أي في حديثه: (وقال) أي أبو محذورة: (وعلمني الإقامة مرتين، الله أكبر الله أكبر) أي مرتين (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله) أي قال الحسن بن علي عن أبي عاصم عن ابن جريج: علمني ألفاظ الإقامة مرتين، ولم يذكر فيه قد قامت الصلاة.\nوغرض المصنف بهذا الكلام بيان الاختلاف بين لفظ أبي عاصم عن ابن جريج، وبين لفظ عبد الرزاق عن ابن جريج، بأن الحسن بن علي عن أبي عاصم زاد ذكر الإقامة على حديث مسدد، وذكر كلماتها مفصلة، وذكر أنها مرتين إلَّا لفظ قد قامت الصلاة، فإنه لم يذكره، وأن الحسن بن علي عن عبد الرزاق زاد أيضًا ذكر الإقامة بالأجمال، وذكر أنها مرتين، وذكر قد قامت الصلاة مرتين، ولكن أخرج الطحاوي (٢) حديث أبي عاصم عن ابن جريج بهذ السند، وذكر فيه قد قامت الصلاة مرتين.\n_________\n(١) (١/ ١٢١).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٤).","vol":"3","page":259},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَإِذَا (١) أَقَمْتَ فَقُلْهَا مَرَّتَيْنِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، أَسَمِعْتَ؟\n===\nوكذلك أخرج النسائي من طريق حجاج عن ابن جريج بهذ السند وفيه: وعلمني الإقامة مرتين، ثم ذكر كلمات الإقامة، فذكر الله أكبر أربع مرات، والشهادتين مرتين، والحيعلتين مرتين، وقد قامت الصلاة مرتين، ثم التكبير مرتين، ثم ذكر كلمة التوحيد مرة.\nوكذلك الدارقطني أخرج من طريق حجاج، عن ابن جريج بهذ السند، وقال فيه: وعلمني الإقامة مرتين، وكذلك أخرج البيهقي بسنده من طريق روح بن عبادة، عن ابن جريج بهذا السند وذكر فيه قال: وقد علمني الإقامة مرتين مرتين، ثم ذكر كلمات الإقامة.\nثم أخرج الدارقطني حديث عبد الرزاق، عن ابن جريج بهذا السند، فذكر قصة الأذان مفصلة، وقال في آخره: وإذا أقمت فقلها مرتين قد قامت الصلاة قد قاممت الصلاة، أسمعت؟ وكما ذكر أبو داود والدارقطني حديث عبد الرزاق، كذلك ذكره البيهقي: وإذا أقمت فقلها مرتين قد قامت الصلاة أسمعت؟\n(وقال أبو داود: وقال عبد الرزاق) أي قال الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: (وإذا أقمت الصلاة فقلها مرتين) الضمير يرجع إلى ما يتضمن قوله: \"إذا أقمت الصلاة\" من الإقامة أي قل: كلمات الإقامة مرتين مرتين، وقيل: (قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) مرتين كررها اهتمامًا، وتأكيدًا، لأن هذه الكلمة لم تكن في الأذان (أَسَمِعْتَ؟) (٢) بهمزة الاستفهام،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فإذا\".\n(٢) قال ابن رسلان: فيه تثبت للسامع لتحقق ما سمعه، قلت: والأوجه عندي في معناه أنه بيان لغاية رفع الصوت بالإقامة، يعني لا تجهره مثل جهرك بالأذان، بل تجهر بها حتى تسمعها الحاضرين فقط، إذ الإِقامة للحاضرين والأذان للغائبين، فعلى هذا قوله: \"أسمعت\" من الإِسماع. (ش).","vol":"3","page":260},{"text":"قَالَ: فَكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ لَا يَجُزُّ نَاصِيَتَهُ وَلَا يَفْرِقُهَا، لأَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- مَسَحَ عَلَيْهَا.\n٥٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ\n===\nوهذا قول النبي - ﷺ - لأبي محذورة، أي هل سمعت وحفظت ما قلت لك؟ ويحتمل أن يكون هذا قول عبد الرزاق لتلميذه أسمعت ما رويت لك؟ .\nويمكن أن يقال: إنه على صيغة الخطاب من الإسماع، أي قال رسول الله - ﷺ - لأبي محذورة: أي إذا أقصتَ الصلاة وقلتَ كلمات الإقامة، فقد أَسْمَعْتَ الجماعة.\n(قال) أي السائب: (فكان أبو محذورة لا يجز) أي لا يقطع (ناصيته) أي شعر ناصيته (ولا يفرقها، لأن النبي - ﷺ - مسح عليها).\n٥٠٠ - (حدثنا الحسن بن علي، ثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الصفار، أبو عثمان البصري، مولى عزرة بن ثابت الأنصاري، سكن بغداد، قال العجلي: عفان بصري ثقة ثبت صاحب سنَّة، سئل يحيى بن معين عن عفان وبهز أيهما كان أوثق؟ فقال: كلاهما ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة إمام متقن، وقال ابن عدي: عفان أصدق وأوثق وأشهر من أن يقال فيه شيء، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث ثبتًا حجة، وقال ابن خراش: ثقة من خيار المسلمين، وقال ابن قانع: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(وسعيد بن عامر) الضبعي بضم المعجمة هكذا في \"الخلاصة\"، وفي \"التقريب\": بضم المعجمة وفتح الموحدة، وفي \"الأنساب\" (١): بفتح الضاد المعجمة وفتح الباء المنقوطة بواحدة وفي آخرها العين المهملة، هذه النسبة إلى ضبعة بن قيس بن ثعلبة، نزل أكثرهم البصرة، وكانت بها محلة ينسب إليهم،\n_________\n(١) (٣/ ٢٣١).","vol":"3","page":261},{"text":"وَحَجَّاجٌ (١) - وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ - قَالُوا (٢): حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ الأَحْوَلُ، حَدَّثَنِى مَكْحُولٌ أَنَّ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ\n===\nانتهى، أبو محمد البصري، روي عن يحيى بن سعيد أنه قال: هو شيخ المصر منذ أربعين سنة، وقال ابن مهدي لابنه يحيى: الزمه، فلو حدثنا كل يوم حديثًا لأتيناه، وقال أبو مسعود وزياد بن أيوب: ما رأيت بالبصرة مثله، وقال ابن معين: حدثنا سعيد بن عامر الثقة المأمون، وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا وكان في حديثه بعض الغلط، وهو صدوق، وقال ابن سعد: كان ثقة صالحًا، وقال العجلي: ثقة، رجل صالح، من خيار الناس، وقال ابن قانع: ثقة، مات سنة ٢٠٨ هـ.\n(وحجاج) بن منهال بمكسورة، وسكون نون وبلام، الأنماطي، أبو محمد السلمي، وقيل: البرساني مولاهم، البصري، وثَّقه أحمد وأبو حاتم والعجلي والنسائي وابن سعد وابن قانع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢١٧ هـ (والمعنى واحد) أي ومعنى حديث كل واحد منهم متحد، وإن اختلفت ألفاظهم.\n(قالوا: ثنا همام) بن يحيى، (ثنا عامر) بن عبد الواحد (الأحول) البصري، قال أحمد: ليس بقوي، وليس حديثه بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وعن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، وقال ابن عدي: لا أرى برواياته بأسًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(حدثني مكحول) الشامي (أن ابن محيريز) (٣) بضم أوله وفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة مكسورة، ثم تحتانية ثم معجمة، ابن جنادة بن وهب الجمحي، أبو محيريز المكي، من رهط أبي محذورة، وكان يتيمًا\n_________\n(١) وفي نسخة: \"والحجاج\".\n(٢) وفي نسخة: \"قال عفان\".\n(٣) اسمه عبد الله كما سيأتي. (ش).","vol":"3","page":262},{"text":"حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ حَدَّثَهُ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، الأَذَانُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،\n===\nفي حجره، نزل الشام وسكن بيت المقدس، قال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال ابن خراش: كان من خيار الناس وثقات المسلمين، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(حدثه أن أبا محذورة حدثه) أي ابن محيريز (أن رسول الله - ﷺ - علمه الأذان تسع عشرة كلمة) فإنه أدخل في الأذان أربع كلمات الشهادة التي كانت للترجيع، وإذا أخرجت منه بقيت خمس عشرة كلمة (والإقامة سبع عشرة كلمة) لأنه أخرج منها أربع كلمات الترجيح، وزيدت فيها كلمتا الإقامة فصارت سبع عشرة كلمة، كما هو عند الحنفية.\n(الأذان) هكذا: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) أربع كلمات التكبير (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله) كلمتان للتوحيد (أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله) كلمتان لشهادة الرسالة (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله) ولم يذكر في هذه الرواية أربع كلمات الشهادة للترجيع في النسخ القادرية والمصرية، وأما في النسخة المكتوبة والمجتبائية والكانفورية والنسخة التي على \"عون المعبود\"، ففيها ذكر الترجيع.\nوأخرج هذا الحديث مسلم في \"صحيحه\" من طريق عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة وذكر فيه الترجيع بلفظ: ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، الحديث، وكذا أخرجه الدارمي من","vol":"3","page":263},{"text":"حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ.\nوَالإِقَامَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ». كَذَا فِى كِتَابِهِ فِى حَدِيثِ أَبِى مَحْذُورَةَ. [ت ١٩٢، م ٣٧٩، ن ٦٢٩، دي ١١٩٦، حم ٣/ ٤٠٩، ٦/ ٤٠١، خزيمة ٣٧٧ - ٣٧٩، حب ١٦٨٠، قط ١/ ٢٣٣، ق ١/ ٣٩٣ - ٤١٩]\n===\nطريق سعيد بن عامر، عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، وذكر فيها الترجيح، وكذا أخرج الدارقطني من طريق همام بهذا السند، وذكر فيها الترجيح، وكذلك ذكر الترجيع في هذ الحديث بهذا السند البيهقي، كما ذكره مسلم، فالظاهر أن ما في النسخ الدهلوية والمصرية من ترك كلمات الترجيع سهو من النساخ.\n(حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة) مرتين (حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح) مرتين (الله أكبر الله أكبر) مرتين (لا إله إلَّا الله) مرة واحدة.\n(والإقامة) هكذا: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) أربع مرات (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله) مرتين، (أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله) مرتين، (حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة) مرتين، (حَيَّ على الفلاح، حَىَّ على الفلاح) مرتين، (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) مرتين، (الله أكبر الله أكبر) مرتين، (لا إله إلَّا الله) مرة واحدة (كذا في كتابه في حديث أبي محذورة) أي قال أبو داود: قال الحسن بن علي: قال مشايخي عفان وسعيد وحجاج هكذا، أي مثل الذي حدثنا من حفظه كذلك في كتابه بأن كلمات الأذان تسع عشرة كلمة بتربيع التكبير في أوله والترجيع في","vol":"3","page":264},{"text":"٥٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى مَحْذُورَةَ - يَعْنِى عَبْدَ الْعَزِيزِ -\n===\nالشهادتين، وبأن الإقامة مثل الأذان إلَّا أنها ليس فيها ترجيع، وفيها قد قامت الصلاة مرتين.\nوغرض المصنف بهذا الكلام أن همامًا اختلف في توثيقه وتضعيفه، فوثقه بعضهم، فإن العجلي قال: بصري ثقة، وقال الحاكم: ثقة، حافظ، وكذلك وثَّقه أحمد وابن معين، وقال يزيد بن هارون: كان همام قويًا في الحديث، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: همام ثبت في كل المشايخ، وضعفه البعض، فإن يحيى القطان لا يروي عنه ولا يعبأ به، ويقول: ألا تعجبوا من عبد الرحمن يقول: من فاته شعبة يسمع من همام حتى إن إبراهيم بن عرعرة قال ليحيى: حدثنا عفان قال: حدثنا همام، فقال له يحيى: اسكت ويحك، كأنه ينكر عليه لأجل همام، وقال بعضهم: همام حفظه رديء، وكتابه صالح، قال أبو حاتم وقد سئل عن همام وأبان؟ قال: همام أحبُّ إليَّ ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط، وقال: ثقة، صدوق، في حفظه شيء، وقال عفان: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرًا فلنستغفر الله تعالى، وقال الساجي: صدوق سيِّئ الحفظ، ما حدث من كتابه فهو صالح، وما حدث من حفظه فليس بشيء.\nولما كان هذا أعدل الأقوال فيه أراد المصنف أن يؤيد ويقوي أمر الحديث الذي حدثهم حفظًا بأنه هكذا في كتابه فوافق حفظه كتابه ولم يخالفه، فثبت أن حديث همام غير متكلم فيه من جهته، وقوله: في حديث أبي محذورة، أي في الجزء الذي فيه أحاديث أبي محذورة.\n٥٠١ - (حدثنا محمد بن بشار) بندار، (ثنا أبو عاصم) النبيل، (ثنا ابن جريج) عبد الملك، (أخبرني ابن عبد الملك بن أبي محذورة- يعني عبد العزيز-) وهو عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي المكي","vol":"3","page":265},{"text":"عن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عن أَبِي مَحْذُوْرَةَ قَالَ: أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - التَّأذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: \"قُلْ: اللَّه أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّه أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّه، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه (١) \". قَالَ: \"ثُمَّ (٢) ارْجِع فَمُدَّ مِنْ صَوْتِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،\n===\nالمؤذن، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"الجوهر النقي\" (٣): وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت علي بن المديني يقول: بنو أبي محذورة الذين يحدثون كلهم ضعيف ليس بشيء.\n(عن ابن ميحريز) (٤) عبد الله، (عن أبي محذورة) المؤذن (قال: ألقى عليَّ رسول الله - ﷺ - التأذين) أي الأذان مع كيفية التأذين (هو) أي رسول الله - ﷺ - (بنفسه فقال: قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) أربع مرات (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: ثم ارجع) وفي نسخة: \"ثم قال: ارجع\" (فَمُدَّ من صوتك: أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله).\nقال الطحاوي (٥): فاحتمل أن يكون الترجيح الذي حكاه أبو محذورة إنما\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"مرتين مرتين\".\n(٢) وفي نسخة: \"ثم قال\".\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٣).\n(٤) وهذا مختصر، وأخرجه النسائي ح (٦٣٢) مفصلًا، فقال: إن ابن محيريز كان في حجر أبي محذورة حتى جهزه إلى الشام، فقال له: إني خارج إليهم وأخشى أن أسأل عن تأذينك فأخبرني، فقال: خرجت، الحديث، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٢).","vol":"3","page":266},{"text":"حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ اللَّه أَكْبَرُ، لَا إِله إِلَّا اللَّه\". [قط ١/ ٢٣٥، وانظر سابقه]\n٥٠٢ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى مَحْذُورَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّى عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِى مَحْذُورَةَ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَحْذُورَةَ يَقُولُ: أَلْقَى عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الأَذَانَ حَرْفًا حَرْفًا: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،\n===\nكان لأن أبا محذورة لم يمد بذلك صوته على ما أراد النبي - ﷺ - منه، فقال له النبي - ﷺ -: ارجع وامدد عن صوتك.\n(حيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله) وفي هذا السياق اقتصار على الأذان، وليس فيه ذكر الإقامة.\n٥٠٢ - (حدثنا النفيلي) عبد الله بن محمد، (نا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة) ضعفه (١) الأزدي، وقال في \"التقريب\": مجهول، (قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنه سمع أبا محذورة) المؤذن (يقول) أي أبو محذورة: (ألقى عَلَيَّ) أي لَقَّنني (رسول الله - ﷺ - الأذان حرفًا حرفًا) أي كلمة كلمة من كلمات الأذان (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) أربع مرات (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله) مرتين (أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله) مرتين\n_________\n(١) قال ابن رسلان: تفرد به أبو داود، ولم يذكره الذهبي بجرح ولا تعديل. (ش).\n[قلت: قال الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٧٧): إبراهيم بن أبي محذورة: قال الأزدي: هو وإخوته يضعفون، وأما في \"الكاشف\" (١/ ٧٦) فلم يذكره بجرح ولا تعديل].","vol":"3","page":267},{"text":"أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ» (١)، قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ فِى الْفَجْرِ: \"الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الإِسْكَنْدَرَانِىُّ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ -، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ - يَعْنِى الْجُمَحِىَّ -، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى مَحْذُورَةَ، أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ الْجُمَحِىِّ، عَنْ أَبِى مَحْذُورَةَ، \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَّمَهُ الأَذَانَ، يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ،\n===\n(أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله) مرتين، (أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله) مرتين، (حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة) مرتين (حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح) مرتين، (قال) أي إبراهيم بن إسماعيل: سمعت جدي عبد الملك يقول: (وكان) أي أبو محذورة (يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم) أي مرتين.\n٥٠٣ - (حدثنا محمد بن داود الإسكندراني، ثنا زياد - يعني ابن يونس-، عن نافع بن عمر -يعني الجمحي-) وهو نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل الجمحي الحافظ المكي، قال عبد الرحمن بن مهدي: كان من أثبت الناس، وقال أحمد: ثبت ثبت صحيح الكتاب، وقال ابن معين والنسائي وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٦٩ هـ.\n(عن عبد الملك بن أبي محذورة، أخبره عن عبد الله بن محيريز الجمحي، عن أبي محذورة أن رسول الله - ﷺ - علمه) أي أبا محذورة (الأذان، يقول: الله أكبر الله أكبر) هكذا مرتين في جميع النسخ الموجودة، وأكثر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"مرتين\".","vol":"3","page":268},{"text":"أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ\"، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ أَذَانِ حَدِيثِ (١) ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَعْنَاهُ.\n[انظر سابقه]\n(٢) وَفِى حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِى مَحْذُورَةَ قُلْتُ: حَدِّثْنِى عَنْ أَذَانِ أَبِيكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَطُّ»\n===\nالروايات على التربيع (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، ثم ذكر مثل أذان حديث ابن جريج، عن عبد العزيز بن عبد الملك ومعناه) أي ومثل معنى حديث ابن جريج.\nحاصله: أن رواية نافع بن عمر عن عبد الملك بن أبي محذورة يخالف رواية ابن جريج في تثنية التكبير لا في غيره من الكلمات، فإن في رواية ابن جريج تربيع التكبير، وفي رواية نافع تثنيته، وسائر الكلمات فيهما سواء.\nقال أبو داود: (وفي حديث مالك بن دينار قال: سألت ابن أبي محذورة) ولعله عبد الملك (قلت: حدثني عن أذان أبيك عن رسول الله - ﷺ - فذكر، فقال: الله أكبر الله أكبر) مرتين (قط) أي لم يزد على مرتين.\nقلت: وقد أخرج الدارقطني (٣) حديث مالك بن دينار وليس فيه لفظ: \"الله أكبر الله أكبر\" مرتين، حدثنا القاضي أبو عمر، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا مسلم، ثنا داود بن أبي عبد الرحمن القرشي، ثنا مالك بن دينار قال: صعدت إلى ابن أبي محذورة فوق المسجد الحرام بعد ما أذن، فقلت له: أخبرني عن أذان أبيك لرسول الله - ﷺ - قال: كان يبدأ فيكبر، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حديث أذان\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٤٣).","vol":"3","page":269},{"text":"وَكَذَلِكَ حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مَحْذُورَةَ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ جَدِّهِ،\n===\nالفلاح مرة ثم يرجع، فيقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حتى يأتي على آخر الأذان، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله، تفرد به داود.\n(وكذلك) أي مثل حديث مالك بن دينار (حديث جعفر بن سلميان) في تثنية التكبير، (عن ابن أبي محذورة، عن عمه، عن جده) والظاهر أن المراد من ابن أبي محذورة في هذا السند ابن ابنه، فإن ابن أبي محذورة لا يروي عن عمه، أي عن أخي أبي محذورة، ولم يثبت أن أخا أبي محذورة أسلم، وروى عنه أحد من الناس، بل قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": وقال ابن جرير وغيره: كان لأبي محذورة أخ يسمى أنيسًا قتل يوم بدر كافرًا، فلا يمكن أن يروي ابن أبي محذورة وهو عبد الملك عن عمه أخي أبيه، بل هو يروي عن أبيه بلا واسطة بينهما.\nوكذلك يشكل رواية عمه عن جده، فإنه محال، لأنه لم يثبت أن جد عبد الملك بن أبي محذورة أسلم، ولم يرو الأذان إلَّا عن أبي محذورة لا عن أبيه، فيمكن أن يوجه (١) الكلام بأن المراد من ابن أبي محذورة عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وهو يروي عن عمه، وهو عبد الله بن محيريز، فإنه وإن لم يكن له عمًّا على الحقيقة فهو عم مجازي، فإنه كان يتيمًا في حجر أبي محذورة، فكأنه ابنه، فصار كأنه عم لعبد العزيز، وهو يروي عن جده، أي جد عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة وهو أبو محذورة صاحب الأذان.\nويمكن أن يكون المراد من ابن أبي محذورة ابن ابن ابنه إبراهيم بن\n_________\n(١) وشرحه ابن رسلان بأن عبد الملك بن محذورة روى عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة، فهو أيضًا قريب بما قاله الشيخ. (ش).","vol":"3","page":270},{"text":"إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"ثُمَّ تَرْجِعُ فترفعُ صَوْتَكَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ\".\n٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ،\n===\nإسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة، وهو يروي عن عمه عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وهو يروي عن جده عبد الملك أو أبي محذورة، وعبد العزيز هذا له رواية عن عبد الله بن محيريز (١) وأبي محذورة.\nووقع في رواية ابن السني عن النسائي عن بشر بن معاذ، عن إبراهيم بن عبد العزيز، حدثني أبي عبد العزيز، حدثني جدي عبد الملك عن أبي محذورة، وهو وهم، والصواب ما رواه الترمذي عن بشر بن معاذ، عن إبراهيم قال: حدثني أبي وجدي جميعًا عن أبي محذورة، قاله الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢).\nفهذا الكلام يدل على أن عبد العزيز له رواية عن أبيه عبد الملك، وعن جده أبي محذورة، فيمكن أن يكون المراد عن جده في حديث جعفر بن سليمان إما عبد الملك أو أبا محذورة، وقد بالغت في تصفح هذا الحديث فلم أجد هذا السياق لغير أبي داود فيما تصفحت من الكتب، والذي يغلب على الظن أن في هذا السند تصحيفًا، ولعله كتب في محل \"عن أبيه\" \"عن عمه\" غلطًا- والله أعلم- هذا ما وقع في فهمي القاصر- والله تعالى أعلم-.\n(إلَّا أنه) أي جعفر بن سليمان (قال) في حديثه: (ثم ترجع فترفع) إما بلفظ الأمر من التفعل أو المضارع من المجرد في الصيغتين (صوتك: الله أكبر الله أكبر) حاصله أن هذه زيادة في حديث جعفر بن سليمان، أي الترجيح في التكبير ليس في حديث مالك بن دينار.\n٥٠٤ - (حدثنا عمرو بن مرزوق) الباهلي يقال: مولاهم، أبو عثمان\n_________\n(١) وكتب مولانا أسعد الله أن حق العبارة أن يقول: ولعبد العزيز رواية عن عبد الملك وأبي محذورة. (ش).\n(٢) (٦/ ٣٤٧).","vol":"3","page":271},{"text":"أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى لَيْلَى. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قال: سَمِعْتُ (١) ابْنَ أَبِى لَيْلَى قَالَ: أُحِيلَتِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ\n===\nالبصري، قال ابن عمار الموصلي: ليس بشيء، وقال العجلي: عمرو بن مرزوق بصري ضعيف يحدث عن شعبة، وقال الدارقطني: صدوق، كثير الوهم، وقال الحاكم: سيِّئ الحفظ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، قال عبيد الله بن عمر: كان يحيى بن سعيد لا يرضى عمرو بن مرزوق، وقال الساجي: كان أبو الوليد يتكلم فيه.\nوقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عن شعبة، وعن ابن معين: ثقة مأمون صاحب غزو وقرآن وفضل، وحَمِدَه جدًا، وقال أبو حاتم: كان ثقة، من العباد، وقال أحمد بن حنبل: ثقة، مأمون، فتشنا على ما قيل فيه فلم نجد له أصلًا.\nقال أبو زرعة: وسمعت سليمان بن حرب وذكر عمرو بن مرزوق، فقال: جاء بما ليس عندهم فحسدوه، وقال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل، وقلت له: إن علي بن المديني يتكلم في عمرو بن مرزوق؟ فقال: عمرو رجل صالح، لا أدري ما يقول علي، وتكون في مجلس درسه عشرة آلاف رجل.\n(أنا شعبة) بن الحجاج، (عن عمرو بن مرة) الجملي (قال: سمعت ابن أبي ليلى) عبد الرحمن، (ح: وحدثنا ابن المثنى) محمد، (ثنا محمد بن جعفر) غندر، (عن شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمت ابن أبي ليلى) عبد الرحمن (قال) أي ابن أبي ليلى: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال) أي وقع فيها ثلاث تحويلات وتغييرات، ثم فصل ذلك الإجمال.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن\".","vol":"3","page":272},{"text":"قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَقَدْ أَعْجَبَنِى أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ\" - أَوْ: الْمُؤْمِنِينَ - وَاحِدَةً، حَتَّى لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبُثَّ رِجَالًا فِى الدُّورِ يُنَادُونَ النَّاسَ بِحِينِ الصَّلَاةِ، وَحَتَّى هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رِجَالًا يَقُومُونَ عَلَى الآطَامِ يُنَادُونَ الْمُسْلِمِينَ بِحِينِ (١) الصَّلَاةِ، حَتَّى نَقَسُوا أَوْ كَادُوا أَنْ يَنْقُسُوا»\n===\n(قال: وحدثنا أصحابنا) (٢) والمراد بهم الصحابة -﵃-، وقد أخرج الطحاوي بسنده عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أخبرني أصحاب محمد - ﷺ -، وكذلك أخرج البيهقي بسنده عن وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد - ﷺ -، الحديث، فثبت بهذا أن المراد بأصحابنا أصحاب رسول الله - ﷺ -.\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: لقد أعجبني) أي سرني، قال في \"لسان العرب\": وأعجبه الأمر: سره (إن تكون صلاة المسلمين أو المؤمنين) لفظة \"أو\" للشك من الراوي (واحدة) أي جماعة واحدة لا يصلون منفردين.\n(حتى لقد هممت أن أبث رجالًا في الدور) أي القبائل والمحلات (ينادون الناس بحين الصلاة) أي يقولون مثلًا: الصلاة الصلاة (وحتى هممت) أي أردت (أن آمر رجالًا يقومون على الآطام) بمد الهمزة جمع أطم بالضم، أي على القصور والأبنية المرتفعة (ينادون المسلمين بحين الصلاة حتى نَقَسُوا) أي ضربوا بالناقوس، (أو كادوا أن ينقسوا) أي أرادوا ضرب الناقوس، وقربوا\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لحين\".\n(٢) قال ابن رسلان: قال المنذري (١/ ٢٠٥): إن أراد به الصحابة فهو متصل، وإلَّا فهو مرسل، قال ابن حجر: في رواية ابن أبي شيبة وابن خزيمة والبيهقي والطحاوي: أصحاب محمد، فهو متصل، ولذا صححه ابن حزم وابن دقيق العيد. (انظر: \"التلخيص الحبير\" ١/ ٢٠٣). (ش).","vol":"3","page":273},{"text":"قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى لَمَّا رَجَعْتُ لِمَا رَأَيْتُ مِنَ اهْتِمَامِكَ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ (١) أَخْضَرَيْنِ، فَقَامَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا، إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ - قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: أَنْ تَقُولُوا - لَقُلْتُ: إِنِّى كُنْتُ يَقْظَانًا\n===\nمن أن يضربوا بالناقوس، وهذا الكلام يحتمل أن يكون من النبي - ﷺ -، ويمكن أن يكون مدرجًا من بعض الصحابة رواة الحديث.\n(قال) أي ابن أبي ليلى: قالوا: (فجاء رجل من الأنصار) وهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه (فقال: يا رسول الله، إني لما (٢) رجعت) أي من مجلسك إلى البيت (لما) (٣) بكسر اللام علة لقوله: \"رأيت رجلًا\" ومتعلق به، أو متعلق بمقدر: وكنت مهتمًّا، وما موصولة (رأيت من اهتمامك) أي من اعتنائك بجمع الناس (رأيت) أي في المنام (رجلًا كأن) بتشديد النون (٤) (عليه ثوبين أخضرين (٥)، فقام على المسجد فأذن، ثم قعد قعدة، ثم قام فقال مثلها، إلَّا أنه يقول) في هذه المرة: (قد قامت الصلاة).\n(ولولا أن يقول الناس) وهذا لفظ ابن مرزوق بلفظ الغيبة، (- قال ابن المثنى أن تقولوا-) أي لولا أن تقولوا بلفظ الخطاب، ثم اتفقا (لقلت: إني كنت يقظانًا (٦)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثوبان\" \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) بتشديد الميم. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) بتخفيف الميم. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وليس للتشبيه بل للتحقيق كما بسطه ابن رسلان، ويدل عليه رواية ابن ماجه بدون لفظ كأن. (ش).\n(٥) فيه إشارة إلى أن الأذان والإِقامة من أسباب دخول الجنة لقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) وهل يمكن رؤية الملك وكلامه يقظانًا، الظاهر لا مانع فيه لقوله تعالى في قصة\nمريم في [سورة] آل عمران، ففي \"تفسير الجمل\" (١/ ٤١١): ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ =","vol":"3","page":274},{"text":"غَيْرَ نَائِمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى-: «لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا»، وَلَمْ يَقُلْ عَمْرٌو: «لَقَدْ (١) \"، \"فَمُرْ بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ».\n===\nغير نائم) أي كنت (٢) غير مستغرق في النوم كأني كنت يقظانًا.\n(فقال رسول الله - ﷺ - وقال ابن المثنى-: \"لقد أراك الله خيرًا\"، ولم يقل عمرو \"لقد\") هكذا في بعض النسخ من المطبوعة الهندية (٣) والمكتوبة، فعلى هذه النسخ الاختلاف الواقع بين لفظ ابن المثنى وبين عمرو بن مرزوق في لفظ \"لقد\" بأن ابن المثنى (٤) ذكر لفظ \"لقد\" وعمرو بن مرزوق لم يذكره، وفي بعض النسخ وهي المصرية والتي على حاشية \"عون المعبود\": \"ولم يقل عمرو: لقد أراك الله\" فعلى هذه النسخ الاختلاف بينهما في ذكر تمام الجملة بأن ابن المثنى ذكر \"لقد أراك الله خيرًا\" ولم يقلها عمرو.\n(فمر بلالًا فليؤذن) مقولة لقوله: \"قال رسول الله - ﷺ - على النسخة المصرية، ونسخة \"عون المعبود\"، وأما على النسخة المطبوعة الهندية والمكتوبة فيكون مقولة قال من قوله: \"أراك الله خيرًا\"، وهذا على رواية عمرو بن مرزوق، وأما على رواية ابن المثنى فمقولة قال تمام الجملة من قوله: \"لقد أراك الله خيرًا، فمر بلالًا فليؤذن\".\n_________\n= [آل عمران: ٤٢] أي مشافهة لها بالكلام. وبين تحت قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] كيفية تمثله بشرًا سويًا، وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه: ٣٨]، حمل الكلام على المنام لكونها غير نبية، وقال تحت قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]: كتكليم الملك الأقرع والأبرص والأعمى، وبحث الرازي في ذلك مختصرًا، وذكر القاضي في \"الشفاء\" (٣/ ٣٧٩) رؤية الصحابة الملائكة وكلامهم، وبَيَّن العيني (١٠/ ٥٧٧) الفرق بين مريم وعائشة إذ قالت: ترى ما لا أرى، وجزم بالرؤية في \"شرح الشمائل\" (٢/ ٢٣٣). (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"أراك الله\".\n(٢) وتقدم في هامش \"باب بدأ الأذان\" ما هو الأوجه عندي. (ش).\n(٣) وكذا في نسخة ابن رسلان. (ش).\n(٤) وهكذا بين الاختلاف بين روايتيهما ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":275},{"text":"قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنِّى قَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِى رَأَى، وَلَكِنْ (١) لَمَّا سُبِقْتُ اسْتَحْيَيْتُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا (٢) أَصْحَابُنَا، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ يَسْأَلُ فَيُخْبَرُ بِمَا سُبِقَ مِنْ صَلَاتِهِ،\n===\n(قال) أي ابن أبي ليلى عن أصحاب رسول الله - ﷺ -: (فقال عمر) بعد ما علم أنه أذن على رؤيا عبد الله بن زيد: (أما إني قد رأيت) أي في المنام (مثل الذي رأى) أي عبد الله بن زيد، (ولكن لما سبقت) أي سبقني به عبد الله بن زيد وصرت مسبوقًا (استحييت) أن أذكره، ثم بعد ذلك أخبر بما رأى على ما اقتضته المصلحة الدينية، وهذا الحال أول الأحوال الثلاثة الواقعة في الصلاة، فإنه لم تكن الجماعة واجبة إذ ذاك، ولم يكن يؤذن لها، فأحب رسول الله - ﷺ - أن تكون الصلاة جماعة، واهتم في طريق جمع الناس في هذا، ولم يرض النبي - ﷺ - بما أشاروا إليه، ثم رؤى عبد الله بن زيد -﵁ - الأذان في منامه، فاختاره رسول الله - ﷺ -، وشرع الأذان.\n(قال) ابن أبي ليلى: (وحدثنا أصحابنا) وهذا شروع في الحال الثاني، (قال) أي ابن أبي ليلى عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -: (وكان الرجل) أي من الصحابة (إذا جاء) في المسجد، والجماعة قائمة (يسأل) عن المصلين عما سبق من صلاتهم.\n(فيخبر بما سبق من صلاته) أي فيخبره المصلون وهم في صلاتهم بما سبق وصلي قبل مجيئه من صلاته بالإشارة (٣)، فإذا أخبر بما صلي قبل مجيئه من الصلاة دخل في الصلاة وصلَّى بما سبق من صلاته مستعجلًا، ثم دخل مع الإِمام في صلاته.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لكني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بعض\".\n(٣) كما هو مصرح في رواية أحمد (٥/ ٢٤٦) بسطه ابن رسلان، قلت: فلا يصح الاستدلال به على أن نسخ الكلام بالمدينة، كما استدل به صاحب \"العرف الشذي\". (ش).","vol":"3","page":276},{"text":"وَأنَّهُمْ قَامُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَقَاعِدٍ وَمُصَلٍّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.\nقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِى بِهَا حُصَيْنٌ عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى، حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ، قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهَا مِنْ حُصَيْنٍ\n===\n(وأنهم) أي المصلين مع رسول الله - ﷺ - (قاموا مع رسول الله - ﷺ -) أي دخلوا مع رسول الله - ﷺ - في صلاته وصاروا (من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع رسول الله - ﷺ -) أي بعضهم قائم، وبعضهم راكع، وبعضهم قاعد، وبعضهم مصل مع رسول الله - ﷺ -، لأن الذين اقتدوا برسول الله - ﷺ - في التحريمة أو الركعة الأولى، أو الذين سبقوا من صلاتهم وأدوا ما سبقوا به فهم مصلون مع رسول الله - ﷺ -، وأما الذين يؤدون ما سبقوا من صلاتهم فبعضهم قائم، وبعضهم راكع، وبعضهم قاعد على اختلاف أحوالهم، وعلى خلاف ما فيه رسول الله - ﷺ - مما يؤدي من أجزاء الصلاة التي سبق بها.\n(قال ابن المثنى) أي بسنده عن محمد بن جعفر عن شعبة: (قال عمرو) أي ابن (١) مرة: (وحدثني بها) أي بهذه (٢) الرواية (حصين) بن عبد الرحمن السلمي، (عن ابن أبي ليلى) أي كما حدثني بها ابن أبي ليلى، حاصله: أن عمرو بن مرة يقول: حصل لي هذه الرواية من ابن أبي ليلى بطريقين: أحدهما بواسطة حصين، والثاني بلا واسطة.\n(حتى جاء معاذ) متعلق بالكلام السابق، وهو: \"وأنهم قاموا مع رسول الله - ﷺ -، وغاية لما يحصل من ذلك الكلام، أي كانوا في هذا الاختلاف من الأحوال في الصلاة حتى جاء معاذ في المسجد، والناس يصلون بصلاة رسول الله - ﷺ -، فأشاروا إلى معاذ بأنه سبق من الصلاة كذا.\n(قال شعبة: وقد سمعتها) أي هذه الرواية (من حصين) فحصل لي هذه\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: لعله ابن مرزوق. (ش).\n(٢) وقال ابن رسلان: أي بهذه القصة. (ش).","vol":"3","page":277},{"text":"فَقَالَ: لَا أَرَاهُ عَلَى حَالٍ، إِلَى قَوْلِهِ: \"كَذَلِكَ (١) فَافْعَلُوا\".\n(٢) ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، قَالَ: فَجَاءَ مُعَاذٌ فَأَشَارُوا إِلَيْهِ - قَالَ شُعْبَةُ: وَهَذِهِ سَمِعْتُهَا مِنْ حُصَيْنٍ - قَالَ: فَقَالَ مُعَاذٌ: لَا أَرَاهُ عَلَى حَالٍ إلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا. قَالَ: فَقَالَ:\n===\nالرواية من طريق عمرو بن مرة، ومن طريق حصين، (فقال) أي فأجاب معاذ لما أشاروا إليه، وقال: (لاأراه) أي رسول الله - ﷺ - (على حال) أي في الصلاة (إلى قوله: كذلك فافعلوا).\nقال أبو داود: (ثم رجعت إلى حديث عمرو بن مرزوق) فإنه لم يذكر رواية عمرو بن مرة عن حصين، ولا رواية شعبة عن حصين، بل روى من طريق واحد من طريق شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت ابن أبي ليلى إلَّا قوله: فأشاروا إليه، فإن هذا اللفظ رواه شعبة عن حصين.\n(قال) أي ابن أبي ليلى عن أصحاب رسول الله - ﷺ -: (فجاء معاذ) أي في المسجد، والمسلمون في الصلاة مع رسول الله - ﷺ -، (فأشاروا) أي الصحابة الذين كانوا خلف رسول الله - ﷺ - في الصلاة بما سبق من صلاتهم (إليه) أي إلى معاذ، (قال شعبة: وهذه) أي الكلمة (٣) وهي قوله: فأشاروا إليه (سمعتها من حصين) أي لم أسمعها من عمرو بن مرة.\n(قال) ابن أبي ليلى: (فقال) أي أجاب (معاذ: لا أراه) أي رسول الله - ﷺ - (على حال) أي في الصلاة (إلَّا كنت عليها) أي على تلك الحال، أي لا أخالفه، بل أدخل معه - ﷺ - في الفعل الذي يؤديه، فأتبعه في القيام والقعود والركوع والسجود.\n(قال) ابن أبي ليلى عن بعض أصحابه: (فقال) أي النبي - ﷺ - لمَّا سمع\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فكذلك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) وظاهر كلام ابن رسلان أن الإِشارة إلى قول معاذ الآتي في روايته: لا أراه على حال، إذ قال: وهذه أي القصة. (ش).","vol":"3","page":278},{"text":"إِنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ سُنَّةً، كَذَلِكَ فَافْعَلُوا\".\nقَالَ: وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ أُنْزِلَ رَمَضَانُ، وَكَانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصِّيَامَ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَلَيْهِمْ شَدِيدًا، فَكَانَ (١) مَنْ لَمْ يَصُمْ أَطْعَمَ\n===\nقول معاذ: (إن معاذًا قد سن (٢» أي قد أجرى وأحدث (لكم سنَّة) أي سنة حسنة (كذلك فافعلوا) فلا تخالفوا الإِمام في أداء ما سبق من الصلاة، بل ادخلوا مع الإِمام في الصلاة واتبعوه فيما يؤديه.\nوهذا حال ثان بأن المسبوق إذا حضر الجماعة كان يسأل عما سبق به فيخبر، فيؤديها قبل الإِمام، ثم يدخل في صلاة الإِمام، فَحُوِّل ذلك وغُيِّر وأمروا بأنهم إذا سبقوا بركعة من الصلاة فعليهم أنهم إذاحضروا جماعة أن يدخلوا في صلاة الإِمام ولا يخالفوه، ثم إذا فرغ الإِمام من الصلاة أدوا ما سبقوا بها، ثم لم يذكر في هذه الرواية الحال الثالث، وسيذكره المصنف في الرواية الآتية.\n(قال) أي ابن أبي ليلى: (وحدثنا أصحابنا) وهذا شروع في التغير الواقع في الصوم، فإنه وقع في الصوم أيضًا ثلاث تحويلات: إحداها: (أن رسول الله - ﷺ - قدم المدينة) أي مهاجرًا (أمرهم) أي المسلمين (بصيام ثلاثة أيام) من كل شهر، فأوجب عليهم صيامها (ثم أنزل رمضان) أي صوم شهر رمضان، (وكانوا) أي الصحابة (قومًا لم يتعودوا) أي لم يعتادوا (الصيام، وكان الصيام عليهم شديدًا) لأجل أنهم كانوا لم يعتادوها، (فكان من لم يصم أطعم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٢) فيه البحث عن الاجتهاد في عصره - ﷺ -، وبسطه ابن رسلان، وقال: اختلف أهل الأصول في جواز الاجتهاد في عصره جمع على خمسة أقوال: أصحها عند الأكثرين الجواز، وقيل: المنع مطلقًا، وقيل: بإذنه، وقيل: للغائب دون من بحضرته، لأن الغائب لو أخر الحادثة إلى لقائه لفاتت المصلحة، وقيل: يجوز للغائبين من الولاة كعلي ومعاذ ... إلخ، ثم قال: وعلى القول بالجواز اختلفوا في وقوعه على خمسة أقوال، ثم بسطها. (ش).","vol":"3","page":279},{"text":"مِسْكِينًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فَكَانَتِ الرُّخْصَةُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، فَأُمِرُوا بِالصِّيَامِ\n===\nمسكينًا) أي كان جائزًا أن من لم يصم من غير عذر أن يطعم مسكينًا، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١) محمول (٢) على ظاهره بمعنى أن مطيقي الصوم عليهم إذا لم يصوموا فدية طعام مسكين أن يطعموا المسكين الطعام فديةً عن الصوم.\n(فنزلت هذه الآية) وهي قوله تعالى: (﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾) (٣) ومعنى الآية: فمن كان شاهدًا أي حاضرًا مقيمًا غير مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر، والشهر منصوب على الظرف، وكذلك الهاء في \"فليصمه\"، ولا يكون مفعولًا به، كقولك: شهدت الجمعة \"كشاف\" (٤)، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من الرخصة للمطيقين أن لا يصوموا ويفدوا.\n(فكانت الرخصة للمريض والمسافر) أي بعد نزول هذه الآية نسخت الرخصة لغير المعذورين، وبقيت الرخصة للمعذورين من المرضى والمسافرين في الإفطار (فأمروا بالصيام) أي أُمِرَ غير المعذورين بأن يصوموا ولا يفطروا ولا يجزئهم الإطعام، فهذا مشتمل على حالين في الصوم، أولهما: أن رسول الله - ﷺ - أمر المسلمين بثلاثة أيام من كل شهر، وكذلك أمرهم بصوم يوم عاشوراء، سواء كان ذلك الأمر أمر الوجوب، كما هو عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى- أو الاستحباب استحبابًا مؤكدًا، كما هو عند بعض أصحاب الشافعي - ﵀ -، ثم نسخ ذلك وفرض رمضان، وهذا أول الحالين.\nثم لما فرض شهر رمضان وكانوا لم يتعودوا الصيام، كان يجوز لهم- من المعذورين وغيرهم- أن لا يصوموا، ويفدوا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(٢) وأيضًا قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ محمول على ثلاثة أيام من كل شهر. (ش).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(٤) \"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٢٥٤).","vol":"3","page":280},{"text":"قَالَ: وحدَّثنا أصحابُنا قال: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَفْطَرَ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ لَمْ يَأْكُلْ حَتَّى يُصْبِحَ. قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ فَأَرَادَ امْرَأَتَهُ فَقَالَتْ: إِنِّى قَدْ نِمْتُ، فَظَنَّ أَنَّهَا تَعْتَلُّ فَأَتَاهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرَادَ الطَّعَامَ (١). فَقَالُوا: حَتَّى نُسَخِّنَ لَكَ شَيْئًا،\n===\n﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وبقيت الرخصة للمعذورين والمسافرين، ووجب الصيام على غير المعذورين منهم حتمًا.\n(قال) أي ابن أبي ليلى: (وحدثنا أصحابنا قال) ولفظ \"قال\" هذا ثبت في النسخة المصرية ونسخة \"عون المعبود\" وغيرها من النسخ المطبوعة، وليس في النسخة المكتوبة، فعلى تقدير وجوده يرجع ضمير فاعله إلى بعض أصحابنا، (وكان الرجل) أي في ابتداء الإِسلام وأول الأمر (إذا أفطر) أي دخل في وقت الإفطار (فنام قبل أن يأكل لم يأكل) أي يحرم عليه الأكل (حتى يصبح) فإذا أصبح صار صائمًا في اليوم الثاني، فيحرم عليه الأكل فيه للصوم حتى تغرب الشمس.\n(قال) أي بعض أصحابنا: (فجاء عمر) (٢) أي بيته (فأراد) أي عمر (امرأته) أي مجامعتها (فقالت) أي امرأة عمر: (إني قد نمت) قبل أن آكل (٣) فحرم عليَّ الجماع (فظن) أي عمر (أنها) أي امرأته (تعتل) أي تلهى وتعتذر عذرًا كاذبًا (فأتاها) أي جامعها (فجاء رجل من الأنصار) أي ثم وقع لرجل (٤) من الأنصار بعد واقعة عمر -﵁ - أنه جاء بيته (فأراد الطعام) أي طلبه من أهله، (فقالوا) أي أهله: (حتى نسخن لك شيئًا) أي اصبر حتى نزيل برودتها\n_________\n(١) وفي نسخة: \"طعامًا\".\n(٢) وقال صاحب \"التلقيح\" (ص ٥٠٨): روي أن كعب بن مالك الأنصاري جامع أيضًا في هذا الوقت.\n(٣) كتب مولانا أسعد الله: لا حاجة إلى هذا القيد، بل حذفه أولى أو واجب. (ش).\n(٤) اختلف في اسمه، فقيل: قيس بن صرمة، وقيل: أبو قيس بن عمرو، وقيل: صرمة بن مالك، وقيل: ضمرة بن أنس. \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٥٠٨). (ش).","vol":"3","page":281},{"text":"فَنَامَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (١). [حم ٥/ ٢٤٦، خزيمة ٢٨٤، ق ١/ ٣٩٠، ش ١/ ١٠٤]\n===\nعلى النار، وشيئًا إما مفعول لنسخن أي شيئًا من الطعام، أو منصوب على الظرفية لفعل مقدر أي اصبر شيئًا من الزمن.\n(فنام) أي فغلبته عيناه، (فلما أصبحوا) أي المسلمون (نزلت عليه) أي على رسول الله - ﷺ - (هذه الآية فيها) أي في تلك الواقعة، وهي قوله تعالى: (﴿أُحِلَّ﴾) أي أحل الله (﴿لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾) أي ليلة يوم الصيام (﴿الرَّفَثُ﴾) كناية عن الجماع، عدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء أي مفضين (﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾).\nوهذا تحويل ثالث، فإنه كان في الأول أن الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لا يجوز له الأكل بعده لا في ليل ولا في نهار حتى يفطر في اليوم الثاني، ثم نسخ هذا الحكم وأبيح لهم في جميع ليلة الصيام المفطرات الثلاثة.\nقال الشوكاني (٢): الحديث أخرجه أيضًا الدارقطني من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل به، ورواه أبو الشيخ في كتاب الأذان من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد. قال الحافظ: وهذا الحديث ظاهر الانقطاع، قال المنذري: إلَّا أن قوله في رواية أبي داود: \"حدثنا أصحابنا\" إن أراد الصحابة فيكون مسندًا وإلَّا فهو مرسل، وفي رواية ابن أبي شيبة وابن خزيمة والطحاوي والبيهقي: \"حدثنا أصحاب محمد\"، فتعين الاحتمال الأول، ولهذا صححها ابن حزم وابن دقيق العيد.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٨٧.\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٩).","vol":"3","page":282},{"text":"٥٠٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِى دَاوُدَ. (ح): وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الْمَسْعُودِىِّ،\n===\nقلت: قولهم: إن حديث ابن أبي ليلى منقطع، ولم يدرك ابن أبي ليلى عبد الله بن زيد، أجاب عنه في \"الجوهر النقي\" (١) بأنه يمكن سماع ابن أبي ليلى من عبد الله بن زيد، لأن عبد الله توفي سنة ثنتين وثلاثين، وقد ذكر البيهقي أن الواقدي ذكر بسنده عن محمد بن عبد الله بن زيد قال: توفي أبي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان، وابن أبي ليلى وُلد سنة سبع عشرة.\n٥٠٥ - (حدثنا ابن المثنى) محمد، (عن أبي داود) الطيالسي، (ح: وثنا نصر بن المهاجر، ثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، وثَّقه أحمد بن حنبل، وقال: إنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد، وقال: وسماع أبي النضر وعاصم من المسعودي بعد ما اختلط، ووثَّقه ابن معين، وقال يحيى: من سمع منه في زمان أبي جعفر فهو صحيح السماع، ووثَّقه يحيى، وقال: كان يغلط فيما يروي عن عاصم والأعمش، ووثَّقه علي بن المديني، وقال: كان يغلط فيما روى عن عاصم وسلمة، ويصحح فيما روى عن القاسم ومعن، وقال ابن نمير: كان ثقة، واختلط بأخرةٍ، سمع منه ابن مهدي ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة، وما روى عنه الشيوخ فهو مستقيم.\nوقال يحيى بن سعيد: آخر ما لقيت المسعودي سنة سبع أو ثمان وأربعين، ثم لقيته بمكة سنة ٥٨ هـ، وكان عبد الله بن عثمان ذلك العام معي وعبد الرحمن بن مهدي فلم نسأله عن شيء، وقال أبو حاتم: تغير قبل موته بسنة أو سنتين، وقال ابن عيينة: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود من المسعودي، وقال ابن حبان: اختلط حديثه فلم يتميز فاستحق الترك، وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: إني لأعرف اليوم الذي قد اختلط فيه المسعودي\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى مع الجوهر النقي\" (١/ ٤٢١).","vol":"3","page":283},{"text":"عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: \"أُحِيلَتِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، وَأُحِيلَ الصِّيَامُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ\". وَسَاقَ نَصْرٌ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.\nوَاقْتَصَّ ابْنُ الْمُثَنَّى مِنْهُ قِصَّةَ صَلَاتِهِمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَطْ. قَالَ: الْحَالُ الثَّالِثُ:\n===\nكنا عنده وهو يعزى في ابن له إذ جاءه إنسان، فقال له: إن غلامك أخذ من مالك عشرة آلاف وهرب، ففزع وقام فدخل في منزله، ثم خرج إلينا وقد اختلط، مات سنة ١٦٠ هـ.\n(عن عمرو بن مرة) الجملي، (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن، (عن معاذ بن جبل) الأنصاري (قال) أي معاذ بن جبل: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال).\nفذكر ابن المثنى ونصر بن المهاجر بسنديهما من طريق المسعودي التغيرات الثلاثة في الصلاة والصيام في الإجمال، وأما في التفصيل فلم يذكر ابن المثنى من أحوال الصيام شيئًا، ولم يذكر من أحوال الصلاة إلَّا الحال الثالث، وهو تحويل القبلة، وأما نصر فقد ذكر في حديثه الطويل الأحوال الثلاثة المتعلقة بالصلاة، لكن لم يذكرها المصنف اختصارًا، وكذا ذكر نصر في حديثه الأحوال المتعلقة بالصيام، وذكرها المصنف لكن ذكر الحال الثالث مختصرًا، وأما عمرو بن مرزوق برواية شعبة، وابن المثنى برواية محمد بن جعفر عن شعبة فلم يذكرا \"وأحيل الصيام ثلاثة أحوال\" في الإجمال، وذكرا في التفصيل، لكن لم يميز الثانية من الأولى، وذكرا من أحوال الصلاة حالين، كما تقدم.\n(وساق نصر الحديث بطوله) أي يقول المؤلف أبو داود: إن شيخي نصر بن المهاجر ساق هذا الحديث بطوله، وذكر فيه الأحوال الثلاثة للصلاة.\n(واقتص ابن المثنى منه) أي من الحديث (قصة صلاتهم نحو بيت المقدس قط) أي فقط ولم يذكر الحالين الأولين (قال) أي ابن المثنى: (الحال الثالث:","vol":"3","page":284},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى - يَعْنِى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا،\n===\nأن رسول الله - ﷺ - قدم المدينة) أي مهاجرًا، (فصلَّى يعني نحو بيت المقدس) (١) أي جهة بيت المقدس (ثلاثة عشر شهرًا).\nوفي رواية البخاري: \"ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا\"، حكى الحافظ في \"فتح الباري\" (٢) عن الطبري وغيره من طريق علي بن [أبي] طلحة، عن ابن عباس قال: \"لمَّا هاجر النبي - ﷺ- إلى المدينة واليهود- أكثر أهلها- يستقبلون بيت المقدس أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله - ﷺ - يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فنزلت\". ومن طريق مجاهد قال: \"إنما كان يحب أن يتحول إلى الكعبة، لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا، فنزلت\". وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس: \"كان النبي - ﷺ - يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه\"، والجمع بينهما ممكن بأن يكون أُمِرَ - ﷺ - لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس.\nوأخرج الطبراني من طريق ابن جريج قال: \"صلَّى النبي - ﷺ - أول ما صلَّى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلَّى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلَّى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله إلى الكعبة\".\n_________\n(١) ولا يذهب عليك حقيقة القبلة، وما أورد بأنه يشتبه بعبادة الأصنام، أجاد الشيخ النانوتوي في الجواب عنه في رسالته الطويلة له المسماة بـ \"قبله نما\"، وأجاب الشيخ التهانوي في \"أشرف الجواب\" بالأردية بعدة أجوبة، فأرجع إليهما لو شئت. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٢).","vol":"3","page":285},{"text":"فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَة: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ\n===\nوأما الاختلاف الواقع في مدة استقباله قبل بيت المقدس في الروايات، فوقع في رواية البخاري بالشك \"ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا\"، قال الحافظ (١) ما ملخصه: ورواه أبو عوانة في \"صحيحه\"، فقال: \"ستة عشر\" من غير شك، وكذا لمسلم، وللنسائي ولأبي عوانة أيضًا، وكذا لأحمد بسند صحيح، وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف \"سبعة عشر\"، وكذا للطبراني عن ابن عباس.\nوالجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: \"سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام\"، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول.\nوشذت أقوال أخرى، ففي \"ابن ماجه\": \"ثمانية عشر شهرًا\"، ومن الشذوذ أيضًا رواية ثلاثة عشر شهرًا، ورواية تسعة أشهر أو عشرة أشهر، ورواية شهرين، ورواية سنتين، وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأول، فجملة ما حكاه تسع روايات.\n(فأنزل الله) أي بعد ما رغب - ﷺ - في تحويل القبلة إلى الكعبة ودعا ربه أنزل (هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾) أي ربما نرى، فإن معناه كثرة الرؤية بتردد وجهك وتصرف نظرك (﴿فِي﴾) جهة (﴿السَّمَاءِ﴾) وكان يرجو أن يحول إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان فكان ينتظر الوحي بالتحويل (﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾) أي نجعلنّك واليًا ونمكننك من استقبالها من الولاية،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٩٦).","vol":"3","page":286},{"text":"قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١)، فَوَجَّهَهُ اللَّهُ ﷿ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَتَمَّ حَدِيثُهُ، وَسَمَّى نَصْرٌ صَاحِبَ الرُّؤْيَا.\nقَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ اللَّه بْنُ زيدٍ - رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ- وَقَالَ فِيهِ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، مرَّتَيْنِ،\n===\nأو فلنجعلنك تلي جهة الكعبة من الولي (﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾) تحبها لمصالح مرضية عند الله تعالى (﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) أي نحوه، وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين (﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾) من الأرض برًا وبحرًا، سهلًا وجبلًا (﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾) أي تولوا وجوهكم واصرفوها (﴿شَطْرَهُ﴾) تلقاءه أي المسجد الحرام، (فوجهه الله ﷿ إلى الكعبة) (٢)، وهذا حال ثالث من الأحوال الثلاثة في الصلاة، (وتم حديثه) أي ابن المثنى، (وسمَّى نصر صاحب الرؤبا) الذي أري الأذان في المنام.\n(قال) أي نصر بسنده أو معاذ بن جبل: (فجاء عبد الله بن زيد رجل من الأنصار) خبر مبتدأ محذوف، وهو ضمير هو، أو بيان لعبد الله. (وقال) نصر (فيه) أي في الحديث: (فاستقبل) أي الرجل الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام (القبلة، قال) أي الرجل المرئي: (الله أكبر الله أكبر) بتثنية التكبير، (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، مرتين، حَيَّ على الفلاح مرتين،\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٤٤.\n(٢) قال ابن العربي (٢/ ١٣٩): نسخ الله القبلة ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية مرتين مرتين، وقال: ولا أحفظ رابعًا، وقال أبو العباس الغرفي: الرابع الوضوء مما مست النار، كذا في \"قوت المغتذي\"، وزاد العيني عن بعضهم الكلام في الصلاة والمخابرة، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ١٩٣). (ش).","vol":"3","page":287},{"text":"اللَّهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِله إِلَّا اللهُ. ثُمَّ أَمْهَلَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: زَادَ بَعْدَمَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"لَقِّنْهَا بِلَالًا\". فَأَذَّنَ بِهَا بِلَالٌ.\nوَقَالَ في الصَّوْمِ: قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - كانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كلّ شَهْرٍ، وَيَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ\n===\nالله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله، ثم أمهل) أي مكث واتَّأَدَ (هنية) مصغر هنة أصلها هنوة، أي شيء يسير كناية عن الزمان، أي زمانًا يسيرًا (ثم قام) الرجل المرئي (فقال مثلها) أي مثل ما قال قبل (إلَّا أنه) أي عبد الله بن زيد (قال: زاد) الرجل المرئي (بعد ما قال حَيَّ على الفلاح: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) مفعول لزاد.\n(قال) أي معاذ: (فقال رسول الله - ﷺ -) أي لعبد الله بن زيد: (لقنها) أي الكلمات المرئية (بلالًا)، فلقنها إياه، (فأذن بها بلال)، وهذا حال ثالث من الأحوال الثلاثة الواقعة في الصلاة، الذي لم يذكر في الرواية السابقة، فتمت في هاتين الروايتين الأحوال الثلاثة الواقعة في الصلاة.\n(وقال) أي نصر بن المهاجر (في الصوم: قال) أي معاذ: (فإن رسول الله - ﷺ - كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله: (﴿كُتِبَ﴾) أي فرض (﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾) والمراد بها صيام رمضان، أو عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، كتب عليه - ﷺ - صيامها حين هاجر ثم نسخت بشهررمضان، (﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾) أي على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، أي لم يفرضها عليكم وحدكم، بل هي عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم (﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾) أي المعاصي، فإنه يكسر الشهوة، وقال - ﷺ -: \"فإن الصوم له وجاء\" (﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾) منصوب بالصيام، أو بصوموا مقدرًا، أي مُوَقَّتات بعدد معلوم، والمراد بها إما أيام رمضان، أو عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، كما تقدم.","vol":"3","page":288},{"text":"فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١)، فَكَانَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُفْطِرَ وُيطْعِمَ كلَّ يَوم مِسْكِينًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. فَهَذا حَوْلٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ\n===\n(﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾) مرضًا يضره الصوم (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) أي مسافرًا (﴿فَعِدَّةٌ﴾) أي فعليه صوم عدة تلك الأيام التي لم يصم فيها لعذر المرض والسفر (﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) غير أيام المرض والسفر يقضيها عوضها (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) أي الصوم ثم لا يصومون (﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾) هي أي الفدية طعام مسكين، هذا على قراءة الجمهور بغير إضافة الفدية إلى الطعام، وقرأ ابن عامر برواية هشام \"مساكين\" بإضافة الفدية إلى الطعام.\n(فكان من شاء أن يصوم صام) أي كانوا لم يتعودوا الصيام فشق عليهم الصوم، فخيروا بين الصوم والإفطار، فمن شاء صام (ومن شاء أن يفطر) أي أن لا يصوم (ويطعم كل يوم مسكينًا أجزأه) أي كفاه (ذلك) أي الإطعام، (فهذا حول)، أي تغير وتحول، فإنه وجب أو أكد صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عاشوراء أولًا، ثم نسخ ذلك بصيام شهر رمضان مخيرًا بين الصيام والفدية، فأذن أن من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر فعليه أن يطعم كل يوم مسكينًا، فهذا أول الأحوال في الصوم، ثم نسخ ذلك التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ووجب على المطيقين غير المريض والمسافر أن يصوموا ولا يفتدوا، وهذا حول ثان، وشرعه المصنف بقوله: (فأنزل الله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (٢» مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون، كما قيل: ابن داية للغراب بإضافة الابن إلى داية البعير، (﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾) خبر لشهر رمضان أي أبتدئ\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٣، ١٨٤.\n(٢) يقال: أول من صام شهر رمضان نوح لما خرج من السفينة \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":289},{"text":"﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فَثبَتَ الصّيَامُ عَلَى مَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ، وَعَلَى الْمُسَافِرِ أَنْ يَقْضِيَ، وَثَبَتَ الطَّعَامُ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ اللَّذَيْنِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ، وَجَاءَ صِرْمَةُ وَقَدْ عَمِلَ يَوْمَهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثِ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nفيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر، (﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾) نصب على الحال، أي أنزل وهي هداية للناس على الحق، (﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾) أي آياتٍ واضحات مما يهدي إلى الحق، (﴿وَالْفُرْقَانِ﴾) أي يفرق بين الحق والباطل.\n(﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾)، أي فمن كان شاهدًا، أي حاضرًا مقيمًا غير مسافر (١) في الشهر (﴿فَلْيَصُمْهُ﴾) أي ولا يفطر ولا يطعم، (﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) فثبت الصيام على من شهد الشهر) أي وهو صحيح غير مسافر، (وعلى المسافر) وكذا المريض (أن يقضي) (٢) صوم أيام السفر والمرض إذا أقام وإذا برئ، (وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم) لدوام عذرهم، ولاستمرار عدم استطاعتهم.\n(وجاء صرمة وقد عمل يومه) وهذا حول ثالث، وقد تقدم شرحه في الحديث السابق (وساق) أي نصر بن المهاجر (الحديث) وسيذكر المصنف حديث صرمة في كتاب الصوم من حديث البراء، قال: كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها، وإن صرمة (٣) بن قيس الأنصاري أتى امرأته وكان صائمًا، الحديث.\n_________\n(١) ولو في وسط الشهر، قال ابن رسلان: وذهب علي وابن عباس وسويد بن غفلة وعائشة أربعة من الصحابة إلى أن من حضر دخول الشهر لا بد أن يصوم سافر بعده أو أقام، وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو مسافر، وقال الجمهور: من شهد أوله أو آخره فليصم ما دام مقيمًا. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) إذا لم يصم في السفر عند الجمهور. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) بكسر الصاد المهملة. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":290},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواختلفت الروايات في اسم هذا الصحابي، فإنه قيل فيه: صرمة بن قيس، وصرمة بن مالك، وصرمة بن أنس، وقيس بن صرمة، وأبو قيس بن صرمة، وأبو قيس بن عمرو، فإن حمل هذا الاختلاف على تعدد أسماء من وقع له ذلك، وإلَّا فيمكن الجمع برد جميع الروايات إلى واحد، فيمكن أن يقال: إنه كان اسمه صرمة بن قيس، فمن قال فيه: قيس بن صرمة قلبه، وكنيته أبو قيس أو العكس، وأما أبوه فاسمه قيس أو صرمة على ما تقرر من القلب، وكنيته أبو أنس، ومن قال فيه: أنس حذف أداة الكنية، ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جد له، والعلم عند الله تعالى، هذا خلاصة ما قال الحافظ في \"الإصابة\" (١).\nقلت: قد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (٢): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا أبو النضر، ثنا المسعودي ويزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، قال أبو النضر في حديثه: حدثني عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيلت الصيام ثلاثة أحوال.\nفأما أحوال الصلاة: فإن النبي - ﷺ - قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، ثم إن الله أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) قال: فوجهه الله إلى مكة، قال: فهذا حول.\nقال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤْذِنُ بها بعضهم بعضًا، حتى نقسوا أو كادوا ينقسون، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت:\n_________\n(١) \"الإِصابة\" (٣/ ٢٤١).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٤٦).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٤٤.","vol":"3","page":291},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإني لم أكن نائمًا لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، مثنى مثنى، حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، قال: ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"عَلِّمْها بلالًا فليؤذِّن بها\"، فكان بلال أول من أذَّن بها، قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، إنه قد طاف بي مثل الذي أطاف به غير أنه سبقني، فهذان حولان.\nقال: وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم ببعضها النبي - ﷺ -، قال: فكان الرجل يشير إلى الرجل إذا جاءكم صلَّى، فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصليها، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدًا إلَّا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي - ﷺ - ببعضها قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قام فقضى، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنه قد سن لكم معاذ، فهكذا فاصنعوا\"، فهذه ثلاثة أحوال.\nوأما أحوال الصيام: فإن رسول الله - ﷺ - قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام- وقال يزيد: فصام سبعة عشر (١) شهرًا من ربيع الأول إلى رمضان، من كل شهر ثلاثة أيام - وصام يوم عاشوراء، ثم إن الله ﷿ فرض عليه الصيام، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢) قال: فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه، قال: ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) قال: فأثبت الله\n_________\n(١) في بعض نسخ \"مسند أحمد\" بدله: تسعة عشر شهرًا.\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٣ - ١٨٤.\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٥.","vol":"3","page":292},{"text":"(٢٩) بَابٌ (١): في الإِقَامَةِ\n٥٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْمُبَارَكِ\n===\nصيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان.\nقال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: صرمة، ظل يعمل صائمًا حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائمًا، قال: فرآه رسول الله - ﷺ - وقد جُهِدَ جَهْدًا شديدًا، قال: \"مالي أراك قد جُهِدْتَ جَهْدًا شديدًا\"، قال: يا رسول الله إني عَمِلْتُ أمس، فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، وأصبحت حين أصبحت صائمًا، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء من جارية أو من حرة بعد ما نام، وأتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)، انتهى بلفظه.\nوهذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد مصرح ببيان الأحوال الثلاثة المتعلقة بالصلاة والأحوال الثلاثة المتعلقة بالصيام، ولكنه جمع بين الحولين الأولين في الصيام كما هو ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>(٢٩) (بَابٌ: في الإقَامَةِ)</span>\n٥٠٦ - (حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي (وعبد الرحمن بن المبارك) بن عبد الله العيشي بالتحتانية والمعجمة، الطفاوي، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصري، قال أبو حاتم: ثقة، ووثَّقه العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٢٨ هـ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما جاء في الإِقامة\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧.","vol":"3","page":293},{"text":"قَالَا: ثَنَا حَمَّادٌ، عن سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ جَمِيعًا، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَنَسٍ قَالَ: \"أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ\n===\n(قالا: ثنا حماد) بن زيد، (عن سماك بن عطية) (١) البصري المربدي، نسبة إلى مربد، موضع بالبصرة، قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال حماد بن زيد: كان من جلساء أيوب.\n(ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب) بن خالد (جميعًا) أي سماك بن عطية ووهيب يرويان جميعًا، (عن أيوب) السختياني، (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد، (عن أنس) بن مالك الأنصاري، (قال) أي أنس بن مالك: (أمر) بصيغة البناء للمفعول (بلال).\nواختلف في اقتضاء هذه الصيغة للرفع، والراجح أنها تقتضيه، وقد ورد في رواية النسائي (٢) وغيره بلفظ: أن النبي - ﷺ - أمر بلالًا، وقد روى البيهقي بالسند الصحيح: عن أنس أن رسول الله - ﷺ - أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وما حكي عن بعضهم من أن الآمر لبلال كان من بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر أو غيره، فهذا فاسد (٣)، إذ من المنقول أن بلالًا لم يؤذن لأحد بعد رسول الله - ﷺ - إلَّا لأبي بكر، وقيل: لم يؤذن لأحد بعد موت رسول الله - ﷺ - إلَّا مرة واحدة بالشام، انتهى ما قاله الشوكاني (٤) ملخصًا.\n(إن يشفع الأذان) أي يأتي بألفاظه شفعًا، قال الحافظ (٥): لم يختلف في\n_________\n(١) روى له الشيخان هذا الحديث، وحديث: \"يا عبد الرحمن لا تسأل الإِمارة\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) و[كذا في] \"صحيح أبي عوانة\" و\"ابن حبان\" و\"الحاكم\"، وقال: صحيح على شرطهما. (ش).\n(٣) وكذا قال ابن رسلان. (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٨).\n(٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٣).","vol":"3","page":294},{"text":"وُيوتِرَ الإِقَامَةَ\"، زَادَ حَمَّادٌ في حَدِيثِهِ: إِلَّا الإِقَامَ. [خ ٦٠٦، م ٣٧٨، ت ١٩٣، جه ٧٣٠، ن ٦٢٧، حم ٣/ ١٠٣، عب ١٧٩٤، ش ١/ ٢٠٥، ع ٢٧٩٢، خزيمة ٣٦٦، حب ١٦٧٥، قط ١/ ٢٣٩، ك/٢٩٨، ق ١/ ٣٩٠]\n===\nأن كلمة التوحيد (١) التي في آخره مفردة فيحمل قوله: \"مثنى\" على ما سواها (٢)، انتهى.\n(ويوتر (٣) الإقامة) أي يأتي بكلمات (٤) الإقامة وترًا (زاد حماد) أي ابن زيد (في حديثه) عن سماك عن أيوب: (إلَّا الإقامة) أي كلمة: قد قامت الصلاة، فإنها تثنى، استدل بهذا من قال بتشفيع الإقامة، أي بأن لفظة: قد قامت الصلاة تكرر مرتين، فإن الاستثناء ذكره حماد في نفس الحديث، ولم يقل: إنها قول أيوب.\nوقد اختلف (٥) الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أن الإقامة تفرد مرة مرة، وذهب قوم إلى أن الإقامة تفرد مرة مرة إلَّا قوله: قد قامت الصلاة، فإنها تثنى وتكرر مرتين، ومبنى هذا الاختلاف على أن من ظن أن استثناء الإقامة من كلام أيوب وليس من الحديث كما ادعى ابن منده والأصيلي لم يقل بتثنيتها، ومن قال: إن الاستثناء ثبت مرفوعًا، وإنه من كلام رسول الله - ﷺ - قالوا بتثنيتها.\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: ذهب قوم إلى توتير الأذان، فقالوا: معنى قوله: يشفع الأذان أي بأذان ابن أم مكتوم وهو فاسد. (ش).\n(٢) قلت: لكنه مُشْكلٌ على أهل الترجيع، وأوله ابن رسلان أن الأربعة أيضًا شفع لأنه مقابل الوتر. (ش).\n(٣) وأجاب عنه صاحب \"البرهان\" بأنه محمول على الاختصار في بعض الأحوال تعليمًا للجواز، انتهى، وقال الشامي (٢/ ٦٩): هو محمول عندنا على إيتار الصوت بأن يحدر توفيقًا بينه وبين الروايات الغير المحتملة، والأوجه عندي أن يشفع أذانه بأذان ابن أم مكتوم ويقيم منفردًا، فاللفظ وإن كان عامًا لكن المقصود منه أذان الصبح خاصة إذ المهملة في قوة الجزئية. (ش).\n(٤) باعتبار الغالب فإن التكبير أوله مكرر إجماعًا. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) وتقدم بسط المذاهب. (ش).","vol":"3","page":295},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم ذهب قوم آخرون إلى أن الإقامة كلها مثنى مثنى مثل الأذان سواء، ويقال في آخرها: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة مرتين، فذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة كلمة كلها مفردة إلَّا التكبير في أولها وآخرها، ولفظ قد قامت الصلاة فإنها مثنى مثنى.\nوقد استشكل عدم استثناء التكبير في الإقامة، فإنه يثنى، وأجيب بأنه وتر بالنسبة إلى تكبير الأذان، فإن التكبير في أول الأذان أربع، وهذا إنما يتم في تكبير أول الأذان لا في آخره.\nقال النووي (١): ولنا قول شاذ: إنه يقول في التكبير الأول: الله أكبر مرة، وفي الأخير مرة، ويقول: قد قامت الصلاة مرة.\nوذهبت الحنفية والثوري وابن المبارك وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الأذان مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين.\nقال الحافظ: واستدلوا بما في رواية من حديث عبد الله بن زيد عند الترمذي وأبي داود بلفظ: \"كان أذان رسول الله - ﷺ - شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة\"، وأجيب عن ذلك بأنه منقطع (٢) لأن ابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد، ويجاب عن هذا الانقطاع بأن الترمذي (٣) قال بعد إخراج هذا الحديث: وقال شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثنا أصحاب محمد - ﷺ -، فلا علة للحديث، لأنه على الرواية عن عبد الله بدون توسيط الصحابة مرسل عن الصحابة وهو في حكم المسند، وعلى روايته عن الصحابة عنه مسند، ومحمد بن عبد الرحمن وإن كان بعض أهل الحديث\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣١٥).\n(٢) ورده في حاشية \"مسند أبي حنيفة\" (ص ٤٦) أحسن الرد. (ش).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٧١).","vol":"3","page":296},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيضعفه فمتابعة الأعمش إياه عن عمرو بن مرة، ومتابعة شعبة كما ذكر ذلك الترمذي مما يصحح خبره، وإن خالفاه في الإسناد وأرسلا فهي مخالفة غير قادحة.\nثم قال: واستدلوا أيضًا بما رواه الحاكم والبيهقي في \"الخلافيات\" والطحاوي من رواية سويد بن غفلة أن بلالًا كان يثني الأذان والإقامة، وادعى الحاكم فيه الانقطاع، قال الحافظ (١): ولكن في رواية الطحاوي: سمعت بلالًا، ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن جبر بن علي عن شيخ يقال له: الحفص، عن أبيه، عن جده وهو سعد القرظ قال: أذن بلال حياةَ رسول الله - ﷺ -، ثم أذن لأبي بكر في حياته، ولم يؤذن في زمان عمر، وسويد بن غفلة هاجر في زمن أبي بكر.\nوأما ما رواه أبو داود من أن بلالًا ذهب إلى الشام في حياة أبي بكر، فكان بها حتى مات فهو مرسل، وفي إسناده عطاء الخراساني وهو مدلس.\nوروى الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢) من طريق جنادة بن أبي أمية، عن بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة مثنى مثنى، وفي إسناده ضعف، قال الحافظ: وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائي وغيره، انتهى.\nوحديث أبي محذورة حديث صحيح ساقه الحازمي في \"الناسخ والمنسوخ\"، وذكر فيه الإقامة مرتين مرتين، وقال: هذا حديث حسن على شرط أبي داود والترمذي والنسائي، وسيأتي ما أخرجه عنه الخمسة \"أن النبي - ﷺ - علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة\"، وهو حديث صححه الترمذي وغيره، وهو متأخر عن حديث بلال الذي فيه الأمر بإيتار الإقامة، لأنه\n_________\n(١) انظر: \"تلخيص الحبير\" (١/ ٣٢٧).\n(٢) (٢/ ٢٧٧).","vol":"3","page":297},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبعد فتح مكة، لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح، وبلالًا أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان فيكون ناسخًا.\nوقد روى أبو الشيخ أن بلالًا أذن بمنى ورسول الله - ﷺ - ثَمَّ مرتين مرتين، وأقام مثل ذلك.\nإذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها لما أسلفناه، وأحاديث إفراد الإقامة هان كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في \"الصحيحين\"، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم، لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها كما عرفناك، انتهى ما قاله الشوكاني (١) ملخصًا.\nقلت: وقد أخرج الطحاوي (٢) بسنده عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن بلال أنه كان يثني الأذان ويثني الإقامة، وأيضًا أخرج الطحاوي (٣) بسنده عن عبيد مولى سلمة بن الأكوع أن سلمة بن الأكوع كان يثني الإقامة، وأيضًا بسنده من طريق حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم قال: كان ثوبان يؤذن مثنى، ويقيم مثنى، وأخرج بسنده عن عبد العزيز بن رفيع قال: سمعت أبا محذورة يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى.\nقال الطحاوي: وقد روي عن مجاهد في ذلك ما حدثنا يزيد بن سنان قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا فطر بن خليفة عن مجاهد في الإقامة مرة مرة إنما هو شيء استخفه الأمراء، فأخبر مجاهد أن ذلك محدث وأن الأصل هو التثنية.\nوقال مولانا عبد الحي في \"السعاية\" (٤): عن النخعي قال: أول من نقص\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٤)، باب صفة الأذان.\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٤).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٦).\n(٤) (٢/ ٢٣).","vol":"3","page":298},{"text":"٥٠٧ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ حَدِيثِ وُهَيْبٍ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ، فَقَالَ (١) إلَّا الإِقَامَةَ. [انظر سابقه]\n===\nالإقامة معاوية بن أبي سفيان، وقال الزيلعي في \"تبيين الحقائق\": قال أبو الفرج: كانت الإقامة مثنى مثنى، فلما قام بنو أمية أفردوا الإقامة، وعن إبراهيم كانت الإقامة مثل الأذان حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة للسرعة إذا خرجوا.\n٥٠٧ - (حدثنا حميد بن مسعدة، ثنا إسماعيل) بن علية، (عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة) عبد الله، (عن أنس) بن مالك الأنصاري (مثل حديث وهيب) المذكور فيما تقدم، (قال إسماعيل) أي ابن علية: (فحدثت به) أي بهذا الحديث المذكور (أيوب) أي السختياني، (فقال) أي أيوب: (إلَّا الإقامة) أي أمر بلال بتشفيع كلمات الأذان وإيتار كلمات الإقامة إلَّا كلمة \"قد قامت الصلاة\" فإن بلالًا لم يؤمر بإيتارها، بل أمر بتشفيعها.\nاستدل بهذا من قال بإيتار لفظة \"قد قامت الصلاة\" فإنه يقول: إن قوله: \"إلَّا الإقامة\" هو من قول أيوب، ولم يثبت أنه في الحديث، فإن وهيبًا روى عن أيوب من غير ذكر الاستثناء، وكذلك روى إسماعيل عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، ولم يذكر الاستثناء في الحديث، ولكنه زاد في حديثه عن أيوب أنه قال: إلَّا الإقامة، فثبت بهذا أن ما قال إسماعيل عن أيوب هو قوله، وليس في الحديث.\nقال الشوكاني (٢): ادعى ابن منده والأصيلي أن قوله: \"إلَّا الإقامة\" من كلام أيوب وليس من الحديث، وفيما قالاه نظر، لأن عبد الرزاق رواه عن معمر عن أيوب بسنده متصلًا بالخبر مفسرًا، وكذا أبو عوانة في \"صحيحه\" والسراج\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٨).","vol":"3","page":299},{"text":"٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قال: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ\n===\nفي \"مسنده\"، والأصل أن كل ما كان من الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل، وفي رواية أيوب زيادة من حافظ فلا يقدح في صحتها عدم ذكر خالد الحذاء لها، وقد ثبت تكرير لفظ: \"قد قامت الصلاة\" في حديث ابن عمر مرفوعًا.\n٥٠٨ - (حدثنا محمد بن بشار) بندار، (ثنا محمد بن جعفر) غندر، (ثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت أبا جعفر) (١) هو محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى، ويقال: محمد بن مسلم، ويقال: محمد بن مهران، ويقال: محمد بن المثنى، ويقال: ابن أبي المثنى، وأبو المثنى كنية جده مسلم، القرشي مولاهم، ولقال: أبو إبراهيم الكوفي، ويقال: البصري، مؤذن مسجد العُريان، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال الدارقطني: بصري يحدث عن جده ولا بأس بهما، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان يخطئ، وقال ابن عدي: ليس له (٢) من الحديث إلَّا اليسير، ومقدار ماله [من الحديث] لا يتبين صدقه من كذبه.\nوقد أخرج الطحاوي (٣) هذا الحديث بسنده فقال: قال: ثنا شعبة، عن أبي جعفر الفراء، عن مسلم، مؤذن كان لأهل الكوفة، وأبو جعفر الفراء غير أبي جعفر مؤذن مسجد العريان.\nوقد أخرج البيهقي في \"سننه\" (٤) بسنده، فقال: قال: حدثنا أبو النضر،\n_________\n(١) وقد اختلف كتب الحديث في ذكر أبي جعفر كثيرًا، كما ذكره الشبخ، وقد أخرجه الحاكم فقال: عن أبي جعفر المدائني. وفي \"تلخيص المستدرك\" للذهبي: أبو جعفر عمير بن يزيد الخطمي، وفي \"الدارمي\": أبو جعفر بدون الزيادة. (ش).\n(٢) ذكر الحافظ له حديثين: أحدهما هذا، والثاني حديث الصلاة قبل العصر. (ش).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٣).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٤١٣).","vol":"3","page":300},{"text":"يُحَدِّثُ عَنْ مُسْلِمٍ أَبِى الْمُثَنَّى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"إِنَّمَا كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ (١): قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، فَإِذَا سَمِعْنَا الإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ\". [حم ٢/ ٨٥، ن ٦٢٨، د ١١٩٣، خزيمة ٣٧٤، قط ١/ ٢٣٩، ق ١/ ٤١٣، ك ١/ ١٩٨]\n===\nثنا شعبة، عن أبي جعفر يعني الفراء قال: سمعت أبا المثنى، ثم قال البيهقي بعد تمام الحديث: رواه غندر وعثمان بن جبلة عن شعبة، عن أبي جعفر المدني، عن مسلم أبي المثنى، ورواه أبو عامر عن شعبة، عن أبي جعفر مؤذن مسجد العريان، قال: سمعت أبا المثنى مؤذن مسجد الأكبر.\n(يحدث عن مسلم) بن المثنى، ويقال: ابن مهران بن المثنى (أبي المثنى) الكوفي المؤذن، ويقال: اسمه مهران، قال أبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن ابن عمر) عبد الله (قال) أي ابن عمر: (إنما كان الأذان) أي كلمات الأذان (على عهد رسول الله - ﷺ - مرتين مرتين) وهذا باعتبار الأكثر الأغلب، فهذا بظاهره ينفي الترجيح، (والإقامة) أي كلمات الإقامة (مرة مرة، غير أنه) أي المؤذن (يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) أي مرتين، وينبغي استثناء التكبير أيضًا في آخرها، فإنها مرتين مرتين بلا خلاف.\n(فإذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة) (٢).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنه كان يقول\".\n(٢) قال ابن رسلان: يعني في بعض الأوقات أو بعض الصحابة، إذ لا يظن بهم أنهم بأسرهم كانوا يتوضؤون في هذه الأوقات، وإنما ذكر ابن عمر ليعرف أن هذا كان جائزًا لا أنه كان صفة جميعهم، انتهى، وفي \"التقرير\": معناه: وقد توضأنا فخرجنا بفور سماع الإِقامة وليس المعنى المتبادر، لأن التوضؤ بعد الإِقامة يوجب فوت التحريمة بل الركعة، ونقل في \"السعاية\" (٢/ ١٦) بدل \"توضأنا\" توخينا، أي تهيأنا، فتأمل. (ش).","vol":"3","page":301},{"text":"(١) قَالَ شُعْبَةُ: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ (٢) أَبِي جَعْفَرٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ.\n٥٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِى الْعَقَدِىَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو -، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ مُؤَذِّنِ مَسْجِدِ الْعُرْيَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمُثَنَّى مُؤَذِّنَ مَسْجِدِ الأَكْبَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\n(قال شعبة: لم أسمع عن أبي جعفر غير هذا الحديث) لكن ذكر الحافظ (٣) في \"التهذيب\": له عند أبي داود والترمذي حديث ابن عمر في الصلاة قبل العصر.\n٥٠٩ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا أبو عامر- يعني العقدي عبد الملك بن عمرو-، ثنا شعبة) بن الحجاج، (عن أبي جعفر) محمد بن إبراهيم (مؤذن مسجد العريان (٤» لعله مسجد بالكوفة (٥) (قال: سمعت أبا المثنى) أي جدي مسلم بن المثنى (مؤذن مسجد الأكبر) أي الجامع، ولعل هذا المسجد في الكوفة (٦) (يقول: سمعت ابن عمر) عبد الله، (وساق) أي محمد بن يحيى (الحديث) أي هذا الحديث كما ساقه محمد بن بشار.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) وفي نسخة: \"من\".\n(٣) ويشكل عليه أن عدم السماع لا يوجب عدم الرواية، فلو كان له رواية في الصلاة قبل العصر أيضًا لا ينافي عدم سماعه غيره. وأيضًا رواية الترمذي ليست بطريق شعبة عنه بل بطريق الطيالسي عنه. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: ضد الكاسي. (ش).\n(٥) ونقل عن \"منتهى الأرب\" أنه حصن بالمدينة، وقال ابن رسلان: لعله مسجد بالبصرة، لأن أبا جعفر بصري. (ش).\n(٦) وبه جزم ابن رسلان، لأن أبا جعفر كوفي. (ش).","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>(٣٠) بَابُ الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وُيُقِيمُ آخَرُ</span>\n٥١٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْروٍ،\n===\n\n(٣٠) (بابُ الرَّجُلِ يُؤذِّنُ وَيُقِيمُ آخَرُ)\n٥١٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حماد بن خالد) الخياط، (ثنا محمد بن عمرو) الأنصاري المدني.\nواختلف المحدثون في هذا الراوي فذكره بعضهم محمد بن عمرو بغير ذكر النسبة والكنية كما في أبي داود، وذكر بعضهم بأنه الواقفي، كما قال البيهقي، وذكر بعضهم بالكنية بأنه أبو سهل، كما حكى الحافظ عن عبد الهادى أنه أبو سهل، والذي في \"الخلاصة\" و\"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\" أن محمد بن عمرو رجلان: أحدهما: محمد بن عمرو الأنصاري المدني، وهو الذي مذكور في هذا السند، والثاني: محمد بن عمرو بن عبيد بن حنظلة الأنصاري الواقفي، أبو سهل البصري، وهو آخر.\nقال في \"الخلاصة\" (١)، وكتب عليه علامة (د): محمد بن عمرو الأنصاري، عن عبد الله بن محمد، وعنه ابن مهدي، ثم ذكر ترجمة محمد بن عمرو بن عبيد، ورقم عليه علامة (تمييز) التي تدل على أنه ليست له رواية في الكتب الستة، فقال: محمد بن عمرو بن عبيد بن حنظلة الواقفي الأنصاري، أبو الحسن البصري عن الحسن، وعنه أبو أسامة، ضعفه القطان، ووثَّقه ابن حبان.\nوذكر في \"التقريب\" (٢): محمد بن عمرو الأنصاري المدني، شيخ لابن مهدي، مقبول، من السابعة، وكتب عليه (د) ثم ذكر، فقال: محمد بن عمرو الواقفي، أبو سهل البصري، واختلف في اسم جده، ضعيف، من السابعة.\n_________\n(١) \"الخلاصة\" (ص ٣٥٤).\n(٢) (٢/ ١٩٦).","vol":"3","page":303},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،\n===\nوذكر في \"تهذيب التهذيب\" (١) في ترجمة محمد بن عمرو الأنصاري المدني، وكتب عليه علامة (د)، فقال: محمد بن عمرو الأنصاري المدني، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن زيد في الأذان، وعنه عبد الرحمن بن مهدي وحماد بن خالد الخياط، قلت: قرأت بخط الذهبي: حكمه العدالة يعني برواية ابن مهدي عنه.\nثم ذكر محمد بن عمرو الأنصاري، وكتب عليه علامة (تمييز) فقال: محمد بن عمرو الأنصاري، يقال: اسم جده عبيد، وقيل: عبد الله بن حنظلة بن رافع الأنصاري الواقفي، أبو سهل البصري، روى عن أبيه، والقاسم بن محمد، والحسن البصري، ومحمد وحفصة ابني سيرين، وعلي بن زيد بن جدعان، وأيوب، ومحمد بن واسع، وشهر بن حوشب، وغيرهم، روى عنه ابن المبارك، وأبو أسامة، وسريج بن النعمان، ومعن بن عيسى، ويحيى بن إسحاق، ومصعب بن المقدام، وعبيد الله بن موسى، وعلي بن الجعد، وكامل بن طلحة، ثم حكى عن يحيى بن سعيد ويحيى بن معين تضعيفه، وحكى عن ابن نمير أنه قال: ليس يساوي شيئًا، ثم قال: ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ثم قال: قال ابن حبان: يخطئ، ثم أعاده في \"الضعفاء\"، فعلم من هذه العبارات أن عند الحافظ وصاحب \"الخلاصة\" المذكور في السند هو الأول دون الثاني، والله أعلم.\n(عن محمد بن عبد الله) اختلف المحدثون في ضبطه، ففي جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا هكذا: محمد بن عبد الله، وهكذا عند الدارقطني، فأخرج (٢) بسنده من طريق حماد بن خالد قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن عبد الله، عن عمه عبد الله بن زيد.\n_________\n(١) (٩/ ٣٧٨).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٤٥).","vol":"3","page":304},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوضبط البيهقي، فقال: عن عبد الله بن محمد الأنصاري عن عمه عبد الله بن زيد، فأخرج في \"سننه\" (١) من طريق أبي داود الطيالسي: ثنا محمد بن عمرو الواقفي، عن عبد الله بن محمد الأنصاري، عن عمه عبد الله بن زيد أنه رأى الأذان في المنام، الحديث.\nثم قال البيهقي بعد تمام الحديث: هكذا رواه أبو داود عن محمد ابن عمرو، ورواه معن عن محمد بن عمرو الواقفي، عن محمد بن سيرين، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن عبد الله بن زيد، فالبيهقي ضبطه مرة في سند الحديث، فقال: عن عبد الله بن محمد الأنصاري، ثم ضبطه في سند آخر: فقال: عن محمد بن عبد الله بن زيد.\nوأخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) من طريق زيد بن الحباب أبو الحسين العكلي قال: أخبرني أبو سهل محمد بن عمرو قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن زيد، عن عمه عبد الله بن زيد رائي الأذان، الحديث، فمحمد بن عبد الله ولد لعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وعبد الله بن محمد حفيد لعبد الله بن زيد، ولكليهما رواية عن عبد الله بن زيد.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣): محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الخزرجي الأنصاري المدني، روى عن أبيه وأبي مسعود الأنصاري، وروى عنه ابنه عبد الله بن محمد وأبو سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن إبراهيم التيمي ومحمد بن جعفر بن الزبير ونعيم بن عبد الله المجمر، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن منده: وُلد في عهد النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٩).\n(٢) \"مسندأحمد\" (٤/ ٤٢).\n(٣) (٩/ ٢٥٦).","vol":"3","page":305},{"text":"عن عَمِّهِ\n===\nوقال في ترجمة عبد الله بن محمد (١): عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي المدني، روى عن جده في الأذان، وقيل: عن أبيه عن جده، وعنه أبو العميس عتبة بن عبد الله المسعودي ومحمد بن سيرين ومحمد بن عمرو الأنصاري، وفي إسناد حديثه اختلاف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال البخاري: فيه نظر، لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض، انتهى.\nقلت: كلام الحافظ هذا صريح في أن الذي ههنا في السند هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري لا محمد بن عبد الله، ولعله انقلب على الذين قالوا فيه: محمد بن عبد الله، وأصرح من ذلك ما قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" على رقم ٤٧٨: محمد بن [عبد الله عن عمه (٢)] عبد الله بن زيد الذي أري النداء، وعنه محمد بن عمرو الأنصاري، قاله حماد بن خالد الخياط عنه، وقال عبد الرحمن بن مهدي: عن محمد بن عمرو، عن عبد الله بن محمد، عن جده عبد الله بن زيد وهو الصواب، انتهى، وهذا الكلام يشير إلى أن حماد بن خالد الخياط أخطأ فيه، والصواب ما قاله ابن مهدي.\n(عن عمه) (٣) هكذا في جميع نسخ أبي داود، وكذا في البيهقي، وكذا في \"مسند أحمد\"، ولما اتفق عليه جماعة من المحدثين ولا يوجد خلافه، لا يجترئ عليه أحد أن ينسبه إلى الغلط والتصحيف، ولكن لا نعلم له وجهًا، فإن ههنا في السند لا يخلو من أن يكون عبد الله بن محمد أو محمد بن عبد الله، فإن كان في السند عبد الله بن محمد فهو حفيد عبد الله بن زيد ويروي عن جده، كما تقدم، وإن كان محمد بن عبد الله فهو ولد عبد الله بن زيد ويروي عن أبيه،\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٠).\n(٢) هذه العبارة سقطت في الأصل.\n(٣) هكذا في \"ابن رسلان\"، وسكت عليه. (ش).","vol":"3","page":306},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَرَادَ النَّبِىُّ -ﷺ- فِى الأَذَانِ أَشْيَاءَ لَمْ يَصْنَعْ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: فَأُرِىَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الأَذَانَ فِى الْمَنَامِ، فَأَتَى النَّبِىَّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ». قال: فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ. فَأَذَّنَ بِلَالٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا رَأَيْتُهُ وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ، قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ». [حم ٤/ ٤٢، قط ١/ ٢٤٥، ق ١/ ٣٩٩]\n٥١١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ\n===\nوعلى كلا التقديرين لا يصح أن يقال: عن عمه، بل يجب أن يقال: عن جده أو عن أبيه، والله تعالى أعلم.\n(عبد الله بن زيد قال: أراد النبي - ﷺ - في الأذان أشياء) أي القنع والناقوس وغيرهما، (لم يصنع منها شيئًا (١» لمصالح اقتضت ذلك، منها كراهية التشبه بالكفار (قال: فأري) بصيغة المجهول (عبد الله بن زيد) أي ابن عبد ربه (الأذان في المنام، فأتى) بصيغة المعلوم أي عبد الله بن زيد (النبي - ﷺ - فأخبره) أي بما رأى.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (ألقه) (٢) أي الأذان (على بلال، قال: فألقاه عليه) أي ألقى عبد الله بن زيد الأذان على بلال (قال: فأذن بلال، فقال عبد الله) أي ابن زيد: (أنا رأيته) أي الأذان (وأنا كنت أريده) فبسبب أني رأيته وأني أريده كنت أحق به من بلال (قال: فأقم أنت).\n٥١١ - (حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا محمد بن عمرو) الأنصاري، وفي نسخة على الحاشية: شيخ من أهل المدينة من الأنصار، (قال: سمعت عبد الله بن محمد) بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه\n_________\n(١) يستدل به على أنه ﵊ ليس له الاجتهاد في الشرعيات إذ لو كان لما انتظر الوحي بل عين شيئًا منها. (ش).\n(٢) بسكون هاء السكتة. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":307},{"text":"قَالَ: كَانَ جَدِّي عَبْدُ اللَّه بْنُ زَيْدٍ (١) بِهَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَأَقَامَ جَدِّي. [انظر سابقه]\n===\nالأنصاري المدني الخزرجي، روى عن جده في الأذان، وقيل: عن أبيه عن جده، وعنه أبو العميس عتبة بن عبد الله المسعودي ومحمد بن سيرين ومحمد بن عمرو الأنصاري، وفي إسناد حديثه اختلاف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال البخاري: فيه نظر، لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض.\n(قال: كان جدي عبد الله بن زيد) بن عبد ربه يحدث، كما في نسخة، أي يحدث عبد الرحمن بن مهدي (بهذا الخبر) المتقدم من طريق حماد بن خالد الخياط، (قال) أي عبد الله بن محمد: (فأقام جدي) أي عبد الله بن زيد، قال الشوكاني (٢): الحديث في إسناده محمد بن عمرو الواقفي الأنصاري البصري، وهو ضعيف، ضعفه القطان وابن نمير ويحيى بن معين، واختلف عليه فيه فقيل: عن محمد بن عبد الله، وقيل: عبد الله بن محمد.\nقلت: ما قال الشوكاني فيه نظر، فإن محمد بن عمرو الذي وقع في إسناد هذا الحديث ليس هو الواقفي البصري، بل هو الأنصاري المدني، وقد قال فيه الذهبي: حكمه العدالة، ولم ينقل تضعيفه عن القطان وابن نمير ويحيى بن معين، ولهذا قال ابن عبد البر: إسناده أحسن من حديث الإفريقي.\nثم قال الشوكاني: واتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز، واختلفوا في الأولوية فقال أكثرهم: لا فرق والأمر متسع، وممن رأى ذلك مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة (٣) وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور، وقال بعض العلماء: من أذن فهو يقيم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يحدث\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٨).\n(٣) وقال ابن قدامة: وينبغي أن يتولى الإِقامة المؤذن، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: لا فرق بينه وبين غيره، وكذا نقل ابن رسلان عن ابن عبد البر [انظر: \"المغني\" (٢/ ٧١)]. (ش).","vol":"3","page":308},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قال الإِمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي في \"بدائع الصنائع\" (١): ومنها -أي من سنن الأذان-: أن من أذن فهو الذي يقيم، وإن أقام غيره فإن كان يتأذى بذلك يكره، لأن اكتساب أذى المسلم مكروه، وإن كان لا يتأذى به لا يكره.\nوقال الشافعي: يكره تأذى به أو لم يتأذى، واحتج بما روي عن أخي صداء أنه قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - بلالًا إلى حاجة له، فأمرني أن أؤذن فأذنت، فجاء بلال وأراد أن يقيم، فنهاه عن ذلك، وقال: إن أخا صداءٍ هو الذي أذن، ومن أذن فهو الذي يقيم\".\nولنا ما روي أن عبد الله بن زيد لما قص الرؤيا على رسول الله - ﷺ - قال له: \"لقنها بلالًا فأذن بلال، ثم أمر النبيﷺ - عبد الله بن زيد فأقام\"، وروي أن ابن أم مكتوم كان يؤذن وبلال يقيم، وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم، وتأويل ما رواه أن ذلك كان يشق عليه، لأنه روي أنه كان حديث عهد بالإِسلام، وكان يحب الأذان والإقامة، انتهى.\nواعترض عليه الشوكاني (٢) بأن حديث الصدائي متأخر، فالأخذ به أرجح على أنه لو لم يتأخر لكان هذا الحديث خاصًا بعبد الله بن زيد، والأولوية باعتبار غيره من الأمة، والحكمة في التخصيص تلك المزية التي لا يشاركه فيها غيره، أعني الرؤيا، فإلحاق غيره به لا يجوز لوجهين: الأول: أنه يؤدي إلى إبطال فائدة النص، أعني حديث \"من أذن فهو يقيم\"، فيكون فاسد الاعتبار، الثاني: وجود الفارق وهو بمجرده مانع من الإلحاق.\nوالجواب عنه أن حديث الصدائي ضعيف، قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث الإفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه يحيى بن سعيد القطان\n_________\n(١) (١/ ٣٧٥).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٨).","vol":"3","page":309},{"text":"(١).\n٥١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ - يَعْنِى الإِفْرِيقِىَّ - أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِىَّ، أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِىَّ\n===\nوغيره، قال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي، قال: ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث، وقد مر ترجمته على صفحة ٣٢٠ من الجزء الثاني مفصلة.\nثم الخصوصية التي ادعاها الشوكاني لا وجه لها، فإنه لو كان رؤية عبد الله بن زيد الأذان في المنام سببًا لأن يكون هو أحق بالأذان من غيره لما كان رسول الله - ﷺ - يعدله عنه إلى بلال، ولو كان ذلك العدول عنه لمرض أو غيره لرده إليه رسول الله - ﷺ -، فلما لم يرده إليه علم منه أنه لم يكن أحق به من غيره على أنه روي أن ابن أم مكتوم ربما كان يؤذن ويقيم بلال، وربما كان عكسه.\n٥١٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (قال: ثنا عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن بن زياد -يعني الإفريقي- أنه سمع زياد بن نعيم) هو زياد بن ربيعة بن نعيم مصغرًا، ابن ربيعة (الحضرمي) نسب إلى جده، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثَّقه يعقوب بن سفيان أيضًا، مات سنة ٩٥ هـ.\n(أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي) (٢) بضم صاد وخفة مهملة فألف فهمزة نسبة إلى صداء (٣) وهي حي من اليمن، صحابي، قال ابن يونس: هو رجل معروف نزل مصر.\n_________\n(١) زاد هنا في نسخة: \"باب من أذن فهو يقيم\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٢٦) رقم (١٧٩٣).\n(٣) قال المجد: كغراب حي باليمن. (ش).","vol":"3","page":310},{"text":"قَالَ: لَمَّا كَانَ أَوَّلُ أَذَانِ الصُّبْحِ أَمَرَنِى - يَعْنِى النَّبِىَّ -ﷺ- فَأَذَّنْتُ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إِلَى الْفَجْرِ فَيَقُولُ: «لَا»، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ\n===\n(قال: لما كان أول أذان الصبح) (١) أي أول وقت أذان الصبح أي الفجر الصادق، أو أولية الأذان باعتبار الإقامة (أمرني يعني النبي - ﷺ -) أي بأن أؤذن لصلاة الفجر، ولعله لم يكن بلال المؤذن حاضرًا (فأذنت، فجعلت أقول: أقيم (٢) يا رسول الله - ﷺ -؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر) ولعله - ﷺ - ينتظر وضوح الفجر وانتشاره.\n(فيقول: لا) أي لا تُقِمْ. (حتى إذا طلع الفجر) أي وضح الفجر وأسفر، لأنه سيأتي من المصنف في \"باب الأذان قبل دخول الوقت\": أن رسول الله - ﷺ - قال لبلال: \"لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر\" (نزل) أي نزل عن الراحلة، فإنه - ﷺ - كان يسير، فأمر الصدائي بالأذان في حال مسيره - ﷺ -، ثم لما وضح الفجر نزل عن راحلته.\nأخرج البيهقي في \"سننه\": أخبرنا أبو نصر بن قتادة، ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن جميل (٣)، ثنا أبو القاسم البغوي، ثنا خلف بن هشام المقرئ، [ثنا أبو محمد البزار (٤)] ثنا سعيد بن راشد المازني، ثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان في مسير له فحضرت الصلاة، فنزل القوم فطلبوا بلالًا فلم يجدوه، فقام رجل فأذن، ثم جاء بلال، فقال القوم: إن رجلًا قد أذن، فمكث القوم\n_________\n(١) قلت: ظاهر الحديث الاكتفاء على الأذان من قبل طلوع الفجر، وعليه حمله ابن قدامة في \"المغني\" باسطًا (٢/ ٦٤). (ش).\n(٢) فيه استئذان المقيم الإِمام، وأن الإِقامة حق الإِمام، وسيأتي في \"باب في المؤذن ينتظر الإِمام\" مفصلًا. (ش).\n(٣) في الأصل: \"حنبل\" وهو تحريف، والتصويب من \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٩).\n(٤) سقط في الأصل.","vol":"3","page":311},{"text":"فَبَرَزَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَىَّ وَقَدْ تَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ - يَعْنِى فَتَوَضَّأَ -، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ لَهُ نَبِىُّ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ هُوَ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» قَالَ: فَأَقَمْتُ. [ت ١٩٩، جه ٧١٧، حم ٤/ ١٦٩، ق ١/ ٣٩٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>(٣١) بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالأَذَانِ</span>\n٥١٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ،\n===\nهونًا (١)، ثم إن بلالًا أراد أن يقيم، فقال له النبي - ﷺ -: \"مهلًا يا بلال فإنما يقيم من أذن\"، تفرد به سعيد بن راشد، وهو ضعيف.\n(فبرز) لعله بمعنى تبرز (٢) أي ذهب إلى البراز لقضاء الحاجة، (ثم انصرف إليّ) أي رجع من البراز، (وقد تلاحق أصحابه) أي تلاحقوا به - ﷺ - واجتمعوا عنده، وقد كانوا في المسير متفرقين تقدم بعضهم وتأخر البعض، (يعني فتوضأ) زاد لفظة يعني، لأن الراوي لم يحفظ لفظ شيخه، ولكن حفظ معناه، فقال: يريد الشيخ بما قال من اللفظ فتوضأ، فهذا معنى لفظ الشيخ وليس لفظه.\n(فأراد بلال أن يقيم) لأنه كان هو المؤذن، (فقال له نبي الله: إن أخا صداءٍ) أي أخا قبيلة صداء، فإن الرجل إذا كان من قبيلة فهو أخ لهم (هو أذن، ومن أذن فهو يقيم) لأنه إذا لم يقم المؤذن يلحقه الوحشة والحزن غالبًا (قال: فأقمت).\n\n(٣١) (بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بالأذَان)\n٥١٣ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، ثنا شعبة) بن الحجاج،\n_________\n(١) وفي الأصل العبارة هكذا: \"فمكث، فقال القوم: هو نايم\" وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه.\n(٢) وبه جزم ابن رسلان، ووقع في رواية المزي \"تبرز\" كما في هامش \"التهذيب\" (٣/ ٣٦٢). (ش).","vol":"3","page":312},{"text":"عن مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عن أَبِي يَحْيَى، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ،\n===\n(عن موسى بن أبي عائشة) هكذا (١) في النسخة المكتوبة والمصرية، وفي نسخة \"عون المعبود\" وحاشية النسخة الدهلوية المجتبائية: موسى بن أبي عثمان، والظاهر أنه الصواب، وفي النسائي وابن ماجه والبيهقي أيضًا: موسى بن أبي عثمان، وهو موسى بن أبي عثمان التبان -بفتح المثناة وتشديد الباء الموحدة- هذه النسبة إلى بيع التبن، المدني، وقيل: الكوفي، مولى المغيرة، روى عن أبيه وأبي يحيى المكي والأعرج وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وأم ظبيان، وعنه أبو الزناد ومالك بن مغول وشعبة والثوري، قال سفيان: كان مؤذنًا، ونعم الشيخ كان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: فرق ابن أبي حاتم بين موسى بن أبي عثمان التبان روى عن أبيه، وعنه أبو الزناد، وبين موسى بن أبي عثمان الكوفي روى عن أبي يحيى عن أبي هريرة، وعن النخعي وسعيد، وعنه شعبة والثوري وغيرهما، ولم يذكر في التبان شيئًا، وقال في الآخر: عن أبيه شيخ، قلت: وأما موسى بن أبي عائشة، فقد تقدمت ترجمته في \"باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا\" على صفحة ٥٩٣ من الجزءالأول.\n(عن أبي يحيى) هو سمعان (٢) الأسلمي مولاهم، المدني، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي عمرو وسهل بن سعد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي في \"كتاب الجرح والتعديل\": ليس به بأس، قال الشوكاني (٣): وفي إسناده أبو يحيى الراوي له عن أبي هريرة، قال ابن القطان: لا يعرف، وادعى ابن حبان في \"الصحيح\" أن اسمه سمعان.\n(عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: المؤذن يغفر له مدى صوته)\n_________\n(١) وبه جزم ابن رسلان في \"شرحه\"، ولم يتعرض لموسى بن أبي عثمان. (ش).\n(٢) وبه قال ابن رسلان، وذكر الاضطراب في سند هذا الحديث. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٣).","vol":"3","page":313},{"text":"وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا\". [ن ٦٤٥، جه ٧٢٤، حم ٢/ ٢٦٦، خزيمة ٣٩٠، ق ١/ ٤٣١، حب ١٦٦٦]\n===\nأي يغفر له مغفرة طويلة عريضة على طريق المبالغة، أي يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، وقيل: يغفر خطاياه وإن كان بحيث لو فرضت أجسامًا لملأت ما بين الجوانب التي يبلغها الصوت، وقيل: معناه يغفر ذنوبها التي باشرها في تلك النواحي إلى حيث يبلغ صوته، وقيل: معناه يغفر بشفاعته ذنوب من كان ساكنًا أو مقيمًا إلى حيث يبلغ صوته، وقيل: يغفر بمعنى يستغفر أي يستغفر له كل من يسمع صوته.\n(ويشهد له كل رطب ويابس) أي كل نام وجماد يبلغه صوته، والشهادة تحمل على الحقيقة بقدرة الله تعالى على إنطاقهما، أو على المجاز، قاله ابن الملك \"مرقاة\" (١).\n(وشاهد الصلاة) أي حاضرها ممن كان غافلًا عن وقتها، وقال ابن حجر: أي حاضر صلاة الجماعة المسببة عن الأذان (يكتب له) أي لشاهد الصلاة أو للمؤذن (خمس وعشرون صلاة) أي ثواب (٢) خمس وعشرين صلاة، ويؤيد الأول ما ورد في رواية: \"تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين صلاة\"، ويؤيد الثاني ما روي: \"أن المؤذن يكتب له مثل أجر كل من صلى بأذانه\".\nثم قال العلامة القاري: يحتمل أن يكون الضمير في \"يكتب له\" للشاهد، وهو أقرب لفظًا وسياقًا، أو للمؤذن وهو أنسب معنى وسباقًا.\n(ويكفر عنه) أي الشاهد أو المؤذن (ما بينهما) أي ما بين الصلاتين اللتين شهدهما، أو ما بين أذان إلى أذان من الصغائر.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٦٩).\n(٢) سيأتي الكلام على الاختلاف بين روايتي خمس وعشرين وبين سبع وعشرين في \"باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة\". (ش).","vol":"3","page":314},{"text":"٥١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا نُودِىَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِىَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِىَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ\n===\n٥١٤ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: إذا نودي بالصلاة) الظاهر للصلاة، كما في رواية البخاري ومسلم أي بالأذان (أدبر الشيطان) (١) أي عن موضع الأذان، (وله ضراط) كغراب: وهو ريح من أسفل الإنسان وغيره، وهذا لثقل الأذان عليه، كما للحمار من ثقل الحمل (حتى لا يسمع التأذين) تعليل لإدباره.\nقال القاري: قيل: هذا محمول على الحقيقة، لأنّ الشياطين يأكلون ويشربون فلا يمتنع من وجود ذلك منهم خوفًا (٢) من ذكر الله تعالى، أو المراد استخفاف اللعين بذكر الله تعالى من قولهم: ضرط به فلان: إذا استخفه.\n(فإذا قضي) بصيغة المجهول، وقيل: معروف (النداء) أي فرغ المؤذن منه وأتمه (أقبل) أي الشيطان إلى موضع الصلاة (حتى إذا ثوب بالصلاة) أي أقيم (٣) (أدبر) لكيلا يسمع الإقامة (حتى إذا قضي التثويب) أي الإقامة (أقبل) أي الشيطان (حتى يخطر) (٤) بكسر الطاء وتضم، لكي يخطر (بين المرء ونفسه) أي قلبه، أي يحول ويجحز بينهما بالوسوسة وحديث النفس، فلا يتمكن من\n_________\n(١) أي إبليس أو جنس الشيطان أو كل متمرد. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) أو قصدًا اشتغالًا به عن ذكر الله تعالى، أو يضرط لئلا يسمع الأذان. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) عند الجمهور لرواية مسلم \"إذا أقيم\". (ش).\n(٤) قال عياض: بالضم، كذا ضبطناه من أكثر الرواة، وضبطناه عن المتقنين بالكسر وهو الوجه، ومعناه يوسوس، من خطر البعير بذنبه إذا حركه، وأما بالضم فمن المرور أي يدنو فيمر بينه وبين قلبه. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":315},{"text":"وَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظلَّ الرَّجُلُ، أَنْ (١) يَدْرِي كَمْ صَلَّى\". [خ ٦٠٨، م ٣٨٩، ن ٦٧٠، ط ١/ ٦٩/ ٦، ق ١/ ٤٣٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>(٣٢) بَابُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ منْ تَعَاهُدِ الْوَقْتِ</span>\n٥١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ،\n===\nالحضور في الصلاة، والنسبة إلى الشيطان مجازية باعتبار أن الله مكنه منها، وأما إسناد الحيلولة إليه تعالى في قوله: \"إن الله يحول بين المرء وقلبه\" فحقيقة، كذا قال القاري (٢).\n(ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا) أي يخطر في قلب المصلي، ويذكره أشياء غير متعلقة بالصلاة ليلهو عن الصلاة (لما لم يكن يذكر) أي لشيء لم يكن المصلي يذكر قبل شروعه في الصلاة من ذكر ماله وحسابه وبيعه وشرائه.\n(حتى) قال الطيبي: كُرِّرَ حتى في الحديث خمس مرات، الأولى والأخيرتان بمعنى كي، والثانية والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيتين وليستا للتعليل (يظل الرجل) أي كي يصير من الوسوسة بحيث (أن) أي لا (يدري كم صلى) أي يقع في الشك.\n\n(٣٢) (بابُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ مِنْ تَعَاهُدِ الْوَقْتِ)\n٥١٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن فضيل) بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي، ابن جرير الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، عن أحمد: كان يتشيع وكان حسن الحديث، وعن ابن معين: ثقة، قال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم، وقال ابن حبان: كان يغلو في التشيع، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا كثير الحديث متشيعًا، وقال العجلي: كوفي ثقة شيعي، وكان أبوه ثقة وكان عثمانيًا، وقال ابن شاهين:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لا\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٥٩).","vol":"3","page":316},{"text":"ثنَا الأَعْمَشُ، عن رَجُلٍ،\n===\nقال علي بن المديني: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال الدارقطني: كان ثبتًا في الحديث إلَّا أنه كان منحرفًا عن عثمان، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة شيعي، وقال أبو هشام الرفاعي: سمعت ابن فضيل يقول: رحم الله عثمان، ولا رحم من لا يترحم عليه، قال: وسمعته يحلف بالله أنه صاحب سنَّة، رأيت على خفه أثر المسح، وصليت خلفه ما لا يحصى، فلم أسمعه يجهر يعني بالبسملة، مات سنة ٢٩٥ هـ، صنف مصنفات في العلم، وقرأ القراءة على حمزة الزيات.\n(ثنا الأعمش) سليمان بن مهران، (عن رجل) (١) وفي \"الترمذي\": عن الأعمش عن أبي صالح، قال الترمذي: رواه سفيان الثوري وغير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وروى أسباط بن محمد عن الأعمش قال: حدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة، قلت: وروى أيضًا عن أبي صالح عن عائشة، قال أبو زرعة: حديث أبي هريرة أصح من حديث عائشة، وقال البخاري عكسه، وذكر علي بن المديني أنه لم يثبت واحد منهما، وأما ابن حبان فصحح حديث أبي هريرة وعائشة جميعًا، وقال: قد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبي هريرة جميعًا، وقال إبراهيم بن حميد الرؤاسي: قال الأعمش: وقد سمعته من أبي صالح، قال هشيم: عن الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة، ذكر ذلك الدارقطني، فتبين من هذه الطرق أن الأعمش سمعه من غير أبي صالح، ثم سمعه منه، قال اليعمري: والكل صحيح، والحديث متصل، كذا قال الشوكاني (٢).\n_________\n(١) قال ابن رسلان: يحتمل أنه سهيل بن أبي صالح، قلت: ويؤيده ما قال الزيلعي (٢/ ٥٨): أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٤١٩): حدثنا قتيبة، ثنا عبد العزيز، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا، وهذا إسناد صحيح، أخرج مسلم بهذا الإِسناد نحوًا من أربعة عشر، وقال العيني (٤/ ٣١٩): رواه الحاكم مصححًا عن سهل بن سعد، \"المستدرك\" (١/ ٢١٦)، وقال الترمذي (١/ ٤٠٢): في الباب عن سهل وعائشة وعقبة بن عامر. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤١).","vol":"3","page":317},{"text":"عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ». [ت ٢٠٧، حم ٢/ ٢٣٢، عب ١٨٣٨، خزيمة ١٥٢٨، حب ١٦٧٢، ق ١/ ٤٣٠]\n===\n(عن أبي صالح) السمان، اسمه ذكوان، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: الإمام ضامن) قال القاري (١): الضمان ههنا ليس بمعنى الغرامة، بل يرجع إلى الحفظ والرعاية، قال القاضي: الإِمام متكفل أمور صلاة الجمع، فيتحمل القراءة عنهم، إما مطلقًا عند من لا يوجب القراءة على المأموم، أو إذا كانوا مسبوقين، ويحفظ عليهم الأركان والسنن وأعداد الركعات، ويتولى السفارة بينهم وبين الرب في الدعاء.\nوقال ابن الملك: لأنهم يراعون ويحافظون من القوم صلاتهم كالمتكفلين لهم صحة صلاتهم وفسادها أو كمالها ونقصانها بحكم المتبوعية والتابعية، ولهذا الضمان كان ثوابهم أوفر إذا راعوا حقها، ووزرهم أكثر إذا خلوا بها، أو المراد ضمان الدعاء.\n(والمؤذن مؤتمن) أي المؤذن أمين في الأوقات، يعتمد الناس على أصواتهم في الصلاة والصيام وسائر الوظائف الموقتة، أو لأنهم يرتقون في أمكنة عالية، فينبغي أن لا يشرفوا على بيوت الناس وعوراتهم لكونهم أمناء.\n(اللهُم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين) والمعنى: أرشد الأئمة بما تكفلوه والقيام به والخروج عن عهدته، واغفر للمؤذنين ما عسى يكون لهم تفريط في الأمانة التي حملوها من جهة تقديم على الوقت، أو تأخير عنه سهوًا.\nقال الأشرف: يستدل بقوله: \"الإِمام ضامن والمؤذن مؤتمن\" على فضل الأذان على الإمامة، لأن حال الأمين أفضل من حال الضمين.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٦٥).","vol":"3","page":318},{"text":"٥١٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ أَبِى صَالِحٍ - قَالَ: وَلَا (١) أُرَانِى إلَّا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ -، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِثْلَهُ. [ق ١/ ٤٣٠، حم ٢/ ٣٨٢]\n===\nورُدَّ بأن هذا الأمين يتكفل الوقت فحسب، وهذا الضامن يتكفل أركان الصلاة، ويتعاهد للسفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء، فأين أحدهم من الآخر، وكيف لا، والإمام خليفة رسول الله - ﷺ -، والمؤذن خليفة بلال، وأيضًا الإرشاد الدلالة الموصلة إلى البغية والغفران مسبوق بالذنب، قاله الطيبي، وهو مذهبنا، وعليه جمع (٢) من الشافعية، كذا قال القاري (٣).\n٥١٦ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال الحلواني، (ثنا ابن نمير) عبد الله، (عن الأعمش) سليمان بن مهران (قال: نبئت (٤) عن أبي صالح) أي أخبرت بواسطة رجل عن أبي صالح السمان (قال: ولا أراني إلَّا قد سمعته) أي هذا الحديث (منه) أي من أبي صالح، فلعل الأعمش سمع الحديث من أبي صالح، ثم تردد في ذلك، فسمعه عن رجل عنه، أو سمعه من رجل عنه، ثم سمعه منه (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - مثله) أي حدث الحسن بن علي عن ابن نمير عن الأعمش مثل الحديث الذي حدثه أحمد بن حنبل عن محمد بن فضيل عن الأعمش.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ولا أرى\".\n(٢) وحكى الموفق مذهب الشافعي أن الأذان أفضل لهذا الحديث، وعن أحمد روايتان في ذلك. [انظر: \"المغني\" (٢/ ٥٤)]. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٦٥).\n(٤) علق الترمذي مثله بدون قوله: ولا أراني، وقال ابن معين: لم يسمعه الأعمش عن أبي صالح، وكذا قال البيهقي في \"المعرفة\"، ورجح العقيلي طريق أبي صالح عن أبي هريرة على طريق أبي صالح عن عائشة، \"ابن رسلان\"، وتمامه في \"التلخيص الحبير\" للحافظ (١/ ٣٤٠). (ش).","vol":"3","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>(٣٣) بَابُ الأَذَانِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ</span>\n٥١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى النَّجَّارِ قَالَتْ: كَانَ بَيْتِى مِنْ\n===\n\n(٣٣) (بَابُ الأذَانِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ) (١)\nبفتح الميم، قال في \"القاموس\": والأصل مَنْوَرَةٌ موضع النور، كالمنار، والمِسْرَجَة والمِئْذَنَة، جمعه مَناوِرُ وَمَنائِرُ، ومن هَمَزَه فقد شَبَّهَ الأَصليَّ بالزائد، انتهى، ومعناه العلامة، ثم استعمل في البناء المرتفع الذي يبنى في المسجد للأذان.\n٥١٧ - (حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب) (٢) البغدادي، أبو جعفر الوراق، صاحب المغازي، روى عنه أبو داود حديثًا واحدًا في الأذان، كان أحمد وعلي بن المديني يحسنان القول فيه، وكان يحيى يحمل عليه، وقال يعقوب بن شيبة: ليس من أصحاب الحديث، وقال إبراهيم الحربي: كان وراقًا ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وروى إبراهيم [ابن (٣)] الجنيدي عن يحيى: كذاب، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال أبو حاتم: روى عن أبي بكر بن عياش أحاديث منكرة، مات ببغداد سنة ٢٢٨ هـ.\n(ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق) بن يسار، (عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بني النجار) قال في \"التقريب\": عروة عن امرأة من بني النجار صحابية لم تسم (قالت: كان بيتي من\n_________\n(١) قال ابن رسلان: بفتح الميم ويقال بكسرها: المئذنة. (ش).\n(٢) كذا في أكثر الروايات عن أبي داود، ولكن وقع في رواية أبي سعيد بن الأعرابي: حدثت عن إبراهيم بن سعد .. إلخ، بوجود الانقطاع في سنده ما بين المصنف وشيخ شيخه، نبه عليه المزي في \"تهذيب الكمال\" في المبهمات (٨/ ٥٠٣ - ٥٠٤).\n(٣) سقط في الأصل.","vol":"3","page":320},{"text":"أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فكَانَ (١) بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ، فَيَأْتِى بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إِلَى الْفَجْرِ، فَإِذَا رَآهُ، تَمَطَّى (٢) ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَحْمَدُكَ وَأَسْتَعِينُكَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ، قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ كَانَ تَرَكَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً، تَعْنِى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ. [ق ١/ ٤٢٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>(٣٤) بَابٌ: في الْمُؤذِّنِ يَسْتَدِيرُ في أَذَانِهِ</span>\n===\nأطول بيت كان حول المسجد، فكان بلال يوذن عليه) أي على بيتي (الفجر، فيأتي بسحر) أي في الجزء الأخير من الليل (فيجلس على البيت) أي على سقفه (ينظر إلى الفجر، فإذا رأه (٣» أي الفجر قد طلع (تمطى) أي قام وتمدد لطول جلوسه.\n(ثم قال: اللهُم إني أحمدك) أي على الإِسلام، أو على خدمة الأذان (وأستعينك) أي أطلب منك الإعانة (على قريش) أي كفارهم أن تهديهم وتوفقهم (أن) يسلموا (٤) و(يقيموا دينك، قالت) أي المرأة النجارية: (ثم يؤذن، قالت) أي المرأة: (والله ما علمته) أي بلالًا (كان تركها) أي هذه الكلمات (ليلة واحدة، تعني هذه الكلمات).\n\n(٣٤) (بَابٌ: في المُؤَذِّنِ يَسْتَدِيرُ (٥) في أَذَانِهِ)\nأي: يصرف وجهه يمينًا وشمالًا في أذانه حين يقول: حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٢) وفي نسخة: \"تمطأ\".\n(٣) قال ابن رسلان: أي الفجر الكاذب. (ش).\n(٤) الجملة بدل من قريش كقول الشاعر:\nلَقَدْ أَذْهَلَتْنِي أُمُّ عَمْرو بِكَلِمَةٍ ... أَتَصَبَّرُ يَوْمَ البَيْنِ أَمْ لَسْتِ تَصَبَّرِ. (ش).\n(٥) وفي نسخة ابن رسلان: \"يستدبر\"، ثم قال: ويجوز أن يكون بكسر الدال والياء المثناة. (ش).","vol":"3","page":321},{"text":"٥١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنَا قَيْسٌ - يَعْني ابْنَ الرَّبِيعِ-.\n===\n٥١٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري، (ثنا قيس -يعني ابن الربيع-) زاد لفظ يعني، لأن لفظ ابن الربيع ليس من لفظ شيخه بل لفظه قيس فقط، فقال المصنف: يريد شيخي من قيس أنه هو ابن الربيع وهو الأسدي، أبو محمد الكوفي، من ولد قيس بن الحارث، ويقال: الحارث بن قيس الأسدي الذي أسلم وعنده ثمان نسوة، وفي رواية: تسع نسوة.\nقال عبيد الله بن معاذ عن أبيه: سمعت يحيى بن سعيد ينقص قيسًا عند شعبة، فزجره ونهاه، قال عفان: قلت ليحيى: أفتتهمه بكذب؟ قال: لا، قال عفان: فما جاء فيه بحجة، وعن عفان: قيس ثقة، يوثقه الثوري وشعبة، وعن أبي الوليد: كان قيس ثقة حسن الحديث.\nقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن قيس، وكان عبد الرحمن حدثنا عنه ثم تركه، قال البخاري: قال علي: كان وكيع يضعفه.\nوقال الآجري عن أبي داود: سمعت ابن معين يقول: قيس ليس بشيء، وعن ابن معين: ضعيف لا يكتب حديثه، وأيضًا ضعيف الحديث لا يساوي شيئًا، وسئل علي بن المديني عنه فضعفه جدًا.\nقال جعفر بن أبان الحافظ: سألت ابن نمير عن قيس بن الربيع، فقال: كان له ابن هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كتبه، فأنكروا حديثه وظنوا أن ابنه قد غَيَّرها، وقال أبو داود الطيالسي: إنما أُتِيَ قيس من قبل ابنه، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فُرج كتاب قيس ولا يعرف الشيخ ذلك.\nوقال الجوزجاني: ساقط، وقال يعقوب بن شيبة: هو عند جميع أصحابنا صدوق، وكتابه صالح، وهو رديء الحفظ جدًا مضطرب، كثير الخطأ، ضعيف في روايته، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أيضًا: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف الحديث.","vol":"3","page":322},{"text":"(ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ جَمِيعًا، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"أَتَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- بِمَكَّةَ، وَهُوَ فِى قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ، فَكُنْتُ أَتَتَبَّعُ فَمَهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ- وَعَلَيْهِ\n===\n(ح: وثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا وكيع) بن الجراح، (عن سفيان) الثوري (جميعًا) أي كلاهما، وهما قيس بن الربيع وسفيان الثوري جميعًا يرويان، (عن عون بن أبي جحيفة) مصغرًا، وهب بن عبد الله السوائي بضم المهملة، نسبة إلى بني سواءة بن عامر بن صعصعة، الكوفي، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١١٦ هـ.\n(عن أبيه) هو أبو جحيفة (٢) وهب بن عبد الله، ويقال: ابن وهب السوائي، يقال له: وهب الخير، قيل: مات النبي - ﷺ - قبل أن يبلغ الحلم، كان على شرطة علي، واستعمله على خمس المتاع، ويقال: إن عليًا هو سماه وهب الخير، مات سنة ٧٤ هـ.\n(قال: أتيت النبي-صلي الله عليه وسلم- بمكة) لعله وقع مجيئه بمكة في حجة الوداع، أو زمن فتحها، (وهو) أي رسول الله - ﷺ - (في قبة) هي من الخيام، بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب (حمراء من أدم) أي جلد، (فخرج بلال) أي بفضل وَضوء رسول الله - ﷺ - فمن نائل وناضح كما في \"مسند أحمد\"، (فأذن، فكنت أتتبع (٣) فمه) (٤) أي أعرف تحويل وجهه، أو أتبعه فعلًا أيضًا، فأحول وجهي يمينًا وشمالًا، كما يحول بلال وجهه (ههنا وههنا) أي يمينًا وشمالًا.\n(قال) أي أبو جحيفة: (ثم خرج رسول الله - ﷺ -) أي من قبة للصلاة (وعليه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) قدم على النبي - ﷺ - في أواخر عمره \"الإِصابة\" (٦/ ٣٢٦). (ش).\n(٣) ولفظ الترمذي برواية سفيان عن عون: \"يدور ويتبع فاه ههنا وههنا\"، وقوله: \" يدور\" مدرج، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٤) بالميم لغة فيه، والأفصح رواية \"الصحيحين\" فاه بالألف. (ش).","vol":"3","page":323},{"text":"حُلَّةٌ حَمْرَاءُ بُرُودٌ يَمَانِيَةٌ قِطْرِىٌّ. وَقَالَ مُوسَى: قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالًا خَرَجَ إِلَى الأَبْطَحِ فَأَذَّنَ، فَلَمَّا بَلَغَ: حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، لَوَّى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ، ثُمَّ دَخَلَ\n===\nحلة حمراء) مخططة بخطوط حمر (برود) جمع بردة (يمانية) نسبة إلى اليمن (١) (قطري).\nقال في النهاية (٢): هو ضرب من البرود فيها حمرة، ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: هي حُلَلٌ جياد تحمل من قِبَل البحرين، وقال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يقال له: قَطَر، وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها، فكشروا القاف للنسبة وخففوا، انتهى.\nوعلى هذا ففي كونها يمانية وقطريا نوع مخالفة، فيمكن أن تكون نسبة إلى قرية قطر باعتبار الصنعة، وإلى اليمن باعتبار أنها تجلب إليها وتباع فيها، ثم تحمل منه إلى الحجاز، أو بالعكس بأنها تنسج في اليمن وتجلب إلى القطر، ولم يراع المطابقة بين الموصوف والصفة، لأنه جعل اسمًا لهذا النوع من الثياب.\n(وقال موسى) أي ابن إسماعيل شيخ المؤلف في حديثه: (قال) أي أبو جحيفة: (رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح) (٣) أي مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والظاهر أن المراد به المحصب (فأذن) أي بلال (فلما بلغ حَيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح لَوّى) أي أمال وعطف (عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر) (٤) كله، وفي نسخة: \"ولم يستدبر\" وهو ظاهر (ثم دخل) أي بلال\n_________\n(١) سميت به لأنه على يمين الشمس، ويمانية بتخفيف الياء أو تشديدها قولان، بسطهما ابن رسلان، وقال: الأشهر التخفيف. (ش).\n(٢) (ص ٧٥٩).\n(٣) ولفظ الترمذي: بالبطحاء، وكلاهما بمعنى متسع من الأرض، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وبسط العيني على هذا الحديث. (ش). [انظر: عمدة القاري\" (٤/ ٢٠٦)].","vol":"3","page":324},{"text":"فَأَخْرَجَ الْعَنَزَةَ\"، وَسَاقَ حَدِيثَهُ. [خ ٦٣٤، م ٥٠٣، ت ١٩٧، ن ٦٤٣، جه ٧١١، دي ١١٩٨، حم ٤/ ٣٠٩، خزيمة ٣٨٧]\n===\nالقبة (فأخرج العَنَزَة) وهي رمح صغير بين العصا والرمح، فيه زُجٌّ (وساق) أي موسى (حديثه).\nقال الشوكاني (١): وقد اختلفت الروايات في الاستدارة، ففي بعضها أنه كان يستدير، وفي بعضها لم يستدر، قال الحافظ (٢): ويمكن الجمع (٣) بأن من أثبت الاستدارة عني بها استدارة الرأس، ومن نفاها عني استدارة الجسد كله، ومشى ابن بطال ومن تبعه على ظاهره فاستدل به على جواز الاستدارة، قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استدارة المؤذن للإسماع عند التلفظ بالحيعلتين.\nواختلف هل يستدير ببدنه كله أو بوجهه فقط وقدماه قارتان؟ واختلف أيضًا هل يستدير في الحيعلتين الأوليين مرة، وفي الثانيتين مرة، أو يقول: حَيَّ على الصلاة عن يمينه، ثم حَيَّ على الصلاة عن شماله، وكذا في الأخرى؟ وقد رجح هذا الوجه بأنه يكون لكل جهة نصيب من كل كلمة، قال: والأول أقرب إلى لفظ الحديث، أنتهى كلامه بالمعنى.\nوروي عن أحمد (٤) أنه لا يدور إلَّا إذا كان على منارة يقصد إسماع أهل الجهتين، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق، وقال النخعى والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وهو رواية عن أحمد: إنه يستحب الالتفات في الحيعلتين\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٥).\n(٣) والأوجه عندي في الجمع أن يقال: إن النفي محمول على عدم الضرورة، والإِثبات على الضرورة، وذلك أنهم متفقون على جوازه للضرورة، كما في فروعهم. (ش).\n(٤) وفي\"نيل المآرب\" (١/ ١١٧): يلتفت برأسه وعنقه وصدره. (ش).","vol":"3","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>(٣٥) بَابُ مَا جَاءَ في الدُّعَاءِ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ</span>\n٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن زَيْدٍ الْعَمِّي،\n===\nيمينًا وشمالًا، ولا يدور ولا يستدير سواء كان على الأرض أو على منارة، وقال مالك: لا يدور ولا يلتفت إلَّا أن يريد (١) إسماع الناس، وقال ابن سيرين: يكره الالتفات، والحق استحباب الالتفات حال الأذان بدون تقييد، وأما الدوران فقد عرفت اختلاف الأحاديث فيه، وقد أمكن الجمع بما تقدم فلا يصار إلى الترجيح.\nقلت: ومذهب الحنفية في المسألة ما قال في \"الدر المختار\" (٢): ويلتفت فيه، وكذا فيها مطلقًا، وقيل: إن المحل متسعًا، يمينًا ويسارًا فقط، لئلا يستدبر القبلة بصلاة وفلاح، ويستدير في المنارة لو متسعة ويخرج رأسه منها.\nقال في \"رد المحتار\": قوله: ويستدير في المنارة، يعني: إن لم يتم الإعلام بتحويل وجهه مع ثبات قدميه، قوله: ويخرج رأسه منها، أي من كوّتها اليمنى آتيًا بالصلاة، ثم يذهب ويخرج رأسه من الكوّة اليسرى آتيًا بالفلاح، \"درر\" وغيرها.\n\n(٣٥) (بَابُ مَا جَاءَ في الدُّعَاءِ بَينَ الأذَانِ والإقَامَةِ)\nأي: يستجاب الدعاء بينهما ولا يُرَدُّ.\n٥١٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري، (عن زيد العمّي) هو زيد بن الحواري بمفتوحة وكسر راء، العمّي بالفتح والتشديد، أبو الحواري العمّي البصري، وإنما قيل لزيد: العمّي، لأنه لما يسئل\n_________\n(١) فيؤذن كيفما تيسر ولو أدى لاستدباره القبلة، هذا في \"حاشية الدسوقي\" على الدردير (١/ ١٩٦). (ش).\n(٢) انظر: \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٦٦).","vol":"3","page":326},{"text":"عن أَبِي إِيَاسٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ\". [ت ٢١٢، حم ٣/ ١١٩، عب ١٩٠٩، ق ١/ ٤١٠، خزيمة ٤٢٥، حب ١٦٩٦]\n===\nعن شيء قال: حتى أسأل عمي، فلقب به، قاضي هراة، مولى زياد بن أبيه، عن أحمد وابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، واهي الحديث، ضعيف، وقال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: صالح، قال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، وقال ابن المديني: كان ضعيفًا عندنا، وقال أبو حاتم: كان شعبة لا يحمد حفظه، وقال العجلي: بصري، ضعيف الحديث، ليس بشيء، وقال ابن عدي: وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، وقال أبو بكر البزار: صالح، روى عنه الناس، وقال الحسن بن سفيان: ثقة، وذكره ابن أبي حاتم في \"المراسيل\" عن أبيه أن رواية زيد العمي عن أنس مرسلة.\n(عن أبي إياس) هو معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أبو إياس البصري، وثَّقه يحيى بن معين والعجلي والنسائي وأبو حاتم وابن سعد، مات سنة ١١٣ هـ.\n(عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يرد الدعاء بين (١) الأذان والإقامة) يحتمل أن يكون المعنى أن الدعاء لا يرد بين أثناء الأذان من حين ابتدائه إلى حين انتهائه، وكذا الإقامة، ويحتمل أن يكون المعنى أن الدعاء لا يرد بين الوقت الذي من ابتداء الأذان إلى انتهاء الإقامة (٢).\n_________\n(١) ولفظ ابن حبان: \"الدعاء بين الأذان والإقامة يستجاب\". (ش).\n(٢) قلت: ويؤيده رواية عائشة أخرجها الديلمي، كما نقله الزرقاني (١/ ١٤٦) بلفظ: \"وحين يؤذن المؤذن حتى يسكت\". (ش).","vol":"3","page":327},{"text":"(٣٦) بَابُ مَا يَقُولَ (١) إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ\n٥٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ». [خ ٦١١، م ٣٨٣، ت ٢٠٨، ن ٦٧٣، جه ٧٢٠، دي ١٢٠١، ط ١/ ٦٧/ ٢، حم ٣/ ٥، خزيمة ٤١١، ق ١/ ٤٠٨]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>(٣٦) (بَابُ مَا يَقُولُ إِذا سَمِعَ المُؤَذِّنُ)</span>\n٥٢٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك) بن أنس، (عن ابن شهاب) الزهري، (عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا سمعتم (٢) النداء) أي الأذان (فقولوا) أي وجوبًا (٣) أو ندبًا، والواجب الإجابة بالقدم، قال في \"الدر المختار\" (٤): ويجيب وجوبًا، وقال الحلواني: ندبًا، والواجب الإجابة بالقدم (مثل ما يقول الموذن) أي قولًا مثل قول المؤذن.\nقال في \"البدائع\" (٥): والإجابة أن يقول مثل ما قال المؤذن إلَّا في قوله: حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، فإنه يقول مكانه: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله\n_________\n(١) هل يجيب سامع أذان الخطبة؟ قال في \"الدر المختار\": لا، وقال ابن عابدين (٢/ ٨١): يجيب بقلبه عند الإِمام، وبعد الفراغ عند محمد، ولا يرد مطلقًا عند أبي يوسف هو الصحيح، وبسط صاحب \"المنهل\" (٤/ ١٩٠) الاختلاف في أنه هل يجيب المصلي أيضًا أم لا؟ . (ش).\n(٢) ظاهره أنه يتوقف على السماع، فلو رأى مؤذنًا ولم يسمع لبعد أو صمم ليس عليه الإِجابة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) عند طائفة حكاه الطحاوي، وندبًا عند الجمهور. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) انظر: \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٧٩).\n(٥) (١/ ٣٨٢).","vol":"3","page":328},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالعلي العظيم، لأن إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وكذا إذا قال المؤذن: الصلاة خير من النوم لا يعيده السامع لما قلنا، ولكنه يقول: صدقت وبررت (١).\nقال الشامي في حاشيته على \"الدر المختار\" (٢): ثم إن الإتيان بالحوقلة وإن خالف ظاهر قوله ﵇: \"قولوا مثل ما يقول\"، لكنه ورد فيه حديث مفسر لذلك رواه مسلم (٣)، واختار في \"الفتح\" الجمع بينهما عملًا بالأحاديث، قال: فإنه ورد في بعضها صريحًا إذ قال: حَيَّ على الصلاة، قال: حَيَّ على الصلاة، وقولهم: إنه يشبه الاستهزاء لا يتم، إذ لا مانع من اعتباره مجيبًا بهما داعيًا نفسه مخاطبًا لها، وقد رأينا من مشايخ السلوك من كان يجمع بينهما، فيدعو نفسه، ثم يتبرأ من الحول والقوة ليعمل بالحديثين، انتهى (٤).\nقال الشوكاني (٥): والحديث يدل على أنه يقول السامع مثل ما يقول المؤذن في جميع ألفاظ الأذان الحيعلتين وغيرهما، وقد ذهب الجمهور إلى تخصيص الحيعلتين بحديث عمر الآتي فقالوا: يقول مثل ما يقول في ما عدا الحيعلتين، وأما فيهما فيقول: لا حول ولا قوة إلَّا بالله.\nوقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا، وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فَلِمَ لا يقال: يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة.\n_________\n(١) وبه جزم عامة فقهاء الحنفية والشافعية كما حررته على هامش \"الحصن الحصين\". (ش).\n(٢) (٢/ ٨٢).\n(٣) رواه مسلم في كتاب الصلاة (٣٨٤).\n(٤) وأطال الكلام فيه في \"إعلاء السنن\" (٢/ ١٠٥). (ش).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦١).","vol":"3","page":329},{"text":"٥٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَحَيْوَةَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِى أَيُّوبَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ،\n===\nوفيه متمسك لمن قال بوجوب الإجابة، لأن الأمر يقتضيه بحقيقته، وقد حكى ذلك الطحاوي عن قوم من السلف، وبه قالت الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب.\nوذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، قال الحافظ (١): واستدلوا بحديث أخرجه مسلم وغيره \"أن النبي - ﷺ - سمع مؤذنًا فلما كبر قال: على الفطرة، فلما تشهد قال: خرج من النار\" قالوا: فلما قال - ﷺ - غير ما قال المؤذن علمنا أن الأمر بذلك على الاستحباب، ورُدَّ بأنه ليس في الرواية أنه لم يقل مثل ما قال، وباحتمال أنه وقع ذلك قبل الأمر بالإجابة، واحتمال أن الرجل الذي سمعه النبي - ﷺ - يؤذن لم يقصد (٢) الأذان، انتهى.\n٥٢١ - (حدثنا محمد بن سلمة، ثنا ابن وهب) هو عبد الله، (عن ابن لهيعة) هو عبد الله (وحيوة) بن شريح (وسعيد بن أبي أيوب) واسمه مقلاص بكسر الميم وسكون القاف وآخره صاد مهملة [الخزاعي] مولاهم، أبو يحيى المصري، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حبان: ليس له عن تابعي سماع صحيح، وروايته عن زيد بن أسلم وأبي حازم إنما هي كتاب، ونقل ابن خلفون عن يحيى بن بكير أنه وثَّقه، قال البخاري: يقال: مات سنة ١٤٩ هـ، وقيل سنة ١٦١ هـ.\n(عن كعب بن علقمة) بن كعب بن عدي التنوخي، أبو عبد الحميد\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٩١).\n(٢) قلت: يرد هذا الاحتمال ما في رواية الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود قال: فابتدرناه فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة، فنادى لها. (كذا في هامش نسخة الحكيم أيوب). (ش).","vol":"3","page":330},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١)، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ ﷿ لِىَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِى الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِى إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِىَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ (٢) الشَّفَاعَةُ». [م ٣٤٨، ن ٧٦٨، ت ٣٦١٤، حم ٢/ ١٦٨، ق ١/ ٤٠٩، خزيمة ٤١٨، حب ١٦٩٠]\n===\nالمصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٢٧ هـ، وقيل: بعدها، (عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: إذا سمعتم المؤذن) أي صوته بالأذان (فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا (٣) عليَّ) أي بعد الإجابة (فإنه من صلَّى عليَّ صلاة) أي واحدة (صلَّى الله عليه بها) أي بثواب الصلاة التي صلَّى (عشرًا) أي عشر مرات، فإن الحسنة بعشر أمثالها.\n(ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها) أي الوسيلة (منزلة في الجنة) أي مرتبة رفيعة من منازلها (لا تنبغي) أي لا تليق (إلَّا لعبد) أي واحد خاص من بين العباد (من عباد الله) أي من جملتهم، (وأرجو أن كون أنا هو) لفظ \"أنا\" تأكيد للضمير المستكن في \"أكون\"، ولفظ \"هو\" خبره موضع اسم الإشارة، أي أكون ذلك العبد، ويحتمل أن يكون \"أنا\" مبتدأ لا تأكيدًا، \"وهو\" خبره، والجملة خبر أكون.\n(فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة) أي صارت حلالًا له غير حرام، وفي رواية: \"حلت له الشفاعة\"، وقيل: من الحلول (٤) أي بمعنى النزول، أي يقع له شفاعتي وينزل مجازاة لدعائه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٢) وفي نسخة: \"له\".\n(٣) فيه إفراد الصلاة عن السلام، وذكر النووي في الأذكار أنه يكره \"ابن رسلان\". (ش). [قلت: والجمهور على الجواز، كما في الحديث].\n(٤) وقيل بمعنى وجبت. (ش).","vol":"3","page":331},{"text":"٥٢٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حُيَىٍّ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى الْحُبُلِىَّ -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قُلْ كَمَا يَقُولُونَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ». [حم ٢/ ١٧٢، ق ١/ ٤١٠، حب ١٦٩٥]\n٥٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عن الْحُكَيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ،\n===\n٥٢٢ - (حدثنا ابن السرح) أحمد بن عمرو (ومحمد بن سلمة) المرادي (قالا: ثنا) عبد الله (بن وهب، عن حيي) بضم أوله ويائين المنقوطتين من تحت بنقطتين الأولى مفتوحة، ابن عبد الله بن شريح المعافري الحبلي، وهو آخر من حدث عنه ابن وهب، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٤٣ هـ.\n(عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن يزيد المعافري (- يعني الحبلي-، عن عبد الله بن عمرو) بن العاص (إن رجلًا قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا) بفتح الياء وضم الضاد، أي يحصل لهم فضل علينا في الثواب بسبب الأذان، فهل من عمل نلحقهم بذلك العمل؟ (فقال رسول الله - ﷺ -: قل كما يقولون) أي إلَّا عند الحيعلتين، (فإذا انتهيت) أي فرغت من الإجابة (فسل) الله ما شئت (تعطه) أي يُقبل دعاؤك وتعط ما سألت.\n٥٢٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن الحكيم) مصغرًا (ابن عبد الله بن قيس) بن مخرمة بميم مفتوحة وسكون معجمة وفتح راء، ابن المطلب بن عبد مناف، المطلبي المصري، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، توفي بمصر سنة ١١٨ هـ.","vol":"3","page":332},{"text":"عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،\n===\n(عن عامر بن سعد بن أبي وقاص) الزهري المدني، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، قال ابن سعد: مات سنة ١٠٤ هـ، قال: وقال غيره: توفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن سعد بن أبي وقاص) (١) واسمه مالك بن أهيب، ويقال: وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري، أبو إسحاق، أسلم قديمًا، وهاجر قبل رسول الله - ﷺ -، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وهو أحد العشرة المبشرة، وأحد الستة أهل الشورى، وسابع سبعة في الإِسلام، وكان مجاب الدعوة مشهورًا بذلك، وكان أحد الفرسان من قريش الذين كانوا يحرسون رسول الله - ﷺ - في مغازيه، وهو الذي كوف الكوفة، وتولى قتال فارس، وفتح الله على يديه القادسية، وكان أميرًا على الكوفة من عمر، ثم عزله، ثم أعاده، ثم عزله، وهو آخر العشرة وفاةً.\nقال ابن المسيب عن سعد: ما أسلم أحد إلَّا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثالث الإِسلام، قال إبراهيم بن المنذر: كان قصيرًا، دحداحًا، غليظًا، ذا هامة، شثن الأصابع، واختلف في وفاته على أقوال، والمشهور منها أنه مات سنة ٥٥ هـ.\n(عن رسول الله - ﷺ - قال: من قال حين يسمع المؤذن) أي قوله: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَ محمدًا رسول الله في الأذان، فيقول السامع: (وأنا أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٠٧) رقم الترجمة (٢٠٣٩).","vol":"3","page":333},{"text":"رَضِيْتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ\". [م ٣٨٦، ن ٦٧٩، ت ٢١٠، جه ٧٢١، حم ١/ ١٨١، ع ٧٢٢، خزيمة ٤٢١، حب ١٦٩٣، ق ١/ ٤١٠]\n٥٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ: «وَأَنَا، وَأَنَا». [ق ١/ ٤٠٩، ك ١/ ٢٠٤، حب ١٦٨٣]\n===\nرضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبا لأسلام دينًا، غفر له) أي صغائره.\n٥٢٤ - (حدثنا إبراهيم بن مهدي) المصيصي، بغدادي الأصل، قال أبو حاتم وابن قانع: ثقة، وقال ابن منصور: سئل يحيى بن معين عنه، فقال: كان رجلًا مسلمًا، قيل له: أهو ثقة؟ قال: ما أراه يكذب، وعن ابن معين: جاء بمناكير، وقال الأزدي: له عن علي بن مسهر أحاديث لا يتابع عليها، وقال الآجري عن أبي داود: كان أحمد يحدثنا عنه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٢٥ هـ أو ٢٢٤ هـ.\n(ثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سمع المؤذن يتشهد) أي يقول في أذانه: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله، (قال) أي رسول الله: (وأنا وأنا) قال الطيبي (١): عطف على قول المؤذن: \"أشهد\" بتقدير العامل، أي أنا أشهد كما تشهد، والتكرير راجع إلى الشهادتين، وفيه أنه - ﷺ - كان مكلفًا بأن يشهد على رسالته كسائر الأمة، ولعله وقع (٢) الاكتفاء على قوله: \"وأنا وأنا\" ولم يقل مثل ما قال المؤذن من الكلمات بتمامها، لأنه كان\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٧٣).\n(٢) ويدل عليه أن ابن حبان بوب عليه: \"باب إباحة الاقتصار للمرء عند سماعه الأذان على قوله: وأنا وأنا\"، دون لفظ الأذان، فعلم به أنه يحصل به فضيلة المتابعة. (ش).","vol":"3","page":334},{"text":"٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسَافٍ،\n===\nقبل الأمر بالقول مثل ما يقول المؤذن، أو يحمل على القول بعدم وجوب الإجابة باللسان عند من يقوله، ويحتمل احتمالًا بعيدًا أنه - ﷺ - قاله ولم ينقل.\n٥٢٥ - (حدثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جهضم) بن عبد الله الثقفي، أبو جعفر البصري، أصله من خراسان، قال أبو زرعة: صدوق لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة) بضم المهملة (ابن غزية) بفتح المعجمة وكسر الزاي بعدها تحتانية ثقيلة، ابن الحارث بن عمرو بن غزية الأنصاري المازني المدني، قال أحمد وأبو زرعة: ثقة، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: أنصاري ثقة، وقال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، كان صدوقًا، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال البرقاني عن الدارقطني: لم يلحق عمارة بن غزية أنسًا، وهو ثقة، وكذا قال الترمذي: لم يلق أنسًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" في أتباع التابعين، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\"، فلم يورد شيئًا يدل على وهمه، وقال ابن حزم: ضعيف، قلت: وقال الذهبي في \"الميزان\": وما علمت أحدًا ضعفه سوى ابن حزم، ولهذا قال عبد الحق: ضعفه بعض المتأخرين، ولم يقل العقيلي فيه شيئًا سوى قول ابن عيينة: جالسته كم من مرة فلم أحفظ عنه شيئًا، فهذا تغفل من العقيلي إذ ظن أن هذه العبارة تليين، لا والله.\n(عن خبيب) مصغرًا (ابن عبد الرحمن) بن خبيب (بن إساف) بكسر همزة، وهكذا في رواية مسلم بالهمزة، وفي نسخة: \"يساف\" بمثناة تحتانية مفتوحة وسين مهملة، وقال الحافظ في \"الإصابة\" (١): إساف بهمزة مكسورة، وقد تبدل\n_________\n(١) (٢/ ١٠٣).","vol":"3","page":335},{"text":"عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِذَا قَالَ:\n===\nتحتانية، انتهى، وكتبها في أكثر كتب الرجال يساف بالياء، الأنصاري الخزرجي، أبو الحارث المدني (١)، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٣٢ هـ.\n(عن حفص بن عاصم بن عمر) بن الخطاب، قال النسائي: ثقة، وقال أبو زرعة والعجلي: ثقة، وقال هبة الله الطبري: ثقة مجمع عليه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) هو عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عمر، أو أبو عمرو المدني، ولد في حياة النبي - ﷺ -، وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأفلح، كان عمر طلق أمه فتزوجها يزيد بن جارية، فولدت له ابنه عبد الرحمن، فركب عمر إلى قبا، فوجد ابنه عاصمًا يلعب مع الصبيان، فحمله بين يديه، فأدركته جدته الشموس بنت أبي عامر، فنازعته إياه حتى انتهى إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: خل بينها وبينه، فما راجعه وأسلمه لها، وفي \"تاريخ البخاري\": خاصمت أمه أباه إلى أبي بكر وله ثمان سنين، وقال ابن البرقي: ولد في حياة النبي - ﷺ - ولم يرو عنه شيئًا، مات سنة ٧٠ هـ، وقيل بعدها.\n(عن جده عمر بن الخطاب أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر)، اكتفى على ذكر التكبير مرتين إشارة إلى أنهما في حكم كلمة واحدة، ولم يذكر الأربع اكتفاءً بذكر اثنين، ومن ثم ذكر واحدًا من الاثنين في سائر كلمة الأذان.\n(فقال) أي أجاب (أحدكم) بقوله: (الله أكبر الله أكبر، فإذا قال)\n_________\n(١) وفي الأصل: \"المديني\" وهو تحريف.","vol":"3","page":336},{"text":"أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَىَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ». [م ٣٨٥، ق ١/ ٤٠٩، خزيمة ٤١٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>(٣٧) بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ</span>\n٥٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ،\n===\nأي المؤذن: (أشهد أن لا إله إلَّا الله، قال) المجيب: (أشهد أن\nلا إله إلَّا الله، فإذا قال) المؤذن: (أشهد أن محمدًا رسول الله،\nقال) المجيب: (أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال) أي المؤذن:\n(حَيَّ على الصلاة، قال) المجيب: (لا حول ولا قوة إلَّا بالله، ثم قال)\nأي المؤذن: (حَيَّ على الفلاح، قال) المجيب: (لا حول ولا قوة إلَّا بالله،\nثم قال) المؤذن: (الله أكبر الله أكبر، قال) المجيب: (الله أكبر الله أكبر،\nثم قال) المؤذن: (لا إله إلَّا الله، قال) أي المجيب: (لا إله إلَّا الله، من\nقلبه) متعلق بصيغة \"قال\" المتقدم على جميع كلمات الأذان من المجيب\n(دخل الجنة) جزاء لقوله: إذا قال المؤذن إلى آخر الشرط، قال الطيبي (١):\nوإنما وضع الماضي موضع المستقبل لتحقق الموعود على طريقة ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٢).\n\n(٣٧) (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الإقَامَةَ)\n٥٢٦ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، ثنا محمد بن ثابت) العبدي،\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٦٢).\n(٢) سورة الأعراف: الآية ٤٤.","vol":"3","page":337},{"text":"حَدَّثَنِى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ، أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ-: أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِى الإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا»، وَقَالَ فِى سَائِرِ الإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ - ﵁ - فِى الأَذَانِ. [ق ١/ ٤١١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>(٣٨) بَابُ مَا جَاءَ في الدُّعَاءِ عِنْدَ الأَذَانِ</span>\n===\n(حدثني رجل من أهل الشام) مجهول لم يعرف، (عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة) صدي بن عجلان، (أو عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -) شك من بعض الرواة، يقول: حدثني شيخي فقال: عن أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، ولم أقف على اسم هذا الصحابي، (أن بلالًا أخذ) أي شرع (في الإقامة، فلما أن قال) أي بلال، قال القاري (١): والأظهر أن \"لمَّا\" ظرفية و\"أن\" زائدة للتأكيد، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ (٢) كما قال صاحب \"الكشاف\" وغيره في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ (٣)، (قد قامت الصلاة، قال النبي - ﷺ -: أقامها الله وأدامها) قال القاري: واشتهر زيادة: \"واجعلني من صالحي أهلها\".\n(وقال) أي رسول الله - ﷺ - (في سائر الإقامة كنحو حديث عمر) قال القاري: أي في جميع كلمات الإقامة غير قد قامت الصلاة، أو قال في البقية مثل ما قال المقيم إلَّا في الحيعلتين، فإنه قال فيه: لا حول ولا قوة إلَّا بالله (في الأذان) يعني وافق المؤذن في غير الحيعلتين، ويحتمل الموافقة أيضًا أي في الحيعلتين لحديث ورد في ذلك.\n\n(٣٨) (بَابُ مَا جَاءَ في الدُّعَاء عِنْدَ الأذَان)\nأي: يستحب أن يدعو السامع عند تمام الأذان\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٧١).\n(٢) سورة يوسف: الآية ٩٦.\n(٣) سورة هود: الآية ٧٧.","vol":"3","page":338},{"text":"٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِى حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِا (١) الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا\n===\n٥٢٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال حين يسمع (٢) النداء) أي تمام الأذان (اللهُم رب هذا الدعوة التامة).\nقال في \"المجمع\": المراد بالدعوة ههنا الأذان من أوله إلى محمد رسول الله، التامة الجامعة للعقائد، وقيل: (٣) وصفها بالتمام لأنها ذكر الله ويدعى بها إلى عبادته، وذلك هو المستحق صفة الكمال والتمام.\n(والصلاة القائمة) أي الباقية الدائمة لا ينسخها دين (آت) بالمد أي أعط (محمدًا الوسيلة) أي المرتبة العالية في الجنة التي لا ينبغي إلَّا له (والفضيلة) أي المرتبة الزائدة على سائر المخلوقين (وابعثه) أي أوصله (مقامًا محمودًا) (٤) أي مقام الشفاعة العظمى الذي يحسده الأولون والآخرون وهم آدم ومن دونه\n_________\n(١) هكذا في النسخة المجتبائية بلفظ \"هذا\"، وفي \"المرقاة\" برواية البخاري بلفظ \"هذه\". (ش).\n(٢) استدل به الطحاوي (١/ ١٤٦) على أنه لا يجب إجابة الأذان، بل لو اكتفى على هذا يكفي، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٣) وقيل: إشارة إلى التوحيد، فإنه تام، والنقص شرك، وقيل: تام باعتبار أنه لا ينسخ \"ابن رسلان\"، وبسط ابن رسلان في شرح كلمات الدعاء. (ش).\n(٤) قال ابن الجوزي: الأكثر على أن المراد منه الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش، وقيل: على الكرسي، وعلى صحة التعدد لا ينافي الأول لاحتمال أن يكون الإِجلاس علامة الشفاعة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":339},{"text":"الَّذِى وَعَدْتَهُ، إلَّا حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [خ ٦١٤، ت ٢١١، ن ٦٨٠، جه ٧٢٢، حم ٣/ ٣٥٤، خزيمة ٤٢٠، حب ١٦٨٩، ق ١/ ٤١٣، ك ١/ ١٩٨، قط ١/ ٢٤٠، طس ٤٦٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>(٣٩) بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ</span>\n٥٢٨ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ،\n===\n(الذي وعدته) أي بقوله: ﴿عَسَى (١) أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٢) وهو مفعول \"ابعثه\" بتضمين معنى أعطه.\nوأما زيادة \"والدرجة الرفيعة\" المشتهرة على الألسنة، فقال السخاوي: لم أره في شيء من الروايات، وزاد البيهقي في روايته \"إنك لا تخلف الميعاد\"، وأما زيادة \"يا أرحم الراحمين\" فلا وجود لها في كتب الحديث.\n(إلَّا حلت (٣) له الشفاعة) (٤) أي وجبت وثبتت (يوم القيامة) وفيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة، والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله تعالى، و\"عسى\" في الآية للتحقيق إظهار لشرفه وعظم منزلته، وتلذذ بحصول مرتبته، ورجاء لشفاعته.\n\n(٣٩) (بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ أَذَانِ المَغْرِبِ)\n٥٢٨ - (حدثنا مؤمل) كمحمد (ابن إهاب) بكسر أوله وآخره باء موحدة، ويقال: يهاب بن عبد العزيز بن قفل بن شدل الربعي ثم العجلي، أبو عبد الرحمن\n_________\n(١) وعسى في لامه تعالى واقع، ولذا أطلق عليه الوعد. (ش).\n(٢) سورة الإِسراء: الآية ٧٩.\n(٣) ولفظ الطحاوي (١/ ١٤٥): من رواية ابن مسعود \"وجبت\"، ولا يصح أن يكون بمعنى الحلال، لأنه من الأول لم يكن حرامًا. (ش).\n(٤) أشكل بأنها للمذنبين، وأجيب بأن للشفاعات درجات كإدخال الجنة بغير حساب، وكرفع الدرجات، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":340},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِىُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِىُّ، عَنْ أَبِى كَثِيرٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: عَلَّمَنِى\n===\nالكوفي، نزل الرملة ومصر، وهو كرماني الأصل، قال إبراهيم بن الجنيد: سئل عنه ابن معين فكأنه ضعفه، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وقال مرة ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٤ هـ، قال الحافظ: ووثَّقه مسلمة بن قاسم.\n(ثنا عبد الله بن الوليد العدني) هو عبد الله بن الوليد بن ميمون الأموي مولاهم، أبو محمد المكي المعروف بالعدني، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: لا أعرفه، لم أكتب عنه شيئًا، وقال أبو زرعة: صدوق، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن عدي: روى عن الثوري \"جامعه\"، وقد روى عن الثوري غرائب غير \"الجامع\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث، قال الحافظ: نقل الساجي أن ابن معين ضعّفه، وقال البخاري: مقارب، وقال العقيلي: ثقة معروف، وقال الأزدي يهم في أحاديث وهو عندي وسط، وقال الدارقطني: ثقة مأمون.\n(ثنا القاسم بن معن) بفتح الميم وسكون المهملة، ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي، أبو عبد الله الكوفي قاضيها، عن أحمد: ثقة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرًا، قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وعن أبي داود قال: كان ثقة يذهب إلى شيء من الإرجاء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الحافظ: قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا بالحديث والفقه والشعر وأيام الناس، وكان يقال له: شعبي زمانه، مات سنة ١٧٥ هـ.\n(ثنا المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله، (عن أبي كثير (١) مولى أم سلمة) قال الترمذي: لا يعرف، وقال في \"التقريب\": مقبول.\n(عن أم سلمة) رضي الله تعالى عنها (قالت: علمني\n_________\n(١) قال ابن رسلان: لم أقف على اسمه، وذكره الذهبي في \"الكنى\" ولم يسمه. (ش).","vol":"3","page":341},{"text":"رَسُولُ (١) اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: «اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَائِكَ، فَاغْفِرْ لِى». [ت ٣٥٨٩، ك ١/ ١٩٩، ق ١/ ٤١٠،]\n===\nرسول الله - ﷺ - أن أقول عند أذان المغرب) قال القاري (٢): الظاهر أن يقال: هذا بعد جواب الأذان أو في أثنائه (اللهُم إن هذا) إشارة إلى ما في الذهن وهو مبهم مفسر بالخبر، قاله الطيبي وتبعه ابن حجر، والظاهر أنه إشارة إلى الأذان لقوله: و\"أصوات\"، قلت: ويحتمل أن يكون التقدير أن هذا الزمان زمان إقبال ليلك، وزمان إدبار نهارك، وزمان أصوات دعائك (إقبال ليلك) الذي جعلته سكنًا وساترًا (وإدبار نهارك) الذي جعلته سببًا لتحصيل المعايش (وأصوات دعائك) هكذا بالهمزة في النسخ المطبوعة الهندية، وأما في المكتوبة والمصرية والنسخة على \"عون المعبود\": \"دعاتك\" (٣) جمع داع كالقضاة جمع قاض، فعلى الأولى معناه أصوات أذانك، وعلى الثاني أصوات مؤذنيك الذين يدعونك أو يدعون عبادك إلى الصلاة.\n(فاغفر لي) بحق هذا الوقت الشريف والصوت المنيف، وبه يظهر وجه تفريع المغفرة، قلت: ويمكن أن يقال: إن الزمان هو تجدد تعلق إرادة الله تعالى بالمحدثات، فيمكن أن يجعل سببًا للتغير في أحوال العباد من المعاصي والمغفرة.\nقال القاري (٤): ولعل وجه تخصيص المغرب أنه بين طرفي النهار والليل، وهو يقتضي طلب المغفرة السابقة واللاحقة، ويمكن أن يؤخذ بالمقايسة عليه، ويقال عند أذان الصبح أيضًا، لكن بلفظ: \"هذا إدبار ليلك وإقبال نهارك ... إلخ\"، ثم رأيت ابن حجر ذكر أنه اعترض على هذا بأن هذه أمور\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٧٠).\n(٣) وكذا في \"ابن رسلان\" وقال: جمع داع كقاضٍ وقضاة. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٧٠).","vol":"3","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>(٤٠) بَابُ أَخْذِ الأَجْرِ عَلَى التَّأْذِينِ </span>(١)\n٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى الْعَاصِ (٢) قَالَ: قُلْتُ - وَقَالَ مُوسَى فِى مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِى الْعَاصِ قَالَ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، اجْعَلْنِى إِمَامَ قَوْمِى، قَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ،\n===\nتوقيفية، لكنه مدفوع بأنه لا مانع لهذا من الأدلة الشرعية، وقد أجمعوا على جواز الأدعية المصنوعة من أصولها، فكيف إذا كان مأخوذًا من الألفاظ النبوية، انتهى.\n\n(٤٠) (بابُ أَخْذِ الأجْرِ عَلَى التَّأْذِينِ)\nأي: كراهيته\n٥٢٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة، (أنا سعيد الجريري) سعيد بن إياس، (عن أبي العلاء) يزيد بن عبد الله، (عن مطرف بن عبد الله، عن عثمان (٣) بن أبي العاص قال: قلت- وقال موسى في موضع آخر: إن عثمان بن أبي العاص قال-).\nحاصل هذا الكلام أن موسى بن إسماعيل شيخ أبي داود اختلف لفظه، فقال مرة: قال أي عثمان بن أبي العاص: قلت، وقال مرة: إن عثمان بن أبي العاص قال، فنقل في الأول كلامه بلفظه، وفي الثاني حكى قوله وجعله غائبًا.\n(يا رسول الله - ﷺ -، اجعلني (٤) إمام قومي، قال: أنت إمامهم) أي جعلناك\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الأذان\".\n(٢) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٣) وفد على النبي-صلي الله عليه وسلم- في وفد ثقيف سنة عشر، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) فيه طلب الإِمامة وإعطاؤها بالطلب إذا كان أهلًا لذلك، \"ابن رسلان\". فلا ينافي ما ورد من النهي. (ش).","vol":"3","page":343},{"text":"وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أذَانِهِ أَجْرًا\". [ن ٦٧٢، حم ٤/ ٢١، ق ١/ ٤٢٩، ت ٢٠٩، م ٤٦٨، جه ٧١٤ - ٩٨٧]\n===\nإمامًا لقومك، فأنت إمامهم (واقتد بأضعفهم) (١) أي راع من أحوال المقتدين حال أضعفهم في تخفيف الصلاة، فخفف عليهم الصلاة حسب ما يقتضي حال الأضعف من غير أن تنقص شيئًا من أركان الصلاة وسننها، ولا تطول عليهم حتى تثقل على الضعفاء.\n(واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) واختلف العلماء في أخذ الأجر (٢) على الأذان، فمنعه أبو حنيفة - رحمه الله تعالى- وأصحابه، قال في \"البدائع\" (٣): ولا على الأذان والإقامة والإمامة لأنها واجبة، وقد روي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال: \"آخر ما عهد إليَّ رسول الله - ﷺ - أن أصلي بالقوم صلاة أضعفهم، وأن أَتَخِذَ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا\"، ولأن الاستئجار على الأذان والإقامة والإمامة وتعليم القرآن والعلم سبب لتنفير الناس عن الصلاة بالجماعة وعن تعليم القرآن والعلم، لأن ثقل الأجر يمنعهم عن ذلك، وإلى هذا أشار الرب جلَّ شأنه في قوله ﷿: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ (٤) فيؤدي إلى الرغبة عن هذه الطاعات، وهذا لا يجوز، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ (٥) أي على ما تُبَلّغُ إليهم أجرًا وهو\n_________\n(١) قوَّة للبدن، وقيل: أكثرهم خشوعًا وتذللًا لله تعالى، وقيل: أكثرهم رِقَّةً في القلب، والمعنى أنك لو كنت إمامهم، لكن لا تترك التواضع لهم إذا فرغت من إمامتك، \"ابن رسلان\".\n(٢) قال ابن رسلان: حمله الشافعي على الكراهة، وقال ابن قدامة: لا يجوز أخذ الأجرة عليه في ظاهر المذهب، وكرهه الأوزاعي وابن المنذر وأصحاب الرأي، ورخص مالك وبعض الشافعية، لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه إجماعًا، فجاز أخذ الأجرة عليه. [انظر: \"المغني\" (٢/ ٧٠)]. (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٤).\n(٤) سورة القلم: الآية ٤٦.\n(٥) سورة يوسف: الآية ١٠٤.","vol":"3","page":344},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكان - ﷺ - يبلغ بنفسه وبغيره بقوله - ﷺ -: \"ألا فليبلغ الشاهد الغائب\"، فكان كل معلم مبلغًا، فإذا لم يجز له أخذ الأجر على ما يبلغ بنفسه لما قلنا، فكذا لمن يبلغ بأمره، لأن ذلك تبليغ منه معنىً، انتهى.\nويستدل عليه بما حكى الشوكاني في \"نيله\" (١)، فقال: وأخرج ابن حبان عن يحيى البكالي قال: \"سمعت رجلًا قال لابن عمر: إني لأحبك في الله، فقال له ابن عمر: إني لأبغضك في الله، فقال: سبحان الله أحبك في الله، وتبغضني في الله؟ قال: نعم، إنك تسأل على أذانك أجرًا\"، وروي عن ابن مسعود أنه قال: \"أربع لا يؤخذ عليهن أجر: الأذإن، وقراءة القرآن، والمقاسم، والقضاء\"، ذكره ابن سيد الناس في \"شرح الترمذي\"، وروى ابن أبي شيبة عن الضحاك: أنه كره أن يأخذ المؤذن على أذانه جُعْلَا، ويقول: إن أعطي بغير مسألة فلا بأس، وهذا قول المتقدمين، وأما المتأخرون منهم فأفتوا بجوازه.\nقال في \"الهداية\" (٢): وبعض مشايخنا - رحمهم الله تعالى- استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم لظهور التواني في الأمور الدينية، ففي الامتناع تضييع حفظ القرآن، وعليه الفتوى، انتهى.\nقال الشوكاني: وقال مالك: لا بأس بأخذ الأجر على ذلك، وقال الأوزاعي: يجاعل عليه ولا يؤاجر، وقال الشافعي في \"الأم\" (٣): أحب أن يكون المؤذنون متطوعين، قال: وليس للإمام أن يرزقهم وهو يجد من يؤذن متطوعًا ممن له أمانة إلَّا أن يرزقهم من ماله.\nوقال ابن العربي (٤): الصحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٩).\n(٢) (٢/ ٢٣٨).\n(٣) (١/ ٢٥٢).\n(٤) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١٣).","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>(٤١) بَابٌ: في الأَذَانِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ</span>\n٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ، الْمَعْنَى،\n===\nوالقضاء وجميع الأعمال الدينية، فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله، وفي كل واحد منها يأخذ النائب أجرة كما يأخذ المستنيب، والأصل في ذلك قوله - ﷺ -: \"ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة\"، انتهى، فقاس المؤذن على العامل، وهو قياس في مصادمة النص، وفتيا ابن عمر التي مرت لم يخالفها أحد من الصحابة، كما صرح بذلك اليعمري.\nوقد عقد ابن حبان ترجمة على الرخصة في ذلك، وأخرج عن أبي محذورة أنه قال: \"فألقى عليّ رسول الله - ﷺ - الأذان فأذنت، ثم أعطاني حين قضيت التأذين صورة فيها شيء من فضة\"، وأخرجه أيضًا النسائي.\nقال اليعمري: ولا دليل فيه لوجهين: الأول: إن قصة أبي محذورة أول ما أسلم، لأنه أعطاه حين علَّمه الأذان وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص، فحديث عثمان متأخر، الثاني: إنها واقعة يتطرق إليها الاحتمال، وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإِسلام كما أعطى حينئذ غيره من المؤلفة قلوبهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليه الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من الإجمال، انتهى.\nواستدل المجوزون أيضًا بحديث الرقية بفاتحة الكتاب، ولا يقوم لهم به أيضًا حجة، فإنه يدل على جواز الأجرة على التطبب، ولم نخالف فيه، ولا يستدل به على جواز أخذ الأجرة على التعليم وهو ظاهر، والله أعلم.\n\n(٤١) (بابٌ: فِى الأَذَانِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ)\nهل يجوز (١) ذلك أو لا يجوز؟\n٥٣٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب، المعنى) واحد،\n_________\n(١) وأجمعوا على أنه لا يجوز قبل الوقت في غير الفجر، وقال الثلاثة وأبو يوسف بجوازه في الفجر، وبسط في وجوه الأذان قبل الفجر عندنا في \"الأوجز\" (٢/ ٧١). (ش).","vol":"3","page":346},{"text":"قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، \"أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ النَّبِىُّ -ﷺ- أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِىَ: أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ. زاد موسي: أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ». [ت ٢٠٣، ق ١/ ٣٨٣، قط ١/ ٢٤٤]\n===\nأي معنى حديث كل منهما متحد، (قالا: ثنا حماد) بن سلمة، (عن أيوب) السختياني، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) عبد الله (أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر فأمره) أي بلالًا (النبي - ﷺ - أن يرجع) أي إلى موضع أذانه (فينادي: ألا إن العبد) والمراد به نفس بلال (قد نام) أي غفل عن وقت الأذان، ويخالفه ما روي \"أن بلالًا كان يؤذن بليل\".\nووجه الجمع بينهما أن أذان بلال بليل كان في رمضان (١) ليرجع القائم وينتبه النائم، وأما في غير رمضان فلعله لا يؤذن بليل، فهذا الحديث محمول على غير رمضان.\nوقال في \"درجات مرقاة الصعود\": وهذا في ما سبق في أول الهجرة، لأن الثابت عن بلال أنه كان بآخر وَقَّتَ له رسول الله - ﷺ - أن يؤذن بليل، فيؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر.\n(زاد موسى) بن إسماعيل: (فرجع) أي بلال إلى موضع أذانه (فنادى: ألا إن العبد نام) (٢) وليس هذه الزيادة في حديث داود بن شبيب.\n_________\n(١) وبه جزم ابن القطان، وادعى بعض الحنفية كما نقله عنه السروجي أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كانت تذكيرًا وتسحيرًا، وقال أيضًا: وأجاب أصحابنا بأن الحديث ليس بصحيح. \"بن رسلان\". (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: وأجاب أصحابنا بأنه يحتمل إرادة الإقامة، فإنه يسمى أذانًا، أو يكون في يوم كان لبلال أن يؤذن بعد الفجر، فإنه كان بالنوبة بينه وبين ابن أم مكتوم، قلت: وهذ الثاني يؤيدنا، وأما الوجه الأول فيرد عليه أنه كيف أقام قبل الفجر، إنما تكون الإقامة بعد خروج الإِمام. (ش).","vol":"3","page":347},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ عن أيُّوبَ إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ.\n===\n(قال أبو داود: وهذا الحديث لم يروه عن أيوب إلَّا حماد بن سلمة) أي تفرد حماد بن سلمة عن أيوب برفع هذا الحديث ولم يرو عنه غيره.\nقلت: حاصله أنه اختلف في رفعه ووقفه، فرفعه حماد بن سلمة عن أيوب وتفرد به، ووقفه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وغيره، فأشار أبو داود إلى أن حماد بن سلمة أخطأ في رفعه، قال الدارقطني: تابعه أي حماد بن سلمة سعيد بن زربي، وكان ضعيفًا عن أيوب.\nوقال البيهقي: تفرد بوصله حماد بن سلمة عن أيوب، وروي أيضًا عن سعيد بن زربىِ عن أيوب إلَّا أن سعيدًا ضعيف، وحديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أصح منها، ومعه رواية الزهري عن سالم عن أبيه، قال علي بن المديني: أخطأ حماد في هذا الحديث، والصحيح حديث عبيد الله يعني عن نافع، وحديث الزهري عن سالم، انتهى ملخصًا.\nوقال الشوكاني (١): احتج المانعون من الأذان قبل دخول الوقت بحجج منها هذا الحديث، والجواب عنه بأنه لا حجة فيه، لأنه قد صرح بأنه موقوف عند أكابر الأئمة كأحمد والبخاري والذهلي وأبي داود وأبي حاتم والدارقطني والأثرم والترمذي، وجزموا بأن حمادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه.\nوقال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى عبيد الله بن عمر وغير واحد عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"إن بلالًا يؤذن بليل\" (الحديث) قال أبو عيسى: ولو كان حديث حماد صحيحًا لم يكن لهذا الحديث معنى إذ قال رسول الله - ﷺ -: \"إن بلالًا يؤذن بليل\"، فإنما أمرهم فيما يستقبل فقال: \"إن بلالًا يؤذن بليل\"، ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل: \"إن بلالًا يؤذن بليل\".\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٨).","vol":"3","page":348},{"text":"٥٣١ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا (١) نَافِعٌ، عَنْ مُؤَذِّنٍ لِعُمَرَ يُقَالُ لَهُ: مَسْرُوحٌ، أَذَّنَ\n===\n٥٣١ - (حدثنا أيوب بن منصور) الكوفي، صدوق، يهم، من العاشرة (ثنا شعيب بن حرب) المدائني، أبو صالح البغدادي، نزيل مكة، قال الدوري عن ابن معين: ثقة مأمون، وكذا قال أبو حاتم، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطني والحاكم: ثقة، وكذا قال ابن سعد والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري في \"الضعفاء\": شعيب بن حرب منكر الحديث مجهول، قال الحافظ: والظاهر أنه غير هذا، مات سنة ١٩٧ هـ.\n(عن عبد العزيز بن أبي روّاد) بفتح الراء وتشديد الواو، واسمه ميمون المكي، مولى المهلب بن أبي صفرة، قال يحيى القطان: عبد العزيز ثقة في الحديث، ليس ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه، وقال أحصد: كان رجلًا صالحًا وكان مرجئًا، وليس هو في التثبت مثل غيره، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، ثقة في الحديث، متعبد، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: وفي بعض أحاديثه ما لا يتابع عليه، وقال علي بن الجنيد: كان ضعيفًا، وأحاديثه منكرات، وقال الحاكم: ثقة عابد، وقال الساجي: صدوق يرى الإرجاء، وقال الدارقطني: هو متوسط في الحديث، وربما وهم في حديثه، وقال العجلي: ثقة، وقال الجوزجاني: كان غاليًا في الإرجاء، مات سنة ٥٩ هـ.\n(أنا نافع) مولى ابن عمر، (عن مؤذن لعمر يقال له: مسروح) ويقال له: مسعود، وهو مولى عمر بن الخطاب -﵁ -، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" فقال: مسروح بن سبرة النهشلي، وقال الذهبي في \"الميزان\": مسروح عن عمر فيه جهالة، روى عنه نافع مولى ابن عمر (أذن) أي مسروح\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثنا\".","vol":"3","page":349},{"text":"قَبْلَ الصُّبْحِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ، فَذَكَرَ (١) نَحْوَهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ أَوْ غَيْرِهِ: أَنَّ مُؤَذِّنًا لِعُمَرَ يُقَالُ لَهُ: مَسْرُوحٌ (٢).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِىُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِعُمَرَ مُؤَذِّنٌ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودٌ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ (٣)، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ ذَلِكَ. (٤).\n===\n(قبل الصبح) أي قبل طلوعه، وجعل نفسه غائبًا (فأمره) أي مسروحًا (عمر) (٥) -﵁ - (فذكر) أي أيوب بن منصور (نحوه) أي نحو ما رواه حماد بن سلمة.\n(قال أبو داود: وقد رواه حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أو غيره: أن مؤذنًا لعمر يقال له: مسروح) وهذا تأييد للحديث المتقدم الذي رواه عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع.\n(قال أبو داود: ورواه الدراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان لعمر مؤذن يقال له: مسعود، وذكر) الدراوردي (نحوه) أي نحو ما ذكره حماد بن زيد، وهذا تأييد ثان للحديث المتقدم (وهذا) أي الذي (٦) رواه عبد العزيز بن أبي رواد وحماد بن زيد والدراوردي (أصح من ذاك) الذي رواه حماد بن سلمة عن أيوب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذكر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أو غيره\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٤) زاد في نسخة: \"يعني حديث ابن عمر\".\n(٥) قال ابن رسلان: أجاب عنه أصحابنا بأنه عن نافع عن عمر مرسل وليس بحجة، قلت: ليس هو عن نافع عن عمر كما ترى. (ش).\n(٦) وبسط الكلام عليه الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١٠٣). (ش).","vol":"3","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: وقد أخرج البيهقي في \"سننه\" (١) حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع من طريق أبي عمر الضرير وموسى بن إسماعيل وهدبة وطالوت، وقال البيهقي: هذا (٢) حديث تفرد بوصله حماد بن سلمة عن أيوب، وروي أيضًا عن سعيد بن زربي عن أيوب إلَّا أن سعيدًا ضعيف.\nثم قال البيهقي: قال علي بن المديني: أخطأ حماد في هذا الحديث، والصحيح حديث عبيد الله يعني عن نافع، وحديث الزهري عن سالم، ثم ذكر بسنده عن محمد بن يحيى أنه قال: حديث حماد بن سلمة شاذ غير واقع على القلب، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر.\nثم قال البيهقي: وروي عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع موصولًا، وهو ضعيف لا يصح، ثم أخرج الحديث بطوله، ثم قال: والصواب رواية شعيب بن حرب ذكرها مثل ما ذكرها أبو داود، ثم قال: وقد روي من أوجه أخر كلها ضعيفة، قد بينا ضعفها في \"كتاب الخلاف\"، وإنما يعرف مرسلًا من حديث حميد بن هلال وغيره، هذا خلاصة ما ذكره البيهقي.\nوقال في \"الجوهر النقي\": قلت: من جملة وجوهه ما رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس: \"أن بلالًا أذن قبل الفجر، فأمره النبي - ﷺ - أن يصعد فينادي أن العبد نام\" (الحديث) رواه الدارقطني: والمرسل أصح، قلت: أبو يوسف قد وثَّقه البيهقي في \"باب المستحاضة تغسل عنها أثر الدم\"، ووثَّقه أيضًا ابن حبان، وقد زاد الرفع فوجب قبول زيادته، ثم حديث حماد بن سلمة الذي ذكره البيهقي آنفًا في هذا الباب شاهد لحديثه، ويشهد له أيضًا حديث عبد الكريم الجزري عن نافع عن ابن عمر عن حفصة بنت عمر: \"أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أذن المؤذن بالفجر قام، فصلَّى ركعتي الفجر، ثم خرج\n_________\n(١) (١/ ٣٨٣).\n(٢) في الأصل: \"هكذا حديث\" وهو تحريف.","vol":"3","page":351},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإلى المسجد فحرم الطعام، وكان لا يؤذن حتى يصبح\"، أخرجه البيهقي (وقال: هو محمول إن صح على الأذان الثاني) وقال الأثرم: رواه الناس عن نافع فلم يذكروا فيه ما ذكره عبد الكريم.\nقلت: هو ثقة ثبت، وكذا قال أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما، وأخرج له الشيخان وغيرهما ومن كان بهذه المثابة لا ينكر عليه إذا ذكر ما لم يذكره غيره، واشتغال البيهقي بتأويله يدل ظاهرًا على جودة سنده، وروى الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا سكت المؤذن بالأول من صلاة الفجر قام وركع ركعتين خفيفتين\"، قال الأثرم: ورواه الناس عن الزهري فلم يذكروا ما ذكره الأوزاعي، وأجيب عن ذلك بأن الأوزاعي من أئمة المسلمين، فلا يعلل ما ذكره بعدم ذكر غيره.\nوقال ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١): ثنا جرير، عن منصور، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: \"ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر\"، وهذا سند صحيح.\nوفي \"التمهيد\" (٢): وروى زبيد الأيامي عن إبراهيم قال: كانوا إذا أذن المؤذن بليل أتوه فقالوا له: اتق الله وأعد أذانك، ثم لا تنافي بين هذه الأحاديث وبين ما روي أن بلالًا كان يؤذن بليل، قال ابن القطان: لأن ذلك كان في رمضان.\nوقال الطحاوي (٣): ويحتمل أن يكون بلالًا (٤) كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه، ولا يتحقق ذلك بضعف بصره، ثم ذكر أعني الطحاوي بسند\n_________\n(١) (١/ ٢٤٣).\n(٢) (١٠/ ٦٠).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٤٠).\n(٤) وفي \"شرح معاني الآثار\": بلال. (ش).","vol":"3","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nجيد عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا\"، انتهى.\nواختلف العلماء في الأذان قبل الوقت (١) بعد اتفاقهم على أن الأذان قبل الوقت لما سوى صلاة الفجر لا يجوز، وأما لصلاة الفجر فجوزه بعض، قال في \"البدائع\" (٢): وأما بيان وقت الأذان والإقامة فوقتهما ما هو وقت الصلوات المكتوبات، حتى لو أذن قبل دخول الوقت لا يجزئه، ويعيده إذا دخل الوقت في الصلوات كلها في قول أبي حنيفة (٣) ومحمد.\nوقد قال أبو يوسف أخيرًا: لا بأس بأن يؤذن للفجر في النصف الأخير من الليل، وهو قول الشافعي (٤)، واحتجا بما روى سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه -﵁ -: \"أن بلالًا كان يؤذن بليل\"، وفي رواية قال: \"لا يغرنكم أذان بلال عن السحور فإنه يؤذن بليل\"، ولأن وقت الفجر مشتبه، وفي مراعاته بعض الحرج بخلاف سائر الصلوات.\nولأبي حنيفة ومحمد ما روى شداد مولى عياض بن عامر أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال لبلال: \"لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا، ومَدَّ يديه عَرْضًا\" (٥)، ولأن الأذان شرع للإعلام بدخول الوقت، والإعلام بالدخول قبل الدخول كذب، وكذا هو من باب الخيانة في الأمانة، والمؤذن مؤتمن على لسان رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) قال ابن قدامة (٢/ ٦٢): لا نعلم فيه خلافًا، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن السنة في غير الفجر أن لا يؤذن إلَّا بعد دخول الوقت، وأما في الصبح فقال به الثلاثة، ورواية عن أحمد تختص برمضان، وقال بعضهم: لم يرد الاكتفاء به في حديث ... إلخ. (ش).\n(٢) (١/ ٣٨١).\n(٣) وبه قال الثوري، \"المغني\" (٢/ ٦٣). (ش).\n(٤) وأحمد ومالك والأوزاعي وإسحاق \"المغني\" (٢/ ٦٣). (ش).\n(٥) أخرجه أبو داود (٥٣٢).","vol":"3","page":353},{"text":"٥٣٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ،\n===\nولهذا لم يجز في سائر الصلوات، ولأن الأذان قبل الفجر يؤدي إلى الضرر بالناس، لأن ذلك وقت نومهم خصوصًا في حق من تهجد في النصف الأول من الليل، فربما يلتبس الأمر عليهم، وذلك مكروه.\nوبلال - ﵁ - ما كان يؤذن بليل لصلاة الفجر بل لمعنى آخر لما روي عن ابن مسعود -﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يمنعنكم من السحور أذان بلال، فإنه يؤذن بليل ليوقظ نائمكم، ويرد قائمكم، ويتسحر صائمكم، فعليكم بأذان ابن أم مكتوم\" أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١).\nوقد كانت الصحابة -﵃- فرقتين: فرقة يتهجدون في النصف الأول من الليل، وفرقة في النصف الأخير، وكان الفاصل أذان بلال، والدليل على أن أذان بلال كان لهذه المعاني لا لصلاة الفجر: أن ابن أم مكتوم كان يعيده ثانيًا بعد طلوع الفجر، وما ذكر من المعنى غير سديد، لأن الفجر الصادق المستطير في الأفق مستبين لا اشتباه فيه، انتهى.\n٥٣٢ - (حدثنا زهير بن حرب، ثنا وكيع) بن الجراح، (ثنا جعفر بن برقان) بضم الموحدة وسكون الراء، الكلابي مولاهم، أبو عبد الله الجزري الرقي، قدم الكوفة، قال أحمد: إذا حدث عن غير الزهري فلا بأس به، وقال: جعفر ثقة، ضابط لحديث ميمون وحديث يزيد بن الأصم، وهو في حديث الزهري يضطرب، وعن ابن معين: كان أميًا وهو ثقة، وقال في موضع آخر: ثقة، ويضعف في روايته عن الزهري، وقيل: إنه كان مجاب الدعوة، وهكذا قال ابن نمير، وقال يعقوب ابن سفيان: بلغني أنه كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وكان من الخيار، وقال النسائي مثل ما قال أحمد، وقال ابن خزيمة لما سئل عنه وعن أبي بكر الهذلي: لا يحتج بواحد منهما إذا انفرد، حكاه الحافظ، مات سنة ١٥٠ هـ.\n_________\n(١) انظر: (١/ ١٣٩).","vol":"3","page":354},{"text":"عن شَدَّادٍ مَوْلَى عِيَاضِ بْنِ عَامِرٍ، عن بِلَالٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قَالَ لَهُ: \"لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ الْفَجْرُ هَكَذَا\"، وَمَدَّ يَدَيْهِ عَرْضًا. [ق ١/ ٣٨٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: شَدَّادٌ لَمْ يُدْرِكْ بِلَالًا.\n===\n(عن شداد مولى عياض بن عامر) بن الأسلع العامري الجزري، روى عن بلال المؤذن ولم يدركه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الذهبي (١) في \"الميزان\": لا يعرف.\n(عن بلال) المؤذن (أن رسول الله - ﷺ - قال له) (٢) أي لبلال: (لا تؤذن) أي لصلاة الفجر (حتى يستبين لك الفجر هكذا، ومد يديه عرضًا) وهذا الحديث حجة لأبي حنيفة ومحمد على أبي يوسف والشافعي، وقد استدل الطحاوي (٣) على ذلك بما روي عن ابن عمر، عن حفصة بنت عمر بسنده \"أن رسول الله -ﷺ- كان إذا أذن المؤذن بالفجر قام فصلى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى المسجد وحرم الطعام، وكان لا يؤذن حتى يصبح\".\nفهذا ابن عمر يخبر عن حفصة أنهم كانوا لا يؤذنون للصلاة إلَّا بعد طلوع الفجر، وأمر النبي - ﷺ - أيضًا بلالًا أن يرجع، فينادي: \"ألا إن العبد قد نام\"، يدل على أن عادتهم أنهم كانوا لا يعرفون أذانًا قبل الفجر، ولو كانوا يعرفون ذلك أذانًا لما احتاجوا إلى النداء.\n(قال أبو داود: وشداد لم يدرك بلالًا) (٤) فأشار المصنف إلى ضعف هذا الحديث بانقطاعه وإرساله، واختلف في رده وقبوله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في قول: يقبل مطلقًا، قال في \"النخبة\": فذهب جمهور المحدثين إلى\n_________\n(١) قلت: لكن سيأتي له رواية عن غير بلال في كلام ابن رسلان. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: أجاب عنه أصحابنا بأن المراد منه الإِقامة. (ش).\n(٣) \"شرح معاني الَاثار\" (١/ ١٤٠).\n(٤) قال ابن رسلان: ولم يرو أبو داود عن شداد غير هذا الحديث، ورُوِيَ في غير أبي داود عن سالم بن وابصة بن معبد وأبيه وابصة وأبي هريرة. (ش).","vol":"3","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>(٤٢) بَابُ الأَذَانِ لِلْأَعْمَى</span>\n٥٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،\n===\nالتوقف لبقاء الاحتمال، وهو أحد قولي أحمد، وثانيهما وهو قول المالكيين والكوفيين: يقبل مطلقًا، انتهى.\nوقال في \"الجوهر النقي\" (١): قال ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢): حدثنا جرير عن منصور عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: \"ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر\"، وهذا سند صحيح، وفي \"التمهيد\" (٣): وروى زبيد الأيامي عن إبراهيم قال: كانوا إذا أذن المؤذن بليل أتوه، فقالوا: اتق الله وأعد أذانك.\n\n(٤٢) (بَابُ الأذَانِ للْأعْمَى)\nأي: باب جواز الأذان للأعمى\n٥٣٣ - (حدثنا محمد بن سلمة، ثنا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب القرشي المدني، قال النسائي: مستقيم الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال: ربما أغرب، وقال الساجي: قال ابن معين: صدوق ضعيف الحديث، وقال الدارقطني: ثقة حدث بمصر، توفي بمصر سنة ١٥٣ هـ.\n(وسعيد بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن جميل بن عامر الجمحي بمضمومة وفتح ميم وإهمال حاء، أبو عبد الله المدني، قاضي بغداد، قال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وحديثه مقارب، وقال عثمان الدارمي\n_________\n(١) (١/ ٣٨٤).\n(٢) (١/ ٢٤٣).\n(٣) (١٠/ ٦٠).","vol":"3","page":356},{"text":"عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ\n===\nعن ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: لين الحديث، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الساجي: يروي عن هشام وسهيل أحاديث لا يتابع عليها، قال الحافظ: ووثَّقه ابن نمير وموسى بن هارون والعجلي والحاكم أبو عبد الله، ونقل ابن الجوزي عن أبي حاتم: لا يحتج به.\n(عن هشام بن عروة) أي كلاهما رويا عن هشام بن عروة، (عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عائشة) أم المؤمنين: (أن ابن (١) أم مكتوم) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢): اسمه عمرو كما سيأتي موصولًا في الصيام وفضائل القرآن، وقيل: كان اسمه الحصين فسماه النبي - ﷺ - عبد الله، ولا يمتنع أنه كان له اسمان، وهو قرشي عامري، أسلم قديمًا، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة، وكان النبي - ﷺ - يكرمه ويستخلفه على المدينة، وشهد القادسية في خلافة عمر -﵁ - فاستشهد بها، وقيل: رجع إلى المدينة فمات بها، وهو الأعمى المذكور في سورة \"عبس\"، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وزعم بعضهم أنه ولد أعمى فكنيت أمه أم مكتوم لانكتام نور بصره، والمعروف أنه عمي بعد بدر بسنتين.\nقلت: وفيه نظر ظاهر، فإنه كان أعمى عند نزول \"عبس\" وهي نزلت بمكة، فكيف يمكن أن يقال: إنه عمي بعد وقعة بدر؟ .\nوقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): قدم المدينة قبل أن يهاجر النبي - ﷺ -، وقيل: بل بعده وبعد وقعة بدر بيسير، ولعل قول من قال: عمي بعد بدر غلط من الكاتب، ووضع العمى موضع الهجرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) فيه جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان لقصد التعرف، وجواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٩).\n(٣) (٤/ ٢٨٤). وانظر أيضًا: \"أسد الغابة\" (٣/ ٣٩٦) رقم (٤٠١١).","vol":"3","page":357},{"text":"كَانَ مُؤَذِّنًا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ أَعْمَى\". [م ٣٨١، ق ١/ ٤٢٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>(٤٣) بَابُ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجدِ بَعْدَ الأَذَانِ </span>(١)\n٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ أَبِى الشَّعْثَاءِ قَالَ: \"كُنَّا مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ فِى الْمَسْجِدِ قال: فَخَرَجَ رَجُلٌ\n===\n(كان مؤذنًا لرسول الله - ﷺ - وهو أعمى) وهذا الحديث حجة لجواز كون الأعمى مؤذنًا، وهذا متفق (٢) عليه، ولكن البصير أفضل من الضرير، لأن الضرير لا علم له بدخول الوقت، والإعلام بدخول الوقت ممن لا علم له بدخوله متعذر.\n\n(٤٣) (بَابُ الخروجِ مِنَ المَسْجدِ بَعْدَ الأذَان)\nهل يجوز أو لا؟\n٥٣٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الظاهر (٣) أنه الثوري، (عن إبراهيم بن مهاجر) البجلي، (عن أبي الشعثاء) اسمه سليم مصغرًا، ابن أسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، والد أشعث بن أبي الشعثاء، عن أحمد: شيخ ثقة، وقال ابن معين والعجلي والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، وقال ابن حزم في \"المحلى\": سليم بن أسود مجهول، فكأنه ما عرف أن أبا الشعثاء هذا اسمه، مات سنة ٨٢ هـ، وقيل: سنة ٨٥ هـ.\n(قال: كنا مع أبي هريرة في المسجد) لعل هذا وقع في المدينة في مسجد رسول الله - ﷺ - (قال) أي أبو الشعثاء: (فخرج رجل) أي من المسجد ولم يدر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب في الخروج من المسجد بعد النداء\".\n(٢) وكذا قال ابن قدامة في \"المغني\" (٢/ ٦٩)، وما نقله النووي عن أبي خيفة من عدم جوازه رده العيني (٤/ ١٨٠). (ش).\n(٣) به جزم ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":358},{"text":"حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ (١)، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ -\". [م ٦٥٥، ت ٢٠٤، ن ٦٨٣، جه ٧٣٣، دي ١٢٠٥، حم ٢/ ٤١٠، خزيمة ١٥٠٦، ق ٣/ ٥٦]\n===\nاسمه (حين أذن المؤذن للعصر، فقال أبو هريرة: أما هذا) أي الرجل الذي خرج من المسجد بعد الأذان (فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -) كأن أبا هريرة يريد أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الخروج بعد الأذان فخالف نهيه، قال القاري (٢): زاد أحمد: ثم قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي.\nقال صاحب \"الهداية\" (٣): يكره له الخروج حتى يصلي (٤) فيه، وقال ابن الهمام (٥): مقيد بما إذا لم يكن صلَّى وليس ممن ينتظم به جماعة أخرى، فإن كان خرج إليهم، وقيد آخر وهو أن يكون مسجد حَيِّه أو غيره وقد صلوا في مسجد حَيِّه، فإن لم يصلوا في مسجد حَيِّه فله أن يخرج إليه، والأفضل أن لا يخرج.\nقال الترمذي: ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، ولعله محمول على ما إذا كان له حاجة، والدليل على ذلك ما أخرج أبو داود في \"المراسيل\" عن سعيد بن المسيب أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلَّا منافق، إلَّا أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع\".\nوكذلك إن صلَّى قبل، ففي الظهر والعشاء لا بأس بأن يخرج، لأنه أجاب\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بالعصر\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦٣).\n(٣) (١/ ٧١).\n(٤) قال ابن رسلان: وبه قال عامة أهل العلم إذا كان بغير عذر. (ش).\n(٥) \"فتح القدير\" (١/ ٤١٣).","vol":"3","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>(٤٤) بَابٌ: في الْمُؤَذِّنِ يَنْتَظِرُ الإِمَامَ</span>\n٥٣٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا شَبَابَةُ،\n===\nداعي الله مرة إلَّا إذا أخذ المؤذن في الإقامة، لأنه يتهم بمخالفة الجماعة، وفي الفجر والعصر والمغرب يخرج لكراهة النفل بعدها، ولما ورد في حديث صحيح أخرجه الدارقطني عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا صليت في أهلك ثم أدركت الصلاة فصلها إلَّا الفجر والمغرب\"، وفي معناهما العصر، قاله الشيخ الدهلوي.\nوقول أبي هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم، قال بعضهم: هذا موقوف. وقال ابن عبد البر فيه وفي نظائره: مسند، وقال: لا يختلفون في ذلك.\nقال الحافظ في \"شرح النخبة\": ومن الصيغ المحتملة قول الصحابي: من السنَّة كذا، فالأكثر على أن ذلك مرفوع، ونقل ابن عبد البر فيه الاتفاق، وفي نقل الاتفاق نظر، فعن الشافعي في أجل المسألة قولان، وذهب إلى أنه غير مرفوع أبو بكر الصيرفي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، ثم قال: ومن ذلك أن يحكم الصحابي على فعل من الأفعال أنه طاعة لله ورسوله، ومعصيته كقول عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -، فله حكم الرفع أيضًا، لأن الظاهر أن ذلك بما تلقاه عنه - ﷺ -.\n\n(٤٤) (بَابٌ: في المؤذِّن يَنْتَظِرُ الإمَام)\nأي: لا يقيم حتى يجيء الإِمام، قال الترمذي (١): وهكذا قال بعض أهل العلم: إن المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة (٢)\n٥٣٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا شبابة) بن سوار الفزاري مولاهم، أبو عمر المدائني، أصله من خراسان، قيل: اسمه مروان، حكاه ابن عدي،\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٩٢).\n(٢) وتقدم في هامش \"باب الرجل يؤذن ويقيم أخر\". (ش).","vol":"3","page":360},{"text":"عن إِسْرَائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: \"كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ ثُمَّ يُمْهِلُ، فَإِذَا رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاةَ\". [م ٦٠٦، ت ٢٠٢، حم ٥/ ٧٦، خزيمة ١٥٢٥، ق ٢/ ١٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>(٤٥) بَابٌ: في التَّثويبِ </span>(١)\n===\nقال أحمد: تركته لم أكتب عنه للإرجاء وكان داعية، وعن ابن معين: ثقة، وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فشبابة في شعبة؟ قال: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة صالح الأمر في الحديث، وكان مرجئًا، وقال صالح بن أحمد العجلي (٢): قلت لأبي: كان يحفظ الحديث؟ قال: نعم، وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، وعن أبي زرعة: كان يرى الإرجاء، قيل له: رجع عنه، قال: نعم، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق، حسن العقل، ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٦ هـ.\n(عن إسرائيل) بن يونس، (عن سماك) بن حرب، (عن جابر بن سمرة قال) أي جابر: (كان بلال يؤذن) إذا جاء وقت الصلاة، (ثم يمهل) أي بالتكبير، ولا يكبر (فإذا رأى النبي - ﷺ - قد خرج) أي للصلاة (أقام) أي بلال (الصلاة) أي كبر لإقامة الصلاة.\n\n(٤٥) (بَابٌ: في التَّثوِيب)\nقال في \"المجمع\" (٣): وأصل التثويب أن يجيء مستصرخ فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر، فسمي به الدعاء، وقيل: من ثاب: إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة بقوله: \"الصلاة خير من النوم\" بعد قوله: \"حَيَّ على الصلاة\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في الظهر\".\n(٢) في الأصل: صالح بن أحمد عن العجلي، والصواب ما أثبتناه كما في \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٠١).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٠٩).","vol":"3","page":361},{"text":"٥٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أنَا سُفْيَانُ، ثنَا أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ،\n===\nوقال في \"فتح الودود\": هو العود إلى الإعلام بعد الإعلام، ويطلق على الإقامة وعلى قول المؤذن في أذان الفجر: \"الصلاة خير من النوم\"، وكل من هذين تثويب قديم ثابت من وقته - ﷺ - إلى يومنا هذا، وقد أحدث الناس تثويبًا ثالثًا بين الأذان والإقامة، فيحتمل أن الذي كرهه ابن عمر هو هذا الثالث المحدث، أو الثاني وهو \"الصلاة خير من النوم\"، وكرهه لأن زيادته في أذان الظهر بدعة.\nقال في \"البحر الرائق\" (١) ما ملخصه: وهو نوعان: قديم وحادث، فالأول: \"الصلاة خير من النوم\" وكان بعد الأذان، إلَّا أن علماء الكوفة ألحقوه بالأذان، والثاني: أحدثه علماء الكوفة بين الأذان والإقامة \"حَيَّ على الصلاة\" مرتين \"حَيَّ على الفلاح\" مرتين، وأطلق في التثويب، فأفاد أنه ليس له لفظ يخصه، بل تثويب كل بلد على ما تعارفوه، إما بالتنحنح أو بقوله: \"الصلاة الصلاة\"، ولا يخص صلاة بل هو في سائر الصلوات، وهو اختيار المتأخرين لزيادة غفلة الناس، وعند المتقدمين هو مكروه في غير الفجر، وهو قول الجمهور كما حكاه النووي في \"شرح المهذب\"، لما روي: أن عليًا رأى مؤذنًا يثوب في العشاء فقال: \"أخرجوا هذا المبتدع من المسجد\"، وعن ابن عمر مثله، ولحديث الصحيحين \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (٢).\n٥٣٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري، (ثنا أبو يحيى القتات) بفتح القاف وتشديد التاء الأولى المعجمة بنقطتين من فوق، وفي آخرها تاء أخرى، نسبة إلى بيع القت، وهو ثوع من كلأ تسمن به الدواب. اختلف في اسمه فقيل: زاذان، وقيل: دينار، وقيل: مسلم، وقيل: يزيد، وقيل: زبّان، وقيل: عبد الرحمن بن دينار، قال أحمد: كان شريك يضعف أبا يحيى القتات،\n_________\n(١) (١/ ٤٥٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).","vol":"3","page":362},{"text":"عن مُجَاهِدٍ قَالَ: \"كُنْتُ مَعَ ابْنِ (١) عُمَرَ، فَثَوَّبَ رَجُلٌ في الظُّهْرِ أَو الْعَصْرِ قَالَ (٢): اخْرُجْ بِنَا، فَإِنَّ هَذ بِدْعَةٌ\". [عب ١٨٣٢، ت (بعد حديث) ١٩٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>(٤٦) بَابٌ: في الصَّلَاةِ تُقَامُ وَلَمْ يَأتِ الإِمَامُ، يَنْتَظِرُونَهَ قُعُودًا</span>\n٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا:\n===\nوعن ابن معين: في حديثه ضعف، وعنه: ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، قال الحافظ: قال الأثرم عن أحمد: روى إسرائيل عن أبي يحيى القتات أحاديث مناكير جدًا كثيرة، وأما حديث سفيان عنه فمقارب، وقال ابن سعد: أبو يحيى القتات فيه ضعف، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال البزار: لا نعلم به بأسًا وهو كوفي معروف، وقال ابن حبان: فحش خطؤه وكثر وهمه حتى سلك كير مسلك العدول في الروايات.\n(عن مجاهد) بن جبر (قال) أي مجاهد: (كنت مع ابن عمر) في مسجد قد أذن فيه، ونحن نريد أن نصلي فيه، (فثوب رجل في الظهر أو العصر) شك من الراوي، (قال) أي ابن عمر: (اخرج بنا) قال ذلك لأنه كف بصره في آخر عمره (فإن هذه) أي الخصلة أو الفعلة (بدعة) أي في الدين، قال الترمذي (٣): وإنما كره عبد الله بن عمر التثويب الذي أحدثه الناس.\n\n(٤٦) (بَابٌ: في الصَّلاةِ تُقَامُ ولَمْ يَأْتِ الإمَام، يَنْتَظِرُونَه قعودًا)\nأي: ولا ينتظرونه قيامًا\n٥٣٧ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عبد الله بن عمر\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٨٢).","vol":"3","page":363},{"text":"ثنَا أَبَانُ، عن يَحْيَى، عن عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قتَادَةَ، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوني\".\n===\nثنا أبان) بن يزيد العطار، (عن يحيى) بن أبي كثير، (عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) أبي قتادة، (عن النبي - ﷺ - قال: إذا أقيمت الصلاة) أي نودي بألفاظ الإقامة للصلاة (فلا تقوموا) منتظرين للصلاة (حتى تروني) أي تبصروني خرجت.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي - ﷺ - من بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة \"أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي - ﷺ -\"، أخرجه مسلم، ويجمع بينهما بأن بلالًا كان يراقب خروج النبي - ﷺ -، فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا فلا يقوم في مكانه حتى تعتدل صفوفهم.\nقلت: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب \"أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن: الله أكبر يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبي - ﷺ - مقامه حتى تعتدل الصفوف\"، وأما حديث أبي هريرة ولفظه في \"مستخرج أبي نعيم\": \"فصف الناس صفوفهم ثم خرج علينا\"، ولفظه عند مسلم: \"أقيمت الصلاة فقمنا، فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبي - ﷺ -، فأتى فقام مقامه\"، الحديث، وعنه في رواية أبي داود: \"أن الصلاة كانت تقام لرسول الله - ﷺ - فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجيء النبي - ﷺ -\"، فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز (٢)، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقولون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي - ﷺ -، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٢٠).\n(٢) أو يقال: إن المراد بالخروج هي الخروج من الصفوف إلى مقامه في المصلَّى، وهو الأوفق بالألفاظ الآتية في الرواية الآتية. وراجع إلى \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٧٥) و\"الأوجز\" (٢/ ٤٦). (ش).","vol":"3","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيبطئ فيه عن الخروج فيشقُّ عليهم انتظاره، ولا يرد هذا حديث أنس الآتي أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم، لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرًا أو فعله لبيان الجواز.\nقال العيني في شرحه على البخاري (١): وقد اختلف متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه ليس لقيامهم حد، ولكن استحب عامتهم القيام إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وكان أنس -رضي الله تعالى عنه - يقوم إذا قال المؤذن: \"قد قامت الصلاة\" وكبر الإِمام، وعن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز إذا قال المؤذن: \"الله أكبر\" وجب القيام، وإذا قال: \"حَيَّ على الصلاة\" اعتدلت الصفوف، وإذا قال: \"لا إله إلَّا الله\" كبر الإِمام.\nوذهبت عامة العلماء إلى أنه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وفي \"المصنف\": كره هشام بن عروة أن يقوم حتى يقول المؤذن: \"قد قامت الصلاة\"، وعن يحيى بن وثاب: إذا فرغ المؤذن أكبر، وكان إبراهيم يقول: إذا قامت الصلاة كبر.\nومذهب الشافعية وطائفة أنه يستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو قول أبي يوسف، وعن مالك - رحمه الله تعالى-: السنَّة في الشروع في الصلاة بعد الإقامة وبداية استواء الصف، وقال أحمد: إذا قال المؤذن: \"قد قامت الصلاة\" يقوم، وقال زفر: إذا قال المؤذن: \"قد قامت الصلاة\" مرة قاموا، وإذا قال ثانيًا افتتحوا.\nوقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في الصف إذا قال: \"حَيَّ على الصلاة\" فإذا قال: \"قد قامت الصلاة\" كبَّر الإِمام، لأنه أمين الشرع، وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقه، وإذا لم يكن في المسجد فذهب الجمهور إلى أنه لا يقومون حتى يروه.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢١٥).","vol":"3","page":365},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا رَوَاهُ أَيُّوبُ وَحَجَّاجٌ الصَّوَّافُ، عن يَحْيَى، وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائيُّ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى\n===\n(قال أبو داود: وهكذا) أي مثل ما رواه أبان العطار بصيغة عن (رواه أيوب) السختياني (وحجاج الصواف) هو ابن أبي عثمان، أبو الصلت بمهملة مفتوحة وسكون لام، الكندي مولاهم، البصري، واسم أبي عثمان ميسرة، وقيل: سالم، قال يحيى القطان: وهو فطن صحيح كيس، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي والعجلي وأبو بكر البزار وابن سعد وابن خزيمة، وقال يزيد بن زريع: ليس به بأس، مات سنة ١٤٣ هـ.\n(عن يحيى) أي بلفظة \"عن\"، وقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" رواية حجاج الصواف (١)، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة وعبد الله بن أبي قتادة.\nقلت: وهكذا روى همام بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير بلفظة \"عن\" أخرجه أحمد في \"مسنده\"، ولم أجد رواية أيوب في ما تتبعت من الكتب (٢).\n(وهشام الدستوائي) (٣) مرفوع بالابتداء خبر، (قال: كتب إليَّ يحيى) حاصل هذا الكلام أن هشامًا الدستوائي خالف أبانًا العطار وأيوب وحجاجًا وهمامًا، ولم يذكر بلفظة \"عن\" كما رووا، بل روى بصيغة \"كتب إليَّ\"، وظاهره (٤) يدل على أنه لم يسمعه منه (٥).\n_________\n(١) وأخرجه روايته أيضًا أحمد (٥/ ٢٩٦ - ٣٠٣)، والنسائي (٢/ ٨١)، وابن خزيمة (٣/ ١٤) رقم (١٥٢٦)، وابن حبان (٥/ ٦٠٠) رقم (٢٢٢٢).\n(٢) أما رواية أيوب فوصلها أبو عوانة (٢/ ٧٢)، والطبراني في \"الأوسط\" (٨/ ٢٤٤) رقم (٨٥٢٧)، وأبو نعيم في \"مستخرجه\" على \"صحيح مسلم\" (٢/ ٢٠١) رقم (١٣٤١).\n(٣) كان يبيع الثياب الدستوائية. (ش).\n(٤) وكذا شرحه ابن رسلان. (ش).\n(٥) ورواية هشام الدستوائي أخرجها أحمد (٥/ ٣٠٩)، والدارمي (١/ ٢٠٥) رقم (١٢٦١)، والبخاري (٦٣٧)، ومسلم (٦٠٤)، والنسائي (٢/ ٨١).","vol":"3","page":366},{"text":"وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ وَعَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، وَقَالَا فِيهِ: «حَتَّى تَرَوْنِى وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ». [خ ٦٣٧، م ٦٠٤، ن ٦٨٧، ت ٥٩٢، حم ٥/ ٣٠٧، ق ٢/ ٢٢٠]\n٥٣٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ قَالَ: «حَتَّى تَرَوْنِى قَدْ خَرَجْتُ». [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\n(ورواه معاوية بن سلام وعلي بن المبارك) (١) الهنائي بضم الهاء وفتح النون، نسبة إلى هناة بن مالك البصري، قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة، ووثَّقه ابن معين ويعقوب بن شيبة وأبو داود، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثَّقه ابن المديني وابن نمير والعجلي.\n(عن يحيى) بن أبي كثير (وقالا) أي معاوية وعلي (فيه)\nأي في الحديث المذكور: (حتى تروني وعليكم السكينة) فزاد لفظة \"وعليكم السكينة\" على رواية أبان وأيوب وحجاج وهشام، والحاصل أن المصنف ذكر الاختلاف الواقع في السند أولًا، ثم الاختلاف الواقع في المتن ثانيًا.\n٥٣٨ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى) بن يونس، (عن معمر) بن راشد، (عن يحيى بإسناده) أي بإسناد الحديث المتقدم، أو الضمير رجع إلى يحيى، أي بإسناد يحيى المتقدم (مثله) أي مثل الحديث المتقدم (قال) معمر عن يحيى في حديثه: (حتى تروني قد خرجت) فزاد معمر في حديثه عن يحيى لفظة \"قد خرجت\".\n_________\n(١) ورواية معاوية بن سلام أخرجها ابن خزيمة (٣/ ٧١) رقم (١٦٤٤).\nورواية علي بن المبارك أخرجها أحمد (٥/ ٣١٠)، والبخاري (٩٠٩)، وابن حبان (٥/ ٥١) رقم (١٧٥٥).","vol":"3","page":367},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرْ «قَدْ خَرَجْتُ» إلَّا مَعْمَرٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ، لَمْ يَقُلْ فِيهِ: «قَدْ خَرَجْتُ».\n٥٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو. (ح): وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - وَهَذَا لَفْظُهُ -\n===\n(قال أبو داود: لم يذكر قد خرجت) أي هذا اللفظ (إلَّا معمر) قلت: قال مسلم بن الحجاج في \"صحيحه\": وزاد إسحاق في روايته حديث معمر وشيبان \"حتى تروني قد خرجت\"، فهذا يدل على أن الحصر ممنوع، فإن في حديث شيبان برواية إسحاق بن إبراهيم هذه الزيادة مذكورة.\n(ورواه ابن عيينة عن معمر لم يقل فيه: قد خرجت) أخرج مسلم رواية ابن عيينة عن معمر في \"صحيحه\" (١)، حاصله: أنه اختلف في حديث معمر، فروى عيسى بن يونس عن معمر فزاد فيه لفظة \"قد خرجت\"، وروى سفيان بن عيينة عن معمر ولم يزد فيه هذا اللفظ.\n٥٣٩ - (حدثنا محمود بن خالد، ثنا الوليد) بن مسلم القرشي (قال: قال أبو عمرو) الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو.\n(ح: وثنا داود بن رشيد) بالتصغير، الهاشمي، أبو الفضل الخوارزمي، كان يحيى بن معين يوثقه، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الدارقطني: ثقة نبيل، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووهم ابن حزم فقال إثر حديث أخرجه من روايته في كتاب الحدود من \"الإيصال\": داود بن رشيد ضعيف، مات بعد ما عمي سنة ٢٣٩ هـ.\n(ثنا الوليد، وهذا لفظه) أي لفظ هذا الحديث المذكور لفظ داود بن رشيد، لا لفظ محمود بن خالد، وبين ذلك، لأنه كان بين لفظي حديثهما اختلاف.\n_________\n(١) رقم الحديث (٦٠٤).","vol":"3","page":368},{"text":"عنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَقَامَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ النَّبِىُّ -ﷺ-\". [م ٦٠٥]\n٥٤٠ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُعَاذٍ (١)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِىَّ عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلَاةُ؟ فَحَدَّثَنِى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَعَرَضَ\n===\n(عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن الصلاة كانت تقام) أي يكبر لها المؤذن ويجهر بالإقامة (لرسول الله - ﷺ -) أي وقت مجيئه - ﷺ - (فيأخذ الناس مقامهم) (٢) أي في الصف (قبل أن يأخذ النبي -صلي الله عليه وسلم-) أي مقامه قدام الصف الأول.\n٥٤٠ - (حدثنا حسين بن معاذ) بن خليف بالمعجمة، وقيل: بالمهملة مصغرًا، البصري، قال الآجري: كان ثبتًا في عبد الأعلى، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثَّقه مسلمة الأندلسي أيضًا.\n(ثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى، (عن حميد) الطويل (قال) أي حميد (٣): (سألت ثابتًا البناني عن الرجل يتكلم بعد ما تقام الصلاة؟) أي هل (٤) يجوز للرجل أن يتكلم بعد أن أكبر المؤذن وأتى بالإقامة ولم يدخل هذا الرجل في حرمة الصلاة أو لا يجوز؟ (فحدثني) أي ثابت (عن أنس بن مالك قال) أي أنس: (أقيمت الصلاة) أي كبر المؤذن (فعرض\n_________\n(١) زاد نسخة: \"بن حليف\".\n(٢) قال ابن رسلان: فيه جواز الانتظار قائمًا. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: ظاهره أن حميدًا أخذه عن ثابت، وعامة أصحابه يروونه عنه عن أنس، وحميد يدلس، فالظاهر أنه ترك الواسطة، وليس في أحد من طرقه رواية حميد عن أنس بالتحديث. (ش).\n(٤) ظاهره أن الخلاف في المسألة كان قديمًا. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":369},{"text":"لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلٌ، فَحَبَسَهُ بَعْدَمَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ. [خ ٦٤٣، حم ٣/ ١٩٩، حب ٢٠٣٥]\n===\nلرسول الله - ﷺ - رجل) ولم يدر (١) اسمه (فحبسه) أي منع ذلك الرجل رسول الله - ﷺ - عن الدخول في الصلاة بسبب التكلم معه (بعد ما أقيمت الصلاة) أي أتم المؤذن الإقامة للصلاة.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وفيه جاز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، واستدل به للرد على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة وجب على الإِمام التكبير.\nقال العيني (٣): قلت: إنما كره الحنفية الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان لغير ضرورة، وأما إذا كان الأمر من أمور الدين فلا يكره.\nقال في \"مراقي الفلاح\" (٤): ومن الأدب شروع الإِمام إلى إحرامه مذ قيل أي عند قول المقيم: \"قد قامت الصلاة\" عندهما، وقال أبو يوسف: يشرع إذا فرغ من الإقامة فلو أخر حتى يفرغ من الإقامة لا بأس به في قولهم جميعًا.\nوقال الطحطاوي في حاشيته عليه: قوله: إذا فرغ من الإقامة أي بدون فصل، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وهو أعدل المذاهب \"شرح المجمع\"، وهو الأصح \"قهستاني\" عن \"الخلاصة\"، وهو الحق \"نهر\"، ثم قال: قال الشمني: في هذا رد على من قال: إذا قال المؤذن: \"قد قامت الصلاة\" وجب على الإِمام تكبير الإحرام.\nقلت: فحكم وجوب اتصال الإِمام تكبيره بقول المؤذن: \"قد قامت الصلاة\" ليس بمقبول عند جمهور الحنفية.\n_________\n(١) قيل: كان كبيرًا في قومه، وأراد أن يتألفه، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٢٤).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٢١).\n(٤) (ص ٢٢٥).","vol":"3","page":370},{"text":"٥٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ السَّدُوسِىُّ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ كَهْمَسٍ، عَنْ أَبِيهِ كَهْمَسٍ قَالَ: قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ بِمِنًى وَالإِمَامُ لَمْ يَخْرُجْ، فَقَعَدَ بَعْضُنَا، فَقَالَ لِى شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: مَا يُقْعِدُكَ؟ قُلْتُ\n===\nوفيه جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها، وأيضًا قال العيني: وفيه دليل على أن اتصال الإقامة بالصلاة ليس من وكيد السنن، وإنما هو من مستحبها.\n٥٤١ - (حدثنا أحمد بن علي بن سويد بن منجوف السدوسي) منسوب إلى جده علي بن سويد، واسم أبيه عبد الله، قال النسائي: صالح، وقال ابن إسحاق الحبال (١): بصري ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٢ هـ.\n(ثنا عون بن كهمس) بفتح كاف وميم وسكون هاء بعدها مهملة، ابن الحسن التميمي، أبو يحيى البصري، قال أحمد بن حنبل: لا أعرفه، وقال أبو داود: لم يبلغني إلَّا الخير، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه كهمس) بن الحسن التميمي، أبو الحسن البصري، قال أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين، وأبو داود: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الساجي: صدوق يهم، ونقل أن ابن معين ضعفه، وتبعه الأزدي في نقل ذلك.\n(قال) أي كهمس: (قمنا إلى الصلاة بمنى والإمام لم يخرج) فبطأ الإِمام (فقعد بعضنا) أي كنت فيمن قعد (فقال لي شيخ من أهل الكوفة) لم يدر اسمه: (ما يقعدك؟) أي ما الذي أقعدك؟ (قلت) أي قال كهمس: قلت مجيبًا للشيخ:\n_________\n(١) هكذا في الأصل، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٨) والظاهر هو أبو إسحاق الحبال، كما في \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٤٩٥) و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ١١٩١).","vol":"3","page":371},{"text":"ابْنُ بُرَيْدَةَ. قَالَ: هَذَا السُّمُودُ، فَقَالَ لِى الشَّيْخُ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا نَقُومُ فِى الصُّفُوفِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ،\n===\n(ابن بريدة، قال: هذا السمود) (١) أي أقعدني ابن بريدة، فإنه قال: هذا القيام لانتظار الإِمام هو السمود المنهي عنه، كأن ابن بريدة قال بكراهته، كما روي عن علي -رضي الله تعالى عنه - أنه خرج والناس ينتظرونه للصلاة قيامًا، قال: مالي أراكم سامدين، السامد: المنتصب إذا كان رافعًا رأسه ناصبًا صدره، وقيل: السامد: القائم في تحير، ومنه حديث: \"ما هذا السمود؟ \" وحكي عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن ينتظر الإِمام قيامًا، يقولون ذلك السمود.\n(فقال لي الشيخ: حدثني عبد الرحمن بن عوسجة) بفتح المهملتين بينهما واو ساكنة ثم الجيم، الهمداني ثم النهمي الكوفي، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه.\n(عن البراء بن عازب قال) أي البراء: كنا نقوم في الصفوت على عهد رسول الله - ﷺ - طويلًا قبل أن يكبر) أي المؤذن، أو قبل أن يكبر رسول الله - ﷺ - تكبير التحريم، فثبت بهذا أن القيام في انتظار الإِمام غير منهي عنه، وثبت أن ما قال ابن بريدة من أن هذا السمود المنهي عنه غيرصحيح.\n_________\n(١) اختلفوا في تفسيره على أقوال ذكرها ابن رسلان، وقال: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦٠ - ٦١] (اورتم (خوف عذاب) روتى نهين هو اور (اطاعت) تكبر كرتى هو)، هو رفع الرأس تكبرًا، كما في \"القاموس\". \"بيان القرآن\". (ش).","vol":"3","page":372},{"text":"قَالَ وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَلُونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَمَا مِنْ خَطْوَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خَطْوَةٍ يَمْشِي (١) بها يَصِلُ بِهَا صَفًّا». [جه ٩٩٧، ن ٨١١، دي ١٢٦٤، حم ٤/ ٢٨٥، خزيمة ١٢٥١]\n٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَجِىٌّ (٢)\n===\nقال في \"فتح الودود\": لا يدل أي حديث البراء على أن قيامهم كان في انتظار النبي - ﷺ -، بل يجوز أن يكون بعد حضوره - ﷺ -، ولو سلم فإسناد الحديث لا يخلو عن جهالة، إذ الشيخ غير معلوم، فلا يعارض حديث: \"لا تقوموا حتى تروني\".\n(قال) أي عبد الرحمن بن عوسجة: (وقال) أي البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنه -: (إن الله ﷿ وملائكته يصلون على الذين يلون (٣) الصفوف الأول) أي يصلون فيها، والمراد بالصلاة الرحمة والدعاء (وما من خطوة) الخطوة بفتح المعجمة المرة، وبالضم بُعد ما بين القدمين في المشي، قال العيني (٤): رويناه بفتح الخاء، وقال القرطبي: الرواية بضم الخاء (أحب إلى الله من خطوة يمشي بها يصل بها) أي بالخطوة (صفًا).\n٥٤٢ - (حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس) بن مالك (قال) أي أنس: (أقيمت الصلاة) (٥) أي أتى المؤذن الإقامة للصلاة (ورسول الله - ﷺ - نجي) على وزن فعيل، قال في \"المجمع\": أي مُحَدِّثٌ\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يمشيها\".\n(٢) وفي نسخة: \"نجى رجل\".\n(٣) وفي بعض النسخ: \"يصلون الصفوف الأول\"، وأكثر الروايات على هذا اللفظ، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٤) (٣/ ٥٤).\n(٥) صلاة العشاء كما هو في رواية مسلم، \"ابن رسلان\"، ويؤيده النوم. (ش).","vol":"3","page":373},{"text":"في جَانِبِ الْمَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ\". [خ ٦٤٢، م ٣٧٦، ق ٢/ ٢٢]\n٥٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَوْهَرِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِى النَّضْرِ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nمعه سرًا، وفيه جواز الكلام بعد الإقامة في مُهِمٍّ، ويكره في غيره (في جانب المسجد) أي في ناحية منه (فما قام إلى الصلاة) أي فما فرغ من المناجاة، وما قام بعد الفراغ من المناجاة إلى الصلاة (حتى نام) أي نعس (القوم) قاعدين، أي بعضهم بطول النجوى، والظاهر أنه لم يعد الإقامة ولو أعيدت لنقلت، قال الحافظ (١): زاد شعبة عن عبد العزيز: \"ثم قام فصلَّى\".\n٥٤٣ - (حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري) نسبة إلى بيع الجوهر، أبو محمد البصري، مستملي أبي عاصم، لقبه (٢) بدعة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث، مات سنة ٢٥٧ هـ، وكذا أرَّخَه ابن قانع، وقال: كان حافظًا، وقال الحافظ في \"التقريب\": ثقة حافظ.\n(أنا أبو عاصم) النبيل، (عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، ويقال: مولى أم خالد بنت سعيد بن العاص زوجة الزبير، أدرك ابن عمر وغيره، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا كثير الحديث، وقال في موضع آخر: كان ثقة قليل الحديث، ووثَّقه مالك، ولم يكن بالمدينة أعلم بالمغازي منه، ووثَّقه أحمد وابن معين والعجلي والنسائي وأبو حاتم، قال المفضل الغلابي: سمعت ابن معين يضعفه بعض شيء، وقال الحافظ في \"التقريب\": لم يصح أن ابن معين لينه، مات سنة ١٤١ هـ، وقيل بعدها.\n(عن سالم) بن أبي أمية (أبي النضر قال) أي سالم: (كان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \" فتح الباري\" (٢/ ١٢٤).\n(٢) كذا في \"التهذيب\" (٥/ ١٤٧). (ش).","vol":"3","page":374},{"text":"حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ فِى الْمَسْجِدِ، إِذَا رَآهُمْ قَلِيلًا جَلَسَ، لَمْ يُصَلِّ، وَإِذَا (١) رَآهُمْ جَمَاعَةً صَلَّى\".\n٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الزُّرَقِىِّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - ﵁ - مِثْلَ ذَلِكَ.\n===\nحين تقام الصلاة في المسجد) أي حين يقرب وقت إقامة الصلاة، أو حين يقيم المؤذن للصلاة (إذا رآهم) أي المصلين (قليلًا) أي لم يحضر منهم إلَّا قليل (جلس، لم يصل) بل ينتظرهم (وإذا رآهم جماعة) أي اجتمعوا أكثرهم (صلَّى).\n٥٤٤ - (حدثنا عبد الله بن إسحاق، أنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع بن جبير، عن أبي مسعود الزرقي) قال في \"تهذيب التهذيب\": أبو مسعود (٢) الأنصاري الزرقي، روى عن علي بن أبي طالب، وعنه نافع بن جبير، الصواب مسعود بن الحكم، وقال في ترجمته: مسعود بن الحكم بن الربيع بن عامر بن خالد بن عامر بن زريق الزرقي الأنصاري، أبو هارون المدني، روى عن أمه ولها صحبة، وعن عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن حذافة، قال الواقدي: كان ثبتًا مأمونًا ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن عبد البر: ولد على عهد النبي - ﷺ -، وكان له قدر، ويعد في جملة التابعين وكبارهم، زاد العسكري: ولم يرو عنه شيئًا، انتهى، فعلى هذا الحديث صحيح، وأما الحديث المتقدم فمرسل.\nوقال في \"التقريب\": أبو مسعود الأنصاري الزرقي مجهول، من الثالثة، وقيل: هو مسعود بن الحكم، وعلى هذا فهذا الحديث بهذا السند أيضًا غير صحيح، ولكن لما تأيد أحدهما بالآخر، فصار باعتبار تعدد الطرق حسنًا.\n(عن علي بن أبي طالب - ﵁ - مثل ذلك) بالرفع على أنه خبر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فإذا\".\n(٢) قال ابن رسلان: ذكروه في المبهمات، ولم يذكروا اسمه، لأنه لا يعرف. (ش).","vol":"3","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>(٤٧) بَابٌ: في التَّشْدِيدِ في تَرْكِ الْجَمَاعَةِ</span>\n٥٤٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ حُبَيْشٍ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ الْيَعْمُرِىِّ،\n===\nمبتدأ محذوف، أي هذا الحديث الذي روى موسى بن عقبة، عن نافع بن جبير مثل الذي روى موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، أو منصوب على أنه مفعول \"لحدثنا\" في أول السند، أي حدثنا عبد الله بن إسحاق بسنده، عن موسى بن عقبة عن نافع بن جبير مثل ذلك الحديث المتقدم الذي حدثنا عبد الله بن إسحاق بسنده، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر.\n\n(٤٧) (بَابٌ (١): في التَّشْدِيدِ في تَرْكِ الجَمَاعة)\n٥٤٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زائدة) بن قدامة، (ثنا السائب بن حبيش) بمهملة وموحدة ومعجمة مصغرًا، الكلاعي، الحمصي، قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أثقة هو؟ قال: لا أدري، وقال العجلي: ثقة، وقال الدارقطني: صالح الحديث، من أهل الشام، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن معدان بن أبي طلحة اليعمري) قال في \"الأنساب\": اليعمري بفتح التحتانية وسكون العين المهملة وفتح الميم وفي آخرها الراء المهملة، هذه النسبة إلى يعمر، وهو بطن من كنانة، انتهى.\nقال في \"تهذيب التهذيب\": معدان بن أبي طلحة، ويقال: ابن طلحة (٢)\n_________\n(١) ولما كانت الروايات في هذه المسألة على نوعين بعضها تقتضي بظاهرها فرضية الجماعة، وبعضها تدل على الاستحباب والسنية عقد لها ترجمتين، وهل فضائل الجماعة تختص بالمسجد أو يعم غيره؟ قال الحافظ (٢/ ١٣١): الظاهر الأول، قلت: وظاهر كلام الشامي أيضًا تخصيص المسجد، كما يدل عليه الأعذار المبيحة لترك الجماعة، لكنه حكى عن \"القنية\" أنها في البيت كالمسجد إلَّا في الفضل، وفي \"المرقاة\" (٣/ ٥٣) عن \"القدوري\": لا يحصل بجماعة البيت ثواب الجماعة إلَّا لعذر. (ش).\n(٢) كذا في ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":376},{"text":"عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِى قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ،\n===\nالكناني اليعمري، قال ابن معين: أهل الشام يقولون: ابن طلحة، وقتادة وهؤلاء يقولون: ابن أبي طلحة، وأهل الشام أثبت فيه، قال ابن سعد والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي الدرداء) (١) عويمر مشهور بكنيته وباسمه جميعًا، واختلف في اسمه، فقيل: هو عامر، وعويمر لقب، واختلف في اسم أبيه، فقيل: عامر أو مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد، وأبوه ابن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أسلم يوم بدر، وشهد بدرًا وأبلي فيها، وقال رسول الله - ﷺ - يوم أحد: \"نعم الفارس عويمر\"، وقال: \"هو حكيم أمتي\"، ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر، مناقبه وفضائله كثيرة جدًا، مات في خلافة عثمان بسنتين بقيتا من خلافته، وقيل: غير ذلك.\n(قال) أي أبو الدرداء: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما من ثلاثة) (٢) أي رجال، لأن جماعة النساء وإمامتهنَّ مكروهة، وتقييده بالثلاثة تفيد ما فوقهم بالأولى، لأنه أكمل صورة الجماعة، وإن كان يتصور من اثنين (في قرية (٣) ولا بدو) أي بادية، وهو بإطلاقه يؤيد مذهبنا أن الجماعة سنَّة للمسافرين أيضًا، لكن حال نزولهم لا في حال سيرهم للحرج. (لا تقام فيهم الصلاة) أي الجماعة (٤) (إلَّا قد استحوذ) أي استولى وغلب (عليهم الشيطان) فأنساهم ذكر الله تعالى (فعليك (٥) بالجماعة) أي الزمها، هذا من الخطاب العام،\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٤٣٤) رقم (٥٨٦٦).\n(٢) ظاهره أن أقل الجماعة ثلاثة، والمعروف عند الشافعية أنها اثنان، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) ولا يصح الاستدلال به على الجمعة في القرى، كما قاله ابن رسلان لاتصاله بالبدو. (ش).\n(٤) استدل به على أنها فرض كفاية \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) ولفظ النسائي: \"فعليكم\". (ش).","vol":"3","page":377},{"text":"فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذّئْبُ الْقَاصِيَةَ\". [ن ٨٤٧، حم ٥/ ١٩٦، ك ١/ ٢١١، خزيمة ١٤٨٦، ق ٣/ ٥٤، حب ٢١٠١]\nقَالَ زَائِدَةُ: قَالَ السَّائِبُ: يَعْني بالْجَمَاعَةِ الصَّلَاةَ في جَمَاعَةٍ (١).\n٥٤٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ (٢) الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ\n===\nفإن الشيطان بعيد عن الجماعة، ويستولي على من فارقها (فإنما) مسببة عن الجميع، يعني إذا عرفت هذه الحالة فاعرف مثاله في الشاهد (يأكل الذئب القاصية) أي الشاة البعيدة عن الأغنام لبعدها عن راعيها.\n(قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة) أي يريد رسول الله - ﷺ - بالجماعة (الصلاة في جماعة) بقرينة قوله: \"لا تقام فيهم الصلاة\" فإن المراد بإقامة الصلاة إقامة الصلاة بالجماعة، وإلَّا فيمكن أن يحمل على الأمر العام من الأعمال والاعتقاد، أي الزم الجماعة العامة في جميع الأعمال والأحوال والاعتقادات، ويدخل فيه الصلاة بالأولى.\n٥٤٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم، (عن الأعمش، عن أبي صالح) السمان، (عن أبي هريرة قال) أبو هريرة: (قال رسول الله - ﷺ -: لقد هممت) (٣) أي أردت (أن آمر) أي الناس (بالصلاة)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الجماعة\".\n(٢) وفي نسخة: \"ثنا\".\n(٣) استدل به على الوجوب، وأجاب عنها من قال بعدم الوجوب بأجوبة: منها: أنه ﵊ أراد التخلف بنفسه، ورد بأنه ما هَمَّ بها، ومنها ما قال ابن بطال: لو كانت الجماعة فرضًا لبين لهم ذلك، وإن صلاتهم لا تصح، ورد بأن الكلام المذكور يكفي للبيان، ومنها ما قال الباجي وغيره: إن الكلام ورد موضع الزجر، وحقيقته ليس بمراد للإجماع على منع عقوبة المسلمين بالتحريق، ومنها ما قيل: إنه ﵊ همَّ ولم يفعل، ورد بأنه لا يهم إلَّا بما يجوز، \"ابن رسلان\"، =","vol":"3","page":378},{"text":"فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّىَ (١) بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِى بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ». [خ ٦٤٤، م ٦٥١، ت ٢١٧، ن ٨٤٨، دي ١٢١٢، حم ٢/ ٤٢٤]\n===\nأي بإقامة الصلاة (فتقام) أي الصلاة بالجماعة (ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس) أي يؤمهم (ثم انطلق (٢) معي برجال معهم حزم) (٣) جمع حزمة بضم حاء مهملة وزاي، وهي المجموعة (من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة) أي صلاة الجماعة من غير عذر (فأُحَرِّق عليهم بيوتهم بالنار).\nفهذا وعيد على ترك الصلاة بالجماعة من غير عذر لا على ترك الصلاة، قال الإِمام النووي (٤): فيه دليل على أن العقوبة كانت في بدء الإِسلام بإحراق المال (٥)، وقيل: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال، والجمهور على منع تحريق متاعهم.\nقلت: وهذا الذي ورد عن رسول الله - ﷺ - فهو على سبيل التهديد، وعلى سبيل التغليظ والتشديد، وما كان على هذا فهو لا يكون تشريعًا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٦)، ولهذا\n_________\n= انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٢٦)، و\"عمدة القاري\" (٤/ ٢٢٩).\nوالأوجه عندي في الجواب: أن الصحابة لا يتخلفون عن الجماعة إلَّا منافق بين النفاق، كما ورد، فهذا وارد في حقهم في حاشية البخاري: قال عياض: إن فرضية الجماعة كانت في أول الإِسلام سدًا لباب التخلف ثم نسخ، ويؤيده نسخ العقوبة المذكورة أي التحريق. (ش).\n(١) وفي نسخة: \"يصلي\".\n(٢) فيه جواز الخروج بعد الإِقامة لعذر، ولفظ البخاري: \"ثم أخالف\" ... إلخ، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: بفتح زاي كغرف. (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٦٧).\n(٥) وروي عن علي: لا يعذب بالنار إلَّا ربه\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) سورة النساء: الآية ٩٣.","vol":"3","page":379},{"text":"٥٤٧ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ قال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَتِى فَيَجْمَعُوا حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ آتِىَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فِى بُيُوتِهِمْ\n===\nلم يقع ما أراده - ﷺ - من الإحراق عليهم، فإن قيل: هذا الحديث يدل على وجوب الجماعة (١) عينًا، فكيف يجوز أن يتخلف عنها رسول الله - ﷺ - بنفسه الشريف؟، قلت: لما كان تخلفه - ﷺ - لتكميل أمر الجماعة وإتمامه فكأنه - ﷺ - حاضر فيه حكمًا.\n٥٤٧ - (حدثنا النفيلي) هو عبد الله بن محمد، (ثنا أبو المليح) حسن بن عمر، (حدثني يزيد بن يزيد) بن جابر الرقي، قيل: هو الذي قبله، وهو يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقي، وقيل آخر من أهل الرقة، أخرج الطبراني في \"المعجم الأوسط\" بسنده عن أبي المليح قال: حدثنا يزيد بن يزيد بن جابر، شيخ من أهل الرقة، فذكر الحديث. قال الحافظ في \"التقريب\": مجهول، وقال في \"الميزان\": يزيد بن يزيد الرقي عن يزيد بن الأصم لا يعرف، تفرد عنه أبو المليح، وقال في \"الخلاصة\": (م د ت ق) يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقي، عن يزيد بن الأصم وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وعنه الثوري وابن عيينة، وقال: حافظًا ثقة عاقلًا.\n(حدثني يزيد بن الأصم قال) أي يزيد بن الأصم: (سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لقد هممت) أي قصدت (إن آمر فتيتي) قال في \"لسان العرب\": والأَفْتاءُ مِنَ الدَّوابِّ خلاف المسانِّ واحدها فَتِىٌّ، والجمع فِتْيَةٌ وفِتْوَةٌ وفُتُوٌّ وفُتِيٌّ وفِتْيَانٌ (فيجمعوا لي حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم) أي ولا يحضرون صلاة الجماعة في المسجد.\n_________\n(١) كما هو مذهب أحمد، وبالغ داود وغيره من أصحاب الظواهر أنه شرط، وقال كثير من الحنفية والمالكية وهو نص الشافعي: إنها فرض كفاية، وقال الباقون: إنها سنَّة مؤكدة، كذا في \"ابن رسلان\"، وقال ابن رشد: فرض كفاية عند الجمهور، وواجب عند الحنابلة. (انظر: \"بداية المجتهد\" ١/ ١٤١) (ش).","vol":"3","page":380},{"text":"لَيْسَتْ بِهِمْ (١) عِلَّةٌ، فَأُحَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ». قُلْتُ لِيَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ: يَا أَبَا عَوْفٍ، الْجُمُعَةَ عَنَى أَوْ غَيْرَهَا؟ قَالَ (٢): صُمَّتَا أُذُنَاىَ\n===\nوهذا دليل على أن المراد من القوم أعم من المؤمنين الذين لا يشهدون الصلاة والمنافقين (٣)، فإن المنافقين إذا كانوا مستورين في بيوتهم لا يراهم المؤمنون، فالظاهر أنهم لا يؤدون (٤) الصلاة، نعم أهل الكسل من المؤمنين الذين لا اعتناء لهم بالجماعة لا يشهدون الجماعة، بل يصلون في بيوتهم، فإذا ورد فيهم التهديد دخل فيه المنافقون بالأولى.\n(ليست بهم علة) أي مرض أو عذر (فأحرقها) أي البيوت (عليهم، قلت) أي قال يزيد بن يزيد: قلت (٥) لشيخي (ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف، الجمعة عَنَى) بتقدير حرف الاستفهام، أي هل أراد رسول الله - ﷺ - الجمعة (أو غيرها؟) أي أو أراد غير الجمعة من الصلوات (قال) أي يزيد بن الأصم مجيبًا له: (صُمَّتا) أي كفتا عن السماع (أذناي) بدأ بالدعاء على نفسه بصمم أذنيه لتأكيد أمر الجواب.\nقال في \"فتح الودود\": وهذا على نهج ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾، ويحتمل أن يكون على لغة \"أكلوني البراغيث\"، قال الخفاجي: وهذه لغة لبعض العرب ليست شاذة ولا مستهجنة، انتهى، وتأول المفسرون في قوله تعالى بأن قوله تعالى:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لهم\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) قال ابن رسلان: والظاهر أن المراد المنافقين في العمل، لأن المنافق لا يصلي في بيته بل في المسجد رياء. (ش).\n(٤) بل المنافقون يصلون في المسجد إراءة، اللَّهُم، إلَّا أن يقال: معناه يدعون أنهم يصلون في البيوت. (ش).\n(٥) ولعل منشأ السؤال أن معمرًا رواه عن جعفر عن يزيد بن الأصم كما أخرجه عبد الرزاق (١٩٨٦) والبيهقي (٣/ ٥٦) بلفظ الجمعة، وأخرجه الترمذي (٢١٧) ومسلم (٦٥١) وغيرهما من طريق وكيع عن جعفر بإبهام الصلاة. \"ابن رسلان\"، وذكر العيني من روى بلفظ الجمعة، وقال: أراد به الجماعة، [انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٢٤)] (ش).","vol":"3","page":381},{"text":"إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْثِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، مَا ذَكَرَ جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا. [م ٦٥١، ت ٢١٧، جه ٧٩١، ق ٣/ ٥٥، حم ٢/ ٤٧٢]\n٥٤٨ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْمَسْعُودِىِّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ،\n===\n﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من واو ﴿وَأَسَرُّوا﴾ أو فاعل له، والواو لعلامة الجمع، أو هو منصوب على الذم، أو مبتدأ والجملة المتقدمة خبره.\n(إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره) (١) أي يرويه وينقله (عن رسول الله - ﷺ -) حاصله أن أبا هريرة روى هذا عن رسول الله - ﷺ - ولم يذكر فيه (ما ذكر جمعة (٢) ولا غيرها) فإذا لم يذكر فيه رسول الله - ﷺ - صلاة مخصوصة، فكيف يجوز أن يخصص من غير نص عن الشارع؟، لأن النصوص محمولة على ظواهرها، فلا خصوصية في الوعيد بجمعة ولا بغيرها.\n٥٤٨ - (حدثنا هارون بن عباد الأزدي) أبو موسى المصيصي الأنطاكي، قال في \"التقريب\": مقبول، (ثنا وكيع، عن المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله، (عن علي بن الأقمر) بن عمرو بن الحارث الهمداني الوادعي بكسر الدال المهملة وبالعين المهملة، أبو الوازع الكوفي، قال ابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان والنسائي وابن خراش والدارقطني: ثقة، وعن ابن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق.\n(عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة بفتح النون وسكون المعجمة، أبو الأحوص الكوفي، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال النسائي في \"الكنى\": كوفي ثقة، قتلته الخوارج أيام حجاج بن يوسف.\n_________\n(١) بضم المثلثة لا غير.\n(٢) فما روى فيه معمر لفظ \"الجمعة\" مخالف لجميع الرواة وشاذ، بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":382},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَافِظُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّهِ -ﷺ- سُنَنَ الْهُدَى، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ بَيِّنُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُهَادَى (١) بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِى الصَّفِّ،\n===\n(عن عبد الله بن مسعود قال) أي عبد الله: (حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس)، أي أدوها بالمحافظة على حدودها وحقوقها، ومنها فى أداؤها في المسجد بالجماعة، ثم صرح بها فقال: (حيث ينادى بهن) أي في مكان يؤذن بهن وهو المسجد (فإنهن من سنن الهدى) قال في \"المجمع\" (٢): روي (٣) بضم سين وفتحها، والمعنى متقارب، أي طرق الهدى والصواب.\n(وإن الله ﷿ شرع) أي سَنَ وافترض، يقال: شرع الدين: إذا أظهره وبينه النبيه - ﷺ - سنن الهدى (٤)، ولقد رأيتنا) أي معشر الصحابة (وما يتخلف عنها) أي عن الصلوات بجماعتها (إلَّا منافق بين النفاق) أي ظاهر النفاق، وهذا دليل على أن المراد بالتغليظ المتقدم بإحراق البيوت أنه مخصوص في حق المنافقين.\n(ولقد رأيتنا وأن االرجل ليهادى بين الرجلين) أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد إليهما (حتى يقام في الصف) قال النووي (٥): وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة وتحمُّل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يهادى\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٣٢).\n(٣) بفتح السين الطريق، وبالضم السنة. (ش).\n(٤) قال ابن عبد البر: فيه حجة على أن الجماعة سنَّة، ويؤيده حديث \"إذا حضر العشاء والعشاء\" ... إلخ. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٧٠).","vol":"3","page":383},{"text":"وَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ مَسْجِدٌ فِى بَيْتِهِ، وَلَوْ صَلَّيْتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ وَتَرَكْتُمْ (١) مَسَاجِدَكُمْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَكَفَرْتُمْ (٢). [م ٦٥٤، ن ٨٤٩، خزيمة ١٤٨٣، حم ١/ ٤١٤]\n٥٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثنَا جَرِيرٌ، عن أَبِي جَنَابٍ،\n===\n(وما منكم من أحد إلَّا وله مسجد في بيته) أي يصلي فيه النوافل (ولو صليتم في بيوتكم) أي الفرائض في مساجد بيوتكم (وتركتم مساجدكم) أي مساجد المحلة (تركتم سنَّة نبيكم) فإن رسول الله - ﷺ - كان لايصلي الفرائض في بيته إلَّا بعذر، وكان لا يصليها إلَّا في المسجد العام (ولو تركتم سنَّة نبيكم لكفرتم) أي لضللتم، قال الخطابي (٣): معناه أنه يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا عرى الإِسلام شيئًا فشيئًا حتى تخرجوا من الملَّة، انتهى (٤).\n٥٤٩ - (حدثنا قتيبة، ثنا جرير) بن عبد الحميد، (عن أبي جناب) (٥) بتخفيف النون، اسمه يحيى بن أبي حية بمهملة وتحتانية، الكلبي الكوفي، قال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، وقال البخاري وأبو حاتم: كان يحيى القطان يضعفه، وقال الذهلي: سمعت يزيد بن هارون يقول: كان صدوقًا، ولكن كان يدلس، وقال أبو نعيم: لم يكن بأبي جناب بأس إلَّا أنه كان يدلس، وكذا قال أحمد وابن معين وأبو داود عن أبي نعيم، وقال عمرو بن علي: متروك الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٤٧ هـ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لتركتم\".\n(٢) وفي نسخة: \"كفرتم\".\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ٢١٥).\n(٤) قال عياض: اختلفوا في التمادي على ترك السنن هل يقاتل أم لا؟ والصحيح الأول، لأن فيه إقامتها. (ش).\n(٥) قد عمي، فدعا له بعض أصحابه فعطس، فرد بصره، وكان يوم الجمعة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":384},{"text":"عَنْ مَغْرَاءٍ الْعَبْدِىِّ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِىَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ- قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ\n===\n(عن مغراء) (١) بفتح أوله وسكون الجمة بعدها راء (العبدي) أبو مخارق الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ونقل أبو العرب التميمي وابن خلفون عن العجلي أنه قال: لا بأس به، وقال ابن القطان: لم أره في كتاب الكوفي يعني العجلي، قال: ولا يعرف فيه تجريح، وأنكر على عبد الحق طعنه في حديثه، وقرأت بخط الذهبي: تكلم فيه.\n(عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال) ابن عباس: (قال رسول الله - ﷺ -: من سمع المنادي) أي نداء المؤذن للصلاة المكتوبة (فلم يمنعه من اتباعه) أي المؤذن بحضور المسجد للجماعة، قال الحافظ: أي من إتيانه إلى الجماعة التي دعي إليها، والتقييد بسماع النداء وبالجماعة التي يسمع مؤذنها جرى على الغالب، لأن الإنسان إنما يذهب إلى الجماعة التي يسمع مؤذنها، وإلا فلو ذهب إلى جماعة لم يسمع مؤذنها فقد أتي بالفرض، ولو لم يسمع المؤذن، ولا عذر له لم يسقط عنه الفرض، إذ عدم استماع المؤذن ليس من الأعذار (عذر) أي نوع من الأعذار.\n(قالوا) أي الحاضرون لابن عباس: (وما العذر؟) أي الذي عناه ﵇ (قال) أي ابن عباس: (خوف) أي هو خوف على نفسه أو عرضه أو ماله، ومن الأعذار: المطر (٢)، والبرد الشديد، وحضور الطعام، ومدافعة الأخبثين.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: والراء مقصورة. (ش).\n(٢) هو في رواية الترمذي، وبسطه ابن العربي. [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٠١)]. (ش).","vol":"3","page":385},{"text":"أَوْ مَرَضٌ - لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى\" (١) [ق ٣/ ٧٥، ك ١/ ٢٤٥، قط ١/ ٤٢١]\n٥٥٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِى رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِىَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، إِنِّى رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ،\n===\nقال في \"البدائع\" (٢): فالجماعة إنما تجب على الرجال العاقلين الأحرار القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء، والصبيان، والمجانين [والعبيد]، والمقعد، ومقطوع اليد والرجل من خلاف، والشيخ الكبير الذي لا يقدر على المشي، والمريض، وأما الأعمى فأجمعوا على أنه إذا لم يجد قائدًا لا تجب عليه، وإن وجد قائدًا فكذلك عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد تجب.\n(أو مرض) يبيح له التيمم (لم تقبل منه (٣) الصلاة التي صلَّى) أي قبولًا كاملًا، قال النووي (٤) في حديث الكهان والعراف: معنى عدم قبول الصلاة أن لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، كالصلاة في الدار المغصوبة تسقط الفرض ولا ثواب فيها، انتهى، وكذا الحج بمال حرام \"علي القاري\" (٥).\n٥٥٠ - (حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين) لقيط بن صبرة، (عن ابن أم مكتوم) هو عمرو (أنه) أي ابن أم مكتوم (سأل النبي -صلي الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله - ﷺ -، إني رجل ضرير البصر)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: روى عن مغراء أبو إسحاق\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٨٤).\n(٣) قال ابن رسلان: اتفقوا على أنها لا رخصة في ترك الجماعة إلَّا من عذر سواء قلنا سنَّة أو فرض عين أو كفاية، ومعناه: سقوط الإِثم على الفرضية، وسقوط الكراهة على السنيَّة، وليس المعنى أنه يحصل له الأجر، وقطع النووي بأنه لا يحصل له الأجر، نعم إذا اعتاده وحبسه عذر، فينبغي أن يحصل له الفضل، مختصرًا. (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٤٨٦).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦٠).","vol":"3","page":386},{"text":"شَاسِعُ الدَّارِ، وَلِى قَائِدٌ لَا يُلَاوِمُنِى (١)، فَهَلْ لِى رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّىَ فِى بَيْتِى؟ قَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً». [جه ٧٩٢، حم ٣/ ٤٢٣، ك ١/ ٢٤٧، خزيمة ١٤٨٠]\n===\nأي أعمى (شاسع الدار) أي بعيد الدار عن المسجد، (ولي قائد) القائد: من يقول دابة أو إنسانًا بأخذ زمامها وبأخذ يده (لا يلاومني) قال الخطابي (٢): هكذا يروى في الحديث، والصواب: لا يلائمني أي لا يساعدني ولا يوافقني، وأما الملاومة فإنها مفاعلة من اللوم وليس هذا موضعه.\n(فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟) وأترك الصلاة في المسجد (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (هل تسمع النداء؟) أي الأذان (قال) أي ابن أم مكتوم: (نعم) أي أسمع الأذان (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (لا أجد لك رخصة).\nفإن قلت: هذا الحديث يعارض (٣) قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ (٤) الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥)، وأيضًا أجمع المسلمون على أن المعذور لا يجب عليه حضور المسجد، فكيف لم يرخص رسول الله - ﷺ - ابن أم مكتوم مع أنه كان عذره بينًا؟ .\nقلت: أجيب عنه بأن معنى قوله: \"لا أجد لك رخصة\" أي في إحراز فضيلة الجماعة (٦)، ويمكن أن يكون هذا الأمر في بدء الإِسلام، فلما نزل الآية بالخروج عن العذر ارتفع الحكم أو يكون (٧) خاصة به، فإنها واقعة عين فلا تعم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لا يلائمني\".\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٢١٥).\n(٣) وأيضًا يخالف الإِجماع في الرخصة للعمي، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) سورة النور: الآية ٦١.\n(٥) سورة الحج: الآية ٧٨.\n(٦) وبه قال ابن رسلان، أو علم ﵊ أنه لا يحتاج إلى القائد للحذاقة أو للاعتياد، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٧) وهو الأوجه. (ش).","vol":"3","page":387},{"text":"٥٥١ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِى الزَّرْقَاءِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ،\n===\n٥٥١ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء) الثعلبي، أبو موسى الموصلي، نزيل الرملة، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الحافظ: وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، مات بعد سنة ٢٥٠ هـ.\n(ثنا أبي) زيد بن أبي الزرقاء يزيد، الثعلبي بمثلثة وسكون عين مهملة، منسوب إلى ثعلبة بن ثور، الموصلي، أبو محمد، نزيل الرملة، قال ابن معين: ليس به بأس، كان عنده \"جامع سفيان\" رأيته بمكة، وقال ابن عمار الموصلي: لم أر مثل هؤلاء الثلاثة في الفضل: المعافى بن عمران، وزيد بن أبي الزرقاء، وقاسم الجرمي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أحمد: صالح، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ثقة، وكذا قال ابن معين في رواية الدوري، مات سنة ١٩٤ هـ.\n(ثنا سفيان) الثوري، (عن عبد الرحمن بن عابس) بموحدة ومهملة، ابن ربيعة النخعي الكوفي، قال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والعجلي: ثقة، ووثَّقه ابن نمير وابن وضَّاح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١١٩ هـ.\n(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله - ﷺ -، إن المدينة كثيرة الهوام) بتشديد الميم جمع هامة، وهي كل ذات سم يقتل، وما يسم ولا يقتل فسامة كالعقرب والزنبور، وقد يقع الهامة على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل (والسباع) جمع سبع، هو ما يفترس الحيوان ويأكله قهرًا كالأسد والذئاب وغيرها، أي فهل تجد لي من رخصة؟","vol":"3","page":388},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"تَسْمَعُ (١): حَيَّ عَلَى الصلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ فَحَيَّ هَلًا\". [ن ٨٥١، ك ١/ ٢٤٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ الْجَرْمِيُّ، عن سُفْيَانَ (٢).\n===\n(فقال النبي - ﷺ -: تسمع حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح) أي الأذان، إنما خص اللفظان لما فيهما من معنى الطلب، قال أي ابن أم مكتوم: نعم، أسمع الأذان، قال رسول الله - ﷺ -: (فحيَّ هلا) كلمة حث واستعجال بمعنى أحب.\n(قال أبو داود: وكذا) أي مثل ما روى زيد بن أبي الزرقاء عن سفيان (رواه القاسم الجرمي عن سفيان) وهو قاسم بن يزيد الجرمي، أبو يزيد الموصلي الزاهد، قال أبو حاتم: صالح وهو ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وعن أحمد: ما علمت إلَّا خيرًا، وقال أبو زكريا الأزدي في \"تاريخ الموصل\": كان فاضلًا ورعًا حسنًا، رحل في طلب العلم، وكان حافظًا للحديث متفقهًا، وكان يقال: إنه من الأبدال، توفي سنة ١٩٤ هـ، وفي بعض النسخ بعد قوله: \"عن سفيان\": \"ليس في حديثه حَىَّ هلا\".\nوقد أخرج النسائي (٣) رواية القاسم بن يزيد الجرمي عن سفيان من طريق عبد الله بن محمد بن إسحاق، فذكر فيها \"فحيَّ هلا\"، ولم يرخص له، فما قال أبو داود: ليس في حديثه حَيَّ هلا، فلعل هذا اللفظ لا يكون في الحديث الذي بلغ إلى المصنف، ويكون فيما وصل إلى النسائي، فالقاسم الجرمي ذكر هذا اللفظ في حديثه مرة، ولم يذكره مرة أخرى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أتسمع\"، وفي نسخة:، \"هل تسمع\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ليس في حديثه حَىَّ هلا\".\n(٣) \"سنن النسائي\" (٢/ ١٠٩ - ١١٠)، وانظر أيضًا: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٥٨).","vol":"3","page":389},{"text":"(٤٨) بَابٌ: في فَضْلِ صَلَاةِ (١) الْجَمَاعَةِ (٢)\n٥٥٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَصِيرٍ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>(٤٨) (بَابٌ: في فَضْلِ صَلاةِ الجَمَاعَة) </span>(٣)\n٥٥٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن عبد الله بن أبي بصير) وفي \"الخلاصة\": أبي بصيرة بزيادة التاء، ولعل ما في \"الخلاصة\" غلط من الناسخ، فإنه ذكر في الكنى أبا بصير بغير التاء، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ولا يعرف له راو غيره، وفي الحديث اختلاف على أبي إسحاق، فأكثرهم على (٤) أنه روى عن عبد الله بن أبي بصير عن أبيه عن أبي، وبعضهم روى عنه عن عبد الله بن أبي بصير عن أبيٍّ، ليس فيه عن أبيه، فأما عبد الله بن أبي بصير، فقد قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أُبيٍّ) (٥) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد الياء (ابن كعب) بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي المدني، أبو المنذر وأبو الطفيل، سيد القراء، شهد بدرًا والعقبة\n_________\n(١) وفي \"شرح الإِقناع\" في بيان مراتب الجماعة (٢/ ١٦١): الجماعة في الجمعة ثم صبح الجمعة ثم صبح غيرها ثم العشاء ثم العصر أفضل، وأما جماعة الظهر والمغرب فسواء، حكي في \"الأنوار الساطعة\" (ص ٣٥١) في مسلك الشافعية عن \"البجيرمي\": أن شرعية الجماعة في المدينة، فتأمل. (ش).\n(٢) وفي نسخة: \"الجمع\".\n(٣) قال ابن العربي (١/ ١٦): للعلماء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها مستحبة وهو الأكثر، والثاني: فرض، وبه قال الأوزاعي وغيره، وثالثها: مندوب، وقيل: فرض كفاية. (ش).\n(٤) كذا أخرجه النسائي (٨٤٣). (ش).\n(٥) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٥٧) رقم (٣٤).","vol":"3","page":390},{"text":"قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا الصُّبْحَ فَقَالَ: «أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟». قَالُوا: لا. قَالَ: «أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟». قَالُوا: لا. قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ،\n===\nالثانية، وقد أمر الله ﷿ نبيه - ﷺ - يقرأ عليه - ﵁ -، وكان ممن جمع القرآن، مات في خلافه عثمان - ﵁ -.\n(قال: صلَّى بنا) أي أَمَّنا (رسول الله - ﷺ - يومًا الصبح) أي في صلاة الصبح (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أشاهد فلان؟) أي أحاضر في صلاتنا هذه؟ (قالوا) أي الحاضرون من الصحابة: (لا) أي ليس هو بحاضر، (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (أشاهد فلان؟) أي لرجل آخر (قالوا: لا، قال) رسول الله - ﷺ -: (إن هاتين الصلاتين) إشارة إلى صلاة الصبح والعشاء، قال ابن حجر (١): وأشار إلى العشاء لحضورها بالقوة؟ لأن الصبح مذكرة لها نظرًا إلى أن هذه مبتدأ النوم وتلك منتهاه، ثم قال القاري (٢) بعد نقل قول ابن حجر: ولا يبعد أن يراد بهاتين الصلاتين فرض الصبح من الركعتين أو صلاتي الصبح من السنَّة والفرض.\n(أثقل الصلوات على المنافقين) (٣) لغلبة الكسل فيهما، أو لقلة تحصيل الرياء لهما (ولو تعلمون) أنتم أيها المؤمنون، وفي العدول عن الغيبة نكتة لا تخفى، ويمكن أن يكون تغليبًا (ما فيهما) من الأجر والثواب الزائد، لأن الأجر على قدر المشقة (لأتيتموهما ولو حبوًا) أي زحفًا ومشيًا (على الركب) والحبو أن يمشي على يديه وركبتيه أو استه، وحبا الصبي: إذا زحف على استه، قال الطيبي: حبوًا خبر كان المحذوف، أي ولو كان الإتيان حبوًا، ويجوز أن يكون التقدير: ولو أتيتموهما حبوًا، أي حابين تسمية بالمصدر مبالغة.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٤١).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٨).\n(٣) وفي \"شرح الإِقناع\" (٢/ ١٢١) عن \"الإِحياء\": لا تفوت جماعة إلَّا بذنب ... إلخ. (ش).","vol":"3","page":391},{"text":"وَإِنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ (١) لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿». [ن ٨٤٣، ق ٣/ ٦٨، دي ١٢٦٩، حم ٥/ ١٤٠، خزيمة ١٤٧٧، حب ٢٠٥٦، ك ١/ ٢٤٧]\n٥٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسَفَ،\n===\n(وإن الصف الأول) أي في القرب من الله تعالى، والبعد من الشيطان الرجيم (على مثل صف الملائكة) وقال الطيبي: شبه الصف الأول في قربهم من الإِمام بصف الملائكة في قربهم من الله تعالى.\n(ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه) أي سبقتم إليه، ذكر أولًا فضيلة الجماعة، ثم تنزل منه إلى بيان فضيلة الصف الأول، ثم إلى بيان كثرة الجماعة بقوله: (وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى) أي أكثر ثوابًا (من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى) أي أفضل (من صلاته مع الرجل) أي الواحد (٢)، (وما كثر) أي والصلاة التي كثر فيها المصلون (فهو أحب إلى الله ﷿) وتذكيره باعتبار لفظ ما، قال القاري (٣): وكل مسجد كثر فيه المصلون فذلك أفضل.\n٥٥٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا إسحاق بن يوسف) بن مرداس بميم مكسورة وسكون راء وبدال مهملة قبل الألف وبعدها سين مهملة، المخزومي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ما في فضيلته\".\n(٢) وفيه حجة للجمهور أن ما كثر فهو أفضل، ونقل الشعراني فيه خلاف المالكية، قال ابن رسلان: لرواية: \"صلاة الرجل في الجماعة تعدل خمسًا وعشرين\"، فإنه في مطلق الجماعة. قلت: ما اشتهر في الشروح من خلاف المالكية في ذلك يأباه كتب فروعه، ففي \"الدردير\" (١/ ٣٢٠) تصريح بأفضلية ما كثر. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٩).","vol":"3","page":392},{"text":"حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى سَهْلٍ - يَعْنِى عُثْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ -، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى عَمْرَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِى جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِى جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ». [م ٦٥٦، ت ٢٢١، حم ١/ ٥٨، خزيمة ١٤٧٣، حب ٢٠٥٨، ق ٣/ ٦٠]\n===\nالواسطي المعروف بالأزرق بتقديم الزاي على الراء، وثَّقه أحمد وابن معين والعجلي والبزار، وقال ابن سعد: وكان ثقة، وربما غلط، وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٩٥ هـ.\n(نا سفيان) الثوري، (عن أبي سهل، يعني عثمان بن حكيم) بن عباد بن حنيف، بالمهملة والنون مصغرًا، الأنصاري الأوسي المدني ثم الكوفي، وثَّقه ابن معين وأبو داود وأبو حاتم والنسائي، وعن أحمد: ثقة ثبت، وثَّقه العجلي وابن نمير ويعقوب بن شيبة وابن سعد وغيرهم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال البخاري عن علي: له نحو عشرين حديثًا، مات سنة ١٣٨ هـ.\n(ثنا عبد الرحمن بن أبي عمرة) الأنصاري النجاري، واختلف في اسم أبي عمرة على أقوال، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، يقال: ولد في عهد النبي - ﷺ -، وقال ابن أبي حاتم في \"المراسيل\": ليس له صحبة.\n(عن عثمان بن عفان قال) عثمان: (قال رسول الله - ﷺ -: من صلَّى العشاء) أي صلاة العشاء (في جماعة كان قيام نصف ليلة) أي كان أجره كأجر من قام مصليًا نصف ليلة (ومن صلَّى (١) العشاء والفجر) أي صلاتهما (في جماعة كان) أجره (كقيام ليلة) أي كأجر من قام في الصلاة ليلة كاملة، أخرج هذا الحديث\n_________\n(١) وسياق الترمذي مثل سياق أبي داود، ويخالفهم ما قال ابن رسلان: وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده عن عثمان قال رسول الله - ﷺ -: \"صلاة العشاء في جماعة تعدل قيام ليلة، وصلاة الفجر في جماعة تعدل قيام نصف ليلة\"، كذا قال في العشاء: قيام ليلة، وفي الفجر نصفه. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>(٤٩) بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ</span>\n٥٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ،\n===\nمسلم، ولكن سياقه يخالف سياق أبي داود، ولفظ مسلم: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من صلَّى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلَّى الصبح في جماعة فكأنما صلَّى الليل كله\".\nفهذا السياق يدل على أن أداء صلاة الصبح في جماعة أفضل من أداء صلاة العشاء في جماعة، لأن صلاة العشاء يساوي نصف الليل، وصلاة الفجر يساوي الليل كله، فيجوز أن يحمل على ظاهره، ويمكن أن يوجه سياق مسلم بأن فيه تقديرًا، وتقديره: ومن صلَّى الصبح في جماعة وقد صلَّى العشاء قبل ذلك في جماعة، فحينئذ يكون معنى حديث مسلم وأبي داود متحدًا.\nقال الطحطاوي على \"مراقي الفلاح\" (١): قوله: \"من صلَّى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله\"، يحتمل أنه بصلاة الصبح يحصل له ثواب النصف الآخر، فالليل كله حصل بمجموع الصلاتين، وهو الذي يشير إليه كلام ابن عباس، ويحتمل أنه أشار به إلى أن صلاة الصبح أفضل من صلاة العشاء، لأنه يكون بصلاتها كأنه قام نصف الليل، وبصلاته كانه قام الليل كله.\n\n(٤٩) (بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ المَشْيِ إلى الصَّلاةِ)\nأي: في فضل المشي على الأقدام إلى الصلاة على الركوب، فثبت بهذا أن من كثر مشيه إلى الصلاة بزيادة المسافة فهو أفضل\n٥٥٤ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) القطان، (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، (عن عبد الرحمن بن مهران) (٢) المدني، مولى\n_________\n(١) (ص ٣٢٦).\n(٢) بكسر الميم، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":394},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الأَبْعَدُ فَالأَبْعَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا\". [جه ٧٨٢، حم ٢/ ٣٥١، ق ٣/ ٦٥، ك ١/ ٢٠٨]\n===\nبني هاشم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو الفتح الأزدي: فيه وفي شيخه عبد الرحمن بن سعد نظر، وفي \"التقريب\": مجهول.\n(عن عبد الرحمن بن سعد) (١) المدني مولى الأسود بن سفيان، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأما الأزدي فقال: فيه نظر.\n(عن أبو هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: الأبعد (٢) فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا) قال العيني (٣): قال الكرماني: الفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم: الأمثل فالأمثل، ثم قال بعد نقل قول الكرماني: قلت: لم يذكر أحد من النحاة أن الفاء تجيء لمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن يكون الفاء ههنا للترتيب مع تفاوت من بعض الوجوه.\nوقال الزمخشري: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال.\nأحدها: أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود، كقوله: الصابح فالغانم فالآئب، أي الذي صبح فغنم فآب.\nوالثاني: تدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه نحو قولك: خذ الأكمل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل.\nوالثالث: أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك نحو: رحم الله المحلقين فالمقصرين.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: أبو حميد المقعد الأعرج. (ش).\n(٢) ولا يخالفه حديث \"شؤم الدار بعدها عن المسجد\"، إذ كل من الحديثين مقيد بقيد، فحديث الشؤم بفوت الصلاة، وحديث الباب بعدمه، والبسط في \"الكوكب\" (٣/ ٤١٨). (ش).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٣٧).","vol":"3","page":395},{"text":"٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، التَّيْمِىُّ أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ حَدَّثَهُ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ يُصَلِّى الْقِبْلَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَبْعَدَ مَنْزِلًا مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ فِى الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ (١) فِى الرَّمْضَاءِ وَالظُّلْمَةِ،\n===\nوقيل: تجيء الفاء تارة بمعنى ثم، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (٢) فالفاءات فيها بمعنى ثم لتراخي معطوفاتها، فعلى هذا يجوز أن يكون الفاء هاهنا بمعنى ثم، يعني أبعدهم ثم أبعدهم أي أبعدهم مسافة من المسجد.\n٥٥٥ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير) بن معاوية أبو خيثمة، (نا سليمان) بن طرخان (التيمي أن أبا عثمان) النهدي عبد الرحمن بن مَلٍّ (٣) (حدثه عن أبي بن كعب قال: كان رجل) لم يعرف اسمه (لا أعلم أحدًا من الناس ممن يصلي القبلة) أي من المسلمين (من أهل المدينة أبعد منزلًا) مفعول ثان لأعلم (من المسجد من ذلك الرجل (٤)، وكان) أي ذلك الرجل (لا تخطئه (٥» أي لا تفوته (صلاة) أي من الصلوات الخمس (في المسجد) أي في جماعة المسجد.\n(فقلت) أي قال أبي بن كعب: فقلت لذلك الرجل: (لو اشتريت حمارًا تركبه في الرمضاء) (٦) أي شدة الحرارة (والظلمة) أي إذا أتيت المسجد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فتركبه\".\n(٢) سورة المؤمنون: الآية ١٤.\n(٣) بلام ثقيلة والميم مثلثة.\n(٤) الأنصاري، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) بضم أوله وكسر ثالثه، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) هي الحجارة الحامية، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":396},{"text":"فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ مَنْزِلِى إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، فَنُمِىَ (١) الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَأَلَهُ عَنْ (٢) ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرَدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُكْتَبَ لِى إِقْبَالِى إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِى إِلَى أَهْلِى إِذَا رَجَعْتُ، فَقَالَ: «أَعْطَاكَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ،\n===\n(فقال) أي ذلك الرجل: (ما أحب أن منزلي) أي بيتي (إلى جنب المسجد) وكلامه هذا لما كان يوهم أنه لا يحب قرب المسجد بل يكرهه، وكان هذا منافيًا لحال المؤمن، ولفظ مسلم في هذا المعنى أصرح: \"قال: أَمَا والله ما أحب أن بيتي مُطَنَّبٌ ببيت محمد - ﷺ -، قال: فحملت به حملًا\"، الحديث.\n(فنمي) أي أبلغ (الحديث) أي ذلك القصة وكلام الرجل، ورواية مسلم تدل على أن المخبر والمبلغ هو أبي بن كعب نفسه، فإن فيه: \"فحملت به حملًا، حتى أتيت النبي - ﷺ - فأخبرته\"، ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: أخبر رسول الله - ﷺ - بذلك القصة غير أبي بن كعب، ثم أخبره أبي بن كعب (إلى رسول الله - ﷺ -، فسأله) أي سأل رسول الله - ﷺ - ذلك الرجل (عن) معنى قوله (ذلك) وماذا أراد به؟ .\n(فقال) أي ذلك الرجل: أرت يا رسول الله أن يكتب لي إقبالي إلى المسجد ووجوعي إلى أهلي إذا رجعت) أي فأجاب بأني أردت أن عدم محبتي قرب المسجد لأني إذا كنت بعيدًا من المسجد فيكتب لي أجر خطاي في إقبالي إلى المسجد، وأجر خطاي في رجوعي إلى أهلي، ولا يحصل ذلك الأجر في القرب، فلذلك ما أحب قرب المسجد.\n(فقال) رسول اللهﷺ -: (أعطاك الله ذلك كله (٣» أي أجر إقبالك\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فنمى الحديث\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قوله\".\n(٣) أكده به ليدل على أنه يعطى أجر الرجوع إلى أهله أيضًا، لكن لا يلزم منه أن يكون أجر الرجوع كأجر الإِقبال. (ش).","vol":"3","page":397},{"text":"أَنْطَاكَ اللَّهُ مَا احْتَسَبْتَ كُلَّهُ أَجْمَعَ\". [م ٦٦٣، جه ٧٨٣، دي ١٢٨٤، حم ٥/ ١٣٣، ق ١٠/ ٧٧]\n٥٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِى (١) عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ\n===\nورجوعك (أنطاك الله) قال في \"لسان العرب\": الإنطاء لغة في الإعطاء، وقيل: الإنطاء الإعطاء بلغة أهل اليمن (ما احتسبت) أي ما طلبت الثواب والأجر كما في الحديث: \"ألا تحتسبون آثاركم\"، أي: ألا تعدون الأجر في خطاكم إلى المسجد، فإن لكل خطوة أجرًا (كله أجمع).\n٥٥٦ - (حدثنا أبو توبة) ربيع بن نافع، (نا الهيثم بن حميد، عن يحيى بن الحارث) الذماري بكسر المعجمة وتخفيف الميم، أبو عمرو الشامي القارئ، ثقة، مات سنة ١٤٥ هـ، (عن القاسم) بن عبد الرحمن (أبي عبد الرحمن) الدمشقي، مولى آل أبي بن حرب، الأموي، صاحب أبي أمامة، عن ابن معين: ليس في الدنيا قاسم بن عبد الرحمن شامي غير هذا، قال البخاري: سمع عليًا وابن مسعود وأبا أمامة، وقيل: لم يسمع من أحد من الصحابة إلَّا من أبي أمامة، صدوق، يرسل كثيرًا.\n(عن أبي أمامة) اسمه صدي بالتصغير ابن عجلان (أن رسول الله - ﷺ - قال: من خرج من بيته متطهرًا) حال (إلى صلاة مكتوبة) أي إلى مسجد أو غيره لأداء صلاة مكتوبة (فأجره) أي ثوابه مضاعف (كأجر الحاج) أي مثل أجر الحاج.\nقال زين العرب: أي كأصل أجره، وقيل: كأجره من حيث أنه يكتب له بكل خطوة أجر كالحاج، وإن تغاير الأجران قلة وكثرة، أو كمية وكيفية،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ابن\".","vol":"3","page":398},{"text":"الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى\n===\nأو من حيث أنه يستوفى أجر المصلين من وقت الخروج إلى أن يرجع وإن لم يصل، إلَّا في بعض تلك الأوقات، كالحاج فإنه يستوفي أجر الحاج إلى أن يرجع وإن لم يحج إلَّا في عرفة.\n(المحرم) (١) شبه بالحاج المحرم لكون التطهر من الصلاة بمنزلة الإحرام من الحج لعدم جوازهما بدونهما، وأمثال هذه الأحاديث ليست للتسوية، كيف! وإلحاق الناقص بالكامل يقتضي فضل الثاني وجوبًا ليفيد المبالغة وإلَّا كان عبثًا، فشبه حال المصلي المقاصد إلى المكتوبة بحال الحاج المحرم في الفضل مبالغة وترغيبًا، لئلا يتقاعد عن الجماعات.\n(ومن خرج إلى تسبيح الضحى) أي صلاة الضحى، وكل صلاة تطوع تسبيحة وسبحة، قال الطيبي (٢): المكتوبة والنافلة وإن اتفقتا في أن كل واحد منهما يسبح فيها، إلَّا أن النافلة جاءت بهذا الاسم أخص من جهة أن التسبيحات في الفرائض والنوافل سنَّة، فكأنه قيل للنافلة تسبيحة على أنها شبيهة بالأذكار في كونها غير واجبة.\nوقال ابن حجر: ومن هذا أخذ أئمتنا قولهم: السنَّة في الضحى فعلها في المسجد، ويكون من جملة المستثنيات من خبر: \"أفضل صلاة الرجل في بيته إلَّا المكتوبة\"، انتهى، وفيه أنه على فرض صحة حديث المتن يدل على جوازه لا على أفضليته، أو يحمل (٣) على من لا يكون له مسكن، أو في مسكنه شاغل ونحوه على أنه ليس للمسجد ذكر في الحديث أصلًا،\n_________\n(١) من دويرة أهله كما هو مقتضى التشبيه بمن تطهير في بيته، فيه تقديم الإِحرام على الميقات، وجوازه مجمع عند الأربع إلَّا أنه خلاف الأفضل عند المالكية والحنابلة، وعندنا والشافعية الأفضل التقديم، ولم يجوزه داود وغيره. (ش).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢١٣).\n(٣) وقال ابن رسلان: ويحتمل أن يراد به صلاة الضحى في يوم الجمعة دون غيره لأدلة وردت. (ش).","vol":"3","page":399},{"text":"لَا يُنْصِبُهُ إلَّا إِيَّاهُ، فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِى عِلِّيِّينَ». [حم ٥/ ٢٦٣، ق ٣/ ٦٣]\n===\nفالمعنى: من خرج من بيته أو سوقه أو شغله متوجهًا إلى صلاة الضحى تاركًا أشغال الدنيا.\n(لا ينصبه) بضم الياء من الإنصاب أي لا يتعبه، ويروى بفتح الياء من نصبه أي أقامه، قاله زين العرب، وقال التوربشتي: هو بضم الياء والفتح احتمال لغوي لا أحققه رواية (إلَّا إياه) أي إلَّا تسبيح الضحى، وحقه أن يقال: إلَّا هو، فاستعير الضمير المنصوب موضع المرفوع، وقيل: هذا من باب الميل إلى المعنى دون اللفظ، وهو باب جليل من علم العربية، وقال ابن الملك: وقع الضمير المنصوب موضع المرفوع لأنه استثناء مفرغ، يعني لا يتعبه إلَّا الخروج إلى تسبيح الضحى.\n(فأجره كأجر المعتمر) فيه إشارة إلى أن العمرة سنَّة (١) (وصلاة على إثر صلاة) بكسر الهمزة ثم السكون أو بفتحتين، أي عقيبها (لا لغو بينهما) أي من قول أو فعل، قال في \"القاموس\": اللغو واللغى كالفتى: السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره، انتهى، فيشمل اللغو من الفعل كما ورد في الحديث: \"من مس الحصى فقد لغى\" (٢).\n(كتاب) أي عمل مكتوب (في عليين) هو علم لديوان الخير الذي دون فيه أعمال الأبرار، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٣)، سمي به لأنه مرفوع إلى السماء السابعة تكريمًا، ولأنه سبب الارتفاع إلى أعلى الدرجات.\n_________\n(١) وهي مختلفة عند الأئمة أوجبها الشافعي وأحمد، وسَنّها مالك، وهو المشهور عند الحنفية، كما سيجئ. (ش).\n(٢) أخرجه مسلم (٨٥٧)، وأبو داود (١٠٥٠).\n(٣) سورة المطففين: الآية ١٨ - ٢٠.","vol":"3","page":400},{"text":"٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِى جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِى بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِى سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً،\n===\n[قال المنذري:] وفي سنده القاسم أبو عبد الرحمن، وفيه مقال.\nقلت: قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): قال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: القاسم ثقة، وقال العجلي: ثقة، يكتب حديثه، وليس بالقوي، وقال يعقوب بن سفيان والترمذي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وقال البخاري: قال أبو مسهر: حدثنا صدقة بن خالد، ثنا عبد الرحمن بن يزيد، عن جابر قال: ما رأيت أحدًا أفضل من القاسم، وقال أبو إسحاق الحربي: كان من ثقات المسلمين، وقال الجوزجاني: كان خيارًا فاضلًا، مات سنة ١١٢ هـ.\n٥٥٧ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية) محمد بن خازم، (عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن أبي صالح) ذكوان، (عن أبي هريرة قال) أبو هريرة: (قال رسول الله - ﷺ -: صلاة الرجل) (٢) أي الصلاة المكتوبة (في جماعة تزيد) (٣) أي تلك الصلاة باعتبار الأجر والثواب (على صلاته في بيته وصلاته في سوقه) إذا صلَّى منفردًا (٤) (خمسًا وعشرين درجة).\n_________\n(١) (٨/ ٣٢٣).\n(٢) وهل يكون جماعة النساء في الفضل كجماعة الرجال؟ وجهان، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٣) في رواية \"الصحيحين\": \"تضعف\". قال الرمادي: يحتمل أن تضعف الصلاة فتصير ثنتين، ثم تضعف الاثنتان فتصير أربعة، ثم الأربعة ثمانية، وهكذا إلى أن ينتهي إلى خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك شيء كثير من فضله تعالى، وحمله على هذا أجود، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٤) هذا هو الصواب، قال النووي (٣/ ١٦٦): وما سواه باطل، كما نقل عن ابن التين: أن من صلى في السوق جماعة كان كمن صلى منفردًا لأنه مأوى الشياطين \"ابن رسلان\". وفي تراويح \"الكبيري\" (ص ٤٠٢): إن صلى المكتوبة في بيته بالجماعة يحصل له ثواب الجماعة لا المسجد، وبسطه. وفي \"الدر المختار\" (٢/ ٣٤٠): =","vol":"3","page":401},{"text":"وَذَلِكَ بِأَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ، وَلَا يَنْهَزُهُ - يعني- إلَّا الصَّلَاةُ،\n===\nقال ابن الملك: المراد الكثيرة لا الحصر، وفي رواية ابن عمر الذي رواه البخاري: \"صلاة الجماعة تفضل بصلاة الفرد بسبع وعشرين (١) درجة\"، ووجه التوفيق بينهما أن رسول الله - ﷺ - أخبر أولًا بزيادة خمس وعشرين، ثم زاد الله تعالى بفضله ورحمته درجتين فأخبر بسبع وعشرين، ويمكن أنه يختلف باختلاف حال المصلي والصلاة، فلبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون بحسب كمال الصلاة والمحافظة على قيامها والخشوع فيها وشرف البقعة والإمام، قال ابن حجر: وقد صح حديث: \"صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمسًا وعشرين درجة (٢)، فإذا صلاها بأرض فلاة فأتم وضوءها وركوعها وسجودها بلغت صلاته خمسين درجة\".\n(وذلك) (٣) أي التضعيف (بأن أحدكم) أي بسبب أن أحدكم (إذا توضأ فأحسن الوضوء) بأن أتى بالفرائض والسنن (وأتى المسجد) أي من بيته (لا يريد إلَّا الصلاة ولا ينهزه) أي لا يخرجه من بيته إلى المسجد (يعني إلَّا الصلاة)\n_________\n= الجماعة سنَّة مؤكدة، إلى أن قال: في مسجد أو غيره، وكذا في \"الطحطاوي على المراقي\" (ص ٢٣١)، وفي \"الفتح\" (٢/ ١٣٥) في أقاويل الجمع بين خمس وعشرين وسبع: سادسها الفرق بإيقاعها في المسجد وغيره، ومال الحافظ إلى أن التضعيف المذكور مختص بالمسجد. (ش).\n(١) وفي \"العارضة (٢/ ١٦): قال أبو عيسى: انفرد ابن عمر بسبع، وعامة من روى عن النبي - ﷺ - إنما ذكر خمسًا، وبسط رواياته الزرقاني (١/ ١٦٤)، والعيني (٣/ ٥٤٥)، وجمع في حاشية البخاري بأن خمسًا لغير صلاة الفجر والعصر، وسبعًا لهما لشركة الملائكة، وجمع في \"الأوجز\" بأحد عشر وجهًا (٣/ ٩) (ش).\n(٢) فتصير صلاته ستًا وعشرين درجة، لأن الزائد خمس وعشرون، كذا يظهر من كلام الباجي، \"أوجز المسالك\" (٣/ ٧) (ش).\n(٣) يعني هذه الزيادة المذكورة بسبب كيت وكيت، كذا قال ابن رسلان تبعًا \"للفتح\" (٢/ ١٣٥) ورده في \"اللامع\" (٣/ ١٢٥) (ش).","vol":"3","page":402},{"text":"لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَاّ رُفِعَ لَهُ (١) بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِى صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِىَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ (٢) يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِى مَجْلِسِهِ الَّذِى صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ أَوْ يُحْدِثْ فِيهِ». [خ ٦٤٧، م ٦٤٩، ت ٢١٦، جه ٧٨٦، ق ٣/ ١٧١]\n===\nأي قصد الصلاة بجماعة لا شغل آخر (لم يخط) بفتح أوله وضم الطاء (خطوة) بضم أوله (٣)، ويجوز الفتح (إلَّا رفع له بها درجة (٤)، وحط بها (٥) عنه خطيئة) أي إذا كان عليه سيئات (حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة) أي كأنه مشغول في صلاة وإن كان في انتظار الصلاة (ما كانت الصلاة هي) أي الصلاة (تحبسه) أي تمنعه من الخروج عن المسجد، و\"ما\" بمعنى مادام.\n(والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه يقولون: اللَّهُم اغفر له، اللَّهُم ارحمه، اللَّهُم تب عليه)، والمعنى: لا تزال الملائكة داعين له ما دام في مصلاه أو منتظرًا للصلاة (ما لم يؤذ فيه) أي أحدًا من المسلمين بلسانه أو بيده (أو يحدث فيه) أي حدثًا حقيقيًا أي ما لم يبطل وضوءه.\nقال ابن المهلب: معناه أن الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاءهم، وقيل: إخراج الريح من الدبر لا يحرم لكن أولى\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رفع الله بها درجة\".\n(٢) وفي نسخة: \"فالملائكة\".\n(٣) به ضبطه القرطبي، وضبطه ابن التين بالفتح، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) درجة حسية في الجنة أو معنوية. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) قيل: يحصل بكل خطوة شيئان، وقيل: الواو بمعنى أو. \"ابن رسلان\" (ش).","vol":"3","page":403},{"text":"٥٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ، عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ،\n===\nاجتنابه، لأن الملائكة تتأذى بما يتأذى منه بنو آدم، ويؤخذ منه أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة لا يمنع جواز الجلوس في المسجد، وادعى بعضهم فيه الإجماع، وفيه نظر، فقد نقل عن ابن المسيب والحسن، أنه كالجنب يمر فيه ولا يجلس، وقال ابن حجر: يجوز النوم فيه بلا كراهة عندنا، لأن أهل الصفة كانوا يديمون النوم في المسجد، وقيل: يكره للمقيم دون الغريب، وهو قريب من مذهب مالك وأحمد، وقال جمع من السلف بكراهته مطلقًا، والجمع ممكن بأن يقال: يكره لمن له مسكن دون غيره.\n٥٥٨ - (حدثنا محمد بن عيسى، ثنا أبو معاوية، عن هلال بن ميمون) الجهني، (عن عطاء بن يزيد) الليثي، قلت: وقد أخرج الحاكم في \"مستدركه\" (١) هذا الحديث بسنده ولفظه: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو معاوية، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري، الحديث، ثم قال بعد تخريجه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا على الحجة بروايات هلال بن أبي هلال، ويقال: ابن أبي ميمونة، ويقال: ابن علي، ويقال: ابن أسامة، وكله واحد.\nوقال الذهبي في \"تلخيصه على المستدرك\": وهلال هو ابن أبي هلال، ويقال: هو ابن أبي ميمونة، وهو ابن أسامة، وكلامهما صريح في أن المذكور في السند هو هلال بن أبي ميمونة.\nوالذي في جميع نسخ أبي داود هو هلال بن ميمون، ويؤيده ما ذكره الحافظ في ترجمة هلال بن ميمون الجهني، فقال (٢): روى عن سعيد بن\n_________\n(١) (١/ ٢٠٨).\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٨٤).","vol":"3","page":404},{"text":"عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"الصَّلَاةُ في جَمَاعَةٍ (١) تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا في فَلَاةٍ\n===\nالمسيب وعطاء بن يزيد الليثي، وعنه ثور بن يزيد وأبو معاوية الضرير وعبد الواحد بن زياد، فذكر في شيوخه عطاء بن يزيد الليثي، وفي تلامذته أبا معاوية الضرير، ولم يذكر في شيوخ هلال بن أبي ميمونة عطاء بن يزيد الليثي، ولا في تلامذته أبا معاوية وعبد الواحد بن زياد.\nويؤيد ما في أبي داود أيضًا أن ابن ماجه أخرج في \"سننه\" (٢) هذا الحديث من طريق أبي كريب، ثنا أبو معاوية عن هلال بن ميمون عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري، الحديث.\nفهذا الاختلاف وإن كان لا يضر بالحديث لأنهما ثقتان، ولكن لم يتعين لي أن الواقع في السند أيُّ الرجلين منهما، والله أعلم.\n(عن أبي سعيد الخدري) اسمه سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، له ولأبيه صحبة، استصغر بأحد، ثم شهد ما بعدها، مات بالمدينة بعد سنة ثلاث وستين (٣).\n(قال) أي أبو سعيد: (قال رسول الله - ﷺ -: الصلاة) المكتوبة (في (٤) جماعة تعدل) أي تساوي (خمسًا، وعشرين صلاة) أي إذا صلاها منفردًا في بيته أو سوقه (فإذا صلاها) أي الصلاة المكتوبة (في فلاة) (٥) قال في \"لسان العرب\": والفلاة: المفازة، والفلاة: القفر من الأرض، لأنها فُلِيَتْ من كل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الجماعة\".\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (٧٨٨).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٤٦٧) رقم (٥٩٦٢).\n(٤) استدل به على تساوي الأجر في الجماعات، سواء كثرت أو قلت، كما قال به بعض المالكية، وتقدم \"ما كثر فهو أحب\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) أي مع الجماعة كما هو ظاهر السياق. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":405},{"text":"فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً\". [خ ٦٤٦، ك ١/ ٢٠٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ\n===\nخير، أي فُطِمَتْ وَعُزِلَتْ، وقيل: هي التي لا ماء فيها، وقيل: هي الصحراء الواسعة، والجمع فلًا وفَلَوَاتٌ وفُلِىٌّ وفِلىٌّ.\n(فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة)، قال العيني (١): أي بلغت صلاته تلك خمسين صلاة، والمعنى: يحصل له أجر خمسين صلاة، وذلك يحصل له في الصلاة بالجماعة، لأن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، فإذا صلاها منفردًا لا يحصل له هذا التضعيف، وإنما يحصل له إذا صلاها مع الجماعة خمسة وعشرين لأجل أنه صلاها مع الجماعة وخمسة وعشرون أخرى للتي هي ضعف تلك، لأجل أنه أتم ركوع صلاته وسجودها، وهو في السفر الذي هو مظنة التخفيف.\nقال الشوكاني (٢): قال ابن رسلان: لكن حمله على الجماعة أولى، وهو الذي يظهر من السياق، انتهى، والأولى حمله على الانفراد، والحكمة في الاختصاص صلاة الفلاة بهذا المزية أن المصلي فيها يكون في الغالب مسافرًا، والسفر مظنة المشقة، فإذا صلاها المسافر مع حصول المشقة تضاعفت إلى ذلك المقدار، وأيضًا الفلاة في الغالب من مواطن الخوف والفزع، فالإقبال مع ذلك على الصلاة أمر لا يناله إلَّا من بلغ في التقوى إلى حد يقصر عنه كثير من أهل الإقبال والقبول، وأيضًا في مثل هذا الموطن تنقطع الوساوس التي تقود إلى الرياء، فإيقاع الصلاة فيها شأن أهل الإخلاص.\n(قال أبو داود: قال عبد الواحد بن زياد)، قال في \"التقريب\": عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم، البصري، ثقة، وفي حديثه عن الأعمش وحده\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٣٢).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٥٥).","vol":"3","page":406},{"text":"في هَذَا الْحَدِيثِ: \"صَلَاةُ الرَّجُلِ في الْفَلَاةِ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهِ في الْجَمَاعَةِ\"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>(٥٠) بَابُ مَا جَاءَ في الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ في الظُّلَمِ </span>(١)\n٥٥٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْكَحَّالُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ،\n===\nمقال (في هذا الحديث (٢» أي حديث أبي سعيد المتقدم (صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة، وساق) أي عبد الواحد (الحديث) ولم أجد هذا التعليق موصولًا فيما عندي من الكتب.\n\n(٥٠) (بَابُ مَا جَاءَ في المَشْيِ إلى الصَّلاةِ في الظلم)\n٥٥٩ - (حدثنا يحيى بن معين، نا أبو عبيدة (٣) الحداد) اسمه عبد الواحد بن واصل السدوسي مولاهم، البصري، نزيل بغداد، ثقة، تكلم فيه الأزدي بغير حجة، (نا إسماعيل أبو سليمان) وفي نسخة: ابن سليمان، وكلاهما صحيح (الكحال) الضبي أو اليشكري، أبو سليمان البصري، صدوق، يخطئ، (عن عبد الله بن أوس) الخزاعي، لين الحديث، (عن بريدة) (٤) بن الحصيب مصغرًا، أبو سهل الأسلمي، صحابي، أسلم قبل بدر.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الظلام\".\n(٢) ظاهر كلام ابن رسلان أنه حمله على شرح الحديث السابق لا على التعليق، فقال: قال عبد الواحد: في هذا الحديث دلالة على أن صلاة الرجل ... إلخ، وكأنه أخذ من إطلاق قوله في الحديث السابق: فإن صلَّى، لكن حمله على الجماعة أولى، كما يظهر من السياق ... إلخ. (ش).\n(٣) مصغرًا، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٢٠٣) رقم (٣٩٨).","vol":"3","page":407},{"text":"عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِى الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [ت ٢٢٣، جه ٧٨١، طس ٤٢١٩، قَ ٣/ ٦٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>(٥١) بَابُ مَا جَاءَ في الْهَدْيِ فِي الْمَشْىِ إِلَى الصَّلاةِ</span>\n٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُمْ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، حَدَّثَنِى سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى أَبُو ثُمَامَةَ الْحَنَّاطُ:\n===\n(عن النبي - ﷺ - قال) أي رسول الله - ﷺ -: (بشر المشائين) جمع المشاء، وهو كثير المشي (في الظلم) جمع ظلمة، فالمراد ظلمة الليل، وظلمة الغيم، وظلمة التكاثف (إلى المساجد) قيل: لو مشى في الظلام بضوء لدفع آفات الظلام فالجزاء بحاله (بالنور) (١) متعلق ببشر (التام يوم القيامة).\n\n(٥١) (بَابُ مَا جَاءَ في الهدْي)\nأي: السكينة والوقار (في الْمَشْيِ إِلى الصَّلَاةِ)\n٥٦٠ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، أن عبد الملك بن عمرو) القيسي، أبو عامر العقدي البصري، (حدثهم عن داود بن قيس) القرشي، أبو سليمان المدني، الدباغ، ثقة فاضل، مات في خلافة أبي جعفر، (ثني سعد بن إسحاق) بن كعب بن عجرة البلوي المدني، حليف الأنصار، ثقة، قال ابن عبد البر: ثقة، لا يختلف فيه.\n(ثني أبو ثمامة) بالمثلثة (الحناط) بفتح الحاء المهملة وفي آخرها طاء مهملة، نسبة إلى بيع الحنطة، قال في \"التقريب\": حجازي مجهول الحال، وقال الشوكاني (٢): وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج له في \"صحيحه\" هذا\n_________\n(١) على الصراط أو بمنابر من نور، لرواية الطبراني \"ابن رسلان\" وراجع: \"العارضة\" (٢/ ٢٢). (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٨٧).","vol":"3","page":408},{"text":"أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ، أَدْرَكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، قَالَ: فَوَجَدَنِى وَأَنَا مُشَبِّكٌ بِيَدَىَّ (١)، فَنَهَانِى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ فِى صَلَاةٍ». [ت ٣٨٦، حم ٤/ ٢٤٢، دي ١٤٠٤، خزيمة ٤٤٤، حب ٢٠٣٦]\n===\nالحديث، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال ابن حبان في \"الثقات\": كان حريف كعب بن عجرة، وقال الدارقطني: لا يعرف، يترك، وروى الترمذي حديثه إلَّا أنه لم يسمه فقال: عن رجل.\n(أن كعب بن عجرة) (٢) الأنصاري المدني، أبو محمد، صحابي مشهور (أدركه) أي أبا ثمامة (وهو) أبو ثمامة (يريد المسجد، أدرك أحدهما صاحبه، قال) أي أبو ثمامة: (فوجدني) أي كعب بن عجرة (وأنا مشبك بيد) جملة حالية، والتشبيك أن تدخل أصابع يدك في أصابع يدك الأخرى (فنهاني) أي كعب بن عجرة (عن ذلك) أي عن التشبيك.\n(وقال) أي كعب بن عجرة: (إن رسول الله - ﷺ - قال: إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه) أي أكمله بإتيان الفرائض والسنن والمندوبات (ثم خرج عامدًا) أي قاصدًا (إلى المسجد) أي للصلاة (فلا يشبكن يديه، فإنه في صلاة).\nقال العيني (٣): اختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة، وكره (٤) إبراهيم ذلك في الصلاة، وهو قول مالك، ورخص ابن عمر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يدي\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٥٣٢) رقم (٤٤٧٢).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٤٨).\n(٤) وفي \"المغني\" (٢/ ١١٧): يكره التشبيك في الصلاة، وقال ابن رسلان: هذا على مراتب: الأول: في الصلاة وهوأشد كراهة؛ لأنه منافي الصلاة، وينشأ عن البطالة، والثاني: منتظر الصلاة، وهو أخف من الأول، لكنه يكره لحديث الباب. والثالث: في المسجد بعد الصلاة، وهو مباح لحديث ذي اليدين. والرابع: في غير المسجد، وهو =","vol":"3","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوابنه سالم فكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد، وقال مالك: إنهم ينكرون تشبيك الأصابع في المسجد، وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة.\nوقد ورد النهي عن ذلك في أحاديث، منها ما أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١) بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أن النبي - ﷺ - قال: \"يا كعب إذا توضأت فأحسنت الوضوء، ثم خرجت إلى المسجد، فلا تشبك بين أصابعك، فإنك في صلاة\".\nومنها ما أخرجه الحاكم في \"مستدركه\" (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل هكذا، وشبك بين أصابعه\"، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين.\nومنها ما رواه ابن أبي شيبة (٣) بسنده عن مولى لأبي سعيد وهو مع\nرسول الله - ﷺ -، فدخل رسول الله - ﷺ - المسجد، فرأى رجلًا جالسًا وسط الناس، وقد شبك بين أصابعه يحدث بنفسه، فأومأ إليه رسول الله - ﷺ - فلم يفطن له، فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: \"إذا صلَّى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه فإن التشبيك من الشيطان\".\nفإن قلت: هذه الأحاديث معارضة لأحاديث الباب، قلت: غير مقاومة لها في الصحة ولا مساوية، وقيل: ليس بين هذه الأحاديث معارضة، لأن النهي إنما\n_________\n= أولى بالإِباحة، وما ورد من مطلق المنع عن التشبيك في المساجد محمول على قبل الصلاة جمعًا بين الروايات (ش).\n(١) \"صحيح ابن حبان\" (٢٠٣٦).\n(٢) (١/ ٢٠٦).\n(٣) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٥٢٣).","vol":"3","page":410},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nورد عن فعل ذلك في الصلاة، أو في المضي إلى الصلاة، وفعله - ﷺ - ليس في الصلاة، ولا في المضي إليها، فلا معارضة إذًا، وبقي كل حديث على حياله.\nفإن قلت: في حديث أبي هريرة الذي في الباب وقع تشبيكه - ﷺ - وهو في الصلاة، قلت: إنما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه فهو في حكم المنصرف عن الصلاة، والرواية التي فيها النهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة، لأن فيها ضعيفًا ومجهولًا، وقد رواها ابن أبي شيبة، ولفظه: \"إذا صلَّى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى غير منه\".\nوقال ابن المنير: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض، إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس.\nفإن قلت: ما حكمة النهي عن التشبيك؟ قلت: أجيب بأجوبة: الأول: لكونه من الشيطان، والثاني: أنه يجلب النوم وهو من مظان الحديث، الثالث: أن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث ابن عمر، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة، حتى لا يقع في المنهي عنه، وهو قوله - ﷺ - للمصلين: \"ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم\"، انتهى ملخصًا.\nقال القاري (١): يحتمل أن يكون النهي عن ذلك كالنهي عن كف الشعر والتثاؤب في الصلاة، وثبت في حديث ذي اليدين أنه ﵊ شبك أصابعه في المسجد، وذلك يفيد عدم التحريم، ولا يمنع الكراهة أي لغيره لكون فعله نادرًا، أي لبيان الجواز، أو لمعنى كما في حديث الأخبار، ويمكن حمله إلى ما قبل النهي، فإن حديث ذي اليدين قبل نسخ الكلام مع أن تشبيكه ﵊ إنما كان على ظن منه أنه فرغ من صلاته.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٢).","vol":"3","page":411},{"text":"٥٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ عَبَّادٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: حَضَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ الْمَوْتُ فَقَالَ: إِنِّى مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا مَا أُحَدِّثُكُمُوهُ إلَّا احْتِسَابًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى إلَّا كَتَبَ اللَّهُ ﷿ لَهُ حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ الْيُسْرَى إلَّا حَطَّ اللَّهُ ﷿ عَنْهُ سَيِّئَةً،\n===\nوقال الطحطاوي (١) على \"مراقي الفلاح\" (٢): قوله: \"وتشبيكها\" ولو حال السعي إلى الصلاة لما روى أحمد وأبو داود وغيرهما مرفوعًا: \"إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يشبك بين يديه، فإنه في صلاة\"، وإذا كان منتظرًا لها بالأولى، والذي يظهر أنها أيضًا تحريمية، كما في \"البحر\"، وأما إذا انصرف (٣) عن الصلاة فلا بأس به.\n٥٦١ - (حدثنا محمد بن معاذ بن عباد العنبري) وقد ينسب إلى جده، صدوق يَهِم، (نا أبو عوانة) وضاح بن عبد الله، (عن يعلي بن عطاء) العامري، ويقال: الليثي الطائفي، ثقة، (عن معبد بن هرمز) مدني، مجهول، قاله ابن القطان، وقال في \"الخلاصة\": حجازي، وثّقه ابن حبان، (عن سعيد بن المسيب قال: حضر رجلًا من الأنصار الموتُ) أي قرب حضور الموت (فقال) أي الرجل للحاضرين: (إني محدثكم حديثًا ما أحدثكموه إلَّا احتسابًا) أي طلبًا للثواب، فإن في نشر العلم أجرًا.\n(سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء) أي أكمله وأجمله (ثم خرج إلى الصلاة، لم يرفع قدمه اليمنى إلَّا كتب الله ﷿ له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلَّا حط الله ﷿ عنه سيئة)، وفيه إشارة إلى\n_________\n(١) (ص ٢٨١).\n(٢) والبسط في \"الشامي\" (٢/ ٤٩٣). (ش).\n(٣) وبسط ابن رسلان أيضًا في هذا المحل فأرجع إليه. (ش).","vol":"3","page":412},{"text":"فَلْيُقَرِّبْ أَحَدُكُمْ أَوْ لِيُبَعِّدْ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِى جَمَاعَةٍ، غُفِرَ لَهُ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضًا وَبَقِىَ بَعْضٌ، صَلَّى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِىَ، كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ، كَانَ كَذَلِكَ». [ق ٣/ ٦٩]\n===\nأن المصلي إذا أراد الخروج إلى الصلاة فينبغي له أن يبدأ برفع قدمه اليمنى، ثم وضع قدمه اليسرى.\n(فليقرب أحدكم أو ليبعد) أي فليقرب أحدكم مكانه من المسجد، أو يقال: فليقرب أحدكم خطاه إلى المسجد أو ليبعد، ولفظة \"أو\" ههنا ليس للتخيير بل للإبهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١)، والحديث باعتبار الاحتمال الثاني أوفق بالباب، فإن تقريب الخطى يكون بالسكينة والوقار في المشي.\n(فإن أتى المسجد فصلى) أي أدى الصلاة (في جماعة غفر له) أي جميع ذنوبه من الصغائر (فإن أتى المسجد وقد صلوا) أي الإِمام مع الجماعة (بعضًا) أي بعض الصلاة (وبقي بعض) أي بعض الصلاة، والجملة حالية (صلَّى) أي ذلك الرجل الجائي (ما أدرك) أي من صلاة الإِمام (وأتم ما بقى) أي ما فات منه من صلاة الإِمام، وهذه الجملة متفرعة على الجملة الحالية المتقدمة بتقدير العطف، وليست جزاء للشرط (كان كذلك) جزاء للشرط المتقدم، أي كان له مثل من صلَّى صلاته كاملة في جماعة من حصول المغفرة له.\n(فإن أتى المسجد وقد صلَّوا) أي فرغوا من الصلاة، ولم يدرك هذا الرجل شيئًا من صلاة الإِمام (فأتم) أي فأدى ذلك الرجل تامًا (الصلاة) أي صلاته منفردًا (كان كذلك) أي غفر له، كما كان غفر له في الحالتين الأوليين.\n_________\n(١) سورة سبأ: الآية ٢٤.","vol":"3","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>(٥٢) بَابٌ: فِيمَنْ خَرَجَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَسُبِقَ بِهَا</span>\n٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ طَحْلَاءَ -، عَنْ مُحْصِنِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبي (١) - ﷺ-: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، أَعْطَاهُ اللَّهُ ﷿ مِثْلَ أَجْرِ (٢) مَنْ صَلَاّهَا وَحَضَرَهَا،\n===\n(٥٢) (بَابٌ: فِيمَن خَرَج يريد (٣) الصلاة) أي أداء الصلاة في الجماعة (فَسُبِقَ بِهَا) أي: سبقه الإِمام بالصلاة، وفاته صلاة الإِمام ما له من الأجر؟\n٥٦٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن محمد -يعني ابن طحلاء-) (٤) مدني، صدوق، وقال ابن أبي حاتم: ليس به بأس، (عن محصن) بضم أوله (٥) وسكون ثانيه وكسر الصاد المهملة (ابن علي) الفهري المدني، مستور، وقال في \"تهذيب التهذيب\": ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يروي المراسيل، وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: مجهول الحال.\n(عن عوف بن الحارث) بن الطفيل بن سخبرة الأزدي ابن أخي عائشة لأمها، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: من توضأ فأحسن) أي أكمل وأجمل (وضوءه، ثم راح) إلى المسجد (فوجد الناس قد صلوا) أي فرغوا من صلاتهم في الجماعة (أعطاه) أي ذاك الرجل (الله ﷿ مثل أجر من صلاهما) أي الصلاة في الجماعة (وحضرها) أي حضر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"أجور\".\n(٣) وبوَّب عليه النسائي: \"حد إدراك الجماعة\"، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) بفتح الطاء والمد، \"ابن رسلان\"، وقال: ليس له عند أبي داود والنسائي إلَّا هذا الواحد. (ش).\n(٥) وفي \"ابن رسلان\": بكسر الميم. (ش).","vol":"3","page":414},{"text":"لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهمْ شَيْئًا\". [ن ٨٥٥، حم ٢/ ٣٨٠، ك ١/ ٢٠٨، ق ٣/ ٦٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>(٥٣) بَابُ مَا جَاءَ في خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسْجِدِ</span>\n٥٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ،\n===\nصلاة الجماعة (لا ينقص ذلك) أي إعطاء الله إياه مثل أجورهم (من أجرهم) أي الجماعة، بل لهم أجورهم كاملة لأدائهم الصلاة بالجماعة، وله مثل أجر أحدهم لسعيه في تحصيل صلاة الجماعة وإن فاتته (شيئًا).\n\n(٥٣) (بَابُ مَا جَاءَ في خروجِ النِّسَاءِ (١) إِلَى الْمَسْجدِ)\nهل يجوز؟\n٥٦٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة، (عن محمد بن عمرو) بن علقمة، (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن، (عن أبكي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تمنعوا إماء (٢) الله) جمع أمة (٣)، أصلها أموة (مساجد الله)\n_________\n(١) قال النووي: ذكر العلماء له شرائط مأخوذة من الحديث: لا تكون مطيبة، ولا مزينة، ولا ذات خلاخل، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، وآمنة عن الفتنة. [انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٩٩)] (ش).\n(٢) وذكر ابن رسلان قصة غريبة للزبير مع زوجته عاتكة بنت زيد، وكان شديد الغيرة، ولا يستطيع المنع للحديث، فجلس في الطريق حتى إذامرت عليه مس ثيابها، فمنعت، فسألها لم لا تخرجين إلى المسجد؟ قال: كنا نخرج حين كان الناس ناسًا. وذكر القصة مختصرًا في \"الإِصابة\" (٨/ ١٣٧) في ترجمة عاتكة زوجة الزبير، وقد شرطت عليه فتحيل لها، وقد شرطت أيضًا قبل ذلك على عمر فوفى لها الشرط، وكذا في \"أسد الغابة\" (٥/ ٣٣٨). وفي هامش \"اللامع\" (٣/ ٤٦٩). (ش).\n(٣) فيه إشارة إلى أن الإِذن بشرط كونها أمة الله لا أمة الدنيا والشهوة (ش).","vol":"3","page":415},{"text":"وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ\". [حم ٢/ ٤٣٨، دي ١٢٧٩، خزيمة ١٦٧٩، ق ٣/ ١٣٢، حب ٢٢١١]\n===\nنهي للرجال عن أن يمنعوا أزواجهم إذا أردن الخروج إلى المساجد.\nوأما استدلال بعض العلماء بعموم قوله ﵇: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\" على أنه ليس للزوج (١) أن يمنعها من الخروج إلى الحج، لأن المسجد الحرام الذي يخرج إليه الناس للحج والطواف أشهر المساجد وأعظمها حرمة، فلا يجوز للزوج أن يمنعها من الخروج إليه فغير صحيح، فإن خروجها للحج منهي عنه إذا كان على مسافة السفر، لقوله ﵊: \"لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر\"، الحديث، وأما إذا لم تكن على مسافة السفر فيحل لها الخروج أيضًا كما يحل لها الخروج إلى عامة المساجد للصلاة.\n(ولكن) حرف استدراك، فإن الكلام المتقدم يوهم جواز الخروج مطلقًا، فاستدرك بهذا القول، وقال: ولكن (ليخرجن وهنَّ تَفِلاتٌ) أي لكن ليخرجن إلى المساجد للصلاة والحال أنهن غير متطيبات وغير متبرجات بزينة، قال في \"القاموس\": تفل كفرح: تغيرت رائحته، وهو تفل ككتف وهي تفلة.\nقال القاري (٢): قال النووي في \"شرح مسلم\": النهي عن منعهن عن الخروج محمول على كراهة التنزيه، قال البيهقي: وبه قال كافة العلماء، قال ابن حجر: وقضية كلام النووي في تحقيقه والزركشي في أحكام المساجد أنه حيث كان في خروجهن اختلاط بالرجال في المسجد أو طريقه، أو قويت خشية الفتنة عليهن لتزينهن وتبرجهن، حرم عليهن الخروج، وعلى الحليل الإذن لهن، ووجب على الإِمام أو نائبه منعهن عن ذلك.\nقال في \"شرح النقاية\" لإلياس: وكحضور المرأة الشابة كل جماعة، فإنه يكره لخوف الفتنة، وكحضور العجوز الظهر والعصر، وهذا عند أبي حنيفة،\n_________\n(١) وبه قال مالك، وهو أحد قولي الشافعي، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٦).","vol":"3","page":416},{"text":"٥٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ». [خ ٩٠٠، م ٤٤٢، جه ١٦، حم ٢/ ١٦، ق ٥/ ٢٢٤]\n٥٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِى حَبِيبُ بْنُ أَبِى ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ». [حم ٢/ ٧٦، ق ٣/ ١٣١، خزيمة ١٦٨٤]\n===\nوقالا: يحضر العجوز الجماعة في الصلوات كلها، والفتوى اليوم على الكراهة في الصلوات كلها لظهور الفساد، ومتى كره حضورهن في المسجد للصلاة، فلأن يكره حضورهن في مجالس الوعظ خصوصًا عند هؤلاء الجهال الذي تحلوا بحلية العلماء أولى، هكذا قال المشايخ- رحهم الله-، ولو شاهدوا ما شهدنا من حضورهن بين مجالس وعاظ زماننا متبرجات بزينتهن لأنكروا كل الإنكار- رحم الله معاشر الأبرار-.\n٥٦٤ - (حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) وقد مر شرحه.\n٥٦٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، أنا العوام بن حوشب) بن يزيد الشيباني، أبو عيسى الواسطي، ثقة ثبته فاضل، (حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر - ﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تمنعوا نساءكم المساجد) أي إذا أردن الصلاة فيها (وبيوتهن خير لهن) أي وصلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد بالجماعة، لأنه أستر لهن، الجملة الأولى نهي للرجال عن منع النساء عن الحضور في المسجد، والجملة الثانية حث وترغيب للنساء أن يصلين في بيوتهن، فإنه أفضل لهن، كما يدل عليه حديث عبد الله بن مسعود الآتي قريبًا.","vol":"3","page":417},{"text":"٥٦٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ- «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ»، فَقَالَ ابْنٌ لَهُ: وَاللَّهِ لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، وَاللَّهِ لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ، قَالَ: فَسَبَّهُ وَغَضِبَ عليه، وَقَالَ: أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ائْذَنُوا لَهُن»، وَتَقُولُ: لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ!\n[خ ٨٩٩، م ٤٤٢، ت ٥٧٠، حم ٢/ ٣٦، ق ٣/ ١٣٢، حب ٢٢١٠، عب ٥١٠٨]\n===\n٥٦٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير) بن عبد الحميد (وأبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد قال: قال عبد الله بن عمر: قال النبي - ﷺ -: ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل) لأنه وقت خلو الطريق ووقت الظلمة، فتقل مظان الفتنة (فقال ابن له) اسمه بلال (١) أو واقد: (والله لا نأذن لهن) لظهور الفتن وحدوث الفساد في الزمن (فيتخذنه) أي الخروج إلى المساجد (دغلًا) قال النووي (٢): هو بفتح الدال والغين المعجمة، وهو الفساد والخداع والريبة، أي فيتخذنه ذريعة إلى الفساد، وقال في \"المجمع\": وأصله الشجر الملتف الذي يكمن أهل الفساد فيه.\n(والله لا نأذن لهن) هذا تأكيد للجملة القسمية السابقة وتكرار لها (قال) أي مجاهد: (فَسَبّهُ وغَضِبَ عليه) أي سب عبد الله- ابنه وغضب عليه (وقال) عبد الله: (أقول: قال رسول الله - ﷺ -: ائذنوا لهن، وتقول: لا تأذن لهن) أي فترد قول رسول الله - ﷺ - برأيك.\nقال الطيبي: أي أنا آتيك بالنص القاطع، وأنت تتلقاه بالرأي، كأن بلالًا لما اجتهد رأى من النساء وما في خروجهن إلى المساجد من المنكر أقسم على\n_________\n(١) كما سميا في روايتي مسلم، قال ابن عبد البر: الراجح بلال، ويحتمل التعدد لاختلاف جواب ابن عمر في القصتين، \"ابن رسلان\". وإلى التعدد مال الحافظ. [انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٤٨)]. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٠٠).","vol":"3","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>(٥٤) بَابُ التَّشْدِيدِ في ذَلِكَ</span>\n٥٦٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - زَوْجَ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ (١) لَمَنَعَهُنَّ\n===\nمنعهن، فرده أبوه بأن النص لا يعارض بالرأي، ونظيره ما وقع لأبي يوسف حين روى أنه ﵇ كان يحب الدباء، فقال رجل: أنا ما أحبه، فسل السيف أبو يوسف وقال: جدد الإيمان وإلَّا لأقتلنك، قاله القاري (٢).\nقلت: والذي يظهر لي (٣) أن هذا الرد البليغ والسب الشنيع ليس لأجل أنه عارض النص بالرأي، لأن قول ابن عبد الله كان من باب سد باب الفساد، وهو ثابت بالنصوص أيضًا، بل لأن ظاهر قوله كان ردًا لقول الشارع - ﷺ - وإنكارًا له، فينافي الإِسلام والانقياد.\n\n(٥٤) (بَابُ التَّشْدِيدِ في ذلِكَ)\nأي: في خروج النساء إلى المساجد كما في بعض النسخ\n٥٦٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته، أن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - قالت: لو أدرك رسول الله - ﷺ - ما أحدث النساء) من التطيب والزينة للخروج إلى المسجد (لمنعهن) أي رسول الله - ﷺ - صريحًا، وإلَّا فقد منعهن ضمنًا كما في الحديث المتقدم بقوله: \"وليخرجن وهُنَ تَفِلاتٌ\"، وكما في حديث أبي موسى ولفظه: \"أن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا، يعني زانية\"، وهذا الحكم فيما إذا غلب وفشا ذلك في النساء، والله أعلم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بعده\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦٦).\n(٣) وبه جزم في \"الكوكب الدري\" (١/ ٤٥٣) (ش).","vol":"3","page":419},{"text":"الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَهُ (١) نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ. قَالَ يَحْيَى: فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَمُنِعَهُ (٢) نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. [خ ٨٦٩، م ٤٤٥، ت ٥٤٠، حم ٦/ ٩١]\n٥٦٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ،\n===\n(المسجد) أي خروجهن إلى المسجد (كما منعه) أي الخروج إلى المسجد (نساء بني إسرائيل، قال يحيى) أي ابن سعيد: (فقلت لعمرة: أمنعه) أي عن الخروج إلى المسجد (نساء بني إسرائيل؟ قالت) عمرة: (نعم) أي منعت نساء بني إسرائيل عن الخروج إلى المسجد لأجل إحداث الزينة وغيرها من دواعي الفتنة، وقول عائشة (٣): \"كما منعه نساء بني إسرائيل\" يدل ظاهرًا على أنهن منعن عن الخروج، فلا وجه للسؤال إلَّا لزيادة التثبت والتحقيق.\n٥٦٨ - (حدثنا ابن المثنى) محمد (أن عمرو بن عاصم) بن عبيد الله الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري، الحافظ، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: صالح، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال بندار: لولا فرقي من آل عمرو بن عاصم لتركت حديثه، هكذا قال الحافظ في\"تهذيب التهذيب\"، وقال في \"التقريب\": صدوق، في حفظه شيء.\n(حدثهم قال: ثنا همام) بن يحيى، (عن قتادة، عن مورق) بضم أوله وتشديد الراء المكسورة، ابن مُشَمْرِج بضم أوله وفتح المعجمة وسكون الميم وكسر الراء بعدها جيم، ابن عبد الله العجلي، أبو المعتمر البصري، ثقة عابد.\n(عن أبي الأحوص) هو عوف بن مالك الجشمي، مشهور بكنيته، ثقة،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"منعت\".\n(٢) وفي نسخة: \"أمنعت\".\n(٣) وقد روى عبد الرزاق (٣/ ١٤٩) عن عائشة مرفوعًا نصًا: منعهن يعني نساء بني إسرائيل عن المساجد، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":420},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِى حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِى مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِى بَيْتِهَا». [ق ٣/ ١٣١، ك ١/ ٢٠٩، خزيمة ١٦٨٨]\n٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ». قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ،\n===\n(عن عبد الله) بن مسعود، (عن النبي - ﷺ - قال: صلاة (١) المرأة في بيتها) أي الداخلاني لكمال سترها (أفضل من صلاتها في حجرتها) أي صحن الدار، قال ابن الملك: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها، وهي أدنى حالًا من البيت.\n(وصلاتها في مخدعها) بضم الميم وتفتح وتكسر مع فتح الدال في الكل، وهو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير يحفظ فيه الأمتعة النفيسة، من الخدع وهو إخفاء الشيء أي في خزانتها (أفضل من صلاتها في بيتها) لأن مبنى أمرها على التستر.\n٥٦٩ - (حدثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو، (ثنا عبد الوارث، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: لو تركنا هذا الباب) أي الباب الذي يسمى الآن بباب النساء بالمدينة من مسجد النبي - ﷺ - (للنساء) أي مختصًا لدخول النساء فلا يدخل الرجال منه المسجد (قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات).\n(قال أبو داود: رواه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع قال: قال عمر).\nحاصل هذا الكلام أن عبد الوارث وإسماعيل بن إبراهيم اختلفا في رواية\n_________\n(١) وقد أخرج أحمد من رواية أم حميد كما حكي عنه في \"جمع الفوائد\" رقم (١٢١٥) أوضح وأتم من ذاك. (ش).","vol":"3","page":421},{"text":"وَهَذَا أَصَحُّ. [تقدم برقم ٤٦٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>(٥٥) بَابُ السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ</span>\n٥٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ،\n===\nهذا الحديث عن أيوب في أمرين: فرفعه عبد الوارث عن ابن عمر موصولًا ولم يرفعه إسماعيل، بل أوقفه على عمر - رضي الله تعالى عنه -، وجعله قول عمر، ولم يذكر ابن عمر، ورواية نافع عن عمر منقطع.\nثم يقول أبو داود: (وهذا أصح) أي رواية إسماعيل موقوفًا أصح من رواية عبد الوارث مرفوعًا، وفي بعض النسخ: قال أبو داود: وحديث ابن عمر وهم من عبد الوارث أي رفعه وهم منه، ولم أجد دليلًا على ما ادعاه المصنف من الوهم، فإن الراويين كليهما ثقتان، ثم هذا الحديث بسنده ومتنه مكرر، قد تقدم في \"باب اعتزال النساء في المساجد عن الرجال\".\n\n(٥٥) (بَابُ السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ)\nهل يجوز أو لا؟ والمراد بالسعي هاهنا الإسراع في المشي بحيث يتشتت به قلب المصلي وتزول طمأنينته\n٥٧٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عنبسة) بن خالد، (أخبرني يونس) بن يزيد، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا أقيمت (١) الصلاة فلا تأتوها) أي الصلاة (تسعون) حال، أي لا تأتوا إلى الصلاة\n_________\n(١) قيد به لأنه الحامل على الإِسراع فغيره أولى، وقيل: التقييد بها، لأن المسرع إذًا يحفزه النفس بخلاف السابق على الإِقامة. \"ابن رسلان\"، وكذا في \"الأوجز\" (٢/ ٢٢). (ش).","vol":"3","page":422},{"text":"وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ،\n===\nمسرعين في المشي وإن خفتم فوت الصلاة، كذا قال بعض علمائنا، والنهي إنما هو الإسراع المفضي إلى تشتت البال وعدم استقامة الحال.\n(وأتوها تمشون) أي وأتوا للصلاة حال كونكم تمشون بالطمأنينة والسكون، إن قلت: قوله: \"فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون\" ما هذا إلَّا كما تقول: \"لا تأكل لحم الفرس، ولكن كل لحم الحيوان\"، وهو كلام ضعيف، قلت: لا نسلم ضعفه، لأن المراد لحم حيوان غيره، وإن سلم فالقيد موجود في الحديث وهو قوله: (وعليكم السكينة) مع أن السعي قد يكون مشيًا، كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١)، وقد يكون عدوًا، كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ (٢)، وقد يكون عملًا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣).\nثم من خاف فوت التكبيرة الأولى، فقيل: إنه يسرع، فإن عمر - رضي الله تعالى عنه - سمع الإقامة بالبقيع فأسرع إلى المسجد، وقيل: إنه يهرول، ومنهم من اختار يمشي على وقار للحديث، لأن من قصد الصلاة فكأنه في الصلاة، والأظهر إسراع مع السكينة إحرازًا للفضيلتين، ولقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤)، وفي بعض الروايات جمع بين السكينة والوقار، فقيل: هما بمعنى، والحق أن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت، والإقبال على طريقه من غير التفات ونحو ذلك، قاله الطيبي، والأظهر أن المراد بالسكينة سكون القلب وحضوره وخشوعه وخضوعه وأمثال ذلك، وبالوقار سكون القلب من الهيئات الغير المناسب للسالك.\n_________\n(١) سورة الجمعة: الآية ٩.\n(٢) سورة يس: الآية ٢٠.\n(٣) سورة النجم: الآية ٣٩.\n(٤) سورة آل عمران: الآية ١٣٣.","vol":"3","page":423},{"text":"فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا\". [خ ٦٣٦، م ٦٠٢، ت ٣٢٧، ن ٨٦١، جه ٧٧٥]\n===\n(فما أدركتم فصلوا) الفاء جزاء شرط محذوف، أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم، فما أدركتم فصلوا، أي ما أدركتم من ركعات الصلاة فصلوه، وبإطلاقه أخذ جماعة من العلماء أن الجماعة تدرك بأي جزء أدرك قبل سلام الإِمام، ويحصل للمأموم فضل الجماعة وهو سبع وعشرون درجة، لكن من أدركها من أولها تكون درجته أكمل.\n(وما فاتكم فأتموا) فيه دليل على أن ما أدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته، لأن لفظ الإتمام يقع على باقي فعل تقدم أوله، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد قاله ابن الملك، قال الطيبي: وهو مذهب علي وأبي الدرداء، قلت: وإليه ذهب أبو حنيفة - ﵀- إلَّا في القراءة، قال ابن حجر: وهو مذهب جمع من الصحابة والتابعين، وقال آخرون: ما أدركه معه هو آخر صلاته لرواية: \"ما فاتكم فاقضوا\" ورد بأن حقيقة القضاء هنا غير متأتية، فتعين حملها على رواية الإتمام الصريحة، قاله القاري (١).\nقلت: قد اختلف الأئمة فيمن أدرك الإِمام يوم الجمعة بعد الركوع مثلًا في التشهد أو في سجود السهو هل يبني عليه الجمعة أو الظهر؟ فقال محمد: يبني عليها الظهر، ويصلي أربعًا، قال العيني في \"شرح الهداية\": وبه قال الشافعي ومالك (٢) وأحمد بناءً على ما أخرجه الدارقطني (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى، وما فاتته الركعتان فليصل أربعًا\".\nوقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يبني عليها الجمعة، ويصلي ركعتي الجمعة مستدلًا بهذا الحديث الصحيح الصويح الذي أخرجه البخاري ومسلم، فإنه يدل\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٨٠).\n(٢) وينوي الجمعة ابتداء عند الشافعي والظهر عند أحمد، كذا في \"الأوجز\" (٢/ ٤١٢). (ش).\n(٣) \"سن الدارقطني\" (٢/ ١١).","vol":"3","page":424},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا قَالَ الزُّبَيْدِيُّ وابْنُ أَبي ذِئْبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ\n===\nعلى أن من فاته شيء من صلاة الإِمام، وأدرك شيئًا منها أي جزء كان، فعليه أن يتمه ويقضيه، فإذا أدرك في الجمعة التشهد أو سجود السهو فبناء على هذا الحديث عليه أن يتم الجمعة ويقضيه.\nوفي رواية أخرى للدارقطني: \"من أدرك من الجمعة ركعة صلَّى إليها أخرى، فإن أدركهم جلوسًا صلَّى الظهر أربعًا\" والحديث ضعيف، لأن في سنده ياسين بن معاذ الزيات، قال الدارقطني: قال الشيخ: ياسين ضعيف، وأيضًا في روايةٍ صالح بن أبي الأخضر وهو أيضًا ضعيف، ضعفه يحيى بن معين والنسائي والبخاري، وعن ابن معين: ليس بشيء، وقال الجوزجاني: اتهم في أحاديثه، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال الترمذي: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره، قاله الذهبي في \"الميزان\" (١)، وأيضًا وقع في رواية للدارقطني سليمان بن أبي داود الحراني، قال في \"الميزان\" (٢): ضعفه أبو حاتم، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يحتج به.\nومع هذا حديث الدارقطني هذا لا يقاوم حديث الصحيحين، ولو سلم فيمكن أن يوجه قوله: \"فإن أدركهم جلوسًا\" أي بعد الفراغ من الصلاة، وكذلك قوله: \"من فاتته الركعتان\" أي فوتهما بسلام الإِمام، فحينئذ لا يخالف حديث الصحيحين في المعنى.\n(قال أبو داود: وكذا) أي مثل ما قال يونس عن ابن شهاب بلفظ: \"وما فاتكم فأتموا\"، (قال الزبيدي) هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي بالزاي والموحدة مصغرًا، أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، (وابن أبي ذئب) أخرج روايته البخاري (٣) (ابرا هيم بن سعد) أخرج\n_________\n(١) (٢/ ٢٨٨).\n(٢) (٢/ ٢٠٦).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٦٣٦) وكذلك أخرجه الطحاوي (١/ ٣٩٦)، والبيهقي (٣/ ٩٣)، وابن حبان (٥/ ٥١٨) رقم (٢١٤٦).","vol":"3","page":425},{"text":"وَمَعْمَرٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عن الزُّهْرِيِّ: \"وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا\". وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ: \"فَاقْضُوا\". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ،\n===\nروايته مسلم (١) (ومعمر) أخرج روايته الترمذي (٢) (وشعيب بن أبي حمزة) أخرج حديثه البخاري في الجمعة (٣) (عن الزهري: وما فاتكم فأتموا) حاصله أن كلهم رووا عن الزهري بلفظ: فأتموا، وخالفهم ابن عيينة في هذا اللفظ (وقال ابن عيينة (٤) عن الزهري وحده: \"فاقضوا\") أي لم يذكر ابن عيينة \"فأتموا\"، بل ذكر ابن عيينة وحده من بين أصحاب الزهري \"فاقضوا\"، قال الحافظ (٥): رواه عنه ابن عيينة بلفظ: \"فاقضوا\"، وحكم مسلم في \"التمييز\" عليه بالوهم في هذه اللفظة مع أنه أخرج إسناده في \"صحيحه\" لكن لم يسبق لفظه.\nقلت: ودعوى المصنف بأن ابن عيينة عن الزهري متفرد في لفظ \"فاقضوا\" غير صحيح، فإن الإِمام الطحاوي (٦) أخرج بسنده عن الليث قال: ثني ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: \"فاقضوا\"، فثبت بهذا أن ابن عيينة غير متفرد في رواية هذا اللفظ عن ابن شهاب.\n(وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة) ذكره الطحاوي بسنده في \"شرح\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٦٠٢) وكذلك أخرجه ابن ماجه (٧٧٥) وأبو عوانة (٢/ ٨٢)، والبيهقي (٢/ ٢٩٧)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢٩٩).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣٢٨) وكذلك أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨٨) رقم (٣٤٠٤)، وأحمد (٢/ ٢٧٠).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٩٠٨).\n(٤) أخرج روايته أحمد (٢/ ٢٣٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٥٨)، والحميدي (١/ ٤١٨) رقم (٩٣٥)، ومسلم (٦٠٢)، والترمذي (٣٢٩)، والنسائي (٢/ ١١٤)، والطحاوي (١/ ٣٩٦)، وابن حبان (٥/ ٥١٧) رقم (٢١٤٥)، والبيهقي (٢/ ٢٩٧).\n(٥) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٨).\n(٦) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٩٦).","vol":"3","page":426},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (١). وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: «فَأَتِمُّوا». وَابْنُ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-. وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَنَسٌ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، كُلُّهُمْ (٢): «فَأَتِمُّوا\".\n٥٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «ائْتُوا الصَّلَاةَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَصَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ وَاقْضُوا مَا سَبَقَكُمْ». [حم ٢/ ٣٨٢، خزيمة ١٥٠٥، وانظر تخريج الحديث السابق]\n===\nمعاني الآثار\" (٣) (عن أبي هريرة، وجعفر بن ربيعة (٤)، عن الأعرج، عن أبي هريرة: فأتموا) هذا تقوية وتأييد لما روى جمهور تلامذة الزهري عنه بقوله: فأتموا، ثم أيده برواية الصحابة غير أبي هريرة، فقال: (وابن مسعود، عن النبي - ﷺ -، وأبو قتادة) أخرج روايته البخاري ومسلم (وأنس عن النبي، - ﷺ - كلهم: فأتموا) أي كلهم قالوا بلفظة \"فأتموا\" (٥).\n٥٧١ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: ائتوا الصلاة) أي ائتوا المسجد للصلاة (وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم، واقضوا ما سبقكم،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قالوا\".\n(٣) (١/ ٣٩٦) وكذلك أخرجه البيهقي (٢/ ٢٩٧).\n(٤) لم أقف على من أخرج روايته.\n(٥) أما رواية ابن مسعود فأوردها ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ٢٣٢) موقوفًا، وفيه انقطاع. ورواية أبي قتادة الأنصاري وصلها أحمد (٥/ ٣٠٦) والدارمي (١/ ٢٠١) رقم (١٢٨٣) والبخاري (٦٣٥) ومسلم (٦٠٣) وابن خزيمة (١٦٤٤) وابن حبان (٢١٤٧) والبيهقي (٢/ ٢٩٨).","vol":"3","page":427},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ «وَلْيَقْضِ» (١)، وَكَذَا أَبُو رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَأَبُو ذَرٍّ رُوِىَ عَنْهُ: «فَأَتِمُّوا وَاقْضُوا» وَاخْتُلِفَ فيهِ عَنْهُ.\n===\nقال أبو داود: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة: وليقض) كما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" ولفظه: واقض ما سبقك، (وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة) أي بلفظ القضاء، ولم أجد روايته فيما عندي من الكتب (وأبو ذر روي عنه) بلفظ (فأتموا) وبلفظ (واقضوا) روي عنه بكلا اللفظين (واختلف فيه) أي في هذا اللفظ (عنه) أي عن أبي ذر، ولم أجد روايته أيضًا (٢)، وكذلك رواية ابن مسعود وأنس، وغرض المصنف من ذكر هذه الروايات ترجيح لفظ \"فأتموا\" على لفظ \"فاقضوا\".\nقال العيني (٣): وفي هذه اللفظة اختلاف، فعند أبي نعيم الأصبهاني: \"وما فاتكم فاقضوا\"، وكذا ذكر الإسماعيلي من حديث شيبان عن يحيى، وفي رواية لمسلم: \"فاقض ما سبقك\"، وفي رواية لأبي داود: \"فاقضوا ما سبقكم\"، وعند أحمد من حديث ابن عيينة عن الزهري: \"وما فاتكم فاقضوا\"، وفي \"المحلى\" من حديث ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة: \"وما فاته فليقض\"، وفي \"مسند أبي قرة\" عن ابن جريج عن الزهري بلفظ: \"فاقضوا\"، قال: وذكر سفيان عن سعد بن إبراهيم حدثني عمرو بن [أبي]، سلمة عن أبيه بلفظ: \"وليقض ما سبقه\".\nاختلف العلماء في القضاء والإتمام المذكورين هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ وترتب على ذلك خلاف فيما يدركه الداخل مع الإِمام هل هو أول صلاته أو آخرها؟ على أربعة أقوال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يقضي\".\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٢٩٠) رقم (٣٤١٢).\n(٣) \"عدة القاري\" (٤/ ٢١٠).","vol":"3","page":428},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحدهما: أنه أْول صلاته وأنه يكون بانيًا عليه في الأفعال (١) والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي، وهو مروي عن علي وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول، ورواية عن مالك وأحمد، واستدلوا بقوله: \"وما فاتكم فأتموا\"، لأن لفظ الإتمام واقع على باقٍ من شيء قد تقدم سائره، وروى البيهقي عن الحارث عن علي -﵁ -: \"ما أدركت فهو أول صلاتك\"، وعن ابن عمر بسند جيد مثله.\nالثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال قيقضِها، وهو قول مالك، قال ابن بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلَّا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، ودليله ما رواه البيهقي أن علي بن أبي طالب قال: \"ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن\".\nالثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته إلَّا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورة مع الإِمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها، لأنه آخر صلاته، وهو قول المزني وإسحاق، وأهل الظاهر.\nالرابع: أنه آخر صلاته وأنه يكون قاضيًا في الأفعال والأقوال، وهو\n_________\n(١) قلت: لكن يشكل عليه ما قال ابن رسلان: إن المسبوق بالركعتين ينبغي له أن يقرأ السورة في الأخريين لئلا تخلو صلاته عن ضم السورة، فتأمل. وحكى المذاهب الموفق ابن قدامة في \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢٦٥) بخلاف هذا، فقال: اختلفت الرواية فيما يقضيه المسبوق فروي أنه أول صلاته، وما أدرك مع الإِمام آخرها، وهو ظاهر المذهب، وكذا قال مالك والثوري، وحكي عن الشافعي، وأبي حنيفة. وروي عن أحمد أن ما يقضيه آخر صلاته، وهو قول الشافعي، ورواية لمالك، ولا أعلم خلافًا بين الأئمة الأربعة في قراءة الفاتحة والسورة، قال ابن عبد البر: كل هؤلاء القائلين بالقولين جميعًا يقولون: يقضي ما فاته من الحمد والسورة على حسب ما قرأ إمامه، إلَّا إسحاق وداود والمزني، قالوا: يقرأ بالحمد وحدها (ش).","vol":"3","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقول أبي حنيفة وأحمد في رواية، وسفيان ومجاهد وابن سيرين، وقال ابن الجوزي: الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه آخر صلاته، وقال ابن بطال: روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخعي والشعبي وأبي قلابة، ورواه ابن القاسم عن مالك وهو قول أشهب وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب، واستدلوا على ذلك بقوله - ﷺ -: \"ما فاتكم فاقضوا\"، ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر، وابن حزم بسند مثله عن أبي هريرة، والبيهقي بسند لا بأس به على رأي جماعة عن معاذ بن جبل -﵁ -.\nوالجواب عما استدل به الشافعي ومن تبعه وهو قوله: \"فأتموا\": أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإِمام، فحمل قوله: \"فأتموا\" على أن من قضى ما فاته فقد أتم، لأن الصلاة تنقص بما فات، فقضاؤه إتمام لما نقص.\nقلت (١): وههنا قول خامس (٢) نسبه الحنفية إلى الإِمام محمد - ﵀ -، وهو أن المسبوق يقضي أول صلاته في حق قراءة، وآخرها في حق تشهد، قال الشامي (٣): وظاهر كلامهم اعتماد قول محمد.\nوعندي الأوفق بلفظ الحديث قول من قال: إن ما أدرك من صلاة الإِمام فهو آخر صلاته، فإن لفظ الحديث: \"ما فاتكم فأتموا\"، تقديره: ما فات من صلاتكم عن صلاة إمامكم فاتموه أي ائتوه تامًا، والذي فات من الصلاة هو أول صلاته، فإنه لم يدركه مع الإِمام، فعليه بمقتضى الحديث أن يؤديه تامًا كاملًا، وما استدل على خلافه من أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل\n_________\n(١) اختلفت أقوال الفقهاء في نقل قول الإِمام محمد، كما في \"الشامي\" (٢/ ٤١٧) و\"البدائع (١/ ٥٦٥)، و\"البحر\" (٢/ ١٧٤) بأشد البسط. (ش).\n(٢) والفرق بين هذا القول والقول الثاني من الأقوال المذكورة يظهر من كلام صاحب \"البدائع\" وشيء من ذلك في \"الأوجز\" (٢/ ٢٣) (ش).\n(٣) \"رد المحتار\" (٢/ ٤١٨).","vol":"3","page":430},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحال، فلو كان ما يدركه مع الإِمام آخرًا له لما احتاج إلى إعادة التشهد، أجاب عنه ابن بطال أنه ما تشهد إلَّا لأجل السلام، لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد، وأما استدلال ابن المنذر على ذلك بأنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلَّا في الركعة الأولى فغير مسلم في حق المسبوق، والله تعالى أعلم.\nيقول العبد الحقير المعترف بالتقصير: إن هذا الحديث أورده المحدثون بألفاظ مختلفة بعضها محتملة للمعنيين، وبعضها محكمة في معنى واحد، فأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ولفظه: \"فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا\"، وبهذا اللفظ أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة - ﵁ -، وكذلك أخرج مسلم من حديث أبي قتادة، وحكى أبو داود أن حديث ابن مسعود وأنس بهذا اللفظ يعني فأتموا، وروى سفيان بن عيينة من بين أصحاب الزهري في حديث أبي هريرة بلفظ: \"فاقضوا\" بدل \"فأتموا\".\nواختلف أيضًا في حديث أبي قتادة، فرواية الجمهور \"فأتموا\"، ووقع لمعاوية بن هشام عن شيبان \"فاقضوا\"، وكذا روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، فقال: \"فاقضوا\"، واختلف في حديث أبي ذر أيضًا، فروي عنه \"فأتموا\"، وروي عنه \"واقضوا\".\nوهذان السياقان استدل بهما الفريقان، فالذين قالوا: إن المسبوق يدرك مع الإِمام أول صلاته، ثم إذا انفرد عن الإِمام يتم آخر صلاته، استدلوا بلفظ \"فأتموا\" فإن إتمام الشيء لا يتحقق إلَّا بعد ما تقدمه شيء، وأما لفظ \"فاقضوا\" ليس بمغاير للإتمام، فإن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبًا، لكنه يطلق على الأداء أيضًا، ويرد بمعنى الفراغ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (١) فيحمل قوله: \"فاقضوا\" ههنا على معنى الأداء والفراغ، فلا يغاير قوله: \"فأتموا\"، فلا حجة فيه لمن تمسك برواية \"فاقضوا\".\n_________\n(١) سورة الجمعة: الآية ١٠.","vol":"3","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالذين قالوا: إن المسبوق المدرك صلاة الإِمام يؤدي مع الإِمام آخر صلاته، ثم إذا انفرد عن الإمام يقضي أول صلاته، احتجوا بلفظ \"فاقضوا\"، وقالوا: إن الأصل في القضاء هو الإتيان بالفائت، كما في قوله ﵇ قال: \"فأتموا بقية يومكم واقضوه، أخرجه أبو في داود في الصوم من حديث قتادة عن عبد الرحمن بن مسلمة، وأما لفظ \"فأتموا\" فيأتي بمعنى الإتيان تامًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) فإذا احتمل كل واحد من اللفظين كل واحد من المعنيين، فلا يجوز الاستدلال بهما.\nوأما ترجيح المحدثين لفظ \"فأتموا\" بأن هذا اللفظ ورد في أكثر الروايات، ولفظ \"فاقضوا\" في أقل منها، لو سلم فغير نافع، فحينئذ يجب المصير إلى دليل آخر ليس فيه احتمال مخالف ناشئ عن دليل.\nفأقول (٢): إن الإِمام مسلمًا أخرج في \"صحيحه\" حديث أبى هريرة من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صل ما أدركت واقض ما سبقك\".\nوكذلك أخرج أبو داود من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمة عن أبي هريرة ولفظه: \"فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم\"، قال أبو داود: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة، وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة.\nفهذا سياق ثالث غير السياقين المتقدمين، وهذا السياق محكم ليس فيه احتمال، فإن قوله: \"واقض ما سبقك\" معناه أد ما فاتك سابقًا من الصلاة، فالمسبوق المدرك آخر صلاة الإِمام إما أن يصلي معه أول صلاته أو آخر\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(٢) قلت: لكن ينافيه ما تقدم \"وأتم ما بقي\"، فإن لفظ \"بقي\" نص في الآخر. (ش).","vol":"3","page":432},{"text":"(٥٦) بَابٌ (١): في الْجَمْعِ في الْمَسْجِدِ (٢) مَرَّتَيْنِ\n٥٧٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، عن سُلَيْمَانَ\n===\nصلاته، فإن صلَّى أول صلاته فلم يفت عنه في السابق شيء من الصلاة حتى يقال له: اقض الصلاة التي سبقتك، فإن آخر صلاته لم يفت سابقًا، وأما إذا صلَّى مع الإِمام آخر صلاته، فإنه يصدق عليه أنه فاتته سابقًا من صلاته فأمر بقضاء ما فات.\nفإن قلت: لا نسلم أن لفظ السبق الذي ورد في هذا السياق محكم ليس فيه أحتمال مخالف، فإن السبق يطلق على الفوت المجرد عن معنى التقدم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ (٣)، وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ (٤).\nقلت: لا نسلم أْن هذا اللفظ في الآيتين عارٍ عن معنى التقدم، فإن دلالة لفظ السبق على الفوت باعتبار اللزوم، فإن السبق في بعض المواقع يستلزم الفوت، ودلالة الالتزام مستلزم للمطابقة، ولو سلم فإن معنى الفوت المجرد عن المتقدم يحتاج في دلالة اللفظ عليه على القرينة، ومعنى التقدم فيه غير محتاج إلى القرينة، وههنا الكلام خالٍ عن القرينة، فيحمل على معناه الوضعي وهو المتقدم، فلا احتمال فيه أصلًا.\n\n(٥٦) (بابٌ: في الجمع) أي الصلاة بالجماعة (في المسجد)\nأي: في مسجد واحد في وقت واحد (مرتين)\nأي: ما حكمه هل يجوز ذلك أو لا؟\n٥٧٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب) بن خالد، (عن سليمان\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما جاء\".\n(٢) وفي نسخة: \"في مسجد\".\n(٣) سورة الأنفال: الآية ٥٩.\n(٤) سورة العنكبوت: الآية ٤.","vol":"3","page":433},{"text":"الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِى الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، أَنَّ رَسُولَ (١) اللَّهِ -ﷺ- أَبْصَرَ رَجُلًا يُصَلِّى وَحْدَهُ، فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّىَ مَعَهُ». [حم ٣/ ٥، ك ١/ ٢٠٩، ق ٣/ ٦٩، حب ٢٣٩٩، ت ٢٢٠، دي ١٣٦٨، خزيمة ١٦٣٢]\n===\nالأسود) الناجي بالنون والجيم، البصري أبو محمد، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المديني وغيره، (عن أبي المتوكل) علي بن داود، (عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - أبصر رجلًا يصلي وحده) أي بعد ما صلَّى رسول الله - ﷺ - بأصحابه كما يدل عليه رواية الترمذي ولفظه: \"أن رجلًا دخل المسجد وقد صلَّى رسول الله - ﷺ -\"، وفي رواية لأحمد: \"صلَّى رسول الله - ﷺ - بأصحابه الظهر (٢) فدخل رجل\"، ولم يعرف اسم ذلك الرجل.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (ألا رجل يتصدق (٣) على هذا) الهمزة فيه للاستفهام و\"لا\" بمعنى ليس، كقوله: ألا تنزل بنا فتصيب خيرًا، معناه أليس رجل ممن فرغوا من صلاتهم بالجماعة فيتصدق بثواب الجماعة على هذ الرجل الذي فاتته الصلاة مع الإِمام (فيصلي معه) مقتديًا به، فيحصل بذلك له أجر الجماعة، فإذا فعل ذلك فكأنه تصدق عليه، وزاد في رواية الترمذي: \"فقام رجل وصلَّى معه\"، وفي رواية أحمد: \"فقام رجل من القوم فصلَّى معه\".\nقال الشوكاني (٤): هو أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - كما بين ذلك ابن أبي شيبة، ثم قال: قال ابن الرفعة: وقد اتفق الكل على أن من رأى شخصًا يصلي منفردًا لم يلحق الجماعة، فيستحب له أن يصلي معه وإن كان قد صلَّى في جماعة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي \"شرح المنهاج\" (٢/ ٣١٥): أن القصة وقعت لصلاة العصر، فتأمل. (ش).\n(٣) وعند الترمذي: \"أيكم يتجر على هذا\"، والمعنى واحد. (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٨٠).","vol":"3","page":434},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: ودعوى الاتفاق فيمن قد صلَّى قبل ذلك في جماعة مسلمة، وأما في من لم يصل فدعوى الاتفاق ممنوعة، فإن الذين قالوا بكراهة تكرار الجماعة من الأئمة لا يجوِّزونه في محل يكره عندهم تكرار الجماعة.\nقال الترمذي (١) بعد نقل هذا الحديث: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم من التابعين، قالوا: لا بأس بأن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلي فيه، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال آخرون من أهل العلم: يصلون فرادى، وبه يقول سفيان وابن المبارك والشافعي يختارون الصلاة فرادى، انتهى (٢).\nقال الشوكاني: قال البيهقي: وقد حكى ابن المنذر كراهية ذلك عن سالم بن عبد الله وأبي قلابة وابن عون وأيوب والبتى وليث بن سعد والأوزاعي وأصحاب الرأي.\nقلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما في \"الدر المختار\" ولفظه: ويكره تكرار الجماعة بأذان وإقامة في مسجد محلة لا في مسجد طريق، أو مسجد لا إمام له ولا مؤذن، انتهى.\nقال الشامي في \"حاشيته\" (٣): ويكره، أي تحريمًا لقول \"الكافي\": لا يجوز، و\"المجمع\": لا يباح، و\"شرح الجامع الصغير\": إنه بدعة، قوله: \"بأذان وإقامة\"، عبارته في \"الخزائن\" أجمع مما هاهنا، ونَصُّها: يكره تكرار الجماعة في مسجد محلة بأذان وإقامة، إلَّا إذا صلَّى بهما فيه أولًا غيرُ أهله،\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٤٣٠).\n(٢) قال الشعراني: ومنها قول أبي حنيفة ومالك والشافعي: إن من دخل المسجد فوجد إمامه قد فرغ كره له أن يستأنف جماعة أخرى، إلَّا أن يكون المسجد على ممر الناس مع قول أحمد: إنه لا يكره، وقريب منه في العيني. [انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٣١)]. (ش).\n(٣) \"رد المحتار\" (٢/ ٣٤٢).","vol":"3","page":435},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأو أهله لكن بمخافتة الأذان، ولو كرر أهله بدونهما أو كان مسجد طريق جاز إجماعًا، كما في مسجد ليس له إمام ولا مؤذن، ويصلي الناس فيه فوجًا فوجًا، فإن الأفضل أن يصلي كل فريق بأذان وإقامة على حدة، انتهى.\nوالمراد بمسجد المحلة ما له إمام وجماعة معلومون كما في \"الدر\" وغيرها، قال في \"المنبع\": والتقييد بالمسجد المختص بالمحلة احتراز من الشارع، وبالأذان الثاني احتراز عما إذا صلَّى في مسجد المحلة جماعة بغير أذان حيث يباح إجماعًا.\nثم قال في الاستدلال على الإِمام الشافعي النافي للكراهة ما نصه: ولنا أنه ﵊ كان خرج ليصلح بين قوم، فعاد إلى المسجد وقد صلَّى أهل المسجد، فرجع إلى منزله، فجمع أهله وصلَّى، ولو جاز ذلك لما اختار الصلاة في بيته على الجماعة في المسجد، ولأنّ في الإطلاق هكذا تقليل الجماعة معنى، فإنهم لا يجتمعون إذا علموا أنها لا تفوتهم.\nوأما مسجد الشارع فالناس (١) فيه سواء لا اختصاص له بفريق دون فريق، انتهى، ومثله في \"البدائع\" وغيرها، ومقتضى هذا الاستدلال كراهة التكرار في مسجد المحلة ولو بدون أذان، ويؤيده ما في \"الظهيرية\": لو دخل جماعة المسجد بعد ما صلَّى فيه أهله يصلون وحدانًا، وهو ظاهر الرواية، انتهى.\nوهذا مخالف لحكاية الإجماع المارة، وعن هذا ذكر العلامة الشيخ رحمة الله السندي تلميذ المحقق ابن الهمام في رسالته: أن ما يفعله أهل الحرمين من الصلاة بأئمة متعددة وجماعات مترتبة مكروه اتفاقًا.\nونقل عن بعض مشايخنا إنكاره صريحًا حين حضر الموسم بمكة سنة ٥٥١ هـ منهم الشريف الغزنوي، وذكر أنه أفتى بعض المالكية بعدم جواز ذلك\n_________\n(١) كما في هامش \"الكوكب\" (١/ ٢٤٢). (ش).","vol":"3","page":436},{"text":"(٥٧) بَابٌ (١): فِيمَنْ صَلَّى في مَنْزِلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، يُصَلِّي مَعَهُمْ\n===\nعلى مذهب العلماء الأربعة، ونقل إنكار ذلك أيضًا عن جماعة من الحنفية والشافعية والمالكية حضروا الموسم سنة ٥٥١ هـ، انتهى، وأقره الرملي في حاشية \"البحر\".\nقلت: وأما استدلالهم على جواز ذلك (٢) بهذا الحديث فممنوع، فإن هذا الحديث (٣) يدل على تكرار الجماعة التي جماعة صورة، فإن الذي فرغ من صلاته إذا صلَّى مع من لم يصل صلاته يكون متنفلًا ولم يكرهه أحد من العلماء، وأما الجماعة حقيقة بأن الإِمام والمقتدي يجمعون وهم لم يصلوا قبل ذلك، فلا يدل هذا الحديث على جوازه، والله تعالى أعلم.\n(٥٧) (بَابٌ فِيمَنْ صلَّى (٤) في منزله ثم أدرك) (٥) أي ثم حضر المسجد فأدرك (الجماعة، يصلي معهم) أي: ينبغي له أن يصلي معهم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب فيمن صلَّى في منزله ثم أدرك جماعة يصلي معهم إذا كان في المسجد\".\n(٢) العجب من ابن رسلان لم يجب عن الحديث مع كونه خلاف مذهبه. (ش).\n(٣) وهكذا أجاب عنه صاحب \"البدائع\" (١/ ٣٧٩). (ش).\n(٤) أي منفردًا كما تدل عليه الترجمة الآتية. (ش).\n(٥) وذكر ابن العربي (٢/ ٢٠) اختلاف الأئمة على أربعة أقوال، وجمع ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٦٢) بينه وبين قوله ﵇: \"لا تصلوا في يوم مرتين\"، وقال ابن قدامة (٢/ ٥١٩): من صلَّى فرضه ثم أدرك الجماعة وهو في المسجد يستحب له إعادتها مطلقًا، وبه قال الشافعي، وإن كان خارجِ المسجد لا يستحب الفجر والعصر، وقال مالك: إن صلَّى فرادى تعاد المغرب أيضًا وإلَّا فلا يعيد المغرب، وقال أبو حنيفة: تعاد الظهر والعشاء، قال ابن رسلان: قال ابن عبد البر: إنما يعيد الصلاة مع الجماعة من صلَّى منفردًا عند جمهور الفقهاء، وأما من صلَّى جماعة لا يعيد، بهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة، وذكر اختلاف أصحابهم في أي الصلاة تعاد، وتقدم شيء من =","vol":"3","page":437},{"text":"٥٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ (١) بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ. فَدَعَا بِهِمَا، فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا،\n===\n٥٧٣ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، أخبرني يعلي بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود) السوائي، ويقال: الخزاعي، صدوق، (عن أبيه) وهو يزيد بن الأسود (٢)، أو ابن أبي الأسود الخزاعي، ويقال: العامري، صحابي، نزل الطائف، ووهم من ذكره في الكوفيين، (أنه) أي يزيد بن الأسود (صلَّى مع رسول الله - ﷺ -) وهي صلاة الفجر كما سيأتي (وهو غلام) قال في \"المجمع\" (٣): الغلام يقال للصبي من حين الولادة إلى البلوغ، ويقال للرجل المستحكم القوة، والأنثى غلامة (شاب) وهو من بلغ إلى ثلاثين سنة.\n(فلما صلَّى) أي فرغ رسول الله - ﷺ - (إذا رجلان لم يصليا) أي مع رسول الله - ﷺ - (في ناحية المسجد) أي جالسان في ناحية المسجد (فدعا) أي رسول الله - ﷺ - (بهما) أي برجلين جالسين في ناحية المسجد (فجيء بهما) أي بالرجلين (ترعد) (٤) أي ترجف وتتحرك (فرائصهما) جمع فريصة، وهي أوداج العنق، واللحمة بين الجنب [والكتف] لا تزال ترعد، ووجه الرعدة ما أعطي رسول الله - ﷺ - من العظمة\n_________\n= المذاهب في \"باب إذا أخر الإِمام الصلاة عن الوقت\"، وفي \"الشرح الكبير\" للحنابلة (٢/ ٦): إن صلَّى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد تستحب له الإِعادة، سواء صلَّى منفردًا أو جماعة، إلَّا المغرب ففيها روايتان: إحداهما: يستحب الإعادة كسائر الصلوات ويشفعها بالرابعة، والثانية: لا، وإن أقيمت وهو خارج المسجد لا يستحب له الدخول في أوقات النهي، ويستحب في غيرها، ولا تجب الإعادة رواية واحدة، وقال بعض أصحابنا: تجب مع إمام الحي، وإذا أعيدت فالفرض الأولى. (ش).\n(١) الحديث مختصر ذكره الشوكاني في \"النيل\" (٣/ ١١٢) مفصلًا. (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٣١) رقم (٥٥٢٦).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٠).\n(٤) تُرْعَدُ: فعل ملازم للبناء لما لم يسلم فاعله.","vol":"3","page":438},{"text":"فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟» قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِى رِحَالِنَا، قال: فَقَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِى رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ». [ت ٢١٩، ن ٨٥٨، حم ٤/ ١٦٠، قط ١/ ٤١٣، حب ١٥٦٤، ك ١/ ٢٤٤]\n٥٧٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ (١) -ﷺ- الصُّبْحَ بِمِنًى\" بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\n===\nوالمهابة كما ورد في رواية الترمذي: \"من رآه بداهة هابه\".\n(فقال) رسول الله - ﷺ - لهما أي للرجلين: (ما منعكما أن تصليا) هذه الصلاة (معنا؟ قالا) أي الرجلان: (قد صلينا في رحالنا) أي في منازلنا (قال) أي يزيد: (فقال) رسول الله - ﷺ -: (لا تفعلوا) أي ما فعلتم من ترك الصلاة مع الإِمام، بل (إذا صلَّى أحدكم في رحله) أي منزله (ثم أدرك الأمام) أي ثم حضر المسجد وأدرك الإِمام (ولم يصل) أي والحال أن الإِمام لم يصل (فليصل) أحدكم (معه) أي مع الإِمام (فإنها) أي الصلاة مع الإِمام (له) أي لأحدكم (نافلة).\n٥٧٤ - (حدثنا ابن معاذ) عبيد الله، (ثنا أبي، ثنا شعبة، عن يعلي بن عطاء، عن جابر بن يزيد، عن أبيه قال: صليت (٢) مع النبي -صلي الله عليه وسلم- الصبح (٣) بمنى، بمعناه) أي حدثنا معاذ عن شعبة بمعنى ما حدث حفص بن عمر عن شعبة، وقد وقع في رواية أحمد والنسائي: \"قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - حجته، قال: فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف\"، وفي رواية لأحمد: \"حججنا مع رسول الله - ﷺ - حجة الوداع، قال: فصلَّى بنا صلاة الصبح أو الفجر\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) ولفظ ابن حبان (١٥٦٤): \"شهدت معه - ﷺ - حجته فصليت معه الصبح، الحديث، \"ابن رسلان\"، وقد أخرج أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٦٠). (ش).\n(٣) وظاهر مسند \"أبي حنيفة\" (ص ٨٢) و\"كتاب الآثار\" لمحمد (ص ١٩) أن الصلاة كانت الظهر، وكذا في \"عقود الجواهر\" (١/ ١٥٤)، وبه جزم في \"البدائع\" (١/ ٦٤٢). (ش).","vol":"3","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): اختلف في الصلاة التي تصلى مرتين هل الفريضة الأولى أوالثانية؟ فذهب الهادي والأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي إلى أن الفريضة الثانية إن كانت في جماعة والأولى في غير جماعة، وذهب المؤيد بالله والإمام يحيى وأبو حنيفة وأصحابه (٢) والشافعي إلى أن الفريضة الأولى، وعن بعض أصحاب الشافعي أن الفرض أكملهما، وعن بعض أصحاب الشافعي أيضًا أن الفرض أحدهما على الإبهام فيحتسب (٣) الله بأيتهما شاء، وعن الشعبي وبعض أصحاب الشافعي أيضًا كلاهما فريضة.\nاحتج الأولون بحديث يزيد بن عامر عند أبي داود مرفوعًا وفيه: \"فإذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون، فصل معهم وإن كنت صليت، ولتكن لك نافلة وهذه مكتوبة\"، ورواه الدارقطني بلفظ: \"وليجعل التي صلَّى في بيته نافلة\".\nوأجيب بأنها رواية شاذة مخالفة لرواية الحفاظ والثقات كما قال البيهقي، وقد ضعفها النووي، وقال الدارقطني: هي رواية ضعيفة شاذة.\nواستدل القائلون بأن الفريضة هي الأولى سواء كان جماعة أو فرادى بحديث يزيد بن الأسود عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي والدارقطني وإبن حبان والحاكم وصححه ابن السكن، قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول، لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه، ولا لابنه جابر راو غير يعلى، قال الحافظ: يعلى من رجال مسلم، وجابر وثَّقه النسائي وغيره، وقال: وقد وجدنا لجابر راويًا غير يعلى أخرجه ابن منده في \"معرفة الصحابة\"، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ١١٢ - ١١٣).\n(٢) وبه قال أحمد كما في \"المغني\" (٢/ ٥٢٢). (ش).\n(٣) وبه جزم الدردير (١/ ٣٢١) وصرح بأنه لا يعاد المغرب. (ش).","vol":"3","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"الجوهر النقي\" (١): وذكر ابن منده في \"معرفة الصحابة\" ثم قال: ورواه بقية، عن إبراهيم بن زيد بن ذي حماية، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، فهذا راو آخر لجابر غير يعلى وهو ابن عمير، انتهى.\nومذهب الحنفية في ذلك أنه إذا صلَّى أحد صلاة، ثُمَّ أدرك جماعة يصليها، فقالوا: يدخل فيها إلَّا في الفجر والعصر والمغرب.\nقال القاري (٢): والجواب هو معارض بما تقدم من حديث النهي عن النفل بعد العصر والصبح، وهو مقدم لزيادة قوته، ولأن المانع مقدم، أو يحمل على ما قبل النهي في الأوقات المعلومة جمعًا بين الأدلة، وكيف! وفيه حديث صريح أخرجه الدارقطني (٣) عن ابن عمر أن النبي -صلي الله عليه وسلم-: \"إذا صليت في أهلك، ثم أدركت فصَلِّها إلَّا الفجر والمغرب\"، قال عبد الحق: تفرد برفعه سهل بن صالح الأنطاكي وكان ثقة، وإذا كان كذلك فلا يضر وقف من وقفه، لأن زيادة الثقة مقبولة، فإذا ثبت هذا فلا يخفى وجه تعليل إخراجه الفجر مما يلحق به العصر، انتهى.\nقلت: وأما من ادعى أن هذا الحديث ناسخ لحديث النهي عن الصلاة بعد العصر والصبح، لأن حديث يزيد بن جابر متأخر، لأنه وقع في حجة الوداع فقوله غير صحيح، لأنا لا نسلم تأخر حديث يزيد بن جابر، ولا دليل على ذلك، ووقوعه في حجة الوداع لا يستلزم التأخر، ومع هذا عمل بحديث النهي أصحابه من بعده، وقد ثبت عن عمر أنه كان يضرب في الصلاة بعد العصر حتى\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى مع الجوهر النقي\" (٢/ ٣٠٢).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٥).\n(٣) ما أورد بعض أهل الحديث أن الحديث ليس في الدارقطني ليس بوجيه، فإن اختلاف النسخ في كتب الحديث معروف، والمثبت مقدم على النافي. (ش).","vol":"3","page":441},{"text":"٥٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ نُوحِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: جِئْتُ وَالنَّبِىُّ -ﷺ- فِى الصَّلَاةِ، فَجَلَسْتُ وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِى الصَّلَاةِ، قَالَ: فَانْصَرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَأَى يَزِيدَ جَالِسًا فَقَالَ: «أَلَمْ تُسْلِمْ يَا يَزِيدُ؟»\n===\nينصرف من صلاته، قال ابن الهمام: وكان ضربه بمحضر من الصحابة من غير نكير، فكان إجماعًا، فكيف يصح دعوى النسخ؟ والله تعالى أعلم.\n٥٧٥ - (حدثنا قتيبة، ثنا معن بن عيسى) بن يحيى الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدني القزاز، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، (عن سعيد بن السائب، عن نوح بن صعصعة) قال في \"الخلاصة\": وثَّقه ابن حبان، وقال في \"التقريب\": نوح بن صعصعة المكي، مستور، (عن يزيد بن عامر (٢» بن الأسود العامري، أبو حاجز السوائي بضم المهملة، صحابي، يقال: إنه شهد حنينًا مع المشركين، ثم أسلم بعد ذلك.\n(قال) أي يزيد: (جئت) النبي - ﷺ - (والنبي - ﷺ - في الصلاة) أي والحال أن النبي-صلي الله عليه وسلم- في الصلاة مع الجماعة (فجلست) أي في ناحية المسجد على حدة من الصف (ولم أدخل معهم) أي مع المصلين (في الصلاة، قال: فانصرف) (٣) أي عن الصلاة مقبلًا (علينا رسول الله - ﷺ -، فرأى) رسول الله - ﷺ - (يزيد جالسًا) أي على غير هيئة الصلاة، أو على حدة من الصف، وفي نسخة \"المشكاة\": \"فرآني جالسًا\".\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (ألم تسلم يا يزيد؟) الهمزة للاستفهام، أي أما\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن سعيد\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٤٥) رقم (٥٥٧٧).\n(٣) فيه أنه لا يكره هذا القول لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":442},{"text":"قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: «فَمَا (١) مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِى صَلَاتِهِمْ؟» قَالَ: إِنِّى كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِى مَنْزِلِى وَأَنَا أَحْسِبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ، فَقَالَ: «إِذَا جِئْتَ إِلَى الصَّلَاةِ (٢) فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً، وَهَذِهِ مَكْتُوبَةً». [ق ٢/ ٣٠٢، قط ١/ ٢٧٦]\n٥٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ،\n===\nأسلمت يا يزيد؟ (قال) أي يزيد، وفي النسخة التي اختارها صاحب \"مشكاة المصابيح\" لفظ \"قلت\"، وقال القاري (٣): وفي نسخة: \"فقلت\" (بلى يا رسول الله، قد أسلمت، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟) فإنه من علامة الإِسلام.\n(قال) أي يزيد: \"إني كنت قد صليت في منزلي) هذا اعتذار عن عدم الدخول في صلاة الجماعة، (وأنا أحسب أن قد صليتم) جملة حالية، أي والحال أني كنت أحسب أن فرغتم من الصلاة، وهذا اعتذار عن الصلاة في المنزل.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا جئت إلى الصلاة) أي إلى المسجد، (فوجدت الناس) أي يصلون (فصل معهم، وإن) وصلية (كنت قد صليت) أي في منزلك (تكن) أي هذه الصلاة التي صليت مع الناس (لك نافلة) أي زائدة في الثواب أو زائدة على الفرض (وهذه) أي التي صليت في منزلك (مكتوبة) ويحتمل العكس.\n٥٧٦ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على ابن وهب) عبد الله،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وما\".\n(٢) وفي نسخة: \"المسجد\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٧).","vol":"3","page":443},{"text":"أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَفِيفَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: حَدَّثَنِى رَجُلٌ مِنْ بَنِى أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِىَّ فَقَالَ (١): يُصَلِّى أَحَدُنَا فِى مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَأْتِى الْمَسْجِدَ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَأُصَلِّى مَعَهُمْ، فَأَجِدُ فِى نَفْسِى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا! فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِىَّ -ﷺ- فَقَالَ: «فذَلِكَ لَهُ (٢) سَهْمُ جَمْعٍ». [ط ١/ ١٣٣/ ١١، ق ٢/ ٣٠٠]\n===\n(أخبرني عمرو) بن الحارث بن يعقوب، (عن بكير) بن الأشج (أنه سمع (٣) عفيف بن عمرو بن المسيب) السهمي، قال في \"الخلاصة\": وثقَه النسائي، وقال في \"الميزان\": لا يدرى من هو، قال في \"التهذيب\": قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(يقول) أي عفيف: (حدثني رجل من بني أسد بن خزيمة) وهذا الرجل مجهول (أنه) أي الرجل (سأل أبا أيوب الأنصاري فقال) الرجل: (يصلي أحدنا في منزله الصلاة) المكتوبة، (ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة) أي هذه الصلاة التي صلاها في منزله (فأصلي معهم) تلك الصلاة، (فأجد في نفسي من ذلك) أي من تكرار الصلاة وإعادتها (شيئًا) أي من الشبهة أو الكراهة.\n(فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك) أي عن مثل هذا السؤال (النبي - ﷺ - فقال) أي النبي - ﷺ -: (فذلك) أي الرجل الذي أعاد الصلاة في الجماعة (له) أي لذلك الرجل (سهم جمع) بالإضافة أي حظ جماعة ونصيب من أجرها وثوابها.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) وفي نسخة: \"لهم\".\n(٣) والحديث أخرجه عن عفيف مالك أيضًا. (ش).","vol":"3","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>(٥٨) بَابٌ: إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً، يُعِيدُ</span>؟\n٥٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ (١) بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ - يَعْنِى مَوْلَى مَيْمُونَةَ - قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ\n===\nوقال في \"المجمع\" (٢): أي سهم من الخير جمع فيه حظان، والجيم مفتوحة، وقيل: أراد بالجمع (٣) الجيش أي كسهم الجيش من الغنيمة.\nقال القاري (٤): وهذا الجواب بعمومه يشمل ما حدث في هذا الزمان من تعدد الجماعة في المساجد، وابتلي به أهل الحرمين الشريفين، ولا شك أن الصلاة مع الإِمام الموافق في الفرض أولى، ثم إذا صلَّى نافلة قبل الفرض أو بعده مع الإِمام المخالف في غير الأوقات المكروهة يكون له الحظ الأوفى (٥).\n\n(٥٨) (بَابٌ: إذا (٦) صَلَّى) في جماعة (ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً) أخرى تصليها، (يُعِيدُ؟) أي: هل يعيد أو لا؟\n٥٧٧ - (حدثنا أبو كامل) فضيل بن حسين، (ثنا يزيد بن زريع، ثنا حسين) المعلم، (عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار- يعني مولى ميمونة- قال) سليمان: (أتيتُ ابن عمر على البلاط) بفتح الباء\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٨٤).\n(٣) وفي الأصل: \"بالسهم\" وهو تحريف.\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٦).\n(٥) قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (٣/ ٧٣): قد وقع في خاطر ههنا من الأنوار الإِلهية، أن معنى قوله: \"له سهم جمع\" له نصيب الجمع بين الصلاتين: سهم الصلاة التي صلاها في رحله، وسهم الصلاة التي صلاها مع القوم.\n(٦) كان المصنف أشار بهذه الترجمة إلى الجمع بين الروايات. (ش).","vol":"3","page":445},{"text":"وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّى مَعَهُمْ؟ قَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ (١)، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِى يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ». [ن ٨٦٠، حم ٢/ ١٩، ق ٢/ ٣٠٣، خزيمة ١٦٤١]\n===\nهو ضرب من الحجارة يفرش به الأرض، وهو موضع بالمدينة بين مسجده والسوق (وهم يصلون) أي والناس يصلون وهو لا يصلي معهم.\n(فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت) ولعله لم يدخل في صلاتهم، لأنه صلَّى جماعة، أو كان الوقت صبحًا أو عصرًا أو مغربًا (إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تصلوا صلاة) أي واحدة بطريقة الفريضة (في يوم) أي في وقت واحد (مرتين) أي بالجماعة أو غيرها إلَّا إذا وقع نقصان في الأولى.\nقال الشوكاني (٢): تمسك بهذا الحديث القائلون أن من صلَّى في جماعة، ثم أدرك جماعة لا يصلي معهم كيف كانت، لأن الإعادة لتحصيل فضيلة الجماعة وقد حصلت له، وهو مروي عن الصيدلاني والغزالي وصاحب \"المرشد\".\nقال في \"الاستذكار\" (٣): اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه على أن معنى قوله - ﷺ -: \"لا تصلوا صلاة في يوم مرتين\" أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثم يقوم بعد الفراغ فيعيدها على جهة الفرض أيضًا، وأما من صلَّى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة اقتداءً بالنبي - ﷺ - في أمره بذلك، فليس ذلك من إعادة الصلاة في يوم مرتين، لأن الأولى فريضة والثانية نافلة، فلا إعادة حينئد.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قد صليت\" بضم أوله.\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٨٤).\n(٣) (٥/ ٣٥٧).","vol":"3","page":446},{"text":"(٥٩) بابٌ (١): فِى جِمَّاعِ الإِمَامَةِ وَفَضْلِهَا\n٥٧٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ أَبِى عَلِىٍّ الْهَمْدَانِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَأَصَابَ الْوَقْتَ، فَلَهُ وَلَهُمْ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>(٥٩) (بَابٌ: في جُمّاعِ الإمَامَةِ وَفَضْلِهَا)</span>\nالجماع بكسر الجيم ما يجمع عددًا، كما في الحديث: \"حدِّثْنِي بكلمة تكون جماعًا، فقال: اتق الله فيما تعلم\"، وأيضًا: \"الخمر جماع الإثم\" أي مجمعه، والمراد من جماع الإمامة ما يجمع المسائل المختلفة المتعددة، أي هذا باب في أبواب الإمامة وفضلها، فهذا الباب بمنزلة قوله: أبواب الإمامة وفضلها، فمن ههنا يبدأ الأحاديث التي تتعلق بأحكام الإمامة.\n٥٧٨ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن حرملة) بن عمرو بن سنَّة، بفتح المهملة وتثقيل النون، أبو حرملة الأسلمي، صدوق، ربما أخطأ، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: لا يحتج به.\n(عن أبي علي) هو ثمامة بن شفي بضم معجمة وفاء مصغرًا (الهمداني) الأصبحي المصري، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أمَّ الناس) أي صار للناس إمامًا، فصلَّى بهم الصلاة (فأصاب الوقت) أي فصلَّى بهم الصلاة في الوقت المستحب (فله) أجره (ولهم) أجرهم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب في جماع الإِمامة في فضل الإِمامة\". وفي نسخة: \"باب في جماع أبواب الإمامة في فضل الإِمامة\".","vol":"3","page":447},{"text":"وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ». [جه ٩٨٣، حم ٤/ ١٤٥، خزيمة ١٥١٣، حب ٢٢٢١، ق ٣/ ١٢٧، ك ١/ ٢١٠]\n\n(٦٠) بَابٌ (١): في كَرَاهِيَّةِ التَّدَافُعِ عَن الإِمَامَةِ\n٥٧٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، حَدَّثَتْنِى\n===\n(ومن انتقص من ذلك) (٢) أي الوقت (شيئًا، فعليه) أي الإِمام وزره أي وزر انتقاصه (ولا عليهم) أي ليس الوزر على الجماعة، لأنهم لم ينتقصوا من الصلاة باختيارهم، وفي تركهم الصلاة معه إثارة الفتنة، وفي هذا الحديث ترغيب للأئمة أْن يصلوا الصلاة بالناس لوقتها فلا يؤخروها عن وقتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>(٦٠) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ التَّدَافُعِ عَنِ الإمَامَةِ)</span>\nأي: يدفع كل منهم الإمامة عن نفسه لأجل الجهل، فلا يجدون إمامًا يصلي بهم\n٥٧٩ - (حدثنا هارون بن عباد الأزدي) أَبو موسى المصيصي الأنطاكي، وفي التقريب: أبو محمد الأنطاكي، مقبول، (ثنا مروان) بن معاوية، (حدثتني\n_________\n(١) رفي نسخة: \"باب ما جاء ... \" إلخ.\n(٢) قال ابن رسلان: ظاهر الانتقاص لا يقابل الوقت، فيشبه أن يكون المراد من إصابة الوقت ما هو أعم من إصابة الوقت، وتؤيده رواية أحمد: \"فإن صلوا الصلاة لوقتها وأتموا الركوع والسجود\"، فهو حجة لمن قال: إن صلاة المأموم لا تفسد بفساد صلاة الإمام، انتهى ملخصًا.\nقلت: وتقدم ذكر الاختلاف في هذه المسألة في \"باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس\"، قال العيني (٤/ ٣٢٠): استدل به من قال بصحة صلاة المأموم إذا أخلّ الإِمام بركن أو شيء من الصلاة إذا أتم المأموم صلاته، وهو وجه لبعض الشافعية بشرط أن يكون الإِمام الخليفة أو نائبه، وقال قوم: المراد به فإن أخطأوا فلكلم، يعني صلاتكم في بيوتكم في الوقت، انتهى ملخصًا. (ش).","vol":"3","page":448},{"text":"طَلْحَةُ أُمُّ غُرَابٍ، عَنْ عَقِيلَةَ - امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى فَزَارَةَ مَوْلَاةٍ لَهُمْ -، عَنْ سَلَامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ أُخْتِ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ الْفَزَارِىِّ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّى بِهِمْ». [جه ٩٨٢، حم ٦/ ٣٨١، ق ٣/ ١٢٩]\n===\nطلحة أم غراب) لا يعرف حالها (١)، (عن عقيلة- امرأة من بني فزارة مولاة لهم-) قال في \"التقريب\": عقيلة الفزارية، جدة علي بن غراب، لا يعرف حالها.\n(عن سلامة بنت الحر (٢» صحابية (أخت خرشة) بفتحات وشين معجمة (ابن الحر) بضم المهملة (الفزاري) كان يتيمًا في حجر عمر، قال أبو داود: له صحبة، وقال العجلي: ثقة، من كبار التابعين.\n(قالت) سلامة: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن من أشراط الساعة) وأشراط الساعة علاماتها الدالة على قربها (أن يتدافع (٣) أهل المسجد) أي يدرأ كل من أهل المسجد الإمامة عن نفسه، ويقول: لست أهلًا لها لما ترك تعلم ما تصح به الإمامة، أو يدفع بعضهم بعضًا إلى المسجد أو المحراب ليؤم بالجماعة، فيأبى عنها لعدم صلاحيته لها.\n(لا يجدون إمامًا يصلي بهم) أي قابلًا للإمامة يصلي بهم على وجه الصحة بأداء أركانها وسننها ومندوباتها، قال القاري (٤): ولذا أجاز المتأخرون من أصحابنا أخذ الأجرة على الإمامة والأذان ونحوهما من تعليم القرآن، بخلاف المتقدمين فإنهم يحرمون الأجرة على العبادة، فظاهره أن محل الكراهة\n_________\n(١) كذا قال في \"التقريب\"، وفي \"التهذيب\": ذكرها ابن حبان في \"الثقات\". (ش).\n(٢) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٣٠٩) رقم (٧٠٠١).\n(٣) فيه أنه لا ينبغي التدافع، \"ابن رسلان\". قلت: وعندي للحديث محملان: الأول: شيوع الجهل، كما هو المعروف في معناه، والثاني: تخاصم أهل المسجد في تعيين الإِمام، يقول بعضهم: أنا لا أصلي خلف هذا وبعضهم يقول دون ذلك. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٥).","vol":"3","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>(٦١) بَابٌ: مَنْ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ</span>\n٥٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى (١) إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءٍ قال: سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ،\n===\nما إذا تدافعوها لا لغرض شرعي، وإلَّا فإن أعرض عنها غير الأفقه رجاء تقدم الأفقه فلا يكره.\n\n(٦١) (بَابٌ: مَنْ أَحَقُّ (٢) بالإمامةِ)\n٥٨٠ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة، أخبرني إسماعيل بن رجاء) ابن ربيعة الزبيدي بضم الزاي، أبو إسحاق الكوفي، ثقة، تكلم فيه الأزدي بلا حجة، (قال: سمعت أوس بن ضمعج) بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة مفتوحة ثم جيم بوزن جعفر، معناه ناقة غليظة، الكوفي الحضرمي (٣) أو النخعي، مخضرم (يحدث عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: يؤم القوم) صيغة خبر بمعنى الأمر، أي ليؤم (أقرؤهم (٤) لكتاب الله).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٢) ذكر ابن العربي أبواب الإِمامة سردًا، وقال: ذكر البخاري في الإِمامة أربعين حديثًا. انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٣٤). (ش).\n(٣) نسبة إلى حضرموت، قال الصاغاني: بلدة وقبيلة. (ش).\n(٤) هذا مستدل أحمد وأبي يوسف، وأجاب عنه صاحب \"الهدايه\" (١/ ٥٦) بأن أقرأهم كان أعلمهم، ويشكل عليه بوجهين: الأول: أن يكون تكرارًا محضًا فيما ورد في بعض الروايات بعد ذلك \"فأعلمهم بالسنَّة\"، وأجيب بأن العلم بالقرآن غير العلم بالسنَّة، كما حققه ابن الهمام (١/ ١٠٣)، وأشكل أيضًا بأن أبيًّا كان أقرأهم بالنص، فينبغي أن يكون أعلم. وسكت الحافظ عن الجواب بعد ذكر الإِشكال، ويظهر الجواب بما في \"شرح المنهاج\" (٢/ ٣٥١) بأن ذلك كان باعتبار الغالب، يعني قد يكون غير الأقرأ أعلم منه، وأجاب الزيلعي: ما رواه أبو يوسف كان في الابتداء، وكان يستدل بحفظه على علمه =","vol":"3","page":450},{"text":"وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً، فَإِنْ كَانُوا فِى الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً،\n===\nقال ابن الملك (١): أحسنهم (٢) قراءة لكتاب الله، انتهى، والأظهر أن معناه أكثرهم قراءة بمعنى أحفظهم للقرآن، كما ورد \"أكثركم قرآنًا\"، قيل: إنما قدم النبي -صلي الله عليه وسلم- الأقرأ، لأن الأقرأ في زمانه كان أفقه، إذ لو تعارض فضل القراءة فضل الفقه قدم الأفقه إذا كان يحسن من القراءة ما تصح به الصلاة، وعليه أكثر العلماء، فيؤول المعنى إلى أن المراد أعلمهم بكتاب الله، وذهب جماعة إلى تقدم القراءة على الفقه، وبه قال أبو يوسف عملًا بظاهر الحديث.\nوفي \"شرح السنَّة\": لم يختلفوا في أن القراءة والفقه مقدمان على غيرهما، واختلفوا في الفقه مع القراءة، فذهب جماعة إلى تقدمها على الفقه، وبه قال أصحاب أبي حنيفة، أي بعضهم عملًا بظاهر الحديث، وذهب قوم إلى أن الفقه أولى إذا كان يحسن من القراءة ما تصح به الصلاة، وبه قال مالك والشافعي؛ لأن الفقيه يعلم ما يجب من القراءة في الصلاة، لأنه محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور، وقد يعرض للمصلي ما يفسد صلاته وهو لا يعلم إذا لم يكن فقيهًا (٣).\n(وأقدمهم قراءة) فإن الأقدم في القراءة يكون أكثرهم حفظًا للقرآن، (فإن كانوا في القراءة) أي في مقدارها أو حسنها أو عملها أو في العلم بها (سواء) أي مستوين (فليؤمهم أقدمهم هجرة) أي انتقالًا من مكة إلى المدينة قبل الفتح، قال ابن الملك: والمعتبر اليوم الهجرة المعنوية وهي الهجرة من المعاصي، فيكون الأورع أولى.\n_________\n= لقرب العهد بالإِسلام، ولما طال الزمان وتفقهوا قدم الأعلم نصًّا، وقال قبله: وإنما قدم الأقرأ في الحديث لأنهم كانوا يتلقونه بأحكامه، حتى عن ابن عمر - ﵁ -: أنه حفظ سورة البقرة في اثنتي عشر سنة. (ش).\n(١) وبه جزم في \"نيل المآرب\" (١/ ٢٢٢) و\"الروض المربع\" (١/ ٢٤٧). (ش).\n(٢) ونقله ابن رسلان عن ابن الرفعة. (ش).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨١).","vol":"3","page":451},{"text":"فَإِنْ كَانُوا فِى الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا،\n===\nوهذا الحديث وقع فيه اختصار من شعبة، فإن التي سيأتي من رواية الأعمش عن إسماعيل ففيه: \"فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة\"، وقد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" مثل سياق أبي داود، ولكن خالف النسائي أبا داود ومسلمًا في سياق هذا الحديث عن الأعمش عن إسماعيل، فقال فيه: \"يؤم القوم أقرأهم بكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأقدمهم في الهجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأعلمهم بالسنَّة\"، والظاهر أن الراجح ما اتفق عليه مسلم وأبو داود.\nواستدل بتقديم الأفقه والأعلم بالسنَّة على الأقرأ بتقديمه - ﷺ - أبا بكر في الصلاة على غيره مع أن غيره كان أقرأ منه، كما قال رسول الله - ﷺ -: \"أقرأكم أُبَىٌّ\"، والمراد بالأقرأ في الحديث الأفقه في القرآن، فإذا استووا في القرآن فقد استووا في فقهه، فإذا زاد أحدهم بفقه السنَّة فهو أحق، فلا دلالة في الخبر على تقديم الأقرأ مطلقًا، بل على تقديم الأقرأ الأفقه في القراءة على من دونه، ولا نزاع فيه.\nولما كان الصديق مشتركًا مع غيره في ضبط القراءة وحسن أدائها قدم عليهم، فدل على أنه إذا تعارض الأقرأ والأعلم يقدم الأعلم، وقد كان مع هذا أورع وأسن وأسبق، فكان بها أولى وأحق، ويدل على كونه أعلم قول أبي سعيد: \"كان أبو بكر أعلمنا\"، إلَّا أن قصة الإشارة إلى الاستخلاف ربما تكون مخصصة على أنها واقعة حال لا عموم لها، ومن ثم اختار جمع من المشايخ قول أبي يوسف.\n(فإن كانوا) أي بعد استوائهم فيما سبق (في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا) أي في الإِسلام (١) لأنه في معنى الأقدم في الهجرة والأثبت في الإيمان، ويؤيده ما في رواية مسلم: \"فأقدمهم سلمًا\".\n_________\n(١) فمن أسلم وهو ابن عشرين مقدم على من أسلم بعده ولو كان ابن ثلاثين، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":452},{"text":"وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِى بَيْتِهِ وَلَا فِى سُلْطَانِهِ وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ». قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لإِسْمَاعِيلَ: مَا تَكْرِمَتُهُ؟ قَالَ: فِرَاشُهُ. [م ٦٧٣، ن ٧٨٠، ت ٢٣٥، جه ٩٨٠، حم ٤/ ١١٨، خزيمة ١٥٠٧، حب ٢١٢٧، قط ١/ ٢٧٩، ك ١/ ٢٤٣، ق ٣/ ٩٠، عب ٣٨٠٨]\n٥٨١ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، عن (١) شُعْبَةُ\n===\n(ولا يوم) بصيغة المجهول (الرجل في بيته ولا في سلطانه) (٢) أي محل ولايته، أو في محل يكون في حكمه، ولذلك كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتألفهم وتوادهم، فإذا أم الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة الطاعة، وكذا إذا أمه في قومه وأهله أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع، فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة لا سيما في الأعياد والجمعات، ولا على إمام الحي ورب البيت إلَّا بالإذن، نقله القاري (٣) عن الطيبي.\n(ولا يجلس) على البناء للمفعول أي الرجل (على تكرمته) بفتح تاء وكسرها، هو موضع خاص لجلوسه من فراش أو سرير بما يعد لإكرامه (إلَّا بإذنه، قال شعبة: فقلت: لإسماعيل: ما تكرمته؟ قال: فراشه) والمراد بالفراش ما يفرش لإكرامه ويعد لخصوصه.\n٥٨١ - (حدثنا ابن معاذ) عبيد الله، (ثنا أبي) معاذ، (عن شعبة) أبي معاذ (٤)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثنا\".\n(٢) قال ابن رسلان: إن الإِمام الأعظم لا يستخلف إلَّا عن ضرورة، لأن النبي - ﷺ - لم يستخلف إلَّا في غيبة، وأما في حضوره أو قدرته على الحضور إلى المسجد لم يرو عنه أنه استخلف، ولو كان جائزًا لفعله مرة لبيان الجواز. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٢)\n(٤) هكذا في الأصل، والظاهر حذفه.","vol":"3","page":453},{"text":"بِهَذَا الْحَدِيثَ قَالَ فِيهِ: \"وَلَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ (١) \". [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ: «أَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً».\n٥٨٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ الْحَضْرَمِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: «فَإِنْ كَانُوا فِى الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِى السُّنَّةِ\n===\n(بهذا الحديث) المتقدم (قال فيه) أي معاذ: (ولا يؤم) بصيغة المعلوم (الرجل الرجل) الأول فاعل، الثاني مفعول به، والغرض بذكره بيان المخالفة في هذا اللفظ بين تلميذي شعبة أبي الوليد الطيالسي ومعاذ بأن أبا الوليد ذكر بصيغة المجهول وإقامة المفعول مقام الفاعل، وأن معاذًا ذكر بصيغة المعلوم وذكر الفاعل والمفعول.\n(قال أبو داود: وكذا قال بحيى القطان عن شعبة: أقدمهم قراءة)، أي كما قال أبو الوليد عن شعبة: \"وأقدمهم قراءة\"، كذلك قال يحيى القطان عن شعبة هذا اللفظ، لعل الغرض من هذا الكلام تقوية رواية أبي الوليد في هذا اللفظ، ورواية يحيى أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٢).\n٥٨٢ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج الحضرمي قال: سمعت أبا مسعود عن النبي -صلي الله عليه وسلم- بهذا الحديث) أي المتقدم متعلق بحدثنا (قال) الأعمش: (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة، فإن كانوا في السنَّة)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في سلطانه\".\n(٢) \"مسند أحمد\" رقم (١٧٠٩٩) (٤/ ١٢١).","vol":"3","page":454},{"text":"سَوَاءَ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً\"، وَلَمْ يَقُلْ: \"فَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً\" (١). [انظر تخريج الحديث السابق]\n٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحَاضِرٍ\n===\nأي في العلم بالسنَّة (سواء فأقدمهم هجرة، ولم يقل) الأعمش: (فأقدمهم قراءة).\nحاصله: أن شعبة ذكر في روايته عن إسماعيل أولًا القراءة، ثم ذكر الهجرة، ثم السنن، ولم يذكر علم السنَّة، وأما الأعمش عن إسماعيل فخالف شعبة، لأنه ذكر أولًا القراءة، ثم العلم بالسنَّة، ثم تقدم الهجرة، ولم يذكر أقدمهم قراءة.\n٥٨٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أنا أيوب، عن عمرو بن سلمة) (٢) بن قيس الجرمي، أبو بريد بالموحدة والراء، ويقال: بالتحتانية والزاء، صحابي صغير، نزل البصرة (٣) (قال) عمرو: (كنا بحاضر).\nقال في \"المجمع\" (٤): الحاضر: القوم على ماء يقيمون به، ولا يرحلون عنه، ويقال للمناهل: المحاضِر للاجتماع والحضور عليها.\n_________\n(١) وفي بعض نسخ \"سنن أبي داود\" زيادة في آخر الحديث: \"قال أبو داود: رواه حجاج بن أرطاة عن إسماعيل قال: ولا تقعد على تكرمة أحدٍ إلَّا بإذنه\"\nقلت: ذكر المصنف اختلاف الألفاظ، حيث قال في رواية شعبة عن إسماعيل: \"ولا يجلس\" بصيغة المبني للمجهول، وفي رواية حجاج بن أرطاة عن إسماعيل بلفظ: \"ولا تقعد\" بالنهي للمخاطب عن القعود، ورواية الحجاج وصلها الطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٢٢٤) رقم (٦١٧)، والدارقطني (١/ ٢٧٩). والحاكم (١/ ٢٤٣) ولفظهم: \"ولا يقعد على تكرمته ... إلخ\"، وهي موافقة لرواية الباب، فلعل حجاجًا رواه بالصيغتين.\n(٢) وفي \"المغني\" (٣/ ٧٠): كان أحمد يضعف هذا الحديث، وفي \"فيض الباري\" (٢/ ٢١٨):\nأن هذا العمر كان عمر تعلمه القرآن لا عمر إمامته، كما يظهر من كتب الرجال. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٣٧٨) رقم (٣٩٥١).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٣١).","vol":"3","page":455},{"text":"يَمُرُّ بِنَا النَّاسُ إِذَا أَتَوُا النَّبِىَّ -ﷺ-، فَكَانُوا إِذَا رَجَعُوا مَرُّوا بِنَا، فَأَخْبَرُونَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ كَذَا (١) وَكَذَا، وَكُنْتُ غُلَامًا حَافِظًا، فَحَفِظْتُ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنًا كَثِيرًا، فَانْطَلَقَ أَبِى وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَعَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ وقَالَ (٢): «يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ»، فكُنْتُ أَقْرَأَهُمْ لِمَا كُنْتُ أَحْفَظُ، فَقَدَّمُونِى فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَعَلَىَّ بُرْدَةٌ لِى صَغِيرَةٌ صَفْرَاءُ، فَكُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَكَشَّفَتْ (٣) عَنِّى، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ\n===\n[قال] الخطابي: ربما جعلوا الحاضر اسمًا للمكان المحضور، يقال: نزلنا حاضر بني فلان، فاعل بمعنى مفعول.\n(يمر بنا الناس إذا أتوا النبي -ﷺ -، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا) أي كنا في طريق الناس وممرهم، يمرون بنا إذا وفدوا إلى رسول الله - ﷺ -، وإذا رجعوا من عنده يمرون بنا أيضًا.\n(فأخبرونا أن رسول الله - ﷺ - قال كذا وكذا، وكنت غلامًا) أي صبيًا صغير السنن (حافظًا) أي أحفظ ما أسمع، (فحفظت من ذلك) أي من أجل ذلك أو مما سمعت (قرآنًا كثيرًا، فانطلق أبي وافدًا إلى رسول الله - ﷺ - في نفر من قومه) أي داخلًا في نفر من قومه، أو بمعنى مع أي مع نفر من قومه.\n(فعلمهم) أي رسول الله - ﷺ - القوم (الصلاة، وقال) أي رسول الله - ﷺ -:\n(يومكم أقرأكم) أي أكثركم قرآنًا (فكنت أقرأهم) أي أكثرهم قرآنًا (لما كنت أحفظ) القرآن من الذين يصدرون عن رسول الله - ﷺ -، (فقدموني) أي جعلوني إمامًا في الصلاة.\n(فكنت أؤمهم وعليّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت تكشفت عني) أي تقلصت عني وزالت، فتظهر عورتي، (فقالت امرأة من\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وقال كذا\".\n(٢) وفي نسخة: \"قال\".\n(٣) وفي نسخة: \"انكشفت\".","vol":"3","page":456},{"text":"النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَرَوْا لِى قَمِيصًا عُمَانِيًّا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَىْءٍ بَعْدَ الإِسْلَامِ فَرَحِى (١) بِهِ، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَأَنَا ابْنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ. [خ ٤٣٠٢، ن ٧٨٩، حم ٥/ ٣٠]\n===\nالنساء) أي من نساء الحي: (واروا) أي غطوا وأشفوا (عنا عورة قارئكم) وإمامكم، (فاشتروا) أي القوم (لي قميصًا عمانيًا) بضم المهملة وتخفيف الميم، نسبة إلى عمان موضع عند البحرين (فما فرحت بشيء بعد الإِسلام فرحي به) أي مثل فرحي بالقميص، (فكنت أؤمهم) أي أصلي بهم إمامًا (وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وفي الحديث حجة للشافعية في إمامة الصبي المميز في الفريضة، وهي خلافية مشهورة، ولم ينصف من قال: فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبي - ﷺ - على ذلك، لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز، كما استدل أبو سعيد وجابر لجواز العزل بكونهم فعلوه على عهد النبي - ﷺ -، ولو كان منهيًا عنه لنهي عنه في القرآن، وكذا من استدل به بأن ستر العورة في الصلاة ليس شرطًا لصحتها بل هو سنَّة، ويجزئ بدون ذلك لأنها واقعة حال، فيحتمل أن يكون ذلك بعد علمهم بالحكم.\nقال العيني في \"شرح الهداية\" (٣): وأما الصبي فلأنه متنفل فلا يجوز اقتداء المفترض به أي بالمتنفل، لأن صلاة الإِمام متضمنة صلاة المقتدي صحًة وفسادًا لقوله ﵇: \"الإِمام ضامن\"، ولا شك أن الشيء يتضمن ما هو دونه لا ما هو فوقه، فلم يجز اقتداء البالغ بالصبي لهذا، وبه قال الأوزاعي والثوري ومالك وأحمد وإسحاق، وفي النفل روايتان، وقال ابن المنذر: وكرهها عطاء والشعبي ومجاهد، وقال الحسن والشافعي:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ما فرحت به\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣).\n(٣) (٢/ ٤٠٦).","vol":"3","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nتصح إمامته، وفي الجمعة له قولان: قال في \"الأم\" (١): لا تجوز، وقال في \"الإملاء\": تجوز.\nوقال الخطابي (٢): كان الحسن يضعف حديث عمرو بن سلمة، وقال مرة: دعه ليس بشيء بين.\nقال أبو داود: وقيل لأحمد: حديث عمرو؟ قال: لا أدري ما هذا؟ فلعله لم يتحقق بلوغ أمر النبيﷺ -، قال: وقد خالفه أمثال الصحابة، وقد قال عمرو: \"كنت إذا سجدت خرجت استي\"، وهذا غير بالغ.\nوالعجب أنهم لم يجعلوا قول أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وكبار الصحابة - ﵃- وأفعالهم حجة، واستدلوا بفعل صبي ست سنين، ولا يعرف فرائض الوضوء والصلاة، فكيف يتقدم في الإمامة، ومنعه أحوط في الدين، وعن ابن عباس: \"لا يؤم الغلام حتى يحتلم\"، وعن ابن مسعود: \"لا يؤم الغلام الذي لا تجب عليه الحدود\"، رواهما الأثرم في \"سننه\"، انتهى.\nقلت: وما قال الحافظ: ولم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم ولم يطلع النبي - ﷺ - على ذلك، لأنها شهادة نفي، عجيب من مثل الحافظ، فإنّ الحديث صريح بأن رسول الله - ﷺ - قال: \"وليؤمكم أكثركم قرآنًا أو أقرأكم\" فاجتهدوا وفهموا الخطاب عامًا، فبهذا ظهر أن جعلهم عمرو بن سلمة إمامًا كان باجتهاد منهم، ولم يصرح رسول الله - ﷺ - بإمامته حتى يكون نصًا، ومع هذا فهذا منع لاستدلال المستدلين من المانعين، وليس هذا شهادة على النفي، فإن المانع لا يحتاج إلى الشهادة.\nوأعجب من هذا ما قال الشوكاني في \"النيل\" (٣): وأما القدح في الحديث\n_________\n(١) وبه اختار ابن رسلان. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٢٢٤).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٩٨).","vol":"3","page":458},{"text":"٥٨٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ بِهَذَا (١) الْخَبَرِ قَالَ: \"فَكُنْتُ (٢) أَؤُمُّهُمْ فِى بُرْدَةٍ مُوصَلَةٍ، فِيهَا فَتْقٌ، فَكُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ خَرَجَتِ اسْتِى\". [ن ٧٦٧، وانظر سابقه]\n===\nبأن فيه كشف (٣) العورة في الصلاة وهو لا يجوز، كما في ضوء النهار، فهو من الغرائب، وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء: \"لا ترفعن رؤسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا\"، زاد أبو داود: \"من ضيق الأزر\"، فإن كلامه هذا يدل على أن ستر العورة ليس بشرط لصحة الصلاة، فلو صلَّى أحد عاريًا بحضرة الرجال تجوز صلاته، وقد قال فيما تقدم في أبواب ستر العورة: والحق وجوب الستر في جميع الأوقات إلَّا وقت قضاء الحاجة وإفضاء الرجل إلى أهله، انتهى.\n٥٨٤ - (حدثنا النفيلي) عبد الله بن محمد، (ثنا زهير) بن معاوية، (ثنا عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة) المتقدم (بهذا الخبر) المتقدم (قال) عمرو: (فكنت أؤمهم) أي أصلي بهم إمامًا (في بردة موصلة) أي مرقعة (فيها فتق) أي خرق وشق، (فكنت إذا سجدت خرجت) من الخرق (استي).\nقال في \"لسان العرب\": السَّتْهُ والسَّتَهُ والاسْتُ معروفة، وهو المحذوف المُجْتَلَبَة له ألفُ الوَصْلِ، الجوهري: والاسْتُ: العَجُزُ، وقد يراد به حلقة الدبر، وأصله سَتَهٌ على فَعَلٍ بالتحريك، يدل على ذلك أن جمعه أستاه مثل جمل وأجمال.\nوغرض المصنف بسوق رواية عاصم عن عمرو بن سلمة بيان الاختلاف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"في هذا الخبر\".\n(٢) وفي نسخة: \"وكنت\".\n(٣) وأجاب الوالد في \"تقرير الترمذي\" عن الشافعية بأنه لا يلزم منه إلَّا فساد صلاة الإِمام دون المقتدين على أصلهم، ولم يؤمر بالإِعادة، لأنه صبي. (ش).","vol":"3","page":459},{"text":"٥٨٥ - أخبرنا (١) قُتَيْبَةُ (٢)، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ حَبِيبٍ الْجَرْمِىِّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ، عَنْ أَبِيهِ:\n===\nبين رواية عاصم وبين رواية أيوب عن عمرو بن سلمة، فإن رواية أيوب بظاهرها تدل على أن عمرو بن سلمة كانت عليه بردة صغيرة إذا سجد تكشفت عنه لصغره فظهرت عورته، ورواية عاصم تدل على أن البردة التي عليه كان فيها فتق، فإذا سجد خرجت استه من الفتق، ويمكن الجمع بينهما بأن له كان بردان في وقتين مختلفين، ففي وقت كانت بردة صغيرة تتكشف عن عورته، وفي وقت تكون مشقوقة تخرج استه من الخرق، ويحتمل أن يكون الأمران في وقت واحد بأن تكون صغيرة مشقوقة، فتقلص عن بعض عورته، ويخرج بعض عجزه من الخرق، ولا مضايقة فيه.\n٥٨٥ - (أخبرنا قتيبة، ثنا وكيع، عن مسعر) بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح المهملة (ابن حبيب الجرمي) أبو الحارث البصري ثقة، (ثنا عمرو بن سلمة) بكسر اللام، ابن قيس الجرمي، أبو بريدة بالموحدة والراء مصغرًا، ويقال: أبو زيد بالتحتانية والزاي، صحابي صغير، نزل البصرة، وفد أبوه على النبي - ﷺ -، وكان عمرو يصلي بقومه في عهده، وهو صغير، ولم يصح له سماع ولا رواية.\nقلت: روى ابن منده في \"كتاب الصحابة\" حديثه من طريق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن أيوب عن عمرو بن سلمة قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ -، وهذا تصريح بوفادته، قاله الحافظ في \"تهذيبه\" (٣).\n(عن أبيه) هو سلمة بن قيس، وقيل: ابن نفيع، ويقال: ابن لائم، أو ابن لاي، أبو قدامة الجرمي البصري، صحابي، وفد علي النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بن سعيد\".\n(٣) (٨/ ٤٢).","vol":"3","page":460},{"text":"أَنَّهُمْ وَفَدُوا إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ-، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَنْصَرِفُوا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يَؤُمُّنَا؟ قَالَ: «أَكْثَرُكُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ، أَوْ: أَخْذًا لِلْقُرْآنِ»، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ جَمَعَ مَا جَمَعْتُ، قَالَ: فَقَدَّمُونِى وَأَنَا غُلَامٌ وَعَلَىَّ شَمْلَةٌ لِى، قال: فَمَا شَهِدْتُ مَجْمَعًا مِنْ جَرْمٍ إلَّا كُنْتُ إِمَامَهُمْ، وَكُنْتُ أُصَلِّى عَلَى جَنَائِزِهِمْ إِلَى يَوْمِى هَذَا. [حم ٥/ ٢٩، ق ٣/ ٩١ - ٩٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ حَبِيبٍ الْجَرْمِىِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: لَمَّا وَفَدَ قَوْمِى إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ-. لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ.\n===\nوقد قيل فيه: سلمة بفتح اللام، والصواب كسرها، (أنهم) أي قومه (وفدوا إلى النبي -صلي الله عليه وسلم-، فلما أرادوا أن ينصرفوا) إلى وطنهم (قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟) أي من نجعله إمامنا، (قال: أكثركم جمعًا للقرآن) أي اجعلوا إمامكم من كان أكثركم حفظًا للقرآن (أو أخذًا للقرآن) شك من الراوي.\n(قال) عمرو بن سلمة: (فلم يكن أحد من القوم جمع) أي حفظ القرآن (ما جمعت) أي ما حفظت، (قال: فقدموني) أي جعلوني إمامًا في الصلاة، (وأنا غلام) أي محتلم، (وعلي شملة لي) أي كساء صغير، (قال) أي عمرو بن سلمة: (فما شهدت مجمعًا من جرم) هي قبيلته (إلَّا كنت إمامهم، وكنت أصلي (١) على جنائزهم إلى يومي هذا).\n(قال أبو داود: ورواه يزيد بن هارون (٢)، عن مسعر بن حبيب الجرمي، عن عمرو بن سلمة قال: لما وفد قومي إلى النبي - ﷺ -. لم يقل عن أبيه).\n_________\n(١) يؤخذ منه أن الأقرأ مقدم على الولي، وقال الشافعي: القريب أولى، لأنه يختص بمزيد الشفقة، فلعله لم يكن في قومه من يحسن الصلاة على الجائز، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) رواية يزيد بن هارون وصلها ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٣٣٦) و(٧/ ٨٩).","vol":"3","page":461},{"text":"٥٨٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِى ابْنَ عِيَاضٍ -. (ح): وَحَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِىُّ الْمَعْنَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: \"لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ نَزَلُوا الْعَصْبَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِىِّ -ﷺ-، فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا\". زَادَ الْهَيْثَمُ: وَفِيهِمْ\n===\nحاصل قول أبي داود أن وكيعًا ويزيد بن هارون اختلفا في الرواية عن مسعر بن حبيب، فزاد وكيع بعد عمرو بن سلمة: \"عن أبيه\" ولم يذكره يزيد بن هارون، فمفاد رواية وكيع أن عمرو بن سلمة لم يكن في الوفد الذين أتوا النبي - ﷺ -، بل سمع من أبيه ما دار بينهم وبين النبي - ﷺ - من الكلام في الإمامة، ومفاد رواية يزيد بن هارون أن عمرو بن سلمة يحتمل أن يكون وفد معهم، وسمع من النبي - ﷺ - ما سمعوا، ويحتمل أنه لم يكن معهم في الوفد فسمع من أبيه أو ممن معه في الوفد.\n٥٨٦ - (حدثنا القعنبي، ثنا أنس -يعني ابن عياض-، ح: وحدثنا الهيثم بن خالد) ويقال: ابن جنّاد، بجيم ونون (الجهني) أبو الحسن الكوفي، ثقة (المعنى) أي معنى حديثهما واحد وإن اختلفت ألفاظهما (قالا) أي أنس والهيثم: (ثنا ابن نمير) عبد الله، (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص، (عن نافع، عن ابن عمر) عبد الله (أنه قال: لما قدم المهاجرون الأولون) أي المدينة مهاجرين (نزلوا العصبة) موضع بالمدينة عند قباء، ضبطه بعضهم بفتح العين والصاد (قبل مقدم رسول الله - ﷺ -) أي قبل أن يقدم النبي - ﷺ - مهاجرًا إلى المدينة (فكان يؤمهم (١» أي المهاجرين ومن أسلموا من الأنصار (سالم مولى أبي حذيفة (٢)، وكان أكثرهم قرآنًا) أي حفظًا للقرآن.\n(زاد الهيثم) أي في حديثه (وفيهم) أي وفي الذين يؤمهم سالم مولى\n_________\n(١) قبل العتق، ولذا بوب عليه البخاري \"إمامة المولى والعبد\"، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وكان مولى امرأة من الأنصار، ثم لما عتق لازم أبا حذيفة وتبناه، فعرف به، \"ابن رسلان\". وستأتي ترجمته في \"الشرح\". (ش).","vol":"3","page":462},{"text":"عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ. [خ ٦٩٢]\n===\nأبي حذيفة (عمر بن الخطاب (١) وأبو سلمة بن عبد الأسد) هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أبو سلمة، أخو النبي - صلي الله عليه وسلم - من الرضاعة، وابن عمته برة بنت عبد المطلب، كان من الصادقين، شهد بدرًا، ومات في حياة النبي - صلي الله عليه وسلم - في جمادى الآخرة سنة أربع بعد أحد، فتزوج النبي - ﷺ - بعده زوجته أم سلمة.\nوالجملة حالية، أي والحال أنه كان فيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد من كبار الصحابة، ومع هذا كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة.\nوكان سالم مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وإنما قيل له: مولى أبي حذيفة، لأنه لازم أبا حذيفة بعد أن أعتق فتبناه، فلما نهوا عن ذلك، قيل له: مولاه، واستشهد سالم باليمامة في خلافة أبي بكر - رضي الله تعالى عنه -، وهو من كبار البدريين، مشهور كبير القدر، يقال له: سالم بن معقل، وكان من أهل فارس من إصْطَخْر، وقيل: إنه من العجم من سبي كرمان، وكان يُعَدُّ في قريش لتبني أبي حذيفة له، ويعد في العجم لأصله، ويعد في المهاجرين لهجرته، ويعد في الأنصار لأن معتقته أنصارية، ويعد في القراء لأنه كان أقرأهم، أي أكثرهم قرآنًا، \"عيني شرح البخاري\" (٢).\nقلت: وكان سالم -﵁ - حسن القراءة أيضًا، فقد أخرج البزار عن عائشة قالت: سمع رسول الله - ﷺ - سالمًا مولى أبي حذيفة يقرأ من الليل فقال: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك\"، نقله الحافظ في \"الإصابة\" (٣)، وقال: رجاله ثقات.\n_________\n(١) زاد في \"الإِحكام\": وفيهم أبو بكر وعمر، وأشكل ذكر أبي بكر لأنه كان رفيقه﵊ -، ووجه بأنه يحتمل أن بقي سالم على إمامته حتى صلَّى خلفه أبو بكر، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) (٤/ ٣١٧).\n(٣) (٣/ ٥٧).","vol":"3","page":463},{"text":"٥٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ -، عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (١) أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ أَوْ لِصَاحِبٍ لَهُ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا،\n===\n٥٨٧ - (حدثنا مسدد، ثنا إسماعيل) بن علية، (ح: وحدثنا مسدد، ثنا مسلمة بن محمد) الثقفي البصري، لين الحديث (المعنى واحد) أي معنى حديث إسماعيل وحديث مسلمة بن محمد واحد، وإن اختلفت ألفاظهما، (عن خالد) الحذاء، (عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث) (٢) بالتصغير، أبو سليمان الليثي، الصحابي، نزل البصرة، ومات سنة ٧٤ هـ.\n(أن النبي - ﷺ - قال له أو لصاحب له) فإنهما وفدا إلى رسول الله - ﷺ - كما ورد في رواية البخاري (٣) في \"صحيحه\" (٤) وأحمد في \"مسنده\"، قال: أتينا رسول الله - ﷺ - ونحن شَبَبَة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وفي رواية للبخاري: عن مالك بن الحويرث، قال: أتى رجلان النبي - ﷺ - يريدان السفر، قال الحافظ (٥): هما مالك بن الحويرث راوي الحديث ورفيقه، وقال: ولم أر في شئ من طرقه تسمية صاحبه.\n(إذا حضرت الصلاة فأذنا) اختلفت الروايات في ذلك ففي بعضها: \"ارجعوا فكونوا فيهم وعلموا وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم\" وهذا في رواية أيوب عن أبي قلابة، وأما في رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة ففيه: \"إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما\"، فوقع الاختلاف في أمرين:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حويرث\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ١٦) رقم (٤٥٨٧).\n(٣) وفي لفظ للنسائي: \"قد أتيت أنا وابن عم لي\"، وفي رواية: \"أو صاحب لي\"، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٦٨٥).\n(٥) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٢).","vol":"3","page":464},{"text":"ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ ليَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا\".\nوَفِي حَدِيثِ (١) مَسْلَمَةَ قَالَ: \"وكُنَّا يَوْمَئِذٍ مُتَقَارِبَيْنِ في الْعِلْمِ\".\n===\nالأول: أن ظاهر الحديث الأول أن الأمر بالأذان بعد وصولهم إلى أهلهم وتعليمهم، وفي الحديث الثاني بعد خروجهما من المدينة قبل وصولهما إلى أهلهما.\nوالثاني: أن في الحديث الأول أمر بالأذان لأحدهما، وفي الحديث الثاني لكليهما، وفي الحقيقة لا اختلاف بين الحديثين، فإن الحديث الأول الذي فيه الأمر بالأذان في الحضر لا ينافي الأمر بالأذان في السفر، كما أن الحديث الثاني الذي فيه الأمر بالأذان في السفر لا ينافي الأمر بالأذان في الحضر.\nوكذلك المراد بقوله: \"أذنا\"، فإن المراد بقوله: \"أذنا\"، أي من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما، ولا يعتبر في الأذان السنن وغيره بخلاف الإمامة، وهو واضح من سياق حديث أيوب حيث قال: \"ليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم\"، ويمكن أن يوجه قوله: \"فأذنا\" بأن أحدهما يؤذن والآخر يجيب.\nوقال الكرماني: قد يطلق الأمر بالتثنية وبالجمع، والمراد واحد، كقوله: يا حرسي اضربا عنقه، وقوله: قتله بنو تميم مع أن القاتل والضارب واحد، وفهم منه أبو الحسن بن القصار أنه - ﷺ - أمرهما أن يؤذنا جميعًا، كما هو ظاهر اللفظ، وهذا ليس بمراد، وإن أراد أن كلًّا منهما يؤذن على حدة، فهذا أيضًا بعيد، فإن أذان الواحد يكفي الجماعة (٢).\n(ثم أقيما) أي ثم ليقم أحدكما، فإن تكرار الإقامة مكروه، وهذا محمول على الجواز، وإلا فالأولى أن الذي يؤذن هو الذي يقيم (ثم ليؤمكما أكبركما) أي سنًا.\n(وفي حديث مسلمة قال) أي مالك بن الحويرث: (وكنا يومئذ متقاربين في العلم) وهذا اعتذار عن أن النبي - ﷺ - اعتبر الرجحان في السن ولم يعتبر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وقال في حديث\".\n(٢) إجماعًا، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":465},{"text":"وَقَالَ في حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ: قَالَ خَالِدٌ: \"قُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ: فَأَيْنَ الْقُرْآنُ (١)؟ قَالَ: إِنَّهُمَا (٢) كَانَا مُتَقَارِبَيْنِ\". [خ ٦٢٨، م ٦٧٤، ت ٢٠٥، ن ٦٣٤، حم ٣/ ٤٣٦، دي ١٢٥٣، ق ٢/ ٣٩٣، جه ٩٧٩]\n٥٨٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْحَنَفِيُّ، ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"ليُؤَذِّنْ لَكُمْ\n===\nالعلم، كما في الأحاديث الآخر، فاعتذر مالك بن الحويرث بأنا كنا متساويين في العلم، وهذه الزيادة من قول مالك بن الحويرث غير مذكورة في حديث إسماعيل بن علية، ولكن فيه زيادة بهذا اللفظ.\n(وقال) أي مسدد (في حديث إسماعيل: قال خالد) أي الحذاء: (قلت لأبي قلابة: فأين القرآن؟) أي فأين الترجيح بكثرة القرآن (قال) أي أبو قلابة في جوابه: (إنهما) أي مالك بن الحويرث ورفيقه (كانا متقاربين) أي متساويين في القرآن.\nوغرض المصنف بيان الاختلاف الواقع في حديث مسلمة وفي حديث إسماعيل بأن في حديث مسلمة ليس ذكر سؤال خالد والجواب لأبي قلابة، بل فيه قول مالك بن الحويرث في ذكر التقارب بينه وبين رفيقه في العلم، وأما في حديث إسماعيل ففيه سؤال خالد والجواب عن ذلك السؤال من أبي قلابة بأنهما كانا متقاربين، وليس فيه ذكر كونهما متقاربين من مالك بن الحويرث.\n٥٨٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حسين بن عيسى) بن مسلم (الحنفي) أبو عبد الرحمن الكوفي، ضعفه كثيرون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (ثنا الحكم بن أبان) العدني، أبو عيسى، صدوق عابد، وله أوهام، مات سنة ١٥٤ هـ، (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليؤذن لكم) أمر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"القراءة\".\n(٢) وفي نسخة: \"فإنهما\".","vol":"3","page":466},{"text":"خِيَارُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ\". [جه ٧٢٦، ق ١/ ٤٢٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>(٦٢) بَابُ إِمَامَةِ النِّسَاءِ </span>(١)\n٥٨٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ، حَدَّثَتْنِى جَدَّتِى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَّادٍ الأَنْصَارِىُّ\n===\nاستحباب (خياركم) أي من هو أكثر صلاحًا ليحفظ نظره عن العورات، ويبالغ في محافظة الأوقات، (وليؤمكم قراؤكم) بضم القاف وتشديد الراء جمع قارئ، وكل ما يكون أقرأ فهو أفضل إذا كان عالمًا بمسائل الصلاة، فإن أفضل الأذكار وأطولها وأصعبها إنما هو القراءة، وفيه تعظيم لكلام الله تعالى، وتقديم قارئه، وإشارة إلى علو مرتبته في الدارين، كما كان - ﷺ - يأمر بتقديم الأقرأ في الدفن.\nقلت: ولو حمل على الترغيب في تعليم القرآن لكان أنسب.\n\n(٦٢) (بَابُ إَمَامَةِ النِّسَاءِ)\nأي: للنساء هل يجوز ذلك أو لا؟\n٥٨٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع بن الجراح، ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع) مصغرًا، الزهري المكي الكوفي، وقد ينسب إلى جده، وثَّقه ابن معين والعجلي وابن سعد، ولينه آخرون، وقال أحمد وأبو داود وأبو زرعة: لا بأس به، قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق يهم، ورمي بالتشيع.\n(حدثتني جدتي) قال في \"التقريب\": وليد بن عبد الله بن جميع عن جدته عن أم ورقة، هي ليلى بنت مالك، لا تعرف، من الثالثة، ووقع في بعض الروايات عن جدته أم ورقة، والأول أثبت، انتهى.\n(وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري) قال الحافظ في \"التقريب\": مجهول\n_________\n(١) وفي نسخة:، باب ما جاء في إمامة النساء\".","vol":"3","page":467},{"text":"عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ نَوْفَلٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِى فِى الْغَزْوِ مَعَكَ، أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِى شَهَادَةً قَالَ: «قِرِّى فِى بَيْتِكِ،\n===\nالحال، وقال في \"الخلاصة\": وثَّقه ابن حبان (عن أم ورقة بنت نوفل) في بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصاري، كان رسول الله - ﷺ - يزورها ويسميها الشهيدة، فقتلها غلام لها وجارية كانت دبرتهما، وذلك في خلافة عمر.\nقال الحافظ في \"التهذيب\" (١): روى حديثها الوليد بن عبد الله بن جميع عن جدته، عن أمها أم ورقة، وقيل: عن الوليد عن جدته ليلى بنت مالك عن أبيها عن أم ورقة، عن الوليد عن جده عن أم ورقة ليس بينهما أحد، والوليد عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة، وقيل: عن عبد الرحمن بن خلاد عن أبيه عن أم ورقة، وقد نسبت في رواية إلى جد أبيها، فقال: عن أم ورقة بنت نوفل.\n(أن النبي -صلي الله عليه وسلم- لما غزا بدرًا) قال في \"المجمع\" (٢): \"بدر\" قرية عامرة بنحو أربع مراحل بين المدينة ومكة، انتهى، أو اسم بئر هناك كانت لرجل من قريش حفرها، واسمه بدر بن قريش، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا.\n(قالت) أي أم ورقة: (قلت له: يا رسول الله - ﷺ - ائذن لي في الغزو معك، أمرض) أي أعالج وأخدم (مرضاكم) جمع مريض، كقتلى وقتيل، وأسرى وأسير (لعل الله تعالى أن يرزقني شهادة) فأقتل في سبيله، أو مرتبة الشهادة إن مت على فراشي.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (قري في بيتك) أي امكثي ولا تخرجي إلى\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٨٢).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٤٨).","vol":"3","page":468},{"text":"فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ». قَالَ: فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةَ.\nقَالَ: وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِىَّ -ﷺ- أَنْ تَتَّخِذَ فِى دَارِهَا مُؤَذِّنًا فَأَذِنَ (١) لَهَا. قَالَ: وَكَانَتْ دَبَّرَتْ غُلَامًا لَهَا وَجَارِيَةً، فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا، فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِى النَّاسِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ، أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَصُلِبَا،\n===\nالغزو، (فإن الله ﷿ يرزقك الشهادة) أي يعطيكها في بيتك، (قال) أي وكيع بن الجراح: (فكانت تسمى الشهيدة) لقول رسول الله - ﷺ -.\n(قال) أي الوليد بن عبد الله: (وكانت) أي أم ورقة (قد قرأت القرآن) أي حفظته، (فاستأذنت) أي أم ورقة (النبي - ﷺ - أن تتخذ في دارها مؤذنًا) فيؤذن لها ليجتمع نساء الحي فيصلين معها، وكان أمرها أن تؤم أهل دارها فكانت تؤم، كما يدل عليه رواية الدارقطني.\n(فأذن) أي رسول الله - ﷺ - أن تتخذ مؤذنًا يؤذن (لها، قال) أي وكيع بن الجراح: (وكانت) أم ورقة (دبرت غلامًا لها وجارية، فقاما) أي الغلام والجارية (إليها) أي إلى أم ورقة (بالليل فغماها) الغم تغطية الوجه والأنف وسدهما فلا يخرج الهواء ولا يدخل فيموت (بقطيفة) هي كساء له خمل، والقطائف جمعه، (لها) أي لأم ورقة (حتى ماتت) أي أم ورقة (وذهبا) أي فرّا بعد قتلها.\n(فأصبح عمر فقام في الناس) أي خطيبًا (فقال) أي عمر: (من كان عنده من هذين) أي الغلام والجارية القاتلين (علم، أو من رآهما) ولفظ \"أو\" شك من الراوي، أي قال هذا أو ذاك (فليجئ بهما) فجئ بهما (فأمر) عمر -رضي الله تعالى عنه - (بهما فصلبا) (٢) أي الغلام والجارية، وهذا بظاهره\n_________\n(١) وفي نسخة \"فيؤذن\".\n(٢) قال ابن رسلان: فيه أن من قتل خنقًا يصلب، ولم أجد أحدًا قال به. (ش).","vol":"3","page":469},{"text":"فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بالْمَدِينَةِ. [حم ٦/ ٤٠٥]\n٥٩٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْحَضْرَمِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفُضَيْلٍ (١)، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ (٢) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالأَوَّلُ أَتَمُّ.\n===\nيخالف قوله - ﷺ -: \"لا قود إلَّا بالسيف\" ويمكن أن يوجه بأن عمر -﵁ - قتلهما ثم صلبهما، والله أعلم (فكانا أول مصلوب بالمدينة).\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣) بعد نقل حديث أبي داود: وأخرجه ابن السكن من طريق محمد بن فضيل ولفظه: أنها قالت: يا رسول الله لو أذنت لي فغزوت معكم، فمرضت مريضكم، وداويت جريحكم، فلعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: يا أم ورقة اقعدي في بيتك، فإن الله سيهدي إليك شهادة في بيتك، وكان رسول الله - ﷺ - يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، قال: وكان لها غلام وجارية فدبَّرتهما، فقاما إليها، فغماها، فقتلاها، فلما أصبح عمر قال: والله ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة، فدخل الدار فلم ير شيئًا، فدخل البيت فإذا هي ملفوفة في قطيفة في جانب البيت، فقال: صدق الله ورسوله، ثم صعد المنبر، فذكر الخبر، وقال: علي بهما، فأتي بهما، فسألهما فأقرا أنهما قتلاها، فأمر بهما فصلبا.\n٥٩٠ - (حدثنا الحسن بن حماد الحضرمي) هو الحسن بن حماد بن كسيب بالمهملة وآخره موحدة مصغرًا، الحضرمي، أبو علي البغدادي، يلقب بسجادة، وثَّقه الخطيب، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مَات سنة ٢٤١ هـ.\n(ثنا محمد بن الفضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بهذا الحديث) المتقدم (والأول أتم)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فضيل\".\n(٢) وفي نسخة: \"ابنة\".\n(٣) (٨/ ٢٨٩).","vol":"3","page":470},{"text":"قَالَ: \"وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَزُورُهَا فِى بَيْتِهَا، وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا\". قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا.\n===\nأي والحديث الأول الذي رواه وكيع بن الجراح عن الوليد بن عبد الله أتم من الحديث الذي رواه محمد بن الفضيل عن الوليد.\n(قال) محمد بن الفضيل: (وكان رسول الله - ﷺ - يزورها) (١) أي أم ورقة (في بيتها، وجعل) أي رسول اللهﷺ - (لها) أي لأم ورقة (مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها) أي أمر رسول اللهﷺ - أم ورقة (أن تؤم أهل دارها) أي نساء المحلة (قال عبد الرحمن: فأنا رأيت موذنها شيخًا كبيرًا) وهذا الحديث يدل على جواز إمامة المرأة للنساء، وأما عند الحنفية فجازت مع الكراهة.\nقال في \"البدائع\" (٢): وكذا المرأة تصلح للإمامة في الجملة حتى لو أمَّت النساء جاز، وينبغي أن تقوم وسطهن لما روي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها - \"أنها أمَّت نسوة في صلاة العصر وقامت وسطهن\" (٣)، \"وأمَّت أم سلمة نساء وقامت وسطهن\" (٤)، ولأن مبنى حالهن على الستر، وهذا أستر لها، إلَّا أن جماعتهن مكروهة عندنا، وعند الشافعي مستحبة (٥)\n_________\n(١) وفيه أن النساء لا تستر منه - ﷺ -، لأنه كان معصومًا بخلاف غيره من الرجال، \"ابن رسلان\"، قلت: هذا يخالف ما يأتي في \"باب الخضاب للنساء\" من حديث عائشة، وفيه: أومأت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله - ﷺ -، الحديث. (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٨٧).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥٠٨٦)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٤٠٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٠٨).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥٠٨٢)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١/ ٥٣٦)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٤٠٥).\n(٥) قال الشعراني: قال الشافعي وأحمد: إن للنساء إقامة الجماعة في بيوتهن من غير كراهة =","vol":"3","page":471},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكجماعة الرجال، ويروى في ذلك أحاديث لكن تلك كانت في ابتداء الإِسلام ثم نسخت (١) بعد ذلك، انتهى.\nوقد أطال ابن الهمام (٢) الكلام في ذلك المقام، فاعترض على كونها منسوخة بروايات نقلها عن \"المستدرك\" وعن \"كتاب الآثار\" لمحمد وعن أبي داود بحديث أم ورقة، ثم أجاب عنها.\nثم قال بعد تفصيل الأجوبة: ولكن يبقى الكلام بعد هذا في تعيين الناسخ إذ لابد في ادعاء النسخ منه، ولم يتحقق في النسخ إلَّا ما ذكر بعضهم من إمكان كونه ما في \"أبي داود\" و\"صحيح ابن خزيمة\": \"صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها\" يعني الخزانة التي تكون في البيت.\nوروى ابن خزيمة عنه - ﷺ -: \"إن أحب صلاة المرأة إلى الله في أشد مكان في بيتها ظلمة\" (٣)، وفي حديث له وابن حبان: \"وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها\" (٤)، ومعلوم أن المخدع لا يسع الجماعة وكذا قعر بيتها وأشده ظلمة، ولا يخفى ما فيه.\nوبتقدير التسليم فإنما يفيد نسخ السنية، وهو لا يستلزم كراهة التحريم في\n_________\n= مع قول أبي حنيفة ومالك بالكراهة، لكن ظاهر ابن رسلان على أنها تكره عند الأربعة، وقال الموفق (٣/ ٣٧): اختلفت الرواية عن أحمد فعنه مستحب، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور، وعنه غير مستحب، وقال أصحاب الرأي: مكروه، وإن فعلن أجزأهن، وقال الشعبي والنخعي وقتادة: لهن ذلك في التطوع دون الفرض، وقال مالك: لا ينبغي لها أن تؤم أحدًا. (ش).\n(١) ويمكن أن يقال: إنه خبر واحد في عموم البلوى. (ش).\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٣٠٧).\n(٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٣/ ٩٦) ح (١٦٩٢).\n(٤) \"صحيح ابن خزيمة\" (١٦٨٥) و\"صحيح ابن حبان\" (٥٥٩٨).","vol":"3","page":472},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالفعل بل التنزيه، ومرجعها إلى خلاف الأولى، ولا علينا أن نذهب إلى ذلك، فإن المقصود اتباع الحق حيث كان، انتهى.\nوقال القاري في شرح \"النقاية\": قال في شرح \"المجمع\": فعلن (أي عائشة وأم سلمة) كذلك حين كانت جماعتهن مستحبة، ثم نسخ الاستحباب، أقول: الأظهر أن الكراهة محمولة على ظهورهن وخروجهن، والجواز على تسترهن في بيوتهن، انتهى.\nوأما ما استدل بهذا الحديث بعض العلماء على جواز إمامة (١) المرأة النساء والرجال، فغير صحيح، ووجه استدلالهم بهذا الحديث بأنه كان لها مؤذن يؤذن لها، وكان لها غلام وجارية، فالظاهر أنها كانت تؤم مؤذنها وغلامها مع الجارية، قلت: وفي الاستدلال نظر، فإن الحديث لا يدل على إمامتها إياهما بوجه من وجوه الدلالة، وظاهر الحال لو سلم (٢) فغير حقيق بالاستدلال.\nوأما الاستدلال بعدم (٣) جواز إمامة المرأة للرجال، فتارة بالحديث الذي نقله الفقهاء بقوله ﵇: \"أخِّروهن من حيث أخَّرهن الله\"، ولكن قال ابن الهمام (٤): لم يثبت رفعه فضلًا عن كونه من المشاهير، وتارة يستدل بحديث إمامة أنس واليتيم حيث قامت العجوز من وراء أنس واليتيم، فقد قامت منفردة خلف صف، وهو مفسد، كما هو مذهب أحمد - ﵀-\n_________\n(١) وفي \"تحفة المحتاج\" (٢/ ٣٤٣): يبطل إجماعًا إلَّا ما شذَّ كالمزني. (ش).\n(٢) وفي \"المغني\" (٣/ ٣٢): وحديث أم ورقة: \"إنما أذن لها أن تؤم نساء [أهل] دارها\"، كذلك رواه الدارقطني (١/ ٢٧٩)، وهذه زيادة يجب قبولها إلى آخر ما بسط. (ش).\n(٣) وقد ورد نصًا مرفوعًا من حديث جابر عند ابن ماجه، لكنه ضعيف، بسط صاحب \"النيل\" (٣/ ٢٠٨). (ش).\n(٤) \"فتح القدير\" (١/ ٣١٢).","vol":"3","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>(٦٣) بَابُ الرَّجُلِ يَؤُمُّ الْقَوْمَ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ</span>\n٥٩١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدٍ الْمَعَافِرِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ،\n===\nلما ذكرنا من الأمر بالإعادة، أو لا يحل وهو معنى الكراهة السابق ذكرها لما قدمنا من قوله - ﷺ -: \"ولا تعد\"، وتارة بدلالة الإجماع على عدم جواز إمامتها للرجل، فقول القائلين بجواز إمامتها (١) للرجال محجوج بإجماع من قبله، والله أعلم.\n\n(٦٣) (بَابُ الرَّجُلِ يَؤمُّ القَوْمَ وَهُمْ لَهُ كَارِهُون)\nأي: يكرهون إما مته\n٥٩١ - (حدثنا القعنبي، ثنا عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن بن زياد) بن أنعم الإفريقي، (عن عمران بن عبد) بغير إضافة (المعافري) أبو عبد الله المصري، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ضعيف، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقد ذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة.\n(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص (أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة) أي صلاتهم، والمراد بعدم القبول كون الصلاة في مرتبة عدم الكمال باعتبار الثواب (من تقدم) خبر مبتدأ محذوف أي أحدهم (قومًا) أي أمَّ قومًا (وهم له كارهون).\n_________\n(١) لكن قال ابن رسلان: إن الطبري وأبا ثور أجازا إمامتها للرجال، وفي \"المنهل\" (٤/ ٣١٤): ذهب إلى جوازه داود وأبو ثور والمزني والطبري، وقال الموفق (٣/ ٣٣): لا يأتم بها الرجال بحال في نافلة ولا فرض، وهو قول عامة الفقهاء، وقال أبو ثور: لا إعادة على من صلَّى خلفها، وهو قياس قول المزني. (ش).","vol":"3","page":474},{"text":"وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا، وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ،\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضًا، فينتهض للاستدلال بها على تحريم أن يكون الرجل إمامًا لقوم يكرهونه، ويدل على التحريم نفي قبول الصلاة وأنها لا تجاوز آذان المصلين ولعن الفاعل لذلك، وذهب إلى التحريم قوم، وإلى الكراهة آخرون، وقد روى العراقي ذلك عن علي بن أبي طالب والأسود بن هلال وعبد الله بن الحارث البصري، وقد قيد ذلك جماعة من أهل العلم بالكراهة الدينية بسبب شرعي.\nفأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها، وقيدوه أيضًا بأن يكون الكارهون أكثر المأمومين ولا اعتبار بكراهة الواحد والاثنين والثلاثة إذا كان المؤتمون جمعًا كثيرًا لا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، وحمل الشافعي الحديث على إمام غير الوالي، لأن الغالب كراهة ولاة الأمر، وظاهر الحديث عدم الفرق، والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم، حتى قال الغزالي في \"الإحياء\": لو كان الأقل من أهل الدين يكرهونه فالنظر إليهم، انتهى.\nوعند الحنفية الكراهية تحريمية، قال في \"الدر المختار\" (٢): ولو أمَّ قومًا وهم له كارهون، إن الكرهة لفساد فيه أو لأنهم أحق بالإمامة منه، كُرِه له ذلك تحريمًا لحديث أبي داود: \"لا يقبل الله صلاة من تقدم قومًا وهم له كارهون\"، وإن هو أحق لا، والكراهة عليهم، انتهى.\n(ورجل أتى) أي وثانيهم رجل حضر (الصلاة دبارًا، والدبار أن يأتيها) أي الصلاة (بعد أن تفوته) (٣) أي بعد ما يفوت وقته، وقيل: جمع دبر، وهو آخر أوقات الشيء كإدبار السجود، وفلان لا يدري قبال الأمر من دباره، أي ما أوله من آخره، فالمراد بالفوت فوتها جماعة أو أداء، قال ابن الملك: هذا إذا اتخذه عادة.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢١١).\n(٢) (٢/ ٣٥٤).\n(٣) وفي \"سنن ابن ماجه\": \"بعد ما يفوته الوقت\"، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":475},{"text":"وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَةُ\" (١). [جه ٩٧٠، ق ٣/ ١٢٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>(٦٤) بَابُ إِمَامَةِ البَرّ وَالْفَاجِرِ</span>\n٥٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عن مَكْحُولٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَاجِبَةٌ خَلْفَ\n===\n(ورجل اعتبد) أي وثالثهم رجل اتخذ عبدًا (محررة) (٢) أي نفسًا محررة، قال الطيبي (٣): يقال: اعتبدته إذا اتخذته عبدًا وهو حر، وذلك بأن يأخذ حرًا فيدعيه عبدًا ويتملكه، أو يعتق عبده ثم يستخدمه كرهًا، أو يكتم عتقه استدامة لخدمته ومنافعه.\n\n(٦٤) (بَابُ إمامَةِ البَرِّ والفَاجِرِ)\nأي: في جوازه\nوهذا الباب مع حديثه مذكور في المتن في النسخة المصرية، وأما في النسخ الهندية فمكتوب على الحاشية، وذكرها في المتن صاحب \"عون المعبود\"، وقد أخرج أبو داود هذا الحديث في \"باب الغزو مع أئمة الجور\" مطولًا ومفصلًا، فالظاهر أن ذكر هذا الحديث هاهنا تكرار محض.\n٥٩٢ - (حدثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب) أي عبد الله، (حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول (٤)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: الصلاة المكتوبة واجبة) عليكم أي بالجماعة (خلف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"محرره\".\n(٢) وفي \"ابن رسلان\": محرره أي معتقه الذي أعتقه. قلت: ويحتمل أن يكون المراد امرأة محررة، ولذكرها خصوصيات ظاهرة. (ش).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٥).\n(٤) ذكر ابن رسلان فيه الاضطراب. (ش).","vol":"3","page":476},{"text":"كُلِّ مُسْلِمٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ». [ق ٣/ ١٣١، قط ٢/ ٥٦]\n===\nكل مسلم، برًا كان أو فاجرًا (١)، وإن عمل الكبائر).\nقال القاري (٢): قال ابن الملك: أي جاز اقتداؤكم خلفه لورود الوجوب بمعنى الجواز لاشتراكهما في جانب الإتيان بهما، وهذا يدل على جواز الصلاة خلف الفاسق، وكذا المبتدع إذا لم يكن ما يقوله كفرًا، والحديث حجة (٣) على الإِمام مالك في عدم إجازته إمامة الفاسق.\nقلت: في أمره بالصلاة خلف الفاجر مع أن الصلاة خلف الفاسق والفاجر مكروهة عندنا دليل على وجوب الجماعة، فتأمل.\nرواه الدارقطني بمعناه وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة، فالحديث منقطع لا يصلح حجة على الإِمام مالك، لكن قال ابن الهمام: أعله الدارقطني بأن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة، ومن دونه ثقات، وحاصله أنه من مسمَّى الإرسال عند الفقهاء، وهو مقبول عندنا.\nوقد روي هذا المعنى من عدة طرق كلها ضعيفة من قبل بعض الرواة، وبذلك يرتقي إلى درجة الحسن عند المحققين، وهو الصواب.\nوقال ابن حجر: ويوافقه خبر الدارقطني: \"اقتدوا بكل بر وفاجر\"، وهو إن كان مرسلًا لكنه اعتضد بفعل السلف، فإنهم كانوا يصلون وراء أئمة الجور، وروى الشيخان أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج، وكذا كان أنس يصلي خلفه أيضًا، انتهى ملخصًا (٤).\n_________\n(١) وقد صلَّى ابن عمر خلف الحجاج، وكفى به فسقًا، \"ابن رسلان\"، وجمع ابن قتيبة بينه وبين قوله - ﷺ -: \"ليؤمكم خياركم\" [انظر: \"تأويل مختلف الحديث\" ص ١٠٥]. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٦).\n(٣) قال الشعراني: قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه بجوازه مع الكراهة، وقال مالك وهو أشهر قولي أحمد: لا يجوز إن كان بلا تأويل، ويعيد في الوقت إن كان بتأويل، وبسطه في \"الدسوقي\" (١/ ٣٢٦). (ش).\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٦).","vol":"3","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>(٦٥) باب إِمَامَةِ الأَعْمَى</span>\n٥٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَنْبَرِىُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى\". [ق ٣/ ٨٨]\n===\n\n(٦٥) (بَابُ إمَامَةِ الأعْمَى)\n٥٩٣ - (حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري أبو عبد الله، ثنا ابن مهدي) أي عبد الرحمن، (ثنا عمران القطان) هو ابن داود بفتح الواو بعدها راء، أبو العوام البصري، كان من أخص الناس بقتادة، قال البخاري: صدوق يهم، وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم، وقال العقيلي من طريق ابن معين: كان يرى رأي الخوارج ولم يكن داعية، وقال النسائي: ضعيف، وعن ابن معين: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الساجي: صدوق، وثَّقه عفان، وقال العجلي: بصري ثقة.\n(عن قتادة) بن دعامة، (عن أنس) بن مالك (أن النبي -صلي الله عليه وسلم- استخلف) أي أقام مقام نفسه حين خرج إلى الغزو (ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى) (١)، وهذا الحديث يدل على جواز إمامة الأعمى.\nقال القاري (٢): قال ابن الملك: كراهة إمامة الأعمى إنما هي إذا كان في القوم سليم أعلم منه، أو مساو له علمًا، وقال ابن حجر: فيه جواز إمامة الأعمى، ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في أنه أولى من البصير أو عكسه.\nقال التوربشتي: استخلفه على الإمامة حين خرج إلى تبوك مع أن عليًا -﵁ - فيها لئلا يشغله شاغل عن القيام بحفظ من يستحفظه من الأهل حذرًا أن ينالهم عدو بمكروه.\n_________\n(١) استدل به من قال: إن إمامة الأعمى أفضل، كما قال أبو إسحاق المروزي وغيره، وظاهر كلام الشافعي أنهما سواء. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٤).","vol":"3","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>(٦٦) بابُ إِمَامَةِ الزَّائِرِ</span>\n٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، عَنْ بُدَيْلٍ، حَدَّثَنِى أَبُو عَطِيَّةَ مَوْلًى مِنَّا قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ حُوَيْرِثٍ يَأْتِينَا إِلَى مُصَلَاّنَا هَذَا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلِّهْ، فَقَالَ لَنَا: قَدِّمُوا (١) رَجُلًا مِنْكُمْ يُصَلِّى بِكُمْ،\n===\nوقال ابن حجر: يمكن أن يوجه بأنه لو استخلفه في ذلك أيضًا لوجد الطاعن في خلافة الصديق سبيلًا، وروي أنه استخلفه مرتين أي استخلافًا عامًا، وقيل: استخلفه على الإمامة في المدينة، وقيل: في ثلاث عشرة غزوة، ولعل هذا كله جبر لما وقع له في سورة عبس وتولى.\n\n(٦٦) (بَابُ إمَامَةِ الزَائِرِ)\n٥٩٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان) بن يزيد العطار، (عن بديل) مصغرًا، ابن ميسرة العقيلي بضم العين، البصري، وثَّقه ابن سعد وابن معين والنسائي والعجلي، مات سنة ١٣٠ هـ، (حدثني أبو عطية (٢) مولى منا) أي مولى بني عقيل (٣)، قال أبو حاتم: لا يعرف ولا يسمَّى، وقال ابن المديني: لا يعرفونه، وقال أبو الحسن القطان: مجهول، وصحح ابن خزيمة حديثه، وقال في \"التقريب\": مقبول.\n(قال) أبو عطية: (كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مصلانا هذا) أي مسجدنا هذا في البصرة (فأقيمت الصلاة، فقلنا له) أي تعظيمًا له (تقدم) أي للإمامة (فصله) الهاء للسكتة.\n(فقال) أي مالك بن الحويرث (لنا: قدموا رجلًا منكم يصلي بكم)\n_________\n(١) وزاد في نسخة: \"لنا\".\n(٢) قال ابن رسلان: ليس له غير هذا الحديث. (ش).\n(٣) ولذا قال: مولى منا، فإن بديلًا عقيلي. (ش).","vol":"3","page":479},{"text":"وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّى بِكُمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ». [ت ٣٥٦، ن ٧٨٧، حم ٣/ ٤٣٦، خزيمة ١٥٢٠، ق ٣/ ١٢٦]\n\n(٦٧) بَابُ الإِمَامِ يَقُومُ مَكَانًا (١) أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْقَوْمِ\n===\nأي يؤمكم في الصلاة (وسأحدثكم لِمَ لا أصلي بكم) مع أني أحق بالإمامة منكم، وذلك لأنه صحابي عالم، (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من زار قومًا فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم) فإنه أحق من الضيف، وكأنه امتنع من الإمامة مع وجود الإذن منهم عملًا بظاهر الحديث، ثم إن حدثهم بعد الصلاة فالسين للاستقبال وإلَّا فلمجرد التأكيد.\nقال الترمذي بعد تخريج الحديث: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم (٢) قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر، وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به.\nوقال إسحاق بحديث مالك بن الحويرث، وشدد في أن لا يصلي أحد بصاحب المنزل، وإن أذن له صاحب المنزل، قال: وكذلك في المسجد، لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم بقوله - ﷺ -: \"وليؤمهم رجل منهم\"، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>(٦٧) (بَابُ الإِمام يقُومُ مَكَانًا أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْقَوْمِ)</span>\nهل يجوز ذلك أو يكره (٣)؟\n_________\n(١) وزاد في نسخة: \"بمكان\".\n(٢) قال ابن رسلان: لا خلاف بين العلماء أن صاحب الدار أولى من الزائر، وقال ابن بطال: لم أجد فيه خلافًا، وخالفه حديث عتبان عند البخاري: \"أين تحب أن أصلي في بيتك\"، الحديث، وجمع بينهما أن الأول مطلق، والثاني على الإِذن، وضعف العيني حديث الباب. [انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٢٢)]. (ش).\n(٣) قال الشعراني: لا خلاف بينهم في أنه يكره بلا حاجة، وبه قال الموفق إلَّا أنه حكى عن الشافعي الجواز للتعليم، واستدل بحديثي الباب على الكراهة. (ش).","vol":"3","page":480},{"text":"٥٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ (١) وَأَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِىُّ الْمَعْنَى قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ \"أَنَّ حُذَيْفَةَ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانٍ،\n===\n٥٩٥ - (حدثنا أحمد بن سنان وأحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي) هو أحمد بن فرات بن خالد الضبي، نزيل أصبهان، وثَّقه الخليلي والحاكم، وقال أحمد: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله - ﷺ - من أبي مسعود، وقال ابن معين: ما رأيت أسود الرأس أحفظ منه، غير أن ابن عدي ذكر في \"الكامل\" أن ابن عقبة روى عن ابن خراش أنه كذب ابن الفرات، قال ابن عدي: وهذا تحامل، ولا أعلم لأبي مسعود رواية منكرة، وهو من أهل الصدق والحفظ، وقال أبو عبد الله بن منده في \"تاريخه\": أخطأ أبو مسعود في أحاديث ولم يرجع عنها، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٥٨ هـ.\n(المعنى قالا: ثنا يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الإيادي، ويقال: الحنفي الكوفي، أبو يوسف الطنافسي، مولى إياد، ثقة، وقال ابن معين: ضعيف في سفيان، ثقة في غيره، (ثنا الأعمش، عن إبراهيم) النخعي، (عن همام) بن الحارث (أن حذيفة) بن اليمان صحابي (أمَّ الناس) أي صلَّى بالناس إمامًا (بالمدائن) هي بلدة قديمة مبنية على الدجلة، وكانت دار مملكة الأكاسرة على سبعة فراسخ من بغداد (على دكان).\nقال في \"لسان العرب\": ودَكَّنَه: نَضَّدَ بعضَه على بعض، ومنه الدكان مشتق من ذلك، قال الجوهري: الدكان واحد الدكاكين، وهي الحوانيت، فارسي معرب، والنون مختلف فيها، فمنهم (٢) من يجعلها أصلًا، ومنهم من يجعلها زائدة، انتهى، فالدكان هي الدكة (٣) المبنية للجلوس عليها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الواسطي\".\n(٢) واختاره الأخفش. (ش).\n(٣) وهي المحل المرتفع، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":481},{"text":"فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَدْ ذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَنِى\". [ق ٣/ ١٠٨، حب ٢١٤٣، ك ١/ ٢١٠، خزيمة ١٥٢٣]\n٥٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِىِّ، حَدَّثَنِى رَجُلٌ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِالْمَدَائِنِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّى وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ،\n===\n(فأخذ أبو مسعود بقميصه) أي حذيفة (فجبذه) أي جرَّ أبو مسعود حذيفة عن الدكان (فلما فرغ) أي حذيفة (من صلاته قال) أي أبو مسعود: (ألم تعلم أنهم) أي الصحابة (كانوا ينهون عن ذلك؟) أي عن القيام على المكان المرتفع (قال) أي حذيفة: (بلى) أعلم ذلك، ولكن نسيت حين قمت على الدكان، ثم (قد ذكرت) النهي (حين مددتني) أي جذبتني فاتبعتك.\n٥٩٦ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) بن كثير بن زيد الدورقي النكري البغدادي، نسبة إلى بني نكر، والدورق من أعمال الأهواز، وهي معروفة، ويقال: بل هو منسوب إلى صنعة القلانس لا إلى البلد، ثقة صدوق.\n(ثنا حجاج) بن محمد المصيصي، (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز، (أخبرني أبو خالد) قال في \"تهذيب التهذيب\": أبو خالد عن عدي ابن ثابت، وعنه ابن جريج، قلت: يحتمل أن يكون هو الدالاني أو الواسطي، وقال الذهبي: لا يعرف.\n(عن عدي بن ثابت الأنصاري، حدثني رجل) قال في \"الخلاصة\": هو همام بن الحارث (أنه) أي ذلك الرجل (كان مع عمار بن ياسر) صحابي مشهور (بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار) أي أمَّ الناس (وقام على كان) أي على مكان مرتفع وحده (يصلي) أي بالناس (والناس) أي المقتدون به (أسفل منه) أي في مكان أسفل منه.","vol":"3","page":482},{"text":"فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِى مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ» أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟ قَالَ عَمَّارٌ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَىَّ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\n(فتقدم حذيفة فأخذ) أي حذيفة (على يديه) أي يدي عمار فجذبه، (فاتبعه) أي حذيفة (عمار حتى أنزله) أي عمارًا (حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له) أي لعمار (حذيفة: ألم تسمع رسول الله - ﷺ - يقول: إذا أمَّ الرجل القوم) أي صار إمامًا يصلي بهم (فلا يقم (١) في مكان أرفع من مقامهم أو نحو ذلك؟) شك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو نحوه (قال عمار) في جواب حذيفة: (لذلك) أي لأجل هذا الحديث (اتَّبَعْتُك حين أَخَذْتَ على يَدَيَّ).\nقال في \"البدائع\" (٢): ويكره أن يكون الإِمام على دكان، والقوم أسفل منه، والجملة فيه أنه لا يخلو إما إن كان الإِمام على الدكان والقوم أسفل منه، أو كان القوم على الدكان والإمام أسفل منه، ولا يخلو إما أن يكون الإِمام وحده أو كان بعض القوم معه، وكل ذلك لا يخلو إما إن كان في حالة الاختيار أو في حالة العذر، أما في حالة الاختيار فإن كان الإِمام وحده على الدكان والقوم أسفل منه يكره، سواء كان المكان قدر قامة الرجل أو دون ذلك في ظاهر الرواية.\nوروى الطحاوي أنه لا يكره ما لم يجاوز القامة، لأن في الأرض هبوطًا وصعودًا، وقليل الارتفاع عفو، فجعلنا الحد الفاصل ما يجاوز القامة، وروي عن أبي يوسف: أنه إذا كان دون القامة لا يكره.\n_________\n(١) هذا إذ لا يكون فيه ضرورة بخلاف حديث \"الصحيحين\" أنه صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم أَمَّهم على المنبر، فإنه كان المقصود فيه التعليم، قاله ابن رسلان، قلت: أو يقال: إن المنبر لم يكن مقدار الذراع. (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٠٨).","vol":"3","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>(٦٨) بَابُ إِمَامَةِ مَنْ صَلَّى بِقَوْمٍ وَقَدْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ</span>\n٥٩٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، ثنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مِقْسَمٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ \"أَنَّ مَعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ\". [حم ٢/ ٣٠٣، خزيمة ١٦٣٣، حب ٢٤٠٤]\n===\nوالصحيح جواب ظاهر الرواية لما روي \"أن حذيفة بن اليمان قام بالمدائن ليصلي بالناس على دكان\"، الحديث، ولا شك أن المكان الذي يمكن الجذب عنه ما دون القامة، وكذا الدكان المذكور يقع على المتعارف وهو ما دون القامة، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (١): وانفراد الإِمام على الدكان للنهي، وقدر الارتفاع بذراع، ولا بأس بما دونه، وقيل: ما يقع به الامتياز وهو الأوجه، ذكره الكمال وغيره.\n\n(٦٨) (بَابُ (٢) إمَامَة مَنْ صَلَّى بِقَومٍ وَقَدْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلاة)\nأي: يجوز ذلك أو لا؟\n٥٩٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، ثنا يحيى بن سعيد) القطان، (عن محمد بن عجلان، ثنا عبيد الله بن مقسم) القرشي، مولى ابن أبي نمر، المدني، ثقة مشهور، (عن جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله - ﷺ - العشاء) أي صلاة العشاء، كذا في معظم روايات البخاري، وفي رواية: المغرب، فيجمع بتعدد القصة، أو بأن المراد من المغرب العشاء مجازًا، وإلَّا فما في \"الصحيح\" أصح وأرجح، (ثم يأتي قومه (٣) فيصلي بهم تلك الصلاة) أي يؤمهم في تلك الصلاة.\n_________\n(١) (٢/ ٥٠٠).\n(٢) بسط عليه الكلام صاحب \"فيض الباري\" أشد البسط (٢/ ٢٢٣ - ٢٣١). (ش).\n(٣) أي في بني سلمة كما عند البخاري، قاله ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":484},{"text":"٥٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عن عَمْرِو بْنِ دِينارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه يَقُولُ: \"إِنَّ مَعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثمَّ يَرْجِعُ فيَؤمُّ قَوْمَهُ\". [خ ٧٠٠، م ٤٦٥، حم ٣/ ٣٦٩]\n===\n٥٩٨ - (حدثنا مسدد، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار) المكي، أبو محمد الأثرم، الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، مات سنة ١٢٦ هـ، (سمع جابر بن عبد الله يقول: إن معاذًا (١) كان يصلي مع النبي - ﷺ -) أي العشاء (ثم يرجع فيؤم قومه) أي في تلك الصلاة.\nقال العيني (٢): استدل الشافعي بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناء على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، وبه قال أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وهو قول عطاء وطاوس وسليمان بن حرب وداود، وقال أصحابنا: لا يصلي المفترض خلف المتنفل (٣)، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية أبي الحارث عنه، وقال ابن قدامة اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا، وهو قول الزهري والحسن البصري وسعيد بن المسيب والنخعي وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطحاوي: وبه قال مجاهد وطاوس.\n_________\n(١) قال ابن العربي (٣/ ٦٥): لا خلاف في صحة هذا الحديث، واختلفوا في توجيهه على خمسة أقوال: الأول: المفترض خلف المتنفل، وبه قال الشافعي، وأباه مالك وأبو حنيفة، وليس في حديثه بيان النية، وقال جابر: هي له تطوع ولهم فريضة، إخبار بالمغيب، الثاني: من المحتمل أن يصلي معاذ معه -﵊ - صلاة النهار، ومعهم صلاة الليل إذ كانوا أصحاب أعمال لا يأتون الصلاة في النهار، فأخبر الراوي حال معاذ في الوقتين، الثالث: حكايته حال لا يعلم كيفيتها فلا عمل عليها، الرابع: يعارضه \"إنما جعل الإِمام ليؤتم به\"، ولا يحل مخالفته في الركوع والسجود، فكيف يحل مخالفة النية ... إلخ؟، الخاص: يعارض قوله ﵊: \"الإِمام ضامن ... إلخ\"، السادس: يعارض قوله -﵊ -: \"لا تصلوا صلاة في يوم مرتين\" تقدم قريبًا (ش).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٣٣).\n(٣) قال الشعراني: قول أبي حنيفة ومالك وأحمد: لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، كما لا يجوز أداء فرض خلف من يصلي فرضًا آخر، وقال الشافعي: يجوز. (ش).","vol":"3","page":485},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١): وأما احتجاج أصحابنا لذلك بقوله - ﷺ -: \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة\" فليس بجيد، لأن حاصله النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت من غير تعرض لنية فرض أو نفل، ولو تعينت نية الفرض لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية بقومه، لأنها حينئذ ليست فرضًا له.\nوكذلك قول بعض أصحابنا: لا يظن بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنه وإن كان فيه نوع ترجيح، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبي - ﷺ - لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع.\nوكذلك قول الخطابي: إن العشاء في قوله: \"كان يصلي مع النبي-صلي الله عليه وسلم- العشاء\" حقيقة في المفروضة، فلا يقال: كان ينوي بها التطوع، لأن لمخالفه أن يقول: هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل.\nوأما قول ابن حزم: إن المخالفين لا يجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصليه متطوعًا، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم؟ فهذا إن كان كما قال نقض قوي.\nوأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة، وهو ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب زاد: \"وهي له تطوع ولهم فريضة\"، وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفى تهمة تدليسه، فقول ابن الجوزي: إنه لا يصح مردود.\nواعترض عليه الطحاوي (٢) بأن ابن عيينة قد روى هذا الحديث عن عمرو\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٦).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٠٩).","vol":"3","page":486},{"text":"ابن دينار، كما رواه ابن جريج، وجاء به تامًا، وساقه أحسن من سياق ابن جريج غير أنه لم يقل فيه هذا الذي قاله ابن جريج: \"هي له تطوع ولهم فريضة\"، فيجوز أن يكون ذلك من قول ابن جريج (١)، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار، ويجوز أن يكون من قول جابر.\nفمن أي هؤلاء الثلاثة كان القول، فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ أنه كذلك أم لا، لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ، إنما قالوا قولًا على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك.\nولو ثبت ذلك أيضًا عن معاذ، لم يكن في ذلك أنه كان بأمر رسول الله - ﷺ -، ولا أن رسول الله - ﷺ - لو أخبره به لأقره عليه أو غَيَّره.\nوقد روينا عن رسول الله - ﷺ - ما يدل على خلاف ذلك، حدثنا فهد قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي ح، وثنا علي بن عبد الرحمن، ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا: ثنا سليمان بن بلال، ثنا عمرو بن يحيى المازني، عن معاذ بن رفاعة الزرقي أن رجلًا من بني سلمة يقال له: سليم أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: إنا نظل في أعمالنا، فنأتي حين نمسي، فنصلي فيأتي معاذ بن جبل، فينادي بالصلاة، فنأتيه فيطول علينا، فقال له النبي - ﷺ -: \"يا معاذ لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك\".\nفقول رسول الله - ﷺ - هذا لمعاذ يدل على أنه عند رسول الله - ﷺ - كان يفعل أحد الأمرين: إما الصلاة معه أو بقومه، وأنّه لم يكن يجمعهما، لأنه قال: \"إما أن تصلي معي\" [أي] ولا تصل بقومك، \"وإما أن تخفف بقومك\" [أي] ولا تصل معي.\nفلما لم يكن في الآثار الأول من قول رسول الله - ﷺ - شيء، وكان في هذا\n_________\n(١) وجزم في \"فبض الباري\" (٢/ ٢٢٦) بأنه مدرج عن ابن جريج، وفي \"العرف الشذي\" (١/ ٢٥٧) أنها ليست في رواية الشافعي أيضًا. (ش).","vol":"3","page":487},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأثر ما ذكرنا، ثبت بهذا الأثر أنه لم يكن من رسول الله - ﷺ - في ذلك لمعاذ شيء متقدم، ولا علمنا أنه كان في ذلك أيضًا منه شيء متأخر، فيجب به الحجة علينا.\nولو كان في ذلك من رسول الله - ﷺ - أمر، كما قال أهل المقالة الأولى، لاحتمل أن يكون ذلك كان من رسول الله - ﷺ - في وقت ما كانت الفريضة تصلى مرتين، فإن ذلك قد كان يفعل في أول الإِسلام حتى نهى عنه رسول الله - ﷺ -، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في باب صلاة الخوف.\nففعل معاذ الذي ذكرنا يحتمل أن يكون قبل النهي عن ذلك، ثم كان النهي فنسخه، ويحتمل أن يكون كان بعد ذلك، فليس لأحد أن يجعله في أحد الوقتين إلَّا كان لمخالفه أن يجعله في الوقت الآخر، انتهى ملخصًا.\nقلت: وحاصل كلام الطحاوي منوع على الاستدلال بهذا الحديث وبالزيادة التي زادها ابن جريج في روايته، وحاصل المنع الأول: أن الزيادة التي استدل بها غير حقيق بالاستدلال، فإن ابن عيينة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار تامًا، وسياقه أحسن من سياق ابن جريج، غير أنه لم يقل فيه هذا الذي قاله ابن جريج: \"هي له تطوع، ولهم فريضة\"، فلما جاء به تامًا وساقه أحسن من سياق ابن جريج، فغير ممكن أن ابن عيينة يترك هذه الزيادة التي عليها مدار الاستدلال، وهذا يقتضي ريبة في نقل ابن جريج توجب التوقف عنها.\nوأجاب الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١) عن هذا بأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة، وأقدم أخذًا عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ ولا أكثر عددًا، فلا معنى للتوقف في صحتها.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٦).","vol":"3","page":488},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال العيني في جوابه (١): هذه مكابرة لتمشية كلامه في حق الطحاوي، فإن هذه الزيادة قد تكلموا فيها، فزعم أبو البركات ابن تيمية: أن الإِمام أحمد ضعف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة، لأن ابن جريج (٢) يزيد فيها كلامًا لا يقوله أحد.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": وروى الحديث منصور بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال ابن جريج (٣)، وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح، ولو صحت لكانت ظنًا من جابر، وبنحوه ذكره ابن العربي في \"العارضة\" (٤).\nفهل ذكر هذا عند قول أحمد، وهو أجل من ابن جريج وابن عيينة: هذه الزيادة ضعيفة، أو عند كلام ابن الجوزي: إن هذه الزيادة لا تصح، أو عند كلام ابن العربي على ما ذكرنا؟\nوهذا الرافعي الذي هو من أكابر أئمتهم، وممن يعتمد عليهم، قال في شرح هذا الحديث: هذا غير محمول على ما قالوا، لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه، وكون ابن جريج أسن من ابن عيينة وأقدم أخذًا عن عمرو بن دينار منه بعد التسليم لا يستلزم نفي ما قاله الطحاوي، انتهى.\nفثبت بهذا أن هذه الزيادة غير ثابتة ولا صحيحة، بل هي زيادة شاذة، لأن هذا الحديث رواه غير واحد من الحفاظ من أصحاب عمرو بن دينار عنه بدون هذه الزيادة، كشعبة عند البخاري في \"صحيحه\"، وسليم بن حيان في \"الأدب\"، وابن عيينة ومنصور وأيوب عند مسلم، وغيرهم عند غيرهما، وكذلك أصحاب جابر من الثقات الأثبات كلهم لم يذكروا هذه الزيادة مع توفر دواعيهم على الأخذ، فظهر كالشمس أن هذه الزيادة شاذة لا يعتبر بها.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٣١).\n(٢) وما في \"عمدة القاري\" بدله ابن عيينة، فهو سبق قلم.\n(٣) وما في \"عمدة القاري\" بدله ابن عيينة، فهو سبق قلم.\n(٤) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٦٥).","vol":"3","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوحاصل [المنع] الثاني: أن هذه الزيادة ليست من كلام رسول الله - ﷺ - ولا من كلام معاذ، وهذا ظاهر جدًا، فيحتمل أن يكون من قول ابن جريج أو من قول ابن دينار أو من قول جابر، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان القول فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ أنه كذلك أم لا، لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ إنما قالوا قولًا على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك.\nفأجاب عنه الحافظ ابن حجر: وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة، فجوابه: أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه لا سيما إذا روي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار عنه.\nورده العيني بقوله: قلت: لا دليل على كونها غير مدرجة لجواز أن تكون من ابن جريج، وجواز أن تكون من عمرو بن دينار، ويجوز أن تكون من قول جابر، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان هذا القول فليس فيه دليل على حقيقة ما كان يفعل معاذ، وقول الحافظ: فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، غير صحيح، لأنه يوجب أن لا يوجد مدرج أصلًا، انتهى.\nقلت: وأما قول الحافظ: فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار عنه، رده في \"آثار السنن\" (١) بقوله: قلت: هذا الوجه الآخر لا يصلح أن يذكر في المتابعة، لأن الشافعي أخرجها عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، عن ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر.\nوإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي متروك، قال الذهبي في \"الميزان\": قال يحيى بن معين: سمعت القطان يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب،\n_________\n(١) (١/ ١٣٥).","vol":"3","page":490},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوروى أبو طالب عن أحمد بن حنبل قال: تركوا حديثه، وقال البخاري: تركه ابن المبارك والناس، وروى عباس عن ابن معين: كذاب رافضي، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة سمعت عليًا يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب، وكان يقول بالقدر، وأخوه أنيس ثقة، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك، انتهى. قلت: فحاصل الكلام أن هذه الزيادة قد تفرد بها ابن جريج، ولا يتابع عليها بمتابع صحيح، انتهى.\nوحاصل المنع الثالث: لو ثبت أن هذه الزيادة نقله جابر عن معاذ وسمعه منه، لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر رسول الله - ﷺ -، ولا أن رسول الله لو أخبره به لأقره عليه أو غَيَّره، فهذا الفعل لو ثبت أن معاذًا فعله في عهد رسول الله - ﷺ -، لم يكن في ذلك دليل على أنه بأمر رسول الله - ﷺ -.\nوأجاب عنه الحافظ ابن حجر بقوله: فجوابه: أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك، فإن الذين يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عقبيًا، وأربعون بدريًا، قاله ابن حزم، قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر وابن عمر وأبو الدرداء وأنس وغيرهم، انتهى.\nفرده العيني بقوله: قلت: يحتمل أن يكون عدم مخالفة غيره له بناء على ظنهم أن فعله كان بأمر النبي - ﷺ -، ويكون من هذا الوجه أيضًا عدم امتناع غيره من ذلك.\nوأقول: يمكن أن يجاب بأن سكوت الصحابة وعدم مخالفتهم ليس فيه دليل، لأن رسول الله - ﷺ - لما بلغه هذه القصة غضب على معاذ وقال له: \"لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك\"، فلما ثبت عن رسول الله - ﷺ - إنكاره على معاذ فسكوت الصحابة لا يكون حجة، وسيأتي بحث هذا الحديث.","vol":"3","page":491},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوحاصل المنع الرابع: لو سلمنا أن الذي كان يفعل معاذ من الصلاة مرتين كان بأمر رسول الله - ﷺ - وبإذنه، فيمكن أن يكون ذلك كان من رسول الله - ﷺ - في وقت كانت الفريضة تصلَّى مرتين، فإن ذلك قد كان يفعل في أول الإِسلام حتى نهى عنه رسول الله - ﷺ -، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في باب صلاة الخوف، ففعل معاذ الذي ذكرنا يحتمل أن يكون قبل النهي عن ذلك، ثم كان النهي فنسخه، ويحتمل أن يكون كان بعد ذلك، فليس لأحد أن يجعله في أحد الوقتين، إلَّا كان لمخالفه أن يجعله في الوقت الآخر، انتهى.\nونقل الحافظ ابن حجر الجواب عن هذا المنع بقوله: فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال وهو لا يسوغ، وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة.\nثم اعترض الحافظ على الجواب الثاني بقوله: وكأنه لم يقف على كتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك، وهو حديث ابن عمر رفعه: \"لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين\"، ومن وجه آخر مرسل: \"إن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم، ثم يصلون مع النبي - ﷺ -، فبلغه ذلك فنهاهم\".\nثم قال الحافظ: ففي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقي جمعًا بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ، لم يكن بعيدًا، ولا يقال: القصة قديمة، لأن صاحبها (١) استشهد بأحد، لأنا نقول كانت أحد في أواخر الثالثة فلا مانع في أن يكون المنع في الأولى، والإذن في الثالثة مثلًا، انتهى.\nفرد العلامة العيني الجواب الأول الذي أجاب به ابن دقيق العيد بقوله:\n_________\n(١) يعني الذي شكا معاذًا إلى النبي - ﷺ -، وهو سليم، كما في \"العرف الشذي\" (ص ٢٥٥) وسيأتي الاختلاف فيه في أبواب القراءة، \"باب في تخفيف الصلاة\". (ش).","vol":"3","page":492},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: يستدل على ذلك بوجه حسن، وذلك لأن إسلام معاذ متقدم، وقد صلَّى النبي - ﷺ - بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة من وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المناقضة للصلاة، فيقال: لو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المناقضات والمفسدات في غير هذه الحالة، وحيث صليت على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل دل على أنه لا يجوز ذلك، انتهى.\nفقال الحافظ في جوابه بقوله: وأما تقوية بعضهم لكونه منسوخًا بأن صلاة الخوف وقعت مرارًا على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لَصلَّى النبي -ﷺ- بهم مرتين على وجه لا تقع فيه منافاة، فلما لم يفعل دل ذلك على المنع، فجوابه أنه ثبت أنه - ﷺ - صلَّى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة فلبيان الجواز، انتهى.\nوأجاب الطحاوي (١) عن رواية أبي بكرة وجابر بن عبد الله بعد ما ساقهما بقوله: ولا حجة لهم عندنا في هذه الآثار، لأنه يجوز أن يكون النبي - ﷺ - صلاها كذلك، لأنه لم يكن في سفر يقصر في مثله الصلاة، فصلَّى بكل طائفة ركعتين، ثم قضوا بعد ذلك ركعتين ركعتين، وهكذا نقول نحن إذا حضر العدو في مصر، فأراد أهل ذلك العصر أن يصلوا صلاة الخوف فعلوا هكذا، يعني بعد أن تكون تلك الصلاة ظهرًا أو عصرًا أو عشاءً، قالوا: فإن القضاء ما ذكر، قيل لهم: قد يجوز أن يكونوا قد قضوا ولم ينقل ذلك في الخبر، وقد يجيء في الأخبار مثل هذا كثيرًا وإن كانوا لم يقضوا، فإن ذلك عندنا لا حجة لهم فيه أيضًا، لأنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول الله - ﷺ - والفريضة تصلَّى حينئذ مرتين، فيكون كل واحد منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل في أول الإِسلام ثم نسخ، انتهى.\n_________\n(١) شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٥).","vol":"3","page":493},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: وكذلك نقل القاري (١) عن صاحب \"المصابيح\" الشافعي: قال في \"شرح السنَّة\": يحتمل أن يكون هذا في حال كون النبي - ﷺ - مقيمًا، والمقيم يصلي صلاة الخوف في العصر كذلك، إلَّا أنه لم يذكر في الحديث أن القوم قضوا، ويجوز أن يكونوا قضوا، ومثل هذا جائز في الأحاديث، ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الآية بالقصر، فهذا بحمد الله شافعي منصف غاية الإنصاف، ومجتهد مجتمع جميع الأوصاف، حمل الحديث على ما اخترناه فيه، وصاحب البيت أدرى بما فيه، انتهى.\nقلت: وهذا الجواب الذي أجاب به الطحاوي أولًا وصاحب \"المصابيح\" يتمشى على الروايات التي ساقها الطحاوي عن أبي بكرة وجابر بأنه ليس فيها لفظ: \"ثم سلم\"، وكذلك ما أخرجه الشيخان من رواية جابر فإنهما لم يذكرا فيه لفظ: \"ثم سلم\"، وكذلك ما أخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، ثنا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، ومن طريق يونس، عن الحسن حديث جابر، فإن هذه الروايات كلها ليس فيها ذكر السلام على الركعتين الأوليين، وكذلك ما روى عن جابر يزيدُ الفقير وعطاء وأبو الزبير فإنهم لم يذكروا السلام ولا الركعتين.\nوأما على الرواية التي أخرجها أبو داود من طريق أشعث عن الحسن عن أبي بكرة، وما رواه النسائي من هذا الطريق عن أبي بكرة، وكذلك ما أخرجه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر، فلا يتمشى الجواب، فإنها ذكر فيها: \"ثم سلم على الركعتين الأوليين\"، فلا يمكن أن يحمل على أنهم كانوا مقيمين، وقد صلَّوا مع رسول الله - ﷺ - ركعتين ركعتين وقضوا ركعتين ركعتين، لأن السلام مانع عن ذلك.\nفعلى هذه الروايات التي ذكر فيها السلام لا يجاب إلَّا ما أجاب به\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤٧١).","vol":"3","page":494},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالطحاوي ثانيًا بقوله: وإن كانوا لم يقضوا، فإن ذلك عندنا لا حجة لهم فيه أيضًا، لأنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول الله - ﷺ -، والفريضة تصلَّى حينئذ مرتين، فيكون كل واحدة منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل في أول الإِسلام ثم نسخ، أو يقال: إن ذكر السلام اختلفت الرواية فيه، ولم يذكر أكثر الرواة، فوقع الشك فيه، فلا يفيد ثبوت الحكم، والله أعلم.\nقلت: وهذا تبرع من العلامة العيني، فليس على المانع أن يستدل على منعه، فإن الاحتمال يكفيه، وقول ابن دقيق العيد: بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، عجيب من مثله، فإن جواز الصلاة في اليوم مرتين ونسخه ثابت ليس فيه احتمال أصلًا، نعم وقوع فعل معاذ إما أن يكون قبل النسخ، ويحتمل أن يكون بعده، فلما احتمل أن يكون وقوعه قبل النسخ فسد الاستدلال به حتى يثبت أنه وقع بعد النسخ، ودون إثباته خرط القتاد.\nثم رد العلامة العيني ما أجاب به الحافظ بقوله: وفي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر، بقوله: قلت: إن كان الرد بالاحتمال، ونحن أيضًا نقول: [يحتمل] أن يكون النهي في ذلك لأجل أن أحدًا يقتدي به في واحدة من الصلاتين اللتين صلاهما على أنهما فرض، وفي نفس الأمر فرضه إحداهما من غير تعيين، فيكون الاقتداء به في صلاة مجهولة، فلا يصح، انتهى.\nثم استدل الطحاوي (١) على أن فعل معاذ هذا لم يكن بأمر رسول الله ولا بعلمه، فإنه روينا عن رسول الله - ﷺ - ما يدل على خلاف ذلك، حدثنا فهد، ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، ح وثنا علي بن عبد الرحمن، ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قالا: ثنا سليمان بن بلال، ثنا عمرو بن يحيى المازني، عن معاذ بن رفاعة الزرقي أن رجلًا من بني سلمة يقال له: سليم أتى رسول الله - ﷺ - فقال: إنا نظل في أعمالنا، فنأتي حين نمسي، فنصلي فيأتي\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٠٩).","vol":"3","page":495},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمعاذ بن جبل، فينادي بالصلاة، فنأتيه فيطول علينا فقال له النبي - ﷺ -: \"يا معاذ لا تكن فتانًا إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن (١) قومك\".\nفقول رسول الله - ﷺ - هذا لمعاذ يدل على أنه عند رسول الله - ﷺ - كان يفعل أحد الأمرين: إما الصلاة معه أو بقومه، وأنه لم يكن يجمعهما، لأنه قال: \"إما أن تصلي معي\" أي ولا تصل بقومك، \"وإما أن تخفف قومك\" أي ولا تصل معي.\nفلما لم يكن في الآثار الأول من قول رسول الله - ﷺ - شيء، وكان في هذا الأثر ما ذكرنا، ثبت بهذا الأثر أنه لم يكن من رسول الله في ذلك لمعاذ شيء متقدم، ولا علمنا أنه كان في ذلك أيضًا منه شيء متأخر، فيجب به الحجة علينا، انتهى.\nفأجاب عنه الحافظ ابن حجر بقوله: وأما استدلال الطحاوي أنه - ﷺ - نهى معاذًا عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث: \"إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف بقومك\"، ودعواه أن معناه \"إما أن تصلي معي ولا تصل بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصل معي\" ففيه نظر، لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير إما أن تصلي معي فقط، إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي، وهو أولى من تقديره، لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه، انتهى.\nفرده العيني بقوله: قلت: الذي قدره المخالف باطل، لأن لفظ الحديث: \"لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك\"، فهذا يدل على أنه يفعل أحد الأمرين: إما الصلاة معه أو بقومه، ولا يجمعهما، فدل على أن المراد عدم الجمع والمنع، وكل أمرين بينهما منع الجمع كان بين نقيضيهما منع الخلو، كما قد بين هكذا في موضعه.\n_________\n(١) في نسخة: \"على\".","vol":"3","page":496},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما الحنفية ومن وافقهم في عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفل استدلوا عليه أولًا: بما روي أن النبي - ﷺ - صلَّى بالناس صلاة الخوف، فجعل الناس طائفتين، وصلَّى بكل طائفة شطر الصلاة لينال فريق فضيلة الصلاة، ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لأتم الصلاة بالطائفة الأولى، ثم نوى النفل، وصلى بالطائفة الثانية، لينال كل طائفة فضيلة الصلاة خلفه من غير الحاجة إلى المشي وأفعال كثيرة ليست من الصلاة.\nوثانيًا: بما أخرجه الإِمام أحمد بسند صحيح عنه - ﷺ - قال: \"الإِمام ضامن\"، بمعنى أنه تضمن صلاته صلاة المقتدي، والمفترض أقوى حالًا من المتنفل، والشئ لا يتضمن ما هو فوقه.\nوثالثًا: بما أخرجه الطحاوي بسنده أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ: \"يا معاذ لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك\"، والذي صح عند أئمتنا وترجح أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي - ﷺ - نفلًا، وبقومه فرضًا، لقوله حين شكوا تطويله بهم: \"يا معاذ إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك\"، فشرع له أحد الأمرين: الصلاة معه ولا يصلي بقومه، أو الصلاة بقومه على وجه التخفيف ولا يصلي معه، هذا حقيقة اللفظ، فأفاد منعه من الإمامة إذا صلَّى معه ﵇، ولا تمتنع إمامته مطلقًا بالاتفاق، فعلم أنه منعه من الفرض.\nورابعًا: بما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" في \"باب ائتمام المأموم بالإمام\": حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا المغيرة يعني الحِزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه\"، الحديث.\nقال النووي (١): قوله ﵇: \"إنما جعل الإِمام ليؤتم به\"، فمعناه\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٧٠).","vol":"3","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>(٦٩) بابُ الإِمَامِ يُصَلِّى مِنْ قُعُودٍ</span>\n٥٩٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ\n===\nعند الشافعي وطائفة في الأفعال الظاهرة، وإلَّا فيجوز أن يصلي الفرض خلف النفل وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، وقال مالك وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، وقالوا: معنى الحديث ليؤتم به في الأفعال والنيات، انتهى.\n\n(٦٩) (بَابُ (١) الإمامِ يُصَلِّي مِنْ قعودٍ)\nمن بمعنى الباء أو زائدة، وفي نسخة مكتوبة على الحاشية: \"باب إذا صلَّى الإِمام قاعدًا\" وهو أوضح\n٥٩٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - ركب فرسًا فصرع) (٢) بصيغة المجهول أي سقط (عنه) أي عن الفرس، (فجحش) بضم الجيم وكسر حاء، أي انخدش، وجحش متعد (شقه) أي جنبه (الأيمن) أي تأثر تأثرًا منعه استطاعة القيام.\nقال الحافظ (٣): قال عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام، قلت: وليس كذلك، وإنما كان قدمه - ﷺ - انفكت، وفي رواية يزيد عن حميد عن أنس: \"جحش ساقه (٤) أو كتفه\"، وأفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة.\n(فصلَّى صلاة من الصلوات) وفي رواية سفيان عن الزهري: \"فحضرت\n_________\n(١) هذا الباب يدل على كون الإِمام أبي داود حنبليًا، وله نظائر في أبواب كتابه. (ش).\n(٢) بالمدينة كما سيأتي، وذكر في \"الخميس\" (١/ ٥٠٢) سقوطه ﵊ سنة ٥ هـ. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٧٨).\n(٤) قال ابن رسلان: ولا تنافي بينهما لاحتمال الأمرين. (ش).","vol":"3","page":498},{"text":"وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا (١) وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ:\n===\nالصلاة\"، والمراد بها الفرض، لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة، ومن قال: إنها كانت نفلًا، فغير معتد به، إلَّا أن في حديث أنس: \"فصلَّى بنا يومئذ\"، فكأنها نهارية الظهر أو العصر.\n(وهو قاعد) لأنه لم يقدر (٢) على القيام (فصلينا وراءه) أي خلفه (قعودًا) أي قاعدين، ظاهره يخالف حديث عائشة الذي عند البخاري ولفظه: \"فصلَّى جالسًا وصلَّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا\"، والجمع بينهما أن في رواية أنس هذه اختصارًا، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس.\nوجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال وهو الذي حكاه أنس، وبعضهم قام حتى أشار إليهم بالجلوس، وهذا الذي حكته عائشة، وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه - ﷺ - بأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد، لأن فرض القادر في الأصل القيام.\nوجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة، وفيه بُعد، لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة لزم منه ما ذكرنا من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قول: \"إنما جعل الإِمام ليؤتم به\" إلى آخره، لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلوا قعودًا لكونه قاعدًا، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٣).\n(فلما انصرف) أي من صلاته بالسلام (قال) أي رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وصلينا\".\n(٢) وقد صلَّى رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم قاعدًا في ثلاثة مواضع: هذه، وفي وغزوة أحد، وفي مرض موته. قاله ابن رسلان، وبسطه في هامش \"اللامع\" أيضًا (٣/ ٢١٩). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٨٠).","vol":"3","page":499},{"text":"\"إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ\". [خ ٣٧٨، م ٤١١، ت ٣٦١، ن ٨٣٢، جه ٨٧٦، حم ٣/ ١١٠، دي ١٢٩٦، ق ٢/ ٩٦]\n===\n(إنما جعل الإِمام ليؤتم به) (١) أي ليقتدى به، وظاهره شمول النهي عن مخالفة الإِمام في هيئة الصلاة من القيام والقعود، (فإذا صلَّى قائمًا فصلوا قيامًا)، إما مصدر أي ذوي قيام، أو جمع أي قائمين.\n(وإذا ركع فاركعوا (٢)، وإذا رفع) أي رأسه (فارفعوا، وإذا (٣) قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلَّى) أي الإِمام (جالسًا، فصلوا جلوسًا) جمع جالس، وهو حال بمعنى جالسين (أجمعون).\nقال الحافظ (٤): استدل به على صحة إمامة الجالس، وادّعى بعضهم أن المراد بالأمر أن يقتدى به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين، لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع والرفع منه والسجود، قال: فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيمًا له، فأمرهم للجلوس تواضعًا، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر: \"إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود\" [فلا تفعلوا].\n_________\n(١) استدل به مالك والحنفية على أن اختلاف نية الإِمام والمأموم يفسد الصلاة، وعند الشافعية وهو أشهر روايتي أحمد: يصح، فيصح الظهر خلف من يصلي العصر، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٢) استدل بالفاء على التعقيب، قيل: فاء جزاء لا يدل على التعقيب بل فاء العطف. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) به قال الثلاثة خلافًا للشافعي إذ قال: المقتدي يجمع بينهما، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٨٠).","vol":"3","page":500},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوتعقبه ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد وبأن سياق طرق الحديث يأباه، وبأنه لو كان المراد الأمر بالجلوس في الركن لقال: وإذا جلس فاجلسوا ليناسب قوله: \"وإذا سجد فاسجدوا\"، فلما عدل عن ذلك إلى قوله: \"وإذا صلَّى جالسًا\" كان كقوله: وإذا صلَّى قائمًا، فالمراد بذلك جميع الصلاة، ويؤيد ذلك قول أنس: \"فصلينا وراءه قعودًا\".\nونقل في \"مشكاة المصابيح\": وقال الحميدي: قوله: \"إذا صلَّى جالسًا\" أي بعذر \"فصلوا جلوسًا هو في مرضه القديم\" حين آلى من نسائه، \"ثم صلَّى بعد ذلك\" أي ذلك المرض \"النبي - ﷺ -\" أي قبل موته بيوم، \"جالسًا والناس خلفه قيام\"، قال الطيبي (١): عند أحمد وإسحاق أن الإِمام إذا صلَّى جالسًا أي بعذر وافقه المأموم، وعند مالك: لا يجوز أن يؤم الناس قاعدًا، ودليل مالك ما روي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يؤم أحد بعدي جالسًا\"، وهو مرسل ومحمول على التنزيه. \"لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ\"، أي يعمل \"بالآخر فالآخر من فعل النبي - ﷺ -\".\nوعندنا معشر الحنفية: يجوز اقتداء القائم الذي يركع ويسجد بالقاعد الذي يركع ويسجد استحسانًا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، والقياس أن لا يجوز وهو قول محمد، وعلى هذا الاختلاف اقتداء القائم المومئ بالقاعد المومئ.\nوجه القياس ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يؤمن أحد بعدي جالسًا\" أي لقائم، لإجماعنا على أن الجالس لو أم الجالس لجاز.\nوجه الاستحسان ما روي أن آخر صلاة صلاها رسول الله - ﷺ - في ثوب واحد متوشحًا به قاعدًا وأصحابه خلفه قيام يقتدون به، فقد ثبت الجواز على وجه لا يتوهم ورود النسخ عليه.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٥).","vol":"3","page":501},{"text":"٦٠٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَرَسًا بِالْمَدِينَةِ (١)، فَصَرَعَهُ عَلَى جِذْمِ نَخْلَةٍ، فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَأَتَيْنَاهُ نَعُودُهُ، فَوَجَدْنَاهُ فِى مَشْرَبَةٍ لِعَائِشَةَ يُسَبِّحُ جَالِسًا، قَالَ: فَقُمْنَا خَلْفَهُ، فَسَكَتَ عَنَّا،\n===\n٦٠٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير ووكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان) هو طلحة بن نافع القرشي مولاهم، أبو سفيان الواسطي، ويقال: المكي الإسكاف، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال أحمد والنسائي وابن عدي: ليس به بأس، وقال ابن معين: لا شيء، وقال أبو خيثمة عن ابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وقال أبو بكر البزار: هو في نفسه ثقة.\n(عن جابر) أي ابن عبد الله الأنصاري -﵁ - (قال: ركب رسول الله - ﷺ - فرسًا بالمدينة، فصرعه) أي أسقطه (على جذم نخلة) قال في \"القاموس\": الجِذم بالكسر: الأصل، ويفتح، جمعه أجذام وجُذوم، (فانفكت قدمه (٢» الفك نوع من الوهن والخلع، وانفك العظم: انتقل من مفصله، يقال: فككت الشيء: أبنت بعضه من بعض.\n(فأتيناه) أي رسول الله - ﷺ - (نعوده) (٣) قال في \"القاموس\": العود زيارة المريض كالعياد والعيادة، (فوجدناه) أي رسول الله - ﷺ - (في مشربة) بفتح الراء وضمها، وهي الغرفة والعلية يخزن فيه الطعام وغيره (لعائشة) -﵂ - (يسبح) أي يصلي السبحة (جالسًا، قال) جابر: (فقمنا خلفه، فسكت عنا) أي لم يمنعنا من القيام، وأجاز قيامنا خلفه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"في المدينة\".\n(٢) وتقدم الجمع بينه وبين رواية الساق. (ش).\n(٣) فيه أن العيادة لا تختص بمرض، بل يعاد بالخدش والوجع أيضًا، بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":502},{"text":"ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى نَعُودُهُ، فَصَلَّى الْمَكْتُوبَةَ جَالِسًا، فَقُمْنَا خَلْفَهُ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَقَعَدْنَا. قَالَ: فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِذَا صَلَّى الإِمَامُ جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا، وَإِذَا صَلَّى الإِمَامُ قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَلَا تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا». [حب ٢١١٢، حم ٣/ ٣٠٠، خزيمة ١٦١٥، جه ٣٤٨٥]\n٦٠١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ،\n===\n(ثم أتيناه مرة أخرى (١) نعوده، فصلَّى المكتوبة جالسًا، فقمنا (٢) خلفه) أي كما قمنا قبل (فأشار إلينا) أي بالقعود (فقعدنا، قال) أي جابر: (فلما قضى) رسول الله - ﷺ - (الصلاة قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا صلَّى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا) أي لا تخالفوه بأنكم تصلون قيامًا وهو جالس، (وإذا صلَّى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها) فإنهم يقومون لعظمائها وهم جلوس.\n٦٠١ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم المعنى) أي معناهما واحد وإن اختلفا في الألفاظ (عن وهيب) بن خالد بن عجلان، (عن مصعب بن محمد) بن عبد الرحمن بن شرحبيل العبدري المكي، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري: روى عنه ابن عيينة وقال: كان رجلًا صالحًا، وقال أبو حاتم: صالح يكتب حديثه ولا يحتج به.\n_________\n(١) فيه تكرار العيادة، وقد ورد العيادة غبًا، ووجه بأن الغب لا ينافي التكرار، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٢) وهل كانوا مفترضين؟ حديث الباب ساكت، فيحتمل أنه ﵊ كان يصلي المكتوبة وهم كانوا متطوعين وقد صلوا في المسجد، وسيأتي مزيد بحث فيه بعد حديثين. (ش).","vol":"3","page":503},{"text":"عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ-: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» - قَالَ مُسْلِمٌ: «وَلَكَ الْحَمْدُ» - «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ». (٢). [حم ٢/ ٣٤٠]\n===\n(عن أبي صالح) السمان، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنما جعل الإِمام ليؤتم) أي ليقتدى (به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر) أي لا تسبقوه بالتكبير، (وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع) أي لا تسبقوه بالخرور في الركوع، (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهُم ربنا لك الحمد، قال مسلم) أي ابن إبراهيم أستاذ أبي داود: (ولك الحمد) بزيادة الواو، وهذه إشارة إلى الاختلاف الواقع بين أستاذيه سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم، فإن سليمان بن حرب قال بدون الواو، (وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد) أي لا تسبقوه في السجود (وإذا صلَّى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلَّى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون).\nقال الخطابي (٣): ذكر أبو داود هذا الحديث من رواية أنس وجابر وأبي هريرة وعائشة، ولم يذكر صلاة رسول الله - ﷺ - آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام، وهذا آخر الأمرين من فعله، ومن عادة أبي داود في ما أنشأه من أبواب هذا الكتاب أنه يذكر الحديث في بابه، ويذكر الذي يعارضه في باب آخر على إثره، ولم أجده في شيء من النسخ، فلست أدري كيف أغفل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي نسخة: \"أجمعين\".\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ٢٢٨).","vol":"3","page":504},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ». أَفْهَمَنِى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ سُلَيْمَانَ.\n٦٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمَصِّيصِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» بِهَذَا الْخَبَرِ زَادَ: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا». [ن ٩٢٢، جه ٨٤٦، حم ٢/ ٤٢٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ، والْوَهَمُ عِنْدَنَا مِنْ أَبِى خَالِدٍ. (١).\n===\nبذكر هذه القصة، وهي من أمهات السنن؟ وإليه ذهب أكثر الفقهاء (٢)، انتهى.\n(قال أبو داود: اللهُمَّ ربنا لك الحمد) أي هذه الكلمة (أفهمني بعض أصحابنا عن سليمان) حاصل هذا الكلام أن أبا داود يقول: لما حدّث سليمان بن حرب بهذا الحديث لم أفهم هذا اللفظ منه فأفهمني بعض أصحابي الذين كانوا معي في سماع الحديث.\n٦٠٢ - (حدثنا محمد بن آدم المصيصي، نَا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان بتحتانية، الأزدي الكوفي الجعفري، نزل فيهم، (عن ابن عجلان) محمد، (عن زيد بن أسلم) العدوي، (عن أبي صالح) السمان، (عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال) أي النبي - ﷺ -: (إنما جعل الإمام ليؤتم) أي ليقتدى (به بهذا الخبر) أي المتقدم متعلق بلفظ حدثنا (زاد) أي أبو خالد: (وإذا قرأ فأنصتوا، قال أبو داود: هذه الزيادة: وإذا قرأ فأنصتوا ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد) وتعقبه المنذري في \"مختصره\" (٣)، فقال: هذا فيه نظر، فإن أبا خالد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من أبي خالد عندنا\".\n(٢) قال العيني: إما تركها سهوًا وغفلة، أو كان رأيه في هذا الباب مثل ما ذهب إليه أحمد، فلم يذكر ما ينقضه \"عمدة القاري\" (٣/ ٣٣٣). (ش).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (١/ ٢٣٠).","vol":"3","page":505},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأحمر هذا هو سليمان بن حيان، وهو من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم بحديثهم في صحيحيهما، ومع هذا لم يتفرد بهذه الزيادة، بل قد تابعه عليها أبو سعد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني، نزيل بغداد، وقد سمع من ابن عجلان، وهو ثقة، وثَّقه يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله المُخَرِّمي والنسائي.\nوقد أخرج هذه الزيادة النسائي في \"سننه\" (١) من حديث أبي خالد الأحمر، ومن حديث محمد بن سعد، وقد أخرج مسلم في \"الصحيح\" (٢) هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري من حديث سليمان التيمي عن قتادة، وضعف أبو داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم لتفرد سليمان التيمي به، وقال الدارقطني: هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة.\nوقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ منهم هشام الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة فلم يقل أحد منهم: \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه، ولم يؤثر عند مسلم تفرده بها لثقته وحفظه، وصححها من حديث أبي موسى وأبي هريرة، انتهى.\nوقد أخرج أبو داود هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري من رواية سليمان التيمي، وقال: زاد: \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، قال أبو داود: قوله: \"أنصتوا\" ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلَّا سليمان التيمي في هذا الحديث، وكذلك روي عن يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي والدارقطني وأبي علي النيسابوري، وصححها مسلم في \"صحيحه\"، قال أبو إسحاق: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث: [أيّ طعن فيه؟] فقال مسلم: تريد\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٢/ ١٤٢).\n(٢) في باب التشهد برقم (٤٠٤).","vol":"3","page":506},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة هو صحيح؟ يعني \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، فقال: هو عندي صحيح، فقال: لم لم تضعه هاهنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا (١) عليه، انتهى.\nقلت: أما ادّعاؤهم في حديث أبي هريرة بتفرد أبي خالد، كما قال البخاري في \"جزئه\": ولم يتابع أبو خالد في زيادته، وكذلك ادعاؤهم الإجماع على خطأ هذه اللفظة في الحديث غلط فاضح وتعصب واضح، فإنه قد تابع أبا خالد أبو سعد محمد بن سعد الأنصاري عن ابن عجلان أخرجه النسائي، ومحمد بن سعد الأنصاري ثقة، وقال الدارقطني بعد تخريج رواية أبي خالد الأحمر: تابعه محمد بن سعد الأشهلي، ثم أخرج روايته بسنده، ثم ذكر في آخرها: قال أبو عبد الرحمن: كان المخرمي يقول: هو ثقة يعني محمد بن سعد، فالعجب من البخاري كيف يدعي عدم متابعة أبي خالد، والعجب من البيهقي كيف يدعي الإجماع على خطأ هذه الزيادة مع أنها صححها مسلم في \"صحيحه\" على رؤوس الأشهاد.\nقلت: وقد قال البيهقي في \"كتاب القراءة خلف الإِمام\" (٢): قال الإِمام أحمد - ﵀ -: وقد روي ذلك عن حسان بن إبراهيم الكرماني وإسماعيل بن أبان الغنوي عن محمد بن عجلان، وإسماعيل ضعيف، ويقع في أحاديث حسان بن إبراهيم بعض ما ينكر، انتهى.\nأما قوله: إسماعيل ضعيف فمسلم، وأما تضعيف هذه الجملة برواية\n_________\n(١) قلت: وعلم من هذا أن الزيادة في حديث أبي موسى مجمع عليه عند مسلم، وبسط في \"فيض الباري\" (٢/ ٢١٥) الكلام على هذه الروايات، ورجح أنهما حديثان مختلفان اختلطا على المحدثين، فحكموا بالضعف. (ش).\n(٢) (ص ١٣٢).","vol":"3","page":507},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحسان بن إبراهيم وتكلمه فيه فغير مقبول، فإنه قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): قال حرب الكرماني: سمعت أحمد يوثق حسان بن إبراهيم، ويقول: حديثه حديث أهل الصدق، وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس به بأس، وقال المفضل الغلابي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن المديني: كان ثقة وأشد الناس في القدر، وقال ابن عدي: قد حدث بأفراد كثيرة وهو عندي من أهل الصدق إلَّا أنه يغلط في الشيء ولا يتعمد.\nثم قال البيهقي: قال الإِمام أحمد - ﵀-: وقد رواه يحيى بن العلاء الرازي عن زيد بن أسلم، ويحيى بن العلاء متروك، جرحه يحيى بن معين وغيره من أهل العلم بالحديث، وروي بإسناد ضعيف عن عمر بن هارون عن خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم، ولا يفرح (٢) بمتابعة هؤلاء في خلاف أهل الثقة والحفظ، ثم قال: وخارجة بن مصعب أيضًا ليس بالقوي.\nقلت: وأما خارجة بن مصعب فذكره الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣)، ونقل تضعيفه عن جمع من المحدثين، وقال في أثنائه: قال مسلم: سمعت يحيى بن يحيى وسئل عن خارجة فقال: مستقيم الحديث عندنا، ولم يكن ينكر من حديثه إلَّا ما يدلس عن غياث بن إبراهيم، فإنا كنا قد عرفنا تلك الأحاديث، فلا نعرض لها.\nثم أخرج البيهقي (٤) بسنده حديث أبي سعد محمد بن مُيَسَّر: نا ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا قرأ الإِمام فأنصتوا\" وهذا باطل، أخطأ فيه أبو سعد الصغاني هذا على ابن عجلان فَغَيَّر إسناده وزاد في متنه،\n_________\n(١) (٢/ ٢٤٥).\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر \"يفوح\".\n(٣) (٣/ ٧٧).\n(٤) \"كتاب القراءة خلف الإِمام\" (ص ١٣٣).","vol":"3","page":508},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوخالف ما روى الثقات عن ابن عجلان، وأبو سعد جرحه يحيى بن معين.\nقلت: قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): قال أبو داود عن أحمد: صدوق، ولكن كان مرجئًا، قلت: كتبت عنه؟ قال: نعم.\nوأما ادعاؤهم في حديث أبي موسى الأشعري تفرد سليمان التيمي بهذه الزيادة، فهذا أيضًا غلط وباطل، فإن عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة تابعاه كما في الدارقطني من حديث سالم بن نوح.\nقال العلامة النيموي (٢): وسالم بن نوح هذا وإن قال الدارقطني: ليس بالقوي، فقد أخرج له مسلم وابن خزيمة وابن حبان في \"صحاحهم\"، قلت: قال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق، ثقة، وقال الساجي: صدوق ثقة، وأهل البصرة أعلم به من ابن معين، وذكره ابن حبان وابن شاهين في \"الثقات\"، وقال ابن قانع: هو بصري ثقة، قاله الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣).\nوقد ذكر العلامة النيموي متابعًا آخر لسليمان التيمي من \"صحيح أبي عوانة\": ثنا سهل بن بحر، ثنا عبد الله بن رشيد، ثنا أبو عبيدة، عن قتادة وفيه: \"وإذا قرأ الإِمام فأنصتوا\"، فبطل بذلك دعوى تفرد سليمان.\nثم أخرج البيهقي (٤) هذه الزيادة من حديث أنس من طريق حسن بن علي بن شبيب المعمري، نا أحمد بن المقدام، نا الطفاوي، نا أيوب، عن الزهري، عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا قرأ الإِمام فأنصتوا\".\nأخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ قال: لم يحدث به عن أيوب غير الطفاوي، وحدث به المعمري عن أبي الأشعث،\n_________\n(١) (٩/ ٤٨٤).\n(٢) \"آثار السنن\" (١/ ٨٥).\n(٣) (٣/ ٤٤٣).\n(٤) \"كتاب القراءة خلف الإِمام\" (ص ١٣٥).","vol":"3","page":509},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهو أحمد بن المقدام، عن الطفاوي، فزاد في متنه: \"فإذا قرأ فأنصتوا\" فتكلم الناس فيه من أجله.\nقال أبو أحمد: وقال لنا عبدان يعني الأهوازي الحافظ: لما حدث المعمري بهذه الزيادة عن أبي الأشعث كتبوا إليّ من بغداد، فكتبت إليهم أن محمد بن بكار وإسماعيل بن سيف وأبا الأشعث ثلاثتهم حدثونا عن الطفاوي، وليس فيه هذه الزيادة: \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، انتهى.\nقلت: لا يجوز أن يتكلم في المعمري، فإنه قال في \"ميزان الاعتدال\" (١): حسن بن علي بن شبيب المعمري الحافظ، واسع العلم والرحلة، سمع علي بن المديني وشيبان، قال الدارقطني: صدوق حافظ، وقال عبدان: ما رأيت في الدنيا صاحب حديث مثله، قال البردعي (٢): ليس بعجب أن يتفرد المعمري بعشرين أو ثلاثين حديثًا في كثرة ما كتب، وقال عبدان: سمعت فضيلًا (٣) الرازي وجعفر بن الجنيد يقولان: المعمري كذاب، ثم قال عبدان: حسداه، لأنه كان رفيقهم، فكان إذا كتب حديثًا غريبًا لا يفيدهما، انتهى.\nوقال السمعاني في \"الأنساب\" (٤): وأبو علي حسن بن علي بن شبيب المعمري الحافظ إنما اشتهر بها، لأنه عني بجمع حديث معمر.\nوأما أحمد بن المقدام أبو الأشعث العجلي، فقال في \"الميزان\" (٥): أحد\n_________\n(١) (١/ ٥٠٤).\n(٢) هكذا في الأصل، والظاهر: البرديجي، كما في \"الميزان\" (١/ ٥٠٤)، و\"لسان الميزان\" (٢/ ٤١٥).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"الميزان\" و\"لسان الميزان\": فضلك الرازي، هو فضل بن العباس الرازي أحد الأئمة، طوف وصنف، وسكن بغداد، توفي في صفر سنة ٢٧٠ هـ. والكاف في لغة العجم أداة تصغير.\n(٤) (٤/ ٣٣٠).\n(٥) (١/ ١٥٨).","vol":"3","page":510},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأثبات المسندين، قال ابن خزيمة: كان كيسًا صاحب حديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وإنما ترك أبو داود الرواية عنه لمزاح فيه.\nوفي \"تهذيب التهذيب\" (١): قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال صالح جزرة: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو داود: كان يُعَلِّمُ المَجَّانَ المُجُون، فأنا لا أحدث عنه، قال ابن عدي: وهذا لا يؤثر فيه، لأنه من أهل الصدق، وكان أبو عروبة يفتخر بلقبه ويثني عليه. قلت: ووثَّقه مسلمة بن قاسم وابن عبد البر وآخرون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nوأما الطفاوي فقال في \"الميزان\" (٢): الطفاوي شيخ مشهور ثقة، روى عنه أحمد بن حنبل والناس، قال ابن معين: ما به بأس، وقد وثَّقه ابن المديني.\nوفي \"تهذيب التهذيب\" (٣): قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال ابن حبان عن ابن معين: لم يكن به بأس، البصريون يرضونه، وقال علي بن المديني: كان ثقة، وقال أبو داود وأبو حاتم: ليس به بأس، زاد أبو حاتم: صدوق صالح إلَّا أنه يهم أحيانًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: قد احتج به البخاري، وقال ابن عدي: وعامة رواياته إفرادات وغرائب وكلها يحتمل، ويكتب حديثه، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، فعلى هذا حديثهم صحيح، وإلَّا فلا ينحط هذا الحديث عن درجة الحسن بأن رجال السند كلهم إما ثقات بالإجماع، وإما من هو وثَّقه كثير من المحدثين، وإن تكلم فيه بعضهم.\nوقد أخرج الترمذي في \"صحيحه\" (٤) في تفسير سورة الشعراء: حدثنا\n_________\n(١) (١/ ٨١).\n(٢) (٣/ ٦١٨).\n(٣) (٩/ ٣٠٩).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (٣١٨٤).","vol":"3","page":511},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، الحديث، ثم قال بعد نقل الحديث: هذا حديث حسن صحيح، فصرح الترمذي بصحة حديثهما، وحكم بأن حديثهما صحيح.\nثم قال البيهقي (١): وروي عن سليمان بن أرقم عن الحسن والزهري عن أنس: أن النبي - ﷺ - ركب فرسًا فوقع منه، فوثئت رجله، فدخل عليه أصحابه يعودونه، فحضرت الصلاة، فصلَّى بأصحابه وهو قاعد، فقاموا، فأومأ إليهم أن اجلسوا فجلسوا، فلما فرغ من الصلاة قال: \"إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا\"، وذكر الحديث.\nثم قال البيهقي: وهذا بما يتفرد به سليمان بن أرقم، وهو متروك، جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، ثم نقل عن البخاري أنه قال: سليمان بن أرقم مولى قريظة أو النضير، عن الحسن والزهري، تركوه.\nويؤيد حديث أنس هذا ما أخرج الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢): حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يوسف بن عدي، نا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: صلَّى رسول الله - ﷺ -، ثم أقبل بوجهه فقال: \"أتقرأون والإمام يقرأ\"، فسكتوا، فسألهم ثلاثًا، فقالوا: إنا لنفعل، قال: \"فلا تفعلوا\"، انتهى.\nثم أخرج البيهقي هذه الزيادة من رواية سيدنا عمر بن الخطاب، فقال: وروى بعض الناس بإسناد له عن عبد المنعم بن بشير، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه - قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - يومًا صلاة الظهر، فقرأ معه رجل من الناس في\n_________\n(١) \"كتاب القراءة خلف الإِمام\" (ص ١٣٥).\n(٢) (١/ ٢١٨).","vol":"3","page":512},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nنفسه، فلما قضى صلاته قال: \"هل قرأ معي منكم أحد؟ \" قال ذلك ثلاثًا، فقال له الرجل: نعم يا رسول الله أنا كنت أقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، قال: \"ما لي أنازع القرآن؟ أما يكفي أحدكم قراءة إمامه، إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا\".\nثم تكلم فيه البيهقي بأن هذا يخالف ما ثبت عن عمران بن حصين في هذه القصة، فإنه ليس في رواية عمران لفظة \"في نفسه\"، وفي رواية عمران: أن النبي-صلي الله عليه وسلم-قال: \"أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ \" وذلك يدل على أنه سمع صوته بالقراءة، ثم قال: \"قد عرفت أن بعضكم خالجنيها\"، ولولا رفع الرجل الصوت بالقراءة لم يكن في قراءته مخالجة قراءة النبي - ﷺ - ومنازعته فيما قرأ.\nثم تكلم في رواته وقال: عبد المنعم بن بشير ذكره ابن عدي في \"كتاب الضعفاء\"، وقال: له أحاديث مناكير لا يتابع عليها، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم من الضعفاء المشهورين الذين جرحهم مزكو الأخبار مالك بن أنس ومن بعده من أهل العلم بالحديث، انتهى ملخصًا.\nقلت: دعوى مخالفة حديث عمران بن حصين ليس بشيء، لأن هذه الصلاة كانت صلاة الظهر، فلم يكن من الصحابة إلَّا ويعرف أن هذه الصلاة يسر فيها القراءة، مع أن الصحابة الذين كانوا خلف رسول الله - ﷺ - كلهم كانوا إما ساكتين أو مسرين القراءة، فكيف يمكن مع هذا أن يجهر الصحابي بالقراءة؟ وسؤال رسول الله - ﷺ -: \"أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ \"، لا يدل على أنه كان يجهر بالقراءة، فيحتمل أنه كان يهمس بالقراءة، فسمع رسول الله -ﷺ- صوت الهمس، أو ظهر منه كلمة جهرًا، ولعله كشف له قراءته بسبح اسم ربك الأعلى.\nوكذلك قول البيهقي: لولا رفع الرجل صوته بالقراءة لم يكن في قراءته مخالجة قراءة رسول الله - ﷺ - ومنازعته فيما قرأ، بعيد عن الصواب،","vol":"3","page":513},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن المخالجة والمنازعة يتحقق في الهمس والصوت الخفي الذي يخرج مع النفس أيضًا.\nفالحاصل أن هذه الزيادة مروية من عدة طرق:\nأولها: ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" من طريق سليمان التيمي عن قتادة.\nوثانيها: تابعه على هذه الزيادة عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عند الدارقطني والبيهقي والبزار من حديث سالم بن نوح.\nوالثالث: ما أخرجه أبو عوانة من طريق عبد الله بن رشيد قال: ثنا أبو عبيدة عن قتادة في حديث أبي موسى الأشعري، فثبت بهذا أن سليمان التيمي ليس بمنفرد، بل تابعه على ذلك عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة من رواية سالم بن نوح، وأبو عبيدة.\nوالرابع: ما أخرجه الخمسة وغيرهم إلَّا الترمذي في حديث أبي هريرة من طريق أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم.\nوالخامس: ما أخرجه النسائي والدارقطني من طريق أبي سعد محمد بن سعد الأنصاري، ثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، وقال الدارقطني (١): قال أبو عبد الرحمن: كان المخرمي يقول: هو ثقة، يعني محمد بن سعد.\nوالسادس: ما أخرجه البيهقي وقال: وقد روي ذلك عن حسان بن إبراهيم الكرماني وإسماعيل بن أبان الغنوي عن محمد بن عجلان، وقد أخرج الدارقطني حديث إسماعيل بن أبان الغنوي فقال: حدثنا محمد بن جعفر المطيري، نا أحمد بن حازم، ثنا إسماعيل بن أبان الغنوي، ثنا محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم ومصعب بن شرحبيل، عن أبي صالح عن أبي هريرة.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٢٨).","vol":"3","page":514},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالسابع: ما ذكره البيهقي: قال الإِمام أحمد: وقد رواه يحيى بن العلاء الرازي عن زيد بن أسلم.\nوالثامن: ما قال البيهقي: وروي بإسناد ضعيف عن عمر بن هارون عن خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم.\nوالتاسع: ما أخرجه البيهقي والدارقطني من طريق أبي سعد محمد بن مُيَسَّر، حدثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة.\nوالعاشر: ما قال البيهقي من حديث أنس بن مالك: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا جعفر الخدري، نا الحسن بن شبيب المعمري، نا أحمد بن المقدام، نا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، نا أيوب، عن الزهري، عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا قرأ فأنصتوا\".\nوالحادي عشر: ما ذكره البيهقي من حديث أنس قال الإِمام أحمد - ﵀ -: وروي عن سليمان بن أرقم عن الحسن والزهري عن أنس أن النبي - ﷺ -، الحديث، وفيه: \"وإذا قرأ فأنصتوا\".\nوالثاني عشر: ما ذكره البيهقي من حديث عمر بن الخطاب، وروى بعض الناس بإسناده له عن عبد المنعم بن بشير، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب -﵃-، وفيه: \"فإذا قرأ فأنصتوا\".\nفهذا الحديث ثابت من اثني عشر طريقًا، بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، ولو كانت الطرق كلها ضعيفة لكانت بتعدد طرقها، وكثرتها حسنة، فكيف إذا كانت الطرق الكثيرة منها صحيحة؟\n(تنبيه): قد تقدم أن المحدثين الحفاظ اختلفوا في تصحيح هذه الزيادة وتضعيفها، فضعفها أبو داود والدارقطني والبيهقي وأبو حاتم الرازي، وغيرهم جمع كثير من المحدثين، وأنا أتعجب من هؤلاء الكبراء كيف غفلوا","vol":"3","page":515},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن قواعدهم، فإن مذهب جمهور المحدثين في قبول الزيادة وعدم قبولها ما ذكره الحافظ في \"شرح النخبة\" (١) بقوله: وزيادة راويهما أي الحسن والصحيح مقبولة ما لم تقع منافية برواية من هو أوثق ممن لم يذكر هذه الزيادة، لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تقبل مطلقًا، لأنها في حكم الحديث المستقل الذي يتفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره، وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى، فهذا يقع به الترجيح بينها وبين معارضها، فيقبل الراجح، ويرد المرجوح، واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، انتهى.\nوكذلك قال السيوطي في \"تدريب الراوي\" (٢): النوع الثالث عشر: الشاذ، وهو عند الشافعي وجماعة من علماء الحجاز ما روى الثقة مخالفة لرواية الناس، لا أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، انتهى.\nوفي \"فتح المغيث شرح ألفية الحديث\" (٣): وقد قسمه أي ما ينفرد به الثقة من الزيادة الشيخ ابن الصلاح، فقال: ما انفرد بروايته دون الثقات ثقة خالفهم فيه، أي فيما انفرد به صريحًا في المخالفة بحيث لا يمكن الجمع بينهما، ويلزم من قبولها رد الأخرى، فهو رد أي مردود عندهم أي المحققين ومنهم الشافعي، أو لم يخالف في ما انفرد به ما رووه أو الأحفظ أصلًا، فأَقْبَلَنْهُ- بنون التوكيد الخفيفة- لأنه جازم بما رواه، وهو ثقة ولا معارض لروايته، إذ الساكت عنها لم ينفها لفظًا ولا معنى، ولا في سكوته دلالة على وهمها، بل هي كالحديث المستقل الذي تفرد بجملته ثقة، ولا مخالفة فيه\n_________\n(١) انظر: \"شرح نخبة الفكر\" للقاري (ص ٣٣٥).\n(٢) (٢/ ٣٥٩).\n(٣) (١/ ٢٠٢).","vol":"3","page":516},{"text":"٦٠٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى بَيْتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا». [خ ١١١٣، م ٤١٢، ق ٣/ ٧٩]\n===\nأصلًا، وادعى فيه أي في قبول هذا القسم الخطيب الاتفاق بين العلماء حال كونه مجمعًا، انتهى ملخصًا.\nوحاصل هذه العبارات أن الراوي الثقة إذا زاد شيئًا وكان منفردًا في زيادته، ولم يخالف زيادته رواية من لم يزده، تقبل زيادته عند المحققين من المحدثين، وها هنا كذلك، فإن هذه الزيادة رواتها ليسوا بمنفردين فيما رووا، بل تابعهم في هذه الزيادة ثقات وغير ثقات، ثم بعد ذلك ليست هذه الزيادة مخالفة لرواية من لم يزدها بحيث يلزم من قبول هذه الزيادة رد الرواية الأخرى، فكانت في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الراوي الثقة، وحكمه وجوب القبول بالاتفاق، فعلى هذا يجب قبول هذه الزيادة على مذهب المحققين من المحدثين، فمن لم يقبلوا منهم فحسن ظننا يحكم بأنهم غفلوا عن قواعدهم، والله تعالى أعلم.\n٦٠٣ - (حدثنا القعنبي) محمد بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة، (عن عائشة قالت: صلَّى رسول الله - ﷺ - في بيته) أي في مشربة له، كما تقدم في رواية جابر -رضي الله تعالى عنه - (وهو) أي النبي - ﷺ - (جالس) لأنه كان شاكيًا سقط عن فرس فانفكت رجله، (فصلَّى وراءه) أي خلف رسول الله - ﷺ - (قوم قيامًا) أي قائمين (فأشار) أي رسول الله - ﷺ - (إليهم) أي إلى القوم (أن اجلسوا) أي اتبعوا الإِمام في الجلوس (فلما انصرف) أي عن الصلاة، وفرغ عنها (قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلوا جلوسًا) أي اتبعوا الإِمام في الركوع والرفع والجلوس، ولا تخالفوه.","vol":"3","page":517},{"text":"٦٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ، الْمَعْنَى، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"اشْتَكَى النَّبِىُّ -ﷺ-، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ - ﵁ - يُكَبِّرُ لِيُسْمِعَ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ\"، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ. [م ٤١٣، ن ٧٩٨، حم ٣/ ٣٣٤، ق ٣/ ٧٩]\n===\n٦٠٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وبزيد بن خالد بن) عبد الله بن (موهب) الرملي (المعنى) أي معنى حديثهما واحد (أن الليث) بن سعد (حدثهم) أي قتيبة ويزيد وغيرهما، (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم، (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري (قال) أي جابر: (اشتكى النبي - ﷺ -) والظاهر أن هذه الشكاية حدثت لسقوطه عن الفرس.\n(فصلينا وراءه) أي خلف رسول الله - ﷺ - (وهو قاعد) أي بعذر (وأبو بكر - ﵁ - يكبر) أي يجهر بالتكبير (ليسمع الناس تكبيره) (١)، أي تكبير رسول الله - ﷺ -، فإنه - ﷺ - لا يستطيع أن يجهر بالتكبير حتى يسمعه الناس.\n(ثم ساق الحديث) أي كل واحد من قتيبة ويزيد بن خالد، ويمكن أن يرجع الضمير إلى الليث، وهذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا وفيه: \"فإذا صلَّى قاعدًا فصلوا قعودًا\".\n_________\n(١) قال ابن حبان: هذا لم يكن إلَّا في مرض موته صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم، لأن صلاته في مرضه الأول في مشربة عائشة ومعه نفر من الصحابة لا يحتاجون إلى من يسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته بأنها كانت في المسجد بجمع كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التكبير، لكن إسماع التكبير لم يتابع عليه أبو الزبير، قاله ابن رسلان.\nوأجاب عنه الحافظ بأنه صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم لشدة ضعفه لا يجهر إلَّا قليلًا، فأسمعهم أبو بكر، وحكى عن عياض أنه لم يستخلف في المسجد أحدًا، فلعله صلَّى به ﵇ من في المشربة ومن في المسجد، فلا بد إذًا من الإِسماع لهم.\nقلت: لا يبعد أن يكون هذا في أُحُد فإنه صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم صلَّى فيه أيضًا قاعدًا كما تقدم. (انظر: \"فتح الباري\" ٢/ ١٧٧). (ش).","vol":"3","page":518},{"text":"٦٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا زَيْدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحُبَابِ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنِى حُصَيْنٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّهُمْ. قَالَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، يَعُودُهُ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ إِمَامَنَا مَرِيضٌ. فَقَالَ «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هذا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ.\n===\n٦٠٥ - (حدثنا عبدة بن عبد الله) الصفار الخزاعي، أبو سهل البصري، ثقة، (نا زيد -يعني ابن الحباب-، عن محمد بن صالح) المدني الأزرق، مولى بني فهر، قال في \"التقريب\": مقبول، وقال في \"تهذيب التهذيب\": ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ثم قال: قلت: وذكره ابن حبان في \"الضعفاء\" أيضًا، وقال: يروي المناكير، وقال أبو حاتم: شيخ.\n(ثني حصين من ولد سعد بن معاذ) هو حصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاري الأشهلي، أبو محمد المدني، روى عن أسيد بن حضير ولم يدركه، ذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين، فلذا قال أبو داود بعد سوق حديثه عن أسيد بن حضير: ليس بمتصل، قال في \"التقريب\": مقبول، وقال في \"الميزان\": فما ضَعّفه أحمد، وهو صالح الأمر.\n(عن أسيد بن حضير أنه) أي أسيدًا (كان يؤمهم) أي قومه فمرض (قال) أي أسيد: (فجاء رسول الله - ﷺ - يعوده، فقال) هكذا في النسخ الدهلوية (١)، أي أحد من حضر، وأما في المصرية والكانفورية ففيهما: \"فقالوا\" أي قومه، وهو الأوضح، (يا رسول الله إن إمامنا مريض، فقال: إذا صلَّى قاعدًا فصلوا قعودًا، قال أبو داود: وهذا الحديث) أي وسنده بحذف المضاف (ليس بمتصل) لأن الحصين لم يدرك أسيد بن حضير.\nقلت: نقل صاحب \"العون\" عن المنذري على قوله: ليس بمتصل،\n_________\n(١) كذلك في نسخة العيني (٣/ ١٢٠): \"فقال\".","vol":"3","page":519},{"text":"(٧٠) بَابُ الرَّجُلَيْنِ يَؤُمُّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (١)، كَيْفَ يَقُومَانِ؟\n٦٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، ثَنَا ثَابِتٌ،\n===\nقال المنذري (٢): وما قاله ظاهر، فإنَّ حُصينًا هذا إنما يروي عن التابعين، ولا يحفظ له رواية عن الصحابة سيما أسيد بن حضير، فإنه قديم الوفاة، انتهى.\nقلت: قال في \"تهذيب التهذيب\": روى عن أسيد بن حضير ولم يدركه، وأنس وابن عباس وعبد الرحمن بن ثابت الأشهلي ومحمود بن لبيد ومحمود بن عمرو الأنصاري وزيد بن محمد بن مسلمة، انتهى.\nوظاهر العبارة على أنه أدركهم غير أسيد بن حضير، نعم ذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين، فكان روايته عن الصحابة عنده مرسلة، أما أنس بن مالك فقد توفي سنة ٩٢ هـ، وحصين مات سنة ١٢٦ هـ، فلا يبعد أن يروي عنه من غير واسطة، وكذلك محمود بن لبيد توفي سنة ٩٦ هـ، فلا دليل على عدم لقائه إياه، والحديث محمول على الابتداء، وهو منسوخ (٣) عندنا وعند الشافعي وغيره من الأئمة بفعل رسول الله - ﷺ - في مرض موته، فإنه - ﷺ - كان يصلي قاعدًا، والناس خلفه قيام.\n\n(٧٠) (باب (٤) الرَّجُلَيْنِ يَؤُمُّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، كَيْفَ يَقُومَانِ؟) (٥)\n٦٠٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة، (ثنا ثابت)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الآخر\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (١/ ٢٣١).\n(٣) هذا هو المعروف، لكن السندي أبطل دعوى النسخ بالبسط في \"شرحه على البخاري\". (ش).\n(٤) ذكر ابن العربي هذه الأبواب جملة واحدة، وذكر فيها عشرين فرعًا. [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٣١)]. (ش).\n(٥) قال الشعراني: ومنها قول الثلاثة: إن الواحد يقف على يمين الإِمام، فإن وقف على يساره لا تبطل مع قول أحمد: أنها تبطل، ومع قول سعيد بن المسيب: يقف عن يساره، ومع قول النخعي: يقف خلفه إلى أن يركع، فإن جاء آخر وإلَّا وقف =","vol":"3","page":520},{"text":"عَنْ أَنَسٍ قال: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ فَأَتَوْهُ بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ، فَقَالَ: «رُدُّوا هَذَا فِى وِعَائِهِ وَهَذَا فِى سِقَائِهِ فَإِنِّى صَائِمٌ»، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا، فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَرَامٍ خَلْفَنَا. قَالَ ثَابِتٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ قَالَ: أَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ عَلَى بِسَاطٍ. [خ ١٩٨٢، م ٢٤٨١، ق ٣/ ٥٣]\n===\nالبناني، (عن أنس) بن مالك (قال) أي أنس: (إن رسول الله - ﷺ - دخل على أم حرام (١» وهي خالة أنس، أخت أمه أم سليم (فأتوه) أي أهل البيت رسول الله - ﷺ - (بسمن وتمر، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (ردوا هذا) أي السمن (في وعائه) الوعاء بكسر الواو، قال في \"القاموس\": ويضم، والإعاء: الظرف، والجمع أوعية (وهذا) أي التمر (في سقائه) بكسر السين القربة، وربما كانوا يحفظون الرطب فيه فلا يفسدها الدود، ويمكن أن يرجع الضمير على العكس (فإني صائم (٢)، ثم قام) أي رسول الله - ﷺ - (فصلَّى بنا ركعتين تطوعًا) وفيه جواز الجماعة في النافلة، وعند الحنفية جوازها مقيد بما إذا لم يزيدوا على الثلاثة، فيدخل في التداعي فيكره.\n(فقامت (٣) أم سليم وأم حرام خلفنا، قال ثابت) وهذا قول حماد: (ولا أعلمه) أي أنسًا (إلَّا قال) أي أنس: (أقامني) أي رسول الله - ﷺ - (عن يمينه على بساط (٤) فأقام رسول الله - ﷺ - أنسًا عن يمينه حذاءه، والمرأتين خلفهما،\n_________\n= عن يمينه إذا ركع، وكذا نقل ابن رسلان مذهب أحمد وابن المسيب، ولم يذكر غيرهما. (ش).\n(١) قال ابن رسلان: وكانت إحدى خالاته من الرضاعة، قاله ابن وهب. وقال غيره: بل خالته لأبيه أو لجده. (ش).\n(٢) هذا اعتذار لعدم أكله، وفيه أنه لا بأس بإظهار التطوع إذا دعت الحاجة إليه، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٣) فيه استبراك بالصالح والعالم، وقال بعضهم: أراد تعليم النساء، فإنهن قلما يشاهدن أفعال الإِمام في المساجد، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) فعال بمعنى مبسوط، كفراش بمعنى مفروش. (ش).","vol":"3","page":521},{"text":"٦٠٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ (١)، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَّهُ وَامْرَأَةً مِنْهُمْ، فَجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَ ذَلِكَ\". [م ٦٦٠، ن ٨٠٣، جه ٩٧٥، ق ٣/ ٩٥]\n===\nوهذا هو مذهبنا إذا كان مع الإِمام رجل أو صبي يقف بحذاء الإِمام عن يمينه، وإذا كانت امرأة تقف خلفه، وإذا كان رجل وامرأة يقف الرجل حذاءه والمرأة خلفهما.\n٦٠٧ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن عبد الله بن المختار) البصري، قال في \"التقريب\": لا بأس به، وقال في \"الخلاصة\": وثَّقه النسائي، (عن موسى بن أنس) بن مالك الأنصاري، قاضي البصرة، ثقة (يحدث عن أنس) بن مالك (إن رسول الله - ﷺ - أَمّه) أي صار له إمامًا (وامرأة منهم) ولعلها أمه أم سليم، (فجعله) أي فأقام أنسًا (عن يمينه والمرأة) أي أقام المرأة (خلف ذلك) أي خلف أنس.\nوفي هذا الحديث دلالة على أنه إذا كانت مع القوم امرأة فعليها أن تقوم خلف الرجل، ولا تصف معهم بحذائهم ولا قدامهم، وهذا متفق عليه (٢).\nواختلف فيما إذا حاذت الرجال (٣) أو تقدمت، فعند الجمهور تجوز صلاتهم وصلاتها، ولا تفسد صلاة أحد منهم، وهكذا عند الحنفية في حكم القياس، وفي حكم الاستحسان تفسد صلاته إن نوى الإِمام إمامتها، وإلَّا فتفسد صلاتها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال سمعت\".\n(٢) وكذا نقل الإِجماع ابن رسلان. (ش).\n(٣) قال الموفق (٣/ ٣٩): إن وقفت في صف الرجال كره، ولم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها، وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو بكر: تبطل صلاة من يليها، وهو قول أبي حنيفة ... إلخ، وهي مكروهة عند المالكية غير مفسدة، كذا قال الدردير (١/ ٣٣١) ولخص البحث صاحب \"البدائع\" (١/ ٥٥٠). فأجاد. (ش).","vol":"3","page":522},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواستدلوا عليها بأن الرجال مأمورون بالتقدم عليهن، كما روي عن ابن مسعود موقوفًا، وهو في حكم المرفوع، لأنه لا دخل للقياس فيه: \"أخروهن من حيث أخرهن الله\"، فصار تاركًا لفرض المقام، ولحديث أنس أنه صف هو واليتيم وراء النبي - ﷺ - والعجوز من ورائهما، ولولا أن المحاذاة مُفسدة لما تأخرت العجوز عنهما، لأن الانفراد خلف الصف إما مفسد كما عند أحمد أو مكروه، والحديث الموقوف رواه الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود، وفيه: وكان ابن مسعود يقول: \"أخروهن كما أخروهن الله\"، وقال تقي الدين بن دقيق العيد: إنه حديث صحيح، قاله القاري في \"النقاية\".\nوقال في \"فتح القدير\" (١): وقد يستدل بحديث إمامة أنس واليتيم المتقدم حيث قامت العجوز من وراء أنس واليتيم منفردة خلف صف، وهو مفسد، كما هو مذهب أحمد لما ذكرنا من الأمر بالإعادة، أو لا يحل وهو معنى الكراهة السابق ذكرها، وبدلالة الإجماع على عدم جواز إمامتها للرجل، فإنه إما لنقصان حالها، أو لعدم صلاحيتها للإمامة مطلقًا، أو لفقد شرط، أو لترك فرض المقام، والحصر بالاستقراء وعدم وجود غير ذلك، وهذا كافٍ ما لم يرد صريح النقض لما عرف أنه يكفي في حصر الأوصاف قول السابر العدل - بحثت فلم أجد-: لا يجوز الأول لجواز الاقتداء بالفاسق والعبد، ولا الثاني لصلاحيتها لإمامة النساء، ولا الثالث لأن المفروض حصول الشروط فتعين الرابع.\nوتعقب الحافظ في \"الفتح\" (٢) على قول الحنفية، وقال: وعن الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف حيث قال\n_________\n(١) (١/ ٣١٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٢).","vol":"3","page":523},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقائلهم: دليله قول ابن مسعود: \"أخروهن من حيث أخرهن الله\"، والأمر للوجوب، وحيث ظرف مكان ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلَّا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل، لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، وحكاية هذا تعني عن تكلف جوابه، والله المستعان.\nوأجاب عنه العلامة العيني (١)، وقال: قلت: هذا القائل لو أدرك دقة ما قاله الحنفية ههنا ما قال: وهو عجيب، وتوجيهه ما ذكرنا، وليس فيه تعسف، والتعسف على الذي لا يفهم كلام القوم، انتهى.\nثم استدل الحافظ ابن حجر على قوله المتقدم بأنه قد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف فصلَّى فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك؟ وأوضح منه لو كان لباب المسجد صفة مملوكة فصلَّى فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة صحت صلاته، وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته ولا سيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه، انتهى.\nقلت: وهذا عجيب من مثل العلامة ابن حجر، فإن الأفعال التي أمر بها أو نهي عنها، إما أن تكون من الأركان والشروط أو الموانع أو لا، فعلى التقدير الأول لو خالفها يكون مفسدًا، وعلى الثاني يكون مكروهًا، ولا يجوز أن يقاس أحدهما على الآخر، مثاله أن الإِمام مأمور بالتقدم، فلو تأخر عن المقتدي تفسد صلاة المقتدي، ولا يقال: كره له ذلك واجزأته صلاته، وأوضح من ذلك أن التكلم في الصلاة منهي عنه، فلو تكلم أحد متعمدًا يحكم بفساد صلاته، ولا يقال: إنه يكره وتجوز صلاته، وأمثلته كثيرة.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٦٤).","vol":"3","page":524},{"text":"٦٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ اللَّيْلِ فَأَطْلَقَ الْقِرْبَةَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ أَوْكَأَ الْقِرْبَةَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ كَمَا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِى بِيَمِينِي (١) فَأَدَارَنِى مِنْ وَرَائِهِ، فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ\". [خ ٦٩٩، م ٧٦٣، ن ٨٠٦، ت ٢٣٢، جه ٩٧٣، ق ٣/ ٢٨، حم ١/ ٣٦٠]\n===\n٦٠٨ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (ثنا يحيى) القطان، (عن عبد الملك بن أبي سليمان) واسمه ميسرة، أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، وقيل: أبو عبد الله العرزمي بفتح المهملة وسكون الراء وبالزاي المفتوحة، قال في \"التقريب\": صدوق له أوهام، (عن عطاء) بن أبي رباح، (عن ابن عباس قال: بت) أي رقدت أو كنت ليلًا (في بيت خالتي ميمونة) أم المؤمنين، (فقام رسول الله - ﷺ - من الليل فأطلق القربة) أي حل وكاءها (فتوضأ، ثم أوكأ القربة) أي ربط رأسها، (ثم قام إلى الصلاة) وظاهر التهجد، (فقمت فتوضأت كما توضأ) أي رسول الله - ﷺ - (ثم جئت فقمت عن يساره) (٢) أي النبي - ﷺ -، (فأخذني بيميني) (٣) أي بيدي اليمنى (فأدارني) أي صرفني (من ورائه) أي خلف ظهره (فأقامني عن يمينه، فصليت معه).\nقال القاري (٤): قال في \"شرح السنَّة\": في الحديث فوائد، منها: جواز صلاة النافلة بالجماعة، ومنها: أن المأموم الواحد يقف على يمين الإِمام،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بيمينه\".\n(٢) فيه حجة للجمهور أن موقف اليسار لا يبطل الصلاة، لأنه ﵊ ما أبطل صلاته خلافًا لأحمد، قاله ابن رسلان، وأجاب عنه الموفق بأن لا عبرة للقيام أي قبل الركوع، فإنه قليل يعفى عنه. (ش).\n(٣) وفي رواية: أخذ برأسي، وفي أخرى: أخذ بذؤابتي، وفي أخرى: أخذ بأذني اليمنى يفتلها ... إلخ، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٧٤).","vol":"3","page":525},{"text":"٦٠٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: \"فَأَخَذَ بِرَأْسِى أَوْ بِذُؤَابَتِى، فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ\". [انظر سابقه]\n===\nومنها: جواز العمل اليسير في الصلاة، ومنها: عدم جواز تقدم المأموم (١) على الإِمام، ومنها: جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة (٢).\nوفي \"الهداية\": وان صلَّى خلفه أو يساره جاز وهو مسيء، قال ابن الهمام (٣): هذا هو المذهب، ثم قال: أورد كيف جاز النفل بجماعة وهو بدعة؟ أجيب بأن أداءه بلا أذان ولا إقامة بواحد أو اثنين يجوز على أنا نقول: كان التهجد عليه - ﵇ - فرضًا فهو اقتداء المتنفل بالمفترض، ولا كراهة فيه، انتهى ملخصًا.\n٦٠٩ - (حدثنا عمرو بن عون ثنا هشيم) بن بشير، (عن أبي بشر) جعفر بن إياس، وهو ابن أبي وحشية، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه القصة) أي القصة المتقدمة عن ابن عباس (قال) أي ابن عباس: (فأخذ برأسي أو بذؤابتي) لفظ \"أو\" للشك من الراوي، قال في \"القاموس\": والذؤابة: الناصية، أو منبتها من الرأس، وشَعَرٌ في أعلى ناصية الفَرَس، انتهى، وقيل: هي الشعر المضفور من الرأس، (فأقامني عن يمينه) قلت: وهذا يخالف ما في \"الصحيحين\": \"فأخذ بيدي\"، فلعله (٤) أخذ أولًا بذؤابة الرأس ثم بيده، أو على العكس، وإلَّا فما في \"الصحيحين\" أصح.\n_________\n(١) لقوله: \"من ورائه\"، والتقدم يفسد الصلاة عند الثلاثة خلافًا لمالك، قاله الشعراني، وكذا في \"الشرح الكبير\". (ش).\n(٢) قال القاضي: واختلفوا في ذلك، وذهب مالك إلى جوازه، وذهب بعضهم إلى منعه، وذهب أبو حنيفة إلى منع ذلك للنساء دون الرجال، وعندنا مستحبة، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٣) \"فتح القدير\" (١/ ٣٠٨).\n(٤) ويحتمل أن يكون أخذ أحدهما للإِدارة والآخر للتيقظ أو التنبه، كما ورد في \"أوجز المسالك\" (٢/ ٥٩٤). (ش).","vol":"3","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>(٧١) بَابٌ: إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً كَيْفَ يَقُومُون</span>؟\n٦١٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: \"إِنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ\n===\n\n(٧١) (بَابٌ: إِذا كَانُوا) أي: المقتدون (١) (ثَلَاثَةً كَيْفَ يَقُومُونَ؟)، أي: مع الإِمام؟\n٦١٠ - (حدثني القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) الإِمام، (عن إسحاق بن عبد لله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: إن جدته مليكة) (٢)، قال الحافظ في \"الفتح\" (٣): مليكة بضم الميم تصغير ملكة، والضمير في جدته يعود على إسحاق، جزم به ابن عبد البر وعبد الحق وعياض، وصححه النووي، وجزم ابن سعد وابن منده وابن الحصار بأنها جدة أنس والدة أمه أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في \"النهاية\" ومن تبعه، وكلام عبد الغني في \"العمدة\"، وهو ظاهر السياق، ويؤيده ما رويناه في \"فوائد العراقيين\" لأبي الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدمي، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: \"أرسلتني جدتي إلى النبي - ﷺ -، واسمها مليكة، فجاءنا فحضرت الصلاة\" الحديث.\nوقال ابن سعد في \"الطبقات\": أم سليم بنت ملحان، فساق نسبها إلى عدي بن النجار، وقال: وهي الغميصاء، [ويقال: الرميساء]، ويقال: اسمها سهلة، ويقال: أنيفة بالنون والفاء مصغرة، ويقال: رميثة، وأمها مليكة بنت مالك بن عدي، فساق نسبها إلى مالك بن النجار.\n_________\n(١) كما هو ظاهر من الرواية الأولى، والأوجه عندي إذا كانوا مع الإِمام ثلاثة ما هو مناسب للترجمة الأولى، ويؤيد ما اخترته الحديث الثاني، فإن فيه ثلاثة مع الاِمام، وكذا الحديث الأول، فإن المعتبر هو الرجال، وذكر النساء يأتي في ترجمة مستقلة. (ش).\n(٢) وقال ابن رسلان: الضمير لا يصح عوده إلى أنس على الراجح لأنها أم أنس، بل يعود إلى إسحاق. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٩).","vol":"3","page":527},{"text":"دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ (١) ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّىَ لَكُمْ» قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا\n===\nومقتضى كلام من أعاد الضمير في جدته إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مليكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس قال: \"صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي - ﷺ -، وأمي أم سليم خلفنا\" هكذا أخرجه المصنف كما سيأتي في أبواب الصفوف، والقصة واحدة طولها مالك واختصرها سفيان، ويحتمل تعددها فلا يخالف ما تقدم، وكون مليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق لما بيناه، لكن الرواية التي سأذكرها عن \"غرائب مالك\" ظاهرة في أن مليكة اسم أم سليم نفسها، انتهى ملخصًا.\nقلت: ويؤيد القول الأول ما أخرجه النسائي (٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: \"أن أم سليم سألت رسول الله - ﷺ - أن يأتيها فيصلي في بيتها فتتخذه مصلَّى، فأتاها فعمدت إلى حصير، فنضحته بماء، فصلَّى عليه، وصلُّوا معه\"، فهذا يؤيد أن ضمير جدته لإسحاق لا لأنس.\n(دعت رسول الله - ﷺ - لطعام (٣) صنعته) أي لأجل أكل طعام طبخته لرسول الله - ﷺ -، (فأكل منه (٤) ثم قال) أي رسول الله - ﷺ -: (قوموا فلأُصَلِّي لكم (٥) قال أنس: فقمت إلى حصير لنا) الحصير ما اتخذ من سعف النخل قدر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"منها\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (٧٣٧).\n(٣) بوب عليه مالك في \"الموطأ\" سبحة الضحى. (ش).\n(٤) استنبط منه أن من دعي إلى وليمة فلا يأكل الجميع، لئلا يتوهم المضيف أنه لم يشبع، بل يبقي شيئًا منه، وعلى هذا فمسح الإِناء مخصوص لغير الضيف. (ش).\n(٥) الفاء زائدة، بسطه ابن رسلان، وبوب عليه البخاري \"الصلاة لمن يريد التعليم\" ... إلخ، بسطه ابن رسلان، وحاصله أنه ليس فيه تشريك، بل هو جمع بين العبادتين. (ش).","vol":"3","page":528},{"text":"قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَصَفَفْتُ (١) أَنَا وَالْيَتِيمُ\n===\nطول الرجل وأكبر منه الذي يبسط في البيوت (قد اسودّ) أي تغير لونه (من طول ما لُبِسَ) (٢) أي استعمل (فنضحته بماء) أي غسلته بماء ليزول عنه الغبار والوسخ، ويحتمل أن يكون معناه رشته ليلين (٣)، أو للشك في نجاسته كما هو مذهب مالك، فإن النجاسة المشكوكة فيها تطهر بالرش عنده من غير غسل خلافًا للجمهور، (فقام عليه) أي على الحصير (رسول الله - ﷺ -، وصففت أنا واليتيم) (٤).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٥): قال صاحب \"العمدة\": اليتيم هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة، قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن حبيب ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله، أو من غيره من أهل المدينة، قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة، مولى رسول الله - ﷺ -، واختلف في اسم أبي ضميرة، فقيل: روح، وقيل غير ذلك، انتهى.\nوقال القاري في \"المرقاة\" (٦): قيل: اسم علم لأخي أنس، ولم أر هذا القول لغيره.\nوقال الحافظ في موضع آخر (٧): ووقع عند ابن فتحون فيما رواه عن ابن السكن بسنده في الخبر المذكور \"صليت أنا وسليم\" بسين مهملة ولام مصغرًا، فتصفحت على الراوي من لفظ \"يتيم\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فصففت\".\n(٢) فيه أن اللبس قد يطلق على الافتراش لكن لا في العرف، فمن حلف لا يلبس، فافترشه لا يحنث خلافًا لمالك، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) الأول اختاره النووي، والثاني اختاره القاضي عياض، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وهو في الإِنسان من لا أب له، وفي الحيوان من لا أم له، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٠).\n(٦) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٧٥).\n(٧) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٢).","vol":"3","page":529},{"text":"وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. [خ ٣٨٠، م ٦٥٨، ن ٨٠١، ت ٢٣٤، حم ٣/ ١٣١، دي ١٣٨١، حب ٢٢٠٥، ق ٣/ ٩٦]\n٦١١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ،\n===\n(وراءه) أي خلفه (والعجوز) (١) هي مليكة المذكورة أولًا (من ورائنا) أي خلفنا، (فصلَّى لنا) أي رسول الله - ﷺ - (ركعتين ثم انصرف) أي إلى بيته أو عن الصلاة (٢).\nقال الحافظ (٣): وفي الحديث من الفوائد: إجابة الدعوة ولو لم تكن عرسًا ولو كان الداعي امرأة لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدعوة، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وفيه تنظيف مكان المصلي، وقيام الصبي مع الرجل صفًا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفًا وحدها إذا لم تكن معها امرأة غيرها إلى آخره (٤).\n٦١١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل) مصغرًا، (عن هارون بن عنترة) قال في \"الميزان\" (٥): وثَّقه أحمد ويحيى بن معين،\n_________\n(١) فيه أن موقف المرأة خلف الصف وهذا لا خلاف فيه بينهم. (ش).\n(٢) استنبط منه ابن رسلان ما قاله الحنفية من عدم شرطية السلام، فأرجع إليه. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٠).\n(٤) قال الموفق: إن كان مع الإِمام رجل وصبي وامرأة وكانوا في تطوع قاما خلف الإِمام والمرأة خلفهما لرواية أن: \"صففت أنا واليتيم وراءه\"، وان كانوا في فرض جعل الرجل عن يمينه والصبي يساره كما فعل ابن مسعود بعلقمة والأسود، وإن وقفا جميعًا عن يمينه فلا بأس، وان وقفا جميعًا خلفه توقف فيه أحمد، فقيل له حديث أنس؟ فقال: ذلك في التطوع، واختلف فيه أصحابنا فقال بعضهم: لا يصح، وقال بعضهم: يصح، وان اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء، تقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء. [انظر: \"المغني\" (٣/ ٥٣)]. (ش).\n(٥) (٤/ ٢٨٤).","vol":"3","page":530},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"اسْتَأْذَنَ عَلْقَمَةُ وَالأَسْوَدُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ - وَقَدْ كُنَّا أَطَلْنَا الْقُعُودَ عَلَى بَابِهِ - فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَاسْتَأْذَنَتْ لَهُمَا، فَأَذِنَ لَهُمَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بَيْنِى وَبَيْنَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَعَلَ\". [ن ٧٩٩، م ٥٣٤، حم ١/ ٤٢٦]\n===\nوقال ابن حماد: لا يجوز أن يحتج به، وهو الذي يقال له: هارون بن أبي وكيع، حدث عنه الثوري، مات سنة ١٤٢ هـ، منكر الحديث جدًا، قلت: الظاهر أن النكارة عن الراوي عنه، وقد قال الدارقطني: يحتج به.\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (١): هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني، أبو عبد الرحمن بن أبي وكيع الكوفي، عن أحمد: ثقة، وكذا عن ابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به، مستقيم الحديث، وقال البرقاني: سألت الدارقطني عنه، فقال: متروك يكذب، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وفي \"الضعفاء\" أيضًا، وقال: منكر الحديث جدًا، يروي المناكير الكثيرة حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال العجلي وابن سعد: ثقة، وممن كناه أبا عمرو يحيى بن سعيد وابن المديني والبخاري والحاكم وغيرهم، وهو الصحيح، انتهى ملخصًا.\n(عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال أي الأسود، ويحتمل أن يكون عبد الرحمن بتقدير قال قبل قوله: \"وقد كنا أطلنا القعود\": (استأذن علقمة) بن قيس (والأسود على عبد الله) أي استأذنا للدخول على عبد الله بن مسعود، (وقد كنا أطلنا القعود) أي قعدنا زمانًا طويلًا في انتظار الإذن (على بابه) أي باب عبد الله، (فخرجت الجارية) أي إليهما فرأتهما جالسين فدخلت البيت (فاستأذنت لهما، فأذن) عبد الله بن مسعود (لهما) أي فدخلا، (ثم قام) أي عبد الله بن مسعود (فصلَّى بيني وبينه) أي علقمة، فأقام أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله (ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - فعل).\n_________\n(١) (١١/ ٩).","vol":"3","page":531},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"البدائع\" (١): وإذا كان سوى الإِمام اثنان يتقدمهما في ظاهر الرواية\" وروي عن أبي يوسف أنه يتوسطهما، لما روي عن عبد الله بن مسعود: أنه صلَّى بعلقمة والأسود وقام وسطهما، وقال: \"هكذا صنع بنا رسول الله - ﷺ -\" (٢)، ولنا ما روينا: \"أن النبي - ﷺ - صلَّى بأنس واليتيم وأقامهما خلفه\"، وهو مذهب علي وابن عمر، وأما حديث (٣) ابن مسعود فهذه الزيادة وهي قوله: \"هكذا صنع بنا رسول الله - ﷺ -\" لم ترو في عامة الروايات فلم تثبت، وبقي مجرد الفعل، وهو محمول على ضيق المكان، قاله إبراهيم (٤) النخعي، وهو كان أعلم بأحوال عبد الله ومذهبه، ولو ثبتت الزيادة فهي أيضًا محمولة على هذه الحالة، أي هكذا صنع بنا رسول الله - ﷺ - عند ضيق المكان، غير أن هاهنا لو قام الإِمام وسطهما لا يكره لورود الأثر وكون التأويل من باب الاجتهاد، انتهى ملخصًا.\nقال القاري في \"شرح المشكاة\" (٥): وإذا صح الرفع فالجواب إما بأنه فعله لضيق المكان، أو ما قال الحازمي بأنه منسوخ، لأنه إنما نعلم هذه الصلاة بمكة إذ فيها التطبيق وأحكام أخرى هي الآن متروكة، وهذه من جملتها، ولما قدم ﵇ المدينة تركه بدليل حديث جابر، فإنه شهد المشاهد التي بعد بدر، انتهى.\nقال ابن الهمام (٦): وغاية ما فيه خفاء النسخ على عبد الله وليس ببعيد، إذ لم يكن دأبه ﵇ إلَّا إمامة الجمع الكثير دون الاثنين، إلَّا في الندرة\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٩٠).\n(٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٥٣٤).\n(٣) وفي \"الهداية\" (ص ٥٧): حديث أن حجة لبيان الأفضل، وحديث ابن مسعود لبيان الجواز. (ش).\n(٤) هكذا في \"البدائع\"، ويشكل عليه أن الطحاوي حكى عن إبراهيم مثل ابن مسعود. (ش).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٧٥).\n(٦) \"فتح القدير\" (١/ ٣٠٨).","vol":"3","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>(٧٢) بَابُ الإِمَامِ يَنْحَرِفُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ</span>\n٦١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ انْحَرَفَ\". [السنن الْكبرى للنسائي ١١٦٦]\n===\nكهذه القصة، وحديث اليتيم وهو داخل في بيت امرأة فلم يطلع عبد الله على خلاف ما علمه، انتهى.\nقلت: واحتمال النسخ بعيد، فإن هذا الفعل لا يعارض الفعل المتقدم على أن تقدم أحد الفعلين على الآخر غير ثابت، بل الظاهر أن عبد الله بن مسعود فعل ذلك عند عدم ضيق المقام بناء على أنه حمل الفعلين على الجواز، فكان كلا الفعلين عنده جائزين.\n\n(٧٢) (بَابُ الإمَامِ يَنْحَرِفُ) (١)\nأي: ينصرف ويتحول إلى شقه الأيمن أو الأيسر (بَعْدَ التَّسْلِيمِ) أي بعد الفراغ من الصلاة\n٦١٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان) الثوري، (ثني يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه) أي يزيد بن الأسود (قال) أي يزيد: (صليت خلف رسول الله - ﷺ - فكان) أي رسول الله - ﷺ - (إذا انصرف) عن الصلاة (انحرف) (٢) أي تحول، وقد وردت الروايات المختلفة في الانصراف عن الصلاة، فروى البخاري (٣) من حديث سمرة بن جندب قال:\n_________\n(١) وحمله في \"العرف الشذي\" على الانصراف يعني المشي بعد الفراغ. (ش).\n(٢) وبسط ابن رسلان فيه شيئًا من البسط، وحاصله كما يظهر من كلامه أن الانصراف له معنيان، أحدهما: التحول إلى القوم، والثاني: المشي إلى موضع الحاجة، والأوجه عندي أن المصنف أيضًا أراد المعنيين، ولهذا بوب بالترجمتين، أحدهما هذا وأراد ها هنا الأول، وبوب للثاني في أواخر أبواب السهو بقوله: كيف الانصراف من الصلاة. (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٨٤٥).","vol":"3","page":533},{"text":"٦١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ،\n===\n\"كان رسول الله - ﷺ - إذا صلَّى صلاة أقبل علينا بوجهه\"، وأخرج مسلم (١) من حديث أنس قال: \"كان النبي - ﷺ - ينصرف عن يمينه\"، وأخرجا (٢) عن عبد الله بن مسعود قال: \"لا يجعل أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته، يرى أن حقًا عليه أن لا ينصرف إلَّا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - كثيرًا ينصرف عن يساره\".\nوقال في \"البدائع\" (٣): إذا فرغ الإِمام من الصلاة فلا يخلو إما إن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنَّة أو كانت صلاة تصلَّى بعدها سنَّة، فإن كانت صلاة لا تصلَّى بعدها سنَّة كالفجر والعصر، فإن شاء الإِمام قام وإن شاء قعد في مكانه يشتغل بالدعاء، لأنه لا تطوع بعد هاتين الصلاتين، فلا بأس بالقعود إلَّا أنه يكره المكث على هيئة مستقبل القبلة فلا يمكث، ولكنه يستقبل القوم بوجهه إن شاء إن لم يكن بحذائه أحد يصلي، وإن شاء انحرف.\nثم اختلف المشايخ في كيفية الانحراف، قال بعضهم: ينحرف إلى يمين القبلة تبركًا بالتيامن، وقال بعضهم: ينحرف إلى اليسار ليكون (٤) يساره إلى اليمين، وقال بعضهم هو مخير إن شاء انحرف يمنة وإن شاء انحرف يسرة، وهو الصحيح، لأن ما هو المقصود من الانحراف وهو زوال الاشتباه يحصل بالأمرين جميعًا، وإن كانت صلاة بعدها سنَّة يكره له المكث قاعدًا، وكراهة القعود مروية عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم-، انتهى ملخصًا.\n٦١٣ - (حدثنا محمد بن رافع، ثنا أبو أحمد الزبيري) هو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي مولاهم، أبو أحمد الزبيري الكوفي، ثقة ثبت، إلَّا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، مات سنة ٢٠٣ هـ.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٧٠٨).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٨٥٢)، و\"صحيح مسلم\" (٧٠٧).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٩٣).\n(٤) كذا في الأصل. (ش).","vol":"3","page":534},{"text":"حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْبَرَاءِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: \"كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ فَيُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ -ﷺ-\". [م ٧٠٩، ن ٨٢٢، جه ١٠٠٦، حم ٤/ ٣٠٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>(٧٣) بابُ الإِمَامِ يَتَطَوَّعُ فِى مَكَانِهِ</span>\n٦١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِىُّ،\n===\n(نا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن عبيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي، له عندهم هذا الحديث الواحد، وقال في \"التقريب\": ثقة.\n(عن البراء بن عازب قال) أي البراء: كنا إذا صلينا خلف رسول الله أحببنا أن نكون عن يمينه) لأنه - ﷺ - كثيرًا ما كان ينحرف إلى اليمين بعد الفراغ من الصلاة (فيقبل علينا بوجهه - ﷺ -) فنتشرف برؤية وجهه الشريف والنظر إليه - ﷺ -.\n\n(٧٣) (بَابُ الإمَامِ يَتَطَوَّعُ في مَكَانِهِ)\nأي: مكانه الذي صلَّى فيه الفرض، هل يجوز له أن يتطوع فيه أم لا؟\n٦١٤ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، ثنا عبد العزيز بن عبد الملك القرشي) قال في \"التهذيب\": روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الصلاة من مسند المغيرة بن شعبة، قلت: قال مسلمة: شيخ قديم لم يقع في التواريخ، وقال أبو الحسن القطان: مجهول، وقد رأيت من اعتقد أنه ابن أبي محذورة، قال: وإن ذلك ليغلب على الظن، فإنه في هذه الطبقة وهو قرشي.\nوفي \"التقريب\": عبد العزيز بن عبد الملك القرشي، مجهول، ووهم من زعم أنه الذي قبله.\nوفي \"الضعفاء\" للأزدي: عبد العزيز بن عبد الملك الدمشقي، متروك","vol":"3","page":535},{"text":"حَدَّثَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يُصَلِّى الإِمَامُ فِى الْمَوْضِعِ الَّذِى صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ». [جه ١٤٢٨، ق ٢/ ١٩٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ.\n===\nالحديث، روى عنه مخلد بن يزيد، فكأنه صاحب الترجمة، وبذلك جزم الذهبي في \"الميزان\".\n(ثنا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة قال) أي المغيرة: (قال رسول الله - ﷺ -: لا يصلي الإِمام) أي التطوع (في الموضع الذي صلَّى فيه) أي المكتوبة (حتى يتحول) (١) أي ينتقل من هذا المكان إلى مكان آخر.\nقال في \"البدائع\" (٢): روي عن أبي بكر وعمر -﵄- أنهما كانا إذا فرغا من الصلاة قاما كأنهما على الرضف، ولأن المكث يوجب اشتباه الأمر على الداخل فلا يمكث، ولكن يقوم ويتنحى عن ذلك المكان، ثم يتنفل لما روي عن أبي هريرة (٣) - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدم أو يتأخر\".\nوعن ابن عمر أنه كره للإمام أن يتنفل في المكان الذي أم فيه، ولأن ذلك يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فينبغي أن يتنحى إزالة للاشتباه أو استكثارًا من شهوده على ما روي أن مكان المصلى يشهد له على ذلك يوم القيامة.\n(قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) لأنه قال\n_________\n(١) قال ابن رسلان: هو مستحب عندنا حتى في أفراد التطوع والتراويح لتكثر مواضع السجود. (ش).\n(٢) بدائع الصنائع\" (١/ ٣٩٤).\n(٣) قال البخاري: رفعه عن أبي هريرة لا يصح، وبسط عليه الحافظ في\"الفتح\" (٢/ ٣٣٥). (ش).","vol":"3","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>(٧٤) بَابُ الإِمَامِ يُحْدِثُ بَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ</span>\n٦١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ\n===\nابنه عثمان بن عطاء: كان مولده سنة خمسين، ومات المغيرة بن شعبة سنة خمسين على الصحيح، فكان ولادة عطاء في السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة، وقال الطبراني: لم يسمع عطاء الخراساني من أحد من الصحابة إلَّا من أنس.\n\n(٧٤) (بَابُ الإمَامِ يُحْدِثُ)\nأي: يصير محدثًا، ويحتمل أن يكون معناه يتعمد الحدث (بَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ)، وفي بعض النسخ: \"من آخر الركعة\"\n٦١٥ - (حدثنا أحمد بن يونس) أي أحمد بن عبد الله بن يونس، (ثنا زهير) أي ابن معاوية، (ثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع) التنوخي، أبو الجهم، ويقال: أبو الحجر المصري، قاضي إفريقية، قال البخاري: في حديثه مناكير، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: لا يحتج بخبره إذا كان من رواية ابن أنعم، وإنما وقع المناكير في حديثه من أجله، وقال أبو العرب: كان أحد الفقهاء العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز ليفقهوا أهل الإفريقية، وقال الساجي: فيه نظر، وقال البناني: فيه نظر، وهو غير مشهور.\nوقال في \"الميزان\" (١): قال ابن المبارك: حدثنا ابن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا رفع أحدكم رأسه من آخر السجود ثم أحدث فقد تمت صلاته\"، رواه أبو داود والترمذي، وهذا من مناكيره.\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٥٦٠).","vol":"3","page":537},{"text":"وَبَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا قَضَى الإِمَامُ الصَّلَاةَ وَقَعَدَ، فَأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَمَنْ كَانَ خَلْفَهُ مِمَّنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ». [ت ٤٠٨، قط ١/ ٣٩٧]\n===\n(وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا قضى) أي أتم (الإِمام الصلاة) أي أدى أركانها (وقعد) أي قدر التشهد (فأحدث قبل أن يتكلم) أي بالسلام (فقد تمت صلاته ومن كان) أي وصلاة من كان (خلفه ممن أتم الصلاة) من المقتدين.\nوقد أخرجه الطحاوي (١) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وبكر بن سوادة الجذامي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا قضى الإِمام الصلاة فقعد، فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإِمام، فقد تمت صلاته، فلا يعود فيها\"، فهذا الحديث يدل على أن السلام ليس بفرض.\nوقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أن الخروج عن الصلاة بلفظ السلام فرض عندهم، وعندنا ليس بفرض، وقد قال علي القاري في \"كتاب الرد على صلاة القفال\" على ما نقله مولانا الشيخ عبد الحي - ﵀- (٢): وذكر الشيخ أبو الحسن ابن بطال في \"شرح البخاري\" أن لفظ السلام ليس بواجب، أي ليس بفرض، وهو قول علي وابن مسعود وابن المسيب والنخعي والثوري والأوزاعي.\nواستدل الإِمام الشافعي ومن وافقه بحديث أخرجه الخمسة إلَّا النسائي عن علي بن أبي طالب -﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم\"، وأخرجه أيضًا الشافعي والبزار والحاكم وغيرهم.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٧٤).\n(٢) \"السعاية\" (٢/ ١٣٧).","vol":"3","page":538},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوطريق الاستدلال بهذا الحديث بأن الإضافة في قوله: \"وتحليلها\" تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم، أي انحصر تحليلها في التسليم لا تحليل لها غيرها.\nوالحنفية ومن وافقهم استدلوا بحديث الباب (١)، فإنه يدل على عدم فرضية السلام، واعترضوا عليه بأن إسناده ليس بالقوي، لأن فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل العلم.\nقال الشوكاني (٢): قال النووي في \"شرح المهذب\": إنه ضعيف باتفاق الحفاظ، وفيه نظر، فإنه قد وثَّقه غير واحد، منهم زكريا الساجي وأحمد بن صالح المصري، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس.\nوفي \"كتاب الرد على صلاة القفال\" لشرف الدين أبي القاسم بن عبد العلي القربتي على ما نقله مولانا الشيخ عبد الحي في \"السعاية\" (٣): الحجة لنا في عدم وجوب السلام ما رواه أبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر وعن علي مرفوعًا وموقوفًا، وإن قيل: قال الترمذي (٤): هذا الحديث ليس [إسناده] بالقوي، وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل الحديث، منهم يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل، قيل له: قد قوى أمره\n_________\n(١) وقال البيهقي: هذا الحديث قبل أن يشرع الصلاة على النبي - ﷺ - والتحلل منها بالتسليم، ثم صار منسوخًا، والدليل ما روي عن عطاء: أنه - ﷺ - كان إذا قعد قدر التشهد أقبل علينا بوجهه، وذلك قبل أن ينزل التسليم، وقال أبو إسحاق: يحتمل أنه أراد وأتى بالتسليم والتشهد، وعبر عن ذلك كله بالقعود، قال ابن الرفعة: إن صح محمول على ما قبل التسليمة الثانية، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٥٢).\n(٣) (٢/ ١٣٨).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢٦١) باب ما جاء في الرجل يحدث في التشهد.","vol":"3","page":539},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالبخاري وهو يقول فيه: مقارب الحديث، فلم يسقط الاحتجاج به، وقد سكت أبو داود عن هذا الحديث، وهو إذا سكت عن حديث كان عنده حسنًا أو صحيحًا، وقد عضده ما روى أبو داود عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي [فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده وأن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد عبد الله] فعلمه التشهد، إذا قلت هذا أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك، وهذا نص في أن السلام ليس بفرض (١)، انتهى ملخصًا.\nثم استدل الطحاوي (٢) - ﵀- على أن السلام ليس بفرض فقال: ثم قد روي عن رسول الله - ﷺ - أيضًا ما يدل على أن ترك السلام غير مفسد للصلاة، وهو: \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى الظهر خمسًا ولم يسلِّم، فلما أخبر بصنيعه فثنى رجله فسجد سجدتين\"، كما حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - بذلك.\nففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل السلام، ولم ير ذلك مفسدًا للصلاة، ولو رآه مفسدًا لها إذًا لأعادها، فلما لم يعدها وقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم دل ذلك أن السلام ليس من صلبها، ألا ترى أنه لو كان جاء بالخامسة، وقد بقي عليه بما قبلها سجدة كان ذلك مفسدًا للأربع، لأنه خلطهن بما ليس منهن، فلو كان السلام واجبًا كوجوب سجود الصلاة لكان حكمه أيضًا كذلك، ولكنه بخلافه فهو سنَّة.\nوأما ما استدل به الشافعي ومن وافقه ﵏ بقوله ﵇: \"وتحليلها التسليم\"، فسيأتي بيانه في شرح الحديث الآتي.\n_________\n(١) وسيأتي بعض الكلام على جرح الحديث وتصحيحه في \"باب التشهد\"، وقال ابن رسلان: بكر بن سوادة لم يلق عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن رافع مجهول. (ش).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٧٥).","vol":"3","page":540},{"text":"(٧٥) بَابٌ (١) تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيم\n٦١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ - قَالَ:\n===\nوقال الخطابي في \"المعالم\" (٢): ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهره، لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد، على ما رووه عن ابن مسعود، ثم لم يقودوا قولهم في ذلك، لأنهم قالوا: إذا طلعت عليه الشمس أو كان متيممًا، فرأى الماء، وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم، فقد فسدت صلاته، وقال فيمن قهقه بعد الجلوس قدر التشهد: إن ذلك لا تفسد صلاته ويتوضأ، ومن مذهبهم أن القهقهة لا تنقض الوضوء، إلَّا أن تكون في الصلاة، والأمر في هذه الأقاويل واختلافها ومخالفتها الحديث بَيّنٌ، انتهى.\nقلت: مبنى هذا القول عدم التدبر فيما قالت الحنفية، وإن شئت أن تعرف حقيقتها فعليك بكتب الحنفية من \"الهداية\" وغيرها، ولا نطول الكلام بذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>(٧٥) (بابٌ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُها التَّسْلِيمُ)</span>\nهكذا في بعض النسخ، وفي بعضها لم يعقد الباب في هذا الموضع، بل أدخل الحديث تحت الباب المتقدم\n٦١٦ - (حدثنا (٣) عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، (عن محمد بن الحنفية، عن علي) بن أبي طالب (قال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب في تحريم الصلاة وتحليلها\".\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٢٣٣).\n(٣) والحديث مكرر تقدم في \"باب فرض الوضوء\". (ش).","vol":"3","page":541},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ،\n===\nقال رسول الله - ﷺ -: مفتاح) بكسر الميم، والمراد أنه أول شيء يفتتح به من أعمال الصلاة، لأنه شرط من شروطها (الصلاة الطهور) بضم الطاء، وفي رواية: \"الوضوء مفتاح الصلاة\"، (وتحريمها التكبير).\nقال العيني (١): اختلف العلماء في تكبيرة الإحرام، فقال أبو حنيفة: هي شرط، وقال مالك والشافعي وأحمد: هي ركن، وقال الزهري: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير، قال أبو بكر: ولم يقل به غيره، ثم اختلف العلماء هل يجزئ الافتتاح بالتسبيح والتهليل مكان التكبير؟ فقال مالك وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجزئ إلَّا الله أكبر، وعن الشافعي أنه يجزئ (٢) الله الأكبر، وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز بكل لفظ يقصد به التعظيم.\nوذكر في \"الهداية\": قال أبو يوسف: إن كان المصلي يحسن التكبير لم يجز إلَّا الله أكبر، أو الله الأكبر، أو الله الكبير، وإن لم يحسن جاز، وقال بعضهم: استدل بحديث عائشة: \"أن النبي - صلي الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير\"، وبحديث ابن عمر: \"رأيت النبي - ﷺ - افتتح التكبير في الصلاة\" على تعيين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم.\nوكذلك استدلوا بحديث رفاعة في قصة المسيء صلاته أخرجه أبو داود: \"ولا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر\"، وبحديث أبي حميد (٣): \"كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة عقد قائمًا ورفع يديه، ثم قال: الله أكبر\"، أخرجه الترمذي.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\n(٢) وفي الأصل: \"يجوز\" وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه من \"العيني\".\n(٣) قلت: كذا في \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٧٤)، ولكن ما وجدت الحديث بهذا اللفظ في \"سنن الترمذي\"، نعم أخرجه الترمذي (١/ ١٨٨) في \"باب ما جاء في وصف الصلاة\" مطولًا، ولفظه: \"إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر\".","vol":"3","page":542},{"text":"وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ\". [مضى برقم ٦١]\n===\nقلت: التكبير هو التعظيم من حيث اللغة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ (١) أي عظمنه ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ (٢) أي فعظم، فكل لفظ دل على التعظيم وجب أن يجوز الشروع به، ومن أين قالوا: إن التكبير وجب بعينه حتى يقتصر على لفظ: أكبر؟ والأصل في خطاب الشرع أن يكون نصوصه معلومة معقولة، والتقييد خلاف الأصل، وقال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٣)، وذكر اسمه تعالى أعم من أن يكون باسم الله أو باسم الرحمن، فجاز الرحمن أعظم كما جاز الله أكبر، لأنهما في كونهما ذكرًا سواء، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤)، وقال - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله\"، فمن قال: لا إله إلَّا الرحمن أو العزيز كان مسلمًا، فإذا جاز ذلك في الإيمان الذي هو أصل، ففي فروعه أولى، انتهى ملخصًا بقدر الحاجة.\n(وتحليلها التسليم) قال العيني (٥): اختلف العلماء في هذا، فقال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة، حتى قال النووي: ولو أخلَّ بحرف من حروف: السلام عليكم، لم تصح صلاته، واحتجوا على ذلك بقوله - ﷺ -: \"تحليلها التسليم\"، رواه أبو داود وأخرجه [الترمذي] وابن ماجه أيضًا، وأخرجه الحاكم في \"مستدركه\" (٦)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\n_________\n(١) سورة يوسف: الآية ٣١.\n(٢) سورة المدثر: الآية ٣.\n(٣) سورة الأعلى: الآية ١٥.\n(٤) سورة الأعراف: الآية ١٨٠.\n(٥) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٩٧).\n(٦) (١/ ١٣٢).","vol":"3","page":543},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: اختلفوا في صحته بسبب ابن عقيل، فقال محمد بن سعد: كان منكر الحديث لا يحتجون بحديثه، وكان كثير العلم، وقال ابن المديني عن بشر بن عمر الزهراني: كان مالك لا يروي عنه، وكان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وعن يحيى بن معين: ليس حديثه بحجة، وعنه: ضعيف الحديث، وعنه: ليس بذلك، وقال النسائي: ضعيف، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم بعض أهل العلم من قبل حفظه.\nوعلى تقدير صحته أجاب الطحاوي (١) عنه بما محصله: أن عليًا -﵁ - روي عنه من رأيه: \"إذا رفع رأسه من آخر سجدة، فقد تمت صلاته\"، فدل على أن معنى الحديث المذكور لم يكن على أن الصلاة لا تتم إلَّا بالتسليم، إذا كانت تتم عنده بما هو قبل التسليم، فكان معنى: \"تحليلها التسليم\"، التحلل الذي ينبغي أن يحل به لا بغيره.\nوجواب آخر أن الحديث المذكور من أخبار الآحاد فلا يثبت بها الفرض.\nفإن قلت: كيف أثبت فرضية التكبير به ولم تثبت فرضية التسليم؟ قلت: أصل فرضية التكبير في الصلاة بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، غاية ما في الباب يكون الحديث بيانًا لما يراد به من النص، والبيان به يصح كما في مسح الرأس.\nوذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وإبراهيم وقتادة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وابن جرير الطبري بهذا إلى أن التسليم ليست بفرض حتى لو تركه لا تبطل صلاته، انتهى.\nقال في \"البدائع\" (٢): أما صفته فإصابة لفظ السلام ليس بفرض عندنا،\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٧٣).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٥٤ - ٤٥٥).","vol":"3","page":544},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولكنها واجبة، حتى لو تركها عامدًا كان مسيئًا، ولو تركها ساهيًا يلزمه سجود السهو عندنا، وعند مالك والشافعي فرض لو تركها تفسد صلاته، احتجا بقوله - ﷺ -: \"وتحليلها التسليم\"، خص التسليم بكونه محللًا، فدل على أن التحليل بالتسليم على التعيين، فلا يتحلل بدونه، ولأن الصلاة عبادة لها تحريم وتحليل، فيكون التحليل فيها ركنًا قياسًا على الطواف في الحج.\nولنا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لابن مسعود حين علمه التشهد: \"إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت ما عليك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، والاستدلال به من وجهين:\nأحدهما: أنه جعله قاضيًا ما عليه عند هذا القول أو الفعل، وما للعموم فيما لا يعلم، فيقتضي أن يكون قاضيًا جميع ما عليه، ولو كان التسليم فرضًا لم يكن قاضيًا جميع ما عليه بدونه، لأن التسليم يبقى عليه.\nوالثاني: أنه خيَّره بين القيام والقعود من غير شرط لفظ التسليم، ولو كان فرضًا ما خيَّره، ولأن ركن الصلاة ما تتأدى به الصلاة، والسلام خروج عن الصلاة وترك لها، لأنه كلام وخطاب لغيره، فكان منافيًا للصلاة، فكيف يكون ركنًا لها.\nوأما الحديث فليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إلَّا أنه خص التسليم لكونه واجبًا، والاعتبار بالطواف غير سديد، لأن الطواف ليس بمحلل، إنما المحلل هو الحلق، إلَّا أنه توقف بالإحلال على الطواف، فإذا طاف حل بالحلق لا بالطواف، والحلق ليس بركن، فنزل السلام في باب الصلاة منزلة الحلق في باب الحج، وينبني على هذا أن السلام ليس من الصلاة عندنا، وعند الشافعية التسليمة الأولى من الصلاة، والصحيح قولنا لما بينا.","vol":"3","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>(٧٦) بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْمَأْمُومُ مِنَ اتِّبَاعِ الإِمَامِ</span>\n٦١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تُبَادِرُونِى بِرُكُوعٍ وَلَا بِسُجُودٍ (١)، فَإِنَّهُ مَهْمَا أَسْبِقْكُمْ بِهِ إِذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِى بِهِ إِذَا رَفَعْتُ،\n===\n\n(٧٦) (بَابُ (٢) مَا جَاءَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ المَأْمُومُ مِنَ اتِّباعِ الإمَامِ)\nأي: يلزم على المأموم أن يتبع الإِمام في أداء أفعال الصلاة، ولا يتقدم عليه\n٦١٧ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) القطان، (عن) محمد (بن عجلان، حَدّثني محمد بن يحيى بن حبان، عن) عبد الله (بن محيريز، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تبادروني) أي لا تسبقوني (بركع ولا بسجود) أي بأداء ركوع ولا سجود (فإنه مهما أسبقكم به) أي إذا أسبقكم بجزء من الركوع (إذا ركعت) وقت خروري في الركوع قبلكم (تدركوني به) أي بذلك الجزء (إذا رفعت) أي قبلكم، والحاصل أن الجزء الذي فاتكم بسبب التقديم مني في أداء الركوع والسجود تدركون ذلك الجزء من الركوع والسجود بتأخيركم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لا سجود\".\n(٢) اعلم أن المتقدم على الإِمام ممنوع بالاتفاق، وهل هو مفسد أيضًا أو لا؟ مختلف فيه، فعند الحنفية مفسد في التحريمة لا غير، وفي غيرها حرام غير مفسد، وعند الأئمة الثلاثة التسليمة في حكم التحريمة أعني مفسدًا، وأما في بقية الأركان مثل الركوع والسجود فحرام غير مفسد عند الأئمة الأربعة، بخلاف الظاهري فعنده مفسد مطلقًا، وأيضًا لا يخفى عليك أن متابعة الإِمام عند أبي حنيفة بطريق المقارنة، وعند الثلاثة بطريق المعاقبة، بل المقارنة عندهم مفسدة لو كانت في التحريمة، وأما في غير التحريمة فمكروهة غير مفسدة، خلافًا لمالك فعنده مفسدة في التسليم أيضًا، كما في \"مختصر الخليل\" وغيره، ملخصًا من \"الأوجز\" (٢/ ٢٦٢)، و\"اللامع\" (٣/ ١٧٨)، وأما مسلك الصاحبين فهما لم يقولا بالمقارنة في التحريمة رواية واحدة، وفي غير التحريمة اختلف النقل، فقيل: هما مع أبي حنيفة، وقيل: لا بل مع الجمهور، والله أعلم. (ش).","vol":"3","page":546},{"text":"إِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ\". [جه ٩٦٣، حم ٤/ ٩٢، حب ٢٢٢٩]\n٦١٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِىَّ يَخْطُبُ النَّاسَ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ\n===\nفي الرفع (إني قد بدنت) أبو عبيد روى بالتخفيف (١)، وإنما هو بالتشديد أي كبرت، والتخفيف من البدانة، وهي كثرة اللحم ولم يكن من صفته.\nوقال الطيبي (٢): روي بالتشديد والتخفيف مفتوحة ومضمومة، والعلماء اختاروا الأول إذ السمن لم يكن من وصفه (٣)، ولعل هذا القول إشارة إلى أنه - ﷺ - يريد أني لا أسارع ولا أبادر، لأني قد كبرت وضعفت، وأنتم أقوياء لعلكم تسبقوني، فلا تفعلوا هذه المسابقة واتبعوني.\n٦١٨ - (حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق) السبيعي هو عمرو بن عبد الله (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) بن زيد بن حصين الأنصاري (الخطمي) (٤) بفتح المعجمة وسكون المهملة، صحابي صغير، ولي الكوفة لابن الزبير، (يخطب الناس) حين كان واليًا على الكوفة، (ثنا البراء وهو) أي البراء (٥) (غير كذوب) أي ثقة ثبت صادق، والمراد تقوية الحديث وتوثيقه لا نفي تهمة الكذب عنه، فإنه صحابي جليل لا يظن به الكذب،\n_________\n(١) أنكره ابن دريد، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١١٨٦).\n(٣) لكن حديث عائشة: \"لما أسن وأخذ اللحم\" يصحح الوجهين، \"ابن رسلان\"، وحديث عائشة هذا أخرجه المصنف في \"باب الرجل يعتمد في الصلاة على عصًا\". (ش).\n(٤) نسبة إلى بطن من الأوس، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: هو الظاهر، وعليه مشى جماعة، ونقل عن ابن معين أنه قال: يريد به عبد الله، وقال النووي: أراد به صحة الحديث وبسطه. [انظر: \"شرح النووي\" (٢/ ٤٢٩)]. (ش).","vol":"3","page":547},{"text":"\"أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنَ الرُّكُوعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَامُوا قِيَامًا، فَإِذَا رَأَوْهُ قَدْ سَجَدَ سَجَدُوا\". [خ ٦٩٠، م ٤٧٤، ن ٨٢٩، ت ٢٨١]\n===\nوكذلك صيغة المبالغة في معنى نفس الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١).\n(أنهم) أي الصحابة -﵃- (كانوا إذا رفعوا رؤوسهم من الركوع مع رسول الله - ﷺ - قاموا قيامًا) أي قيامًا طويلًا، أو يقال: بقوا قائمين (فإذا رأوه) (٢) أي الصحابة رسول الله - ﷺ - (قد سجد سجدوا) والحاصل أنه لما منعهم رسول الله - ﷺ - عن المبادرة، خافوا أنهم إذا سجدوا مع رسول الله - ﷺ - لعلهم يسبقونه، فكانوا ينتظرون سجوده قيامًا، فإذا رأوه سجد سجدوا.\nقال الشامي في \"حاشية الدر المختار\" (٣) بعد ما أطال الكلام في المتابعة: والحاصل أن المتابعة في ذاتها على ثلاثة أنواع: مقارنة لفعل الإِمام مثل أن يقارن إحرامه لإحرام إمامه، وركوعه لركوعه، وسلامه لسلامه، ويدخل فيها ما لو ركع قبل إمامه ودام حتى أدركه إمامه فيه، ومعاقبة لابتداء فعل إمامه مع المشاركة في باقيه، ومتراخية عنه، فمطلق المتابعة الشامل لهذه الأنواع الثلاثة يكون فرضًا في الفرض، وواجبًا في الواجب، وسنَّة في السنَّة عند عدم المعارض أو عدم لزوم المخالفة.\nثم قال بعد عدة أسطر: إذا علمت ذلك ظهر لك أن من قال: إن المتابعة فرض أو شرط كما في \"الكافي\" وغيره أراد به مطلقها بالمعنى الذي ذكرناه، ومن قال: إنها واجبة كما في شرح \"المنية\" وغيره أراد به المقيدة بعدم التأخير، ومن قال: إنها سنَّة أراد به المقارنة، الحمد لله على توفيقه وأسأله هداية الطريق.\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ١٨٢.\n(٢) فيه نظر المأموم إلى أفعال الإِمام في الصلاة ليقتدي به، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (٢/ ٢٠٤).","vol":"3","page":548},{"text":"٦١٩ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا الْكُوفِيُّونَ: أَبَانُ وَغَيْرُهُ،\n===\n٦١٩ - (حدثنا زهير بن حرب وهارون بن معروف، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا) أي زهير وهارون: (ثنا سفيان، عن أبان بن تغلب) بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام، أبو سعد الكوفي، وثَّقه أحمد ويحيى وأبو حاتم والنسائي، وقال الجوزجاني: زائغ مذموم المذهب مجاهر، وقال ابن عدي: هو من أهل الصدق في الروايات وإن كان مذهبه مذهب الشيعة، وهو في الرواية صالح لا بأس به، قلت: هذا قول منصف، وأما الجوزجاني فلا عبرة بحطه على الكوفيين، فالتشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان، وأن عليًا كان مصيبًا في حروبه، وأن مخالفه مخطئ مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن عليًا أفضل الخلق بعد رسول الله - ﷺ -، وإذا كان معتقد ذلك ورعًا دَيِّنا صادقًا مجتهدًا، فلا ترد روايته بهذا لا سيما إذا كان غير داعية، وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة، وقال الحاكم: كان قاص الشيعة وهو ثقة، وقال ابن عجلان: رجل من أهل العراق من النساك، ثقة، وقال الأزدي: كان غاليًا في التشيع، وما أعلم به في الحديث بأسًا، مات سنة ٢٤١ هـ.\n(قال أبو داود: قال زهير: ثنا الكوفيون: أبان وغيره) وغرض المصنف بهذا القول أمران: أحدهما: بيان الاختلاف بين لفظ زهير وبين لفظ هارون، فإن هارون روى هذا الحديث عن سفيان عن أبان بن تغلب ولم يذكر غيره، وأما زهير بن حرب فرواه عن سفيان، فقال: حدثنا الكوفيون: أبان وغيره.\nوثانيهما: الجواب عن ما يرد عليه من الاختلاف الواقع في السند بأن أبانًا خالف فيه الحفاظ المتقنين، فذكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولم يذكر","vol":"3","page":549},{"text":"عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: \"كُنَّا نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- فَلَا يَحْنُو أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَرَى النَّبِىَّ -ﷺ- يَضَعُ\". [م ٤٧٤، ن ٨٢٩]\n===\nأحد منهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، بل ذكروا عن عبد الله بن يزيد الخطمي عن البراء، وحاصل الجواب أن أبانًا لم ينفرد في هذا، بل روى هذا الحديث كثير من الكوفيين، فلا يكون ما ذكره أبان غير محفوظ، قال النووي: هذا مما تكلم فيه الدارقطني، وقال: الحديث محفوظ لعبد الله بن يزيد عن البراء، ولم يقل أحد عن ابن أبي ليلى غير أبان بن تغلب عن الحكم، وقد خالفه ابن عرعرة، فقال: عن الحكم عن عبد الله بن يزيد عن البراء، وغير أبان أحفظ منه، هذا كلام الدارقطني، وهذا الاعتراض لا يقبل، بل أبان ثقة نقل شيئًا فوجب قبوله، ولم يتحقق كذبه وغلطه، ولا امتناع في أن يكون مرويًا عن ابن يزيد وابن أبي ليلى، والله أعلم.\n(عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء قال) أي البراء: (كنا نصلي مع النبي - ﷺ -) أي خلف رسول الله - ﷺ - مقتديًا به (فلا يحنوا (١) أحد منا) أي لا يثني ولا يقوس للسجود، وهو واوي ويائي من باب ضرب ونصر (ظهره حتى يرى) أحدنا أو نحن (النبي - ﷺ - يضع) أي جبهته على الأرض في السجود، كما تدل عليه الرواية اللاحقة، هكذا قال الشيخ علي القاري في شرحه على \"المشكاة\" ولفظه: أي لم يعوج أحد منا ظهره، أو لم يثنه من القومة قاصدًا للسجود، انتهى.\nويحتمل أن يكون المراد حنو الظهر في الجلسة بين السجدتين، ويدل عليه ما قال الحافظ العسقلاني في \"فتح الباري\" والعيني في \"شرحه على البخاري\" (٢)\n_________\n(١) ولفظ البخاري: \"لم نحن\"، بضم النون وكسرها، لغتان: حنوت وحنيت، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٨١)، و\"عمدة القاري\" (٤/ ٣٠٧).","vol":"3","page":550},{"text":"٦٢٠ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْنِى الْفَزَارِىَّ -، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ\n===\nفي \"باب متى يسجد من خلف الإِمام\": إذا اعتدل أو جلس بين السجدتين، وهذا يدل على أن يكون المراد في لفظ الحديث: \"لا يحنو أحد منا ظهره\" إما في القومة أو الجلسة، فما قال في \"النهاية\" ونقله عنه صاحب \"المجمع\" (١) وتبعهما صاحب \"عون المعبود\": أي لم يثنه للركوع، فغير موجه، ويأبى عنه روايات الحديث.\nقلت: وكذلك حمله على الجلسة بين السجدتين في الحديث بعيد، فإن الرواية اللاحقة مصرحة بأن المراد عدم حنو الظهر في القومة للسجود، فإنه وقع فيها: \"وإذا قال: سمع الله لمن حمده لم نزل قيامًا\"، أي في القومة بعد الركوع، والله تعالى أعلم.\n٦٢٠ - (حدثنا الربيع بن نافع، ثنا أبو إسحاق يعني الفزاري) هو إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء، أبو إسحاق الكوفي، متفق على توثيقه، لم يتكلم فيه أحد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ولد بواسط، وابتدأ في كتابة الحديث وهو ابن ٢٨ سنة، وكان من الفقهاء والعباد، وذكر النديم (٢) في \"الفهرست\": أنه أول من عمل في الإِسلام أسطرلابًا (٣) وله فيه تصنيف.\n(عن أبي إسحاق) أي الشيباني كما هو مصرح في \"صحيح مسلم\"، وهو سليمان بن أبي سليمان، (عن محارب بن دثار) محارب بضم أوله وكسر الراء، ابن دثار بكسر المهملة وتخفيف المثلثة، ابن كردوس بن\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٩٧).\n(٢) كذا في الأصل وكذا في \"التهذيب\" (١/ ١٥٣)، والظاهر ابن النديم. (ش).\n(٣) الأَسْطُرلاب: آلة رصد قديمة لقياس مواقع الكواكب وساعات الليل والنهار.","vol":"3","page":551},{"text":"قَالَ: \"سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: حَدَّثَنِى الْبَرَاءُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ (١) اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنهُ (٢) قَدْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ - ﷺ -\". [خ ٨١١، م ٤٧٤]\n===\nقرواش بن جعونة السدوسي، أبو دثار، ويقال: أبو مطرف، ويقال: أبو كردوس، ويقال: أبو النضر الكوفي القاضي، متفق على توثيقه وزهده.\n(قال: سمعت عبد الله بن يزيد يقول على المنبر) أي في خطبته: (حدثني البراء) أي ابن عازب (أنهم) أي الصحابة (كانوا يصلون مع رسول الله - ﷺ -، فإذا ركع ركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قيامًا حتى يرونه) أي رسول الله - ﷺ - (قد وضع جبهته بالأرض) قال القاري (٣): يريد أن يضع جبهته على الأرض.\nفإن قلت: لما نهى رسول الله - ﷺ - عن المبادرة بالركوع والسجود فكان عليهم أن يركعوا بعد خروره - ﷺ - للركوع ولم يزالوا قيامًا حتى يرونه قد ركع، فما وجه الفرق بينهما؟ قلت: قوله: \"فإذا ركع ركعوا\" لا يدل على المقارنة، بل يشمل ما إذا حتى ظهره للركوع يحنون أظهرهم بعده على أنه وجه الفرق بينهما أن مسافة ما بين القيام والركوع أقل من المسافة التي بين القيام والسجود، فاحتمال المتقدم في الركوع بسبب قصر المسافة بعيد، وأما في المسافة التي بين القيام والسجود باعتبار طوله لم يكن بعيدًا، فكانوا يراعون ذلك فيه، والله تعالى أعلم. (ثم يتبعونه - ﷺ -).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي نسخة: \"يروه\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٣).","vol":"3","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>(٧٧) بَابُ مَا جَاءَ في التَّشْدِيدِ فِيمَنْ يَرْفَعُ قَبْلَ الإِمَامِ أَوْ يَضَعُ قَبْلَهُ</span>\n٦٢١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَا يَخْشَى، أَوْ: أَلَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ». [خ ٦٩١، م ٤٢٧، ت ٥٨٢، ن ٨٢٨، جه ٩٦١، حم ٢/ ٢٦٠، دي ١٣٢٢، ق ٢/ ٩٣]\n===\n(٧٧) (بَابُ مَا جَاءَ في التَّشْدِيدِ فِيمَنْ يَرْفَعُ) أي رأسه (قَبْلَ الإمَامِ) أي من الركوع والسجود (أَوْ يَضَعُ) (١) رأسه في الركوع والسجود (قَبْلَه) أي قبل الإِمام\n٦٢١ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن محمد بن زياد) القرشي الجمحي مولاهم، أبو الحارث المدني، سكن البصرة، وثَّقه أحمد وابن معين والترمذي والنسائي، وأثنى عليه أبو داود، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن أبي هريرة قال) أي أبو هريرة: (قال رسول الله - ﷺ -: أما يخشى أو ألا يخشى) لفظة \"أو\" للشك من الراوي (أحدكم إذا رفع رأسه) قبل الإِمام (والإمام ساجد (٢) أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار).\nقال الحافظ في \"شرح البخاري\" (٣): الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلم من رواية\n_________\n(١) واثبات هذا الجزء من الترجمة بما سيجيء من كلام الشيخ أنه يلتحق به بالأولى، أو لما في بعض طرق رواية أبي هريرة: \"من يرفع أو يضع قبل الإِمام ناصيته بيد الشيطان\"، أخرجه البزار وابن أبي شيبة، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) ذكره اتفاقًا لأن الرفع أكثر ما يكون فيه، أو لأن للسجدة مزية خصوصية، فإن العبد أقرب ما يكون في السجدة، وفي \"ابن رسلان\" قريب منه. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٨٣).","vol":"3","page":553},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيونس بن عبيد والربيع بن مسلم كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان فقالا: \"رأس\"، وأما يونس فقال: \"صورة\"، وأما الربيع فقال: \"وجه\"، والظاهر أنه من تصرف الرواة، قال عياض: هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه، قلت: لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضًا، وأما الرأس فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتمدة، وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية، وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإِمام لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشد العقوبات، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم (١) وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر تبطل، وبه قال أحمد في رواية وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد.\nواختلف في معنى الوعيد المذكور، فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من متابعة الإِمام، وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معًا.\nوحمله آخرون على ظاهره إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك، والدليل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة حديث أبي مالك الأشعري، فإن فيه: \"ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة\"، ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد \"أن يحول الله رأسه رأس كلب\"، فهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار.\nومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا: فرأسه رأس حمار، وإنما قلت ذلك لأن الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك\n_________\n(١) في العمد، وأما على ظن أن الإِمام قام فلا، وأيًّا ما كان فيجب العود إلى المتابعة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>(٧٨) بَابٌ: فِيمَنْ يَنْصَرِفُ قَبْلَ الإِمَامِ</span>\n٦٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ بُغَيْلٍ الْمُرْهِبِىُّ (١)،\n===\nعند الفعل المذكور، فلا يحسن أن يقال: يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدًا مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة، انتهى ملخصًا.\nوالحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإِمام في الرفع من السجود، ويلتحق به الركوع لكونه في معناه، وأما المتقدم على الإِمام في الخفض للركوع والسجود، فقيل: يلتحق به من باب الأولى، لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصد، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإِمام في حديث آخر أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعًا: \"الذي يخفض ويرفع قبل الإِمام إنما ناصيته بيد الشيطان\"، انتهى كلام الحافظ.\nقلت: ولأجل ذلك عقد الباب أبو داود \"فيمن يرفع أو يضع قبله\"، فأدخل الوضع فيه أيضًا.\n\n(٧٨) (بَابٌ: فِيمَنْ يَنْصَرِفُ قَبْلَ الإمَامِ)\n٦٢٢ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا حفص بن بغيل) (٢) مصغرًا بفتح المعجمة الهمداني (المرهبي) بمضمومة وسكون راء وكسر الهاء، الكوفي، قال ابن حزم: مجهول، وقال ابن القطان: لا يعرف له حال، ولكن سكوت أبي داود عنه بعد تخريج حديثه يدلس على أنه غير المتكلم فيه، وقال في \"ميزان الاعتدال\" بعد نقل قول ابن القطان: قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذلك الرجل أو أخذ عمن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الدهني\"، ولم يتحقق لي كونه دهنيًا، قلت: قال ابن رسلان: وفي عبد القيس: دهن بن عذرة، وفي بجيلة: دهن بن معاوية. (ش).\n(٢) تصغير بغل، حيوان معروف، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":555},{"text":"حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ\". [حم ٣/ ١٢٦، ك ١/ ٢١٨، ق ٢/ ١٩٢]\n===\nعاصره ما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي \"الصحيحين\" من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل.\n(ثنا زائدة، عن المختار بن فلفل) بفائين مضمومتين ولامين الأولى ساكنة، المخزومي، مولى عمرو بن حريث، وثَّقه كثيرون، وتكلم فيه أبو الفضل السليماني، فعده في رواة المناكير عن أنس مع أبان بن أبي عياش وغيره.\n(عن أنس أن النبي - ﷺ - حضهم) أي حثهم ورغبهم أي أصحابه (على الصلاة) أي على الصلوات المكتوبة كلها، أو على ملازمة صلاة الجماعة (ونهاهم) أي الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- (أن ينصرفوا) أي الصحابة (قبل انصرافه من الصلاة) أي يخرجوا من الصلاة، ويسلموا قبل خروجه وسلامه - ﷺ -، أو يقال: معناه (١) ينصرفوا من المسجد قبل انصرافه - ﷺ -، وهذا لأن النساء (٢) ينصرفن بعد فراغهن من الصلاة، فلو انصرف الرجال في ذلك الوقت لاختلط الرجال بالنساء فلذلك نهاهم.\nوقد روى البخاري عن أم سلمة: \"أن النساء في عهد رسول الله - ﷺ - كن إذا سلمن قمن، وثبت رسول الله - ﷺ - ومن صلَّى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله - ﷺ - قام الرجال\"، ولكن التأويل الأول أوفق بلفظ الحديث، نقل القاري الاحتمال الأول عن ميرك، والثاني عن الطيبي، ثم قال: قلت: ويحتمل أن يكون المراد من الانصراف قيام المسبوق قبل سلام الإِمام، فإنه عندنا حرام، وهذا أيضًا بعيد عن اللفظ.\n_________\n(١) وبه شرح الحديث ابن رسلان، ولم يذكر الاحتمال الأول، إلَّا أنه علل المنع بشركة المقتدي في دعاء الإِمام. (ش).\n(٢) ولأنه قد يقع السهو في الصلاة كما في قصة ذي اليدين، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":556},{"text":"(٧٩) بَابُ جُمَّاع أَثْوَابِ (١) مَا يُصَلَّى فِيهِ\n٦٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِى ثَوْبٍ\n===\n\n(٧٩) (بَابُ جُمَّاع أَثْوَابِ مَا يُصَلَّى (٢) فِيهِ)\nالجماع إما على وزن كتاب، قال في \"القاموس\": وجِماعُ الشيء جَمْعُه يقال: جِماعُ الخِباءِ الأخبيةُ أي جمعها؛ لأن الجِماعَ ما جَمَعَ عددًا، وقال في \"لسان العرب\": وفي الحديث: \"حَدِّثْني بكلمة تكون جماعًا فقال: اتق الله فيما تعلم\"، الجماع ما جمع عددًا أي كلمة تجمع كلمات، انتهى.\nوإما على وزن رمان، قال في \"القاموس\": وجُمَّاعُ الناس كرُمَّانٍ أخلاطُهم من قبائل شتى، ومن كل شيء مجتمع أصله، وكل من جمع وانضم بعضه إلى بعض، وحاصل معناه أن هذا الباب جامع لأحاديث وردت في أثواب المصلي، فكأنه بمنزلة الكتاب أو الأبواب في أثواب المصلي.\n٦٢٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - سئل (٣) عن الصلاة في ثوب\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أبواب\".\n(٢) بكسر اللام أو بفتحها، \"ابن رسلان\". أجاد ابن رشد في \"البداية\" (١/ ١١٥) الكلام على الثياب فقال: اتفقوا فبما أحسب على أن الهيئات من اللباس التي نهي عن الصلاة فيها مثل اشتمال الصماء وسائر ما ورد من ذلك، أن ذلك كله سد ذريعة أن لا تنكشف عورته، ولا أعلم أن أحدًا قال: لا تجوز صلاة على إحدى هذه الهيئات إن لم تنكثف عورته، وقد كان على أصول أهل الظاهر يجب ذلك، واتفقوا على أنه يجزئ من الرجل الصلاة في الثوب الواحد، وشذ قوم فقالوا: لا تجوز الصلاة مكشوف الظهر والبطن لنهيه ﵊ في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، سيأتي عن ابن العربي أربعة مذاهب، وفي \"الأوجز\" (٣/ ١٠٢): اتفقوا على أن ستر العورة فرض، وهل من شرط الصلاة؟ مختلف فيه، فقال مالك: سنَّة، والجمهور على الأول.\n(٣) لا يدرى اسم السائل، قاله ابن حجر، \"ابن رسلان\"، وفي \"القسطلاني\" كذا قال =","vol":"3","page":557},{"text":"وَاحِدٍ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟». [خ ٣٥٨، م ٥١٥، ن ٧٦٣، جه ١٠٤٧، حم ٢/ ٢٣٨، دي ١٣٧٠]\n٦٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ (١) مِنْهُ شَىْءٌ». [خ ٣٥٩، م ٥١٦، ن ٧٦٩، ق ٢/ ٢٣٨]\n===\nواحد) أي هل يجوز الصلاة في الثوب الواحد أم لا؟ (فقال النبي - ﷺ -: أو لكلكم ثوبان؟).\nحاصله: أنه إذا صلَّى رجل في ثوب واحد ساترًا عورته يكفيه ذلك إذا لم يقدر على غيره، وهذا أمر متفق عليه، ولكن الأفضل لمن كان عنده سعة وقدرة أن يصلي في ثوبين، وأما صلاة النبي - ﷺ - في ثوب واحد فكان تارة لعدم ثوب آخر، وتارة لبيان الجواز، كما قال جابر: \"ليراني الجهال مثلكم\".\n٦٢٤ - (حدثنا مسدد، ثنا سفيان، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: لا يصل) بصيغة النهي، وفي نسخة: \"لا يصلي\" بصيغة الخبر (أحدكم في الثوب الواحد (٢) ليس على منكبيه منه) أي من الثوب (شيء) المنكب بفتح ميم وكسر كاف: مجتمع رأس الكتف والعضد.\nقال الحافظ (٣): والمراد أنه لا يتزر في وسطه ويشد طرفي الثوب في\n_________\n= ابن حجر، لكن قال السرخسي الحنفي: إنه ثوبان. [انظر: \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٨)]. (ش).\n(١) وفي نسخة: \"منكبه\".\n(٢) وقد كان فيه الاختلاف قديمًا، فقال ابن مسعود: لا يصلي في الثوب الواحد وان كان أوسع ما بين السماء والأرض، \"القسطلاني\" (٢/ ١٥). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧١).","vol":"3","page":558},{"text":"٦٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، الْمَعْنَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِى ثَوْبٍ (١) فَلْيُخَالِفْ بِطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ». (٢). [خ ٣٦٠، حم ٢/ ٢٥٥]\n٦٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،\n===\nحقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن وإن كان ليس بعورة، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة، وقد حمل الجمهور هذا النهي (٣) على التنزيه، وعن أحمد (٤): لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه، فجعله من الشرائط، وعنه: تصح ويأثم، جعله واجبًا مستقلًا، وجمع الطحاوي بين أحاديث الباب بأن الأصل أن يصلي مشتملًا، فإن ضاق اتّزر، انتهى ملخصًا.\n٦٢٥ - (حدثنا مسدد، أنا يحيى) القطان، (ح: وحدثنا مسدد، ثنا إسماعيل) بن علية (المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن هشام بن أبي عبد الله) الدستوائي، (عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: إذا صلَّى أحدكم في ثوب) أي واحد وكان واسعًا (فليخالف بطرفيه) أي بطرفي الثوب (على عاتقيه) أي إن كان واسعًا يشده على عنقه، وإن كان أوسع ولا تحتمل كشف العورة فيلقيه على عواتقه.\n٦٢٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن يحيى بن سعيد،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الثوب\".\n(٢) وفي نسخة: \"عاتقه\".\n(٣) قال ابن رسلان: ظاهره التحريم، لكن الإِجماع منعقد على جواز تركه، وقال أيضًا: اختلفوا في جواز صلاة منكشف المنكب فتصح عند الثلاثة، وقالوا: يكره تنزيهًا، ويجب ستره عند أحمد لمن قدر عليه. (ش).\n(٤) وبعض السلف، قاله ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":559},{"text":"عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفًا مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ\". [خ ٣٥٤، م ٥١٧، ت ٣٣٩، ن ٧٦٤، حم ٤/ ٢٦ - ٢٧، خزيمة ٧٦١، حب ٢٢٩٢]\n٦٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَبِىِّ (١) -ﷺ- فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، مَا تَرَى فِى الصَّلَاةِ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: فَأَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِزَارَهُ طَارَقٌ بِهِ رِدَاءَهُ، فَاشْتَمَلَ بِهِمَا،\n===\nعن أبي أمامة بن سهل، عن عمر بن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، أبو حفص المدني، ربيب النبي - ﷺ -، أمه أم سلمة أم المؤمنين، صحابي (٢) صغير، أمَّره علي -رضي الله تعالى عنه - على البحرين. (٣)\n(قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في ثوب واحد ملتحفًا) أي مشتملًا ومتوشحًا (مخالفًا بين طرفيه على منكبيه) أي واضعًا طرفيه على منكبيه.\n٦٢٧ - (حدثنا مسدد، ثنا ملازم بن عمرو الحنفي، ثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه) طلق بن علي الحنفي، (قال: قدمنا على (٤) النبي - ﷺ - فجاء رجل فقال: يا نبي الله - ﷺ - ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟) أي هل يجوز ذلك أم لا؟ (قال) أي طلق: (فأطلق) أي حل (رسول الله - ﷺ - إزاره طارق) أي طبق، وفي نسخة: \"طابق\" (به) أي بالإزار (رداءه) أي جمع أحدهما فوق الآخر (فاشتمل بهما) أي بالإزار\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نبي الله\".\n(٢) ولد بأرض الحبشة سنة ٨ هـ، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٣٤٤) رقم (٣٨٣٦).\n(٤) وهو يعمل في بناء المسجد، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":560},{"text":"ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا نَبِىُّ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا أَنْ قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟». [حم ٤/ ٢٢، ق ٢/ ٢٤٠]\n\n(٨٠) بَابُ الرَّجُلِ يَعْقِدُ الثَّوْبَ في قَفَاهُ ثُمَّ (١) يُصَلِّي\n٦٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: \"لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ\n===\nوالرداء (ثم قام فصلَّى بنا نبي الله - ﷺ -، فلما أن قضى الصلاة) أي أتمها (قال: أو كلكم يجد ثوبين؟).\nوحاصل الجواب: أنه يكفي للرجل في الصلاة ثوب واحد، فإن قلت: كان على رسول الله - ﷺ - ثوبان طابق بهما، وكان السؤال عن ثوب واحد، فلا يطابق الجواب السؤال، نعم لو وضع رسول الله - ﷺ - رداءه وصلَّى في إزار لكان الجواب موافقًا للسؤال، قلت: لما جمع بين الثوبين وطبق بينهما فصارا كثوب واحد، ووافق الجواب السؤال.\n\n(٨٠) (بَابُ الرَّجُلِ يَعْقِدُ الثَّوْبَ)\nأي: إزاره (في قَفَاهُ) أي: على قفاه (ثُمَّ يُصَلِّي) أي في ذلك الإزار\n٦٢٨ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي حازم) سلمة بن دينار، (عن سهل بن سعد قال) سهل: (لقد رأيت الرجال) اللام فيه للعهد أي بعضهم، وهم أهل الصفة، وقال الحافظ (٢): اللام فيه للجنس، فهو في حكم النكرة لأن التنكير فيه للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"و\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٣).","vol":"3","page":561},{"text":"عَاقِدِى أُزُرِهِمْ فِى أَعْنَاقِهِمْ مِنْ ضِيقِ الأُزُرِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى الصَّلَاةِ كَأَمْثَالِ الصِّبْيَانِ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ\". [خ ٣٦٢، م ٤٤١، ن ٧٦٦]\n===\n(عاقدي) صيغة جمع لعاقد، حذفت النون للإضافة (أزرهم) بضم الهمزة وبضم الزاي وسكونها، جمع الإزار، ككتاب وكتب، وحمار وحمر، والإزار معروف (في أعناقهم) أي على أعناقهم كما في رواية البخاري (من ضيق الأزر) أي من أجل قصرها،لأنه لو كان واسعًا لأمكن لهم أن يلقوا طرفيها على مناكبهم، قال في \"الفتح\": ويؤخذ منه أن الثوب إذا أمكن الالتحاف به كان أولى من الاتزار، لأنه أبلغ في التستر.\n(خلف رسول الله - ﷺ - في الصلاة) أي مقتدين به - ﷺ - كأمثال الصبيان) وفي رواية البخاري: كهيئة الصبيان، أي كما يعقد الصبيان أزرهم على قفاهم.\n(فقال قائل) وفي رواية البخاري: \"وقال\"، قال الكرماني: وفاعل قال هو النبي-صلي الله عليه وسلم-، فكأن النبي - ﷺ - أمر من يقول لهن ذلك، والغالب على الظن أنه بلال (يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن) أي من السجود (حتى يرفع الرجال) أي رؤوسهم من السجود، وفي رواية البخاري: \"حتى يستوي الرجال جلوسًا\".\nقال في \"الفتح\": وإنما نهى النساء عن ذلك لئلا يلمحن (١) عند رفع رؤوسهن من السجود شيئًا من عورات الرجال بسبب ذلك عند نهوضهم، ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل.\n_________\n(١) واستدل به على أن ترك المستحب أولى من فعل المحظور، لأن متابعة الإِمام مستحب، كذا في \"القسطلاني\" (٢/ ٢٣). (ش).","vol":"3","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>(٨١) باب الرَّجُلِ يُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَى غَيْرِهِ</span>\n٦٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَىَّ\". [حم ٦/ ٧٠ - ٢٥١، وانظر الحديث رقم ٣٧٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>(٨٢) بَابٌ: في الرَّجُلِ يُصَلِّي في قَمِيصٍ وَاحِدٍ</span>\n===\n\n(٨١) بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي في ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُه عَلَى غيْرِهِ\n٦٢٩ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام بن عبد الملك، (ثنا زائدة، عن أبي حصين) بفتح المهملة وكسر الصاد، قال الأزدي في \"المؤتلف والمختلف\": وحصين بفتح الحاء المهملة، أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي، سمع من ابن عباس والشعبي وأبي صالح وغيرهم، وفي \"المغني\": وحصين كله فيهما بمضمومة وفتح مهملة إلَّا أبا حصين عثمان بن عاصم بمفتوحة وكسر مهملة، هو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي.\n(عن أبي صالح) السمان، (عن عائشة) - ﵂ - (أن النبي - ﷺ - صلَّى في ثوب واحد بعضه علي) ولعله هذا الثوب كان رداء أو كساء، والظاهر أنه - ﷺ - كان يصلي قاعدًا، وكان زمن شتاء، فكان بعض الثوب عليه وبعضه على عائشة، ويمكن أن يكون الثوب واسعًا، وكان يصلي قائمًا، فكان عليه بعضه وعلى عائشة -﵂ - بعضه.\n\n(٨٢) (بَابٌ (١): في الرَّجُلِ يُصَلِّي في قَمِيصٍ وَاحِدٍ)\nهل يجوز ذلك أم لا؟\n_________\n(١) بوب الترمذي \"الصلاة في الثوب الواحد\"، وأجاد ابن العربي الكلام على فقه الحديث، وذكر أربعة مذاهب في كون ستر البدن من فروض الصلاة، ثم قال: هذا باب أتقنه أبو داود ولم يتقنه أبو عيسى، وأكمله البخاري. [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١٣٦ - ١٣٧)]. (ش).","vol":"3","page":563},{"text":"٦٣٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى رَجُلٌ أَصِيدُ\n===\n٦٣٠ - (حدثنا القعنبي، ثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد-) الضمير في يعني يرجع إلى القعنبي، وإنما زاد لفظ يعني، لأن لفظ ابن محمد لم يكن من القعنبي، ولو لم يزد لفظ يعني لتوهم أن القعنبي قال: ثنا عبد العزيز بن محمد.\n(عن موسى بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، قال في \"الميزان\": روى عن سلمة بن الأكوع، وعنه الدراوردي في زر الثوب ولو بشوكة، قال البخاري: في هذا الحديث نظر، وقال أبو داود: ضعيف، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في الكتابين (أي: د، س) حديثه عن سلمة بن الأكوع في الصلاة في القميص، قال أبو داود: موسى ضعيف، وهو موسى بن محمد بن إبراهيم، وقال أبو حاتم: موسى بن إبراهيم هذا غير موسى بن محمد بن إبراهيم، قلت: وفرق البخاري أيضًا بين موسى بن إبراهيم المخزومي وبين موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، انتهى.\nقلت: كأنه إشارة إلى أن صاحب \"الميزان\" وهم في نقله التضعيف عن البخاري وأبي داود إياه.\n(عن سلمة بن الأكوع قال) أي سلمة: (قلت: يا رسول الله - ﷺ - إني رجل أصيد) صيغة متكلم من صاد يصيد أي أخرج للصيد، وقال بعضهم: هو أصيد على وزن أفعل الصفة كأحمر، وهو من في رقبته علة لا يمكن الالتفات معها، ويرده ما ورد في هذه الرواية من لفظ أحمد والنسائي: \"قال: قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد\"، ويرده أيضًا ما نقله الحافظ عن ابن حبان من طريق الدراوردي عن سلمة بن الأكوع: \"قال: قلت: يا رسول الله إني رجل أتصيد\"،","vol":"3","page":564},{"text":"أَفَأُصَلِّى فِى الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». [ن ٧٦٥، حم ٤/ ٤٩، خزيمة ٧٧٧، ق ٢/ ٢٤٠، ك ١/ ٢٥٠، حب ٢٢٩٤]\n٦٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ، عَنْ (١) إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِى حَوْمَلٍ الْعَامِرِىِّ\n===\nوإنما ذكر الصيد لأن الصائد يحتاج أن يكون خفيفًا ليس عليه ما يشغله عن الإسراع في طلب الصيد.\n(فأصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم) أي صل فيه، (وازرره) أي شد القميص واجمع بين طرفيه لئلا تبدو العورة (ولو بشوكة) أي ولو لم يكن ذلك إلَّا بأن يغرز في طرفيه شوكة يستمسك بها، ونقل القاري (٢) عن الطيبي: هذا إذا كان حبيب القميص واسعًا يظهر منه عورته، فعليه أن يزره لئلا يكشف العورة، وفي شرح \"المنية\" (٣): أفتى بعض المشايخ بأنه إذا رأى عورته تفسد صلاته (٤)، وهو ظاهر (٥) الحديث.\n٦٣١ - (حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع، ثنا يحيى بن أبي بكير، عن إسرائيل، عن أبي حومل (٦) العامري) قال في \"التهذيب\": ويقال: أبو حرمل العامري عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، ومحمد بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثنا\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٣٤).\n(٣) (ص ٢١٤).\n(٤) ومال صاحب \"المراقي\" والطحطاوي إلى عدم الفساد. (انظر: \"مراقي الفلاح\" ص ١٤١). (ش).\n(٥) وبه جزم ابن رسلان، وقال القسطلاني: إذا رأى عورته لا تفسد عند الحنفية، وتفسد عند الشافعية، وبالفساد جزم شارح \"الإِقناع\" (١/ ٢١١)، وذكر الدسوقي المالكي الخلاف فيما بينهم، ومذهب أحمد في ذلك يوافق الشافعي، كما في \"المغني\" (٢/ ٢٩٥). (ش).\n(٦) بفتح الحاء المهملة وإسكان الواو وفتح الميم، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":565},{"text":"- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَا قَالَ، وَهو أَبُو حَرْمَلٍ (١) - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ،\n===\nعبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، وعنه إسرائيل بن يونس، قلت: جهله ابن القطان، وأشار أبو داود إلى ترجيح كونه بالراء (قال أبو داود: وكذا قال) أي شيخي (٢) محمد بالواو (وهو أبو حرمل) أي بالراء، وفي نسخة: والصواب بالراء.\n(عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر) قال في \"تهذيب التهذيب\" (٣): محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي الجمحي، أبو الثورين بفتح المثلثة على التثنية، ويحتمل أن يكون هو الذي روى له أبو داود من رواية أبي حومل العامري عنه عن أبيه عن جابر، ولفظ المزي في ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر: حجازي، قاله إسرائيل عن أبي حومل عنه، روى له أبو داود هذا الحديث الواحد، ولا وجدنا له ذكرًا في كتب المحدثين.\nوأما أبو الثورين فذكره أبو أحمد الحاكم في \"الكنى\"، وقال: قيل فيه: أبو السوار بالمهملة وتشديد الواو، وذكر البخاري ومن تبعه بأن من قال فيه ذاك فقد وهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ثم قال: وليس هو محمد بن عبد الرحمن الذي يكنى أبا غزارة، فذاك ضعيف، لا يحتج به.\nونقل الخطيب في \"الموضح\" عن الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن عبد الرحمن القرشي أبو الثورين، ويقول سفيان بن عيينة: عن أبي الثورين، ويقول حماد بن سلمة: عن القرشي، ويقول شعبة: عن أبي السوار، قال يعقوب بن سفيان: إن لم يكن خطأ فله كنيتان: أبو الثورين وأبو السوار.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"العامري\".\n(٢) وقال ابن رسلان: أظنه إسرائيل. (ش).\n(٣) (٩/ ٢٩٢).","vol":"3","page":566},{"text":"عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"أَمَّنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِى قَمِيصٍ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى فِى قَمِيصٍ\" (١). [ق ٢/ ٢٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>(٨٣) بَابٌ: إِذَا كَانَ ثَوْبًا ضَيِّقًا </span>(٢)\n٦٣٢ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ\n===\n(عن أبيه) ذكر في \"تهذيب التهذيب\" (٣) في ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر: حجازي، قال: أمنا جابر بن عبد الله في قميص، قاله إسرائيل عن أبي حرمل العامري، وعنه أبو حرمل، وقد خلطه بعضهم بالمليكي، وهو وهم، فإن هذا أقدم من المليكي، وليس للمليكي رواية عن أحد من الصحابة.\n(قال) أي عبد الرحمن: (أمنا) أي صلَّى بنا إمامًا (جابر بن عبد الله في قميص ليس عليه رداء، فلما انصرف قال: إني رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في قميص).\nومطابقة الحديث بالباب يظهر في قوله: \"في قميص ليس عليه رداء\"، فأما أنه لم يكن عليه إزار أو كان، فالحديث عنه ساكت، والظاهر من صنيع أبي في داود في عقد الباب أنه فهم منه أن جابر بن عبد الله كان يصلي في قميص واحد لم يكن عليه غيره لا إزار ولا رداء، قلت: وما نقل صاحب \"عون المعبود\" (٤) عن المنذري بأنه قال: عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو المليكي، لا يحتج بحديثه إلى آخر ما قال، رده في \"تهذيب التهذيب\".\n\n(٨٣): (بَابٌ: إِذَا كَانَ ثَوْبًا ضَيِّقًا) كيف يصلي فيه؟\n٦٣٢ - (حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود كذا قال، والصواب أبو حرمل\".\n(٢) وفي نسخة: \"ثوب ضيق\"، وفي نسخة: \"الثوب ضيقًا\".\n(٣) (٦/ ١٤٧ - ١٤٨).\n(٤) (٢/ ٣٣٧).","vol":"3","page":567},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١) وَيَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ السِّجِسْتَانِىُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ -، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرًا - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ: سِرْتُ مَعَ رسول الله -ﷺ- فِى غَزْوَةٍ، فَقَامَ يُصَلِّى، وَكَانَتْ عَلَىَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ لِى، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا،\n===\nعبد الرحمن ويحيى بن الفضل السجستاني قالوا: ثنا حاتم- يعني ابن إسماعيل-، ثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة) بفتح أوله وسكون الزاي بعدها راء، (عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال) أي عبادة بن الوليد: (أتينا جابرًا- يعني) أي عبادة بجابر (ابن عبد الله-) الصحابي، (قال) أي جابر: (سرت مع رسول الله - ﷺ - في غزوة) أي في غزوة بطن (٢) بواط كما هو مصرح في رواية مسلم.\n(فقام يصلي) أي رسول الله - ﷺ - (وكانت عليّ بردة) أي غير واسعة (ذهبت) أي شرعت (أخالف بين طرفيها) أي ألقي جانبها الأيمن على المنكب الأيسر، والجانب الأيسر على المنكب الأيمن (فلم تبلغ لي) أي لم تبلغ تلك البردة ما أردت منها، بل يسقط طرفاها عن المناكب لصغرها، (وكانت لها) أي للبردة (ذباذب) أي الأهداب، واحدها ذبذب بكسر الذالين (فنكستها) بتخفيف (٣) الكاف وتشديدها أي قلبتها، الضمير إلى البردة أو إلى الذباذب.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الدمشقي\".\n(٢) وهي في ربيع الأول سنة ٢ هـ، يريد قريشًا، ولم يلق كيدًا، فرجع، كذا في \"المجمع\" (٥/ ٢٥٨)، وذكر هذه القصة في حديث جابر الطويل في آخر \"الصحيح\" لمسلم برقم (٣٠٠٨). (ش).\n(٣) به جزم ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":568},{"text":"ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا لَا تَسْقُطُ، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخَذَ بِيَدِى فَأَدَارَنِى حَتَّى أَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَ ابْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ.\nقَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَرْمُقُنِى وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ، فَأَشَارَ إِلَىَّ أَنْ أتَّزِرَ بِهَا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَا جَابِرُ؟» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ\n===\n(ثم خالفت بين طرفيها) أي جعلت طرفي البردة يساره إلى اليمين واليمين إلى اليسار، (ثم تواقصت عليها) أي انحنيت عليها لأمسكها بذقني (لا تسقط، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله - ﷺ -، فأخذ) أي رسول الله - ﷺ - (بيدي فأدارني) أي حولني عن خلف ظهره (حتى أقامني عن يمينه، فجاء ابن صخر) واسمه جبار (١) (حتى قام) أي جبار (عن يساره) أي رسول الله - ﷺ - (فأخذنا بيديه جميعًا) وفي رواية مسلم: \"فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا\" (حتى أقامنا (٢) خلفه، قال) أي جابر: (وجعل رسول الله - ﷺ - يرمقني) أي ينظر إليّ نظرًا متتابعًا طويلًا (وأنا لا أشعر) أنه - ﷺ - يرمقني، (ثم فطنت به، فأشار) أي رسول الله - ﷺ - (إليّ أن اتزر (٣) بها) أي شدها مثل الإزار، وفي رواية مسلم: \"فقال: هكذا بيده\"، يعني شد وسطك.\n(فلما فرغ رسول الله - ﷺ - قال: يا جابر؟ قلت: لبيك يا رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) وقد كان النبي صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم أرسل جابرًا وجبار بن صخر لتهيئة الماء في المنزل، كذا في \"الفتح\" (١/ ٤٧٢). (ش).\n(٢) فيه حجة على أنه ينبغي للمقتدي أن يتأخر، وإلَّا فيؤخره الإِمام ولا يتقدم هو، لأنه متبوع، وقيل: هو الأولى، لأنه يبصر قدامه، وهذا كله إذا لا يتعين أحدهما لضيق المقام، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) نص الزمخشري على خطأ الإِدغام، وقال: الصواب: ائتزر بهمزتين، وحاول ابن المالك الجواز للسماع، \"ابن رسلان\"، وتقدم أيضًا في هامش \"باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع\". (ش).","vol":"3","page":569},{"text":"قَالَ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ». [م ٣٠١٠، ق ٢/ ٢٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>(٨٤) بَابُ الإسْبَالِ في الصَّلَاةِ</span>\n٦٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ،\n===\nقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا كان) أي البردة بتأويل الثوب (واسعًا فخالف) بصيغة الأمر (بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدده على حقوك) بكسر الحاء وفتحها معقد الإزار، أي اتزر بها.\n\n(٨٤) (بَابُ الإسْبَالِ في الصَّلَاةِ)\nأي: جر الثوب وإرخاؤه في الصلاة\n٦٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبان) العطار، (ثنا يحيى) بن أبي كثير، (عن أبي جعفر) قال في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة أبي جعفر: الأنصاري المدني المؤذن، روى عن أبي هريرة، وعنه يحيى بن أبي كثير، قال الترمذي: لا يعرف اسمه، وقال الدارمي: أبو جعفر هذا رجل من الأنصار، وبهذا جزم ابن القطان، وقال: إنه مجهول، وقال ابن حبان في \"صحيحه\": هو محمد بن علي بن الحسين، قلت: وليس هذا بمستقيم، لأن محمد بن علي لم يكن مؤذنًا، ولأن أبا جعفر هذا قد صرح بسماعه من أبي هريرة في عدة أحاديث، وأما محمد بن علي بن حسين فلم يدرك أبا هريرة، فتعين أنه غيره، وفي \"مصنف ابن أبي شيبة\" بسنده عن أبي جعفر الأنصاري قال: دخلت مع المصريين على عثمان، فلما ضربوه خرجت أشتد، إلى آخر القصة، وبه عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن أبي جعفر الأنصاري قال: رأيت أبا بكر الصديق ولحيته ورأسه كأنهما جمر الغضا، وقد فرق أبو أحمد الحاكم بين هذا وبين الراوي عن أبي هريرة، وأظنه هو، وعنه أبو داود في الصلاة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر غير منسوب عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، وأظنه هذا، انتهى.","vol":"3","page":570},{"text":"عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلِّى مُسْبِلًا إِزَارَهُ إِذْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ»، فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ»، فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ أَنَّ يَتَوَضَّأَ (١)؟ قَالَ (٢): «إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّى وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ جل (٣) ذكرُهُ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ». [حم ٤/ ٦٧، ق ٢/ ٢٤١]\n===\nقلت: وهذ الكلام يدل على أن أبا جعفر الذي أدرك عليًا وعثمان وأبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهم- هو هذا المؤذن المدني الأنصاري، وأما في \"التقريب\" فقد ذكر ترجمته، فقال: أبو جعفر المدني المؤذن، مقبول، من الثالثة، ومن زعم أنه محمد بن علي بن الحسين، فقد وهم.\nثم ترجم فقال: أبو جعفر الأنصاري الآخر أكبر من هذا، أدرك أبا بكر الصديق، روى عنه ثابت بن عبيد، من الثانية، وهذا يدل على أنهما متغايران، ولم يتعين لهم تحقيقًا أن أبا جعفر هذا من هو، والله أعلم.\n(عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: بينما رجل يصلي مسبلًا إزاره) آي مرخيًا عن الحدّ الشرعي، وهو الكعبان (إذ قال له رسول الله - ﷺ -: اذهب فتوضأ، فذهب فتوضأ ثم جاء) أي الرجل، (ثم قال) أي رسول الله - ﷺ - للرجل: (اذهب فتوضأ فذهب) الرجل (فتوضأ ثم جاء) فكأنه جاء غير مسبل إزاره.\n(فقال له) أي لرسول الله - ﷺ - (رجل) لم يعرف اسمه: (يا رسول الله - ﷺ - مالك أمرته أن يتوضأ؟) والحال أنه متوضئ طاهر، ما صدر منه ما ينقض وضوءه (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإنّ الله جلَّ ذكره لا يقبل) أي قبولًا كاملًا (صلاة رجل مسبل إزاره).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثم سكت عنه\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) وفي نسخة: \"تعالى\".","vol":"3","page":571},{"text":"٦٣٤ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِى عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ أَسْبَلَ إِزَارَهُ فِى صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ،\n===\nظاهر جوابه ﵇ أنه إنما أمره بإعادة الوضوء- والله أعلم- أنه لما كان يصلي وما تعلق القبول الكامل بصلاته، والطهارة من شرائط الصلاة وأجزائها الخارجية، فسرى عدم القبول إلى الطهارة أيضًا، فأمره بإعادة الطهارة حثًا على الأكمل والأفضل، فقوله: يصلي، أي يريد الصلاة، فالأمر بالوضوء قبل الصلاة، هكذا قال القاري، ونقل عن الطيبي: قيل: لعل السر في أمره بالتوضؤ، وهو طاهر، أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر، فيقف على ما ارتكبه من المكروه، وأن الله ببركة أمر رسوله ﵇ إياه بطهارة الظاهر يطهر باطنه من دنس الكبر، لأن طهارة الظاهر مؤثرة في طهارة الباطن (١)، انتهى، وأخرج المصنف هذا الحديث بهذا السند في كتاب اللباس.\n٦٣٤ - (حدثنا زيد بن أخزم) بمعجمتين، الطائي النبهاني، أبو طالب البصري الحافظ، وثَّقه أبو حاتم والنسائي والدارقطني، ذبحه الزنج سنة ٢٥٧ هـ، (ثنا أبو داود) الطيالسي، (عن أبي عوانة، عن عاصم) الأحول، (عن أبي عثمان) النهدي، هو عبد الرحمن بن مل بميم مثلثة ولام ثقيلة، أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يلقه، ثم سكن الكوفة ثم البصرة، قال ابن المديني: هاجر إلى المدينة بعد موت أبي بكر، ووافق استخلاف عمر، لم يقع الاختلاف في توثيقه، عاش ثلاثين ومئة سنة، وقيل: أربعين ومئة.\n(عن ابن مسعود قال) أي عبد الله بن مسعود: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أسبل) أي أرخى وأرسل (إزاره في صلاته (٢) خيلاء) (٣) أي تبخترًا\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٣٤).\n(٢) قال النووي في \"المجموع\" (٣/ ١٧٩): ومذهبنا أن السدل في الصلاة وغيرها سواء، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (٣/ ١٧٠): إسبال الثوب خارج الصلاة إن كان =","vol":"3","page":572},{"text":"فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ جل ذكره فِى حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ». [ن ٩٦٨٠ الكبرى]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا جَمَاعَةٌ، عَنْ عَاصِمٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو الأَحْوَصِ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ.\n===\n(فليس من الله جلَّ ذكره في حل ولا حرام).\nقال في \"الحاشية\" (١): أي في أن يجعله في حل من الذنوب، ولا في أن يمنعه ويحفظه من سوء الأعمال، أو في أن يحل له الجنة، أو في أن يحرم عليه النار، أو ليس هو في فعل حلال ولا له احترام عند الله تعالى، انتهى.\nقلت: ويحتمل أن يكون معناه أن من يفعل ذلك اختيالًا، فكأنه مستحل للاختيال، فليس له من الله تعلق في حكم من الحلال والحرام، كأنه خرج من أحكام الشريعة، قاله تشديدًا وتغليظًا.\n(قال أبو داود: روى هذا جماعة عن عاصم موقوفًا على ابن مسعود، منهم حماد (٢) بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص وأبو معاوية) (٣)، وقد تتبعت الكتب فلم أجد رواية هؤلاء الذين رووها موقوفًا، إلَّا ما أخرج الطيالسي (٤) عن أبي عوانة وثابت أبي زيد عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن ابن مسعود، رفعه أبو عوانة، ولم يرفعه ثابت: أنه رأى أعرابيًا عليه شملة نشر ذيلها، وهو يصلي، فقال له: \"إن الذي يجر ذيله من الخيلاء في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام\".\n_________\n= لأجل الاختيال يكره، وإن لم يكن للاختيال لا يكره، وكرهه البعض مطلقًا في الصلاة وغيرها للاختيال وغيرها، والبسط في \"الأوجز\" (١٦/ ١٨٠).\n(١) وقال ابن رسلان: أي لا يؤمن بحلال ولا حرام، قال النووي: معناه: قد برئ من الله وفارق دينه. (ش).\n(٢) قد أخرج روايته الطبراني في \"الكبير\" (٩٣٦٨).\n(٣) قد أخرج روايته هناد في \"الزهد\" (٢/ ٤٣٢) رقم (٨٤٦).\n(٤) \"مسند أبي داود الطيالسي\" (٣٤٩).","vol":"3","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>(٨٥) باب مَنْ قَالَ: يَتَّزِرُ بِهِ إِذَا كَانَ ضَيِّقًا</span>\n٦٣٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوْ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إِذَا كَانَ لأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَلْيَتَّزِرْ بِهِ، وَلَا يَشْتَمِلِ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ». [حم ٢/ ١٤٨]\n===\n(٨٥) (بَابُ مَن قَالَ: يَتَّزِرُ بِهِ) أي بالثوب (إِذَا كَانَ ضَيِّقًا) وهذا الباب مكرر، فإنه قد تقدم \"باب إذا كان ثوبًا ضيقًا\"، ولكن لما لم يكن في الحديث الذي ذكر ذكر الاتزار، بل ذكر فيه بلفظ: \"فاشدده على حقوك\"، وفي هذا الباب ذكر الاتزار، فلذلك جعله بابين باعتبار اختلاف ألفاظ الحديث\n٦٣٥ - (حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -، أو) للشك من بعض الرواة (قال) ابن عمر: (قال عمر) حاصله أنه وقع الشك لبعض الرواة في أن ابن عمر - ﵁ - رفعه إلى النبي - ﷺ-، أو رواه عن أبيه عمر موقوفًا عليه.\n(إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن) عنده (إلَّا ثوب واحد) أي قصير ضيق (فليتزر به) أي فليشده مثل الإزار (ولا يشتمل اشتمال اليهود) نقل في \"الحاشية\" عن الخطابي: هو أن يجلل بدنه بالثوب ويسبله من غير أن يسبل (١) طرفه، فأما اشتمال (٢) الصماء فهو أن يجلل بدنه الثوب، ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر.\n_________\n(١) كذا في الحاشية، وفي أصل الخطابي: \"يشيل\" بالشين المعجمة والتحتية أي يرفع. (ش).\n(٢) وجعلهما البغوي واحدًا. \"ابن رسلان\"، وذكر الاختلاف في تفسيره في \"المغني\" (٢/ ٢٩٦)، وعلى الاختلاف في تفسيره اختلفوا في علة النهي، فعلى الأول لما فيه من التَّشَبُّه باليهود، ولأنه لا يستطيع دفع الهوام عن نفسه، فيلحقه الضرر، بل الأوجه لا يستطيع رفع اليدين ووضعهما وبسطهما في السجود، وعلى الثاني لاحتمال كشف العورة. (ش).","vol":"3","page":574},{"text":"٦٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِىُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنِيبِ عُبَيْدُ اللَّهِ (١) الْعَتَكِىُّ،\n===\n٦٣٦ - (حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، ثنا سعيد بن محمد) بن سعيد الجرمي بجيم مفتوحة وراء ساكنة، أثنى عليه ابن نمير وابن أبي شيبة، وقال أحمد وابن معين: صدوق، وقال أبو داود: ثقة، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(ثنا أبو تميلة) يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم، المروزي الحافظ، قال النسائي وابن معين وأحمد: ليس به بأس، وأيضًا عن ابن معين والنسائي وكذا ابن سعد وأبو حاتم: ثقة، وقال أبو حاتم: أدخله البخاري في \"الضعفاء\"، وقال صالح جزرة: ثقة في الحديث، وكان محمود الرواية، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وقال في \"الميزان\": وقد وهم أبو حاتم إذ زعم أن البخاري تكلم فيه وذكره في \"الضعفاء\"، ولم أر ذلك، ولا كان ذلك، فإن البخاري قد احتج به، ولولا أن ابن الجوزي أورده في \"الضعفاء\" لما أوردته.\n(ثنا أبو المنيب عبد الله العتكي) هكذا في جميع النسخ الموجودة، إلَّا النسخة التي على \"عون المعبود\"، فإن فيها: \"أبو المنيب عبيد الله العتكي\" وهو الصحيح، لأنه هكذا مصغرًا ذكره في \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\" و\"الخلاصة\"، قال البخاري: عنده مناكير، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال البيهقي: لا يحتج به، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات، وقال النسائي في موضع: ضعيف، وقال ابن الدورقي وغيره عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال عباس بن مصعب: رأى أنسًا، وهو ثقة، وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به، وعن أبي داود: ليس به بأس، وقال النسائي في موضع: ثقة، وقال أبو عبد الله: مروزي ثقة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عبيد الله\".","vol":"3","page":575},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُصَلِّى فِى لِحَافٍ لَا يَتَوَشَّحُ بِهِ، وَالآخَرُ أَنْ يُصَلِّى فِى سَرَاوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ رِدَاءٌ. [ق ٢/ ٢٣٦، ك ١/ ٢٥٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>(٨٦) بَابٌ: في كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ</span>؟\n٦٣٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ زيدِ بْنِ قُنْفُذٍ،\n===\n(عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) أي بريدة بن الحصيب (قال) أي بريدة: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلي) أي الرجل (في لحاف لا يتوشح (١) به) ككتاب ما يلتحف به ويتغشى (والآخر) أي والحكم الآخر معطوف على المقدر، كأنه قال بريدة: الحكم الأول نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلي في لحاف، والحكم الآخر نهى (أن يصلي في سراويل وليس عليه رداء (٢» والسراويل معروف، قال في \"القاموس\": فارسية معربة، وقد تذكر، جمعه سراويلات أو جمع سِرْوَال وسِرْوَالة وسِرويل بكسرهن، والسَّراوين بالنون لغة، والشِّروال بالشين لغة.\n\n(٨٦) (بَابٌ (٣): في كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ؟)\nأي: من الثياب\n٦٣٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن زيد بن قنفذ)\n_________\n(١) حكى ابن عبد البر عن الأخفش أن التوشح أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى، فيلقيه على منكبه الأيمن، ويلقي الطرف الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: لأنه تصف الأعضاء، ولا يتجافى البدن، فهذه العلة تنفي القمص الشائعة عند جهلة هذا الزمان، ثم قال: فإن كان الثوب واحدًا فالإِزار أولى، لأنه لا يصف البدن. وقال ابن عابدين (٩/ ٦٠٤): رؤية الثوب بحيث يصف حجم العضو ممنوعة، ولو كثيفة لا ترى البشرة منه، لكن في \"الطحطاوي على المراقي\" (ص ١٢١): لا يضر تشكل العورة بالتصاق الساتر الضيق. (ش).\n(٣) قال ابن قدامة: يستحب أن تصلي في ثلاثة أثواب، وبه قال الشافعي. [انظر: \"المغني\" (٢/ ٢٩٤)]. (ش).","vol":"3","page":576},{"text":"عن أُمّهِ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ: \"مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَاب؟ فَقَالَتْ: تُصَلِّي في الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ الَّذِي يُغَيِّبُ (١) ظُهُورَ قَدَمَيْهَا\". [ط ١/ ١٤٢/ ٣٦، ق ٢/ ٢٣٢، ك ١/ ٢٥٠]\n===\nهو محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ بضم القاف (٢) والفاء بينهما نون ساكنة، وأمه أم حرام، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو داود والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: يحتج به، وعُمِّر حتى بلغ مئة سنة.\n(عن أمه) أم حرام، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": أم حرام والدة محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، عن أم سلمة في الصلاة في الدرع، وعنها ابنها، قلت: ذكر ابن بشكوال أن اسمها آمنة، انتهى، وقال الذهبي في \"الميزان\": لا تعرف.\n(أنها) أي أم حرام (سألت أم سلمة: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الخمار) وهو المقنعة، قال في \"لسان العرب\": والخمار للمرأة وهو النصيف، وقيل: الخمار ما تغطي به المرأة رأسها، وجمعه أَخْمِرَةٌ وخُمْرٌ وخُمُرٌ (والدرع) قال في \"لسان العرب\": درع المرأة قميصها، وفي \"التهذيب\": الدرع ثوب تَجُوْبُ المرأةُ وسطَه، وتجعلُ له يدين، وتخيط فَرَجَيْهِ (السابغ) أي الواسع الطويل (الذي يغيب) أي يغطي ويستر (ظهور قدميها) (٣) أي المرأة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يغطي\".\n(٢) والذال المعجمة، وقد تفتح الفاء تخفيفًا. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال ابن قدامة (٢/ ٣٢٦): أجمعوا على أن للمرأة كشف وجهها في الصلاة، واختلفوا في الكفين، وقال أبو حنيفة: القدمان ليسا من العورة، وقال مالك والشافعي والجمهور: إنه لا يجوز لها إلَّا كشف الوجه والكفين، قلت: وللحنفية في القدم ثلاث روايات تأتي قريبًا. (ش).","vol":"3","page":577},{"text":"٦٣٨ - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ دِينَارٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِىَّ -ﷺ-: \"أَتُصَلِّى الْمَرْأَةُ فِى دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّى ظُهُورَ قَدَمَيْهَا». [ق ٢/ ٢٣٣، ك ١/ ٢٥٠]\n===\n٦٣٨ - (حدثنا مجاهد بن موسى، ثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي البصري، أصله من نجار، أوثقه أحمد وابن معين وابن سعد، وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري في \"تاريخه\": قال علي: احتج يحيى بن سعيد بكتاب عثمان بن عمر بحديثين.\n(ثنا عبد الرحمن بن عبد الله -يعني ابن دينار-) مولى ابن عمر، عن ابن معين: في حديثه عندي ضعف، وقال عمرو بن علي: لم أسمع عبد الرحمن يحدث عنه بشيء قط، وقال أبو حاتم: فيه لين، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن عدي: وبعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء، وعن الدارقطني: خالف فيه البخاري الناس، وليس بمتروك، وقال أبو القاسم البغوي: هو صالح الحديث، وقال علي بن المديني: صدوق.\n(عن محمد بن زيد) بن قنفذ (بهذا الحديث) المتقدم، (قال) أي عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار: (عن أم سلمة) أي عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة (أنها) أي أم سلمة (سألت النبي - ﷺ -: أتصلي المرأة في في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها) (١) أي يجوز لها حينئذ أن تصلي في درع وخمار ليس عليها إزار.\n_________\n(١) استدل بذلك أنهما عورة مطلقًا، أو في الصلاة خاصة. (ش).","vol":"3","page":578},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَبَكْرُ بْنُ مُضَرَ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ النَّبِىَّ (١) -ﷺ-، قَصَرُوا بِهِ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂.\n===\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث مالك بن أنس، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق: عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي - ﷺ -، قصروا به على أم سلمة) أي لم يرفعوه إلى رسول الله - ﷺ -، بل أوقفوه على أم سلمة.\nحاصل كلام أبي داود أن هؤلاء الرواة الثقات كلهم رووه موقوفًا على أم سلمة، ولم يرفعوه إلى رسول الله - ﷺ -، وخالفهم عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، فروى عن محمد بن زيد عن أم سلمة مرفوعًا، فكأنه أشار إلى أن هذا الرفع شاذٌّ.\nومذهب الحنفية في هذه المسألة أن الحرة سائر بدنها عورة إلَّا الوجه والكفين، لقوله ﵎: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢) والمراد من الزينة مواضعها، ومواضع الزينة الظاهرة: الوجه والكفان، فالكحل زينة الوجه، والخاتم زينة الكف، فيحل لها الكشف، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله- أنه يحل النظر إلى القدمين.\nوجه (٣) هذه الرواية ما روي عن سيدتنا عائشة في قوله ﵎:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) سورة النور: الآية ٣١.\n(٣) قال صاحب \"الهداية\": أي كونهما غير العورة هو الأصح، وفي \"الدر المختار\" (٢/ ٩٦): هو المعتمد، وذكر الشامي فيه روايتين أخريين: إحداهما: ما يظهر من كلام \"البدائع\" المذكور أيضًا، وهو أنه ليس بمستثنى بل عورة مطلقًا، والثاني: أنه عورة خارج الصلاة لا فيها، قلت: ويظهر من هامش \"الهداية\" عكسه، فتأمل. (ش).","vol":"3","page":579},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، القلب والفتخة وهي خاتم إصبع الرجل، فدل على جواز النظر إلى القدمين، ولأن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة، واستثنى ما ظهر منها، والقدمان ظاهرتان، ألا ترى أنهما يظهران عند المشى، فكَانَا من جملة المستثنى من الحظر فيباح إبداؤهما.\nوأما حكم ستر العورة في الصلاة ففرض، لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١)، والزينة ما يواري العورة، والمسجد الصلاة، فقد أمر بمواراة العورة في الصلاة، وقال النبي - ﷺ -: \"لا صلاة للحائض إلَّا بخمار\" (٢)، كنى بالحائض عن البالغة، لأن الحيض دليل البلوغ لملازمة بينهما، وإذا كان الستر فرضًا كان الانكشاف مانعًا جواز الصلاة ضرورة، ولكن قليل الانكشاف (٣) لا يمنع الجواز لما فيه من الحرج والضرورة، لأن الثياب لا تخلو عن قليل خرق عادة، والكثير يمنع لعدم الضرورة والحرج.\nواختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير فقدَّر أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله- الكثير بالربع، فقالا: الربع وما فوقه من العضو كثير، وما دون الربع قليل، وأبو يوسف جعل الأكثر من النصف كثيرًا وما دون النصف قليلًا، واختلفت الرواية عنه في النصف، فجعله في حكم القليل في \"الجامع الصغير\"، وفي حكم الكثير في \"الأصل\".\nوجه قول أبي يوسف أن القليل والكثير من المتقابلات، وإنما تظهر بالمقابلة، فما كان مقابله أقل منه فهو كثير، وما كان مقابله أكثر منه فهو قليل.\nولهما أن الشرع أقام الربع مقام الكل في كثير من المواضع كما في حلق الرأس\n_________\n(١) سورة الأعراف: الآية ٣١.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٣٣)، وأحمد في \"مسنده\" (٦/ ١٥٠ أو ٢١٨ و٢٥٩).\n(٣) وقال ابن قدامة ببطلان الصلاة باليسير من غير الوجه والكفين. [انظر: \"المغني\" (٢/ ٣٣١)]. (ش).","vol":"3","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>(٨٧) باب الْمَرْأَةِ تُصَلِّى بِغَيْرِ خِمَارٍ</span>\n٦٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ\n===\nفي حق المحرم، ومسح ربع الرأس، كذا هاهنا إذ الموضع موضع الاحتياط (١).\nوأما الاستدلال بهذا الحديث بقوله: \"إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها\" على أن انكشاف شيء من عضوها يمنع جواز الصلاة، كما فعله صاحب \"عون المعبود\" (٢) فغير صحيح، فإن هذا الحديث لو سلم أنه حجة، فلا يدل إلَّا على أن كشف العضو الكامل يمنع جواز الصلاة، لا أن شيئًا من العضو يمنع جوازها، والله أعلم.\n\n(٨٧) (بَابُ الْمَرْأَةِ تُصَلِّي بِغَيْرِ خِمَارٍ)\n٦٣٩ - (حدثنا محمد بن المثنى، ثنا حجاج بن منهال، ثنا حماد، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث) بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، أم طلحة الطلحات، وكانت عائشة تنزل عليها قَصْر عبد الله بن خلف بالبصرة عقب وقعة الجمل، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": صحابية، وذكرها ابن حبان في التابعين.\nوأما طلحة الطلحات فهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات، أحد الأجواد المشهورين، قال الأصمعي: الطلحات المعروفون بالكرم: طلحة (٣) بن عبيد الله التيمي، وهو الفياض، وطلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر، وهو طلحة الجواد، وطلحة بن عبد الله بن عوف\n_________\n(١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٠٦).\n(٢) انظر: (٣/ ٣٤٤).\n(٣) لكن يشكل عليه ما في حاشية \"الموطأ\" للإِمام محمد إذ قال: طلحة بن عبيد الله القرشي، أحد العشرة المبشرة، يعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض، وروي عنه أنه =","vol":"3","page":581},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ (١) اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ». [ت ٣٧٧، جه ٦٥٥، حم ٦/ ١٥٠، خزيمة ٧٧٥، ق ٢/ ٢٣٣، ك ١/ ٢٥١، حب ١٧١١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سَعِيدٌ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى عَرُوبَةَ -، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-.\n===\nالزهري، وهو طلحة الندى، وطلحة بن الحسن بن علي، وهو طلحة الخير، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وهو طلحة الطلحات، سمي بذلك، لأنه (٢) كان أجودهم، وقيل في وجه تسميته بذلك غير ذلك.\n(عن عائشة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا يقبل الله صلاة حائض) (٣) أي التي دخلت (٤) سن المحيض، وبلغت، وجرى عليها القلم، ولم يرد في أيام حيضها، لأنه لا صلاة عليها (إلَّا بخمار) (٥) وقد تقدم أن الخمار هو الثوب الذي تغطي به المرأة رأسها من المقنعة والنصيف.\n(قال أبو داود: ورواه سعيد (٦) -يعني ابن أبي عروبة-، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي - ﷺ -)، حاصل هذا الكلام: أن حمادًا وسعيد بن\n_________\n= قال: سمَّاني رسول الله - ﷺ - يوم أحد طلحة الخير، ويوم العسرة طلحة الفياض، ويوم حنين طلحة الجواد. [انظر: \"التعليق الممجد\" (٢/ ٣٠٤)]. (ش).\n(١) وفي نسخة: \"لا تقبل صلاة حائض\".\n(٢) به جزم الأصمعي، كذا في \"التلقيح\" (ص ٣٣٢) لابن الجوزي. (ش).\n(٣) مقيدة بالحرة إجماعًا، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: هذا هو المشهور في تفسيره، ولا يصح، بل المراد بلغت، فإنها قد تبلغ السن ولا تبلغ، وفي \"البدائع\" (١/ ٣٠٦): كنى به البالغة، لأن الحيض دليل البلوغ، فذكر الحيض وأراد البلوغ لملازمة بينهما. (ش).\n(٥) قال ابن قدامة: أجمعوا على أنها لوصلت مكشوفة الرأس كله لا تصح وعليها الإِعادة. [انظر: \"المغني\" (٢/ ٣٢٩)]. (ش).\n(٦) أخرج روايته الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٥١)، والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ٢٣٣).","vol":"3","page":582},{"text":"٦٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ عَائِشَةَ نَزَلَتْ عَلَى صَفِيَّةَ أُمِّ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ، فَرَأَتْ بَنَاتٍ لَهَا (١)، فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ وَفِى حُجْرَتِى جَارِيَةٌ، فَأَلْقَى إلىَّ (٢) حِقْوَهُ وَقَالَ لي: «شُقِّيهِ بِشَقَّتَيْنِ، فَأَعْطِى هَذِهِ نِصْفًا وَالْفَتَاةَ الَّتِى عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ نِصْفًا، فَإِنِّى لَا أُرَاهَا\n===\nأبي عروبة رويا عن قتادة واختلفا في روايتهما، فروى حماد عنه عن محمد بن سيرين موصولًا، وروى سعيد عن قتادة عن الحسن مرسلًا.\n٦٤٠ - (حدثنا محمد بن عبيد) وفي نسخة: \"ابن حساب\" بكسر الحاء وتخفيف السين المهملتين، الغبري بضم المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة، البصري، (ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد) أي ابن سيرين (أن عائشة نزلت على صفية) أي بنت الحارث المتقدمة (أم طلحة الطلحات) وقد تقدم وجه تسميته بطلحة الطلحات (فرأت) عائشة (بنات لها) ولعل بناتها كن بالغات، (فقالت) أي عائشة: (إن رسول الله - ﷺ - دخل) أي بيتي (وفي حجرتي) والواو حالية (جارية، فألقى إليَّ حقوه) قال في \"القاموس\": الحَقْوُ: الكشح والإزار ويكسر، أو مَعْقِدُه كالحقوة والحقاء، جمعه أَحْقٍ وأَحْقَاءٌ، وقال في \"المجمع\": والأصل فيه معقد الإزار، ويسمى به الإزار للمجاورة.\n(وقال) أي رسول الله - ﷺ - (لى: شقيه بشقتين) أي اجعليه قطعتين بالشق والقطع (فأعطي هذه) الفتاة التي عندك (نصفًا) أي من الحقو (والفتاة التي) أي وأعطي (٣) الفتاة التي (عند أم سلمة) أم المؤمنين (نصفًا، فإني لا أراها)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بنات له\".\n(٢) وفي نسخة: \"لي\".\n(٣) قال ابن رسلان: الظاهر أنهما كانتا أم ولدين كما حكاه المتولي، وإن كانتا حرتين أو ربيبتين، فيكون هذا العطاء من مكارم الأخلاق والمواساة، وفيه حجة لما ذهب إليه ابن سيرين أن أم الولد يجب ستر رأسها فهي بمنزلة الحرائر، وقال ابن قدامة: أم الولد يستحب لها أن تغطي رأسها، وبه قال الشافعي ومالك. [انظر: \"المغني\" (٢/ ٣٣٥)]. (ش).","vol":"3","page":583},{"text":"إلَّا قَدْ حَاضَتْ، أَوْ: لَا أُرَاهُمَا إلَّا قَدْ حَاضَتَا». [حم ٦/ ٩٦ - ٢٣٨، ق ٦/ ٥٧، جه ٦٥٤ مختصرًا]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ هِشَامٌ، عن (١) ابْنِ سِيرينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>(٨٨) بَابُ مَا جَاءَ في السَّدْلِ في الصَّلَاةِ</span>\n٦٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ،\n===\nأي لا أظن الفتاة التي عندك (إلَّا قد حاضت) أي بلغت سن المحيض (أو) للشك من الراوي (لا أراهما) أي الفتاة التي عندك والتي عند أم سلمة (إلَّا قد حاضتا، قال أبو داود: وكذلك) أي مثل ما روى قتادة عن محمد كذلك (رواه هشام، عن ابن سيرين) عن عائشة، قال في \"التهذيب\": قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: محمد بن سيرين لم يسمع من عائشة، فعلى هذا تكون الراوية منقطعة.\n\n(٨٨) (بَابُ مَا جَاءَ في السَّدْلِ في الصَّلَاةِ)\nقال في \"المجمع\" (٢): هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد كذلك، وكانت اليهود تفعله، وهذا مطرد في القميص، وفي غيره من الثياب، وقيل: أن يضع وسط الإزار على رأسه، ويرسل طرفيه يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه (٣).\n٦٤١ - (حدثنا محمد بن العلاء وإبراهيم بن موسى، عن ابن المبارك) عبد الله، (عن الحسن بن ذكوان) هكذا في نسخ أبي داود الموجودة عندنا بغير ياء\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٤).\n(٣) وقيل: هو سدل الثعر، ذكره في الحاشية عن \"مرقاة الصعود\" باسطًا. (ش).","vol":"3","page":584},{"text":"عن سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عن عَطَاءٍ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: عن أَبِي هُرَيْرَةَ:\n===\nمكبرًا، وكذلك في ابن ماجه في حديث النهي عن تغطية الرجل فاه في الصلاة، وكذا في \"السنن الكبرى\" (١) للبيهقي، وكذا في \"النيل\" للشوكاني (٢)، وخالفها الحاكم في \"المستدرك\" (٣) فقال: أنبأ الحسين بن ذكوان، فذكره مصغرًا، وقال الذهبي في \"ذيله\": الحسين المعلم، فزاد لفظ المعلم ليدل على أنه مصغر، والصواب عندي ما في أبي داود وابن ماجه والبيهقي، فما في \"المستدرك\" سهو من الكاتب، وما في ذيله من الذهبي فوهم منه منشؤه قلة التدبر.\nوالعجب من العيني شارح \"الهداية\" (٤) والعلامة الجمال الزيلعي صاحب \"نصب الراية\" (٥) حيث قالا: وسند أبي داود وفيه الحسن بن ذكوان المعلم ضعفه ابن معين وأبو حاتم، وقال النسائي: ليس بالقوي، لكن أخرج له البخاري في \"الصحيح\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" فوصفاه بالمعلم، وليس يلقب به، والنعوت الباقية بأنه ضعفه ابن معين وأبو حاتم إلى آخرها تعين الحسن بن ذكوان، فتلقيبه بالمعلم وَهْمٌ منهما، سامحهما الله بلطفه.\n(عن سليمان الأحول) هو سليمان بن أبي مسلم المكي الأحول، خال ابن أبي نجيح، وثَّقه سفيان وأحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو داود والنسائي وغيرهم، (عن عطاء، قال إبراهيم) أي ابن موسى شيخ أبي داود: (عن أبي هريرة) وهذا القول بمفهومه يدل على أن حديث محمد بن العلاء بخلاف حديث إبراهيم بن موسى، فيحتمل أن يكون محمد بن العلاء أرسله ولم يذكر أبا هريرة، ويحتمل أن يكون حديث محمد بن العلاء موقوفًا.\nقال أبو عيسى الترمذي (٦): حديث أبي هريرة لا نعرفه من حديث عطاء\n_________\n(١) (٢/ ٢٤٢).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٩١).\n(٣) \"المستدرك\" (١/ ٢٥٣).\n(٤) (٢/ ٥٣٣).\n(٥) (٢/ ٩٦).\n(٦) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢١٧).","vol":"3","page":585},{"text":"\"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عن السَّدْلِ في الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُغَطِّي الرَّجُلُ فَاهُ\" (١). [ت ٣٧٨، جه ٩٦٦، حم ٢/ ٢٩٥، ق ٢/ ٢٤٢، ك ١/ ٢٥٣، خزيمة ٧٧٢، حب ٢٣٥٣]\n===\nعن أبي هريرة مرفوعًا إلَّا من حديث عِسل بن سفيان، وخالفه أبو داود فأخرج هذا الحديث عن سليمان الأحول عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا، وتابع عسلًا عامر الأحول قال: سألت عطاء عن السدل فكرهه، فقلت: أعن النبي - ﷺ -؟ قال: نعم، قال البيهقي: وهذا الإسناد وإن كان منقطعًا، ففيه قوة للموصولين قبله.\n(أن رسول الله - ﷺ - نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه) قال الشوكاني (٢): قال أبو عبيدة في \"غريبه\": السدل إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه، فإن ضمه فليس بسدل، ثم ذكر ما نقلناه عن \"المجمع\"، ثم قال: قال الجوهري: سدل ثوبه يسدله بالضم سدلًا: أي أرخاه، وقال الخطابي (٣): إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، ثم قال: والحديث يدل على تحريم السدل في الصلاة (٤)، وكرهه ابن عمر ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: رواه عِسْل، عن عطاءِ، عن أبي هريرة: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن السدل في الصلاة\". قلت: أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٩٥)، والترمذي في \"سننه\" (٣٧٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦/ ٦٧) رقم (٢٢٨٩).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٩١).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ٢٣٩).\n(٤) وقال ابن رسلان: اختلف العلماء فذهب بعضهم إلى كراهيته في الصلاة، وكرهه الشافعي وغيره في الصلاة وغيرها، وبه جزم النووي، وقال أحمد: إنما يكره في الصلاة إذا لم يكن عليه إلَّا ثوب واحد، أما إذا سدل على قميص فلا بأس به، وفي \"الشامي\" (٢/ ٤٨٩): لا يكره خارج الصلاة في الأصح، وقال ابن العربي (٢/ ١٧٠): قال مالك: هو جائز، واختلف في تأويله، فقيل: جر الثوب على الأرض والمصلي لا يجر، وقيل: إذا لم يكن عليه قميص، قال النووي: إن كان للخيلاء فحرام وإلَّا فمكروه، \"ابن رسلان\". وذكر الأقوال في تفسيره في \"المغني\" (٢/ ٢٩٧). (ش).","vol":"3","page":586},{"text":"٦٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ، ثَنَا حَجَّاجٌ،\n===\nوالشافعي في الصلاة وغيرها، وقال أحمد: يكره في الصلاة، وقال جابر بن عبد الله وعطاء والحسن وابن سيرين ومكحول والزهري: لا بأس به، وروي ذلك عن مالك.\nقلت: وأما عندنا فقال في \"البدائع\" (١): ويكره السدل في الصلاة، واختلف في تفسيره، ذكر الكرخي: أن سدل الثوب هو أن يجعل ثوبه على رأسه أو على كتفيه، ويرسل أطرافه من جوانبه إذا لم يكن عليه سراويل، وروي عن الأسود وإبراهيم النخعي أنهما قالا: السدل يكره سواء كان عليه قميص أو لم يكن، وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: يكره السدل على القميص وعلى الإزار، وقال: لأنه صنيع أهل الكتاب، فإن كان السدل بدون السراويل فكراهته لاحتمال كشف العورة عند الركوع والسجود، وأما إن كان مع الإزار فكراهته لأجل التشبه بأهل الكتاب، انتهى.\nوأما تغطية الفم فقال في \"البدائع\" (٢): ويكره (٣) أن يغطي فاه في الصلاة، لأن النبي - ﷺ - نهى عن ذلك، ولأن في التغطية منعًا من القراءة والأذكار المشروعة، ولأنه لو غطى بيده فقد ترك سنَّة اليد، وقد قال رسول اللهﷺ -: \"كفوا أيديكم في الصلاة\"، ولو غطاه بثوب فقد تشبه بالمجوس، لأنهم يلتثمون في عبادتهم النار، والنبي - ﷺ - نهى عن التلثم في الصلاة، إلَّا إذا كانت التغطية لدفع التثاؤب [فلا بأس به] لما مر، انتهى.\nوقال في \"رد المحتار\": ونقل الطحطاوي عن أبي مسعود أنها تحريمية.\n٦٤٢ - (حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، ثنا حجاج) بن محمد\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥١٣).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٠٦).\n(٣) وكذلك عند أحمد كما في \"المغني\" (٢/ ٢٩٩)، وفي التلثم عنه روايتان. (ش).","vol":"3","page":587},{"text":"عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَال: \"أَكْثَرُ (١) مَا رَأَيْتُ عَطَاءً يُصَلِّي سَادِلًا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عِسْلٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِى الصَّلَاةِ\". (٢).\n===\nالمصيصي، (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أكثر ما رأيت عطاء) أي ابن أبي رباح (يصلي سادلًا، قال أبو داود: رواه) أي الحديث المتقدم (عسل) بكسر المهملة وسكون السين المهملة، ابن سفيان التميمي اليربوعي، أبو قرة البصري، ضعيف، (عن عطاء) أي ابن أبي رباح (عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - نهى عن السدل في الصلاة).\nضعف (٣) الإِمام أحمد هذا الحديث، وقال: عسل بن سفيان غير محتمل الحديث، وقد ضعفه الجمهور، ولكن الحديث المتقدم الذي أخرجه أبو داود من طريق حسن بن ذكوان عن سليمان الأحول عن عطاء مرفوعًا، قال الحاكم (٤): هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأما قول الترمذي: لا نعرفه من حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا إلَّا من حديث عسل، فلعله لم يبلغه حديث حسن بن ذكوان من طريق موسى بن إسماعيل، وأما عدم وصله من طريق محمد بن العلاء فلا يقدح فيه، فإن الوصل في طريق إبراهيم بن موسى زيادة ثقة، وقد قواه حديث عسل أيضًا.\n(قال أبو داود: وهذا) أي الذي رويناه من فعل عطاء (يضعف ذلك الحديث) الذي ورد في النهي عن السدل في الصلاة، إن الراوي لما فعل مخالفًا لمرويه فكأنه لم يعتمده، قلت: ولكن يمكن أن يوجه بأن النهي عن السدل يكون عنده محمولًا على ما إذا لم يكن عليه قميص وإزار، وأما فعله فيحمل على أنه كان يسدل فوق القميص والإزار.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"كثيرًا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهذا يُضَعِّفُ ذلك الحديث\". (ش).\n(٣) وقال ابن قدامة: قال ابن المنذر: لم يثبت فيه (أي السدل) حديث. [انظر: \"المغني\" (٢/ ٢٩٧)]. (ش).\n(٤) \"المستدرك\" (١/ ٢٥١).","vol":"3","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>(٨٩) باب الصَّلَاةِ فِى شُعُرِ النِّسَاءِ</span>\n٦٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَشْعَثُ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُصَلِّى فِى شُعُرِنَا، أَوْ: لُحُفِنَا\". [انظر رقم الحديث ٣٦٧]\nقَالَ عُبَيْدُ اللَّه: شَكَّ أَبِي.\n===\nووجهه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١) بغير ذلك، فقال: وروينا عن عطاء بن أبي رباح: أنه صلَّى سادلًا، وكأنه نسي الحديث، أو حمله على أن ذلك إنما لا يجوز للخيلاء، وكان لا يفعله خيلاء، والله أعلم.\nوهذا القول يدل على أن الراوي إذا عمل بخلاف مرويه فهذا يقدح في الحديث الذي رواه، والمسألة خلافية، قال صدر الشريعة في \"التوضيح\": فصل في الطعن، وهو من الراوي أو من غيره، والأول أما بأن عمل بخلافه بعد الرواية فيصير مجروحًا، انتهى، وقال في \"تدريب الراوي\": وعمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه ليس حكمًا لصحته، ولا مخالفته قدح في صحته ولا في روايته، انتهى.\n\n(٨٩) (بَابُ الصَّلاةِ في شُعُرِ (٢) النِّسَاءِ)\n٦٤٣ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا الأشعث) بن عبد الله الحداني، (عن محمد) بن سيرين، (عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺلا يصلي في شعرنا (٣) أو لحفنا، قال عبيد الله: شك أبي).\n_________\n(١) (٢/ ٢٤٢).\n(٢) الشعر جمع شعار، معناه: الثوب الذي يلي الجسد.\n(٣) قال ابن رسلان: تنزهًا في بعض الأوقات، وقال بعض أصحابنا: دم البراغيث ونحوه يعفى عن نفسه دون غيره. (ش).","vol":"3","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>(٩٠) باب الرَّجُلِ يُصَلِّى عَاقِصًا شَعْرَهُ</span>\n٦٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِى عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِى عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ\n===\nوهذه الترجمة والحديث بسنده ومتنه مكرر قد مر في آخر كتاب الطهارة، وزيد في بعض النسخ ههنا بعد قوله: عن عبد الله بن شقيق لفظ \"عن شقيق\"، وهذه الزيادة غلط وسهو من الناسخ، فإنه قد روى الترمذي هذا الحديث عن عبد الله بن شقيق عن عائشة في باب كراهة الصلاة في لحف النساء، وكذلك المصنف لم يذكره في ما مر من هذا الباب، وكذلك لم يذكره النسائي في ما أخرج هذا الحديث من كتاب اللباس.\n\n(٩٠) (بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي (١) عَاقِصًا شَعَرَهُ)\nقال في \"المجمع\" (٢): العقص جمع الشعر وسط رأسه، أو لف ذوائبه حول رأسه كفعل النساء\n٦٤٤ - (حدثنا الحسن بن. علي) الخلال، (ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، حدثني عمران بن موسى) بن الأشدق عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص الأموي، أخو أيوب بن موسى، روى له أبو داود والترمذي حديثًا واحدًا من حديث أبي رافع، قال في \"التقريب\": مقبول، وقال في \"الخلاصة\": وثَّقه ابن حبان.\n(عن سعيد بن أبي سعيد المقبري يحدث) أي سعيد (عن أبيه) أبي سعيد، واسمه كيسان المقبري المدني، صاحب العباء، مولى أم شريك، قال الواقدي:\n_________\n(١) وفي رواية الطبراني: \"نهى أن يصلي الرجل ورأسه معقوص\"، ورجاله رجال الصحيح، كذا في \"مجمع الزوائد\" (٢٤٦٩) فخصه بالرجال. (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٤٢).","vol":"3","page":590},{"text":"أَنَّهُ رَأَى أَبَا رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِىِّ -ﷺ- مَرَّ بِحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ ﵉، وَهُوَ يُصَلِّى قَائِمًا، وَقَدْ غَرَزَ ضُفُرَهُ فِى قَفَاهُ، فَحَلَّهَا أَبُو رَافِعٍ، فَالْتَفَتَ حَسَنٌ إِلَيْهِ مُغْضَبًا، فَقَالَ أَبُو رَافِعٍ: أَقْبِلْ عَلَى صَلَاتِكَ وَلَا تَغْضَبْ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «ذَلِكَ كِفْلُ الشَّيْطَانِ» يَعْنِى مَقْعَدَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِى مَغْرِزَ ضُفُرِهِ -. [ت ٣٨٤، خزيمة ٩١١، ق ٢/ ١٠٩، ك ١/ ٢٦١، حب ٢٢٧٩]\n===\nكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة مئة، قال إبراهيم الحربي: كان ينزل المقابر فسمي بذلك، وقيل: إن عمر جعله على حفر القبور فسمي المقبري، وجعل نعيمًا على إجمار المسجد فسمي المجمر.\nقلت: هذا بعيد من الصواب، وما أظن نعيمًا أدرك عمر، وزعم الطحاوي في بيان المشكل أنه مات سنة ١٢٥ هـ، وهو وهم منه، فإن ذاك تاريخ وفاة ابنه سعيد، وفرق ابن حبان في \"الثقات\" بين كيسان صاحب العباء، وبين كيسان مولى أم شريك يكنى أبا سعيد، وهو المعروف بالمقبري.\n(إنه) أي أباه أبا سعيد (رأى أبا رافع مولى النبي - ﷺ - مر بحسن بن علي ﵉، وهو) أي الحسن (يصلي قائمًا وقد غرز ضفره) أي لوى شعره، وأدخل أطراف ضفيرته في أصولها (في قفاه، فحلها) أي الشعر المضفورة (أبو رافع، فالتفت حسن إليه) أي إلى أبي رافع (مغضبًا) بصيغة المفعول.\n(فقال أبو رافع: أقبل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ذلك) أي غرز الشعر المضفور (كفل) بالكسر الحظ والنصيب (الشيطان) أي هذا الفعل حظ الشيطان من صلاة المصلي، أو يكون إشارة إلى الشعر المضفور، ومعنى الكفل أن يحوي الكساء حول سنام البعير حفظًا للراكب عن السقوط، ولهذا فسره المصنف بقوله: (يعني مقعد الشيطان) أي محل قعوده، ثم فسر اسم الإشارة بقوله: (يعني مغرز ضفره) أي محل غرز شعره المضفور.","vol":"3","page":591},{"text":"٦٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّى وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ وَرَاءَهُ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ وَأَقَرَّ لَهُ الآخَرُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِى؟ قَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِى يُصَلِّى وَهُوَ مَكْتُوفٌ». [م ٤٩٢، حم ١/ ٣٠٤، ن ١١١٤]\n===\n٦٤٥ - (حدثنا محمد بن سلمة) المرادي، (ثنا) عبد الله (بن وهب، عن عمرو بن الحارث أن بكيرًا حدثه أن كريبًا مولى ابن عباس حدثه) أي بكيرًا (أن عبد الله بن عباس رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص) قال في \"البدائع\" (١): والعقص أن يشد الشعر ضفيرة حول رأسه، أو يجمع شعره فيعقده في مؤخر رأسه، وقال في \"الهداية\" (٢): وهو أن يجمع شعره على هامته ويشدّه بخيط أو بصمغ ليتلبّد.\n(من ورائه) أي من خلفه (فقام) أي ابن عباس (وراءه (٣» أي عبد الله بن الحارث (فجعل) أي ابن عباس (يحله) أي يفك ما عقص من شعره (وأقر له الآخر) أي سكن له ومكنه ولم يمنعه من ذلك، والمراد بالآخر عبد الله بن الحارث (فلما انصرف) أي عبد الله بن الحارث عن الصلاة (أقبل) أي توجه (إلى ابن عباس فقال) أي عبد الله بن الحارث لابن عباس: (مالك ورأسي؟) الواو بمعنى مع.\n(قال) أي ابن عباس: (إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنما مثل هذا) أي الذي يصلي ورأسه معقوص (مثل الذي يصلي وهو) الواو حالية (مكتوف) (٤)\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٠٦).\n(٢) (١/ ٦٤).\n(٣) وفي الحديثين أنهما لم يأمراه بالإِعادة، وهو مجمع عليه على ما حكاه الطبري، وحكى ابن المنذر فيه الإِعادة عن الحسن البصري. (ش).\n(٤) ولذا أجمع العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر أو كمه أو ذيله، ونحو ذلك حتى يسجد الثوب، \"بن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>(٩١) بَابُ الصَّلَاةِ في النَّعْلِ</span>\n٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ\n===\nأي من شدت يداه من خلف، لأنه كما أن اليدين يسجدان كذلك شعر الرأس تسجد، فمن كفت شعر الرأس، فهو مثل الذي كتفت يداه، فإنه روي عنه - ﷺ -: \"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكفت شعرًا\" (١).\nقال في \"البدائع\" (٢): ويكره أن يصلي عاقصًا شعره، وفي \"الهداية\" (٣): ولا يعقص شعره، فقد روي أنه ﵇ نهى أن يصلي الرجل وهو معقوص.\n\n(٩١) (بَابُ الصَّلَاةِ (٤) في النَّعْلِ)\n٦٤٦ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن ابن جريج، حدثني محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن سفيان) وهو عبد الله بن سفيان المخزومي، أبو سلمة، مشهور بكنيته، قال أحمد بن حنبل: ثقة مأمون. وقال النووي في \"شرح مسلم\": وأما أبو سلمة هذا فهو أبو سلمة بن سفيان بن عبد الأشهل المخزومي، ذكره الحاكم أبو أحمد في من لا يعرف اسمه.\n(عن عبد الله بن السائب) (٥) بن أبي السائب صيفي بن عابد بن عبد الله بن عمر بن المخزوم المخزومي المكي القارئ، له ولأبيه صحبة، وكان\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨٠٩)، ومسلم (٤٩٠)، وأحمد (١/ ٢٢١ - ٢٨٦).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٠٦).\n(٣) (١/ ٦٤).\n(٤) قال ابن العربي (٢/ ١٩٠): ثبتت صلاته ﵊ في النعل كما ثبت وضوؤه فيه، وهذا محمول على أن الثياب الممتهنة في مظان النجاسات محمولة على الطهارة ما لم ير فيه أثر. (ش).\n(٥) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٦٠٦) رقم (٢٩٦٦).","vol":"3","page":593},{"text":"قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- يُصَلِّى يَوْمَ الْفَتْحِ وَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عَنْ يَسَارِهِ\". [ن ٧٧٦، جه ١٤٣١، حب ٢١٨٩]\n٦٤٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو عَاصِمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ سُفْيَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُسَيَّبِ (١) الْعَابِدِىُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: \"صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ،\n===\nقائد ابن عباس، (قال) أي عبد الله بن السائب: (رأيت النبي - ﷺ - يصلي (٢) يوم الفتح) أي فتح مكة (ووضع نعليه عن يساره).\n٦٤٧ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (ثنا عبد الرزاق وأبو عاصم قالا: أنا ابن جريج قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني أبو سلمة) عبد الله (بن سفيان وعبد الله بن المسيب العابدي) هو عبد الله بن المسيب بن عابد، بموحدة، ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم العابدي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال في \"التقريب\": ووهم من ذكره في الصحابة، مات سنة بضع وستين.\n(وعبد الله بن عمرو) المخزومي العابدي، وليس بابن العاص، فما وقع في بعض طرق (٣) مسلم فيه: عن عبد الله بن عمرو بن العاص فهو وهم.\n(عن عبد الله بن السائب قال: صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - الصبح) أي صلاته (بمكة) أي في زمن فتح مكة، (فاستفتح سورة المومنين) أي ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾\n_________\n(١) وفي نسخة: \"السائب\".\n(٢) صلاة الصبح، كما في رواية ابن حبان، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) هكذا قال الحافظ في\"الفتح\" (٢/ ٢٥٦)، وقال: الصواب عبد الله بن عمرو القارئ. (ش).","vol":"3","page":594},{"text":"حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ، أَوْ: ذِكْرُ مُوسَى وَعِيسَى - ابْنُ عَبَّادٍ يَشُكُّ أَوِ اخْتَلَفُوا - أَخَذَتْ النبيَّ (١) -ﷺ- سُعْلَةٌ، فَحَذَفَ، فَرَكَعَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ حَاضِرٌ لِذَلِكَ\". [م ٤٥٥، ن ١٠٠٧، حم ٣/ ٤١١، حب ١٨١٥، خزيمة ٥٤٦، خت: باب الْجمع بين السورتين في الركعة]\n===\n(حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون) وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ الآية (أو ذكر موسى وعيسى) وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ الآية (٢).\n(ابن عباد يشك أو اختلفوا). الظاهر أن هذا قول ابن جريج، أي يقول ابن جريج: إن هذا الشك وقع من ابن عباد، أو اختلف شيوخه وهم أبو سلمة، وعبد الله بن المسيب، وعبد الله بن عمرو، فقال بعضهم: حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون، وقال بعضهم: حتى إذا جاء ذكر موسى وعيسى.\nوفي \"مسند أحمد بن حنبل\": قال روح: محمد بن عباد يشك واختلفوا عليه، فهذا يدل على أن القائل روح، وهو صاحب ابن جريج، وهو غير مذكور ههنا، فيحتمل أن يكون القائل ههنا أبو عاصم.\n(أخذت النبي - ﷺ - سعلة) بفتح مهملة فعلة من السعال، وإنما أخذته بسبب البكاء (فحذف) أي ترك القراءة (فركع، وعبد الله بن السائب حاضر لذلك) أي شاهد تلك الواقعة، فيحتمل أن يكون هذا قول عبد الله وجعل نفسه غائبًا، أو يكون قول أحد من الرواة.\nومطابقة (٣) هذا الحديث بالباب بأن هذا الحديث والحديث الأول واحد،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) سورة المؤمنين: الآية ٤٩.\n(٣) ووجهه ابن رسلان بتوجيه آخر بعيد، فارجع إليه، وحاصله: أن موسى كان مأمورًا بخلع النعل في قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، ففيه إشارة إلى خلع النعال في الصلاة. (ش).","vol":"3","page":595},{"text":"٦٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (١)، عَنْ أَبِى نَعَامَةَ السَّعْدِىِّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ (٢) ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاتَهُ قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟»، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ\n===\nوقد أخرجهما مجموعًا الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٣) بسنده: قال: حضرت رسول الله - ﷺ - يوم الفتح، وصلَّى في قبل الكعبة، فخلع نعليه، فوضعهما عن يساره، ثم استفتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر عيسى أو موسى أخذته سعلة فركع.\n٦٤٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) (٤) أي ابن زيد كما في نسخة، (عن أبي نعامة السعدي) السري، قال ابن معين: اسمه عبد ربه، وقال ابن حبان: قيل: اسمه عمرو، وثَّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: بصري صالح.\n(عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه) أي عن رجليه (فوضعهما) أي نعليه (عن يساره، فلما رأى القوم ذلك) أي خلع نعليه (ألقوا نعالهم) أي خلعوها عن أرجلهم، ثم ألقوها (فلما قضى) أي أتم (رسول الله - ﷺ - صلاته، قال: ما حملكم (٥) على إلقائكم نعالكم؟) أي ما سبب ذلك؟ (قالوا:) سبب ذلك أنا (رأيناك ألقيت\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن زيد\"\n(٢) وفي نسخة: \"ذلك القوم\".\n(٣) (٣/ ٤١١).\n(٤) وفي \"ابن رسلان\": حماد بن سلمة. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: استدل به على أن الكلام في الصلاة لا يجوز مطلقًا، سواء كان لإِصلاح الصلاة أو لا، لأنه ﵊ لم يسألهم عند نزعهم وأخر سؤالهم.","vol":"3","page":596},{"text":"نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِى فَأَخْبَرَنِى أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا (١)»، وَقَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِى نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا». [حم ٣/ ٢٠، ك ١/ ١٤٠، دي ١٣٧٨، خزيمة ١٠١٧]\n===\nنعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله: إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني (٢) أن فيهما قذرًا) أي نجاسةً، أو ما يستقذر عرفًا كالمخاط وغير ذلك.\n(وقال: إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه (٣) وليصل فيهما) احتج بهذا من قال: إذا صلَّى أحد وفي ثوبه أو نعله نجاسة ولا يعلم هو تجوز صلاته، فإذا علم في الصلاة فليضع ثوبه أو نعله وهو في الصلاة، والجواب عنه أن وجوب طهارة الثوب والنعل ثابت بالنص، وهو مجمع عليه أيضًا، فعدم طهارته ينافي الصلاة، فيمنع ابتداء الصلاة.\nوأما هذا الحديث فلا يدل على مدعاه، فإنه يحتمل أن يكون معنى القذر والأذى ما يستقذر ويؤذي طبعًا غير النجاسة، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث مع الاحتمال على مدعاه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أو قال: أذى\".\n(٢) واختلفت أقوال المالكية فيمن نسي النجس في ثوبه حتى علمه في الصلاة، \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢٢٤). (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: اختلف العلماء في القذر هاهنا لكونه يطلق على النجس والطاهر، وبنوا عليه الخلاف في صحة من صلَّى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها ثم علم، فاستدل به مالك والشافعي في القديم على الصحة، لأنه ﵊ نزعهما بعد ما أخبر جبريل، واستمر على صلاته. وقال الشافعي في الجديد، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف والخلف: إن إزالة النجاسة شرط له، وأجابوا عن الحديث بجوابين: الأول: أنه قذر غير نجس، والثاني: أنه نجس معفو، فخيف تلوث الثياب بذلك، ثم قال: وكذلك قوله ﵊: \"فإن رأى قذرًا\" يحتملهما إلَّا أن من قال بالنجس يطهر بالمسح، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":597},{"text":"٦٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ -، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنِى بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِهَذَا، قَالَ فِيهِمَا: \"خَبَثٌ\"، قَالَ فِى الْمَوْضِعَيْنِ: «خَبَثًا». [ق ٢/ ٤٣١]\n٦٥٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّمْلِىِّ، عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِى نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ» [ق ٢/ ٤٣٢، ك ١/ ٢٦٠، حب ٢١٨٦]\n٦٥١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حُسَيْنٍ\n===\n٦٤٩ - (حدثنا موسى -يعني ابن إسماعيل-، ثنا أبان) العطار، (ثنا قتادة، حدثني بكر بن عبد الله، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- بهذا) والحديث بهذا الطريق مرسل (قال فيهما: خبث، قال في الموضعين: خبثًا).\n٦٥٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن هلال بن ميمون الرملي، عن يعلي بن شداد بن أوس) بن ثابت الأنصاري الخزرجي النجاري، أبو ثابت المقدسي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: إنه مدني سكن الشام، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، (عن أبيه) شداد (١) بن أوس بن ثابت الأنصاري النجاري، أبو يعلى ابن أخي حسان بن ثابت، صحابي، نزل الشام، ومات بها (٢)، (قال) أي شداد بن أوس: (قال رسول الله - ﷺ -: خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم) أي: فصلوا (٣) أنتم فيها.\n٦٥١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا علي بن المبارك، عن حسين\n_________\n(١) قال ابن رسلان: غلط من عَدَّه بدريًا. (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٤١٥) رقم (٢٣٩٤).\n(٣) وقيد صاحب \"العرف الشذي\" (١/ ١٨٤) الجواز بقيدين: لا يكون مرتفعًا مقدمه، ويملأ القدم ... إلخ، والبسط في رسالتي \"الأبواب والتراجم للبخاري\" (١/ ٢٠١). (ش).","vol":"3","page":598},{"text":"الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا\". [جه ١٠٣٨، حم ٢/ ١٧٤، ق ٢/ ٤٣١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>(٩٢) باب الْمُصَلِّى إِذَا خَلَعَ نَعْلَيْهِ، أَيْنَ يَضَعُهُمَا</span>؟\n٦٥٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ أَبُو عَامِرٍ،\n===\nالمعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي حافيًا) أي خالعًا نعليه عن رجليه (ومنتعلًا) أي لابسًا نعليه في رجليه.\nوأما عندنا فقال في \"الدر المختار\": وينبغي لداخله تعاهد نعله وخفه، وصلاته فيهما أفضل، وقال في \"رد المحتار\" (١): قوله: وصلاته فيهما، أي في النعل والخف الطاهرين أفضل مخالفة لليهود \"تاتار خانيه\"، لكن إذا خشي تلويث فرش المسجد بها ينبغي عدمه وإن كانت طاهرة، وأما المسجد النبوي فقد كان مفروشًا بالحصى في زمنه - ﷺ - بخلافه في زماننا، ولعل ذلك محمل ما في \"عمدة المفتي\" من أن دخول المسجد منتعلًا من سوء الأدب، فتأمل.\nقلت: دل هذا الحديث على أن الصلاة في النعال كانت مأمورة لمخالفة اليهود، وأما في زماننا فينبغي أن تكون الصلاة مأمورًا بها حافيًا لمخالفة النصارى، فإنهم يصلون منتعلين لا يخلعونها عن أرجلهم.\n\n(٩٢) (بَابُ المُصَلِّي إِذَا خَلَعَ نَعْلَيْهِ أَيْنَ يَضَعُهُمَا؟)\n٦٥٢ - (حدثنا الحسن بن علي، ثنا عثمان بن عمر، ثنا صالح بن رستم أبو عامر) المزني مولاهم، الخزاز بمعجمات، البصري، عن ابن معين:\n_________\n(١) (٢/ ٥١٨).","vol":"3","page":599},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ فَتَكُونَ عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ،\n===\nضعيف، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى: لا شيء، وعن أحمد: صالح الحديث، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال أبو داود الطيالسي: كان ثقة، وعن أبي داود: ثقة، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو بكر البزار ومحمد بن وضاح: ثقة، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، مات سنة ١١٢ هـ.\n(عن عبد الرحمن بن قيس) العتكي أبو روح البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له حديث واحد عند أبي داود في الصلاة، قال المنذري في \"مختصره\" (١): يشبه أن يكون الزعفراني، وليس كما ظن، فإن الزعفراني يصغر عن إدراك يوسف بن ماهك، وأيضًا فقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأما الزعفراني فواهي الحديث كما ترى، هكذا في \"تهذيب التهذيب\".\nقلت: فما نقل صاحب \"عون المعبود\" من قول المنذري ولم يتعقب، فكأنه لم يظفر بما رد عليه الحافظ في \"تهذيب التهذيب\".\n(عن يوسف بن ماهك) بن بهزاد الفارسي المكي، وثَّقه ابن معين والنسائي وابن خراش وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا صلَّى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه) لأن جهة اليمين محترمة (ولا عن يساره (٢)، فتكون عن يمين غيره) فتكون محترمة في حقه، فيؤديه ذلك، وأذى المؤمن حرام\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (١/ ٢٤٢).\n(٢) قلت: فيه إشارة إلى أن المراد بإلزاق الكعب هو المحاذاة لا الحقيقة، فإنه إذ ذاك لا يمكن وضعهما على يمينه ولا على يساره. (ش).","vol":"3","page":600},{"text":"إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ، وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ\". [ق ٤٣٢، ك ١/ ٢٥٩، خزيمة ١٠١٦]\n٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَلَا يُؤْذِ بِهِمَا أَحَدًا، لِيَجْعَلْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا». [حب ٢١٧٩، خزيمة ١٠٠٩، ق ٢/ ٤٣٢، ك ١/ ٢٦٠]\n===\n(إلَّا أن لا يكون عن يساره (١) أحد) أي فيجوز حينئذ أن يضعهما عن يساره (وليضعهما بين رجليه) إذا كان عن يساره أحد، ولعل المراد الفرجة التي بين رجليه أو الفرجة التي قدام الركبتين.\n٦٥٣ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة) بفتح النون وسكون الجيم، الحوطي بفتح المهملة، أبو محمد الجبلي، قال يعقوب: ثبت ثقة، وقال ابن أبي عاصم: ثقة ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٣٢ هـ.\n(ثنا بقية، وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، حدثني محمد بن الوليد) الزبيدي، (عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا صلَّى أحدكم فخلع نعليه، فلا يؤذ بهما أحدًا) بأن يضعهما عن يمينه (ليجعلهما) في الفرجة التي (بين رجليه) وإنما لم يقل: أو خلفه، لئلا يقع قدام غيره، أو لئلا يذهب خشوعه لاحتمال أن يسرق، كذا قال القاري (٢) (أو ليصل فيهما).\n_________\n(١) وعليه حمل حديث ابن السائب في الباب السابق، وبه بوب ابن حبان، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٣٨).","vol":"3","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>(٩٣) بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُمْرَةِ</span>\n٦٥٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، حَدَّثَتْنِى مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِى ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ، وَكَانَ يُصَلِّى عَلَى الْخُمْرَةِ\". [خ ٣٨١، م ٥١٣، جه ١٠٢٨، ن ٧٣٨، دي ١٣٧٣، حم ٦/ ٣٣٦]\n===\n\n(٩٣) (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُمْرَةِ) (١)\nهي سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل، أو نسيجة خوص، ونحوه من النبات، وسميت به لأن خيوطها مستورة بسعفها، وقال الطبري: هو مصلى صغير يعمل من سعف النخل، سميت بذلك لسترها الكفين والوجه من حر الأرض وبردها، فإن كانت كبيرة سميت حصيرًا\n٦٥٤ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا خالد) بن عبد الله، (عن الشيباني) أبي إسحاق، (عن عبد الله بن شداد، حدثتني ميمونة بنت الحارث) زوج النبي - ﷺ- (قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي وأنا حذاءه) أي إزاءه وبجنبه (وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد وكان يصلي على الخمرة).\n_________\n(١) قال ابن رسلان: ولا خلاف بين العلماء، كما قال ابن بطال في جواز الصلاة عليها، إلَّا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يؤتى بالتراب، فيضع على الخمرة، فيسجد عليه، وروي عن عروة أنه كان يكره السجود على غير الأرض. (ش).","vol":"3","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>(٩٤) بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ</span>\n٦٥٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ:\n===\n\n(٩٤) (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ) (١)\n٦٥٥ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك) وأخرج البخاري هذا الحديث من رواية شعبة، ومن رواية خالد الحذاء (٢) عن أنس بن سيرين عن (٣) عبد الحميد بن المنذر بن الجارود عن أنس، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان من رواية عبد الله بن عون عن أنس بن سيرين عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود عن أنس، فاقتضى ذلك أن في رواية البخاري انقطاعًا، وهو مندفع بتصريح أنس بن سيرين عنده بسماعه من أنس، فحينئذ رواية ابن ماجه إما من المزيد في متصل الأسانيد، وإما أن يكون فيها وهم لكون ابن الجارود كان حاضرًا عند أنس لما حدث بهذا الحديث وسأله عما سأله من ذلك، فظن بعض الرواة أن له فيه رواية، كذا قال الحافظ في \"الفتح\" (٤).\n(قال) أنس: (قال رجل من الأنصار) قال في \"الفتح\": قيل: إنه عتبان (٥) بن مالك، وهو محتمل لتقارب القصتين، لكن لم أر ذلك صريحًا، وقد وقع في رواية\n_________\n(١) لعل الداعي إلى تبويبه ما روي عن عائشة إنكاره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] وإليه أشار الحافظ بتبويب البخاري. (ش).\n(٢) برقم (٦٠٨٠).\n(٣) هكذا في نسخ \"فتح الباري\"، فعلى هذا لا يمكن أن تكون رواية البخاري عن شعبة وخالد الحذاء منقطعة، بل تكون موصولة، فالظاهر أن هذا اللفظ أي عن عبد الحميد ابن المنذر بن الجارود، غلط من الكاتب. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٥٨).\n(٥) قلت: والظاهر غيره لاختلاف قصتهما، فإن عتبان كان إمام قومه، وكان له العذر، العمى والسيل، ودعاه ﵊ ليتخذ موضع صلاته مصلَّى، فتأمل، على أن حديث عتبان لم ينسبه أهل التخريج إلى أبي داود. (ش).","vol":"3","page":603},{"text":"\"يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، إِنِّى رَجُلٌ ضَخْمٌ - وَكَانَ ضَخْمًا - لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُصَلِّىَ مَعَكَ - وَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا وَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ - فَصَلِّ حَتَّى أَرَاكَ كَيْفَ تُصَلِّى فَأَقْتَدِىَ بِكَ، فَنَضَحُوا لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ كَانَ لَهُمْ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ فُلَانُ بْنُ الْجَارُودِ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَكَانَ يُصَلِّى الضُّحَى؟ قَالَ: لَمْ أَرَهُ صَلَّى (١) إلَّا يَوْمَئِذٍ\". [خ ٦٧٠، جه ٧٥٦، حب ٢٠٧٠، خزيمة ٦٥٧، حم ٣/ ١٣٠]\n===\nابن ماجه الآتية أنه بعض عمومة أنس، وليس عتبان عمًا لأنس إلَّا على سبيل المجاز؛ لأنهما من قبيلة واحدة وهي الخزرج، لكن كل منهما من بطن، انتهى.\n(يا رسول الله - ﷺ - إني رجل ضخم) أي سمين (وكان ضخمًا) والظاهر أنه كلام أنس (لا أستطيع أن أصلي معك) أي في الجماعة (٢) في المسجد، وفي هذا الوصف إشارة إلى علة تخلفه (وصنع) ذلك الرجل (له) أي لرسول الله - ﷺ - (طعامًا ودعاه) أي رسول الله - ﷺ - (إلى بيته) وهذا أيضًا من كلام أنس.\n(فصل حتى أراك كيف تصلي فأقتدي بك) أي فأصلي بعد ذلك مثل ما أصلي معك مقتديًا بك الآن، (فنضحوا) أي أهل بيت (له طرف حصير) أي بعضه ليلين، أو غسلوا ليزول الوسخ، قال الحافظ: قال ابن بطال: إن كان ما يصلى عليه كبيرًا قدر طول الرجل فأكثر فيقال له: حصير، ولا يقال له: خمرة، وكل ذلك يصنع من سعف النخل وما أشبهه.\n(كان) الحصير (لهم) أي لأهل البيت (فقام) أي رسول الله - ﷺ - (فصلَّى ركعتين، قال فلان ابن الجارود) وكأنه عبد الحميد بن المنذر بن الجارود البصري (لأنس بن مالك: أكان) رسول الله - ﷺ - (يصلي الضحى؟ قال: لم أره صلَّى) أي الضحى (إلَّا يومئذ).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يصلي\".\n(٢) قال ابن رسلان: من الأعذار لترك الجماعة السمن المفرط، وبه بوب ابن حبان على الحديث. (ش).","vol":"3","page":604},{"text":"٦٥٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ الذَّرَّاعُ، حَدَّثَنَي قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَزُورُ أُمَّ سُلَيْمٍ فَتُدْرِكُهُ الصَّلَاةُ أَحْيَانًا فَيُصَلِّى عَلَى بِسَاطٍ لَنَا، وَهُوَ حَصِيرٌ تَنْضَحُهُ بِالْمَاءِ\". [خ ٨٦٠، م ٦٥٨]\n٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، بِمَعْنَى الإِسْنَادِ وَالْحَدِيثِ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى عَوْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\n===\n٦٥٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا المثنى بن سعيد) الضبعي (١) أبو سعيد البصري القسام (الذراع) القصير، رأى أنسًا، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والعجلي، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يخطئ.\n(حدثني قتادة، عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - كان يزور أم سليم) لأنها كانت من ذوات محارمه (فتدركه الصلاة أحيانًا) أي يجيء وقت صلاة النفل (فيصلي على بساط لنا، وهو حصير تنضحه) بالتاء المثناة من فوق، أي أم سليم، وفي نسخة: \"ننضحه\" بالنون (بالماء).\n٦٥٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة، بمعنى الإسناد والحديث) أي بأن معنى سنديهما وحديثيهما متحدان، (قالا: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن يونس بن الحارث، عن أبي عون) محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي الكوفي الأعور، ثقة، (عن أبيه) هو عبيد الله بن سعيد الكوفي الثقفي، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يروي المقاطيع، فعلى هذا فحديثه عن المغيرة مرسل، (عن المغيرة بن شعبة قال: كان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) ولم يكن منهم إنما نزل فيهم، فنسب إليهم، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":605},{"text":"يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ وَالْفَرْوَةِ الْمَدْبُوغَةِ\". [حم ٤/ ٢٥٤، ق ٢/ ٤٢٠، ك ١/ ٢٥٩، خزيمة ١٠٠٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>(٩٥) بَابُ الرَّجُلِ يَسْجُدُ عَلَى ثَوْبِهِ</span>\n٦٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - ﵀-، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ الْمُفَضَّلِ -، حَدَّثَنَا غَالِبٌ الْقَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"كُنَّا نُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ\". [خ ٣٨٥، م ٦٢٠، ت ٥٨٤، ن ١١١٦، دي ١٣٣٧، حم ٣/ ١٠٠، خزيمة ٦٧٥، حب ٢٣٥٤]\n===\nيصلي على الحصير والفروة المدبوغة) الفروة (١): ما يلبس من الجلد بما عليه من الشعر.\n\n(٩٥) (بَابُ الرَّجُلِ يَسْجُدُ عَلَى ثَوِبهِ)\n٦٥٨ - (حدَّثنا أحمد بن حنبل - ﵀ -، ثنا بشر- يعني ابن المفضل-؛ ثنا غالب القطان) بن خطاب بضم المعجمة وقيل بفتحها وبتشديد الطاء المهملة، ابن أبي غيلان، أبو سليمان البصري، عن أحمد: ثقة ثقة، ووثَّقه ابن معين وابن سعد والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عدي: الضعف على أحاديثه بين، وفي حديثه النكرة، قال في \"الميزان\": والآفة من الراوي عنه عمر بن المختار، فإنه متهم بالوضع، وقال في \"التهذيب\": قال الذهبي: لعل الذي ضعفه ابن عدي آخر.\n(عن بكر بن عبد الله) بن عمرو المزني، أبو عبد الله البصري، ثقة، (عن أنس بن مالك قال: كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّنَ وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه) وفي رواية البخاري:\n_________\n(١) فيه ردّ على من كره الصلاة على ما لم يكن من حسن الأرض كما نقل عن مالك. \"ابن رسلان\"، وفي \"الشرح الكبير\" (١/ ٢٥٢): كره السجود على ثوب أو بساط لم يُعَدّ لفرش مسجد لا على حصير لا رفاهية فيه، وترك السجود على الحصير أحسن. (ش).","vol":"3","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>(٩٦) بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ</span>\n٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِى الصُّفُوفِ الْمُقَدَّمَةِ، فَحَدَّثَنَا عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرْفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ \" قُلْنَا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ\n===\n\"فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر لمكان السجود\"، قال الحافظ في \"الفتح\" (١): واستدل به على إجازة السجود على الثوب المتصل بالمصلي، قال النووي: وبه قال (٢) أبو حنيفة والجمهور، وحمله الشافعي على الثوب المنفصل، انتهى.\n\n(٩٦) (بَابُ تَسْوِيَةِ (٣) الصُّفُوفِ)\nأي: في الصلاة\n٦٥٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا زهير) بن معاوية (قال: سألت سليمان الأعمش عن حديث جابر بن سمرة في الصفوف المقدمة) أي في تسويتها، (فحدثنا) أي الأعمش (عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة) بفتح الطاء والراء والفاء، الطائي المسلي بضم الميم وسكون المهملة، نسبة إلى مسلية، قبيلة من مذحج، ومحلة لهم بالكوفة، وثَّقه النسائي وأبو داود والعجلي.\n(عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ألا تصفُّون كما تصفُّ الملائكة عند ربهم؟) أي في السماء (قلنا: وكيف تصف الملائكة عند\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٣).\n(٢) ومالك وأحمد في رواية. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال العيني: هو اعتدال القائمين وسد الخلل، وستأتي المذاهب في آخر هذا الباب. [انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٥٣)]. (ش).","vol":"3","page":607},{"text":"رَبِّهِمْ؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُقَدَّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِى الصَّفِّ». [م ٤٣٠، ن ٨١٦، جه ٩٩٢، حم ٥/ ٩٣ - ١٠١، ق ٣/ ١٠١]\n٦٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِى زَائِدَةَ، عَنْ أَبِى الْقَاسِمِ الْجَدَلِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ» ثَلَاثًا، «وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ»\n===\nربهم؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (يتمون الصفوف المقدمة) أي المتقدمة، ومعنى إتمامها أن يكمل الصف الأول ثم الثاني ثم الثالث (ويتراصُّون في الصف).\nقال في \"القاموس\": رصَّه: ألزق بعضه ببعض، وضَمَّ، أي يضمون بعضهم ببعض حتى لا يبقى بينهم فرج، ومناسبة الحديث بالباب بأن تلاصق بعضهم ببعض، وتضامَّهم يستلزم تسوية صفوفهم.\n٦٦٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي القاسم الجدلي) (١) هو الحسين بن الحارث الكوفي، قال ابن المديني: معروف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقد صحح الدارقطني حديثه عن الحارث بن حاطب، وابن حبان حديثه عن النعمان بن بشير.\n(قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: أقبل رسول الله - ﷺ - على الناس بوجهه فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أقيموا صفوفكم ثلاثًا) أي قال هذه الكلمة ثلاثًا (والله لتقيمن) أي لتسون (صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم).\nقال القاري (٢): أي أهويتها وإراداتها، قال الطيبي: وفي الحديث\n_________\n(١) لعله نسبة إلى جديلة قبيلة من طيء. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦٩).","vol":"3","page":608},{"text":"قَالَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ، وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ. [حم ٤/ ٢٧٦، م ٤٣٨، خزيمة ١٦٠، ق ٣/ ١٠٠، قط ١/ ٢٣٨]\n===\nأن القلب تابع للأعضاء، فإذا اختلفت اختلف، وإذا اختلف فسد ففسدت الأعضاء، لأنه رئيسها، قلت: القلب ملك مطاع، ورئيس متبع، والأعضاء كلها تبع له، فإذا صلح المتبوع صلح التبع، وإذا استقام الملك استقامت الرعية.\nوبين ذلك الحديث المشهور: \"ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد، ألا وهي القلب\" (١).\nفالتحقيق في هذا المقام أن بين القلب والأعضاء تعلقًا عجيبًا، وتأثيرًا غريبًا، بحيث إنه يسري مخالفة كل إلى الآخر وإن كان القلب مدار الأمر إليه، ألا ترى أن تبريد الظاهر يؤثر في الباطن، وكذا بالعكس، وهو أقوى، انتهى.\n(قال) أي نعمان بن بشير: (فرأيت الرجل) أي من الصحابة المصلين بالجماعة بعد صدور ذلك القول من رسول الله - ﷺ - (يلزق) أي يلصق (منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه) (٢) ولعل المراد بالإلزاق المحاذاة، فإن إلزاق الركبة بالركبة، والكعب بالكعب في الصلاة مشكل، وأما إلزاق المنكب بالمنكب فمحمول على الحقيقة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).\n(٢) زعم بعض الناس أنه على الحقيقة، وليس الأمر كذلك، بل المراد مبالغة الراوي في تعديل الصفوف وسدِّ الخلل، كما في \"فتح الباري\" (٢/ ١٧٦). و\"العمدة\" (٢/ ٢٩٤). وهذا يردّ على الذين يدَّعون العمل بالسنَّة حيث يجتهدون في إلزاق كعابهم بكعاب القائمين في الصف ويفرجون جدًا للتفريج بين قدميهم بما يؤدي إلى تكلف وتصنُّع، وقد وقعوا فيه لعدم تنبههم للغرض، لجهودهم بظاهر الألفاظ، \"معارف السنن\" (١/ ٢٩٢).","vol":"3","page":609},{"text":"٦٦١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- (١) يُسَوِّينَا فِى الصُّفُوفِ كَمَا يُقَوَّمُ الْقِدْحُ (٢)، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنْ (٣) قَدْ أَخَذْنَا ذَلِكَ عَنْهُ وَفَقِهْنَا (٤) أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ بِوَجْهِهِ إِذَا رَجُلٌ مُنْتَبِذٌ بِصَدْرِهِ فَقَالَ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». [خ ٧١٧، م ٤٣٨، ت ٢٢٧، ن ٨١٠، جه ٩٩٤، حم ٤/ ٢٧٦]\n===\n٦٦١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول) أي النعمان: كان النبي - ﷺ - يسوينا في الصفوف كما يُقوَّم) أي يُسوَّى (القدح) وهو خشب السهم إذا بَرَى وأصلح قبل أن يركب فيه النصل والريش، (حتى إذا ظن أن قد أخذنا) أي تعلمنا (ذلك) أي تسوية الصفوف (عنه وفقهنا) أي فهمنا ذلك منه (أقبل) أي التفت إلينا (ذات يوم بوجهه إذا رجل منتبذ بصدره) أي متفرد بتقديم صدره وإخراجه من مساواة الصف، (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم).\nقال النووي (٥): قيل: معناه يمسخها ويحولها عن صورها لقوله - ﷺ -: \"يجعل الله تعالى صورته صورة حمار\"، وقيل: يغير صفاتها، والأظهر - والله أعلم- أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلات القلوب، كما يقال: تغير وجه فلان عليَّ، أي ظهر لي من وجهه كراهة لي وتغير قلبه عليَّ، لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن، انتهى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"القداح\".\n(٣) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٤) وفي نسخة: \"صففنا\".\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٩٤).","vol":"3","page":610},{"text":"٦٦٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ وَأَبُو عَاصِمِ بْنِ جَوَّاسٍ الْحَنَفِىُّ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ الْيَامِىِّ (١)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»، وَكَانَ (٢) يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأُوَلِ». [ن ٨١١، دي ١٢٦٤، حم ٤/ ٢٩٦، خزيمة ١٥٥٦، ك ١/ ٥٧٣]\n٦٦٣ - حَدَّثَنَا (٣) ابْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ - يعني ابْنُ الْحَارِثِ -، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى صَغِيرَةَ -،\n===\n٦٦٢ - (حدثنا هناد بن السري وأبو عاصم بن جواس) بفتح الجيم وتشديد الواو آخره مهملة، أحمد (الحنفي) الكوفي، ثقة، مات سنة ٢٣٨ هـ، (عن أبي الأحوص) سلام، (عن منصور) بن المعتمر، (عن طلحة اليامي، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال) أي البراء: (كان رسول الله - ﷺ - يتخلل الصف) أي يدخل خلال الصفوف (من ناحية إلى ناحية) أي فيمشي من ناحية الصف إلى ناحية أخرى (يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: لا تختلفوا) أي بالتقدم والتأخر (فتختلف قلوبكم) أي أهويتها وإراداتها (وكان) - ﷺ - (يقول: إن الله ﷿ وملائكته يصلون) أي يرحم الله ويدعون (على الصفوف الأُوَل) أي لأهل الصف الأول فالأول على ترتيب الصفوف.\n٦٦٣ - (حدثنا ابن معاذ، ثنا خالد -يعني ابن الحارث-، ثنا حاتم- يعني ابن أبي صغيرة-) بمهملة ومعجمة مكسورة، ابن مسلم، أبو يونس القشيري، وقيل: الباهلي مولاهم، البصري، وأبو صغيرة أبو أمه، وقيل: زوج أمه،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الأيامي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رسول الله - ﷺ -\".\n(٣) زاد في نسخة: \"عبيد الله\".","vol":"3","page":611},{"text":"عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُسَوِّى - يعني صُفُوفَنَا - إِذَا قُمْنَا لِلصَّلَاةِ فَإِذَا (١) اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ\". [مضى برقم ٦٦٠]\n٦٦٤ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغَافِقِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ (٢) - وَحَدِيثُ ابْنِ وَهْبٍ أَتَمُّ -، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِى الزَّاهِرِيَّةِ،\n===\nوثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن سعد، وعن أحمد: ثقة ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن سماك قال: سمعت النعمان بن بشير قال) أي النعمان: (كان رسول الله - ﷺ - يُسَوِّي يعني صفوفنا) زاد لفظ \"يعني\" إشارة إلى أن الراوي لم يحفظ اللفظ، ولكن معناه صفوفنا، وهو كلام أحد من الرواة (إذا قمنا (٣) للصلاة، فإذا استوينا أكبر) أي رسول الله - ﷺ - للإحرام.\n٦٦٤ - (حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي) مولاهم، أبو موسى المصري، قال النسائي: لا بأس به، قال الطحاوي: وهو أبي من الرضاعة، قال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا، وقال مسلمة بن قاسم: مصري ثقة، وقال ابن أبي حاتم: هو شيخ مجهول.\n(ثنا ابن وهب، ح وحدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث- وحديث ابن وهب أتم-) أي من حديث الليث، (عن معاوية) أي كلاهما عن معاوية (بن صالح، عن أبي الزاهرية (حدير بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وسكون تحتية\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إذا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) والقيام إلى الصلاة يكون بعد الإِقامة، فالتسوية بعد الإِقامة بالأولى، وهذا هو المشهور، وذهب بعض أصحابنا إلى أن يسويها في أواخر الإِقامة، فإذا تمت الإِقامة أكبر، وهو خلاف النص. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":612},{"text":"عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - قَالَ قُتَيْبَةُ: عَنْ أَبِى الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ أَبِى شَجَرَةَ، لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عُمَرَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِى إِخْوَانِكُمْ» - لَمْ يَقُلْ عِيسَى «بِأَيْدِى إِخْوَانِكُمْ» - «وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ\n===\nفراء، ابن كريب مصغرًا، الحضرمي الحمصي، وثَّقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان والنسائي، وقال الدارقطني: لا بأس به إذا روى عنه ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن كثير بن مرة) الحضرمي الرهاوي، أبو شجرة، وثَّقه ابن سعد والعجلي، وقال النسائي: لا بأس به، وقال ابن خراش: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عبد الله بن عمر، قال قتيبة: عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة لم يذكر ابن عمر) وهذا قول أبي داود، حاصل كلامه أن قتيبة رواه عن أبي الزاهرية، فذكر شيخه كثير بن مرة بكنيته، ولم يذكر ابن عمر فروايته مرسلة، فخالف عيسى في أمرين، فإنه ذكره باسم علمه، وذكر ابن عمر فذكره موصولًا.\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: أقيموا الصفوف) والمراد بإقامة الصفوف تسويتها واعتدالها وسد الخلل فيها (وحاذوا بين المناكب) قال في \"المجمع\" (١): وحاذوا بالأعناق بأن لا يقف أحد مكانًا أرفع من مكان آخر، ولا عبرة بنفس الأعناق، إذ ليس على الطويل أن يجعل عنقه محاذيًا لعنق القصير.\n(وسدوا الخلل) أي ليضم بعضكم بعضًا (ولينوا بأيدي إخوانكم) أي إذا وضع اليد عليكم للتقدم والتأخر، فلينوا له (٢) وانقادوا ولا تستنكفوا منه (لم يقل عيسى: بأيدي إخوانكم) وذكره قتيبة فقط (ولا تذروا) أي لا تتركوا (فرجات)\n_________\n(١) (١/ ٤٧٦).\n(٢) وهذا أولى وأليق بما قاله الخطابي: إن معنى لين المنكب: السكون والخشوع. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":613},{"text":"لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ». [حم ٢/ ٩٧، كاملًا. ن ٨١٩، ك ١/ ٢١٣، خزيمة ١٥٤٩، مختصرًا]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو شَجَرَةَ: كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ. (١). (٢)\n٦٦٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا،\n===\nأي بين الصف (للشيطان) أي لدخوله فيه، فإنه إذا بقي فرجة بين الصف يدخله الشيطان كأنها الحذف، كما سيأتي في الحديث الآتي، (ومن وصل صفًا وصله الله) أي برحمته (ومن قطع صفًا قطعه الله) أي عن رحمته.\n(قال أبو داود: أبو شجرة) اسمه (كثير بن مرة).\n٦٦٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان) العطار، (عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن رسول الله - ﷺ - قال: رُصُّوا صفوفكم) الرص ضم البعض إلى البعض مثل لبنات الجدار، أي كونوا في الصف كأنه بنيان مرصوص، (وقاربوا بينها) أي بين الصفوف، أي لا تفصلوا بين الصفوف فصلًا كثيرًا، وقد صرح الحنفية بشرطية اتحاد المكان لجواز الصلاة.\nقال في \"البدائع\" (٣): ومنها اتحاد مكان الإِمام والمأموم، لأن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة، والمكان من لوازم الصلاة، فيقتضي التبعية في المكان ضرورة، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان، فتنعدم التبعية في الصلاة لانعدام لازمها، ولأن اختلاف المكان يوجب خفاء حال الإِمام على المقتدي، فتتعذر عليه المتابعة التي هي معنى الاقتداء، حتى إنه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال يزيد بن حبيب: أدرك كثير بن مرة سبعين بدريًا\".\n(٢) وفي \"عون المعبود\" (٢/ ٣٦٦) زيادة في آخر الحديث: \"قال أبو داود: ومعنى \"لينوا بأيدي إخوانكم\": إذا جاء رجل إلى الصف، فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يُلين له كل رجل منكبيه، حتى يدخل في الصف\".\n(٣) (١/ ٣٦١).","vol":"3","page":614},{"text":"وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إِنِّى لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ». [ن ٨١٥، ق ٣/ ١٠٠، خزيمة ١٥٤٥]\n٦٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ». [خ ٧٢٣، م ٤٣٣، جه ٩٩٣، ق ٣/ ١٠٠]\n===\nلو كان بينهما طريق عام يمر فيه الناس أو نهر عظيم لا يصح الاقتداء.\nوأصله ما روي عن عمر موقوفًا ومرفوعًا أنه قال: \"من كان بينه وبين الإِمام نهر أو طريق أو صف من النساء فلا صلاة له\"، انتهى.\n(وحاذوا بالأعناق) أي ليجعل كل واحد منكم عنقه محاذية بعنق صاحبه (فوالذي نفسي بيده إني لأرى (١) الشيطان يدخل من خلل الصف) أي في فرجاته (كأنها) أي الشيطان (الحذف) قال في \"المجمع\" (٢): ضمير \"كأنها\" إلى مقدر، أي جعل نفسه شاة أو ماعزة، ويجوز تأنيثه باعتبار الحذف، وفي \"القاموس\": والحذف محركة: غنم سود صغار حجازية أو جرشية بلا أذناب ولا آذان، وهذا القول يتفرع على قوله: رصّوا.\n٦٦٦ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي وسليمان بن حرب قالا: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال) أي أنس: (قال رسول الله - ﷺ -: سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام (٣) الصلاة) أي من حسنها وكمالها، وفي لفظ البخاري: \"من إقامة الصلاة\"، واستدل ابن حزم بذلك على وجوب التسوية قال: لأن إقامة\n_________\n(١) وفي نسخ معتمدة: \"لا أرى\" بزيادة الألف، فإن صح فمحمول على الزيادة كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٧٥).\n(٣) قال ابن رسلان: فيه قرينة صارفة للأوامر عن الوجوب خلافًا لمن أوجبه كابن حزم وغيره، قال القاضي عياض: معنى تمام الصلاة وحسنها وكمالها واحد. (ش).","vol":"3","page":615},{"text":"٦٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ السَّائِبِ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ تَدْرِى لِمَ صُنِعَ هَذَا الْعُودُ؟\n===\nالصلاة واجبة، وكل شيء من الواجب واجب، واستدل ابن بطال بما في البخاري من حديث أبي هريرة: \"فإن إقامة الصف من حسن الصلاة\" على أن التسوية سنَّة، قال: لأن حسن الشيء زيادة على كماله، وقال ابن دقيق العيد: قد يؤخذ من قوله: \"تمام الصلاة\" الاستحباب، لأن تمام الشيء في العرف أمر خارج عن حقيقته التي لا يتحقق إلَّا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على ما لا تتم الحقيقة إلَّا به، قاله في \"النيل\" (١).\nقال العيني (٢): ولا خفاء في أن تسوية الصف ليست من حقيقة الصلاة، وإنما هي من حسنها وكمالها، وإن كانت هي في نفسها سنَّة أو واجبة (٣) أو مستحبة على اختلاف الأقوال.\n٦٦٧ - (حدثنا قتيبة، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي، قال أحمد: ضعيف الحديث، لم أر الناس يحمدون حديثه، وعن ابن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة) المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال) أي محمد: (صليت إلى جنب أنس بن مالك يومًا فقال: هل تدري لِمَ صُنِعَ هذا العود؟) (٤)، وأشار إلى العود الذي كان في\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٢٣).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٥٧).\n(٣) وأفرط ابن حزم فقال: شرط يبطل الصلاة بفوتها، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٢٩٦). (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: إشارة إلى عود مُعَدٍّ لتسوية الصفوف. (ش).","vol":"3","page":616},{"text":"فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَضَعُ عَلَيْهِ يَدَهُ فَيَقُولُ (١): «اسْتَوُوا وَاعَدِلُوا صُفُوفَكُمْ». [حم ٣/ ١٥٤، ق ٢/ ٢٢]\n٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَنَسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَخَذَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ: «اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفُوفَكُمْ»، ثُمَّ أَخَذَهُ بِيَسَارِهِ فَقَالَ: «اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفُوفَكُمْ». [انظر سابقه]\n===\nالمسجد النبوي (فقلت: لا والله) أي لا أعلم لِمَ صُنِعَ هذا؟ (قال) أنس: (كان رسول الله - ﷺ - يضع عليه يده (٢) فيقول: استووا) أي اعتدلوا (واعدلوا) أي سووا (صفوفكم).\n٦٦٨ - (حدثنا مسدد، ثنا حميد بن الأسود) بن الأشقر البصري، أبو الأسود الكرابيسي، وثَّقه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: ليس به بأس، وقال الساجي والأزدي: صدوق، وقال أحمد: سبحان الله! ما أنكر ما يجيء به، وكان عفان يحمل عليه، وأخرجه البخاري مقرونًا بغيره في الموضعين.\n(ثنا مصعب بن ثابت، عن محمد بن مسلم، عن أنس بهذا الحديث) أي بمعنى الحديث المتقدم، ولفظه (قال) أنس: (إن رسول الله - ﷺ - كان إذا قام إلى الصلاة أخذه) أي هذا العود (بيمينه) أي بيده اليمنى (ثم التفت) إلى أهل اليمين في الصف (فقال: اعتدلوا) أي استووا (سووا صفوفكم) أي أعدلوا، (ثم أخذه بيساره) أي بيده اليسرى (فقال: اعتدلوا سووا صفوفكم).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) حين يسوي الصفوف، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":617},{"text":"٦٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِى ابْنَ عَطَاءٍ -، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ (١)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِى يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِى الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ». [ن ٨١٨، حم ٣/ ١٣٢، ق ٣/ ١٠١]\n٦٧٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَمِّى عُمَارَةُ بْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\n===\n٦٦٩ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا عبد الوهاب - يعني ابن عطاء -، عن سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: أتموا) أي أكملوا (الصف المقدم) أي الأول (٢) (ثم الذي) أي الصف الذي (يليه) أي يتصل بالأول وهو الثاني (فما كان من نقص) أي نقصان لقلة الرجال (فليكن) أي النقص (في الصف المؤخر).\n٦٧٠ - (حدثنا ابن بشار) محمد، (ثنا أبو عاصم، ثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان) حجازي، قال ابن المديني: مجهول، ما روى عنه غير أبي عاصم، وقال ابن القطان: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: أخبرني عمي عمارة بن ثوبان) حجازي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عبد الحق: ليس بالقوي، فرد ذلك عليه ابن القطان، وإنما هو مجهول الحال، وقال في \"الخلاصة\": وثَّقه ابن حبان.\n(عن عطاء، عن ابن عباس - ﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن مالك\".\n(٢) واختلف العلماء في تفسير الصف الأول، أجملها ابن رسلان، وللعلامة محمد حسن رسالة وجيزة في أحكام الصفوف. (ش).","vol":"3","page":618},{"text":"\"خَيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ في الصلاةِ (١) \" (٢). [خزيمة ١٥٦٦، ق ٣/ ١٠١، طس ٥٢١٧، ٥٢٩١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>(٩٧) بَابُ الصُّفُوفِ بَيْنَ السَّوَارِي </span>(٣)\n٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ،\n===\nخياركم ألينكم مناكب في الصلاة) مناكب منصوب على التمييز، قيل: معناه أنه إذا كان في الصف وأمره أحد بالاستواء ويضع يده على منكبه ينقاد ولا يتكبر، فالمعنى أسرعكم انقيادًا.\nقال الخطابي (٤): معناه لزوم السكينة والطمأنينة بحيث لا يلتفت، ولا يجاوز منكبه منكب من بجنبه، ولا يمنع من أراد دخولًا في صف لسد فرجة أو لضيق مكان، بل يمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه، وقال في \"المجمع\" (٥): هو بمعنى السكون والوقار والخشوع.\n(٩٧) (بَابُ الصُّفُوفِ بَيْنَ السَّوَارِي) جمع سارية وهي الأسطوانة\n٦٧١ - (حدثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان) الثوري، (عن يحيى بن هانئ) بن عروة بن قعاص المرادي، أبو داود الكوفي، قال\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: جعفر بن يحيى من أهل مكة\".\n(٢) في تحفة الأشراف: (١٠/ ٥٥٢) رقم (١٥٥٦٠) حديث لأبي داود في وصل الصفوف، ونصه: خالد بن معدان الكلاعى، عن بعض أصحاب النبى - ﷺ - حديث: خطوتان: إحداهما هي أحب الخطا إلى الله ... \" الحديث.\nأبو داود في الصلاة، عن عمرو بن عثمان، عن بقية، عن بَحِير، عن خالد، به.\nقال المزي: هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد عن أبي داود ولم يذكره أبو القاسم.\n(٣) وفي نسخة: \"باب الصلاة والصف بين السواري\".\n(٤) \"معالم \"السنن\" (١/ ٢٤٥).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٢٧).","vol":"3","page":619},{"text":"عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ قَالَ: \"صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدُفِعْنَا إِلَى السَّوَارِى فَتَقَدَّمْنَا وَتَأَخَّرْنَا، فَقَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَتَّقِى هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\". [ن ٨٢١، ت ٢٢٩، حم ٣/ ١٣١، ق ٣/ ١٠٤، ك ١/ ٢١٠، خزيمة ١٥٦٨، حب ٢٢١٨]\n===\nشعبة: سيد أهل الكوفة، ووثَّقه ابن معين، ويعقوب بن سفيان، والنسائي، وأبو حاتم، وزاد: صالح من سادات أهل الكوفة، وقال الدارقطني: يحتج به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الحميد بن محمود) المعولي بكسر ميم وفتحها وسكون عين مهملة وفتح واو وخفة لام، نسبة إلى معولة بن شمس، بطن من الأزد، ويقال: الكوفي، وثَّقه النسائي، وقال الدارقطني: كوفي يحتج به، له عندهم حديث واحد في الصلاة إلى السواري، وقال عبد الحق في \"الأحكام\": لا يحتج به، فرد ذلك عليه ابن القطان، وقال: لم أر أحدًا ذكره في الضعفاء.\n(قال: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعنا) أي بسبب الزحمة وحطمة الناس (إلى السواري فتقدمنا وتأخرنا) (١) أي تقدم بعضنا وتأخر بعضنا كراهية أن تقوم بين السواري، (فقال أنس: كنا نتقي هذا) أي عن القيام بين السواري (على عهد رسول الله - ﷺ -).\nواختلف في الصف بين السواري، قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل\n_________\n(١) وأفاد الوالد في \"تقريره\": أي سرنا مقدمًا ومؤخرًا لأجل قيامنا بين السواري، وذلك لأن بعض سواري المسجد النبوي ليست بمستوية كما هو شاهد الآن أيضًا، وعلى هذا رواية أبي داود هذه توافق ما سيأتي في \"البذل\" من لفظ الترمذي والنسائي، وقال ابن العربي (٢/ ٢٧) وكذا العيني (٣/ ٥٨٣) في سبب المنع: وذلك إما لانقطاع الصفوف، أو لأنه موضع صلاة الجن من المؤمنين، أو لأنه موضع جمع النعال ولا خلاف في جوازه عند الضرورة، وحكى صاحب \"المنهل\" (٥/ ٦٢) كراهته مطلقًا سواء المنفرد والجماعة عند المالكية، وعن أحمد كراهته للمأمومين لا لغيرهم، وعن الكوفيين الإِباحة مطلقًا، وعن الشافعي كراهته للمنفرد دون الجماعة. (ش).","vol":"3","page":620},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالعلم أن يصف بين السواري، وبه قال أحمد وإسحاق، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك.\nوقال الشوكاني (١): وبالكراهة قال النخعي، وروى سعيد بن منصور في \"سننه\" النهي عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة، قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة.\nورخص فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المنذر قياسًا على الإِمام والمنفرد، قالوا: وقد ثبت أن النبي -صلي الله عليه وسلم- صلَّى في الكعبة بين ساريتين.\nقال ابن رسلان: وأجازه الحسن وابن سيرين، وكان سعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين وهو قول الكوفيين.\nقال ابن العربي: ولا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد فلا بأس به، وقد صلَّى - ﷺ - في الكعبة بين سورايها، انتهى.\nواستدلوا على الكراهة بهذا الحديث وبحديث أخرجه ابن ماجه عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: \"كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله - ﷺ - ونطرد عنها طردًا\".\nقال الشوكاني: ويشهد له ما أخرجه الحاكم وصححه من حديث أنس بلفظ: \"كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها\"، وقال: \"لا تصلوا بين الأساطين وأتموا الصفوف\".\nووجه استدلالهم على الكراهة بهذه الأحاديث بأن حديث أنس الذي أخرجه أبو داود وغيره، وحديث أنس الذي أخرجه الحاكم وصححه مطلق، وحديث معاوية بن قرة عن أبيه مقيد بالجماعة، فيحمل المطلق على المقيد، ويكون النهي مختصًا بصلاة المؤتمين بين السواري دون صلاة الإِمام والمنفرد.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٢٨).","vol":"3","page":621},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالجواب عنه بأن حديث معاوية بن قرة الذي عليه مدار استدلالهم ضعيف، لأن في إسناده هارون بن مسلم البصري، وهو مجهول، كما نقله الشوكاني عن أبي حاتم، فالقيد لا يمكن أن يثبت إلَّا بهذا الحديث، وهذا الحديث لا يحتج به، فلا يثبت القيد، فلا يحمل المطلق على المقيد، وأما حديثا أنس فقد سقطا بما صح عن رسول الله - ﷺ - أنه صلَّى في الكعبة بين الساريتين، فعلى هذا لم يبق إلَّا جواز الصلاة بين السواري، وهذا أعدل الأقوال وأقواها في هذا الباب.\nفقول الشوكاني: وما تقدم من قياس المؤتمين على الإِمام والمنفرد فاسد الاعتبار لمصادمته لأحاديث الباب، غلط وفاسد، وقول المجوزين مؤيد بالحديث الصحيح.\nوقد صرح شمس الأئمة السرخسي في \"مبسوطه\" (١) في باب صلاة الجمعة: والاصطفاف بين الأسطوانتين غير مكروه، لأنه صف في حق كل فريق وإن لم يكن طويلًا، وتخلل الأسطوانة بين الصف كتخلل متاع موضوع، أو كفرجة بين الرجلين، وذلك لا يمنع صحة الاقتداء ولا يوجب الكراهة، انتهى.\nوفي رواية أخرجها الترمذي والنسائي عن عبد الحميد بن محمود قال: \"صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرَّنا الناس فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله - ﷺ - \"، وهذا الحديث يدل على أنهم صلَّوا بين الساريتين، وحديث أبي داود يدل على أنهم لم يصلوا بين الساريتين بل تقدموا وتأخروا.\nفالجواب عنه لعل بعض من وجد الفرجة في الصف المقدم أو المؤخر تقدم وتأخر، وبعض من لم يجد الفرجة صلَّى بين الساريتين، ولأجل ذلك وقع الاختلاف في البيان.\n_________\n(١) (٢/ ٣٥).","vol":"3","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>(٩٨) باب مَنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِىَ الإِمَامَ فِى الصَّفِّ وَكَرَاهِيَةِ التَّأَخُّرِ</span>\n٦٧٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأنصاري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لِيَلِينِى مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى،\n===\n\n(٩٨) (بَابُ مَنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِيَ الإِمَامَ في الصَّفِّ، وَكَرَاهِيَّةِ التَّأخُّرِ)\n٦٧٢ - (حدثنا ابن كثير، أنا سفيان) الثوري، (عن الأعمش) سليمان، (عن عمارة بن عمير) مصغرًا، التيمي الكوفي، رأى عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما-، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي، وكذا قال ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة بفتح السين المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحدة، الأزدي، أبو معمر الكوفي، وثَّقه يحيى بن معين والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي مسعود الأنصاري) البدري (قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليليني منكم) هو بكسر (١) اللامين وتشديد النون وفتح الياء التي قبلها على صيغة الأمر، أي ليقرب مني (أولو الأحلام) جمع حلم بالكسر كأنه من الحلم والسكون والوقار والأناة والتثبت في الأمور وضبط النفس عن هيجان الغضب، ويراد به العقل، لأنها من مقتضيات العقل وشعار العقلاء، وقيل: أولو الأحلام البالغون، والحلم بضم الحاء البلوغ، وأصله ما يراه النائم.\n(والنُّهى) بضم النون جمع نهية (٢)، وهو العقل الناهي عن القبائح، وإنما\n_________\n(١) إما بتخفيف النون بدون الياء أو مع الياء وتثقيل النون. \"ابن رسلان\"، فالياء مع التخفيف غلط أو إشباع، كما قاله القاري (٣/ ٦٩)، وقال النووي (٢/ ٣٩٣): بكسر اللامين بدون الياء قبل النون وتخفيف النون. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) كالمدى والمدية، وقيل: مصدر كالهدى. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":623},{"text":"ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ\". [م ٤٣٢، ت ٢٢٨، ن ٨١٢، حم ١/ ٤٥٧، خزيمة ١٥٧٢، حب ٨٢١، ق ٣/ ٩٦]\n٦٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِى مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِثْلَهُ وَزَادَ: «وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأَسْوَاقِ». [م ٤٣٢، ت ٢٢٨، ن ٨٠٧، حم ١/ ٤٥٧، جه ٩٧٦، وانظر تخريج الحديث السابق]\n===\nأمرهم بالدنو لشرفهم ومزيد تفطنهم وضبطهم لصلاته، وإن حدث به عارض يخلفوه للإمامة.\n(ثم الذين يلونهم) كالمراهقين، أو الذين يقربون الأولين في النهى والحلم (ثم الذين يلونهم) كالصبيان المميزين، أو الذي هم أنزل مرتبة من المتقدمين حلمًا وعقلًا، والمعنى أنه هلم جرًا فالتقدير: ثم الذين يلونهم كالنساء، وقيل: المراد بهم الخناثي، ففيه إشارة إلى ترتيب (١) الصفوف، قاله القاري (٢).\n٦٧٣ - (حدثنا مسدد، ثنا يريد بن زريع، ثنا خالد) الحذاء، (عن أبي معشر) زياد بن كليب، (عن إبراهيم) النخعي، (عن علقمة، عن عبد الله) بن مسعود، (عن النبي - ﷺ - مثله) أي مثل حديث أبي مسعود المتقدم.\n(وزاد) أي عبد الله في حديثه: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق) جمع هيشة، وهي رفع الأصوات، نهاهم عنها، لأن الصلاة حضور بين الحضرة الإلهية، فينبغي أن يكونوا فيها على السكون وآداب العبودية، وقيل: هي الاختلاط.\n_________\n(١) والترتيب بين الرجال والنساء واجب، وبين الرجال والصبيان ليس بواجب ... إلخ. \"أنوار المحمود\" (١/ ٢٤٥). (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦٩).","vol":"3","page":624},{"text":"٦٧٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ». [جه ١٠٠٥، ق ٣/ ١٠٣، حب ٢١٥٧]\n===\nوالمعنى لا تكونوا مختلطين اختلاط أهل الأسواق، فلا يتميز أصحاب الأحلام والعقول عن غيرهم، ولا يتميز الإناث والصبيان عن غيرهم في المتقدم والتأخر، وهذا المعنى هو الأنسب بالمقام، ويجوز أن يكون المعنى قوا أنفسكم من الاشتغال بأمور الأسواق، فإنه يمنعكم عن أن تلوني، قاله القاري (١).\n٦٧٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان) الثوري، (عن أسامة بن زيد) الليثي، (عن عثمان بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، كان أصغر من هشام لكنه مات قبله، وكانت أمه أم يحيى عمة عبد الملك بن مروان، وكان من وجوه قريش وساداتهم، وثَّقه ابن معين والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ١٣٦ هـ.\n(عن عروة، عن عائشة (٢) قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) جمع ميمنة، وهذا الحديث يدل على شرف يمين الصفوف، كما ذكر في التفسير: إن الله ينزل الرحمة أولًا على يمين الإِمام إلى آخر اليمين، ثم على اليسار إلى آخره، وقيل: إذا خلا اليسار عن المصلين يصير أفضل من اليمين مراعاة للطرفين.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦٩).\n(٢) ومناسبة الحديث بالترجمة أن يقال: إنه لما ذكر الترتيب بين الصفوف ناسب ذكر جزئي الصف الواحد الميمنة والميسرة. (ش).","vol":"3","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>(٩٩) بَابُ مَقَامِ الصِّبْيَانِ مِنَ الصَّفِّ</span>\n٦٧٥ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ الرَّقَّامُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بُدَيْلٌ، حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: قَالَ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِىُّ:\n===\n\n(٩٩) (بَابُ مَقَامِ الصِّبْيَانِ مِنَ الصَّفِّ)\n٦٧٥ - (حدثنا عيسى بن شاذان) القطان البصري، الحافظ، نزيل مصر، قال أبو داود: ما رأيت أحمد مدح إنسانًا قط إلَّا عيسى بن شاذان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من الحفاظ، مات وهو شاب، وقال مسلمة: ثقة.\n(ثنا عياش) بن الوليد (الرقام) (١) براء مفتوحة وقاف مشددة، القطان، أبو الوليد البصري، وثَّقه أبو حاتم، وقال أبو داود: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٢٦ هـ.\n(ثنا عبد الأعلى، ثنا قرة بن خالد) السدوسي البصري، وثَّقه أحمد وابن معين وابن سعد والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وزاد: كان متقنًا، وقال الطحاوي: ثبت متقن ضابط.\n(ثنا بديل) بن ميسرة، (ثنا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم) بفتح المعجمة وسكون النون، الأشعري، مختلف في صحبته، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين، مات سنة ٧٨ هـ.\n(قال) أي عبد الرحمن: (قال أبو مالك الأشعري) له صحبة، واختلف في اسمه على ستة أقوال، توفي في خلافة عمر في طاعون عمواس،\n_________\n(١) بفتح الراء وتشديد القاف، نسبة إلى الرقم على الثياب التي تجلب من فارس. \"كتاب الأنساب\" للسمعاني (٢/ ٣٢٠)، وقال ابن رسلان: نسبة إلى رقم الثياب ونقشها ووشيها. (ش).","vol":"3","page":626},{"text":"\"أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ النَّبِىِّ (١) -ﷺ-؟ قَالَ: فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَفَّ الرِّجَالَ وَصَفَّ الْغِلْمَانَ (٢) خَلْفَهُمُ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ، قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: لَا أَحْسَبُهُ إلَّا قَالَ (٣): «أُمَّتِى». [حم ٥/ ٣٤١]\n===\n(ألا) حرف تنبيه، ويحتمل أن يكون الهمزة للاستفهام ولا للنفي (أحدثكم بصلاة النبي - ﷺ -؟ قال) أبو مالك: (فأقام) رسول الله - ﷺ - (الصلاة، فصف الرجال) أي جعلهم صفًا مقدمًا (وصف الغلمان) أي الصبيان (خلفهم) أي الرجال (ثم صلَّى بهم) أي بالرجال والغلمان (فذكر) أي أبو مالك (صلاته) وهذا قول أبي داود اختصره، وأخرجه الإِمام أحمد (٤) في \"مسنده\" مطولًا.\n(ثم قال) أي رسول الله - ﷺ -: (هكذا) أي مثل ما صليت لكم (صلاة، قال عبد الأعلى) الراوي: (لا أحسبه) أي شيخي قرة بن خالد (إلَّا قال: أمتي) أي هكذا صلاة أمتي.\nوهذا الحديث يدل على ترتيب صفوف الرجال والغلمان والنساء بأن تكون صفوف الرجال مقدمة ثم صفوف الصبيان ثم صفوف النساء (٥).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"خلفهم الغلمان\".\n(٣) وفي نسخة: \"إلَّا قال صلاة أمتي\".\n(٤) وبسط طرقه الزيلعي (٢/ ٣٦). (ش).\n(٥) وبه قال الجمهور، وقال مالك وبعض الشافعية: يقف بين كل رجلين صبي ليتعلم الصلاة عنهما، قاله الشعراني، قال ابن رسلان: والحديث حجة على هذا القول. (ش).","vol":"3","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>(١٠٠) باب صَفِّ النِّسَاءِ وَكَرَاهِيَةِ التَّأَخُّرِ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ</span>\n٦٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». [م ٤٤٠، ت ٢٢٤، ن ٨٢٠، جه ١٠٠٠، حم ٢/ ٣٣٦، ق ٣/ ٩٧، خزيمة ١٥٦١]\n===\n\n(١٠٠) (بَابُ صَفِّ النِّسَاءِ) والتأخر، وفي نسخة (وَكَرَاهَة التَّأَخُّرِ عَنِ الصَّفِّ الأوَّلِ)\n٦٧٦ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، ثنا خالد) بن عبد الله الواسطي (وإسماعيل بن زكريا) بن مرة الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام، أبو زياد الكوفي، لقبه شَقُوْصَا بفتح المعجمة وضم القاف الخفيفة وبالمهملة، صدوق، يخطئ قليلًا.\n(عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) ذكوان، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: خير صفوف الرجال أولها) (١) لمسارعتهم إلى الخير، وإحرازهم الفضيلة، واستماعهم قراءة القرآن، ومشاهدتهم لأفعال الإِمام (وشرها آخرها) لأنهم المتأخرون من رحمته وعظيم فضله ورفيع المنزلة، ولقربهم من النساء وبعدهم من الإِمام (وخير صفوف النساء آخرها) لبعدهن من الرجال (وشرها أولها) لقربهن من الرجال.\nقال الطيبي: الرجال مأمورون بالتقدم، فمن كان أكثر تقدمًا، فهو أشد تعظيمًا لأمر الشرع، فيحصل له من الفضيلة ما لا يحصل لغيره، وأما النساء\n_________\n(١) ذكر ابن العربي له أربعة أوجه: الأول: فيه المسارعة إلى الخيرات، الثاني: مقدم المسجد أفضل من مؤخره، الثالث: قرب الإِمام مطلوب لقوله ﵇: \"ليلني منكم\" الحديث، الرابع: البكور إلى الصلاة. (ش). [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٤)].","vol":"3","page":628},{"text":"٦٧٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ فِى النَّارِ». [خزيمة ١٥٥٩، حب ٢١٥٦، ق ٣/ ١٠٣]\n٦٧٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ،\n===\nفمأمورات بالاحتجاب والتأخر، والظاهر أن الصف الأول ما لم يكن مسبوقًا بصف آخر.\nوقال ابن حجر: الصف الأول، هو الذي يلي الإِمام وإن تخلله نحو منبر، وإن تأخر أصحابه في المجيء، وقيل: الأول ما لم يتخلله شئ، وإن تأخر أصحابه، وعليه الغزالي، وقيل: هو من جاء أوَّلًا وإن صلَّى في صف متأخر، انتهى، قاله القاري (١).\n٦٧٧ - (حدثنا يحيى بن معين، ثنا عبد الرزاق، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول)، أي لا يهتمون لإدراك فضِيلة الصف الأول، ولا يبالون به (حتى يؤخرهم الله) أي يجعلهم الله آخر الأمر (في النار) أو لا يخرجهم الله من النار في الأولين، أو يؤخرهم عن الداخلين في الجنة بإدخالهم النار أولًا، أو يؤخرهم في النار أن يوقعهم في أسفل ما للمؤمنين من درك النار.\n٦٧٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله الخزاعي قالا: ثنا أبو الأشهب) جعفر بن حيان السعدي العطاردي البصري الخزاز الأعمى، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وابن سعد، وقال ابن المديني: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٧٠).","vol":"3","page":629},{"text":"عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى فِى أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأتَمُّوا بِى، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ ﷿». (١). [م ٤٣٨، ن ٧٩٥، جه ٩٧٨، حم ٣/ ١٩، خزيمة ١٦١٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>(١٠١) بَابُ مَقَامِ الإِمَامِ مِنَ الصَّفِّ</span>\n٦٧٩ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، ثنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن يَحْيَى بْنِ\n===\n(عن أبي نضرة) منذر بن مالك، (عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله - ﷺ - رأى في أصحابه تأخرًا) أي عن الصف الأول (فقال لهم: تقدموا) أي في الصف الأول (فأتموا بي) أي اقتدوا بي، وتعلموا صلاتي (وليأتم بكم من (٢) بعدكم) أي التابعون لكم، أو المراد الصف الثاني (ولا يزال قوم يتأخرون) عن الصف الأول، أو عن الخيرات، أو عن العلم، أو عن اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل (حتى يؤخرهم الله ﷿) أي في دخول الجنة، أو من رحمته وعظيم فضله.\n\n(١٠١) (بَابُ مَقَامِ الإمَامِ مِنَ الصَّفِّ)\n٦٧٩ - (حدثنا جعفر بن مسافر، ثنا ابن أبي فديك، عن يحيى بن\n_________\n(١) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٢٤٣) رقم (١٨٤٠٥) حديثًا لأبي داود من رواية أبي سعيد ابن الأعرابي، ونصه: أبو داود حديث عن إبراهيم، قال: \"مبنى الصف الأول قصد الإِمام\".\nأبو داود في الصلاة عن أبي سلمة، عن هشيم، عن العوام - وهو ابن حوشب - عن عبد الملك الأعور صاحب إبراهيم، عن إبراهيم، به.\n(٢) قال ابن رسلان في أول الباب: أي يقتدون بي مستدلين بأفعالكم، وتمسك به الشعبي على ما قاله إن كل صف منهم إمام لمن وراءه، وعامة الفقهاء لا يقولون بهذا، لأن ذاك الكلام يحتمل أن يراد به الاقتداء بالمأمومين، وأن يراد به في نقل أقواله وأفعاله، انتهى. وترجم البخاري لمسلك الشعبي بلفظ \"باب الرجل يأتم بالإِمام\"، قال العلامة العيني (٤/ ٣٤٧): الظاهر أن ميل البخاري إلى مذهب الشعبي، أعني جواز الائتمام بالمأموم. (ش).","vol":"3","page":630},{"text":"بَشِيرِ بْنِ خَلَاّدٍ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِىِّ فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَسِّطُوا الإِمَامَ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ». [ق ٣/ ١٠٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>(١٠٢) بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّيَ وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ</span>\n٦٨٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ وَابِصَةَ\n===\nبشير بن خلاد) الأنصاري المدني، قال ابن القطان: مجهول، (عن أمه) هي أمة الواحد بنت يامين بن عبد الرحمن بن يامين، والدة يحيى بن بشير بن خلاد، سماها بقي بن مخلد في \"مسنده\"، ولم يسمها أبو داود، مجهولة (أنها) أي أم يحيى (دخلت على محمد بن كعب القرظي فسمعته يقول: حدثني أبو هريرة قال) أبو هريرة: (قال رسول الله - ﷺ -: وسطوا (١) الإِمام) أي اجعلوا إمامكم بأن تصفوا خلفه بحيث يكون الإِمام حذاء وسط الصف، ويكون من عن يمينه من الرجال ومن عن يساره سواء (وسدوا الخلل) أي ليضم بعضكم بعضًا بحيث لا يبقى بينكم فرجة.\n\n(١٠٢) (بَابُ الرَّجُلِ يُصَلَّي وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ)\nأي: هل يجوز صلاته أم لا؟\n٦٨٥ - (حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر قالا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد) الأشجعي، أبو راشد الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن وابصة) (٢) بكسر\n_________\n(١) وقيل: معناه اجعلوا إمامكم خيركم، يقال: فلان وسط القوم، أي خيرهم، وقيل: هذا الحكم للنساء، بسطه ابن رسلان، قلت: وهل يمكن أن يقال: معناه إذا كان مع الإِمام اثنان فينبغي لهما أن يجعلاه وسطهما؟ كما هو مسلك ابن مسعود وأبي يوسف. (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٠٠) رقم (٥٤٢٩).","vol":"3","page":631},{"text":"\"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يُصَلِّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ\" قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: \"الصَّلَاةَ\". [ت ٢٣١، جه ١٠٠٤، دي ١٢٨٦، حم ٤/ ٢٢٨، حب ٢١٩٨، ق ٣/ ١٠٤]\n===\nالموحدة ثم مهملة، ابن معبد بن عتبة بن الحارث الأسدي أسد خزيمة، وفد على النبي - ﷺ - (١) سنة تسع ثم رجع إلى بلاد قومه، ثم نزل إلى الجزيرة، صحابي.\n(أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا (٢) يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد (٣)، قال سليمان بن حرب: الصلاة)، أي زاد سليمان بن حرب في حديثه بعد قوله: \"أن يعيد\" لفظ \"الصلاة\"، أي يعيد الصلاة، وليس هذه الزيادة في حديث حفص بن عمر.\nواختلف السلف في صلاة المأموم خلف الصف وحده، فقال طائفة: لا يجوز ولا يصح، وممن قال بذلك النخعي والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وحماد وابن أبي ليلى ووكيع، وأجاز ذلك الحسن البصري والأوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي.\n_________\n(١) في عشرة رجال، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) هو وابصة بن معبد الراوي بنفسه، كذا في \"التلقيح\" (ص ٤٩٥)، وذكر العيني (٤/ ٣٦٤) الاختلاف في سند الحديث، وذكر ابن رسلان طرق الحديث عن ابن حبان، وذكر في طريقٍ زيادةً: \"فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف\"، قال أبو حاتم: في هذا الخبر بيان واضح أنه -﵊ - أمر بالإِعادة لأجل ذلك، وأيضًا في ابن ما بإسناد حسن: \"لا صلاة خلف الصف\"، ومال ابن حبان إلى أن الصلاة خلف الصف لا تصح لعموم هذه الروايات المصرحة الصحيحة إلَّا أنه استثني منه جزء واحد وهو أن يحرم خلف الصف ثم يلحق بالصف لحديث أبي بكرة، \"ابن رسلان\"، قلت: وإليه ظهر ميل المصنف، كما هو ظاهر بتبويبه. (ش).\n(٣) وبمعناه أخرج ابن رسلان حديثًا آخر، فيه زيادة: \"لا صلاة خلف الصف\"، وهذا غير الذي سيأتي عن ابن ماجه. (ش).","vol":"3","page":632},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nتمسك القائلون بعدم الصحة بهذا الحديث وبحديث علي بن شيبان الذي أخرجه أحمد وابن ماجه (١): \"أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال له: استقبل صلاتك، فلا صلاة لمنفرد خلف الصف\".\nواستدل القائلون بالصحة بحديث أبي بكرة الذي أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: \"زادك الله حرصًا ولا تعد\".\nوفي هذا الحديث أنه ركع دون الصف، فلم يأمره النبي - ﷺ - بإعادة الصلاة، فلو كان من صلَّى خلف الصف لا تجزئه صلاته لكان من دخل في الصلاة خلف الصف لا يكون داخلًا فيها.\nألا ترى أن من صلَّى على مكان قذر أن صلاته فاسدة؟ ومن افتتح الصلاة على مكان قذر، ثم صار إلى مكان نظيف أن صلاته فاسدة، فكان كل من افتتح الصلاة في موضع لا يجوز له أن يأتي بالصلاة فيه بكمالها لم يكن داخلًا في الصلاة، فلما كان دخول أبي بكرة في الصلاة دون الصف دخولًا صحيحًا كانت صلاة المصلي كلها دون الصف صلاة صحيحة.\nوأما حديث وابصة وعلي بن شيبان فليس فيه ما يدل على خلاف ما قلنا، لأنه يمكن أن يكون أمره إياه بإعادة (٢) الصلاة، لأنه كان أساء وارتكب الكراهة، فأمره بالإعادة زجرًا وتنبيهًا على ذلك، لا لأنه لا صلاة له، كما أمر\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٢٣)، وابن ماجه في \"سننه\" (١٠٠٣)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٩٤).\n(٢) وفي \"البدائع\" (١/ ٣٦٤): وأمره ﵊ بالإِعادة شاذ، ولو صح محمول على أنه كان بينه وبين الصف ما يمنع الاقتداء، وفي الحديث ما يدل على ذلك، لأنه قال: \"في ناحية من الأرض\". (ش).","vol":"3","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>(١٠٣) باب الرَّجُلِ يَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ </span>(١)\n٦٨١ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ زِيَادٍ الأَعْلَمِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَ، أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَنَبِىُّ اللَّهِ -ﷺ- رَاكِعٌ، فقَالَ: فَرَكَعْتُ دُونَ\n===\nالذي دخل المسجد فصلَّى أن يعيد الصلاة، ثم أمره أن يعيدها حتى فعل ذلك مرارًا في حديث رفاعة وأبي هريرة.\nوأما قوله: \"لا صلاة لمنفرد خلف الصف\" فيحتمل أن يكون كقوله: \"لا وضوء لمن لم يسم\"، و\"لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد\"، وليس ذلك على أن من صلَّى كذلك كان كمن لم يصل، ولكنه قد صلَّى صلاة تجزئه، ولكنها ليست بمتكاملة الأركان والسنن، لأنه كان ينبغي للمصلي خلف الإِمام أن يدخل في الصف، فإن قصر عن ذلك فقد أساء، وصلاته تجزئه، هكذا قال الطحاوي (٢).\n\n(١٠٣) (بَابُ الرَّجُلِ يَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ)\nأي: ثم يدب فيدخل في الصف، هل تجوز صلاته؟\n٦٨١ - (حدثنا حميد بن مسعدة، أن يزيد بن زريع حدثهم، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن زياد) بن حسان، كما في نسخة (الأعلم) مشقوق الشفة العليا، (ثنا الحسن) البصري (أنَّ أبا بكرة حدث أنه) أي أبا بكرة (دخل المسجد ونبي الله - ﷺ - راكع، فقال) أبو بكرة: (فركعت دون الصف) (٣) أي خلف الصف قريبًا منها.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الصفوف\".\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٩٤ - ٣٩٦).\n(٣) ثم مشى، واختلف الصحابة في المشي راكعًا، كما بسطه ابن أبي شيبة (١/ ٢٨٦)، قال ابن رسلان: أباحه مالك، وكره أبو حنيفة والثوري للواحد لا للجماعة. (ش).","vol":"3","page":634},{"text":"الصَّفِّ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» (١). [خ ٧٨٣، ن ٨٧١، حم ٥/ ٣٩، ق ٥/ ٩٠]\n٦٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا زِيَادٌ الأَعْلَمُ، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَاكِعٌ، فَرَكَعَ دُونَ\n===\n(فقال النبي - ﷺ -: زادك الله حرصًا) دعا له بالحرص على العبادة، لأنه محمود، ولكن بحيث يوافق الشرع، فإن الحرص على العبادة بوجه لا يوافق الشرع مذموم، ولهذا قال: (ولا تعد) بفتح التاء المثناة من فوق وضم العين المهملة، نهي من عاد يعود، أي لا تعد أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف، كما أخرج الطحاوي (٢) عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: \"إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف، حتى يأخذ مكانه من الصف\".\nويحتمل أن يكون معناه ولا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعيًا يحفزك فيه النفس، وقيل: لا تعد في إبطاء المجيء إلى الصلاة، وقيل: معناه لا تعد إلى دخولك (٣) في الصف وأنت راكع، فإنها كمشية البهائم.\nقال القاري (٤): وروي \"ولا تعد\" بسكون العين وضم الدال من العدو، أي لا تسرع في المشي إلى الصلاة، واصبر حتى تصل إلى الصف، ثم اشرع في الصلاة، وقيل: بضم التاء وكسر العين من الإعادة، أي لا تعد الصلاة التي صليتها.\n٦٨٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أنا زياد الأعلم، عن الحسن: أن أبا بكرة جاء ورسول الله - ﷺ - راكع، فركع دون\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لا تعد\".\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٩٦).\n(٣) قال ابن رسلان: فيؤخذ منه ما قاله أصحابنا: إذا أحس الإِمام في الركوع بمن دخل، فيستحب له أن ينتظره حتى يصل إلى الصف، ولا يحوجه إلى أن يحرم آخر المسجد ويمشي إلى الصف. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٧٦).","vol":"3","page":635},{"text":"الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِىُّ -ﷺ- صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الَّذِى رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ؟»، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ». [حم ٥/ ٤٦، وانظر تخريج الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>(١٠٤) بَابُ مَا يَسْتُرُ الْمُصَلِّي</span>\n٦٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ:\n===\nالصف) أي قريبًا منه (ثم مشى إلى الصف) ودخل فيه، (فلما قضى) أي أتمَّ (النبي - ﷺ - صلاته قال: أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا) أي أنا فعلت ذلك، أي حرصًا على إدراك الجماعة.\n(فقال النبي - ﷺ -: زادك الله حرصًا ولا تعد) قال الحافظ ابن حجر (١): ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضم العين من العود.\nقال أبو داود: زياد الأعلم زياد بن فلان بن قرة، وهو ابن خالة يونس بن عبيد، هذه العبارة مكتوبة على هامش المجتبائية.\n\n(١٠٤) (بَابُ (٢) مَا يَسْتُرُ المُصَلِّي)\nأي: ما يكون سترة له في حالة الصلاة\n٦٨٣ - (حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنا إسرائيل، عن سماك، عن موسى بن طلحة) بن عبيد الله القرشي التيمي المدني الكوفي، وأمه خولة بنت القعقاع بن سعيد، وثَّقه العجلي وابن سعد، (عن أبيه طلحة بن عبيد الله\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٩).\n(٢) وفي \"البحر\" (٢/ ٢٨): فيه سبعة عشر بحثًا، قال ابن العربي (٢/ ١٢٩): فيه ثلاثة مذاهب، إيجابه وندبه وتركه. (ش).","vol":"3","page":636},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا جَعَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ مِثْلَ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ، فَلَا يَضُرُّكَ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْكَ». [م ٤٩٩، ت ٣٣٥، حم ١/ ١٦٢، جه ٩٤٠، خزيمة ٨٠٥، حب ٢٣٨٠، ق ٢/ ٢٦٩]\n٦٨٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: \"آخِرَةُ الرَّحْلِ: ذِرَاعٌ فَمَا فَوْقَهُ\".\n٦٨٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ،\n===\nقال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل).\nقال النووي (١): المؤخرة بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة، ويقال: بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء، ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء، ويقال: آخرة الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء، فهذه أربع لغات، وهي العود الذي في آخر الرحل، انتهى.\n(فلا يضرك من مرَّ بين يديك) (٢) أي وأنت في الصلاة، قال في \"البدائع\" (٣): والمستحب لمن يصلي في الصحراء أن ينصب بين يديه عودًا، أو يضع شيئًا أدناه طول ذراع كيلا يحتاج إلى الدرء، وإنما قدرناه بذراع طولًا دون اعتبار العرض، وقيل: ينبغي أن يكون في غلظ أصبع لقول ابن مسعود: \"يجزئ من السترة السهم\".\n٦٨٤ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (نا عبد الرزاق) بن همام، (عن ابن جريج، عن عطاء قال: آخرة الرحل: ذراع (٤) فما فوقه).\n٦٨٥ - (حدثنا الحسن بن علي، ثنا ابن نمير) عبد الله، (عن عبيد الله،\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٥٩).\n(٢) ولفظ مسلم والترمذي: \"وراء ذلك\"، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥١٠).\n(٤) وبه قال عطاء والثوري وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وقال الشافعي: قدر ثلثي ذراع، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":637},{"text":"عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ\". [خ ٤٩٤، م ٥٠١، ن ٧٤٧، جه ٩٤١، حم ٢/ ١٤٢، دي ١٤١٠، ق ٢/ ٢٧٤]\n٦٨٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ - وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ يَمُرُّ خَلْفَ الْعَنَزَةِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ\". [خ ٤٩٩، م ٥٠٣]\n===\nعن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا خرج يوم العيد) أي لصلاة العيد (أمر بالحربة) هي دون الرمح عريضة النصل (فتوضع) أي تغرز (بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه) أي خلف رسول الله - ﷺ - مقتدين به، (وكان) أي رسول الله - ﷺ - (يفعل ذلك) أي يأمر بالحربة فتركز بين يديه (في السفر، فمن ثم) (١) أي من أجل أنه فعل رسول الله - ﷺ - (اتخذها) أي اختار الحربة (الأمراء) أي فتكون معهم.\n٦٨٦ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة) بتقديم جيم على المهملة مصغرًا، (عن أبيه أن النبي - ﷺ - صلَّى بهم) أي بأصحابه (بالبطحاء) أي بطحاء مكة وهو الأبطح (٢)، الموضع المعروف على باب مكة (وبين يديه عنزة) قال في \"النهاية\" (٣): العنزة مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا، وفيها سنان مثل سنان الرمح (الظهر ركعتين والعصر ركعتين) لأنه كان مسافرًا فقصر الصلاة (يمر خلف العنزة المرأة والحمار).\n_________\n(١) مدرج من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) أي المحصب، وسيأتي الكلام على السترة بمكة في \"كتاب الحج\". (ش).\n(٣) (ص ٦٤٥).","vol":"3","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>(١٠٥) بابُ الْخَطِّ إِذَا لَمْ يَجِدْ عَصًا</span>\n٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ (١) بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، حَدَّثَنِى أَبُو عَمْرِو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُرَيْثٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ حُرَيْثًا\n===\n\n(١٥) (بَابُ الخَطِّ إِذَا لَمْ يَجدْ عَصًا)\nأي: هل يكتفي الخط للسترة إذا لم يجد المصلي عصًا أو غيره من ذي جرم؟\n٦٨٧ - (حدثنا مسدد، ثنا بشر بن المفضل، ثنا إسماعيل (٢) بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ابن عم أيوب بن موسى، ثقة ثبت، (حدثني أبو عمرو بن محمد بن حريث) وقيل: أبو عمرو بن محمد (٣) بن عمرو بن حريث العذري، وقيل (٤): أبو محمد بن عمرو بن حريث، جد لإسماعيل بن أمية من قبل أمه، قال الطحاوي: أبو عمرو وجده مجهولان ليس لهما ذكر في غير حديث الخط، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" في أبي محمد.\n(أنه سمع جده حريثًا) رجل من بني عذرة، يقال: ابن سليم، ويقال (٥): ابن سليمان، ويقال: ابن عمار، روى عن أبي هريرة حديث الخط أمام المصلي، وهو حديث تفرد به إسماعيل بن أمية، وقد اختلف عليه، والاضطراب فيه من إسماعيل.\nوحريث العذري ذكره ابن قانع في \"معجم الصحابة\" وأورد له حديث:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) ذكر السيوطي في \"التدريب\" (٢/ ٤٢٨) هذا الحديث في مثال اضطراب السند، وبسط الكلام عليه، وقال: اختلف فيه على إسماعيل اختلافًا كثيرًا وذكر الاختلاف، ثم قال: وقال العراقي في \"النكت\": اعترض عليه بأن الترجيح إذا وجود انتفى الاضطراب ... إلخ، وكذا تكلم عليه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٤٧٢). (ش).\n(٣) هكذا ذكره ابن ماجه وابن عبد البر، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) كما سيأتي، وصَوَّبَه ابن رسلان. (ش).\n(٥) وجمع بينهما بأنه ترخيم، \"تدريب الراوي\". (ش).","vol":"3","page":639},{"text":"يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخْطُطْ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا (١) مَرَّ أَمَامَهُ». [جه ٩٤٣، حم ٢/ ٢٤٩، خزيمة ٨١١، ق ٢/ ٢٧٠، حب ٢٣٦١]\n===\n\"وفدنا على رسول الله - ﷺ -، فقال: في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة\"، وفي إسناده نظر، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.\n(يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا صلَّى أحدكم) أي أراد أن يصلي (فليجعل تلقاء) أي حذاء (وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب) أي فليقم (عصًا، فإن لم يكن معه عصًا (٢) فليخطط خطًا، ثم لا يضره ما مر أمامه).\nقال الشوكاني (٣): الحديث أخرجه ابن حبان وصححه والبيهقي وصححه أحمد وابن المديني فيما نقله (٤) ابن عبد البر في \"الاستذكار\"، وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم، قال الحافظ: وأورده ابن الصلاح مثالًا للمضطرب، ونوزع في ذلك، قال في \"بلوغ المرام\": ولم يصب من زعم أنه مضطرب بل حسن، انتهى.\nواختلف عن أحمد، قال الخطابي عن أحمد: حديث الخط ضعيف، وزعم ابن عبد البر أن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني صححاه، وقال الشافعي في \"سنن حرملة\": لا يخط المصلي خطًا إلَّا أن يكون ذلك في حديث ثابت فيتبع، وأخرجه المزني في \"المبسوط\" عن الشافعي واحتج به.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من\".\n(٢) لا فرق بين رقيقه وغليظه لرواية: \"استروا في صلاتكم ولو بسهم\"، ولرواية: \"يجزئ من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة\"، رواهما الحاكم (١/ ٢٥٢)، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٨).\n(٤) وكذا قال ابن رسلان: وقال: أطلق ابن المنذر القول بأنه صح ... إلخ. (ش).","vol":"3","page":640},{"text":"٦٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا عَلِىٌّ - يَعْنِى ابْنَ الْمَدِينِىِّ -، عَنْ سُفْيَانَ (١)، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِى مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ جَدِّهِ حُرَيْثٍ - رَجُلٍ مِنْ بَنِى عُذْرَةَ -،\n===\nقال في \"النيل\" (٢): ولم ير مالك ولا عامة الفقهاء الخط، واعتذروا عن الحديث بأنه ضعيف مضطرب.\nوأما عند الحنفية فقال في \"البدائع\" (٣): حكى أبو عصمة عن محمد أنه قال: لا يخط بين يديه، فإن الخط وتركه سواء، لأنه لا يبدو للناظر من بعيد فلا يمتنع، فلا يحصل المقصود، ومن الناس (٤) من قال: يخط بين يديه خطًا إما طولًا شبه ظل السترة، أو عرضًا شبه المحراب، لقوله - ﷺ -: \"إذا صلَّى أحدكم في الصحراء فليتخذ بين يديه سترة، فإن لم يجد فليخط بين يديه خطًا\"، ولكن الحديث غريب ورد فيما تعم به البلوى فلا نأخذ به.\n٦٨٨ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا علي -يعني ابن المديني-) هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم، أبو الحسن ابن المديني البصري، ثقة ثبت، إمام أهل عصره بالحديث وعلله، حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلَّا عنده، وقال فيه شيخه ابن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر بما يتعلمه مني، وقال النسائي: كأن الله خلقه للحديث، عابوا عليه إجابته في المحنة، لكنه تَنَصَّل وتاب واعتذر بأنه كان خاف على نفسه، مات سنة ٢٣٤ هـ.\n(عن سفيان) يعني ابن عيينة، (عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث- رجل من بني عذرة-،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يعني ابن عينية\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٨).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥١١).\n(٤) وقد حكي عن الصاحبين العمل به، \"أنوار المحمود\" (١/ ٢٤٧)، و\"الشامي\" (٢/ ٤٨٥)، و\"طحطاوي على مراقي الفلاح\" (ص ٢٩٨). (ش).","vol":"3","page":641},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِى الْقَاسِمِ -ﷺ-، قَالَ: فَذَكَرَ حَدِيثَ الْخَطِّ. [انظر سابقه]\nقَالَ سُفْيَانُ: لَمْ نَجِدْ شَيْئًا نَشُدُّ بِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَجِئْ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونُ فِيهِ، فَفَكَّرَ (١) سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْفَظُ إلَّا أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ عَمْرٍو.\nقَالَ سُفْيَانُ: قَدِمَ هَا هُنَا (٢) رَجُلٌ بَعْدَ مَا مَاتَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَطَلَبَ\n===\nعن أبي هريرة، عن أبي القاسم - ﷺ -، قال) علي بن المديني: (فذكر) أي سفيان بن عيينة (حديث الخط).\n(قال سفيان: ولم نجد شيئًا نَشُدُّ) أي نُقَوِّي (به هذا الحديث) إشارة إلى أن هذا الحديث ضعيف غريب، لأنه لو كان له طريق غير هذا الطريق يحصل له قوة (ولم يجئ إلَّا من هذا الوجه).\n(قال) أي علي بن المديني: (قلت لسفيان: إنهم) أي المحدثين بحذف حرف الاستفهام، ويحتمل التحقيق (يختلفون فيه) فقال بعضهم: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده، وقال بعضهم: عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده، وقال بعضهم: عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه، فنسب أبا عمرو إلى جده، وجعله أباه، وقال بعضهم: عن أبي عمرو بن حريث عن جده حريث، وقال بعضهم: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده حريث بن سليم، وقال بعضهم: عن حريث بن عمار عن أبي هريرة.\n(ففكر) أي ابن عيينة (ساعة ثم قال: ما أحفظ إلَّا أبا محمد بن عمرو) أي ما أحفظ عن الشيخ إلَّا أنه قال في تسمية هذا الرجل المختلف في اسمه: أبو محمد بن عمرو.\n(قال سفيان: قدم هنا رجل بعد ما مات إسماعيل بن أمية، فطلب)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فتفكر\".\n(٢) وفي نسخة: \"هاهنا\".","vol":"3","page":642},{"text":"هَذَا الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ حَتَّى وَجَدَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَخَلَّطَ عَلَيْهِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ - يعني ابْنَ حَنْبَلٍ - سُئِلَ عَنْ وَصْفِ الْخَطِّ غَيْرَ مَرَّةٍ؟ فَقَالَ: هَكَذَا (١) عَرْضًا؛ مِثْلَ الْهِلَالِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ مُسَدَّدًا قَالَ: قَالَ ابْنُ دَاوُدَ: الْخَطُّ بِالطُّولِ.\n٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِىُّ،\n===\nذلك الرجل (هذا الشيخ أبا محمد) الذي روى عنه إسماعيل بن أمية هذا الحديث (حتى وجده) أي وجد ذلك الرجل الشيخ، (فسأله عنه) أي فسأل الرجل الشيخ، (فخلط عليه) فهذا الكلام يدل على أن راويه إسماعيل بن أمية مات قبل الشيخ أبي محمد، وعلى أن أبا محمد وقع عليه الاختلاط بعد ذلك.\n(قال أبو داود: وسمعت أحمد -يعني ابن حنبل- سئل عن وصف الخط غير مرة؟) يعني عن كيفية الخط كيف يخط للسترة (فقال) أحمد بن حنبل: (هكذا عرضًا) أي يخط من اليمين إلى الشمال (مثل الهلال (٢)، قال أبو داود: وسمعت مسددًا قال (٣): قال ابن داود)، هو عبد الله بن داود المعروف بالخريبي بضم المعجمة وفتح الراء مصغرًا، كوفي الأصل، سكن الخريبة، وهي محلة بالبصرة (الخط بالطول) أي في جانب القبلة (٤) من المغرب إلى المشرق مستقيمًا لأهل المشرق.\n٦٨٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد الزهري) هو عبد الله بن محمد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) أي: المحراب. (ش).\n(٣) هكذا في النسخ الموجودة، وأما ما نقله الشوكاني في \"النيل\" (٣/ ٨) فهو هكذا، وصفة الخط ما ذكره أبو داود في \"سننه\" قال: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن وصف الخط غير مرة، فقال: هكذا عرضًا مثل الهلال، وسمعت مسددًا قال: بل الخط بالطول. (ش).\n(٤) قال النووي: اختاره أبو إسحاق، واختار في \"التهذيب\" كالجنازة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":643},{"text":"حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: \"رَأَيْتُ شَرِيكًا صَلَّى بِنَا فِى جَنَازَةٍ الْعَصْرَ، فَوَضَعَ قَلَنْسُوَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، يَعْنِى فِى فَرِيضَةٍ حَضَرَتْ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>(١٠٦) بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ</span>\n٦٩٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَوَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ وَابْنُ أَبِى خَلَفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ،\n===\nعبد الرحمن بن مسور بن مخرمة البصري، وثَّقه النسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: صدوق، مات سنة ٢٥٦ هـ.\n(ثنا سفيان بن عيينة قال: رأيت شريكًا) ولم يتعين لي أن شريكًا هذا من هو، فلعله شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي.\n(صلَّى بنا في جنازة العصر) أي جاء لصلاة الجنازة، فحضرت العصر فصلاها (فوضع (١) قلنسوته) بفتح قاف ولام وسكون نون وضم مهملة وفتح واو، من قلانس الرأس كالبرنس الواسع يغطى بها العمائم من الشمس والمطر \"مجمع\" (بين يديه) أي قدامه (يعني في فريضة حضرت) ولعل هذا كلام عبد الله بن محمد وضمير يعني يعود إلى سفيان.\n\n(١٠٦) (بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ) (٢)\n٦٩٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ووهب بن بقية وابن أبي خلف) محمد (وعبد الله بن سعيد، قال عثمان: ثنا أبو خالد) الأحمر، وأما الثلاثة\n_________\n(١) قيل: ولذا أخذ الصوفية طوال القلنسوة يصلون إليها عند الضرورة، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) هو القوي على الأسفار والأحمال يستوي فيه الذكر والأنثى \"مجمع بحار الأنوار\"، فما في بين سطور الكتاب غلط، قال ابن رسلان: كره الشافعي الصلاة إلى الدابة، قلت: وكذا لا تستحب الصلاة إلى الدابة عند المالكية كما في \"الدسوقي\" (١/ ٢٤٦). (ش).","vol":"3","page":644},{"text":"حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى إِلَى بَعِيرِهِ\". [خ ٤٣٠، م ٥٠٢، ت ٣٥٢، حم ٢/ ٣، خزيمة ٨٠١، ق ٢/ ٢٦٩]\n\n(١٠٧) بَابٌ: إِذَا صَلَّى (١) إِلَى سَارِيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، أَيْنَ يَجْعَلُهَا مِنْهُ؟\n٦٩١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِىُّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ،\n===\nالباقية فلعلهم لم يصرحوا بالتحديث، فلهذا لم يذكر روايتهم، (ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - كان يصلي إلى بعيره).\nقال الحافظ (٢): قال القرطبي (٣): في هذا الحديث دليل على جواز التستر بما يستقر من الحيوان ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء، وكراهة الصلاة حينئذ عندها إما لشدة نتنها وإما لأنهم كانوا يتخلون بينها مستترين بها، انتهى.\nوقال غيره: علة النهي عن ذلك كون الإبل خلقت من الشياطين، وقد تقدم ذلك، فيحمل ما وقع منه في السفر من الصلاة إليها على حالة الضرورة، ونظيره صلاته على السرير الذي عليه المرأة لكون البيت كان ضيقًا، وروى عبد الرزاق أن ابن عمر كان يكره أن يصلي إلى بعير، إلَّا وعليه رحل، وكان الحكمة في ذلك أنها في حال شد الرحل عليها أقرب إلى السكون من حال تجريدها، انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>(١٠٧) (بَابٌ إِذَا صَلَّى إِلَى سَارِيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا،) (أَيْنَ يَجْعَلُها مِنْهُ</span>؟) أي: من نفسه\n٦٩١ - (حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، ثنا علي بن عياش،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الصلاة\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٠).\n(٣) هكذا شرحه ابن رسلان. (ش).","vol":"3","page":645},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْوَلِيدُ بْنُ كَامِلٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ حُجْرٍ الْبَهْرَانِىِّ، عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: \"مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى إِلَى عُودٍ وَلَا عَمُودٍ وَلَا شَجَرَةٍ، إلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ أَوِ الأَيْسَرِ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا\". [حم ٦/ ٤، ق ٢/ ٢٧٢]\n===\nثنا أبو عبيدة) بالضم (الوليد بن كامل) بن معاذ بن أمية البجلي مولاهم، قال البخاري: عنده عجائب، ووثَّقه النسائي، وقال أبو حاتم: شيخ، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الأزدي: ضعيف، وقال ابن القطان: لا تثبت عدالته.\n(عن المهلب بن حجر) بضم المهملة وسكون الجيم (البهراني) بفتح الموحدة وسكون الهاء، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: مجهول الحال، واختلف على الوليد في إسناد حديثه وفي متنه.\n(عن ضباعة (١) بنت المقداد بن الأسود) قال ابن القطان: لا تعرف، ويقال: ضبيعة بنت المقدام بن معدي كرب (عن أبيها) وهو المقداد بن الأسود (قال: ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي إلى عود) مثل العنزة أو الحربة، أو مؤخرة الرحل (ولا عمود) أي أسطوانة (ولا شجرة) أي ليجعله سترة (إلَّا جعله) أي العود أو الشجرة (على حاجبه) أي جانبه (الأيمن أو) جانبه (الأيسر، ولا يصمد له (٢) صمدًا) أي لا يقصده قصدًا مستويًا يستقبله بحيث يجعله تلقاء وجهه ما بين عينيه حذرًا عن التشبه بعبادة الأصنام.\n_________\n(١) بضم الضاد المعجمة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) فالصمد الذي يقصد إليه في الحوائج كـ \"الله الصمد\"، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":646},{"text":"(١٠٨) باب (١) الصَّلَاةِ إِلَى الْمُتَحَدِّثِينَ وَالنِّيَامِ\n٦٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِىِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ - يَعْنِى لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ وَلَا الْمُتَحَدِّثِ». (٢). [جه ٩٥٩، ق ٢/ ٢٧٩]\n===\n(١٠٨) (بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى المُتَحَدِّثينَ) أي الذين (٣) هم مشتغلون في كلامهم (وَالنّيَامِ) جمع نائم أي إلى النائمين\n٦٩٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن) حجازي، وقد ينسب إلى جده، قال أبو الحسن بن القطان: حاله مجهولة، (عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق) المدني، مجهول الحال، (عمن حدثه) لم يسم عبد الله بن يعقوب من حدثه، عن محمد بن كعب، ولكن في \"تهذيب التهذيب\": الحديث مشهور برواية أبي المقدام هشام بن زياد، وهشام ضعيف متروك، تكلموا فيه، حتى قال ابن حبان: يروي الموضوع.\n(عن محمد بن كعب القرظي قال) أي محمد بن كعب: (قلت له- يعني لعمر بن عبد العزيز-: حدثني عبد الله بن عباس أن النبي - ﷺ - قال: لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب في الصلاة إلى النيام\".\n(٢) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٧٥٧) رقم ٦٥٧٤ حديثًا لأبي داود، ونصه: أبو داود: \"نهيت أن أصلي خلف المتحدثين والنيام\".\nأبو داود في الصلاة عن محمد بن سليمان الأنباري، عن يعلى، عن محمد بن عمرو، عنه، به.\nثم قال المزي: في رواية أبي الطيب ابن الأشناني، عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٣) وممن قال بالكراهة أحمد والشافعي، وأجازه الكوفيون والثوري والأوزاعي. \"المنهل\" (٥/ ٨٦)، وفي \"المغني\" (٣/ ٨٧): تكره إلى المتحدثين، واختلف في النيام. (ش).","vol":"3","page":647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>(١٠٩) باب الدُّنُوِّ مِنَ السُّتْرَةِ</span>\n٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. (ح): وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَحَامِدُ بْنُ يَحْيَى وَابْنُ السَّرْحِ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ،\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١) تحت حديث عائشة: قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة\"، الحديث: فيه دلالة على جواز الصلاة إلى النائم من غير كراهة، وقد ذهب مجاهد وطاوس ومالك والهادوية إلى كراهة الصلاة إلى النائم خشية ما يبدو منه بما يلهي المصلي عن صلاته.\nواستدلوا بحديث ابن عباس بلفظ: \"لا تصلوا خلف النائم والمتحدث\"، وقد قال أبو داود (٢): طرقه كلها واهية، وقال النووي: هو ضعيف باتفاق الحفاظ، وفي الباب عن أبي هريرة عند الطبراني، وعن ابن عمر (٣) عند ابن عدي، وهما واهيان، انتهى.\n\n(١٠٩) (بَابُ الدُّنُوِّ) أي القرب (مِنَ السُّتْرَةِ)\n٦٩٣ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أنا سفيان) بن عيينة، (ح: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة وحامد بن يحيى) بن هانئ البلخي، أبو عبد الله، نزيل طرسوس، قال مسلمة الأندلسي: ثقة حافظ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال علي بن المديني: سبحان الله بقي حامد إلى زمان يحتاج من يسأل عنه، سكن الشام، ومات بطرسوس سنة ٢٧٤ هـ.\n(وابن السرح) أحمد (قالوا: ثنا سفيان) بن عينية، (عن صفوان بن سليم،\n_________\n(١) (٣/ ١٢).\n(٢) وكذا نقله عنه العيني (٣/ ٥٩٨) وذكر للرواية بعض المتابعات والشواهد. (ش).\n(٣) ذكر حديثه في \"اللسان\" (١/ ٢٢)، وحكم عليه بالوضع. (ش).","vol":"3","page":648},{"text":"عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ». [ن ٧٤٨، حم ٤/ ٢، ق ٢/ ٢٧٢، ك ١/ ٢٥١، حب ٢٣٧٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ورَوَاهُ وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-\n===\nعن نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة) (١) بن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي المدني، صحابي صغير، ولد سنة ثلاث من الهجرة، ومات في خلافة معاوية.\n(يبلغ به النبي - ﷺ -) أي يرفع الحديث إلى النبي - ﷺ -، قائله سفيان، والضمير إلى سهل، والذي يدل عليه ما في \"مسند أحمد بن حنبل\"، ولفظه: عن سهل بن أبي حثمة يبلغ به النبي - صلي الله عليه وسلم - قال، وقال سفيان مرة: إن رسول الله - ﷺ - قال.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا صلَّى أحدكم إلى سترة) أي متوجهًا ومستقبلًا إليه (فليدن) أي فليقرب (منها) أي من السترة كي (لا يقطع الشيطان عليه) أي على أحدكم (صلاته) بإلقاء الوساوس والخواطر فيقطع خشوعه وخضوعه.\n(قال أبو داود: ورواه واقد بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، وثَّقه أحمد وأبو داود وابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقة، يحتج بحديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن صفوان) بن سليم، (عن محمد بن سهل، عن أبيه أو عن محمد بن سهل، عن النبي - ﷺ -) هكذا في النسخ الموجودة عندي، وأما الذي ذكره الحافظ\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٨٧) رقم (٢٢٨٧).","vol":"3","page":649},{"text":"(١) وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: عن نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَاخْتُلِفَ في إِسْنَادِهِ.\n===\nفي \"الإصابة\" (٢) في ترجمة محمد بن سهل ففيه هكذا: محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري المدني، قال أبو موسى في \"الذيل\": ذكره بعض الحفاظ، ثم أخرج من طريق شعبة عن واقد بن محمد سمعت صفوان بن سليم يحدث عن محمد بن سهل بن أبي حثمة أو عن سهل بن أبي حثمة عن النبي - ﷺ - في سترة المصلي.\nقلت: هو مرسل أو منقطع؛ لأنه إن كان المحفوظ عن محمد بن سهل فهو مرسل، لأنه تابعي لم يولد إلَّا بعد موت النبي - ﷺ - بمكة، فإن النبي - ﷺ - لما مات كان سن سهل بن أبي حثمة ثمان سنين، وإن كان عن سهل فهو منقطع، لأن صفوان لم يسمع من سهل.\nقلت: فعلى هذا ما وقع في رواية أبي داود يخالف ما ذكره الحافظ في \"الإصابة\"، فما ذكر في \"الإصابة\" من الشق الأول، ففي أبي داود هو الشق الثاني، وما في \"الإصابة\" من الشق الثاني جعل في أبي داود الشق الأول، ووقع فيه الغلط والتحريف، فإن هذا الشق منقطع، لأنه فيه رواية صفوان عن سهل بن أبي حثمة، فإدخال محمد بن سهل فيه غلط وتحريف، والله أعلم بحقيقة الحال.\nقال أبو داود: (وقد قال بعضهم) أي بعض المحدثين: (عن نافع بن جبير عن سهل بن سعد، واختلف (٣) في إسناده)، أي وقع الاختلاف في سند هذا الحديث، كما ذكره المصنف مفصلًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) (٦/ ١٩٤).\n(٣) وفي \"الدراية\" (١/ ١٨٠): أشار أبو داود بذلك إلى ذكر سهل بن سعد بدل ابن أبي حثمة. (ش).","vol":"3","page":650},{"text":"٦٩٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ وَالنُّفَيْلِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: \"وَكَانَ بَيْنَ مُقَامِ النَّبِىِّ -ﷺ- وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَمَرُّ عَنْزٍ\". [خ ٤٩٦، م ٥٠٨، ق ٢/ ٢٧٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْخَبَرُ لِلنُّفَيْلِيِّ.\n===\n٦٩٤ - (حدثنا القعنبي والنفيلي قالا: ثنا عبد العزيز بن أبو حازم) سلمة بن دينار المحاربي مولاهم، أبو تمام المدني الفقيه، وثَّقه ابن معين والنسائي والعجلي وابن نمير، وقال أحمد: لم يكن يعرف بطلب الحديث إلَّا كتب أبيه فإنهم يقولون: إنه سمعها وكان يتفقه، لم يكن في المدينة بعد مالك أفقه منه، ويقال: إن كتب سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها، وقد روى عن أقوام لم يكن يعرف أنه سمع منهم.\nقال: (أخبرني أبي) أبو حازم سلمة بن دينار، (عن سهل) بن سعد (قال: وكان بين مقام النبي - ﷺ -) أي بين محل قيامه في الصلاة ومصلاه (وبين القبلة) أي بين جدار المسجد الذي يلي القبلة (ممر عنز) (١)، وهو الأنثى من المعز، وفي رواية البخاري ومسلم: \"ممر شاة\".\n(قال أبو داود: الخبر) أي ألفاظ الحديث (للنفيلي).\n_________\n(١) قال ابن رسلان: يدنو من السترة بقدر ثلاثة أذرع لرواية: \"صلَّى رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم في الكعبة، وكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع\"، وكان مالك يصلي بعيدًا من السترة، فقال له رجل لا يعرفه: أيها المصلي ادن من السترة، فجعل يتقدم ويقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١١٣]، قال: ومن صلَّى بعيدًا من ذلك فكأنه صلَّى بدون السترة، وقال أيضًا: اختلفوا في الجمع بينهما فقيل: ممر الشاة أقله وأكثره ثلاثة أذرع، وقيل بالعكس، لأنه قدر ممر الشاة بثلاثة أذرع وثلث، وقيل: أحدهما من محل القيام، والثاني: من موضع السجود. (ش).","vol":"3","page":651},{"text":"(١١٠) بَابُ مَا يُؤْمَرُ الْمُصَلِّي أَنْ يَدْرَأَ (١) عنِ الْمَمَرِّ بَيْنَ يَدَيهِ\n٦٩٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». [خ ٥٠٩، م ٥٠٥، ن ٧٥٧، حم ٣/ ٣٤، دي ١٤١١، ق ٢/ ٢٦٧]\n===\n\n(١١٠) (بَابُ مَا يُؤْمَرُ المُصَلِّي أَنْ يَدْرَأَ) أي: يمنع (عن المَمَرِّ) أي: المرور (بَيْنَ يَدَيْهِ)\n٦٩٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زبد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع) من ودع يدع، أي فلا يترك (أحدًا يمر بين يديه، وليدرأه) أي وليدفعه (ما استطاع، فإن أبى) أي ذلك المار عن عدم المرور (فليقاتله (٢» أي فليدفعه بعنف بحيث لا يفسد الصلاة (فإنما هو شيطان) (٣) وإطلاق هذا الحديث يقيده ما في حديث أبي سعيد من قوله - ﷺ -: \"إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستره، فأما من صلَّى من غير سترة فليس له حق الدفع\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يدفع\".\n(٢) ثم إن قاتل أحدًا فأتلفه لم أره في كتب الحنابلة، ولا ضمان عليه عند الشافعية، وعليه الدية عند المالكية، وموجب القتل القتل أو الدية عندنا الحنفية \"أوجز المسالك\" (٣/ ٢٦٢)، وأجمعوا على أن لا يقاتله بالسلاح لمخالفة قاعدة الإِقبال على الصلاة، \"ابن رسلان\"، وقال ابن العربي (٢/ ١٣٠): المقاتلة هاهنا المنازعة بالأيدي، وقد جهل قوم فقالوا: حريم المصلي مثل طول الرمح، وقال آخرون: مثل رمية السهم آخذًا من لفظ المقاتلة، ولم يفهم المراد بها. (ش).\n(٣) أي معه شيطان، أو كأنه فعل فعل الشيطان، أو حمله على هذا المرور الشيطان، وفيه إطلاق الشيطان على المسلم إذا فعل معصية، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":652},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال النووي (١): لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع (٢)، وقال القاضي عياض والقرطبي: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك بقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها، وحكى القاضي عياض وابن بطال الإجماع على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته، لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور، قال الحافظ: وذهب الجمهور إلى أنه إذا مر ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده لأنه فيه إعادة للمرور، قاله الشوكاني (٣).\nوأما عند الحنفية فقال في \"البدائع\" (٤): ولنا قول النبي - ﷺ -: \"إن في الصلاة لشغلًا\" (٥)، يعني في أعمال الصلاة، والقتال ليس من أعمال الصلاة، فلا يجوز الاشتغال به، وحديث (٦) أبي سعيد كان في وقت كان العمل في الصلاة مباحًا، ومن المشايخ من قال: إن الدرء رخصة، والأفضل أن لا يدرأ، لأنه ليس من أعمال الصلاة، وذا روى إمام الهدى الشيخ أبو منصور عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يترك الدرء، والأمر بالدرء في الحديث لبيان الرخصة، كالأمر بقتل الأسودين.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٦٤).\n(٢) قال ابن رسلان: ظاهره الوجوب، لكن الإِجماع على ندبه إلَّا أن أهل الظاهر أوجبه. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٠).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥١٠).\n(٥) أخرجه البخاري (١١٩٩)، ومسلم (٥٣٨).\n(٦) وعن محمد كما في \"الموطأ\": الحديث شاذ، ولم يذكر القتال إلَّا في حديث أبي سعيد، وفي \"الشامي\" (٢/ ٤٨٦): منسوخ، قال ابن عبد البر: تغليظ. وقال القرطبي: مبالغة في الدفع، وقال الباجي (١/ ٢٧٥): لعن عليه كقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]، ويؤيده قصة المقعد كما سيأتي في المتن، وفيه: \"اللَّهُم اقطع أثره\"، وقيل يطالب به بعد الصلاة أو محمول على المتمرد. \"أوجز المسالك\" (٣/ ٢٦١). (ش).","vol":"3","page":653},{"text":"٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا». ثُمَّ سَاقَ مَعْنَاهُ. [جه ٩٥٤، ق ٢/ ٢٦٧]\n٦٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى سُرَيْجٍ الرَّازِىُّ، ثنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، أَخْبَرَنَا مَسَرَّةُ بْنُ مَعْبَدٍ اللَّخْمِىُّ - لَقِيتُهُ بِالْكُوفَةِ -، قَالَ حَدَّثَنِى\n===\nوأيضًا قال في \"البدائع\": ويكره للمار أن يمر بين يدي المصلي، ولم يذكر في الكتاب قدر المرور واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: قدر موضع السجود، وقال بعضهم: مقدار الصفين، وقال بعضهم: قدر ما يقع بصره على المار لو صلَّى بخشوع، وفيما وراء ذلك لا يكره، وهو الأصح.\n٦٩٦ - (حدثنا محمد بن العلاء، ثئا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه) أبي سعيد (قال) أي أبو سعيد: (قال رسول الله - ﷺ -: إذا صلَّى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن) أي وليقرب (منها، ثم ساق معناه) أي ثم ساق ابن عجلان معنى الحديث المتقدم الذي رواه مالك عن زيد بن أسلم.\n٦٩٧ - (حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي، ثنا أبو أحمد الزبيري، أنا مسرة بن معبد اللخمي) الفلسطيني، سكن بيت جبرين على فراسخ من بيت المقدس، قال أبو حاتم: شيخ ما به بأس، له في \"سنن أبي داود\" حديث واحد في الصلاة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال: وكان ممن يخطئ، ثم ذكره في \"الضعفاء\"، فقال: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات.\n(لقيته) أي قال أبو أحمد: لقيت مسرة بن معبد (بالكوفة، حدثني","vol":"3","page":654},{"text":"أَبُو عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِىَّ قَائِمًا يُصَلِّى فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِى، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ». [حم ٣/ ٨٢]\n٦٩٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغِيرَةِ -، عَنْ حُمَيْدٍ - يَعْنِى ابْنَ هِلَالٍ - قَالَ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أُحَدِّثُكَ عَمَّا رَأَيْتُ مِنْ أَبِى سَعِيدٍ\n===\nأبو عبيد (١) حاجب سليمان) المذحجي، كان أبو عبيد يَحْجِبُ سليمان بن عبد الملك، فلما ولي عمر بن عبد العزيز قال: أين أبو عبيد؟ فدنا منه، فقال: هذه الطريق إلى فلسطين، وأنت من أهلها فالحق بها، فقيل له: يا أمير المؤمنين لو رأيت أبا عبيد وتشميره للخير، فقال: ذلك أحق أن لا نفتنه، كانت فيه أُبهة للعامة، وثَّقه أحمد وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان وعلي بن المديني، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" في أتباع التابعين.\n(قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائمًا يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني، ثم قال) أي عطاء بن يزيد: (حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين قبلته) أي بالمرور (أحد فليفعل).\n٦٩٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا سليمان -يعني ابن المغيرة-، عن حميد -يعني ابن هلال-) بن هبيرة العدوي بمهملتين مفتوحتين، أبو نصر البصري، قال القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه، قال أبو حاتم: لأنه دخل في أمر السلطان، وكان في الحديث ثقة، ووثَّقه ابن معين والنسائي وابن سعد والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قَالَ: قال أبو صالح) السمان: (أحدثك عما رأيت من أبي سعيد)\n_________\n(١) قال ابن عبد البر: اسمه حي، وقيل: حوي. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":655},{"text":"وَسَمِعْتُهُ مِنْهُ، دَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْ (١) فِى نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». (٢). [خ ٥٠٩، م ٥٠٥]\n\n(١١١) باب مَا يُنْهَى (٣) عَنْهُ مِنَ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى\n===\nأي فعله مع الشاب من بني أبي معيط حين أراد أن يجتاز بين يديه وهو يصلي، فدفع في نحوه، وشكا إلى مروان ما لقي من أبي سعيد، فحدث أبو سعيد بهذا الحديث، وهذه القصة رواها مسلم في \"صحيحه\" ولم يذكره أبو داود في حديثه، واختصره.\n(وسمعته منه) أي والحديث الذي سمعته من أبي سعيد (دخل أبو سعيد على مروان) بن الحكم (فقال) أبو سعيد: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا صلَّى أحدكم) مستقبلًا (إلى شيء) أي عود أو أسطوانة (يستره من الناس) أي من مرورهم (فأراد أحد أن يجتاز) أي يمر (بين يديه) أي قدامه بينه وبين سترته (فليدفع في نحره) أي بالإشارة (فإن أبى) أي لم يمتنع عن المرور (فليقاتله فإنما هو شيطان) فإن الشيطان كما يطلق على الجن يطلق على الإنس، كما في قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٤) أو يحمل على التشبيه أي مثل الشيطان.\n\n(١١١) (بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ المُرُورِ) \"من\" بيان لما الموصولة (بَيْنَ يَدي المُصَلِّي) أي: قدامه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فليدفعه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: قال سفيان الثوري: يمر الرجل يتبختر بين يديَّ، وأنا أصلي، فأمنعه، ويمر الضعيف، فلا أمنعه\".\n(٣) وفي نسخة: \"نهي\".\n(٤) سورة الأنعام: الآية ١١٢.","vol":"3","page":656},{"text":"٦٩٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِىَّ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِى جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- فِى الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ\n===\n٦٩٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد) المدني العابد، مولى ابن الحضرمي، وثَّقه ابن معين والنسائي وابن سعد والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان متزهدًا لم يخلف كفنا\".\n(أن زيد بن خالد الجهني أرسله) (٢) أي بسر بن سعيد (إلى أبي جهيم) بالتصغير، ابن الحارث بن الصمة بكسر المهملة وتشديد الميم، ابن عمرو الأنصاري، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: هو عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة، وقيل: اسمه الحارث (٣) بن الصمة، قيل: هو آخر غيره، صحابي معروف.\n(يسأله) أي يسأل زيد بن خالد أبا جهيم (ماذا سمع من رسول الله - ﷺ - في المار بين يدي المصلي؟) (٤) أي ماذا عليه من الإثم (فقال أبو جهيم: قال رسول الله - ﷺ -: لو يعلم المار بين يدي (٥) المصلي ماذا عليه) أي من الإثم والعقوبة (لكان أن يقف أربعين).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) هكذا رواه جماعة، وقلبه ابن عيينة فجعل المرسل أبا جهيم والمرسل إليه زيدًا، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: فعلى هذا لفظ \"ابن\" بين أبي جهيم وبين الحارث غلط. (ش).\n(٤) بشرط أن يصلي إلى السترة، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٥) اختلفوا في تحديده، فقيل: إذا مر بينه وبين سجوده، وقيل: بقدر ثلاثة أذرع، وقيل: بقدر رمية حجر. ولم يذكر في الحديث السترة، فقيل: المطلق محمول على المقيد، يعني إذا صلَّى إلى سترة \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"3","page":657},{"text":"خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ\". [خ ٥١٠، م ٥٠٧، ن ٧٥٦، جه ٩٤٥، ت ٣٣٦، دي ١٤١٦، حم ٤/ ١٦٩، خزيمة ٨١٣، ق ٢/ ٢٦٨]\nقَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِى قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً.\n===\nقال الشوكاني (١): وفي \"سنن ابن ماجه\" وابن حبان في \"صحيحه\" من حديث أبي هريرة: \"لكان أن يقف مئة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها\"، وهذا مشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر لا لخصوص عدد معين، وفي \"مسند البزار\": \"لكان أن يقف أربعين خريفًا\".\n(خير له) أي للمار (من أن يمر بين يديه) أي المصلي، يعني لو علم المار مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم، وقال الكرماني: بل التقدير لو يعلم المار ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له، انتهى.\n(قال أبو النضر: لا أدري قال) رسول الله - ﷺ - أو بسر بن سعيد: (أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة) معنى هذا الكلام أن أبا النضر يقول: إن بسر بن سعيد يروي هذا الحديث عن أبي جهيم عن رسول الله - ﷺ -، ولا يذكر بعد لفظ أربعين لا يومًا ولا شهرًا ولا سنة، فلا أدري هل ذكر بعد ذلك رسول الله - ﷺ - شيئًا من هذه الثلاثة أو لم يذكر؟\nويحتمل أن يكون معناه قال أبو النضر: لا أدري أي لا أحفظ قال شيخي بسر بن سعيد بعد قوله: \"لكان أن يقف أربعين\": لفظ يومًا أو شهرًا أو سنة، وبعضهم رد الضمير إلى أبي جهيم وهو أيضًا محتمل.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١١).","vol":"3","page":658},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>(١١٢) بَاب مَا يَقْطَعُ الصَّلَاة</span>\n٧٠٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ، الْمَعْنَى، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ الْمُغِيرَةِ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ حَفْص: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَا: عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ (١): «يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ قِيدُ\n===\n\n(١١٢) (بَابُ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ)\nأي: أيّ شيء يقطع الصلاة؟\n٧٠٠ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، ح: وحدثنا عبد السلام بن مطهر وابن كثير، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (أن سليمان بن المغيرة أخبرهم) أي عبد السلام وابن كثير وغيرهما، كلاهما أي شعبة وسليمان رويا، (عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال حفص) أي حفص بن عمر في حديثه عن شعبة: (قال) أبو ذر: (قال رسول الله - ﷺ -، وقالا) أي عبد السلام وابن كثير: (عن سليمان قال) عبد الله بن الصامت: (قال أبو ذر).\nظاهر هذا الكلام يدل على أن حفصًا رفعه إلى النبي - ﷺ -، وعبد السلام وابن كثير أوقفاه على أبي ذر ولم يرفعاه، وقد أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" من طريق بهز عن سليمان بن المغيرة موقوفًا على أبي ذر، ولكن أخرج مسلم في \"صحيحه\": حدثنا شيبان بن فروخ ثنا سليمان بن المغيرة مرفوعًا.\n(يقطع (٢) صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه) أي الرجل المصلي (قيد)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال رسول الله - ﷺ -\".\n(٢) قال ابن رسلان: قال الشافعي وغيره: الحديث مؤول بقطع الخشوع، ومال الطحاوي إلى أن حديث أبي ذر منسوخ بحديث عائشة الآتي، وأشكل بأن النسخ لا بد له من التاريح. (ش).","vol":"3","page":659},{"text":"آخِرَةِ الرَّحْلِ: الْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ، وَالْمَرْأَةُ»، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الأَسْوَدِ مِنَ الأَحْمَرِ مِنَ الأَصْفَرِ مِنَ الأَبْيَضِ؟ فَقَالَ (١): يَا ابْنَ أَخِى، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا سَأَلْتَنِى، فَقَالَ: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ». [م ٥١٠، ت ٣٣٨، ن ٧٥٠، جه ٩٥٢، حم ٥/ ١٤٩، خزيمة ٨٠٦، حب ٢٣٨٥، ق ٢/ ٢٧٤]\n٧٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ\n===\nأي قدر (آخرة الرحل) وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب من كور البعير (الحمار والكلب الأسود والمرأة).\nقال عبد الله بن الصامت: (فقلت) أي لأبي ذر: (ما بال الأسود) امتاز (من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟) فإن الأسود يقطع، والأحمر والأصفر والأبيض لا يقطع (فقال) أي أبو ذر: (يا ابن أخي سألت رسول الله - ﷺ -) أي عنه (كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان) حمله بعضهم على ظاهره وقال: إن الشيطان يتصور بصورة الكلاب، وقيل: بل هو أشد ضررًا من غيره، فسمى شيطانًا (٢). \"فتح الودود\".\n٧٠١ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، ثنا قتادة قال: سمعت جابر بن زيد) الأزدي اليحمدي، أبو الشعثاء الجوفي، نسبة إلى درب الجوف، محلة بالبصرة، البصري، وثَّقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي، وفي \"الضعفاء\" للساجي عن يحيى بن معين: كان جابر إباضيًا، وعكرمة صفريًا، وعن عزرة: دخلت على جابر بن زيد فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك يعني الإباضية قال: أبرأ إلى الله من ذلك.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) قال ابن رسلان: ومعلوم أن الشيطان لا يقطع الصلاة، ففد ورد أنه ﵊ قال: \"عرض لي الشيطان\"، الحديث. (ش).","vol":"3","page":660},{"text":"يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَفَعَهُ شُعْبَةُ - قَالَ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَالْكَلْبُ». [ن ٧٥١، جه ٩٤٩، حم ١/ ٣٤٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أوَقَفَهُ سَعِيدٌ وَهِشَامٌ وهمّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَلَى (١) ابْنِ عَبَّاسٍ.\n٧٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَحْسَبُهُ\n===\n(يحدث عن ابن عباس- رفعه شعبة- قال) أي رسول الله - ﷺ -: (يقطع الصلاة المرأة الحائض) إما المراد التي تكون في حيضها أو البالغة (والكلب) أي الأسود منه.\n(قال أبو داود: أوقفه) أي هذا الحديث (سعيد) بن أبي عروبة (وهشام) الدستوائي (وهمام) بن يحيى (عن قتادة، عن جابر بن زيد على ابن عباس). حاصله: أن الحديث الموقوف محفوظ، وحديث شعبة المرفوع شاذ.\n٧٠٢ - (حدثنا محمد بن إسماعيل البصري) ابن أبي سمينة بفتح المهملة وكسر الميم، أبو عبد الله، مولى بني هاشم، ثقة، ومحمد بن إسماعيل البصري مولى بني هاشم آخر، قال أبو حاتم: مجهول، وقال ابن عساكر: عندي أنه محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وفي \"التقريب\": يحتمل أن يكون ابن سمينة وإلَّا فهو مقبول.\n(ثنا معاذ) بن هشام، (ثنا هشام) بن أبي عبد الله، (عن يحيى) قلت: لم أقف على تعين هذا، فيحتمل أن يكون يحيى بن سعيد الأنصاري، أو يحيى بن أبي كثير (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أحسبه).\nظاهر هذه العبارة يدل على أن ضمير \"قال\" يرجع إلى ابن عباس والشاك ابن عباس، أي يقول ابن عباس: أظن الحديث عن رسول الله - ﷺ -، ولكن هذا\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن\".","vol":"3","page":661},{"text":"عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ: الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْيَهُودِىُّ وَالْمَجُوسِىُّ وَالْمَرْأَةُ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ». [ق ٢/ ٢٧٥]\n===\nبعيد، وظني أن في اللفظ تقديمًا وتأخيرًا أي أحسبه قال، وهذا من كلام بعض (١) الرواة، أي قال بعض الرواة: أحسب الشيخ قال: (عن رسول الله - ﷺ -) يعني رفعه (قال: إذا صلَّى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته: الكلب) أي مرور الكلب بين يديه (والحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، وبجزئ عنه) أي يكفي عن المصلي أي في عدم القطع (إذا مروا) وإن لم يكن سترة (بين يديه على قذفة) أي رمية (بحجر) أي لو مروا على بعد قدر هذا المقدار بين يدي المصلي لا يقطع مرورهم صلاته.\nوزاد في بعض نسخ أبي داود على الحاشية: \"قال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيء كنت أذاكر به إبراهيم وغيره، فلم أر أحدًا جاء به عن هشام\" وفي نسخة \"عون المعبود\" (٢): \"فلم أر أحدًا أجابه عن هشام، ولا يعرفه، ولم أر أحدًا يحدث به عن هشام، وأحسب الوهم فيه من ابن أبي سمينة - يعني محمد بن إسماعيل البصري مولى بني هاشم-، والمُنكَرْ فيه ذكر المجوسي، وفيه: على قذفة بحجر، وذكر الخنزير، وفيه نكارة، قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلَّا من محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وأحسبه وهم، لأنه كان يحدثنا من حفظه.\nقلت: نسبة الوهم إلى ابن أبي سمينة بعيد، فإنه قد تقدم أنه ثقة.\nوأخرج الطحاوي (٣) هذا الحديث فقال: حدثنا ابن أبي داود قال:\n_________\n(١) كتب الشيخ الأستاذ أسعد الله: الأقرب أنه عكرمة. (ش).\n(٢) وفي نسخة ابن رسلان: \"فلم أر أحدًا يحدثه غير هشام، وأحسب الوهم فيه ... إلخ\". (ش).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٥٨).","vol":"3","page":662},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثنا المقدمي، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس - قال: أحسبه قد أسنده إلى النبي - ﷺ - قال: \"يقطع الصلاة: المرأة الحائض والكلب والحمار واليهودي والنصراني والخنزير، يكفيك إذا كانوا منك قدر رمية لم يقطعوا عليك صلاتك\"، فهذا الحديث هو ما أخرجه أبو داود وليس فيه محمد بن إسماعيل البصري.\nقال الشوكاني: (١) وأحاديث الباب (٢) تدل على أن الكلب والمرأة والحمار تقطع الصلاة، والمراد بقطع الصلاة إبطالها.\nوقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وأنس وابن عباس في رواية عنه، وحكي أيضًا عن أبي ذر وابن عمر، وممن قال من التابعين بقطع الثلاثة المذكورة الحسن البصري وأبو الأحوص صاحب ابن مسعود، ومن الأئمة أحمد بن حنبل (٣)، وحكى الترمذي عنه أنه يخصه بالكلب الأسود، ويتوقف في الحمار والمرأة.\nوذهب أهل الظاهر أيضًا إلى قطع الصلاة بالثلاثة المذكورة إذا كان الكلب والحمار بين يديه، سواء كان الكلب والحمار مارة أو غير مارة، صغيرًا أم كبيرًا، حيًا أم ميتًا، وكون المرأة بين يدي الرجل مارة أم غير مارة، صغيرة أم كبيرة، إلَّا أن تكون مضطجعة معترضة، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنه يقطعها الكلب الأسود فقط.\nوذهب مالك والشافعي وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف أنه لا يبطل الصلاة مرور شيء، قال النووي (٤): وتأول هؤلاء هذا\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٥).\n(٢) قال ابن رسلان: هذه الأحاديث لا يجوز أن تحمل على ظاهرها للأحاديث الدالة على خلافه، فيحمل القطع على الكمال. (ش).\n(٣) وإسحاق، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٦٨).","vol":"3","page":663},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالحديث على أن المراد بالقطع نقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها.\nومنهم من يدعي (١) النسخ بالحديث الآخر: \"لا يقطع الصلاة شئ، وادرؤوا ما استطعتم\"، قال النووي: وهذا غير مرضي، لأن النسخ لا يصار إليه إلَّا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث [وتأويلها]، وعلمنا التاريخ، وليس هنا تاريخ، ولا تعذر الجمع والتأويل، بل يتأول على ما ذكرنا مع أن حديث: \"لا يقطع صلاة المرء شئ\" ضعيف، انتهى، وروي القول بالنسخ عن الطحاوي وابن عبد البر.\nقلت: وفي قول النووي: مع أن حديث \"لا يقطع صلاة المرء شئ\" ضعيف، نظر، لأنه روي هذا الحديث من طرق متعددة أكثرها ضعيف وبعضها صحيح، فروي عن أبي سعيد، فقال الشوكاني (٢): في إسناده مجالد بن سعيد، وقد تكلم فيه غير واحد.\nوفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني (٣) بلفظ: \"أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر قالوا: لا يقطع صلاة المسلم شئ، وادرأ ما استطعت\"، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو ضعيف، قال العراقي: والصحيح عن ابن عمر ما رواه مالك في \"الموطأ\" من قوله: \"إنه كان يقول: لا يقطع الصلاة شئ مما يمر بين يدي المصلي\" وأخرج الدارقطني عنه بإسناد صحيح أنه قال: \"لا يقطع صلاة المسلم شئ\".\nقلت: وإن كان هذا موقوفًا على ابن عمر صورة لكنه في حكم المرفوع، لأنه لا يمكن أن يقال هذا بالرأي والاجتهاد مع صحة الروايات بقطع الصلاة، فكان هذا من ابن عمر على سبيل الفتوى معتمدًا على الرواية المرفوعة.\n_________\n(١) كما مال إليه الطحاوي، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٨).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٦٨).","vol":"3","page":664},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفي الباب أيضًا عن أنس عند الدارقطني، وإسناده ضعيف، كما قال الحافظ في \"الفتح\" (١)، وعن جابر عند الطبراني في \"الأوسط\"، وفي إسناده يحيى بن ميمون التمار وهو ضعيف، وعن أبي أمامة عند الطبراني في \"الكبير\"، وفي إسناده عفير بن معدان وهو ضعيف، وعن أبي هريرة عند الدارقطني وهو من رواية إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك، وقد أخرج سعيد بن منصور عن علي وعثمان وغيرهما بأسانيد صحيحة موقوفًا، وكذلك أخرج الطحاوي عنهما وعن حذيفة.\nقلت: أما حديث جابر بن عبد الله الأنصاري الذي رواه الطبراني في \"الأوسط\" وفيه يحيى بن ميمون التمار، وقال: وهو ضعيف، ولكن قال في \"مجمع الزوائد\" (٢): وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nوأما حديث أبي أمامة الذي رواه الطبراني في \"الكبير\" فقال في \"مجمع الزوائد\": إسناده حسن.\nوأما رواية أنس الذي أخرجه الدارقطني، وقال الشوكاني: إسناده ضعيف، كما قال الحافظ في \"الفتح\"، ولم ينسب الضعف إلى أحد من رواة السند، بل اكتفى بنقل الضعف عن الحافظ.\nووجه ضعفه أن صخر بن عبد الله بن حرملة الراوي ذكر ابن الجوزي أن ابن عدي وابن حبان اتهماه بالوضع.\nقال الحافظ في \"التهذيب\" (٣): قال النسائي: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال العجلي: ثقة، ووهم ابن الجوزي في ذلك عليهما، وإنما ذكرا ذلك في صخر بن عبد الله الحاجبي وقد أوضحته في \"لسان الميزان\"\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٨).\n(٢) (٢/ ٦٢).\n(٣) (٤/ ٤١٢).","vol":"3","page":665},{"text":"٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَوْلًى لِيَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا بِتَبُوكَ مُقْعَدًا فَقَالَ: مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىِ النَّبِىِّ -ﷺ- وَأَنَا عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ يُصَلِّى فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَهُ».\n===\nبشواهده، قال في \"لسان الميزان\" (١): وقد خبط ابن الجوزي في ترجمة صخر بن عبد الله بن حرملة ... إلخ.\n٧٠٣ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا وكيع، عن سعيد بن عبد العزيز) التنوخي، (عن مولى ليزيد بن نمران) اسمه سعيد، مجهول، (عن يزيد بن نمران) بكسر النون وسكون الميم، ابن يزيد بن عبد الله المذحجي الذماري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": ثقة.\n(قال: رأيت رجلًا بتبوك) وهي أرض بين المدينة والشام، بينها وبين المدينة أربع عشرة مراحل (مقعدًا) (٢) هو من لا يقدر على القيام لزمانة به كأنه ألزم القعود، وقيل: هو من القُعاد، وهو داء يأخذ الإبل في أوراكها فيميلها إلى الأرض \"مجمع\" (٣).\n(فقال: مررت بين يدي النبي - ﷺ - وأنا على حمار) جملة حالية، تقديره وأنا راكب على حمار (وهو) أي النبي - ﷺ - (يصلي فقال) رسول الله - ﷺ -: (اللهُمَّ (٤) اقطع أثره) أي أثر مشيه في الأرض، دعا عليه بالزمانة، ثم قال ذاك\n_________\n(١) (٣/ ٥٦٥).\n(٢) قال ابن رسلان: بضم الميم وفتح العين من أقعد بالبناء للمفعول. (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٠٠).\n(٤) قال ابن رسلان: فيه جواز الدعاء على المسلم إذا فعل معصية يضر بالدين، قلت: والمعروف عن المشايخ أنهم قد يدعون على الرجل لئلا يبتلي لأذاهم بأكثر من ذلك، والنبي صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم أليق بذلك، مع أن الرواية ضعيفة، وأيضًا الثابت من دأبه ﵊ الشفقة على الأمة مما لا يعد حصرًا، فهذه الرواية وما في معناها لا تقاومها. (ش).","vol":"3","page":666},{"text":"فَمَا مَشَيْتُ عَلَيْهَا بَعْدُ\". [ق ٢/ ٢٧٥]\n٧٠٤ - حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ - يَعْنِى الْمَذْحِجِىَّ -، حَدَّثَنَا أَبُو حَيْوَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زَادَ: فَقَالَ: «قَطَعَ صَلَاتَنَا قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ». [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أَبُو مُسْهِرٍ عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ فِيهِ أيضًا: «قَطَعَ صَلَاتَنَا».\n===\nالمقعد: (فما مشيت عليها) (١) أي الأقدام أو الأرض أو الحمار (بعد) أي بعد دعائه - ﷺ - عليه بقطع الأثر.\n٧٠٤ - (حدثنا كثير بن عبيد) بن نمير (يعني المذحجي) أبو الحسن الحمصي الحذاء المقرئ، كان يقال: إنه أم بأهل حمص ستين سنة فما سها في صلاته، وثَّقه أبو حاتم ومسلمة بن قاسم وأبو بكر بن أبي في داود، وقال النسائي: لا بأس به، (ثنا أبو حيوة) شريح (٢) بن يزيد الحمصي المؤذن المقرئ، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، مات سنة ٢٠٣ هـ.\n(عن سعيد) بن عبد العزيز (بإسناده ومعناه) أي بإسناد الحديث المتقدم ومعنى ذلك الحديث (زاد) أي أبو حيوة: (فقال) رسول الله - ﷺ -: (قطع) أي المار بين أيدينا (صلاتنا قطع الله أثره) أي أثر أقدامه.\n(قال أبو داود: ورواه أبو مسهر) (٣) عبد الأعلى (عن سعيد) بن عبد العزيز، (قال) أي أبو مسهر (فيه) أي في حديثه (أيضًا: قطع صلاتنا) حاصله أن أبا مسهر وأبا حيوة اتفقا على أنهما قالا: \"قطع صلاتنا\"، وخالفهما وكيع فقال: \"اللهُم اقطع أثره\".\n_________\n(١) ورواه المستغفري في \"دلائل النبوة\" بلفظ: عليهما، انتهى. (ابن رسلان). (ش).\n(٢) صاحب الكرامات، كما ذكره ابن رسلان. (ش).\n(٣) أخرج روايته البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٣٦٦).","vol":"3","page":667},{"text":"٧٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِىُّ. (ح): وحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مُعَاوِيَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ نَزَلَ بِتَبُوكَ وَهُوَ حَاجٌّ، فَإِذَا رَجُلٌ مُقْعَدٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ؟ فَقَالَ لَهُ: سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا، فَلَا تُحَدِّثْ بِهِ مَا سَمِعْتَ أَنِّى حَىٌّ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَزَلَ بِتَبُوكَ إِلَى نَخْلَةٍ فَقَالَ: «هَذِهِ قِبْلَتُنَا»، ثُمَّ صَلَّى إِلَيْهَا، قال: فَأَقْبَلْتُ وَأَنَا غُلَامٌ أَسْعَى حَتَّى مَرَرْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَقَالَ:\n===\n٧٠٥ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، ح: وحدثنا سليمان بن داود قالا: حدثنا) عبد الله (بن وهب، أخبرني معاوية) بن صالح، (عن سعيد بن غزوان) بفتح المعجمة وسكون الزاي، شامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى (١) له أبو داود حديثًا واحدًا في الصلاة، قلت: قال صاحب \"الميزان\": هو وأبوه لا يدرى من هما، وقال عبد الحق وابن القطان: إسناده ضعيف.\n(عن أبيه) غزوان الشامي، روى عن مقعد: رأى النبي - ﷺ - يصلي بتبوك، قلت: قال أبو الحسن بن القطان: غزوان هذا لا يعرف، والحديث في غاية الضعف، وفي \"الميزان\": غزوان عن المقعد الذي بتبوك مجهول، ما روى عنه سوى ابنه سعيد.\n(أنه) أي غزوان (نزل بتبوك وهو حاج، فإذا هو برجل) أي ملاقي رجل (مقعد) الذي لا يستطيع القيام (فسأله عن أمره) أي حاله لم صوت مقعدًا؟\n(فقال) أي المقعد (له: سأحدثك حديثًا، فلا تحدث به) أي بالحديث الذي أحدثك (ما) أي ما دمت (سمعت أني حي، إن رسول الله - ﷺ - نزل بتبوك إلى نخلة، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (هذه) أي النخلة (قبلتنا) أي سترتنا، (ثم صلَّى إليها) أي متوجهًا إليها (قال) أي المقعد: (فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها) أي بين رسول الله - ﷺ - وبين النخلة (فقال) أي رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) قال ابن رسلان: لم يرو عنه أبو داود غير هذا. (ش).","vol":"3","page":668},{"text":"\"قَطَعَ صَلَاتَنَا قَطَعَ اللَّه أَثَرَهُ\"، فَمَا قُمْتُ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِي هَذَا. [ق ٢/ ٢٧٥]\n\n(١١٣) باب سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةُ لمَنْ (١) خَلْفَهُ\n٧٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ،\n===\n(قطع صلاتنا قطع الله أثره، فما قمت عليها) أي على القدم (إلى يومى هذا).\nإيراد أبي داود هذه القصة من غير إنكار عليها (٢) يدلس على أنها ثابتة عنده، وغرضه من إيرادها أن المراد بقطع الصلاة ليس إبطالها، بل المراد بقطع الصلاة قطع الخشوع فيها لا قطع أصل الصلاة.\n\n(١١٣) (بَابُ سُتْرَةِ الإمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ (٣) خَلْفَهُ) من المصلين\n٧٠٦ - (حدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا هشام بن الغاز) بمعجمتين بينهما ألف، ابن ربيعة الجرشي الدمشقي، نزيل بغداد، وكان على بيت المال لأبي جعفر، وثَّقه ابن معين ويعقوب بن سفيان ومحمد بن عبد الله بن عمار، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من\".\n(٢) قال العيني (٣/ ٥٧٣): سكت عنه أبو داود، وقال غيره: هذا حديث واه، ولئن سلمنا صحته فهو منسوخ بحديث ابن عباس، لأن ذلك كان بتبوك، وحديثه كان في حجة الوداع. (ش).\n(٣) أجمعوا على أن المأموم لا يحتاج إلى سترة بعد سترة الإِمام، واختلفوا في أن الإِمام سترة لمن خلفه، أو سترته سترة لمن خلفه، قولان للمالكية، كذا في \"الدردير\" (١/ ٢٤٤)، ومختار الحنفية الثاني كما في \"البحر\" و\"الأوجز\" (٣/ ٢٧٣) و\"الشامي\"، ونص عليه أحمد وبه قال الشافعي، كذا في \"المغني\" (٣/ ٨١)، وقال صاحب \"المنهل\" (٥/ ١٠٤): ثمرة الخلاف تظهر في المرور بين الإِمام وبين الصف الأول، فعلى الأول يحرم، لأنه مرور بينه وبين سترته، وعلى الثاني يجوز، لأن الإِمام حائل بينه وبين سترته، وكذا قال الدردير، وقال السندي على البخاري: فيكون المضر للمقتدي أيضًا المرور بين الإِمام وسترته لا المرور أمام المقتدي. (ش).","vol":"3","page":669},{"text":"عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: هَبَطْنَا مَعَ رَسُولِ (١) اللَّهِ -ﷺ- مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ - يَعْنِى - فَصَلَّى إِلَى جِدَرٍ (٢) - فَاتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ، فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زَالَ يُدَارِئُهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجِدَارِ (٣)، وَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ، أَوْ كَمَا قَالَ مُسَدَّدٌ. [ق ٢/ ٢٦٨]\n===\n(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب، (عن جده) أي جد أبيه، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص (قال) أي عبد الله: (هبطنا) أي نزلنا (مع رسول الله - ﷺ - من ثنية أذاخر) قال في \"المجمع\" (٤): ثنية أذاخر (٥): موضع بين الحرمين مسمى بجمع إذخر، وقال في \"القاموس\": أذاخر: موضع قرب مكة.\n(فحضرت الصلاة يعني فصلَّى إلى حيدر) قال في \"المجمع\" (٦): هو ما رفع حول المزرعة كالجدار (فاتخذه) أي الجدر (قبلة) أي سترة (ونحن خلفه، فجاءت بهمة) أي ولد الضأن (تمر) أي تريد أن تمر (بين يديه، فما زال (٧) يدارئها) أي يدافعها (حتى لصق بطنه) أي رسول الله - ﷺ - (بالجدر، ومرت من ورائه) أي من وراء الجدر أو من وراء رسول الله - ﷺ - (أو كما قال مسدد) يعني أن مسددًا قال هذه الألفاظ التي ذكرناها أو كما قال، وهذا من احتياط المصنف في نقل الألفاظ، فإنه لم يحفظ الألفاظ كما هي.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي نسخة: \"جدار\".\n(٣) وفي نسخة: \"بالجدار\".\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٨).\n(٥) قال ابن رسلان: بفتح الهمزة وخفة الذال وبعد الألف خاء معجمة مكسورة، جبل بين مكة والمدينة. (ش).\n(٦) (١/ ٣٢٩).\n(٧) قال ابن رسلان: فيه المشي، وقال أصحابنا: لا يجوز له المشي للدفع، اللَّهُمَّ إلَّا أن يقال: إن المراد منه الخطوات الكثيرة لا خطوة وخطوتان. (ش).","vol":"3","page":670},{"text":"٧٠٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى فَذَهَبَ جَدْىٌ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَتَّقِيهِ\". [حم ١/ ٢٩١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>(١١٤) بَابُ مَنْ قَالَ: الْمَرْأَةُ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ</span>\n٧٠٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كُنْتُ بَيْنَ (١) النَّبِىِّ -ﷺ- وَبَيْنَ\n===\nومطابقة الحديث للترجمة بأنه - ﷺ - جعل لنفسه سترة، ولم يأمر أصحابه أن يجعلوا لأنفسهم سترة غير سترته، وقد دفعها أن تمر بينه وبين سترته، ولم يبال أن تمر بين أيدي القوم، فعلم بذلك أن سترة الإِمام سترة لمن خلفه.\n٧٠٧ - (حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر قالا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار) بفتح الجيم ثم الزاي، العرني الكوفي، وثَّقه أبو زرعة والنسائي وأبو حاتم والعجلي، وقال الجوزجاني وابن سعد والعجلي وغيرهم: كان غاليًا مفرطًا في التشيع، ولم يسمع هذا الحديث عن ابن عباس، لأنه ورد في رواية ابن أبي خيثمة قال: ولم أسمعه منه.\n(عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يصلي فذهب جدي) بفتح جيم وسكون دال: ما بلغ من أولاد المعز ستة أشهر أو سبعًا، ذكرًا كان أو أنثى (يمر) أي يريد أن يمر (بين يديه فجعل) أي رسول الله - ﷺ - (يتقيه) أي يجتنب من مروره، قال في \"فتح الودود\": ولا يظهر لهذا الحديث دلالة على الترجمة أصلًا، ولعل هذه الواقعة والتي قبلها قصة واحدة، فحينئذ يظهر المطابقة.\n\n(١١٤) (بَابُ مَنْ قَالَ: الْمَرْأَةُ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ)\n٧٠٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة قالت: كنت بين النبي - ﷺ - وبين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بين يدي\".","vol":"3","page":671},{"text":"الْقِبْلَةِ\" قَالَ شُعْبَةُ: وأَحْسَبُهَا قَالَتْ: \"وَأَنَا حَائِضٌ\". [ق ٢/ ٢٧٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزُّهْرِىُّ وَعَطَاءٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو الأَسْوَدِ وَتَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبُو الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، لَمْ يَذْكُرُوا: «وَأَنَا حَائِضٌ».\n===\nالقبلة) أي راقدة على الفراش وهو يصلي (قال شعبة: وأحسبها قالت: وأنا حائض، قال أبو داود: ورواه الزهري وعطاء) بن أبي رباح (وأبو بكر بن حفص) بن عمر (وهشام بن عروة وعراك بن مالك وأبو الأسود وتميم بن سلمة) السلمي الكوفي، ثقة، من الثالثة (كلهم عن عروة عن عائشة (١)، وإبراهيم عن الأسود عن عائشة (٢) وأبو الضحى) مسلم بن صبيح بالتصغير الهمداني الكوفي العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل، (عن مسروق عن عائشة (٣)، والقاسم بن محمد وأبو سلمة عن عائشة (٤)، لم يذكروا: وأنا حائض) غرض\n_________\n(١) رواية الزهري أخرجها أحمد (٦/ ٣٧)، والدارمي (١/ ٢٤٤) رقم (١٤١٣)، والبخاري (٣٨٣)، ومسلم (٥١٢)، وابن ماجه (٩٥٦)، وابن خزيمة (٢/ ١٨) رقم (٨٢٢).\nورواية عطاء أخرجها الطيالسي رقم (١٤٥٢).\nورواية أبي بكر بن حفص أخرجها أحمد (٦/ ١٢٦)، ومسلم (٥١٢)، وابن حبان (٦/ ١٥٠) رقم (٢٣٩٠)، والبيهقي (٢/ ٢٧٥).\nورواية هشام بن عروة وصلها المصنف (٧١١).\nورواية عراك بن مالك أخرجها البخاري (٣٨٢).\nورواية تميم بن سلمة أخرجها أحمد (٦/ ٢٠٥).\n(٢) رواية الأسود أخرجها أحمد (٦/ ٤٢)، والبخاري (٥٠٨)، ومسلم (٥١٢)، والنسائي (٢/ ٦٦)، وابن خزيمة (٢/ ١٩) رقم (٨٢٥)، والبيهقي (٢/ ٢٧٦).\n(٣) رواية أبي الضحى أخرجها أحمد (٦/ ٤١)، والبخاري (٥١١)، ومسلم (٥١٢)، وابن خزيمة (٢/ ١٩) رقم (٨٢٥)، والبيهقي (٢/ ٢٧٦).\n(٤) رواية القاسم بن محمد وأبي سلمة وصلهما المصنف (٧١٢ - ٧١٤).","vol":"3","page":672},{"text":"٧٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ (١)، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى صَلَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ (٢)، وَهِىَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، رَاقِدَةٌ عَلَى الْفِرَاشِ الَّذِى يَرْقُدُ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَهَا فَأَوْتَرَتْ\". [خ ٥١٢، م ٥١٢، ن ٧٥٩، حم ٦/ ١٩٢، جه ٩٥٦].\n٧١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْحِمَارِ وَالْكَلْبِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ\n===\nالمصنف بهذا الكلام أن لفظ \"وأنا حائض\" في حديث سعد بن إبراهيم شاذٌ لم يذكر الجماعة هذا اللفظ.\n٧٠٩ - (حدثنا أحمد بن (٣) يونس، ثنا زهير، ثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي صلاته من الليل) أي صلاة التهجد (وهي معترضة) أي عائشة مستلقية عرضًا (بينه) أي رسول الله - ﷺ - (وبين القبلة راقدة) أي نائمة (٤) (على الفراش الذي يرقد) أي ينام رسول الله - ﷺ - (عليه) أي على الفراش (حتى إذا أراد أن يوتر أيقظها فأوترت).\n٧١٠ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن عبيد الله قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة قالت) أي عائشة: (بئس ما عدلتمونا بالحمار والكلب) أي بئس الحكم الذي حكمتم بأن النساء والحمار والكلب سواء في قطع الصلاة عند مرورهم بين يدي المصلي، (لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي وأنا معترضة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بن عبد الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"بالليل\".\n(٣) منسوب إلى جده وهو أحمد بن عبد الله بن يونس. [انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٥٠)]. (ش).\n(٤) فيه حجة لجواز الصلاة خلف النائم خلافًا لمالك، كما تقدم في \"باب الصلاة إلى المتحدثين\"، وأجابوا عنه بأن الصلاة في الظلمة كان وجودها كعدمها. (ش).","vol":"3","page":673},{"text":"يَدَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلِى فَضَمَمْتُهَا إِلَىَّ ثُمَّ يَسْجُدُ\". [خ ٥١٩، م ٥١٢، ن ١٦٦، ١٦٧، حم ٦/ ٥٤]\n٧١١ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ\n===\nبين يديه) أي رسول الله - ﷺ -، (فإذا أراد أن يسجد غمز (١) رجلي) أي كبس رجلي (فضممتها إليّ ثم يسجد).\nفهذا الحديث استدلت به عائشة - رضي الله تعالى عنها - على أن المرأة إذا مرت بين يدي المصلي لا تقطع صلاته، فإن اعتراض المرأة أشد من المرور، فإذا لم يقطع الاعتراض الصلاة لا يقطع المرور أيضًا بالأولى، فبطل بهذا ما قال ابن بطال: هذا الحديث وشبهه من الأحاديث التي فيها اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته يدل على جواز القعود لا على جواز المرور، انتهى. على أنه لما أنكرت عائشة عليهم وسكتوا، فكأنهم رجعوا إلى ما قالت عائشة، وحصل الإجماع على ذلك.\nثم أقول: إن الإِمام مسلمًا أخرج في \"صحيحه\" (٢) حديث عائشة ولفظه: \"لقد رأيت رسول الله - ﷺ - وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله - ﷺ -، فأنسلُّ من عند رجليه\" وهذا اللفظ صريح في المرور، فإن الانسلال هو المرور، وكان ابن بطال لم يتنبه بهذا السياق.\n٧١١ - (حدثنا عاصم بن النضر) بن منتشر الأحول التيمي، أبو عمرو البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (ثنا المعتمر) بن سليمان، (ثنا عبيد الله) بن عمر العمري، (عن أبي النضر) سالم، (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة\n_________\n(١) فيه حجة على عدم نقض الوضوء منه، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٢٧٠/ ٥١٢)، وكذا أخرجه البخاري (٥١٤).","vol":"3","page":674},{"text":"أَنَّهَا قَالَتْ: \"كُنْتُ أَكُونُ نَائِمَةً وَرِجْلَاىَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ ضَرَبَ رِجْلَىَّ فَقَبَضْتُهُمَا (١) فَسَجَدَ\". [خ ٥١٣، م ٥١٢، ن ١٦٨]\n٧١٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ وَهَذَا لَفْظُهُ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"كُنْتُ أَنَامُ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ فِى قِبْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَيُصَلِّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَمَامَهُ إِذَا (٢) أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ - زَادَ عُثْمَانُ: غَمَزَنِى، ثُمَّ اتَّفَقَا - فَقَالَ: «تَنَحَّىْ». [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nأنها قالت: كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي رسول الله - ﷺ - وهو) أي رسول الله - ﷺ - (يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد ضرب) أي غمز (رِجْلَيَّ فقبضتهما فسجد) أي رسول الله - ﷺ -، لأنها لم تكن في البيوت مصابيح.\n٧١٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر، ح: وحدثنا القعنبي، ثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد وهذا لفظه-) أي لفظ عبد العزيز لا لفظ محمد بن بشر، (عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت: كنت أنام وأنا معترضة) أي مضطجعة عرضًا كاعتراض الجنازة (في قبلة رسول الله - ﷺ -، فيصلي رسول الله - ﷺ - وأنا أمامه) أي قدام رسول الله - ﷺ - (إذا أراد) رسول الله - ﷺ - (أن يوتر، زاد عثمان: غمزني) ولم يذكره القعنبي (ثم اتفقا) أي عثمان والقعنبي (فقال) أي رسول الله - ﷺ - لعائشة: (تنحي) أي قومي وكوني في الناحية لصلاة الوتر، كما تقدم أن رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يوتر أيقظها فأوترت.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قبضتها\".\n(٢) وفي نسخة: \"فإذا\".","vol":"3","page":675},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>(١١٥) بَابُ مَنْ قَالَ: الْحِمَارُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ</span>\n٧١٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"جِئْتُ عَلَى حِمَارٍ\". (ح): وَحَدَّثَنَا\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): وروي عن عائشة أنها ذهبت إلى أنه يقطعها الكلب والحمار والسنور دون المرأة، ولعل دليلها على ذلك ما روته من اعتراضها بين يدي النبي - ﷺ - كما تقدم، وقد عرفت أن الاعتراض غير المرور، وقد تقدم عنها أنها روت عن النبي - ﷺ -: \"أن المرأة تقطع الصلاة\" فهي محجوجة بما روت، انتهى.\nقلت: قد تقدم الجواب عن قوله: إن الاعتراض غير المرور، وأما ما قال: فهي محجوجة بما روت، فهو أيضًا باطل بوجوه: أما أولًا فلأن حديثهما الدال على قطع الصلاة عند مرور المرأة وغيرها الذي أخرجه أحمد وإن قال العراقي: ورجاله ثقات، لكن لا يقاوم ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة وغيرها من أزواج النبي - ﷺ -، فلا تكون محجوجة به، لأنه سقط في المعارضة.\nوثانيًا يمكن أن يكون عندها معنى القطع بمرور المرأة فيما روي في حديث أحمد من قطع الصلاة هو قطع الخشوع بمرورها، وأما حديث الاعتراض فذكرها للرد على من قال بقطع الصلاة عند مرورها بمعنى إبطالها بالكلية، فعلى هذا لا يكون بينهما معارضة، ولا تكون محجوجة بما روت.\n\n(١١٥) (بَابُ مَنْ قَال: الْحِمَارُ) أي: مروره (لايَقْطَعُ الصَّلاةَ)\n٧١٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: جئت على حمار، ح وحدثنا\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٥).","vol":"3","page":676},{"text":"الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قَالَ: \"أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى بِالنَّاسِ بِمِنًى،\n===\nالقعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه قال: أقبلت راكبًا على أتان) (١) هي الأنثى من الحمير، ووقع عند مسلم من رواية معمر عن الزهري: \"وذلك في حجة الوداع أو الفتح\"، وهذا الشك من معمر لا يعول عليه، والحق أن ذلك كان في حجة الوداع.\n(وأنا يومئذ قد ناهزت) أي قاربت (الاحتلام، ورسول الله - ﷺ - يصلي بالناس بمنى) ووقع عند مسلم من رواية ابن عيينة: \"بعرفة\"، قال النووي (٢): يحمل ذلك على أنهما قضيتان، وتعقب بأن الأصل عدم التعدد ولا سيما مع اتحاد مخرج الحديث، فالحق أن قول ابن عينية: \"بعرفة\" شاذ.\nوفي رواية مالك عند البخاري بعد قوله: \"يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار\"، قال الحافظ في \"الفتح\" (٣): قال الشافعي: إن المراد بقول ابن عباس: \"إلى غير جدا\"، أي إلى غير (٤) سترة، وذكرنا تأييد ذلك من رواية البزار ولفظه: \"والنبي - ﷺ - يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره\".\nوقال بعض المتأخرين: قوله: \"إلى غير جدار\" لا ينفي (٥) غير الجدار، إلَّا أن إخبار ابن عباس عن مروره بهم وعدم إنكارهم لذلك مشعر بحدوث أمر لم يعهدوه، فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة، إذ مروره حينئذ لا ينكره أحد أصلًا.\n_________\n(١) بفتح الهمزة والمثناة وحكي الكسر، ولا يقال: أتانة، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٦٢).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٧١).\n(٤) وبه جزم البيهقي (٢/ ٢٧٣) إذ بوب عليه \"من صلَّى إلى غير سترة\"، وبه جزم الشافعي كما حكاه الحافظ. (ش).\n(٥) وإليه مال البخاري حيث ترجم على الحديث بقوله: \"سترة الإِمام سترة لمن خلفه\". (ش).","vol":"3","page":677},{"text":"فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِى الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ\". [خ ٤٩٣، م ٥٠٤، ت ٣٣٧، ن ٧٥٢، جه ٩٤٧، حم ١/ ٢١٩، خزيمة ٨٣٣، حب ٢١٥١، ق ٢/ ٢٧٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُ الْقَعْنَبِىِّ، وَهُوَ أَتَمُّ. قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا إِذَا قَامَتِ الصَّلَاةُ.\n٧١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ،\n===\n(فمررت بين يدي بعض الصف) أي راكبًا عليها (فنزلت) أي عن الأتان (فأرسلت الأتان ترتع) (١) من الرتع، أي تأكل ما تشاء (ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك) أي مروره بين يدي الصف بأتانه وبنفسه (أحد) من الصحابة والنبي - ﷺ -، وعدم إنكارهم يدل على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، وللشوكاني (٢) ههنا كلام طويل لا ينبغي أن يشتغل بذكره والجواب عنه.\n(قال أبو داود: وهذا) أي المذكور (لفظ القعنبي، وهو أتم) أي من حديث عثمان بن أبي شيبة، (قال مالك: وأنا أرى ذلك) (٣)، أي عدم القطع بمرور الحمار (واسعًا إذا قامت الصلاة).\n٧١٤ - (حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري، (عن منصور) بن زاذان الواسطي، أبو المغيرة الثقفي مولاهم، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي، وقال العجلي: كان ثقة، وكان سريع القراءة، وكان يحب أن يترسل فلا يستطيع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يختم القرآن بين الأولى والعصر.\n_________\n(١) استدل به الشافعية على جواز رعي حشيش الحرم، فإن مني من الحرم، والمسألة خلافية تأتي في \"كتاب الحج\". (ش).\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٩).\n(٣) أي المرور بين يدي المصلي جائز إذا أحرم الإِمام ولم يجد المرء مدخلًا إلَّا بين الصفوف، صرح به مالك في \"الموطأ\" بترجمة باب، \"ابن رسلان\" بزيادة. (ش).","vol":"3","page":678},{"text":"عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أَبِى الصَّهْبَاءِ قَالَ: \"تَذَاكَرْنَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: جِئْتُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنْ بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حِمَارٍ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى، فَنَزَلَ وَنَزَلْتُ وَتَرَكْنَا الْحِمَارَ أَمَامَ الصَّفِّ، فَمَا بَالَاهُ وَجَاءَتْ جَارِيَتَانِ مِنْ بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَدَخَلَتَا بَيْنَ الصَّفِّ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ\". [ن ٧٥٤، حم ١/ ٢٣٥، خزيمة ٨٣٦]\n===\n(عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي الصهباء) صهيب البكري البصري، ويقال: المدني، مولى ابن عباس، قال أبو زرعة: ثقة، وقال النسائي: أبو الصهباء صهيب بصري ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له ذكر في \"صحيح مسلم\" في الصرف.\n(قال) أي أبو الصهباء: (تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس) كأنهم تذاكروا الحمار والمرأة فيما يقطع الصلاة مروره.\n(فقال) أي ابن عباس في رده: (جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله - ﷺ - يصلي، فنزل) أي الغلام المطلبي وهو أخوه الفضل بن عباس، كما تدل عليه رواية الترمذي: \"كنت رديف الفضل على أتان\"، وكذا في رواية الطحاوي ولفظه: \"قال: جئت أنا والفضل، ونحن على أتان\" (ونزلت) أي عن الحمار (وتركنا الحمار أمام الصف، فما بالاه) أي لم يبال رسول الله - ﷺ - مروره أمام الصف، ولم ينكر عليه، ولم ينصرف عن الصلاة، كما في رواية الطحاوي (وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب، فدخلتا بين الصف، فما بالى ذلك).\nوهذا الحديث يدل على أن عند ابن عباس دليلًا من رسول الله - ﷺ - على أن مرور الحمار والمرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، وهذا ابن عباس قد روى عنه عكرمة في قطع الصلاة بمرور المرأة الحائض والكلب والحمار وغيرها، فهذا يدل صريحًا على أنه ليس معنى القطع إبطال الصلاة بالكلية، وإلَّا فما يفتي بعد رسول الله - ﷺ - بعدم قطعها.","vol":"3","page":679},{"text":"٧١٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَدَاوُدُ بْنُ مِخْرَاقٍ الْفِرْيَابِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: فَجَاءَتْ جَارِيَتَانِ مِنْ بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اقْتَتَلَتَا فَأَخَذَهُمَا، قَالَ عُثْمَانُ: فَفَرَعَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ دَاوُدُ: فَنَزَعَ إِحْدَاهُمَا مِنَ الأُخْرَى، فَمَا بَالَى ذَلِكَ. [انظر سابقه]\n\n(١١٦) بَابُ مَنْ (١) قَالَ: الْكَلْبُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ\n٧١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِىٍّ،\n===\n٧١٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وداود بن مخراق الفريابي) ويقال: داود بن محمد بن مخراق، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (قالا: ثنا جرير) بن عبد الحميد، (عن منصور بهذا الحديث) المتقدم (بإسناده، قال) أي جرير: (فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا) أي تتنازعان (فأخذهما) أي رسول الله - ﷺ -، ثم اختلف عثمان وداود (قال عثمان: ففرع) أي فرق (بينهما، وقال داود: فنزع إحداهما من الأخرى، فما بالى) أي رسول الله - ﷺ - (ذلك) أي مرورهما بين يدي المصلين، وفي هذا الحديث دلالة على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>(١١٦) (بَابُ مَنْ قَالَ: الْكَلْبُ لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ)</span>\n٧١٦ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي) أي شعيب، (عن جدي) أي ليث بن سعد، (عن يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي) بن أبي طالب الهاشمي، أمه أسماء بنت عقيل، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: حاله مجهول.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فيمن\".","vol":"3","page":680},{"text":"عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: \"أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ فِى بَادِيَةٍ لَنَا وَمَعَهُ عَبَّاسٌ، فَصَلَّى فِى صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ (١) تَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ\". [حم ١/ ٢١٢، ن ٧٥٣، ق ٢/ ٢٧٨، قط ١/ ٣٦٩]\n\n(١١٧) بَابُ مَنْ (٢) قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَىْءٌ\n٧١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن مُجَالِدٍ،\n===\n(عن عباس بن عبيد الله بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا في الصلاة، وأعلَّه ابن حزم بالانقطاع، قال: لأن عباسًا لم يدرك عمه الفضل بن عباس، وهو كما قال، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.\n(عن الفضل بن عباس (٣» بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم النبي - صلي الله عليه وسلم -، أردفه رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، وحضر غسل رسول الله - ﷺ -، وكان أسن ولد العباس -﵁ -.\n(قال: أتانا رسول الله - ﷺ - ونحن في بادية لنا) قال في \"القاموس\": البدو والبادية والبداوة: خلاف الحضر، (ومعه عباس) بن عبد المطلب عم رسول الله - ﷺ -، ولعله كان هناك مزرعة للعباس -رضي الله تعالى عنه -، (فصلَّى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة) أي أتان (لنا وكلبة تعبثان) أي تلعبان (بين يديه) أي قدامه، (فما بالى ذلك) أي ما اعتده قاطعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>(١١٧) (بَابُ مَنْ قَالَ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَئ</span>ءٌ)\n٧١٧ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا أبو أسامة، عن مجالد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"تعيثان أو\".\n(٢) وفي نسخة: \"فيمن\".\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٦٠) رقم (٤٢٣٨).","vol":"3","page":681},{"text":"عَنْ أَبِى الْوَدَّاكِ (١)، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَىْءٌ، وَادْرَؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». [قط ١/ ٣٦٨، ق ٢/ ٢٧٨]\n٧١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَدَّاكِ قَالَ: مَرَّ شَابٌّ مِنْ قُرَيْشٍ بَيْنَ يَدَىْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ وَهُوَ يُصَلِّى فَدَفَعَهُ، ثُمَّ عَادَ فَدَفَعَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ لَا يَقْطَعُهَا شَىْءٌ، وَلَكِنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ادْرَؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ». [ق ٢/ ٢٧٨، قط ١/ ٣٦٨]\n===\nعن أبي الوداك) بفتح الواو وتشديد الدال، جبر بن نوف بفتح النون، الهمداني البكالي بكسر الموحدة، وتخفيف الكاف، نسبة إلى بني بكال، بطن من حمير، الكوفي، وثَّقه ابن معين، وقا النسائي: صالح، وقال النسائي في \"الجرح والتعديل\": ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يقطع الصلاة) أي لا يبطلها (شيء) أي مرور شيء (وادرؤوا) أي ادفعوا من أراد المرور (ما استطعتم، فإنما هو) أي الذي يمرُّ بين يدي المصلي عمدًا (شيطان) أي يحمله (٢) عليه شيطانه وهو قرينه الذي معه.\n٧١٨ - (حدثنا مسدد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا مجالد، ثنا أبو الوداك قال: مر شاب من قريش) أي أراد المرور (بين يدي أبي سعيد الخدري وهو يصلي فدفعه، ثم عاد فدفعه ثلاث مرات، فلما انصرف) أي أبو سعيد عن الصلاة (قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قال رسول الله - ﷺ -: ادرؤوا) أي ادفعوا المار (ما استطعتم فإنه) أي المار بين يدي المصلي (شيطان)، قد أخرج مسلم (٣) هذه القصة بسند آخر مفصلة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"جبر بن نوف\".\n(٢) أو هو عاص، والعاصي يقال له: الشيطان، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٥٠٥).","vol":"3","page":682},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وإِذَا تَنَازَعَ الْخَبَرَانِ عَنْ النبي (١) -ﷺ- نُظِرَ إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ.\n===\n(قال أبو داود: وإذا تنازع الخبران عن النبي - ﷺ - نظر إلى ما عمل به أصحابه) أي أصحاب رسول الله (من بعده)، وفي هذا القول إشارة إلى ما ذهب إليه المصنف من عدم قطع الصلاة بمرور شيء.\nوحاصله: أنه تعارضت الأحاديث في هذه المسألة، فورد في بعضها قطع الصلاة بمرور بعض الأشياء، وفي بعضها عدم القطع بمرور بعضها، وفي بعضها بعدم القطع بمرور شيء.\nفقال المصنف: لما تنازعت الأحاديث ينظر إلى ما عمل به أصحاب رسول الله - ﷺ - من بعده، ولما نظرنا في ذلك رأينا أن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه -، وهو الذي روى حديث القطع، أفتى بعد رسول الله - ﷺ - بعدم القطع بمرور الحمار والكلب والمرأة، كما في الروايات المتقدمة.\nقال البيهقي (٢): روى سماك عن عكرمة قيل لابن عباس: أتقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب؟ فقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣)، فما يقطع هذا ولكن يكره.\nوكذلك عائشة -﵂ - روي عنها قطع الصلاة بمرور المرأة، وإنها أيضًا أفتت بعد رسول الله - ﷺ - بعدم قطعها، وردَّت على من قال بقطع الصلاة بمرور المرأة أقبح رد.\nوكذلك ما روي عن ابن عمر أنه أفتى بعدم القطع، حدثنا يونس قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم قال: قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن ربيعة يقول: يقطع الصلاة الكلب والحمار، فقال ابن عمر: لا يقطع صلاة المؤمن شيء.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٧٩).\n(٣) سورة فاطر: الآية ١٠.","vol":"3","page":683},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكذلك صح عن علي وعثمان -﵄- أنهمما قالا بعدم القطع، فقد أخرج ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١) عن ابن المسيب، عن علي وعثمان قالا: \"لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوهم عنكم ما استطعتم\".\nوكذلك روي عن حذيفة بن اليمان، فقد أخرج الطحاوي (٢) عن كعب بن عبد الله، عن حذيفة بن اليمان يقول: \"لا يقطع الصلاة شيء\".\nوأما اللذين ذهبوا إلى قطع الصلاة وإبطالها من الصحابة، فكثير، ونسب الشوكاني (٣) ذلك إلى جماعة، منهم أبو هريرة وأنس وابن عباس في رواية عنه، وحكى أيضًا عن أبي ذر وابن عمر، وجاء عن ابن عمر أنه قال به في الكلب، وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار، ولا يخفى عليك أن ابن عباس وابن عمر خالفا روايتهما التي رويا في القطع وأفتيا بخلافها.\nوأما الباقون منهم فإنهم رووا في القطع، ولا يلزم منه أن هذا مذهبهم، وعادة أهل الحديث إذا رووا عن الصحابي شيئًا يزعمون أنه مذهبه، والحال أنه لا يلزم ذلك، فإن من روى من الصحابة حديث القطع يحتمل أن يكون أراد به قطع الخشوع لا إبطال الصلاة، فما دام لم يثبت عنهم أنهم أعادوا الصلاة، أو أمروا بإعادتها بمرور هذه القواطع، لا يثبت أن مذهبهم قطع الصلاة بمرورها بمعنى إبطالها، وهذه مغلطة عظيمة يجب أن يتنبه لها.\nوأما الذين قالوا بعدم القطع فقولهم غير محتمل، فيجب أن يرد\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٣١٣).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٦٤).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٧).","vol":"3","page":684},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمحتمل على المحكم، وأما الأحاديث (١) التي أخرجها أبو داود والدارقطني والطبراني أن الصلاة لا يقطعها شيء فقد روي عن أبي سعيد وابن عمر وأبي أمامة وأنس وجابر، وضعفها النووي وغيره، وإن كان كل واحد من طرقها ضعيفًا غير قابل للاحتجاج، لكن لما تعددت طرقه وتقوت بعضها ببعض اكتسب قوة، فصار حسنًا، وصح الاحتجاج بها، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) وفي الأصل: \"الحديث\" وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه.","vol":"3","page":685},{"text":"تم بحمد الله وتوفيقه المجلد الثالث ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الرابع وأوله: \"باب تفريع استفتاح الصلاة\" وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا","vol":"3","page":687},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء الرَّابع\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"4","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"4","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٤)","vol":"4","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"4","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nبَاب تَفْرِيعِ اسْتِفْتَاحِ (١) الصَّلَاةِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>(١١٨) بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ</span>\n٧١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، ثَنَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ،\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(بَاب تَفْرِيعِ اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ)\nكأن مراد المصنف بهذا أن هذه أبواب في كتاب الصلاة، تذكر فيها الأحاديث المختلفة في استفتاح الصلاة، وتتفرع هذه الأبواب على الأبواب المتقدمة في الصلاة.\n\n(١١٨) (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ) (٢)\nأي: في الصلاة (٣) كما في بعض النسخ\n٧١٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان، عن الزهري،\n_________\n(١) وأجاد مولانا بحر العلوم في \"رسائل الأركان\" (ص ٦٧) مقدمة في الاستفتاح. (ش).\n(٢) قال ابن العربي (٢/ ٥٨): في الرفع خمسة مذاهب، وبسط ابن رسلان الأقوال في حكمة الرفع في الصلاة، والبسط في \"الأوجز\" أيضًا (٢/ ٨٠). (ش).\n(٣) والأوجه عندي أي في ابتداء الصلاة قبل الشروع، وعلى هذا فلا يشكل بالترجمة الآتية \"باب افتتاح الصلاة\" والمقصود بالذكر الرفع الابتدائي، لأنه أهم حتى قيل: تبطل الصلاة بتركه، وذكر البواقي تبع. (ش).","vol":"4","page":5},{"text":"عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِىَ مَنْكِبَيْهِ،\n===\nعن سالم، عن أبيه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا استفتح) أي شرع وبدأ (الصلاة رفع يديه) سياق هذا اللفظ يدل على مقارنة (١) التكبير رفع اليدين، والحديث الآتي يدل على تقديم رفع اليدين على التكبير، ويؤيد الأول ما أخرجه أبو داود، من حديث وائل بن حجر برواية مسدد: يرفع يديه مع التكبير.\nوقد اختلف علماء الحنفية فيه، قال في \"الدر المختار\" (٢): ورفع يديه قبل التكبير، وقيل: معه، فقال الشامي: قوله: قبل التكبير، وقيل: معه، الأول نسبه في \"المجمع\" إلى أبي حنيفة ومحمد، وفي \"غاية البيان\" إلى عامة علمائنا، وفي \"المبسوط\" إلى أكثر مشايخنا، وصححه في \"الهداية\"، والثاني اختاره في \"الخانية\" و\"الخلاصة\" و\"التحفة\" و\"البدائع\" و\"المحيط\"، بأن يبدأ بالرفع عند بداءته التكبير، ويختم به عند ختمه، وعزاه البقالي إلى أصحابنا جميعًا، ورجحه في \"الحلية\"، وثمة قول ثالث، وهو أنه بعد التكبير، والكل مروي عنه ﵊، وما في \"الهداية\" أولى، كما في \"البحر\" و\"النهر\"، ولذا اعتمده الشارح، فافهم، انتهى.\n(حتى يحاذي منكبيه) (٣) أي يقابل ويوازي بهما منكبيه، قال في \"القاموس\": والحذاء الإزاء، وفي رواية لأبي داود عن وائل: \"حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه\"، وفي رواية له: \"حتى حاذتا أذنيه\"، وفي رواية له: \"رفع يديه حيال أذنيه، قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم\"، وفي رواية له: \"يرفع إبهاميه في الصلاة إلى شحمة أذنيه\"، وفي رواية له عن البراء: \"رفع يديه إلى قريب من أذنيه\"، وفي رواية لمسلم\n_________\n(١) هو المرجح عند المالكية والشافعية، وبه قال الحنابلة رواية واحدة، كذا في \"الأوجز\". (ش).\n(٢) انظر: \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٢٢١).\n(٣) مَنْكِبَيْهِ- بفنح الميم وكسر الكاف- ما بين الكتف والعنق، قاله ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":6},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن مالك بن الحويرث: \"وقال: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه\"، وفي رواية للطحاوي عن مالك بن الحويرث: \"يرفع يديه حتى يحاذي بهما فوق أذنيه\".\nوهذه الروايات كلها وإن كانت مختلفة في اللفظ لكنها متفقة في المعنى، فإنه إذا حاذى الإبهامان شحمتي الأذنين تكون الأنامل محاذيةً لأعالي الأذنين بل فوقهما، وتكون الكفان حذاء المنكبين، فعلى هذا تتفق الروايات كلها، فمن نظر إلى أسفل الكفين، قال: حذو منكبيه، ومن نظر إلى الإبهامين، قال: حذاء الأذنين، ومن نظر إلى الأنامل، قال: فوق الأذنين، فلا حاجة أن يحمل هذا الاختلاف على اختلاف الأوقات.\nثم رأيت عليًّا القاري نقل في \"المرقاة\" (١) عن الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى- أنه حين دخل مصر سئل عن كيفية رفع اليدين عند التكبير، فقال: يرفع المصلي يديه بحيث يكون كفاه حذاء منكبيه، وإبهاماه حذاء شحمتي أذنيه، وأطراف أصابعه حذاء فروع أذنيه، لأنه جاء في رواية: \"يرفع اليدين إلى المنكبين\"، وفي رواية: \"إلى الأذنين\"، وفي رواية: \"إلى فروع الأذنين\"، فعمل الشافعي - ﵀ - بما ذكرنا في رفع اليدين جمعًا بين الروايات الثلاث، قلت: هو جمع حسن اختاره بعض مشايخنا، انتهى.\nأو يقال: ما روي من محاذاة المنكبين محمول على حالة العذر حين كانت عليهم الأكسية والبرانس في زمن الشتاء، فكان يتعذر عليهم الرفع إلى الأذنين، ويدل عليه ما أخرجه أبو داود من حديث وائل بن حجر، \"قال: رأيت النبي - ﷺ - حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه، ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية\".\nوأما ما قالت الحنفية بمس الإبهامين شحمتي الأذنين، فغير مذكور في كتب ظاهر الرواية، ولكن المتأخرين من الحنفية ذكروه في كتبهم، فيمكن أن\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٥٤).","vol":"4","page":7},{"text":"وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ. وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يَقُولُ: وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ\n===\nيستدل عليه بما رواه أبو داود عن وائل مرفوعًا: \"قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع إبهاميه في الصلاة إلى شحمتي أذنيه\"، فإن انتهاء الرفع إلى الشحمتين يستلزم المس.\nويشير كلام بعض الحنفية إلى أن المس لم يذكر بحيث إنه سنة بل هو لتحقيق المحاذاة.\nقال في \"الدر المختار\" (١): ورفع يديه ماسًا بإبهاميه شحمتي أذنيه هو المراد بالمحاذاة، لأنها لا تتيقن إلَّا بذلك.\nوقال في \"البحر\" (٢): والمراد بالمحاذاة أن يمس بإبهاميه شحمتي أذنيه ليتيقن بمحاذاة يديه بأذنيه، انتهى.\nفعلم بذلك أن ذكر المس ليس في ظاهر الرواية بل فيها ذكر المحاذاة فقط.\n(تنبيه) وهذا الذي ذكر حكم الرجل، فأما المرأة فلم يذكر حكمها في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها ترفع يديها حذاء أذنيها كالرجل سواء، وإن كفيها ليستا بعورة، وروى محمد بن مقاتل الرازي عن أصحابنا أنها ترفع يديها حذو منكبيها، لأن ذلك أستر لها وبناء أمرهن على الستر، ألا ترى أن الرجل يعتدل في سجوده ويبسط ظهره في ركوعه، والمرأة تفعل كأستر ما يكون لها.\n(وإذا أراد أن يركع) أي يرفع يديه (وبعدما يرفع رأسه من الركوع) أي يرفع يديه في القومة أيضًا (وقال سفيان مرة) قائل هذا الكلام أحمد بن حنبل (وإذا رفع رأسه، وأكثر ما كان يقول: وبعدما يرفع رأسه من الركوع).\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٢٢١).\n(٢) \"البحر الرائق\" (١/ ٥٣٢).","vol":"4","page":8},{"text":"وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ\". [خ ٧٣٥، م ٣٩٠، ت ٢٥٥، ن ٨٧٦، جه ٨٥٨، دي ١٢٥٠، حم ٢/ ٨]\n===\nحاصل هذا الكلام: أن سفيان اختلف لفظه في تحديث هذه الرواية، فإنه كان أكثر ما يقول بلفظ: \"وبعدما يرفع رأسه من الركوع\"، ومرة قال: \"وإذا رفع رأسه من الركوع\".\nوالفرق بينهما أن قوله: \"بعد ما يرفع رأسه من الركوع\" نص في رفع اليدين في القومة، وأما لفظ: \"إذا رفع رأسه من الركوع\" فليس بنص في رفع اليدين في القومة، بل يحتمل أن يكون معناه إذا بدأ برفع رأسه يرفع يديه، أي بين القومة والركوع، ولعل سفيان لم يرد ذلك المعنى بل أراد به رفع اليدين في القومة، فإن المحتمل يلزم أن يرد إلى ما هو متيقن، فلم يبق فيه حينئذ إلَّا اختلاف في اللفظ.\nوتأوله الحافظ (١) على غير ما تأولته، فقال في شرح قوله: \"إذا رفع رأسه من الركوع\": أي إذا أراد أن يرفع، وسيجيء مزيد بحث فيه عن قريب.\n(ولا يرفع بين السجدتين) أي في الخفض والنهوض، وهذا الحديث يشتمل على رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع والرفع منه.\nفأما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة فمجمع عليه، قال النووي في \"شرح مسلم\" (٢): اجتمعت الأمة على ذلك، وقال ابن المنذر: ولم يختلفوا أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة.\nوفي \"شرح المهذب\" (٣): اجتمعت الأمة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع فيه، وقال ابن حزم: رفع اليدين في أول الصلاة فرض لا تجوز الصلاة إلَّا به، وقد روي ذلك\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٠).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٣١).\n(٣) (٣/ ٢٦٢).","vol":"4","page":9},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن الأوزاعي، وممن قال بالوجوب الحميدي وابن خزيمة، نقله عنه الحاكم، وحكاه القاضي حسين عن أحمد، وقال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الإيجاب لا تبطل الصلاة بتركه إلَّا رواية عن الأوزاعي والحميدي، ونقله القرطبي عن بعض المالكية، وحكى النووي أيضًا عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام، قال: وبهذا قال الإِمام أبو الحسن أحمد بن سيار والنيسابوري (١)، هكذا ذكر العيني في \"شرحه على البخاري\" (٢)، والشوكاني في \"النيل\" (٣).\nوأما رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، فاختلف فيه السلف والخلف، قال الترمذي (٤) في \"باب رفع اليدين عند الركوع\" بعد تخريج حديث الرفع: وبهذا يقول بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، منهم: ابن عمر وجابر بن عبد الله وأبو هريرة وأنس وابن عباس وعبد الله بن زبير وغيرهم، ومن التابعين: الحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد ونافع وسالم بن عبد الله وسعيد بن جبير وغيرهم، وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.\nثم قال (٥) بعد تخريج حديث ترك الرفع: وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - والتابعين، وهو قول سفيان وأهل الكوفة.\nقال العيني في \"شرحه على البخاري\" (٦): وعند أبي حنيفة وأصحابه\n_________\n(١) هكذا في \"النيل\" وفي أصل النووي، الهندية والمصرية (٢/ ٣٣١): أحمد بن سيار السياري وهكذا في ترجمته من \"تهذيب الأسماء\" (١/ ١١٣). (ش). [قلت: وفي \"شرح المهذب\" (٣/ ٢٦٢): أحمد بن سيار المروزي، وهو أحمد بن سيار السياري المروزي، أما النيسابوري فهو تحريف. انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (١/ ٤٢) رقم (٤٣)].\n(٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٧٧).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٠٦).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٧).\n(٥) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٤٢).\n(٦) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٧٩).","vol":"4","page":10},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلا يرفع يديه إلَّا في التكبيرة الأولى، وبه قال الثوري والنخعي وابن أبي ليلى وعاصم بن كليب وزفر، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وهو المشهور من مذهبه والمعمول عند أصحابه.\nوفي \"البدائع\" (١): روي عن ابن عباس أنه قال: العشرة الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة ماكانوا يرفعون أيديهم إلَّا في افتتاح الصلاة، وذكر غيره عبد الله بن مسعود أيضًا وجابر بن سمرة والبراء بن عازب وعبد الله بن عمر وأبا سعيد - رضي الله تعالى عنهم-، انتهى.\nواستدل القائلون بالرفع بأحاديث:\nمنها: حديث ابن عمر أخرجه البيهقي والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، وقال في \"الجوهر النقي\" (٢) بعد ذكر هذا الحديث: وفي هذا الحديث زيادة على ذلك، وهي الرفع عند القيام من الركعتين، وهي زيادة مقبولة ولم يقل بها إمامه الشافعي، فما لزم خصمه من القول بزيادة الرفع عند الركوع والرفع منه لزمه مثله من القول بزيادة الرفع عند القيام من الركعتين.\n(تنبيه) قال الشوكاني (٣) بعد ذكر حديث ابن عمر: هذا الحديث أخرجه البيهقي بزيادة \"فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى\"، قال ابن المديني: هذا الحديث عندي حجة على الخلق، كل من سمعه فعليه أن يعمل به، لأنه ليس في إسناده شيء.\nوقال أيضًا في محل آخر: على أنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقي أنه قال بعد أن ذكر أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى، انتهى.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٨٥).\n(٢) (٢/ ٦٩).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٠٩).","vol":"4","page":11},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا كلامه يوهم أن حديث ابن عمر هذا مع الزيادة قواه ابن المديني، وثابت عن رسول الله - ﷺ - عنده، لم يتكلم فيه، وهذا غلط (١)، فإنه قال الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (٢): وهو حديث ضعيف بل موضوع.\nوقال في \"تعليقه\": قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣): قال الشيخ في \"الإِمام\": ويزيل هذا التوهم يعني دعوى النسخ ما رواه البيهقي في \"سننه\" (٤) من رواية الحسن بن عبد الله بن حمدان الرقي، ثنا عصمة بن محمد الأنصاري، ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، ثم ساق الحديث، ثم قال: رواه عن أبي عبد الله الحافظ، عن جعفر بن محمد بن نصر، عن عبد الرحمن بن قريش بن خزيمة الهروي، عن عبد الله بن أحمد الدمجي، عن الحسن به، انتهى.\nوأخرجه الحافظ في \"الدراية\" ثم قال: قال البيهقي: هذا يدل على خطأ الرواية التي جاءت عن مجاهد يعني المتقدمة، انتهى.\nقلت: العجب منهم كيف أوردوه في تصانيفهم، وسكتوا عنه مع أن بعض رجاله ممن اتهم بوضع الحديث، قال الذهبي في \"الميزان\": عبد الرحمن بن قريش بن خزيمة هروي، سكن بغداد، اتهمه السليماني بوضع الحديث، انتهى. وقال في ترجمة عصمة بن محمد الأنصاري: قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال\n_________\n(١) بل كلام ابن المديني راجع إلى الحديث بلفظ أخرجه الشيخان، ولا ريب في صحة إسناده وخلوه عن العلة. نعم! لنا كلام فيه من حيث المعنى لتعارض الآثار عن ابن عمر في ذلك. أما هو بالزيادة التي رواها البيهقي فليس بصحيح أصلًا. انظر: \"إعلاء السنن\" (٣/ ٧٢).\n(٢) (١/ ١٠١).\n(٣) (١/ ٤٠٩).\n(٤) قال في \"الكوكب الدري\" (١/ ٢٧٣): إنا لم نجد في \"البيهقي\" لا المكتوبة ولا المطبوعة هذه الزيادة، فالظاهر أنه وهم من الناقل، توجد هذه الزيادة في حديث أبي هريرة في التكبير، فحكاه بعضهم وهمًا في حديث ابن عمر في الرفع.","vol":"4","page":12},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيحيى: كذّاب يضع الحديث، وقال العقيلي: يحدث بالبواطيل عن الثقات، وقال الدارقطني وغيره: متروك، انتهى كلام النيموي.\nومنها: حديث مالك بن الحويرث (١) أخرجه الشيخان وأبو داود والبيهقي، وغيرهم (٢).\nومنها: حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبي حميد (٣) الساعدي في عشرة (٤) من أصحاب النبي - ﷺ -، أخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم (٥).\nوقال في \"الجوهر النقي\" (٦): قلت: عبد الحميد مطعون في حديثه، كذا قال يحيى بن سعيد، وهو إمام الناس في هذا الباب، وقال الطحاوي: لم يسمع محمد بن عمرو من أبي حميد ولا من أبي قتادة، لأن سِنَّه لا يحتمل هذا، لأن أبا قتادة قتل مع علي، وصلى عليه علي، وكذا قال الهيثم بن عدي، وقال ابن عبد البر: هو الصحيح، وفي \"الكمال\": وقيل: توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، ولهذا قال ابن حزم: ولعله وهم فيه يعني عبد الحميد.\nوأيضًا قد اضطرب سند هذا الحديث ومتنه، فرواه العطاف بن خالد فأدخل\n_________\n(١) قال الشيخ: لم أر فيه كلامًا، وقال السندي في حاشية البخاري: يشكل على من يقول بنسخ رفع اليدين، ويحمل حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة على الكبر. (ش).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٧٣٧)، و\"صحيح مسلم\" (٣٩١)، و\"سنن أبي داود\" (٧٤٣)، و\"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٧)، و\"مسند أحمد\" (٣/ ٤٣٦).\n(٣) وأيضًا صح عن أبي حميد الرفع في كل رفع وخفض، قاله أحمد، كذا في \"الأوجز\" (٢/ ٨٥)، وأيضًا ليس هذا مذهب راويه عاصم. (ش).\n(٤) قلت: وعد منهم أبو هريرة كما سيأتي، ومذهبه بخلافه كما في \"الأوجز\" (٢/ ٨٩). (ش).\n(٥) \"سنن أبي داود\" (٧٢٨)، و\"سنن الترمذي\" (٣٠٤).\n(٦) (٢/ ٦٩).","vol":"4","page":13},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبين محمد بن عمرو وبين النفر من الصحابة رجلًا مجهولًا، والعطاف وثَّقه ابن معين، وفي رواية قال: صالح، وفي رواية: ليس به بأس، وقال أحمد: من أهل مكة، ثقة، صحيح الحديث، ذكر ذلك صاحب \"الكمال\".\nويدل على أن بينهما واسطة أن أبا حاتم بن حبان أخرج هذا الحديث في \"صحيحه\" من طريق عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، عن عباس بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فيه أبوه وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي، الحديث.\nوذكر المزي ومحمد بن طاهر المقدسي في \"أطرافهما\" أن أبا داود أخرجه من هذا الطريق، وأخرجه البيهقي في \"باب السجود على اليدين والركبتين\" (١)، من طريق الحسن بن الحر، حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء أخبرني (٢) مالك، عن عياش أو عباس بن سهل، الحديث، ثم قال: وروى عتبة (٣) بن أبي حكيم، عن عيسى بن عبد الله (٤)، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد، [و] لم يذكر محمدًا في إسناده.\nوقال البيهقي في \"باب القعود على الرجل اليسرى بين السجدتين\" (٥): وقد قيل: في إسناده عن عيسى بن عبد الله سمعه من عباس بن سهل أنه حضر أبا حميد.\nثم في رواية عبد الحميد أيضًا أنه رفع عند القيام من الركعتين، وقد تقدم أنه يلزم الشافعي، وفيها أيضًا التورك في الجلسة الثانية، وفي رواية عباس بن\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٠١).\n(٢) وفي الأصل: \"أحد بني مالك\"، وهو تحريف، والصواب: \"أخبرني\".\n(٣) وفي الأصل: \"عقبة\"، وهو تحريف، والصواب: عتبة بن أبي حكيم.\n(٤) وفي \"السنن الكبرى\": \"عبد الله بن عيسى\"، والصواب عيسى بن عبد الله، قال في \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢١٧): قال بعضهم: عبد الله بن عيسى بن مالك، وهو وهم.\n(٥) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١١٨).","vol":"4","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nسهل التي ذكرها البيهقي بعد هذه الرواية خلاف هذه، ولفظها: \"حتى فرغ ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته\".\nفظهر بهذا أن الحديث مضطرب الإسناد والمتن.\nومنها: حديث أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه -: [أخرجه البيهقي] (١) عن أبي عبد الله، ثنا الصفار قال: قال أبو إسماعيل السلمي: صليت خلف محمد بن الفضل، الحديث، ثم قال البيهقي: رواته ثقات.\nقال في \"الجوهر النقي\" (٢): قلت: السلمي تكلم فيه أبو حاتم، قال الدارقطني: وقال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه، ومحمد بن الفضل عارم تغير واختلط بآخره، وقال ابن حبان: تغير حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكيب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لم يعلم هذا من هذا، ترك الكل ولا يحتج بشيء منه، انتهى كلامه، ثم لو سلمنا أن رواته ثقات، فلا بد من الاتصال، والصفار لم يصرح بالتحديث عن السلمي.\nومنها: حديث ابن عمر أخرجه البيهقي (٣)، عن شعبة، عن الحكم: رأيت طاوسًا يكبر، فرفع يديه حذو منكبيه عند التكبير، وعند ركوعه، وعند رفعه رأسه من الركوع، فسألت رجلًا من أصحابه فقال: إنه يحدث به عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال البيهقي: قال أبو عبد الله الحافظ: فالحديثان كلاهما محفوظان: ابن عمر، عن عمر، عن النبي - ﷺ -، وابن عمر عن النبي - ﷺ -، فإن ابن عمر رأى النبي - ﷺ - فعله، ورأى أباه فعله، ورواه [عن النبي - ﷺ -].\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٧٣).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٧١).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٧٤).","vol":"4","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال صاحب \"الجوهر النقي\": قلت: في \"الإِمام\": كذا رواه آدم وابن عبد الجبار المروزي عن شعبة ووهما فيه، والمحفوظ عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -، وهذه الرواية ترجع إلى مجهول، وهو الرجل الذي من أصحاب طاوس حدث الحكم، فإن كانت قد رويت من وجه آخر على هذا الوجه عن عمر، وإلَّا فالمجهول لا تقوم به حجة.\nوفي \"علل الخلال\" عن أحمد بن أصرم سألت أبا عبد الله، يعني عن هذا الحديث، فقال: من يقول هذا عن شعبة؟ قلت: آدم العسقلاني، قال: ليس هذا بشيء، إنما هو عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -.\nوفي \"الخلافيات\" للبيهقي: ورواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة، ولم يذكر في إسناده عمر.\nومنها: حديث علي أخرجه البيهقي من حديث ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، الحديث.\nقال في \"الجوهر النقي\" (١): قلت: ابن أبي الزناد هو عبد الرحمن، قال ابن حنبل: مضطرب الحديث، وقال هو وأبو حاتم: لا يحتج به، وقال عمرو بن علي: تركه ابن مهدي.\nثم في هذا الحديث أيضًا زيادة وهي الرفع عند القيام من السجدتين، فيلزم أيضًا الشافعي أن يقول به على تقدير صحة الحديث، وهو لا يرى ذلك.\nوقد روى البيهقي هذا الحديث في ما مضى في \"باب افتتاح الصلاة بعد التكبير\" وذكر معه رواية ابن جريج عن ابن عقبة بسنده، وليس فيه الرفع عند الركوع والرفع منه، ولا نسبة بين ابن جريج وابن أبي الزناد، وعزا البيهقي\n_________\n(١) (٢/ ٧٣).","vol":"4","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي ذلك إلى مسلم أنه أخرج حديث الماجشون عن الأعرج بسنده هذا، وليس فيه أيضًا الرفع عند الركوع والرفع منه.\nقال الطحاوي: وصح عن علي - ﵁ - ترك الرفع في غير التكبيرة الأولى، فاستحال أن يفعل ذلك بعد النبي - ﷺ - إلَّا بعد ثبوت نسخ الحديث عنده.\nوالبيهقي قد ذكر ذلك عن علي في الباب الذي بعد هذا الباب، ثم ذكر عن البخاري قال: روينا عن سبعة عشر نفرًا من الصحابة أنهم كانوا يرفعون أيديهم بعد الركوع، وذكر منهم ابن عمر.\nقال في \"الجوهر النقي\": قلت: قد روي عنه خلاف ذلك، قال ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١): ثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلَّا أول ما يفتتح، وهذا سند صحيح.\nقال البيهقي: وقد روينا عن عمر وعلي، قال في \"الجوهر النقي\": قلت: قد تقدم تصحيح الطحاوي عن علي خلاف ذلك، وقال ابن أبي شيبة في \"المصنف\": ثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلَّا حين افتتح الصلاة، ورأيت الشعبي وإبراهيم وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلَّا حين يفتتحون الصلاة، وهذا السند أيضًا صحيح على شرط مسلم، وعبد الملك هو ابن سعيد بن عثمان بن أبجر، وقال الطحاوي: ثبت ذلك عن عمر.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): فمن جملة من رواها:\n١ - ابن عمر كما في حديث الباب، ٢ - وعمر كما أخرجه البيهقي وابن أبي حاتم، ٣ - وعلي\n_________\n(١) (١/ ٢٦٨).\n(٢) (٢/ ٢١١).","vol":"4","page":17},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوسيأتي، ٤ - ووائل بن حجر عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه، ٥ - ومالك بن الحويرث عند البخاري ومسلم وسيأتي، ٦ - وأنس بن مالك عند ابن ماجه، ٧ - وأبو هريرة عند ابن ماجه أيضًا وأبي داود، ٨ - وأبو أسيد، ٩ - وسهل بن سعد، ١٠ - ومحمد بن مسلمة عند ابن ماجه، ١١ - وأبو موسى الأشعري عند الدارقطني، ١٢ - وجابر عند ابن ماجه، ١٣ - وعمير الليثي عند ابن ماجه أيضًا، ١٤ - وابن عباس عند ابن ماجه أيضًا.\nفهؤلاء أربعة عشر من الصحابة ومعهم أبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة كما سيأتي فيكون الجميع خمسة وعشرين [أو اثنين وعشرين] إن كان أبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة من العشرة اليسار إليهم في رواية أبي حميد كما في بعض الروايات، فهل رأيت أعجب من معارضة رواية مثل هؤلاء الجماعة بمثل حديث ابن مسعود السابق مع طعن أكثر الأئمة المعتبرين فيه، ومع وجود مانع من القول بالمعارضة، وهو تضمن رواية الجمهور للزيادة كما تقدم، انتهى.\nقلت: لا يخفى عليك أن حديث (١) ابن عمر هذا معارض بما أخرجه\n_________\n(١) وفي \"فيض الباري\" (٢/ ٢٦٤): أن محارب بن دثار قاضي الكوفة رأى ابن عمر يرفع يديه فسأله عنه، الحديث، قال: فلو كان شائعًا بينهم فكيف خفي على قاضي الكوفهَ؟ قلت: وإنه - ﵁ - كان في الخندق، وهي في خمس من الهجرة ابن خمسة عشرة سنة، فلا تقدم روايته على الذين يلون الإِمام، وأيضًا قد تقدم في أبي داود أنه - ﵁ - إذا سمع الإقامة توضأ ثم خرج، وإنْ أوَّله شيخ المشايخ الجنجوهي بأحسن توجيه، وأيضًا أنه - ﵁ - رأى رفع اليدين دائمًا ولم ير القنوت في الصبح مرة كما روي عنه متواترًا، وبسط طرقه في باب القنوت في \"الأوجز\" (٣/ ٣١٦). وأيضًا ترك العمل به كما رواه مجاهد وغيره، وأيضًا اضطرب حديثه في رفع القومة كما نبَّه عليه أبو داود، وفي رفع الركوع كما في \"الأوجز\"، هكذا في \"تلخيص البذل\". وأيضًا ترك العمل به راويه مالك، وأيضًا اختلف فيه سالم ونافع، وأيضًا قال أحمد: صح الرفع في كل رفع وخفض عن ابن عمر وأبي حميد، كذا في \"الأوجز\" في وجوه =","vol":"4","page":18},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالطحاوي (١): حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلَّا في التكبيرة الأولى من الصلاة.\nفهذا ابن عمر قد رأى النبي - ﷺ - يرفع، ثم قد ترك هو الرفع بعد النبي - ﷺ - فلا يكون ذلك إلَّا وقد ثبت عنده نسخ ما قد رأى النبي -صلي الله عليه وسلم - فعله، وقامت الحجة عليه بذلك، انتهى.\nوأخرجه البخاري في \"جزئه\" عن نافع عن ابن عمر، وذكر فيه الرفع إذا قام من السجدتين، قال الشوكاني (٢): قال أبو داود: رواه الثقفي يعني عبد الوهاب، عن عبيد الله يعني ابن عمر بن حفص، فلم يرفعه وهو الصحيح، وكذا رواه الليث بن سعد وابن جريج ومالك يعني موقوفًا، وحكى الدارقطني في \"العلل\" الاختلاف في رفعه ووقفه.\nقال الحافظ: أوقفه معتمر وعبد الوهاب عن عبيد الله عن نافع كما قال يعني الدارقطني، لكن رفعاه عن سالم، عن ابن عمر، أخرجه البخاري في \"جزء رفع اليدين\" وفيه الزيادة، وقد توبع نافع على ذلك عن ابن عمر قال: كان النبي - ﷺ - إذا قام من الركعتين أكبر ورفع يديه، وله شواهد كما تقدم وسيأتي، والحديث يدل على مشروعية الرفع في المواطن الأربعة، وقد تقدم الكلام على ذلك، انتهى.\nقلت: وأما حديث عمر فمعارض بما رواه الطحاوي (٣) وأبو بكر بن أبي شيبة (٤) عن الأسود، قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة\n_________\n= ترجيح عدم الرفع، وأيضًا قال أحمد: إنه مضطرب، وأيضًا اضطرب في أن الرفع كلها سواء أو الأولى أرفعهن. (ش).\n(١) \"شر معاني الآثار\" (١/ ٢٢٥).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٢٨).\n(٣) \"شر معاني الآثار\" (١/ ٢٢٧).\n(٤) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٢٦٨).","vol":"4","page":19},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم لا يعود، وقال الطحاوي بعد تخريج هذا الحديث: وهو حديث صحيح، لأن الحسن بن عياش وإن كان هذا الحديث إنما دار عليه، فإنه ثقة حجة، وقد ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره.\nأفَتَرى عمر بن الخطاب خفي عليه أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه في الركوع والسجود، وعلم بذلك مَنْ دونه أو مَنْ هو معه يراه يفعل غير ما رأى رسول الله - ﷺ - يفعل، ثم لا ينكر ذلك عليه، هذا عندنا محال، وفعل عمر هذا وترك أصحاب رسول الله - ﷺ - إياه على هذا دليل صحيح أن ذلك هو الحق الذي لا ينبغي لأحد خلافه، انتهى.\nوما أخرجه البيهقي بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه، ففيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف.\nوأما حديث (١) علي فمعارض بما رواه الطحاوي وأبو بكر بن أبي شيبة والبيهقي بإسناد صحيح عن عاصم بن كليب، عن أبيه أن عليًّا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعد (٢).\nفحديث عاصم بن كليب هذا قد دل أن حديث ابن أبي الزناد على أحد وجهين: إما أن يكون في نفسه سقيمًا أو لا يكون فيه ذكر الرفع أصلًا، فإن ابن خزيمة حدثنا قال: ثنا عبد الله بن رجاء ح وحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبد الله بن صالح والوهبي قالوا: أنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، فذكروا مثل حديث ابن أبي الزناد في إسناده ومتنه، ولم يذكروا الرفع في شيء من ذلك.\n_________\n(١) مع أن في حديثه - ﵁ - نفي الرفع قاعدًا كما سيأتي، ولم يقولوا به. (ش).\n(٢) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٥)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١/ ٢٦٧)، والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ٨٠).","vol":"4","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن كان هذا هو المحفوظ، وحديث ابن أبي الزناد خطأ، فقد ارتفع بذلك أن يجب لكم بحديث خطأ حجة، وإن كان ما روى ابن أبي الزناد صحيحًا، لأنه زاد على ما روى غيره، فإن عليًّا لم يكن ليرى النبي - ﷺ - يرفع، ثم يترك هو الرفع بعده، إلَّا وقد ثبت عنده نسخ الرفع، فحديث علي إذا صح ففيه أكثر الحجة لقول من لا يرى الرفع، انتهى (١).\nوأما حديث (٢) وائل بن حجر، فرواه عاصم بن كليب عن أبيه، عن وائل بن حجر، وروى عبد الجبار بن وائل عن وائل، وروى عبد الجبار بن وائل قال: حدثني أهل بيتي عن أبي، وروى عبد الجبار بن وائل بن حجر قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، فحدثني وائل بن علقمة، عن أبي وائل بن حجر.\nأما حديث (٣) عاصم فقد روى عنه شريك، ولم يذكر فيه رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وذكره بشر بن المفضل وزائدة عن عاصم، وكذلك روى عبد الواحد وشعبة وسفيان عن عاصم فذكروا الرفع، وكذلك روى جرير وصالح بن عمر الواسطي عند الدارقطني فذكروا الرفع.\nفعلى هذا حديث عاصم بهذه الطرق صحيح، إلَّا أنه بعد ما ذكر الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤) توثيقه عن ابن معين والنسائي وأحمد بن صالح نقل تضعيفه عن ابن المديني، قال: قال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد.\nوأما حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه فمع كونه مرسلًا، فلم يذكر فيه رفع اليدين إلَّا عند افتتاح الصلاة، وكذلك حديث عبد الجبار بن وائل عن أهل بيته مع كونهم مجهولين لم يذكر فيه رفع اليدين إلَّا عند افتتاح الصلاة.\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٥).\n(٢) بسط الكلام على اضطرابه في رسالة: \"السدل في الصلاة\"، لهذا العبد [وهو غير مطبوع]. (ش).\n(٣) لكن مذهب عاصم عدم الرفع في غير الافتتاح، كما في \"الأوجز\" (٢/ ٨٣). (ش).\n(٤) (٥/ ٥٥).","vol":"4","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما حديث عبد الجبار عن وائل بن علقمة عن وائل بن حجر، ففيه أن هذا غلط، بل هو علقمة بن وائل.\nقال الحافظ في \"التقريب\": وائل بن علقمة عن وائل بن حجر، وعنه عبد الجبار بن وائل، صوابه عن عبد الجبار، عن علقمة، عن أبيه، ومع هذا فسماع علقمة عن أبيه مختلف فيه.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): وحكى العسكري عن ابن معين أنه قال: علقمة بن وائل عن أبيه مرسل.\nوأما حديث أنس فقال الطحاوي (٢) فيه: وأما حديث أنس بن مالك فهم يزعمون أنه خطأ، وأنه لم يرفعه أحد إلَّا عبد الوهاب الثقفي خاصة، والحفاظ يوقفونه على أنس.\nوقال الدارقطني (٣) بعد تخريج حديث أنس: لم يروه عن حميد مرفوعًا غير عبد الوهاب، والصواب من فعل أنس.\nوأما حديث أبي هريرة فقال الطحاوي فيه: فإنما هو من حديث إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان، وهم لا يجعلون إسماعيل فيما روى عن غير الشاميين حجة، فكيف يحتجون على خصمهم بما لو احتج بمثله عليهم لم يسوغوه إياه؟ انتهى.\nقلت: وأخرج أبو داود فيما سيأتي من قريب حديث أبي هريرة بسند آخر ليس فيه إسماعيل بن عياش، ولكن في سنده يحيى بن أيوب، وهو مختلف فيه.\nوقال الطحاوي (٤): وأما حديث عبد الحميد بن جعفر، فإنهم يضعفون\n_________\n(١) (٧/ ٢٨٠).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٧).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٩٠).\n(٤) \" شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨).","vol":"4","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعبد الحميد، فلا يقيمون به حجة، فكيف يحتجون به في مثل هذا؟ ومع ذلك فإن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع ذلك الحديث من أبي حميد، ولا ممن ذكر معه في ذلك الحديث بينهما رجل مجهول، قد ذكر ذلك العطاف بن خالد عنه عن رجل، وأنا ذاكر ذلك في باب الجلوس في الصلاة إن شاء الله.\nوحديث أبي عاصم عن عبد الحميد هذا، ففيه \"فقالوا جميعًا: صدقت\"، فليس يقول ذلك أحد غير أبي عاصم، حدثنا علي بن شيبة قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا هشيم، ح: وحدثنا ابن أبي عمران قال: ثنا القواريري قال: ثنا يحيى بن سعيد، قالا: ثنا عبد الحميد، فذكراه بإسناده، ولم يقولا: \"فقالوا جميعًا: صدقت\"، وهكذا رواه غير عبد الحميد، انتهى.\nوأما حديث أبي موسى الأشعري فأخرجه الدارقطني (١) من طريق النضر بن شميل وزيد بن الحباب عن حماد بن سلمة مرفوعًا، ورواه ابن المبارك عن حماد بن سلمة فوقفه عن أبي موسى أنه توضأ قال: هلموا أريكم، فكبر ورفع يديه، ثم قال: هكذا فاصنعوا، أخرجه البيهقي، وقال الدارقطني بعد تخريج الروايتين المتقدمتين: رفعه هذان ووقفه غيرهما عنه.\nوأما حديث جابر عند ابن ماجه (٢)، ففي سنده أبو حذيفة موسى بن مسعود، وهو ضعيف عند المحدثين، قال في \"الميزان\" (٣): تكلم فيه أحمد وضعفه الترمذي، وقال ابن خزيمة: لا يحتج به، وقال عمرو بن علي: لا يحدث عنه من ينصر الحديث، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال بندار: ضعيف الحديث.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٩٢).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (٨٦٨).\n(٣) (٤/ ٢٢١).","vol":"4","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (١): وقال ابن قانع: فيه ضعف، وقال الحاكم أبو عبد الله: كثير الوهم سيِّئ الحفظ، وقال الساجي: كان يتصحف وهو لين.\nوأما حديث عمير الليثي عند ابن ماجه (٢)، ففي سنده رفدة بن قضاعة، قال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير، لا يتابع في حديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: متروك، وروى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في رفع اليدين.\nوقال ابن حبان: كان ممن يتفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يحتج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد بالأشياء المقلوبات؟\nروى عن الأوزاعي بسنده \"أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه في كل خفض ورفع\"، وهذا خبر إسناده مقلوب، ومتنه منكر، وقال مهنا: سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث، فقال: ليس بصحيح، ولا يعرف عبيد بن عمير روى عن أبيه، ولا عن جده، وقال يحيى: رفدة قد سمعت به وهو شيخ ضعيف، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" (٣) مختصرًا، ومع هذا فالحديث مرسل.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤) في ترجمة عمير بن قتادة: وعنه ابنه عبيد وحده، له عندهم حديثان، قلت: ذكر العسكري أنه شهد الفتح، وذكر البغوي أنه شهد حجة الوداع، وروى أبو يعلى في \"مسنده\" من طريق عبيد الله (٥) بن عبيد بن عمير الليثي، عن أبيه قال: أتيت إلى عمر وهو يعطي\n_________\n(١) (١٠/ ٣٧٠).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (٨٦١).\n(٣) (٣/ ٢٨٣).\n(٤) (٨/ ١٤٨).\n(٥) كذا في: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ١٤٨)، والصواب: عبد الله كما في \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٧١)، و\"تهذيب الكمال\" (٥/ ٧٧) في ترجمة عبيد بن عمير.","vol":"4","page":24},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالناس، فقلت: يا ابن الخطاب أعطني فإن أبي استشهد مع النبي - ﷺ -، فأقبل إلى وضمني إليه، ثم قال: فذكر قصة، قلت: فإن صح هذا فحديث عبيد بن عمير عن أبيه مرسل، وأيضًا عبد الله لم يسمع من أبيه شيئًا، ولا يذكره، قاله البخاري في \"الأوسط\" نقله في \"تهذيب التهذيب\".\nوأما حديث ابن عباس عند ابن ماجه (١)، ففي سنده عمر بن رياح، قال البخاري عن عمرو بن علي الفلاس: هو دجال، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، له عنده في الرفع عند كل تكبير، قلت: وقال ابن عدي: يروي عن ابن طاوس بواطيل ما لا يتابعه أحد عليه، والضعف بَيِّنٌ على حديثه، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل كتب حديثه إلَّا على التعجب، وقال العقيلي: منكر الحديث، وقال: قال عمرو بن علي: كان دَجَّالًا، وقال الساجي: عمر بن رياح أبو حفص مولى باهلة يحدث ببواطيل ومناكير، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" (٢).\nوأما حديث ابن عباس عند أبي داود في قصة صلاة ابن الزبير، ففي سنده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، قال في \"الميزان\" (٣): قال ابن معين: ضعيف لا يحتج به، الحميدي عن يحيى بن سعيد أنه كان لا يراه شيئًا، وفي سنده ميمون المكي، وهو مجهول، كذا في \"التقريب\"، وقال في \"الميزان\" (٤): ميمون المكي عن ابن عباس لا يعرف، تفرد عنه عبد الله بن هبيرة السبائي.\nقلت: وهذا الكلام يتعلق بمن ذكره الشوكاني (٥) من الصحابة الذين يروى عنهم رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، ووجدت أحاديثهم مع الإسناد،\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (٨٦٥).\n(٢) (٧/ ٤٤٨).\n(٣) (٢/ ٤٧٥).\n(٤) (٤/ ٢٣٦).\n(٥) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٠٧).","vol":"4","page":25},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفأما من ذكرهم مجملًا نقلًا عن الحافظ بأنه قال في \"الفتح\" (١): وذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل أنه تتبع من رواه من الصحابة -﵃- فبلغوا خمسين رجلًا، وكذا ما قال مجد الدين الفيروزآبادي في \"سفر السعادة\": إن الأخبار والآثار التي رويت في هذا الباب فبلغت إلى أربعمائة، انتهى.\nفلم أقف على أسمائهم ولا على رواياتهم وأسانيدها، لكن ما روى البيهقي في \"سننه\" من حديث أبي بكر الصديق ومن حديث عمر بن الخطاب -﵄- فضعفهما الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (٢)، وبين وجه ضعفهما، وقد تقدم ما يتعلق بهما شيء من البحث.\nوأما القائلون بعدم الرفع فإنهم لا ينكرون أن رسول الله - ﷺ - رفع يديه بعد تكبيرة الافتتاح، ولكن ينكرون دوامه وبقاءه بأنه - ﷺ - رفع يديه ثم تركه، واستدلوا على ذلك بأحاديث:\nمنها: حديث عبد الله بن مسعود عند أبي داود والترمذي والنسائي (٣) قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله - ﷺ -، فصلى فلم يرفع يديه إلَّا في أول مرة، صححه ابن حزم وحسنه الترمذي.\nومنها: حديث البراء بن عازب -﵁ - عند الطحاوي (٤) فقال: حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: كان النبي - صلي الله عليه وسلم - إذا كبر لافتتاح الصلاة، رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبًا من شحمتي أذنيه، ثم لا يعود.\n_________\n(١) (٢/ ٢٢٠).\n(٢) (١/ ١١١).\n(٣) \"سنن أبي داود\" ح (٧٤٨)، و\"سنن الترمذي\" ح (٢٥٧)، و\"سنن النسائي\" ح (١٠٢٥).\n(٤) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٤).","vol":"4","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوبسند آخر: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن عون قال: أنا خالد، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن البراء بن عازب، عن النبي - ﷺ - مثله.\nوبسند آخر: حدثنا محمد بن النعمان قال: ثنا يحيى بن يحيى قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، وعن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، عن النبي - ﷺ - مثله.\nومنها: ما رواه الطبراني (١) بسنده عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس عنه - ﷺ -: \"لا ترفع الأيدي إلَّا في سبعة مواطن\"، الحديث.\nوذكره البخاري في \"جزء رفع اليدين\" معلقًا، وقال وكيع: عن ابن أبي ليلى عن نافع، عن ابن عمر - ﵄-، وعن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يرفع الأيدي إلَّا في سبعة مواطن: في افتتاح الصلاة، واستقبال القبلة، وعلى الصفا والمروة، وبعرفات، وبجمع، وفي المقامين، وعند الجمرتين\"، وقال علي بن مسهر والبخاري: عن ابن أبي ليلى عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه - عن النبي - ﷺ -.\nومنها: ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، فقال: \"ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمس، اسكنوا في الصلاة\"، الحديث.\n_________\n(١) \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣٨٥) رقم (١٢٠٧٢).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٤٣٠).","vol":"4","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومنها: حديث عباد بن الزبير أخرجه البيهقي في \"الخلافيات\" أيضًا: أخبرنا أبو عبد الله، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسحاق، عن الحسن بن الربيع، عن حفص بن غياث، عن محمد أبي يحيى، عن عباد بن الزبير: \"أن رسول الله - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول الصلاة، ثم لم يرفعها في شيء حتى يفرغ\"، نقله الشيخ محمد هاشم السندي في رسالته \"كشف الرين\".\nواعترض الرافعون على الاستدلال بالحديث الأول (١) بوجوهٍ:\nالأول: قال عبد الله بن المبارك: قد ثبت حديث من يرفع، وذكر حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - لم يرفع إلَّا في أول مرة.\nوأجاب عنه ابن دقيق العيد المالكي الشافعي في كتابه \"الإِمام\" بأن عدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من النظر فيه، وهو يدور على عاصم بن كليب، قد وثَّقه ابن معين كما قدمناه.\nوالثاني: قال ابن القطان في كتاب \"الوهم والإيهام\": والذي عندي أنه صحيح، وإنما المنكر فيه على وكيع \"ثم لا يعود\"، وقالوا: إنه كان يقولها من قبل نفسه، وتارة أتبعها الحديث، كأنها من كلام ابن مسعود.\nوالجواب عنه أن هذا مردود بما أخرجه النسائي في \"سننه\" (٢): أخبرنا سويد بن نصر، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله قال: ألا أخبركم بصلاة رسول الله - ﷺ - قال: فقام فرفع يديه أول مرة ثم لم يعد.\n_________\n(١) وتكلم عليه السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (٢/ ١٧). (ش).\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٠٢٦).","vol":"4","page":28},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوبما قال أبو داود بعد ما أخرج حديث عبد الله بن مسعود من طريق وكيع المذكور: حدثنا الحسن بن علي، نا معاوية وخالد بن عمرو وأبو حذيفة قالوا: نا سفيان بإسناده بهذا، قال: فرفع يديه في أول مرة، وقال بعضهم: مرة واحدة، انتهى.\nفثبت بذلك أن وكيعًا لم يتفرد بذلك، بل تابعه ابن المبارك وغيره من أصحاب الثوري.\nوالثالث: ما زعم الدارقطني من أن أحمد بن حنبل وأبا بكر بن أبي شيبة لم يقولا فيه: \"ثم لم يعد\".\nوالجواب عنه أن هذا مدفوع بأن أحمد بن حنبل روى في \"مسنده\" (١): حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة قال: قال ابن مسعود: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله - ﷺ - قال: فصلى فلم يرفع يديه إلَّا مرة.\nوكذلك أخرج أبو بكر بن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢) بهذا السند عن عبد الله قال: ألا أريكم صلاة رسول الله - ﷺ - فلم يرفع يديه إلَّا مرة، وهذه الكلمة في معنى قوله: رفع يديه ثم لم يعد، ويؤدي مؤداه، بل أصرح منه وأقطع لاحتمال التأويل المشهور بأن معنى لا يعود عدم الرفع في ابتداء الركعة الثانية، كما كان في الأولى، كما ذكره صاحب \"الفتوحات\"، ونقل عنه صاحب \"تنوير العينين\".\nوالرابع: أيضًا ما زعم الدارقطني من أن جماعة من أصحاب وكيع لم يقولوا هكذا، فباطل أيضًا، لأنه مرَّ آنفًا أن أحمد وأبا بكر بن أبي شيبة روياه عن وكيع وقالا فيه: فلم يرفع يديه إلَّا مرة، وقد تابعهما جماعة عن وكيع، منهم عثمان بن أبي شيبة عند أبي داود، وهناد عند الترمذي، ومحمود بن غيلان\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (١/ ٣٨٨) رقم (٣٦٨١).\n(٢) (١/ ٢٦٧).","vol":"4","page":29},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعند النسائي، ونعيم بن حماد ويحيى بن يحيى عند الطحاوي، كلهم عن وكيع وقالوا فيه: فلم يرفع يديه إلَّا مرة، أو ما في معناه.\nوالخامس: أن البخاري وأبا حاتم نسبا الوهم فيه إلى الثوري لما رواه جماعة عن عاصم وقالوا كلهم: إن النبي - ﷺ - افتتح فرفع يديه فطبق وجعلهما بين ركبتيه، ولم يقل أحد ما روى الثوري، وكذا قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم قال: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه: \"ثم لم يعد\"، فهذا أصح، لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل يحدث بشيء فيكون كما في الكتاب، حدثنا الحسن بن الربيع، ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، ثنا علقمة أن عبد الله -﵁ - قال: علمنا رسول الله - ﷺ - الصلاة فقام فكبر ورفع يديه، ثم ركع فطبق يديه، فجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعدًا، فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل ذلك في أول الإِسلام، ثم أمرنا بهذا، قال البخاري: هذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود، انتهى.\nوالجواب عنه أولًا: أن ما رواه ابن إدريس فهو حديث آخر يدل عليه اختلاف سياقهما، وليس السياقان حديثًا واحدًا حتى يكون أحدهما محفوظًا، والثاني شاذًا.\nوثانيًا: سلمنا أن السياقين حديث واحد، لكن المحفوظ هو ما رواه سفيان لأنه أحفظ من ابن إدريس، قال الحافظ في \"التقريب\" في ترجمة سفيان: ثقة حافظ إمام حجة، وما رواه ابن إدريس فهو الشاذ، لأنه دون سفيان في المرتبة وإن كان هو في المرتبة الأعلى، فمع كون سفيان ثقة حافظًا إمامًا حجة لا يضر مخالفة ابن إدريس له.\nوثالثًا: أن هذه زيادة من الثقة على رواية ثقة آخر، والزيادة من الثقة الحافظ المتقن مقبولة.","vol":"4","page":30},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأجاب عنه العلامة الزيلعي في \"نصب الراية\" (١) بأن البخاري وأبا حاتم جعلا الوهم فيه من سفيان، وابن القطان وغيره يجعلون الوهم من وكيع، وهذا اختلاف يؤدي إلى طرح القولين والرجوع إلى صحة الحديث لوروده عن الثقات.\nوالسادس: ما قال بعضهم من أنه يجوز أن ابن مسعود (٢) نسي الرفع في غير الافتتاح كما نسي وضع اليدين على الركب في الركوع، وأول من قال هذا القول أبو بكر بن إسحاق، نقل قوله البيهقي في \"سننه\" ثم ابن عبد الهادي في \"التنقيح\".\nوهذا القول ليس في مرتبة أن يذكر فضلًا عن أن يلتفت إليه وُيرَدَّ، وهذا القول يُشْبه ما لو قال أحد من المانعين السفهاء بأنه يحتمل أن رسول الله - ﷺ - رفع ليذبّ الذباب عن بدنه، وثيابه، فكما أن هذا القول دعوى باطل لا دليل عليه، كذلك القول بالنسيان دعوى ليس عليها دليل، بل هو من سوء الأدب.\nوكذلك ما ادّعوا أن عبد الله بن مسعود نسي وضع اليدين على الركب في الركوع باطل أيضًا، فإنه لا دخل للنسيان فيه.\nوقد بالغ في رد كلام أبي بكر بن إسحاق هذا العلامة ابن التركماني في \"الجوهر النقي (٣) في الرد على البيهقي\"، كذا قال الشيخ النيموي - رحمه الله تعالى- في \"آثار السنن\" (٤).\nوالسابع: أن عاصم بن كليب غير مقبول.\n_________\n(١) (١/ ٣٩٥).\n(٢) وقد قال النبي - ﷺ -: \"رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد\"، فلهذا يقدم الإِمام الأعظم قوله - ﵁ -. (ش). [والحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٣٥٩)].\n(٣) (٢/ ٨٠).\n(٤) (١/ ١٠٥).","vol":"4","page":31},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالجواب عنه بأنه قد تقدم أن عاصم بن كليب وثَّقه ابن معين والنسائي وابن صالح، ولكن قال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد، وههنا عاصم بن كليب غير منفرد، وقد توبع في ذلك بما أخرج الدارقطني وابن عدي، عن محمد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر -﵄- فلم يرفعوا أيديهم إلَّا عند استفتاح الصلاة.\nوأما محمد بن جابر وإن ضعفه غير واحد من الأئمة، لكن قال ابن أبي حاتم عن محمد بن يحيى سمعت أبا الوليد يقول: نحن نظلم محمد بن جابر بامتناعنا من التحديث عنه، قال: وسمعت أبي وأبا زرعة يقولان: من كتب عنه باليمامة ومكة فهو صدوق، إلَّا أن في أحاديثه تخاليط، وأما أصوله فهي صحاح، قال: وسئل أبي عن محمد بن جابر، وابن لهيعة، فقال: محلهما الصدق، ومحمد بن جابر أحب إليَّ من ابن لهيعة، وقال ابن عدي: روى عنهما الكبار أيوب وابن عون وسرد جماعة، قال: ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء، وقد خالف في أحاديث، ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه، وقال الدارقطني: هو وأخوه يتقاربان في الضعف، قيل له: يتركان؟ فقال: لا، بل يعتبر بهما، انتهى.\nقلت: ونحن ذكرنا حديثه ههنا للمتابعة والاعتبار، وأيضًا يؤيده ما قد حدث الإِمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى-: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله بن مسعود: \"أن النبي - صلي الله عليه وسلم - كان لا يرفع يديه إلَّا عند افتتاح الصلاة، ثم لا يعود لشيء من ذلك\"، ذكره في \"فتح القدير\" (١) وغيره.\nوالثامن: بأن عبد الرحمن لم يسمع من علقمة.\nوأجاب عنه ابن الهمام في \"الفتح\" بأن هذا باطل، لأنه عن رجل\n_________\n(١) (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠).","vol":"4","page":32},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمجهول، وقد ذكره ابن حبان في \"كتاب الثقات\"، وقال: مات سنة ٩٩ هـ، وسنُّه سنُّ إبراهيم النخعي، وما المانع حينئذ من سماعه من علقمة، والاتفاق على سماع النخعي منه؟ وصرح الخطيب في كتاب \"المتفق والمفترق\" في ترجمة عبد الرحمن هذا: أنه سمع أباه وعلقمة.\nواعترض على الحديث الثاني بأنه من رواية يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واتفق الحفاظ على أن قوله. \"ثم لم يعد\" مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد، ورواه عنه بدونها شعبة والثوري وغيرهم من الحفاظ.\nوقال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد، قال أحمد بن حنبل: لا يصح، وكذا ضعفه البخاري وأحمد ويحيى والدارمي والحميدي وغير واحد، وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث واه، وكان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه: \"ثم لا يعود\"، فلما لقنوه أهل الكوفة تلقن، وكان يذكرها، وهكذا قال علي بن عاصم.\nوقال البيهقي (١): قال الشيخ: وقد روى هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ابن أخيه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، وقيل: عن محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، وقيل: عنه عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يحتجُّ بحديثه، وهو أسوأ حالًا عند أهل المعرفة بالحديث من يزيد بن أبي زياد.\nقال في \"الجوهر النقي في الرد على البيهقي\" في باب من لم يذكر الرفع إلَّا عند الافتتاح: ذكر أي البيهقي فيه حديث ابن عيينة عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء: رأيت رسول الله -ﷺ- إذا افتتح الصلاة\n_________\n(١) \"السنن الكبرى مع الجوهر النقي\" (٢/ ٧٧).","vol":"4","page":33},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرفع يديه، قال سفيان: ثم قدمت الكوفة فسمعته يحدث بهذا وزاد فيه: ثم لا يعود، فظننت أنهم لقنوه.\nثم حكى البيهقي عن الدارمي أنه قال: ويحقق قول ابن عيينة أن الثوري وزهيرًا وهشيمًا وغيرهم من أهل العلم لم يجيئوا بها إنما جاء بها من سمع منه بأخرة.\nقلت: يعارض هذا قول ابن عدي في \"الكامل\": رواه هشيم وشريك وجماعة معهما عن يزيد بإسناده، وقالوا فيه: ثم لم يعد.\nوأخرجه الدارقطني كذلك من رواية إسماعيل بن زكريا عن يزيد، وأخرجه البيهقي في \"الخلافيات\" من طريق النضر بن شميل عن إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق عن يزيد.\nثم ذكر البيهقي الحديث من وجه آخر، وفيه: رأيت النبي - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع، قال سفيان: فلما قدمت الكوفة سمعته يقول: يرفع يديه إذا افتتح، ثم لا يعود، فظننت أنهم لقنوه.\nقلت: لم يرو هذا المتن بهذه الزيادة غير إبراهيم بن بشار، كذا حكاه صاحب \"الإِمام\" عن الحاكم وابن بشار، قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وذمه أحمد ذمًّا شديدًا، قال ابن معين: ليس بشيء لم يكن يكتب عند سفيان، وما رأيت في يديه قلمًا قط، وكان يملي على الناس ما لم يقله سفيان.\nثم حكى البيهقي عن الدارمي، أنه قال: لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحد أقوى من يزيد.\nقلت: ذكر البيهقي فيما تقدم أنه روي أيضًا من جهة عيسى بن أبي ليلى، وقيل: عن الحكم هو ابن عتيبة كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأخرجه أبو داود من جهة عيسى والحكم، وعيسى أقوى من يزيد بلا شك، انتهى.","vol":"4","page":34},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: قولهم: إن زيادة لفظة \"ثم لا يعود\" مدرج من قول يزيد بن أبي زياد بأنه لقن فتلقن يبطله ما رواه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والحكم بن عتيبة عند البيهقي والطحاوي وأبي داود، وكلاهما ثقتان، بل عيسى بن عبد الرحمن ثقة ثبت.\nوأما قولهم بأن حديث عيسى بن عبد الرحمن والحكم بن عتيبة رواه عنهما محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف.\nفالجواب عنه أن الحافظ قال في \"تهذيب التهذيب\" (١) في ترجمته بعد نقل تضعيفه: قال أبو حاتم عن أحمد بن يونس: ذكره زائدة، فقال: كان أفقه أهل الدنيا، وقال العجلي: كان فقيهًا صاحب سنة صدوقًا جائز الحديث، وكان عالمًا بالقرآن، وكان من أحسن الناس، وكان جميلًا نبيلًا، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، عدل، في حديثه بعض المقال، لين الحديث عندهم.\nوقد أخرج الدارقطني (٢) من طريق علي بن عاصم حدثنا محمد بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، فروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بهذه الزيادة يزيد بن أبي زياد وعيسى بن عبد الرحمن والحكم بن عتيبة، وروى عن يزيد بن أبي زياد إسماعيل بن زكريا ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عند الدارقطني، وشريك عند أبي داود، وعند ابن عدي في \"الكامل\" هشيم وشريك وجماعة، وعند البيهقي في \"الخلافيات\" إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وروى عن محمد بن أبي ليلى وكيع وخالد عند الطحاوي.\nفتأيد حديث يزيد بن أبي زياد بحديث عيسى والحكم، وتأيدت رواية محمد بن عبد الرحمن بحديث رواه جماعة من المحدثين عن يزيد بن أبي زياد.\n_________\n(١) (١/ ٣٠١).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٩٤).","vol":"4","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما قول سفيان: ثم قدمت الكوفة فلقيت يزيد فسمعته يحدث بهذا وزاد فيه: \"ثم لا يعود\"، فظننت أنهم لقنوه، وهذا ظن منه - رحمه الله تعالى-، وغاية الأمر فيه أن يقال: يمكن أنه رواه مرة بتمامه، ومرة بعده بقدر ما يتعلق بالغرض، ولا مضايقة فيه.\nواعترضوا على الحديث الثالث (١) بوجوه:\nالأول: تفرد ابن أبي ليلى، وترك الاحتجاج به، وجوابه: أنه قد تقدم أن العجلى قال: كان فقيهًا، صاحب سنة، صدوقًا، جائز الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، لين الحديث عندهم.\nوالثاني: أنه قال شعبة: إن الحكم لم يسمع من مقسم إلَّا أربعة أحاديث ليس فيها هذا الحديث، وجوابه: أن الحصر استقرائي، وقال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم حديث مقسم، إلَّا خمسة أحاديث وعدها يحيى القطان، ومع ذلك روى الترمذي أحاديث كثيرة عن الحكم عن مقسم، وفي أكثرها لفظ السماع، والتحديث، كذا في مقدمة \"تنسيق النظام\" (٢).\nوالثالث: أنهم قالوا: إن رواية وكيع عنه بالوقف، وجوابه أولًا: أنه يمكن رفعه مرة، ووقفه مرة، ويؤيده حديث ابن عمر موقوفًا أيضًا، وثانيًا: أن الموقوف في حكم المرفوع، لأنه لا دخل للقياس والاجتهاد فيه.\nوالرابع: قالوا: إن الحصر غير مراد، ويستحيل أن يكون لا ترفع إلَّا فيها صحيحًا، وقد تواترت الأخبار في الرفع في غيرها كثيرًا.\nوأجاب عنه في \"تنسيق النظام\" (٣) بأنه لا ورود له على تقدير الوقف،\n_________\n(١) وقد حكم عليه في \"البدائع\" (١/ ٤٨٥) بالشهرة، وقد استدل به الموفق على استحباب رفع اليدين في الحج. (ش). [انظر: \"المغني\" (٥/ ٢١٠)].\n(٢) (ص ٤٩).\n(٣) (ص ٥٣).","vol":"4","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلإمكان عدم العلم برفع اليدين عند تكبيرات العيدين والقنوت، والحصر مبني على العلم بخلاف تكبيرات سائر الصلوات، فإن عدم العلم فيها للصحابة الكثيرة الملازمة في حكم عدم العلم لمعاينة الصلاة النبوية، ومشاهدتها في الجماعات خمس مرات كل يوم بليلة، وكذا على تقدير عدم لفظ الحصر في الرواية لا ورود له أصلًا، وأما على تقدير الرفع مع لفظ الحصر فيثبت هذا الرفع الخارج بأحاديث أخر متأخرة لا مَرَدَّ لها.\nوتأول صاحب \"البحر الرائق\" (١) وقال: لا يرفع يديه على وجه السنة المؤكدة إلَّا في هذه المواضع، وليس مراده النفي مطلقًا، لأن رفع الأيدي وقت الدعاء مستحب، كما عليه المسلمون في سائر البلاد، وهكذا ذكر العيني في \"شرح الهداية\".\nوالخامس: بأن ابن عباس روى هذا الحديث عن رسول الله - ﷺ -، ثم بعد وفاة رسول الله - ﷺ - ثبت عنه خلاف ذلك بأنه رفع اليدين عند الركوع، والحنفية قالوا بأن الراوي إذا عمل بخلاف مرويه أضر ذلك بحديثه خصوصًا إذا كان الراوي صحابيًا.\nقال في \"التوضيح\" في فصل الطعن: والأول إما بأن عمل بخلافه بعد الرواية فيصير مجروحًا كحديث عائشة: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل\"، ثم زوجت بعده ابنة أخيها عبد الرحمن وهو غائب، وكحديث ابن عمر في رفع اليدين في الركوع، وقال مجاهد: صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أره رفع يديه إلَّا في تكبيرة الافتتاح، انتهى.\nوهذا الحديث الذي رواه ابن عباس في منع رفع اليدين ثم مخالفته له تقتضي أن يكون الحديث على قاعدة الحنفية مجروحًا غير قابل الاستدلال، فكيف يستدلون به على خلاف قاعدتهم؟\n_________\n(١) (١/ ٥٦٣).","vol":"4","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوجوابه بأن عمل الراوي إذا كان مقدمًا على الرواية، أو لم يعرف التاريخ لا يضر ذلك بالحديث ولا يجرح، قال في \"التوضيح\": وإن عمل بخلافه قبلها أو لم يعلم التاريخ لا يجرح.\nواعترض البخاري على الحديث الرابع بقوله: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث وكيع عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة: \"ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة\"، فإنما كان في التشهد لا في القيام، كان يسلم بعضهم على بعض، فنهى النبي - ﷺ - عن رفع الأيدي في التشهد، ولا يحتج بهذا من له حظ من العلم، هذا معروف مشهور لا اختلاف فيه، ولو كان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة، وأيضًا تكبيرات صلاة العيد منهيًّا عنها، لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع، انتهى.\nوقال في \"النيل\" (١): وأجيب عن ذلك بأنه ورد على سبب خاص، فإن مسلمًا رواه أيضًا من حديث جابر بن سمرة قال: \"كنا إذا صلينا مع النبي - ﷺ - قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين\"، الحديث.\nقلت: وأخرج هذا الحديث أبو داود والنسائي ومسلم (٢)، فأما أبو داود فأخرج من طريق زهير عن الأعمش من حديث جابر بن سمرة قال: \"دخل علينا رسول الله - ﷺ - والناس رافعو أيديهم، قال زهير: أراه قال: في الصلاة، فقال: ما لي أراكم\"، الحديث.\nوأما النسائي فأخرج من طريق عبثر عن الأعمش من حديث جابر بن سمرة قال: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن- يعني- رافعو أيدينا في الصلاة فقال: ما بالهم\"، الحديث.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٠٧).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٤٣٠)، و\"سنن النسائي\" (١١٨٤)، و\"سنن أبي داود\" (١٠٠٠).","vol":"4","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما مسلم فأخرج في \"صحيحه\" من طريق أبي معاوية عن الأعمش حديث جابر بن سمرة قال: \"خرج علينا رسول الله فقال: ما لي\"، الحديث.\nفمسلم سلك طريق الحفظ والإتقان، ولم يذكر \"ونحن رافعو أيدينا في الصلاة\".\nوأما النسائي فذكر في حديثه هذه الجملة وزاد لفظة \"يعني\" إشارة إلى أن أستاذه لم يحفظ اللفظ ولكن مراده ذلك.\nوأما أبو داود فذكر هذه الجملة \"والناس رافعو أيديهم\"، ثم حكى قول زهير؟ \"أراه قال: في الصلاة\"، وهذا يدل على أن زهيرًا لم يحفظ هذا اللفظ من أستاذه، ولكن يظن أنه قال لفظة \"في الصلاة\".\nفما وقع في رواية البخاري في \"جزء رفع اليدين\" بأنه أخرج هذه الجملة من غير شك غير محفوظ، ولكنه مراد قطعًا.\nوأجاب عنه في \"النيل\" (١) بقوله: ورد هذا الجواب بأنه قصر العام على السبب، وهو مذهب مرجوح كما تقرر في الأصول، وهذا الرد متجه لولا أن الرفع قد ثبت من فعله - ﷺ - ثبوتًا متواترًا كما تقدم، وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر، انتهى.\nقلت: لا يخفى عليك أن قوله: إن الرفع قد ثبت من فعله - ﷺ - ثبوتًا متواترًا، دعوى لا دليل عليه، ولو سلم فرضًا فلا نسلم جعلها قرينة لقصر العام وتخصيصه، وهذا ظاهر جدًّا.\nوأجاب عنه علي القاري بقوله: وأجيب عن اعتراض البخاري بأن هذا الرفع كان في التشهد، لأن عبد (٢) الله بن القبطية قال: سمعت جابر بن سمرة\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٠٨).\n(٢) كذا في \"المرقاة\" (٢/ ٤٦٧) مكبرًا، والصواب: عبيد الله بن القبطية. (ش).","vol":"4","page":39},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيقول: كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ -، الحديث، بأن الظاهر أنهما حديثان، لأن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال: اسكن في الصلاة، وبأن العبرة للفظ وهو قوله: \"اسكنوا\" لا لسببه، وهو الإيماء حال التسليم، انتهى مختصرًا.\nوأصل هذا الجواب للإمام جمال الدين الزيلعي - رحمه الله تعالى- فإنه قال في \"نصب الراية\" (١): ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر كما جاء في لفظ الحديث: \"دخل علينا رسول الله - ﷺ - وإذا الناس رافعي أيديهم في الصلاة، فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمس، اسكنوا في الصلاة\"، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة وهو حالة الركوع والسجود ونحو ذلك، وهذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده، وروى الآخر في وقت كما شاهده، وليس في ذلك بعد، انتهى.\nوحاصل هذا الجواب: أن البخاري فهم أن مؤدى حديث عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة، ومؤدى حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة واحد، بأن الحديثين محمولان على حال التشهد، فإن الصحابة كانوا يشيرون بأيديهم في التشهد حال السلام، وهذا خلاف الظاهر نشأ من قلة التدبر فيهما، بل الظاهر أنهما حديثان مختلفا المؤدى والمراد، يدل أحدهما على غير ما يدل عليه الآخر.\nفأما حديث عبيد الله بن القبطية فإنه محمول على السلام بعد التشهد قطعًا، وأما حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة، فغير محمول على التشهد، بل هو محمول على رفع اليدين داخل الصلاة عند الرفع والخفض، فنهى عنه النبي - ﷺ - وقال: \"اسكنوا في الصلاة\".\n_________\n(١) (١/ ٣٩٣).","vol":"4","page":40},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالدليل عليه أن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، ولهذا ما قال رسول الله - ﷺ - في حديث رفع الأيدي عند السلام: اسكنوا في الصلاة.\nوالدليل الثاني على أن الحديثين مختلفان أن في حديث تميم بن طرفة قال: دخل علينا رسول الله - ﷺ - ونحن رافعو أيدينا، الحديث، كذا للبخاري في \"جزئه\" وعند أبي داود في \"سننه\"، وهكذا في \"مسند أحمد بن حنبل\" برواية وكيع، وفي النسائي ومسلم: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، فهذا يدل على أن هذا الكلام صدر من رسول الله - ﷺ - حين دخل المسجد والناس يصلون صلواتهم.\nوأما حديث عبيد الله بن القبطية عن جابر ففيه عند البخاري: كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ - قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم، وعند مسلم في \"صحيحه\": قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله - ﷺ - قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.\nوعند أبي داود: قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ - فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه، ومن عن يساره، فلما صلى قال: ما بال أحدكم، الحديث، وهكذا في النسائي وغيره.\nوهذا السياق يدل صريحًا على أن هذا الكلام صدر عن رسول الله - ﷺ - حين كان يصلي بالناس جماعة، فلما فرغ من الصلاة ورآهم رافعي أيديهم عند السلام نهاهم عن ذلك.\nفثبت بهذا مثل ضوء النهار أن حديث تميم بن طرفة كان في وقت، وحديث عبيد الله بن القبطية كان في وقت آخر غير الوقت الأول، فثبت قطعًا أن حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة ناسخ لرفع اليدين في الصلاة عند الرفع والخفض.","vol":"4","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولا يتعجب بما قال صاحب \"عون المعبود\" (١)، فإنه قال بعد النقل عن الزيلعي - ﵀-: هذا الجواب العجب كل العجب من الإِمام جمال الدين الزيلعي أنه كيف قال هذه المقالة؟ ولو قال غيره كالطحاوي والعيني وأمثالهما لا يعجب منهم، إنما العجب منه، لأنه محدث كبير من أهل الإنصاف، ولا يخفى على من له مذاق في العلم فساد بيانه، والظاهر أنهما ليسا بحديثين بل هما حديث واحد يفسر أحدهما بالآخر، والراوي واحد، وهو جابر بن سمرة، والمتن واحد، انتهى.\nلأنه مقلد محض للبخاري، وليس له حظ من علوم النبوة، ولو كان له حظ منه لم يتعجب من هذا الاستدلال، بل يأتي بالدليل على رده، ولم يقدر عليه إلَّا بأن الراوي واحد، وهذا دليل يضحك الثكلى، فإن أحدًا من أهل العلم لم يستدل بوحدة الراوي على وحدة مروياته، ولما رأى البخاري قال بهذا القول تبعه من غير أن يتدبر في لفظ الحديث، والله الموفق، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nوأما قول البخاري: فلو كان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة، وأيضًا تكبيرات صلاة العيد منهيًّا عنها، غير وارد، فإن رفع الأيدي عند التحريمة قد ثبت عنه - ﷺ - ثبوتًا لا مرد له، ولم يثبت عنه - ﷺ - تركه، فيخرج من هذا الحكم، ويبقى رفع اليدين الذي لم يثبت دوامه، بل يثبت تركه داخلًا فيه، وأما رفع اليدين في العيدين فمختلف فيه عند الحنفية، فإن الإِمام أبا يوسف أنكره.\nوأما الحديث الخامس فلم أقف على البحث فيه إلَّا أنه قال الشيخ محمد هاشم السندي في رسالته \"كشف الرين\": إن الإِمام ابن دقيق العيد لم يتكلم في إسناده إلَّا بأن عباد بن الزبير تابعي ليس بصحابي، فالحديث مرسل.\n_________\n(١) (٣/ ٣٠١).","vol":"4","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأجاب عنه العلامة الشيخ محمد هاشم بأن المرسل من الحديث عند الحنفية مقبول ومحتج به، خصوصًا مراسيل القرون الثلاثة، والتي تأيدت بأحاديث وآثار الصحابة -﵃-، بل وكذلك مقبول عند مالك وأحمد بن حنبل وجمهور الفقهاء - ﵏-، فلا وجه للاعتراض عليه.\nوهذا الذي ذكرنا من البحث للفريقين كان ما يتعلق بالأحاديث المرفوعة، وأما الآثار من الصحابة وغيرهم، فنذكر نبذًا منه، فالآثار المثبتة للرفع كثيرة أخرجها البخاري في \"جزئه\".\nحدثنا مالك بن إسماعيل، ثنا شريك، عن ليث، عن عطاء قال: رأيت ابن عباس وابن الزبير وأبا سعيد وجابرًا - رضي الله تعالى عنهم- يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة وإذا ركعوا.\nحدثنا محمد بن الصلت، ثنا أبو شهاب بن عبد ربه، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه -: أنه كان إذا كبر رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.\nحدثنا مسدد، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول قال: رأيت أنس بن مالك -﵁ - إذا افتتح الصلاة أكبر ورفع يديه، ويرفع كلما ركع ورفع رأسه من الركوع.\nحدثنا مسدد، ثنا هشيم، عن أبي جمرة قال: رأيت ابن عباس يرفع يديه حيث أكبر وإذا رفع رأسه من الركوع.\nحدثنا سليمان بن حرب، ثنا يزيد بن إبراهيم، عن قيس بن سعد، عن عطاء قال: صليت مع أبي هريرة، فكان يرفع يديه إذا أكبر وإذا رفع.\nحدثنا خطاب بن إسماعيل، عن عبد ربه بن سليمان بن عمير قال: رأيت أم الدرداء ترفع يديها في الصلاة حذو منكبيها.","vol":"4","page":43},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحدثنا مقاتل، ثنا عبد الله بن المبارك، أنا إسماعيل، حدثني عبد ربه بن سليمان بن عمير قال: رأيت أم الدرداء ترفع يديها في الصلاة حذو منكبيها حين تفتح الصلاة وحين تركع، فإذا قالت: \"سمع الله لمن حمده\" رفعت يديها، وقالت: \"ربنا ولك الحمد\".\nحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا محمد بن فضيل، عن عاصم بن كليب، عن محارب بن دثار: رأيت ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما- رفع يديه للركوع، فقلت له: من ذلك؟ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه.\nوأما الآثار التي وردت في ترك الرفع فكثيرة أيضًا.\nمنها: ما أخرجه الطحاوي (١) حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلَّا في التكبيرة الأولى من الصلاة، وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة والبيهقي في \"المعرفة\".\nحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إبراهيم قال: كان عبد الله لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلَّا في الافتتاح، رواه ابن أبي شيبة والطحاوي، وإسناده مرسل جيد، لأن النخعي لم يدرك ابن مسعود، وكان لا يرسل عن عبد الله إلَّا بعد التواتر عنه.\nوقد أسند الطحاوي عن الأعمش أنه قال لإبراهيم النخعي: إذا حدثتني فأسند، فقال: إذا قلت: قال عبد الله، فلم أقل ذلك حتى حدثنيه جماعة عن عبد الله، وإذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي حدثني.\nوقال الدارقطني في باب الديات بعد ما أخرج أثرًا عن إبراهيم عن عبد الله:\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٥).","vol":"4","page":44},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفهذه الرواية وإن كان فيها إرسال فإبراهيم النخعي هو أعلم الناس بعبد الله وبرأيه وبفتياه، قد أخذ ذلك عن أخواله علقمة والأسود وعبد الرحمن ابني يزيد وغيرهم من كبراء أصحاب عبد الله، كذا قال الشيخ النيموي (١).\nحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا الحماني قال: ثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: رأيت عمر بن الخطاب -﵁ - يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود، قال: ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان، كذلك أخرجه الطحاوي وابن أبي شيبة، قال الطحاوي: وهو حديث صحيح، لأن الحسن بن عياش وإن كان هذا الحديث إنما دار عليه، فإنه ثقة حجة، قد ذكر ذلك يحيى بن معين، وقال ابن التركماني (٢): وهذا السند أيضًا صحيح على شرط مسلم.\nقال الطحاوي (٣): فإن أبا بكرة قد حدثنا قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا أبو بكر النهشلي قال: ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه أن عليًّا -﵁ - كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعد.\nحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا أبو بكر النهشلي، عن عاصم، عن أبيه - وكان من أصحاب علي-، عن علي مثله.\nقال الحافظ في \"الدراية\": رجاله ثقات، وقال الزيلعي: هو أثر صحيح، وقال العيني في \"عمدة القاري\" (٤): إسناد حديث عاصم بن كليب صحيح على شرط مسلم، كذا قال الشيخ النيموي (٥).\n_________\n(١) \"آثار السنن\" (١/ ١٠٩).\n(٢) \"الجوهر النقي مع السنن الكبرى\" (٢/ ٧٥).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٥).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٨٢).\n(٥) \"آثار السنن\" (١/ ١٠٦).","vol":"4","page":45},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد قال الترمذي (١) في \"باب رفع اليدين عند الركوع\" بعد تخريج حديث ابن عمر -﵄-: قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، وبهذا يقول بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -.\nثم قال بعد تخريج حديث ابن مسعود في ترك الرفع: قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، والتابعين، وهو قول سفيان وأهل الكوفة.\nفعلم بهذا وبما تقدم من البحث عن الفريقين أن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه ثبت عن رسول الله - ﷺ -، ولم يثبت دوامه، ولا أنه رفع رسول الله - ﷺ - في آخر عمره، وثبت عنه - ﷺ - ترك الرفع.\nفالرافعون قالوا: إنه - ﷺ - فعله مرة وتركه أخرى لخوف الوجوب، فهو سنة غير مؤكدة.\nوأما المانعون فلم ينكروا الرفع بل قالوا: ثبت عنه - ﷺ - الرفع وتركه، وكذلك روي عن الصحابة الرفع وتركه.\nوهذا الفعل من الأفعال التي تقع في الصلوات في اليوم والليلة مرات كثيرة بحيث لا يمكن أن يخفى على أحد ممن في الصلاة، فلا يمكن أن يكون تركه لأجل أن علمه لم يحط به، ولا لأنه تركه سهوًا ونسيانًا، ولا لكونها سنة غير مؤكدة خصوصًا من ابن عمر، فإنه كان مقتفيًا لآثار النبي - ﷺ - من قيامه وقعوده من العادات فضلًا عن العبادات.\nفقد روى البخاري في \"صحيحه\" (٢): أن ابن عمر -﵄- يتحرَّى أماكن من الطريق ما بين مكة والمدينة، ويصلي فيها، وقد كان هذا من\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٧).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٤٨٣).","vol":"4","page":46},{"text":"٧٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ،\n===\nالعادات لا من العبادات، فكيف يمكن أن يترك ما رآه من رسول الله - ﷺ - فعله عبادة؟ إلَّا بأنه ثبت نسخه عنده، وقد كان -﵁ - إذا كان بمكة لم يُهلّ قبل يوم التروية، والناس يهلون إذا رأوا الهلال، ويصبغ بالصفرة، ويلبس النعال السبتية، وكل ذلك لشدة لزومه واتباعه لأفعال رسول الله - ﷺ -، فكيف يمكن أن يترك فعلًا فعله رسول الله - ﷺ -؟ .\nوكذلك عمر وعلي وابن مسعود -رضي الله تعالى عنهم- لم يكونوا يتركون بهذه الوجوه السخيفة، فليس له وجه إلَّا بأنه ثبت عندهم أنه - ﷺ - ما تركه إلَّا نسخًا، وهذا هو الموافق للأصل، فإن الأصل في الصلاة السكون لقوله ﵊: \"اسكنوا في الصلاة\" كما رواه مسلم، فكل فعل في الصلاة يكون خلاف هذا الأصل لا يثبت إلَّا بأن يكون ثبوته واضحًا بيِّنًا، وهذا الفعل المتنازع فيه اختلفت الروايات فيه، كذلك اختلفت الصحابة فيه، فلم يكن ثبوته باعتبار دوامه وبقائه متيقنًا، فوضعوه على الأصل المنصوص عليه، والله تعالى أعلم.\nثم نقول: إن خاتمة البحث في هذه المسألة أن رفع اليدين في الانتقالات بعد الرفع عند التحريمة ثبت عن رسول الله - ﷺ - في غير حديث، وصح عنه، ثم تركه رسول الله - ﷺ -، ولم يفعله، ثم لما لم يتنبه له الصحابة وفعله بعضهم، فلما رآهم رسول الله - ﷺ - في الصلاة يرفعون أيديهم نسخها ونهى عنها.\nويدل على ذلك حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة الذي أخرجه مسلم، وقد تقدم سياقه والبحث فيه، والذي قالوا في جوابه: إنه محمول على الإشارة في السلام، فهو لغو وباطل، كما تقدم مفصلًا.\n٧٢٠ - (حدثنا محمد بن المصفى (١) الحمصي) صدوق له أوهام، وكان\n_________\n(١) بضم الميم وفتح الصاد والفاء المشددة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":47},{"text":"حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِىُّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ وَهُمَا كَذَلِكَ، فَيَرْكَعُ، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ صُلْبَهُ رَفَعَهُمَا حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\" وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى السُّجُودِ\n===\nيدلس، (ثنا بقية) بن الوليد بن صائد، (ثنا الزبيدي) (١) محمد بن الوليد، (عن الزهري) محمد بن مسلم، (عن سالم) بن عبد الله بن عمر، (عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه) وكبر للافتتاح (حتى تكونا حذو منكبيه) بفتح المهملة وسكون الذال، أي مقابلهما، والمنكب بفتح ميم وكسر كاف: مجتمع رأس الكتف والعضد، مذكر.\n(ثم أكبر) (٢) أي للركوع، وهذا هو الظاهر، ولم يذكر تكبيرة الإحرام (وهما) الواو حالية، الضمير يعود إلى اليدين، أي أكبر والحال أن اليدين (كذلك) أي مرفوعتان (فيركع) أي: يَخِرُّ للركوع.\n(ثم إذا أراد أن يرفع صُلْبَه) أي من الركوع (رفعهما) أي اليدين (حتى تكونا) أي اليدان (حذو منكبيه) أي مقابلهما (ثم قال: سمع الله لمن حمده، ولا يرفع يديه في السجود) وفي رواية البخاري: \"ولا يفعل ذلك في السجود\".\nقال الحافظ في \"شرحه\" (٣): أي لا في الهوِيِّ إليه ولا في الرفع منه، كما في رواية شعيب في الباب الذي بعده حيث قال: ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود، وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود\n_________\n(١) بضم الزاي، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وابن رسلان جعل هذا تكبيرة الإحرام، ولم يذكر الرفع مع الركوع في هذا الحديث، قلت: والأوجه كلام ابن رسلان، لأن ذكر الرفع عند الركوع في هذا الحديث مختلف فيه، كما في \"الأوجز\" (٢/ ٨٤). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٠).","vol":"4","page":48},{"text":"وَيَرْفَعُهُمَا فِى كُلِّ تَكْبِيرَةٍ يُكَبِّرُهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ حَتَّى تَنْقَضِىَ صَلَاتُهُ\". [انظر: سابقه، وقط ١/ ٢٨٧، ق ٢/ ٢٦]\n٧٢١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ (١)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ\n===\nإلى الثانية والرابعة والتشهدين، ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة أيضًا، لكن بدون تشهد لكونه غير واجب، وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة لم يدل هذا اللفظ على نفي ذلك عند القيام منها إلى الثانية والرابعة، لكن قد روى يحيى القطان عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا هذا الحديث وفيه: \"ولا يرفع بعد ذلك\"، أخرجه الدارقطني في \"الغرائب\" بإسناد حسن، وظاهره يشمل النفي عما عدا المواطن الثلاثة، وسيأتي إثبات ذلك في موطن رابع بعد بباب، انتهى.\n(ويرفعهما) أي اليدين (في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع حتى تنقضي صلاته) فهذه الرواية والرواية المتقدمة متوافقتان في أن الرفع قبل الركوع وبعده مذكور فيهما في الركعة الأولى باعتبار ظاهر اللفظ، وأما الرفع في الركعات الثلاثة الباقية فلم يذكر في الركوع ولا في الرفع منه في المتقدمة، وأما في هذه الرواية فذكر الرفع فيها قبل الركوع، ولم يذكر الرفع بعد الركوع.\n٧٢١ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة) القواريري، (ثنا عبد الوارث بن سعيد، ثنا محمد بن جحادة (٢)، حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر) قال في \"تهذيب التهذيب\": عن ابن معين أنه قال: لم يسمع من أبيه شيئًا، وقال أبو داود عن ابن معين: مات أبوه وهو حمل، وقال الترمذي: سمعت محمدًا يقول: عبد الجبار لم يسمع من أبيه ولا أدركه، وقال ابن حبان في \"الثقات\": من زعم أنه سمع أباه فقد وهم، لأن أباه مات وأمه حامل به، وقال البخاري: لا يصح سماعه من أبيه، مات أبوه قبل أن يولد، وكذلك قال أبو حاتم وابن جرير\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الجشمي\". (ش).\n(٢) بضم الجيم، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":49},{"text":"قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا لَا أَعْقِلُ صَلَاةَ أَبِى قَالَ فَحَدَّثَنِى وَائِلُ بْنُ عَلْقَمَةَ،\n===\nالطبري والجريري ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة والدارقطني والحاكم وقبلهم ابن المديني وآخرون.\nولكن قال الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\": قال المؤلف: وهذا القول ضعيف جدًّا، فإنه قد صح أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل لم يقل هذا القول، ونص أبو بكر البزار على أن القائل: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، هو علقمة بن وائل لا أخوه عبد الجبار، انتهى.\nقلت: وهذا القول بعيد جدًّا، فإنه لو صدر هذا القول من علقمة بن وائل لا من أخيه عبد الجبار بن وائل لم يجز أن يقول: لا أعقل صلاة أبي، فإن قد روى عن أبيه كيفية صلاة رسول الله - ﷺ - وغيره بصيغة التحديث، وأيضًا لا يمكن أن يقول: فحدثني وائل بن علقمة أو علقمة بن وائل، بل إما أن يكون بينه وبين أبيه واسطة غيره فيذكره، أو يروي عن أبيه من غير واسطة، فيقول: حدثني أبي وائل بن حجر، فإن وائل بن علقمة لم يوجد، وأما علقمة بن وائل فهو هو.\n(قال: كنت غلامًا (١) لا أعقل صلاة أبي)، وهذا الكلام يدل على أن عبد الجبار وُلد في حياة أبيه، ولكن جمهور المحدثين قالوا: إنه ولد بعد موت أبيه.\nقلت: ويمكن (٢) أن يوجه هذا الكلام بأن معنى قوله: لا أعقل، أي لا أحفظ صلاة أبي، لأني ولدت بعد موت أبي، فكيف يمكن أن أعقل وأحفظ صلاة أبي؟ فالاستدلال بهذا الكلام على أنه ولد في حياة أبيه ضعيف.\n(فحدثني وائل بن علقمة) قال في \"الميزان\": وائل بن علقمة عن وائل بن\n_________\n(١) استدل به الذهبي على رد من قال: إنه ولد بعد موت أبيه. (ش).\n(٢) قلت: لكن يأباه لفظ: \"كنت غلامًا\". (ش).","vol":"4","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحجر لا يعرف، وقال في \"الخلاصة\": وائل بن علقمة عن وائل بن حجر، الصواب عبد الجبار بن وائل، عن أخيه علقمة بن وائل، عن صلاة أبيه.\nوقال الحافظ في \"التقريب\": وائل بن علقمة عن وائل بن حجر، وعنه عبد الجبار بن وائل، صوابه عن عبد الجبار، عن علقمة بن وائل، عن أبيه.\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (١): وائل بن علقمة عن وائل بن حجر في صفة صلاة النبي - ﷺ -، قال القواريري: عن عبد الوارث، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل عنه به، وتابعه أبو خيثمة عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، وقال إبراهيم بن الحجاج وعمران بن موسى عن عبد الوارث بهذا الإسناد فقال: عن علقمة بن وائل، وكذا قال إسحاق بن أبي إسرائيل عن عبد الصمد، وكذا قال عفان عن همام، عن محمد بن جحادة وهو الصواب، انتهى.\nواختلفوا في سماعه من أبيه، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): حكى العسكري عن ابن معين أنه قال: علقمة بن وائل، عن أبيه مرسل، وكذا في \"الميزان\"، وقال في \"التقريب\": صدوق إلَّا أنه لم يسمع من أبيه.\nقلت: ولكن قال علي القاري في \"المرقاة\" (٣): الصحيح أن علقمة سمع من أبيه، وأن الذي لم يسمع عبد الجبار.\nويؤيده ما أخرجه النسائي في \"سننه\" (٤) في \"باب رفع اليدين\" من طريق عبد الله بن المبارك عن قيس بن سليم العنبري حدثني علقمة بن وائل حدثني أبي، وهذا اللفظ صريح في سماعه من أبيه.\n_________\n(١) (١١/ ١١٠).\n(٢) (٧/ ٢٨٠).\n(٣) (٢/ ٢٥٩).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٠٥٥).","vol":"4","page":51},{"text":"عَنْ أَبِى وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: \"صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَكَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ الْتَحَفَ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِى ثَوْبِهِ.\n===\nوكذا ما أخرجه الترمذي في \"جامعه\" (١) في أبواب الأحكام في \"باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه\" بسنده عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة، الحديث، وقال في آخره: حديث وائل بن حجر حديث حسن صحيح، فحكمه بالصحة مستلزمة بصحة سماعه من أبيه، وقد صرح الترمذي بسماعه من أبيه في \"باب ما جاء في المرأة إذا استكرهت على الزنا\": علقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، انتهى.\n(عن أبي) مضافة إلى ياء المتكلم (وائل بن حجر) بدل من لفظة أبي، الحضرمي الكندي، قدم على النبي - ﷺ -، فأنزله، وأصعده معه على المنبر، وأقطعه القطائع، وكتب له عهدًا، وقال: \"هذا وائل بن حجر سيد الأقيال جاءكم حبًّا لله ولرسوله\"، سكن الكوفة، وعقبه بها، كان بقية أولاد الملوك بحضرموت، بشَّر به النبيﷺ - قبل قدومه، وأقطعه أرضًا، وبعث معه معاوية، فقال له: أردفني، فقال: لستَ من أرادف (٢) الملوك، فلما ولي معاوية قصده وائل، فتلقاه وأكرمه، فقال وائل: وددت أني حملته ذلك اليوم بين يدي، مات في ولاية معاوية بن أبي سفيان (٣).\n(قال) أي وائل بن حجر: (صليت مع رسول الله - ﷺ - فكان) أي رسول اللهﷺ - (إذا كبر) أي لافتتاح الصلاة (رفع يديه، قال) أي وائل: (ثم التحف) أي تغطى (ثم أخذ شماله) أي يده اليسرى (بيمينه) أي بيده اليمنى (وأدخل يديه في ثوبه) ولعله لأجل البرد أو لبيان الجواز.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١٣٤٠).\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: أرداف جمع ردف. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٠٨).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٠٥) رقم (٥٤٤٤).","vol":"4","page":52},{"text":"قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ\n===\n(قال) أي وائل: (فإذا أراد) أي رسول الله - ﷺ - (أن يركع أخرج يديه) أي من ثوبه (١) (ثم رفعهما، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه) وهكذا في رواية الزبيدي عن الزهري.\nوفي رواية سفيان عن الزهري: وإذا رفع رأسه، وأكثر ما يقول: وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، كما تقدم في أول الباب، وظاهر هذا السياق أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه في حالة الركوع، وسياق رواية سفيان يدل على أنه كان يرفع في القومة، قال الحافظ (٢) في شرح قول الراوي: ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع: أي إذا أراد أن يرفع.\nويؤيده رواية أبي داود من طريق الزبيدي عن الزهري بلفظ: ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه، ومقتضاه أنه يبتدئ برفع يديه عند ابتداء القيام من الركوع.\nوأما رواية ابن عيينة عن الزهري التي أخرجها عنه أحمد، وأخرجها عن أحمد أبو داود بلفظ: وبعدما يرفع رأسه من الركوع، فمعناه بعد ما يشرع في الرفع لتتفق الروايات، انتهى.\nقلت: وهذا مذهب الإِمام الشافعي فقد صرح في كتاب \"الأم\" (٣)، قال الشافعي: فنأمر كل مصل إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، رجلًا أو امرأة أن يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا كَبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ويكون رفعه في كل واحدة من هذه الثلاث حذو منكبيه، ويُثْبِتُ يديه مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير كله، ويكون مع افتتاح التكبير، وَرَدَّ يديه عن الرفع مع انقضائه، انتهى.\n_________\n(١) فيه استحباب كشفهما للركوع، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٠).\n(٣) (١/ ٢٩٨).","vol":"4","page":53},{"text":"ثُمَّ سَجَدَ، وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ أَيْضًا رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ\". قَالَ مُحَمَّدٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ بْنِ أَبِى الْحَسَنِ فَقَالَ: هِىَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ، وَتَرَكَهُ مَنْ تَرَكَهُ. [م ٤٠١، حم ٤/ ٣١٧، خزيمة ٩٠٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ هَمَّامٌ، عَنِ ابْنِ جُحَادَةَ، لَمْ يَذْكُرِ الرَّفْعَ مَعَ الرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ.\n===\n(ثم سجد، ووضع وجهه بين كفيه، وإذا رفع رأسه من السجود أيضًا رفع يديه) وظاهر هذا الكلام يدل على أنه إذا رفع رأسه من السجود الأول والثاني يرفع يديه، وهذا يخالف ما تقدم من رواية ابن عمر من طريق سفيان عن الزهري، وفيه: ولا يرفع بين السجدتين، وكذلك في رواية الزبيدي عن الزهري من حديث ابن عمر: ولا يرفع يديه في السجود، وفي البخاري: ولا يفعل ذلك في السجود.\nويحتمل أن يكون المراد من السجود السجدة الثانية، فيكون المعنى أنه - ﷺ - كان يرفع يديه بعد ما يرفع رأسه من السجدة الثانية عند القيام إلى الركعة الثانية.\n(حتى فرغ) أي رسول الله - ﷺ - (من صلاته) أي فعل ذلك الأفعال المذكورة حتى فرغ من صلاته.\n(قال محمد) أي ابن جحادة: (فذكرت ذلك) الحديث (للحسن بن أبي الحسن) وهو الحسن البصري (فقال) الحسن: (هي صلاة رسول الله - ﷺ - فعله) أي ذلك الفعل في الصلاة (من فعله، وتركه من تركه. قال أبو داود: روى هذا الحديث همام (١) عن ابن جحادة، لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود) (٢) أي لم يذكر همام رفع اليدين مع رفعه - ﷺ - من السجود.\n_________\n(١) ابن يحيى بن دينار. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣١٧)، ومسلم في \"صحيحه\" (٤٠١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٧١).","vol":"4","page":54},{"text":"٧٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ -، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِىُّ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ، حَدَّثَنِى أَهْلُ بَيْتِى عَنْ أَبِى أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ \"أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ\". [حم ٤/ ٣١٦]\n٧٢٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِىِّ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ \"أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِىَّ -ﷺ- حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ وَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ (١) أُذُنَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ\". [ق ٢/ ٢٥، حم ٤/ ٣١٦]\n===\nغرض المصنف بيان الفرق والاختلاف بين حديث عبد الوارث وهمام، فإنهما يرويان عن محمد بن جحادة، فذكر عبد الوارث أن رسول الله - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من السجود رفع يديه، ولم يذكره همام.\n٧٢٢ - (حدثنا مسدد، ثنا يزيد -يعني ابن زريع-، ثنا المسعودي) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي، صدوق، اختلط قبل موته، (ثنا عبد الجبار بن وائل، حدثني أهل بيتي (٢) عن أبي أنه) أي: أبي (حدثهم أنه) أي: أباه وائل (رأى رسول الله - ﷺ - يرفع يديه مع التكبيرة) أي تكبيرة الافتتاح.\n٧٢٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أو الطائي، أبو علي الأشل المروزي، نزيل الكوفة، ثقة، (عن الحسن بن عبيد الله) بن عروة (النخعي) أبو عروة الكوفي، ثقة فاضل، (عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه) وهذا السند مرسل، فإنه قد تقدم أنه لم يدرك أباه (أنه) أي أباه (أبصر النبي -صلي الله عليه وسلم- حين قام إلى الصلاة رفع يديه) أي عند التكبيرة الأولى (حتى كانتا) اليدان (بحيال) أي بحذاء (منكبيه وحاذى) أي قابل (بإبهامه أذنيه) وهذا هو مذهب أبي حنيفة (ثم كبَّر) أي للافتتاح.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إبهاميه\".\n(٢) يقال: إنه أخوه علقمة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":55},{"text":"٧٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: قُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَيْفَ يُصَلِّى، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، فَرَفَعَ (١) يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، قال: فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ،\n===\n٧٢٤ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب) الجرمي الكوفي، كان من العباد الأولياء لكنه مرجئ، وثَّقه يحيى بن معين وغيره، وقال ابن المديني: لا يحتج بما انفرد به، وقال أبو حاتم: صالح.\n(عن أبيه) كليب بن شهاب بن المجنون الجرمي، وثَّقه أبو زرعة وابن سعد، وقال النسائي: كليب هذا لا نعلم أحدًا روى عنه غير ابنه عاصم وغير إبراهيم بن مهاجر، وإبراهيم ليس قويًّا في الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: عاصم بن كليب، عن أبيه، عن جده ليس بشيء، ويقال: إن له صحبة، قال ابن حجر: هو وهم.\n(عن وائل بن حجر قال: قلت: لأنظرن (٢) إلى صلاة رسول الله - ﷺ - كيف يصلي، قال) أي وائل: (ففام رسول الله - ﷺ - فاستقبل القبلة) أي توجه إليها (فكبر) أي للافتتاح (ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما) أي اليدين (مثل ذلك) أي حذاء أذنيه (ثم وضع يديه على ركبتيه) أي في الركوع.\n(قال: فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما) أي اليدين (مثل ذلك) أي حذاء\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ورفع\".\n(٢) فيه النظر إلى أفعال عالم ليقتدى به، قالوا: ولكن في هذا الزمان لا ينظر لئلا يؤدي إلى إساءة الظن به، بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":56},{"text":"فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى\n===\nأذنيه (فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه) أي وضع رأسه بين يديه، وجعل يديه حذاء أذنيه، كما فعل في افتتاح الصلاة.\n(ثم جلس فافترش رجله اليسرى) فجلس عليها ونصب اليمنى (ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى).\nقال علي القاري في \"المرقاة\" (١): وحد بصيغة الماضي مشددة الدال بعد الواو العاطفة، ومرفقه بكسر الميم وفتح الفاء ويعكس، قيل: أصل الحد المنع والفصل بين الشيئين، ومنه سمي المناهي حدود الله، والمعنى: فصل بين مرفقيه وجنبيه، ومنع أن يلتصقا في حالة استعلائهما على الفخذ، كذا قال الطيبي.\nوقال المظهر: أي رفع مرفقه عن فخذه، وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد، فجعله مشدد الدال من الحدة.\nوقال الأشرف: ويحتمل أن يكون \"وحدُّ\" مرفوعًا مضافًا إلى المرفق على الابتداء، وقوله: \"على فخذه\" الخبر، والجملة حال، وأن يكون منصوبًا عطفًا على مفعول وضع، أي وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع حد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، نقله ميرك، وكتب تحته: وفيه نظر.\nولعل وجه النظر أن وضع حد المرفق لا يثبت عن أحد من العلماء، ولا دلالة على ما قاله على ما قيل في حديث صححه البيهقي، وهو أنه ﵇ جعل مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى كما لا يخفى، وفي بعض النسخ: وَحَّدَ مرفقه من التوحيد، أي جعله منفردًا عن فخذه، انتهى كلامه.\n_________\n(١) (٢/ ٣٣٣).","vol":"4","page":57},{"text":"وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ وَحَلَّقَ حَلْقَةً، وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا،\n===\nوحاصل قوله أن في هذا الكلام احتمالات:\nأولها: حد بصيغة الماضي مشدّد الدال فيه احتمالان: الأول: أن يكون \"على\" بمعنى عن أي رفعه عن فخذه، والثاني: أن يكون \"على\" بمعناه، ومعنى الحد المنع والفصل بين الشيئين، أي فصل بين مرفقه وجنبه، ومنع أن يلتصقا في حال استعلائهما على الفخذ، فعلى هذا يكون تقدير الكلام: وحد مرفقه الأيمن عن جنبه حال كونه عاليًا على الفخذ.\nوثانيها: أن يكون \"حَدُّ\" اسمًا مرفوعًا مضافًا إلى المرفق على الابتداء، و\"على فخذه\"، خبره، والجملة حالية، وعلى هذا معنى الكلام: ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، والحال أن حد مرفقه الأيمن مستعلية على فخذه اليمنى.\nوثالثها: أن يكون لفظ \"حدَّ\" منصوبًا مضافًا إلى المرفق عطفًا إلى مفعول وضع، أي وضع يده اليسرى ووضع حد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى.\nورابعها: أن يكون \"وَحَّدَ\" من التوحيد، أي جعله منفردًا، أي: رفعه عنه.\nوخامسها: كما لم يذكره القاري، وذكره في \"المجمع\" عن \"المفاتيح\" بأنه مد بفتح الميم وتشديد الدال المهملة، والله أعلم.\n(وقبض) أي من أصابع يمناه (ثنتين) أي الإصبعين الخنصر والبنصر (وحلق حلقة) أي بالوسطى والإبهام (ورأيته) أي رسول الله - ﷺ - والرائي وائل بن حجر (يقول) أي يفعل، وإطلاق القول على الفعل شائع (هكذا) حكاه بالفعل والقول جميعًا بأنه لما قال: وقبض ثنتين وحلق حلقة أظهر يده وأراهم هيئة ذلك، بأنه قبض الخنصر والبنصر، ورفع السبابة، وحلق الوسطى والإبهام باليد.","vol":"4","page":58},{"text":"وَحَلَّقَ بِشْرٌ الإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ\". [ت ٢٩٢، حم ٤/ ٣١٦، جه ٨٦٧، ق ٢/ ٢٨، ن ٨٨٩]\n٧٢٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ فِيهِ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ، وَقَالَ فِيهِ: \"ثُمَّ جِئْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِى زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ جُلُّ الثِّيَابِ تَحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ\n===\n(وحلق بشر الإبهام والوسطى وأشار بالسبابة) وهذا قول مسدد يقول: إن شيخه بشرًا لما حدث بهذا الحديث، وبلغ هذا القول: ورأيته يقول هكذا، فأراهم بشر كيفية الإشارة بالفعل، فما قال صاحب \"عون المعبود\" (١) تحت قوله: ورأيته يقول هكذا: هذه مقولة بشر بن المفضل، والضمير المنصوب يرجع إلى شيخه، فبعيد.\n٧٢٥ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو الوليد، نا زائدة، عن عاصم بن كليب بإسناده) أي بإسناد حديث بشر عن عاصم (ومعناه) أي بمعنى حديث بشر عن عاصم وإن اختلفا في اللفظ، ثم بين ذلك الاختلاف (قال) أي زائدة (فيه) أي في حديثه: (ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد).\nحاصله: أن بشرًا ذكر أخذ الشمال باليمين، وزائدة ذكر وضع اليمين على ظهر كف اليسرى والرسغ والساعد.\nثم ذكر اختلافًا آخر (وقال) أي زائدة (فيه) أي في حديثه: قال وائل: (ثم جئت بعد ذلك) أي بعد الواقعة الأولى (في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جل الثياب) أي ثياب كثيرة (تحرك) بحذف إحدى التاءين أي تتحرك (أيديهم) (٢) أي الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-\n_________\n(١) (٢/ ٤١٤)\n(٢) الظاهر لرفع اليدين في الركوع والسجود، لكن ظاهر كلام ابن العربي في \"عارضة =","vol":"4","page":59},{"text":"تَحْتَ الثِّيَابِ\". [انظر الحديث السابق]\n٧٢٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى صُدُورِهُمْ فِى افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِمْ بَرَانِسُ وَأَكْسِيَةٌ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\n(تحت الثياب) وهذه الجملة زيادة زادها زائدة، ولم يذكرها بشر.\n٧٢٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي - ﷺ - حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه، قال: (١) ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة، وعليهم برانس) والبرانس جمع برنس، قال في \"المجمع\" (٢): هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو غيره، الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإِسلام، من البِرْنس بكسر الباء، وهو القطن، انتهى.\nقلت: وهذا الثوب في هذا الزمان شائع عند أهل الغرب يلبسونه ليس فيه كمام، سألت عنه بعض علماء أهل الغرب في المدينة المنورة، ورأيته عندهم.\n(وأكسية) جمع كساء وهو معروف، يقال له بالفارسية: كَليم.\n_________\n= الأحوذي\" (٢/ ٨٨) أنه حمل هذا التحرك على الإشارة في التشهد، ثم ضعف الحديث، وقال: لو صح فمعناه تحرك عند البسط والقبض. (ش).\n(١) قال السيوطي في \"التدريب\" (٢/ ٤٤٣): ليس هذا من هذا السند، بل هو من عاصم عن عبد الجبار، فهو مدرج، كذا في \"شذرات النسائي\" للعبد الفقير. [انظر: \"الفيض السمائي\" (١/ ٢٨٣)]. (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٦٨).","vol":"4","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>(١١٩) بَابُ افْتَتِاحِ الصَّلَاةِ</span>\n٧٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: \"أَتَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- فِى الشِّتَاءِ فَرَأَيْتُ أَصْحَابَهُ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِى ثِيَابِهِمْ فِى الصَّلَاةِ\". [حم ٤/ ٣١٦]\n٧٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهَذَا حَدِيثُ أَحْمَدَ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ -،\n===\n\n(١١٩) (بَابُ افْتِتَاحِ (١) الصَّلاةِ)\n٧٢٧ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا وكيع، عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر قال: أتيت النبي - ﷺ - في الشتاء فرأيت أصحابه) أي رسول الله - ﷺ - (يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة) وهذا يشمل الرفع في الافتتاح، فيناسب ترجمة الباب، وتقدم هذا الحديث من رواية ابن أبي شيبة عن شريك، وكان فيها ذكر الرفع عند افتتاح الصلاة مصرحًا، فهذا الحديث محمول عليه، وإليه أشار المصنف بالترجمة.\n٧٢٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، ح: وثنا مسدد، نا يحيى، وهذا حديث أحمد) وهذا قول المؤلف، يقول: لفظ هذا الحديث المذكور لأحمد بن حنبل لا لمسدد.\n(قال: أنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر-) وثَّقه ابن معين، وقد نقم عليه\n_________\n(١) لا تكرار في هذه الترجمة، فإن المذكور أولًا بمنزلة الكتاب، وما ذكر بعده من الرفع فهو قبل الصلاة في التحريمة، ومن هاهنا بدء الصلاة، ولذا ذكر المصنف بعض الروايات المذكورة في الباب السابق ها هنا أيضًا، لأنها ذكرت أولًا لأجل الرفع، وفي هذا الباب لبقية الأجزاء. (ش).","vol":"4","page":61},{"text":"أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِىَّ فِى عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: \"أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nالثوري وكان يضعفه، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال علي بن المديني: كان يقول بالقدر، وكان عندنا ثقة.\nقال: (أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء) وثَّقه أبو زرعة والنسائي وأبو حاتم، وقد ضعفه يحيى في رواية، ووثَّقه في أخرى (قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - منهم (٢) أبو قتادة).\nوهذا الكلام يدل على سماع محمد بن عمرو عن أبي حميد حال كونه في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - منهم أبو قتادة، وقال الطحاوي: محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع ذلك الحديث من أبي حميد، ولا ممن ذكر معه في ذلك الحديث، بينهما رجل مجهول، قد ذكر ذلك العطاف بن خالد عنه عن رجل.\nقلت: وأيضًا قد أخرج المؤلف بعد حديثين سندًا آخر لهذا الحديث: حدثنا علي بن حسين بن إبراهيم، نا أبو بدر، حدثني زهير أبو خيثمة، ثنا الحسن بن الحر، حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك، عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي، وهذا السند يدل على أن بين محمد بن عمرو بن عطاء وبين أبي حميد واسطة، وهو عباس أو عياش بن سهل.\n(قال أبو حميد: أنا أعلمكم (٣) بصلاة رسول الله - ﷺ -)، ودعواه هذه مبنية\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) ومحمد بن مسلمة وأبو أسيد وسهل بن سعد، وسمي منهم أبو قتادة وأبو هريرة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وفيه المدح للإنسان نفسه ليكون كلامه أوقع، كالافتخار في الجهاد. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":62},{"text":"قَالُوا: فَلِمَ؟ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ بِأَكْثَرِنَا لَهُ تَبَعةً (١) وَلَا أَقْدَمَنَا لَهُ صُحْبَةً. قَالَ: بَلَى، قَالُوا: فَاعْرِضْ.\nقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِىَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرُ (٢)\n===\nعلى ظنه، فإنه ظن أن ما راقبت من صلاة رسول الله - ﷺ - لم يراقبه غيري.\n(قالوا) أي الصحابة الموجودون: (فَلِمَ؟) أي تدعي هذه الدعوى (فوالله ما كنت بأكثرنا له) أي لرسول الله - ﷺ - (تبعة) أي لم تكن بأكثرنا اتباعًا لرسول الله - ﷺ - ولا أحرص منا عليه (ولا أقدمنا له) أي لرسول الله - ﷺ - (صحبة) فكيف تدعي هذه الدعوى؟\n(قال) أبو حميد: (بلى) لم أكن أكثر منكم تبعة ولا أقدم منكم صحبة، ولكن راقبت ما لم تراقبوه (قالوا: فاعرض) أي علينا، قال في \"المجمع\" عن الطيبي: قالوا: فاعرض، هو من عرضت عليه كذا أي أبرزته إليه، وقال علي القاري (٣): بهمزة وصل، أي إذا كنت أعلم فاعرض.\n(قال) أبو حميد: (كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما) أي بكفيه (منكبيه، ثم أكبر)، قال ابن حجر: \"ثم\" هاهنا بمعنى الواو (٤) لرواية البخاري: \"حين يكبر\"، لأنها أصح وأشهر.\nقلت: لا يبعد أن يكون لفظ \"ثم\" هاهنا في معناه في التراخي، وفي حديث البخاري: \"حين يكبر\" في معنى الاقتران، ويحمل على أنه - ﷺ - فعل مرة هكذا، ومرة هكذا، وكل من أبي حميد وابن عمر روى ما رآه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"تبعًا\".\n(٢) وفي نسخة: \"يكبر\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٦١).\n(٤) وفي الأصل: \"واو\" منكَّرًا.","vol":"4","page":63},{"text":"حَتَّى يَقِرَّ كُلُّ عَظْمٍ فِى مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْفَعُ (١) يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِىَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ فَلَا يَنصَبُّ (٢) رَأْسَهُ\n===\n(حتى يقر) (٣) حتى يستقر ويسكن (كل عظم منه) بعد الرجوع (في موضعه معتدلًا) أي مستويًا قائمًا، والاعتدال توسط أمر بين حالين.\n(ثم يقرأ) أي بعد دعاء الاستفتاح، ولم يذكر الدعاء، لأنها لا تجهر، أو القراءة تشتمل الدعاء أيضًا (ثم يكبر) أي للركوع (فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع وبضع راحتيه) أي باطن كفيه (على ركبتيه).\nقال القاري (٤): ويفرج أصابعه كل التفريج، ولا يندب التفريج إلَّا في هذه الحالة، ولا الضم إلَّا حال السجود، وفيما سواهما وهو حال الرفع عند التحريمة والوضع في التشهد يترك على ما عليه العادة، كذا في \"شرح المنية\".\n(ثم يعتدل) أي في الركوع بأن يسوي رأسه وظهره حتى يصيرا كالصفحة، وتفسيره قوله: (فلا ينصب) (٥) بتشديد الباء الموحدة من الانصباب، فلا يميل ولا يخفض، وفي نسخة: فلا يصبي، وفي بعضها: لا يصوب (٦) (٧) (رأسه)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ويرفع\".\n(٢) وفي نسخة: \"ولا يصب\".\n(٣) واستدل به المالكية على سنية الإرسال. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٦١).\n(٥) وفي ابن رسلان: ولا يصب بفتح أوله وضم الصاد وتشديد الباء من صب الماء. (ش).\n(٦) صوبه الأزهري \"ابن رسلان\". (ش).\n(٧) قلت: هناك خمسة نسخ، الأول: يَنْصَبُّ من الانصباب كما ضبطه الشارح، والثاني: يَنْصُبُّ من نصب الرأس كما ضبطه الخطابي في \"معالم السنن\" (١/ ٢٦٠)، والثالث: يَصُبُّ من الصَّبِّ كما في ابن رسلان وفي النسخ المطبوعة لـ \"سنن أبي داود\"، والرابع: يُصَبِّي من التصبية، يقال: صبَّى الرجل رأسه يصبيه إذا خفضه جدًّا، والخاص: لا يصوب كما أشار إليه الشارح.","vol":"4","page":64},{"text":"وَلَا يُقْنِعُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».\nثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِىَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا ثُمَّ يَقُولُ «اللَّهُ أَكْبَرُ»، ثُمَّ يَهْوِى إِلَى الأَرْضِ فَيُجَافِى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَثْنِى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ويَقْعُدُ (١) عَلَيْهَا، وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ إِذَا سَجَدَ، وَيَسْجُدُ ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ»، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَثْنِى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَيَقْعُدُ (٢) عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ،\n===\nأي عن ظهره (ولا يقنع) من أقنع رأسه إذا رفع، أي: لا يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره.\n(ثم يرفع رأسه) أي إلى القومة (فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي) أي ينزل بعد شروعه في التكبير (إلى الأرض) ساجدًا وقاصدًا للسجود فيسجد (فيجافي) أي يباعد في سجوده (يديه) أي مرفقيه (عن جنبيه، ثم يرفع رأسه) أي من السجود (ويثني) بفتح الياء الأولى أي يعطف (رجله اليسرى، ويقعد عليها، ويفتخ) بالخاء المعجمة (أصابع رجليه إذا سجد) أي يثنيها ويلينها فيوجهها نحو القبلة، هكذا في النسخ الموجودة، ذكرت هذه الجملة هاهنا بعد قوله: ثم يرفع رأسه، وأما في \"المشكاة\" عن أبي داود (٣) فذكرت قبل قوله: ثم يرفع رأسه، وليس فيه لفظ: إذا سجد، وهو الأولى.\n(ثم يسجد) أي الثانية بعد التكبير (ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه) من السجدة الثانية (ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فيقعد\".\n(٢) وفي نسخة: \"ويقعد\".\n(٣) وسيأتي في أبي داود أيضًا، في \"باب من ذكر التورك في الرابعة\". (ش).","vol":"4","page":65},{"text":"ثُمَّ يَصْنَعُ فِى الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِىَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ (١) يَصْنَعُ ذَلِكَ فِى بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِى فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ\n===\nقال القاري (٢): قال ابن حجر (٣): فيه ندب جلسة الاستراحة في كل ركعة لا تشهد فيها، انتهى، ويمكن حمله على العذر أو بيان الجواز للجمع بين الروايات.\n(ثم يصنع في الأخرى) أي في الركعة الثانية (مثل ذلك) أي مثل ما صنع في الركعة الأولى إلَّا ما استثني (٤)، (ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة).\nقال القاضي: لم يذكر الشافعي الرفع عند القيام إلى الركعة الأخرى، لأنه بني قوله على حديث ابن شهاب عن سالم، وهو لم يتعرض له، لكن مذهبه اتباع السنة، فإذا ثبت لزم القول به.\n(ثم يصنع ذلك) أي ما ذكر من الأحوال (في بقية صلاته) ثلاثية كانت أو غيرها (حتى إذا كانت السجدة) المراد بها هاهنا الركعة أو السجدة بنفسها (التي فيها) أي في عقبها (التسليم أخّر) أي أخرج (رجله اليسرى) أي من تحت مقعدته إلى الأيمن (وقعد (٥) متروكًا على شقه الأيسر) أي مفضيًا بوركه اليسرى إلى الأرض غير قاعد على رجله، ثم سلَّم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"و\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٦٢).\n(٣) قال ابن رسلان: والعجب من الطحاوي إذ قال: ليس جلسة الاستراحة في حديث أبي حميد الساعدي. (ش).\n(٤) وذكر ابن رسلان المستثنيات العديدة كالثناء والنية والتكبير وغيرها.\n(٥) نص في التفريق بين الجلستين \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":66},{"text":"قَالُوا: صَدَقْتَ، هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي - ﷺ -. [خ ٨٢٨، ت ٣٠٤، ن ١٠٣٩، جه ٨٦٢]\n===\n(قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي - ﷺ -) قال الطحاوي (١): وحديث أبي عاصم عن عبد الحميد هذا ففيه: فقالوا جميعًا: صدقت، فليس يقول ذلك أحد غير أبي عاصم، انتهى، قال في \"منتقى الأخبار\" (٢): رواه الخمسة إلَّا النسائي وصححه الترمذي ورواه البخاري مختصرًا.\nقلت: وأُعِلَّ هذا الحديث بوجوهٍ:\nأولها: أن عبد الحميد بن جعفر ضعيف.\nوثانيها: أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع ذلك الحديث من أبي حميد، ولا ممن ذكر معه في ذلك الحديث، بل بينهما رجل مجهول، وفي بعض الروايات وقع بينهما عياش أو عباس بن سهل.\nوثالثها: ذكر فيه أبو قتادة ولم يدركه محمد بن عمرو بن عطاء.\nورابعها: أن في هذا الحديث: قالوا جميعًا: صدقت، وهذا في حديث أبي عاصم عن عبد الحميد فقط ولم يذكر هذا اللفظ أحد غير أبي عاصم.\nوأجاب عن بعضها الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٣) فقال: والجواب عن ذلك، أما الأول أي عدم الاتصال بين محمد بن عمرو، وأبي حميد، فلا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه وبين شيخه واسطة، إما لزيادة في الحديث، وإما ليتثبت فيه، وقد صرح محمد بن عمرو المذكور بسماعه فتكون رواية عيسى عنه من المزيد في متصل الأسانيد، وأما الثاني أي ذكر أبي قتادة في الحديث أن أبا قتادة اختلف في موته، فقيل: مات سنة ٥٤ هـ، وعلى هذا\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٨).\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢١٥).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠٧).","vol":"4","page":67},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفلقاء محمد له ممكن، وعلى الأول أي على أنه مات في خلافة علي وصلى عليه علي، فلعل من ذكر مقدار عمره أو وقت وفاته وهم، أو الذي سمى أبا قتادة في الصحابة المذكورين وهم في تسميته، ولا يلزم من ذلك أن يكون الحديث الذي رواه غلطًا؛ لأن غيره ممن رواه عن محمد بن عمرو بن عطاء أو عن عباس بن سهل قد وافقه، انتهى ملخصًا.\nوقال العيني (١) في جواب الحافظ: وقد اعترض بعضهم بأنه لا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه وبين شيخه واسطة، إما لزيادة في الحديث، وإما لتثبيت فيه، وقد صرح محمد بن عمرو بسماعه، وأن أبا قتادة اختلف في وقت موته، فقيل: مات سنة ٥٤ هـ، وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن، انتهى.\nقلت: هذا القائل أخذ كلامه هذا من كلام البيهقي، فإنه ذكره في كتاب \"المعرفة\"، والجواب عن هذا أن إدخال الواسطة إنما يصح إذا وجد السماع، وقد نفى الشعبي سماعه وهو إمام في هذا الفن، فنفيه نفي، وإثباته إثبات، ومبنى نفيه من جهة تاريخ وفاته أنه قال: قتل مع علي كما ذكرناه، وكذا قال الهيثم بن عدي، وقال ابن عبد البر: هو الصحيح، انتهى.\nقلت: لم أر هذا التصحيح لابن عبد البر في \"الاستيعاب\"، ولعله قال في غيره من الكتاب، ولكن ذكر قولًا ثالثًا فقال (٢): وقال الحسن بن عثمان: ومات أبو قتادة سنة ٤٠ هـ، وشهد أبو قتادة مع علي في مشاهده كلها في خلافته.\nواختلف الفقهاء في كيفية الجلوس في التشهد الأخير، فالسنة عندنا أن يفترش رجله اليسرى في القعدتين جميعًا، وبين السجدتين، ويقعد عليها وينصب اليمنى نصبًا، وهذا قول الثوري، وقال الشافعي: السنة في القعدة الأولى\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٧٦).\n(٢) \"الاستيعاب\" (٤/ ١٧٣١). وانظر: \"أسد الغابة\" (٥/ ٦٩)، رقم الترجمة (٦١٧٤).","vol":"4","page":68},{"text":"٧٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى حَبِيبٍ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْعَامِرِىِّ قَالَ: \"كُنْتُ فِى مَجْلِسٍ عنْ (١) أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَتَذَاكَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ، فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ،\n===\nكذلك، فأما في الثانية فإنه يتورك، وقال مالك: يتورك فيهما جميعًا، احتج الإِمام الشافعي بهذا الحديث.\nولنا ما روي عن عائشة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يفتتح الصلاة بالتكبير\"، الحديث، وفيه: وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، عزاه في \"منتقى الأخبار\" (٢) إلى أحمد ومسلم وأبي داود.\nوحديث وائل بن حجر: \"أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي فسجد، ثم قعد فافترش رجله اليسرى\"، وعزاه أيضًا إلى أحمد وأبي داود والنسائي.\nوحديث رفاعة بن رافع أن النبي - ﷺ - قال للأعرابي: \"إذا سجدت فمكن بسجودك، فإذا جلست فاجلس على رجلك اليسرى\"، عزاه إلى أحمد.\nوهذا عندنا في حق الرجال، وأما المرأة فتقعد كأستر ما يكون لها فتجلس متوركة.\n٧٢٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة (٣)، عن يزيد- يعني ابن أبي حبيب-، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو العامري قال: كنت في مجلس عن أصحاب رسول الله - ﷺ - فتذاكروا صلاته - ﷺ -، فقال أبو حميد، فذكر) أي: محمد بن عمرو بن حلحلة، وقائله المؤلف (بعض هذا الحديث) أي: الحديث الذي رواه عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣١٩).\n(٣) بفتح اللام، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":69},{"text":"وَقَالَ: فَإِذَا (١) رَكَعَ أَمْكَنَ كَفَّيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ غَيْرَ مُقْنِعٍ رَأْسَهُ وَلا صَافِحٍ بِخَدِّهِ. وَقَالَ: فَإِذَا قَعَدَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا كَانَ فِى الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَرْضِ وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ\". [خ ٨٢٨]\n===\nوغرض المصنف عن هذا الكلام أن عبد الحميد ومحمد بن عمرو بن حلحلة كلاهما رويا هذا الحديث عن محمد بن عمرو بن عطاء، ولكن حديث محمد بن عمرو بن حلحلة مختصر، ثم بين الاختلاف بينهما فقال:\n(وقال) محمد بن عمرو بن حلحلة: (فإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه) أي مكنهما من أخذهما والقبض عليهما (وفرج بين أصابعه) ولا يندب التفريج إلَّا في هذه الحالة، ولا الضم إلَّا في حال السجود (ثم هصر ظهره) أي ثناه وخفضه، وأصل الهصر أن تأخذ برأس الغصن وتثنيه إليك وتعطفه (غير مقنع رأسه) أي غير رافع رأسه عن ظهره (ولا صافح بخده) أي غير مبرز صفحة خده، ولا مائل له في أحد الشقين.\n(وقال) أي محمد بن عمرو بن حلحلة: (فإذا قعد في الركعتين) أي بعد الركعتين (قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى، فإذا كان في الرابعة) أي في تمام الرابعة (أفضى) أي أوصل (بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة) وهي اليمنى.\nقال علي القاري (٢): وإطلاق الإخراج على اليمنى تغليب، لأن المخرج حقيقة هو اليسرى لا غير، ذكره ابن حجر، انتهى.\nقلت: اختلفت الروايات في صفة التورك، ففي رواية البخاري عن أبي حميد الساعدي: \"فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إذا\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٦٤).","vol":"4","page":70},{"text":"٧٣٠ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِىِّ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ نَحْوَ هَذَا. قَالَ: \"فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ الْقِبْلَةَ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nونصب الأخرى، وقعد على مقعدته\"، وفي رواية أبي داود من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة في حديث أبي حميد: \"فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة\".\nفالحديث الذي أخرجه البخاري يدل على نصب اليمنى، وحديث أبي داود يقتضي إخراجها من غير نصبها.\nومذهب الحنفية في ذلك ما ذكره صاحب \"البدائع\" (١): وتفسير التورك أن يضع إليتيه على الأرض، ويخرج رجليه إلى الجانب الأيمن، ويجلس على وركه الأيسر، فالأولى أن يقال: إن إخراج القدمين محمول على معناه الحقيقي، والحديثان محمولان على اختلاف الأوقات بأنه - ﷺ - فعل مرة هكذا ومرة هكذا.\nوقد ذكر مسلم في \"صحيحه\" من حديث ابن الزبير صفة ثالثة لجلوس التشهد الأخير، وهي أنه - ﷺ - كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه.\n٧٣٠ - (حدثنا عيسى بن إبراهيم المصري) ثقة، (نا ابن وهب، عن الليث بن سعد، عن يريد بن محمد القرشي ويزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء نحو هذا) أي نحو الحديث الذي تقدم عن ابن أبي حبيب عن ابن عمرو بن حلحلة.\n(قال) ابن عمرو بن حلحلة: (فإذا سجد وضع يديه غير مفترش) يديه على الأرض (ولا قابضهما) بأن يضمهما ويجمعهما إليه (واستقبل بأطراف أصابعه) أي أصابع رجليه، كما هو مصرح في رواية البخاري (القبلة).\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٩٦).","vol":"4","page":71},{"text":"٧٣١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ، حَدَّثَنِى زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ، حَدَّثَنِى عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَحَدِ بَنِى مَالِكٍ، عَنْ عَبَّاسٍ - أَوْ عَيَّاشِ - بْنِ سَهْلٍ (١) السَّاعِدِىِّ: أَنَّهُ كَانَ فِى مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُوهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ (٢) -ﷺ- وَفِى الْمَجْلِسِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ وَأَبُو أُسَيْدٍ، بِهَذَا الْخَبَرِ\n===\n٧٣١ - (حدثنا علي بن حسين بن إبراهيم، نا أبو بدر) شجاع بن الوليد، (حدثني زهير (٣» بن حرب بن شداد (أبو خيثمة) النسائي، (ثنا الحسن بن الحر، ثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك) سيذكر المصنف هذه الرواية في \"باب التورك في الرابعة\"، ولم يذكر فيها واسطة محمد بن عمرو بن عطاء، ولعله سقط من النساخ.\n(عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي) لم أجد عياشًا بالياء المثناة من تحت والشين المعجمة، ابن سهل في كتب أسماء الرجال، بل ذكروا عباس بن سهل فقط، أي بالباء الموحدة والسين المهملة، ولعل الشك فيه من علي بن حسين شيخ المؤلف، كما يفهم من الرواية التي أخرجها البيهقي في \"سننه\" من غير طريق علي بن حسين بن إبراهيم، فإنه لم يذكر فيها الشك، بل ذكر عباس (٤) بن سهل بالباء الموحدة من غير شك.\n(أنه) أي عباس بن سهل (كان في مجلس فيه أبوه) أي أبو عباس وهو سهل (وكان) أي سهل (من أصحاب النبي - ﷺ -، وفي المجلس) أي من أصحاب رسول الله - ﷺ - (أبو هريرة وأبو حميد الساعدي وأبو أسيد، بهذا الخبر) أي روى\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بن سعد\".\n(٢) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) وفي \"المنهل\" (١/ ١١٢): زهير بن معاوية، ويؤيده أن ابن حرب من مشايخ أبي داود، وهاهنا بدرجتين فوقه، نبَّه عليه الحكيم محمد أيوب المظاهري. (ش).\n(٤) وكذا في رواية \"الصحيحين\". (ش).","vol":"4","page":72},{"text":"يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ، قَالَ فِيهِ: ثُمَّ رَفَعَ (١) رَأْسَهُ - يَعْنِى مِنَ الرُّكُوعِ - فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ»، فَسَجَدَ فَانْتَصَبَ عَلَى كَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَجَلَسَ فَتَوَرَّكَ وَنَصَبَ قَدَمَهُ الأُخْرَى، ثُمَّ كَبَّرَ\n===\nعيسى بن عبد الله بالخبر المتقدم (يزيد أو ينقص) هكذا في النسخ (٢) الموجودة بلفظ الشك، أي قال الراوي: يزيد عيسى في حديثه على الحديث المتقدم أو ينقص منه.\n(قال) عيسى بن عبد الله (فيه) أي في حديثه: (ثم رفع رأسه يعني من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ورفع يديه) (٣) أي في القومة.\n(ثم قال: الله أكبر، فسجد فانتصب) أي استوى (على كفيه وركبتيه وصدور قدميه) تفسير لقوله: فسجد، وبيان لكيفية السجود (وهو ساجد) جملة حالية، أي فعل ذلك في حالة السجود، ويخالف هذا اللفظ ما سيأتي من هذا الحديث في باب التورك من قوله: \"وهو جالس\"، والذي عندي أن قوله: \"وهو جالس\" في هذا الحديث مسخ من النساخ وغلط، والصواب ما في هذا الحديث من لفظ: \"وهو ساجد\"، كما هو الظاهر.\n(ثم كبر) أي للرفع عن السجود (فجلس) أي بين السجدتين (فتورك) (٤) أي أفضى بوركه إلى الأرض (ونصب قدمه الأخرى) أي اليمنى (ثم كبر)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يرفع\".\n(٢) وكذا في نسخة ابن رسلان. (ش).\n(٣) جعله ابن رسلان للسجود، فقال: فيه دليل على أن رفع اليدين للسجود، وهو خلاف ما عليه الجمهور ثم بسطه. (ش).\n(٤) فيه التورك بين السجدتين، ولم يقل به الشافعي. (ش).","vol":"4","page":73},{"text":"فَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَقَامَ وَلَمْ يَتَوَرَّكْ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ.\nقَالَ: ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ (١) لِلْقِيَامِ قَامَ بِتَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ رَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّوَرُّكَ فِى التَّشَهُّدِ. [دي ١٣٠٧]\n٧٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، أَخْبَرَنِى فُلَيْحٌ، حَدَّثَنِى عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: \"اجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ وَأَبُو أُسَيْدٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَذَكَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nأي للسجدة الثانية (فسجد ثم كبر) أي للرفع من السجدة الثانية (فقام ولم يتورك) أي لم يجلس متوركًا.\nوهذا السياق يخالف ما تقدم من سياق حديث عبد الحميد بن جعفر، فإن فيه: ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى ويقعد عليها.\n(ثم ساق الحديث. قال) أي عيسى بن عبد الله: (ثم جلس بعد الركعتين حتى إذا هو) أي رسول الله - ﷺ - (أراد أن ينهض للقيام) أي يقوم (قام بتكبيرة، ثم ركع الركعتين الأخريين، ولم يذكر) أي عيسى بن عبد الله (التورك) كما ذكره عبد الحميد بن جعفر (في التشهد) أي الثاني كما لم يذكر في التشهد الأول.\n٧٣٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الملك بن عمرو، أخبرني فليح) بن سليمان بن أبي المغيرة، أبو يحيى المدني، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: يختلفون فيه ولا بأس به، قال أبو داود: لا يحتج بفليح.\n(حدثني عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنه يتهض\".","vol":"4","page":74},{"text":"فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ-، فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا. قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَتَجَافَى عَنْ جَنْبَيْهِ. وقَالَ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ فِى مَوْضِعِهِ، حَتَّى فَرَغَ،\n===\nفقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ -، فذكر) فليح (بعض هذا) أي الحديث المتقدم.\n(قال) فليح: (ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه) أي رسول الله - ﷺ - (قابض عليهما) أي على الركبتين (ووتر يديه) أي جعلهما كالوتر، شبه يدي الراكع إذا مدهما قابضًا على ركبتيه بالقوس إذا أوترت (فتجافى) هكذا في النسخ الموجودة بصيغة المفرد على الماضي، والمرجع مثنى، فيأول بكل واحد منهما، أي تباعد كل من يديه عن جنبيه، ولفظ رواية فليح في البيهقي (٢): \"ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه\".\nوالفرق بين لفظ أبي داود ولفظ البيهقي باعتبار المعنى أن لفظ أبي داود فتجافى (٣) لازم يدل على أنه لما وتَّر يديه فَتَبَاعَد اليدان عن الجنبين بغير واسطة فعل الفاعل، وأما معنى نَحَّى أنه - ﷺ - وتَّر يديه وبَعَّدَهما عن جنبيه، فيدل على أنه - ﷺ - فعل الفعلين بالقصد.\n(عن جنبيه. وقال) أي فليح: (ثم سجد فأمكن) أي أقَرَّ ووضع (أنفه وجبهته) أي على الأرض (ونحَّى يديه عن جنبيه) أي في حالة السجود (ووضع كفيه حذو منكبيه، ثم رفع رأسه) أي من السجود (حتى رجع كل عظم في موضعه) أي جلس بعد ما رفع رأسه من السجدة الأولى حتى رجع كل عظم في موضعه، ثم سجد السجدة الثانية (حتى فرغ) من السجدتين.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وكذا في الترمذي، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) إلَّا أن متن ابن رسلان \"يجافي\" بالياء التحتانية، فلا فرق بينهما. (ش).","vol":"4","page":75},{"text":"ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ\". [ت ٢٦٠، جه ٨٦٣، خزيمة ٥٨٩، ق ٢/ ٧٣]\n===\nويحتمل أن يكون السجدتان اللتان فرغ منهما من الركعة الأولى، فعلى هذا يكون ذكر الركعة الثانية محذوفًا، لأنها مثل الأولى، ويحتمل أن يكون المراد الفراغ من السجدتين اللتين في الركعة الثانية.\n(ثم جلس) للتشهد (فافترش رجله اليسرى) وقعد عليها (وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بأصبعه) أي المسبحة.\nقال علي القاري في \"المرقاة\" (١): قال ابن الهمام: وفي مسلم: \"كان ﵇ إذا جلس في الصلاة وضع كله اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى\"، ولا شك أن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقة، فالمراد - والله أعلم- وضع الكف، ثم قبض الأصابع بعد ذلك عند الإشارة، وهو المروي عن محمد في كيفية الإشارة، قال: يقبض خنصره والتي تليها، ويحلق الوسطى والإبهام، ويقيم المسبحة، وكذا عن أبي يوسف في \"الأمالي\"، وهذا فرع تصحيح الإشارة.\nوعن كثير من المشايخ لا يشير أصلًا، وهو خلاف الدراية والرواية.\nوعن الحلواني: يقيم الأصبع عند \"لا إله\" ويضعها عند \"إلَّا الله\"، ليكون الرفع للنفي، والوضع للإثبات، وينبغي أن تكون أطراف الأصابع على حرف الركبة لا مباعدة عنها.\nقال ابن حجر: وفيه تفصيل بَيَّنَتْه بقية الروايات، وجرى عليه أئمتنا حيث قالوا: يُسَنُّ وضع بطن كفيه على فخذيه قريبًا من ركبتيه للاتباع، رواه مسلم.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٦٤).","vol":"4","page":76},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِى حَكِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ (١)، لَمْ يَذْكُرِ التَّوَرُّكَ،\n===\nواستفيد منه أنه يسن رفع مسبحته اليمنى لكن مع انحنائها قليلًا لخبر صحيح فيه إلى جهة القبلة لحديث فيه أيضًا عند قوله: لا إله إلَّا الله للاتباع، رواه مسلم وغيره، وبه يخص عموم خبر أبي داود: \"كان يشير بأصبعه إذا دعا أو تشهد\" على أن التشهد حقيقة النطق بالشهادتين.\nويسن أن ينوي بإشارته حينئذ التوحيد والإخلاص فيه للاتباع، رواه البيهقي بسند فيه مجهول.\nويسن أن لا يجاوز بصره إشارته للاتباع أيضًا رواه أبو داود بسند صحيح.\nويكره عندنا تحريك المسبحة، لأنه ﵇ كان يتركه، وقيل: يسن لأنه ﵇ كان يفعله. روى الخبرين البيهقي وصححهما، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بتحريكها في خبره رفعها لا تكرير تحريكها، وهو احتمال ظاهر للجمع بين الحديثين، وأما خبر: \"تحريك الأصابع مذعرة للشيطان\" (٢)، أي: منفرة له، فضعيف، انتهى كلام علي القاري.\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث عتبة بن أبي حكيم) صدوق يخطئ كثيرًا، (عن عبد الله (٣) بن عيسى)، والصواب: عيسى بن عبد الله، قال في \"تهذيب التهذيب\" (٤): قال بعضهم: عبد الله بن عيسى بن مالك، وهو وهم، (عن العباس بن سهل، لم يذكر) أي عتبة بن أبي حكيم في حديثه (التورك) أي لا في الجلسة الأولى ولا بين السجدتين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الساعدي\".\n(٢) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٢/ ١٢٣) والروياني في \"مسنده\" (٢/ ٤٢٣) رقم (١٤٣٩).\n(٣) وفي نسخة ابن رسلان: عبيد الله بن عيسى بن عبد الرحمن الأنصاري \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) (٨/ ٢١٧).","vol":"4","page":77},{"text":"وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ فُلَيْحٍ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ نَحْوَ جِلْسَةِ حَدِيثِ فُلَيْحٍ وَعُتْبَةَ.\n===\nولا في الجلسة (١) الأخرى (وذكر نحو حديث فليح) في أنه أيضًا لم يذكر التورك مطلقًا.\nوالحاصل أنه وقع الاختلاف في الروايات في ذكر التورك، فأما عبد الحميد بن جعفر ومحمد بن عمرو بن حلحلة فذكرا التورك في حديثيهما في الجلسة الأخرى فقط، وأما الحسن بن الحر فذكر التورك في القعدة بين السجدتين، ولم يذكره في غيرها من الجلسة الأخرى والأولى، ولا في جلسة الاستراحة، وأما فليح وعتبة بن أبي حكيم فلم يذكرا التورك لا في الجلسة الأولى، ولا في الثانية، ولا بين السجدتين، ولا في جلسة الاستراحة، كما سنذكره مفصلًا.\n(وذكر الحسن بن الحر) الجلسة للتشهد الثاني من غير ذكر التورك (نحو جلسة) التشهد الثاني المذكورة في (حديث فليح وعتبة).\nوحاصل هذا الكلام أن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء ذكر التورك في الجلسة الثانية، كما ذكره محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو العامري، ولكن الحسن بن الحر وفليح وعتبة كلهم لم يذكروا هذه الجلسة الثانية بالتورك، كما ذكراه، فإن الحسن بن الحر ذكر في حديثه: ثم ركع الركعتين الأخريين، ولم يذكر التورك في التشهد، فإنه يدل على أن فيه ذكر التشهد والجلسة، وليس فيه ذكر التورك.\nوفيما رواه الطحاوي في حديث الحسن بن الحر عن عيسى، قال: وحديث عيسى أن مما حدثه أيضًا في الجلوس في التشهد أن يضع يده\n_________\n(١) قلت: بل لم يذكر الجلوس الأخير كما سيأتي في \"باب من ذكر التورك في الرابعة\". (ش).","vol":"4","page":78},{"text":"٧٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِى عُتْبَةُ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِىِّ، عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ بِهَذَا (١) الْحَدِيثِ قَالَ: \"وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَىْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nاليسرى على فخذه اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ثم يشير بالدعاء بأصبع واحدة.\nوكذلك في حديث فليح فإنه قال في حديثه: ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كله اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بأصبعه.\nوكذلك في حديث عتبة أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢) وفيه: فإذا قعد للتشهد أضجع رجله اليسرى ونصب اليمنى على صدرها ويتشهد.\nقلت: ولكن حديث الحسن بن الحر يخالف حديث عبد الحميد وفليح وعتبة في أنه ذكر التورك في جلسة بين السجدتين ولم يذكره أحد منهم، وما قال صاحب \"عون المعبود\" (٣) في شرح هذا الكلام لا يلتفت إليه.\n٧٣٣ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا بقية، حدثني عتبة، حدثني عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل الساعدي، عن أبي حميد بهذا الحديث) المتقدم من حديث فليح عن عباس بن سهل (قال) عتبة، والقائل المصنف، وجه الاختصاص بذكر هذا القول أنه زيادة على حديث فليح (وإذا سجد فَرَّجَ بين فخذيه) أي لم يكن الفخذان متصلة إحداهما بالأخرى (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) بل الفخذان منفصلتان عن البطن.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"في هذا\".\n(٢) (١/ ٢٦٠).\n(٣) (٢/ ٤٣١).","vol":"4","page":79},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ورَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا فُلَيْحٌ، سَمِعْتُ عَبَّاسَ بْنَ سَهْلٍ يُحَدِّثُ فَلَمْ أَحْفَظْهُ فَحَدَّثَنِيهِ، أُرَاهُ ذَكَرَ عِيسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: حَضَرْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِىَّ (١).\n٧٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ (٢)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- فِى هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: \"فَلَمَّا سَجَدَ وَقَعَتَا\n===\n(قال أبو داود: ورواه ابن المبارك) (٣) عبد الله، (أنا فليح، سمعت عباس بن سهل يحدث) بهذا الحديث (فلم أحفظه) أي نسيته (فحدثنيه) أي هذا الحديث (أراه) أي أظن فليحًا (ذكر عيسى بن عبد الله) مفعول لذكر، والفاعل ضمير يعود إلى فليح، أي بعد ما نسيت ما حدثني عباس بن سهل حدثني عيسى بن عبد الله، وقائل هذه الجملة: أي أراه ذكر عيسى بن عبد الله، عبد الله بن المبارك، وأما على النسخة التي ليس فيها لفظ ذكر بل فيها أراه عيسى، فحينئذ عيسى فاعل لقوله: فحدثنيه (أنه) أي عيسى بن عبد الله (سمعه) أي هذا الحديث (من عباس بن سهل قال: حضرت أبا حميد الساعدي).\n٧٣٤ - (حدثنا محمد بن معمر) ولعله القيسي، أبو عبد الله البصري المعروف بالبحراني، ويحتمل أن يكون الحضرمي البصري، (نا حجاج بن منهال، ثنا همام، نا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار (٤) بن وائل، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - في هذا الحديث) أي في الحديث المتقدم في صفة الصلاة.\n(قال) أي وائل بن حجر: (فلما سجد) أي رسول الله - ﷺ - (وقعتا) هكذا في النسخ الموجودة إلَّا ما كتبت على الحاشية، فإن فيها: وقعت، أما ما في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بهذا الحديث\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بن حجر\".\n(٣) أخرج روايته البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٩٠).\n(٤) ضعفه ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":80},{"text":"رُكْبَتَاهُ إِلَى الأَرْضِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَا (١) كَفَّاهُ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَجَافَى عَنْ إِبْطَيْهِ\".\nقَالَ حَجَّاجٌ: وَقَالَ هَمَّامٌ: وَحَدَّثَنَا شَقِيقٌ، حَدَّثَنِى عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمِثْلِ هَذَا. وَفِى حَدِيثِ أَحَدِهِمَا - وَأَكْبَرُ (٢) عِلْمِى أَنَّهُ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ -: وَإِذَا (٣) نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذَيْهِ. (٤).\n===\nالمتن بصيغة التثنية فيكون (٥) من قبيل قول الله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٦)، وقول العرب: أكلوني البراغيث (ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقعا كفاه) وهذا مثل قوله: وقعتا.\n(فلما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى) أي باعد عضديه (عن إبطيه، قال حجاج: وقال همام: وحدثنا شقيق، حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - بمثل هذا) أي بمثل حديث وائل.\n(وفي حديث أحدهما) أي محمد بن جحادة وشقيق، وقائل هذا الكلام إما همام أو المؤلف (وأكبر علمي أنه) أي ما يذكر فيما بعد من قوله: إذا نهض ... إلخ، (في حديث محمد بن جحادة: وإذا نهض) أي قام (نهض على ركبتيه واعتمد) أي بيديه (على فخذيه) (٧) والمراد أنه لم يعتمد بيديه على الأرض.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"تقع\".\n(٢) وفي نسخة: \"أكثر\".\n(٣) وفي نسخة: \"فإذا\".\n(٤) وفي نسخة: \"فخذه\"، وزاد في نسخة: \"قال أبو داود: رواه عفان عن همام، قال: ثنا شقيق أو الليث\".\n(٥) ذكر ابن رسلان له شواهد عديدة. (ش).\n(٦) سورة الأنبياء: الآية ٣.\n(٧) وفي \"ابن رسلان\": فخذه، وقال: بالإفراد والمعنى التثنية، انتهى، قلت: وسيأتي بالإفراد \"في باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه\". (ش).","vol":"4","page":81},{"text":"٧٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ فِى الصَّلَاةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ\". [حم ٤/ ٣١٦، ن ٨٨٢]\n٧٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ،\n===\nوحديث كليب هذا مرسل، لأن كليبًا هذا هو كليب بن شهاب الجرمي، قال أبو عمر: له ولأبيه صحبة، وجزم أبو حاتم الرازي والبخاري وغير واحد بأن كليبًا تابعي، وكذا ذكره أبو زرعة وابن سعد وابن حبان في \"ثقات التابعين\"، قال الحافظ في \"التقريب\" في ترجمة كليب بن شهاب: ووهم من ذكره في الصحابة.\n٧٣٥ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن فطر) بن خليفة المخزومي، (عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قال) أي وائل: (رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع إبهاميه في الصلاة إلى شحمة أذنيه).\n٧٣٦ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث (١)، حدثني أبي، عن جدي، عن يحيى بن أيوب) الغافقي، (عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن شهاب) الزهري، (عن أبي بكر (٢) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا كبر للصلاة) أي لافتتاحها (جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع فعل مثل ذلك) أي رفع يديه\n_________\n(١) ابن سعيد، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قيل: اسمه المغيرة ولا يصح، بل الصواب اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":82},{"text":"وَإِذَا رَفَعَ لِلسُّجُودِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ\". [خزيمة ٦٩٤ - ٦٩٥]\n٧٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِى هُبَيْرَةَ، عَنْ مَيْمُونٍ الْمَكِّىِّ \"أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَصَلَّى بِهِمْ،\n===\nحذو منكبيه، (وإذا رفع) أي رأسه عن الركوع (١) (للسجود فعل مثل ذلك) أي رفع يديه (وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك) أي يرفع يديه، انتهى.\n٧٣٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن لهيعة) عبد الله، (عن أبي هبيرة) (٢) عبد الله، وفي نسخة على الحاشية: ابن هبيرة، وكلاهما صحيح، فإنه عبد الله ابن هبيرة بن أسعد بن كهلان السبائي الحضرمي، أبو هبيرة المصري، قال في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة شيخه ميمون المكي: روى عن ابن الزبير وابن عباس، وعنه عبد الله بن هبيرة السبائي المصري، فما قال صاحب \"عون المعبود\" (٣) في ترجمة أبي هبيرة: اسمه محمد بن الوليد بن هبيرة الهاشمي الدمشقي القلانسي، غلط فاضح، وكيف يمكن أن يكون المذكور في الرواية هو محمد بن الوليد، فإنه من الطبقة الحادية عشرة؟ فلا يمكن أن يكون أستاذًا لعبد الله بن لهيعة، وهو من السابعة، وتلميذ الميمون المكي وهو من الرابعة.\n(عن ميمون المكي) قال في \"الخلاصة\" (٤): ميمون المكي عن ابن عباس، وعنه عبد الله بن هبيرة، مجهول، وقال في \"الميزان\": ميمون المكي عن ابن عباس لا يعرف، تفرَّد عنه عبد الله بن هبيرة السبائي، وفي \"التقريب\": مجهول من الرابعة.\n(أنه) أي ميمون المكي (رأى عبد الله بن الزبير، وصلَّى بهم) والواو\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وهذا يشمل إذا نهض من السجود للثانية والرابعة والتشهدين، ويشمل ما إذا قام للثالثة، قلت: وسيأتي في \"باب عدم الرفع في غير الافتتاح\" أن مذهبه بخلاف حديث الباب. (ش).\n(٢) وقال ابن رسلان في \"شرحه\": هو خليفة بن خياط العصفري. (ش).\n(٣) (٢/ ٤٣٥).\n(٤) (ص ٣٩٤).","vol":"4","page":83},{"text":"يُشِيرُ بِكَفَّيْهِ حِينَ يَقُومُ، وَحِينَ يَرْكَعُ، وَحِينَ يَسْجُدُ، وَحِينَ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ، فَيَقُومُ فَيُشِيرُ بِيَدَيْهِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: إِنِّى رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى صَلَاةً لَمْ أَرَ أَحَدًا يُصَلِّيهَا، فَوَصَفْتُ (١) لَهُ هَذِهِ الإِشَارَةَ، فَقَالَ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاقْتَدِ بِصَلَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ\". [حم ١/ ٢٥٥]\n٧٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، الْمَعْنَى،\n===\nحالية، والمعنى: والحال أن عبد الله بن الزبير صلَّى بهم، أي بميمون المكي وبمن معه (يشير (٢) بكفيه حين يقوم) أي للصلاة حين افتتاح الصلاة (وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام) من السجود (٣) (فيقوم فيشير بيديه) أي يرفعهما.\n(فانطلقت إلى ابن عباس، فقلت: إني رأيت ابن الزبير صلَّى صلاة لم أر أحدًا) من الصحابة وكبار التابعين (يصليها) أي بهذه الكيفية من رفع اليدين عند الركع والسجود والقيام منه (فوصفت له هذه الإشارة، فقال) أي عبد الله بن عباس: (إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله - ﷺ - فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير).\n٧٣٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أبان، المعنى) أي معنى حديثهما\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ووصفت\".\n(٢) قال ابن رسلان: يشبه أن يكون المراد بلفظ \"يشير\" الرفع، وعبره به، لأنه كان إمامًا، رفعهما إشارة للمقتدين أن يرفعوا، قلت: والظاهر أن ابن الزبير فعله اتباعًا في غاية المحبة، وإليه أشار ابن عباس، فإنه قد يفعل بالمنسوخ الإجماعي أيضًا، فقد أخرج أبو داود الطيالسي أن ابن الزبير صلَّى المغرب ركعتين، ثم استلم الحجر، ثم صلَّى ركعة، وقال ابن عباس: هو السنَّة. [انظر: \"مسند أبي داود الطيالسي\" (٢٧٨٠)، و\"مسند أحمد\" (٣٢٥٨)، و\"مسند أبي يعلى\" (٢٥٩٧)]. (ش).\n(٣) أو التشهد \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":84},{"text":"قَالَا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ كَثِيرٍ - يَعْنِى السَّعْدِىَّ - قَالَ: \"صَلَّى إِلَى جَنْبِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ فِى مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الأُولَى فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا رَفَعَ يَدَيْهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِوُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، فَقَالَ لَهُ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ: تَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَ أَحَدًا يَصْنَعُهُ؟ فَقَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: رَأَيْتُ أَبِى يَصْنَعُهُ، وَقَالَ أَبِى: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَصْنَعُهُ، وَلَا أَعْلَمُ إِلَاّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَصْنَعُهُ\". [ن ١١٤٦]\n٧٣٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ \"أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِى الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ،\n===\nواحد (قالا: نا النضر بن كثير يعني السعدي) أبو سهل البصري، قال في \"التقريب\": ضعيف، وقال في \"الميزان\": قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات.\n(قال) أي النضر: (صلَّى إلى جنبي عبد الله بن طاوس في مسجد الخيف) أي بمنى (فكان) أي ابن طاوس (إذا سجد السجدة الأولى فرفع رأسه منها) أي من السجدة (رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرت ذلك، فقلت لوهيب بن خالد) أي ما رأيت من عبد الله بن طاوس وما أنكرته (فقال له) أي لابن طاوس (وهيب بن خالد: تصنع شيئًا) من رفع اليدين عند القيام من السجدة الأولى الم أرَ أحدًا) من العلماء (يصنعه؟ فقال ابن طاوس: رأيت أبي) طاوسًا (يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس يصنعه، ولا أعلم إلَّا أنه قال: كان النبي - ﷺ - يصنعه).\n٧٣٩ - (حدثنا نصر بن علي، أنا عبد الأعلى، نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه) أي عبد الله بن عمر (كان إذا دخل في الصلاة أكبر) للافتتاح (ورفع يديه وإذا ركع) أي رفع يديه (وإذا قال: سمع الله لمن حمده) رفع يديه (وإذا قام من الركعتين) أي بعد التشهد الأول (رفع يديه،","vol":"4","page":85},{"text":"وَيَرْفَعُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -\". [خ ٧٣٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الصَّحِيحُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى بَقِيَّةُ أَوَّلَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَسْنَدَهُ، وَرَوَاهُ (١) الثَّقَفِىُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَوْقَفَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ فِيهِ: \"وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ يَرْفَعُهُمَا إِلَى ثَدْيَيْهِ\" وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.\nقال أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَمَالِكٌ\n===\nويرفع) أي عبد الله بن عمر (ذلك) أي الفعل من رفع يديه في المواطن الأربعة (إلي رسول الله - ﷺ -).\n(قال أبو داود: الصحيح قول ابن عمر) أي موقوف عليه (ليس بمرفوع، قال أبو داود: وروى بقية أوله) أي أول الحديث من غير ذكر رفع اليدين إذا قام من الركعتين (عن عبيد الله وأسنده) أي رفعه إلى النبي - ﷺ -، وحاصله أن المرفوع من هذا الحديث حديث بقية، هو رفع اليدين في التحريمة والركوع والرفع منه، وأما في القيام من الركعتين فإنه ليس بمرفوع.\n(ورواه) الحديث المتقدم (الثقفي) أي عبد الوهاب (عن عبيد الله) أخرجه البخاري في \"جزء رفع اليدين\" (٢) (أوقفه على ابن عمر، وقال فيه) أي ذكر الثقفي في الحديث: (وإذا قام من الركعتين يرفعهما إلى ثدييه، وهذا) أي الذي رواه الثقفي موقوفًا (هو الصحيح)، قائل هذا الكلام المؤلف أبو داود.\n(قال أبو داود: ورواه) أي هذا الحديث، (الليث بن سعد (٣) ومالك (٤)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وروى هذا الحديث\".\n(٢) برقم (٨٠).\n(٣) أخرج روايته البخاري في \"جزء رفع اليدين\" (٥١).\n(٤) أخرج روايته المصنف في هذا الباب.","vol":"4","page":86},{"text":"وَأَيُّوبُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ مَوْقُوفًا، وَأَسْنَدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَحْدَهُ، عَنْ أَيُّوبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَيُّوبُ وَمَالِكٌ الرَّفْعَ إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَذَكَرَهُ اللَّيْثُ فِى حَدِيثِهِ\n===\nوأيوب وابن جريج (١) موقوفًا، وأسنده) أي رفع هذا الحديث (حماد بن سلمة (٢) وحده عن أيوب) ذكره البخاري في \"صحيحه\" مختصرًا، وفي \"جزء رفع اليدين\" بتمامه، وليس فيه ذكر رفع اليدين إذا قام من الركعتين.\n(ولم يذكر أيوب ومالك الرفع إذا قام من السجدتين (٣)، وذكره) أي هذا الكلام، يعني إذا قام من السجدتين (الليث في حديثه)، فظهر بهذا الكلام أن الحديث عند أبي داود موقوف، ورفعه غير صحيح.\nولكن البخاري أخرج في \"صحيحه\" حديث عبد الأعلى هذا مرفوعًا، وأيَّد رفعه بقوله: ورواه حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -.\nقال الحافظ في شرحه في \"الفتح\" (٤): قال أبو داود: رواه الثقفي يعني عبد الوهاب عن عبيد الله، فلم يرفعه وهو الصحيح، وكذا رواه الليث بن سعد وابن جريج ومالك يعني عن نافع موقوفًا، وحكى الدارقطني في \"العلل\" الاختلاف في وقفه ورفعه، وقال: الأشبه بالصواب قول عبد الأعلى، وحكى الإسماعيلي عن بعض مشايخه أنه أومأ إلى أن عبد الأعلى أخطأ في رفعه، قال الإسماعيلي: وخالفه عبد الله بن إدريس وعبد الوهاب الثقفي والمعتمر يعني عن عبيد الله، فرووه موقوفًا على ابن عمر.\n_________\n(١) أخرج روايته عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٦٨) رقم (٢٥٢٠).\n(٢) أخرج روايته البخاري تعليقًا في \"صحيحه\" (٧٣٩)، وفي \"جزء رفع اليدين\" (٥٢)، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٠٠)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١٥/ ٤٧) رقم (٥٨٣٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٧٠).\n(٣) أي: الركعتين، حمله الخطابي على ظاهره فاستشكل. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٢).","vol":"4","page":87},{"text":"قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِيهِ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْعَلُ الأُولَى أَرْفَعَهُنَّ؟ قَالَ: لَا، سَوَاءً. قُلْتُ: أَشِرْ لِى، فَأَشَارَ إِلَى الثَّدْيَيْنِ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ.\n٧٤٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ \"أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ\". [انظر الحديث السابق]\n===\nقلت: وقفه معتمر وعبد الوهاب عن عبيد الله عن نافع كما قال، لكن رفعاه عن عبيد الله عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، أخرجهما البخاري في \"جزء رفع اليدين\" وفيه الزيادة، وقد توبع نافع على ذلك عن ابن عمر، وهو فيما رواه أبو داود وصحَّحه البخاري في الجزء المذكور من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر قال: كان النبي -صلي الله عليه وسلم- إذا قام في الركعتين كبَّر ورفع يديه، وله شواهد: منها حديث أبي حميد الساعدي، وحديث علي بن أبي طالب، أخرجهما أبو داود وصححهما ابن خزيمة وابن حبان.\nوقال البخاري في الجزء المذكور: ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح، لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم، انتهى.\n(قال ابن جريج فيه) أي زاد في هذا الحديث: (قلت لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى) أي الرفع في المرة الأولى وهي افتتاح الصلاة (أرفعهن؟) أي أرفع من المرات الباقية (قال: لا) أي لا يجعلها أرفع بل يرفع في جميعها (سواء، قلت: أشر لي) أي بين لي با لإشارة (فأشار) أي برفع اليدين (إلى الثديين أو أسفل من ذلك) أي من الرفع إلى الثديين.\n٧٤٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك).","vol":"4","page":88},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ولَمْ يَذْكُرْ \"رَفْعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ\" أَحَدٌ غَيْرَ مَالِكٍ فِيمَا أَعْلَمُ. (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>(١٢٠) بَابٌ</span>\n٧٤١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ\n===\n(قال أبو داود: ولم يذكر رفعهما دون ذلك) يحتمل أن يكون \"رفعهما\" على فعل ماضٍ، معناه لم يذكر هذا اللفظ، أي لفظ \"رفعهما دون ذلك\"، ويحتمل أن يكون مصدرًا مضافًا إلى ضمير المثنى مفعولًا لقوله: \"لم يذكر\"، أي لم يذكر رفع اليدين في الركوع دون حذو منكبيه (أحد غير مالك فيما أعلم).\n\n(١٢٠) (بَابٌ)\nخالٍ عن الترجمة في النسخ الموجودة، وكتب في الحاشية وفي النسخة المكتوبة القديمة \"باب من ذكر أنه يرفع يديه إذا قام من اثنتين\"، فعلى الأول جميع الأحاديث المذكورة بالباب لها مناسبة بالباب المتقدم، وأما على النسخة القديمة فلا يناسبه إلَّا الحديثان الأولان منها.\n٧٤١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبيد (٢) المحاربي قالا: ثنا محمد بن فضيل (٣)، عن عاصم بن كليب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله إذا قام في الركعتين)، لفظة \"في\" إما بمعناها، فيكون المعنى: إذا قام بين الركعة الأولى والثانية بعد السجدتين من الركعة الأولى،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"علمت\".\n(٢) ابن محمد، أبو جعفر. (ش).\n(٣) ابن غزوان \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":89},{"text":"كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ\". [حم ٣/ ١٤٥]\n٧٤٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - ﵁ -، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- \"أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَيَصْنَعُهُ إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى شَىْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ، وَهُوَ قَاعِدٌ،\n===\nأو بمعنى من، أي إذا قام من الركعتين بعد التشهد كما في الرواية المتقدمة (كبر ورفع يديه).\n٧٤٢ - (حدثنا الحسن بن علي، نا سليمان بن داود الهاشمي، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ - أنه) أي رسول الله - ﷺ - (كان إذا قام إلى الصلاة (١) المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك) أي مثل رفع اليدين عند التحريمة (إذا قضى) أي أتم (قراءته وأراد (٢) أن يركع، ويصنعه) أي يفعل مثل ما فعل عند التحريمة والركوع (إذا رفع) رأسه (من الركوع) أي في القومة (ولا يرفع (٣) يديه في شيء من صلاته، وهو قاعد)\n_________\n(١) وفي معناه غير المكتوبة، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) ولفظ رواية ابن رسلان: وإذا أراد أن يركع، وقال: لفظ إذا تأكيد، وإلَّا يلزم الرفع بعد القراءة وقبل الركوع مرتين، قلت: وهو موجود في النسخة المصرية وموجود فيما سيأتي من \"باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء\". (ش).\n(٣) وهو يخالف الشافعية إذ قالوا بعموم الرفع كما أقرَّ به ابن رسلان، وقال: حديث ابن عمر أصح منه وأخص. (ش).","vol":"4","page":90},{"text":"وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ وَكَبَّرَ\". [ت ٣٤٢٣، جه ٨٦٤، ن ٨٩٧، حم ١/ ٩٣، م ٧٧١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: فِى حَدِيثِ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ حِينَ وَصَفَ صَلَاةَ النَّبِىِّ -ﷺ-: إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِىَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ.\n===\nأي في حالة القعود، فالواو حالية (وإذا قام من السجدتين) يحتمل أن يكون المراد من السجدتين سجدتي الركعة الأولى، ويحتمل أن يكون المراد سجدتي الركعة الثانية، أي بعد التشهد (رفع يديه كذلك) أي كما رفع يديه قبل حذو منكبيه (وكبَّر).\n(قال أبو داود: وفي حديث أبي حميد الساعدي) الذي تقدم (حين وصف صلاة النبي - ﷺ -: إذا قام من الركعتين) أي بعد التشهد الأول (كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة).\nلعل غرض المصنف بهذا الكلام أن ما تقدَّم من حديث علي وفيه: وإذا قام من السجدتين رفع يديه، فالمراد من السجدتين فيه الركعتان، يدل عليه حديث أبي حميد هذا، فإن فيه: وإذا قام من الركعتين كبر.\nقلت: ليس في حديث أبي حميد دلالة على هذا، فإن حديث أبي حميد لا يدل على نفي الرفع بين الركعتين الأوليين بعد السجدتين للركعة الأولى، ولا شيء في الحديث يدل على نفي ذلك.\nويؤيده ما تقدم من رواية محارب بن دثار عن ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام في الركعتين، على احتمال أن يكون لفظة في بمعناها.\nولكن قال الشوكاني في \"النيل\" (١): قوله: \"وإذا قام من السجدتين\" وقع في هذا الحديث، وفي حديث ابن عمر في طريق ذكر السجدتين مكان الركعتين،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢١٣).","vol":"4","page":91},{"text":"٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- يَرْفَعُ (١) يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ\". [خ ٧٣٧، م ٣٩١، ن ٨٨٠، جه ٨٦٩، حم ٣/ ٤٣٦، دي ١٢٥١]\n٧٤٤ - حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. (ح) قال: وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ (٣)، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ - الْمَعْنَى\n===\nوالمراد بالسجدتين الركعتان بلا شك، كما جاء في رواية الباقين، كذا قال العلماء من المحدثين والفقهاء إلَّا الخطابي (٤).\n٧٤٣ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن قتادة، عن نصر) (٥) بالصاد المهملة (ابن عاصم) الليثي البصري، ثقة، (عن مالك بن الحويرث قال: رأيت النبي - ﷺ - يرفع يديه إذا كبر) أي للافتتاح (وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع حتى يبلغ بهما فروع أذنيه) جمع فرع، وفرع كل شيء أعلاه، أي: أعالي أذنيه.\n٧٤٤ - (حدثنا ابن معاذ) أي عبيد الله كما في نسخة، (نا أبي) أي معاذ، (ح: قال) أي أبو داود: (وحدثنا موسى بن مروان) أبو عمران التمار البغدادي، (نا شعيب (٦) يعني ابن إسحاق) الدمشقي الأموي، ثقة، روى عن أبي حنيفة وتمذهب له (المعنى) أي معنى حديث معاذ وشعيب واحد.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رفع\".\n(٢) وفي نسخة: \"عبيد الله بن معاذ\".\n(٣) زاد في نسخة: \"الرقي\".\n(٤) فقال: ظاهره الرفع بعد السجدتين، ولم أعرف من قال به. كذا في \"النيل\". (ش).\n(٥) وهو أول من وضع العربية، وأول من نقط المصاحف وخمَّسها وعشَّرها. ابن رسلان. [انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤٢٧)، و\"تهذيب الكمال\" (٧/ ٣٢٣)]. (ش).\n(٦) وقد أخرج له الشيخان. (ش).","vol":"4","page":92},{"text":"عَنْ عِمْرَانَ، عَنْ لَاحِقٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: \"لَوْ كُنْتُ قُدَّامَ النَّبِىِّ -ﷺ- لَرَأَيْتُ إِبْطَيْهِ (١). زَادَ ابْنُ مُعَاذٍ: قَالَ: يَقُولُ لَاحِقٌ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِى الصَّلَاةِ (٢) وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ قُدَّامَ النبي (٣) -ﷺ-. وَزَادَ مُوسَى: يَعْنِى إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ\". [ن ١١٠٧]\n٧٤٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ\n===\n(عن عمران) بن حدير، أبو عبيدة البصري، (عن لاحق) بن حميد السدوسي، أبو مجلز بكسر الميم وسكون الجيم آخره زاي، البصري، (عن بشير بن نهيك) السدوسي، أبو الشعثاء البصري.\n(قال) بشير: (قال أبو هريرة: لو كنت قدام النبي - ﷺ -) أي عند رفع يديه (لرأيت إبطيه، زاد ابن معاذ) قائل هذا الكلام المصنف: (قال) ابن معاذ: (يقول لاحق: ألا ترى أنه) أي أبا هريرة يكون مقتديًا برسول الله - ﷺ - (في الصلاة ولا يستطيع) أبو هريرة في حالة اقتدائه (أن يكون قدام النبي - ﷺ -) ولهذا قال: لو كنت (وزاد موسى) أي ابن مروان: (يعني إذا كبر رفع يديه).\n٧٤٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة (٤)، نا ابن إدريس) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي بسكون الواو، أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه، (عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إبطه\".\n(٢) وفي نسخة: \"صلاة\".\n(٣) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٤) لعل وجه إيراد المؤلف هذا الحديث هاهنا مع أنه ليس فيه ذكر رفع اليدين، أنه لما أراد تخريج حديث ابن مسعود في الباب الآتي بطريق سفيان أشار إلى أن الأصح عنده من حديثه ما هو من طريق ابن إدريس كما تقدَّم في الإيرادات المتعلقة بحديث ابن مسعود. (ش).","vol":"4","page":93},{"text":"قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: \"عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصَّلَاةَ فَكَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَكَعَ طَبَّقَ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا فَقَالَ: صَدَقَ أَخِى، قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا بِهَذَا، يَعْنِى الإِمْسَاكَ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ\". [م ٥٣٤، ن ١٠٣١]\n===\n(قال) علقمة: (قال عبد الله) بن مسعود: (علمنا رسول الله - ﷺ - الصلاة فكبر) أي رسول الله - ﷺ - أو عبد الله (ورفع يديه) أي للافتتاح (فلما ركع طبق يديه) أي جمع أصابع يديه وأدخلهما (بين ركبتيه، قال) الظاهر أن الضمير يعود إلى علقمة، ولكن يشكل أن علقمة على هذا كيف يقول بالتطبيق وقد بلغه حديث سعد؟ ويمكن أن يقال: إنه حمله على التخيير، ويحتمل أن يكون مرجع الضمير أحد من الرواة غير علقمة.\n(فبلغ ذلك) أي ما فعله عبد الله بن مسعود من التطبيق (سعدًا) أي سعد بن أبي وقاص (فقال) سعد: (صدق أخي) أي عبد الله بن مسعود، والأخوة باعتبار الدين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) (قد كنا نفعل هذا) أي التطبيق (ثم أمرنا) والظاهر أن الآمر رسول الله - ﷺ - (بهذا، يعني الإمساك على الركبتين).\nقال الطحاوي (٢): ذهب قوم (٣) إلى هذا واحتجوا بهذا الحديث، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل ينبغي له إذا ركع أن يضع يديه على ركبتيه شبه القابض عليهما ويفرق بين أصابعه، انتهى.\nواحتجوا في ذلك بحديث عمر، وبحديث أبي مسعود البدري، وبحديث أبي حميد في عشرة من أصحاب النبي - ﷺ -، وبحديث وائل بن حجر، وبحديث أبي هريرة، وبحديث سعد بن أبي وقاص، وفيه التصريح بالنهي عن التطبيق، فثبت بذلك نسخ التطبيق، انتهى ملخصًا.\n_________\n(١) سورة الحجرات: الآية ١٠.\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٩).\n(٣) ابن مسعود وجماعته وروي عن علي التخيير. (ش).","vol":"4","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>(١٢١) بَابُ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ</span>\n٧٤٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ - يَعْنِى ابْنَ كُلَيْبٍ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: \"أَلَا أُصَلِّى بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: فَصَلَّى فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا مَرَّةً\". [ت ٢٥٧، ن ١٠٥٨، حم ١/ ٣٨٨، ق ٢/ ٧٨]\n===\nوقالوا: وحديث ابن مسعود محمول على أنه لم يبلغه النسخ وهو مشكل، لأن ابن مسعود قديم الإِسلام، كان يصاحب رسول اللهﷺ - في السفر والحضر، ولم يفارقه إلى أن توفي رسول اللهﷺ -، فكيف يقال: إنه خفي عليه أمر وضع اليدين على الركبتين وكيف لم يبلغه النسخ؟ فالصواب: أن يقال: إنه قائل بجواز كلا الأمرين على التخيير، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" من طريق عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا ركعت فإن شئت قلت هكذا، يعني وضعت يديك على ركبتيك، وإن شئت طبقت، وإسناده حسن، فهذا ظاهر في أنه كان يرى التخيير، كذا قال العيني في \"شرح البخاري\" (١).\n\n(١٢١) (بَابُ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ)\nأي: في ترك الرفع عند الركوع والرفع منه\n٧٤٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن عاصم -يعني ابن كليب-، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة قال) علقمة: (قال عبد الله بن مسعود) لأصحابه: (ألا أصلي بكم صلاة رسول الله - ﷺ -؟ قال) علقمة: (فصلى) عبد الله بن مسعود بنا (فلم يرفع يديه إلَّا مرة) واحدة كما في نسخة، وهي عند تكبيرة الافتتاح.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٢٠).","vol":"4","page":95},{"text":"٧٤٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَمْرٍو (١) وَأَبُو حُذَيْفَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِإِسْنَادِهِ\n===\n(قال أبو داود: وهذا حديث مختصر من حديث طويل وليس هو بصحيح على هذا اللفظ وفي نسخة: على هذا المعنى) هذه العبارة ليست في النسخ الموجودة من النسخ المطبوعة الهندية والنسخة المصرية، إلَّا على حاشية النسخة المجتبائية، فعلى هذا هذه العبارة مشكوك فيها بأن يكون من المصنف أو من غيره، ولو سلم فقوله: ليس هو بصحيح، لا يدل على الضعف، فإن نفي الصحة لا يستلزم الضعف، بل يكون حسنًا، فقد قال الترمذي في \"جامعه\" (٢): إنه حسن، ولو سلم فمجرد دعواه غير مقبول، وقد صحَّحه ابن حزم، والمثبت مقدم على النافي، وهذا القول لا يعبأ به في الاستدلال على ضعف الحديث.\nوالحديث الطويل ما أخرجه البخاري في \"جزء رفع اليدين\": حدثنا الحسن بن الربيع، ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، ثنا علقمة أن عبد الله قال: علَّمنا رسول الله - ﷺ - الصلاة، فقام فكبَّر ورفع يديه، ثم ركع وطبق يديه فجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعدًا فقال: صدق أخي، ألا بل قد كنا نفعل ذلك في أول الإِسلام، ثم أمرنا بهذا، قال البخاري: وهذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود.\nقلت: لو سلم أنه مختصر من هذا الحديث الطويل، ففي المختصر زيادة لفظ ليس في الطويل، وزيادة الثقة مقبولة عند أهل الحديث.\n٧٤٧ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (نا معاوية وخالد بن عمرو) الأموي، أبو سعيد الكوفي (وأبو حذيفة قالوا: نا سفيان بإسناده) أي بإسناد\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سعيد\".\n(٢) (٢/ ٤١).","vol":"4","page":96},{"text":"بِهَذَا، قَالَ: \"فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِى أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَرَّةً وَاحِدَةً\".\n٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ أُذُنَيْهِ ثُمَّ لَا يَعُودُ\". [حم ٤/ ٣٠١، قط ١/ ٢٩٣]\n٧٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَزِيدَ نَحْوَ حَدِيثِ شَرِيكٍ، لَمْ يَقُلْ: \"ثُمَّ لَا يَعُودُ\". [مسند الْحميدي ٢/ ٣١٦]\nقَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لَنَا بِالْكُوفَةِ بَعْدُ: \"ثُمَّ لَا يَعُودُ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ هُشَيْمٌ وَخَالِدٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ\n===\nسفيان المتقدم (بهذا) أي بالحديث المتقدم (قال) علقمة: (فرفع) عبد الله (يديه في أول مرة، وقال بعضهم) من الرواة: (مرة واحدة) أي فرفع مرة واحدة.\n٧٤٨ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز) بالزايين المعجمتين، (نا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء) بن عازب (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود).\n٧٤٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، نا سفيان، عن يزيد نحو حديث شريك، لم يقل: ثم لا يعود، قال سفيان: قال لنا بالكوفة بعد: ثم لا يعود)، حاصل قول سفيان: أن يزيد بن أبي زياد روى لنا هذا الحديث أولًا، ولم يقل فيه: ثم لا يعود، ثم بعد ذلك لما دخل الكوفة وروى لنا بالكوفة هذا الحديث زاد فيه قوله: ثم لا يعود.\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم وخالد وابن إدريس","vol":"4","page":97},{"text":"عن يَزِيدَ (١) لَمْ يَذْكُرُوا \"ثُمَّ لَا يَعُودُ\" (٢).\n٧٥٠ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ أَخِيهِ عِيسَى، عَنِ الْحَكَمِ،\n===\nعن يزيد (٣» بن أبي زياد (لم يذكروا ثم لا يعود) تكلم أبو داود في هذا الحديث بوجهين: الأول: ما قال سفيان إن يزيد بن أبي زياد لم يذكر هذا اللفظ أولًا، وذكره في الكوفة فكأنه تلقن، والثاني: أن الرواة المذكورين رووا عنه هذا الحديث ولم يذكروا \"ثم لا يعود\"، وذكره شريك، فما ذكره شريك شاذ مخالف للثقات، وقد تقدم البحث عليه مفصلًا فلا نعيده.\n٧٥٠ - (حدثنا حسين بن عبد الرحمن، أنا وكيع، عن ابن أبي ليلى) أي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، (عن أخيه عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، (عن الحكم) هكذا في النسخ الموجودة عندنا لم يكتب فيها حرف العطف، وعندي فيها سقوط من النساخ أسقطوا حرف العطف، فإن هذا الحديث أخرجه الطحاوي (٤) وفيه: عن ابن أبي ليلى عن أخيه وعن الحكم، ومثله في \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥)، وقال في \"الجوهر النقي\" (٦): وأخرجه أبو داود من جهة عيسى والحكم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن أبي زياد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال ابن عيينة: حدثنا بمكة يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه فوق المنكبين، قال سفيان: ثم قدمت الكوفة فإذا هو يزيد فيه: ثم لا يعود، فلا أدري ألقّنوه أو أي شيء صنعوا به؟ \".\n(٣) قلت: أخرج رواية هشيم أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٢٨٢)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٢٣٣)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٣/ ٢١٨) رقم (١٦٩١).\nوأخرج رواية خالد الطحان الدارقطني في \"سننه\" (١/ ٢٩٤).\nوأخرج رواية عبد الله بن إدريس أبو يعلى في \"مسنده\" (٣/ ٢٤٩) رقم (١٦٩٢).\n(٤) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٢٤).\n(٥) (١/ ٢٦٧).\n(٦) (٢/ ٧٧).","vol":"4","page":98},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ثُمَّ لَمْ يَرْفَعْهُمَا حَتَّى انْصَرَفَ\". [طح ١/ ٢٢٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.\n٧٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ فِى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا\". [ت ٢٣٩، دي ١٢٣٧، حم ٢/ ٣٧٥، ق ٢/ ٢٧، ك ١/ ٢٣٥]\n===\nفعلى هذا يكون معطوفًا على عن أخيه، وتكون رواية محمد بن أبي ليلى عن أخيه عيسى وعن الحكم بن عتيبة.\nوأما الحافظ في \"تهذيبه\" فلم يذكر في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حكم بن عتيبة في شيوخه، ولم يذكر في ترجمة حكم بن عتيبة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وذكر في ترجمة عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى في شيوخه حكم بن عتيبة فقال: والحكم بن عتيبة إن كان محفوظًا، وذكر في ترجمة الحكم بن عتيبة من شيوخه ابن أبي ليلى وهو عبد الرحمن، ولم يذكر في تلامذته لا محمد بن عبد الرحمن ولا عيسى بن عبد الرحمن.\n(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله - ﷺ - رفع يديه حين افتتح الصلاة ثم لم يرفعهما حتى انصرف) أي عن الصلاة (قال أبو داود: هذا الحديث ليس بصحيح)، ولعلَّ وجهه أن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى تكلم فيه بعض المحدثين، والجواب عنه قد تقدم، فليرجع هناك.\n٧٥١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل في الصلاة) أي أراد الدخول بالتحريمة (رفع يديه مدًا) (١).\n_________\n(١) ويوضح الاستدلال ما في \"الأوجز\" (٢/ ٨٩) أن مذهبه عدم الرفع إلَّا في الافتتاح. (ش).","vol":"4","page":99},{"text":"(١٢٢) بَابُ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى (١) في الصَّلَاةِ\n٧٥٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: \"صَفُّ الْقَدَمَيْنِ وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ مِنَ السُّنَّةِ\".\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): قوله: \"مدًّا\" يجوز أن يكون منتصبًا على المصدرية بفعل مقدر، وهو يمدهما مدًّا، ويجوز أن يكون منتصبًا على الحالية، أي رفع يديه في حال كونه مادًّا لهما إلى رأسه، ويجوز أن يكون مصدرًا منتصبًا بقوله: \"رفع\" لأن الرفع بمعنى المد، وأصل المد في اللغة الجر، قاله الراغب، والارتفاع قال الجوهري: ومد النهار ارتفاعه، انتهى، ومناسبة الحديث بالباب ظاهرة، فإنه ذكر فيه رفع اليدين عند الافتتاح، ولم يذكر فيه رفع اليدين عند الركوع (٣).\n\n(١٢٢) (بَابُ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى (٤) في الصَّلَاةِ)\n٧٥٢ - (حدثنا نصر بن علي، أنا أبو أحمد) هو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي الزبيري، (عن العلاء بن صالح) الكوفي، (عن زرعة بن عبد الرحمن) الكوفي (قال) زرعة: (سمعت) عبد الله (بن الزبير يقول: صف القدمين) أي استواؤهما (٥) سطرًا بحيث لا يتقدم إحداهما على الأخرى (ووضع اليد) أي اليمنى (على اليد) أي اليسرى في الصلاة (من السنة) أي من سنة رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"اليسار\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٠٦).\n(٣) قلت: استدل به ابن قدامة على خلاف الشافعي في النشر [انظر: \"المغني\" (٢/ ١٣٨)]. (ش).\n(٤) قال ابن العربي (٢/ ٥٤): اختلفوا على ثلاثة أقوال: لا يفعل، قاله مالك، والثاني: يفعل في النفل هي رواية أخرى له، والثالث: يفعل ندبًا، واختلفوا في المحل أيضًا على ثلاثة أقوال: تحت السرة، فوقها، فوق الصدر. (ش).\n(٥) يشكل عليه ما في النسائي في \"باب الصف بين القدمين\" عن ابن مسعود: أنه رأى رجلًا =","vol":"4","page":100},{"text":"٧٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، عَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِى زَيْنَبَ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ \"أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّى، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى، فَرَآهُ النَّبِىُّ -ﷺ- فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى\". [ن ٨٨٨، جه ٨١١]\n===\n٧٥٣ - (حدثنا محمد بن بكار) بتشديد الكاف (ابن الريان) بتشديد التحتانية، الهاشمي، أبو عبد الله البغدادي، (عن هشيم) مصغرًا (ابن بشير) بوزن عظيم، السلمي، أبو معاوية بن أبي خالد الواسطي، (عن الحجاج بن أبي زينب) السلمي، أبو يوسف الصيقل الواسطي، (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل بلام ثقيلة وميم مثلثة (النهدي) بفتح النون وسكون الهاء، مخضرم، ثقة، عاش مئة وثلاثين سنة، وقيل أكثر، (عن ابن مسعود) عبد الله (أنه كان يصلي، فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي - ﷺ - فوضع) رسول الله - ﷺ - (يده) أي يد عبد الله بن مسعود (اليمنى على اليسرى).\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): والحديث يدل على مشروعية وضع الكف على الكف، وإليه ذهب الجمهور، وروى ابن المنذر عن ابن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه يرسلهما ولا يضع اليمنى على اليسرى، ونقله النووي عن الليث بن سعد، ونقله ابن القاسم عن مالك، وخالفه ابن الحكم فنقل عن مالك الوضع، والرواية الأولى عنه هي رواية الجمهور عنه، وهي المشهورة عندهم، ونقل ابن سيد الناس عن الأوزاعي التخيير بين الوضع والإرسال.\nقال الحلبي في شرحه \"الكبير\" على \"المنية\" (٢): ثم يضع يمينه على يساره\n_________\n= قد صف بين قدميه فقال: خالفت السنَّة، والبسط فيما علقته على النسائي، فارجع إليه. [انظر: \"الفيض السمائي\" (١/ ٢٨٧)]. (ش).\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢١٧).\n(٢) (ص ٣٠٠).","vol":"4","page":101},{"text":"٧٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى جُحَيْفَةَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: \"السُّنَّةُ وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِى الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ\". (١). [حم ١/ ١١٠]\n===\nبعد التكبير ولا يرسلهما، ويقبض بيده اليمنى رسغ يده اليسرى، أي السنة أن يجمع بين الوضع والقبض جمعًا بين ما ورد في الأحاديث المذكورة، فكيفية الجمع أن يضع الكف اليمنى على الكف اليسرى، ويحلق الإبهام والخنصر على الرسغ، ويبسط الأصابع الثلاث على الذراع، فيصدق أنه وضع اليد على اليد وعلى الذراع، وأنه أخذ شماله بيمينه.\nواعلم أنه كتب هاهنا على الحاشية أحاديث من رواية ابن الأعرابي فيناسب لنا أن نذكرها.\n٧٥٤ - (حدثنا محمد بن محبوب) البناني بنونين، أبو عبد الله البصري، (ثنا حفص بن غياث، عن عبد الرحمن بن إسحاق) الواسطي، أبو شيبة، ضعيف، (عن زياد بن زيد) السوائي الأعصم بمهملتين، الكوفي، مجهول، (عن أبي جحيفة) وهب بن عبد الله السوائي بضم المهملة والمد، مشهور بكنيته، صحابي معروف، صحب عليًّا (أن عليًّا قال: من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة) رواه أحمد وأبو داود.\nوقال الشوكاني (٢): الحديث ثابت في بعض نسخ أبي داود، وهي نسخة ابن الأعرابي، ولم يوجد في غيرها، وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف، انتهى.\n_________\n(١) قال المزي: هذا الحديث في رواية أبي سعيد بن الأعرابي وابن داسه وغير واحد عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم. انظر: \"تحفة الأشراف\" (٧/ ١٣٧) رقم (١٠٣١٤).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢١٩).","vol":"4","page":102},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: وفي إسناده زياد بن زيد وهو مجهول، ولكن أخرج الدارقطني وغيره بثلاثة أسانيد، روى في سنديه عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد، عن أبي جحيفة، عن علي، وروى في السند الثالث عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، فلا يضر جهالة زياد بن زيد.\nوأما ضعف عبد الرحمن فقد ينجبر بما أخرجه ابن أبي شيبة (١) في هذا الباب: حدثنا وكيع عن موسى بن عمير -وهو التميمي العنبري الكوفي- عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه قال: رأيت النبي - ﷺ - يضع يمينه على شماله تحت السرة، قلت: ولفظ تحت السرة ليس في النسخة الموجودة عندي، وسيجيء البحث فيه.\nقال الشيخ النيموي (٢): قال الحافظ قاسم بن قطلوبغا في \"تخريج أحاديث الاختيار شرح المختار\": هذا سند جيد، وقال العلامة محمد أبو الطيب المدني في \"شرح الترمذي\": هذا حديث قوي من حيث السند، وقال الشيخ عابد السندي في \"طوالع الأنوار\": رجاله ثقات، انتهى.\nقلت: وسماع علقمة من أبيه ثابت، وسيأتي تحقيقه في \"باب الإخفاء بآمين\"، ثم لا يخفى عليك أن العلامة حيات السندي قال في رسالته \"فتح الغفور\": في ثبوت زيادة تحت السرة نظرٌ، بل هي غلط، منشأه السهو، فإني راجعت إلى نسخة صحيحة من \"المصنَّف\" فرأيت فيها هذا الحديث بهذا السند وبهذه الألفاظ، إلَّا أنه ليس فيها تحت السرة.\nوأجاب عنه العلامة قائم السندي في رسالته \"فوز الكرام\" بأن القول يكون هذه الزيادة غلطًا مع جزم الشيخ قاسم بعزوها إلى \"المصنَّف\"، ومشاهدتي إياها في نسخة، ووجودها في نسخة في خزانة الشيخ عبد القادر المفتي في الحديث\n_________\n(١) \"المصنف\" (١/ ٤٢٧).\n(٢) \"آثار السنن\" (١/ ٧٠).","vol":"4","page":103},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالأثر، لا يليق بالإنصاف، وقال: ورأيته بعيني في نسخة صحيحة عليها الإمارات المصححة، فقال: فهذه الزيادة في أكثر النسخ صحيحة.\nقال النيموي: الإنصاف أن هذه الزيادة وإن كانت صحيحة لوجودها في أكثر النسخ من \"المصنَّف\" لكنها مخالفة لروايات الثقات، فكانت غير محفوظة، كزيادة على الصدر في رواية ابن خزيمة، ومع ذلك فيه اضطراب كما مر، فالحديث وإن كان صحيحًا من جهة السند ضعيف من جهة المتن، والله أعلم.\nوأيضًا أخرج ابن أبي شيبة (١) في هذا الباب: حدثنا وكيع، عن ربيع، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: يضع يمينه على شماله في الصلاة تحت السرة.\nوأيضًا أخرج ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الحجاج بن الحسان قال: سمعت أبا مجلز أو سألته قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: يصنع (٢) باطن كف يمينه على ظاهر كف شماله، ويجعلها أسفل من السرة، وذكره أبو داود تعليقًا.\nوأيضًا أخرج ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد السوائي، عن أبي جحيفة، عن علي قال: من سنة الصلاة وضع الأيدي على الأيدي تحت السرر.\nوأيضًا سيأتي ما أخرجه أبو داود عن أبي وائل: قال أبو هريرة: أخذ الكف على الكف في الصلاة تحت السرة، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق المذكور.\nوقال الشيخ النيموي (٣): منها ما أخرجه ابن حزم في \"المحلى\"\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٤٢٧).\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر \"يضع\" كما في \"المصنف\".\n(٣) \"آثار السنن\" (١/ ٧١).","vol":"4","page":104},{"text":"٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ يَعْنِى ابْنَ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِى بَدْرٍ، عَنْ أَبِى طَالُوتَ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ الضَّبِّىِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ عَلِيًّا يُمْسِكُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ عَلَى الرُّسْغِ فَوْقَ السُّرَّةِ\".\n===\nتعليقًا عن عائشة أنها قالت: ثلاث من النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، وعن أنس مثل هذه أيضًا، إلَّا أنه قال: من أخلاق النبوة، وزاد: تحت السرة، انتهى كلامه.\n٧٥٥ - (حدثنا محمد بن قدامة بن أعين) الهاشمي المصيصي، ثقة، (عن أبي بدر) شجاع بن الوليد، (عن أبي طالوت عبد السلام) بن أبي حازم، ثقة، (عن ابن جرير الضبي) غزوان، (عن أبيه قال) جرير: (رأيت عليًّا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة).\nقال الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (١): وزيادة \"فوق السرة\" غير محفوظة، وقال في \"تعليقه\": تفرد بها أبو بدر شجاع بن الوليد عن أبي طالوت عبد السلام بن أبي حازم، وثَّقه غير واحد، وليّنه أبو حاتم، وقال على ما نقله الحافظ ابن حجر في \"مقدمته\" (٢) والذهبي في \"ميزانه\" (٣): لين الحديث، شيخ، ليس بالمتقن، فلا يحتج به، إلَّا أن له عن محمد بن عمرو بن علقمة أحاديث صحاحًا، وقال الحافظ في \"التقريب\": له أوهام، قلت: ورواه مسلم بن إبراهيم أحد شيوخ البخاري بدون هذه الزيادة عن عبد السلام بن أبي حازم، عن غزوان بن جرير الضبي عن أبيه، وطوله، أخرجه في السفينة الجرائدية، كذا قال الحافظ في \"الفتح\" (٤).\n_________\n(١) (١/ ٦٩).\n(٢) \"مقدمة فتح الباري\" (ص ٤٠٩).\n(٣) (٢/ ٢٦٤).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٤).","vol":"4","page":105},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ \"فَوْقَ السُّرَّةِ\".\n===\nوكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ: إلَّا أن يصلح ثوبه أو يحك جسده، ورواه البخاري تعليقًا في أبواب العمل في الصلاة بغير هذه الزيادة، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): ولا يعرف إلَّا من طريق جرير هذا، انتهى كلام النيموي.\nوقال في \"الميزان\" (٢): جرير الضبي، وعزاه إلى ابن ماجه (٣) عن علي، لا يعرف، وعنه ابنه غزوان، وقال في \"تهذيب التهذيب\": قرأت بخط الذهبي في \"الميزان\": لا يعرف، انتهى، وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج له الحاكم في \"المستدرك\"، وعلق البخاري حديثه هذا في الصلاة مطولًا بصيغة الجزم عن علي، ولا يعرف إلَّا من طريق جرير هذا، فكان يلزم المؤلف أن يرقم له علامة التعليق، وقد روى معاوية بن صالح، عن أبي الحكم، عن جرير الضبي، عن عبادة بن الصامت حديثًا آخر، انتهى.\n(قال أبو داود: روي عن سعيد بن جبير فوق السرة) ذكره أبو داود تعليقًا، ووصله البيهقي في \"سننه\" (٤)، فقال: أخبرنا أبو زكريا بن إسحاق، أبنا الحسن بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أبنا زيد بن الحباب، ثنا سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن أبي الزبير المكي قال: أمرني عطاء أن أسأل سعيدًا أين تكون اليدان في الصلاة فوق السرة أو أسفل من السرة؟ فسألته، فقال: فوق السرة، يعني به سعيد بن جبير، وكذلك قاله أبو مجلز لاحق بن حميد، وأصح أثر روي في هذا الباب أثر سعيد بن جبير وأبي مجلز، وروي عن علي تحت السرة، وفي إسناده ضعف، انتهى.\n_________\n(١) (٢/ ٧٧).\n(٢) (١/ ٣٩٦).\n(٣) هكذا في الأصل، وهو سبق قلم، والصواب إلى أبى داود، كما في \"الميزان\" (١/ ٣٩٦).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣١).","vol":"4","page":106},{"text":"وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: \"تَحْتَ السُّرَّةِ\"\n===\nقلت: في إسناده يحيى بن أبي طالب جعفر بن الزبرقان محدث مشهور، وثَّقه الدارقطني وغيره، وقال موسى بن هارون: أشهد أنه يكذب عني في كلامه ولم يعن في الحديث، فالله أعلم، والدارقطني من أخبر الناس به، وقال أبو عبيد الآجري: خط أبو داود على حديث يحيى بن أبي طالب.\nقال الحافظ في \"لسان الميزان\" (١): قلت: وقال مسلمة بن قاسم: ليس به بأس تكلم الناس فيه.\nوفيه زيد بن الحباب، وثَّقه غير واحد، قال في \"الميزان\" (٢): قد قال ابن معين: أحاديثه عن الثوري مقلوبة، وقال أحمد: صدوق كثير الخطأ، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال ابن عدي: له حديث كثير، وهو من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه، والذي قاله ابن معين عن أحاديثه عن الثوري إنما له أحاديث عن الثوري تستغرب بذلك الإسناد، وبعضها ينفرد برفعه، والباقي عن الثوري وغير الثوري مستقيمة كلها، وبسط الكلام في تضعيفه الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (٣).\n(وقال أبو مجلز: تحت السرة)، وهذا تعليق ثان من المصنف، وقد تقدم ذكره موصولًا من تخريج ابن أبي شيبة، وقدخالف البيهقي هذا التعليق، وقال في \"سننه\" بعد ما ذكر أثر سعيد بن جبير بلفظ \"فوق السرة\"، وكذلك قاله أبو مجلز، ظاهره يدل أن قول أبي مجلز يوافق قول سعيد بن جبير في أن اليدين توضعان فوق السرة.\nقال ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (٤): في هذا أربعة أشياء:\n_________\n(١) (٧/ ٤٠٨).\n(٢) (٢/ ١٠٠).\n(٣) (١/ ٧٠).\n(٤) (٢/ ٣١).","vol":"4","page":107},{"text":"وَرُوِيَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ (١).\n٧٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ الْكُوفِىِّ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِى الْحَكَمِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: \"أَخْذُ الأَكُفِّ عَلَى الأَكُفِّ فِى الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ\".\n===\nأحدها: أن قوله: وكذلك قاله أبو مجلز، الظاهر أنه كلام البيهقي، ولم يذكر سنده لينظر فيه، ومذهب أبي مجلز الوضع أسفل السرة، حكاه عنه أبو عمر في \"التمهيد\" (٢)، وجاء ذلك عنه بسند جيد، قال ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" إلى آخر الرواية التي ذكرناها قبل، انتهى.\nقلت: قول البيهقي هذا مخالف لما ذكره أبو داود، ولما أخرجه ابن أبي شيبة، ولما حكاه عنه أبو عمر في \"التمهيد\" من مذهبه، فإما أن يؤول بأن اليسار إليه بقوله: وكذلك، هو وضع اليدين فقط من غير أن يقيد بقيد فوق السرة، وإلَّا فيكون غلطًا من النساخ، والله أعلم.\n(وروي عن أبي هريرة، وليس بالقوي)؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف، وهذا حديث أبي هريرة.\n٧٥٦ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، عن سيار أبي الحكم) العنزي بنون، (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (قال: قال أبو هريرة: أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة،\n_________\n(١) قال المزي في \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٨) رقم (١٠٠٣٠): هذا الحديث من رواية أبي الحسن بن العبد، وأبي سعيد بن الأعرابي وغير واحد عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) (٢٠/ ٧٥).","vol":"4","page":108},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُضَعِّفُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاقَ الْكُوفِىَّ. (١).\n٧٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ - يَعْنِى ابْنَ حُمَيْدٍ -، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى،\n===\nقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يضعف حديث عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي).\n٧٥٧ - (حدثنا أبو توبة) ربيع بن نافع الحلبي، (ثنا الهيثم- يعني ابن حميد-) قال أبو داود: ثقة قدري، وقال أبو مسهر الغساني: ضعيف قدري، وقال أبو مسهر مرة: كان صاحب كتب، ولم يكن من الأثبات، ولا من أهل الحفظ، وقد كنت أمسكت عن الحديث عنه استضعفته، كذا في \"تهذيب التهذيب\".\n(عن ثور) بن يزيد بن زياد الكلاعي، أبو خالد الحمصي، وثَّقه كثيرون، وقال أبو مسهر وغيره: كان الأوزاعي يتكلم فيه ويهجوه.\n(عن سليمان بن موسى) الأموي الدمشقي الأشدق، وثَّقه غير واحد، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث، وقال في موضع آخر: في حديثه شيء، وذكر العقيلي عن ابن المديني: كان من كبار أصحاب مكحول، وكان قد خولط قبل موته بيسير، كذا في \"تهذيب التهذيب\"، وقال في \"التقريب\": فقيه صدوق، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته.\n_________\n(١) قال المزي في \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٤٧٣) رقم (١٣٤٩٤): هذا الحديث من رواية أبي الحسن بن العبد، وأبي سعيد بن الأعرابي وغير واحد عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم.","vol":"4","page":109},{"text":"عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ يَشُدُّ بِهِمَا عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ فِى الصَّلَاةِ\". (١).\n===\n(عن طاوس قال: كان رسول الله - ﷺ - يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بهما على صدره وهو في الصلاة) إلى ههنا انتهى ما كتب في الحاشية من رواية ابن الأعرابي عن أبي داود.\nواعلم أنه قال في \"عون المعبود\" (٢): وقد جاء في الوضع على الصدر حديثان (٣) آخران صحيحان: أحدهما: حديث هلب رواه الإِمام أحمد في \"مسنده \" (٤)، قال: نا يحيى بن سعيد، عن سفيان، ثنا سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته يضع هذه على صدره، ووصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل، ورواة هذا الحديث كلهم ثقات، ثم ذكر توثيق رواة الحديث.\nقلت: لعل عند صاحب \"عون المعبود\" لا يلزم لثبوت صحة الرواية إلَّا كون رواتها ثقات، وإن كانت شاذة أو معلولة، والحق أن رواة هذا الحديث كلهم ليسوا رواة الصحيح، بل تكلم في بعضهم كما ذكره هو بنفسه، وإن سلم فليس هو بخال عن الشذوذ أيضًا.\nقال الشيخ النيموي في \"تعليقه\" (٥): قلت: سماك بن حرب ليّنه غير واحد، قال صاحب \"المشكاة\" في \"الإكمال\": هو ثقة، ساء حفظه، وضعَّفه\n_________\n(١) عزاه المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٣٥٦) رقم (١٨٨٢٩) إلى أبي داود في \"المراسيل\" وهو في (ص ٨٩) رقم (٣٣)، ولكن قال المزي في \"الحاشية\": \"هو في \"السنن\" في رواية أبي سعيد بن الأعرابي وغيره\".\n(٢) (٢/ ٤٥٩).\n(٣) قلت: وفي الباب حديث عبد الله بن جابر البياضي، ذكره في \"تعجيل المنفعة\" (ص ٢١٦) رقم (٥٢٦) في ترجمته من رواية أحمد. (ش).\n(٤) (٥/ ٢٢٦).\n(٥) (١/ ٦٨).","vol":"4","page":110},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nابن المبارك وشعبة وغيرهما، وقال الذهبي في \"الميزان\": روى ابن المبارك عن سفيان أنه ضعيف، وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال صالح جزرة: يضعف، وقال النسائي: إذا انفرد بأصل لم يكن حجة، لأنه كان يلقن فيتلقن، انتهى، وقال الحافظ ابن حجر في \"التقريب\": صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة فكان ربما يلقن، انتهى.\nقلت: هذه الرواية من طريق سفيان، قال المزي في \"تهذيب الكمال\" (١): ومن سمع قديمًا من سماك مثل شعبة وسفيان فحديثه عنه مستقيم.\nثم قال الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (٢): لكن قوله: \"على صدره\" غير محفوظ، قلت: روى أحمد من طريق وكيع، والدارقطني من طريق عبد الرحمن بن مهدي ووكيع عن سفيان، عن سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، وليس فيه \"على صدره\"، وأخرج الترمذي وابن ماجه من طريق أبي الأحوص عن سماك، عن قبيصة، عن أبيه، وليس فيه \"على صدره\"، وأخرج أحمد من طريق شريك وأبي الأحوص، ولم يقل فيه \"على صدره\".\nفثبت أن ما رواه أحمد من طريق يحيى بن سعيد عن سفيان هو مخالف لرواية غير واحد من أصحاب سفيان وسماك، فلا يكون محفوظًا، فبهذا التحقيق بطل قول من قال: ليس فيه علة قادحة.\nثم اعلم أن قوله: \"يضع هذه على صدره\"، هكذا رأيت بعيني في النسخ المكتوبة والمطبوعة من \"المسند\"، وقال الحافظ في \"الفتح\": وروى ابن خزيمة من حديث وائل \"أنه وضعهما على صدره\"، والبزار \"عند صدره\"، وعند أحمد في حديث هلب نحوه، انتهى.\nويقع في قلبي أن هذا تصحيف من الكاتب، والصحيح يضع هذه على\n_________\n(١) (٣/ ٣١٠).\n(٢) (١/ ٦٨).","vol":"4","page":111},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهذه، فيناسبه قوله: وصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل، ويوافقه سائر الروايات، ولعل بهذا الوجه لم يخرجه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\"، والسيوطي في \"جمع الجوامع\"، وعلي المتقي في \"كنز العمال\"، انتهى مختصرًا.\nثم ذكر صاحب \"العون\" (١) الحديث الثاني، فقال: وثانيهما: حديث وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره، أخرجه ابن خزيمة وصححه، ثم حكى عن \"نيل الأوطار\" (٢): واحتجت الشافعية لما ذهبت إليه بما أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" وصححه من حديث وائل بن حجر، فمرسل طاوس، وحديث هلب وحديث وائل بن حجر يدل على استحباب وضع اليدين على الصدر وهو الحق، انتهى.\nقلت: من قوله: فمرسل طاوس إلى قوله: وهو الحق، ليس من كلام الشوكاني، بل هو كلام صاحب \"العون\"، نعم اعترض الشوكاني على هذا الاستدلال بأن احتجاج الشافعية بما أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" غير سديد، لأن هذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه، لأنهم قالوا: إن الوضع يكون تحت الصدر كما تقدم، والحديث مصرح بأن الوضع على الصدر، وكذلك حديث طاوس المتقدم.\nقلت: حاصل هذا الاعتراض أن الشوكاني ذكر المذاهب فيما تقدم بأن الوضع يكون تحت السرة، وهو مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأبي إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي.\nوالمذهب الثاني مذهب جمهور الشافعية، وهو أن الوضع يكون تحت\n_________\n(١) (٢/ ٤٦١).\n(٢) (٢/ ٢٢٠).","vol":"4","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nصدره فوق سرته، وعن أحمد روايتان كالمذهبين (١)، فدخل مذهبه بروايتيه في المذهبين المتقدمين.\nوالمذهب الثالث، وهي رواية ثالثة: أنه يخير بينهما ولا ترجيح، وبالتخيير قال الأوزاعي وابن المنذر، قال ابن المنذر في بعض تصانيفه: لم يثبت عن النبي - ﷺ - في ذلك شيء، وهذا المذهب أيضًا داخل في المذهبين المتقدمين.\nوالمذهب الرابع مذهب مالك فعنه روايتان: أحدهما: يضعهما تحت صدره، وهذا أيضًا داخل في المذهب الثاني، والأخرى: يرسلهما ولا يضع إحداهما على الأخرى.\nفانحصرت مذاهب المسلمين في ثلاثة: أحدها: الوضع تحت السرة، وثانيها: فوق السرة تحت الصدر، وثالثها: الإرسال، بل انحصر الوضع في هيئتين: تحت الصدر وتحت السرة، ولم يوجد على ما قال الشوكاني مذهب من مذاهب المسلمين أن يكون الوضع على الصدر، فقول الوضع على الصدر (٢) قول خارج من مذاهب المسلمين، وخارق لإجماعهم المركب، فقول صاحب \"عون المعبود\": \"وهو الحق\" عجيب.\nثم أقول: حديث وائل بن حجر المذكور أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٣) من طريقين:\nأحدهما: من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا محمد بن حجر الحضرمي، حدثني سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن أمه، عن وائل بن حجر.\n_________\n(١) إلَّا أن مختار الخرقي هو تحت السرة. [انظر: \"المغني\" (٢/ ١٤١)]. (ش).\n(٢) قلت: لكنه ذكره ابن العربي. [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٥٤)]. (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٠).","vol":"4","page":113},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفي سنده محمد بن حجر، قال الذهبي في \"الميزان\": له مناكير، وقال البخاري: فيه بعض النظر، وفي سنده أم عبد الجبار، وهي أم يحيى لم أعرف حالها ولا اسمها.\nوالطريق الثاني: أخبرنا أبو بكر بن الحارث، ثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن العباس، ثنا محمد بن المثنى، ثنا مؤمل بن إسماعيل، عن الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل أنه رأى النبي - ﷺوضع يمينه على شماله، ثم وضعهما على صدره.\nقال الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (١): رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" وفي إسناده نظر، وزيادة \"على صدره\" غير محفوظة، وقال في \"التعليق\": قوله: رواه ابن خزيمة، قلت: لم أظفر بصحيحه (٢) لكن غير واحد من المصنفين أوردوه في تصانيفهم تعليقًا، وعزوه إلى ابن خزيمة، ولم ينقلوا إسناده.\nلكن الحافظ ابن القيم قال في \"إعلام الموقعين\" (٣): المثال الرابع (٤) والستون ترك السنة الصريحة التي رواها الجماعة عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره، لم يقل \"على صدره\" غير مؤمل بن إسماعيل، انتهى. قلت: هكذا في بعض النسخ، والصواب ابن خزيمة لا الجماعة، لأنهم لم يخرجوه جدًّا، ولعله تصحيف من الناسخ، والله أعلم بالصواب.\nوكيف ما كان جزم ابن القيم بأن هذا الحديث من طريق مؤمل بن إسماعيل، ورواه البيهقي في \"سننه\" من طريق مؤمل بن إسماعيل.\n_________\n(١) (١/ ٦٤ - ٦٥).\n(٢) انظر: (١/ ٢٤٣) رقم الحديث (٤٧٩).\n(٣) (٢/ ٤٣٢).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"إعلام الموقعين\" المثال الثاني والستون.","vol":"4","page":114},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: مؤمل بن إسماعيل لينه غير واحد، قال الذهبي في \"الكاشف\" (١): صدوق شديد في السنة، كثير الخطأ، وقيل: دفن كتبه فحدث حفظًا فغلط.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال البخاري: مؤمل منكر الحديث، وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط، وقال ابن قانع: صالح يخطئ، وقال الدارقطني: ثقة كثير الخطأ، وقال في \"التقريب\": صدوق سيئ الحفظ.\nوقال ابن التركماني في \"الجوهر النقي\": قلت: مؤمل هذا قيل: إنه دفن كتبه فكان يحدث من حفظه فكثر خطؤه، كذا ذكر صاحب \"الكمال\".\nوفي \"الميزان\": قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: كثير الخطأ، وقال أبو زرعة: في حديثه خطأ كثير، انتهى كلامه.\nقوله: وزيادة على صدره غير محفوظة. قلت: رواه أحمد في \"مسنده\" من طريق عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، وأحمد والنسائي من طريق زائدة، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل، وأبو داود من طريق بشر بن المفضل، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل، وابن ماجه من طريق عبد الله بن إدريس وبشر بن المفضل، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل، وأحمد من طريق عبد الواحد وزهير بن معاوية وشعبة، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل، كلهم بغير هذه الزيادة، وقد نص ابن القيم في \"إعلام الموقعين\": لم يقل \"على صدره\" غير مؤمل بن إسماعيل، فثبت أنه متفرد في ذلك.\nوقد روي هذا الحديث من طريق علقمة وغيره عن وائل بن حجر، وليس\n_________\n(١) (٣/ ١٩١).\n(٢) (١٠/ ٣٨٠).","vol":"4","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>(١٢٣) بَابُ مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ الصَّلَاةُ مِنَ الدُّعَاءِ</span>\n===\nفيه هذه الزيادة، فلا شك أنها غير محفوظة، لأن الراوي وإن كان من الثقات إذا خالف الثقات أو أوثق منه، فروايته لا تقبل، وتكون شاذة غير محفوظة.\nفالحاصل أن هذا الحديث مع هذه الزيادة ضعيف جدًّا، ومع ذلك لا يخلو عن الاضطراب، أخرج ابن خزيمة في هذا الحديث \"على صدره\"، والبزار \"عند صدره\"، كما قال الحافظ في \"الفتح\" (١)، وأخرج ابن أبي شيبة \"تحت السرة\".\nوالعجب من ابن القيم كيف أورده مثالًا لترك السنة الصحيحة مع أنه ذهب إلى تفرد مؤمل بن إسماعيل بهذه الزيادة.\nثم لا يخفى أن هذا الحديث من أقوى الدلائل للخصوم، لم يذكر النووي في الباب غيره في \"الخلاصة\" وابن دقيق العيد في \"الإِمام\" والحافظ ابن حجر في \"بلوغ المرام\".\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): ولا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور، انتهى.\nوقد عرفت ما فيه من العلل، وقد أوضحت المرام في رسالتي \"الدُّرَّةُ الغُرَّةُ في وضع اليدين على الصدر وتحت السُّرَّةِ\"، فمن شاء فليرجع إليه، انتهى كلام النيموي.\n\n(١٢٣) (بَابُ مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ الصَّلاةُ مِنَ الدعَاءِ)\nاعلم أن عندنا فرقًا بين الفرائض والتطوعات في دعاء الاستفتاح، فالفرائض يقتصر فيها على: \"سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك\"، وأما في التطوعات فإن الأمر فيها واسع، فيقول ما شاء من الدعوات الواردة فيه، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٤).\n(٢) (٢/ ٢٢٠).","vol":"4","page":116},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما عند أبي يوسف فيجمع معه ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).\nكذا رواه البيهقي (٢) من حديث جابر أنه ﵊ كان إذا استفتح الصلاة قال: \"سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين\".\nوالدليل لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله- ما روى البيهقي عن أنس وعائشة وأبي سعيد الخدري وجابر وعمر وابن مسعود -رضي الله تعالى عنهم- الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره مرفوعًا، إلَّا عن عمر وابن مسعود فإنهما لم يرفعاه، والدارقطني رفعه عن عمر، ثم قال: والمحفوظ عن عمر من قوله.\nوفي \"صحيح مسلم\" (٣) عن عبدة وهو ابن أبي لبابة أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، ورواه أبو داود والترمذي (٤) عن عائشة وضعفاه، ورواه الدارقطني (٥) عن عثمان من قوله، ورواه سعيد بن منصور عن أبي بكر الصديق من قوله.\nوفي رواية أبي داود (٦) عن أبي سعيد: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره، ثم يقول:\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية ٧٩.\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥).\n(٣) برقم (٧٧١).\n(٤) \"سنن أبي داود\" (٧٧٤)، و\"سنن الترمذي\" (٢٤٣).\n(٥) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٠٢).\n(٦) \"سنن أبي داود\" (٧٧٣).","vol":"4","page":117},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلا إله إلَّا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ\".\nوأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١)، قال الترمذي: وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب، وقال أيضًا: قد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث، انتهى، وعلي بن علي بن نجاد بن رفاعة وثَّقه وكيع وابن معين وأبو زرعة وكفى بهم.\nولما ثبت من فعل الصحابة كعمر وغيره الافتتاح بعده ﵇ بسبحانك اللهم مع الجهر بقصد تعليم الناس ليقتدوا كان دليلًا على أنه الذي كان عليه ﵇ في آخر الأمر، وأنه كان أكثر الأمر من فعله - ﷺ -، وإن كان رفع غيره أقوى على طريق المحدثين.\nألا ترى أنه روي في \"الصحيحين\" (٢) عن أبي هريرة أنه ﵇ كان يسكت هُنيئة قبل القراءة بعد التكبيرة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: \"أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد\"، وهو أصح من الكل، متفق عليه، ومع ذلك لم يقل بسنيته عينًا أحد من الأئمة الأربعة.\nوالحاصل: أن غير المرفوع والمرفوع المرجوح في الثبوت عن مرفوع آخر قد يقدم على عديله إذا اقترن بقرائن تفيد أنه صحيح عنه ﵇، كذا قال الحلبي في شرح \"المنية\" (٣).\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢٤٢)، و\"سنن النسائي\" (٨٩٩)، و\"سنن ابن ماجه\" (٨٠٤).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٧٤٤)، و\"صحيح مسلم\" (٥٩٨).\n(٣) (ص ٣٠٢).","vol":"4","page":118},{"text":"٧٥٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَمِّهِ الْمَاجِشُونِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ\n===\n٧٥٨ - (حدثنا عُبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا عبد العزيز بن أبي سلمة) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، (عن عمه الماجشون) هو يعقوب (بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله (١) بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب (٢) قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة).\nقال الشوكاني (٣): أخرجه (٤) أيضًا ابن حبان، وزاد: إذا قام إلى الصلاة المكتوبة، وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضًا بالمكتوبة، وكذا غيرهما، وأما مسلم فقيده بصلاة الليل، وزاد: من جوف الليل، قلت: وفي النسائي برواية محمد بن مسلمة: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قام يصلي تطوعًا.\n(كبر) أي تكبيرة الإحرام (ثم قال) أي رسول الله - ﷺ -: (وجهت) وفي حذف \"إني\" إيماء إلى أنه لم يرد به القراءة (وجهي) بسكون الياء وفتحها، أي توجهت بالعبادة بمعنى أخلصت عبادتي لله، قاله الطيبي، وقيل: صرفت وجهي وعملي ونيتي، أو أخلصت وجهي وقصدي ووجهتي.\nوينبغي للمصلي عند تلفظه بذلك أن يكون على غاية من الحضور\n_________\n(١) كاتب علي -﵁ -. (ش).\n(٢) قال ابن العربي (٢/ ٤١): رواية علي - ﵁ - في التوجيه صحيح، ورواية أبي سعيد وعائشة في سبحانك اللهم ... إلخ ضعيف، وقال ابن القيم (١/ ١٩٩): المحفوظ أن هذا كان في قيام الليل، وراجع إلى \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢١٧). (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٣).\n(٤) قلت: لفظ ابن حبان على ما أخرجه ابن رسلان: \"إذا افتتح الصلاة\". (ش). [قلت: في نسخة \"صحيح ابن حبان\" المطبوعة بين يدي: \"كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة\". انظر رقم (١٧٧١)].","vol":"4","page":119},{"text":"لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للهِ\n===\nوالإخلاص وإلا كان كاذبًا، وأقبح الكذب ما يكون والإنسان واقف بين يدي من لا يخفى عليه خافية.\n(للذي فطر السموات والأرض) أي للذي خلقهما وعملهما من غير مثال سبق، وإنما جمع السماوات لسعتها، أو لاختلاف طبقاتها، أو لتقدم وجودها، أو لشرف جهتها، أو لفضيلة جملة سكانها، أو لأنها أفضل على الأصح عند الأكثر، وإلَّا فالأرض سبع أيضًا على الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (١)، ولما ورد: \"ورب الأرضين السبع\" قاله القاري (٢).\nوقال الشوكاني: قال القاضي أبو الطيب: لأنا لا ننتفع من الأرض إلَّا بالطبقة الأولى، بخلاف السماء فإن الشمس والقمر والكواكب موزعة عليها.\n(حنيفًا) أي مائلًا عن كل دين باطل إلى الدين الحق ثابتًا عليه، وانتصابه على الحال (وما أنا من المشركين) فيه تأكيد وتعريض. (إن صلاتي) أي عبادتي وصلاتي، وفيه شائبة تعليل لما قبله (ونسكي) أي: ديني، وقيل: عبادتي أو تقربي أو حجي، وجمع بينهما لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) وقيل: هو من ذكر العام بعد الخاص (ومحياي ومماتي) أي حياتي وموتي، والجمهور على فتح الياء الآخرة في محياي، وقرئ بإسكانها (لله).\nوقيل: طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، أو حياتي وموتي لله لا تصرف للغير فيهما، أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي خالصة لوجه الله تعالى، أو إرادتي من الحياة والممات خالصة لذكره وحضوره\n_________\n(١) سورة الطلاق: الآية ١٢.\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٧٢).\n(٣) سورة الكوثر: الآية ٢.","vol":"4","page":120},{"text":"رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.\n===\nوقربه وللرضا بأمره وقدره، أو جميع أحوالي حياتي ومماتي وما بعده لله تعالى.\n(رب العالمين) بدل أو عطف بيان، أي مالكهم ومربيهم، وهم ما سوى الله تعالى على الأصح (لاشريك له) في ذاته وصفاته وأفعاله (وبذلك أمرت) أي بالتوحيد الكامل الشامل للإخلاص قولًا وعملًا واعتقادًا (وأنا أول المسلمين)، وفي رواية: وأنا من المسلمين، وكان - ﷺ - يقول تلك تارة وهذه أخرى، لأنه أول مسلمي هذه الأمة، والسنة لغيره أن يقول الثانية لا غير، إلَّا أن يقصد الآية.\nقال الشوكاني (١): قال في \"الانتصار\": إن غير النبي إنما يقول: وأنا من المسلمين، وهو وهم منشأه توهم أن معنى \"وأنا أول المسلمين\" إني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (٢)، وقال موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، انتهى.\nقال في \"البحر الرائق\" (٤): ثم اعلم أنه يقول في دعاء التوجيه: \"وأنا من المسلمين\"، ولو قال: \"وأنا أول المسلمين\"، اختلف المشايخ في فساد صلاته، والأصح عدم الفساد، وينبغي أن لا يكون فيه خلاف لما ثبت في \"صحيح مسلم\" من الروايتين بكل منهما، وتعليل الفساد بأنه كذب مردود بأنه إنما يكون كذبًا إذا كان مخبرًا عن نفسه لا تاليًا، وإذا كان مخبرًا فالفساد عند الكل، انتهى، ثم لا فرق بين الرجل والمرأة في الأذكار والأدعية لحمله على التغليب، أو إرادة الأشخاص.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٤).\n(٢) سورة الزخرف: الآية ٨١.\n(٣) سورة الأعراف: الآية ١٤٣.\n(٤) (١/ ٥٤١).","vol":"4","page":121},{"text":"اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ لِى إلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِى وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِى، فَاغْفِرْ لِى ذُنُوبِى جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِى لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ\n===\n(اللَّهمَّ) يا الله، والميم بدل عن حرف النداء، ولذا لا يجمع بينهما (أنت الملك، لا إله إلَّا أنت) أي أنت المتفرد بالملوكية والألوهية (أنت ربي) تخصيص بعد تعميم، وإنما أخر الربوبية في قوله: \"أنت ربي\" بتخصيص الصفة وتقييدها بالإضافة إلى نفسه وإخراجها عن الإطلاق.\n(وأنا عبدك، ظلمت نفسي) أي بالغفلة عن ذكر ربي، أو بوضع محبة الغير في قلبي (واعترفت بذنبي) أي بعملي خلاف الأولى، أو بوجودي الذي منشأ ذنبي كما قيل:\nوُجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِه ذَنْبُ\n(فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه) بالكسر استيناف، وفي نسخة: بالفتح (لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، واهدني) أي دلني ووفِّقْني وسبِّبْني وأوصلني (لأحسن الأخلاق) في عبادتك وغيرها من الأخلاق الظاهرة والباطنة) لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عني) أي أبعدني واحفظني وامنعني (سيئها) أي قبيحها (لا يصرف سيئها إلَّا أنت، لبيك).\nهو من ألبّ بالمكان إذا قام به، وثنى هذا المصدر مضافًا إلى الكاف، وأصل لبيك لبَّيْنَ فحذف النون بالإضافة وأريد بالتثنية بالتكرير من غير نهاية، أي أنا مداوم على طاعتك دوامًا بعد دوام، وأقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (١) أي كرَّة بعد كرَّة، ومرَّة بعد مرَّة.\n(وسعديك) أي ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة،\n_________\n(١) سورة الملك: الآية ٤.","vol":"4","page":122},{"text":"وَالْخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، أنَا بِكَ وِإلَيْكَ\n===\nوهي الموافقة والمسارعة، أو أسعد بإقامتي على طاعتك وإجابتي لدعوتك سعادة بعد سعادة (والخير كله) اعتقادًا وقولًا وفعلًا (في يديك) أي في تصرفك وقدرتك وإرادتك.\n(والشر ليس إليك) لم يوجد إلَّا في حاشية المجتبائية ونسخة \"عون المعبود\"، أي لا يتقرب (١) به إليك، أولا يضاف إليك، بل إلى ما اقترفته أيدي الناس من المعاصي، أو ليس إليك قضاؤه، فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر، بل لما يصحبه من الفوائد الراجحة، قاله الطيبي.\nوقيل: معناه أن الشر ليس شرًّا بالنسبة إليه، وإنما هو شر بالنسبة إلى الخلق، وقيل: الشر لا يصعد إليك، لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٢)، وقيل: الشر لا يضاف إليك بحسن التأدب، ولذا لا يقال: يا خالق الخنازير وإن خلقها، وهذا كقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٣) مضيفًا للمرض إلى نفسه، والشفاء لربه، والخضر أضاف إرادة العيب إلى نفسه، وما كان من باب الرحمة إلى ربه، فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا * فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ (٤)، انتهى، كذا قال القاري (٥).\n(أنا بك) أي أعوذ وأعتمد بك، وألوذ وأقوم بك (وإليك) أي أتوجه وألتجي وأرجع وأتوب، أو بك وجدت، وإليك أنتهي، فأنت المبدأ والمنتهى، وقيل: أستعين بك وأتوجه إليك، وقيل: أنا موقن بك وبتوفيقك علمت، والتجائي وانتمائي إليك، أو بك أحيى وأموت، وإليك المصير، أو أنا بك إيجادًا وتوفيقًا، وإليك إرجاعًا واعتصامًا.\n_________\n(١) وكذا قال الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٢٣). (ش).\n(٢) سورة فاطر: الآية ١٠.\n(٣) سورة الشعراء: الآية ٨٠.\n(٤) سورة الكهف: من الآية ٧٩ والآية ٨٢.\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٧٤).","vol":"4","page":123},{"text":"تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».\nوَإِذَا رَكَعَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِى وَبَصَرِى وَمُخِّى وَعِظَامِى وَعَصَبِى». وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ». وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ،\n===\n(تباركت) أي تعظمت وتمجدت (وتعاليت) عما أوهمه أوهام ويتصور عقول الأنام، ولا تستعمل هذه الكلمات إلَّا الله تعالى (أستغفرك) أي أطلب المغفرة لما مضى (وأتوب) أي أرجع عن فعل الذنب فيما بقي متوجهًا (إليك) بالتوفيق والثبات إلى الممات.\n(وإذا ركع قال) أي رسول الله - ﷺ -: (اللهمَّ لك ركعت وبك آمنت) وفي تقديم الجار إشارة إلى التخصيص (ولك أسلمت) أي ذللت وانقدت، أو لك أخلصت وجهي، أولك خذلت نفسي وتركت أهواءها.\n(خشع) أي خضع وتواضع (لك سمعي وبصري) تخصيصهما من بين الحواس، لأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعتا قَلَّت الوساوس، أو لأن تحصيل العلم النقلي والعقلي بهما، وقدَّم السمع لأن المدار على الشرع (ومخي) قال ابن رسلان: المراد به هنا الدماغ، وأصله الودك التي في العظم، وخالص كل شيء مخه (وعظامي وعصبي) والعظام عمد الحيوان، والعصب أطنابه.\n(وإذا رفع) رأسه من الركوع (قال: سمع الله لمن حمده) فإذا استقر في الاعتدال قال: (ربنا ولك الحمد ملء السماوات) بالنصب صفة مصدر محذوف، وقيل: حال، وبالرفع صفة الحمد (والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد) أي بعد السماوات والأرض كالعرش وما فوقه، وما تحت أسفل الأرضين بما لا يحيط به إلَّا خالقه.\n(وإذا سجد قال: اللهمَّ لك سجدت، وبك آمنت،","vol":"4","page":124},{"text":"وَلَكَ (١) أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِى لِلَّذِى خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ (٢) وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ». وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ،\n===\nولك أسلمت، سجد وجهي) بالوجهين، أي خضع وذل وانقاد (للذي خلقه، وصوَّره فأحسن صورته) كما قال الله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (٣) (وشقَّ سمعه) أي طريق السمع، إذ السمع ليس في الأذنين بل في مقعر الصماخ (وبصره، وتبارك الله) (٤) أي تعالى وتعظم (أحسن الخالقين) أي المصورين والمقدرين.\n(وإذا سلم من الصلاة) أي أراد (٥) السلام، لأن في رواية مسلم: ثم يكون من آخر ما يقول من التشهد والتسليم (قال: اللهمَّ اغفرلي ما قدمت) من سيئة (وما أخرت) من عمل أي جميع ما فرط مني، قاله الطيبي، وقيل: ما قدمت قبل النبوة، وما أخرت بعدها، وقيل: ما أخرته في علمك بما قضيته عليّ، وقيل: معناه إن وقع مني في المستقبل ذنب فاجعله مقرونًا بمغفرتك، قاله القاري (٦).\nوقال الشوكاني (٧): والمراد بقوله: ما أخرت، إنما هو بالنسبة من ذنوبه المتأخرة، لأن الاستغفار قبل الذنب محال، قال الأسنوي: ولقائل أن يقول: المحال إنما هو طلب مغفرته قبل وقوعه، وأما الطلب قبل الوقوع أن يغفر إذا وقع، فلا استحالة فيه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وبك\".\n(٢) وفي نسخة: \"صوره\".\n(٣) سورة غافر: الآية ٦٤.\n(٤) ومن عجائب هذه الآية أنه سبب ارتداد ابن أبي السرح، وفضل عمر -﵁ - لأنهما قالاه، فارتدَّ الأول، وافتخر الثاني بالموافقة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) كذا قال ابن رسلان، وزاد: ويحتمل أنه قاله مرة بعد السلام أيضًا. (ش).\n(٦) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٧٥).\n(٧) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٦).","vol":"4","page":125},{"text":"وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ». [م ٧٧١، ن ٨٩٧، ت ٣٤٢١، قط ١/ ٢٨٧، حم ١/ ٩٣، حب ١٧٧١، ق ٢/ ٢٣، خزيمة ٤٦٢]\n٧٥٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- \"أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ،\n===\n(وما أسررت) أي أخفيت (وما أعلنت، وما أسرفت) أي جاوزت مبالغة في طلب الغفران بذكر أنواع العصيان (وما أنت أعلم به مني) أي من ذنوبي التي لا أعلمها عددًا وحكمًا.\n(أنت المقدم) أي بعض العباد إليك بتوفيق الطاعات، (و) أنت (المؤخر) أي بعضهم بالخذلان عن النصرة، فنسألك أن تجعلنا ممن قدمته في معالم الدين، ونعوذ بك أن تؤخرنا عن طريق اليقين (لا إله إلَّا أنت) أي ليس لنا معبود نتذلل له، ونخضع إليه في غفران ذنوبنا.\n٧٥٩ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (نا سليمان بن داود الهاشمي، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) أبو داود المدني، (عن عبيد الله (٢) بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ - أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) هذا الحديث مكرر، مرَّ قبيل \"باب من لم يذكر الرفع عند الركوع\". (ش).","vol":"4","page":126},{"text":"وَيَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَيَصْنَعُهُ إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى شَىْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ وَكَبَّرَ وَدَعَا\"، نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِى الدُّعَاءِ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ الشَّىْءَ وَلَمْ يَذْكُرْ (١): «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِى يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» وَزَادَ فِيهِ: وَيَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ (٢) وَأَعْلَنْتُ أَنْتَ إِلَهِى لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ». [قط ١/ ٢٨٧، وانظر تخريج الحديث رقم ٧٤٤]\n===\nويصنع مثل ذلك) أي يرفع يديه حذو منكبيه (إذا قضى) أي أَتَمَّ (قراءته، وإذا أراد أن يركع، وبصنعه) أي يرفع يديه (إذا رفع) رأسه (من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد) أي في حالة القعود.\n(وإذا قام من السجدتين) يحتمل أن يكون المراد من السجدتين سجدتي الركعة الأولى، أو المراد ركعتين، أي يرفع يديه في الصلاة الثلاثية والرباعية إذا قام من التشهد الأول (رفع يديه كذلك) أي مثل ما رفع قبل الركوع وبعده (وكبر) للتحريمة (ودعا) بعدها (نحو حديث عبد العزيز) بن أبي سلمة المتقدم (في الدعاء، يزيد وبنقص الشيء) أي يزيد في الدعاء وينقص عبد الله بن الفضل مما في حديث الماجشون.\n(ولم يذكر) عبد الله بن الفضل: (والخير كله في يديك والشر ليس إليك، وزاد) عبد الله بن الفضل (فيه: ويقول عند انصرافه من الصلاة: اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت وما أسررت وأعلنت أنت إلهي لا إله إلَّا أنت)، قلت: ليس هذه زيادة، بل هي مذكورة في حديث الماجشون، ولكن في هذا الحديث زيادة \"أنت إلهي\" فقط.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في حديثه\".\n(٢) وفي نسخة العيني (٣/ ٣٦٧): \"ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت\"، وكذا في النسخة المطبوعة بتحقيق الشيخ محمد عوانة.","vol":"4","page":127},{"text":"٧٦٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِى شُعَيْبُ بْنُ أَبِى حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ لِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَابْنُ أَبِى فَرْوَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: فَإِذَا قُلْتَ أَنْتَ ذَاكَ فَقُلْ: «وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» - يَعْنِى قَوْلَهُ: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» -.\n٧٦١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا؟»\n===\n٧٦٠ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا شريح بن يزيد) الحضرمي، (حدثني شعيب بن أبي حمزة قال: قال لي محمد بن المنكدر وابن أبي فروة) هو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الأموي المدني، متروك (وغيرهما من فقهاء أهل المدينة: فإذا قلت أنت ذاك) أي الدعاء (فقل: وأنا من المسلمين، يعني قوله) أي مكان قوله: (وأنا أول المسلمين) لأن في قولك: وأنا أول المسلمين شائبة الكذب كما تقدم عن \"البحر\".\n٧٦١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قتادة) بن دعامة (وثابت) بن أسلم البناني بضم الموحدة ونونين مخففين، أبو محمد البصري، صحب عليًا أربعين سنة (وحميد) الطويل ابن أبي حميد، (عن أنس بن مالك، أن رجلًا) لم أقف على تسميته (جاء إلى الصلاة وقد حفزه) بفتح الحاء المهملة والفاء والزاي المعجمة، أي جهده من شدة السعي وضغطه لسرعته، وأصل الحفز الدفع العنيف (النفس) بفتحتين.\n(فقال: الله أكبر) أي كبر للتحريمة، ثم قال: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى) أي أتم (رسول الله - ﷺ - صلاته فقال: أيكم المتكلم بالكلمات، فإنه لم يقل بأسًا؟)، وفي رواية النسائي: \"فَأرَمَّ القومُ، قال:","vol":"4","page":128},{"text":"فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِى النَّفَسُ فَقُلْتُهَا. فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَىْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا». وَزَادَ حُمَيْدٌ فِيهِ: «وَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمْشِ نَحْوَ مَا كَانَ يَمْشِى، فَلْيُصَلِّ مَا أَدْرَكَ (١) وَلْيَقْضِ مَا سَبَقَهُ». [م ٦٠٠، ن ٩٠١]\n٧٦٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْعَنَزِىِّ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى صَلَاةً، قَالَ عَمْرٌو (٢):\n===\nإنه لم يقل بأسًا\" (فقال الرجل) القائل بالكلمات: (أنا يا رسول الله - ﷺ -) أي أنا قلتها (جئت وقد حفزني النفس فقلتها) أي الكلمات (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها) أي كل منهم يريد أن يسبق على غيره في رفعها إلى محل العرض أو القبول.\n(وزاد حميد فيه) أي في هذا الحديث: (وإذا جاء أحدكم) أي إلى المسجد للصلاة (فليمش نحو ما كان يمشي) أي لا يسع حتى يجهده النفس، بل ليمش نحو مشيه (فليصل ما أدرك) أي من صلاته مع الإمام (وليقض ما سبقه) من صلاته مع الإِمام، والكلام في أن المسبوق ما يقضي بعد الإِمام هو أول صلاته أو آخرها سيجيء (٣) في محله.\n٧٦٢ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم) بن عمير مصغرًا، وهو ابن أبي عمرة (العنزي) بمهملة ونون مفتوحتين (عن ابن جبير بن مطعم) هو نافع (عن أبيه أنه رأى رسول الله - ﷺ - يصلي صلاةً، قال عمرو) بن مرة:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أدركه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني ابن مرة\".\n(٣) كذا في الأصل، والصواب بدله: \"تقدم\"، فإن الكلام على ذلك تقدم في \"باب السعي إلى الصلاة\". (ش).","vol":"4","page":129},{"text":"لَا أَدْرِى أَىَّ صَلَاةٍ هِىَ - فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ثلاثًا. وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» ثَلَاثًا. «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ مِنْ نَفْخِهِ\n===\n(لا أدري أي صلاة (١) هي) أي فرض أو تطوع.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (الله أكبر كبيرًا) حال مؤكدة، وقيل: منصوب على القطع من اسم الله، وقيل: بإضمار أكبر، وقيل: صفة لمحذوف أي تكبيرًا كبيرًا (الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا) لعلَّ التكرار للتأكيد، أو الأول للذات والثاني للصفات والثالث للأفعال، وأفعل لمجرد المبالغة، أو معناه أعظم من أن يعرف عظمته.\nقال ابن الهمام: إن أفعل وفعيلًا في صفاته تعالى سواء، لأنه لا يراد بأكبر إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة، لأنه لا يساويه أحد.\n(والحمد لله كثيرًا) صفة لموصوف مقدر، أي حمدًا كثيرًا على النعم الظاهرة والباطنة في الدنيا والعقبى وما بينهما (الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا ثلاثًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا) أي في أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية، والعامل سبحان، وخص هذين الوقتين لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، كذا ذكره الأبهري، وقال الطيبي: الأظهر أن يراد بهما الدوام كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٢) (ثلاثًا) قيد الكل، كذا في \"المفاتيح\" (٣)، ويحتمل أن يكون قيدًا للأخير، بل هو الظاهر لاستغناء الأولين عن التقييد بتلفظه ثلاثًا.\n(أعوذ بالله من الشيطان من نفخه) بدل اشتمال، أي من كبره المؤدي\n_________\n(١) وسيأتي في الحديث الآتي أنه في التطوع. (ش).\n(٢) سورة مريم: الآية ٦٢.\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٧٩).","vol":"4","page":130},{"text":"وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ». قَالَ: \"نَفْثُهُ الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ\". [جه ٨٠٧، حم ٤/ ٨٠]\n===\nإلى كفره (ونفثه) أي سحره (وهمزه) أي وسوسته، قال الطيبي: النفخ كناية عن الكبر، كأن الشيطان ينفخ فيه بالوسوسة فيعظمه في عينه ويحقر الناس عنده، والنفث عبارة عن الشعر، لأنه ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، انتهى، قلت: والمراد بالشعر الشعر المذموم مما فيه هجو مسلم أو كفر أو فسق.\n(قال) أي عمرو بن مرة، قلت: وفي \"مشكاة المصابيح\": وقال عمر، قال القاري في \"شرحه\": قال ميرك: صوابه عمرو بالواو (نفثه) بالرفع على الإعراب، وبالجر على الحكاية (الشعر) أي المذموم، (ونفخه الكبر، وهمزه الموْتَةُ) بالضم وفتح التاء غير مهموز، نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران، قاله الطيبي، وقال أبو عبيدة: المجنون سماه همزًا، لأنه يحصل من الهمز والنخس، وكل شيء دفعته فقد همزته.\nثم قال الطيبي: إن كان هذا التفسير من متن الحديث فلا معدل عنه، وإن كان من بعض الرواة فالأنسب أن يراد بالنفث السحر، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾ (١)، وأن يراد بالهمز الوسوسة، لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (٢) وهي خطراتهم، فإنهم يغرون الناس على المعاصي، كما تهمز الركضة والدواب بالمهماز، انتهى.\nقلت: وما اعترض عليه ابن حجر وأجاب عنه القاري، فكلاهما ذكرهما القاري في \"المرقاة\" (٣).\n_________\n(١) سورة الفلق: الآية ٤.\n(٢) سورة المؤمنين: الآية ٩٧.\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٧٩).","vol":"4","page":131},{"text":"٧٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- يَقُولُ فِى التَّطَوُّعِ، ذَكَرَ نَحْوَهُ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n٧٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ (١)، أَخْبَرَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، أَخْبَرَنِى أَزْهَرُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرَازِىُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِأَىِّ شَىْءٍ كَانَ يَفْتَتِحُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قِيَامَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ سَأَلْتَنِى عَنْ شَىْءٍ مَا سَأَلَنِى عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ،\n===\n٧٦٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن رجل) هو عاصم العنزي المذكور في الحديث المتقدم، (عن نافع بن جبير، عن أبيه) أي جبير بن مطعم (قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول في التطوع) أي الصلاة النافلة (ذكر) الظاهر أن مرجع الضمير مسعر، ويحتمل أن يكون مسددًا أو يحيى (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.\n٧٦٤ - (حدثنا محمد بن نافع، نا زيد بن الحباب) بضم المهملة وموحدتين (أخبرني معاوية بن صالح، أخبرني أزهر بن سعيد الحرازي) بمهملة وراء خفيفة مفتوحتين وبعد الألف زاي، قال في \"الأنساب\" (٢): هذه النسبة إلى حراز، وهو بطن من ذي الكلاع بن (٣) حمير، نزل حمص أكثرهم.\n(عن عاصم بن حميد) السكوني، مخضرم (قال: سألت عائشة بأي شيء) أي من الدعوات والأذكار (كان يفتتح رسول الله - ﷺ - قيام الليل؟) أي يقرؤها في قيامه من الليل (فقالت) عائشة: (لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك) كأنها -﵂ - حمدت السائل على سؤاله.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حباب\". (ش).\n(٢) (٢/ ٣٩).\n(٣) كذا في الأصل: \"ذي الكلاع بن حمير\"، وفي \"الأنساب\" للسمعاني: ذي الكلاع من حمير.","vol":"4","page":132},{"text":"كَانَ إِذَا قَامَ كَبَّرَ عَشْرًا، وَحَمِدَ اللَّهَ عَشْرًا، وَسَبَّحَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى وَاهْدِنِى، وَارْزُقْنِى، وَعَافِنِى»، وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". [ن ١٦١٧، جه ١٣٥٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِىِّ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ.\n٧٦٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِأَىِّ شَىْءٍ كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ\n===\n(كان) رسول الله - ﷺ - (إذا قام) في الليل (كبر عشرًا) أي يقول: الله أكبر عشر مرات (وحمد الله) أي قال: الحمد لله (عشرًا) أي عشر مرات (وسبح) أي قال: سبحان الله (عشرًا، وهلل) أي قال: لا إله إلَّا الله (عشرًا، واستغفر) أي قال: أستغفر الله (عشرًا، وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (اللَّهمَّ اغفر لي واهدني، وارزقني، وعافني، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة).\n(قال أبو داود: رواه خالد بن معدان عن ربيعة الجرشي) وهو ربيعة بن الغاز بمعجمة وزاي، أبو الغاز الجرشي بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة، مختلف في صحبته (١) (عن عائشة نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (٢).\n٧٦٥ - (حدثنا ابن المثنى) محمد، (نا عمر بن يونس، نا عكرمة، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة: بأي شيء) أي دعاء (كان نبي الله - ﷺ - يفتتح صلاته) أي التهجد (إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل يفتتح صلاته: اللهم رب).\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٦١).\n(٢) أخرج هذه الرواية أحمد في \"مسنده\" (٦/ ١٤٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٧٠٦).","vol":"4","page":133},{"text":"جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ\n===\nقال القاري (١): قيل: لا يجوز نصب رب على الصفة، لأن الميم المشددة بمنزلة الأصوات فلا يوصف بما اتصل به، فالتقدير يا رب جبريل، قال الزجاج: هذا قول سيبويه، وعندي أنه صفة، فكما لا تمتنع الصفة مع ياء لا تمتنع مع الميم، قال أبو علي: قول سيبويه عندي أصح، لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد اللَّهم، ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل في حيز ما لا يوصف نحو حيهل، فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم فلم يوسف، ذكره الطيبي.\n(جبريل) هكذا في نسخ أبي داود غير مهموز، وكذا في نسخ مسلم، وفي النسائي وابن ماجه بالهمزة، وقال في ابن ماجه: قال عبد الرحمن بن عمر: احفظوه جبرائيل مهموزة، فإنه كذا عن النبي - ﷺ -.\n(وميكائيل وإسرافيل) تخصيص هؤلاء بالإضافة مع أنه تعالى رب كل شيء لتشريفهم وتكريمهم على غيرهم، قال ابن حجر: كأنه قدم جبرائيل، لأنه أمين الكتب السماوية، فسائر الأمور الدينية راجعة له، وأخر إسرافيل، لأنه أمين اللوح المحفوظ والصور، فإليه أمر المعاش والمعاد، ووسط ميكائيل، لأنه أخذ بطرف من كل منهما، لأنه أمين القطر والنبات ونحوهما مما يتعلق بالأرزاق المقومة للدين والدنيا والآخرة، وهما أفضل من ميكائيل، وفي الأفضل منهما خلاف.\nقلت: ذكر الله تعالى في القرآن جبريل وميكال باسمهما ولم يذكر إسرافيل.\n(فاطر السموات والأرض) أي مبدعهما (عالم الغيب والشهادة) أي بما غاب وظهر عند غيره (إنت تحكم بين عبادك) في يوم معادك بالتمييز بين المحق\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٣٧).","vol":"4","page":134},{"text":"فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». [م ٧٧٠، ت ٣٤٢٠، ن ١٦٢٥، جه ١٣٥٧، حم ٦/ ١٥٦]\n٧٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُوحٍ قُرَادٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بِإِسْنَادِهِ بِلَا إِخْبَارٍ وَمَعْنَاهُ قَالَ: \"كَانَ إِذَا قَامَ كَبَّرَ وَيَقُولُ ... \" [انظر سابقه]\n===\nوالمبطل بالثواب والعقاب (فيما كانوا فيه يختلفون) أي في أمر الدين في أيام الدنيا.\n(اهدني) أي ثبتني وزدني الهداية (لما اختلف فيه) الهداية يتعدى بنفسه وبإلى وباللام، وما موصولة، أي للذي اختلف فيه عند مجيئ الأنبياء، وهو الطريق المستقيم الذي دعوا إليه فاختلفوا فيه (من الحق) من بيان لما (بإذنك) أي بتوفيقك وتيسيرك (إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) جملة استئنافية متضمنة للتعليل.\n٧٦٦ - (حدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، (نا أبو نوح قراد) عبد الرحمن بن غزوان، (نا عكرمة) بن عمار العجلي (بإسناده) أي بإسناد حديث عكرمة المتقدم (بلا إخبار) وفي نسخة: بالإخبار، إن كان بحرف النفي فمعناه أن حديث أبي نوح عن عكرمة مغاير في اللفظ لحديث يونس عن عكرمة، وإن كان بدون النفي فمعناه أن هذا الحديث من هذا السند موافق في الألفاظ للحديث السابق، ووجه الجمع بينهما أن المراد بالموافقة والمغايرة في الجملة (ومعناه) أي هذا الحديث موافق للحديث المتقدم في معناه.\n(قال) أي عكرمة بهذا السند، أو قال أبو نوح عن عكرمة بسنده: (كان) أي رسول الله - ﷺ - (إذا قام كبر) الظاهر أن المراد بالتكبير تكبيرة الإحرام، وغرضه بهذا أن ذكر التكبير في هذا الحديث زيادة على حديث عمر بن يونس السابق (ويقول) أي رسول الله - ﷺ - هذا الدعاء.","vol":"4","page":135},{"text":"٧٦٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ قال: قال مَالِكٍ: لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِى الصَّلَاةِ فِى أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَفِى آخِرِهِ، فِى الْفَرِيضَةِ وَغَيْرِهَا. [انظر سابقه]\n٧٦٨ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَحْيَى الزُّرَقِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِىِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّى\n===\n٧٦٧ - (حدثنا القعنبي قال: قال مالك) بن أنس الإِمام: (لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله (١) وأوسطه وفي آخره في الفريضة وغيرها) قال في \"المدونة\" (٢): قال مالك: ولا بأس بأن يدعو الرجل لجميع حوائجه في المكتوبة حوائج دنياه وآخرته في القيام والجلوس والسجود، قال: وكان يكرهه في الركوع، وقال في محل آخر: كان مالك يكره الدعاء في الركوع، ولا يرى به بأسًا في السجود، قلت لابن القاسم: أرأيت مالكًا حين كره الدعاء في الركوع كان يكره التسبيح في الركوع؟ قال: لا، وقال في \"مختصر الخليل\" (٣): ودعا بما أحب وإن لدنياه وسمى من أحب، ولو قال: يا فلان فعل الله بك كذا، لم تبطل.\n٧٦٨ - (حدثنا القعنبي، عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن نعيم) مصغرًا (ابن عبد الله المجمر) بإسكان الجيم صفة لعبد الله، لأنه كان يأخذ المجمرة قدام عمر، وقيل: لأنه كان يجمر مسجد رسول الله - ﷺ - أي يبخره، (عن علي بن يحيى الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء بعدها قاف، (عن أبيه) يحيى بن خلاد، (عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا يومًا نصلي) (٤) قال الحافظ: أفاد بشر بن\n_________\n(١) أي: أول قيام الليل، وأوسطه؛ لأن خير الأمور أوسطها، وآخره؛ لأن الدعاء فيه أسمع، قاله ابن رسلان، قلت: وهو الأوجه بما شرح به الشيخ لمناسبة الضمير، وإلَّا فكلام الشيخ أظهر. (ش).\n(٢) (١/ ١٠٠ و٧٤).\n(٣) (١/ ٢٩٠).\n(٤) أخرجه الطبراني، وبَيَّن أن الصلاة كانت المغرب، وسنده لا بأس به (\"المعجم الكبير\" ٥/ ٤١، رقم ٤٥٣٢)، وأصله في \"البخاري\" بدون ذكر العطاس. (ش).","vol":"4","page":136},{"text":"وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا آنِفًا؟». فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا\n===\nعمر الزهراني في روايته عن رفاعة بن يحيى أن تلك الصلاة كانت المغرب (وراء رسول الله - ﷺ -، فلما رفع رسول الله - ﷺ - رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراء رسول الله - ﷺ -).\nقال الحافظ (١): قال ابن بشكوال: هذا الرجل هو رفاعة بن رافع راوي الخبر، ثم استدل على ذلك بما رواه النسائي وغيره عن قتيبة، عن رفاعة بن يحيى الزرقي، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة، عن أبيه قال: \"صليت خلف النبي - ﷺفعطست فقلت: الحمد لله حمدًا\"، الحديث، ونوزع في تفسيره به باختلاف سياق السبب والقصة.\nوالجواب أنه لا تعارض بينهما بل يحمل على أن عطاسه وقع عند رفع رأس رسول الله - ﷺ -، ولا مانع أن يكني عن نفسه لقصد إخفاء عمله، أو كنى عنه لنسيان بعض الرواة لاسمه، وأما ما عدا ذلك من الاختلاف فلا يتضمن إلَّا زيادة لعل الراوي اختصرها.\n(اللَّهم ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف رسول الله - ﷺ -) أي من الصلاة (قال: من المتكلم بها) أي بالكلمة (آنفًا؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله - ﷺ -) أي أنا الذي تكلمت بالكلمة في الصلاة.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا)، قيل: الحكمة في\nاختصاص (٢) العدد المذكور من الملائكة بهذا الذكر أن عدد حروفه مطابق للعدد\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٦).\n(٢) هكذا ذكره العيني (٤/ ٥٣٥) أيضًا، والعجب أنه والحافظ كليهما لم يذكرا شيئًا في =","vol":"4","page":137},{"text":"يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ». [خ ٧٩٩، ق ٢/ ٩٥، خزيمة ٦١٤]\n٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ،\n===\nالمذكور، فإن لفظ بضع يطلق من الثلاث إلى التسع، وعدد الذكر المذكور ثلاثة وثلاثون، قاله الحافظ (١).\n(يبتدرونها أيهم يكتبها أول) روي بالضم على البناء، لأنه ظرف قطع عن الإضافة، وبالنصب على الحال، وأما أَيُّهم فرويناه بالرفع وهو مبتدأ وخبره يكتبها.\n٧٦٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي، (عن مالك) الإِمام، (عن أبي الزبير) المكي، (عن طاوس) بن كيسان، قيل: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، (عن ابن عباس) أي عبد الله (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قام إلى الصلاة) أي التهجد (من جوف الليل يقول) أي قبل الشروع في الصلاة، نقله القاري (٢) عن ميرك، ثم قال: والأظهر أنه كان يقول بعد الافتتاح، أو في قومة الاعتدال.\n(اللَّهم لك الحمد) تقديم الخبر للدلالة على الحصر (أنت نور السموات والأرض) أي منورهما، أو مظهرهما، أو خالق نورهما، وقيل: المراد أهل السماوات والأرض يستضيئون بنوره.\n_________\n= الجمع بين مختلف ما ورد من عدد الملائكة مع أنهما مالا إلى اتحاد القصة، وهو الأقرب من سياق الروايات، ومال صاحب \"فيض الباري\" (٢/ ٣٠٢) إلى التعدد. (ش).\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٧).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٣٥).","vol":"4","page":138},{"text":"وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ (١) السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ (٢)،\n===\n(ولك الحمد، أنت قيام السموات والأرض) ومعناه: الدائم القائم بحفظ المخلوقات، والقيام والقيوم من أبنية المبالغة، وهو القائم بنفسه الذي يقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلَّا به.\n(ولك الحمد أنت رب السموات والأرض) أي مربيهما، والرب لغة المالك والسيد والمدبر والمربي والمكمل والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلَّا على الله إلَّا نادرًا (ومن) غلب فيه العقلاء (فيهن) أي في السماوات والأرض يعني العلويات والسفليات من المخلوقات.\n(أنت الحق) أي الثابت بالوجود الحقيقي الدائم الأزلي الأبدي (وقولك الحق) أي المتحقق الثابت بلا شك فيه، وفي رواية البخاري: \"قولك حق\" بالتنكير، والتعريف للحصر، والتنكير للعظمة.\n(ووعدك الحق) لا خلف في وعده ووعيده في الإنعام والانتقام في حق عبيده، قال الطيبي: عرف الحق في أنت الحق ووعدك الحق، ونكر في البواقي، لأنه لا منكر سلفًا وخلفًا أن الله هو الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال:\nأَلَا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلَا اللهِ بَاطِلُ\nوكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره، إما قصدًا وإما عجزًا، تعالى الله عنهما، والتنكير للبواقي للتفخيم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قيم\".\n(٢) وفي نسخة: \"حق\".","vol":"4","page":139},{"text":"وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ. اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ،\n===\nثم قال القاري (١): فإن قلت: لم عرف الحق في الأوليين، ونكر في البواقي؟ قلت: المعرف بلام الجنس والنكرة المسافة بينهما قريبة، بل صرحوا بأن مؤداهما واحد لا فرق بينهما، إلَّا بأن في المعرفة إشارة إلى أن الماهية التي دخل عليها اللام معلومة للسامع، وفي النكرة لا إشارة إليه، وإن لم تكن إلَّا معلومة، وفي \"صحيح مسلم\": \"قولك الحق\" بالتعريف أيضًا، وقال الخطابي: عرفهما للحصر.\n(ولقاؤك حق) فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، فالمراد به لقاء الله المصير إلى دار الآخرة، وطلب ما هو عند الله، فدخل فيه الرؤية، فإن قلت: ذلك داخل تحت الوعد، قلت: الوعد مصدر، والمذكور بعد هو الموعود، أو هو تخصيص بعد تعميم.\n(والجنة حق) أي نعيمها (والنار حق) أي جحيمها، وفيه إشارة إلى أنهما موجودتان (والساعة حق) أي يوم القيامة، وأصل الساعة القطعة من الزمان، وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها، وأنها مما يجب أن يصدق بها، وتكرار لفظ حق للمبالغة في التأكيد.\n(اللهم لك أسلمت) أي انقدت وخضعت (وبك آمنت) أي صدقت (وعليك توكلت) أي فوضت الأمر إليك تاركًا للنظر في الأسباب العادية (وإليك أنبت) أي رجعت إليك في تدبير أمري (وبك خاصمت) أي بما أعطيتني من البرهان، ولقنتني من الحجة، وبقوتك خاصمت أعداءك (وإليك حاكمت) أي كل من جحد الحق حاكمته إليك، وجعلتك الحكم بيننا، لا من كانت أهل الجاهلية تتحاكم إليه من كاهنهم وغيره.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٦).","vol":"4","page":140},{"text":"فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ. أَنْتَ إِلَهِى لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ». [خ ١١٢٠، م ٧٦٩، ت ٣٤١٨، ن ١٦١٩، حم ١/ ٢٩٨، دي ١٤٨٦]\n٧٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ -، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ فِى التَّهَجُّدِ يَقُولُ بَعْدَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ»، ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَاهُ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n٧٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ\n===\n(فاغفر لي) قال ذلك مع كونه مغفورًا له، إما على سبيل التواضع والهضم لنفسه وإجلاله وتعظيمًا لربه، أو على سبيل التعليم لأمته ليقتدى به (ما قدمت) أي من الذنوب، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين (وأخرت وأسررت وأعلنت) أي: أخفيت وأظهرت، (إنت إلهي لا إله إلَّا أنت).\n٧٧٠ - (حدثنا أبو كامل) الجحدري فضيل بن حسين، (نا خالد- يعني ابن الحارث-، نا عمران بن مسلم) المنقري بكسر الميم وسكون النون، أبو بكر القصير البصري (أن قيس بن سعد) المكي (حدثه قال: نا طاوس، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - كان في التهجد يقول بعد ما يقول: الله أكبر)، يقول رسول الله - ﷺ - بعد ما يكبر تكبيرة الافتتاح (ثم ذكر) قيس بن سعد، أو أبو كامل شيخ المصنف (معناه) أي معنى الحديث المتقدم.\nوغرضه بذكر هذا السياق أن الحديث المتقدم لم يذكر فيه أن رسول الله - ﷺ - يقول هذا الدعاء داخل الصلاة أو خارجها، فحبين بهذا السياق أنه - ﷺ - يقول هذا الدعاء داخل الصلاة بعد التحريمة.\n٧٧١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وسعيد بن عبد الجبار)، هكذا في النسخ الموجودة إلَّا في النسخة القادرية و\"عون المعبود\" (١)، ففيهما: قتيبة بن سعيد بن عبد الجبار، وهو غلط، فإن قتيبة ليس جده عبد الجبار، بل هما شيخان\n_________\n(١) انظر: (٢/ ٤٧٥).","vol":"4","page":141},{"text":"نَحْوَهُ: قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ. عَنْ عَمِّ أَبِيهِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَعَطَسَ رِفَاعَةُ - ولَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ: رِفَاعَةُ - فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- انْصَرَفَ\n===\nلأبي داود: قتيبة بن سعيد بن جميل وسعيد بن عبد الجبار بن يزيد القرشي (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.\n(قال قتيبة: نا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة (١) بن رافع، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه قال) رفاعة: (صليت خلف رسول الله - ﷺ - فعطس رفاعة) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة (ولم يقل قتيبة: رفاعة) بل قال: فعطست، كما في الترمذي والنسائي (فقلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه).\nقال الحافظ (٢): قيل: الأول بمعنى الزيادة، والثاني بمعنى البقاء، قال الله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ (٣)، هذا يناسب الأرض، لأن المقصود به النماء والزيادة لا البقاء، لأنه بصدد التغير، وقال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (٤)، فهذا يناسب الأنبياء، لأن البركة باقية لهم، ولما كان الحمد يناسبه المعنيان جمعهما، كذا قرره بعض الشراح ولا يخفى ما فيه.\n(كما يحب ربنا ويرضى) فيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد، (فلما صلَّى رسول الله - ﷺ -) أي أتم الصلاة (انصرف) إلى الجماعة\n_________\n(١) كان حق الحديث أن يذكر في \"باب تشميت العاطس في الصلاة\"، والحديث ذكره ابن العربي وبسط طرقه. [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١٩٣)]. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٦).\n(٣) سورة فصلت: الآية ١٠.\n(٤) سورة الصافات: الآية ١١٣.","vol":"4","page":142},{"text":"فَقَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِى الصَّلَاةِ؟» ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ وَأَتَمَّ مِنْهُ. [ت ٤٠٤، ن ٩٣١، ق ٢/ ٩٥، حم ٤/ ٣٤٠]\n٧٧٢ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَطَسَ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ\n===\n(فقال: من المتكلم في الصلاة؟ ثم ذكر) أي قتيبة (نحو حديث مالك) المتقدم (وأتم منه) أي أتم من حديث مالك.\nوفي الترمذي: قال أبو عيسى: حديث رفاعة حديث حسن، وكان هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع، لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه، ولم يوسعوا بأكثر من ذلك.\nومذهب (١) الحنفية فيه ما قال الحلبي في شرح \"المنية\" (٢): ولو عطس المصلي فقال: الحمد لله لا تفسد صلاته، لأنه لم يتغير بعزيمته عن كونه ثناء ولا خطاب فيه، وعن أبي حنيفة: أن هذا إذا حمد في نفسه من غير أن يحرك شفتيه، فإن حرك فسدت، والأول هو الظاهر، ثم الذي ينبغي للعاطس هو أن يسكت، وقيل: يحمد في نفسه.\n٧٧٢ - (حدثنا العباس بن عبد العظيم، نا يزيد بن هارون، أنا شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه) أي عامر بن ربيعة (قال: عطس شابٌّ من الأنصار)، هو رفاعة المذكور في الرواية المتقدمة\n_________\n(١) ولا يذهب عليك أن جواب العاطس لنفسه لا يفسد الصلاة مطلقًا، حتى لو قال: يرحمك الله لا تفسد أيضًا، أما لغيره لو أجاب بيرحمك الله يفسد، ولو أجاب بالحمد لله لا تفسد على الأصح، كذا في \"الشامي\" (٢/ ٤٥٦). وسيأتي البسط فيه في \"باب تشميت العاطس في الصلاة\". (ش).\n(٢) (ص ٤٣٩).","vol":"4","page":143},{"text":"خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِى الصَّلَاةِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّنَا، وَبَعْدَ مَا يَرْضَى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنِ الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ؟» قَالَ: فَسَكَتَ الشَّابُّ، ثُمَّ قَالَ: «مَنِ الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،\n===\n(خلف رسول الله - ﷺ - وهو) أي الشابُّ أو رسول الله - ﷺ - (في الصلاة، فقال) الشابُّ: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه حتى يرضى ربنا، وبعد ما يرضى) أي لا ينتهي له الحمد إلى الرضا، فإذا رضي انقطع الحمد له، بل له الحمد قبل الرضا وبعد الرضا أيضًا (من أمر الدنيا والآخرة) لفظ من سببية أو بمعنى على، والمراد بالأمر النعماء الشاملة، أي لأجل نعمائه في الدنيا والآخرة، أو على نعمائه الدنيوية والأخروية.\n(فلما انصرف رسول الله - ﷺ -) من الصلاة إلى الناس (قال: من القائل الكلمة؟)، والمراد بالكلمة الكلام الذي تكلم به الشاب، وقد تطلق الكلمة على الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (١).\n(قال: فسكت الشاب)، وقد استشكل تأخير رفاعة إجابة النبي - ﷺ - حين كرر سؤاله ثلاثًا مع أن إجابته واجبة عليه، بل وعلى كل من سمع كلام رفاعة، فإنه لم يسأل المتكلم وحده.\nوأجيب بأنه لما لم يعين واحدًا بعينه لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم ولا من واحد بعينه، فكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء ظنًّا منهم أنه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه، وكأنه - ﷺ - لما رأى سكوتهم فهم ذلك، فعرفهم أنه لم يقل بأسًا، قاله الحافظ (٢)، (ثم قال: من القائل الكلمة، فإنه لم يقل بأسًا؟) أي لم يتكلم بكلمة فيها ضرر (فقال) أي الشاب: (يا رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية ١١٥.\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٦).","vol":"4","page":144},{"text":"أَنَا قُلْتُهَا، لَمْ أُرِدْ بِهَا إلَّا خَيْرًا. قَالَ: «مَا تَنَاهَتْ دُونَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ جلَّ ذكرُهُ».\n\n(١٢٤) بَابُ (١) مَنْ رَأَى الاسْتِفْتَاحَ بِـ: سُبْحَانَكَ\n٧٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ بن سليمان، عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَلِىٍّ الرِّفَاعِىِّ، عَنْ أَبِى الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».\n===\nأنا قلتها، لم أرد بها إلَّا خيرًا، قال: ما تناهت) أي انتهت وكفت (دون عرش الرحمن جل ذكره) بل وصلت إلى العرش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>(١٢٤) (بَابُ مَنْ رَأَى الاستِفْتَاحَ بِـ: سُبْحَانَكَ) </span>(٢)\n٧٧٣ - (حدثنا عبد السلام بن مطهر، نا جعفر بن سليمان، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي) بنون وجيم، مشهور بكنيته، (عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل) أي للتهجد (كبر) لافتتاح الصلاة (ثم يقول: سبحانك اللَّهم وبحمدك وتبارك اسمك) البركة ثبوت الخير الإلهية في الشيء (وتعالى جدك) أي علا جلالتك وعظمتك (ولا إله غيرك).\nقال في \"النيل\" (٣): قال المصنف: واختيار هؤلاء يعني الصحابة الذين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما جاء فيمن رأى الاستفناح بسبحانك اللَّهمَّ وبحمدك\". (ش).\n(٢) قال ابن قدامة: ولنا ما روت عائشة، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وعن أبي سعيد نحوه وعن أنس، ورواة هذا الحديث كلهم ثقات، وعمل به السلف، فكان عمر - ﵁ - يستفتح به بين يدي الصحابة، فلذلك اختاره أحمد. [انظر: \"المغني\" (٢/ ١٤٤)]، وبسطه العيني (٤/ ٤١١)، وقال ابن القيم في \"الهدي\" (١/ ١٩٨): اختاره أحمد لعشرة وجوه. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٨).","vol":"4","page":145},{"text":"ثُمَّ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ» ثَلَاثًا. ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا» ثَلَاثًا، «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ»، ثُمَّ يَقْرَأُ. [ت ٢٤٢، ن ٨٩٩، جه ٨٠٤، حم ٣/ ٥٠، خزيمة ٤٦٧، دي ١٢٣٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ (١) يَقُولُونَ: هُوَ عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَلِىٍّ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا، الْوَهَمُ مِنْ جَعْفَرٍ.\n===\nذُكروا بهذا الاستفتاح، وجهر عمر به أحيانًا بمحضر من الصحابة لتعليمه الناس مع أن السنة إخفاؤه، يدل على أنه الأفضل، وأنه الذي كان النبي - ﷺ - يداوم عليه غالبًا، وإن استفتح بما رواه علي أو أبو هريرة، فحسن لصحة الرواية به.\n(ثم يقول: لا إله إلَّا الله ثلاثًا) أي ثلاث مرات (ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا) أي ثلاث مرات، (أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، ثم يقرأ) أي يشرع في قراءة القرآن.\n(قال أبو داود: وهذا الحديث) أي حديث أبي سعيد الخدري (يقولون) أي المحدثون: (هو عن علي بن علي، عن الحسن) البصري (مرسلًا) (٢) أي لم يذكر فيه أبا سعيد الخدري، بل رفعه الحسن البصري إلى رسول الله - ﷺ -.\n(الوهم من جعفر) أي وهم جعفر بن سليمان فرفعه موصولًا، قلت: أما أبو داود فضعفه ونسب الوهم إلى جعفر بن سليمان.\nوجعفر بن سليمان هذا وثَّقه ابن معين، وقال أحمد: لا بأس به، وقال ابن المديني: وهو ثقة عندنا، وقال ابن شاهين في المختلف فيهم: إنما تكلم فيه لعلة المذهب، وما رأيت من طعن في حديثه، إلَّا ابن عمار بقوله: جعفر بن سليمان ضعيف، وقال البزار: لم نسمع أحدًا يطعن عليه في الحديث ولا في الخطأ فيه، إنما ذكرت عنه شيعيته، وأما حديثه فمستقيم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وهذا حديث\".\n(٢) أخرج المصنف الرواية المرسلة في \"المراسيل\" برقم (٣٢).","vol":"4","page":146},{"text":"٧٧٤ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ الْمُلَائِىُّ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِى الْجَوْزَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ». [ت ٢٤٣، قط ١/ ٣٠١، ق ٢/ ٣٤، خزيمة ٤٧٠، جه ٨٠٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بن\n===\nوأما الترمذي فضعفه لأجل علي بن علي، فقال: قد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي، انتهى.\nوعلي بن علي هذا روى عنه وكيع ووثَّقه، وقال الفضل بن دكين وعفان: كان علي بن علي الرفاعي يشبه بالنبي - ﷺ -، وقال أحمد بن حنبل: هو صالح، وقال محمد بن عبد الله بن عمار: زعموا أنه كان يصلي كل يوم ستمائة ركعة، وكان يشبه عيناه بعيني النبيﷺ -، وكان رجلًا عابدًا، ما أرى أن يكون له عشرون حديثًا، قيل له: أكان ثقة؟ قال: نعم، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، لا يحتج بحديثه، وقال يعقوب بن إسحاق: قدم علينا شعبة فقال: اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا علي بن علي الرفاعي، كذا في \"النيل\" (١)، وأما أحمد بن حنبل فقال: لا يصح هذا الحديث، ولم يبين وجه ضعفه.\n٧٧٤ - (حدثنا حسين بن عيسى، نا طلق بن غنام، نا عبد السلام بن حرب الملائي) بضم الميم وتخفيف اللام، (عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء) أوس بن عبد الله الربعي، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.\nقال أبو داود: وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٩).","vol":"4","page":147},{"text":"حَرْبٍ، لَمْ يَرْوِهِ إلَّا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، وَقَدْ رَوَى قِصَّةَ الصَّلَاةِ عَنْ بُدَيْلٍ (١) جَمَاعَةٌ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ شَيْئًا مِنْ هَذَا.\n===\nحرب، لم يروه عن عبد السلام إلَّا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة، لم يذكروا فيه شيئًا من هذا).\nقلت: أخرج الترمذي وابن ماجه والدارقطني بسندهم عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللَّهم، الحديث، ثم قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه.\nوأيضًا أخرج الدارقطني بسنده عن سهل بن عامر أبي عامر البجلي، ثنا مالك بن مغول، عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة، فسألتها عن افتتاح النبي - ﷺ - فقالت: كان إذا كبر قال: سبحانك اللَّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.\nقال في \"الميزان\": سهل بن عامر البجلي عن مالك بن مغول كذبه أبو حاتم، وقال خ: منكر الحديث.\nوقد أخرجه الدارقطني بسند أبي داود، ثم قال في آخره: قال أبو داود: لم يروه عن عبد السلام غير طلق بن غنام، وليس هذا الحديث بالقوي.\nقال في \"النيل\" (٢): قال الحافظ محمد بن عبد الواحد: ما علمت فيهم يعني رجال إسناد أبي داود مجروحًا، انتهى.\nوطلق بن غنام أخرج عنه البخاري في \"الصحيح\"، وعبد السلام بن حرب أخرج له الشيخان، ووثَّقه أبو حاتم، وقد صحَّح الحاكم هذا الحديث، وأورد له شاهدًا، وقال الحافظ: رجال إسناده ثقات، لكن فيه انقطاع.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"جماعة غير واحد عن بديل بن ميسرة\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٧).","vol":"4","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>(١٢٥) بَابُ السَّكْتَةِ عِنْدَ الافْتِتَاحِ</span>\n٧٧٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ سَمُرَةُ: \"حَفِظْتُ سَكْتَتَيْنِ\n===\nقال في \"تهذيب التهذيب\": وقول البخاري: في إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة.\nقلت: حديثه عن عائشة في الافتتاح بالتكبير عند مسلم، وذكر ابن عبد البر في \"التمهيد\" أيضًا أنه لم يسمع منها، وقال جعفر الفريابي في \"كتاب الصلاة\": ثنا مزاحم بن سعيد، ثنا ابن المبارك، ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا بديل العقيلي، عن أبي الجوزاء قال: أرسلت رسولًا إلى عائشة يسألها، فذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء، والله أعلم، انتهى.\nقلت: فما حكى الشوكاني عن الحافظ قوله: لكن فيه انقطاع، فهو على مذهب البخاري، وأما على مذهب مسلم فليس فيه انقطاع، وأما ما تكلم فيه أبو داود بأن هذا شاذ فغير سديد، لأنه من باب زيادة الثقة، وهي مقبولة.\n\n(١٢٥) (بَابُ السَّكْتَةِ عِنْدَ الافْتِتَاحِ)\nأي: بعد تكبيرة الافتتاح قبل القراءة\n٧٧٥ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم، نا إسماعيل) بن علية، (عن يونس) بن عبيد بن دينار العبدي، (عن الحسن) (١) البصري، (قال: قال سمرة) بن جندب: (حفظت سكتتين)، المراد بالسكتة السكوت عن الجهر وترك رفع الصوت\n_________\n(١) سيأتي في \"باب التشهد\" قول المصنف: دلت الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة، وقال ابن رسلان: حسن بن عبيد، فتأمل. (ش).","vol":"4","page":149},{"text":"فِى الصَّلَاةِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ الإِمَامُ حَتَّى يَقْرَأَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ عِنْدَ الرُّكُوعِ، قَالَ: فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ. قَالَ: فَكَتَبُوا فِى ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أُبَىٍّ، فَصَدَّقَ سَمُرَةَ\". [جه ٨٤٥، ت ٢٥١، حم ٥/ ٧، خزيمة ١٥٧٨، حب ١٨٠٧، قط ١/ ٣٣٦، ك ١/ ٢٥١، ق ٢/ ١٩٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا قَالَ حُمَيْدٌ فِى هَذَا الْحَدِيثِ: \"وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ\".\n===\n(في الصلاة: سكتة) أي إحداهما (إذا كبر الإِمام) أي كبر رسول الله - ﷺ - (حتى يقرأ) أي يشرع في القراءة (وسكتة) أي ثانيتهما (إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع) أي قبل الركوع.\n(قال) أي الحسن: (فأنكر ذلك عليه) أي على سمرة (عمران بن حصين، قال) أي الحسن: (فكتبوا) (١) أي الناس، أو سمرة وعمران (في ذلك) أي في الاختلاف الذي وقع بينهما في السكتتين (إلى المدينة إلى أبي) بن كعب، وكان سمرة وعمران في البصرة (فصدق) أي أبي بن كعب (سمرة، قال أبو داود: وكذا قال حميد في هذا الحديث: وسكتة (٢) إذا فرغ من القراءة).\nهذا التعليق أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٣) موصولًا: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن، عن سمرة بن جندب أن رسول الله - ﷺ - كانت له سكتتان: سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع، فذكر ذلك لعمران بن\n_________\n(١) فيه العمل بالمكاتبة، وعمل به جماعة من أهل الأصول، بسطها ابن رسلان. (ش).\n(٢) قال ابن العربي (٢/ ٥٢): اختلف الناس فيه على ثلاثة أقوال: قيل: ساقطة، قاله علماؤنا، أو لتتراد النفس، قاله قتادة، أو يقرأ المأموم الفاتحة. قاله الشافعي. (ش).\n(٣) (٥/ ١٥).","vol":"4","page":150},{"text":"٧٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَاّدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- \"أَنَّهُ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَتَيْنِ: إِذَا اسْتَفْتَحَ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا\"، فَذَكَرَ (١) مَعْنَى (٢) يُونُسَ. [دي ١٢٤٣، وانظر تخريج الحديث السابق]\n٧٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ \"أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ تَذَاكَرَا، فَحَدَّثَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَحَفِظَ ذَلِكَ (٣) سَمُرَةُ،\n===\nحصين، فقال: كذب سمرة، فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أبي بن كعب، فقال: صدق سمرة.\n٧٧٦ - (حدثنا أبو بكر بن خلاد) هو محمد بن خلاد الباهلي البصري، (نا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي، أبو عثمان البصري، (عن أشعث) بن عبد الملك الحمراني، أبو هانئ البصري، (عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي - ﷺ - أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح) أي بعد تكبيرة الافتتاح (وإذا فرغ من القراءة كلها) أي بين القراءة والركوع (فذكر) أي الأشعث حديثه (بمعنى حديث يونس) المتقدم.\n٧٧٧ - (حدثنا مسدد، نا يزيد) بن زريع، (نا سعيد) بن أبي عروبة، (نا قتادة، عن الحسن أن سمرة بن جندب وعمران بن حصين تذاكرا، فحدث سمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول اللهِ - ﷺ - سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٤). فحفظ ذلك سمرة،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثم ذكر\".\n(٢) وفي نسخة: \"بمعنى\".\n(٣) وفي نسخة: \"عليه\".\n(٤) قيل: ليقرأ المأموم الفاتحة ويتمها في السكتة الثانية لو بقي منها شيء. (ش).","vol":"4","page":151},{"text":"وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَكَتَبَا فِى ذَلِكَ إِلَى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ فكَانَ (١) فِى كِتَابِهِ إِلَيْهِمَا، أَوْ فِى رَدِّهِ عَلَيْهِمَا: أَنَّ سَمُرَةَ قَدْ حَفِظَ\". [انظر تخريج الحديث رقم ٧٧٧]\n٧٧٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بِهَذَا قَالَ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: سَكْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ فِيهِ: قَالَ سَعِيدٌ: قُلْنَا لِقَتَادَةَ: مَا هَاتَانِ السَّكْتَتَانِ؟ قَالَ (٢): إِذَا دَخَلَ فِى صَلَاتِهِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: وَإِذَا قَالَ:\n===\nوأنكر عليه) أي على سمرة (عمران بن حصين (٣)، فكتبا في ذلك) أي في اختلافهما (إلى أبي بن كعب فكان في كتابه) أي أبي بن كعب (إليهما) أي إلى سمرة وعمران (أو) للشك من الراوي (في رده) أي في جوابه (عليهما: أن سمرة قد حفظ).\n٧٧٨ - (حدثنا ابن المثنى) محمد، (نا عبد الأعلى، نا سعيد بهذا) أي بالحديث المتقدم (قال) أي سعيد: (عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: سكتتان حفظتهما عن رسول الله - ﷺ -، قال) عبد الأعلى أو ابن المثنى (فيه) أي في هذا الحديث: (قال سعيد: قلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال) قتادة: (إذا دخل في صلاته) أي إحدى (٤) السكتتين بعد تكبيرة الافتتاح (و) ثانيتهما: (إذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد) أي بعد ذلك: (وإذا قال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) وقال: حفظنا سكتة، أي واحدة كما في الترمذي، قال ابن القيم في \"الهدي\" (١/ ٢٠١): في الحديث المرفوع سكتتان فقط، وتعينتا من قتادة، وبسطها، وكذا بسطه في \"كتاب الصلاة\" له. (ش).\n(٤) وفي الأصل: \"أحد السكتتين\"، وهو تحريف.","vol":"4","page":152},{"text":"﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. [انظر تخريج الحديث رقم ٧٧٧]\n===\n﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) أي قال قتادة أولًا: إن السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة، وكان هذا يوهم أن هذه السكتة كانت بعد السورة قبل الركوع، فدفعه بقوله: وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، يعني المراد من القراءة في قوله: وإذا فرغ من القراءة قراءة الفاتحة لا مطلقًا.\nويحتمل أن يكون معنى هذا الكلام أنه - ﷺ - كان إذا فرغ من القراءة عند الركوع يسكت سكتة، ثم قال قتادة بعد هذا: ويسكت - ﷺ - إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، كأنه سكتة ثالثة.\nولكن يؤيد الأول ما أخرجه أبو داود من حديث يزيد بن زريع عن سعيد، فإن فيه تصريحًا بأن السكتة الثانية بعد الفراغ من قراءة الفاتحة، وأيضًا لو كانت هذه سكتة ثالثة لزم أن يقول: ثلاث سكتات حفظتها.\nويؤيد الثاني ما قال الدارمي في \"سننه\" (٢): قال أبو محمد: كان قتادة يقول: ثلاث سكتات، وفي الحديث المرفوع سكتتان.\nاعلم أن هذا الحديث الذي حدث الحسن عن سمرة فيه ذكر سكتتين: إحداهما بعد تكبيرة الافتتاح قبل القراءة، وهذه السكتة متفقة عليها، ذكرها أبو هريرة كما ذكرها سمرة، وسيأتي في آخر الباب حديث أبي هريرة، وقد أخرجه الشيخان، والسكتة الثانية لم أقف عليها إلَّا في حديث سمرة.\nولقد اضطربت الروايات فيها فروى أبو داود عن إسماعيل بن علية، عن يونس، عن الحسن، وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع.\nثم ذكر حديث حميد تعليقًا، وقال: كذا قال حميد في هذا الحديث: وسكتة إذا فرغ من القراءة.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: قال بهذه السكتة الشافعي وأحمد، وأنكره مالك وأبو حنيفة. (ش).\n(٢) (١/ ٢٠٠).","vol":"4","page":153},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم ذكر حديث أشعث عن الحسن موصولًا ولفظه: أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها.\nوخالفه الدارقطني فأخرج بسنده من طريق إسماعيل بن علية عن يونس بن عبيد، عن الحسن، ولفظه: وسكتة إذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب، فأنكر الحديث لم يذكر لفظ \"وسورة عند الركوع\".\nثم أيده برواية هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن ولفظه: \"وإذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ سكت سكتة\".\nوأما الإِمام أحمد فأخرج حديث يونس في مواضع من \"مسنده\" بعضها يوافق أبا داود، وبعضها يوافق الدارقطني، قال في موجمع: عن يزيد بن زريع، عن يونس: وإذا فرغ من قراءة السورة سكت هُنَيَّةً، وفي موضع آخر: عن إسماعيل عن يونس وفيه: وإذا فرغ من قراءة الفاتحة وسورة عند الركوع، وفي موضع آخر: عن هشيم، عن منصور يونس ولفظه: سكت سكتتين: إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ سكت أيضًا هُنَيَّةً.\nوأما حديث قتادة عن الحسن فأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد في \"مسنده\".\nوأما حديث الإِمام أحمد فهو عن محمد بن جعفر، عن سعيد، عن قتادة اختصره، ولم يذكر محل السكتتين.\nوأما أبو داود والترمذي وابن ماجه فأخرجوا من طريق عبد الأعلى نا سعيد، عن قتادة قال: وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد: وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\nوأما أبو داود فقط فأخرج من طريق يزيد بن زريع، نا سعيد، نا قتادة قال: وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.","vol":"4","page":154},{"text":"٧٧٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ (١)، عَنْ عُمَارَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عُمَارَةَ (٣) الْمَعْنَى، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا كَبَّرَ فِى الصَّلَاةِ سَكَتَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، أَخْبِرْنِى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أقول: اللَّهُمَّ بَاعِدْ\n===\n٧٧٩ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب) منسوب إلى جده، وهو أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب، (نا محمد بن فضيل، عن عمارة) بن القعقاع، (ح): يقول أبو داود: (وثنا أبو كامل، نا عبد الواحد) بن زياد، (عن عمارة المعنى) أي معنى حديث محمد وفضيل (٤) واحد، (عن أبي زرعة) هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، اختلف في اسمه على أقوال.\n(عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا كبر) أي للافتتاح (في الصلاة سكت بين التكبير والقراءة، فقلت له: بأبي (٥) أنت وأمي) أي مُفَدّى أنت بأبي وأمي (أرأيت) أي أخبرني (سكوتك بين التكبير والقراءة (٦)، أخبرني) تأكيد لقوله: أرأيت (ما تقول) في سكوتك؟\n(قال) رسول الله - ﷺ -: أدعو بهذا الدعاء: (اللَّهم باعد)، قال\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الفضيل\".\n(٢) وفي نسخة: \"عن\".\n(٣) وفي نسخة: \"المعنى عن عمارة\".\n(٤) كذا في الأصل، والصواب: \"محمد بن فضيل وعبد الواحد واحد\". (ش).\n(٥) استدل به على جواز هذا القول، وقيل: بخصوصيته له - ﷺ -، ولا دليل على التخصيص. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) قالوا: إن هذه السكتة ليقرأ المأموم الفاتحة، كما اختاره بعض الشافعية، ورُدَّ بأن الإِمام الشافعي لم يقله، بل قال بعض الشافعية: يكره تقديم المأموم الفاتحة، بل قيل: تفسد الصلاة. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":155},{"text":"بَيْنِى وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ أَنْقِنِى (١) مِنْ خَطَايَاىَ كَالثَّوْبِ الأَبْيَضِ مِنَ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْنِى بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ». [خ ٧٤٤، م ٥٩٨، ن ٨٩٤، جه ٨٠٥، دي ١٢٤٤، حم ٢/ ٢٣١]\n===\nالحافظ (٢): المراد بالمباعدة هو ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهو مجاز لأن حقيقة المباعدة إنما هو في الزمان والمكان (بيني وبين خطاياي) أي: زلاتي (كما باعدت (٣) بين المشرق والمغرب)، قال الحافظ: وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يبقى له منها اقتراب بالكلية.\n(اللهم أنقني) وفي البخاري: \"نَقِّنِي\"، قال الحافظ: مجاز عن زوال الذنوب ومحو أثرها، ولما كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به (من خطاياي كالثوب الأبيض من الدنس)، وفي رواية البخاري: \"كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيض من الدنس\".\n(اللَّهم اغسلني) وفي البخاري: \"اغسل\" (بالثلج (٤) والماء والبرد) (٥)، قال الحافظ: قال الخطابي: ذكر الثلج والبرد تأكيد، أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، قال: وقال الطيبي (٦): يمكن أن يكون\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نقني\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٠).\n(٣) وفيه مجازات ذكرها ابن رسلان. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: استدل به بعض الشافعية على أنهما من المطهرات واستبعد إلى آخر ما ذكر. (ش).\n(٥) قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (٣/ ٣٩٧): إنها أمثال لم يرد أعيان هذه المسميات، إنما أراد التأكيد في التطهير، ويقال: هذه استعارة للمبالغة في الطهارة من الذنوب، والحديث محمول على صلاة الليل.\n(٦) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٧١).","vol":"4","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: بَرَّد الله مضجعه، أي رحمه ووقاه عذاب النار.\nويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًّا عن الماء إلى أبرد منه، انتهى مختصرًا.\nوقال العيني في \"شرح البخاري\" (١): واستحب الشافعي الاستفتاح بحديث علي عند مسلم، وقال ابن الجوزي: كان ذلك في أول الأمر أو النافلة، قلت: كان في النافلة، والدليل عليه ما رواه النسائي من حديث محمد بن مسلمة: \"أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قام يصلي تطوعًا قال: وجهت وجهي\" إلى آخره، ولكن في \"صحيح ابن حبان\": \"كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله\"، وقال ابن قدامة: العمل به متروك، فإنا لا نعلم أحدًا استفتح بالحديث كله، وإنما يستفتحون بأوله.\nوقال ابن الأثير في \"حديث المسند\" (٢): الذي ذهب إليه الشافعي في \"الأم\" أنه يأتي بهذه الأذكار جميعًا من أولها إلى آخرها في الفريضة والنافلة، وأما المزني فروى عنه أنه يقول: وجهت وجهي إلى قوله: من المسلمين.\nقال أبو يوسف: يجمع بين قول: سبحانك اللهم وبحمدك، وبين قول: وجهت وجهي، وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي حامد الشافعيين.\nوفي \"المحيط\": يستحب قول: وجهت وجهي قبل التكبير، وقيل: لا يستحب لتطويل القيام مستقبل القبلة من غير صلاة.\n_________\n(١) (٤/ ٤١٣).\n(٢) كذا في الأصل، والصواب \"شرح المسند\" كما في \"عمدة القاري\" (٤/ ٤١٣)، لابن الأثير شرح المسند الشافعي اسمه: \"الشافي في شرح مسند الشافعي\".","vol":"4","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>(١٢٦) بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الجَهْرَ بِـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ</span>\n===\n\n(١٢٦) (بَابُ مَنْ (١) لَمْ يَرَ الجَهْرَ بِـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)\nفي ابتداء الفاتحة أو السورة في الصلاة، وفي النسخة المصرية: باب الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.\nقلت: قال في \"البدائع\" (٢): ثم يخفي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وقال الشافعي: يجهر به.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): وقد استدل بالحديث من قال: إنه لا يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهم على ما حكاه ابن سيد الناس في \"شرح الترمذي\" علماء الكوفة ومن شايعهم، قال: وممن رأى الإسرار بها عمر وعلي وعمار.\nوقد اختلف عن بعضهم فروي عنه الجهر، وممن لم يختلف عنه أنه كان يسر بها عبد الله بن مسعود، وبه قال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين والحسن وابن سيرين.\nوروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير، وروي عنهما الجهر بها، وروي عن علي أنه كان لا يجهر بها، وعن سفيان وإليه ذهب الحكم وحماد والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد، وحكي عن النخعي. وروي عن عمر، قال أبو عمر من وجوه ليست بالقائمة أنه قال: يخفي الإِمام أربعًا: التعوذ، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وآمين، وربنا لك الحمد.\n_________\n(١) وذكر الترمذي فيه حديث عبد الله بن مغفل لابنه: أي بنيّ محدث، وأجاد الزيلعي على \"الهداية\" الكلام على هذه المسألة مهذبًا ومنقحًا، فليراجع. [انظر: \"نصب الراية\" (١/ ٣٢٧ - ٣٦١)]. (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٧٤).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢).","vol":"4","page":158},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوروى علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود قال: ثلاث يخفيهن الإِمام: الاستعاذة، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وآمين، وروي نحو ذلك عن إبراهيم والثوري، وعن الأسود: صليت خلف عمر سبعين صلاة فلم يجهر فيها ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه قال: الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بدعة، وروى الترمذي والحازمي الإسرار عن أكثر أهل العلم.\nوأما الجهر بها عند الجهر بالقراءة فروي عن جماعة من السلف، قال ابن سيد الناس: روي ذلك عن عمر وابن عمر وابن الزبير وابن عباس وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر، وعن عمر فيها ثلاث روايات أنه لا يقرؤها وأنه يقرؤها سرًا وأنه يجهر بها، وكذلك اختلف عن أبي هريرة في جهره بها وإسراره.\nوروى الشافعي بإسناده عن أنس بن مالك قال: صلَّى معاوية بالناس بالمدينة صلاة جهر فيها بالقراءة فلم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولم يكبر في الخفض والرفع، فلما فرغ ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية! نَقَصْتَ الصلاة، أين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ وأين التكبير إذا خفضتَ ورفعتَ؟ فكان إذا صلَّى بهم [بعد ذلك] قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وكبر، أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١)، وقال: صحيح على شرط مسلم.\nوذكره الخطيب عن أبي بكر الصديق وعثمان وأُبي بن كعب وأبي قتادة وأبي سعيد وأنس وعبد الله بن أبي أوفى وشدّاد بن أوس وعبد الله بن جعفر والحسين بن علي ومعاوية.\nقال الخطيب: وأما التابعون ومن بعدهم ممن قال بالجهر بها فهم أكثر من أن يذكروا وأوسع من أن يحصروا، منهم سعيد بن المسيب وطاوس وعطاء\n_________\n(١) انظر: (١/ ٢٣٣).","vol":"4","page":159},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومجاهد وأبو وائل وسعيد بن جبير وابن سيرين وعكرمة وعلي بن الحسين وابنه محمد بن علي وسالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن المنكدر وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن كعب ونافع مولى ابن عمر وأبو الشعثاء وعمر بن عبد العزيز ومكحول وحبيب بن أبي ثابت والزهري وأبو قلابة وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه والأزرق بن قيس وعبد الله بن معقل بن مقرن.\nوممن بعد التابعين: عبيد الله العمري والحسن بن زيد وزيد بن علي بن حسين ومحمد بن عمر بن علي وابن أبي ذئب والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه.\nوزاد البيهقي في التابعين عبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية وسليمان التيمي، ومن تابعيهم المعتمر بن سليمان، وزاد أبو عمر عن أصبغ بن الفرج، قال: كان ابن وهب يقول بالجهر، ثم رجع إلى الإسرار، وحكاه غيره عن ابن المبارك وأبي ثور، انتهى.\nقال في \"البدائع\" (١): والكلام في التسمية في مواضع:\nأحدها: أنها من القرآن أم لا؟\nالثاني: أنها من الفاتحة أم لا؟\nوالثالث: أنها من رأس كل سورة أم لا؟\nأما الأول: فالصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن، لأن الأمة أجمعت على أن ما كان بين الدفتين مكتوبًا بقلم الوحي فهو من القرآن، والتسمية كذلك، وكذا روى المعلى عن محمد، وقال: قلت لمحمد: التسمية آية من القرآن أم لا؟ فقال: ما بين الدفتين كله قرآن، فقلت: فما بالك لا تجهر بها، فلم يجبني.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٧٤ - ٤٧٦).","vol":"4","page":160},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكذا روى الجصاص عن محمد أنه قال: التسمية آية من القرآن، أنزلت للفصل بين السور للبدأة بها تبركًا، وليست بآية من كل واحدة منها.\nوقال الشافعي: إنها من الفاتحة قولًا واحدًا، وله في كونها من رأس كل سورة قولان.\nاحتج الشافعي بما روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: \"الحمد لله رب العالمين سبعُ آيات، إحداهن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" (١)، فقد عد التسمية آية من الفاتحة، دلَّ أنها من الفاتحة، ولأنها كتبت في المصاحف على رأس الفاتحة، وكل سورة بقلم الوحي، فكانت من الفاتحة، ومن كل سورة.\nولنا: قول النبي - ﷺ - خبرًا عن الله تعالى أنه قال: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين\" (٢) الحديث.\nووجه الاستدلال به من وجهين:\nأحدهما: أنه بدأ بقوله: \"الحمد لله رب العالمين\" لا بقوله: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\"، ولو كانت من الفاتحة لكانت البداءة بها لا بالحمد.\nوالثاني: أنه نص على المناصفة، ولو كانت التسمية في الفاتحة لم تتحقق المناصفة، ويكون مالله أكثر بأنه يكون في النصف الأول أربع آيات ونصف، ولأن كون الآية من سورة كذا، ومن موضع كذا، لا يثبت إلَّا بالدليل المتواتر من النبي - ﷺ -، وقد ثبت بالتواتر أنها مكتوبة في المصاحف، ولا تواتر على كونها من السورة.\nولهذا اختلف أهل العلم فيه، فعدها قراء أهل الكوفة من الفاتحة، ولم يعدها قراء أهل البصرة منها، وذا دليل عدم التواتر، ووقوع الشك والشبهة\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٥).\n(٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٣٩٥).","vol":"4","page":161},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي ذلك، فلا يثبت كونها من السورة مع الشك، ولأن كون التسمية من كل سورة بما اختص به الشافعي لا يوافقه في ذلك أحد من سلف الأمة، وكفى به دليلًا على بطلان المذهب.\nوالدليل عليه ما روي عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غُفِرَ له، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (١) \"، وقد اتفق القراء وغيرهم على أنها ثلاثون آية سوى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولو كانت هي منها لكانت إحدى وثلاثين آية وهو خلاف قول النبي - ﷺ -، وكذا انعقد الإجماع من الفقهاء والقراء أن سورة الكوثر ثلاث آيات، وسورة الإخلاص أربع آيات، ولو كانت التسمية منها لكانت سورة الكوثر أربع آيات، وسورة الإخلاص خمس آيات، وهو خلاف الإجماع.\nوأما ما روي من الحديث ففيه اضطراب، ولأنه في حد الآحاد، وخبر الواحد لا يوجب العلم، وكون التسمية من الفاتحة لا يثبت إلَّا بالنقل الموجب للعلم، مع أنه عارضه ما هو أقوى منه وأثبت وأشهر، وهو حديث القسمة، فلا يقبل في معارضته.\nأما قوله: إنها كتبت في المصاحف بقلم الوحي على رأس السور، فنعم لكن هذا يدل على كونها من القرآن لا على كونها من السور، لجواز أنها كتبت للفصل بين السور، لا لأنها منها، فلا يثبت كونها من السور بالاحتمال، انتهى مختصرًا.\nقلت: ومذهب مالك في التسمية ما ذكره في \"المدونة\" (٢): قال: وقال\n_________\n(١) سورة الملك: الآية ١. والحديث أخرجه أبو داود (١٤٠٠)، والترمذي (٢٨٩١)، وابن ماجه (٣٧٨٦)، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٩٩ و٣٢١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٧٨٧، ٧٨٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٦٥) و(٢/ ٤٩٧).\n(٢) (١/ ٦٨).","vol":"4","page":162},{"text":"٧٨٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. [خ ٧٤٣، م ٣٩٩، ت ٢٤٦، ن ٩٠٢، حم ٣/ ١٠١، دي ١٢٤٠، جه ٨١٣، خزيمة ٤٩١، قط ١/ ٣١٤، حب ١٧٩٨، ق ٢/ ٥٠]\n===\nمالك: لا يقرأ في الصلاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في المكتوبة، لا سرًا في نفسه، ولا جهرًا، قال: وقال مالك: وهي السنة، وعليها أدركت الناس، قال: وقال في قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الفريضة قال: الشأن ترك قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الفريضة، قال: لا يقرأ سرًا ولا علانية، لا إمام ولا غير إمام، قال: وفي النافلة إن أحب فعل وإن أحب ترك، ذلك واسع، انتهى.\nوهذا القول يدل على أنها ليست من القرآن عنده أصلًا إلَّا في سورة النمل.\n٧٨٠ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي، (عن قتادة) بن دعامة، (عن أنس) بن مالك (أن النبي - ﷺ - وِأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة) أي في الصلاة (بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).\nقال الحافظ ما ملخصه (٢): بضم الدال على الحكاية، واختلف في المراد بذلك، فقيل: المعنى كانوا يفتتحون بالفاتحة، وهذا قول من أثبت البسملة في أولها، وتعقب بأنها تسمى الحمد فقط، وأجيب بمنع الحصر، ومستنده ثبوت تسميتها بهذه الجملة، وهي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في \"صحيح البخاري\" (٣)، أخرجه في فضائل القرآن من حديث أبي سعيد بن\n_________\n(١) استدل به مالك على عدم الاستفتاح بالدعاء، واستدل به الحنفية وغيرهم على أن البسملة ليست جزء الفاتحة.\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٧).\n(٣) رقم الحديث (٥٠٠٦).","vol":"4","page":163},{"text":"٧٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِى الْجَوْزَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ،\n===\nالمعلى: \"أن النبي - ﷺ - قال له: ألا أعلّمُك أعظم سورة في القرآن\"، فذكر الحديث، وفيه: قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني\".\nوقيل: المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكًا بظاهر الحديث، وهذا قول من نفى قراءة البسملة، لكن لا يلزم من قوله: \"كانوا يفتتحون بالحمد\" أنهم لم يقرأوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سرًّا، وقد أطلق أبو هريرة السكوت على القراءة سرًا، كما في الحديث الثاني من الباب.\nوقد اختلف الرواة عن شعبة في لفظ الحديث، فرواه جماعة من أصحابه عنه بلفظ: كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ورواه آخرون عنه بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، كذا أخرجه مسلم من رواية أبي داود الطيالسي ومحمد بن جعفر، وكذا أخرجه الخطيب من رواية أبي عمر الدوري، وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة، ولا يقال: هذا اضطراب من شعبة، لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين، وقد فرح بعضهم في صحته لكون الأوزاعي رواه عن قتادة مكاتبة، وفيه نظر، فإن الأوزاعي لم ينفرد به.\nولا يقال: هذا اضطراب من قتادة، لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك.\nوطريق الجمع بين هذه الألفاظ حمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، إلى آخر البحث.\n٧٨١ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين) بن ذكوان (المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء) أوس بن عبد الله، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يفتتح الصلاة بالتكبير) أي بلفظ الله أكبر","vol":"4","page":164},{"text":"وَالْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقُولُ فِى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ: التَّحِيَّات لله، وَكَانَ إِذَا جَلَسَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ وَعَنْ فِرْشَةِ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ\". [م ٤٩٨، جه ٨١٢، ٨٦٩، حم ٦/ ٣١، دي ١٢٣٦]\n===\n(والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكان) رسول الله - ﷺ - (إذا ركع لم يشخص) من باب الإفعال والتفعيل، أي لم يرفع (رأسه ولم يُصَوّبْه) أي لم يخفضه (ولكن بين ذلك) بأن يسوي رأسه وظهره.\n(وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا) أي يقوم مستويًا في القومة، ثم يسجد، (وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد) أي السجدة الثانية (حتى يستوي قاعدًا، وكان يقول في كل ركعتين: التحيات لله) أي: يقرأ بعد كل ركعتين التشهد.\n(وكان إذا جلس) أي في كلتا الجلستين الأولى والثانية (يفرش (١) رجله اليسرى) ويقعد عليها (وبنصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقب الشيطان) (٢) بفتح العين وكسر القاف، قال في \"المجمع\": هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الإقعاء عند بعض، وقيل: هو ترك غسل عقبيه في الوضوء، وقال النووي: وفسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه، وهو أن يلصق أليتيه بالأرض كما يفترش الكلب وغيره، انتهى.\n(وعن فرشة السبع) هو أن يبسط ذراعيه في السجود ولا يرفعهما عن الأرض، كبسط الكلب والذئب ذراعيه (وكان يختم الصلاة بالتسليم) أي بقوله: السلام عليكم ورحمة الله.\n_________\n(١) بكسر الراء وضمها وهو أشهر حتى قيل: الكسر لحن، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: تفسيره أن يفرش رجليه ويجلس على عقبه، كما يجلس =","vol":"4","page":165},{"text":"٧٨٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُورَةٌ»، فَقَرَأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا. قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّى ﷿ فِى الْجَنَّةِ». [م ٤٠٠، ن ٩٠٤، حم ٣/ ١٠٢]\n===\n٧٨٢ - (حدثنا هناد بن السري، ثنا) محمد (بن فضيل، عن المختار بن فلفل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله - ﷺ -: أنزلت علي آنفًا) أي الآن (سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها. قال) رسول الله - ﷺ -: (هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال) رسول الله - ﷺ -: (فإنه نهر وَعَدَنِيهِ ربي ﷿ في الجنة).\nوهذا الحديث يخالف ترجمة الباب، فإن الترجمة في ترك الجهر، وهذا لا يدل على الجهر ولا على تركه في الصلاة، والأولى ما في النسخة المصرية، فإن فيها \"باب الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" في موضع \"باب من لم ير الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\"، وهذا يشمل حكم الجهر نفيًا وإثباتًا، فالحديثان الأولان يدلان على ترك الجهر، وهذا الحديث يدل على إثبات الجهر خارج الصلاة.\nويمكن أن يوجه في مطابقة الحديث بالباب بأن رسول الله - ﷺ - لما قال: أنزلت علي آنفًا سورة، ثم فسرها بقوله: \"بسم الله الرحمن، إنا أعطيناك الكوثر\" فهم منه أن التسمية جزء من السورة، فإذا ثبت أنها جزء من السورة يستدل به على جهرها في الصلاة التي يجهر بالقراءة فيها.\n_________\n= الرجل عند الإهواء، وأما الإقعاء المسنون كما في رواية مسلم عن ابن عباس: أن ينصب أصابع رجله ويجلس بوركه على عقبه. [انظر: \"صحيح مسلم\" (٥٣٦)]. (ش).","vol":"4","page":166},{"text":"٧٨٣ - حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الأَعْرَجُ الْمَكِّىُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَذَكَرَ الإِفْكَ قَالَتْ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: «أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (١) الآيَةَ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الشَّرْحِ، وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ الاِسْتِعَاذَةِ مِنْه (٢) كَلَامِ حُمَيْدٍ.\n===\n٧٨٣ - (حدثنا قطن بن نسير (٣)، نا جعفر) بن سليمان الضبعي، (نا حميد) بن قيس (الأعرج المكي، عن ابن شهاب) الزهري، (عن عروة، عن عائشة، وذكر) أي عروة (الإفك، قالت: جلس رسول الله - ﷺ - وكشف عن وجهه) أي بعد الفراغ عن نزول الوحي، لأنه - ﷺ - كان يستر بالثوب عند نزول الوحي.\n(وقال: (٤) أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ﴾) جماعة (﴿مِنْكُمْ﴾) أي من المؤمنين (الآية، قال أبو داود: وهذا حديث منكر، قد روى هذا الحديث جماعة عن الزهري، لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة منه) أي الحديث (كلام حميد).\nغرض المصنف بهذا الاعتراض بوجهين:\nالأول: أن هذا السياق مخالف لسياق جماعة رووا عن الزهري، فإنهم\n_________\n(١) سورة النور: الآية ١١.\n(٢) وفي نسخة: \"من\".\n(٣) \"نسير\" بضم النون \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) فيه استحباب التعوذ بهذا اللفظ \"ابن رسلان\"، وفيه أن من قرأ السورة من الوسط يشرع التعوذ لا التسمية. (ش).","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>(١٢٧) بَابُ مَا جَاءَ منْ جَهَرَ بِهَا</span>\n٧٨٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا هُشَيْمٌ، عن عَوْفٍ،\n===\nلم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، فإن فيه: كشف عن وجهه فقال، أي تلا رسول الله - ﷺ - بعد التعوذ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ إلى آخره، فإن الرواة عن الزهري كلهم لم يذكروا كشف الوجه، ولم يذكروا تلاوته - ﷺ - الآية، بل كلهم قالوا: إن عائشة ذكرت وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الآية.\nولكن المنكر ما رواه الضعيف مخالفًا للثقات، وحميد وثَّقه ابن سعد وأحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو داود وابن خراش والبخاري ويعقوب بن سفيان، فلا يكون حديثه منكرًا.\nويمكن أن يقال: إن المصنف تسامح في إطلاق المنكر على الشاذ، أو يقال: إن الإِمام أحمد قال: ليس بالقوي في الحديث، فإطلاق المنكر عليه مبني على هذا القول، والله أعلم.\nوالثاني: أن الاستعاذة ليس في الحديث، بل من كلام حميد، ولا دليل عليه إلَّا وجدان المصنف وظنه، ولا مناسبة لهذا الحديث بالباب، إلَّا أن يقال: إن رسول الله - ﷺ - قرأ الآية من وسط سورة، ولم يقرأ عليها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وقرأ التسمية في ابتداء السورة، فلو كان قراءة التسمية على السورة تبركًا لقرأها هاهنا أيضًا، فعلم بذلك أن التسمية في أول سورة جزء منها.\n\n(١٢٧) (بَابُ مَا جَاءَ منْ جَهَرَ بِهَا) (١)\nوالنسخة المصرية ههنا خالية عن الباب\n٧٨٤ - (أخبرنا عمرو بن عون، أنا هشيم) بن بشير، (عن عوف) بن\n_________\n(١) قال ابن القيم في \"الهدي\" (١/ ٢٠٠): وروي فيها أحاديث واهية، والحق أن الصحيح هاهنا ليس بصريح، والصريح ليس بصحيح. (ش).","vol":"4","page":168},{"text":"عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى بَرَاءَةَ وَهِىَ مِنَ الْمِئِينَ، وَإِلَى الأَنْفَالِ وَهِىَ مِنَ الْمَثَانِى، فَجَعَلْتُمُوهُمَا فِى السَّبْعِ الطُّوَلِ وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟\n===\nأبي جميلة الأعرابي، (عن يزيد الفارسي قال: سمعت ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم) أي ما الباعث لكم على (إن عمدتم) أي قصدتم (إلى براءة) (١) أي سورة التوبة (وهي) أي سورة براءة (من المئين) لكونها مئة وثلاثين آية، والمئين جمع المئة، وأصل المئة مأِيٌّ كمعِيٍّ، والهاء عوض عن الواو، وإذا جمعت المئة قلت: مئون، ولو قلت: مئات جاز.\n(وإلى الأنفال) أي سورة الأنفال (وهي من المثاني) المثاني من القرآن ما كان أقل من المئين، فإنهم قالوا: أول (٢) القرآن السبع الطول، ثم ذوات المئين، أي ذات مدّة آية ونحوها، وهي إحدى عشر سورة، ثم المثاني وهي ما لم يبلغ مئة آية، وهي عشرون سورة، ثم المفصل.\n(فجعلتموهما) وفي نسخة: \"فجعلتموها\"، وفي رواية الترمذي: \"فوضعتموها\"، وضمير التثنية باعتبار كونهما سورتين، وضمير الواحدة باعتبار كونها سورة واحدة باعتبار المعنى والقصة (في السبع الطول) بضم ففتح (ولم تكتبوا بينهما سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟).\nقال القاري (٣): توجيه السؤال أن الأنفال ليست من السبع الطُّوَل لقصرها عن المئين، لأنها سبع وسبعون آية، وليست غيرها لعدم الفصل بينها وبين براءة.\nقلت: وحاصل السؤال أمور: الأول: أن سورة الأنفال سورة قصيرة من\n_________\n(١) لها عشرة أسماء ذكرها \"ابن رسلان\".\n(٢) هكذا حكاه صاحب \"السعاية\" (٢/ ٢٨١) وذكر في \"منار الهدى\" برواية عائشة مرفوعًا ما يدل على أن هذه الأقسام مرفوعة، وفي \"الإتقان\" (١/ ٨٤) نوع تفصيل، وراجع العيني أيضًا. [انظر: \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤١٣)]. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفانيح\" (٥/ ٣٠).","vol":"4","page":169},{"text":"قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- مِمَّا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ وَيَقُولُ لَهُ: «ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِى السُّورَةِ الَّتِى يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا»، وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ وَالآيَتَانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا نْزِلَ (١) عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ\n===\nالمثاني، لأن فيها سبعًا وسبعين آية، فأدخلتموها في السبع الطول، والثاني: أن براءة وهي سورة طويلة، لأن فيها مدّة وثلاثين آية يناسب لها أن تكون من الطول، فأدخلتموها في المئين، والثالث: ما كتبتم بينهما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.\n(قال عثمان) -رضي الله تعالى عنه -: كان النبي - ﷺ - مما) من تبعيضية، والمراد بلفظ \"ما\" الزمان، أي كان يأتي عليه الزمان ولا ينزل عليه شيء، وربما يأتي عليه الزمان وهو (تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له) الوحي من زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهما (ويقول له: ضع (٢) هذه الآية في السورة (٣) التي يذكر فيها كذا وكذا) كقصة هود وحكاية يونس.\n(وتنزل عليه الآية والأيتان فيقول مثل ذلك)، أي ضعوها في سورة كذا وكذا كالطلاق والحج، وهذا يدل على أنَّ ترتيب الآيات توقيفي، وعليه الإجماع والنصوص المترادفة، وأما ترتيب السور فمختلف فيه، قاله القاري (٤) عن \"الإتقان\" (٥).\n(وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنزل\".\n(٢) فيه حجة على أن ترتيب الآيات توقيفي، فالقراءة المنكوسة حرام. (ش).\n(٣) استدل بعضهم على أنه يكره أن يقول: سورة البقرة وسورة آل عمران، بل ينبغي أن يقول: السورة التي ورد فيها هذا، كما في الحديث، لكن الصواب الذي عليه الجمهور أنه يجوز. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) (٥/ ٣١).\n(٥) (١/ ٨٢).","vol":"4","page":170},{"text":"مِنَ الْقُرْآنِ، وَكَانَتْ (١) قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا،\n===\nمن القرآن) قال القاري: فهي مدنية أيضًا، وبينهما النسبة الترتيبية بالأولية والآخرية، فهذا أحد (٢) وجوه الجمع بينهما، ويؤيده ما وقع في رواية بعد ذلك: \"فظننت أنها منها\"، وكان هذا مستند من قال: إنهما سورة واحدة، وهو ما أخرجه أبو الشيخ عن دوق، وأبو يعلى عن مجاهد، وابن أبي حاتم عن سفيان وابن لهيعة كانوا يقولون: إن براءة من الأنفال، ولهذا لم تكتب البسملة بينهما مع اشتباه طرقهما، ورُدَّ بتسمية النبيﷺ - لكل منهما باسم مستقل.\nقال القشيري: إن الصحيح أن التسمية لم يكن فيها، لأن جبرئيل ﵊ لم ينزل بها فيها، وعن ابن عباس: لم تكتب البسملة في براءة، لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف، وعن مالك: أن أولها لما سقط سقطت معه البسملة، فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها، وقيل: إنها ثابتة أولها في مصحف ابن مسعود، ولا يعول على ذلك، انتهى.\n(وكانت قصتها) أي الأنفال (شبيهة بقصتها) أي براءة، ويجوز العكس، وهذا وجه آخر معنوي، ولعل المشابهة في قضية المقاتلة بقوله في سورة براءة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ (٣) ونحوه، وفي نبذ العهد بقوله في الأنفال: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾، وقال ابن حجر: لأن الأنفال بَيَّنَتْ ما وقع له - ﷺ - مع مشركي مكة، وبراءة بَيَّنَتْ ما وقع له مع منافقي أهل المدينة، والحاصل: أن هذا بما ظهر لي في أمر الاقتران بينهما.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"كان\".\n(٢) وبهذا ظهر تقديم الأنفال. (ش).\n(٣) سورة التوبة: الآية ١٤.","vol":"4","page":171},{"text":"فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا. فَمِنْ هُنَاكَ وَضَعْتُهُمَا (١) فِى السَّبْعِ الطُّوَالِ، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [ت ٣٠٨٦، حم ١/ ٥٧، حب ٤٣، ق ٢/ ٤٢، ك ٢/ ٢٢١]\n===\n(فظننت أنها) أي براءة (منها) أي من الأنفال، (فمن هناك) أي فمن أجل ذلك لما ذكر من وجوه ما ظهر لنا من المناسبة بينهما قرنت بينهما و(وضعتهما في السبع الطوال، ولم أكتب بينهما سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أي لعدم العلم بأنها سورة مستقلة، لأن البسملة كانت تنزل عليه - ﷺ - للفصل، ولم تنزل فلم أكتب.\nوهذا لا ينافي ما ذكر عن علي من الحكمة في عدم نزول البسملة، وهو أن ابن عباس سأل عليًّا لِمَ لم تكتب؟ قال: لأن بسم الله أمان، وليس فيها أمان، أنزلت بالسيف، وكانت العرب تكتبها أول مراسلاتهم في الصلح والأمان والهدنة، فإذا نبذوا العهد ونقضوا الأيمان لم يكتبوها، ونزل القرآن على هذا الاصطلاح، فصارت علامة الأمان، وعدمها علامة نقضه، فهذا معنى قوله: أمان، وقولهم: آية رحمة، وعدمها عذاب، كذا ذكره الجعبري، انتهى.\nقلت: فإن قيل: ما وقع في كتابة الصلح بالحديبية من أن سهيل بن عمرو أنكر على رسول الله - ﷺ - كتابة البسملة، وقال: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم، يخالف هذا الكلام الذي روي عن ابن عباس عن علي، فإن ما وقع في الحديبية يدل على أنهم لا يعرفون البسملة، وهذا يدل على أنها كانت معروفة بينهم في الصلح والهدنة.\nقلت: ويمكن أن يجاب عنه بأن البسملة شاملة لـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ و\"باسمك اللَّهم\"، وإنكار سهيل مختص بلفظ الرحمن فقط.\nقال الطيبي: دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة، وكمل السبع الطوال بها، ثم قيل: السبع الطوال هي البقرة وبراءة وما بينهما،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وضعتها\".","vol":"4","page":172},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهو المشهور، لكن روى النسائي والحاكم عن ابن عباس أنها البقرة والأعراف وما بينهما، قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها، وهو يحتمل أن تكون الفاتحة، فإنها من السبع المثاني، أو هي السبع المثاني، ونزلت سبعتها منزلة المئين، ويحتمل أن تكون الأنفال بانفرادها، أو بانضمام ما بعدها إليها، وصح عن ابن جبير أنها يونس، وجاء مثله عن ابن عباس، ولعل وجهه أن الأنفال وما بعدها مختلف في كونها من المثاني، وأن كلًّا منهما سورة أو هما سورة.\nوصح عن علي أنه قال: لا تقولوا في عثمان إلَّا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلَّا عن ملأ منا، قال أي عثمان: فما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلت: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا يكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.\nقال ابن التين: الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء لذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا بآيات سوره على ما وقَّفَهُم عليه النبي - ﷺ -، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءات حين قرؤوا بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجًا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم دفعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت، فاقتصر على لغة واحدة.\nقلت: هذا يوهم أنه ترك ما ثبت كونه قرآنًا.\nوالصواب أن يقال: كان في جمع أبي بكر المنسوخات، والقراءة التي ما حصل فيها التواتر جمعًا كليًّا من غير تهذيب وترتيب، فترك عثمان المنسوخات وأبقى المتواترات، وحرر رسوم الكلمات، وقرر ترتيب السور","vol":"4","page":173},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالآيات على وفق العرضة الأخيرة من العرضات المطابقة لما في اللوح المحفوظ، وإن اختلف نزولها منجمًا على حسب ما تقتضي الحالات والمقامات.\nولذا قال الباقلاني: لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في نفس القراءة، وإنما قصد جمعهم على القراءة العامة المعروفة عن النبي - ﷺ - وإلغاء ما ليس ذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير إلى آخر ما ذكره.\nوالحاصل أن هذا المقدار على هذا المنوال هو كلام الله المتعال بالوجه المتواتر الذي أجمع عليه أهل المقال، فمن زاد أو نقص منه شيئًا كفر في الحال.\nثم اتفقوا على أن ترتيب الآي توقيفي، لأنه كان آخر الآيات نزولًا ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، فأمره جبرئيل أن يضعها بين آيتي الربا والمداينة، ولذا حرم عكس ترتيبها، بخلاف ترتيب السور، فإنه لما كان مختلفًا فيه كرهت مخالفته بغير عذر، ولما ورد أنه - ﷺ - قرأ النساء قبل آل عمران لبيان الجواز، أو نسيانًا ليعلم الصحة به، مع أن الأصح أن ترتيب السور توقيفي أيضًا، وإن كانت مصاحفهم مختلفة في ذلك قبل العرضة الأخيرة التي عليها مدار جمع عثمان، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي أوله إقرأ، فالمدثر، فنون، فالمزمل، فَتَبَّتْ، فالتكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني.\nومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاءً، وكذلك الطواسين، ولم يرتب المسبحات ولاءً، بل فصل بين سورها، وكذا اختلاط المكيات بالمدنيات، والله أعلم، قاله القاري (٢).\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٨١.\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٣١ - ٣٣).","vol":"4","page":174},{"text":"٧٨٥ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ مُعَاوِيَةَ - الفزاري-، أَخْبَرَنَا عَوْفٌ الأَعْرَابِىُّ، عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِىِّ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ فِيهِ: \"فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا\". [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ الشَّعْبِىُّ وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ: \"إِنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَمْ يَكْتُبْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ النَّمْلِ\"\n===\n٧٨٥ - (حدثنا زياد بن أيوب) بن زياد الطوسي البغدادي دَلُّويَه، ولَقَّبَه أحمد: شعبة الصغير، ثقة حافظ، (نا مروان -يعني ابن معاوية الفزاري-، أنا عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي) هو يزيد بن يوسف، مجهول، (حدثني ابن عباس بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (قال) مروان بن معاوية (فيه) أي في حديثه: (فقبض) أي فتوفي (رسول الله ولم يبين لنا أنها) أي البراءة (منها) أي الأنفال، ولا أنها ليست منها، ولما كان في هذا السياق زيادة على الحديث المتقدم ذكرها المصنف.\n(قال أبو داود: وقال الشعبي) عامر بن شراحيل (وأبو مالك) لعله غزوان الغفاري الكوفي، وأخرج أبو داود في \"المراسيل\" عن أبي مالك قال: كان النبي - ﷺ - يكتب باسمك اللَّهم، فلما نزلت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) كتبها (وقتادة) بن دعامة (وثابت بن عمارة: إن النبي - ﷺ - لم يكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى نزلت سورة النمل) (٢).\nوهذا مجمع عليه أن البسملة في سورة النمل في أثنائها وهي قوله:\n_________\n(١) سورة النمل: الآية ٣٠.\n(٢) قلت: رواية عامر بن شراحيل أخرجها عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٨١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٢٨٧٣) رقم (١٦٣٠٤)، وابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٢٦٣). ورواية أبي مالك أخرجها المصنف في \"المراسيل\" رقم (٣٥).\nورواية قتادة أخرجها عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٨١).","vol":"4","page":175},{"text":"هَذَا مَعْنَاهُ.\n===\n﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من القرآن، فمن أنكر ذلك كفر.\nوأما البسملة في أوائل السور فمختلف فيها أنها من القرآن أو ليس منه، فمن أنكرها لا يكفر لمكان الاختلاف فيه.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفًا مجمعًا، أو أثبت ما لم يقل به أحد، فإنه يكفر بالإجماع، ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة النمل، ولا خلاف في إثباتها خطًا في أوائل السور في المصحف إلَّا في أول سورة التوبة، وأما التلاوة فلا خلاف بين القراء السبعة في أول فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة إذا ابتدأ بها القارئ ما خلا سورة التوبة، وأما في أوائل السور مع الوصل بسورة قبلها، فأثبتها ابن كثير وقالون وعاصم والكسائي من القراء في أول كل سورة إلَّا أول سورة التوبة، وحذفها منهم أبو عمرو وحمزة وورش وابن عامر.\n(هذا معناه) أي هذه التي رويت عنهم معنى ما ذكروه من الحديث، وهذا الحديث مرسل.\nقلت: وفيه إشكال، ووجهه أن كتابة البسملة على رأس السور مجمع عليها ما خلا التوبة، وقد تقدم في الحديث المار بأن ابن عباس سأل عثمان: \"ولم تكتبوا بينهما سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ \"، وهذا يدل على أنهم كانوا يكتبون البسملة في أوائل السور، فإذا كان رسول الله - ﷺ - لم يكتب البسملة إلَّا بعد ما نزل في النمل، فكيف خالفوا ذلك، وكتبوا على أوائل السور المنزلة قبل النمل؟\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٣٣).","vol":"4","page":176},{"text":"٧٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِىُّ، وَابْنُ السَّرْحِ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ (١) حَتَّى تُنَزَّلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ \"، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ السَّرْحِ. [ق ٢/ ٤٢، ك ١/ ٢٣٢]\n===\nويمكن أن يجاب عنه بأنه - ﷺ - كان يكتب في الكتب والرسائل في ابتدائها (٢) باسمك اللَّهم، ولا يكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فلما نزلت في النمل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، جعل يكتب في أوائل الرسائل والسور أيضًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وليس المراد أنه كان لا يكتب البسملة في أوائل السور قبل النمل، ما يدل عليه حديث أبي مالك.\n٧٨٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن محمد المروزي) ابن حنبل الإِمام (وابن السرح) أحمد بن عمرو (قالوا: نا سفيان) بن عيينة، (عن عمرو) بن دينار، (عن سعيد بن جبير، قال قتيبة فيه: عن ابن عباس) يعني أحمد بن محمد المروزي وابن السرح جعلاه مرسلًا، وقتيبة وصله عن ابن عباس (قال: كان النبي - ﷺ - لا يعرف فصل السورة) من سورة أخرى (حتى تنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وهذا) أي لفظ هذا الحديث (لفظ ابن السرح) (٣).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"السور\".\n(٢) وفي \"المنطوق لمعرفة الفروق\": وكان - ﷺ - يكتب في عنوان كتبه باسمك اللَّهمَّ، فلما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١]، الآية، كتب باسم الله، فلما نزل: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] كتب بسم الله الرحمن، فلما نزلت النمل كتب البسملة وأكد كتابتها. (ش).\n(٣) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٧٣٨) (٦٥٣٧)، حديثًا لأبي داود ليس في رواية اللؤلؤي:\nحديث: عن مسدد، عن المعتمر بن سليمان، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي خالد، عن ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يفتتح صلاته =","vol":"4","page":177},{"text":"(١٢٨) باب تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ لِلأَمْرِ (١) يَحْدُثُ\n٧٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّى لأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ، فَأَتَجَوَّزُ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ». [خ ٧٠٧، ن ٨٢٥، جه ٩٩١، حم ٥/ ٣٠٥، ك ١/ ١٨٥]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>(١٢٨) (باب تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ لِلأَمْرِ يَحْدُثُ)</span>\n٧٨٧ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) دحيم، (نا عمر بن عبد الواحد وبشر بن بكر، عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، (عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول القراءة فيها فأسمع بكاء الصبي) أي الذي جاءت به أمه معها (فأتجوز) (٢) أي أخفف القراءة في الصلاة (كراهية أن أشق على أمه) أي لأجل كراهة أن أوقع التشويش والحزن على أمه بسبب بكائه.\n_________\nبـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقال: ضعيف.\n= ثم قال المزي: حديث أبي داود في رواية أبي الطيب بن الأشناني، ولم يذكره أبو القاسم.\nقلت: أخرجه الترمذي أيضًا، رقم الحديث (٢٤٥)، وقال: إسناده ليس بذاك.\n(١) وفي نسخة: \"لأمر\".\n(٢) استدل به على أن من أراد بشيء مستحب في الصلاة ثم تركه جاز، خلافًا للأشهب إذ قال: إذا أراد الصلاة قائمًا لا يجوز له القعود، \"ابن رسلان\"، وفي \"حاشية البخاري\": استدل به على انتظار الجائي، وقال مالك: لا ينتظر، لأنه يضر من خلفه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقيل: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، وبه قال أحمد وإسحاق، وقريب منه ما في \"الفتح\"، وأصرح منه في الاستدلال ما سيأتي أنه ﵇ كان يقوم حتى لا يسمع وقع قدم، راجع: \"المغني\" (٧٨/ ٣)، و\"الشامي\" (٢/ ٢٤٢). (ش).","vol":"4","page":178},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال القاري (١): قال الخطابي: فيه دليل على أن الإِمام إذا أحس برجل يريد معه الصلاة وهو راكع جاز له أن ينتظر راكعًا ليدرك الركعة، لأنه لما جاز أن يقتصر لحاجة إنسان في أمر دنيوي كان له أن يزيد في أمر أخروي، وكرهه بعضهم وقال: أخاف أن يكون شركًا، انتهى.\nوفي استدلاله نظر، إذ فرق بين تخفيف الطاعة وترك الإطالة لغرض، وبين إطالة العبادة بسبب شخصي، فإنه من الرياء المتعارف، وأيضًا الإِمام مأمور بالتخفيف، ومنهي عن الإطالة، وأيضًا ترك التخفيف مضر لا يمكن تداركه، بخلاف ترك الإطالة في الصلاة المذكورة، فإنه لا يفوت به شيء أصلي أصلًا، نعم لو صورت المسألة في القعدة الأخيرة لكان له وجه حسن، لكني لم أرَ من ذكره، والله أعلم.\nوالمذهب عندنا أن الإِمام لو أطال الركوع لإدراك الجائي لا تقربًا بالركوع لله تعالى، فهو مكروه كراهة تحريم، ويخشى عليه منه أمر عظيم، ولكن لا يكفر بسبب ذلك، لأنه لم ينو به عبادة غير الله تعالى، وقيل: إن كان لا يعرف الجائي فلا بأس أن يطيل، والأصح أن تركه أولى، كذا في شرح \"المنية\".\nوأما ما روى أبو داود من أنه ﵇ كان ينتظر في صلاته ما كان يسمع وقع نعل، فضعيف، ولو صح فتأويله أنه كان يتوقف في إقامة صلاته، أو تحمل الكراهة على ما عرف الجائي.\nويدل عليه أنه ﵊ كان يطيل الأولى من الظهر كي يدركه الناس، لكن فيه أن هذا من ظن الصحابي، والله أعلم ما أراد به رسول الله - ﷺ -، انتهى كلام القاري.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٠).","vol":"4","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>(١٢٩) بَابُ مَا جَاءَ في نُقْصَانِ الصَّلَاةِ</span>\n٧٨٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بَكْرٍ - يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ -، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنَمَةَ الْمُزَنِىِّ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ (١)، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا». [السنن الكبرى للنسائي ٦١٢، حم ٤/ ٣٢١]\n===\n\n(١٢٩) (بَابُ مَا جَاءَ في نُقْصَان الصَّلاةِ) (٢)\n٧٨٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن بكر -يعني ابن مضر-، عن) محمد (بن عجلان، عن سعيد) بن أبي سعيد (المقبري، عن عمر بن الحكم) بن ثوبان الحجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن حبان: كان من جُلَّة أهل المدينة، وقال ابن سعد: كان ثقة.\n(عن عبد الله بن عَنَمة) بفتح المهملة والنون (المزني، عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الرجل لينصرف) عن الصلاة (وما كتب له) الواو حالية، أي لم يكتب له من الأجر والثواب (إلا عشر صلاته) وذهب تسعة أعشارها لما أخلَّ في أركانها وفي إقباله إلى الله تعالى بالخشوع والخضوع (تسعها (٣)، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها).\nوهذا الكلام للترقي من الأدنى إلى الأعلى، أي كتب لبعضهم من الأجر بقدر تسعها، [ولبعضهم بقدر ثمنها]، ولبعضهم بقدر سبعها، ولبعضهم بقدر سدسها، ولبعضهم بقدر خمسها، ولبعضهم بقدر ربعها، ولبعضهم بقدر ثلثها، ولبعضهم بقدر نصفها.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"صلاة\".\n(٢) سقط هذا الباب من \"مختصر المنذري\" وغير ذلك من النسخ، وتأخر هذا الباب في النسخة المصرية عن \"باب تخفيف الصلاة\".\n(٣) راجع: \"مشكل الآثار\" (٣/ ١٣٨) (١١٠٥). (ش).","vol":"4","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>(١٣٠) بابٌ: فِى تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ</span>\n٧٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ (١): كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنَا. وقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّى بِقَوْمِهِ. فَأَخَّرَ النَّبِىُّ -ﷺ- لَيْلَةً الصَّلَاةَ، وَقَالَ مَرَّةً: الْعِشَاءَ. فَصَلَّى مُعَاذٌ مَعَ النَّبِىِّ (٢) -ﷺ- ثُمَّ جَاءَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ،\n===\nوالحاصل: أنه ينبغي للمصلي أن يحافظ صلاته، ولا يخلُّ بشيء من ظاهرها وباطنها، فيستحق كمال (٣) الأجر.\n\n(١٣٠) (بَابٌ: في تَخْفِيْفِ الصَّلَاةِ)\n٧٨٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان) بن عيينة، (عن عمرو) بن دينار، (سمعه من جابر) بن عبد الله، (كان معاذ) بن جبل (يصلي مع النبي - ﷺ -) أي مقتديًا به (ثم يرجع) إلى مسجدنا (فيؤمنا) أي فيصلي بنا الصلاة إمامًا (وقال) عمرو بن دينار، والقائل سفيان (مرة: ثم يرجع) أي معاذ (فيصلي بقومه).\nوالحاصل أن سفيان يقول: إن شيخي عمرو بن دينار حدثنا هذا الحديث مرات بألفاظ مختلفة، فمرة حدث بلفظ: \"ثم يرجع فيؤمنا\"، ومرة أخرى: \"ثم يرجع فيصلي بقومه\"، وإرجاع الضمير إلى جابر كما فعله صاحب \"العون\" (٤) فبعيد.\n(فأخر النبي - ﷺ - ليلة الصلاة، وقال) عمرو (مرة) أخرى في موضع لفظ الصلاة: (العشاء) يعني أخر النبي - ﷺ - ليلة العشاء (فصلى معاذ مع النبي - ﷺ -) أي تلك الصلاة (ثم جاء يؤم قومه) أي يصلي بهم إمامًا (فقرأ البقرة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) وما ينقص منه يتم من التطوع، كما سيأتي في \"باب قول النبي - ﷺ -: كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه\". (ش).\n(٤) انظر: (٣/ ٤).","vol":"4","page":181},{"text":"فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلَّى، فَقِيلَ: نَافَقْتَ يَا فُلَانُ، فَقَالَ: مَا نَافَقْتُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ مُعَاذًا يُصَلِّى مَعَكَ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا (١) نَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِحَ، وَنَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، وَإِنَّهُ جَاءَ يَؤُمُّنَا فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ\n===\nفاعتزل رجل) قال في \"جامع الأصول\" (٢): حديث صلاة معاذ وتطويله: اسم الرجل (٣) الذي قطع صلاته وصلى وحده حرام بن ملحان خال أنس بن مالك (من القوم) أي قطع الصلاة التي كان يصلي مع معاذ وفارق الجماعة (فصلى) لنفسه في ناحية المسجد صلاة خفيفة.\n(فقيل) أي لذلك الرجل، وفي رواية لمسلم: \"فأخبر معاذ عنه فقال: إنه منافق\"، وفي رواية له: \"فقالوا له\"، والقائل كلهم، فمرة نسب القولى إلى معاذ، ومرة نسب إلى القوم، ومرة أبهمه (نافقت) بحذف همزة الاستفهام، وتدل عليه رواية مسلم، فإن فيها تصريحًا بهمزة الاستفهام، ويحتمل أن يكون خبرًا كما تدلى عليه الرواية الثانية بلفظ: \"فقال: إنه منافق\" (يما فلان) أي فعلت فعل المنافقين من ترك الصلاة مع الجماعة.\n(فقال) الرجل: (ما نافقت، فأتى) ذلك الرجل (النبيﷺ - وسلم- فقال) ذلك الرجل للنبي - ﷺ -: (إن معاذًا يصلي معك ثم يرجع فيؤمنا يا رسول الله، وإنما نحن إصحاب نواضح) وهي الإبل التي يستقى عليها، يريد أنهم أصحاب عمل في الزراعة (ونعمل بايدينا) وحاصل الكلام إظهار التعب والمشقة في العمل، وإطالة الصلاة زيادة على المشقة (وإنه جاء يؤمنا فقرأ بسورة البقرة) أي استفتحها وكأنه يومئ إلى أنه لا يطيق الإطالة في الصلاة بسبب التعب في العمل.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (يا معاذ، أفتان أنت) أي موقع الناس في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إنا\".\n(٢) (١٥/ ٦٠٢).\n(٣) وفي \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٤٦٨): حرام بن ملحان، وقيل: حزم بن أبي كعب، وقيل: سليم، كما تقدم. (ش).","vol":"4","page":182},{"text":"أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ ! اقْرَأْ بِكَذَا، اقْرأْ بِكَذَا\". قَالَ أَبُو الزّبَيْرِ: ﴿سَبِّحِ (١) اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، فَذكَرْنَا لِعَمْرٍو، فَقَالَ: أُرَاهُ قَدْ ذَكَرَهُ. [خ ٧٠٥، م ٤٦٥، ن ٨٣١، جه ٩٨٦، حم ٣/ ٢٩٩]\n٧٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا طَالِبُ بْنُ حَبِيبٍ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَابِرٍ يُحَدِّثُ عَنْ حَزْمِ بْنِ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ:\n===\nالفتنة، ومنفر عن الدين، وصادٍ عنه، وهذا استفهام توبيخ، فإن تفرق الجماعة بفعله تفريق منه وإيقاع الناس في الفتنة (أفتّان أنت؟ اقرأ بكذا، اقرأ بكذا).\n(قال أبو الزبير) قائله سفيان، لأنه قال مسلم في \"الصحيح\": قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ \"، الحديث (﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، فذكرنا لعمرو، فقال) عمرو: (أراه) أي أظن جابرًا (قد ذكره) أي أسماء السور، وقد تقدم حديث معاذ هذا في \"باب إمامة من صلى بقوم وقد صلى تلك الصلاة\"، وأخرجه المصنف هناك مختصرًا، وتقدم هناك البحث في اقتداء المفترض بالمتنفل، فلا نعيده ههنا.\n٧٩٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا طالب (٢) بن حبيب) الأنصاري المدني، ويقال له: طالب بن ضجيع، لأن جده سهل بن قيس استشهد يوم أحد، فكان ضجيع حمزة بن عبد المطلب، قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن عدي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"ميزان الاعتدال\": ضعيف.\n(قال: سمعت عبد الرحمن بن جابر) بن عبد الله الأنصاري، أبو عتيق المدني، ثقة (يحدث عن حزم بن أبي كعب) الأنصاري (٣) السلمي المدني، صحابي، قليل الحديث.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بسبِّح\".\n(٢) لم يذكر عنه المصنف غير هذا الحديث، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"الاستيعاب\" (١/ ٣٨٨)، و\"أسد الغابة\" (٢/ ٤)، و\"الإصابة\" (١/ ٣٢٥).","vol":"4","page":183},{"text":"أَنَّهُ أَتَى مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، وَهُوَ يُصَلِّى بِقَوْمٍ صَلَاةَ (١) الْمَغْرِبِ، فِى هَذَا الْخَبَرِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا مُعَاذُ، لَا تَكُنْ (٢) فَتَّانًا، فَإِنَّهُ يُصَلِّى وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ وَالْمُسَافِرُ». [ق ٣/ ١١٧]\n===\nقال الحافظ في \"التهذيب\": هذا الحديث أخرجه البزار (٣) من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود فقال: عن جابر، عن أبيه أن حزم بن أبي كعب أتى معاذًا، وهو أشبه.\nوفي بعض نسخ أبي داود: \"حزم بن أبي بن كعب\" بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتانية كما في المصرية ونسخة \"العون\" والنسخة القديمة القادرية، وهو تصحيف من الناسخ، والصواب حزم بن أبي كعب.\n(أنه أتى معاذ بن جبل، وهو يصلي بقوم صلاة المغرب، في هذا الخبر) يشير إلى أنه كان في الحديث المتقدم ذكر صلاة العشاء بخلاف هذا الحديث، فإن فيه ذكر صلاة المغرب (قال: فقال رسول الله - ﷺ -: يا معاذ لا تكن فتانًا) أي بقراءتك الطويلة (فإنه يصلي وراءك الكبير) الشيخ الهرم (والضعيف) بضعف عارضي (وذو الحاجة والمسافر) والاختلاف الواقع في هذا الحديث والحديث المتقدم في صلاة المغرب والعشاء لا ينبغي أن يجمع بتعدد القصة، فإنه لا يمكن\n_________\n(١) وكذا أخرج الترمذي (٥٨٣) بلفظ المغرب، وفي \"العرف الشذي\" (١/ ٢٥٤) عن البيهقي أنه معلول، ومال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٥٤٣) إلى التعدد، وحكاه عن ابن حبان للاختلاف في اسم الرجل، وقال ابن رسلان: لعل إطلاق المغرب وهم نشأ من إطلاق الأعراب العشاء على المغرب، كما ورد: \"لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب فإنهم يقولون: العشاء\". قلت: ويشكل على المغرب أيضًا ما ورد من التعجيل في صلاته، فإنه يبعد أنهم ينتظرون لصلاتهم فراغه من المغرب ومجيئه بعد ذلك. (ش).\n(٢) وفي نسخة: \"لا تكونن\"، وفي نسخة أخرى: \"لا تكون\".\n(٣) انظر: \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٢١٩) رقم الحديث (٢٣٧٤).","vol":"4","page":184},{"text":"٧٩١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ- لِرَجُلٍ: «كَيْفَ تَقُولُ فِى الصَّلَاةِ؟» قَالَ: أَتَشَهَّدُ وَأَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، أَمَا إِنِّى لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ. فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ». [جه ٩١٠]\n٧٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرٍ - ذَكَرَ قِصَّةَ مُعَاذٍ -\n===\nأن يكون معاذ سمع من رسول الله - ﷺ - التشديد في الإطالة والأمر بالتخفيف أن يخالفه مرة أخرى، بل الوجه أن الراجح العشاء.\n٧٩١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا حسين بن علي، عن زائدة، عن سليمان) الأعمش، (عن أبي صالح) السمان، (عن بعض (١) أصحاب النبي - ﷺ - قال: قال النبي - ﷺ - لرجل (٢): كيف تقول في الصلاة؟) أي كيف تدعو في القعدة الآخرة من الصلاة؟ (قال: أتشهد) أي أقرأ التحيات (وأقول: اللَّهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن) لا أسمع سماعًا حسنًا (دندنتك) الدندنة: أن يتكلم بما تسمع نغمته ولا يفهم (ولا دندنة معاذ) أي لا أفهم ما تقول أنت في الصلاة، ولا ما يقول معاذ الذي هو إمام، (فقال النبي - ﷺ -: حولها) أي حول الجنة (ندندن) يعني حول طلبها نصوت بالدعاء.\n٧٩٢ - (حدثنا يحيى بن حبيب، نا خالد بن الحارث، نا محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، ذكر قصة معاذ) والضمير يعود\n_________\n(١) لعل المراد به أبو هريرة، فإن ابن ماجه أخرجه عن أبي صالح عن أبي هريرة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) قال في \"التلقيح\" (ص ٤٧٥): اسم الرجل سليم الأنصاري، وقال ابن رسلان: هو سليم بن الحارث. (ش).","vol":"4","page":185},{"text":"قَالَ: وَقَالَ - يَعْنِى النَّبِىَّ -ﷺ- لِلْفَتَى -: «كَيْفَ تَصْنَعُ يَا ابْنَ أَخِى إِذَا صَلَّيْتَ؟» قَالَ: أَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَإِنِّى لَا أَدْرِى مَا دَنْدَنَتُكَ وَلَا دَنْدَنَةُ (١) مُعَاذٍ. فَقَالَ النبي -ﷺ-: «إِنِّى وَمُعَاذًا (٢) حَوْلَ هَاتَيْنِ» أَوْ نَحْوَ هَذَا. [حم ٣/ ٤٧٤]\n٧٩٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ\n===\nإلى جابر، والقائل عبيد الله بن مقسم (قال) أي جابر: (وقال -يعني النبيﷺ - للفتى-: كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي - ﷺ -: إني ومعاذًا حول هاتين) أي الجنة والنار، أما الجنة فنحن حولها بالطلب، وأما النار فبالاستعاذة منها والهرب (أو نحو هذا) شك من الراوي في لفظ الحديث بأن شيخه قال هذا اللفظ أو نحوه.\n٧٩٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - يقال: إذا صلى أحدكم للناس) أي إمامًا (فليخفف) (٣) القراءة بحيث لا يشق على القوم ولا يفوت القراءة المسنونة (فإن فيهم الضعيف) بغير مرض (والسقيم) المريض (والكبير، وإذا صلى لنفسه) وحده\n_________\n(١) وفي نسخة \"وما دندنة\".\n(٢) وفي نسخة: \"إني ومعاذ\".\n(٣) وبسط ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" له أن التخفيف أمر إضافي، ولا ينافيه قراءته ﵇ في المغرب بأعراف إلخ، ومعنى رواية مسلم عن جابر بن سمرة: كان ﵇ يقرأ في الفجر بقاف، وكانت قراءته بعد تخفيفًا أي بعد الفجر، ولم يرد أنه كان يخفف قراءة الفجر أيضًا بعد ذلك. (ش).","vol":"4","page":186},{"text":"فَلْيُطَوِّلْ (١) مَا شَاءَ\". [خ ٧٠٣، م ٤٦٧، ن ٨٢٣، ت ٢٣٦، حم ٢/ ٤٨٦، حب ١٧٦٠، ق ٣/ ١٧]\n٧٩٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ، وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ». [انظر تخريج الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>(١٣١) بَابُ مَا جَاءَ فِي القِرَاءَة في الظُّهْرِ</span>\n٧٩٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ وَعُمَارَةَ بْنِ مَيْمُونٍ وَحَبِيبٍ،\n===\nبغير جماعة (فليطول بما شاء) (٢).\n٧٩٤ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب) سعيد (وأبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، (عن أبي هريرة أن النبيﷺ - قال: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف) (٣) الصلاة (فإن فيهم السقيم، والشيخ الكبير، وذا الحاجة).\n\n(١٣١) (بَابُ مَا جَاءَ في القِرَاءَةِ في الظُّهْرِ)\n٧٩٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (عن قيس بن سعد) المكي (وعمارة بن ميمون) مجهول (وحبيب) المعلم كما قال الحافظ في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فليطل\".\n(٢) استدل بعمومه بعض الشافعية على جواز التطويل ولو خرج الوقت، وهو ظاهر البطلان، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٤٥). (ش).\n(٣) أجمل الكلام ابن العربي على القراءة في الصلاة، وقال: لا تقدير فيها بل هي على حسب الأحوال. [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١٠٢)]. (ش).","vol":"4","page":187},{"text":"عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: \"فِى كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ (١)، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَلَيْنَا أَخْفَيْنَا عَلَيْكُمْ\". [خ ٧٧٢، م ٣٩٦، حم ٢/ ٢٨٥]\n٧٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ. (ح): قال: وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنِ الْحَجَّاجِ - وَهَذَا لَفْظُهُ -، عَنْ يَحْيَى،\n===\n\"الفتح\" (٢)، وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" عن حبيب بن الشهيد أيضًا: قال: سمعت عطاء يحدث عن أبي هريرة.\n(عن عطاء بن أبي رباح أن أبا هريرة -﵁ - قال: في كل (٣) صلاة يقرأ) ولفظ مسلم: في كل صلاة قراءة، (فما أسمعنا رسول الله - ﷺ -) أي القراءة التي أسمعناها رسول الله - ﷺ - (أسمعناكم، وما) أي القراءة التي (أخفى علينا) أي أخفاها علينا (أخفينا عليكم) أي أخفيناها عليكم، ويحتمل أن يكون المراد بلفظ ما الصلاة، وحينئذ يكون التقدير: فالصلاة التي أسمعنا فيها رسول الله - ﷺ - القراءة أسمعناها لكم، والصلاة التي أخفى علينا فيها القراءة أخفينا فيها عليكم.\n٧٩٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن هشام بن أبي عبد الله) الدستوائي، (ح: قال) أبو داود: (وثنا ابن المثنى، ثنا ابن (٤) أبي عدي، عن الحجاج (٥)، وهذا لفظه) أي لفظ ابن المثنى (عن يحيى) أي روى هشام بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نقرأ\".\n(٢) (٢/ ٢٥٣).\n(٣) أي كل فرد من الصلوات، أو كل ركعة منها. (ش).\n(٤) محمد بن إبراهيم. (ش).\n(٥) والحجاج لم يسمع عن ابن أبي كثير، فهو يرسل عنه، قاله ابن رسلان، وملتقى السند محل تدبر، فإن ظاهر ابن رسلان أن هشامًا يروي عن الحجاج، فتأمل. (ش).","vol":"4","page":188},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ - قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَأَبِى سَلَمَةَ، ثُمَّ اتَّفَقَا (١) - عَنْ أَبِى قَتَادَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى بِنَا فَيَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا،\n===\nأبي عبد الله والحجاج كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، (عن عبد الله بن أبي قتادة، قال ابن المثنى) شيخ المؤلف: (وأبي سلمة) عطف على عبد الله بن أبي قتادة، أي روى ابن المثنى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي قتادة وأبي سلمة، ولم يذكر مسدد أبا سلمة في سنده.\n(ثم اتفقا) أي سدد وابن المثنى فقالا: (عن أسود قتادة) فرواية مسدد هكذا: عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، ورواية محمد بن المثنى هكذا: عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة وأبي سلمة عن أبي قتادة.\n(قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بنا) أي إمامًا (فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين) منهما (بفاتحة (٢) الكتاب وسورتين) (٣) يعني في كل ركعة سورة (ويسمعنا) من الإسماع (الآية) أي من الفاتحة مطلقًا، أو السورة في الأوليين (أحيانًا) يعني نادرًا من الأوقات، مع كون الظهر صلاة سرية.\nقال الطيبي: أي يرفع صوته ببعض الكلمات من الفاتحة والسورة، بحيث يسمع حتى يعلم ما يقرأ من السورة، قال ابن ملك: فيقرأ نحوها من السورة في نحوها من الصلاة، وقال ابن حجر: وهو محمول على أنه لغلبة الاستغراق في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"اتفقا\" بغير ثم.\n(٢) له عشرة أسماء، ذكرها ابن رسلان. (ش).\n(٣) أشكل عليه الزرقاني بأن العلم بقراءة السورة إنما يكون بسماع كلها، وأجيب باحتمال أنه مأخوذ من سماع البعض مع قيام القرينة، ويحتمل أنه - ﷺ - يخبرهم، وهو بعيد. [انظر: \"شرح الزرقاني\" (١/ ١٦٢)]. (ش).","vol":"4","page":189},{"text":"وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مِنَ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِى الصُّبْحِ\". [خ ٧٦٢، م ٤٥١، ن ٩٧٤، جه ٨٢٩]\n===\nالتدبر، يحصل الجهر من غير قصد، أو لبيان جوازه، أو ليعلم أنه يقرأ، أو يقرأ سورة كذا، ليتأسوا به، انتهى، وقوله: لبيان الجواز، لا يجوز عندنا، إذ الجهر والإخفاء واجبان على الإِمام، إلَّا أن يراد ببيان الجواز، أن سماع الآية أو الآيتين لا يخرجه عن السر، نقله القاري (١).\n(وكان يطول) بالتشديد (الركعة الأولى من الظهر، وبقصر الثانية) قال ابن حجر: وحكمته أن النشاط في الأولى أكثر، فيكون الخشوع والخضوع فيها كذلك، فطول فيها لذلك، وخفف في غيرها حذرًا من الملل، نقله القاري، (وكذلك في الصبح).\nوالمذهب عندنا ما قال في \"الهداية\" (٢): ويطيل الركعة الأولى من الفجر على الثانية إعانة للناس على إدراك الجماعة، وركعتا الظهر سواء، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-، وقال محمد - ﵀-: أحب إلى أن يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها، لما روي: \"أن النبي - ﷺ - كان يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها\".\nولهما أن الركعتين استويا في استحقاق القراءة، فيستويان في المقدار، بخلاف الفجر، لأنه وقت نوم وغفلة، والحديث (٣) محمول على الإطالة من حيث الثناء والتعوذ والتسمية، ولا معتبر بالزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات لعدم إمكان الاحتراز عنه من غير حرج، انتهى.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٨٩).\n(٢) (١/ ٥٦).\n(٣) لما في رواية مسلم: \"كان يقرأ في الظهر في الأوليين بقدر ثلاثين آية\"، ولذا بَوَّب ابن حبان \"السبب الذي من أجله يُطَوِّل الأولى\"، ثم ادَّعى أن طول الأولى يكون للترتيل وغيره. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":190},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً.\n٧٩٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ بِبَعْضِ هَذَا وَزَادَ: \"فِى الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ\"، وَزَادَ عَنْ هَمَّامٍ\n===\nقال ابن الهمام (١): وعلى هذا فيحمل قول الراوي: \"وهكذا في الصبح\" على التشبيه في أصل الإطالة لا قدرها، فإن تلك الإطالة معتبرة شرعًا عند أبي حنيفة.\n(قال أبو داود: لم يذكر مسدد فاتحة الكتاب وسورة) يعني ذكره ابن المثنى ولم يذكره مسدد.\n٧٩٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، أنا همام وأبان بن يزيد العطار، عن يحيى) بن أبي كثير، (عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه ببعض هذا) أي الحديث المتقدم (وزاد) أي الحسن بن علي: (في الأخريين بفاتحة الكتاب).\nقلت: وقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا يزيد بن هارون قال: أنا همام وأبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه \"أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب\"، انتهى، فكما زاد هذا اللفظ الحسن بن علي زاد أبو بكر بن أبي شيبة أيضًا، فالزيادة التي ذكرها المصنف عن الحسن بن علي زيادة باعتبار رواية مسدد وابن المثنى، فإنهما لم يذكراه.\n(وزاد) أي يزيد بن هارون (عن همام) وفي نسخة: وزاد همام\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ٢٩٣).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٤٥١).","vol":"4","page":191},{"text":"قَالَ: \"وَكَانَ يُطَوِّلُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِى الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِى صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِى صَلَاةِ الْغَدَاةِ\". [خ ٧٧٦، م ٤٥١، وانظر تخريج الحديث السابق]\n٧٩٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ الأُولَى\". [خ ٧٧٩، خزيمة ١٥٨٠]\n٧٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ قَالَ: \"قُلْنَا لِخَبَّابٍ:\n===\n(قال) أي همام: (وكان) رسول الله - ﷺ - (يطول في الركعة الأولى ما) أي تطويلًا (لا يطول في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الغداة).\nنسب المصنف هذه الزيادة إلى همام، فهذا يوهم إلى أن أبان بن يزيد العطار لم يزده، ولكن رواية مسلم التي نقلناها تدل على أن هذه الزيادة غير مذكورة، لا في رواية همام ولا في رواية أبان، فيحتمل أن يكون مسلم أو أحد رواته اختصرها، ويحتمل أن يكون الإِمام مسلم أخرج في \"صحيحه\" لفظ حديث أبان بن يزيد، فإن الإِمام البخاري أخرج حديث همام، وذكر فيه هذه الزيادة التي ذكرها المؤلف.\n٧٩٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال) أبو قتادة: (فظننا) أي بتطويل الركعة الأولى (أنه) - ﷺ - (يريد بذلك) أي بتطويل الركعة الأولى (أن يدرك الناس الركعة الأولى).\n٧٩٩ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، عن) سليمان (الأعمش، عن عمارة) بتخفيف الميم (ابن عمير) مصغرًا، (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (قال: قلنا لخباب) بن الأرت بفتح الهمزة والراء وبتشديد التاء:","vol":"4","page":192},{"text":"هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: بِمَ (١) كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ (٢) - ﷺ -\". [خ ٧٤٦، جه ٨٢٦، حم ٥/ ١٠٩]\n٨٠٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ رَجُلٍ،\n===\n(هل كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بم) أي بأى شيء (كنتم تعرفون ذاك؟ قال) خباب: (باضطراب لحيته (٣) - ﷺ -) أي نعرف ذلك باضطراب لحيته.\n٨٠٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عفان، نا همام، نا محمد بن جحادة، عن رجل)، قال في \"درجات مرقاة الصعود\": بسنن البيهقي هذا الرجل هو طرفة الحضرمي.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤) في ترجمة طرفة الحضرمي: قيل: هو الرجل الذي لم يسم عن عبد الله بن أبي أوفى في القراءة في الظهر، وعنه محمد بن جحادة، حكاه الحافظ الضياء، وكأنه أخذه من ذكر ابن حبان له في ثقات التابعين، وتعريفه إياه بأنه يروي عن ابن أبي أوفى، ويروي عنه محمد بن جحادة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بما\".\n(٢) وفي نسخة: \"لحييه\".\n(٣) وأورد عليه الزرقاني بأنه لا يعين القراءة لاحتمال الاضطراب بالذكر والدعاء، وأجيب بأنهم نظروه بالجهرية مع سماع بعض الآية، أو أنه بمنزلة تفسير الصحابي لبعض محتملاته ... إلخ، قال: واستدل به البيهقي على أن الإسماع لنفسه لا بدَّ له في الإسرار، وذلك لا بدَّ له من تحريك الشفتين، وقال الحافظ: وفيه نظر. [انظر: \"شرح الزرقاني\" (١/ ١٦٢)]. (ش).\n(٤) (٥/ ١١).","vol":"4","page":193},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَقُومُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ\". [حم ٤/ ٣٥٦، ق ٢/ ٦٦، ش ١/ ٣٣٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>(١٣٢) بَابُ تَخْفِيفِ الأُخْرَيَيْنِ</span>\n٨٠١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبِى عَوْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: \"قَدْ شَكَاكَ النَّاسُ فِى كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى فِى الصَّلَاةِ. قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِى الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِى الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ:\n===\nوقال في \"التقريب\": طرفة الحضرمي صاحب ابن أبي أوفى، مقبول، من الخامسة، لم يقع مسمى في رواية أبي داود.\n(عن عبد الله بن أبو أوفى أن النبي - ﷺ - كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم) أي صوت وقع القدم على الأرض للجائي إلى الصلاة.\n\n(١٣٢) (بَابُ تَخْفِيفِ الأُخْرَيَيْنِ)\nأي: تخفيف القراءة في الركعتين الأخريين من الصلاة الرباعية\n٨٠١ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن محمد بن عبيد الله) بن سعيد (أبي عون) الثقفي الكوفي الأعور، ثقة، (عن جابر بن سمرة قال: قال عمر) بن الخطاب (لسعد) بن أبي وقاص: (قد شكاك الناس) أي أهل الكوفة، وكان واليًا على أهل الكوفة في خلافة عمر فشكوه (في كل شيء حتى في الصلاة) بأنه لا يحسن يصلي (قال) سعد: (أما أنا فأمد) أي أطول القراءة (في) الركعتين (الأوليين وأحذف) بحاء مهملة وذال معجمة مكسورة، أي أخَفِّفُ القراءةَ (في) الركعتين (الأخريين) لأنه يقتصر فيها على الفاتحة (ولا آلو) أي لا أقصر (بما اقتديت به) أي من صلاة اقتديت بها (من صلاة رسول الله - ﷺ -، قال) عمر:","vol":"4","page":194},{"text":"ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ\". [خ ٧٧٠، م ٤٥٣، ق ٢/ ٦٥]\n٨٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى (١) النُّفَيْلِىَّ -، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْهُجَيْمِىِّ، عَنْ أَبِى الصِّدِّيقِ النَّاجِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: \"حَزَرْنَا قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، قَدْرَ ﴿الم * تَنْزِيل﴾ السَّجْدَةِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِى الأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ،\n===\n(ذاك) أي إنك تصلي بهم كما صليت مع رسول الله - ﷺ - (الظن) (٢) أي ظني (بك).\n٨٠٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد -يعني النفيلي-، نا هشيم، أنا منصور، عن الوليد (٣) بن مسلم الهجيمي) وهو وليد بن مسلم بن شهاب التميمي العنبري البصري، ولم أرَ من ذكره أنه الهجيمي إلَّا أبا داود، وهذه نسبة إلى محلة بالبصرة نزل بها بنو الهجيم، (عن أبي الصديق) بكر بن عمرو، وقيل: قيس (الناجي) نسبة إلى بني ناجية، بصري.\n(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري. (قال: حزرنا) بتقديم الزاي على الراء، أي قدرنا (قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر (٤) قدر ثلاثين آية) أي في كل واحدة من الركعتين (قدر ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وحزرنا قيامه في) الركعتين (الأخريين على النصف (٥) من ذلك) أي بقدر خمس عشرة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"هو النفيلي\".\n(٢) فيه مدح الرجل لوجهه إذا لم يخف عليه فتنة من العجب وغيره، والمنع إذا خيف \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وليس هو وليد بن مسلم الدمشقي المشهور صاحب الأوزاعي \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: فيه دليل على أن قراءة الظهر ينقص من طوال المفصل. (ش).\n(٥) استدل به الشافعية على استحباب ضم السورة في الأخريين \"ابن رسلان\"، وقال =","vol":"4","page":195},{"text":"وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِى الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِى الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ\". [م ٤٥٢، ن ٤٧٥، حم ٣/ ٢، دي ١٢٨٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>(١٣٣) باب قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِى صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ</span>\n٨٠٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن سِمَاكِ بْنِ\nحَرْبٍ، عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ\nوالعًصْرِ: بـ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ و﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾\n===\nآية، وهذا يدل على أنه - ﷺ - يزيد في الركعتين الأخريين على الفاتحة، فيحتمل أنه - ﷺ - يقرأ فيها الفاتحة مترسلًا حتى يظن أنه يزيد على الفاتحة، ويحتمل أنه - ﷺ - يزيد على الفاتحة لبيان الجواز لا على وجه السنة.\n(وحزرنا قيامه في) الركعتين (الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر) أي قدر خمس عشرة آية، فكأنه يقرأ فيها قصار المفصل من السور (وحزرنا قيامه في) الركعتين (الأخريين) من العصر (على النصف من ذلك) أي من الركعتين الأوليين من صلاة العصر.\n\n(١٣٣) (بَابُ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ في صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ)\n٨٠٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ و﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾،\n_________\n= ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" له: قد احتج به من استحب القراءة في الأخريين، وهو صريح الدلالة، لولا حديث أبي قتادة المتفق على صحته أنه ﵇ كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، فذكر السورتين في الأوليين والاقتصار على الفاتحة في الأخريين يدل على الاختصاص، وحديث الباب ليس صريحًا بل حزر وتخمين. (ش).","vol":"4","page":196},{"text":"وَنَحْوِهِما مِنَ السُّورِ\". [ت ٣٠٧، ن ٩٧٩، حم ٥/ ٣٠١، دي ١٢٩٤]\n٨٠٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ قال: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَقَرَأَ بِنَحْوِ مِنْ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وَالْعَصْرَ كَذَلِكَ وَالصَّلَوَاتِ، إِلَاّ الصُّبْحَ فَإِنَّهُ كَانَ يُطِيلُهَا\". [م ٤٥٩، ن ٩٨٠، حم ٥/ ١٠١، خزيمة ٥١٠]\n٨٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَهُشَيْمٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أُمَيَّةَ،\n===\nونحوهما من السور) أي من أوساط المفصل.\n٨٠٤ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن سماك قال) شعبة: إن سماكًا (سمع جابر بن سمرة) ويحتمل أن يعود إلى سماك، وجعل نفسه غائبًا، أي أنه سمع (قال) جابر: (كان رسول الله - ﷺ - إذا دحضت) أي زالت (الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من \" ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ \" والعصر كذلك) أي وصلى العصر وقرأ فيها مثل ما قرأ في الظهر بنحو \" ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ \" (والصلوات) أي كذلك الصلوات كلها فيقرأ فيها مثل ما يقرأ في الظهر والعصر (إلَّا الصبح فإنه) - ﷺ - (كان يطيلها).\n٨٠٥ - (حدثنا محمد بن عيسى) الطباع، (نا معتمر بن سليمان ويزيد بن هارون وهشيم، عن سليمان التيمي، عن أمية) قال في \"التقريب\": أمية عن أبي مجلز مجهول، من السادسة، وقال في \"تهذيب التهذيب\": أمية عن أبي مجلز عن ابن عمر في الصلاة، قاله معتمر بن سليمان عن أبيه، ورواه غير واحد عن سليمان التيمي عن أبي مجلز، قلت: قال أبو داود في رواية الرملي: أمية هذا لا يعرف، ولم يذكره إلَّا المعتمر، انتهى.","vol":"4","page":197},{"text":"عَنْ أَبِى مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- سَجَدَ فِى صَلَاةِ الظُّهْرِ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ، فَرَأَيْنَا (١) أَنَّهُ قَرَأَ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ السَّجْدَةِ. قَالَ ابْنُ عِيسَى: لَمْ يَذْكُرْ أُمَيَّةَ أَحَدٌ إِلَاّ مُعْتَمِرٌ\". [حم ٢/ ٨٣، طح ١/ ٢٠٧، ش ٢/ ٢٢، ق ٢/ ٣٢٢، ك ١/ ٢٢١]\n===\nويحتمل أن هذا تصحيف من أحد الرواة كان عن المعتمر عن أبيه، فظنه عن أمية، ثم كرر ذكر أبيه، والله أعلم، لكن وقع عند أحمد عن يزيد بن هارون، عن سليمان، عن أبي مجلز به، ثم قال: قال سليمان: ولم أسمعه من أبي مجلز، وحكى الدارقطني أن بعضهم رواه عن المعتمر فقال: عن أبيه، عن أبي أمية، وزيَّفه، ثم جوَّز إن كان محفوظًا أن يكون المراد به عبد الكريم بن أبي المخارق، فإنه يكنى أبا أمية، وهو بصري، والله أعلم (٢).\n(عن أبي مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي، لاحق بن حميد، (عن ابن عمر أن النبيﷺ - سجد) (٣) سجدة التلاوة (في صلاة الظهر ثم قام) من السجدة (فركع، فرأينا أنه قرأ) سورة (﴿تَنْزِيلٌ﴾ السجدة. قال ابن عيسى) محمد شيخ المؤلف: (لم يذكر أمية أحد إلَّا معتمر) (٤) أي كل من روى هذا الحديث عن سليمان التيمي لم يذكر أمية في سنده، بل روى عن سليمان التيمي عن أبي مجلز، وقد تقدم ما يتعلق بهذا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فرأوا\"، وفي نسخة \"فرئينا\".\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٧٣)، و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٠).\n(٣) استدل به الشافعية على عدم الكراهة لقراءة السجدة في السرية خلافًا للحنفية، وهل يسجد المأموم عند أحمد؟ مخير. \"ابن رسلان\". (ش).\n[قلت: وفي \"المغني\" (٢/ ٣٧١): قال بعض أصحابنا: يكره للإمام قراءة السجدة في صلاة لا يجهر فيها، وان قرأ لم يسجد، وهو قول أبي حنيفة، لأن فيها إيهامًا على المأموم].\n(٤) وليس هو عند الحاكم، لكن كلام الطحاوي يدل على أنه مدلس. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":198},{"text":"٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَالِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: \"دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِى شَبَابٍ مِنْ بَنِى هَاشِمٍ فَقُلْنَا لِشَابٍّ مِنَّا: سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ فَقَالَ: لَا لَا،\n===\n٨٠٦ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن موسى بن سالم، نا عبد الله بن عبيد الله) بن عباس بن عبد المطلب، وقال الترمذي في \"سننه\" (١): وروى سفيان الثوري عن أبي جهضم هذا، وقال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس، وسمعت محمدًا يقول: حديث الثوري غير محفوظٍ، وهم فيه الثوري، والصحيح ما روى إسماعيل بن علية وعبد الوارث بن سعيد، عن أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ابن عباس.\nقلت: أخرج الدارمي في \"سننه\" (٢) من طريق حماد بن زيد عن أبي جهضم فقال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، ولعله تصحيف من الكاتب، فإنه قد أخرج هذه الرواية الطحاوي وابن ماجه والنسائي فقالوا عن حماد بلفظ: عبد الله بن عبيد الله بن عباس.\n(قال (٣): دخلت على ابن عباس في) أي مع (شباب) جمع شاب (من بني هاشم) ويحتمل أن يكون لفظة في (٤) بمعناها، والمعنى حال كوني داخلًا في شباب من بني هاشم (فقلنا لشاب منا) لم أقف على تسميته: (سل ابن عباس أكان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا) (٥) لا الثانية تأكيد، أي: لا يقرأ.\n_________\n(١) (٤/ ٢٠٦).\n(٢) (١/ ١٢٠) ح (٧٠٠).\n(٣) ذكره الحافظ عن عبد الله بن عبيد الله عن عمر أنهم دخلوا ... إلخ، وليس لفظ عمر هاهنا، فتأمل. (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: يحتمل أن يكون في بمعناه أي في جملة شباب. (ش).\n(٥) سيأتي الكلام عليه في الحديث الآتي، وقال ابن رسلان: هذا وهم من ابن عباس، قاله الخطابي [\"معالم السنن\" (١/ ٢٨٢)] وفي سنده مجهول، والإثبات مقدم. (ش). =","vol":"4","page":199},{"text":"فَقِيلَ لَهُ: لَعَلَّهُ (١) كَانَ يَقْرَأُ فِى نَفْسِهِ، فَقَالَ: خَمْشًا، هَذِهِ شَرٌّ (٢) مِنَ الأُولَى، كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ (٣) بِهِ، وَمَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَىْءٍ إلَّا بِثَلَاثِ خِصَالٍ: أُمِرْنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ،\n===\n(فقيل له) أي لابن عباس: (لعله كان يقرأ في نفسه) أي سرًّا، (فقال) ابن عباس: (خمشًا) (٤) منصوب بفعل مقدر، أي تخمش خمشًا أي تخدش، في دعا عليه، (هذه) أي القراءة سرًّا (شر من الأولى) أي من عدم القراءة (كان) النبي - ﷺ - (عبدًا مأمورًا) أي من الله (بلغ ما أرسل به) فلا يمكن أن يقرأ في نفسه سرًّا ولا يخبرنا بها، وهذا ينافي تبليغ ما أمر به.\n(وما اختصنا دون الناس بشيء) من أوامر الشريعة ونواهيها (إلَّا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء) أي نكملها بإتيان فرائضه وسننه وآدابه، وهذا الأمر أيضًا غير مختص بهم، ولعله - ﷺ - بالغ لهم في الإسباغ، وأكَّد تأكيدًا بليغًا، ففهموا منه الاختصاص (وأن لا نأكل الصدقة) الواجبة كالزكاة والنذر\n_________\n= [قال العيني في شرح \"سنن أبي داود\" (٣/ ٤٧٣): قلت: عندي جواب أحسن من هذا مع رعاية الأدب في حق ابن عباس - ﵁ - فنقول: أولًا: إستناد ابن عباس في قوله هذا قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهو مجمل بينه ﵇ بفعله، ثم قال: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي\" والمرعي هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسمًا للفعل في حق الظهر والعصر، وللفعل والقول في حق غيرهما، ولم يبلغ ابن عباس قراءته ﵇ في الظهر والعصر، فلذلك قال في جواب عبد الله بن عبيد الله في الحديث المذكور: \"لا، لا\"، فلما بلغه خبر قراءته ﵇ في الظهر والعصر، وثبت عنده، رجع من ذلك القول، والدليل عليه ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، فقال: نا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يقرأ في الظهر والعصر\"].\n(١) وفي نسخة: \"فلعله\".\n(٢) وفي نسخة: \"أشر\".\n(٣) وفي نسخة: \"ما أمر به\".\n(٤) \"خمشًا\" دعاء عليه بأن يخمش وجهه أو جلده. \"النهاية\" (ص ٢٨٦).","vol":"4","page":200},{"text":"وَأَنْ لَا نُنْزِيَ الْحِمَارَ عَلَى الْفَرَسِ\". [ن ٣٥٨١، حم ١/ ٢٤٩، ت ١٧٠١، خزيمة ١٧٥، جه ٤٢٦، طح ١/ ٢٠٥]\n===\nوالعشر والكفارة، أما التطوع والوقف فيجوز الصرف إليهم، وفي \"النهاية\": عن العتابي أن النفل جائز لهم بالإجماع كالنفل للغني، وتبعه صاحب \"المعراج\" واختاره في \"المحيط\" مقتصرًا عليه، وعزاه إلى \"النوادر\" ومشى عليه الأقطع في \"شرح القدوري\"، واختاره في \"غاية البيان\"، ولم ينقل غيره شارحُ \"المجمع\" فكان هو المذهب، وأثبت الشارح الزيلعي الخلاف في التطوع على وجه يشعر بترجيح الحرمة، وقواه المحقق في \"فتح القدير\" من جهة الدليل لإطلاقه، انتهى \"البحر الرائق\" (١)، ملخصًا.\nقلت: وهذا مذهب الشافعي - رحمه الله تعالى- كما هو مذهبنا، فقال في حاشية \"الإقناع\" (٢): والراجح من مذهبنا حرمة الصدقتين عليه - ﷺ -، وحرمة صدقة الفرض دون النفل على آله، وقال النووي: لا تحل الصدقة لآل محمد - ﷺ - لا فرضها ولا نفلها ولا لمواليهم، إن مولى القوم منهم، انتهى.\n(وأن لا ننزي الحمار على الفرس) أصله بالواو من النزو فأبدلت ياء، أي لا نحملها عليها للنسل، وهي من باب الإفعال، وهذا الحكم أيضًا ليس بمختص بهم، فيحمل على تأكد (٣) الكراهة لهم.\nوأما عندنا فجاز إنزاء الحمير على الخيل، واستدلوا بركوب النبي - ﷺ - على البغل، وبقول الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٤)، فإنه تعالى ذكرها في محل الامتنان، والنهي محمول على خلاف الأولى.\n_________\n(١) (٢/ ٤٣٠).\n(٢) (٢/ ٣٦٧).\n(٣) نعم تأكدت الكراهة لهم، لأنه - ﷺ - حرفته وحرفة أهل بيته الجهاد، فلا ينبغي لهم فعل يقلل آلات الجهاد. (ش).\n(٤) سورة النحل: الآية ٨.","vol":"4","page":201},{"text":"٨٠٧ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَا أَدْرِى أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا\". [حم ١/ ٢٤٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>(١٣٤) بَابُ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ في الْمَغْرِبِ</span>\n٨٠٨ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ\n===\n٨٠٧ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا هشيم) بن بشير، (أنا حصين) مصغرًا، ابن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل مصغرًا، الكوفي، ابن عم منصور بن المعتمر، (عن عكرمة، عن ابن عباس) أي عبد الله (قال: لا أدري أكان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر أم لا) اختلفت الروايات عن ابن عباس في القراءة في الظهر والعصر، ففي بعضها نفي القراءة فيها كما في الرواية المتقدمة، وفي بعضها تردد فيها كما في هذه الرواية، وفي بعضها إثبات القراءة كما في الأحاديث التي أخرجها الطحاوي بأسانيد مختلفة عن ابن عباس وغيره من الصحابة.\nفهذه الروايات تدل على أن رسول اللهﷺ - كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر سرًّا، فالظاهر أن ابن عباس نفى القراءة أولًا، لأنه لم يعلم بها، ثم تردد في ذلك، ثم لما علم بعد ذلك من الصحابة أنه - ﷺ - كان يقرأ فيها أثبت القراءة، وقد حققه الطحاوي (١) بما لا مزيد عليه.\n\n(١٣٤) (بَابُ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ في) صلاة (الْمَغْرِبِ)\n٨٠٨ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن) عبد الله (بن عباس: أن أم الفضل\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٠٥).","vol":"4","page":202},{"text":"بِنْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرُأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]، فَقَالَتْ: يَا بُنَىَّ، لَقَدْ ذَكَّرْتَنِى بِقِرَاءَتِكَ (١) هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ بِهَا فِى الْمَغْرِبِ\". [خ ٧٦٣، م ٤٦٢، ت ٣٠٨، ن ٩٨٥، جه ٨٣١، ق ٢/ ٣٩٢، حب ١٨٣٢]\n===\nبنث الحارث) بن حزن الهلالية، زوج العباس بن عبد المطلب، والدة عبد الله، وأخت ميمونة زوج النبي - ﷺ - (سمعته) أي ابن عباس (وهو يقرأ) سورة ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، فقالت) أم الفضل: (يا بني).\nاختلف القُرَّاء في هذا اللفظ الوارد في القرآن، فقرأ حفص عن عاصم يا بني بفتح الياء في جميع القرآن، والباقون بالكسر، ليكون دليلًا على ياء الإضافة المحذوفة، فإن أصل ابن علي ما اختاره الجوهري بنو، فحذفت واوه وعوضت عنها همزة الوصل، فلما صغر عادت الواو، فصار بنيو، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصار بني، ثم أضيف إلى ياء المتكلم فصار بني بالياء المشددة المكسورة، ثم الياء الساكنة للمتكلم، فاجتمع ثلاث ياآت، فحذفت ياء المتكلم لدلالة الكسر عليها تخفيفًا، ثم الجمهور على كسر الياء، وبعضهم فتح الياء كيا أبت ويا أبت، ونودي بها فصار يا بني بفتح الياء وكسرها.\n(لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة) والمفعول الثاني لذكرتني إما محذوف، وهو قراءة رسول الله - ﷺ - إياها، أو يقال: إن مفعوله الثاني قوله (إنها) أي السورة (لآخر ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ بها في المغرب).\nقال الحافظ في \"شرح البخاري\" (٢): وصرح عقيل في روايته عن ابن شهاب أنها آخر صلاة النبي - ﷺ -، ولفظه: \"ثم ما صلَّى لنا بعدها حتى قبضه الله\"، أورده المصنف في \"باب الوفاة\"، وقد تقدم في \"باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به\" من\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذكرتني قراءتك\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٧).","vol":"4","page":203},{"text":"٨٠٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: \"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ (١) بِـ ﴿الطُّورِ﴾ فِى الْمَغْرِبِ\". [خ ٧٦٥، م ٥٧٨، ن ٩٨٧، جه ٨٣٢، حم ٤/ ٨٠، دي ١٢٩٥، ق ٢/ ٣٩٢]\n٨١٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: \"مَا لَكَ تَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ\n===\nحديث عائشة أن الصلاة التي صلاها النبي - ﷺ - بأصحابه في مرض موته كانت الظهر، وأشرنا إلى الجمع بينه وبين حديث أم الفضل هذا بأن الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد، والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته كما رواها النسائي، لكن يُعَكِّرُ عليه رواية ابن إسحاق في هذا الحديث بلفظ: \"خرج إلينا رسول الله - ﷺ - وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب\" الحديث أخرجه الترمذي، ويمكن حمل قولها: \"خرج إلينا\" أي من مكانه الذي كان راقدًا فيه إلى من في البيت فصلى بهم، فتلتئم الروايات.\n٨٠٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ بالطور في المغرب) (٢).\n٨١٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، عن ابن جريج) عبد الملك، (حدثني ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار (٣) المفصل).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قرأ\".\n(٢) وقال الدارقطني: وهم فيه بعض الرواة وإنما هو في الركعتين بعد المغرب \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) في تعيينها وابتدائها عشرة أقوال \"ابن رسلان\" بل اثنا عشر قولًا، كما سيأتي في \"باب تحزيب القرآن\". (ش).","vol":"4","page":204},{"text":"وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِطُولَى (١) الطُّولَيَيْنِ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ؟ قَالَ: الأَعْرَافُ وَالآخْرَ الأَنْعَامُ، قَالَ: وَسَأَلْتُ أَنَا ابْنَ أَبِى مُلَيْكَةَ فَقَالَ لِى مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ: الْمَائِدَةُ وَالأَعْرَافُ. [خ ٧٦٤، ن ٩٩٠، ق ٢/ ٣٩٢]\n===\nوالمفصل على ثلاثة أقسام: طوال المفصل من سورة الحجرات إلى سورة البروج، والأوساط من سورة البروج إلى سورة لم يكن، وأما القصار فمن سورة لم يكن إلى آخر القرآن، هذا هو الذي عليه الجمهور في تفسير طواله وقصاره وأوساطه، وقيل: طواله من قاف، وقيل: من الفتح، وقيل: من سورة محمد ﵇، وقيل: من الجاثية، وهو غريب، وقيل: من الحجرات إلى عبس، والأوساط منها إلى الضحى، والباقي القصار، كذا قاله الحلبي (٢).\n(وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بطولى الطوليين؟) أي بأطول السورتين الطويلتين، والطولى تأنيث أطول، قاله الحافظ (٣) (قال) ابن أبي مليكة: (قلت) لعروة: (ما طولى الطوليين؟ قال) عروة: (الأعراف، والآخر الأنعام) قال الحافظ: وتعقب بأن النساء أطول من الأعراف، وليس هذا التعقب بمرضي، لأنه اعتبر عدد الآيات، وعدد آيات الأعراف أكثر من النساء وغيرها من السبع بعد البقرة، والمتعقب اعتبر عدد الكلمات، لأن كلمات النساء تزيد على كلمات الأعراف بمأتي كلمة.\n(قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة) هذا قول ابن جريج، أي ما طولى الطوليين؟ (فقال) ابن أبي مليكة لي (من قبل نفسه) من غير أن يروي عن شيخه عروة: (المائدة والأعراف) أي المراد بالطوليين المائدة والأعراف، فالطولى منهما الأعراف، فتفسير الطولى بالأعراف متفق عليه، وفي تفسير الأخرى ثلاثة أقوال: المحفوظ منها الأنعام، كذا قال الحافظ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بطوال\"، وفي نسخة: \"بطول\".\n(٢) \"غنية المتملي\" (ص ٣١٢).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٨).","vol":"4","page":205},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومذهب الحنفية فيها ما قال في \"الدر المختار\" (١): ويسن في الحضر لإمام ومنفرد طوال المفصل في الفجر والظهر، وأوساطه في العصر والعشاء، وقصاره في المغرب، أي في كل ركعة سورة بما ذكر، ذكره الحلبي، واختار في \"البدائع\" عدم التقدير، وأنه يختلف بالوقت والقوم والإمام، قال \"الشامي\": ولذا قال في \"البحر\" عن \"البدائع\": والجملة فيه أنه ينبغي للإمام أن يقرأ مقدار ما يخف على القوم، ولا يثقل عليهم بعد أن يكون على التمام.\nوأما الجواب عن الأحاديث التي دلت على قراءة الطوال في المغرب إما بأنه - ﷺ - كان قرأ هذه السور أحيانًا لبيان الجواز، فإنه روى جابر بن عبد الله قال: كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - المغرب، ثم نأتي بني سلمة، وإنا لنبصر مواقع النبل، فلو كان هذا وقت انصراف رسول الله - ﷺ - من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك، وقد قرأ فيها الأعراف وغيرها من الطوال، أو يقال: إنه قرأ ببعض تلك السور، وذلك جائز في اللغة، يقال: هذا فلان يقرأ القرآن إذا كان يقرأ شيئًا منه، وقد أنكر رسول الله - ﷺ - على معاذ تطويل القراءة، بل قد أوجب على الأئمة تخفيف القراءة، وقال: \"إذا صلى أحدكم للناس فليخفف\".\nقال الحافظ (٢): وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه - ﷺ - كان أحيانًا يطيل القراءة في المغرب إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين، وليس في حديث جبير بن مطعم دليل على أن ذلك تكرر منه، وأما حديث زيد بن ثابت ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبي - ﷺ - واظب على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي - ﷺ -، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٣١٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٩).","vol":"4","page":206},{"text":"(١٣٥) بَابُ (١) مَنْ رَأَى التَّخْفِيفَ فِيهَا\n٨١١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: \"أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقْرَأُ فِى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِنَحْوِ مَا تَقْرَءُونَ\n===\nوقال الحافظ أيضًا: قال الترمذي: ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال نحو \"الطور\" و\"المرسلات\" وقال ابن دقيق العيد: استمر العمل على تطويل القراءة في الصبح وتقصيرها (٢) في المغرب.\nقال العيني (٣): قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، قلت: هو مذهب الثوري والنخعي وعبد الله بن المبارك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد ومالك وإسحاق، ثم قال العيني بعد كلام طويل: وروي نحو ذلك من التابعين، فذكر سعيد بن جبير والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي وعروة بن الزبير أنهم يقرأون في المغرب بقصار المفصل، انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>(١٣٥) (بَابُ مَنْ رَأَى التَّخْفِيفَ فِيهَا)</span>\nأي: تخفيف القراءة في صلاة المغرب (٤)\n٨١١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) أي ابن سلمة، (أنا هشام بن عروة: أن أباه) أي عروة كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرؤون) أي من\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما جاء في\".\n(٢) وذكر العيني مذهب جماعة من السلف قالوا بالتطويل فيها. (ش).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٦٧).\n(٤) وتمسكوا فيها برواية أبي هريرة: ما رأيت أشبه صلاة به - ﷺ - من فلان كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل، أخرجه النسائي، وصححه ابن خزيمة \"ابن رسلان\"، واستدل القسطلاني برواية ابن عمر عند ابن ماجه بسند صحيح قال: كان ﵇ يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. [انظر: \"إرشاد الساري\" (٢/ ٤٦٧)]. (ش).","vol":"4","page":207},{"text":"﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾، وَنَحْوِهَا مِنَ السُّوَرِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَاكَ (١) مَنْسُوخٌ، وقال أبو داود: وَهَذَا أَصَحُّ.\n٨١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ السَّرْخَسِىُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ\n===\nالسور القصار ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾، ونحوها من السور، قال أبو داود: وهذا) أي فعل عروة (يدل على أن ذاك) أي قراءة الطوال المفصل في المغرب (منسوخ) قال الحافظ (٢): وفي حديث أم الفضل إشعار بأنه - ﷺ - كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات لكونه كان في حال شدة مرضه، وهو مظنة التخفيف، وهو يرد على أبي داود ادعاء نسخ التطويل، لأنه روى عقب حديث زيد بن ثابت من طريق عروة أنه كان يقرأ في المغرب بالقصار، قال: وهذا يدل على نسخ حديث زيد، ولم يبين وجه الدلالة، وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر عمل بخلافه حمله على أنه اطلع على ناسخه، ولا يخفى بعد هذا الحمل، وكيف تصح دعوى (٣) النسخ وأم الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بالمرسلات؟ انتهى.\n(وقال أبو داود: هذا أصح).\n٨١٢ - (حدثنا أحمد بن سعيد السرخسي، نا وهب بن جرير، نا أبي) أي جرير بن حازم (قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) أي شعيب، (عن جده) أي جد شعيب، وهو عبد الله بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"هذا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٩).\n(٣) والأوجه عندي أن الإِمام أبا داود استدل عليه بلفظ: نحو ما تقرؤون، وهذا يشعر بأن عملهم قاطبة هكذا، فهو إعراض عن العمل بحديث زيد، والإعراض في الصدر الأول دليل النسخ، وهو الأصل المعروف في الفقه. (ش).","vol":"4","page":208},{"text":"أَنَّهُ قَالَ: \"مَا مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ إلَّا وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَؤُمُّ النَّاسَ بِهَا فِى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ\". [ق ٢/ ٣٨٨]\n٨١٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ: \"أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ بـ (١) ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢). [ق ٢/ ٣٩١]\n===\nعمرو بن العاص (أنه) أي عبد الله (قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلَّا وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة) وهذا الحديث لا يناسب الباب مناسبة قريبة.\n٨١٣ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا قرة) بن خالد، (عن النزال بن عمار، عن أبي عثمان النهدي) عبد الرحمن بن مل (أنه) أي أبا عثمان (صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ) ابن مسعود (بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾)، قال العيني في \"شرح البخاري\" (٣): وروي في هذا الباب عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وعمران بن الحصين وأبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنهم-.\nفأثر عمر أخرجه الطحاوي (٤) عن زرارة بن أبي أوفى قال: أقرأني أبو موسى في كتاب عمر - ﵁ - إليه: اقرأ في المغرب آخر المفصل.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قل\".\n(٢) في \"تحفة الأشراف\" (٥/ ٢٠) ح (٦٦٠٧): حديث لأبي داود ليس في رواية اللؤلؤي، حديث: \"أبو داود عن القعنبي عن مالك عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسي أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي أنه صلَّى وراء أبي بكر المغرب فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن وسورة من قصار المفصل\".\nقال المزي: هذا الحديث في رواية أبي الطيب ابن الأشناني، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٦٧).\n(٤) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢١٥).","vol":"4","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>(١٣٦) بابُ الرَّجُلِ يُعِيدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِى الرَّكْعَتَيْنِ</span>\n٨١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو،\n===\nوأثر ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١) عن أبي عثمان النهدي قال: \"صلى بنا ابن مسعود المغرب فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وددت أنه قرأ سورة البقرة من حسن صوته\"، وأخرجه أبو داود والبيهقي أيضًا.\nوأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٢) أيضًا: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن ابن عباس قال: سمعته يقرأ في المغرب: في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.\nوأثر عمران بن الحصين عند ابن أبي شيبة أيضًا عن الحسن قال: كان عمران بن الحصين يقرأ في المغرب: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾.\nوأثر أبي بكر الصديق أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣) عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبى بكر المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل، ثم قرأ في الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي تكاد أن تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ حتى ﴿الْوَهَّابُ﴾، وعن مكحول أن قراءة هذه الآية في الركعة الثالثة كانت على سبيل الدعاء، انتهى.\n\n(١٣٦) (بَابُ الرَّجُلِ يُعِيدُ (٤) سُورَةً وَاحِدَةً في الرَّكْعَتينِ)\nأي يقرأ سورة في الركعة الأولى ثم يعيدها في الثانية\n٨١٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا) عبد الله (بن وهب، أخبرني عمرو) بن\n_________\n(١) (١/ ٣٩٤).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٣٩٤).\n(٣) رقم الحديث (٢٦٩٨).\n(٤) أما الجمع بين السورتين في ركعة أيضًا لا يكره، كما سيجيء في حديث النظائر في \"باب تحزيب القرآن\". (ش).","vol":"4","page":210},{"text":"عَنِ ابْنِ أَبِى هِلَالٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِىِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ: \"أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِى الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ فِى الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، فَلَا أَدْرِى أَنَسِىَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>(١٣٧) بَابُ القِرَاءَةِ في الفَجْرِ</span>\n٨١٥ - حَدَّثَنَا حَفْص بْن عُمَر، ثنَا شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَال، عَنْ أَبِي برزة قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - يُصَلِّي الْفَجْرَ، وَيعرف أَحَدُنَا جَلِيسَه\n===\nالحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري المصري، أصله مدني، (عن ابن أبي هلال) أي سعيد، (عن معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلًا من جهينة أخبره) أي معاذًا (أنه) أي رجلًا من جهينة (سمع النبيﷺ - يقرأ في الصبح) سورة (﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ في الركعتين كلتيهما) يعني قرأ في الأولى من الركعتين سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ تامة، ثم في الأخرى كذلك قرأها تامة، واحتمال التبعيض منفي، لأن قوله: (فلا أدري أنسي رسول الله - ﷺأم قرأ ذلك عمدًا) يأبى عنه، والظاهر أنه - ﷺ - فعل ذلك لبيان الجواز.\nقال الشوكاني (١): تردد الصحابي في أن إعادة النبي - ﷺ - للسورة هل كان نسيانًا لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ في الركعة الثانية غير ما قرأ به في الأولى، فلا يكون مشروعًا للأمة، أو فعله عمدًا لبيان الجواز، فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها، وإذا دار الأمر بين أن يكون مشروعًا أو غير مشروع، فحمل فعله - ﷺ - على المشروعية أولى، لأن الأصل في أفعاله التشريع، والنسيان على خلاف الأصل، انتهى.\n\n(١٣٧) (بَابُ الْقِرَاءَةِ في الْفَجْرِ)\n٨١٥ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن أبي المنهال، عن أبي برزة قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي الفجر، ويعرف أحدنا جليسه\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٦٧).","vol":"4","page":211},{"text":"الَّذِي كَانَ يَعْرِفَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مِنَ السِّتّينَ إِلَى الْمَائَة.\n٨١٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ -، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَصْبَغَ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: \"كَأَنِّى أَسْمَعُ صَوْتَ النَّبِىِّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِى صَلَاةِ الْغَدَاةِ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ \" [جه ٨١٧، م ٤٥٦، ن ٩٥١]\n===\nالذي كان يعرفه، ويقرأ فيها من الستين إلى المائة) صح هذا الحديث مع الترجمة من طريق الأشيري إلى الرملي واللؤلؤي فقط، وليس هذا الحديث لأحد غيره، والترجمة عند الكل، سواه للكل من غير تخصيص.\nقلت: وجدنا هذا الحديث على هامش النسخة المكتوبة القديمة مع العبارة الملحقة فأحببنا أن نذكرها، وليس في نسخ أبي داود الموجودة عندنا سوى المكتوبة إلَّا فيما نقل عنها.\n٨١٦ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى - يعني ابن يونس -، عن إسماعيل) بن أبي خالد، (عن أصبغ مولى عمرو بن حريث، عن عمرو بن حريث قال) عمرو: (كأني أسمع) أي الآن لشدة حفظي بقراءته تلك السورة (صوت النبي - ﷺ - يقرأ في صلاة الغداة) أي الفجر ﴿فَلَا أُقْسِمُ (١) بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ أي السورة التي فيها ذلك، وهي سورة التكوير، وهي من قصار طوال المفصل.\n_________\n(١) قال الراغب (\"المفردات\" ص ٣٠٠): الخنس القبض ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ...﴾ إلخ [التكوير: ١٦]، أي بالكواكب التي تخنس بالنهار، وقيل: زحل والمشتري والمريخ، لأنها تخنس في مجراها أي ترجع، وفي \"الجلالين\" (ص ٥٨٦): هي الخمسة السيارة غير القمرين، قال البيضاوي: بالخنس أي بالكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر، وهي ما سوى النيرين من السيارات، ولذا وصفها بقوله: \"الجوار الكنس\" أي السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس من \"كَنَسَ الوحش\" إذا دخل كناسه، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر. (ش).","vol":"4","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>(١٣٨) بَابُ مَنْ تَرَكَ القِرَاءَةَ في صَلاتِهِ</span>\n٨١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ (١) قَالَ: \"أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ\". [جه ٨٣٩، حب ١٧٨٧]\n===\n\n(١٣٨) (بَابُ مَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ في صَلَاتِهِ)\nفهي فاسدة\n٨١٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام بن عبد الملك، (نا همام، عن قتادة، عن أبي نضرة) منذر بن مالك، (عن أبي سعيد) الخدري (قال) أبو سعيد: (أمرنا (٢) أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر).\nوهذا الحديث يدل على وجوب فاتحة الكتاب، وعلى وجوب ما تيسر من القرآن بعد الفاتحة، ولكن في رواية البخاري عند تعليمه صلى الله - ﷺ - لخلاد بن رافع: \"اقرأ ما تيسر معك من القرآن\"، وهذا يدل على أن الفرض مطلق القراءة، وهو الموافق لقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٣).\nوالحنفية قالوا: إن قراءة ما تيسر من القرآن سواء كانت فاتحة أو غيرها فرض بالكتاب، وأما تعيين قراءة فاتحة الكتاب فواجب، وكذلك قراءة ما زاد على الفاتحة من ضم السورة أو غيرها فواجب أيضًا عندنا للحديث.\nقال الشوكاني (٤) بعد ما ذكر حديث أبي هريرة الذي أخرجه أحمد وأبو داود من طريق جعفر بن ميمون بأنه - ﷺ - أمره أن يخرج فينادي: \"لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب فما زاد\"، وقال: إن جعفر بن ميمون، قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس بقوي، وقال ابن عدي: يكتب حديثه في الضعفاء.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الخدري\".\n(٢) تفرد بذكر الأمر أهل البصرة، كذا في\" نيل الأماني\". (ش).\n(٣) سورة المزمل: الآية ٢٠.\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٤٧).","vol":"4","page":213},{"text":"٨١٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى - يعني الرَّازِىّ - أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ الْبَصْرِىِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِىُّ، قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اخْرُجْ فَنَادِ فِى الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ\n===\nولكنه يشهد لصحته ما عند مسلم وأبي داود وابن حبان من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا\" وإن كان قد أعلّها البخاري في \"جزء القراءة\".\nويشهد له أيضًا حديث أبي سعيد عند أبي داود بلفظ: \"أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر\"، قال ابن سيد الناس: وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وقال الحافظ: إسناده صحيح.\nويشهد له أيضًا حديث أبي سعيد عند ابن ماجه بلفظ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة\"، وقد تقدم تضعيف الحافظ له.\nوهذه الأحاديث لا تقصر عن الدلالة على وجوب قرآن مع الفاتحة، ولا خلاف في استحباب قراءة السورة مع الفاتحة في صلاة الصبح والجمعة، والأوليين من كل الصلوات.\nقال النووي: إن ذلك سنة عند جميع العلماء، وحكى القاضي عياض عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة، قال النووي: وهو شاذٌّ مردود.\nوأما السورة في الركعة الثالثة والرابعة فكره ذلك مالك واستحبه الشافعي في قوله الجديد دون القديم، وقد ذهب إلى إيجاب قرآن مع الفاتحة عمر وابنه عبد الله وعثمان بن أبي العاص، انتهى.\n٨١٨ - (حدثنا إبراهيم بن موسى -يعني الرازي-، أنا عيسى) بن يونس، (عن جعفر بن ميمون البصري، نا أبو عثمان النهدي، حدثني أبو هريرة قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: اخرج فناد في المدينة أنه لا صلاة","vol":"4","page":214},{"text":"إِلَّا بِقُرْآنٍ، وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ\". [ق ١/ ٣٧، ك ١/ ٢٣٩، قط ١/ ٣٢١]\n===\nإلَّا بقرآن، ولو بفاتحة (١) الكتاب فما زاد)، هذا الحديث يدل على أن مطلق القراءة فرض، وأما تعيين الفاتحة والسورة فليس بفرض.\nوأجابوا عنه بوجوه:\nالأول: أنه من رواية جعفر بن ميمون، وليس بثقة، كما قال النسائي، وقال أحمد: ليسِ بقوي في الحديث، وقال ابن عدي: يكتب حديثه في الضعفاء، قلت: وثَّقه بعضهم.\nقال في \"الميزان\": قال ابن معين مرة: صالح الحديث، وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال ابن عدي: لم أرَ أحاديثه منكرة.\nوقال في \"تهذيب التهذيب\": وقال أبو حاتم: صالح، وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال ابن عدي: لم أرَ أحاديثه منكرة، وأرجو أنه لا بأس به، وقال الحاكم في \"المستدرك\": هو من ثقات البصريين، وذكره ابن حبان وابن شاهين في \"الثقات\".\nوالثاني: قالوا أيضًا: قد روى المؤلف هذا الحديث بعده بلفظ: \"أمرني رسول الله - ﷺ - أن أنادي أن لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد\"، وليست الرواية الأولى بأولى من الثانية.\nوهذا الجواب أيضًا غير كاف، فإن للحنفية أن يقولوا: إن النفي فيه نفي الكمال، والحنفية قائلون بأنه لا صلاة كاملًا إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد، والنفي في الرواية الأولى محمول على الأصل، فلا معارضة في الروايتين، وأما على قولهم يكون الرواية الأولى مطروحة.\nقلت: وهذا الجواب على تقدير تسليم صحة الرواية في الحديث الثاني \"إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب\" بإضافة \"قراءة\" إلى \"فاتحة الكتاب\"، وأما إذا كانت\n_________\n(١) وبسط الكلام على الفاتحة ابن العربي. [انظر: عارضة الأحوذي\" (٢/ ٤٦)]. (ش).","vol":"4","page":215},{"text":"٨١٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"أَمَرَنِى رَسُولُ (١) اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أُنَادِىَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ\". [حم ٢/ ٤٢٨، ك ١/ ٢٣٩]\n===\nالرواية \"إلَّا بقراءة\" بالقطع عن فاتحة الكتاب منونًا من غير إضافة، فحينئذ لا حاجة إلى هذا الجواب، فحينئذ يكون معنى الحديث: لا صلاة إلَّا بقراءة أي بقراءة قرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد، فيكون معنى الحديثين سواء، والله أعلم.\nوالثالث: قالوا: أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة بدونها.\nقلت: أولًا: لا يتمشى هذا الجواب في مقابلة الحنفية، فإنهم قائلون بأن الآحاد لا تثبت الفرضية، وثانيًا: أن دعواهم بثبوت التصريح بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة بدونها دعوى محض لا دليل عليه، فإن في الأحاديث ليس حديث واحد يثبت صراحة فرضية فاتحة الكتاب في الصلاة وعدم إجزاء الصلاة بدونها، كما ستعرف إن شاء الله في بحث فرضية فاتحة الكتاب.\n٨١٩ - (حدثنا ابن بشار) أي محمد، (نا يحيى) القطان، (نا جعفر) بن ميمون، (عن أبي عثمان) النهدي، (عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أنادي أنه لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد) (٢) قالوا: والحديث يدل على أنه لا تصح صلاة بغير قراءة الفاتحة، وهو حجة على الحنفية.\nقلت: هو حجة للحنفية لا عليهم، فإنهم قالوا بوجوب قراءة الفاتحة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) بوب عليه ابن حبان: \"باب إباحة تعقيب المرء لفاتحة الكتاب بما تيسر\"، وبسط العيني (٤/ ٤٧٨) دلائل ضم السورة، وحكاها الشيخ في الشرح. (ش).","vol":"4","page":216},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nووجوب قراءة ما زاد عليها، بل هو حجة على القائلين بفرضية الفاتحة في الصلاة، لأنهم إذا أثبتوا به فرضية الفاتحة لزمهم أن يثبتوا به فرضية شيء من القرآن زائد على الفاتحة أيضًا.\nوالجواب عنه بأنه قال أبو هريرة: \"وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير\"، رواه البخاري (١)، وله حكم الرفع كما قال الحافظ ففاسد، لأن دعوى كون قول أبي هريرة له حكم الرفع باطل.\nقال الشوكاني (٢): وعورضت هذه الأحاديث بما في البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أنه قال في كل صلاة يقرأ: \"فما أسمعنا رسول الله - ﷺ - أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير\"، ولكن الظاهر من السياق أن قوله: \"وإن لم تزد ... إلخ\" ليس مرفوعًا، ولا مما له حكم الرفع، فلا حجة فيه، انتهى.\nوكذا ما روى البخاري في \"جزء القراءة\" عن أبي هريرة قال: يجزئ بفاتحة الكتاب وإن زاد فهو خير، ليس بمرفوع حقيقة ولا حكمًا، بل هو قول أبي هريرة، فليس فيه حجة.\nوأما ما روى ابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلَّا بفاتحة الكتاب، فمعناه: أنه قام من الركعتين الأوليين فصلى ركعتين أخريين لم يقرأ فيهما إلَّا بفاتحة الكتاب.\nولو سلم أن المراد من الركعتين الأوليان، فلا يخالف الحنفية أيضًا، فإنهم قالوا: إن من لم يقرأ ما زاد على الفاتحة، فإن كان تركه عمدًا لمصلحة شرعية فلا حرج، وإن كان سهوًا يجب عليه سجدتا السهو، فيمكن أنه - ﷺ - تركه\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٧٧٢).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٤٨).","vol":"4","page":217},{"text":"٨٢٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ (١) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِىَ خِدَاجٌ، فَهِىَ خِدَاجٌ،\n===\nعمدًا ليعلم أن الصلاة لا تفسد بتركها، أو سهوًا فسجد فيها ولم يذكر، وحديث ابن خزيمة لم أقف على سنده فنتكلم فيه (٢).\n٨٢٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة) قال في \"التقريب\": يقال: اسمه عبد الله بن السائب (يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: من صلى صلاة) قال القاري (٣): قال ميرك: التنكير فيه إن أريد به البعضية كالظهر والعصر وغيرهما كان مفعولًا به، لأن الصلاة حينئذ تكون اسمًا لتلك الهيئات المخصوصة، والفعل واقع عليها، وإن أريد الجنس يحتمل أن يكون مفعولًا به، وأن يكون مفعولًا مطلقًا.\n(لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي) أي صلاته (خداج، فهي خداج،\n_________\n(١) أورد بعضهم على الحديث لأجل العلاء بن عبد الرحمن، وضعفه، ورد هذا الإيراد في \"التعليق الممجد\" (١/ ٤٠٥)، وما اختلف في الحديث على العلاء بن عبد الرحمن في الرواية عن أبيه أو عن أبي السائب، ذكر الترمذي في \"باب سورة فاتحة القرآن\" الروايتين كلتيهما معًا، وأثبته البيهقي في \"جزء القراءة\" (ص ٣١) فذكر جماعة غير إسماعيل بن أبي أويس التي روته عنهما معًا، نعم، ذكر البخاري في \"جزء القراءة\" فيه اختلافًا آخر، وهو عن العلاء عن أبيه أو عمن سمعه عن أبي هريرة. (ش).\n(٢) أخرجه ابن خزيمة (٥١٣)، وأحمد (١/ ٢٨٢)، وأبو يعلى (٢٥٦١)، والطبراني في \"الكبير\" (١٣٠١٦)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢٦٨١)، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في \"الكبير\" والبزار، وفيه حنظلة السدوسي، ضعفه ابن معين وغيره ووثَّقه ابن حبان.\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٨٢).","vol":"4","page":218},{"text":"فَهِىَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ». قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّى أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الإِمَامِ\n===\nفهي خداج) (١) أي ناقصة أو منقوصة أو ذات نقصان، من خدجت الناقة ولدها قبل أوان خروجه، وإن كمل خلقه فهي مخدجة، أو ذات خداج.\n(غير تمام) (٢) قال القاري: بيان خداج أو بدل منه، وفي نسخة: غير تام، أي غير كامل، قيل: إنه تأكيد، وقيل: إنه من قول المصنف، تفسير للخداج، ذكره ابن الملك، والأظهر أنه ليس من كلام المصنف، بل من كلام أحد الرواة، وهو صريح فيما ذهب إليه علماؤنا من نقصان صلاته، فهو مبين لقوله ﵇: لا صلاة، إن المراد بها نفي الكمال لا الصحة، فبطل قول ابن حجر: والمراد بهذا الحديث أنها غير صحيحة وبنفي \"لا صلاة\" نفي صحتها، لأنه موضوعه، انتهى.\nقلت: ما قيل: إنه من قول المصنف، وأيضًا ما قيل: الأظهر أنه من كلام أحد الرواة، غير مسلم، والصحيح أنه من كلام رسول الله - ﷺ -، قال الحافظ (٣) في حديث معاذ في اقتداء المفترض بالمتنفل ردًّا على الطحاوي - ﵀ -: إن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، فعلى هذا لا يمكن أن يكون قوله: \"غير تمام\" مدرجًا، بل يكون من قول رسول الله - ﷺ -، أكده - ﷺ - بتكرار قوله: \"فهي خداج\" ثلاثًا، ثم أكده بقوله: \"غير تمام\"، لئلا يوهم أن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته تبطل صلاته.\n(قال) أبو السائب: (فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام)\n_________\n(١) والحديث أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٧٨٩) بلفظ: \"لا تجزئ صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب\" كما في \"الزيلعي\"، قال الحافظ في \"الدراية (١/ ٢٠١): تعارض حديث أبي هريرة قصة المسيء في صلاته، قال فيه: \"ثم اقرأ ما تيسَّر معك\"، قلت: ويعارضه أيضًا ما تقدَّم من ندائه بالقرآن ولو بالفاتحة. (ش).\n(٢) قال ابن دقيق العيد في شرح قوله ﵇: \"إن تسوية الصفوف من تمام الصلاة\": إن تمام الشيء يكون خارجًا عن حقيقته، كذا في \"النيل\" (٣/ ٢٣٨). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٦).","vol":"4","page":219},{"text":"قَالَ: فَغَمَزَ ذِرَاعِى وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِىُّ فِى نَفْسِكَ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ،\n===\nفهل نقرأ أم لا؟ (قال: فغمز) أي كبس (ذراعي وقال) أبو هريرة: (أقرأ بها) أي بأم القرآن (يا فارسي في نفسك) سرًّا غير جهر، وبه أخذ الشافعي، وهو مذهب (١) صحابي لا يقوم به حجة على أحد، أو معناه في قلبك باستحضار ألفاظها أو معناها أو معانيها دون مبانيها.\n(فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول) وفيه دليل على أن أبا هريرة قال هذا القول بطريق الاستدلال (قال الله تعالى: قسمت الصلاة) أي الفاتحة، وسميت صلاة لما فيها من القراءة وكونها جزءًا من أجزائها (بيني وبين عبدي نصفين).\nوتتمة الحديث تدل على أن المراد بها فاتحة الكتاب، والتنصيف ينصرف إلى آيات السورة، لأنها سبع آيات، ثلاث ثناء، وثلاث سؤال، والآية المتوسطة نصفها ثناء، ونصفها دعاء، فإذًا ليست البسملة آية من الفاتحة، وقد تمسك أبو حنيفة ومتابعوه بهذا الحديث على أن البسملة ليست من الفاتحة.\nقال النووي (٢): وهو من أوضح ما احتجُّوا به، وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول: إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة، قال الشوكاني (٣): ولا يخفى أن هذه الأجوبة، منها ما هو غير نافع، ومنها ما هو متعسف.\n_________\n(١) وأيضًا فليس أمره أمر إيجاب، إذ مذهبه من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٣٠٢)، فقد عبر الفاتحة بالخير، وأيضًا لو كان فرضًا كيف يكون فائته مدرك الفرض، وهو مقدم على رواية البخاري عنه، إذ في سنده نظر. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٤٠).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٤١).","vol":"4","page":220},{"text":"فَنِصْفُهَا لي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ\".\nقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"اقْرَؤوا، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يَقُولُ الله ﷿: حَمِدَنِي عَبْدِي. يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدي (١)،\n===\n(فنصفها لي ونصفها لعبدي) باعتبار أنها سبع آيات، فثلاث منها ثناء لله تعالى وهي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وثلاث منها سؤال من العبد، وهي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرِ السورة، وواحدة منها مشترك بين الله تعالى وبين العبد، وهي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\n(ولعبدي ما سأل) أي أحد النصفين، وهو دعاء عبدي إياي، وله ما سألني أي بعينه إن كان وقوعه معلقًا على السؤال، وإلَّا فمثله من رفع درجة ودفع مضرة ونحوهما، كذا قيل، والأظهر أن التقدير: لذاتي ما وصف من الثناء، ولعبدي ما سأل من الدعاء.\n(قال رسول الله - ﷺ -: اقرؤوا، يقول العبد) وهذا الوصف هو غاية كمال الإنسان، ولذا وصف نبينا ﵊ في مقام الكرامة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (٢) و﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (٣)، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (٤)، وفي كلام الصوفية: إنه لا مقام أشرف من العبودية، إذ بها ينصرف من جميع الخلق إلى الحق.\n(﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ (٥) رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله ﷿: حمدني عبدي. يقول) أي العبد: (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله ﷿: أثنى عليَّ عبدي.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"العبد\".\n(٢) سورة الإسراء: الآية ١.\n(٣) سورة الفرقان: الآية ١.\n(٤) سورة النجم: الآية ١٠.\n(٥) قال ابن رسلان: هذا أقوى الحجج لمن قال: إن التسمية ليست جزءًا، ولأصحابنا عدة أجوبة، ثم ذكرها. (ش).","vol":"4","page":221},{"text":"يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يَقُولُ الله ﷿: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَهَذ الآيَة بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فَهَذ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ. يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي، وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ\". [م ٣٩٥، ت ٢٩٥٣، ن ٩٠٩، جه ٨٣٨، حم ٢/ ٤٦٠]\n===\nيقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. يقول الله ﷿: مجدني عبدي) الحمد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، والثناء مشتمل على الأمرين، ولهذا جاء جوابًا لـ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية، قاله النووي (١).\n(وهذه الآية) أي الآتي ذكرها (بينِي وبين عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي نخصك بالعبادة (﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾) أي نخصك بالاستعانة على العبادة وغيرها، (فهذه بيني وبين عبدي) لأن العبادة لله تعالى، والاستعانة من الله تعالى (ولعبدي ما سأل) أي بعد هذا.\n(يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾) أي ثبتنا على دينِ الإِسلام، أو طريق متابعة الحبيب ﵇ (﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) من النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين، وهذا يدل على مذهب البصريين في الوقوف من أن \"أنعمت عليهم\" آية بخلاف الكوفيين بناء على أن الفاتحة سبع آيات، ولم يذكر البسملة في هذا الحديث.\n(﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) أي اليهود (﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾) أي النصارى (فهولاء) أي الآيات (لعبدي، ولعبدي ما سأل) أي غير هذا، أو المعنى هذا، أو نحو هذا، فاندفع ما قاله بعض من لا علم عنده: لا فائدة في الدعاء،\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٤١).","vol":"4","page":222},{"text":"٨٢١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيدٍ وَابْنُ السَّرْحِ قَالَا: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا\"\n===\nلأن المدعو إن قدر وقوعه فهو واقع وإن فقد الدعاء، وإلا فهو غير واقع وإن وقع الدعاء، قال ابن الملك: وهذا يرشد إلى سرعة إجابته. قلت: وإلى الرجاء إلى إجابة سائر حاجته، قاله علي القاري (١).\n٨٢١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وابن السرح قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت يبلغ به النبي - ﷺ - قال) رسول الله - ﷺ -: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا) أي فما زاد عليها، كاشتريته بدرهم فصاعدًا، وهو حال، أي فزاد الثمن صاعدًا، كذا في \"المجمع\" (٢)، وفي رواية لمسلم: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدًا\".\nوحاصل معنى الحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب حال كون قراءته زائدة على أم القرآن، قيل: في الحديث دلالة على وجوب قراءة الفاتحة، ولقائل أن يقول: قوله: فصاعدًا يدفعه، لأن الزائد على الفاتحة ليس بواجب، قاله الطيبي، قلت: بل قوله: فصاعدًا يدلس على تأويلنا أن المراد نفي الكمال.\nقال العيني (٣) في شرح حديث أبي هريرة \"وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير\": استدل به الشافعية على استحباب ضم السورة إلى الفاتحة، وهو ظاهر الحديث، وعند أصحابنا يجب ذلك، وبه قال ابن كنانة من المالكية وحكي عن أحمد، وعندنا ضم السورة أو ثلاث آيات من أي سورة شاء من واجبات الصلاة.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٨٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٢١).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٧٨).","vol":"4","page":223},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد وردت فيه أحاديث كثيرة:\nمنها: ما رواه أبو سعيد قال - ﷺ -: \"لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب وسورة معها\"، رواه ابن عدي في \"الكامل\"، وفي لفظ: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نقرأ الفاتحة وما تيسر\"، وفي لفظ: \"لا تجزئ صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها\"، وفي لفظ: \"وسورة في فريضة أو في غيرها\".\nورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو في غيرها\".\nوروى أبو داود من حديث أبي نضرة عنه قال: \"أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر\"، ورواه أحمد وأبو يعلى في \"مسنديهما\".\nوروى ابن عدي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تجزئ المكتوبة إلَّا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا\".\nوروى أبو نعيم في \"تاريخ أصبهان\" من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها\".\nوقد عمل أصحابنا بكل الحديث حيث أوجبوا قراءة الفاتحة وضم سورة أو ثلاث آيات معها، لأن هذه الأخبار أخبار آحاد، فلا تثبت بها الفريضة، وليس الفرض عندنا إلَّا مطلق القراءة لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١)، وقلنا: إن قوله: \"لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب\"، مثل معنى قوله: \"لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد\"، وصح عن جماعة من الصحابة إيجاب ذلك.\n_________\n(١) سورة المزمل: الآية ٢٠.","vol":"4","page":224},{"text":"قَالَ سُفْيَانُ: لِمَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ. [خ ٧٥٦، م ٣٩٤، ن ٩١٠، ت ٢٤٧، حم ٥/ ٣١٤، جه ٨٣٧]\n٨٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ\n===\nوأما استدلال الإِمام الشافعي - ﵀ - بقول أبي هريرة فليس بسديد، لأنه قد تقدم قريبًا أنه ليس بحديث مرفوع ولا في حكم الرفع، بل هو قول أبي هريرة فقط، فلا حجة فيه.\n(قال سفيان) أي ابن عيينة، وهذا الحكم أي نفي الصلاة بعدم القراءة بفاتحة الكتاب فصاعدًا (لمن يصلي وحده)، فأما إذا كان مقتديًا بإمام فليس له هذا الحكم، بل يكفيه قراءة إمامه، قال الخطابي (١): هذا عموم لا يجوز تخصيصه إلَّا بدليل.\nقلت: والدلائل على تخصيصه كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢)، ومنها: ما رواه مسلم (٣) وغيره: \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، ومنها: ما قال جابر: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلَّا وراء الإِمام (٤)، وهذا الحديث وإن كان موقوفًا لكنه في حكم المرفوع، ومنها: حديث جابر المرفوع: \"من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة\"، وإسناده صحيح (٥).\n٨٢٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة (٦) بن\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٢٨٥).\n(٢) سورة الأعراف: الآية ٢٠٤.\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٤٠٤).\n(٤) أخرجه مالك في \"موطئه\" (١٨٣). انظر: \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٦٢).\n(٥) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" (٨٥٠).\n(٦) قال النيموي (١/ ٧٧): الحديث معلول بثلاثة أوجه كما سيأتي في \"البذل\". (ش).","vol":"4","page":225},{"text":"الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ (١) اللَّهِ -ﷺ- فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ،\n===\nالصامت قال: كنا خلف رسول الله - ﷺ -) أي مقتدين به (في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله - ﷺ -، فثقلت عليه القراءة) لقراءة بعض أصحابه خلفه - ﷺ - (فلما فرغ) (٢) أي من الصلاة (قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟) وهذا يدل على أن الصحابة يقرؤون خلف رسول الله - ﷺ - برأيهم بغير إذنه ﵇ وأمره (قلنا: نعم) أي نقرأ خلفك (هَذًّا) والهَذُّ سرعة القطع أي سريعًا (يا رسول الله - ﷺ -. قال) رسول الله - ﷺ -: (لا تفعلوا) أي قراءة القرآن إذا كنتم خلفي (إلَّا بفاتحة الكتاب) النهي للكراهة، فيكره القراءة وقت قراءة الإِمام للوسوسة، قال الخطابي (٣): يحتمل أن يكون النهي من الجهر، ويحتمل أن يكون من الزيادة على الفاتحة، كذا في \"الأزهار\": قال ميرك: أقول: الاحتمال الثاني أظهر بل الصواب، إذ لو كان المراد الجهر لم يستقم استثناء فاتحة الكتاب.\nقلت: يؤيده الرواية الثانية الآتية، وينصره سؤاله ﵇ أيضًا، لأنه لو كانت قراءتهم جهرًا لما قال: \"لعلكم تقرؤون\"، لكن لا يفيد الأمر بالسر في القراءة للمأموم مع أنه المقصود في المقام، لئلا يتشوش الإِمام، انتهى ما قاله القاري (٤).\nقلت: الذي يظهر من الروايات أنهم يقرؤون سرًّا بالهمس، ويخرج منهم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) فيه حجة أن الكلام لإصلاح الصلاة لا يجوز، لأنه لو جاز لما أخره إلى الفراغ. (ش).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٢٨٦).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٠١).","vol":"4","page":226},{"text":"فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا\". [ت ٣١١، حم ٥/ ٣١٣، قط ١/ ٣٢٠، خزيمة ١٥٨١]\n٨٢٣ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِى زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ،\n===\nصوت الهمس، فحصل به المنازعة في قراءة رسول الله - ﷺ -، فنهاهم عن القراءة إلَّا بفاتحة الكتاب، والاستثناء بعد النهي يفيد الإباحة، فأباح لهم قراءة الفاتحة.\nووجه الفرق بين الفاتحة وغيرها من السور أن فاتحة الكتاب كثيرة الدوران على الألسنة لا تخلو عنها صلاة تكرر في الركعات كلها، فلهذا لا تقع المنازعة فيها، وأما السور الأخرى فليست كثيرة الدوران على الألسنة، فتقع المنازعة فيها، فنهاهم عنها، وأباح لهم الفاتحة، ثم لما كان لا يخلو قراءة الفاتحة أيضًا عن شيء من المنازعة نهاهم عنها أيضًا، وقال: \"إذا قرأ فأنصتوا\" فبهذا تتوافق الروايات.\n(فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) أي لا صلاة موجودة بالوجود الشرعي لمن لم يقرأ بها، ويحتمل أن يكون معناه: لا صلاة موجودة بالوجود الحسي لمن لم يقرأ بها في الصلاة، والمعنى الثاني يناسب استثناء فاتحة الكتاب، ودليل عليه بأنه ليست صلاة خالية عن فاتحة الكتاب، فلكثرة قراءتها في الصلاة لا يقع المنازعة بها، والاحتمال الثالث في معنى هذه الجملة أن يقال: إن معنى قوله: لا صلاة أي لا صلاة كاملة إلَّا بفاتحة الكتاب، كما في قوله ﵇: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\"، ونظائره في الحديث كثيرة.\n٨٢٣ - (حدثنا الربيع بن سليمان الأزدي، نا عبد الله بن يوسف، نا الهيثم بن حميد) قال أبو داود: ثقة، قدري، وقال أبو مسهر الغساني: ضعيف، قدري، (أخبرني زيد بن واقد) الدمشقي، (عن مكحول)، قال الذهبي","vol":"4","page":227},{"text":"عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِىِّ، قَالَ نَافِعٌ: أَبْطَأَ عُبَادَةُ (١) عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَقَامَ أَبُو نُعَيْمٍ الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى أَبُو نُعَيْمٍ بِالنَّاسِ، وَأَقْبَلَ عُبَادَةُ (٢) وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى صَفَفْنَا خَلْفَ أَبِى نُعَيْمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، فَجَعَلَ عُبَادَةُ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ لِعُبَادَةَ: سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ. قَالَ: أَجَلْ،\n===\nفي \"الميزان\": وثَّقه غير واحد، وقال ابن سعد: ضعَّفه جماعة، قلت: هو صاحب تدليس وقد رمي بالقدر، وقال يحيى بن معين: كان قدريًّا ثم رجع، وذكره الحافظ ابن حجر في كتابه \"طبقات المدلسين\" في الطبقة الثالثة منهم، وهي مَنْ أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلَّا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي، وقال في ترجمته: يقال: إنه لم يسمع من الصحابة إلَّا عن نفر قليل، ووصفه بذلك ابن حبان، وأطلق الذهبي أنه كان يدلس، ولم أره للمتقدمين إلَّا في قول ابن حبان.\n(عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري) يروي عن عبادة، لا يعرف بغير هذا الحديث، وقال ابن عبد البر: نافع مجهول، وقال الحافظ في \"التقريب\": مستور، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال نافع: أبطأ عبادة عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة) أي أكبر لها (فصلى أبو نعيم بالناس) أي تقدم لهم إمامًا وصلّى بهم، (وأقبل عبادة وأنا- معه حتى صففنا) أي دخلنا في الصف (خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن) أي خلف إمامه.\n(فلما انصرف) من الصلاة (قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم) أي والحال أن أبا نعيم إمامك (يجهر) بالقراءة (قال: أجل) أقرأها\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عبادة بن الصامت\".\n(٢) وفي نسخة: \"عبادة بن الصامت\".","vol":"4","page":228},{"text":"صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِى يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ (١).\nقَالَ: فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ (٢): «هَلْ تَقْرَؤْونَ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ؟» فَقَالَ بَعْضُنَا: إِنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ، قَالَ: «فَلَا، وَأَنَا أَقُولُ: مَا لِى يُنَازَعُنِى الْقُرْآنُ؟ ! فَلَا تَقْرَأُوا بِشَىْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ». [قط ١/ ٣١٩، ق ٢/ ١٦٥]\n٨٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِىُّ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عُبَادَةَ نَحْوَ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالُوا: \"فَكَانَ (٣) مَكْحُولٌ (٤) يَقْرَأُ (٥)\n===\nخلف الإِمام، لأنه (صلى بنا رسول الله - ﷺ - بعض الصلوات التي يجهر فيها القراءة. قال: فالتبست عليه القراءة) أي بسبب قراءة المقتدين خلفه.\n(فلما انصرف) عن الصلاة (أقبل علينا بوجهه فقال: هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك) أي نقرأ خلفك (قال) رسول الله - ﷺ -: (فلا) تقرأوا من القرآن خلفي، (وأنا أقول: مالي ينازعني القرآن؟) أي تقع المنازعة في قراءتي القرآن بأني أقرأ ويقرأ من خلفي (فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت) بالقراءة (إلَّا بأم القرآن).\n٨٢٤ - (حدثنا علي بن سهل الرملي، نا الوليد) بن مسلم، (عن) عبد الرحمن بن يزيد (بن جابر وسعيد بن عبد العزيز وعبد الله بن العلاء، عن مكحول، عن عبادة نحو حديث الربيع بن سليمان قالوا) أي تلامذة مكحول: (فكان مكحول يقرأ\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بالقراءة\".\n(٢) وفي نسخة: \"وقال\".\n(٣) وفي نسخة: \"قال: وكان\".\n(٤) زاد في نسخة: \"يقول\".\n(٥) وفي نسخة: \"أقرأ\".","vol":"4","page":229},{"text":"فِى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ سِرًّا، قَالَ مَكْحُولٌ: اقْرَأْ بِهَا فِيمَا جَهَرَ بِهِ الإِمَامُ، إِذَا قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَكَتَ سِرًّا، فَإِنْ لَمْ يَسْكُتِ، اقْرَأْ بِهَا (١) قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، لَا تَتْرُكْهَا (٢) عَلَى حَالٍ\".\n===\nفي المغرب والعشاء والصبح بفاتحة الكتاب في كل ركعة سرًّا، قال مكحول: اقرأ) على صيغة الأمر، ويحتمل أن يكون على صيغة المضارع المتكلم (فيما جهر به الإِمام، إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت) (٣) عن قراءتها (سرَّا) أي اقرأ سرًّا في السكتة، (فإن لم يسكت) الإِمام (اقرأ بها قبله ومعه وبعده، لا تتركها) على صيغة النهي، وفي نسخة: لا نتركها (على حال).\nوهذه مسألة (٤) اختلف فيها العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، فقالت الحنفية ومن وافقهم: إنه لا يقرأ خلف الإِمام لا في السرية ولا في الجهرية، وقالت الشافعية ومن وافقهم: إنه يقرأ الفاتحة في السرية والجهرية كلتيهما، وقالت المالكية ومن وافقهم: إنه يقرأ الفاتحة في السرية دون الجهرية، ومذهب الإِمام أحمد كمذهب مالك إلَّا أنه قال: إن سمع المقتدي قراءة الإِمام لم يقرأ، وإن لم يسمع بأن كان بعيدًا من الإِمام قرأ.\nقال العيني في \"شرح البخاري\" (٥): ثم وجه استدلال الشافعي ومن معه بهذا الحديث وهو أنه نفى جنس الصلاة عن الجواز إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قرأتها\".\n(٢) وفي نسخة: \"نتركها\".\n(٣) هذا وقد أجمعت الأمة على أنه لا يجب على الإِمام السكوت، صرح به ابن العربي في \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١١٠). (ش).\n(٤) ومما ينبغي أن يحفظ أن الآثار الواردة عن الصحابة في القراءة خلف الإِمام لا تختص بالفاتحة، بل الوارد عن كثير منهم قراءتها مع السورة، وراجع إلى \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٤٠٦). (ش).\n(٥) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٤٧ - ٤٥٢).","vol":"4","page":230},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواستدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١)، أمر الله تعالى بقراءة ما تيسر من القراءة مطلقًا، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص، وذا لا يجوز، لأنه نسخ، فيكون أدنى ما يطلق القرآن فرضًا لكونه مأمورًا به، وأن القراءة خارج الصلاة ليست بفرض، فتعين أن يكون في الصلاة.\nفإن قلت: هذه الآية في صلاة الليل، وقد نسخت فرضيتها، فكيف يصح التمسك بها؟\nقلت: ما شرع ركنًا لم يصر منسوخًا، وإنما نسخ وجوب قيام الليل دون فروض الصلاة وشرائطها وسائر أحكامها، ويدل عليه أنه أمر بالقراءة بعد النسخ بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، والصلاة بعد النسخ بقيت نفلًا، وكل من شرط الفاتحة في الفرض شرطها في النفل، ومن لا فلا، والآية تنفي اشتراطها في النفل، فلا تكون ركنًا في الفرض لعدم القائل بالفصل.\nفإن قلت: كلمة \"ما\" مجملة، والحديث معين ومبين، فالمعين يقضي على المبهم؟\nقلت: كل من قال بهذا يدل على عدم معرفته بأصول الفقه، لأن كلمة \"ما\" من ألفاظ العموم يجب العمل بعمومها من غير توقف، ولو كانت مجملة لما جاز العمل بها قبل البيان كسائر مجملات القرآن والحديث، ومعناه: أي شيء تيسر، ولا يسوغ ذلك فيما ذكروه، فيلزم الترك بالقرآن والحديث، والعام عندنا لا يحمل على الخاص مع ما في الخاص من الاحتمالات.\nفإن قلت: هذا الحديث مشهور، فإن العلماء تلقته بالقبول فتجوز الزيادة بمثله؟\n_________\n(١) سورة المزمل: الآية ٢٠.","vol":"4","page":231},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: لا نسلم أنه مشهور، لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول، وقد اختلف التابعون في هذه المسألة، ولئن سلمنا أنه مشهور فالزيادة بالخبر المشهور إنما تجوز إذا كان محكمًا، أما إذا كان محتملًا فلا، وهذا الحديث محتمل، لأن مثله يستعمل لنفي الجواز، ويستعمل لنفي الفضيلة كقوله - ﷺ -: \"لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد\" والمراد نفي الفضيلة كذا هو.\nويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (١) معناه أنهم لا أيمان لهم موثوقًا بها، ولم ينف وجود الأيمان منهم رأسًا، لأنه قد قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ (٢)، وعقب ذلك أيضًا بقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٣).\nفثبت أنه لم يرد بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ نفي الأيمان أصلًا، وهذا يدل على إطلاق لفظة \"لا\"، والمراد بها نفي الفضيلة دون الأصل، كما ذكرنا من النظير.\nوقال بعضهم: ولأن نفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، ولأنه السابق إلى الفهم فيكون أولى، ويؤيده رواية الإسماعيلي بلفظ: \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب\".\nقلت: لا نسلم قرب نفي الإجزاء إلى نفي الحقيقة؛ لأنه محتمل لنفي الإجزاء ولنفي الفضيلة، والحمل على نفي الكمال أولى، بل يتعين لأن نفي الإجزاء يستلزم نفي الكمال، فيكون فيه نفي شيئين، فتكثر المخالفة فيتعين نفي الكمال، ودعواه التأييد بحديث الإسماعيلي وابن خزيمة لا يفيده، لأن هذا ليس\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ١٢.\n(٢) سورة التوبة: الآية ١٢.\n(٣) سورة التوبة: الآية ١٣.","vol":"4","page":232},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nله من القوة ما يعارض ما أخرجه الأئمة الستة، على أن ابن حبان قد ذكر أنه لم يقل في خبر العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة إلَّا شعبة، ولا عنه إلَّا وهب بن جرير.\nوقال هذا القائل أيضًا: وقد أخرج ابن خزيمة (١)، عن محمد بن الوليد القرشي، عن سفيان حديث الباب، ولفظه: \"لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب\" فلا يمتنع أن يقال: إن قوله: \"لا صلاة\" نفي بمعنى النهي، أي لا تصلوا إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم (٢) من طريق القاسم عن عائشة -﵂ - مرفوعًا: \"لا صلاة بحضرة الطعام\"، فإنه في \"صحيح ابن حبان\" (٣) بلفظ: \"لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام\".\nقلت: تنظيره بحديث مسلم غير صحيح، لأن لفظ حديث ابن حبان غير نهي بل هو نفي الغائب، وكلامه يدل على أنه لا يعرف الفرق بين النهي والنفي، وقال أيضًا: استدل من أسقطها -أي من أسقط قراءة الفاتحة عن المأموم- مطلقًا يعني أسرَّ الإِمام أو جهر كالحنفية بحديث: \"من صلَّى خلف الإِمام فقراءة الإِمام قراءة له\"، لكنه حديث ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره.\nقلت: هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة وهم: جابر بن عبد الله وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عباس وأنس بن مالك.\nفحديث جابر أخرجه ابن ماجه (٤) عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان له إمام فإن قراءة الإِمام قراءة له\".\n_________\n(١) \"صحيح بن خزيمة\" (٤٨٨).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٥٦٠).\n(٣) \"صحيح ابن حبان\" (٢٠٧٤).\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (٨٥٠).","vol":"4","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوحديث ابن عمر أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١) عنه عن النبي - ﷺ -: \"من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة\".\nوحديث أبي سعيد أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٢) عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة\".\nوحديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٣) من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه سواء.\nوحديث ابن عباس أخرجه الدارقطني (٤) أيضًا عنه عن النبي - ﷺ - قال: \"تكفيك قراءة الإِمام خافت أو جهر\".\nوحديث أنس أخرجه ابن حبان في \"كتاب الضعفاء\" عن غنيم بن سالم عن أنس بن مالك -﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة\".\nفإن قلت: في حديث جابر بن عبد الله جابر الجعفي وهو مجروح، كذبه أبو حنيفة وغيره، وفي حديث أبي سعيد إسماعيل بن عمر بن نجيح وهو ضعيف، وحديث ابن عمر موقوف، قال الدارقطني: رفعه وهم، وحديث ابن عباس عن أحمد هو حديث منكر، وقال الدارقطني: حديث أبي هريرة لا يصح عن سهيل، وتفرد به محمد بن عباد وهو ضعيف، وفي حديث أنس غنيم بن سالم، قال ابن حبان: هو مخالف الثقات في الروايات فلا تعجبني الرواية عنه، فكيف الاحتجاج؟\nقلت: أما حديث جابر فله طرق أخرى يشد بعضها بعضًا، منها طريق\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٢٦).\n(٢) \"المعجم الأوسط\" (٧٥٧٥).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٣٣).\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٣١).","vol":"4","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nصحيح، وهو ما رواه محمد بن الحسن في \"الموطأ\" (١) عن أبي حنيفة، قال: أخبرنا الإِمام أبو حنيفة، حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر، عن النبي - ﷺ -: \"من صلَّى خلف الإِمام فإن قراءة الإِمام له قراءة\".\nفإن قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢) ثم البيهقي (٣) عن أبي حنيفة مقرونًا بالحسن بن عمارة، وعن الحسن بن عمارة وحده بالإسناد المذكور، ثم قال: هذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبد الله غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان، وقد رواه سفيان الثوري وأبو الأحوص وشعبة وإسرائيل وشريك وأبو خالد الدالاني وسفيان بن عيينة وغيرهم عن أبي الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وهو الصواب.\nقلت: لو تأدب الدارقطني واستحيى لما تلفظ بهذه اللفظة في حق أبي حنيفة، فإنه إمام طبق علمه الشرق والغرب، ولما سئل ابن معين عنه فقال: ثقة مأمون ما سمعت أحدًا ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث وشعبة شعبة، وقال أيضًا: كان أبو حنيفة ثقة من أهل الدين والصدق، ولم يتهم بالكذب، وكان مأمونًا على دين الله تعالى صدوقًا في الحديث، وأثنى عليه جماعة من الأئمة الكبار مثل عبد الله بن المبارك ويعد من أصحابه، وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وحماد بن زيد وعبد الرزاق ووكيع وكان يفتي برأيه، والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وآخرون كثيرون، وقد ظهر لك من هذا تحامل الدارقطني عليه وتعصبه الفاسد، وليس له مقدار بالنسبة إلى هؤلاء حتى يتكلم في إمام متقدم على هؤلاء في الدين والتقوى والعلم، وبتضعيفه إياه\n_________\n(١) انظر: \"موطأ محمد مع التعليق الممجد\" (١/ ٤١٥) رقم الحديث (١١٧).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٠).","vol":"4","page":235},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيستحق هو التضعيف، أفلا يرضى بسكوت أصحابه عنه، وقد روى في \"سننه\" أحاديث سقيمة ومعلولة ومنكرة وغريبة وموضوعة؟ ولقد روى أحاديث ضعيفة في كتابه \"الجهر بالبسملة\"، واحتج بها مع علمه بذلك، حتى إن بعضهم استحلفه على ذلك فقال: ليس فيه حديث صحيح، ولقد صدق القائل:\nحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... والقوم أعداء له وخصوم\nوأما قوله: وقد رواه سفيان الثوري إلى آخره، فلا يضرنا، لأن الزيادة من الثقة مقبولة، ولئن سلمنا فالمرسل عندنا حجة، وجوابنا عن الأحاديث التي قالوا: في أسانيدها ضعفاء، أن الضعيف يتقوى بالصحيح، ويقوي بعضها بعضًا.\nوأما قوله في بعضها: فهو موقوف، فالموقوف عندنا حجة، لأن الصحابة عدول، ومع هذا روي منع القراءة خلف الإِمام عن ثمانين من الصحابة الكبار منهم: المرتضى والعبادلة الثلاثة، وأساميهم عند أهل الحديث، فكان اتفاقهم بمنزلة الإجماع، فمن هذا قال صاحب \"الهداية\" (١) من أصحابنا: وعلى ترك القراءة خلف الإِمام إجماع الصحابة، فسماه إجماعًا باعتبار اتفاق الأكثر، ومثل هذا يسمى إجماعًا عندنا، وذكر الشيخ الإِمام عبد الله بن يعقوب الحارثي السبذموني في كتاب \"كشف الأسرار\" عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - ينهون عن القراءة خلف الإِمام أشد النهي: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهم-.\nقلت: روى عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢): أخبرني موسى بن عقبة\n_________\n(١) (١/ ٥٦).\n(٢) \"مصنف عبد الرزاق\" (٢٨١٠).","vol":"4","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا ينهون عن القراءة خلف الإِمام، وأخرج عن داود بن قيس عن محمد بن بجاد- بكسر الباء الموحدة وتخفيف الجيم-، عن موسى بن سعد بن أبي وقاص قال: [ذكر لي أن سعد بن أبي وقاص قال:] وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر.\nوأخرج الطحاوي (١) بإسناده عن علي -﵁ - أنه قال: من قرأ خلف الإِمام فليس على الفطرة، أراد أنه ليس على شرائط الإِسلام، وقيل: ليس على السنَّة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في \"مصنفه\" (٢) عن ابن أبي ليلى عن علي -رضي الله تعالى عنه -: من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة، وأخرجه الدارقطني كذلك من طرق.\nوأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣) عن داود بن قيس عن محمد بن عجلان عنه (٤) قال: قال علي: من قرأ مع الإِمام فليس على الفطرة، قال: وقال ابن مسعود: مُلِئَ فوه ترابًا، قال: وقال عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه -: وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر.\nوفي \"التمهيد\": ثبت عن علي وسعد وزيد بن ثابت أنه لا قراءة مع الإِمام لا فيما أسَرَّ ولا فيما جهر.\nوأخرج عبد الرزاق (٥) عن الثوري عن أبي منصور عن أبي وائل قال: جاء\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢١٩).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٤١٢).\n(٣) \"مصنف عبد الرزاق\" (٢٨٠٦).\n(٤) قوله: \"عنه\" زيادة في الأصل وفي \"عمدة القاري\"، والظاهر حذفه كما في \"المصنف\".\n(٥) \"مصنف عبد الرزاق\" (٢٨٠٣).","vol":"4","page":237},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرجل إلى عبد الله، فقال: يا أبا عبد الرحمن أقرأ خلف الإِمام؟ قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإِمام.\nوأخرجه الطبراني عن عبد الرزاق وأخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١) نحوه عن أبي الأحوص عن منصور إلى آخره.\nقلت: روى الطحاوي (٢) من حديث أبي إبراهيم التيمي قال: سألت عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه - عن القراءة خلف الإِمام، فقال لي: اقرأ، قلت: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي، قلت: وإن قرأت؟ قال: وإن قرأت.\nوأخرج أيضًا عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الإِمام في صلاة الظهر من سورة مريم.\nثم أجاب بقوله: وقد روي عن غيرهم من أصحاب النبي - ﷺ - خلاف ذلك، ثم روى حديث علي الذي ذكرنا آنفًا، وأخرج حديث ابن مسعود الذي أخرجه عبد الرزاق الذي ذكرناه آنفًا، ثم أخرج عن أبي بكرة: حدثنا أبو داود، حدثنا حُديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: ليت الذي يقرأ خلف الإِمام مُلِئَ فوه ترابًا.\nوأخرج أيضًا عن يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبيد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله، فقالوا: لا تقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات.\nثم قال الطحاوي: فهؤلاء جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - قد أجمعوا على\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٤١٢).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢١٨ - ٢١٩).","vol":"4","page":238},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nترك القراءة خلف الإِمام، وقد وافقهم على ذلك ما قد روي عن النبي - ﷺ - مما قدمنا ذكره، وأشار به إلى أحاديث الصحابة الذين رووا ترك القراءة خلف الإِمام.\nفإن قلت: أخرج البيهقي من حديث الجريري عن أبي الأزهر قال: سئل ابن عمر عن القراءة خلف الإِمام، فقال: إني لأستحيي من رب هذه البنية أن أصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن.\nقلت: هذه معارضة باطلة، فإن إسناد ما ذكره منقطع، والصحيح عن ابن عمر عدم وجوب القراءة خلف الإِمام.\nفإن قلت: قوله - ﷺ -: \"قراءة الإِمام قراءة له\" معارض لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ فلا يجوز تركه بخبر الواحد.\nقلت: جعل المقتدي قارئًا بقراءة الإِمام فلا يلزم الترك، أو نقول: إنه خص منه المقتدي الذي أدرك الإِمام في الركوع فإنه لا يجب عليه القراءة بالإجماع، فتجوز الزيادة عليه حينئذٍ بخبر الواحد.\nفإن قلت: قد حمل البيهقي في \"كتاب المعرفة\" (١) حديث \"من كان له إمام فقراءة الإِمام قراءة له\" على ترك الجهر بالقراءة خلف الإِمام، وعلى قراءة فاتحة دون السورة (٢)، واستدل عليه بحديث عبادة بن الصامت المذكور.\nقلت: ليس في شيء من الأحاديث بيان القراءة خلف الإِمام فيما جهر، والفرق بين الإسرار والجهر لا يصح، لأن فيه إسقاط الواجب بمسنون على زعمهم، قاله إبراهيم بن الحارث.\n_________\n(١) (٣/ ٨٠).\n(٢) قلت: نقله المصنف - ﵀ - عن \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٥٠) وهو تحريف، والصواب: \"وعلى قراءة السورة دون الفاتحة\". انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (٣/ ٨٠).","vol":"4","page":239},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن قلت: أخرج مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام\"، فهذا يدل على الركنية.\nقلت: لا نسلم، لأن معناه ذات خداج، أي نقصان، بمعنى صلاته ناقصة، ونحن نقول به، لأن النقصان في الوصف لا في الذات، ولهذا قلنا بوجوب قراءة الفاتحة.\nفإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ عام خص منه البعض، وهو ما دون الآية، فإن عند أبي حنيفة أدنى ما يجزئ عن القراءة آية تامة، لأن ما دون الآية خارج بالإجماع، فإذا كان كذلك يجوز تخصيصه بخبر الواحد وبالقياس أيضًا.\nقلت: القرآن يتناول ما هو معجز عرفًا، فلا يتناول ما دون الآية.\nفإن قلت: روى أبو داود: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا جعفر، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة قال: \"أمرني رسول الله - ﷺ - أن أنادي أنه لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد\".\nقلت: هذا الحديث روي بوجوه مختلفة، فرواه البزار ولفظه: \"أمر مناديًا فنادى\"، وفي \"كتاب الصلاة\" لأبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف: \"لا صلاة إلَّا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد\"، وفي \"الصلاة\" للفريابي: \"أنادي في المدينة أن لا صلاة إلَّا بقراءة أو بفاتحة الكتاب فما زاد\"، وفي لفظ: \"فناديت: أن لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب\"، وعند البيهقي: \"إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد\"، وفي \"الأوسط\": \"في كل صلاة قراءة ولو بفاتحة الكتاب\".\nوهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية قراءة الفاتحة، بل غالبها ينفي الفرضية، فإن دلت إحدى الروايتين على عدم جواز الصلاة إلَّا بالفاتحة دلَّت","vol":"4","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأخرى على جوازها بلا فاتحة، فنعمل بالحديثين، ولا نهمل أحدهما بأن نقول بفرضية مطلق القراءة، وبوجوب قراءة الفاتحة، وهذا هو العدل في باب إعمال الأخبار.\nوأيضًا في حديث أبي داود المذكور أمران:\nأحدهما: أن جعفرًا المذكور في سنده هو جعفر بن ميمون فيه كلام حتى صرح النسائي أنه ليس بثقة.\nوالثاني: أنه يقتضي فرضية ما زاد على الفاتحة، لأن معنى قوله: فما زاد، الذي زاد على الفاتحة، أو بقراءة زيادة على الفاتحة، وليس ذلك مذهب الشافعي.\nوقد روى أبو داود من حديث عبادة بن الصامت يبلغ به النبي - ﷺ - قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا\"، قال سفيان: لمن يصلي وحده.\nقلت: معناه: لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب زائدة على الفاتحة، وقال سفيان هو ابن عيينة أحد رواة هذا الحديث: هذا لمن يصلي وحده، يعني في حق من يصلي وحده، وأما المقتدي فإن قراءة الإِمام قراءة له، وكذا قال الإسماعيلي في روايته: إذا كان وحده، فعلى هذا يكون الحديث مخصوصًا في حق المنفرد، فلم يبق للشافعية بعد هذا دعوى العموم، وحديث عبادة هذا أخرجه البخاري كما ذكر وليس فيه لفظة: فصاعدًا.\nفإن قلت: قال البخاري في \"كتاب القراءة خلف الإِمام\": وقال معمر عن الزهري: فصاعدًا، وعامة الثقات لم تتابع معمرًا في قوله: فصاعدًا.\nقلت: هذا سفيان بن عيينة قد تابع معمرًا في هذه اللفظة، وكذلك تابعه فيها صالح والأوزاعي وعبد الرحمن بن إسحاق وغيرهم كلهم عن الزهري.\nفإن قلت: أخرج أبو داود عن القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن","vol":"4","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن\" الحديث، وقد ذكرناه عن قريب وفيه: \"فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإِمام، قال: فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي\"، الحديث، والخطاب لأبي السائب، وقال النووي: هذا يؤيد وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، ومعناه: اقرأها سرًّا بحيث تسمع نفسك.\nقلت: هذا لا يدل على الوجوب، لأن المأموم مأمور بالإنصات لقوله تعالى: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ والإنصات: الإصغاء، والقراءة سرًّا بحيث يسمع نفسه تخل بالإنصات، فحينئذٍ يحمل ذلك على أن المراد تدبر ذلك وتفكره، ولئن سلمنا أن المراد هو القراءة حقيقة، فلا نسلم أنه يدل على الوجوب، على أن بعض أصحابنا استحسنوا ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات، ومنهم من استحسنها في غير الجهرية، ومنهم من رأى ذلك إذا كان الإِمام لحَّانًا.\nومما يؤيد ما ذهب إليه أصحابنا ما أخرجه أبو داود من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: \"إنما جعل الإِمام ليؤتم به\" بهذا الخبر، وزاد: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" رواه النسائي وابن ماجه والطحاوي، وهذا حجة صريحة في أن المقتدي لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإِمام أصلًا على الشافعي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر.\nفإن قلت: قد قال أبو داود عقيب إخراجه هذا الحديث: وهذه الزيادة يعني: \"إذا قرأ فأنصتوا\" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد، وأبو خالد أحد رواته، واسمه سليمان بن حيان بفتح الحاء وتشديد الياء آخر الحروف، وهو من رجال الجماعة.\nوقال البيهقي في \"المعرفة\" (١): أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة،\n_________\n(١) \"معرفة السنن والآثار\" (٢/ ٤٦).","vol":"4","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأسند عن ابن معين في \"سننه الكبير\"، قال في حديث ابن عجلان: وزاد: \"إذا قرأ فأنصتوا\" ليس بشيء، وكذا قال الدارقطني في حديث أبي موسى الأشعري: \"وإذا قرأ الإِمام فأنصتوا\"، وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ عنه، منهم: هشام الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة ولم يقل واحدٌ منهم: \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، قال: وإجماعهم يدل على وهمه، وعن أبي حاتم: ليست هذه الكلمة بمحفوظة، إنما هي من تخاليط ابن عجلان.\nقلت: في هذا كله نظر، أما ابن عجلان فإنه وثَّقه العجلي، وفي \"الكمال\" ثقة كثير الحديث، وقال الدارقطني: إن مسلمًا أخرج له في \"صحيحه\"، قلت: أخرج له الجماعة والبخاري مستشهدًا وهو محمد بن عجلان المدني، فهذه زيادة ثقة فتقبل، وقد تابعه عليها خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء كما ذكره البيهقي في \"سننه الكبير\".\nوأما أبو خالد فقد أخرج له الجماعة كما ذكرنا، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت وكيعًا عنه، فقال: أبو خالد ممن يسأل عنه؟ وقال أبو هشام الرافعي: حدثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين، ومع هذا لم ينفرد بهذه الزيادة.\nوقد أخرج النسائي كما ذكرنا هذا الحديث بهذه الزيادة من طريق محمد بن سعد الأنصاري، ومحمد بن سعد ثقة، وثَّقه يحيى بن معين، وقد تابع ابن سعد هذا أبا خالد، وتابعه أيضًا إسماعيل بن أبان، كما أخرجه البيهقي في \"سننه\".\nوقد صحَّح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري، ومن حديث أبي هريرة، وقال أبو بكر: لمسلم حديث أبي هريرة، يعني \"إذا قرأ فأنصتوا\"، قال: هو عندي صحيح، فقال: لِمَ لا تضعه هاهنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، وإنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه، وتوجد هذه الزيادة أيضًا في بعض نسخ مسلم عقيب الحديث المذكور.","vol":"4","page":243},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفي \"التمهيد\" بسنده عن ابن حنبل أنه صحَّح الحديثين، يعني حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة، والعجب من أبي داود أنه نسب الوهم إلى أبي خالد وهو ثقة بلا شك، ولم ينسب إلى ابن عجلان، وفيه كلام، ومع هذا أيضًا فابن خزيمة صحَّح حديث ابن عجلان، انتهى كلام العيني (١).\nوقد تقدم البحث منا في قوله: \"إذا قرأ فأنصتوا\" في \"باب الإِمام يصلي من قعود\"، وأورد العلَّامة النيموي في \"باب قراءة خلف الإِمام\" من كتابه \"آثار السنن\" (٢) حديث عبادة بن الصامت المختصر الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وهو حديث مرفوع صحيح.\nثم قال بعد إيراده: وفي الاستدلال بهذه الأحاديث نظر، وقال في تعليقه عليه، قال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: معنى قول النبي - ﷺ -: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" إذا كان وحده، وقال أبو داود: وقال سفيان: لمن يصلي وحده، قلت: والأولى أن يقال: إن هذا الحكم لمن كان ضامنًا للصلاة ومتكفلًا لها إمامًا كان أو منفردًا.\nويؤيده ما رواه مسلم في رواية، والنسائي من طريق معمر عن الزهري في آخر حديث الباب لفظ: فصاعدًا.\nفإن قلت: قال البخاري في \"جزء القراءة\": وقال معمر عن الزهري: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدًا، وعامة الثقات لم تتابع معمرًا في قوله: فصاعدًا مع أنه أثبت فاتحة الكتاب، وقوله: فصاعدًا غير معروف، ثم قال: ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وإن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا، انتهى كلامه.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٥٢).\n(٢) (١/ ٧٥).","vol":"4","page":244},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: تابعه سفيان بن عيينة أيضًا عن الزهري في قوله: فصاعدًا عند أبي داود، فالزيادة صحيحة، وأخرج أحمد والبخاري في \"جزء القراءة\" وأبو داود وابن الجارود عن أبي هريرة أن النبيﷺ - أمره أن يخرج فينادي: \"لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد\"، انتهى، رجاله ثقات إلَّا جعفر بن ميمون، قال ابن معين: ليس بذاك، وقال مرة: صالح الحديث، وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال ابن عدي: لم أر أحاديثه منكرة، كذا في \"الميزان\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": صدوق يخطئ، انتهى، قلت: فالحديث حسن.\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١) من طريق يحيى بن سعيد القطان عن جعفر بن ميمون، وقال: هذا حديث صحيح لا غبار عليه، فإن جعفر بن ميمون العبدي من ثقات البصريين، ويحيى بن سعيد لا يحدث إلَّا عن الثقات، انتهى.\nوأخرج أبو داود وأبو يعلى وابن حبان بإسناد صحيح عن أبي سعيد، قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر، انتهى، فقوله: فصاعدًا، وما زاد، وما تيسر يدل على أن قراءة ما زاد على الفاتحة من السورة واجبة في الصلاة، وعند الجمهور ليس هذا الحكم إلَّا لمن كان إمامًا أو يصلي وحده، لا على المأموم، فكذلك تحمل قراءة الفاتحة عليهما لا على المأموم.\nفإن سلمنا أن قراءة الفاتحة واجبة على كل من يصلي إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا.\nقلنا: إن القراءة أعم من أن يكون حقيقة أو حكمًا، والمأموم يقرأ حكمًا لقوله ﵊: \"قراءة الإِمام له قراءة\"، وسيجيء البحث على هذا الحديث.\n_________\n(١) (١/ ٣٦٥) رقم (٨٧٢).","vol":"4","page":245},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن قلت: أخرج البيهقي في \"كتاب القراءة\" (١) على ما نقله السيوطي في \"جمع الجوامع\": عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإِمام\"، ثم قال: إسناده صحيح، والزيادة التي فيه صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة، قلت: الحديث ضعيف وإن كان إسناده على ما زعمه البيهقي صحيحًا، لأن زيادة قوله: \"خلف الإِمام\" شاذة لا يتابع عليها، ويدل عليه الحديث الذي أخرجه الشيخان، وكذلك سائر طرق عبادة، وتأويل البيهقي بأنها صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة يشير إلى ذلك، انتهى.\nقلت: وعندي وجه النظر في الاستدلال بحديث عبادة أن هذا الحديث مختصر من حديث طويل أخرجه أبو داود والترمذي والبخاري في \"جزء القراءة\" والآخرون من حديث عبادة، ولفظه: \"قال: كنا خلف رسول الله - ﷺ - في صلاة الفجر فقرأ رسول الله - ﷺ - فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم هذّا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\"، فاختصر الراوي هذا الحديث، وأخذ من قوله: \"فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\"، وروى على ما فهم منه بلفظ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\".\nفالأصل في الحجة هذا الحديث لا الحديث المختصر، فإن مبناه على ما فهمه الراوي من حديث رسول الله - ﷺ -، والحجة في قول رسول الله - ﷺ - لا فيما فهمه الراوي من لفظ الحديث، ولفظ أصل الحديث لا يستدل به على ركنية فاتحة الكتاب، لأن قوله - ﷺ -: \"فإنه لا صلاة\" دليل على إباحة فاتحة الكتاب للمأموم، لأن في قوله - ﷺ - استثنى الفاتحة بعد نهيه عن القراءة، والاستثناء بعد النهي يفيد الإباحة، فلو كان معنى قوله: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بهما\"، أن الصلاة التي لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب باطلة لناقض آخر الكلام أوله، بل معناه أن ليس حال الفاتحة مثل حال السور الآخر، فإن السور لا تقرأ\n_________\n(١) (ص ٧٠).","vol":"4","page":246},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي الصلاة إلَّا أحيانًا، وأما الفاتحة فلا تخلو صلاة عنها، أي لا صلاة موجودة بالوجود الحسي لمن لم يقرأ الفاتحة في الصلاة، ولأجل ذلك كانت كثيرة الدوران على الألسنة، فلا يختلج بها إلَّا القليل، فعلى هذا يوافق آخر الكلام أوله، ولا يثبت وجوب فاتحة الكتاب فضلًا عن كونها ركنًا.\nفإن قلت: ثبت بقولكم إباحة قراءة فاتحة الكتاب خلف الإِمام وأنتم تمنعونها.\nقلت: نمنعها بما صح عنه - ﷺ - لحديث أبي موسى الأشعري كما ذكره مسلم، وبحديث أبي هريرة صححهما مسلم - ﵀-: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" لتتوافق الأحاديث.\nثم العلامة النيموي (١) بعد ما أخرج الحديث الطويل لعبادة بن الصامت، قال: فيه مكحول، وهو يدلس، رواه معنعنًا، وقد اضطرب في إسناده، ومع ذلك قد تفرد بذكر محمود بن الربيع عن عبادة في طريق مكحول محمدُ بن إسحاق، وهو لا يحتج بما انفرد به، فالحديث معلول بثلاثة أوجه.\nوقال في \"التعليق\": قال في \"الجوهر النقي\" (٢): والكلام في ابن إسحاق معروف، والحديث مع ذلك مضطرب الإسناد، والبيهقي بين بعضه، انتهى كلامه.\nقلت: رواه مكحول مرة عن عبادة بن الصامت مرسلًا وأخرى عن نافع بن محمود عن عبادة، وتارةً عن محمود عن عبادة، وآوِنةً (٣) عن محمود عن أبي نعيم أنه سمع عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - قال، الحديث، أخرجه الدارقطني (٤) من طريق الوليد بن مسلم حدثني غير واحد منهم سعيد بن عبد العزيز عن مكحول\n_________\n(١) \"آثار السنن\" (١/ ٧٦).\n(٢) \"الجوهر النقي\" مع \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٤).\n(٣) في \"مختار الصحاح\": هو يفعل ذلك الأمر آونة إذا كان يفعله مرارًا ويدعه مرارًا.\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣١٩).","vol":"4","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>(١٣٩) بَابُ مَنْ كَرِهَ القِراءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِذَا جَهَرَ الإِمَامُ</span>\n٨٢٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِىِّ،\n===\nبهذا، رواته كلهم ثقات، قلت: فأدخل بين محمود وعبادة رجلًا آخر وهو أبو نعيم فاضطرب إسناده، والاضطراب مورث للضعف.\n\n(١٣٩) (بَابُ مَنْ كَرِهَ القِراءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِذَا جَهَرَ الإِمَامُ) (١)\nوليست هذه الترجمة إلَّا في النسخة المجتبائية، وعلى الحاشية نسختان أخريان، الأولى: باب من ترك القراءة فيما جهر الإِمام، وهذه الترجمة مثل الترجمة السابقة، ولم توجد إلَّا على حاشية المجتبائية، والثانية: باب من رأى القراءة إذا لم يجهر، وهذه الترجمة موجودة في جميع النسخ الموجودة، واختارها صاحب \"العون\" (٢) في شرحه، ولم يذكر غيرها، وهذه الترجمة لا يوافقها الأحاديث المذكورة إلَّا بالاستدلال والتكلف، وأما على الأوليين فالمطابقة واضحة.\n٨٢٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي) ثم الجندعي، اسمه عمارة بضم العين وتخفيف الميم، وقيل: عمار بفتح العين وتخفيف الميم، قاله الزرقاني (٣)، وقيل: عمرو، وقيل: عامر، قال في \"الميزان\" (٤): قال أبو حاتم: صحيح الحديث، وقال ابن سعد: منهم من لا يحتج به، يقول: شيخ مجهول.\n_________\n(١) قال ابن العربي (٢/ ١٠٨): فيه ثلاثة مذهب، القراءة مطلقًا، وتركها مطلقًا، والتفريق بين الجهرية والسرية، وأورد على الإِمام الشافعي بأنه لا يجب على الإِمام السكوت عند أحد فلو لم يسكت؟ (ش).\n(٢) \"عون المعبود\" (٣/ ٤٩).\n(٣) شرح الزرقاني (١/ ١٧٨).\n(٤) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ١٧٣).","vol":"4","page":248},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: «هَلْ قَرَأَ مَعِى أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟» فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «إِنِّى أَقُولُ: مَا لِى أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟». قَالَ:\n===\nوقال الحافط في \"التقريب\" (١): ثقة، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال أبو حاتم: صالح الحديث مقبول، وقال ابن سعد: توفي سنة إحدى ومئة، وهو ابن ٧٩ سنة، روى عنه الزهري حديثًا واحدًا، ومنهم من لا يحتج بحديثه، ويقول: هو مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدوري عن يحيى بن سعيد: عمارة بن أكيمة ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: هو من مشاهير التابعين بالمدينة، وقال أبو بكر البزار: ابن أكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدث عنه إلَّا الزهري، وقال الحميدي: هو رجل مجهول، وكذا قال البيهقي.\n(عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - انصرف) أي توجه إلى الناس بعد ما فرغ (من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي) أي مع قراءتي (أحد منكم آنفًا؟) أي قريبًا، ومدها هو المشهور، وقد يقصر، يقال: فعلته آنفًا، أي في أول وقت، وهذا الكلام بظاهره يدل على أن قراءتهم لم يكن بعلم منهﷺ - وأنها كانت سرًّا، فإنها لو كانت جهرًا لا يخفى عليه - ﷺ -.\n(فقال رجل) لم أقف على تسميته: (نعم، يا رسول الله) أي قرأت (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إني أقول) أي في نفسي (ما لي أنازع) بفتح الزاي (القرآن؟) بالنصب على أنه مفعول ثان، كذا نقل القاري (٣) عن \"الأزهار\"، أي أداخل في القراءة وأشارك فيها وأغالب عليها، فكأنهم نازعوه، والأظهر حمله على قراءتهم سرًّا قبل فراغه من قراءة الفاتحة، أو على قراءتهم بعد فراغهم منها ما عدا الفاتحة سرًّا.\n(قال) أبو هريرة، قاله ابن الملك، وهو الظاهر، لكن نقل ميرك\n_________\n(١) (٢/ ٤٩).\n(٢) (٧/ ٤١٠).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٠٢).","vol":"4","page":249},{"text":"فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فِيمَا جَهَرَ فِيهِ (١) النَّبِىُّ -ﷺ- بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ\n===\nعن ابن الملقن أن قوله: \"فانتهى الناس ... \" إلخ هو من كلام الزهري لا مرفوعًا، قاله البخاري والذهبي وابن فارس وأبو داود وابن حبان والخطابي وغيرهم.\nقلت: أخرجه مالك في \"موطئه\" (٢) والإمام محمد أيضًا عن مالك في \"موطئه\" (٣) والنسائي من طريق قتيبة عن مالك، وليس فيها لفظة \"قال\"، وهذا يدل على أن قوله: فانتهى الناس من كلام أبي هريرة لا من كلام الزهري، وفي رواية أبي داود والترمذي وابن ماجه بلفظة: \"قال\"، وهو محتمل بأن يكون مرجع الضمير الزهري أو أبا هريرة، والرواية الأولى يدفع هذا الاحتمال، فإن المتيقن قاض على المحتمل.\nويؤيده أيضًا ما أخرجه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤) عن ابن بحينة وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"هل أحد قرأ منكم معي آنفًا؟ \"، قالوا: نعم، قال: \"إني أقول: ما لي أنازع القرآن\" فانتهى الناس عن القراءة معه حين قال ذلك، رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، ورجال أحمد رجال الصحيح، ويأتي الكلام عليه بعد هذا الحديث، انتهى، وليس فيه لفظ \"قال\"، ثم ذكر بعد هذا الحديث، وقال فيه: إلَّا أن البزار قال: أخطأ فيه ابن أخي ابن شهاب حيث قال: عن ابن بحينة، ورواه معمر وابن عيينة عن الزهري عن ابن أكيمة عن أبي هريرة.\n(فانتهى الناس عن القراءة) أي امتنعوا عنها (مع رسول الله - ﷺ - فيما جهر فيه النبيﷺ - بالقراءة من الصلوات) ومفهومه أنهم كانوا يسرون بالقراءة فيما كان يخفي فيه رسول الله - ﷺ -، وهو مذهب الأكثر، وعليه الإِمام محمد من أئمتنا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"به\".\n(٢) \"موطأ مالك\" (١/ ٣٦).\n(٣) \"موطأ الإِمام محمد مع التعليق الممجد\" (١/ ٤٠٣) رقم الحديث (١١١).\n(٤) رقم الحديث (٢٦٣٩).","vol":"4","page":250},{"text":"حِينَ (١) سَمِعُوا ذَلِكَ من رَسُولِ اللَّه - ﷺ -. [ت ٣١٢، ن ٩١٩، جه ٨٤٨، ط ١/ ٨٦/ ٤٤، حم ٢/ ٢٨٤، حب ١٨٤٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى حَدِيثَ ابْنِ أُكَيْمَةَ هَذَا مَعْمَرٌ، وُيونُسُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عَلَى مَعْنَى مَالِكٍ.\n===\nقلت: وهذا المفهوم تدفعه العلة المذكورة في الحديث وهي المنازعة، فإنها كما تحققت في الجهرية فتحققها في السرية أولى وأقوى.\n(حين سمعوا ذلك) أي ما ذكر (من رسول الله - ﷺ -) قال ابن الملك: ومن قال بقراءتها خلف الإِمام في الجهرية حمله على ترك رفع الصوت خلفه، انتهى، وهو خلاف ظاهر قوله ﵇: \"هل قرأ معي أحد منكم\"، قال الترمذي: هذا حديث حسن، قال النووي: وأنكر الأئمة على الترمذي تحسينه، واتقفوا على ضعف هذا الحديث، لأن ابن أكيمة مجهول، على أنَّ جملة \"فانتهى الناس عن القراءة\" ليست من الحديث، بل هي من كلام الزهري مدرجة فيه، هذا متفق عليه عند الحفاظ المتقدمين والمتأخرين، منهم الأوزاعي ومحمد بن يحيى الذهلي والبخاري وأبو داود والخطابي وغيرهم، كذا قال القاري (٢)، ثم قال: قال ميرك نقلًا عن ابن الملقن: قال الترمذي: حسن، وصحَّحه ابن حبان، وضعفه الحميدي والبيهقي، انتهى، وبهذا يعلم أن قول النووي: اتفقوا على ضعف هذا الحديث، غير صحيح.\n(قال أبو داود: روى حديث ابن أكيمة هذا معمر ويونس وأسامة بن زيد (٣) عن الزهري على معنى مالك) حاصل هذا الكلام أنهم رووا عن الزهري كما رواه مالك عنه موافقًا في معنى حديث مالك لا في لفظه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حيث\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٠٢).\n(٣) أخرج رواية معمر المصنف في هذا الباب، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ١٣٥) رقم (٢٧٩٥)، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٨٤)، وأخرج رواية يونس بن يزيد البخاري في \"جزء القراءة خلف الإِمام\" (٩٦)، وأما رواية أسامة بن زيد فلم أعثر على من أخرجها.","vol":"4","page":251},{"text":"٨٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِىُّ وَابْنُ السَّرْحِ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قال: سَمِعْتُ ابْنَ أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: \"صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةً نَظُنُّ أَنَّهَا الصُّبْحُ - بِمَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِهِ -: «مَا لِى أُنَازَعُ الْقُرْآنَ». [حم ٢/ ٢٤٠، وانظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ فِى حَدِيثِهِ: قَالَ مَعْمَرٌ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.\nوَقَالَ ابْنُ السَّرْحِ فِى حَدِيثِهِ: قَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْتَهَى النَّاسُ.\nوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِىُّ مِنْ بَيْنِهِمْ: قَالَ سُفْيَانُ:\n===\n٨٢٦ - (حدثنا مسدد وأحمد بن محمد المروزي ومحمد بن أحمد بن أبي خلف وعبد الله بن محمد الزهري وابن السرح قالوا: نا سفيان عن الزهري، قال) أي الزهري: (سمعت ابن أكيمة يحدث) بصيغة المعلوم (سعيد بن المسيب) أي كان ابن أكيمة يحدث هذا الحديث سعيد بن المسيب وكنت حاضرًا في المجلس، فسمعت منه الحديث.\n(قال) ابن أكيمة: (سمعت أبا هريرة يقول: صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة نظن أنها الصبح بمعناه) أي بمعنى حديث مالك المتقدم (إلى قوله: ما لي أنازع القرآن) والاختلاف بين هذا الحديث والحديث المتقدم أن في هذا الحديث تصريحًا بسماع الزهري من ابن أكيمة وسماعه من أبي هريرة، وتشريحًا بأن الصلاة التي جهر فيها بالقراءة هي الصبح على الظن.\n(قال أبو داود: قال مسدد في حديثه: قال معمر: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله - ﷺ -، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس، وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان:","vol":"4","page":252},{"text":"وَتَكَلَّمَ الزُّهْرِىُّ بِكَلِمَةٍ لَمْ أَسْمَعْهَا، فَقَالَ مَعْمَرٌ: إِنَّهُ قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، وَانْتَهَى حَدِيثُهُ إِلَى قَوْلِهِ «مَا لِى أُنَازَعُ الْقُرْآنَ». وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِىُّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ فِيهِ:\n===\nوتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها) أي بعد قوله: \"ما لي أنازع القرآن\" فسألت معمرًا عما قال (فقال معمر: إنه) أي الزهري (قال: فانتهى الناس).\nوغرض المصنف بهذا الكلام بيان اختلاف مشايخه في قوله: فانتهى الناس عن القراءة إلخ، بأن مسددًا يقول: إن شيخي سفيان بن عيينة لم يرو هذا القول، بل انتهى حديثه إلى قوله: \"ما لي أنازع القرآن\"، ولكن الشيخ الثاني وهو معمر فروى في حديثه بعد قوله: \"ما لي أنازع القرآن\" \"فانتهى الناس عن القراءة ... إلخ\"، وأما ابن السرح فإنه قال في حديثه عن معمر، عن الزهري: إن هذا الكلام من قول أبي هريرة، وأما عبد الله بن محمد الزهري فذكر عن سفيان أنه لم يسمع هذا الكلام من الزهري، وسأل عنه معمرًا فقال معمر: إن الزهري قال بعد قوله: \"ما لي أنازع القرآن\": \"فانتهى الناس\"، ففهم منه أن هذا الكلام قول الزهري، وهذا الفهم خطأ منه.\n(قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق (٢) عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: \"ما لي أنازع القرآن\")، وهذا يدل على أن قوله: \"فانتهى الناس\" لم يذكر الزهري، ولا مضايقة في أنه ذكره مرة ولم يذكره مرة أخرى، ولكن يوهم أن قوله: \"فانتهى الناس\" لو كان في الحديث لم يتركه، فيستدل على أنه من كلامه، وهذا الاستدلال غير سديد.\n(ورواه الأوزاعي (٣) عن الزهري قال (الأوزاعي (فيه) أي في هذا\n_________\n(١) وفي نسخة: \"روى\".\n(٢) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٤٨٧).\n(٣) أخرج روايته أبو يعلى في \"مسنده\" (١٠/ ٢٥٢) رقم (٥٨٦١)، وابن حبان (٥/ ١٥٩) رقم (١٨٥٠)، والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ١٥٨).","vol":"4","page":253},{"text":"قَالَ الزُّهْرِىُّ: فَاتَّعَظَ الْمُسْلِمُونَ (١) بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ مَعَهُ فِيمَا يَجْهَرُ (٢) بِهِ -ﷺ-.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قَالَ: قَوْلُهُ: \"فَانْتَهَى النَّاسُ\" مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِىِّ.\n===\nالحديث: (قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون معه) - ﷺ - (فيما يجهر به - ﷺ -، قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس) أي محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي (قال: قوله: \"فانتهى الناس\" من كلام الزهري) (٣).\nقلت: وحاصل هذا الاختلاف أن مالكًا ذكر في حديثه قال: فانتهى الناس، ولم يذكر القائل، فيحتمل أن يكون الزهري أو أبا هريرة، وقد تقدم أن عند مالك في \"موطئه\" ليس لفظ \"قال\".\nوأما معمر فذكر عنه مسدد في حديثه بأنه قال بعد قوله: \"ما لي أنازع القرآن\": فانتهى الناس عن القراءة، وهذا يدل على أنه من قول أبي هريرة أيضًا أو من قول معمر.\nوأما على ما روى عنه ابن السرح في حديثه، قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس، وفيه تصريح بأن هذا الكلام من قول أبي هريرة، فاتفق مسدد وابن السرح على أن في حديث معمر هذا القول من كلام أبي هريرة، إلَّا أن في حديث ابن السرح صراحة، وفي حديث مسدد ضمنًا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الناس\".\n(٢) وفي نسخة: \"جهر\".\n(٣) قال النووي: هذا مما لا خلاف بينهم، وممن قال ذلك الأوزاعي والذهلي والبخاري في \"تاريخه\" والخطابي وغيرهم. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٠٢)].\nوليت شعري هلَّا قالوا هاهنا مثل ما قال ابن حزم الظاهري في \"المحلى\" (٥/ ١٧٦) في حديث حجة الوداع عن عائشة في قولها: لم يكن في ذلك هدي، قالته عائشة، وقاله هشام، ونحن أيضًا نقوله، وبسط كلامه هذا ابن القيم في \"الهدي\" (٢/ ٢٤٤). (ش).","vol":"4","page":254},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما سفيان فحاصل قوله أنه لم يسمع هذا الكلام من الزهري، ولكن سأل عنه معمرًا فقال معمر: إن الزهري قال بعد قوله: \"ما لي أنازع القرآن\" قوله: فانتهى الناس، وهذا أيضًا يدل أن قوله: \"فانتهى الناس\" ليس من كلام الزهري بل من كلام أبي هريرة، لأن على هذا سياق الحديث يكون هكذا: قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن، فانتهى الناس، فقول صاحب \"عون المعبود\" (١): إن معمرًا قد اختلف عليه، محل تأمل، وكذلك قوله: وأما غيره من أصحاب الزهري كسفيان وعبد الرحمن والأوزاعي ومحمد بن يحيي فيجعلونه من كلام الزهري، محل بحث.\nفإن سفيان لم يسمع هذا الكلام من الزهري، فكيف يمكن أن يجعله من كلام الزهري؟ ولكن سمعه من معمر، والذي سمعه معمر لا يدل على أنه من كلام الزهري، بل يدل على أنه من كلام أبي هريرة كما ذكرناه.\nوأما عبد الرحمن بن إسحاق فانتهى حديثه إلى قوله: \"ما لي أنازع القرآن\" ولم يذكر قوله: \"فانتهى الناس\"، فلا يدل على أن هذا الكلام من الزهري.\nوأما الأوزاعي فقال في حديثه عن الزهري: قال الزهري: فاتّعظ المسلمون ... إلخ، حاصله أن الأوزاعي يقول: قال الزهري بعد قوله: \"ما لي أنازع القرآن\" بلفظ: \"فاتعظ المسلمون\"، لا بلفظ: \"فانتهى الناس\"، فلا يدل على أن هذا القول عند الأوزاعي من كلام الزهري، لأن قوله: \"قال الزهري\"، يحتمل أن يكون معناه من عند نفسه، فعلى هذا يكون قوله، ويحتمل أن يكون معناه: قال الزهري بسنده عن أبي هريرة، أو غيره من الصحابة، فلا يكون قوله.\nنعم محمد بن يحيى بن فارس جعل هذا القول من كلام الزهري، ودعواه هذا بغير دليل، لأن صدور هذا الكلام من الزهري مشكل، فإنه لم يكن حاضرًا في ذلك الوقت، فلو كان هذا القول من كلام الزهري ظاهرًا يكون من قول\n_________\n(١) انظر: (٣/ ٥٥).","vol":"4","page":255},{"text":"(١٤٠) باب مَنْ رَأَى (١) القِرَاءَةَ إِذَا لَمْ يَجْهَر\n٨٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، الْمَعْنَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَرَأَ خَلْفَهُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ؟».\n===\nأبي هريرة أو من غيره من الصحابي حكمًا كالحديث المرفوع حكمًا، فالعجب من بعض المحدثين الذين قالوا: إن هذا الكلام من كلام الزهري، كيف حكموا بأنه من كلام الزهري مع أنه لا دليل عليه ولا قرينة، بل الدليل على خلافه ظاهر، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>(١٤٠) (بَابُ مَنْ رَأَى الْقِرَاءَةَ إِذَا لَمْ يَجْهَر)</span>\nهذه الترجمة موجودة في جميع النسخ الموجودة إلَّا في نسخة \"عون المعبود\"، فإنها ليست فيها هاهنا ترجمة، وفي النسخة المجتبائية على حاشيتها \"باب من لم ير القراءة إذا لم يجهر\"، والأحاديث المذكورة في الباب تناسب هذه الترجمة لا الترجمة المذكورة في المتن.\n٨٢٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، ح: وحدنا محمد بن كثير العبدي، أنا شعبة، المعنى) أي معنى حديث أبي الوليد عن شعبة وحديث محمد بن كثير عن شعبة واحد، وإن كان في بعض ألفاظهما اختلاف (عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، أن النبي - ﷺ - صلّى الظهر فجاء رجل فقرأ خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) وهذا يدل على أن قراءته كانت سرّا، لأن صلاة الظهر سرية، وكان رسول الله - ﷺ - يقرأ سرًّا، فبعيد من الصحابي أن يجهر بالقراءة، ولكن لما كان يهمس بها صار سببًا للمخالجة.\n(فلما فرغ) رسول الله - ﷺ - عن الصلاة (قال: أيكم قرأ؟) أي معي في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من لم ير\".","vol":"4","page":256},{"text":"قَالُوا: رَجُلٌ، قَالَ: \"قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَكَمْ خَالَجَنيهَا\". [م ٣٩٨، ن ٩١٧، حم ٤/ ٤٢٦]\n===\nالصلاة (قالوا: رجل) أي قرأ رجل واحد، ولم يقرأ الجماعة (قال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها) أي نازعني القراءة، وهذا الحديث يدل على منع القراءة خلف الإِمام مطلقًا.\nوأما قول البيهقي في \"كتاب القراءة خلف الإِمام\" (١): ثم إن كان كره النبي - ﷺ - من قراءته شيئًا، فإنما كره جهره بالقراءة خلف الإِمام، ألا تراه قال: أيكم قرأبـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فلولا أنه رفع صوته بقراءة هذه السورة وإلَّا لم يسم له ما قرأ، انتهى، فبعيد، لأنه تقدم أن هذه القصة وقعت في صلاة الظهر وهي سرية، وأما المخالجة فلا يلزم أن يكون من رفع الصوت، بل يمكن أن تكون هذه المخالجة من ارتكاب المكروه من بعض من خلفه، وهو القراءة خلفه.\nونظيره ما رواه النسائي (٢) من طريق شبيب بن أبي الروح عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -: \"أن رسول الله - ﷺ - صلى صلاة الصبح، فقرأ الروم، فالتبس عليه، فلما صلى قال: ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور، وإنما يلبس علينا القرآن أولئك\".\nقال الحافظ ابن حجر (٣): إسناد حديث شبيب حسن، فكما لبس على رسول الله - ﷺ - تركهم إحسان الطهور، كذلك أثر في قراءة رسول الله - ﷺ - قراءتهم السرية، وصار سببًا للمخالجة بكونها غير مأذونة فيها لا بخصوص جهرها، ويحتمل أن يكون قرأها سرًّا، ولشدة همسه وقعت المخالجة.\nوأما تسمية السورة من رسول الله - ﷺ - فغير ثابت، فأما الحجاج بن أرطأة\n_________\n(١) (ص ١٦٦).\n(٢) \"سنن النسائي\" (٩٤٧).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٠).","vol":"4","page":257},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ في حَدِيثِهِ: قَال شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: أَلَيْسَ قَوْل سَعِيدٍ: أَنْصِتْ لِلْقُرْآنِ؟ قَال: ذَاكَ إِذَا جَهَرَ بِهِ.\n===\nروى عن قتادة هذا الحديث ولفظه: \"فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني؟ \"، وروى شبابة وأبو الوليد الطيالسي ومحمد بن كثير العبدي عن شعبة، عن قتادة ولفظه: \"فجاء رجل فقرأ خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فلما فرغ قال: أيكم قرأ؟ \"، ليس فيه ذكر السورة في كلام رسول الله - ﷺ -، نعم ذكره عمران بن حصين الراوي، وأما سعيد بن أبي عروبة فروى عن قتادة هذا الحديث، وفيه: \"فلما انفتل قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ \" فلما اختلف فيها ولم يذكره أكثر الرواة فلم يثبت.\n(قال أبو داود: قال أبو الوليد في حديثه: قال شعبة: فقلت لقتادة: أليس قول سعيد: أنصت للقرآن؟ قال) قتادة: (ذاك) أي الحكم بالإنصات (إذا جهر) الإِمام (به) أي بالقرآن.\nحاصله: أن شعبة حين سمع هذه الرواية من شيخه قتادة، وكانت صريحة في النهي عن القراءة في السرية والجهرية، سأل شيخه قتادة أنك تقرأ في السرية مع أن شيخك سعيد بن المسيب أمر بالإنصات مطلقًا، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، فكيف تخالفه؟ فأجاب قتادة أن الأمر بالإنصات منه مخصوص بما إذا جهر الإِمام، وأما إذا كانت قراءته سرًّا فلا يحكم بالإنصات، وأنت تعلم أنه تخصيص لعموم اللفظ من غير مخصص، بل الحديث الذي رواه يدل على خلافه.\nفما قال صاحب \"عون المعبود\" (١): فالإنصات للقرآن على قول سعيد بن المسيب يشتمل الصلاة الجهرية والسرية، وفي حديث عمران أن الرجل قرأ في صلاة الظهر خلف النبي - ﷺ - بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ففي الظاهر قول سعيد يخالف حديث عمران، هذا معنى قول شعبة، غلط ظاهر،\n_________\n(١) انظر: (٣/ ٥٦).","vol":"4","page":258},{"text":"وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِهِ: قَالَ: قُلْتُ لِقَتَادَةَ: كَأَنَّهُ كَرِهَهُ. قَالَ: لَوْ كَرِهَهُ نَهَى عَنْهُ.\n===\nلأن قول سعيد بن المسيب كما أنه يشمل الصلاة الجهرية والسرية كذلك حديث عمران يدل على كراهة القراءة خلف الإِمام في السرية والجهرية، فلا مخالفة بينهما أصلًا، فليس معنى قول شعبة إلَّا ما قلنا، وهكذا نقل الشيخ محمد يحيى - ﵀- عن شيخه مولانا الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي - رحمه الله تعالى-.\nوقال البيهقي في معنى هذا الكلام: قال الإِمام أحمد - ﵀-: قوله: \"ذاك إذا جهر به\" يحتمل أن يكون راجعًا إلى الإِمام، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المأموم، يعني إنما لا يجوز للمأموم قراءته إذا جهر بالقرآن، فأما إذا قرأه في نفسه فلا يكون مخالفًا للإنصات، انتهى.\n(وقال ابن كثير في حديثه: قال) شعبة: (قلت لقتادة: كأنه) - ﷺ - (كرهه) أي القراءة خلف الإِمام (قال) قتادة: (لو كرهه) أي رسول الله - ﷺ - القراءة (نهى عنه).\nحاصل هذا الكلام أن شعبة لما سمع هذا الحديث عن شيخه قتادة سأله أن لفظ الحديث يدل على أن رسول الله - ﷺ - كره القراءة خلفه، فأجاب قتادة أنه - ﷺ - لم يكره القراءة، لأنه لو كرهها لنهى عنه، ولما لم ينه عنه علم أنه لم يكرهها، وأنت تعلم أن التنبيه على علة الحكم وهي المخالجة، فإنه علة للكراهة تنصيص على الحكم وإن لم يصرح به، مع أن قول قتادة هذا مخالف للكلام السابق، فإنه يدل على أن الكراهة عند الجهر ثابت عنده، وهذا الكلام ينفي الكراهة مطلقًا، فلو كان المراد الإنكار عن النهي الصريح، فلا يلزم أن يكون صريحًا، وإن كان المراد الإنكار عن النهي والكراهة مطلقًا، فهو غلط، لأنه موجود كما فهمه شعبة بتنصيص العلة، وعلى كل حال قول قتادة في نفي الكراهة غير موجه.\nوقد ورد النهي عن القراءة خلف الإِمام صراحة في حديث حجاج بن","vol":"4","page":259},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأرطاة عن قتادة، أخرجه البيهقي في \"كتاب القراءة\" (١)، والدارقطني (٢) من طريق سلمة بن الفضل، نا الحجاج بن أرطاة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني سورتي؟ فنهى عن القراءة خلف الإِمام\".\nثم نقل تضعيفه بقوله: قال ابن صاعد -وهو يحيى بن محمد بن صاعد-: قوله: \"فنهى عن القراءة خلف الإِمام\" تفرد بروايته حجاج، وقد رواه عن قتادة شعبة وابن أبي عروبة ومعمر وإسماعيل بن أبي مسلم وحجاج بن حجاج وأيوب بن أبي مسكين وهمام وأبان وسعيد بن بشير، فلم يقل أحد منهم ما تفرد به حجاج.\nثم أخرج البيهقي حديث الدارقطني فذكره بإسناده نحوه، ثم قال: قال الدارقطني: قوله: فنهاهم عن القراءة خلف الإِمام، وهم من الحجاج.\nثم قال البيهقي في آخر البحث: وفي هذا دلالة على أن قوله: \"فنهى عن القراءة خلف الإِمام\" توهم من الحجاج بن أرطاة، لا أنه سمعه من قتادة، وللحجاج من أمثال ذلك ما لا يمكن ذكره هاهنا لكثرته، ولذلك سقط عند أهل العلم بالحديث عن حد الاحتجاج به، قال يحيى بن معين: حجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، انتهى.\nقلت: وفيما قال البيهقي من تضعيف حجاج بن أرطاة نظر، فإنه قال في \"ميزان الاعتدال\" (٣): وقد طول ابن حبان وابن عدي ترجمته وأفادا: وأكثر ما نقم عليه التدليس، وفيه تنبيه لا يليق بأهل العلم، وكان أحمد يقول: كان من الحفاظ، وروى أبو غالب عن أحمد قال: كان الحجاج حافظًا، قيل له:\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٢).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٢٦).\n(٣) (١/ ٤٦٠).","vol":"4","page":260},{"text":"٨٢٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَلَمَّا انْفَتَلَ قَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ فَقَالَ (١) رَجُلٌ: أَنَا، فَقَالَ: «عَلِمْتُ (٢) أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا». [م ٣٩٨]\n===\nليس هو بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، وقال شعبة: اكتبوا عن حجاج بن أرطاة وابن إسحاق فإنهما حافظان.\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (٣): قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نجيح يقول: ما جاءنا منكم مثله، يعني الحجاج بن أرطاة، وقال الثوري: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وقال العجلي: كان فقيهًا، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تنبيه، يقول: أهلكني حبُّ الشرف، وكان جائز الحديث إلَّا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ومكحول ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس، وقال البزار: كان حافظًا مدلسًا، وكان معجبًا بنفسه، وكان شعبة يثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يروِ عنه، يعني ممن لقيه إلَّا عبد الله بن إدريس، انتهى ملخصًا، فعلم بهذا أن ترك الناس إياه كان لتدليسه، وكان حافظًا، فتقبل، والله أعلم.\n٨٢٨ - (حدثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن زرارة) بضم الزاي، ابن أوفى، (عن عمران بن حصين) مصغرًا (إن نبي الله - ﷺ - صلى بهم الظهر، فلما انفتل) أي انصرف عن الصلاة (قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا) أي أنا قرأتها (فقال) رسول الله - ﷺ -: (علمت أن بعضكم خالجنيها) أي: خالجني في القراءة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) وفي نسخة: \"قد علمت\".\n(٣) (٢/ ١٩٦).","vol":"4","page":261},{"text":"(١٤١) بَابُ مَا يُجِزِئُ الأُمِّيَّ والأَعْجَمِيَّ (١) مِنَ القَرِاءَةِ\n٨٢٩ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِينَا الأَعْرَابِىُّ\n===\n(١٤١) (بَابُ ما يجزئ) أي ما يكفي (الأُمي) أي الذي لا يكتب ولا يحسب، ويكون على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة والحساب (والأعجمي) قال في \"المجمع\": الأعجم والأعجمي: من لا يفصح ولو عربيًّا، منسوب إلى العجم (من القراءة) أي فإنهما لا يقدران على قراءة القرآن فأي شيء يجزئ لهم عن قراءته\n٨٢٩ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد، عن حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر (٢) بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن) الواو حالية (نقرأ القرآن وفينا) أي في جماعة الصحابة الموجودين (الأعرابي) وهو البدوي، ويجمع على الأعراب والأعاريب، والنسبة إلى الأعراب أعرابي.\nقال سيبويه: إنما قيل في النسب إلى الأعراب: أعرابي، لأنه لا واحد له على هذا المعنى، ألا ترى أنك تقول: العرب، فلا يكون على هذا المعنى.\nوحكى الأزهري: رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتًا وإن لم يكن فصيحًا، وجمعه العرب، كما يقال: رجل مجوسي ويهودي، والجمع بحذف ياء النسبة اليهود والمجوس، ورجل معرب إذا كان فصيحًا وإن كان عجمي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"والعجمي\".\n(٢) قال أحمد بحديث الباب كما في \"المغني\" (٢/ ١٥٩). (ش).","vol":"4","page":262},{"text":"وَالْعَجَمِيُّ (١) فَقَالَ: \"اقْرَأُوا فكلٌّ حَسَنٌ، وَسَيَجِيءُ أَقْوامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ\". [حم ٣/ ٣٩٧]\n===\nالنسب، ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويًّا، سواء كان من العرب أو من مواليهم.\nوالأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح بذلك، وهشّ له، والعربي إذا قيل له: يا أعرابي غضب له، فمن نزل البادية أو جاور البادين وظعن بظعنهم وانتوى بانتوائهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب وإن لم يكونوا فصحاء.\n(والعجمي فقال) رسول الله - ﷺ -: (اقرأوا) أي القرآن كما تقرؤون (فكل) أي فقراءة كلكم (حسن) يعني قراءة الأعرابي والعجمي، وإن كان باعتبار خروج الألفاظ عن مخارجها وقواعد لسان العرب غير مستقيمة، ولكن باعتبار ترتب الثواب عليها والقبول عند الله معتبرة.\n(وسيجيء أقوام يقيمونه) (٢) أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة، ويجهدون كمال الجهد في إصلاح الألفاظ ومراعاة القواعد ومراعاة صفات ألفاظه، وليس غرضهم بهذا إلَّا طلب الدنيا رياء وسمعة ومباهاة وشهرة (كما يقام القدح) وهو السهم قبل أن يراش.\nقال الطيبي: وفي الحديث رفع الحرج، وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر، وتحري الحسبة، والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القرآن، نقله القاري (٣).\n(يتعجلونه) أي يؤثرون العاجلة على الآجلة، ويطلبون ثوابه في الدنيا (ولا يتأجلونه) بطلب الأجر في العقبى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"والأعجمي\".\n(٢) بسطه ابن رسلان، ونقل عن جماعة أن المبالغة في القراءة من مكايد الشيطان. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٢).","vol":"4","page":263},{"text":"٨٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ (١)، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو وَابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ وَفَاءِ بْنِ شُرَيْحٍ الصَّدَفِىِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا وَنَحْنُ نَقْتَرِئُ فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ، كِتَابُ اللَّهِ وَاحِدٌ، وَفِيكُمُ الأَحْمَرُ، وَفِيكُمُ الأَبْيَضُ، وَفِيكُمُ الأَسْوَدُ، اقْرَءُوهُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَوَّمُ السَّهْمُ، يَتَعَجَّلُ أَجْرَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُهُ». [حم ٥/ ٣٣٨، حب ٧٥٧]\n٨٣١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحَ، نَا سُفْيَانُ\n===\n٨٣٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاري (و) عبد الله (بن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن وفاء بن شريح الصدفي، عن سهل بن سعد الساعدي قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - يومًا ونحن نقترئ) أي نقرأ القرآن (فقال) رسول الله - ﷺ -: (الحمد لله) على توفيقه إياكم لقراءة القرآن (كتاب الله واحد) وقارؤوه مختلفون باختلاف ألسنتهم (وفيكم) أي في جماعتكم من القراء (الأحمر) (٢) وهم العرب (وفيكم الأبيض) (٣) وهم الروم (وفيكم الأسود) وهم الحبشة (اقرؤوه) أي القرآن (قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه) أي يسددونه (كما يُقَوَّمُ) أي يسدد (السهم، يتعجل أجره) في الدنيا، لأن قراءته لتحصيل حطام الدنيا (ولا يتأجله) أي ليس غرضهم أن يطلبوا أجر القراءة من الله تعالى في الآخرة.\n٨٣١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع بن الجراح، نا سفيان\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) أهل الشام، لأن الغالب على ألوانهم العمرة، أو لأن غالب أموالهم الذهب، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) أهل فارس لبياض لونهم أو كثرة الفضة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":264},{"text":"الثَّوْرِىُّ، عَنْ أَبِى خَالِدٍ الدَّالَانِىِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّى لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا،\n===\nالثوري، عن أبي خالد الدالاني) هو يزيد بن عبد الرحمن، (عن إبراهيم) بن عبد الرحمن (السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي - ﷺ - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا) يعني به ما يجعله وردًا (١) له، لا أن المراد من الإجزاء هو الإجزاء عن القراءة في الصلاة، فإن تعلم ما تجزئ به الصلاة من القرآن فرض، وأما في مدة ما يتعلم فإنه يكتفي بالتحميدة والتسبيحة، وهاهنا لم يكن كذلك، فإنه كان تعلم ما لا بد منه في الصلاة، إذ لولا ذلك لأمره بتعلم هذا القدر منه، ولم يكتف على تعليم ما اكتفى به، هكذا نقل مولانا محمد يحيى - ﵀- عن شيخه الكَنكَوهي - قدس سره -.\nونقل صاحب \"عون المعبود\" (٢) عن شارح \"المصابيح\": قال \"صاحب المصابيح\": اعلم أن هذه الواقعة لا تجوز أن تكون في جميع الأزمان، لأن من يقدر على تعلم هذه الكلمات لا محالة يقدر على تعلم الفاتحة، بل تأويله لا أستطيع أن أتعلم شيئًا من القرآن في هذه الساعة، وقد دخل علىَّ وقت الصلاة، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم، انتهى.\nقال القاري (٣) عن الطيبي بعد ذكر التأويل الأول: وتوهم بعضهم من إيراد هذا الحديث في هذا الباب أن هذه القصة في الصلاة، فقال: لا يجوز ذلك في جميع الأزمنة، لأن من قدر على تعلم هذه الكلمات يقدر على تعلم فاتحة الكتاب [لا محالة] بل تأويله أني لا أستطيع أن أتعلم شيئًا من القرآن في هذه\n_________\n(١) ويؤيد ذلك ما في \"الترغيب\" (٢/ ٤٣٠): قد عالجت القرآن فلم أستطعه، وأوضح منه ما فيه عن أنس قال: جاء رجل بدوي فقال: يا رسول الله علمني خيرًا، الحديث. (ش).\n(٢) (٣/ ٦٠ - ٦١).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٠٤).","vol":"4","page":265},{"text":"فَعَلِّمْنِى مَا يُجْزِئُنِى مِنْهُ، فقَالَ (١) «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ (٢)»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، هَذَا لِلَّهِ، فَمَا لِى؟\n===\nالساعة، وقد دخل عليَّ وقت الصلاة، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"قل: سبحان الله ... إلخ\"، فمن دخل عليه وقت صلاة مفروضة، ولم يعلم الفاتحة، وعلم شيئًا من القرآن، لزمه أن يقرأ بقدر الفاتحة عدد آيات وحروف، فإن لم يعلم شيئًا منه يقول هذه الكلمات، وفيه بُعدٌ، لأن عجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم ما تصح به صلاته من القرآن مستبعد جدًّا، وَأَنّى كان رسول الله - ﷺ - يرخص له بالاكتفاء على التسبيح على الإطلاق من غير أن يبين ما له وما عليه، انتهى.\nثم قال في آخر البحث: ثم الظاهر أنه في الصلاة مطلقًا لما مر من حديث رفاعة للترمذي في كتاب صفة الصلاة، قال: \"إذا قصت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد، فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلَّا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع\"، فالأولى أن يحمل الحديثان على أول الأمر الذي كان بناؤه على المساهلة والتيسير، والله أعلم.\nقلت: وفي سند هذا الحديث أبو خالد الدالاني، قال ابن حجر فيه: صدوق، يخطئ كثيرًا، وكان يُدَلِّسُ، وفيه إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، قال فيه: صدوق ضعيف الحفظ، فالحديث ضعيف.\n(فعلمني ما يجزئني) أي يكفيني (منه) أي من وِرْدِ القرآن أو من القراءة في الصلاة، (فقال) رسول الله - ﷺ -: (قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، قال: يا رسول الله - ﷺ - هذا) أي ما ذكر من الكلمات (لله) أي مختص له (فما) ذا (لي؟) أي علمني شيئًا يكون فيه دعاء\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"العلي العظيم\".","vol":"4","page":266},{"text":"قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَارْزُقْنِى وَعَافِنِى وَاهْدِنِى»، فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلأَ يَدَهُ (١) مِنَ الْخَيْرِ». [ن ٩٢٤، حم ٤/ ٣٨٢، خزيمة ٥٤٤، ق ٢/ ٣٨١]\n===\nواستغفار ينفعني (قال: قل: اللَّهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني، فلما قام) ذاك الرجل (قال) أي فعل ذلك الرجل (هكذا بيده) أي: أشار إشارة مثل هذه الإشارة المحسوسة، وفي نسخة \"المشكاة\" بعد قوله: هكذا بيديه \"وقبضهما\".\nقال القاري في \"شرحه\" (٢): فقيل: أي عدّ الكلمات بأنامله، وقبض كل أنملة بعدد كل كلمة، قال ابن حجر: ثم بين الراوي المراد بالإشارة بهما، فقال: وقبضهما، أي إشارة إلى أنه يحفظ ما أمره به رسول الله - ﷺ -، كما يحفظ الشيء النفيس بقبض اليد عليه، وظاهر السياق أن المشير هو المأمور، أي حفظت ما قلت لي، ويؤيده قول الراوي (فقال رسول الله - ﷺ -: أما هذا) أي الرجل (فقد ملأ يده من الخير) ويصح أن يكون المشير هو - ﵇ - حملًا له على الامتثال والحفظ لما أمر به، وحينئذ فيكون معنى قوله: فقال رسول الله - ﷺ -، أنه فهم من ذلك الرجل الامتثال فبشره ومدحه بأنه ظفر بما لم يظفر به غيره.\nونقل مولانا محمد يحيى المرحوم عن شيخه في كيفية الإشارة قال: هكذا بيده، كما يفعله الفرح بوجدان شيء عزيز الوجود بتحريك يديه، كأنه يشير إلى امتلائهما بذلك الشيء، انتهى.\nوقد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" وفيه بعد قوله: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني: \"ثم أدبر وهو ممسك فيه\"، وهذا السياق يدل على أن ما قال بعض الشراح في سياق أبي داود في شرح قوله: \"قال هكذا بيده\": يصح أن يكون المشير هو - ﷺ -، غير صحيح، فإن في سياق حديث الإِمام\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يديه\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٠٤).","vol":"4","page":267},{"text":"٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْنِى الْفَزَارِىَّ -، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"كُنَّا نُصَلِّى التَّطَوُّعَ نَدْعُو قِيَامًا وَقُعُودًا، وَنُسَبِّحُ رُكُوعًا وَسُجُودًا\".\n٨٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ مِثْلَهُ، لَمْ يَذْكُرِ التَّطَوُّعَ، قَالَ: \"كَانَ الْحَسَنُ يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِمَامًا (١) - أَوْ خَلْفَ إِمَامٍ - بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (٢)، وَيُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ قَدْرَ (٣) ﴿ق﴾ وَ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ \".\n===\nأحمد تصريحًا بأن الإشارة باليدين كانت من هذا الرجل لا من رسول الله - ﷺ -.\n٨٣٢ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، أنا أبو إسحاق - يعني الفزاري-، عن حميد، عن الحسن (٤)، عن جابر بن عبد الله قال) جابر: (كنا نصلي التطوع ندعو قيامًا وقعودًا) أي في حالة القيام والقعود، قيل: الحديث يدل على أنه يكفي الدعاء في صلاة التطوع، وأن القراءة ليست بفرض فيها، قلت: لا دلالة في الحديث على ذلك، والحديث لا ينفي القراءة، بل إنما يدل على أنهم كانوا يدعون في القيام والقعود، والدعاء ليس بمنهي عنه في الصلاة، فيدعو حيث شاء منها (ونسبح ركوعًا وسجودًا) أي نسبح في حالة الركوع والسجود.\n٨٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد مثله) أي مثل الحديث الذي رواه أبو إسحاق عن حميد، (لم يذكر) حماد عن حميد (التطوع) كما ذكره أبو إسحاق، فاختلفا في ذكر هذا اللفظ، فذكره أبو إسحاق، ولم يذكره حماد، (قال) حميد: (كان الحسن) البصري (يقرأ في الظهر والعصر إمامًا - أو خلف إمام- بفاتحة الكتاب، ويسبح وبكبر وبهلل قدر ق والذاريات).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إمام\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وسورة\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قراءة\".\n(٤) منقطع لأن الحسن لم يسمع عن جابر، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>(١٤٢) بَابُ تَمَامِ التَّكْبِيرِ</span>\n===\nوغرض المصنف بتخريج أثر الحسن البصري أن ما روى الحسن عن جابر ليس المراد به ترك القراءة مطلقًا في الفرض والتطوع، بل المراد الجمع بين القراءة والدعاء، وهذا الذي فعله الحسن - ﵀- هو رأيه، وما ثبت عنه - ﷺ - هو أحق بالاتباع، ولعل مناسبة الحديث بالباب بأن ما قال جابر: كنا ندعو قيامًا، محمول على الذين كانوا في زمن رسول الله - ﷺ - من الأميين والأعجميين، فإنهم كانوا يدعون قيامًا، لا أن جابرًا كان يفعل ذلك، وكثيرًا ما يطلق: كنا نفعل ذلك، والمراد بعضهم غير القائل، والله أعلم.\n\n(١٤٢) (بَابُ (١) تَمَامِ التَّكْبِيرِ)\nأي: إتيان التكبيرات في الصلاة تمامًا\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢) تحت حديث ابن مسعود قال: رأيت النبي - ﷺ - يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود: قال النووي (٣): وهذا مجمع عليه اليوم ومن الأعصار المتقدمة، وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلَّا للإحرام.\nوقال البغوي في \"شرح السنة\": اتفقت الأمة على هذه التكبيرات، قال ابن سيد الناس: وقال آخرون: لا يشرع إلَّا تكبير الإحرام فقط، يحكى ذلك عن عمر بن الخطاب وقتادة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري، ونقله ابن المنذر عن القاسم بن محمد وسالم بن\n_________\n(١) قال ابن العربي (٢/ ٥٥): كل تكبيرة يكون مع الفعل، إلَّا أن العلماء اختلفوا في التكبير من الركعتين، فقال مالك: إذا قام يكبر بعده، لأنه ابتداء صلاة أخرى ... إلخ. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٧٨).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٣٥).","vol":"4","page":269},{"text":"٨٣٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: \"صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - ﵁ - (١)،\n===\nعبد الله بن عمر، ونقله ابن بطال عن جماعة أيضًا، منهم معاوية بن أبي سفيان وابن سيرين.\nقال أبو عمر: قال قوم من أهل العلم: إن التكبير ليس بسنة إلَّا في الجماعة، وأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر، وقال أحمد: أحب إليَّ أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما في التطوع فلا، وحكى الطحاوي أن بني أمية كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، وما هذه بأول سنة تركوها، وقد اختلف القائلون بمشروعية التكبير، فذهب جمهورهم إلى أنه مندوب في ما عدا تكبيرة الإحرام، وقال أحمد في رواية عنه وبعض أهل الظاهر: إنه يجب كله، انتهى ملخصًا.\n٨٣٤ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد) بن زيد، (عن غيلان بن جرير، عن مطرف) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة، ابن عبد الله بن الشخير بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المكسورة بعدها تحتانية، أبو عبد الله البصري (قال: صليت أنا وعمران بن حصين) مصغرًا (خلف (٢) علي بن أبي طالب -﵁ -) ووقع في البخاري من طريق أبي العلاء عن مطرف، عن عمران بن حصين قال: صلى مع علي بالبصرة، قال الحافظ في \"شرحه\" (٣): يعني بعد وقعة الجمل.\nثم قال (٤): وكذا رواه سعيد بن منصور من رواية حميد بن هلال\n_________\n(١) وفي نسخة: \"كرم الله وجهه\".\n(٢) استدل به على أن موقف الاثنين خلف الإِمام، وقيل: فيه نظر، لأنه لا يدل على أنهما كانا مؤتمين، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٠).\n(٤) (٢/ ٢٧١).","vol":"4","page":270},{"text":"فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِى وَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى هَذَا قِبَلَ (١)، أَوْ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا قِبَلَ صَلَاةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-\". [خ ٨٢٦، م ٣٩٣، حم ٤/ ٤٤٠، ن ١٠٨١]\n===\nعن عمران، ووقع لأحمد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن غيلان (٢) بالكوفة، وكذا لعبد الرزاق عن معمر، عن قتادة وغير واحد عن مطرف، فيحتمل أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين.\n(فكان إذا سجد كبر، وإذا ركع كبر) هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد في \"مسنده\" بأسانيد مختلفة، وليس فيها هذا اللفظ: وإذا ركع كبر، بل في \"الصحيحين\": \"وإذا رفع رأسه كبّر\"، وفي النسائي؟: \"وإذا رفع رأسه من السجود كبر\"، وفي رواية عند أحمد: \"فجعل يكبر كلما سجد وكلما رفع رأسه\"، وفي رواية: \"فكبر بنا هذا التكبير حين يركع\"، وفي رواية له: \"فإذا هو يكبر كلما سجد وكلما رفع رأسه من الركوع\"، وفي سنده رجل مجهول، وفي رواية له: \"فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر\"، وهكذا في رواية أخرى، وهي رواية حماد بن زيد عن غيلان، عن مطرف، فلعل لفظ أبي داود سهو كاتب، فكتب ركع في محل رفع، والله أعلم.\n(وإذا نهض من الركعتين) أي بعد التشهد (كبر، فلما انصرفنا) أي عن الصلاة (أخذ عمران بيدي وقال: لقد صلى هذا) أي علي بن أبي طالب (قبل، أو قال: لقد صلى بنا هذا قبل) أي قبل ذاك التكلم والأخذ باليد (صلاة محمد - ﷺ -) أي مثل صلاة محمد - ﷺ - بحذف المضاف، والمماثلة في إتيان التكبيرات في الخفض والرفع.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مثل\".\n(٢) قد تكررت هاهنا هذه العبارة: \"وكذا من طريق معمر عن قتادة وغير واحد عن مطرف\" خطأً فحذفناها.","vol":"4","page":271},{"text":"٨٣٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبِى وَبَقِيَّةُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو سَلَمَةَ: \"أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِى كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَ(١) غَيْرِهَا، يُكَبِّرُ (٢) حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِى سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِى اثْنَتَيْنِ.\n===\n٨٣٥ - (حدثنا عمرو بن عثمان) وفي النسخة القديمة المجتبائية والكانفورية: عمر بن عثمان بلا واو، وهو غلط، والصحيح عمرو بفتح العين وسكون الميم، ابن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي، أبو حفص الحمصي، (نا أبي وبقية) بن الوليد، (عن شعيب) بن أبي حمزة، (عن الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث (وأبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة كان يكبر) زاد مسلم والنسائي من طريق يونس عن الزهري: حين استخلفه مروان على المدينة (في كل صلاة من المكتوبة وغيرها) من التطوع، (يكبر) للافتتاح (حين يقوم) للصلاة فيكبر قائمًا، وهو بالاتفاق في حق القادر، (ثم يكبر حين يركع) أي: يهوي في الركوع.\n(ثم يقول) حين يرفع صلبه من الركوع: (سمع الله لمن حمده، ثم يقول) أي في القومة: (ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه) من السجدة الأولى، (ثم يكبر حين يسجد) ثانيًا، (ثم يكبر حين يرفع رأسه) من السجود الثاني، (ثم يكبر حين (٣) يقوم من الجلوس في اثنتين)، ولفظ البخاري: \"ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أو\".\n(٢) وفي نسخة: \"فيكبر\".\n(٣) وهذا يخالف مالكًا فيما تقدم قريبًا أنه يكبر بعدهما. (ش).","vol":"4","page":272},{"text":"فَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنِّى لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتُهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا\". [خ ٨٠٣، ن ١١٥٦، م ٣٩٢، حم ٢/ ٢٧٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْكَلَامُ الأَخِيرُ يَجْعَلُهُ مَالِكٌ وَالزُّبَيْدِىُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ (١)، وَوَافَقَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، شُعَيْبَ بْنَ أَبِى حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ.\n===\nالجلوس\"، وهو أوضح للمراد (فيفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة).\n(ثم يقول) أبو هريرة (حين ينصرف) من الصلاة: (والذي (٢) نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله - ﷺ -، إن) مخففة من الثقيلة أي إنه (كانت هذه) أي الصلاة التي صليت لكم مع التكبيرات (لصلاته) أي رسول الله - ﷺ - (حتى فارق الدنيا).\n(قال أبو داود: هذا الكلام الأخير يجعله مالك والزبيدي وغيرهما) وهو ما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة، عن الزهري (عن الزهري، عن علي بن حسين، ووافق عبد الأعلى) فاعل لوافق (عن معمر شعيبَ بن أبي حمزة) مفعول به لوافق (عن الزهري).\nغرض المصنف بهذا الكلام بيان الاختلاف في الكلام الأخير الواقع في هذا الحديث، يقول: إن هذا الكلام الأخير وهو قوله: \"إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا\"، رويناه عن شعيب عن الزهري، أخبره أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة أن أبا هريرة يقول ذلك الكلام، فروى هذا بهذا الطريق موصولًا إلى أبي هريرة، ولكن مالك بن أنس والزبيدي وغيرهما\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الحسين\".\n(٢) فيه الحلف بدون الاستحلاف تأكيدًا لكلامه. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":273},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيروونه عن الزهري، عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب مرسلًا من قول علي بن حسين، قال مالك في \"موطئه\" (١): عن ابن شهاب، عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أنه قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله\"، انتهى، فخالفوا في روايتهم رواية شعيب بن أبي حمزة.\nثم يقول المصنف: ووافق عبد الأعلى عن معمر -أي عن الزهري- شعيبَ بن أبي حمزة عن الزهري في أن كما روى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري بأن هذا الكلام الأخير رواه الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة، عن أبي هريرة موصولًا، كذلك رواه عبد الأعلى عن معمر، عن الزهري من رواية أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة موصولًا.\nوقد أخرج الدارمي في \"سننه\" (٢) حديث عبد الأعلى وهو هذا: أخبرنا نصر بن علي، ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنهما صليا خلف أبي هريرة، فلما ركع كبر، فلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال: ربنا ولك الحمد، ثم سجد وكبر، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر حين قام من الركعتين، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا برسول الله - ﷺ -، ما زال هذه صلاته حتى فارق الدنيا، انتهى، فما قال صاحب \"عون المعبود\" (٣) في معنى هذا الكلام بعيد عن الصواب.\n_________\n(١) (١/ ٧٦). وانظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (٢/ ٦٢) رقم (٢٤٩٧)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٦٧).\n(٢) (١/ ٢٠١) رقم (١٢٤٨). وانظر: \"المسند\" لأحمد (٢/ ٢٧٠)، و\"سنن النسائي\" (٢/ ٢٣٥)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٦٧).\n(٣) انظر: (٣/ ٦٦).","vol":"4","page":274},{"text":"٨٣٦ - حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: الشَّامِىُّ.\nوَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَسْقَلَانِىُّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى،\n===\n٨٣٦ - (حدثنا محمد بن بشار وابن المثنى قالا: نا أبو داود) الطيالسي قال: (نا شعبة، عن الحسن بن عمران، قال ابن بشار) محمد بن بشار أحد شيخي المصنف في صفة الحسن بن عمران: (الشامي) ولم يذكر هذه الصفة ابن المثنى الشيخ الثاني للمصنف.\n(قال أبو داود) (٢) المصنف: الحسن بن عمران هو (أبو عبد الله العسقلاني) وغرض المصنف بهذا الكلام أن ما قاله شيخه محمد بن بشار في وصف الحسن بن عمران: إنه شامي، صحيح، فإنه عسقلاني، وعسقلان بلدة من بلاد الشام، وزاد من عند نفسه كنيته بأنه أبو عبد الله.\n(عن ابن عبد الرحمن بن أبزى) ذكره غير مسمى، واختلف فيه، قال في \"تهذيب التهذيب\" (٣): وسماه أبو عاصم ويحيى بن حماد في روايتيهما عن شعبة عبد الله، وسماه محمود بن غيلان وغيره عن أبي داود عن شعبة سعيدًا (٤)، والحديث معلول، قال أبو داود الطيالسي والبخاري: لا يصح، قلت: نقل البخاري عن الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل، وقال الطبري في \"تهذيب الآثار\": الحسن مجهول، انتهى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أخبرنا\".\n(٢) أي: الطيالسي \"ابن رسلان\". (ش). [قلت: هكذا يوجد في نسخة لأبي داود \"هو الطيالسي لا المؤلف\" وفي هذا نظر، لأن الحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (١٢٨٧)، ولم ينسب الحسن بن عمران إلى بلد وما ذكر كنيته].\n(٣) (٢/ ٣١٣).\n(٤) وبه جزم ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":275},{"text":"عن أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مع رَسُولِ اللهِ (١) - ﷺ - وَكَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ. [حم ٣/ ٤٠٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَعْنَاهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَأَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ لَمْ يُكَبِّر، وَإِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يُكَبِّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>(١٤٣) بابٌ: كَيْفَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ</span>؟\n٨٣٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَا: نَا يَزِيدُ بْنُ\n===\n(عن أبيه أنه) أي عبد الرحمن بن أبزى (صلى مع رسول الله - ﷺ - وكان لا يتم التكبير) قال الحافظ (٢) في شرح قول البخاري: \"باب إتمام التكبير في الركوع\": أي مده بحيث ينتهي بتمامه، أو المراد إتمام عدد تكبيرات الصلاة بالتكبير في الركوع، قاله الكرماني، قلت: ولعله أراد بلفظ الإتمام الإشارة إلى تضعيف ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أبزى قال: \"صليت خلف النبي - ﷺ - فلم يتم التكبير\"، وقد نقل البخاري في \"التاريخ\" عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل، وقال الطبري والبزار: تفرد به الحسن بن عمران وهو مجهول، وأجيب على تقدير صحته بأنه فعل ذلك لبيان الجواز، أو المراد لم يتم الجهر به أو لم يمده (٣)، انتهى.\n(قال أبو داود: معناه إذا رفع رأسه من الركوع وأراد أن يسجد لم يكبر، وإذا قام من السجود لم يكبر) حاصله أن معنى قوله في الحديث: \"لا يتم التكبير\" عند المصنف أنه لا يتم عدد التكبيرات في الانتقالات.\n\n(١٤٣) (بَابٌ: كَيْفَ (٤) يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ؟)\n٨٣٧ - (حدثنا الحسن بن علي وحسين بن عيسى قالا: نا يزيد بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٩).\n(٣) بحيث ينتهي بانتهاء الركن. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) ليس في نسخة ابن رسلان لفظ كيف. (ش).","vol":"4","page":276},{"text":"هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِىَّ (١) -ﷺ- إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ\". [خزيمة ٦٢٦، حب ١٩١٢، قط ١/ ٣٤٥، ك ١/ ٢٢٦، ت ٢٦٨، جه ٨٨٢، ن ١٠٨٩، دي ١٣٢٠، ق ٢/ ٩٨]\n===\nهارون، أنا شريك) بن عبد الله النخغي، (عن عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب بن شهاب، (عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي - ﷺ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٢)، (وإذا نهض) من السجود (رفع يديه قبل ركبتيه) وبه قال أبو حنيفة، وخالفه الشافعي (٣)، أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبان.\nقال ابن حجر: وضعف النووي الشطر الثاني (٤)، ولهذا مذهبنا الذي اتفق عليه أصحابنا أنه يسن أن يعتمد في قيامه على بطن راحتيه وأصابعه مبسوطة على الأرض للاتباع، رواه البخاري في القيام من السجود، ويقاس به القيام من القعود، والنهي عن ذلك ضعيف، وكذا خبر: \"كان النبي - ﷺ - ينهض في الصلاة على صدور قدميه\"، وكذا خبر علي -رضي الله تعالى عنه -: \"من السنة أن لا يعتمد بيديه إلَّا الشيخ العاجز الذي لا يستطيع\"، وكذا قول عطية العوفي: رأيت جماعة من الصحابة وعددهم يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة، لأن عطية هذا ضعيف.\nقلت: لا شك أن الرواية إذا كثرت تنتقل من الضعف إلى القوة، كيف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) خالفهما مالك ورواية لأحمد. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وحكى ابن المنذر هذا عن أحمد ومالك. [انظر: \"المغني\" (٢/ ١٩٣)]. (ش).\n(٤) وقال ابن العربي: كلا الحديثين ضعيف، فما قاله مالك أولى، لأنه المنقول من أهل المدينة، ولأنه أقرب إلى الخشية والخشوع. [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٦٩)]. (ش).","vol":"4","page":277},{"text":"٨٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- فَذَكَرَ حَدِيثَ الصَّلَاةِ قَالَ: \"فَلَمَّا سَجَدَ وَقَعَتَا (١) رُكْبَتَاهُ إِلَى الأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يقَعَا (٢) كَفَّاهُ\".\nقَالَ هَمَّامٌ: وَحَدَّثَنَا شَقِيقٌ،\n===\nوقد حسن الترمذي الحديث الذي في الأصل، وصححه الحاكم وابن حبان، ولا شك أنهم أجلُّ من النووي، فمع وجود هذا النص كيف يصح القياس المذكور الذي ظاهر الفرق؟ قاله القاري (٣).\n٨٣٨ - (حدثنا محمد بن معمر، نا حجاج بن منهال، نا همام، نا محمد بن جحادة) بتقديم الجيم على الحاء المهملة، (عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه أن النبي - ﷺ -، فذكر حديث الصلاة) الظاهر أن هذا قول أبي داود المؤلف، أي فذكر محمد بن معمر قصة الصلاة (قال) وائل بن حجر: (فلما سجد) رسول الله - ﷺ - (وقعتا ركبتاه) وهذا من قبيل \"أكلوني البراغيث\"، (إلى الأرض قبل أن يقعا كفاه).\n(قال همام: ونا شقيق)، قال في \"تهذيب التهذيب\" (٤): شقيق عن عاصم بن كليب، عن أبيه في صفة صلاة النبي - ﷺ -، وعنه همام بن يحيى، أخرجه أبو داود هكذا، ورواه ابن قانع في \"معجمه\" من طريق همام، عن شقيق، عن عاصم بن شنتم، عن أبيه، قال المؤلف: فإن صحت رواية ابن قانع فيشبه أن يكون الحديث متصلًا، وإن كانت رواية أبي داود هي الصحيحة فالحديث مرسل.\nقلت: وشنتم ذكره أبو القاسم البغوي في \"معجم الصحابة\"، كما قال\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وقعت\".\n(٢) وفي نسخة: \"تقع\"، وفي نسخة: \"تقعا\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٢٤).\n(٤) (٤/ ٣٦٤).","vol":"4","page":278},{"text":"حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ هَذَا. وَفِي حَدِيثِ أَحَدِهِمَا، وَأَكْبَرُ عِلْمِي أَنَّهُ في حَدِيثِ\n===\nابن قانع، وقال: لم أسمع لشنتم ذكرًا إلَّا في هذا الحديث، وقال ابن السكن: لم يثبت ولم أسمع به إلَّا في هذه الرواية، وقد قيل في شهاب بن المجنون جد عاصم بن كليب: إنه قيل فيه: شتير، فيحتمل أن يكون شنتم تصحيف من شتير، ويكون عاصم في الرواية هو ابن كليب وإنما نسب إلى جده، والله أعلم، وقال أبو الحسن بن القطان: شقيق هذا ضعيف، لا يعرف لغير رواية همام.\n(حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه) قال في \"تهذيب التهذيب\" (١): كليب بن شهاب المجنون الجرمي، وفي نسبه اختلاف، قال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، ورأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به، وقال النسائي: كليب هذا لا نعلم أحدًا روى عنه غير ابنه عاصم، وغير إبراهيم بن مهاجر، وإبراهيم ليس بقوي في الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: عاصم بن كليب، عن أبيه، عن جده ليس بشيء، الناس يغلطون يقولون: كليب عن أبيه ليس هو ذاك، وقال في موضع آخر: وعاصم بن كليب كان من أفضل أهل الكوفة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقد يقال: إن له صحبة، وقال ابن أبي خيثمة والبغوي: قد لحق النبي - ﷺ -، وذكره ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر في الصحابة، وقد بينت في \"الإصابة\" (٢) سبب وهمهم في ذلك، انتهى.\n(عن النبي - ﷺ - بمثل هذا) أي بمثل ما روى محمد بن جحادة من قوله: \"فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقعا كفاه\"، (وفي حديث أحدهما) أي ابن جحادة وشقيق، والظاهر أن هذا قول همام (وأكبر علمي أنه في حديث\n_________\n(١) (٨/ ٤٤٥).\n(٢) (٥/ ٣٣١).","vol":"4","page":279},{"text":"مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ: \"وَإِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذهِ\" (١). (٢)\n٨٣٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ». [ن ١٠٩١، دي ١٣٢١، حم ٢/ ٣٨١، قط ١/ ٣٤٥]\n===\nمحمد بن جحادة) لا في حديث شقيق: (وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه) (٣).\n٨٣٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد العزيز بن محمد، حدثني محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سجد أحدكم فلا يبرك) نهي وقيل: نفي (كما يبرك البعير) أي لا يضع ركبتيه قبل يديه كما يبرك البعير، شبه ذلك ببروك البعير مع أنه يضع يديه قبل رجليه، لأن ركبة الإنسان في الرجل، وركبة الدواب في اليد، وإذا وضع ركبتيه أولًا فقد شابه الإبل في البروك (وليضع) بسكون اللام وتكسر (يديه قبل ركبتيه).\nقال التوربشتي: كيف نهى عن بروك البعير، ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين، والبعير يضع اليدين قبل الرجلين: والجواب أن الركبة من الإنسان في الرجلين، ومن ذوات الأربع في اليدين.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فخذيه\".\n(٢) زاد المزي في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٣٢٩) ح (١١٧٦٢) سندًا آخر لهذا الحديث: \"عن يزيد بن خالد، عن عفان، عن همام\" إلخ. ثم قال: حديث يزيد بن خالد في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٣) قال ابن رسلان: الرواية بالإفراد. (ش).","vol":"4","page":280},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني (١): الحديث أخرجه الترمذي، وقال: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلَّا من هذا الوجه، انتهى، وقال البخاري: إن محمد بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب لا يتابع عليه، وقال: لا أدري سمع من أبي الزناد أو لا، انتهى.\nوقال في \"المشكاة\": قال أبو سليمان الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا، قال القاري (٢): قال ابن حجر: ووجه كونه أثبت أن جماعة من الحفاظ صححوه، ولا يقدح فيه أن في سنده شريكًا القاضي وليس بالقوي، لأن مسلمًا روى له فهو على شرطه على أن له طريقين آخرين، وقيل: هذا أي حديث أبي هريرة منسوخ بحديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين، رواه ابن خزيمة (٣)، فلولا حديث أبي هريرة سابقًا على ذلك، لزم النسخ (٤) مرتين وهو على خلاف الدليل.\nقلت: وهذه المسألة قد اختلف الفقهاء فيها، فذهب الجمهور وعامة الفقهاء إلى استحباب وضع الركبتين قبل اليدين، ورفعهما عند النهوض قبل رفع الركبتين.\nوذهب الأوزاعي ومالك إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين، واحتجوا بحديث أبي هريرة هذا، وقالوا: وهو أقوى، لأن له شاهدًا من حديث\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٩٥).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٢٥).\n(٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٦٢٨).\n(٤) قال ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" له: وسلك ابن خزيمة مسلك النسخ لرواية مصعب، ولو ثبت لكان فيه شفاء، ولكنها من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل، قال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: متروك، وهذه القصة فيها وهم توهم بنسخ التطبيق في الركوع إلى آخر ما بسط. (ش).","vol":"4","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nابن عمر أخرجه ابن خزيمة وصححه، وذكره البخاري تعليقًا موقوفًا، وقد أخرجه الدارقطني والحاكم في \"المستدرك\" (١) مرفوعًا بلفظ: \"أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه\"، وقال: على شرط مسلم.\nوأجاب الأولون عن ذلك بأجوبة:\nمنها: أن حديث أبي هريرة وابن عمر منسوخان بحديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه.\nومنها: ما جزم ابن القيم في \"الهدي\" (٢): أن حديث أبي هريرة انقلب متنه على بعض الرواة، قال: ولعله: \"وليضع ركبتيه قبل يديه\"، قال: وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة (٣) فقال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفحل\"، ورواه الأثرم في \"سننه\" أيضًا عن أبي بكر كذلك، وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - ما يصدِّق ذلك، ويوافق حديث وائل بن حجر.\nقال ابن أبي داود: حدثنا يوسف بن أبي عدي، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه، ولكنه قد ضعف عبد الله بن سعيد يحيى القطان وغيره.\nومنها: ما أجاب به ابن القيم: أن أول حديث أبي هريرة يخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولًا.\nومنها: الاضطراب في حديث أبي هريرة، فإن منهم من يقول: وليضع يديه قبل ركبتيه، ومنهم من يقول بالعكس كما تقدم، ومنهم من يقول: وليضع يديه على ركبتيه، كما رواه البيهقي، ومنهم من يحذف هذه الجملة رأسًا.\n_________\n(١) (١/ ٢٢٦).\n(٢) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢١٨).\n(٣) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٢٩٤).","vol":"4","page":282},{"text":"٨٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَعْمِدُ (١) أَحَدُكُمْ فِى صَلَاتِهِ فَيَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ (٢) الْجَمَلُ» (٣). [ت ٢٦٩، ن ١٠٩٠، ق ٢/ ١٠٠، قط ١/ ٣٤٥]\n===\nومنها: أن حديث وائل موافق لما نقل عن الصحابة كعمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن مسعود.\nومنها: أن لحديث وائل شواهد من حديث أنس وابن عمر.\nومنها: أنه مذهب الجمهور، وهذه المباحث المذكورة من المرجحات لحديث وائل، وكذلك مرجحات لحديث أبي هريرة، والمقام من معارك الأنظار ومضايق الأفكار، وأما الحافظ ابن القيم (٤) فقد رجح حديث وائل، وأطال الكلام في ذلك، وذكر عشر مرجحات، هذا ملخص ما قال الشوكاني في \"النيل\" (٥).\n٨٤٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد الله بن نافع) الصائغ المخزومي، أبو محمد المدني، (عن محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: يعمد) بتقدير همزة الاستفهام للإنكار (أحدكم في صلاته يبرك كما يبرك الجمل) أي لا يفعل ذلك،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يعتمد\".\n(٢) وفي نسخة: \"ينبرك\"، وفي نسخة \"فيبرك\".\n(٣) هناك حديث في رواية ابن العبد كما في \"تحفة الأشراف\" (٥/ ٤٩٥) ح (٨٠٣٠): عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. حديث: \"أن ابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه\"، زاد ابن يحيى في حدثه: وكان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك. د: في الصلاة عن إسحاق بن أبي يعقوب- شيخ ثقة- وعن محمد بن يحيى عن أصبغ كلاهما عنه، به.\nقال أبو داود: روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث مناكير، إسحاق هذا هو ابن أبي إسرائيل، وقال المزي: وهذا الحديث في رواية ابن العبد ولم يذكره أبو القاسم.\n(٤) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٢١٧ - ٢٢٤).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٥).","vol":"4","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>(١٤٤) بَابُ النُّهُوضِ في الفَرْدِ</span>\n٨٤١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، - يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ: \"جَاءَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ إِلَى (١) مَسْجِدِنَا فَقَالَ (٢): وَاللَّهِ إِنِّى لأُصَلِّى وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ\n===\nولعل وجه إيراد المصنف بهذا الحديث بأن الحديث الذي أخرجه قبل من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي فيه زيادة قوله: وليضع يديه قبل ركبتيه، فأشار بإيراد هذا الحديث من طريق عبد الله بن نافع أن هذه الزيادة غير محفوظة، فإن عبد الله بن نافع ثقة، وقد خالفه الدراوردي، وهو ليس في مرتبته، فخالف الأقوى منه.\n\n(١٤٤) (بَابُ النُّهُوضِ في الْفَرْدِ)\nأي: كيفية القيام من السجدة الثانية في الركعة الأولى أو الثالثة من ذوات الأربع\n٨٤١ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل -يعني ابن إبراهيم-، عن أيوب، عن أبي قلابة) (٣) عبد الله بن زيد الجرمي (قال: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا (٤) فقال: والله إني لأصلي (٥) وما أريد الصلاة)، فإن قلت: ظاهر الكلام يفهم منه التعارض بين الجملتين، فإن قوله: والله إني لأصلي يستلزم إرادة الصلاة، والجملة الثانية وهي: ما أريد الصلاة ينفيها، فكيف التوفيق بينهما؟ قلت: معنى الكلام أني أريد أن أصلي لكم لأريكم كيفية صلاة رسول الله - ﷺ -، وما أريد صلاة محضًا خالية عن هذا الغرض.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"في\".\n(٢) وفي نسخة: \"قال: والله إني لأصلي بكم ولا أريد\".\n(٣) وكان أبو قلابة يسكن الشام، كان واليًا على حمص. (ش).\n(٤) قال الكرماني: لعله أراد مسجد البصرة. (ش).\n(٥) بوب عليه البخاري \"الصلاة لمن يريد التعليم\"، وتقدَّم في \"باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون\" بمعناه عن أنس. (ش).","vol":"4","page":284},{"text":"وَلَكِنِّي (١) أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى. قَالَ: قُلْتُ لأَبِى قِلَابَةَ: كَيْفَ صَلَّى؟ قَالَ: مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا - يَعْنِى عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ إِمَامَهُمْ - وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى قَعَدَ ثُمَّ قَامَ\". [خ ٦٧٧، ن ١١٥١، حم ٣/ ٤٣٦، خزيمة ٦٨٧]\n٨٤٢ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ: \"جَاءَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ إِلَى مَسْجِدِنَا فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّى لأُصَلِّى وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى. قَالَ: فَقَعَدَ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ\". [انظر سابقه]\n===\n(ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي، قال) أيوب: (قلت لأبي قلابة: كيف صلى) مالك بن الحويرث؟ (قال) أبو قلابة: (مثل صلاة شيخنا هذا، يعني عمرو بن سلمة إمامهم) أي كما يصلي عمرو بن سلمة إمامهم صلى مثل ذلك مالك بن الحويرث (وذكر) أي أبو قلابة، وهذا قول أيوب (أنه) أي مالك بن الحويرث (كان إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة في الركعة الأولى قعد) هنية قليلًا (ثم قام) أي إلى الركعة الثانية.\n٨٤٢ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا إسماعيل، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث) مصغرًا (إلي مسجدنا فقال) أي مالك بن الحويرث: (والله إني لأصلي وما أريد الصلاة، ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي. قال) أبو قلابة: (فقعد) مالك بن الحويرث (في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة) أي قعد فيها قعدة يسيرة ثم قام.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ولكن\".","vol":"4","page":285},{"text":"٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: \"أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ -ﷺ- إِذَا كَانَ فِى وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا\". [خ ٨٢٣، ت ٢٨٧، ن ١١٥٢، خزيمة ٦٨٦، حب ١٩٣٤، ق ٢/ ١٣٢]\n===\n٨٤٣ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث: أنه رأى النبي - ﷺ - إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا)، في هذه الأحاديث دليل للشافعية وغيرهم على استحباب جلسة الاستراحة.\nوفي \"التمهيد\" (١): اختلف الفقهاء في النهوض عن السجود إلى القيام، فقال مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: ينهض على صدور قدميه ولا يجلس، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - يفعل ذلك، وقال أبو الزناد: ذلك السنة، وبه قال أحمد وابن راهويه، وقال أحمد (٢): وأكثر الأحاديث على هذا، قال الأثرم: رأيت أحمد ينهض بعد السجود على صدور قدميه ولا يجلس قبل أن ينهض.\nوروى الترمذي (٣) عن أبي هريرة قال: \"كان رسول الله - ﷺ - ينهض في الصلاة على صدور قدميه\"، ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم.\nوأخرج ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤) عن عبد الله بن مسعود أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه ولم يجلس، وأخرج نحوه عن علي وابن عمر وابن الزبير وابن عباس، وأخرج أيضًا عن عمر.\n_________\n(١) (١٩/ ٢٥٤) وكذا في \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٦٧)، و\"المغني\" (٢/ ٢١٢). (ش).\n(٢) وكذا نقله عنه في \"المغني\" وقال: فيه روايتان لأحمد. (ش).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢٨٨).\n(٤) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٤٣١).","vol":"4","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الطحاوي (١): ليس في حديث أبي حميد جلسة الاستراحة، وساقه بلفظ: فقام ولم يتورك، وأخرجه أبو داود كذلك، وقال الطحاوي: فلما تخالف الحديثان احتمل أن يكون ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به، فقعد لأجلها، لا لأن ذلك من سنة الصلاة، وقال أيضًا: لو كانت هذه الجلسة مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص.\nوقال الكرماني. الأصل عدم العلة، وأما تركه - ﷺ - فلبيان جواز الترك.\nقلت: قوله - ﷺ -: \"لا تبادروني فإني قد بَدَّنْتُ\"، يدل على أن تلك كانت لعلة، ولأن تلك الجلسة للاستراحة، والصلاة غير موضوعة لتلك، وقال بعضهم: إن مالك بن الحويرث هو راوي حديث: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\"، فحكاياته لصِفات صلاة النبي - ﷺ - داخلة تحت هذا الأمر.\nقلت: هذا لا ينافي وجود العلة لأجل هذه الجلسة، وبقولنا قال مالك وأحمد.\nوقال الحافظ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢): ثم كان - ﷺ - ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدًا على فخذيه، كما ذكر عنه وائل وأبو هريرة، ولا يعتمد على الأرض بيديه، وقد ذكر عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا، وهذه هي التي تسمى جلسة الاستراحة.\nواختلف الفقهاء فيها هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكل أحد أن يفعلها، أو ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد - ﵀ -، قال الخلّال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة، وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا أمامة سئل عن النهوض، فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة،\n_________\n(١) شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٦٠).\n(٢) (١/ ٢٣٢).","vol":"4","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>(١٤٥) بَابُ الإِقْعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ</span>\n===\nوفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي - ﷺ -، وسائر من وصف صلاته - ﷺ - لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه - ﷺ - فعلها دائمًا، لذكرها كل واصف لصلاته - ﷺ -، ومجرد فعله - ﷺ - لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلَّا إذا علم أنه فعلها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا قُدِّرَ أنه فعلها للحاجة، لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، وهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة، انتهى (١).\n\n(١٤٥) (بَابُ الإقْعَاءِ (٢) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)\nقال القاري (٣): قيل: الإقعاء أن يلصق أليتيه على الأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كالكلب، وقيل: أن يضع أليتيه على عقبيه، وقيل: أن يجلس على أليتيه ناصبًا قدميه وفخذيه، وهو الأصح، قال في \"المستقصى\": إقعاء الكلب في نصب اليدين، وإقعاء الآدمي في نصب الركبتين إلى صدره. ذكره في شرح \"المنية\"، وقال ابن حجر -أي في شرح حديث علي: لا تقع بين السجدتين-: أي لا تجلس على أليتيك ناصبًا فخذيك، لأن هذا مكروه (٤)\n_________\n(١) وسيجيء في \"باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة\" أن الصحابة أجمعوا على تركه، وأنه محمول على العذر، وقال ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" له: لا ريب أنه ﵇ فعله، وهل فعله على أنها من سنن الصلاة أو لحاجة؟ وهذا الثاني أظهر لوجهين: الأول: أن فيه جمعًا بينه وبين حديث وائل بن حجر وأبي هريرة أنه ﵇ كان ينهض على صدور قدميه، والثاني: أن الصحابة كانوا أحرص الناس على الاتباع، وكانوا ينهضون على صدور أقدامهم، انتهى. (ش).\n(٢) بسط الكلام عليه في \"السعاية\" (٢/ ٢١٣)، وأجمل ابن العربي (٢/ ٧٩)، وكذا في شروح \"الشمائل\"، وحاصلها أن الإقعاء المكروه غير الإقعاء المسنون، وراجع: \"الكوكب الدري\" (١/ ٢٨٤). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٢٧).\n(٤) بكراهته قال الأربعة خلافًا لبعض من سلف، كذا في \"المغني\" (٢/ ٢٠٦). (ش).","vol":"4","page":288},{"text":"٨٤٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: \"قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِى الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِى السُّجُودِ، فَقَالَ: هِىَ السُّنَّةُ (١). قَالَ: قُلْنَا: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ!\n===\nعند عامة العلماء، أو لا تجلس على عقبيك، لأن هذا مكروه عند جماعة، لكن ورد في خبر مسلم: \"الإقعاء بين السجدتين سنة\"، وزعم الخطابي حرمته وأن الحديث منسوخ.\nقال في \"البدائع\" (٢): واختلفوا في تفسير الإقعاء، قال الكرخي: وهو نصب القدمين والجلوس على العقبين، وهو عقب الشيطان الذي نهي عنه في الحديث، وقال الطحاوي: وهو الجلوس على الأليتين، ونصب الركبتين، ووضع الفخذين على البطن، وهذا أشبه بإقعاء الكلب، ولأن في ذلك ترك الجلسة المسنونة، فكان مكروهًا، انتهى.\n٨٤٤ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاوسًا يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين في السجود) والمراد ههنا من الإقعاء هو نصب القدمين والجلوس على العقبين، والمراد بلفظ \"في السجود\" بين السجدتين (فقال) ابن عباس: (هي) أي الإقعاء (السنة. قال) طاوس: (قلنا) لابن عباس، وفي رواية مسلم: فقلنا له: (إنا لنراه) أي ذلك الفعل (جفاء بالرجل).\nقال النووي (٣): ضبطناه بفتح الراء (٤) وضم الجيم أي بالإنسان،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"هي سنة\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٠٥).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٣).\n(٤) قال ابن رسلان: وفي \"كتاب ابن أبي خيثمة\": إنا لنراه جفاء بالمرء، وهو شاهد لمن رواه بفتح الراء وضم الجيم. (ش).","vol":"4","page":289},{"text":"فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ - ﷺ -\". [ت ٢٨٣، م ٥٣٦، حم ١/ ٣١٣، خزيمة ٦٨٠، ق ٢/ ١١٩]\n===\nوكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم، قال: وضبطه أبو عمر بن عبد البر بكسر الراء (١) وإسكان الجيم، قال أبو عمر: ومن ضم الجيم فقد غلط، ورد الجمهور على ابن عبد البر وقالوا: الصواب الضم، وهو الذي يليق به إضافة الجفاء إليه، انتهى.\n(فقال ابن عباس: هي) أي الإقعاء (سنة نبيك - ﷺ -) قال النووي: اعلم أن الإقعاء ورد فيه الحديثان، ففي هذا الحديث أنه سنة، وفي حديث آخر ورد النهي عنه، رواه الترمذي وغيره من رواية علي، وابن ماجه من رواية أنس، وأحمد بن حنبل من رواية سمرة وأبي هريرة، والبيهقي من رواية سمرة وأنس، وأسانيدها كلها ضعيفة (٢).\nوقد اختلف العلماء في حكم الإقعاء وتفسيره اختلافًا كثيرًا لهذه الأحاديث، والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان:\nأحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة وصاحبه أبو عبيد وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي.\nوالنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: سنة نبيكم، وقد نص الشافعي على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وحمل حديث ابن عباس -﵄عليه جماعات من\n_________\n(١) قال ابن رسلان: وقع في \"مسند الإِمام أحمد\" (١/ ٣١٣): \"إنا لنراه جفاء بالقدم\"، وهو شاهد لرواية الكسر وسكون الجيم. (ش).\n(٢) وحديث النهي عن الإقعاء رواه الحاكم (١/ ٢٧٢)، وقال: صحيح على شرط البخاري، \"ابن رسلان\"، وسيأتي في حديث المسيء الأمر بالافتراش إذا رفع رأسه من السجود. (ش).","vol":"4","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>(١٤٦) بَابُ مَا جَاءَ في مَا يَقْولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوع</span>\n٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ (١) اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ\n===\nالمحققين منهم البيهقي والقاضي عياض وآخرون، قال القاضي: وقد روي عن جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسرًا عن ابن عباس: \"من السنة أن تمس عقبيك أليتيك\"، فهذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس.\nوقد ذكرنا أن الشافعي نص على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وله نص آخر وهو الأشهر: أن السنة فيه الافتراش، وقد علمت أن الإقعاء على كلا نوعيه مكروه عند الحنفية.\n\n(١٤٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِيما يَقُول إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ)\nأي: في القومة\n٨٤٥ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا عبد الله بن نمير وأبو معاوية ووكيع ومحمد بن عبيد كلهم عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن) أبو الحسن الكوفي (قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، اللَّهم ربنا لك الحمد مِلءَ السموات) بالنصب، وهو الأكثر على أنه صفة مصدر محذوف، وقيل على نزع الخافض أي بملء السماوات، وبالرفع على أنه صفة الحمد، والمِلء بالكسر اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، وهو مجاز عن الكثرة، قال المظهر: هذا تمثيل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".","vol":"4","page":291},{"text":"وَمِلْء الأَرْضِ وَمِلْء مَا شِئْت مِنْ شَئءٍ بَعْد\" (١). [م ٤٧٦، جه ٤٧٨، حم ٤/ ٣٥٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ عُبَيْدٍ أَبِى الْحَسَنِ: هَذَا (٢) الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهِ \"بَعْدَ الرُّكُوعِ\".\n===\nوتقريب إذ الكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد تكثير العدد حتى لو قدر أن تلك الكلمات تكون أجسامًا تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما تملأ السماوات والأرضين (٣).\n(ومِلء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) أي بعد ذلك أي ما بينهما أو غير ما ذكر كالعرش والكرسي وما تحت الثرى.\n(قال أبو داود: وقال سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج (٤) عن عبيد أبي الحسن) فخالفا سليمان الأعمش، فإنه قال: عبيد بن الحسن، وإنهما قالا: عبيد أبي الحسن، وكلاهما صحيحان، فإنه ابن الحسن وهو أبو الحسن (هذا الحديث ليس فيه بعد الركوع) أي لم يقل سفيان الثوري وشعبة في هذا الحديث الذي رويا عن عبيد أبي الحسن إن هذا الدعاء بعد الركوع كما ذكره الأعمش في حديثه أنه بعد الركوع، وهو قوله: \"إذا رفع رأسه من الركوع\".\n_________\n(١) قلت: ذكر المزي هذا الحديث بهذا الإسناد في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ١٦١) ح (٥١٧٣)، ثم ذكر له إسنادًا آخر فقال:\n\"وعن محمد بن رافع، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن الأعمش بهذا الحديث بمعناه\"، ثم ذكر مقولة سفيان الآتية، ثم قال المزي: حديث محمد بن رافع في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) وفي نسخة: \"بهذا\".\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣١٢).\n(٤) أخرج روايته أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" رقم (٨١٧)، وأحمد في \"مسنده\"\n(٤/ ٣٥٤)، ومسلم (٤٧٦)، وأبو عوانة (٢/ ١٧٧)، والبزار (٨/ ٢٩١) رقم (٣٣٦٢)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١٣/ ١٦١) رقم (٥١٦٦).","vol":"4","page":292},{"text":"قَالَ سُفْيَانُ: لَقِينَا الشَّيْخَ عُبَيْدًا أَبَا الْحَسَنِ (١)، فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: بَعْدَ الرُّكُوعِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ أَبِى عِصْمَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُبَيْدٍ\n===\nوقد أخرج حديث شعبة عن عبيد أبي الحسن مسلم في \"صحيحه\" (٢)، وليس فيه ذكر محل هذا الدعاء، وهكذا أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (٣) عن شعبة، وقد أخرج أحمد من طريق وكيع، حدثنا مسعر، حدثنا عبيد بن حسن، عن ابن أبي أوفى أن النبي - ﷺ - كان يقول ذلك، ولم يقل: في الصلاة.\n(قال سفيان: لقينا الشيخ عبيدًا أبا الحسن فلم يقل فيه: بعد الركوع) حاصله أن سفيان تلقى هذا الحديث أولًا عن عبيد بالواسطة (٤)، وكان فيه بعد الركوع أو ما في معناه، ثم لقيه وأخذ منه الحديث بلا واسطة، فلم يقل في الحديث كلمة تدل على أنه بعد الركوع.\n(قال أبو داود: ورواه شعبة (٥) عن أبي عصمة) وهو نوح بن أبي مريم المشهور بالجامع، لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن الحجاج بن أرطاة وطبقته، والمغازي عن ابن إسحاق، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، وكان مع ذلك عالمًا بأمور الدنيا فسمي الجامع، لكن كذبوه في الحديث، قال ابن المبارك: وكان يضع، وقال ابن حبان: نوح الجامع جمع كل شيء إلَّا الصدق.\n(عن الأعمش عن عبيد) من غير ذكر ابن الحسن أو أبي الحسن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بعد\".\n(٢) برقم (٤٧٦).\n(٣) (٤/ ٣٥٣).\n(٤) وحاصل ما قال ابن رسلان أن عبيدًا ذكر أولًا هذا اللفظ، ثم لقيناه بعد فلم يقله، وفي روايته لفظ \"بعد\" موجود. (ش).\n(٥) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣٥٤).","vol":"4","page":293},{"text":"قَالَ \"بَعْدَ الرُّكُوعِ\".\n٨٤٦ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، (ح): وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَزَعَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قال: \"إنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ حِينَ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ». قَالَ مُؤَمَّلٌ: \"مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ\n===\n(قال) عبيد: (بعد الركوع) وحاصل هذا الكلام أن تلاميذ الأعمش (١) اختلفوا في سند هذا الحديث وفي متنه، أما في سند الحديث فبعضهم قالوا: عن عبيد بن الحسن، وبعضهم قالوا: عن عبيد أبي الحسن، وبعضهم: عن عبيد، وقد تقدم أن كليهما صحيحان، وليس الاختلاف إلَّا في اللفظ، وأما الاختلاف في المتن فبعضهم ذكروا أن هذا الدعاء كان في الصلاة بعد الركوع، وبعضهم لم يذكروا ذلك، بل لم يذكروا لفظًا يدل على أن هذا الدعاء كان في الصلاة.\n٨٤٦ - (حدثنا مؤمل) كمحمد (ابن الفضل الحراني، نا الوليد) بن مسلم، (ح: ونا محمود بن خالد، نا أبو مسهر) عبد الأعلى، (ح: ونا ابن السرح، نا بشر بن بكر، ح: ونا محمد بن مصعب، نا عبد الله بن يوسف كلهم) أي الوليد وأبو مسهر وبشر بن بكر وعبد الله رووا (عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري قال) أبو سعيد: (إن رسول الله - ﷺ - كان يقول حين يقول: سمع الله لمن حمده) أي: في القومة بعد التسميع حين انفراده:\n(اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء، قال مؤمل: ملء السموات) يعني قال مؤمل بصيغة الجمع، والباقون بالإفراد (وملء الأرض وملء ما شئث من شيء\n_________\n(١) قوله: الأعمش، الظاهر بدله: تلاميذ عبيد. (ش).","vol":"4","page":294},{"text":"بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ». زَادَ مَحْمُودٌ: «وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ» - ثُمَّ اتَّفَقُوا (١) -: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٢).\nوَقَالَ بِشْرٌ: \"رَبنا لَكَ الْحَمْدُ\" (٣)، لَمْ يَقُلْ مَحْمُود \"اللَّهُمَّ \"\n===\nبعد، أهل الثناء) بالرفع بتقدير أنت وهو الأنسب للسباق واللحاق، أو بتقدير هو، وبالنصب على المدح، أو بتقدير يا، يا أهل الثناء (والمجد) أي العظمة والكرم (أحق ما قال العبد) (٤) بالرفع وما موصوفة أو موصولة، وأل للجنس أو للعهد، والمعهود النبي - ﷺ -، أي أنت أحق بما قال العبد، لك من المدح من غيرك (وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت) لعبد شيئًا من العطاء.\n(زاد محمود: ولا معطي) من أحد (لما منعت) أي للشيء الذي منعته من الأشياء، أو من إعطاء أحد، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٥).\n(ثم اتفقوا: ولا ينفع ذا الجد منك الجد) المشهور فتح الجيم بمعنى الغناء، أي لا ينفع ذا الغنى منك الغناء، وإنما ينفعه العمل بطاعتك فمعنى منك عندك، ويحتمل وجهًا آخر أي لا يسلمه من عذابك غناه، وفيه توجيهات أخر.\n(وقال بشر: ربنا لك الحمد) أي لم يقل: اللَّهم (لم يقل محمود اللَّهم،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"اتفقا\".\n(٢) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٤٣٥) ح (٤٢٨١) إسنادًا آخر لهذا الحديث: \"عن محمد بن مصفى، عن بقية بن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، به\"، ثم قال المزي: \"وحديث محمد بن مصفى في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم\".\n(٣) زاد في نسخة: \"لم يقل: اللهم\".\n(٤) بسط ابن رسلان في تحقيقه لغة. (ش).\n(٥) سورة فاطر: الآية ٢.","vol":"4","page":295},{"text":"قَالَ: \"رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ\" (١). [م ٤٧٧، ن ١٠٦٨، دي ١٣١٣، حم ٣/ ٨٧، خزيمة ١١٣]\n===\nقال) محمود: (ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو، قال الشوكاني (٢): الواو في قوله: \"ربنا ولك الحمد\" ثابتة في أكثر الروايات، وهي عاطفة على مقدر بعد قوله: \"ربنا\"، وهو استجب كما قال ابن دقيق العيد، أو حمدناك كما قال النووي، أو الواو زائدة كما قال أبو عمرو بن العلاء، أو للحال كما قال غيره.\nواحتج بهذا الحديث من قال: إنه يجمع بين التسميع والتحميد كل مصل من غير فرق بين الإِمام والمؤتم والمنفرد، وهو الشافعي ومالك وعطاء ومحمد بن سيرين وإسحاق وداود ولكنه أخص من الدعوى، لأنه حكايه لصلاة النبي - ﷺ - إمامًا كما هو المتبادر والغالب، إلَّا أن قوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" يدل على عدم اختصاص ذلك بالإمام.\nوقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما الإِمام والمنفرد أيضًا، ورجحه الطحاوي.\nوقال الإِمام أبو حنيفة: إن الإِمام والمنفرد يقول: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: ربنا لك الحمد فقط، وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي ومالك وأحمد، قال: وبه أقول، وحجتهم حديث أبي هريرة الآتي، وهو قوله: \"وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"رواه الوليد بن مسلم عن سعيد قال: [اللهم] ربنا لك الحمد، لم يقل: ولا معطي لما منعت أيضًا، قال أبو داود: لم يجئ به إلَّا أبو مسهر\". (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٩٠).","vol":"4","page":296},{"text":"٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [خ ٧٩٦، م ٤٠٩، ت ٢٦٧، ن ١٠٦٣، حم ٢/ ٤١٧، ق ٢/ ٩٦]\n===\n٨٤٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح السمان) ذكوان، (عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا قال الإِمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهم ربنا لك الحمد، فإنه) ضمير شأن (من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) أي إذا قال الإِمام: سمع الله لمن حمده، يقول الملائكة: اللَّهم ربنا لك الحمد، فقولوا أنتم أيها القوم: اللَّهم ربنا لك الحمد، فإنه إذا وافق قولكم قول الملائكة غفر لكم ما تقدم من ذنبكم، والمراد غفران الصغائر، فإن غفران الكبائر منوط بالتوبة.\nاحتج بهذا الحديث الإِمام أبو حنيفة ومن معه من العلماء بأنه - ﷺ - قسم التحميد والتسميع بين الإِمام والقوم، فجعل التحميد لهم والتسميع له، وفي الجمع بين الذكرين من أحد الجانبين إبطال هذه القسمة، وهذا لا يجوز، ولا يرد أنه - ﷺ - قسم في قوله: \"وإذا قال الإِمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين\" مع أن الإِمام يقولها، لأنه ورد في بعض الروايات بأن الإِمام يقولها، ولم يرد هاهنا مثله، ولأن هاهنا مانعًا ليس هناك، وهو أن إتيان التحميد من الإِمام يؤدي إلى جعل التابع متبوعًا والمتبوع تابعًا، وهذا لا يجوز.\nييان ذلك أن الذكر يقارن الانتقال، فإذا قال الإِمام مقارنًا للانتقال: سمع الله لمن حمده، يقول المقتدي مقارنًا له: ربنا لك الحمد، فلو قال الإِمام بعد ذلك لوقع قوله بعد قول المقتدي، فينقلب المتبوع تابعًا والتابع متبوعًا، وهو خلاف موضوع الإمامة، والحديث الذي استدلا به محمول على حالة الانفراد في صلاة التطوع.","vol":"4","page":297},{"text":"٨٤٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: \"لَا يَقُولُ الْقَوْمُ خَلْفَ الإِمَامِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ\".\n===\n٨٤٨ - (حدثنا بشر بن عمار، نا أسباط) بن محمد بن عبد الرحمن، (عن مطرف) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة، ابن طريف، (عن عامر) هو الشعبي (قال: لا يقول القوم خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن يقولون: ربنا لك الحمد).\nوهاهنا نقل صاحب \"العون\" (١) عن الخطابي: اختلف الناس فيما يقول المأموم إذا رفع رأسه من الركوع، فقال طائفة: يقتصر على \"ربنا لك الحمد\" لا يزيد عليه، وقال طائفة: يقول \"سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد\" يجمع بينهما، وهو قول ابن سيرين وعطاء وإليه ذهب الشافعي، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد، انتهى.\nقلت: هذا غلط في نقل المذهب فإنه ليس مذهب أبي يوسف ومحمد أن يجمع المؤتم بين الذكرين، بل مذهبهما أن يجمع بينهما الإِمام، وأما المؤتم فلا يأتي إلَّا بالتحميد.\nفقد قال الطحاوي (٢): فذهب قوم إلى أن \"سمع الله لمن حمده\" يقولها الإِمام دون المأموم، وأن \"ربنا لك الحمد\" يقولها المأموم دون الإِمام وممن ذهب إلى هذا القول أبو حنيفة ومالك، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يقول الإِمام: \"سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد\"، ثم يقول المأموم: \"ربنا لك الحمد\" خاصة، ثم قال: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وأما أبو حنيفة فكان يذهب في ذلك إلى القول الأول، وهكذا في جميع كتب الأحناف.\n_________\n(١) (٣/ ٨٦).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٣٨).","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>(١٤٧) بَابُ الدُّعَاءِ بَيْنَ السَّجدَتَيْنِ</span>\n٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا كَامِلٌ أَبُو الْعَلَاءِ، حَدَّثَنِى حَبِيبُ بْنُ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: كان (١) النَّبِىَّ -ﷺ- يَقُولُ (٢) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى وَارْحَمْنِى، وَعَافِنِى، وَاهْدِنِى، وَارْزُقْنِى». [ت ٢٨٤، جه ٨٩٨، ق ٢/ ١٢٢، ك ١/ ٢٦١]\n===\n\n(١٤٧) (بَابُ الدُّعَاءِ بَيْنَ (٣) السَّجْدَتَيْنِ)\n٨٤٩ - (حدثنا محمد بن مسعود، نا زيد بن الحباب) بضم المهملة، (نا كامل أبو العلاء) وهو ابن العلاء أيضًا، (حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبي - ﷺ - يقول بين السَّجْدَتَيْنِ: اللهم اغفر لي) أي: ذنوبي، أو تقصيري في طاعتي (وارحمني) من عندك لا بعملي، أو ارحمني بقبول عبادتي (وعافني) من البلاء في الدارين، أو من الأمراض الظاهرة والباطنة (واهدني) لصالح الأعمال، أو ثبتني على دين الحق (وارزقني) (٤) رزقًا حسنًا، أو توفيقًا في الطاعة، أو درجة.\nقال الشوكاني (٥): والحديث يدل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في القعدة بين السجدتين، وقال القاري (٦): وهو محمول على التطوع عندنا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إن\".\n(٢) وفي نسخة: \"كان يقول\".\n(٣) راجع: \"مشكل الآثار\" (٢/ ١٨٩). (ش).\n(٤) بسط ابن رسلان في اختلاف ألفاظ الرواية. (ش).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٠٥).\n(٦) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٢٦).","vol":"4","page":299},{"text":"(١٤٨) بَابُ (١) رَفْعِ النِّسَاءِ إِذَا كُنَّ مَعَ الإمَامِ رُؤُوسَهُنَّ مِنَ السَّجْدَةِ\n٨٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِى الزُّهْرِىِّ، عَنْ مَوْلىً لأَسْمَاءَ ابْنَةِ (٢) أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَسْمَاءَ ابنة (٣) أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ كَانَ مِنْكُنَّ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا تَرْفَعْ رَأْسَهَا حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُءُوسَهُمْ». كَرَاهَةَ أَنْ يَرَيْنَ مِنْ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ\". [حم ٦/ ٣٤٨]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>(١٤٨) (بَابُ رَفْعِ النِّسَاءِ إِذَا كُنَّ مَعَ الإمَامِ رُؤوسَهُنَّ مِنَ السَّجْدَةِ)</span>\n٨٥٠ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الزاق، أنا معمر، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري، عن مولى لأسماء ابنة أبي بكر) قال الحافظ: يحتمل أن يكون عبد الله بن كيسان (عن أسماء ابنة أبي بكر قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من كان منكن يؤمن بالله وباليوم الآخر) ذكر هذا للاهتمام بشأن المأمور به (فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم) من السجود (كراهية) أي لأجل كراهية (أن يرين) النساء (من عورات الرجال) الظاهر أن الجملة الأخيرة من قول أسماء مدرج في الحديث، ويحتمل أن يكون من قول رسول الله - ﷺ -.\nوأما أمره - ﷺ - بأنهن لا يرفعن رؤوسهن حتى يستوي الرجال مختص بزمان الضيق وقلة الثياب لاحتمال كشف العورة، وكان في ذاك الزمان قلة في الثياب، والحال ضيق، فأمر به، فأما إذا تبدل الحال فالظاهر أنه لم يبق هذا الحكم، لأن الحكم إذا كان لعارض يرتفع برفعه (٤).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب رفع النساء رؤوسهن من السجود إذا كن مع الرجال\".\n(٢) وفي نسخة: \"بنت\".\n(٣) وفي نسخة: \"بنت\".\n(٤) لكنه يحتمل الكشف من الشق وغيره. قاله ابن رسلان احتمالًا، فيبقى الحكم. (ش).","vol":"4","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>(١٤٩) بَابُ طُولِ القِيامِ مِنَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجدَتَيْنِ</span>\n٨٥١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ سُجُودُهُ وَرُكُوعُهُ وَقُعُودُهُ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ\". [خ ٧٩٢، م ٤٧١، ت ٢٨٠، ن ١٠٦٥، ق ٢/ ١٢٢]\n===\n\n(١٤٩) (بَابُ طُولِ الْقِيَامِ مِنَ الرُّكُوعِ) أي: طول القيام في القومة (وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) أي: الجلسة بينهما\n٨٥١ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن الحكم، عن) عبد الرحمن (بن أبي ليلى، عن البراء: أن رسول الله - ﷺ - كان سجوده وركوعه وقعوده (١) وما بين السجدتين قريبًا من السواء) هكذا في أكثر النسخ بالواو بعد قعوده، وفي بعضها من غير واو، أي قعوده ما بين السجدتين، فعلى النسخة الثانية معناه ظاهر بأن المراد من القعود هو الجلسة بين السجدتين، ويؤيده جميع الروايات التي أخرجها المحدثون بهذا السند في كتبهم، فإنهم ذكروا في هذا الحديث هذه الجلسة.\nفإن البخاري أخرج في \"باب استواء الظهر في الركوع\" من طريق شعبة: أخبرنا الحكم عن ابن أبي ليلى، عن البراء قال: كان ركوع النبي - ﷺ - وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء.\nثم أخرج في \"باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع\" بهذا السند قال: كان ركوع النبي - ﷺ - وسجوده وإذا رفع من الركوع وبين السجدتين قريبًا من السواء، وكذلك سائر المصنفين أخرجوا هذا الحديث في كتبهم، ذكروا الجلسة بين السجدتين.\n_________\n(١) ليس في نسخة ابن رسلان لفظ قعوده. (ش).","vol":"4","page":301},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما على النسخة الأولى فلم يذكر القعود أحد، إلَّا ما في أبي داود في الرواية الآتية والدارمي وغيرها فجلسته بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء، فلو كان ذكر القعود في هذا الحديث محفوظًا يمكن أن يحمل على هذه الجلسة التي هي بين التسليم والانصراف، وإلا فحديث البخاري الذي فيه ذكر الاستثناء ينفيه، فإن فيه لفظ: ما خلا القيام والقعود، يدل على أن القيام والقعود خارجان عن الاستواء.\nوالذي أظن فيه أن في حديث أبي داود، إما ذكر القعود غلط من الكاتب، أو حرف الواو كتب الناسخ غلطًا، وعلى هذا المراد من القعود هو الجلسة ما بين السجدتين.\nومعنى قوله: \"قريبًا من السواء\" أي كان قريبًا من التساوي والتماثل، وقال الطيبي: أي زمان ركوعه وسجوده وبين السجدتين ووقت رفع رأسه من الركوع سواء.\nوقال الحافظ (١): قال بعض شيوخ شيوخنا: معنى قوله: \"قريبًا من السواء\" أن كل ركن قريب من مثله، فالقيام الأول قريب من الثاني، والركوع في الأولى قريب من الثانية.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى-: قوله: وقعوده وما بين السجدتين، ولم يذكر في كثير من النسخ بعد قوله: \"وقعوده\" واو العطف، وكلاهما صحيح، والمعنى على الأول بيان مساواة الركوع والسجود والقعدة الأولى والجلسة، وعلى الثاني لا تعرض فيه لقعدة التشهد الأولى، انتهى.\nوهذا الحديث لا يدل على طول القيام في القومة والجلسة إلَّا على تقدير\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٦).","vol":"4","page":302},{"text":"٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ رَجُلٍ أَوْجَزَ صَلَاةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى تَمَامٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ (١)،\n===\nصحة لفظ القعود وواو العطف، وتأويل الشيخ محمد يحيى المرحوم، نعم قال الحافظ في \"الفتح\": ومطابقة حديث البراء لقوله: \"حد إتمام الركوع\" من جهة أنه دالّ على تسوية الركوع والسجود والاعتدال والجلوس بين السجدتين، وقد ثبت في بعض طرقه عند مسلم تطويل الاعتدال، فيؤخذ منه إطالة الجميع، والله أعلم.\n٨٥٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت وحميد، عن أنس بن مالك قال: ما صليت خلف رجل أوجز) (٢) أخصر (صلاة من رسول الله - ﷺ -) أي باعتبار غالب الأحوال، وإلَّا ففي بعضها يطول الصلاة تطويلًا كثيرًا (في تمام) أي مع تمام، قال العيني (٣): الإيجاز ضد الإطناب، والإكمال ضد النقص، قلت: وكذلك الإتمام، وقال الحافظ (٤): المراد بالإيجاز مع الإكمال: الإتيان بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض.\n(وكان رسول الله - ﷺ - إذا قال: سمع الله لمن حمده قام) قيامًا طويلًا في القومة (حتى نقول) بالنصب (قد أوهم) (٥) قال في \"المجمع\" (٦): أوهمته: تركته، وأوهمه: إذا أوقعه في الغلط، وعلى الأول معناه وقف حتى قلنا:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وهم\".\n(٢) بالنصب صفة لمصدر محذوف، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٤١).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠١).\n(٥) بسط ابن رسلان في معناه وقال: يحتمل أن يكون بمعنى نسي لرواية مسلم بلفظ: نسي، نسي أنه في صلاة، أو نسي ما يفعل بعده. (ش).\n(٦) (٥/ ١٢٢).","vol":"4","page":303},{"text":"ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ، وَكَانَ يَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ (١). [حم ٣/ ٢٠٣، خ ٧٠٨، م ٤٦٩ مختصرًا]\n===\nترك ذلك الركوع والاعتدال وعاد إلى القيام من طول قيامه، وعلى الثاني يكون أوهم بضم همزة وكسر هاء، أي أوقع في الغلط.\n(ثم يكبر ويسجد وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم) قال الشوكاني (٢): قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس أصرح في الدلالة على ذلك بل هو نص فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم: لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود، ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص.\nثم قال: ومن ثم اختار النووي جواز تطويل الركن القصير بالذكر خلافًا للمرجح (٣) في المذهب، قال الحافظ (٤): فالعجب ممن يصحح مع هذا بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيههم ذلك أنه إذا أطيل انتفت الموالاة معترض بأن معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونه منها، والله تعالى أعلم.\nقلت: وتطويل القومة والجلسة الذي ذكره أنس بن مالك في حديثه لم يذكره غيره من الصحابة الذين رووا صفة صلاته، وكذلك لم يأخذ به من الأئمة جمهورهم إلَّا الظاهرية، فلعله كان ذلك في ابتداء الأمر حين كان يطول صلاته، ثم أمر بالتخفيف بعده، أو فعل هذا في صلاة النفل، ويمكن أن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وهم\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٤٠).\n(٣) قال في \"الروضة\" في فصل ما يبطل الصلاة: السادس: تطويل ركن قصير عمدًا، فالركن القصير هو الاعتدال والجلوس بين السجدتين، وتطويل الاعتدال يكون بالزيادة على قدر الدعاء الوارد فيه بقدر الفاتحة، سواء قرأ الدعاء أم لا، وتطويل الجلوس يكون بالزيادة على قدر الدعاء الوارد فيه بقدر الواجب في التشهد، انتهى. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٩).","vol":"4","page":304},{"text":"٨٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو كَامِلٍ - دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِى الآخَرِ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِى حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَمَقْتُ مُحَمَّدًا -ﷺ- وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ: رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nيكون - ﷺ - طولهما حين نهى الناس عن المتقدم على الإِمام، فعل ذلك ليعتادوا أن يسجدوا بعد سجود النبي - ﷺ -، ولا يتقدموا عليه، فنهاهم قولًا، وكفهم عنه فعلًا، على أن سائر الأحاديث التي فيها ذكر القوة والجلسة ليس فيها تطويل، فإن في حديث مسيء الصلاة: \"ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا\".\nوكذلك حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وفيه: \"ثم يوفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلًا\"، وأيضًا فيه: \"ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى، ويقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ثم يسجد\".\nهذه وغيرها من الروايات تدل على عدم تطويل القومة والجلسة، وحديث أنس هذا يدل على أن هذا التطويل منه - ﷺ - كان على خلاف عادته المستمرة، لأنه لو كان معتادًا يفعله - ﷺ - من الزمان المتقدم، لا يمكن أن يحمله أنس بن مالك على أنه - ﷺ - أوهم، فحمله على أنه أوهم، فيه دليل صريح على أن هذا التطويل صدر منه في ذلك الوقت، وليس فيه ولا في غيره من الأحاديث ما يدل على أن هذا التطويل استمر بعده، ولعله لأجل هذا لم يأخذ به جمهور الأئمة، والله تعالى أعلم.\n٨٥٣ - (حدثنا مسدد وأبو كامل، دخل حديث أحدهما في الآخر) أي لم يتميز بعض لفظ حديث أحدهما من لفظ حديث الآخر، بل الحديث المذكور مؤلف من لفظيهما (قالا: نا أبو عوانة، عن هلال بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: رمقت محمدًا - ﷺ -) وهذا لفظ مسدد (وقال أبو كامل: رسول الله - ﷺ -)، أي لفظ أبو كامل:","vol":"4","page":305},{"text":"فِى الصَّلَاةِ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ كَرَكْعَتِهِ وَسَجْدَتِهِ، وَاعْتِدَالَهُ فِى الرَّكْعَةِ كَسَجْدَتِهِ، وَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَسَجْدَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالاِنْصِرَافِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: فَرَكْعَتَهُ وَاعْتِدَالَهُ (١) بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَجْدَتَهُ\n===\nرمقت رسول الله - ﷺ - (في الصلاة) وفي رواية مسلم: \"رمقت الصلاة مع محمد - ﷺ -\" (فوجدت قيامه كركعته وسجدته) بالجر عطفًا على الركعة (واعتداله) منصوب عطفًا على قيامه (في الركعة) أي بعد الركوع، والمراد به القومة، ويدل عليه لفظ مسلم، فإن فيه: فاعتداله بعد ركوعه (كسجدته، وجلسته) منصوب بالنصب عطفًا على قيامه (بين السجدتين، وسجدته) منصوب عطفًا على قيامه (ما بين التسليم والانصراف قريبًا (٢) من السواء).\nونقل مولانا محمد يحيى المرحوم عن تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: فوجدت قيامه كركعته وسجدته، أي وجدت كقدر مجموع ركعته وسجدته، أو كركعته وكسجدته، وعلى الأول (٣) هما مثل القيام، وعلى الثاني على نصفه، لكن لم يعلم مقدار الركوع والسجود على التوجيه الأخير أيهما أطول، فقال: واعتداله في الركعة أي الركوع كسجدته، فعلم مساواتهما، وأما إذا أريد مساواة القيام لكل منها على حدة، فمعنى: \"واعتداله في الركعة\" بمعنى من الركعة هو القومة، أي وجدت قومته كسجوده، ووجدت جلسته بين السجدتين وسجدة سهوه لو وقع، لأنها الواقعة بين التسليم والانصراف من السواء، انتهى.\n(قال أبو داود: قال مسدد: فركعته واعتداله بين الركعتين) والمراد بالركعتين (٤) الركوع والسجود، فأطلق الركوع على السجود تغليبًا (فسجدته)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فاعتداله\".\n(٢) حمله ابن رسلان على تخفيف القراءة في بعض الأوقات. (ش).\n(٣) الظاهر وقع القلب في ذكر الأول والثاني وانعكس. (ش).\n(٤) قلت: وما المانع من أن تراد به جلسة الاستراحة. (ش).","vol":"4","page":306},{"text":"فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ قَرِيبًا (١) مِنَ السَّوَاءِ. [م ٤٧١، ن ١٣٣٢، دي ١٣٣٤، حم ٤/ ٢٩٤]\n===\nأي الأولى (فجلسته بين السجدتين، فسجدته) أي الثانية (فجلسته بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء).\nواعلم أن هذا الحديث أخرجه مسلم (٢) من رواية حامد بن عمر وأبي كامل ولفظه: \"فوجدت قيامه فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء\".\nوأخرج النسائي (٣) هذا الحديث من طريق عمرو بن عون، قال: حدثنا أبو عوانة بهذا السند، قال: \"رمقت رسول الله - ﷺ - في صلاته، فوجدت قيامه وركعته، واعتداله بعد الركعة، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء\".\nوأخرجه أيضًا الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٤) من طريق عفان، قال: حدثنا أبو عوانة ولفظه كحديث مسلم.\nفيستدل بهذه الأحاديث على أن ما أخرجه أبو داود من لفظ أبي كامل وقع فيه الغلط والتصحيف، فإن كلهم ذكروا الجلسة بين التسليم والانصراف، وقال أبو كامل: وسجدته ما بين التسليم والانصراف، فهذا غلط فيه، وإن حمله بعض الشراح على سجدة السهو، وكان في أصل الرواية: وسجدته وجلسته ما بين التسليم والانصراف فسقط منه لفظ: \"فجلسته\".\nوكذلك إدخال الكاف على ركعته وسجدته، وكذلك ذكر سجدته بعد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قريب\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٤٧١).\n(٣) \"سنن النسائي\" (١٣٣٢).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٤/ ٢٩٤).","vol":"4","page":307},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nركعته، فكلها وهم فيه وسقوط وتغيير بالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان، ولعل ذكر أبي داود حديث مسدد بعد هذا إشارة إلى وهم رواية أبي كامل.\nولكن يشكل هذا بما رواه مسلم من حديث حامد بن عمر وأبي كامل عن أبي عوانة إلَّا أنهما اختلفا، فقال أبو كامل: عن أبي عوانة، وقال حامد: حدثنا أبو عوانة بهذا السند، ثم ساق الحديث، ولم يذكر الاختلاف في لفظيهما، بل ظاهر سياقه يدل على أنهما اتفقا على هذا اللفظ الذي يوافق لفظ مسدد، فكيف يمكن أن يكون سياق أبي كامل عند أبي داود على خلاف سياقه عند مسلم؟\nوالتقصي عن هذا الإشكال عندي صعب، اللَّهم إلَّا أن يقال: إن أبا كامل لما روى الحديث لمسلم كان حافظًا له، فروأه على وجهه، ثم بعد ذلك لما رواه لأبي داود نسيه، فرواه بالمعنى، وغلط فيه، وهذا على تقدير أن يكون الوهم مضافًا إلى أبي كامل.\nويمكن أن يكون الوهم والغلط من المصنف أبي داود كما يدل عليه قوله: \"دخل حديث أحدهما في الآخر\" أي لم يحفظ لفظ أحدهما من الآخر، ثم بَيَّنَ ذلك، فميَّز لفظ مسدد من لفظ أبي كامل، فاختلط عليه، ونسب لفظ مسدد إلى أبي كامل، ولفظ أبي كامل إلى مسدد، وكان هذا السياق الذي نسبه إلى أبي كامل سياق مسدد.\nوصحة هذا الجواب تتوقف على أن يوجد حديث مسدد في موضع آخر على هذا السياق، ولا يكون مخالفًا له، ولكن تتبعت فما وجدت سياق مسدد عند غير أبي داود.\nوالأولى أن يقال: إن هذا إن كان غلطًا وتصحيفًا فليس هذا من أبي كامل ولا من المصنف، بل هذا تصحيف نشأ من الناسخ، وتصحيف النساخ أكثر من هذا وأقبح، والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":308},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال النووي (١): فيه دليل على تخفيف القراءة والتشهد، وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود، وقوله: \"قريبًا من السواء\"، يدل على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض، وذلك في القيام، ولعله أيضًا في التشهد.\nواعلم أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلَّا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام، وأنه - ﷺ - كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المئة، وفي الظهر بـ: الم السجدة، وأنه كانت تقام الصلاة، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يرجع فيتوضأ، ثم يأتي المسجد، فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ في المغرب بالطور والمرسلات، وفي البخاري بالأعراف، وأشباه هذا، وكله يدل على أنه - ﷺ - كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات.\nوهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات، وقد ذكره مسلم في الرواية الأخرى، ولم يذكر فيه القيام، وكذا ذكره البخاري، وفي رواية البخاري: \"ما خلا القيام والقعود\"، وهذا تفسير الرواية الأخرى، وقوله: \"فجلسته بين التسليم والانصراف\"، دليل على أنه - ﷺ - كان يجلس بعد التسليم والانصراف شيئًا يسيرًا في مصلاه.\nوقال مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀- في شرح قوله: \"فجلسته بين التسليم والانصراف\": هذه الجلسة ممكن أن يراد به التشهد والقعدة الأخيرة، وكونها بين التسليم والانصراف باعتبار أن يراد بالتسليم السلام عليك أيها النبي، والانصراف هو تسليم التحليل، وأن يراد به جلوسه - ﷺ - لانتظار ذهاب النساء، فالتسليم إذًا هو تسليم التحليل والانصراف هو رجوعه إلى بيته - ﷺ -، انتهى.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٢٧).","vol":"4","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>(١٥٠) بَابُ صَلَاةِ مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ</span>\n٨٥٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن سُلَيْمَانَ،\n===\nقلت: وأما الإشكال بمخالفة حديث البخاري لمسلم وأبي داود بإثبات القيام ونفيه، فإن البخاري ذكر هذا الحديث برواية الحكم عن ابن أبي ليلى في \"باب استواء الظهر في الركوع\"، وفيه استثناء القيام والقعود من المساواة، ونفي الاستواء فيهما، وفي رواية لمسلم وأبي داود من حديث هلال عن ابن أبي ليلى، وفيهما إثبات المساواة للقيام، فذكر الحافظ في \"باب الطمأنينة\" تحت حديث الحكم عن ابن أبي ليلى الذي ليس فيه هذا الاستثناء.\nفقال (١): ولم يقع في هذا الطريق الاستثناء الذي مرَّ في \"باب استواء الظهر\"، وهو قوله: \"ما خلا القيام والقعود\"، ووقع في رواية لمسلم: \"فوجدت قيامه فركعته فاعتداله\"، الحديث، وحكى ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه نسب هذه الرواية إلى الوهم، ثم استبعده، لأن توهم الراوي الثقة على خلاف الأصل، ثم قال في آخر كلامه: فينظر ذلك في الروايات، ويحقق الاتحاد والاختلاف من مخارج الحديث، انتهى.\nوقد جمعت طرقه فوجدت مداره على ابن أبي ليلى عن البراء، لكن الرواية التي فيها زيادة ذكر القيام من طريق هلال بن أبي حميد عنه، ولم يذكره الحكم عنه، وليس بينهما اختلاف في سوى ذلك، إلَّا ما زاده بعض الرواة عن شعبة عن الحكم من قوله: \"ما خلا القيام والقعود\"، وإذا جمع بين الروايتين ظهر من الأخذ بالزيادة فيهما أن المراد بالقيام المستثنى القيام للقراءة، وكذا القعود، والمراد به القعود للتشهد.\n\n(١٥٠) (بَابُ صَلَاةِ مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ في الرُّكُوعِ وَالسجُودِ)\nأي: من لا يتم ركوعه وسجوده، ما حكم صلاته؟\n٨٥٤ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، نا شعبة، عن سليمان) هو الأعمش\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٨).","vol":"4","page":310},{"text":"عن عُمَارَةَ بْن عُمَيْرٍ، عن أَبِي مَعْمَرٍ، عن أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ\". [ت ٢٦٥، ن ١٠٢٧، جه ٨٧٠، دي ١٣٢٧، حم ٤/ ١١٩، خزيمة ٥٩١، حب ١٨٩٢، ق ٢/ ٨٨، قط ١/ ٣٤٨]\n===\n(عن عمارة (١) بن عمير، عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة، (عن أبي مسعود البدري) هو عقبة بن عمرو (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود).\nهذا الحديث (٢) يدل على فرضية تعديل الأركان، وإليه ذهب الإِمام أبو يوسف والشافعي، فإنهما قالا: لو ترك الطمأنينة فسدت صلاته، وقال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله-: إن الطمأنينة والقرار في الركوع والسجود ليست بفرض، وعلى هذا الخلاف القومة التي بعد الركوع، والقعدة التي بين السجدتين، حتى روى الحسن عن أبي حنيفة فيمن لم يقم صلبه في الركوع إن كان إلى القيام أقرب منه إلى تمام الركوع لم يجزه، وإن كان إلى تمام الركوع أقرب منه إلى القيام أجزأه إقامةً للأكثر مقام الكل.\nاحتج الإِمام أبو يوسف والشافعي - رحمهما الله - بهذا الحديث، وبحديث الأعرابي الذي دخل المسجد وأخف الصلاة، فقال له النبي - ﷺ -: \"قم فصل فإنك لم تصل\"، وهذا الحديث يأتي بعد ذلك الحديث متصلًا، والاستدلال به من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه أمره بالإعادة، والإعادة لا تجب إلَّا عند فساد الصلاة، وفسادها بفوات الركن.\nوالثاني: أنه نفى كون المؤدى صلاة بقوله: \"فإنك لم تصل\".\n_________\n(١) بضم العين فيهما.\n(٢) قال ابن العربي: وقد احتج به الشافعي ومالك على فرضية الاعتدال، وبه قال أحمد وإسحاق، \"ابن رسلان\". (ش). [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٦٧)].","vol":"4","page":311},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالثالث: أنه أمره بالطمأنينة، ومطلق الأمر للفرضية، وأبو حنيفة ومحمد احتجا لنفي الفرضية بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١) أمر بمطلق الركوع والسجود، والركوع الانحناء والميل، والسجود هو التطأطؤ والخفض والوضع، فإذا أتى بأصل الانحناء والوضع فقد امتثل لإتيانه بما يطلق عليه الاسم، فأما الطمأنينة فدوام على أصل الفعل، والأمر بالفعل لا يقتضي الدوام.\nوأما حديث الأعرابي فهو من الآحاد، فلا يصلح ناسخًا للكتاب، ولكن يصلح مكملًا، فيحمل أمره بالاعتدال على الوجوب، ونفيه الصلاة على نفي الكمال، وتمكن النقصان الفاحش الذي يوجب عدمها، وأمره بالإعادة على الوجوب جبرًا للنقصان، أو على الزجر عن المعاودة إلى مثله، كالأمر بكسر دنان الخمر عند نزول تحريمها تكميلًا للغرض على أن الحديث حجة عليهما، فإن النبي - ﷺ - مكن الأعرابي من المضي في الصلاة في جميع المرات، ولم يأمره بالقطع، فلو لم تكن تلك الصلاة جائزة لكان الاشتغال بها عبثًا، إذ الصلاة لا تمضي في فاسدها، فينبغي أن لا يمكنه.\nثم الطمأنينة في الركوع واجبة عند أبي حنيفة ومحمد كذا ذكره الكرخي، حتى لو تركها ساهيًا يلزمه سجود السو، وذكر أبو عبد الله الجرجاني: أنها سنة حتى لا يجب سجود السهو بتركها ساهيًا، وكذا القومة التي بين الركوع والسجود، والقعدة التي بين السجدتين، والصحيح ما ذكره الكرخي، لأن الطمأنينة من باب إكمال الركن، وإكمال الركن واجب كإكمال القراءة بالفاتحة.\nألا ترى أن النبي - ﷺ - ألحق صلاة الأعرابي بالعدم، والصلاة إنما يقضى عليها بالعلم إما لانعدامها بترك الركن، أو بانتقاصها بترك الواجب، لتصير عدمًا من وجه، فأما ترك السنَّة فلا يلتحق بالعدم، لأنه لا يوجب نقصانًا فاحشًا،\n_________\n(١) سورة الحج: الآية ٧٧.","vol":"4","page":312},{"text":"٨٥٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبيُّ، نَا أَنَسٌ - يَعْنِي ابْنَ عِياضٍ -. (ح): وَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي (١) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْمُثنَّى-، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -،\n===\nولهذا يكره تركها أشد الكراهة، حتى روي عن أبي حنيفة - ﵀- أخشى أن لا تجوز صلاته.\n٨٥٥ - (حدثنا القعنبي، نا أنس - يعني ابن عياض-، ح: ونا ابن المثنى، حدثني يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، وهذا لفظ ابن المثنى) لا القعنبي (حدثني سعيد بن أبي سعيد) واسمه كيسان (عن أبيه) أبي سعيد، (عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - دخل المسجد) وفي رواية: أنَّ رجلًا دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس في ناحية المسجد، (فدخل رجل) هو خلاد (٢) بن رافع كما بينه ابن أبي شيبة، قال ابن حجر (٣): هو خلاد بن رافع الأنصاري، وجاء أنه استشهد ببدر، فعليه تكون القصة قبلها، ولا تشكل عليه رواية أبي هريرة للقضية، مع أنه إنما أسلم سنة سبع، ووقعة بدر كانت في الثانية، لأنه يحتمل أن أبا هريرة رواها عن بعض الصحابة الذين شاهدوها، فأرسلها.\n(فصلى) وفي النسائي: فصلى ركعتين، والظاهر أنها تحية المسجد (ثم جاء فسلم على رسول الله - ﷺ -) مقدمًا حق الله - ﷺ - على حق رسوله ﵇، كما هو أدب الزيارة لأمره ﵇ بذلك لمن سلَّم عليه قبل صلاة التحية، فقال له: ارجع فصلِّ، ثم ائت فسلم علي.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) يشكل عليه لفظ الترمذي: كالبدوي، ويحتمل أن يكون شَبَّه به لأنه أخف الصلاة أو بغير ذلك. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٤٩).","vol":"4","page":313},{"text":"فَرَدَّ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - ﵇ وَقَالَ: فَقَالَ: \"ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ\"، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"وَعَلَيْكَ السَّلَامُ\"، ثُمَّ قَالَ (١): \"ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ\"، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ (٢) فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، فَعَلِّمْنِي (٣).\n===\n(فرد (٤) رسول الله - ﷺ - ﵇ وقال: فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل) (٥) أي صلاة كاملة أو صحيحة (فرجع الرجل) أي إلى موضعه الذي صلَّى فيه (فصلى) مرة ثانية (كما كان صلَّى) في المرة الأولى (ثم جاء إلى النبي - ﷺ -) بعد ما صلَّى ثانيًا (فسلم (٦) عليه فقال له رسول الله - ﷺ -: وعليك السلام، ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (ارجع فصل فإنك لم تصل) أي صلاة كاملة أو صحيحة، قال ابن الملك: النفي في قوله: لم تصل نفي لكمال الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، ونفي لجوازها عند أبي يوسف.\nقلت: وكذلك عند (٧) الشافعي، لكن تقريره على صلاته كرات يؤيد كونه نفي الكمال لا الصحة، فإنه يلزم منه أيضًا الأمر بعبادة فاسدة مرات.\n(حتى فعل) أي رسول الله - ﷺ - أو الرجل (ذلك) أي الأمر بإعادة الصلاة أو تكرار الصلاة (ثلاث مرار، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا، فعلمني) فإن قيل: لم سكت النبي - ﷺ - عن تعليمه أولًا حتى افتقر إلى\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"له\".\n(٢) وفي نسخة: \"مرات\".\n(٣) وفي نسخة: \"علمني\".\n(٤) هذا يرد على من قال: إنه ﵇ لم يرد عليه، لأن الموعظة أهم من الرد، وقال آخرون: يجوز ترك الرد تأديبًا، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) فيه أن الصلاة الفاسدة لا تسمى صلاة، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) فيه تكرار السلام إذا ولى ظهره، وإن لم يخرج من المجلس، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٧) واعتذر عن الشافعية ابن رسلان إنما فعل ﵇ ذلك؛ لأن التعليم بعده أوقع. (ش).","vol":"4","page":314},{"text":"قَالَ: \"إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ،\n===\nالمراجعة كرة بعد أخرى؟ قلنا: لأن الرجل لما لم يستكشف الحال مغترًا بما عنده سكت عن تعليمه زجرًا له، وإرشادًا إلى أنه ينبغي له أن يستكشف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال بَيَّنَه بحسن المقال.\nواستشكل تقريره ﵇ على صلاته وهي فاسدة ثلاث مرات على القول بأن النفي للصحة.\nوأجيب بأنه أراد استدراجه بفعل ماجهله مرات لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا أو غافلًا فيتذكر، فيفعله من غير تعليم، فليس من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقق الخطأ، أو بأنه لم يعلمه أولًا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره، ولتفخيم الأمر وتعظيمه عليه.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (إذا قمت) أي أردت القيام (إلى الصلاة فكبر) للتحريمة (ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن)، وفي الحديث كما في الآية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١)، دليل على أن قراءة الفاتحة ليست بركن، وما دون الآية غير مراد إجماعًا، فتبقى الآية، وبه أخذ أبو حنيفة.\nوفي \"شرح السنَّة\" (٢): أراد بما تيسر معك من الفاتحة إذا كان يحسنها ببيان الرسول - ﷺ - كقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣)، والمراد الشاة ببيان السنَّة، وفيه دليل على وجوب القراءة في الركعات كلها كما يجب الركوع والسجود، ذكره الطيبي، وفيه أبحاث محلها كتب الفقه وأصوله.\nومن جملتها أنه ﵇ صرَّح بأن المراد بالهدي الشاة، ولم يرو عنه أنه قال: المراد بما تيسر هو الفاتحة، ومن ادَّعى فعليه البيان، وأما ما ورد في رواية صحَّحها أحمد والبيهقي وابن حبان من قوله ﵇: \"ثم قرأ\n_________\n(١) سورة المزمل: الآية ٢٠.\n(٢) وقال ابن رسلان: أو يؤول بأنه في العاجز عن الفاتحة. (ش).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.","vol":"4","page":315},{"text":"ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا،\n===\nبأم القرآن\" إنما يدل على الوجوب، وبه نقول مع أن الواقعة لم تتكرر كما هو الظاهر، فتحمل إحداهما على أنها رويت باللفظ، والأخرى على أنها رويت بالمعنى، ولكن فيه أن ما بينهما تفاوت فاحش في المعنى، ففي تصحيح الرواية نظر ظاهر، والله أعلم.\nثم القراءة ليست بفرض مطلقًا عند أبي بكر الأصم، وعندنا فرض في الركعتين لا على التعيين، وأما تعيين الأوليين فبطريق الوجوب، وعند بعض العلماء القراءة فرض في ركعة، وعند بعض في ثلاث ركعات.\n(ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) حال مؤكدة، والظاهر أنها مقيدة، (ثم ارفع) رأسك عن الركوع (حتى تعتدل قائمًا) والحديث لا يدل على الاطمئنان في القومة، لكن جاء في رواية ابن حبان: \"حتى تطمئن قائمًا\"، والله أعلم بصحته.\nوقال إمام الحرمين من الشافعية مع جلالته: إنه ﵇ لم يذكر الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين، وفيه أن الاطمئنان في الجلوس بين السجدتين مذكور في هذا الحديث المتفق عليه، وأما قول ابن حجر: إن هذا سهو منه إذ في قوله: \"حتى يستوي قائمًا\" التصريح بوجوب القيام من الركوع مع الاستواء فيه، وهذا هو الاعتدال والطمأنينة اللذان قلنا بوجوبهما، فمبني على أنه لم يفرق بين الاعتدال والطمأنينة، فتأمل فيهما.\n(ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) وهي السجدة الأولى (ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا) وهذه جلسة بين السجدتين، ولم يذكر في هذه الرواية السجدة الثانية ولا الرفع منها، وقد ذكرا في رواية البخاري ومسلم.\nقال النووي (١): هذا الحديث محمول على بيان الواجبات دون السنن،\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٤٣).","vol":"4","page":316},{"text":"ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ في صَلَاتِكَ كُلِّهَا\".\nقَالَ الْقَعْنَبِيُّ: عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيَّ عن أَبِي هُرَيْرَةَ: وَقَالَ في آخِرهِ: \"فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، وَمَا انْتَقَصْتَ مِنْ هَذَا شَيْئًا، فَإنَّمَا انْتَقَصْتَهُ مِنْ صَلَاتِكَ\"\n===\nفإن قيل: لم يذكر فيه كل الواجبات من المجمع عليها كالنية والتشهد والقعود الأخير، وترتيب أركان الصلاة، والمختلف فيه كالتشهد الأول والصلاة على النبي - ﷺ -، فالجواب أن الواجبات المجمع عليها كانت معلومة عند السائل، فلم يحتج إلى بيانها.\n(ثم افعل ذلك) أي ما ذكر بما يمكن تكريره، فخرج نحو تكبيرة الإحرام (في صلاتك كلها) أي في كل الركعات منها، استدل الشافعية بهذه الجملة على فرضية القراءة في الركعات كلها، والجواب عنه أن هذا اللفظ لو يحمل على عمومه يلزم وجوب تكبيرة الافتتاح في الركعات كلها ووجوب جلسة الاستراحة وغيرها، فما كان جوابهم عنها فهو جوابنا عن هذا.\n\"قال أبو داود\" كما في نسخة: (قال القعنبي: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، وقال في آخره: فإذا فعلت هذا) أي ما ذكر من الأفعال (فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا) أي من الواجبات لا من الأركان (شيئًا، فإنما انتقصته من صلاتك).\nوهذا الكلام يدل على أن ما ذكر قبل من قوله: فإنك لم تصل، فنفي الصلاة فيه محمول على نفي الكمال، فإن وقوع النقص في الصلاة لا يستلزم بطلانها، وقد استدل الصحابة بهذا اللفظ على نفي الكمال، فقال رفاعة (١): وكان أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من ذلك انتقص من صلاته ولم تذهب كلها.\n_________\n(١) كما في رواية الترمذي في \"باب ما جاء في وصف الصلاة\"، وهو بعينه ما قالته الحنفية من أنها لم تذهب كلها. (ش).","vol":"4","page":317},{"text":"وَقَالَ فِيهِ: \"إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبغِ الْوُضُوءَ\". [خ ٧٥٧، م ٣٩٧، ت ٣٠٣، ن ٨٨٤، حم ٢/ ٤٣٧، ق ٢/ ٣٧، خزيمة ٤٦١]\n٨٥٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ،\n===\n(وقال) القعنبي (فيه: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء) وغرض المصنف بيان الاختلاف بين حديث القعنبي وحديث ابن المثنى، فالاختلاف بينهما في السند بأن ابن المثنى حدث هذا الحديث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وحدث القعنبي عن سعيد بن أبي سعيد وزاد لفظ المقبري، ولم يذكر عن أبيه، بل حدثه عن أبي هريرة بلا واسطة أبيه.\nوأما الاختلاف في المتن ففي أن القعنبي زاد في آخر الحديث: \"فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا شيئًا، فإنما انتقصته من صلاتك\"، وزاد في أول الحديث: \"إذا قمت إلى الصلاة فأسبع الوضوء\"، ولم يذكرهما ابن المثنى.\n٨٥٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد (١)، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد) بن رافع، قال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): وذكر ابن الكلبي أن خلادًا قتل ببدر، قال أبو عمر: يقولون: إن له رواية\" وقيل: إنه المسيء صلاته، فقد روى أبو موسى من طريق سفيان بن وكيع، عن أبيه وكيع، عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن يحيى بن عبد الله بن خلافى، عن أبيه، عن جده أنه دخل المسجد فصلَّى، ورواه سعيد بن منصور وعبد الله بن محمد الزهري عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن علي بن يحيى بن (٣) عبد الله بن خلاد عن أبيه عن جده به.\n_________\n(١) ابن سلمة، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) (٢/ ١٣٩).\n(٣) وفي \"الإصابة\" (٢/ ١٣٩): عن عبد الله، وهو تحريف.","vol":"4","page":318},{"text":"عن عَمِّهِ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَذَكَر (١) نَحْوَهُ، قَالَ فِيهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّهُ لا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَاسِ حَتَّى يَتَوَضَأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ\"- يَعْنِي مَوَاضِعَهُ- \"ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَحْمَدَ الله ﷿ وُيثْنِيَ عَلَيْهِ،\n===\nقلت: ذكر عبد الله (٢) في نسب علي بن يحيى زيادة لا حاجة إليها، وقول ابن عيينة: عن جده وهم، فقد رواه إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن إسحاق وغيرهما عن علي بن يحيى عن أبيه عن عمه وهو رفاعة، والحديث حديثه، وهو مشهور به، وكذا رواه إسماعيل بن جعفر عن يحيى بن علي بن يحيى المذكور عن أبيه عن جده عن رفاعة، فهذه الطرق هي وغيرها في السنن، وقد رواه أحمد وابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو عن علي بن يحيى فقال: عن رفاعة أن خلادًا دخل المسجد، الحديث، وكذا أخرجه الطحاوي من طريق شريك بن أبي نمر عن علي بن يحيى وهو الصواب، فخرج من هذا أن خلادًا هو المسيء صلاته، وأن رفاعة أخوه هو الذي روى الحديث، فإن كان خلادًا استشهد ببدر، قالقصة كانت قبل بدر فنقلها رفاعة، والله أعلم، انتهى.\n(عن عمه) (٣) أي عم يحيى بن خلاد لا عم علي بن يحيى، وهو رفاعة بن رافع: (أن رجلًا دخل المسجد فذكر) أي موسى بن إسماعيل (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (قال) موسى (فيه: فقال النبي - ﷺ -: إنه) الضمير للشأن (لا تتم) أي لا تكمل (صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء) أي ماء الوضوء، أو بضم الواو أي فعل الوضوء (يعني مواضعه) ولعله ترك سائر الشرائط من طهارة الثوب والبدن وغيرها اكتفاء بالشهرة.\n(ثم يكبر) أي: للافتتاح (ويحمد الله (٤) ﷿ ويثني عليه،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذكر\".\n(٢) قال ابن حجر: هذا وهم، والصواب إسقاط عبد الله، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) قال المنذري (١/ ٢٩٨): هذا وهم، والصواب عن أبيه عن عمه. (ش).\n(٤) يحتمل أن يراد به الفاتحة، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":319},{"text":"وَيَقْرَأَ بِمَا شَاءَ (١) مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقُولَ: اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولَ: اللهُ أَكْبَرُ، وَيرْفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَويَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولَ: اللَّه أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ\". [حم ٤/ ٣٤٠]\n٨٥٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِك وَالْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ (٢) قَالَا: نَا هَمَّامٌ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن عَلِيٍّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ، عن أَبِيهِ، عن عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِع بِمَعْنَاهُ،\n===\nويقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد) أي السجدة الأولى (حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد) أي السجدة الثانية (حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك) أي المذكور من الأفعال (فقد تمت صلاته).\n٨٥٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا هشام بن عبد الملك) بن عمران (والحجاج بن منهال قالا: نا همام، نا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه) أي عم أبيه يحيى بن خلاد (رفاعة بن رافع بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم. وهذا الحديث يخالف حديث موسى بن إسماعيل المتقدم، فإن فيه علي بن\n_________\n(١) وفيه نسختان: \"تقرأ بما شئت\"، \"يقرأ بما تيسر\".\n(٢) وفي نسخة: \"المنهال\".","vol":"4","page":320},{"text":"قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ ﷿ وَيَحْمَدَهُ، ثُمَّ يَقْرَأَ مِنَ الْقُرْآنِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَتيَسَّرَ\" - فَذكَرَ نَحْوَ (١) حَمَّادٍ، قَالَ: \"ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ فَيُمَكِّنَ وَجْهَهُ\" -\n===\nيحيى بن خلاد يروي عن عم أبيه يحيى بن خلاد بلا واسطة أبيه، وفي هذا يروي علي بن يحيى بن خلاد بواسطة أبيه عن عم أبيه رفاعة بن رافع، فيمكن أن يكون له رواية عنهما، فروى أولًا عن رفاعة بواسطة أبيه ثم عنه من غير واسطة، أو روى أولًا بلا واسطة ثم نسيه فروى بواسطة أبيه، إن كان له به لقاء، وإلَّا فيكون فيه انقطاع، أو سهو من الكاتب بأنه ترك لفظ \"عن أبيه\".\n(قال: فقال رسول الله - ﷺ -) للرجل المسيء صلاته (إنها) الضمير للقصة (لا تتم) بفتح التاء الأولى وكسر الثانية (صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه) ويغسل (يديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه و) يغسل (رجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ﷿) للافتتاح (ويحمده) والمراد به الثناء (ثم يقرأ من القرآن ما أذن) الله ﷿ كما في رواية همام عند دارمي (له فيه وتيسر) وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (فذكر) أي همام (نحو) حديث (حماد).\nوقد صرَّح الدارمي بما تركه أبو داود، وأحال إلى حديث حماد بعد قوله: \"ما أذن الله ﷿ له فيه، ثم يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ويقول: سمع الله لمن حمده، فيستوي قائمًا حتى يقيم صلبه، فيأخذ كل عضو مأخذه\"، انتهى.\n(قال) رسول الله - ﷺ - أو إسحاق: (ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نحو حديث\".","vol":"4","page":321},{"text":"قَال هَمَّامٌ: وَرُبَّمَا قَال-: \"جَبْهَتَهُ- مِنَ الأَرْض، حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدِهِ وُيقِيمَ صُلْبَهُ\" فَوَصَفَ الصَّلَاةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَتَّى فَرَغَ، \"لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ\". [ت ٣٠٢، ن ١١٣٦، جه ٤٦٠، دى ١٣٢٩، حم ٤/ ٣٤٠، ك ١/ ٢٤٣، ق ٢/ ٣٨٠]\n===\nقال همام: وربما قال) إسحاق: (جبهته) موضع وجهه (من الأرض، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي) أي تلين (ثم يكبر فيستوي قاعدًا على مقعده وبقيم صلبه) أي في الجلسة بين السجدتين (فوصف) أي رسول الله - ﷺ - (الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ) من بيان الصلاة، ثم قال: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك).\nقلت: وهذا الحديث يدل على أن قراءة القرآن واجبة في الركعات كلها، والمذهب على خلاف ذلك، واختلف في محل القراءة المفروضة، فمحلها الركعتان الأوليان عينًا في الصلاة الرباعية، هو الصحيح من مذهب أصحابنا، وقال بعضهم: ركعتان منها غير عين، وإليه ذهب القدوري، وقال الحسن البصري: المفروض هو القراءة في ركعة واحدة، وقال مالك: في ثلاث ركعات، وقال الشافعي: في كل ركعة.\nاحتج الحسن بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، فإذا قرأ في ركعة واحدة فقد امتثل أمر الشرع، وقال النبي - ﷺ -: \"لا صلاة إلَّا بقراءة\"، وقد وجدت القراءة في ركعة، فثبتت الصلاة ضرورة.\nوبهذا يحتج الشافعي إلَّا أنه يقول: اسم الصلاة يطلق على كل ركعة، فلا تجوز كل ركعة إلَّا بقراءة، بقوله ﵇: \"لا صلاة إلَّا بقراءة\"، ولأن القراءة في كل ركعة فرض في النفل، ففي الفرض أولى، لأنه أقوى، ولأن القراءة ركن من أركان الصلاة، ثم سائر الأركان من القيام والركوع والسجود فرض في كل ركعة، فكذا القراءة.","vol":"4","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوبهذا يحتج مالك إلَّا أنه يقول: القراءة في الأكثر أقيم مقام الكل تيسيرًا.\nولنا إجماع الصحابة، فإن عمر ترك القراءة في المغرب في أحد الأوليين فقضاها في الركعة الأخيرة وجهر، وعثمان ترك القراءة في الأوليين من صلاة العشاء فقضاها في الأخريين وجهر، وعلي وابن مسعود كانا يقولان: المصلي بالخيار في الأخريين إن شاء قرأ، وإن شاء سكت، وإن شاء سبح، وسأل رجل عائشة عن قراءة الفاتحة في الأخريين فقالت: ليكن على وجه الثناء، ولم يرو عن غيرهم خلاف ذلك فيكون ذلك إجماعًا.\nولأن القراءة في الأخريين ذكر يخافت بها على كل حال، فلا تكون فرضًا كثناء الافتتاح، وهذا لأن مبنى الأركان على الشهرة والظهور، ولو كانت القراءة في الأخريين فرضًا لما خالفت الأخريان الأوليين في الصفة كسائر الأركان، وأما الآية فنحن ما عرفنا فرضية القراءة في الركعة الثانية بهذه الآية، بل بإجماع الصحابة على ما ذكرناه، والثاني: إنا ما عرفنا فرضيتها بالنص بل بدلالة النص، لأن الركعة الثانية تكرار للأولى، والتكرار في الأفعال إعادة مثل الأول، فيقتضي إعادة القراءة بخلاف الشفع الثاني، لأنه ليس بتكرار الشفع الأول، بل هو زيادة عليه.\nقالت عائشة: \"الصلاة في الأصل ركعتان زيدت في الحضر وأقرت في السفر\" (١).\nوالزيادة على الشيء لا يقتضي أن يكون مثله، ولهذا اختلف الشفعان في وصف القراءة من حيث الجهر والإخفاء وفي قدرها، وهو قراءة السورة فلم\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٥٠)، ومسلم في \"صحيحه\" (٦٨٥)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٤٦)، وأبو داود (١١٩٨)، والنسائي (٤٥٤، ٤٥٥، ٤٥٦، ١٤٣٥)، وأحمد في \"مسنده\" (٦/ ٢٧٢).","vol":"4","page":323},{"text":"٨٥٨ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن مُحَمَّدٍ - يَعْنِي ابْنَ عَمْروٍ -، عن عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\nيصح الاستدلال، على أن في الكتاب والسنَّة بيان فرضية القراءة، وليس فيهما بيان قدر القراءة المفروضة. وقد خرج فعل الصحابة -﵃- على مقدار، فيجعل بيانًا لمجمل الكتاب والسنَّة بخلاف التطوع، لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة، حتى إن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول بخلاف الفرض، والله أعلم، قاله في \"البدائع\" (١).\nقلت: ويمكن أن يقال في الجواب: إن الحديث مشتمل على أفعال: بعض منها أركان، وبعضها من الواجبات، وبعضها من السنن، فيكون معنى قوله - ﷺ -: \"ثم افعل ذلك في صلاتك كلها\"، أي ائت ذلك الأفعال كلها من الأركان والواجبات والسنن على وجهها، ويكون معنى قوله - ﷺ -: \"وما انتقصت من هذا شيئًا، فإنما انتقصته من صلاتك\"، أي إذا أديت ناقصًا شيئًا من هذا أديتها ناقصًا على مرتبة الأفعال منها.\n٨٥٨ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد (٢)، عن محمد يعني ابن عمرو) بن علقمة، (عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه)، اختلف نسخ أبي داود في ذكر لفظ \"عن أبيه\" ههنا في رواية محمد بن عمرو عن علي، وفي عدم ذكره، وهذا اللفظ موجود في جميع النسخ الموجودة إلَّا في النسخة القادرية (٣)، ونسخة \"عون المعبود\"، وقد أخرج حديث محمد بن عمرو الإِمام أحمد في \"مسنده\"، وليس فيه عن أبيه.\nوكذلك نقل هذه الرواية الحافظ في \"الفتح\" (٤) عن \"مصنف ابن أبي شيبة\"،\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(٢) يعني ابن عبد الله الواسطي. \"ابن رسلان\". (ش)\n(٣) وليس في نسخة ابن رسلان أيضًا. (ش). [وكذلك نص المزي في \"تحفة الأشراف\" (٣٦٠٤) أنه لم يقل \"عن أبيه\" في رواية وهب هذه].\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٧).","vol":"4","page":324},{"text":"عن رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: \"إِذَا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ، وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ\". وَقَالَ: \"إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ بِسُجُودِكَ، فَإِذَا رَفَعْتَ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى\". [انظر سابقه]\n===\nفقال: بينه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن محمد بن عمرو عن علي بن يحيى عن رفاعة، ولم يذكر عن أبيه، فدل هذا على أن الصواب فيه ترك لفظ عن أبيه.\nوقد ذكر الحافظ هذا الاختلاف الواقع من الرواة بذكر لفظ عن أبيه، وعدم ذكره، فقال: وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة أخرجها أبو داود والنسائي من رواية إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمرو ومحمد بن عجلان وداود بن قيسى كلهم عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع، فمنهم من لم يسم رفاعة، وقال: عن عم له بدري، ومنهم من لم يقل عن أبيه، ورواه النسائي والترمذي من طريق يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن جده، لكن لم يقل الترمذي عن أبيه، انتهى.\n(عن رفاعة بن رافع بهذه القصة قال: إذا قمت) إلى الصلاة (فتوجهت إلى القبلة فكبر) أي للافتتاح (ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ) من القرآن سوى الفاتحة، (وإذا ركعت فضع راحتيك) أي كفيك (على ركبتيك وامدد) ابسط (ظهرك) وهذا الفعل سنَّة اتفاقًا.\n(وقال: إذا سجدت فمكن) أي يديك، قاله الطيبي (بسجودك) أي اسجد سجودًا تامًا مع الطمأنينة، ووضع اليدين في السجود لسنَّة عندنا وفرض عند الشافعي، وقال ابن حجر: معناه: فمكن جبهتك من مسجدك، فيجب تمكينها بأن يتحامل عليها بحيث لو كان تحتها قطن انكبس.\n(فإذا رفعت) رأسك من السجود (فاقعد على فخذك اليسرى) أي ناصبًا","vol":"4","page":325},{"text":"٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُؤمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ، عن أَبِيهِ، عن عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قالَ: \"إِذَا أَنْتَ قُمْتَ في صَلَاتِكَ فَكبِّرِ اللَّهَ ﷿، ثُمَّ اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ\" - وَقَالَ فِيهِ: - \"فَإِذَا جَلَسْتَ في وَسَطِ الصَّلَاةِ، فَاطْمَئِنَّ وَافْتَرِشْ فَخِذَكَ الْيُسْرَى، ثُمَّ تَشَهَّدْ، ثُمَّ إِذَا قُمْتَ، فَمِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِكَ\". [خزيمة ٥٩٧، ٦٣٨ - وانظر تخريج الحديث السابق]\n===\nقدمك اليمنى، وهو الافتراش المسنون عندنا في مطلق القعدات، وقال ابن حجر: أي تنصب رجلك اليمنى كما بينه بقية الأحاديث السابقة، ومن ثم كان الافتراش بين السجدتين أفضل من الإقعاء المسنون بينهما كما مر، لأن ذلك هو الأكثر من أحواله ﵇، انتهى.\nوفيه أن الأولى أن يحمل الأكثر على أنه المسنون، وغيره إما لعذر أو لبيان الجواز، وهذا الحديث يدل على فرضية الفاتحة، وشيئًا من غير الفاتحة، فباعتبار فرضية الفاتحة حجة على الحنفية، وقد مضى الجواب عنهم، وباعتبار فرضية ما زاد على الفاتحة حجة على الشافعية.\n٨٥٩ - (حدثنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل) بن علية، (عن محمد بن إسحاق، حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، عن أبيه) أي يحيى بن خلاد (عن عمه) أي يروي يحيى عن عمه (رفاعة بن رافع عن النبيﷺ - بهذه القصة، قال: إذا أنت قمت في صلاتك فكبر الله ﷿، ثم اقرأ ما تيسَّر عليك من القرآن، وقال) محمد بن إسحاق (فيه: فإذا جلست في وسط الصلاة) أي القعدة الأولى للتشهد، (فاطمئن وافترش فخذك اليسرى) ثم اقعد عليها، وانصب رجلك اليمنى (ثم تشهد) أي اقرأ التحيات لله إلى آخر الشهادتين، (ثم إذا قمت) من القعدة الأولى إلى الشفعة الثانية (فمثل ذلك) أي: فافعل مثل ذلك، (حتى تفرغ من صلاتك).","vol":"4","page":326},{"text":"٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَّلِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ -، أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ عَلِىِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَصَّ هَذَا الْحَدِيثَ - قَالَ (١) فِيهِ: «فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ، ثُمَّ تَشَهَّدْ، فَأَقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وَإِلَّا\n===\n٨٦٠ - (حدثنا عباد بن موسى الختلي، نا إسماعيل -يعني ابن جعفر-، أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه) علي بن يحيى (عن جده) يحيى بن خلاد (عن رفاعة بن رافع: أن رسول الله - ﷺ -).\nاعْلَمْ أنه وافق هذا السياق سياق الإِمام الطحاوي في شرح \"معاني الآثار\" (٢) في ذكر \"عن أبيه\"، وخالفه في أنه قال: \"عن جده رفاعة بن رافع\" من غير تخلل عن، وأما الترمذي فخالف هذا السياق في أنه لم يذكر \"عن أبيه\"، ووافقه في أنه ذكر لفظة: \"عن جده عن رفاعة\"، فسياق أبي داود وسياق الترمذي صحيحان، فإنه قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣) في ترجمة يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع: روى عن أبيه عن جده، وقيل: عن جده، فسياق أبي داود مبني على القول الأول، وسياق الترمذي مبني على القول الثاني الذي أشار إلى ضعفه في ترجمة يحيى بن خلاد بقوله: وعنه ابنه علي بن يحيى وابن ابنه يحيى بن علي إن كان محفوظًا، وأما سياق الطحاوي فلعله سقط فيه لفظ \"عن\" بين قوله عن جده وبين رفاعة من الناسخ، والله أعلم.\n(فقص هذا الحديث، قال فيه: فتوضأ كما أمرك الله) في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٤) الآية، (ثم تشهد) أي أذن (فأقم) أي أقم للصلاة، (ثم كبر) للافتتاح (فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلَّا) أي إن لم يكن معك قرآن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) (١/ ٢٣٢).\n(٣) (١١/ ٢٥٩).\n(٤) سورة المائدة: الآية ٦.","vol":"4","page":327},{"text":"فَاحْمَدِ اللَّهَ ﷿ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ\"، وَقَالَ فِيهِ: \"وَإِنِ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n٨٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا اللَّيْثُ، عن يَزيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن جَعْفَرِ بْنِ الْحَكَمِ. (ح): وَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللّيْثُ، عن جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ،\n===\n(فاحمد (١) الله ﷿ وكبره وهلله، وقال فيه: وان انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك).\nقال مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀- بعد ذكر هذه الرواية: ثم إن رواية الأعرابي الذي خفف الصلاة جامعة لأمهات مسائل الصلاة، ومشتملة على سننها وواجباتها وآدابها، غير أن ما ثبتت ركنيتها بغيرها تتأكد ركنيتها، وما لم يثبت فيه من غيرها شيء يبقى على الوجوب، كما هو مقتضى صيغة الأمر، وما ثبت فيه من خارج أن الأمر ليس على وجهه يكون خارجًا عن الوجوب، كما في قوله: \"تشهد وأقم\"، ولا يبعد أن يقال: خبر الواحد إذا وقع بيانًا للمجمل كان في حكم النص، وههنا كذلك، فإنه بيان لمجمل الصلاة القطعية وجوبها، فيكون مفيدًا للفرضية والركنية، إلَّا ما قام فيه قرينة خلافه، فإنه يعدل فيه إلى الوجوب، إلَّا إذا قام قرينة فيعدل إلى السنية، انتهى.\n٨٦١ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن الحكم) هو جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري والد عبد الحميد، (ح: ونا قتيبة، نا الليث، عن جعفر بن عبد الله الأنصاري) أشار إلى الاختلاف بين سند أبي الوليد وقتيبة بوجهين: الأول: أن أبا الوليد ذكر بين\n_________\n(١) وهذا يؤيد ما تقدم في \"باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة\" من أن الأمي يسبِّح كما قال أحمد وغيره، وتقدم الجواب عن ذلك أنه محمول على أول الأمر إذا كان الأمر على المساهلة. (ش).","vol":"4","page":328},{"text":"عن تَمِيمِ بْنِ الْمَحْمُود (١)، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عنْ نَقْرَةِ الْغُرَاب وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ في الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ\"\n===\nالليث وبين جعفر يزيد بن الحكم، وقتيبة لم يذكره، بل روى بلا واسطة، والثاني: أن أبا الوليد قال: جعفر بن الحكم، فنسبه إلى جده، وقتيبة قال: جعفر بن عبد الله الأنصاري، فنسبه إلى أبيه، وزاد كونه أنصاريًّا.\nولكن أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" من طريق الحجاج، ثنا الليث، يعني ابن سعد قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن جعفر بن عبد الله بن الحكم حدثه، فذكر بين الليث وجعفر يزيد بن أبي حبيب، ثم أخرج من طريق هاشم، قال: ثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر بن الحكم، فذكر بينهما يزيدَ.\nوأخرج هذه الرواية النسائي أيضًا: فذكر بين جعفر والليث رجلين، وهكذا سنده: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن الليث قال: حدثنا خالد عن ابن أبي هلال، عن جعفر بن عبد الله، فلعل الليث يروي هذا الحديث عن جعفر بواسطة يزيد بن أبي حبيب، وبواسطة خالد عن ابن أبي هلال كما في النسائي، وبلا واسطة أيضًا كما عند أبي داود، ولعله أن يكون في سند أبي داود انقطاع أو سقوط، والله أعلم.\n(عن تميم بن المحمود، عن عبد الرحمن (٢) بن شبل قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن نقرة) بفتح النون مثل نقرة (الغراب) يريد المبالغة في تخفيف السجود، وإنه لا يمكث في الصلاة إلَّا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله، (وافتراش السبع) وهو أن يضع ساعديه على الأرض في السجود (وأن يوطن) بتشديد الطاء، ويجوز تخفيفها (الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير) يقال: أوطن الأرض ووطنها واستوطنها: إذا اتخذها وطنًا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ابن محمود\".\n(٢) له في الكتب الستة ثلاثة أحاديث. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن الهمام عن الحلواني: إنه ذكر عن أصحابنا: يكره أن يتخذ في المسجد مكانًا معينًا يصلي فيه، لأن العبادة تصير له طبعًا فيه، وتثقل في غيره، والعبادة إذا صارت طبعًا فسبيلها الترك، ولذا كره صوم الأبد، انتهى، فكيف لمن اتخذه لغرض فاسد، انتهى.\nوفي \"النهاية\": قيل: معناه أن يألف الرجل مكانًا معلومًا من المسجد مخصوصًا به يصلي فيه، كالبعير لا يأوي عن عطن إلَّا إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخًا.\nقال ابن حجر: وحكمته أن ذلك يؤدي (١) إلى الشهرة والرياء والسمعة والتقيد بالعادات والحظوظ والشهوات، وكل هذه آفات أي آفات، فتعين البعد عما أدى إليها ما أمكن، انتهى \"علي قاري\" (٢).\nقلت (٣): وعندي في النهي عن توطين الرجل مكانًا معينًا في المسجد وجه آخر، وهو أنه إذا وطن المكان المعين في المسجد يلازمه، فإذا سبق إليه غيره يزاحمه ويدفعه عنه، وهو لا يجوز لقوله ﵇: \"لا، مني مناخ من سبق\" (٤)، فكما هو حكم مني، فهو حكم المسجد، فمن سبق إلى موضع منه فهو أحق به.\nفعلى هذا لو لازم أحد أن يقوم خلف الإِمام قريبًا منه لأجل حصول الفضل، وسبق إليه من القوم أحد، لا يزاحمه ولا يدافعه، فلا يدخل في هذا النهي.\n_________\n(١) وهكذا جمع العيني بينه وبين حديث عتبان. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٢٦).\n(٣) قلت: ويحتمل أن يكون الحديث بمعنى حديث: نهى عن إيطان المساجد، كما نقله ابن رسلان، فيكون النهي عن توطين المسجد، وذكر المكان المخصوص اتفاقي. (ش).\n(٤) أخرجه أبو داود (٢٠١٩)، والترمذي (٨٨١)، وابن ماجه (٣٠٠٦ - ٣٠٠٧).","vol":"4","page":330},{"text":"هَذَا لَفْظُ قُتَيْبَةَ. [ن ١١١٢، جه ١٤٢٩، حم ٣/ ٤٤٤، خزيمة ٦٩٢، دي ١٣٢٣، ك ١/ ٢٢٩]\n٨٦٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَالِمٍ الْبَرَّادِ قَالَ: \"أَتَيْنَا عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصَارِىَّ أَبَا مَسْعُودٍ فَقُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِينَا فِى الْمَسْجِدِ (١) فَكَبَّرَ، فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَجَعَلَ أَصَابِعَهُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَجَافَى بَيْنَ مِرْفَقَيْهِ حَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُّ شَىْءٍ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\" فَقَامَ حَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُّ شَىْءٍ مِنْهُ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ\n===\nوكذا إذا عين مكانًا للصلاة في بيته كما ثبت في حديث عتبان: \"أين تحب أن أصلي في بيتك؟ فأشرت إلى ناحية\"، فهو أيضًا لا يتعلق به هذا النهي، ونعم لا بأس للقاضي والمفتي والمدرس أن يعينوا موضعًا معلومًا يجلسون فيه في غير وقت الصلاة، ذكره الغزالي والنووي.\n(وهذا لفظ قتيبة) أي اللفظ المذكور في متن الحديث لفظ قتيبة، لا لفظ أبي الوليد الطيالسي، ولم أجد لفظ أبي الوليد في الكتب الموجودة عندي.\n٨٦٢ - (حدثنا زهير بن حرب، نا جرير) بن عبد الحميد، (عن عطاء بن السائب، عن سالم البراد) بفتح الموحدة وتشديد الراء، أبو عبد الله (قال: أتينا عقبة بن عمرو الأنصاري أبا مسعود) البدري (فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله - ﷺ -، فقام) أبو مسعود (بين أيدينا) أي قدامنا (في المسجد) ليرينا صلاة رسول الله - ﷺ - (فكبر) أي افتتح الصلاة بالتكبير (فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك) أي من الركبتين، (وجافى) أي باعد (بين مرفقيه) وبين جنبيه، (حتى استقر كل شيء) أي كل عضو (منه) أي من أبي مسعود في محله (ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام) من الركوع (حتى استقر كل شيء) أي عضو (منه) في محله (ثم كبر وسجد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"في مسجد\".","vol":"4","page":331},{"text":"وَوَضَعَ (١) كَفَّيْهِ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ جَافَى بَيْنَ مِرْفَقَيْهِ (٢) حَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُّ شَئٍ مِنْهُ، ثمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَجَلَسَ حَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُّ شَئءٍ مِنْهُ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا، ثُمَّ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِثْلَ هَذِهِ الركْعَةِ، فَصَلَّى صَلَاتَهُ ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْنَا (٣) رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يُصَلِّي\". [ن ١٠٣٧، دي ١٣٠٤، حم ٤/ ١١٩]\n\n(١٥١) بَابُ (٤) قَوْلِ النَّبِيّ - ﷺ -: \"كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُتِمُّها صَاحِبُهَا تُتَمُّ مِنْ تَطوُّعِهِ\"\n٨٦٣ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا إِسْمَاعِيلُ، نَا يُونُسُ،\n===\nووضع كفيه على الأرض، ثم جافى) أي باعد (بين مرفقيه) وبين جنبيه وبين الأرض أيضًا (حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه) من السجدة (فجلس حتى استقر كل شيء منه، ففعل مثل ذلك أيضًا) أي أكبر وسجد ثانيًا ووضع كفيه على الأرض (ثم صلى أربع ركعات) أي صلى ثلاث ركعات مع الأولى والثلاث منها (مثل هذه الركعة) الأولى (فصلى) أي أتم (صلاته ثم قال: هكذا (٥) رأينا رسول الله - ﷺ - يصلي).\n\n(١٥١) (بَابُ قَوْل (٦) النَّبِيِّ - ﷺ -: \"كُل صَلاةٍ لا يُتِمُّها صَاحِبُهَا تُتَمُّ مِنْ تَطَوُّعِهِ\") أي: يكمل الفرائض إذا أداها ناقصة من التطوعات\n٨٦٣ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم (٧)، نا إسماعيل) بن علية، (نا يونس) بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \" فوضع\".\n(٢) وفي نسخة: \"بمرفقيه\".\n(٣) وفي نسخة: \"رأيت\".\n(٤) وفي نسخة: \"باب ما جاء في .... \".\n(٥) ولم يذكر رفع اليدين، والموضع موضع تعليم. (ش)\n(٦) لعل غرض الترجمة رد ما ورد: \"لا يقبل سبحة أحدكم حتى يتم فرضه\"، ولو صح فمحمول على الاعتياد. (ش).\n(٧) الدورقي، وليس دورق ببلد، وإنما كانوا يلبسون قلانس تسمى الدورقية، فنسبوا إليها. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":332},{"text":"عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ حَكِيمٍ الضَّبِّىِّ قَالَ: خَافَ (١) مِنْ زِيَادٍ أَوِ ابْنِ زِيَادٍ فَأَتَى الْمَدِينَةَ، فَلَقِىَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: فَنَسَبَنِى؛ فَانْتَسَبْتُ لَهُ، فَقَالَ (٢): يَا فَتَى (٣) أَلَا أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، رَحِمَكَ (٤) اللَّهُ. قَالَ يُونُسُ: وأَحْسِبُهُ ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ،\n===\nعبيد البصري (عن الحسن) البصري (عن أنس بن حكيم) مكبرًا (الضبي قال) الحسن: (خاف) أنس (من زياد (٥) أو ابن زياد) وهو عبيد الله و\"أو\" للشك (فأتى المدينة، فلقي أبا هريرة، قال) أنس: (فَنَسَّبني) أي سألني أبو هريرة عن نسبي (فانتسبت له) أي بينت له نسبي (فقال) أبو هريرة: (يا فتى، ألا أحدثك حديثًا؟ قال) أنس: (قلت: بلى) حدثني (رحمك الله، قال يونس: وأحسبه) أي الحسن (ذكره) أي الحديث (عن النبي - ﷺ -) أي قال يونس: أظن أن الحسن قال بعد قوله: ألا أحدثك حديثًا: لفظ عن النبي - ﷺ -، كأنه لم يحفظ كاملًا، فذكره بالظن.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (إن أول ما يحاسب (٦) الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة) قال في \"مرقاة الصعود\": قال العراقي في \"شرح الترمذي\": لا تعارض بينه وبين الحديث الصحيح: \"إن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة\n_________\n(١) ولفظ ابن رسلان: \"خاف أبي\". (ش).\n(٢) وفي نسخة: \"قال\".\n(٣) وفي نسخة: \"بنيّ\".\n(٤) وفي نسخة: \"يرحمك\".\n(٥) واختلفوا في اسمه على أقوال، بسطها ابن رسلان، وكلها قبل الاستلحاق، ولفظ رواية البيهقي: \"من زياد\" بدون الشك. (ش).\n(٦) وفي \"المشكاة\": \"باب الشفقة والرحمة على الخلق\" عن أحمد: أول خصمين يوم القيامة جاران، جمع بينهما القاري. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٢٤٤). (ش).","vol":"4","page":333},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي الدماء\"، فحديث الباب محمول على حق الله تعالى على العبد، وحديث الصحيح في حق الآدميين فيما بينهم، فإن قيل: فأيهما يقدم، محاسبة العباد على حق الله تعالى، أو محاسبتهم على حقوقهم، فالجواب: أن هذا أمر توقيفي، فظواهر الأحاديث دالة على أن الذي يقع أولًا المحاسبة على حقوق الله تعالى.\nقلت: الأول أن هذا الحديث مضطرب (١)، قال الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ترجمة أنس بن حكيم الضبي البصري: روى عن أبي هريرة، وعنه الحسن وابن جدعان (٣)، ذكره ابن المديني في المجهولين، من مشايخ الحسن، والحديث الذي روياه له في الصلاة مضطرب.\nقلت: اختلف فيه على الحسن فقيل عنه هكذا، وقيل: عنه عن حريث بن قبيصة، وقيل: عنهِ عن صعصعة عم الأحنف، وقيل: عنه عن رجل من بني سليط، وقيل: عنه غير ذلك، والله أعلم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: مجهول، انتهى.\nفلما كان حال رواة حديث الباب هذا فكيف يقاوم حديث الصحيح؟ ولو سلم فليس بينهما تعارض؛ لأن لفظ حديث الصحيح: \"أول ما يقضى\"، ولفظ حديث الباب: \"أول ما يحاسب\"، فيمكن أن يكون المحاسبة أولًا في الصلاة ويكون القضاء أولًا في الدماء، فلا تعارض بينهما (٤).\n_________\n(١) قلت: لكن له طرق عند النسائي. [انظر: \"سنن النسائي\" (١/ ٢٣٢)]. (ش).\n(٢) (١/ ٣٧٤).\n(٣) كذا في \"تهذيب الكمال\" (١/ ٢٨٧) رقم (٥٥٦) \"عنه: الحسن وابن جدعان\" وهو الصواب، ووقع في \"تهذيب التهذيب\": وعنه الحسن بن جدعان وهو تحريف.\n(٤) قلت: لكن ظاهر حديث البخاري أن قصاص المظالم يكون بعد التخلص عن النار، فتأمل، والبسط في \"اللامع\" (١٠/ ٩٨). (ش).","vol":"4","page":334},{"text":"قَالَ: يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلَائِكَتِهِ - وَهُوَ أَعْلَمُ -: انْظُرُوا فِى صَلَاةِ عَبْدِى أَتَمَّهَا أَمْ (١) نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِى مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِى فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ،\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (يقول ربنا ﷿ لملائكته وهو أعلم) أي بحال (عباده، فليس سؤاله عن ملائكته لتحصيل العلم، بل لمصلحة أخرى: (انظروا في صلاة عبدي) أي المفروضة (أتمها أم نقصها؟) أي أداها تامة أم ناقصة (فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها) أي من الفرائض (شيئًا قال) أي الله ﷿: (انظروا هل لعبدي من تطوع؟) أي نافلة (فإن كان له تطوع قال) الله تعالى: (أتموا لعبدي فريضته من تطوعه).\nقال في \"مرقاة الصعود\": قال العراقي في \"شرح الترمذي\": هذا الذي ورد من إكمال ما ينتقص العبد من الفريضة بما له من تطوع، يحتمل أن يراد به ما انتقص من السنن والهيئات المشروعة المرغب فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة، وإن لم يفعله في الفريضة، وإنما فعله في التطوع.\nويحتمل أن يراد به ما ترك من الفرائض رأسًا فلم يصله، فيعوض عنه من التطوع، والله تعالى يقبل من التطوعات الصحيحة عوضًا عن الصلاة المفروضة، والله سبحانه يفعل ما يشاء، فله الفضل والمنة، بل له أن يسامح وإن لم يصل شيئًا لا فريضة ولا نفلًا.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي (٢): الأظهر عندي أنه يكمل ما نقص من فرض الصلاة وأعدادها بنفل التطوع لقوله ﵇: ثم الزكاة كذلك وسائر الأعمال، وليس في الزكاة إلَّا فرض أو فضل، فكما يكمل فرض الزكاة بنفلها\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أو\".\n(٢) \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٠٧).","vol":"4","page":335},{"text":"ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَاكَ\". [ت ٤١٣، جه ١٤٢٥، حم ٢/ ٢٩٠ - ٤٢٥، ن ٤٦٥، ك ١/ ٢٦٢]\n٨٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى سَلِيطٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِنَحْوِهِ (١). [انظر سابقه]\n٨٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ: «ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ\n===\nكذلك الصلاة، وفضل الله أوسع وكرمه أعم (٢).\n(ثم تؤخذ الأعمال) أي المفروضة من الزكاة والصوم والحج وغيرها (على ذاك) أي على حسب ذلك المثال المذكور في الصلاة.\n٨٦٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد (٣)، عن حميد، عن الحسن، عن رجل من بني سليط) مكبرًا، (عن أبي هريرة -﵁ - عن النبي - ﷺ - بنحوه) (٤) أي بنحو الحديث المتقدم.\n٨٦٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن داود بن أبي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم) بن أوس بن خارجة (الداري عن النبي - ﷺ - بهذا المعنى) المتقدم في الحديث السابق (قال) النبي - ﷺ -: (ثم الزكاة مثل ذلك) أي مثل ما في الصلاة (ثم تؤخذ الأعمال) المفروضة كما في رواية ابن ماجه،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نحوه\".\n(٢) وبسط في الهامش عن \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٦٤) بأكثر من هذا، وقال: ورد أن ثواب الواجب يعدل ثواب سبعين تطوعًا. (ش).\n(٣) ابن سلمة، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) والظاهر أنه هو الحديث المتقدم كما تقدم في كلام الحافظ. (ش).","vol":"4","page":336},{"text":"عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ\". [جه ١٤٢٦، دي ١٣٥٥، حم ٤/ ١٠٣]\n\n(١٥٢) بَابُ (١) تَفْرِيعِ أَبْواب الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَوَضْعِ الْيَدَينِ عَلَىَ الرُّكبَتَيْنِ (٢)\n٨٦٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى يَعْفُورٍ (٣)، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: \"صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِى فَجَعَلْتُ يَدَىَّ\n===\nوفيه: ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك (على حسب ذلك) أي على موافقة ما في الصلاة من تكميل الفرائض بالتطوعات.\n\n(١٥٢) (بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَابِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَوَضْعِ الْيَدَيْنِ (٤) عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ) أي: في الركوع والتطبيق فيه\n٨٦٦ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي يعفور) الكبير، اسمه وقدان، وقيل: واقد، وذكر النووي في \"شرح مسلم\" (٥) أنه الأصغر وتعقب، (عن مصعب) بفتح العين على صيغة المفعول (ابن سعد) بن أبي وقاص (قال: صليت إلى جنب أبي) سعد (فجعلت يدي) على صيغة التثنية المضاف إلى\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما جاء في تفريع الركوع\".\n(٢) في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٥٢١) ح (١٢٠٧٨)، حديث لأبي داود في فضل السجود، وليس في رواية اللؤلؤي: حديث: \"يا أبا فاطمة، أكثر من السجود، فإنه ليس من مسلم يسجد لله سجدة إلَّا رفعه الله بها درجة ... \".\nأبو داود في الصلاة عن قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد عن كثير الأعرج، قال: سمعت أبا فاطمة قال: قال رسول الله - ﷺ - ... فذكره.\nثم قال المزي: \"حديث أبي داود في رواية أبي الطيب الأشناني، ولم يذكره أبو القاسم\"، ورمز للحديث أيضًا: س، ق. انظر: \"سنن النسائي\" (٧٧٩٠)، و\"سنن ابن ماجه\" (١٤٢٢).\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: اسمه وقدان\".\n(٤) وبوَّب له الترمذي وذكر فيه أثر عمر: \"إن الركب سنَّت لكم فخذوا بالركب\". (ش).\n(٥) (٣/ ٢٢).","vol":"4","page":337},{"text":"بَيْنَ رُكْبَتَىَّ، فَنَهَانِى عَنْ ذَلِكَ، فَعُدْتُ. فَقَالَ: لَا تَصْنَعْ هَذَا، فَإِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ، فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ\". [خ ٧٩٠، م ٥٣٥، ن ١٠٣٢، ت ٢٥٩، جه ٨٧٣، حم ١/ ١٨١]\n===\nياء المتكلم، وكذا (بين ركبتي) وفي رواية البخاري: \"فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي\"، أي ألصقت بين باطني كفي في حال الركوع (فنهاني) أبي (عن ذلك) أي التطبيق، وفي المرة الأولى لم ينسب النهي إلى رسول الله - ﷺ - (فعدت) أي طبقت ثانيًا (فقال) أبي: (لا تصنع هذا) أي التطبيق (فإنا كنا نفعله) في أول الأمر (فنهينا (١) عن ذلك وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب) جمع ركبة، وهذا الحديث يدل على نسخ التطبيق، وأما فعل ابن مسعود فيحمل على أنه لم يبلغه النسخ.\nويؤيد هذا الحديث ما روى ابن المنذر عن ابن عمر بإسناد قوي قال: إنما فعله النبي - ﷺ - مرة يعني التطبيق، وما روى أبو داود (٢) عن علقمة، عن عبد الله قال: علمنا رسول الله - ﷺ - الصلاة فكبر ورفع يديه، فلما ركع طبق يديه بين ركبتيه، قال: فبلغ ذلك سعدًا فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بهذا يعني الإمساك على الركبتين.\nوقال الحافظ (٣): استدل به ابن خزيمة على أن التطبيق غير جائز، وفيه نظر، لاحتمال حمل النهي على الكراهة، فقد روى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا ركعت فإن شئت قلت هكذا - يعني وضعت يديك على ركبتيك-، وإن شئت طبقت، وإسناده حسن، وهو ظاهر في أنه كان يرى التخيير، فإما لم يبلغه النهي وإما حمله على كراهة التنزيه، ويدل على أنه ليس بحرام كون عمر وغيره ممن أنكره لم يأمر من فعله بالإعادة، انتهى.\n_________\n(١) والأصل أنه - ﷺ - كان يحب التوافق بأهل الكتاب أولًا، وكان من فعل اليهود التطبيق، ثم أمر بالخلاف فترك، كذا في \"الفتح\" (٢/ ٢٧٤). (ش).\n(٢) هكذا في الأصل، وهو سبق قلم، والصواب: \"ابن خزيمة\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٤).","vol":"4","page":338},{"text":"٨٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"وإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذِيهِ (١)، وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَكَأَنِّى (٢) أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\". [م ٥٣٤، ن ٧٢٠، حم ١/ ٣٧٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>(١٥٣) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ</span>\n٨٦٨ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْنَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: مُوسَى بْنِ\n===\nوالمراد بقوله: \"أيدينا\" في قوله: أن نضع أيدينا، أي أكفنا، من إطلاق الكل على الجزء، وصرح مسلم بهذا في حديثه ولفظه: \"وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب\".\n٨٦٧ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبو معاوية) محمد بن خازم، (ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله قال: وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه، وليطبق بين كفيه) أي وليدخلهما بين ركبتيه (فكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله - ﷺ -)، وقد تقدم البحث المتعلق بهذا في الحديث السابق.\n\n(١٥٣) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ)\n٨٦٨ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة وموسى بن إسماعيل المعنى) أي معنى حديثيهما واحد (قالا: نا ابن المبارك) عبد الله، (عن موسى- قال أبو سلمة) أي موسى بن إسماعيل: (موسى بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذراعيه فخذيه\" بدون \"على\".\n(٢) وفي نسخة: \"وكأني\".","vol":"4","page":339},{"text":"أَيُّوبَ- عن عَمِّهِ، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"اجْعَلُوهَا في رُكُوعِكُمْ\"، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قَالَ: \"اجْعَلُوهَا في سُجُودِكُمْ\". [جه ٨٨٧، دي ١٣٠٥، حم ٤/ ١٥٥، خزيمة ٦٠٠، ك ١/ ٢٢٥، ق ٢/ ٨٦]\n===\nأيوب-) غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف بين لفظ شيخيه الربيع وموسى بن إسماعيل، بأن الربيع قال: عن موسى ولم ينسبه إلى أبيه، وقال موسى وهو أبو سلمة: عن موسى بن أيوب وذكر أباه.\n(عن عمه) هو إياس بن عامر الغافقي، قال في \"تهذيب التهذيب\": موسى بن أيوب الغافقي عن رجل من قومه، (عن عقبة بن عامر) في التسبيح في الركوع والسجود، وقيل: عن موسى عن عمه وهو إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني (قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) قال رسول الله: اجعلوها) أي سبحان ربي العظيم (في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) قال: اجعلوها) أي سبحان ربي الأعلى (٣) (في سجودكم) وليس مرجع ضمير اجعلوها الآية، لأن قراءة القرآن في الركوع والسجود منهي عنه، فالمرجع التسبيحات، هذا الحديث متمسَّك للقائلين بوجوب التسبيح في الركوع والسجود.\nقال الشوكاني (٤): قال إسحاق بن راهويه: التسبيح واجب، فإن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن نسيه لم تبطل. وقال الظاهري: واجب مطلقًا، وقال أحمد: التسبيح في الركوع والسجود، وقول سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد، والذكر بين السجدتين\n_________\n(١) سورة الواقعة: الآية ٧٤.\n(٢) سورة الأعلى: الآية ١.\n(٣) ولما كانت السجدة كمال الخشوع ناسب لفظ الأعلى، والركوع مطلق التعظيم ناسب مطلق التعظيم. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٧٠٥).","vol":"4","page":340},{"text":"٨٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ -، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى أَوْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِمَعْنَاهُ. زَادَ\n===\nوجميع التكبيرات واجب، فإن ترك منه شيئًا عمدًا بطلت صلاته، وإن نسيه لم تبطل، ويسجد للسهو، هذا هو الصحيح عنه، وعنه رواية: أنه سنة كقول الجمهور.\nوذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى أنه سنة وليس بواجب.\nوحجة الجمهور حديث المسيء صلاته، فإن النبي - ﷺ - علمه واجبات الصلاة ولم يعلمه هذه الأذكار مع أنه علمه تكبيرة الإحرام والقراءة؛ فلو كانت هذه الأذكار واجبة لَعَلَّمَها إياه، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فيكون تركه لتعليمه دالًّا على أن الأوامر الواردة بما زاد على ما علمه للاستحباب لا للوجوب.\nوقال الإِمام الشافعي في \"الأم\" (١): وأقل كمال الركوع أن يضع كفيه على ركبتيه، فإذا فعل فقد جاء بأقل ما عليه في الركوع، حتى لا يكون عليه إعادة هذه الركعة، وإن لم يذكر في الركوع لقول الله ﷿: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فإذا ركع وسجد فقد جاء بالفرض، والذكر فيه سنة اختيار لا أحب تركها، وما علم النبي - ﷺ - الرجل من الركوع والسجود، ولم يذكر الذكر، فدل على أن الذكر فيه سنة اختيار، انتهى.\n٨٦٩ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا الليث -يعني ابن سعد-، عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب) والصواب موسى بن أيوب كما تقدم، (عن رجل من قومه) وهو عمه إياس بن عامر الغافقي، (عن عقبة بن عامر بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (زاد) أي الليث بن سعد على حديث عبد الله بن المبارك\n_________\n(١) (١/ ٣١٨).","vol":"4","page":341},{"text":"قال: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَكَعَ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ» ثَلَاثًا. وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ» ثلاثًا. [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذ الزِّيَادَةُ نَخَافُ أَنْ لَا تَكُونَ مَحْفُوظَةً.\n===\n(قال) ليث أو عقبة: (فكان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا.\n(قال أبو داود: وهذه الزيادة) أي جميع ما زاد الليث في حديثه على حديث ابن المبارك وهو: فكان رسول الله - ﷺ -، إلى آخر الحديث (نخاف أن لا تكون محفوظة) أي أن تكون غير محفوظة، وشاذة، قال صاحب \"العون\" (١): وهذه الزيادة أي وبحمده (٢) واستدل عليه بعبارة \"التلخيص الحبير\" (٣).\nقلت: وهذا الذي قال بعيدٌ، فإن ظاهر العبارة يدل على أن أبا داود أشار إلى الزيادة التي ذكرها أولًا بقوله: زاد، وهي جميع الكلام لا لفظ \"وبحمده\" فقط، ووجه كونها غير محفوظة أن عبد الله بن المبارك كما في أبي داود وابن ماجه، وغيرهما روى هذا الحديث بسنده عن عقبة بن عامر، ولم يذكر هذه الزيادة.\nوكذلك روى هذا الحديث عن عقبة بن عامر أبو عبد الرحمن المقرئ كما عند أحمد والطحاوي والدارمي، ولم يذكر هذه الزيادة.\nوكذلك روى عبد الله بن وهب هذا الحديث بسنده عن عقبة بن عامر، ويحيى بن أيوب من طريق موسى بن أيوب، عن إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب كما عند الطحاوي، ولم يذكرا هذه الزيادة، وذكرها الليث، والحال\n_________\n(١) (٣/ ١٢٢).\n(٢) وإليه يظهر ميلان ابن رسلان إذ قال بعده: ولهذا أنكرها ابن الصلاح وغيره، وسُئل أحمد عنه فقال: أما أنا فلا أقوله. (ش).\n(٣) (١/ ٣٩٦).","vol":"4","page":342},{"text":"٨٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: قُلْتُ لِسُلَيْمَانَ: أَدْعُو فِى الصَّلَاةِ إِذَا (١) مَرَرْتُ بِآيَةِ تَخَوُّفٍ؟ فَحَدَّثَنِى عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُسْتَوْرِدٍ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِىِّ (٢) -ﷺ-، فَكَانَ يَقُولُ فِى رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ». وَفِى سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى»،\n===\nأنه شك في أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب، وذكر عن رجل من قومه وهو مجهول، فهذا يدل على عدم حفظه تلك الرواية مع كونه ثقة.\nفثبت بهذا أن مراد المصنف بالزيادة التي حكم عليها بالشذوذ، هو جميع الكلام الذي زاده الليث على حديث ابن المبارك وغيره لا لفظ \"بحمده\" فقط، وإذا كان جميع هذا الكلام شاذًّا، فهو مستلزم أن يكون لفظ \"وبحمده\" أيضًا شاذَّا، ولا دلالة في كلام الحافظ في \"التلخيص الحبير\" على أن مراد أبي في داود بالزيادة زيادة لفظ \"وبحمده\" فقط.\n٨٧٠ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة قال) شعبة: (قلت لسليمان) بن مهران الأعمش: (أدعو) بصيغة المتكلم بحذف حرف الاستفهام أي أأدعو (في الصلاة) بالتعوذ (إذا مررت بآية تخوف؟) أي آية فيها تخويف من الله تعالى سبحانه (فحدثني) سليمان (عن سعد بن عبيدة، عن مستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفة أنه) أي حذيفة (صلى (٣) مع النبي - ﷺ - فكان) رسول الله - ﷺ - (يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم) ثلاثًا (وفي سجوده سبحان ربي الأعلى) ثلاثًا\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إذ\".\n(٢) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) وظاهر ما في \"قيام الليل\" أن ذلك كان في رمضان، فصلَّى من بعد العشاء إلى الغداة أربع ركعات، وحكاه القاري في \"شرح الشمائل\" (٢/ ٧٥) عن رواية النسائي وأحمد، وحديث الباب مختصر، والمفصل في مسلم، وبسط في \"الأوجز\" (٢/ ١٢٥) أن عند الحنفية ومالك محمول على النوافل أو النسخ، وفي \"البدائع\" (١/ ٥٤١) محمول على التطوع. (ش).","vol":"4","page":343},{"text":"وَمَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَأَلَ، وَلَا بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَتَعَوَّذَ. [م ٧٧٢، ت ٢٦٢، جه ٨٩٧، ن ١٠٠٨، دي ١٣٠٦، حم ٥/ ٣٨٢، خزيمة ٥٤٣]\n٨٧١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِى سُجُودِهِ وَرُكُوعِهِ (١): «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ». [م ٤٨٧، ن ١٠٤٨، حم ٦/ ٣٤، خزيمة ٦٠٦]\n===\n(وما مر بآية رحمة إلَّا وقف عندها) أي الآية (فسأل) أي الرحمة من الله تعالى، (ولا بآية عذاب إلَّا وقف عندها، فتعوذ) من عذاب الله تعالى.\nقال القاري (٢): حمله أصحابنا والمالكية على أن صلاته كانت نافلة لعدم تجويزهم التعوذ والسؤال أثناء القراءة في صلاة الفرض ويمكن حمله على الجواز، لأنه يصح معه الصلاة إجماعًا، ويدل عليه ندرة وقوعه.\n٨٧١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، نا قتادة، عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير، (عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس) يرويان بالفتح والضم وهو أكثر، والفتح أقيس، وهو من أبنية المبالغة للتنزيه، وهما خبر محذوف، أي ركوعي وسجودي لمن هو سبوح، أي طاهر عن أوصاف المخلوقات، وقدوس بمعناه، وقيل: مبارك، قلت: والأولى عندي أن يكون المبتدأ المحذوف أنت ضمير المخاطب، أي أنت سُبوح قُدُّوسٌ (رب الملائكة والروح) هو ملك عظيمٌ أو خلق لا تراهم الملائكة، كما لا ترى (٣) الملائكة، أو روح الخلائق.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ركوعه وسجوده\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣١٦).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٤٤٣): \"كما لا نرى نحن الملائكة\".","vol":"4","page":344},{"text":"٨٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا (١) مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ قَالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً، فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، لَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ فَسَأَلَ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ. قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ فِى رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ ذِى الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، ثُمَّ سَجَدَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ فِى سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِآلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَرَأَ سُورَةً سُورَةً. [تم ٢٩٨، ن ١٠٤٩، حم ٦/ ٢٤]\n===\n٨٧٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، نا معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قمت مع رسول الله - ﷺ - ليلة) أي مقتديًا به في الصلاة، (فقام) في الركعة الأولى (فقرأ سورة البقرة) في الركعة الأولى، والظاهر أنه أتمها فيها) لا يمر بآية رحمة إلَّا وقف) عندها (فسأل) الرحمة، (ولا يمر بآية عذاب إلَّا وقف) عندها (فتعوذ) من العذاب.\n(قال) عوف: (ثم ركلع بقدر قيام) في الركعة الأولى (يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت) فعلوت من الجبر (والملكوت) فعلوت من الملك، والتاء للمبالغة، وهو المُلك العظيم الذي يدل عليه المخلوقات العظام كالسماوات والأرض، (والكبرياء) العظمة والمُلك، أو كمال الذات وكمال الوجود، قولان، ولا يوصف بها إلَّا الله، من الكبر (والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام) بعد فراغه من السجدتين إلى الركعة الثانية (فقرأ) فيها (بآل عمران، ثم قرأ) في الركعتين الأخريين (سورة سورة) أي في كل واحد منهما سورة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثني\".","vol":"4","page":345},{"text":"٨٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَعَلَيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَا: نَا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن أَبِي حَمْزَةَ مَوْلَى الأَنْصَارِ (١)، عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ، عن حُذَيْفَةَ: \"أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَكَانَ يَقُولُ: \"الله أَكْبَرُ\" ثَلَاثًا \"ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ\".\nثُمَّ اسْتَفْتَحِ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، وَكَان يَقُولُ في رُكُوعِهِ: \"سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ،\n===\n٨٧٣ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي وعلي بن الجعد قالا: نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة) بحاء مهملة ثم ميم ثم زاي، طلحة بن يزيد (٢) الأيلي (مولى الأنصار، عن رجل من بني عبس) قال في \"التقريب\": كأنه صلة بن زفر (٣).\n(عن حذيفة أنه رأى رسول الله يصلي من الليل) أي التهجد (فكان يقول: الله أكبر ثلاثًا) وليس في رواية النسائي ثلاثًا (ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم استفتح) يحتمل احتمالًا قريبًا أن رسول الله - ﷺ - تكلم بهذا الذكر قبل افتتاح الصلاة، ثم استفتح الصلاة بتكبيرة الافتتاح، فقرأ البقرة، ويحتمل أنه - ﷺ - استفتح الصلاة بهذا الذكر، وعلى هذا يكون معنى قوله: ثم استفتح، أي قرأ دعاء الافتتاح وهو الثناء، واستفتح بالقراءة (فقرأ البقرة) في الركعة الأولى.\n(ثم ركع فكان ركوعه) أي زمان ركوعه (نحوًا) أي قريبًا (من) زمان (قيامه) في الركعة الأولى (وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن أبي حمزة طلحة بن يزيد مولى الأنصار\".\n(٢) وقيل: طلحة بن زيد، كذا في \"المرقاة\" (٣/ ٢٤٨). (ش).\n(٣) وبه جزم القاري في \"المرقاة\" (٣/ ٢٤٨)، و\"جمع الوسائل\" (٢/ ٧٥)، وكذا في \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":346},{"text":"سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ\" (١). ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَكَانَ (٢) قِيَامُهُ نَحْوًا مِنْ رُكُوعِهِ (٣) يَقُولُ: \"لِرَبِّيَ الْحَمْدُ\"، ثُمَّ يَسْجُدُ (٤) فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ (٥) يَقُولُ في سُجُودِهِ: \"سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى\"، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: \"ربِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي\"، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقَرَأَ فِيهِنَّ الْبَقَرَةَ وآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدةَ، أَوْ الأَنْعَامَ\" شَكَّ شُعْبَةُ. [ن ١١٤٥، حم ٥/ ٣٩٨، تم ٢٦٢]\n===\nسبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه) بين الركوع والسجدة (نحوًا من ركوعه، يقول) في قومته: (لربي الحمد، ثم يسجد، فكان سجوده نحوًا من قيامه، فكان يقول في سجوده: سبحان ربى الأعلى، ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده، وكان يقول) في جلسته بين السجدتين: (رب اغفر لي، رب اغفر لي، فصلى) هكذا (أربع (٦) ركعات فقرأ فيهن البقرة) في الأولى منها (وآل عمران) في الثانية (والنساء) في الثالثة (والمائدة أو الأنعام) في الرابعة (شك شعبة) في أن شيخه قال: إن رسول الله - ﷺ - قرأ في الرابعة المائدة أو الأنعام.\n_________\n(١) ذكر في نسخة مرة.\n(٢) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٣) وفي نسخة: \"نحوًا من قيامه\".\n(٤) وفي نسخة: \"سجد\".\n(٥) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٦) وفي \"جمع الوسائل\" (٢/ ٧٧): ظاهر حديث أبي داود أنه ﵇ قرأ أربع سور في أربع ركعات، وظاهر \"مسلم\" أنه قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة. (ش).","vol":"4","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>(١٥٤) بَابٌ: في الدُّعَاءِ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ</span>\n٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح وَأَحْمَد بْن عَمْرُو بْن السّرح، وَمُحَمَّدُ بْن سَلَمَة، قالُوا: نَا (١) ابْن وَهب أَنَا عَمْرُو- يَعْنِي ابْن الْحَارِث- عَنْ عمَارَة بْن غزِيَّة، عَنْ سُمَيّ مَوْلَى أَبِي بَكْر، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِح ذكْوَان يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِدٌ\n===\n\n(١٥٤) (بَابٌ: في الدُّعَاءِ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)\nالدعاء الاستغاثة والسؤال والنداء، سواء كان صورة ومعنى أو معنى فقط، فليس الدعاء إلَّا إظهار التذلل، ولذا قال - ﷺ -: \"الدعاء مخ العبادة\"، وبلفظ آخر: \"الدعاء هو العبادة\"\n٨٧٤ - (حدثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح ومحمد بن سلمة قالوا: نا ابن وهب، أنا عمرو - يعني ابن الحارث (٢) - عن عمارة) بضم العين المهملة وخفة الميم (ابن غزية) (٣) بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء ذات النقطتين من تحت (عن سمي) مصغرًا (مولى أبي بكر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد).\nقال القاري (٤): أسند القرب إلى الوقت وهو للعبد مجازًا، أي هو في السجود أقرب من ربه منه في غيره، والمعنى أقرب أكوان العبد وأحواله من رضاء ربه وعطائه وهو ساجد، وقيل: أقرب مبتدأ محذوف الخبر لسد الحال مسده، وهي وهو ساجد، أي أقرب ما يكون من ربه حاصل في كونه ساجدًا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٢) ابن يعقوب، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) المازني الأنصاري. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٢٢).","vol":"4","page":348},{"text":"فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ\". [م ٤٨٢، ن ١١٣٧، حم ٢/ ٤٢١، ق ٢/ ١١٠]\n===\n(فأكثروا الدعاء)، وهذا لأن حالة السجود تدل على غاية تذلل واعتراف بعبودية نفسه وربوبية ربه، فكان مظنة الإجابة، فأمرهم بإكثار الدعاء في السجود.\nوقال النووي (١): وفيه دليل لمن يقول: إن السجود أفضل من القيام وسائر أركان الصلاة.\nوفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:\nأحدها: أن تطويل (٢) السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة.\nوالمذهب الثاني: مذهب الشافعي وجماعة أن تطويل القيام أفضل لحديث جابر في \"صحيح مسلم\": أن النبيﷺ - قال: \"أفضل الصلاة طول (٣) القنوت\"، والمراد بالقنوت القيام، ولأن ذكر القيام القراءة، وذكر السجود التسبيح، والقراءة أفضل، ولأن المنقول عن النبي - ﷺ - أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود.\nوالمذهب الثالث: أنهما سواء، وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة ولم يقضِ فيها بشيء، وقال إسحاق بن راهويه: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود، وأما في الليل فتطويل القيام، إلَّا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل، لأنه يقرأ جزءه ويربح كثرة الركوع والسجود، انتهى، \"علي القاري\" (٤).\nواعلم أنه قد تقدم من حديث عقبة بن عامر قال: \"لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، قال رسول الله - ﷺ -: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم\"، فهذا بظاهره يخالف الأحاديث التي وردت في الدعاء في السجود.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٤١).\n(٢) وقد بوَّب الترمذي لكثرة الركوع والسجود مستقلًا. (ش).\n(٣) وسيأتي بلفظ القيام في \"باب افتتاح صلاة الليل بركعتين\". (ش).\n(٤) كذا في الأصل، والظاهر حذفه.","vol":"4","page":349},{"text":"٨٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَعْبَدٍ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَشَفَ السّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشّرَاتِ النُّبُوَةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا،\n===\nفالجواب عنه: أنه لو كان معنى الدعاء عامًّا للاستغاثة والسؤال وإظهار التذلل بذكر أسمائه ونُعُوته فليس فيهما معارضة أصلًا، فإن التسبيحات أيضًا من الدعاء، ولو كان المراد بالدعاء السؤال الصريح كما في الأحاديث الواردة في الباب، فعلى هذا الجواب عنه أن الأمر بالدعاء في التطوعات، والأمر بالتسبيحات عام في الفرائض والتطوعات، فإن أمر التطوعات واسع، والله تعالى أعلم.\n٨٧٥ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن سليمان بن سحيم) بمهملتين مصغرًا، (عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه) عبد الله بن معبد بن عباس بن عبد المطلب، (عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - كشف الستارة) بكسر المهملة، ستر يكون على باب الدار (والناس) والواو حالية (صفوف) أي صافون في الصلاة يصلون (خلف أبي بكر فقال) رسول الله - ﷺ -، ولعل هذا القول صدر منه - ﷺ - حين فرغوا من الصلاة: (يا أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات) بكسر الشين المشددة (النبوة إلَّا الرؤيا الصالحة).\nقال السيوطي: أي الوحي منقطع بموتي، ولا يبقى ما يعلم منه مما سيكون، والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الأغلب، فإن من الرؤيا منذرة وهي صادقة، يريها الله للمؤمن رفقًا به، ليستعد لما يقع قبل وقوعها.\n(يراها المسلم) لنفسه (أو ترى) على صيغة المجهول، أي يراها مسلم آخر (له) أي لذلك الرجل، (وإني نهيت أن أقرأ) القرآن (١) (راكعًا أو ساجدًا)\n_________\n(١) وبوَّب له الترمذي، وذكر فيه حديث علي. (ش).","vol":"4","page":350},{"text":"فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا الرَّبَّ فِيهِ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ\". [م ٤٧٩، ن ١٠٤٥، جه ٣٨٩٩، دي ١٣٢٥، خزيمة ٥٤٨، حم ١/ ٢١٩]\n٨٧٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ،\n===\nأي في الركوع والسجود، وإنما وظيفة الركوع التسبيح [ووظيفة السجود التسبيح والدعاء]، فلو قرأ في الركوع والسجود كره ولم تبطل صلاته، وقال بعض العلماء: يحرم (١) وتبطل صلاته، ولعل وجه النهي أن القرآن له مرتبة عظيمة، لأنه كلام الله تعالى وهو صفته، والركوع والسجود غاية التذلل فلا يناسب هذه الحالة قراءة كلام الله تعالى ويناسبها التسبيح.\n(فأما الركوع فعظموا الرب فيه) أي سبّحوه ونزِّهوه ومجِّدوه، قال النووي (٢): واستحب الشافعي - ﵀- وغيره من العلماء أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، ويكرر كل واحدة منهما ثلاث مرات، ويضم إليه ما جاء في حديث علي: \"اللهم لك ركعت ... إلخ\"، وإنما يستحب الجمع بينهما لغير الإِمام وللإمام الذي يعلم أن المأمومين يؤثرون التطويل، فإن شك لم يزد على التسبيح.\n(وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ) هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع، وفيه لغة ثالثة قمين بزيادة ياء وفتح القاف، ومعناه حقيق وجدير، والاجتهاد في الدعاء في السجود محمول على الندب، قاله النووي، وأما عندنا فمحمول على النوافل كما تقدم ذكره (أن يستجاب لكم).\n٨٧٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور،\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: عندنا لا تبطل في غير الفاتحة، وفيها قولان، وهذا في العمد، وفي السهو فيكره. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٣٧).","vol":"4","page":351},{"text":"عن أَبِي الضُّحَى، عن مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنُ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: \"سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي\" يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. [خ ٧٩٤، م ٤٨٤، ن ١٠٤٧، حم ٦/ ٤٣]\n٨٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح، نَا ابْنُ وَهْبٍ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ السَّرْحِ (١)، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ (٢)، أَخبَرَنِي يَحْيَى بنُ أَيُّوبَ، عن عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ:\n===\nعن أبي الضحى) مسلم بن صبيح بالتصغير، الهمداني الكوفي العطار، (عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك) أي: سبحت بحمدك، أي: بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوتي، أو يكون معناه: سبَّحت متلبسًا بحمدي لك.\n(اللَّهم اغفر لي يتأول القرآن) (٣) حال من فاعل يقول، أي يبين المراد من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (٤) آتيًا بمقتضاه، من آل الشيء إلى كذا، فحاصله أنه يرجع إلى العمل بما في القرآن، والظاهر أن هذا كان في النوافل، أو أنه كان يختص به - ﷺ -، لأن ما في سورة النصر أخبر به بقرب وفاته ﵇، والأمر بهذا الذكر من دون أمته.\n٨٧٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، ح: ونا أحمد بن السرح) وهو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح، منسوب إلى جد جده (أنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح) السمان، (عن أبي هريرة) وقد تقدم هذا السند (٥)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ومحمد بن سلمة\". [كذا في \"تحفة الأشراف\" (٩/ ١٤٤) ح (١٢٥٦٥)].\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) قال ابن رسلان: أي يمتثل ما أمر به القرآن. (ش).\n(٤) سورة النصر: الآية ٣.\n(٥) لكن في السندين فرق. (ش).","vol":"4","page":352},{"text":"\"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كانَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وآخِرَهُ\" (١). زَادَ ابْنُ السَّرْحِ: \"عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ\". [م ٤٨٣، خزيمة ٦٧٢، ك ١/ ٢٦٣]\n٨٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا عَبْدَةُ، عن عُبَيْدِ اللهِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ الأَعْرَج، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ (٢) اللَّه - ﷺ - ذَاتَ لَيْلةٍ\n===\nفي أول حديث الباب (أن النبي - ﷺ - كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي) هو من باب العبودية والإذعان والافتقار وسلوك طريق التواضع وامتثال أمره في الرغبة إليه، والمراد بالذنب الزلة، أو الغرض منه تعليم الأمة (كله، دقه وجله) بكسر أولهما أي قليله وكثيره، وقال في \"القاموس\": والدقيق كالدق بالكسر (وأوله وآخره) أي ما صدر منه في أول الزمان وآخره (وزاد ابن السرح علانيته وسره) أي لم يذكر هذا اللفظ أحمد بن صالح، وكذلك زاد هذا اللفظ يونس بن عبد الأعلى كما ذكره مسلم في \"صحيحه\".\n٨٧٨ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبدة) (٣) بن سليمان الكلابي، (عن عبيد الله (٤» بن عمر، (عن محمد بن يحيى بن حبان (٥)، عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة قالت: فقدت رسول الله ذات ليلة)، أي طلبت فما وجدت، ولعله - ﷺ - لما نامت عائشة خرج من البيت وذهب إلى المسجد، فانتبهت فلم تجده، فذهبت إلى المسجد.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٣) وفي \"ابن رسلان\": ابن حميد الكوفي. (ش).\n(٤) وفي \"ابن رسلان\": عبيد الله بن ميسرة. (ش).\n(٥) بفتح الحاء. (ش).","vol":"4","page":353},{"text":"فَلَمَسْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ وَقَدَمَاهُ مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ (١): \"أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَما أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ\". [م ٤٨٦، جه ٣٨٤١، ن ١٦٩، حم ٦/ ٢٠١، خزيمة ٦٥٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>(١٥٥) بَابُ الدُّعَاءِ في الصَّلَاةِ</span>\n٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا بَقِيَّةُ، نَا شُعَيْبٌ،\n===\n(فلمست المسجد) أي التمسته وطلبته في المسجد، والمراد بالمسجد مسجد البيت أو المسجد النبوي - ﷺ -، وعلى هذا فقيل: معناه مددت يدي من الحجرة إلى المسجد، فوقعت يدي على قدمه وهو في السجود أو في المسجد، هكذا في بعض الروايات.\n(فإذا هو ساجد وقدماه منصوبتان) أي قائمتان (وهو يقول: أعوذ برضاك من سخطك) أي من فعل يوجب سخطك عليَّ أو على أمتي (وأعوذ بمعافاتك) أي بعفوك، وأتى بالمغالبة (٢) للمبالغة، أي بعفوك الكثير (من عقوبتك) وهي أثر من آثار السخط، وإنما استعاذ بصفات الرحمة لسبقها وظهورها من صفات الغضب.\n(وأعوذ بك منك) إذ لا يملك أحد معك شيئًا، فلا يعيذه منك إلَّا أنت (لا أحصي ثناءً عليك) قال الطيبي (٣): الأصل في الإحصاء العد بالحصى، أي لا أطيق أن أثني عليك كما تستحقه (أنت كما أثنيت على نفسك) ما موصولة أو موصوفة، والكاف بمعنى مثل، والمراد بالنفس الذات.\n\n(١٥٥) (بَابُ الدُّعَاءِ في الصَّلاةِ)\n٨٧٩ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا بقية) بن الوليد، (نا شعيب،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ويقول\".\n(٢) هكذا في الأصل وهو تحريف، والظاهر بالمفاعلة.\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٢٢).","vol":"4","page":354},{"text":"عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - كَانَ يَدْعُو في صَلَاتِهِ: \"اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا\n===\nعن الزهري، عن عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو في صلاته) أي بعد التشهد قبل السلام، كما أشار إليه البخاري في \"صحيحه\" بعقد \"باب الدعاء قبل السلام\".\nقال الحافظ (١) بعد نقل الكلام فيه من العلماء: قلت: والذي يظهر لي أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض الطرق من تعيينه بهذا المحل، فقد وقع في بعض طرق حديث ابن مسعود بعد ذكر التشهد: \"ثم ليتخير من الدعاء ما شاء\".\nثم قد أخرج ابن خزيمة (٢) من رواية ابن جريج أخبرني عبد الله بن طاوس، عن أبيه أنه كان يقول بعد التشهد كلمات يعظمهن جدًّا، قلت: في المثنى كليهما (٣)؟ قال: بل في التشهد الأخير. قلت: ما هي؟ قال: أعوذ بالله من عذاب القبر، الحديث، قال ابن جريج: أخبرنيه عن أبيه عن عائشة مرفوعًا، ولمسلم من طريق محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا تشهد أحدكم فليقل، فذكر نحوه، هذه رواية وكيع عن الأوزاعي عنه، وأخرجه أيضًا من رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بلفظ: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فذكره، وصرح بالتحديث في جميع الإسناد، فهذا فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهد، فيكون سابقًا على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن أن المصلي يتخير من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السلام، انتهى.\n(اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) يقال له: المسيح، لأنه مسح عينه، أو لأنه يمسح الأرض (وأعوذ بك من فتنة المحيا) هو ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٨).\n(٢) \"صحيح ابن خزيمة\" (٧٢٢).\n(٣) وما في \"فتح الباري\" كليها، وهو تحريف.","vol":"4","page":355},{"text":"وَالْمَمَاتِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ\"، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: \"إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ\". [خ ٨٣٢، م ٥٨٩، ن ١٣٠٩]\n٨٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عن ثَابتٍ الْبُنَانِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عن أَبِيهِ\n===\nوالجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت (والممات) وفتنة الممات، يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أْضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على ذلك ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر.\n(اللهم إني أعوذ بك من المأثم) أي أمر يأثم به المرء، أو هو الإثم وضعًا للمصدر موضع الاسم (والمغرم) وهو مصدر وضع موضع الاسم، ويريد به مغرم الذنوب والمعاصي، وقيل: المغرم كالغرم وهو الدين، ويريد به ما استدين به فيما يكرهه الله تعالى، أو فيما يجوز، ثم عجز عن أدائه، أما فيما يحتاج إليه ويقدر على أدائه فلا يستعاذ منه.\n(فقال له قائل) (١) (قال الحافظ (٢): في رواية النسائي أن السائل عن ذلك عائشة ولفظها: \"فقلت: يا رسول الله ما أكثر ما تستعيذ\"، انتهى (ما أكثر) بفتح الراء على التعجب (ما تستعيذ من المغرم، فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن الرجل إذا غرم) بكسر الراء (حدث فكذب، ووعد فأخلف)، والمراد أن ذلك شأن من يستدين غالبًا.\n٨٨٠ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن ابن أبي ليلى) الظاهر أنه محمد، (عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه) أبي ليلى واختلف في اسمه، قال في \"الخلاصة\": أبو ليلى الأنصاري اسمه بلال أو داود بن بلال بن أحيحة، صحابي، وقال في \"التقريب\": اسمه بلال أو بُليل بالتصغير، ويقال: داود، وقيل: هو يسار بالتحتانية، وقيل: أوس.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: قال ابن حجر: لم أقف على اسم السائل. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٩).","vol":"4","page":356},{"text":"قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - في صَلَاةِ تَطَوُّعٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، وَيْلٌ لأَهْلِ النَّارِ\". [جه ١٣٥٢، حم ٤/ ٣٤٧]\n٨٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِيِ يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَاب، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الصَّلاةِ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ في الصَّلَاةِ: اللهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قالَ لِلأَعْرَابِيِّ: \"لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا\"،\n===\n(قال: صليت إلى جنب رسول الله - ﷺ - في صلاة تطوع) أي نفل (فسمعته يقول (١): أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار) الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وقد أخرجه أحمد في \"مسنده\" من طريق وكيع حدثنا ابن أبي ليلى بهذا السند، ولفظه: قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ في صلاة ليست بفريضة، فمر بذكر الجنة والنار، فقال: \"أعوذ بالله من النار، ويح أو ويل لأهل النار\".\n٨٨١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قام رسول الله - ﷺ - إلى الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابي في الصلاة)، لم يذكر محل القول في الصلاة في أيِّ محل قال، فلا ندري تعيين المحل من الصلاة فليتتبع في الروايات (٢)، (اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم رسول الله - ﷺ - قال للأعرابي: لقد تحجرت واسعًا) أي: ضيقت ما وسعه الله، وخصصت به نفسك دون إخوانك عن المؤمنين، فإن رحمته تعالى في الدنيا يعم المؤمن والكافر، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣)،\n_________\n(١) قال ابن رسلان: يشبه أن يكون في السجود. (ش).\n(٢) هذا الحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" ح (٧٢٥٥): وفيه: \"فصلَّى ركعتين ثم قال: اللَّهمَّ ... \" إلخ.\n(٣) سورة الأعراف: الآية ١٥٦.","vol":"4","page":357},{"text":"يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ ﷿. [خ ٦٠١٠، ن ١٢١٦، حب ٩٨٧، خزيمة ٨٦٤، حم ٢/ ٢٨٣]\n٨٨٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا وَكِيعٌ، عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن مُسْلِم الْبَطِينِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَن النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قَالَ: \"سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى\". [حم ١/ ٢٣٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: خُولِفَ وَكِيعٌ في هَذَا الْحَدِيثِ، رَوَاهُ أَبُو وَكِيع وَشُعْبَةُ عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبًّاسٍ مَوْقُوفًا.\n===\nوأما رحمته في الآخرة فيعم جميع المؤمنين (يريد) رسول الله - ﷺ - من لفظ \"واسعًا\" (رحمة الله ﷿) والظاهر أن هذا قول أبي هريرة.\n٨٨٢ - (حدثنا زهير بن حرب، نا وكيع) بن جراح بن مليح، (عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين) هو ابن عمران، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) قال: سبحان ربي الأعلى) ولعل هذا كان خارج الصلاة أو في النوافل.\n(قال أبو داود: خولف وكيع في هذا الحديث) في سنده، (رواه أبو وكيع) (٢) الجراح بن مليح والد وكيع المذكور قبل، (وشعبة عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا) أي وقفا على ابن عباس ولم يرفعاه إلى النبي - ﷺ -، والخلاف الذي أشار إليه أبو داود أن وكيعًا ذكر الحديث مرفوعًا، وأوقفاه على ابن عباس وجعلاه من قول ابن عباس لا من قول النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) سورة الأعلى: الآية ١.\n(٢) أخرج روايته ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢/ ٥٠٩).","vol":"4","page":358},{"text":"٨٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، عن مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ قَالَ: \"كَانَ رَجُلٌ يصلِّي فَوْقَ بَيْتِهِ وَكَانَ (١) إِذَا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قَالَ: سُبْحَانَكَ، فَبَلَى. فَسَأَلُوهُ عن ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي في الْفَرِيضَةِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا في الْقُرْآنِ. [ق ٢/ ٣١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>(١٥٦) بَابُ مِقْدَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ</span>\n٨٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، نَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ،\n===\n٨٨٣ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر، نا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته، وكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٢) قال: سبحانك، فبلى) (٣)، أي: بلى أنت قادر كما في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٤) (فسألوه) أي الناس الرجل (عن ذلك) أي عن قوله: سبحانك فبلى (فقال) الرجل: (سمعته) أي هذا القول (من رسول الله - ﷺ -).\n(قال أبو داود: قال أحمد) بن حنبل الإِمام: (يعجبني في الفريضة أن يدعو) المصلي (بما) أي بالدعوات التي نزلت (في القرآن) وإن جاز أن يدعو بالدعوات التي وردت في الحديث.\n\n(١٥٦) (بَابُ مِقْدَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)\n٨٨٤ - (حدثنا مسدد، نا خالد بن عبد الله، نا سعيد) بن إياس (الجريري،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فكان\".\n(٢) سورة القيامة: الآية ٤٠.\n(٣) قال ابن رسلان: فبكى، فيه جواز البكاء في الصلاة، وفي أكثر النسخ فبلى باللام بدل الكاف، وسئل أحمد فقال: لا يجهر به في الفريضة ولا في النافلة، بل يقول في نفسه. (ش).\n(٤) سورة الأعراف: الآية ١٧٢.","vol":"4","page":359},{"text":"عن السَّعْدِيِّ، عن أَبِيهِ، أَوْ عن عَمِّهِ قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - في صَلَاتِهِ، فَكَانَ يَتَمَكَّنُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَقُولُ: \"سُبْحَانَ اللَّه وَبِحَمْدِهِ\" ثَلَاثًا. [حم ٥/ ٢٧١]\n٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الأَهْوَازِيُّ، نَا أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو دَاوُدَ، عن ابْنِ أَبي ذِئْبٍ، عن إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الْهُذَليِّ، عن عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ (١)\n===\nعن السعدي) (٢) قال في \"التقريب\": لا يعرف، ولم يسم (٣)، (عن أبيه أو عن عمه) (٤) وكذا قال الحافظ في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\": عن أبيه أو عمه بلفظة \"أو\"، ولكن في \"مسند أحمد\": قال: عن أبيه عن عمه، وكذا في \"تيسير الوصول\" من غير ذكر لفظة \"أو\" (قال: رمقت) أي نظرت (النبي - ﷺ - في صلاته، فكان يتمكن) ولفظ أحمد \"يمكث\" (في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثًا).\n٨٨٥ - (حدثنا عبد الملك بن مروان الأهوازي، نا أبو عامر) العقدي (٥) (وأبو داود) الطيالسي سليمان بن داود، (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، (عن إسحاق بن يزيد الهذلي) قال في \"التقريب\": مجهول، (عن عون بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي حفيد أخي عبد الله بن مسعود، (عن عبد الله بن مسعود\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الهذلي\".\n(٢) ضعفه ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" له، وقال: السعدى مجهول، ولا يثبت التثليث عنه ﵇، والثابت عنه بخلافه، فذكر حديث صلاة عمر بن عبد العزيز وتسبيحه عشرًا، وسيأتي في المتن رقم (٨٨٧)، وحديث أنس المتقدم: حتى نقول قد أوهم. (ش).\n(٣) قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (٣/ ٩٨): والسعدي مجهول؛ كذا قال في \"مختصر السنن\"، وقال ابن حبان وابن أبي عاصم في كتابه \"الصحابة\": اسمه عبد الله.\n(٤) كذا في نسخ ابن رسلان. (ش).\n(٥) مولى العقديين: بطن من قيس. (ش).","vol":"4","page":360},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ (١)، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا (٢) سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ\". [ت ٢٦١، جه ٨٩٠، قط ١/ ٣٤٣، ق ٢/ ٨٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مُرْسَلٌ، عَوْنٌ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ اللَّهِ.\n٨٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، نَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي\n===\nقال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا ركع أحدكم فليقل (٣) ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك) أي تكرار التسبيح ثلاثًا (أدناه) أي أدنى عدد التسبيح المسنون، وهو أدنى مرتبة الكمال (وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه، قال أبو داود: هذا) الحديث (مرسل) أي منقطع (عون لم يدرك عبد الله) فبينهما واسطة.\nقال القاري (٤): وفي \"شرح المنية\": وركنية الركوع والسجود بأدنى ما يطلق عليه أسمهما، وذكر في \"شرح الإسبيجابي\": أنه إن لم يقل ثلاث تسبيحات أو لم يمكث مقدار ذلك لا يجوز ركوعه وسجوده، وهذا قول شاذ كقول أبي مطيع البلخي بفرضية التسبيحات الثلاث في الركوع والسجود، حتى لو نقص واحدة لا يجوز ركوعه وسجوده.\n٨٨٦ - (حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، نا سفيان (٥)، حدثني\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سبحان الله العظيم\".\n(٢) وفي نسخة: \"فإذا\".\n(٣) لكن في الحديث المتقدم: اجعلوها في ركوعكم ولم يقل ثلاثًا. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣١٥).\n(٥) أي: ابن عيينة. (ش).","vol":"4","page":361},{"text":"إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ بِـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (١) فَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَأَنَا (٢) عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَمَنْ قَرَأَ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فَانْتَهَى إِلَى ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فَلْيَقُلْ: بَلَى. وَمَنْ قَرَأَ ﴿وَالْمُرْسَلَات﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ: آمنَّا باللَّهِ\".\n===\nإسماعيل بن أمية قال: سمعت أعرابيَّا (٣) قال الحافظ في \"التقريب\" في المبهمات: إسماعيل بن أمية عن أعرابي، عن أبي هريرة لا يعرف، وسماه يزيد بن عياض أحد المتروكين: أبا اليسع، وهو معدود فيمن لم يعرف. (يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: من قرأ منكم بـ: التين والزيتون) أي بسورة التين فحذف منه الواو (فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فانتهى إلى ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٤) فليقل: بلى (٥)، ومن قرأ والمرسلات، فبلغ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) فليقل: آمنا بالله).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"والتين\".\n(٢) وفي نسخة: \"فليقل وأنا\"، بدون \"بلى\".\n(٣) بدويًا كما للترمذي، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) سورة القيامة: الآية ٤٠.\n(٥) زاد ابن السني (\"عمل اليوم والليلية\" ص ٣٨٧): وأنا على ذلك من الشاهدين، \"ابن رسلان\". ولا يقولها عند أحمد في الصلاة، كذا في \"المغني\" (٢/ ٤٥٨)، وإليه يشير ما تقدم حكايته أبي داود عنه، وهكذا في \"المرقاة\" (٢/ ٣٠٥)، وبسطه في \"إعلاء السنن\" (٤/ ١٦٠)، وحكيا عن مالك مثل الحنفية. (ش).\n(٦) سورة المرسلات: الآية ٥٠.","vol":"4","page":362},{"text":"قَالَ إِسْمَاعِيلُ: ذَهَبْتُ أُعِيدُ عَلَى الرَّجُلِ الأَعْرَابِيِّ وَأَنْظُرُ لَعَلَّهُ؟ ! فَقَالَ (١): يَا ابْنَ أَخِي، أَتَظُنُّ أَنِّي لَمْ أَحْفَظْهُ؟ لَقَدْ حَجَجْتُ سِتِّينَ حَجَّةً مَا مِنْهَا حَجَّةٌ إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُ الْبَعِيرَ الَّذِي حَجَجْتُ عَلَيْهِ. [ت ٣٣٤٧، حم ٢/ ٢٤٩]\n٨٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ رَافِع قَالَا: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [بْنِ عُمَرَ] بْنِ كَيْسَان، حَدَّثَنِي أبي، عن وَهْبِ بْنِ\n===\n(قال إسماعيل: ذهبت) إلى الأعرابي بعد زمان (أعيد) الحديث (على الرجل الأعرابي) وأسمع منه ثانيًا (وأنظر) حفظه نظر المختبر (لعله) الأعرابي نسي فيخطئ في الرواية، وفي نسخة: العلة، أي انظر الأمر القادح في الحديث من نسيانه وغلطه ووهمه.\n(فقال) الأعرابي: (يا ابن أخي، أتظن أني لم أحفظه؟) أي الحديث (لقد حججت ستين حجة (٢) ما منها حجة إلَّا وأنا أعرف البعير الذي حججت عليه) كأنه يقول: بلغ حفظي المرتبة القصوى منه، فكيف أنسى حديث رسول الله - ﷺ -.\nوالحديث لا مناسبة له بالباب، وله مناسبة بالباب المتقدم، فلعل الناسخ غلط وأدخله في هذا الباب.\n٨٨٧ - (حدثنا أحمد بن صالح وابن رافع) هو محمد بن رافع النيسابوري القشيري (قالا: نا عبد الله (٣) بن إبراهيم [بن عمر] بن كيسان، حدثني أبي) هو إبراهيم بن أبي يزيد كيسان (٤). (عن وهب بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) لأنه أقام بمكة فسهل عليه. (ش).\n(٣) له في أبى داود والنسائي هذا الحديث الواحد، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"التقريب\" (٢٢٠): إبراهيم بن عمر بن كيسان أبو إسحاق، وأما أبو يزيد فهو كنية عبد الله.","vol":"4","page":363},{"text":"مَأْنُوسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: \"مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ هَذَا الْفَتَى- يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ- قَالَ: فَحَزَرْنَا في رُكُوعِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، وَفِي سُجُودِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: قُلْتُ لَهُ: مَأنُوسٍ أَوْ مَأْبُوسٍ؟ فَقَالَ (١): أَمَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَيَقُولُ: مَأْبُوس، وَأَمَّا حِفْظِي فَمَأْنُوس (٢).\n===\nمأنوس (٣) (٤) قال في \"التقريب\": وهب بن مأنوس بالنون، وقيل: بالموحدة، البصري، نزيل اليمن، وفي \"تهذيب التهذيب\": يقال: ما هنوس، ويقال: مسناس بالنون فيهما.\n(قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد) أي خلف أحد (بعد رسول الله - ﷺ - أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الفتى) الشاب (يعني عمر بن عبد العزيز، قال: فحزرنا) بتقديم الزاي على الراء أي قدرنا (في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات).\n(قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: قلت له) أي لشيخي عبد الله بن إبراهيم: (مأنوس) بالنون (أو مأبوس؟) بالموحدة (فقال) عبد الله بن إبراهيم: (أما عبد الرزاق) الظاهر أن المراد بعبد الرزاق عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، وعبد الرزاق وعبد الله بن إبراهيم تلميذان لإبراهيم بن عمر بن كيسان (فيقول:) سمعت شيخي إبراهيم بن كيسان (مأبوس) بالباء الموحدة، (وأما حفظي) أي محفوظي الذي حفظت من شيخي وأبي إبراهيم بن كيسان (فمأنوس)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) قال ابن رسلان: بالنون بعد الألف. (ش).\n(٤) وهب بن مأنوس: قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (٣/ ١٠٣): ويقال: في إسناد هذا الحديث مقال، لعله من جهة وهب بن مأنوس.","vol":"4","page":364},{"text":"وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ رَافِعٍ. قَالَ أَحْمَدُ: عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. [ن ١١٣٥، حم ٣/ ١٦٢]\n\n(١٥٧) بَابُ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ سَاجِدًا (١) كيْفَ يَصْنَعُ؟ (٢)\n٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ، أَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ (٣)، عن زيدِ ابْنِ أَبِي الْعَتَّاب وَابْنِ الْمَقْبُرِيِّ، عنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -. \"إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنحْنُ سُجُودٌ، فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا\n===\nبالنون، قال أبو داود: (وهذا) المذكور (لفظ ابن رافع) فإن فيه لفظ السماع عن سعيد بن جبير، وكذلك عن أنس بن مالك (وقال أحمد) بن صالح: (عن سعيد بن جبير، عن أنس بن مالك) بلفظة عن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>(١٥٧) (بَابُ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ سَاجِدًا كَيْفَ يَصْنَعُ</span>؟)\n٨٨٨ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس أن سعيد بن الحكم حدثهم، أنا نافع بن يزيد، حدثني يحيى بن أبي سليمان، عن زيد بن أبي العتاب) بمثناة مشددة (وابن المقبري) سعيد بن أبي سعيد المقبري، (عن أبي هريرة (٤) قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا جئتم إلى الصلاة) والصلاة قائمة (ونحن سجود) أي والحال أني ومن معي من المقتدين في حالة السجود (فاسجدوا) (٥) أي فشاركوا الإِمام في السجود (ولا تعدوها) (٦) الضمير إلى السجدة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"راكعًا\".\n(٢) في النسخة المصرية جاء هذا الباب بعد الذي يليه.\n(٣) زاد في نسخة: \"المدني\".\n(٤) صحَّحه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٧٣)، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) به قال جمع من العلماء خلافًا لمن قال: ينتظر. (ش).\n(٦) وفي بعض النسخ: \"ولا تعتدوا\"، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":365},{"text":"شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصلاةَ\". [خزيمة ١٦٢٢، ك ١/ ٢٧٣، قط ١/ ٣٤٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>(١٥٨) بَابٌ: في أَعْضَاءِ السُّجُودِ </span>(١)\n٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (٢) وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: نَا حَمَّادُ بْنُ\n===\nأي لا تعدوا تلك السجدة (شيئًا) أي معتدًا به باعتبار حكم الدنيا من إدراك الركعة، لأن مع إدراكها تفوت الركعة، ولا يحصل بها إلَّا ثواب الآخرة.\n(ومن أدرك الركعة) أي الركوع (فقد أدرك الصلاة) المراد بالصلاة هاهنا الركعة.\nقال القاري (٣): قال ابن حجر: وروى ابن حبان وصححه بلفظ: \"من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإِمام صلبه فقد أدركها\"، وقال جمع محدثون وفقهاء من أصحابنا: لا تدرك الركعة بإدراك الركوع مطلقًا لخبر: \"من أدرك الركوع فليركع معه وليعد الركعة\"، ورد بأن هذه مقالة خارقة للإجماع، وبأن الحديث لم يصح.\nقال النووي: اتفق أهل الأعصار على رده، فلا يعتد به، وقول البخاري: إنما أجاز إدراك الركوع من الصحابة من لم ير القراءة خلف الإِمام، لا من يراها كأبي هريرة، جوابه: أن من بعد الصحابة أجمعوا على الإدراك بناءً على انعقاد الإجماع على أحد قولين لمن قبلهم، انتهى.\n\n(١٥٨) (بَابٌ: في أَعْضَاءِ السُّجُودِ)\n٨٨٩ - (حدثنا مسدد وسليمان بن حرب قالا: نا حماد بن\n_________\n(١) جاء هذا الباب في النسخة المصرية قبل الباب السابق.\n(٢) زاد في نسخة: \"بن مسرهد\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٩).","vol":"4","page":366},{"text":"زيْدٍ (١)، عن عَمْرو بْنِ دِينَارٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"أمِرْتُ\"، قَالَ حَمَّادٌ: أُمِرَ نَبِيُّكُمْ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ وَلَا يَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا. [خ ٨٠٩، م ٤٩٠، ت ٢٧٣، ن ١٠٩٣، جه ٨٨٣، حم ١/ ٢٢١، ق ٢/ ١٠٣]\n===\nزيد) كما في رواية مسلم، (عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: أمرت) والآمر هو الله ﷿ (قال حماد: أمر نبيكم - ﷺ -) هذا الاختلاف الذي ذكره أبو داود في هذا السند لم أجده لغير أبي داود، فإنه قد أخرج هذا الحديث مسلم من رواية يحيى بن يحيى وأبي الربيع عن حماد بن زيد، ولفظه قال: أمر النبي - ﷺ -، وكذلك أخرج الترمذي والنسائي من رواية قتيبة عن حماد ولفظها: قال: أمر النبي - ﷺ -، فليس في حديث حماد عند أحمد فيما رأيت إلَّا لفظ أمر النبيﷺ -.\nثم هذا السياق الذي ذكره أبو داود يخالف ما اصطلح عليه المحدثون من أنهم يقولون: قال فلان هكذا، ثم يقولون: قال فلان هكذا على خلاف اللفظ الأول، يطلقون هذا في محل يخالفه آخر في مرتبته في اللفظ، وهاهنا لم يذكر في مرتبة حماد رجلًا آخر يقول على خلاف ما قال حماد، فقوله: \"قال: أمرت\"، لم يوجد له قائل ذكره أبو داود في السند، فلا ندري ما المراد بهذا الاختلاف، فلعله يشير إلى أنه قال: أمرت مرة، وقال مرة أخرى: أمر نبيكم، أو أشار إلى أن قال بعض الرواة عن عمرو بن دينار، مثلًا شعبة: أمرت، وقال حماد: أمر نبيكم، والله تعالى أعلم.\n(أن يسجد على سبعة) وهي الجبهة واليدان والركبتان والرجلان (ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا) المراد بالشعر شعر الرأس، أي في حالة الصلاة لا خارجها، ورده القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخلها.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حماد بن سلمة\"، [قلت: وهو خطأ، لأن مسدد لا يروي عن حماد بن سلمة، إنما يروي عن ابن زيد كما في \"تهذيب الكمال\" في ترجمتهما، انظر ترجمتهما: رقم ٦٤٩١ و١٤٦٥].","vol":"4","page":367},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة، قيل: والحكمة في ذلك أنه إذا رفع شعره وثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبرين (٢)، قاله الشوكاني (٣).\nوقال في \"منية المصلي\" (٤): والخامسة من الفرائض السجدة، وهي فريضة تتأدى بوضع الجبهة والأنف والقدمين واليدين والركبتين، وإن وضع جبهته دون أنفه جاز بالإجماع، ولكن إن كان ذلك من غير عذر يكره، وإن وضع أنفه دون جبهته فكذلك يجوز سجوده، ولكن يكره إن كان بغير عذر عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز السجود بالأنف وحده إلَّا إذا كان بجبهته عذر، ولو وضع خده في السجود أو ذقنه لا يجوز سجوده بالإجماع بل يومئ، ووضع اليدين والركبتين في السجود ليس بواجب (٥) عندنا خلافًا لزفر والشافعي.\nقال في \"البدائع\" (٦): واختلف في محل إقامة فرض السجود، قال أصحابنا الثلاثة: هو بعض الوجه، وقال زفر والشافعي (٧): السجود فرض على الأعضاء السبعة: الوجه واليدين والركبتين والقدمين.\nواحتجا بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم\"، وفي رواية: \"على سبعة آراب: الوجه واليدين والركبتين والقدمين\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٦).\n(٢) وقال ابن العربي: المقصود في الثياب الامتهان في العبادة. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٩٩).\n(٤) (ص ٢٨٢).\n(٥) لقوله ﵇: سجد وجهي، الحديث، كذا في \"المغني\" (١/ ١٩٤). (ش).\n(٦) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٨٣).\n(٧) في أظهر قوليه، وبه قال أحمد، كذا في \"المغني\" (١/ ١٩٥)، وله رواية أخرى، وبه قال مالك وأبو حنيفة: لا تجب على غير الوجه، كذا في \"جزء اختلاف الأئمة في الصلاة\"، وهو قول للشافعي، لأنها لو وجبت لوجب الإيماء بها عند العجز، قاله ابن رسلان، والبسط في هامش \"الكوكب\" (١/ ٢٧٨). (ش).","vol":"4","page":368},{"text":"٨٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"أُمِرْتُ\"، ورُبَّمَا قَالَ: \"أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَسْجُدَ عَلى سَبْعَةِ آرَابٍ\". [انظر سابقه]\n٨٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، نَا بَكْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ-، عن ابْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن عَامِرٍ بنِ سَعْدٍ، عن الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ\n===\nولنا أن الأمر تعلق بالسجود مطلقًا من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، فنحمله على بيان السنَّة عملًا بالدليلين، انتهى.\nولو سجد ولم يضع قدميه أو إحداهما (٢) على الأرض في سجوده، لا يجوز سجوده (٣)، ولو وضع إحداهما جاز كما لو قام على قدم واحدة.\n٨٩٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: أمرت، وربما قال) شعبة: (أمر نبيكم) فجعل رسول الله - ﷺ - نفسه غائبًا (أن يسجد) بصيغة الغائب على رواية: أمر نبيكم، وأما على رواية: أمرت، فيكون بصيغة المتكلم أي أن أسجد (على سبعة آراب) أي أعضاء جمع إرب بالكسر فالسكون.\n٨٩١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا بكر - يعني ابن مضر-، عن ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، (عن محمد بن إبراهيم) التيمي، (عن عامر بن سعد) بن أبي وقاص، (عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الثقفي\".\n(٢) كذا في \"الكبيري\" (ص ٢٨٤)، ومقتضى السياق حذفه. (ش).\n(٣) لأنه شابه إذًا السخرية، وخرج من التعظيم، ففرضيته لأجل هذا، لا لأن مدار السجود عليه، كما بسطه في \"البحر\" وحاشيته (١/ ٥٥٥). (ش).","vol":"4","page":369},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ وَكَفَّاهُ وَرُكْبَتَاهُ وَقَدَمَاهُ\". [م ٤٩١، ت ٢٧٢، ن ١٠٩٤، حم ١/ ٢٠٦، جه ٨٨٥]\n٨٩٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبلٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْني ابْنَ إِبْرَاهِيمَ-، عن أَيُّوبَ، عن نَافِع، عن ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ قَالَ: \"إِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ (١)، وإِذَا (٢) وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا\". [ن ١٠٩٢، حم ٢/ ٦، خزيمة ٦٣٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>(١٥٩) بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ وَالْجَبْهَةِ</span>\n٨٩٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نَا مَعْمَرٌ،\n===\nرسول الله - ﷺ - يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب) أي أعضاء (وجهه) والمراد بالوجه بعضه، وهو الجبهة والأنف، لا الخد والذقن للإجماع (وكفاه وركبتاه (٣) وقدماه) (٤) وهذا السجود عندنا هو الذي على وجه الكمال، وعند الشافعي - ﵀- وضع الكفين والركبتين فرض.\n٨٩٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا إسماعيل -يعني ابن إبراهيم-، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رفعه) أي رفع ابن عمر الحديث إلى النبي (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، وإذا وضع أحدكم وجهه) أي جبهته (فليضع يديه، وإذا رفعه) أي الوجه (فليرفعهما) أي اليدين.\n\n(١٥٩) (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأنْفِ وَالْجَبْهَةِ)\n٨٩٣ - (حدثنا ابن المثنى، نا صفوان بن عيسى، نا معمر،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وجهه\".\n(٢) وفي نسخة: \"فإذا\".\n(٣) يكفي وضع جزء منهما، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) أي: بطون الأصابع، فلا يجوز ظهرها، وقيل: يجوز، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":370},{"text":"عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رُئيَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَعَلَى أَرْنَبَتِهِ أَثَرُ طِينٍ مِنْ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالنَّاسِ\". [خ ٨٣٦، م ١١٦٧]\n٨٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ (١) نَحْوَهُ.\n\n(١٦٠) بَابُ (٢) صِفَةِ السُّجُودِ\n٨٩٥ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، نَا شَرِيكٌ،\n===\nعن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - رئي) على صيغة الماضي المجهول، من رأى يرى (وعلى جبهته وعلى أرنبته) هو بفتح همزة ونون وموحدة وسكون راء، طرف الأنف (أثر طين) الطين (٣) هو التراب المخلوط بالماء، ويقال له: الوحل (من) أجل (صلاة صلاها بالناس) هي صلاة الفجر صبيحة إحدى وعشرين، فسجد رسول الله - ﷺ - في الطين والماء، فبقي أثره على جبهته وأرنبته - ﷺ -، وكان المسجد عريشًا.\n٨٩٤ - (حدثنا محمد بن يحيى، نا عبد الرزاق، عن معمر نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>(١٦٠) (بَابُ صِفَةِ السُّجُودِ) </span>(٤)\n٨٩٥ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، نا شريك) بن عبد الله،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن يحيى\".\n(٢) وفي نسخة: \"باب كيف السجود\".\n(٣) ويستحب أن لا يمسح، قال النووي: هذا محمول على أنه كان يسيرًا، أما لو زاد لا يجوز عند الشافعي السجود عليه مرة أخرى، \"ابن رسلان\"، وذكر ابن أبي شيبة الآثار في كراهة بقاء الأثر. [انظر: \"المصنف\" (١/ ٣٤٢)]. (ش).\n(٤) والمرأة ليست في ذلك كالرجل لرواية أبي داود في \"المراسيل\"، بسطها مولانا عبد الحي في \"فتاواه\" (ص ١٤٧ و٢٣٤). (ش).","vol":"4","page":371},{"text":"عن أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: \"وَصَفَ لنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَوَضَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ. وَقَالَ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يسْجُدُ\". [ن ١١٠٤، حم ٤/ ٣٠٣، خزيمة ٦٤٦]\n٨٩٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ وَلَا يَفْتَرِشْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ\". [خ ٥٣٢، م ٤٩٣، ت ٢٧٦، ن ١٠٢٨، جه ٨٩٢، حم ٣/ ١٠٩، دي ١٣٢٢]\n===\n(عن أبي إسحاق) السبيعي الهمداني (قال: وصف) أي بَيَّن (لنا البراء بن عازب) أي السجود، كما هو مصرح في رواية النسائي (فوضع يديه) أي كفيه، ولفظ أحمد: فبسط كفيه، ولفظ النسائي: فوضع يديه بالأرض (واعتمد على ركبتيه) أي جعل ركبتيه عمده (ورفع (١) عجيزته) هي العجز للمرأة فاستعارها للرجل، والعجزة مؤخر الشيء (وقال: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يسجد).\n٨٩٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن قتادة، عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: اعتدلوا (٢) في السجود) أي توسطوا بين الافتراش والقبض، وبوضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عنها وعن الجنبين، والبطن عن الفخذ، إذ هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة، وأبعد من الكسالة \"مجمع\".\n(ولا يفترش أحدكم ذراعيه) على الأرض (افتراش الكلب) أي مثل افتراش الكلب، قال في \"النهاية\": هو أن يبسط ذراعيه في السجود ولا يرفعهما عن الأرض كبسط الكلب والذئب ذراعيه.\n_________\n(١) ويجب في قول للشافعي - ﵀ - رفع الأسفل، وهو الأصح عند أصحابهم، وفي الأخرى: لا يجب. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) أي اِئتوا به كهيئة السجود، لأن حقيقة الاعتدال منتفٍ هنالك \"بن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":372},{"text":"٨٩٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، نَا سُفْيَانُ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عن مَيْمُونَةَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً\n===\n٨٩٧ - (حدثنا قتيبة، نا سفيان) بن عيينة، (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله) بن الأصم، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا لأبي داود ففى جميعها بالتصغير، وقال النووي في \"شرح مسلم\" (٢) في شرح هذإّ الحديث: وقع في بعض الأصول: عبيد الله بن عبد الله بتصغير الأول في الروايتين، وفي بعضها عبد الله مكبرًا في الموضعين، وفي أكثرها بالتكبير في الرواية الأولى، والتصغير في الثانية، وكله صحيح، فعبد الله وعبيد الله أخوان، وهما ابنا عبد الله بن الأصم، وعبد الله بالتكبير أكبر من عبيد الله، وكلاهما رويا عن عمه يزيد بن الأصم، وهذا مشهور في كتب أسماء الرجال.\nوالذي ذكره خلف الواسطي في كتابه \"أطراف الصحيحين\" في هذا الحديث: عبد الله بالتكبير في الروايتين، وكذا ذكره أبو داود وابن ماجه في \"سننيهما\" من رواية ابن عيينة بالتكبير، ولم يذكروا رواية الفزاري، ووقع في \"سنن النسائي\" اختلاف في الرواية عن النسائي، بعضهم رواه بالتكبير، وبعضهم بالتصغير، ورواه البيهقي في \"السنن الكبير\" من رواية ابن عيينة بالتصغير، ومن رواية الفزاري بالتكبير، والله أعلم.\nقلت: أما أنا فلم أجد في نسخ أبي داود، وفي نسخة ابن ماجه من رواية ابن عيينة إلَّا بالتصغير، فلعلَّ النسخ التي عند النووي فيها بالتكبير.\n(عن عمه يزيد بن الأصم) ابن أخت ميمونة، (عن ميمونة: أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد جافى) أي فرج وباعد (بين يديه) وبين جنبيه (حتى لو أن بهمة)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن سعيد\".\n(٢) (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢).","vol":"4","page":373},{"text":"أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ\". [م ٤٩٦، ن ١١٠٩، جه ٨٨٠، دي ١٣٣١، حم ٦/ ٣٣١، خزيمة ٦٥٧]\n٨٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عن التَّمِيمِيِّ الَّذِي يُحَدِّثُ بالتَّفْسِيرِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: \"أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - مِنْ خَلْفِهِ فَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ وَهُوَ مُجَخٍّ قَدْ فَرَّجَ (١) يَدَيْهِ\". [حم ١/ ٢٦٧]\n===\nالبهمة أولاد الضأن والمعز والبقر، جمعه بهم، ويُحَرَّكُ، وبِهام وبهامات، كذا في \"القاموس\"، وقال الجوهري: البهمة من أولاد الضأن خاصة، ويطلق على الذكر والأنثى، قال: والسخال أولاد المعزى، قال النووي: قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة: البهمة واحدة البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث.\n(أرادت أن تمر تحت يديه مرت) أي لأجل زيادة تفريج اليدين.\n٨٩٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، عن التميمي الذي يحدث بالتفسير) واسمه أربدة بسكون الراء بعدها موحدة مكسورة، ويقال: أربد، قال العجلي: تابعي كوفي ثقة، وقال ابن البرقي: مجهول، وذكره أبو العرب الصقلي حافظ القيروان في \"الضعفاء\".\n(عن ابن عباس قال: أتيت النبي - ﷺ - من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مُجَخٍّ) (٢) قال في \"المجمع\": كان إذا سجد جخ (٣) أي فتح عضديه عن جنبيه وجافاهما عنهما (قد فرج يديه) أي عن جنبيه، وهذا تفسير للجخ، ولعله - ﷺ - لم يكن عليه رداء، أو كان صغيرًا فانكشفت إبطاه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بين\".\n(٢) وفي رواية مسلم (٤٩٥): إذا سجد يُجَنِّحُ وهو من التجنيح، بسطه العيني (٣/ ٣٩٠). (ش).\n(٣) ويروى \"جخَّى\" بالياء. (ش).","vol":"4","page":374},{"text":"٨٩٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، نَا الْحَسَنُ، نَا أَحْمَرُ بْنُ جَزْءٍ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِﷺ -: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - كَانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ حَتَّى نَأوِيَ لَهُ\". [جه ٨٨٦، حم ٤/ ٣٢٢]\n٩٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، نَا ابْنُ وَهْب، نَا اللَّيْثُ، عن دَرَّاجٍ، عن ابْنِ حُجَيْرَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا سجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَفْتَرِشْ يَدَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ وَلْيَضُمَّ فَخِذَيْهِ\". [ق ٢/ ١١٥، خزيمة ٦٥٣]\n===\n٨٩٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا عباد بن راشد، نا الحسن) البصري، (نا أحمر بن جزء) بفتح الجيم بعدها زاي ساكن ثم همزة، تفرَّد الحسن بالرواية عنه (صاحب رسول الله - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى نأوي له) أي نَرِقُّ ونترحم لما نراه في شدة وتعب بسبب المبالغة في المجافاة وقلة الاعتماد.\n٩٠٠ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، نا ابن وهب، نا الليث) بن سعد، (عن دراج) بتثقيل الراء وآخره جيم، ابن سمعان، أبو السمح بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة، قيل: اسمه عبد الرحمن، ودراج لقب، صدوق في حديثه، عن أبي الهيثم ضعيف، (عن ابن حجيرة) بمهملة وجيم مصغرًا، وهو ابن حجيرة الأكبر، وأما ابنه عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة فهو ابن حجيرة الأصغر.\n(عن أبي هريرة، عن النبيﷺ - قال: إذا سجد أحدكم فلا يفترش) أي فلا يبسط (يديه) أي على الأرض في السجود مثل (افتراش الكلب وليضم فخذيه) قال في \"عون المعبود\" (١): فيه أن المصلي يضم فخذيه في السجود، لكنه معارض بحديث أبي حميد (٢) في صفة صلاة رسول الله - ﷺ -، قال:\n_________\n(١) (٣/ ١٦٨).\n(٢) تقدم في \"باب افتتاح الصلاة\"، وقال ابن رسلان: لعل هذا للمرأة، وأما الرجل فيفرج لحديث أبي حميد. (ش).","vol":"4","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>(١٦١) بَابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ </span>(١)\n===\n\" إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه\"، رواه المؤلف.\nقلت: لا معارضة بينهما، فإن معنى قوله: إذ سجد فرج بين فخذيه، أي باعد بين فخذيه وبين بطنه، ثم أكده بقوله: \"غير حامل بطنه على شيء من فخذيه\"، ويؤيده ما قال في \"البحر الرائق\" (٢): قوله: وجافى بطنه عن فخذيه لحديث أبي داود في صفة صلاته ﵇: \"وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه\".\nوأما قول الشوكاني: قوله: فرج بين فخذيه، أي فرق بين فخذيه وقدميه وركبتيه، انتهى.\nقلت: فلو سلم أن الحديث يدل على تفريق بين الفخذين إحداهما من الأخرى، فليس فيه تفريج القدمين والركبتين.\nوكذلك قولى: والحديث يدل على مشروعية التفريج بين الفخذين في السجود ورفع البطن عنهما، ولا خلاف في ذلك.\nقلت: لا خلاف في رفع البطن عنهما، وأما التفريج بين الفخذين في السجود فليس بمجمع عليه، ولم أره صرح به أحد إلَّا بعض الشوافع (٣)، وأما الأحناف والمالكية فما رأيته في كتبهم، والله أعلم.\n\n(١٦١) (بَابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ)\nأي: في ترك تفريج اليدين عن الجنبين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"للضرورة\".\n(٢) (١/ ٥٥٩).\n(٣) فقد صرَّح في \"التوشيح\" باستحباب التفريق قدر شبر، وكذا في \"نيل المأرب\" (١/ ١٦٠)، وذكر الشامي إلصاق الكعبين في الركوع والسجود سنة، لكن ردَّه في \"الفتاوى السعدية\". (ش).","vol":"4","page":376},{"text":"٩٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اشْتَكَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ إِذَا انْفَرَجُوا فَقَال: \"اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ\". [ت ٢٨٦، حم ٢/ ٤١٧، حب ١٩١٨، ك ١/ ٢٢٩، ق ٢/ ١١٧]\n===\n٩٠١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن عجلان، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: اشتكى أصحاب النبي - ﷺ - إلى النبي - ﷺ - مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا) وفي رواية الترمذي: إذا تفرجوا، أي يشق عليهم السجود إذا باعدوا بين اليدين والجنبين، وبين البطن والفخذين.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (استعينوا بالركب) (١) أي استعينوا بوضع المرفقين على الركب، فإذا وضع مرفقيه على الركب لم يكن مباعدًا كثيرًا بين اليدين عن الجنبين، ولا بين البطن والفخذين.\nأخرج هذه الرواية الترمذي، وقال: لا نعرف من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - إلَّا من هذا الوجه، وقد روى هذا الحديث سفيان بن عيينة وغير واحد عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي - ﷺ - نحو هذا، وكان رواية هؤلاء أي سفيان بن عيينة، وغير واحد أصح من رواية الليث.\nحاصل ما قال الترمذي: أن رواية الليث عن ابن عجلان، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولًا شاذ غير معروف، وأما ما روى هذا\n_________\n(١) قال ابن رسلان: بوب عليه ابن حبان (٥/ ٢٤٦) \"ذكر الإباحة للمرء أن يستعين بالركب في الاعتماد بالمرفقين عليهما عند ضعف أو أكبر سن\"، انتهى، ثم قال: هذا للمرء، وأما المرأة فتضم بعضها إلى بعضها بدون العذر، والحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٤٠) زاد في آخره: قال ابن عجلان: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود وأعيى. (ش).","vol":"4","page":377},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالحديث سفيان بن عيينة وغير واحد عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، فرواية هؤلاء أصح من رواية الليث، لأن الليث وإن كان ثقةً حافظًا ولكن سفيان وغيره مع كونهم ثقات حفاظًا متعددين.\nفأما ما قال الحافظ (١): وأخرج الترمذي الحديث المذكور، ولم يقع في روايته \"إذا انفرجوا\" فترجم له: \"ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود\"، فجعل محل الاستعانة بالركب بمن يرفع من السجود طالبًا للقيام، واللفظ محتمل لما قال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تُعَيِّنُ المراد.\nقلت: لعل النسخة التي عند الحافظ خالية عن هذه الزيادة، وأما نسخ الترمذي الموجودة عندنا ففيها هذه الزيادة \"إذا تفرجوا\" موجودة، وكذلك لفظ الترجمة في النسخ الموجودة عندنا \"باب ما جاء في الاعتماد في السجود\"، ولم أرَ ما زاده الحافظ في الترجمة من لفظ: \"إذا قام\" في نسخة.\nثم أقول: فيما ادعى الترمذي من أن الحديث موصولًا غير معروف لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، نظر، فإن الطحاوي أخرج هذه الرواية في \"شرح معاني الآثار\" (٢) في \"باب التطبيق في الركوع\": حدثنا ربيع الجيزي قال: ثنا أبو زرعة قال: أخبرنا حيوة قال: سمعت ابن عجلان يحدث، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة [أنه قال:] اشتكى الناس إلى رسول الله - ﷺ - التفرج في الصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"استعينوا بالركب\"، فهذا حيوة بن شريح وهو ثقة ثبت فقيه زاهد، يوافق الليث في وصله، فلم يبق في وصله شذوذ.\nقلت: نقل صاحب \"العون\" (٣) عن المنذري بأنه أخرجه الترمذي، وذكر\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٤).\n(٢) (١/ ٢٣٠).\n(٣) \"عون المعبود\" (٣/ ١٧٠).","vol":"4","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>(١٦٢) بَابٌ: في التَّخَصُّرِ وَالإِقْعَاءِ</span>\n===\nأنه لا يعرفه من هذا الطريق إلَّا من هذا الوجه مرسلًا فلعل قوله: مرسلًا غلطٌ من الناسخ، والصحيح موصولًا، والله أعلم.\n\n(١٦٢) (بَابٌ: في التَّخَصُّرِ وَالإقْعَاءِ)\nهكذا في النسخ الموجودة، ولكن ذكر الإقعاء هاهنا غير مناسب، لأنه لا ذكر له في الحديث، وقد تقدم ذكر الإقعاء في الأبواب المارة، والتخصر هو وضع اليد على الخاصرة في الصلاة، وقد ورد في الروايات بلفظ التخصر والاختصار والخصر.\nواختلف العلماء في معنى هذا اللفظ، وقد عقد أبو داود فيما يأتي قريبًا \"باب الرجل يصلي مختصرًا\"، وأخرج فيه عن أبي هريرة: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن الاختصار في الصلاة\"، فقال في \"مرقاة الصعود\": الأشهر في تفسيره أنه وضع اليد على الخاصرة، كذا فسره ابن سيرين راوي الحديث، وقيل (١): هو أن يمسك بيده مِخْصَرَةً أي عصًا يتوكأ عليها، حكاه الخطابي (٢)، وقيل: هو أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، حكاه صاحب \"الغريبين\" و\"النهاية\"، وقيل: أن يحذف من الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، حكاه في \"الغريبين\".\nقال في \"شرح الترمذي\": والقول الأول هو الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والحديث والفقه.\nوقال: اختلف في المعنى الذي نهي عن الاختصار في الصلاة لأجله، قيل: التشبه بإبليس، لأنه أهبط مختصرًا. وروي أنه إذا مشى مشى مختصرًا، رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عباس.\n_________\n(١) وعلى هذا لا بأس به في النوافل، كما سيجيء في \"باب الرجل يعتمد في الصلاة على عصًا\". (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٣٢٥).","vol":"4","page":379},{"text":"٩٠٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن وَكِيعٍ، عن سَعِيدِ بْنِ زِيَادٍ، عن زِيَادِ بْنِ صُبَيْحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: \"صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خَاصِرَتَيَّ، فَلَمَّا صَلى قَالَ: هَذَا الصَّلْبُ في الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَنْهَى عَنْهُ\" (١). [ن ٨٩١]\n===\nوقيل: التشبه باليهود، لأنهم يفعلونه في صلاتهم، رواه ابن أبي شيبة عن عائشة، أو لأنه راحة أهل النار، رواه عنها وعن مجاهد، وورد مرفوعًا رواه البيهقي من حديث أبي هريرة.\nوقيل (٢): إنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المأتم، قاله الخطابي، انتهى \"مرقاة الصعود\" (٣).\n٩٥٢ - (حدثنا هناد بن السري، عن وكيع، عن سعيد بن زياد) (٤) الشيباني (عن زياد بن صبيح) مصغرًا، وحكي عن ابن أبي حاتم أنه بالفتح (الحنفي) وقال الحافظ في \"التقريب\": سعيد بن زياد بن صبيح، صوابه سعيد بن زياد وهو الشيباني عن زياد بن صبيح (قال: صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يديَّ) بصيغة التثنية المضافة إلى ياء المتكلم، وكذا في (على خاصرتيَّ (٥)، فلما صلَّى) ابن عمر (قال: هذا الصلب في الصلاة) أي هذه الهيئة في الصلاة شبيهة هيئة الصلب، فإن المصلوب يمد باعه على الجذع (وكان رسول - ﷺ - ينهي عنه) أي عن الصلب بأن يتشبه بهذه الهيئة في الصلاة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"منه\".\n(٢) وقيل: شكل من أشكال المتكبرين، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٦٨).\n(٤) له عند المصنف والنسائي هذا الحديث الواحد، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) ولفظ النسائي: \"على خصري\". (ش).","vol":"4","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>(١٦٣) بَابٌ: في الْبُكَاءِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n٩٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، نَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ-، نَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عن ثَابِتٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ (١) اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرّحَى (٢) مِنَ الْبُكَاءِ - ﷺ -\". [ن ١٢١٤، تم ٣٠٧، حم ٤٢٥، خزيمة ٩٠٠]\n===\n\n(١٦٣) (بَابٌ: في الْبُكَاءِ في الصَّلاةِ)\nقال في \"المنية\" (٣): وإن أَنَّ في صلاته أو تأؤَه (٤) أو بكى فارتفع بكاؤه، إن كان ذلك من ذكر الجنة أو النار لم يقطعها، وإن كان ذلك من وجع أو مصيبة يقطعها (٥).\n٩٠٣ - (حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام، نا يزيد- يعني ابن هارون-، نا حماد -يعني ابن سلمة-، عن ثابت) البناني، (عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير، (عن أبيه) عبد الله بن الشخير (قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي وفي صدره أزيز) أي صوت البكاء، وقيل: أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء (كأزيز الرحى) أي كصوت الرحى إذا دارت (من البكاء (٦) أي من أجل البكاء، وفي رواية النسائي: في جوفه أزيز كأزيز المرجل، أي كصوت غليان المرجل.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي نسخة: \"المرجل\".\n(٣) (ص ٤٣٦).\n(٤) وهو المراد بما سيأتي في \"باب من قال: يركع ركعتين\" من النفخ في السجود. (ش).\n(٥) وكذلك عند أحمد، كذا في \"المغني\" (٢/ ٤٥٣). (ش).\n(٦) البكاء في الصلاة ولو من الآخرة يبطل عند الشافعية خلافًا لنا ومالك، كذا في حاشية \"الإقناع\" (٢/ ٨٢)، والبسط في \"الفتح\" (٢/ ٢٠٦). (ش).","vol":"4","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>(١٦٤) بَابُ كَرَاهِيَّةِ الوَسْوَسَةِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ في الصَّلَاةِ</span>\n٩٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا هِشَامٌ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ -، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يَسْهُو فِيهِمَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [حم ٤/ ١١٧]\n===\n\n(١٦٤) (بَابُ كَرَاهِيَّةِ الْوَسْوَسَةِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ في الصَّلاةِ)\n٩٠٤ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا عبد الملك بن عمرو، نا هشام -يعني ابن سعد-، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني أن النبي - ﷺ - قال: من توضأ فأحسن وضوءه) أي أكمله (ثم صلَّى ركعتين) أي تحية للوضوء (١) (لا يسهو فيهما) أي لا يغفل عن الصلاة لاشتغاله بأحاديث النفس والوساوس (غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي \"مسلم\" من حديث عثمان بن عفان: لا يحدث (٢) فيهما نفسه.\nفإن قيل: الوساوس وأحاديث النفس غير اختيارية، فكيف يتعلق بها الحكم؟ قلنا: وقوعها في القلب غير اختياري، ولكن إبقاء سلسلتها وقطعها اختياري، وكذلك اشتغاله في الصلاة وإقباله إليها اختياري، وهو يمنع وقوعها وحدوثها، ولهذا قالي - ﷺ -: \"إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها\n_________\n(١) من السنن المؤكدة عند الشافعية، فيجوز أداؤها في الأوقات المكروهة خلافًا لمالك إذ لا يجوز عنده أداؤها فيها، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) وقد تقدَّم بعض الكلام على الحديث في \"باب صفة الوضوء\"، قال ابن رسلان في \"شرحه\" هناك: ونقل عياض عن بعضهم أن المراد من لم يحصل له حديث النفس أصلًا، ورده النووي فقال: حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر غير المستقرة، نعم من اتفق أن لا يحصل له أصلًا أعلى درجة، انتهى، وأجاد مولانا محمد مظهر جانجانان في \"مكتوباته\": إن الصلاة في العلم الحضوري وهو في مرتبة الفناء، وتجهيز الجيش في مرتبة العلم الحصولي، فلا تنافي. (ش).","vol":"4","page":382},{"text":"٩٠٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِىِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا إلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». [تقدَّم برقم ١٦٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>(١٦٥) بَابُ الفَتْحِ عَلَى الإِمَامِ في الصَّلَاةِ</span>\n===\nما لم تعمل به أو تتكلم\"، والمراد بالوساوس ما كانت من أمور الدنيا، وأما إذا كانت من أمور الآخرة فلا، وقد قال عمر بن الخطاب: وأُجَهّزُ جيشي وأنا في الصلاة، والمراد من الذنب الصغائر.\n٩٠٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا زيد بن الحباب) بضم المهملة، (نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، (عن جبير) مصغرًا (ابن نفير) مصغرًا (الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله - ﷺ - قال: ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين) بحيث (يقبل بقلبه) أي لا يشتغل بغيرها من الخواطر والوساوس (ووجهه) أي لا يلتفت لغير جهة الصلاة (عليهما) أي الركعتين (إلَّا وجبت له الجنة) أي ثبت له حصول الجنة بوعد الله تعالى إياه بشرط أن لا يوجد منه ما ينافيه.\n\n(١٦٥) (بَابُ الْفَتْحِ عَلَى الإمَامِ في الصَّلاةِ)\nقال في \"البدائع\" (١): ولو فتح على المصلي إنسان، فهذا على وجهين: إما إن كان الفاتح هو المقتدي به أو غيره، فإن كان غيره فسدت (٢) صلاة\n_________\n(١) (١/ ٥٤٢).\n(٢) لا عند أحمد كما في \"المغني\" (٢/ ٤٥٤)، ومالك معنا في هذا التفصيل كما في \"المدونة\" (١/ ١٠٣). (ش).","vol":"4","page":383},{"text":"٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (١) وَسُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدّمَشْقِيُّ قَالَا: أَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عن يَحْيَى الْكَاهِلِيِّ، عن الْمُسَوَّرِ\n===\nالمصلي، سواء كان الفاتح خار الصلاة أو في صلاة أخرى غير صلاة المصلي، وفسدت صلاة الفاتح (٢) أيضًا إن كان هو في الصلاة، لأن ذلك تعليم وتعلم، وكذا المصلي إذا فتح على غير المصلي فسدت صلاته، وإن كان الفاتح هو المقتدي به فالقياس هو فساد الصلاة، إلَّا أنا استحسنا الجواز (٣)، لما روي \"أن رسول الله - ﷺ - قرأ سورة المؤمنون فترك حرفًا، فلما فرغ قال: ألم يكن فيكم أبي، قال: نعم يا رسول الله - ﷺ -، قال: هَلَّا فتحت علي، قال: ظننت أنها نسخت، قال - ﷺ -: لو نسخت لأنبأتكم\".\n٩٠٦ - (حدثنا محمد بن العلاء وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قالا: أنا مروان بن معاوية، عن يحيى) بن كثير (الكاهلي) لين الحديث، (عن المُسَوَّرِ) قال الحافظ في \"الإصابة\" (٤): بضم أوله وفتح السين وتشديد الواو، ضبطه عبد الغني بن سعيد وابن ماكولا، وأورده البخاري مع المسور بن مخرمة، فاقتضى أنه مثله، انتهى.\nقلت: وخالفه صاحب \"جامع الأصول (٥) \" فقال: المسور بضم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ح وثنا\".\n(٢) لا عند أحمد، كذا في \"المغني\". (ش).\n(٣) قلت: هذا هو المذهب عندنا، وبه صرَّح الشامي باسطًا. [انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٤٦١)]، ونقل في \"الهداية\" الاختلاف في قدر القراءة، فما نقل صاحب \"العون\" (٣/ ١٧٧) عن الخطابي إذ قال: لا بأس به عند الشافعي ومالك وأْحمد وإسحاق، وكرهه ابن مسعود والشعبي، وقال أبو حنيفة: هذا كلام في الصلاة بلا شك، انتهى، فليس بصواب، وكذا غلط ابن قدامة في نقل المذهب. (ش).\n(٤) (٦/ ٩٩).\n(٥) (١٥/ ١٩٥).","vol":"4","page":384},{"text":"ابْنِ يَزِيدَ الْمَالِكِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قَالَ يَحْيَى: وَرُبَّمَا قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ في الصَّلَاةِ فَتَرَكَ شَيْئًا لَمْ يَقْرَأهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَرَكْتَ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"هَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا\" (١). [حم ٤/ ٧٤، حب ٢٢٤٠، خزيمة ١٦٤٨]\n===\nالميم وفتح السين المهملة وتشديد الواو وفتحها، هكذا قيده الدارقطني وابن ماكولا وغيرهما، وأورده ابن منده وابن عبد البر في باب مسور بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو وتخفيفها، وأما البخاري فإنه أورده في الباب الواحد، ولم يذكره في باب مسور، وذلك منه دليل على أنه بالتشديد، انتهى.\n(ابن يزيد المالكي) (٢) هكذا في \"أسد الغابة\" (٣)، وفي \"الإصابة\": وهو ابن يزيد الأسدي ثم المالكي، قال البغوي: من بني مالك، وفي نسخة: الكاهلي، وهكذا في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\".\n(أن رسول الله - ﷺ - قال يحيى) أي الكاهلي: (وربما قال) المسور بن يزيد: (شهدت رسول الله - ﷺ - يقرأ) والفرق بين القولين أن القول الأول وهو: أن رسول الله - ﷺ - يقرأ، لايدل على شهوده الصلاة ولا على سماعه منه - ﷺ -، فلا يقتضي الكلام كونه صحابيًّا، وأما القول الثاني وهو: شهدت رسول الله - ﷺ - يقرأ، ففيه تصريح بشهوده صلاة رسول الله وسماعه من قراءة رسول الله - ﷺ -، فهو يثبت كونه صحابيًّا.\n(في الصلاة فترك) رسول الله - ﷺ - (شيئًا) أي آية (لم يقرأه) أي سهوًا (فقال له رجل) بعد الانصراف من الصلاة، وهو أبي بن كعب: (يا رسول الله تركت آية كذا وكذا، فقال له رسول الله - ﷺ -: هَلَّا أذكرتنيها،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذكرتنيها\".\n(٢) قال ابن رسلان: له هذا الحديث الواحد. (ش).\n(٣) (٤/ ١٣١) رقم الترجمة (٤٩٢٨).","vol":"4","page":385},{"text":"قَالَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: كُنْتُ أُرَاهَا نُسِخَتْ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ كَثيرٍ (١).\n٩٠٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِىُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى صَلَاةً فَقَرَأَ فِيهَا\n===\nقال سليمان في حديثه: قال) الرجل في جواب رسول الله - ﷺ -: (كنت أراها نسخت) أي ما ظنننت أنك نسيتها، بل ظننت أنها نسخت، فلأجل نسخها لم تقرأها، ولم يذكر هذا الكلام محمد بن العلاء.\n(وقال سليمان) بن عبد الرحمن الدمشقي: (قال: نا يحيى بن كثير) (٢) أي قال في سنده بعد مروان بن معاوية: حدثنا يحيى بن كثير، والغرض منه بيان الاختلاف في لفظ محمد بن العلاء ولفظ سليمان بن عبد الرحمن، فإن محمدًا قال: عن يحيى الكاهلي بلفظة \"عن\" وترك النسبة إلى أبيه، وذكر النسبة إلى بني كاهلة، وقال سليمان بلفظ \"التحديث\" وذكر النسبة إلى أبيه، وترك النسبة إلى القبيلة.\n٩٠٧ - (حدثنا يزيد بن محمد الدمشقي، نا هشام بن إسماعيل، نا محمد بن شعيب، أنا عبد الله بن العلاء بن زبر) بفتح الزاء وسكون الموحدة، (عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر (٣): أن النبي - ﷺ - صلى صلاة فقرأ فيها)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الأسدي قال: حدثني المسور بن يزيد\".\n(٢) الأسدي، زاده ابن رسلان. (ش).\n(٣) وقد أخرج السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٢١٤) برواية عبد الرحمن بن عوف: \"أنه - ﷺ - صلَّى الصبح فقرأ سورة الفرقان فأسقط آية، فلما سلم قال: هل في القوم أبي؟ فقال: ها أنا! فقال: ألم أسقط آية؟ قال: بلى، قال: فلم لم تفتحها؟ قال: حسبتها نسخت، قال: لا، ولكني أسقطتها\". (ش).","vol":"4","page":386},{"text":"فَلُبِسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لأُبَىٍّ: «أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا مَنَعَكَ؟». [حب ٢٢٤٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>(١٦٦) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّلْقِينِ </span>(١)\n٩٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، عن يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الْحَارِثِ، عن عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا عَلِيُّ، لَا تَفْتَحْ عَلَى الإِمَامِ في الصَّلَاةِ\". [عب ٢٨٢٢]\n===\nأي جهر بالقراءة فيها (فلبس عليه) أي صارت القراءة ملتبسة مختلفة عليه (فلما انصرف) أي رسول الله - ﷺ - عن الصلاة (قال لأبي) أي ابن كعب: (أصليت معنا؟ قال: نعم قال: فما منعك؟) أي عن الفتح عليّ، وهذا الحديث يدل على أن المقتدي يجوز له الفتح على إمامه.\n\n(١٦٦) (بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّلْقِينِ)\n٩٠٨ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة) بفتح النون وسكون الجيم، (ثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن الحارث) بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي صاحب علي، كذبه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وعلي بن المديني، (عن علي -﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة) وهذا الحديث (٢)\n_________\n(١) وهل تدخل فيه القراءة من المصحف، ظاهر السرخسي في \"المبسوط\" نعم، واستدل من أباحه بإمامة ذكوان من المصحف كما في \"البخاري\" في \"باب إمامة العبد والمولى\" وبسط الكلام عليه في \"الأبواب والتراجم لصحيح البخاري\" (٢/ ٢٦٩) لهذا العبد الضعيف. (ش).\n(٢) ويخالفه أيضًا أثر علي موقوفًا: إذا استطعمك الإِمام فأطعمه، قاله الخطابي، وصحَّح الحافظ هذا الأثر في \"التلخيص\" (٢/ ٤٦٨). (ش).","vol":"4","page":387},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْحَارِثِ إِلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا (١) مِنْهَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>(١٦٧) بَابُ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ</span>\n٩٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ،\n===\nيخالف الحديث المتقدم في الباب السابق، فإما أن يقال: إن هذا الحديث ضعيف لا يقاوم الحديث المتقدم، أو إن جواز الفتح محمول على الضرورة، والمنع منه على عدم الضرورة.\n(قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلَّا أربعة أحاديث ليس هذا منها) قال في \"ميزان الاعتدال\" (٢): قال شعبة: لم يسمع أبو إسحاق منه إلَّا أربعة أحاديث، وكذلك قال العجلي، وزاد: وسائر ذلك كتاب أخذه، فعلى هذا في الحديث علة أخرى وهو الانقطاع.\n\n(١٦٧) (بَابُ الالْتِفَاتِ (٣) في الصَّلاةِ)\nالالتفات في الصلاة على ثلاثة أوجه (٤): أولها: بطرف (٥) الوجه، فهو مكروه، والثاني: بطرف العين فلا بأس به، والثالث: بحيث تحول صدره عن القبلة، فصلاته باطلة بالاتفاق، وقيل: من التفت يمينًا وشمالًا، ذهب عنه الخشوع المتوقف عليه كمال الصلاة عند أكثر العلماء أو صحتها عند بعضهم.\n٩٠٩ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحديث\".\n(٢) (١/ ٤٣٥).\n(٣) بسط ابن القيم في \"الهدي\" على الالتفات بحثًا. [انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٢٤١)]. وقال صاحب \"المغني\" (٢/ ٣٩٢): اسندبار القبلة يفسد، وبه قال في \"المدونة\" (١/ ١٠٣). (ش).\n(٤) وأما التفات القلب فتقدم قريبًا. (ش).\n(٥) كذا في الأصل، والظاهر \"بصرف الوجه\".","vol":"4","page":388},{"text":"عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ يُحَدِّثُنَا في مَجْلِسٍ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَزَالُ اللهُ ﷿ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ في صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ\". [ن ١١٩٥، حم ٥/ ١٧٢، ك ١/ ٢٣٦]\n٩١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ،\n===\nعن ابن شهاب قال: سمعت أبا الأحوص) قال في \"تهذيب التهذيب\": مولى بني ليث، ويقال: مولى بني غفار، قال النسائي: لم نقف على اسمه، ولا نعرفه، ولا نعلم أن أحدًا روى عنه غير ابن شهاب، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (١)، وقال ابن عيينة: لما روى الزهري هذا الحديث يعني مسح الحصى قال له سعد بن إبراهيم: من أبو الأحوص كالمغضب حين حدث عن رجل مجهول، فقال له الزهري: أما تعلم الشيخ مولى بني غفار المدني، كان يصلي في الروضة الذي والذي، وجعل يصفه له، وسعد لا يعرفه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم.\nوقال في \"ميزان الاعتدال\": وقال ابن القطان: لا يعرف له حال، ولا قضى له بالثقة قول الزهري: سمعت أبا الأحوص يحدث في مجلس سعيد بن المسيب.\n(يحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب قال: قال أبو ذر: قال رسول الله - ﷺ -: لا يزال الله ﷿ مقبلًا على العبد) أي ناظرًا إليه بالرحمة وإعطاء المثوبة (وهو في صلاته) والمعنى لم ينقطع أثر الرحمة عنه (ما لم يلتفت) أي بالعنق (فإذا التفت انصرف عنه) أي أعرض عنه، قال ابن الملك: المراد منه قلة الثواب.\n٩١٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي،\n_________\n(١) وصحح حديثه الترمذي. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":389},{"text":"عن الأَشْعَثِ- يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمٍ-، عن أَبِيهِ، عن مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عن الْتِفَاتِ الرَّجُلِ في الصَّلَاةِ، فَقَالَ (١): \"هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ\". [خ ٧٥١، ت ٥٩٠، ن ١١٩٧، حم ٦/ ١٠٦، خزيمة ٤٨٤، حب ٢٢٨٧، ك ١/ ٢٣٧، ق ٢/ ٢٨١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>(١٦٨) بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ</span>\n٩١١ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رُئِىَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَعَلَى أَرْنَبَتِهِ أَثَرُ طِينٍ مِنْ صَلَاةٍ صَلَاّهَا بِالنَّاسِ\" (٢). [تقدم برقم ٨٩٣]\n===\n(عن الأشعث، يعني ابن سليم) هو ابن أبي الشعثاء (عن أبيه) سليم بن أسود، أبو الشعثاء المحاربي الكوفي، (عن مسروق، عن عائشة قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن التفات الرجل في الصلاة) أي صرف العنق إلى اليمين والشمال مع ثبات الصدر إلى القبلة (فقال) رسول الله - ﷺ -: (هو اختلاس) والاختلاس هو الاختطاف والسلب (يختلسه الشيطان) أي يحمله على هذا الفعل (من صلاة العبد) أي يختلسه من كمال صلاة العبد.\n\n(١٦٨) (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأنْفِ)\n٩١١ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا عيسى) بن يونس، (عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله - ﷺ - رئي على جبهته وعلى أرنبته أثر طين من صلاة صلاها بالناس) وقد تقدم هذا الحديث مع اختلاف في أول السند قريبًا، وترجم له\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إنما\".\n(٢) وفي نسخة: \"الناس\".","vol":"4","page":390},{"text":"قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَقْرَأْهُ أَبُو دَاوُدَ في الْعَرْضَةِ الرَّابِعَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>(١٦٩) بَابُ النَّظَرِ في الصَّلَاةِ</span>\n٩١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - وَهَذَا حَدِيثُهُ، وَهُوَ أَتَمُّ -، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ\n===\n\"باب السجود على الأنف (١) والجبهة\".\n(قال أبو علي) هو محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي البصري تلميذ المؤلف أبي داود: (هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة) أي لما قرأ هذا الكتاب على تلاميذه في المرة الرابعة لم يقرأ هذا الحديث عليهم، فتركه، ولعل وجه تركه عدم الفائدة في الإعادة، لأنه تكرار محض.\n\n(١٦٩) (بَابُ النَّظَرِ (٢) في الصَّلاةِ)\nوالفرق بين النظر والالتفات أن الالتفات بمؤخر العين، والنظر يعمه وغيره\n٩١٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير وهذا) أي المذكور في الكتاب (حديثه) أي لفظ حديث جرير لا لفظ أبي معاوية (وهو) أي حديث جرير (أتم) من حديث أبي معاوية.\n(عن الأعمش) أي أبو معاوية وجرير كلاهما رويا عن سليمان الأعمش (عن المسيب) بمضمومة فسين فياء مشددة مفتوحتين، وقد تكسر الياء \"مغني\"، وهو (ابن رافع) الأسدي الكاهلي، (عن تميم بن طرفة) بفتح الطاء والراء والفاء\n_________\n(١) والفرق بين الترجمتين ظاهر، فإن هاهنا مسألتين: إحداهما: السجدة عليهما معًا، والثانية: الاقتصار على الأنف فقط، كما قال به الإِمام فقط، وصاحباه بالعذر. (ش).\n(٢) والنظر إلى جهة السجود عند الشافعي والكوفيين، وإلى جهة القبلة عند مالك، وبسط الكلام والدلائل ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":391},{"text":"الطَّائِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - قَالَ عُثْمَانُ: قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَسْجِدَ فَرَأَى فِيهِ نَاسًا يُصَلُّونَ رَافِعِى أَيْدِيهِمْ (١) إِلَى السَّمَاءِ - ثُمَّ اتَّفَقَا - فَقَالَ (٢): «لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ يَشْخَصُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ\" - قَالَ مُسَدَّدٌ: \"فِى الصَّلَاةِ\" - \"أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ». [م ٤٢٨، جه ١٠٤٥، حم ٥/ ١٠٧، دي ١٣٠١]\n===\n(الطائي، عن جابر بن سمرة، قال عثمان) بن أبي شيبة خاصة: (قال) شيخي جرير: (دخل رسول الله - ﷺ - المسجد، فرأى فيه ناسًا يصلون رافعي أيديهم إلى السماء) ولم يذكر هذا الكلام أبو معاوية.\n(ثم اتفقا) أبو معاوية وجرير وقالا: (فقال) رسول الله - ﷺ -: (لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء) أي عن شخوصهم أبصارهم إلى السماء (قال مسدد) أي عن أبي معاوية: (في الصلاة) ولم يذكر هذا اللفظ عثمان عن جرير (أو لا ترجع إليهم أبصارهم) وهذا اللفظ اتفق عليه أبو معاوية وجرير.\nفإن قلت: لا مناسبة بين قوله - ﷺ -: \"لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى آخره\"، وبين رؤيته ناسًا يصلون رافعي أيديهم إلى السماء.\nقلت: وقع في الحديث اختصار مخل، وقد أخرج هذا الحديث مسلم (٣) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة قال: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمس؟ اسكنوا في الصلاة، قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقًا فقال: ما لي أراكم عزين\"، الحديث.\nوكذلك أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٤) من طريق شعبة، عن سليمان\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رافعي أبصارهم\".\n(٢) وفي نسخة: \"قال\".\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٤٣٠).\n(٤) (٥/ ٩٣).","vol":"4","page":392},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبهذا السند: \"أنه دخل المسجد فأبصر قومًا قد رفعوا أيديهم فقال: قد رفعوها كأنها أذناب الخيل الشمس؟ اسكنوا في الصلاة\"، ثم أخرج الإِمام أحمد (١) من طريق شعبة بهذا السند عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أما يخشى أحدكم إذا رفع بصره، وفي رواية: رأسه، وهو في الصلاة أن لا يرجع إليه بصره\".\nوكذلك أخرج النسائي (٢) من طريق عبثر عن الأعمش بهذا السند قال: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، فقال: ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة كأنها أذناب الخيل الشمس؟ اسكنوا في الصلاة\".\nفعلم بهذه الروايات أن في حديث أبي داود سقوطًا واختصارًا (٣)، وقوله: لينتهين رجال، ليس هو جواب لقوله: \"رأى ناسًا يصلون رافعي أيديهم\" بل جوابه لم يذكر فيه.\nقلت: والحاصل أن حديث جابر بن سمرة يشتمل على أمور عديدة: أحدها: كراهية رفع الأيدي في الصلاة، والأمر بالسكون فيهما، وقد أخرجه مسلم (٤) من طريق أبي معاوية بسنده عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: \"ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خرج شمس؟ اسكنوا في الصلاة\"، والسياق الثاني لهذا الأمر لمسلم (٥) من حديث عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة قال: \"كنا إذا صلينا مع رسول الله - ﷺ -، قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين\"، وفي رواية قال: \"صليت مع رسول الله - ﷺ - فكنا إذا سلمنا قلنا\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٩٠).\n(٢) \"سنن النسائي\" ح (١١٨٤).\n(٣) وهذا كله على النسخ الموجودة عندنا، وقال ابن رسلان: وفي بعض النسخ: فرأى ناسًا يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء، انتهى، فلا إشكال. (ش).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (٤٣١).\n(٥) \"صحيح مسلم\" (٤٣١).","vol":"4","page":393},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، فقال رسول الله - ﷺ -: عَلامَ تومئون بأيديكم\"، وفي رواية له: \"فنظر إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله\"، وفي رواية له: \"إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده\"، والظاهر أن المذكور في هذا الحديث غير القصة التي في الحديث الأول، وقد أخرجهما النسائي.\nوثانيها: النهي عن رفع الأبصار إلى السماء في الصلاة، وقد أخرجه مسلم (١) من طريق أبي معاوية بسنده عن جابر بن سمرة، ولفظه: قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم\".\nوأخرج أحمد (٢) من طريق شعبة بسنده عن جابر بن سمرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أما يخشى أحدكم إذا رفع بصره وهو في الصلاة أن لا يرجع إليه بصره\"، ويقرب من ذلك سياق حديث أبي هريرة عند مسلم، وسياق حديث أنس عند أبي داود.\nوثالثها: النهي عن كونهم متفرقين جماعة جماعة كما عند مسلم من حديث أبي معاوية عن جابر بن سمرة قال: \"ثم خرج علينا فرآنا حلقًا فقال: ما لي أراكم عزين؟ \".\nوقد أخرج هذا [الحديث] الإِمام أحمد (٣) من طريق شعبة بسنده عن جابر بن سمرة أنه خرج على أصحابه فقال: \"ما لي أراكم عزين؟ وهم قعود\".\nورابعها: الأمر بتسوية الصفوف كما تصف الملائكة، وهو ما أخرجه\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٤٢٨).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٩٠).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ٩٣).","vol":"4","page":394},{"text":"٩١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِى صَلَاتِهِمْ؟»، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِى ذَلِكَ فَقَالَ: «لَيُنْتَهَيَنَّ\n===\nمسلم (١) من حديث جابر بن سمرة قال: \"ثم خرج علينا فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة\"، الحديث، وكذلك أخرجه غيره.\nفعلم بذلك أن بعض الرواة ذكر بعضًا منها، وترك بعضها، وآخرون منهم ترك البعض، وذكر بعضًا آخر، وكذلك بعضهم ذكر مرة بعض الحرف ولم يذكره مرة أخرى، فالزيادة التي خصها أبو داود من رواية عثمان عن جرير، وأشار إلى أن مسددًا لم يذكره عن أبي معاوية، وقد ذكر هذه الزيادة مسلم من حديث أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب في حديث أبي معاوية، فمبني على أن أبا معاوية ذكرها مرة ولم يذكرها أخرى، فذكرها مرة لأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، ولم يذكرها لمسدد، وكذلك لم يذكرها مرة أخرى لأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، كما لم يذكرها لمسدد، وقد أخرجها مسلم في أول الباب، والله أعلم بالصواب.\n٩١٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) بن سعيد القطان، (عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما بال أقوام) المراد بالأقوام الأشخاص (يرفعون أبصارهم) إلى السماء (في صلاتهم؟) وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة: عند الدعاء (فاشتد قوله في ذلك فقال: لَيُنْتَهَيَنَّ).\nقال الحافظ (٢): قوله: لينتهين، كذا للمستملي والحموي بضم الياء وسكون النون وفتح المثناة والهاء [والياء] وتشديد النون على البناء للمفعول، والنون للتأكيد، وللباقين \"لَيَنْتَهُنَّ\" بفتح أوله وضم الهاء على البناء للفاعل، قلت: والنسخة الأولى هي عند أبي داود.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٤٣٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٤).","vol":"4","page":395},{"text":"عن ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ\". [خ ٧٥٠، ن ١١٩١، جه ١٠٤٤، حم ٣/ ١٠٩، دي ١٣٠٢]\n٩١٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَقَالَ: «شَغَلَتْنِى أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِى جَهْمٍ (١) وَأْتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ». [خ ٧٥٢، م ٥٥٦، ن ٧٧١، جه ٣٥٥٠]\n===\n(عن ذلك) أي عن رفع أبصارهم إلى السماء (أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم) أو ههنا للتخيير نظير قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٢)، أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة وإما الإِسلام، واختلف في المراد بذلك، فقيل: هو وعيد، وعلى هذا فالفعل المذكور حرام، وأفرط (٣) ابن حزم فقال: يبطل الصلاة، وقيل: المعنى أنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلين، أشار إلى ذلك الداودي.\n٩١٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: صلى رسول الله - ﷺ - في خميصة) بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة، كساء مربع من خز أو صوف له عَلَمان (لها أعلام) العَلَم رسم الثوب ورقمه (فقال) رسول الله - ﷺ -: (شغلتني أعلام هذه)، ولفظ البخاري: شغلني، (اذهبوا بها إلى أبي جهم) هو عبيد، ويقال: عامر بن حذيفة القرشي العدوي، صحابي مشهور، وإنما خصه - ﷺ - بإرسال الخميصة، لأنه كان أهداها (٤) إلى النبي - ﷺ - كما رواه مالك في \"الموطأ\".\n(وأتوني بأنبجانيته) بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن حذيفة\".\n(٢) سورة الفتح: الآية ١٦.\n(٣) وعند الجمهور مكروه، وظاهر الوعيد أنه حرام. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) وطلب منه الأنبجانية لئلا يؤثر الرد في قلبه. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":396},{"text":"٩١٥ - حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى الزِّنَادِ (١) - قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ: \"وَأَخَذَ كُرْدِيًّا كَانَ لأَبِى جَهْمٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْخَمِيصَةُ كَانَتْ خَيْرًا مِنَ الْكُرْدِىِّ\".\n===\nالجيم وبعد النون ياء النسبة: كساء غليظ لا علم له، وقال ثعلب: يجوز فتح همزته وكسرها، وكذا الموحدة، يقال: كبش أنبجاني، إذا كان ملتفًا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك، وأنكر أبو موسى المديني على من زعم أنه منسوب إلى منبج البلد المعروف بالشام، وقال: الصواب أن هذه النسبة إلى موضع يقال له: أنبجان.\nوأدخل البخاري هذا الحديث في \"باب الالتفات\"، قال الحافظ (٢): ووجه دخوله في الترجمة أن أعلام الخميصة إذا لحظها المصلي وهي على عاتقه كان قريبًا من الالتفات، ولذلك خلعها معللًا بوقوع بصره على أعلامها، وسماه شغلًا عن صلاته، وكأن المصنف أشار إلى أن علة كراهة الالتفات كونه يؤثر في الخشوع كما وقع في قصة الخميصة، ويحتمل أن يكون أراد أن ما لا يستطاع دفعه معفو عنه، لأن لمح العين يغلب الإنسان، ولهذا لم يعد النبي - ﷺ - تلك الصلاة.\n٩١٥ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا عبد الرحمن- يعني ابن أبي الزناد- قال: سمعت هشامًا يحدث عن أبيه) أي عروة بن الزبير، (عن عائشة بهذا الخبر) المتقدم (قال) هشام: (وأخذ) رسول الله - ﷺ - (كرديًّا) أي رداءً كرديًّا (كان لأبي جهم، فقيل: با رسول الله الخميصة كانت خيرًا من الكردي) لأنه من أدون الثياب الغليظة.\nقال الحافظ: قال ابن بطال: إنما طلب منه ثوبًا غيرها ليعلمه أنه لم يرد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أبي زناد\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣٥).","vol":"4","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>(١٧٠) بَابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ </span>(١)\n٩١٦ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلَّامٍ -، عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِى السَّلُولِىُّ، عَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: \"ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ - يَعْنِى صَلَاةَ الصُّبْحِ - فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى وَهُوَ يَلْتَفِتُ (٢) إِلَى الشِّعْبِ\". [ق ٢/ ٣٤٨، خزيمة ٤٨٧]\n===\nإليه هديته استخفافًا به، قال: وفيه أن الواهب إذا ردت إليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها من غير كراهة، ثم قال: ويستنبط منه كراهية كل ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ والنقوش وغيرها، وفيه قبول الهدية من الأصحاب والإرسال إليهم والطلب منهم.\nفإن قلت: كيف بعث بالخميصة إلى أبي جهم مع أنه كره استعمالها؟\nقلت: لعله بعثها إليه لينتفع بها لا لأن يلبسها، كما في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر، وقال: \"إني لم أبعث بها إليك لتلبسها\"، ويحتمل أن يكون ذلك من جنس قوله: \"كُلْ فإني أناجي من لا تناجي\" (٣).\n\n(١٧٠) (بَابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ) (٤)، لعذر\n٩١٦ - (حدثنا الربيع بن نافع، نا معاوية -يعني ابن سلام-، عن زيد) بن سلام بن أبي سلام أخي معاوية بن سلام (أنه سمع أبا سلام) أي جده واسمه ممطور الأسود الحبشي (قال: حدثني السلولي) بفتح المهملة وتخفيف اللام، أبو كبشة الشامي، (عن سهل بن الحنظلية (٥) قال: ثوب بالصلاة) أي دعي إليها بالإقامة (يعني صلاة الصبح، فجعل رسول الله يصلي وهو يلتفت إلى الشعب)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لعذر\".\n(٢) وفي نسخة: \"يتلفت\".\n(٣) أخرجه البخاري (٨٥٥)، ومسلم (٥٦٤)، وأبو داود (٣٨٢٢)، والترمذي (١٨٠٧).\n(٤) وبه بوَّب البخاري.\n(٥) اسم أم جده، وقيل: أمه نسب إليها، واسم أبيه الربيع بن عمرو. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":398},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: \"وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ مِنَ اللَّيْلِ يَحْرُسُ\" (١).\n===\nأي ينظر إليه، وينتظر الفارس الذي أرسله إلى الشعب، وهذا الحديث مختصر أخرجه أبو داود مطولًا في كتاب الجهاد في \"باب فضل الحرس في سبيل الله\"، (قال أبو داود: وكان أرسل فارسًا (٢) إلى الشعب من الليل يحرس) (٣).\nوهذا الحديث يدل على جواز الالتفات في الصلاة، والأحاديث المتقدمة تدل على كراهته، فإما أن يقال: إن الذي وقع في هذه القصة لم يكن فيه التفات لاحتمال أن الشعب كان في جانب القبلة فنظر إليه رسول الله - ﷺ -، وهذا ليس بالتفات.\nوالأولى أن يقال: إن الالتفات مكروه إذا كان بغير عذر، فأما إن كان من ضرورة وعذر فلا كراهة فيه، وأشار البخاري إلى ذلك بعقد باب: \"هل يلتفت لأمر ينزل به أو يرى شيئًا أو بصاقًا في القبلة\"؟ وأورد فيه، قال سهل: التفت أبو بكر -﵁ - فرأى النبي - ﷺ -، وكذلك ذكر فيه حديث رؤية النخامة.\n_________\n(١) ذكر هناك المزي في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٥٤٧) رقم (٦٠١٤) حديثًا لأبي داود، ليس في رواية اللؤلؤي:\n\"ثور بن زيد الديلي المدني عن عكرمة عن ابن عباس:\nحديث: \"أن النبي - ﷺ - كان يلتفت في الصلاة من غير أن يلوي عنقه\".\n\"أبو داود في الصلاة: عن أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، عن الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عنه، به. وعن هناد، عن وكيع، عن عبد الله بن سعيد عن رجل عن عكرمة عن النبي - ﷺ -. قال: وهذا أصح\".\nثم قال المزي: وحديث أبي داود في رواية أبي الطيب بن الأشناني ولم يذكره أبو القاسم، ورمز للحديث: ت، س أيضًا.\n(٢) هو أنس بن أبي مرثد. (ش).\n(٣) في أعلى الجبل كما سيأتي. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>(١٧١) بَابٌ: في الْعَمَلِ في الصَّلَاةِ</span>\n٩١٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا مَالِكٌ، عن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عن أَبِي قَتَادَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ\n===\n\n(١٧١) (بَابٌ: في الْعَمَلِ في الصَّلاةِ)\nأي: العمل الذي ليس من جنس أعمال الصلاة إذا كان (١) قليلًا لا يفسد الصلاة قال في \"البدائع\" (٢): ومنها العمل الكثير الذي ليس من أعمال الصلاة في الصلاة من غير ضرورة، وأما القليل فغير مفسد، واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير، قال بعضهم: الكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك، حتى قالوا: إذا زَرَّ قميصه في الصلاة فسدت صلاته، وإذا حَلَّ أزراره لا تفسد، وقال بعضهم: كل عمل لو نظر الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة فهو كثير، وكل عمل لو نظر إليه ناظر ربما يشتبه إليه أنه في الصلاة فهو قليل، وهو الأصح.\nوعلى هذا الأصل يخرج ما إذا قاتل في صلاته في غير حالة الخوف أنه تفسد صلاته، لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة، وكذا إذا أخذ قوسًا ورمى بها فسدت صلاته، لأن أخذ القوس وتثقيف السهم عليه ومده حتى يُرمى عمل كثير، ألا ترى أنه يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، وكذا الناظر إليه من بعيد لا يشك في أنه في غير الصلاة، وكذا لو ادهن، أو سرَّح رأسه، أو حملت امرأة صبيًا وأرضعته لوجود حد العمل الكثير على العبارتين، فأما حمل الصبي بدون الإرضاع فلا يوجب فساد الصلاة.\n٩١٧ - (حدثنا القعنبي، نا مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن أبي قتادة) بن ربعي الأنصاري: (أن رسول الله - ﷺ - كان\n_________\n(١) وهكذا قاله الشافعية، كما في \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٥٣).","vol":"4","page":400},{"text":"يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زينَبَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا\". [خ ٥١٦، م ٥٤٣]\n٩١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ -، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: \"بَيْنَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ (١)، خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِى الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ،\n===\nيصلي وهو) الواو حالية (حامل (٢) أمامة) بالإضافة، وفي بعضها بالتنوين، فإن قلت: قال النحاة: إن كان اسم الفاعل للماضي وجبت الإضافة، قلت: إذا أريد به الحكاية للحال الماضية جاز إعماله كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ (٣) (بنت زينب ابنة رسول الله - ﷺ -) أي على عاتقه (فإذا سجد وضعها) أي أمامة عن عاتقه على الأرض (وإذا قام حملها) على عاتقه.\n٩١٨ - (حدثنا قتيبة -يعني ابن سعيد-، ثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عمن عمرو بن سليم الزرقي أنه سمع أبا قتادة يقول: بينا نحن في المسجد جلوس) أي جالسين إذ (خرج علينا رسول الله - ﷺ - أمامة بنت أبي العاص بن الربيع) وهو صهر رسول الله - ﷺ - على زينب، اختلف في اسمه فقيل: لقيط وهو الأكثر، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم.\nوكان شهد بدرًا مع الكفار، فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله - ﷺ - في فدائه قلادة لها كانت خديجة قد أدخلتها بها على أبي العاص، فقال رسول الله - ﷺ -: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوها عليها الذي لها فافعلوا، فقالوا: نعم، وكان أبو العاص مصاحبًا لرسول الله - ﷺ - مصافيًا، وكان قد أبى أن يطلق زينب لما أمره المشركون أن يطلقها، فشكر له\n_________\n(١) وفي نسخة: \"جلوسًا\".\n(٢) استدل بالحديث على أن العمل وإن كثر إذا لم يكن في ركن واحد لا يبطل. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) سورة الكهف: الآية ١٨.","vol":"4","page":401},{"text":"وَأُمُّهَا زينَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، وَهِيَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّه - ﷺ -، وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ، يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ وُيعِيدُهَا إِذَا قَامَ، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ، يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا\". [خ ٥٩٩٦، م ٥٤٣، ن ٧١١]\n===\nرسول الله - ﷺ - ذلك، ولما أطلقه من الأسر شرط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة، فعاد إلى مكة وأرسلها إلى النبي - ﷺ -، وأقام بمكة على شركه حتى كان قبيل الفتح خرج بتجارة إلى الشام، فلما عاد لقيته سرية لرسول الله - ﷺ -، فأخذ المسلمون ما في تلك العير من الأموال وأسروا أناسًا.\nوهرب أبو العاص بن الربيع، ثم أتى المدينة ليلًا، فدخل على زينب، فاستجار بها فأجارته، وصاحت زينب بعد صلاة الصبح أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فقبل رسول الله - ﷺ - جوارها، وقال: \"يجير على المسلمين أدناهم\"، ثم قال لزينب: \"أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له\"، قالت: إنه جاء في طلب ماله، فجمع رسول الله - ﷺ - تلك السرية، وقال: \"إن هذا الرجل منا بحيث علمتم، وقد أصبتم له مالًا وهو مما أفاء الله - ﷺ - عليكم، وأنا أحب أن تحسنوا وتردوا إليه الذي له، فإن أبيتم فأنتم أحق به\"، فقالوا: بل نرده عليه، فردوا عليه ماله أجمع، فعاد إلى مكة وأدى إلى الناس أموالهم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله - ﷺ -، والله ما منعني من الإِسلام إلَّا خوف أن تظنوا بي أكل أموالكم، ثم قدم على رسول الله مسلمًا، وحسن إسلامه، وتوفي سنة ١٢ هـ.\n(وأمها زينب بنت رسول الله - ﷺ -، وهي)، أي أمامة (صبية يحملها على عاتقه) (١) أي كتفه (فصلى رسول الله - ﷺ - وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع ويعيدها) على عاتقه (إذا قام) من السجدة (حتى قضى صلاته، يفعل ذلك بها).\n_________\n(١) قال ابن رسلان: اختلفوا في توجيه الحديث على أقوال، ثم بسطه، وكذا بسط الكلام عليه النووي في \"شرح مسلم\" وردَّ على ما قاله الخطابي، وكذا تأويل المالكية، فليراجع (٣/ ٣٧)، وفي \"المنهل\" (٦/ ١٦): اختلفت المالكية في تأويله، لأنهم رأوه عملًا كثيرًا، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، واستبعده عياض وغيره =","vol":"4","page":402},{"text":"٩١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن مَخْرَمَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْم الزُّرَقِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يُصَلِّي لِلنَّاسِ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا\". [م ٥٤٣، حم ٥/ ٣١٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَسْمَعْ مَخْرَمَةُ مِنْ أَبِيهِ (١) إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا.\n===\nوقال الخطابي (٢): يشبه أن تكون الصبية قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته، فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها، وقال في \"البدائع\" (٣): ثم هذا الصنيع لم يكره منه - ﷺ -، لأنه كان محتاجًا إلى ذلك لعدم من يحفظها، أو لبيانه الشرع بالفعل أن هذا غير موجب فساد الصلاة، ومثل هذا في زماننا أيضًا لا يكره لواحدٍ منا لو فعل ذلك عند الحاجة، أما بدون الحاجة فمكروه.\n٩١٩ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن مخرمة) بن بكير بن عبد الله بن الأشج المدني، (عن أبيه) بكير، (عن عمرو بن سليم الزرقي قال: سمعت أبا قتادة الأنصاري يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي للناس وأمامة بنت أبي العاص على عنقه، فإذا سجد) أي أراد السجود (وضعها) أي أمامة على الأرض.\n(قال أبو داود: لم يسمع مخرمة من أبيه) بكير (إلَّا حديثًا واحدًا)\n_________\n= لحديث الباب، وروى أشهب وغيره عن مالك أنه كان لضرورة، لأنه لم يجد من يكفيها، وقال بعضهم: لو تركها لشغلته أكثر بما شغل بحملها، وقال القرطبي: منسوخ، وكذا في \"الدر المختار\"، ورجح الشامي (٢/ ٥١٢) أن الفعل لبيان الجواز، فلم يبق مكروهًا في حقه ﵇، ويكره في حقنا، وذكر في \"حاشية البخاري\" الأجوبة عن هذا الحديث، وكذا في \"حاشية الزيلعي\" على \"الكنز\". (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"شيئًا\".\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٣١٥).\n(٣) (١/ ٥٥٣).","vol":"4","page":403},{"text":"٩٢٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ-، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عن أَبِي قَتَادَةَ، صَاحِب رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - للصَّلَاةِ، في الظهَرِ أَوْ العَصْرِ، وَقَدْ دَعَاهُ بِلَالٌ للصَّلَاةِ، إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ بِنْتُ ابْنَتِهِ عَلَى عُنُقِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في مُصَلَّاهُ، وَقُمْنَا خَلْفَهُ، وَهِيَ في مَكَانِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ.\n===\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال أبو طالب: سألت أحمد عنه فقال: ثقة، ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما يروي من كتاب أبيه، وقال ابن معين: وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلَّا حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة: أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي وهذه كتبه.\n٩٢٠ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا عبد الأعلى، نا محمد- يعني ابن إسحاق-، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة صاحب رسول الله - ﷺ - قال: بينما نحن ننتظر رسول الله - ﷺ - للصلاة في الظهر أو العصر)، ظاهر اللفظ أن الشاك أبو قتادة، ويحتمل أن يكون الشك من بعض رواة السند، فيكون المعنى: قال الأستاذ: الظهر أو العصر (١).\n(وقد دعاه) الواو حالية (بلال للصلاة (٢) إذا خرج) رسول الله - ﷺ - (إلينا وأمامةُ بنتُ أبي العاص بنتُ ابنته) أي زينب (على عنقه، فقام رسول الله - ﷺ - في مصلاه، وقمنا خلفه) أي مقتدين به (وهي) أي أمامة (في مكانها الذي هو فيه) أي: على عنق رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) وعند زببر بن بكار وتبعه السهيلي الصبح، كذا في \"الزرفاني\" (١/ ٣٤٥)، وبه جزم في \"الدرجات\" (ص ٦٦) محتجًا برواية الطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٤٤٢ رقم ١٠٧٩) عن عمرو بن سليم الزرقي. (ش).\n(٢) الحديث نص في أنها مكتوبة، لكن أعل ابن عبد البر بأنه برواية ابن إسحاق عن المقبري، ورواه الليث عن المقبري فلم يقل فيه: الظهر أو العصر، قاله الزرقاني (١/ ٣٤٥). (ش).","vol":"4","page":404},{"text":"قَالَ: فَكَبَّرَ فَكَبَّرْنَا (١). قَالَ: حَتَّى إِذَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ ثُمَّ قَامَ، أَخَذَهَا فَرَدَّهَا في مَكَانِهَا، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ في كلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ - ﷺ - \". [انظر سابقه]\n٩٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عن (٢) يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ\". [ت ٣٩٥، ن ١٢٠٢، جه ١٢٤٥، دي ١٥٠٤، حم ٢/ ٢٣٣، ق ٣/ ١٢٨، ك ١/ ٢٥٦، حب ٢٣٥١]\n===\n(قال) أبو قتادة: (فكبر) رسول الله - ﷺ - للتحريمة (فكبرنا. قال) أبو قتادة: (حتى إذا أراد رسول الله - ﷺ - أن يركع أخذها فوضعها) أي عن عنقه على الأرض (ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام، أخذها فردها في مكانها) أي على عنقه، في العبارة تقديم وتأخير، وأصلها حتى إذا فرغ من سجوده أخذها فردها في مكانها ثم قام (فما زال رسول الله - ﷺ - يصنع بها ذلك) أي حملها على عنقه إذا قام، ووضعها عند الركوع والسجود، (في كل ركعة حتى فرغ من صلاته - ﷺ -).\n٩٢١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم) بمعجمتين كزمزم (ابن جوس) بفتح الجيم في آخره مهملة (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: اقتلوا الأسودين) هو من باب التغليب (في الصلاة: الحية والعقرب).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكبرنا\".\n(٢) وفي نسحة: \"حدثنا\".","vol":"4","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): والحديث (٢) يدل على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهية، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء كما قال العراقي، وحكى الترمذي عن جماعة كراهة ذلك منهم إبراهيم النخعي، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن قتادة قال: إذا لم تتعرض لك فلا تقتلها.\nواستدل المانعون من ذلك إذا بلغ حد الفعل الكثير بحديث: \"إن في الصلاة لشغلًا\"، وبحديث: \"اسكنوا في الصلاة\"، ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب خاص، فلا يعارضه ما ذكروه، انتهى ملخصًا.\nوقال أيضًا: قال في \"شرح السنة\": وفي معنى الحية والعقرب كل ضرار مباح القتل كالزنابير ونحوها، وقال في \"البدائع\" (٣): وقتل الحية والعقرب في الصلاة لا يفسدها لقول النبي - ﷺ -: \"اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة\"، وروي أن عقربًا لدغ رسول الله - ﷺ - في الصلاة فوضع عليه نعله وغمزه حتى قتله، فلما فرغ من صلاته قال: \"لعن الله العقرب لا تبالي نبيًا ولا غيره\" أو قال: \"مصليًا أو غيره\"، وبه تبين أنه لا يكره، لأنه - ﷺ - ما كان ليفعل المكروه خصوصًا في الصلاة، ولأنه يحتاج إليه لدفع الأذى، فكان موضع الضرورة، هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة كما فعل رسول الله - ﷺ - في العقرب.\nوأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات فسدت صلاته كما إذا قاتل في صلاته؛ لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة.\n_________\n(١) (٢/ ٣٩٦).\n(٢) نقل ابن قدامة إجماع الأربعة على جوازه، وحمله الشافعية على الفعل القليل، كما في \"ابن رسلان\"، وقال الشوكاني (٢/ ٣٩٦): فحديث البيهقي: كفاك ضربة، لا يدل على التقييد، وقال ابن العربي (٢/ ١٨١): يقتلها إن كان يسيرًا، وإلَّا فيستأنف الصلاة، ورجح في \"الدر المختار\" عدم الفساد، وقال: يباح قطع الصلاة لقتلها. [انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٥١٣)]. (ش).\n(٣) (١/ ٥٥٤).","vol":"4","page":406},{"text":"٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ - وَهَذَا لَفْظُهُ- قَالَ: نَا بِشْرٌ (١) - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ-، ثَنَا بُرْدٌ (٢)، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ أَحْمَدُ: يُصَلِّي- وَالْبَابُ عَلَيْهُ مُغْلَقٌ، فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ، - قَالَ أَحْمَدُ: فَمَشَى- فَفَتَحَ لِي\n===\nوذكر شيخ الإِسلام السرخسي: أن الأظهر أنه لا تفسد صلاته، لأن هذا عمل رخص فيه للمصلي، فأشبه المشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ، انتهى.\n٩٢٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد وهذا لفظه) أي لفظ مسدد (قال) هكذا في جميع النسخ بلفظ الواحد، وهذا خلاف دأب المحدثين، فإن المحدث إذا حدث عن شيخيه وهما يحدثان عن شيخ واحد فيقول: قالا: حدثنا بصيغة التثنية لا بلفظ الواحد، فلفظ \"قال\" المذكور في الكتاب بلفظ الواحد، إن كان من المصنف يمكن أن يؤول بإرجاع الضمير إلى كل واحد منهما.\n(نا بشر -يعني ابن المفضل-، ثنا برد) بضم أوله وسكون الراء، يعني ابن سنان، (عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ -، قال أحمد: يصلي) (٣) أي لفظ \"يصلي\" مختص برواية أحمد، ولفظ الترمذي: \"قالت: جئت ورسول الله - ﷺ - يصلي في البيت\"، (والباب (٤) عليه مغلق فجئت فاستفتحت، قال أحمد: فمشى) (٥) أي لم يقل لفظ \"مشى\" مسدد، وكذا ذكر الترمذي هذا اللفظ من رواية يحيى بن خلف عن بشر (ففتح لي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قالا: حدثنا بشر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني ابن سنان\".\n(٣) زاد النسائي: تطوعًا، وكذا ترجم عليه الترمذي. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) فيه استحباب غلق الباب إذا كان في جهة القبلة ليكون سترة، ولأنه أستر وأخفى. (ش).\n(٥) قال ابن رسلان: هذا محمول على أنه مشى خطوة أو خطوتين، انتهى. (ش).","vol":"4","page":407},{"text":"ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ، وَذَكَرَ أَنَّ الْبَابَ كَانَ في الْقِبْلَةِ\". [ت ٦٠١، ن ١٢٠٦، حم ٦/ ٣١، حب ٢٣٥٥، قط ٢/ ٨٠، ق ٢/ ٢٦٥]\n===\nثم رجع) أي القهقرى (إلى مصلاه، وذكر أن الباب كان في القبلة).\nوأخرج هذا الحديث الدارقطني (١) من طريق مسدد: حدثنا بشر بن المفضل عن برد عن الزهري، وفيه: وذكرت أن الباب كان في القبلة، وفي رواية الترمذي: ووصفت الباب في القبلة؛ وفي رواية النسائي: قالت: استفتحت الباب ورسول الله - ﷺ - يصلي تطوعًا، والباب على القبلة.\nفهذه الروايات تدل على أن كون الباب في القبلة من كلام عائشة - ﵂ -، فعلى هذا معنى قول أبي داود: وذكر أن الباب ... إلخ، أن عروة بن الزبير ذكر أن عائشة قالت: إن الباب كان في القبلة.\nقلت: ويشكل ما وقع في هذا الحديث عند النسائي وأحمد بن حنبل والدارقطني، ولفظ النسائي: قالت: استفتحت الباب ورسول الله - ﷺ - يصلي تطوعًا، والباب على القبلة، فمشى عن يمينه أو عن يساره، ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه.\nولفظ أحمد: استفتحت الباب ورسول الله - ﷺ - قائم يصلي، فمشى في القبلة إما عن يمينه وإما عن يساره.\nولفظ الدارقطني: استفتحت الباب ورسول الله - ﷺ - قائم يصلي، فمشى عن يمينه أو عن شماله.\nووجه الإشكال فيها أن الباب إذا كان في القبلة فلا معنى لمشيه عن يمينه أو عن شماله.\nوالجواب عنه: أن معنى كون الباب في القبلة أن يكون محاذيًا له،\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٨٠).","vol":"4","page":408},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأو مائلًا إلى اليمين أو الشمال، ويمكن ههنا أن يكون الباب مائلًا إلى اليمين أو الشمال، فمشى رسول الله - ﷺ - لأجل ذلك عن يمينه أو شماله.\nوالجواب الثاني عنه: أن يقال: يمكن أنه وقع من بعض الرواة تقديم وتأخير في اللفظ واختصار، ويكون نظم الحديث هكذا: استفتحت الباب ورسول الله - ﷺ - يصلي تطوعًا، والباب على القبلة أو عن يمينه أو عن يساره، فمشى، ففتح الباب.\nويدلس على ذلك ما أخرجه الدارقطني (١) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي، فإذا استفتح إنسان الباب، ففتح له ما كان في قبلته أو عن يمينه أو عن يساره.\nقلت: وهاهنا إشكال آخر صعب الجواب، وهو أن كون الباب في القبلة لا يكاد يصح، فإنه قد صرح المؤرخون وثبت عن الأحاديث الصحاح أن حجرة عائشة -﵂ - كانت في شرقي المسجد، وكان باب حجرتها شارعة إلى المسجد.\nقال في \"نزهة الناظرين في مسجد سيد الأولين والآخرين\" في ذكر حجرة عائشة: وباب بيته كان في المغرب، وقيل: في الشام، وقيل: كان له بابان: باب في المغرب، وباب في الشام.\nوقال في \"خلاصة الوفاء\" (٢): وكان باب عائشة يواجه الشام.\nوقال في \"وفاء الوفاء\": ووقفت عند باب عائشة فإذا هو مستقبل المغرب، وهو صريح في أن الباب كان في جهة المغرب، وسيأتي ما يؤيده.\nوكذا ما روي في الصحيح من كشفه - ﷺ - من سجف الباب في مرضه\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٨٠).\n(٢) (٢/ ٧١).","vol":"4","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأبو بكر يؤم الناس، وترجيل عائشة شعره وهو في معتكفه، وهي في بيتها، لكن سبق أيضًا ما يقتضي أن الباب كان مستقبل الشام، وهو ضعيف أو مؤول، أما ضعفه فلما تقدم من أن بيت فاطمة -رضي الله تعالى عنها - كان ملاصقًا له من جهة الشام، وأما تأويله (١) فبأحد الأمرين:\nأحدهما: حمله على أنه باب شرعته عائشة لما ضربت حائطًا بينها وبين القبور المقدسة بعد دفن عمر -رضي الله تعالى عنه - لا أنه الباب الذي كان في زمنه - ﷺ -، وفيه بعد.\nوثانيهما: أنه كان له بابان، إذ لا مانع من ذلك، انتهى ملخصًا.\nوهذه التقارير كلها يرد ما وقع في حديث أبي داود من أن الباب كان في القبلة.\nثم رأيت في \"وفاء الوفاء\": وكان بيت حفصة بنت عمر -﵄- ملاصقًا لبيت عائشة -﵂ - من جهة القبلة.\nونقل ابن زبالة فيما رواه عن عبد الرحمن بن حميد وعبيد الله بن عمر بن حفص وأبي سبرة وغيرهم أنه كان بين بيت حفصة وبين منزل عائشة -﵄- الذي فيه قبر النبي - ﷺطريق، وكانتا يتهاديان الكلام وهما في منزليهما من قرب ما بينهما.\nفهذا الكلام يدل على أنه كان بين منزليهما طريق، فلا بد أن يكون في الجدار المشتركة بينهما باب، فلعل رسول الله - ﷺ - كان يصلي في منزل عائشة -رضي الله تعالى عنها -، وكان هذا الباب مسكوكًا، فجاءت عائشة من هذا الباب، وهذا هو الجواب عن هذا الإشكال، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) وأجاب عنه الوالد المرحوم في \"الكوكب الدري\" (١/ ٤٧٣)، فأجاد بأنه ليس المراد في جدار القبلة بل قدامه وأمامه، يعني لم يكن خلفه، فمشى ﵇ قدامه، فلما حاذى الباب وهو في جانبه اليمين مال إلى اليمين وفتح الباب. (ش).","vol":"4","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>(١٧٢) بَابُ رَدِّ السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n٩٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، نَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عن الأَعْمَشِ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّه قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) - ﷺ - وَهُوَ في الصلاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ\n===\n\n(١٧٢) (بَابُ رَدِّ السَّلَامِ في الصَّلَاةِ)\n٩٢٣ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا ابن فضيل) محمد، (عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله) بن مسعود (قال: كنا نسلم على رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة) (٢) أي حين كنا بمكة معه - ﷺ - (فيرد علينا) أي بلفظ السلام (فلما رجعنا) أي فهاجرنا إلى الحبشة، ثم رجعنا منها إلى مكة (٣) أو إلى المدينة.\n(من عند النجاشي) وهذا لقب ملك الحبشة، واسمه أصحمة بن أبحر، والنجاشي بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر عن ثعلب وتخفيف الجيم، وأخطأ من شددها عن المطرزي، وبتشديد آخره، وحكى المطرزي التخفيف ورجحه الصغاني، قاله الحافظ في \"الإصابة\"، هاجر إليه المسلمون حين آذاهم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وهذا كان لما كان الكلام مباحًا حتى نزل ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾، [البقرة: ٢٣٨]، . \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) أثبت الشافعية كما حققه ابن رسلان رجوعه إلى مكة، وفرعوا عليه نسخ الكلام في مكة، وقالوا: إن قصة ليلة الجن صريحة في أنهم رجعوا إلى مكة وما تخلفوا في الحبشة، ورواية إسلام الجن أيضًا يدل على رجوعهم إلى مكة، انتهى.\nقلت: وسيأتي عن ابن عبد البر أن الصحيح أن ابن مسعود لم يكن إلَّا بالمدينة، وفي \"المنهل\" (٦/ ٢٠): أن رجوعهم كان في سنة ٣ هـ حين كان - ﷺ - يتجهز لبدر، ورجح العيني نسخ الكلام بالمدينة، وذكر له قرائن. [انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٨٦) \"باب ما ينهى من الكلام في الصلاة\"]. (ش).","vol":"4","page":411},{"text":"سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ: \"إِنَّ في الصَّلَاةِ لَشُغُلًا\". [خ ١١٩٩، م ٥٣٨]\n===\nالكفار، وقصته مشهورة في إحسانه إلى المسلمين الذين هاجروا إليه، وصلَّى عليه رسول الله - ﷺ - صلاة الغائب، أسلم في عهده - ﷺ - ولم يهاجر إليه - ﷺ -.\n(سلمنا عليه، فلم يرد (١) علينا وقال: إن في الصلاة لشغلًا) هاهنا صفة محذوفة، أي شغلًا مانعًا من الكلام.\nوالحديث يدل على تحريم رد السلام في الصلاة، وكذلك يقتضي تحريم الكلام في الصلاة، ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم في صلاته عامدًا عالمًا فسدت صلاته، قال ابن المنذر (٢): أجمع أهل العلم على أن من تكلم (٣) في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، واختلفوا في كلام الساهي (٤) الجاهل، وقد حكى الترمذي عن أكثر أهل العلم أنهم سووا بين كلام الناسي والعامد والجاهل، وإليه ذهب الثوري وابن المبارك، وبه قال النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة، وذهب قوم إلى الفرق بين كلام الناسي والجاهل، وبين كلام العامد، وقد حكى ذلك ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن الزبير، ومن التابعين عن عروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وعن عمرو بن دينار، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، وحكاه الحازمي عن نفر من أهل الكوفة وعن\n_________\n(١) أجمع الأربعة على أن السلام باللسان يفسد الصلاة خلافًا لابن المسيب والحسن وقتادة، كذا في \"المغني\" (٢/ ٤٦٠)، وزاد ابن رسلان فيهم: أبا بكر، وفي نسخة: أبا هريرة وجابرًا. (ش).\n(٢) انظر: \"المغني\" (٢/ ٤٤٤).\n(٣) وسيأتي \"باب النهي عن الكلام في الصلاة\" في (ص ٤٧٥). (ش).\n(٤) وحاصل مذاهب الأئمة فيه أن الكلام في الصلاة قليلًا كان أو كثيرًا، عمدًا كان أو سهوًا مفسد عندنا وأحمد، وعند مالك الكلام لإصلاحها القليل لا يفسد، والباقي مفسد، وعند الشافعي ناسيًا القليل لا يفسد، والباقي مفسد. (ش).","vol":"4","page":412},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأكثر أهل الحجاز وأكثر أهل الشام، وحكاه النووي في \"شرح مسلم\" عن الجمهور، كذا في \"النيل\" (١).\nواحتج الأئمة الثلاثة ومن معهم بما روي عن أبي هريرة في قصة ذي اليدين بأنه تكلم النبي - ﷺ - ناسيًا، فإن عنده أنه كان أتم الصلاة، وذو اليدين تكلم ناسيًا، فإنه زعم أن الصلاة قد قصرت، ورسول الله - ﷺ - لم يستقبل الصلاة، ولم يأمر ذا اليدين ولا أبا بكر ولا عمر بالاستقبال.\nوبما روي عنه - ﷺ -: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان\" (٢)، أخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم.\nوبأن كلام الناسي بمنزلة سلام الناسي، وذلك لا يوجب فساد الصلاة، وإن كان كلامًا، لأنه خطاب الآدميين، ولهذا يخرج عمده من الصلاة، كذا هذا.\nواحتج (٣) الإِمام أبو حنيفة ومن معه بقوله - ﷺ -: \"وليبن علي صلاته ما لم يتكلم\"، جوَّز البناء إلى غاية التكلم فيقضي انتهاء الجواز بالتكلم (٤).\nوبما روي عن ابن مسعود (٥) وفي آخره: \"فلما قضى رسول الله - ﷺ - الصلاة قال: إن الله ﷿ يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله تعالى قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، فرد علي السلام\".\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٦٧).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٣، ٢٠٤٥)، والدارقطني (٤/ ١٧٠)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦) بلفظ: \"إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنِّسيان\".\n(٣) وبما تقدم من روايات الفتح على الإِمام، وفي بعض طرقها: قال ﵇: \"أليس فيكم أبي\"، الحديث، وبلفظ الحصر في الروايات الآتية في العاطس. (ش).\n(٤) كذا في \"البدائع\" (١/ ٥٣٨). (ش)،\n(٥) سيأتي تخريجه تحت حديث رقم (٩٢٤).","vol":"4","page":413},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوبما روي عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال: صليت خلف رسول الله - ﷺ - فعطس بعض القوم، فقلت: يرحمك الله، الحديث، وفي آخره: ولكن قال: \"إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن\" (١)، فما لا يصلح في الصلاة فمباشرته مفسد للصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك.\nوحديث ذي اليدين محمول على الحالة التي كان يباح فيها التكلم في الصلاة، وهي ابتداء الإِسلام بدليل أن ذا اليدين وأبا بكر وعمر -﵃- تكلموا في الصلاة عامدين، ولم يأمرهم بالاستقبال، مع أن كلام العمد مفسد للصلاة بالإجماع.\nوالرفع المذكور في الحديث محمول على رفع الإثم والعقاب لا الحكم، فإن الله ﷿ أوجب في قتل الخطأ الكفارة.\nوالاعتبار بسلام الناسي غير سديد، فإن الصلاة تبقى مع سلام العمد في الجملة، وهو قوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والنسيان دون العمد، فجاز أن تبقى مع النسيان في كل الأحوال.\nوفقهه أن السلام بنفسه غير مضاد للصلاة لما فيه من معنى الدعاء، إلَّا أنه إذا قصد به الخروج في أوان الخروج جعل سببًا للخروج شرعًا، فإذا كان ناسيًا وبقي عليه شيء من الصلاة لم يكن السلام موجودًا في أوانه، فلم يجعل سببًا للخروج، بخلاف الكلام فإنه مضاد للصلاة، كذا قال في \"البدائع\" (٢).\nثم اعلم أن قوله: \"فلما رجعنا من عند النجاشي\" يحتمل أن يكون المراد من الرجوع الرجوع إلى مكة أو المدينة، قال الحافظ (٣): إن بعض المسلمين\n_________\n(١) سيأتي تخريجه تحت حديث رقم (٩٣١).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٧٤).","vol":"4","page":414},{"text":"٩٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا عَاصِمٌ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ في الصَّلَاةِ وَنَأمُرُ بِحَاجَتِنَا،\n===\nهاجر إلى الحبشة ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضًا، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين.\nواختلف في مراده بقوله: \"فلما رجعنا\" هل أراد الرجوع الأول أو الثاني؟ فجنح القاضي أبو الطيب الطبري وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام بمكة، وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه، وجنح آخرون إلى الترجيح فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود بأنه حكى لفظ النبي - ﷺ -، بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه.\nوقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي - ﷺ - يتجهز إلى بدر، وإلى هذا الجمع نحا الخطابي، ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم المتقدمة، فإنها ظاهرة في أن كلًا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١)، والآية مدنية بالاتفاق، انتهى ملخصًا.\n٩٢٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان (٢)، نا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله) بن مسعود (قال: كنا نسلم في الصلاة) أي على رسول الله - ﷺ -، أو يسلم بعضنا على بعض (ونأمر بحاجتنا) والظاهر أن المراد بالحاجة الحاجة المتعلقة بالصلاة، كما وقع في حديث أبي أمامة عند الطبراني (٣) في قصة معاذ قال: كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذي إلى جنبه فيخبره بما فاته، فيقضي ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ، الحديث.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٨.\n(٢) الأفصح في عدم الصرف. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"المعجم الكبير\" (٨/ ٢١٠) رقم (٧٨٥٠).","vol":"4","page":415},{"text":"فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُوِلِ اللهِ - ﷺوَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَأَخَذنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدُثَ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ الله - ﷺ - الصَّلَاةَ قَالَ: \"إِنَّ الله ﷿ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ (١)، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا في الصَّلَاةِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ\". [ن ١٢٢١، حم ١/ ٤١٥]\n٩٢٥ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عن بُكَيْرٍ، عن نَابِلٍ صَاحِبِ الْعَبَاءِ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن صُهَيْبٍ\n===\n(فقدمت على رسول الله - ﷺ -) بعد ما رجعت من الحبشة (وهو يصلي فسلمت عليه، فلم يرد علي السلام) أي مطلقًا لا بالإشارة ولا بالكلام (فأخذني ما قدم وما حدث) وفي رواية: ما قرب وما بعد، والمراد بما قدم وما حدث، الأحزان المتقدمة والحادثة بسبب تركه - ﷺ - رد السلام عليه.\n(فلما قضى رسول الله - ﷺ - الصلاة قال: إن الله ﷿ يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث) أي جدد من الأحكام (أن لا تكلموا في الصلاة، فرد عليّ السلام).\nقال القاري (٢): قال ابن الملك: فيه دليل على استحباب رد جواب السلام بعد الفراغ من الصلاة، وكذلك لو كان على قضاء الحاجة وقراءة القرآن وسلم عليه أحد.\n٩٢٥ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب وقتيبة بن سعيد أن الليث حدثهم) أي يزيد وقتيبة ومن معهما في مجلس التحديث، (عن بكير) مصغرًا، (عن نابل) بالنون والباء الموحدة المكسورة (صاحب العباء، عن ابن عمر، عن صهيب) بن سنان أبو يحيى الرومي يقال: كان اسمه عبد الملك، وصهيب لقبه، صحابي شهير.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"شاء\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤٠).","vol":"4","page":416},{"text":"أَنَّهُ قَالَ: \"مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ يُصلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ إِشَارَةً. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا (١) قَالَ: إِشَارَةً بِإِصْبَعِهِ\". وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ. [ت ٣٦٧، حم ٢/ ٣٣٢، ن ١١٨٦، حب ٢٢٥٩، ق ٢/ ٢٥٩]\n===\n(أنه قال: مررت برسول الله - ﷺ - وهو (٢) يصلي فسلمت عليه، فرد إشارة، قال) أي ليث، كما هو مصرح في رواية الطحاوي والدارمي، ولفظهما: قال ليث: وأحسبه قال بأصبعه، فإرجاع الضمير إلى نابل كما فعل صاحب \"عون المعبود\" (٣) مبني على قلة التتبع، وكذلك إرجاع الضمير إلى ابن عمر في قوله: ولا أعلمه إلَّا قال، فإن مرجع هذين الضميرين بكير لا ابن عمر.\n(ولا أعلمه) أي لا أظن شيخي بكيرًا (إلَّا قال: إشارةً بأصبعه) أي أظن أنه زاد لفظ بأصبعه (وهذا لفظ حديث قتيبة).\nفإن قلت: إن هذا الحديث يدل على جواز رد السلام بالإشارة في الصلاة، والحديث المتقدم يدل على تأخيره إلى الفراغ من الصلاة.\nقلت: الحديث الأول محمول على الأولوية، وأما الثاني فعلى تعليم الجواز، قال في \"الدر المختار\" (٤): ورد السلام ولو سهوًا بلسانه لا بيده بل يكره على المعتمد، وقال في \"الشامي\": وصرَّح في \"المنية\" بأنه مكروه (٥) أي تنزيهًا،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال إلَّا\".\n(٢) وهل يسلم على من يصلي؟ قال أحمد: نعم، وكرهه إسحاق وغيره، كذا في \"المغني\" (٢/ ٤٦١)، وقال ابن رسلان: مذهب الشافعي أنه لا يسلم عليه، ولو سلم لا يستحق جوابًا، وعن مالك روايتان: إحداهما: الكراهة، والثانية: الجواز، ومكروه عندنا كما في \"الدر المختار\". [انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٤٥٠)]. (ش).\n(٣) انظر: (٣/ ١٩٤).\n(٤) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٤٥٠).\n(٥) خلافًا للثلاثة كما في \"المغني\" (٢/ ٤٦٠) إذ قالوا: يرد باليد، وقال ابن رسلان: وعند الشافعي والجماهير يستحب أن يرد باليد، وقال بعضهم: بعد الصلاة، وبه قال الثوري وغيره، وبسط صاحب \"البدائع\" الكراهة باليد أيضًا. [انظر: \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٤٥)]. (ش).","vol":"4","page":417},{"text":"٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (١) قَالَ: أَرْسَلَنِى نَبِىُّ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَنِى الْمُصْطَلِقِ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّى عَلَى بَعِيرِهِ فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِى بِيَدِهِ هَكَذَا، ثُمَّ كَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِى بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَنَا أَسْمَعُهُ يَقْرَأُ وَيُومِئُ بِرَأْسِهِ\n===\nوفعله ﵊ لتعليم الجواز، فلا يوصف فعله بالكراهة كما حققه في \"الحلية\".\n٩٢٦ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو الزبير، عن جابر) بن عبد الله (قال: أرسلني نبي الله - ﷺ - إلى بني المصطلق) أي لحاجة، وفي رواية مسلم: أرسلني رسول الله - ﷺ - وهو منطلق إلى بني المصطلق، وليس بين الروايتين تخالف، فإنهما كلاهما يسيران إلى بني المصطلق، فأرسله رسول الله - ﷺ - مقدمًا ليأتي بخبرهم، أو لغيره من الحاجات.\n(فأتيته) أي فذهبت إلى بني المصطلق ثم رجعت فأتيته (وهو يصلي على بعيره) وفي رواية مسلم: ثم أدركته وهو يسير، وزاد في النسائي: مشرقًا أو مغربًا (فكلمته، فقال لي بيده هكذا، ثم كلمته، فقال لي بيده هكذا) وفي رواية مسلم: فسلمت عليه فلم يرد عليَّ، وفي رواية: فسلمت عليه فأشار إلىَّ، وفي رواية: فكلمته، فقال لي بيده هكذا، وأومأ زهير بيده، ثم كلمته، فقال لي هكذا، وأومأ زهير بيده نحو الأرض، ولا اختلاف بين هذه الروايات فإن جابرًا -رضي الله تعالى عنه - سلَّم عليه - ﷺ - ثم كلمه، فأشار إليه - ﷺ - بيده أن امكث حتى أتم الصلاة.\nويدل عليه ما في \"مسلم\": وأومأ زهير بيده إلى الأرض، فهذا الكلام يدل على أن هذه الإشارة ما كانت لرد السلام، بل كانت للمنع عن الكلام، فإن هذه الإشارة كانت بيده إلى الأرض، ولو كانت هذه الإشارة لرد السلام لكانت إلى فوق.\n(وأنا أسمعه يقرأ) القرآن (ويومئ برأسه) أي للركوع والسجود\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن عبد الله\".","vol":"4","page":418},{"text":"قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: \"مَا فَعَلْتَ في الَّذِي أَرْسَلْتُكَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُكَلِّمَكَ إِلَّا أَنِّي (١) كُنْتُ أُصَلِّي\". [م ٥٤٠، حم ٣/ ٣٣٨]\n===\n(قال) جابر أو غيره من الرواة: (فلما فرغ) رسول الله - ﷺ - من الصلاة (قال: ما فعلت في الذي) أي في الأمر الذي (أرسلتك) له؟ (فإنه) الضمير للشأن (لم يمنعني أن أكلمك) أي من الكلام (إلَّا أني كنت أصلي) وفي رواية مسلم: فلما انصرف قال: \"إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلَّا أني كنت أصلي\". وهذا كالصريح في أنه - ﷺ - لم يرد على جابر السلام لا إشارة ولا لفظًا فتقييده بالكلام غير سديد.\nويؤيده ما ورد في رواية البخاري في حديث جابر: فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله - ﷺ - وجد علي أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد علي، فقال: \"إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي\"، فلو كانت إشارته - ﷺ - لرد السلام لم يقع في قلب جابر من الغم والكرب ما وقع عليه، وأيضًا لما رد عليه - ﷺ - بالإشارة لم يحتج أن يرد عليه بعد الفراغ من الصلاة، فهذا يرشدك أن الإشارة لم تكن لرد السلام، وللطحاوي في هذا البحث كلام طويل (٢).\nوقال العيني في \"شرح البخاري\" (٣): وحكى ابن بطال الإجماع على أنه لا يرد السلام نطقًا، واختلفوا أيرد إشارة؟ فكرهه طائفة، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ورخص فيه طائفة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب وقتادة والحسن، وعن مالك روايتان: في رواية أجازه، وفي أخرى كرهه، وعند طائفة: إذا فرغ من الصلاة يرد.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنني\".\n(٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٣).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٢٢).","vol":"4","page":419},{"text":"٩٢٧ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِىُّ الدَّامَغَانِىُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: \"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّى فِيهِ. قَالَ: فَجَاءَتْهُ الأَنْصَارُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّى. قَالَ: فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّى؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ، وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ، وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ\". [ت ٣٦٨، حم ٦/ ١٢، قط ٢/ ٨٤، ق ٢/ ٢٥٩]\n===\n٩٢٧ - (حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني الدامغاني، نا جعفر بن عون، نا هشام بن سعد، نا نافع قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: خرج رسول الله إلى قباء) الظاهر أن هذا الخروج كان من المدينة بعد ما سكن فيها بعد الهجرة (يصلي فيه) أي لأن يصلي فيه (قال) عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-، وهذا من مرسلاته، لأنه لم يكن موجودًا هناك، ولعله سمعه من بلال أو صهيب أو من غيرهما من الصحابة الذين كانوا معه (فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله - ﷺ - يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه) ولعل بلالًا حدثه بعد قوله له: فسلموا عليه (وهو يصلي) فيرد عليهم، فسأله كيف يرد عليهم؟\n(قال) أي بلال: (يقول) أي يشير رسول الله - ﷺ - (هكذا، وبسط) أي بلال (كفه، وبسط جعفر بن عون كفه) وهذا قول حسين بن عيسى شيخ أبي داود يقول: بين لنا شيخنا جعفر بن عون كيفية بسط الكف بفعله (وجعل بطنه) أي الكف (أسفل وجعل ظهره) أي الكف (إلى فوق) أي ثم أشار به.\nقال الترمذي (١) بعد تخريج الحديثين، حديث ابن عمر عن صهيب من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نابل صاحب العباء، عن ابن عمر،\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢٠٤).","vol":"4","page":420},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوحديث ابن عمر عن بلال من طريق وكيع، نا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر: وقد روي عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف كان النبي - ﷺ - يصنع (١) حيث كانوا يسلمون عليه في مسجد يني عمرو بن عوف؟ قال: كان يرد إشارة، وكلا الحديثين عندي صحيح، لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما، فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعًا، انتهى.\nقلت: قول الترمذي: قد روي عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف كان النبي - ﷺ -، الحديث، يخالف ما رواه النسائي وابن ماجه والدارمي من طريق سفيان عن زيد بن أسلم، ولفظ النسائي (٢): قال: قال ابن عمر: دخل النبي - ﷺ - مسجد قباء ليصلي فيه، فدخل عليه رجال يسلمون عليه، فسألت صهيبًا وكان معه كيف كان النبي - ﷺ -، الحديث.\nولفظ ابن ماجه (٣): عن عبد الله بن عمر قال: أتى رسول الله - ﷺ - مسجد قباء يصلي فيه، فجاءت رجالى من الأنصار يسلمون عليه، فسألت صهيبًا وكان معه كيف كان رسول الله - ﷺ -، الحديث.\nولفظ الدارمي (٤): عن ابن عمر أن النبيﷺ - دخل مسجد بني عمرو بن عوف، فدخل الناس يسلمون عليه، وهو في الصلاة، قال: فسألت صهيبًا كيف كان يرد عليهم؟ الحديث.\nفخالف م الترمذي بتسمية بلال، ولم يذكروا في حديثهم إلَّا صهيبًا وهو المحفوظ، وقد وافقهم البيهقي بتسمية صهيب في حديث زيد بن أسلم.\n_________\n(١) في الأصل: \"يرد عليهم\"، وهو تحريف.\n(٢) \"سنن النسائي\" (١١٨٧).\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" (١٠١٧).\n(٤) \"سنن الدارمي\" (١٣٦٢).","vol":"4","page":421},{"text":"٩٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا غِرَارَ فِى صَلَاةٍ\n===\nوما أشار إليه الترمذي من الجمع بين الحديثين باحتمال أن يكون ابن عمر سمع منهما أي بلال وصهيب جميعًا، فتفصيله أن ههنا ثلاثة أحاديث.\nأحدها: حديث نابل صاحب العباء عن ابن عمر، عن صهيب.\nوثانيها: حديث هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر.\nوثالثها: حديث زيد بن أسلم عن ابن عمر.\nفالحديثان الأخيران وردا في قصة قباء في قصة واحدة، وأما الحديث الأول فورد في محل آخر على ما أشار إليه الترمذي، فقول الترمذي: لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، المراد من قصة حديث صهيب هو الذي ورد في الحديث الثاني والثالث.\nولكن في الاستدلال على صحة الحديثين بهذا الدليل خزازة، فإن اتحاد القصة ومغايرتها لا دخل لها في صحة الحديث، فيمكن أن يروي ابن عمر عنهما قصة واحدة، وتكون الرواية عنهما صحيحة، ويمكن أن يروي عن أحدهما قصة أخرى غير القصة المتفق عليها، ويكون ذلك صحيحًا أيضًا، والله تعالى أعلم.\n٩٢٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان (١)، عن أبي مالك الأشجعي) أي سعد بن طارق، (عن أبي حازم) اسمه سلمان، (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: لا غرار في صلاة).\nقال في \"مرقاة الصعود\": أما الغرار في الصلاة فعلى وجهين: أن لا يتم ركوعه وسجوده، وأن يشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ فيأخذ بالأكثر، وينصرف\n_________\n(١) أي الثوري، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":422},{"text":"وَلا تَسْلِيمَ\".\nقَالَ أَحْمَدُ: يَعْنِى - فِيمَا أُرَى - أَنْ لَا تُسَلِّمَ وَلَا يُسَلَّمَ عَلَيْكَ، وَيُغَرِّرُ الرَّجُلُ بِصَلَاتِهِ فَيَنْصَرِفُ وَهُوَ فِيهَا شَاكٌّ. [حم ٢/ ٤٦١، ك ١/ ٢٦٤، ق ٢/ ٢٦٠]\n٩٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عن سُفْيَانَ، عن أَبِي مَالِكٍ (١)، عن أَبِي حَازِمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:\n===\nبالشك، وقال في \"النهاية\": الغرار في الصلاة نقصان هيئتها وأركانها، وقيل: أراد بالغرار النوم، أي ليس في الصلاة نوم.\n(ولا تسليم) يروى بالجر والنصب، فمن جره كان معطوفًا عنده على صلاة، وغراره أن يقول المجيب: وعليك، ولا يقول: السلام، ومن نصبه كان عنده معطوفًا على غرار، ويكون المعنى: لا نقص ولا تسليم في الصلاة، لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز، انتهى، ومثله في \"المجمع\"، ومناسبة الحديث بالباب بقوله: ولا تسليم بالعطف على الغرار.\n(قال أحمد) أي ابن حنبل: (يعني فيما أرى) حاصله أن الإِمام أحمد ما قال في معنى الحديث هو من رأيه ليس منقولًا عن السلف، فمعنى قوله: لا تسليم (إن لا تسلم) بصيغة المعلوم، أي على أحد إذا كنت في الصلاة (ولا يسلم) بصيغة المجهول (عليك) أي لا يسلم عليك أحد إذا كنت في الصلاة، وهذا معنى قوله: \"ولا تسليم\" عند الإِمام أحمد، (و) معنى قوله: \"لا غرار في صلاة\" أن (يغرَّر (٢) الرجل بصلاته) أي ينقص (فينصرف) من صلاته (وهو) الرجل (فيها) أي في صلاته (شاك) أي هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟\n٩٢٩ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي مالك) الأشجعي، (عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال) أبو معاوية:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الأشجعي\".\n(٢) وهكذا نقله ابن قدامة في \"المغني\" (٢/ ٤٠٧). (ش).","vol":"4","page":423},{"text":"أُرَاهُ رَفَعَهُ. قَالَ: \"لَا غِرَارَ في تَسْلِيمٍ وَلَا صَلَاةٍ\". [٢/ ٢٦١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَلَى لَفْظِ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَلَمْ يَرْفَعْهُ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>(١٧٣) بَابٌ في تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ في الصَّلَاةِ</span>\n===\n(أراه) أي سفيان (رفعه) أي رفع سفيان هذا الحديث، حاصله أن هذا الحديث روى عن سفيان ثلاثة رجال، أولهم عبد الرحمن بن مهدي فرفعه ولم يشك فيه، وثانيهم معاوية بن هشام فروى عن سفيان بالتردد في رفعه، وثالثهم ابن فضيل روى عن سفيان هذا الحديث فلم يرفعه بل وقفه على أبي هريرة.\n(قال: لا غرار في تسليم ولا صلاة) وهذا السياق يدل على أن ما وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي من قوله: ولا تسليم هو بالجر عطفًا على قوله: صلاة.\n(قال أبو داود: ورواه ابن فضيل على لفظ ابن مهدي) أي لا غرار في صلاة ولا تسليم، لا على لفظ معاوية بن هشام (ولم يرفعه) فخالف ابن فضيل عبد الرحمن بن مهدي في الرفع، ووافق في لفظ الحديث، وخالف معاوية في الشك ولفظ الحديث.\n\n(١٧٣) (بَابٌ في تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ في الصَّلاةِ)\nهو بالمعجمة والمهملة، الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما، شمته وشمت عليه تشميتًا، واشتق من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعاء للعاطس بالثبات على الطاعة، وقيل: معناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك، وأما الذي بالمهملة فاشتقاقه من السمت، وهو الهيئة الحسنة، أي جعلك الله على سمت حسن، لأن هيئته تنزعج للعطاس\n_________\n(١) هذا آخر الجزء الخامس، ويتلوه أول الجزء السادس من تجزية الخطيب.","vol":"4","page":424},{"text":"٩٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى (١)، (ح): وَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، عن حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ،\n===\n٩٣٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) بن سعيد، (ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل بن إبراهيم، المعنى) أي معنى حديث يحيى وإسماعيل واحد، (عن حجاج) بن أبي عثمان أبو الصلت (الصواف، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال (٢) بن أبي ميمونة) واسم أبي ميمونة علي، (عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي (٣) قال: صليت مع رسول الله - ﷺ -، فعطس) بفتح الطاء، وضبطه السيوطي بكسرها (رجل من القوم فقلت) وأنا في الصلاة: (يرحمك الله) (٤) الظاهر أن العاطس قال بعد العطاس: الحمد لله، فأجابه بقوله: يرحمك الله، لأنه علم هذا كما سيأتي في الحديث اللاحق.\n(فرماني القوم بأبصارهم) استعير من رمي السهم، أي أسرعوا في الالتفات وأشاروا إليَّ بأعينهم من غير كلام، ونظروا إليَّ نظر زجر كيلا أتكلم في الصلاة (فقلت: واثكل أمِّيَاه) بكسر الميم، والثكل بضم وسكون وبفتحهما، فقدان المرأة ولدها، والمعنى وافقد ولدها، والمراد نفسه، فإني هلكت\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن حجاج الصواف\".\n(٢) ويقال هلال بن ميمونة.\" ابن رسلان\". (ش).\n(٣) له حديث واحد، لكن فرق في الأبواب. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) الجواب بـ \"يرحمك الله\" يفسد عندنا مطلقًا كما تقدم في \"باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء\"، وظاهر \"المغني\" (٢/ ٤٤٥) أنه لا يفسد عند أحمد، فتأمل، لكن في \"نيل المآرب\": قال: يفسدها كاف الخطاب، وقال ابن العربي: جعله النبي - ﷺ - كلامًا، فمنعه منه فيبطلها، وفي \"شرح الإقناع\" (٢/ ٨٥) أيضًا يبطل. (ش).","vol":"4","page":425},{"text":"مَا شَأنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْرُبونَ بِأَيْدِيهِمْ (١) عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ يُصَمِّتُونِي- قَالَ عُثْمَانُ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسَكِّتُونِي لَكِني سَكَتُّ- فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - بِأَبِي وَأُمي- مَا ضَرَبَني وَلَا كَهَرَنِي وَلَا سَبَّنِي، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَحِلُّ فِيهَا شَئٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ\n===\n(ما شأنكم) أي حالكم وأمركم (تنظرون إليَّ) نظر الغضب؟ (قال: فجعلوا) أي شرعوا (يضربون بأيديهم) زيادة في الإنكار عليّ (على أفخاذهم) وفيه دليل على أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة (فعرفت) بنظرهم إليَّ غضبًا وضربهم أفخاذهم (أنهم يُصَمِّتوني) أي: يسكِّتونني.\n(قال عثمان: فلما رأيت يُسَكِّتوني) غضبت وتغيرت، وهذا اللفظ مختص برواية عثمان ولم يذكره مسدد (لكنى (٢) سكت) أي لم أعمل بمقتضى الغضب، ولم أسأل عن السبب؛ لأنهم أعلم مني.\n(فلما صلى رسول الله - ﷺ -) أي فرغ عن الصلاة (بأبي وأمي) أي هو مفدّى بأبي وأمي (ما ضربني ولا كهرني) أي: ولا انتهرني (ولا سبني) وهذا جزاء لقوله: فلما صلى (ثم قال: إن هذه الصلاة) إشارة إلى جنس الصلاة (لا يحل (٣) فيها شيء من كلام الناس).\nقال القاضي: أضاف الكلام إلى الناس ليخرج منه الدعاء والتسبيح والذكر، فإنه لا يراد بها خطاب الناس وإفهامهم، وإطلاق الحديث دليل لنا في أن الكلام مطلقًا يبطل الصلاة، وأما قولهم: لو كان مبطلًا للصلاة لأمره رسول الله - ﷺ - بالإعادة ولم يأمره به، وإنما علمه أحكام الصلاة، فالجواب عنه بأن عدم حكايته الأمر بالإعادة لا يستلزم العدم، وغايته أنه لم ينقل إلينا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أيديهم\".\n(٢) وقيل: لكن لمجرد التأكيد. (ش).\n(٣) وعلم منه أن الدعاء غير المناسب يسمى كلام الناس، ولذا قال الحنفية والحنابلة: إن الدعاء باللَّهم ارزقني جميلةً يفسدها. (ش).","vol":"4","page":426},{"text":"هَذَا؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ\"، أَوَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -.\nقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا قَوْمٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَمِنَّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الْكُهَّانَ (١)!\n===\n(هذا) أي فعل الصلاة، وهكذا روى أحمد عن يحيى بن سعيد، عن حجاج الصواف: هذا إنما هو التسبيح، وفي رواية مسلم من طريق إسماعيل، عن حجاج الصواف وفيها: إنما هو التسبيح والتكبير.\n(إنما هو) أي فعل الصلاة (التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أي هذا ونحوه، فإن التشهد والدعاء والتسليم من الصلاة وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها.\nاستدل الشافعي ﵀ - ﷺ - على أن تكبير الإحرام جزء من الصلاة، قلنا: معناه إنما هي ذات التسبيح والتكبير.\nواستدل أبو حنيفة على كون التحريمة شرطًا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢)، فإن العطف يفيد التغاير.\n(أو كما (٣) قال) شك من الراوي (رسول الله - ﷺ -، قلت: يا رسول الله! إنا قوم حديث عهد) أي قريب زمان (بجاهلية) متعلق بعهد، ويمكن أن يتعلق بحديث، وما قبل ورود الشرع يسمى جاهلية لكثرة جهالتهم، يعني انتقلت من الكفر إلى الإِسلام قريبًا، ولم أعرف بعد أحكام الدين (وقد جاءنا الله بالإسلام، ومنا رجال يأتون الكهان) ويسألونهم عن المخفيات والأمور الكائنة في المستقبل، والكهان بضم الكاف جمع كاهن.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) سورة الأعلى: الآية ١٥.\n(٣) فيه إشارة إلى أن الرواية بالمعنى. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":427},{"text":"قَالَ: \"فَلَا تَأتِهِمْ\"، قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَالَ: \"ذَلِكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ فَلا يَصُدَّهُمْ\" قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ.\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (فلا تأتهم) وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما نزل على محمد\"، رواه الإِمام أحمد (١) بسند صحيح عن أبي هريرة.\n(قال) أي معاوية: (قلت) لرسول الله - ﷺ - (ومنا رجال يتطيرون) في \"النهاية\" (٢): الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسَكَّن: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تَطَيَّر طِيرَةً كما تقول: تخير خيرة، ولم يجئ من المصادر غيرهما هكذا، قيل: وأصل التطير التفاؤل بالطير، واستعمل لكل ما يتفاءل به ويتشاءم، وقد كانوا يتطيرون بالصيد كالطير والظبي، فيتيمنون بالسوانح ويتشاءمون بالبوارح، والبوارح من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك، والسوانح ضدها، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، ويمنعهم عن السير إلى مطالبهم، فنفاه الشرع وأبطله، ونهاهم عنه وأخبرهم أنه لا تأثير له.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (ذاك) أي التطير (شيء يجدونه في صدورهم) (٣) أي هذا وهم ينشأ من نفوسهم ليس له تأثير في اجتلاب نفع أو دفع ضرر، وإنما هو شيء يُسَوِّلُه الشيطان ويُزَيِّنُه حتى يعملوا بقضيته ليجرهم بذلك إلى اعتقاد مؤثر غير الله تعالى، وهو كفر صريح بإجماع العلماء (فلا يصدهم) أي لا يمنعهم التطير من السعي في مقاصدهم، لأنه لا يضرهم ولا ينفعهم ما يتوهمونه.\n(قال) أي معاوية: (قلت) لرسول الله - ﷺ -: (ومنا رجال يخطون) ويستدلون بها على المغيبات ويعرفون بها الكوائن في المستقبل.\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٢/ ٤٢٩).\n(٢) (ص ٥٧٤).\n(٣) قلت: ويحتمل أن يكون المعنى أن وجدانه في النفوس أمر طبيعي، لكن المأمور به أن لا يصدهم عن مقصدهم. (ش).","vol":"4","page":428},{"text":"قَالَ: \"كَانَ نَبيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ\". قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ جَارِيَةً لِي كَانَتْ تَرْعَى غُنَيْمَاتٍ قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ،\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (كان نبي من الأنبياء) قيل: هو إدريس أو دانيال ﵉ (١) (يخط) أي أعطي علم الخط، فيعرف بتوسط تلك الخطوط الأمورَ المغيبة (فمن وافق) (٢) فيما يخطه (خطه) بالنصب أي خط ذلك النبي (فذاك) أي فذاك مصيب، وهو كالتعليق بالمحال.\nقال الخطابي (٣): إنما قال ﵊: فمن وافق خطه فذاك، على سبيل (٤) الزجر، ومعناه: لا يوافق خط أحد خط ذلك النبي، لأن خطه كان معجزة، قال ابن حجر: ولم يصرح بالنهي عن الاشتغال بالخط لنسبته لبعض الأنبياء، لئلا يتطرق الوهم بما لا يليق بكمالهم، ومن ثم قال المحرمون لعلم الرمل وهم أكثر العلماء: لا يستدل بهذا الحديث على إباحته، لأنه علق الإذن فيه على موافقة خط ذلك النبي، وموافقته غير معلومة، إذ لا تعلم إلَّا من تواتر، أو نص منه ﵊، أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت لذلك النبي، ولم يوجد ذلك، فاتضح تحريمه.\n(قال) معاوية: (قلت) لرسول الله - ﷺ -: (إن جارية لي كانت ترعى (٥) غنيمات قبل أحد والجوانيه) بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الواو نون مكسورة ثم ياء مشددة، والجوانية (٦) بقرب أحد موضع في شمال المدينة.\n_________\n(١) وقيل: إبراهيم، كذا في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٦٠). (ش).\n(٢) وذكر النووي الاختلاف في معناه ثم قال: وحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن. [انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٩)]. (ش).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٣٢٠).\n(٤) كما بسطه ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٥٩). (ش).\n(٥) ولا بأس به إذا لم يكن مفسدة، ولا يدخل تحت النهي بالسفر وحدها. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) وما قال القاضي إنه من عمل الفرع لا يصح، لأن الفرع بين المدينة ومكة، وهذا قبل أحد. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":429},{"text":"إِذِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهَا اطِّلَاعَةً، فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بشَاةٍ مِنْهَا، وَأَنَا مِنْ بَنِي آدم آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّة، فَعَظَّمَ ذَاكَ (١) عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: \"ائْتِنِي بِهَا\"، فَجِئْتُ (٢) بِهَا، فَقَالَ: \"أَيْنَ اللَّهُ؟ \" قَالَتْ: في السَّمَاءِ، قَالَ: \"مَنْ أَنَا؟ \" قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: \"أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ\". [م ٥٣٧، ن ١٢١٨، حم ٥/ ٤٤٧، ط ٢/ ٧٧٦]\n٩٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائيُّ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ\n===\nقال النووي (٣): فيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرعي وإن كانت تنفرد في المرعى، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها أو لفساد ممن يكون في الناحية التي ترعى فيها أو نحو ذلك لم يسترعها، انتهى ملخصًا.\n(إذا اطلعت عليها اطلاعة) أي أشرفت عليها وخرجت لأعلم حالها (فإذ الذئب قد ذهب بشاة منها، وأنا من بني آدم آسف) (٤) بفتح السين أي أغضب (كما يأسفون لكني صككتها صكة) أي لطمتها لطمة (فعظم) من التعظيم (ذاك) أي صكتي إياها (علي رسول الله - ﷺ -، فقلت) أي توبة عنها: (أفلا أعتقها؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (ائتني بها، فجئت بها) إلى رسول الله - ﷺ - (فقال) رسول الله - ﷺ - لها: (أين الله؟ (٥) قالت: في السماء)، والمراد بها نفي الألوهية عن الأصنام، واعتقاد وجوده وعظمته وعلوه لا الجهة (قال) رسول الله - ﷺ - لها: (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) (٦).\n٩٣١ - (حدثنا محمد بن يونس النسائي، نا عبد الملك بن\n_________\n(١) في نسخة: \"ذلك\".\n(٢) وفيها نسختان: \"فجئته بها\"، \"فأتيت بها\".\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٩).\n(٤) بالمد \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) وبسط الكلام عليه في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٥١). (ش).\n(٦) لا خلاف في جواز عتق الكافر في التطوع، وإنما الخلاف في الكفارة. (ش).","vol":"4","page":430},{"text":"عَمْرٍو، نَا فُلَيْحٌ، عن هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، مُعَاوِيةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّه - ﷺ - عُلِّمْتُ أُمُورًا مِنْ أُمُورِ الإِسْلَامِ، فَكَانَ فِيمَا عُلِّمْتُ أَن قِيلَ (١) لِي: \"إِذَا عَطَسْتَ فَاحْمَدِ اللَّهِ، وَإِذَا عَطَسَ الْعَاطِسُ فَحَمِدَ الله فَقُلْ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ\". قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا قَائِمٌ مَع رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في الصَّلَاةِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، رَافِعًا بِهَا صَوْتِي، فرَمَانِي النَّاسُ بَأَبْصَارِهِمْ حَتَّى احْتَمَلَنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِأعْيُنٍ شُزْرٍ؟، قَالَ: فَسَبَّحُوا، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - الصَلاة قَالَ: \"مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ \"\n===\nعمرو، نا فليح، عن هلال بن علي) هو هلال بن أبي ميمونة المتقدم، (عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: لما قدمت على رسول الله - ﷺ - علمت) بصيغة المجهول من التعليم (أمورًا من أمور الإسلام) أي الفرائض وشرائع الإِسلام (فكان فيما علمت) بصيغة المجهول من التعليم، ويحتمل أن يكون على صيغة المعلوم من العلم (أن قيل لي) والقائل له إما رسول الله - ﷺ - أو بعض الصحابة (إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله، فقل: يرحمك الله، قال: فبينما أنا قائم مع رسول الله - ﷺ - في الصلاة إذ عطس رجل فحمد الله، فقلت: يرحمك الله رافعًا بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم حتى احتملني ذلك) أي: حتى أغضبني رميهم بأبصارهم.\n(فقلت: ما لكم تنظرون إلى بأعين شزر؟) بضم الشين المعجمة وسكون الزاء في آخره راء، جمع شزراء من الشزر، وهو النظر عن اليمين والشمال، وليس بمستقيم النظر، وقيل: هو النظر بمؤخر العين، وأكثر ما يكون النظر الشزر في حال الغضب وإلى الأعداء (قال: فسبحوا) أي قالوا: سبحان الله.\n(فلما قضى النبي - ﷺ - الصلاة قال: من المتكلم) في الصلاة؟\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".","vol":"4","page":431},{"text":"قِيلَ: هَذَا الأَعْرَابِيُّ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ لِي: \"إِنَّمَا الصَّلَاةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّه، فَإِذَا كُنْتَ فِيها فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكَ\"، فَمَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَطُّ أَرْفَقَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. [ق ٢/ ٢٤٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>(١٧٤) بَابُ التَّأْمِينِ وَرَاءَ الإِمَامِ</span>\n===\n(قيل: هذا الأعرابي) وأشاروا إليَّ (فدعاني رسول الله - ﷺ - فقال لي: إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله، فإذا كنت فيها) أي في الصلاة (فليكن ذلك) أي: قراءة القرآن وذكر الله تعالى لا كلام الناس (شأنك) أي حالك، (فما رأيت معلمًا قط أرفق من رسول الله - ﷺ -).\n\n(١٧٤) (بَابُ التَّأْمِينِ (١) وَرَاءَ الإمَامِ)\nأي قول المصلي: آمين إذا قرأ الإِمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وآمين هو بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعند جميع القراء، وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة فيها، وفيها ثلاث لغات أُخر، وهو من أسماء الأفعال مثل صه للسكوت، وتفتح في الوصل، لأنها مبنية بالاتفاق مثل كيف، وإنما لم تكسر لثقل الكسرة بعد الياء، ومعناها اللَّهم استجب عند الجمهور، وقيل غير ذلك مما يرجع إلى هذا المعنى، فقيل: ليكن كذلك، وقيل: اقبل، وقيل: لا تخيب رجاءنا، وقيل: لا يقدر على هذا غيرك، وقيل: هو كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلَّا الله.\nولا خلاف في أن آمين ليس من القرآن حتى قالوا بارتداد من قال: إنه منه، وأنه مسنون في حق المنفرد والإمام والمأموم والقارئ خارج الصلاة، واختلف القراء في التأمين بعد الفاتحة إذا أراد ضم سورة إليها، والأصح أنه يأتي بها.\n_________\n(١) قال ابن العربي (٢/ ٤٨): ليس في التأمين حديث صحيح، وبسط اختلاف أقوال المالكية فيه، وبسط الكلام عليه في آخر تفسير \"الجمل\" (٨/ ٤٦٣). (ش).","vol":"4","page":432},{"text":"٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ حُجْرٍ أَبِى الْعَنْبَسِ الْحَضْرَمِىِّ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَرَأَ\n===\n٩٣٢ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري، (عن سلمة) بن كهيل، (عن حجر (١) أبي العنبس) قال في \"تهذيب التهذيب\": حجر بن العنبس (الحضرمي) أبو العنبس، ويقال: أبو السكن الكوفي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" في التابعين، ثم قال في أتباع التابعين: حجر بن عنبس أبو العنبس، انتهى.\nوحكى الترمذي (٢) عن البخاري: أن شعبة أخطأ فيه فقال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن العنبس، ويكنى أبا السكن، انتهى.\nقلت: لكن يرده رواية أبي داود هذه فإن عنده في رواية سفيان الثوري أيضًا، عن حجر أبي العنبس، وقد تفحصنا نسخ أبي داود من الهندية والمصرية، فما وجدنا فيها إلَّا عن حجر أبي العنبس، وكذلك يرده ما قال ابن حبان: حجر بن العنبس أبو العنبس، وقال العيني: وجزم ابن حبان في \"الثقات\" فقال: كنيته كاسم أبيه، وقد ذكر له هذه الكنية الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\" وكذلك قول البخاري: يكنى أبا السكن لا ينافي أن تكون كنيته أبا العنبس أيضًا، لأنه لا مانع أن يكون لشخص كنيتان.\n(عن وائل بن حجر (٣) قال: كان (٤) رسول الله - ﷺ - إذا قرأ\n_________\n(١) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢٨).\n(٣) ذكر ابن رسلان له قصة مع معاوية إذ أرسله رسول الله - ﷺ - معه فلم يركبه خلفه، ثم لما ولي معاوية ذكره القصة. (ش).\n(٤) يشكل مناسبة هذا الحديث والآتي بالترجمة. (ش).","vol":"4","page":433},{"text":"﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: \"آمِينَ\" وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ\". [ت ٢٤٨، جه ٨٥٥، حم ٤/ ٣١٦، قط ١/ ٣٣٤، حب ١٨٠٥، دي ١٢٤٧]\n===\n﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال (١): آمين ورفع بها صوته) (٢) وفي هذا الحديث دليل على أن الإِمام يؤمن خلافًا لمالك كما قال بعضهم عنه، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الإِمام لا يأتي به.\nواستدل بعض المالكية لمالك: أن الإِمام لا يقولها لقوله - ﷺ -: \"إذا قال الإِمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين\"، لأنه صلَّى الله تعالى عليه وسلم قسم ذلك بينه وبين القوم، والقسمة تنافي الشركة، وحملوا قوله صلَّى الله تعالى عليه وسلم: \"إذا أمن الإِمام\" على بلوغ موضع التأمين، وفي ظاهر الرواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-: أن الإِمام والمأمومين وكذلك المنفرد يؤمنون في الصلاة وفي غيرها سرًّا، وبه قال الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى- في الجديد في المأمومين، وفي القديم يجهر.\nقال في كتاب \"الأم\" (٣): قال الشافعي: فإذا فرغ من قراءة أم القرآن قال: آمين، ورفع بها صوته ليقتدي به من كان خلفه، فإذا قالها قالوها، وأسمعوا أنفسهم، ولا أحب أن يجهروا بها، فإن فعلوا فلا شيء عليهم، هذا قوله الجديد.\nوقال في \"الإقناع\" (٤): والسادسة التأمين عقب الفاتحة بعد سكتة لطيفة لقارئها في الصلاة وخارجها للاتباع، ويسن في جهرية جهر بها، وأن يؤمن المأموم مع تأمين إمامه لخبر الصحيحين، وخرج بقي جهرية السرية، فلا جهر\n_________\n(١) قال ابن رسلان: واستحب أصحابنا سكتة لطيفة قبله ليتميز عن القرآن، قال الشافعي: لو زاد لفظ رب العالمين ونحوه من الذكر بعده، فحسن. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: احتج به الرافعي على الجهر به، وقال في \"أماليه\": يحتمل أن يراد به أنه تكلم بها على لغة المد. (ش).\n(٣) (١/ ٣١١).\n(٤) (٢/ ٢٨ - ٢٩).","vol":"4","page":434},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبالتأمين فيها ولا معية بل يؤمِّن الإِمام وغيره سرًّا مطلقًا، وقال في حاشيته: قوله: مع تأمين إمامه، وليس في الصلاة ما تسن مقارنة الإِمام فيه غير التأمين، ولو قرأ معه وفرغا معًا كفى تأمين واحد، أو فرغ قبله قال البغوي: ينتظر، والمختار أو الصواب أنه يؤمن لنفسه ثم للمتابعة.\nوقال في \"روضة المحتاجين\": وسن جهرٌ به في جهرية من إمام ومنفرد مأموم تبعًا لتأمين إمامه، فإن لم يؤمن الإِمام أو آخره عن وقته المندوب فيه أمن هو أي المأموم، ولو فاته التأمين مع تأمين الإِمام لم يتداركه بعده، ولو قرأ الفاتحة مع إمامه وفرغا معًا كفاه تأمين واحد عن تأمينه لقراءة نفسه ولقراءة إمامه، أو فرغ قبله أمن لنفسه، ثم يؤمن لقراءة إمامه، ولا ينتظر ليؤمن معه، وهذا على قوله القديم.\nواختلفت الروايات عن مالك ففي أولاها: أن الإِمام يؤمن، وهي رواية المدنيين عنه، وثانيتها: رواية ابن القاسم عنه وهي المشهورة، لا يؤمن الإِمام في الجهرية، وعنه لا يؤمن مطلقًا.\nوقال في \"مختصر الأخضري\": والتأمين بعد الفاتحة للفذ والمأموم، ولا يقولها الإِمام إلَّا في قراءة السر، وقول أحمد مثل قول الشافعي.\nقال الترمذي (١): وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق.\nوما ورد في رواية أبي هريرة بصيغة الأمر من قوله: \"إذا أمَّن الإِمام فأمِّنوا\"، وفي رواية: \"إذا قال الإِمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين\"، حمله الجمهور على الندب، وحكي عن بعض أهل العلم وجوبه\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢٨).","vol":"4","page":435},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلى المأموم عملًا بظاهر الأمر، وأوجبته الظاهرية على كل من يصلي، وقالت الرافضة: إنه بدعة تفسد به الصلاة.\nوهذا الحديث رواه سفيان وشعبة عن سلمة بن كهيل، عن حجر، عن وائل، فقال سفيان: ورفع بها صوته، وقال شعبة (١): وخفض بها صوته.\nواستدل الإِمام الشافعي - ﵀- ومن وافقهم في الجهر بآمين بحديث سفيان ورجحوه بوجوه.\nأولها: قال الترمذي: سمعت محمدًا البخاري يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن العنبس، ويكنى أبا السكن.\nقلت: وقد علمت بما تقدم أن هذا ليس بخطأ، لأنه كما هو ابن العنبس كذلك هو أبو العنبس، وكما يكنى (٢) أبا السكن كذلك يكنى أبا العنبس.\nثم قال: وزاد فيه عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر.\nقلت: زيادة الثقة مقبولة ولا يستبعد أن تكون رواية حجر عنهما جميعًا، فروى بواسطة علقمة بالنزول، ثم روى عن أبيه بلا واسطة.\nثم قال: وقال: وخفض بها صوته وإنما هو مد بها صوته.\nقلت: وهذا دعوى ليس مبناه إلَّا على ظنه من غير دليل يدل عليه.\nوأيضًا قال الترمذي: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: حديث سفيان في هذا أصح، ثم استدل عليه، وقال: روى العلاء بن صالح الأسدي\n_________\n(١) وحديث شعبة صححه الحاكم في التفسير على شرطهما، وأقره عليه الذهبي. [انظر: \"المسدرك\" (٢/ ٢٣٢)]. (ش).\n(٢) ولا مانع من أن يكون له كنيتان. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":436},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان، فتأيدت رواية سفيان برواية العلاء بن صالح عن سلمة، وترجحت على رواية شعبة.\nقلت: حديث سفيان وحديث شعبة كلاهما حديثان صحيحان، من أخبار الآحاد، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر بكثرة الرواة ما داما في مرتبة الآحاد، فإن الحديث الصحيح الذي رواه وإحد حقيق بالاحتجاج مثل الحديث الصحيح الذي رواه أكثر من واحد ما دام في مرتبة الآحاد.\nوثانيها: قال البيهقي: لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث، قالوا: إن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان، وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحب إليَّ من شعبة، ولا يعدله عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان.\nقلت: هذا قول القطان، فدعوى الإجماع على هذا القول ليس بصحيح، فإن الحافظ ابن حجر قال في \"تهذيب التهذيب\" (١): قال أبو طالب عن أحمد: وشعبة أحسن حديثًا عن الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثًا منه، قسم (٢) له من هذا حظ، وقال محمد بن العباس النسائي: سألت أبا عبد الله: من أثبت، شعبة أو سفيان؟ فقال: كان سفيان رجلًا حافظًا، وكان رجلًا صالحًا، وكان شعبة أثبت منه، وأتقى رجلًا، وقال ابن مهدي: كان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد: أيما كان أحفظ للأحاديث الطوال، سفيان أو شعبة؟ فقال: كان شعبة أمرَّ فيها.\nوثالثها: أن شعبة قال: سفيان أحفظ مني.\n_________\n(١) (٤/ ٣٤٣).\n(٢) وقع في الأصل: \"فتم\"، وهو تحريف، والتصويب من \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٤٣)، و\"تهذيب الكمال\" (٣/ ٣٩٠).","vol":"4","page":437},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: وقد تقدم قول سفيان أنه قال: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وسفيان أيضًا داخل في المؤمنين، وأيضًا قد تقدم من قول يحيى بن سعيد: إن شعبة أحفظ للأحاديث الطوال، ولو سلم فمحمول على المسائل الفقهية، فإنه قال في \"تذكرة الحفاظ\" (١): قال ابن المديني: شعبة أحفظ للمشايخ، وسفيان أحفظ للأبواب.\nورابعها: أن أبا الوليد الطيالسي رواه عن شعبة بوفاق الثوري في \"سننه\" (٢).\nقلت: وهذا لا يقتضي الترجيح، فقد قدمنا أن الحديثين صحيحان ولا تعارض بينهما، فيحتاج إلى الترجيح، وقول البيهقي: يحتمل أن يكون تنبه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده مبنيٌّ على احتمال ليس له أصل، ولو كان كذلك لرده المحدثون بهذا الوجه، والبخاري مع سعيه في تضعيفه وتوهينه لم يذكر هذا الوجه، والأصل كما قلنا: إن الحديثين صحيحان رواه شعبة بواسطة علقمة ومن غير واسطة، فهذا الاحتمال مردود.\nوخامسها: أن الروايتين لو تقاومتا لكانت رواية الرفع متضمنة لزيادة وكانت أولى بالقبول.\nقلت: وهذا الوجه غير سديد، فإن الرفع والخفض صفتان متقابلتان للصوت، فلا زيادة في الرواية التي فيها الرفع.\nوسادسها: أن رواية سفيان يتقوى بما رواه الحاكم (٣) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته بآمين\"، وبما ذكر البيهقي عن علي قال: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: آمين إذا\n_________\n(١) (١/ ١٩٦).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٥٧).\n(٣) \"المستدرك\" (١/ ٣٢٢).","vol":"4","page":438},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وعنده أيضًا عنه: \"أن النبي - ﷺ - كان إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ رفع صوته بآمين\".\nقلت: وهذا الوجه أيضًا لا يوجب الترجيح، فإنا لا ننكر أن رسول الله - ﷺ - رفع بآمين صوته، بل نقول: إن رسول الله - ﷺ - رفع بها صوته، ولم يثبت أن رسول الله - ﷺ - داوم عليه أو جهر بآمين في آخر عمره - ﷺ -، فبهذا علمنا أن رسول الله - ﷺ - جهر بآمين أحيانًا تعليمًا للأمة ثم أخفى بها، والدليل عليه أن آمين دعاء، والأصل في الدعاء الإخفاء لا الجهر، وقد عمل بذلك بعد رسول الله - ﷺ - من أكابر الصحابة عمر وعلي -رضي الله تعالى عنهما-.\nقال العيني (١): روى الطبراني (٢) في \"تهذيب الآثار\": حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيد، عن أبي وائل قال: \"لم يكن عمر وعلي -رضي الله تعالى عنهما - يجهران ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا بآمين\".\nوقد أخرجه الطحاوي (٣): حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني قال: ثنا علي بن معبد قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيد، عن أبي وائل قال: كان عمر وعلي لا يجهران ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا بالتعوذ ولا بالتأمين، وكذلك روي عدم الجهر عن عبد الله بن مسعود.\nوأما الشيخ النيموي فاختار في هذا البحث طريقًا آخر، وقال في كتابه \"آثار السنن\" (٤): إن حديث وائل بن حجر حديث مضطرب، ووجه الاضطراب أنه روي من طريق سفيان في هذا الحديث بلفظ \"ورفع بها صوته\"، ومن طريق\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٠٣).\n(٢) كذا في \"عمدة القاري\" أيضًا (٤/ ٥٠٣)، والصواب: الطبري، لأن مصنف \"تهذيب الآثار\" الطبري لا الطبراني، والله أعلم.\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٠٤).\n(٤) (١/ ٩٣).","vol":"4","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nشعبة: \"أخفى بها صوته\"، وكلاهما متساويان، فاضطرب الحديث في الرفع والخفض، ولا يمكن التوفيق بينهما إلَّا أن يقال: إنه أراد بالرفع رفعًا يسيرًا بحيث سمعه من كان يليه من الصف الأول، وبالخفض أنه لم يجهر كالتكبير والتسميع، وكيف ما كان يدل بظاهره على أن النبي - ﷺ - لم يضم معها كلمة أخرى، ولم يقلها إلَّا مرةً واحدةً.\nوقد أخرج الطبراني في \"الكبير\" (١) عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي - ﷺ - دخل في الصلاة، فلما فرغ من فاتحة الكتاب قال: آمين ثلاث مرات، انتهى، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢): رجاله ثقات.\nوأخرج الطبراني والبيهقي (٣) عن وائل بن حجر أنه سمع رسول الله - ﷺ - حين قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: \"رب اغفر لي، آمين\".\nقلت: فيه أحمد بن عبد الجبار، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": وثَّقه الدارقطني وأثنى عليه أبو كريب، وضعفه جماعة، وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثًا منكرًا، انتهى.\nوقال علي القاري في \"المرقاة\" (٤): وروى الطبراني بسند لا بأس به، ثم ساق الحديث، قلت: فهذه الاختلافات في حديث وائل تدل على اضطرابه، ولعل الإِمام البخاري مع شدة حرصه على إثبات الجهر بالتأمين، وصاحبه مسلمًا لم يخرجاه في \"صحيحيهما\" بهذه العلة، انتهى مختصرًا.\nثم ذكر الشيخ النيموي (٥) حديث أبي هريرة الذي رواه الدارقطني\n_________\n(١) المعجم الكبير\" (٢٢/ ٢٢).\n(٢) (٢/ ٢٨٩) ح (٢٦٦٧).\n(٣) \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٤٢)، و\"السنن الكبرى\" (٢/ ٥٨).\n(٤) (٢/ ٢٨٧).\n(٥) آثار السنن\" (١/ ٩٣).","vol":"4","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحاكم (١) قال: \"كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: آمين\"، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، قال الشيخ النيموي: وقد اغتر الحافظ ابن القيم بتصحيح الحاكم.\nوقال في \"إعلام الموقعين\" (٢): رواه الحاكم بإسناد صحيح، قلت: فيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي بن زِبْرِيق لم يخرج له الشيخان في \"صحيحيهما\" ولا الأربعة في \"سننهم\"، وضعفه النسائي وأبو داود وكذبه محمد بن عوف الطائي.\nقال الذهبي في \"الميزان\" (٣): قال أبو حاتم: لا بأس به، سمعت ابن معين يثني عليه، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو داود: ليس بشيء، وكذبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي، انتهى.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): روى الآجري عن أبي داود أن محمد بن عوف (٥) قال: ما أشك أن إسحاق بن زبريق يكذب، وقال في \"التقريب\": صدوق يهم كثيرًا، انتهى.\nثم ساق حديث أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة الذي رواه ابن ماجه، ثم قال: وإسناده ضعيف، لأن في إسناده بشر بن رافع، قال البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال أحمد: ضعيف، وقال ابن معين: حدث بمناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: يروي أشياء موضوعة\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١٢٧٤)، و\"المستدرك\" (١/ ٢٢٣).\n(٢) (٢/ ٤٢٨).\n(٣) (١/ ١٨١).\n(٤) (١/ ٢١٦).\n(٥) وقع في \"تهذيب التهذيب\": محمد بن عون، وهو تحريف، والصواب محمد بن عوف بن سفيان الطائي، الحمصي الحافظ.","vol":"4","page":441},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكأنه المتعمد لها، هكذا في \"الميزان\"، ثم نقل ضعفه عن \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\" للحافظ.\nثم قال: وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق بشر بن رافع بدون قوله: فيرتج بها المسجد، بل انتهى إلى قوله: حتى يسمع من يليه من الصف الأول، وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" كذلك ليس فيه: فيرتج بها المسجد، وفيه: حتى يسمع الصف الأول.\nثم قال: فظهر لك ما رواه ابن ماجه من زيادة قوله: فيرتج بها المسجد، لا يتابع على ذلك، ومع ذلك هذه الزيادة تخالف قوله: حتى يسمع أهل الصف الأول.\nثم ساق حديث أم الحصين: \"أنها صلَّت خلف رسول الله - ﷺ -، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، فسمعته وهي في صف النساء\"، رواه ابن راهويه في \"مسنده\"، والطبراني في \"الكبير\"، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف.\nثم قال: لم يثبت الجهر بالتأمين عن النبيﷺ -، ولا عن الخلفاء الأربعة، وما جاء في الباب فهو لا يخلو من شيء، ثم عقد \"باب ترك الجهر بالتأمين\"، واستدل له بقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١)، وبحديث أبي هريرة الذي رواه مسلم (٢) بلفظ: \"إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين\"، بأنه يدل على أن الإِمام لا يجهر بآمين، لأن تأمين الإِمام لو كان مشروعًا بالجهر لما علق النبي - ﷺ - تأمينهم بقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، بل السياق يقتضي بأنه لم يقل إلَّا هكذا: وإذا قال: آمين، فقولوا: آمين.\nوبحديث الحسن أن سمرة بن جندب وعمران بن حصين تذاكرا، فحدث\n_________\n(١) سورة الأعراف: الآية ٥٥.\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٤١٠).","vol":"4","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nسمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول الله - ﷺ - سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب، فكان في كتابه إليهما أو في رده عليهما: أن سمرة قد حفظ، رواه أبو داود وآخرون، وإسناده صالح.\nقال الشيخ النيموي (١): الأظهر أن السكتة الأولى كانت لقراءة الثناء في نفسه، والسكتة الثانية للتأمين سرًّا، ولو حمل على أن السكتة الثانية كانت لأن يتراد إليه نفسه كما ذهب إليه بعضهم يلزم منه أن يكون تأمين المأمومين قبل تأمين النبي - ﷺ -، وقد نهى النبي - ﷺ - عن تبادر المأموم الإِمام.\nثم ساق حديث سمرة بن جندب الذي رواه أحمد والدارقطني (٢) أنه كان إذا صلى بهم سكت سكتتين: إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ولا الضَّآلِّين سكت أيضًا هنية، فأنكروا ذلك عليه، فكتب إلى أبي بن كعب، فكتب إليهم أن الأمر كما صنع سمرة، وقال: إسناده صحيح.\nثم ساق حديث وائل بن حجر الذي رواه أحمد والترمذي وأبو داود والطيالسي والدارقطنيِ والحاكم (٣) وآخرون من طريق شعبة، ولفظه: \"فلما قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، وأخفى بها صوته\"، وقال: إسناده صحيح، وفي متنه اضطراب.\nثم ذكر في \"تعليقه\" ما ذكره الترمذي عن البخاري من العلل الثلاث، ثم نقل عن الزيلعي ما قال في \"نصب الراية\" (٤): واعلم أن في الحديث\n_________\n(١) \"آثار السنن\" (١/ ٩٥ - ٩٩).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ١١)، و\"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٣٦).\n(٣) انظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ٣١٦)، و\"سنن الترمذي\" (٢/ ٢٨)، و\"سنن أبي داود\" (٩٣٢)، و\"مسند الطيالسي\" (١٠٢٤)، و\"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٣٤)، و\"المستدرك\" (٢/ ٢٣٢).\n(٤) \"نصب الراية\" (١/ ٢٧٠).","vol":"4","page":443},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلة أخرى ذكرها الترمذي في \"علله الكبير\" فقال: سألت محمد بن إسماعيل هل سمع علقمة من أبيه؟ فقال: إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، انتهى.\nثم أجاب عن هذه العلل التي بينها البخاري فقال: كلها مدفوعة، فأما قوله: إن حجرًا هو ابن العنبس وليس بأبي العنبس فليس بصواب، لأن اسم أبيه عنبس، وكنيته كاسم أبيه أبو العنبس، ولا مانع من أن يكون له كنية أخرى وهي أبو السكن، وبهذا جزم ابن حبان في كتاب \"الثقات\" حيث قال: حجر بن عنبس أبو السكن الكوفي، وهو الذي يقال له: حجر أبو العنبس، وقد تابعه الثوري في أبي العنبس، أخرج أبو داود في \"باب التأمين\".\nوقال البيهقي في \"سننه الكبير\" (١): وأما قوله: حجر أبو العنبس فكذلك ذكره محمد بن كثير عن الثوري، انتهى.\nوأخرج الدارقطني في \"سننه\" (٢) في \"باب التأمين\": حدثنا عبد الله بن أبي داود السجستاني، حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، ثنا وكيع والمحاربي قالا: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس وهو ابن عنبس، الحديث، فثبت أن شعبة ليس بمتفرد بأبي العنبس، بل ذكره محمد بن كثير ووكيع والمحاربي عن سفيان الثوري أيضًا.\nوأما قوله: ليس فيه علقمة، فقد بين في بعض الروايات أن حجرًا سمعه عن علقمة، عن وائل، وقد سمعه من وائل نفسه.\nأخرج أحمد في \"مسنده\" (٣) بسنده عن حجر أبي العنبس قال: سمعت علقمة بن وائل يحدث عن وائل، - أو سمعه حجر من وائل- قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ -، الحديث.\n_________\n(١) (٢/ ٥٧).\n(٢) (١/ ٣٣٤).\n(٣) (٤/ ٣١٦).","vol":"4","page":444},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأخرج أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (١): حدثنا شعبة قال: أخبرني سلمة بن كهيل قال: سمعت حجرًا أبا العنبس قال: سمعت علقمة بن وائل يحدث عن وائل- وقد سمعت من وائل-، إلى آخر الحديث. وأخرج أبو مسلم الكجي في \"سننه\" بسنده عن حجر، عن علقمة بن وائل، عن وائل قال: وقد سمعه من وائل.\nوأما الاختلاف بين الثوري وشعبة في الرفع والخفض، فغايته أن الحديث مضطرب لا يصلح للاحتجاج لأحد الفريقين، وأما ما قالوا ترجيحًا لحديث الرفع على حديث الخفض من أن الثوري أحفظ من شعبة، فهذا القول ليس بمجمع عليه، بل في ترجيح أحدهما على الآخر أقوال، ثم ذكر الأقوال التي تقدمت في أول البحث.\nثم قال: وعندي وجه حسن لترجيح ما رواه شعبة على ما رواه الثوري، وهو أن شعبة لم يكن يُدَلِّس لا عن الضعفاء ولا عن الثقات، وقد صرح فيه بالإخبار، قال: أخبرني سلمة بن كهيل كما هو عند الطيالسي، وأما الثوري فكان ربما يدلس وقد عنعنه، قال الذهبي في \"الميزان\" (٢): سفيان بن سعيد الحجة المثبت، متفق عليه مع أنه كان يدلس عن الضعفاء، ولكن له نقد وذوق، وقال الحافظ في \"التقريب\": وكان ربما دلس، انتهى، فبهذا يرجح ما رواه شعبة من حديث الخفض على ما رواه الثوري من حديث الرفع لشبهة التدليس فيه.\nوأما ما قال ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" (٣) ترجيحًا لرواية الرفع: وترجيح ثانٍ وهو متابعة العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل له، فيجاب عنه بأن العلاء بن صالح ليس من الثقات الأثبات، قال في \"التقريب\":\n_________\n(١) \"مستند أبي داود الطيالسي\" (١١١٧).\n(٢) (٢/ ١٦٩).\n(٣) (٢/ ٤٢٧).","vol":"4","page":445},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nصدوق له أوهام، وقال الذهبي في \"الميزان\": قال أبو حاتم: كان من عنق الشيعة، وقال ابن المديني: روى أحاديث مناكير، وأما محمد بن سلمة فقال الذهبي: قال الجوزجاني: ذاهب واهي الحديث.\nقلت: فمتابعتهما له لا تقدح فيما رواه شعبة، لأنهما ليسا من الثقات الأثبات، حتى يقال: إن شعبة خالفه الثقات، وتكون روايته شاذة غير محفوظة، وغاية ما في الباب أن كل واحد من الحديثين يرجح على الآخر بوجه.\nفإن قال قائل: رواه أبو داود عن مخلد بن خالد الشعيري، عن ابن نمير، عن علي بن صالح، عن سلمة بن كهيل، فعلي بن صالح متابع ثالث لسفيان.\nقلت: لعله وهم، لقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن العلاء بن صالح. والترمذي عن محمد بن أبان، عن ابن نمير، عن العلاء بن صالح، عن سلمة بن كهيل، فاختلف القول في علي والعلاء، وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن أبان أحفظان من الشعيري، والحفاظ كالبيهقي وغيرهم لم يذكروا في متابعة الثوري إلَّا العلاء بن صالح لا علي بن صالح، فلو كان ما يوجد في النسخ المتداولة من \"سنن أبي داود\" من ذكر علي بن صالح صوابًا لذكروه في متابعة الثوري، لأنه أثبت من العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة، والله أعلم وعلمه أحكم.\nوأقول أنا: إن الحافظ ابن حجر صرح بكونه وهمًا، فإنه قال في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة العلاء بن صالح: وسماه أبو داود في روايته علي بن صالح وهو وهم.\nفإن قلت: قال البيهقي في \"سننه الكبرى\" (١): وقد رواه أبو الوليد الطيالسي عن شعبة نحو رواية الثوري، ولفظه: \"فلما قال: ولا الضالين قال: آمين رافعًا بها صوته\"، انتهى.\n_________\n(١) (٢/ ٥٨).","vol":"4","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: هذه رواية شاذة عن شعبة تفرد بها أبو الوليد، وعنه إبراهيم بن مرزوق، وخالفه غير واحد من أصحاب شعبة، كأبي داود الطيالسي ومحمد بن جعفر ويزيد بن زريع وعمرو بن مرزوق وغيرهم كلهم عن شعبة، وقالوا فيه: \"وأخفى بها صوته، أو خفض بها صوته\"، ومع ذلك إبراهيم بن مرزوق البصري عمي قبل موته، فكان يخطئ ولا يرجع كما في \"التقريب\" وغيره.\nفحاصل الكلام: أن المحفوظ عن شعبة حديث الخفض لا حديث الرفع.\nوأما علة الانقطاع فسخيفة جدًّا، لأن سماع علقمة عن أبيه ثابت بوجوه:\nمنها: ما أخرجه النسائي (١) في \"باب رفع اليدين عند الرفع من الركوع\"، وفيه: حدثني علقمة بن وائل حدثني أبي، فذكر الحديث، وأخرجه البخاري في \"جزء رفع اليدين\"، وفيه: قال: سمعت علقمة بن وائل بن حجر حدثني أبي، فذكر الحديث، فقوله: حدثني أبي يدل على سماعه من أبيه.\nومنها: ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢) من حديث القصاص من طريق سماك بن حرب عن علقمة بن وائل حدثه أن أباه حدثه، الحديث، فقوله: أن أباه حدثه يدلس على سماع علقمة من أبيه وائل بن حجر.\nومنها: ما قاله الترمذي في كتاب الحدود من \"جامعه\": علقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه، انتهى.\nقلت: وأما ما قاله البخاري من أنه ولد بعد موت أبيه، فيعارض بما قال\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (١٠٥٥).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٦٨٠).","vol":"4","page":447},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالترمذي في كتاب الحدود (١): سمعت محمدًا يقول: عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر.\nوبما قال ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال أبو داود عن ابن معين: مات أبوه وهو أي عبد الجبار حمل.\nوبما قال السمعاني في \"أنسابه\" (٣): أبو محمد عبد الجبار بن وائل بن حجر الكندي يروي عن أمه وعن أبيه، وهو أخو علقمة، ومن زعم أنه سمع أباه فقد وهم، لأن وائل بن حجر مات وأمه حامل به، ووضعته بعده بستة أشهر، انتهى.\nفهذه العبارات تدل على أن الذي وُلد بعد موت أبيه وائل بن حجر هو عبد الجبار لا علقمة.\nقلت: وفي ولادته بعد موت أبيه أيضًا نظر، لأنه روي من طريق محمد بن جحادة عن عبد الجبار أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، فحدثني وائل بن علقمة عن أبي وائل بن حجر، الحديث. أخرجه أبو داود في \"باب رفع اليدين\"، والطحاوي في \"باب موضع وضع اليدين في السجود\".\nفهذا الخبر يدل على أنه ولد في حياة أبيه لكنه كان صغيرًا، وأما قول من قال: إن قائل: \"كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي\" هو علقمة بن وائل، لا أخوه عبد الجبار، فليس بسديد، بل هو باطل، بل قد صرح محمد بن جحادة باسم شيخه عبد الجبار لا علقمة على أن علقمة كيف يقول: فحدثني وائل بن علقمة؟ وقد قال الحافظ في \"التقريب\": صوابه علقمة بن وائل، أيحدث علقمة عن ابنه كما هو الظاهر، أو عن نفسه كما يظهر من تصويب الحافظ؟ وقد أخرج الطبراني من طريق عبد الوارث بلفظ: فحدثني علقمة بن وائل، فالحق أن القائل لهذا القول عبد الجبار وهو يرويه عن أخيه علقمة بن وائل.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٤/ ٥٥).\n(٢) (٦/ ١٠٥).\n(٣) (٤/ ١٧٢).","vol":"4","page":448},{"text":"٩٣٣ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ حُجْرٍ بْنِ عَنْبَسٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: \"أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ-، فَجَهَرَ بِآمِينَ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ خَدِّهِ\" (٢). [ت ٢٤٩، وانظر سابقه]\n٩٣٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عن بِشْرِ بْنِ\n===\nفثبت بذلك التحقيق أن عبد الجبار مع كونه أصغر من علقمة، وُلد في حياة أبيه ولكنه كان صغيرًا، ولما كان علقمة أكبر منه وأخاه العيني كيف يتصور أنه وُلد بعد موت أبيه؟ بل الحق أنه أدركه وسمع منه، كما يشهد بذلك قوله: حدثني أبي وغيره، وقد نص عليه الترمذي كما مر، فحينئذ ظهر ضعف ما قاله الحافظ ابن حجر في \"التقريب\" مقلدًا لغيره: علقمة بن وائل بن حجر بضم المهملة وسكون الجيم، الحضرمي الكوفي، صدوق إلَّا أنه لم يسمع من أبيه، انتهى.\n٩٣٣ - (حدثنا مخلد بن خالد الشعيري) بفتح المعجمة وكسر المهملة (نا ابن نمير، نا علي بن صالح)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة العلاء: العلاء بن صالح التيمي، ويقال: الأسدي الكوفي، وسماه أبو داود في روايته علي بن صالح، وهو وهم.\n(عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر: أنه صلى خلف رسول الله - ﷺ -، فجهر بآمين) أي بعد قراءة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (وسلم عن يمينه وعن شماله) أي للخروج عن الصلاة (حتى رأيت بياض خده) أي: صرف وجه بالسلام إلى جانب يمينه وشماله، حتى رأيت بياض خده.\n٩٣٤ - (حدثنا نصر بن علي، أنا صفوان بن عيسى، عن بشر بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) جعله المزي في \"تحفة الأشراف\" (١١٧٥٨) هو والذي قبله حديثًا واحدًا.","vol":"4","page":449},{"text":"رَافِعٍ، عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا تَلَا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: \"آمِينَ\" حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأَوَّلِ\". [جه ٨٥٣]\n٩٣٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ \"، فَقُولُوا: آمِينَ،\n===\nرافع) قال في \"التقريب\": بشر بن رافع (١) الحارثي، أبو الأسباط النجراني بالنون والجيم، فقيه، ضعيف الحديث، (عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة) قال في \"الميزان\": أبو عبد الله الدوسي عن أبي هريرة لا يعرف، ما حدث عنه سوى بشر بن رافع، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال ابن القطان: لا يعرف، قال ابن أبي حاتم: اسمه عبد الرحمن بن هضاض، وقيل: ابن الصامت.\n(عن أبي هريرة -﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا تلا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمع) بصيغة المعلوم من المجرد أو من الإفعال (من يليه من الصف الأول).\n٩٣٥ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن سمي مولى أبي بكر) بن الحارث بن هشام، (عن أبي صالح السمان) ذكوان، (عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: إذا قال الإمام (٢): ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين) استدل به على أن الإِمام لا يؤمن، لأن القسمة تنافي الشركة، وقد تقدم البحث فيه، أخرج هذا الحديث البخاري في \"صحيحه\" في \"باب جهر (٣) المأموم بالتأمين\".\n_________\n(١) قال ابن رسلان: قوَّاه ابن معين. (ش).\n(٢) ذكر ابن رسلان أنه يشير إلى أن التسمية ليس جزءًا من الفاتحة؛ لأنه عَدَّه آية، ولذا شرع منه، فصارت سبعة بدون التسمية. (ش).\n(٣) قلت: بل هو يدل على الإسرار، وإلَّا فلا يحتاج إلى التقدير بـ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. (ش).","vol":"4","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): قال الزين بن المنير: مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن في الحديث الأمر بقول آمين، والقول إذا وقع الخطاب مطلقًا حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار أو حديث النفس قيد بذلك.\nقال العيني (٢): قلت: المطلق يتناول الجهر والإخفاء، وتخصيصه بالجهر والحمل عليه تحكم فلا يجوز، قال العيني في شرح هذا الحديث: قال الخطابي: هذا لا يخالف ما قال: إذا أمن الإِمام فأمنوا، لأنه نص بالتعيين مرة، ودل بالتقدير أخرى، فكأنه قال: إذا قال الإِمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وأمن، فقولوا: آمين، ويحتمل أن يكون الخطاب في حديث أبي صالح لمن تباعد عن الإِمام، فكان بحيث لا يسمع التأمين، لأن جهر الإِمام به أخفض من قراءته، على كل حال فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه إذا كثرت الصفوف وتكاثفت المجموع.\nقلت: ذكر الخطابي الوجهين المذكورين بالاحتمال الذي لا يدل عليه ظاهر ألفاظ الحديثين، فإن كان يؤخذ هذا بالاحتمال، فنحن أيضًا نقول: يحتمل أن الجهر فيه لأجل تعليمه الناس بذلك؛ لأنا لا ننازع في استحباب التأمين للإمام وللمأموم أيضًا، وإنما النزاع في الجهر به، فنحن اخترنا الإخفاء لأنه دعاء، والسنة في الدعاء الإخفاء، انتهى.\nقال النووي (٣): في هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإِمام لا بعده، قلت: بل الأمر بالعكس، لأن الفاء في الأصل للتعقيب، قاله العيني.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٦).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٠٤).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٥٧).","vol":"4","page":451},{"text":"فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". [خ ٧٨٢، م ٤١٠، ن ٩٢٧، حم ٢/ ٢٣٣]\n٩٣٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ،\n===\n(فإنه) الضمير للشأن (من وافق قوله قول (١) الملائكة) قال ابن حبان في \"صحيحه\" (٢): فإن الملائكة تقول: آمين، ثم قال: يريد أنه إذا أَمَّنَ كتأمين الملائكة من غير إعجاب ولا سمعة ولا رياء خالصًا لله تعالى، فإنه حينئذ يغفر له.\nقلت: ويحتمل أن يراد بالموافقة الموافقة في الزمان، أي وافق تأمين المصلي زمان تأمين الملائكة غفر له، والمراد بالملائكة قيل: هم الحفظة، وقيل: الملائكة المتعاقبون، وقيل: غير هؤلاء، لما روى البيهقي: ووافق ذلك قول أهل السماء: آمين غفر له ما تقدم من ذنبه، قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء.\n(غفر له ما تقدم من ذنبه) ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية، وهو محمول عند العلماء على الصغائر، ووقع في بعض الروايا في آخر هذا الحديث: وما تأخر، وهي زيادة (٣) شاذَّةٌ، قاله الحافظ والعيني.\n٩٣٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب)، بمضمومة فسين فياء مشددة مفتوحتين، وقد تكسر الياء، قاله صاحب \"المغني\" (٤) (وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما) أي سعيدًا وأبا سلمة (أخبراه) أي ابن شهاب.\n_________\n(١) استدل به على أفضلية الملائكة كما قاله المعتزلة \"ابن رسلان\". (ش)،\n(٢) (٥/ ١٠٨).\n(٣) وهي موجودة في النسخ القديمة لأبي داود، فليفتش النسخ ما الصواب في أبي داود. (ش).\n(٤) (ص ٢٣١).","vol":"4","page":452},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [خ ٧٨٠، م ٤١٠، ت ٢٥٠، ن ٩٢٨، جه ٨٥٢، حم ٢/ ٢٣٣، ٤٥٩]\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ \"آمِينَ\".\n===\n(عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا أمن الإِمام) أي قال الإِمام: آمين. وقيل: معناه إذا دعا، والمراد دعاء الفاتحة من قوله: \"اهدنا\" إلى آخره بناءً على أن التأمين دعاء، وقيل: معناه إذا بلغ إلى موضع استدعى التأمين، وهو قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، ويرد ذلك التصريح بالمراد في حديث الباب، واستدل به على مشروعية التأمين للإمام، قيل: وفيه نظر، لكونها قضية شرطية، وأجيب بأن التعبير بإذا يشعر بتحقيق الوقوع.\n(فأمنوا (١) فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) أخرج البخاري هذا الحديث في \"صحيحه\" في \"باب جهر الإِمام بالتأمين\"، قال الحافظ (٢): ووجه الدلالة من الحديث أنه لو لم يكن التأمين مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه، وأجايوا بأن موضعه معلوم، فلا يستلزم الجهر به، وفيه نظر لاحتمال أن يخل به فلا يستلزم علم المأموم به، ثم إن هذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملًا بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصل، قاله الحافظ.\n(قال ابن شهاب: وكان رسول الله - ﷺ - يقول: آمين) قال الحافظ: وهو متصل إليه برواية مالك عنه، وأخطأ من زعم أنه معلق.\n_________\n(١) قالوا: إن المؤتم في كل فعله يؤخر عن الإِمام إلَّا في آمين، فيقول معه خلافًا لمن أنكره مسدلًا بالحديث. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٤).","vol":"4","page":453},{"text":"٩٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ (١)، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ بِلَالٍ: \"أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَسْبِقْنِى بِآمِينَ\". [حم ٦/ ١٢، ق ٢/ ٢٣، ك ١/ ٢١٩]\n===\n٩٣٧ - (حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، أنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم) بن سليمان الأحول، (عن أبي عثمان) النهدي وهو عبد الرحمن بن مل بلام ثقيلة وميم مثلثة، (عن بلال) المؤذن (أنه قال: يا رسول الله، لا تسبقني بآمين) قال العيني (٢): وقد أول العلماء قوله: لا تسبقني على وجهين:\nالأول: أن بلالًا كان يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى من سكتتي الإِمام، فربما يبقى عليه شيء منها، ورسول الله - ﷺ - قد فرغ منها، فاستمهله بلال في التأمين بقدر ما يتم فيه قراءة بقية السورة، حتى ينال بركة موافقته في التأمين.\nالثاني: أن بلالًا كان يقيم في الموضع الذي يؤذن فيه من وراء الصفوف، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر النبي - ﷺ -، فربما سبقه ببعض ما يقرأه، فاستمهله بلال قدر ما يلحق القراءة والتأمين.\nقلت: هذا الحديث مرسل، وقال الحاكم في \"الأحكام\": قيل: إن أبا عثمان لم يدرك بلالًا، وقال أبو حاتم الرازي: رفعه خطأ، ورواه الثقات عن عاصم، عن أبي عثمان مرسلًا، وقال البيهقي: وقيل: عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال بلال، وهو ضعيف ليس بشيء، انتهى.\nوقد أخرج البخاري لأبي هريرة تعليقًا ولفظه: وكان أبو هريرة ينادي الإِمام: لا تفتني بآمين، معناه: لا تدعني أن يفوت مني القول بآمين.\nقال العيني: وصل ابن أبي شيبة هذا التعليق فقال: حدثنا وكيع، حدثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أنه كان يؤذن بالبحرين، فقال للإمام: \"لا تسبقني بآمين\" وكان الإِمام بالبحرين العلاء بن الحضرمي.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحنظلي\".\n(٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٩٨).","vol":"4","page":454},{"text":"٩٣٨ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ الدِّمَشْقِىُّ وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِىُّ، عَنْ صُبَيْحِ بْنِ مُحْرِزٍ الْحِمْصِىِّ، حَدَّثَنِى أَبُو مُصْبِحٍ الْمَقْرَئِىُّ\n===\nوروى البيهقي من حديث أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم، فاشترط أن لا يسبقه بالضالين، حتى يعلم أنه قد دخل الصف، فكان إذا قال مروان: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال أبو هريرة: آمين، يمد بها صوته الحديث، انتهى.\n٩٣٨ - (حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي ومحمود بن خالد قالا: نا الفريابي) محمد بن يوسف، (عن صبيح) قال في \"التقريب\": اختلف فيه هل هو مفتوح أوله أو مصغر (ابن محرز) (١) المقرئ، قال في \"التقريب\": بفتح الميم وسكون القاف وفتح الراء بعدها همزة (الحمصي، حدثني أبو مصبح) (٢) بموحدة مكسورة بعد الصاد المهملة المفتوحة (المقرئي) قال في \"التقريب\": المَقْرَئي، بفتح الميم والراء بينهما قاف ثم همزة قبل ياء النسبة، وفي \"الخلاصة\": همزة مكسورة بعد راء ممدودة، الأوزاعي الحمصي.\nوقال السمعاني في \"الأنساب\" (٣): بضم الميم، وقيل: بفتحها، وسكون القاف، وفتح الراء، بعدها همزة، هذه النسبة إلى مَقْرَى قرية بدمشق، منها: غيلان بن معشر، ومنها: أبو الصلت شريح بن عبيد الحضرمي الشامي المقرائي.\nوقال في \"القاموس\": ومُقْرَأٌ، كمكرم: بلدة باليمن به معدن العقيق، منه: المُقْرَئِيُّون من المحدثين وغيرهم، ويفتح ابن الكلبي الميم.\nوقال في \"كتاب مشتبه النسبة\" للأزدي: وأما المقرئي بالقاف وفتح الراء بعدها همزة قبل الياء، فمنهم فلان وفلان، وأصحاب الحديث يكتبونه بالألف.\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء ثم زاي. (ش).\n(٢) بضم الميم وكسر الباء المشددة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (٤/ ٣٤٤).","vol":"4","page":455},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال محمد طاهر في \"المغني\" (١): المقرئي بضم ميم- وقيل بفتحها- وسكون قاف وفتح راء وكسر همزة نسبة إلى مقرأ بن سبيع.\nوقال في \"جامع الأصول\": المقرني بضم الميم، وقيل: بفتحها والقاف وفتح الراء وكسرها منسوب إلى مقرن بن سبيع بن الحارث بن زيد بن سهل من بني قطن بن عريب، انتهى، والذي وقع في \"جامع الأصول\" بالنون تصحيف من الناسخ، والصواب بالهمزة (٢)، لأنه صرح في ترجمة راشد بن سعد بكسر الهمزة.\nفاختلف في هذا اللفظ بأمور:\nأولها: أن الراء ممدودة أو مقصورة، وصاحب \"الخلاصة\" مال إلى المد، وغيره لا يمدونه، وكلام الأزدي صاحب \"مشتبه النسبة\" يرجح أن الألف التي تكتب بعد الراء هو اصطلاح المحدثين وليس عند غيرهم، فلا يقرأ، وصرح بذلك الذهبي في \"مشتبه النسبة\" كما نقل صاحب \"العون\" (٣)، ولفظه: ويكتب بألف هي صورة الهمزة ليفرق بينه وبين المقرئ من القراءة، فعلم بذلك أن الراء فيه ليست بممدودة.\nوثانيها: الاختلاف في النسبة، فقال السمعاني في \"الأنساب\" (٤): إن هذه النسبة إلى مقرى قرية بدمشق، وكذا نقل صاحب \"العون\" عن أبي سعيد المروزي بنقل المنذري أن هذه النسبة إلى مقرى قرية بدمشق، وكذلك نقل في حاشية \"تهذيب التهذيب\" عن \"لب اللباب\" تحت ترجمة راشد بن سعد: المقرائي بضم الميم، وفي \"التقريب\": بفتحها وسكون القاف وفتح الراء وهمزة ثم ياء النسبة، نسبة إلى مقرى قرية بدمشق، انتهى كلام \"لب اللباب\" (٥).\n_________\n(١) (ص ٢٤٩).\n(٢) وفي نسخة \"جامع الأصول\" (١٥/ ٣٩٩) التي بين أيدينا: المقرائي بالهمزة، منسوب إلى مقرأ بن سبيع، إلخ\n(٣) \"عون المعبود\" (٣/ ٢١٥).\n(٤) (٤/ ٣٤٤).\n(٥) (ص ٣٧٥).","vol":"4","page":456},{"text":"قَالَ: \"كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى أَبِى زُهَيْرٍ النُّمَيْرِىِّ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيَتَحَدَّثُ (١) أَحْسَنَ الْحَدِيثِ، فَإِذَا دَعَا الرَّجُلُ مِنَّا بِدُعَاءٍ قَالَ: اخْتِمْهُ بِآمِينَ، فَإِنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ\".\n===\nوقال أبو داود: المقرائي (٢) قبيل من حمير، ولم أر أحدًا صرَّح به إلَّا ما نقل صاحب \"العون\" عن \"غاية المقصود\" نقلًا عن \"تاج العروس شرح القاموس\": مقرأ بن سبيع بن حارث بن مالك بن زيد، على وزن مكرم، بطن من حمير، وبه عرف البلد الذي باليمن لنزوله وولده هناك.\nوقال في \"جامع الأصول\" (٣): المقرائي منسوب إلى مقرأ بن سُبَيْع بن الحارث بن زيد بن سهل من بني قَطَن بن عَرِيب، ونقل صاحب \"العون\" عن المنذري: الأول (٤) أي النسبة إلى القبيلة أشهر، قال صاحب \"القاموس\": مقرأٌ كمكرم: بلدة باليمن به معدن العقيق، ومنه المقرئيون من المحدثين، ويفتح ابن الكلبي الميم.\nفهذه ثلاثة أقوال، جمع شارح \"القاموس\" بين القولين الأخيرين، فقال مقرأ بن سبيع بن الحارث بن مالك بن زيد، على وزن مكر، بطن من حمير، وبه عرف البلد الذي باليمن لنزوله وولده هناك، وأما القول الأول فلا يجتمع مع هذين القولين.\n(قال: كنا نجلس إلى أبي زهير النميري) قال في \"التقريب\" في ترجمة أبي الأزهر: ويقال: أبو زهير الأنماري، صحابي، سكن الشام، لا يعرف اسمه، وقيل: يحيى بن نفير (وكان) أي أبو زهير (من الصحابة، فيتحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال) أبو زهير -﵁ -: (اختمه) أي الدعاء (بآمين، فإن آمين مثل الطابع) أي الخاتم (على الصحيفة)\n_________\n(١) في نسخة: \"فيحدث\".\n(٢) قال المنذري (١/ ٣٢٣): وكذا قال غيره. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (١٥/ ٣٩٩).\n(٤) كذا قال ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":457},{"text":"قَالَ أَبُو زُهَيْرٍ: أُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلَحَّ فِى الْمَسْأَلَةِ، فَوَقَفَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَسْتَمِعُ مِنْهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ»، فَقَالَ (١) رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: بِأَىِّ شَىْءٍ يَخْتِمُ؟ فقَالَ: «بِآمِينَ، فَإِنَّهُ إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ»، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ الَّذِى سَأَلَ النَّبِىَّ -ﷺ-، فَأَتَى الرَّجُلَ فَقَالَ (٢): اخْتِمْ يَا فُلَانُ بِآمِينَ وَأَبْشِرْ\". وَهَذَا لَفْظٌ مَحْمُودٌ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: والمقْرَئِي قَبِيل مِنْ حِمْيَرَ.\n===\nأي كما أن الشيء العزيز يحفظ (٣) بالختم، كذلك الدعاء يحفظ بالختم، ويرفع عند الله تعالى.\n(قال أبو زهير: أخبركم عن ذلك) أي عن الذي قلت لكم في أمر آمين بأنه مثل الطابع على الصحيفة، وما قلته برأيي، لكن عن رسول الله - ﷺ - (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، فأتينا على رجل قد ألح) أي بالغ (في المسألة) أي في الدعاء (فوقف النبيﷺ - يستمع منه، فقال النبي - ﷺ -: أوجب) أي بالإجابة (إن ختم) أي إن طبع (فقال) له (رجل من القوم: بأيِّ شيء يختم؟ فقال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب، فانصرف الرجل الذي سأل النبيﷺ -، فأتى الرجل) الداعي (فقال) ذلك الرجل للداعي: (اختم) دعاءك (يا فلان بآمين وأبشر) بالإجابة (وهذا لفظ محمود).\n(قال أبو داود: والمقرئي قبيل من حمير) وقد تقدم بحثه، ومعنى هذا القول أن لفظ المقرئي الذي لحق به ياء النسبة قبيل من حمير، لا أنه مع ياء النسبة قبيل.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"له\".\n(٢) وفي نسخة: \"قال له\".\n(٣) ويكون محفوظًا بالختم عن الضياع، ويحتمل أن يكون المعنى: كما أن المختوم أجدر بالقبول، كذلك هذا. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>(١٧٥) بَابُ التَّصْفِيقِ في الصَّلَاةِ</span>\n٩٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ\". [خ ١٢٠٣، م ٤٢٢، ت ٣٦٩، ن ١٢٠٧، جه ١٠٣٤، حم ٢/ ٢٦١]\n===\n\n(١٧٥) (بَابُ التَّصْفِيقِ في الصَّلَاةِ)\nقال في \"القاموس\": التصفيق الضرب بباطن الراحة على الأخرى، وفي \"المجمع\" (١): هو ضرب إحدى اليدين على الأخرى\n٩٣٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا سفيان عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: التسبيح للرجال (٢) والتصفيق للنساء (٣).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): وكأن منع النساء من التسبيح لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا لما يخشى (٥) من الافتتان، ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء، وعن مالك وغيره في قوله: \"التصفيق للنساء\" أي هو من شأنهن في غير الصلاة وهو على جهة الذم له، ولا ينبغي فعله في الصلاة لرجل ولا امرأة (٦)، وتعقب برواية حماد بن زيد عن أبي حازم في \"الأحكام\" بصيغة الأمر: \"فليسبح الرجال وليصفق النساء\"، فهذا نص يدفع\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٣٣).\n(٢) وقال ابن العربي (٢/ ١٦٤): به قال الشافعي وغيره، وقال مالك: كل منهم يسبح، وليس بصحيح لما بيناه، والصحيح الأول. (ش).\n(٣) والخنثى يصفق لاحتمال أن يكون امرأة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٧٧).\n(٥) ولذا يمنعن عن الأذان والجهر بالإقامة والقراءة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) واستدلوا بعموم قوله ﵇: \"من نابه شيء في الصلاة فليقل: سبحان الله\"، كما سيأتي في قصة أبي بكر، وبمعناه وردت الروايات الآخر. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":459},{"text":"٩٤٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَهَبَ إِلَى بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، وَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّى بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالنَّاسُ فِى الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِى الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ\n===\nما تأوله أهل هذه المقالة، قال القرطبي: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح خبرًا ونظرًا، انتهى.\n٩٤٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي حازم) سلمة (بن دينار) الأعرج الأثور (١) التمار، (عن سهل بن سعد: أن رسول الله - ﷺ - ذهب إلى بني عمرو بن عوف) وهي قبيلة من الأنصار تسكن قباء (ليصلح بينهم) وكانت فيهم قتال حتى تراموا بالحجارة (وحانت) أي قربت (الصلاة) أي وقت صلاة العصر (فجاء المؤذن) أي بلال (إلى أبي بكر فقال) أي بلال لأبي بكر: (أتصلي بالناس فأقيم؟ قال) أبو بكر: (نعم) لأن رسول الله - ﷺ - أمر بلالًا قبل أن يذهب إلى بني عمرو بن عوف بقوله: إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر يصلي بالناس، كما في الرواية الآتية (فصلَّى أبو بكر) أي بالناس إمامًا.\n(فجاء رسول الله - ﷺ - والناس في الصلاة)، والظاهر أن مجيئه - ﷺ - وقع وأبو بكر في أول ركعة من الصلاة، يدل عليه رواية أحمد في \"مسنده\": ثم أقام فأمر أبا بكر فتقدم، فلما تقدم جاء رسول الله - ﷺ -، وفي رواية: وجاء رسول الله - ﷺ - بعد ما دخل أبو بكر في الصلاة.\n(فتخلص) (٢) أي وصل إلى الصف الأول بعد شق الصفوف (حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر\n_________\n(١) كذا في \"التقريب\"، والظاهر: الأفرز، كما في \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٢٤٤) رقم (٢٤٣٤).\n(٢) ولفظ النسائي: \"فخرق الصفوف حتى وصل الصف\". (ش).","vol":"4","page":460},{"text":"لَا يَلْتَفِتُ فِى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ (١)، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (٢) أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِى الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَصَلَّى (٣) فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِى قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّىَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ،\n===\nلا يلتفت في الصلاة) (٤) لاستغراقه في مناجاة ربه (فلما أكثر الناس التصفيق التفت) إلى القوم (فرأى رسول الله) - ﷺ - قائمًا في الصف، فَهَمَّ بالرجوع ليلحق بالصف (فأشار إليه رسول الله) - ﷺ - (أن امكث مكانك) أي أثبت إمامًا في محل الإِمام (فرفع أبو بكر يديه فحمد الله - ﷺ - على ما أمره به رسول الله - ﷺ - من ذلك) أي حصل له من المرتبة العظيمة بأمره له بإمامته له - ﷺ - واقتدائه به.\n(ثم استأخر) أي تأخر (أبو بكر حتى استوى) أي استقر (في الصف) الأول (وتقدم (٥) رسول الله - ﷺ -) إمامًا (فصلَّى) أي رسول الله - ﷺ - بالناس (فلما انصرف) أي فرغ من الصلاة (قال) رسول الله - ﷺ -: (يا أبا بكر ما منعك أن تثبت) أي من أن تثبت في محل الإِمام (إذ أمرتك) به؟\n(قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة) أي ما كان ينبغي له (أن يصلي بين يدي رسول الله - ﷺ -) أي يؤمه، فكأن رسول الله - ﷺ - قبل عذره، لأنه لم يعنفه على مخالفة أمره.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"- ﷺ -\".\n(٢) زاد في نسخة: \"- ﷺ -\".\n(٣) وفي نسخة: \"وصلَّى\".\n(٤) وفيه كمال خشوعه. (ش).\n(٥) استدل به على أن إمام الحي إذا جاء في وسط الصلاة فهل يجوز لمن نابه أن يتأخر أم كان خاصًا بالنبي - ﷺ -؟ وفيه وجهان للشافعي.\"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":461},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا لِى رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيحِ؟ مَنْ نَابَهُ شَىْءٌ فِى صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا (١) التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ». [خ ١٢١٨، م ٤٢١، ن ٧٨٤، حم ٥/ ٣٣١]\n===\n(فقال رسول الله - ﷺ -: ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيح؟) أي التصفيق (من نابه) (٢) أي عرض له (شيء في صلاته) فيريد أن يعلمه الإِمام (فليسبح) (٣) أي فليقل: سبحان الله (فإنه إذا سبَّح التفت إليه) ضبطه صاحب \"العون\" بصيغة المجهول، وهكذا سياق مسلم (٤) في \"صحيحه\"، ولفظ البخاري: \"من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلَّا التفت\".\n(وإنما التصفيح للنساء) لأنهن مأمورات بخفض صوتهن لأجل الفتنة، وفي نسخة: قال أبو داود: وهذا في الفريضة، قال النووي (٥): وفيه جواز استخلاف المصلي بالقوم من يتم الصلاة لهم، وهذا هو الصحيح من مذهبنا.\nوقال في \"الدر المختار\" (٦): وكذا يجوز له أن يستخلف إذا حصر عن قراءة قدر المفروض؛ لحديث أبي بكر الصديق، فإنه لما أحس بالنبي - ﷺ - حصر بالقراءة فتأخر، فتقدم النبي - ﷺ - وأتم الصلاة، فلو لم يكن جائزًا لما فعله \"بدائع\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فإنما\".\n(٢) عمومه حجة للإمام مالك في أن الرجال والنساء يسبحون. (ش).\n(٣) بعمومه استدل القسطلاني (٢/ ٣٧١) على أن الذكر في الجواب لا يفسد الصلاة خلافًا لأبي حنيفة ومحمد، قلت: لعله يختص بغير كاف الخطاب، كما تقدم في \"باب تشميت العاطس\". (ش).\n(٤) وهكذا في لفظ للبخاري. (ش).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٨٢).\n(٦) (٢/ ٤٢٩).","vol":"4","page":462},{"text":"٩٤١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ (١) النَّبِىَّ -ﷺ-، فَأَتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَقَالَ لِبِلَالٍ: «إِنْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أَذَّنَ بِلَالٌ ثُمَّ أَقَامَ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ. قَالَ فِى آخِرِهِ: «إِذَا نَابَكُمْ شَىْءٌ فِى الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ». [خ ٧١٩٠، ن ٧٩٣، حم ٥/ ٣٣٢]\n٩٤٢ - حَدَّثَنَا محمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا الْوَليدُ، عن عِيسَى بْنِ أَيُّوبَ\n===\n٩٤١ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك) أي خبر القتال (النبي - ﷺ -، فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر، فقال) رسول الله (لبلال) مؤذن مسجد رسول الله - ﷺ -: (إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس) أي يؤمهم (فلما حضرت العصر) أي وقت صلاته (أذن بلال ثم أقام، ثم أمر أبا بكر فتقدم) لأنه لم يرجع النبي - ﷺ -.\n(قال) حماد بن زيد (في آخره) أي في آخر هذا الحديث: (إذا نابكم شيء\nفي الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء).\nوالغرض من إيراد هذا الحديث بهذا الطريق بيان الاختلاف بين لفظ مالك وحماد بن زيد في قصة تسبيح الرجال وتصفيح النساء بأن في لفظ حماد بن زيد ورد التسبيح والتصفيح بلفظ الأمر، وهذا يرد قول من قال: إن ما وقع في قوله: إنما التصفيح للنساء، إنما هو بطريق الذم.\n٩٤٢ - (حدثنا محمود بن خالد) السلمي الدمشقي، (نا الوليد) بن مسلم القرشي، (عن عيسى بن أيوب) القيني الأزدي، أبو هاشم الدمشقي، روى له\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذاك\".","vol":"4","page":463},{"text":"قَالَ: قَوْلُهُ: \"التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ\" (١) تَضْرِبُ بِإِصْبَعَيْنِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى كَفِّهَا الْيُسْرَى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>(١٧٦) بَابُ الإِشِارَةِ في الصَّلَاةِ</span>\n٩٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ (٢) وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يُشِيرُ فِى الصَّلَاةِ\". [حم ٣/ ١٣٨، ق ٢/ ٢٦٢، قط ٢/ ٨٤، حب ٢٢٦٤، خزيمة ٨٨٥]\n===\nأبو داود أثرًا موقوفًا عليه في صفة تصفيح النساء، قلت: تعقب مغلطاي على المؤلف قوله: الأزدي القيني بأن الأزد والقين لا يجتمعان.\n(قال) عيسى: (قوله) أي رسول الله - ﷺ -: (التصفيح للنساء) (٣) كيفيته أن (تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى).\n\n(١٧٦) (بَابُ الإشارة في الصلاة)\n٩٤٣ - (حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه (٤) ومحمد بن رافع قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبيﷺ - كان يشير في الصلاة) الإشارة المذكورة في هذا الحديث محمولة على الإشارة في الصلاة للحاجة كرد السلام وغيره، ويمكن أن يحمل على (٥) الإشارة بالسبابة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"المروزي\".\n(٣) قيل: التصفيح بالأصبعين للتنبيه، والتصفيق بالجميع للهو، وقيل: التصفيح بظهر أحدهما على الآخر، والتصفيق بباطنها على باطن الآخر، والمشهور عند الشافعية أن يضرب ببطن أحدهما على ظهر الأخرى \"ابن رسلان. (ش).\n(٤) بفتح الشين وضم الموحدة المشددة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) أنكره الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٩٠). (ش).","vol":"4","page":464},{"text":"٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، نَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الأَخْنَسِ،\n===\nفي التشهد، ولكن صنيع المؤلف يدل على أن المراد هاهنا بالإشارة هو الأول، لأنه عقد الباب للإشارة في التشهد فيما بعد قريبًا.\nقال في \"مراقي الفلاح\" (١) في مكروهات الصلاة: ورد السلام بالإشارة، لأنه سلام معنى، وفي \"الذخيرة\": لا بأس للمصلي أن يجيب المتكلم برأسه، ورد الأثر به عن عائشة.\nوقال الطحطاوي في \"حاشيته\": قوله: لا بأس للمصلي أن يجيب، قال الحلواني: لا بأس أن يتكلم مع المصلي وأن يجيب هو برأسه أو بيده، ولو سلم على المصلي يرد في نفسه عنده وبعد الصلاة عند محمد، ولا يرده مطلقًا عند أبي يوسف، انتهى، وذكر الخطابي (٢) والطحاوي أن النبي - ﷺ - رد على ابن مسعود بعد فراغه من الصلاة، كذا في الشرح عن \"مجمع الروايات\"، وهو يؤيد قول محمد، انتهى.\nوالحاصل أن الإشارة المفهمة لرد السلام أو غيره ليست بمفسدة للصلاة.\nقال في \"رد المحتار\" (٣): ولا يفسدها رد السلام بيده خلافًا لمن عزا إلى أبي حنيفة أنه مفسد، فإنه لم يعرف نقله من أحد من أهل المذهب، وإنما يذكرون عدم الفساد بلا حكايه خلاف، بل صريح كلام الطحاوي أنه قول أئمتنا الثلاثة، وصرح في \"المنية\" بأنه مكروه أي تنزيهًا، وفعله ﵊ لتعليم الجواز، فلا يوصف فعله بالكراههّ كما حققه في \"الحلية\"، انتهى.\n٩٤٤ - (حدثنا عبد الله بن سعيد، نا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس) هو يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن\n_________\n(١) (ص ٢٨٤).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"حاشية الطحطاوي\" (ص ٢٨٤): الخطاب، هو الصواب.\n(٣) (٢/ ٤٥٠).","vol":"4","page":465},{"text":"عن أَبِي غَطَفَانَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ\" - يَعْنِي في الصَّلَاةِ -،\n===\nالأخنس الثقفي، (عن أبي غطفان) بفتحات، ابن طريف أو ابن مالك المري (١) بالراء، المدني، قيل: اسمه سعد، ثقة، من كبار الثالثة، قاله الحافظ في \"التقريب\".\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (٢): أبو غطفان بن طريف المدني، ويقال: ابن مالك المري، حجازي، قيل: اسمه سعد، روى عن أبيه طريف بن مالك وسعيد بن زيد بن عمرو وأبي رافع مولى النبي - ﷺ - وأبي هريرة وابن عباس، وعنه عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع وأبي سلمة (٣) بن عبد الرحمن وقارظ بن شيبة الزهري وعمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر ويعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس وإسماعيل بن أمية وغيرهم.\nذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان قد لزم عثمان وكتب له، وكتب أيضًا لمروان، وقال النسائي في \"الكنى\": أبو غطفان ثقة، قيل: اسمه سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال الدوري عن أبي بكر بن داود: أبو غطفان مجهول.\nوقال في \"الميزان\" (٤): أبو غطفان عن أبي هريرة لا يدرى من هو، قال الدارقطني: مجهول، والظاهر أنه أبو غطفان بن طريف المري، وماذا بمجهول قد وثَّقه غير واحد.\n(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: التسبيح للرجال، يعني في الصلاة)، هذا التفسير مذكور في النسخ الموجودة لأبي داود، وليس بموجود في\n_________\n(١) بضم الميم وتشديد الراء. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) (١٢/ ١٩٩).\n(٣) كذا في \"التهذيب\"، والظاهر أبو سلمة. (ش).\n(٤) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٦١).","vol":"4","page":466},{"text":"\"وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ أَشَارَ في صَلَاتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ لَهَا - يَعْني الصَّلَاةَ-\". [قط ٢/ ٨٣، ق ٢/ ٢٦٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ.\n===\nما روى البيهقي عن أبي داود، فالظاهر أنه من بعض الرواة (والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها) أي: فليعد الصلاة لأجل الإشارة (يعني الصلاة) وهذا تفسير للمفعول المقدر ليعد، ولفظ البيهقي: \"ومن أشار في صلاة إشارة تفهم عنه فليعدها\"، فعلى هذا السياق ضمير يعدها راجع إلى الصلاة.\n(قال أبو داود: هذا الحديث وهم) (١) قال الدارقطني بعد تخريج هذا الحديث: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول، وآخر الحديث زيادة في الحديث، ولعله من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبي - ﷺ - أنه كان يشير، وهكذا قال البيهقي في \"سننه\".\nوقال صاحب \"الجوهر النقي\" (٢) في \"باب الإشارة فيما ينوبه\": ذكر في آخره حديثًا عن أبي غطفان، ثم حكى عن ابن أبي داود أن أبا غطفان مجهول، قلت: ابن أبي داود متكلم فيه، وأما أبو غطفان فمعروف، أخرج له مسلم في \"صحيحه\"، وروى عنه جماعة، ووثَّقه ابن معين وغيره، انتهى.\nقلت: وقد حكى مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخنا الكَنكَوهي على قول أبي داود: هذا الحديث وهم: إنما اضطر إلى ذلك لثبوت الإشارة بالصحاح من الروايات مع إطلاق الإشارة في هذه، ولا يبعد أن يحمل أمر الإعادة على الاستحباب، أو يراد بالإشارة ما هي مفسدة لها، فلا يفتقر إذًا إلى الإيهام.\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: من جهة الرواية أيضًا، ومن جهة المعنى أيضًا إذ يخالف الروايات، وقال ابن القيم في \"الهدي\" (١/ ٢٥٩): الحديث باطل، وذكر توثيق الحديث الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٩٠)، والعيني في \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٨٨). (ش).\n(٢) (٢/ ٢٦١).","vol":"4","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>(١٧٧) بَابٌ: في مَسْحِ الْحَصَى في الصَّلَاةِ</span>\n٩٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي الأَحْوَصِ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ يَرْوِيهِ عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى\". [ت ٣٧٩، ن ١١٩١، جه ١٠٢٧، دي ١٣٨٨، حم ٥/ ١٤٩]\n٩٤٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن مُعَيْقِيبٍ\n===\n\n(١٧٧) (بَابٌ: في مَسْحِ الْحَصَى في الصَّلَاةِ)\n٩٤٥ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن أبي الأحوص (١) شيخ من أهل المدينة) مولى بني ليث، ويقال: مولى بني غفار (أنه سمع أبا ذر يرويه عن النبي - ﷺ - قال) النبي: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى) (٢).\nقال في \"مرقاة الصعود\": قال العراقي في \"شرح الترمذي\": تعليل النهي عن مسح الحصى بكون الرحمة تواجهه يدل على أن الحكمة أن لا يشتغل خاطره يشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه من تلك الرحمة، والمراد بالقيام إلى الصلاة الدخول فيها، فلا يكون نهيًا قبل التحريم، انتهى.\n٩٤٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن معيقيب (٣) بقاف وآخره موحدة مصغرًا، ابن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد شمس، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وكان على\n_________\n(١) ولفظ النسائي: \"سمع شيخًا يحدث في مجلس سعيد بن المسيب\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) عن الموضع الذي يصلي فيه، أو الذي تعلق بوجهه. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) ويقال: معيقب بحذف الياء. (ش). [انظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٨/ ٥٢)].","vol":"4","page":468},{"text":"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَمْسَحْ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةَ الْحَصَى\". [خ ١٢٠٧، م ٥٤٦، ن ١١٩٢، ت ٣٨٠، جه ١٠٢٦، حم ٣/ ٤٢٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>(١٧٨) بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي مُخْتَصِرًا </span>(١)\n٩٤٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ (٢)، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،\n===\nخاتم النبي - ﷺ -، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، ولوفي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة علي سنة أربعين.\n(أن النبي - ﷺ - قال: لا تمسح) أي الحصى تسوية لها (وأنت تصلي (٣)، فإن كنت لا بدَّ فاعلًا فواحدة) أي فافعل لتسوية الحصى مرة واحدة، وقال في \"مرقاة الصعود\": مبتدأ حذف خبره، أي تكفيك، أو خبر أي فالمشروع أو الجائز، وأبيح له مرة لئلا يتأذى به في سجود، ومنع من الزائد لئلا يكثر الفعل.\n(تسوية الحصى) هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي، ولم أجد هذا اللفظ عند غير أبي داود من المحدثين الذين أخرجوا هذا الحديث، ولعل هذا اللفظ تفسير للمسح من أبي داود أو غيره من بعض الرواة، خبر مبتدأ محذوف (٤)، تقديره: وهو أي المسح تسوية الحصى، أو يقال: المراد بالمسح تسوية الحصى.\n\n(١٧٨) (بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي مُخْتَصِرًا)\n٩٤٧ - (حدثنا يعقوب بن كعب) يعني الأنطاكي، (ثنا محمد بن سلمة،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب الاختصار في الصلاة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني الأنطاكي\".\n(٣) يدل على أنه لو مسح قبل الصلاة لا بأس به. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) أو مبتدأ مؤخر وواحدة خبر مقدم. (ش).","vol":"4","page":469},{"text":"عن هِشَامٍ، عن مُحَمَّدٍ (١)، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن الاخْتِصَارِ في الصَّلَاةِ\". [خ ١٢٢٠، م ٥٤٥، ت ٣٨٣، ن ٨٩٠، حم ٢/ ٢٣٢، خزيمة ٩٠٨، حب ٢٢٨٥]\n===\nعن هشام) بن حسان، أبو عبد الله القُرْدوسي بضم القاف، (عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الاختصار في الصلاة) وفي رواية البخاري: نهى عن الخصر في الصلاة، وفي الأخرى: نهى أن يصلي الرجل مختصرًا، وفي رواية النسائي: مختصرًا، وفي رواية البيهقي (٢): نهى عن التخصر.\nواختلفوا في تفسير الاختصار، والمشهور في تفسيره أن يضع يده على خاصرته، كذا فسره محمد بن سيرين فيما رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣)، وكذا فسره هشام فيما رواه البيهقي في \"سننه\" عنه.\nوحكى الخطابي وغيره قولًا آخر في تفسيره، وهو أن يمسك بيديه مخصرة، أي عصًا يتوكأ عليها، وأنكره ابن العربي، وعن الهروي في \"الغريبين\" وابن الأثير في \"النهاية\": وهو أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وحكى الهروي أيضًا: وهو أن يحذف في الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها، وقيل: يختصر الآيات التي فيها السجدة في الصلاة حتى لا يسجد لتلاوتها.\nوأما الحكمة في النهي عن الخصر فقيل: لأن إبليس أهبط مختصرًا، وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله، فنهى عنه كراهة للتشبه بهم، وقيل: لأنه راحة أهل النار، وقيل: إنه فعل المختالين والمتكبرين، وقيل: إنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المأتم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سيرين\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٨٧).\n(٣) (١/ ٤٩٨).","vol":"4","page":470},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْيي يَضَعُ (١) يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>(١٧٩) بَابُ الرَّجُلِ يَعْتَمِدُ في الصَّلَاةِ عَلَى عَصًا</span>\n٩٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْوَابِصِيُّ، نَا أَبِي، عن شَيْبَانَ، عن حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ:\n===\nواختلفوا في حكم الخصر في الصلاة، فكرهه ابن عمر وابن عباس وعائشة وإبراهيم النخعي ومجاهد وأبو مجلز وآخرون، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الاختصار في الصلاة عملًا بظاهر الحديث، \"عيني ملخصًا\" (٢).\n(قال أبو داود: يعني يضع يده على خاصرته)، وهذا تفسير من أبي داود للفظ الاختصار، وهو المشهور في تفسيره كما تقدم.\n\n(١٧٩) (بَابُ الرَّجُلِ يَعْتَمِدُ في الصَّلَاةِ عَلَى عَصًا)\n٩٤٨ - (حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي) بموحدة مكسورة ومهملة، قاضي الرقة (٣) ثم بغداد، (نا أبي) هو عبد الرحمن (٤) بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن سعيد الأسدي الرقي، مجهول، (عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم، النحوي، أبو معاوية، ثقة، يقال: إنه منسوب إلى نحوة بطن من الأزد، لا إلى علم النحو.\n(عن حصين بن عبد الرحمن) السلمي أبو الهذيل الكوفي (عن هلال بن يساف) (٥) بكسر التحتانية (قال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أن يضع الرجل\".\n(٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٢٦ - ٦٢٧).\n(٣) للمتوكل \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) له في \"السنن\" هذا الحديث الواحد.\"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) لم ينصرف لوزن الفعل والعلمية. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":471},{"text":"\"قَدِمْتُ الرَّقَّةَ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِي: هَلْ لَكَ في رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ قَالَ: قُلْتُ: غَنِيمَةٌ. فَدَفَعْنَا إِلَى وَابِصَةَ، قُلْتُ (١) لِصَاحِبِي: نَبْدَأُ فَنَنْظُرُ إِلَى دَلِّهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ لَاطِئَةٌ ذَاتُ أُذُنَيْنِ، وَبُرْنُسُ خَزٍّ\n===\nقدمت الرقة) بفتح الراء وفي آخرها القاف المشددة، بلدة (٢) على طرف الفرات، مشهورة من الجزيرة، بت بها ليلة، وإنما سميت الرقة، لأنها على شط الفرات، وكل أرض تكون على الشط فهي تسمى الرقة، قاله السمعاني في \"الأنساب\" (٣).\n(فقال لي بعض أصحابي) وهو زياد بن أبي الجعد كما يدل عليه رواية أحمد في \"مسنده\"، ولفظها: عن هلال بن يساف قال: أراني زياد بن أبي الجعد شيخًا بالجزيرة يقال له: وابصة بن معبد، فأقامني عليه.\n(هل لك) رغبة (في) لقاء (رجل من أصحاب النبي - ﷺ -؟ قال: قلت:) لقاؤه (غنيمة) كبرى (فدفعنا) أي ذهب بنا (إلى وابصة) بن معبد.\n(قلت لصاحبي: نبدأ فننظر إلى دله) بفتح الدال وشدة اللام هو والهدي والسمت عبارة عن حالة الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقهّ واستقامة الهيئة (فإذا عليه) أي لما دخلوا عليه رأوه فإذا عليه (قلنسوة لاطئة) (٤) أي لاصقة بالرأس (ذات أذنين وبرنس خز) البرنس بالضم قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أو جبة أو ممطرًا، \"قاموس\".\nقال في \"المجمع\" (٥) في شرح حديث \"نهى عن ركوب الخز\": الخز المعروف أولًا ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقلت\".\n(٢) من بلاد العراق. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (٢/ ٣٢٠).\n(٤) وبَيَّن ابن رسلان كان له - ﷺ - ثلاث قلانس، ثم بَيَّنَ أنواعها. (ش).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٤).","vol":"4","page":472},{"text":"أَغْبَرُ، وَإِذَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى عَصًا في صَلَاتِهِ، فَقُلْنَا (١) بَعْدَ أَنْ سَلَّمْنَا! فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا أَسَنَّ وَحَمَلَ اللَّحْمَ اتَّخَذَ عَمُودًا في مُصَلَّاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ\". [ق ٢/ ٢٨٨، ك ١/ ٢٦٤]\n===\nوالتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز ما هو المعروف الآن فهو حرام، لأن جميعه من الإبريسم، وعليه يحمل حديث: \"قوم يستحلون الخز والحرير\".\n(أغبر) وهو ما يكون على لون الغبار (وإذا هو معتمد على عصًا في صلاته، فقلنا بعد أن سلمنا) أي لما فرغ من صلاته سلمنا عليه، فتكلمنا في أمر الاعتماد على عصا في الصلاة، وسألناه.\n(فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن أن رسول الله - ﷺ - لما أسن) أي صار كبير السنن (وحمل اللحم) أي كثر لحمه، وهذا اللفظ صريح في كثرة اللحم له لأجل أكبر السنن، وقد جاء في صفته بادن متماسك، أي ضخم يمسك بعض أعضائه بعضًا، وقد قالت عائشة -﵂ -: فلما أسن وأخذ اللحم، فقول بعض العلماء: إن السمن وكثرة اللحم لم يكن من وصفه غير موجه.\n(اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه) أي شيئًا يعتمد عليه في مصلاه، والظاهر أن اتخاذ العمود كان في نوافل التهجد، لأنه - ﷺ - كان يطيل القراءة فيها، والاتكاء على العصا في الصلاة مكروه في الفرض دون النفل.\nقال الطحطاوي في حاشيته على \"مراقي الفلاح\" (٢): ولا شك في كراهة الاتكاء في الفرض بغير ضرورة، كما صرحوا به، لا في النفل مطلقًا على الأصح كما في \"المجتبى\".\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): حديث أم قيس يدل على جواز الاعتماد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقلنا له\".\n(٢) (ص ٢٨٢).\n(٣) (٢/ ٨٢٠).","vol":"4","page":473},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلى العمود والعصا ونحوهما، لكن مقيدًا بالعذر المذكور وهو الكبر وكثرة اللحم، ويلحق بهما الضعف والمرض وغيرهما، فيكون النهي محمولًا على عدم العذر، انتهى.\nونقل مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه مولانا رشيد أحمد - قدَس الله سرّه- في شرح هذا الحديث: وهذا ينبّه على أن القادر على القيام باستعانة شيء من العصا ونحوها لا يعذر عن القيام في جواز الفريضة قاعدًا، انتهى.\nقلت: وقد قال العلَّامة الطحطاوي في حاشيته على \"مراقي الفلاح\" (١): ولو قدر على القيام متكئًا أو معتمدًا على عصًا أو حائط لا يجزيه إلَّا كذلك، خصوصًا على قولهما، فإنهما يجعلان قدرة الغير قدرة له.\nوقال في \"الدر المختار\" (٢): وإن قدر على بعض القيام ولو متكئًا على عصا أو حائط قام لزومًا بقدر ما يقدر ولو قدر آية أو تكبيرة على المذهب، لأن البعض معتبر بالكل، انتهى.\nوقال عليه الشامي: قوله: \"على المذهب\" في شرح الحلواني نقلًا عن الهندواني: لو قدر على بعض القيام دون تمامه، أو كان يقدر على القيام لبعض القراءة دون تمامها، يؤمر بأن يكبر قائمًا ويقرأ ما قدر عليه، ثم يقعد إن عجز، وهو المذهب الصحيح، لا يروى خلافه عن أصحابنا، ولو ترك هذا خفت أن لا تجوز صلاته.\nوفي \"شرح القاضي\": فإن عجز عن القيام مستويًا قالوا: يقوم متكئًا لا يجزيه إلَّا ذلك، وكذا لو عجز عن القعود مستويًا قالوا: يقعد متكئًا لا يجزيه إلَّا ذلك، فقال عن \"شرح التمرتاشي\" ونحوه في \"العناية\" بزيادة:\n_________\n(١) (ص ٣٥٠).\n(٢) (٢/ ٦٨٣ - ٦٨٤).","vol":"4","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>(١٨٠) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْكَلَامِ في الصَّلَاةِ</span>\n٩٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِى عَمْرٍو الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: \"كَانَ أَحَدُنَا يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إِلَى جَنْبِهِ فِى الصَّلَاةِ، فَنَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾\n===\nوكذلك لو قدر أن يعتمد على عصا أو كان له خادم لو اتكأ عليه قدر على القيام، انتهى.\n\n(١٨٠) (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْكَلَامِ (١) في الصَّلَاةِ)\n٩٤٩ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا هشيم، أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو) سعد بن إياس (الشيباني، عن زيد (٢) بن أرقم قال: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة، فنزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣)، قال العيني (٤): والقنوت يرد لمعان كثيرة بمعنى الطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام، وقال ابن بطال: القنوت في هذه الآية بمعنى الطاعة والخشوع لله تعالى، ولفظ الراوي يشعر بأن المراد به السكوت، فحمله على ما يشعر به كلام الراوي أولى وأرجح، لأن المشاهدين للوحي والتنزيل يعلمون سبب النزول، انتهى.\n_________\n(١) تقدم بعض الكلام عليه في \"باب رد السلام في الصلاة\". (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: هاهنا إشكال وهو أن زيدًا هذا الراوي مدني، فالظاهر أن نسخ الكلام بالمدينة، واستدل به عليه مجد الدين بن تيمية، وتقدم في حديث ابن مسعود أنه قدم من الحبشة إلى مكة قبل الهجرة، وجمع بينهما بوجوه، منها أن زيدًا لم يبلغه النسخ بعد، ومنها تكرار النسخ وغير ذلك، بسطه، قلت: وهذا كله يشكل على الشافعية لا على الحنفية. (ش).\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٨.\n(٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٩٠).","vol":"4","page":475},{"text":"فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ\". [خ ١٢٠٠، م ٥٣٩، ت ٤٠٥، ن ١٢١٩، حم ٤/ ٣٦٨]\n===\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (١): قال زين الدين في \"شرح الترمذي\": وذكر ابن العربي أن له عشرة معان، قال: وقد نظمتها في بيتين بقولي:\nولفظ القنوت اعدد معانيه تجد ... مزيدًا على عشر معاني مرضيه\nدعاء خشوع والعبادة طاعة ... إقامتها إقرارنا بالعبوديه\nسكوت صلاة والقيام وطوله ... كذاك دوام الطاعة الرابح الفيه\n(فأمرنا بالسكوت، ونهينا (٢) عن الكلام) ولفظ البخاري: يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، قال الحافظ (٣): والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه، ثم قال الحافظ: قوله: \"حتى نزلت\" ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة، لأن الآية مدنية بالاتفاق، فيشكل ذلك على قول ابن مسعود: إن ذلك وقع لما رجعوا من عند النجاشي، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، انتهى.\nقلت: وقد تقدَّم الجواب عنه عند حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - في \"باب رد السلام في الصلاة\".\nوقال العيني في \"شرحه على البخاري\" (٤): ذكر أبو عمر في \"التمهيد\" أن الصحيح في حديث ابن مسعود أنه لم يكن إلَّا بالمدينة، وبها نهي عن الكلام في الصلاة، وقد روى حديثه بما يوافق حديث زيد بن أرقم، وصحبة زيد لرسول الله - ﷺ - كانت بالمدينة، وسورة البقرة مدنية.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٦٨).\n(٢) استدل به ابن رسلان على أن الأمر بالشئ لا يكون نهيًا عن خلافه وإلَّا فما احتاج إلى ذلك النهي بعد الأمر بالسكوت. (ش).\n(٣) \" فتح الباري\" (٣/ ٧٤).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٩٠).","vol":"4","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>(١٨١) بَابٌ: في صَلَاةِ القَاعِدِ</span>\n٩٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالٍ - يَعْنِي ابْنَ يَسَافٍ -، عن أَبِي يَحْيَى، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: \"حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ - قالَ: \"صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ\"،\n===\n\n(١٨١) (بَابٌ: في صَلَاةِ القَاعِدِ)\n٩٥٠ - (حدثنا محمد بن قدامة بن أعين) الهاشمي المصيصي، (نا جرير، عن منصور، عن هلال -يعني ابن يساف-، عن أبي يحيى) الأعرج معرقب، وإنما قيل له المعرقب، لأن الحجاج أو بشر بن مروان عرض عليه سب علي -﵁ - فأبى، فقطع عرقوبه، واسمه مصدع بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه، الأنصاري، يقال: مولى ابن عفراء.\n(عن عبد الله بن عمرو قال: حدثت) بصيغة المجهول، أي حدثني الصحابة -﵃- (أن رسول الله - ﷺ - قال: صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة) معناه إذا صلَّى الرجل قائمًا فله أجر تام، وأما إذا صلى قاعدًا فله نصف الأجر بالنسبة إلى صلاته قائمًا، حمله أكثر العلماء على الصلاة النافلة، فتجوز قاعدًا من غير عذر.\nقال في \"الدر المختار\" (٢): ويتنفل مع قدرته على القيام قاعدًا لا مضطجعًا إلَّا بعذر ابتداءً، وكذا بناء بعد الشروع بلا كراهة في الأصح، كعكسه \"بحر\"، وفيه أجر غير النبي - ﷺ - على النصف إلَّا بعذر.\nوقال النووي (٣) في شرح قول عائشة -﵂ -: وإذا صلَّى\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) (٢/ ٥٨٤).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٦٧).","vol":"4","page":477},{"text":"فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ: \"مَا لَكَ يَا عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو؟ \" قلت: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ: \"صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ\"، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا؟ قَالَ؟ \"أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ\". [م ٧٣٥، ن ١٦٥٩، جه ١٢٢٩، دي ١٣٨٤، ط ١/ ١٣٦/ ١٩]\n===\nقاعدًا ركع قاعدًا: فيه جواز التنفل قاعدًا، وكذلك جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام، وبعضها من قعود، وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وعامة العلماء، سواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام، ومنعه بعض السلف، وهو غلط.\n(فأتيته فوجدته يصلي جالسًا، فوضعت يدي على رأسي) (١) وفي نسخة: على رأسه (٢) بضمير الغائب، وهكذا في رواية مسلم بضمير الغائب (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (مالك) أي ما شأنك وما عرض لك (يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حُدِّثْتُ يا رسول الله أنك قلت: صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة، وأنت تصلي قاعدًا؟) أي كيف اخترت نقصان الأجر مع شدة حرصك على تكثيره؟\nقال النووي (٣): وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام، فلا ينتقص ثوابه، بل يكون ثوابه كثوابه قائمًا، وأما الفرض فإن صلاته قاعدًا مع قدرته على القيام لم يصح فلا يكون فيه ثواب، بل يأثم به، قال أصحابنا: وإن استحله كُفِّرَ، وجرت عليه أحكام المرتدين، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، انتهى ملخصًا.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (أجل) أي نعم قلت ذلك، ولكن هذا الحكم مختص بالأمة (ولكني لست كأحد منكم) فصلاتي النافلة قاعدًا في تمام الأجر\n_________\n(١) تعجبًا. (ش).\n(٢) والظاهر أن الضمير إلى النبي - ﷺ -، قال ابن رسلان: ويحتمل أن يكون مجيئه في الليل، ولم تكن مصابيح، فوقع يده على رأسه، كما يدل عليه قول مالك ... إلخ. (ش).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٦٨).","vol":"4","page":478},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكصلاتي (١) قائمًا، فهذا من خصائصه - ﷺ -، فجعلت نافلته قاعدًا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا تشريفًا له كما خص لأشياء (٢) معروفة.\nولكن يشكل هذا بما سيأتي في رواية عمران بن حصين من قوله: وصلاته نائمًا على النصف من صلاته قاعدًا، فإنه يقتضي أن يكون هذا الحكم لغير المعذور، والصلاة النافلة مضطجعًا لا تجوز عند الأئمة.\nقال الخطابي (٣): كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوع يعني للقادر، لكن قوله: \"من صلَّى نائمًا\" يفسده، لأن المضطجع لا يصلي التطوع كما يفعل القاعد، لأني ما أحفظ عن أحد (٤) من أهل العلم أنه رخص في ذلك، قال: فإن صحت هذه الرواية ولم يكن بعض الرواة أدرجها قياسًا منه للمضطجع على القاعد، كما يتطوع المسافر على راحلته، فالتطوع للقادر على القعود مضطجعًا جائز بهذا الحديث، قاله الحافظ (٥).\nوقال الشامي (٦): قوله: لا مضطجعًا، وكذا لو شرع منحنيًا قريبًا من الركوع لا يصح \"بحر\"، وما ذكره من عدم صحة التنفل مضطجعًا عندنا بدون عذر، نقله في \"البحر\" عن الأكمل في شرحه على \"المشارق\"، وصرَّح به في \"النتف\"، وقال الكمال في \"الفتح\": لا أعلم الجواز في مذهبنا، وإنما يسوغ في الفرض حالة العجز عن القعود، لكن ذكر في \"الإمداد\": أن في \"المعراج\" إشارة إلى أن في الجواز خلافًا عندنا كما عند الشافعية، انتهى.\n_________\n(١) ووجهه أن النوافل كانت فريضة عليه أي في الأجور. (ش).\n(٢) واختاره ابن رسلان تبعًا للنووي، وقال عياض: لأن النبي - ﷺ - حين حطمه الناس فصار معذورًا، وردَّه النووي لأنه لا تخصيص بعد، قلت: ويحتمل عندي أن أكثر النوافل كانت واجبة عليه - ﷺ -. (ش).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٣٢٦).\n(٤) وسيأتي عن الشافعية، فتأمل. (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٥).\n(٦) \"رد المحتار\" (٢/ ٥٨٤).","vol":"4","page":479},{"text":"٩٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِىَّ -ﷺ- عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، فَقَالَ: «صَلَاتُهُ قَائِمًا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، وَصَلَاتُهُ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ (١) مِنْ صَلَاتِهِ قَائِمًا، وَصَلَاتُهُ نَائِمًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا». [خ ١١١٥، ت ٣٧١، ن ١٦٦٠، جه ١٢٣١، حم ٤/ ٤٣٣، خزيمة ١٢٣٦، حب ٢٥١٣]\n===\n٩٥١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن حسين) بن ذكوان (المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين أنه سأل النبي - ﷺ - عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (صلاته قائمًا أفضل (٢) من صلاته قاعدًا، وصلاته قاعدًا على النصف من صلاته قائمًا، وصلاته نائمًا) أي مضطجحًا (على النصف من صلاته قاعدًا).\nقال الحافظ (٣): سؤال عمران عن الرجل خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، بل الرجل والمرأة في ذلك سواء، وقد تقدم البحث فيه فيما تقدم قريبًا، قلت: ويمكن أن يحمل الحكم بتنصيف الأجر قاعدًا على الفرض أيضًا.\nقال الحافظ (٤) نقلًا عن الخطابي: وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم ترغيبًا في القيام مع جواز (٥) قعوده، انتهى،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نصف\".\n(٢) لعله قال: هذا قبل أن يوحى إليه أنه على النصف منه. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \" فتح الباري\" (٢/ ٥٨٦).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٥).\n(٥) ويؤيد ذلك ما في \"الزرقاني\" عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أصابت الحمى الصحابة حتى جهدوا مرضًا حتى ما كانوا يصلون إلَّا وهم قعود، فخرج رسول الله - ﷺ - وهم يصلون كذلك فقال: اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم =","vol":"4","page":480},{"text":"٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَ بِىَ النَّاصُورُ (١)\n===\nوهو حمل متجه، ويمكن أن يقال: إنه - ﷺ - أخبر أولًا بتنصيف أجر المصلي قاعدًا في الفرض، ثم أخبر بتمام أجره رحمة منه وفضلًا.\nوأما قول الحنفية وغيرهم بعدم جواز التطوع مضطجعًا (٢)، لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، فتجوز قاعدًا بخلاف الاضطجاع، فإنه ليس من أشكال الصلاة، فلا تجوز مضطجعًا على خلاف هذا الحديث، فإنه مبني على أن هذا القول مبناه على القياس، وأما الاستحسان بدليل هذا الحديث، فمقتضاه الجواز، وإذا تعارض الاستحسان والقياس يرجح الاستحسان كما هو مصرح في الأصول.\n٩٥٢ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة) أي عبد الله، (عن عمران بن حصين قال: كان بي الناصور) بالنون والصاد المهملة، وفي نسخة على الحاشية: الباسور بالباء الموحدة والسين المهملة، ويؤيد الثاني ما في البخاري: \"قال: كان بي بواسير\"، وفي رواية له: \"وكان مبسورًا\"، والباسور بالموحدة جمعه\n_________\n= فتجشموا القيام، أي تكلفوه على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل. كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٧٤). (ش).\n(١) وفي نسخة: \"الباسور\".\n(٢) قال ابن رسلان: زعم السهيلي أن الخطابي وابن عبد البر قالا: أجمعت الأمة على المنع من ذلك. انتهى. والأصح عند الشافعية أن للقادر النفل مضطجعًا هذا الحديث، ونقله الترمذي عن الحسن. والقول الثاني أنه لا يجوز، وبسطه. وكذا قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٨٨)، وقال: حكى العياض فيه خلافًا للمالكية، وأجاب السندي على البخاري بأن الحديث لا تعلق له بالصحة وعدمها، بل غرضه بيان القاعدة، وقولهم: إن المعذور لا ينقص أجره ممنوع، إلى آخر ما قاله. (ش).","vol":"4","page":481},{"text":"فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ، فَقَالَ: \"صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ\". [خ ١١١٧، ت ٣٧، جه ١٢٢٣، حم ٤/ ٤٢٦]\n===\nبواسير، وهو ورم في باطن المقعدة، والذي بالنون والصاد المهملة، قرحة فاسدة لا تقبل البرء ما دام فيها ذلك الفساد.\n(فسألت النبي - ﷺ -) أي عن الصلاة في هذه الحالة (فقال: صلِّ قائمًا) والظاهر أنه سأله - ﷺ - عن صلاة الفرض في حالة المرض والعذر، فأجابه - ﷺ - بأن المصلي إذا أطاق القيام صلَّى قائمًا، لأن القيام فرض فيه لا تجوز الصلاة بتركه إلَّا من عذر (فإن لم تستطع) أي: القيام لأجل المرض والعذر (فقاعدًا) أي فصل قاعدًا بركوع وسجود، وإن لم يستطع الركوع والسجود فيومئ لهما إيماء (فإن لم تستطع) أي القيام والقعود (فعلى جنب) (١) أي: فصل مضطجعًا على جنب مستقبل القبلة بوجهه.\nقال الحافظ (٢): وهو حجة للجمهور في الانتقال من القعود إلى الصلاة على الجنب، وعن الحنفية وبعض الشافعية يستلقي على ظهره ويجعل رجليه إلى القبلة، ووقع في حديث علي أن حالة الاستلقاء تكون عند العجز عن حالة الاضطجاع.\nواستدل به من قال: لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالة أخرى كالإشارة بالرأس، ثم الإيماء بالطرف، ثم إجراء القرآن والذكر على اللسان، ثم على القلب لكون جميع ذلك لم يذكر في الحديث، وهو قول الحنفية والمالكية وبعض الشافعية، وقال بعض الشافعية بالترتيب المذكور، وجعلوا مناط الصلاة حصول العقل، فحيث كان حاضر العقل لا يسقط التكليف بها، فيأتي بما يستطيعه بدليل قوله - ﷺ -: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\"، هكذا استدلَّ به الغزالي.\n_________\n(١) زاد النسائي: فإن لم نستطع فمستلق، واستدركه الحاكم، قال الحافظ: هو وهم، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٨).","vol":"4","page":482},{"text":"٩٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِى شَىْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا قَطُّ، حَتَّى دَخَلَ فِى السِّنِّ، فَكَانَ يَجْلِسُ فِيهَا، فَيَقْرَأُ حَتَّى إِذَا بَقِىَ أَرْبَعُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ (١) آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ سَجَدَ\". [خ ١١١٨، م ٧٣١، ن ١٦٤٦، جه ١٢٢٧]\n===\n٩٥٣ - (حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس) الكوفي التميمي اليربوعي، ثقة حافظ، (نا زهير، نا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة) -﵂- (قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - يقرأ) أي القرآن (في شيء من صلاة الليل جالسًا قط) قال في القاموس: وما رأيته قَطُّ، ويضم ويخففان، وقَطٍّ مشددة مجرورة بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري، انتهى، ثم قال: وإذا أردتَ بِقَطْ الزمانَ، فمرتفع أبدًا غيرُ مُنَوَّنٍ: ما رأيت مثلَه قَط.\n(حتى دخل في السن) أي دخل في الشيب (فكان) أي رسول الله - ﷺ - (يجلس فيها) أي في صلاة الليل (فيقرأ) أي القرآن جالسًا (حتى إذا بقي أربعون أو ثلاثون آية قام (٢) فقرأها) أي الآيات الباقية (ثم سجد) أي ثم ركع ثم سجد، ويدل عليه رواية البخاري، ولفظها: \"حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم يركع\"، وفي أخرى له: \"فإذا بقي من قراءته نحو من ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع ثم سجد\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أربعين أو ثلاثين\"، وفي نسخة: \"بَقَّى أربعين أو ثلاثين\".\n(٢) فيه جواز الانتقال من الجلوس إلى القيام، وبالعكس، وبكليهما قال جمهور الفقهاء: مالك والشافعي وأبو حنيفة، وكره أبو يوسف ومحمد القعود لمن افتتح قائمًا \"ابن رسلان\"، وحكى الطحاوي عن قوم كراهة عكسه كما سيأتي.\nقال المناوي في \"شرح الشمائل\" (٢/ ٧٩): فيه أن من انتقل للقيام لا يقرأ حال نهوضه بخلاف عكسه، فيقرأ حال الهوي، وبه صرَّح الشافعية في فرض المعذور، ويجوز في النفل حال النهوض والهوي، لكن الأفضل القراءة هاويًا لا ناهضًا، انتهى. (ش).","vol":"4","page":483},{"text":"٩٥٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِى النَّضْرِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ-: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِىَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ، فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ\". [خ ١١١٩، م ٧٣١، وانظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ (١) عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، عن عَائِشَةَ عن النَبِيَّ - ﷺ - نَحْوَهُ.\n===\n٩٥٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك) أي الإِمام، (عن عبد الله بن يزيد) المخزومي المدني المقرئ، الأعور، أبو عبد الرحمن مولى أسود بن سفيان، وثَّقه أحمد وابن معين والنسائي وأبو حاتم والعجلي (وأبي النضر) سالم بن أبي أمية التميمي المدني، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت.\n(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف، (عن عائشة زوج النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - كان يصلي جالسًا) (٢) أي في آخر عمره الشريف لما كبر وأسن (فيقرأ وهو جالس) قراءة طويلة (فإذا بقي من قراءته) أي القدر الذي يريد أن يقرأها (قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام، فقرأها) أي القراءة الباقية (وهو قائم، ثم ركع ثم سجد) أي للركعة الأولى (ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك) أي يقرأ قراءة طويلة قاعدًا، فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها قائمًا، ثم ركع ثم سجد للركعة الثانية.\n(قال أبو داود: ورواه علقمة بن وقاص) بفتح الواو وتشديد القاف ابن محصن بن كلدة الليثي العتواري المدني، (عن عائشة عن النبي - ﷺ - نحوه)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"روى\".\n(٢) قال ابن رسلان: أي متربعًا، وهو المستحب عندنا. (ش).","vol":"4","page":484},{"text":"٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ وَأَيُّوبَ يُحَدِّثَانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا. [م ٧٣٠، ن ١٦٤٧، جه ١٢٢٨، وانظر سابقه]\n===\nأخرج هذا التعليق مسلم في \"صحيحه\" (١) موصولًا، حدثنا ابن نمير قال: نا محمد بن بشر قال: نا محمد بن عمرو قال: حدثني محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص قال: قلت لعائشة -﵂ -، الحديث (٢).\n٩٥٥ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد قال: سمعت بديل بن ميسرة) العقيلي (وأيوب) السختيانى (يحدثان عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي ليلًا طويلًا) أي زمانًا طويلًا من الليل (قائمًا، وليلًا طويلًا) أي زمانًا طويلًا من الليل (قاعدًا).\nوفي معنى هذا الكلام احتمالان: أحدهما: أنه - ﷺ - يصلي في الليل زمانًا طويلًا قائمًا، ويصلي في ذلك الليل زمانًا طويلًا قاعدًا، فيجمع في صلاته سن القيام والقعود في ليل واحد، والثاني: أنه - ﷺ - يصلي صلاة في الليل زمانًا طويلًا قائمًا، وفي ليل آخر زمانًا طويلًا قاعدًا.\nقال القاري: قال في \"المفاتيح\": يعني يصلي صلاة كثيرة من القيام والقعود، أو يصلي ركعات مطولة في بعض الليالي من القيام، وفي بعضها من القعود، انتهى.\n(فإذا صلَّى قائمًا ركع قائمًا) أي لا يقعد قبل الركوع (وإذا صلَّى قاعدًا ركع قاعدًا) أي لا يقوم للركوع، قال القاري (٣): قال الطحاوي: ذهب قوم إلى\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٧٣١).\n(٢) قلت: وصل المصنف أيضًا هذا التعليق في \"كتاب التطوع، باب صلاة الليل\" (١٣٥١).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢١٩).","vol":"4","page":485},{"text":"٩٥٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ السُّوَرَ (١) في رَكْعَةٍ؟\n===\nكراهة الركوع قائمًا لمن افتتح الصلاة قاعدًا، وخالفهم آخرون، فلم يروا به بأسًا، لأنه انتقال إلى أفضل، وحجتهم ما روي بأسانيد عن عائشة -﵂ - أنها لم تر رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسنَّ، فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام، فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية، ثم ركع، ففي هذا الحديث أنه كان يركع قائمًا فهو أولى، لأنه أثبت الركوع قائمًا، ومن أثبت الركوع قاعدًا لا ينفي هذا، لأنه قد يفعل الركوع قاعدًا في حال وقائمًا في حال، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - ﵏-، وهذا الحديث بظاهره مخالف للأحاديث المتقدمة، والجواب عنه أن هذا الاختلاف محمول على اختلاف الأوقات، وحديث عبد الله بن شقيق عن عائشة - ﵂ - برواية خالد عنه يأتي قريبًا مطولًا في تفريع أبواب التطوع.\n٩٥٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، أنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة أكان رسول الله - ﷺ - يقرأ السور في ركعة؟) وفي بعض النسخ: السورة بالإفراد، والأول أولى وأصح، ويؤيده ما روى البيهقي (٢) من طريق يزيد بن زريع، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة هل كان رسول الله - ﷺ - يقرن بين السور؟ قالت: من المفصل، وفي أخرى له: أنه قال: بين السورتين.\nوكذا أخرج الطحاوي (٣) من طريق عثمان بن عمر قال: أنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله - ﷺ - يقرن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"السورة\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٦٠).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٤٥).","vol":"4","page":486},{"text":"قَالَتْ: الْمُفَصَّلَ. قَالَ: قُلْتُ: فَكَانَ (١) يُصَلِّي قَاعِدًا؟ قَالَتْ: حِينَ حَطَمَهُ النَّاسُ\". [م ٧٣٢، حم ٢/ ١٧١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>(١٨٢) بَابٌ كَيْفَ الْجُلُوسُ في التَّشَهُّدِ</span>\n===\nالسور؟، قالت: المفصل، ورواية البيهقي والطحاوي تدل على أن لفظ يقرن بالنون، وهذا أولى بما في أبي داود بالهمزة في آخره.\n(قالت: المفصل) أي يقرأ السور المتعددة من المفصل في ركعة واحدة، والمفصل من \"الحجرات\" أو من \"ق\" إلى آخر القرآن، ولعلَّه إشارة إلى ما سيأتي في باب تحزيب القرآن من حديث عبد الله بن مسعود، لكن النبي - ﷺ - كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة، وأما على نسخة الإفراد فمعناه هل يقرأ السورة الواحدة في ركعة؟، فأجابت بأنه - ﷺ - يقرأ سورة من المفصل، أو يقال: معناه يقرأ السورة مع سورة أخرى في ركعة.\n(قال) أي عبد الله بن شقيق: (قلت: فكان يصلي قاعدًا؟) بحذف حرف الاستفهام، وهذا سؤال ثان سألها، أي هل كان رسول الله - ﷺ - يصلي التطوع قاعدًا؟ (قالت: حين حطمه الناس)، قال النووي (٢): قال الهروي (٣) في تفسيره: يقال: حطم فلانًا أهله إذا أكبر فيهم، كأنه لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيَّروه شيخًا محطومًا، والحطم كسر الشيء اليابس.\n\n(١٨٢) (بَابٌ كَيْفَ الْجُلُوسُ في التَّشَهُّدِ)\nاختلف الأئمة في كيفية الجلوس في التشهد، فعند بعضهم: يتورك في التشهدين، وهو أن ينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى ويجلس على وركه اليسرى، وهذا قول مالك - رحمه الله تعالى- وغيره، وقال الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى-: هذا التورك في التشهد الآخر، وأما الجلوس في التشهد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٦٧).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"شرح صحيح مسلم\" للنووي: الراوي.","vol":"4","page":487},{"text":"٩٥٧ - حَدَّثَنَا (١) مُسَدَّدٌ، نَا بشر بْن الْمُفَضَّل، عَنْ عَاصِمٍ بن كُلَيْب، عَنْ أَبيهِ، عَن وَائِل بْن حُجْر قَالَ: قُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَوةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كيْفَ يُصلِّي، فَقَامَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَاستَقْبَلَ الْقِبْلَة، فَكَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا بِأُذُنيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِه، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْل ذلِكَ، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْله الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخذِهِ الْيُسْرَى وَحَدَّ\n===\nالأول وغيره من الجلسات فهو الافتراش، وهو أن يفرش رجله اليسرى ويقعد عليها وينصب اليمنى، فقال بالتورك في التشهد الأخير (٣)، وقال الحنفية بالافتراش في التشهدين الأول والثاني.\n٩٥٧ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب بن شهاب، (عن وائل بن حجر) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم (قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله - ﷺ - كيف يصلي، فقام رسول الله - ﷺ - فاستقبل القبلة، فكبر) أي للتحريمة (فرفع يديه حتى حاذتا) أي قابلتا (بأذنيه، ثم أخذ شماله) أي يده اليسرى (بيمينه) أي بيده اليمنى (فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك) أي محاذيًا بأذنيه (قال) أي وائل بن حجر: (ثم جلس فافترش رجله اليسرى) أي ثم قعد عليها (ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحد).\nقال في \"المجمع\" (٤): وحد مرفقه أي رفعه عن فخذه، والحد: المنع والفصل بين الشيئين، ثم قال: يحتمل كون \"حد\" مرفوعًا مضافًا إلى المرافق على الابتداء، و\"على فخذه\" خبره، والجملة حالية، وكونه منصوبًا عطفًا على\n_________\n(١) هذا الحديث مكرَّر مَرَّ في باب رفع اليدين. (ش).\n(٢) وفي نسخة: \"قال: فقام\".\n(٣) قلت: هذا مذهب أحمد، وأما الشافعي فقال بالتورك في تشهد السلام، كذا في \"الأوجز\" (٢/ ٢٠١). (ش).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٧٢).","vol":"4","page":488},{"text":"مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى (١) عَلَى فَخذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثنْتَيْنِ وَحَلَّقَ\n===\nمفعول وضع، أي وضع يده اليسرى ووضع حد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، وقال نقلًا عن \"المفاتيح\": وَحَّدَ أي جعله منفردًا عن فخذه، أي رفعه عنه فجعله من التوحيد.\nقلت: هكذا هذا اللفظ بالواو والحاء المهملة آخره قال مهملة في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا، ولكن أخرج هذا الحديث البيهقي (٢) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، وفيه: ووضع مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى.\nوكذا أخرجه الطحاوي (٣) من طريق أبي الأحوص وخالد عن عاصم، وفيه أيضًا: ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى.\nوأخرج الدارقطني (٤) من طريق سفيان بن عيينة عن عاصم بن كليب، وفيه: ووضع يده اليمنى على فخذه الأيمن، ويده اليسرى على فخذه الأيسر.\nوأخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٥) من طريق عبد الواحد حدثنا عاصم بن كليب، وفيه: ووضع حد مرفقه على فخذه اليمنى، وأيضًا أخرج من طريق زائدة ثنا عاصم، وفيه: وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وهكذا في رواية زهير بن معاوية عن عاصم بلفظ: ثم وضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى.\n(مرفقه) قال في \"القاموس\": والمرفق كمنبر ومجلس: موصل الذراع في العضد (اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين) الخنصر (٦) والبنصر (وحلق\n(١) وفي نسخة: \"مرفقه الأيمن\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٧٢).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥٩).\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٩٠).\n(٥)، مسند أحمد\" (٤/ ٣١٦).\n(٦) كما هو مصرح في رواية البيهقي. (ش).","vol":"4","page":489},{"text":"حَلْقَة وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا، وَحَلَّقَ بشرٌ الإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَة. [تقدَّم برقم ٧٢٤]\n٩٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِىَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى\". [خ ٨٢٧، ط ١/ ٨٩/ ٥١]\n===\nحلقة) (١) أي بالإبهام والوسطى (ورأيته يقول) أي يشير (هكذا، وحلق بشر الإبهام والوسطى، وأشار بالسبابة) وقد تقدَّم قريبًا ما يتعلق بكيفية الجلوس في التشهد، وما يتعلق بالإشارة بالسبابة بقدر ما يليق بهذا المختصر.\nإلى هاهنا تم أحاديث \"باب كيف الجلوس في التشهد\" في النسخة المصرية والكانفورية، وكذا في متن النسخة المكتوبة، ولكن على حاشيتها زيدت خمسة أحاديث فنذكرها تتميمًا للفائدة (٢).\n٩٥٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) أي الإِمام، (عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله) بن عمر، (عن ابن عمر قال: سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى).\nوقد أخرج الطحاوي (٣) هذا الحديث (٤): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب أن مالكًا حدثه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس، قال: ففعلته\n_________\n(١) وفي كيفية التحليق وجهان: الأول: أن يحلق برؤوسهما، والثاني: أن يضع رأس الوسطى بين أنملتي الإبهام. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) الأحاديث من (٩٥٨ حتى ٩٦٢) ذكرها المزي في \"تحفة الأشراف\" (٥/ ٢٦٢) رقم (٧٢٦٩)، وقال: وحديث أبي داود في رواية أبي عيسى الرملي، عنه، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥٧).\n(٤) أخرجه البخاري أيضًا. (ش).","vol":"4","page":490},{"text":"٩٥٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: \"مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تُضْجِعَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى وَتَنْصِبَ الْيُمْنَى. [ن ١١٥٧]\n===\nيومئذٍ وأنا حديث السنن، فنهاني عبد الله بن عمر وقال: إنما سنَّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت له: فإنك تفعل ذلك، فقال: إن رجلي لا تحملاني، وقد أخرجه مالك - ﵀- في \"موطئه\"، ولم يبين في هذا الحديث ما يصنع بعد ثني الرجل اليسرى، هل يجلس فوقها أو يتورك؟ وقد بين ذلك في رواية القاسم اللاحقة المخرجة في \"الموطأ\" أنه يجلس على وركه الأيسر لا فوقها، ولم يبين في حديث أبي داود.\nولفظ مالك هكذا: مالك عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك، فتبين (١) من رواية القاسم ما أجمل في رواية ابنه عبد الرحمن.\n٩٥٩ - (حدثنا ابن معاذ) أي عبيد الله، (نا عبد الوهاب) لعله الثقفي (قال: سمعت يحيى) أي ابن سعيد الأنصاري (قال: سمعت القاسم) أي ابن محمد بن أبي بكر (يقول: أخبرني عبد الله بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: من سنَّة الصلاة (٢) أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى).\n_________\n(١) قاله الزرقاني، وأنت خبير بأن هذا لا يصح أن يكون تفسيرًا له، كما في \"الأوجز\" (٢/ ٢١٦). (ش).\n(٢) اختلف الأئمة في الأفضل للمتطوع القاعد، فعن مالك وأحمد التربع، وعن الشافعي والحنفية الافتراش، كما بسطته في \"الأوجز\" (٢/ ٢١٧)، واستدللت عليها بهذا الأثر فتأمل، ولم أره لأحد. (ش).","vol":"4","page":491},{"text":"٩٦٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن يَحْيَى بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن يَحْيَى أَيْضًا: \"مِنَ السُّنَّةِ\" كَمَا قَالَ جَرِيْرٌ. [تقدم في الحديث السابق]\n٩٦١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمُ الْجُلُوسَ في التَّشَهُّدِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n٩٦٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن وَكِيع، عن سفْيَانَ، عن الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا جَلَسَ في الصَّلَاةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْوَى ظَهْرُ قَدَمِهِ\"، وفِي أُخْرَى: \"اسْوَدَّ\" بدل \"أَشْوَى\".\n===\n٩٦٠ - (حدثنا عثمان بن أبو شيبة، نا جرير) أي ابن عبد الحميد، (عن يحيى) أي ابن سعيد الأنصاري (بإسناده مثله) أي مثل الحديث المتقدم (قال أبو داود: قال حماد بن زيد، عن يحيى أيضًا: \"من السنَّة\" كما قال جرير) أي: في الحديث المتقدم.\n٩٦١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فذكر) أي: القعنبي (الحديث).\n٩٦٢ - (حدثنا هناد بن السري، عن وكيع، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم) أي: النخعي (قال: كان النبي - ﷺ - إذا جلس في الصلاة افترش رجله اليسرى حتى أشوى ظهر قدمه، وفي أخرى اسوَدَّ بدل أشوى)، ولعل لفظ \"اسودَّ\" هو الصحيح، ولفظ \"أشوى\" لا معنى يناسب له هاهنا (١).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"استوى\"، وفي \"تحفة الأشراف\" للمزي: \"حتى يستوي\".","vol":"4","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>(١٨٣) بَابُ مَنْ ذَكرَ التَّوَرُّكَ في الرَّابِعَةِ</span>\n٩٦٣ - حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ- يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ -. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ- يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ (٢) -، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُهُ في عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ الله - ﷺ - (٣). وَقَالَ أَحْمَدُ: قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاَءٍ\n===\n\n(١٨٣) (بَابُ مَنْ ذَكَرَ التَّوَرُّكَ في الرَّابِعَةِ)\n٩٦٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، أنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر-، ح: ونا مسدد، نا يحيى، نا عبد الحميد -يعني ابن جعفر-، حدثني محمد بن عمرو، عن أبي حميد الساعدي) صحابي مشهور، اسمه عبد الرحمن، وقيل: منذر بن سعد بن المنذر، وقيل: اسم جده مالك، وقيل: هو عمرو بن سعد بن المنذر بن سعد بن خالد، شهد أحدًا وما بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد سنة ستين.\n(قال) أي محمد بن عمرو: (سمعته) أي أبا حميد الساعدي (في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - (حال من مفعول سمعته، أي سمعت أبا حميد الساعدي حال كونه في عشرة (٤) من أصحاب رسول الله.\n(وقال أحمد) أي ابن حنبل بسنده: (قال) أي عبد الحميد بن جعفر: (أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء) فزاد لفظ ابن عطاء، وهو اسم جد محمد بن عمرو ليمتاز عن محمد بن عمرو بن حلحلة، وليست هذه الزيادة في سند حديث مسدد.\n_________\n(١) والحديث مكرَّر مرَّ في \"باب افتتاح الصلاة\". (ش).\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٤) وهل كان أبو حميد بنفسه من العشرة أو خارجًا منهم؟ محتمل، كذا قال العيني. [انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٧٤)]. (ش).","vol":"4","page":493},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ في عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللَّه - ﷺ - مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ.\n===\n(قال: سمعت (١) أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - منهم أبو قتادة) اسمه الحارث بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة، السلمي المدني، فارس رسول الله - ﷺ -، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، توفي بالكوفة سنة أربع وخمسين، وقال الطحاوي (٢): إن أبا قتادة قتل مع علي (٣) وصلَّى عليه علي -رضي الله تعالى عنه -.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): قال: وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة، وعلي بها، وصلّى عليه، وحكى خليفة أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين وهو شاذ، والأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين.\nثم قال الحافظ: قال ابن عبد البر: روي من وجوه عن موسى بن عبد الله والشعبي أنهما قالا: صلَّى علىٌّ على أبي قتادة وكبَّر عليه سبعًا، قال الشعبي: وكان بدريًا، ورجح هذا ابن القطان، ولكن قال البيهقي: رواية موسى والشعبي غلط لإجماع أهل التاريخ على أن أبا قتادة بقي إلى بعد الخمسين.\nقلت: ولأن أحدًا لم يوافق الشعبي على أنه شهد بدرًا، والظاهر أن الغلط فيه من دون الشعبي، وقال في \"الجوهر النقي\" (٥): قال القطان ما ملخصه: فيجب التثبت في قوله: فيهم أبو قتادة، فإن أبا قتادة قتل مع علي وهو صلَّى عليه، هذا هو الصحيح (٦)، وقتل علي سنة أربعين، انتهى.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: أورد على الحديث بوجهين: الأول: الانقطاع لأنه روي بواسطة عياش أيضًا، والثاني: ذكر أبي قتادة فيه ... إلخ، ثم أجاب عنها. (ش).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٦١).\n(٣) وبه قال ابن القطان. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) (١٢/ ٢٠٤).\n(٥) (٢/ ٦٩).\n(٦) وكذا صحَّحه ابن عبد البر كما في \"العيني\". (ش).","vol":"4","page":494},{"text":"قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: \"أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالُوا: فَاعْرِضْ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ إِذَا سَجَدَ (١)، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ وَيَثْنِى رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَصْنَعُ فِى الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِى فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى\n===\n(قال أبو حميد) أي لأصحاب رسول الله - ﷺ - الموجودين عنده: (أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ -) وقد تقدم هذا الحديث بهذا السند في \"باب افتتاح الصلاة\"، وفيه: \"قالوا: فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعة، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى\"، وقد أسقطه هاهنا (قالوا: فاعرض) بهمزة الوصل من عرض يعرض، أي: أظهر وأبرز.\n(فذكر الحديث، قال) أي أبو حميد: (ويفتخ) الفتخ لين واسترسال في جناح الطائر، أي: يلين (أصابع رجليه إذا سجد) ليوجهها نحو القبلة (ثم يقول: الله أكبر ويرفع) أي رأسه من السجود (وبثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يصنع في الأخرى) أي في الركعة الأخرى (مثل ذلك) أي ما فعل في الركعة الأولى من رفع اليدين ثم التكبير ثم القراءة ثم التكبير ثم رفع اليدين ثم الركوع إلى آخرها (فذكر الحديث) وهذا قول أبي داود، يقول: فذكر أحمد بن حنبل الحديث.\n(قال) أي أبو حميد: (حتى إذا كانت السجدة التي فيها) أي بعدها (التسليم)، وهي السجدة التي في آخر الركعة الرابعة، أو المراد بالسجدة الركعة مجازًا (أخر رجله اليسرى) أي بَعَّدها وأزالها عن الورك إلى جانب الأيمن، وليس لفظ: \"أخَّر\" هذا مقابلًا لما يأتي في حديث الليث من لفظ: \"قدم رجله اليسرى\"، حتى يتخالف الحديثان، بل معناه بَعَّدَ وأزال، كما في الحديث: \"أخر يدك عن لحية رسول الله - ﷺ -\"، و\"أخر عني يا عمر\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ثم يقر\".","vol":"4","page":495},{"text":"وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ. زَادَ أَحْمَدُ: قَالُوا: صَدَقْتَ، هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي، وَلَمْ يَذْكُرَا في حَدِيثِهِمَا الْجُلُوسَ في الثِّنْتَيْنِ كَيْفَ جَلَسَ\". [تقدم برقم ٧٢٨]\n٩٦٤ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِىِّ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا قَتَادَةَ، قَالَ: \"فَإِذَا جَلَسَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِذَا جَلَسَ فِى الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ (١)\n===\n(وقعد متوركًا على شقه الأيسر) أي وركه الأيسر (زاد أحمد) أي على حديث مسدد: (قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي) أي رسول الله - ﷺ - (ولم يذكرا) أي أحمد ومسدد (في حديثيهما الجلوس في الثنتين) أي التشهد الأول بعد الركعتين (كيف جلس) وهذا الكلام من قول أبي داود.\n٩٦٤ - (حدثنا عيسى بن إبراهيم المصري) أبو موسى الغافقي ثم الأحدبي، قال الطحاوي: هو أبي من الرضاعة، قال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا، قال ابن أبي حاتم: هو شيخ مجهول، وقال مسلمة بن قاسم: مصري ثقة، (نا ابن وهب) أي عبد الله، (عن الليث) أي ابن سعد، (عن يزيد بن محمد القرشي وبزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسًا مع نفر) أي جماعة (من أصحاب رسول الله - ﷺ - بهذا الحديث، ولم يذكر) أي محمد بن عمرو بن عطاء في هذا الحديث (أبا قتادة، قال) أي محمد بن عمرو: (فإذا جلس) أي رسول الله - ﷺ - (في الركعتين) أي في آخر الركعتين (جلس على رجله اليسرى، فإذا جلس في الركلعة الأخيرة) أي في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الآخرة\".","vol":"4","page":496},{"text":"قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ\". [سبق تخريجه في الحديث رقم ٧٣٢]\n٩٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْعَامِرِىِّ قَالَ: \"كُنْتُ فِى مَجْلِسٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ فِيهِ: فَإِذَا قَعَدَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ\". [سبق تخريجه في الحديث رقم ٧٣١]\n٩٦٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبُو بَدْرٍ، نَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، نَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ، نَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَالِكٍ،\n===\nالتشهد الآخر (قدم رجله اليسرى وجلس على مقعدته) أي: يتورك.\n٩٦٥ - (حدثنا قتيبة، نا ابن لهيعة) أي عبد الله، (عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلة) بمهملتين بينهما لام ساكنة، الديلي بكسر الدال وسكون التحتانية، المدني، ثقة، (عن محمد بن عمرو) بن عطاء (العامري) القرشي المدني (قال: كنت في مجلسٍ بهذا الحديث) أي المتقدم.\n(قال) أي ابن لهيعة أو محمد بن عمرو (فيه) أي في هذا الحديث: (فإذا قعد في الركعتين) أي في الجلسة الأولى (قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى، فإذا كانت الرابعة) أي الركعة الرابعة وجلس في التشهد الآخر (أفضى) أي أوصل (بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه) أي رجليه (من ناحية واحدة) وهي الناحية اليمنى، وإطلاق الإخراج على التغليب، لأن المخرج في الحقيقة هو اليسرى لا غير، ذكره ابن حجر، \"علي القاري\" (١).\n٩٦٦ - (حدثنا علي بن الحسين بن إبراهيم، نا أبو بدر، نا زهير أبو خيثمة، نا الحسن بن الحر، نا عيسى بن عبد الله بن مالك،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٦٤).","vol":"4","page":497},{"text":"عَنْ عَبَّاسٍ أَوْ عَيَّاشٍ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِىِّ أَنَّهُ كَانَ فِى مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُوهُ فَذُكِرَ فِيهِ قَالَ: \"فَسَجَدَ فَانْتَصَبَ عَلَى كَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فَتَوَرَّكَ، وَنَصَبَ قَدَمَهُ الأُخْرَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَقَامَ وَلَمْ يَتَوَرَّكْ، ثُمَّ عَادَ فَرَكَعَ الرَّكْعَةَ الأُخْرَى فَكَبَّرَ (١) كَذَلِكَ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ لِلْقِيَامِ قَامَ بِتَكْبِيرٍ ثُمَّ رَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، فَلَمَّا سَلَّمَ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ\". [سبق تخريجه في الحديث رقم ٧٣٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرْ في حَدِيثِهِ مَا ذَكَرَ\n===\nعن عباس أو عياش بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فيه أبوه، فذكر) أي الراوي (فيه قال) أي أبو حميد: (فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو جالس) وهذا بيان لقوله: فسجد ببيان كيفية السجود وهيئته، وقوله: وهو جالس، قد تقدم في \"باب افتتاح الصلاة\" أن هذا اللفظ غلط من الناسخ (٢)، والصواب ما تقدم في هذا الحديث \"وهو ساجد\" فإن لفظ \"وهو جالس\" لا معنى له.\n(فتورك) أي في الجلوس بين السجدتين (ونصب قدمه الأخرى) أي اليمنى (ثم كبر فسجد) أي السجدة الثانية (ثم كبر فقام) أي بعد السجود (ولم يتورك، ثم عاد فركع الركعة الأخرى فكبر كذلك) أي مثل الركعة الأولى (ثم جلس بعد الركعتين) أي في التشهد الأول (حتى إذا هو) أي رسول الله - ﷺ - (أراد أن ينهض) أي يقوم (للقيام) إلى الركعة الثالثة (قام بتكبير ثم ركع) أي صلَّى (الركعتين الأخريين، فلما سلم) أي أراد السلام (سلم عن يمينه وعن شماله).\n(قال أبو داود: ولم يذكر) أي عيسى بن عبد الله (في حديثه ما ذكر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكبر\".\n(٢) ويحتمل أن يكون المعنى فانتصب عن السجدة وهو جالس بين السجدتين، كما في سطور الكتاب، ووجهه ابن رسلان فقال: يحتمل أن تكون هذه الواو العاطفة حذفت الجملة لدلالة الكلام عليه، فيكون المعنى كَبَّر وهو جالس. (ش).","vol":"4","page":498},{"text":"عَبْدُ الْحَمِيدِ في (١) التَّوَرّكِ وَالرَّفْعِ إِذَا قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ (٢).\n===\nعبد الحميد في التورك) أي في التشهد الآخر (والرفع إذا قام من ثنتين) فإن عبد الحميد ذكر التورك في التشهد الآخر ولم يذكره عيسى بن عبد الله، وكذلك ذكر عبد الحميد الرفع أي رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول، ولفظه: ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وأما عيسى بن عبد الله فلم يذكره، ولفظه: حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبير.\nواعلم أن التورك الذي ورد في الأحاديث كيفيته مختلفة.\nأولاها: ما وقع في حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عند أبي داود ولفظه: فإذا كانت الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة.\nوهذه هي التي قال بها الشافعي - رحمه الله تعالى- قال في كتاب \"الأم\" (٣): فإذا جلس في الرابعة أخرج رجليه معًا من تحته وأفضى بأليتيه إلى الأرض، انتهى، وعلى هذه الهيئة يكون الرجل اليمنى أيضًا مبسوطة على الأرض كاليسرى.\nوثانيتها: ما وقع في رواية عيسى بن عبد الله بن مالك عن عباس أو عياش بن سهل عند أبي داود ولفظها: فتورك ونصب قدمه الأخرى، وهذا التورك هو الذي وقع في الجلسة التي بين السجدتين، ولم يقل به الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى-.\nوهذه الهيئة وقعت في حديث قاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر عند مالك، وكذا عند الطحاوي، ولفظها: فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، وقد أخذ بها الإِمام مالك - رحمه الله تعالى- في جميع الجلسات في الصلاة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من\".\n(٢) وفي نسخة: \"اثنتين\".\n(٣) (١/ ٣٢٩).","vol":"4","page":499},{"text":"٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، أَخْبَرَنِى فُلَيْحٌ، أَخْبَرَنِى عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: \"اجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ وَأَبُو أُسَيْدٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّفْعَ إِذَا قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ وَلَا الْجُلُوسَ، قَالَ: حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ\". [سبق تخريجه في الحديث رقم ٧٣٢]\n===\nوثالثتها: ما أخرجها مسلم في \"صحيحه\" (١) من حديث ابن الزبير في الجلوس للتشهد الأخير، وهي أنه - ﷺ - كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرش قدمه اليمنى.\n٩٦٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الملك بن عمرو) أبو عامر العقدي، (أخبرني فليح) بن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي، ويقال: الأسلمي، أبو يحيى المدني، اسمه عبد الملك، وفليح لقب غلب عليه، ضعفه كثير من المحدثين، ولكن قال الحاكم أبو عبد الله: اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره.\n(أخبرني عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، فذكر) أي الراوي (هذا الحديث) أي المتقدم (لم يذكر الرفع) أي رفع اليدين (إذا قام من ثنتين) أي الركعتين الأوليين (ولا الجلوس) أي الثاني للتشهد الآخر الذي فيه التورك، وحاصله أنه لم يذكر التورك ولا الجلوس الآخر.\n(قال) أي الراوي: (حتى فرغ) أي من السجدتين (ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدره اليمنى على قبلته) وليس المراد من الفراغ الفراغ من الصلاة حتى تكون الهيئة المذكورة هيئة التشهد الأخير، فإن البيهقي أخرج في \"سننه الكبير\" (٢) حديث فليح وقال فيه: ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٥٧٩).\n(٢) (٢/ ٧٣).","vol":"4","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>(١٨٤) بَابُ التَّشَهُّدِ </span>(١)\n٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِى شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ،\n===\nبصدر اليمنى على قبلته، ثم قال: وهذا في التشهد الأول، وليس في حديثه ذكر التشهد الأخير.\nوقال الطحاوي (٢) بعد تخريج حديث فليح: فذكروا القعود على ما ذكره عبد الحميد في حديثه في المرة الأولى، ولم يذكر غيره ذلك.\n\n(١٨٤) (بَابُ التَّشَهُّدِ)\n٩٦٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سليمان الأعمش، حدثني شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا جلسنا مع رسول الله - ﷺ - في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده) أي قبل السلام على عباده، فعلى هذا لفظ قبل ظرف.\nقال ميرك: كذا وقع في أجل سماعنا في \"المشكاة\" و\"صحيح البخاري\"\nبفتح القاف وسكون الموحدة، ووقع في بعض النسخ منهما بكسر القاف وفتح الموحدة، ويؤيده ما وقع في رواية البخاري لفظه: السلام على الله من عباده، انتهى، كذا نقله القاري (٣)، فعلى هذا يكون لفظ قبل عباده منصوبًا بنزع الخافض بتقدير \"من\" أي من جهة عباده.\n(السلام على فلان وفلان) قال الحافظ (٤): في رواية عبد الله بن نمير\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما يقول في التشهد\".\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٦٠).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٢٩).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٢).","vol":"4","page":501},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، ===\nعن الأعمش عند ابن ماجه \"يعنون الملائكة\"، وللإسماعيلي من رواية علي بن مسهر \"فنعد الملائكة\"، ومثله للسراج من رواية محمد بن فضيل عن الأعمش بلفظ: \"فنعد من الملائكة ما شاء الله\".\n(فقال رسول الله - ﷺ -) وصدر هذا القول من رسول الله - ﷺ - بعد ما فرغ من الصلاة، بين ذلك حفص بن غياث في روايته عند البخاري في كتاب الاستئذان، ولفظها: فلما انصرف النبي - ﷺ - أقبل علينا بوجهه، فقال: إن الله هو السلام، وكذلك في رواية عيسى بن يونس أيضًا: فلما انصرف من الصلاة قال:\n(لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام) قال الحافظ: قال البيضاوي ما حاصله: أنه - ﷺ - أنكر التسليم على الله، وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها.\nوقال التوربشتي: وجه النهي عن السلام على الله تعالى، لأنه مرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني المذكورة، فكيف يدعى له وهو المدعو على الحالات؟\nقال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام فلا تقولوا: السلام على الله، فإن السلام منه بدأ وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك.\nوقال النووي (١): معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني السالم من النقائص، ويقال: المسلم أولياءه، وقيل: المسلِّم عليهم، قال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة وغناه ﷾ عنها.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٥٥).","vol":"4","page":502},{"text":"وَلَكِنْ إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَحِيَّاتُ للهِ\n===\n(ولكن إذا جلس أحدكم) أي في الصلاة كما بين في رواية حفص، وفي رواية حصين: \"إذا قعد أحدكم في الصلاة\"، والمراد بالجلوس الجلوس في التشهدين كما بينه النسائي في روايته من طريق أبي الأحوص عن عبد الله، ولفظها: \"إذا قعدتم في الركعتين فقولوا\"، وله من طريق الأسود عن عبد الله \"فقولوا في كل جلسة\"، ولابن خزيمة عن الأسود عن عبد الله \" علمني رسول الله - ﷺ - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها\".\n(فليقل) استدل بهذا القول على الوجوب، قال الشوكاني (١): قال النووي في \"شرح مسلم\": مذهب أبي حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء أن التشهدين سنة، وقال: وروي عن مالك القول بوجوب الأخير.\nقلت: وعند الحنفية التشهد واجب في كلتا القعدتين الأولى والأخيرة على ظاهر الرواية، قال الحلبي في شرح \"المنية\" (٢): ومنها قراءة التشهد، فإنها واجب في القعدتين الأولى والأخيرة، وإلى هذا مال صاحب \"الهداية\" في \"باب سجود السهو\"، فأوجب السجود بترك التشهد في القعدة الأولى كما في القعدة الأخيرة، وهو ظاهر الرواية، وفي رواية: هي واجبة في القعدة الأخيرة فقط، وأما في الأولى فهي سنة، وإليه مال صاحب \"الهداية\" في \"باب صفة الصلاة\" حيث قال: وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة، وظاهر الرواية أظهر للمواظبة في جميع ذلك من غير ترك مرة.\n(التحيات لله) (٣) جمع تحية، ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك، وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيى إلَّا الملِك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه فلهذا جمعت، فكان المعنى: التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٧٤٩).\n(٢) (ص ٢٩٦).\n(٣) وشرح ابن رسلان أيضًا ألفاظ التحية بما لا مزيد عليه. (ش).","vol":"4","page":503},{"text":"وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ،\n===\nوقال الخطابي: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله تعالى، فلهذا أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي أنواع التعظيم له.\n(والصلوات) قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: المراد الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية والطيبات الصدقات المالية.\n(والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم.\nقال البيضاوي: يحتمل أن يكون والصلوات والطيبات عطفًا على التحيات، ويحتمل أن تكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف، والطيبات معطوفة عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على الجملة.\n(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، قال الطيبي (١): أصل \"سلام عليك\": سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل من النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري، أي ذلك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد وعمن يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (٢).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٠٣٤).\n(٢) سورة النمل: الآية ٥٩.","vol":"4","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيًا عنه في الصلاة؟\nفالجواب أن ذلك من خصائصه - ﷺ -.\nفإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق؟ أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه الصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر فأقبلوا عليه قائلين: \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\"، انتهى.\nوقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه - ﷺ - فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة، وهو مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور، ففي البخاري في كتاب الاستئذان بعد أن ساق حديث التشهد قال: \"وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام يعني على النبي\"، وأخرجه أبو عوانة في \"صحيحه\" والسراج والجوزقي وأبو معين (١) والبيهقي بلفظ: \"فلما قبض قلنا: السلام على النبي\" بحذف لفظ يعني.\nقلت: وهذا الذي نقل عن بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- أنهم قالوا في التشهد بعد وفاة رسول الله - ﷺ -: على النبي، فليس فيه حجة، فإنهم ما قالوا ذلك إلَّا برأيهم، فما علمهم رسول الله - ﷺ - من الألفاظ أولى بالأخذ مما قالوه باجتهادهم ورأيهم، وقد كانت الصحابة في زمانه - ﷺ - يغيبون عنه في\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: أبو نعيم. انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٤).","vol":"4","page":505},{"text":"السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّه الصَّالِحِينَ،\n===\nأسفارهم في الغزوات وغيرها، ولا يتشهدون إلَّا بما تعلموا لفظ التشهد بالخطاب من رسول الله - ﷺ -، وعلى هذا الذي قالوا بعد وفاته - ﷺ - كان يلزم أن يقولوا فيها في التشهد: \"السلام على النبي\"، فلما لم يقولوا ذلك في الغيبة عنه - ﷺ - كيف يجوز أن يبدلوا بعده لفظه - ﷺ - الخطاب بالغيبة؟ .\nوقد نقل الحافظ ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن النبي - ﷺ - علمهم التشهد فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذا كان حيًّا، فقال ابن مسعود: هكذا علمنا وهكذا نعلم، فظاهر أن ابن عباس قاله بحثًا، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه.\nثم قال الحافظ (١): لكن رواية أبي معمر أصح، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد مع ذلك ضعيف، على أن نبي الله - ﷺ - حي في قبره كما أن الأنبياء ﵈ أحياء في قبورهم، ولا فرق بين أن يكون فوق الأرض أو تحت حجابها، كما لا فرق في حضوره وغيبته في زمان حياته - ﷺ -، ولهذا لعله لم يذهب إليه أحد من الأئمة.\nوالمراد بقوله: \"ورحمة الله\" إحسانه، وقوله: \"وبركاته\" هو اسم لكل خير فائض منه تعالى على الدوام، وقيل: البركة الزيادة في الخير، وإنما جمعت البركة دون السلام والرحمة لأنهما مصدران.\n(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، قال البيضاوي: علمهم أن يفردوه - ﷺ - بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم، لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٤).","vol":"4","page":506},{"text":"فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عبدٍ صَالِحٍ في السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّه وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،\n===\nواستدلَّ به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي \"الترمذي\" مصححًا من حديث أبي بن كعب: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ نفسه، والأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته.\n(فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، أو بين السماء والأرض) وهو كلام معترض بين قوله: الصالحين وبين قوله: أشهد ... إلخ، علمهم لفظًا يشمل الجميع مع غير الملائكة من المرسلين والنبيين والصديقين وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها - ﷺ -، والشك فيه من مسدد، وإلَّا فقد رواه غيره عن يحيى بلفظ: من أهل السماء والأرض، أخرجه الإسماعيلي وغيره، وقد ورد في بعض طرقه سياق التشهد متواليًا وتأخير الكلام المذكور بعد، وهو من تصرف الرواة.\n(أشهد أن لا إله إلَّا الله) زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة عن أبيه: وحده لا شريك له، وسنده ضعيف (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: \"بينا النبي - ﷺ - يعلم التشهد إذ قال رجل: وأشهد أن محمدًا رسوله وعبده، فقال ﵊: لقد كنت عبدًا قبل أن أكون رسولًا، قل: عبده ورسوله\"، ورجاله ثقات إلَّا أنه مرسل.\nوقد روى التشهد عن رسول الله - ﷺ - جماعة من الصحابة غير ابن مسعود، منهم ابن عباس، ومنهم جابر، ومنهم عمر، ومنهم ابن عمر، ومنهم علي، ومنهم أبو موسى، ومنهم عائشة، ومنهم سمرة، ومنهم ابن الزبير، ومنهم سلمان، ومنهم أبو حميد، ومنهم أبو بكر، ومنهم الحسين بن علي، ومنهم طلحة بن عبيد الله، ومنهم أنس، ومنهم أبو هريرة، ومنهم أبو سعيد، ومنهم فضل بن عباس، وأم سلمة، وحذيفة، والمطلب بن ربيعة، وابن أبي أوفى -﵃-.","vol":"4","page":507},{"text":"ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُوَ بِهِ\". [خ ٨٣٥، م ٤٠٢، ت ٢٨٩، ن ١١٦٢، جه ٨٩٩، دي ١٣٤٠، حم ١/ ٤٣١]\n===\nلكن رجح الجمهور تشهد ابن مسعود، قال أبو بكر البزار: هو أصح حديث في التشهد، وقد روى من نيف وعشرين طريقًا، وسرد أكثرها، وممن جزم بذلك البغوي في \"شرح السنَة\"، وقال مسلم: إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود، لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضًا، وغيره قد اختلف أصحابه، وقال الزهري: إنه أصح حديث روي في التشهد، ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره، وأن رواته لم يختلفوا في حرف منه، بل نقلوه مرفوعًا على صفة واحدة، وأنه تلقاه عن النبي - ﷺ - تلقينًا.\n(ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به) واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة، قال ابن بطال: خالف في ذلك النخعي وطاوس وأبو حنيفة، فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلَّا بما يوجد في القرآن، كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية (١) أنه لا يدعو في الصلاة إلَّا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، ولكن ظاهر الحديث يرد عليهم، قاله الحافظ (٢).\nوأجاب عنه العيني (٣) قلت: ليس ما نقله عن كتب الحنفية كذلك، بل المذكور في كتبهم أنه لا يدعو في الصلاة إلَّا من الأدعية المأثورة، أو بما شابه ألفاظ القرآن، وقوله: يرد عليهم، رد عليه، لأن فيما ذهبوا إليه إهمالًا لحديث مسلم، وهو \"إن صلاتنا هذه\" الحديث، ونحن عملنا بالحديثين، لأنا نختار من الأدعية المأثورة أو من الأدعية ما شابه ألفاظ القرآن.\n_________\n(١) قلت: وكذا قال أحمد كما في \"المغني\" (٢/ ٢٣٦)، وتقدم في \"باب الدعاء في الصلاة\" أيضًا. (ش).\n(٢) \"فح الباري\" (٢/ ٣٢١).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٩٦).","vol":"4","page":508},{"text":"٩٦٩ - حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ-، عن شَرِيكٍ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِي الأَحْوَصِ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نقُولُ إِذَا جَلَسْنَا في الصَّلَاةِ،\n===\nقلت: قال في \"الهداية\" (١): ودعا بما شاء بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس تحرزًا عن الفساد، ولهذا يأتي بالمأثور المحفوظ وما لا يستحيل سؤاله من العباد كقوله: اللَّهمَّ زوجني فلانة، يشبه كلامهم ... إلخ.\nوقال في \"البدائع\" (٢): ولكن ينبغي أن يدعو بما لا يشبه كلام الناس، حتى يكون خروجه من الصلاة على وجه السنَّة، وهو إصابة لفظ السلام، وفسره أصحابنا فقالوا: ما يشبه كلام الناس هو ما لا يستحيل سؤاله من غير تعالى كقوله: أعطني كذا، أو زوجني امرأة، وما لا يشبه كلام الناس هو ما يستحيل سؤاله عن غيره كقوله: اللَّهَمَّ اغفر لي ونحو ذلك.\n٩٦٩ - (حدثنا تميم بن المنتصر) بن تميم بن الصلت الهاشمي مولاهم، الواسطي، جد أسلم بن سهل الحافظ الملقب بِبَحْشَل لأمه، ثقة ضابط، مات سنة أربع أو خمس وأربعين، (أنا إسحاق، يعني ابن يوسف) بن مرداس بمكسورة وسكون راء وبدال مهملة قبل الألف وبعدها سين مهملة، المخزومي الواسطي المعروف بالأزرق بتقديم الزاي على الراء، ثقة، مات سنة ١٩٥ هـ.\n(عن شريك) بن عبد الله النخعي، (عن أبو إسحاق) السبيعي، (عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي، (عن عبد الله) بن مسعود (قال: كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة)، ولهذا نقول في تلك الجلسات من عند أنفسنا: السلام على الله، السلام على جبرائيل، السلام على\n_________\n(١) (١/ ٥٣).\n(٢) (بدائع الصنائع) (١/ ٤٩٩).","vol":"4","page":509},{"text":"وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قدْ عُلِّمَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ\".\nقَالَ شَرِيكٌ: وَنَا جَامِعٌ- يَعْنِي ابْنَ شَدَّادٍ -، عن أَبِي وَائِلٍ، عن عَبْدِ الله بِمِثْلِهِ قَالَ: وَكَان يُعَلِّمُنَا كَلِمَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ يُعَلِّمُنَاهُنَّ كَمَا يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: \"اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا،\n===\nميكائيل (وكان رسول الله - ﷺ - قد عُلِّمَ) (١) أي ما يحتاج إليه في الصلاة وغيرها (فذكر) أي تميم بن المنتصر (نحوه) أي نحو حديث مسدد.\n(قال شريك) أي ابن عبد الله: (ونا) وهذا تحويل عطف على لفظ عن أبي إسحاق المذكور في السند المتقدم (جامع يعني ابن شداد) المحاربي، أبو صخرة الكوفي، أحد الفضلاء، ثقة، (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة، (عن عبد الله بمثله) أي بمثل حديث أبي إسحاق.\n(قال) أي شريك بهذا السند: (وكان يعلمنا كلمات ولم يكن)\nأي رسول الله - ﷺ - (يعلمناهن) أي الكلمات (كما يعلمنا التشهد) فإن تعليم التشهد كان أهم بأنه - ﷺ - علم عبد الله بن مسعود التشهد، وكفه بين كفيه، كما يعلم السورة من القرآن، ويحتمل أن يكون معناه: بل أهم من تعليم التشهد.\n(أللَّهم ألِّف) أي ألق الألفة والمحبة (بين قلوبنا) فيحب بعضنا بعضًا كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، (وأصلح ذات بيننا)، أي أصلح أحوال بيننا حتى يكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، فإنك عليم بذات الصدور أي بمضمراتها، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين، قيل لها: ذات البين، وإصلاحها سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، فهو درجة فوق درجة من اشتغل بخويصة نفسه بالصيام والصلاة فرضًا ونفلًا \"مجمع\" (٣) مع التغيير.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: بضم العين وتشديد اللام المكسورة مبني للمفعول. (ش).\n(٢) سورة الأنفال: الآية ٦٣.\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٥٢).","vol":"4","page":510},{"text":"وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لنَا في أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا\". [حب ٩٩٢، ك ١/ ٢٦٥]\n===\n(واهدنا سبل السلام) أي طرق دينه التي بها نسلم من العذاب، (ونجنا من الظلمات إلى النور) أي من الكفر إلى الإِسلام، ومن الجهل إلى العلم، (وجنبنا الفواحش) أي باعدنا من الذنوب الكبيرة (ما ظهر منها وما بطن) أي لم يظهر على الناس، فالمراد علانيتها وسرها.\n(وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا (١) وذرياتنا)، والمراد بالبركة فيها التزايد في الخير منها، (وتب علينا) أي ارجع علينا بقبول التوبة والمغفرة (إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها) من الثناء (قابليها) - وفي نسخة: قائليها- بصيغة جمع الفاعل من القبول سقطت نونها بالإضافة.\nقال القاري في \"الحرز\": أي قابلين لنعمتك آخذين لها على نعت القبول ووصف الرضا، وفي نسخة: قائليها على أنه اسم فاعل قال: قال المصنف: لا يظهر لها وجه وجيه، وفي نسخة -وهو أصل الجلال-: \"فأبليها\" بفتح فاء فهمز فسكون موحدة وكسر لام فياء ساكنة، وكتب الجلال تحته لعله فأبلها أي بلا ياء، قيل: ولعل الياء حصلت من إشباع الكسرة، وحاصله أنه من الإبلاء بمعنى الإعطاء، فالمعنى فأعط النعم على وجه الزيادة.\n(وأتمها) أمر من الإتمام، والضمير للنعمة (علينا) كما قال الله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٢).\n_________\n(١) يدخل فيه من لم يتزوج بعد حتى من في الجنة، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) سورة المائدة: الآية ٣.","vol":"4","page":511},{"text":"٩٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ قَالَ: أَخَذَ عَلْقَمَةُ بِيَدِى فَحَدَّثَنِى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ فَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فِى الصَّلَاةِ، فَذَكَرَ مِثْلَ دُعَاءِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ: «إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ قَضَيْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُد». [حم ١/ ٤٢٢]\n===\n٩٧٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير) بن معاوية، (نا الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة) بالمعجمة مصغرًا، أبو عروة الهمداني الكوفي (قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده) أي علقمة (وأن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد عبد الله، فعلمه التشهد في الصلاة)، وقد عقد البخاري في \"صحيحه\" \"باب المصافحة\"، وذكر فيه: قال ابن مسعود: علمني النبي - ﷺ - التشهد، وكفي بين كفيه، ثم أخرجه موصولًا مطولًا في الباب اللاحق، وهو \"باب الأخذ باليدين\"، والغرض من الأخذ باليد الاهتمام بتعليم التشهد، ويدل عليه قوله في هذا الحديث: كما يعلمني سورة من القرآن.\n(فذكر مثل دعاء) أي مثل تشهد (حديث الأعمش) المتقدم (إذا قلت هذا) وهذا الكلام إلى آخره زيادة على حديث الأعمش، كان ينبغي للمصنف أن يكتب قبل هذا الكلام لفظ: وزاد، معناه إذا قرأت التشهد (أو قضيت هذا) أي أتممت، لفظة أو للشك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو ذاك (فقد قضيت صلاتك) ولم يبقَ عليك شيء من أركان الصلاة (إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد).\nاستدل الحنفية بهذا الكلام على فرضية القعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد، وعلى عدم فرضية الصلاة على النبي - ﷺ - في القعدة الأخيرة.\nقال في \"البدائع\" (١): ولنا ما روينا من حديث ابن مسعود وعبد الله بن\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٠٠).","vol":"4","page":512},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعمرو بن العاص -﵄- أن النبي - ﷺ - حكم بتمام الصلاة عند القعود قدر التشهد من غير شرط الصلاة على النبي - ﷺ -، وأخرج في محل آخر من كتابه من حديث ابن مسعود معلقًا: وقال النبي - ﷺ - لابن مسعود: \"إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك\".\nوقال في \"الهداية\" (١): وتشهد وهو واجب عندنا، وصلى على النبي - ﷺ - وهو ليس بفريضة عندنا خلافًا للشافعي - رحمه الله تعالى - لقوله - ﷺ -: \"إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد\"، انتهى.\nوأخرج الطحاوي (٢) من حديث أبي بكرة قال: ثنا أبو عاصم، عن أبي عوانة، عن الحكم، عن عاصم بن ضمرة، عن علي -﵁ - قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته، معناه إذا قضى تشهده ثم أحدث، كما في حديث عبد الله بن عمر، وهذا الحديث وإن كان ظاهره موقوفًا لكنه مرفوع حكمًا، لأنه لا مجال للرأي فيه.\nوأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي ذكره في \"البدائع\"، فأخرجه الطحاوي (٣) بأسانيده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا قضى الإِمام الصلاة فقعد، فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإِمام، فقد تمت صلاته، فلا يعود إليها\"، ولفظ الثاني عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده، ثم أحدث، فقد تمت صلاته فلا يعود لها\"، وكذا أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٤) بأسانيد مختلفة.\n_________\n(١) (١/ ٥٣).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٧٣).\n(٣) قلت: وأخرجه أبو داود أيضًا في \"باب الإِمام يحدث بعد ما يرفع رأسه\". (ش).\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٥٠ - ٣٥٤).","vol":"4","page":513},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواعترضوا على حديث ابن مسعود (١) فقال الحافظ في \"الدراية\": اتفق الحفاظ على أن هذه زيادة مدرجة من كلام ابن مسعود، منهم ابن حبان والدارقطني والبيهقي والخطيب، وأوضحوا الحجة في ذلك، وقال الخطابي: إن لم يثبت إدراجها دلت على أن الصلاة على النبي - ﷺ - ليست بواجبة، انتهى.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" (٢): وقد جاء في رواية من هذا الحديث في غير مسلم زيادة: \"فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك\"، ولكن هذه الزيادة ليست صحيحة عن النبي - ﷺ -.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): وأما حديث ابن مسعود فقال البيهقي في \"الخلافيات\": إنه كالشاذ من قول عبد الله، وإنما جعل كالشاذ، لأن أكثر أصحاب الحسن بن الحر لم يذكروا هذه الزيادة لا من قول ابن مسعود مفصولة من الحديث، ولا مدرجة في آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت عن الحسن، فجعلها من قول ابن مسعود، وزهير بن معاوية عن الحسن فأدرجها في آخر الحديث في قول أكثر الرواة عنه، ورواها شبابة بن سوار عنه مفصولة كما ذكر الدارقطني، انتهى.\nقلت: دعوى الإدراج لا دليل عليها، والأصل عدم الإدراج حتى يقوم عليه دليل، كيف وقد شك الإِمام الخطابي في رفعه، ووقفه، فقال (٤): قد اختلفوا في هذا الكلام هل هو من قول النبي - ﷺ - أو من قول ابن مسعود؟ فإن صح مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - ففيه دلالة على أن الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد غير واجبة، انتهى.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: هذا مدرج من كلام ابن مسعود -﵁ - من قوله: إذا قلت هذا أو فعلت، ثم بسطه. (ش).\n(٢) (٢/ ٣٥٦).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٧٧٩).\n(٤) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٣٢٩).","vol":"4","page":514},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفهذا الكلام صريح في أن عند الإِمام الخطابي لم يثبت إدراجه، وما نقل صاحب \"العون\" (١) عن السندي معزوًا إلى العراقي بأن المراد من الاختلاف اختلاف الرواة في وصله وفصله، فهذا كأنه توجيه القول بما لا يرضى به قائله، فالذي وصله مثل محمد بن عبد الله النفيلي، فلم يذكر لا لفظ قال ولا لفظ ذكر، فهو كأنه صريح في أنه من قول النبي - ﷺ -.\nوأما من ذكره بلفظ قال كما هو عند الطحاوي وغيره، فهو يحتمل أن يرجع ضميره إلى رسول الله - ﷺ -، فإن كان مرجعه رسول الله - ﷺ - فهو ظاهر في عدم الإدراج، وإن كان ابن مسعود فغير جائز أن يصدر هذا القول منه من رأيه، لأنه لا مجال فيه للرأي، فيحكم بأنه مرفوع حكمًا، ومثل هذا يقال في حديث من رواه بلفظ قال عبد الله كما هو عند الدارقطني من طريق شبابة بن سوار عن زهير بلفظ: قال عبد الله: فإذا قلت ذلك، الحديث.\nقال ابن الهمام في \"شرح الهداية\" (٢): قال النووي: اتفق الحفاظ على أنها مدرجة، والحق أن غاية الإدراج أن تصير موقوفة، والموقوف في مثله له حكم الرفع، واعترضوا على حديث عبد الله بن عمرو، فقال الترمذي: ليس إسناده بذلك القوي، وقد اضطربوا في إسناده.\nقال الشوكاني (٣): وإنما أشار إلى عدم قوة إسناده، لأن فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل العلم، وقال النووي في \"شرح المهذب\": إنه ضعيف باتفاق الحفاظ، وفيه نظر، فإنه قد وثَّقه غير واحد، منهم: زكريا الساجي وأحمد بن صالح المصري، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، انتهى.\n_________\n(١) (٣/ ٢٥٥).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٢٤٠).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٧٧٩).","vol":"4","page":515},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: قال في \"الميزان\" (١): قدم على المنصور فوعظه وصدعه بأنهم ظلمة، وكان البخاري يقوي أمره، ولم يذكره في \"كتاب الضعفاء\"، وقال إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن سعيد يقول: عبد الرحمن بن زياد ثقة.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): وكان ابن وهب يطريه، وكان أحمد بن صالح ينكر على من يتكلم فيه، ويقول: هو ثقة، وقال ابن رشدين عن أحمد بن صالح: من تكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات، وقال سحنون: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ثقة، وقال الحربي: غيره أوثق منه.\nوأما دعوى الاضطراب في إسناده من الترمذي فغير صحيح، وليس في إسناده شائبة اضطراب، فإنه قد أخرج الطحاوي (٣) من حديث أبي بكرة: ثنا أبو داود، ثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو أن نبي الله - ﷺ - قال: \"إذا رفع رأسه من آخر السجود، فقد مضت صلاته إذا هو أحدث\"، ثم أخرج من حديث يزيد بن سنان ومحمد بن العباس بن الربيع اللؤلؤي قال: ثنا معاذ بن الحكم عن عبد الرحمن بن زياد، فذكر مثله بأسانيده.\nقلت: وهذا الحديث وقع فيه اختصار، فإنه قد أخرج بعيد ذلك من حديث يزيد بن سنان: ثنا معاذ بن الحكم، ثنا سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فذكر مثل حديث أبي بكرة عن أبي داود عن ابن المبارك، قال معاذ: فلقيت عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فحدثني عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، فقلت له: لقيتهما جميعًا؟ فقال: كلاهما حدثني به عن عبد الله بن\n_________\n(١) (٢/ ٥٦٢).\n(٢) (٦/ ١٧٥).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٧٤).","vol":"4","page":516},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده، ثم أحدث، فقد تمت صلاته، فلا يعود لها\".\nقلت: وهذا الحديث بين لنا ما وقع من النقصان في الحديث الأول.\nوأخرج الطحاوي من حديث إبراهيم بن منقذ وعلي بن شيبة قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي وبكر بن سوادة الجذامي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا قضى الإِمام الصلاة، فقعد، فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإِمام، فقد تمت صلاته فلا يعود فيها\".\nوكذلك أخرج هذا الحديث الدارقطني (١) من حديث الحسين بن إسماعيل، ثنا يعقوب الدورقي، ثنا مروان بن معاوية الفزاري، ثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن بكر بن سوادة وعبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا جلس الإِمام في آخر ركعة، ثم أحدث رجل من خلفه قبل أن يسلم الإِمام، فقد تمت صلاته\"، قال الدارقطني: عبد الرحمن بن زياد ضعيف، لا يحتج.\nقلت: وقد تقدم الجواب عنه بأنه وثَّقه غير واحد.\nثم أخرج من حديث محمد بن يحيى بن مرداس، ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بمثل السند الأول أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا قضى الإِمام الصلاة وقعد، فأحدث قبل أن يسلم، فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة\".\nثم أخرج من حديث الحسين، ثنا يوسف يعني ابن موسى، ثنا وكيع،\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٧٩).","vol":"4","page":517},{"text":"٩٧١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنِ (١) ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى التَّشَهُّدِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» - قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: زِدْتُ فِيهَا \"وَبَرَكَاتُهُ\"-\n===\nثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد، عن بكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أحدث الإِمام\"، الحديث، ولم يذكر فيه عبد الرحمن بن رافع، أفترى أن في أسانيد هذا الحديث شائبة اضطراب، فالعجب من الإِمام الترمذي كيف ادعى أن في إسناد هذا الحديث اضطرابًا؟ فالحديث سنده ومتنه خاليان عن الاضطراب، والله تعالى أعلم.\n٩٧١ - (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي، (حدثني أبي) هو علي بن نصر بن علي الجهضمي، (نا شعبة، عن أبي بشر) جعفر بن إياس وهو ابن أبي وحشية اليشكري الواسطي، قال الحافظ في \"التقريب\": ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، قال أحمد: كان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد، قال: لم يسمع منه شيئًا، وقال ابن معين: طعن عليه شعبة في حديثه عن مجاهد، قال: من صحيفة.\n(سمعت (٢) مجاهدًا) وهذا نص في سماعه عن مجاهد على خلاف ما قال فيه شعبة، قال في \"الميزان\": قال أبو طالب: سأل أحمد عن حديث شعبة، عن أبي بشر سمع مجاهدًا يحدث عن ابن عمر مرفوعًا في التحيات، فأنكره، فقلت: يرويه نصر بن علي الجهضمي عن أبيه، عنه.\n(يحدث عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ - في التشهد: التحيات لله، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، قال) أي مجاهد: (قال ابن عمر: زدت فيها) أي في التحيات (وبركاته) أي لفظ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) تكلم ابن رسلان على إسناد الحديث. (ش).","vol":"4","page":518},{"text":"\"السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّهُ\"- قَالَ ابْنُ عُمَرَ: زِدْتُ فِيهَا \"وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ\". [قط ١/ ٣٥١]\n٩٧٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن قَتَادَةَ. (ح): وَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن يُونُسَ بْن جُبَيْرٍ، عن حِطَّانَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: \"صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، فَلَمَّا جَلَسَ في آخِرِ صَلَاتِهِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ أَبُو مُوسَى أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ\n===\n\"وبركاته\"، فلفظ \"وبركاته\" زيادة مني لا عن رسول الله - ﷺ - (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلَّا الله، قال ابن عمر: زدت فيها وحده لا شريك له) أي لفظ: \"وحده لا شريك له\" لم يكن مرويًا من رسول الله - ﷺ -، ولكني أنا زدته فيها من قبل نفسي (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله).\n٩٧٢ - (حدثنا عمرو بن عون) بن أوس، أبو عثمان البزار الواسطي البصري، (أنا أبو عوانة) وضاح بن عبد الله اليشكري، (عن قتادة، ح: وأنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد) القطان، (نا هشام) الدستوائي، (عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صلى بنا أبو موسى الأشعري، فلما جلس في آخر صلاته) أي القعدة الأخيرة (قال رجل من القوم: أقرت الصلاة بالبر والزكاة) أي تكلم بهذا الكلام، وغرضه بهذا الكلام مدح الصلاة.\n(فلما انفتل) أي انصرف (أبو موسى) عن الصلاة (أقبل على القوم) أي على جماعة المقتدين (فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟) كناية عن الكلمة التي قالها الرجل (قال: فأرم القوم) أي سكتوا، قال في \"القاموس\": أَرَمَّ سكت","vol":"4","page":519},{"text":"قَالَ (١): أَيُّكُمْ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ. قَالَ: فَلَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ (٢) قُلْتَهَا؟ قَالَ: مَا قُلْتُهَا، وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ لَهُ (٣) مِنَ الْقَومِ: أَنَا قُلْتُهَا وَمَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ.\nفَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ تَقُولُونَ في صَلَاتِكُمْ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّه خَطَبَنَا فَعَلَّمَنَا وَبَيَّنَ لنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: \"إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُم، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا\n===\n(قال) أي ثانيًا: (أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال) أي حطان: (فأرم القوم) أي لم يجيبوه في المرة الثانية أيضًا.\n(قال) أي أبو موسى: (فلعلك يا حطان قلتها؟ قال) أي حطان: (ما قلتها، ولقد رهبت) أي خفت (أن تبكعني) أي: تبكتني وتوبخني، قال في \"القاموس\": بكعه: استقبله بما يكره (بها) أي بسبب هذه الكلمة (قال) أي حطان: (فقال رجل له من القوم: أنا قلتها وما أردت بها) أي بهذه الكلمة (إلَّا الخير) وهو مدح الصلاة.\n(فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟) فإن التكلم بمثل هذه الكلمات مفسد للصلاة (إن رسول الله - ﷺ - خطبنا فعلمنا) من التعليم (وبين لنا سُنَّتَنا) أي طريقتنا من الدين (وعلمنا صلاتنا) أي فرائضها وواجباتها وسننها ومستحباتها.\n(فقال: إذا صليتم) أي أردتم الصلاة بالجماعة (فأقيموا) أي سووا (صفوفكم، ثم ليؤمكم (٤) أحدكم، فإذا كبر) أي الإِمام (فكبروا) (٥) أنتم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أنت\".\n(٣) وفي نسخة: \"له رجل\".\n(٤) اختلفوا في أنه أمر ندب أو إيجاب، على أربعة أقوال. ابن رسلان. (ش).\n(٥) بفاء التعقيب، فلو كبر وقد بقي من إحرام الإِمام حرف لم يصح الاقتداء بلا خلاف. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":520},{"text":"وَإِذَا قَرَأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّه، وَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيرْفَعُ قَبْلَكُمْ\" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَتِلْكَ بِتِلْكَ\". \"وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -ﷺ-: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\". \"وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَتِلْكَ بِتِلْكَ\"، \"فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ\n===\n(وإذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، يجبكم الله) أي يتقبل دعاءكم (وإذا كبر) أي للركوع (وركع فكبروا واركعوا، فإن الإِمام يركع قبلكم ويرفع) أي رأسه من الركوع (قبلكم، قال رسول الله - ﷺ -: فتلك) أي تأخركم عن الإِمام في الخرور للركوع (بتلك) أي بمقابلة تأخركم عنه في الرفع عن الركوع، فكأنه ساوى ركوعكم ركوع الإِمام، والتأنيث على تأويل الخصلة.\n(وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللَّهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم) أي لحمدكم سماع قبول (فإن الله ﷿ قال على لسان نبيه - ﷺ -) أي ليعلمكم: (سمع الله لمن حمده) فأصل هذه الكلمة إخبار من الله تعالى بسماع حمد عباده على لسان نبيه - ﷺ -، ثم أجراها على لسان عباده بواسطة نبيه - ﷺ -.\n(إذا كبر) أي للسجود (وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإِمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال رسول الله - ﷺ -: فتلك بتلك)، يحتمل أن تكون الإشارة إلى الساعة، أي ساعة تأخركم في الرفع عن السجود بمقابلة ساعة تأخركم في الخرور للسجود.\n(فإذا كان) أي المصلي (عند القعدة) أي في القعدة الأولى أو الثانية (فليكن من أول قول أحدكم) أي لا يتقدم منكم قول في القعدة قبل هذا القول،","vol":"4","page":521},{"text":"أَنْ يَقُولَ: التَّحِيَّاتُ (١) الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ للَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّه وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ\".\nلَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ: \"وَبَرَكَاتُهُ\"، وَلَا قَالَ: \"وَأَشْهَدُ\" قَالَ: \"وَأَنَّ مُحَمَّدًا\". [م ٤٠٤، ن ٨٣٠، جه ٩٠١، دي ١٣١٢، حم ٤/ ٣٩٣]\n٩٧٣ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ، نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: \"سَمِعْتُ أَبِي، نَا قَتَادَةُ، عن أَبِي غَلَّابٍ يُحَدِّثُهُ، عن حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. زَادَ: \"فَإِذَا قَرَأ فَأَنْصِتُوا\". وَقَالَ في\n===\nويكون هذا القول في القعدة مقدمًا على جميع الأقوال (إن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا اله إلَّا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لم يقل أحمد: وبركاته، ولا قال: وأشهد، قال: وأن محمدًا).\nغرض المصنف بهذا الكلام بيان الفرق بين لفظ عمرو بن عون وأحمد بن حنبل بأن أحمد خالف ابن عون في لفظ \"وبركاته، وأشهد\"، فإنه لم يذكرهما، وقال: وأن محمدًا بغير لفظ أشهد.\n٩٧٣ - (حدثنا عاصم بن النضر) بن المنتشر الأحول التيمي، أبو عمرو البصري، وقيل: عاصم بن محمد بن النضر، (نا المعتمر) أي ابن سليمان (قال: سمعت أبي) أي سليمان التيمي (٢)، (نا قتادة، عن أبو غَلّاب) يونس بن جبير (يحدثه) أي يحدث أبو غلاب قتادة، (عن حطان بن عبد الله الرقاشي) بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين، البصري (بهذا الحديث) المتقدم.\n(زاد) أي سليمان التيمي: (فإذا قرأ) أي الإِمام (فأنصتوا، وقال في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"التحيات لله\".\n(٢) ثقة من رواة الستة. (ش).","vol":"4","page":522},{"text":"التَّشَهُّدِ بَعْدَ (١) أَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّهُ، زَادَ \"وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ\". [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَوْلُهُ: \"وَأَنْصِتُوا\" (٢) لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَلَمْ يَجِئْ بِهِ إِلَّا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ في هَذَا الْحَدِيثِ.\n٩٧٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ وَطَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ وَكَانَ (٣) يَقُولُ: \"التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيباتُ لله، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّه الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ\". [م ٤٠٣، ت ٢٩٠، ن ١١٧٤، جه ٩٠٠، حم ١/ ٢٩٢]\n===\nالتشهد بعد أشهد أن لا إله إلَّا الله، زاد: وحده لا شريك له، قال أبو داود: وقوله: \"وأنصتوا\" ليس بمحفوظ، ولم يجئ به إلَّا سليمان التيمي في هذا الحديث) وقد تقدم البحث في تضعيف هذا الكلام في \"باب الإِمام يصلي من قعود\" في الجزء المتقدم.\n٩٧٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم، (عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن) أي: يهتم بتعليم التشهد كما يهتم بتعليم القرآن (وكان) أي رسول الله - ﷺ - (يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله - ﷺ -).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أن قال\".\n(٢) وفي نسخة: \"فأنصتوا\".\n(٣) وفي نسخة: \"فكان\".","vol":"4","page":523},{"text":"٩٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، نَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ،\n===\n٩٧٥ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، نا يحيى بن حسان، نا سليمان بن موسى أبو داود) الزهري الكوفي، خراساني الأصل، سكن الكوفة ثم تحول إلى دمشق، وثَّقه العباس بن الوليد، قال أبو داود: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: أرى حديثه مستقيمًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر العقيلي عن البخاري أنه قال: منكر الحديث، وحكى ابن عساكر أن أبا زرعة ذكره في الضعفاء.\n(نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب) الفزاري، أبو محمد السمري بالفتح والضم، نسبة إلى سمرة بن جندب، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق في \"الأحكام\": ليس ممن يعتمد عليه، وقال ابن عبد البر: ليس بالقوي، وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله، يعني جعفرًا شيخه وشيخ شيخه، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، قاله الحافظ، وفي \"الميزان\": وبكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بالحكم.\n(قال: حدثني خبيب بن سليمان بن سمرة) بن جندب، أبو سليمان الكوفي، روى عن أبيه، عن جده نسخة (١)، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق: ليس بقوي، كذا قال الحافظ، وقال الذهبي: لا يعرف وقد ضعف.\n(عن أبيه سليمان بن سمرة) بن جندب الفزاري، روى عن أبيه نسخة كبيرة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو الحسن بن القطان: حاله مجهولة، كذا في \"تهذيب التهذيب\"، وقال في \"التقريب\": مقبول.\n_________\n(١) ذكر المصنف منها ستة أحاديث، تقدم بيانها في \"باب اتخاذ المساجد في الدور\". (ش).","vol":"4","page":524},{"text":"عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: \"أَمَّا بَعْدُ، أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا كَانَ في وَسطِ الصَّلَاةِ أَوْ حِينَ انْقِضَائِهَا فَابْدَؤُوا قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ (١) الطيِّبَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالْمُلْكُ للهِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَنِ الْيَمِينِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَلَى قَارئكُمْ وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ\".\n===\n(عن سمرة بن جندب) بن هلال الفزاري، قال ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه عِلْمٌ كَثِيْرٌ، وكان شديدًا على الخوارج فكانوا يطعنون عليه، وكان الحسن وابن سيرين يثنيان عليه، قال ابن عبد البر: سقط في قدر مملوءة ماءً حارًّا فكان ذلك تصديقًا لقوله - ﷺ - له ولأبي هريرة وأبي محذورة: آخركم موتًا في النار.\n(أما بعد، أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا كان) أي المصلي (في وسط الصلاة) أي في الصلاة الرباعية أو الثلاثية (أو حين انقضائها) في جميع الصلوات من الثنائية والثلاثية والرباعية (فابدؤوا) أيها المصلون بالتشهد (قبل التسليم فقولوا: التحيات الطيبات والصلوات والملك لله، ثم سلموا عن اليمين) وفي نسخة: على اليمين، فعلى النسخة الأولى معناه عن الجهة اليمنى، وعلى النسخة الثانية على أهل اليمين، وترك ذكر الشمال اعتمادًا على فهم السامع، أو لبيان أن السلام الواحد يكفي للخروج من الصلاة.\n(ثم سلموا على قارئكم) أي: إمامكم، \"ثم\" هاهنا لتراخي البيان، لا لتراخي الحكم؛ لأن الإِمام له ثلاث أحوال: إما أن يكون بين يديه أو في الجهة اليمنى أو في الجهة اليسرى، فإذا كان بين يديه فيسلم عليه في الحالتين: إذا سلم على أهل اليمين، وإذا سلم على أهل الشمال، وإذا كان في الجهة اليمنى فيسلم عليه أيضًا إذا سلم على أهل اليمين، وإذا كان في جهة الشمال فيسلم عليه أيضًا إذا سلم على أهل الشمال.\n(وعلى أنفسكم) أي من المقتدين من أهل اليمين والشمال، وهذا يدل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لله\".","vol":"4","page":525},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى كُوفِيُّ الأَصْلِ كَانَ بِدِمَشْقَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَدَلَّتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنْ سمُرَةَ.\n===\nعلى أن الأولى النسخة الأولى بلفظة \"عن\"، لأنه بين الجهة أولًا، ثم ذكر المسلمين عليهم، وأما على النسخة الثانية بلفظة \"على\" فيكون بيانًا لما تقدم من المسلمين عليهم، والله تعالى أعلم.\n(قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق) أي سكن الكوفة أولًا، ثم تحول إلى دمشق فكان بها، كما تقدم في ترجمته (قال أبو داود: ودلت هذه الصحيفة) (١) أي الصحيفة التي كتبها سمرة بن جندب إلى بنيه كما تقدم ذكرها في ترجمة سمرة (أن الحسن سمع من سمرة).\nقلت: اختلف المحدثون في سماع الحسن عن سمرة، قال يحيى القطان وآخرون: هي كتاب، وأما رواية الحسن عن سمرة بن جندب ففي \"صحيح البخاري\" سماعًا منه لحديث العقيقة، وقد روي عنه نسخة كبيرة غالبها في السنن الأربعة، وعند علي بن المديني أن كلها سماع، وكذا حكى الترمذي عن البخاري.\nووقع في \"مسند أحمد\" في حديث هشيم قال: جاء رجل إلى الحسن فقال: إن عبدًا له ابق، وإنه نذر إن يقدر عليه أن يقطع يده فقال الحسن: حدثنا سمرة، الحديث، وهذا يقتضي سماعه منه بغير حديث العقيقة.\n_________\n(١) وكتب المولوي عبد الجبار من أهل الحديث في مكتوبه: أن الشيخ حسين عرب اليمني البهوبالي كتب في بياضه المسمى بـ \"نور العينين\" أنه وقع في بعض النسخ الخطية لأبي داود: قال أبو داود: وحدثنا جعفر بن سعد- لا: سعيد- بن سمرة بن جندب قال: حدثني الحسن قال: سمعت سمرة بن جندب يقول في خطبته: أما بعد، فعلى صحة هذه النسخة يصح قول أبي داود: إن الصحيفة دلَّت على أن الحسن سمع من سمرة، وزال الإشكال، انتهى، كذا في\"المكاتيب العلمية\" لهذا العبد الفقير. (ش).","vol":"4","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>(١٨٥) بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ التَّشَهُّدِ </span>(١)\n===\nوقال أبو داود عقب حديث سليمان بن سمرة عن أبيه في الصلاة: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة، قلت: ولم يظهر لي وجه الدلالة بعد، قاله الحافظ في \"التهذيب\" (٢)، انتهى ملخصًا.\n\n(١٨٥) (بَابُ الصَّلاةِ (٣) عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ التَّشَهُّد)\nاختلف في الصلاة على النبي - ﷺ - في الصلاة هل هو فرض أو سنة، فعندنا ليست بفرض (٤) بل هي سنة، وعند الشافعي (٥) - ﵀- فرض لا تجوز الصلاة بدونها، وهي اللَّهم صل على محمد، وله في فرضية الصلاة في الأولى قولان.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ (٦)، ومطلق الأمر للفرضية، وقال - ﷺ -: \"لا صلاة لمن لم يصل علي في صلاته\" (٧).\nولنا ما روينا من حديث ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أن النبي - ﷺ - حكم بتمام الصلاة عند القعود قدر التشهد من غير شرط الصلاة على النبي - ﷺ -، ولا حجة في الآية، لأن المراد منها الندب\n_________\n(١) أخرج الحاكم عن ابن مسعود رفعه: إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل، الحديث، كذا في \"الدراية\" [انظر: \"المستدرك\" (١/ ٢٦٩)]. (ش).\n(٢) (٢/ ٢٦٩).\n(٣) وبسط الكلام على فوائد الباب وأحاديثها السخاوي في \"القول البديع\" فارجع إليه، وإلى \"الشفاء\" (٣/ ٧٢٨) وشروحه و\"الشامى\" في الفقه. [انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٢٧٦)]. (ش).\n(٤) راجع: \"مشكل الآثار\" للإمام الطحاوي (٦/ ١٥). (ش).\n(٥) وبه قال أحمد، وقول آخر للشافعي: ليس بفرض اختاره الخطابي وغيره. (ش).\n(٦) سورة الأحزاب: الآية ٥٦.\n(٧) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ٣٥٥).","vol":"4","page":527},{"text":"٩٧٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عن كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قُلْنَا- أَوْ قَالُوا-:\n===\nبدليل ما روينا، وروي عن عمر وابن مسعود - ﵄- أنهما قالا: الصلاة على النبي - ﷺ - سنة في الصلاة، على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، بل يقتضي الفعل مرة واحدة.\nوقد قال الكرخي من أصحابنا: إن الصلاة على النبي - ﷺ - فرض العمر كالحج، وليس في الآية تعيين حالة الصلاة، والحديث محمول على نفي الكمال كقوله - ﷺ -: \"لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد\" (١)، وبه نقول.\nوأما الصلاة (٢) على النبي - ﷺ - في غير حالة الصلاة، فقد كان الكرخي يقول: إنها فريضة على كل بالغ عاقل في العمر مرة واحدة، وقال الطحاوي (٣): كلما ذكره أو سمع اسمه تجب.\nوجه قول الكرخي ما ذكرنا أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فإذا امتثل مرة في الصلاة أو في غيرها سقط الفرض عنه، كما يسقط فرض الحج بالحج مرة واحدة.\nووجه ما ذكره الطحاوي أن سبب وجوب الصلاة هو الذكر أو السماع، والحكم يتكرر بتكرر السبب كما يتكرر وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات بتكرر أسبابها، انتهى كذا في \"البدائع\" (٤).\n٩٧٦ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى) أي عبد الرحمن، (عن كعب بن عجرة قال: قلنا - أو قالوا-) شك (٥) من الراوي في لفظ قلنا وقالوا أيهما قال الشيخ\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ٤٢٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٤٦).\n(٢) وجملة المذاهب في ذلك عشرة، بسطها الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ١٥٣). (ش).\n(٣) يخالفه ما حكى عنه القاري في \"شرح الشفاء\" (٣/ ٧٣١). (ش).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٠٠ - ٥٠١).\n(٥) ولفظ مسلم: \"فقلنا\" بدون الشك. (ش).","vol":"4","page":528},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرْتَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ وَأَنْ نُسَلِّمَ عَلَيْكَ، فَأَمَّا السَّلَامُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: \"قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحمدٍ وَآلِ مُحمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ\". [خ ٤٧٩٧، م ٤٠٦١، ت ٤٨٣، ن ١٢٨٧، جه ٩٥٤، حم ٤/ ٢٤١، حب ٩١٢، ق ٢/ ١٤٧]\n===\n(يا رسول الله، أمرتنا أن نصلي عليك وأن نسلم عليك) بأمر الله تعالى في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، كما أخرج أحمد في \"مسنده\" بسنده عن كعب قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ (١) عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٢)، قالوا: كيف نصلي عليك يا نبي الله؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد، الحديث (فأما السلام فقد عرفناه) أي في التشهد وهو: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وأما الصلاة فلم نعرفه (فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد (٣)، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد).\nقال القاري (٤): آل محمد، قيل: الآل من حرمت عليه الزكاة كبني هاشم وبني المطلب، وقيل: كل تقي آله، وقيل: المراد بالآل جميع أمة الإجابة، وقيل: الأزواج ومن حرم عليه الصدقة، ويدخل فيهم الذرية، قال ابن حجر: هم مؤمنو بني هاشم والمطلب عند الشافعي وجمهور العلماء، وقيل: أولاد فاطمة ونسلهم، وقيل: أزواجه وذريته، وقيل:\n_________\n(١) قال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٥٣٣): وقد سئلت عن إضافة الصلاة إلى الله دون السلام وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام، فقلت: يحتمل السلام معنيين التحية والانقياد، والله والملائكة لا يصح منهما الانقياد ... إلخ. (ش).\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٥٦.\n(٣) والمستحب أن يقول: \"وعلى آل محمد\"، وصحَّح في \"الكفاية\" أن الواجب إعادة \"على\". قاله ابن رسلان. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨).","vol":"4","page":529},{"text":"٩٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، نَا شُعْبَةُ\n===\nكل مسلم، ومال إليه مالك، واختاره الزهري (١) وآخرون، وهو قول سفيان الثوري وغيره، ورجحه النووي في \"شرح مسلم\"، وآل إبراهيم هم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما.\nوفي التشبيه إشكال مشهور، وهو أن المقرر كون المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه، لأن محمدًا - ﷺ - وحده أفضل من إبراهيم وآله ﵈.\nوأجيب بأجوبة: منها: أن هذا قبل أن يعلم أنه أفضل، ومنها: أنه قال تواضعًا، ومنها: أن التشبيه في الأصل لا في القدر كما قيل في: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢)، وكما في: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٣)، و﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٤)، ومنها: أن الكاف للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٥)، ومنها: أن التشبيه متعلق بقوله: وعلى آل محمد، ومنها: أن التشبيه للمجموع بالمجموع، فإن الأنبياء من آل إبراهيم كثيرة وهو أيضًا منهم، ومنها: أن التشبيه من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر، ومنها: أن المقدمة المذكورة مدفوعة، بل قد يكون التشبيه بالمثل بما دونه كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ (٦)، انتهى.\n٩٧٧ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرًا، (نا شعبة\n_________\n(١) كذا في \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٣٨)، وفي \"فتح الباري\" (١١/ ١٦٠)، و\"شرح النووي\" (٢/ ٣٦١): \" الأزهري\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٣.\n(٣) سورة النساء: الآية ١٦٣.\n(٤) سورة القصص: الآية ٧٧.\n(٥) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(٦) سورة النور: الآية ٣٥.","vol":"4","page":530},{"text":"بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: \"صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحمدٍ كَمَا (١) صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ\". [انظر سابقه]\n٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ الْحَكَمِ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، كما رَوَاهُ\n===\nبهذا الحديث قال: صل على محمد وعلى آل محمد) (٢) بغير لفظ اللَّهم في جميع النسخ، وبزيادة لفظ على (كما صليت على آل إبراهيم) بزيادة لفظ آل.\n٩٧٨ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن بشر) محمد، (عن مسعر، عن الحكم بإسناده) أي بإسناد الحكم، (بهذا) وفي نسخة: \"بهذا الحديث\" بعد لفظ بإسناده (قال: اللَّهم صل (٣) على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد).\n(قال أبو داود: رواه الزبير بن عدي (٤) عن ابن أبي ليلى كما رواه\n_________\n(١) راجع: \"مكتوبات الشيخ المجدد\": دفتر ٣، المجلد ٩، (ص ٢٨)، وحقق في (ص ٥٣) أن هذا الدعاء بعد ألف سنة بدعاء أمتي قبول شد، والظاهر أن المراد منه المجدد بنفسه، وفصل هذا الإشكال والجواب الفاضي ثناء الله في مكتوباته \"كلمات طيبات\" (ص ٢١٤)، وينظر أيضًا: (ص ١٣٠). (ش).\n(٢) بسط ابن رسلان الكلام في تفسير الآل، وفي أنه هل يجوز إضافة الآل إلى الضمير كما في آله أم لا؟ . (ش).\n(٣) وبسط ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢١٠) في الجمع بين روايات الصلاة، وقولهم بكراهة إفراد الصلاة عن السلام. (ش).\n(٤) أخرج روايته الطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ١٣٠) رقم (٨٢٥) قال: حدثنا حفص بن =","vol":"4","page":531},{"text":"مِسْعَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ\" وَسَاقَ مِثْلَهُ.\n٩٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىّ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ. قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى\n===\nمسعر إلَّا أنه) أي الزبير بن عدي (قال: كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) فزاد ابن أبي عدي لفظ آل (وبارك على محمد) ولم يذكر لفظ اللَّهم (وساق) أي الزبير بن عدي باقي ألفاظ الحديث (مثله) أي مثل ألفاظ حديث مسعر.\n٩٧٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: ونا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني مالك) ففي السند الأول تصل الرواية إلى مالك بواسطة واحدة، وفي الثاني بواسطتين (عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه) أي أبي بكر بن محمد الأنصاري النجاري بالنون والجيم، المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد.\n(عن عمرو بن سليم الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء بعدها قاف، من كبار التابعين، يقال: له رؤية (أنه) أي عمرو بن سليم (قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم) أي الصحابة -﵃- (قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟) فإن الله أمرنا بأن نصلي عليك (قال) أي رسول الله - ﷺ - (قولوا: اللَّهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على\n_________\n= عمر بن الصباح، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان عن الزبير بن عدي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن النبيﷺ - نحوه، ولم يذكر متنه، وأشار إلى الرواية التي قبلها، وهي من طريق عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بالإسناد السابق، ولكن وقع فيها \"قولوا: اللَّهمَّ صل على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم ... \" الحديث، دون قوله: \"آل إبراهيم\".","vol":"4","page":532},{"text":"آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». [خ ٣٣٦٩، م ٤٠٧، ن ١٢٩٤، جه ٩٠٥، حم ٤/ ١١٨]\n٩٨٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الَّذِى أُرِىَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ - أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ:\n===\nآل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد).\n٩٨٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر) بسكون الجيم وضم الميم الأولى وكسر الثانية، ويقال: بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة، قيل له: المجمر، لأنه كان يجمر مسجد رسول الله - ﷺ - ويبخره، وهو صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نعيم مجازًا (١) (إن محمد بن عبد الله بن زيد) بن عبد ربه الأنصاري المدني (وعبد الله بن زيد هو الذي أري النداء بالصلاة) أي الأذان في المنام، بينه معترضًا بين السند لئلا يلتبس بعبد الله بن زيد بن عاصم.\n(أخبره) (٢) أي أخبر محمد بن عبد الله نعيم بن عبد الله (عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: أتانا رسول الله - ﷺ - في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة (ابن سعد) الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل بدري، استشهد بعين التمر منصرفه من اليمامة مع خالد بن الوليد.\n_________\n(١) وبه جزم ابن رسلان. (ش).\n(٢) بصيغة الإفراد، وفي النسخ المصرية لمسلم: أخبراه بصيغة المثنى، وكذا يوهم عبارة ابن رسلان، والظاهر أنه وهم من الناسخ، لأن عبد الله بن زيد لم يعد أهل الرجال في رواياته هذه الرواية. (ش).","vol":"4","page":533},{"text":"أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"قُولُوا\"، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. زَادَ في آخِرِهِ: \"في الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ\". [م ٤٠٥، ت ٣٣٢٠، ن ١٢٨٥]\n٩٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ\n===\n(أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله - ﷺ -) لعل سكوته كان في انتظار الوحي (حتى تمنينا أنه) أي بشير بن سعد (لم يسأله) معناه: كرهنا سؤاله مخافة من أن يكون النبي - ﷺ - كره سؤاله وشق عليه.\n(ثم قال رسول الله - ﷺ -: قولوا، فذكر) أي: القعنبي (معنى حديث كعب بن عجرة) المتقدم (زاد) أي القعنبي في (آخره) أي في آخر الحديث: (في العالمين إنك حميد مجيد) فزاد لفظ: \"في العالمين\" فقط، وأخرج هذا الحديث مسلم من حديث يحيى بن يحيى التميمي عن مالك، وزاد في آخره: والسلام كما علمتم.\n٩٨١ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي التميمي اليربوعي، نسب إلى جده، (نا زهير، نا محمد بن إسحاق، نا محمد بن إبراهيم بن الحارث) التيمي، أبو عبد الله المدني، (عن محمد بن عبد الله بن زيد) بن عبد ربه، (عن عقبة بن عمرو) أبي مسعود الأنصاري (بهذا الخبر قال: قولوا: اللَّهم صل على محمد النبي الأمي) منسوب إلى أمة العرب، وهي لم تكن تكتب ولا تقرأ، فاستعير لمن لا يعرف الكتابة والقراءة، والمراد نفي","vol":"4","page":534},{"text":"وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ\". [حم ٤/ ١١٩، ق ٢/ ١٤٦]\n٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حِبَّانُ بْنُ يَسَارٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو مُطَرِّفٍ عُبَيْدُ اللَّه بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ كَرِيْزٍ،\n===\nالكتابة والقراءة غالبًا، وقيل: منسوب إلى مكة، لأنها أم القرى، أي أصلها وعمدتها وبركتها، وقيل: منسوب إلى الأم، أي مثل ما خرج من بطن الأم ولم يتعلم الكتابة والقراءة، قاله القاري في \"الحرز\".\n(وعلى آل محمد)، ولعل المصنف أو شيخه اختصر الحديث، وقد أخرجه البيهقي (١) عن ابن إسحاق بهذا السند عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله - ﷺ - ونحن عنده، فقال: يا رسول الله - ﷺ -، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا صلَّى الله عليك؟ قال: فصمت رسول الله - ﷺ - حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله، ثم قال: \"إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللَّهم صلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\"، هكذا في نسخة البيهقي، فلا أدري أسقط من الناسخ كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي، أو هكذا في الرواية كما هو في النسخة.\n٩٨٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حبان) بكسر أوله (ابن يسار الكلابي) أبو رويحة مصغرًا، البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، اختلط، قال أبو حاتم: ليس بالقوي ولا بالمتروك، وقال ابن عدي: وحديثه فيه ما فيه للاختلاط الذي ذكر عنه، وقال أبو داود: لا بأس به.\n(حدثني أبو مطرف عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز) بفتح الكاف وكسر الراء آخره زاي، ذكره ابن حبان في \"الثقاث\"، له عند أبي داود حديث في الصلاة عليه - ﷺ - من رواية حبان بن يسار عنه، واختلف فيه على حبان.\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٤٦).","vol":"4","page":535},{"text":"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، عن الْمُجْمِرِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ\". [ق ٢/ ١٥١]\n===\n(حدثني محمد بن علي الهاشمي) قال في \"تهذيب التهذيب\": محمد بن علي القرشي الهاشمي عن نعيم بن عبد الله المجمر، وعنه عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي، الظاهر أنه محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر الباقر.\n(عن المجمر) أي نعيم بن عبد الله، (عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: من سره أن يكتال) أي يعطي (بالمكيال) أي الكيل (الأوفى) الكامل في الوفاء (إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المومنين وذريته)، الذرية: اسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى، وأصله الهمز فخفف، وتجمع على ذريات وذراري مشددًا، وقيل: أصلها من الذر بمعنى التفرق، لأن الله ذرهم في الأرض، \"مجمع\" (١) (وأهل بيته)، وهذا بيان لما قبله من الأزواج والذرية (كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).\nتنبيه: بقي هاهنا بحثان (٢) يناسب التنبيه عليهما.\nأولهما: في لفظ الترحم، اختلف فيه، فكره بعضهم أن يقال: وارحم محمدًا، أو يقال: وترحم محمدًا، أما الحنفية فقالوا بعدم الكراهة.\n_________\n(١) (٢/ ٢٢٩).\n(٢) قلت: هاهنا بحث ثالث أيضًا وهو إفراد الصلاة والسلام على غير الأنبياء. راجع: \"الشامي\" (٢/ ٢٧٣). (ش).","vol":"4","page":536},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"الدر المختار\": وصح عدم كراهة الترحم (١)، قال الشامي (٢): ومفاده أنه لم يصح ندبه لعدم ثبوته في صلاة التشهد، ولذا قال في \"شرح المنية\": والإتيان بما في الأحاديث الصحيحة أولى، وقال في \"الفيض\": والأولى تركه احتياطًا، وفي \"شرح المنهاج\" للرملي: قال النووي في \"الأذكار\": وزيادة: \"وارحم محمدًا وآل محمد كما رحمت على إبراهيم\" بدعة.\nواعترض بورودها في عدة أحاديث صحح الحاكم بعضها \"وترحم على محمد\"، وردّه بعض محققي أهل الحديث بأن ما وقع للحاكم وهمٌ، وبأنها وإن كانت ضعيفة لكنها شديدة الضعف فلا يعمل بها، ويؤيده قول أبي زرعة وهو من أئمة الفن بعد أن ساق تلك الأحاديث وبَيَّن ضعفها: ولعل المنع أرجح لضعف الأحاديث في ذلك.\nوبما تقرر علم أن سبب الإنكار كون الدعاء بالرحمة لم يثبت هنا من طريق يعتدّ به، والباب باب اتباع، لا ما قاله ابن عبد البر وغيره من أنه لا يدعى له - ﷺ - بلفظ الرحمة، فإن أراد النافي امتناع ذلك مطلقًا فالأحاديث الصحيحة صريحة في رده، فقد صح في سائر روايات التشهد: \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\"، وصح أنه - ﷺ - أقرَّ من قال: \"ارحمني وارحم محمدًا\"، ولم ينكر عليه سوى قوله: \"ولا ترحم معنا أحدًا\"، وحصولها لا يمنع طلبها له كالصلاة والوسيلة والمقام المحمود لما فيه من عود الفائدة له - ﷺ - بزيادة ترقيه التي لا نهاية لها والداعي بزيادة ثوابه على ذلك، انتهى.\nوالحاصل أن الترحم بعد التشهد لم يثبت، وإن كان قد ثبت في غيره فكان جائزًا في نفسه.\nوالبحث الثاني: في لفظ السيادة، قال في \"الدر المختار\": وندب\n_________\n(١) وعزاه ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٣١) إلى الجمهور، انتهى. (ش).\n(٢) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤).","vol":"4","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>(١٨٦) بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ</span>\n٩٨٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِم، نَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ،\n===\nالسيادة، لأن زيادة الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب، فهو أفضل من تركه، ذكره الرملي الشافعي وغيره، وما نقل: \"لا تسودوني في الصلاة\" فكذب، قال الشامي: واعترض بأن هذا مخالف لمذهبنا لما مر من قول الإِمام من أنه لو زاد في تشهده أو نقص فيه كان مكروهًا، قلت: فيه نظر، فإن الصلاة زائدة على التشهد ليست منه، نعم ينبغي على هذا عدم ذكرها في \"وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\"، وأنه يأتي بها مع إبراهيم ﵇.\n\n(١٨٦) (بابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّد)\nأي: من الدعاء، وبعض النسخ خال عن هذا الباب، والصواب وجوده\n٩٨٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، حدثني محمد بن أبي عائشة) المدني، مولى بني أمية، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في \"صحيح مسلم\" حديث واحد في الدعاء بعد التشهد، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكر ابنه أنه أخو موسى بن أبي عائشة (أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله: إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر).\nقال النووي (١): فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يستحب في الأول، وهكذا الحكم، لأن الأول مبني على التخفيف، انتهى.\nوقال الشوكاني (٢): وهو يرد ما ذهب إليه ابن حزم من وجوبها في التشهد\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٩٣).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٧٦٤).","vol":"4","page":538},{"text":"فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَاب جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ\". [م ٥٨٨، ن ١٣١٠، جه ٩٠٩، حم ٢/ ٢٣٧، دي ١٣٤٤]\n٩٨٤ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنِي\n===\nالأول، وما ورد من الإذن للمصلي بالدعاء بما شاء بعد التشهد يكون بعد هذه الاستعاذة لقوله: إذا فرغ.\n(فليتعوذ بالله) استدل بهذا الأمر على وجوب الاستعاذة، وقد ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية وروي عن طاوس، وقد ادعى بعضهم الإجماع على الندب (١) (من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب (٢) القبر، ومن فتنة المحيا والممات) (٣).\nقال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد على هذا بفتنة المحيا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صح أنهم يفتنون في قبورهم، وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة، عن \"الفتح\" (٤).\n(ومن شر المسيح الدجال) وفي رواية لمسلم: \"ومن شر فتنة المسيح الدجال\"، وفي أخرى: \"ومن شر المسيح الدجال\".\n٩٨٤ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا عمرو بن يونس اليمامي، حدثني\n_________\n(١) وحجة الجمهور ما في البخاري في \"باب ما يتخير من الدعاء وليس بواجب\"، كذا في \"الفتح\" (٢/ ٣٢١).\n(٢) فيه إثباته خلافًا للمبتدعة، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) أي: الموت والحياة، أو حالة الاحتضار وسؤال القبر. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٩).","vol":"4","page":539},{"text":"مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ، عن طَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ (١) الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ\". [م ٥٩٠، خزيمة ٧٢٢، ك ١/ ٥٣٥]\n٩٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو مَعْمَرٍ، نَا عَبْدُ الوَارِثِ، نَا الحُسَيْنُ الْمُعَلِّم، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ حَدَّثَهُ\n===\nمحمد بن (٢) عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول بعد التشهد) أي الآخر، وهذا القيد يدل عليه حديث أبي هريرة المتقدم (اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر) فيه رد على المعتزلة، فإنهم أنكروا ذلك (وأعوذ بك من فتنة الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات).\n٩٨٥ - (حدثنا عبد الله بن عمرو أبو معمر) هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي، أبو معمر المقعد المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، واسم أبي الحجاج ميسرة، ثقة ثبت رمي بالقدر.\n(نا عبد الوارث، نا الحسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن حنظلة بن علي) بن الأسقع الأسلمي المدني، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (أن محجن) (٣) بكسر أوله وسكون المهملة وفتح الجيم (ابن الأدرع) الأسلمي، صحابي، هو الذي اختط مسجد البصرة (حدثه) أي حنظلة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الأعور\".\n(٢) له هذا الحديث الواحد فقط، كذا في \"ابن رسلان\" وهامش \"التهذيب\" [و\"الخلاصة\" (ص ٣٤٤)]. (ش).\n(٣) وله في الستة هذا الحديث وحديث آخر، كذا في \"ابن رسلان\" وهامش \"التهذيب\"، وفي \"الخلاصة\" (ص ٣٧٠): له خمسة أحاديث. (ش).","vol":"4","page":540},{"text":"قَالَ: \"دَخَلَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ\n===\n(قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد فإذا هو برجل) أي ملاقيه (قد قضى صلاته) أي قرب إتمام صلاته (وهو يتشهد) أي يقرأ التشهد (وهو يقول) وفي رواية النسائي: \"فقال\"، وهذا أوضح، فإنه دعا بعد التشهد.\n(اللهم إني أسألك يا الله)، كرره لإظهار الذلة والافتقار وليجري عليه الصفات (الأحد)، وفي رواية النسائي: \"الواحد الأحد\"، وهكذا في رواية أحمد في \"مسنده\" بزيادة لفظ: \"الواحد الأحد\" أصله الوحد، والفرق بين الواحد والأحد أن الأحد شيء بني لنفي ما يذكر معه من العدد، والواحد لمفتتح العدد، واحد يصلح في الكلام في موضع الجحود، وواحد في موضع الإثبات، يقال: ما أتاني منهم أحد، فمعناه لا واحد أتاني ولا اثنان، وإذا قلت: جاءني منهم واحد، فمعناه أنه لم يأتني منهم اثنان، فهذا حد الأحد ما لم يضف، فإذا أضيف قرب من معنى الواحد، وذلك أنك تقول: قال أحد الثلاثة: كذا وكذا، وأنت تريد واحدًا من الثلاثة، روى الأزهري عن أبي العباس أنه سئل عن الآحاد أهي جمع الأحد؟ فقال: معاذ الله ليس للأحد جمع، ولكن إن جعلت جمع الواحد فهو محتمل مثل شاهد وأشهاد، قال: وليس للواحد تثنية ولا للاثنين واحد من جنسه.\n(الصمد) هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد، وقيل: هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلانًا أصمده صمدًا بسكون الميم، وقيل: هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل: الصمد الذي ليس فوقه أحد، وقيل: الذي لا تعتريه الآفات، وقيل: الذي لا عيب فيه، وقيل: تفسيره ما بعده، وهو الذي لم يلد ولم يولد، هكذا في \"المعالم\" بتغيير.\n(الذي لم يلد ولم يولد) نفي لما قال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، وما قال اليهود: عزير ابن الله، وما قالت النصارى: عيسى ابن الله، فأكذبهم الله ونفى عن ذاته الولادة والمماثلة.","vol":"4","page":541},{"text":"وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قَالَ: فَقَالَ: \"قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ\" (١) ثَلَاثًا. [ن ١٣٠١، خزيمة ٧٢٤، حم ٤/ ٣٣٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>(١٨٧) بَابُ إِخْفَاءِ التَّشَهُّدِ</span>\n٩٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِىُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ - يَعْنِى ابْنَ بُكَيْرٍ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"مِنَ السُّنَّةِ\n===\n(ولم يكن له كفوًا أحد) وفي هذا نفي المماثلة والمساواة (أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، قال) المحجن: (فقال) أي رسول الله - ﷺ - لما سمع هذا القول: (قد غفر له، قد غفر له ثلاثًا) أي قالها ثلاثًا، لأنه قد علم بالوحي الإلهي أن الله تعالى قبل دعاءه فأخبر به.\n\n(١٨٧) (بَابُ إِخْفَاءِ التَّشَهُّدِ)\n٩٨٦ - (حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي) أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، (ثنا يونس، يعني ابن بكير) بن واصل الشيباني الحمال الكوفي الحافظ، قال ابن معين: ثقة، وقال: رأيت ابني أبي شيبة أتياه فأقصاهما وسألاه كتابًا فلم يعطهما، فذهبا يتكلمان فيه، وضعفه النسائي، وقال أبو داود: ليس بحجة، يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله بالأحاديث.\n(عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه) أسود بن يزيد، (عن عبد الله) بن مسعود (قال: من السنة)، الظاهر من هذا القول هو سنة رسول الله - ﷺ -، وهو مذهب جمهور المحدثين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قد غفر له\".","vol":"4","page":542},{"text":"أَنْ يُخْفَى التَّشَهُّدُ\". [ت ٢٩٢، ك ١/ ٢٣٠، خزيمة ٧٠٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>(١٨٨) بَابُ الإِشَارَةِ في التَّشَهُّدِ</span>\n٩٨٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِىِّ\n===\n(أن يخفى التشهد) أي يقرأ التشهد سرًّا (١).\n\n(١٨٨) (بَابُ الإشَارَةِ في التَّشَهُّدِ) (٢)\nأي: الإشارة بالإصبع المسبحة من اليد اليمنى عند الشهادة بالتوحيد، لأنها سنة لثبوته بالأحاديث الصريحة الصحيحة، وعدم ثبوت تركه بالحديث الصحيح بل والضعيف ولا بقول الأئمة\n٩٨٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن مسلم بن أبي مريم) اسمه يسار المدني، مولى الأنصار، ثقة، (عن علي بن عبد الرحمن المعاوي)، قال في \"التقريب\": بفتح الميم والمهملة الخفيفة، الأنصاري المدني، ثقة، ولكن قال السمعاني في \"الأنساب\" (٣): بضم الميم (٤) وفتح المهملة، هذه النسبة إلى معاوية، وهم جماعة منهم: علي بن عبد الرحمن المعاوي، وهو ينسب إلى بني معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، بطن من الأوس، وفي \"الخلاصة\": بضم الميم، فما في \"التقريب\" من فتح الميم فلعله غلط من الكاتب (٥).\n_________\n(١) أجمعوا على إخفائه وكراهة الجهر به، والحديث صحَّحه الحاكم. [انظر: \"المستدرك\" (١/ ٢٣٠)]. (ش).\n(٢) وتقدم فيه حديث وائل في \"باب رفع اليدين\"، وأنكر ابن العربي تحريك الإصبع أشد الإنكار، انتهى. (ش).\n(٣) (٤/ ٣٢٣).\n(٤) وكذا قال ابن رسلان، وتبعه في \"الأوجز\" (٢/ ٢٠٣). (ش).\n(٥) قلت: كذا في النسخة القديمة لـ \"التقريب\"، أما النسخة الجديدة بتحقيق الشيخ محمد عوامة ففيها: بضم الميم.","vol":"4","page":543},{"text":"قَالَ: \"رَآنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصَى فِى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَهَانِى وَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصْنَعُ، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصْنَعُ؟ قَالَ (١): إِذَا جَلَسَ فِى الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِى تَلِى الإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى. [م ٥٨٠، ن ١٢٦٧، حم ٢/ ٦٥]\n===\n(قال) علي: (رآني عبد الله بن عمر وأنا) (٢) والواو حالية (أعبث) أي أتلهى (بالحصى في الصلاة) والظاهر أنه رآه وهو يصلي (فلما انصرف) (٣) عن الصلاة (نهاني) عن العبث في الصلاة (وقال) أي عبد الله: (اصنع) في الصلاة (كما كان رسول الله - ﷺ - يصنع) فيها، ولا تعبث (فقلت: وكيف كان رسول الله - ﷺ - يصنع؟).\n(قال) ابن عمر: (إذا جلس) رسول الله - ﷺ - (في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها) سوى السبابة (وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى)، فثبت في هذا الحديث الإشارة في التشهد، ولكن لم يبين كيفية (٤) قبض الأصابع.\nقلت: وقد اتفقت الأئمة الثلاثة وأتباعهم على كون الإشارة في جلسة التشهد سنة كما حكاه العيني في \"شرح الهداية\"، وكذا اتفق عليه أئمتنا الثلاثة وقدماء أتباعهم، والخلاف إنما جاء من المتأخرين ولا اعتداد بخلافهم.\nقال القاري في \"تزيين العبارة\": أما أدلة الإشارة فمن الكتاب إجمالًا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كان\".\n(٢) وفي لفظ لمسلم: صليت إلى جنب ابن عمر - ﵄ -، فذكر نحوه. (ش).\n(٣) ولفظ \"الموطأ\": فلما انصرفت. (ش).\n(٤) وبسطه الشامي، ورسالة له في \"رسائل ابن عابدين\" (ص ١١٩)، وأنكر حضرة الشيخ المجدد في \"مكتوباته\" الإشارة، واعتذر عنه مرزا مظهر جان جاناد في \"مكاتيبه\" (ص ٤٠) بأن كتب الحديث في زمانه لم تشتهر في الهند. (ش).","vol":"4","page":544},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) ومن السنة أحاديث كثيرة.\nونقل عن بعض المانعين للإشارة أن فيها زيادة رفع لا يحتاج إليها، فيكون الترك أولى، وهو مردود بأنه لو كان الترك أولى لما فعله رسول الله - ﷺ -، وعلل بعضهم بأن فيها موافقة فرقة الرافضة، فكان تركه أولى تحقيقًا للمخالفة، وهذا أيضًا ظاهر البطلان من وجوه:\nأما أولًا: فلأن عامتهم على ما نشاهدهم في هذا الزمان لا يشيرون أصلًا، وإنما يشيرون بأيديهم عند السلام، ويضربون على أفخاذهم تأسفًا على فوت الإِسلام، فينقلب الدليل عليهم حجة لنا.\nوأما ثانيًا: فلأنه على تقدير صحة النسبة إليهم، فلا كل ما يفعلونه نحن مأمورون بمخالفتهم، حتى يشمل أفعالهم الموافقة للسنة كالأكل باليمين ونحو ذلك، بل المستحب ترك موافقتهم فيما ابتدعوه، وصار شعارًا لهم كوضع الحجر فوق السجادة.\nثم من أدلتها الإجماع إذ لم يعلم من الصحابة ولا من علماء السلف خلاف في هذه المسألة، بل قال به إمامنا الأعظم وصاحباه ومالك والشافعي وأحصد وسائر علماء الأمصار، وقد نص عليه مشايخنا المتقدمون، ولا اعتداد لما ترلى هذء السنة الأكثرون من سكان ما وراء النهر وأهل خراسان والعراق والروم وبلاد الهند ممن غلب عليهم التقليد وفاتهم التحقيق والتأييد من التعلق بالقول السديد.\nوقد أغرب الكيداني حيث قال: العاشر من المحرمات الإشارة بالسبابة كأهل الحديث، وهذا منه خطأ عظيم وجرم جسيم، منشأه الجهل عن قواعد\n_________\n(١) سورة الحشر: الآية ٧.\n(٢) سورة النساء: الآية ٨٠.","vol":"4","page":545},{"text":"٩٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَعَدَ فِى الصَّلَاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى\n===\nالأصول ومراتب الفروع من النقول، ولولا حسن الظن به لكان كفره صريحًا وارتداده صريحًا، فهل يحل لمؤمن أن يحرم ما ثبت من فعله ﵊ ما كاد أن يكون متواترًا في نقله؟\nولو لم يكن للإمام نص على المرام لكان من المتعين على أتباعه من العلماء الكرام فضلًا عن العوام أن يعملوا بما صح عن رسول الله - ﷺ -، وكذا لو صح عن الإِمام نفي الإشارة، وصح إثباتها عن صاحب البشارة، فلا شك في ترجيح المثبت المسند إلى رسول الله - ﷺ -، فكيف وقد طابق نقله الصريح، فمن أنصف ولم يتعسف عرف أن هذا سبيل أهل التدين من السلف والخلف.\nوغاية ما يعتذر عن بعض المشايخ حيث منعوا الإشارة وذهبوا إلى الكراهة عدم وصول الأحاديث إليهم، وقد ورد اختلاف في فعلها وتركها، فظنوا أن تركها أولى، انتهى ملخصًا.\n٩٨٨ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم البزاز) البغدادي أبو يحيى المعروف بصاعقة، (نا عفان، نا عبد الواحد بن زياد، نا عثمان بن حكيم) الظاهر أنه مكبر، ابن عباد بن حنيف بالمهملة والنون، مصغرًا، الأنصاري الأوسي، أبو سهل المدني ثم الكوفي، ثقة، (نا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه) عبد الله بن الزبير (قال) عبد الله: كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه، وفرش قدمه اليمنى) (١)، وهذه إحدى\n_________\n(١) قال ابن رسلان: يشكل هذا اللفظ على كثير من المشايخ، قال أبو محمد: صوابه قدمه اليسرى، ورأى أنه غلط، لأن المعروف أنها منصوبة كما تقدم في حديث ابن عمر، قال القرطبي: والصواب حمل الرواية على الظاهر وعلى الصحة، فإنما فعله - ﷺ - للعذر، أو لبيان الجواز لبيان أن التورك لا يجب فيه نصب اليمنى. (ش).","vol":"4","page":546},{"text":"وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِإِصْبُعِهِ، وَأَرَانَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ\". [م ٥٧٩]\n٩٨٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصِّيصِىُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: \"أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا وَلَا يُحَرِّكُهَا\".\n===\nصور التورك (ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه) أي السبابة (وأرانا عبد الواحد) وهذا قول عفان (وأشار) أي عبد الواحد (بالسبابة) وهذا بيان لقوله: أرانا.\nوحاصله أن عبد الواحد لما روى الحديث وكان فيه: وأشار رسول الله - ﷺ - بأصبعه فأراه عبد الواحد بفعله بإشارته بالسبابة.\n٩٨٩ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم (المصيصي (١)، نا حجاج) بن محمد المصيصي، (عن ابن جريج) عبد الملك، (عن زياد) بن سعد الخراساني، (عن محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله، عن عبد الله بن الزبير: أنه) أي عبد الله بن الزبير (ذكر أن النبي - ﷺ - كان يشير بأصبعه) أي السبابة (إذا دعا) (٢) أي دعا الله بالتوحيد (ولا يحركها)، قال القاري (٣): قال ابن الملك: هذا الحديث يدل على أنه لا يحرك الأصبع إذا رفعها للإشارة، وعليه أبو حنيفة.\nقلت: أخرج البيهقي (٤) من حديث وائل بن حجر، وفيه: ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها، ثم قال البيهقي (٥): فيحتمل أن يكون المراد بالتحريك\n_________\n(١) نسبة إلى المصيصة بلدة بساحل البحر، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) سمي به، لأنه أقيم مقام الدعاء، كما بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٣٤).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٣١ - ١٣٢).\n(٥) وقال البيهقي: كلا الحديثين صحيحان. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":547},{"text":"قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَزَادَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَامِرٌ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ -ﷺ- يَدْعُو كَذَلِكَ، وَيَتَحَامَلُ النَّبِىُّ -ﷺ- بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى\". [ن ١٢٧٠، ق ٢/ ١٣١]\n٩٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى، نَا ابْنُ عَجْلَانَ،\n===\nالإشارة بها لا تكرير تحريكها فيكون موافقًا لرواية ابن الزبير، ثم أخرج من حديث نافع عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"تحريك الأصبع في الصلاة مذعرة للشيطان\"، ثم ذكر تضعيفه فقال: تفرد به محمد بن عمر الواقدي وليس بالقوي.\nوقال مولانا الشيخ عبد الحي اللكهنوي في \"السعاية\" (١): وأورد السيوطي في \"الجامع الصغير\" حديث التحريك من حديث ابن عمر منسوبًا إلى البيهقي، قال العزيزي في \"شرحه\": سنده ضعيف، والمفتى به عند الشافعية ندب رفعها بلا تحريك، انتهى.\nوعند الحنفية لا تعارض بين الحديثين حديث التحريك وعدمه، فإنهم يقولون: إنه إذا أشار يرفعها عند النفي ويضعا عند الإثبات، فهذا هو محمل التحريك عند الرفع والوضع، وأما عدم التحريك فمحمول على ما سوى ذلك كما يفعله بعض أهل الحديث، والله تعالى أعلم.\n(قال ابن جريج: وزاد عمرو بن دينار قال: أخبرني عامر، عن أبيه) أي عبد الله بن الزبير: (أنه رأى النبي - ﷺ - يدعو) أي يشير (كذلك) أي من غير تحريك (ويتحامل النبي - ﷺ - بيده اليسرى على فخذه اليسرى). قلت: ولم أقف (٢) على أن زيادة عمرو بن دينار انتهى على لفظ \"كذلك\"، وقوله: ويتحامل إلى آخر الحديث داخل في أصل الرواية، أو قوله: ويتحامل إلى آخر الكلام داخل في زيادة عمرو بن دينار.\n٩٩٠ - (حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى، نا ابن عجلان،\n_________\n(١) (٢/ ٢٢٠).\n(٢) وسكت عنه ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":548},{"text":"عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: قال: \"لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ\" وَحَدِيثُ حَجَّاجٍ أَتَمُّ. [ن ١٢٧٥، حم ٤/ ٣]\n٩٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ النُفَيْلِيُّ، نَا عُثْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ (١) -، نَا عِصَامُ بْنُ قُدَامَةَ، مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ،\n===\nعن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه بهذا الحديث، قال:)، لفظ \"قال\" هذا ليس في النسخ الموجودة عندي إلَّا في النسخة المجتبائية، فعلى هذه النسخة ضميره يعود إلى يحيى (قال) أي عبد الله بن الزبير، هذا على النسخة المجتبائية، وأما على النسخ الآخر فضمير قال هذا يعود إلى يحيى، ومعناه زاد يحيى على حديث حجاج هذا الكلام وهو (لا يجاوز بصره إشارته، وحديث حجاج أتم) أي من حديث يحيى.\nوأخرج النسائي حديث حجاج عن ابن جريج عن زياد عن محمد بن عجلان مثل حديث أبي داود، وأخرج حديث يحيى عن ابن عجلان ولفظه: \"أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته\"، فليس في حديث يحيى \"لا يحركها\" ولا \"إذا دعا\"، ولكن فيه زيادة: \"لا يجاوز بصره إشارته\"، فحديث حجاج خال عن هذه الزيادة، ففي حكم المؤلف يكون حديث حجاج أتم، تأمل وخفاء.\n٩٩١ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عثمان، يعني ابن عبد الرحمن) بن مسلم الحراني المعروف بالطرائفي، أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، فضعف بسبب ذلك حتى نسبه ابن نمير إلى الكذب، وقد وثَّقه ابن معين وابن شاهين، وقال ابن حبان: يروي عن قوم ضعاف أشياء يدلسها، لا يجوز الاحتجاج به.\n(نا عصام بن قدامة، من بني بجيلة) (٢) أبو محمد الكوفي، قال النسائي:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحراني\".\n(٢) بفتح الموحدة قبيلة باليمن. (ش).","vol":"4","page":549},{"text":"عَنْ مَالِكِ بْنِ نُمَيْرٍ الْخُزَاعِىِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- وَاضِعًا ذِرَاعَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى رَافِعًا إِصْبَعَهُ السَّبَّابَةَ قَدْ حَنَاهَا شَيْئًا\". [ن ١٢٧٤، ١٢٧١، جه ٩١١، ق ٨/ ٣١٣، حم ٣/ ٤٧١، خزيمة ٧١٥]\n===\nثقة، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به،\nوقال الذهبي في \"الميزان\": لم يثبته القطان.\n(عن مالك بن نمير الخزاعي) البصري، قال في \"الميزان\": لا يعرف، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال البرقاني عن الدارقطني: ما يحدِّث عن أبيه إلَّا هو يعتبر به، ولا بأس بأبيه، قلت: هذا الكلام فيه نظر، فإن أباه ذكر أنه رأى النبي - ﷺ - قاعدًا في الصلاة، الحديث، فإن ثبت إسناده فهو صحابي (١)، وقال ابن القطان: لا يعرف حال مالك، ولا روى عن أبيه غيره.\n(عن أبيه) أي نمير الخزاعي هو نمير بن أبي نمير، قال في \"الإصابة\" (٢): وله صحبة (قال: رأيت النبي - ﷺ - واضعًا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعًا أصبعه السبابة قد حناها شيئًا) أي: قوَّسها (٣) ولم يقمها.\nوأخرج هذا الحديث الإِمام أحمد في \"مسنده\" من طريق يحيى بن آدم، قال: حدثنا عصام بن قدامة البجلي، ولفظه: رأيت رسول الله - ﷺ - وهو قاعد في الصلاة قد وضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعًا بأصبعه السبابة قد حناها شيئًا وهو يدعو، وهكذا لفظ البيهقي.\nوأيضًا من طريق وكيع ثنا عصام بن قدامة، ولفظه: رأيت رسول الله - ﷺ - واضعًا يده اليمنى على فخذه اليمنى في الصلاة يشير بأصبعه، والأحاديث الواردة في الإشارة كثيرة.\n_________\n(١) قال البغوي: لا نعرف لنمير حديثًا مسندًا غير هذا، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) (٦/ ٢٥٥).\n(٣) ويشكل عليه ما في \"الترمذي\" (٣٥٨٧) من قوله: قبض أصابعه وبسط السبابة، اللَّهمَّ =","vol":"4","page":550},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفلما ثبت بالأحاديث الصحيحة والحسان البالغة حد الشهرة، ولم يتكلم عليها أحد من نقاد هذا الفن بالجرح في رجاله ولا بالنسخ في حكمه، وعمل بها الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة والتابعين، كما يفصح به الكتب المعتبرة من الصحاح الستَّة وغيرها التي تلقتها العلماء بالقبول قديمًا وحديثًا، وهو المروي عن الأئمة الأربعة وغيرهم الذين هم المقتدون في الدين وحجة الله في العالمين: أبو حنيفة نعمان بن ثابت، وصاحباه أبو يوسف ومحمد، والإمام مالك بن أنس الأصبحي، والإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل الشيباني -﵃ أجمعين-، فما وقع في بعض الفتاوى والكتب المصنفة في الفقه من عدم جوازها وكراهتها وحرمتها، فهذه روايات مخالفة للأحاديث الصحيحة وأقوال الأئمة لا ينبغي أن يلتفت إليها ويعول عليها، فإنها روايات شاذة.\nوقد بالغ في رد هذه الروايات الضعيفة وإثبات سنية الإشارة من العلماء المتقنين، منهم الشيخ علي القاري، فإن له رسالة مفردة في شرح خلاصة الكيداني سماها \"تزيين العبارة في تحسين الإشارة\"، والشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي، والشيخ علي المتقي، والشيخ عبد الله السندي نزيل حرم مكة المشرفة، والشيخ علم الله عبد الرزاق الحنفي- شكر الله سعيهم- وأثيبوا بما بذلوا في ذلك وسعهم.\nقال في \"تنوير الأبصار\": ولا يشير بسبابته عند الشهادة وعليه الفتوى، قال في \"الدر المختار\" (١): كما في \"الولوالجية\" و\"التجنيس\" و\"عمدة المفتي\" و\"عامة الفتاوى\"، لكن المعتمد ما صححه الشراح، ولا سيما المتأخرون\n_________\n= إلَّا أن يقال: إن هذا بيان لحالة الرفع عند الشهادتين وهو بيان لحالة الوضع عند الدعاء، أو يقال: إن البسط بمقابلة القبض لا ينافي الحنو. (ش).\n(١) (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٨).","vol":"4","page":551},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكالكمال والحلبي والبهنسي وشيخ الإسلام الجد وغيرهم أنه يشير لِفعله ﵊، ونسبوه لمحمد والإمام.\nوفي \"درر البحار\" وشرحه \"غرر الأذكار\": المفتى به عندنا أنه يشير باسطًا أصابعه كلها، وفي \"الشرنبلالية\" عن \"البرهان\": الصحيح أنه يشير بمسبحته وحدها، يرفعها عند النفي ويضعها عند الإثبات.\nواحترز في الصحيح عما قيل: لا يشير، لأنه خلاف الدرايه والرواية، وبقولنا بالمسبحة كما قيل: عقد عند الإشارة، انتهى، وفي \"العيني\" عن \"التحفة\": الأصح أنها مستحبة، وفي \"المحيط\": سنة، انتهى كلام \"الدر\".\nأما كيفية عقد الأصابع عند الإشارة فقال مولانا الشيخ عبد الحي اللكهنوي في \"السعاية\" (١): الوجه الخامس في كيفية عقد الأصابع عند الإشارة، قال الطيبي: للققهاء في كيفية عقدها وجوهٌ: أحدها: أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل المسبحة ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة، والثاني: أن يضم الإبهام إلى الوسطى المقبوضة كالقابض ثلاثًا وعشرين (٢)، فإن ابن الزبير رواه كذلك، والثالث: أن يقبض الخنصر والبنصر ويرسل المسبحة ويحلق الإبهام والوسطى، كما رواه وائل بن حجر.\nقال علي القاري في \"المرقاة\" (٣): الأخير هو المختار عندنا، وقال الرافعي: الأخبار وردت بها جميعًا، وكأنه - ﷺ - كان يصنع مرة هكذا ومرة هكذا، انتهى.\nوفي \"البناية\" (٤): ثم كيف يشير؟ يقبض خنصره والتي تليها ويحلق الوسطى بالإبهام ويقيم السبابة ويشير بها، هكذا روى الفقيه أبو جعفر أنه ﵊ فعله كذا، وهو أحد وجوه قول الشافعي.\n_________\n(١) (٢/ ٢٢٠).\n(٢) من عقد الأنامل الحساب المعروف، ذكره ابن عابدين في \"رسائله\". (ش).\n(٣) (٢/ ٣٢٨).\n(٤) (٢/ ٣١٥).","vol":"4","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>(١٨٩) بَابُ كرَاهِيَّةِ الاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدِ في الصَّلَاةِ</span>\n٩٩٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّوَيْهِ (١)\n===\nقال في \"السعاية\" (٢): والوجه السادس في وقت العقد، وفيه اختلاف، فجمهور الشافعية كما يعلم من كتبهم على أنه يعقد حين يجلس، والمختار عند أصحابنا أنه يبسط أولًا، ثم يعقد عند الإشارة كما أشار إليه ابن الهمام في \"فتح القدير\".\nوفي \"تزيين العبارة\": المعتمد عندنا أنه لا يعقد يمناه إلَّا عند الإشارة لاختلاف ألفاظ الحديث، وبما اخترنا يحصل الجمع بين الأدلة، فإن بعضها يدل على أن العقد من أول وضع اليد على الفخذ، وبعضها يشير إلى أن لا عقد أصلًا مع الاتفاق على تحقيق الإشارة، فاختار بعضهم أنه لا يعقد ويشير، وبعضهم أنه يعقد عند قصد الإشارة، ثم يرجع على ما كان عليه.\nوالصحيح المختار عند جمهور أصحابنا أن يضع كفيه على فخذيه، ثم عند وصوله إلى كلمة التوحيد يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى والإبهام ويشير بالمسبحة رافعًا لها عند النفي واضعًا لها عند الإثبات، ثم يستمر على ذلك، لأنه ثبت العقد عند ذلك بلا خلاف، ولم يوجد أمر بتغييره، فالأصل بقاء الشيء على ما هو عليه، واستصحابه إلى آخر أمره ومآله إليه هذا، انتهى.\n\n(١٨٩) (بَابُ كرَاهِيَّةِ الاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدِ في الصَّلَاةِ)\nأي: في حالة القعود والنهوض، فعندنا يعتمد بيديه على ركبيه إذا نهض، وعند الشافعي يعتمد على الأرض\n٩٩٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل وأحمد بن محمد بن شبويه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن ثابت المروزي\".\n(٢) (٢/ ٢٢١).","vol":"4","page":553},{"text":"وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْغَزَّالُ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِى الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ. (١).\nوَقَالَ ابْنُ شَبُّويَةَ: نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ (٢) فِى الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: نَهَى أَنْ يُصَلِّىَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ (٣). وَذَكَرَهُ\n===\nومحمد بن رافع ومحمد بن عبد الملك الغزال قالوا: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - ﷺ -)، هذا اللفظ اتفق عليه أساتذة أبي داود، ثم بين الاختلاف بينهم.\n(قال أحمد بن حنبل: أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده)، فهذا السياق (٤) يدل على أن النهي عن الاعتماد على اليد في حالة الجلوس، يعني إذا جلس في الصلاة سواء كان في التشهدين أو بين السجدتين، فلا يعتمد على يده.\n(وقال ابن شبويه: نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة)، وهذا السياق (٥) يدل على النهي عن مطلق الاعتماد على اليد في الصلاة، سواء كان في الجلوس أو النهوض.\n(وقال ابن رافع: نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده، وذكره)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يديه\".\n(٢) وفي نسخة: \"يديه\".\n(٣) وفي نسخة: \"يديه\".\n(٤) والرواية الصحيحة على يديه، قال شارح \"المصابيح\": يعني إذا جلس لا يضع يده على الأرض بل على الركبة، انتهى. (ش).\n(٥) وهو مستدل مالك في الإرسال، كما في \"شرح النقاية\" (١/ ١٧٨). (ش).","vol":"4","page":554},{"text":"فِى بَابِ الرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ (١). وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ (٢) إِذَا نَهَضَ فِى الصَّلَاةِ\". [حم ٢/ ١٤٧، ق ٢/ ١٣٥]\n===\nأي ابن رافع هذا الحديث (في باب الرفع من السجود)، فلفظ الحديث وإن كان عامًّا، لكن ذكره في \"باب الرفع عند السجود\" يدل على أن عنده محمول على حالة النهوض من السجود.\n(وقال ابن عبد الملك: نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة)، وهذا يَدل على أن النهي عن الاعتماد على اليد محمول على حالة النهوض عن السجود، ولا معارضة في ذلك، فإن الاعتماد على اليد بلا عذر سواء كان في حالة الجلوس أو النهوض عن السجود مكروه عندنا.\nوقد أخرج صاحب \"منتقى الأخبار\" هذا الحديث وحديث أم قيس بنت محصن أن النبي - ﷺ - لما أسن وحمل اللحم اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه.\nوقال الشوكاني (٣) في شرح هذين الحديثين: وقد سكت أبو داود والمنذري عن الكلام على حديث ابن عمر وحديث أم قيس، فهما صالحان للاحتجاج بهما كما صرح به جماعة من الأئمة، لكن حديث أم قيس هو من حديث عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي عن أبيه، وأبوه مجهول، والحديث الأول بجميع ألفاظه يدل على كراهة الاعتماد على اليدين عند الجلوس وعند النهوض، وفي مطلق الصلاة، وظاهر النهي التحريم، وإذا كان الاعتماد على اليد كذلك فعلى غيرها بالأولى، وحديث أم قيس يدل على جواز الاعتماد على العمود والعصا ونحوهما، لكن مقيدًا بالعذر المذكور وهي الكبر وكثرة اللحم، ويلحق بهما الضعف والمرض ونحوهما، فيكون النهي محمولًا على عدم العذر ... إلخ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"السجدة\".\n(٢) وفي نسخة: \"يده\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٩٠).","vol":"4","page":555},{"text":"٩٩٣ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ (١)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قال: \"سَأَلْتُ نَافِعًا عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّى وَهُوَ مُشَبِّكٌ يَدَيْهِ (٢). قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ\".\n===\nفما وقع في البخاري من حديث أيوب السختياني عن أبي قلابة، ولفظه \"فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام\" فمحمول على حالة العذر، فإنه قد ثبت عن أكابر الصحابة ترك جلسة الاستراحة.\nوقال مولانا الشيخ عبد الحي اللكهنوي في \"السعاية\" (٣) بعد ما نقل عن أكابر الصحابة ترك جلسة الاستراحة عن علي وابن مسعود وابن الزبير وعمرو وابن عباس وأبي سعيد الخدري: ونقل العلامة قاسم في \"الأسوس في كيفية الجلوس\" عن \"شرح هداية أبي الخطاب\" للعلَّامة محب الدين عبد السلام بن تيمية: أن الصحابة قد أجمعوا على ترك جلسة الاستراحة، فلا جرم يحمل حديث مالك على العذر، انتهى.\nوفي \"شرح المواهب\" (٤) للزرقاني: قد تمسك من لم يقل باستحبابها بحديث: \"لا تبادروني بالقيام والقعود، فإني قد بدنت\"، فدل أنه كان يفعله لهذا السبب، فلا تشرع إلَّا في حق من اتفق له نحو ذلك.\n٩٩٣ - (حدثنا بشر بن هلال) الصواف، أبو محمد النميرى بضم النون، ثقة، (نا عبد الوارث، عن إسماعيل بن أمية قال: سألت نافعًا عن الرجل يصلي وهو مشبك يديه) أي مدخل أصابع إحدى اليدين في أصابع اليد الأخرى (قال) أي نافع: (قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الصواف\".\n(٢) وفي نسخة: \"يده\".\n(٣) (٢/ ٢١١).\n(٤) (١٠/ ٣٧٠).","vol":"4","page":556},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد أخرج الإمام أحمد (١) من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن، فإن التشبيك (٢) من الشيطان\".\nقال الشوكاني (٣): وقد اختلف في الحكمة في النهي عن التشبيك في المسجد كما في حديث أبي سعيد، وفي غيره كما في حديث كعب بن عجرة، فقيل: لما فيه من العبث، وفيه هن التشبه بالشيطان، وقيل: لدلالة الشيطان على ذلك، وجعل بعضهم ذلك دالًّا على تشبيك الأحوال.\nقال ابن العربي (٤): وقد شاهدت رجلًا كان يكره رؤية ذلك ويقول: فيه تطير في تشبيك الأحوال على المرء، وظاهر النهي عن التشبيك التحريم لولا حديث ذي اليدين الذي سيشير إليه المصنف قريبًا، وظاهره نهي من كان في المسجد عن التشبيك، سواء كان في صلاة أم لا، كما جزم به النووي في \"التهذيب\"، انتهى.\nقلت: وعند الحنفية التشبيك مكروه في الصلاة، ولمن كان منتظرًا لصلاة أو ماشيًا إليها.\nقال في \"الدر المختار\" (٥) في المكروهات: وفرقعة الأصابع وتشبيكها ولو منتظرًا لصلاة أو ماشيًا إليها للنهي، وقال الشامى: ونقل في \"المعراج\" الإجماع على كراهة الفرقعة والتشبيك في الصلاة، وينبغي أن تكون تحريمية للنهي المذكور \"حلية\" و\"بحر\".\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٣).\n(٢) وقيل: لما أنه يجلب النوم، أو يشير إلى الاختلاف. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٨٦).\n(٤) \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١٧٨).\n(٥) (٢/ ٤٩٣).","vol":"4","page":557},{"text":"٩٩٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِى الزَّرْقَاءِ، حَدَّثَنَا أَبِى. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ - وَهَذَا لَفْظُهُ - جَمِيعًا، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَتَّكِئُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَهُوَ قَاعِدٌ فِى الصَّلَاةِ - وَقَالَ هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ: سَاقِطًا (١) عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ اتَّفَقَا - فَقَالَ لَهُ: لَا تَجْلِسْ هَكَذَا، فَإِنَّ هَكَذَا يَجْلِسُ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ\". [حم ٢/ ١١٦]\n===\nقلت: فقول ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم لعله إشارة إلى أن الصلاة بالتشبيك صلاة اليهود وهم المغضوب عليهم، فلا تشبهوا بهم، فنهاهم عن التشبيك في الصلاة للتشبه بهم.\n٩٩٤ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء) التغلبي، أبو محمد الموصلي، نزيل الرملة، وثَّقه مسلمة بن قاسم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، (نا أبي) زيد بن أبي الزرقاء، واسم أبي الزرقاء يزيد، (ح: ونا محمد بن سلمة، نا ابن وهب، وهذا لفظه) أي لفظ ابن وهب (جميعًا) أي زيد بن أبي الزرقاء وابن وهيب يرويان جميعًا، (عن هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر: أنه رأى رجلًا يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة، وقال هارون بن زيد: ساقطًا على شقه الأيسر، ثم اتفقا) أي هارون بن زيد ومحمد بن سلمة (فقال) أي ابن عمر (له) أي للرجل المتكئ على يده: (لا تجلس (٢) هكذا) أي متكئًا على يدك (فإن هكذا يجلس الذين يعذبون) في جهنم للاستراحة، فلا يجوز التشبه بأهل النار.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ساقط\".\n(٢) يحتمل أن يكون التشبيه على الشق الأيسر أو الاتكاء هكذا أو كلاهما. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>(١٩٠) بَابٌ: في تَخْفِيفِ القُعُودِ</span>\n٩٩٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ \"عن النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ (١) فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ\n===\n\n(١٩٠) (بَابٌ: في تَخْفِيفِ القُعُودِ) (٢)\nأي: القعدة الأولى في الصلاة الرباعية والثلاثية\n٩٩٥ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي، ثقة، والراجح أنه لا يصح سماعه عن أبيه، مات بعد سنة ٨٠ هـ.\n(عن أبيه) عبد الله بن مسعود (عن النبي - ﷺ -) هكذا في أكثر النسخ بلفظ \"عن\"، وفي النسخة المصرية والكانفورية: أن النبي - ﷺ - (كان في الركعتين الأوليين) أي في القعدة بعد الركعتين الأوليين (كأنه) أي النبي - ﷺ - (على الرضف) (٣) هو بفتح راء وسكون معجمة، الحجارة المُحْمَاة، قيل: أراد به تخفيف التشهد الأول، وقيل: أراد الركعة الأولى والثالثة من الرباعية، أي لم يلبث إذا رفع رأسه من السجود في هاتين الركعتين حتى ينهض قائمًا، وهو ضعيف وقادح في إيراده في \"باب التشهد\"، وحتى التدريجية المقتضية زمانًا، \"مجمع\" (٤).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنه كان\".\n(٢) وبوَّب الترمذي مقدار الجلسة الوسطى، قال ابن العربي (٢/ ١٦١): حديثه عندي صحيح وإن حسن الترمذي. (ش).\n(٣) فيه تخفيف القعود، قال ابن رسلان، ولذا كره أصحابنا الزيادة على التشهد بالدعاء. (ش).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٣٥).","vol":"4","page":559},{"text":"قَالَ: قُلْنَا: حَتَّى يَقُومَ؟ قَالَ: حَتَّى يَقُومَ\". [ن ١١٧٦، ت ٣٦٦، حم ١/ ٣٨٦، ك ١/ ٢٦٩، ق ٢/ ١٣٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>(١٩١) بَابٌ: في السَّلَامِ</span>\n٩٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ\n===\n(قال: قلنا) وفي النسخة المصرية: \"قال قلت\"، وضمير قال يرجع إلى شعبة، أي قال شعبة قلت لأستاذي سعد بن إبراهيم (حتى يقوم؟) بحذف حرف الاستفهام، أي هل تقول: حتى يقوم؟ (قال) أي سعد بن إبراهيم: (حتى يقوم).\nوأصرح منه ما قال الترمذي في \"جامعه\" بعد قوله: \"كأنه على الرضف\": قال شعبة: ثم حرك سعد شفتيه بشيء أي تكلم بكلام خفي سرًّا، فأقول أي فقلت له مستفهمًا: حتى يقوم؟ أي الكلام الذي تحرك شفتيه به هو حتى يقوم، فيقول أي فقال في جوابه: حتى يقوم، أي الكلام الخفي هو: حتى يقوم.\nوقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين، ولا يزيد على التشهد شيئًا في الركعتين الأوليين، وقالوا: إن زاد على التشهد فعليه سجدتا السهو، هكذا روي عن الشعبي وغيره، قلت: وهذا مذهب الحنفية في هذه المسألة.\n\n(١٩١) (بَابٌ: في السَّلَامِ) (١)\nأي: في الخروج عن الصلاة بالسلام\n٩٩٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري، (ح: ونا أحمد بن\n_________\n(١) قال ابن العربي (٢/ ٩٠): السلام الواحد للتحلل، والثاني للرد على الإِمام، والثالث محدث، وحذف السلام سنة، وبسط معناه، وبسط الكلام على اختلافات) السلام الثلاثة في \"الأوجز\" (٢/ ٢٥٠). (ش).","vol":"4","page":560},{"text":"يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِىُّ وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِىُّ. (ح): وَحَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِى ابْنَ يُوسُفَ -، عَنْ شَرِيكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ إِسْرَائِيلُ: عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ\n===\nيونس، نا زائدة، ح: ونا مسدد، نا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي، (ح: ونا محمد بن عبيد المحاربي) ابن محمد بن واقد أبو جعفر، أو أبو يعلى النحاس الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي ومسلمة: لا بأس به (وزياد بن أيوب قالا: نا عمر بن عبيد) بن أبي أمية (الطنافسي) بفح الطاء والنون وبعد الألف فاء مكسورة ثم سين مهملة، صدوق.\n(ح: ونا تميم بن المنتصر، أنا إسحاق -يعني ابن يوسف-، عن شريك، ح: وحدثنا أحمد بن منيع، نا حسين بن محمد، نا إسرائيل كلهم) أي سفيان وزائدة وأبو الأحوص وعمر بن عبيد وشريك وإسرائيل رووا (عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص) عوف بن مالك الجشمي، (عن عبد الله) أي ابن مسعود (وقال إسرائيل: عن أبي الأحوص والأسود عن عبد الله) فزاد إسرائيل الأسود ولم يزده غيره من أصحاب أبي إسحاق (أن النبي - ﷺ - كان يسلم) أي في آخر صلاته (عن يمينه وعن شماله).\nقال الشوكاني (١): فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار، قال النووي: ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو يساره أو تلقاء وجهه، أو الأولى عن يساره، والثانية عن يمينه صحت صلاته وحصلت التسليمتان، ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٤٦).","vol":"4","page":561},{"text":"حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله\". [ت ٢٩٥، ن ١٣٢٥، جه ٩١٤، حم ١/ ٣٩٠، خزيمة ٧٢٨، حب ١٩٩٠، ق ٢/ ١٧٧]\n===\n(حتى يرى بياض خده) بضم الياء المثناة من تحت مبنيًا للمجهول، وبياض بالرفع على النيابة، وفيه دليل على المبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار، قاله الشوكاني.\n(السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله) اختلف العلماء في أن المصلي هل يسلم (١) تسليمتين أو تسليمة واحدة أو ثلاث تسليمات؟، فذهب الجمهور إلى أنه يسلم تسليمتين، وقد حكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر ونافع بن عبد الحارث من الصحابة، وعطاء بن أبي رباح وعلقمة والشعبي وأبي عبد الرحمن السلمي من التابعين، وعن أحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وإليه ذهب الشافعي.\nوذهب إلى أن المشروع تسليمة واحدة ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة من الصحابة، والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز من التابعين، ومالك والأوزاعي وغيرهم، وأحد قولي الشافعي.\nوذهب عبد الله بن موسى بن جعفر إلى أن الواجب ثلاث يمينًا وشمالًا وتلقاء وجهه.\nواختلف القائلون بمشروعية التسليمتين هل الثانية واجبة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى استحبابها، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" (٢): أجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلَّا تسليمة واحدة، والحق ما ذهب إليه الأولون بكثرة الأحاديث\n_________\n(١) وأما الكلام على حكم السلام فقد تقدم. (ش).\n(٢) (٣/ ٨٩).","vol":"4","page":562},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَحَدِيثُ إِسْرَائِيلَ لَمْ يُفَسِّرْهُ.\n===\nالواردة بالتسليمتين وصحة بعضها وحسن بعضها واشتمالها على الزيادة وكونها مثبتة، بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة فإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج، ولو سلم انتهاضها لم يصلح لمعارضة أحاديث التسليمتين لما عرفت من اشتمالها على الزيادة.\nوأما القول بمشروعية ثلاث، فلعل القائل به ظن أن التسليمة الواحدة الواردة في الباب الذي سيأتي غير التسليمتين المذكورتين في هذا الباب، فجمع بين الأحاديث بمشروعية الثلاث وهو فاسد، وأفسد منه ما رواه في \"البحر\" عن البعض من أن المشروع واحدة في المسجد الصغير وثنتان في المسجد الكبير، هكذا في \"النيل\" (١) ملخصًا.\n(قال أبو داود: وهذا لفظ حديث سفيان، وحديث إسرائيل لم يفسره)، هكذا في سائر النسخ (٢) الموجودة عندي بلفظ إسرائيل، وفي حاشية النسخة المكتوبة: شريك، كأنه في تلك النسخة وقع لفظ شريك بدل إسرائيل، لفظ \"حديث إسرائيل\" مبتدأ، ولفظ \"لم يفسره\" خبره، وضمير الفاعل في لم يفسره يعود إلى إسرائيل، وضمير المفعول إلى الحديث.\nوعندي معنى (٣) هذا الكلام بأن إسرائيل بهذا الإسناد لم يفسر الحديث كما فسره الثوري، فإن الثوري أتى بتفسيره، فلفظ حديثه: \"كان يسلم عن يمينه وعن شماله\"، وهو مفسَّر بفتح السين، ثم قال في آخر الحديث: \"السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله\"، وهو مفسِّر لقوله. \"كان يسلم\"، ولم يذكر إسرائيل هذا المفسر في حديثه.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٤٦).\n(٢) وكذا في ابن رسلان. (ش).\n(٣) وكذا شرحه في ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":563},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوتفصيله أن إسرائيل روى عنه حسين بن محمد كما في أبي داود عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله، وفي \"مسند أحمد\" (١): روى عن إسرائيل هاشم وحسين المعنى قالا: ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق [عن أبى الأحوص] والأسود بن يزيد عن عبد الله قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله حتى يبدو بياض خده الأيمن، وعن يساره مثل ذلك، وليس في هذا الحديث ذكر التفسير كما في حديث سفيان الثوري.\nوقد روى عن إسرائيل من طريق آخر فأخرج الإمام أحمد (٢): حدَّثَنَا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - يكبر في كل ركوع وسجود، ورفع ووضع، وأبو بكر وعمر - رضوان الله عليهما-، ويسلمون على أيمانهم وشمائلهم: السلام عليكم ورحمة الله، ولعل هذا حديث آخر غير الحديث الذي أشار إليه أبو داود بقوله: \"وحديث إسرائيل لم يفسره\"، فإن المراد به هو حديث إسرائيل الأول، ومع هذا فليس فيه تفسير كتفسير سفيان.\nولكن الطحاوي (٣) أخرج هذا الحديث من طريق عبيد الله بن موسى العبسي، ومن طريق أبي نعيم قالا: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ومن طريق حسين بن واقد قال: ثنا أبو إسحاق قال: ثنا علقمة والأسود بن يزيد وأبو الأحوص قالوا: حدثنا عبد الله بن مسعود، ومن طريق أسد قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود عن عبد الله، فذكر مثل لفظ سفيان من غير فرق.\n_________\n(١) (١/ ٤٠٦).\n(٢) (١/ ٤١٨).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).","vol":"4","page":564},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَلْقَمَةَ\n===\nثم أخرج من طريق عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر يسلمون عن أيمانهم وعن شمائلهم في الصلاة، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فذكر السلام مرتين، وما كتب في شرحه صاحب \"العون\" (١) فبعيد عن الفهم.\n(قال أبو داود: ورواه زهير عن أبي إسحاق، ويحيى بن آدم عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وعلقمة)، لفظ علقمة بظاهره يحتمل أن يكون معطوفًا على عبد الرحمن، ويحتمل أن يكون معطوفًا على لفظ أبيه، فعلى الأول يكون رواية أبي إسحاق عن علقمة بلا واسطة عبد الرحمن، وعلى الثاني يكون بالواسطة، ولكن يرجح الاحتمال الأول حديث حسين بن واقد عند البيهقي (٢) والدارقطني (٣) برواية أبي إسحاق عن عبد الرحمن كما سيأتي.\nأما ترجيح الاحتمال الثاني بحديث سليمان بن داود عند أحمد (٤): ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة والأسود، عن عبد الله، فليس بمقنع، فإنه خالفه أبو الجواب الأحوص بن الجواب عند الطحاوي (٥)، ويحيى وأبو كامل عند أحمد (٦)، وحميد الرؤاسي عند\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (٣/ ٢٨٩).\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٧٧).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٥٦).\n(٤) \"مسند أحمد\" (١/ ٣٩٤).\n(٥) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٦٨).\n(٦) (١/ ٣٩٤).","vol":"4","page":565},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ.\n===\nالدارقطني، فكلهم قالوا: عن زهير قال: حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود، وعلقمة عن عبد الله، فالظاهر أنه وقع الغلط أو الشذوذ في رواية سليمان.\n(عن عبد الله) حاصل هذا الكلام أن أبا داود يشير إلى أن هذا الحديث حديث أبي إسحاق اختلف في سنده، فرواه سفيان وزائدة وأبو الأحوص وعمر بن عبيد الطنافسي وشريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله.\nوروى إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص والأسود، عن عبد الله، فزاد الأسود.\nوروى زهير، عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وعلقمة عن عبد الله.\nوروى يحيى بن آدم عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وعلقمة عن عبد الله، وقد أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" من طريق يحيى بن آدم وأبي أحمد كما تقدم قريبًا.\nوقد أخرج الإِمام أحمد والبيهقي حديث زهير بن معاوية: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود وعلقمة، وهذا لفظ أحمد، ولفظ البيهقي: عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وعلقمة عن عبد الله.\nوقد أخرج الإِمام أحمد من حديث معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، وقد أخرج أيضًا قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، ثنا الحسن، عن أبي إسحاق، ثنا أبو الأحوص، عن عبد الله.\nوروى الحسين بن واقد عند البيهقي والدارقطني: ثنا أبو إسحاق الهمداني، حدثني علقمة بن قيس والأسود بن يزيد وأبو الأحوص قالوا: ثنا عبد الله بن","vol":"4","page":566},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمسعود، وهذا لفظ البيهقي بلفظ التحديث في سائر السند، وأما حديث الدارقطني فمعنعن، فذكر الحسين بن واقد الأسودَ وعلقمةَ وأبا الأحوص، ولم يذكر عبد الرحمن بن الأسود، ولكن ذكر الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١) فيما روى عنهم أبو إسحاق علقمةَ ثم قال: وقيل: لم يسمع منهم.\nوحاصل الاختلاف أن سفيان وزائدة وأبا الأحوص وعمر بن عبيد وشريكًا فيمن ذكرهم المؤلف أبو داود، ومعمر والحسن بن صالح فيمن لم يذكرهم المصنف، وذكرهم الإِمام أحمد في \"مسنده\"، رووه عن أبي الأحوص عن عبد الله.\nوروى إسرائيل في رواية حسين بن محمد عنه فزاد الأسود مع أبي الأحوص، وروى إسرائيل فيما روى عنه يحيى بن آدم عند المؤلف والإمام أحمد، وفيما روى عنه أبو أحمد عند الإِمام أحمد فقط، عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، فلم يذكر أبا الأحوص، وأدخل بينه وبين الأسود عبد الرحمن ابنه وزاد علقمة.\nوروى زهير بن معاوية كما في أبي داود والدارقطني والبيهقي عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، وعلقمة عن عبد الله، فوافق إسرائيل عنه.\nورجح الدارقطني رواية زهير، فقال (٢): اختلف على أبي إسحاق في إسناده، ورواه زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وعلقمة عن عبد الله، وهو أحسنهما إسنادًا، وقال البيهقي في \"سننه\" (٣): وكان أبو الحسن الدارقطني يستحسن هذه الرواية ويقول: هي أحسنها إسنادًا.\n_________\n(١) (٨/ ٦٤).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٥٧).\n(٣) (٢/ ١٧٧).","vol":"4","page":567},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وشُعْبَةُ كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ- حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ-.\n===\n(قال أبو داود: وشعبة كان ينكر هذا الحديث- حديث أبي إسحاق-) ولعل وجه إنكار شعبة على هذا الحديث الاختلاف الواقع في سنده على أبي إسحاق، ولكن قال الترمذي بعدما أخرج هذا الحديث من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود -﵁ - حديث حسن صحيح، فكأنه لم يلتفت إلى إنكار شعبة.\nوقال صاحب \"التعليق المغني على الدارقطني\" (١): قال العقيلي: والأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود -﵁ - في تسليمتين، ولا يصح في تسليمة واحدة شيء، فكأنهما لم يوافقا شعبة في الإنكار.\nوقد روى شعبة هذا الحديث من غير رواية أبي إسحاق، ففي \"مسند أحمد\" (٢): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن جابر، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ -: أنه كان يسلم عن يمينه وعن شماله، حتى أرى بياض وجهه، فما نسيت بعد فيما نسيت: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وفيه جابر وهو الجعفي الكوفي ضعيف رافضي.\nوقول أبي داود هذا انتهى على لفظ \"حديث أبي إسحاق\" في أكثر النسخ الموجودة المصرية والمكتوبة والقادرية، وكتب في حاشية المجتبائية بعد قوله: حديث أبي إسحاق لفظ: أن يكون مرفوعًا، ولعل هذا غلط من النساخ، فإنه لا وجه له هاهنا، لأن هذا الحديث ثبت رفعه في جميع طرق حديث أبى إسحاق، فلا معنى للإنكار عليه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) (١/ ٣٥٧).\n(٢) (١/ ٤٣٨).","vol":"4","page":568},{"text":"٩٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِىُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»، وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ». (١)\n===\n٩٩٧ - (حدثنا عبدة بن عبد الله) الصفار الخزاعي، أبو سهل البصري، كوفي الأصل، ثقة، (نا يحيى بن آدم، نا موسى بن قيس الحضرمي) أبو محمد الفراء الكوفي، يلقب عصفور الجنة، رمي بالتشيع، وقال العقيلي: من الغلاة في الرفض، ووثَّقه ابن معين، قال في \"التهذيب\": تتمة كلامه يحدث بأحاديث مناكير، في فسخة: بواطيل.\n(عن سلمة بن كهيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه) وائل بن حجر (قال: صليت مع النبي - ﷺ - فكان يسلم عن (٢) يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (٣)، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله)، قال النووي (٤): ولا يسن زيادة \"وبركاته\"، وإن كان قد جاء فيها حديث ضعيف، وأشار إليها بعض العلماء، ولكنها بدعة إذا لم يصح فيها حديث، بل صح هذا الحديث وغيره في تركها.\nوقال الشوكانىِ في \"النيل\" (٥): زاد أبو داود من حديث وائل \"وبركاته\"، وأخرجها أيضًا ابن حبان في \"صحيحه\" (٦) من حديث ابن مسعود، وكذلك\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وبركاته\".\n(٢) عُدِّي السلام بعن، والقاعدة إنما يعلى بعلى، وفيه وجهان: أحدهما: أن عن ترد في الكلام بمعنى على كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨]، والثاني: أن معنى عن المجاوزة، أراد يسلم مجاوزًا ليمينه ويساره، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) ورد على هذه الزيادة في \"البحر الرائق\" (١/ ٥٨٠)، و\"المغني\" (٢/ ٢٤٥). (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٨٩).\n(٥) (٢/ ٣٤٦).\n(٦) \"صحيح ابن حبان\" (١٩٩٣).","vol":"4","page":569},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nابن ماجه (١) من حديثه، قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢): فيتعجب من ابن الصلاح حيث يقول: إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث إلَّا في رواية وائل بن حجر، وقد ذكر لها الحافظ (٣) طرقًا كثيرة في \"تلقيح الأفكار في تخريج الأذكار\" لما قال النووي: إن زيادة \"وبركاته\" رواية فردة، ثم قال الحافظ بعد أن ساق تلك الطرق: فهذه عدة طرق تثبت بها \"وبركاته\"، بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية فردة، انتهى، وقد صحح أيضًا في \"بلوغ المرام\" (٤) حديث وائل المشتمل على تلك الزيادة.\nقلت: قوله: وأخرجها ابن حبان في \"صحيحه\" من حديث ابن مسعود، فحديث ابن مسعود شائع في كتب الحديث، أخرجها أحمد بطرق متعددة والبيهقي والطحاوي، وكذلك مخرج في الخمسة، فلم يزد فيها هذه الزيادة أحد، فهذه الزيادة شاذة، وليس بأيدينا \"صحيح ابن حبان\" حتى ننظر في سنده ونتكلم في رجاله (٥).\nوأما قوله: وكذلك ابن ماجه من حديثه، فرأيت نسخ ابن ماجه ما طبعت في الهند والتي طبعت في مصر ولم أجد فيها أثرًا من هذه الزيادة (٦)، فما وجدت في بعض النسخ فلعلها إلحاقية.\nقوله: وقد ذكر لها الحافظ طرقًا كثيرة في \"تلقيح الأفكار\"، لم أجد\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (٩١٤).\n(٢) \"التلخيص الحبير\" (١/ ٤٤٣).\n(٣) وكذا ابن رسلان في شرحه. (ش).\n(٤) انظر: رقم (٣٣٩).\n(٥) قلت: أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٥/ ٣٣٣) رقم (١٩٩٣)، وسنده هكذا: أخبرنا الفضل بن الحباب قال: حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ...\n(٦) توجد هذه الزيادة في النسخة المطبوعة من بيروت.","vol":"4","page":570},{"text":"٩٩٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا وَوَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْقِبْطِيَّةِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَلَّمَ أَحَدُنَا أَشَارَ بِيَدِهِ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمِنْ عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يُوْمِئ (١) بيَدِهِ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ،\n===\n\"تلقيح الأفكار\" ولا الطرق الكثيرة لهذه الزيادة، قوله: وقد صحح أيضًا في \"بلوغ المرام\" حديث وائل المشتمل على تلك الزيادة.\nقلت: فيه موسى بن قيس الحضرمي، وقد تقدم قول العقيلي فيه: إنه من الغلاة في الرفض، وقول الحافظ: تتمة كلامه يحدث بأحاديث مناكير، وفي نسخة: بواطيل، وقال في \"الميزان\": قال العقيلي: قد روى أحاديث رديئة بواطيل، فمع هذه الجروح وكونه قليل الحديث توثيقه لا يبلغه إلى مرتبة أن يكون حديثه صحيحًا، فقول الحافظ في \"بلوغ المرام\": رواه أبو داود بإسناد صحيح مجازفة.\n٩٩٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن زكريا ووكيع، عن مسعر) بن كدام، (عن عبيد الله بن القبطية) الكوفي، له في الكتب حديثان، أحدهما في الزجر عن الإشارة بالسلام في الصلاة، والآخر عند مسلم وأبي داود في الخمس، حكى الدارقطني في \"العلل\" أنه كان يلقب المهاجر، (عن جابر بن سمرة قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ -) أي مقتدين به (فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره، فلما صلى)، أي: فرغ رسول الله - ﷺ - من الصلاة (قال: ما بال) البال: الحال والشأن (أحدكم يومئ) يشير، هكذا بالواو في النسخ الموجودة من أبي داود، وكذا في مسلم، وفي بعض نسخ الحاشية: يرمي (٢) بالراء (بيده كأنها) أي الأيدي (أذناب) واحدها ذنب (خيل شمس) بضم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يرمي\".\n(٢) وبه ضبطه ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":571},{"text":"إِّنمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ- أَوْ: لَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ - أَنْ يَقُولَ هكَذَا\"- وأَشَارَ بِإَصْبَعِهِ-\n===\nشين وسكون ميم جمع شموس، هو النفور من الدواب الذي لا تستقر لشغبه وحدته (إنما يكفي أحدكم- أو: لا يكفي أحدكم-) بحذف حرف الاستفهام في الثاني (أن يقول هكذا).\nولفظ أبي داود المؤلف في الحديث الآتي: قال: \"أما يكفي أحدكم أو أحدهم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله\".\nولفظ رواية مسلم: \"إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وعلى شماله\".\nولفظ رواية النسائي: \"أما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه، ثم يقول: السلام عليكم، السلام عليكم\".\nولفظ رواية البيهقي: \"أما يكفي أحدهم أو أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم عن يمينه وعن شماله\".\nولفظ رواية الطحاوي (١): \"أما يكفي أحدكم أْن يضع يده على فخذه ويشير بأصبعه، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم\".\nفوضح بهذه الروايات أن المراد بقوله: أن يقول هكذا، هو وضع اليد على الفخذ لا غير.\n(وأشار بإصبعه) عطف على قوله: يقول هكذا، ومعنى أشار يشير، أي يشير المصلي بأصبعه، والمراد بالإشارة بالأصبع- والله تعالى أعلم- الإشارة بالسبابة في التشهد، ويوضحه رواية الطحاوي، وتقدم لفظها، فإن فيها ثلاثة أمور: أحدها: وضع اليد على الفخذ، وثانيها: الإشارة بالأصبع،\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٦٩).","vol":"4","page":572},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوثالثها: السلام، وفي رواية مسلم والنسائي ذكر الأمرين فقط، أحدهما: وضع اليد على الفخذ، وثانيهما: السلام، وفي رواية المؤلف ذكر الأول كناية، ثم ذكر الثاني، ثم ذكر الثالث، ولكن الطحاوي جمع بين الأمور الثلاثة، وذكرها مصرحة.\nوأيضًا يؤيده ما أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" من طريق يزيد عن مسعر وفيه: \"ألا يسكن أحدكم ويشير بيده على فخذه، ثم يسلم على صاحبه عن يمينه وعن شماله\"، أي يشير بأصبعه واضعًا يده على فخذه أو حال كونها على فخذه.\nويحتمل أن يرجع ضمير أشار إلى رسول الله - ﷺ -، ويكون تقدير العبارة هكذا: وأشار رسول الله - ﷺ - بأصبعه، وقال: يفعل هكذا.\nويمكن أن يوجه بأن قوله: وأشار بيده بيان لقوله: أن يقول هكذا، وكلتا الجملتين محمولتان على الإشارة بالسبابة في التشهد، ولم يذكر على هذا في الحديث وضع اليد على الفخذ، فما قال صاحب \"العون\" في شرح هذا الكلام: أن يقول أن يفعل هكذا، وأشار النبي - ﷺ - بأصبعه بأن يضع أحدكم يده على فخذه، فإذا من قبيل تفسير السماء بالأرض بل أبعد منه، فإن في تفسير الإشارة بالأصبع بوضع اليد على الفخذ لا مناسبة بين المفسر والمفسر أصلًا، فالصواب ما قلنا من أن المراد يقوله: أن يقول هكذا، هو وضع اليد على الفخذ، والمراد بقوله: وأشار بأصبعه، الإشارة بالسبابة في التشهد.\nثم قال صاحب \"العون\" (١): وأن عثمان بن أبي شيبة شيخ المؤلف تفرد بهذا اللفظ، وغيره من الحفاظ كمحمد بن سليمان الأنباري شيخ المؤلف، وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب والقاسم بن زكريا من شيوخ مسلم كلهم رووه من اللفظ المذكور آنفًا.\n_________\n(١) (٣/ ٣٠٠).","vol":"4","page":573},{"text":"\"يُسَلِّمُ (١)\n===\nقلت: هذا خروج عن الاصطلاح، ومع هذا غير صحيح، فإن السند يدور على مسعر، فاختلف أصحابه في ذكر هذا اللفظ، فذكره يحيى بن زكريا ووكيع عند أبي داود، وأبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير ويعلي بن عبيد عند الطحاوي، ويزيد عن مسعر عند أحمد، فهؤلاء كلهم ذكروا الإشارة، ولو سلم الغرابة والتفرد بالنسبة إلى عثمان بن أبي شيبة شيخ المؤلف فهو أيضًا غير صحيح، فإنه ذكر هذا اللفظ أبو بكرة وأبو أمية عند الطحاوي، والإمام أحمد عن يزيد، عن مسعر، فدعوى التفرد على كلتا الحالتين غلط.\nفروى الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢): حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير قال: ثنا مسعر ح وحدثنا أبو أمية قال: ثنا يعلي بن عبيد قال: ثنا مسعر، عن عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة قال: كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ - سلمنا بأيدينا، قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم فقال: \"ما بال أقوام يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس، أما يكفي أحدكم إذا جلس في الصلاة أن يضع يده على فخذه، ويشير بأصبعه، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم\".\nوأما حديث أحمد ففي \"مسنده\" (٣): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يزيد، أنا مسعر، عن عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة قال: كنا إذا صلينا وراء رسول الله - ﷺ - قلنا: السلام عليكم بأيدينا يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما بال أقوام يرمون بأيديهم كأنها أذناب الخيل الشمس، ألا يسكن أحدكم ويشير بيده على فخذه، ثم يسلم على صاحبه عن يمينه وعن شماله\".\n(يسلم) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، ولكن أخرج البيهقي هذا\n_________\n(١) وفي نسخة: \"السلام\".\n(٢) (١/ ٢٦٨).\n(٣) (٥/ ٨٦).","vol":"4","page":574},{"text":"عَلَى أَخِيهِ مِنْ عن يَمِينِهِ وَمِنْ عن شِمَالِهِ\". [م ٤٣١، ن ١١٨٥، حم ٥/ ٨٦، خزيمة ٨٣٣، ق ٢/ ١٧٨]\n٩٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مِسْعَرٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ: «أَمَا (١) يَكْفِى أَحَدَكُمْ - أَوْ: أَحَدَهُمْ - أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ». [انظر سابقه]\n١٠٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمٍ الطَّائِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالنَّاسُ (٢) رَافِعُو أَيْدِيهِمْ.\n===\nالحديث في \"سننه\" من طريق أبي داود، وفيه زيادة الواو (على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله) لفظة من بفتح الميم موصولة بيان لأخيه، أو بكسر الميم حرف جر، وعلى هذا لفظة \"عن\" اسم بمعنى الجانب، قال في \"القاموس\": وتكون اسمًا بمعنى جانب:\nمِنْ عَنْ يَمِيْنِي مَرَّةً وَأَمَامِي\n٩٩٩ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا أبو نعيم، عن مسعر بإسناده ومعناه) أي بإسناد حديث مسعر المتقدم وبمعناه (قال) مسعر أو رسول الله - ﷺ -: (أما يكفي أحدكم أو أحدهم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله)، فصرح بذكر وضع اليد على الفخذ، ولم يكن عنه، ولم يذكر الإشارة بالأصبع.\n١٠٠٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم) بن طرفة (الطائي، عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله - ﷺ - والناس رافعو أيديهم) ولفظ حديث مسلم في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إنما\".\n(٢) وفي نسخة: \"وهم أو الناس\".","vol":"4","page":575},{"text":"قَالَ زُهَيْرٌ: أُرَاهُ قَالَ: فِى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مَا لِى أَرَاكُمْ رَافِعِى أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ ! اُسْكُنُوا فِى الصَّلَاةِ». [م ٤٣١، ن ١١٨٤، حم ٥/ ١٠١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>(١٩٢) بَابُ الرَّدِّ عَلَى الإِمَامِ</span>\n١٠٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو الْجَمَاهِرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: \"أَمَرَنَا النَّبِىُّ (١) -ﷺ-\n===\n\"صحيحه\" قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، ولفظ النسائي قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن رافعو أيدينا في الصلاة (قال زهير: أراه) أي الأعمش (قال: في الصلاة) أي قال الأعمش بعد قوله: \"رافعو أيديهم\" لفظ \"في الصلاة\"، هكذا قال زهير بالشك، ولكن قال عبثر عن الأعمش عند النسائي هذا اللفظ من غير شك.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما لي أراكم رافعي أيديكم)، ولفظ النسائي: \"ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة\"، ولفظ مسلم موافق لأبي داود (كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة)، وقد تقدم البحث المتعلق بهذا الحديث في \"باب رفع اليدين\" المتقدم، فلا نطول الكلام بإعادته.\n\n(١٩٢) (بَابُ الرَّدِّ عَلَى الإمَامِ)\nأي: يسلم الإِمام على القوم، ويسلم القوم على الإمام\n١٠٠١ - (حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر، نا سعيد بن بشير) الأزدي مولاهم، أبو عبد الرحمن أو أبو سلمة الشامي، أصله من البصرة أو واسط، ضعيف، (عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: أمرنا النبي - ﷺ -\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".","vol":"4","page":576},{"text":"أَنْ نَرُدَّ عَلَى الإِمَامِ، وَأَنْ نَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ\". [جه ٩٢٢، ق ٢/ ١٨١، ك ١/ ٢٧٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>(١٩٣) بَابُ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ</span>\n١٠٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ يُعْلَمُ (١) انْقِضَاءُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالتَّكْبِيرِ\". [خ ٨٤٢، م ٥٨٣، حم ١/ ٢٢٢]\n===\nأن نرد على الإِمام) أي في التسليمتين إذا كنا خلف الإِمام، وفي التسليمة الأولى إذا كنا عن يساره، وفي الثانية إذا كنا عن يمينه بأن ننوي بالسلام الرد على الإِمام (وأن نتحاب) تفاعل من المحبة، أي وأن نتحاب مع المصلين وسائر المؤمنين بأن يفعل كل منا من الأخلاق الحسنة، والأفعال الصالحة، والأقوال الصادقة، والنصائح الخالصة، وما يؤدي إلى المحبة والمودّة، (وأن يسلم بعضنا على بعض) أي في الصلاة وما قبله وما بعده، قال القاري (٢): قال بعض علمائنا: هذه سنة تركها الناس.\n\n(١٩٣) (بَابُ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلاةِ)\n١٠٠٢ - (حدثنا أحمد بن عبدة، أنا سفيان) بن عيينة كما في مسلم، (عن عمرو) بن دينار، (عن أبي معبد) وفي رواية مسلم: قال: أخبرني هذا أبو معبد ثم أنكره بعد، وأبو معبد هذا اسمه نافذ، بفاء ومعجمة، مولى ابن عباس، المكي، ثقة، (عن ابن عباس قال) أي ابن عباس: (كان يعلم) بصيغة المجهول، وفي رواية مسلم: قال: كنا نعرف (انقضاء) أي تمام (صلاة رسول الله - ﷺ - بالتكبير) بعد الصلاة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"كنا نعلم\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٥٦).","vol":"4","page":577},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال النووي (١): هذا دليل لما قاله بعض السلف (٢) أنه يستحب رفع الصوت بالذكر عقب المكتوبة، وممن استحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري، ونقل ابن بطال (٣) وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير، وحمل الشافعي - رحمه الله تعالى- هذا الحديث على أنه جهر وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا، قال: فاختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا، يريد أن يتعلم منه فيجهر، حتى يعلم أنه قد تعلم منه، ثم يُسِر، وحمل الحديث على هذا، انتهى (٤).\nوقيل: محمول (٥) على ما كانوا يكبرون في أيام التشريق بمنى وغيره،\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٩١).\n(٢) قال بعضهم: لم أرَ أحدًا قال به، إلَّا ما ذكره ابن حبيب في \"الواضحة\"، كانوا يستحبون التكبير في العساكر والبعوث إثر الصبح والعشاء ثلاث مرات، وهذا قديم من شأن الناس، وقال مالك: محدث، \"ابن رسلان\"، وقال ابن الهمام في النوافل: قيل: لم يعرف أحد من الفقهاء قاله، إلا ما ذكر بعضهم في البعوث والعساكر بعد الصبح والمغرب بثلاث تكبيرات عالية. [انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٣٨٤)]. (ش).\n(٣) وكذا قاله السيوطي في \"زهر الربى على النسائي\"، ونقل محشيه عن \"اللمعات\" له توجهات أخر، لكن قال الدردير: جاز التهليل والتسبيح الواقع بعد الصلوات من الجماعة لا المنفرد، انتهى [انظر: \"الشرح الكبير\" (٢/ ١٨٢)]. (ش).\n(٤) وقيل: كان ابن عباس في أواخر الصفوف فلم يعرفه إلَّا به، وقيل: كان صغيرًا لا يحضر الجماعة. (ش).\n(٥) والكلام في تكبير التشريق مبسوط جدًا، وللعلماء فيه اختلافات كثيرة، ذكر بعضها في \"النيل\" (٣/ ٣٥٤)، وقال ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٢٢١): اتفقوا على التكبير في أدبار الصلوات في أيام الحج، واختلفوا في توقيته كثيرًا، فقيل: من صبح عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، وبه قال سفيان وأحمد وأبو ثور، وقيل: من ظهر النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال مالك والشافعي، وذكر ابن المنذر فيه عشرة أقوال، انتهى، وكذا قال النووي في \"شرحه على مسلم\" (٣/ ٤٤٧)، وراجع: \"التفسير الكبير\" (٥/ ١٦٤) و\"الأوجز\" (٨/ ٢٤٨)، انتهى. (ش).","vol":"4","page":578},{"text":"١٠٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: \"أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ لِلذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ وَأَسْمَعُهُ\". [خ ٨٤١، م ٥٨٣]\n===\nوهذا أوفق بمذهب الحنفية في كراهتهم الذكر بالجهر في ما عدا ما ورد، ولذا لا يوجبون قضاء تكبيرات العيد والتشريق.\n١٠٠٣ - (حدثنا يحيى بن موسى البلخي، نا عبد الرزاق، أخبرني ابن جريج، أنا عمرو بن دينار أنَّ أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس أخبره: أن رفع الصوت للذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان ذلك على عهد رسول الله - ﷺ -، وأن ابن عباس قال: كنت أعلم إذا انصرفوا) عن الصلاة (بذلك) متعلق بقوله: أعلم، أي برفع الأصوات بالذكر (وأسمعه) أي الصوت.\nقال النووي (١): ظاهره أنه لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره.\nقال مسلم في \"صحيحه\": قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا، قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك.\nقال النووي: في احتجاج مسلم بهذا الحديث دليل على ذهابه إلى صحة الحديث الذي يروى على هذا الوجه مع إنكار المحدث له إذا حدث به عنه ثقة، وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين، قالوا: يحتج به إذا كان إنكار الشيخ له لتشكيكه فيه أو لنسيانه أو قال: لا أحفظه أو لا أذكر أني حدثتك به ونحو ذلك،\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٩١).","vol":"4","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>(١٩٤) بَابُ حَذْفِ السَّلَامِ</span>\n١٠٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِىُّ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ». [ت ٢٩٧، حم ٢/ ٥٣٢، خزيمة ٧٣٤، ك ١/ ٢٣١، ق ٢/ ١٨٠]\n===\nوخالفهم الكرخي من أصحاب أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى- فقال: لا يحتج [به].\nفأما إذا أنكره إنكارًا جازمًا قاطعًا بتكذيب الراوي عنه وأنه لم يحدثه به قط، فلا يجوز الاحتجاج [به] عند جميعهم، لأن جزم كل واحد يعارض جزم الآخر، والشيخ هو الأصل، فوجب إسقاط هذا الحديث، ولا يقدح ذلك في باقي أحاديث الراوي، لأنا لم نتحقق كذبه.\n\n(١٩٤) (بَابُ حَذْفِ السَّلامِ) (١)\n١٠٠٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثني محمد بن يوسف الفريابي) شيخ البخاري، (نا الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن) بن حيوئيل بمهملة مفتوحة ثم تحتانية وزن جبرئيل، المعافري الصبري، يقال: اسمه يحيى، صدوق له مناكير، (عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: حذف السلام سنة)، أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو الذي يستحبه أهل العلم، قال علي بن حجر: قال ابن المبارك: يعني لا تمده مدًّا، وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: التكبير جزم والسلام جزم.\n_________\n(١) قال ابن العربي (٢/ ٩٠): قيل: معناه الإسراع به لئلا يسبقه المؤتم، وقيل: معناه أن لا يكون فيه \"ورحمة الله\"، وبسطه صاحب \"السعاية\" (٢/ ١٤٨). (ش).","vol":"4","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>(١٩٥) بَابٌ: إِذَا أَحْدَثَ في صَلاتِهِ </span>(١)\n١٠٠٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَلَاّمٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ طَلْقٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِى الصَّلَاةِ (٢) فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ». [مضى برقم ٢٠٥]\n===\nوقال في \"مجمع البحار\" (٣): هو تخفيفه وترك الإطالة فيه لحديث: التكبير جزم والسلام جزم، فإنه إذا جزم السلام وقطعه فقد خففه وحذفه، انتهى.\nقال عيسى: نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث، قال أبو داود: سمعت أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال: لما رجع الفريابي من مكة ترك رفع هذا الحديث، وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه، هذه العبارة مكتوبة على حاشية النسخة المكتوبة والمجتبائية وليست في غيرهما.\n\n(١٩٥) (بَابٌ: إِذَا أَحْدَثَ في صَلاتِهِ)\nأي: صار ذا حدث\n١٠٠٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير بن عبد الحميد، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد صلاته)، وقد تقدم هذا الحديث بهذا السند والمتن في كتاب الطهارة في \"باب فيمن يحدث في الصلاة\" فها هنا مكرر، وقد ذكر ما يتعلق بهذا الحديث هناك.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يستقبل\".\n(٢) وفي نسخة: \"في صلاته\".\n(٣) (١/ ٤٧٦).","vol":"4","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>(١٩٦) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَتَطَوَّعُ في مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ</span>\n١٠٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ» - قال\n===\n(١٩٦) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَتَطَوَّعُ في مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ)، هل له ذلك؟\n١٠٠٦ - (حدثنا مسدد، نا حماد وعبد الوارث، عن ليث) بن أبي سليم، (عن الحجاج بن عبيد) ويقال: ابن أبي عبد الله، ويقال: ابن يسار، روى عن إبراهيم بن إسماعيل، وعنه ليث بن أبي سليم على اختلاف فيه، قال أبو حاتم: إبراهيم مجهول، وقال البخاري: لم يصح إسناده، وقد ذكره البخاري في \"الصحيح\" في \"باب مكث الإِمام في مصلاه\"، ويذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإِمام في مكانه، ولم يصح.\n(عن إبراهيم بن إسماعيل) قال في \"تهذيب التهذيب\" (١): ويقال: إسماعيل بن إبراهيم السلمي، ويقال: الشيباني، حجازي، قال محمد بن إسحاق: ثنا عباس، ثناء إسماعيل بن إبراهيم، وكان خيارًا، وقال أبو حاتم: مجهول، قلت: لا يبعد أن إسماعيل بن إبراهيم الشيباني الذي روى عنه عباس غير إبراهيم بن إسماعيل الذي روى عن أبي هريرة، فقد فرق بينهما أبو حاتم الرازي وأبو حاتم بن حبان في \"الثقات\"، وإنما جمع بينهما البخاري في \"تاريخه\" فتبعه المزي، وحكى البخاري الاختلاف في حديثه على ليث بن أبي سليم عن حجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، وفي بعض طرقه إسماعيل بن إبراهيم على الشك، والخبط فيه من ليث بن أبي سليم.\n(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أيعجز (٢) أحدكم- قال)\n_________\n(١) (١/ ١٠٧).\n(٢) قال ابن العربي (٢/ ٩١): إذا سلم وثب ساعة يسلم ولا يستقر في مكانه، واتفقوا عليه واختلفوا في تعليله. (ش).","vol":"4","page":582},{"text":"عن عَبْدِ الْوَارِثِ- \"أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ\". زَادَ في حَدِيثِ حَمَّادٍ (١): \"في الصَّلَاةِ\" يَعْنِي فِي السُّبْحَةِ. [جه ١٤٢٧، حم ٢/ ٤٢٥]\n===\nأي: مسدد (عن عبد الوارث- أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله، زاد في حديث حماد: في الصلاة، يعني في السبحة).\nحاصل معنى الحديث أنه - ﷺ - قال: أيعجز أحدكم إذا أتم الفريضة، وأراد أن يتطوع عن أن يتقدم من المكان الذي صلى فيه الفريضة أو يتأخر عنه أو تحول عن يمينه أو عن شماله في أداء السبحة أي التطوع.\nولفظ ابن ماجه: \"أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم\"، الحديث.\nولفظ البيهقي (٢) برواية حماد بن زيد عن الليث: \"إذا أراد أحدكم أن يتطوع بعد الفريضة فليتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله\".\nولفظه برواية المعتمر عن الليث: \"أيعجز أحدكم إذا صلى فأراد أن يتطوع أن يتقدم أو يتأخر أو يتحول عن يمينه أو عن يساره\"، رواه جرير عن ليث، عن حجاج، عن إسماعيل بن إبراهيم أو إبراهيم بن إسماعيل، قال البخاري - ﵀ -: إسماعيل بن إبراهيم أصح، والليث يضطرب فيه، قال الشيخ: وهو ليث بن أبي سليم يتفرد به، والله أعلم، انتهى.\nقال الحافظ (٣): وفي الباب عن مغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا بلفظ: \"لا يصلي الإِمام في الموضع الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتحول\" رواه أبو داود وإسناده منقطع، انتهى.\nقلت: قال البيهقي (٤): قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن حماد\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٩٠).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣٥).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٩٠).","vol":"4","page":583},{"text":"١٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ،\n===\nابن شعبة، قال الشوكاني (١): قال المنذري: فإن عطاء الخراساني وُلد في السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة، وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور، قال الخطيب: أجمع العلماء على ذلك، وقيل: وُلد قبل وفاته بسنة، انتهى.\nوأما مذهب الحنفية في ذلك فقال في \"البدائع\" (٢): وإن كانت صلاة بعدها سنة يكره له المكث قاعدًا، وكراهة القعود مروية عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، روي عن أبي بكر وعمر -﵄- أنهما كانا إذا فرغا من الصلاة قاما كأنهما على الرضف، فلا يمكث، ولكنه يقوم ويتنحى عن ذلك المكان، ثم يتنفل لما روي عن أبي هريرة -﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدم أو يتأخر\".\nوعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه كره للإمام أن يتنفل في المكان الذي أمَّ فيه، ولأن ذلك يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فينبغي أن يتنحى إزالةً للاشتباه أو استكثارًا من شهوده على ما روي أن مكان المصلي يشهد له يوم القيامة.\nوأما المأموم فبعض مشايخنا قالوا: لا حرج عليهم في ترك الانتقال لانعدام الاشتباه على الداخل عند معاينة فراغ مكان الإِمام عنه، وروي عن محمد أنه قال: يستحب للقوم أيضًا أن ينقضوا الصفوف ويتفرقوا ليزول الاشتباه على الداخل المعاين الكل في الصلاة البعيد عن الإِمام، ولما روينا من حديث أبي هريرة، انتهى ملخصًا.\n١٠٠٧ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا أشعث بن شعبة) المصيصي، أبو أحمد، أصله من خراسان، وثقه أبو داود، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٣٤).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٩٤).","vol":"4","page":584},{"text":"عن الْمِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، عن الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا إِمَامٌ لَنَا يُكْنَى أَبَا رِمْثَةَ،\n===\nولينه أبو زرعة، وقال الأزدي: ضعيف، وفي \"التقريب\": مقبول، (عن المنهال بن خليفة، عن الأزرق بن قيس) الحارثي، بصري، ثقة (قال: صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رمثة) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي، وفي آخر الحديث كتب بطريق النسخة على حاشية بعض النسخ: قال أبو داود: وقد قيل: أبو أمية مكان أبي رمثة، ففتشت في كتب أسماء الصحابة ترجمة أبي رمثة وأبي أمية فلم أجد في تلك التراجم ذكر هذا السند والمتن، ثم تتبعت فوجدت أن ابن الأثير في \"أسد الغابة\" والحافظ في \"التهذيب\" و\"الإصابة\" (١) ذكر هذا الحديث تحت ترجمة أبي ريمة.\nفقال الحافظ في \"الإصابة\" و\"التهذيب\": أبو ريمة بكسر أوله وسكون التحتانية المثناة بعدها ميم، ذكره ابن حبان في الصحابة ولم يسمه ولم يعرف من حاله بشيء، عداده في البصريين.\nأخرج ابن منده وأبو نعيم من طريق المنهال بن خليفة عن الأزرق بن قيس قال: صلى بنا إمام لنا يكنى أبا ريمة، فسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خديه، ثم قال: صليت بكم كما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي، وذكر ابن منده أن شعبة رواه عن الأزرق بن قيس عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن رجل من الصحابة ولم يسمه.\nوذكر المزي في \"الأطراف\": أن أبا داود أخرجه من هذا الوجه ولم أقف على ذلك في شيء من نسخ \"السنن\" منها نسخة بخط أبي الفضل بن طاهر، والنسخة المنقولة من خط الخطيب، وقد قابلها عليها جماعة من الحفاظ، وهي في غاية الإتقان.\nقلت: وقفت على عدة نسخ من \"سنن أبي داود\"، أحدها بخط الخطيب،\n_________\n(١) \"أسد الغابة\" (٤/ ٤٥١)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٩٨)، و\"الإصابة\" (٧/ ٧١).","vol":"4","page":585},{"text":"فَقَالَ: صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ أَوْ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ-. قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ، فَصَلَّى نَبِىُّ اللَّهِ (١) -ﷺ- ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ خَدَّيْهِ، ثُمَّ انْفَتَلَ كَانْفِتَالِ أَبِى رِمْثَةَ - يَعْنِى نَفْسَهُ - فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِى أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ يَشْفَعُ،\n===\nوأخرى بخط أبي الفضل بن طاهر، وأخرى من طريق ابن الأعرابي، ومن طريق ابن أبي ذئب، ومن طريق الرملي كلها متفقة في سياقها عن أبي رمثة، هكذا براء ثم ثاء مثلثة، وهكذا أخرج الحاكم هذا الحديث في \"المستدرك\" فيما وقفت عليه من نسخة، فقال: عن أبي رمثة، وكذلك أورده الطبراني في \"المعجم الكبير\" في مسند أبي رمثة في حرف الياء، فإنه سماه يثربي كما قيل في أحد أسمائه، ولم أرَ من ضبطه براء ثم ياء مثناة من تحت ثم بميم إلَّا في هذا الكتاب، ثم ذكره ابن منده بهذا الحديث فكناه أبا ريمة فكأن المصنف تبعه، ثم رأيت في \"الصحابة\" لابن حبان ما هذا نصه: أبو ريمة لم يزد على ذلك، والله تعالى أعلم.\n(فقال) أي أبو رمثة: (صليت هذه الصلاة) أي التي صليت بكم (أو مثل هذه الصلاة) شك من الراوي (مع النبي - ﷺ -، قال) أبو رمثة: (وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه) لأن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليلني منكم أولو الأحلام والنهى\"، ولأن جهة اليمين أفضل.\n(وكان رجل) لم يعرف اسمه (قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله - ﷺ - ثم سلم عن يمينه وعن يساره حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل) أي انصرف عن جهة القبلة (كانفتال أبي رمثة يعني) أي يريد (نفسه) بجعله غائبًا (فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع) أي يصلي شفع\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".","vol":"4","page":586},{"text":"فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ (١) فَهَزَّهُ ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ فَإِنَّهُ لَمْ يَهْلِكْ أَهْلُ الْكِتَاب إِلَّا أَنَّهُمْ (٢) لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَوَاتِهِمْ (٣) فَصْلٌ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَصَرَهُ فَقَالَ: \"أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ\" (٤). [ق ٢/ ١٩٠، ك ١/ ٢٧٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>(١٩٧) بَابُ السَّهْوِ في السَّجدتَيْنِ</span>\n===\nالتطوع (فوثب) أي قام بسرعة (إليه عمر فأخذ بمنكبيه فَهَزَّه) أي حرك كل واحد منهما (ثم قال: اجلس) أي عن الصلاة (فإنه لم يهلك أهل الكتاب) لعل المراد بالهلاك الهلاكة الأخروية، فعلى هذا معناه لم يضل (إلَّا أنهم لم يكن بين صلواتهم فصل، فرفع النبي - ﷺ - بصره فقال) رسول الله - ﷺ -: (أصاب الله بك) أي أراد الله بك الخير والهداية مثل قوله تعالى: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي أراد، أو بلغك الله الصواب (يا ابن الخطاب).\n\n(١٩٧) (بَابُ السَّهْوِ (٥) في السَّجْدَتَيْنِ)\nوفي نسخة: باب في سجود السهو، وفي نسخة: باب في سجدتي السهو، فمعناه على النسخة الأولى باب السهو بعد الركعتين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بمنكبه\".\n(٢) وفي نسخة: \"أنه\".\n(٣) وفي نسخة: \"صلاتهم\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وقد قيل: أبو أمية مكان أبي رمثة\".\n(٥) قال ابن العربي (٢/ ١٨٢): ذكر الترمذي فيه خمسة أبواب، وهي أصول، وترك بعضها.\nقلت: وفي أبواب السهو إشكال على الحنفية عقيم عن الجواب، وهو أن السجدة عندهم تجب بترك واجب، والواجب هو الفرض الذي بقي في ثبونه شيء من الكلام، فكيف يتحقق الوجوب في حقه - ﷺ -؟ ويظهر جوابه مما قاله بحر العلوم في \"رسائل الأركان\" من المقدمة. انظر: (ص ٩٢). (ش).","vol":"4","page":587},{"text":"١٠٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ: الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ\n===\n١٠٠٨ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ -) قال الشوكاني (١): ظاهره أن أبا هريرة حضر القصة، وحمله الطحاوي على المجاز، فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين، وسبب ذلك قول الزهري: إن صاحب القصة استشهد ببدر، لأنه يقتضي أن القصة وقع قبل بدر وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، لكن اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك.\n(إحدى صلاتي العشي) قال في \"المجمع\" (٢): بفتح العين وتشديد ياء، إحدى صلاتي العشي أي الظهر أو العصر لأنه بعد الزوال إلى المغرب، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقيل لصلاة المغرب والعشاء: العشاءان، ولما بين المغرب والعتمة: عشاء (الظهر أو العصر) الشاك ابن سيرين لا أبو هريرة، كما يدل عليه ما أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٣) بسنده عن ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العشي، قال: ذكرها أبو هريرة ونسيها محمد فصلَّى ركعتين، الحديث.\nوعند الطحاوي (٤) بسنده عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة إحدى صلاتي العشي: الظهر أو العصر، وأكثر ظني أنه ذكر الظهر.\nوالذي عند النسائي (٥). من حديث ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٢٩).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٠٠ - ٦٠١).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٢/ ٢٣٤).\n(٤) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٤).\n(٥) \"سنن النسائي\" (١٢٢٤).","vol":"4","page":588},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال: صلَّى بنا النبي - ﷺ - إحدى صلاتي العشي، قال: قال أبو هريرة: ولكني نسيت معنى هذا الكلام، قال محمد بن سيرين: ذكر أبو هريرة إحدى صلاتي العشي على التعيين، ولكني أنا نسيت.\nواختلفت الروايات (١) ففي بعضها بالشك كما في هذه الرواية، وفي بعضها تعيين العصر كما في رواية داود بن الحصين عند مسلم عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد قال: سمعت أبا هريرة، وفيها: صلَّى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة العصر، وفي بعضها تعيين الظهر كما في رواية يحيى بن أبي كثير عند مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو هريرة، ولفظها: \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى ركعتين من صلاة الظهر ثم سلَّم\".\nقال الحافظ (٢) في وجه الاختلاف: والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعد من قال: يحمل على أن القصة وقعت مرتين، بل روى النسائي من طريق ابن عون عن ابن سيرين أن الشك فيه من أبي هريرة، ولفظه: \"صلَّى النبي - ﷺ - إحدى صلاتي العشي، قال أبو هريرة: ولكني نسيتها\"، فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر [فجزم بها]، وتارةً غلب على ظنه أنها العصر، فجزم (٣) بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضًا على ابن سيرين، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق أنها العصر، فإن قلنا: إنهما قصة (٤) واحدة، فيترجح رواية من عين العصر في حديث أبي هريرة، انتهى.\n_________\n(١) مال النووي إلى تعدد القصة في روايات أبي هريرة، ومال ابن عبد البر والقاضي عياض إلى أن القصة في روايات أبي هريرة واحدة، وبسطها ابن رسلان. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٩٧).\n(٣) وبهذا جزم ابن رسلان إذ قال: وقع الشك لأبي هريرة وابن سيرين معًا.\n(٤) والظاهر التغاير، وبه جزم ابن خزيمة كما في \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":589},{"text":"قَالَ: فَصَلَّى بنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَمَّ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ في مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ (١) عَلَيْهَا، إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، يُعْرَفُ في وَجْهِهِ الْغَضَبُ، ثُمَّ خَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ\n===\nقلت: ما قال الحافظ: إن الشك فيما روى النسائي من جهة أبي هريرة، ففيه نظر، فإن لفظ النسائي في النسخة التي عندنا هكذا: \"صلَّى بنا النبي - ﷺ - إحدى صلاتي العشي، قال: قال أبو هريرة: ولكني نسيت\" بتكرار لفظ قال وبواو العطف، فعلى هذا معنى هذا الكلام كما تقدم: قال ابن سيرين: قال أبو هريرة، أي في تسمية إحدى صلاتي العشي وتعيينها، ولكني نسيت، فعلى هذا لا يدل هذا الكلام على أن الشاك أبو هريرة بل الشاك ابن سيرين.\nوأيضًا في قوله: \"ولم تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق أنها العصر\" نظر، فإنه أخرج البيهقي (٢) من طريق خالد، عن أبي قلابة، ثنا أبو المهلب، عن عمران بن حصين: أن رسول الله - ﷺ - صلَّى الظهر أو العصر ثلاث ركعات، الحديث بالشك.\n(قال) أبو هريرة: (فصلَّى بنا ركعتين ثم سلَّم) أي على الركعتين الأوليين وسها عن الركعتين الأخريين (ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد) أي في جهة القبلة، فإنه روى مسلم من طريق ابن عيينة عن أيوب: \"ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد\"، وكأنه الجذع الذي كان - ﷺ - يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشراح (فوضع يديه عليها) أي على الخشبة (إحداهما على الأخرى) حال من يديه (يعرف في وجهه الغضب)، لعل وجه الغضب تأثير التردد والشك في فعله، أو كأنه كان غضبان فوقع له الشك لأجل غضبه.\n(ثم خرج سرعان الناس) بفتح المهملات (٣) ومنهم من سكن الراء،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يده\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٥).\n(٣) قال عياض: كذا رويناه من متقني مشايخنا. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":590},{"text":"وَهُمْ يَقُولُونَ: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي النَّاسِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ،\n===\nوحكى عياض أن الأصيلي ضبطه بضم ثم إسكان كأنه جمع سريع، كقفيز وقفزان وكثيب وكثبان، والمراد بهم أوائل الناس خروجًا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبًا.\n(وهم يقولون: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة) بضم القاف وكسر المهملة على البناء للمفعول، أي إن الله قصرها، وبفتح ثم ضمٍّ على البناء للفاعل، أي صارت قصيرة، قال النووي (١): هذا أكثر وأرجح (٢) (وفي الناس أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه) والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه وتعظيمه ﵇ عن الاعتراض عليه، وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم.\nقلت: وجه الهيبة المانعة عن الكلام هو حالته الغضبية المقتضية للهيبة كما في حديث القيامة، ففيه غضب الرب ﵎ منع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن المتقدم بين يديه والكلام.\nقلت: هذا يدل على أن قصة ذي اليدين كانت حين كان الكلام مباحًا في الصلاة، لأن عمر بن الخطاب -﵁ - قد حدثت به تلك الحادثة بعد النبي - ﷺ - في صلاته وفعل فيها بخلاف ما عمله رسول الله - ﷺ - يوم ذي اليدين مع أنه كان حاضرًا في القصة.\nأخرج الطحاوي في \"معاني الآثار\" (٣) بإسناده عن عطاء قال: صلَّى عمر بن الخطاب بأصحابه، فسلَّم في الركعتين، ثم انصرف، فقيل له [في ذلك]\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٧٦).\n(٢) ونقل ابن رسلان عن النووي للأول هو الأشهر، فتأمل، وبسط ابن رسلان في تحقيق اللفظ. (ش).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٨).","vol":"4","page":591},{"text":"فَقَامَ رَجُلٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُسَمِّيهِ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيْتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: \"لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرِ الصَّلَاةُ\".\n===\nفقال: إني جهزت عيرًا من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، فصلَّى بهم أربع ركعات، قلت: هذا مرسل جيد، قاله الشيخ النيموي (١) - ﵀-.\n(فقام رجل كان رسول الله - ﷺ - يسميه ذا اليدين)، وفي رواية: وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين، وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعًا، وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق، بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة وآخره قاف، اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم، ولفظه: \"فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول\"، قاله الحافظ (٢).\n(فقال: يا رسول الله (٣) أنسيت (٤) أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر الصلاة) أي في ظني، قال النووي (٥): فيه دليل على جواز النسيان عليه - ﷺ - في أحكام الشرع، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو ظاهر القرآن والحديث، واتفقوا على أنه - ﷺ - لا يقر عليه، بل يُعْلمه الله تعالى به، ثم قال الأكثرون: شرط تنبهه - ﷺ - على الفور متصلًا بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته - ﷺ -، واختاره إمام الحرمين.\n_________\n(١) \"آثار السنن\" (١/ ١٤٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٠).\n(٣) أوَّل أحمد تكلمه على أنه كان على يقين من أن الصلاة قد تمَّت كما حكاه الترمذي، وأنت خبير بأن قوله: \"أنسيت\" يرد على هذا التأويل. (ش).\n(٤) بسط ابن رسلان في معنى السهو والنسيان، وجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]، وأخرج مالك في \"موطئه\" (١/ ١٠٠): \"إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن\"، وذكر في \"أحكام القرآن\" (١/ ٦٦): روي عن ابن مسعود قلنا: يا رسول الله إنك تهم، قال: \"ومالي لا أهم ورفغ أحدكم بين أظفاره وأنامله\"، انتهى. (ش).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٧٢).","vol":"4","page":592},{"text":"قَالَ: بَلْ (١) نَسِيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: \"أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ \" فَأَوْمَؤُوا أَي: نَعَمْ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى مَقَامِهِ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ\n===\n(قال) ذو اليدين: (بل نسيت يا رسول الله) تردد أولًا في النسيان والقصر، ثم لما نفى رسول الله - ﷺ - النسيان والقصر استدل بذلك على تعيين النسيان، فإنه لما تيقن بنفي القصر تعين النسيان (فأقبل) أي توجه (رسول الله - ﷺ - على القوم) أي الحاضرين في الصلاة.\n(فقال) أي لهم: (أصدق ذو اليدين) في قوله بالنسيان في الصلاة؟ (فأومؤوا) وأشاروا (أي: نعم)، ولعلَّ هذا تفسير للإيماء من بعض رواة الحديث، وفي رواية: فقالوا: نعم. وفي أخرى: فقالوا: صدق يا نبي الله، فيحمل هذا الاختلاف على أنهم أومؤوا هو الأصل، وقولهم: \"قالوا: نعم\"، وقولهم: \"صدق ذو اليدين\" مجاز يحمل القول على الإشارة، وهذا مجاز سائر، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه، أو يحمل على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم (٢) بالإشارة.\n(فرجع رسول الله - ﷺ - إلى مقامه) الذي صلَّى فيه أولًا (فصلَّى الركعتين الباقيتين (٣)، ثم سلَّم) (٤) أي للسجود (ثم كبَّر) أي قال: الله أكبر (وسجد مثل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بلى\".\n(٢) وبكلا الاحتمالين شرحه ابن رسلان. (ش).\n(٣) فيه حجة على أن من سلم وعليه صلاة باقية فليتمه ويأتي بما بقي، وهذا بما لا خلاف فيه. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) قال العلائي: جميع طرقه لم يختلف في شيء منها على أن السجدة بعد السلام، والشافعية أخذوا بحديث أبي سعيد الذي فيه ترغيم للشيطان، ففيه السجود قبل السلام، وقالوا: الأخذ به أولى من حديث ذي اليدين، لأنه قولي ومتضمن للقسمين: الزيادة والنقصان وغير ذلك، وتأولوا حديث ذي اليدين بأن المراد فيه من السلام السلام على النبي، أو هو منسوخ كما أخرجه الشافعي في \"الأم\" (١/ ٣٥٩)، أو مرجح بكثرة الطرق ... إلخ، قاله ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":593},{"text":"سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ.\nقَالَ: فَقِيْلَ لِمُحَمَّدٍ: سَلَّمَ في السَّهْوِ؟ فَقَالَ: لَمْ أَحْفَظْهُ (١) مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلَكِنْ نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. [خ ٧١٤، م ٥٧٣، ت ٣٩٩، ن ١٢٢٤، جه ١٢١٤، حم ٢/ ٣٧]\n===\nسجوده) أي في الصلاة (أو أطول) أي منه (ثم رفع) أي رأسه من السجود (وكبَّر، ثم كبَّر) للسجود الثاني (وسجد مثل سجوده) (٢) الأول أو في الصلاة (أو أطول) أي منه (ثم رفع) أي رأسه من السجود (وكبَّر).\n(قال) أي أيوب: (فقيل لمحمد: سلَّم في السهو؟) بتقدير حرف الاستفهام، أي هل ذكر أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - سلَّم بعد سجود السهو؟ (فقال) محمد: (لم أحفظه) أي السلام بعد سجود السهو (من أبي هريرة، ولكن نبئت) أي أخبرت (أن عمران بن حصين قال) أي في حديثه: (ثم سلَّم) أي بعد الفراغ من سجدتي السهو.\nاختلفت النسخ في قوله: \"ثم رفع وكبَّر، ثم كبَّر وسجد\"، ففي جميع النسخ الموجودة عندنا من المكتوبة بالخط القديمة والمصرية والمجتبائية والكانفورية هكذا: \"ثم رفع وكبَّر، ثم كبَّر وسجد\"، ولكن في النسخة القادرية ونسخة \"عون المعبود\" خلاف هذا ففيهما: \"ثم رفع وكبَّر وسجد\"، ولم يذكر فيهما \"ثم كبَّر\".\nويؤيدهما ما أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٣) عن أبي داود فقال فيه: \"وصلَّى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم، ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لم أحفظ\".\n(٢) بسط ابن رسلان على معنى المثل والشبه. (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٧).","vol":"4","page":594},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويؤيدهما أيضًا ما أخرجه الطحاوي (١) من طريق أسد عن حماد بن زيد بهذا السند، فقال فيه: \"فصلى بنا الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم، ثم كبَّر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، فكبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول\".\nقال الحافظ (٢): وفي الحديث جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا، وقال سحنون: إنما يبني من سلَّم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر به على مورد النص، والذين قالوا بجواز البناء مطلقًا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل.\nواختلفوا في قدر الطول فحده الشافعي في \"الأم\" بالعرف، وفي \"البويطي\" بقدر ركعة، وعن أبي هريرة قدر الصلاة التي يقع السهو فيها.\nوفيه أن الكلام سهوًا لا يقطع الصلاة خلافًا للحنفية. وأما قول بعضهم: إن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة فضعيف، لأنه اعتمد على قول الزهري: إنها كانت قبل بدر، وقد قدمنا أنه إما وهم في ذلك، أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول ببدر ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي - ﷺ -، فقد ثبت شهود أبي هريرة للقصة كما تقدم وشهدها عمران بن حصين وإسلامه متأخر أيضًا.\nوروى معاوية بن خديج قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام ثم البناء، أخرجها أبو داود وابن خزيمة وغيرهما، وكان إسلامه قبل موت النبي - ﷺ - بشهرين، انتهى ملخصًا.\nوأجاب عنه العيني (٣)، قلت: وقع في كتاب النسائي أن ذا اليدين\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٢).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٤١ - ٦٤٢).","vol":"4","page":595},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالشمالين واحد، كلاهما لقب (١) على الخرباق حيث قال: أخبرنا محمد بن رافع بسنده عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان، عن أبي هريرة قال: \"صلَّى النبي - ﷺ - الظهر أو العصر، فسلَّم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عمرو: أنقصت الصلاة أم نسيت؟ قال النبي - ﷺ -: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق يا رسول الله - ﷺ - \"، الحديث، وهذا سند صحيح متصل، صرَّح فيه بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين.\nوروى النسائي أيضًا بسندٍ صحيح صرَّح فيه أيضًا أن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن [أبي] أنس، قال النسائي (٢): أخبرنا عيسى بن حماد بسنده عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى يومًا فسلَّم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله - ﷺ - أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص الصلاة ولم أنسَ، قال: بلى، والذي بعثك بالحق، قال\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: اختلفوا ها هنا في موضعين: الأول: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد أو اثنان، ولا خلاف بين أهل السير أن ذا الشمالين قتل ببدر، فالجمهور على أن ذا اليدين غيره لروايات أبي هريرة في شهوده القصة، ثم بسط طرقه، ثم قال: قال الأثرم: سمعت مسددًا يقول: الذي قتل هو ذو الشمالين ... إلخ، واختار عياض في \"الإكمال\" أنهما قصتان: إحداهما: قبل بدر لذي الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة بل أرسل، والثانية: لذي اليدين وشهدها أبو هريرة.\nوالموضع الثاني: أن الخرباق هو ذو اليدين أو غيره، فالذي اختاره عياض وابن الأثير والنووي في غير موضع أنهما واحد، وجعلهما ابن حبان اثنين، وقال ابن عبد البر: يحتمل ويحتمل، وقال ابن الجوزي: قولان: أحدهما: أنه عمير، قال العلائي: هو وهم، فإن عميرًا هو ذو الشمالين، وقال أيضًا في موضع آخر: هو الخرباق، قال ابن الأثير: يقال له ذو اليدين وذو الشمالين، وقال ابن حبان: الخرباق غير ذي اليدين، وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون الخرباق غير ذي اليدين، ويحتمل أن يكون هو، وكذا قال القرطبي والنووي، اختاره عياض والنووي في غير موضع أنه غيره. (ش).\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٢٢٨).","vol":"4","page":596},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرسول الله - ﷺ -: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فصلَّى بالناس ركعتين\". وهذا أيضًا سند صحيح على شرط مسلم.\nوأخرج نحوه الطحاوي عن ربيع المؤذن عن شعيب بن الليث عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب إلى آخره.\nفثبت أن الزهري لم يهم، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في \"الصحيحين\" عدم صحته، فثبت أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد.\nوالعجب من هذا القائل أنه مع اطلاعه على ما رواه النسائي من هذا كيف اعتمد على قول من نسب الزهري إلى الوهم، ولكن أريحية العصبية تحمل الرجل على أكثر من هذا.\nوقال هذا القائل أيضًا: وقد جوَّز بعض الأئمة أن تكون القصة لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين، فأرسل أحدها وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الآخر وهو قصة ذي اليدين.\nقلت: هذا يحتاج إلى دليل صحيح، وجعل الواحد اثنين خلاف الأصل، وقد يلقب الرجل بلقبين وأكثر.\nوقال أيضًا: ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: \"بينما أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ - صلاة الظهر\" الحديث.\nقلت: هذا الحديث رواه مسلم من خمس طرق، فلفظه في الطريقين: \"صلَّى بنا\"، وفي طريق: \"صلَّى لنا\"، وفي طريق: \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى ركعتين\"، وفي طريق: \"بينما أنا أصلي\"، وفي ثلاث طرق التصريح بلفظ: \"ذي اليدين\"، وفي الطريقين بلفظ: \"رجل من بني سليم\"، وفي الطريق الأول: \"إحدى صلاتي العشي\"، إما الظهر أو العصر بالشك، وفي الثاني: \"إحدى صلاتي العشي\" من غير ذكر الظهر والعصر بدون اليقين، وفي الثالث: \"صلاة العصر\" بالجزم، وفي الرابع والخامس: \"صلاة الظهر\" بالجزم، فهذا كله يدل على اختلاف القضية، وإلا يكون فيه إشكال.","vol":"4","page":597},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإذا كان الأمر كذلك يحتمل أن يكون الرجل المذكور الذي نص عليه أنه من بني سليم غير ذي اليدين، وأن تكون قضيته غير قضية ذي اليدين، وأن أبا هريرة شاهد هذا حتى أخبر عن ذلك بقوله: \"بينا أنا أصلي\"، وكون ذي اليدين من بني سليم على قول من يدعي ذلك لا يستلزم أن لا يكون غيره من بني سليم.\nوحاصل هذا الجواب أن هذه القصة التي وقعت في هذا الحديث هي قصة غير قصة ذي اليدين، شاهد أبو هريرة هذه القصة ووقعت في زمنه عند مشاهدته، والرجل الذي تكلم ليس هو ذا اليدين بل هو غيره، واتفق أنه أيضًا من بني سليم، وليس فيه ذكر التكلم في الصلاة من رسول الله - ﷺ -، وأما تكلم الرجل في الصلاة فمفسد لصلاته، ولم يتعرض في الحديث بذكر إعادة صلاته ولا لعدمها، فلا يستدل بهذا الحديث على جواز كلام المصلح والساهي في الصلاة.\nوأجاب عنه الشيخ العلامة النيموي في \"آثار السنن\" (١)، قلت: وأما قوله: \"بينا أنا أصلي\" فليس بمحفوظ، ولعل بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبي هريرة صلَّى بنا، أنه كان حاضرًا فروى هذا الحديث بالمعنى على ما زعمه، وقد أخرجه مسلم من خمس طرق، فلفظه في طريقين: \"صلَّى بنا\"، وفي طريق: \"صلَّى لنا\"، وفي طريق: \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى ركعتين\"، وفي طريق: \"بينما أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ -\"، تفرد به يحيى بن أبي كثير، وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة وأبي هريرة، فكيف يقبل أن أبا هريرة قال في هذا الخبر بينما أنا أصلي؟\nقلت: مدار البحث والاستدلال في هذه المسألة موقوف على أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وأنه استشهد ببدر، ولم يدركه أبو هريرة، لأن إسلامه سنة سبع من الهجرة، وقد أتى الشيخ العلامة النيموي في هذه المسألة بكلام مشبع حسن نورده ها هنا ملخصًا، فقال (٢): ثم لا يخفى أن حديث أبي هريرة من\n_________\n(١) (١/ ١٤٨).\n(٢) \"آثار السنن\" (١/ ١٤٣ - ١٤٨).","vol":"4","page":598},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمراسيل الصحابة، لأن ذا اليدين قتل ببدر، وكان إسلام أبي هريرة بعده عام خيبر سنة سبع من الهجرة، واستدل على ذلك بثلاثة وجوه:\nأحدها: أن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه - نص بأن إسلام أبي هريرة كان بعد ما قتل ذو اليدين، أخرجه الطحاوي في \"معاني الآثار\" بسنده عن ابن عمر أنه ذكر له حديث ذي اليدين فقال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين.\nقلت: رجاله كلهم ثقات إلَّا العمري فاختلف فيه، قواه غير واحد من الأئمة، وضعفه النسائي وابن حبان وغيرهما من المتشددين، وأحسن شيء فيه ما قاله الذهبي في \"الميزان\": صدوق في حفظه شيء، وهذا لا ينحط حديثه عن درجة الحسن، وقد حسن حديثه غير واحد من أهل العلم، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": قال أبو يعلى: عن رجل عن سعيد المقبري، قال: فإن كان هو العمري فالحديث حسن، وأخرج له مسلم في \"صحيحه\"، وقال الذهبي في \"الميزان\": قال الدارمي: قلت لابن معين: كيف حاله في نافع؟ قال: صالح ثقة، قلت: هذا الأثر أخرجه الطحاوي من طريق العمري عن نافع، فهو حسن جدًا.\nوثانيها: أن ذا الشمالين هو ذو اليدين كلاهما واحد، واستدل على ذلك بوجوه:\nمنها ما رواه الزهري في حديث أبي هريرة ذا الشمالين مكان ذي اليدي، أخرجه النسائي في \"سننه\" بوجهين، وكذلك غير واحد من المخرجين.\nومنها ما رواه البزار والطبراني في \"الكبير\" عن ابن عباس قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - ثلاثًا ثم سلم، فقال له ذو الشمالين: أنقصت الصلاة يا رسول الله؟ قال: كذلك يا ذا اليدين؟ قال: نعم، فركع ركعة، وسجد سجدتين.\nومنها ما قال ابن اسعد في \"طبقاته\": ذو اليدين ويقال: ذو الشمالين، اسمه عمير بن عمرو بن نضلة من خزاعة.","vol":"4","page":599},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومنها ما قال ابن حبان في \"ثقاته\": ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين أيضًا ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقال أيضًا: ذو الشمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عامر بن الحارث بن غُبشان الخزاعي حليف بني زهرة.\nومنها ما قال أبو عبد الله محمد بن يحيى العدني في \"مسنده\": قال: أبو محمد الخزاعي ذو اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين.\nومنها ما قال المبرد في \"الكامل\": ذو اليدين هو ذو الشمالين كان يسمى بهما جميعًا.\nومنها أن ذا اليدين يقال له: الخرباق، وهو ابن عمرو بن نضلة، وذو الشمالين أيضًا ابن عبد عمرو بن نضلة.\nقلت: فثبت بهذه الأقوال أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وقد اتفق أهل الحديث والسير أن ذا الشمالين استشهد ببدر.\nقال ابن إسحاق في \"مغازيه\": هو خزاعي، يكنى أبا محمد، حليف لبني زهرة، قدم أبوه مكة فحالف عبد الحارث بن زهرة، شهد بدرًا وقتل بها، قتله أسامة الجشمي، وقيل: إنه قتل يوم أحد، والأول أصح وأكثر.\nوقال ابن هشام في \"سيرته\": واستشهد من المسلمين مع رسول الله - ﷺ - من قريش إلى أن قال: وذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة حليف له من خزاعة.\nوقال البيهقي في \"المعرفة\": وذو الشمالين هو ابن عبد عمرو بن نضلة حليف لبني زهرة من خزاعة، استشهد يوم بدر، وهكذا ذكره عروة بن الزبير وسائر أهل العلم بالمغازي.\nوثالثها: أن الزهري - وهو أحد أركان الحديث وأعلم الناس بالمغازي- قد نص على أن قصة ذي اليدين كانت قبل بدر، قال ابن حبان في \"صحيحه\" في","vol":"4","page":600},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالنوع السابع عشر من القسم الخامس بعد ما أخرج حديث أبي هريرة من قصة ذي اليدين: قال الزهري: كان هذا قبل بدر، ثم أحكمت الأمور بعد.\nقلت: وقد وافقه على ذلك ابن وهب على ما حكاه عنه العلامة ابن التركماني في \"الجوهر النقي\"، حيث قال: ذكر عن ابن وهب أنه قال: إنما كان حديث ذي اليدين في بدء الإِسلام.\nقلت: فثبت بهذه الوجوه أن ذا اليدين هو ذو الشمالين الذي استشهد ببدر، وأن أبا هريرة لم يكن حاضرًا في قصة السهو.\nواعترضوا عليه بوجوه: قال أبو عوانة في \"صحيحه\": قال بعض الناس: ذو اليدين وذو الشمالين واحد، ويحتجون بحديث رواه الزهري، ويطعنون في هذا الحديث بأن ذا الشمالين قتل يوم بدر، وأن أبا هريرة لم يدركه، وليس كما يقولون، وذلك أن ذا اليدين ليس هو ذا الشمالين، لأن ذا اليدين رجل سماه بعضهم الخرباق، عاش بعد النبي - ﷺ -، ومات بذي خشب على عهد عمر، وذو الشمالين هو ابن عمرو حليف لبني زهرة، وقد صحَّ في هذه الأحاديث أنه صلَّى مع النبي - ﷺ - تلك الصلاة، انتهى.\nوقال ابن منده: ذو اليدين رجل من وادي القرى يقال له: الخرباق، أسلم في آخر زمن النبي - ﷺ -، والسهو كان بعد أحد، وقد شهده أبو هريرة، وأبو هريرة شهد من زمن رسول الله - ﷺ - أربع سنين، وذو اليدين من بني سليم، وذو الشمالين من أهل مكة قتل يوم بدر قبل سهو النبي - ﷺ - بست سنين، وهو رجل من خزاعة حليف بني أمية، قال: ووهم فيه الزهري فجعل مكان ذي اليدين ذا الشمالين.\nوقال البيهقي في \"المعرفة\" ما ملخصه: أن الزهري وهم في قوله: ذي الشمالين، وإنما هو ذو اليدين، وذو الشمالين تقدم موته فيمن قتل ببدر، وذو اليدين بقي بعد النبي - ﷺ - فيما يقال.","vol":"4","page":601},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١): لم يتابع الزهري على قوله: إن المتكلم ذو الشمالين، لأنه قتل يوم بدر فيما ذكره ابن إسحاق وغيره.\nوقال ابن الأثير الجزري في \"أسد الغابة\" (٢): ذو اليدين واسمه الخرباق من بني سليم، كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذا الشمالين، ذو الشمالين خزاعي حليف لبني زهرة، قتل يوم بدر، وقد ذكرناه، وذو اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين.\nوقال السهيلي في \"الروض الأنف\" (٣): روى الزهري حديث التسليم من الركعتين، وقال فيه: فقام ذو الشمالين رجل من بني زهرة، وهو غلط عند أهل الحديث، وإنما هو ذو اليدين السلمي، واسمه الخرباق، وذو الشمالين قتل ببدر، والحديث شهده أبو هريرة وكان إسلامه بعد بدر بسنين، ومات ذو اليدين السلمي في خلافة معاوية، وروى هذا الحديث عنه ابنه مطير بن الخرباق، ورواه عنه ابنه شعيب بن مطير، ولما رأى المبرد حديث الزهري قال: ذو اليدين هو ذو الشمالين كان يسمى بهما جميعًا، ذكره في آخر كتابه \"الكامل\"، وجهل ما قاله أهل الحديث.\nوقال الحافظ في \"فتح الباري\" (٤): اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك إلى أن قال: وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونص على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث، ثم قال بعد ورقتين: وقد تقدم أن الصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، انتهى.\n_________\n(١) (١/ ٣٦٤).\n(٢) (٢/ ١٥٤).\n(٣) (٥/ ٢٩٨).\n(٤) (٣/ ٩٦).","vol":"4","page":602},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: حاصل كلامهم أن الزهري وهم في جعله ذا الشمالين مكان ذي اليدين، والذي قتل ببدر هو ذو الشمالين غير ذي اليدين، واستدلوا على ذلك بوجوه.\nأحدها: أن ذا اليدين اسمه الخرباق اعتمادًا على ما في مسلم من حديث عمران: فقام رجل يقال له الخرباق وكان في يديه طول، وأما ذو الشمالين فاسمه عمير.\nوثانيها: أن ذا اليدين سلمي اعتمادًا على ما رواه مسلم في رواية: \"فأتاه رجل من بني سليم\"، ويؤيده ما أخرجه السيوطي في \"جمع الجوامع\" ثم علي المتقي في \"كنز العمال\" عن عبد بن عمير في قصة السهو: \"فأدركه ذو اليدين أخو بني سليم\".\nوثالثها: أن ذا اليدين بقي بعد النبي - ﷺ -، رواه عنه المتأخرون من التابعين.\nواستدلوا على ذلك بخبرين:\nأحدهما: ما رواه عبد الله بن أحمد في زيادات \"المسند\" والطبراني في \"الكبير\" وآخرون في تصانيفهم من طريق معدي بن سليمان قال: ثنا شعيب بن مطير عن أبيه مطير، ومطير حاضر يصدق مقالته قال: كيف كنت أخبرتك قال: يا أبتاه أخبرتني أنك لقيك ذو اليدين بذي خشب، فأخبرك أن رسول الله - ﷺ - صلَّى بهم إحدى صلاتي العشي وهي العصر، الحديث.\nوثانيهما: ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمرو بن مهاجر أن محمد بن سويد أفطر قبل الناس بيوم فأنكر عليه عمر بن عبد العزيز، فقال: شهد عندي فلان أنه رأى الهلال، فقال عمر: أَوَ ذو اليدين هو؟\nورابعها: أن حديث الخرباق أخرجه مسلم وغيره عن عمران بن حصين وهو متأخر الإِسلام، أسلم عام خيبر.","vol":"4","page":603},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوخامسها: أن أبا هريرة حضر القصة يدل عليه قوله: صلَّى بنا رسول الله - ﷺ -.\nقلت: يا للعجب كيف ينسبون الوهم إلى الزهري ويزعمون أنه متفرد بذكر ذي الشمالين، وقد مرَّ ما يوافقه على جعله ذا الشمالين مكان ذي اليدين من حديث ابن عباس عند البزار والطبراني، ومن أقوال غير واحد من أهل العلم، وقد تابعه في ذلك عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن أبي هريرة عند النسائي والطحاوي بإسناد قوي، قال العلامة ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (١): هذا سند صحيح على شرط مسلم، وقال الطحاوي في \"معاني الآثار\" (٢): حدثنا ربيع المؤذن بسنده عن أبي هريرة فذكر نحوه وهذا أيضًا سند صحيح.\nوأما ما علَّله بعض الجهلة بأن يزيد بن أبي حبيب كان يرسل، فمردود بأن حكم من يرسل ليس كحكم المدلس حتى لا يحتج بعنعنته، وقد احتج الشيخان بعنعنة يزيد بن أبي حبيب في \"صحيحيهما\".\nقلت: فبطل بذلك قول الذين زعموا أن ذا الشمالين لم يذكره أحد في هذه الرواية إلَّا الزهري.\nوأما ما استدلوا به على وهمه من الوجوه المتقدمة فنستوفي عليه الكلام بفضل الله الملك العزيز العلَّام.\nأما الأول: فيجاب عنه: بأن الذي تكلم في السهو يقال له الخرباق وعمير وذو اليدين وذو الشمالين جميعًا، وقيل: عبد الله أيضًا.\nقال العلَّامة ابن الأثير في \"جامع الأصول\" (٣): الخرباق السلمي: اسمه\n_________\n(١) (٢/ ٣٦٨).\n(٢) (١/ ٤٤٥).\n(٣) (١٣/ ٤٥٢).","vol":"4","page":604},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعمير بن عبد عمرو، يكنى أبا محمد، ويقال له: ذو اليدين وذو الشمالين، والخرباق لقب، وقيل: هما اثنان.\nوقال الشيخ محمد طاهر في كتابه \"المغني\" (١): الخرباق بكسر خاء وسكون راء وبموحدة وبقاف، اسمه عمير بن عبد عمرو، ويقال له: ذو اليدين وذو الشمالين، وقيل: هما اثنان.\nوقال السمعاني في \"أنسابه\" (٢): ذو الشمالين هذا لقب عبد الله بن عمرو بن نضلة الخزاعي المكي، له صحبة من النبي - ﷺ -، وقيل له: ذو الشمالين، لأنه كان يعمل بيديه، روى قصته أبو هريرة، وروى عنه مطير أيضًا، انتهى.\nقلت: ويؤيده ما رواه الدارمي في رواية\" ولفظه: فقال له ذو الشمالين، لأنه كان يعمل بيديه، روى قصته أبو هريرة، وروى عنه مطير أيضًا، انتهى.\nقلت: ويؤيده ما رواه الدارمي في رواية، ولفظه: فقال له ذو الشمالين عبد الله بن عمرو بن نضلة الخزاعي، وهو حليف بني زهرة.\nوأما الثاني: فيجاب عنه: بأن ذا اليدين أيضًا من خزاعة كما نص على ذلك ابن سعد في \"طبقاته\" وابن حبان في \"ثقاته\" وقد مرَّت عباراتهما، وقد يدل على ذلك ما قاله أبو محمد الخزاعي من أن ذا اليدين أحد أجدادنا، وأما ذو الشمالين فقد ثبت أن اسم أحد أجداده كان سليمًا.\nقال ابن هشام في \"سيرته\" في باب من حضر ببدر: قال ابن إسحاق: وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة، انتهى، فما ورد في قصة\n_________\n(١) (ص ٩٠).\n(٢) (٢/ ٢٧٣).","vol":"4","page":605},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالسهو رجل من بني سليم أراد بذلك سليم بن ملكان، وهو من خزاعة لا سليم بن منصور الذي ليس بخزاعي فاحفظه، فإن هذا الجواب لا تجده في غير هذا الكتاب.\nوأما الثالث: فيجاب عنه: بأن ما رواه عبد الله بن أحمد وغيره من حديث ذي اليدين عن معدي بن سليمان عن شعيب بن مطير عن مطير، فهذه سلسلة الضعفاء، أما معدي بن سليمان فقال الذهبي في \"ميزانه\": قال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به، وقال الحافظ في \"التقريب\": ضعيف، وأما شعيب بن مطير فلا يعرف، وأما مطير فقال الذهبي في \"ميزانه\": قال البخاري: لم يصح حديثه، وقال الحافظ في \"التقريب\": مجهول الحال.\nقلت: فثبت أن إسناده في غاية الضعف فلا يصلح أن يستدل به على شيء مما يعارض بما هو أقوى من حيث الدليل، ولضعف هذا السند قال البيهقي في \"المعرفة\": ذو اليدين بقي بعد النبي - ﷺ - فيما يقال، وأما ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة من حديث محمد بن سويد فلا دخل له في الباب، لأن عمر بن عبد العزيز شبه الرجل الذي رأى الهلال بذي اليدين فيما أخبره مما يتعجب منه، والعجب أنهم يزعمون أن ذا اليدين عاش بعد النبي - ﷺ - زمانًا، ومع ذلك لم يرو عنه غير مطير الذي هو مجهول مع أن قصته من أعجب الأمور.\nوأما الرابع: فيجاب عنه: بأن عمران لم يرو عنه شيء مما يدل على حضوره يوم ذي اليدين، وقد أخرجه النسائي وغيره عن عمران بلفظ: صلَّى بهم، وظاهر هذا القول أنه لم يحضر تلك الصلاة، فيحمل حديثه على الإرسال.\nوأما الخامس: وهو من أقوى الأدلة لمن ذهب إلى وهم الزهري فيجاب عنه: بأن الطحاوي حمل قوله: \"صلَّى بنا\" على المجاز، وقال: إنما قول","vol":"4","page":606},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبي هريرة (١) عندنا صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - يعني بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، ثم استشهد عليه بقول النزال: قال لنا رسول الله - ﷺ -، وهو لم يدركه، وبقول طاوس: قدم علينا معاذ بن جبل، وهو لم يحضره، وبقول الحسن: خطبنا عتبة بن غزوان، وهو لم يشهده، إنما يريدون بذلك قومهم وأهل بلدتهم، فكذلك قول أبي هريرة في حديث ذي اليدين: صلَّى بنا رسول الله - ﷺ -، يريد به صلَّى بالمسلمين.\nواعترض عليه البيهقي في \"المعرفة\" بأن هذا ترك الظاهر على أنه رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ -، فلم يجز في هذا القول معناه صلَّى بالمسلمين، انتهى ملخصًا.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٢): ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة في هذا الحديث، عن أبي هريرة بلفظ: \"بينما أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ - \".\nقلت: لم يترك الظاهر إلَّا بالقرينة الصارفة القوية، وقد أسلفناها، وقد ارتكبها البيهقي أيضًا في \"السنن الكبرى\" في باب البيان أن النهي مخصوص ببعض الأمكنة فيما رواه عن مجاهد قال: جاءنا أبو ذر إلى آخره، ثم قال مجاهد: لا يثبت له سماع عن أبي ذر، وقوله: جاءنا، يعني جاء بلدنا.\nقلت: وأما قوله: بينما أنا أصلي، فليس بمحفوظ، ولعل بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبي هريرة: صلَّى بنا، أنه كان حاضرًا، فروى هذا الحديث بالمعنى على ما زعمه، وقد أخرجه مسلم من خمس طرق، فلفظه في طريقين: \"صلَّى بنا\"، وفي طريق: \"صلَّى لنا\"، وفي طريق: \"أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) وقال أبو هريرة: أمرنا رسول الله - ﷺ - بالفطر إذا أصبح الرجل جنبًا كما في \"الإكمال\" و\"الأوجز\" (٥/ ٧٨)، وجزم الحافظ بمثل هذا المجاز في الحديثين. (ش).\n(٢) (٣/ ٩٧).","vol":"4","page":607},{"text":"١٠٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِ- وَحَدِيثُ حَمَّادٍ أَتَمُّ- قَالَ: صَلَّى (١) رَسُوِلُ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَقُلْ \"بِنَا\" وَلَمْ يَقُلْ \"فَأَوْمَؤوا\". قَالَ: - فَقَالَ النَّاسُ: نعَمْ. قَالَ: ثُمَّ رَفَعَ- وَلَمْ يَقُلْ: وَكَبَّرَ- ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثمَّ رَفَعَ، وَتَمَّ حَدِيثُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ: مَا بَعْدَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: \"فَأَوْمَؤوا\" إِلَّا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. [خ ١٢٢٨]\n===\nصلَّى ركعتين\"، وفي طريق: \"بينما أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ -\"، تفرد به يحيى بن أبي كثير، وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة وأبي هريرة، فكيف يقبل أن أبا هريرة قال في هذا الخبر: بينما أنا أصلي؟ .\nفخلاصة الكلام: أن ما زعموه من أن إسلام أبي هريرة كان في قصة ذي اليدين فسخيف جدًا، ويكفيك ما روي في الباب عن ابن عمر وابن عباس والزهري وغيرهم من أهل العلم، وقد أطنبنا الكلام في هذا المقام لأنه من مزال الأقدام.\n١٠٠٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أيوب) السختياني، (عن محمد) بن سيرين (بإسناده) أي بإسناد محمد (وحديث حماد) أي المتقدم (أتم) من حديث مالك عن أيوب (قال) أي مالك عن أيوب: (صلى رسول الله - ﷺ -، لم يقل) أي مالك: (بنا، ولم يقل) أي مالك: (فأومؤوا. قال: فقال الناس: نعم) أي قال مالك في حديثه في موضع قوله: فأومؤوا: فقال الناس: نعم.\n(قال) أي مالك: (ثم رفع، ولم يقل: وكبر) حاصله أن مالكًا لم يذكر التكبير مع رفع الرأس عن السجود الأول للسهو (ثم كبر وسجد مثل سجوده) أي الأول أو في الصلاة مطلقًا (أو أطول ثم رفع) ولم يذكر ههنا أيضًا وكبر (وتم حديثه ولم يذكر ما بعده) أي ما بعد ثم رفع، وذكره حماد وهو قوله: فقيل لمحمد إلى آخر الحديث (ولم يذكر فأومؤوا إلَّا حماد بن زيد) حاصله أن كل\n_________\n(١) في نسخة: \"ثم صلى\".","vol":"4","page":608},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكُلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَقُلْ \"فَكَبَّرَ\" وَلَا ذَكَرَ \"رَجَعَ\".\n===\nمن روى هذا الحديث لم يذكر أحد منهم الإيماء بل ذكر كلهم لفظ نعم، أو غير ذلك من الألفاظ، إلَّا حماد بن زيد فإنه ذكر الإيماء.\n(قال أبو داود: وكل من روى هذا الحديث لم يقل: فكبر، ولا ذكر رجع)، هذه العبارة من قوله: قال أبو داود: إلى قوله: \"رجع\" ليست بموجودة في النسخة المصرية، ولا في الهندية الكانفورية، ولكن مكتوبة في حاشية النسخة القلمية القديمة، ونقل عنها في النسخ الدهلوية، والأولى حذفها، ومعناها على صورة وجودها أن أبا داود يقول: كل من روى هذا الحديث من الرواة، لم يقل: \"فكبر\" ولا ذكر \"رجع\"، إلَّا حماد بن زيد عن أيوب، فإنه ذكر ثم رفع أي رأسه من السجود الأول، وكبر ثم كبر.\nوهذا على النسخ الموجودة عندنا غير نسخة \"عون المعبود\"، وأما على نسخته فليس هذا في حديث حماد بن زيد أيضًا بل فيها: ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر.\nقلت: اختلف المحدثون في رواية مالك فروى مالك في \"موطئه\" (١): عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: \"أن رسول الله - ﷺ - انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله - ﷺ - فصلي ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع\" فلم يذكر مالك بعد قوله: ثم رفع الأول لفظ وكبر، كما ذكره حماد بن زيد في حديثه عن أيوب.\n_________\n(١) (١/ ٩٣).","vol":"4","page":609},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوما قال صاحب \"العون\" (١): لم يقل أحد منهم فكبَّر، أي زيادة لفظ فكَبَّر قبل قوله: ثم كبر فسجد غير حماد بن زيد عن هشام بن حسان، فإن حماد بن زيد عن هشام قال: فكبر ثم كبر فسجد، فليس في محله، فإن ههنا إشارة إلى الاختلاف الواقع بين حديث مالك عن أيوب، وبين حديث حماد بن زيد عن أيوب، كما يدل عليه العبارة المتقدمة.\nوأما الاختلاف الواقع بين حديث حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن محمد، وبين حديث حماد بن زيد، عن أيوب ويحيى بن عتيق وابن عون عن محمد، وحديث حبيب بن شهيد وحميد ويونس وعاصم الأحول عن محمد، وحديث حماد بن سلمة وأبي بكر بن عياش عن هشام، فهو اختلاف آخر، وسيأتيك شرحه في محله، والله تعالى أعلم.\nوأخرج البخاري (٢) عن مالك بهذا السند: \"أن رسول الله - ﷺ - انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ وقال رسول الله - ﷺ -: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله - ﷺ - فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع\"، ولم يذكر في رواية البخاري التكبير مع رفع الرأس من السجود الأول، وكذا السجدة الثانية وتكبيرتيها.\nوأما مسلم فلم يخرج حديث مالك بهذا السند، ولكن أخرج (٣) حديث مالك عن داود بن الحصين عن أبي سفيام مولى ابن أبي أحمد أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة العصر فسلم في ركعتين، الحديث، فزاد مسلم في حديثه لفظ \"لنا\"، وليس هذا اللفظ في \"الموطأ\" برواية يحيى، وليس فيه ذكر التكبيرات مع السجدتين.\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٣/ ٣١٨).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٢٢٨).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٩٩/ ٥٧٣).","vol":"4","page":610},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأيضًا أخرج مسلم من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بهذا السند: \"صلى بنا رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العشي، إما الظهر وإما العصر، فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليها مغضبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه، وخرج سرعان الناس. قصرت الصلاة، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي - ﷺ - يمينًا وشمالًا، فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق لم تصل إلَّا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع\"، قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم، وفي هذا الحديث ذكر التكبيرات الأربع مع السجدتين، ففي قول أبي داود هذا قوله: \"ولا ذكر رجع\" مسلم، فإني لم أجد لفظ \"رجع\" في حديث أحد منهم إلَّا ما ذكر حماد بن زيد عن أيوب كما تقدم.\nوأما قوله: \"لم يقل: فكبر\" غير مسلم، فإنه أخرج مسلم من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب، ففيه: فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع، الحديث.\nوكذلك وقع عند النسائي (١) من حديث يزيد بن زريغ قال: حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وفيه: فجاء فصلى الذي تركه، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم كبر.\nوكذلك وقع عند البخاري (٢) من حديث يزيد بن إبراهيم برواية حفص بن عمر عن محمد، عن أبي هريرة، وفيه: ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر.\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (١٢٢٤).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٢٢٩).","vol":"4","page":611},{"text":"١٠١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ-، نَا سَلَمَةُ - يَعْنِي ابْنَ عَلْقَمَةَ -، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، بِمَعْنَى (١) حَمَّادٍ كُلِّهُ إِلَى آخِرِ قَوْلِهِ: نُبَئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: قُلْتُ: فَالتَّشَهُّدُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ في التَّشْهُّدِ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَتَشَهَّدَ،\n===\n١٠١٠ - (حدثنا مسدد، نا بشر -يعني ابن المفضل-، نا سلمة، يعني ابن علقمة) التميمي، أبو بشر البصري، قال أحمد: بخ ثقة، وقال ابن المديني: ثبت، ووثقه ابن سعد وابن معين وأبو حاتم والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - بمعنى) أي حدث بمعنى حديث (حماد كله إلى آخر قوله: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) وفي هذا الحديث زيادة على حديث حماد وهي قوله: (قال) أي سلمة: (قلت) لمحمد بن سيرين: (فالتشهد) هل هو مذكور في الحديث أم لا؟ (قال) ابن سيرين: (لم أسمع في التشهد) أي في حديث أبي هريرة (وأحب إليَّ (٢) أن يتشهد).\nقال الزرقاني في شرح \"الموطأ\" (٣): قال: قلت لمحمد يعني ابن سيرين: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة، ومفهومه أنه ورد في حديث غيره، وقد روى أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حديث\".\n(٢) قال ابن رسلان: قال عياض: ومذهب مالك في السجدة بعد السلام أن يتشهد، واختلف قوله في ما قبل السلام، وقال أحمد: من يسجد قبل السلام، لا يحتاج إلى التشهد، وإذا سجد بعد السلام يتشهد، وعند الحنفية يتشهد، ثم ذكر اختلاف الأقوال في مذهبه وبسطه. (ش).\n(٣) \"شرح الزرقاني\" (١/ ١٩٢).","vol":"4","page":612},{"text":"وَلَمْ يَذْكُرْ: \"كَانَ يُسَمِّيهِ ذَا الْيَدَيْنِ\"، وَلَا ذَكَرَ: \"فَأَوْمَؤُوا\"، وَلَا ذَكَرَ: \"الْغَضَبَ\" وَحَدِيثُ حَمَّادٍ (١) أَتَمُّ. [خزيمة ١٠٣٥، وانظر تخريج الحديث السابق ١٠٠٨]\n١٠١١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عليٍّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ وَهِشَام وَيَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ وَابْنِ عَوْنٍ، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - في قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ كَبَّرَ\n===\nعن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: \"أن النبي - ﷺ - صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم\"، صححه الحاكم على شرطهما، وقال الترمذي: حسن غريب، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما، ووهموا رواية أشعث لمخالفة غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عنه في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد، وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد لا ذكر للتشهد فيه كما أخرجه مسلم، فصارت زيادة أشعث شاذة، لكن قد جاء التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف، إلا أنه باجتماع الأحاديث الثلاثة ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود من قوله، انتهى.\n(ولم يذكر) أي سلمة بن علقمة: (كان يسميه ذا اليدين، ولا ذكر فأومؤوا، ولا ذكر الغضب) كما ذكر هذه الحروف حماد بن زيد (وحديث (٢) حماد) عن أيوب المتقدم (أتم) من هذا الحديث.\n١٠١١ - (حدثنا علي بن نصر، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام) بن حسان (ويحيى بن عتيق وابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في قصة ذي اليدين أنه كبر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حماد عن أيوب\".\n(٢) وفي \"ابن رسلان\": بدله: وحديث أيوب أتم من حديث سلمة، فتأمل. (ش).","vol":"4","page":613},{"text":"وَسَجَدَ، وَقَالَ هِشَامٌ - يَعْنِي ابْنَ حَسَّانٍ -: كَبَّرَ، ثُمَّ كبَّرَ وَسَجَدَ. [انظر سابقه]\n===\nوسجد، وقال هشام (١) - يعني ابن حسان -: كبر ثم كبر وسجد) فزاد حماد بن زيد عن هشام بن حسان على خلاف أصحاب ابن حسان ومحمد بن سيرين لفظ: كبر، وهذا إشارة إلى اختلاف آخر غير الاختلاف المتقدم في حديث مالك، فإن الاختلاف في حديث مالك كان في التكبير الوسطاني، وهذا في التكبير الأول قبل تكبير السجدة الأولى.\nقال البيهقي في \"سننه\" (٢) بعد ما أخرج حديث أبي داود هذا: تفرد به حماد بن زيد عن هشام وسائر الرواة عن ابن سيرين، ثم سائر الرواة عن هشام بن حسان لم يحفظ التكبيرة الأولى، وحفظها حماد بن زيد، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): اختلف في سجود السهو بعد السلام هل يشترط له تكبيرة إحرام أو يكتفى بتكبير السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء وهو ظاهر غالب الأحاديث.\nوحكى القرطبي (٤) أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام لا بد له من تكبيرة إحرام، ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو، قال أبو داود: لم يقل أحد: فكبر ثم كبر، إلَّا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة، انتهى.\n_________\n(١) قال العلائي: لم يأت ذكر تكبير الإحرام صريحًا إلَّا ما رواه حماد عن هشام. (ش).\n(٢) (٢/ ٣٥٤).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٩٩).\n(٤) قال ابن رسلان: أشار القرطبي إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كان بعد السلام، قال: لأن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يتحلل منه بالسلام لا بدَّ له من تكبيرة الإحرام. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":614},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، وَحُمَيْدٌ، وُيوُنسُ، وَعَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ زيدٍ عن هِشامٍ أَنَّهُ كَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ (١). وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ هَذَا الْحَدِيثَ عن هِشَامٍ، لَمْ يَذْكُرَا عَنْهُ (٢) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ حَمَّادُ بْنُ زيدٍ أَنَّهُ كَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ.\n١٠١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ\n===\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث أيضًا (٣) حبيب بن الشهيد وحميد ويونس وعاصم الأحول، عن محمد، عن أبي هريرة لم يذكر أحد منهم ما ذكر حماد بن زيد عن هشام أنه كبر ثم كبر، وروى حماد (٤) بن سلمة وأبو بكر بن عياش هذا الحديث عن هشام لم يذكرا عنه) أي عن هشام (هذا الذي ذكره حماد بن زيد) عن هشام (أنه كبر ثم كبر) فما زاد حماد لفظ \"كبر\" على خلاف أصحاب ابن حسان وأصحاب محمد بن سيرين، فهذه زيادة شاذة.\n١٠١٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وسجد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) قلت: أما رواية حبيب بن الشهيد وحميد الطويل ويونس بن عبيد، كلهم عن ابن سيرين، فلم أعثر عليها فيما تتبعت من الكتب، وأوردها الحافظ العلائي في كتابه: \"نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد\" فارجع إليه. أما رواية عاصم الأحول عن ابن سيرين ورواية حماد بن سلمة عن هشام فأخرجها البزار كما ذكر ذلك الحافظ العلائي في كتابه، ومسند أبي هريرة عند البزار لم يطبع بعد. أما رواية أبي بكر بن عياش فلم أقف عليها.\n(٤) وذكر ابن رسلان أيضًا بعض المتابعات الآخر عن ابن خزيمة وغيره لم يقولوا: كبر. (ش).","vol":"4","page":615},{"text":"وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: \"وَلَمْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْو حَتَّى يَقَّنَهُ (١) اللَّهُ ذَلِكَ\". [انظر سابقه]\n===\nوعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة بهذه القصة) المتقدمة (قال) أبو هريرة: (ولم يسجد) رسول الله - ﷺ - (سجدتي السهو حتى يَقَّنَه (٢) الله)، أي: ألقى الله اليقين في قلبه، إما بالوحي أو بالتذكر (ذلك) أي السهو.\nولعل قول أبي هريرة هذا مبني على أن رسول الله - ﷺ - كان على يقين من أنه لم ينس في الصلاة، فكيف عمل على خلاف يقينه بما أشار به بعض أصحابه مع أنه لا يجوز يجتهد أن يقلد يجتهد آخر، فكيف برسول الله - ﷺ -؟ فأجاب عنه أبو هريرة بأن رسول الله - ﷺ - لم يسجد حتى يقنه الله تعالى، ولم يسجد على محض قولهم.\nقال في \"الدر المختار\" (٣): ولو اختلف الإِمام والقوم، فلو الإِمام على يقين لم يعد، وإلَّا أعاد بقولهم.\nوقال الشامي في \"حاشيته\": قوله: ولو اختلف الإِمام والقوم أي وقع الاختلاف بينهم وبينه كأن قالوا: صليت ثلاثًا، وقال: بل أربعًا، أما لو اختلف القوم والإمام مع فريق منهم ولو واحدًا أخذ بقول الإِمام، ولو تيقن واحد بالتمام وواحد بالنقص وشك الإِمام والقوم فالإعادة على المتيقن بالنقص فقط، ولو تيقن الإِمام بالنقص لزمهم الإعادة إلَّا من تيقن منهم بالتمام، ولو تيقن واحد بالنقص وشك الإِمام والقوم، فإن كان في الوقت فالأولى أن يعيدوا احتياطًا، ولزمت لو المخبر بالنقص عدلان، من \"الخلاصة\" و\"الفتح\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لَقَّنَه\".\n(٢) وقال ابن رسلان: لقنه بتشديد القاف وتخفيف النون، قال: وفيه حجة للشافعي أن الإِمام لا يرجع إلى قولهم حتى يتذكر بالسهو، قال العيني (٤/ ٣٤٩): اختلفوا أن الإِمام إذا شك هل يأخذ بقول المقتدي؟ فقيل: نعم، وبه قال أبو حنيفة، وقيل: لا، وبه قال الشافعي، انتهى. (ش).\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٦٧٩).","vol":"4","page":616},{"text":"١٠١٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، نَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -، نَا أَبِي، عن صَالِحٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ\n===\nوهذا الذي قلنا في معنى قول أبي هريرة مبني على ظاهر لفظه، والنظر الدقيق يحكم بأن معنى قول أبي هريرة هذا: حتى يقنه الله أي مع أن يقنه الله، فحتى للمصاحبة بمعنى مع كما في قوله: قرأت وردي حتى الدعاء، أي مع الدعاء، ويدل على ذلك ما قال البيهقي في \"سننه\" (١): ويحيى بن أبي كثير لم يحفظ سجدتي السهو عن أبي سلمة، وإنما حفظهما عن ضمضم بن جوش، وقد حفظهما سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة، ولم يحفظهما الزهري لا عن أبي سلمة ولا عن جماعة حدثوه بهذه القصة عن أبي هريرة، انتهى.\nفهذا الكلام يدل على أن حديث الزهري ليس فيه ذكر السجدتين، بل وقع في بعض أحاديثه نفي السجدتين كما أشار إليه أبو داود، وصرح به النسائي، أما ما قال أبو داود فسيأتي، وأما ما قال النسائي (٢) فأخرج من طريق الليث، عن عقيل قال: حدثني ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن أبي حثمة، عن أبي هريرة أنه قال: \"لم يسجد رسول الله - ﷺ - يومئذ قبل السلام ولا بعده\".\n١٠١٣ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب) يوسف بن حجاج الثقفي البغدادي المعروف بابن الشاعر، ثقة حافظ، (نا يعقوب، يعني ابن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، (نا أبي) إبراهيم بن سعد، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة، حجة، تكلم فيه بلا قادح، (عن صالح) بن كيسان، (عن ابن شهاب أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة) واسم أبي حثمة عبد الله بن حذيفة العدوي\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٨).\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٢٣٢).","vol":"4","page":617},{"text":"أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، بِهَذَا الخَبَرِ قَالَ: \"وَلَمْ يَسْجُدِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُسْجَدَانِ إِذَا شَكَّ حَتَّى لَقَّاهُ النَّاسُ\".\nقَالَ ابْنُ شِهَاب: وَأَخْبَرَنِي بِهَذَا (١) الخَبَرِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ وَأَبُو بَكرٍ\n===\nالمدني، ثقة، عارف بالنسب (أخبره) أي أخبر أبو بكر ابن شهاب (أنه) أي أبا بكر (بلغه أن رسول الله - ﷺ - بهذا الخبر) أي حدث حجاج بهذا الخبر المتقدم (قال) ابن شهاب في حديثه: (ولم يسجد) رسول الله - ﷺ - (السجدتين اللتين تسجدان إذا شك) المصلي وسها في الصلاة (حتى) وفي نسخة: حين.\nوقد أخرج البيهقي (٢) بلفظ: \"حين\" فقط، حديث صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهري أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره أنه بلغه: \"أن رسول الله - ﷺ - صلى ركعتين، ثم سلم، فقال ذو الشمالين بن عبد: يا رسول الله - ﷺ -، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: لم تقصر الصلاة ولم أنس، فقال ذو الشمالين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله - ﷺ - على القوم فقال: أصدق ذو الشمالين؟ فقالوا: نعم، فقام رسول الله - ﷺ - فأتم ما بقي من الصلاة، ولم يسجد السجدتين اللتين يسجدان إذ شك الرجل في صلاته حين\" ... إلخ، (لقّاه الناس) أي: نبهه الناس.\n(قال ابن شهاب: وأخبرني بهذا الخبر سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال) ابن شهاب (٣): (وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر) بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"هذا\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٨).\n(٣) وكان ابن شهاب يقول: إذا عرف الرجل ما نسي فأتمها فلا يسجد للسهو، قال الإِمام مسلم في \"كتاب التمييز\" له: قول الزهري: إنه لم يسجد ذلك اليوم خطأ وغلط، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه سجد للسهو ذلك اليوم من حديث الثقات ابن سيرين وغيره، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من أهل الحديث عوَّل على حديث الزهري في قصة ذي اليدين. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":618},{"text":"ابْنُ (١) الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَعِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنسٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ (٢)، عن أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذ الْقِصَّةِ (٣)، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ.\n===\nعبد الرحمن (بن الحارث بن هشام وعبيد الله بن عبد الله) عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - مثله، هكذا زاد البيهقي.\n(قال أبو داود: رواه يحيى بن أبي كثير، وعمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة بهذه القصة، ولم يذكر أنه سجد السجدتين) وحديث يحيى بن أبي كثير أخرجه البيهقي (٤) من طريق شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ -، الحديث، وفي آخره: فصلى بهم ركعتين أخريين، وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٥). بهذا السند فاختصره، وقال بعد ذكر بعض الرواية: واقتص الحديث (٦).\nوأما حديث عمران بن أبي أنس، فقد أخرجه النسائي (٧) من طريق الليث،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الرحمن بن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، جميعًا\"، قلت: لم يرد ذكرها في أكثر نسخ \"سنن أبي داود\" وذكرها ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١/ ٣٥٩).\n(٣) كذا في المجتبائية والقديمة.\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٧).\n(٥) \"صحيح مسلم\" (٥٧٣).\n(٦) قلت: أخرج روايته أيضًا أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٤٢٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥٦٢)، وأبو عوانة في \"صحيحه\" (٢/ ١٩٦ - ١٩٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ١١٩) رقم (١٠٣٨)، والطحاوي في \"معانيه\" (١/ ٤٤٥)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١/ ٣٥٧) من طرق عن يحيى بن أبي كثير بإسناده.\n(٧) \"سنن النسائي\" (١٢٢٨).","vol":"4","page":619},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي بَكْرٍ بنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِيهِ: \"وَلَمْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ\". [ن ١٢٣١، دي ١٤٩٧، خزيمة ١٠٤٢]\n١٠١٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ (١)، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عن سَعْدِ (٢) سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ (٣) النَّبِيَّ - ﷺ - (٤) صَلَّى الظُّهْرَ فَسَلَّمَ في الرَّكْعَتَيْنِ،\n===\nعن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - صلى يومًا، الحديث، وفي آخره: فصلى بالناس ركعتين.\n(قال أبو داود: ورواه الزبيدي) محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي مصغرًا، أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة، ثبت، من كبار أصحاب الزهري، (عن الزهري، عن أبي بكر (٥) بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبي - ﷺ - قال) الزبيدي (فيه) عن الزهري: (ولم يسجد سجدتي السهو).\n١٠١٤ - (حدثنا) عبيد الله (بن معاذ، نا أبي) معاذ بن معاذ بن نصر، (نا شعبة، عن سعد) بن إبراهيم كما في نسخة، أنه (سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - صلى الظهر) ولم يشك في الظهر والعصر (فسلم في الركعتين) أي فسلم سهوًا بعد ما صلى ركعتين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عبيد الله بن معاذ\".\n(٢) وفي نسخة: \"سعد بن إبراهيم\".\n(٣) وفي نسخة: \"عن\".\n(٤) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٥) قلت: أخرج حديث أبي بكر مالك في \"موطئه\" (١/ ٩٤) عن الزهري عن أبي بكر قال: بلغني أن رسول الله - ﷺ -، الحديث، وليس فيه ذكر السجدة لا نفيًا ولا إثباتًا، وقد تقدم عن الزهري بأسانيد: لم يسجد حتى لقاه الناس، فهذا القول إما من غير الزهري، أو مؤول بأنه لم يسجد حتى يقَّنه الله. (ش).","vol":"4","page":620},{"text":"فَقِيلَ لَهُ: نُقِصَتِ الصَّلَاةَ؟ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ\". [خ ٧١٥، ن ١٢٢٧، حم ٢/ ٣٨٦ - ٤٦٨]\n١٠١٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَسَدٍ، أَنَا شَبَابَةُ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - انْصَرَفَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ؟ قَالَ: \"كُلَّ ذَلِكَ لَمْ أَفْعَلْ\". فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَلَمْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ\".\n===\n(فقيل له: نُقِصَت الصلاة؟) بتقدير حرف الاستفهام فتنبهه للسهو (فصلى ركعتين أي أخريين (ثم سجد سجدتين) أي للسهو.\n١٠١٥ - (حدثنا إسماعيل بن أسد) هو إسماعيل بن أبي الحارث أسد بن شاهين البغدادي، أبو إسحاق، قال ابن أبي حاتم: ثقة صدوق، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الدارقطني: ثقة صدوق ورع فاضل، وقال البزار: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (أنا شبابة) بن سوار، (نا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، (عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - انصرف) أي من الصلاة (من الركعتين من صلاة المكتوبة) أي بعد ما صلى الركعتين من الصلاة المكتوبة الرباعية، ولفظ \"الصلاة\" غير معرف باللام في جميع النسخ الموجودة إلَّا في النسخة الكانفورية بإضافة الموصوف إلى الصفة على مذهب الكوفيين.\n(فقال له رجل) أي ذو اليدين: (أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: كل ذلك لم أفعل) أي على كل ذلك من القصر والنسيان لم أصل (فقال الناس: قد فعلت ذلك) أي صليت على ذلك القصر أو النسيان (يا رسول الله، فركع ركعتين أخريين) أي اللتين تركهما (ثم انصرف) أي عن الصلاة (ولم يسجد سجدتي السهو).","vol":"4","page":621},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ دَاودُ بْنُ الْحُصَيْنِ عن أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى أَبي أَحْمَدَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بَهَذِهِ الْقِصَّةِ (١) قَالَ: \"ثمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ\".\n===\n(قال أبو داود: رواه داود بن الحصين) الأموي مولى لهم، أبو سليمان المدني، ثقة، إلَّا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، أخرج روايته مسلم في \"صحيحه\" (عن أبي سفيان) الأسدي، قال الدارقطني: اسمه وهب، وقال غيره: اسمه قزمان (مولى أبي أحمد) هكذا في أكثر نسخ أبي داود، وفي المصرية ونسخة \"العون\": مولى ابن أبي أحمد، وهكذا في البخاري، و\"الموطأ\" في البيوع، ومسلم والنسائي في السهو، وهكذا في \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\" و\"الخلاصة\" و\"الطبقات\" لابن سعد.\nوقال الكلاباذي في كتاب \"الجمع بين رجال الصحيحين\": أبو سفيان مولى ابن أحمد أو مولى ابن أبي أحمد المدني، ويقال: مولى لبني عبد الأشهل، ويقال: كان له انقطاع إلى ابن أبي أحمد فنسب إليهم.\nوحكى صاحب \"العون\" عن المنذري ويقال فيه: مولى أبي أحمد ومولى ابن أبي أحمد، وهو مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، وثقه ابن سعد والدارقطني، قال ابن عبد البر: قيل: اسمه قزمان، ولا يصح له اسم غير كنيته.\n(عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - بهذه القصة قال) أي أبو هريرة: (ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم) أخرج مسلم والنسائي هذا الحديث بتمامه (٢).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داودة روى يحيى بن أبي كثير وعمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة هذه، لم يذكر أنه سجد السجدتين للسهو\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٥٧٣)، و\"سنن النسائي\" (٣/ ٢٢). وانظر أيضًا: \"موطأ مالك\" (١/ ١٠٣) رقم (٢١٤)، و\"مسند أحمد\" (٢/ ٤٤٧)، و(٢/ ٤٥٩)، و\"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ١١٩) رقم (١٠٣٧).","vol":"4","page":622},{"text":"١٠١٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، نَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عن ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ الْهِفَّانِيِّ (١)، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ: \"ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَمَا سَلَّمَ\" (٢). [ن ١٣٣٠، حم ٢/ ٤٢٣]\n١٠١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ (٣)، نَا أَبُو أُسَامَةَ. (ح): ونَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فسَلَّمَ في الرَّكْعَتَيْنِ (٤)، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:\n===\n١٠١٦ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هاشم بن القاسم، نا عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس) بفتح الجيم وسكون الواو ثم مهملة، وفي \"الخلاصة\": جوش بجيم ومعجمة، وثقه ابن معين والعجلي، وذكره ابن سعد في علماء يمامة (الهفاني) بالكسر وتشديد الفاء، نسبة إلى هفان (٥)، بطن من بني حنيفة (حدثني أبو هريرة بهذا الخبر) أي المتقدم (قال) أي أبو هريرة أو هارون بن عبد الله: (ثم سجد سجدتي السهو بعد ما سلم).\n١٠١٧ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت، نا أبو أسامة) حماد بن أسامة، (ح: ونا محمد بن العلاء، أنا أبو أسامة، أخبرني عبيد الله) بن عمر، (عن نافع، عن ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - فسلم في الركعتين، فذكر) أي أبو أسامة (نحو حديث ابن سيرين، عن أبي هريرة قال) أي أبو هريرة:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الهنائي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رواه ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة قصَّ هذا الخبر قال فيه: ولم يسجد للسهو، قال أبو داود: رواه سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ورواه داود بن الحصين عن أبي سفيان عن أبي هريرة، ذكر أنه سجد السجدتين\".\n(٣) زاد في نسخة: \"المروزي\".\n(٤) وفي نسخة: \"في ركعتين\".\n(٥) ابن الحارث. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":623},{"text":"ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ\". [جه ١٢١٣]\n١٠١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، نَا أَبُو قِلَابَةَ، عن أَبِي الْمُهَلَّبِ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن قَالَ: \"سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ، ثُمَّ دَخَلَ- قَالَ عن مَسْلَمَةَ: - الْحُجَرَ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ويُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ طَوِيلَ الْيَدَيْنِ فَقَالَ (١): أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا يَجُرُّ ردَاءَةَ، فَقَالَ: \"أَصَدَقَ؟ \"، قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْهَا\n===\n(ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو).\n١٠١٨ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرًا، (ح: ونا مسدد، نا مسلمة بن محمد قالا: نا خالد الحذاء، نا أبو قلابة، عن أبي المهلب) الجرمي البصري عم أبي قلابة، ثقة، (عن عمران بن حصين قال: سلم رسول الله - ﷺ - في ثلاث ركعات من العصر) وفي حديث البيهقي (٢) بسنده إلى هشيم قال: أبنا خالد عن أبي قلابة، ثنا أبو المهلب، عن عمران بن حصين: \"أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر أو العصر ثلاث ركعات\" الحديث. فروى بالشك بين الظهر والعصر، وقال في آخره: هذا هو الصحيح بهذا اللفظ.\n(ثم دخل، قال) أي مسدد (عن) شيخه (مسلمة: الحجر) يعني زاد مسلمة بعد قوله: ثم دخل لفظَ الحجرَ، ولم يذكره مسدد عن شيخه يزيد بن زريع (فقام إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (رجل يقال له الخرباق وكان طويل اليدين فقال) أي الخرباق لرسول الله - ﷺ -: (أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا يجر رداءه) أي لم يلبسه على الطريق المعتاد (فقال) رسول الله - ﷺ - للناس: (أصدق) الخرباق؟ (قالوا: نعم، فصلى تلك الركعة) الباقية (ثم سلم، ثم سجد سجدتيها)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال له\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٥).","vol":"4","page":624},{"text":"ثُمَّ سَلَّمَ\". [م ٥٧٤، ن ١٢٣٦، جه ١٢١٥]\n===\nأي سجد سجدتي (١) تلك الركعة اللتين وجبتا لتركها سهوًا (ثم سلم) (٢).\nوقع الاختلاف بين أهل العلم هل حديث عمران هذا، وحديث أبي هريرة المتقدم حكايته لقصة واحدة أو لقصتين مختلفتين؟ والظاهر ما قاله ابن خزيمة ومن تبعه من التعدد، لأن دعوى الاتحاد تحتاج إلى تأويلات متعسفة كما سلف، قاله الشوكاني (٣).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة وآخره قاف، اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم، ولفظه: فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول، وهذا صنيع من يوحِّد حديث أبي هريرة بحديث عمران وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد، انتهى.\nوأما بيان محل السجود (٥). للسهو، فمحله المسنون بعد السلام عندنا، سواء كان السهو بإدخال زيادة في الصلاة أو نقصان فيها، وعند الشافعي قبل السلام بعد التشهد فيهما جميعًا، وقال مالك: إن كان يسجد للنقصان فقبل السلام، وإن كان يسجد للزيادة فبعد السلام.\n_________\n(١) ولفظ النسائي أصرح من ذلك. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: رأيت بعض مشايخي علقوا عليه أن هذا وحديث أبي هريرة واحد، وجمعوا بأن المراد بثلاث ركعات ابتداء الثالث، وفيه نظر، بل الظاهر قصتان كما قال به الجمهور. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٣٥).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٠).\n(٥) قال ابن رسلان: قال العلائي: اختلف الأئمة في كيفية العمل بهذه الأحاديث، فأبو حنيفة والشافعي سلكا مسلك الترجيح بينها وردَّ بعضها إلى بعض، ومالك وأحمد وإسحاق سلكوا الجمع بين الأحاديث والعمل بكلها. (ش).","vol":"4","page":625},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nاحتج الشافعي بما روى عبد الله بن بحينة: \"أن النبي - ﷺ - سجد للسهو قبل السلام\"، وما روي أنه سجد للسهو بعد السلام فمحمول على التشهد كما حملتم السلام على التشهد في قوله - ﷺ -: \"وفي كل ركعتين فسلم أي فتشهد\"، وترجح ما روينا بمعاضدة المعنى إياه من وجهين:\nأحدهما: أن السجدة إنما يؤتى بها جبرًا للنقصان المتمكن في الصلاة، والجابر يجب تحصيله في موضع النقص لا في غير موضعه، والإتيان بالسجدة بعد السلام تحصيل الجابر لا في محل النقصان، والإتيان بها قبل السلام تحصيل الجابر في محل النقصان، فكان أولى.\nوالثاني: أن جبر النقصان إنما يتحقق حال قيام الأصل، وبالسلام القاطع لتحريمة الصلاة يفوت الأصل، فلا يتصور جبر النقصان بالسجود بعده.\nواحتجّ مالك بما روى المغيرة بن شعبة: \"أن النبي - ﷺ - قام في مثنى من صلاته، فسجد سجدتي السهو قبل السلام\"، وكان سهوًا في نقصان، وعن عبد الله بن مسعود -﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - صلى الظهر خمسًا، فسجد سجدتي السهو بعد السلام\"، وكان سهوًا في الزيادة، ولأن السهو إذا كان نقصانًا فالحاجة إلى الجابر فيؤتى به في محل النقصان على ما قاله الشافعي، فأما إذا كان زيادة فتحصيل السجدة قبل السلام يوجب زيادة أخرى في الصلاة، ولا يوجب رفع شيء، فيؤخر إلى ما بعد السلام.\nولنا حديث ثوبان -﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لكل سهو سجدتان بعد السلام\"، من غير فصل بين الزيادة والنقصان، وروي عن عمران بن الحصين والمغيرة بن شعبة وسعد بن أبي وقاص -﵃-: \"أن النبي - ﷺ - سجد للسهو بعد السلام\"، وكذا روى ابن مسعود وعائشة وأبو هريرة -﵃-.\nوروينا عن ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من شك","vol":"4","page":626},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي صلاته فلم يدر أثَلاثًا صلى أم أربعًا، فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب، وليبن عليه، وليسجد سجدتين بعد السلام\".\nولأن سجود السهو أخر عن محل النقصان بالإجماع، وإنما كان لمعنى [و] ذلك المعنى يقتضي التأخير عن السلام، وهو أنه لو أداه هناك ثم سها مرة ثانية وثالثة ورابعة يحتاج إلى أدائه في كل محل، وتكرار سجود السهو في صلاة واحدة غير مشروع، فأخر إلى وقت السلام احترازًا عن التكرار، فينبغي أن يؤخر أيضًا عن السلام، حتى إنه لو سها عن السهو لا يلزمه أخرى، فيؤدي إلى التكرار، ولأن إدخال الزيادة في الصلاة يوجب نقصانًا فيها، فلو أتى بالسجود قبل السلام يؤدي إلى أن يصير الجابر للنقصان موجبًا زيادة نقص، وذا غير صواب.\nوأما الجواب عن تعلقهم بالأحاديث، فهو أن رواية الفعل متعارضة، فبقي لنا رواية القول من غير تعارض، وترجح ما ذكرنا لمعاضدة ما ذكرنا من المعنى إياه، أو يوفق فيحمل ما روينا على أنه سجد بعد السلام الأول ولا محل له سواه، فكان محكمًا، وما رواه محتمل، يحتمل أنه سجد قبل السلام الأول، ويحتمل أنه سجد قبل السلام الثاني، فكان متشابهًا، فيصرف إلى موافقة المحكم، وهو أنه سجد قبل السلام الأخير لا قبل السلام الأول ردًّا للمحتمل إلى المحكم.\nوما ذكر مالك من الفصل بين الزيادة والنقصان غير سديد، لأنه سواء نقص أو زاد كل ذلك كان نقصانًا، ولأنه لو سها مرتين إحداهما بالزيادة والأخرى بالنقصان ماذا يفعل، وتكرار سجدتي السهو غير مشروع، وقد روي أن أبا يوسف ألزم مالكًا بين يدي الخليفة بهذا الفصل فقال: أرأيت لو زاد\nونقص كيف يصنع؟ فتحير مالك (١).\n_________\n(١) وقالت المالكية: بالقبلية إذ ذاك تغليبًا للنقص. (ش).","vol":"4","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>(١٩٨) بَابٌ: إِذَا صَلَّى خَمْسًا</span>\n١٠١٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى. قَالَ حَفْصٌ: نَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: \"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ في الصَّلَاةِ؟ قَالَ: \"وَمَا ذَاكَ؟ \" قَالَ (١): صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ\". [خ ٤٠٤، م ٥٧٢، ت ٣٩٢، ن ١٢٤٠، جه ١٢٠٣، حم ١/ ٣٧٦]\n===\nوقد خرج الجواب عن أحد معنى الشافعي أن الجابر يحصل في محل الجبر لما مر أنه لا يؤتى به في محل الجبر بالإجماع، بل يؤخر عنه لمعنى يوجب التأخير عن السلام.\nوأما قوله: إن الجبر لا يتحقق إلَّا حال قيام أصل الصلاة، فنعم، لكن لِم قلتم: إن سلام من عليه السهو قاطع لتحريمة الصلاة؟ وقد اختلف مشايخنا في ذلك، فعند محمد وزفر لا يقطع التحريمة أصلًا، فيتحقق معنى الجبر، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يقطعها على تقدير العود إلى السجود، أو يقطعها ثم يعود بالعود إلى السجود، فيتحقق معنى الجبر.\n\n(١٩٨) (بَابٌ: إِذَا صَلَّى خَمْسًا)\nأي: سها في الصلاة الرباعية فزاد فيها ركعة خامسة\n١٠١٩ - (حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم المعنى، قال حفص: نا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله) بن مسعود (قال: صلى رسول الله - ﷺ - الظهر خمسًا) ولم يشك في الزيادة والنقصان (فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا) أي خمس ركعات (فسجد سجدتين بعد ما سلم).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قالوا\".","vol":"4","page":628},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): والحديث يدل على أن من صلَّى خمسًا ساهيًا ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد (٢)، وقال أبو حنيفة والثوري: إنها تفسد وإن لم يجلس في الرابعة، وقال أبو حنيفة: فإن جلس في الرابعة، ثم صلى خامسة، فإنه يضيف إليها ركعة أخرى وتكون الركعتان له نافلة، والحديث يرد ما قالاه، وإلى العمل بمضمونه ذهب الجمهور.\nقلت: الحديث لا يدل على أن من صلى خمسًا ساهيًا، ولم يجلس في الرابعة لا تفسد صلاته، فإن الحديث ساكت على جلوس النبي - ﷺ - بعد الرابعة، ولم يذكر حكمه، فعدم الذكر في الحديث لا يدل على عدم الفساد، بل حمل فعل النبي - ﷺ - على ما هو أقرب إلى الصواب أولى.\nقال في \"العناية\" في شرح \"الهداية\" (٣): وإن سها عن القعدة الأخيرة حتى قام إلى الخامسة في الرباعية، والرابعة في الثلاثية، والثالثة في الثنائية، فلا يخلو من أن يكون بعد ما قعد على الرابعة أو لا يكون، فإن لم يكن فلا يخلو إما أن يقيد الخامسة بالسجدة أو لا.\nفإن كان الثاني رجع إلى القعدة، لأن إصلاح الصلاة به ممكن، وكل ما كان كذلك وجب عمله احترازًا عن البطلان، وإنما قلنا: إنه ممكن، لأن ما دون الركعة بمحل الرفض لكونه ليس بصلاة ولا له حكمها، ولهذا لو حلف لا يصلي لا يحنث بما دون الركعة، وألغى الخامسة لأنه رجع إلى شيء محله قبلها، وكل من رجع من فعل من أفعال الصلاة إلى شيء محله قبله يرتفض ذلك الفعل المرجوع عنه، كما إذا قعد قدر التشهد ثم تذكر السجدة الصلبية أو التلاوة\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٤٥).\n(٢) بل يرجع إلى القعدة كلما تذكر سواء قبل الركوع أو بعده، سواء قعد للتشهد أو لا، وبه قال الأئمة الثلاثة، بسطه ابن رسلان. (ش).\n(٣) (٢/ ٧٤٣).","vol":"4","page":629},{"text":"١٠٢٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (١) - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَلَا أَدْرِي زَادَ (٢) أَمْ نَقَصَ-\n===\nفسجد لهما ارتفضت القعدة لما أن محلها قبل القعدة الأخيرة، وسجد للسهو لأنه أخر واجبًا، وهو إصابة لفظ السلام، وقيل: واجبًا قطعيًّا وهو القعدة الأخيرة.\nوإن كان الأول بطل فرضه عندنا خلافًا للشافعي، لأنه روي أنه - ﷺ - صلى الظهر خمسًا، ولم ينقل أنه قعد في الرابعة ولا أنه أعاد صلاته.\nولنا أنه استحكم شروعه في النافلة قبل إتمام أركان المكتوبة، لأنه أتى بما هو صلاة أخرى حقيقة لاشتمالها على الأركان وحكمًا لأنه حكم الشرع بوجودها، وأوجب الحنث على من حلف لا يصلي فصلى ركعة، وكل من استحكم شروعه في النافلة قبل إكمال أركان المكتوبة خرج عن الفرض للمنافاة بين الفرض والنفل، وقد تحقق أحد المتنافيين، فينتفي الآخر ضرورة.\nوتأويل الحديث أنه ﵇ كان قعد قدر التشهد في الرابعة بدليل قول الراوي: صلى الظهر خمسًا، والظهر اسم لجميع أركان الصلاة، ومنها القعدة، وإنما قام إلى الخامسة على ظن أنها الثالثة حملًا لفعله ﵇ على ما هو أقرب إلى الصواب، وتحولت صلاته نفلًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد على ما مر، فيضمّ إليها ركعة سادسة ولو لم يضم لا شيء عليه، لأنه مظنون، والمظنون غير مضمون، انتهى ملخصًا.\n١٠٢٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله: صلى رسول الله - ﷺ -، قال إبراهيم: فلا أدري زاد أم نقص) أي فلا أدري قال علقمة بالزيادة أو بالنقصان.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"صلَّى بنا رسول الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"أزاد\".","vol":"4","page":630},{"text":"فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ في الصَّلَاةِ شَيءٌ؟ قَالَ: \"وَمَا ذَاكَ؟ \" قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، فَثَنَى (١) رِجْلَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَسَجَدَ (٢) سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا انْفَتَلَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ في الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأتُكُمْ بِهِ،\n===\nقال الحافظ (٣): والمراد أن إبراهيم شك في سبب سجود السهو المذكور هل كان لأجل الزيادة أو النقصان؟ لكن سيأتي في الباب الذي (٤) بعده من رواية الحكم عن إبراهيم بإسناده هذا \"أنه صلى (٥) خمسًا\" وهو يقتضي الجزم بالزيادة، فلعله شك لما حدث منصورًا، وتيقن لما حدث الحكم. وقد تابع الحكم على ذلك حماد بن أبي سليمان وطلحة بن مصرف وغيرهما، وعين في رواية الحكم أيضًا عن حماد أنها الظهر، ووقع للطبراني من رواية طلحة بن مصرف عن إبراهيم أنها العصر، وما في الصحيح أصح، انتهى.\n(فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أَحَدث في الصلاة شي؟) بفتحات على صيغة الماضي، ومعناه السؤال عن حدوث شيء من الوحي يوجب تغيير حكم الصلاة عما عهدوه (قال: وما ذاك؟) فيه إشعار بأنه لم يكن عنده شعور بما وقع منه من الزيادة (قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجله) أي عطفها (واستقبل القبلة) وهذا يدل على أن رسول الله - ﷺ - لما سلم على الخامسة انصرف عن القبلة، فلما أخبره الناس بالزيادة استقبل القبلة (فسجد سجدتين ثم سلم، فلما انفتل) أي انصرف من الصلاة (أقبل علينا بوجهه - ﷺ - فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به)، وفيه دليل على عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: فثنى\".\n(٢) وفي نسخة: \"فسجد بهم\".\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٤).\n(٤) أي في البخاري فإنه كلام الحافظ. (ش).\n(٥) ويؤيده أنه - ﷺ - سجد ولم يصل الباقي، فلو كان ناقصًا لأتمه. (ش).","vol":"4","page":631},{"text":"وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي\". وَقَالَ: \"إِذَا شَك أَحَدُكُمْ في صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ،\n===\n(ولكن إنما أنا بشر) هذا حصر في البشرية باعتبار من أنكر ثبوت ذلك ونازع فيه عنادًا وجحودًا، وأما باعتبار غير ذلك بما هو فيه فلا ينحصر في وصف البشرية إذ له صفات أخر، ككونه جسمًا حيًّا متحركًا نبيًّا رسولًا بشيرًا نذيرًا سراجًا منيرًا وغير ذلك، قاله الشوكاني (١).\n(أنسى كما تنسون (٢)، فإذا نسيت فذكِّروني)، فيه أمر التابع بتذكير المتبوع، وظاهر الحديث يدل على الوجوب على الفور.\n(وقال) رسول الله - ﷺ -: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر) بالحاء المهملة والراء المشددة أي فليقصد (الصواب)، ولمسلم من طريق مسعر عن منصور: \"فأيكم شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب\"، وله من طريق شعبة عن منصور: \"فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب\"، وله من طريق فضيل بن عياض عن منصور: \"فليتحر الذي يرى أنه الصواب\".\nواختلف في المراد بالتحري (٣)، فقال الشافعية: هو البناء على اليقين لا على الأغلب، لأن الصلاة في الذمة بيقين فلا تسقط إلَّا بيقين، وقيل: التحري الأخذ بغالب الظن، وهو ظاهر الروايات التي عند مسلم.\nوقال ابن حبان في \"صحيحه\": البناء غير التحوي، فالبناء أن يشك في\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٤٠).\n(٢) بسطه ابن رسلان في جواز النسيان عليه - ﷺ - فارجع إليه، وأبسط منه في \"الإكمال\" (٢/ ٢٦٤). (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: فيه دليل لأبي حنيفة وموافقيه أن من شك في صلاته في عدد الركعات فإنه يبني في ذلك على غالب ظنه، قال القرطبي: والجمهور ردوا هذا إلى حديث أبي هريرة ... إلخ، وحجة الشافعية حديث أبي سعيد: \"فليطرح الشك وليبن علي ما استيقن\"، وحملوا التحري في هذا الحديث على البناء على اليقين. (ش).","vol":"4","page":632},{"text":"فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ (١) سَجْدَتَيْنِ\". [خ ٤٠١، م ٥٧٢، ن ١٢٤٠، جه ١٢٠٣، حم ١/ ٣٧٦]\n١٠٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِهَذَا قَالَ: «فَإِذَا نَسِىَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» ثُمَّ تَحَوَّلَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. [م ٥٧٢، جه ١٢٠٣، حم ١/ ٤٢٤]\n===\nالثلاث أو الأربع مثلًا، فعليه أن يلغي الشك، والتحري أن يشك في صلاته فلا يدري ما صلى، فعليه أن يبني على الأغلب عنده.\nوقال غيره: التحري لمن اعتراه الشك مرة بعد أخرى فيبني على غلبة ظنه، وبه قال مالك وأحمد.\nوعن أحمد في المشهور: التحري يتعلق بالإمام، فهو الذي يبني على ما غلب على ظنه، وأما المنفرد فيبني على اليقين دائمًا، وعن أحمد رواية أخرى كالشافعية، وأخرى كالحنفية، وقال أبو حنيفة: إن طرأ الشك أولًا استأنف، وإن كثر بني على غالب ظنه، وإلَّا فعلى اليقين، انتهى ما قاله الحافظ في \"الفتح\" (٢) ملخصًا.\n(فليتم عليه) أي فليتم الصلاة على ما تحرى من الصواب بغلبة ظنه (ثم ليسلم) أي لسجود السهو (ثم ليسجد سجدتين) أي للسهو، ثم ليسلم للخروج عن الصلاة كما تقدم في رواية عمران بن حصين.\n١٠٢١ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبي، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بهذا) أي بالحديث المتقدم، وزاد فيه: (قال) رسول الله - ﷺ -: (فإذا نسي أحدكم) في الصلاة (فليسجد سجدتين، ثم تحول) أي النبي - ﷺ - (فسجد سجدتين) للسهو.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يسجد\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٩٥).","vol":"4","page":633},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حُصَيْنٌ نَحْوَ (١) الأَعْمَشِ.\n===\n(قال أبو داود: رواه حصين نحو الأعمش) وحاصل هذا الكلام أن الروايات اختلفت في أن هذا الكلام وقع في بعضها قبل السجود للسهو، وفي بعضها بعد السجود، ففي رواية منصور عن إبراهيم بعد السجود والسلام، وكذلك فيما يأتي من رواية الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن سويد بعد السجود والسلام، وفي رواية الأعمش قبل السجود، ثم قواه المصنف برواية حصين فقال: رواه حصين نحو الأعمش، يعني بتقديم الكلام على السجدتين، ولم أجد رواية حصين في الكتب الموجودة، ولم أقف على تعيين الحصين وترجمته (٢).\nقلت: ورجح البيهقي (٣) حديث منصور الذي فيه تقديم السجود على حديث الأعمش الذي فيه تقديم الكلام، فقال: قال الشيخ: وذلك إنما ذكر السهو بعد الكلام (٤) فسأل، فلما استيقن أنه قد سها سجد سجدتي السهو، قال الشيخ - ﵀-: وذلك بُيِّنَ في حديث الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ثم في رواية إبراهيم بن سويد النخعي عن علقمة، ثم في رواية الأسود عن عبد الله، وقد أخبرنا أبو عبد الله، أبنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن محمد، ثنا منجاب بن الحارث التميمي، ثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: صلى رسول الله - ﷺ - فزاد أو نقص- قال إبراهيم: والوهم مني- فقيل: يا رسول الله\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نحو حديث الأعمش\".\n(٢) قلت: أما حصين فهو حصين بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، ثقة تغير حفظه في الآخر، مات سنة ١٣٦ هـ \"التقريب\" (١/ ١٨٢).\nأخرج روايته الطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٣٣) رقم (٩٨٣٤)، والبزار في \"مسنده\" (٥/ ١١) رقم (١٥٦٥)، والدارقطني في \"العلل\" (٥/ ١٢٤).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣).\n(٤) وذلك لأن ذلك الكلام منافٍ للصلاة عند الكل، وأجاب عنه ابن رسلان بأنه لو صحَّ لا يكون لفظ \"ثم\" للترتيب، بل لمجرد عطف الجملة على الجملة. (ش).","vol":"4","page":634},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأزيد في الصلاة شيء؟ فقال: \"إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس\"، ثم تحول رسول الله - ﷺ - فسجد سجدتين، رواه مسلم في \"الصحيح\" عن منجاب بن الحارث.\nوفي هذا وفي حديث الأسود عن عبد الله أن سجوده كان بعد قوله: \"إنما أنا بشر\"، وقد مضى في رواية منصور عن إبراهيم ما دل على أنه - ﷺ - سجد أولًا، ثم أقبل على القوم، وقال ما قال، وقد مضى في هذا الباب عن إبراهيم بن سويد عن علقمة مثل ذلك، وهو أولى أن يكون صحيحًا من رواية من ترك الترتيب في حكايته، انتهى.\nوأيضًا رجح الحافظ (١) رواية منصور فقال: \"تنبيه\": روى الأعمش عن إبراهيم هذا الحديث مختصرًا، ولفظه: \"أن النبي - ﷺ - سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام\"، أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن خزيمة وغيرهم، قال ابن خزيمة: إن كان المراد بالكلام قوله: \"وما ذاك\" في جواب قولهم: \"أزيد في الصلاة\"، فهذا نظير ما وقع في قصة ذي اليدين، وسيأتي البحث فيه فيها، وإن كان المراد به قوله: \"إنما أنا بشر أنسى كما تنسون\"، فقد اختلف الرواة في الموضع الذي قالها فيه، ففي رواية منصور أن ذلك كان بعد سلامه من سجدتي السهو، وفي رواية غيره أن ذلك كان قبل، ورواية منصور أرجح، والله أعلم، انتهى.\nقلت: وأبعد صاحب \"العون\" (٢) فحمل الاختلاف الواقع بين حديث الأعمش وحصين عن إبراهيم، وبين رواية منصور عن إبراهيم بأنهما لم يذكرا هذه الجملة: \"إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه\"، وذكرها منصور عن إبراهيم، فإن هذه الجملة في رواية منصور أيضًا مختلف فيها، قال\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٩٥).\n(٢) انظر: (٣/ ٣٢٧).","vol":"4","page":635},{"text":"١٠٢٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، وَهَذَا حَدِيثُ يُوسُفَ، عَن الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْسًا، فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ (١) الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ زِيدَ فِى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالُوا: فَإِنَّكَ صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَانْفَتَلَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ». [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nالبيهقي (٢): ورواه مسعر بن كدام وفضيل بن عياض وعبد العزيز بن عبد الصمد، عن منصور فلم يذكروا لفظ التسليم وكلمة التحري.\n١٠٢٢ - (حدثنا نصر بن علي، أنا جرير (٣)، ح: ونا يوسف بن موسى، نا جرير، وهذا حديث يوسف)، أي: لفظ هذا الحديث لفظ يوسف بن موسى لا لفظ نصر، (عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن سويد) النخعي، ثقة، لم يثبت أن النسائي ضعفه، (عن علقمة قال: قال عبد الله: صلى بنا رسول الله - ﷺ - خمسًا، فلما انفتل) أي انصرف عن الصلاة (توشوش (٤) القوم بينهم) أي تكلموا فيما بينهم بصوت خفي، والوشوشة كلام مختلط خفي لا يكاد يفهم، وروي بسين مهملة، كذا نقل عن \"فتح الودود\".\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله هل زيد (٥) في الصلاة؟ قال: لا، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل) أي انصرف إلى القبلة واستقبلها (فسجد سجدتين ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"توسوس\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٣٦).\n(٣) بالفتح. (ش).\n(٤) روي بالمهملة، هو كلام خفي، والوشوشة بالمعجمة صوت في اختلاط. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) فرع عليه ابن رسلان نسيان الأصل في الحديث، وذكر خلاف الأئمة في قبول رواية الفرع. (ش).","vol":"4","page":636},{"text":"١٠٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ -، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ\n===\nوهذا تأييد لحديث منصور عن إبراهيم، فإن فيه أيضًا هذا الكلام وقع بعد السجدتين والسلام.\nوأخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١): حدثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عبد الله النهشلي قال: ثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: \"صلى رسول الله - ﷺ - خمسًا، فلما انصرف قيل له: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال: لا، قالوا: فإنك صليت خمسًا؟ قال: فسجد سجدتي السهو، ثم قال: \"إنما أنا بشر أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون\".\nولكن خالفه مسلم في سياق هذا الحديث، فأخرج في \"صحيحه\" (٢) عن عون بن سلام الكوفي قال: نا أبو بكر النهشلي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله قال: \"صلى بنا رسول الله - ﷺ -، فقلنا: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسًا، قال: إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتي السهو\".\nويؤيد رواية مسلم ما أخرجه البيهقي (٣) من طريق موسى بن عبد الله عن أبي بكر النهشلي، وما أخرجه النسائي (٤) من طريق عبد الله عن أبي بكر النهشلي، فإن هاتين الروايتين وقعتا في الكتابين على ترتيب سياق مسلم.\n١٠٢٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث - يعني ابن سعد -، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن قيس أخبره، عن معاوية بن\n_________\n(١) (١/ ٤٢٠) رقم (٣٩٨٣).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٩٣/ ٥٧٢).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٤٢).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٢٥٩).","vol":"4","page":637},{"text":"حُدَيْجٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى يَوْمًا، فَسَلَّمَ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ، فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: نَسِيتَ (١) مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً، فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ رَكْعَةً، فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ النَّاسَ، فَقَالُوا لِى: أَتَعْرِفُ الرَّجُلَ؟ قُلْتُ: لَا، إلَّا أَنْ أَرَاهُ، فَمَرَّ بِى، فَقُلْتُ: هَذَا هُوَ، فَقَالُوا (٢):\n===\nحديج) بمهملة ثم جيم مصغرًا، الكندي، أبو عبد الرحمن أو أبو نعيم، صحابي (٣) صغير، وقد ذكره يعقوب بن سفيان في التابعين: (أن رسول الله - ﷺ - صلى يومًا، فسلم، وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه) أي لحقه ووصل إليه (رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى للناس (٤) ركعة، فأخبرت بذلك الناس) أي بعد وفاة رسول الله - ﷺ - أو في حياته بعد الواقعة.\n(فقالوا لي: أتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلَّا أن أراه) أي لا أعرف اسمه وأعرف صورته، فإذا رأيت صورته أعرفه (فمر بي) أي ذلك الرجل (فقلت: هذا هو) الذي أدرك رسول الله - ﷺ -، وقال له: نسيت من الصلاة ركعة (فقالوا:)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نسيت يا رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"هذا\".\n(٣) أسلم قبل وفاته - ﷺ - بشهرين، توفي سنة ٥٢ هـ، وحديثه هذا أخرجه النسائي وابن ماجه والبخاري في كتاب الأدب وابن حبان في كتاب الصلاة. \"ابن رسلان\". [وانظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ١٥٢) رقم (٤٩٨١)]. (ش).\n(٤) وكانت الصلاة المغرب، وكذا في رواية ابن حبان، وحمله الطحاوي على النسخ، وأول ابن رسلان لفظ: أقام الصلاة، أي دخل فيها، قال: إن قواعد المذهب أنه يعود إلى الصلاة بلا إقامة، وقال أيضًا: إنها غير قصة عمران، فإن الصلاة فيها العصر وهاهنا المغرب، وهناك المخبر خرباق وهاهنا طلحة، فقصة ذي اليدين وعمران وهذه ثلاث قصص، قاله ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ١٢٩)، وتابعه على ذلك أبو حاتم بن حبان. (ش).","vol":"4","page":638},{"text":"طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ\". [ن ٦٦٤، حم ٦/ ٤٠١، خزيمة ١٠٥٣، طح ١/ ٤٤٨، ك ١/ ٢٦١، ق ٢/ ٣٥٩، حب ٢٦٧٤]\n\n(١٩٩) بَابٌ إِذَا شَكَّ في الثِّنْتَيْنِ وَ(١) الثَّلاثِ، مَنْ قَالَ: يُلْقِي الشَّكَّ\n١٠٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلَاتِهِ فَلْيُلْقِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِذَا اسْتَيْقَنَ التَّمَامَ\n===\nهذا (طلحة بن عبيد الله).\n(١٩٩) (بَابٌ إِذَا شَكَّ) أي: المصلي (في الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلاثِ، مَنْ قَالَ: يُلْقِي الشَّكّ) أي: يطرح الشك ويبني على اليقين\n١٠٢٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو خالد) الأحمر سليمان بن حيان، (عن) محمد (بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا شك أحدكم) حمله علماؤنا على ما إذا لم يغلب ظنه على شيء، وإلا فعند غلبة الظن لم يبق شك، فمعنى إذا شك أحدكم أي إذا بقي شاكًّا ولم يترجح له أحد الطرفين بالتحري، وغيرهم حملوا الشك على مطلق التردد في النفس وعدم اليقين، قاله السندي على ابن ماجه.\n(في صلاته) أي شك في اثنتين أو ثلاث مثلًا (فليلق الشك) (٢) أي المشكوك فيه وهو الأكثر، ولا يأخذ به في البناء (وليبن علي اليقين) أي على الأقل (فإذا استيقن التمام) أي في آخر صلاته على بنائه على اليقين\n_________\n(١) في نسخة: \"أو\".\n(٢) قال ابن العربي: هذا الحديث مطلق يبني على المقيد إذا شك ثلاثًا صلَّى ... إلخ، وقيل في المستنكح [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١٨٤)]. (ش).","vol":"4","page":639},{"text":"سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً وَالسَّجْدَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ تَمَامًا لِصَلَاتِهِ وَكَانَتِ السَّجْدَتَانِ مُرْغِّمَتَىِ الشَّيْطَانِ». [م ٥٧١، ن ١٢٣٨، جه ١٢١٠، دي ١٤٩٥، حم ٣/ ٧٢ - ٨٣]\n===\n(سجد سجدتين) للسهو، (فإن كانت صلاته تامة) أي إن كانت الركعات التي صلاها تامة عند الشك، ولكن لعروض الشك بني على الأقل منها، مثلًا شك في ثنتين وثلاث، وكان في الواقع صلى ثلاثًا، فبعروض الشك جعلها اثنتين (كانت الركعة نافلة والسجدتان) أيضًا كانتا نافلتين.\n(وإن كانت ناقصة) أي لما شك في صلاته في ثنتين وثلاث وكانت صلاته ركعتين (كانت الركعة تمامًا لصلاته) فيما إذا بقيت عليه ركعة، وركعتان فيما إذا بقيت عليه ركعتان (وكانت السجدتان) اللتان للسهو (مرغمتي الشيطان) أي سببًا لإغاظته له وإذلاله، فإنه تكلف في التلبيس، فجعله الله له طريق جبر بسجدتين، فأضل سعيه حيث جعل وسوسته سببًا للتقرب بسجدة استحق هو بتركها الطرد، كذا في \"المجمع\" (١).\nاختلف العلماء في مسألة الشك في الصلاة، فقال بعضهم: من دخل عليه الشك في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص؟ سجد سجدتين وهو جالس، ثم يسلم، ليس عليه غير ذلك، حكاه الطحاوي، وحكاه النووي عن الحسن البصري وطائفة من السلف.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: \"إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فليسجد سجدتين وهو جالس\"، فعملوا بهذا الحديث، وأهملوا الأحاديث التي فيها ذكر الاستئناف وذكر التحري وذكر البناء على الأقل.\nوقال بعضهم: يبني على اليقين وهو الأقل، قال النووي: وإليه ذهب الشافعي والجمهور.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٤٦).","vol":"4","page":640},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواستدلوا بحديث أبي سعيد هذا، وهم تركوا أحاديث الاستئناف، وتكلموا فيها، وقالوا: إنها ضعاف، وتأولوا في التحوي، وقالوا: إن معنى التحري هو القصد، فالمراد القصد إلى ما فيه اليقين.\nقال بعضهم: من شك في ركعة وهو مبتدئ بالشك لا مبتلى به استأنف الصلاة، ومعنى قوله: مبتدئ بالشك أن السهو لم يصر عادة له لا أنه لم يسه في عمره قط.\nواستدلوا على هذا بما ثبت عندهم ما روى عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا شك أحدكم في صلاته أنه كم صلى؟ فليستقبل الصلاة\"، وكذا روي عن ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهم قالوا هكذا، كذا في \"البدائع\" (١).\nقال الحافظ في \"الدراية\": \"إذا شك أحدكم في صلاته كم صلى؟ فليستقبل الصلاة\"، لم أجده (٢) مرفوعًا.\nوأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر في الذي لا يدري صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ قال: يعيد حتى يحفظ، وأخرج نحوه عن سعيد بن جبير وشريح وابن الحنفية، ثم قالوا: إذا كان السهو عادة له ينظر المصلي إلى أكبر رأيه في ذلك، فيعمل على ذلك، ثم يسجد سجدتي السهو بعد التسليم، وإن كان لا رأي له في ذلك بني على الأقل، حتى يعلم يقينًا أنه قد صلى ما عليه، وذهب إلى ذلك أبو حنيفة، وحكي عن ابن عمر وأبي هريرة وجابر بن يزيد والنخعي، قاله الشوكاني في \"النيل\" (٣).\n_________\n(١) (٤/ ٤٠٤).\n(٢) وقد ذكره في \"المنهل\" (٦/ ١٥١) عن الشوكاني عن الطبراني عن عبادة وميمونة بنت سعد مرفوعًا. [انظر: \"المعجم الكبير\" (٢٥/ ٦٧)]. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٣٧).","vol":"4","page":641},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواحتجوا بحديث التحري وحديث البناء على الأقل، والحاصل أنه قد ثبت عندهم أحاديث مختلفة في السهو، وهو قوله - ﷺ -: \"إذا شك أحدكم في صلاته فليستقبل\"، وهو غريب، وان كانوا هم يعرفونه، ومعناه في \"مسند ابن أبي شيبة\" عن ابن عمر، وأخرج نحوه عن سعيد بن جبير وابن الحنفية وشريح، وما في الصحيح: \"إذا شك أحدكم فليتحر الصواب فليتم\"، وما أخرجه الترمذي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: \"سمعت النبي - ﷺ - إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلَّى أم ثنتين؟ فليبن علي واحدة\"، الحديث، وصححه الترمذي.\nولما ثبت عندهم الكل سلكوا فيها طريق الجمع يحمل كل منها على محمل يتجه حمله عليه، قاله ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١).\nقلت: أما الاستئناف فلأنه لو استقبل أدى الفرض بيقين كاملًا، ولو بني على الأقل ما أداه كاملا، لأنه ربما يؤدي زيادة على المفروض، وإدخال الزيادة في الصلاة نقصان فيها، وربما يؤدي إلى فساد الصلاة بأن كان أدى أربعًا وظن أنه أدى ثلاثًا، فبنى على الأقل، وأضاف إليها أخرى قبل أن يقعد، وبه تبين أن الاستقبال ليس إبطالًا للصلاة، لأن الإفساد ليؤدي أكمل لا يعد إفسادًا، وحديث الحمل على الأقل محمول على ما إذا وقع ذلك مرارًا، ولم يقع التحري على شيء بدليل ما روينا من حديث الاستقبال.\nوأما التحري فلأنه تعذر عليه الوصول إلى ما اشتبه عليه بدليل من الدلائل، والتحري عند انعدام الأدلة مشروع كما في أمر القبلة ولا وجه للاستقبال؛ لأنه عسى أن يقع ثانيًا وكذا الثالث والرابع إلى ما يتناهى، ولا وجه للبناء على الأقل؛ لأنه ربما يؤدي زيادة على المفروض، وهي نقصان في الصلاة، وربما يؤدي إلى إفساد الصلاة، وما رواه الشافعي محمول على ما إذا\n_________\n(١) (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣).","vol":"4","page":642},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nتحرى ولم يقع تحريه على شيء، وعندنا إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء يبني على الأقل، وعلى هذا جمعوا الأحاديث، وحملوا كل واحد منها على محمله، وعملوا على جميعها، ولم يهملوا منها شيئًا.\nوالقائلون بالتحري اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة ومالك (١) في طائفة: هذا لمن اعتراه الشك مرة بعد أخرى وصار مبتلى به، وأما غيره فيبني على اليقين، وقال آخرون: هو على عمومه، وقال بعضهم بوجوب الإعادة مرة بعد أخرى حتى يستيقن، حكاه العراقي عن ابن عمر وسعيد بن جبير وشريح القاضي وابن الحنفية وميمون بن مهران وعبد الكريم الجزري والشعبي والأوزاعي.\nوقال الشيخ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢): قال الإِمام أحمد: الشك على وجهين: اليقين والتحري، فمن رجع إلى اليقين ألغى الشك، وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري، وإذا رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم، سجد سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود.\nوالفرق عنده بين التحري واليقين، أن المصلي إذا كان إمامًا بني على غالب ظنه وأكثر وهمه، وهذا هو التحري، فيسجد له بعد السلام على حديث ابن مسعود، وإن كان منفردًا بني على اليقين، وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد، هذه طريقة أكثر أصحابه في تحصيل ظاهر مذهبه.\nوعنه: روايتان أخريان: إحداهما: يبني على اليقين مطلقًا، والأخرى على\n_________\n(١) كذا قاله الشوكاني (٣/ ١٤٥)، والأوجه عندي أن فيه وهمًا لما أن الذي حمل عليه الإِمام مالك على المستنكح هو حديث أبي هريرة لا حديث التحري، كما في \"بداية المجتهد\" (١/ ١٩٩). (ش).\n(٢) (١/ ٢٨٢).","vol":"4","page":643},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nغالب ظنه مطلقًا، وظاهر نصوصه إنما يدل على الفرق بين الشك وبين الظن الغالب القوي، فمع الشك يبني على اليقين، ومع أكثر الوهم والظن الغالب يتحرى، وعلى هذا مدار أجوبته، وعلى الحالين حمل الحديثين، انتهى مختصرًا.\nثم اعلم أن الحنفية قالوا: إن سبب وجوب سجود السهو هو ترك الواجب الأصلي في الصلاة أو تغييره أو تغيير فرض ساهيًا.\nقال في \"البدائع\" (١): وأما بيان سبب الوجوب فسبب وجوبه ترك الواجب الأصلي في الصلاة أو تغييره أو تغيير فرض منها عن محله الأصلي ساهيًا؛ لأن كل ذلك يوجب نقصانًا في الصلاة، فيجب جبره بالسجود، والحديث أناط سجدتي السهو إما بالسلام على ركعتين في الظهر أو العصر والمغرب، وبما إذا صلى خمسًا، وبما إذا قام من ثنتين ولم يتشهد، وبما إذا صلى العصر ثلاث ركعات، وبما إذا شك في صلاته، ففي الصور الأربع يصدق أنه وقع فيها تأخير الفرض وترك الواجب، وأما في صورة الشك فلا يتحقق في جميع صورها ترك الواجب ولا تغيير الواجب أو الفرض عن محله، فقيدوها بما إذا شك في صلاته وطال تفكره حتى شغله عن أداء الفرض في محله.\nقال في \"البدائع\" (٢): أما إن طال تفكره بأن كان مقدار ما يمكنه أن يؤدي [فيه] ركنًا من أركان الصلاة كالركوع والسجود، أو لم يطل، فإن لم يطل تفكره فلا سهو عليه؛ لأنه إذا لم يطل لم يوجد سبب الوجوب الأصلي، وهو ترك الواجب أو تغيير فرض أو واجب عن وقته الأصلي، ولأن الفكر القليل مما لا يمكن الاحتراز عنه، فكان عفوًا دفعًا للحرج، انتهى ملخصًا.\nوالحديث وإن كان مطلقًا لكنه مخصوص ببعض الصور، وقد ثبت عنه - ﷺ -\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٠١).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٠٢).","vol":"4","page":644},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدٍ (١)، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- (٢). وَحَدِيثُ أَبِى خَالِدٍ أَشْبَعُ.\n===\nأنه لبس الخميصة التي لها أعلام، فشغلته هذه الأعلام، فقال: \"اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته، فإنها ألهتني عن صلاتي\"، وفي بعضها: \"شغلتني\"، وروي عن عمر بن الخطاب عند البيهقي: إني لأحسب جزية البحرين وأنا قائم في الصلاة، فوقع السهو في هذه الصور، ولم يثبت أنهما سجدا، فدل ذلك على أن مطلق السهو لا يوجب السجود.\nوكذلك إذا وقع السهو في الأذكار، مثلًا إذا ترك تسبيحات الركوع أو السجود سهوًا، أو تكبيرات الصلاة غير العيدين، فإنه لو سها عنها لا يلزم عليه السجود، ولا يلزم السجود في الأذكار إلَّا في صورة ترك الواجب، مثلًا يلزم السجود في ترك القنوت والتشهد وتكبيرات العيدين، وفي القراءة في المخافتة في محل الجهر، والجهر في محل المخافتة، ففيها يجب السجود، فعلم بذلك أن السجدة تجب في ترك الواجب أو تغييره وتغيير الفرض، والله تعالى أعلم.\n(قال أبو داود: ورواه هشام بن سعد ومحمد بن مطرف، عن زيد) بن أسلم، (عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ -) مثل ذلك (وحديث أبي خالد أشبع)، وقد أخرج الطحاوي حديث هشام بن سعد في \"شرح معاني الآثار\" (٣) بعد تخريج حديث ابن عجلان عن زيد فقال: فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: \"ثم يسجد سجدتين [وهو جالس] قبل التسليم\"، وعلى تخريجه حديث هشام بن سعد أشبع من حديث ابن عجلان.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"زيد بن أسلم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) (١/ ٤٣٣)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ١١٠) رقم (١٠٢٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٣١).","vol":"4","page":645},{"text":"١٠٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى رِزْمَةَ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- سَمَّى سَجْدَتَىِ السَّهْوِ الْمُرْغِمَتَيْنِ\". [ك ١/ ٢٦١]\n١٠٢٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nوأما حديث محمد بن مطرف عن زيد فقد أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١)، ولفظه: حدثنا عبد الله، ثني أبي، ثنا علي بن عياش، ثنا محمد بن مطرف، ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي - ﷺ -: \"إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك، وليبن علي اليقين، وليصل سجدتين، فإن كانت خمسًا شفع بهما، وإن كانت صلَّى أربعًا كانتا ترغيمًا للشيطان\".\n١٠٢٥ - (حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة) بكسر الراء وسكون الزاي، اسمه غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي، (أنا الفضل بن موسى، عن عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - سمى سجدتي السهو المرغمتين) لأنهما سبب ذله وهوانه.\n١٠٢٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله - ﷺ -)، قال الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (٢): مرسلًا عند جميع الرواة، وتابع مالكًا على إرساله الثوري وحفص بن ميسرة ومحمد بن جعفر وداود بن قيس في رواية، ووصله الوليد بن مسلم ويحيى بن راشد المازني كلاهما عن مالك، عن زيد عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، وقد وصله مسلم من طريق سليمان بن بلال وداود بن قيس كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد به، وله طرق في النسائي وابن ماجه عن زيد\n_________\n(١) (٣/ ٨٧).\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (١/ ١٩٨).","vol":"4","page":646},{"text":"قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلَاتِهِ فَلَا يَدْرِى (١) كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ ! فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً وَليَسْجُدْ (٢) سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِى صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ». [م ٥٧١، ن ١٢٣٩، ط ١/ ٩٥/ ٦٢]\n===\nموصولًا، ولذا قال أبو عمر (٣): هذا الحديث وإن كان الصحيح فيه عن مالك الإرسال، فإنه متصل من وجوه ثابتة من حديث من تقبل زيادته، لأنهم حفاظ، فلا يضره تقصير من قصر في وصله، وقد قال الأثرم لأحمد بن حنبل: أتذهب إلى حديث أبي سعيد؟ قال: نعم، قلت: إنهم يختلفون في إسناده، قال: إنما قصر به مالك، وقد أسنده عدة، منهم ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة (٤)، انتهى.\n(قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلا يدري كم صلَّى ثلاثًا أو أربعًا؟ فليصلِّ ركعة) أي فليجعله ثلاثًا ثم ليصل ركعة إتمامًا للأربع على اليقين (وليسجد سجدتين) للسهو (وهو جالس قبل التسليم (٥)، فإن كانت الركعة التي صلَّى) أي في آخر صلاته بعدما شك في الثالثه والرابعة (خامسة شفعها) أي جعل المصلي الركعة الخامسة شفعًا (بهاتين) السجدتين (وإن كانت) الركعة التي صلَّى بعد الشك (رابعة فالسجدتان ترغيم) أي إغاظة وإذلال (للشيطان).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فلم يدر\".\n(٢) وفي نسخة: \"ويسجد\".\n(٣) \"التمهيد\" (٥/ ٢١).\n(٤) قلت: رواية ابن عجلان سبقت عند المصنف (١٠٢٤) ورواية عبد العزيز بن أبي سلمة أخرجها النسائي (٣/ ٢٧)، والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ٣٣١)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٢١).\n(٥) قال ابن رسلان: وقال مالك في هذه الصورة على الصحيح من مذهبه: إنه يسلم بعد السلام، وأجاب أصحابهم عن هذا الحديث أنه مرسل، ويعارضه حديث ذي اليدين، وغير ذلك من الأجوبة، ذكرها ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":647},{"text":"١٠٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (١) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ\n===\nوهذا الحديث يدل على أن المصلي يسجد للسهو إذا صلَّى الركعة بعد الشك في الثالثة أو الرابعة، فإن كانت هذه الركعة خامسة كانت الركعة نافلة، والسجدتان تجعلانها شفعًا، فلا حاجة إلى ضم الثالثة كما تقوله الحنفية، فإنهم يقولون: إذا كان ذلك في الظهر أو العشاء، فالأولى أن يضيف إليه ركعة أخرى لتصيرا له نفلًا.\nقلت: والجواب عنه: أن الحديث يدل على أن المصلي إذا شك في صلاته وبنى على الأقل فزاد ركعة خامسة ولم يتذكر وسجد للسهو، فهذا السجود يشفع الركعة، وليس له أن يضم معها سادسة، ولكن ها هنا صورة أخرى وهي إذا صلَّى خامسة وتذكر أنها هي الخامسة، فحينئذٍ لا دليل في الحديث أن في هذه الصورة أيضًا تشفعان الركعة، ولم يبين حكمها في الحديث.\nفقال الحنفية في هذه الصورة: أن يشفعها بسادسة، لأن التنفل بركعة واحدة لا يجوز لما قال ابن مسعود -﵁ -: والله ما أجزأت ركعة قط، وما روي عن أبي سعيد أن رسول الله - ﷺ - نهى عن البتيراء، ولم يوجبوا ضم السادسة لضعف الدليل، فإن المحدثين قالوا في قول ابن مسعود: إن إبراهيم لم يدركه، وتكلموا في حديث أبي سعيد بأن محمد بن عثمان ضعيف.\nوأيضًا المصلي الشاك ما صلَّى الخامسة نفلًا بتحريمة مستقلة بل صلاها بظن الفوض، ثم تبين له أنها ليست بفرض، فليس عليه أن يضم إليها ركعة أخرى، لأنها كانت مظنونة، ولهذا لا يجب القضاء بقطعها، والله تعالى أعلم.\n١٠٢٧ - (حدثنا قتيبة، نا يعقوب بن عبد الرحمن القاريُّ) بالقاف والراء المهملة المكسورة وتشديد ياء النسبة غير مهموزة، هذه النسبة إلى بني قارة، وهم بطن معروف من العرب، (عن زيد بن أسلم بإسناد مالك) أي على الإرسال\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".","vol":"4","page":648},{"text":"قَالَ: إِنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلَاتِهِ فَإِنِ اسْتَيْقَنَ أَنْ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا، فَلْيَقُمْ فَلْيُتِمَّ رَكْعَةً بِسُجُودِهَا، ثُمَّ يَجْلِسْ فَيَتَشَهَّدْ، فَإِذَا فَرَغَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يُسَلِّمُ» (١)، ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى مَالِكٍ. [انظر الحديث السابق]\n===\n(قال) أي عطاء: (إن النبي - ﷺ - قال: إذا شك أحدكم في صلاته فإن استيقن) أي بعد الشك حصل له اليقين بـ (أن قد صلَّى ثلاثًا، فليقم) إلى الرابعة (فليتم ركعة) رابعة (بسجودها، ثم يجلس) أي بعد سجود هذه الركعة الرابعة (فيتشهد، فإذا فرغ) من التشهد (فلم يبق إلَّا أن يسلم فليسجد سجدتين) (٢) أي للسهو (وهو جالس ثم يسلِّم) للخروج من الصلاة (ثم ذكر معنى مالك) أي ثم ذكر معنى حديث مالك المتقدم.\nوالحاصل على هذا أن حديث يعقوب بن عبد الرحمن يشتمل على أمرين: أولهما: أن المصلي إذا شك ثم بعد الشك استيقن بأنها ثالثة، والثاني: أنه شك ولم يستيقن ثم مع الشك بني على اليقين، وأما حديث مالك فليس فيه إلَّا ذكر الأمر الثاني، ولهذا ذكر المؤلف في حديث يعقوب الأمر الأول، ثم أحال الأمر الثاني على حديث مالك.\nويؤيده ما قال الشوكاني في \"النيل\" (٣) في شرح حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما، فقال: وظاهر الحديث أن مجرد حصول الشك موجب للسجود، ولو زال وحصلت معرفة الصواب وتحقق أنه لم يزد شيئًا، وإلى ذلك ذهب الشيخ أبو علي والمؤيد بالله، وذهب المنصور بالله وإمام الحرمين أنه لا يسجد لزوال التردد، ويدل للمذهب الأول ما أخرجه أبو داود\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ليسلم\".\n(٢) قال ابن رسلان: المرفوع منه ختم على سجدتين، والباقي تفسير بعضه لعطاء، وبعضه لزيد، وذكر عن مالك أنه قال لهم: (كذا في الأصل، والظاهر أنه قال لهم: اطرحوه من \"الموطأ\" واعلم ذلك). (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٣٩).","vol":"4","page":649},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ وَحَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَدَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ: وَهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ (١) إلَّا أَنَّ هِشَامًا بَلَغَ بِهِ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ.\n===\nعن زيد بن أسلم قال: قال النبي - ﷺ -: \"إذا شك أحدكم في صلاته فإن استيقن أنه قد صلَّى ثلاثًا، فليقم وليتم ركعة بسجودها\"، الحديث.\nويحتمل أن يكون معنى قوله في رواية يعقوب بن عبد الرحمن: \"فإن استيقن أن قد صلَّى ثلاثًا\" أنه فإن بني على اليقين، وقُدِّرَ أن قد صلَّى ثلاثًا، فعلى هذا لا يكون في حديث يعقوب بن عبد الرحمن ذكر الأمرين المتقدمين، بل يكون موافقًا لحديث ابن عجلان ومالك وغيرهما، والله تعالى أعلم.\n(قال أبو داود: وكذلك) أي كما رواه يعقوب بن عبد الرحمن (رواه ابن وهب عن مالك وحفص بن ميسرة وداود بن قيس وهشام بن سعد) كلهم رووه عن زيد بن أسلم عن عطاء عن النبي - ﷺ - مرسلًا (٢) (إلَّا أنَّ هشامًا بلغ به) أي بهذا الحديث (أبا سعيد الخدري) أي ذكر أبا سعيد فلم يرسله، بل رواه موصولًا.\nوقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٣) ما رواه ابن وهب عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم، ثم قال: بهذا الإسناد وفي معناه، والإسناد المتقدم ما روى سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -، وهذا يدل على أن حديث داود بن قيس ليس بمرسل، ولعل لداود بن قيس روايتين: إحداهما موصولة، والأخرى مرسلة، كما أشار إليه الزرقاني، ولم نقف على الرواية المرسلة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال ابن وهب\".\n(٢) هو ما أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٣١)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٣/ ٨٧) (٣/ ٢٦٣) رقم (٤٥٠٧).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٥٧١). وانظر: \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٣١).","vol":"4","page":650},{"text":"(٢٠٠) بَابُ مَنْ قَالَ: يُتِمُّ عَلَى أَكْثَرِ (١) ظَنِّهِ\n١٠٢٨ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا كُنْتَ فِى صَلَاةٍ فَشَكَكْتَ فِى ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، وَأَكْبَرُ (٢) ظَنِّكَ عَلَى أَرْبَعٍ، تَشَهَّدْتَ ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ وَأَنْتَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ تُسَلِّمَ، ثُمَّ تَشَهَّدْتَ أَيْضًا ثُمَّ تُسَلِّمُ». [حم ١/ ٤٢٩]\n===\n\n(٢٠٠) (بَابُ مَنْ قَالَ: يُتِمُّ عَلَى أكْثَرِ (٣) ظَنَّهِ)\nأي إذا شك في صلاته في عدد الركعات يتم على أكثر ظنه\n١٠٢٨ - (حدثنا النفيلي) عبد الله بن محمد بن علي، (نا محمد بن سلمة، عن خصيف) بن عبد الرحمن، (عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه) أي عبد الله بن مسعود -﵁ -، (عن رسول الله - ﷺ - قال: إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أو أربع) أي شككت في أنك صليت ثلاث ركعات أو أربع ركعات (وأكبر ظنك على أربع) أي غالب ظنك أنك صليت أربع ركعات (تشهدت ثم سجدت سجدتين) للسهو (وأنت جالس قبل أن تسلِّم، ثم تشهَّدت أيضًا ثم تسلِّم)، ظاهر هذا الكلام يدل على أن التسليمتين بعد سجدتي السهو وبينهما تشهد، ولم يقل به أحد.\nوقد أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" هذا الحديث من طريق محمد بن فضيل: ثنا خصيف، ثنا أبو عبيدة بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود قال: \"إذا شككت في صلاتك وأنت جالس، فلم تدر ثلاثًا صليت أم أربعًا، فإن كان أكبر ظنك أنك صليت ثلاثًا، فقم فاركع ركعة، ثم سلِّم، ثم اسجد سجدتين، ثم تشهَّد، ثم سلِّم، وإن كان أكبر ظنك أنك صليت أربعًا، فسلِّم، ثم اسجد سجدتين، ثم تشهَّد، ثم سلِّم\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أكبر\".\n(٢) وفي نسخة: \"أكثر\".\n(٣) وفي \"ابن رسلان\" بالباء الموحدة أي أقوى. (ش).","vol":"4","page":651},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ (١) عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ خُصَيْفٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَوَافَقَ عَبْدَ الْوَاحِدِ أَيْضًا سُفْيَانُ وَشَرِيكٌ وَإِسْرَائِيلُ، وَاخْتَلَفُوا فِى الْكَلَامِ فِى مَتْنِ الْحَدِيثِ\n===\nوهذا الحديث يدل على خلاف ما دلَّ عليه حديث محمد بن سلمة عن خصيف، فإن هذا يدل على أن السلام الذي للسجود هو قبل سجدتي السهو، ويحتمل أن يكون معنى قوله في هذا الحديث: قبل أن تسلم، أي تسلِّم للخروج، والمراد به السلام الذي ذكر في آخر الحديث وهو قوله: ثم تسلِّم، فعلى هذا يكون السلام المذكور في الحديث هو السلام الواحد، والله أعلم.\nويؤيد حديث محمد بن فضيل غالب ما رواه المتقنون عن ابن مسعود -﵄-، فإن فيها ذكر سجود السهو بعد السلام، وكذلك ما روي عن عبد الله بن جعفر يؤيد ذلك، وقد أخرج البيهقي (٢) حديث عبد الله بن مسعود هذا من طريق محمد بن سلمة عن خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - بلفظ ما رواه أبو داود، ثم قال: وهذا غير قوي، ومختلف في رفعه (٣) ومتنه.\n(قال أبو داود: رواه عبد الواحد عن خصيف، ولم يرفعه) لم أجد رواية عبد الواحد عن خصيف فيما عندي من الكتب (ووافق عبدَ الواحد أيضًا سفيانُ وشريكٌ وإسرائيلُ، واختلفوا في الكلام في متن الحديث)، لم يذكر المصنف (٤) الاختلاف الواقع في ألفاظ متن الحديث، ولم أجد روايتهم في كتب الحديث (٥)، ولعلَّ المراد من الاختلاف في متن الحديث\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكذا رواه\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٦).\n(٣) وفي ابن رسلان: رفعه ووقفه، وخصيف ضعفه أحمد، وقال أبو حاتم: تكلم في سوء حفظه. (ش).\n(٤) ذكر شيئًا منه في \"المنهل\" (٦/ ١٥٧). (ش).\n(٥) قلت: رواية الثوري وصلها عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣١٢) رقم (٣٤٩١)، ومن =","vol":"4","page":652},{"text":"وَلَمْ يُسْنِدُوهُ.\n١٠٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا عِيَاضٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ عِيَاضٍ،\n===\nهو ما تقدم في رواية محمد بن فضيل عن خصيف (ولم يسندوه) أي لم يرفعوه، وقول البيهقي: وهذا غير قوي لأجل أن خصيفًا ضعيف.\nقلت: في \"الخلاصة\": ضعفه أحمد، ووثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وقال ابن عدي: ولخصيف نسخ وأحاديث كثيرة، وإذا حدث عن خصيف ثقة فلا بأس بحديثه ورواياته، إلَّا أن يروي عنه عبد العزيز بن عبد الرحمن، فإن رواياته عنه بواطيل، والبلاء من عبد العزيز لا من خصيف، وقال ابن سعد: كان ثقة، مات سنة ١٣٧ هـ، وكذا قال البخاري، وقال الساجي: صدوق، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال ابن حبان: تركه جماعة من أئمتنا واحتج به آخرون، وكان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا، إلَّا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروي، ويتفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في رواياته، إلَّا أن الإنصاف فيه قبول ما وافق الثقات في الروايات، وترك ما لم يتابع عليه، وهو ممن استخير الله تعالى فيه.\n١٠٢٩ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا إسماعيل بن إبراهيم) المعروف بابن علية، (نا هشام الدستوائي، نا يحيى بن أبي كثير، نا عياض) بن هلال، (ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا يحيى) بن أبي كثير المتقدم، واجتمع عليه الإسنادان (عن هلال بن عياض) وقد تقدَّم في \"باب كراهية الكلام عند الخلاء\" بيان الاختلاف فيه، وأن عياض بن هلال أرجح.\n_________\n= طريقه ابن المنذر في \"أوسطه\" (٣/ ٣١٥) رقم (١٧١٠)، وأخرجها الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٤٥) من طرق عن الثوري.","vol":"4","page":653},{"text":"عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ زَادَ أَمْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَإِذَا أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ (٢): إِنَّكَ قَدْ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ، إلَّا مَا وَجَدَ رِيحًا بِأَنْفِهِ أَوْ صَوْتًا بِأُذُنِهِ». وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أَبَانَ. [ت ٣٩٦، جه ١٢٠٤، حم ٣/ ١٢]\nقالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ مَعْمَرٌ وَعَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ: عِيَاضُ بْنُ هِلَالٍ (٣)،\n===\n(عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا صلَّى أحدكم فلم يدرِ زاد أم نقص) أي زاد في الصلاة ركعة أم نقص منها (فليسجد سجدتين وهو قاعد، فإذا أتاه الشيطان فقال: إنك قد أحدثت) أي صرت محدثًا (فليقل: كذبت) أي يكذبه ولا يقبل قوله (إلَّا ما) أي فيما (وجد ريحًا بأنفه) فيدرك نتنه (أو صوتًا بإذنه) فيسمع حسه بأذنه، والمراد بإدراك الريح بأنفه أو الصوت بأذنه التيقن بخروجه، فإذا حصل له اليقين بأي وجه كان بخروج الريح تيقن الحدث، وأما بدون التيقن في حالة الشك فلا، فإن اليقين لا يزول بالشك.\n(وهذا لفظ حديث أبان)، أي اختلف هشام وأبان في لفظ الحديث، فهذا الذي أوردناه في الكتاب هو لفظ أبان.\n(قال أبو داود: وقال معمر وعلي بن المبارك (٤): عياض بن هلال،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال له\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٤) أخرج رواية معمر عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٠٤)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٧)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦/ ٣٨٩) رقم (٢٦٦٦)، والحاكم في \"مستدركه\" (١/ ١٣٥)، ورواية علي بن المبارك أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٥٤)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١/ ٣٧٦) رقم (١١٤١)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١/ ١٩) رقم (٢٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٣٤).","vol":"4","page":654},{"text":"وَقَالَ الأَوْزَاعِىُّ: عِيَاضُ بْنُ أَبِى زُهَيْرٍ.\n١٠٣٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّى (١) جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِى كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ». [خ ١٢٣٢، م ٣٨٩، ت ٣٩٧، ن ٦٧٠، جه ١٢١٦، حم ٢/ ٢١٤، دي ١٢٠٤]\n===\nوقال الأوزاعي (٢): عياض بن أبي زهير) قال في \"الخلاصة\": عياض بن هلال أو عكسه، وقيل: عياض بن أبي زهير (٣) عن أبي سعيد، وعنه يحيى بن أبي كثير، قال ابن حبان في الثقات: عياض بن هلال هو الصحيح (٤).\n١٠٣٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان (٥). فَلَبَّسَ عليه) أي أمر صلاته بإلقاء الوسوسة في قلبه (حتى لا يدري كم صلَّى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين) للسهو (وهو جالس)، وهذا عندنا (٦) محمول على ما إذا شك في صلاته فتفكر فأبطأ في التفكر حتى تأخر الركن.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إلى الصلاة\".\n(٢) أخرج روايته النسائي في \"الكبرى\" (١/ ٣٠٨) رقم (٥٩٢ - ٥٩٣).\n(٣) وفرق بينهما علي بن المديني. (ش).\n(٤) قلت: اختلف تلاميذ يحيى بن أبي كثير في اسم شيخه، فقال هشام الدستوائي: عياض، ولم ينسبه، وقال أبان: هلال بن عياض، وقال معمر وعلي بن المبارك: عياض بن هلال، وخالفهم الأوزاعي فقال: عياض بن أبي زهير، ورجَّح الأئمة: البخاري ومسلم وأبو حاتم الرازي وابن حبان والخطيب البغدادي أنه: عياض بن هلال. انظر: \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢١)، و\"الوحدان\" (ص ١٥٩)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٤٠٨)، و\"الثقات\" (٥/ ٢٦٥)، و\"الجمع والتفريق\" (٢/ ٣١٠).\n(٥) اسمه \"خنزب\" كما في مسلم، وهو غير شيطان الآدمي. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) وبسط ابن رسلان الكلام عليه أشد البسط، وذكر اختلافهم في الفرض والنفل. (ش).","vol":"4","page":655},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ وَاللَّيْثُ.\n١٠٣١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ (١) بْنُ أَبِى يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ: زَادَ: «وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ». [ق ٢/ ٣٣٩]\n١٠٣٢ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (٢)، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، أَخْبَرَنَا أَبِى، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِىُّ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: «فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ لْيُسَلِّمْ». [ن ١٢٤٩، ق ٢/ ٣٣٦]\n===\n(قال أبو داود: وكذا رواه ابن عيينة (٣) ومعمر (٤) والليث) (٥) أي عن ابن شهاب كما رواه مالك عنه بدون ذكر قبل التسليم.\n١٠٣١ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، نا يعقوب) بن إبراهيم، (أنا ابن أخي الزهري) هو محمد بن عبد الله بن مسلم، (عن محمد بن مسلم) الزهري (بهذا الحديث بإسناده) و(زاد) أي محمد بن عبد الله بن مسلم على حديث مالك وغيره: (وهو جالس قبل التسليم).\n١٠٣٢ - (حدثنا حجاج) بن أبي يعقوب، (نا يعقوب) بن إبراهيم، (أنا أبي، عن ابن إسحاق) محمد (حدثني محمد بن مسلم الزهري بإسناده ومعناه، قال) ابن إسحاق في حديثه: (فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم ليسلِّم).\nوخلاصة القول في هذا الحديث: أن مالكًا وابن عيينة ومعمرًا والليث\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الحجاج\".\n(٢) وفي نسخة: \"حجاج بن أبي يعقوب\".\n(٣) أخرج روايته أحمد (٢/ ٢٤١)، ومسلم (٣٨٩)، وابن خزيمة (٢/ ١٠٩) رقم (١٠٢٠)، وأبو يعلى (١٠/ ٣٦٨) رقم (٥٩٥٨).\n(٤) أخرج روايته عبد الرزاق (٢/ ٣٠٥) رقم (٣٤٦٥)، وأحمد (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(٥) أخرخ روايته مسلم (٣٨٩)، والترمذي (٣٩٧).","vol":"4","page":656},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>(٢٠١) بَابُ مَنْ قَالَ: بَعْدَ التَّسْلِيمِ </span>(١)\n١٠٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،\n===\nلم يذكروا في حديثهم قبل التسليم، وذكره ابن أخي الزهري وابن إسحاق في حديثيهما، وهذه الأحاديث حديث عياض عن أبي سعيد، وحديث ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة كلها غير مطابق للباب، إلا أن يقال: إن ترجمة الباب شارحة لهذه الأحاديث عند المصنف، فلعلَّه يحمل هذه الأحاديث على التحري وغلبة الظن، لأن الطحاوي قال في \"شرح معاني الآثار\" (٢): ومما يصحح ما ذهبوا إليه أن أبا هريرة قد روينا عنه عن النبي - ﷺ - في أول هذا الباب ما ذكرنا، ثم قال هو برأيه أنه يتحرى، حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا شيخ أحسبه أبا زيد الهروي قال: ثنا شعبة قال إدريس: أخبرني عن أبيه سمعه يحدِّث قال: قال أبو هريرة: في الوهم يتحرى.\nوقد روي عن أبي سعيد مثل ذلك أيضًا، حدثنا أبو بكرة قال: ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال: ثنا سفيان بن عيينة قال: ثنا عمرو بن دينار قال: سئل ابن عمر وأبو سعيد الخدري عن رجل سها فلم يدرِ كم صلَّى أثلاثًا أم أربعًا؟ فقالا: يتحرى أصوب ذلك فيتمه، ثم يسجد سجدتين وهو جالس.\nثم أخرج بسند آخر عن عمرو بن دينار، عن سليمان اليشكري، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: في الوهم يتحرى، قال: قلت: عن النبي - ﷺ -؟ قال: عن النبي - ﷺ -، فعلى هذا تناسب الأحاديث الموردة بترجمة الباب.\n\n(٢٠١) (بَابُ مَنْ قَالَ: بَعْدَ التَّسْلِيمِ) (١)\nأي: يسجد للسهو بعد التسليم\n١٠٣٣ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) بن كثير بن زيد الدورقي النكري بضم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"السلام\".\n(٢) (١/ ٤٣٤).","vol":"4","page":657},{"text":"حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسَافِعٍ أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ شَيْبَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ شَكَّ فِى صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ». [ن ١٢٤٨، حم ١/ ٢٠٤]\n===\nالنون، نسبةً إلى بني نكر، وهم بطن من عبد القيس، البغدادي، أبو عبد الله، ثقة، (نا حجاج) لم أقف (١) على تعيينه، والظاهر أنه حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبو محمد، (عن ابن جريج) قال: (أخبرني عبد الله بن مسافع) بضم أوله وفتح المهملة وكسر الفاء بعد الألف، ابن عبد الأكبر بن شيبة بن عثمان بن طلحة العبدري المكي الحجبي، له في أبي داود والترمذي حديث واحد في سجود السهو.\n(أن مصعب بن شيبة) بن جبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري المكي الحجبي. قال في \"التقريب\": ليِّن الحديث (أخبره) أي أخبر عبد الله بن مسافع (عن عتبة بن محمد بن الحارث) بن نوفل الهاشمي، وقيل: عقبة بالقاف، والأول أرجح، وقال أحمد: بالقاف خطأ، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الله بن جعفر) (٢) بن أبي طالب الهاشمي، وُلد بأرض الحبشة، وكان يوم توفي النبي - ﷺ - ابن عشر (أن رسول الله - ﷺ - قال: من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم) وهو مذهب الحنفية في الزيادة والنقصان، وعند الشافعي قبل السلام بعد التشهد فيهما جميعًا، احتج الشافعي - ﵀- بأحاديث فيها ذكر السجدة قبل السلام، وقد تقدمت.\nوالجواب عنه أنه يمكن التوفيق بينهما، فيحمل ما روينا على أنه سجد بعد السلام الأول ولا محمل له سواه، فكان محكمًا، وما رواه محتمل يحتمل أنه\n_________\n(١) قال ابن رسلان: حجاج بن محمد الهاشمي. (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٦٨) رقم (٢٨٦٤).","vol":"4","page":658},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>(٢٠٢) بَابُ مَنْ قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ</span>\n١٠٣٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: \"صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ\n===\nسجد قبل السلام الأول، ويحتمل أنه سجد قبل السلام الثاني، فكان محتملًا فيصرف إلى موافقة المحكم، وهو أنه سجد قبل السلام الأخير لا قبل السلام الأول ردًّا للمحتمل إلى المحكم، كما تقدم مفصلًا.\n\n(٢٠٢) (بَابُ مَنْ قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ)\n١٠٣٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج، عن عبد الله بن بحينة) (١) هو عبد الله بن مالك بن قشب بكسر القاف وسكون المعجمة بعدها موحدة، المعروف بابن بحينة، وهي أمه، حليف بني عبد المطلب، فإن مالك بن قشب حالف المطلب بن عبد مناف، فتزوج بحينةَ بنت الحارث بن المطلب، فولدت له عبد الله، فأسلم قديمًا، كان ينزل بطن الريم على ثلاثين ميلًا من المدينة، ومات به، قد ينسب إلى أبيه، وقد ينسب إلى أمه، وقد ينسب إليهما فيقال: عبد الله بن مالكٍ ابن بحينة، وإذا نسب إليهما فيجب أن ينون لفظ مالك ويكتب الألف على ابن بحينة، لأنه إذا لم ينون ولم يكتب الألف يتوهم أن مالكًا هو ابن بحينة، وهو خطأ، قال النسائي: قول من قال: مالك بن بحينة خطأ، والصواب عبد الله بن مالك ابن بحينة، ووقع في رواية لمسلم عن ابن بحينة عن أبيه، قال مسلم: أخطأ القعنبي في ذلك.\n(أنه قال: صلَّى لنا رسول الله - ﷺ - ركعتين) في الرباعية لرواية مالك عند البخاري (٢): قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما (ثم قام) إلى الثالثة، زاد الضحاك بن عثمان عن الأعرج: فسبحوا به فمضى حتى فرغ من صلاته\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٥٦) رقم (٢٨٣١).\n(٢) قال ابن العربي (٢/ ١٨٢): كان في المغرب، فتأمل، كذا في \"الأوجز\" (٢/ ٢٧٩). (ش).","vol":"4","page":659},{"text":"فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْتَظَرْنَا التَّسْلِيمَ كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ -ﷺ-\". [خ ٨٢٩، م ٥٧٠، ت ٣٩١، ن ١١٧٧، جه ١٢٠٧، حم ٥/ ٣٤٥]\n١٠٣٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبِى وَبَقِيَّةُ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ بِمَعْنَى إِسْنَادِهِ وَحَدِيثِهِ. زَادَ: \"وَكَانَ مِنَّا الْمُتَشَهِّدُ فِى قِيَامِهِ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ سَجَدَهُمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ قَامَ (١) مِنْ ثِنْتَيْنِ قَبْلَ\n===\n(فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته) (٢) أي فرغ منها (وانتظرنا التسليم كبَّر فسجد سجدتين) للسهو (وهو جالس قبل التسليم ثم سلَّم - ﷺ -) بعد ذلك (٣).\n١٠٣٥ - (حدثنا عمرو بن عثمان) الحمصي، (نا أبي) عثمان بن سعيد (وبقية) بن الوليد (قالا: نا شعيب) بن أبي حمزة، (عن الزهري بمعنى إسناده) أي الزهري المتقدم (وحديثه) يعني إسناد حديث الزهري ومتنه من طريق شعيب ومالك متحدان معنى وإن اختلفا لفظًا (زاد) شعيب: (وكان منا المتشهد في قيامه) أي لما قام رسول الله - ﷺ - من ركعتين وسها عن التشهد، فتشهد بعضهم في قيامه في الركعة الثالثة.\n(قال أبو داود: وكذلك) أي مثل ما سجد رسول الله - ﷺ - السجدتين قبل التسليم (سجدهما ابن الزبير) حين (قام من ثنتين قبل\n_________\n(١) في نسخة: \"وقام\".\n(٢) واستدل به من قال: إن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث إذًا تمت صلاته، وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال أبو حنيفة وتعقب، إلى آخر ما قاله الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٩٢). (ش).\n(٣) زاد الترمذي: \"مكان ما نسي من الجلوس\"، قال الشوكاني: في هذه الزيادة إشارة إلى أن السجود لسهو الجلوس لا لسهو التشهد، كما قيل، انتهى، وقال الحافظ: فيه حجة على أن السجود للسهو لا للعمد. (ش).","vol":"4","page":660},{"text":"التَّسْلِيمِ (١)، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>(٢٠٣) بَابُ مَنْ نَسِيَ أَنْ يَتَشهَّدَ وَهُوَ جَالِسٌ</span>\n١٠٣٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ (٢)، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُبَيْلٍ الأَحْمَسِىُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «إِذَا قَامَ\n===\nالتسليم، وهو قول الزهري) أي يسجد للسهو قبل التسليم (٣).\n\n(٢٠٣) (بَابُ مَنْ نَسِيَ أَنْ يَتَشهَّدَ وَهُوَ جَالِسٌ)\nأي: حكم من نسي التشهد في حالة الجلوس، فإما أن تذكر قبل أن يستوي قائمًا، وإما أن تذكر بعد ما استوى قائمًا، والفرق بين هذه الترجمة والترجمة المتقدمة بأن المتقدمة ذكر فيها حكم من قام ثم تذكر ما نسيه بعد ما قام، وفي هذه الترجمة ذكر حكم من تذكر قبل ما استوى قائمًا وبعدما استوى\n١٠٣٦ - (حدثنا الحسن بن عمرو) السدوسي، (عن عبد الله بن الوليد) العدني، (عن سفيان) الثوري، (عن جابر) الجعفي، (نا المغيرة بن شبيل) بالتصغير، البجلي (الأحمسي) ويقال: ابن شبل بكسر المعجمة وسكون الموحدة، أبو الطفيل الكوفي، ثقة، (عن قيس بن أبي حازم) البجلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة مخضرم، ويقال: له رؤية، وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة.\n(عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا قام\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني الجعفي\".\n(٣) قلت: أما أثر ابن الزبير، فأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٣١١) (٣٤٩٠)، ومن طريقه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٢٣٧) رقم (١٥٧٣).\nوأما قول الزهري فأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٥).","vol":"4","page":661},{"text":"الإِمَامُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِىَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِنِ (١) اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ». [جه ١٢٠٨، حم ٤/ ٢٥٣، دي ١٥٠١]\n===\nالإِمام في الركعتين) بعد ما صلاهما في الثلاثية أو الرباعية، وفي معناه المنفرد (فإن ذكر) أنه نسي الجلوس والتشهد (قبل أن يستوي قائمًا فليجلس) سواء يكون إلى القيام أقرب أو إلى القعود، وهو ظاهر الرواية، واختاره ابن الهمام، ويؤيده الحديث، قاله علي القاري (٢).\nوقال في \"الدر المختار\" (٣): سها عن القعود الأول من الفرض ولو عمليًّا، أما في النفل فيعود ما لم يقيد بالسجدة ثم تذكره عاد إليه وتشهد، ولا سهو عليه في الأصح ما لم يستقم قائمًا، في ظاهر المذهب وهو الأصح \"فتح\"، وإلَّا أي وإن استقام قائمًا لا يعود لاشتغاله بفرض القيام، وسجد للسهو لترك الواجب، انتهى.\nقال الشامي في \"رد المحتار\": قوله: في ظاهر المذهب، مقابله ما في \"الهداية\": إن كان إلى القعود أقرب عاد ولا سهو عليه في الأصح، ولو إلى القيام فلا وعليه السهو، وهو مروي عن أبي يوسف، واختاره مشايخ بخارى وأصحاب المتون كـ \"الكنز\" وغيره، انتهى.\n(فإن استوى قائمًا (٤) فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو) قال في \"الدر\n_________\n(١) في نسخة: \"وإن\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٠).\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٦٦١).\n(٤) وفي \"المنهل\" (٦/ ١٦٥): لا يرجع عند الجمهور بعد ما استوى قائمًا، فإن رجع بطلت صلاته في الصحيح عند الشافعية، والصحيح عند الحنفية، وقال الحنابلة: إن استتم قائمًا ولم يقرأ فعدم رجوعه أولى، فإن رجع لا تفسد، لأنه لم يتلبس بركن مقصود، والقيام ليس بركن مقصود، وقال المالكية: يرجع ما لم يفارق يديه وركبتيه الأرض، فإن رجع فالأصح عدم الفساد حتمًا ولو قرأ بعض الفاتحة، أما لو قرأ كلها ثم رجع يفسد. (ش).","vol":"4","page":662},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ فِى كِتَابِى: عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِىِّ، إلَّا هَذَا الْحَدِيثُ.\n===\nالمختار\" (١): فلو عاد إلى القعود بعد ذلك تفسد صلاته لرفض الفرض لما ليس بفرض، وصححه الزيلعي، وقيل: لا تفسد لكنه يكون مسيئًا، ويسجد لتأخير الواجب، وهو الأشبه كما حققه الكمال، وهو الحق \"بحر\"، انتهى، وهذا عند الحنفية.\nوقال المالكية: ورجع تارك الجلوس الأول إن لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه ولا سجود وإلَّا فلا، ولا تبطل إن رجع، انتهى، كذا في \"مختصر الخليل\" (٢).\nوقال الشوافع: والمسنون أي البعض المتروك عمدًا أو سهوًا لا يعود إليه بعد التلبس بغيره، كأن تذكر بعد انتصابه ترك التشهد الأول، أي يحرم عليه العود، لأنه تلبس بفرض فلا يقطعه لسنة، فإن عاد عامدًا عالمًا بالتحريم بطلت صلاته، لأنه زاد قعودًا عمدًا، وإن عاد له ناسيًا أنه في الصلاة فلا تبطل لعذره، ويلزمه القيام عند تذكره، ولكنه يسجد للسهو، لأنه زاد جلوسًا في غير موضعه، وترك التشهد والجلوس في موضعه، كذا في \"شرح الإقناع\" (٣).\n(قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلَّا هذا الحديث) كأنه إشارة إلى تضعيفه، وقد اختلف العلماء فيه، قال الحافظ في \"التهذيب\" (٤): قال ابن مهدي عن سفيان: ما رأيت أورع في الحديث منه، وقال ابن علية عن شعبة: جابر صدوق في الحديث.\nوقال يحيى بن أبي بكير عن شعبة: كان جابرًا إذا قال: حدثنا أو سمعت\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٦٦٢).\n(٢) (١/ ٣٣٨).\n(٣) (٢/ ١٠٤).\n(٤) (٢/ ٤٧).","vol":"4","page":663},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفهو من أوثق الناس، وقال ابن أبي بكير أيضًا عن زهير بن أبي معاوية: كان إذا قال: سمعت أو سألت فهو من أصدق الناس، وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكوا أن جابرًا ثقة، حدثنا عنه مسعر وسفيان وشعبة وحسن بن صالح.\nوقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال الثوري لشعبة: لئن تكلمت في جابر الجعفي لأتكلمن فيك.\nوقال الدوري عن ابن معين: لم يدع جابرًا ممن رآه إلَّا زائدة، وكان جابر كذابًا، وقال في موضع آخر: لا يكتب حديثه ولا كرامة.\nوقال بيان بن عمرو عن يحيى بن سعيد: تركنا حديث جابر قبل أن يقدم علينا الثوري.\nوقال يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن خالد: قال الشعبي لجابر: يا جابر لا تموت حتى تكذب على رسول الله - ﷺ -، قال إسماعيل: فما مضت الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب.\nوقال يحيى بن يعلى: قيل لزائدة: ثلاثة لم لا تروي عنهم؟ ابن أبي ليلى، وجابر الجعفي، والكلبي، فقال: أما الجعفي فكان والله كذابًا يؤمن بالرجعة.\nوقال أبو يحيى الحمال عن أبي حنيفة: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلَّا جاءني فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يظهرها.\nوقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، كان عبد الرحمن يحدثنا عنه قبل ذلك، ثم تركه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث.\nوقال سلام بن أبي مطيع: قال لي جابر الجعفي: عندي خمسون ألف","vol":"4","page":664},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nباب من العلم، ما حدثت به أحدًا، فأتيت أيوب فذكرت هذا له، فقال: أما الآن فهو كذاب.\nوقال جرير بن عبد الحميد عن ثعلبة: أردت جابرًا الجعفي، فقال لي ليث بن أبي سليم: لا تأته فإنه كذاب، قال جرير: لا أستحل أن أروي عنه، كان يؤمن بالرجعة، وقال أبو داود: ليس عندي بالقوي في حديثه.\nوقال الشافعي: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت من جابر الجعفي كلامًا فبادرت خفت أن يقع علينا السقف، قال سفيان: كان يؤمن بالرجعة إلى آخر ما ذكره من جرحه.\nثم قال: فإن احتج محتج بأن شعبة والثوري رويا عنه؟ قلنا: الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء، وأما شعبة وغيره فرأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها، وكتبوها ليعرفوها، فربما ذكر أحدهم عنه الشيء بعد الشيء على جهة التعجب، أخبرني ابن فارس قال: ثنا محمد بن رافع قال: رأيت أحمد بن حنبل في مجلس زيد بن هارون، ومعه كتاب زهير عن جابر الجعفي، فقلت له: يا أبا عبد الله تنهونا عن جابر وتكتبونه؟ قال: لنعرفه.\nوفي \"الميزان\": قاول زائدة: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب النبي - ﷺ -، وقال ابن حبان: كان سبائيًا من أصحاب عبد الله بن سبأ، كان يقول: إن عليًّا يرجع إلى الدنيا.\nقلت: عندي أنه لما ثبت أنه كان رافضيًّا شديد الرفض، يشتم أصحاب رسول الله - ﷺ - ويسبهم، فكان من مذهبه التقية، ففي ابتداء أمره كان يظهر منه الصلاح، وحسن حاله تقية ليغتر منه الناس فاغتر به بعض المحدثين، ولما ظهر من أمره ما ظهر تركه الناس وجرحوه بجرح مفسر، فلا يغتر برواية شعبة وسفيان وغيرهما، فإنهم رووا بناء على ما ظهر لهم من حسن السمت والصلاح، ثم لما اطلعوا على حقيقة أمره تركوه.","vol":"4","page":665},{"text":"١٠٣٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِىُّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: \"صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَنَهَضَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ. قُلْنَا (١): سُبْحَانَ اللَّهِ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَمَضَى، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَصْنَعُ كَمَا صَنَعْتُ\". [ت ٣٦٥، حم ٤/ ٢٤٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ\n===\n١٠٣٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر) بن ميسرة القواريري (الجشمي، نا يزيد بن هارون، أنا المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله، (عن زياد بن علاقة) بكسر المهملة وبالقاف وخفة لام، ابن مالك الثعلبي، أبو مالك الكوفي، ابن أخي قطبة بن مالك، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي ويعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الأزدي: سيِّئ المذهب، كان منحرفًا عن أهل بيت النبي - ﷺ -.\n(قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين) أي قام بعد ما صلى ركعتين وسها عن القعود فلم يجلس (قلنا: سبحان الله) أشرنا بالتسبيح إلى الجلوس (قال: سبحان الله)، فأشار (٢) بالتسبيح إلى أن نقوم (ومضى) في صلاته، (فلما أتم (٣) صلاته وسلم سجد سجدتي السهو) لجبر ما فات من الجلوس (فلما انصرف) عن الصلاة (قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع كما صنعت).\n(قال أبو داود: وكذلك) أي كما روى زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة بأن سجدتي السهو بعد السلام.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقلنا\".\n(٢) ولفظ الترمذي: \"فسبح من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا\". \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) ولفظ الترمذي: \"فلما فرغ من صلاته سلَّم وسجد السهو وسلَّم\"، فذكر السلام مرتين، وقال: حسن صحيح، ورواه الحاكم من هذا الوجه. (ش).","vol":"4","page":666},{"text":"رَوَاهُ ابْنُ أَبِى لَيْلَى، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ (١). وَرَوَاهُ أَبُو عُمَيْسٍ،\n===\nفعلى هذا غرض المصنف بهذا القول تقوية كون سجود السهو بعد السلام فيمن قام من ركعتين وترك الجلوس سهوًا.\nويحتمل أن يكون الغرض بهذا القول تقوية رواية المسعودي وترجيحها على رواية جابر الجعفي، فإن جابرًا روى عن المغيرة بن شعبة قول رسول الله - ﷺ -، وأما المسعودي روى في حديثه عن المغيرة بن شعبة فعله وفعل رسول الله، فرجح المصنف برواية ابن أبي ليلى وأبي عميس حديث المسعودي بأن الراجح فيه فعل المغيرة وفعل رسول الله - ﷺ -.\nولكن يوهن هذا الاحتمال ما رواه قيس بن الربيع وإبراهيم بن طهمان عند الطحاوي (٢) عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، فإنهما رويا في حديثهما فِعلَ رسولِ الله - ﷺ - وقوله، فمن روى القول اختصر الحديث واكتفى على بيان القول، ومن روى الفعل فقط فهو أيضًا اختصر الحديث، واكتفى على رواية الفعل، ولا مضايقة فيه.\nوقد روى شعبة عند الطحاوي عن جابر عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة، فروى الفعل فقط كما يدل عليه قول الطحاوي بعد تخريج الرواية مثله.\n(رواه ابن أبي ليلى) أي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (عن الشعبي) هو عامر بن شراحيل، أخرجه الترمذي (٣) (عن المغيرة بن شعبة، ورواه أبو عميس) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"رفعه\".\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٠).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣٦٤). وانظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ٢٤٨)، و\"المعجم الكبير\" للطبراني (٢٠/ ٤١١) رقم (٩٨٧)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢/ ٣٤)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٣٤٤).","vol":"4","page":667},{"text":"عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، مِثْلَ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو عُمَيْسٍ أَخُو الْمَسْعُودِىِّ، وَفَعَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمُغِيرَةُ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ\n===\n(عن ثابت بن عبيد قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة مثل حديث زياد بن علاقة، قال أبو داود: أبو عميس أخو المسعودي)، فإن أبا عميس هو عتبة بن عبد الله المسعودي، والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله فهما شقيقان.\n(وفعل سعد بن أبي وقاص مثل ما فعل المغيرة) أخرجه الطحاوي في \"معاني الآثار\" (١)، ولفظه هكذا: حدثنا سليمان قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا شعبة، عن بيان أبي بشر الأحمسي قال: سمعت قيس بن أبي حازم قال: صلى بنا سعد بن مالك، فقام في الركعتين الأوليين، فقالوا: سبحان الله فقال: سبحان الله، فمضى، فلما سلم سجد سجدتي السهو.\nثم قال: وقد روي أيضًا عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك أنهم سجدوا للسهو بعد السلام، ثم أخرج رواياتهم على ترتيب اللف (وعمران (٢) بن حصين) عطف على سعد بن أبي وقاص، قال الطحاوي (٣): وهذا عمران بن حصين قد حضر سجود رسول الله - ﷺ - يوم الخرباق للزيادة التي كان زادها في صلاته بعد السلام ثم قال هو من بعد النبي - ﷺ -: إن السجود للسهو بعد السلام، ولم يفصل بين ما كان من ذلك لزيادة أو نقصان، ثم أخرج حديث عمران بن حصين موقوفًا.\n_________\n(١) (١/ ٤٤١). وانظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ٣١٠) رقم (٣٤٨٦)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٣٤)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٣٤٤)، و\"الأوسط\" لابن المنذر (٣/ ٢٨٨) رقم (١٦٧٠).\n(٢) أسلم في أيام خيبر، واختلفوا في إسلام أبيه، والأظهر إثباته. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) \" شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٢). وانظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٣٦).","vol":"4","page":668},{"text":"وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَفْتَى بِذَلِكَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.\n===\n(والضحاك بن قيس) ولم أجد روايته فيما تتبعته (١) (ومعاوية بن أبي سفيان) لم أقف على حديث معاوية بن أبي سفيان ما يوافق فعل سعد بن أبي وقاص في تقديم السلام على سجدتي السهو، إلَّا ما يستأنس مما أخرجه النسائي (٢) بسنده عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه يوسف، أن معاوية صلى إمامهم، فقام في الصلاة وعليه جلوس، فسبح الناس، فتم على قيامه، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد أن أتم الصلاة، ثم قعد على المنبر، فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"من نسي شيئًا من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين\".\nويقويه ما قال الترمذي في \"جامعه\" (٣) في \"باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام\"، بعد ما أخرج حديث ابن مسعود: وفي الباب عن معاوية وعبد الله بن جعفر وأبي هريرة.\nولكن يخالف ذلك حديث معاوية بن أبي سفيان أخرجه الطحاوي (٤) بسنده أن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم، فقام وعليه جلوس، فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع، نعم يوافق حديث المغيرة بن شعبة في بيان فعله - ﷺ - لا قوله.\n(وابن عباس أفتى بذلك) أي يكون السجدتين بعد السلام (وعمر بن عبد العزيز) عطف على قوله: ابن عباس، أي وعمر بن عبد العزيز أيضًا أفتى\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦)، وابن المنذر من طريقه في \"الأوسط\" (٣/ ٢٨٩) رقم (١٦٧٢).\n(٢) \"سنن النسائي\" رقم (١٢٦٠). وانظر: \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٧٤).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢٣٩).\n(٤) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٣٩).","vol":"4","page":669},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَذَا فِيمَنْ قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ سَجَدُوا بَعْدَ مَا سَلَّمُوا.\n===\nبذلك، أما فتوى ابن عباس فقد أخرجه الطحاوي (١) بسنده عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عباس قال: سجدتا السهو بعد السلام، وأيضًا أخرج بسنده عن عطاء بن أبي رباح قال: صليت خلف ابن الزبير فسلم في الركعتين، فسبح القوم، فقام فأتم الصلاة، فلما سلم سجد سجدتين بعد السلام، قال عطاء: فانطلقت إلى ابن عباس، فذكرت له ما فعل ابن الزبير، فقال: أحسن وأصاب.\nوأخرج الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢) عن عطاء أن ابن الزبير صلى المغرب وسلم في ركعتين، ونهض ليستلم الحجر، فسبح القوم، فقال: ما شأنكم؟ وصلى ما بقي، وسجد سجدتين، فذكر ذلك لابن عباس، فقال: ما أماط عن سنة نبيه - ﷺ -، رواه أحمد والبزار والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، ورجال أحمد رجال الصحيح، انتهى.\nوأما فتوى عمر بن عبد العزيز فقد أخرجها الطحاوي (٣) بسنده: قال الزهري: قلت لعمر بن عبد العزيز: السجود قبل السلام؟ فلم يأخذ به.\n(قال أبو داود: وهذا) (٤) أي هذا الحكم وهو السجود بعد السلام (في) حق (من قام من ثنتين) أي من قام من الركعتين وسها عن القعود (ثم) أي بعد ما أتموا الصلاة (سجدوا) للسهو (بعد ما سلموا).\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤١). وانظر أيضًا: \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ٣١١) رقم (٣٤٩٠).\n(٢) (٢/ ٣٥٠) رقم (٢٩٠٨).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٢).\n(٤) أي هذا المذكور من فتاوى الصحابة وآثارهم في حق من قام من ثنتين، فإنهم كلهم في هذه الصورة سجدوا بعد ما سلموا. (ش).","vol":"4","page":670},{"text":"١٠٣٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ بِمَعْنَى الإِسْنَادِ، أَنَّ ابْنَ عَيَّاشٍ (١) حَدَّثَهُمْ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ الْكَلَاعِىِّ، عَنْ زُهَيْرٍ - يَعْنِى ابْنَ سَالِمٍ الْعَنْسِىِّ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ بْنِ نُفَيْرٍ،- قَالَ عَمْرٌو وَحْدَهُ: عَنْ أَبِيهِ - عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ» (٢)، ولَمْ يَذْكُرْ: عَنْ أَبِيهِ غَيْرُ عَمْرٍو. [جه ١٢١٩، حم ٥/ ٢٨٠، ق ٢/ ٣٣٧]\n===\n١٠٣٨ - (حدثنا عمرو بن عثمان والربيع بن نافع وعثمان بن أبي شيبة وشجاع بن مخلد) الفلاس أبو الفضل البغوي، نزيل بغداد، وثقه كثير من المحدثين، ولكن ذكره العقيلي في \"الضعفاء\" بسبب أنه وهم في حديث واحد فرفعه، وهو موقوف (بمعنى الإسناد) أي كلهم حدثنيه متفقين في معنى السند (أن ابن عياش) بتشديد التحتانية في آخره معجمة، هو إسماعيل بن عياش، وفي النسخة المصرية بالموحدة في آخره مهملة، ولعله تصحيف من الكاتب (حدثهم عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي) أبو وهب الدمشقي، وثقه دحيم.\n(عن زهير، يعني ابن سالم العنسي) أبو المخارق الشامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في السهو، (عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، قال عمرو) بن عثمان شيخ المؤلف (وحده: عن أبيه) ولم يقل غير عمرو من شيوخ المؤلف لفظ عن أبيه، فرووه عن ثوبان منقطعًا، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة عبد الرحمن: روى عن ثوبان، والصحيح عن أبيه، (عن ثوبان، عن النبي - ﷺ - قال) رسول الله - ﷺ -: (لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم، ولم يذكر عن أبيه غير عمرو) بن عثمان.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ابن عباس\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"4","page":671},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال البيهقي في \"سننه\" (١) بعد تخريج هذا الحديث: وهذا إسناد ضعيف، وحديث أبي هريرة وعمران وغيرهما في أجتماع عدد من السهو على النبي - ﷺ -، ثم اقتصاره على السجدتين يخالف هذا.\nوأجاب عنه صاحب \"الجوهر النقي\" فقال: قلت: حديث ثوبان أخرجه أبو داود وسكت عنه، فأقل أحواله أن يكون حسنًا عنده على ما عرف، وليس في إسناده من تكلم فيما علمت سوى ابن عياش، وبه علل البيهقي الحديث في كتاب \"المعرفة\" فقال: ينفرد به إسماعيل بن عياش وليس بالقوي، انتهى.\nوهذه العلة ضعيفة فإن ابن عياش روى هذا الحديث عن الشامي وهو عبيد الله الكلاعي، وقد قال البيهقي في \"باب ترك الوضوء من الدم\": ما روى ابن عياش عن الشاميين صحيح، فلا أدري من أين حصل الضعف بهذا الإسناد.\nثم معنى قوله: لكل سهو سجدتان أي سواء كان من زيادة أو نقصان، كقولهم: لكل ذنب توبة، وحمله على هذا أولى من حمله على أنه كلما تكرر السهو ولو في صلاة واحدة، لكل سهو سجدتان، كما فهمه البيهقي (٢) حتى لا يتضاد الأحاديث.\nوأيضًا فقد جاء هذا التأويل مصرحًا به في حديث عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"سجدتا السهو تجزئان عن كل زيادة ونقصان\"، ذكره البيهقي في \"باب من كثر عليه السهو\" على أن البيهقي فهم من هذا اللفظ أيضًا ما فهمه في هذا الباب على ما سيأتي، وبه يظهر لك أنه لا اختلاف بين حديث ثوبان وبين حديث أبي هريرة وعمران وغيرهما، انتهى كلامه.\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٣٧).\n(٢) واختاره ابن أبي ليلى وغيره، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وبسط ابن رسلان في مذهب الأوزاعي، وبسط أيضًا في شرح الحديث وعلَّله أشد البسط. (ش).","vol":"4","page":672},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>(٢٠٤) بَابُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فِيهِمَا تَشَهُّدٌ وتَسْلِيمٌ</span>\n١٠٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى أَشْعَثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ خَالِدٍ - يَعْنِى الْحَذَّاءَ -، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ\" (١). [ت ٣٩٥، ن ١٢٣٦، حب ٦٧٠ ك ١/ ٣٣٢]\n===\n\n(٢٠٤) (بَابُ سَجْدَتَيّ السَّهْوِ فِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَتَسْلِيمٌ)\n١٠٣٩ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثني أشعث) بن عبد الملك الحمراني بضم المهملة، أبو هانئ البصري، مولى حمران، ثقة فقيه، (عن محمد بن سيرين، عن خالد) بن مهران (يعني الحذاء، عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو، (عن أبي المهلب) الجرمي البصري عم أبي قلابة، اسمه عمرو أو عبد الرحمن بن معاوية أو ابن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقة، (عن عمران بن حصين أن النبي - ﷺ - صلى بهم فسها، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم).\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): أخرجه ابن حبان والحاكم والترمذي وحسنه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن حبان، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما، وقالوا: والمحفوظ في حديث عمران أنه ليس فيه ذكر التشهد، وإنما تفرد به أشعث عن ابن سيرين، وقد خالف فيه غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، وقد أخرج النسائي الحديث بدون ذكر التشهد، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب ما تسمى سجدتا السهو\"، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، ثنا الفضل بن موسى، عن عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - سمَّى سجدتي السهو المرغمتين [وتقدم هذا الحديث في \"باب إذا شك في اثنتين\" برقم (١٠٢٥)]. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٤٦).","vol":"4","page":673},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأجاب عنه صاحب \"الجوهر النقي\" (١) فقال: قلت: أشعث الحمراني ثقة، أخرج له البخاري في المتابعات في \"باب يخوف الله عباده بالكسوف\"، ووثقه ابن معين وغيره، وقال يحيى بن سعيد: ثقة مأمون، وعنه أيضًا قال: لم أدرك أحدًا من أصحابنا هو أثبت عندي منه، ولا أدركت من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه، وإذا كان كذلك فلا يضره تفرده بذلك، ولا يصير سكوت من سكت عن ذكره حجة على من ذكره وحفظه، لأنه زيادة ثقة، كيف وقد جاء له الشاهدان اللذان ذكرهما البيهقي، وكذلك هشيم في روايته ذكر التشهد في الصلاة، وسكت عن التشهد في سجود السهو كما سكت أولئك، فكيف يدل سكوته على خطأ أشعث فيما حفظه وزاده على غيره، انتهى.\nثم قال الشوكاني: وفي الباب عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي في التشهد في سجود السهو، قال البيهقي: هذا حديث مختلف في رفعه ومتنه غير قوي، وهو من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، وهو مرسل، وعن المغيرة بن شعبة عند البيهقي \"أن النبي - ﷺ - تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو\"، قال البيهقي: تفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي، ولا يفرح بما تفرد به، وعن عائشة عند الطبراني، وفيه: \"وتشهدي وانصرفي، ثم اسجدي سجدتين وأنت قاعدة، ثم تشهدي\"، الحديث، وفي إسناده موسى بن مطير عن أبيه، وهو ضعيف، وقد نسب إلى وضع الحديث.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قد يقال: إن الأحاديث الثلاثة يعني حديث عمران وابن مسعود والمغيرة ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٩٩).","vol":"4","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>(٢٠٥) بَابُ انْصِرافِ النِّسَاءِ قَبْلَ الرِّجَالِ مِنَ الصَّلاةِ</span>\n١٠٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ هِنْدَ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ مَكَثَ قَلِيلًا، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ كَيْمَا يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ الرِّجَالِ\" (١). [خ ٨٣٧، ن ١٣٣٣، جه ٩٣٢، ق ٣/ ١٠٩، حم ٦/ ٣١٠]\n===\n\n(٢٠٥) (بَابُ انْصِرَافِ النِّسَاءِ قَبْلَ الرِّجَالِ مِنَ الصَّلاةِ)\nأي: من المسجد بعد الفراغ من الصلاة\n١٠٤٠ - (حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن هند بنت الحارث) الفراسية بكسر الفاء وتخفيف الراء بعدها مهملة، ويقال: القرشية، كانت تحت معبد بن المقداد بن الأسود، روت عن أم سلمة، وكانت من صواحباتها، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أم سلمة) زوج النبي - ﷺ - (قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا سلم) وفرغ من الصلاة (مكث (٢) قليلًا، وكانوا) أي الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- (يرون أن ذلك) أي المكث (كيما ينفذ) بفتح التحتانية، والظاهر (٣) بالتاء (النساء قبل الرجال) أي يمضين ويتخلصن من مزاحمة الرجال، كذا في \"المجمع\".\nوفي الحديث دلالة على أن ينبغي للإمام أن يراعي أحوال المأمومين ويجنبهم عن مظان الفتن، وعلى المأمومين أن لا ينصرفوا قبل انصراف الإِمام، وفيه النهي عن اختلاط الرجال والنساء في الطرق.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من الصلاة\".\n(٢) بضم الكاف عند الأكثر، وقرأ عاصم بفتح الكاف. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) كتب الشيخ محمد أسعد الله: بل الظاهر ما في الكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠] الآية. (ش).","vol":"4","page":675},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>(٢٠٦) بَابٌ: كيْفَ الانْصِرَافُ مِنَ الصَّلاةِ</span>\n١٠٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ - رَجُلٌ مِنْ طَيِّئٍ - عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- فكَانَ (١) يَنْصَرِفُ عَنْ شِقَّيْهِ\". [ت ٣٠١، جه ٩٢٩، حم ٥/ ٢٢٧]\n===\n\n(٢٠٦) (بَابٌ: كَيْفَ الانْصِرَافُ (٢) مِنَ الصَّلاةِ)\n١٠٤١ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن سماك بن حرب، عن قبيصة بن هلب (٣) رجل من طيِّءٍ) بضم الهاء وسكون اللام بعدها موحدة، واسمه يزيد بن عدي بن قنافة الطائي الكوفي، قال ابن المديني والنسائي: مجهول، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث منقطع في الانصراف من الصلاة وفي طعام النصارى، وذكر العسكري وغيره أن اسم الهلب سلامة بن يزيد.\n(عن أبيه) هو هلب الطائي، ولقال: إن هلبًا لقب غلب عليه، واسمه يزيد بن عدي، وفد على النبي - ﷺ -، وهو أقرع، فمسح رأسه فنبت شعره، سكن الكوفة، ذكره ابن سعد في طبقة مسلمة الفتح، وقال في \"القاموس\": الهلب لقب أبي قبيصة يزيد بن قنافة الطائي، يضمه المحدثون، وصوابه: كَكَتِفٍ.\n(أنه صلى مع النبي - ﷺ -) صلوات (فكان) رسول الله - ﷺ - (ينصرف) لفظ الانصراف يحتمل معنيين، أحدهما: الرجوع والمشي إلى جهة توجهه، وثانيهما: التحول والتوجه إلى أحد جانبيه جالسًا للأذكار (عن شقيه) مرة عن يمينه، ومرة عن شماله.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٢) تقدم في \"باب الإِمام ينحرف بعد التسليم\"، وتقدم أيضًا أن المراد بالانحراف التحول إلى القوم، والمراد بالانصراف المذكور ها هنا المشي إلى موضع الحاجة، فلا تكرار في الترجمة، والبسط في هامش \"اللامع\" (٣/ ٤٣٢). (ش).\n(٣) بضم الهاء وسكون اللام، والصواب فتح الهاء وكسر اللام، كذا قال \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":676},{"text":"١٠٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ (١)، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ نَصِيبًا لِلشَّيْطَانِ مِنْ صَلَاتِهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إلَّا عَنْ يَمِينِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَكْثَرَ مَا يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ. قَالَ عُمَارَةُ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ بَعْدُ فَرَأَيْتُ مَنَازِلَ النَّبِىِّ -ﷺ- عَنْ يَسَارِهِ\". [خ ٨٥٢، م ٧٠٧، ن ١٣٦٠، جه ٩٣٠، دي ١٣٥٠]\n===\n١٠٤٢ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن سليمان) بن مهران الأعمش، (عن عمارة) بن (٢) عمير كما في نسخة، (عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله) بن مسعود (قال: لا يجعل أحدكم نصيبًا للشيطان من صلاته أن لا ينصرف إلَّا عن يمينه) أي يلازم الانصراف عن جهة اليمين في العمل أو الاعتقاد (وقد رأيت رسول الله - ﷺ - أكثر ما (٣) ينصرف عن شماله).\n(قال عمارة: أتيت المدينة بعد) أي بعد ما سمعت هذا الحديث من أسود (فرأيت منازل النبي - ﷺ -) أي حجرات أزواجه (عن يساره) أي إذا صلى متوجهًا إلى الكعبة فحجرات أزواجه - ﷺ - تكون على جهة شماله، فكان أكثر انصرافه - ﷺ - إلى جهة يساره، ليدخل منزله، فكأن انصرافه كان تابعًا لجهة حاجته - ﷺ -.\nوفي هذا الحديث دليل على أن من اعتقد الوجوب في أمر ليس بواجب شرعًا، أو عمل معاملة الواجب معه، يكون هذا حظًّا من الشيطان، وبدعة مذمومة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عمير\".\n(٢) وكذا في رواية الطيالسي (رقم ٢٨٢)، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) وفي \"مسلم\" عن أنس: أكثر ما رأيت رسول الله - ﷺ - ينصرف عن يمينه، وجمع بينهما النووي بأنه - ﷺ - يفعل هذا تارةً وهذا أخرى، فكل أخبر بما اعتقد أنه الأكثر، قال ابن حجر: ويمكن الجمع بأن حديث ابن مسعود يحمل على المسجد، وحديث أنس على الصحراء والسفر على أن حديث أنس فيه السدي، وحديث ابن مسعود متفق عليه. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"4","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>(٢٠٧) بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ التَّطوُّعَ في بَيْتِهِ </span>(١)\n١٠٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ (٢) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اجْعَلُوا فِى بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». [خ ٤٣٢، م ٧٧٧، ت ٤٥١، ن ١٥٩٨، جه ١٣٧٧، حم ٢/ ٦]\n===\n\n(٢٠٧) (بَابُ صلاةِ الرَّجُلِ التّطَوُّعَ في بَيْتِهِ)\n١٠٤٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى) القطان، (عن عبيد الله) بن عمر العمري، (أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم) (٣) أي صلوا بعض صلاتكم في بيوتكم، فمن تبعيضية، والمراد ببعض الصلاة النوافل بدليل ما رواه مسلم (٤) من حديث جابر مرفوعًا: \"إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته\"، وقد حكى عياض عن بعضهم أن معناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وغيرهم، وهذا وإن كان محتملًا لكن الأول هو الراجح.\n(ولا تتخذوها (٥) قبورًا) أي لا تجعلوا بيوتكم كالقبور، أي كما أن الموتى لا يصلون في قبورهم لا تكونوا أنتم كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، وتأول البعض على كراهة الصلاة في المقابر، وتأوله بعضهم على النهي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب التطوع في البيت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بن محمد\".\n(٣) قال ابن رسلان: وللعلماء في شرح الحديث قولان: أحدهما: أريد به التطوع، والثاثي: الفرض، ثم بسطهما. (ش).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (٧٧٨).\n(٥) وبَوَّب عليه البخاري \"كراهة الصلاة في المقابر\"، واعترض الإسماعيلي وغيره على الترجمة. بسطه ابن رسلان. (ش).","vol":"4","page":678},{"text":"١٠٤٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النبي -ﷺ- قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِى مَسْجِدِى هَذَا، إلَّا الْمَكْتُوبَةَ». [م ٧٨١، ن ١٥٩٩، ت ٤٥٠، حم ٥/ ١٨٢، خزيمة ١٢٠٣، حب ٢٤٩١]\n===\nعن دفن الموتى في البيوت، قال الخطابي: هذا ليس بشيء، فقد دفن رسول الله - ﷺ - في بيته الذي كان يسكنه.\nقال الحافظ (١): ما ادعى أنه تأويل هو ظاهر لفظ الحديث، ولا سيما أن جعل النهي حكمًا منفصلًا عن الأمر، وما استدل به على رده تعقبه الكرماني فقال: لعل ذلك من خصائصه، وقد روي أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك بل هو متجه، لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة، قاله الحافظ في \"الفتح\".\n١٠٤٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن إبراهيم بن أبي النضر) هو إبراهيم بن سالم بن أبي أمية التيمي، أبو إسحاق المدني، المعروف ببردان بفتح الموحدة والمهملتين، وثقه ابن سعد، (عن أبيه) سالم أبي النضر، (عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت أن النبي - ﷺ - قال: صلاة المرء) (٢) أي صلاة الرجل (في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلَّا المكتوبة) أي غير الصلوات المكتوبات.\nهذا الحديث يدل على أن صلاة الرجل في بيته غير المكتوبة أفضل من صلاته في المسجد، وإن كان المسجد فيه فضل كثير كمسجد رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٢٩).\n(٢) وللنسائي في أول هذا الحديث زيادة: وهي: \"أنه - ﷺ - اتخذ حجرة في المسجد من حصير صلَّى فيها ليالي\"، الحديث (١٥٩٩). (ش).","vol":"4","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>(٢٠٨) بَابُ مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ عَلِمَ</span>\n١٠٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،\n===\nومسجد القدس ومسجد الحرام، لبعده من الرياء، وأما المكتوبات فيجب على الرجال أن يصلوها في المساجد بالجماعة، وأما النساء فالأفضل لهن أن يصلين المكتوبات والنوافل في بيتهن، وإن كان يجوز لهن أن يصلين المكتوبات في المسجد، فإن البيت أستر لهن وأبعد من الفتنة.\n\n(٢٠٨) (بَابُ مَنْ صَلَّى (١) لِغَيْرِ القِبْلَةِ) لاشتباهها (ثُمَّ عَلِمَ) أنه صلى لغير جهة القبلة، فهل يعيد صلاته أم لا؟\n١٠٤٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري، (نا حماد) بن سلمة، (عن ثابت) البناني (وحميد) الطويل، (عن أنس) بن مالك: (أن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس)، وقد وقع في حديث البراء عند البخاري: \"أن النبي - ﷺ - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده- أو قال: أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا\".\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): إن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي - ﷺ - يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة، فقال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين البيت المقدس، وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح، لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس.\n_________\n(١) هكذا بوَّب الترمذي، وأورد فيه حديث عامر. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٩٦).","vol":"4","page":680},{"text":"فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَنَادَاهُمْ وَهُمْ رُكُوعٌ في صَلَاةِ الْفَجْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ (١)،\n===\n(فلما نزلت هذه الآية ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ (٢) شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) وفي حديث البراء عند البخاري: وكان يعجبه - ﷺ - أن تكون قبلته قبل البيت، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، ولطعن اليهود، فإنهم كانوا يقولون: يخالفنا ويتبع قبلتنا (فمر رجل من بني سلمة) بكسر اللام.\nقال الحافظ في شرح حديث البراء: قوله: فخرج رجل هو عباد بن بشر بن قيظي كما رواه ابن منده من حديث تويلة بنت أسلم، وقيل: هو عباد بن نهيك، وأهل المسجد الذين مر بهم قيل: هم من بني سلمة، وقيل: هو عباد بن بشر الذي أخبر أهل قباء في صلاة الصبح، وقال في شرح حديث ابن عمر: والآتي إليهم بذلك عباد بن بشر أو ابن نهيك، انتهى.\nقلت: ولكن يخدش في هذا أن عباد بن بشر من بني حارثة، وعباد بن نهيك هو خطمي، وليس كلاهما من بني سلمة، فيكون المار غيرهما من بني سلمة.\nقال الحافظ: ومما يدل على تعددها أن مسلمًا روى من حديث أنس: أن رجلًا من بني سلمة مر وهم ركوع في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سلمة غير بني حارثة.\n(فناداهم) أي أهل قباء (وهم ركوع في صلاة الفجر) (٤)، والذي وقع في رواية البراء: \"فمر على أهل مسجد وهم راكعون\"، قال الحافظ: وأهل المسجد الذين مر بهم، قيل: هم من بني سلمة (نحو بيت المقدس، ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة)، وفي رواية ابن عمر عند البخاري فقال: إن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) وفي نسخة: \"القبلة\".\n(٢) وكان التحويل في ظهر الثلاثاء للنصف من شعبان سنة ٢ هـ، كذا في \"التلقيح\" (ص ٣٩). (ش).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٤٤.\n(٤) وفي رواية البخاري (٧٢٥٣): \"في صلاة العصر\"، ولا منافاة، لأن الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون في المدينة في العصر، ووصل في قباء في الفجر. (ش).","vol":"4","page":681},{"text":"مَرَّتَيْنِ. قَالَ: فَمَالُوا كَمَا هُمْ رُكُوعٌ إِلَى الْكَعْبَةِ\". [م ٥٢٧، حم ٣/ ٢٨٤]\n===\nقد أنزل إليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة (مرتين) أي ناداهم مرتين (قال) أنس: (فمالوا) أي استداروا من جهة بيت المقدس (كما هم ركوع) الكاف للمبادرة، قاله الحافظ، قال الكرماني: للمقارنة، و\"هم\" مبتدأ، و\"ركوع\" خبره (إلى الكعبة).\nقال الحافظ: ووقع بيان كيفية التحول في حديث تويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم، وقالت فيه: فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام.\nقلت: وتصويره أن الإِمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد، لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإِمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحول النساء حتى صرن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملًا كثيرًا في الصلاة، فيحتمل أن يكون وقع ذلك قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أو لم تتوال الخُطا عند التحويل بل وقعت مفرقة.\nوفي هذا الحديث قبول خبر الواحد ووجوب العمل به ونسخ ما تقرر طريق العلم به، لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع لمشاهدتهم صلاة النبي - ﷺ - إلى جهته، ووقع تحولهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد.\nوأجيب بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن ومقدمات أفادت القطع عندهم بصدق ذلك المخبر، فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلَّا بما يفيد العلم، وقيل: كان النسخ بخبر الواحد جائزًا في زمنه - ﷺ - مطلقًا، وإنما منع بعده، ويحتاج إلى دليل.\nواستدل البخاري بهذا الحديث لمن لم يرَ الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة.","vol":"4","page":682},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): وأصل هذه المسألة في المجتهد في القبلة إذا تبين خطؤه، فروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وغيرهم أنهم قالوا: لا تجب الإعادة، وهو قول الكوفيين، وعن الزهري ومالك وغيرهما: تجب في الوقت لا بعده، وعن الشافعي: يعيد إذا تيقن الخطأ مطلقًا.\nووجه تعلق حديث ابن عمر بترجمة الباب أن دلالته على الجزء الثاني من حيث إنهم صلوا في أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة جاهلين بوجوب التحول عنها، وأجزأت عنهم مع ذلك، ولم يؤمروا بالإعادة، فيكون حكم الساهي كذلك، لكن يمكن أن يفرق بينهما بأن الجاهل مستصحب للحكم الأول، مغتفر في حقه ما لا يغتفر في حق الساهي، لأنه إنما يكون عن حكم استقر عنده وعرفه، انتهى ملتقطًا (٢).\nتمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الرابع ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الخامس وأوله: \"باب تفريع أبواب الجمعة\" وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا\n_________\n(١) أجمل الكلام على المذاهب القسطلاني [انظر: \"إرشاد الساري\" (٢/ ٧٢)]. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٥).","vol":"4","page":683},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء الخَامس\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"5","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"5","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٥)","vol":"5","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>(٢٠٩) بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَابِ الْجُمُعَةِ</span>\n===\n\n(٢٠٩) (بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَابِ الْجُمُعَةِ)\nالتفريع لغةً: التفريق والتفصيل، والمراد ههنا بيان الفصول المتعلقة بالجمعة.\nوفي نسخة \"العون\" بعد هذا: \"بَاب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة\".\nوالجمعة بضم الميم على المشهور، وحكى الواحدي إسكان (١) الميم وفتحها، وقرئ بها في الشواذ، قاله الزمخشري. وقال الزجاج: قرئ بكسرها أيضًا، وقال الفراء: خففها الأعمش وثقلها عاصم وأهل الحجاز، وفي \"الموعب\": من قال بالتسكين قال في جمعه: جُمَع، ومن قال بالتثقيل قال في جمعه: جُمُعات.\nثم اختلفوا في تسمية هذا اليوم بالجمعة، فروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: إنما سمي يوم الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم ﵊، وكذلك روى ابن خزيمة عن سلمان - ﵁ - مرفوعًا.\nوفي \"الأمالي\" لثعلب: إنما سمي يوم الجمعة لأن قريشًا كانت تجتمع إلى قصي في دار الندوة، وقيل: لأن كعب بن لؤي كان يجمع فيه قومه، فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبي.\n_________\n(١) ثم قيل: بالسكون لغة في الضم، وقيل: مصدر مبالغة، وبالضم بمعنى المفعول، وبالفتح بمعنى الفاعل، أي: جامع الناس أو المجموع فيه الناس، كذا في \"تفسير الجمل\" (٨/ ٧). (ش).","vol":"5","page":5},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال ابن حزم: هو اسم إسلامي، ولم يكن في الجاهلية، إنما كانت تسمى في الجاهلية: العروبة، فسميت في الإسلام: الجمعة، لأنه يجتمع فيه للصلاة، اسمًا مأخوذًا من الجمع.\nوفي \"تفسر عبد بن حميد\": أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله - ﷺ - المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سموها: الجمعة، وذلك لأن الأنصار قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وكذا للنصارى، فهلم فلنجعل يومًا نجتمع فيه، ونذكر الله ونصلِّي ونشكره. فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة: يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد، فصلَّى بهم ركعتين، وذكَّرهم، فسموا: الجمعة، حين اجتمعوا إليه، وذبح لهم أسعد شاة، فتَغَدَّوا وتعشَّوا من شاة، وذلك لقلتهم، فأنزل الله في ذلك بعد ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١) الآية، انتهى.\nوقال الزجاج والفراء وأبو عبيد وأبو عمرو: كانت العرب (٢) العاربة تقول ليوم السبت: شبار، وليوم الأحد: أول، وليوم الاثنين: أهون، وليوم الثلاثاء: جبار، وللأربعاء: دبار، وللخميس: مؤنس، وليوم الجمعة: العروبة، وأول من نقل العروبة إلى يوم الجمعة: كعب بن لؤيز\nقال الكرماني: فإن قلت: لم أنث الجمعة وهو صفة اليوم؟ قلت: ليست التاء للتأنيث، بل للمبالغة، كما يقال: رجل علامة، أو هي صفة للساعة، انتهى ما قاله العيني (٣).\n_________\n(١) سورة الجمعة: الآية ٩.\n(٢) في الأصل: \"العربة\" والتصويب من \"عمدة القاري\" (٥/ ٤).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٥/ - ٤).","vol":"5","page":6},{"text":"١٠٤٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ،\n===\nوذكر ابن القيم في \"الهدي\" (١): إنَّ ليوم الجمعة ثلاثًا وثلاثين (٢) خصوصية (٣) يختص ذلك اليوم بها، حكى بعضها عنه الحافظ (٤)، وقال: وفيها أنها يوم عيد، ولا يصام منفردًا، وقراءة ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ و﴿هَلْ أَتَى﴾ في صبيحتها، و(الجمعة) و(المنافقين) فيها، والغسل لها، والطيب، والسواك، ولبس أحسن الثياب، وتبخير المسجد، والتبكير، والاشتغال بالعبادة حتى يخرج الخطيب، والخطبة، والإنصات، وقراءة الكهف، ونفي كراهة النافلة وقت الاستواء، ومنع السفر قبلها، وتضعيف أجر الذاهب إليها بكل خطوة أجر سنة، ونفي تسجير جهنم في يومها، وساعة الإجابة، وتكفير الآثام، وإنها يوم المزيد والشاهد والمدخر لهذه الأمة، وخير أيام الأسبوع، وتجتمع فيه الأرواح إن ثبت الخبر فيه، وذكر أشياء أخر فيها نظر، وترك أشياء يطول تتبعها، انتهى ملخصًا، والله أعلم.\n١٠٤٦ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم) التيمي، (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبو هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: خير يوم (٥) طلعت فيه الشمس يوم الجمعة).\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٦٣).\n(٢) وقال السيوطي في \"شرح الترمذي\": قد تتبعت خصائص الجمعة، فبلغت مائة، أوردتها في التأليف ... إلخ. (ش).\n(٣) وفي الأصل: \"خصوصيات\"، وهو تحريف.\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٣).\n(٥) وفي \"الشامي\" (٣/ ٥٣٨): نقل عن بعض الشافعية: أفضل الليالي ليلة مولده ﵇، ثم القدر، ثم الإسراء، ثم ليلة عرفة، ثم الجمعة، ثم النصف من شعبان، =","vol":"5","page":7},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني (١): قال صاحب \"المفهم\": صيغة \"خير\" و\"شر\" يستعملان للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانت للمفاضلة فأصلها أخير وأشرر على وزن أفعل، وأما إذا لم يكونا للمفاضلة فهما من جملة الأسماء كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٢)، و﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣)، وهي في حديث الباب للمفاضلة، ومعناها في الحديث: أن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت شمسه.\nوهذا الحديث يدل على أن أفضل الأيام يوم الجمعة، وبه جزم ابن العربي (٤)، ويشكل على ذلك ما رواه ابن حبان في \"صحيحه\" من حديث عبد الله بن قرط: \"أنَّ النبي - ﷺ - قال: أفضل الأيام عند الله تعالى يوم النحر\"، وسيأتي في آخر أبواب الضحايا، ويأتي الجمع بينه وبين ما أخرج أيضًا ابن حبان في \"صحيحه\" (٥). عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من يوم أفضل عند الله تعالى من يوم عرفة\" هنالك إن شاء الله تعالى.\nوقد جمع العراقي فقال: المراد بتفضيل الجمعة بالنسبة إلى أيام الجمعة، وتفضيل يوم عرفة أو يوم النحر بالنسبة إلى أيام السنة، وصرح بأن حديث أفضلية يوم الجمعة أصح.\nوقال الشوكاني (٦) في \"الضحايا\" في شرح حديث عبد الله بن قرط: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر\": ويوم\n_________\n= ثم العيد، انتهى، ونقل في \"السعاية\" (١/ ٣٢٨): أن من حلف بطلاق امرأَته في أفضل الأيام تطلق يوم عرفة. (ش).\n(١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٩٦).\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٠.\n(٣) سورة النساء: الآية ١٩.\n(٤) \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٧٤).\n(٥) انظر: \"صحيح ابن حبان\" (٤/ ٢٠٦) و(٦/ ٦٢).\n(٦) \"نيل الاوطار\" (٢١٣٩).","vol":"5","page":8},{"text":"فِيهَ خُلِق آدَمُ،\n===\nالنحر هو يوم الحج الأكبر على الصحيح عند الشافعية ومالك وأحمد، لما في \"البخاري\" (١): أنه - ﷺ - وقف يوم النحر بين الجمرات وقال: \"هذا يوم الحج الأكبر\". وفي الحديث دلالة على أنه أفضل من أيام السنة، ولكنه يعارض حديث \"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة\".\nويعارضه أيضًا ما أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٢) عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينظر الله تعالى إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فلم ير يوم أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة\".\nوقد ذهبت الشافعية (٣) إلى أنه أفضل من يوم النحر، ولا يخفى أن حديث الباب ليس فيه إلَّا أن يوم النحر أعظم، وكونه أعظم وإن كان مستلزمًا لكونه أفضل، لكنه ليس كالتصريح بالأفضلية، كما في حديث جابر - ﵁ -: إذ لا شك أن الدلالة المطابقية أقوى من الالتزامية، فإن أمكن الجمع يحمل أعظمية يوم النحر على غير الأفضلية فذاك، وإلا يمكن، فدلالة حديث جابر على أفضلية يوم عرفة أقوى من دلالة حديث عبد الله بن قرط على أفضلية يوم النحر، انتهى.\n(فيه خلق آدم) (٤) الذي هو مبنى العالم وأصل جميع الأنبياء والرسل، وفي رواية \"مسلم\" و\"الترمذي\" (٥): \"وفيه أدخل الجنة\"، وفيه دليل\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٧٤٢).\n(٢) \"صحيح ابن حبان\" (٦/ ٦٢).\n(٣) قال ابن القيم (١/ ٣٦٣): اختلف العلماء هل هو أفضل أم يوم عرفة؟ على قولين، هما وجهان للشافعي، انتهى، وجعل في \"تحفة المحتاج\" (٢/ ٤٨٠) أفضلية الجمعة على عرفة شاذًا في المذهب. (ش).\n(٤) قال ابن العربي: الأمور كلها خير ثم ذكرها، (انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٧٤). (ش).\n(٥) \"صحيح مسلم\" (٨٥٤)، \"سنن الترمذي\" (٤٨٨).","vol":"5","page":9},{"text":"وَفِيه أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ،\n===\nعلى أن آدم ﵇ لم يخلق في الجنة، بل خلق خارجها، ثم أدخل إليها.\n(وفيه أهبط) منها، وفي رواية \"مسلم\": \"وفيه أخرج منها\"، أي أنزل من الجنة إلى الأرض لعدم تعظيمه يوم الجمعة، لما وقع له من الزلَّة ليتداركه بعد النزول في الطاعة والعبادة، فيرتقي أعلى درجات الجنة، وليعلم قدر النعمة، لأن المنحة تتبين عند المحنة، قاله الشوكاني.\nوحكى النووي (١) عن القاضي عياض: الظاهر أن هذه القضايا المعدودة ليست لذكر فضيلته، لأن إخراج آدم وقيام الساعة لا يعد فضيلة، وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام، وما سيقع ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله، ودفع نقمته، هذا كلام القاضي.\nوقال أبو بكر بن العربي في كتابه \"الأحوذي في شرح الترمذي\" (٢): الجميع من الفضائل، وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية، وهذا النسل العظيم، ووجود الرسل والأنبياء والصالحين والأولياء. ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطار، ثم يعود إليها، وأما قيام الساعة فسبب لتعجيل جزاء الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم، وإظهار كرامتهم وشرفهم، انتهى.\n(وفيه تيب عليه) هو ماض مجهول من تاب، أي وفق للتوبة، وقبلت التوبة منه، وهي أعظم المنة عليه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٣).\n(وفيه) أي في يوم الجمعة (مات) و\"الموت تحفة المؤمن\"، كما ورد\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٠٥).\n(٢) \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٧٥).\n(٣) سورة طه: الآية ١٢٢.","vol":"5","page":10},{"text":"وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُسِيخَةٌ (١)\n===\nعن ابن عمر موقوفًا، رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما (٢)، قال القاضي: لا شك أن خلق آدم فيه شرفٌ، وكذا وفاته، فإنه سبب لوصوله إلى الجناب الأقدس، والخلاص عن النكبات.\n(وفيه تقوم الساعه) وفيها نعمتان عظيمتان للمؤمنين، وصولهم إلى النعيم المقيم، وحصول أعدائهم في عذاب الجحيم.\n(وما من دابة) زيادة \"من\" لإفادة الاستغراق في النفي (إلَّا وهي مسيخة) رُوِيَ بالسين والصاد، وهما لغتان أي: مُصْغِيَةٌ مُسْتَمِعَةٌ، كقول الشاعر:\nأَصَاخَتْ إِلَى الوَاشِي فَلَجَّ بِهَا الهَجْرُ\nقال القاري (٣): ووجه إصاخة كل دابة وهي مما لا يعقل، هو أن الله تعالى يجعلها ملهمة بذلك مستشعرة عنده، فلا عجب في ذلك من قدرة الله تعالى، ولعل الحكمة في الإخفاء عن الجن والإنس أنهم لو كُوشِفُوا بشيء من ذلك اختلت قاعدة الابتلاء والتكليف وحق القول عليهم، ذكره الطيبي (٤)، وتبعه ابن حجر، وفيه: أنهم لو أُلْهِمُوا بما أُلْهِمَت الدواب، وانتظروا وقوع القيامة لا يلزم منه اختلال قاعدة التكليف ولا وقوع القيامة، فتدبر.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مصيخة\".\n(٢) قلت: حديث \"تحفة المؤمن الموت\" رواه ابن المبارك في \"الزهد\" رقم (٥٩٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ١٨٥)، والبيهقي في \"الشعب\" (٩٨٩٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣١٩)، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وضعف إسناده الذهبي، وقواه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٣٣٥)، وكذلك ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣٨٩٧)، عن عبد الله بن عمرو، وعزاه إلى الطبراني في \"الكبير\". ولكن لم أقف على من أخرجه عن ابن عمر موقوفًا، والله أعلم بالصواب.\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤٤٩).\n(٤) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٠٣).","vol":"5","page":11},{"text":"يَوْمَ الجُمُعَةِ، مِنْ حِينَ تُصْبِحُ (١) حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا الْجِنَّ وَالإِنْسَ، وَفِيها (٢) سَاعَهٌ لَا يُصادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصلِّي يَسْأَلُ الله ﷿ حَاجَةً إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا\".\nقَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ في كُلِّ سَنةٍ يَوْمٌ؟ فَقُلْتُ: بَلْ في كُلِّ جُمُعَةٍ،\n===\n(يوم الجمعة من حين تصبح) قال الطيبي: بني على الفتح لإضافته إلى الجملة، ويجوز إعرابه إلَّا أن الرواية بالفتح (حتى تطلع الشمس) لأن القيامة تظهر يوم الجمعة بين الصبح وطلوع الشمس (شفقا) أي خوفًا (من الساعة) أي من قيام القيامة، وإنما سميت ساعة لوقوعها في ساعة، (إلَّا الجن والإنس) فإنهم لا يلهمون ذلك بأن هذا يوم يحتمل وقوع القيامة فيه، بل المعنى أن غالبهم غافلون عن ذلك لا (٣) أنهم لا يعلمون، وإخفاؤها عنهم ليتحقق عنهم الإيمان بالغيب، ولأنهم لو علموها لتنغص عيشهم، ولم يشتغلوا بتحصيل كفافهم من القوت خوفًا من ذلك.\n(وفيها) أي في الجمعة أو في ساعات يوم الجمعة، وفي رواية بالتذكير أي في يوم الجمعة، والمراد جنسه (ساعة لا يصادفها) أي لا يوافقها (عبد مسلم وهو يصلي) حقيقة أو حكمًا بالانتظار، أو معناه يدعو (يسأل الله ﷿) حال أو بدل (حاجة) من أمر الدنيا والآخرة (إلَّا أعطاه إياها) أي بالشروط المعتبرة في آداب الدعاء.\n(قال كعب: ذلك) إشارة إلى اليوم المذكور المشتمل على تلك الساعة الشريفة مبتدأ (في كل سنة يوم؟) ويوم خبره، (فقلت: بل في كل جمعة) أي هي - الساعة- في كل جمعة، أو هذا اليوم في كل أسبوع يوم، أي هذا اليوم المشتمل على ما ذكر كائن في كل أسبوع، وهذا أظهر مطابقة للجواب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يصبح\".\n(٢) وفي نسخة: \"وفيه\".\n(٣) وفي الأصل: \"إلَّا\" وهو تحريف.","vol":"5","page":12},{"text":"قَالَ: فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ: صَدَقَ ارسول الله -ﷺ-.\nقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِى مَعَ كَعْبٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِىَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَأَخْبِرْنِى بِهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَقُلْتُ: كَيْفَ هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى»، وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهَا؟\n===\n(قال: فقرأ كعب التوراة) بالحفظ أو بالنظر (فقال: صدق رسول الله - ﷺ -) وفي هذا معجزة عظيمة دالة على كمال علمه ﵊ مع أنه أميٌّ؛ حيث أخبر بما خفي على أعلم أهل الكتاب.\n(قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام) (١) صحابي جليل كان من أحبار اليهود، فأسلم حين قدم رسول الله - ﷺ - المدينة (فحدثته بمجلسي) أي بجلوسي (مع كعب) الأحبار، (فقال عبد الله بن سلام: قد علمت آية ساعة هي) بنصب أية على مفعولية علمت، وفي نسخة: برفعها كقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ (٢).\n(قال أبو هريرة: فقلت له) أي لعبد الله بن سلام: (فأخبرني بها) أي بتلك الساعة (فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة)، يدل عليه ما أخرجه \"الترمذي\" (٣) عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"التمسوا الساعة التي ترجى يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس\"، قال أبو هريرة: (فقلت) لعبد الله بن سلام: (كيف هي) أي تلك الساعة (آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله - ﷺ -) أي والحال أنه - ﷺ - قال: (\"لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي\"، وتلك الساعة لا يُصَلَّى فيها؟) على صيغة المجهول للكراهة.\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٦١٣) رقم (٢٩٨٦).\n(٢) سورة الكهف: الآية ١٢.\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٤٨٩).","vol":"5","page":13},{"text":"فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِى صَلَاةٍ (١) حَتَّى يُصَلِّىَ؟» قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هُوَ ذَاكَ (٢). [م ٨٥٤، ن ١٣٧٣، ت ٤٩١، حم ٢/ ٤٨٦، خزيمة ١٧٣٨، ك ١/ ٢٧٨، ق ٣/ ٢٥٠]\n١٠٤٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (٣) -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،\n===\n(فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله - ﷺ -: من جلس مجلسًا) أي جلوسًا أو مكان جلوس (ينتظر الصلاة) فيه (فهو في صلاة) أي حكمًا (حتى يصلي؟) حقيقة، (قال: فقلت: بلى) أي: قال رسول الله - ﷺ - ذلك، (قال) عبد الله: (هو ذاك).\n١٠٤٧ - (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان، (نا حسين بن علي) الجعفي، (عن عبد الرحمن (٤) بن يزيد بن جابر) الأزدي أبو عتبة الشامي الداراني، ثقة، (عن أبي الأشعث الصنعاني) شراحيل بن آدة، (عن أوس بن أوس) الثقفي (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة) زيادة لفظ \"من\" تدل على أن يوم الجمعة داخل في الأفاضل من الأيام، فعلى هذا فيه إشارة إلى أن يوم عرفة أفضل، أو مساوٍ له.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"في الصلاة\".\n(٢) وفي نسخة: \"ذلك\".\n(٣) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٤) والحديث صححه الحاكم (١/ ٢٧٨) على شرط البخاري، وذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\"، ونقل عن أبيه أنه منكر، لأن عبد الرحمن منكر الحديث، قاله الشوكاني (٣/ ٣٠٤)، وقريب منه ما قال القاري (٣/ ٤٥٥)، والبسط في \"الصارم المنكي في الرد على السبكي\" (ص ٢٧٨). (ش).","vol":"5","page":14},{"text":"فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ». قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟\n===\n(فيه خلق آدم) أي طينته، (وفيه) أي في جنسه (قبض) أي روحه، (وفيه النفخة) أي النفخة الثانية التي توصل الأبرار إلى النعم الباقية، قال الطيبي (١) وتبعه ابن حجر: أي النفخة الأولى، فإنها مبدأ قيام الساعة، ومقدم النشأة الثانية، ولا منع من الجمع.\n(وفيه الصعقة) أي الصيحة، والمراد بها الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله، وهي النفخة الأولى، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) فالتكرار باعتبار تغاير الوصفين، والأولى ما اخترناه من التغاير الحقيقي، وقيل: إشارة إلى صعقة موسى ﵇.\n(فأكثروا علي من الصلاة فيه) أي في يوم الجمعة، فإن الصلاة من أفضل العبادات، وهي فيها أفضل من غيرها، ولكونه سيد الأيام، فيصرف في خدمة سيد الأنام ﵊، (فإن صلاتكم معروضة علي) يعني على وجه القبول فيه، وإلَّا فهي دائمًا تعرض عليه بواسطة الملائك إلَّا عند روضته فيسمعها بحضرته.\n(قال: قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟) جملة حالية -بفتح الراء، وسكون الميم، وفتح التاء المخففة، ويروى بكسر الراء - أي بليت، وقيل على البناء للمفعول من الأرم، وهو الأكل، أي صوت مأكولًا للأرض، وقال الخطابي (٣): أصله أرممت (٤)، فحذفوا إحدى الميمين كظلت، وهي لغة بعض العرب.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٠٤).\n(٢) سورة الزمر: الآية ٦٨.\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٢٤٢).\n(٤) وهكذا فسره المجد في \"القاموس\" في رمه. (انظر: \"القاموس المحيط\" ٢/ ٣٩٤). (ش).","vol":"5","page":15},{"text":"- قال: يَقُولُونَ: بَلِيتَ - فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ». [ن ١٣٧٤، جه ١٠٨٥، ك ١/ ٢٧٨، خزيمة ١٧٣٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>(٢١٠) بَابُ الإِجَابَةِ، أَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ في يَوْمِ الْجُمُعَةِ</span>؟\n١٠٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو\n===\n(قال) أوس: (يقولون) أي الصحابة أي يريدون بهذا القول: (بليت، فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن الله ﷿ حرم على الأرض) أي منعها (أجساد الأنبياء) (١) أي من أن تأكلها، فإن الأنبياء في قبورهم أحياء (٢).\nقال الطيبي (٣): فإن قلت: ما وجه الجواب بقوله: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء، فإن المانع من العرض والسماع هو الموت وهو قائم؟ قلت: لا شك أن حفظ أجسادهم من أن تَرِمَّ خرق للعادة المستمرة، فكما أن الله تعالى يحفظها منه، فكذلك يمكن من العرض عليهم ومن الاستماع منهم صلوات الأمة، ويؤيده ما سيورد في الحديث الثالث من الفصل الثالث \"فنبيُّ الله حي يرزق\".\n\n(٢١٠) (بَابُ الإجَابَةِ، أَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ في يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟)\nمعناه ساعة الإجابة أية ساعة هي في يوم الجمعة، أو يقال: الإجابة في أية ساعة في يوم الجمعة\n١٠٤٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب) عبد الله، (أخبرني عمرو\n_________\n(١) قال السيوطي في \"الدرر الحسان\": خمسة حرم الله أجسادهم: الأنبياء، والعلماء، والشهداء الذين يقتلون في سبيل الله، وقارئ القرآن، والمؤذن احتسابًا. (ش).\n(٢) واستدل بالحديث على حياة الأنبياء كما بسط في الحاشية، ويؤيده حديث \"نبي الله حي يرزق\"، كذا في \"المشكاة\" (١٣٦٦) عن ابن ماجه (١٧٣٧)، وسيأتي حديث: \"رد الله عليَّ روحي\"، وأجمل الكلام على المسألة ابن القيم في، \"الهدي\" (١/ ٣٧٦). (ش).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٠٥).","vol":"5","page":16},{"text":"- يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - أَنَّ الْجُلَاحَ مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ (١) حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ» - يُرِيدُ سَاعَةً - «لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ (٢) يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا آتَاهُ اللَّهُ ﷿، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ». [ن ١٣٨٩، ك ١/ ٢٧٩]\n١٠٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ - يَعْنِى ابْنَ بُكَيْرٍ -،\n===\n- يعني ابن الحارث - أن الجلاح مولى عبد العزيز) يعني ابن مروان، أبو كثير الأموي المصري، قال الدارقطني: لا بأس به، وقال ابن عبد البر: هو مصري تابعي ثقة.\n(حدثه أن أبا سلمة - يعني ابن عبد الرحمن - حدثه، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: يوم الجمعة ثنتا عشرة، يريد ساعة) أي لم يقل رسول الله - ﷺ - لفظ \"ساعة\"، بل أراد ذلك من العدد، ويمكن أن يقال: إن جابر بن عبد الله أو غيره من رواة السند لم يقل بها، فزاد تلميذه لفظ \"يريد\" إشارة إلى أنه لم يقل الشيخ لفظ \"ساعة\" ولكن أراده، والمراد بالساعة النجومية، وفي \"منتقى الأخبار\" (٣): وفيها ساعة.\n(لا يوجد) عبد (مسلم يسأل الله) فيها (شيئًا إلَّا آتاه الله ﷿) بالشروط المعتبرة في الدعاء (فالتمسوها) أي الساعة العرفية التي هي ساعة الإجابة (آخر ساعة) أي في آخر ساعة نجومية (بعد العصر).\n١٠٤٩ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني مخرمة - يعني ابن بكير-) بن عبد الله بن الأشج، أبو المسور المدني، صدوق، وروايته\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن مروان\".\n(٢) وفي نسخة: \"عبد مسلم\".\n(٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (١٣٠٣).","vol":"5","page":17},{"text":"عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: قَالَ لِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١) فِى شَأْنِ الْجُمُعَةِ - يَعْنِى السَّاعَةَ -؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «هِىَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ». [م ٨٥٣، ق ٣/ ٢٥٠، خزيمة ١٧٣٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي عَلَى الْمِنْبَرِ.\n===\nعن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلًا (عن أبيه) بكير بن عبد الله بن الأشج مولى بني مخزوم، أبو عبد الله أو أبو يوسف المدني نزيل مصر، ثقة.\n(عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك) أي أبا موسى الأشعري (يحدث عن رسول الله - ﷺ - في شأن الجمعة، يعني الساعة) أي ساعة الإجابة؟ (قال: قلت: نعم، سمعته) أي أبي (يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: هي) أي ساعة الإجابة (ما بين أن يجلس الإمام) أي جلوس الإِمام للخطبة (إلى أن تقضى الصلاة) أي إلى تمام الصلاة.\n(قال أبو داود: يعني على المنبر) أي المراد بالجلوس في الحديث جلوس الإِمام للخطبة على المنبر، أو الجلوس بين الخطبتين، وقد اختلفت الأقوال في تلك الساعة، وذكرها الحافظ في \"فتح الباري\" مفصلة (٢)، وأنا ألخصها لك وأبيِّنها مختصرة بحذف الدلائل إلَّا ما لا بد منها.\nقال الحافظ - رحمه الله تعالى-: وقد اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الساعة، هل هي باقية أو رفعت؟ وعلى البقاء: هل هي في كل جمعة، أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول: هل هي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤١٦، ٤١٧).","vol":"5","page":18},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقت من اليوم معين، أو مبهم؟ وعلى التعيين: هل تستوعب الوقت، أو تبهم فيه؟ وعلى الإبهام: ما ابتداؤها، وما انتهاؤها؟ وعلى كل ذلك: هل تستمر، أو تنتقل؟ وعلى الانتقال: هل تستغرق اليوم، أو بعضه؟\nوها أنا أذكر لك ما اتصل إلى من الأقوال ثم أعود إلى الجمع بينها والترجيح:\nفالأول: إنها رفعت، حكاه ابن عبد البر عن قوم وزيَّفه، وقال عياض: رده السلف على قائله، وقال صاحب \"الهدي\" (١): إن أراد قائله أنها كانت معلومة فرفع علمها عن الأمة، فصارت مبهمةً احتمل، وإن أراد حقيقتها فهو مردود على قائله.\nالقول الثاني: إنها موجودة، لكن في جمعة واحدة من كل سنة، قاله كعب الأحبار لأبي هريرة، فرد عليه فرجع إليه.\nالثالث: إنها مخفية في جميع اليوم كما أخفيت ليلة القدر في العشر، وهو قضية كلام جمع من العلماء: كالرافعي وصاحب \"المغني\" وغيرهما حيث قالوا: يستحب أن يكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، ومن حجة هذا القول تشبيهها بليلة القدر، واسم الأعظم في الأسماء الحسنى. والحكمة في ذلك حث العباد على الاجتهاد في الطلب واستيعاب الوقت في العبادة.\nالرابع: إنها تنتقل في يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة معينة لا ظاهرة، ولا مخفية، قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال، وجزم به ابن عساكر وغيره، وقال المحب الطبري: إنه الأظهر.\nالخامس: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره شيخنا الحافظ أبو الفضل (٢)\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٣٨٨).\n(٢) يعني به الزين عبد الرحيم بن الحسين العِراقي (ت ٨٠٦ هـ).","vol":"5","page":19},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي شرح \"الترمذي\"، وشيخنا سراج الدين ابن الملقن في شرحه على \"البخاري\"، ونسباه لتخريج ابن أبيِ شيبة عن عائشة، وقد رواه الروياني في \"مسنده\" عنها، فأطلق الصلاة، ولم يقيدها، ورواه ابن المنذر فقيدها بصلاة الجمعة.\nالسادس: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.\nالسابع: مثله، وزاد: ومن العصر إلى الغروب.\nالثامن: مثله وزاد: وما بين أن ينزل الإِمام من المنبر إلى أن يكبر.\nالتاسع: إنها أول ساعة بعد طلوع الشمس.\nالعاشر: عند طلوع الشمس.\nالحادي عشر: إنها في آخر الساعة الثالثة من النهار.\nالثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظل نصف ذراع.\nالثالث عشر: مثله، لكن قال: إلى أن يصير الظل ذراعًا.\nالرابع عشر: بعد زوال الشمس بشبر إلى ذراع.\nالخامس عشر: إذا زالت الشمس.\nالسادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، وهذا يغاير الذي قبله من حيث إن الأذان قد يتأخر عن الزوال، قال الزين بن المنيِّر: ويتعين حمله على الأذان الذي بين يدي الخطيب.\nالسابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، وحكاه ابن الصباغ بلفظ: إلى أن يدخل الإِمام.\nالثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإِمام.\nالتاسع عشر: من الزوال إلى غروب الشمس.\nالعشرون: ما بين خروج الإِمام إلى أن تقام الصلاة.\nالحادي والعشرون: عند خروج الإِمام.","vol":"5","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالثاني والعشرون: ما بين خروج الإِمام إلى أن تنقضيَ الصلاة.\nالثالث والعشرون: ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل.\nالرابع والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة.\nالخامس والعشرون: ما بين أن يجلس الإِمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، رواه \"مسلم\" (١) و\"أبو داود\" من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبي بردة بن أبي موسى أن ابن عمر سأله عما سمع من أبيه في ساعة الجمعة، فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ -، فذكره. وهذا القول يمكن أن يتحد مع الذين قبله.\nالسادس والعشرون: عند التأذين وعند تذكير الإِمام وعند الإقامة.\nالسابع والعشرون: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاة.\nالثامن والعشرون: من حين يفتتح الإِمام الخطبة حتى يفرغ.\nالتاسع والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر، وأخذ في الخطبة.\nالثلاثون: عند الجلوس بين الخطبتين.\nالحادي والثلاثون: إنها عند نزول الإِمام من المنبر.\nالثاني والثلاثون: حين تقام الصلاة حتى يقوم الإِمام في مقامه.\nالثالث والثلاثون: من إقامة الصف إلى تمام الصلاة.\nالرابع والثلاثون: هي الساعة التي كان يصلي النبي - ﷺ - فيها الجمعة، وهذا يغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذاك، وتقييد هذا.\nالخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس.\nوذكر ابن عبد البر (٢) أن قوله: فالتمسوها إلى آخره مدرج في الخبر الذي\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٨٥٣)، \"سنن أبي داود\" (١٠٤٩).\n(٢) انظر: \"التمهيد\" (٤/ ٥٤).","vol":"5","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرواه ابن جرير من طريق صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن أبي سعيد مرفوعًا، بلفظ: \"فالتمسوها بعد العصر\" من قول أبي سلمة.\nالسادس والثلاثون: في صلاة العصر.\nالسابع والثلاثون: بعد العصر إلى وقت الاختيار، حكاه الغزالي في \"الإحياء\" (١).\nالثامن والثلاثون: بعد العصر مطلقًا.\nالتاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخر النهار.\nوالأربعون: من حين تصفر الشمس إلى أن تغيب، وهو قريب من الذي بعده.\nالحادي والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود والنسائي والحاكم بإسناد حسن عن أبي سلمة عن جابر مرفوعًا، ورواه مالك وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان (٢) من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام قوله، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة.\nالثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرص الشمس، أو من حين تدلي الشمس للغروب إلى أن يتكامل غروبها.\nوهذا جميع ما اتصل إليَّ من الأقوال في ساعة الجمعة، وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره.\nثم ظفرت بعد كتابة هذا بقول زائد لصاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين\n_________\n(١) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (١/ ٢٤٢).\n(٢) انظر: \"سنن أبي داود\" (١٠٤٦)، \"سنن النسائي\" (١٤٣٠)، \"المستدرك\" (١/ ٢٧٨)، \"موطأ الإِمام مالك\" (٤٦٣)، \"سنن الترمذي\" (٤٩١)، \"صحيح ابن خزيمة\" (١٧٣٨)، \"صحيح ابن حبان\" (٢٧٧٢).","vol":"5","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالجزري في كتابه المسمى بـ \"الحصن الحصين\" ما نصه: والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإِمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين، جمعًا بين الأحاديث التي صحت.\nولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى وحديث عبد الله بن سلام كما تقدم، قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وهو الخامس والعشرون، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام، وهو الحادي والأربعون، وما عداهما إما موافق لهما أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضها حديث أبي سعيد في كونه - ﷺ - أنسيها بعد أن علمها لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبل أن أنسي، وأشار إلى ذلك البيهقي وغيره.\nوقد اختلف السلف في أيهما أرجح:\nفقال مسلم: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة (١) وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره، وقال النووي (٢): هو الصحيح بل الصواب، وجزم في \"الروضة\" بأنه الصواب، ورجحه أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا، وفي أحد الصحيحين.\nوذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي (٣) عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البر (٤): إنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا،\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٩)، و\"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٧٥).\n(٢) \" شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٠٤).\n(٣) انظر: \"سنن الترمذي\" (٤٨٩).\n(٤) \"التمهيد\" (٤/ ٦٣).","vol":"5","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>(٢١١) بَابُ فَضْلِ الْجُمُعَةِ</span>\n١٠٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ\"\n===\nفلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجحه كثير من الأئمة أيضًا كأحمد وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته كان يختاره ويحكيه عن نص الشافعي.\nوأجابوا عن كونه ليس في أحد الصحيحين بأن الترجيح بما في الصحيحين أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون بما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه أعل بالانقطاع والاضطراب، أما الانقطاع فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، وأما الاضطراب فقد رواه أبو إسحاق وواصل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفي فهم أعلم بحديثه من بكير المدني، وهم عدد، وهو واحد، وبهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب.\nوسلك صاحب \"الهدي\" (١) مسلكًا آخر، فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر، وسبق إلى نحو ذلك الإِمام أحمد وهو أولى في طريق الجمع.\n\n(٢١١) (بَابُ فَضْلِ الْجُمُعَةِ)\nأي فضل صلاة الجمعة\n١٠٥٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من توضأ فأحسن الوضوء) أي أكمله (ثم أتى الجمعة) أي المسجد لصلاة الجمعة.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٣٩٤).","vol":"5","page":24},{"text":"قال: \"فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا\". [م ٨٥٧، ق ٣/ ٢٢٣]\n١٠٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِى (١) عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ، عَنْ مَوْلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ عُثْمَانَ\n===\n(قال) هكذا في أكثر النسخ الهندية وليس في المصرية والكانفورية، والضمير إلى رسول الله - ﷺ - (فاستمع وأنصت) (٢) ولم يلغ فيها، (غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة) (٣) أي ما كان فيها من الخطايا والزلات (وزيادة ثلاثة أيام)، أي غفر له ما صدر منه من الخطايا في ثلاثة أيام زائدة على الأسبوع، لأن الحسنة بعشرة أمثالها (٤).\n(ومن مس الحصى) أي لتسويتها، سواء مسها في الصلاة أو قبلها بطريق اللعب في حال الخطبة (فقد لنا) أي ارتكب (٥) اللغو المنهي عنه، فلا يحصل له كمال الفضيلة.\n١٠٥١ - (حدثا إبراهيم بن موسى) الرازى، (أنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق، (نا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني عطاء) بن أبي مسلم (الخراساني) واسم أبي مسلم ميسرة، أبو عثمان، (عن مولى امرأته أم عثمان) ولم أقف على ترجمة مولى امرأة عطاء أم عثمان فيما عندي من الكتب، لكن قال الشوكاني في \"النيل\" (٦): حديث علي في إسناده رجل مجهول؛ لأن عطاء\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: حدثني\".\n(٢) في \"الموطأ\" (٢٣٧) عن عثمان: \"أن للمنصت مثل ما للسامع\". (ش).\n(٣) الماضية، كما في رواية \"المشكاة\" (١٣٨٧). (ش).\n(٤) هذا إذا احتسب من صلاة الجمعة إلى مثلها، لكنها إذا احتسب من صبحة جمعة إلى الجمعة الأخرى تزيد على عشرة، كذا في \"العرف الشذي\" (١/ ٢٢١). (ش).\n(٥) قال في \"المجمع\" (٤/ ٥٠٥): أي تكلم، أو عدل عن الصواب، أو خاب، والأصل الأول، جعل المس كاللغو لأنه يشغله عن سماع الخطبة كما يشغله الكلام. (ش).\n(٦) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٦٤).","vol":"5","page":25},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا - ﵁ - عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَدَتِ الشَّيَاطِينُ بِرَايَاتِهَا إِلَى الأَسْوَاقِ، فَيَرْمُونَ (١) النَّاسَ بِالتَّرَابِيثِ أَوِ الرَّبَائِثِ\n===\nالخراساني رواه عن مولى امرأته أم عثمان قال: سمعت عليًا، الحديث.\n(قال) أي مولى امرأة عطاء: (سمعت عليًا -﵁ - على منبر الكوفة يقول: إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين) أي يمشون (براياتها) جمع راية، وهي العلم الذي في العسكر، ويحتمل أن يكون معناه الغل والطوق الذي في العنق، وهذا المعنى أقرب، قال في \"المجمع\" (٢): وفيه \"الدين راية الله في الأرض يجعلها في عنق من أذله\" (٣)، انتهى. وقال في \"القاموس\": والقلادة هي التي توضع في عنق الغلام الآبق، قال ابن الأثير (٤): الراية حديدة (٥) مستديرة على قدر العنق تجعل فيه، ومنه حديث قتادة في العبد الآبق \"كره له الراية ورخص في القيد\" وهما من تأليف ياءين وراءٍ، قاله في \"اللسان\" (٦).\n(إلى الأسواق فيرمون) قال في \"المجمع\" عن شرح \"الجامع الصغير\": فإنما هو يربثون (الناس) أي مكان يرمون الناس (بالترابيث أو الربائث) قال في \"فتح الودود\": قال الخطابي (٧): إنما هو الربائث جميع ربيثة، وهي ما يعوق الإنسان عن الوجه الذي يتوجه إليه، وأما الترابيث فليس بشيء، وقال في \"النهاية\" (٨): يجوز- إن صحت الرواية- أن يكون جمع تربيثة، وهي المرة الواحدة من التربيث، يقال: رَبَّثه عن الأمر تربيثًا، وتربيثة واحدة إذا حبسه وثبطه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فيربثون\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤١٥).\n(٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٤).\n(٤) \"النهاية\" (٢/ ٢٩١).\n(٥) وفي الأصل: \"مديدة\" وهو تحريف.\n(٦) \"لسان العرب\" (٥/ ٣٩٦).\n(٧) \"معالم السنن\" (١/ ٢٤٣).\n(٨) \"النهاية\" (٢/ ١٨٢).","vol":"5","page":26},{"text":"وَيُثَبِّطُونَهُمْ عَنِ الْجُمُعَةِ، وَتَغْدُو الْمَلَائِكَةُ فتجلس (١) عَلَى باب (٢) الْمَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ الرَّجُلَ مِنْ سَاعَةٍ وَالرَّجُلَ مِنْ سَاعَتَيْنِ حَتَّى يَخْرُجَ الإِمَامُ، فَإِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنَ الاِسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ، فَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنْ أَجْرٍ (٣)، وَإِنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنَ الاِسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ فَلَغَا وَلَمْ يُنْصِتْ، كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنْ وِزْرٍ،\n===\n(ويثبطونهم) أي: يعوقونهم (عن الجمعة) أي عن صلاتها، (وتغدو الملائكة فتجلس على باب المسجد، فيكتبون الرجل) الداخل في المسجد (من ساعة) (٤) أي بعد ساعة الأذان أو من أهل ساعة واحدة، والمراد بالساعة: الساعة العرفية، (والرجل) الداخل (من ساعتين) أي يكتبون الرجل الداخل في المسجد بعد الساعتين، أو يكتبون الرجل من أهل الساعتين، (حتى يخرج الإمام) أي للخطبة.\n(فإذا جلس الرجل مجلسًا يستمكن فيه من الاستماع) للخطبة (والنظر) إلى الإِمام (فأنصت) أي سكت سكوت مستمع، (ولم يلغ) أي لم يرتكب اللغو من الفعل والقول، وإن كان من قبيل الأمر بالمعروف، (كان له كفلان) أي نصيبان (من أجر، وإن جلس مجلسًا يستمكن فيه من الاستماع) للخطبة (والنظر) إِلى الإِمام (فلغا ولم ينصت كان له كفل) أي نصيب، وفي \"البيهقي\" (٥): كفلان أو كفل (من وزر) الوزر الحمل والثقل، ويطلق كثيرًا على الإثم والذنب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فيجلسون\".\n(٢) وفي نسخة: \"أبواب\".\n(٣) وفي نسخة: \"الأجر\"، وفي نسخة: \"فإن نأى وجلس حيث لا يسمع فأنصت، ولم يلغ، كان له كفل من أجر، وإن جلس مجلسًا يستمكن فيه من الاستماع والنظر فلغا ولم ينصت كان عليه كفلان من وزر\".\n(٤) من الصباح عند الجمهور، ومن الزوال عند مالك. (ش).\n(٥) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٢٠).","vol":"5","page":27},{"text":"وَمَنْ قَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِصَاحِبِهِ: صَهْ، فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِى جُمُعَتِهِ تِلْكَ شَىْءٌ. ثُمَّ يَقُولُ فِى آخِرِ ذَلِكَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ ذَلِكَ\". [حم ١/ ٩٣، ق ٣/ ٢٢٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: بِالرَّبَائِثِ. وَقَالَ: مَوْلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ.\n===\n(ومن قال يوم الجمعة لصاحبه) أي لمن هو قريبه: (صه) أي هذه الكلمة الخفيفة المركبة من حرفين ومعناها اسكت (فقد لغا) وإن كان هذا من قبيل الأمر بالمعروف.\n(ومن لغا فليس له في جمعته تلك) أي التي لغا فيها (شيء) من الأجر أي الفضيلة وإلَّا فقد حصل له نفس الصلاة وسقوط الفرض (ثم يقول) علي بن أبي طالب (في آخر ذلك: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذلك) الحديث.\n(قال أبو داود: رواه الوليد بن مسلم عن ابن جابر، قال) الوليد: (بالربائث) أي جزمًا، ولم يقل بالشك بين الترابيث والربائث (وقال) الوليد: (مولى امرأته أم عثمان بن عطاء) فزاد لفظ ابن عطاء يعني أن عثمان ابن لعطاء، كما أنه ابن لامرأته أم عثمان، وليس ابنها من غيره (١).\nوقد أخرج هذا الحديث الإِمام أحمد في \"مسنده\": حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء الخراساني أنه حدثه عن مولى امرأته، عن علي بن أبي طالب -﵁ - قال: إذا كان يوم الجمعة خرجت\n_________\n(١) قال ابن أبي حاتم في \"علله\" (١/ ٢٠٧) رقم (٥٩٩): \"سألت أبي عن حديث رواه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عطاء الخراساني عن مولى أم عثمان امرأته عن علي ... الحديث، قال: ورواه حماد بن سلمة عن عطاء الخراساني عن رجل قوله موقوف، قلت لأبي: ما الصحيح؟ قال: حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أشبه، وحماد لم يحفظ\".","vol":"5","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>(٢١٢) بَابُ التَّشْدِيدِ في تَرْكِ الْجُمُعَةِ</span>\n١٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو (١)، حَدَّثَنِي عُبَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيُّ،\n===\nالشياطين يربثون الناس إلى أسواقهم، ومعهم الرايات، وتقعد الملائكة على أبواب المساجد، يكتبون الناس على قدر منازلهم: السابق والمصلي والذي يليه حتى يخرج الإِمام، فمن دنا من الإِمام فأنصت واستمع ولم يلغ كان له كفلان من الأجر، ومن نأى عنه فاستمع وأنصت ولم يلغ كان له كفل من الأجر، ومن دنا من الإِمام فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفلان من الوزر، ومن نأى عنه فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفل من الوزر، ومن قال: صه، فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له، ثم قال: هكذا (٢) سمعت نبيكم - ﷺ -، انتهى.\n\n(٢١٢) (بَابُ التَّشْدِيدِ) (٣) أي: الوعيد الشديد (في تَرْك الْجُمُعَةِ)\n١٠٥٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص، (حدثني عبيدة) مكبرًا (ابن سفيان) بن الحارث الحضرمي (٤)، واسمه عبد الله بن عماد (الحضرمي) المدني، قال العجلي: مدني تابعي ثقة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في الأصل \"هذا\" والتصويب من \"مسند أحمد\" (١/ ٩٣).\n(٣) استدل بأحاديث الباب أنها فرض عين، وهو إجماع، نقله جماعة، وقال الخطابي (١/ ٢٤٤): فيه خلاف، وهو عند أكثر الفقهاء فرض كفاية ... إلخ، وبسطه الشوكاني (٣/ ٥٠٠)، وقال ابن العربي (٢/ ٢٨٥): ترك العبادة يكون ثلاثًا: لعذر، ولجحد، ولإعراض، أما الأول: يكتب أجره، والثاني: مكفر، والثالث: من الكبيرة، قلت: واستدل يهذا الحديث في \"الشرح الكبير\" للدردير (١/ ٣٧٩) على أن ترك جمعة واحدة صغيرة، وثلاث متوالية كبيرة، فتأمل، والبسط في \"الأوجز\" (٢/ ٤٩٤) وراجع: \"مشكل الآثار\" (٨/ ٢٠٩). (ش).\n(٤) كذا في الأصل، والصواب: الحارث بن الحضرمي، انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٨٣) و\"تهذيب الكمال\" (٥/ ٨٦) ..","vol":"5","page":29},{"text":"عَنْ أَبِى الْجَعْدِ الضَّمْرِىِّ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ». [ت ٥٠٠، ن ١٣٦٩، جه ١١٢٥، ق ٣/ ١٧٢، ك ٣/ ٦٢٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>(٢١٣) بَابُ كفَّارَةِ مَنْ تَرَكَهَا</span>\n١٠٥٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنِ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ بْنِ هَارُونَ، أَنَا هَمَّامٌ،\n===\nقال ابن سعد: كان شيخًا قليل الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند مسلم (١): \"يحرم كل ذي ناب من السباع\".\n(عن أبي الجعد الضمري) (٢) نسبة إلى ضمرة بن بكر، له صحبة، قيل: اسمه أدرع، وقيل: عمرو بن بكير، وقيل: جنادة، قال الترمذي (٣): سألت محمدًا عنه فلم يعرف اسمه، لا يعرف إلَّا من حديث محمد بن عمرو يعني حديث \"من ترك الجمعة ثلاثًا\"، بعثه النبي - ﷺ - بجيش قومه لغزوة الفتح ولغزوة تبوك، قال البرقي: قُتِلَ مع عائشة - ﵂ - يوم الجمل.\n(وكانت له صحبة، أن رسول الله - ﷺ - قال: من ترك ثلاث جمع) بضم الجيم وفتح الميم، جمع جمعة (تهاونًا بها) المراد بالتهاون: التساهل وقلة المبالاة والاهتمام، وليس المراد الاستخفاف فإنها كفر (طبع الله) أي ختم (على قلبه) يمنع إيصال الخير (٤) إليه.\n\n(٢١٣) (بَابُ كفَّارَةِ مَنْ تَرَكَهَا)\nأي صلاة الجمعة\n١٠٥٣ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، أنا همام) بن\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٩٣٣).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٤٠٢) رقم (٥٧٦٨).\n(٣) انظر: \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٧٤) رقم (٥٠٠).\n(٤) والتوفيق، اختلفوا في معناه على أقوال، كذا في \"الأوجز\" (٢/ ٤٩٤). (ش).","vol":"5","page":30},{"text":"حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ وَبَرَةَ الْعُجَيْفِىِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِنِصْفِ (١) دِينَارٍ». [ن ١٣٧٢، جه ١١٢٨، ك ١/ ٢٨٠، ق ٣/ ٢٤٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ، وَخَالَفَهُ في الإِسْنَادِ،\n===\nيحيى بن دينار، (نا قتادة) بن دِعامة، (عن قدامة بن وَبَرة) بموحدة وفتحات، العجلي البصري (العجيفي) بمضمومة، وفتح جيم، وسكون ياء، نسبة إلى عجيف بن ربيعة، قال أبو حاتم عن أحمد: لا يعرف، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال البخاري: لم يصح سماعه من سمرة، وقال ابن خزيمة في \"صحيحه\": لا أقف على سماع قتادة من قدامة، ولست أعرف قدامة بن وبرة بعدالة ولا جرح، وقال الذهبي: لا يعرف (٢).\n(عن سمرة بن جندب، عن النبي - ﷺ - قال: من ترك الجمعة) أي صلاتها (من غير عذر فليتصدق بدينار) الأمر للندب (٣) لدفع إثم الترك، ويمكن أن يقال: إن المال محبوب بالطبع، فإذا خاف إخراج الدينار على ترك الصلاة لا يجسر عليه، بل يلتزمها، ولا بد من الاستغفار، لأن تركها من غير عذر كبيرة (فإن لم يجد) الدينار (فبنصف دينار) أي فليتصدق بنصف دينار.\n(قال أبو داود: وهكذا رواه خالد بن قيس) بن رباح الأزدي الحُدَّانِي - بضم الحاء المهملة وتشديد الدال المهملة- البصري، صدوق يغرب (وخالفه) أي همامًا (في الإسناد) فإن خالد بن قيس رواه عن قتادة عن الحسن عن سمرة، فذكر الحسن بدل قدامة، قال في \"الدرجات\": أخرجه البيهقي (٤)، فقال: كذا قال، ولا أراه إلَّا واهمًا في إسناده لاتفاق رواة همام وسعيد بن بشير\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فنصف\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٦٦).\n(٣) والصدقة تطفئ غضب الرب. (ش).\n(٤) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٤٨).","vol":"5","page":31},{"text":"وَوَافَقَهُ في الْمَتْنِ.\n١٠٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ وَإِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ،\n===\nوأيوب أبي العلاء على خلافه (ووافقه) أي همامًا (في المتن).\nوقد أخرج ابن ماجه (١) من طريق نوح بن قيس عن أخيه عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي - ﷺ -، قال: \"من ترك الجمعة متعمدًا فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار\"، وسياق ابن ماجه يدل على أن رواية خالد بن قيس كما هي مخالفة لسياق همام في الإسناد، كذلك مخالفة في لفظ المتن أيضًا.\nقال القاري (٢): قال ابن حجر: وهذا التصدق لا يرفع إثم الترك أي بالكلية، حتى ينافي خبر \"من ترك الجمعهَ من غير عذر لم يكن لها كفارة دون يوم القيامة\"، وإنما يرجى بهذا التصدق تخفيف الإثم، وذكر الدينار ونصفه لبيان الأكمل، فلا ينافي ذكر الدرهم ونصفه، وصاع حنطة أو نصفه في رواية أبي داود، وإن هذا لبيان أدنى ما يحصل به الندب.\nقلت: والأولى أن يحمل حكم التصدق بالدينار للواجد وبنصفه لغير واجده، وكذلك التصدق بالدرهم ونصفه وصاع حنطة ونصفه للواجد وغيره، كما هو مصرح في الحديث.\n١٠٥٤ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا محمد بن يزيد) الكلاعي مولى خولان الواسطي، أصله شامي، ثقة ثبت عابد، (وإسحاق بن يوسف) بن مرداس المخزومي الواسطي المعروف بالأزرق ثقة.\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١١٢٨)، وأخرجه أيضًا النسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٢٦١) رقم (١٦٧٤)، والطبراني في \"الكبير\" (٧/ ٢٦٥) رقم (٦٩١١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٤٨).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤٦٦، ٤٦٧).","vol":"5","page":32},{"text":"عَنْ أَيُّوبَ أَبِى الْعَلَاءِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ وَبَرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِرْهَمٍ أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ صَاعِ حِنْطَةٍ، أَوْ نِصْفِ صَاعٍ». [ك ١/ ٢٨٠، ق ٣/ ٢٤٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ (١) هَكَذَا، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: مُدًّا أَوْ نِصْفَ مُدٍّ، وَقَالَ: عَنْ سَمُرَةَ (٢).\n===\n(عن أيوب أبي العلاء، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من فاته الجمعة) وفي نسخة: فاتته (من غير عذر فليتصدق بدرهم، أو نصف درهم، أو صاع حنطة، أو نصف صاع) و\"أو\" ههنا للتخيير، ويحتمل أن يكون للتبعيض، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٣).\n(قال أبو داود: رواه سعيد بن بشير) الأزدي عن قتادة (هكذا) أي كما رواه عنه أبو العلاء (إلَّا أنه قال: مدًا أو نصف مد) قال في \"درجات مرقاة الصعود\": أخرجه البيهقي (٤) بطريقه بلفظ: بدرهم أو نصف درهم أو صاع أو مدّ (وقال: عن سمرة).\nوحاصل هذا الكلام أن سعيد بن بشير خالف أيوب أبا العلاء عن قتادة في السند والمتن، فأما في المتن فزاد مدًا أو نصف مد بعد صاع حنطة أو نصف صاع، وأما في السند فقال: عن سمرة، فوصله، وقد كان أرسله أيوب أبو العلاء ولم يذكر عن سمرة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن قتادة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن اختلاف هذا الحديث فقال: همام عندي أحفظ من أيوب، يعني أبا العلاء\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٣٥.\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٤٨).","vol":"5","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>(٢١٤) بَابُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ</span>\n١٠٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: \"كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ\n===\n\n(٢١٤) (بَابُ مَنْ تَجبُ علَيْهِ (١) الْجُمُعَةُ)\n١٠٥٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب) عبد الله، (أخبرني عمرو) بن الحارث، (عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن محمد بن جعفر) بن الزبير (حدثه عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: كان الناس ينتابون الجمعة) قال القسطلاني (٢): بفتح المثناة التحتية وسكون النون وفتح المثناة الفوقية، يفتعلون من النوبة، أي يحضرونها نوبًا، وفي رواية: يتناوبون، بمثناة تحتية فأخرى فوقية فنون بفتحات، وقال الحافظ في \"الفتح\"، قوله: ينتابون الجمعة، أي: يحضرونها نوبًا، والانتياب افتعال من النوبة، وفي رواية: يتناوبون، وهكذا قال العيني (٣)، وهذا الكلام يدل على أن معنى اللفظين الانتياب والتناوب (٤) ههنا واحد.\n_________\n(١) اعلم أن هذه الترجمة تتضمن ثلاث مسائل: الأولى: هل يفرض على أهل البوادي والقرى أم لا؟ والثاني: هل تجب على العبد والمرأة أم لا؟ والثالث: هل تجب على من في فناء المصر أم لا؟ والمراد في كلام المصنف هو الثالث، فلا تغفل، والأوَّلان بَوَّبَ عليهما المصنف بعد ذلك، وتبويب الترمذي أولى من تبويب المصنف، إذ قال: \"باب من كم يؤتى إلى الجمعة\"، ونبه على بعض هذا الفرق في \"العرف الشذي\" (١/ ٢٢٣).\nقلت: وجمع في \"البذل\" في الأول، والثالث، وكان الأولى التفريق، فتأمل، وللحنفية في مسألة الفناء أي في وجوب الجمعة عليهم تسعة أقوال، لخصها \"الشامي\" (٣/ ٧)، واختلفوا في الفتوى والترجيح كما ذكره. (ش).\n(٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٤٧) ح (٩٠٢).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٤).\n(٤) بخلاف ما قالوا: إن الانتياب بمعنى ي در ي كردن \": كما في \"الصراح\" وغيره، ولذا استدل به منكرو التقليد على وجوبها عليهم. (ش).","vol":"5","page":34},{"text":"مِنْ مَنَازِلهِمْ وَمِنَ الْعَوَالِي\". [خ ٩٠٢، م ٨٤٧]\n===\n(من منازلهم) في المدينة والقريبة من المدينة (ومن العوالي) جمع عالية، وهي مواضع وقرى بقرب مدينة رسول الله - ﷺ - من جهة المشرق من ميلين إلى ثمانية أميال، وقيل أدناها من أربعة أميال، قاله العيني.\nاستدل المصنف على أن الجمعة تجب على من كان خارج المصر من أهل العوالي والقرى، فإنهم يأتون الجمعة في المدينة من القرى فثبت بهذا أن الجمعة كانت واجبة عليهم.\nقلت: ولا دليل فيه لأنهم كانوا يحضرونها لعلها اختيارًا منهم على أنهم كانوا يأتونها نوبًا، فلو كانت واجبة عليهم ليحضرونها كلهم جميعًا.\nقال العيني (١): وقال صاحب \"التوضيح\": في حديث الباب رَدٌّ لقول الكوفيين: إن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر؛ لأن عائشة أخبرت عنهم بفعل دائم أنهم يتناوبون الجمعة، فدل على لزومها عليهم، قلت: هذا نقله عن القرطبي وهو ليس بصحيح؛ لأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا ولكانوا يحضرون جميعًا.\nوقال القسطلانى (٢): واستدل به على أن الجمعة تجب على من كان خارج المصر وهو يرُدُّ على الكوفيين حيث قالوا بعدم الوجوب، وأجيب بأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعًا (٣).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): وقال القرطبي: فيه رد على الكوفيين حيث\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٦).\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٤٧) ح (٩٠٢).\n(٣) وقد عرفت أن منكري التقليد أولوها بمعنى \"مم در مم آمدن\"، وأجابوا بأن من بقي من أهل العوالي بعد حضور بعضهم إلى المدينة لم يبلغوا إلى أربعين رجلًا فلم يجب عليهم لأجله. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٦).","vol":"5","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلم يوجبوا الجمعة على من كان خارج المصر، كذا قال، وفيه نظر لأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا ولكانوا يحضرون جميعًا، انتهى.\nوقال في \"مجمع البحار\" (١): وكان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم، قال الكرماني: هو بفتح تحتية أي يحضرونها نوبًا، وفيه أنه لا تجب الجمعة على من هو خارج المصر ولا يخرجون جميعًا، قال الشوكاني (٢): حكى الخطابي (٣) الخلاف في أنها من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات، وقال: قال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفايات، وذكر ما يدل على أن ذلك قول للشافعي، وقد حكاه المرعشي عن قوله القديم، وقال الدارمي: وغلَّطوا حاكيه، وقال أبو إسحاق المروزي: لا يجوز حكايته هذا عن الشافعي، قال العراقي: نعم هو وجه لبعض الأصحاب، قال: وأما ما ادعاه الخطابي من أن أكثر الفقهاء قالوا: \"إن الجمعة فرض على الكفاية\" ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب.\nثم بعد ذكر الأدلة على أن الجمعة من فرائض الأعيان، والجواب عنها، قال: والحق أن الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء، ثم قال (٤) في محل آخر: والمراد بالنداء المذكور في الحديث: هو النداء الواقع بين يدي الإِمام في المسجد؛ لأنه الذي كان في زمن النبوة، لا الواقع على المنارات؛ فإنه محدث، كما سيأتي، وظاهره عدم وجوب الجمعة على من لم يسمع النداء سواء كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة، أو في خارجه، وقد ادعى في \"البحر\" الإجماع على عدم اعتبار سماع النداء في\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٩٣).\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٠٠، ٥٠١).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٢٤٤).\n(٤) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٠٣).","vol":"5","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nموضعها، واستدل لذلك بقوله: \"إذ لم تعتبره الآية\"، وأنت تعلم أن الآية قد قيد الأمر بالسعي فيها بالنداء؛ لما تقرر- عند أئمة البيان - من أن الشرط قيد لحكم الجزاء، والنداء المذكور فيها يستوي فيه من في المصر الذي تقام فيه الجمعة، ومن خارجه، نعم إن صح الإجماع، كان هو الدليل على عدم اعتبار سماع النداء لمن في موضع إقامة الجمعة عند من قال بحجية الإجماع، وقد حكى العراقي في \"شرح الترمذي\" عن الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل؛ أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر، وإن لم يسمعوا النداء، انتهى.\nوقال العيني في \"شرح البخاري\" (١): اختلف العلماء في وجوب الجمعة على من كان خارج المصر، فقال طائفة (٢): تجب على من آواه الليل إلى أهله، روي ذلك عن أبي هريرة وأنس وابن عمر ومعاوية، وهو قول نافع والحسن وعكرمة والحكم والنخعي وأبي عبد الرحمن السلمي وعطاء والأوزاعي وأبي ثور لحديث أبي هريرة مرفوعًا: \"الجمعة على من آواه الليل إلى أهله\"، رواه الترمذي والبيهقي (٣) وضعفاه، ونقل عن أحمد أنه لم يره شيئًا، ومعنى هذا الحديث أنه إذا جمع مع الإِمام أمكنه العود إلى أهله آخر النهار قبل دخول الليل.\nقلت: واستشكل هذا المعنى الحافظ في \"الفتح\" (٤) بأنه يلزم منه أنه يجب السعي من أول النهار وهو بخلاف الآية، انتهى.\nقلت: ويحتمل أن يكون معنى \"على من آواه الليل إلى أهله\" أن الجمعة\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٥).\n(٢) وحكي ذلك عن جماعة من الحنفية، كما في \"الشامي\"، [انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٣٠)]. (ش).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٥٠٢)، \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٦).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٥).","vol":"5","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواجبة على من وصل من السفر إلى أهله والوطن، فحاصله أن الجمعة لا تجب على المسافر، فلم يبق الحديث قابلًا للاحتجاج.\nثم قال العيني (١): إنها تجب على من سمع النداء، رُوي ذلك عن عبد الله بن عمر أيضًا، وحكاه الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق، وحكاه ابن العربي عن مالك أيضًا، واستدلوا (٢) بحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا \"أنَّ النبي - ﷺ - قال: إن الجمعة على من سمع النداء\"، قال أبو داود: وروى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وقال ابن العربي (٣): الوجوب على من سمع النداء عند الشافعي (٤)، قال: وتعليقه السعي على سماع النداء يسقطه عمن كان في العصر الكبير إذا لم يسمعه.\nقلت: قال الحافظ في \"الفتح\" (٥): والذي ذهب إليه الجمهور أنها تجب على من سمع النداء، أو كان في قوة السامع سواء كان داخل البلد أو خارجه، ومحله كما صرح به اشافعي ما إذا كان المنادي صَيِّتًا، والأصوات هادئة والرجل سميعًا، انتهى.\nقلت: وهذا القدر لا يكتفي لدفع الاعتراض، فإنه إذا كان البلد كبيرًا كالقسطنطينية، أو بومباي، أو كلكتا، فإنه لا يبلغ صوت المؤذن في نواحيها\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٥).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"العمدة\" واستدل له.\n(٣) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٨٩).\n(٤) وذكره في \"البرهان\" قول محمد، وفي \"العرف الشذي\" (١/ ٢٢٣) أن للحنفية فيه ثمانية أقوال، وبه قال الشامي، وعزا صاحب \"الدر المحتار\" هذا القول إلى محمد، وحكى عليه الفتوى، وذكر الشامي الاختلاف في الفتوى في ذلك. انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٩ - ٣٠). (ش).\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٥).","vol":"5","page":38},{"text":"١٠٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ - يَعْنِى الطَّائِفِىَّ -،\n===\nوأطرافها، وإن كان المؤذن صَيِّتًا، والرجال سامعين، والأصوات هادئة، فلا تجب عليهم الجمعة على هذا القول، وهذا بخلاف الآية.\nثم قال العيني (١): وقال طائفة: يجب على أهل العصر، ولا يجب على من كان خارجه، سمع النداء أو لم يسمعه، قال شيخنا في \"شرح الترمذي\": وهو قول أبي حنيفة بناء على قوله: إن الجمعة لا تجب على أهل القرى والبوادي ما لم يكن في العصر، ورجحه القاضي أبو بكر بن العربي، وقال: إن الظاهر مع أبي حنيفة -﵁ -.\nقلت: مذهب أبي حنيفة: أن الجمعة لا تصح إلَّا في مصر جامع، أو في مصلَّى المصر، نحو مصلَّى العيد، وفي \"المفيد\" و\"الإسبيجاني\" و\"التحفة\": لا تجب الجمعة عندنا إلَّا في مصر جامع، أو في ما هو في حكمه كمصلى العيد، وفي \"جوامع الفقه\": وأرباض المصر كالمصر، وفي \"الينابيع\": لو كان منزله خارج المصر لا تجب عليه، قال: وهذا أصح ما قيل فيه، انتهى.\nقلت: قال في \"البدائع\" (٢): أما المصر الجامع فشرط وجوب الجمعة وشرط صحة أدائها عند أصحابنا حتى لا تجب الجمعة إلَّا على أهل المصر ومن كان ساكنًا في توابعه، وكذا لا يصح أداء الجمعة إلَّا في المصر وتوابعه، فلا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع المصر ولا يصح أداء الجمعة فيها.\n١٠٥٦ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا قبيصة) بن عقبة بن محمد بن سفيان السوائي بضم المهملة وتخفيف الواو والمد، أبو عامر الكوفي صدوق، ربما خالف، (نا سفيان) الثوري، (عن محمد بن سعيد - يعني الطائفي-) أبو سعيد\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٥).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٨٣).","vol":"5","page":39},{"text":"عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْهٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ». [ق ٣/ ١٧٣، قط ٢/ ٦]\n===\nالمؤذن صدوق، قال ابن أبي وارة في \"كتاب التفرد\" إثر حديث له: محمد بن سعيد ثقة وثقه البيهقي، (عن أبي سلمة بن نبيه) بضم النون مصغرًا المدني مجهول، (عن عبد الله بن هارون) ويقال ابن أبي هارون، حجازي مجهول، هكذا في \"التقريب\"، وقال في \"الميزان\" (١): تفرد عنه أبو سلمة بن نبيه.\n(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص، (عن النبي - ﷺ - قال: الجمعة) أي صلاة الجمعة واجبة (على كل من سمع النداء) (٢) أي حقيقة أو حكمًا، والنداء هو الأذان أول الوقت، كما هو الآن في زماننا ليعلم الناس وقت الجمعة ليحضروا ويسعوا إلى ذكر الله، وإنما زاده عثمان لينتهي الصوت إلى نواحي المدينة.\nوقد ذكر في \"شرح المنية\" (٣): من هو في أطراف المصر ليس بينه وبين المصر فرجة، بل الأبنية متصلة فعليه الجمعة، يعني ولو لم يسمع النداء، وإن كان بينه وبين المصر فرجة من المزارع والمراعي، فلا جمعة عليه، وإن كان يسمع النداء، وعن محمد: إن سمع النداء فعليه الجمعة، انتهى، ولا تلزم مسافرًا بالاتفاق، وحكي عن الزهري والنخعي وجوبها على المسافر إذا سمع النداء.\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٥١٦).\n(٢) قلت: ومعنى الحديث عندي على رأي الشيحين أن المراد أن الصلاة في المصر دون القرى، لأن الحديث إذن في قوة قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ومحل النداء هو المصر، كما ثبت في موضعه، فيكون الحديث تفسيرًا للآية وردًا لكونها فرض كفاية، وأما على رأي محمد - ﵀ - كما يظهر من \"الشامي\"، أنه محمول على من في فناء المصر، فلو سمع النداء تجب عليه الصلاة. (ش).\n(٣) (ص ٥٥٢).","vol":"5","page":40},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنْ سُفْيَانَ مَقْصُورًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، لَمْ يَرْفَعُوهُ (١) وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ.\n===\nقال ابن حجر (٢): وهذا الحديث ضعيف، لكن ذكر البيهقي له شاهدًا جيدًا، ومن ثم ذكره البغوي في الحسان (٣) (قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا) أي موقوفًا (على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة) والموقوف هو المعروف، والمرفوع منكر.\nقال البيهقي (٤) بعد إيراد هذا الحديث وقول أبي داود هذا: قال الشيخ: وقبيصة بن عقبة من الثقات، ومحمد بن سعيد هذا هو الطائفي ثقة، له شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ثنا هشام بن خالد، ثنا الوليد، عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنما الجمعة على من سمع النداء\".\nهكذا ذكره الدارقطني في كتابه بهذا الإسناد مرفوعًا، وروي عن حجاج بن أرطاة عن عمرو كذلك مرفوعًا، انتهى.\nقلت: وحديث حجاج بن أرطاة أخرجه الدارقطني (٥) من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وفي سنده محمد بن الفضل، نسبوه إلى الكذب، وكذلك حديث وليد بن مسلم عن زهير بن محمد، أخرجه الدارقطني أيضًا، وفي سنده زهير بن محمد، روى عن أهل الشام مناكير، والوليد مدلس، وقد روى بالعنعنة، فعلى هذا جميع طرق الحديث متكلم فيه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فلم يرفعوه\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٤٦).\n(٣) انظر: \"مشكاة المصابيح\" (١٣٧٥).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٣).\n(٥) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٦).","vol":"5","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>(٢١٥) بَابُ الْجُمُعَةِ في اليَوْمِ الْمَطِيرِ</span>\n١٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي مَلِيحِ (١)،\n===\nوقال الشوكاني (٢) بعد نقل هذا الحديث: وفي إسناده محمد بن سعيد الطائفي، قال المنذري: وفيه مقال، وقد ورد من حديث عبد الله بن عمرو من وجه آخر، أخرجه الدارقطني من رواية الوليد عن زهير بن محمد، قال العراقي: لكن زهير روى عن أهل الشام مناكير، والوليد مدلس، وقد رواه بالعنعنة، فلا يصح، ورواه الدارقطني (٣) أيضًا من رواية محمد بن الفضل عن حجاج، ومحمد بن الفضل ضعيف جدًا، والحجاج هو ابن أرطاة مدلس مختلف في الاحتجاج به، انتهى.\n\n(٢١٥) (بَابُ الْجُمُعَةِ في الْيَوْمِ (٤) المَطِير)\nبفتح الميم على وزن فعيل، قال في \"اللسان\" (٥): ويوم مطير: ماطر.\nوأما صاحب \"القاموس\" (٦) فقال: يومٌ مُمْطِرٌ وماطِرٌ ومَطِرٌ ككتِفٍ ذو مَطَرٍ، ولم ينعت لفظ اليوم بالمطير.\nأي هل يجب الحضور في اليوم المطير في الجامع لصلاة الجمعة إذا سمع الأذان أم لا؟\n١٠٥٧ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام، عن قتادة، عن أبي مليح) مكبرًا،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أبي المليح\".\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٠٢) ح (١١٨٢).\n(٣) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٦).\n(٤) سيأتي عن ابن بطال الإجماع على أن البرد والمطر عذر من الأعذار لترك الجماعة، وكذا عدهما الشامي منها، وقال: الجماعة والجمعة سواء في ذلك. (ش).\n(٥) \"لسان العرب\" (٦/ ٤٢٢٣).\n(٦) \"القاموس المحيط\" (٢/ ١٩٠).","vol":"5","page":42},{"text":"عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ يَوْمَ مَطَرٍ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ -ﷺ- مُنَادِيَهُ: أَنِ الصَّلَاةُ فِى الرِّحَالِ\". [ن ٨٥٤، حم ٥/ ٧٤، خزيمة ١٦٥٨]\n١٠٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنْ أَبِى مَلِيحٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.\n===\n(عن أبيه) اختلف في اسمه واسم أبيه، فقيل في اسمه: عامر، وقيل زيد، وقيل: زياد، وقيل: في اسم أبيه: أسامة، وقيل: عامر، وقيل: عمير، ثقة وأبوه صحابي، ولم يرو عنه إلَّا ولده، قاله جماعة من الحفاظ.\n(أن يوم حنين) وادٍ بين مكة والطائف (كان يوم مطر، فأمر النبي - ﷺ - مناديه أن) مخففة أي أن يقول: (الصلاة في الرحال) جمع رحل، وهو المسكن والمنزل والدار، سواء كان من حجر أو مدر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبر وغيرها، وهذا الحديث ليس فيه ذكر الجمعة ولا غيرها من الصلوات، ولكن الأحاديث الآتية لما كان فيها ذكر الجمعة قيدت هذه الرواية أيضًا بقرينتها بالجمعة، فلهذا ناسب ذكرها في هذا الباب.\n١٠٥٨ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عبد الأعلى، نا سعيد، عن صاحب له) قال في \"تهذيب التهذيب\" (١): سعيد بن أبي عروبة عن صاحب له عن أبي المليح، عن أبيه في الصلاة في الرحال يوم المطر، زاد: كان يوم جمعة، هو قتادة أو أبو قلابة، انتهى.\nوغلط صاحب \"العون\" (٢) فقال: هو سعيد بن عبد العزيز الدمشقي، وقال: عن صاحب له أي لسعيد، ولم يعرف هذا (عن أبي مليح أن ذلك يوم جمعة) وهذا موقوف.\n_________\n(١) (١٢/ ٣٦٩).\n(٢) (٣/ ٣٨٧) رقم (١٠٥٤).","vol":"5","page":43},{"text":"١٠٥٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ قَالَ: سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ خَبَّرَنَا (١) عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِىَّ -ﷺ- زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ\n===\n١٠٥٩ - (حدثنا نصر بن علي قال) نصر بن علي (سفيان بن حبيب) البصري أبو محمد، ويقال: أبو معاوية، ويقال: أبو حبيب البزاز، وقال عثمان بن أبي شيبة: سفيان بن حبيب لا بأس به، ولكن كان له أحاديث مناكير، ولفظ سفيان مبتدأ (خبرنا) على صيغة المعلوم خبره، وتقدير العبارة هكذا: حدثنا نصر بن علي قال - أي نصر -: خبرنا سفيان.\nوفي بعض النسخ: \"حدثنا\" وهو أيضًا على صيغة المعلوم، فمن ضبطه بصيغة المجهول فقد وهم، والقرينة عليه ما أخرجه الحاكم (٢) بسنده: \"ثنا نصر بن علي ثنا سفيان بن حبيب عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، الحديث، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، وقد احتج الشيخان برواته، وأقرَّه عليه الذهبي في \"تلخيصه\"، وقال: صحيح، ولو كان لفظ خبرنا أو حدثنا على صيغة المجهول لكان الحديث منقطعًا.\n(عن خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن أبيه: أنه شهد النبي - ﷺ - زمن الحديبية) بئرٌ قرب مكة - حرسها الله تعالى - وقال في \"المجمع\" (٣): والحديبية قرية قريبة من مكة، سميت ببئر هناك، وهي مخففة، وكثير منهم يشددونها، انتهى.\nقلت: وفي هذا الزمان يسمونها \"شميسية\"، وبُني هناك مسجد صغير بالحجارة والجص في طريق جدة إلى مكة، وقد مر في الحديث المتقدم ذكر يوم حنين، فيمكن أن يكون وقع ذلك في الموضعين،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) انظر: \"المستدرك\" (١/ ٢٩٣).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٥١).","vol":"5","page":44},{"text":"فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ يبْتَلَّ أَسْفَلُ نِعَالِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِى رِحَالِهِمْ\". [جه ٩٣٦، حم ٥/ ٧٤، خزيمة ١٨٦٣، ق ٣/ ١٨٦، ك ١/ ٢٩٣]\n===\nوحديث خالد الحذاء فيه ذكر الحديبية، وحديث قتادة فيه ذكر حنين، وصحح الحاكم في \"المستدرك\" (١) حديث خالد، وأقره عليه الذهبي في \"التلخيص\".\n(في يوم جمعة، وأصابهم مطر) قليل (لم يبتل أسفل نعالهم، فأمرهم أن يصلوا في رحالهم) وليس في الحديث دلالة على أن أمر رسول الله - ﷺ - بالصلاة في رحالهم كان لصلاة الجمعة، لأن رسول الله - ﷺ - كان نازلًا في البرية، ولم يثبت عنه - ﷺ -، ولا عن أصحابه -﵃- أنهم جَمَّعوا في البراري، ولو سلم أن رسول الله - ﷺ - صلَّى صلاة الجمعة هناك، فوجهه أنها فناء مكة؛ لأنها داخلة في حرم مكة عند الحنفية، كما أن مني داخلة في توابع مكة عند الشيخين.\nقال في \"البدائع\" (٢): قال بعض مشايخنا: إنَّ الخلاف بين أصحابنا في هذا بناء على أن مني من توابع مكة عندهما، وعند محمد ليس من توابعها، واختلفوا في تفسير توابع المصر على أقوال شتى، ذكره صاحب \"البدائع\"، وحكى عن أبي يوسف: تجب في ثلاث فراسخ، وقال بعضهم: إن أمكنه أن يحضر الجمعة ويبيت بأهله من غير تكلف، تجب عليه الجمعة وإلَّا فلا، وهذا حسن، انتهى.\nوالمناسبة بين الأحاديث والترجمة أن هاتين القصتين إن كانتا في صلاة الجمعة فظاهرة، وإن وقعتا في غيرها فحكم صلاة الجمعة كذلك.\n_________\n(١) \"المستدرك\" (١/ ٢٩٣).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٨٥ - ٥٨٦).","vol":"5","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>(٢١٦) بَابُ التَخَلُّفِ عنِ الْجَمَاعَةِ في اللَّيْلَةِ الْبَارِدِةِ </span>(١)\n١٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَزَلَ بِضَجْنَانَ فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَأَمَرَ الْمُنَادِىَ فَنَادَى: أَنِ (٢) الصَّلَاةُ فِى الرِّحَالِ\".\nقَالَ أَيُّوبُ: وَحَدَّثَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا كَانَتْ (٣) لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ مَطِيرَةٌ\n===\n\n(٢١٦) (بَابُ التَّخَلُّفِ عَنِ الجَمَاعَةِ)\nسواء كان عن الجمعة أو غيرها (في اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ)\n١٠٦٠ - (حدثنا محمد بن عبيد) بن الحساب الغبري، (نا حماد بن زيد، نا أيوب، عن نافع: أن ابن عمر نزل بضجنان) قال في \"القاموس\" (٤): ضجنان كسكرانَ جبل قُرْبَ مكة، وقال في \"معجم البلدان\" (٥): ضجنان جبل على بريد من مكة، وهناك الغميم في أسفله مسجد صلَّى فيه رسول الله - ﷺ -، وقال الواقدي: بين ضجنان ومكة خمسة وعشرون ميلًا، وهي لأسلم وهذيل وغاضرة، وقال في \"المجمع\" (٦): هو ممنوع الصرف.\n(في ليلة باردة، فأمر) ابن عمر (المنادي) أي المؤذن أن يقول في ندائه: الصلاة في الرحال (فنادى) أي المؤذن في ندائه، أو بعد ندائه: (أن الصلاة في الرحال).\n(قال أيوب: وحدث نافع عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أو الليلة المطيرة\".\n(٢) وفي نسخة: \"بأن\".\n(٣) وفي نسخة: \"إذا كان\".\n(٤) انظر: \"القاموس المحيط\" (٤/ ٣٤٤).\n(٥) \"معجم البلدان\" (٣/ ٤٥٣).\n(٦) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٨٨).","vol":"5","page":46},{"text":"أَمَرَ الْمُنَادِيَ فَنَادَى (١): الصَّلَاةُ في الرِّحَالِ\". [جه ٩٣٧، حم ٢/ ٤، دي ١٢٧٥، خزيمة ١٦٥٥]\n١٠٦١ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: \"نَادَى ابْنُ عُمَرَ بِالصَّلَاةِ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ نَادَى أَنْ صَلُّوا فِى رِحَالِكُمْ. قَالَ فِيهِ: ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ الْمُنَادِىَ فَيُنَادِى بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ يُنَادِى أَنْ صَلُّوا فِى رِحَالِكُمْ\n===\nقال الحافظ (٢): قال الكرماني: فعيلة بمعنى فاعلة، وإسناد المطر إليها مجاز، ولا يقال: إنها بمعنى مفعولة لوجود الهاء في قوله: مطيرة، إذ لا يصح ممطورة فيها، انتهى، ولفظة \"أو\" للتنويع، لا للشك.\n(أمر المنادي فنادى: الصلاة في الرحال) وهذا يدل على أن كلا من البرد والمطر عذر في التأخر عن الجماعة، ونقل ابن بطال فيه الإجماع.\n١٠٦١ - (حدثنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل) بن علية، (عن أيوب، عن نافع قال: نادى ابن عمر بالصلاة بضجنان، ثم نادى أن صلوا في رحالكم) وهذا الحديث يخالف الحديث المتقدم بأن فيه أمر المنادي، وفي هذا الحديث أنه أذن، وظاهره أنه أذن بنفسه، فإما يحمل على المجاز، أو يقال: إنه في وقت أمر المنادي، وفي وقت آخر أذَّن بنفسه.\nوهذا الحديث يدل على أن النداء بلفظ: \"صلوا في رحالكم\"، كان بعد الفراغ من الأذان يدل عليه لفظ \"ثم\" (قال) نافع، وهذا قول أيوب (فيه) أي في الحديث: (ثم حدث) ابن عمر (عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يأمر المنادي، فينادي بالصلاة ثم ينادي) المؤذن (أن صلوا في رحالكم) وهذا أيضًا يدل على أن النداء بهذا القول كان بعد تمام الأذان لا في أثناء\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فنادى أن\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٣).","vol":"5","page":47},{"text":"في اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ وَفِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ في السَّفَرِ\" [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ فِيهِ: فِى السَّفَرِ، فِى اللَّيْلَةِ الْقَرَّةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ.\n١٠٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو أُسَامَةَ،\n===\nالأذان (في الليلة الباردة، وفي الليلة المطيرة في السفر).\nقال الحافظ (١): ظاهره اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع مطلقة، وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقًا، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر دون من لا تلحقه.\n(قال أبو داود: ورواه حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله) الظاهر أن عبيد الله معطوف على أيوب، ولكن لم أجد رواية حماد بن سلمة عن عبيد الله فيما عندي من الكتب، فإن وجدت روايته فذاك (٢)، وإلَّا فهو معطوف على حماد بن سلمة، وقد وجدت رواية عبيد الله من طريق يحيى القطان عند البخاري (٣)، وكذلك رواية حماد بن سلمة عن أيوب لم أجدها فيما عندي من الكتب.\n(قال) حماد بن سلمة (فيه) أي في الحديث: (في السفر، في الليلة القرة أو المطيرة) فخالف حماد بن سلمة حديث إسماعيل عن أيوب في تقديم \"السفر\" وإبدال لفظ \"القرة\" موضع \"الباردة\"، وإيراد لفظ \"أو\" بدل \"الواو\".\n١٠٦٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو أسامة،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١١٣).\n(٢) قلت: رواية حماد بن سلمة عن عبيد الله، أخرجها أبو نعيم الأصبهاني في \"المستخرج على صحيح مسلم\" (٢/ ٢٨٧) رقم (١٥٦١).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٦٣٢).","vol":"5","page":48},{"text":"عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ بِضَجْنَانَ فِى لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ (١) وَرِيحٍ، فَقَالَ فِى آخِرِ نِدَائِهِ: ألَا صَلُّوا فِى رِحَالِكُمْ، ألَا صَلُّوا فِى الرِّحَالِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِى سَفَرٍ يَقُولُ: \"ألَا صَلُّوا فِى رِحَالِكُمْ\". [خ ٦٣٢، م ٦٩٧، حب ٢٠٧٧، ق ١/ ٣٩٨، دي ١٢٧٥، حم ٢/ ٤]\n١٠٦٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - يَعْنِى أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِى لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ - فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِى الرِّحَالِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ\n===\nعن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنه نادى) أي أذن (بالصلاة بضجنان في ليلة ذات برد وريح، فقال في آخر ندائه) الظاهر أن المراد بآخر ندائه بعد الفراغ من الأذان، كما تدل عليه الأحاديث المتقدمة (ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال، ثم قال) أي ابن عمر: (إن رسول الله - ﷺ - كان يأمر الموذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في سفر يقول: ألا صلوا في رحالكم)، ولعل غرض المصنف بإيراد هذه الرواية تقوية رواية حماد بن سلمة، فإنها وردت أيضًا بلفظ \"أو\".\n١٠٦٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع: أن ابن عمر يعني) وأخرج البخاري (٢) هذا الحديث من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك، وعند النسائي (٣) من طريق قتيبة عن مالك، فما زاد لفظ \"يعني\"، والظاهر أن القعنبي نسي لفظ الحديث، فزاد لفظ \"يعني\" (أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال) أي ابن عمر: (إن رسول الله - ﷺ - كان\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باردة\".\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٦٦٦).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٦٥٤).","vol":"5","page":49},{"text":"يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ: \"ألَا صَلُّوا فِى الرِّحَالِ\". [خ ٦٦٦، م ٦٩٧، ن ٦٥٤، وانظر سابقه]\n١٠٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"نَادَى (١) مُنَادِى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِذَلِكَ فِى الْمَدِينَةِ (٢) فِى اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ، وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْخَبَرَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِىُّ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، قَالَ فِيهِ: \"فِى السَّفَرِ\".\n===\nيأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال) ولم يذكر مالك لفظ \"في السفر\".\n١٠٦٤ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: نادى منادي رسول الله - ﷺ - بذلك) أي بقوله: \"ألا صلوا في الرحال\" (في المدينة في الليلة المطيرة، والغداة القرة) فزاد محمد بن إسحاق لفظ \"في المدينة\"، فخالف ما رواه أصحاب نافع الحفاظ المتقنون.\n(قال أبو داود: روى هذا الخبر يحيى بن سعيد الأنصاري (٣)، عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق، (عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال) يحيى (فيه) أي في هذا الحديث: (في السفر) أي لم يقل بالمدينة، بل قال: في السفر، فخالف محمد بن إسحاق هذا الحديث، ومحمد بن إسحاق مختلف فيه، كما تقدم في ترجمته.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"كان ينادي\".\n(٢) وفي نسخة: \"بالمدينة\".\n(٣) قلت: رواية يحيى بن سعيد، أخرجها ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٧٩) رقم (١٦٥٦)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١٠/ ٤٠) رقم (٥٦٧٣).","vol":"5","page":50},{"text":"١٠٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ (١) اللَّهِ -ﷺ- فِى سَفَرٍ فَمُطِرْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِى رَحْلِهِ». [م ٦٩٨، ت ٤٠٩، حم ٣/ ٣١٢، خزيمة ١٦٥٩، حب ٢٠٨٢، ق ٣/ ٧١]\n١٠٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِىِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: \"أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِى يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ\n===\n١٠٦٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا الفضل بن دكين، نا زهير) بن معاوية، (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم، (عن جابر قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فمطرنا، فقال رسول الله - ﷺ -: ليصل من شاء منكم في رحله) فأباح رسول الله - ﷺ - التخلف عن الجماعة لعذر المطر، والغرض بإيراد هذا الحديث تضعيف رواية ابن إسحاق في قوله: \"في المدينة\".\n١٠٦٦ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل) بن علية، (أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي) هو ابن دينار، وثقه أحمد وابن معين، (نا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين) قال في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ترجمة عبد الله بن الحارث: هو أبو الوليد البصري نسيب ابن سيرين وختنه، قال سليمان بن حرب: كان ابن عم ابن سيرين ثقة، وتعقب ذلك الدمياطي قال: بل هو ختنه، وهو كما قال، لكن ما المانع أن يكون ابن عمه من الأم، أو من الرضاع؟، فلا يتخالف القولان، انتهى، قلت: ولعله ثبت عندهم أنه لم يكن ابن عمه من جانب الأب.\n(أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير) أي ذي مطر: (إذا قلت: أشهد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٨١).","vol":"5","page":51},{"text":"مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا تَقُلْ: حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ (١): صَلُّوا فِى بُيُوتِكُمْ،\n===\nأن محمدًا رسول الله) أي إذا فرغت من قولك هذا، (فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم) وهذا الحديث يخالف ما تقدم من حديث ابن عمر، فإنه يدلس على أن هذه الكلمة ينادى بها بعد الفراغ من الأذان، وهذا يدل على أن هذه الكلمة ينادى بها في أثناء الأذان، وعلى هذا اختلف العلماء في الكلام في أثناء الأذان بغير ألفاظه.\nقال الحافظ (٢): وحكى ابن المنذر الجواز مطلقًا عن عروة وعطاء والحسن وقتادة، وبه قال أحمد، وعن النخعي وابن سيرين والأوزاعي: الكراهة، وعن الثوري [المنع]، وعن أبي حنيفة وصاحبيه: أنه خلاف الأولى، وعليه يدل كلام مالك والشافعي، وعن إسحاق بن راهويه: يكره إلَّا إذا كان فيما يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر لظاهر حديث ابن عباس المذكور في الباب، وقد نازع في ذلك الداودي فقال: لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان، بالقول المذكور مشروع من جملة الأذان في ذلك المحل، انتهى.\nقلت: قال في \"مراقي الفلاح\" (٣): ويكره الكلام في خلال الأذان، ولو بِرَدِّ السلام، وقال محشيه الطحطاوي: لأنه ذكرٌ مُعَظَّم كالخطبة، والكلام يُخِلُّ بالتعظيم، ويغير النظم المسنون، انتهى.\nقال الحافظ (٤): قال النووي: إنَّ هذه الكلمة تقال في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر أنها تقال بعده، قال: والأمران جائزان كما نص\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وقيل\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٧).\n(٣) (ص ١٣٤).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٨).","vol":"5","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعليه الشافعي، لكن بعده أحسن، ليتم نظم الأذان، قال: ومن أصحابنا من يقول: لا يقوله إلَّا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس، انتهى.\nوكلامه يدل على أنها تزاد مطلقًا، إما في أثنائه، وإما بعده، لا أنها بدل من \"حي على الصلاة\" انتهى.\nقلت: وهذا مخالف لصريح ما رواه إسماعيل عند أبي داود، وفيه: \"فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم\"، قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في \"السعاية\" (١): قلت: الظاهر أن أصحابنا يكرهون الزيادة في أثناء الأذان، نعم يجوز بعده، ولكن الأولى أن لا يفتى به في هذا الزمان لظهور التكاسل، وقلة رغبات الناس بالجماعة، وكثير من المسائل لا يفتى بها في هذا العصر، انتهى.\nوقال العيني في \"شرح البخاري\" (٢) بعد نقل كلام النووي: قلت: حديث ابن عباس لم يسلك مسلك الأذان، ألا ترى أنه قال: \"فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم\"، وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم للعذر، كما فعل في التثويب للأمراء وأصحاب الولايات، وذلك لأنه ورد في حديث ابن عمر أخرجه البخاري (٣)، وحديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" أنه إنما يقال بعد الفراغ من الأذان، انتهى.\nقلت: والذي عند هذا العبد الضعيف أن حديث ابن عمر صريح في أن هذا الكلام ينادى بها في زمان رسول الله - ﷺ - بعد الفراغ من الأذان عند العذر، كما تدل عليه الروايات، وأما حديث ابن عباس فليس بصريح في هذا الباب،\n_________\n(١) (٢/ ٢٥).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ١٨٠).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٦٣٢).","vol":"5","page":53},{"text":"فَكَأَنَّ (١) النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ، قَالَ (٢): قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ\n===\nوإنما فيه أن ابن عباس - ﵁ - قال بدل حي على الصلاة: صلوا في بيوتكم، ثم قال: فعل ذا من هو خير مني، وقوله: فعل ذا من هو خير مني لا يقتضي أن تكون المماثلة والاتحاد في جميع الأمور، ولعله يمكن أن تكون المماثلة في النداء بهذا القول، وأما إدخاله في أثناء الأذان بدل الحيعلتين، فلعله يكون ناشئًا من رأيه -﵁ -، فعلى هذا لا يستدل بذلك على إدخاله في أثناء الأذان، كيف! وقد أجمعوا على أن في الأذان ينادى بها، واختلفوا في إدخال هذه الكلمة في الأذان، هل يدخل في أثنائه، أو ينادى بها بعده، ولم يقل أحد منهم أن يترك الحيعلتين، ويدخل بها في أثنائه بدلهما، والله تعالى أعلم.\n(فكأنّ الناس استنكروا) أي أنكروا وعدُّوه منكرًا (ذلك) أي هذا الصنيع (قال) ابن عباس: (قد فعل ذا) أي هذا الصنيع (من هو خير مني) أي رسول الله - ﷺ -، وفي رواية \"البخاري\" (٣): \"من هو خير منه\"، وللكشميهني \"منهم\"، قال الحافظ (٤): ومعنى رواية الباب من هو خير من المؤذن، يعني فعله مؤذن رسول الله - ﷺ -، وهو خير من هذا المؤذن.\nقلت: ويمكن أن يقال: إن ضمير الغائب إلى ابن عباس وجعل نفسه غائبًا، قال الحافظ: أما رواية الكشميهني ففيها نظر، لعل من أذّن كان جماعة إن كانت محفوظة، أو أراد جنس المؤذنين، أو أراد: خير من المنكرين.\n(إن الجمعة عزمة) بسكون الزاي، ضد الرخصة، أي واجبة، لكن سقط وجوب السعي والحضور لعذر المطر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: وكأن الناس\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٦١٦).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٩).","vol":"5","page":54},{"text":"وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ في الطِّينِ وَالْمَطَرِ\". [خ ٦١٦، م ٦٩٩، جه ٩٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>(٢١٧) بَابُ الْجُمُعَةِ لِلْمَمْلُوكِ وَالْمَرْأَةِ</span>\n١٠٦٧ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُرَيْمٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ،\n===\n(وإني كرهت أن أحرجكم) بالحاء المهملة، وفي رواية بالخاء المعجمة، وفي رواية الحجي من طريق عاصم: \"إني أؤثمكم\" وهي ترجح رواية من رأى \"أحرجكم\" بالحاء المهملة، (فتمشون في الطين) أي الوحل (والمطر).\nومناسبة هذا الحديث بالباب ظاهرة، وكذلك مناسبة الأحاديث المتقدمة بالباب، وأما مناسبة الباب بأبواب الجمعة فبأن الجماعة مشتملة على صلاة الجمعة وغيرها.\n\n(٢١٧) (بَابُ الْجُمُعَةِ لِلْمُلُوكِ وَالْمَرْأَةِ)\n١٠٦٧ - (حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثني إسحاق بن منصور) السلولي، (نا هريم) مصغرًا، ابن سفيان البجلي، أبو محمد الكوفي، وثقه ابن معين وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، وقال الدارقطني: صدوق، وقال البزار: صالح الحديث ليس بالقوي، (عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر) بن الأجدع الهمداني الكوفي، ثقة، (عن قيس بن مسلم) الجدلي بجيم ودال مفتوحتين، العدواني، أبو عمر الكوفي، ثقة رمي بالإرجاء.\n(عن طارق بن شهاب) (١) بن عبد شمس البجلي الأحمسي، أبو عبد الله رأى النبي - ﷺ -، ويقال: إنه لم يسمع منه شيئًا، قال أبو حاتم: ليست له صحبة،\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٤٨٠) رقم (٢٥٩٤).","vol":"5","page":55},{"text":"عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِى جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِىٌّ أَوْ مَرِيضٌ». [ك ١/ ٢٨٨، ق ٣/ ١٧٢]\n===\nوالحديث الذي رواه مرسل، وإذا ثبت أنه لقي النبي - ﷺ - فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه - ﷺ - مرسل صحابي (١)، وهو مقبول على الراجح (٢) (عن النبي - ﷺ - قال: الجمعة) أي صلاتها (حق واجب (٣) على كل مسلم في جماعة إلَّا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض).\nعند الحنفية لوجوب الجمعة ستة شرائط: العقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والإقامة، وصحة البدن، فلا تجب الجمعة على المجانين، والصبيان، ولا على العبيد إلَّا بإذن مواليهم، والنساء، والمسافرين، والمرضى.\nأما الحرية فلأن منافع العبد مملوكة لمولاه إلَّا فيما استثنى، وهو أداء الصلوات الخمس على طريق الانفراد لما في الحضور إلى الجماعة، وانتظار الإِمام والقوم من تعطيل كثير من المنافع على المولى، ولذا لا يجب عليه الحج ولا الجهاد، وهذا المعنى موجود في السعي إلى الجمعة، وانتظار الإِمام والقوم، فسقطت عنه الجمعة.\nوأما الإقامة فلأن المسافر يحتاج إلى دخول المصر وانتظار الإِمام والقوم، فيتخلف عن القافلة، فيلحقه الحرج.\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (٢/ ١٩٩).\n(٢) قلت: صرح ابن الأثير في \"جامح الأصول\" (٥/ ٦٦٢) بسماعه من النبي - ﷺ -، حيث قال: رأى النبي ﵇، وليس له سماع منه إلَّا شاذًا، ويؤيد هذا القول النووي في \"التهذيب\" (١/ ٢٥١): صحابي، أدرك الجاهلية وصحب النبي ﵇، وعقد له المزي في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٦٤) رقم (٤٩٨١) مسندًا وذكر له عدة أحاديث، كما في \"الجوهر النقي\" (٣/ ١٧٣).\n(٣) قال الشعراني في \"ميزانه\" (٢/ ١٦٤): قول الأئمة: إنها لا تجب على صبي، ولا عبد، ولا مسافر، ولا امرأة إلَّا في رواية لأحمد في العبد خاصة، وقال داود: تجب. (ش).","vol":"5","page":56},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَدْ رَأَى النَّبِىَّ -ﷺ- (١) وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>(٢١٨) بَابُ الْجُمُعَةِ في الْقُرَى </span>(٢)\n===\nوأما المريض فلأنه عاجز عن الحضور، أو يلحقه الحرج في الحضور.\nوأما المرأة فلأنها مشغولة بخدمة الزوج، ممنوعة عن الخروج إلى محافل الرجال، لكون الخروج سببًا إلى الفتنة، ولهذا لا جماعة عليهن أيضًا.\nوأما الأعمى فأجمعوا على أنه إذا لم يجد قائدًا لا تجب عليه، وأما إذا وجد قائدًا بطريق التبرع، أو بالاستيجار فكذلك في قول أبي حنيفة، لأن عنده القادر بقدرة الغير غير قادر، وفي قول أبي يوسف ومحمد يجب، فعندهما القادر بقدرة الغير قادر.\nوأما الصبي والمجنون فليسا من أهل الوجوب، فصلاة الصبي إذا صلَّى تكون تطوعًا، ولا صلاة لمجنون رأسًا \"ملخص من البدائع\" (٣).\n(قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي، ولم يسمع منه شيئًا) فعلى هذا الحديث مرسل صحابي، وهو حجة، وقد تقدم.\n\n(٢١٨) (بَابُ الْجُمُعَةِ في القُرَى)\nأي حكم الجمعة في القرى، فتجب على أهل القرى أن يجمعوا فيها\nوالقرى جمع قرية على غير قياس، قال الجوهري: لأن ما كان على فعلة بفتح الفاء من المعتل، فجمعه ممدود مثل ركوة وركاء، وظبية وظباء، فجاء قرى مخالفًا لبابه لا يقاس عليه، والنسبة إليها قروي.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وهو يُعَدُّ من أصحاب النبي - ﷺ -\".\n(٢) زاد في نسخة: \"والمدن\".\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٨١ - ٥٨٢).","vol":"5","page":57},{"text":"١٠٦٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِىُّ لَفْظُهُ قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِى الإِسْلَامِ، بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ، لَجُمُعَةٌ جُمِّعَتْ بِجُوَاثَى:\n===\nوقال ابن الأثير (١): القرية من المساكن والأبنية والضياع، وقد تطلق على المدن، وقال صاحب \"المطالع\": القرية المدينة، وكل مدينة قرية لاجتماع الناس فيها، من قريت الماء في الحوض.\n١٠٦٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله) بن المبارك (المخرمي) بمعجمة وتثقيل راء (لفظه) خبر لمبتدأ محذوف، أي لفظ الحديث لفظ محمد بن عبد الله (قالا: نا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي جمرة) نصر بن عمران الضبعي (عن ابن عباس) هكذا رواه الحفاظ من أصحاب إبراهيم بن طهمان عنه، وخالفهم المعافى بن عمران، فقال: عن ابن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة أخرجه النسائي (٢)، وهو خطأ من المعافى، ومن ثم تكلم محمد بن عبد الله بن عمار في إبراهيم بن طهمان، ولا ذنب له فيه كما قاله صالح جزرة، وإنما الخطأ في إسناده من المعافى، ويحتمل (٣) أن يكون لإبراهيم فيه إسنادان.\n(قال) أي ابن عباس: (إن أول جمعة جُمِّعت) على بناء المفعول من التفعيل (في الإِسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله - ﷺ - بالمدينة) ووقع في رواية المعافى بمكة، وهو خطأ بلا مرية، الجمعة جمعت بجواثى) بضم الجيم، وتخفيف الواو، بالثاء المثلثة وبالقصر، ومنهم من يهمزها\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (٤/ ٥٦).\n(٢) رواه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٥٨) رقم (١٦٦٧) وذكره المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ١٤٤) رقم) (١٤٣٦٠).\n(٣) هكذا ذكره العيني (٥/ ٣٩) احتمالًا. (ش).","vol":"5","page":58},{"text":"قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ\". قَالَ عُثْمَانُ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى عَبْدِ الْقَيْسِ. [خ ٨٩٢، ق ٣/ ١٧٦، خزيمة ١٧٢٥]\n===\n(قرية من قرى البحرين) هكذا يتلفظ بها في حال الرفع والنصب والجر، ولم يُسْمَعْ على لفظ المرفوع من أحد منهم إلَّا أن الزمخشري حكى أنه بلفظ التثنية، فيقولون: هذه البحران، وانتهينا إلى البحرين، وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان.\n(قال عثمان) بن أبي شيبة: (قرية من قرى عبد القيس) أشار المصنف إلى الفرق بين لفظ عثمان والمخرمي، فإن في لفظ المخرمي نسبة إلى المملكة، وفي لفظ عثمان نسبة إلى القبيلة، فإن عبد القيس علم لقبيلة كانوا ينزلون بالبحرين.\nاستدل الشافعية بهذا الحديث على أنّ الجمعة تقام في القرية، قلنا: لا نسلم أنها قرية، بل هي مدينة، حكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أنها مدينة، وقال أبو عبيد البكري هي مدينة بالبحرين لعبد القيس، قال امرؤ القيس:\nورحنا كأنا من جواثى عشية نعالي ... (١) النعاج بين عدل ومحقب\nيريد كأنا من تجار جواثى، لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة أمتعة تجار جواثي.\nقلت: كثرة الأمتعة تدل غالبًا على كثرة التجار، وكثرة التجار تدل على أن جواثى مدينة قطعًا، لأن القرية لا يكون فيها (٢) تجار كثيرون غالبًا عادة، قيل: كان يسكن فيها فوق أربعة آلاف نفس، والقرية لا تكون كذلك، وإطلاق القرية عليها كإطلاق القرية على المدينة في القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٣) يعني مكة وطائف، وكما في قوله\n_________\n(١) وفي الأصل: \"تعالى\" وهو تحريف، والصواب: \"نعالي\" كما في \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٩). وانظر: \"ديوان امرؤ القيس\" (ص ٥٤).\n(٢) وفي الأصل: \"فيه\" وهو تحريف، والصواب: \"فيها\".\n(٣) سورة الزخرف: الآية ٣١.","vol":"5","page":59},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nتعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (١) وهي مصر، وكما في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ (٢).\nوقال صاحب \"معجم البلدان\" (٣): جواثى: بالضم وبين الألفين ثاء مثلثة يمد ويقصر، وهو علم مرتجل: حصن لعبد القيس بالبحرين، فتحه العلاء بن الحضرمي في أيام أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - سنة ١٢ هـ (٤) عنوة، وقال ابن الأعرابي: جواثى مدينة الخط، والمُشقَّرُ (٥). مدينة هَجَرَ.\nولئن سلمنا أنها قرية فليس في الحديث أنه - ﷺ - اطلع على ذلك، وأقرهم عليه، وقولهم الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلَّا بأمر النبي - ﷺ - لا يكفيهم في معرض الاستدلال.\nواختلف العلماء في الموضح الذي تقام فيه الجمعة، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا، لأنهم في حكم المسافرين، وقال الشافعي وأحمد: كل قرية فيها أربعون رجلًا أحرارًا بالغين عقلاء مقيمين بها لا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاء إلَّا ظعن حاجة، فالجمعة واجبة عليهم، سواء كان البناء من خشب أو حجر، أو طين، أو قصب، أو غيرها، بشرط أن تكون الأبنية مجتمعة، فإن كانت متفرقة لم تصح.\nوأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعه شتاء أو صيفًا لم تصح\n_________\n(١) سورة يوسف: الآية ٨٢.\n(٢) سورة محمد: الآية ١٣.\n(٣) \"معجم البلدان\" (٢/ ١٧٤).\n(٤) هكذا في \"معجم البلدان\" (٢/ ١٧٤)، ويشكل عليه أنه إذا فتحت في زمن الصديق فكيف الجمعة فيها بإذنه - ﷺ - كما ادعته الشافعية، والجواب أن تجميعهم هذا كان بعد رجوع وفدهم كما سيأتي قريبًا. (ش).\n(٥) وفي الأصل: \"الشفر\" بالفاء وهو تحريف.","vol":"5","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالجمعة بلا خلاف، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفًا وهي مجتمعة بعضها إلى بعض ففيه قولان: أصحهما: لا تجب عليهم الجمعة، ولا تصح منهم، وبه قال مالك، والثاني: تجب عليهم وتصح منهم، وبه قال أحمد وداود.\nومذهب أبي حنيفة لا تصح الجمعة إلَّا في مصر جامع، أو في مصلَّى العصر، ولا تجوز في القرى، وتجوز في مني إذا كان الأمير أمير الحاج، أو كان الخليفة مسافرًا، وقال محمد: لا جمعة بمنى، ولا تصح بعرفات في قولهم جميعًا.\nوقال أبو بكر الرازي في كتابه \"الأحكام\" (١): اتفق علماء (٢) الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره، لأنهم مجتمعون (٣) على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمعون.\nواستدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤): أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: \"لا جمعة ولا تشريق إلَّا في مصر جامع\"، ورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٥).: حدثنا عباد بن العوام، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي -﵁ - قال: \"لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر، ولا أضحى إلَّا في مصر جامع، أو مدينة عظيمة\"، وروى أيضًا بسند صحيح: حدثنا جرير، عن منصور، عن طلحة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن أنه قال: قال علي - ﵁ -: \"لا جمعة ولا تشريق إلَّا في مصر جامع\".\n_________\n(١) \"أحكام القرآن\" (٣/ ٤٤٥).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"الأحكام\": \"فقهاء الأمصار\".\n(٣) وفي \"الأحكام\": \"مجمعون\".\n(٤) \"مصنف عبد الرزاق\" (٥١٧٥، ٥١٧٦).\n(٥) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٠١).","vol":"5","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن قلت: قال النووي: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهو موقوف عليه بسند ضعيف منقطع؟ قلت: كأنه لم يطلع إلَّا على الأثر الذي فيه حجاج بن أرطاة، ولم يطلع على طريق جرير عن منصور فإنه سند صحيح، ولو اطلع لم يقل ما قاله، وأما قوله: متفق على ضعفه فزيادة من عنده فلا يدرى من سلفه في ذلك، على أن أبا زيد زعم في \"الأسرار\" أن محمد بن الحسن قال: رواه مرفوعًا معاذ وسراقة بن مالك (١).\nقلت: قال الحافظ في \"الدراية\" (٢): روى عبد الرزاق عن علي موقوفًا \"لا تشريق ولا جمعة إلَّا في مصر جامع\"، وإسناده صحيح.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): واحتجوا بما روي عن علي ﵇ مرفوعًا: \"لاجمعة ولا تشريق إلَّا في مصر جامع\"، وقد ضعف أحمد رفعه، وصحح ابن حزم وقفه.\nأما استدلال الشافعية بحديث جواثى فغير مستقيم، بل الحق ما قاله الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (٤) بعد نقل هذا الأثر: إن هذا الأثر يستفاد منه أن الجمعة تخص بالمدن كالمدينة وجواثى، ولا تجوز في القرى، وقال في تعليقه: قوله: إن الجمعة تخص بالمدن: قلت: لأن الجمعة فرضت بمكة قبل نزول \"سورة الجمعة\" على ما قاله الشيخ أبو حامد والعلامة السيوطي في \"الإتقان\" ورسالته \"ضوء الشمعة\"، والشيخ ابن حجر المكي في \"شرح المنهاج\" والشوكاني في \"النيل\" (٥)، وهو الأصح خلافًا للحافظ ابن حجر، ولم يتمكن النبي - ﷺ - من إقامتها هناك فصلَّى أول جمعة بالمدينة حين قدم، وإن أهل جواثى\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٤١).\n(٢) انظر: \"الدراية\" (١/ ٢١٤).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥١٤).\n(٤) \"آثار السنن\" (٢/ ٨٧).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥١٠).","vol":"5","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، كما قاله الحافظ في \"الفتح\"، وقدومهم إنما كان بعد تحريم الخمر، بل بعد فريضة الحج على ما تقتضيه رواية أحمد عن ابن عباس في قصة وفد عبد القيس بذكر الحج، وفرض الحج كان سنة ست من الهجرة على الأصح، وعلى قول الواقدي أن قدومهم كان سنة ثمان قبل فتح مكة، وفي أثناء هذه المدة كان الإِسلام قد انتشر في أكثر القرى، وكثير من أهلها لا يشهدون الجمعة بالمدينة، ولو كانت الجمعة جائزة في القرى لأقيمت في قريتهم قبل جواثى، انتهى.\nقلت: وأصرح من ذلك أن رسول الله - ﷺ - لما هاجر إلى المدينة أقام في قباء (وهي قرية قرب المدينة، قال يعقوب (١) بن عبد الله في \"معجم البلدان\" (٢): قباء: بالضم، وأصله اسم بئر هناك عرفت القرية بها، وهي مساكن بني عمرو بن عوف) أربعة عشر يومًا أو أربعة وعشرين كما في \"البخاري\" على اختلاف نسخها، ووقعت الجمعة في أثنائها، ولم يثبت أن رسول الله - ﷺ - صلى فيها الجمعة، ولم يأمرهم أن يجمعوا فيها، وسار يوم الجمعة يريد المدينة، فجمع في مسجد بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وهي محلة من المدينة، فكانت أول جمعة جمعت في الإِسلام.\nفثبت بهذا أن رسول الله - ﷺ - لم يصل الجمعة في القرى، ولم يأمر بها فيها، فعلم بهذا أن القرى ليس محل إقامة الجمعة، كما أن البراري ليس محل إقامتها، وقد ثبت برواية \"مسلم\" (٣) أن رسول الله - ﷺ - لما وقف بعرفات في حجة الوداع يوم الجمعة لم يصل الجمعة فيها، بل صلَّى فيها الظهر.\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: ياقوت.\n(٢) انظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٣٠١).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٢١٨).","vol":"5","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n١ - فإن قلت: عن أبي هريرة: أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة، فكتب جمعوا حيث ما كنتم، رواه أبو بكر بن أبي شيبة (١) وسعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي وقال: إسناده حسن.\n٢ - وروى الدارقطني (٢) بإسناده عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلَّا أربعة\"، وزاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي - ﷺ - ثلاثة.\n٣ - وفي \"المصنف\" (٣)، عن مالك: كان أصحاب النبي - ﷺ - في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون.\n٤ - وروى أبو داود (٤) بسنده عن كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات، قلت: كم كنتم يومئذ؟، قال: أربعون.\n٥ - وفي \"المعرفة\": (٥). قال الزهري: لما بعث النبي - ﷺ - مصعب بن عمير إلى المدينة ليقرئهم القرآن، جمع بهم وهم اثنا عشر رجلًا، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله - ﷺ -.\n٦ - وعن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز - ﵁ -\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١١).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٨).\n(٣) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٠٢).\n(٤) \"سنن أبي داود\" (١٠٦٩).\n(٥) \"معرفة السنن والآثار\" (٢/ ٤٦٤) رقم (١٦٦٩).","vol":"5","page":64},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإلى عدي بن عدي: أما أهل قرية ليسوا بأهل عمود، فأمر عليهم أميرًا يجمع بهم، رواه البيهقي (١) (٢).\nقلت: الجواب عن الأول: معناه جمعوا حيث ما كنتم من الأمصار، وقد خصه الشافعية بالقرية التي فيها أربعون رجلًا، ونحن نخص بالأمصار، ألا ترى أنه لا تجوز في البراري بالاتفاق.\nوعن الثاني: أن رواته كلهم عن الزهري متروكون، ولا يصح سماع الزهري عن الدوسية، قلت: وشرحه ما قال صاحب \"التعليق المغني على الدارقطني\" (٣) حديث أم عبد الله الدوسية أخرجه المؤلف بثلاث طرق.\nففي الأولى منها: معاوية بن يحيى الدمشقي أبو روح، قال ابن عدي: عامة رواياته فيها نظر، وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال أبو حاتم والنسائي وأبو داود: ضعيف الحديث، وأما معاوية بن سعيد التجيبي، فلا نعلم فيه جرحًا إلَّا قول الدارقطني في حق الوليد بن محمد ولا يصح هذا عن الزهري، كل من رواه عنه متروك، فيشمل في هذا العموم معاوية بن سعيد أيضًا، لكن لا يخلو هذا عن بعد.\nوفي الثانية: الوليد بن محمد المُوَقَّرِي، قال الدارقطني: متروك، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وكذبه يحيى بن معين، وقال النسائي: متروك الحديث.\nوفي الثالثة: الحكم بن عبد الله بن سعد، قال الدارقطني: متروك، وكذا النسائي وجماعة، وقال البخاري: تركوه.\n_________\n(١) وحديث عبد عثمان إذ صلَّى- أميرًا على الربذة- مع عشرة من الصحابة الجمعة بالربذة، أجاب عنه الحلبي بأنها صارت مدينة إذ ذاك. (ش).\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٩).\n(٣) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٧).","vol":"5","page":65},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: قال الذهبي في \"الميزان\" (١): كان ابن المبارك شديد الحمل عليه، وقال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال السعدي وأبو حاتم: كذاب، وقال النسائي والدارقطني وجماعة: متروك الحديث، انتهى.\nثم قال: ومدار الإسناد كله على الزهري ولم يثبت سماعه عن أم عبد الله الدوسية، فالحديث مع ضعف رواته منقطع أيضًا فلا ينتهض للاحتجاج به، انتهى.\nوعن الثالث: بأنه ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القرى، قلت: ومع هذا في إسناده انقطاع.\nوعن الرابع: وفيه محمد بن إسحاق، قال البيهقي (٢): الحفاظ يتوقون ما ينفرد به محمد بن إسحاق، وهنا قد تفرد به، قلت: ومع هذا فكان تجميعهم هذا من قبل رأيهم (٣) من قبل أن تشرع الجمعة بأمر النبي - ﷺ - كما يدل عليه مرسل ابن سيرين، رواه عبد الرزاق (٤) بإسناد صحيح ولفظه: قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله - ﷺ - وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلم لنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر الله تعالى، ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلَّى بهم يومئذ، الحديث.\nثم لو سلم صحة هذا الحديث وتجميعهم بالنص، فهزم النبيت ليس خارج المدينة بل هو داخل فيها.\n_________\n(١) انظر: \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٥٧٢).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٨٧).\n(٣) وبهذا أجاب الزيلعي على \"الكنز\". (ش).\n(٤) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ١٥٩) ح (٥١٤٤).","vol":"5","page":66},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفقد قال صاحب \"معجم البلدان\" (١) في لفظ الهزم: بالفتح ثم السكون، والهزم: مما اطمأن من الأرض، جرى في هذا المكان بحث وتفتيش وسؤال، وقد اقتضى أن أذكره ها هنا، وذلك أن بعض أهل العصر زعم أنه نقل عن أسعد بن زرارة أنه جمع بأهل المدينة قبل مقدم رسول الله - ﷺ - في أول جمعة في هزم بني النبيت، فطلبنا نقل ذلك من المسانيد، فوجدنا في \"معجم الطبراني\" (٢) بإسناده مرفوعًا إلى محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت يومًا قائدًا لأبي حين كف بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه! رأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان بالجمعة، فقال: يا بني! أسعد أول من جمَّع بنا بالمدينة قبل مقدم النبي - ﷺ - في هزم من حرة بني بياضة في نقيع الخضمات، فقلت: كم كنتم يومئذ؟ فقال: أربعون رجلًا.\nوفي \"كتاب الصحابة\" (٣) لأبي نعيم الحافظ بإسناده إلى محمد بن إسحاق، ثم بإسناده إلى كعب بن مالك، وفيه فقال: يا بني! إنه كان أول من جَمَّع لنا الجمعة بالمدينة في هزم من حرة بني بياضة في نقيع، يقال له: الخضمات.\nوفي كتاب \"معرفة الصحابة\" لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده رفعه إلى محمد بن إسحاق إلى آخر السند، ولفظه: فقال: أي بُني كان أسعد بن زرارة أول من جمع بالمدينة قبل مقدم النبي - ﷺ - في هزم من حرة بني بياضة في نقيع الخضمات.\n_________\n(١) \"معجم البلدان\" (٥/ ٤٠٤).\n(٢) \"المعجم الكبير\" (١/ ٣٠٥ رقم ٩٠٠) و(١٩/ ٩١ رقم ١٧٦).\n(٣) \"معرفة الصحابة\" (٢/ ٣٠٠).","vol":"5","page":67},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفي كتاب \"الاستيعاب\" (١) لابن عبد البر: أن أسعد بن زرارة كان أول من جمع بالمدينة في هزمة من حرة بني بياضة يقال لها: نقيع الخضمات، انتهى.\nفهذا يدل صريحًا على أن هزم النبيت هو في المدينة.\nوعن الخامس: أن النبي - ﷺ - لم يأمرهم بذلك، ولا أقرهم عليه، ولو سلم فهو واقعة المدينة، وهي ليست بقرية بلا خلاف.\nوعن السادس: أن قول عمر بن عبد العزيز رواه البيهقي (٢) من طرق، ففي الأول: إبراهيم بن محمد الأسلمي، قال في \"التهذيب\" (٣): قال القطان: سألت مالكًا عنه أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان قدريًا معتزليًا جهميًا كل بلاء فيه، قال أبو طالب عن أحمد: لا يكتب حديثه، ترك الناس حديثه، كان يروي أحاديث منكرة لا أصل لها، وكان يأخذ أحاديث الناس يضعها في كتبه، وقال بشر بن المفضل: سألت فقهاء أهل المدينة عنه فكلهم يقولون: كذاب، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: كذاب، وقال المعيطي عن يحيى بن سعيد: كنا نتهمه بالكذب، إلى آخر ما قال الحافظ في \"تهذيبه\" تحت ترجمته.\nوفي الثاني: أخبرني الثقة، وهو ليس بحجة، عن سليمان بن موسى هو الأشدق متكلم فيه.\nوفي الثالث: أتانا كتاب عمر وهو خلاف، وفي سنده أبو نعيم الحربي، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال الحاكم أبو أحمد: حدث بأحاديث لا يتابع عليها، ورواه عنه سعيد الحلبي لم أعرف حاله.\n_________\n(١) \"الاسيعاب\" (١/ ٨٤).\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٨).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٥٨).","vol":"5","page":68},{"text":"١٠٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ (١)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ - عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَحَّمْتَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ؟\n===\nوالطريق الرابع كتاب أيضًا، وفي سنده معاوية بن صالح، كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وقال الرازي: لا يحتج به، وقال الأزدي: ضعيف، ثم فيه ذكر الخمسين، وفيه دليل على اضطراب رأي عمر بن عبد العزيز في ذلك، ثم لو صح ذلك وسلم من الاضطراب، فرأي عمر ليس بحجة، والله تعالى أعلم (٢).\n١٠٦٩ - (حدثنا قتيبة (٣) بن سعيد، نا ابن إدريس) لم أجده صريحًا في شيء من الكتب، والغالب على الظن أنه عبد الله بن إدريس الأودي (٤) (عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل) بن حنيف، (عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكان) عبد الرحمن (قائد أبيه) كعب (بعد ما ذهب بصره) أي عَمِيَ (عن أبيه كعب بن مالك: أنه) أي كعب بن مالك (كان إذا سمع النداء يوم الجمعة) أي أذان الجمعة (ترحم) أي دعا بالرحمة (لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة) فما وجهه؟ .\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سهل بن حنيف\".\n(٢) انظر: \"أوثق العرى في تحقيق الجمعة في القرى\" للشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهى، و\"أحسن القرى\" للشيخ محمود حسن الديوبندي.\n(٣) واستدل صاحب \"الروض المربع\" (١/ ٢٨٩) بهذا الحديث على جوازها في صحراء قرب الملدة، لأنها على ميل من المدينة المنورة. (ش).\n(٤) قلت: جزم به العيني في \"شرح أبي داود\" (٤/ ٣٩٤)، وذكره المزي في \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٨٦) رقم (٣١٤٧)، وصرح بأنه روى عن محمد بن إسحاق.","vol":"5","page":69},{"text":"قَالَ: لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِى هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِى بَيَاضَةَ فِى نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ، قُلْتُ (١): كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:\n===\n(قال) كعب: (لأنه) أي أسعد بن زرارة (أول من جمع بنا) أي صلَّى الجمعة بنا (في هزم النبيت) الهزم (٢) بفتح الهاء، وسكون الزاي، بعدها ميم، موضع بالمدينة، والنبيت (٣) بفتح النون، وكسر الباء الموحدة، بعدها التحتانية، وفي آخره تاء مثناة من فوق، وهي حي من اليمن.\n(من حرة) الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار، وقال أبو عمرو: تكون الحرة مستديرة فإذا كان فيها شيء مستطيل ليس بواسع فذلك الكراع واللابة والحرة بمعنى، والحرار في بلاد العرب كثيرة، أكثرها حوالي المدينة (٤) إلى الشام، كذا في \"معجم البلدان\" (٥)، وقال العيني (٦): الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء قرية على ميل من المدينة (بني بياضة) وبنو بياضة بطن من الأنصار منهم سلمة بن صخر البياضي له صحبة.\n(في نقيع) بفتح النون وكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره عين مهملة، بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة فإذا نضب الماء أنبت الكلأ (يقال له: نقيع الخضمات) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، قال ابن الأثير (٧): نقيع الخضمات موضع بنواحي المدينة، وكذا في \"اللسان\".\n(قلت) وهذا قول عبد الرحمن لأبيه كعب: (كم أنتم يومئذ؟ قال)\n===\n(١) في نسخة: \"فقلت\".\n(٢) أصل الهزم: \"المنخفض من الأرض\". (ش).\n(٣) اسم أبي حي من اليمن، كذا في \"المنهل\" (٦/ ٢١٩). (ش).\n(٤) ولا يصح الاستدلال به على الجمعة في القرى، كما تقدم قريبًا. (ش).\n(٥) \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٤٥).\n(٦) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٤٢).\n(٧) انظر: \"النهاية\" (٢/ ٤٤).","vol":"5","page":70},{"text":"أَرَبْعُونَ\". [جه ١٠٨٢، ق ٣/ ١٧٧، ك ١/ ٢٨١، قط ٢/ ٥]\n\n(٢١٩) بَابٌ إِذَا وَافَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ (١) يَوْمَ عِيدٍ\n١٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِى رَمْلَةَ الشَّامِىِّ قَالَ: شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ وَهُوَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، قَالَ: أَشَهِدْتَ (٢) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِى يَوْمٍ (٣)؟\n===\nأي كعب: (أربعون) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>(٢١٩) (بَابٌ إِذَا وَافَقَ يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدٍ) </span>فما حكم الصلاة فيه؟\n١٠٧٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا إسرائيل) بن يونس، (نا عثمان بن المغيرة) الثقفي مولاهم، أبو المغيرة الكوفي، وهو عثمان الأعشى، وهو عثمان بن أبي زرعة، ثقة، (عن إياس بن أبي رملة الشامي) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن المنذر: مجهول، قال ابن القطان: هو كما قال.\n(قال) إياس: (شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو) الواو للحال، والضمير إلى معاوية، (يسأل زيد بن أرقم، قال) معاوية لزيد: (أشهدت) الهمزة للاستفهام (مع رسول الله - ﷺ - عيدين) أي العيد والجمعة (اجتمعا في يوم؟)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يوم جمعة\".\n(٢) وفي نسخة: \"هل شهدت\".\n(٣) وفي نسخة: \"يوم واحد\".\n(٤) قال الحافظ (٢/ ٤٢٣): واختلفوا في عدد من يصلى بهم الجمعة على خمسة عشر قولًا، ثم ذكرها، وفروع الشافعية والحنابلة على اشتراط أربعين مع الإِمام، كما في \"الأوجز\" (٢/ ٤٣٠)، وعند المالكية اثنا عشر رجلًا سوى الإِمام، كما في \"الشرح الكبير\" (١/ ٥٩٩)، وعندنا ثلاثة سوى الإِمام عند الإِمام أبي حنيفة ومعه عند صاحبيه كما في \"الهداية\" (١/ ٨٢)، وفي رواية لأحمد: خمسون رجلًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وقيل: لا تنعقد إلَّا بثمانين، كذا في \"المنهل\" (٦/ ٢١٩). (ش).","vol":"5","page":71},{"text":"قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ رَخَّصَ فِى الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّىَ فَلْيُصَلِّ». [ن ١٥٩١، جه ١٣١٠، حم ٤/ ٣٧٢، دي ١٦١٢، خزيمة ١٤٦٤، ك ١/ ٢٨٨]\n١٠٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِىُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ قَالَ: \"صَلَّى بِنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فِى يَوْمِ عِيدٍ فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوَّلَ النَّهَارِ،\n===\nواحد (قال) أي زيد: (نعم، قال) أي معاوية: (فكيف صنع) رسول الله - ﷺ -؟ (قال) زيد: (صلَّى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: من شاء أن يصلي) الجمعة (فليصل) أي ومن شاء أن يكتفي بصلاة العيد تكفيه لحضوره عن الجمعة.\nقال الذهبي في \"الميزان\" (١) في ترجمة إياس بن أبي رملة في حديث زيد بن أرقم حين سأله معاوية: قال ابن المنذر: لا يثبت هذا فإن إياسًا مجهول، وقال في \"الخلاصة\" و\"التقريب\": مجهول، وقال الأمير اليماني (٢): صححه ابن خزيمة، وقال الشوكاني (٣): صححه علي بن المديني، وفي إسناده إياس بن أبي رملة وهو مجهول.\nقلت: وصححه الحاكم في المستدرك (٤)، والذهبي في \"تلخيصه\"، والعجب منهم كيف صححوه، وفي إسناده إياس بن أبي رملة وهو مجهول أو مختلف فيه.\n١٠٧١ - (حدثنا محمد بن طريف) بن خليفة (البجلي) أبو جعفر الكوفي، صدوق، (نا أسباط) بن محمد، (عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح قال: صلَّى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار) ولعل هذه القصة\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٢٨٢).\n(٢) \"سبل السلام\" (٢/ ٥٢).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٧٧).\n(٤) انظر: \"المستدرك مع التلخيص\" (١/ ٢٨٨).","vol":"5","page":72},{"text":"ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ\". [ن ١٥٩٢، خزيمة ١٤٦٥]\n١٠٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: \"اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِى يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَجَمَعَهُمَا جَمِيعًا فَصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ\".\n===\nوقعت في مكة حين كان خليفة فيها، (ثم رحنا) أي قريبًا من الزوال (إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا) أي الظهر (وحدانًا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم) من الطائف (ذكرنا ذلك له، فقال) ابن عباس: (أصاب) ابن الزبير (السنة) قال الشوكاني (١): وفعل ابن الزبير وقول ابن عباس: أصاب السنة، رجاله رجال الصحيح.\n١٠٧٢ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: قال عطاء: اجتمع يوم جمعة وبوم فطر على عهد ابن الزبير) أي خلافته (فقال) ابن الزبير: (عيدان اجتمعا في يوم واحد) أي العيد والجمعة (فجمعهما) أي أداهما بجماعة (جميعًا فصلاهما ركعتين) هذا بيان لقوله: فجمعهما جميعًا، معناه أدى الجمعة والعيد في ركعتين (بكرة) أي قبل الزوال (لم يزد عليهما حتى صلى العصر) وهذا يقتضي سقوط الظهر أيضًا، لأن ظاهره أنه لم يصل الظهر.\nوفيه دليل على أن الجمعة إذا سقطت بوجه من الوجوه المسوغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظهر، وإليه ذهب عطاء حكي عنه ذلك في \"البحر\".\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٧٨).","vol":"5","page":73},{"text":"١٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى وَعُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْوَصَّابِىُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ مُغِيرَةَ الضَّبِّىِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «قَدِ اجْتَمَعَ فِى يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ»\n===\n١٠٧٣ - (حدثنا محمد بن المصفى) بن بهلول الحمصي القرشي، صدوق له أوهام، وكان يدلس، (وعمر بن حفص) بن عمر بن سعد بن مالك الحميري (الوصابي) بضم الواو بعدها مهملة خفيفة وموحدة، هكذا في \"التقريب\" (١)، وقال السمعاني (٢): بفتح الواو وتشديد الصاد المهملة، وفي آخرها الموحدة، هذه النسبة إلى وصاب، وهو من حمير، ونسبه وصاب بن سهل بن عمرو بن قيس إلى آخر النسب، وأخوه جيلان بن سهل، وإليه ينسب الجيلانيون، وهما قبيلتان من حِمْيَر نزلتا حمص، انتهى، ويقال: الأوصابي الحمصي، قال في \"التقريب\": مقبول، وقال في \"التهذيب\": قال ابن المواق: لا يعرف حاله.\n(المعنى، قالا: نا بقية) أي ابن الوليد، (نا شعبة، عن مغيرة الضبي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: قد اجتمع في يومكم هذا عيدان) أي الجمعة والعيد (فمن شاء أجزأه) أي يجعله كافيًا أي العيد والمراد صلاتها (من الجمعة) أي من صلاتها (وإنا مجمعون).\nقال الأمير اليماني (٣): والحديث دليل على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تفسير رخصة يجوز فعلها وتركها وهو خاص بمن صلى العيد\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (٧١٦).\n(٢) \"الأنساب\" (٥/ ٦٠٦).\n(٣) \"سبل السلام\" (٢/ ٥٢).","vol":"5","page":74},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nدون من لم يصلها، وإلى هذا ذهب الهادي (١) وجماعة إلَّا في حق الإِمام وثلاثة معه، وذهب عطاء إلى أنه يسقط فرضها عن الجميع من شاء أن يصلي فليصل، ولفعل ابن الزبير فإنه صلَّى بهم في يوم عيد صلاة العيد يوم الجمعة، قال عطاء: ثم جئنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا، فصلينا وحدانًا، قال: وكان ابن عباس في الطائف، فلما قدم ذكرنا له ذلك، فقال: أصاب السنَّة، وعنده أيضًا أنه يسقط فرض الظهر ولا يصلي إلَّا العصر.\nوأخرج أبو داود (٢) عن ابن الزبير أنه قال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما، فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما، حتى صلَّي العصر، وعلى القول بأن الجمعة الأصل في يومها، والظهر بدل، فهو يقتضي صحة هذا القول، لأنه إذا سقط وجوب الأصل مع إمكان أدائه سقط البدل، وظاهر الحديث أيضًا حيث رخص لهم في الجمعة، ولم يأمرهم بصلاة الظهر مع تقدير إسقاط الجمعة للظهر يدل على ذلك.\nوذهب الشافعي وجماعة إلى أنها لا تصير رخصة، مستدلين بأن دليل وجوبها عام لجميع الأيام، وما ذكر من الأحاديث والآثار لا يقوى على تخصيصها لما في أسانيدها من المقال، انتهى.\n_________\n(١) وحكي عن أحمد - ولم أجده في \"نيل المآرب\"-، وعن مالك: لا حق للإمام في الإذن من الفروض، وعندنا والشافعي الإذن لأهل العوالي، والبسط في \"الأوجز\" (٣/ ٦٢٢)، وفي \"المنهل\" (٦/ ٢٢٢): كذا عن الحنابلة إلا أنه قال: إلا الإِمام فلا تسقط عنه عندهم لقوله ﵇: إنما مجمعون، وللمالكية روايتان: فروى مطرف وغيره: الاكتفاء بالعيد عن الجمعة، وروى ابن القاسم عنه: أنه لا بد للجمعة، وهو مشهور المذهب وقول أبي حنيفة، وقال الشافعية: تجب على أهل البلد، وراجع: \"مشكل الآثار\" للطحاوي (٣/ ١٨٧ - ١٨٨). (ش).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (١٠٧٢).","vol":"5","page":75},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الإِمام الشافعي في \"الأم\" (١): (اجتماع العيدين) أخبرنا الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد، أنا إبراهيم بن عقبة، عن عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال: \"من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس من غير حرج\".\nأخبرنا الربيع، [أنا الشافعي]، أنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدتُ العيد مع عثمان بن عفان، فجاء فصلَّى، ثم انصرف، فخطب، فقال: \"إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان؛ فمن أَحَبَّ من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحَبَّ أن يرجع فليرجع، فقد أذنت له\".\nقال الشافعي: وإذا كان يوم الفطر يوم الجمعة، صلَّى الإِمام العيد حين تحل الصلاة، ثم أذن لمن حضره من غير أهل المصر [في] أن ينصرفوا، إن شاؤوا إلى أهليهم، ولا يعودون إلى الجمعة، والاختيار لهم أن يقيموا حتى يُجَمِّعُوا، أو يعودوا بعد انصرافهم إن قدروا حتى يجمعوا، وإن لم يفعلوا فلا حرج إن شاء الله.\nقال الشافعي: ولا يجوز هذا لأحد من أهل المصر، أن يَدَعوا أن يجمِّعوا إلَّا من عذر؛ يجوز لهم به ترك الجمعة، وإن كان يوم عيد، انتهى.\nثم أقول: كتب الشيخ مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه حضرة الشيخ مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي - رحمه الله تعالى- ما حاصله: أنه اتفق ذلك في عهد النبي - ﷺ - بأنه وافق يوم الجمعة يوم عيد، وكان أهل القرى يجتمعون لصلاة العيدين ما لا يجتمعون لغيرهما كما هو العادة في أكثر أهل القرى، وكان في انتظارهم الجمعة بعد الفراغ من صلاة العيد حرج على أهل القرى، فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من صلاة العيد نادى مناديه: من شاء منكم أن\n_________\n(١) (٢/ ٦٧).","vol":"5","page":76},{"text":"قَالَ عُمَرُ: عن شُعْبَةَ. [جه ١٣١١، ق ٣/ ٣١٨، ك ١/ ٢٨٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>(٢٢٠) بَابُ مَا يَقْرَأُ في صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ</span>\n١٠٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عُوَانَةَ، عن مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ،\n===\nيصلي فليصل، ومن شاء الرجوع فليرجع، وكان ذلك خطابًا لأهل القرى المجتمعين ثَمَّ، والقرينة على ذلك بأنه قد صرح فيه بأنا مُجَمِّعُون، والمراد فيه من جمع المتكلم أهل المدينة.\nفهذا يدل دلالة واضحة بأن الخطاب في قوله: \"من شاء منكم أن يصلي\" إلى أهل القرى لا إلى أهل المدينة، وأما ابن عباس وابن الزبير فكانا إذ ذاك صغيرين، غير أنهما سمعا المنادي والنداء بآذانهما، وإن لم يفهما ما أريد به، فأخر ابن الزبير صلاة العيد إلى ما قبل الزوال، وقدم الجمعة، ولعله كان يرى جواز تقديم الجمعة على وقت الزوال كما يراه آخرون، فصلَّى الجمعة، وأدخل فيها صلاة العيد، فلهذا لم يصل الظهر، كما يدل عليه ظاهر الرواية، ولما كان ابن عباس سمع بأذنه أيضًا ما نودي به في ذلك الوقت، قال فيه: إنه أصاب السنَّة، أي ما سمعته منه - ﷺ - من قوله: \"من شاء فليصل\". انتهى.\n(قال عمر: عن شعبة) غرض المصنف ﵀ بهذا الكلام بيان الفرق بين لفظ شيخيه محمد بن المصفى وعمر بن حفص بأن محمد بن المصفى قال: حدثنا شعبة، وقال عمر بن حفص: عن شعبة، بلفظ عن.\n\n(٢٢٠) (بَابُ مَا يَقْرَأُ في صَلَاةِ الصُّبْح يَوْمَ الْجُمُعَةِ)\n١٠٧٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن مخول) كمحمد وقيل كمحجن (ابن راشد) أبو راشد بن أبي المجالد الكوفي الحناط بمهملة ونون مشددة، وثقه ابن معين والنسائي، وقال العجلي: ثقة من غلاة الكوفيين، وقال الآجري عن أبي داود: شيعي، وليس له","vol":"5","page":77},{"text":"عن مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: \"تنزيل\" (١) السجدة وَ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ \". [م ٨٧٩، ت ٥٢٠، ن ٩٥٦، جه ٨٢١، حم ١/ ٣٢٨]\n١٠٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ، عن مُخَوَّلٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَزَادَ: \"في صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ \". [م ٨٧٩، حم ١/ ٢٢٦]\n===\nفي \"البخاري\" غير حديث واحد توبع عليه عنده (عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة \"تنزيل\" السجدة (٢) و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾) أي هاتين السورتين في ركعتيها.\n١٠٧٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن شعبة، عن مخول بإسناده) المتقدم (ومعناه) أي ومعنى حديث مخول المتقدم، (وزاد) أي على ما كان في الحديث المتقدم: (في صلاة الجمعة) أي ويقرأ في صلاة الجمعة (بسورة الجمعة، وَ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾).\nقلت: وقد روي عن بعض الصحابة في الجمعة قراءة سور أخرى، فعن النعمان بن بشير قال: كان يقرأ في العيدين، وفي الجمعة: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين، وعن سمرة بن جندب: كان\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بتنزيل السجدة\".\n(٢) أنكر ابن العربي (٢/ ٣٠٩) الدوام عليه، وحكي في \"المنهل\" (٦/ ٢٢٥) عن مالك عدة روايات: منها عن ابن القاسم كراهة تعمد سورة فيها سجدة، ومن لا يحسن سورة السجدة هل يقرأ غيرها من سور السجدة أم لا؟ مختلف عند الفقهاء، بسطه الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٧٨). (ش).","vol":"5","page":78},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيقرأ في الجمعة: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وفي بعضها: كان يقرأ يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.\nقال الشوكاني (١): وقد استدل بأحاديث الباب على أن السنَّة أن يقرأ الإِمام في صلاة الجمعة في الركعة الأولى: بالجمعة، وفي الثانية: بالمنافقين، أو في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وفي الثانية: بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، أو في الأولى: بالجمعة، وفي الثانية: بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، وقال أبو حنيفة وأصحابه ورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢) عن الحسن البصري أنه يقرأ الإِمام بما شاء، وقال ابن عيينة: إنه يكره أن يتعمد القراءة في الجمعة بما جاء عن النبي - ﷺ - لئلا يجعل ذلك من سننها وليس منها.\nقال ابن العربي (٣): وهو مذهب ابن مسعود، وحكى ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٤) عن أبي إسحاق المروزي مثل قول ابن عيينة، وحكي عن [ابن] أبي هريرة مثله، وخالفهم جمهور العلماء، وكذلك في الحديث الأول مشروعية قراءة \"تنزيل السجدة\" و\"هل أتاك\" (٥). في فجر يوم الجمعة.\nقال العراقي: وممن كان يفعله من الصحابة عبد الله بن عباس، ومن التابعين إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث، وكرهه مالك وآخرون، قال النووي (٦): وهم محجوجون بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة المروية من طرق.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٧٠).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٤٣).\n(٣) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٣١٠).\n(٤) \"الاستذكار\" (٥/ ١١٣).\n(٥) كذا في الأصل، وهو سبق قلم، والصواب: \"هل أتى على الإنسان\".\n(٦) انظر: \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٣/ ٤٣٤).","vol":"5","page":79},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومذهب الحنفية في ذلك ما قاله في \"الدر المختار\" وحاشيته (١): ويكره التعيين \"كالسجدة\" و\"هل أتى\" لصبح كل يوم جمعة، لأن الشارع إذا لم يعين عليه شيئًا تيسيرًا عليه كرهه أن يعين، وعلَّله في \"الهداية\" (٢) بقوله: لما فيه من هجر الباقي، وإيهام التفضيل بل يندب قراءتهما أحيانًا، وفي \"فتح القدير\" (٣): لأن مقتضى الدليل عدم المداومة، لا المداومة على العدم كما يفعله حنفية العصر، فيستحب أن يقرأ ذلك أحيانًا تبركًا بالمأثور، فإن لزوم الإيهام ينتفي بالترك أحيانًا، ولذا قالوا: السنَّة أن يقرأ في ركعتي الفجر بالكافرون والإخلاص، انتهى.\nوقال في \"مراقي الفلاح\" (٤): وروي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة: ﴿الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وقد ترك الحنفية إلا النادر منهم هذه السنَّة، ولازم عليه الشافعية إلَّا القليل، فظن جهلة المذهبين بطلان الصلاة بالفعل والترك، فلا ينبغي الترك ولا الملازمة دائمًا.\nوكتب مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: الأمر الجملي في ذلك أن ما ورد من قراءتها - ﷺ - لسور بعينها في أوقات كذلك فإنما المراد به قراءتها فيها أحيانًا، أو كثيرًا كثرة الوجود على العدم، أو كثرة في نفس الأمر لا بنسبة عدم قراءتها، وهذا هو المراد بقولهم، وليس في شيء من الصلوات قراءة بعينها أي بحيث لا تصح تلك الصلاة إلَّا بتلك القراءة من السور والآي، وأما استحباب قراءة بعض السور في بعض الصلوات، فلا ينكره أحد، انتهى.\n_________\n(١) \"رد المحتار\" (٢/ ٣٢٥).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٥٦).\n(٣) \"فتح القدير\" (١/ ٣٤٤).\n(٤) \"مراقي الفلاح\" (ص ١٧٦).","vol":"5","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>(٢٢١) بَابُ اللُّبْسِ لِلْجُمُعَةِ </span>(١)\n١٠٧٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ - يَعْنِى (٢) تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ،\n===\n\n(٢٢١) (بَابُ اللُّبْسِ) (٣) بضم اللام (للْجُمُعَةِ)\nوالمراد باللبس التجمل باللباس\n١٠٧٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب رأى حلة) بالضم، إزار ورداء بُرْدٌ أو غيره، ولا تكون حلة إلَّا من ثوبين أو ثوب له بطانة، قاله في \"القاموس\" (٤) (سيراء) بكسر سين وفتح ياء ومد، نوع من البرد يخالطه حرير كالسيور، فهو فعلاء من السير: القِدُّ، كذا يروى بالصفة، وقيل: بالإضافة وشرح بالحرير الصافي بمعنى حلة حرير، كذا في \"المجمع\" (٥). (يعني تباع عند باب المسجد) وفي رواية \"الصحيحين\" (٦): \"حلة من إستبرق تباع في السوق\".\n(فقال) عمر: (يا رسول الله، لو اشتريت هذه) أي الحلة (فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك) هكذا في \"البخاري\" وفي رواية: \"فتجمل بها للعيد والوفد\"، قال الحافظ (٧): وكلاهما صحيح، وكأنّ ابن عمر ذكرهما معًا،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يوم الجمعة\".\n(٢) وفي نسخة: \"عند باب المسجد يعني تباع\".\n(٣) والمراد التجمل، وهل يندب حلق شعره وتقليم أظفاره قبل الجمعة؟ الظاهر نعم، ويؤيده الروايات مع الكلام فيها، كما أخرجها في \"جمع الفوائد\" (١٨٦٨)، لكن قال الشامي: الأفضل بعدها، فتأمل، انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٤٣). (ش).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (٣/ ٥٢٧).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٦٦).\n(٦) انظر: \"صحيح البخاري\" (٨٨٦)، و\"صحيح مسلم\" (٢٠٦٨).\n(٧) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣٩).","vol":"5","page":81},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِى الآخِرَةِ»، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِى حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّى لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا»، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ. [خ ٨٨٦، م ٢٠٦٨، ن ١٣٨٢]\n===\nفاقتصر كل راو على أحدهما (فقال رسول الله - ﷺ -: إنما يلبس هذه) الحلة (من لا خلاق) أي النصيب (له في الآخرة).\nووجه الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية التجمل للجمعة لتقريره - ﷺ - لعمر على أمل التجمل للجمعة، وقصر الإنكار على من لبس مثل تلك الحلة لكونها كانت حريرًا، وقد ورد الترغيب في ذلك في أحاديث غير ذلك.\n(ثم جاءت رسول الله - ﷺ - منها) أي من حلل سيراء (حلل) جمع حلة (فأعطى عمر بن الخطاب منها) أي من تلك الحلل (حلة، فقال عمر: يا رسول الله، كسوتنيها) وهذا يدل على إباحة لبسها (وقد) الواو للحال أي والحال أنك (قلت في حلة عطارد ما قلت؟) وهو قوله - ﷺ -: \"إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة\".\nوهذا يدل على حرمة لبسها، وعطارد هو عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي، كان رجلًا يغشى الملوك ويصيب منهم، ورحل إلى كسرى فكساه حلة (فقال رسول الله - ﷺ -: إني لم أكسكها) أي أعطيتكها (لتلبسها) فإن لبس الحرير حرام، ولكن أعطيتكها لتنتفع بها (فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة).\nقال العيني (١): قيل: إنه أخوه من أمه، وقيل: أخوه من الرضاعة، وفي \"النسائي\" (٢) و\"صحيح أبي عوانة\": \"فكساها أخًا له من أمه مشركًا\"،\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٨).\n(٢) \"سنن النسائي\" (٢٩٩٥).","vol":"5","page":82},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواسمه عثمان بن حكيم، وقد اختلف في إسلامه، وفي رواية للبخاري: \"أرسل بها عمر - ﵁ - إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم\"، وهذا يدل على إسلامه بعد ذلك.\nوهذا الحديث يدل على حرمة لبس الحرير، وكذلك الأحاديث الكثيرة تدل على حرمة لبسه، فعن عمر -﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\"، وعن أنس أن النبي - ﷺ - قال: \"من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة\"، أخرجهما في \"الصحيحين\" (١)، وعن أبي موسى أن النبي - ﷺ - قال: \"أُحِلَّ الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحُرِّم على ذكورها\"، أخرجه الترمذي والحاكم، وصحَّحاه، وأحمد والنسائي وأبو داود (٢)، وهذا للرجال خاصة، وأما النساء فرخص لهن ذلك.\nقال القاضي عياض: حكي عن قوم إباحته، وقال أبو داود: إنه لبس الحرير عشرون نفسًا من الصحابة أو أكثر، منهم أنس والبراء بن عازب، ووقع الإجماع على أن التحريم مختص بالرجال دون النساء، وخالف في ذلك ابن الزبير مستدلًا بعموم الأحاديث، ولعله لم يبلغه المخصِّص.\nوقد استثني من ذلك للرجال بقدر أربع أصابع اليد المضمومة بما رواه الجماعة (٣) إلَّا البخاري عن عمر -﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهى\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥٨٣٢، ٥٨٣٣، ٥٨٣٤)، و\"صحيح مسلم\" (٢٠٦٩، ٢٠٧٣).\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (١٧٢٠)، و\"المستدرك\" (٤/ ١٩١)، و\"مسند أحمد\" (٤/ ٣٩٤، ٤٠٧)، و\"سنن النسائي\" (٥١٤٨)، و\"سنن أبي داود\" (٤٠٥٧).\n(٣) انظر: \"صحيح مسلم\" (٢٠٦٩)، و\"سنن أبي داود\" (٤٠٤٢)، و\"سنن الترمذي\" (١٧٢١)، و\"مسند أحمد\" (١/ ٥١)، و\"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٢٣)، و\"سنن النسائي\" (٥٣١٣)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢٨٢٠).","vol":"5","page":83},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن لبس الحرير إلَّا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع، وزاد فيه أحمد وأبو داود: وأشار بكفه، وهذا الحديث فيه دلالة على أنه يحل من الحرير مقدار أربع أصابع كالطراز والسنجاف، من غير فرق بين المركب على الثوب والمنسوج والمعمول بالإبرة والترقيع كالتطريز، ويحرم الزائد على الأربع.\nواختلف في إلباسه الصبيان، فحرمها الإِمام أبو حنيفة، وأباحها الإِمام الشافعي، قال الشوكاني في \"النيل\" (١): واختلفوا في الصغار هل يحرم إلباسهم الحرير أم لا؟ فذهب الأكثر إلى التحريم، قالوا: لأن قوله: \"وحرم على ذكور أمتي\" يعمهم، وقد روي أن إسماعيل بن عبد الرحمن دخل على عمر، وعليه قميص من حرير وسواران من ذهب، فَشَقَّ القميص، وفَكَّ السوارين، وقال: اذهب إلى أمك، وقال محمد بن الحسن: إنه يجوز إلباسهم الحرير، وقال أصحاب الشافعي: يجوز في يوم العيد، لأنه لا تكليف عليهم، وفي جواز إلباسهم ذلك في باقي السنَّة ثلاثة أوجه، أصحها: جوازه، والثاني: تحريمه، والثالث: يحرم بعد سن التمييز، انتهى ملخصًا.\nقلت: ما نسب الجواز إلى الإِمام محمد بن الحسن، فلم أجده في كتب الحنفية، بل قال الإِمام محمد بن الحسن في \"موطئه\" (٢): قال محمد: لا ينبغي للرجل المسلم أن يلبس الحرير والديباج والذهب، كل ذلك مكروه للذكور من الصغار والكبار، ولا بأس به للإناث، ولا بأس به أيضًا بالهدية إلى المشرك المحارب ما لم يهد إليه سلاح أو درع، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، وفي إرسال عمر -﵁ - حلته إلى أخ له مشرك بمكة دليل على أن الكفار غير مكلفين بالفروع، فإن عمر - ﵁ - كان على يقين من أن أخاه المشرك لا يتوقى من لبسه، والظاهر أن إرسالها إليه كان على علم من رسول الله - ﷺ - وبإذنه.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٥٥٨، ٥٥٩).\n(٢) انظر: \"التعليق الممجد\" (٣/ ٣٧٥).","vol":"5","page":84},{"text":"١٠٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ بِالسُّوقِ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوَفْودِ\". (١)،\n===\nوكتب مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه حضرة مولانا الشيخ رشيد أحمد - قدس سره -: ثم في إيتاء عمر -﵁ - حلته لأخ له مشرك جواز الإحسان إلى المشرك والصلة به، والمنهي عنه إنما هو المودة لا مجرد الإحسان، وأيضًا فيه دليل إلى ما ذهب إليه الإِمام من إجارة المسلم داره ممن يعلم أنه يرتكب فيها حرامًا كمجوسي يتخذه بيت نار، أو وثني يتخذه بيت الأصنام إلى غير ذلك، وذلك لأن إيتاءه ذلك ليس بمستلزم تلك المعصية، وإنما يتخلل بينهما فعل فاعل مختار بين أن يفعل وأن لا يفعل، فإن عمر -﵁ - حين أعطى الحلة أخاه كان على يقين من لبسه إياها غير أنه لما لم يكن مستلزمًا لبسه إياها، جاز أن تكون كسوته إياه ككسوة النبي - ﷺ - تلك الحلة عمر، فإنه لم يترتب عليه لبس عمر إياها، فكذلك كان جائزًا ههنا، ويتفرع على ذلك جملة من المسائل، انتهى.\n١٠٧٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه) أي عبد الله بن عمر (قال) عبد الله: (وجد عمر بن الخطاب حلة إستبرق) بكسر همزة، ما غلظ من الحرير، والديباج ما رقَّ، والحرير أعم (تباع بالسوق، فأخذها) ليريها رسول الله - ﷺ - (فأتى بها) أي بتلك الحلة (رسول الله - ﷺ - فقال) عمر -﵁ -: (ابتع) أي اشتر (هذه) الحلة (تجمل) أي تزين (بها للعيد وللوفود) جمع وفد، والوفد قوم يجتمعون ويردون البلاد، الواحد وافد، وكذا من يقصد الأمراء بالزيارة والاسترفاد والانتجاع.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"للوفد\".","vol":"5","page":85},{"text":"ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ (١)، وَالأَوَّلُ أَتَمُّ. [خ ٩٤٨، م ٢٠٦٨]\n١٠٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ وَعَمْرٌو أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الأَنْصَارِىَّ حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ، أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ، أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ\n===\n(ثم ساق) أي أحمد بن صالح (الحديث، والأول أتم) أي والحديث الأول الذي رواه مالك عن نافع أتم من الحديث الذي رواه ابن شهاب عن سالم، أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢) من طريق أبي طاهر وحرملة بن يحيى عن ابن وهب.\n١٠٧٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس وعمرو أن يحيى بن سعيد الأنصاري حدثه) أي حدث كل واحد منهما (أن محمد بن يحيى بن حبان حدثه أن رسول الله - ﷺ - قال: ما على أحدكم إن وجد أو) للشك من الراوي (ما على أحدكم إن وجدتم) فالشك في صيغة \"وجد\" أو \"وجدتم\".\nقال القاري (٣): قيل: \"ما\" موصولة، وقال الطيبي: \"ما\" بمعنى \"ليس\" واسمه محذوف، و\"على أحدكم\" خبره، وقوله: \"إن وجد\" أي سعة يقدر بها على تحصيل زائد على ملبوس مهنته، وهذه شرطية معترضة، وقوله: \"أن يتخذ\" متعلق بالاسم المحذوف معمول له، ويجوز أن يتعلق \"على\" بالمحذوف والخبر \"أن يتخذ\" كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، والمعنى ليس على أحد حرج أي نقص يخل بزهده في (أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة) أي يلبسهما فيه، وفي أمثاله\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٢٠٦٨).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤٨٤، ٤٨٥).\n(٤) سورة النور: الآية ٦١.","vol":"5","page":86},{"text":"سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ\"\n===\nمن العيد وغيره، وفيه أن ذلك ليس من شيم المتقين، لولا تعظيم الجمعة ومراعاة شعائر الإِسلام.\n(سوى ثوبي مهنته) بفتح الميم ويكسر، أي: بذلته وخدمته، أي غير الثوبين اللذين معه في سائر الأيام، قال في \"القاموس\" (١): المهنة: بالكسر والفتح والتحريك، وككلمة، الحِذْقُ بالخدمة والعمل، مَهَنَهُ كَمَنَعَهُ ونَصَرَهُ مَهْنًا، وَمهنَةً، ويُكْسَرُ: خَدَمَهُ، انتهى ما قاله القاري.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه في شرح هذا الحديث: هذا مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٢) أورده في صورة نفي الإثم والحرج ردًا لما اعتقدوا من الإثم فيه، فكذلك ههنا لما كان ظاهر ذلك الفعل يوهم تصنعًا ومراءاة بلبس ما لا يلبسه إذا تخلى من الناس، أو كونه صنيع المتكبرة والمتنعمَة دفع ذلك برفع الحرج عن ذلك، والقصد استحبابه، ويمكن أن يكون هذا إباحة ورخصة فحسب، وإنما يثبت استحباب هذا الفعل بنص آخر، وهذا إذا حملت كلمة \"ما\" على النفي، ولا يبعد أن تكون للاستفهام، ومثل هذا الكلام في الإغراء والتحضيض على الفعل بحسب تحاورهم فيما بينهم، وإن كان الاستفهام ههنا للإنكار أيضًا كقوله:\nماذا عليك إذا خبرتني دنفًا ... رهن المنية يومًا أن تزور بنا\nأو كقوله عزَّ من قائل: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ (٣) بل الأوفق في التمثيل.\nما كان ضرك لو مننت وربما ... منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق\nفافهم، انتهى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (٤/ ٣٨٧).\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٥٨.\n(٣) سورة النساء: الآية ٣٩.","vol":"5","page":87},{"text":"قَالَ عَمْرٌو: وَأَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ\n===\nوهذا الحديث مرسل، لأن محمد بن يحيى بن حبان من صغار التابعين (قال عمرو) وهذا قول ابن وهب أو قول المصنف أبي داود بسنده إلى عمرو (وأخبرني) أي كما أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرني (ابن أبي حبيب) اسمه يزيد كما في \"ابن ماجه\" (١)، (عن موسى بن سعد) وفي رواية ابن ماجه: عن موسى بن سعيد، قال في \"التقريب\" (٢): موسى بن سعد أو سعيد بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني، مقبول، (عن ابن حبان) هو محمد بن يحيى بن حبان المتقدم، (عن ابن سلام) يحتمل أن يراد به عبد الله بن سلام كما هو الظاهر، وهو مصرح في رواية ابن ماجه، وهو المتعين عند الحافظ ابن حجر، فإنه قال في \"التهذيب\" (٣) في باب من نسب إلى أبيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذلك: ابن حبان عن ابن سلام، هو محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن سلام، وقال في \"التلخيص الحبير\" (٤) بعد ما أورد حديث عائشة من طريق مهدي بن ميمون: وأخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" من طريقه، ولأبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن سلام نحوه، وفيه انقطاع.\nقلت: ولكن لم يذكر في ترجمة محمد بن يحيى بن حبان في شيوخه عبد الله بن سلام، وذكر في شيوخه يوسف بن عبد الله بن سلام، وقال: على خلاف فيه، وذكر في ترجمة يوسف بن عبد الله بن سلام في تلامذته محمد بن يحيى بن حبان بلا ذكر خلاف فيه، وكذلك ذكر في ترجمة موسى بن سعد في شيوخه يوسف بن عبد الله بن سلام، وهذا يوهم أن هذا الحديث من مسانيد يوسف بن عبد الله بن سلام.\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١٠٩٥).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (ص ٩٨٠).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٨٩).\n(٤) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٧٢).","vol":"5","page":88},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ. [جه ١٠٩٥، ق ٣/ ٢٤٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-.\n===\nفبهذا الوجه يحتمل أن يراد به ابنه يوسف بن عبد الله بن سلام، فإن كان يوسف بن عبد الله بن سلام فهو ابن عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي أبو يعقوب المدني حليف الأنصار، رأى النبي - ﷺ - وهو صغير وحفظ عنه، قال: سَمَّاني رسول الله - ﷺ - يوسف، قال أبو حاتم: له رؤية، وقال البخاري: له صحبة، وكلام البخاري أصح، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز (١).\n(أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول ذلك) أي القول المتقدم \"ما على أحدكم أن يتخذ ثوبين\" الحديث (على المنبر) أي حال كونه على المنبر.\n(قال أبو داود: رواه وهب بن جرير عن أبيه) جرير بن حازم، (عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن موسى بن سعد، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي - ﷺ -) (٢).\nوالغرض عن إيراد هذه الأسانيد لهذا الحديث بيان الاختلاف فيها، وهو أن السند الأول مرسل، والثاني إن كان المراد بابن سلام: عبد الله بن سلام، فالسند منقطع، لأن محمد بن يحيى بن حبان لم يدركه، فإن ابن حبان ولد سنة سبع وأربعين، ومات عبد الله بن سلام قبل ولادته في سنة ثلاث وأربعين، وإن كان المراد بابن سلام: يوسف بن عبد الله بن سلام، فهو موصول، والثالث موصول أيضًا، أورده لتعيين المبهم في السند الثاني بأن المراد من ابن سلام هو يوسف بن عبد الله (٣) بن سلام.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٤٧٦).\n(٢) أخرج روايته الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٢٨٧) رقم (٧٣٦).\n(٣) قلت: وظاهر كلام الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٧٤)، وتبعه الزرقاني، أن الرواية لعبد الله. (ش).","vol":"5","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>(٢٢٢) بَابُ التَحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ</span>\n١٠٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِى الْمَسْجِدِ،\n===\nولكن أخرج ابن ماجه هذا الحديث في \"سننه\" (١) فخالف أبا داود في مواضع من السند، فإنه أخرج أولًا حديث عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن موسى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن سلام فلم يبهمه، بل صرح بأنه هو عبد الله بن سلام، ثم أخرج من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا شيخ لنا عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: خطبنا، الحديث، فجعل ابن ماجه هذا الحديث بالسندين من مسندات عبد الله بن سلام لا من مسندات ابنه يوسف، والسند الثاني لابن ماجه فيه جهالة، وإنْ قال فيه بعضهم: إنه محمد بن عمرو الواقدي، فليس بحجة.\n\n(٢٢٢) (بَابُ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْل الصَّلاةِ)\nأي في المسجد، والتحلق قعود الجماعة من الناس مستديرين في موضع، أو مواضع متفرقة من المسجد\n١٠٧٩ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشراء والبيع في المسجد).\nقال الشوكاني (٢): أما البيع والشراء فذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهة، قال العراقي: وقد أجمع العلماء على أن ما عقده من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، وهكذا قال الماوردي، وذهب بعض أصحاب\n_________\n(١) انظر: \"سنن ابن ماجه\" (١٠٩٥).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٦٧).","vol":"5","page":90},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد، والأحاديث ترد عليه، وفرق أصحاب أبي حنيفة (١) بين أن يغلب ذلك ويكثر فيكره، أو يقل فلا كراهة، وهو فرق لا دليل عليه، انتهى.\nقلت: وهذا الذي عزاه إلى أصحاب أبي حنيفة هو الذي ذكره الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢) فقال: وكذلك أيضًا ما نهي عنه من البيع في المسجد هو البيع الذي يعمه، أو يغلب عليه حتى يكون كالسوق فذلك مكروه، فأما ما سوى ذلك فلا، ولقد روينا عن رسول الله - ﷺ - ما يدل على إباحة العمل الذي ليس من القرب في المسجد.\nحدثنا فهد، ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، ثنا شريك، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن علي -﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يا معشر قريش! ليبعثن الله عليكم رجلًا امتحن الله به الإيمان، يضرب رقابكم على الدين، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله - ﷺ -؟، قال: لا، فقال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل في المسجد\"، وكان قد ألقى إلى علي -﵁ - نعله يخصفها، أفلا ترى أن رسول الله - ﷺ - لم ينه عليًا -﵁ - عن خصف النعل في المسجد، وأن الناس لو اجتمعوا حتى يعموا المسجد بخصف النعال كان ذلك مكروهًا، فلما كان ما لا يعم المسجد من هذا غير مكروه، وما يعمه منه أو يغلب عليه مكروهًا، كان ذلك في البيع وإنشاد الشعر والتحلق فيه قبل الصلاة مما عمه من ذلك، فهو مكروه، وما لم يعمه منه ولم يغلب عليه فليس بمكروه، والله أعلم بالصواب، انتهى.\n_________\n(١) وفي \"الدر المختار\": يكره كل عقد إلَّا لمعتكف بشرطه أي لا يكون للتجارة، بل لنفسه أو عياله بدون إحضار السلعة، كذا في \"الشامي\". (انظر: \"رد المحتار\" ٢/ ٥٢٦). (ش).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٥٩).","vol":"5","page":91},{"text":"ؤأَنْ تُنْشَدَ (١) فِيهِ ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ،\n===\nقال القاري (٢): جوَّز علماؤنا للمعتكف الشراء بغير إحضار المبيع، ومن البدع الشنيعة بيع ثياب الكعبة خلف المقام، وبيع الكتب وغيرها في المسجد الحرام، وأشنع منه وضع المحفات والقرب والدبش فيه، سيما في أيام الموسم، ووقت ازدحام الناس، والله ولي أمر دينه، ولا حول ولا قوة إلَّا به.\nقال ابن حجر: ويكره أيضًا الجلوس فيه لحرفة إلا نسخ كتب العلم الشرعي وآلته، ولو خاط فيه أحيانًا فلا بأس به، ورأى عمر -﵁ - خياطًا في المسجد فأمر بإخراجه، فقيل: يا أمير المؤمنين! إنه يكنس المسجد ويغلق الباب، فقال عمر: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"جنبوا صناعكم مساجدكم\"، رواه عبد الحق وضعفه، انتهى.\n(وأن تنشد فيه ضالة) قال الشوكاني (٣): يقال: نشدت الضالة بمعنى طلبتها، وأنشدتها عرَّفتها، والضالة تطلق على الذكر والأنثى، والجمع ضوال، كدابة ودواب، وهي مختصة بالحيوان، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقيط، قال ابن رسلان: ويلحق بذلك من رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته، قال: وفيه النهي عن رفع الصوت بنشد الضالة وما في معناه من البيع والشراء والإجارة والعقود، قال مالك وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس، لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه.\n(وأن ينشد فيه شعر) قال الشوكاني (٤): أما إنشاد الأشعار في المسجد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ينشد\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٤٣٩).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٦٣).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٦٧).","vol":"5","page":92},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفحديث الباب وما في معناه يدل على عدم جوازه، ويعارضه ما سيأتي من قصة عمر وحسان، وتصريح حسان بأنه ينشد الشعر بالمسجد، وفيه رسول الله (١)، وكذلك حديث جابر بن سمرة الآتي وهو أنه قال: شهدت النبي - ﷺ - أكثر من مأة مرة في المسجد، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم، رواه أحمد، وأخرجه الترمذي (٢) وصححه، وقد جمع بين الأحاديث بوجهين:\nالأول: حمل النهي على التنزيه، والرخصة على بيان الجواز.\nوالثاني: حمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون (٣) كهجاء حسان للمشركين، ومدحه - ﷺ - وغير ذلك، ويحمل النهي على التفاخر والهجاء ونحو ذلك.\nوقد جمع الحافظ (٤) يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، وحمل المأذون فيه على ما سلم من ذلك، لكن حديث جابر بن سمرة فيه التصريح بأنهم كانوا يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، قال: وقيل: المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه.\nقال ابن العربي (٥): لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٣٢١٢)، و\"صحيح مسلم\" (٢٤٨٥)، و\"سنن النسائي\" (٧١٦).\n(٢) انظر: \"مسند أحمد\" (٥/ ٩١، ١٠٥)، و\"سنن الترمذي\" (٢٨٥٠).\n(٣) وإليه مال الطحاوي، وأشار إلى أن ذكر المسجد اتفاقي، فالإذن للشعر المباح ما لم يغلب، والمنع للمنهي عنه، وفي \"الدر المختار\": يكره الإنشاد إلَّا ما فيه ذكر، وبسط عليه الكلام العيني (٣/ ٤٨٩)، وقال ابن العربي (٢/ ١١٩): لا بأس به إذا كان لأمر الدين وإن كان فيه ذكر الخمر. (ش).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٤٩).\n(٥) \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١١٩، ١٢٠).","vol":"5","page":93},{"text":"وَنَهَى عن التَّحَلُّقِ (١) قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ\". [ت ٣٢٢، ن ٧١٤، حم ٢/ ١٧٩، جه ٧٤٩]\n===\nالدين وإقامة الشرع، وإن كانت فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة وحسن لون إلى غير ذلك مما يذكره من يعرفها، وقد مدح فيه كعب بن زهير رسول الله - ﷺ - فقال:\nبانت سعاد فقلبي اليوم متبول\nإلى قوله في صفة ريقها:\nكأنه منهل بالراح معلول\nقال العراقي: وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع، وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب وإنشادها بين يدي النبي - ﷺ - في المسجد وغيره، فليس فيها مدح الخمر، فإنما فيها مدح ريقها، قال: ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يرفع به صوته بحيث يشوس ذلك على مصل أو قارئ أو منتظر الصلاة، فإن أدَّى إلى ذلك كره، ولو قيل بتحريمه لم يكن بعيدًا.\n(ونهى عن التحليق قبل الصلاة) أي قريبًا من الزوال، فأما في فجر يوم الجمعة فيجوز التعليق لمذاكرة العلم وغيرها من أمور الدين (يوم الجمعة) قال الشوكاني (٢): أما التحلق يوم الجمعة في المسجد قبل الصلاة فحمل النهي عند الجمهور على الكراهية؛ وذلك لأنه ربما قطع الصفوف؛ مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراص في الصفوف الأول فالأول.\nوقال الطحاوي: التحلق المنهي عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه، وغير ذلك لا بأس به، والتقييد بـ \"قبل الصلاة\" يدل على جوازه بعدها للعلم والذكر، والتقييد بـ \"يوم الجمعة\" يدل على جوازه في غيرها كما في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن الحلق\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٦٩).","vol":"5","page":94},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحديث أبي واقد الليثي (١): \"فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها\" وأما التحلق في المسجد في أمور الدنيا فغير جائز.\nوفي حديث ابن مسعود: \"سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقًا حلقًا، أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم، فإنه ليس لله فيهم حاجة\"، ذكره العراقي في \"شرح الترمذي\"، وقال: إسناده ضعيف، فيه بزيع أبو الخليل وهو ضعيف جدًا، قلت: قال في \"مجمع الزوائد\" (٢): رواه الطبراني في \"الكبير\" (٣).\nوقال القاري (٤): أي نهى أن يجلس الناس على هيئة الحلقة، يقال: تحلق القوم إذا جلسوا حلقة حلقة، وعلة النهي أن القوم إذا تحلقوا فالغالب عليهم التكلم، ورفع الصوت، وإذا كانوا كذلك لا يستمعون الخطبة، وهم مأمورون باستماعها، كذا قال بعضهم.\nوقال التوريشتي: النهي يحتمل معنيين: أحدهما: أن تلك الهيئة تخالف اجتماع المصلين، والثاني: أن الاجتماع للجمعة خطب جليل، لا يسع من حضرها أن يهتم بما سواه حتى يفرغ، وتحلق الناس قبل الصلاة موهم للغفلة عن الأمر الذي ندبوا إليه، انتهى.\nوعندي أن علة النهي عن التحلق في المسجد قبل صلاة الجمعة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا، مني مناخ من سبق\"، وحكم المسجد فيه كحكم مني، فالداخل في المسجد له حق أن يجلس في المحل الخالي، والناس ندبوا إلى\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٦٦)، و\"صحيح مسلم\" (٢١٧٦)، و\"سنن الترمذي\" (٢٧٢٤).\n(٢) \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٢٤).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٢٤٤) ح (١٠٤٥٢).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٤٣٩).","vol":"5","page":95},{"text":"(٢٢٣) بَابُ (١) اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ\n١٠٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىُّ الْقُرَشِىُّ، حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِىَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا\n===\nالسعي إليها ويجتمعون فيها ما لا يجتمعون في غيرها، فإذا تحلق الناس وجلسوا حلقًا حلقًا، فالداخل في المسجد لا يمكن له أن يجلس وسط الحلقة مع أنه محل خال، له حق أن يجلس فيه، والتحلق مانع للناس عن الحق الذي أعطاهم الشرع من الجلوس في محل خال من المسجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>(٢٢٣) (بَابُ اتِّخَاذِ المِنْبَرِ) </span>(٢)\n١٠٨٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري) نسبًا (القرشي) ولاء فإنه حليف لبني زهرة، (حدثني أبو حازم بن دينار، أن رجالًا (قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم (أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد امتروا (قال الحافظ (٣): من المماراة وهي المجادلة، وقال الكرماني: من الامتراء، وهو الشك، ويؤيد الأول قوله في رواية عبد العزيز ابن (٤) أبي حازم عن أبيه عند مسلم: \"أن تماروا\" (٥)، فإن معناه تجادلوا، قال الراغب: الامتراء والمماراة المجادلة، ومنه ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ (٦) وقال أيضًا: المرية التردد في الشيء، ومنه ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ (٧).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب في\".\n(٢) دفع لما عسى أن يتوهم أنه من صنيع الجبابرة، إلى آخر ما بسط في \"الكوكب\" (١/ ٤١٨). (ش).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٧، ٣٩٨).\n(٤) وفي الأصل: \"من\" وهو تحريف.\n(٥) انظر: \"صحيح مسلم\" (٥٤٤).\n(٦) سورة الكهف: الآية ٢٢.\n(٧) سورة هود: الآية ١٧.","vol":"5","page":96},{"text":"فِى الْمِنْبَرِ، مِمَّ عُودُهُ؟ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّى لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - «أَنْ مُرِى غُلَامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِى أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ»،\n===\n(في المنبر مم عوده؟) أي من أيِّ شجرة عوده؟ (فسألوا) أي سهلًا (عن ذلك فقال) سهل: (والله إني لأعرف مما هو) وأتى بالقسم تأكيدًا، (ولقد رأيته) أي المنبر (أول يوم وضع) أي في المسجد (وأول يوم (١) جلس عليه رسول الله - ﷺ -) ثم ذكر قصة صنعه، فقال: (أرسل رسول الله - ﷺ -) رسالةً (إلى فلانة امرأة) (٢) من الأنصار، قال الحافظ (٣): وفي رواية أبي غسان عن أبي حازم: امرأة من المهاجرين، وهو وهم من أبي غسان لإطباق أصحاب أبي حازم على قولهم: من الأنصار، والإمرأة لم يعرف اسمها (٤).\n(قد سماها سهل) يقول أبو حازم: سماها سهل، فنسيته (أن مري غلامك النجار) اختلف في اسم النجار على أقوال كثيرة (٥)، والمرجح عندهم أن اسمه ميمون (٦) (أن يعمل لي أعوادًا) جمع عود (أجلس عليهن إذا كلمت الناس)\n_________\n(١) وفي \"الخميس\" (٢/ ٦٨) أن اتخاذه سنة ٨ هـ، وحكى العيني (٥/ ٧٩) عن ابن سعد أنه كان في سنة ٧ هـ (سيأتي في \"البذل\" تحت، باب الإِمام يقطع الخطبة\")، وجزم صاحب \"العرف الشذي\" (١/ ٢٢٣) بأن اتخاذه في السنة الثانية، وقال: عندي روايات كثيرة تبلغ خمس عشرة على وجوده في الثانية والرابعة إلى التاسعة ... إلخ، وتمامه في \"الوقائع والدهور\" لهذا العبد الفقير. (ش).\n(٢) قال العيني (٣/ ٣٢٨): قيل: اسمها علاثة، وقيل: عائشة، ثم بسط الكلام عليها. (ش).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٨).\n(٤) وذكر بعض أسمائها القسطلاني أحتمالًا (٢/ ١٧٩، ١٨٠).\n(٥) على سبعة أقوال، كذا في \"عمدة القاري\" (٥/ ٧٨). (ش).\n(٦) به جزم العيني (٥/ ٧٨). (ش).","vol":"5","page":97},{"text":"فَأَمَرَتْهُ، فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْهُ (١) إِلَى رسول الله (٢) -ﷺ-، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِى أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِى وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِى». [خ ٩١٧، م ٥٤٤، ق ٣/ ١٩٥]\n===\nأي وقت الخطبة (فأمرته) أي المرأة غلامه (فعملها من طرفاء) وهي الأثل (الغابة) موضع قريب من المدينة من عواليها من جهة الشام، قيل: على تسعة أميال من المدينة، وقال ياقوت (٣): بينها وبين المدينة أربعة أميال، وقال الزمخشري: الغابة بريد من المدينة من طريق الشام.\n(ثم جاء بها) أي جاء الغلام بالمنبر بتأويل الأعواد (فأرسلته) أي المنبر (إلى رسول الله - ﷺ -) ويحتمل أن يرجع إلى الغلام، وعلى هذا معناه أنها أرسلت غلامها إلى رسول الله - ﷺ - ليخبره بتمام صنعه وفراغه منه (فأمر) أي رسول الله - ﷺ - (بها) أي بالأعواد (فوضعت ها هنا) أي في المحل الذي هو موضوع الآن.\n(فرأيت رسول الله - ﷺ - صلى عليها) أي قام عليها مصليًا (وكبر عليها) للتحريمة (ثم ركع وهو) أي رسول الله - ﷺ - والواو للحال (عليها) أي على أعواد المنبر (ثم نزل) عن المنبر (القهقرى) أي راجعًا إلى ورائه للمحافظة على استقبال القبلة (فسجد في أصل المنبر ثم عاد) أي صعد على المنبر للركعة الثانية.\n(فلما فرغ) من الصلاة (أقبل) أي توجه (على الناس فقال: أيها الناس! إنما صنعت هذا) أي الصلاة على المنبر (لتأتموا بي) أي لتقتدوا بي (ولتعلموا) بكسر اللام وفتح التاء المثناة من فوق، وتشديد اللام، وأصله لتتعلموا، فحذفت أحدى التائين (صلاتي) أي تحصلوا العلم بصلاتي.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فأرسلت\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) انظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ١٨٢).","vol":"5","page":98},{"text":"١٠٨١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَمَّا بَدَّنَ قَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِىُّ: أَلَا أَتَّخِذُ لَكَ مِنْبَرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَجْمَعُ، أَوْ: يَحْمِلُ، عِظَامَكَ؟ قَالَ: «بَلَى»، فَاتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا مِرْقَاتَيْنِ\". [ق ٣/ ١٩٦]\n===\n١٠٨١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد، (عن ابن أبي روَّاد) عبد العزيز بن أبي روَّاد، (عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - لما بدن) قال في \"المجمع\" (١) في شرح قوله ﵇: قد بدنت: قال أبو عبيد: روي بالتخفيف وإنما هو بالتشديد أي: كبرت، والتخفيف من البدانة وهي كثرة اللحم.\nوقال الطيبي: روي بالتشديد والتخفيف مفتوحة ومضمومة، والعلماء اختاروا الأول، إذ السمن لم يكن من وصفه ﵇، فمعنى ثقل ضعف، وقال القاضي: بالضم، ولا ينكر في حقه، قالت عائشة: فلما أسن وأخذ اللحم، وروي: بادن متماسك تِمٌّ، وفي أكثر نسخنا بالتشديد (قال له) أي لرسول الله - ﷺ - (تميم الداري (٢): ألا اتخذ لك منبرًا يا رسول الله يجمع أو يحمل) كلمة أو للشك من الراوي (عظامك؟) أي أعضاءك، (قال) رسول الله - ﷺ -: (بلى. فاتخذ له منبرًا مرقاتين).\nقال الحافظ (٣): وإسناده جيد، وقال العيني (٤): ثم اعلم أن المنبر لم يزل على حاله ثلاث درجات، حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله، فإن قلت: روى أبو داود عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - لما بدن قال له تميم الداري، الحديث، وفيه فاتخذ له منبرًا مرقاتين أي درجتين، فبينه\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٦١).\n(٢) قال الحافظ (٢/ ٣٩٨): ليس فيه تصريح بأن المتخذ كان تميمًا، كذا في \"عون المعبود\" (٣/ ٢٩٧). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٩).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٧٩).","vol":"5","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>(٢٢٤) بَابُ مَوْضِعِ الْمِنْبَرِ</span>\n١٠٨٢ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ (١) - ﵁ - قال: \"كَانَ بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبَيْنَ الْحَائِطِ كَقَدْرِ مَمَرِّ الشَّاةِ\". [خ ٤٩٧، م ٥٠٩، ق ٢/ ٢٧٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>(٢٢٥) بَابُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ</span>\n١٠٨٣ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ عِيسَى، نَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،\n===\nوبين ما ثبت في \"الصحيح\" أنه ثلاث درجات منافاة، قلت: الذي قال مرقاتين لم يعتبر (٢) الدرجة التي كان يجلس عليها - ﷺ -.\n\n(٢٢٤) (بَابُ مَوْضِع المِنْبَرِ)\nأي في أيّ موضع من المسجد وضع منبر رسول الله - ﷺ -؟\n١٠٨٢ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة ﵁) ابن الأكوع (قال: كان بين منبر رسول الله - ﷺ - وبين الحائط) الذي في جانب القبلة (كقدر ممر الشاة) أي الفصل الذي بين الحائط والمنبر قدر فرجة تمر الشاة فيها، قلت: وكان منبر رسول الله - ﷺ - عن يمين المحراب إذا استقبلت القبلة.\n\n(٢٢٥) (بَابُ الصَّلاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (٣) قَبْلَ الزَّوَال)\nهل يجوز أم لا؟\n١٠٨٣ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا حسان بن إبراهيم) بن عبد الله\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سلمة بن الأكوع\".\n(٢) كما هو نص الروايات العديدة، والبسط في \"الكوكب الدري\" (١/ ٤١٨). (ش).\n(٣) أباحه أبو يوسف كما سيأتي، وبه قال الشافعي وأصحابه والأوزاعي، كذا في \"النيل\" (٢/ ٥٤٨). (ش).","vol":"5","page":100},{"text":"عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-: أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: «إِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ». [ق ٢/ ٤٦٤]\n===\nالكرماني أبو هشام العنزي بفتح نون بعدها زاي، قاضي كرمان، قال حرب الكرماني: سمعت أحمد يوثق حسان بن إبراهيم بقوله: حديثه حديث أهل الصدق، وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس به بأس، وقال المفضل الغلابي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العقيلي: في حديثه وهم.\n(عن ليث) بن أبي سليم، (عن مجاهد، عن أبي الخليل) صالح بن أبي مريم، (عن أبي قتادة، عن النبي - ﷺ -: أنه) أي رسول الله - ﷺ - (كره الصلاة نصف النهار إلَّا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم (١) تسجر) أي توقد (إلَّا يوم الجمعة).\nقال في \"النهاية\" (٢): قال الخطابي: قوله: \"تسجر جهنم\"، و\"بين قرني الشيطان\" وأمثالها من الألفاظ الشرعية التي أكثرُها ينفرد الشارع بمعانيها، ويجب علينا التصديق بها والوقوف عند الإقرار بصحتها والعمل بموجبها.\nقال النووي (٣) في شرح الأحاديث التي في تعجيل الجمعة: هذه الأحاديث (٤) ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلَّا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلَّا أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوَّزاها قبل الزوال.\nقال القاضي: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء\n_________\n(١) أنكر ابن العربي تسجير جهنم إلَّا يوم الجمعة، وقال: باطل. (ش).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٣٤٣).\n(٣) انظر: \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٣/ ٤١٣).\n(٤) هذا البحث يناسب الباب الآتي لا هذا الباب. (ش).","vol":"5","page":101},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإلَّا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها.\nواستدل المجوِّزون بجواز صلاة الجمعة قبل الزوال بأحاديث تدل على التبكير لصلاتها، ولا دليل فيها لهذا المدعي، وقد عقد البخاري (١) \"باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس\"، قال الحافظ في \"شرحه\" (٢): جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده، ثم قال: وأغرب ابن العربي (٣)، فنقل الإجماع على أنها لا تجب حتى تزول الشمس، إلا ما نقل عن أحمد أنه إن صلاها قبل الزوال أجزأ، انتهى.\nوقد نقل ابن قدامة وغيره عن جماعة من السلف كما سيأتي، فأما الأثر عن عمر فروى أبو نعيم شيخ البخاري وابن أبي شيبة (٤) من رواية عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد انتصف النهار، رجاله ثقات إلَّا عبد الله بن سيدان وهو بكسر المهملة بعدها تحتانية ساكنة، فإنه تابعي كبير إلَّا أنه غير معروف العدالة، قال ابن عدي: شبه المجهول، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه، فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة، أنه صلَّى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس، وإسناده قوي.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (ك ١١، ب ١١٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٧).\n(٣) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٩٢).\n(٤) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٧).","vol":"5","page":102},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما ما يعارض ذلك من الصحابة فروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الله ابن سلمة قال: صلَّى بنا عبد الله يعني ابن مسعود الجمعة ضُحًى، وقال: خشيت عليكم الحر، وعبد الله صدوق إلَّا أنه ممن تغير لما كبر، قاله شعبة وغيره، ومن طريق سعيد بن سويد قال: صلَّى بنا معاوية الجمعة ضحى، وسعيد ذكره ابن عدي في \"الضعفاء\" (١).\nواحتج بعض الحنابلة بقوله - ﷺ -: \"إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين\" قال: فلما سماه عيدًا جازت الصلاة فيه في وقت العيد كالفطر والأضحى، وتعقب بأنه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيدًا أن يشتمل على جميع أحكام العيد بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقًا سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم، انتهى.\nقلت: وهذا الاختلاف الذي ذكرناه هو في فرض الجمعة، وأما سننها والنوافل فاختلف (٢) فيها أئمة الحنفية، فكرهها الإِمام أبو حنيفة ومحمد، وذهب أبو يوسف إلى جوازها.\nقال في \"الدر المختار\" (٣): وكره تحريمًا صلاة مطلقًا، ولو قضاءً أو واجبًا أو نفلًا أو على جنازة وسجدة تلاوة وسهو مع شروق واستواء إلا يوم الجمعة على قول الثاني للمصحح المعتمد، كذا في \"الأشباه\". ونقل الحلبي عن \"الحاوي\" أن عليه الفتوى.\nقال الشامي: قوله: \"إلَّا يوم الجمعة\" لما روى الشافعي في \"مسنده\":\n_________\n(١) \"الكامل\" لابن عدي (١١٤٣).\n(٢) المعروف فيها خلاف الشافعي وأبي يوسف، لكن المنقول عن الإِمام مالك إباحه النوافل عند الاستواء مطلقًا، كما في \"الأوجز\" (٤/ ٣٦٦) فكيف تخصيصها بالخلاف. (ش).\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٣٧ - ٤٠).","vol":"5","page":103},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلَّا يوم الجمعة\"، قال الحافظ ابن حجر: في إسناده انقطاع، وذكر البيهقي (١) له شواهد ضعيفة إذا ضمت قوي. وقوله: \"المصحح المعتمد\" اعترض بأن المتون والشروح على خلافه، قوله: \"ونقل الحلبي ... إلخ\" لكن شراح \"الهداية\" انتصروا لقول الإِمام، وأجابوا عن الحديث المذكور بأحاديث النهي عن الصلاة وقت الاستواء، فإنها محرمة، وأجاب في \"الفتح\" بحمل المطلق على المقيد، وظاهره ترجيح قول أبي يوسف، ووافقه في \"الحلية\" كما في \"البحر\"، لكن لم يعول عليه في \"شرح المنية\" و\"الإمداد\" على أن هذا ليس من المواضع التي يحمل فيها المطلق على المقيد كما يعلم من كتب الأصول.\nوأيضًا فإن حديث النهي صحيح، رواه \"مسلم\" وغيره فيقدم لصحته، واتفاق الأئمة على العمل به وكونه حاظرًا، ولذا منع علماؤنا عن سنَّة الوضوء وتحية المسجد وركعتي الطواف ونحو ذلك فإن الحاظر مقدم على المبيح.\n(تنبيه): علم مما قررناه المنع عندنا، وإن لم أره مما ذكره الشافعية من إباحة الصلاة في الأوقات المكروهة في حرم مكة، استدلالًا بالحديث الصحيح: \"يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى أيَّة ساعة شاء من ليل أونهار\" (٢)، فهو مقيد عندنا بغير أوقات الكراهة لما علمته من منع علمائنا عن ركعتي الطواف فيها، ثم رأيت المسألة عندنا، قال في \"الضياء\" ما نصه: وقد قال أصحابنا: إن الصلاة في هذه الأوقات ممنوع منها بمكة وغيرها، انتهى.\nورأيت في \"البدائع\" (٣) أيضًا ما نصه: وما ورد من النهي إلَّا بمكة شاذ\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٥٠ - ٥١).\n(٢) رواه الإِمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٨٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٥٥٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٤٨).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٥٩).","vol":"5","page":104},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهُوَ مُرْسَلٌ، مُجَاهِدٌ أَكْبَرُ مِنْ أَبِى الْخَلِيلِ، وَأَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِى قَتَادَةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>(٢٢٦) بَابٌ في وَقْتِ الْجُمُعَةِ</span>\n١٠٨٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِى فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِى عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِىُّ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى الْجُمُعَةَ (١) إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ\". [خ ٩٠٤، ت ٥٠٣، ق ٣/ ١٩٠، حم ٣/ ١٢٨]\n===\nلا يقبل بمعارضة (٢) المشهور، وكذا رواية استثناء يوم الجمعة غريب، فلا يجوز تخصيص المشهور به.\n(قال أبو داود: وهو) أي الحديث (مرسل، مجاهد أكبر من أبي الخليل) فهو من باب رواية الأكابر عن الأصاغر (وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة) فعلى هذا الحديث مرسل، قال القاري: وقول ابن حجر: لكنه اعتضد بمجيئه من طريق أخرى موصولًا غير مقبول من غير بيان أنه من أي طريق موصول.\n\n(٢٢٦) (بَابٌ في وَقْتِ الْجُمُعَةِ) (٣)\nأي وقت صلاة الجمعة بعد الزوال (٤)\n١٠٨٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا زيد بن الحباب، حدثني فليح بن سليمان، حدثني عثمان بن عبد الرحمن التيمي، سمعت أنس بن مالك يقول: كان رسول الله - ﷺ - يصلي الجمعة إذا مالت الشمس) أي: زالت،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يوم الجمعة\".\n(٢) كذا في الأصل: \"بمعارضة\"، وفي \"رد المحتار\": \"في معارضة\".\n(٣) بسطه العيني، وقد تقدم قريبًا في الباب السابق. (ش).\n(٤) عند الجمهور، وقبله عند أحمد وإسحاق وغيرهما. (ش).","vol":"5","page":105},{"text":"١٠٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ الْحَارِثِ، سَمِعْتُ إِيَاسَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"كُنَّا نُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ فَىْءٌ\". [خ ٤١٦٨، م ٨٦٠، ن ١٣٩١، جه ١١٠٠، دي ١٥٤٥، ق ٣/ ١٩١، قط ٢/ ١٨، حم ٤/ ٥٤]\n١٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن أَبِي حَازِمٍ،\n===\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): فيه إشعار بمواظبته - ﷺ - على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس.\n١٠٨٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا يعلي بن الحارث) بن حرب، أبو حرب المحاربي الكوفي، ثقة، (سمعت إياس بن سلمة بن الأكوع يحدث، عن أبيه قال: كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الجمعة ثم ننصرف) أي عن المسجد (وليس للحيطان فيء) والمراد من الحيطان: الحيطان الغربية، والمراد بنفي الفيء: نفي الظل الذي نستظل به، كما في رواية أخرى، والمعنى أنه - ﷺ - كان يصلي الجمعة في أول وقت الظهر.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: فيء، وفي بعض الروايات فيء نَتَّقي به، والروايات تفسر بعضها بعضًا، فالمنفي الفيء الكافي للظل والوقاية لا مطلقًا مع أنه لو أريد المطلق لم يصح للرواية معنى في نفسها إذ الظل لا ينتفي في وقت لا قبل الزوال ولا بعده، فلو أثبتوا الصلاة قبلية تعتد بها لكان للجدران ظل بجهة المغرب، وإن لم يثبتوا إلَّا قبلية قليلة لكان لها فيء أصلي في جهة الشمال، فكيف يصح نفيه مطلقًا فلا بد من الحمل على ما قلنا، انتهى.\n١٠٨٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري، (عن أبي حازم)\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٨).","vol":"5","page":106},{"text":"عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: \"كُنَّا نَقِيلُ وَنَتَغَدَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ\". [خ ٩٣٩، م ٨٥٩، ت ٥٢٥، جه ١٠٩٩، حم ٣/ ٤٣٣، خزيمة ١٨٧٥، قط ٢/ ١٩، ق ٣/ ٢٤١]\n===\nسلمة بن دينار، (عن سهل بن سعد قال: كنا نقيل) من القيلولة، وهو النوم في الظهيرة على ما قاله العيني (١)، وقال في \"المجمع\" (٢): المقيل والقيلولة: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم (ونتغدى) الغداء طعام يؤكل أول النهار، سمي به السحور؛ لأنه للصائم بمنزلة المفطر (٣) (بعد الجمعة) قال في \"المجمع\" هما كنايتان عن التبكير، أي لا يشتغلون (٤) بمهم سواه.\nوهذا الحديث وأمثاله استدل بها من ذهب إلى جواز الجمعة قبل الزوال، ووجه الاستدلال به أن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال، ولا يسمى غداء ولا قيلولة بعد الزوال، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، ويقرأ القرآن في الخطبة مثل سورة \"ق\" و\"تبارك\"، ويُذَكِّر الناس، ويقرأ في صلاتها بسورة الجمعة والمنافقين، ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلَّا وقد صار للحيطان ظل يستظل به، وقد خرج وقت الغداء والقائلة، والجواب عنه أن هذه الأحاديث واردة في تبكير الجمعة والتعجيل بها كما في رواية أنس بن مالك عند البخاري (٥): \"كنا نُبَكِّر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة\".\nقال الحافظ (٦): فظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته، أو تقديمه على غيره، وهو المراد ههنا، والمعنى\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٠).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٥٨).\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: بمنزلته للمضطر، انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ١٧).\n(٤) وفي الأصل: \"يشغلون\"، والصواب: \"يشتغلون\".\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٩٠٥).\n(٦) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٨).","vol":"5","page":107},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر، فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد، انتهى.\nفهذه القيلولة والغداء لما كانا قائمين مقام القيلولة والغداء أطلق عليهما مجازًا، وقد أخرج أبو داود والنسائي (١) عن العرباض بن سارية قال: دعاني رسول الله - ﷺ - إلى السحور فقال: \"هلم إلى الغداء المبارك\"، فأطلق رسول الله - ﷺ - الغداء على السحور، فكما أن من استدل به على جواز أكل السحور بعد الفجر لا يقبل منه، كذلك في هذه الأحاديث لا يقبل الاستدلال به على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال.\nقال الأمير اليماني في \"السبل\" (٢): وليس فيه دليل على الصلاة قبل الزوال لأنهم في المدينة ومكة لا يقيلون ولا يتغدون إلَّا بعد صلاة الظهر، كما قال تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (٣)، نعم كان - ﷺ - يسارع بصلاة الجمعة في أول وقت الزوال بخلاف الظهر فقد كان يؤخره بعده حتى يجتمع الناس، انتهى.\nوأما قولهم: أنه - ﷺ - يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، ويقرأ فيه القرآن، ويصلي بسورتين من طوال المفصل فمسلم، لكن قولهم: لو كانت الصلاة بعد الزوال لكان بعد الفراغ من الصلاة والانصراف من المسجد للجدران فيء يستظل به غير مسلم، فإن خطبته - ﷺ - وصلاته كانتا قصدًا معتدلًا فلا يزيد شغله في الخطبة والصلاة على الساعة الواحدة العرفية، ومع مضي الساعة الواحدة لا يمكن أن يكون لجدران المدينة فيء يستظل به لقصر جدرانها إذ ذاك.\n_________\n(١) انظر: \"سنن أبي داود\" (٢٣٤٤)، و\"سنن النسائي\" (٢١٦٣).\n(٢) \"سبل السلام\" (٢/ ٤٦).\n(٣) سورة النور: الآية ٥٨.","vol":"5","page":108},{"text":"(٢٢٧) بَابُ النِّدَاءِ (١) يَوْمَ الْجُمُعَةِ\n١٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: \"أَنَّ الأَذَانَ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِى عَهْدِ النَّبِىِّ -ﷺ- وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ خِلَافَةُ عُثْمَانَ وَكَثُرَ النَّاسُ، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ،\n===\n\n(٢٢٧) (بَابُ النِّداءِ (٢) يَوْمَ الجُمُعَةِ)\n١٠٨٧ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرني السائب بن يزيد: أن الأذان كان أوله) أي كان الأذان الأول (حين يجلس الإِمام على المنبر) أي للخطبة (يوم الجمعة في عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر) أي لم يكن في زمان رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر قبل أذان الخطبة أذان (فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة) يحتمل أن يكون ظرفًا لأمر، أو يكون ظرفًا مستقرًا صفة للأذان الثالث (بالأذان الثالث).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: \"فأمر عثمان بالأذان الأول\"، ونحوه للشافعي من هذا الوجه، ولا منافاة بينهما لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا، وباعتبار كونه جعل مقدمًا على الأذان والإقامة سمي أولًا، ولفظ رواية عقيل أن التأذين بالثاني أمر به عثمان، وتسميته ثانيًا أيضًا متوجه بالنظر إلى الأذإن الحقيقي لا الإقامة، (فأذن به) أي بالأذان (على الزوراء)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب في النداء\".\n(٢) وقال ابن العربي (٢/ ٣٠٥): أول سنة غُيِّر في الإِسلام هو ذاك الأذان، وبعض الجهلة من أهل المغرب لما سمعوا الأذان الثالث جعلوا للجمعة ثلاثة مؤذنين، ولم يفهموا أن الإقامة هي النداء الثالث. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٤).","vol":"5","page":109},{"text":"فَثبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ\". [خ ٩١٢، ٩١٦، ن ١٣٩٢]\n١٠٨٨ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: \"كَانَ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ\"،\n===\nقال أبو عبد الله البخاري في \"صحيحه\" (١): الزوراء موضع بالسوق بالمدينة، وهو بفتح الزاي وسكون الواو بعدها راء ممدودة (فثبت الأمر على ذلك).\nقال الحافظ (٢): والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر، وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أن يريد أنه لم يكن في زمن النبي - ﷺ -، وكلما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون خلاف ذلك، وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي - ﷺ - فهو في بعض البلاد دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى.\n١٠٨٨ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة) الحرَّاني، (عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال) السائب: (كان يؤذن) بصيغة المجهول من التأذين (بين يدي) أي قُدَّام (رسول الله - ﷺ - إذا جلس على المنبر يوم الجمعة) أي للخطبة (على باب المسجد وأبي بكر وعمر) ولا منافاة بين قوله: \"بين يدي رسول الله - ﷺ -\" وبين \"على باب المسجد\"، فإن باب المسجد هذا كان في جهة الشمال، فإذا جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر للخطبة، يكون هذا الباب قدامه، فكونه بين يديه عام شامل لما كان في محاذاته، أو شيئًا منحرفًا إلى اليمين أو الشمال، أو يكون على الأرض أو الجدار.\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٧٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٤).","vol":"5","page":110},{"text":"ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ. [جه ١١٣٥، حم ٣/ ٤٤٩، خزيمة ١٨٣٧]\n١٠٨٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ السَّائِبِ قَالَ: \"لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ (١)، بِلَالٌ\"\n===\nوهذا الحديث استدل به على كراهة الأذان في المسجد، وقالوا: إن باب المسجد كان خارجًا منه، فأذن عليه، فيكره الأذان في الداخل، وقد صرح به صاحب \"العون\" (٢) ناقلًا عن شيخه صاحب \"غاية المقصود\"، وتمسك به رئيس أهل البدعة في زماننا أحمد رضا البريلوي (٣)، وأذاع الفتن والشرور في هذه المسألة، وكتب فيها الكتب والرسائل، ولي فيها رسالة (٤) وجيزة كتبت فيها هذه المسألة، وما يتعلق بها، وبحثت فيها من هذا الحديث والروايات الفقهية، فارجع إليها.\n(ثم ساق) محمد بن إسحاق ما بقي من الحديث (نحو حديث يونس).\n١٠٨٩ - (حدثنا هناد بن السري، نا عبدة، عن محمد - يعني ابن إسحاق -، عن الزهري، عن السائب قال: لم يكن لرسول الله - ﷺ - إلَّا مؤذن واحد بلال) فإن قلت: قد ثبت في \"الصحيح\" (٥). أن ابن أم مكتوم كان يؤذن له، فلذلك قال: \"فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم\"، وان من مؤذنيه أيضًا سعد القرظ وأبو محذورة والحارث الصدائي فكيف التوفيق بين الروايات.\nقلت: المراد أنه لم يكن لرسول الله - ﷺ - غير مؤذن واحد في الجمعة، ولم ينقل أن غير بلال كان يؤذن للجمعة، وأما سعد القرظ فجعله مؤذنًا لِقُباء،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مؤذنًا واحدًا\".\n(٢) \"عون المعبود\" (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥).\n(٣) المتوفى سنة ١٣٤٠ هـ، انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٤٩).\n(٤) تسمى \"تنشيط الآذان في تحقيق محل الأذان\" توجد عند تجَّار هذه النواحي. (ش).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٦١٧)، و\"صحيح مسلم\" (١٠٩٢).","vol":"5","page":111},{"text":"ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\n١٠٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ابْنَ أُخْتِ نَمِرٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: \"وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَيْرُ مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ\"، وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ. [خ ٩١٢، ن ١٣٩٤]\n===\nوأما أبو محذورة فكان مؤذنًا بمكة، وأما الحارث فإنه تعلم الأذان حتى يؤذن لقومه، قاله العيني (١).\nوقال الحافظ (٢): قال الإسماعيلي: لعل قوله: مؤذن واحد يريد به التأذين، فعبر عنه بلفظ المؤذن بدلالته عليه، انتهى. وما أدري ما الحامل له على هذا التأويل؟ فإن المؤذن الراتب هو بلال، وأما أبو محذورة وسعد القرظ فكان كل منهما بمسجده الذي رتب فيه، وأما ابن أم مكتوم فلم يرد أنه يؤذن إلَّا في الصبح، ويمكن أن يكون المراد بقوله: مؤذن واحد أي في الجمعة، فلا ترد الصبح مثلًا، انتهى.\n(ثم ذكر) أي عبدة (معناه) أي معنى حديث محمد بن سلمة المتقدم.\n١٠٩٠ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن صالح) بن كيسان، (عن ابن شهاب أن السائب بن يزيد ابن أخت نمر) صفة ثان للسائب، فإنه يعرف بابن أخت النمر، والنمر خال أبيه، وهو نمر بن جبل، ووهم من قال: إنه نمر بن قاسط، قاله الحافظ في \"الإصابة\" (٣) (أخبره، قال) السائب: (ولم يكن لرسول الله - ﷺ - غير مؤذن واحد) وهو بلال، (وساق) أي صالح (هذا الحديث وليس بتمامه) أي ليس حديث صالح تامًا كتمام حديث أصحاب الزهري مثل يونس\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٧٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٥).\n(٣) \"الإصابة\" (٣/ ٦٢).","vol":"5","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>(٢٢٨) بَابُ الإِمَامِ يُكَلِّمُ الرَّجُلَ في خُطْبَتِهِ</span>\n١٠٩١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الأَنْطَاكِىُّ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ (١) قَالَ (٢): «اجْلِسُوا»، فَسَمِعَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ».\n===\nومحمد بن إسحاق، فإنه روى هذا الحديث عن الزهري ستة من أصحابه غير صالح بن كيسان.\n\n(٢٢٨) (بَابُ الإمَامِ (٣) يُكَلِّمُ الرَّجُلَ في خُطْبَتِهِ)\nهل يجوز ذلك؟\n١٠٩١ - (حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، نا مخلد بن يزيد) القُرشي الحراني، صدوق له أوهام، (نا ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال: لما استوى) أي استقر (رسول الله - ﷺ -) على المنبر (يوم الجمعة) ورأى بعض الناس قيامًا (قال: اجلسوا، فسمع ذلك) أي أمر النبي - ﷺ - بالجلوس (ابن مسعود) وكان على باب المسجد (فجلس) هناك (على باب المسجد، فرآه) أي ابن مسعود (رسول الله - ﷺ - فقال) رسول الله - ﷺ -: (تعال) أي تقدم (يا عبد الله بن مسعود) ولعله دعاه - ﷺ - لأنه كان من فقهاء الصحابة -﵃-، وقد قال: \"ليليني منكم أولو الأحلام والنهى\" (٤)، ولا يلزم منه تخطي الرقاب فإنه لم يرد\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"على المنبر\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) ولا يسلم الخطيب عندنا ومالك، بخلاف الشافعي وأحمد إذ قالا بسنيته لروايات فيه، بسطها العيني. (\"عمدة القاري\" ٥/ ٨٦ - ٨٧). (ش).\n(٤) أخرجه مسلم (١٢٣)، وأبو داود (٦٧٥)، وأحمد (١/ ٤٥٧)، والترمذي (٢٢٨)، والدارمي (١٢٧١).","vol":"5","page":113},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا يُعْرَفُ مُرْسَلٌ (١)، إِنَّمَا رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-. وَمَخْلَدٌ هُوَ شَيْخٌ. [ق ٣/ ٢٠٥، ك ١/ ٢٨٣، خزيمة ١٧٨٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>(٢٢٩) بَابُ الْجُلُوسِ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ</span>\n١٠٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِى ابْنَ عَطَاءٍ -، عَنِ الْعُمَرِىِّ،\n===\nأن الصفوف وصلت إلى الباب حتى يلزم التخطي، وأن ابن مسعود كان على الباب يريد أن يتقدم فلما سمع أمره للجلوس جلس في فوره امتثالًا لأمره الشريف.\nقال القاري (٢): قال الطيبي: فيه دليل على جواز التكلم على المنبر، وعندنا كلام الخطيب (٣) في أثناء الخطبة مكروه، إذا لم يكن أمرًا بالمعروف، وقال ابن حجر: الظاهر أنه رأى أحدًا من الحاضرين قام ليصلي، فأمره بالجلوس لحرمة الصلاة على الجالس بجلوس الإِمام على المنبر إجماعًا.\n(قال أبو داود: هذا) الحديث (يعرف مرسل) أي أنه مرسل، والدليل على إرساله (إنما رواه الناس عن عطاء عن النبي - ﷺ -) مرسلًا، وخالفهم مخلد بن يزيد فرواه موصولًا (ومخلد هو شيخ) وهذا إشارة إلى توثيقه في الدرجة الأدني.\n\n(٢٢٩) (بَابُ الْجُلُوسِ) أي جلوس الإمام على المنبر (إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ)\n١٠٩٢ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبد الوهاب - يعني ابن عطاء -، عن العمري) هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مرسلًا\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥١١).\n(٣) وقال الشعراني في \"الميزان الكبرى\" (٢/ ١٦٩): أباح كلام الخطيب الإِمام مالك إذا كان لمصلحة الصلاة خلافًا للثلاثة، وينبغي أن يستدل بذلك على منع الخطبة بالهندية كما تصدى لذلك أهل ديارنا، وبحث عن ذاك في \"فتاوى مولانا عبد الحي\". (ش).","vol":"5","page":114},{"text":"عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ - أُرَاهُ (١) الْمُؤَذِّنُ - ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ\". [خ ٩٢٠، م ٨٦١، ن ١٤١٦، ق ٣/ ٢٠٥، قط ٢/ ٢٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>(٢٣٠) بَابُ الْخُطْبَةِ قَائِمًا</span>\n١٥٩٣ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا زُهَيْرٌ،\n===\nالخطاب العدوي المدني (عن نافع، عن ابن عمر قال: كان النبي - ﷺ - يخطب) للجمعة (خطبتين، كان) أي رسول الله - ﷺ - (يجلس) (٣) على المنبر (إذا صعد المنبر حتى يفرغ أراه المؤذن) من أذانه، وزاد لفظ \"أراه\" لأنه لم يقل أستاذه لفظ المؤذن، فيقول الراوي: أظن أنه أراد بفاعل يفرغ المؤذن.\n(ثم) أي بعد ما يفرغ المؤذن من الأذان (يقوم) أي رسول الله - ﷺ - (فيخطب) أي الخطبة الأولى (ثم يجلس) أي جلسة خفيفة (فلا يتكلم) أي في تلك الجلسة (ثم يقوم فيخطب) أي الخطبة الثانية.\n\n(٢٣٠) (بَابُ الخُطْبَةِ) (٤) أي خطبة الجمعة يخطب (قَائمًا)\n١٠٩٣ - (حدثنا النفيلي) هو (عبد الله بن محمد، نا زهير،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) وفي نسخة: \"عبد الله بن محمد النفيلي\".\n(٣) سنَّة عند الأربعة، ولا يصح نقل النووي وغيره عنا، كما أبطله العيني (٥/ ٧٣)، وكذا عن مالك، كما يظهر من الباجي. (انظر: المنتقى ١/ ١٨٨). (ش).\n(٤) ولم يبوب المصنف لحكم الخطبة، لعله لظهوره، فإنها واجبة عند الأربعة، خلافًا لمنكري التقليد. نعم، اختلفوا هل هي بدل من الركعتين؟ قال مالك: نعم، صرح به في \"المدونة\" (١/ ٣٨٤) انتهى، ومختلف عند الشافعية، كما في \"الفتح\" (٢/ ٤١٥)، وقال الشامي: لا، وعند الحنابلة بدل من الركعتين لا من الظهر، كما في \"نيل المآرب\" (ص ٩٥)، و\"الروض المربع\" (١/ ٢٩٠)، ظاهر ما سيأتي عن \"البدائع\" (١/ ٥٨٩) =","vol":"5","page":115},{"text":"عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ\n===\nعن سماك، عن جابر بن سمرة: أن رسول الله - ﷺ - كان يخطب) يوم الجمعة (قائمًا) على الأرض قبل بناء المنبر، فلما بني المنبر يخطب قائمًا عليه، وعليه العمل في جميع أمصار المسلمين.\nقال الشوكاني (١): واختلف في وجوبه، فذهب الجمهور إلى الوجوب (٢) ونقل عن أبي حنيفة (٣) أن القيام سنَّة وليس بواجب، واستدل الجمهور على الوجوب بحديث الباب وبغيره من الأحاديث الصحيحة، وأخرج ابن أبي شيبة (٤) عن طاووس قال: خطب رسول الله - ﷺ - قائمًا وأبو بكر وعمر وعثمان - ﵃ -، وأول من جلس على المنبر معاوية، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه، ولا شك أن الثابت عنه - ﷺ - وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال الخطبة، ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب كما عرفت غير مرة، انتهى.\nقلت: قال في \"البدائع\" (٥): ومنها أن يخطب قائمًا فالقيام سنَّة، وليس بشرط حتى لو خطب قاعدًا يجوز عندنا لظاهر النص، وكذا روي عن عثمان -﵁ - أنه كان يخطب قاعدًا حين كبر وأسن، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة إلَّا أنه مسنون في حال الاختيار لأن النبي - ﷺ - كان يخطب قائمًا.\n(ثم يجلس) بعد الخطبة الأولى على المنبر جلسة خفيفة (ثم يقوم) على\n_________\n= نعم، وإليه مال ابن العربي (انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٢٩٤، ٣٠٠). (ش).\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٥٩).\n(٢) وهو مختار صاحب \"العارضة\"، (انظر: \"عارضة الأحوذي\" ٢/ ٢٩٥). (ش).\n(٣) وأحمد كما في \"الميزان\" (١/ ٢٤٥)، وهو مختار متونه، كما في \"الأوجز\" (٢/ ٤٠٤) وهما قولان للمالكية كما في \"الدسوقي\" (١/ ٣٧٩)، انتهى. (ش).\n(٤) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١١٢، ١١٣).\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٩٢).","vol":"5","page":116},{"text":"فَيَخْطُبُ قَائِمًا،\n===\nالمنبر (فيخطب قائمًا) قال الشوكاني (١): واختلف في الجلوس بين الخطبتين، فذهب الشافعي والإمام يحيى إلى وجوبه. وذهب الجمهور إلى أنه غير واجب، استدل من أوجب ذلك بفعله - ﷺ - وقوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\"، وقد قدمنا الجواب عن مثل هذا الاستدلال، وأنه غير صالح لإثبات الوجوب.\nوقد اختلف في وجوب الخطبتين، فذهب إلى وجوبهما العترة والشافعي (٢)، وحكى العراقي في شرح \"الترمذي\" عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وأحمد بن حنبل - في رواية -: أن الواجب خطبة واحدة، قال: وإليه ذهب جمهور العلماء. ولم يستدل من قال بالوجوب إلَّا بمجرد الفعل مع قوله: \"صلُّوا كما رأيتموني\" الحديث. وقد عرفت أن ذلك لا ينتهض لإثبات الوجوب، انتهى.\nقلت: استدل (٣) الحنفية على وجوب الخطبة وكونها شرطًا بوجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) والخطبة ذكر الله، فتدخل في الأمر بالسعي لها من حيث أنه ذكر الله، أو المراد بالذكر الخطبة، وقد أمر بالسعي إلى الخطبة، فدل على وجوبها وكونها شرطًا لانعقاد الجمعة.\nوالثاني: ما روي عن عمر وعائشة -رضي الله تعالى عنهما- أنهما قالا:\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٥٦).\n(٢) وأحمد في المشهور، كما في حاشية \"نيل المآرب\" (١/ ٢٦٥)، و\"المغني\" (٣/ ١٧٠). (ش).\n(٣) يشكل على هذا الاستدلال أن مقتضى الاختلاف السابق الاستدلال على وجوب وحدة الخطبة، وكلام \"البدائع\" حجة لإيجاب مطلقها لا وحدتها، (ش).\n(٤) سورة الجمعة: الآية ٩.","vol":"5","page":117},{"text":"فَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَالَ: فَقَدْ - وَاللَّهِ - صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَىْ صَلَاةٍ\". [م ٨٦٢، ن ١٤١٥، جه ١١٠٥، حم ٥/ ١٠٠]\n١٠٩٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: \"كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ (١) بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ\n===\n\"إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة\"، أخبرا أن شطر الصلاة سقط لأجل الخطبة، وشطر الصلاة كان فرضًا، فلا يسقط إلَّا لتحصيل ما هو فرض.\nوالثالث: أن ترك الظهر بالجمعة عرف بالنص، والنص ورد بهذه الهيئة وهي وجوب الخطبة، كذا في \"البدائع\" (٢).\n(فمن حدثك أنه) أي رسول الله - ﷺ - كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقال) أي جابر بن سمرة: (فقد - والله - صليت معه) أي مع رسول الله - ﷺ - (أكثر من ألفي صلاة) قال الشوكاني (٣): قال النووي: المراد الصلوات الخمس لا الجمعة، انتهى، ولا بد من هذا لأن الجمع التي صلاها - ﷺ - من عند افتراض صلاة الجمعة إلى عند موته لا تبلغ ذلك المقدار ولا نصفه.\n١٠٩٤ - (حدثنا إبراهيم بن موسى) أبو إسحاق الفراء الرازي يلقب بالصغير (وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن أبي الأحوص) سلام بن سليم، (نا سماك) بن حرب، (عن جابر بن سمرة قال: كان لرسول الله - ﷺ - خطبتان) يوم الجمعة (يجلس بينهما) و(يقرأ القرآن) أي في الخطبة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"كان يجلس\".\n(٢) (١/ ٥٨٩).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٥٩).","vol":"5","page":118},{"text":"وَيُذَكِّرُ النَّاسَ\". [م ٨٦٢، دي ١٥٥٧، جه ١١٠٦، ن ١٥٨٤، حم ٥/ ٩٤]\n١٠٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ قَعْدَةً لَا يَتَكَلَّمُ\"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [ن ١٠٨٣، حم ٥/ ٩٧]\n===\n(ويُذَكِّرُ الناس) (١) أي يعظهم، فقراءة القرآن في الخطبة عندنا سنَّة، وعند الشافعي شرط، والصحيح مذهبنا، لأن الله تعالى أمر بالذكر مطلقًا عن قيد القعدة والقراءة، فلا تجعل شرطًا للخبر الواحد، لأنه يصير ناسخًا لحكم الكتاب، وأنه لا يصلح ناسخًا له، ولكن يصلح مكملًا له، فقلنا: إن قدر ما ثبت بالكتاب يكون فرضًا، وما ثبت بالخبر الواحد يكون سنَّة عملًا بهما بقدر الإمكان، كذا في \"البدائع\" (٢).\n١٠٩٥ - (حدثنا أبو كامل) فضيل بن حسين، (نا أبو عوانة) الوضَّاح اليشكري، (عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: رأيت النبي - ﷺ - يخطب قائمًا ثم يقعد قعدة) خفيفة (لا يتكلم) في القعدة (وساق) أبو عوانة (الحديث).\nوقد أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٣) هذا الحديث تامًا من طريق عفان، ثنا أبو عوانة، ثنا سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يخطب قائمًا، ثم يقعد قعدة، لا يتكلم، ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى على منبره، فمن حدثك أنه يراه يخطب قاعدًا فلا تصدقه.\n_________\n(١) قال الشعراني في \"الميزان\" (٢/ ١٧٧): قال الشافعي ومالك في أرجح قوله: إن للخطبة خمسة أركان، التحميد، والصلاة، والوعظ، والقرآن، والدعاء، وقال الصاحبان: الكلام الطويل، وقال الإِمام: بالذكر مطلقًا كما في \"الهداية\" (١/ ٨٢)، وهو رواية مالك وأحمد مع الأولين كما في حاشية \"نيل المآرب\" (١/ ١٩٨)، وزيادة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠] في آخر الخطبة من عمر بن عبد العزيز، قاله القاري (٣/ ٣٧٢). (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٩٠).\n(٣) انظر: \"مسند أحمد\" (٥/ ٨٩، ٩٠).","vol":"5","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>(٢٣١) بَابُ الرَّجُلِ يَخْطُبُ عَلَى قَوْسٍ</span>\n١٠٩٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنا (١) شُعَيْبُ بْنُ رُزَيْقٍ الطَّائِفِىُّ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى رَجُلٍ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُقَالُ لَهُ: الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ الْكُلَفِىُّ،\n===\n\n(٢٣١) (بَابُ الرَّجُلِ يَخْطُبُ) متكئًا (عَلَى قَوْسٍ)\n١٠٩٦ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا شهاب بن خراش) بكسر المعجمة ثم راء مهملة، قال الشوكاني (٢): الحديث في إسناده شهاب بن خراش أبو الصلت، وقد اختلف فيه، فقال ابن المبارك: ثقة، وقال أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن حبان كان رجلًا صالحًا، وكان ممن يخطئ كثيرًا حتى خرج عن الاعتداد به، قال الحافظ: والأكثر وثقوه، انتهى.\n(حدثنا شعيب بن رزيق) بتقديم الراء على الزاي مصغرًا (الطائفي) الثقفي، قال ابن معين: ليس به بأس، قال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال) شعيب: (جلست إلى رجل له صحبة من رسول الله - ﷺ - يقال له: الحكم (٣) بن حزن الكلفي) قال في \"الأنساب\" (٤): بضم الكاف وفتح اللام وفي آخرها الفاء، هذه النسبة إلى كلفة بطن من تميم، قاله البخاري، منهم الحكم بن حزن الكلفي، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الإصابة\" (٥): ويقال: من بني كلفة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، وهو قول خليفة في آخرين، قال مسلم: لم يرو عنه إلَّا شعيب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثني\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٦٠).\n(٣) قال السيوطي: ليس له إلَّا هذا الحديث، كذا في حاشية \"أبي داود\"، وحاشية \"التهذيب\" (٢/ ٤٢٥). (ش).\n(٤) \"الأنساب\" (٥/ ٨٨).\n(٥) (٦/ ٢٥٧).","vol":"5","page":120},{"text":"فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا قَالَ: وَفَدْتُ إِلَى رَسُولِ (١) اللَّهِ -ﷺ- سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ تَاسِعَ تِسْعَةٍ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زُرْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ. فَأَمَرَ بِنَا، أَوْ أَمَرَ لَنَا بِشَىْءٍ مِنَ التَّمْرِ، وَالشَّأْنُ إِذْ ذَاكَ دُونٌ، فَأَقَمْنَا بِهَا أَيَّامًا شَهِدْنَا فِيهَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ،\n===\n(فأنشأ) أي فشرع (يحدثنا قال) الحكم: (وفدت) أي ذهبت وافدًا (إلي رسول الله - ﷺ - سابع سبعة) أي في سبعة أنا سابعهم (أو) للشك من الراوي (تاسع تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله زرناك) أي أتيناك زائرين، وللزائر حق (فادع الله لنا بخير، فأمر بنا أو أمر لنا) أو للشك من الراوي، والمأمور بعض الخادمين من الصحابة (بشيء) أي بقليل (من التمر، والشأن) أي والحال (إذ ذاك) أي في ذاك الزمان (دون) أي ضعيفة، وهذا اعتذار من قلة التمر (فأقمنا بها) أي بالمدينة (أيامًا شهدنا) أي حضرنا (فيها) أي المدينة (الجمعة) أي صلاتها (مع رسول الله - ﷺ - فقام متوكئًا) (٢) قال في \"الجمع\" (٣): التوكؤ على العصا هو التحامل عليها، وقال في \"القاموس\" (٤): توكأ عليه تَحَمَّلَ واعتمد (على عصا أو قوس) أو للشك من الراوي.\nوقال علماء الحنفية: وإذا قام يكون السيف بيساره متكئًا عليه في كل بلدة فتحت عنوة ليريهم أنها فتحت بالسيف، فإذا رجعتم عن الإِسلام فذاك باق بأيدي المسلمين يقاتلونكم به حتى ترجعوا إلى الإِسلام، ويخطب بدونه أي السيف في كل بلدة فتحت صلحًا، ومدينة الرسول - ﷺ - فتحت بالقرآن فيخطب فيها بلا سيف، ومكة فتحت بالسيف، كذا في \"مراقي الفلاح\" (٥).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) ذكر في \"المنهل\" إختلافهم في أي اليدين يأخذ القوس وما يفعل بالأخرى. (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٠٩).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (١/ ١٤٨).\n(٥) انظر: \"مراقي الفلاح\" (ص ٣٣٤).","vol":"5","page":121},{"text":"فحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّبَاتٍ مُبَارَكَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا» (١). سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ قَالَ: ثَبَّتَنِى فِى شَىْءٍ مِنْهُ بَعْضُ أصحابي (٢)، [وَقَدْ كَانَ انْقَطَعَ مِنَ الْقُرطَاس]. [حم ٤/ ٢١٢، خزيمة ١٤٥٢، ق ٣/ ٢٠٦]\n===\nوقال الطحطاوي عليه: وفيه إشارة إلى أنه يكره الاتكاء على غيره كعصًا وقوس، \"خلاصة\" لأنه خلاف السنَّة \"محيط\"، وناقش فيه ابن أمير الحاج بأنه ثبت أنه - ﷺ - كان خطيبًا بالمدينة متكئًا على عصا أو قوس، كما في \"أبي داود\"، وكذا رواه البراء بن عازب عنه - ﷺ -، وصححه ابن السكن، انتهى.\n(فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات) كلها إما منصوبات بنزع الخافض، أي حمد الله وأثنى عليه بكلمات أو خطب بكلمات، ويحتمل أن تكون مرفوعة خبر لمبتدأ محذوف وهو الخطبة.\n(ثم قال: أيها الناس إنكم لن تطيقوا أو لن تفعلوا) أو للشك من الراوي (كل ما أمرتم به) أي ليس لكم طاقة أن تؤدوا جميع ما أمرتم به (ولكن سددوا) أي اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة، وهو القصد في الأمر والعدل فيه (وأبشروا) من الإبشار، وفي نسخة: وبشروا من التبشير، أي وأبشروا بالثواب على العمل وإن قل.\n(سمعت أبا داود) وفي نسخة: قال أبو علي وهو اللؤلؤي تلميذ أبي داود (قال) أي أبو داود: (ثبتني في شيء) أي كلمات (منه) أي من هذا الحديث (بعض أصحابي) أي الذين كانوا معي في مجلس التحديث (وقد كان انقطع من القرطاس).\nحاصله أن أبا داود لم يسمع بعض كلمات الحديث من لفظ شيخه سماعًا حسنًا ولهذا لم يكتبه في القرطاس، فثبته بعض أصحابه فكتبه بقولهم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو علي\".\n(٢) وفي نسخة: \"أصحابنا\".","vol":"5","page":122},{"text":"١٠٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ (١)، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ أَبِى عِيَاضٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٢): أَنَّ رَسُولَ (٣) اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا تَشَهَّدَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ،\n===\n١٠٩٧ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو عاصم، نا عمران) القطان كما في نسخة، (عن قتادة، عن عبد ربه) بن أبي يزيد، ويقال: ابن يزيد، ويقال: عبد رب، روى عن أبي عياض، وعنه قتادة، روى له أبو داود حديثًا في الخطبة، والنسائي آخر في الصائم يصبح جنبًا.\nقلت: قال علي بن المديني: عبد ربه الذي روى عنه قتادة مجهول، لم يرو عنه غير قتادة، وقال البخاري في \"تاريخه\": نسبه همام، وقال علي: عرفه ابن عيينة قال: كان يبيع الثياب، انتهى، قاله الحافظ (٤).\n(عن أبي عياض) المدني عن ابن مسعود، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، روى قتادة عن عبد ربه عنه، قال مسلم في الكنى: أبو عياض عمرو بن الأسود سمع معاوية، وعنه خالد بن معدان، وقيل: اسمه قيس ابن ثعلبة، (عن ابن مسعود: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تشهد) أي خطب (قال: الحمد لله) نحمده و(نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"القطان\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٣٠).","vol":"5","page":123},{"text":"مَنْ يُطِعِ الله وَرَسولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا\n===\nيدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما).\nقال الشوكاني (١): فيه جواز التشريك بين ضمير الله تعالى ورسوله، ويؤيد ذلك ما ثبت في \"الصحيح\" (٢) عنه - ﷺ - بلفظ: \"أن يكون الله تعالى ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما\"، وما ثبت - أيضًا- أنه - ﷺ - أمر مناديًا ينادي يوم خيبر \"إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية\".\nوأما في \"صحيح مسلم\" و\"سنن أبي داود\" و\"النسائي\" (٣) من حديث عدي بن حاتم: أن خطيبًا خطب عند النبي - ﷺ - فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله تعالى ورسوله فقد غوى\"، فمحمول على ما قال النووي من أن سبب الإنكار عليه، أن الخطبة شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، قال: ولهذا ثبت أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه.\nقال: وإنما ثنى الضمير في مثل قوله: \"أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما\"، لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظها، وإنما يراد الاتعاظ بها، ولكنه يرد عليه أنه قد وقع الجمع بين الضميرين منه - ﷺ - في حديث الباب، وهو وارد في الخطبة لا في تعليم الأحكام (٤).\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٥٤).\n(٢) أخرجه البخاري (١٦، ٦٩٤١)، ومسلم (٤٣).\n(٣) انظر: \"صحيح مسلم\" (٨٧٠)، و(سنن أبي داود) (١٠٩٩)، و\"سنن النسائي\" (٣٢٧٩).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٢٦).","vol":"5","page":124},{"text":"فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّ الله شَيْئًا\". [جه ١٨٩٢، ن ١٤٠٤، ت ١١٠٥، حم ١/ ٣٠٢]\n١٠٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ تَشَهُّدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وقَالَ: «وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، وَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يُطِيعُهُ وَيُطِيعُ رَسُولَهُ، وَيَتَّبِعُ رِضْوَانَهُ، وَيَجْتَنِبُ سَخَطَهُ، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَلَهُ\". [انظر سابقه]\n===\nوقال القاضي عياض وجماعة من العلماء: إن النبي - ﷺ - إنما أنكر على الخطيب تشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا (١) لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال - ﷺ - في الحديث الآخر: \"لا يقول أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم ما شاء فلان\"، ويرد على هذا ما قدمنا من جمعه - ﷺ - بين ضمير الله وضميره، ويمكن أن يقال: إن النبي - ﷺ - إنما أنكر على ذلك الخطيب التشريك، لأنه فهم منه اعتقاد التسوية [فنبّهه] على خلاف معتقده، وأمره بتقديم اسم الله تعالى على اسم رسوله ليعلم بذلك فساد ما اعتقده (فإنه لا يضر إلَّا نفسه ولا يضر الله شيئًا).\n١٠٩٨ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، أنا ابن وهب) عبد الله، (عن يونس أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن تشهد) أي خطبة (رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة، فذكر) أي ابن شهاب (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (وقال) وهذا بيان الاختلاف في هذا الحديث وفي الحديث المتقدم، ولفظ هذا الحديث: (ومن يعصهما فقد غوى) ثم زاد: (ونسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويجتنب سخطه، فإنما نحن به وله) قلت: وهذا الحديث مرسل.\n_________\n(١) وفي الأصل: \"تقديسًا\" وهو خطأ، والصواب: \"تعظيمًا\".","vol":"5","page":125},{"text":"١٠٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمٍ الطَّائِىِّ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يَعْصِهِمَا، فَقَالَ: «قُمْ - أَوِ اذْهَبْ - بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ». [م ٨٧٠، ن ٣٢٧٩، حم ٤/ ٢٥٦]\n===\n١٠٩٩ - (حدثنا مسدد، يحيى، عن سفيان بن سعيد) الثوري، (حدثني عبد العزيز بن رفيع، عن تميم) بن طرفة بفتح الطاء والراء والفاء (الطائي) المسلمي بضم الميم وسكون المهملة، (عن عدي بن حاتم، أن خطيبًا) لم يعرف اسمه (خطب عند النبي - ﷺ - فقال) أي في خطبته: (من يطع الله ورسوله) فقد رشد (ومن يعصهما، فقال) رسول الله - ﷺ -: (قم أو اذهب) أو للشك من الراوي (بئس الخطيب أنت).\nقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من خصائصه - ﷺ - جواز [الجمع] في الضمير بينه وبين ربه تعالى كقوله: \"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\"، وقوله: \"ومن يعصهما فإنه ... إلخ\"، وهو ممتنع لغيره، فلذا أنكر على الخطيب، وإنما امتنع على غيره لأنه إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق له إيهامه، قال في \"الفصول المفيدة في الواو المزيدة\": قيل: في الجمع بين هذه الأحاديث وجوه:\nالأول: أنه خاص به - ﷺ - إذ يعطي مقام الربوبية حقه، ولا يتوهم فيه تسوية له بما عداه أصلًا، بخلاف أمته فإنه مظنة التسوية عند الإطلاق، والجمع بين الضمائر بين اسم الله وغيره، فلذا جمعهما بضمير واحد، وأمر الخطيب بالإفراد لإيهامه التسوية بجمعهما، ويرد عليه أن حديث ابن مسعود فيه تعليمه - ﷺ - أمته تلك الخطبة ليقولوها عند الحاجة، وفيه: ومن يعصهما، فيدل على عدم الخصوصية به، قلت: وأيضًا والخصوصيات لا تثبت بالاحتمال.","vol":"5","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالثاني: أن النبي - ﷺ - حيث أنكر على الخطيب كان هناك من يتوهم منه التسوية بين المقامين بجمعه الاسمين بضمير واحد، وحيث لم يكن من يلتبس عليه أتي بضمير الجمع.\nالثالث: أن منعه لم يكن بتحتم بدليل الأحاديث الآخر، بل على وجه ندب وإرشاد إلى الأولوية، لأن بإفراد اسمه تعالى من التعظيم ما يليق بجلاله.\nالرابع: أن إنكاره خاص بالخطيب المذكور، ومن على مذهبه، فكأنه - ﷺ - فهم من حاله أنه لم يجمع بينهما إلَّا لظنه التسوية بينهما في المقام، ولعل هذا الجواب هو الأقوى، كذا في \"الدرجات\" (١).\nقلت: وهذه الوجوه كلها مرجعها إلى أن الإنكار على الخطيب لأجل الجمع بين الله ورسوله في الضمير، وهذه الوجوه كلها كما ترى مدخولة، واختار الإِمام الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢) طريقًا بديعًا فقال: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - مما يدل على أنه لا ينبغي للرجل في كلامه أن يقطعه إلَّا على ما يحسن قطعه عليه ولا يحول به معناه عما تكلم به من أجله، ثم ساق حديث تميم بن طرفة عن عدي بن حاتم، قال: جاء رجلان إلى رسول الله - ﷺ - فشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، فقال رسول الله - ﷺ - \"بئس الخطيب أنت، قم\". قال: فكان المعنى عندنا- والله أعلم- أن ذلك يرجع إلى معنى التقديم والتأخير فيقول: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ثم يبتدأ بقوله: \"ومن يعصهما فقد غوى\" وإلَّا عاد وجهه إلى التقديم والتأخير الذي ذكرنا، كمثل ما عاد إليه معنى قوله ﷿: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ\n_________\n(١) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٧١ - ٧٢).\n(٢) \"مشكل الآثار\" (٨/ ٣٧١).","vol":"5","page":127},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوَإِسْمَاعِيلُ﴾ (١) على معنى قوله ﷿: وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت ... إلخ.\nوحاصل هذا الكلام أن الخطيب توقف على قوله: \"ومن يعصهما\" وقطعه عن الجزاء فأوهم أن هذا عطف على لفظ: \"ومن يطع الله ورسوله\"، فيكون حينئذ لفظ \"فقد رشد\" جزاءً لكليهما، وحينئذ يفسد المعنى.\nقلت: وهذا التوجيه منحصر فيما إذا لم يكن بعد قوله: \"ومن يعصهما\" لفظ \"فقد غوى\" في الروايات، وأما إذا كان في الرواية هذا اللفظ، فلا يتمشى هذا التوجيه.\nثم رأيت \"صحيح مسلم\" (٢) وفيه أخرج هذا الحديث من طريق وكيع عن سفيان عن عبد العزيز بن رفيع ولفظه: \"أن رجلًا خطب عند النبي - ﷺ - فقال: ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله - ﷺ -: بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله\"، قال ابن نمير: فقد غوى، وفيه تصريح بأن الخطيب لم يقف على قوله: \"ومن يعصهما\" ولم يقطعه عما بعده من الجزاء، وفي قول رسول الله - ﷺ - في إنكاره عليه تصريح بأنه أرشده إلى الإفراد بين ضمير الله وضمير رسوله - ﷺ -.\nفإن قلت: لعل الخطيب توقف بين الشرط والجزاء وهو موهم بفساد المعنى.\nقلت: إن كان التوقف لحاجة دعت إليه كالتنفس والسعال فهو غير قاطع شرعًا، وإن كان من غير حاجة فهو بعيد من الخطيب الماهر بأساليب الكلام والعارف باللسان.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٢٧.\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٨٧٠).","vol":"5","page":128},{"text":"١١٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنْ بِنْتِ (١) الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: \"مَا حَفِظْتُ ﴿ق﴾ إلَّا مِنْ فِى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، كَانَ يَخْطُبُ (٢) بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ\n===\n١١٠٠ - (حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر) غندر، (نا شعبة، عن خبيب) بن عبد الرحمن، (عن عبد الله بن محمد بن معن) المدني الغفاري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وليس له في الكتابين \"أبي داود\" و\"مسلم\" غير هذا الحديث، (عن بنت الحارث بن النعمان) هكذا في رواية محمد بن جعفر، والمشهور بل الصواب: بنت الحارثة بن النعمان كما يأتي عن أبي داود في الرواية عن روح بن عبادة عن شعبة، وعن ابن إسحاق، وهي أم هشام أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، روت عنها أختها عمرة.\n(قالت: ما حفظت) سورة (\"ق\" إلَّا من في) أي من لسان (رسول الله - ﷺ - يخطب بها) أي يقرؤها في الخطبة (كل جمعة) قال الشوكاني (٣): لا خلاف في استحباب قراءة القرآن في الخطبة، وإنما الخلاف في الوجوب، وقد اختلف في محل القراءة على أربعة أقوال:\nالأول: في إحداهما لا بعينها، وإليه ذهب الشافعي، وهو ظاهر إطلاق الأحاديث.\nوالثاني: في الأولى، وإلى هذا ذهبت الهادوية وبعض أصحاب الشافعي، واستدلوا بما رواه ابن أبي شيبة (٤) عن الشعبي مرسلًا قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: السلام عليكم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ابنة\".\n(٢) وفي نسخة: \"كان يخطب\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٥٨).\n(٤) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١١٤).","vol":"5","page":129},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويحمد الله تعالى ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه.\nوالقول الثالث: أن القراءة مشروعة فيهما جميعًا، وإلى ذلك ذهب العراقيون من أصحاب الشافعي، قال العراقي: وهو الذي اختاره القاضي من الحنابلة.\nوالرابع: في الخطبة الثانية دون الأولى، حكاه العمراني، ويدل عليه ما رواه النسائي (١) عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، ويقرأ آيات، ويذكر الله ﷿، قال العراقي: وإسناده صحيح، وأجيب عنه بأن قوله: \"يقرأ\" معطوف على قوله: \"يخطب\" لا على قوله: \"يقوم\".\nوالظاهر من أحاديث الباب أن النبي - ﷺ - كان لا يلازم قراءة سورة أو آية مخصوصة في الخطبة، بل كان يقرأ مرة هذه السورة، ومرة هذه، ومرة هذه الآية، ومرة هذه، انتهى.\nقال: ومذهب الحنفية في هذه المسألة أن قراءة القرآن يسن في الأولى منهما، قال في \"مراقي الفلاح\" (٢): ويسن بداءته بحمد الله بعد التعوذ في نفسه سرًا، والثناء عليه بما هو أهله، والشهادتان وصلاة على النبي - ﷺ - والتذكير وقراءة آية من القرآن لما روي أنه - ﷺ - قرأ في خطبته: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، ثم قال: وسن إعادة الحمد والثناء وإعادة الصلاة على النبي - ﷺ - في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء فيها للمؤمنين والمؤمنات مكان الوعظ.\nوقال في \"البدائع\" (٣): وأما سنن الخطبة فمنها أن يخطب خطبتين على\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (١٤١٨).\n(٢) \"مراقي الفلاح\" (ص ٣٣٤).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٩١).","vol":"5","page":130},{"text":"قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَتَنُّورُنَا وَاحِدًا\". [م ٨٧٣، ن ١٤١٣، حم ٦/ ٦٣، خزيمة ١٧٨٦، ق ٣/ ٢١١، ك ١/ ٢٨٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: بِنْتِ (١) حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أُمُّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ.\n===\nما روي عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: ينبغي أن يخطب خطبة خفيفة يفتتح فيها بحمد الله تعالى ويثني عليه، ويتشهد ويصلي على النبي - ﷺ - ويعظ، ويذكر، ويقرأ سورة، ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم، فيخطب خطبة أخرى، يحمد الله وُيثني عليه، ويصلي على النبي - ﷺ -، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويكون قدر الخطبة قدر سورة من طوال المفصل، انتهى.\nقلت: وظاهره أن قراءة القرآن سنَّة في الأولى من الخطبتين، ولكن حكى صاحب \"البحر\" عن \"التجنيس\"، قال: قال في \"التجنيس\": أن الثانية كالأولى إلَّا أنه يدعو للمسلمين مكان الوعظ، وظاهره أنه يسن قراءة آية في الثانية كالأولى، انتهى.\n(قالت) أي بنت حارثة: (وكان تنور رسول الله - ﷺ - وتنورنا واحدًا) قال النووي: إشارة إلى حفظها ومعرفتها لأحوال النبي - ﷺ - وقربها من منزله.\n(قال أبو داود: قال روح (٢) بن عبادة، عن شعبة قال: بنت حارثة بن النعمان) بزيادة التاء في حارث، (وقال ابن إسحاق (٣): أم هشام بنت حارثة بن النعمان) بزيادة كنيتها وزيادة التاء في حارث.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ابنة\".\n(٢) أورد روايته البوصيري في \"إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة\" (٣/ ٣٩) رقم (٢١٩٣)، وعزاه إلى أحمد بن منيع في \"مسنده\".\n(٣) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٣٥)، ومُسلم في \"صحيحه\" (٨٧٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٨٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢١١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١١٥).","vol":"5","page":131},{"text":"١١٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِى سِمَاكٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: \"كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا، يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ\". [م ٨٦٦، ت ٥٠٧، ن ١٤١٨، جه ١١٠٦، حم ٥/ ٨٦]\n===\nحاصل هذا الكلام أن روحًا عن شعبة ومحمد بن إسحاق ذكرا حارثة بزيادة التاء على خلاف ما ذكر محمد بن جعفر من غير التاء، فقول محمد بن جعفر خلاف الصواب.\nقلت: وقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" (١) وأحمد في \"مسنده\" (٢) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة بهذا السند، وفيهما عن بنت لحارثة بن النعمان، هذا لفظ مسلم، وعن ابنة حارثة بن النعمان وهذا لفظ أحمد، فما روى أبو داود في رواية محمد بن جعفر بدون حرف التاء، فلعل محمد بن جعفر روى بلفظين: مرة بالتاء، ومرة بتركها، وبلغ أبا داود بدون التاء، والله أعلم.\n١١٠١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن سفيان) الثوري (قال: حدثني سماك، عن جابر بن سمرة قال: كانت صلاة رسول الله - ﷺ -) والمراد بالصلاة العام الشامل للجمعة وغيرها بدليل أن مسلمًا (٣) روى هذا الحديث، ولفظه: \"قال: كنت أصلي مع النبي - ﷺ - الصلوات، فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا\" (قصدًا) القصد في الشيء الاعتدال والاقتصاد فيه وترك التطويل، قال النووي (٤): أي بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق، وإنما كانت صلاته - ﷺ - وخطبته كذلك، لئلا يمل الناس، واختلف في أقل ما يجزئ على أقوال مبسوطة في كتب الفقه (وخطبته قصدًا، يقرأ آيات من القرآن) أي في الخطبة (ويذكر الناس) أي يعظهم.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح مسلم\" (٨٧٣).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٦/ ٤٦٣).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٨٦٦).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٢٢).","vol":"5","page":132},{"text":"١١٠٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُخْتِهَا قَالَتْ: \"مَا أَخَذْتُ ﴿ق﴾ إلَّا مِنْ فِى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، كَانَ يَقْرَؤُهَا فِى كُلِّ جُمُعَةٍ\". [م ٨٧٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ (١): كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَابْنُ أَبِى الرِّجَالِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ.\n===\n١١٠٢ - (حدثنا محمود بن خالد، نا مروان) الطاطري، (نا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري، (عن عمرة) بنت عبد الرحمن، (عن أختها) لأمها أم هشام بنت حارثة بن النعمان (قالت: ما أخذت ﴿ق﴾ إلَّا من في رسول الله - ﷺ -، كان يقرؤها في كل جمعة) أي في خطبتها، ويحتمل أنه - ﷺ - يقرؤها تامة، أو يقرأ بعضها في جمعة، ثم يقرأ البعض الآخر في جمعة أخرى.\n(قال أبو داود: كذا) أي كما رواه سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد كذا (رواه يحيى بن أيوب) الغافقي، أخرج حديثه مسلم (٢) وكذا أبو داود كما سيأتي (وابن أبي الرجال) (٣) عبد الرحمن بن أبي الرجال بكسر الراء، ثم جيم، محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري المدني، كان ينزل بعض ثغور الشام، صدوق ربما أخطأ، أخرج حديثه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٤)، لكن لفظه: \"قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلَّا من وراء النبي - ﷺ - كان يصلي بها في الصبح\".\n(عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن عمرة، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال اللؤلؤي: سمعت أبا داود\".\n(٢) انظر: \"صحيح مسلم\" (٢/ ٨٧).\n(٣) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٦٣)، والنسائي في \"سننه\" (٢/ ١٥٧).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٦/ ٤٦٣).","vol":"5","page":133},{"text":"١١٠٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا، بِمَعْنَاهُ.\n===\nقلت: قد تقدم أن حديث ابن أبي الرجال الذي عند أحمد فيه قراءة سورة \"ق\" في صلاة الصبح، وأما في حديث سليمان بن بلال عند أبي داود ومسلم، وحديث يحيى بن أيوب عند مسلم، وقعت قراءة سورة \"ق\" في خطبة الجمعة، فقول أبي داود، \"كذا رواه ابن أبي الرجال\" بتمثيل حديث ابن أبي الرجال بحديث يحيى بن أيوب وسليمان بن بلال غير مستقيم، ولو ورد التمثيل إلى السند فهو أيضًا بعيد عن الفهم، لأنه ليس فيه شائبة الاختلاف.\n١١٠٣ - (حدثنا ابن السرح) أحمد بن عمرو، (أنا ابن وهب) عبد الله، (أخبرني يحيى بن أيوب) الغافقي، (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن عمرة) بنت عبد الرحمن، (عن أخت لعمرة بنت عبد الرحمن) واسمها أم هشام بنت حارثة بن النعمان (كانت) أم هشام بنت حارثة (أكبر منها) أي من عمرة، لأن أم هشام صحابية وعمرة تابعية (بمعناه) أي بمعنى حديث سليمان بن بلال.\nوقد استشكل صاحب \"العون\" (١) بأن أم هشام هي بنت حارثة بن النعمان بن نقع بن زيد الأنصاري الخزرجي، وعمرة هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، فكيف تكون أختها؟، ثم أجاب عنه بأن المراد أختها من الرضاعة، أو من القرابة البعيدة، فلا إشكال.\nقلت: لعله لم يقف على ما صرح به الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢) بأنها أختها لأمها، فلا إشكال فيه.\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٣/ ٣١٧).\n(٢) انظر: (١٢/ ٤٣٨ - ٤٨١).","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>(٢٣٢) بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ عَلَى الْمِنبرِ</span>\n١١٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: \"رَأَى عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ وَهُوَ يَدْعُو\n===\n\n(٢٣٢) (بَابُ رَفْعِ (١) الْيَدَيْنِ عَلَى المِنْبَرِ)\nأي عند القيام على المنبر في الخطبة، والمراد برفع اليدين الرفع الذي (٢) يكون عند مخاطبة الناس للتنبيه، كما هو عادة الخطباء. والوعاظ، لا الرفع الذي يكون عند التحريمة والدعاء\n١١٠٤ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس، نا زائدة) بن قدامة، (عن حصين بن عبد الرحمن) السلمي (قال: رأى عمارة) بضم عين وتخفيف ميم، وبراء (ابن رويبة) بضم راء، وفتح واو وموحدة مصغرًا، أبو زهير، صحابي، نزل الكوفة، وعمارة بن رويبة الراوي عن علي أنه خيره بين أبيه وأمه، وهو صغير، فاختار أمه هو آخر، وهو جرمي (٣) كان صغيرًا في زمن علي، فليس بصحابي، ووهم من خلطه بالذي قبله.\n(بشر بن مروان) هو أخو عبد الملك بن مروان بن الحكم، كان أميرًا على الكوفة، وعمارة بن رويبة - ﵁ - أيضًا كوفي، فيوهم هذا أن هذه القصة وقعت بجامع الكوفة (وهو) أي بشر بن مروان (يدعو) أي يشير بيديه معًا،\n_________\n(١) قال ابن العربي (٢/ ٣٠٤): هذا جائز إذا احتيج إليه، وقد رفع النبي - ﷺ - يديه في دعاء الاستسقاء في الخطبة. (ش).\n(٢) وأنكره في \"فيض الباري\" (٢/ ٣٤٥)، وقال: بل كان الرفع للدعاء كما شرحه به البيهقي (٣/ ٢١٠) وصاحب \"الإتحاف\"، ويؤيده رواية \"مسلم\" (٨٧٤): رأيت بشرًا يرفع يديه، أي للدعاء، وأصرح منه ما في \"الترمذي\" (٥١٥) بلفظ بشر بن مروان: \"يخطب فرفع يديه في الدعاء\" انتهى.\nقلت: وترجم البخاري في \"صحيحه\" لإثبات الرفع في الدعاء. (انظر: \"صحيح البخاري\" ٩٣٢). (ش).\n(٣) وفي \"الأصل: \"حرمي\"، والصواب: \"جرمي\" بالجيم كما في \"التهذيب\" (٧/ ٤١٦).","vol":"5","page":135},{"text":"فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ (١)، فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ. قَالَ زَائِدَةُ: قَالَ حُصَيْنٌ: حَدَّثَنِى عُمَارَةُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ - يَعْنِى السَّبَّابَةَ الَّتِى تَلِى الإِبْهَامَ -\". [م ٨٧٤، ن ١٤١٢، ت ٥١٥، حم ٤/ ١٣٥، خزيمة ١٧٩٣، ق ٣/ ٢١٠]\n١١٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ (٢) بْنَ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -،\n===\nأو واحدًا بعد واحد في الخطبة (في يوم جمعة، فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين) اللتين يشير بهما بشر عند الخطبة، ودعا بالتقبيح، لأن هذه الإشارة كانت على خلاف السنَّة، وما خالف السنَّة فهو مردود مقبوح.\n(قال زائدة: قال حصين: حدثني عمارة قال) أي عمارة: (لقد رأيت رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر) جملة حالية أي يخطب (ما يزيد) أي رسول الله - ﷺ - (على هذه يعني السبابة) أي الأصبع (التي تلي الإبهام) أي تتصل الإبهام، حاصله أن رسول الله - ﷺ - إذا كان يخطب على المنبر ما يشير إلَّا بالأصبع السبابة، وما يشير بيديه، فالإشارة باليدين خلاف السنَّة فهو مكروه.\n١١٠٥ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا عبد الرحمن يعني ابن إسحاق) بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري القرشي مولاهم، ويقال: الثقفي، ويقال له: عباد بن إسحاق نزل البصرة، قال القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه، وكذا قال علي بن المديني. وقال علي: سمعت سفيان سئل عنه، فقال: كان قدريًا، فنفاه أهل المدينة، وقال يزيد بن زريع: ما جاءنا أحفظ منه، ويقول أحمد: هو رجل صالح، أو مقبول صالح الحديث، وقال مرة: ليس به بأس، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان إسماعيل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يوم الجمعة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني\".","vol":"5","page":136},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عن (١) ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ،\n===\nيرضاه، وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ثقة، وقال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه، وإن كان ممن يحتمل في بعض، وحكى الترمذي في \"العلل\" عن البخاري أنه وثقه.\n(عن عبد الرحمن بن معاوية) بن الحويرث الأنصاري الزرقي، أبو الحويرث المدني، روى عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وشهد جنازة جابر بن عبد الله، قال بشر بن عمر عن مالك: ليس بثقة، وقال عبد الله بن أحمد: أنكر أبي ذلك من قول مالك، وقال الدوري عن ابن معين: ليس يحتج بحديثه، وقال الآجري عن أبي داود: قال مالك: قدم علينا سفيان فكتب عن قوم يذمون بالتخنيث، يعني أبا الحويرث منهم، قال أبو داود: وكان يخضب رجليه، وكان من مرجئ أهل المدينة، قال النسائي: ليس بذاك، ونقل ابن عدي في ترجمته عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا عن يحيى القطان، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال العقيلي: وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن ابن أبي ذباب) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن أبي ذباب بضم المعجمة وموحدتين، الدوسي المدني، ويقال: عبيد الله، ويقال: إنهما اثنان، روى عن أبيه وأبي هريرة وسهل بن سعد، وعنه مجاهد بن جبر ومالك وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وغلط فيه صاحب \"العون\" (٢)، فقال: اسمه الحارث بن عبد الرحمن، والآفة في ذلك من التقليد، فإنه رأى مكتوبًا في حاشية النسخة الدهلوية أن اسمه حارث بن عبد الرحمن، فنقله كما هو، ولم يدر أن الحارث ليس من رواة أبي داود في \"السنن\"، ولم يذكره أحمد فيمن روى عن سهل بن سعد، وكذلك لم يذكره فيمن روى عنه عبد الرحمن بن معاوية، بل هو من الطبقة الخامسة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أن\".\n(٢) انظر: \"عون المعبود\" (٣/ ٣٢٠).","vol":"5","page":137},{"text":"عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: \"مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَعَقَدَ الْوُسْطَى بِالإِبْهَامِ\". [حم ٥/ ٣٣٧، خزيمة ١٤٥٠، ق ٣/ ٢١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>(٢٣٣) بَابُ إِقْصَارِ الْخُطَبِ</span>\n١١٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى رَاشِدٍ،\n===\n(عن سهل بن سعد) الساعدي الخزرجي (قال: ما رأيت رسول الله - ﷺ - شاهرًا) أي مبرزًا رافعًا (يديه قط يدعو) أي يشير حال كونه (على منبره، ولا على غيره) أي غير المنبر (ولكن رأيته) أي رسول الله - ﷺ - (يقول) أي يشير (هكذا، وأشار) سهل (بالسبابة) أي يرفعها (وعقد الوسطى بالإبهام).\n\n(٢٣٣) (بَابُ إِقْصَارِ الْخُطَبِ)\n١١٠٦ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبي) عبد الله بن نمير، (نا العلاء بن صالح) التيمي، ويقال: الأسدي الكوفي، وسماه أبو داود في روايته علي بن صالح، وهو وهم، قلت: لعل هذا في غير هذه الرواية، فإن في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا في هذا المحل لفظ: \"العلاء\"، وثقه ابن معين وأبو داود ويعقوب بن سفيان وابن نمير والعجلي، قال البخاري: لا يتابع، وقال ابن خزيمة: شيخ.\n(عن عدي بن ثابت، عن أبي راشد) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): أبو راشد عن عمار بن ياسر في الأمر بإقصار الخطب، وعنه عدي بن ثابت، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\" (٢): مقبول،\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٩٢).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (١١٤٤).","vol":"5","page":138},{"text":"عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: \"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِإِقْصَارِ الْخُطَبِ\". [حم ٤/ ٣٢٠، ك ١/ ٢٨٩، ق ٣/ ٢٠٨]\n١١٠٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، أَخْبَرَنِى شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ،\n===\nوقال الذهبي في \"الميزان\" (١): أبو راشد عن عمار لا يعرف، (عن عمار بن ياسر قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بإقصار الخطب) (٢) أي اختصارها وترك التطويل فيها، وعند مسلم (٣) عن عمار بن ياسر: أن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا بالخطبة.\nقال الشوكاني (٤): وإنما كان إقصار الخطبة علامة من فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ، فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة، وفيه مشروعية إقصار الخطبة، ولا خلاف في ذلك، واختلف في أقل ما يجزئ على أقوال مبسوطة في كتب الفقه، انتهى.\nقلت: والمراد بالتطويل: التطويل الذي لا يثقل على القوم، فلا يخالف ما أمر به رسول الله - ﷺ - من التخفيف: \"إذا صلَّى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير، إذا صلَّى أحدكم لنفسه فليطول ماشاء\"، متفق عليه (٥).\n١١٠٧ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الوليد) بن مسلم، (أخبرني شيبان) بن عبد الرحمن النحوي (أبو معاوية) البصري نزل الكوفة، (عن سماك بن حرب،\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٢٣).\n(٢) ولا تنافيه رواية \"مسلم\": \"أنه - ﷺ - صلَّى الصبح مرة، فخطب حتى الظهر، ثم نزل فصلَّى الظهر، ثم خطب إلى العصر، ثم كذلك إلى المغرب\"، لأنه نادر. (ش).\n(٣) انظر: \"صحيح مسلم\" (٨٦٩).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٦١).\n(٥) أخرجه البخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧)، والترمذي (٢٣٦)، وأبو داود (٧٩٤).","vol":"5","page":139},{"text":"عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السُّوَائِىِّ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِنَّمَا هُنَّ (١) كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ\". [ق ٣/ ٢٠٨، ك ١/ ٢٨٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>(٢٣٤) بَابُ الدُّنُوِّ مِنَ الإِمَامِ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ </span>(٢)\n١١٠٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ\n===\nعن جابر بن سمرة السوائي) بضم السين المهملة، نسبة إلى سواء بن عامر بن صعصعة (قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن) الضمير للموعظة والجمعية باعتبار الخبر، أي الكلمات (كلمات يسيرات) أي: قليلات.\n\n(٢٣٤) (بَابُ الذُّنُوِّ) أي القرب (مِنَ الإمامِ عِنْدَ المَوْعِظَةِ) أي الخطبة\n١١٠٨ - (حدثنا علي بن عبد الله) بن جعفر بن نجيح، بنون مفتوحة وجيم مكسورة وحاء مهملة، السعدي مولاهم، أبو الحسن ابن المديني البصري، ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلَّا عنده، وقال فيه شيخه ابن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني، وقال النسائي: كأن الله خلقه للحديث، عابوا عليه إجابته في المحنة، لكنه تنصَّل وتاب واعتذر بأنه خاف على نفسه.\n(نا معاذ بن هشام) الدستوائي البصري، قال عباس بن عبد العظيم عن علي بن المديني: سمعت معاذ بن هشام يقول: سمع أبي من قتادة عشرة آلاف حديث، قال: ثم أخرج إلينا من الكتب عن أبيه نحوًا مما قال، فقال: هذا سمعته، وهذا لم أسمعه، فجعل يميزها.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"هو\".\n(٢) وفي نسخة: \"عند الخطبة\".","vol":"5","page":140},{"text":"قَالَ: وَجَدْتُ في كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ:\n===\n(قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده ولم أسمعه منه) أي هذا الحديث المكتوب، قال البيهقي في \"سننه\": كذا رواه أبو داود عن علي بن المديني، وهو الصحيح، وقد أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر (١) بن محمد بن حمدان الصيرفي [بمرو]، أنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، [ثنا علي بن المديني]، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، فذكره، قال البيهقي: ولا أظنه إلَّا واهمًا في ذكر سماع معاذ عن أبيه، هو أو شيخه، فأما إسماعيل القاضي فهو أجل من ذلك.\nوهذا الطريق من أنواع التحمل، يقال له في اصطلاح المحدثين: وجادة، وهو أن يقف على أحاديث بخط راويها غير المعاصر له، أو المعاصر ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمعه ولكن لا يرويها أي تلك الأحاديث الخاصة الواجد عنه بسماع ولا إجازة، فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان، وأما العمل بالوجادة، فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز، وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به، وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره.\nقال ابن الصلاح (٢): فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسَدَّ باب العمل بالمنقول لتعذر شروطها، [قال البلقيني]: واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث: أي الخلق أعجب إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي؟ قالوا: نحن، فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم، يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها، قال البلقيني: وهذا استنباط حسن، والحديث رواه الحسن بن عرفة في \"جزئه\"\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٣٨) للبيهقي: أبنا بكر بن محمد ... إلخ.\n(٢) انظر: \"مقدمة ابن الصلاح\" (ص ٢٩٤).","vol":"5","page":141},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله طرق كثيرة أوردتها في \"الأمالي\"، كذا في \"التدريب\" (١) ملخصًا.\nوقال الحافظ في \"شرح النخبة\" (٢): وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة، وهي أن يجد بخط يعرف كاتبه، فيقول: وجدت بخط فلان، ولا يسوغ فيه إطلاق أخبرني بمجرد ذلك؛ إلَّا إن كان له منه إذن بالرواية عنه، وأطلق قوم ذلك فغلطوا.\nوفي \"فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت\" (٣): والكتاب كالخطاب، والرسالة كالقراءة شرعًا وعرفًا، فإذا كتب الشيخ حديثًا، وأرسل به، أو أرسل رسولًا ليقرأه على المرسل إليه، وأجاز الرواية عن نفسه كفى، كما إذا أخبر مشافهة، والتعليق أي تعليق قبول الكتاب على البينة ليشهدوا عند المكتوب إليه أنه كتاب فلان الشيخ تضييق في باب السنَّة من الإِمام أبي حنيفة لكمال عنايته بأمرها وعظم احتياطه بها، ألا ترى إلى أمير المؤمنين علي كيف يُحَلِّف الراوي، والصحيح كفاية ظن الخط في الكتاب، والصدق في الرسالة، فإذا ظن المكتوب إليه أنه خط فلان الشيخ، أو ظن المرسل إليه صدق الرسول في رسالته كفى، لأن الاتباع بالظن واجب، بخلاف كتاب القاضي إلى القاضي، فإن التلبيس في المعاملات أكثر مما في السنن، فلا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي من غير بينةٍ.\nثم قال: والوجادة هو أن يجد الطالب كتابًا بخط الشيخ كالوصية بالرواية للطالب، والإعلام هو أن يعلم الشيخ بأن ما في هذا الكتاب من مروياتي عن فلان، ولم يناوله ولم يجز به؛ لا يخلو عن صحة، والعزيمة في الثاني دوام\n_________\n(١) \"تدريب الراوي\" (٢/ ٦٤).\n(٢) \"شرح نخبة الفكر\" (ص ١٠٠).\n(٣) (٢/ ٢١١، ٢١٢).","vol":"5","page":142},{"text":"قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «احْضُرُوا الذِّكْرَ (١)، وَادْنُوا مِنَ الإِمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِى الْجَنَّةِ وَإِنْ دَخَلَهَا». [حم ٥/ ١١، ق ٣/ ٢٣٨، ك ١/ ٢٨٩]\n===\nالحفظ إلى وقت الأداء عن ظهر القلب، والرخصة تذكره بعد النظر إلى الكتاب ما فيه، وإن لم يتذكر ما فيه، وقد علم أنه خطه أو خط الثقة غيره، وهو أي الكتاب في يده أو يد أمين حرمت الرواية والعمل عند أبي حنيفة، وصح عند الأكثر من أهل الأصول، وهو المختار. انتهى.\n(قال قتادة: عن يحيى بن مالك) هو أبو أيوب المراغي، والمراغ بفتح الميم، وقيل بكسرها، والمشهور الفتح، حي من الأزد، العتكي البصري، ويقال: اسمه حبيب بن مالك، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان ثقة مأمونًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، \"المقدسي\" (٢): سمع عن جويرية بنت الحارث عند البخاري، وعبد الله بن عمرو وأبا هريرة عند مسلم، وعنه قتادة عندهما.\n(عن سمرة بن جندب أن نبي لله - ﷺ - قال: احضروا الذكر) أي الخطبة المشتملة على ذكر الله تعالى وتذكير الأنام (وادنو من الإِمام) أي اقربوا منه، وهذا إشارة إلى التعجيل في الرواح إلى الجمعة (فإن الرجل لا يزال يتباعد) أي يتأخر في الحضور إلى الجمعة، فيتباعد من الإِمام (حتى يؤخر) على صيغة المجهول (في الجنة) أي في دخولها أو في درجاتها (وإن دخلها).\nقال القاري (٣): قال الطيبي: أي لا يزال الرجل يتباعد عن استماع الخطبة، وعن الصف الأول الذي هو مقام المقربين حتى يؤخر إلى آخر صف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"للذكر\".\n(٢) انظر: \"الجمع بين رجال الصحيحين\" للمقدسي (٢/ ٥٦٤ رقم ٢١٩٠).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤٨٥).","vol":"5","page":143},{"text":"(٢٣٥) بَابُ الإِمَامِ يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ لِلأَمْرِ (١) يَحْدُثُ\n١١٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ حُبَابٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ،\n===\nالمتسفلين، وفيه توهين أمر المتأخرين، وتسفيه رأيهم حيث وضعوا أنفسهم من أعالي الأمور إلى سفسافها، وفي قوله: \"وإن دخلها\" تعريض بأن الداخل قنع من الجنة ومن الدرجات العالية والمقامات الرفيعة بمجرد الدخول.\nقال المنذري: في إسناده انقطاع، وسبب الانقطاع هو الوجادة، وأما احتمال أن يكون هشام كتب في كتابه \"قال قتادة\" محمولًا على أن يكون بين هشام وقتادة واسطة، فمدفوع بما في رواية الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) من قوله: حدثنا قتادة، وسنده هكذا: حدثنا علي بن عبد الله ثنا معاذ قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده ولم أسمعه منه، ثنا قتادة، الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>(٢٣٥) (بَابُ الإمَامِ يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ للأمْرِ يَحْدُثُ)</span>\n١١٠٩ - (حدثنا محمد بن العلاء أن زيد بن حباب حدثهم، نا حسين بن واقد) المروزي، أبو عبد الله، قاضي مرو، مولى عبد الله بن عامر بن كريز، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة والنسائي: ليس به بأس، وهكذا حكى الأثرم عن أحمد: ليس به بأس وأثنى عليه، وقال ابن حبان: كان على قضاء مرو، وكان من خيار الناس، وقال ابن سعد: كان حسن الحديث، وقال الساجي: فيه نظر، وهو صدوق يهم، قال أحمد: أحاديثه ما أدري أيش هي.\nوقال الشوكاني \"في النيل\" (٣): والحسين المذكور هو أبو علي قاضي مرو،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"لأمر يحدث\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ١١).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٦٨).","vol":"5","page":144},{"text":"حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ (١) اللَّهِ -ﷺ-، فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ،\n===\nاحتج به مسلم في \"صحيحه\"، وقال المنذري: ثقة، قلت: هكذا كناه المقدسي والدولابي (٢)، ولكن كناه الحافظ في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" و\"لسان الميزان\" (٣) أبا عبد الله، وكذا كناه صاحب \"الخلاصة\"، فالظاهر أن له كنيتين.\n(حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب الأسلمي (قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران) أي فيهما خطوط حمر يمشيان (ويعثران) بضم المثلثة ويجوز تثليثها. ففي \"القاموس\": (٤) عَثَرَ كَضَرَبَ ونَصَرَ وعَلِمَ وكَرُمَ: كبا، والمعنى أنهما يسقطان على الأرض لصغرهما، وفي رواية الكشاف: يعثران ويقومان.\nقلت: وهذا الذي قاله القاري مشكل، فإن رسول الله - ﷺ - زوج فاطمة عليًا في صفر في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: في رجب، وبنى بها في ذي الحجة من تلك السنة، وولد الحسن بن علي في نصف رمضان من السنة الثالثة على الراجح، وولد الحسين في شعبان في السنة الرابعة من الهجرة على الراجح، وكان بناء المنبر (٥) في السنة الثامنة على الراجح، وقيل: في السابعة، فعلى هذا كان عمر الحسن إذ ذاك زائدًا على أربع سنين، وعمر الحسين ثلاث سنين، وأشهرًا، وفي هذا العمر يكون الأطفال أقوياء على المشي، لا يسقطون على الأرض للصغر وقلة القوة، فلعله كان عثارهما لطول القميص، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نبي الله - ﷺ -\".\n(٢) انظر: \"الكنى والأسماء\" للدولابي (٢/ ٣٥). و\"الجمع بين رجال الصحيحين\" للمقدسي (١/ ٨٨ رقم ٣٤٠).\n(٣) انظر: \"تقريب التهذيب\" (٢٥١)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٧٣)، و\"لسان الميزان\" (١/ ٥٤٩).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (٢/ ١٢٠).\n(٥) كما تقدم في \"باب اتخاذ المنبر\". (ش).","vol":"5","page":145},{"text":"فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: \"صَدَقَ اللَّه ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١) رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ\"، ثُمَّ أَخَذَ في الْخُطْبَةِ.\n[ت ٣٧٧٤، ن ١٤١٣، جه ٣٦٠٠، حم ٥/ ٣٥٤، ق ٣/ ٢١٨]\n===\n(فنزل) رسول الله - ﷺ - من المنبر (فأخذهما) وفي رواية: فحملهما (فصعد بهما) أي المنبر (ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (صدق (٢) الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾) أي محنة (رأيت هذين) الصبيين يمشيان ويعثران، (فلم أصبر) على عثارهما لأثر الرحمة والرقة في القلب، وفي رواية بعد هذا: حتى قطعت حديثي أي كلامي في الخطبة، ورفعتهما عندي ليحصل لهما الرفعة عند الله وعند خلقه.\n(ثم أخذ) (٣) أي شرع (في الخطبة) ومذهب الحنفية في هذا الباب ما قال صاحب \"البدائع\" (٤): ويكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة، ولو فعل لا تفسد الخطبة، لأنها ليست بصلاة، فلا يفسدها كلام الناس، لكنه يكره، لأنها شرعت منظوهة كالأذان، والكلام يقطع النظم، إلَّا إذا كان الكلام أمرًا بالمعروف لا يكره، لما روي عن عمر: \"أنه كان يخطب يوم الجمعة فدخل عليه عثمان، فقال له: أية ساعة هذه؟ فقال: ما زدت حين سمعت النداء يا أمير المؤمنين على أن توضأت، فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - أمر بالاغتسال\"، وهذا لأن الأمر بالمعروف يلتحق بالخطبة، لأن الخطبة فيها وعظ، فلم يبق مكروهًا، انتهى.\n_________\n(١) سورة التغابن: الآية ١٥.\n(٢) هكذا في جميع الروايات، وفي \"ابن ماجه\" (٣٦٠٠) فقط زيادة \"ورسوله\" يعني صدق الله ورسوله، والظاهر أنها وهم. (ش).\n(٣) قال صاحب \"المنهل\" (٦/ ٢٧٣): فيه جواز الفعل اليسير لغير الخطبة، وبه قالت المالكية والحنابلة، وقال الخفية: يكره، ولا يفسد الخطبة، وللشافعية قولان: أظهرهما اشتراط الموالاة. (ش).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٩٥).","vol":"5","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>(٢٣٦) بَابُ الاحْتِبَاءِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ</span>\n١١١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى مَرْحُومٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ،\n===\nفعلم من هذا أن قطع الخطبة أيضًا لا يخلو عن كراهة، والجواب أن رسول الله - ﷺ - قطع الخطبة لأنه خاف عليهما الضرر من السقوط والعثار، فقطع الخطبة ورفعهما لهذه الضرورة، كما إذا رأى ضريرًا يخاف عليه سقوط البئر، فحينئذ يجوز التكلم لحفظه عن السقوط.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): ونقل صاحب \"المغني\" الاتفاق على أن الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز في الخطبة، كتحذير الضرير من البئر، وعبارة الشافعي: وإذا خاف على أحد لم أر بأسًا إذا لم يفهم عنه بالإيماء أن يتكلم. انتهى. ويمكن أن تكون هذه الخطبة خطبة أخرى غير خطبة الجمعة.\n\n(٢٣٦) (بَابُ الاحْتِبَاءِ) (٢)\nهو أن يضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشدُّه عليهما وقد يكون باليدين (والإمَامُ يَخُطُبُ) جملة حالية أي في حال الخطبة\n١١١٠ - (حدثنا محمد بن عوف) الطائي، (حدثنا المقرئ) عبد الله بن يزيد المكي أبو عبد الرحمن، (نا سعيد بن أبي أيوب) الخزاعي، أبو يحيى بن مقلاص، (عن أبي مرحوم) عبد الرحيم بن ميمون المدني المعافري مولاهم، نزيل مصر، عن ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج، وقال النسائي: أرجو أنه لا بأس به، قال ابن ماكولا: زاهد يعرف بالإجابة والفضل، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن سهل بن معاذ بن أنس) الجهني شامي، نزل مصر، قال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: لكن\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤١٥).\n(٢) راجع: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٣٠٢)، (ش).","vol":"5","page":147},{"text":"عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْحُبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ\". [ت ٥١٤، حم ٣/ ٤٣٩، خزيمة ١٨١٥، ق ٣/ ٢٣٥، ك ١/ ٢٨٩]\n١١١١ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، نَا خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ الرَّقِّيُّ،\n===\nقال: لا يعتبر حديثه ما كان من رواية زبان بن فائد عنه، وذكره في الضعفاء، فقال: منكر الحديث جدًا، فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان، فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها ساقطة، وإنما اشتبه هذا لأن راويها عن سهلٍ زبان إلَّا الشيء بعد الشيء، وزبان ليس بشيء، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة.\n(عن أبيه) معاذ بن أنس الجهني الأنصاري نزل مصر، روى عنه ابنه سهل بن معاذ، ولم يرو عنه غيره، وهو لين الحديث إلا أن أحاديثه حسان في الفضائل والرغائب، قال ابن يونس: صحابي كان بمصر والشام.\n(أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الحبوة) قال في \"المجمع\" (١): والاسم الحبوة بالكسر والضم، انتهى، وفي \"القاموس\" (٢): واحتبى بالثوب: اشتمل أو جمع بين ظَهْرِه وساقَيه بعمامة ونحوها، والاسم الحَبْوَةُ، ويُضَمُّ، والحِبْيَةُ بالكسر، والحِبَاءُ بالكسر والضم (يوم الجمعة والإمام يخطب) قال في \"الدرجات\": قال الطيبي: وإنما نهي عنه والإمام يخطب إذ يجلب نومًا ويعرض طهارته للانتقاض.\n١١١١ - (حدثنا داود بن رشيد) مصغرًا الهاشمي مولاهم أبو الفضل الخوارزمي، نزيل بغداد ثقة، ووهم ابن حزم فقال إثر حديث أخرجه من روايته في كتاب الحدود من الإيصال: داود بن رشيد ضعيف، (نا خالد بن حيان الرقي) أبو يزيد الكندي مولاهم الخزاز بمعجمة وراء آخره زاي، قال ابن معين وابن عمار: ثقة، قال أحمد والنسائي وابن خراش والدارقطني: ليس به بأس،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٣٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (٤/ ٤٥٥).","vol":"5","page":148},{"text":"حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: \"شَهِدْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجَمَّعَ بِنَا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا جُلُّ مَنْ فِى الْمَسْجِدِ أَصْحَابُ النَّبِىِّ (١) -ﷺ-، فَرَأَيْتُهُمْ مُحْتَبِينَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ\". [ق ٣/ ٢٣٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَبِى وَالإِمَامُ يَخْطُبُ،\n===\nوقال ابن سعد: كان ثقة، ثبتًا، وذكر له ابن خزيمة في \"صحيحه\" أحاديث، منها ما استنكره فقال: وجاء خالد بن حيان بطامة، وقال أبو بشر الدولابي: كان ثقة، وقال الفلاس: ضعيف.\n(نا سليمان بن عبد الله بن الزبرقان) ويقال سليمان بن عبد الرحمن بن فيروز، قال في \"التقريب\" (٢): لين الحديث، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٣): ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن يعلي بن شداد بن أوس قال) أي يعلى: (شهدت مع معاوية) بن سفيان (بيت المقدس، فجمع بنا) أي صلى بنا صلاة الجمعة (فنظرت فإذا جل) أي أكثر (من في المسجد أصحاب النبي - ﷺ -، فرأيتهم محتبين والإمام يخطب).\nأخرج الطحاوي هذا الحديث بهذا السند في \"مشكل الآثار\" (٤) موافقًا لما أخرجه أبو داود، ولكن خالفهما البيهقي (٥). فذكر هذا الحديث بهذا السند، وزاد بين خالد بن حيان وسليمان بن عبد الله سليمانَ الرقي، والظاهر أن هذه الزيادة غلط من الكاتب.\n(قال أبو داود: وكان ابن عمر يحتبي والإمام يخطب) وأخرج حديثه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٤٠٩).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٠٤).\n(٤) \"مشكل الآثار\" (٧/ ٣٤٤).\n(٥) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٣/ ٢٣٥).","vol":"5","page":149},{"text":"وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَشُرَيْحٌ، وَصَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِىُّ، وَمَكْحُولٌ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ،\n===\nالطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١): حدثنا يونس، أنا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن نافع، أن ابن عمر كان يحتبي يوم الجمعة والإمام يخطب، وربما نعس حتى يضرب بجبهته حبوته.\n(وأنس بن مالك (٢) وشريح) (٣) بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي القاضي، ويقال: شريح بن شرحبيل، قال ابن معين: كان في زمن النبي - ﷺ - ولم يسمع منه، استقضاه عمر على الكوفة، وأقرَّه علي، وأقام على القضاء بها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة، وقيل: له صحبة.\n(وصعصعة بن صوحان) بضم المهملة وبالحاء المهملة العبدي تابعي كبير مخضرم فصيح ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، وذكره ابن عبد البر في الصحابة، وقال: كان مسلمًا على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يره.\n(وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ومكحول وإسماعيل بن محمد بن سعد) (٤) بن أبي وقاص الزهري المدني، ذكره معاوية بن صالح عن يحيى بن معين في تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي وأبو حاتم والنسائي وابن خراش: ثقة.\n_________\n(١) (٧/ ٣٤٣) رقم (٢٩٠٥). وأخرج هذا الأثر أيضًا ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢/ ١١٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٣٥).\n(٢) وأورد أثره سحنون التنوخي في \"المدونة\" (١/ ١٣٩).\n(٣) أخرج أثره عبد الرزاق (٣/ ٢٥٤) رقم (٥٥٥٤) وأورده سحنون في \"المدونة\" (١/ ١٣٩).\n(٤) أثر سعيد بن المسيب أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٢٥٤) رقم (٥٥٥١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١١٨).\nوأثر إبراهيم النخعي أورده سحنون في \"المدونة\" (١/ ١٣٩)، وأثر مكحول الشامي أورده ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٨٣)، وأثر إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص أورده سحنون في \"المدونة\" (١/ ١٣٩).","vol":"5","page":150},{"text":"وَنُعَيْمُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَبْلُغْنِى أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهَا إلَّا عُبَادَةُ بْنُ نُسَىٍّ.\n===\n(ونعيم بن سلامة) لم أقف على ترجمته فيما عندي من الكتب (١) (قال) وفي نسخة: قال أبو داود (لا بأس بها) فعلى النسخة الأولى الضمير يرجع إلى المذكورين بتأويل كل واحد، وعلى النسخة الثانية فاعل \"قال\" أبو داود (وقال أبو داود: ولم يبلغني أن أحدًا كرهها إلَّا عبادة بن نسي).\nقلت: ويخالفه ما قال الترمذي في \"جامعه\" (٢): وقد كره قوم من أهل العلم الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، ورخص في ذلك بعضهم، منهم عبد الله بن عمر وغيره، وبه يقول أحمد وإسحاق، لا يريان بالحبوة والإمام يخطب بأسًا.\nوقال الشوكاني في \"النيل (٣) \" (٤): وقد اختلف العلماء في كراهية الاحتباء يوم الجمعة، فقال بالكراهة قوم من أهل العلم - كما قال الترمذي- منهم: عبادة بن نسي المتقدم، قال العراقي: وورد عن مكحول وعطاء والحسن: أنهم كانوا يكرهون أن يحتبوا والإمام يخطب يوم الجمعة، رواه ابن أبي شيبة (٥)، قال: ولكنه قد اختلف عن الثلاثة، فنقل عنهم القول بالكراهة،\n_________\n(١) قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (٤/ ٤٥٤): نعيم بن سلامة السبئي، يروي عن ابن عمر، وكان على خاتم عمر بن عبد العزيز، يروي عنه الأوزاعي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، انظر ترجمته في: \"تعجيل المنفعة\" (ص ٤٢٣)، و\"التاريخ الكبير\" للبخاري (٨/ ٩٨)، و\"كتاب الجرح والتعديل\" (٨/ ٤٦٢)، و\"مختصر تاريخ دمشق\" (٢٦/ ١٧٤)، و\"كتاب الثقات\" لابن حبان (٣/ ٤٢١٥).\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٥١٤).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٣٨).\n(٤) ويمكن الجمع بأن النهي محمول على المنهي عنه، كالتي تجلب النوم أو تكشف العورة. (ش).\n(٥) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١١٩).","vol":"5","page":151},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nونقل عنهم عدمها، واستدلوا بحديث الباب، وما ذكرناه في معناه، وهي تقوِّي بعضها بعضًا.\nوذهب أكثر أهل العلم- كما قال العراقي- إلى عدم الكراهة، منهم من تقدم ذكره في رواية أبي داود، ورواه ابن أبي شيبة (١)، عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وعطاء، وابن سيرين، والحسن، وعمرو بن دينار، وأبي الزبير، وعكرمة بن خالد المخزومي، ورواه الترمذي (٢) عن ابن عمر وغيره، قال: وبه يقول أحمد وإسحاق، وأجابوا عن أحاديث الباب بأنها كلها ضعيفةٌ، وإن كان الترمذي قد حسّن حديث معاذ بن أنس وسكت عنه أبو داود فإن فيه من تقدم ذكره، انتهى.\nوقال الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣): \"باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - في الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب\"، ثم أخرج حديث معاذ بن أنس في النهي عن الحبوة، ثم قال: وقد وجدنا عن جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يحتبون يوم الجمعة والإمام يخطب، ثم أخرج حديث ابن عمر أنه كان يحتبي يوم الجمعة، ثم أخرج حديث يعلي بن شداد بن أوس أنه رأى الصحابة محتبين ببيت المقدس ومعاوية يخطب.\nثم قال: قال أبو جعفر: ومثل هذا من نهي رسول الله - ﷺ - يبعد أن يخفى على جماعتهم، ففي استعمالهم ما قد رويناه عنهم في هذه الآثار ما قد دل على أن معنى النهي الذي كان من رسول الله - ﷺ - في ذلك ليس هو الحبوة التي كانوا يفعلونها والإمام يخطب، لأنهم مأمونون على ما فعلوا، كما أنهم مأمونون على ما رووا.\nولما كان ذلك كذلك كان الأولى بنا أن نحملها على الحبوة المستأنفة في\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١١٨، ١١٩).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٥١٤).\n(٣) \"مشكل الآثار\" (٧/ ٣٤٢).","vol":"5","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>(٢٣٧) بَابُ الكَلَامِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ</span>\n١١١٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا قُلْتَ: أَنْصِتْ،\n===\nحال الخطبة، لأنه مكروه في الخطبة للاشتغال بغيرها، والإقبال على سواها، وتكون الحبوة التي كانوا يفعلونها حبوة كانوا يستعملونها قبل الخطبة، فيخطب الإِمام وهم فيها حتى يفرغ منها وهم عليها، ويكون ما نهاهم عنه رسول الله - ﷺ - سوى ذلك ما كانوا يستأنفونه، وإمامهم يخطب، فيكونون بذلك متشاغلين عن الإقبال على ما أمروا بالإقبال عليه، انتهى.\n\n(٢٣٧) (بَابُ الكَلَامِ وَالإمَامُ يَخْطُبُ)\n١١١٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب) الزهري، (عن سعيد) بن المسيب، (عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا قلت) أي لصاحبك كما في رواية \"البخاري\" والمراد منه الجليس المتكلم في المسجد عند الخطبة (أنصت) (١) أمر من أنصت ينصت إنصاتًا، وقال في \"المنتهى\": نصت ينصت إذا سكت، وأنصت لغتان، أي: استمع، يقال: أنصته وأنصت له، وينشد:\nإذا قالت حذام فأنصتوها\nويروى: فصدقوها، وفي \"المحكم\": أنصت أعلى، والنصتة الاسم من الإنصات، وفي \"الجامع\": والرجل ناصت ومنصت، وفي \"المجمل\" و\"المغرب\": الإنصاف السكوت للاستماع، وأنشد الراغب في المجالسات:\nالسمع للعين والإنصات للأذن\n_________\n(١) وإذا لم يجز التكلم بالأمر بالمعروف، فغيره بالأولى، وبه قال الجمهور، واستثنى الشافعي في الجديد رد السلام والتشميت، كذا في \"الزرقاني\" (١/ ٢١٥)، والبسط في \"الأوجز\" (٢/ ٣٩٦). (ش).","vol":"5","page":153},{"text":"وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ\". [خ ٩٣٤، م ٨٥١، ت ٥١٢، ن ١٤٠١، جه ١١١٠، ق ٣/ ٢١٩، حم ٢/ ٢٧٢]\n===\nوقد مر عن قريب \"باب الاستماع إلى الخطبة\"، وقد ذكرنا هناك أن الاستماع هو الإصغاء، ويعلم الفرق بين الاستماع والإنصات مما ذكرنا الآن، فلذلك ذكر البخاري ترجمة للاستماع، وترجمة للإنصات، قاله العيني في شرح \"البخاري\" (١).\n(والإمام يخطب) جملة حالية (فقد لغوت) قال العيني: اللغو واللغاء: السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع، واللغو في الأيمان: لا والله، بلى والله، وقيل: معناه الإثم، ولغا في القول يلغو ويلغى لغوًا وملغاة: أخطأ، ولغا يلغو لغوًا: تكلم، ذكره ابن سيده، وفي \"الجامع\": اللغو: الباطل، تقول: لغيت ألغي لغيًا ولغىً بمعنى، ولغا الطائر يلغو لغوًا: إذا صوت.\nوفي \"التهذيب\": لغوت اللغو وألغى ولغى، ثلاث لغات، واللغو: كل ما لا يجوز، وقال الأخفش: اللغو الساقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقال النضر بن شميل: معنى لغوت خبت من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرًا، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي، انتهى.\nقال الشوكاني (٢): فيه دليل على اختصاص النهي بحال الخطبة، ورَدٌّ على من أوجب الإنصات من خروج الإِمام، وكذلك قوله: \"يوم الجمعة\" ظاهره أن الإنصات في خطبة غير يوم الجمعة لا يجب.\nقلت: وهذا إشارة إلى الرد على الحنفية حيث أنهم أوجبوا الإنصات بخروج الإِمام على قول أبي حنيفة - ﵀- قال في \"البدائع\" (٣): فأما عند\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ١١٢).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٥٦).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٩٤).","vol":"5","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأذان الأخير حين خرج الإِمام إلى الخطبة وبعد الفراغ من الخطبة حين أخذ المؤذن في الإقامة إلى أن يفرغ، هل يكره ما يكره في حال الخطبة؟ على قول أبي حنيفة يكره، وعلى قولهما لا يكره الكلام، وتكره الصلاة، واحتجا بما روي في الحديث: \"خروج الإِمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام\" (١)، جعل قاطع الكلام هو الخطبة، فلا يكره قبل وجودها، ولأن النهي عن الكلام لوجوب استماع الخطبة، وإنما يجب حالة الخطبة، بخلاف الصلاة لأنها تمتد غالبًا فيفوت الاستماع وتكبيرة الافتتاح.\nولأبي حنيفة ما روي عن ابن مسعود وابن عباس -﵄ - موقوفًا عليهما ومرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"إذا خرج الإِمام فلا صلاة ولا كلام\"، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على أبواب المساجد، يكتبون الناس الأول فالأول، فإذا خرج الإِمام طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر\" (٢)، فقد أخبر عن طي الصحف عند خروج الإِمام، وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس الكلام، لأنهم إذا تكلموا يكتبونه عليهم لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣)، ولأنه إذا خرج للخطبة كان مستعدًا لها، والمستعد للشيء كالشارع فيه، ولهذا ألحق الاستعداد بالشروع في كراهة الصلاة، فكذا في كراهة الكلام، وأما الحديث فليس فيه أن غير الكلام يقطع الكلام، فكان تمسكًا بالسكوت وأنه لا يصح، انتهى.\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤): الحديث الخامس قال ﵇: \"إذا خرج الإِمام فلا صلاة ولا كلام\"، قلت: غريب مرفوعًا، قال البيهقي:\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" عن الزهري (١/ ١٠٣)، ورواه الشافعي من وجه آخر عنه انظر: \"نصب الراية\" (١/ ٢٠٢)، و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ٧٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٩٢٩)، ومسلم (٨٥٠)، وأبو داود (٣٥١)، والترمذي (٤٩٩).\n(٣) سورة ق: الآية ١٨.\n(٤) \"نصب الراية\" (٢/ ٢٠١).","vol":"5","page":155},{"text":"١١١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ:\n===\nرفعه وهم فاحش، إنما هو من كلام الزهري، انتهى، ورواه مالك في \"الموطأ\" (١) عن الزهري قال: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام، وعن مالك رواه محمد بن الحسن في \"موطئه\" وأخرج ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢) عن علي وابن عباس وابن عمر أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإِمام، وأخرج عن عروة قال: إذا قعد الإِمام على المنبر فلا صلاة، وهكذا قال الحافظ في \"الدراية\" (٣).\nوقال مولانا عبد الحي في حاشيته على \"موطأ محمد\" (٤) في شرح قول الزهري: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام: قال أبو عمر: هذا يدل على أن الأمر بالإنصات وقطع الصلاة ليس برأي، وأنه سنَّة احتج بها ابن شهاب، لأنه خبر عن علم علمه لا عن رأي اجتهده، وأنه عمل مستفيض في زمن عمر وغيره.\nقلت: ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عباس وابن عمر من كراهة الكلام بعد خروج الإِمام، فإنها أمر لا يقال برأي، بل لا بد أن يكون مستنده من سنَّة.\n١١١٣ - (حدثنا مسدد وأبو كامل) فضيل بن حسين (قالا: نا يزيد) بن زريع، (عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب، (عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: يحضر الجمعة ثلاثة نفر) والمراد به\n_________\n(١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٢/ ٤٠٥).\n(٢) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٢٤).\n(٣) \"الدراية\" (١/ ٢١٧).\n(٤) انظر: \"التعليق الممجد على موطأ محمد\" (١/ ٦٠٣).","vol":"5","page":156},{"text":"رَجُلٌ (١) حَضَرَهَا يَلْغُو (٢)، وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو (٣)، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ ﷿ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، فَهِىَ كَفَّارَةٌ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِى تَلِيهَا وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﷿ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٤). [حم ٢/ ٢١٤، خزيمة ١٨١٣، ق ٣/ ٢١٩]\n===\nالأنواع (رجل حضرها) أي الجمعة (يلغو) أي يعبث ويتكلم بما لا يعنيه (وهو) أي اللغو (حظه منها) أي من الجمعة يعني ليس له نصيب من الصلاة والخطبة.\n(ورجل حضرها) أي الجمعة (يدعو، فهو رجل دعا الله ﷿ إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه) والحاصل أن هذا النوع من الرجال حضر الخطبة، فسكت فيها، ولم يتكلم بما لا يعنيه، ولكن اشتغل في الدعاء، ولم يلتفت إلى الخطبة، فهذا الدعاء حظه، إن شاء الله أعطاه، وإن شاء منعه، وهو محروم عن ثواب استماع الخطبة الذي هو متيقن.\n(ورجل حضرها بإنصات) أي استماع للخطبة (وسكوت) عن اللغو (ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا) بإيذاء آخر غير تخطي رقبة (فهي) أي الجمعة (كفارة) له (إلى الجمعة التي تليها) أي تلحقها (وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله تعالى ﷿ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾).\nوهذا الحديث أيضًا يدل على وجوب ترك الكلام، ولكن غير مقيد بحالة الخطبة، ويمكن أن يقال: إن المراد بالإنصات الاستماع، وليس الاستماع إلَّا في الخطبة، فلهذا يناسب هذا الحديث الباب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فرجل\".\n(٢) وفي نسخة: \"بلغو\".\n(٣) وفي نسخة: \"يدعو فيها\".\n(٤) سورة الأنعام: الآية ١٦٠.","vol":"5","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>(٢٣٨) بَابُ اسْتِئْذَانِ الْمُحْدِثِ للإِمَامِ </span>(١)\n١١١٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصِّيصِىُّ، حَدَّثَنَا (٢) حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِى صَلَاتِهِ، فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ، ثُمَّ لْيَنْصَرِفْ». [جه ١٢٢٢، ق ٢/ ٢٥٤، ك ١/ ١٨٤، قط ١/ ١٥٨]\n===\n\n(٢٣٨) (بَابُ اسْتئذَانِ المُحْدِثِ للإمَامِ)\nهكذا في أكثر النسخ الموجودة \"للإمام\" باللام، وفي النسخة المصرية، وحاشية النسخة الخطية وغيرها \"الإِمام\" بدون اللام، وهو الأوجه، فإن الاستئذان متعد بنفسه، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٣)\n١١١٤ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي، نا حجاج) بن محمد، (نا ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: قال النبي - ﷺ -: إذا أحدث) أي صار ذا حدث (أحدكم في صلاته، فليأخذ بأنفه، ثم لينصرف) قال في \"مرقاة الصعود\": قال الخطابي (٤): إنما أمره أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رعافًا، وفي هذا باب من الأخذ بالأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح والتورية بما هو أحسن، وليس يدخل في باب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل، واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس.\nفإن قلت: هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٥)، فإن هذه الآية تدل على وجوب الاستئذان.\nقلت: إن كان المراد بالأمر الجامع الأمر الذي يعم ضرره ونفعه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"الإِمام\".\n(٢) وفي نسخة: \"قال: نا\".\n(٣) سورة النور: الآية ٦٢.\n(٤) \"معالم السنن\" (١/ ٢٤٨).\n(٥) سورة النور: الآية ٦٢.","vol":"5","page":158},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ (١) عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-: «إِذَا دَخَلَ (٢) وَالإِمَامُ يَخْطُبُ» لَمْ يَذْكُرَا عَائِشَةَ.\n===\nوهو خطب جليل لا بد لإمام من أرباب التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم كمقاتلة عدو، أو تشاور في خطب منهم، فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على قلبه، فعلى هذا لا يدخل الجمعة فيه، ولا يحتاج فيه إلى الجواب.\nوأما إذا كان المراد الأمر العام الشامل للجمعة والأعياد وغيرها من طاعة الله، فالجواب عنه أولًا: أن الحديث ورد في حالة الصلاة، وفي الصلاة الاستئذان غير ممكن، فإظهار العذر بأخذ الأنف قام مقام الاستئذان، كأنه استئذان حكمًا.\nوثانيًا: نزلت الآية في زمان رسول الله - ﷺ - تعريضًا للمنافقين، لأنهم كانوا يخرجون بغير الإذن في حالة الخطبة، فينظرون يمينًا وشمالًا فإذا لم يرهم أحد انسلوا، وخرجوا، ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا، وصلوا خوفًا، فلما لم يبق منهم أحد وبقي المخلصون كأنه ارتفع حكمها عن الصلاة، والله تعالى أعلم.\n(قال أبو داود: رواه حماد بن سلمة وأبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -) مرسلًا: (إذا دخل والإمام يخطب، لم يذكرا عائشة) هكذا في جميع النسخ الموجودة إلَّا في النسخة الكانفورية، فليس فيها إذا دخل والإمام يخطب، وهو الصواب، فإنه لا معنى لقوله: \"إذا دخل والإمام يخطب\" والذي أظن أن قوله: \"إذا دخل\" سهو من الكاتب، والصواب: إذا أحدث والإمام يخطب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"هشام بن عروة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أحدكم\".","vol":"5","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>(٢٣٩) بَابٌ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ</span>\n١١١٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ -، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا\n===\nوقد أخرج البيهقي في \"سننه\" (١) من طريق الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا أحدث أحدكم وهو في الصلاة فليضع يده على أنفه ثم ينصرف\"، ثم قال البيهقي: تابعه على وصله حجاج بن محمد عن ابن جريج عن هشام، ورواه الثوري وشعبة وزائدة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق وعبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، قال الشيخ: ورواه نعيم بن حماد عن الفضل بن موسى هكذا موصولًا، إلَّا أنه قال في متنه: \"إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ على أنفه، ولينصرف، فليتوضأ\"، انتهى.\nقلت: وقد روى هذا الحديث عمر بن علي المقدمي، وعمر بن قيس عند ابن ماجه (٢)، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي موصولًا.\n\n(٢٣٩) (بَابٌ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ) أي المسجد (والإمامُ يَخْطُبُ)\nهل يصلي أم لا؟\n١١١٥ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد) بن زيد، (عن عمرو- وهو ابن دينار-، عن جابر) بن عبد الله: (أن رجلًا) (٣) وهو سليك الغطفاني\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٥٤)، وانظر أيضًا: \"المنتقى\" لابن الجارود (١/ ٢٠١) رقم (٢٢٢)، و\"صحيح ابن حبان\" (٦/ ١١) رقم (٢٢٣٩)، و\"سنن الدارقطني\" (١/ ١٥٨)، و\"المستدرك\" للحاكم (١/ ١٨٤).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (١٢٢٢)، وأخرج رواية عمر بن علي المقدمي أيضًا ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ١٠٨) رقم (١٠١٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦/ ٩) رقم ٢٢٣٨)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٥٧)، وكذلك روى بشير العبدي عند الدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٥٨).\n(٣) وقيل: النعمان بن قوقل، كما في \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٥٠١). (ش).","vol":"5","page":160},{"text":"جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِىُّ -ﷺ- يَخْطُبُ فَقَالَ: «أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْ». [خ ٩٣٠، م ٨٧٥، ت ٥١٠، ن ١٣٩٥، جه ١١١٢، حم ٣/ ٣٠٨، خزيمة ١٨٣٢، ق ٣/ ١٩٣]\n١١١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَا: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِىُّ\n===\nكما سيأتي (جاء) أي المسجد (يوم الجمعة، والنبي - ﷺ - يخطب، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم (١) فاركع).\n١١١٦ - (حدثنا محمد بن محبوب) البناني بضم الموحدة وخفة النون، أبو عبد الله البصري، وقد غلط بعضهم فخلط ترجمته بترجمة محمد بن الحسن الشيباني، والسبب فيه أن محمد بن الحسن يلقب محبوبًا، فوقع في بعض الروايات: حدثنا محمد بن الحسن، فظن \"محمدًا\" (٢) لقب الحسن، فخلطه بهذا، والصواب التفرقة لأنهما من طبقتين، ومحمد بن الحسن بن هلال أكبر من هذا.\n(وإسماعيل بن إبراهيم) الظاهر أنه ابن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي، أبو معمر القطيعي بمفتوحة وكسر مهملة، منسوب إلى قطيعة محلة ببغداد، الهروي، نزيل بغداد، ثقة مأمون (المعنى، قالا: نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان) طلحة بن نافع، (عن جابر، وعن أبي صالح) عطف على قوله: عن أبي سفيان، فالأعمش روى عن أبي سفيان عن جابر، وعن أبي صالح. (عن أبي هريرة، قالا: جاء سليك) بضم المهملة وفتح اللام مصغرًا (الغطفاني) بفتح الغين\n_________\n(١) وهذا بمنزلة النص على أنه جلس، والركعتان تسقطان عند الشافعي بالجلوس، وعند\nأحمد كما في \"نيل المآرب\" (١/ ٣٧٥) بطول الجلوس. (ش).\n(٢) كذا في \"التهذيب\" (٩/ ٤٢٩) والظاهر بدله: \"محبوبًا\". (ش).","vol":"5","page":161},{"text":"وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ: «أَصَلَّيْتَ شَيْئًا؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، تَجَوَّزْ فِيهِمَا». [جه ١١١٤، وانظر تخريج الحديث السابق]\n١١١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ سُلَيْكًا جَاءَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، زَادَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ قَالَ (١): «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا». [حم ٣/ ٣١٧، دي ١٥٥١، وانظر تخريج الحديثين السابقين]\n===\nالمعجمة والطاء المهملة (ورسول الله - ﷺ - يخطب، فقال) رسول الله - ﷺ - (له) أي لسليك: (أصليت شيئًا؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، تجوز) بصيغة الأمر (فيهما).\n١١١٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن جعفر، عن سعيد) هو ابن أبي عروبة، كما في نسخة، (عن الوليد) بن مسلم بن شهاب التميمي العنبري (أبي بشر) البصري ثقة، (عن طلحة) بن نافع، وهو أبو سفيان المتقدم (أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث أن سليكًا جاء، فذكر) أي الوليد (نحوه) أي نحو ما ذكره الأعمش (زاد) أي الوليد: (ثم أقبل) رسول الله - ﷺ - (على الناس، قال: إذا جاء أحدكم والأمام يخطب فليصل ركعتين يتجوز) أي يخفف (فيهما).\nقال النووي (٢): وهذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين: أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب استحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد (٣)، ويكره الجلوس قبل أن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثم قال\".\n(٢) وهذا كلام النووي صريح في الاستحباب، وحكي هذا الكلام في حاشية \"المشكاة\" عن \"اللمعات\" (٤/ ١٨٨) فحكي فيه الوجوب، وهو وهم. (ش).\n(٣) وأجاد صاحب \"عارضة الأحوذي\" هذا البحث. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٩٩، ٣٠٠). (ش).","vol":"5","page":162},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيصليهما، وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدها الخطبة (١).\nقلت: وفي \"تحفة المحتاج شرح المنهاج\" (٢): ويلزمه أن يقتصر فيهما على أقل مجزئ على ما قاله جمع، وقال الشافعي ﵀ في \"الأم\" (٣): ونأمره أن يخففهما، فإنه روي أن النبي - ﷺ - أمر بتخفيفهما، وهذا يشير إلى الوجوب، وقد صرح بالوجوب في \"روضة المحتاجين\" فيسن فعلهما، ويجب عدم تطويلهما عرفًا، والاقتصار على الركعتين، ثم قال النووي: وحكي هذا المذهب أيضًا عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين، قال القاضي: وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي -﵃-، انتهى.\nوقال الشوكاني (٤): وحكاه العراقي عن محمد بن سيرين وشريح القاضي والنخعي وقتادة والزهري، ورواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عمر وابن عباس وابن المسيب ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير.\nقال النووي (٥): وتأولوا هذه الأحاديث أنه كان عريانًا، فأمره النبي - ﷺ - بالقيام، ليراه الناس ويتصدقوا عليه، وهذا تأويل باطل، يرده صريح قوله - ﷺ -: \"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما\" وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ صحيحًا فيخالفه.\nقال العيني في \"شرح البخاري\" (٦): قلت: أصحابنا لم يأولوا الأحاديث\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٣٠).\n(٢) انظر: (٢/ ٥٤٥).\n(٣) (١/ ٥١٤).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٤٤).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٣٠).\n(٦) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ١٠١).","vol":"5","page":163},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمذكورة بهذا الذي ذكره، حتى يشنع عليهم هذا التشنيع، بل أجابوا بأجوبة غير هذا.\nالأول: أن النبي - ﷺ - أنصت له حتى فرغ من صلاته، والدليل عليه ما رواه الدارقطني في \"سننه\" (١) من حديث عبيد بن محمد بسنده عن أنس وفيه: \"وأنصت عن الخطبة حتى فرغ من صلاته\"، فإن قلت: قال الدارقطني: أسنده عبيد بن محمد ووهم فيه؟ قلت: ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل، وفيه قال: \"قم فصل، ثم انتظره، حتى صلَّى\"، قال: وهذا المرسل هو الصواب، قلت: المرسل حجة عندنا، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) بسنده عن محمد بن قيس أن النبي - ﷺ - حيث أمره أن يصلي ركعتين، أمسك عن الخطبة، حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته.\nالجواب الثاني: أن ذلك كان قبل شروعه - ﷺ - في الخطبة، وقد بوب النسائي في \"سننه الكبرى\" (٣) على حديث سليك، قال: \"باب الصلاة قبل الخطبة\" ثم أخرج عن أبي الزبير عن جابر قال: جاء سليك الغطفاني، ورسول الله - ﷺ - قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له رسول الله - ﷺ -: أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما.\nالثالث: أن ذلك كان منه قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم لما نسخ في الصلاة نسخ في الخطبة، لأنها شرط الصلاة أو شطرها.\nوقال الطحاوي (٤): ولقد تواترت الروايات عن رسول الله - ﷺ - بأن من قال لصاحبه: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغا، فإذا كان قول الرجل\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٥).\n(٢) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١١٠).\n(٣) \"سنن النسائي الكبرى\" (١٧٠٥).\n(٤) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٦٧).","vol":"5","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلصاحبه والإمام يخطب: أنصت، لغوًا، كان قول الإِمام للرجل: قم، صل، لغوًا أيضًا، فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه من رسول الله - ﷺ - الأمر لسليك بما أمره به، إنما كان قبل النهي، وكان الحكم فيه في ذلك بخلاف الحكم في الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوًا.\nوقال ابن شهاب: خروج الإِمام يقطع الصلاة، وقال ثعلبة بن أبي مالك: كان عمر -رضي الله تعالى عنه - إذا خرج للخطبة أَنْصَتْنَا، وقال عياض: كان أبو بكر وعمر وعثمان يمنعون من الصلاة عند الخطبة.\nوقال ابن العربي (١): الصلاة حين ذاك حرام من ثلاثة أوجه: الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٢)، فكيف يترك الفرض الذي شرع الإِمام فيه إذا دخل عليه فيه ويشتغل بغير فرض. الثاني: صح عنه - ﷺ - أنه قال: \"إذا قلت لصاحبك: أنصت، فقد لغوت\"، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصلان المفروضان الركنان (٣) في المسألة يحرمان في حال الخطبة، فالنفل أولى أن يحرم، الثالث: لو دخل، والإمام في الصلاة لم يركع، والخطبة صلاة إذ يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة.\nوأما حديث سليك فلا يعترض على هذه الأصول من أربعة أوجه: الأول: هو خبر واحد، والثاني: يحتمل أنه كان في وقت كان الكلام مباحًا في الصلاة، لأنا لا نعلم تاريخه، فكان مباحًا في الخطبة، فلما حرم في الخطبة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي هو آكد فرضية من الاستماع،\n_________\n(١) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٣٠٠).\n(٢) سورة الأعراف: الآية ٢٠٤.\n(٣) كذا في \"العيني\" (٥/ ١٠٢)، وفي \"العارضة: الزكيان في الملة، والظاهر بدله: الركنان في الملة. (ش).","vol":"5","page":165},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفأولى أن يحرم ما ليس بفرض، والثالث: أن النبي - ﷺ - كلم سليكا، وقال له: قم، فصل، فلما كلمه وأمره سقط عنه فرض الاستماع، إذ لم يكن هناك قول في ذلك الوقت إلَّا مخاطبته له وسؤاله وأمره، الرابع: أن سليكًا كان ذا بذاذة، فأراد رسول الله - ﷺ - أن يشهره، ليرى حاله، وعند ابن بزيزة كان سليك عريانًا، فأراد النبي - ﷺ - أن يراه الناس.\nوقد قيل: إن ترك الركوع حالتئذ سنة ماضية وعمل مستفيض في زمن الخلفاء، وعولوا أيضًا على حديث أبي سعيد الخدري -﵁ - يرفعه: \"لا تصلوا والإمام يخطب\"، واستدلوا بإنكار عمر على عثمان في ترك الغسل، ولم ينقل أنه أمره بالركعتين، ولا نقل أنه صلاهما، وعلى تقدير التسليم لما يقول الشافعي، فحديث سليك ليس فيه دليل له، إذ مذهبه أن الركعتين تسقطان بالجلوس.\nوفي \"اللباب\": وروى علي بن عاصم عن خالد الحذاء: أن أبا قلابة جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب، فجلس ولم يصل، وعن عقبة بن عامر قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية، وفي \"كتاب الأسرار\": لنا ما روى الشعبي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا صعد الإِمام المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ\"، والصحيح من الرواية: \"إذا جاء أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام\".\nوقد تصدى بعضهم (أي الحافظ ابن حجر في شرح \"البخاري\") (١) لرد ما ذكر من الاحتجاج في منع الصلاة، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقال: جميع ما ذكروه مردود، ثم قال: لأن الأصل عدم الخصوصية، قلنا: نعم، إذا لم تكن قرينة، وهنا قرينة على الخصوصية، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه النسائي (٢) عنه يقول: جاء رجل يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب بهيئة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٠٩).\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٤٠٨).","vol":"5","page":166},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبَذَّةٍ، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أصليت؟ \" قال: لا، قال: \"صل ركعتين\"، وحث الناس على الصدقة، قال: فألقوا ثيابًا، فأعطاه منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله - ﷺ - يخطب، فحث الناس على الصدقة، قال: فألقى أحد ثوبيه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذة، فأمرتُ الناس بالصدقة، فألقوا ثيابًا، فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن، فأمرت الناس بالصدقة، فألقى أحدهما، فانتهره وقال: خذ ثوبك\"، انتهى.\nوكان مراده بأمره إياه بصلاة ركعتين أن يراه الناس ليتصدقوا عليه، لأنه كان في ثوب خلق، وقد قيل: إنه كان عريانًا، كما ذكرناه، إذ لو كان مراده إقامة السنَّة بهذه الصلاة لما قال في حديث أبي هريرة: \"إن النبي - ﷺ - قال: إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت\"، وهو حديث مجمع على صحته من غير خلاف لأحد فيه، حتى كاد أن يكون متواترًا، فإذا منعه من الأمر بالمعروف الذي هو فرض في هذه الحالة، فمنعه من إقامة السنَّة، أو الاستحباب بالطريق الأولى، فحينئذ قول هذا القائل: فدل على أن قصة التصدق عليه جزء علة لا علة كاملة، غير موجه، لأنه علة كاملة.\nوقال أيضًا: وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح \"مسلم\" (١) عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم، أما الجاهل أو الناسي فلا.\nقلت: هذا حكم بالاحتمال، والاحتمال إذا كان غير ناشئ عن في دليل فهو لغو لا يعتد به، وقال أيضًا في قولهم: \"إنه - ﷺ - لما خاطب سليكًا سكت عن خطبته حتى فرغ سليك من صلاته\"، رواه الدارقطني (٢) بما حاصله أنه مرسل، والمرسل حجة عندهم، وقال أيضًا: فيما قاله ابن العربي (٣) من أنه - ﷺ -\n_________\n(١) انظر: \"صحيح مسلم\" بشرح النووي (٣/ ٤٣٠).\n(٢) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٥، ١٦).\n(٣) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٣٠٢).","vol":"5","page":167},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلما تشاغل بمخاطبة سليك سقط فرض الاستماع عنه، إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة، وادعى أنه أقوى الأجوبة، قال: هو من أضعف الأجوبة؛ لأن المخاطبة لما انقضت رجع - ﷺ - إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أمر به من الصلاة، فصح أنه صلى في حالة الخطبة.\nقلت: يرد ما قاله من قوله هذا ما في حديث أنس الذي رواه الدارقطني (١) الذي ذكرنا عنه أنه قال: والصواب أنه مرسل، وفيه: \"وأمسك -أي النبي - ﷺ - عن الخطبة حتى فرغ من صلاته\" يعني سليك، فكيف يقول هذا القائل: فصح أنه صلَّى في حال الخطبة، والعجب منه أنه يصحح الكلام الساقط؟ .\nوقال أيضًا: قيل: كانت هذه القضية قبل شروعه - ﷺ - في الخطبة، ويدل عليه قوله في رواية الليث عند مسلم (٢): \"والنبي - ﷺ - قاعد عند المنبر\" وأجيب: بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضًا.\nقلت: الأصل ابتداء قعوده، وقعوده بين الخطبتين محتمل فلا يحكم به على الأصل، على أن أمره - ﷺ - إياه بأن يصلي ركعتين وسؤاله إياه: هل صليت؟ وأمره للناس بالصدقة، يضيق عن القعود بين الخطبتين، لأن زمن [هذا] القعود لا يطول.\nوقال هذا القائل أيضًا: ويحتمل أن يكون الراوي تجوز في قوله: \"قاعد\".\nقلت: هذا ترويج لكلامه ونسبة الراوي إلى ارتكاب المجاز مع عدم الحاجة والضرورة.\n_________\n(١) انظر، \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٥).\n(٢) انظر: \"صحيح مسلم\" (٨٧٥).","vol":"5","page":168},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال أيضًا: قيل: كانت هذه القضية قبل تحريم الكلام في الصلاة، ثم رده بقوله أن سليكًا متأخر الإِسلام جدًا، وتحريم الكلام متقدم جدًا، فكيف يدعي نسخ المتأخر بالمتقدم مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال؟ .\nقلت: لم يقل أحد إن قضية سليك كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، وإنما قال هذا القائل: إن قضية سليك كانت في حالة إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى عنها، ألا يرى أن في حديث أبي سعيد الخدري: فألقى الناس ثيابهم، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه، وكذلك مس الحصى، وقول الرجل لصاحبه: أنصت، كل ذلك مكروه، فدل ذلك أن ما أمر به - ﷺ - سليكًا، وما أمر به الناس بالصدقة عليه كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة. ولما أمر - ﷺ - بالإنصات عند الخطبة وجعل حكم الخطبة كحكم الصلاة، وجعل الكلام فيها لغوًا كما كان، جعله لغوًا في الصلاة، ثبت بذلك أن الصلاة فيها مكروهة، فهذا وجه قول القائل بالنسخ، ومبنى كلامه هذا على هذا الوجه لا على تحريم الكلام في الصلاة.\nوقال هذا القائل أيضًا: قيل: اتفقوا على أن منع الصلاة في الأوقات المكروهة يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفل حال الخطبة، فيكون الآتي كذلك، قاله الطحاوي (١).\nوتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد، قلت: لم يبن الطحاوي كلامه ابتداء على القياس حتى يكون ما قاله قياسًا في مقابلة النص، وتحرير كلام الطحاوي أنه روى أحاديث عن سليمان وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأوس بن أوس -رضي الله تعالى عنهم- كلها تأمر بالإنصات إذا خطب الإِمام، فتدل كلها أن موضع كلام الإِمام ليس بموضع\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٦٧، ٣٦٨).","vol":"5","page":169},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nللصلاة، فبالنظر إلى ذلك يستوي الداخل والآتي، ومع هذا الذي قاله الطحاوي وافقه عليه الماوَرْدِي وغيره من الشافعي.\nوقال هذا القائل أيضًا: قيل: اتفقوا على أن الداخل والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية، ولا شك أن الخطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضًا، وتعقب بأن الخطبة ليست صلاة من كل وجه، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت تحصل المقصود.\nقلت: هذا القائل لم يَدَّع أن الخطبة صلاة من كل وجه حتى يرد عليه ما ذكره من التعقيب، بل قال: هي صلاة من حيث إن الصلاة قصرت لمكانها، فمن حيث هذا الوجه يستوي الداخل والآتي، ويؤيد هذا حديث أبي الزاهرية (١): عن عبد الله بن بشر قال: كنت جالسًا إلى جنبه يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"اجلس فقد آذيت وآنيت\" ألا ترى أنه - ﷺ - أمره بالجلوس، ولم يأمره بالصلاة؟ فهذا خلاف حديث سليك فافهم.\nوقال هذا القائل أيضًا: قيل: اتفقوا على سقوط التحية عن الإِمام مع كونه يجلس على المنبر، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى، وتعقب بأنه أيضًا قياس في مقابلة النص فهو فاسد.\nقلت: إنما يكون القياس في مقابلة النص فاسدًا إذا كان ذلك النص سالمًا عن المعارض، ولم يسلم سليك عن أمور ذكرناها، وروي أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين - رضي الله تعالى عنهم - منع الصلاة للداخل والإمام يخطب، أما الصحابة فهم: عقبة بن عامر الجهني، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وعبد الله بن صفوان بن أمية المكي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس.\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٦٦).","vol":"5","page":170},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأما أثر عقبة فأخرجه الطحاوي عنه أنه قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية. فإن قلت: في إسناده عبد الله بن لهيعة وفيه مقال، قلت: وثقه أحمد وكفى به ذلك.\nوأما أثر ثعلبة بن أبي مالك فأخرجه الطحاوي (١) بإسناد صحيح: \"أن جلوس الإِمام على المنبر يقطع الصلاة\"، وأخرج ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢) بسنده عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: \"أدركت عمر وعثمان - ﵄-، فكان الإِمام إذا خرج تركنا الصلاة، فإذا تكلم تركنا الكلام\".\nوأما أثر عبد الله بن صفوان فأخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عن هشام بن عروة قال: رأيت عبد الله بن صفوان بن أمية دخل المسجد يوم الجمعة، وعبد الله بن الزبير يخطب على المنبر، وعليه إزار ورداء ونعلان وهو معتمٌّ بعمامة، فاستلم الركن ثم قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم جلس ولم يركع.\nوأما أثر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس -﵃ -، فأخرجه الطحاوي أيضًا عن عطاء قال: كان ابن عمر وابن عباس يكرهان الكلام والصلاة إذا خرج الإِمام يوم الجمعة (٣).\nوأما التابعون فهم: الشعبي والزهري [وعلقمة] وأبو قلابة ومجاهد.\nفأثر الشعبي أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه عن شريح أنه: إذا جاء وقد خرج الإِمام لم يصل. وأثر الزهري أخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عنه في الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب، قال: يجلس ولا يسبح، وأثر علقمة فأخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عن إبراهيم\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٧٠).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١١١).\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٧٠).","vol":"5","page":171},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال لعلقمة: أتكلم والإمام يخطب أو قد خرج الإِمام؟ قال: لا ... إلخ، وأثر أبي قلابة أخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عنه: أنه جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يصل، وأثر مجاهد أخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عنه: كره أن يصلي والإمام يخطب (١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢) أيضًا.\nفهؤلاء السادات من الصحابة والتابعين الكبار لم يعمل أحد منهم بما في حديث سليك ولو علموا أنه يعمل به لما تركوه، فحينئذ بطل اعتراض هذا المعترض.\nفإن قلت: روى الجماعة (٣) من حديث أبي قتادة السلمي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس\" عام يتناول كل داخل في المسجد سواء كان يوم الجمعة والإمام يخطب أو غيره.\nقلت: هذا على من دخل المسجد في حال تحل فيه الصلاة لا مطلقًا، ألَاّ يرى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس وعند غروبها أو قيامها في كبد السماء لا يصلي في هذه الأوقات للنهي الوارد فيه؟ فكذلك لا يصلي والإمام يخطب يوم الجمعة، لورود وجوب الإنصات فيه، والصلاة حينئذ مِمَّا يُخِلُّ بالإنصات.\nقلت: هذا الجواب الذي ذكره العلامة العيني (٤) - رحمه الله تعالى- عن الاستدلال بحديث أبي قتادة السلمي لعله يكفي عنه، ولكن الحديث الذي\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٦٩، ٣٧٠).\n(٢) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١١١).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤)، وأبو داود (٤٦٧)، والترمذي (٣١٦)، والنسائي (٧٣٠)، وابن ماجه (١٠١٢).\n(٤) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ١٠٥).","vol":"5","page":172},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأخرجه البخاري وأبو داود (١) من حديث جابر بن عبد الله - ﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ - وهو يخطب: \"إذا جاء أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين\"، وهذا لفظ البخاري، وأما لفظ أبي داود: زاد: ثم أقبل على الناس، قال: \"إذا جاء أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين يتجوَّز فيهما\".\nفهذا الجواب الذي ذكره العلامة العيني لا يتمشى في هذا الحديث، وكان ينبغي له أن يذكر هذا الحديث ثم يجيب عنه.\nوالجواب عنه عندي أن هذا الحديث مبيح للصلاة، وحديث الإنصات محرم لها، فاجتمع المبيح والمحرِّم، فترجح، وهذا الحديث مخالف للشافعية أيضًا، فإنهم فرقوا بين الداخل في أول الخطبة وآخرها، وقالوا: إذا جاء أحد والإمام في آخر الخطبة بحيث لو اشتغل بالصلاة وخاف أن تفوت عنه تكبيرة التحريمة لا يصلي، كما في \"الإقناع\" (٢)، وهذا الحديث بعمومه يقتضي أنه إذا جاء أحد والإمام في الخطبة، سواء كان في أوله وآخره يصلي الركعتين.\nثم قال العلامة العيني: وقال (أي الحافظ (٣» أيضًا: قيل: لا نسلم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحية المسجد، بل يحتمل أن تكون صلاة فائتة كالصبح مثلًا، ثم قال: وقد تولى رده ابن حبان في \"صحيحه\"، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرة بعد أخرى.\nقلت: هذا القائل نقل عن ابن المنير ما يقوي القول المذكور حيث قال: لعله - ﷺ - كان كشف له عن ذلك، وإنما استفهمه ملاطفة له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحية لم يحتج إلى استفهامه، لأنه قد رآه لما قد دخل،\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (١١٦٦)، و\"سنن أبي داود\" (١١١٧).\n(٢) (٢/ ٢١٣).\n(٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ١٠٥)، و\"فتح الباري\" (٢/ ٤١٠).","vol":"5","page":173},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذه تقوية جيدة بإنصاف، وما نقله عن ابن حبان ليس بشيء، لأن تكراره يدل على أن الذي أمره به من الصلاة الفائتة، لأن التكرار لا يحسن في غير الواجب.\nومن جملة ما قال هذا القائل: وقد نقل حديث أبي سعيد الخدري أنه دخل ومروان يخطب فصلى الركعتين، فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله - ﷺ - يأمر بهما، انتهى، ولم يثبت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، ونقل أيضًا عن شارح الترمذي أنه قال: كل ما نقل عنه منع الصلاة والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد، لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية، انتهى.\nقلت: قد ذكرنا أن الطحاوي (١) روى عن عقبة بن عامر: \"الصلاة والإمام على المنبر معصية\" وكيف يقول هذا القائل: ولم يثبت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك؟ وأي مخالفة تكون أقوى من هذا حيث جعل الصلاة والإمام على المنبر معصية؟ وكيف يقول شارح الترمذي: لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية؟ وأي تصريح يكون أقوى من قول عقبة حيث أطلق على فعل هذه الصلاة معصية؟ فلو كان قال: يكره أو لا يفعل لكان منعًا صريحًا، فضلًا أنه قال: معصية، وفعل المعصية حرام، وإنما أطلق عليه المعصية لأنها في هذا الوقت تخل بالإنصات المأمور به، فيكون بفعلها تاركًا للأمر، وتارك الأمر يسمى عاصيًا، وفعله يسمى معصية، وفي الحقيقة هذا الإطلاق مبالغة.\nفإن قلت: في سند أثر عقبة عبد الله بن لهيعة؟ قلت: ما له، وقد قال أحمد: من كان مثل ابن لهيعة في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وحدث عنه أحمد كثيرًا، وقال ابن وهب: حدثني الصادق البار- والله- عبد الله بن لهيعة، وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلابًا للعلم.\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٧٠).","vol":"5","page":174},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال هذا القائل أيضًا: وأما ما رواه الطحاوي عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد وابن الزبير يخطب فاستلم الركن، ثم سلَّم عليه، ثم جلس، وعبد الله بن صفوان وعبد الله بن الزبير صحابيان صغيران، فقد استدل به الطحاوي (١)، فقال: لما لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحية، فدل على صحة ما قلناه، وتعقب بأن تركهم النكير لا يدل على تحريمها (٢)، بل يدل على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم.\nقلت: هذا التعقيب متعقَّبٌ لأنه ما ادَّعى تحريمها حتى يرد ما استدل به الطحاوي، ولم يقل هو ولا غيره بالحرمة، وإنما دعواهم أن الداخل ينبغي أن يجلس ولا يصلي شيئًا، والحال أن الإِمام يخطب، وهو الذي ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين.\nقلت: وهذا الذي قاله العلامة العيني (٣) بظاهره مخالف لما في كتب الحنفية فإنهم صرحوا بالكراهة المطلقة، وهو مرادف للحرمة، وبعضهم صرحوا بالحرمة، قال في \"البدائع\" (٤): وأما محظورات الخطبة فمنها: أنه يكره الكلام حالة الخطبة، وكذا قراءة القرآن وكذا الصلاة، ثم قال: وكذا كل ما شغل عن سماع الخطبة من التسبيح والتهليل والكتابة ونحوها، بل يجب عليه أن يستمع ويسكت.\nوقال في \"المبسوط\": الإِمام إذا خرج فخروجه يقطع الصلاة، حتى يكره افتتاحها بعد خروج الإِمام، ثم قال: ولأن الاستماع واجب، والصلاة تشغله عنه، ولا يجوز الاشتغال بالتطوع وترك الواجب، انتهى.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٧٠).\n(٢) هكذا في \"الفتح\" (٢/ ٤١٠)، والعيني (٥/ ١٠٦). (ش).\n(٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ١٠٥، ١٠٦).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٩٢).","vol":"5","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>(٢٤٠) بَابُ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ</span>\n١١١٨ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، نَا بِشْرُ بْنُ المسَّرِيِّ،\n===\nوقال في \"الدر المختار\" (١): إذا خرج الإِمام من الحجرة إن كان، وإلَّا فقيامه للصعود فلا صلاة ولا كلام إلى تمامها، قال الشامي: قوله: فلا صلاة شمل السنَّة وتحية المسجد \"بحر\"، قال محشية الرملي: أي فلا صلاة جائزة، وتقدم في شرح قوله: ومنع عن الصلاة وسجدة التلاوة ... إلخ. أن صلاة النفل صحيحة مكروهة حتى يجب قضاؤه إذا قطعه، ويجب قطعه، وقضاؤه في غير وقت مكروه في ظاهر الرواية، ولو أتمه خرج من عهدة ما لزمه بالشروع، فالمراد الحرمة لا عدم الانعقاد، انتهى.\nثم قال العلامة العيني (٢): وقال هذا القائل أيضًا: هذة الأجوبة التي قدمناها تندفع من أصلها بعموم قوله - ﷺ - في حديث أبي قتادة: \"إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين\"، قلت: قد أجبنا عن هذا بأنه عام مخصوص، وقال النووي (٣): هذا نص لا يتطرق إليه التأويل ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ، ويعتده صحيحًا فيخالفه، قلت: فرق بين التأويل والتخصيص، ولم يقل أحد من المانعين عن الصلاة والإمام يخطب: إنه مؤول بل قالوا: إنه مخصوص.\n\n(٢٤٠) (بَابُ تَخَطِّي (٤) رِقَابِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)\n١١١٨ - (حدثنا هارون بن معروف، نا بشر بن السري) بفتح مهملة وكسر راء خفيفة وشدة مثناة تحت، أبو عمرو، الأفوه بمفتوحة فساكنة وفتح واو،\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٣٤).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ١٠٦).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٣٠).\n(٤) فيه ثلاث مسائل خلافية: حكم التخطي، وقيد الجمعة، والكراهة تحريمية أو تنزيهية، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٤٨٠). (ش).","vol":"5","page":176},{"text":"حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِى الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ صَاحِبِ النَّبِىِّ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِىُّ -ﷺ- يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -ﷺ-: «اجْلِسْ،\n===\nقال في \"القاموس\" (١): الفَوَهُ محركة سعة الفم، أو أن تَخْرُجَ الأسنانُ من الشفتين مع طولها وهو أفوَهُ، قال البخاري (٢): كان صاحب مواعظ يتكلم فسمي أفوه، البصري، سكن مكة، ثقة متقن، طعن فيه برأي يهم، ثم اعتذر وتاب.\n(نا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية) حدير بن كريب (قال: كنا مع عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة، ابن أبي بسر المازني القيسي، أبو بسر، ويقال: أبو صفوان، له ولأبيه بسر (٣) صحبة، وهو صحابي صغير مات سنة ٨٨ هـ بالشام، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة (صاحب النبي - ﷺ - يوم الجمعة، فجاء رجل) لم يعرف (يتخطى رقاب الناس) يتجاوزهم، قال في \"القاموس\" (٤): تخطى الناسَ واختطاهم رَكِبَهُمُ وَجَاوَزَهُم.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٥): قد فرق النووي بين التخطي والتفريق بين الاثنين، وجعل ابن قدامة في \"المغني\" (٦) التخطي هو التفريق، قال العراقي: والظاهر الأول، لأن التفريقَ هو الجلوس بينهما وإن لم يتخط (فقال عبد الله بن بسر: جاء رجل) لم يعرف (يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي - ﷺ - يخطب، فقال له النبي - ﷺ -: اجلس) (٧) أي لا تجاوزهم ولا تتخط رقابهم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (٤/ ٤١٥).\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٥١).\n(٣) في الأصل: أبي بسر، وهو خطأ.\n(٤) \"القاموس\" (٤/ ٤٦٩).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٤٠).\n(٦) \"المغني\" (٣/ ٢٣٠).\n(٧) ولم يأمره بالصلاة، فيه حجة لنا، كما تقدم.","vol":"5","page":177},{"text":"فَقَدْ آذَيْتَ\". [ن ١٣٩٩، حم ٤/ ١٨٨، ق ٣/ ٢٣١]\n===\n(فقد آذيت) أي الناس أو إياي، وفي رواية ابن ماجه (١): \"وآنيت\" بهمزة ممدودة، أي: أبطأت وتأخرت.\nقال الشوكاني (٢): وأحاديث الباب تدل على كراهة التخطي يوم الجمعة، وظاهر التقييد بيوم الجمعة: أن الكراهة مختصة به، ويحتمل أن يكون التقييد خرج مخرج الغالب؛ لاختصاص الجمعة بكثرة الناس، بخلاف سائر الصلوات؛ فلا يختص ذلك بالجمعة، بل يكون حكم سائر الصلوات حكمها، ويؤيد ذلك بالتعليل بالأذية، وظاهر هذا التعليل أن ذلك يجري في مجالس العلم وغيرها.\nوقد اختلف أهل العلم في حكم التخطي يوم الجمعة، فقال الترمذي (٣) - حاكيًا عن أهل العلم-: إنهم كرهوا تخطي الرقاب [يوم الجمعة]، وشددوا في ذلك، وحكى أبو حامد في \"تعليقه\" عن الشافعي التصريح بالتحريم.\nوقال النووي في \"زوائد الروضة\": إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة، واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط، وروى العراقي عن كعب الأحبار أنه قال: لأن أدع الجمعة أحبُّ إلى من أن أتخطى الرقاب، وقال ابن المسيب: لأن أصلي الجمعة بالحرة أحبُّ إلى من التخطي، وروي عن أبي هريرة نحوه، ولا يصح عنه.\nقال العراقي: وقد استثني من التحريم أو الكراهة الإِمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلَّا بالتَّخَطِّي، وهكذا أطلق النووي في \"الروضة\"، وقيد ذلك في \"شرح المهذب\" (٤) فقال: إذا لم يجد طريقًا إلى المنبر أو المحراب إلَّا بالتخطي لم يكره، لأنه ضرورة، وروي نحو ذلك عن الشافعي.\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١١١٥).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٤٠).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٥١٣).\n(٤) \"شرح المهذب\" (٤/ ٤٢٠).","vol":"5","page":178},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوحديث عقبة بن الحارث (١) وهو \"أن رسول الله - ﷺ - كان مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه\" يدل على جواز التخطي للحاجة في غير الجمعة، فمن خصص الكراهة بصلاة الجمعة فلا معارضة بينه وبين أحاديث الباب عنده، ومن عمم الكراهة لوجود العلة المذكورة في الجمعة وغيرها فهو محتاج إلى الاعتذار عنه، وقد خص الكراهة بعضهم بغير من يتبرك الناس بمروره ويسرهم ذلك، ولا يتأذون لزوال علة الكراهة التي هي التأذي.\nوأما حكم التخطي عند الحنفية، فقال الطحطاوي في شرح \"مراقي الفلاح\" (٢): قال الحلبي: وينبغي أن يقيد النهي عن التخطي بما إذا وجد بدًا، أما إذا لم يجد بدًا بأن لم يكن في الوراء موضع، وفي المقدم موضع، فله أن يتخطى إليه بالضرورة.\nوفي \"الخلاصة\": إذا دخل الرجل الجامع وهو ملآن، إن كان تخطيه يؤدي الناس لم يتخط، وإن كان لا يؤدي أحدًا بأن لا يطأ ثوبًا ولا جسدًا، فلا بأس أن يتخطى، ويدنو من الإِمام، وروى الفقيه أبو جعفر عن أصحابنا: أنه لا بأس بالتخطي ما لم يخرج الإِمام أو يؤذ أحدًا، انتهى.\nوحاصله أن التخطي جائز بشرطين: عدم الإيذاء، وعدم خروج الإِمام، لأن الإيذاء حرام، والتخطي عمل، وهو بعد خروج الإِمام حرام، فلا يرتكبه لفضيلة الدنو من الإِمام، بل يستقر في موضعه من المسجد، وما ذكر في \"البحر\" وغيره من أن من وجد فرجة في المقدم له أن يخرق الثاني، لأنه لا حرمة لهم لتقصيرهم، يحمل على الضرورة أو على عدم الإيذاء، أو على الاستئذان قبل خروج الإِمام جمعًا بين الروايات، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٨٥١).\n(٢) (ص ٤٢٨).","vol":"5","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>(٢٤١) باب الرَّجُلِ يَنْعَسُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ</span>\n١١١٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ». [ت ٥٢٦، حم ٢/ ٢٢، ٣٢، خزيمة ١٨١٩، ق ٣/ ٢٣٧، ك ١/ ٢٩١]\n===\n\n(٢٤١) (بَابُ الرَّجُلِ (١) يَنْعَسُ والإمَامُ يَخْطُبُ)\n١١١٩ - (حدثنا هناد بن السري، عن عبدة) بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن بن سليمان، قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة وزيادة مع صلاح في بدنه، وكان شديد الفقر، ووثقه ابن معين والعجلي وابن شاهين والدارقطني.\nقلت: وقد تقدم في الحديث الخامس من \"باب ما روي أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة\" ذكر عبدة هذا، فوقع الوهم (٢)، والغلط في ترجمته، فكتب أنه مروزي، نزل المصيصة، وهو غلط، والمروزي هو آخر أستاذ أبي داود.\n(عن ابن إسحاق) محمد بن إسحاق بن يسار، (عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا نعس أحدكم) النعاس الوسن، وأول النوم، هو من باب نصر، وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي على العين، ولا تصل إلى القلب، فإذا وصلته كان نومًا \"مجمع\" (٣).\n(وهو في المسجد) أي يوم الجمعة، كما في رواية \"الترمذي\" (٤) (فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره).\n_________\n(١) وراجع: \"العارضة\" (٢/ ٣١٦). (ش).\n(٢) ولا يذهب عليك أنه صحح في الطبع الثاني، وما قاله الشيخ من الوهم كان في الطبع الأول. (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٥٥).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (٥٢٦).","vol":"5","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>(٢٤٢) باب الإِمَامِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْمِنْبَرِ</span>\n١١٢٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ - هُوَ ابْنُ حَازِمٍ، لَا أَدْرِى كَيْفَ، قَالَهُ مُسْلِمٌ أَوْ لا (١) -\n===\nأخرجه الترمذي من طريق محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، ولفظه قال: \"إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحول عن مجلسه ذلك\"، وبزيادة لفظ يوم الجمعة ظهر مطابقة الحديث بالباب، فإنه بعمومه يعم وقت الخطبة، ولكن لما كان العمل عند الخطبة منهيًا عنه فلا يدخل وقت الخطبة في عمومه، ويكون التحول في حالة الخطبة ممنوعًا، ولعل مذهب أبي داود جواز التحول عند الخطبة أيضًا، ولهذا زاد في ترجمة الباب قوله: والإمام يخطب.\n\n(٢٤٢) (بَابُ الإمَامِ (٢) يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا يَنْزِلُ مِنَ المِنْبَرِ)\nأي بين الصلاة والخطبة\n١١٢٠ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن جرير وهو ابن حازم) قوله: هو ابن حازم من كلام أبي داود المؤلف، فإنه لما تردد فيه كما يأتي في الكلام الآتي، زاد هذا اللفظ من عند نفسه (لا أدري كيف، قاله مسلم أو لا) قال في \"فتح الودود\": ضمير \"قاله\" لقوله: وهو ابن حازم، وقوله: أو لا، بسكون الواو عاطفة، و\"لا\" نافية، والظاهر (٣) أن يقال: لا أدري أقاله مسلم أو لا؟ كيف قاله؟ كما لا يخفى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أم لا\".\n(٢) بسط الكلام عليه في \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٣٠٦)، وبين وجه تبويبهم بهذا الباب من أنه وردت الروايات بالفضل في الإنصات حتى يفرغ الإِمام، ورجح من عند نفسه عدم التكلم، (ش).\n(٣) ويحتمل عندي أن يكون المعنى كيف ذكر مسلم نسبه بالاسم، أو اللقب، أو الكنية، أو غير ذلك، أو لم يذكر النسب أصلًا، وعلى هذا الاحتمال يكون عطف الجملة الاسمية على الاستفهامية، وذكر صاحب \"المنهل\" احتمالًا أن \"كيف\" بمعنى همزة الاستفهام. (ش).","vol":"5","page":181},{"text":"عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ (١) اللَّهِ -ﷺ- يَنْزِلُ مِنَ الْمِنْبَرِ فَيَعْرِضُ لَهُ الرَّجُلُ فِى الْحَاجَةِ، فَيَقُومُ مَعَهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى\". [ت ٥١٧، ن ٤١٩، جه ١١١٧، حم ٣/ ١١٩، خزيمة ١٨٣٨، ق ٣/ ٢٢٤، ك ١/ ٢٩٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: والْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عَنْ ثَابِتٍ، هُوَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ.\n===\nوأما هذا الكلام فالظاهر المقدر كيف الأمر، ثم يجعل \"قاله\" إلى آخره بتقدير همزة الاستفهام تفسير الجملة كيف الأمر، وبعضهم ضبطوا أوَّلًا بتشديد الواو، كأن المعنى لا أدري كيف قاله مسلم أول ما حدثني به، وهذا بعيد.\n(عن ثابت، عن أنس قال: رأيت رسول الله - ﷺ - ينزل من المنبر) أي بعد الفراغ من الخطبة، (فيعرض له الرجل في الحاجة) أي حاجته، (فيقوم معه حتى يقضي حاجته، ثم يقوم) أمام الناس في المحراب (فيصلي) أي صلاة الجمعة بالناس.\n(قال أبو داود: والحديث ليس بمعروف عن ثابت، وهو) أي هذا الحديث (مما تفرد به جرير بن حازم) عن ثابت، وأصرح من ذلك ما قال الترمذي (٢) فيه بعد تخريجه: قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلَّا من حديث جرير، سمعت محمدًا يقول: وَهِمَ جرير في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت عن أنس قال: أقيمت الصلاة، فأخذ رجل بيد النبي - ﷺ -، فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم، قال محمد: والحديث هو هذا، وجرير بن حازم ربما يَهِمُ في الشيء، وهو صدوق.\nقال محمد: وَهِمَ جرير بن حازم في حديث ثابت عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني\"، قال محمد: ويروى\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٥١٧).","vol":"5","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>(٢٤٣) بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً</span>\n١١٢١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ (١) مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». [خ ٥٨٠، م ٦٠٧، ت ٥٢٤، ن ٥١٤،جه ١١٢٢، حم ٢/ ٢٤١، خزيمة ١٥٩٥، ك ١/ ٢١٦، ق ١/ ٣٧٩]\n===\nعن حماد بن زيد قال: كنا عند ثابت البُنَانِي، فحدث حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني\"، فوهم جرير، فظن أن ثابتًا حدثهم عن أنس عن النبي - ﷺ -، انتهى.\nقلت: وهذا وهم ثان لجرير ذكره لتقوية الوهم الأول.\nومذهب الحنفية في ذلك ما قال في \"البدائع\" (٢): هذا الذي ذكرنا في حالة الخطبة، وأما عند الأذان الأخير حين خرج الإِمام إلى الخطبة، وبعد الفراغ من الخطبة حين أخذ المؤذن في الإقامة إلى أن يفرغ هل يكره ما يكره في حال الخطبة؟ على قول أبي حنيفة يكره، وعلى قولهما لا يكره الكلام، وتكره الصلاة، انتهى.\n\n(٢٤٣) (بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً)\nترك ذكر الجزاء لوجوده في الحديث\n١١٢١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة) ظاهر لفظ الحديث يقتضي أن يكون مدرك ركعة مدرك الصلاة، ومؤديًا الواجب عنه، ولم يقل به أحد من العلماء بأن إدراك ركعة يكفيه،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٩٤).","vol":"5","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبل عند الجميع يجد إتمامها، فمعنى قوله: فقد أدرك الصلاة، أي فقد أدرك جزء الصلاة، أو أدرك وجوبها، أو أدرك فضلها، فيجب عليه أداء الباقي، وإطلاق لفظ الصلاة لما كان يصدق على الجمعة وغيرها ظهر به حكم الجمعة، فإن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة، فقد أدرك الجمعة، أي وجوبها، فيجب عليه إتمامها، وهذا الحكم متفق عليه.\nوبقي حكم من جاء الجمعة ولم يدرك ركعة، بل دخل في السجدة أو التشهد، هل يتم الجمعة أو يصلي ظهرًا؟ ولم يبين المصنف حكم هذه الصورة لمكان الاختلاف فيها، وذهب إلى الأول الإِمام أبو حنيفة وأبو يوسف، وإلى الثاني الإِمام الشافعي (١) ومحمد بن الحسن مستدلًا بحديث الدارقطني (٢) الذي أخرجه بألفاظ مختلفة، ففي رواية: \"من أدرك من الجمعة ركعة صلَّى إليها أخرى، فإن أدركهم جلوسًا صلَّى الظهر أربعًا\"، وفي رواية: \"من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعًا\"، أو قال: الظهر، أو قال: الأولى، وفي رواية: \"إذا أدرك أحدكم الركعتين من يوم الجمعة فقد أدرك الجمعة، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى، وإن لم يدرك ركعة فليصل أربع ركعات\"، وفي سنده ياسين وهو ضعيف، وفي رواية: \"من أدرك الركوع من الركعة الآخرة فليضف إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع من الركعة الأخرى فليصل الظهر أربعًا\".\nوفي رواية: \"إذا أدركت الركعة الآخرة من صلاة الجمعة فصل إليها ركعة، وإن فاتتك الركعة الآخرة فصل الظهر أربع ركعات\"، فلهذا الحديث قال الإِمام الشافعي والإمام محمد - رحمهما الله-: إن من لم يدرك الركعة الثانية\n_________\n(١) بل الأئمة الثلاثة مع الاختلاف فيما بينهم في أنه هل ينوي الظهر عند الاقتداء أو بعد سلام الإِمام عند الانفراد، وكلاهما مشكل كما في \"الأوجز\" (٢/ ٤١٣)، وبالأول قال أحمد، وبالثاني الشافعي، وقال مالك: يكبر تكبيرة أخرى للإحرام. (ش).\n(٢) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٣/ ١٠، ١١، ١٢).","vol":"5","page":184},{"text":"(٢٤٤) بَابُ (١) مَا يَقْرَأُ بِهِ في الْجُمُعَةِ\n١١٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ\n===\nبل فاته الركوع من الثانية، ودخل في السجدة أو التشهد فهو يصلي الظهر، وليس له أن يقتصر على ركعتي الجمعة.\nوأستدل الإِمام أبو حنيفة وأبو يوسف بما رواه الشيخان (٢) وغيرهما: \"ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا\"، وهو بعمومه يشمل مدرك التشهد الأخير قبل السلام، فإنه يجب عليه بهذا الحديث أن يتم الصلاة التي أحرم بها، وأما الحديث الذي استدل به الشافعي ومحمد فليس فيه دليل على ما يقولان به، فإن قوله: \"أدركهم جلوسًا\" محمول على الجلوس الذي بعد الفراغ من الصلاة يدل عليه قوله: \"ومن فاتته الركعتان فليصل أربعًا\"، وكذلك في أخرى: \"إن فاتته الركعة الآخرة فليصل الظهر أربع ركعات\".\nوأما ما وقع \"ومن لم يدرك الركوع من الركعة الأخرى فليصل الظهر أربعًا\" فهو أيضًا يمكن أن يحمل على الروايات المذكورة فيما تقدم، وفيه سليمان بن أبي داود الحراني الملقب بـ \"بُومَة\"، قال الذهبي في \"الميزان\" (٣): ضعفه أبو حاتم، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يحتج به.\n(٢٤٤) (بَابُ مَا) أي السورة (٤) التي (يَقْرَأُ بِهِ) رسول الله - ﷺ -، ويحتمل أن يكون لفظ \"يقرأ\" على البناء للمجهول (في) صلاة (الْجُمُعَةِ)\n١١٢٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن إبراهيم بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب فيما يقرأ في صلاة الجمعة\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٣٥)، و\"صحيح مسلم\" (٦٠٣).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٢٠٦).\n(٤) عند مالك يستحب في الأولى \"الجمعة\" ومخير في الثانية في ثلاثة: \"الغاشية\" و\"المنافقون\" و\"الأعلى\"، وعند الحنابلة: \"الجمعة\" و\"المنافقون\"، وعند الشافعية: هما أو \"الأعلى\" و\"الغاشية\". (ش).","vol":"5","page":185},{"text":"مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِى الْعِيدَيْنِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قَالَ: وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا في يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَرَأَ بِهِمَا\". [م ٨٧٨، ت ٥٣٣، ن ١٤٢٤، جه ١٢٨١، حم ٤/ ٢٧٣، خزيمة ١٤٦٣]\n١١٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِىِّ،\n===\nمحمد بن المنتشر، عن أبيه) محمد بن المنتشر بن الأجدع بن مالك الهمداني ثم الوادعي الكوفي، وثقه أحمد، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث قليلة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في العيدين) أي الفطر والأضحى (ويوم الجمعة) أي صلاتها (بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) في الركعة الأولى (و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾) في الركعة الثانية (قال: وربما اجتمعا) أي العيد والجمعة (في يوم واحد فقرأ) رسول الله - ﷺ - (بهما) أي بهاتين السورتين.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (١): فيه استحباب القراءة فيهما بهما، وفي الحديث الآخر: القراءة في العيد بـ \"ق\" \"واقتربت\" وكلاهما صحيح، فكان - ﷺ - في وقت يقرأ في الجمعة \"الجمعة\" و\"المنافقون\"، وفي وقت \"سبح اسم\" و\"هل أتاك\"، وفي وقت يقرأ في العيد \"ق\" \"واقتربت\"، وفي وقت \"سبح اسم\" و\"هل أتاك\".\n١١٢٣ - (حدثنا الفعنبي، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني) هو ضمرة بن سعيد بن أبي أحنة بالنون، وقيل بالباء الموحدة، واسمه عمرو بن غزية المازني، مازن بني النجار، الأنصاري، ثقة\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٣٣).","vol":"5","page":186},{"text":"عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: \"أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ \". [م ٨٧٨، ن ١٤٢٣، جه ١١١٩، ق ٣/ ٢٠٠، حم ٤/ ٢٧٠، خزيمة ١٨٤٥]\n١١٢٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ -، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِى رَافِعٍ\n===\n(عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير).\nأخرج مسلم في \"صحيحه\" هذا الحديث، وفيه عن عبيد الله بن عبد الله قال: كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله، الحديث، فظهر بهذا أن السؤال المذكور في حديث أبي داود كان بالكتابة.\nوأما الضحاك بن قيس فلعله هو الأمير المشهور الفهري القرشي أبو أنيس، وهو صحابي صغير، مولده قبل وفاة النبي - ﷺ - بنحو ست سنين أو أقل، قتل في وقعة مرج راهط، ذكره مسلم في حديثه، وكذلك ذكره أبو داود، وروى له النسائي حديثًا واحدًا في الصلاة على الجنازة.\n(ماذا كان يقرأ به رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة على إثْر) بكسر فسكون، ويجوز فتحهما \"مجمع\" (١)، قال في \"القاموس\" (٢): خرج في إِثرِه وأَثَرِه: بعده، أي بعد (سورة الجمعة؟) التي قرأها في الركعة الأولى، أيّ سورة يقرأ في الركعة الثانية (فقال) أي أجاب بالكتابة: (كان) رسول الله - ﷺ - (يقرأ) في الركعة الثانية (بِـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾).\n١١٢٤ - (حدثنا القعنبي، نا سلميان - يعني ابن بلال -، عن جعفر) الصادق، (عن أبيه) محمد الباقر، (عن ابن أبي رافع) هو عبيد الله بن أبي رافع المدني\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (١/ ٦٨٢).","vol":"5","page":187},{"text":"قَالَ: \"صَلَّى بِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَفِى الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قَالَ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ انْصَرَفَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأْتَ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِىٌّ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. [م ٨٧٧، ت ٥١٩، جه ١١١٨، حم ٢/ ٤٢٩، ٤٣٠، خزيمة ١٨٤٣، ق ٣/ ٢٠٠، حب ٢٨٠٦]\n١١٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ \". [ن ١٤٢٢، حم ٥/ ١٣، خزيمة ١٨٤٧، ق ٣/ ٢٠١]\n===\nمولى النبي - ﷺ -، وكان كاتب علي -﵁ - ثقة، (قال: صلَّى بنا أبو هريرة يوم الجمعة) أي صلاة الجمعة حين استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة.\n(فقرأ) أي أبو هريرة (بسورة الجمعة) في الركعة الأولى (وفي الركعة الآخرة (﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قال) أي ابن أبي رافع: (فأدركت أبا هريرة حين انصرف) عن الصلاة أو عن المسجد (فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي) بن أبي طالب - ﵁ - (يقرأ بهما بالكوفة) أي في ركعتي الجمعة (قال أبو هريرة: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ بهما) أي بهاتين السورتين (يوم الجمعة).\n١١٢٥ - (حدثنا مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن معبد بن خالد، عن زيد بن عقبة) الفزاري بفتح الفاء، الكوفي، ثقة، (عن سمرة بن جندب: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الجمعة) أي في ركعتها (بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾).","vol":"5","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>(٢٤٥) باب الرَّجُلِ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ</span>\n١١٢٦ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى حُجْرَتِهِ\n===\n\n(٢٤٥) (بَابُ الرَّجُلِ (١) يَأْتَمُّ بِالإمَامِ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ)\nأي هل يضر ذلك بالاقتداء؟\nوالمسألة ذات خلاف شهير، فذهب المالكية إلى أنه لا يضر، ومنهم من فرق بين المسجد وغيره، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٢).\n١١٢٦ - (حدثنا زهير بن حرب، نا هشيم) بن بشير، (أنا يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن عمرة، عن عائشة قالت: صلَّى رسول الله - ﷺ - في حجرته) قال الحافظ: ظاهره أن المراد حجرة بيته، ويدل عليه ذكر جدار الحجرة، وأوضح منه رواية حماد بن زيد عن يحيى عند أبي نعيم بلفظ: \"كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه\"، ويحتمل أن المراد الحجرة التي احتجرها في المسجد بالحصير، كما في الرواية التي بعد هذه، وكذا حديث زيد بن ثابت الذي بعده (٣)، ولأبي داود ومحمد بن نصر من وجهين آخرين عن أبي سلمة عن عائشة أنها هي التي نصبت له الحصير على باب بيتها، فإما أن يحمل على التعدد، أو على المجاز في الجدار وفي نسبة الحجر إليها، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي أن المراد من الحجرة حجرة الحصير الذي احتجره\n_________\n(١) قال الشعراني: ومنه قول مالك والشافعي بصحة الاقتداء وبينهما نهر أو طرق، مع قول أبي حنيفة: إنها لا تصح، ومنه قول الثلاثة: إن من صلَّى في بيت بصلاة الإِمام في المسجد وهناك حائل يمنع رؤية الصفوف لا تصح الصلاة، مع قول أبي حنيفة: تصح، انتهى. (انظر: \"الميزان\" للشعراني ٢/ ١٣٤). (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٤).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٧٣٠، ٧٣١).","vol":"5","page":189},{"text":"وَالنَّاسُ يَأتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ\". [خ ٧٢٩، حم ٤/ ٣٠، ق ٣/ ١١٠]\n===\nفي المسجد، يدل عليه صنيع البخاري، فإنه ذكر في \"باب إذا كان بين الإِمام وبين القوم حائط أو سترة\"، فأورد فيه أولًا حديث عائشة، ولفظه: \"يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي - ﷺ - وظاهر السياق يدل على أنها كانت من الحصير، لأن قصر جدار الحجرة حتى يرى شخص النبي - ﷺ - لا يكون إلَّا في حجرة الحصير، فإن جدر حجرات أزواج النبي - ﷺ - لا يمكن أن تكون قصيرة بهذه المثابة.\nثم أخرج بعد ذلك عن عائشة -﵂ - في \"باب صلاة الليل\"، ولفظه: \"كان له حصير يبسطه بالنهار، ويحتجره بالليل، فثاب إليه ناس فصلوا وراءه\".\nقال الحافظ (١) في شرح هذا الحديث: وغرضه بيان أن الحجرة المذكورة في الرواية التي قبل هذه كانت حصيرًا. ثم أخرج حديث زيد بن ثابت ولفظه: \"أن رسول الله - ﷺ - اتخذ حجرة\" قال: حسبت أنه قال: من حصير، الحديث.\n(والناس يأتمون به من وراء الحجرة) ومذهب الحنفية في هذه المسألة أن اقتداء الصحابة -﵃ - برسول الله - ﷺ - صحيح سواء كان المراد من الحجرة (٢) حجرة بعض أزواجه - ﷺ -، أو حجرة الحصيرة التي احتجرها في المسجد، فإن كان المراد بالحجرة حجرة الحصير فوجه الصحة ظاهر، فإن المانع من الاقتداء عند الحنفية إما اختلاف المكان، أو اشتباه حال الإِمام، ولم يوجد ههنا واحد منهما، فإن المسجد مع تباين أطرافه كبقعة واحدة، فلم يختلف المكان.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٥).\n(٢) ذكر في \"فيض الباري\" (٢/ ٢٣٨): اختلفوا في المراد بالحجرة، وحمله الطحاوي على حجرة عائشة، والآخرون على حجرة الحصير، وعندي التعدد، انتهى. (ش).","vol":"5","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>(٢٤٦) بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ</span>\n===\nقال في \"البدائع\" (١): ولو اقتدى بالإمام في أقصى المسجد، والإمام في المحراب جاز، لأن المسجد على تباعد أطرافه جعل في الحكم كمكان واحد، ولو وقف على سطح المسجد واقتدى بالإمام، فإن كان وقوفه خلف الإِمام أو بحذائه جاز، لما روي عن أبي هريرة - ﵁ - أنه وقف على سطح واقتدى بالإمام، وهو في جوفه، ولأن سطح المسجد تبع للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل، فكأنه في جوف المسجد، وهذا إذا كان لا يشتبه عليه حال إمامه، فإن كان يشتبه لا يجوز، وإن كان وقوفه مقدمًا على الإِمام لا يجزئه لانعدام معنى التبعية، كما لو كان في جوف المسجد، انتهى.\nوإن كان المراد من الحجرة حجرة بعض أزواجه - ﷺ -، ففي هذه الصورة أيضًا يصح اقتداؤهم به - ﷺ -.\nقال في \"البدائع\": ولو كان بينهما حائط ذكر في \"الأصل\" أنه يجزئه، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجزئه، وهذا في الحاصل على وجهين: إن كان الحائط قصيرًا ذليلًا بحيث يتمكن كل أحد من الركوب عليه، كحائط المقصورة لا يمنع الاقتداء، لأن ذلك لا يمنع التبعية في المكان، ولا يوجب خفاء حال الإِمام، انتهى.\nوفي الحديث ههنا تصريح بأن جدار الحجرة كان قصيرًا، كما في رواية البخاري (٢)، وكان جدار الحجرة قصيرًا، يرى الناس شخص النبي - ﷺ -، فلا يمنع التبعية ولا يشتبه حال الإِمام، فيصح الاقتداء.\n\n(٢٤٦) (بَابُ الصَّلَاةِ) (٣) أي التطوع (بَعْدَ الْجُمُعَةِ)\n_________\n(١) \" بدائع الصنائع\" (١/ ٣٦٢).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٧٣٩).\n(٣) وذكره ابن العربي، وأنكر الصلاة بعد الجمعة لقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وبسط الاختلاف فيه. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٣١١). (ش).","vol":"5","page":191},{"text":"١١٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِى مَقَامِهِ، فَدَفَعَهُ وَقَالَ: أَتُصَلِّى الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا؟ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِى بَيْتِهِ وَيَقُولُ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\". [حم ١/ ٢٠٣، ق ٣/ ٢٤٠]\n١١٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: \"كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِى بَيْتِهِ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ\". [ن ١٤٢٩، خزيمة ٨٣٦، حم ٢/ ١٠٣]\n===\n١١٢٧ - (حدثنا محمد بن عبيد وسليمان بن داود، المعنى) أي معنى حديثيهما واحد، (قالا: نا حماد بن زيد، نا أيوب، عن نافع: أن ابن عمر رأى رجلًا يصلي ركعتين يوم الجمعة) أي بعد صلاة الجمعة (في مقامه) أي المقام الذي صلَّى فيه الجمعة (فدفعه) أي طرده ونحاه عن مكانه (وقال) أي ابن عمر: (أتصلي الجمعة أربعًا؟ وكان عبد الله) بن عمر (يصلي يوم الجمعة) أي بعد صلاة الجمعة (ركعتين في بيته) وهذا كلام نافع (ويقول) أي عبد الله: (هكذا فعل رسول الله - ﷺ -) أي صلى رسول الله - ﷺ - بعد الجمعة ركعتين في بيته.\n١١٢٨ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل، أنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة) أي التطوع (قبل الجمعة) أي قبل صلاتها (ويصلي بعدها) أي بعد صلاة الجمعة (ركعتين في بيته، ويحدث) أي ابن عمر (أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك) أي يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته.\nقال الشوكاني (١): قال العراقي: إسناده صحيح، أخرجه النسائي (٢) بدون\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٤٢).\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٤٢٩).","vol":"5","page":192},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقول \"يطيل الصلاة قبل الجمعة\"، قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١) من وجه آخر بمعناه.\nوقد اختلف العلماء هل للجمعة سنَّة قبلها أو لا؟ فأنكر جماعة أن لها سنَّة قبلها، وبالغوا في ذلك، انتهى.\nقلت: قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢): وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النبي - ﷺ - في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة؛ ولم يكن الأذان إلَّا واحدًا، وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد، لا سنَّة لها قبلها، وهذا أصح قولي العلماء، وعليه تدل السنَّة، فإن النبي - ﷺ - كان يخرج من بيته، فإذا رقي المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبي - ﷺ - في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأي عين فمتى كانوا (٣) يصلون السنَّة؟ وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنَّة قبلها، هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، واحد الوجهين لأصحاب الشافعي.\nثم قال الشوكاني: وهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة قبل الجمعة، ولم يتمسك المانع من ذلك إلا بحديث النهي عن الصلاة وقت الزوال، وهو- مع كون عمومه مخصصًا يوم الجمعة كما تقدم- ليس فيه ما يدل على المنع من الصلاة قبل الجمعة على الإطلاق، وغاية ما فيه المنع في وقت الزوال، وهو غير محل النزاع. والحاصل أن الصلاة قبل الجمعة مرغب فيها عمومًا وخصوصًا، فالدليل على مدعي الكراهية على الإطلاق.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح مسلم\" (٨٨٢)، و\"سنن الترمذي\" (٥٢٢)، و\"سنن ابن ماجه\" (١١٣٠).\n(٢) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٤٣١).\n(٣) قلت: ولكن وردت الروايات العديدة بأنه ﵇ ركع إذا زالت الشمس أربع ركعات، ورغب فيها، وبسط صاحب \"المنهل\" (٦/ ٢٥٩) في الرد على السنة القبلية، وأنت ترى أنه لم يترجم المصنف أيضًا للسنن القبلية. (ش).","vol":"5","page":193},{"text":"١١٢٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (١)، أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِى الْخُوَارِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ يَسْأَلُهُ عَنْ شَىْءٍ رَأَى مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: \"صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِى الْمَقْصُورَةِ (٢)، فَلَمَّا سَلَّمْتُ قُمْتُ فِى مَقَامِى\n===\n١١٢٩ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار) بضم المعجمة وتخفيف الواو، المكي مولى بني عامر، ثقة، (أن نافع بن جبير أرسله) أي عمر بن عطاء بن أبي الخوار (إلى السائب بن يزيد ابن أخت نمر يسأله) أي يسأل عمر بن عطاء السائب بن يزيد (عن شيء رأى منه) أي من السائب (معاوية في الصلاة، فقال) أي السائب: (صليت معه) أي مع معاوية (الجمعة في المقصورة) قال القاري (٣): موضع معين في الجامع مقصور للسلاطين.\nقال النووي (٤): فيه دليل على جواز اتخاذها في المسجد إذا رآها ولي الأمر مصلحة، قالوا: وأول من عملها معاوية بن أبي سفيان حين ضربه الخارجي، قال القاضي: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثيرون من السلف، وصلوا فيها، منهم الحسن، والقاسم بن محمد، وسالم وغيرهم، وكرهها ابن عمر، والشعبي، وإسحاق، وكان ابن عمر إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج منها إلى المسجد، قال القاضي: إنما يصح فيه الجمعة إذا كانت مباحة لكل أحد، فإن كانت مخصوصة ببعض الناس، ممنوعة عن غيرهم لم تصح فيها الجمعة لخروجها عن حكم الجامع.\n(فلما سلمت) أي خرجت عن صلاة الجمعة بالسلام (قمت في مقامي) الذي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حدثنا ابن جريج\".\n(٢) وفي نسخة: \"صليت معه في المقصورة\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٩).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٣٧).","vol":"5","page":194},{"text":"فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَىَّ فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا صَنَعْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ (١) أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِذَلِكَ، أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى يَتَكَلَّمَ أَوْ يَخْرُجَ\". (٢). [م ٨٨٣، حم ٤/ ٩٥، خزيمة ١٧٠٥، ق ٣/ ٢٤٠]\n===\nصليت فيه الجمعة (فصليت) فيه التطوع، (فلما دخل) معاوية بيته (أرسل) معاوية (إلي) رجلًا يدعوني فحضرته (فقال) ويحتمل أن يقال: أرسل إلى رسالة فقال، وهذا بيان الرسالة، وعلى هذه الصورة الثانية لم يكن سماعه من معاوية مشافهة.\n(لا تعد) من العود، أي لا تفعل ذلك مرة أخرى (لما صنعت) بل (إذا صليت الجمعة) وفرغت منها، ذكر الجمعة على سبيل المثال، وإلَّا فحكم غيرها من الصلاة كذلك (فلا تَصِلْها) من الوصل، أي لا توصلها (بصلاة) أخرى نافلة أو قضاء (حتى تكلم) أي تتكلم بحذف إحدى التائين (أوتخرج) من المقام الذي صليت فيه الجمعة (فإن نبي الله - ﷺ - أمر بذلك) وفي رواية مسلم (٣): \"أمرنا بذلك\" (أن لا تُوصَلَ صلاة بصلاة حتى تتكلم أو تخرج).\nقال النووي (٤): فيه دليل لما قاله أصحابنا: إن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته، وإلَّا فموضع آخر من المسجد أو غيره، ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة، وقوله: \"حتى تتكلم\" دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضًا، لكن بالانتقال أفضل لما ذكرنا، انتهى.\nقلت: وكذلك الحكم عندنا، فقال في \"البدائع\" (٥): وروي عن محمد أنه قال: يستحب للقوم أيضًا أن ينقضوا الصفوف، ويتفرقوا ليزول الاشتباه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"تتكلم\".\n(٢) وفي نسخة: \"حتى يتكلم أو يخرج\".\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٨٨٣).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٣٧).\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٩٤).","vol":"5","page":195},{"text":"١١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى رِزْمَةَ الْمَرْوَزِىُّ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِى الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَفْعَلُ ذَلِكَ\". [ق ٣/ ٢٤٠]\n===\nعن الداخل المعاين الكل في الصلاة البعيد عن الإِمام، ولما روينا من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدم أو يتأخر\" (١).\n١١٣٠ - (حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة) بكسر الراء وسكون الزاي، اسمه غزوان اليشكري مولاهم، أبو عمرو (المروزي) ثقة، (أنا الفضل بن موسى) السيناني بكسر المهملة ثم تحتانية ثم نونين بينهما ألف، نسبة إلى سينان، وهي إحدى قرى مرو على خمسة فرسخ منها.\n(عن عبد الحميد بن جعفر، عن يريد بن أبي حبيب، عن عطاء) بن أبي رباح، (عن ابن عمر قال: كان) ابن عمر (إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدم) أي من مكان صلَّى فيه، فيكون هذا المتقدم بمنزلة الخروج (فصلَّى ركعتين، ثم تقدم) أي من المكان الذي صلَّى فيه ركعتي التطوع (فصلَّى أربعًا) وهذا يؤيد قول أبي يوسف: إن سنَّة الجمعة ست، وإن كان يقول مع غيره: إن تقديم الأريع أولى، وذلك لأن الأربع سنة بلا خلاف في المذاهب.\n(وإذا كان بالمدينة صلَّى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلَّى ركعتين) أي في بيته، ولعله في بعض الأوقات لبيان الجواز (ولم يصل في المسجد) هذا تصريح بما علم ضمنًا (فقيل له) أي سئل عن سبب الفرق بين الفعلين في الحرمين المعظمين (فقال: كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك) يعني وأنا أفعله تبعًا له، ولعله\n_________\n(١) أخرجه البخاري تعليقًا (٨٤٨)، وأبو داود (١٠٠٦)، وابن ماجه (١٤٢٧).","vol":"5","page":196},{"text":"١١٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، - قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: قَالَ -: «مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا» وَتَمَّ حَدِيثُهُ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: «إِذَا صَلَّيْتُمُ الْجُمُعَةَ فَصَلُّوا بَعْدَهَا أَرْبَعًا»\n===\n﵇ صلّى السنن في مكة فهي المسجد لبعد بيه، وصلَّى في المدينة في بيته لقربه.\n١١٣١ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، ح وحدثنا محمد بن الصباح البزار، نا إسماعيل بن زكريا) كلاهما أي زهير وإسماعيل، (عن سهيل) بن أبي صالح، (عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -، قال ابن الصباح: قال) أي رسول الله - ﷺ - (من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا، وتم حديثه) أي حديث ابن الصباح (وقال ابن يونس) أي أحمد: (إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعًا).\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (١): نبه بقوله: \"من كان منكم مصليًا\" على أنها سنَّة ليست بواجبة، وذكر الأربع لفضيلتها، وفعل الركعتين (٢) في أوقات بيانًا لأن أقلها ركعتان.\nقال القاري (٣): قال ابن الملك: وهذا يدل على كون السنَّة بعدها أربع ركعات، وعليه الشافعي في قول، انتهى، وهو قول أَبي حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف: أن السنَّة بعدها ست جمعًا بين الحديثين، أو لما روي عن علي أنه قال: من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل ستًا، وهو مختار الطحاوي.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٣٧).\n(٢) وعند أحمد - كما في متونهم - أقلها ركعتان، وأكثرها ست، والبسط في \"الأوجز\" (٣/ ٤٤٥). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٤٦).","vol":"5","page":197},{"text":"قَالَ: فَقَالَ لِى أَبِى: يَا بُنَىَّ، فَإِنْ (١) صَلَّيْتَ فِى الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَيْتَ الْمَنْزِلَ أَوِ الْبَيْتَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». [م ٨٨١، ت ٥٢٣، ن ١٤٢٦، جه ١١٣٢، حم ٢/ ٢٤٩، خزيمة ١٨٧٣، ق ٢/ ٢٣٩]\n١١٣٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِى بَيْتِهِ\". [م ٨٨٢، ن ١٤٢٨، ت ٥٢١، جه ١١٣١، حم ٢/ ١١، ق ٣/ ٢٣٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.\n===\nوقال أبو يوسف: أحب إلى أن يبدأ بالأربع، لئلا يكون قد صلَّى بعد الجمعة مثلها، وأخذ من مفهوم هذا الحديث بعض الشافعية أنه لا سنَّة للجمعة قبلها، وابتدع بعضهم فقال: الصلاة قبلها بدعة، كيف وقد جاء بإسناد جيد كما قال الحافظ العراقي: إنه ﵇ كان يصلي قبلها أربعًا، وروى الترمذي أن ابن مسعود كان يصلي قبلها أربعًا وبعدها أربعًا، والظاهر أنه بتوقيف، انتهى.\n(قال) أي سهيل: (فقال لي أبي) أي أبو صالح: (يا بني، فإن صليت في المسجد ركعتين، ثم أتيت المنزل أو البيت فصل) فيه (ركعتين) أخريين، وأخرج مسلم (٢) في حديث عمرو الناقد: قال ابن إدريس: قال سهيل: فإن عجّلَ بك شيء فصل ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت.\n١١٣٢ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، قال أبو داود: وكذلك) أي كما رواه سالم عن ابن عمر (رواه عبد الله بن دينار عن ابن عمر) قلت: لم أجد حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر فيما عندي من\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فإذا\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٨٨١).","vol":"5","page":198},{"text":"١١٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، \"أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَيَنْمَازُ عَنْ مُصَلَّاهُ الَّذِى صَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةَ قَلِيلًا غَيْرَ كَثِيرٍ- قَالَ: فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ - قَالَ: ثُمَّ يَمْضِى أَنْفَسَ مِنْ ذَلِكَ فَيَرْكَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ رَأَيْتَ ابْنَ عُمَرَ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِرَارًا\". [ق ٣/ ٢٤١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ وَلَمْ يُتِمَّهُ.\n===\nالكتب (١)، ولكن وجدت حديث نافع عن ابن عمر في \"مسلم\" (٢)، وأيضًا وجدت فيه حديث عمرو بن دينار عن الزهري عن سالم عن أبيه، وليس فيه لفظ: في بيته.\n١١٣٣ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن، نا حجاج بن محمد) الأعور، (عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أنه رأى ابن عمر يصلي بعد الجمعة) أي يريد أن يصلي التطوع (فينماز) أي ينفصل ويتنحى، من الميز وهو الفصل (عن مصلاه الذي صلَّى فيه الجمعة قليلًا غير كثير، قال) أي عطاء: (فيركع) أي يصلي ابن عمر (ركعتين، قال) عطاء: (ثم يمشي أنفس) قال في \"المجمع\" (٣): أي أفسح وأبعد قليلًا (من ذلك) أي من الفصل الأول (فيركع أربع ركعات، قلت لعطاء: كم رأيت ابن عمر يصنع ذلك؟ قال) عطاء: (مرارًا) أي رأيته مرارًا يصنع ذلك.\n(قال أبو داود: رواه عبد الملك بن أبي سليمان) واسمه ميسرة العرزمي، بفتح المهملة وسكون الراء والزاي المفتوحة، ثقة وله أوهام (ولم يتمه) أي مثل تمام حديث ابن جريج، ولم أقف على رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء (٤)، ولكن روى الطحاوي (٥) بسنده عن أبي إسحاق عن عطاء قال\n_________\n(١) قلت: أخرج رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٩٤).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٨٨٢).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٧٤).\n(٤) أخرج روايته ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧).\n(٥) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٣٧).","vol":"5","page":199},{"text":"(٢٤٧) (١) بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ\n===\nأبو إسحاق: حدثني غير مرة قال: صليت مع ابن عمر يوم الجمعة، فلما سلم قام فصلَّى ركعتين، ثم قام فصلَّى أربع ركعات، ثم انصرف، وحديث أبي إسحاق هذا غير تام كتمام حديث ابن جريج.\nوجد ههنا في النسخة المجتبائية على الحاشية، وفي نسخة \"العون\" (٢) في المتن \"باب القعود بين الخطبتين\" وذكر فيه حديثًا تقدم بسنده ومتنه في \"باب الجلوس إذا صعد المنبر\" [١٠٩٢]، وليس هذا الباب والحديث ههنا في النسخة الأحمدية المكتوبة ولا القادرية ولا المصرية ولا الكانفورية ولا اللكنوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>(٢٤٧) (بَابُ صَلَاةِ العِيدَيْنِ) </span>(٣)\nأي عيد الفطر وعيد الأضحى\nوأصل العيد عود، لأنه مشتق من عاد يعود عودًا، وهو الرجوع، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها كالميزان والميقات من الوزن والوقت، ويجمع على أعياد، وكان من حقه أن يجمع على أعواد، لأنه من العود كما ذكرنا، ولكن جمع بالياء للزومها في الواحد، أو للفرق بينه وبين أعواد الخشبة، وسميا عيدين لكثرة عوائد (٤) الله تعالى فيهما، وقيل: لأنهم يعودون به مرة بعد أخرى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب القعود بين الخطبتين\"، حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبد الوهاب، -يعني ابن عطاء-، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان النبي - ﷺ - يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ - أراه قال: المؤذن- ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب، انتهى.\nكذا في نسخة مكتوبة ومطبوعة قديمة، والحديث مكرر قد مضى في \"باب الجلوس إذا صعد المنبر\". (ش).\n(٢) انظر: \"عون المعبود\" (٣/ ٣٤٠).\n(٣) شرعيتها في السنة الأولى من الهجرة على ما في \"الدر المختار\" (٣/ ٥١)، وعند الجمهور في الثانية، وتمامه في \"الوقائع والدهور\" لهذا العبد الفقير. (ش).\n(٤) أو لعود السرور فيهما، أو لعود المغفرة فيهما. (ش).","vol":"5","page":200},{"text":"١١٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا\n===\nقال القاري (١): قال النووي (٢): هي عند الشافعي وجماهير العلماء سنة مؤكدة، وقال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية (٣): هي فرض كفاية، وقال أبو حنيفة: هى واجبة، ذكره الأبهري، ووجه الوجوب مواظبته ﵊ من غير ترك، كذا في \"الهداية\" (٤)، ويؤيده ما ذكره ابن حبان وغيره: إن أول عيد صلاه النبي - ﷺ - عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فرض رمضان في شعبانها، ثم داوم - ﷺ - إلى أن توفاه الله تعالى، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (٥): ولنا قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٦) قيل في التفسير: صل صلاة العيد، وانحر الجزور، ومطلق الأمر للوجوب، وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٧) قيل: المراد منه صلاة العيد، ولأنها من شعائر الإِسلام، فلو كانت سنَّة فربما اجتمع الناس على تركها، فيفوت ما هو من شعائر الإِسلام، فكانت واجبة صيانة لما هو من شعائر الإِسلام عن الفوت، انتهى.\n١١٣٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد، عن أنس قال: قدم رسول الله - ﷺ - بالمدينة) أي من مكة بعد الهجرة (ولهم) أي لإهل المدينة (يومان يلعبون (٨) فيهما) وهما: يوم النيروز، ويوم المهرجان، وفي\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٢٩).\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٤١).\n(٣) وبه قال أحمد، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٦٠٧). (ش).\n(٤) \"الهداية\" (١/ ٨٤).\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦١٦).\n(٦) سورة الكوثر: الآية ٢.\n(٧) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(٨) راجع: \"مشكل الآثار\" (١٤٨٨).","vol":"5","page":201},{"text":"فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟» قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ». [ن ١٥٥٦، ق ٣/ ٢٧٧، ك ١/ ٢٩٤، حم ٣/ ١٧٨]\n===\n\"القاموس\": النيروز: أول يوم السنة معرب \"نو روز\"، انتهى. وهو أول يوم تتحول الشمس فيه إلى برج الحمل، وهو أول السنة الشمسية، كما أن غرة شهر المحرم أول السنة القمرية.\nوأما مهرجان فالظاهر بحكم مقابلته بالنيروز أن يكون أول يوم الميزان، وهما يومان معتدلان في الهواء، لا حر ولا برد، ويستوي فيهما الليل والنهار، فكأن الحكماء المتقدمين (١) المتعلقين بالهيئة اختاروهما للعيد في أيامهم، وقلدهم أهل زمانهم لاعتقادهم بكمال عقول حكمائهم، فجاء الأنبياء وأبطلوا ما بني عليه الحكماء.\n(فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما) أي في اليومين (في الجاهلية) أي في زمن الجاهلية قبل أيام الإِسلام (فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله قد) حرف التحقيق (أبدلكم بهما خيرًا (٢) منهما) أي جعل لكم بدلًا عنهما خيرًا منهما في الدنيا والأخرى. وخيرًا ليست أفعل تفضيل إذ لا خيرية في يوميهما (يوم الأضحى ويوم الفطر) وقدم الأضحى فإنه العيد الأكبر، قاله الطيبي، قال المظهر: فيه دليل على أن تعظيم النيروز والمهرجان وغيرهما من أعياد الكفار منهي عنه.\nقال أبو حفص الكبير الحنفي: من أهدى في النيروز بيضة إلى مشرك تعظيمًا لليوم فقد كفر بالله تعالى، وأحبط أعماله، وقال القاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور الحنفي: من اشترى فيه شيئًا لم يكن يشتريه\n_________\n(١) كذا في \"المرقاة\" (٣/ ٥٤٣). (ش).\n(٢) كيلا يجعلوا غيرهما من رسوم الجاهلية عيدًا، فإن الرجل بالطبع مائل إلى ذلك، كذا في \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٧٧). (ش).","vol":"5","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>(٢٤٨) بَابُ وَقْتِ الْخُرُوجِ إِلَى الْعِيدِ</span>\n١١٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ،\n===\nفي غيره، أو أهدى فيه هدية إلى غيره، فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فقد كفر، وإن أراد بالشراء التنعم والتنزه وبالإهداء التحاب جريًا على العادة لم يكن كفرًا، لكنه مكروه كراهة التشبه بالكفرة حينئذ فيحترز عنه.\nوأما أهل مكة فيجعلون أيضًا أيام دخول الكعبة عيدًا، وليس داخلًا في النهي إلَّا أن يوم عاشوراء فيه تشبه بالخوارج بإظهار السرور كما أن إظهار آثار الحزن من شيم الروافض، فالأولى تركهما فإنهما من البدع الشنيعة ظهرت في أيام النواصب والشيعة، وأهل مكة بحمد الله غافلون عنهما.\nقال ابن حجر: قد وقع في هذه الورطة أهل مصر ونحوهم، لأن كثيرًا من أهلها يوافقون اليهود والنصارى في أعيادهم، يوافقونهم على صور تلك التعظيمات كالتوسع في المأكل والزينة على طبق ما يفعله الكفَّار، ومن ثم أعلن النكير عليهم في ذلك ابن أمير الحاج في \"مدخله\" وبين تلك الصور، انتهى ما قاله القاري ملخصًا (١).\nقلت: وكذلك كثير من مسلمي الهند يوافقون أهل الأوثان من الهنود في أعيادهم ويفعلون ما يفعلون، فإلى الله المشتكى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.\n\n(٢٤٨) (بَابُ وَقْتِ الخُرُوجِ إِلى العِيدِ)\n١١٣٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل) منسوب إلى جده وهو أحمد بن محمد بن حنبل، (نا أبو المغيرة) عبد القدوس، (نا صفوان) بن عمرو بن هرم السكسكي بفتح المهملتين وسكون الكاف الأولى نسبة إلى السكسك بطن من كندة، ثقة\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٤٤).","vol":"5","page":203},{"text":"حَدَّثَنَا يَزِيدُ (١) بْنُ خُمَيْرٍ الرَّحْبِىُّ قَالَ: \"خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (٢) -ﷺ- مَعَ النَّاسِ فِى يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى فَأَنْكَرَ إِبْطَاءَ الإِمَامِ فَقَالَ (٣): إِنَّا كُنَّا قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ، وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ\". [جه ١٣١٧، ق ٣/ ٢٨٢، ك ١/ ٢٩٥]\n===\n(نا يزيد بن خمير) بضمم الخاء المعجمة مصغرًا ابن يزيد (الرحبي) الهمداني أبو عمر والحمصي الزبادي بفتح الزاء والموحدة موضع بالمغرب، صدوق ثقة.\n(قال: خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله - ﷺ - مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى) أو للشك من يزيد بن خمير، ويحتمل أن يكون من غيره فأبطأ الإِمام في الخروج إلى الصلاة (فأنكر) أي عبد الله بن بسر (إبطاء الإِمام) أي تأخره عن الخروج إلى الصلاة (فقال) عبد الله بن بسر: (إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه) أي فرغنا عن صلاة العيد في هذه الساعة التي لم يخرج فيها الإِمام للصلاة مع رسول الله - ﷺ -.\n(وذلك حين التسبيح) هذا كلام يزيد بن خمير، أي قال يزيد، وذلك إشارة إلى الوقت الذي أنكر عبد الله بن بسر إبطاء الإِمام فيه حين التسبيح أي وقت التطوع، ويحتمل أن يكون إشارة إلى الوقت الذي كان يصلي فيه النبي - ﷺ - صلاة العيد، والمراد من التسبيح صلاة العيد، قال الشوكاني (٤) عن ابن رسلان: قوله: حين التسييح يعني ذلك الوقت وقت صلاة العيد، فدل ذلك على أن صلاة العيد سبحة ذاك اليوم.\nقال في \"البدائع\" (٥): وأما بيان وقت أدائها فقد ذكر الكرخي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن يزيد\".\n(٢) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٣) وفي نسخة: \"وقال\".\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٩٢).\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦١٩).","vol":"5","page":204},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقت صلاة العيد من حين تبيض الشمس إلى أن تزول، لما روي عن النبي - ﷺ - \"أنه كان يصلي العيد والشمس على قدر رمح أو رمحين\".\nقال في \"منتقى الأخبار\": وللشافعى في حديث مرسل أن النبي - ﷺ - كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران: \"أن عجِّل الأضحى وأخر الفطر\".\nقال الشوكاني: رواه الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث، وهو- كما قال المصنف- مرسل، وإبراهيم بن محمد ضعيف عند الجمهور كما تقدم، وقال البيهقي: لم أر له أصلًا في حديث عمرو بن حزم، وفي الباب عن جندب عند أحمد بن الحسن البناء في \"كتاب الأضاحي\" قال: كان النبي - ﷺ - يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قِيد رمحين، والأضحى على قِيد رمح، أورده الحافظ في \"التلخيص\" (١) ولم يتكلم عليه.\nقال الشوكاني: حديث عبد الله بن بسر يدل على مشروعية التعجيل لصلاة العيد، وكراهة تأخيرها تأخيرًا زائدًا على الميعاد، وحديث عمرو بن حزم يدل على مشروعية تعجيل الأضحى وتأخير الفطر، ولعل الحكمة في ذلك ما تقدم من استحباب الإمساك في صلاة الأضحى حتى يفرغ من الصلاة، فإنه ربما كان ترك التعجيل لصلاة الأضحى مما يتأذى منتظر الصلاة لذلك، وأيضًا فإنه يعود للاشتغال بالذبح لأضحيته، بخلاف عيد الفطر فإنه لا إمساك ولا ذبيحة، وأحسن ما ورد من الأحاديث في تعيين وقت صلاة العيدين حديث جندب المتقدم، قال في \"البحر\": وهي من بعد انبساط الشمس (٢) إلى الزوال فلا أعرف فيه خلافًا، انتهى.\n_________\n(١) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٩٦).\n(٢) عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعي ﵀، فعنده من الشروق إن لم تطلع كلها فالخلاف فيه ثابث، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٦٦١). (ش).","vol":"5","page":205},{"text":"(٢٤٩) بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ في (١) الْعِيدِ\n١١٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَيُونُسَ وَحَبِيبٍ وَيَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ وَهِشَامٍ فِى آخَرِينَ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نُخْرِجَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ يَوْمَ الْعِيدِ، قِيلَ: فَالْحُيَّضُ؟ قَالَ: «لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ»، قَالَ: فَقَالَتِ امْرَأَةٌ:\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>(٢٤٩) (بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ في الْعِيدِ)</span>\n١١٣٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب) السختياني (ويونس) بن عبيد بن دينار العبدي (وحبيب) بن الشهيد (ويحيى بن عتيق) الطفاوي بضم المهملة وتخفيف الفاء، مات قبل أيوب، وكان أصغر منه بثمان سنين ثقة (وهشام) بن حسان (في آخرين) أي حدثنا حماد عن أيوب وغيرهم حال كونهم في آخرين، (عن محمد) بن سيرين (أن أم عطية) واسمها نسيبة.\n(قالت: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرج) (٢) صيغة المتكلم من الإخراج (ذوات الخدور) جمع خدر، بكسر الخاء المعجمة، وهو ناحية في البيت يجعل عليها ستر تكون فيه الجارية البكر، وهي المخدرة أي خدرت في الخدر (يوم العيد، قيل: فالحيض؟) جمع حائض أي الحيض يخرجن إلى العيد مع أنهن لا يصلين (قال) رسول الله - ﷺ -: (ليشهدن) أي نعم، ليخرجن وليحضرن أي محل (الخير) والبركة (ودعوة المسلمين) أي دعائهم.\n(قال) أي محمد عن أم عطية: (فقالت امرأة) وفي بعض الروايات عند مسلم والدارمي (٣) \"قالت: فقلت\" ولعل أم عطية وغيرها من النساء سألتا\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إلى العيد\".\n(٢) ووجهه في \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٣١) بأن الغرض تنويه شأن العيد بإحضار كلهم. (ش).\n(٣) انظر: \"صحيح مسلم\" (٨٩٠) و\"سنن الدرامي\" (١٦٠٩).","vol":"5","page":206},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لإِحْدَاهُنَّ ثَوْبٌ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تُلْبِسُهَا صَاحِبَتُهَا طَائِفَةً مِنْ ثَوْبِهَا». [خ ٩٧٤، م ٨٩٠، ت ٥٣٩، ن ١٥٨٨، جه ١٣٠٨، خزيمة ١٤٦٧، حم ٥/ ٨٥]\n١١٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِهَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: «وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ» (١).\n===\nرسول الله - ﷺ -، فأخبرت عن نفسها مرة، وعن غيرها أخرى (يا رسول الله إن لم يكن لإحداهن ثوب) تتستر به عند الخروج (كيف تصنع؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها) قيل: المراد بها الجنس، أي تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وقيل: المراد تشريكها (٢) معها في لبس الثوب الذي عليها، ويشهد له رواية: \"تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها\".\nوالأظهر أن هذا من باب المبالغة، أي يخرجن ولو اثنتان في جلباب، قال بعضهم: هذا الاختلاف مبني على تفسير الجلباب، قيل: هو المقنع أو الخمار أو أعرض منه، وقيل: الثوب الواسع يكون دون الرداء، وقيل: الإزار، وقيل: الملحفة، وقيل: الملاءة، وقيل: القميص، كذا ذكره الأبهري، ولا يخفى أن القول بالجنسية هو الظاهر، وأما القول بالشخصية فهو محمول على ما إذا كان ثوبها واسعًا قابلًا للاشتراك، وفيه المبالغة العظيمة والحث على المكارم الجسيمة، قاله القاري (٣).\n١١٣٧ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، نا أيوب، عن محمد) بن سيرين، (عن أم عطية بهذا الخبر) المتقدم مع زيادة ونقص، فالزيادة فيه (قال) محمد بن عبيد أو محمد بن سيرين: (ويعتزل الحيض (٤) مصلى المسلمين،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مصلى الناس\".\n(٢) وأنكر عليه العيني أشد الإنكار، (انظر: \"عمدة القاري\" ٥/ ٢٠٠). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٣٦).\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٢٤): حمل الجمهور الأمر على الندب لأن المصلى ليس =","vol":"5","page":207},{"text":"وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّوْبَ. قَالَ: وَحَدَّثَ عَنْ حَفْصَةَ عَنِ امْرَأَةٍ تُحَدِّثُهُ عَنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى\n===\nولم يذكر الثوب) أي قصته، وهذا إشارة إلى النقص فيه (قال) محمد بن عبيد بسنده: (وحدث) أيوب (عن حفصة) عطف على حدثنا أيوب عن محمد، أي كما حدث أيوب عن محمد بن سيرين أخيها كذلك حدث عن حفصة أخته.\n(عن امرأة تحدثه) هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا بالضمير المنصوب المتصل، ولكن ذكر الحافظ في \"الفتح\" (١) بدون الضمير، فقال: ورواه أبو داود عن محمد بن عبيد الله، وأبو يعلى عن أبي الربيع كلاهما عن حماد عن أيوب عن محمد عن أم عطية، وعن أيوب عن حفصة عن امرأة تحدث عن امرأة أخرى، وهذا أقرب إلى الصواب مما في أبي داود، وأما إرجاع الضمير المنصوب إلى الحديث فتأويل بعيد، فإن معنى تحدث تروي الحديث، ولذلك ترى المحدثين إذا قالوا: حدثنا ويحدث لا يذكرون ذلك المفعول.\n(عن امرأة أخرى) وهذا إشارة إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في \"باب شهود الحائض العيدين\" حدثنا محمد، أنا عبد الوهاب، عن أيوب عن حفصة قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين فقدمت امرأة، قال الحافظ (٢): لم أقف على تسميتها، فنزلت قصر بني خلف،\n_________\n= بمسجد، وأغرب الكرماني إذ قال: الاعتزال واجب، انتهى، وقال النووي (٣/ ٤٤٧): المجمهور على أنه للتنزيه لا للتحريم فتمنع لاختلاط النساء بالرجال بدون الضرورة، وحكي عن بعض أصحابنا التحريم، وقال العيني (٣/ ١٦٦): قال الجمهور: منع تنزيه، وقال بعضهم: يحرم كالمسجد، وقال القاري (٣/ ٥٣٥): لئلا يؤذين بدمهن أو ريحهن غيرهن، وقال الشامي: ليس المصلى في حكم المسجد في ذلك، وإن كان في حكمه في صحة الاقتداء. (انظر: \"رد المحتار\" ١/ ٣٤٣). (ش).\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٣).","vol":"5","page":208},{"text":"قَالَتْ: قِيلَ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ مَعْنَى (٢) مُوسَى فِي الثَّوْبِ. [انظر سابقه]\n١١٣٨ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: \"كُنَّا نُؤْمَرُ، بِهَذَا الْخَبَرِ،\n===\nفحدثت عن أختها، قال الحافظ: قيل: هي أم عطية، وقيل: غيرها، وعليه مشى الكرماني.\n(قالت: قيل: يا رسول الله، فذكر) محمد بن عبيد (معنى) حديث (موسى) بن إسماعيل (في الثوب) أي في قصته، ولفظ قصة الثوب في هذا الحديث في \"البخاري\": فسألت أختي النبي - ﷺ - أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ قال: \"لتلبسها صاحبتها من جلبابها\".\n١١٣٨ - (حدثنا النفيلي) عبد الله بن محمد، (نا زهير، نا عاصم) بن سليمان (الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية) روت حفصة عن أم عطية بطريقين، فأول مرة روت عنها بواسطة امرأة، ثم لما قدمت أم عطية روت عنها من غير واسطة، يدل عليه حديث أيوب عن حفصة عند البخاري (٣) وأحمد، فإن فيه روت أولًا عنها بواسطة امرأة، وقالت: \"فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خلف، فحدثت عن أختها\"، ثم قال: \"فلما قدمت أم عطية سألتها\"، وفي رواية أحمد: \"فسألتها أو سألناها\"، فهذا صريح في أنها روت عن أم عطية بواسطة وبغير واسطة.\n(قالت: كنا نؤمر) على بناء المجهول (بهذا الخبر) أي حدثنا النفيلي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قلت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"حديث\".\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٣٢٤).","vol":"5","page":209},{"text":"قَالَتْ: وَالْحُيَّضُ يَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ\". [انظر سابقه]\n===\nبالخبر المتقدم (قالت) أم عطية: (والحيض يكنّ خلف الناس) من الرجال والنساء لقوله - ﷺ -: \"ويعتزل الحيض مصلَّى المسلمين\"، (فيكبرن (١) مع الناس) قال النووي (٢): قولها: يكبرن مع الناس دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مجمع عليه، قال أصحابنا: يستحب التكبير ليلتي العيدين وحال الخروج إلى الصلاة.\nقال القاضي: للتكبير أربعة مواطن: في السعي إلى الصلاة إلى حين يخرج الإِمام، والتكبير في الصلاة، وفي الخطبة، وبعد الصلاة.\nأما الأول فاختلفوا فيه، فاستحبه جماعة من الصحابة والسلف، فكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى، يرفعون أصواتهم، قاله الأوزاعي ومالك والشافعي وزاد استحبابه ليلة العيدين، وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر، وخالفه أصحابه، فقالوا بقول الجمهور، وأما التكبير بتكبير الإِمام في الخطبة فمالك يراه، وغيره يأباه، انتهى.\nقلت: والذي نسبه النووي إلى الإِمام أبي حنيفة ﵀ من أنه لا يكبر في الفطر فهو قول شاذ للإمام، ذكره صاحب \"الخلاصة\"، والذي رجحه المحققون هو أن الاختلاف بين الإِمام وصاحبيه أنه يكبر في الفطر أيضًا ولكن سرًّا عنده، وعندهما يجهر فيهما، ورد ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٣) على ما في \"الخلاصة\".\nوقال في \"غاية البيان\": المراد من نفي التكبير التكبير بصفة الجهر،\n_________\n(١) واستدل به بعضهم على تكبير التشريق المتعارف، وتقدم الكلام عليه، وذكره العيني وصاحب \"المنهل\". (ش).\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٤٧).\n(٣) انظر: \"فتح القدير\" (٢/ ٦٩).","vol":"5","page":210},{"text":"١١٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ - يَعْنِى الطَّيَالِسِىَّ - وَمُسْلِمٌ (١) قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطِيَّةَ،\n===\nولا خلاف في جوازه بصفة الإخفاء، فأفاد أن الخلاف بين الإِمام وصاحبيه في الجهر والإخفاء لا في أصل التكبير.\nوقد حكي الخلاف كذلك في \"البدائع\"، و\"السراج\"، و\"المجمع\" و\"درر البحار\"، و\"الملتقى\"، و\"الدرر\"، و\"الاختيار\"، و\"المواهب\"، و\"الإمداد\"، و\"الإيضاح\"، و\"التتار خانية\"، و\"التجنيس\"، و\"التبيين\"، و\"مختارات النوازل\"، و\"الكفاية\"، و\"المعراج\"، وعزاه في \"النهاية\" إلى \"المبسوط\"، و\"تحفة الفقهاء\"، و\"زاد الفقهاء\"، فهذه مشاهير كتب المذهب مصرحة بخلاف ما في \"الخلاصة\"، بل حكى القهستاني عن الإِمام روايتين: إحداهما: أنه يسر، والثانية: أنه يجهر كقولهما، قال: وهي الصحيح على ما قال الرازي، ومثله في \"النهر\".\nوقال في \"الحلية\": واختلف في عيد الفطر، فعن أبي حنيفة وهو قول صاحبيه واختيار الطحاوي أنه يجهر، وعنه أنه يسر، وأغرب صاحب \"النصاب\" حيث قال: يكبر في العيدين سرًّا كما أغرب من عزا إلى أبي حنيفة أنه لا يكبر في الفطر أصلًا، وزعم أنه الأصح كما هو ظاهر الخلاصة، فقد ثبت أن ما في \"الخلاصة\" غريب مخالف للمشهور في المذهب فافهم، ملخص من \"الشامي\" (٢).\n١١٣٩ - (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (يعني الطيالسي ومسلم) بن إبراهيم الأزدي (قالا: نا إسحاق بن عثمان) الكلابي أبو يعقوب البصري، ثقة، روى له أبو داود حديثًا واحدًا، (حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية) روى له أبو داود هذا الحديث الواحد، قال في \"التقريب\": مقبول.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وهو لفظ أبي الوليد\".\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٥٠ - ٥١).","vol":"5","page":211},{"text":"عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطِيَّةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ نِسَاءَ الأَنْصَارِ فِى بَيْتٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَرَدَدْنَا ﵇، ثُمَّ قَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْكُنَّ، وَأَمَرَنَا بِالْعِيدَيْنِ أَنْ نُخْرِجَ فِيهِمَا الْحُيَّضَ وَالْعُتَّقَ، وَلَا جُمُعَةَ عَلَيْنَا،\n===\n(عن جدته) أم أم أبيه (أم عطية أن رسول الله - ﷺ - لما قدم المدينة) الظاهر أن قدومه هذا كان بعد فتح مكة، فإن آية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (١) نزلت يوم فتح مكة، فبايع رسول الله - ﷺ - الرجال على الصفا وعمر يبايع النساء تحتها، قاله السيوطي في \"الدر المنثور\"، ثم لما قدم المدينة أرسل إليهن عمر - ﵁ -.\n(جمع نساء الأنصار في بيت، فأرسل) أي رسول الله - ﷺ - (إلينا عمر بن الخطاب) -﵁ -، (فقام) أي عمر (على الباب، فسلَّم علينا) من خارج الباب (فرددنا عليه) أي على عمر بن الخطاب -﵁ - (السلام) من داخل البيت (ثم قال) عمر: (أنا رسول رسول الله - ﷺ - إليكن).\nقالت أم عطية: (وأمرنا) أي رسول الله - ﷺ - بنفسه كما تدل عليه روايات الصحاح، أو بواسطة عمر -﵁ - في هذا المحل (بالعيدين أن نخرج فيهما) أي العيدين (الحيض) جمع حائض كركع جمع راكع (والعتق) بضم المهملة وفتح المثناة الفوقانية المشددة جمع عاتق، ويجمع على العواتق أيضًا. قال الحافظ في مقدمة \"الفتح\" (٢): وهي البكر التي لم يبن بها الزوج، أو الشابة أو البالغة أو التي أشرفت على البلوغ، أو التي استحقت التزويج ولم تتزوج، أو التي زوجت عند أهلها ولم تخرج عنهم، وأما العاتق من الأعضاء فمن المنكب إلى أصل العنق.\n(ولا جمعة علينا) عطف على العيدين، أي وأمرنا أن لا جمعة علينا،\n_________\n(١) سورة الممتحنة: الآية ١٢.\n(٢) انظر: \"مقدمة فتح الباري\" (ص ١٥٣).","vol":"5","page":212},{"text":"وَنَهَانَا عن اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ\". [حم ٥/ ٨٥، ٦/ ٤٠٨، خزيمة ١٧٢٢]\n===\n(ونهانا) أي رسول الله - ﷺ - عن (اتباع الجنائز).\nهذا الحديث مختصر، وأخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١) مطولًا من طريق أبي سعيد عن إسحاق بن عثمان بهذا السند، قالت: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم بعث إليهن عمر بن الخطاب -﵁ - قام على الباب، فسلم فرددن ﵇، فقال: أنا رسول رسول الله - ﷺ - إليكن، قلن: مرحبًا برسول الله، ورسول رسول الله - ﷺ -، وقال: تبايعن علي أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينه في معروف، قلنا: نعم، فمددنا أيدينا من داخل البيت، ومد يده من خارج البيت، ثم قال: اللَّهُم اشهد، وأمرنا بالعيد أن نخرج العتق والحيض، ونهى عن اتباع الجنائز ولا جمعة علينا، وسألتها عن قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت: نهينا عن النياحة، انتهى.\nوقال السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢) وأخرج أحمد وابن سعد وأبو داود وأبو يعلى وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في \"الشعب\" عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية -﵂ - قالت: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، فذكر إلى قوله: ومددنا أيدينا من داخل البيت، ولم يذكر قصة خروج العيدين، ولا وجوب الجمعة عليهن، ولا النهي عن اتباع الجنازة، ثم ذكر في آخره، قال إسماعيل: فسألت عن جدتي عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت: نهانا عن النياحة، وذكر ابن جرير كله كما ذكره أحمد.\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٨٥، ٦/ ٤٠٨).\n(٢) (٨/ ١٣٢).","vol":"5","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>(٢٥٠) بَابُ الْخُطْبَةِ </span>(١)\n١١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. (ح): وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: أَخْرَجَ مَرْوَانُ الْمِنْبَرَ فِى يَوْمِ عِيدٍ، فَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَامَ رَجُلٌ\n===\n\n(٢٥٠) (بَابُ الْخُطُبَةِ)\nفي يوم العيد هل هي بعد الصلاة أو قبلها؟\n١١٤٠ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه) رجاء بن ربيعة الزبيدي بضم الزاي مصغرًا، أبو إسماعيل الكوفي، له في \"مسلم\" و\"أبي داود\" و\"ابن ماجه\" حديث واحد، ثقة، (عن أبي سعيد الخدري ح وعن قيس بن مسلم) عطف على عن إسماعيل بن رجاء، أي: وحدثنا الأعمش عن قيس بن مسلم، (عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري قال) أبو سعيد: (أخرج مروان (٢) المنبر) أي أمر بإخراجه (في يوم عيد).\nوهذا لا ينافي ما صح عند مسلم (٣)، فإذا كثير بن الصلت قد بني منبرًا من طين ولبن لإمكان الجمع بأن الإخراج كان أولًا (٤)، ثم بناه مبنيًا على إنكار الناس، لأنه أهون وأحسن.\n(فبدأ بالخطبة قبل الصلاة) خلافًا لما ثبت عن رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين، (فقام رجل) (٥) قال الحافظ (٦): يحتمل أن يكون هو أبا مسعود الذي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب الخطبة في يوم العيد\".\n(٢) وكان أميرًا على المدينة من معاوية. (ش).\n(٣) وكذا البخاري (٩٥٦) راجع \"المنهل\" (٦/ ٣١٥). (ش).\n(٤) والدليل على التعدد أن المنكر في حديث البخاري أبو سعيد بنفسه، وههنا غيره، كذا في \"المنهل\" (٦/ ٣١٦). (ش).\n(٥) وفي \"المنهل\" (٦/ ٣١٥)، قيل: هو عمارة بن رويبة. (ش).\n(٦) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥٠).","vol":"5","page":214},{"text":"فَقَالَ: يَا مَرْوَانُ، خَالَفْتَ السُّنَّةَ! أَخْرَجْتَ الْمِنْبَرَ فِى يَوْمِ عِيدٍ وَلَمْ يَكُنْ يُخْرَجُ فِيهِ، وَبَدَأْتَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ! فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ،\n===\nوقع في رواية عبد الرزاق أنه كان معهما (فقال) أي الرجل: (يا مروان! خالفت السنَّة).\nهذا يدل على أن الإنكار وقع من رجل غير أبي سعيد، ويخالفه حديث عياض بن عبد الله عن أبي سعيد، وفيه: فقلت له: غيرتم والله، وهذا يدل على أن الإنكار من أبي سعيد، فيحتمل أن تكون القصة تعددت، ويدل على تعدد القصة المغايرة الواقعة بين رواية رجاء وعياض، ففي رواية عياض أن المنبر بني بالمصلى، وفي رواية رجاء أخرج مروان المنبر معه، فلعل مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر ترك إخراجه بعد، وأمر ببنائه من لبن وطين بالمصلى، ولا بعد في أن ينكر عليه تقديم الخطبة على الصلاة مرة بعد أخرى، ويدل على التغاير أيضًا أن إنكار أبي سعيد وقع بينه وبينه، وإنكار الآخر وقع على رؤوس الناس، قاله الحافظ.\n(أخرجت المنبر في يوم عيد ولم يكن يخرج) على صيغة المجهول أي المنبر (فيه) أي في العيد في زمان رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين -﵃- (وبدأت بالخطبة قبل الصلاة) وكانت الخطبة في زمان رسول الله - ﷺ - تخطب بعد الصلاة.\nقال القاري (١): وفي الحديث دليل على أن ما حكي عن عمر وعثمان ومعاوية لا يصح.\n(فقال أبو سعيد الخدري: من هذا؟) أي الذي أنكر على مروان (قالوا: فلان بن فلان، فقال: أما هذا) أي الرجل (فقد قضى) أي أدى (ما) وجب (عليه) من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٥٧).","vol":"5","page":215},{"text":"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مُنْكَرًا (١) فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ». [م ٤٩، حم ٣/ ١٠، جه ١٢٧٥، ن ٥٠٠٨، ت ٢١٧٢، ق ٣/ ٢٩٦]\n١١٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ومُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ\n===\n(سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من رأى منكرًا فاستطاع أن يغيره فليغيره بيده، فإن لم يستطع) أن يغيره بيده (فبلسانه) أي فلينكره بلسانه (فإن لم يستطع) أن يغيره بلسانه (فبقلبه) أي فليكرهه بقلبه (وذلك) أي الإنكار بقلبه (أضعف الإيمان) فلا يكتفي به إلَّا من لا يستطيع غيره، نعم إذا اكتفى به من لا يستطيع غيره، فليس منه بأضعف، فإنه لا يستطيع غيره، فإن التكليف بالوسع.\nقيل: فيه إشكال إذ يدل على ذم فاعله، وأيضًا فقد يعظم إيمان المرء، ولا يستطيع تغييره بيده فلا يلزم من عجزه عن تغييره بيده ضعف إيمانه، وقد جعله - ﷺ - أضعفه، فأجاب عز الدين بأن الإيمان ههنا مجازي وهو الأعمال، ولا شك أن التقرب بالكراهة ليس كالتقرب بالإنكار فيه، ولم يذكره - ﷺ - في معرض الذم، وإنما ذكره ليعلم المكلف حقارة ما حصل له في هذا القسم فيترقى لغيره، \"درجات\".\n١١٤١ - (حدثنا أحمد بن) محمد بن (حنبل، نا عبد الرزاق) بن همام (ومحمد بن بكر) بن عثمان البرساني بضم الموحدة وسكون الراء ثم مهملة، أبو عثمان البصري، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عمار الموصلي: لم يكن صاحب حديث، تركناه لم نسمع منه، وعن أحمد: صالح الحديث، وقال أبو داود والعجلي وابن قانع: ثقة، وعن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من رأى منكم منكرًا\".","vol":"5","page":216},{"text":"قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"إِنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِىُّ اللَّهِ -ﷺ-، نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ تُلْقِى (١) النِّسَاءُ فِيهِ الصَّدَقَةَ.\n===\n(قالا) أي عبد الرزاق ومحمد بن بكر: (أنا ابن جريج، أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال) عطاء: (سمعته) أي جابرًا (يقول: إن النبي - ﷺ - قام يوم الفطر) أي في المصلى (فصلى) صلاة العيد ركعتيه، (فبدأ بالصلاة (٢) قبل الخطبة) أي قدم صلاة العيد على خطبته، (ثم خطب الناس، فلما فرغ نبي الله - ﷺ -) من الخطبة (نزل).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): فيه إشعار بأنه - ﷺ - كان يخطب على مكان مرتفع لما يقتضيه قوله: نزلى، وقد تقدم في \"باب الخروج إلى المصلى\" أنه - ﷺ - كان يخطب في المصلى على الأرض، فلعل الراوي ضمن النزول معنى الانتقال، وزعم عياض أن وعظه للنساء كان في أثناء الخطبة، وأن ذلك كان في أول الإِسلام، وأنه خاص به - ﷺ -، وتعقبه النووي بهذه الرواية المصرحة بأن ذلك كان بعد الخطبة، وهو قوله: فلما فرغ نزل فأتى النساء، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، انتهى.\n(فأتى النساء) يشعر بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم (فذكرهن) من التذكير أي وعظهن وعلمهن أحكام الإِسلام (وهو) أي رسول الله - ﷺ - (يتوكأ) أي يتحامل، ومنه التوكؤ على العصا وهو التحامل عليه (على يد بلال، وبلال باسط ثوبه تلقي النساء فيه) أي في ثوب بلال (الصدقة) والمراد بالصدقة ههنا غير صدقة الفطر كما في \"البخاري\" (٤):\n_________\n(١) وفي نسخة: \"تلقين\".\n(٢) بوب الترمذي \"الصلاة قبل الخطبة\". (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٧).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٩٧٨).","vol":"5","page":217},{"text":"قَالَ: تُلْقِى الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ، وَيُلْقِينَ. وَقَالَ ابْنُ بَكْرٍ: فَتَخَتَهَا\". [خ ٩٧٨، م ٨٨٥، ن ١٥٧٥، ق ٣/ ٢٩٦]\n١١٤٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ. (ح): وَنَا ابْنُ كَثِيرٍ،\n===\nقلت لعطاء: زكاة يوم الفطر؟ (قال:) لا، ولكن صدقة يتصدقن حينئذ (تلقي المرأة فتخها) بفتح الفاء والمثناة من فوق وبالخاء المعجمة، وفي \"البخاري\" (١): قال عبد الرزاق: الفتخ الخواتيم العظام كانت في الجاهلية، قال الحافظ (٢): لم يذكر عبد الرزاق في أي شيء كانت تلبس، وقد ذكر ثعلب أنهن كن يلبسنها في أصابع الأرجل، انتهى، ولذا عطف عليه الخواتيم لأنها عند الإطلاق تنصرف إلى ما يلبس في الأيدي، وحكي عن الأصمعي أن الفتخ الخواتيم التي لا فصوص لها، فعلى هذا هو من عطف الأعم على الأخص.\n(ويلقين ويلقين) والمعنى تلقي الواحدة، وكذا الباقيات يلقين مرة بعد أخرى. قال الحافظ (٣): وكرر الفعل المذكور في رواية مسلم إشارة إلى التنويع، وسيأتي في حديث ابن عباس بلفظ \"فيلقين الفتخ والخواتيم\"، انتهى.\n(وقال ابن بكر: فتختها) بزيادة التاء.\nقال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد: استحباب وعظ النساء، وتعليمهن أحكام الإِسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن، ويستحب حثهن على الصدقة، وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد، ومحل ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة، وفيه خروج النساء إلى المصلَّى، وجواز التفدية بالأب والأم، وجواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها، أو على مقدار معين من مالها وغير ذلك.\n١١٤٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، ح: ونا ابن كثير) محمد بن\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٩٧٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٧).","vol":"5","page":218},{"text":"أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: \"أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَشَهِدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ - قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَكْبَرُ عِلْمِ شُعْبَةَ - فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ\". [خ ٩٧٧، م ٨٨٤، ن ١٥٦٩، جه ١٢٧٣، حم ١/ ٢٢٠]\n===\nكثير العبدي عطف على حدثنا حفص (أنا شعبة، عن أيوب، عن عطاء قال: أشهد على ابن عباس) أي على شهادته بأنه شهد على رسول الله - ﷺ - أنه خرج، الحديث. (وشهد ابن عباس على رسول الله - ﷺ - أنه خرج) إلى المصلى (يوم فطر، فصلَّى) ركعتي العيد، (ثم خطب) خطبة العيد، (ثم أتى النساء) أي محل جلوسهن (ومعه بلال، قال ابن كثير: أكبر علم شعبة) أي قال له شعبة: أكبر علمي: (فأمرهن بالصدقة فجعلن يلقين).\nحاصل هذا الكلام أن ابن كثير يقول: إن شعبة لما حدث بهذا الحديث تيقن بأن هذا الحديث إلى قوله: \"ومعه بلال\" من شهادة ابن عباس في حديث أيوب، وشك شعبة في قوله: \"فأمرهن بالصدقة فجعلن يلقين\"، هل هو داخل في حديث أيوب فيما شهد به ابن عباس أو لا؟، ولكن أكبر علم شعبة أنَّ هذا الكلام أيضًا داخل فيه، فكأن شعبة لم يتيقن أنَّ هذا الكلام قاله أيوب أو لم يقله.\nقلت: روى شعبة هذا الحديث بسندين، الأول: ما رواه أبو داود من طريق ابن كثير عن شعبة عن أيوب عن عطاء عن ابن عباس، وفيه بين ابن كثير شك شعبة، وقد رواه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (١) بهذا السند، ولفظه قال: خرج رسول الله ﷺ يوم عيد، فصلَّى ثم خطب، ثم أتى النساء، فحثهن على الصدقة، فجعلن يلقين من أقرطهن، فترك ذكر بلال ولم يبين الشك.\nوالثاني: ما رواه البخاري ومسلم (٢) وغيرهما، ففي \"البخاري\" من طريق\n_________\n(١) \"مسند أبي داود\" (٢٦٥٥).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٩٦٤)، و\"صحيح مسلم\" (٨٨٤).","vol":"5","page":219},{"text":"١١٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ: \"فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَمَشَى إِلَيْهِنَّ وَبِلَالٌ مَعَهُ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ فِى ثَوْبِ بِلَالٍ\". [انظر سابقه]\n===\nسليمان بن حرب عن شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أخرجه في العيدين، وكذلك أخرج في الزكاة من طريق مسلم عن شعبة، وفي \"مسلم\" من طريق معاذ العنبري عن شعبة عن عدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فذكروا الحديث مطولًا، ولم يذكر الشك، فلعل الشك وقع لشعبة لما حدث ابن كثير ومن معه، ولم يكن له شك عندما حدث حفص بن عمر وأبا داود الطيالسي.\n١١٤٣ - (حدثنا مسدد وأبو معمر عبد الله بن عمرو قالا: نا عبد الوارث، عن أيوب، عن عطاء، عن ابن عباس بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، أنه خرج يوم عيد فصلَّى ثم خطب ثم بين قصة إتيان النساء، (قال) ابن عباس: (فظن) أي النبي - ﷺ - (أنه لم يسمع) من الإسماع (النساء) لبعدهن عن الرجال، (فمشى إليهن وبلال معه، فوعظهن وأمرهن بالصدقة، فكانت المرأة تلقي القرط) (١) بضم قاف وسكون راء، هو نوع من حلي الأذن، ما علق في شحمة الأذن من ذهب أو خرز، جمعه أقراط وقرطة وأقرطة، (والخاتم) قال في \"القاموس\": والخاتم ما يوضع على الطينة، وحلي للإصبع كالخاتم والخاتام والخيتام، وفيه عشر لغات (في ثوب بلال).\n_________\n(١) قال الشامي (٩/ ٦٩٣): لا بأس بثقب أُذُن الطفل من البنات، لأنهم كانوا يفعلونه في زمن رسول الله - ﷺ - من غير إنكار، وفيه أيضًا لا بأس بخزام الأنف، واختلفت الشافعية في جوازهما كما في \"إعانة الطالبين\" (٤/ ١٧٨)، وفي \"الأشباه\": لا بأس، أي خلاف الأولى، وقال البجيرمي: تثقيبه حرام، لأنه جرح لم تدع إليه حاجة، وفي \"الرعاية\" في مذهب الإِمام أحمد: يجوز في الصبية دون الصبي، انتهى. (ش).","vol":"5","page":220},{"text":"١١٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: \"فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُعْطِى الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ وَجَعَلَ بِلَالٌ يَجْعَلُهُ فِى كِسَائِهِ - قَالَ فَقَسَمَهُ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>(٢٥١) [بابٌ: يَخْطُبُ عَلَى قَوْسٍ]</span>\n١١٤٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى جَنَابٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ،\n===\n١١٤٤ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عطاء، عن ابن عباس في هذا الحديث قال) أي ابن عباس: (فجعلت (١) المرأة تعطي القرط والخاتم، وجعل بلال يجعله في كسائه) لحفظه عن الضياع، (قال) أي ابن عباس: (فقسمه) أي رسول الله - ﷺ - ذلك المال (على فقراء المسلمين).\n\n(٢٥١) (بَابٌ: يَخْطُبُ عَلَى قَوْسٍ)\nهذه الترجمة موجودة في جميع النسخ إلَّا في الأحمدية، والصواب وجوده\n١١٤٥ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الزاق، أنا ابن عيينة، عن أبي جناب) بجيم ونون خفيفة، يحيى بن أبي حية الكلبي، ضعفوه لكثرة تدليسه، (عن يزيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكان أمير عمان، وقال أبو عائذ: كان كخير الأمراء، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة.\n_________\n(١) حجة للثلاثة في أن المرأه متصرفة في مالها خلافًا لمالك إذ قال: لا يجوز لها التصرف في مالها بدون إذن الزوج، كما سيأتي في \"باب عطية المرأة يغير إذنه\". (ش).","vol":"5","page":221},{"text":"عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نُوِّلَ (١) يَوْمَ الْعِيدِ قَوْسًا فَخَطَبَ عَلَيْهِ\". [حم ٤/ ٢٨٢، ش ٢/ ١٨٥]\n===\n(عن أبيه) البراء بن عازب: (أن النبي - ﷺ - نول) هكذا بواو واحد في جميع النسخ الموجودة إلَّا في النسخة الكانفورية، فإن فيها بواوين، فعلى الأولى صغية ماض مجهول من التفعيل، قال في \"القاموس\": وأنلته إياه، ونولته، ونولت عليه وله: أعطيته، وعلى الثاني من المناولة أي أعطي (يوم العيد) أي الأضحى (قوسًا فخطب) متوكئًا (عليه).\nهذا الحديث مختصر، وقد أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) مطولًا من طريق زائدة حدثنا أبو جناب الكلبي بسنده عن البراء قال: كنا جلوسًا في المصلى يوم الأضحى، فأتانا رسول الله - ﷺ -، فسلَّم على الناس ثم قال: \"إن أول نسك يومكم هذا الصلاة\"، قال: فتقدم فصلَّى ركعتين، ثم سلَّم، ثم استقبل الناس بوجهه، وأعطي قوسًا أو عصًا فاتكأ عليه، فحمد الله، وأثنى عليه، وأمرهم ونهاهم، وقال: \"من كان منكم عَجَّل ذِبْحًا، فإنما هي جَزَرَةٌ (٣) أطعمها أهله، إنما الذبح بعد الصلاة\"، فقام إليه خالي أبو بردة بن نيار فقال: أنا عَجَّلْتُ ذَبْحَ شاتي يا رسول الله ليصنع لنا طعام نجتمع عليه إذا رجعنا، وعندي جذعة من معز، وهي أوفى من الذي ذبحت، أَفَتُغْني عني يا رسول الله - ﷺ -؟ قال: \"نعم، ولن تغني عن أحد بعدك\"، قال: ثم قال: \"يا بلال\"، قال: فمشى واتَّبعه رسول الله - ﷺ - حتى أتى النساء فقال: \"يا معشر النسوان! تَصَدَّقْن، الصدقة خير لكن\"، قال: فما رأيت يومًا قط أكثر خَدَمَةً (٤) مقطوعةً، وقلادة وقرطًا من ذلك اليوم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"نوول\".\n(٢) (٤/ ٢٨٢).\n(٣) جَزَرَةٌ: بجيم وزاي وراء مفتوحات: شاة لحم تذبح للأكل.\n(٤) خَدَمَة، بفتحتين: الخلخال.","vol":"5","page":222},{"text":"(٢٥٢) بَابُ (١) تَرْكِ الأَذَانِ في الْعِيدِ\n١١٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ قَالَ: \"سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَنْزِلَتِى مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ، مِنَ الصِّغَرِ. فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَلَمَ الَّذِى كان عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ،\n===\n\n(٢٥٢) (بَابُ تَرْكِ الأذَانِ (٢) في الْعِيدِ)\n١١٤٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري، (عن عبد الرحمن بن عابس قال: سأل رجل) لم يسم، أو هو الراوي، قاله القسطلاني (٣)، (ابن عباس) أي عبد الله (أشهدت) أي أحضرت بهمزة الاستفهام (العيد مع رسول الله - ﷺ -؟ قال) أي ابن عباس: (نعم، ولولا منزلتي منه) أي قرب المنزلة بالقرابة والمحبة، فإنه كان ابن عمه - ﷺ - (ما شهدته) أي العيد معه - ﷺ - (من الصغر) أي ما حضرت معه لأجل صغري.\n(فأتى رسول الله - ﷺ - العلم الذي عند دار كثير بن الصلت) قال الحافظ في \"الفتح\" (٤): سيأتي في حديث ابن عباس أنه - ﷺ - أتى في يوم العيد إلى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، قال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلى في العيدين، وهي تُطِلُّ على بطن بطحان الوادي الذي في وسط المدينة، انتهى.\nوإنما بني كثير بن الصلت داره بعد النبي - ﷺ - بمدة، لكنها لما صارت\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب الأذان في العيد\".\n(٢) ولا يؤذن لهما عند الأربعة، كما قاله الشعراني (٢/ ١٩٢)، وكذا في \"الأوجز\" (٣/ ٦٠٩)، واختلف في قول: \"الصلاة جامعة\"، والبسط في هامش \"اللامع\" (٤/ ١٣٤). (ش).\n(٣) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٥٩٩).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٩).","vol":"5","page":223},{"text":"فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً. قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ. قَالَ: فَجَعَلْنَ (١) النِّسَاءُ يُشِرْنَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ\n===\nشهيرة في تلك البقعة وصف المصلَّى بمجاورتها، وكثير المذكور هو ابن الصلت بن معاوية الكندي، تابعي كبير، ولد في عهد النبي - ﷺ -، وقدم المدينة هو وأخواته (٢) بعده، فسكنها، وحالف بني جمح، وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى نافع قال: كان اسم كثير بن الصلت قليلًا، فسماه عمر -﵁ - كثيرًا، وقد صح سماع كثير من عمر -﵁ - فمن بعده، وكان له شرف وذكر، وهو ابن أخي جمد بفتح الجيم وسكون الميم أو فتحها، أحد ملوك كندة الذين قتلوا في الردة، وقد ذكر أبوه في \"الصحابة\" لابن منده، وفي صحة ذلك نظر.\nوقال الحافظ أيضًا في محل آخر (٣)، وظهر من هذ الحديث أنهم جعلوا لمصلاه شيئًا يعرف به، وهو المراد بالعلم وهو بفتحتين الشيء الشاخص (فصلَّى) أي صلاة العيد (ثم خطب) بعدها، (ولم يذكر) ابن عباس (أذانًا ولا إقامة) وهذا قول عبد الرحمن بن عابس، ولكن وقع في \"البخاري\" و\"مسلم\" (٤) عن عطاء عن ابن عباس وعن جابر قالا: \"لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الضحى\".\n(قال) ابن عباس: (ثم أمر بالصدقة) أي ثم أتى النساء فأمرهن بالصدقة (قال) ابن عباس: (فجعلن) وفي نسخة: جعل، وهو الأوفق بالقواعد (النساء يشرن) أي يرفعن أيديهن (إلى آذانهن وحلوقهن) ليأخذ الحلي منها\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فجعل\".\n(٢) كذا في الأصل: \"هو وأخواته\" وفي \"فتح الباري (٢/ ٤٤٩): \"هو وأخويه\" وكلاهما تحريف، وفي \"عمدة القاري\" (٥/ ١٦٩): \"هو وإخوته\"، والظاهر: \"هو وأخواه\".\nانظر: \"تهذيب الكمال\" (٦/ ١٥٦) رقم (٥٥٣٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤١٩).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٥).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٩٦٠)، و\"صحيح مسلم\" (٨٨٦).","vol":"5","page":224},{"text":"قَالَ: فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَتَاهُنَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ-\". [خ ٨٦٣، م ٨٨٤، ن ١٥٨٦، حم ١/ ٢٣٢]\n١١٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاووسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ. شَكَّ يَحْيَى\". [جه ١٢٧٤، حم ١/ ٢٢٧]\n١١٤٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَهَنَّادٌ لَفْظُهُ (١) قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ - يَعْنِى ابْنَ حَرْبٍ -، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ:\n===\n(قال) ابن عباس: (فأمر) رسول الله - ﷺ - (بلالًا فأتاهن) وتناول منهن ما أعطين من حليهن (ثم رجع إلى النبي - ﷺ -).\nوهذا الحديث بظاهره يخالف الأحاديث المتقدمة عن ابن عباس، فإنها تدل أن بلالًا كان معه - ﷺ - من أول ما مشى إليهن، ولعل بلالًا مشى مع رسول الله - ﷺ - فأتيا إليهن، فوعظهن وأمرهن بالصدقة، فتصدق بعض منهن، فأمر بلالًا أن يأتي الجماعة الباقية منهن، فذهب إليهن فأخذ الصدقة منهن، ثم رجع إلى رسول الله - ﷺ -.\n١١٤٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم) بن ينّاق، (عن طاووس، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - صلَّى العيد بلا أذان ولا إقامة وأبا بكر وعمر) عطف على اسم أن (أو عثمان، شك يحيى) في لفظ عمر أو عثمان.\n١١٤٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وهناد لفظه) أي هذا لفظه كما في نسخة (قالا: نا أبو الأحوص، عن سماك - يعني ابن حرب -، عن جابر بن سمرة قال)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وهذا لفظه\".","vol":"5","page":225},{"text":"\"صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ الْعِيدَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ\". [م ٨٨٧، ت ٥٣٢، حم ٥/ ٩١، ش ٢/ ١٦٨، خزيمة ١٤٣٢، حب ٢٨١٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>(٢٥٣) بَابُ التَّكْبِيرِ في الْعِيدَيْنِ</span>\n١١٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٢) -ﷺ- كَانَ يُكَبِّرُ\n===\nأي جابر: (صليت مع النبي - ﷺ - غير مرة ولا مرتين) أي بل أكثر من ذلك (العيدين بغير أذان ولا إقامة).\nقال الشوكاني (٣): وأحاديث الباب تدل على عدم شرعية الأذان والإقامة في صلاة العيدين، قال العراقي: وعليه عمل العلماء كافة.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" (٤): ولا نعلم في هذا خلافًا ممن يعتد بخلافه، إلَّا أنه روي عن ابن الزبير أنه أذن وأقام، قال: وقيل: إن أول من أذن في العيدين زياد، وروى ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥). بإسناد صحيح عن ابن المسيب قال: أول من أحدث الأذان في العيد معاوية -﵁ -، وقد زعم ابن العربي أنه رواه عن معاوية -﵁ - من لا يوثق به.\n\n(٢٥٣) (بَابُ التَّكْبِيرِ (٦) في العِيْدَيْنِ)، أي في صلاتهما\n١١٤٩ - (حدثنا قتيبة، نا ابن لهيعة، عن عقيل) بالضم مصغرًا ابن خالد بن عقيل مكبرًا، (عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - كان يكبر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سعيد\".\n(٢) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٩٥).\n(٤) \"المغني\" (٣/ ٢٦٧).\n(٥) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥٦٦٥).\n(٦) قال ابن العربي (٣/ ٧): لم يصح فيه شيء. (ش).","vol":"5","page":226},{"text":"في الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا (١) \". [ق ٣/ ٢٨٦، جه ١٢٨٠]\n١١٥٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: \"سِوَى تَكْبِيرَتَىِ الرُّكُوعِ\". [انظر سابقه]\n١١٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِىَّ\n===\nفي الفطر والأضحى، في الأولى سبع تكبيرات (٢)، وفي الثانية خمسًا).\n١١٥٠ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد) الجمحي، (عن ابن شهاب بإسناده ومعناه) أي باتحاد إسناد الحديث المتقدم واتحاد معناه، وزاد (قال) ابن وهب: (سوى تكبيرتي الركوع) قال الشوكاني (٣): وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وذكر الترمذي في \"كتاب العلل\" أن البخاري ضعف هذا الحديث، وزاد ابن وهب في هذا الحديث \"سوى تكبيرتي الركوع\"، وزاد إسحاق \"سوى تكبيرة الافتتاح\"، ورواه الدارقطني (٤) أيضًا.\n١١٥١ - (حدثنا مسدد، نا المعتمر قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب، أبو يعلى الثقفي، عن ابن معين:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"خمس تكبيرات\".\n(٢) ولا ذكر بينهما عندنا ومالك، وعند أحمد يقول: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا، وصلَّى الله ﵎ على سيدنا محمد النبي وآله وسلَّم تسليمًا، كما في \"الروض المربع\" (١/ ١٠٠)، وعند الشافعي يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما في \"شرح الإقناع\" (١/ ١١٠). (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٩٩).\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"5","page":227},{"text":"يُحَدِّثُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) قَالَ: قَالَ نَبِىُّ اللَّهِ -ﷺ-: «التَّكْبِيرُ فِى الْفِطْرِ سَبْعٌ فِى الأُولَى، وَخَمْسٌ فِى الآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا». [جه ١٢٧٨، حم ٢/ ١٨٠، ق ٣/ ٢٨٥، قط ٢/ ٤٨]\n١١٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ حَيَّانَ -، عَنْ أَبِى يَعْلَى الطَّائِفِىِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يُكَبِّرُ فِى الْفِطْرِ فِى الأُولَى سَبْعًا (٢)، ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يَرْكَعُ\". [انظر سابقه]\n===\nضعيف، وعنه: صالح، وعنه: ليس به بأس، وقال النسائي: ليس بذلك القوي، ويكتب حديثه، وقال البخاري: فيه نظر، وحكى ابن خلفون أن ابن المديني وثقه، وقال الدارقطني: طائفي يعتبر به، وقال العجلي: ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في \"مسلم\" حديث واحد: \"كَادَ أمية أن يسلم\".\n(يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال نبي الله - ﷺ -: التكبير في الفطر سبع في الأولى) أي في الركعة الأولى (وخمس في الآخرة) أي في الركعة الثانية (والقراءة بعدهما) أي بعد التكبيرتين (كلتيهما).\n١١٥٢ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا سليمان يعني ابن حيان) بتحتانية، الأزدي، أبو خالد الأحمر الكوفي الجعفري نزل فيهم، قال في \"التقريب\": صدوق يخطئ، (عن أبي يعلى الطائفي) وهو عبد الله بن عبد الرحمن المتقدم، (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - ﷺ - كان يكبر في الفطر في الأولى) أي في الركعة الأولى (سبعًا) أي سبع تكبيرات (ثم يقرأ ثم يكبر) أي للركوع (ثم يقوم) بعد الفراغ من السجدتين (فيكبر أربعًا، ثم يقرأ، ثم يركع،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٢) وفي نسخة: \"بسبع\".","vol":"5","page":228},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَكِيعٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَا: سَبْعًا وَخَمْسًا (١).\n===\nقال أبو داود: رواه وكيع وابن المبارك) أي عن عبد الله بن عبد الرحمن، وقد أخرج حديث ابن المبارك ابن ماجه في \"سننه\"، ولم أقف على حديث وكيع (٢) (قالا: سبعًا وخمسًا) كما في رواية المعتمر، وهذا إشارة إلى أن ما خالف سليمان بن حيان عن أبي يعلى، وقال: فيكبر أربعًا، كأنه شاذ.\nقال الشوكاني (٣) في \"النيل\" (٤): وقد اختلف العلماء في عدد التكبيرات في صلاة العيد في الركعتين، وفي موضع التكبير على عشرة أقوال:\nأحدها: أنه يكبر في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة، قال العراقي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة، قال: وهو مروي عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وجابر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وعائشة، وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وعمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول، وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، قال الشافعي والأوزاعي وإسحاق وأبو طالب وأبو العباس: إن السبع في الأولى بعد تكبيرة الإحرام.\nالقول الثاني: أن تكبيرة الإحرام معدودة من السبع في الأولى، وهو قول أحمد ومالك والمزني وهو قول المنتخب.\nالقول الثالث: أن التكبير في الأولى سبع، وفي الثانية سبع، روي ذلك عن أنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وابن عباس وسعيد بن المسيب والنخعي.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سبع وخمس\".\n(٢) أخرج روايته ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١٧٢)، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٨٠)، وزاد أحمد: \"ولم يصل قبلها ولا بعدها\".\n(٣) مذاهب الأئمة أنها سبع في الأولى بدون تكبيرة الافتتاح عند الشافعي، ومعه عند مالك وأحمد، وأما في الثانية فخمس بدون تكبيرة القيام عن السجود عندهم كلهم، والقراءة بعدها في كلتيهما، وأما عندنا فالزوائد ثلاث، وبسط في \"الأوجز\" (٣/ ٦٣٨). (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٩٩).","vol":"5","page":229},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالقول الرابع: في الأولى ثلاث بعد تكبيرة الإحرام قبل القراءة، وفي الثانية ثلاث بعد القراءة، وهو مروي عن جماعة من الصحابة ابن مسعود وأبي موسى وأبي مسعود الأنصاري، وهو قول الثوري وأبي حنيفة.\nوالقول الخامس: يكبر في الأولى ستًا بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، وفي الثانية خمسًا بعد القراءة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، ورواه صاحب \"البحر\" عن مالك.\nالقول السادس: يكبر في الأولى أربعًا غير تكبيرة الإحرام، وفي الثانية أربعًا، وهو قول محمد بن سيرين، روي عن الحسن ومسروق والأسود والشعبي وأبي قلابة، وحكاه صاحب \"البحر\" عن ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن العاص.\nالقول السابع: كالقول الأول، إلَّا أنه يقرأ في الأولى بعد التكبير، ويكبر في الثانية بعد القراءة، حكاه في \"البحر\" عن القاسم والناصر.\nالقول الثامن: التفرقة بين عيد الفطر والأضحى، فيكبر في الفطر إحدى عشرة، ستًا في الأولى وخمسًا في الثانية، وفي الأضحى ثلاثًا في الأولى وثنتين في الثانية، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، كما في \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١)، ولكنه من رواية الحارث الأعور عنه.\nالقول التاسع: التفرقة بينهما على وجه آخر، وهو أن يكبر في الفطر إحدى عشرة تكبيرة، وفي الأضحى تسعًا، وهو مروي عن يحيى بن يعمر.\nالقول العاشر: كالقول الأول إلَّا أن محل التكبير بعد القراءة، وإليه ذهب الهادي والمؤيد بالله وأبو طالب.\nاحتج أهل القول الأول بما في الباب من الأحاديث المصرحة بعدد التكبير، وكونه قبل القراءة، قال ابن عبد البر (٢): وروي عن النبي - ﷺ - من\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥٧٠٠).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" (٧/ ٤٩).","vol":"5","page":230},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nطريق (١) حسان أنه كبر في العيدين سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية من حديث عبد الله بن عمر وابن عمرو وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني، ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا، وهو أولى ما عمل به، انتهى.\nوقد تقدم في حديث عائشة عند الدارقطني: \"سوى تكبيرة الافتتاح\"، وعن أبي داود: \"سوى تكبيرتي الركوع\"، وهو دليل لمن قال: إن السبع لا تعد فيها تكبيرة الافتتاح والركوع، والخمس لا تعد فيها تكبيرة الركوع، انتهى.\nقلت: وخلاصة ما تكلم الشوكاني في أحاديث هذا الباب أنه قال: حديث عمرو بن شعيب، قال العراقي: إسناده صالح، ونقل الترمذي في \"العلل المفردة\" عن البخاري أنه قال: إنه حديث صحيح، قلت: قال الزيلعي (٢) في \"نصب الراية\" (٣): قال ابن القطان في كتابه: والطائفي هذا ضعفه جماعة، وقال الذهبي في \"الميزان\" (٤): قال ابن معين: صويلح، وقال مرة: ضعيف، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وكذا قال أبو حاتم، قال ابن عدي: أما سائر حديثه فعن عمرو بن شعيب، وهي مستقيمة فهو ممن يكتب حديثه، قلت: ثم خلطه بمن بعده فوهم، انتهى، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": وقال البخاري: فيه نظر، انتهى.\nقلت: فكيف يسلم أن البخاري يحكم على حديثه بالصحة.\nثم ذكر الشوكاني (٥). حديث عمرو بن عوف، وقال: في إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الشافعي وأبو داود: إنه ركن من أركان الكذب، وقال ابن حبان: له نسخة موضوعة عن أبيه عن جده، وقد تقدم\n_________\n(١) كذا في \"النيل\" والظاهر من طرق. (ش).\n(٢) كذا في بسط الكلام عليه، وعلى سائر روايات التكبير في العيدين، في \"شرح الإحياء\" (٣/ ٦٣٩). (ش).\n(٣) \"نصب الراية\" (٢/ ٢١٧).\n(٤) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٤٥٢).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٩٨).","vol":"5","page":231},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالكلام، قال الحافظ في \"التلخيص\" (١): وقد أنكر جماعة تحسينه على الترمذي، وأجاب النووي في \"الخلاصة\" عن الترمذي في تحسينه فقال: لعله اعتضد بشواهد غيرها، انتهى.\nقلت: هذا لا يجديه نفعًا، فإنه لو كان عنده شواهد يلزم أن يذكرها لينظر فيها، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي، وقد قال الحافظ في \"التقريب\": ضعيف، من السابعة، ومنهم من نسبه إلى الكذب، وقال في \"التلخيص\" (٢) على هذا الحديث: وكثير ضعيف مع أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا يخلو عن وهن وضعف.\nثم ذكر الشوكاني (٣) حديث سعد المؤذن أخرجه ابن ماجه، ثم قال: قال العراقي: وفي إسناده ضعف.\nقلت: قال الشيخ النيموي (٤): هو من طريق عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ عن أبيه عن جده، أما عبد الرحمن بن سعد بن عمار فقال الذهبي في \"الميزان\" (٥).: ليس بذاك، قال الخزرجي في \"الخلاصة\": ضعفه ابن معين، وقال الحافظ في \"التقريب\": ضعيف، وأما سعد بن عمار فقال في \"الميزان\" (٦): لا يكاد يعرف، وقال في \"التقريب\": مستور.\nثم ذكر الشوكاني (٧) حديث عبد الرحمن بن عوف عند البزار في \"مسنده\" (٨) ثم قال: وفي إسناده الحسن البجلي، وهو لين الحديث، وقد صحح\n_________\n(١) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٠٠).\n(٢) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٩٩).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٩٨).\n(٤) \"آثار السنن\" (٢/ ١٠٥).\n(٥) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٥٦٦).\n(٦) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ١٢٤).\n(٧) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٩٩).\n(٨) انظر: \"كشف الأستار\" (١/ ٣١٤).","vol":"5","page":232},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالدارقطني إرسال هذا الحديث، قلت: ذكر الذهبي تضعيف الحسن بن عمارة البجلي في \"الميزان\" (١) مفصلًا ومطولًا.\nثم ذكر الشوكاني عن ابن عباس عند الطبراني (٢)، ثم قال: في إسناده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، ثم ذكر عن جابر عند البيهقي (٣) قال: مضت السنَّة أن يكبر للصلاة في العيدين سبعًا وخمسًا، وعن ابن عمر عند البزار والدارقطني (٤)، وفي إسناده فرج بن فضالة وثقه أحمد، وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث.\nقلت: وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٥): قال أبو حاتم: هو خطأ.\nثم ذكر الشوكاني حديث عائشة عند أبي داود، ثم قال: وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وذكر الترمذي في \"كتاب العلل\" أن البخاري ضعف هذا الحديث، انتهى.\nقلت: ثم الأنسب عندي أن أذكر ما قال صاحب \"الجوهر النقي\" (٦) على أحاديث البيهقي في هذا الباب فقال: ذكر (البيهقي) فيه حديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي رواية عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، ثم ذكر (البيهقي) حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أنه ﵇ كان يكبر، الحديث.\nثم قال (البيهقي) (٧): قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمدًا- يعني\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٥١٣).\n(٢) انظر: \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٢٠٧).\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٩٢).\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٤٧ - ٤٨).\n(٥) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٠١).\n(٦) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦).\n(٧) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٦).","vol":"5","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالبخاري- عن هذا الحديث فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول، قال: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في هذا الباب صحيح أيضًا.\nقلت: في حديث عمرو بن شعيب هذا بعد اضطراب متنه كما بينه البيهقي أن عبد الله الطائفي متكلم فيه، قال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي، وفي كتاب ابن الجوزي ضعفه يحيى، وهو وإن خرج له مسلم في المتابعات على ما قاله صاحب \"الكمال\". فالبيهقي تكلم فيمن هو أجل منه ممن احتج بهم في الصحيح كحماد بن سلمة وأمثاله لكونهم تكلم فيهم وإن كان الكلام فيهم دون الكلام الذي في الطائفي هذا، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال فيه الشافعي: ركن من أركان الكذب، وقال أبو داود: كذَّاب، وقال ابن حبان: يروي عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلَّا على جهة التعجب، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن حنبل: منكر الحديث ليس بشيء، وقال عبد الله بن أحمد: ضرب أبي على حديثه في \"المسند\"، ولم يحدث عنه، وقال أبو زرعة وأهل الحديث: فكيف يقال في حديث هذا في سنده: ليس في هذا الباب شيء أصح من هذا؟ .\nثم ذكر البيهقي حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، قلت: مدار هذا الحديث على ابن لهيعة وقد ضعفه جماعة، وذكر عند يحيى احتراق كتبه فقال: هو ضعيف قبل أن تحترق وبعد ما احترقت.\nثم ذكر البيهقي حديث بقية عن الزبيدي عن الزهري عن حفص بن عمر بن سعد بن قرظ أن أباه وعمومته أخبروه عن أبيهم سعد بن قرظ أن السنَّة في صلاة الأضحى والفطر ... إلخ.\nقلت: فيه شيئان، أحدهما: أن بقية متكلم فيه، الثاني: أنه وقع في هذا","vol":"5","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالكتاب في الموضعين سعد بن قرظ، وكذا رأيته في نسخة أخرى مسموعة، قال في \"كتاب المعرفة\": ورويناه من حديث أولاد سعد القرظ عن آبائهم عن سعد، وهو الصواب، إذ لا يعلم أحد يقال له: سعد بن قرظ، وخرج ابن منده هذا الحديث بهذا السند في ترجمة سعد القرظ في كتاب \"معرفة الصحابة\" له.\nثم ذكر البيهقي (١) حديث عبد الرحمن بن سعد حدثني عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد وعمر بن حفص بن عمر بن سعد عن آبائهم عن أجدادهم أنه ﵇ كبر ... إلخ.\nقلت: فيه أشياء، أحدها: أن عبد الرحمن بن سعد بن عمار منكر الحديث، وفي \"الكمال\": سئل عن ابن معين فقال: ضعيف، الثاني: أنه مع ضعفه اضطربت روايته لهذا الحديث، فرواه البيهقي عنه كما تقدم، وأخرجه ابن ماجه في \"سننه\" (٢): \"كان يكبر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة\"، الثالث: أن عبد الله بن محمد بن عمار ضعفه ابن معين، ذكره الذهبي، وقال أيضًا: عمر بن حفص بن عمر بن سعد عن أبيه قال ابن معين: ليس بشيء، وذكر صاحب \"الميزان\" (٣): أن عثمان بن سعيد ذكر ليحيى هذا الحديث ثم قال: كيف حال هؤلاء؟ قال: ليسوا بشيء.\nالرابع: أن حفصًا والد عمر المذكور في هذا السند إن كان حفص بن عمر المذكور في السند الأول فقد اضطربت روايته لهذا الحديث، رواه ههنا عن سعد القرظ، وفي ذلك السند رواه عن أبيه وعمومته عن سعد القرظ، فظهر من هذا أن الأحاديث التي ذكرها البيهقي في هذا الباب لا تسلم من الضعف، وكذا سائر الأحاديث الواردة في هذا الباب، ولهذا قال ابن رشد: وإنما صار الجميع\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (١٢٧٧).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٤٩٠).","vol":"5","page":235},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإلى الأخذ بأقاويل الصحابة - ﵃- في هذه المسألة، لأنه لم يثبت فيها عن النبي - ﷺ - شيء، نقل ذلك عن أحمد بن حنبل، وفي \"التحقيق\" لابن الجوزي: قال ابن حنبل: ليس يروى عن النبي - ﷺ - في التكبير في العيدين حديث صحيح.\nثم خرج البيهقي عن عبد الملك - هو ابن أبي سليمان - عن عطاء: كان ابن عباس يكبر في العيدين ثنتي عشر، سبع في الأولى وخمس في الآخرة، ثم قال: هذا إسناد صحيح، وقد قيل: فيه عن عبد الملك بن أبي سليمان ثلاث عشرة تكبيرة، سبع في الأولى، وست في الآخرة، وكأنه عد تكبيرة القيام، فقد أخبرنا أبو عبد الله فذكر بسنده أن ابن عباس كبر في العيد في الأولى سبعًا ثم قرأ، وفي الثانية خمسًا (١).\nقلت: قد اختلف في تكبير ابن عباس، فذكر البيهقي وجهين من رواية عبد الملك، وتأول الثاني، وذكر ابن أبي شيبة (٢) وجهًا ثالثًا، فقال: ثنا هشيم، أنا خالد - هو الحذاء -، عن عبد الله بن الحارث - هو أبو الوليد نسيب ابن سيرين - قال: صلَّى بنا ابن عباس يوم عيد، فكبر تسع تكبيرات، خمسًا في الأولى وأربعًا في الآخرة، ووالى بين القراءتين، وهذا سند صحيح.\nوقال ابن حزم: روينا من طريق شعبة عن خالد الحذاء وقتادة كلاهما عن عبد الله بن الحارث هو ابن نوفل قال: كبر ابن عباس يوم العيد في الركعة الأولى أربع تكبيرات، ثم قرأ ثم ركع ثم قام، فقرأ ثم كبر ثلاث تكبيرات سوى تكبيرة الركوع، قال: وروينا من طريق يحيى القطان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في التكبير في العيدين قال: يكبر تسعًا، أو إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، قال: وهذان سندان في غاية الصحة.\nوقال ابن أبي شيبة: ثنا ابن إدريس عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٨).\n(٢) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٧٤).","vol":"5","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأنه كان يكبر في العيد، في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح، وفي الآخرة ستًا بتكبيرة الركعة كلهن قبل القراءة، وهذا أيضًا إسناد صحيح صرح فيه بأن السبع في الأولى بتكبيرة الافتتاح، فإن كان رواية عبد الملك عن عطاء كذلك، والمراد بها أن السبع بتكبيرة الافتتاح، فمذهب الشافعي مخالف للروايتين، فإنه ذكر أن السبع في الأولى ليس فيها تكبيرة الافتتاح.\nثم قال: وكما ذكرت روي عن ابن عباس، وإن كان المراد برواية عبد الملك ذلك، وإن السبع ليس فيها تكبيرة الافتتاح كما ذهب إليه الشافعي، فرواية ابن جريج عن عطاء مخالفة لها، فكان الأولى بالشافعي اتِّباع رواية ابن جريج، لأن رواية عبد الملك محتملة، ورواية ابن جريج مصرحة بأن السبع بتكبيرة الافتتاح، ولجلالة ابن جريج وثقته خصوصًا في عطاء، فإنه أثبت الناس فيه، قاله ابن حنبل، وقال ابن المديني: ما كان في الأرض أعلم بعطاء من ابن جريج.\nوأما عبد الملك فهو وإن أخرج له مسلم فقد تكلموا فيه، ضعفه ابن معين، وتكلم فيه شعبة لتفرده بحديث الشفعة، وقيل لشعبة: تحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي وتدع حديث عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وهو حسن الحديث؟، قال: من حسنها فررت، ذكره البيهقي في \"باب شفعة الجوار\" على أن ظاهر رواية عبد الملك أنها موافقة لرواية ابن جريج، وإن السبع بتكبيرة الافتتاح إذ لو لم تكن منها لقيل: كبر ثمانيًا.\nوعلى تقدير مخالفة رواية ابن جريج لرواية عبد الملك يلزم البيهقي إطراح رواية عبد الملك لمخالفتها رواية ابن جريج، لأنه قال فيما مضى في \"باب التراب في ولوغ الكلب\": عبد الملك بن أبي سليمان لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات، وإلى العمل بمقتضى رواية ابن جريج ذهب مالك وأحمد بن حنبل فإنهما جعلا السبع بتكبيرة الافتتاح.\nثم إن البيهقي أخرج رواية عمار مولى بني هاشم من طريق يحيى بن","vol":"5","page":237},{"text":"١١٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ أَبِى زِيَادٍ - الْمَعْنَى قَرِيبٌ - قَالَا: حَدَّثَنَا زَيْدٌ - يَعْنِى ابْنَ حُبَابٍ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: \"أَخْبَرَنِى أَبُو عَائِشَةَ - جَلِيسٌ لأَبِى هُرَيْرَةَ -\n===\nأبي طالب جعفر بن عبد الله بن الزبرقان عن عبد الوهاب بن عطاء عن حميد عن عمار ... إلخ، وعبد الوهاب تقدم كلام أحمد وغيره فيه، وتقدم أيضًا أن يحيى كذبه موسى بن هارون، وخط أبو داود السجستاني على حديثه، وقال فيه أبو أحمد الحافظ: ليس بالمتين، وقد أخرج ابن أبي شيبة رواية عمار هذا فقال: حدثنا يزيد بن هارون أنا حميد عن عمار فذكره، فعدل البيهقي عن رواية يزيد بن هارون مع جلالته إلى ذلك الطريق الضعيف، وأظن رواية يزيد لم تقع له.\nثم أخرج من رواية ابن أبي أويس ثنا أبي ثنا ثابت بن قيس شهدت عمر بن عبد العزيز يكبر في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة.\nقلت: وإسماعيل بن أبي أويس عبد الله الأصبحي ابن أخت مالك الفقيه، وإن خرج له في الصحيح فقد تكلموا فيه، قال ابن الجوزي في كتابه: قال يحيى: هو وأخوه يسرقان الحديث، وقال النضر بن سلمة المروزي: هو كذاب، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن الجنيد: قال ابن معين: ابن أبي أويس مخلط يكذب ليس بشيء، وفي \"الكمال\": قال أبو القاسم الطبري: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه، وثابت بن قيس هو أبو غصن الغفاري، عن ابن معين: ليس حديثه بذاك، وفي كتاب ابن الجوزي: قال يحيى: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يحتج بخبره إذ لم يتابعه غيره، انتهى.\n١١٥٣ - (حدثنا محمد بن العلاء وابن أبي زياد) عبد الله بن الحكم القطواني (المعنى قريب) أي معنى حديثهما قريب، ليس فيه اختلاف شديد (قالا: نا زيد - يعني ابن حباب -، عن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبيه) ثوبان بن ثابت العنسي بالنون الدمشقي والد عبد الرحمن، قال في \"التقريب\": ثقة (عن مكحول قال: أخبرني أبو عائشة) الأموي مولاهم (جليس لأبر هريرة) قال في \"تهذيب التهذيب\": قال ابن حزم","vol":"5","page":238},{"text":"أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ (١) سَأَلَ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِىَّ وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكَبِّرُ فِى الأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجَنَائِزِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَذَلِكَ كُنْتُ أُكَبِّرُ فِى الْبَصْرَةِ (٢) حَيْثُ كُنْتُ عَلَيْهِمْ. قَالَ (٣) أَبُو عَائِشَةَ: وَأَنَا حَاضِرٌ سَعِيدَ (٤) بْنَ الْعَاصِ\". [حم ٤/ ٤١٦، ق ٣/ ٢٨٩]\n===\nوابن القطان: مجهول، وقال الذهبي في \"الميزان\" (٥): غير معروف.\n(أن سعيد بن العاص) (٦) بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، قتل أبوه يوم بدر كافرًا، قال ابن سعد: قبض النبي - ﷺ - ولسعيد تسع سنين، وقال الزبير بن بكار: استعمله عثمان على الكوفة، واستعمله معاوية على المدينة، وقال سعيد بن عبد العزيز: أقيمت عربية القرآن على لسان سعيد، لأنه كان أشبه لهجة برسول الله - ﷺ -، وقال ابن عبد البر: كان من أشراف قريش، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان - ﵁ -، وقال الزبير: مات في قصره بالعرصة على ثلاث أميال من المدينة، ودفن بالبقيع سنة ٥٨ هـ.\n(سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله - ﷺ - يكبر في الأضحى) أي صلاة الأضحى (والفطر) أي صلاة الفطر؟ (فقال أبو موسى: كان يكبر) في كل ركعة (أربعًا) أي مع تكبيرة الإحرام في الأولى، وتكبيرة الركوع في الثانية (تكبيره) أي مثل تكبيره (على الجنائز، فقال حذيفة: صدق) أبو موسى (فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت) أميرًا (عليهم، قال أبو عائشة: وأنا حاضر سعيد بن العاص) حين سؤاله أبا موسى وجواب أبي موسى وتصديق حذيفة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٢) وفي نسخة: \"بالبصرة\".\n(٣) وفي نسخة: \"قال: وقال\".\n(٤) وفي نسخة: \"لسعيد بن العاصي\".\n(٥) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٤٣).\n(٦) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٢٨) رقم (٢٠٨٤).","vol":"5","page":239},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الزيلعي في تخريجه (١): سكت عنه أبو داود ثم المنذري في \"مختصره\"، ورواه أحمد في \"مسنده\"، واستدل به ابن الجوزي في \"التحقيق\" لأصحابنا، ثم أعله بعبد الرحمن بن ثوبان، قال: قال ابن معين: هو ضعيف، وقال أحمد: لم يكن بالقوي، وأحاديثه مناكير، قال: وليس يروى عن النبي - ﷺ - في تكبير العيدين حديث صحيح، انتهى.\nقال في \"التنقيح\": عبد الرحمن بن ثوبان وثقه غير واحد، وقال ابن معين: ليس به بأس، ولكن أبو عائشة، قال ابن حزم: مجهول، وقال ابن القطان: لا أعرف حاله، انتهى.\nقلت: عبد الرحمن بن ثوبان هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، تقدَّمت ترجمته في المجلد الأول على (ص ٥٩٩)، اختلف أقوال ابن معين فيه، مرة قال: ضعيف، ومرة قال: صالح، وأما علي بن المديني فكان حسن الرأي فيه، وقال: ابن ثوبان رجل صدق لا بأس به، وقد حمل عنه الناس، وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين ضعيف إلَّا نفرًا، فاستثناه منهم، وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة يُرمى بالقدر، وقال أبو حاتم: ثقة يشوبه شيء من القدر، وتغير عقله في آخر حياته، وهو مستقيم الحديث، وقال أبو داود: كان فيه سلامة، وليس به بأس، وكان مجاب الدعوة، أخرج له البخاري في \"الأدب المفرد\".\nقلت: ووقع عنده في إسناد حديث علقمة في الجهاد، فقال: ويذكر عن ابن عمر حديث: \"جعل رزقي تحت ظل رمحي\" الحديث، ووصله أبو داود من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن ابن منيب الحرشي عن ابن عمر -﵁ -، كذا في \"التهذيب\" للحافظ.\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٢١٤).","vol":"5","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال في \"الخلاصة\": عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي بنون، أبو عبد الله الدمشقي الزاهد، قال أحمد: لم يكن بالقوي، وقال يعقوب بن شيبة: كان رجل صدق، وقال دحيم: ثقة يرمى بالقدر، قال في \"التقريب\" في ترجمته: صدوق يخطئ، ويرمى بالقدر، وتغير بأَخَرَة.\nوقال الذهبي في \"الميزان\" في ترجمته: وثقه دحيم، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو داود: كان فيه سلامة، وكان مجاب الدعوة، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال صالح جزرة: قدري صدوق.\nوقد أخرج الترمذي (١) حديث ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\"، وحسنه، وقد وثق الفلاس ابن ثوبان.\nوأما ما ادعوا من جهالة أبي عائشة، فقد قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": روى عنه مكحول وخالد بن معدان، وكذا قال في \"الخلاصة\"، فارتفعت الجهالة برواية اثنين عنه.\nقال الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (٢): وأعلَّه البيهقي في \"سننه الكبرى\" (٣) بأنه خولف راويه في موضعين في رفعه، وفي جواب أبي موسى، والمشهور أنهم أسندوه إلى ابن مسعود فأفتاهم بذلك، ولم يسنده إلى النبي - ﷺ -، انتهى.\nقلت: الجمع ممكن، لأن أبا موسى كان عنده فيه حديث النبي - ﷺ -، لكنه تأدب مع ابن مسعود، فأسند الأمر إليه مرة، فلما أفتاهم ذكره أبو موسى مرة أخرى، وأيد ما قاله ابن مسعود بإسناده إلى النبي - ﷺ -، وهذا الموقوف عن ابن مسعود في حكم المرفوع، لأن هذا لا يمكن أن يكون من جهة\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣٥٣٧).\n(٢) انظر: \"آثار السنن\" (ص ٣١٥). ط باكستان.\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٩٠).","vol":"5","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالرأي والقياس، وقد وافق ابن مسعود جماعة من الصحابة على ذلك لعدم إنكارهم عليه.\nوأما حديث ابن مسعود الذي قال في جواب سعيد بن العاص حين سأل عن حذيفة وأبي موسى عن التكبير في صلاة العيد فهو الذي رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١): أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود، قالا: كان ابن مسعود جالسًا، وعنده حذيفة وأبو موسى الأشعري، فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في صلاة العيد، فقال حذيفة: سل الأشعري، فقال الأشعري، سل عبد الله، فإنه أقدمنا وأعلمنا، فقال ابن مسعود: يكبر أربعًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيركع، فيقوم في الثانية، فيقرأ، ثم يكبر أربعًا بعد القراءة، انتهى.\nقلت: كان غرض سعيد بن العاص عن سؤال التكبير في صلاة العيد الذي كان يكبر رسول الله - ﷺ -، وهذا وإن لم يكن مذكورًا في اللفظ، ولكن مراده ذلك، فما أجابه ابن مسعود هو الذي ثبت عنده من رسول الله - ﷺ -، ولم يكن سعيد بن العاص يسأل عن رأيهم وقياسهم.\nوقد روى عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢) أخبرنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود أن ابن مسعود كان يكبر في العيدين تسعًا، أربع قبل القراءة، ثم يكبر فيركع (٣). وفي الثانية يقرأ، فإذا فرغ كبر أربعًا، ثم ركع.\nوروى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤): حدثنا هشيم ثنا مجالد عن الشعبي\n_________\n(١) (٣/ ٢٩٣) برقم (٥٦٨٧).\n(٢) برقم (٥٦٨٦).\n(٣) كذا في الأصل: \"كان يكبر في العيدين تسعًا، أربع قبل القراءة، ثم يكبر فيركع\"، وفي \"المصنف\" هكذا: \"كان يكبر في العيدين تسعًا تسعًا، أربعًا قبل القراءة، ثم كبر، فركع\".\n(٤) (٢/ ٧٨) وليس فيه: \"وأن يخطب بعد الصلاة على راحلته\".","vol":"5","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن مسروق قال: كان عبد الله بن مسعود يعلمنا التكبير في العيدين تسع تكبيرات، خمس في الأولى، وأربع في الآخرة، ويوالي بين القراءتين، وأن يخطب بعد الصلاة على راحلته، وينظر الطبراني (١) فإنه رواه من طرق أخرى.\nقال الترمذي في كتابه: وروي عن ابن مسعود أنه قال في التكبير في العيدين تسع تكبيرات، في الركعة الأولى خمس تكبيرات قبل القراءة، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر أربعًا مع تكبيرة الركوع، وقد روي عن غير واحد من الصحابة نحو هذا، وهو قول أهل الكوفة، وبه يقول سفيان الثوري، انتهى.\nقال ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢): حدثنا يحيى بن سعيد عن أشعث عن محمد بن سيرين عن أنس أنه كان يكبر في العيد تسعًا، فذكر مثل حديث ابن مسعود، وروى عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣): أخبرنا إسماعيل بن أبي الوليد ثنا خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: شهدت ابن عباس كبر في صلاة العيد بالبصرة تسع تكبيرات، ووالى بين القراءتين، قال: وشهدت المغيرة بن شعبة فعل ذلك أيضًا، فسألت خالدًا كيف كان فعل ابن عباس؟ ففسر لنا كما صنع ابن مسعود في حديث معمر والثوري عن أبي إسحاق سواءً، وكذلك روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": حدثنا هشيم ثنا خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: صلَّى ابن عباس يوم عيد فكبر تسع تكبيرات خمسًا في الأولى وأربعًا في الآخرة، ووالى بين القراءتين.\n_________\n(١) انظر: \"المعجم الكبير\" (٩/ ٣٥٢).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٧٤).\n(٣) برقم (٥٦٨٩).","vol":"5","page":243},{"text":"(٢٥٤) بَابُ (١) مَا يُقْرأُ في الأَضْحَى وَالْفِطْرِ\n١١٥٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِىَّ:\n===\n\n(٢٥٤) (بَابُ مَا يُقْرَأُ (٢) في الأضْحَى) أي في صلاة الأضحى (وَالْفِطْرِ) أي صلاة الفطر\n١١٥٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي) قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: اسمه عوف بن الحارث، صحابي، قال البخاري وابن حبان والباوردي: شهد بدرًا.\nظاهر هذا السياق يدل على أن هذا الحديث مرسل، فإن عبيد الله لم يدرك عمر بن الخطاب ولا حضر عند سؤاله أبا واقد، ولكن أدرك أبا واقد، وأخبره أبو واقد بذلك، فالحديث صحيح.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٣): قوله: عن عبيد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد - ﵁ -، وفي الرواية الأخرى عن عبيد الله عن أبي واقد قال: سألني عمر بن الخطاب، هكذا هو في جميع النسخ، فالرواية الأولى مرسلة، لأن عبيد الله لم يدرك عمر - ﵁ -، ولكن الحديث صحيح\n_________\n(١) في نسخة: \"باب ما يقرأ فيهما\".\n(٢) قال الشعراني (٢/ ١٩٢): ومنه قول الشافعي: يستحب قراءة \"ق\" في الأولى، و\"اقتربت الساعة\" في الثانية، أو قراءة \"الأعلى\" و\"الغاشية\" مع قول أحمد ومالك: إنه يقرأ بـ \"الأعلى\" و\"الغاشية\" مع قول أبي حنيفة: لا تخصيص. قلت: لكنهم استحبوا \"الأعلى\" و\"الغاشية\" كما في \"الأوجز\" (٣/ ٦٣٥)، والمرجح عند مالك \"سبح اسم ربك\" \"والشمس وضحاها\". (ش).\n(٣) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩).","vol":"5","page":244},{"text":"مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى الأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وَ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. [م ٨٩١، ت ٥٣٤، ن ١٥٦٧، جه ١٢٨٢، حم ٥/ ٢١٧، خزيمة ١٤٤٠، حب ٢٨٢٠، ق ٣/ ٢٩٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>(٢٥٥) بَابُ الْجُلُوسِ لِلْخُطْبَةِ</span>\n١١٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّيْنَانِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ\n===\nمتصل من الرواية الثانية، فإنه أدرك أبا واقد بلا شك، وسمعه بلا خلاف، فلا عتب على مسلم حينئذ في روايته فإنه صحيح متصل.\nقال النووي أيضًا: يحتمل أن عمر -﵁ - شك في ذلك فاستثبته، أو أراد إعلام الناس بذلك أو نحو هذا من المقاصد، قالوا: ويبعد أن عمر - ﵁ - لم يكن يعلم ذلك مع شهوده صلاة العيد مع رسول الله - ﷺ - مرات، وقربه منه.\n(ماذا كان يقرأ به رسول الله - ﷺ - في الأضحى والفطر؟) أي في ركعتي صلاتيهما (قال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وَ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾) أي هاتين السورتين في ركعتيهما، وقد تقدم من حديث النعمان بن بشير أنه - ﷺ - كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ (﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فمرة يقرأ هذا، وأحيانًا يقرأ ذلك، فلا يدل على السنية، بل هو على الاستحباب.\n\n(٢٥٥) (بَابُ الجُلُوسِ لِلْخُطْبَةِ)\nأي لاستماعها في العيدين، هل يلزمهم الجلوس لاستماعها أم لا؟\n١١٥٥ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز) بزايين معجمتين، (نا الفضل بن موسى السيناني، نا ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن السائب","vol":"5","page":245},{"text":"قَالَ: \"شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ». [ن ١٥٧١، جه ١٢٩٠، خزيمة ٤٦٢، ق ٣/ ٣٠١، ك ١/ ٢٩٥، قط ٢/ ٥٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا (١) مُرَسْلٌ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>(٢٥٦) بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى الْعِيدِ في طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ في طَرِيقٍ</span>\n١١٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي\n===\nقال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - العيد، فلما قضى) أي أتم (الصلاة قال: إنا نخطب) أي نريد الخطبة (فمن أحب أن يجلس للخطبة) أي لاستماعها (فليجلس) وليستمع الخطبة (ومن أحب أن يذهب) أي يرجع إلى بيته (فليذهب) فهذا يدل على أن الجلوس لاستماع الخطبة غير لازم.\n(قال أبو داود: هذا مرسل) وزاد على الحاشية: عن عطاء عن النبي - ﷺ -، قال الزيلعي (٣) في تخريج \"الهداية\": قال النسائي: هذا خطأ، والصواب مرسل، ونقل البيهقي (٤) عن ابن معين أنه قال: غلط الفضل بن موسى في إسناده، وإنما هو عن عطاء عن النبي - ﷺ - مرسل، انتهى.\n(٢٥٦) (بَابُ الْخُرُوجِ (٥) إِلَى الْعِيدِ في طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ في طَرِيقٍ)، أي آخر\n١١٥٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الله - يعني\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يروى\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن عطاء عن النبي - ﷺ -\".\n(٣) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٢٢١).\n(٤) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٠١).\n(٥) وقال علىٌّ: من السنة أن يكون ماشيًا، كذا في \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٢)، ولم يخرج حديث الباب (أي حديث علي)، بل أخرج حديث ابن عمر - ﵁ -. (ش).","vol":"5","page":246},{"text":"ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ يَوْمَ الْعِيدِ فِى طَرِيقٍ ثُمَّ رَجَعَ فِى طَرِيقٍ آخَرَ\" (١). [جه ١٢٩٩، حم ٢/ ١٠٩، ق ٣/ ٣٠٩، ك ١/ ٢٩٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>(٢٥٧) بَابٌ: إِذَا لَمْ يَخْرُجِ الإِمَامُ لِلْعِيدِ مِنْ يَوْمِهِ يَخْرُجُ مِنَ الْغَدِ </span>(٢)\n١١٥٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِى وَحْشِيَّةَ، عَنْ أَبِى عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ\n===\nابن عمر- عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - أخذ يوم العيد في طريق) أي اختار طريقًا في المشي إلى العيد (ثم رجع في طريق آخر) هذا الحديث يدل على استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق، والرجوع في طريق آخر للإمام والمأموم، قال أبو حنيفة: يستحب له ذلك، فإن لم يفعل فلا حرج، وقد اختلف في الحكمة في مخالفته - ﷺ - الطريق في الذهاب والرجوع على أقوال كثيرة، قال الحافظ: اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولًا، من شاء التفصيل فليرجع إلى \"الفتح\" و\"العيني\" (٣) وغيرهما من المطولات.\n(٢٥٧) (بَابٌ: إِذَا لَمْ يَخْرُج الإمَامُ لِلْعِيدِ مِنْ يَوْمِهِ) أي لعذر (يَخْرُجُ مِنَ الغَدِ) دون بعد الغد\n١١٥٧ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن جعفر بن أبي وحشية) أبي بشر، (عن أبي عمير) مصغرًا (ابن أنس، عن عمومة له) جمع عم وهو أخو\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: روي هذا الحديث عن أبي- هريرة وغيره\".\n(٢) وفي نسخة: \"باب إذا لم يخرج الإِمام في يوم العيد أيخرج من الغد؟ \".\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٣)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ٢٠٦).","vol":"5","page":247},{"text":"مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ (١) - ﷺ -: \"أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ\". [ن ١٥٥٧، جه ١٦٥٣، حم ٥/ ٥٨، ق ٤/ ٢٤٥]\n===\nالأب، (من أصحاب النبي - ﷺ -: أن ركبًا جاؤوا إلى النبي - ﷺ - يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس) أي جاؤوا يوم الثلاثين، وشهدوا أنهم رأوا الهلال ليلة الثلاثين (فأمرهم) أي المسلمين (أن يفطروا) لأنه ثبت أن اليوم يوم الفطر (وإذا أصبحوا) في اليوم الثاني من شوال (أن يغدوا إلى مصلاهم) (٢) لصلاة العيد.\nقال الشوكاني (٣): صحح الحديث ابن السكن وابن حزم والخطابي وابن حجر في \"بلوغ المرام\" (٤)، وقال ابن عبد البر: وأبو عمير مجهول، قال الحافظ: كذا قال، وقد عرفه من صحح له، انتهى.\nوقال الزيلعي (٥) في \"تخريجه\": قال ابن القطان في \"كتابه\": وعندي أنه حديث يجب النظر فيه، ولا يقبل إلَّا أن ثبتت عدالة أبي عمير، فإنه لا يعرف له كبير شيء، وإنما حديثان أو ثلاثة، لم يروها عنه غير أبي بشر، ولا أعرف أحدًا عرف من حاله ما يوجب قبول روايته، ولا هو من المشاهير المختلف في ابتغاء مزيد العدالة على إسلامهم، وقد ذكر الباوردي حديثه، وسماه في \"مسنده\" عبد الله، وهذا لا يكفي في التعريف بحاله، وفيه مع الجهل بحال أبي عمير كون عمومته لم يسموا، فالحديث جدير بأن لا يقال فيه صحيح.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) أنكره الطحاوي، وقال: لم يكن الخروج للعيد بل للاجتماع وغيره من المصالح كما أمر الحيّضَ وغيرها. (انظر: \"شرح معاني الآثار\" ١/ ٣٨٧). (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦١٤).\n(٤) انظر: \"سبل السلام\" (٣/ ٢١٩).\n(٥) \"نصب الراية\" (٢/ ٢١٢).","vol":"5","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال النووي في \"الخلاصة\": هو حديث صحيح، وعمومة أبي عمير صحابة، لا يضر جهالة أعيانهم، لأن الصحابة كلهم عدول، واسم أبي عمير عبد الله.\nوأخرج أبو داود (١) عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقام أعرابيان فشهدا عند النبي - ﷺ - بالله لأهلّا الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله - ﷺ - الناس أن يفطروا، وأن يغدوا إلى مصلاه، ورواه الدارقطني (٢) وقال: إسناده حسن، ثم البيهقي (٣) وقال: الصحابة كلهم ثقات سموا أو لم يسموا، ورواه الحاكم في \"مستدركه\" (٤) وسمى الصحابي، فقال: عن ربعي بن حراش، عن ابن مسعود، - كذا في تخريج الزيلعي (٥)، وفي \"المستدرك\": أبي مسعود -، فذكره وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، انتهى.\nقال الشوكاني (٦): والحديث دليل لمن قال: إن العيد في اليوم الثاني إن لم يتبين العيد إلَّا بعد خروج وقته، وإلى ذلك ذهب الأوزاعي (٧) والثوري وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٢٣٣٩).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٧٠).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٥٠).\n(٤) \"المستدرك\" (١/ ٢٩٧).\n(٥) قلت: وفي نسخة \"نصب الراية\" التي بين أيدينا أيضًا \"أبي مسعود\" وهو الصواب، ولعله وقع التحريف في النسخة التي بين يدي الشارح.\n(٦) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦١٤ - ٦١٥).\n(٧) وقال مالك: لا يقضيها كما قاله الشعراني (١/ ٢٥٣)، وهما قولان للشافعي، كذا في \"المرقاة\" (٣/ ٥٥٣)، قلت: ونقل الطحاوي القضاء مذهب أبي يوسف، ونفى عن الإِمام أبي حنيفة القضاء لا اليوم ولا بعده، وأوله بأن الاجتماع كان لوجه آخر، والبسط في \"الأوجز\" (٣/ ٦٤٩ - ٦٥٠). (ش).","vol":"5","page":249},{"text":"١١٥٨ - حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ نُصَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ، أَخْبَرَنِى أُنَيْسُ بْنُ أَبِى يَحْيَى، أَخْبَرَنِى إِسْحَاقُ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى نَوْفَلِ بْنِ عَدِىٍّ،\n===\nوقد استدل بأمره - ﷺ - للركب أن يخرجوا إلى المصلى لصلاة العيد: الهادي والقاسم وأبو حنيفة على أن صلاة العيد من الفرائض الأعيان، وخالفهم في ذلك الشافعي، قال النووي: وجماهير العلماء فقالوا: إنها سنَّة، وقال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية: إنها فرض كفاية، والظاهر ما قاله الأولون، لأنه قد انضم إلى ملازمته - ﷺ - لصلاة العيد على جهة الاستمرار، وعدم إخلاله بها الأمرُ بالخروج إليها، بل ثبت -كما تقدم- أمره - ﷺ - بالخروج للعواتق والحيض وذوات الخدور، وبالغ في ذلك حتى أمر من لها جلباب أن تلبس من لا جلباب لها، ولم يأمر بذلك في الجمعة ولا في غيرها من الفرائض، بل ثبت الأمر بصلاة العيد في القرآن كما صرح بذلك أئمة التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فقالوا: المراد صلاة العيد ونحر الأضحية، ومن مقوِّيات القول بأنها فرض: إسقاطها لصلاة الجمعة، كما تقدم، والنوافل لا تسقط الفرائض في الغالب، انتهى ملخصًا.\n١١٥٨ - (حدثنا حمزة بن نصير) بضم أوله، الأسلُمي بضم اللام مولاهم، أبو عبد الله العسال المصري، ووهم من زعم أتى ابن نصير بن الفرج، ذاك طرسوسي، وذا مصري، مقبول، (نا ابن أبي مريم) سعيد بن الحكم، (نا إبراهيم بن سويد) بن حيان بمهملة وتحتانية، المدني، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: ليس به بأس، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: ربما أتى بمناكير، (أخبرني أنيس) مصغرًا (ابن أبي يحيى) بن سمعان الأسلمي، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم والنسائي، وقال الحاكم: ثقة مأمون، ووثَّقه أيضًا العجلي وابن سعد وأبو داود وابن أبي خيثمة والخليلي وغيرهم.\n(أخبرني إسحاق بن سالم مولى نوفل بن عدي) كذا في نسخ أبي داود","vol":"5","page":250},{"text":"أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ مُبَشِّرٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ (١): \"كُنْتُ أَغْدُو\n===\nالموجودة، وفي \"تهذيب التهذيب\": مولى بني نوفل بن عدي بزيادة لفظ بني، وكذا في \"التقريب\" و\"الخلاصة\"، قال البخاري: هو إسحاق مولى المغيرة عن المغيرة بن نوفل، وعنه الزهري، وسمع بكر بن مبشر، وعن أبي هريرة، وروى عنه أنيس بن أبي يحيى حديثه في أهل المدينة، وذكره عبد الغني بن سعيد المصري أن البخاري لم يصنع شيئًا في جعلهما واحدًا، وأن إسحاق ابن سالم غير إسحاق مولى المغيرة.\nقلت: وقد تبع ابن أبي حاتم البخاري في جعلهما واحدًا، وفرق بينهما ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر ابن القطان الفاسي- وتبعه الذهبي- أن إسحاق بن سالم وبكر بن مبشر لا يعرفان في غير هذا الحديث، وروى عن إسحاق غير أنيس يعني الذي أخرجه لهما أبو داود في الغدو إلى العيد، وقد أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" من هذا الوجه وصححه، وكذا صححه ابن السكن، وقد روى عنه غير أنيس كما تقدم، انتهى.\nوكتب في حاشية \"الخلاصة\" قوله: ونوفل بن عدي مقلوب، وإنما هو عدي بن نوفل، كذا في \"التهذيب\"، انتهى، قلت: لعل القلب وقع في \"التهذيب\"، والصواب نوفل بن عدي.\n(أخبرني بكر بن مبشر) بمضمومة وفتح موحدة وكسر شين مشددة معجمة، ابن جبر بجيم وباء موحدة (الأنصاري) المدني من بني عبيد، وبنو عبيد بطن من الأوس، له صحبة، أثبت ابن حبان وابن عبد البر وابن السكن صحبته، وقال ابن القطان: لا تعرف صحبته من غير هذا الحديث، وهو غير صحيح كذا قال.\n(قال: كنت أغدو) الغدو: سير أول النهار نقيض الرواح، من غدا يغدو غدوًا، وهو بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والغداء هو طعام يؤكل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنه قال\".","vol":"5","page":251},{"text":"مَعَ أَصْحَاب رَسُولِ اللهِ (١) - ﷺ - إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى، فَنَسْلُكُ بَطْنَ بَطْحَانَ، حَتَّى نَأْتِىَ الْمُصَلَّى فَنُصَلِّىَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ نَرْجِعُ مِنْ بَطْنِ بَطْحَانَ إِلَى بُيُوتِنَا\". [٣/ ٣٠٩، ك ١/ ٢٩٦]\n===\nأول النهار (مع أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى المصلى يوم الفطر ويوم الأضحى) أي لصلاتيهما (فنسلك بطن بطحان) هو بفتح باء، اسم وادي المدينة، وأكثرهم يضمونها، كذا في \"المجمع\"، وقال في \"القاموس\" (٢): وبطحان بالضم، أو الصواب الفتح، وكسر الطاء: موضع بالمدينة.\n(حتى نأتي المصلى فنصلي) صلاة العيدين (مع رسول الله - ﷺ -، ثم نرجع من بطن بطحان إلى بيوتنا) أي ثم نرجع من المصلى من طريق بطن بطحان إلى بيوتنا.\nوهذا الحديث لا يناسب ترجمة الباب، وفي نسخ أبي داود التي عندي وجد هذا الحديث تحت هذه الترجمة، ولكن قال صاحب \"العون\" (٣): وجد في بعض النسخ هذا الحديث قبل هذا الباب، أي في \"باب الخروج إلى العيد في طريق ويرجع في طريق\"، انتهى، فذكر هذا الحديث في الباب المتقدم أنسب (٤)، فإنه وإن لم يذكر فيه أن الرجوع كان من طريق آخر، ولكن ظاهره أن الرجوع كان من الطريق الذي كان الغدو منه، فهذا يدل على أن مرة رجع من طريق آخر، ومرة رجع في الطريق الذي غدا فيه، وذكره في هذا الباب من تصرفات النساخ.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٩١)، و\"القاموس المحيط\" (١/ ٢٨٦).\n(٣) انظر: \"عون المعبود\" (٤/ ١٥).\n(٤) قلت: ذكره العيني في \"باب الخروج إلى العيد في طريق ويرجع في طريق آخر\"، وقال: لم يذكره عبد العظيم في \"مختصر السنن\" إلَّا في \"باب إذا لم يخرج الإِمام للعيد\" وليس بمناسب، بل المناسب ما ذكرناه كما هو وقع في النسخ الصحيحة. انظر: \"شرح سنن أبي داود\" للعيني (٤/ ٥٠٦).","vol":"5","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>(٢٥٨) بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ</span>\n١١٥٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ فِطْرٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَها وَلَا بَعْدَها (١)،\n===\n\n(٢٥٨) (بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيْدِ)\n١١٥٩ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، حدثني عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله - ﷺ - يوم فطر فصلَّى ركعتين) أي ركعتي العيد (لم يصل قبلها ولا بعدها) وفي نسخة على الحاشية: قبلهما ولا بعدهما، فوحدة الضمير باعتبار الصلاة، وتثنيته باعتبار الركعتين.\nقال في \"مراقي الفلاح\" (٢): \"ويكره التنفل قبل صلاة العيد في المصلى\" اتفاقًا \"و\" في \"البيت\" عند عامتهم، وهو الأصح، لأن رسول الله - ﷺ - خرج فصلَّى بهم العيد لم يصل قبلها ولا بعدها، متفق عليه، \"و\" يكره التنفل \"بعدها\" أي بعد صلاة العيد \"في المصلى فقط\"، فلا يكره (٣) في البيت \"على اختيار الجمهور\" لقول أبي سعيد الخدري: كان رسول الله - ﷺ - لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلَّى ركعتين، قلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه وأحمد بمعناه، وأخرجه أيضًا الحاكم وصححه، وحسنه الحافظ في \"الفتح\" (٤)، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه مقال.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قبلهما ولا بعدهما\".\n(٢) \"مراقي الفلاح\". (ص ٣٤٦).\n(٣) والجملة أنها مكروهة عند أبي حنيفة قبلها ويجوز بعدها في غير المصلى، وعند الإِمام مالك يكره في المصلى قبلها وبعدها لا المسجد، وعند الشافعي يجوز مطلقًا إلَّا للإمام، وعند أحمد يكره مطلقًا، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٦٥٧). (ش).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٦).","vol":"5","page":253},{"text":"ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى خِرْصَهَا وَسِخَابَهَا\". [خ ٩٨٩، م ٨٨٤، ت ٥٣٧، ن ١٥٨٧، جه ١٢٩١، خزيمة ١٤٣٦، حب ٢٨١٨، ق ٣/ ٢٩٥، حم ١/ ٢٨٠]\n\n(٢٥٩) بَابٌ: يُصَلِّي بِالنَّاسِ (١) في الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَ يَوْمُ مَطَرٍ\n١١٦٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ. (ح): وَحَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ (٢)، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ\n===\n(ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي) أي في ثوب بلال (خرصها) هو بالضم والكسر، الحلقة الصغيرة من حلي الأذن (وسخابها) والسخاب بكسر المهملة وخاء المعجمة وموحدة بعد الألف: القلادة، وفي \"المجمع\" (٣): هو خيط ينضم فيه خرز، ويلبسه الصبيان والجواري، وقيل: قلادة اتخذ من قرنفل ومخلف ومسك ونحوه.\nثم في حاشية النسخة المجتبائية والقلمية: \"قال القاسم: الخِرصُ: الحلقة الصغيرة من الحلي كحلقة القُرْط\"، ولم أجد هذه العبارة في غيرهما من النسخ، ولم أقف على أن هذا الكلام من أبي داود أو غيره، ولم أقف أيضًا على أن القاسم من هو.\n\n(٢٥٩) (بَابٌ: يُصَلِّي بِالنَّاسِ) العيد (في المَسْجدِ إِذَا كَانَ يَوْمُ مَطَرٍ)\nأي إذا كان يوم مطر فلا يخرج إلى المصلى فيصلي في المسجد يجوز ذلك\n١١٦٠ - (حدثنا هشام بن عمار، نا الوليد) بن مسلم، (ح: ونا الربيع بن سليمان، نا عبد الله بن يوسف) التنيسي بمثناة ونون ثقيلة، بعدها تحتانية، ثم مهملة، نسبة إلى تنيس، بلدة من بلاد ديار مصر في وسط البحر،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"العيد\".\n(٢) وفي نسخة: \"سليمان المؤذن\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٠).","vol":"5","page":254},{"text":"قال: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنَ الْفَرْوِيِّينَ - وَسَمَّاهُ الرَّبِيعُ فِى حَدِيثِهِ عِيسَى بْنَ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ أَبِى فَرْوَةَ (١) - سَمِعَ أَبَا يَحْيَى عُبَيْدَ اللَّهِ التَّيْمِىَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِى يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى (٢) بِهِمُ النَّبِىُّ -ﷺ-\n===\nوالماء بها محيط، وهي كور من الخليج (٣)، أبو محمد الكلاعي المصري، أصله من دمشق، نزل تنيس، ثقة، قال ابن معين: أوثق الناس في \"الموطأ\" القعنبي، ثم عبد الله بن يوسف، وقال مرة: ما بقي على أديم الأرض أحد أوثق في \"الموطأ\" من عبد الله بن يوسف.\n(قال: نا الوليد بن مسلم، نا رجل من الفرويين، وسماه الربيع) بن سليمان (في حديثه عيسى بن عبد الأعلى) بن عبد الله (بن أبي فروة) الأموي مولاهم، ابن أخي إسحاق بن أبي فروة، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في صلاة العيد، قلت: قال الذهبي: لا يكاد يعرف والخبر منكر، قال ابن القطان: لا أعرفه في شيء من الكتب ولا في غير هذا الحديث.\n(سمع أبا يحيى عبيد الله التيمي) هو عبيد الله بن عبد الله بن موهب، أبو يحيى التيمي المدني، قال أحمد: لا يعرف، وقال الإِمام الشافعي: لا نعرفه، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وقال في \"التقريب\": مقبول، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: روى عنه ابنه يحيى، ويحيى لا شيء وأبوه ثقة، وإنما وقعت المناكير في حديثه من قبل ابنه.\n(يحدث عن أبي هريرة: أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلَّى بهم النبي - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٢) وفي نسخة: \"وصلَّى\".\n(٣) وفي الأصل: \"وهي من كور الخليج\" وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه من \"الأنساب\" (١/ ٤٨٧).","vol":"5","page":255},{"text":"صَلَاةَ الْعِيدِ في الْمَسْجِدِ\". [جه ١٣١٣، ق ٣/ ٣١٠]\n===\nصلاة العيد في المسجد) قال القاري (١): قال ابن الأثير في \"جامع الأصول\": وزاد رزين: \"ولم يخرج إلى المصلى\"، قال ابن الملك: يعني كان - ﷺ - يصلي صلاة العيد في الصحراء إلَّا إذا أصابهم مطر فيصلي في المسجد، فالأفضل أداؤها في الصحراء في سائر البلدان، وفي مكة خلاف، انتهى.\nوالظاهر أن المعتمد في مكة أن يصلي في المسجد الحرام على ما عليه العمل في هذه الأيام، ولم يعرف خلافه منه ﵊، ولا من أحد من السلف الكرام، انتهى.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): الحديث يدل على أن ترك الخروج إلى الجبانة، وفعل الصلاة في المسجد عند عروض عذر المطر غير مكروه، وقد اختلف هل الأفضل فعل صلاة العيد في المسجد أو الجبانة؟ فذهبت العترة ومالك إلى أن الخروج إلى الجَبَّانَةِ أفضل، واستدلوا على ذلك بما ثبت من مواظبته - ﷺ - على الخروج إلى الصحراء، وذهب الشافعي والإمام يحيى وغيرهما إلى أن المسجد أفضل.\nقال في \"الفتح\" (٣): قال الشافعي في \"الأم\": بلغنا أن رسول الله - ﷺ - كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وهكذا من بعده إلَّا من عذر مطر ونحوه، وكذا عامة أهل البلدان إلَّا أهل مكة، ثم أشار الشافعي إلى أن سبب ذلك سعة المسجد، وضيق أطراف مكة، قال: فلو عُمِّر بلاد وكان مسجد أهله يسعهم في الأعياد لم أر أن يخرجوا منه، فإن لم يسعهم كرهت الصلاة فيه ولا إعادة.\nقال الحافظ: ومقتضى هذا أن العلة تدور على الضيق والسعة لا لذات\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٥١).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٩١).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥٠).","vol":"5","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>(٢٦٠) جُمَّاعُ أَبْوَابِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ وَتَفْرِيعهَا </span>(١)\n١١٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِىَ،\n===\nالخروج إلى الصحراء، لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أولويته كان أولى، انتهى.\nوفيه أن كون العلة الضيق والسعة مجرد تخمين لا ينتهض للاعتذار عن التأسي به - ﷺ - في الخروج إلى الجَبَّانَةِ بعد الاعتراف بمواظبته - ﷺ - على ذلك، انتهى.\nومذهب الحنفية في ذلك ما قال صاحب \"الدر المختار\" (٢): \"والخروج إليها\" أي الجَبَّانَة لصلاة العيد \"سنَّة وإن وسعهم المسجد الجامع\" هو الصحيح، قال الشامي: قال في \"الظهيرية\": وقال بعضهم: ليس بسنَّة، وتعارف الناس ذلك لضيق المسجد وكثرة الزحام، والصحيح الأول، انتهى.\n\n(٢٦٠) (جُمَّاعُ (٣) أَبْوَابِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ وَتَفْرِيعهَا)\n١١٦١ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت) بن عثمان الخزاعي، أبو الحسن بن شبوية بمعجمة بعدها موحدة ثقيلة (المروزي) ثقة، (نا عبد الرزاق) بن همام، (أنا معمر، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه) عبد الله بن زيد بن عاصم: (أن رسول الله - ﷺ - خرج بالناس) من المدينة إلى المصلَّى (يستسقي)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب تفريع صلاة الاستسقاء\".\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٤٩).\n(٣) وشرعيتها في السنَّة السادسة على ما في \"المجمع\" (٥/ ٢٦٥)، وبسط في \"الأوجز\" (٤/ ١٢١) فيه سبعة أبحاث: لغته، وسببها، وبدؤها، وحكمها، ووقتها، ومسالك الأئمة فيها، وإذا لم يمطروا. (ش).","vol":"5","page":257},{"text":"فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَدَعَا وَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ\". [خ ١٠٢٥، م ٨٩٤، ت ٥٥٦، ن ١٥٠٩، جه ١٢٦٧، حم ٤/ ٣٨]\n===\nأي يطلب السقي بالغيث (فصلَّى بهم) أي بالصحابة (ركعتين جهر بالقراءة فيهما، وحَوَّل رداءه) وسيجيء طريق التحويل، (ورفع يديه) للدعاء (فدعا) أي الله تعالى بالحمد والثناء (واستسقى) أي طلب الغيث (واستقبل القبلة) في الدعاء.\nوفي هذا الحديث وأمثاله دلالة على مشروعية صلاة الاستسقاء، وبذلك قال جمهور العلماء من السلف والخلف، ولم يخالف في ذلك إلَّا أبو حنيفة - رحمه الله تعالى-، قاله الشوكاني في \"النيل\" (١).\nقلت: اختلف علماء الحنفية في بيان مذهب الإِمام، فقال بعضهم: إن الإِمام أنكر سنية صلاة الاستسقاء في جماعة، ولم ينكر مشروعيته، قال صاحب \"الهداية\" (٢): قال أبو حنيفة - ﵀ -: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، وإن صلَّى الناس وحدانًا جاز، وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار لقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (٣) الآية، ورسول الله - ﷺ - استسقى ولم ترو عنه الصلاة.\nقال ابن الهمام (٤): يعني في ذلك الاستسقاء، فلا يرد أنه غير صحيح، كما قال الإِمام الزيلعي: المخرج ولو تعدى بصره إلى قدر سطر حتى رأى قوله في جوابهما، قلنا: فعله مرة وتركه أخرى، فلم يكن سنة، ولم يحمله على النفي مطلقًا، وإنما يكون سنَّة ما واظب عليه، وقال بعضهم: أنكر الإِمام مشروعية صلاة الاستسقاء بجماعة.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٤٩).\n(٢) (١/ ٨٧).\n(٣) سورة نوح: الآية ١٠.\n(٤) \"فتح القدير\" (٢/ ٥٨).","vol":"5","page":258},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال صاحب \"البدائع\" (١): وأما صلاة الاستسقاء فظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه قال: لا صلاة في الاستسقاء، وإنما هو الدعاء، وأراد بقوله: لا صلاة في الاستسقاء الصلاة بجماعة، أي لا صلاة فيه بجماعة بدليل ما روي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة عن الاستسقاء هل فيه صلاة أو في عاء موقت أو خطبة؟ فقال: أما صلاة بجماعة فلا، ولكن الدعاء والاستغفار، وإن صلوا وحدانًا فلا بأس به.\nوالدليل له قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ والمراد منه الاستغفار في الاستسقاء بدليل قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ أمر بالاستغفار في الاستسقاء، فمن زاد عليه الصلاة فلا بُدَّ له من دليل، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - في الروايات المشهورة أنه صلَّى في الاستسقاء، فإنه روي أنه - ﷺ - صلَّى الجمعة، فقام رجل فقال: يا رسول الله - ﷺ - أجدبت الأرض، وهلكت المواشي، فَاسْقِ لنا الغيث، فرفع رسول الله - ﷺ - يديه إلى السماء ودعا، الحديث، وما روي أنه - ﷺ - صلَّى.\nوعن عمر -﵁ - أنه خرج إلى الاستسقاء، ولم يصل بجماعة، بل صعد المنبر، واستغفر الله، وما زاد عليه فقالوا: ما استسقيت يا أمير المؤمنين، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي بها يستنزل الغيث، وتلا قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، وروي أنه خرج بالعباس، فأجلسه على المنبر، فوقف بجنبه يدعو ويقول: اللَّهُمَّ إنا نتوسل إليك بعم نبيك، ودعا بدعاء طويل، فما نزل عن المنبر حتى سقوا.\nوعن علي أنه استسقى ولم يصلّ، وما روي أنه - ﷺ - صلَّى بجماعة، حديث شاذٌّ ورد في محل الشهرة، لأن الاستسقاء يكون بملأ من الناس، ومثل هذا الحديث يرجح كذبه على صدقه أو وهمه على ضبطه، فلا يكون مقبولًا مع أن\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦٣١).","vol":"5","page":259},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهذا مما تعم به البلوى في ديارهم، وما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته لا يقبل فيه الشاذ، والله تعالى أعلم.\nقال العيني في شرح \"البخاري\" (١): وقال النووي (٢): لم يقل أحد غير أبي حنيفة هذا القول.\nقلت: هذا ليس بصحيح، لأن إبراهيم النخعي قال مثل قول أبي حنيفة، فروى ابن أبي شيبة (٣): حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه خرج مع مغيرة بن عبد الله الثقفي يستسقي، قال: فصلى المغيرة فرجع إبراهيم حيث رآه يصلي، وروي ذلك أيضًا عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -.\nوأيضًا الحديث يدل على أن تحويل الرداء فيه سنَّة.\nقال صاحب \"التوضيح\": تحويل الرداء سنَّة عند الجمهور، وانفرد أبو حنيفة وأنكره، ووافقه ابن سلام من قدماء العلماء بالأندلس، والسنَّة قاضية عليه.\nقلت: أبو حنيفة لم ينكر التحويل الوارد في الأحاديث، إنما أنكر كونه من السنَّة، لأن تحويله - ﷺ - كان لأجل التفاؤل لينقلب حالهم من الجدب إلى الخصب، فلم يكن لبيان السنَّة، وما ذكرناه من حديث ابن زيد الذي رواه الحاكم يقوي ما ذهب إليه أبو حنيفة، انتهى.\nقال الخطابي (٤): اختلفوا في صفة التحويل، فقال الشافعي: ينكس أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، ويتوخى أن يجعل ما على شقه الأيمن على الشمال، ويجعل الشمال على اليمين، وكذلك قال إسحاق، وقال الخطابي: إذا كان\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٤٥).\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٥٦).\n(٣) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٤٧٤).\n(٤) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٢٥٣).","vol":"5","page":260},{"text":"١١٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ وَيُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (١)، أَخْبَرَنِى عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا يَسْتَسْقِى فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو اللَّهَ ﷿. [انظر سابقه]\n===\nالرداء مربعًا يجعل أعلاه أسفله، وإن كان طيلسانًا مدورًا قلبه ولم ينكسه، وقال أصحابنا إن كان مربعًا يجعل أعلاه أسفله، وإن كان مدورًا يجعل جانب الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن.\nوقال ابن بزيزة: ذكر أهل الآثار أن رداءه - ﷺ - كان طوله أربعة أذرع وشبرًا، في عرض ذراعين وشبر، وقال الواقدي: كان طوله ستة أذرع في ثلاثة أذرع وشبر، وإزاره من نسج عمان طوله أربع أذرع وشبر، في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد، ثم يطويان، والحكمة في التحويل التفاؤل بتحول الحال عما هي عليه.\nقال المهلب: وقال ابن العربي: قال محمد بن علي: حول رداءه ليتحول القحط، قال القاضي أبو بكر: هذه أمارة بينه وبين ربه لا على طريق الفأل، فإن من شرط الفأل أن لا يكون بقصد، وإنما قيل له: حول رداءك فيتحول حالك، قاله العيني (٢).\n١١٦٢ - (حدثنا ابن السرح وسليمان بن داود قالا: أنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب ويونس، عن ابن شهاب، أخبرني عباد بن تميم المازني أنه سمع عمه) عبد الله بن زيد (وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقول: خرج رسول الله - ﷺ - يومًا) إلى المصلى (يستسقي، فحول إلى الناس ظهره يدعو الله ﷿) فإن الدعاء مستقبلًا إلى القبلة أفضل، وأدعى إلى الإجابة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٤٤).","vol":"5","page":261},{"text":"قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ: وَقَرَأَ فِيهِمَا، زَادَ ابْنُ السَّرْحِ: يُرِيدُ الْجَهْرَ.\n===\n(قال سليمان بن داود) شيخ المصنف في حديثه: (واستقبل القبلة) أي زاد سليمان في حديثه هذا الكلام، ولم يذكره ابن السرح ثم اتفقا فقالا: (وحول رداءه (١)، ثم صلَّى ركعتين (قال الحافظ (٢): والفرق بين تحويل الظهر والاستقبال أنه في ابتداء التحويل وأوسطه يكون منحرفًا حتى يبلغ الانحراف غايته، فيصير مستقبلًا.\n(قال ابن أبي ذئب: وقرأ فيهما) أي في الركعتين، ولم يقل يونس هذا اللفظ في روايته عن ابن شهاب، وقد أخرج مسلم حديث يونس عن الزهري، ولم يذكر فيه القراءة (زاد ابن السرح: يريد الجهر).\nقلت: قد أخرج البخاري هذا الحديث من طريق نعيم قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه قال: خرج النبي - ﷺ - يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلَّى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة (٣).\nوأيضًا أخرج من طريق آدم حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه قال: رأيت النبي - ﷺ - يوم خرج يستسقي، قال: فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلَّى لنا ركعتين، فالروايتان\n_________\n(١) اختلفوا في وقت التحويل ووقت الاستقبال، فعند الصاحبين: يستقبل بعد الخطبة للدعاء، وتحويل الرداء إذا مضى صدر من خطبة، وعند الشافعية: إذا مضى الثلث من الخطبة الثانية يتوجه إلى القبلة ويحول رداءه، ثم يتوجه إلى القوم ويتم الخطبة، واختلفت الروايات عن مالك، وفي \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢٨٩): المذهب يخطب ثم يستقبل القبلة، فيحول أولًا وبعده يدعو، وعند الحنابلة: يخطب ثم يستقبل القبلة، ويدعو سرًا ويحول الرداء، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ١٢٦ - ١٢٧). (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٤).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٠٢٥).","vol":"5","page":262},{"text":"١١٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ: قَرَأْتُ فِى كِتَابِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ - يَعْنِى الْحِمْصِىَّ -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ - لَمْ يَذْكُرِ الصَّلَاةَ - قَالَ: \"وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ ﷿\". [انظر تخريج الحديث السابق، وق ٣/ ٣٥٠]\n===\nللبخاري مصرحتان بأن ذكر الجهر (١) بالقراءة داخل في الحديث.\n١١٦٣ - (حدثنا محمد بن عوف قال: قرأت في كتاب عمرو بن الحارث - يعني الحمصي -، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن محمد بن مسلم) الزهري (بهذا الحديث) المتقدم (بإسناده لم يذكر) الزبيدي عن الزهري (الصلاة) كما ذكره ابن أبي ذئب ويونس (قال) أي الزبيدي في حديثه: (وحول رداءه، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن).\nقال في \"المجمع\" (٢): العطاف والمعطف: الرداء سمي عطافًا لوقوعه على عطفي الرجل، وهما ناحيتا عنقه، وإنما أضاف العطاف إلى الرداء لأنه أراد أحد شقي العطاف، فالهاء ضمير الرداء، ويجوز كونه للرجل، ويريد بالعطاف جانب ردائه الأيمن.\nقال الشامي (٣): إن كان مربعًا جعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، وإن كان مدورًا جعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن، وإن كان قباء جعل البطانة خارجًا والطهارة داخلًا، انتهى.\n(ثم دعا الله ﷿) أي برفع القحط ونزول الغيث.\n_________\n(١) ويجهر القراءة فيهما، به قالت الأئمة الأربعة، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ١٤٢). (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٢٦).\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٧١).","vol":"5","page":263},{"text":"١١٦٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عن عَبْد اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: \"اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ (٢) -ﷺ- وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا (٣) فَيَجْعَلَ (٤) أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ\" (٥). [ق ٣/ ٣٥١، وانظر تخريج الحديث السابق]\n===\n١١٦٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، عن عمارة بن غزية، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، قال: استسقى رسول الله - ﷺ - وعليه خميصة له سوداء) والخميصة بفتح معجمة وكسر ميم: هي ثوب خز أو صوف معلم، وقيد بعضهم بقيد سواد، وجمعها الخمائص، كذا في \"المجمع\".\n(فأراد رسول الله - ﷺ - أن يأخذ بأسفلها فيجعل أعلاها، فلما ثقلت) أي الخميصة جعل أسفلها أعلاها (قلبها) أي الخميصة (على عاتقه) فجعل جانبه الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن.\nوقد أخرج الطحاوي (٦) بعض هذه الأحاديث التي فيها ذكر صفة قلب الرداء، ثم قال: ففي هذه الآثار قلبه لردائه، وصفة قلب الرداء كيف كان، وأنه إنما جعل ما على يمينه منه على يساره، وما على يساره على يمينه، لما ثقل عليه أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، فكذلك نقول: ما أمكن أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، فقلبه كذلك هو، وما لا يمكن ذلك فيه حوله، فجعل الأيمن منه أيسر والأيسر منه أيمن.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سعيد الثقفي\".\n(٢) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٣) وفي نسخة: \"أسفلها\".\n(٤) وفي نسخة: \"فيجعله\".\n(٥) وفي نسخة: \"عاتقيه\".\n(٦) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢٤).","vol":"5","page":264},{"text":"(١).\n١١٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ -، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِى، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ\". [خ ١٠٢٨، م ٨٩٤، ق ٣/ ٣٥٠، حم ٤/ ٣٨، قط ٢/ ٦٦]\n١١٦٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِىَّ يَقُولُ: \"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ\" (٢). [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\n١١٦٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا سليمان - يعني ابن بلال - عن يحيى) بن سعيد الأنصاري، (عن أبي بكر بن محمد) بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي، ثم النجاري بالنون والجيم، المدني القاضي، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد، ثقة، ولاه عمر بن عبد العزيز القضاء: (عن عباد بن تميم، أن عبد الله بن زيد أخبره: أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى المصلى يستسقي، وأنه) أي رسول الله - ﷺ - (لما أراد أن يدعو استقبل القبلة ثم حول رداءه).\n١١٦٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، (أنه سمع عباد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله - ﷺ - إلى المصلى فاستسقى، وحول رداءه حين استقبل القبلة) وفي رواية \"البخاري\" (٣) في حديث عبد الله بن زيد: \"أن النبي - ﷺ - استسقى فقلب رداءه\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في أي وقت يحول رداءه إذا استسقى\".\n(٢) في نسخة وقع هذان الحديثان رقم (١١٦٥ - ١١٦٦) بعد الحديث الآتي برقم (١١٦٧).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٠١١).","vol":"5","page":265},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): ثم إن ظاهر قوله: \"فقلب رداءه\" أن التحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء، وليس كذلك، بل المعنى فقلب رداءه في أثناء الاستقساء وقد بينه مالك في روايته المذكورة ولفظه: \"حوَّل رداءه حين استقبل القبلة\"، ولمسلم من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد: \"وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه\"، وأصله للمصنف كما سيأتي بعد أبواب، وله من رواية الزهري عن عباد: \"فقام فدعا الله قائمًا ثم توجه قبل القبلة، وحول رداءه\"، فعرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء، انتهى.\nقلت: وهو مذهب الحنفية في ذلك، فإنهم قالوا: إنه يقلب في أثناء خطبته.\nقال في \"البدائع\" (٢): وعندهما يقلب إذا مضى صدر من خطبته، ولكن يشكل هذا بما في \"أبي داود\" من \"أنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة، ثم حول رداءه\"، وفي أخرى له: \"وحول رداءه حين استقبل القبلة\"، فهذان اللفظان يدلان على أنه وقع تحويل الرداء بعد استقبال القبلة، واستقبال القبلة للدعاء بعد الخطبة، لأن الخطبة لم تكن إلَّا باستقبال الإِمام للناس واستدبار القبلة، فلما استقبل القبلة فكان الخطبة أتمها، فلا يكون التحويل إلَّا بعد الخطبة، لا في أثنائها.\nويمكن أن يوجه قوله: \"حين استقبل القبلة\" أي حين أراد استقبال القبلة، وكذلك قوله: \"ثم حول رداءه\" يحمل فيه \"ثم\" بمعنى الواو، يدل عليه ما رواه مسلم (٣) من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد: \"وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة، وحول رداءه\" بحرف الواو.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٨).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦٣٤).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٨٩٤).","vol":"5","page":266},{"text":"١١٦٧ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ نَحْوَهُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ (١)، أَخْبَرَنِى أَبِى قَالَ: أَرْسَلَنِى\n===\n١١٦٧ - (حدثنا النفيلي وعثمان بن أبي شيبة نحوه) أي حدثنا عثمان بن أبي شيبة مثل ما حدثناه النفيلي يعني معنى حديثيهما واحد، وإن اختلفا في بعض الألفاظ (قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل) هكذا في جميع نسخ \"أبي داود\"، وكذا في \"الترمذي\" و\"النسائي\" و\"الطحاوي\" (٢)، وفي \"سنن الدارقطني\" و\"المستدرك\" (٣) للحاكم: إسماعيل بن ربيعة بن هشام بن إسحاق، والظاهر أنهما صحيحان، لأن كليهما يرويان عن هشام بن إسحاق ابن عبد الله.\n(نا هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة) قال في \"تهذيب التهذيب\": هشام بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة أبو عبد الرحمن المدني، روى عن أبيه، وعنه حفيده إسماعيل بن ربيعة بن هشام، وسفيان الثوري، وحاتم بن إسماعيل، مقبول (أخبرني أبي) هو إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري مولاهم، ويقال: الثقفي صدوق، وثَّقه أبو زرعة (قال) إسحاق بن عبد الله: (أرسلني).\nقال الزيلعي (٤): ورواه ابن حبان في \"صحيحه\" في النوع الرابع من القسم الخامس من حديث هشام بن عبد الله بن كنانة عن أبيه قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن صلاة الاستسقاء، وهكذا في لفظ النسائي، وهشام هو ابن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، فنسبه بجده، وترك اسم أبيه،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: أخبرني\".\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٥٥٨)، و\"سنن النسائي\" (١٥٢١)، و\"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢٤).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٦٧)، و\"المستدرك\" (١/ ٣٢٦).\n(٤) \"نصب الراية\" (٢/ ٢٤٠).","vol":"5","page":267},{"text":"الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ - قَالَ عُثْمَانُ: ابْنُ عُقْبَةَ، وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- فِى الاِسْتِسْقَاءِ فَقَالَ:\n===\nفإن الباقين قالوا: عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه، قال: أرسلني، الحديث، انتهى.\nقلت: فعلى هذا فالمرسل- بفتح السين - هو إسحاق بن عبد الله، لا أبوه عبد الله كما يفهم من ظاهر قول ابن حبان والنسائي.\n(الوليد بن عتبة، قال عثمان) بن أبي شيبة شيخ المصنف: (ابن عقبة) حاصله أن شيخي المصنف النفيلي وعثمان بن أبي شيبة اختلفا في هذا اللفظ، فقال النفيلي: أرسلني الوليد بن عتبة، وقال عثمان بن أبي شيبة: أرسلني الوليد بن عقبة (وكان) الوليد (أمير المدينة) ذكر ابن جرير في \"تاريخ الأمم والملوك\" في سنة ثمان وخمسين، فقال: ففيها نزع معاوية مروان عن المدينة في ذي القعدة في قول أبي معشر، وأمَّر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.\nثم ذكر فيما وقع سنة ستين، وفي هذه السنة عزل يزيد الوليد بن عتبة عن المدينة، عزله في شهر رمضان، فأقر عليهما عمرو بن سعيد الأشدق.\nثم ذكر في وقائع سنة إحدى وستين، قال أبو جعفر: حدثت عن محمد بن عمر قال: نزع يزيد عمرو بن سعيد بن العاص لهلال ذي الحجة سنة ٦١ هـ، وولى الوليد بن عتبة، فأقام (٢) الحجة سنة ٦١ هـ، بالناس، وأعاد ابن ربيعة العامري على قضائه، وحدثني أحمد بن ثابت قال: حدثت عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال: حج بالناس في سنة إحدى وستين الوليد بن عتبة، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل السير.\n(إلى ابن عباس أسأله) بتقدير اللام، أي لأسأله، أي ابن عباس، فهو علة للإرسال (عن صلاة رسول الله - ﷺ - في الاستسقاء فقال) ابن عباس:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي كلا الوقتين يحتمل، لأن وفاة ابن عباس سنة ٦٩ هـ، وقيل: سنة ٧٠ هـ. (ش).","vol":"5","page":268},{"text":"\"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ- مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى - زَادَ عُثْمَانُ: فَرَقِىَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ اتَّفَقَا - وَلَمْ يَخْطُبْ خُطَبَكُمْ هَذِهِ،\n===\n(خرج رسول الله - ﷺ -) أي إلى المصلى (متبذلًا) لابسًا ثياب البذلة، تاركًا لثياب الزينة، تواضعًا لله تعالى على خلاف العيد والجمعة (متواضعًا) أي مظهرًا للتواضع (متضرعًا) مظهرًا للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة.\n(حتى أتى المصلى، زاد عثمان: فرقي على المنبر) أي اختلف النفيلي وعثمان بن أبي شيبة في ذكر المنبر، فلم يذكره النفيلي، وذكره عثمان، قال: فرقي رسول الله - ﷺ - على المنبر، وسيأتي البحث فيه في حديث عائشة (ثم اتفقا) أي النفيلي وعثمان بن أبي شيبة فقالا: (فلم يخطب) النبي - ﷺ - (خطبكم هذه) بصيغة الجمع، وفي نسخة: خطبتكم بالإفراد.\nقال الشوكاني (٢): هذا النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد، كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة، ويدل عليه- أيضًا- قوله في هذا الحديث: \"فرقي المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه\" فلا يصح التمسك به لعدم (٣) مشروعية الخطبة.\nقلت: ظاهر هذا الكلام أن النفي راجع إلى المقيد والقيد جميعًا، ولم يخطب - ﷺ - في هذه المرة، فلا تكون الأحاديث المصرحة بالخطبة دليلًا على الخطبة في هذه المرة، وأما قوله في الحديث: \"فرقي المنبر\" فهو مختلف فيه، ذكره عثمان فقط في رواية أبي داود، ومحمد بن عبيد بن محمد في رواية النسائي.\nفأما عثمان فله مع كونه ثقة أوهام وغرائب ومناكير، قال الخطيب في \"جامعه\": لم يحك عن أحد من المحدثين من التصحيف في القرآن الكريم أكثر\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٥٠).\n(٣) وقع في الأصل: \"على عدم\"، وفي \"النيل\": \"لعدم\".","vol":"5","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمما حكي عن عثمان بن أبي شيبة، وأما محمد بن عبيد الله بن محمد قال النسائي: لا بأس به، وكذا قال مسلمة: كوفي لا بأس به.\nوقد أخرج أبو داود هذا الحديث من طريق النفيلي، فلم يذكر هذا اللفظ، وعند الترمذي من حديث قتيبة عن حاتم بن إسماعيل، وعند الطحاوي من حديث أسد بن موسى عن حاتم بن إسماعيل، وعنده من حديث عبيد بن إسحاق العطار عن حاتم بن إسماعيل، وعنده أيضًا من حديث أبي نعيم ثنا سفيان عن هشام بن إسحاق، وعند الدارقطني والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث وكيع ثنا سفيان من حديث هشام بن إسحاق، وكذا عند الدارقطني من طريق عبد الله بن يوسف ثنا إسماعيل بن ربيعة بن هشام قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه عن إسحاق بن عبد الله، فكلهم لم يذكروا هذا اللفظ.\nواختلف في الخطبة، فقال أبو حنيفة: لا يخطب، لأن الخطبة من توابع الصلاة بجماعة، والجماعة غير مسنونة في هذه الصلاة عنده، وعندهما سنَّة فكذا الخطبة، ثم عندمحمد يخطب خطبتين، يفصل بينهما بالجلسة كما في صلاة العيد، وعن أبي يوسف أنه يخطب خطبة واحدة، لأن المقصود منها الدعاء فلا يقطعها بالجلسة.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): وحكى المهدي في \"البحر\" عن الهادي والمؤيد بالله: أنه لا خطبة في الاستسقاء، واستدلا على ذلك بقول ابن عباس الآتي: \"ولم يخطب كخطبتكم\"، وهو غفلة من أحاديث الباب.\nقلت: وقد تقدم ما فيه فإنه مبني على أن النفي راجع إلى القيد فقط، ويرده قوله الآتي: \"ولكن لم يزل في الدعاء ... \" إلخ، فإنه كالصريح في أنه لم يخطب، فإن الخطبة كانت مستقبل الناس مستدبر الكعبة، والدعاء بالعكس.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٤٨).","vol":"5","page":270},{"text":"وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِى الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّى فِى الْعِيدِ\". [ن ١٥٠٦، ت ٥٥٨، جه ١٢٦٦، حم ١/ ٢٣٠، خزيمة ١٤٠٥، ق ٣/ ٣٤٧، ك ١/ ٣٢٦، قط ٢/ ٦٧]\n===\n(ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير) وهذا الكلام يدل على نفي الخطبة مطلقًا، فإن الدعاء كان مستقبل القبلة، والخطبة كانت مستقبل الناس (ثم صلَّى ركعتين كما يصلي في العيد) قال الطحاوي (١): كما يصلي في العيدين يحتمل أنه جهر فيهما كما يجهر في العيدين، وفي رواية: \"فصلى ركعتين ونحن خلفه يجهر فيهما بالقراءة، ولم يؤذن، ولم يقم\"، ولم يقل مثل صلاة العيدين، فدل ذلك أن قوله: \"مثل صلاة العيدين\" في الحديث الأول إنما أراد به هذا المعنى أنه صلَّى بلا أذان ولا إقامة كما يفعل في العيدين.\nقال الحافظ (٢): وقد أخرج الدارقطني (٣) من حديث ابن عباس أنه يكبر فيهما خمسًا (٤) وسبعًا كالعيد، وأنه يقرأ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ وفي إسناده مقال، لكن أصله في السنن بلفظ \"ثم صلَّى ركعتين كما يصلي في العيد\" فأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما.\nقلت: وكذا في رواية عن محمد، الحديث أخرجه البيهقي والحاكم في \"المستدرك\" (٥)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال في \"التعليق المغني\": وفي تصحيحه نظر، لأن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن القطان: أبوه عبد العزيز مجهول، فاعتل الحديث بهما.\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٠٠).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٦٦).\n(٤) وبتكبيرات الزوائد قال الشافعي وأحمد، وهو رواية عن محمد، والمشهور عنه خلافه، وهو قول الشيخين من الحنفية ومالك، يعني عدم التكبير، كذا في \"الأوجز\" (١٢٦/ ٤). (ش).\n(٥) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٤٨)، و\"المستدرك\" (١/ ٣٣٦).","vol":"5","page":271},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالإِخْبَارُ للنُّفَيْلِيِّ (١)، وَالصَّوَابُ: ابْنُ عُتْبَةَ (٢).\n===\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣) في شرح حديث عبد الله بن زيد: واستدل به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وهو مقتضى حديث عائشة وابن عباس، لكن وقع عند أحمد (٤) في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة (٥)، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (٦) حيث قال: فصلَى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، والمرجح عند المالكية والشافعية الثاني، وعن أحمد رواية كذلك، انتهى (٧).\nقلت: وعند الحنفية يصلي أولًا، ثم بعد الفراغ من الصلاة يخطب مستقبلًا إلى الناس، وإذا فرغ من الخطبة جعل ظهره إلى الناس، ووجهه إلى القبلة ويشتغل بدعاء إلاستسقاء، والناس قعود مستقبلون بوجوههم إلى القبلة في الخطبة والدعاء، كذا في \"البدائع\" (٨).\n(قال أبو داود: والإخبار للنفيلي) أي لفظ الخبر للنفيلي لا لعثمان، (والصواب ابن عتبة) أي بالتاء لا بالقاف، كما قال عثمان بن أبي شيبة، وكذلك بالقاف عند الترمذي من رواية قتيبة عن حاتم، وعند الطحاوي (٩) من رواية أسد بن موسى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) وفي نسخة وقع هذا الحديث رقم (١١٦٧) قبل الحديث (١١٦٥).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٠٠).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٤/ ٤٠).\n(٥) وفي \"حاشية البخاري\": لا نزاع في جواز الأمرين، إنما الخلاف في الأولى. (ش).\n(٦) \"سنن ابن ماجه\" (١٢٦٨).\n(٧) قال الشعراني: ومنه قول مالك والشافعي وأحمد في أشهر روايتيه باستحباب خطبتين للاستسقاء، وتكونان بعد الصلاة مع قول أبي حنيفة. والرواية الثانية لأحمد: أن لا خطبة لها، إنما هو دعاء واستغفار. (انظر: \"الميزان الكبرى\" ١/ ٢٥٧). (ش).\n(٨) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦٣٤).\n(٩) انظر: \"سنن الترمذي\" (٥٥٨)، و\"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢٤).","vol":"5","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>(٢٦١) بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ في الاسْتِسْقَاءِ</span>\n١١٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ وَعُمَرَ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى بَنِى آبِى اللَّحْمِ:\n===\n\n(٢٦١) (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ) للدعاء (في الاسْتِسْقَاءِ)\n١١٦٨ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، أنا ابن وهب) عبد الله، (عن حيوة) بن شريح (وعمر بن مالك) كذا في نسخ أبي داود، وعند أحمد في \"مسنده\": حدثنا هارون، ثنا ابن وهب قال: وأخبرني حيوة، عن عمر بن مالك، فليتأمل، وقد أخرج مسلم حديث التغني بالقرآن برواية ابن وهب عن حيوة وعمر بن مالك مقرونًا به عن ابن الهاد، وهذا يؤيد ما في أبي داود، الشَّرْعَبِيُّ بفتح المعجمة وسكون الراء وفتح المهملة بعدها موحدة، المعافري المصريُّ، وقيل فيه: عمرو بن مالك، وهو وهم، والصواب: عمر بن مالك.\n(عن ابن الهاد) أي يزيد بن عبد الله، (عن محمد بن إبراهيم، عن عمير) مصغرًا (مولى بني آبي اللحم) له صحبة، شهد خيبر مع مولاه، وعاش إلى نحو السبعين، زاد أبو داود لفظ بني، لأنه لما كان مولى آبي اللحم فهو مولى بنيه، واستشهد مولاه يوم حنين بها، فهو بعد مولى بنيه.\nوآبي اللحم بالمد بلفظ اسم الفاعل، صحابي مشهور (١)، اختلف في اسمه، قيل: اسمه عبد الله بن عبد الملك، وقيل: خلف بن عبد الملك، وقيل: عبد الله بن عبد الله بن مالك، وقيل: اسمه الحويرث بن عبد الله بن خلف بن مالك، وقال المرزباني: اسمه عبد الله بن عبد ملك - بفتح اللام مجردًا عن الألف واللام-، إنما سمي آبي اللحم لأنه يأبى أن يأكل اللحم، وقيل: لأنه لا يأكل ما ذبح على النصب، قال ابن عبد البر: هو من قدماء الصحابة\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٤١) رقم (١)، و\"الإصابة\" (١/ ٩).","vol":"5","page":273},{"text":"\"أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ،\n===\nوكبارهم، ولا خلاف في أنه شهد حنينًا وقتل بها، ولكن قال الواقدي: كان ينزل الصفراء، واختلف في سند هذا الحديث، ففي أبي داود، عن عمير مولى بني آبي اللحم.\n(أنه رأى النبي - ﷺ -) وكذا عند أحمد في \"مسنده\" (١) بسند قتيبة بن سعيد، ثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، عن عمير مولى آبي اللحم أنه رأى رسول الله - ﷺ -، وكذا بسند آخر هارون بن معروف قال: قال ابن وهب: أخبرنا حيوة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمير مولى آبي اللحم أنه رأى رسول الله - ﷺ -.\nوكذا عند الحاكم (٢) من طريق يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، عن عمير مولى آبي اللحم أنه رأى رسول الله - ﷺ -، ولكن زاد الذهبي في \"ذيله\" في هذا السند لفظ عن آبي اللحم، وعند النسائي والترمذي في حديث قتيبة زادا لفظ عن آبي اللحم بعد قوله \"عن عمير مولى آبي اللحم\".\nثم قال الترمذي (٣): قال أبو عيسى: كذا قال قتيبة في هذا الحديث: عن آبي اللحم، ولا نعرف له عن النبي - ﷺ - إلا هذا الحديث الواحد، وعمير مولى آبي اللحم، قد روى عن النبي - ﷺ - أحاديث، وله صحبة، انتهى.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة آبي اللحم: له عن النبي - ﷺ - حديث واحد في الاستسقاء روى عنه عمير مولاه.\n(يستسقي عند أحجار الزيت) (٤) قال ياقوت الحموي في \"معجم\n_________\n(١) (٥/ ٢٢٣).\n(٢) \"المستدرك\" (١/ ٥٣٥).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٤٤٤).\n(٤) وفي \"وفاء الوفا\": أحجار الزيت موضعان أحدهما: هذا، والثاني: بالحرة كانت فيها وقعة الحرة ... إلخ. (ش).","vol":"5","page":274},{"text":"قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ (١)، قَائِمًا يَدْعُو يَسْتَسْقِى، رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ\". [حم ٥/ ٢٢٣، ن ١٥١٤، ت ٥٥٧، ك ١/ ٥٣٥]\n١١٦٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَتِ (٢) النَّبِىَّ -ﷺ- بَوَاكِى (٣)\n===\nالبلدان\" (٤): موضع بالمدينة، قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء، وقال العمراني: أحجار الزيت موضع بالمدينة داخلها، انتهى، قال القاري (٥): سمي بذلك لسواد أحجارها بها، كأنها طليت بالزيت.\n(قريبًا) أي حال كونه قريبًا (من الزوراء) بفتح الزاي المعجمة والمد، هو موضع عند سوق المدينة قرب المسجد (قائمًا) أي يستسقي قائمًا (يدعو يستسقي) حالان أي داعيًا مستسقيًا (رافعًا يديه قبل وجهه لا يجاوز بهما) أي بيديه حين رفعهما (رأسه) قال القاري: لا ينافي ما مر عن أنس أنه كان يبالغ في الرفع للاستسقاء لاحتمال أن ذلك أكثر أحواله، وهذا في نادر منها أو بالعكس.\n١١٦٩ - (حدثنا ابن أبي خلف) محمد بن أحمد، (نا محمد بن عبيد) مصغرًا، ابن أبي أمية، أبو عبد الله الكوفي الأحدب مولى أياد، ثقة حافظ، (نا مسعر) بن كدام، (عن يزيد الفقير) هو يزيد بن صهيب (٦) الكوفي، أبو عثمان المعروف بالفقير بفتح الفاء بعدها قاف، قيل له ذلك، لأنه كان يشكو فقار ظهره، ثقة.\n(عن جابر بن عبد الله قال: أتت النبي - ﷺ - بواكي) جمع باكية، جاءت\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فرآه\".\n(٢) وفيها نسختان: \"رأيت النبي - ﷺ - يواكي\"، و\"أتيت النبي - ﷺ -\".\n(٣) وفي نسخة: \"بواد\".\n(٤) \"معجم البلدان\" (١/ ١٠٨).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦١٢).\n(٦) وفي الأصل: \"يزيد بن صهيب بن الكوفي\" وهو خطأ، والصواب: \"يزيد بن صهيب الكوفي\". انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٣٨).","vol":"5","page":275},{"text":"فَقَالَ: \"اللهُمَّ اَسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مُرِيعًا\n===\nالنبي - ﷺ - نفوس باكية، أو نساء باكيات لانقطاع المطر عنهم ملتجئة إليه، وهذه هي الرواية المعتمدة في \"سنن أبي داود\"، وقد صحف كثير منهم نسخ السنن بوجوه متعددة لا يظهر لبعضها معنى صحيح، قاله في \"فتح الودود\".\nقلت: ضبطه صاحب \"المصابيح\" و\"المشكاة\" قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يواكئ، وأقره علي القاري في \"شرحه\" (١) قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يواكئ، المواكأة والتوكؤ والاتكاء: الاعتماد والتحامل على الشيء، في \"النهاية\" (٢): أي يتحامل على يديه، أي يرفعهما ويمدهما في الدعاء، ومنه التوكؤ على العصا، وهو التحامل عليها، كذا قاله الخطابي في \"معالم السنن\" (٣)، انتهى.\nوقال القاري أيضًا في ختم الحديث: قال ميرك: بإسناد صحيح، ولفظه \"أتت النبي - ﷺ - بواك\"، وفي نسخة: بواكي بالباء الموحدة، جمع باكية، ووقع في شرح الخطابي: \"رأيت النبي - ﷺ - يواكئ\" بالياء المثناة من تحت مضمومة وآخره مهموز، قال: ومعناه يتحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء، قال النووي: وهذا الذي ادعاه الخطابي لم تأت به الرواية ولا انحصر الصواب فيه، بل ليس له واضح المعنى، وفي رواية البيهقي: \"أتت النبي - ﷺ - هوازل (٤) \" بدل \"بواكي\" انتهى، ويمكن الجمع بينهما، قاله القاري.\n(فقال: اللَّهُم اسقنا) بهمزة الوصل والقطع (غيثًا) أي مطرًا (مغيثًا) بضم أوله من الإغاثة أي معينًا (مريئًا) بفتح الميم والمد، ويجوز إدغامه أي هنيئًا، محمود العاقبة، لا ضرر فيه من الغرق والهدم، يقال: مرأني الطعام وأمرأني: إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيبًا (مريعًا) بفتح الميم ويضم: ذا مراعة\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦١٤) ح (١٥٠٧).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ٢١٨).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ٢٥٥).\n(٤) كذا في الأصل و\"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦١٥)، لكن وقع في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٥٥): \"هوازن\" بدل \"هوازل\" وهو تحريف.","vol":"5","page":276},{"text":"نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ». قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ. [ق ٣/ ٣٥٥، ك ١/ ٣٢٧، خزيمة ١٤١٦]\n١١٧٠ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ (١): \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى شَىْءٍ مِنَ الدُّعَاءِ إلَّا فِى الاِسْتِسْقَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ\". [خ ١٠٣١، م ٨٩٥، ق ٣/ ٣٥٧، ك ١/ ٣٢٧، قط ٢/ ٦٨]\n===\nوخصب، ويروى مروعًا- بالواو (٢) وبضم الميم -أي منبتًا للربيع، ويروى مرتعًا -بفتح الميم والتاء -أي ينبت به ما يرتع الإبل، وقال بعضهم: مريعًا أي خصيبًا، فعيل من مرع الأرض بالضم مراعة أي صارت كثيرة الماء والنبات، وقيل غير ذلك.\n(نافعًا غير ضار عاجلًا غير آجل، قال) أي جابر: (فأطبقت) على بناء الفاعل، وقيل بالمفعول (عليهم السماء) يقال: أطبق إذا جعل الطبق على رأس شيء وغطاه به، أي جعلت عليهم السحاب كطبق، قيل: أي ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم السحاب كطبق فوق رؤوسهم بحيث لا يرون السماء من تراكم السحاب وعمومه الجوانب.\n١١٧٠ - (حدثنا نصر بن علي، أنا يزيد بن زريع، نا سعيد) أي ابن أبي عروبة، (عن قتادة، عن أنس: أن النبي - ﷺ - كان لا يرفع يديه) أي رفعًا بليغًا (في شيء من الدعاء) أي من جنس الدعاء (إلَّا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه).\nقال العيني في \"شرح البخاري\" (٣): قال النووي (٤): هذا الحديث ظاهره\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنس بن مالك\".\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: \"مُربعًا بالباء\". انظر: \"مرقاى المفاتيح\" (٢/ ٦١٤).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٨٢).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٥٨).","vol":"5","page":277},{"text":"١١٧١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَسْتَسْقِى هَكَذَا، يَعْنِى: وَمَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ (١) بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِى الأَرْضَ، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ\". [حم ٣/ ٢٤١، خزيمة ١٤١٢، ق ٣/ ٣٥٧]\n١١٧٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بن\n===\nيوهم أنه لم يرفع - ﷺ - يديه إلَّا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصى، فيتأول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يرى بياض إبطيه إلَّا في الاستسقاء، أو أن المراد لم أره يرفع وقد رآه غيره، فيقدم رواية المثبتين فيه، انتهى.\n١١٧١ - (حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، نا عفان، نا حماد، أنا ثابت، عن أنس: أن النبي - ﷺ - كان يستسقي هكذا) بين أنس فعله - ﷺ - بفعله (يعني) زاد لفظ يعني، لأن الراوي نسي لفظ الشيخ، فقال: يريد الشيخ باللفظ الذي بعده (ومد يديه) أي ومد رسول الله - ﷺ - يديه (وجعل) رسول الله - ﷺ - (بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه) حتى غاية لقوله: \"ومد يديه\" بمعنى ورفع يديه.\nقال القاري (٢): فعل هذا تفاؤلًا بتقلب الحال ظهرًا لبطن نحو صنيعه في تحويل الرداء، أو إشارة إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب ما فيه من الأمطار، كما قال: إن الكف إذا جعل بطنها إلى الأرض انصب ما فيها من الماء، وقيل: من أراد دفع بلاء من القحط ونحوه فليجعل ظهر كفه إلى السماء، ومن سأل نعمة من الله فليجعل بطن كفه إلى السماء.\n١١٧٢ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن عبد ربه بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يجعل\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦٠٩).","vol":"5","page":278},{"text":"سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِى مَنْ رَأَى النَّبِىَّ -ﷺ- يَدْعُو عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بَاسِطًا كَفَّيْهِ. [تقدَّم بأتمّ منه برقم ١١٦٩]\n١١٧٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ قال: حَدَّثَنِى الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِى الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ.\n===\nسعيد) بن قيس، الأنصاري، أخو يحيى المدني، ثقة، (عن محمد بن إبراهيم) التيمي، (أخبرني من رأى النبي - ﷺ -) قال في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" في المبهمات: محمد بن إبراهيم التيمي، أخبرني من رأى النبي - ﷺ - عند أحجار الزيت، هو عمير مولى آبي اللحم (يدعو) أي يستسقي (عند أحجار الزيت باسطًا كفيه) أي رافعًا ومادًّا يديه كما تقدم من روايته في أول الباب، وهذا يرجح أن الحديث من مرويات عمير، لا من مرويات مولاه آبي اللحم، كما تقدم من بعض الروايات.\n١١٧٣ - (حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، نا خالد بن نزار) الغساني الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتانية، صدوق يخطئ (قال: حدثني القاسم بن مبرور، عن يونس) بن يزيد الأيلي، (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: شكى الناس إلى رسول الله - ﷺ - قحوط المطر) أي حبسه وفقده، وحكي في \"المجمع\" (١) عن الطيبي: شكى الناس القحوط، هو مصدر أو جمع قحط، وأضافه إلى المطر ليشير إلى عمومه في بلدان شتى.\n(فأمر) رسول الله - ﷺ - (بمنبر، فوضع له في المصلَّى) قال القاري (٢): قال ابن الهمام: وفيه أنه أمر بإخراج المنبر، وقال المشايخ: لا يخرج وليس إلَّا بناء على عدم حكمهم بصحته (ووعد الناس يومًا يخرجون فيه) أي في ذلك اليوم إلى المصلى.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢١٨).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦١٥).","vol":"5","page":279},{"text":"قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ بَدَا حَاجبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ\n===\n(قالت عائشة: فخرج رسول الله - ﷺ - حين بدا) بالألف لا بالهمزة أي ظهر (حاجب الشمس) قال ميرك: الظاهر أن المراد بالحاجب ما طلع أولًا من جرم الشمس مستدقًا مشبهًا بالحاجب، قال في \"المغرب\": حاجب الشمس أول ما يبدو من الشمس، مستعار من حاجب الوجه.\n(فقعد على المنبر) وفيه دلالة على استحباب إخراج المنبر والصعود عليها، ومنعه فقهاء الحنفية، قال في \"البدائع\" (١): ولا يخرج المنبر في الاستسقاء، ولا يصعده لو كان في موضع الدعاء منبر؛ لأنه خلاف السنَّة، وقد عاب الناس على مروان بن الحكم عند إخراجه المنبر في العيدين ونسبوه إلى خلاف السنَّة على ما بينا، انتهى.\nقلت: الحديث وإن صححه الحاكم في \"المستدرك\" لكن قال أبو داود: هذا حديث غريب، إسناده جيد، وقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢): فلما وافى المصلى صعد المنبر- إن صح، وإلَّا ففي القلب منه شيء-، وكذا حكى الأمير اليماني عنه في \"سبل السلام\" (٣).\nوقد أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٤): وقال لنا أبو نعيم عن زهير عن أبي إسحاق: خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري، وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم، فاستسقى، فقام لهم على رجليه على غير منبر، فاستغفر ثم صلَّى ركعتين، يجهر بالقراءة، ولم يؤذن ولم يقم، فهذا عبد الله بن يزيد استسقى، ومعه الصحابة، فلم يخرج المنبر ولم يصعد عليه، فلو كان إخراج المنبر سنَّة لما تركه، ولو تركه لأنكر عليه الصحابة الموجودن إذ ذاك.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦٣٤).\n(٢) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٥٧).\n(٣) \"انظر: \"سبل السلام\" (٣/ ٢٧٠).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (١٠٢٣).","vol":"5","page":280},{"text":"فَكَبَّرَ (١) وَحَمِدَ اللَّهَ ﷿ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﷿ أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ»\n===\nوقد ثبت عنه - ﷺ - أنه لم يخرج المنبر في العيدين، ولم يخطب فيهما إلَّا قائمًا على الأرض، والاستسقاء فيه زيادة التواضع والتضرع كما في الحديث: خرج متبذلًا متواضعًا متذللًا، وهذه الحالة ينافيه الترفع على المنبر.\n(فكبر وحمد الله ﷿) قال القاري: قال مالك والشافعي وأحمد في الرواية المختارة عند أصحابه: تسن الخطبة، وتكون بعد الصلاة خطبتان على المشهور، ويستفتحهما بالاستغفار (٢) كالتكبير في العيد، وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية المنصوص عليها: لا خطبة لها، وإنما هي دعاء واستغفار، ثم قال: قال صاحب \"الهداية\" (٣): ثم هي كخطبة العيد عند محمد، قال ابن الهمام (٤): يعني فتكون خطبتين يفصل بينهما بجلوس، وعند أبي يوسف واحدة، ولا صريح في المرويات يوافق قول محمد أنها خطبتان.\n(ثم قال: إنكم شكوتم) أي إلى الله ورسوله (جدب دياركم) بفتح الجيم وسكون المهملة أي قحطها (واستئخار المطر) أي تأخره (عن إبان زمانه) بكسر الهمزة وتشديد الباء أي عن أول زمان المطر، والإبان: أول الشيء، قيل: نونه أصلية، فيكون فعالًا، وقيل: زائدة، فيكون فعلان، وفي \"القاموس\": إبان الشيء بالكسر: حينه أو أوله (عنكم) متعلق باستئخار (وقد أمركم الله ﷿) في كتابه (أن تدعوه) بقوله: ﴿ادْعُونِي﴾ (ووعدكم أن يستجيب لكم) بقوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ولا خلف في وعده.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"- ﷺ -\".\n(٢) وعندنا بالتحميد كما في \"الشامي\". (انظرة: \"رد المحتار\" ٣/ ٥٨). (ش).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٨٧).\n(٤) انظر: \"فتح القدير\" (٢/ ٩٣).","vol":"5","page":281},{"text":"ثُمَّ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ الْغَنِىُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ. أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى خير»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ (١) فِى الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إلي النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَّبَ - أَوْ حَوَّلَ - رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ\n===\n(ثم قال) رسول الله - ﷺ -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ﴾) بغير ألف (﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾) وفي نسخة \"المشكاة\": \"مالك\" بالألف\nفي جميع النسخ، قاله القاري (٢)، (لا إله إلَّا الله يفعل ما يريد، اللهُمَّ أنت الله لا إله إلَّا أنت الغني ونحن الفقراء) المحتاجون إليك في الإيجاد والإمداد (أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قُوَّةً وبلاغًا) أي زادًا يُبَلِّغُنا (إلى خير) أي إلى خير الدنيا والآخرة، وفي نسخة \"المشكاة\": إلى حين، أي آجالنا، والمعنى اجعل الخير الذي أنزلت إلينا لقوتنا نتقوى به على شكرك وعبادتك، ومددًا لنا مددًا طوالًا.\n(ثم رفع يديه) أي للدعاء (فلم يزل في الرفع حتى بدا) أي ظهر (بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره) واستقبل القبلة إشارة إلى التبتل إلى الله (وقلَّب) بالتشديد، وفي نسخة: بالتخفيف (أو حول) شك من الراوي (رداءه) للتفاؤل، وإرادة تقليب الحال (وهو رافع يديه) حال من قوله: \"ثم حول إلى الناس ظهره\" أو من قوله: \"وقلب رداءه\"، فالحال حينئذ مقارنة.\n(ثم أقبل على الناس) بوجهه (ونزل) من المنبر (فصلَّى ركعتين فأنشأ الله) أي أوجد وأحدث (سحابة، فرعدت وبرقت) بفتح الراء، أي ظهر فيه الرعد\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فلم يترك\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦١٦).","vol":"5","page":282},{"text":"ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ -ﷺ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». [ق ٣/ ٣٤٩، ك ١/ ٣٢٨]\n===\nوالبرق (ثم أمطرت بإذن الله) بالألف، وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من أهل اللغة أن مطرت وأمطرت لغتان في المطر، (فلم يأت) رسول الله - ﷺ - من المحل الذي استسقى فيه من الصحراء (مسجده حتى سالت السيول) من جميع الجوانب.\n(فلما رأى سرعتهم) أي سرعة مشيهم والتجائهم (إلى الكن) بكسر الكاف وتشديد النون، وهو ما يرد به الحر والبرد من المساكن (ضحك - ﷺ - حتى بدت نواجده) أي آخر ضراسه، وكان ضحكه تعجبًا من طلبهم المطر اضطرارًا، ثم طلبهم الكن عنه فرارًا، ومن عظيم قدرة الله تعالى وإظهار قربة رسوله وصدقه بإجابة دعائه سريعًا، ولصدقه أتى بالشهادتين (فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير، وإني عبد الله ورسوله).\nقال القاري (١): قال ابن الهمام (٢): وذلك الكلام السابق هو المراد بالخطبة كما قاله بعضهم، ولعل الإِمام أحمد أعله بهذه الغرابة أو بالاضطراب، فإن الخطبة (٣) فيه مذكورة قبل الصلاة، وفيما تقدم من حديث أبي هريرة بعدها، وهذا إنما يتم إذا تم استبعاد أن الاستسقاء وقع حال حياته بالمدينة أكثر\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦١٨).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٩٥).\n(٣) اختلفوا في الجمع بينهما، ومختار الأئمة الذين قالوا بالصلاة فيها أنها تقدم على الخطبة، فقيل: رواية أبي داود هذه شاذة، وفي \"البداية\" عكسه، فقال: من ذكر الخطبة ذكر في علمي قبل الصلاة، وقال الطحاوي: رأيت خطبة الاستسقاء أشبه بالعيد، وجمع الحافظ بأنه دعا أولًا، ثم صلَّى ثم خطب، فذكر كل راو أحدهما، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ١٤٠ - ١٤١). (ش).","vol":"5","page":283},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقْرَؤونَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَإِنَّ (١) هَذَا الْحَدِيثَ حُجَّةٌ لَهُمْ.\n١١٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُنَا يَوْمَ جُمُعَةٍ (٢) إِذْ قَامَ رَجُلٌ\n===\nمن سنتين، السنة التي استسقى فيها بغير صلاة، والسنة التي صلَّى فيها، وإلَّا فالله سبحانه أعلم.\n(قال أبو داود: هذا حديث غريب، إسناده جيد، أهل المدينة يقرؤون ملك يوم الدين) بقصر الميم بلا ألف (وإن هذا الحديث حجة لهم) اختلف القراء فيه، فقرأ عاصم والكسائي بالألف، وقرأ الباقون بغير ألف، وكلتا القراءتين ثبتتا عن رسول الله - ﷺ - تواترًا، فلا تحتاج إحداهما إلى الحجة في ثبوته، خصوصًا بدليل ظني فقوله: \"هذا الحديث حجة لهم\" لا محصل له.\n١١٧٤ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك وبونس بن عبيد) عطف على حماد بن زيد (٣)، (عن ثابت) البناني، (عن أنس قال: أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله - ﷺ -، فبينما هو يخطبنا يوم جمعة إذ قام رجل)\nقال الشوكاني (٤): في \"مسند أحمد\" ما يدل على أن هذا المبهم كعب بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فإن\".\n(٢) وفي نسخة: \"الجمعة\".\n(٣) كذا قال صاحب \"التيسير على البخاري\"، لكن الصحيح أنه عطف على عبد العزيز لا على حماد، كذا في \"اللامع\" (٤/ ٨٨). (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٥٨).","vol":"5","page":284},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْكُرَاعُ، هَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ (١) اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَمَدَّ يَدَيْهِ (٢) وَدَعَا. قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ السَّمَاءَ لَمِثْلُ الزُّجَاجَةِ، فَهَاجَتْ رِيحٌ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ سَحَابَةً (٣)، ثُمَّ اجْتَمَعَتْ (٤) ثُمَّ أَرْسَلَتِ السَّمَاءُ عَزَالِيَهَا، فَخَرَجْنَا نَخُوضُ الْمَاءَ\n===\nمرة، وفي \"البيهقي\" من طريق مرسلة ما يدل على أنه خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب، قال في \"الفتح\": وفيه نظر لأنه جاء في واقعة أخرى.\nوقال الحافظ (٥): لم أقف على تسميته، (فقال: يا رسول الله)، هذا يدل على أن السائل كان مسلمًا، وبه يرد على من قال: إنه أبو سفيان، لأنه حين سؤاله بذلك لم يكن قد أسلم.\n(هلك الكراع) بضم الكراع: اسم لجمع الخيل (هلك الشاء) جمع شاة، وأيضًا تجمع على شياه، وأصل الشاة شاهة، والنسبة شاهي وشاوي، وتصغيرها شويهة وشوية، وعينها واو انقلب ياءً في شياه لكسرة ما قبلها، ووجه الهلاك فقدان العلف لأجل القحط (فادع الله أن يسقينا فمد يديه) أي رفعهما (ودعا) أي الله تعالى أي استسقى.\n(قال أنس: وأن السماء لمثل الزجاجة) صافية عن السحاب والغبار (فهاجت ريح، ثم أنشأت) أي الريح (سحابة، ثم اجتمعت) السحابة (ثم أرسلت السماء عزاليها) جمع عزلاء بفتح مهملة ممدودة: فم السقاء الذي يفرغ منه الماء، والجمع العزالي بكسر لام وفتحها، (فخرجنا) من المسجد (نخوض الماء\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لنا\".\n(٢) وفي نسخة: \"يده\".\n(٣) وفي نسخة: \"سحابًا\".\n(٤) وفي نسخة: \"اجتمع\".\n(٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٠١).","vol":"5","page":285},{"text":"حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازِلَنَا، فَلَمْ يَزَلِ الْمَطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَحْبِسَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ: «حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا»، فَنَظَرْتُ إِلَى السَّحَابِ يَتَصَدَّعُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ كَأَنَّهُ إِكْلِيلٌ\". [خ ١٠٢١، م ٨٩٧، ق ٣/ ٣٤٤]\n١١٧٥ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ\n===\nحتى أتينا منازلنا، فلم يزل المطر) أي لم ينقطع (إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت) لكثرة المطر (فادع الله أن يحبسه) أي المطر.\n(فتبسم رسول الله - ﷺ -) لسرعة ضجرهم وملالتهم (ثم قال: حوالينا) وفي رواية: \"حولنا\"، وكلاهما صحيح، والحول والحوال بمعنى الجانب، قال في \"القاموس\": وهو حَوالَيْهِ وحَوْلَهُ وحَوْلَيْهِ وَحَوَالَهُ وأَحْوالَهُ بمعنىً، وقال في \"المجمع\": \"اللهم حوالينا\"، يقال: رأيت الناس حوله وحواليه، أي مطيفين به من جوانبه، يريد أنزل الغيث في مواضع النبات لا مواضع الأبنية، قال النووي: حواليه وحواله وحوليه وحوله بفتح لام وحاء في جميعها أي جوانبه.\n(ولا علينا) وهذا من كمال أدبه - ﷺ -، فإنه لم يدع اللَّهُمَّ احبسه عنا بأنه كان من نعمة الله تعالى، بل قال: اللَّهُم حوالينا (فنظرت إلى السحاب يتصدع) أي يتفرق (حول المدينة كأنه إكليل) بكسر الهمزة: هو ما أطاف بالرأس من عصابة مزينة بجوهر أو خرز، أراد أن الغيم تقطع من وسط السماء وصار في آفاقها كالإكليل.\n١١٧٥ - (حدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث، عن سعيد المقبري، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس أنه) أي شريك (سمعه)","vol":"5","page":286},{"text":"يَقُولُ (١) نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَيْهِ بِحِذَاءِ وَجْهِهِ فَقَالَ (٢): «اللَّهُمَّ اسْقِنَا» وَسَاقَ نَحْوَهُ (٣). [خ ١٠١٣، م ٨٩٧]\n١١٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ. (ح): وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ قَادِمٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ\n===\nأي أنسًا (يقول نحو حديث عبد العزيز، قال) أي شريك في حديثه عن أنس: (فرفع رسول الله - ﷺ - يديه بحذاء وجهه فقال: اللَّهُمَّ اسقنا) غرض المصنف بهذا بيان الفرق بين لفظ شريك، وبين لفظ عبد العزيز، فإن عبد العزيز قال في حديثه عن أنس: فمد يديه ودعا، وقال شريك في حديثه عن أنس: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه بحذاء وجهه، فقال: اللَّهُمَّ اسقنا (وساق نحوه) أي وساق شريك بعد ذلك حديثه نحو حديث عبد العزيز.\n١١٧٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب أن رسول الله - ﷺ - كان يقول، ح: وحدثنا سهل بن صالح) بن حكيم الأنطاكي أبو سعيد البزاز، صدوق، (نا علي بن قادم) الخزاعي أبو الحسن الكوفي، قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: محله الصدق، قال ابن عدي: نقموا عليه أحاديث رواها عن الثوري غير محفوظة، (نا سفيان) الثوري، (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري.\n(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب، (عن جده) عبد الله بن عمرو بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فذكر\".\n(٢) وفي نسخة: \"وقال\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يعني نحو حديث عبد العزيز بن صهيب\".","vol":"5","page":287},{"text":"قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله (١) - ﷺ - إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: \"اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ\" (٢)، هَذا لَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ. [ق ٣/ ٣٥٦، ط ١/ ١٩١/ ٢، حم ٥/ ٦٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>(٢٦٢) بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ</span>\n===\nالعاص (قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا استسقى قال: اللَّهُم اسق عبادك وبهائمك) جمع بهيمة، قال في \"القاموس\": البهيمة كل ذات أربع قوائم، ولو في الماء، أو كل حي لا يميز (وانشر) أي ابسط (رحمتك وأحي بلدك الميت) والمراد بالحياة نماؤها بالخصب ونباتها، والموت كناية عن جدبها ويبسها، كأنه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٣)، قال أبو داود: (هذا لفظ حديث مالك) لا لفظ حديث سفيان.\n\n(٢٦٢) (بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ) (٤)\nقال الحافظ (٥): والكسوف لغة: التغير إلى سواد، ومنه كسف وجهه وحاله، وكسفت الشمس اسودت وذهب شعاعها.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) سورة فاطر: الآية ٩.\n(٤) وشرعيتها على ما في \"المرقاة\" (٣/ ٥٨٣) في السنة الخامسة، وتمامه في \"الأوجز\" (٤/ ٤٥)، أو في سنة ٩ هـ، سنة ١٠ هـ، سنة ٦ هـ، سنة ٢ هـ، واختلفوا في الوحدة والتعدد كما في الأبحاث العشرة من \"الأوجز\"، واختلفوا أيضًا في وقتها، والمرجح عند المالكية كالعيد، وقيل: إلى العصر، وقيل: إلى وقت الكراهة، ولا وقت لها عند الشافعية إذ هي ذات سبب، وعندنا والحنابلة تستثتى أوقات الكراهة، وبسط ابن العربي (٣/ ٣٧ - ٣٨) الكلام على حقيقة الكسوف، والإشكال فيه، وبسط في \"الأوجز\" الكلام على رد قول أهل الهيئة في حقيقة الكسوفين، وأنه لا يكون إلَّا في ٢٨ - ٢٩ من الشهر، وبسط أيضًا في حكم الكسوفين والوحدة والتعدد. (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٦).","vol":"5","page":288},{"text":"١١٧٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَخْبَرَنِى مَنْ أُصَدِّقُ وَظَنَنْتُ (١) أَنَّهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ قَالَت: كَسفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ (٢) -ﷺ-، فَقَامَ النَّبِىُّ -ﷺ- قِيَامًا شَدِيدًا: يَقُومُ بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ،\n===\nقال العيني (٣): والأشهر في ألسن الفقهاء تخصيص الكسوف بالشمس، والخسوف بالقمر، وادعى الجوهري أنه الأفصح، وقيل: هما يستعملان فيهما، وقيل: الكسوف للقمر والخسوف للشمس، وهو مردود لثبوته بالخاء في القمر في القرآن، وقيل: الكسوف أوله والخسوف آخره، انتهى.\nقال الحافظ (٤): وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف لتغيره.\n١١٧٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل بن علية، عن ابن جريج، عن عطاء) بن أبي رباح، (عن عبيد بن عمير) قال عبيد: (أخبرني من أصدق) قال عطاء: (وظننت أنه) أي عبيد بن عمير (يريد عائشة) بقوله: من أصدق، قال النووي: هكذا في نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عن نسخ الجمهور، وعن بعض رواتهم: من أصدق حديثه يريد عائشة، ومعنى اللفظين متغاير، فعلى رواية الجمهور له حكم المرسل، إذ قلنا بمذهب الجمهور أن قوله: أخبرني الثقة ليس بحجة، انتهى.\n(قالت: كسفت الشمس على عهد النبي - ﷺ -، فقام النبي - ﷺ - قيامًا شديدًا) أي طويلًا (يقوم بالناس، ثم يركع) أي الركوع الأول، (ثم يقوم) من الركوع،\n_________\n(١) وفيها نسختان: \"فظننا\"، \"فظننت\".\n(٢) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٩٦).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٥).","vol":"5","page":289},{"text":"ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ (١)، ثُمَّ يَرْكَعُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فِى كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ يَرْكَعُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ يَسْجُدُ، حَتَّى إِنَّ رِجَالًا يَوْمَئِذٍ لَيُغْشَى عَلَيْهِمْ مِمَّا قَامَ بِهِمْ، حَتَّى إِنَّ سِجَالَ الْمَاءِ لينصَبُّ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ إِذَا رَكَعَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِذَا رَفَعَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ\n===\nثم يقرأ، (ثم يركع) أي الركوع الثاني، (ثم يقوم) من الركوع الثاني ويقرأ (ثم يركع) أي الركوع الثالث (فركع) أي فصلى رسول الله - ﷺ - (ركعتين) طويلتين (في كل ركعة ثلاث ركعات) أي ركوعات (يركع الثالثة) أي الركوع الثالث (ثم) بعد الفراغ منه (يسجد (٢) حتى إن رجالًا يومئذ ليغشى عليهم) أي يصيبهم الغشي (مما قام بهم) أي طويلًا.\n(حتى إن سجال الماء) جمع سجل بفتح فسكون، وهو الدلو (لينصب عليهم) وفي رواية: لتصب عليهم، فإن قيل: كيف يصب عليهم سجال الماء، والناس في صلاة، ومن يصب عليهم؟ قلنا: يحتمل أنه يصب عليهم بعد الفراغ من الصلاة، ويحتمل أنهم إذا غشي عليهم انتقض طهارتهم وصلاتهم، فإذا حصل لهم شيء من الإفاقة يصبون على أنفسهم الماء (يقول إذا ركع: الله أكبر، وإذا رفع) (٣) رأسه من الركوع: (سمع الله لمن حمده، حتى تجلت الشمس) أي صلَّى كذلك حتى تجلت الشمس.\n(ثم قال: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) وفي حديث \"مسلم\": \"فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال\" (ولكنهما آيتان من آيات الله\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بالناس\".\n(٢) ولم يذكر في عامة الروايات تطويل السجود، لكنه مجمع عند الأربعة، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٦١). (ش).\n(٣) أنكر الماوردي التسميع في الاعتدال، لأنه ليس باعتدال، بل يرفع رأسه مكبرًا، ويسمع في الاعتدال الثاني، كما في \"الأوجز\" (٤/ ٥٨). (ش).","vol":"5","page":290},{"text":"﷿، يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا كَسَفَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ\". [م ٩٠١، ن ١٤٧٠، حم ٦/ ٧٦، خزيمة ١٣٨٣، ق ٣/ ٣٢٥]\n===\n﷿، يخوف بهما عباده، فإذا كسفا فافزعوا إلى الصلاة) ولفظ \"مسلم\": \"فإذا رأيتم كسوفًا فاذكروا الله حتى ينجليا\".\nقال النووي (١): والحكمة في هذا الكلام أن بعض أهل الجاهلية الضلَّال كانوا يُعَظِّمون الشمس والقمر، فَبَيَّن أنهما آيتان مخلوقتان لله تعالى، لا صنع لهما، بل هما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغير كغيرهما، وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقول: لا ينكسفان إلَّا لموت عظيم أو نحو ذلك، فبين أن هذا باطل، لئلا يغتر بأقوالهم، لا سيما وقد صادف موت (٢) إبراهيم -رضي الله تعالى عنه -.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): وقد اختلف العلماء في صفتها - بعد الاتفاق (٤) على أنها سنَّة غير واجبة - كما حكاه النووي، فذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور إلى أنها ركعتان، في كل ركعة ركوعان، وقال أبو حنيفة والثوري والنخعي: أنها ركعتان كسائر النوافل، في كل ركعة ركوع واحد، وحكاه النووي عن الكوفيين واستدلوا بحديث النعمان وسمرة، وقال حذيفة: في كل ركعة ثلاث ركوعات، واستدل بحديث جابر وابن عباس وعائشة، قال النووي (٥): وقد قال بكل نوع جماعة من الصحابة، وحكى النووي عن ابن عبد البر أنه قال: أصح ما في الباب ركوعان، وما خالف فمعلل أو ضعيف، وكذا قال البيهقي.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٧٣).\n(٢) واختلف أهل السير في تعيين وفاته على أقوال كثيرة، ذكرها الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٢٩) وقال: جماهيرهم على أنه مات سنة ١٠ هـ. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٣٥).\n(٤) وقال أبو عوانة وبعض الحنفية بالوجوب. (ش).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٧٠).","vol":"5","page":291},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nونقل صاحب \"الهدي\" (١) عن الشافعي وأحمد (٢) والبخاري أنهم قالوا: يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطًا من بعض الرواة، لأن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم، وإذا اتحدت القصة تعيَّن الأخذ بالراجح، ولا شك أن أحاديث الركوعين أصح.\nقال في \"الفتح\" (٣): وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدد الواقعة، وأن الكسوف وقع مرارًا، فيكون كل من هذه الأوجه جائزًا، وإلى ذلك ذهب إسحاق، لكن لم يثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات، وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك وهو من الاختلاف المباح، وقواه النووي في \"شرح مسلم\"، والحق إن صح تعدد الواقعة أن الأحاديث المشتملة على الزيادة الخارجة من مخرج صحيح يتعين الأخذ بها لعدم منافاتها للمزيد، وإن كانت الواقعة ليست إلَّا مرة واحدة، فالمصير إلى الترجيح أمر لا بد منه، وأحاديث الركوعين أرجح، انتهى ملخصًا.\nقلت: واختلف علماء الحنفية في أن صلاة الكسوف واجبة أم سنَّة؟ فقد ذكر محمد - رحمه الله تعالى- في \"الأصل\" ما يدل على عدم الوجوب، فإنه قال: ولا تصلَّى نافلة في جماعة إلَّا في قيام رمضان، وصلاة الكسوف، فاستثنى صلاة الكسوف من الصلوات النافلة، والمستثنى من جنس المستثنى منه، فيدل على كونها نافلة، وكذا روى الحسن بن زياد ما يدل عليه، فإنه روى عن أبي حنيفة أنه قال في كسوف الشمس: إن شاؤوا صلوا ركعتين، وإن شاؤوا صلوا أربعًا، وإن شاؤوا صلوا أكثر من ذلك، والتخيير يكون في النوافل لا في الواجبات.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٤٥٣).\n(٢) حكى المناوي في \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٤٧) مذهب أحمد: ثلاث ركوعات، فليحرر. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٢).","vol":"5","page":292},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال بعض مشايخنا: إنها واجبة، لما روي عن ابن مسعود أنه قال: كسفت الشمس، وفيه: \"فإذا رأيتم من هذا شيئًا فاحمدوا الله وكبروه وسبحوه وصلوا حتى تنجلي\"، وفي رواية أبي مسعود الأنصاري: \"فإذا رأيتموها فقدموا وصلوا\"، ومطلق الأمر للوجوب، وفي بعض الروايات: \"فافزعوا إلى الصلاة\".\nوتسمية محمد إياها نافلة لا ينفي الوجوب، لأن النافلة عبارة عن الزيادة، وكل واجب زيادة على الفرائض الموظفة، ورواية الحسن لا تنفي الوجوب، لأن التخيير قد يجري بين الواجبات، كما في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١).\nواختلف في كيفية صلاة الكسوف فيصلي ركعتين، كل ركعة بركع وسجدتين كسائر الصلوات عندنا، وعند الشافعي ركعتان، كل ركعة بركوعين وقومتين وسجدتين، يقرأ ثم يركع، ثم يرفع رأسه ثم يقرأ، ثم يركع، واحتَجَّ بما روي عن ابن عباس وعائشة -﵄ - أنهما قالا: \"كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فقام قيامًا طويلًا نحوآمن سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول\".\nواحتج الحنفية في ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطحاوي (٢)، وأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي في \"الشمائل\" (٣) عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فقام الناس فلم يكد يركع، ثم ركع فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ٨٩.\n(٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢٩).\n(٣) انظر: \"سنن أبي داود\" (١١٩٤)، و\"سنن النسائي\" (٤٨٢)، و\"شمائل الترمذي\" (٣٠٧).","vol":"5","page":293},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، وفعل في الثانية مثل ذلك، هذا لفظ الطحاوي، وبحديث أبي بكرة - ﵁ - عند النسائي (١) \"أن النبي - ﷺ - صلَّى ركعتين مثل صلاتكم هذه\"، وبحديث سمرة أخرجه مسلم (٢) وفيه: \"قرأ بسورتين وصلَّى ركعتين\"، وبحديث النعمان بن بشير أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم (٣)، وصححه ابن عبد البر، وبحديث قبيصة الهلالي (٤) عنه - ﷺ - قال: \"إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة\".\nوأكثر هذه الأحاديث قولية باشتمالها على القول كما في حديث قبيصة، والقول أرجح من الفعل، وقد علمت أن الفعل إذا اختلف فيه يرد إلى الأصل، فترجح الأحاديث المشتملة على ركوع واحد.\nوأيضًا الأحاديث المشتملة على تعدد الركوعات رواها النساء والصبيان، وهم كانوا خلف صفوف الرجال، فالحال أوضح للرجال من الحال التي علمها النساء والصبيان، وقد كان الحال أن رسول الله - ﷺ - قام في يوم شديد الحر قيامًا طويلًا، حتى يغشى على بعضهم من طول القيام، وقد كشف له - ﷺ - أحوال عجيبة، فمرة يسبح وتارة يكبر، وقد كشف له الجنة والنار، وقد اسودَّت الشمس فلا يبعد أن يخفى حال الصلاة وكيفيتها على الذين كانوا بعيدًا من رسول الله - ﷺ -، وظنوا ما لم يقع واقعًا من تعدد الركوعات للتسبيح والتهليل الواقع في الصلاة واقعًا.\nفلهذه الوجوه رجح الحنفية أحاديث وحدة الركوع، ولأجل هذا وقع\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (١٤٩٢).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٩١٣).\n(٣) انظر: \"سنن أبي داود\" (١١٩٣)، و\"سنن النسائي\" (١٤٥٥)، و\"مسند أحمد\" (٤/ ٢٦٩)، و\"المستدرك\" (١/ ٣٣٢).\n(٤) انظر: \"سنن أبي داود\" (١١٨٥)، و\"سنن النسائي\" (١٤٨٦)، و\"مسند أحمد\" (٢/ ٣٢٩)، و\"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٣٤)، و\"المستدرك\" (١/ ٣٣٣).","vol":"5","page":294},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالاختلاف في بيان تعدد الركوعات، ففي بعضها ركوعان في ركعة، وفي بعضها ثلاث ركوعات في ركعة، رواه أحمد ومسلم وأبو داود (١) من حديث جابر -﵁ -، والترمذي من حديث ابن عباس وصححه، ورواه أحمد والنسائي ومسلم (٢) من حديث عائشة -﵂ -.\nقال الشوكاني (٣): وهذه الأحاديث الصحيحة ترد ما تقدم عن ابن عبد البر والبيهقي من أن ما خالف أحاديث الركوعين معلل أو ضعيف، وما تقدم عن الشافعي وأحمد والبخاري من عندهم لما خالف أحاديث الركوعين غلطًا.\nوفي بعضها أربع ركوعات في ركعة، روى ذلك أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وصححه الترمذي (٤) من حديث ابن عباس \"أن النبي - ﷺ - صلَّى في كسوف، قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها\".\nقال الشوكاني (٥): وروي عن حذيفة نحوه قاله البيهقي، وفي بعضها خمس ركوعات في ركعة، أخرجه أبو داود وعبد الله بن أحمد في \"المسند\" من حديث أبي بن كعب -رضي الله تعالى عنه - قال: \"كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فصلَّى بهم، فقرأ بسورة من الطُّول، وركع خمس ركعات بسجدتين، ثم قام إلى الثانية، فقرأ بسورة من الطول، وركع خمس ركعات\n_________\n(١) انظر: \"مسند أحمد\" (٣/ ٣١٧)، و\"صحيح مسلم\" (٩٠٤)، و\"سنن أبي داود\" (١١٧٨).\n(٢) انظر: \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٢ - ٦٥ - ٦٧)، و\"سنن النسائي\" (١٤٧٢)، و\"صحيح مسلم\" (٩٠١).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٣٨).\n(٤) انظر: \"صحيح مسلم\" (٩٠٩)، و\"سنن النسائي\" (١٤٦٨)، و\"مسند أحمد\" (١/ ٢٢٥)، و\"سنن أبي داود\" (١١٨٣)، و\"سنن الترمذي\" (٥٦٠).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٣٨).","vol":"5","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>(٢٦٣) بَابُ مَنْ قَالَ: أَرْبَعُ رَكعَاتٍ</span>\n===\nبسجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها (١) \".\nقال الشوكاني (٢): وروي عن ابن السكن تصحيح هذا الحديث، وقال الحاكم: رواته صادقون، في إسناده أبو جعفر عيسى بن عبد الله بن ماهان الرازي، قال الفلاس: سيِّئ الحفظ، وقال ابن المديني: يخلط عن المغيرة، وقال ابن المعين: ثقة.\nقلت: سيأتي ترجمته، فهذا الاختلاف يدل على أن الذين كانوا بعيدًا من رسول الله - ﷺ - في الصلاة، لعلهم شغلوا لما حدث من كثرة الوقائع وطول القيام، فاختلفوا في تحمل كيفيتها وبيانها، والظاهر أن الواقعة لم تتعدد، فإن رسول الله - ﷺ - أقام بالمدينة نحوًا من عشر سنين، وتعدد الكسوف في هذه المدة القليلة خلاف العادة، ولم يرو أن واقعة الكسوف تعددت، بل أكثر الروايات دالة على أنها وقعت عند موت إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -، ولم يصلها إلَّا ضحى.\nقال في \"الفتح\" (٣): ولم أقف على شيء من الطرق مع كثرتها أن النبي - ﷺ - صلاها إلَّا ضحى، ثم قد اضطر القائلون بركوعين في ركعة بتضعيف الروايات الصحيحة التي فيها ذكر الزيادة على الركوعين، فأولى أن تحمل الروايات التي فيها زيادة على ركوع واحد وهمًا، والله أعلم.\n\n(٢٦٣) (بَابُ مَنْ قَالَ: أرْبَعُ رَكَعَاتٍ)\nأي من قال: إن من جملة صفات صلاة الكسوف وكيفيتها ركوعين في كل ركعة، ففي الركعتين أربع ركوعات\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١١٨٢)، وعبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٥/ ١٣٤)، والحاكم (١/ ٣٣٣)، والبيهقي (٣/ ٣٢٩).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٣٩).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٨).","vol":"5","page":296},{"text":"١١٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنِى عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ ذَلِكَ فِى الْيَوْمِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا كُسِفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَامَ النَّبِىُّ -ﷺ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِى أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، كَبَّرَ ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ دُونَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الثَّالِثَةَ دُونَ الْقِرَاءَةِ (١) الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ\n===\n١١٧٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى) القطان، (عن عبد الملك) بن أبي سليمان، (حدثني عطاء) بن أبي رباح، (عن جابر بن عبد الله قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، وكان ذلك) أي يوم الكسوف (اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -، فقال الناس) أي بعض الصحابة على حسب ظنهم القديم، أن الناس كانوا يقولون: إن الشمس والقمر ينخسفان لموت عظيم.\n(إنما كسفت لموت إبراهيم، فقام النبي - ﷺ -) إلى الصلاة (فصلَّى بالناس) أي فصلَّى ركعتين (ست ركعات) أي ركوعات، في ركعة منها ثلاث ركوعات (في أربع سجدات) أي في كل ركعة منها سجدتين، وصفتها أنه (كبر) للتحريمة (ثم قرأ، فأطال القراءة، ثم ركع نحوًا) أي قريبًا (مما قام) للقراءة (ثم رفع رأسه) من الركوع الأول (فقرأ) ثانيًا (دون القراءة الأولى) (٢) أي أدنى وأقصر منها (ثم ركع) ركوعًا ثانيًا (نحوًا) قريبًا (مما قام) في المرة الثانية.\n(ثم رفع رأسه) من الركوع الثاني (فقرأ القراءة الثالثة دون القراءة الثانية، ثم ركع) ركوعًا ثالثًا (نحوًا) قريبًا (مما قام) في القيام الثالث (ثم رفع رأسه) من\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قراءة\".\n(٢) أنكر محمد بن مسلمة المالكي الفاتحة. (ش). (انظر: \"نيل الأوطار\" ٤/ ٢٣، و\"مواهب الجليل\" ٢/ ٢٠١).","vol":"5","page":297},{"text":"فَانْحَدَرَ لِلسُّجُودِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ إلَّا الَّتِى قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِى بَعْدَهَا، إلَّا أَنَّ رُكُوعَهُ نَحْوٌ مِنْ قِيَامِهِ. قَالَ: ثُمَّ تَأَخَّرَ فِى صَلَاتِهِ فَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ مَعَهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَامَ فِى مَقَامِهِ\n===\nالركوع الثالث، ولم يذكر فيه أنه - ﷺ - هل طول (١) ذلك القيام أو لم يطول؟ (فانحدر) أي فخر (للسجود فسجد سجدتين (٢) ثم قام) إلى الركعة الثانية (فركع) أي فصلَّى فيها (ثلاث ركعات) أي ركوعات (قبل أن يسجد) كما صلاها في الركعة الأولى (ليس فيها ركعة) أي ركوع (إلَّا التي قبلها) أي إلَّا الركوع الذي قبل ذلك الركوع (أطول من التي بعدها) أي أطول من الركوع الذي بعد ذلك الركوع، (إلَّا أن ركوعه نحو) أي قريب (من قيامه).\n(قال) أي جابر: (ثم تأخر) أي عن محله (في صلاته فتأخرت الصفوف) (٣) عن محلها (معه) - ﷺ - (ثم تقدم) - ﷺ - (فقام في مقامه) أي الأول، ووجه تأخره وتقدمه - ﷺ - ما وقع في رواية \"مسلم\" (٤) من حديث عائشة بلفظ: وقال رسول الله - ﷺ -: \"رأيت في مكاني هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قِطْفًا من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم، وقد رأيت جهنم يحطهم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت\".\n_________\n(١) ولذا اختلف فيه العلماء، وظاهر كلامهم عدم التطويل، قال النووي: رواية مسلم شاذة، كما في \"الأوجز\" (٤/ ٨٠). (ش).\n(٢) لم يذكروا التطويل بين السجدتين، وقال الزرقاني (١/ ٣٧٣): لا يطول إجماعًا، ويشكل عليهم رواية عبد الله بن عمرو الآتية. (ش).\n(٣) قال العيني في \"شرح سنن أبي داود\" (٥/ ٣٣): فيه دليل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وقال الشيخ محيي الدين: وضبط أصحابنا القليل بما دون ثلاث خطوات متتابعات وقالوا: الثلاث المتتابعات تبطلها، ويتأولون هذا الحديث على أن الخطوات كانت متفرقة لا متوالية، قال: ومذهب أبي حنيفة: أن ثلاث خطوات تبطلها، وكذا خطوتين لا الخطوة، إلا إذا كانت متفرقة، فلا تبطلها ولو كانت ثلاثًا، انتهى.\n(٤) انظر: \"صحيح مسلم\" (٩٠١).","vol":"5","page":298},{"text":"وَتَقَدَّمَتِ الصُّفُوفُ فَقَضَى الصَّلَاةَ وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﷿، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِىَ»، وَسَاقَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ. [م ٩٠٤، ق ٣/ ٣٢٥، حم ٣/ ٣١٧، خزيمة ١٣٨٦]\n١١٧٩ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\n===\n(وتقدمت الصفوف فقضى الصلاة) أي أتمها (وقد) الواو للحال (طلعت) أي تجلت (الشمس، فقال: يا أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ﷿) دالتان على كمال قدرته (لا ينكسفان لموت بشر) بل يخوف الله بهما عباده (فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فصلوا حتى تنجلي، وساق) أحمد بن حنبل (بقية الحديث).\nأخرجه مسلم (١) في صحيحه من طريق أبي بكر بن شيب ثنا عبد الله بن نمير نا عبد الملك، وذكر فيه بقية الحديث ولفظه: \"فصلوا حتى تنجلي، ما من شيء توعدونه إلَّا وقد رأيته في صلاتي هذه\" إلى آخر الحديث.\nوهذا الحديث لا مطابقة بينه وبين الترجمة، فإن الترجمة عقدت لأربع ركعات، وفي الحديث ست ركوعات، فكان المناسب أن تذكر في الباب الذي قبله، ولعله من تصرف النساخ أدخلوه في هذا الباب سهوًا (٢) وغلطًا.\n١١٧٩ - (حدثنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل) بن علية، (عن هشام) الدستوائي، (نا أبو الزبير، عن جابر قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٩٠٤).\n(٢) والأوجه عندي أن مذهب الأئمة فيه على قولين: تثنية الركوع وتربيعه، فيذكر الأول بعده، وذكر في هذه الترجمة ما يدل على الأكثرية من الركوع الواحد. (ش).","vol":"5","page":299},{"text":"فِى يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ\" وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [م ٩٠٤، ن ١٤٧٨، حم ٣/ ٣٧٤، خزيمة ١٣٨٠، ق ٣/ ٣٢٥]\n===\nفي يوم شديد الحر، فصلَّى رسول الله - ﷺ - بأصحابه، فأطال القيام حتى جعلوا يخرون) أي يسقطون على الأرض مغشيًا عليهم من طول قيامه (ثم ركع) الركوع الأول (فأطال) الركوع (ثم رفع) رأسه من الركوع الأول (فأطال) القيام (ثم ركع) الركوع الثاني (فأطال) ذلك الركوع (ثم رفع) رأسه من الركوع الثاني (فأطال) القيام (ثم سجد سجدتين، ثم قام) إلى الركعة الثانية (فصنع نحوًا) أي قريبًا (من ذلك) الذي صنع في الركعة الأولى (فكان أربع ركعات) أي أربع ركوعات (وأربع سجدات) في الركعتين، في كل ركعة ركوعان وسجدتان (وساق الحديث).\nأخرج هذا الحديث مسلم في \"صحيحه\" (١) مطولًا من طريق يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وذكر فيه بقية الحديث وهي هذه، ثم قال: \"إنه عرض علي كل شيء توعدونه، فعرضت علي الجنة\"، الحديث، وهذا الحديث مناسبته للباب ظاهرة.\nوقد أخرج بعده حديث عائشة وحديث ابن عباس الدالين على أربع ركوعات، ليدل على أن الراجح عنده من الروايات رواية أربع ركوعات، وما زاد على ذلك فهو شاذ، وقد تقدم أن حديث عائشة مختلف، ففي حديث عائشة المتقدم ست ركوعات، وكذلك حديث ابن عباس اختلف فيه، فروى الترمذي عنه عن النبي - ﷺ - وفيه ست ركوعات.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٩٠٤).","vol":"5","page":300},{"text":"١١٨٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ (١)، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (٢)، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَتْ: \"خُسِفَتِ الشَّمْسُ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ فَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِىَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ\n===\n١١٨٠ - (حدثنا ابن السرح) أحمد بن عمرو، (نا ابن وهب) عبد الله، (وحدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن يونس) بن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب) الزهري، (أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: خسفت الشمس في حياة رسول الله - ﷺ -، فخرج رسول الله - ﷺ - إلى المسجد (٣) فقام) للصلاة (فكبر) للتحريمة (وصف الناس وراءه، فاقترأ) افتعال من القراءة ليدل على طولها (رسول الله - ﷺ -) ثم أكدها بقوله: (قراءة طويلة) ليدل على الزيادة في الطول (ثم كبر) للركوع (فركع ركوعًا طويلًا) أي الركوع الأول.\n(ثم رفع رأسه) من الركوع الأول (فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام) قيامًا ثانيًا (فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر) للركوع ثانيًا (فركع ركوعًا طويلًا) أي الركوع الثاني في الركعة الأولى (هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أحمد بن عمرو بن السرح\".\n(٢) زاد في نسخة: \"خ\".\n(٣) اختلفوا في صلاتها في المسجد أو الصحراء، ذكره العيني. (انظر: \"عمدة القاري\" ٥/ ٣٣١). (ش).","vol":"5","page":301},{"text":"الْحَمْدُ»، ثُمَّ فَعَلَ فِى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ\". [خ ١٠٦٦، م ٩٠١، ت ٥٦١، ن ١٤٦٦، جه ١٢٦٣، حم ٦/ ٣٢]\n١١٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى فِى كُسُوفِ الشَّمْسِ، مِثْلَ حَدِيثِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِى كُلِّ\n===\nالحمد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك) أي مثل الذي فعل في الركعة الأولى من قيامين وقراءتين وركوعين.\n(فاستكمل) رسول الله - ﷺ - (أربع ركعات) أي ركوعات في كل ركعة ركوعان (٢) (وأربع سجدات) في كل ركعة سجدتان (وانجلت الشمس قبل أن ينصرف) من الصلاة.\n١١٨١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة) بن خالد ابن أخي يونس بن يزيد، (نا يونس) بن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب قال: كان كثير بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم، أبو تمام المدني، صحابي صغير، ولد على عهد النبي - ﷺ -، كان رجلًا صالحًا فاضلًا فقيهًا، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان (٣) (يحدث أن عبد الله بن عباس كان) أي عبد الله (يحدث: أن رسول الله - ﷺ - صلَّى في كسوف الشمس، مثل حديث عروة، عن عائشة، عن رسول الله - ﷺ - أنه صلَّى ركعتين، في كل\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) اختلفوا في أي الركوعين فرض، وبإدراك أيهما يدرك الركعة؟ فقال الشافعي وأحمد: أولهما فرض، وقال مالك: آخرهما فرض، والبسط في \"الأوجز\" (٤/ ٥٩) فعندهما من فاته الركوع الأول من الركعة الأولى فهو مسبوق. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٥١٩) رقم (٤٤٣٢).","vol":"5","page":302},{"text":"رَكعَةٍ رَكْعَتَيْنِ\". [خ ١٠٤٦، م ٩٠١، ن ١٤٦٩]\n١١٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ بْنِ خَالِدٍ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِىُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ الرَّازِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ (١) الرَّازِىِّ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحُدِّثْتُ (٢) عَنْ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ:\n===\nركعة ركعتين) أي صلَّى في كل ركعة منهما ركوعين، وفي نسخة: ركعتان، مرفوع على الابتداء، وفي كل ركعة، خبره المقدم.\n١١٨٢ - (حدثنا أحمد بن الفرات بن خالد أبو مسعود الرازي، أنا محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي) قال أبو حاتم: صدوق، (عن أبيه) هو عبد الله بن أبي جعفر عيسى بن ماهان الرازي، قال عبد العزيز بن سلام: سمعت محمد بن حميد يقول: عبد الله بن أبي جعفر كان فاسقًا، سمعت منه عشرة آلاف حديث فرميت بها، وقال أبو زرعة: ثقة صدوق، وقال ابن عدي: بعض حديثه مما لا يتابع عليه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي جعفر الرازي) هو عيسى بن أبي عيسى ماهان، صالح الحديث، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال ابن المديني: ثقة كان يخلط، وقال مرة: يكتب حديثه إلَّا أنه يخطئ، وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي، وقال الفلاس: سيِّئ الحفظ.\n(قال أبو داود: وحدثت عن عمر بن شقيق) (٣) بن أسماء، الجرمي بفتح الجيم، البصري، كان يتجر إلى الري، قليل الحديث، ذكره ابن حبان في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) وفي نسخة: \"وحدثت حديثًا\".\n(٣) قال المزي في \"تهذيب الكمال\" في المبهمات (٨/ ٥٠٤): ممن يروي عن عمر بن شقيق من شيوخ أبي داود: يحيى بن حكيم. قلت: يحيى بن حكيم المقوم، ويقال: المقومي، أبو سعيد البصري، ثقة حافظ حجة، انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٧٤٠٩).","vol":"5","page":303},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِىُّ - وَهَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ أَتَمُّ -، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: \"انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَإِنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى بِهِمْ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ (١) مِنَ الطُّوَلِ، وَ(٢) رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَرَأَ سُورَةً مِنَ الطُّوَلِ، وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا\". [حم ٥/ ١٣٤، ق ٣/ ٣٢٩، ك ١/ ٣٣٣]\n===\n\"الثقات\"، وقال الذهلي: ما رأيت أحدًا ضعفه، وقال ابن حزم في \"المحلى\": لا يدرى من هو. وقال في \"التقريب\": مقبول.\n(نا أبو جعفر الرازي، وهذا) المذكور في الكتاب (لفظه) أي لفظ عمر بن شقيق، (وهو) أي لفظ عمر بن شقيق (أتم) من لفظ عبد الله بن أبي جعفر، (عن الربيع بن أنس) البكري، ويقال: الحنفي البصري، ثم الخراساني، قال العجلي وأبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن معين: كان يتشيع فيفرط، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: الناس يتقون من حديث ما كان من رواية أبي جعفر عنه، لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كبيرًا.\n(عن أبي العالية) الرياحي، رفيع بالتصغير ابن مهران، (عن أبي بن كعب قال) أبي بن كعب: (انكسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، وإن النبي - ﷺ - صلَّى بهم) صلاة الكسوف (فقرأ بسورة من الطول، وركع خمس ركعات) أي ركوعات في الركعة الأولى (وسجد سجدتين) فيها (ثم قام الثانية) أي إلى الركعة الثانية (فقرأ بسورة من الطول، وركع خمس ركعات) أي ركوعات، (وسجد سجدتين) فيها كما فعل في الأولى، (ثم جلس كما هو) أي على هيئة (مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها) هذا الحديث لا مناسبة له بالباب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سورة\".\n(٢) وفي نسخة: \"ثم\".","vol":"5","page":304},{"text":"١١٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (١)، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-: \"أَنَّهُ صَلَّى فِى كُسُوفِ الشَّمْسِ، فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، وَالأُخْرَى مِثْلُهَا\". [م ٩٠٩، ن ١٤٦٨، ت ٥٦٠، حم ١/ ٢٢٥، خزيمة ١٣٨٥، قط ٢/ ٦٤، ق ٣/ ٣٢٧]\n١١٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنِى ثَعْلَبَةُ بْنُ عِبَادٍ الْعَبْدِىُّ - ثم مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ - أَنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةً يَوْمًا لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ سَمُرَةُ (٢): بَيْنَمَا أَنَا وَغُلَامٌ مِنَ الأَنْصَارِ\n===\n١١٨٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن سفيان، نا حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: أنه) - ﷺ - (صلى في كسوف الشمس، فقرأ ثم ركع) الركوع الأول (ثم قرأ) بعد القيام من الركوع الأول (ثم ركع) ثانيًا (ثم قرأ) بعد ما قام من الركوع الثاني (ثم ركع) الركع الثالث (ثم قرأ) بعد ما قام من الركوع الثالث (ثم ركع) أي الرابع (ثم سجد) سجدتين، (والأخرى مثلها) أي صلَّى الركعة الثانية مثل الركعة الأولى، فركع فيها أربع ركعات، وقرأ أربع قراءات.\n١١٨٤ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير) بن معاوية بن خديج، (نا الأسود بن قيس) العبدي، وقيل: البجلي، أبو قيس الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي، (حدثني ثعلبة بن عباد) بكسر المهملة وتخفيف الموحدة (العبدي ثم من أهل البصرة أنه) أي ثعلبة بن عباد (شهد خطبة يومًا لسمرة بن جندب) لما كان على البصرة، (قال) ثعلبة: (قال سمرة: بينما أنا وغلام من الأنصار) لعله عبد الرحمن بن سمرة، أخرج حديثه مسلم قال: بينا أنا أرمي بأسهمي في حياة رسول الله إذا انكسفت الشمس (٣)، الحديث.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"مسدد بن مسرهد\".\n(٢) وفي نسخة: \"سمرة بن جندب\".\n(٣) أخرجه مسلم (٩١٣)، والنسائي (١٤٦٠).","vol":"5","page":305},{"text":"نَرْمِى غَرَضَيْنِ لَنَا حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فِى عَيْنِ النَّاظِرِ مِنَ الأُفُقِ اسْوَدَّتْ حَتَّى آضَتْ كَأَنَّهَا تَنُّومَةٌ، فَقَالَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَاللَّهِ لَيُحْدِثَنَّ شَأْنُ هَذِهِ الشَّمْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى أُمَّتِهِ حَدَثًا.\nقَالَ: فَدُفِعْنَا (١)، فَإِذَا هُوَ بَارِزٌ،\n===\n(نرمى غرضين) أي هدفين (لنا حتى إذا كانت الشمس قيد) أي قدر (رمحين أو ثلاثة) في الارتفاع (في عين الناظر من الأفق) الشرقي (اسودت حتى آضت) أي صارت (كأنها تنومة) هي نوع من النبات، فيها وفي ثمرها سواد قليل، (فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد) مسجد رسول الله - ﷺ - (فوالله ليحدثن شأن هذه الشمس) في كسوفها (لرسول الله - ﷺ - في أمته حدثًا) أي أمرًا جديدًا فنراه ونأخذ منه.\n(قال: فدفعنا) أي مشينا سراعًا، كأننا يدفعنا أحد (فإذا هو) أي رسول الله - ﷺ - (بارز) أي خارج وظاهر في المسجد، وفي رواية أحمد في \"مسنده\" (٢): \"فإذا هو بارز، قال: وافقنا رسول الله حين خرج إلى الناس فاستقدم\"، هكذا بارز، من البروز بمعنى الظهور في جميع النسخ الموجودة عندنا، وكذلك فيما رواه الإِمام أحمد في \"مسنده\" من حديث أبي كامل عن زهير (٣).\nوفي \"النهاية\" (٤): \"فانتهيت إلى المسجد فإذا هو بأزَزٍ\" أي: ممتلئ بالناس، يقال: أتيت الوالي والمجلس أَزَزٌ، أي: كثير الزحام ليس فيه متسع، ورواية أبي داود: وهو بارز، من البروز: الظهور، وهو خطأ من الراوي،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إلى المسجد\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٦).\n(٣) قوله: \"بارز\" وردت في عدة مصادر أيضًا كذلك منها: \"صحيح ابن خزيمة\" (١٣٩٧)، و\"صحيح ابن حبان\" (٢٨٥٢)، و\"المستدرك\" للحاكم (١/ ٣٣٠)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٣/ ٣٣٩).\n(٤) \"النهاية\" (١/ ٤٥).","vol":"5","page":306},{"text":"فَاسْتَقْدَمَ فَصَلَّى، فَقَامَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا في صَلَاةٍ قَطٌّ،\n===\nقاله الخطابي في \"المعالم\" (١)، وكذا قال الأزهري في \"التهذيب\".\nقلت: وما أدري ما حملهم على تخطئة لفظ \"بارز\"، وما الدليل على ذلك، فإنه لما اتفقت النسخ كلها على هذا اللفظ، ووافقه رواية أحمد في \"المسند\"، وليس في الحديث ما يخالف ذلك، فلا معنى لإنكاره وتخطئته.\nثم قد يؤيد ذلك أن سمرة يقول في القيام والركوع والسجود: ولا نسمع له صوتًا، فلو حمل عدم سماعه الصوت في القيام على بعده منه - ﷺ - لا معنى لعدم سماعه الصوت في الركوع والسجود، بل يدل هذا على أنه كان قريبًا منه - ﷺ - لا يسمع صوت القراءة كما لا يسمع صوت التسبيحات، لأنه - ﷺ - يسر بالقراءة كما يسر بالتسبيحات، والله تعالى أعلم.\n(فاستقدم) أي تقدم أمامًا (فصلى، فقام بنا) قيامًا (كأطول ما قام بنا) أي قيام قام بنا (في صلاة قط). حاصله: أن القيام الذي كان في هذه الصلاة كان كأطول قيام كان قبله في صلاة، قال في \"القاموس\": وما رأيته قط ويضم ويخففان، وقط مشددة مجرورة بمعنى الدهر مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري، ثم قال: وتختص بالنفي ماضيًا، وتقول العامة: لا أفعله قط، وفي مواضع من البخاري جاء بعد المثبت، منها في الكسوف \"أطول صلاة صليتها قط\"، انتهى.\nقال في \"درجات مرقاة الصعود (٢) \": به استعمال قط في إثبات، وهو خاص بنفي بإجماع النحاة، فخرجه الشيخ جمال الدين بن هشام على أنه أوقعه بعد ما مصدرية كما تقع ما نافية، وقال الرضي: فربما استعملت بلا نفي لفظًا ومعنى نحو كنت أراه قط أي دائمًا، ولفظًا لا معنى نحو هل رأيت الذئب قط، قلت: فدعوى الإجماع يبطلها هذا، انتهى.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٢٥٨).\n(٢) (ص ٧٤).","vol":"5","page":307},{"text":"لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا. قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا رَكَعَ بِنَا فِى صَلَاةٍ قَطُّ، لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا. قال: ثُمَّ سَجَدَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا سَجَدَ بِنَا فِى صَلَاةٍ قَطُّ، لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا، ثُمَّ فَعَلَ فِى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَوَافَقَ تَجَلِّى الشَّمْسِ جُلُوسَهُ فِى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَ(١) شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ (٢) وَرَسُولُهُ (٣)، ثُمَّ سَاقَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ خُطْبَةَ النَّبِىِّ -ﷺ-. [ن ١٤٨٤، ت ٥٦٢، جه ١٢٦٤، حم ٥/ ١٦، خزيمة ١٣٩٧]\n===\n(لا نسمع له) أي لرسول الله - ﷺ - (صوتًا) لأنه كان يسر بالقراءة (قال) سمرة: (ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا) لأنه كان يسر بالتسبيح (قال) سمرة: (ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، قال) سمرة: (فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية) أي لما جلس في التشهد بعد الركعة الثانية شرعت الشمس في تجليها.\n(قال) أي سمرة: (ثم سلَّم، ثم قام، فحمد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلَّا الله، وشهد أنه عبده ورسوله، ثم ساق أحمد بن يونس خطبة النبي - ﷺ -) أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (٤) وذكر فيه خطبة النبي - ﷺ -، ولفظها: ثم قال: أيها الناس! أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني قصَّرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي ﷿ لما أخبرتموني ذاك، فبلغت رسالات ربي كما ينبغي لها أن تبلغ، وإن كنتم تعلمون أني بلغت رسالات ربي لما أخبرتموني ذاك، قال: فقام رجال فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك، ثم سكتوا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثم\".\n(٢) وفي نسخة: \"عبد الله\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٦).","vol":"5","page":308},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم قال: أما بعد: فإن رجالًا يزعمون أن كسوف هذه الشمس، وكسوف هذا القمر، وزوال هذه النجوم عن مَطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله ﵎ يعتبر بها عباده، فينظر من يحدث له منهم توبة، وأيم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الدجال، ممسوح العين اليسرى، كأنها عين أبي يحيى (١) - لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة-، وإنه متى يخرج - أو قال: متى ما يخرج - فإنه سوف يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه، لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن كفر به وكذبه لم يعاقب بشيء من عمله- وقال حسنٌ الأشيب: بسَيِّئٍ من عمله-[سَلَفَ]، وإنه سيظهر - أو قال: سوف يظهر- على الأرض كلها إلَّا الحرم وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيُزَلْزَلَون زلزالًا شديدًا، ثم يهلكه الله ﵎ وجنوده، حتى إنَّ جِذْمَ الحائط - أو قال: أصل الحائط، وقال حسنٌ الأشيب: وأصل الشجرة - لينادي- أو قال: يقول- يا مؤمن- أو قال: يا مسلم- هذا يهودي- أو قال: هذا كافر- تعال فاقتله، قال: ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم وتَسَّاءلون بينكم: هل كان نبيكم ذَكَرَ لكم منها ذكرًا؟ وحتى تزول جبال على مراتبها ثم على أثر ذاك القبض.\nقال: ثم شهدت خطبة لسمرة ذكر فيها هذا الحديث، فما قدم كلمة ولا أخرها عن موضعها، انتهى.\nوفي هذا الحديث دليل لمذهب أبي حنيفة وموافقيه بأن صلاة الكسوف مثل الصلوات المعهودة، ليس فيها إلَّا ركوعان في ركعتين، وأنه يسر بالقراءة\n_________\n(١) كذا في الأصل، وهو تحريف، والصواب: \"أبي تحيى\" كما في \"مسند أحمد\" (٥/ ١٦)، وهو صحابي، انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (٧/ ٢٥)، و\"أسد الغابة\" (٤/ ٣٩٣) رقم (٥٧٤٢)، و\"الثقات\" لابن حبان (١/ ٤٧٣).","vol":"5","page":309},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفيها، ويؤيد إسرار القراءة حديث ابن عباس - ﵁ - أنه - ﷺ - قام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، فلو جهر لم يقدره بما ذكر، ويعارضه ما رواه الخمسة (١) من حديث عائشة، وصححه الترمذي وفيه: \"فجهر بالقراءة\" فإنه صريح في الجهر، وقال في \"منتقى الأخبار\" (٢) بعد نقل حديث سمرة في إسرار القراءة: وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده لأن في رواية مبسوطة له: \"أتينا والمسجد قد امتلأ\".\nقلت: وقد تقدم ما فيه بأن الخطابي والأزهري قالا: إن لفظ الرواية \"وإذا هو بِأَزَزٍ\" وخطّآ ما في جميع النسخ من لفظ: وهو بارز، من البروز، وليس لهما مستند إلَّا أنفسهما فيما علمت، وليس لهما سلف من المحدثين قبلهما، بل الأقرب أن يقال: إن عائشة -رضي الله تعالى عنها - لم تكن قريبة من النبي - ﷺ - بل كانت خلف الصفوف، وكان رسول الله - ﷺ - يكبر أحيانًا في الصلاة ويسبح فيها بما ظهر له من الوقائع والحوادث، وقد يقرأ شيئًا من القرآن يجهر بها، فظنت بذلك أن رسول الله - ﷺ - يجهر بالقراءة.\nوقد ذهب إلى الجهر أحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة وابن العربي من المالكية، وحكى النووي عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة والليث ابن سعد وجمهور الفقهاء أنه يسر في كسوف الشمس. وقال الطبري: يخير بين الجهر والإسرارز\nقال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة، ورجح الشافعي رواية سمرة بأنها موافقة لرواية ابن عباس المتقدمة ولروايته الأخرى،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١)، وأبو داود (١١٨٠)، والترمذي (٥٦١)، والنسائي (١٤٧٣)، وابن ماجه (١٢٦٣).\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٤١).","vol":"5","page":310},{"text":"١١٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِىِّ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَانْجَلَتْ فَقَالَ: «إِنَّمَا هَذِهِ الآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ ﷿ بِهَا، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ». [ن ١٤٨٦، حم ٢/ ٣٢٩، ق ٣/ ٣٣٤، ك ١/ ٣٣٣]\n===\nوالزهري قد انفرد بالجهر، وهو وإن كان حافظًا فالعدد أولى بالحفظ من واحد، قاله الشوكاني (١).\n١١٨٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب) بن خالد، (نا أيوب) السختياني، (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي، (عن قبيصة الهلالي) (٢) هو قبيصة بن المخارق بن عبد الله الهلالي صحابي، نزل البصرة، وفد إلى النبي - ﷺ -، كنيته أبو بشر فيما ذكره ابن عبد البر (قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فخرج فزعًا يجر ثوبه وأنا معه) أي رسول الله - ﷺ - (يومئذ بالمدينة، فصلَّى) رسول الله - ﷺ - (ركعتين فأطال فيهما القيام ثم انصرف) عن الصلاة (وانجلت) الشمس.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (إنما هذه الآيات) أي الكسوف والخسوف (يخوت الله ﷿ بها) عباده، (فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث (٣) صلاة صليتموها من المكتوبة) وأحدث صلاة صليت قبلها من المكتوبة هي صلاة الفجر، لأن صلاة الكسوف صليت ضحى.\n_________\n(١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٤١).\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٧٢) رقم (٤٢٦٩).\n(٣) وقال أصحاب الظواهر في معناها: هذا حكم تشريع، فإن انكسفت بعد الصبح يصلي ركعتين إلى الظهر، وأربعًا إلى الغروب للظهر والعصر، وثلاثًا إلى العشاء من خسوف القمر، وأربعًا إلى الصبح، كما في \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٩٧). (ش).","vol":"5","page":311},{"text":"١١٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ قَبِيصَةَ الْهِلَالِىَّ حَدَّثَهُ: أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مُوسَى، قَالَ: حَتَّى بَدَتِ النُّجُومُ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\n١١٨٦ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) الدورقي، (نا ريحان بن سعيد) بن المثنى، السامي بالمهملة، الناجي بالنون والجيم، أبو عصمة البصري، قال في \"التقريب\": صدوق، وقال في \"تهذيب التهذيب\": قال يحيى بن معين: ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به، يُكتبُ حديثه ولا يحتج به، قال الآجري: سألت أبا داود عنه فكأنه لم يرضه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وضعفه ابن القانع، وقال العجلي: منكر الحديث، وقال: حديث ريحان عن عباد عن أيوب عن أبي قلابة مناكير.\n(نا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن هلال بن عامر) وقيل: ابن عمرو، بصري، روى عن قبيصة بن مخارق في صلاة الكسوف، وعنه أبو قلابة الجرمي، قال الذهبي في \"الميزان\" (١): لا يعرف، وقد ذكره ابن منده في \"الصحابة\"؛ لأن الحديث وقع له مرسلًا، ليس فيه ذكر قبيصة، لكنه قال: لهلال رؤية (أن قبيصة الهلالي حدثه: أن الشمس كسفت) فساق أحمد بن إبراهيم حديثه (بمعنى حديث موسى) بن إسماعيل، (قال: حتى بدت النجوم) أي: كسفت الشمس، واسودت حتى ظهرت النجوم.\nقال الحاكم بعد ما أورد في \"مستدركه\" (٢) حديث وهيب: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللاه بحديث ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن هلال بن عامر عن قبيصة، وحديث يرويه موسى بن إسماعيل عن وهيب، لا يعلله حديث ريحان وعباد، انتهى.\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٣١٥).\n(٢) انظر: \"المستدرك\" (١/ ٣٣٣).","vol":"5","page":312},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: ولعل وجهه أن حديث ريحان بن سعيد لا يساوي في القوة حديث وهيب، فما في حديث وهيب هو الصواب، والذي في حديث ريحان من زيادة هلال بن عامر بين أبي قلابة وقبيصة وهم، وقد تأيد ذلك بما رواه الطحاوي (١): حدثنا أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز قال: ثنا محمد بن بشار قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن قبيصة البجلي قال: انكسفت الشمس، الحديث.\nوهذه الأحاديث الثلاثة أيضًا تدل على ما ذهب إليه الإِمام أبو حنيفة ومن معه في عدم تعدد الركوع في الركعة.\nقلت: قد ذكرنا أن أكثر الأحاديث التي وردت في هذ الباب لا مناسبة لها بالباب، ويمكن أن يوجه الأحاديث كلها بما يناسب الباب، فيقال: إن الحديث الأول عن جابر الذي ذكر فيه ست ركوعات مناسب بالباب بأن ست ركوعات تشمل على أربع ركوعات أيضًا، أو يقال: إن الحديث الثاني في الباب عن جابر فيه: أربع ركوعات، فلعل ذكر الزائد في الأول محمول على الوهم من الراوي، وكذلك حديث أبي بن كعب الذي فيه ذكر عشر ركوعات له مناسبة بالباب بأنه يشمل على الأربع أيضًا، فإن من ركع عشر ركوعات ركع أربع ركوعات.\nوأما حديث سمرة بن جندب الذي فيه ذكر ركوعين فيقال: إنه ذكر ركوع في ركعة لا يدل على نفي الزائد، فكان ذكر الركوع الثاني حذف فيه كما حذفت السجدة الثانية في ذكر السجدة.\nوأما حديث قبيصة الهلالي فمعنى قوله: \"فصلى ركعتين\" أي ركوعين في ركعة، فصار أربع ركوعات في ركعتين، وأما قوله في الحديث: \"فصلوا كأحدث صلاة\" فالتشبيه فيه محمول على بعض الصفات لا على جميعها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٣١).","vol":"5","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>(٢٦٤) بَابُ الْقِرَاءَةِ في صَلَاةِ الْكُسُوفِ </span>(١)\n١١٨٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا عَمِّى، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ، عن سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، كُلُّهُمْ قَدْ (٢) حَدَّثَنِى عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ\n===\n\n(٢٦٤) (بَابُ القِرَاءَةِ في صَلَاةِ الْكسوفِ)\n١١٨٧ - (حدثنا عبيد الله بن سعد) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو الفضل البغدادي، روى عنه البخاري ستة أحاديث، وثقه الدارقطني والخطيب، (نا عمي) يعقوب بن إبراهيم بن سعد، (نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن محمد بن إسحاق) صاحب المغازي، (حدثني هشام بن عروة وعبد الله بن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار) عطف على هشام بن عروة، أي حدثني هشام بن عروة عن عروة، وعبد الله بن أبي سلمة عن سليمان بن يسار عن عروة.\n(كلهم) وفي رواية الحاكم في \"المستدرك\" \"كل\" بغير ضمير وهو أولى، وهذا قول ابن إسحاق يقول: كل واحد من هشام بن عروة، وعبد الله بن أبي سلمة يرويان عن عروة، فأما هشام فيروي عن عروة بغير واسطة، وأما عبد الله بن أبي سلمة فيروي عن عروة بواسطة سليمان بن يسار.\n(قد حدثني عن عروة عن عائشة) وهذا أقرب الاحتمالات في معنى هذا السند، ويحتمل أن يقال في معنى هذا السند: أن محمد بن إسحاق يقول: حدثني هشام بن عروة وعبد الله بن أبي سلمة كلاهما عن سليمان بن يسار، وكل واحد من هشام بن عروة وعبد الله بن أبي سلمة يحدثان عن سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب ما يقرأ فيها\".\n(٢) وفي نسخة: \"قال\".","vol":"5","page":314},{"text":"قَالَتْ: \"كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ، فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ (١) الْبَقَرَةِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ\". [ق ٣/ ٣٣٥، ك ١/ ٣٣٣]\n===\nولكن يتعقب هذا بأن هشام بن عروة روى أحاديث كثيرة في الكسوف عن عروة بلا توسيط أحد، فيبعد أن يكون حديثه عن عروة بواسطة سليمان بن يسار، ويمكن أن يجاب عنه بأن هشام بن عروة، وإن روى عن أبيه أحاديث كثيرة في الكسوف من غير واسطة، ولكن سياق هذا الحديث مغاير لما روى هشام عن أبيه بغير واسطة، فلا يبعد أن يكون هذا السياق يرويه هشام عن أبيه بواسطة، فكم من راو يكون معاصرًا لمن روى عنه، ويروي عنه أحاديث كثيرة، ولا يكون بينهما واسطة، ويبلغه بعض الأحاديث بالواسطة - والله تعالى أعلم-.\n(قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فخرج رسول الله - ﷺ -) إلى المسجد (فصلَّى بالناس) صلاة الكسوف (فقام) في الصلاة (فحزرت قراءته) في القيام (فرأيت) أي ظننت (أنه) أي رسول الله - ﷺ - (قرأ سورة البقرة، وساق الحديث) وهذا اللفظ يدل على أن المؤلف - ﵀- حذف بعض الحديث ههنا واختصره، ولعله ذكر الركوع، ثم ذكر السجود والقيام في الركعة الثانية والقراءة فيها، ولكن سياق هذا الحديث في \"المستدرك\" للحاكم ظاهره يوهم أن الحديث كله هكذا، ولم يحذف منه شيء، فإنه لم يذكر لفظ \"وساق الحديث\".\n(ثم سجد سجدتين) للركعة الأولى (ثم قام) إلى الركعة الثانية (فأطال القراءة فحزرت) أي قدرت (قراءته) في هذه الركعة (فرأيت) أي ظننت (أنه قرأ بسورة آل عمران) وقوله: \"فحزرت قراءته\" يدل على أن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بسورة\".","vol":"5","page":315},{"text":"١١٨٨ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، أَخْبَرَنِى الزُّهْرِىُّ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، فَجَهَرَ (١) بِهَا، يَعْنِى فِى صَلَاةِ الْكُسُوفِ\". [ق ٣/ ٣٣٦، ك ١/ ٣٣٤]\n===\nرسول الله - ﷺ - لم يجهر بالقراءة فيها، وإلَّا فلا تحتاج عائشة إلى الحزر والتقدير، وهو مخالف لما هو المشهور عنها أن رسول الله - ﷺ - كان يجهر بالقراءة فيها.\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢): ويوافق أيضًا (أي عدم الجهر) رواية محمد بن إسحاق بإسناده عن عائشة قالت: فحزرت قراءته، انتهى.\n١١٨٨ - (حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي) الوليد بن مزيد، (نا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، (أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قرأ قراءة طويلة فجهر بها) (٣) أي بالقراءة (يعني في صلاة الكسوف) كذا في النسخ بزيادة لفظ \"يعني\"، والظاهر أنه من كلام أبي داود، يقول شيخي العباس: لم يقل في حديثه لفظ \"في صلاة الكسوف\"، فبين أبو داود أن مراده هذا، ولكن أخرج الحاكم في \"مستدركة\" هذا الحديث بهذا السند ولم يزد لفظ \"يعني\"، فيدل سياق الحاكم على أن لفظ \"في صلاة الكسوف\" من كلام عائشة داخل في الحديث.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يجهر بها\".\n(٢) \"نصب الراية\" (٢/ ٢٣٣).\n(٣) قال الإِمام أحمد: انفرد به الزهرى، وقد روينا عنها وعن ابن عباس ما يدل على الإسرار، وأوله الحافظ في \"الفتح\"، بأن المراد خسوف القمر، لكن رجح الحافظ والعيني روايات الجهر، فتأمل. (انظر: \"فتح الباري\" ٢/ ٥٦٠، و\"عمدة القاري\" ٥/ ٣٣٩).","vol":"5","page":316},{"text":"١١٨٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قال: \"خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا بِنَحْوٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ\" وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ١٠٥٢، م ٩٠٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>(٢٦٥) بَابٌ: أَيُنَادَى فِيهَا بِالصَّلَاةِ</span>؟\n١١٩٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ\n===\n١١٨٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة) أخرج هذا الحديث مالك في \"موطئه\" والبخاري في \"صحيحه\" (١) بهذا السند، وذكرا بدل أبي هريرة عبد الله بن العياس، قال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قولى: عن عطاء بن يسار عن ابن عباس كذا في \"الموطأ\" وفي جميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤي في \"سنن أبي داود\": \"عن أبي هريرة\" بدل ابن عباس، وهو غلط.\n(قال: خسفت الشمس فصلَّى رسول الله - ﷺ - والناس معه) أي خلفه مؤتمين به (فقام قيامًا طويلًا بنحو من سورة البقرة، ثم ركع، وساق الحديث) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" مطولًا بتمامه، وكذا مالك في \"موطئه\"، من شاء فلينظر فيهما.\n\n(٢٦٥) (بَابٌ: أَيُنَادَى (٣) فِيها) أي صلاة الكسوف (بالصَّلَاةِ؟) أي بالحضور لها\n١١٩٠ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا الوليد) بن مسلم، (نا عبد الرحمن بن نمر)\n===\n(١) انظر \"موطأ الإِمام مالك\" (١/ ١٨٦)، و\"صحيح البخاري\" (١٠٥٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٤٠).\n(٣) به قلنا، وحكاه الدسوقي عن عياض في كل صلاه لا يؤذن لها، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٥٥). (ش).","vol":"5","page":317},{"text":"أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِىَّ، فَقَالَ الزُّهْرِىُّ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا فَنَادَى: أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ\". [خت ١٠٦٦، م ٩٠١، ق ٣/ ٣٢٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>(٢٦٦) بَابُ الصَّدَقَةِ فِيهَا</span>\n١١٩١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،\n===\nبفتح النون وكسر الميم، اليحصبي، أبو عمرو الدمشقي، قال الدوري عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، لم يخرج له الشيخان سوى حديث واحد في الكسوف، وقال دحيم: صحيح الحديث عن الزهري، وقال أبو زرعة: حديثه عن الزهري مستوي، وقال أبو أحمد الحاكم: مستقيم الحديث، وقال ابن البرقي: ثقة، وقال الذهلي: ثقة، لم يرو عنه غير الوليد.\n(أنه سأل الزهري، فقال الزهري: أخبرني عروة، عن عائشة قالت: كسفت الشمس فأمر رسول الله - ﷺ - رجلًا) لم أقف على تسميته، قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام (فنادى) أي ذلك الرجل المنادي: (أن الصلاة جامعة) بفتح الهمزة وتخفيف النون وهي المفسرة، وروي بتشديد النون، والخبر محذوف تقديره إن الصلاة ذات جماعة حاضرة، ويروى برفع جامعة على أنه الخبر، وعن بعض العلماء يجوز في \"الصلاة جامعة\" النصب فيهما والرفع فيهما، ويجوز رفع الأول ونصب الثاني، وبالعكس \"فتح\" (١).\n\n(٢٦٦) (بَابُ الصَّدَقَةِ فِيهَا)\nأي في حالة الكسوف\n١١٩١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٣).","vol":"5","page":318},{"text":"عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ (١): «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ ﷿ وَكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا». [خ ١٠٤٦، م ٩٠١، ن ١٤٧٤، ك ١/ ٣٣٤، ق ٣/ ٣٤٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>(٢٦٧) بَابُ الْعِتْقِ فِيهَا</span>\n١١٩٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: \"كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَأْمُرُ (٢) بِالْعَتَاقَةِ فِى صَلَاةِ الْكُسُوفِ\". [خ ١٠٥٤، دي ١٥٣١، خزيمة ١٤٠١، ق ٣/ ٣٤٠، ك ١/ ٣٣١]\n===\nعن عروة، عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته) استشكلت هذه الزيادة؛ لأن السياق إنما ورد في حق من ظن أن ذلك لموت إبراهيم، ولم يذكروا الحياة، قال في \"الفتح\" (٣): والجواب أن فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقدان لا يكون سببًا للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم (فإذا رأيتم ذلك) أي الكسوف والخسوف (فادعوا الله ﷿ وكبروا وتصدقوا) وهذا الحديث دليل على استحباب الدعاء والتكبير والتصدق بالمال.\n\n(٢٦٧) (بَابُ الْعِتْقِ فِيهَا) أي في حالة الكسوف\n١١٩٢ - (حدثنا زهير بن حرب، نا معاوية بن عمرو، نا زائدة) بن قدامة، (عن هشام) بن عروة، (عن) زوجته (فاطمة) بنت المنذر بن الزبير، (عن) جدتها (أسماء) بنت أبي بكر الصديق (قالت: كان النبي - ﷺ - يأمر بالعتاقة في صلاة الكسوف) أي مع صلاة الكسوف، وقد عقد البخاري \"باب من أحب العتاقة في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إن\".\n(٢) وفي نسخة: \"يأمرنا\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٩).","vol":"5","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>(٢٦٨) بَابُ مَنْ قَالَ: يَرْكَعُ رَكعَتَيْنِ</span>\n١١٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنِى الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَصْرِىُّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: \"كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النبي (١) -ﷺ-، فَجَعَلَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْأَلُ عَنْهَا\n===\nكسوف الشمس\"، وأخرج هذا الحديث من طريق ربيع بن يحيى قال: حدثنا زائدة إلى آخر السند، ولفظه: قالت: لقد أمر النبي - ﷺ -.\nقال الحافظ (٢): وفي رواية معاوية بن عمرو عن زائدة عند الإسماعيلي: \"كان النبي - ﷺ - يأمرهم بالعتاقة في كسوف الشمس\".\nوأخرج الحاكم في \"مستدركه\" من طريق معاوية بن عمرو وأبي حذيفة موسى بن مسعود، قالا: حدثنا زائدة إلى آخر السند، ولفظه \"قالت: أمر رسول الله - ﷺ - بالعتاقة في كسوف الشمس\"، فالأمر محمول على الاستحباب دون الوجوب بالإجماع.\n\n(٢٦٨) (بَابُ مَنْ قَالَ: يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ)\nأي يصلي ركعتين\n١١٩٣ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثني الحارث بن عمير البصري) أبو عمير، نزيل مكة، وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير، ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما، فلعله تغير حفظه في الآخر، (عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير قال: كسفت الشمس على عهد النبي - ﷺ - فجعل يصلي ركعتين (٣) ركعتين ويسأل عنها) أي وإذا صلى ركعتين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٤٤).\n(٣) وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٢٧): المراد بالركعتين الركوعان لرواية عبد الرزاق: =","vol":"5","page":320},{"text":"حَتَّى انْجَلَتْ\". [ق ٣/ ٣٣٣، ن ١٤٨٥، جه ١٢٦٢، حم ٤/ ٢٦٩، خزيمة ١٤٠٤]\n===\nيسأل الناس عن حال الشمس، هل انجلت أم لا؟ فإذا علم أنه لم ينجل صلَّى ركعتين، ثم يسأل عن انجلائها (حتى انجلت).\nوأخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (١)، من طريق عبد الوارث، ثنا أيوب فذكر حديثًا، قال: وحدث عن أبي قلابة [عن رجل] عن النعمان بن بشير قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فكان يصلي ركعتين، ثم يسأل، ثم يصلي ركعتين، ثم يسأل حتى انجلت الشمس.\nوأيضًا أخرج من طريق عبد الوهاب الثقفي، ثنا أيوب عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فخرج فكان يصلي ركعتين ويسأل، ويصلي ركعتين ويسأل، حتى انجلت، وأيضًا أخرج من طريق سفيان عن عاصم الأحول عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير: أن رسول الله - ﷺ - صلَّى في كسوف الشمس نحوًا من صلاتكم يركع ويسجد.\nقال الشوكاني (٢): وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم، وصححه ابن عبد البر، وهو عند بعض هؤلاء باللفظ الذي ذكره المصنف عن قبيصة، وأعله ابن أبي حاتم بالانقطاع، انتهى.\nقلت: وأخرجه الطحاوي (٣) من طريق عبيد الله بن عمرو عن أيوب، عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير أو غيره، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فجعل يصلي ركعتين ويسلم، ويسأل حتى انجلت، وساق الحديث.\n_________\n= \"كلما صلَّى ركعة أرسل رجلًا ينظر هل انجلت\"؟ والظاهر أنها بالإشارة، ورده العيني (٥/ ٣٠١)، وحمل الحديث على ظاهره من أنه - ﷺ - صلَّى شفعات مستقلة، كلما صلَّى شفعة أرسل رجلًا ينظر الشمس. (ش).\n(١) (٤/ ٢٦٧، ٢٦٩).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٣٩).\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٣٠).","vol":"5","page":321},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في معنى هذا الحديث من تقرير شيخه مولانا رشيد أحمد- قدس الله سره -: قوله: \"فجعل يصلي ركعتين ركعتين\"، كلمة جعل توهم أن المعنى أخذ في صلاة ركعتين ثم ركعتين، وهو ينافي سائر ما نقل عنه - ﷺ - في صلاة الكسوف، إذ لم يرو أحد منهم زيادة على ركعتين، فالصحيح أن ركعتين بمعنى ركوعين تأكيد للأولى منهما، وعلى هذا فالمعنى ظاهر، وبذلك يظهر إيراده في هذا الباب، وإنما افتقر إلى تأكيد في أمر الركوعين لمزيد الاختلاف فيه، قوله: \"ويسأل عنها\"، أي يدعو الله في شأنها وشأن أنفسهم أن ينجي كُلًا منا عما يؤخذ فيه، انتهى.\nقلت: يؤيد قول الشيخ - ﵀- حديث الطحاوي، فإنه ليس فيه لفظ \"عنها\" بل فيه \"ويسأل\"، وكذلك يؤيده حديث أحمد في \"مسنده\" فإنه ليس في حديثه لفظ \"عنها\"، وكذلك يؤيده ما أخرجه الحاكم، من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير: \"أن الشمس انكسفت، فصلَّى النبي - ﷺ - ركعتين\"، فإنه ليس فيه تكرار ركعتين ولا ذكر السؤال، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، لكن يخالف ما قال الشيخ - ﵀- حديث أحمد، فإن فيه: \"كان يصلي ركعتين؛ ثم يسأل، ثم يصلي ركعتين\"، فإنه صريح في أنه يصلي ركعتين، ثم ركعتين.\nثم رأيت \"سنن النسائي\" فأخرج فيها هذا الحديث من طريق معاذ بن هشام قال: ثني أبي عن قتادة عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا خسفت الشمس والقمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها\"، ثم أخرج من طريق عاصم الأحول عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى حين انكسفت الشمس مثل صلاتنا يركع ويسجد\"، فليس في أكثر الروايات تكرار ركعتين.","vol":"5","page":322},{"text":"١١٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ، ثُمَّ رَكَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ\n===\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (١): قال النووي في \"الخلاصة\": ورواه أبو داود بلفظ \"كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فجعل يصلي ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت\"، قال: إسناده صحيح، إلَّا أنه بزيادة رجل بين أبي قلابة ونعمان، ثم اختلف في ذلك الرجل، انتهى كلامه.\n١١٩٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو) بن العاص، قال في \"الهداية\" (٢): ولنا رواية ابن عمر، قال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٣): قيل: لعله ابن عمرو يعني عبد الله بن عمرو بن العاص فتصحف على بعض النساخ، لأنه لم يوجد عن ابن عمر، أخرج أبو داود والنسائي والترمذي في \"الشمائل\" عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح، ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب، وهذا توثيق منه لعطاء، وكذا قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤).\n(قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فقام رسول الله - ﷺ -) قيامًا طويلًا (لم يكد يركع، ثم ركع) أي ركوعًا طويلًا (فلم يكد يرفع) رأسه من الركوع (ثم رفع) أي رأسه من الركوع فقام قيامًا طويلًا (فلم يكد يسجد) لطول قيامه (ثم سجد) أي سجودًا طويلًا (فلم يكد يرفع) أي رأسه من السجود الأول\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٢/ ٢٢٩).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٨).\n(٣) \"فتح القدير\" (٢/ ٨٤).\n(٤) \"نصب الراية\" (٢/ ٢٢٧).","vol":"5","page":323},{"text":"ثُمَّ رَفَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ ثُمَّ سَجَدَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ، وَفَعَلَ فِى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَخَ فِى آخِرِ سُجُودِهِ فَقَالَ: «أُفْ أُفْ»، ثُمَّ قَالَ: «رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِى أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ، أَلَمْ تَعِدْنِى أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»،\n===\nلطول سجوده (ثم رفع) رأسه من السجود الأول (فلم يكد يسجد) أي السجدة الثانية، (ثم يسجد) أي السجدة الثانية (فلم يكد يرفع) أي رأسه من السجدة الثانية (ثم رفع) أي رأسه من السجدة الثانية، وقام إلى الركعة الأخرى (وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك) أي مثل الذي فعل في الركعة الأولى (ثم نفخ (١) في آخر سجوده فقال: أف أف).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه في توجيه هذا اللفظ، فقال: هذه حكايته لصوته - ﷺ - ثمة، ولا يستلزم صدور الحروف في الحكاية صدورها في المحكي عنه، ولا يلزم فساد الصلاة، وهذا كما في حكايتهم صوت الغراب بغاق مع أن شيئًا من الحروف لا يصدر منه، فإثبات الحروف في الحكاية لضرورة النقل أو الكتابة، انتهى.\n(ثم قال: رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ\n_________\n(١) هذا يخالف ما في الروايات أن رؤية النار كان في الاعتدال الثاني من الركعة الثانية، قال ابن القيم (\"زاد المعاد\" ١/ ٢٦١): وحديث \"النفخ في الصلاة كلام\" باطل لا أصل له، وقال ابن العربي: قال مالك: النفخ بمنزلة الكلام، قال في \"المجموعة\": لا يقطع الصلاة، وقال في \"المختصر\": ذلك كلام؛ لقوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال الأبهري: ليس له حروف هجاء فلا يقطع الصلاة، والتنحنح مثل النفخ عندهم، وهو عندي يقطع الصلاة عامدًا إلا أن يكون التنحنح لمن استأذن عليه بطلت صلاته، وقد ترجم البخاري بأن النبي ﵇ نفخ في صلاة الكسوف، والبصاق نفخ، ولكنه لحاجة، انتهى. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١٧٢ - ١٧٣). (ش).","vol":"5","page":324},{"text":"فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ صَلَاتِهِ وَقَدْ أَمْحَصَتِ الشَّمْسُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [ن ١٤٨٢، تم ٣٠٧، حم ٢/ ١٥٩، خزيمة ١٣٨٩، ق ٢/ ٢٥٢، ك ١/ ٣٢٩]\n١١٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: \"بَيْنَمَا أَنَا أَتَرَمَّى بِأَسْهُمٍ (١) فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهُنَّ وَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ مَا أُحْدِثَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى كُسُوفِ الشَّمْسِ الْيَوْمَ،\n===\nلِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢) (ففرغ رسول الله - ﷺ - من صلاته وقد أمحصت) أي خلصت وصفت (الشمس، وساق الحديث) أخرج النسائي هذا الحديث في \"مجتباه\" وذكر الخطبة فيه مطولًا من شاء فليرجع إليه.\n١١٩٥ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا الجريري) سعيد بن إياس الجريري، (عن حيان بن عمير) القيسي الجريري، أبو العلاء، وثقه النسائي وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبد شمس، العبشمي، أبو سعيد، صحابي من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة، ومات بها سنة خمسين أو بعدها.\n(قال: بينما أنا أترمى بأسهم) قال في \"المجمع\": خرجت أرتمي بأسهمي، وروي \"أترامى\"، رميت بالسهم وارتميت وتراميت وراميت إذا رميت به عن القِسيِّ، وقيل: خرجت أرتمي: إذا رميت القنص، وأترمّى إذا خرجت ترمي في الأهداف ونحوها (في حياة رسول الله - ﷺ -، إذ كسفت الشمس، فنبذتهن) أي الأسهم (وقلت) في نفسي: (لأنظرن ما (٣) أحدث لرسول الله - ﷺ - في كسوف الشمس اليوم،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بأسهمي\".\n(٢) سورة الأنفال: الآية ٣٣.\n(٣) وأوَّل الشافعية هذا الحديث بوجوه، كما بسطه الزيلعي. (انظر: \"نصب الراية\" ٢/ ٢٢٩). (ش).","vol":"5","page":325},{"text":"فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يُسَبِّحُ وَيُحَمِّدُ وَيُهَلِّلُ وَيَدْعُو، حَتَّى حُسِرَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَرَأَ بِسُورَتَيْنِ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ\". [م ٩١٣، ن ١٤٦٠، حم ٥/ ٦١، خزيمة ١٣٧٣، ق ٣/ ٣٣٢، ك ١/ ٣٢٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>(٢٦٩) بَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَ الظُّلْمَةِ وَنَحْوِهَا </span>(١)\n١١٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ، حَدَّثَنا حَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ النَّضْرِ، حَدَّثَنِى أَبِى\n===\nفانتهيت إليه وهو رافع يديه يسبح ويحمد ويهلل ويدعو) أي الله تعالى بدعوات (حتى حسر) أي كشف (عن الشمس، فقرأ بسورتين وركع ركعتين) ظاهره يستلزم وقوع الصلاة بعد الانجلاء، وهو خلاف المذهب والروايات، فالفاء للترتيب (٢) الذكري أو المعنى، فقد كان صلَّى في أثناء ذلك، وكان قرأ فيهما بسورتين، كذا كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه.\n\n(٢٦٩) (بَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَ الظُّلْمَةِ (٣) وَنَحْوِهَا)\n١١٩٦ - (حدثنا محمد بن عمرو) بن عباد (بن جبلة بن أبي رواد) العتكي، بفتح المهملة والمثناة، أبو جعفر، البصري، صدوق، (نا حرمي بن عمارة) بن أبي حفصة نابت بنون وموحدة ثم مثناة، ويقال: ثابت العتكي مولاهم، البصري، أبو روح، صدوق، يهم، (عن عبيد الله بن النضر) بن عبد الله بن مطر، القيسي بقاف، أبو النضر البصري، قال في \"التقريب\": لا بأس به، وقال في \"الخلاصة\": وثقه ابن معين، (حدثني أبي) النضر بن عبد الله بن مطر، القيسي، البصري، قال في \"التقريب\": مستور، وقال في \"الخلاصة\": وثقه ابن حبان.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"غيرها\".\n(٢) وبه جزم النووي كما في \"الأوجز\" (٤/ ٦٨). (ش).\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٢١): به قال أحمد وإسحاق، وعلَّق الشافعي بصحة الحديث، وقد صح عن ابن عباس ... إلخ، قلت: لكن في \"نيل المآرب\" (١/ ٢١٠): لا يصلي لغير الكسوف إلَّا لزلزلة دائمة. (ش).","vol":"5","page":326},{"text":"قَالَ: \"كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى عَهْدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَنَسًا (١) فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَلْ كَانَ يُصِيبُكُمْ مِثْلُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتِ الرِّيحُ لَتَشْتَدُّ فَنُبَادِرُ الْمَسْجِدَ مَخَافَةَ الْقِيَامَةِ\". [ق ٣/ ٣٤٢، ك ١/ ٣٣٤]\n===\n(قال: كانت ظلمة على عهد أنس بن مالك، قال) النضر: (فأتيت أنسًا فقلت: يا أبا حمزة) كنية أنس بن مالك (هل كان يصيبكم مثل هذا) أي الظلمة الشديدة (على عهد رسول الله - ﷺ -؟ قال) أنس: (معاذ الله) نصب على المصدر، حذف فعله وأضيف إلى المفعول، أي نتعوذ بالله تعوذًا، ولفظ معاذ يأتي مصدرًا وظرف زمان وظرف مكان.\nوالغرض بهذا الكلام إنكار وقوع مثل هذه الظلمة على عهد رسول الله - ﷺ -، ثم شرع في بيان ما يقع لهم من أدنى هذه الحوادث، وما يفعلون فيه في زمان رسول الله - ﷺ - فقال: (إن) مخففة من المثقلة (كانت الريح لتشتد فنبادر) أي نسارع (المسجد) للصلاة والدعاء (مخافة القيامة) أي لأجل خوفها، ومذهب الحنفية في الآيات المخوفة والزلازل (٢) والصواعق وغيرها أن يصلي الناس فرادى.\nقال في \"الدر المختار\" (٣) في آخر صلاة الكسوف: وإن لم يحضر الإِمام صلَّى الناس فرادى بمنازلهم كالخسوف للقمر والريح الشديدة والظلمة القوية نهارًا، والضوء القوي ليلًا، والفزع الغالب ونحو ذلك، انتهى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنس بن مالك\".\n(٢) واختلفوا في الصلاة في الزلزلة، وأنكرت الزلزلة في زمانه ﵇ كما بسط في \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٢٣)، وأثبتت في \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٣٣)، ولا يكره الخروج من البيت للزلزلة، بل يستحب كما في \"الشامي\"، والسجود عند الزلزلة يكره عند المالكية بخلاف الصلاة \"دسوقي\" (١/ ٣٠٨)، ويستحب عند الحنابلة \"نيل المآرب\" (ص ٣٨)، والشافعية \"شرح المنهاج\" (ص ٢٠٠)، وتقدم قريبًا كلام العيني. (ش).\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٦٨ - ٦٩).","vol":"5","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>(٢٧٠) بَابُ السُّجُودِ عِنْدَ الآيَاتِ</span>\n١١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى صَفْوَانَ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَاتَتْ فُلَانَةُ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ -ﷺ- فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقِيلَ لَهُ: تَسْجُدُ (١) هَذِهِ السَّاعَةَ؟\n===\n\n(٢٧٠) (بَابُ السُّجُودِ عِنْدَ الآيَاتِ)\n١١٩٧ - (حدثنا محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي) أبو عبد الله، وقيل: أبو صفوان، البصري، قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (نا يحيى بن كثير) بن درهم العنبري مولاهم، البصري، أبو غسان خراساني الأصل، قال عباس العنبري: كان ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (نا سلم بن جعفر) البكراوي، أبو جعفر الأعمى، وثقه عباس العنبري وابن المديني، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال في \"التقريب\": تكلم فيه الأزدي بغير حجة.\n(عن الحكم بن أبان) بفتح همزة وخفة موحدة، العدني، أبو عيسى، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وغيرهم، وقال الحافظ في \"التقريب\": صدوق، عابد، وله أوهام، (عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: ماتت فلانة بعض أزواج النبي - ﷺ -) لعل الراوي نسي اسمها، فكنى عنها بلفظ فلانة، ثم بين المراد بقوله: بعض أزواج النبي - ﷺ -. قال القاري: هي صفية (٢)، وقيل: حصفة.\n(فخر) أي سقط ووقع (ساجدًا) أي آتيًا بالسجود أو مصليًا (فقيل له: تسجد) بحذف حرف الاستفهام في (هذه الساعة؟) أي ساعة الإماتة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أتسجد\".\n(٢) وسماها في \"جمع الفوائد\" (٤/ ٥٧٣) برواية رزين: ماتت سودة. (ش).","vol":"5","page":328},{"text":"فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا»، وَأَىُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ -ﷺ-. [ت ٣٨٩١، ق ٣/ ٣٤٣]\n===\nولعلها (١) كانت تلك الساعة تكره الصلاة فيها، فقيل له: أتصلي في هذه الساعة التي تكره الصلاة فيها (فقال) ابن عباس: (قال رسول الله - ﷺ -: إذا رأيتم آية) مخوفة (فاسجدوا) أي صلوا، ويؤيد هذا التفسير ما أخرجه البخاري من حديث أبي مسعود بلفظ: \"ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموها\" بإفراد الضمير \"فقوموا فصلوا\". وقيل: أراد السجود فحسب.\nقال القاري (٢): قال الطيبي: هذا مطلق، فإن أريد بالآية خسوف الشمس والقمر، فالمراد بالسجود الصلاة، وإن كانت غيرها كمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما، فالسجود هو المتعارف، ويجوز الحمل على المتعارف أيضًا لما ورد: كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، انتهى.\nقال ابن الهمام (٣): وفي \"مبسوط شيخ الإِسلام\": قال: في ظلمة أو ريح شديدة الصلاة حسنة، وعن ابن عباس أنه صلَّى لزلزلة بالبصرة.\n(وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي - ﷺ -) لأنهن ذوات البركة، فبحياتهن يدفع العذاب عن الناس، ويخاف العذاب بذهابهن، فينبغي الالتجاء إلى ذكر الله والسجود عند انقطاع بركتهن ليندفع العذاب ببركة الذكر.\n_________\n(١) قلت: هو المتعين لرواية الترمذي (٣٨٩١): \"قيل لابن عباس بعد صلاة الصبح: ماتت\"، الحديث، وبسطه في \"الكوكب\" (٢/ ٢٣٨)، وسيأتي الكلام على سجود الشكر في الجهاد. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٩٧ - ٥٩٨).\n(٣) \"فتح القدير\" (٢/ ٥٦).","vol":"5","page":329},{"text":"تَفْرِيْعُ أَبْوَابِ صَلَاةِ السَّفَرِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>(٢٧١) بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ</span>\n١١٩٨ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِى الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِى صَلَاةِ الْحَضَرِ\". [خ ٣٥٠، م ٦٨٥، ن ٤٥٣، ق ٣/ ١٤٥]\n===\n\n(تَفْريعُ أَبْوَابِ صَلَاةِ السَّفَرِ)\n(٢٧١) (بَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِ)\n١١٩٨ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت (١) صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) (٢)، استشكل هذا الحديث بوجهين، أولهما: أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، فإن الآية تدل على أن صلاة السفر قصرت، والحديث يدل على أنها لم تقصر.\nوالوجه الثاني: أنه مخالف لفعل عائشة، فإنه روي عنها أنها تتم، أخرج البخاري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر، قال الزهري: فقلت لعروة: فما بال عائشة تتم، قال: تأولت ما تأول عثمان (٤).\n_________\n(١) حجة للحنفية كما سيأتي. (ش).\n(٢) ١٢ ربيع الثاني سنة ١ هـ يوم الثلاثاء، كما في \"الوقائع\"، وبسط ابن العربي الكلام على الحديث ووجوه إتمام عثمان. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ١٤ - ١٥). (ش).\n(٣) سورة النساء: الآية ١٠١.\n(٤) أخرجه البخاري (١٠٩٠).","vol":"5","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالجواب عن الأول، أولًا: أن الآية نزلت في صلاة الخوف لا في صلاة السفر، كما هو رأي بعض العلماء، ويشير إليه أقوال بعض الصحابة.\nوأما ثانيًا: فلو سلم أنها نزلت في صلاة السفر غير معارض له أيضًا، فإن معنى الحديث أن الصلاة فرضت في أول ما فرضت ركعتين ركعتين في السفر والحضر إلَّا المغرب، فإنها وتر النهار، ثم زيدت في الحضر، أي لما هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، فرضت الصلاة رباعية إلَّا في الفجر، فإنها لطول القراءة فيها أقرت على الركعتين، ثم نزلت (١) آية القصر بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ فإطلاق (٢) القصر عليه بما كان زيد فيها لا باعتبار أصل الصلاة، فإنه يدل على أن إطلاق القصر عليه باعتبار ما زيد فيه في الحضر لا باعتبار مطلق الصلاة، فإنه كان زيد فيه بإطلاق اللفظ لا بخصوصية الحضر، وكان في علم الله مخصوصة بالحضر، فأطلق القصر عليه باعتبار إطلاق ظاهر اللفظ.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): والذي يظهر لي- وبه تجتمع الأدلة السابقة- أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلَّا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلَّا الصبح، كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي (٤) من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر\n_________\n(١) في سنة رابعة، كذا في \"التلقيح\" (ص ٣٩). (ش).\n(٢) ولم يرض به الشامي، وقال: هذا عند الشافعي، وأما عندنا فالمراد بالقصر في الآية قصر الهيئة في الخوف. (انظر: \"رد المحتار\" ٢/ ٧٢٧). (ش).\n(٣) وبنحوه جزم ابن القيم في \"الهدي\" (١/ ٤٦٧)، إذ قال: وشرع لهم مع القبلة الأذان، وزاد في الظهر والعشاء ركعتين بعد أن كانت ثنائية، انتهى، وظاهر كلام ابن العربي يدل على أنه زيد في الإسراء، فتأمل \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ١٤). (ش).\n(٤) انظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (٣٠٥)، و\"صحيح ابن حبان\" (٢٧٣٨)، و\"السنن الكبرى\" (١/ ٣٦٣).","vol":"5","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار، انتهى.\nثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ انتهى (١).\nأو يقال: إن المراد بقول عائشة: \"فأقرت صلاة السفر\" باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت.\nوأما ثالثًا: فلأنا لا نسلم أن المراد من القصر في الآية تقليل عدد الركعات، بل المراد القصر في كيفيتها كتخفيف أركان الصلاة من القيام والقراءة والركوع والسجود.\nوالجواب عن الثاني (٢) أن الجواب مذكور في الحديث الذي رواه البخاري (٣) وهو قول عروة: \"تأولت ما تأول عثمان\"، فهذا يدل على أن أصل الفرض في السفر ركعتان عندها أيضًا، ولكنها أتمت صلاتها بالتأويل كما أتم (٤) عثمان -﵁ - صلاته بالتأويل.\nثم قد اختلف أهل العلم هل القصر واجب أم رخصة والتمام أفضل؟ فذهب إلى الأول الحنفية، وروي عن علي وعمر، ونسبه النووي إلى كثير من أهل العلم، قال الخطابي في \"المعالم\" (٥): كان مذهب أكثر علماء السلف\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٤).\n(٢) وحكى ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أن حديث إتمامها كذب. (انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٤٦٤). (ش).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٠٩٠).\n(٤) وسيأتي الكلام على تأويله في \"باب الصلاة بمنى\" من \"كتاب الحج\". (ش).\n(٥) \"معالم السنن\" (١/ ٢٦٠).","vol":"5","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر، وهو قول علي وعمر وابن عمر وابن عباس، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من يصلي في السفر أربعًا، وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت.\nوإلى الثاني الشافعي ومالك وأحمد، قال النووي (١): وأكثر العلماء، وروي عن عائشة وعثمان وابن عباس، قال ابن المنذر: قد أجمعوا على أنه لا يقصر في الصبح ولا في المغرب، قال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف (٢) إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة، وعن بعضهم كونه سفر طاعة.\nاحتج القائلون بوجوب القصر بحجج: الأولى: ملازمته - ﷺ - للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم (٣)، قال: صحبت النبي - ﷺ - فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك، ولم يثبت عنه - ﷺ - أنه أتم الرباعية في السفر البتة.\nوالثانية: ما رواه الجماعة إلَّا البخاري عن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس، قال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: \"صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته\" (٤)، لأنه أمر بالقبول، فلا يبقى له خيار الرد شرعًا، إذ الأمر للوجوب، وجواز الإتمام رد لها\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(٢) ونسبه الرازي في \"تفسيره\" إلى داود وأصحاب الظواهر. (ش).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (١١٠٢)، و\"صحيح مسلم\" (٦٨٩).\n(٤) أخرجه مسلم (٦٨٦)، والنسائي (١٤٣٣)، وأبو داود (١١٩٩)، والترمذي (٣٠٣٤)، وأحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٥)، وابن ماجه (١٠٦٥).","vol":"5","page":333},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلى أن التصدق من الله تعالى فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط، كالعفو من الله تعالى، فلا يحتمل اختيار القبول وعدمه.\nوالحجة الثالثة: حديث عائشة هذا، ووجه الاستدلال به أن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين، لم تجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.\nالحجة الرابعة: ما في \"صحيح مسلم\" (١) عن ابن عباس أنه قال: \"إن الله ﷿ فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا\"، فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن الله ﷿ أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى لله وأخشى من أن يحكى إن الله فرض ذلك بغير برهان.\nوالحجة الخامسة: حديث عمر عند النسائي (٢) وغيره \"صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد - ﷺ -\"، وهو يدل على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا ثم قصرت، وقوله: \"على لسان محمد - ﷺ -\" تصريح بثبوت ذلك من قوله - ﷺ -.\nوالحجة السادسة: حديث ابن عمر عند النسائي (٣) قال: \"إن رسول الله - ﷺ - أتانا، ونحن ضُلَّالٌ، فعلمنا فكان فيما علمنا أن الله ﷿ أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر\"، والأمر للوجوب فوجب في السفر ركعتان.\nالحجة السابعة: إنكار عبد الله بن مسعود وجماعة من الصحابة على عثمان -رضي الله تعالى عنه - بأنه كان يتم حتى احتاج إلى تأويل القصر،\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٦٨٧).\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٥٦٦).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٤٥٧).","vol":"5","page":334},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفهذا يدل على أن القصر كان واجبًا عندهم، وإلَّا فلو كان القصر مباحًا لما أنكروا عليه، ولما احتاج عثمان عن الإنكار إلى الاعتذار بالتأويلات، وبهذا ثبت وجوب القصر بإجماع الصحابة من غير خلاف أحد.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): واحتج الشافعي على عدم وجوب القصر بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلَّى أربعًا باتفاقهم، ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم، وأجاب عنه العيني (٢) فقال: والجواب عن هذا: أن صلاة المسافر كان أربعًا عند اقتدائه بالمقيم لالتزامه المتابعة فيتغير فرضه للتبعية.\nوقال في \"الهداية\" (٣): وإن اقتدى المسافر بالمقيم في الوقت أتم أربعًا، لأنه يتغير فرضه إلى أربع للتبعية، كما يتغير بنية الإقامة لاتصال المغير بالسبب وهو الوقت، واستدل على عدم وجوب القصر بما روي عن رسول الله - ﷺ - في عمرة في رمضان: \"فأَفْطَرَ وصُمْتُ، وقَصَرَ وأَتْمَمْتُ، فقلت: بأبي وأمي أَفْطَرْتَ وصُمتُ، وقَصَرْتَ وأَتْمَمْتُ، فقال: أحسنتِ يا عائشة\"، رواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن.\nوعن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم\" رواه الدارقطني، وقال: إسناد صحيح (٤).\nقال الشوكاني (٥): الحديث الأول أخرجه أيضًا النسائي والبيهقي (٦) بزيادة، ثم قال: واعترض عليه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٥).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٨١).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٨١).\n(٤) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(٥) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٧٤).\n(٦) انظر: \"سنن النسائي\" (١٤٥٦)، و\"السنن الكبرى\" (٣/ ١٤١).","vol":"5","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمقدسي في كلام له على هذا الحديث فقال: وهم في هذا في غير موضع، وذكر أحاديث في الرد عليه، وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه، وطعن فيه، ورد عليه ابن النحوي، قال في \"الهدي\" (١) بعد ذكر هذا الحديث: وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هذا حديث كذب على عائشة إلى آخر ما قال.\nوالحديث الثاني صحح إسناده الدارقطني، كما ذكره المصنف، قال في \"التلخيص\" (٢): وقد استنكره أحمد، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم، قال في \"الهدي\" (٣) بعد ذكر هذا الحديث: وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله - ﷺ -، قال: وقد روي \"كان يَقْصُرُ وتُتِمُّ\" الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق، وكذا \"يفطر وتصوم\" وكذا ضبط الحافظ في \"التلخيص\" لفظ \"تتم وتصوم\" في هذا الحديث بالمثناة من فوق، ثم قال: استدل بحديثي الباب القائلون بأن القصر رخصة، ويجاب عنهم بأن الحديث الثاني لا حجة فيه لهم لما تقدم من أن لفظ \"تتم وتصوم\" بالفوقانية، لأن فعلها - على فرض عدم معارضته لقوله وفعله - ﷺ - لا حجة فيه، فكيف إذا كان معارضًا للثابت عنه من طريقها وطريق غيرها من الصحابة؟\nوأما الحديث الأول فلو كان صحيحًا لكان حجة لقوله - ﷺ - في الجواب عنها: \"أحسنت\"، لكنه لا ينتهض لمعارضة ما في \"الصحيحين\" وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة، وهذا بعد تسليم أنه حسن- كما قال الدارقطني- فكيف وقد طعن فيه بتلك المطاعن المتقدمة، فإنها بمجردها توجب سقوط الاستدلال به عند عدم المعارض، انتهى ملتقطًا من \"النيل\" (٤).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" لابن القيم (١/ ٤٦٥).\n(٢) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١١٢).\n(٣) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٤٦٤).\n(٤) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥).","vol":"5","page":336},{"text":"١١٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا خُشَيْشٌ - يَعْنِى ابْنَ أَصْرَمَ -، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَرَأَيْتَ إِقْصَارَ النَّاسِ الصَّلَاةَ (١)! وَإِنَّمَا قَالَ اللَّه ﷿: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، فَقَدَ ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ (٣): عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"صَدَقَةٌ\n===\n١١٩٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا يحيى) القطان، (عن ابن جريج، ح: وحدثنا خشيش) بمعجمات مصغرًا (يعني ابن أصرم) الأسود (٤)، أبو عاصم، النسائي، ثقة، (نا عبد الرزاق، عن ابن جريج، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار) المكي القرشي، حليف بني (٥) جمح، كان يلقب بالقس، كان ينزل مكة، وكان من عبادها، فسمي القس لعبادته.\n(عن عبد الله بن بابيه) ويقال: باباه، ويقال: بابي، المكي، مولى آل حجير بن أبي إهاب، ويقال: مولى يعلي بن أمية، ثقة، (عن يعلي بن أمية) بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميمي، حليف قريش، وهو يعلي بن منية بضم الميم وسكون النون، وهي أمه، ويقال: جدته، صحابي مشهور.\n(قال) يعلى: (قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناس الصلاة، وإنما قال الله ﷿: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد ذهب) أي زال (ذلك) الخوف (اليوم، فقال) أي عمر: (عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (صدقة) أي هذا القصر صدقة من الله\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"اليوم\".\n(٢) سورة النساء: الآية ١٠١.\n(٣) وفي نسخة: \"فقال عمر\".\n(٤) كذا في الأصل، والصواب: ابن الأسود.\n(٥) وفي الأصل: \"حليف بن جمح\" وهو تحريف.","vol":"5","page":337},{"text":"تَصَدَّقَ اللَّه ﷿ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ\". [م ٦٨٦، ن ١٤٣٣، ت ٣٠٣٤، حم ١/ ٢٥، جه ١٠٦٥]\n١٢٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى عَمَّارٍ يُحَدِّثُ، فَذَكَرَهُ (١). [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ وَحَمَّادُ بْنُ مَسْعَدةَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ بَكْرٍ.\n===\nتعالى (تصدق الله ﷿ بها عليكم، فاقبلوا صدقته) وهذا الحديث يدل على أن القصر في السفر واجب.\n١٢٠٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا: أنا ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن أبي عمار يحدث، فذكره) أي الحديث المتقدم.\nوالغرض بإيراد هذا السند بيان الاختلاف في سنده بأن يحيى القطان حدث (٢) عن ابن جريج قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن عبد الله بن بابيه، فرويا عن عبد الله بن بابيه بواسطة ابنه عبد الرحمن، وروى عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن أبي عمار، فرويا عن عبد الله بن أبي عمار بلا واسطة ابنه.\n(قال أبو داود: رواه أبو عاصم وحماد بن مسعدة كما رواه ابن بكر)، وهذا ترجيح لرواية ابن بكر، لأن أبا عاصم وحماد بن مسعدة رويا كما روى محمد بن بكر، فحصل له زيادة القوة.\nقلت: ورواه روح بن عبادة عن ابن جريج كما رواه يحيى، أخرج الطحاوي (٣): حدثنا أبو بكرة، ثنا روح بن عبادة، ثنا ابن جريج سمعت\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فذكر نحوه\".\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: بأن يحيى القطان وعبد الرزاق حدثنا ... إلخ.\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤١٥).","vol":"5","page":338},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدث عن عبد الله بن باباه عن يعلى بن منية قال: قلت لعمر بن الخطاب، الحديث.\nورواه ابن إدريس عن ابن جريج عن ابن أبي عمار عن عبد الله بن بابيه عند مسلم والنسائي وابن ماجه، وكذلك الدارمي (١) عن أبي عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي عمار، وابن أبي عمار هو عبد الرحمن بن عبد الله، صرح به في \"الخلاصة\" و\"التقريب\" و\"التهذيب\" فلا ترجيح لرواية محمد بن بكر.\nوقد قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة عبد الله بن أبي عمار: يروي في أبي داود عن عبد الله بن بابيه عن يعلي بن أمية في قصر الصلاة، وعنه عبد الملك بن جريج فيما قاله محمد بن بكر وغيره عنه، وقال غير واحد: عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، وهو المحفوظ، وقال في \"التقريب\": عبد الله بن أبي عمار، صوابه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار.\nقلت: ولم أجد رواية محمد بن بكر في \"المسند\" فلعله لم يخرج الإِمام أحمد عن محمد بن بكر في \"المسند\"، ورواه عند التحديث، وكذا لم أجد رواية حماد بن مسعدة، وكذا لم أجد رواية أبي عاصم عن ابن جريج عن عبد الله، بل أخرج الدارمي حديث أبي عاصم عن ابن أبي عمار، وابن أبي عمار هو عبد الرحمن كما تقدم.\nوالذي عندي أنه لا حاجة فيه إلى الترجيح، وقد أخرج بالطريقين الثقات العدول، وصرح أبو داود في رواية عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج بسماعه عن عبد الله بن أبي عمار، وصرح بعض المحدثين بسماعه من عبد الرحمن، فالأولى أن يحمل أن ابن جريج سمع منهما، وروى عنهما كما سمع، فلا معنى لتخطئته، ولا لحمله على كونه غير محفوظة.\n_________\n(١) \"سنن الدارمي\" (١٥٠٥).","vol":"5","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>(٢٧٢) بَابٌ: مَتَى يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ</span>؟\n===\n\n(٢٧٢) (بَابٌ: مَتَى يَقْصُرُ (١) المُسَافِرُ؟)\nإذا خرج الرجل من بيته أو ركب راحلته لقصد السفر هل يجوز له القصر، أو إذا فارق بيوت بلده، أو إذا بلغ ستة أميال أو ثلاثة أميال؟ وحكى البخاري في \"صحيحه\" عن علي أنه قصر، وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة، قال: لا حتى ندخلها.\nقال العيني (٢) ما حاصله: إن العلماء اختلفوا في هذا الباب، فعندنا إذا فارق المسافر بيوت المصر يقصر، وقال الشافعي: في البلد يشترط مجاوزة السور لا مجاوزة الأبنية المتصلة بالسور خارجة، وحكى الرافعي وجهًا: أن المعتبر مجاوزة الدور، ورجح الرافعي هذا الوجه، وإن لم يكن في جهة خروجه سور، أو كان في قرية يشترط مفارقة العمران.\nوفي \"المغني\" (٣) لابن قدامة: ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت مصره أو قريته ويخلفها وراء ظهره، قال: وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور.\n_________\n(١) تحتمل هذه الترجمة أن نتناول مسألتين، أولاهما المذكورة في الشرح، والثانية - وهي الأوجه عندي في غرض الترجمة - بيان المسافة التي إذا أرادها الرجل يصير مسافرًا وهو ثلاثة أميال عند الظاهرية، وقيل: واحد عند ابن حزم، كما قال الشوكاني، وإلى قول الظاهرية مال المصنف لما أورد في الباب الروايات الثلاثة، وتحتمل الأولى أيضًا، والأصل أن حديث أنس هذا اختلفوا في محله، فحمله الظاهرية على بيان المسافة، كما في \"النيل\" (٢/ ٤٧٨) وغيره، وحمله بعضهم على جواز بداءة القصر وهو قول لمالك، كما في \"البداية\" (١/ ١٦٨ - ١٦٩)، وترجم المصنف في الصوم بترجمتين بهاتين المسألتين، الأولى: متى يفطر إذا خرج، والثانية: مسيرة ما يفطر. (ش).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٩٣).\n(٣) انظرة \"المغني\" (٣/ ١١١).","vol":"5","page":340},{"text":"١٢٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِىِّ قَالَ: \"سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ\n===\nوقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على هذا، وعن عطاء وسليمان بن موسى أنهما كانا يبيحان القصر في البلد لمن نوى السفر، وعن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا، فصلَّى بالجماعة في منزله ركعتين، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله، وعن عطاء أنه قال: إذا دخل عليه وقت صلاة بعد خروجه من منزله قبل أن يفارق بيوت المصر يباح له القصر، وقال مجاهد: إذا ابتدأ السفر بالنهار لا يقصر حتى يدخل الليل، وإذا ابتدأ بالليل لا يقصر حتى يدخل النهار، انتهى مختصرًا.\n١٢٠١ - (حدثنا ابن بشار) بندار، (نا محمد بن جعفر) غندر، (نا شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي) بضم الهاء ثم نون خفيفة ومد، أبو نصر، ويقال: أبو يزيد البصري، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند مسلم وأبي داود حديث واحد في قصر الصلاة في السفر، ويقال: هو ابن أبي إسحاق المتقدم.\n(قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال أنس: كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال) جمع ميل، الميل من الأرض: منتهى مد البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وقيل: حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مصطحبة، فلا يدرى أهو رجل أو امرأة أو هو ذاهب أو آت؟ .\nقال النووي (١): الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شعيرات معترضة معتدلة، وهذا الذي قاله هو الأشهر.\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢١٧).","vol":"5","page":341},{"text":"أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ - شَكَّ شُعْبَةُ - يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ\". [م ٦٩١، حم ٣/ ١٢٩، ق ٣/ ١٤٦]\n١٢٠٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ (١) سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: \"صَلَّيْتُ مَعَ\n===\n(أو ثلاثة فراسخ) جمع فرسخ فارسي، معرب فرسنك، وهو ثلاثة أميال (شعبة شك) أي في لفظ الأميال والفراسخ (يصلي ركعتين) أي الرباعية، وحكى النووي (٢): أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال مستدلين بهذا الحديث.\nقلت: وكيف يستدل بهذا على أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، ولفظ ثلاثة أميال مشكوك فيه، فإن المشكوك غير ثابت في نفسه، فلا يفيد إثبات شيء، ولعل هذا الحديث محمول على ما سيروى عن أنس: أنه - ﷺ - صلَّى بذي الحليفة ركعتين، وذو الحليفة على سبعة أميال من المدينة، فعبره بثلاثة فراسخ.\nقال العيني (٣): وكان قصره في ذي الحليفة، لأنه كان أول منزل نزله، ولم تحضر قبله صلاة، ولا يصح استدلال من استدل به على استباحة القصر في السفر القصير لكون بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، لأن ذا الحليفة لم يكن منتهى سفر النبي - ﷺ -، وإنما خرج إليها يريد مكة، فاتفق نزوله بها، وكان صلاة العصر أول صلاة حضرت بها فقصرها، واستمر على ذلك إلى أن رجع.\n١٢٠٢ - (حدثنا زهير بن حرب، نا ابن عيينة) سفيان، (عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة) أنهما (سمعا أنس بن مالك يقول: صليت مع\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أنهما سمعا\".\n(٢) كما نقله الشوكاني عنه، وليس في أصل النووي بهذا السياق. (انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٧٨). (ش).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٩٣ - ٣٩٤).","vol":"5","page":342},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ\". [خ ١٠٨٩، م ٦٩٠، ت ٥٤٦، ن ٤٦٩، حم ٣/ ١١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>(٢٧٣) بَابُ الأَذَانِ في السَّفَرِ </span>(١)\n١٢٠٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عُشَّانَةَ الْمَعَافِرِىَّ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ\n===\nرسول الله - ﷺ - الظهر بالمدينة أربعًا) وهذا يدل على أن من أراد سفرًا وتهيأ له لا يقصر، فإن رسول الله - ﷺ - كان متهيأً للسفر، ولم يقصر حتى خرج من المدينة.\n(والعصر) أي وصلَّى العصر (بذي الحليفة) هي تصغير حلفة، وهي ميقات أهل المدينة ماء لبني جشم، يقال له الآن: أبيار علي، قال عياض: على سبعة أميال من المدينة، وقال ابن قرقول: ستة أميال، وقال في \"معجم البلدان\" (٢): قرية، بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وذو الحليفة موضع آخر، وقع ذكره في حديث رافع بن خديج، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - بذي الحليفة من تهامة، فهو موضع بين حاذة وذات عرق من أرض تهامة (ركعتين).\n\n(٢٧٣) (بَابُ الأَذَان في السَّفَرِ)\n١٢٠٣ - (حدثنا هارون بن معروف، نا ابن وهب) عبد الله، (عن عمرو بن الحارث أن أبا عشانة) بضم أوله وتشديد المعجمة وبعد الألف نون (المعافري) حي، بفتح أوله وتشديد التحتانية، ابن يومن بفتح التحتانية وسكون الواو وكسر الميم، ابن حجيل بن جريج، المصري، ثقة (حدثه، عن عقبة بن\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب في المسافر يؤذن\".\n(٢) \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٩٥).","vol":"5","page":343},{"text":"عَامِرٍ (١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ ﷿ مِنْ رَاعِى غَنَمٍ فِى رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ يُؤَذِّنُ للصَّلَاةِ (٢) وَيُصَلِّى، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِى هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ (٣)، يَخَافُ مِنِّى، فَقَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِى وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ». [ن ٦٦٦، حم ٤/ ١٤٥، ق ١/ ٤٠٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>(٢٧٤) بَابُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي وَهُوَ يَشُكُّ في الوَقْتِ</span>\n===\nعامر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يعجب) أي يرضى (ربك ﷿ من راعي غنم في رأس شظية) هي قطعة مرتفعة في رأس الجبل، كذا في \"المجمع\" (بجبل يوذن للصلاة ويصلي، فيقول الله ﷿) لملائكته: (انظروا إلى عبدي هذا يوذن ويقيم للصلاة، يخاف مني) أي من عقابي، (قد غفرت لعبدي) ما صدر منه من الآثام (وأدخلته الجنة) أي حكمت له بدخول الجنة.\nفإن قلت: لا دلالة في الحديث على السفر، قلت (٤): فيه دلالة عليه، فإن راعي الغنم في رأس شظية الجبل عام لمن كان مسافرًا أو غيره، على أن راعي الغنم إذا استحب له الأذان والإقامة في البادية استحب للمسافر أيضًا، والأولى أن يذكر في الباب حديث مالك بن الحويرث، وفيه: \"فأذنا وأقيما\".\n\n(٢٧٤) (بَابُ المُسَافِر يُصَلِّي) صلاة الفرض (وَهُوَ يَشُكُّ في الوَقْتِ)\nأي في أن وقتها دخل أم لا؟ ولا فرق فيه بين المسافر والمقيم، فالمسافر والمقيم فيه سِيَّان، ومذهبنا ما قال الشامي في حاشيته على \"الدر المختار\" (٥):\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حدثه\".\n(٢) وفي نسخة: \"بالصلاة\".\n(٣) وفي نسخة: \"الصلاة\".\n(٤) ويحتمل عندي في توجيهه أن المصنف مال إلى أن المسافر يصير مسافرًا بثلاثة أميال، كما تقدم، ورعاة الشاة يذهبون للرعاية إلى هذا المقدار، فتأمل، فثبتت الترجمة. (ش).\n(٥) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٣٦).","vol":"5","page":344},{"text":"١٢٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْمِسْحَاجِ بْنِ مُوسَى قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: \"كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- فِى السَّفَرِ فَقُلْنَا: زَالَتِ الشَّمْسُ، أَوْ لَمْ تَزُلْ، صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ ارْتَحَلَ\". [حم ٣/ ١١٣، قط ١/ ٢٦٣، ق ١/ ٣٦٦]\n===\nيشترط لصحة الصلاة دخول الوقت واعتماد دخوله كما في \"نور الإيضاح\" وغيره، فلو شك في دخول وقت العبادة فأتى بها فبان أنه فعلها [في الوقت] لم يجزه كما في \"الأشباه\" في بحث النية، ويكفي في ذلك أذان الواحد لو عدلًا، وإلَّا تحرى وبنى على غالب ظنه.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - قدس سره -: اختلفت الأقوال في الرجل يصلي صلاة وهو على شك من دخول وقتها، قال الإِمام: لا تصح صلاته وإن وقعت في الوقت، وقال آخرون: جازت.\n١٢٠٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية) محمد بن خازم، (عن المسحاج ابن موسى) بكسر أوله وسكون ثانيه ثم مهملة وآخره جيم، الضبي، أبو موسى الكوفي، مقبول (قال: قلت لأنس بن مالك: حَدِّثْنا ما سمعتَ من رسول الله - ﷺ -) أو رأيت منه (قال: كنا) ضمير المتكلم اسمه، والجملة الشرطية خبره (إذا كنا مع رسول الله - ﷺ - في السفر فقلنا) في أنفسنا أو فيما بيننا: (زالت الشمس، أو لم تزل) أي نشك في زوال الشمس ولا نحس زوالها، (صلَّى) رسول الله - ﷺ - (الظهر) وصلينا معه (ثم ارتحل).\nومناسبة الباب في الحديث في قوله: \"زالت الشمس أو لم تزل\"، ولكن هذا الاستدلال على أنهم يصلون وهم شاكون في الوقت غير تام، لأنهم لا يصلون وهم شاكون، بل كانوا يشكون في الوقت ما دام لم يأمر النبي - ﷺ - بالأذان، فإذا أمر رسول - ﷺ - مؤذنه بالأذان وصلَّى، زال شكهم، وهذا ظاهر.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".","vol":"5","page":345},{"text":"١٢٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ (١) شُعْبَةَ، حَدَّثَنِى حَمْزَةُ الْعَايذِىُّ - رَجُلٌ مِنْ بَنِى ضَبَّةَ - قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ حَتَّى يُصَلِّىَ الظُّهْرَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ\". [ن ٤٩٨، حم ٣/ ١٢٠، خزيمة ٩٧٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>(٢٧٥) بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتينِ</span>\n===\n١٢٠٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن شعبة، حدثني حمزة العايذي- رجل من بني ضبة-) هو حمزة بن عمرو العايذي بالتحتانية ومعجمة، أبو عمرو، الضبي، البصري، صدوق، وقال ابن حبان في \"الثقات\": وهم من ضبطه بالجيم والراء (قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا نزل منزلًا لم يرتحل) أي إذا دخل وقت الظهر (حتى يصلي الظهر، فقال له رجل: إن) وصلية (كان) رسول الله - ﷺ -، أو أداء الصلاة (بنصف النهار؟) أي قبل زوال الشمس (قال) أنس: (وإن كان بنصف النهار) أي فيما يبدو للناظر، أو في ظننا.\nوهذه المسألة مجمع عليها، لأنَّ صلاة الظهر لا يجوز أداؤها قبل زوال الشمس إلَّا صلاة الجمعة والنوافل في يومها، فإنها تجوز عند بعض الأئمة قبل زوال الشمس، وكذلك النوافل عند أبي يوسف، قال في \"شرح المنية\": وروي عن أبي يوسف، وهي الرواية المشهورة عنه: أنه جوز التطوع وقت الزوال يوم الجمعة، أي من غير كراهة.\n\n(٢٧٥) (بَابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) (٢)، أي للمسافر\nقال العيني (٣): النوع الثاني في بيان مذاهب الأئمة في هذا الباب،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثنا\".\n(٢) حاصل ما قال ابن العربي: قال أبو حنيفة: بدعة، قلنا: ثابت. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٢٩). (ش).\n(٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٤١٩ - ٤٢٠).","vol":"5","page":346},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفذهب قوم إلى ظاهر هذه الأحاديث، وأجازوا الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر في وقت أحدهما، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق.\nوقال ابن بطال: قال الجمهور: يجوز له الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقًا.\nوقال شيخنا زين الدين: وفي المسألة ستة أقوال، أحدها: جواز الجمع مثل ما قاله ابن بطال، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأسامة بن زيد، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى، وابن عمر، وابن عباس، وبه قال جماعة من التابعين، منهم عطاء بن أبي رباح، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وربيعة الرأي، وأبو الزناد، ومحمد بن المنكدر، وصفوان بن سليم، وبه قال جماعة من الأئمة، منهم سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، ومن المالكية أشهب، وحكاه ابن قدامة عن مالك أيضًا، والمشهور عن مالك: تخصيص الجمع بجد السير.\nوالقول الثاني: إنما يجوز الجمع إذا جد به السير، روي ذلك عن أسامة بن زيد وابن عمر، وهو قول مالك في المشهور عنه.\nوالقول الثالث: إنه يجوز إذا أراد قطع الطريق، وهو قول ابن حبيب من المالكية، وقال ابن العربي: أما قول ابن حبيب فهو قول الشافعي، لأن السفر نفسه إنما هو لقطع الطريق.\nوالقول الرابع: إن الجمع مكروه، قال ابن العربي: إنها رواية المصريين عن مالك.\nوالقول الخامس: إنه يجوز جمع تأخير لا جمع تقديم، وهو اختيار ابن حزم.","vol":"5","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالقول السادس: إنه لا يجوز مطلقًا بسبب السفر، وإنما يجوز بعرفة والمزدلفة، وهو قول الحسن وابن سيرين وإبراهيم النخعي والأسود وأبي حنيفة وأصحابه، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، واختاره.\nوفي \"التلويح\": وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منع الجمع في غير هذين المكانين، وهو قول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص فيما ذكره ابن شداد في كتابه \"دلائل الأحكام\"، وابن عمر في رواية أبي داود، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومكحول، وعمرو بن دينار، والثوري، وأسود وأصحابه، وعمر بن عبد العزيز، وسالم، والليث بن سعد.\nقال صاحب \"التلويح\": وأما قول النووي: إن أبا يوسف ومحمدًا خالفا شيخهما، وإن قولهما كقول الشافعي وأحمد، فقد رده عليه صاحب \"الغاية في شرح الهداية\" بأن هذا لا أصل له عنهما، قلت: الأمر كما قاله، وأصحابنا أعلم بحال أئمتنا الثلاثة - رحمهم الله تعالى-.\nواستدل الذين قالوا بجواز الجمع بظواهر الأحاديث التي فيها ذكر الجمع بين الصلاتين في السفر، فروي الجمع بين الصلاتين عن علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن عباس، وأسامة بن زيد، وجابر، وخزيمة بن ثابت، وابن مسعود، وأبي أيوب، وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهم-.\nواستدل الحنفية على عدم جواز الجمع حقيقة في غير عرفات والمزدلفة بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (١)، أي: أدوها في أوقاتها، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) أي لها وقت معين، له ابتداء لا يجوز المتقدم عليه، وانتهاء لا يجوز التأخر عنه.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٨.\n(٢) سورة النساء: الآية ١٠٣.","vol":"5","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوحملوا الروايات التي فيها الجمع في السفر على الجمع الصوري، لأنه - ﷺ - صلَّى أول الصلاة في آخر وقتها، وثانيتها في أول وقتها لئلا يعارض خبر الواحد الآية القطعية، والأحاديث الصحيحة تؤيد ذلك الحمل على الجمع الصوري، فإنه روي عن ابن عباس - ﵄- بطرق مختلفة: \"صلَّى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر في المدينة في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا لم فعل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني، قال: أراد أن لا يُحرِجَ أحدًا من أمته\"، أخرجه مسلم.\nوفي أخرى عنه عند مسلم: \"أن رسول الله - ﷺ - جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرِجَ أمته\".\nوفي رواية عنه عند مسلم وفيها: \"في غير خوف ولا مطر\"، وفي رواية عنه: \"قال: صليت مع النبي - ﷺ - ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا، قلت: يا أبا الشعثاء! أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظنه ذلك\" (١).\nوقد قال الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلَّا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وفي رواية: ولا سفر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة (٢)، ومعنى قول الترمذي: أجمعت الأمة على ترك العمل به، أي من غير تأويل، وإلَّا فالحنفية عملوا بها بتأويل الجمع الصوري.\nوقد روى البيهقي عن أبي العالية عن عمران \"الجمع من غير عذر من الكبائر\"، وأعله البيهقي بالإرسال، قال: أبو العالية لم يسمع من عمر، ورد\n_________\n(١) انظر: \"صحيح مسلم\" (٧٠٥ - ٧٠٦).\n(٢) انظر: \"علل الترمذي\" (ص ١).","vol":"5","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعليه صاحب \"الجوهر النقي\"، فقال: أبو العالية أسلم بعد موت النبي - ﷺ - بسنتين، ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر (١).\nوقد حكى مسلم الإجماع على أنه يكفي لاتصال الإسناد المعنعن ثبوت كون الشخصين في عصر واحد، ويؤيده ما روى الترمذي (٢) بسنده عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: \"من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر\"، وقد ضعف الترمذي وغيره حنشًا.\nثم قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلَّا في السفر أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد، وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين.\nوقد أطال الشوكاني (٣) الكلام في حديث ابن عباس في حمله على الجمع الصوري، وقال: وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقًا بشرط أن لا يتخذ ذلك خلقًا وعادة، قال في \"الفتح\" (٤): وممن قال به ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، وذهب الجمهور إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز.\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٩).\n(٢) (انظر: \"سنن الترمذي\" رقم الحديث: ١٨٨).\nقال المنذري في \"الترغيب\" (١/ ٢١٨) رقم (٨٣٦): ورواه الحاكم، وقال: حنش ثقة، وقال الحافظ: بل واه بمرة ... إلخ، وفي \"التعقبات\" (ص ١٢): قال الترمذي: عليه أهل العلم، وأشار غير واحد بأن من صحة الحديث العمل به ... إلخ. (ش).\n(٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٩٠).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤).","vol":"5","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأجاب الجمهور من حديث الباب بأجوبة:\nمنها: أن الجمع المذكور كان للمرض وقواه النووي، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لو كان جمعه - ﷺ - بين الصلاتين لعارض المرض لما صلَّى معه إلَّا من له نحو ذلك العذر.\nومنها: أنه كان في غير، فصلَّى الظهر، ثم انكشف الغيم، فبان أن وقت العصر قد دخل فصلاها، قال النووي (١): وهو باطل.\nومنها: أن الجمع المذكور صوري بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل العصر في أول وقتها، قال النووي: وهذا احتمال ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، قال الحافظ: وهذا الذي ضعفه قد استحسنه القرطبي، ورجحه إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء - وهو راوي الحديث عن ابن عباس- قد قال به.\nقال الحافظ أيضًا: ويقوي ما ذكر من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن يحمل على مطلقها، فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود من غير عذر، وإما أن يحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى، والله أعلم، انتهى (٢).\nومما يدل على تعيين حمل حديث الباب على الجمع الصوري ما أخرجه النسائي (٣) عن ابن عباس بلفظ: \"صليت مع النبي - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢٣٦).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٥٨٩).","vol":"5","page":351},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالعشاء، فهذا ابن عباس - راوي حديث الباب - قد صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري، ومما يؤيد ذلك ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال: \"يا أبا الشعثاء! أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظنه\" (١)، وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس كما تقدم.\nومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري ما أخرجه مالك في \"الموطأ\" والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود قال: \"ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلَّى صلاة لغير ميقاتها إلَّا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلَّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها\" (٢)، فنفى ابن مسعود مطلق الجمع، وحصره في جمع المزدلفة مع أنه ممن روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدم، وهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة صوري، ولو كان جمعًا حقيقيًا لتعارضت روايتاه.\nقلت: هذا الحصر مبني على هذا اللفظ، ولكن رواية النسائي (٣) مصرحة بذكر عرفات أيضًا، فانحصر الجمع على روايته في المزدلفة، وعرفات، ولفظه: عن عبد الله قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلي الصلاة لوقتها إلَّا بجمع وعرفات\".\nومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري أيضًا ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما\"،\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (١١٧٤)، و\"صحيح مسلم\" (٧٠٥).\n(٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ٢٧٤)، و\"صحيح البخاري\" (١٦٨٢)، و\"سنن أبي داود\" (١٩٣٤)، و\"سنن النسائي\" (٦٠٨)، و\"صحيح مسلم\" (١٢٨٩)، و\"مسند أحمد\" (١/ ٣٨٤).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٣٠١٠).","vol":"5","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا هو الجمع الصوري، وابن عمر ممن روى جمعه - ﷺ - بالمدينة، كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه (١).\nوهذه الروايات معينة لما هو المراد من لفظ \"جمع\" لما هو المقرر في الأصول من أن لفظ \"جمع بين الظهر والعصر\" لا يعم وقتها، كما في سائر كتب الأصول، بل مدلوله - لغة -: الهيئة الاجتماعية، وهي موجودة في جمع التقديم والتأخير، والجمع الصوري، إلَّا أنه لا يتناول جميعها، ولا اثنين منها، إذ الفعل المثبت لا يكون عامًا في أقسامه كما صرح بذلك أئمة الأصول، فلا يتعين واحد من صور الجمع المذكور إلَّا بدليل، وقد قام الدليل على أن الجمع المذكور في الباب هو الجمع الصوري، فوجب المصير إلى ذلك.\nوقد زعم بعض المتأخرين أنه لم يرد الجمع الصوري في لسان الشارع وأهل عصره، وهو مردود بما ثبت عنه - ﷺ - من قوله للمستحاضة: \"وإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، ومثله في المغرب العشاء\"، وبما سلف عن ابن عباس وابن عمر، وقد روي عن الخطابي أنه قال: لا يصح حمل الجمع- المذكور في الباب - على الجمع الصوري، لأنه يكون أعظم ضيقًا من الإتيان لكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه الخاصة فضلًا عن العامة، ويجاب عنه: بأن الشارع قد عرَّف أمته أوائل الأوقات وأواخرها، وبالغ في التعريف والبيان، حتى إنه عينها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة، فضلًا عن الخاصة.\nولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة، والخروج إليهما مرة أخف من خلافه وأيسر، وبهذا يندفع ما قاله الحافظ في \"الفتح\": إن قوله - ﷺ -: \"لئلا تحرج أمتي\" يقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج.\nفالأولى التعويل على ما قدمنا من أن ذلك الجمع صوري، بل القول\n_________\n(١) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٤٤٣٧).","vol":"5","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبذلك متحتم لما سلف، وقد جمعنا في هذه المسألة رسالة مستقلة سميناها: \"تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع\"، فمن أحب الوقوف عليها فليطلبها، انتهى كلام الشوكاني (١).\nوالحاصل أن النص القرآني القطعي حاكم بعدم جواز الجمع الحقيقي بين الصلاتين، لأنه إخراج الصلاة عن وقتها المقدم، فلا يعارض هذا الحكم إلَّا بمثله، فخرج بهذا الجمع بين عرفات والمزدلفة، فإن ثبوته بلغ حد التواتر على أنه من مناسك الحج بالإجماع، لأنه أجمعت الأمة على هذا الجمع في الموضعين.\nوأما الأحاديث التي فيها ذكر الجمع فمختلفة، وأكثر الروايات في الجمع وردت في السفر، وبعضها يوهم جمع التقديم، وأكثرها في جمع التأخير، فأما جمع التقديم فغير ثابت، فإن أبا داود قال: حديث معاذ من طريق يزيد بن أبي حَبيب هذا حديث منكر، وليس في جمع التقديم حديث قائم، ومع هذا ليس في الحديث ذكر جمع التقديم مصرحًا، بل يحتمل جمع التقديم، ويحتمل غيره، فلا يحمل عليه مع الاحتمال.\nوأما جمع التأخير فمحتمل للجمع الحقيقي والجمع الصوري، فإذا حمل على الجمع الحقيقي يعارض الآية القطعية والأحاديث الظنية، وهي ما تقدم من عمر وابن عباس من \"أن الجمع من غير عذر من الكبائر\" وابن مسعود: \"أنه - ﷺ - ما صلَّى صلاة لغير ميقاتها إلَّا في المزدلفة وعرفات\".\nوأما إذا حمل على الجمع الصوري فلا يخالفه شيء من الأحاديث، فالحمل عليه أولى لموافقة الكتاب والأحاديث التي فيها ذكر الجمع في الحضر، فهذا الجمع محمول على الجمع الصوري قطعًا، ومن حمله على غيره فقد غفل، فهذه كلها تقتضي أن تكون الأحاديث التي فيها ذكر الجمع كلها غير جمع عرفات والمزدلفة محمولة على الجمع الصوري، لا على الجمع الحقيقي- والله تعالى أعلم-.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٧).","vol":"5","page":354},{"text":"١٢٠٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ، عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُمْ: \"أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا\". [م ٧٠٦، ت ٥٥٣، ن ٥٨٧، خزيمة ٩٦٦، جه ١٠٧٠]\n===\n١٢٠٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم بن تدرس، (عن أبي الطفيل عامر بن واثلة) (٢) بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي، وربما سمي عمرًا، ولد عام أحد، ورأى النبي - ﷺ - وعُمِّرَ إلى أن مات سنة مئة وعشر على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره.\n(أن معاذ (٣) بن جبل أخبرهم: أنهم) أي الصحابة (خرجوا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك) بفتح المثناة وضم الموحدة (فكان رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة) أي صلاة الظهر (يومًا، ثم خرج فصلَّى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل) أي خيمته (ثم خرج فصلَّى المغرب والعشاء جميعًا).\nهذا الحديث يشتمل على جملتين، أولاهما: فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وثانيتهما: فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلَّى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج فصلَّى المغرب والعشاء جميعًا، ولا ارتباط بينهما ولا مناسبة، بل الجملة الثانية باعتبار الظاهر منافية للأولى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وكان\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٣٠) رقم (٢٧٤٧).\n(٣) قال ابن العربي (٣/ ٢٧): حديث معاذ هذا علله البخاري. (ش).","vol":"5","page":355},{"text":"١٢٠٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتُصْرِخَ عَلَى صَفِيَّةَ\n===\nفإن الجملة الأولى تدل على أن رسول الله - ﷺ - يفعل فعل الجمع دائمًا مستمرًا.\nوالجملة الثانية: حاصلها أن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك يومًا، فلو كانت الجملة الأولى بلا النافية على هذا السياق، فكان رسول الله - ﷺ - لا يجمع بين الظهر والعصر لكانت الجملتان أشد ارتباطًا ومناسبة، ولكن النسخ والرواة كلهم متفقون على هذا السياق، فيأول بأن قوله: فأخر الصلاة يومًا بيان للجملة الأولى، فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر، ولفظ \"كان\" ليس معناه الاستمرار على الفعل.\nأو يقال: إن الجملة الأولى \"فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء\"، معناه أي يجمع بين هاتين الصلاتين سائرًا، والجملة الثانية \"فأخر الصلاة يومًا ثم خرج\" إلى آخرها، معناه أنه جمع يومًا بين الصلاتين في حالة النزول، يدل عليه لفظ \"ثم دخل ثم خرج\".\nوهذا الحديث هو الصحيح من حديث معاذ بن جبل، وليس فيه ذكر جمع التقديم، وأما حديث معاذ الذي يدعون أنه فيه جمع تقديم فسيأتي قريبًا.\n١٢٠٧ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا حماد) يعني ابن زيد، كما في نسخة، (نا أيوب، عن نافع: أن ابن عمر استصرخ) يقال: استصرخ الإنسان وبه إذا أتاه الصارخ، أي المُصَوِّت يُعْلِمهُ بأمرهم حادث (١)، يستعين به عليه، أو ينعى له ميتًا (على صفية) زوجته، أي أخبر بشدة مرضها وقرب موتها، يدل عليه ما رواه النسائي (٢): قال: سألنا سالم بن عبد الله عن الصلاة في السفر\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: بأمر حادث، انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣١٢)، و\"تاج العروس\" (٧/ ٢٩٢)، و\"النهاية\" (٣/ ٢١).\n(٢) \"سنن النسائي\" (٥٩٧).","vol":"5","page":356},{"text":"وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَسَارَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَبَدَتِ النُّجُومُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ فِى سَفَرٍ جَمَعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ، فَسَارَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ\n===\nفقلنا: أكان عبد الله يجمع بين شيء من الصلوات في السفر فقال: لا، إلَّا بجمع ثم انتبه فقال: كانت عنده صفية، فأرسلت إليه أني في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، فركب وأنا معه، الحديث.\n(وهو بمكة) وهذا مخالف لما في رواية النسائي (١)، قال: سألت سالم بن عبد الله عن صلاة أبيه في السفر، وسألناه هل كان يجمع بين شيء من صلاته في سفره؟ فذكر أن صفية بنت أبي عبيد كانت تحته، فكتبت إليه وهو في زَرَّاعة له: أني في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من الآخرة، الحديث، ويمكن أن يجمع بينهما بأنه كان بمكة، ثم رجع حتى وصل إلى مزرعة له، وهذا التأويل موقوف على أن مزرعته كانت بين مكة والمدينة، والله تعالى أعلم.\n(فسار- حتى غربت الشمس وبدت النجوم، فقال: إن النبي - ﷺ - كان إذا عجل به أمر سفر جمع بين هاتين الصلاتين، فسار) ابن عمر (حتى غاب الشفق) أي قرب غيبوبته.\nويدل عليه ما رواه النسائي في هذه القصة: \"حتى إذا كان في آخر الشفق نزل، فصلَّى المغرب ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق\"، وفي أخرى له: \"وسار حتى كاد الشفق أن يغيب، ثم نزل فصلَّى، وغاب الشفق فصلَّى العشاء\" (٢). وأصرح منهما ما سيأتي في أبي داود (٣) عن نافع وعبد الله بن واقد أن مؤذن ابن عمر قال: الصلاة، قال: سِر، حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل، فصلَّى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلَّى العشاء، الحديث.\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٥٨٨).\n(٢) أخرجه النسائي (٥٩٥ و٥٩٦).\n(٣) سيأتي قريبًا برقم (١٢١٢).","vol":"5","page":357},{"text":"فَنَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا\". [ت ٥٥٥، ن ٥٩٥، حم ٢/ ٤، ط ١/ ١٤٤/ ٣، ق ٣/ ١٥٩]\n١٢٠٨ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ (١) جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ (٢) قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَفِى الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ: إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ (٣) قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ (٤) ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا\". [ق ٣/ ١٦٣، قط ١/ ٣٩٢]\n===\n(فنزل فجمع بينهما) وليس في الحديث دلالة على الجمع الحقيقي بل هو صريح في الجمع الصوري.\n١٢٥٨ - (حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني، نا المفضل بن فضالة والليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير) محمد بن مسلم، (عن أبي الطفيل) عامر بن واثلة، (عن معاذ بن جبل: أن رسول الله - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس) أي مالت عن وسط السماء (قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك) أي مثل ما فعل في الظهر والعصر (إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم جمع بينهما).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ارتحل\".\n(٢) وفي نسخة: \"يرحل\".\n(٣) وفي نسخة: \"وإن ارتحل\".\n(٤) وفي نسخة: \"العشاء\".","vol":"5","page":358},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ (١): رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، نَحْوَ حَدِيثِ الْمُفَضَّلِ وَاللَّيْثِ.\n===\nوحديث معاذ قد استدل به على جمع التقديم بين الصلاتين، وليس فيه دليل على ذلك كما سيأتي البحث فيما يأتي من حديث معاذ برواية قتيبة، وفي سند هذا الحديث هشام بن سعد، وهو متكلم فيه، وقد تقدمت ترجمته (٢).\n(قال أبو داود (٣): ورواه) أي هذا الحديث (هشام بن عروة، عن حسين بن عبد الله) بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، قال أحمد: له أشياء منكرة، وعن ابن معين: ضعيف، قال علي بن المديني: تركت حديثه، وتركه أحمد أيضًا، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال الجوزجاني: لا يشتغل بحديثه، وقال النسائي: متروك، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، وقال الحسن بن علي بن محمد النوفلي: كان الحسين بن عبد الله صديقًا لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكانا يرميان بالزندقة، فقال الناس: إنما تصافيا على ذلك، وقال البخاري: إنه كان يتهم بالزندقة، وقال ابن عدي: أحاديثه يشبه بعضها بعضًا، وهو ممن يكتب حديثه، فإني لم أجد في حديثه منكرًا قد جاوز المقدار، (عن كريب، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، نحو حديث المفضل والليث).\nقال الشوكاني (٤): أما حديث ابن عباس، فأخرجه - أيضًا - البيهقي والدارقطني، وروي أن الترمذي حسنه، قال الحافظ (٥): وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده، وليس بصحيح، لأنه من\n_________\n(١) زاد في نسحة: روى هذا الحديث ابن أبي فديك عن هشام بن سعد عن أبي الزبير على معنى حديث مالك.\n(٢) (١/ ٦٠١) وقم الحديث (١٣٧).\n(٣) وغرض المصنف المتابعة للرواية المتقدمة تقوية لها. (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٨٨).\n(٥) انظر: \"التخليص الحبير\" (٢/ ١٢١).","vol":"5","page":359},{"text":"١٢٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، عن أَبِي مَوْدُودٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَطُّ في السَّفَرِ (٢) إِلَّا مَرَّةً\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا يُرْوَى، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرَ ابْنُ عُمَرَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا قَطُّ إِلَّا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، يَعْنِي لَيْلَةَ اسْتُصْرِخَ عَلَى صَفِيَّةَ (٣)،\n===\nطريق حسين بن عبد الله وهو ضعيف، ضعفه أبو حاتم وابن معين، ولكن له طريق أخرى، أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحماني عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وله أيضًا طريق أخرى رواها إسماعيل القاضي في \"الأحكام\" عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس بنحوه.\n١٢٠٩ - (حدثنا قتيبة، نا عبد الله بن نافع) الصائغ، (عن أبي مودود) عبد العزيز بن أبي سليمان، (عن سليمان بن أبي يحيى) حجازي، قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وروى له أبو داود حديثًا واحدًا في الجمع بين المغرب والعشاء، (عن ابن عمر قال: ما جمع رسول الله - ﷺ - بين المغرب والعشاء قط في السفر إلَّا مرة).\n(قال أبو داود: وهذا يروى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفًا على ابن عمر أنه لم ير) بصيغة المجهول (ابن عمر) نائب الفاعل (جمع بينهما) أي بين الصلاة (قط إلَّا تلك الليلة) أي قال أيوب: (يعني) نافع (ليلة استصرخ على صفية) غرض المصنف بهذا الكلام تضعيف\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سعيد\".\n(٢) وفي نسخة: \"في سفر\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"5","page":360},{"text":"وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مَكْحُولٍ عن نَافِعٍ، \"أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ\" (١).\n١٢١٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (٢) قَالَ: \"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا،\n===\nما روى سليمان بن يحيى عن ابن عمر مرفوعًا بأنه لم يثبت في هذا الباب عن رسول الله - ﷺ -، والراجح أنه فعل ابن عمر فعله حين استصرخ على صفية.\nقلت: ولا منافاة بين المرفوع والموقوف في هذا الأمر حتى يحتاج إلى ترجيح الموقوف، وتوهين المرفوع، بل يمكن أن يكون نافع سمع من ابن عمر رواه مرفوعًا، ورأى من ابن عمر فعله فرواه موقوفًا، ولكن يخالف هذا الحديث ما رواه أرباب الصحاح عن رسول الله - ﷺ - \"أنه قصر الصلاة في سفر تبوك، وفي سفر مكة، حتى رجع إلى المدينة\". فلا بد أن يحمل هذا الحديث على سفر خاص.\n(وروي من حديث مكحول عن نافع أنه رأى ابن عمر فعل ذلك) أي الجمع بين الصلاتين (مرة أو مرتين) وهذه تقوية لترجيح أن الحديث موقوف، ولى أر هذا التعليق موصولًا فيما عندي من الكتب.\n١٢١٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم، (عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا) أي جمع بينهما\n_________\n(١) زاد في نسحة: وروى عاصم بن محمد عن أخيه عن سالم، ورواه ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب أن الجمع بينهما كان من ابن عمر بعد غيوب الشفق، هكذا في بعض النسخ وهو مكرر كما سيأتي. (ش).\n(٢) وفي نسخة: \"أنه قال\".","vol":"5","page":361},{"text":"في غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ. قَالَ مَالِكٌ: أُرَى ذَلِكَ كَانَ في مَطَرٍ\". [م ٧٠٥، ن ٦٠١، ت ١٨٧، خزيمة ٩٦٧، ق ٣/ ١٦٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نَحْوَهُ عن أَبِي الزُّبَيْرِ.\n===\n(في غير خوف ولا سفر) أي لم يكن جمعه - ﷺ - بين الصلاتين لأجل أنه كان يخاف العدو ولا لأجل أنه كان في سفر بل كان آمنًا مقيمًا.\n(قال مالك: أرى ذلك كان في مطر) قال صاحب \"الجوهر النقي\" (١): ينفي هذا ما ذكره بعد في هذا الباب، وعزاه إلى مسلم عن ابن عباس \"أنه ﵇ جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر\"، وقال ابن المنذر: لا معنى لحمل الأثر على عذر من الأعذار؛ لأن ابن عباس أخبر بالعلة فيه، وهو قوله: \"أراد أن لا يحرج أمته\"، انتهى كلامه، ثم إن مالكًا لم يجز الجمع بين الظهر والعصر بعذر المطر، فترك ما تأول هو حديث ابن عباس عليه، انتهى.\nقلت: والذي رأيته في كتب المالكية من \"المدونة\" (٢) وغيرها أنه يجوز عند مالك الجمع بين المغرب والعشاء لعذر المطر، ولا يجوز الجمع عنده بين الظهر والعصر لهذه العلة، فالراجح أن الحديث محمول على الجمع الصوري كما تقدم عن الشوكاني مفصلًا.\n(قال أبو داود: ورواه حماد بن سلمة نحوه) أي نحو ما تقدم عن مالك (عن أبي الزبير).\nقلت: قال البيهقي في \"سننه الكبرى\" بعد تخريج حديث مالك: وكذلك رواه زهير بن معاوية وحماد بن سلمة عن أبي الزبير \"في غير خوف ولا سفر\" إلَّا أنهما لم يذكرا المغرب والعشاء، وقالا: بالمدينة، ورواه أيضًا سفيان بن عيينة وهشام بن سعد عن أبي الزبير بمعنى حديث مالك، وخالفهم قرة بن خالد عن أبي الزبير، فقال في الحديث: \"في سفرة سافرها إلى تبوك\".\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٣/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(٢) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١/ ٣٠٠).","vol":"5","page":362},{"text":"وَرَوَاهُ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عن أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: في سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا (١) إِلَى تَبُوكَ.\n===\nثم ساق حديث زهير بسنده، ثم ساق حديث حماد بن سلمة، فقال: وأما حديث حماد بن سلمة فأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا أبو سهل بن زياد القطان، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا حجاج يعني ابن منهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر بالمدينة في غير خوف ولاسفر\" (٢).\n(ورواه قرة بن خالد عن أبي الزبير قال: في سفرة سافرناها إلى تبوك) هذا التعليق وصله مسلم في \"صحيحه\" (٣): حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي قال: نا خالد يعني ابن الحارث، قال: نا قرة، قال: نا أبو الزبير، قال: نا سعيد بن جبير، قال: نا ابن عباس: \"أن رسول الله - ﷺ - جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِج أمته\".\nقلت: ظاهر كلام أبي داود يقتضي أن رواية قرة بن خالد هذا عن أبي الزبير، ورواية مالك عن أبي الزبير حديث واحد، ولكن يشكل هذا بأن حديث مالك وارد في عدم السفر، وحديث قرة في السفر، فهما متنافيان، فكيف يقال بوحدتهما؟ ولا مخلص منه إلَّا أن يحمل قوله: \"في غير خوف ولا سفر\" على السير، أي لم يكن رسول الله - ﷺ - سائرًا، بل كان نازلًا، فجمع بينهما في حالة النزول لا في حالة السير، أو يقال: إن الغرض من ذكر هذا التعليق بيان الاختلاف في متن الحديثين، ففي رواية مالك نفي السفر، وفي رواية قرة بن خالد ذكر السفر، والحكم باتحادهما باعتبار اتحاد السند لا المتن.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سافرها\".\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٦٦).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٧٠٥).","vol":"5","page":363},{"text":"١٢١١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ (١)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ، فَقِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ، قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nقال البيهقي في \"سننه الكبرى\" (٢) بعد تخريج حديث قرة: رواه مسلم في \"الصحيح\" عن يحيى بن حبيب، وكان قرة بن خالد أراد حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ، فهذا لفظ حديثه، أو روى سعيد بن جبير الحديثين جميعًا، فسمع قرة أحدهما، ومن تقدم ذكره الآخِرَ وهذا أشبه، وقد روى قرة حديث أبي الطفيل أيضًا.\n١٢١١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية) محمد بن خازم، (نا الأعمش) سليمان بن مهران، (عن حبيب) بن أبي ثابت، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة (٣) من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس: ما) استفهامية أي أي شيء (أراد إلى ذلك) أي ذاهبًا إلى ذلك، وهو الجمع بين الصلاتين (قال) أي ابن عباس: (أراد) أي رسول الله - ﷺ - (أن لا يحرج أمته) أي أراد رسول الله - ﷺ - بالجمع بين الصلاتين أن لا يوقع في الحرج أمته، بأنه إذا وسَّع لهم في الأمر بأن يصلوا الصلوات في أول أوقاتها، وفي آخر أوقاتها، وإحداهما في أول أوقاتها، والثانية في آخرها يكون سببًا لدفع الحرج عنهم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن أبي ثابت\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٦٧).\n(٣) وقال مولانا الشاه ولي الله الدهلوي في \"تراجم البخاري\" (ص ١٨٦): إن القصة كانت في تبوك، ومعنى قوله: \"ولا سفر\" أي ولا سير، بل في النزول، ففهم الراوي من قوله: \"ولا سفر\" المدينة، فاحفظ، ثم قال: ألا إن الثابت بالثقات هكذا، وردُّه بعيدٌ، فتأمل. (ش).","vol":"5","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: قال أبو عيسى (١): حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي، ثم قال: والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلَّا في السفر أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق.\nوقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين، انتهى.\nقال الشوكاني (٢): والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها، وفعل الأولى في أول وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها، كما كان [ذلك] ديدنه - ﷺ -[حتى] قالت عائشة: \"ما صلَّى صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله تعالى\"، ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين في دفعة والخروج إليه مرة أخفُّ من خلافه وأيسر، وبهذا يندفع ما قاله الحافظ في \"الفتح\": إن قوله - ﷺ -: \"لئلا تحرج أمتي\" يقدح في حمله على الجمع الصوري لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج.\nفإن قلت: الجمع الصوري هو فعل لكل واحدة من الصلاتين المجموعتين في وقتها فلا يكون رخصة بل عزيمة، فأي فائدة في قوله - ﷺ -: \"لئلا تحرج أمته\"، مع شمول الأحاديث المعينة للوقت للجمع الصوري؟ وهل حمل الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلَّا من باب الاطراح لفائدة وإلغاء مضمونه؟ .\nقلت: إن الأقوال الصادرة منه - ﷺ - شاملة للجمع الصوري، كما ذكرت، فلا يصح أن يكون رفع الحرج منسوبًا إليها، بل هو منسوب إلى الأفعال، ليس إلَّا لما عرفناك من أنه - ﷺ - ما صلَّى صلاة لآخر وقتها مرتين، فربما ظن ظانٌ أن\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٥٥).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٧٦).","vol":"5","page":365},{"text":"١٢١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ: \"أَنَّ مُؤَذِّنَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الصَّلَاةُ، قَالَ: سِرْ، حَتَّى إِذَا كَانَ قَبْلَ غُيُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ انْتَظَرَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ صَنَعَ مِثْلَ الَّذِى صَنَعْتُ، فَسَارَ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَسِيرَةَ ثَلَاثٍ\". [قط ١/ ٣٩٣]\n===\nفعل الصلاتين في أول وقتها متحتِّمٌ لملازمته - ﷺ - لذلك طول عمره، فكان في جمعه جمعًا صوريًا تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرد الفعل، وقد كان اقتداء الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا امتنع الصحابة -﵃- من نحر بُدُنِهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم - ﷺ - بالنحر حتى دخل - ﷺ - على أم سلمة مغمومًا، فأشارت عليه بأن ينحر ويدعو الحلَّاق يحلق له، ففعل، فنحروا أجمع، وكادوا يهلكون غمًا من شدة تراكم بعضهم على بعض حال الحلق، انتهى.\n١٢١٢ - (حدثنا محمد بن عبيد) مصغرًا (المحاربي، نا محمد بن فضيل) مصغرًا، (عن أبيه) فضيل بن غزوان، (عن نافع وعبد الله بن واقد) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مقبول (أن مؤذن ابن عمر) أي عبد الله (قال) أي لعبد الله بن عمر: (الصلاة) أي حضر وقتها.\n(قال) أي ابن عمر: (سِرْ) أمر من السير (حتى إذا كان) أي الوقت (قبل غيوب الشفق نزل) أي عبد الله عن راحلته (فصلَّى المغرب، ثم انتظر) أي غيوب الشفق بعد الفراغ من صلاة المغرب (حتى غاب الشفق، فصلَّى العشاء) أي بعد غيوب الشفق (ثم قال) أي ابن عمر: (إن رسول الله - ﷺ - كان إذا عجل به أمر صنع مثل الذي صنعت) أي يجمع بين الصلاتين كما جمعت (فسار) أي ابن عمر (في ذلك اليوم والليلة مسيرة) أي مسافة (ثلاث) أي ثلاث ليال مع أيامها، وهذا حديث صريح في الجمع الصوري.","vol":"5","page":366},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ جَابِرٍ، عن نَافِعٍ نَحْوَ هَذَا بِإِسْنَادِهِ.\n١٢١٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ بِهَذَا الْمَعْنَى.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ (١)، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: \"حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ ذَهَابِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا\".\n===\n(قال أبو داود: رواه ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أبو عتبة الشامي الداراني، ثقة، (عن نافع نحو هذا) أي الحديث المتقدم (بإسناده) أي بإسناد الحديث المتقدم.\nوالغرض من ذكر هذا التعليق تقوية الحديث المتقدم، فإن نافعًا روى الحديث، وتابعه عبد الله بن واقد، ثم روى عن نافع فضيل بن غزوان، وتابعه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فحصل له قوة، وأخرج هذا التعليق الدارقطني (٢): حدثنا أبو بكر النيسابوري، أخبرني العباس بن الوليد بن المزيد، قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثني نافع، قال: خرجت مع عبد الله بن عمر، الحديث.\n١٢١٣ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى) بن يونس، (عن ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (بهذا المعنى) وفي نسخة: على هذا، يعني موافقًا لحديث فضيل بن غزوان عن نافع.\n(قال أبو داود: ورواه عبد الله بن العلاء) بن زبر بفتح الزاي المعجمة وسكون الموحدة، ابن عطارد، أبو زبر، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي، ثقة، (عن نافع قال) أي نافع: (حتى إذا كان عند ذهاب الشفق) أي قرب وقت ذهاب الشفق أي غيبوته (نزل) أي عبد الله عن راحلته (فجمع بينهما) أي بين المغرب والعشاء.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"العلاء بن زبر\".\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٩٣).","vol":"5","page":367},{"text":"١٢١٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ\" (١)، وَلَمْ يَقُلْ سُلَيْمَانُ وَمُسَدَّدٌ: \"بِنَا\". [خ ٥٤٣، م ٧٠٥، ن ٥٨٩، ق ٣/ ١٦٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِى غَيْرِ مَطَرٍ.\n===\nوالغرض من ذكر هذا التعليق تقوية حديث فضيل بن غزوان وابن جابر، وبيان الاختلاف في اللفظ.\n١٢١٤ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد بن زيد، ح: وحدثنا عمرو بن عون، نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد) أبو الشعثاء، (عن ابن عباس قال: صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - بالمدينة ثمانيًا) أي ثماني ركعات جميعًا، وهي أربع ركعات لصلاة الظهر، وأربع ركعات لصلاة العصر (وسبعًا) أي وسبع ركعات، ثلاث ركعات للمغرب، وأربع ركعات للعشاء (الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولم يقل سليمان ومسدد: بنا) أي لم يقولا لفظ: \"بنا\"، بل قالا: \"صلَّى رسول الله - ﷺ -\"، وزاد لفظ \"بنا\" عمرو بن عون فقط.\n(قال أبو داود: ورواه صالح مولى التوأمة (٢) عن ابن عباس قال) أي ابن عباس: (في غير مطر) أي جمع رسول الله - ﷺ - بين صلاتين وصلاتين في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) أخرج روايته عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٥٥٥) رقم (٤٤٣٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٤٥٦)، وأحمد في \"المسند\" (١/ ٣٤٦)، وعبد بن حميد في \"المسند\" (١/ ٥٩٧) رقم (٧٠٨)، وأبو يعلى في \"المسند\" (٥/ ٨٠) رقم (٢٦٧٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٦٠)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٣٩٧) رقم (١٠٨٠٣ - ١٠٨٠٤).","vol":"5","page":368},{"text":"١٢١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَارِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- غَابَتْ لَهُ الشَّمْسُ بِمَكَّةَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِسَرِفَ\". [ن ٥٩٣، حم ٣/ ٣٠٥، ق ٣/ ١٦٤]\n===\nغير مطر، وهكذا تقدم من حديث الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ولفظه، \"من غير خوف ولا مطر\"، والأقرب أن معناه من غير عذر، فإنه لو كان لعذر المرض أو غيره لقال: لمرض، ولا معنى لنفي الخوف والسفر والمطر، والله تعالى أعلم.\n١٢١٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا يحيى بن محمد) بن عبد الله بن مهران المدني مولى بني نوفل (الجاري) بجيم وراء خفيفة، والجار اسم لساحل البحر مما يلي المدينة النبوية، وثَّقه العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"الأنساب\" (١): هذه نسبة إلى الجار، وهي بليدة على الساحل بقرب مدينة رسول الله - ﷺ -، (نا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي.\n(عن مالك، عن أبي الزبير، عن جابر) بن عبد الله الأنصاري: (أن رسول الله - ﷺ - غابت له الشمس بمكة، فجمع بينهما بسرف) قال في \"القاموس\": وككتف: موضع قرب التنعيم، قال ياقوت الحموي في \"معجم البلدان\" (٢): سرف بفتح أوله وكسر ثانيه وآخره فاء، موضع على ستة أميال بمكة، وقيل: سبعة وتسعة واثني عشر، تزوج به رسول الله - ﷺ - ميمونة بنت الحارث، وهناك بني بها، وهناك توفيت.\nاستدل بها القائلون بجمع الصلاتين حقيقة في وقت الأخرى، وأجاب عنه مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - قدس سره - فقال: قوله: \"جمع بينهما بسرف\" هذا لا يتم الاستدلال به على ما ادَّعوه، إنما هو موقوف\n_________\n(١) \"الأنساب\" (٢/ ٩).\n(٢) \"معجم البلدان\" (٣/ ٢١٢).","vol":"5","page":369},{"text":"١٢١٦ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ هِشَامٍ جَارُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ،\n===\nعلى تحديد سير قصواء ناقة رسول الله - ﷺ -، فالظاهر منه وقوع الصلاتين في وقتيهما لما ثبت من سرعة سيرها، وأنها لم تسبق إلَّا مرة مع ما نرى من سير نوق العرب التي هي غير ممدوحة في السير عندهم، وأنها كانت ممدوحة في ذلك معروفة.\n١٢١٦ - (حدثنا محمد بن هشام جار أحمد بن حنبل) وهو محمد بن هشام بن عيسى بن سليمان الطالقاني المروزي (١)، بتشديد الراء المضمومة، كذا في \"التقريب\"، وقال في \"الخلاصة\": محمد بن هشام بن عيسى الطالقاني أبو عبد الله المروذي بذال معجمة.\nقلت: بلدتان بخراسان إحداهما: المرو الشاهجهاني: هذه المرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، نص عليه الحاكم أبو عبد الله في \"تاريخ نيسابور\"، والنسبة إليها مروزي على غير قياس، وهي بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو آخرها زاي، قال السمعاني في \"الأنساب\" (٢): وكان إلحاق الزاي في هذه النسبة فيما أظن للفرق بين النسبة إلى مروي، وهي الثياب المشهورة بالعراق، والمنسوب إليها خلق كثير، منهم: عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه وغيره.\nوالثانية: مرو الروذ: بفتح الميم وسكون الراء آخرها واو، مضاف إلى الروذ بضم الراء وسكون الواو آخره ذال معجمة، كان لفظًا فارسيًا آخره دال مهملة، فلما عرب أبدلت ذالًا، ومعناه في الفارسية: النهر، لأنه كان على نهر عظيم، فلهذا سميت بذلك، وهي صغيرة بالنسبة إلى المرو الشاهجهاني، والنسبة إليها مَرْوَرُوذي بميم مفتوحة وسكون راء أولى، وفتح واو وضم راء ثانية، وبذال معجمة، ومَرُّوذِي بفتح الميم وضم الراء المشددة،\n_________\n(١) كذا في \"التقريب\" بالزاي، وفي \"التهذيب\" بالذال. (ش).\n(٢) (٤/ ٢٧٨). وانظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ١١٢).","vol":"5","page":370},{"text":"نَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عن هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: \"بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ أَمْيَالٍ\" يَعْنِي بَيْنَ مَكَّةَ وَسَرِفَ. [ق ٣/ ١٦٤]\n١٢١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ (١)، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ قَالَ: قَالَ رَبِيعَةُ - يَعْنِى كَتَبَ إِلَيْهِ -:\n===\nبعدها واو ساكنة، ثم ذال معجمة، ينسب إليها هاشم بن الحارث، وأحمد ابن محمد بن الحجاج أبو بكر، ولم يظهر لي أن محمد بن هشام هذا منسوب إلى الأولى أو الثانية، إلَّا أن كونه جار أحمد بن حنبل يشير إلى أنه منسوب إلى الأولى، وقول الحافظ في \"التقريب\": بتشديد الراء المضمومة، وكذا قول صاحب \"الخلاصة\": بذال معجمة يدلان على أنه منسوب إلى الثانية، والله تعالى أعلم.\n(نا جعفر بن عون، عن هشام بن سعد قال) أي هشام بن سعد: (بينهما عشرة أميال، يعني بين مكة وسرف) ولعل هذا قول أبي داود أو بعض رواة السند، وقد علمت أن المسافة التي بين مكة وسرف، قال بعضهم: ستة أميال أو سبعة أميال، وهو الراجح.\nقلت: وقد زرتها وزرت فيها القبر الشريف لأم المؤمنين ميمونة - رضي الله تعالى عنها -.\n١٢١٧ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب) بن الليث، (نا ابن وهب) عبد الله، (عن الليث) بن سعد جد عبد الملك (قال) أي الليث: (قال ربيعة) بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي (يعني كتب إليه) هذا من كلام ابن وهب أو عبد الملك، تفسير لقوله: قال ربيعة، فإن ظاهره يدل على أن ربيعة حدث الليث مشافهة، وكان حدث مكاتبة ففسره بأن لفظ \"قال\" ليس محمولًا على المشافهة، بل محمول على المكاتبة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"شعيب بن الليث\".","vol":"5","page":371},{"text":"حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: \"غَابَتِ الشَّمْسُ وَأَنَا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَسِرْنَا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قَدْ أَمْسَى قُلْنَا: الصَّلَاةُ، فَسَارَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ وَتَصَوَّبَتِ النُّجُومُ، ثُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ صَلَّى صَلَاتِى هَذِهِ، يَقُولُ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ لَيْلٍ\". [ق ٣/ ١٦٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن أَخِيهِ، عن سَالِمٍ.\n===\n(حدثني عبد الله بن دينار قال: غابت الشمس وأنا عند عبد الله بن عمر فسرنا) يعني لم ننزل للصلاة (فلما رأيناه) أي عبد الله (قد أمسى) أي دخل في ظلمة الليل ولم ينزل للصلاة (قلنا) له: (الصلاة) أي حاضرة، فلم يلتفت (فسار حتى غاب الشفق) أي قرب غيبوبته لما تقدم من حديث نافع وعبد الله بن واقد بلفظ: \"حتى إذا كان قبل غيوب الشفق\"، ولو سلم أن معنى غاب على الحقيقة فمعناه: حتى غاب الشفق الأحمر.\n(وتصوَّبت النجوم) أي انحدرت كما في الحديث: \"كنا إذا تصوبنا سبَّحنا\"، والمراد بالانحدار ظهور نورها؛ لأن الانحدار مستلزم لظهور نورها فاستعير له (ثم إنه) أي ابن عمر (نزل فصلَّى الصلاتين) أي المغرب والعشاء (جميعًا، ثم قال) أي ابن عمر: (رأيت رسول الله - ﷺ - إذا جد به السير) أي أوقعه السير في الجد وأعجله (صلَّى صلاتي) بالإضافة إلى ياء المتكلم بتقدير المضاف أي مثل صلاتي (هذه، يقول) ابن عمر يفسر قوله: \"صلَّى صلاتي\" بقوله: (يجمع) رسول الله - ﷺ - (بينهما) أي المغرب والعشاء (بعد ليل) أي بعد جنح ليل.\n(قال أبو داود: رواه عاصم بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة، (عن أخيه) عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني، نزيل عسقلان، ثقة، (عن سالم).","vol":"5","page":372},{"text":"وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مِنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ بَعْدَ غُيُوبِ الشَّفَقِ.\n١٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١) وَابْنُ مَوْهَبٍ الْمَعْنَى قَالَا:\n===\nأخرجه الدارقطني (٢) موصولًا: حدثنا أبو محمد بن صاعد (٣)، ثنا عبيد الله بن سعد، ثنا عمي، حدثنا عاصم بن محمد، عن أخيه عمر بن محمد، عن نافع، عن سالم قال: \"أتى عبد الله بن عمر خبر من صفية، فأسرع السير، ثم ذكر عن النبيﷺ- نحوه، وقال: بعد أن غاب الشفق بساعة\" (ورواه ابن أبي نجيح) عبد الله، (عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب) الأسدي ثقة (أن الجمع بينهما من ابن عمر كان بعد غيوب الشفق).\nأخرج النسائي (٤) هذا التعليق موصولًا: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن شيخ من قريش قال: صحبت ابن عمر إلى الحمى، فلما غربت الشمس هِبْتُ أن أقول له: الصلاةَ، فسار حَتَّى ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء، ثم نزل فصلَّى المغرب ثلاث ركعات أي للمغرب، ثم صلَّى ركعتين أي للعشاء على إثرها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل، انتهى.\nوهذا الحديث ليس فيه دليل على الجمع الحقيقي، فإن معنى قوله: \"حتى ذهب بياض الأفق\"، المراد بالبياض بياض أول الليل الذي يكون في الأفق في أول غروب الشمس، أو يقال: حتى قرب ذهاب بياض الأفق لحديث نافع وعبد الله بن واقد وغيرهما المتقدم.\n١٢١٨ - (حدثنا قتيبة وابن موهب) يزيد بن خالد (المعنى قالا:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قتيبة بن سعيد\".\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٩١).\n(٣) في الأصل: \"ابن الساعد\" وهو تحريف.\n(٤) \"سنن النسائي\" (٥٩١).","vol":"5","page":373},{"text":"نَا الْمُفَضَّلُ (١)، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ -ﷺ-\". [خ ١١١٢، ٧٠٤، ن ٥٨٦، ق ٣/ ١٦١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ مُفَضَّلٌ قَاضِىَ مِصْرَ، وَكَانَ مُجَابَ (٢) الدَّعْوَةِ، وَهُوَ ابْنُ فَضَالَةَ.\n١٢١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُقَيْلٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ قَالَ:\n===\nنا المفضل) يعنيان ابن فضالة، (عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ارتحل قبل أن تزيغ) أي تميل (الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما) أي الظهر والعصر (فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلَّى الظهر ثم ركب - ﷺ -) ولم يجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر.\nوهذا الحديث المتفق عليه دليل على نفي جمع التقديم، وقد بحث فيه العلامة العيني في شرح \"البخاري\" (٣) مطولًا ومفصلًا (قال أبو داود: كان مفضل قاضي مصر، وكان مجاب الدعوة، وهو ابن فضالة).\n١٢١٩ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، أخبرني جابر بن إسماعيل) الحضرمي، أبو عباد، المصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عقيل بهذا الحديث بإسناده) المتقدم (قال) عقيل في حديثه:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعنيان ابن فضالة\".\n(٢) وفي نسخة: \"مستجاب\".\n(٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٤٢٧ - ٤٢٨).","vol":"5","page":374},{"text":"\"وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ\". [م ٧٠٤، وانظر تخريج الحديث السابق]\n١٢٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ (١) الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ،\n===\n(ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها) أي بين صلاة المغرب (وبين العشاء حين يغيب الشفق) أي وقت غيبوبة الشفق.\nوتأويل أمثال هذا اللفظ، ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه- قدس سره-، وهو أن الجمع لم يحصل إلَّا بعد الفراغ عن الصلاتين معًا. وأما إذا صلَّى المغرب فقط، أو الظهر فقط، لم يحصل الجمع بمجرد ذلك، ما لم يضم إليها العشاء أو العصر، والضم حصل في وقت العشاء مثلًا، فهذا لا يقتضي وقوع الصلاتين في وقت واحدة منهما، وغاية ما لزم بذلك وقوع الضم في وقت الأخرى، ولا ننكره، وإنما ننكر إيقاع الصلاتين في وقت واحد، فافهم فإنه غريب، انتهى.\n١٢٢٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل: أن النبي - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلَّى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"زيغ\".","vol":"5","page":375},{"text":"وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ\". [ت ٥٥٣، حم ٥/ ٢٤١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا قُتَيْبَةُ وَحْدَهُ.\n===\nوإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب، قال أبو داود: لم يرو هذا الحديث إلَّا قتيبة وحده).\nغرض أبي داود بهذا الكلام تضعيف هذا الحديث والإشارة إلى أنه شاذُّ، فإن الثقات الحفاظ الذين رووه عن الليث لم يذكروا جمع التقديم، وخالفهم قتيبة، فذكر فيه جمع التقديم فهي شاذَّةٌ.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): والمشهور في جمع التقديم حديث معاذ هذا، وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في \"علوم الحديث\"، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير، وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم، انتهى.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): حديث معاذ أخرجه - أيضًا- ابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي (٣)، قال الترمذي: حسن غريب، تفرد به قتيبة، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ، وليس فيه جمع التقديم يعني الذي أخرجه مسلم (٤).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٣).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٨٨).\n(٣) انظر: \"صحيح ابن حبان\" (١٤٥٨)، و\"علوم الحديث\" للحاكم (ص ١٢٠)، و\"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٩٣)، و\"السنن الكبرى\" (٣/ ١٦٢)، و\"سنن الترمذي\" (٥٥٣)، و\"مسند أحمد\" (٥/ ٢٤١).\n(٤) انظر: \"صحيح مسلم\" (٧٠٦).","vol":"5","page":376},{"text":"(٢٧٦) بَابُ (١) قَصْرِ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ في السَّفَرِ\n١٢٢١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ،\n===\nوقال أبو داود: هذا حديث منكر، وليس في جمع التقديم حديث قائم، وقال أبو سعيد بن يونس: لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط فيه، وأعله الحاكم وطول، وابن حزم، وقال: إنه معنعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ولا يعرف له عنه رواية، وقال أيضًا: إن أبا الطفيل مقدوح، لأنه كان حامل راية المختار، وهو يؤمن بالرجعة، وأجيب عن ذلك: بأنه إنما خرج مع المختار على قاتلي الحسين، وبأنه لم يعلم من المختار الإيمان بالرجعة.\nقال في \"البدر المنير\": إن للحفاظ في هذا الحديث خمسة أقوال:\nأحدها: أنه حسن غريب، قاله الترمذي.\nثانيها: أنه محفوظ صحيح، قاله ابن حبان.\nثالثها: أنه منكر، قاله أبو داود.\nرابعها: أنه منقطع، قاله ابن حزم.\nخامسها: أنه موضوع، قاله الحاكم (٢)، وأصل حديث أبي الطفيل في حديث مسلم، وأبو الطفيل عدل ثقة مأمون، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>(٢٧٦) (بَابُ قَصْرِ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ في السَّفَرِ)</span>\n١٢٢١ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن عدي بن ثابت،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب قصر قراءة السفر\".\n(٢) ونقل ابن القيم عن الحاكم: أنه موضوع ثم رده. (ش). (انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٤٧٧ - ٤٧٨).","vol":"5","page":377},{"text":"عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى سَفَرٍ فَصَلَّى بِنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ فَقَرَأَ فِى إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِـ ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. [خ ٧٦٧، م ٤٦٤، ت ٣١٠، ن ١٠٠٠، جه ٨٣٤، حم ٤/ ٢٨٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>(٢٧٧) بَابُ التَّطَوُّعِ في السَّفَرِ</span>\n١٢٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِى بُسْرَةَ (٢) الْغِفَارِىِّ،\n===\nعن البراء قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فصلَّى بنا العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بِـ ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾) قال الحافظ في \"الفتح\" (٣): رواية \"النسائي\" (٤) في الركعة الأولى، وإنما قرأ في العشاء بقصار المفصل لكونه كان مسافرًا، والسفر يطلب فيه التخفيف.\n\n(٢٧٧) (بَابُ التَّطَوُّعِ في السَّفَرِ)\n١٢٢٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن صفوان بن سليم، عن أبي بسرة الغفاري (قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": أبو بسرة - بضم أوله وسكون المهملة - عن البراء بن عازب: صحبت رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر شهرًا (٥)، فما رأيته ترك الركعتين، الحديث، وعنه صفوان بن سليم، قال الترمذي: سألت محمدًا عنه فلم يعرفه إلَّا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بسرة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت في الكنى: وقال العجلي:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قتيبة هو ابن سعيد\".\n(٢) وفي نسخة: \"أبي بصرة\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٠).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٠٠١).\n(٥) كذا وقع في \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٠): \"شهرًا\" وهو تحريف، والصواب: \"سفرًا\" كما جاء في رواية أبي داود والترمذي.","vol":"5","page":378},{"text":"عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: \"صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ\". [ت ٥٥٠، حم ٤/ ٢٩٢، خزيمة ١٢٥٣، ق ٣/ ١٥٨]\n١٢٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ\n===\nمدني تابعي ثقة، وقال الذهبي في \"الميزان\" (١): لا يعرف، انتهى.\nقلت: وكتب في حاشية النسخة الخطية: لم يعرج في \"الأطراف\" على نسخة أبي بصرة بالصاد، بل ذكره في ترجمة أبي بسرة بالسين.\n(عن البراء بن عازب الأنصاري قال: صحبت رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر سفرًا، فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر) وهاتان الركعتان كانتا تطوعًا، فهذا يدل على أداء صلاة التطوع في السفر من غير لزوم.\nفإن قلت: هذا الحديث معارض لما رواه ابن عمر (٢)، قلت: لا تعارض بينهما، لأنه لا يلزم من كون البراء ما رآه ترك أن لا يكون ابن عمر أيضًا كذلك ما ترك، وجواب آخر: لا نسلم أن هاتين الركعتين من السنن الرواتب، وإنما هي سنَّة الزوال الواردة في حديث أبي أيوب الأنصاري، قاله العيني (٣).\n١٢٢٣ - (حدثنا القعنبي، نا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب) العدوي، أبو زياد المدني، لقبه رباح بموحدة، ويقال له: عيسى بن حفص الأنصاري، لأن أمه كانت أنصارية، وهي ميمونة بنت داود الخزرجي، فربما عرف بقبيلة أخواله، له في الكتب حديثان، أحدهما: عن أبيه عن عمر (٤)\n_________\n(١) انظر: \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٤٩٥).\n(٢) أخرجه البخاري (١١٠٢)، ومسلم (٦٨٩)، والنسائي (١٤٥٨)، وابن ماجه (١٠٧١).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٤١٢).\n(٤) كذا في الأصل، والصواب: عن ابن عمر، انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٠٨).","vol":"5","page":379},{"text":"عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِى طَرِيقٍ قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا أَتْمَمْتُ صَلَاتِى! يَا ابْنَ أَخِى، إِنِّى صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِى السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿، وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿، وَصَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿،\n===\nفي قصر الصلاة، والآخر: عن نافع عن ابن عمر في فضل المدينة، نقل ابن خلفون أن العجلي وثقه، وقال أحمد وابن معين والنسائي: ثقة.\n(عن أبيه) حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (قال: صحبت ابن عمر في طريق) أي في سفر، (قال: فصلَّى بنا ركعتين، ثم أقبل) أي توجه (فرأى ناسًا قيامًا) أي في الصلاة (فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون) أي يصلون النافلة (قال) أي ابن عمر: (لو كنت مسبحًا) أي مصليًا النوافل (أتممت صلاتي).\nمعنى هذا الكلام أن الفرض خفف فيه بالقصر، فخفف في النوافل في أصلها بأنه من شاء فعل ومن شاء ترك، فلو صلوا في حالة السير والتزموها لتوهم التحتم والوجوب، وهو خلاف منشأ الشارع، فإن الفرض أحق بالاهتمام من النوافل.\n(يا ابن أخي، إني صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر، فلم يزد على ركعتين) أي ركعتي الفرض (حتى قبضه الله ﷿، وصحبت أبا بكر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ﷿، وصحبت عمر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ﷿، وصحبت عثمان فلم يزد (١) على ركعتين حتى قبضه الله ﷿).\n_________\n(١) قال ابن العربي (٣/ ١٧): هذا يدل على أن ما قيل: \"إنه تأهل بمكة\" باطل، وبسط =","vol":"5","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهذا الذي قال في عثمان يخالف ما في كتب الحديث عن ابن عمر \"أن عثمان قصر في ابتداء خلافته ثم أتم\"، قال الحافظ في \"الفتح\": وفي ذكر عثمان إشكال، لأنه كان في آخر أمره يتم الصلاة كما تقدم قريبًا، فيحمل على الغالب (١). أو المراد به: أنه كان لا يتنفل في أول أمره ولا في آخره، وأنه إنما كان يتم إذا كان نازلًا، وأما إذا كان سائرًا فيقصر، فلذا قيده في هذه الرواية بالسفر، وهذا أولى لما تقدم تقريره في الكلام على تأويل عثمان، انتهى (٢).\nقلت: وفي الحديث إشكال آخر، وهو أن حديث ابن عمر هذا يدل على أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر لا يسبحون، وروي عن ابن عمر \"أن رسول الله - ﷺ - كان يسبِّح\"، وإليه أشار الترمذي في \"سننه\" (٣) فقال: وروي عن ابن عمر \"أن النبي - ﷺ - كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها\"، وروي عنه عن النبي - ﷺ - \"أنه كان يتطوع في السفر\" فما وجه التوفيق بينهما؟\nقال العيني (٤): وجه التوفيق ما قال شيخنا زين الدين - ﵀ -: الجواب أن النفل المطلق وصلاة الليل لم يمنعهما ابن عمر ولا غيره، فأما السنن الرواتب فيحمل حديثه المتقدم على الغالب من أحواله في أنه لا يصلي الرواتب، وحديثه في هذا الباب على أنه فعله في بعض الأوقات لبيان استحبابها، وإن لم يتأكد فعلها فيه كتأكده في الحضر، أو أنه كان نازلًا في وقت الصلاة، ولا شغل له يشتغل به عن ذلك، أو سائرًا وهو على راحلته،\n_________\n= العيني (٥/ ٤١٢) وجوهه، وسيأتي في البذل في \"باب الصلاة بمنى\" من كتاب الحج. (ش).\n(١) وأجاب النووي بأن إتمام عثمان كان مخصوصًا بمنى، \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢١٨). (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٨).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٥٥٠ - ٥٥١).\n(٤) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٤١٢).","vol":"5","page":381},{"text":"وَقَدْ قَالَ اللهُ ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ \". [خ ١١٠١، م ٦٨٩، ن ١٤٥٨، جه ١٠٧١، حم ٢/ ٢٤، خزيمة ١٢٥٧، ق ٣/ ١٥٨]\n\n(٢٧٨) بَابُ (١) التّطَوّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالوتْرِ\n١٢٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ،\n===\nولفظه في الحديث المتقدم، يعني حديث الباب وهو بلفظ \"كان\" وهي لا تقتضي الدوام، بل ولا التكرار على الصحيح، فلا تعارض بين حديثيه، انتهى.\nقلت: والأولى في الجواب عندي أن يحمل هذا الحديث أي الاقتصار على ركعتي الفرض على حالة السير سوى صلاة الليل، وما روي عنه في أداء النوافل يحمل على حالة النزول.\n(وقد قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) الأسوة بكسر همزة وضمها: القدوة، وقد قرئ بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>(٢٧٨) (بَابُ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالوِتْرِ) </span>(٣)\nأخر لفظ الوتر وعطف على التطوع مع أنه داخل في التطوع عندهم، فإن الوتر مختلف في جوازه على الراحلة، فإنه لا يجوز الوتر على الدابة عندنا الحنفية لوجوبه عندنا، وأما ما سواه من التطوعات فيجوز على الراحلة بالاتفاق.\n١٢٢٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرنى يونس،\n_________\n(١) وفي رواية: \"باب التطوع والوتر على الراحلة\".\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٢١.\n(٣) وقريب منه تبويب الترمذي إلَّا أنه ذكره في أبواب القبلة، وبسطه ابن العربي (٢/ ٢٥٦)، واستدل به على تطوع الوتر، وأنت خبير بأن الاستدلال لا يصح، فإنهم أقروا بوجوب الوتر على النبي - ﷺ - كما في خصائص \"مختصر الخليل\" (٣/ ١٥٧)، و\"تهذيب النووي\" (١/ ٣٨)، فالحديث كما هو يخالفنا يخالفهم أيضًا. (ش).","vol":"5","page":382},{"text":"عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَىَّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّى الْمَكْتُوبَةَ عَلَيْهَا\". [خ ١٠٩٨، م ٧٠٠، ن ١٦٨٦، ق ٢/ ٤٩١]\n===\nعن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: كان رسول الله - ﷺ - يسبح) أي يصلي النافلة (على الراحلة أي وجه توجه) بحذف إحدى التائين أي: بأي وجه تتوجه، وفي نسخة: توجهت، وهذا أمر اتفق عليه الأئمة، ولم يختلفوا فيه في السفر إلَّا في ابتداء التحريمة، فإن عند الشافعي - ﵀- يجب أن يتوجه إلى القبلة، ثم يتوجه حيث شاء، وأما عندنا فلا يجب التوجه إلى القبلة، لا في الابتداء ولا بعده، لأنه لما جازت الصلاة إلى غير جهة الكعبة جاز الافتتاح إلى غير جهتها، وقال الشافعي: يشترط في الابتداء أن يوجهها إلى القبلة.\n(ويوتر عليها غير أنه لا يصلي المكتوبة عليها) اختلف في الوتر، قال العيني (١): احتج به عطاء وابن أبي رباح والحسن البصري على أن للمسافر أن يصلي الوتر على دابته، ويروى ذلك عن علي وابن عباس -﵃-، وكان مالك يقول: لا يصلي على الراحلة إلَّا في سفر يقصر فيه الصلاة، وقال الأوزاعي والشافعي: قصير السفر وطويله في ذلك سواء، يصلي على راحلته، وقال ابن حزم في \"المحلى\": ويوتر المرء قائمًا وقاعدًا لغير عذر إن شاء، وقال محمد بن سيرين عن عروة، وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يجوز الوتر إلا على الأرض كما في الفرائض، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في رواية ذكرها ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢).\nواحتج أهل المقالة الثانية بما رواه الطحاوي: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٢٨).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٣٠٣).","vol":"5","page":383},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n- ﵁ - أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أن رسول الله - ﷺ - كذلك كان يفعل، وهذا إسناد صحيح وهو خلاف حديث الباب.\nوروى الطحاوي بسنده عن مجاهد \"أن ابن عمر كان يصلي في السفر على بعيره أينما توجه به، فإذا كان في السحر نزل فأوتر\" (١).\nوروى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" بسنده عن مجاهد قال: \"صحبت ابن عمر في المدينة إلى مكة، فكان يصلي على دابته حيث توجهت به، فإذا كانت الفريضة نزل فصلى\".\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢) من حديث سعيد بن جبير: \"أن ابن عمر كان يصلي على راحلته تطوعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض\".\nوحديث حنظلة بن أبي سفيان يدل على شيئين: أحدهما فعل ابن عمر أنه كان يوتر بالأرض، والآخر أنه روى عن النبي - ﷺ - أنه كان يفعل كذلك.\nوحديث الباب كذلك يدل على الشيئين المذكورين، فلا يتم الاستدلال للطائفتين بهذين الحديثين غير أن لأهل المقالة الثانية أن يقولوا: إن ابن عمر يحتمل أنه كان لا يرى بوجوب الوتر، وكان الوتر عنده كسائر التطوعات، فيجوز فعله على الدابة وعلى الأرض، لأن صلاته إياه على الأرض لا ينفي أن يكون له أن يصلي على الراحلة.\nوأما إيتاره - ﷺ - على الراحلة فيجوز أن يكون ذلك قبل أن يغلظ أمر الوتر، ثم أحكم من بعد، ولم يرخص في تركه، فالتحق بالواجبات في هذا الأمر بالأحاديث التي ذكرناها عن جماعة من الصحابة في الباب السابق.\nووجه النظر والقياس أيضًا يقتضي عدم جوازه على الراحلة، بيان ذلك أن\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٢٩).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٢/ ٤).","vol":"5","page":384},{"text":"١٢٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا رِبْعِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَارُودِ، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ أَبِى الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِى الْجَارُودُ بْنُ أَبِى سَبْرَةَ، حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا سَافَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ\". [ق ٢/ ٥، قط ١/ ٣٩٥]\n===\nالأصل المتفق عدم جواز صلاة الرجل وتره على الأرض قاعدًا وهو يقدر على القيام، فالنظر على ذلك أن لا يصليه في السفر على راحلته وهو يطيق النزول، قال الطحاوي: فمن هذه الجهة ثبت عندي نسخ الوتر على الراحلة.\n١٢٢٥ - (حدثنا مسدد، نا ربعي بن عبد الله بن الجارود) بن أبي سبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة، الهذلي البصري، صدوق، (حدثني عمرو بن أبي الحجاج) ميسرة المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، البصري، ثقة، (حدثني الجارود بن أبي سبرة) الهذلي، أبو نوفل البصري، صدوق، (حدثني أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سافر) أي خرج من المصر مسافرًا كان أو مقيمًا، في \"الكفاية\": هو الصحيح، وقيل: المراد السفر الشرعي، وأما في المصر فجوَّزه أبو يوسف وكرهه محمد (فأراد أن يتطوع) أي يتنفل راكبًا، والدابة تسير بنفسها أو يسوقها برجل واحدة على ما في \"الخلاصة\". (استقبل بناقته القبلة) ليكون استقباله إلى القبلة وقت افتتاح الصلاة (فكبر) للتحريمة، (ثم صلَّى حيث وجهه ركابه) أي مستقبل القبلة أو غير مستقبلها.\nأخذ بهذا الحديث الشافعي وأصحابه، فأوجبوا استقبال القبلة عند التحريمة، وأصحابنا لم يأخذوا به، فلم يوجبوا التوجه إلى القبلة في النوافل، لا عند افتتاح الصلاة ولا بعده. وأما في الفرض فلقد اشترط التوجه عند التحريمة.\nقلت: والجواب عن الحنفية عن هذا الحديث: أن الحديث ليس فيه دليل على وجوب استقبال القبلة عند التحريمة على الدابة، بل يحتمل أن يكون فعله - ﷺ - محمولًا على الأولوية إن صح الحديث.","vol":"5","page":385},{"text":"١٢٢٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِىِّ، عَنْ أَبِى الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ\". [م ٧٠٠، ن ٧٤٠، ق ٢/ ٤]\n١٢٢٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى حَاجَةٍ، قَال:\n===\n١٢٢٦ - (حدثني القعنبي، عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبي الحباب) بضم المهملة وموحدتين (سعيد بن يسار) وزعم الذهلي أنه سعيد بن مرجانة، ولا يصح، ثقة متقن، (عن عبد الله بن عمر أنه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي) أي صلاة التطوع (على حمار وهو) الواو للحال (متوجه) أي مستقبل (إلى خيبر) وخيبر في جهة الشمال من المدينة، والمدينة واقعة بين مكة وخيبر، فالمستقبل إلى خيبر مستدبر للكعبة.\nقال النووي (١): قوله: \"يصلي على حمار\" قال الدارقطني وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازني؛ قالوا: وإنما المعروف في صلاة النبي - ﷺ - على راحلته أو على البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس، كما ذكره أنس بعد هذا، ولهذا لم يذكر البخاري حديث عمرو، هذا كلام الدارقطني ومتابعيه، وفي تغليط رواية عمرو نظر، لأنه ثقة نقل شيئًا محتملًا، فلعله كان الحمار مرة، والبعير مرة أو مرات، لكن قد يقال: إنه شاذ مخالف لرواية الجمهور في البعير والراحلة، والشاذ مردود، وهو المخالف للجماعة، والله أعلم.\n١٢٢٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: بعثني رسول الله - ﷺ - في حاجة، قال:\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢٢٩).","vol":"5","page":386},{"text":"فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّى عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ\". [م ٥٤٠، ن ١١٨٩، ت ٣٥١، جه ١٠١٨، حم ٣/ ٢٩٦، قط ١/ ٣٩٧، ق ٢/ ٢٥٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>(٢٧٩) بَابُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ عُذْرٍ</span>\n١٢٢٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: \"هَلْ رُخِّصَ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُصَلِّينَ عَلَى الدَّوَابِّ، قَالَتْ: لَمْ يُرَخَّصْ لَهُنَّ فِى ذَلِكَ فِى شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ\". [ق ٢/ ٧]\n===\nفجئت) أي بعد قضاء الحاجة إلى رسول الله - ﷺ - (وهو يصلي) حال (على راحلته نحو المشرق) (١) ظرف، أي: يصلي إلى جانب المشرق، أو حال أي: متوجهًا نحو المشرق، أو كانت متوجهة إلى جانب المشرق، (والسجود) أي إيماؤه إليه، وفي رواية \"الترمذي\": \"ويجعل السجود\" (أخفض من الركوع) أي أسفل من إيمائه إلى الركوع.\n\n(٢٧٩) (بَابُ الفَرِيضَةِ على الرَّاحِلَةِ مِنْ عُذْرٍ)\nأي هل يجوز الفرض على الراحلة لأجل عذر؟\n١٢٢٨ - (حدثنا محمود بن خالد، نا محمد بن شعيب، عن النعمان بن المنذر) الغساني أبو الوزير، الدمشقي، صدوق، رمي بالقدر، (عن عطاء بن أبى رباح أنه سأل عائشة) - ﵂ -: (هل رخص للنساء أن يصلين على الدواب؟ قالت: لم يرخص لهن) في الشرع (في ذلك) أي في الصلاة على الدابة (في شدة ولا رخاء) أي في حالة العسر واليسر، وليس المراد منه حالة العذر، فإنه إذا كان العذر يجوز للنساء بل وللرجال الصلاة على الدواب، كما هو مصرح ومفصل في كتب الفقه.\n_________\n(١) ذكرها صاحب \"الخميس\" في غزوة غطفان. (انظر: \"تاريخ الخميس\" ١/ ٤١٤). (ش).","vol":"5","page":387},{"text":"قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا في الْمَكْتُوبَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>(٢٨٠) بَابٌ: مَتَى يُتِمُّ الْمُسَافِرُ</span>؟\n١٢٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ - وَهَذَا لَفْظُهُ -\n===\n(قال محمد) أي ابن شعيب، وهذا قول محمود بن خالد: (هذا) أي عدم الرخصة في الصلاة على الدابة (في المكتوبة)، وأما الصلوات النافلة فتجوز على الدواب في السفر من غير عذر، والله تعالى أعلم.\n\n(٢٨٠) (بَابٌ: مَتَى يُتِمُّ المُسَافِرُ؟) (١)\nالمسافر يتم صلاته إذا أتم سفره، وإتمام السفر بوجهين: إما أن يصل إلى وطنه، فإذا وصل إلى وطنه أتم الصلاة، وهذا أمر مجمع عليه، أو نوى الإقامة في محل يمكن الإقامة فيه، فإذا نوى الإقامة في مثل هذا المحل يكون مقيمًا، واختلف في مدة الإقامة، فعندنا الحنفية: إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا يصير مقيمًا، وعند مالك والشافعي: إذا أقام أربعة أيام يتم، وعند أحمد: يقصر إذا نوى الإقامة إحدى وعشرين صلاة، ويتم فيما زاد، وفي هذه المسألة اختلاف كثير (٢).\n١٢٢٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: وحدثنا إبراهيم بن موسى) الرازي الملقب بالصغير، (أنا ابن علية) إسماعيل بن إبراهيم (وهذا لفظه)\n_________\n(١) قلت: وتبويب أبي داود أولى من تبويب الترمذي حيث بوَّب: \"باب ما جاء في تقصير الصلاة\"، وقال ابن العربي: اختلفت الروايات في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، أصله في الصحيح خمسة أحاديث. ثم بسطها ثم قال: اختلف الناس في هذه المسألة على ثلاثة عشر قولًا إلى آخر ما قال. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" ٣/ ١٨). (ش).\n(٢) ذكر العيني اثنين وعشرين قولًا للعلماء في ذلك. (انظر: \"عمدة القاري\" ٥/ ٢٧١). (ش).","vol":"5","page":388},{"text":"قال: أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّى إلَّا رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ: «يَا أَهْلَ الْبَلَدِ، صَلُّوا أَرْبَعًا، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ». (٢). [ت ٥٤٥، حم ٤/ ٤٣٠، خزيمة ١٦٤٣، ق ٣/ ١٥٧]\n١٢٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَقَامَ سَبْعَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ،\n===\nأي لفظ إبراهيم، (قال: أنا علي بن زيد، عن أبي نضرة) العبدي، اسمه المنذر بن مالك، (عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله - ﷺ -) أي غزوات (وشهدت معه) أي مع رسول الله - ﷺ - (الفتح) أي فتح مكة، (فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة) أي مع أيامها (لا يصلي إلَّا ركعتين، ويقول) لمن اقتدى به من أهل مكة: (يا أهل البلد! صلوا أربعًا) أي لا تقصروا الصلاة معنا، بل أتموها (٣) أربعًا (فإنا) قوم كما في نسخة (سفر) جمع سافر، كصحب وصاحب، وتجر وتاجر، أي إنا قوم مسافرون فنقصر الصلاة لأجل السفر، وأنتم مقيمون فأتموها.\nوهذا الحديث عند الجمهور محمول على أنه - ﷺ - لم ينو الإقامة، فامتد سفره إلى هذه الأيام.\n١٢٣٠ - (حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة - المعنى واحد - قالا: نا حفص) بن غياث، (عن عاصم) بن سليمان الأحول، (عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - أقام سبع عشرة) ليلة (بمكة) أي في زمن فتح مكة (يقصر الصلاة).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي نسخة: \"فإنا قوم سفر\".\n(٣) وهذا إجماع، واختلف في عكسه أي اقتداء المسافر بالمقيم، كما في \"الأوجز\" (٣/ ٢٠٠). (ش).","vol":"5","page":389},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأخرج البخاري من هذا الوجه بلفظ: \"تسعة عشر\"، وقد تقدم من حديث عمران بن حصين، وفيه: \"فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة\"، وسيأتي من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس: \"أقام رسول الله - ﷺ - عام الفتح خمسة عشر (١) يومًا\".\nوجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال: \"تسع عشرة\" عد يومي الدخول والخروج، ومن قال: \"سبع عشرة\" حذفهما، ومن قال: \"ثماني عشرة\" عد أحدهما.\nوأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي في \"الخلاصة\"، وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي (٢) من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضًا، أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة.\nوأخذ الثوري وأهل الكوفة رواية خمس عشرة لكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا، وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، لكن محله عنده فيمن لم يُزْمِع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه في دخوله يومي الدخول والخروج فيها أو لا، وحجته حديث أنس الذي يليه، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٣).\n_________\n(١) وأورده النيموي بطريقين عن ابن عمر أنه إذا أراد الإقامة بمكة خمسة عشر يومًا أتم. (انظر: \"آثار السنن\" ٢/ ٦٦). (ش).\n(٢) انظر: \"سنن النسائي\" (١٤٥٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٢).","vol":"5","page":390},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَنْ أَقَامَ سَبْعَ عَشْرَةَ قَصَرَ، وَمَنْ أَقَامَ أَكْثَرَ أَتَمَّ\". [ق ٣/ ١٥٢، حب ٢٧٥٠، وانظر خ ١٠٨٠، ت ٥٤٩، جه ١٠٧٥، حم ١/ ٢٢٣، خزيمة ٩٥٥، قط ١/ ٣٨٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقَامَ تِسْعَ عَشْرَةَ.\n١٢٣١ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ\". [ن ١٤٥٣، جه ١٠٧٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ\n===\n(قال ابن عباس: ومن أقام سبع عشرة قصر، ومن أقام أكثر أتم) قال القاري (١): قال ابن حجر: قالوا: هذا مذهب تفرد به ابن عباس، والذي قاله الفقهاء: إنه أقام التسعة عشر لكونه كان محاصرًا للطائف، أو حرب هوازن ينتظر الفتح كل ساعة، ثم يرحل فلم يكن مقيمًا حقيقة لما تقرر من توقفه الخروج متى انقضت حاجته، وهي الفتح.\n(قال أبو داود: وقال عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقام تسع عشرة) ذكره المصنف معلقًا، وقد أخرجه البيهقي موصولًا في \"سننه\" (٢) برواية عبد الوارث عن عباد بن منصور.\n١٢٣١ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: أقام رسول الله - ﷺ - بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، قال أبو داود: روى هذا الحديث\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٢٢).\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٥٠).","vol":"5","page":391},{"text":"عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِىُّ وَسَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ.\n===\nعبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، لم يذكروا فيه ابن عباس).\nغرض المصنف بهذا الكلام أن ما روى محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس مسندًا غير محفوظ، والصحيح ما رواه الجماعة عبدة بن سليمان وأحمد بن خالد الوهبي وسلمة بن الفضل عن ابن إسحاق مرسلًا، فإنهم لم يذكروا فيه ابن عباس، ومثل هذا قول البيهقي في \"سننه\" (١) وزاد: ورواه عراك بن مالك عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وقال: ورواه عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق عن الزهري من قوله، الصحيح مرسل.\nقلت: وقد أخرج الطحاوي (٢) حديث ابن إدريس مسندًا: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: \"أن رسول الله - ﷺ - أقام حيث فتح مكة خمس عشرة يقصر الصلاة\".\nوأيضًا أخرج البيهقي (٣) بسنده: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: \"أقام النبي - ﷺ - عام الفتح فتح مكة خمس عشرة يقصر الصلاة، حتى صار إلى حنين\".\nوأما حديث عراك بن مالك، فأخرجه النسائي (٤) مسندًا فقال: أنا عبد الرحمن بن الأسود البصري، ثنا محمد بن ربيعة، عن عبد الحميد بن\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٥١).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤١٧).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٥١).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٤٥٣).","vol":"5","page":392},{"text":"١٢٣٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَخْبَرَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- أَقَامَ بِمَكَّةَ سَبْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ\". [تقدَّم برقم ١٢٣١]\n١٢٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقُلْنَا: هَلْ أَقَمْتُمْ بِهَا شَيْئًا؟ قَالَ: \"أَقَمْنَا (٢) عَشْرًا\". [خ ١٠٨١، م ٦٩٣، ت ٥٤٨، ن ١٤٥٢، جه ١٠٧٧، حم ٣/ ١٨٧]\n===\nجعفر، عن يزيد بن حبيب، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس \"أن رسول الله - ﷺ - أقام بمكة خمس عشرة، يصلي ركعتين ركعتين.\n١٢٣٢ - (حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبي) علي بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي، (نا شريك، عن ابن الأصبهاني) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني الكوفي الجهني، ثقة، كان يتجر إلى أصبهان، وقال البخاري في \"التاريخ الكبير\": أصله من أصبهان حين افتتحها أبو موسى، (عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - أقام بمكة) أي في زمان فتحها (سبع عشرة) أي ليلة (يصلي ركعتين).\n١٢٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، المعنى) أي واحد، (قالا: نا وهيب، حدثني يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي مولاهم، البصري النحوي، ثقة، (عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، فقلنا) هذا قول يحيى بن أبي إسحاق لأنس بن مالك: (هل أقمتم بها) أي بمكة (شيئًا؟ قال: أقمنا عشرًا) أي أقمنا بمكة وما قرب منها من مني وعرفات عشرة أيام.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي نسخة: \"أقمنا بها\".","vol":"5","page":393},{"text":"١٢٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُثَنَّى - وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ:\n===\nقال الحافظ (١): قال أحمد بن حنبل: ليس لحديث أنس وجه إلا أنه حسب أيام إقامته - ﷺ - في حجته منذ دخل مكة إلى أن خرج منها، لا وجه له إلَّا هذا، وقال المحب الطبري: أطلق على ذلك إقامة بمكة، لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في حكم التابع لمكة، لأنها المقصود بالأصالة، لا يتجه سوى ذلك، كما قال الإِمام أحمد ﵀.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٢): إن النبي - ﷺ - قدم مكة في اليوم الرابع، فأقام بها الخامس والسادس والسابع، وخرج منها في الثامن إلى مني، وذهب إلى عرفات في التاسع، وعاد إلى مني في العاشر فأقام بها الحادي عشر والثاني عشر، ونفر في الثالث عشر إلى مكة، وخرج منها إلى المدينة في الرابع عشر، فمدة إقامته - ﷺ - في مكة وحواليها عشرة أيام، انتهى.\n١٢٣٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن المثنى، وهذا) أي المذكور (لفظ ابن المثنى، قالا: نا أبو أسامة) حماد بن أسامة، (قال ابن المثنى: قال) أبو أسامة: (أخبرني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب) أبو محمد العلوي المدني، وأمه خديجة بنت علي بن الحسين، ولقبه دافن، كان قليل الحديث، ليس له عند أبي داود إلَّا هذا الحديث في الجمع في السفر، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبيه) محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أمه أسماء بنت عقيل، كان قليل الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن جده) عمر بن علي بن أبي طالب الهاشمي الأكبر، أمه الصهباء بنت ربيعة من بني تغلب، ثقة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٢).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٢٠).","vol":"5","page":394},{"text":"\"أَنَّ عَلِيًّا كانَ إِذَا سَافَرَ سَارَ بَعْدَ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ حَتَّى تَكَادَ أَنْ تُظْلِمَ (١)، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْعُو بِعَشَائِهِ فَيَتَعَشَّى، ثُمَّ يُصَلِّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ وَيَقُولُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصْنَعُ\". [حم ١/ ١٣٦، \"السنن الكبرى\" ١٥٨٤]\nقَالَ عُثْمَانُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِىٍّ.\nسَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: وَرَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - \"أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ وَيَقُولُ: كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَصْنَعُ ذَلِكَ\" (٢).\nوَرِوَايَةُ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِثْلُهُ.\n===\n(أن عليًا) بن أبي طالب -﵁ - (كان إذا سافر سار بعد ما تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم) أي تسير بعد الغروب إلى قريب من الظلام (ثم ينزل) عن الراحلة (فيلصلي المغرب) في آخر وقته (ثم يدعو بعشائه) أي بطعام العشي (فيتعشى) أي يأكل طعام العشاء (ثم يصلي العشاء) أي صلاة العشاء في أول وقته (ثم يرتحل ويقول: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يصنع) أي في الجمع بين الصلاتين، هذا الحديث ظاهر، بل صريح في الجمع الصوري.\n(قال عثمان) بن أبي شيبة: (عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي) غرضه بيان الفرق بين لفظ ابن المثنى وعثمان بأن ابن المثنى حدث بلفظ \"الإخبار\" وعثمان بلفظ \"عن\".\nقال أبو علي اللؤلؤي: (سمعت أبا داود) وفي نسخة: قال أبو علي: قال أبو داود، (يقول: وروى أسامة بن زيد، عن حفص بن عبيد الله - يعني ابن أنس بن مالك - أن أنسًا كان يجمع بينهما حين يغيب الشفق ويقول: كان النبي - ﷺ - يصنع ذلك، ورواية الزهري عن أنس عن النبي - ﷺ - مثله).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يكاد أن يظلم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"5","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>(٢٨١) بَابٌ: إِذَا أَقَامَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ يَقْصُرُ</span>\n١٢٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا\n===\nغرض المصنف بذكر روايتي أنس، ترجيح روايته على رواية علي بن أبي طالب -﵁ -، فإن ظاهر رواية أنس تدل على الجمع الحقيقي، ورواية الزهري عن أنس مخرجة في \"الصحيحين\" وغيرهما، وأما رواية أسامة بن زيد فلم أجدها فيما عندي من الكتب.\nقلت: ولقائل أن يقول: ليس في الحديث دلالة على الجمع الحقيقي، فإنه يمكن أن يراد بالشفق الشفق الأحمر، على أن تحقق الجمع موقوف على تحقق الصلاتين، فإذا أدى الصلاتين وجد الجمع، وهو يتحقق قطعًا بعد غيبوبة الشفق، فلا دليل فيه على الجمع الحقيقي.\n\n(٢٨١) (بَابٌ: إِذَا أَقَامَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ يَقْصُرُ)\nحاصله أن الإقامة في أرض العدو وإن كانت طويلة لا يخرجه عن كونه مسافرًا، لأن أرض العدو ليس محل لبث وقرار، ونية الإقامة لا تصح إلَّا في محل صالح للإقامة، ودار الحرب ليس موضع قرار المسلمين المحاربين لجواز أن يزعجهم العدو ساعة فساعة لقوة تظهر لهم، لأن القتال سجال، أو تنفذ لهم في المسلمين حيلة، لأن الحرب خدعة فلم تصادف النية محلها فلغت، ولأن غرضهم من المكث هناك فتح الحصين دون التوطن، وتوهم انفتاح الحصن في كل ساعة قائم فلا تتحقق نيتهم، وهذا هو مذهب أبي حنيفة -﵁ -.\n١٢٣٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) العامري، عامر قريش، ثقة، (عن جابر بن عبيد الله قال: أقام رسول الله - ﷺ - بتبوك عشرين يومًا","vol":"5","page":396},{"text":"يَقْصُرُ الصَّلَاةَ\". [حم ٣/ ٢٩٥، ق ٣/ ١٥٢، حب ٢٧٤٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: غَيْرُ مَعْمَرٍ لَا يُسْنِدُهُ (١).\n===\nيقصر الصلاة).\nقال في \"الجوهر النقي\" (٢): وذكر في \"الخلافيات\": أن الشافعي - ﵀ - نص على هذا في الإملاء: وإقامته ﵇ تلك المدة لا تدل على أن الرجل يتم إذا أقامها إذا كانت إقامته على شيء يرى أنه ينجح في اليوم واليومين، فتأخر عن ذلك، بل الصواب أنه يقصر أبدًا، وهذا لأنه لم ينو الإقامة، والأصل بقاء السفر، ولهذا قال الترمذي (٣): أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وان أتى عليه سنون.\n(قال أبو داود: غير معمر لا يسنده) قال البيهقي في \"سننه\" (٤) بعد تخريج هذا الحديث: تفرد به معمر بروايته مسندًا، ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن ابن ثوبان عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وروي عن الأوزاعي عن يحيى عن أنس، وقال: بضع عشرة، ولا أراه محفوظًا، وقد روي من وجه عن جابر: بضع عشرة.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٥): أما حديث جابر فأخرجه أيضًا ابن حبان والبيهقي، وصححه ابن حزم والنووي، وأعله الدارقطني في \"العلل\" بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلًا، وأن الأوزاعي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يرسله لا يسنده\".\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٤٩).\n(٣) انظر: \"سنن الترمذي\" (٢/ ٤٣٤).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٥٢).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٨٢). وانظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١١٤).","vol":"5","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>(٢٨٢) بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ</span>\n===\nرواه عن يحيى عن أنس فقال: بضع عشرة، وبهذا اللفظ أخرجه البيهقي وهو ضعيف، وقد اختلف فيه على الأوزاعي ذكره الدارقطني في \"العلل\" وقال: الصحيح عن الأوزاعي عن يحيى أن أنسًا كان يفعله، قال الحافظ: ويحيى لم يسمع من أنس، انتهى.\n\n(٢٨٢) (بَابُ صَلَاةِ الْخَوْف)\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه الكَنكَوهي- قدس سره-: ومما ينبغي أن يعلم أن أحدًا من أصحاب الكتب المتداولة بأيدينا لم يعتن بتفصيل صور صلاة الخوف المروية عن رسول الله - ﷺ - غير أبي داود، فإنه فصل في \"سننه\" إحدى عشرة صورة بحسب الظاهر، وهي تبلغ أكثر منها بإبداء بعض الاحتمالات في بعض الروايات، وهي كلها مقبولة عند كافة الفقهاء بحسب جوازها، وإنما اختلفوا فيما بينهم فيما هي أولى منها وأفضل، إلَّا صورتين، فإن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - يؤولهما على تقدير ثبوتهما عنه - ﷺ - أو يحمل على اختصاصهما به - ﷺ -، وهما ما ذكره المؤلف بعد الكل بقوله: \"باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون\"، وقال: \"باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين\"، انتهى.\nقلت: ومشروعيتها ثابتة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) إلى قوله: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾، فصلاة الخوف مشروعة بعد رسول الله - ﷺ - في قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف الأول، وقال الحسن بن زياد: لا تجوز، وهو قول أبي يوسف الآخر.\nواختلف في الأفضل من صورها، فعندنا: الأفضل منها ما يوافق نظم القرآن ولا يخالف موضوع الاقتداء.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١٠١.","vol":"5","page":398},{"text":"(١) مَنْ رَأَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ وَهُمْ صَفَّانِ، فَيُكَبِّرُ بِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ يَرْكَعُ بِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ يَسْجُدُ الإِمَامُ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَالآخَرُون\n===\nقال في \"مراقي الفلاح\" (٢): صلاة الخوف جائزة بحضور عدو لوجود المبيح، وإن لم يشتد الخوف، وبخوف غرق من سيل أو حرق من نار، وإذا تنازع القوم في الصلاة خلف إمام واحد فيجعلهم طائفتين ويقيم واحدة بإزاء العدو للحراسة، ويصلي الإِمام بالطائفة الأخرى ركعة من الصلاة الثنائية الصبح والمقصورة بالسفر، وصلَّى بالأولى ركعتين من الرباعية، وتمضي هذه الطائفة إلى جهة العدو مشاة، فإن ركبوا أو مشوا لغير جهة الاصطفاف بمقابلة العدو بطلت.\nوجاءت تلك الطائفة التي كانت في الحراسة، فأحرموا مع الإِمام، فصلَّى بهم ما بقي من الصلاة وسلَّم الإِمام وحده لتمام صلاته، فذهبوا إلى جهة العدو مشاة، ثم جاءت الطائفة الأولى إن شاؤوا، وإن أرادوا أتموا في مكانهم بلا قراءة، لأنهم لاحقون، فهم خلف الإِمام حكمًا لا يقرأون، وسلموا ومضوا إلى العدو، ثم جاءت الطائفة الأخرى وإن شاؤوا صلوا ما بقي في مكانهم لفراغ الإِمام، ويقضون بقراءة لأنهم مسبوقون، لأن النبي - ﷺ - صلَّى صلاة الخوف على هذه الصفة.\nوقد ورد في صلاة الخوف روايات كثيرة، وأصحها ست عشرة رواية مختلفة، وصلاها النبي - ﷺ - أربعًا وعشرين مرة، وكل ذلك جائز، والأولى والأقرب من ظاهر القرآن هو الوجه الذي ذكرناه.\n(من رأى) أي اعتقد (أن يصلي) الإمام (بهم) أي القوم (وهم صفان، فيكبر) الإِمام (بهم) أي بالتحريمة (جميعًا) أي بجميع الصفين (ثم يركع بهم) أي بالصفين (جميعًا) فيشترك الجميع في التحريمة والقيام والركوع (ثم يسجد الإِمام والصف الذي يليه) أي يتصل الإِمام، (والآخرون) أي الصف الآخر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) (ص ٤٥٧).","vol":"5","page":399},{"text":"قِيَامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَإِذَا قَامُوا سَجَدَ الآخَرُونَ الَّذِينَ كَانُوا خَلْفَهُمْ، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ إِلَى مَقَامِ الآخَرِينَ، فتَقَدَّمَ (١) الصَّفُّ الأَخِيرُ إِلَى مَقَامِهِمْ، ثُمَّ يَرْكَعُ الإِمَامُ وَيَرْكَعُونَ جَمِيعًا، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَسْجُدُ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، وَالآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ وَالصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ سَجَدَ الآخَرُونَ، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ.\n===\nلا يسجد مع الإِمام بل هم (قيام يحرسونهم) أي الصف الأول.\n(فإذا قاموا) أي الإِمام والصف الأول من السجدتين (سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم) وهم الذين كانوا في الصف الثاني (ثم تأخر الصف الذي يليه) الإِمام أي الصف الأول (إلى مقام الآخرين) أي الصف الثاني.\n(فتقدم الصف الأخير إلى مقامهم) أي مقام الصف الأول الذي كان يلي الإِمام (ثم يركع الإِمام ويركعون جميعًا) أي الصفان جميعًا (ثم يسجد) الإِمام (ويسجد الصف الذي يليه) أي الإِمام وهم الذين كانوا في الركعة الأولى في الصف الآخر (والآخرون) أي الصف الثاني وهم الذين كانوا في الصف الأول في الركعة الأولى (يحرسونهم) أي الإِمام والصف الأول قيامًا.\n(فإذا جلس الإِمام والصف الذي يليه) في القعدة (سجد الآخرون) سجدتين للركعة الثانية (ثم جلسوا جميعًا) أي الصفان (ثم سلم) الإِمام (عليهم) أي على الصفين (جميعًا) وسلموا.\n(قال أبو داود: هذا قول سفيان) (٢) وفي هذه الصورة مخالفة لظاهر التنزيل، فإن مقتضى التنزيل أن لا يحرم الطائفة الثانية مع الإِمام عند تحريمه، وفي هذه الصورة يحرم الصفان جميعًا مع الإِمام.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وتقدم\".\n(٢) قال ابن رسلان في \"شرحه\" (ج ٣ ورقة ٥٦): هذا قول ابن عيينة.","vol":"5","page":400},{"text":"١٢٣٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى عَيَّاشٍ الزُّرَقِىِّ قَالَ: \"كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعُسْفَانَ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ\n===\n١٢٣٦ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي) (١) الأنصاري، صحابي، اسمه زيد بن الصامت، وقيل: ابن النعمان، وقيل: اسمه عبيد، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية بن الصامت، روى حديثًا في صلاة الخوف، شهد أحدًا وما بعدها.\nوأما أبو عياش الذي روى عنه أبو صالح الزيات حديثًا عن النبي - ﷺ -: \"من قال حين أصبح: لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له\"، الحديث، فالظاهر من كلام المحدثين أنه هو الأول.\n(قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - بعسفان) كعثمان، قال أبو منصور: عسفان منهلة من مناهل الطريق بين جحفة ومكة، وقال غيره: عسفان بين المسجدين، وهي من مكة على مرحلتين، وقيل: عسفان قرية جامع، بها منبر ونخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلًا من مكة، وهي حد تهامة، وقال السكري: عسفان على مرحلتين من مكة على طريق المدينة والجحفة على ثلاث مراحل، غزا النبي - ﷺ - بني لحيان بعسفان، وقد مضى لهجرته خمس سنين وشهران وأحد عشر يومًا (وعلى المشركين) أي أمير الجيش عليهم (خالد بن الوليد).\nقلت (٢): ولم أقف على أن هذه القصة في أي غزوة وقعت؟ فإن رسول الله - ﷺ - نزل بعسفان في غزوة بني لحيان، ولم يكن فيها قتال، قال بعض\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٥٧) رقم (٦١٤٥).\n(٢) قلت: وتحقق عندي أنها في غزوة الحديبية، كما في \"التلخيص\" (٢/ ١٨٤) فلله الحمد والمنة، وقد صرح به الحافظ، ويشكل عليه أن خالد بن الوليد لم يشعر بهم كما في رواية البخاري الطويلة في قصة الحديبية، وفي \"المنهل\": إن صلاته فيها كانت في جمادى الأولى سنة ست بعد الخندق وبني قريظة، (انظر: \"منهل العذب المورود\" ٧/ ١٠٠). (ش).","vol":"5","page":401},{"text":"فَصَلَّيْنَا الظُّهْرَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ أَصَبْنَا غِرَّةً، لَقَدْ أَصَبْنَا غَفْلَةً، لَوْ كُنَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِى الصَّلَاةِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْقَصْرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَالْمُشْرِكُونَ أَمَامَهُ، فَصَفَّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَفٌّ، وَصَفَّ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّفِّ صَفٌّ آخَرُ، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وَقَامَ الآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمَّا صَلَّى هَؤُلَاءِ السَّجْدَتَيْنِ وَقَامُوا\n===\nأهل التاريخ: ولم يلقوا أحدًا، وانصرف رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، ولم يلق كيدًا، ولا يثبت من كتب التاريخ أن خالد بن الوليد كان أميرًا حينئذ على المشركين، والله تعالى أعلم.\n(فصلينا الظهر، فقال المشركون) لما رأونا مشتغلين في الصلاة لا نلتفت إلى أحد (لقد أصبنا) من المسلمين (غرة) أي غفلة، (لقد أصبنا غفلة) فتكرار هذا الكلام لتعدد القائلين، أي قال بعضهم هذا اللفظ، وبعضهم هذا، ويحتمل أنهم كرروا هذا اللفظ استبشارًا وفرحًا، (لو كنا حملنا عليهم) أي على المسلمين (وهم في الصلاة) والجزاء محذوف أي لأهلكناهم، فاللازم علينا أن نحمل عليهم في حالة الصلاة، وهي حالة غفلتهم. (فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر) ولفظ النسائي: فنزلت يعني صلاة الخوف.\n(فلما حضرت العصر) أي صلاة العصر (قام رسول الله - ﷺ - مستقبل القبلة والمشركون أمامه) أي في جهة القبلة، (فصف خلف رسول الله - ﷺ - صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر) أي صف رسول الله - ﷺ - خلفه صفين، قدم أحدهما على الآخر، فكبر رسول الله - ﷺ - فكبروا جميعًا، فقام فقاموا جميعًا، (فركع رسول الله - ﷺ - وركعوا جميعًا، ثم سجد) رسول الله - ﷺ - (وسجد الصف الذي يلونه) وفي المصرية: الصف الذين يلونه.\n(وقام) أي بقي قائمِين (الآخرون يحرسونهم) أي الصف الأول، (فلما صلَّى هؤلاء) أي الصف الأول (السجدتين وقاموا","vol":"5","page":402},{"text":"سَجَدَ الآخَرُونَ الَّذِينَ كَانُوا خَلْفَهُمْ، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ إِلَى مَقَامِ الآخَرِينَ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الأَخِيرُ إِلَى مَقَامِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، وَقَامَ الآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمَّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ سَجَدَ الآخَرُونَ، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا،\n===\nسجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف (٢) الذي يليه) أي الصف الأول (إلى مقام الآخرين) أي الصف الثاني، (وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله - ﷺ - وركعوا) أهل الصفين (جميعًا، ثم سجد) رسول الله - ﷺ - (وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله - ﷺ - والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا) أي أهل الصفين (جميعًا).\nوقد أخرج النسائي (٣) هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد ثنا منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي، وفي سياقه مخالفة لسياق أبي داود، ففي سياق أبي داود ذكر سجود الصف الثاني قبل تبادل الصفوف، وفي حديث النسائي بعده، ولفظه: \"ثم سجد الذين يلونه وتأخر هؤلاء الذين يلونه وتقدم الآخرون فسجدوا\".\nقلت: وإن كان عبد العزيز بن عبد الصمد أحفظ وأوعى من جرير بن عبد الحميد، لكن حديث شعبة عن منصور عند النسائي (٤)، وحديث الثوري\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فركع\".\n(٢) قال القاري (٣/ ٥٢٤): قال ابن حجر: ويشترط حينئذ كما علم بأدلة أخرى أن لا يزيد فعل كل من المتقدمين والمتأخرين على خطوتين، وإلَّا بطلت صلاته إن توالت أفعاله، انتهى. (ش).\n(٣) انظر: \"سنن النسائي\" (١٥٥٠).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٥٤٩).","vol":"5","page":403},{"text":"فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَصَلَّاهَا بِعُسْفَانَ\n===\nعن منصور عند أحمد (١) يوافق سياق أبي داود، فيرجح حديث جرير على حديث عبد العزيز.\n(فسلم عليهم جميعًا، فصلاها بعسفان) قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢): والظاهر أن رسول الله - ﷺ - أول صلاة صلاها للخوف بعسفان، كما قال أبو عياش الزرقي: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - بعسفان\" الحديث، رواه أحمد وأصحاب السنن.\nوكذا قال أبو هريرة: \"كان رسول الله - ﷺ - نازلًا بين ضجنان وعُسفان\" وذكر الحديث، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣)، ولا خلاف بينهم أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق، وقد صح عنه - ﷺ - أنه صلَّى صلاة الخوف بذات الرقاع، فعُلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان، ويؤيد هذا أن أبا هريرة وأبا موسى شهدا ذات الرقاع، كما في \"الصحيحين\" (٤) عن أبي موسى \"أنه شهد غزوة ذات الرقاع\"، وأما أبو هريرة ففي \"المسند\" و\"السنن\" (٥): أن مروان بن الحكم سأله: هل صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: عام غزوة نجد.\nوهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وإن من جعلها قبل الخندق فقد وهم وهمًا ظاهرًا، ثم قال: فالصواب تحويل ذات الرقاع من هذا الموضع إلى ما بعد الخندق بل بعد خيبر، وإنما ذكرنا ها هنا تقليدًا لأهل المغازي والسير، ثم تبين لنا وهمهم، وبالله التوفيق، انتهى.\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٥٩).\n(٢) \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٠٣٥).\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤١٢٨)، و\"صحيح مسلم\" (١٨١٦).\n(٥) انظر: \"مسند أحمد\" (٢/ ٣٢٠)، و\"سنن النسائي\" (١٥٤٣).","vol":"5","page":404},{"text":"وَصَلَاّهَا يَوْمَ بَنِي سُلَيْمٍ\". [ن ١٥٤٩، ق ٣/ ٢٥٧، ك ١/ ٣٣٧، حم ٤/ ٥٩ - ٦٠، حب ٢٨٧٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى أَيُّوبُ وَهِشَامٌ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ هَذَا الْمَعْنَى،\n===\nقلت: والمواضع التي صلى فيها رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف جملتها عُسفان (١)، وذكر مرة باسم ضجنان، وذات الرقاع، وبطن نخلة، وذو قرد، ونخل، وغزوة نجد، ولم أقف على ترتيبها باعتبار التاريخ.\n(وصلاها يوم بني سليم) الذي يعلم من بعض كتب التاريخ أن غزوة بني سليم هي غزوة بحران، قال في \"تاريخ الخميس\" (٢) في وقائع السنة الثالثة من الهجرة: وفي هذه السنة كانت غزوة بحران، وتسمى غزوة بني سليم من ناحية الفرع بفتح الفاء والراء.\nوفي \"سيرة ابن هشام\" (٣): لما رجع رسول الله - ﷺ - من غزوة غطفان إلى المدينة لبث بها شهر ربيع الأول كله إلَّا قليلًا منه، ثم غزا يريد قريشًا، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، حتى بلغ بحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفرع، فأقام به شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة، وسببها أنه بلغه ﵇ أن بها جمعًا كثيرًا من بني سليم، فخرج في ثلاث مئة رجل من أصحابه، فوجدهم قد تفرقوا في مياههم ولم يلق كيدًا، انتهى.\nقلت: ولم يذكر فيها أحد من أصحاب السير قصة صلاة الخوف.\n(قال أبو داود: رواه (٤) أيوب وهشام عن أبي الزبير عن جابر هذا المعنى\n_________\n(١) قال في \"مراقي الفلاح\" (ص ٣٦٤): صلاها أربعًا وعشرين مرة. (ش).\n(٢) انظر: \"تاريخ الخميس\" (١/ ٤١٦).\n(٣) (٣/ ٥٢).\n(٤) في \"التقرير\": أشار به إلى كثرة طرق الرواية. (ش).","vol":"5","page":405},{"text":"عن النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ حُصَيْنٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ، عن عَطَاءٍ، عن جَابِرٍ،\n===\nعن النبي - ﷺ -) وقد أخرج ابن ماجه (١) حديث أيوب عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله بمعنى حديث أبي عياش الزرقي، وأما حديث هشام عن أبي الزبير عن جابر وصله ابن جرير (٢) بسندين: حدثني محمد بن معمر قال: ثنا حماد بن مسعدة عن هشام بن أبي عبد الله عن أبي الزبير عن جابر عن رسول الله - ﷺ- بنحوه.\nحدثنا مؤمل بن هشام قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام عن أبي الزبير عن جابر قال: \"كنا مع رسول الله - ﷺ -\" فذكر نحوه.\n(وكذلك رواه) أي هذا الحديث الذي رواه أبو عياش الزرقي (داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس) وقد أخرجه النسائي في \"مجتباه\" (٣) بسنده عن ابن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: \"ما كانت صلاة الخوف إلَّا سجدتين كصلاة أحراسكم هؤلاء اليوم خلف أئمتكم هؤلاء إلَّا أنها كانت عقبًا، قامت طائفة منهم وهم جميعًا مع رسول الله - ﷺ - الحديث.\n(وكذلك) أي كما روى جرير عن منصور عن مجاهد عن أبي عياش روى (عبد الملك عن عطاء عن جابر) مرفوعًا، وقد أخرجه النسائي: أخبرنا علي بن\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١٢٦٠)، وأخرجه أيضًا أبو عوانة في \"صحيحه\" (٢/ ٣٦٠)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ٢٩٥) رقم (١٣٥٠)، وابن حبان (٧/ ١٢٥) رقم (٢٨٧٤).\n(٢) \"جامع البيان\" (٩/ ١٥٨)، وأخرجه أيضًا الطيالسي في \"مسنده\" (١٧٣٨)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٧٤)، وأبو عوانة في\"صحيحه\" (٢/ ٣٦١)، وعلقه البخاري في \"صحيحه\" بإثر حديث رقم (٤١٣٠).\n(٣) \"سنن النسائي\" (١٥٣٥)، وأخرجه أيضًا أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٦٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٨).","vol":"5","page":406},{"text":"(١) وَكَذَلِكَ قَتَادَةُ، عن الْحَسَنِ، عن حِطَّان، عن أَبِي مُوسَى فِعْلَهُ، وَكَذَلِكَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -،\n===\nالحسين الدرهمي وإسماعيل بن مسعود قالا: حدثنا خالد قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال: \"شهدنا مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف، فقمنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة\" الحديث (٢).\n(وكذلك قتادة عن الحسن عن حطان عن أبي موسى فعله).\nقلت: لم أجد هذا الأثر فيما عندي من الكتب إلَّا ما أخرج ابن جرير في \"تفسيره\" (٣) بسنده عن يونس بن عبيد عن الحسن \"أن أبا موسى الأشعري صلَّى بأصحابه صلاة الخوف بأصبهان إذا غزاها، قال: فصلى بطائفة من القوم ركعة، وطائفة تحرس، فنكص هؤلاء الذين صلَّى بهم ركعة، وخلفهم الآخرون فقاموا مقامهم، فصلَّى بهم ركعة، ثم سلَّم، فقامت كل طائفة فصلت ركعة، انتهى، وليس فيه ذكر حطان بين الحسن وأبي موسى، وأيضًا سياق هذا الحديث مخالف لسياق حديث أبي عياش.\n(وكذلك عكرمة بن خالد، عن مجاهد، عن النبي - ﷺ -) وقد أخرج ابن جرير عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: \"يوم كان النبيﷺ - وأصحابه بعسفان، والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلَّى النبي - ﷺبأصحابه صلاة الظهر ركعتين\"، ثم ساق الحديث مثل حديث أبي عياش الزرقي، ولكن ليس فيه ذكر عكرمة بن خالد، بل فيه في محله ابن أبي نجيح (٤).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٥٤٧)، وأخرجه أيضًا أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣١٩)، ومسلم في \"صحيحه\" (٨٤٠)، وأبو عوانة في \"صحيحه\" (٢/ ٣٥٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٧).\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" (٤/ ٢٥٥).\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" (٤/ ٢٤٧).","vol":"5","page":407},{"text":"وَكَذَلِكَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>(٢٨٣) باب مَنْ قَالَ: يَقُومُ صَفٌّ مَعَ الإِمَامِ، وَصَفٌّ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَيُصَلِّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَقُومُ قَائِمًا حَتَّى يُصَلِّىَ الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ يَنْصَرِفُوا فَيَصُفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَتَجِئُ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَيُصَلِّى بِهِمْ رَكْعَةً وَيَثْبُتُ جَالِسًا، فَيُتِمُّونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ جَمِيعًا</span>.\n١٢٣٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ،\n===\nقلت: وهذا الحديث مرسل.\n(وكذلك هشام بن عروة عن أبيه عن النبي - ﷺ -) ولم يوجد هذا الأثر في شيء من الكتب (١) (وهو قول الثوري) وهذا تكرار (٢).\n(٢٨٣) (بَابُ مَنْ قَالَ: يَقُومُ صَفٌّ مَعَ الإمَامِ، وَصَفُّ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَيُصَلِّي) الإِمام (بِالَّذِينَ يَلُونَهُ) أي بأهل الصف الذي يتصل بالإمام (رَكْعَةً، ثمَّ يَقُومُ) أي الإِمام (قَائِمًا حَتَّى يُصَلِّي الَّذِينَ مَعَهُ) أي مع الإِمام (رَكْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ يَنْصَرِفُوا فيَصُفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَتَجيءُ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَيُصَلِّي) الإِمام (بِهِمْ رَكْعَةً) ثانية (وَيثْبُتُ) الإِمام (جَالِسًا) في التشهد (فَيُتِمُّون) أي الطائفة الأخرى (لأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُسَلِّم بِهِمْ جَمِيعًا)\n١٢٣٧ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي) معاذ بن معاذ، (نا شعبة،\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٥٠٦) رقم (٤٢٣٩)، وفيه: عن الثوري عن هشام عن النبي - ﷺ -، وسقط من المطبوع: \"عن أبيه\" - أي عروة -.\n(٢) القول الأول قول ابن عيينة، وهذا قول الثوري كما صرح بتعيينهما ابن رسلان في \"شرحه\" (ج ٣ ورقة ٥٦ - ٥٧)، فإذًا لا يكون التكرار، وقول الثوري أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٥١٢) رقم (٤٢٥٤).","vol":"5","page":408},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عن أَبِيهِ، عن صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عن سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: \"أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ في خَوْفٍ، فَجَعَلَهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِالّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُمْ رَكْعَةً،\n===\nعن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق، (عن أبيه) قاسم، (عن صالح بن خوات) بفتح المعجمة وتشديد الواو آخره مثناة، ابن جبير بن النعمان الأنصاري المدني، ثقة، (عن سهل (١) بن أبي حثمة: أن النبي - ﷺ - صلَّى بأصحابه في حوف، فجعلهم خلفه صفين، فصلَّى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائمًا حتى صلَّى الذين خلفهم ركعة).\nهكذا في جميع النسخ الموجودة لأبي داود: \"خلفهم\" بضمير الجمع بظاهره الراجع إلى أهل الصف الأول، وقد أخرج مسلم هذا الحديث بهذا السند وفيه أيضًا: \"خلفهم\" بضمير الجمع.\nولكن أخرج ابن جرير هذا الحديث في \"تفسيره\" (٢) بهذا السند بعينه وفيه: \"حتى صلَّى الذين خلفه ركعة\" بإفراد الضمير الراجع إلى رسول الله - ﷺ -، وكذا ذكر الزرقاني هذا الحديث وعزاه إلى الشيخين، وقال: واللفظ لمسلم، فقال: ورفعه يحيى القطان في رواية عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، وفيه: \"حتى صلَّى الذين خلفه ركعة\" بإفراد ضمير خلفه.\nوحاصل الفرق بينهما: أن ما في أبي داود ومسلم من ضمير الجمع الراجع إلى الصف الأول يقتضي أن الطائفة الثانية صلوا ركعتهم الأولى\n_________\n(١) وفي \"العرف الشذي\" (١/ ٢٤٩): إن في حديث سهل اضطرابًا، لم يتعرض له أحد، وهو أن سياقه في \"مغازي البخاري\" و\"الترمذي\" و\"ابن ماجه\" مغايرة، كما في \"مسلم\" و\"أبي داود\" و\"النسائي\"، و\"الطحاوي\"، والحديث واحد سندًا ومتنًا ومرفوع. (ش).\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" (٤/ ٢٥٢).","vol":"5","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقبل أن يصلي الطائفة الأولى ركعتهم الثانية، وحاصل ما في ابن جرير من إفراد الضمير: أن الطائفة الأولى لما صلوا ركعتهم الأولى مع الإِمام، وبقي الإِمام قائمًا في الركعة الثانية، صلوا ركعتهم الثانية قبل أن يصلي الطائفة الثانية ركعتيه.\nوما في ابن جرير عندي هو الأقرب إلى الصواب، فإن الإِمام أحمد أخرج في \"مسنده\" (١): حدثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن القاسم عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، أما عبد الرحمن فرفعه إلى النبي - ﷺ -، وأما يحيى فذكر عن سهل، قال: يقوم الإِمام وصف خلفه، وصف بين يديه، فيصلي بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم يقوم قائمًا حتى يصلوا ركعة أخرى، ثم يتقدمون إلى مكان أصحابهم، ثم يجيء أولئك فيقومون مقام هؤلاء فيصلي بهم ركعة وسجدتين، ثم يقعد حتى يقضوا ركعة أخرى، ثم يسلِّم عليهم، ففي هذا الحديث تصريح بأن أهل الصف الأول صلوا ركعتيهم قبل أهل الصف الثاني.\nويمكن أن يوجه سياق أبي داود وسياق مسلم بأن يقال: معنى قوله: فجعلهم خلفه صفين، بأن الصف الأول كان خلفه حقيقة، وأما الصف الثاني فكان وجاه العدو حقيقة، وكونه خلف الإِمام حكمًا ومجازًا بأنه سيكون خلفه.\nونظيره ما أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" بسنده عن ابن عباس \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى بذي قرد، فصف الناس خلفه صفين، صفًا خلفه وصفًا موازي العدو\" الحديث، فصلَّى الإِمام بالذين يلونه ركعة مع سجدتيها وهم الصف الأول، ثم قام الإِمام إلى الركعة الثانية، فلم يزل\n_________\n(١) (٣/ ٤٤٨).","vol":"5","page":410},{"text":"ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ - ﷺ - رَكْعَةً، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ\". [م ٨٤١، حم ٣/ ٤٤٨، ق ٣/ ٢٥٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، نَحْوَ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُوْمَانَ، إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَهُ في السَّلَامِ، وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللهِ نَحْوَ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيْدٍ قَالَ: وَثَبَتَ قَائِمًا.\n===\nقائمًا حتى صلَّى الذين خلفهم ركعة، أي خلف الصف الثاني، لأنها كانت قدام الإِمام وجاه العدو، فالمراد بالذين خلفهم الصف الأول، وبضمير الجمع الصف الثاني.\n(ثم تقدموا) أي الصف الأول وجاه العدو (وتأخر الذين كانوا قدامهم) أي قدام الصف الأول، وهو الصف الثاني الذين كانوا وجاه العدو (فصلَّى بهم النبي - ﷺ - ركعة) أي الركعة الثانية له - ﷺ - (ثم قعد) أي في التشهد (حتى صلَّى الذين تخلفوا) أي الصف الثاني الذي تخلف في الركعة الأولى عن صلاة الإِمام (ركعة) ثانية (ثم سلَّم) أي رسول الله - ﷺ - والطائفتان جميعًا، فعلى هذا تطابق الأحاديث الواردة عن سهل بن أبي حثمة بعضها بعضًا ويطابق الحديث ترجمة الباب مطابقة تامة.\n(قال أبو داود: أما رواية يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (نحو رواية يزيد بن رومان) أي متفقتان في المعنى (إلَّا أنه) أي يحيى (خالفه) أي يزيد بن رومان (في السلام، ورواية عبيد الله نحو رواية يحيى بن سعيد قال: وثبت قائمًا) هذه العبارة مكررة، وسيذكرها المصنف في آخر الباب اللاحق، وليست ههنا في محلها، فإنه لم يتقدم ذكر رواية يحيى، ولا ذكر رواية يزيد بن رومان، فلعلها من تصرف النساخ.","vol":"5","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>(٢٨٤) بَابُ مَنْ قَالَ: إِذَا صَلَّى رَكعَةً وَثَبَتَ قَائِمًا أَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ رَكعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَكَانُوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَاخْتُلِفَ في السَّلَامِ</span>\n١٢٣٨ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\n===\n(٢٨٤) (بَابُ مَنْ قَالَ: إِذَاصَلَّى) الإِمام والصف الأول (رَكْعَةً، وَثَبَتَ قَائِمًا) أي في الركعة الثانية (أَتَمُّوا) أي أهل الصف الأول (لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً) ثانية (ثُمَّ سَلَّمُوا) (١) أي فرغوا عن الصلاة بالسلام قبل الإِمام (ثُمَّ انْصَرَفُوا) عن الإِمام (فَكَانُوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، واخَتُلِفَ في السَّلَامِ)\nأي وقع الاختلاف بين الروايتين في السلام، أي في سلام الإِمام بأن في إحداهما سلم الإِمام مع الجماعة، وفي ثانيتهما لم يسلم الإِمام مع إحدى الجماعتين، بل سَلَّم الطائفة قبل الإِمام، ثم لما تم ركعتا الإِمام سلَّم الإِمام، وبقي للطائفة الثانية ركعتها الأخرى، فلما أتموها سلموا.\n١٢٣٨ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن هارون، عن صالح بن خوات عمن صلَّى مع رسول الله - ﷺ -) ولفظ البخاري: عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن شهد مع رسول الله - ﷺ - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف.\nقال الحافظ في \"الفتح\": قيل: إن اسم هذا المبهم (٢) سهل بن أبي حثمة، لأن القاسم بن محمد روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن\n_________\n(١) ليس في الحديث تصريح السلام، لكنه هو المراد على الظاهر. (ش).\n(٢) والحاصل أن الرواية وإن كانت عن سهل صحيحة لكنها مرسلة، إذ لم يشهد سهل معه - ﷺ -. (ش).","vol":"5","page":412},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nخوات عن سهل بن أبي حثمة، وهذا هو الظاهر من رواية البخاري، ولكن الراجح أنه أبوه خوات (١) بن جبير، لأن أبا أويس روى هذا الحديث عن يزيد بن رومان شيخ مالك، فيه فقال: \"عن صالح بن خوات عن أبيه\"، أخرجه ابن منده في \"معرفة الصحابة\" من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه، وجزم النووي في \"تهذيبه\" بأنه خوات بن جبير، وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره (٢).\nقلت: وسبقه لذلك الغزالي فقال: إن صلاة ذات الرقاع في رواية خوات بن جبير، وقال الرافعي في \"شرح الوجيز\": اشتهر هذا في كتب الفقه، والمنقول في كتب الحديث رواية صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة وعمن صلَّى مع رسول الله - ﷺ -، قال: فلعل المبهم هو خوات والد صالح.\nقلت: وكأنه لم يقف على رواية خوات التي ذكرتها، وبالله التوفيق.\nويحتمل أن صالحًا سمعه من أبيه ومن سهل بن أبي حثمة، ولذا يبهمه تارة ويعينه أخرى، إلَّا أن تعيين كونها كانت ذات الرقاع إنما هو في روايته عن أبيه، وليس في رواية صالح عن سهل: أنه صلاها مع النبي - ﷺ -.\nوينفع هذا فيما سنذكره قريبًا من استبعاد أن يكون سهل بن أبي حثمة كان في سن من يخرج في تلك الغزاة، فإنه لا يلزم من ذلك أن لا يرويها، فتكون روايته إياها مرسل صحابي، فبهذا يقوي تفسير الذي صلَّى مع النبي - ﷺ - بخوات، والله أعلم، انتهى (٣).\n_________\n(١) وبه جزم النووي في مبهمات لغاته. (٢/ ١٧٨). (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٤٢٢).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٤٢٣).","vol":"5","page":413},{"text":"يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: \"أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِى مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا،\n===\n(يوم ذات الرقاع) قال البخاري في \"الصحيح\": غزوة ذات الرقاع وهي غزوةُ مُحَارِبِ خَصَفَةَ من بني ثعلبة من غطفان، فنزل نخلًا، وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى (١) جاء بعد خيبر، انتهى (٢)، قال في \"تاريخ الخميس\" (٣): سميت ذات الرقاع لأن الظهر كان قليلًا، وأقدام المسلمين نقبت من الحفاء، فلفوا عليها الخرق وهي الرقاع، هذا هو الصحيح في تسميتها، وقيل: سميت به بجبل هناك يقال له: الرقاع، لأن فيه بياضًا وحمرة وسوادًا، وقيل: سميت بشجرة هناك يقال لها: ذات الرقاع، وقيل: لأن المسلمين رقعوا راياتهم، ويحتمل أن يكون هذه الأمور كلها وجدت فيها.\nوسببها أن قادمًا قدم المدينة فأخبر بأن أنمار وثعلبة وغطفان قد جمعوا جموعًا لقصد المسلمين، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فاستخلف على المدينة عثمان بن عفان، وخرج في أربع مئة رجل، وقيل: في سبع مئة، فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع، فلم يجد إلَّا نسوة فأخذهن، وفيهن جارية وضيئة، وهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال، ولم يكن قتال، وأخاف المسلمون بعضهم بعضًا من غير أن يغيروا عليهم، فصلَّى بهم النبي - ﷺ - صلاة الخوف، انتهى.\n(صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه) أي مع رسول الله - ﷺ - مفعول لحدثنا (وطائفة وجاه العدو، فصلَّى بالتي معه) أي الطائفة التي معه (ركعة، ثم ثبت) رسول الله - ﷺ - (قائمًا) في الركعة الثانية (وأتموا) أي الطائفة التي معه (لأنفسهم) بأداء الركعة الثانية حين قام الإِمام (ثم) أي بعد سلامهم (انصرفوا) أي الطائفة\n_________\n(١) وجزم الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٦٠١) بأن التي فيها صلاة الخوف غير التي فيها مجيء أبي موسى، فغزوة ذات الرقاع ثنتان. (ش).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤١٢٥).\n(٣) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٤٦٤).","vol":"5","page":414},{"text":"وَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِى بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ\". [خ ٤١٢٩، م ٨٤٢، ن ١٥٣٧]\n===\nالأولى التي كانت مع الإِمام (وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلَّى بهم الركعة) الثانية (التي بقيت من صلاته) - ﷺ - (ثم) لما جلس للتشهد (ثبت جالسًا، وأتموا) أي الطائفة الثانية (لأنفسهم) الركعة الثانية الباقية عليهم (ثم سلم بهم) أي بالطائفة الأخيرة أي معهم ليحصل لهم فضيلة التسليم معه كما حصل للأولين فضيلة التحريم معه، هذا ما قاله القاري (١).\nوأما كلام الحافظ في \"الفتح\": فيشير (٢) إلى أن الطائفة الأولى لما أتمت صلاتها، وأراد الانصراف إلى العدو لم يسلم، فلما جلس رسول الله - ﷺ - في التشهد، وصلت الطائفة الثانية ركعتيها، فحين ذلك سلَّم الجميع مع سلام رسول الله - ﷺ -.\nقال الحافظ (٣): قوله: \"فصلَّى معه ركعة ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم\" هذه الكيفية تخالف الكيفية التي تقدمت عن جابر في عدد الركعات، وتوافق الكيفية التي تقدمت عن ابن عباس في ذلك، لكن تخالفها في كونه - ﷺ - ثبت قائمًا حتى أتمت الطائفة لأنفسها ركعة أخرى، وفي أن الجميع استمروا في الصلاة حتى سلموا بسلام النبي - ﷺ -، انتهى.\nلكن كلام أبي داود في ترجمة الباب وهو قوله: \"أتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا\" يقتضي أن رواية يزيد بن رومان في سلام الطائفة الأولى بعد إتمام الركعة الثانية محمولة على رواية يحيى بن سعيد عن القاسم، فإن رواية يزيد بن\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥١٩).\n(٢) والظاهر عندي أن كلام الحافظ الآتي لا يدل على استمرارهم في الصلاة في حديث الباب، بل في حديث ابن عباس، فلا إشارة في كلام الحافظ إلى عدم السلام في حديث الباب. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٢٣).","vol":"5","page":415},{"text":"قَالَ مِالِكٌ: وَحَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ.\n===\nرومان ساكتة عن سلامها، ورواية يحيى بن سعيد مصرحة بالسلام فحمل عليها.\n(قال مالك (١): وحديث يزيد بن رومان أحب ما سمعت إلى) ولفظ البخاري (٢): قال مالك: \"وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف\".\nولفظ مالك في موطئه (٣): \"وحديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات أحب ما سمعت إلى في صلاة الخوف\" فما في أبي داود من قوله: \"وحديث يزيد بن رومان أحب ... إلخ\"، بتقييد حديث يزيد بن رومان، مراده حديث صالح بن خوات سواء كان من حديث يزيد بن رومان أو من حديث القاسم بن محمد.\nوقال الدارقطني (٤) بعد ما أخرج حديث يزيد بن رومان: قال ابن وهب: قال لي مالك: أحب إلى هذا، ثم رجع قال: يكون قضاؤهم بعد السلام أحب إلى.\nقال الحافظ (٥): هذا القول يقتضي أنه سمع في كيفيتها صفات متعددة،\n_________\n(١) وما يظهر من ملاحظة الزرقاني (١/ ٣٧١) أن الإِمام مالكًا -﵁ - كان يقول أولًا بذاك، ثم رجع عنه إلى حديث القاسم الذي فيه سلام الإِمام منفردًا بدون انتظار فراغ الطائفة الثانية، إذ مقتضى الإمامة عدم الانتظار، فتأمل.\nوكذلك سيأتي عن الدارقطني رجوع الإِمام عن ذلك، ورجح أحمد حديث يزيد بن رومان، وفرق الشافعي في الترجيح بين كون العدو إلى القبلة، فاختار حديث عسفان، وبين كونه في غير القبلة فمثل أحمد، واختار الحنفية حديث ابن عمر وابن مسعود لأنهما أوفق بالقرآن، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٢٥). (ش).\nقلت: قال صاحب \"فتح القدير\" (٢/ ٦٣) بعد إيراد رواية ابن مسعود وابن عمر -﵄-: ولا يخفى أن كلا من الحديثين إنما يدل على بعض المطلوب، وقد روي تمام صورة الكتاب موقوفًا على ابن عباس من رواية أبي حنيفة، ذكره محمد في \"كتاب الآثار\" (ص ٣٩)، وراجع \"معارف السنن شرح سنن الترمذي\" (٥/ ٤٦ - ٤٧).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤١٣٠).\n(٣) \"موطأ الإِمام مالك\" (١/ ١٨٥).\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٦١).\n(٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٤١).","vol":"5","page":416},{"text":"١٢٣٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ الأَنْصَارِىِّ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِى حَثْمَةَ الأَنْصَارِىَّ حَدَّثَهُ: \"أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةَ الْعَدُوِّ، فَيَرْكَعُ الإِمَامُ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِالَّذِينَ مَعَهُ ثُمَّ يَقُومُ، فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ، ثُمَّ سَلَّمُوا وَانْصَرَفُوا، وَالإِمَامُ قَائِمٌ، فَكَانُوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، ثُمَّ يُقْبِلُ الآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا\n===\nوهو كذلك فقد ورد عن النبي - ﷺ - في صفة صلاة الخوف كيفيات حملها بعض العلماء على اختلاف الأحوال، وحملها آخرون على التوسع والتخيير، ووافقه على ترجيح هذه الصفة الشافعية وأحمد وداود لسلامتها من كثرة المخالفة، ولكونها أحوط لأمر الحرب.\nوقال السهيلي: اختلف الفقهاء في الترجيح، فقال طائفة: يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن، وقال طائفة: يجتهد في طلب أخيرها، فإنه الناسخ لما قبله، وقال طائفة: يؤخذ بأصحها نقلًا وأعلاها رواة، وقال طائفة: يؤخذ بجميعها على اختلاف أحوال الخوف، فإذا اشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤنة، والله أعلم.\n١٢٣٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة الأنصاري حدثه: أن صلاة الخوف أن يقوم الإِمام وطائفة من أصحابه) معه للصلاة، (وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإِمام) بمن معه (ركعة) أي ركوعًا (ويسجد) أي الإِمام (بالذين معه) سجدتين (ثم يقوم) أي الإِمام.\n(فإذا استوى قائمًا ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية) في حال قيام الإِمام (ثم سلموا) بعد تمام الركعتين قبل الإِمام (وانصرفوا) إلى مواجهة العدو (والإمام قائم) أي في الركعة الثانية (فكانوا) أي ذهبوا (وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا) أي لم يدخلوا في صلاة الإِمام.","vol":"5","page":417},{"text":"فَيُكَبِّرُونَ وَرَاءَ الإِمَامِ، فَيَرْكَعُ بِهِمْ، وَيَسْجُدُ بِهِمْ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، فَيَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ لأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُونَ\". [خ ٤١٣١، م ٨٤١، ت ٥٦٥، ن ١٥٥٣، جه ١٢٥٩، حم ٣/ ٤٤٨، ق ٣/ ٢٥٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَمَّا (١) رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ نَحْوُ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، إلَّا أَنَّهُ خَالَفَهُ فِى السَّلَامِ، وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ\n===\n(فيكبرون) للتحريمة (وراء الإِمام، فيركع بهم ويسجد بهم، ثم) أي بعد ما يتشهد (يسلم) لأنه أتم ركعتيه (فيقومون) أي الطائفة الثانية (فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم) أي بعد إتمام الركعة الثانية بركوعها وسجودها والتشهد، (يسلمون).\n(قال أبو داود: وأما رواية يحيى بن سعيد عن القاسم نحو رواية يزيد بن رومان، إلَّا أنه) أي يحيى بن سعيد عن القاسم (خالفه) أي يزيد بن رومان (في السلام). ففي رواية يحيى بن سعيد: \"يسلم الإِمام قبل أن يتم الطائفة الثانية ركعتهم الثانية\"، وفي رواية يزيد بن رومان: \"يسلم الإِمام بعد إتمام الطائفة الثانية الصلاة.\n(ورواية عبيد الله) وهي التي أخرجها ابن جرير في \"تفسيره\" (٢): حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت عبيد الله عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أنه قال: \"صلاة الخوف أن تقوم طائفة من خلف الإِمام وطائفة يلون العدو، فيصلي الإِمام بالذين خلفه ركعة، ويقوم قائمًا، فيصلي القوم إليها ركعة أخرى، ثم يسلمون فينطلقون إلى أصحابهم ويجيء أصحابهم، والإمام قائم فيصلي بهم ركعة فيسلم، ثم يقومون فيصلون إليها ركعة أخرى، ثم ينصرفون\". قال عبيد الله: فما سمعت فيما نذكره في صلاة الخوف شيئًا، هو أحسن عندي من هذا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فأما\".\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" (٤/ ٢٥٣).","vol":"5","page":418},{"text":"نَحْوُ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: وَيثْبُتُ (١) قَائِمًا (٢).\n\n(٢٨٥) بَابُ مَنْ قَالَ: يُكَبِّرُونَ جَمِيعًا وإنْ كَانُوا مُسْتَدْبِرِين (٣) الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي بِمَنْ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَأتُونَ مَصَافَّ أَصْحَابِهِمْ، وَيَجِيءُ الآخَرُونَ فَيَرْكعُونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِم رَكْعَةً، ثَمَّ تُقْبِلُ الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ تُقَابِلُ (٤) الْعَدُوَّ فَيُصَلُّون لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، وَالإِمَامُ قَاعِدٌ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ كلِّهِمْ جَمِيعًا\n===\nفمن قال: إن المراد بقوله: \"ورواية عبيد الله رواية عبيد الله بن معاذ العنبري المتقدمة\" فقد غفل.\n(نحو رواية يحيى بن سعيد) المذكور ههنا، (قال) عبيد الله في حديثه: (ويثبت قائمًا) كما قال يحيى بن سعيد في حديثه.\n(٢٨٥) (بابُ مَنْ قَالَ: يُكَبِّرُونَ) أي الطائفتان (جَمِيعًا) مع الإِمام للتحريمة (وإِنْ كَانُوا مُسْتَدْبِرينَ القبلة ثُمَّ يُصَلِّي) أي الإِمام (بِمَنْ مَعَهُ) أي من الطائفة الأولى (رَكعَةً، ثُمَّ) إذا أتموا ركعة (يَأْتُونَ مَصَافَّ أَصْحَابِهِمْ) أي مصاف الطائفة الثانية (وَيجيءُ الآخَرُونَ) أي الطائفة الثانية (فَيَرْكَعُون لأنْفُسِهمْ رَكعَةً) التي تقدم الإِمام بأدائها (ثُمَّ) بعد ما صلوا ركعتهم الأولى (يُصَلِّي) الإِمام (بِهِمْ رَكعَةً) ثانية (ثُمَّ) أي بعد ما أتموا ركعتيهم (تُقْبِلُ الطَّائِفَةُ التي كَانَتْ تُقَابِلُ الْعَدُوَّ) وهي الطائفة الأولى (فَيُصَلُّونَ لأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً) ثانية التي بقيت لهم (وَالإمَامُ قَاعِدٌ) أي في التشهد (ثُمَّ يُسَلِّم بِهِمْ كُلِّهِمْ) أي الطائفتين (جَمِيعًا)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثبت\".\n(٢) قلت: قول أبي داود هذا تكرر في النسخة الهندية وغيرها، وقد تقدَّم عقب حديث (١٢٣٧).\n(٣) وفي نسخة: \"مستدبري\".\n(٤) وفي نسخة: \"مقابل\".","vol":"5","page":419},{"text":"١٢٤٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ (١) وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَسْوَدِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ: \"هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. فقَالَ مَرْوَانُ: مَتَى؟ قَالَ (٢) أَبُو هُرَيْرَةَ: عَامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَامَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى مُقَابِلَي (٣) الْعَدُوِّ، ظُهُورُهُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَكَبَّرُوا جَمِيعًا: الَّذِينَ مَعَهُ وَالَّذِينَ مُقَابِلِى الْعَدُوِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَةً وَاحِدَةً،\n===\n١٢٤٠ - (حدثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، نا أبُو عَبْدِ الرَّحمنِ المُقرئ) عبد الله بن يزيد، (نا حيوة) بن شريح (وابن لهيعة قالا: نا أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، النوفلي المدني، يتيم عروة، ثقة (أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم أنه) أي مروان (سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، فقال مروان: متى؟) أي متى صليتها؟ .\n(قال أبو هريرة: عام غزوة نجد) والنجد ما ارتفع من الأرض، وهي غزوة ذات الرقاع، ثم بين كيفيتها، فقال: (قام رسول الله - ﷺ - إلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابلي العدو، ظهورهم) أي الطائفة الأخرى (إلى القبلة، فكبر رسول الله - ﷺ -) للتحريمة (فكبروا جميعًا: الذين معه) أي خلفه (والذين مقابلي) وفي نسخة: مقابلو (العدو، ثم ركع رسول الله - ﷺ - ركعة) أي ركوعًا (واحدة) أي ركوع الركعة الأولى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"حيوة بن شريح\".\n(٢) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٣) وفي نسخة: \"مقابل\".","vol":"5","page":420},{"text":"وَرَكَعَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِى مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِى تَلِيهِ، وَالآخَرُونَ قِيَامٌ مُقَابِلِى الْعَدُوِّ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَامَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِى مَعَهُ، فَذَهَبُوا إِلَى الْعَدُوِّ فَقَابَلُوهُمْ، وَأَقْبَلَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِى كَانَتْ مُقَابِلِى الْعَدُوِّ فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَائِمٌ كَمَا هُوَ، ثُمَّ قَامُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَةً أُخْرَى، وَرَكَعُوا مَعَهُ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِى كَانَتْ مُقَابِلِى الْعَدُوِّ، فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَاعِدٌ وَمَنْ مَعَهُ (١)، ثُمَّ كَانَ السَّلَامُ، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَسَلَّمُوا جَمِيعًا، فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَينِ\n===\n(وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد) رسول الله - ﷺ - سجدتي الركعة الأولى (فسجدت الطائفة التي تليه) أي رسول الله - ﷺ - (والآخرون قيام) أي الطائفة الثانية قائمة (مقابلي العدو) وفي نسخة: مقابلو (ثم قام رسول الله - ﷺ -) إلى الركعة الثانية (وقامت الطائفة التي معه) أي الطائفة الأولى (فذهبوا إلى العدو، فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا) لأنفسهم (ورسول الله - ﷺ - قائم كما هو) قائم قبل.\n(ثم قاموا) فشركوا مع رسول الله - ﷺ - في القيام (فركع رسول الله - ﷺ - ركعة أخرى) أي ركوعًا ثانيًا (وركعوا معه وسجد) رسول الله - ﷺ - سجدتين (وسجدوا معه) ولم يذكر فيه أنهم لما فرغوا عن ركعتيهم هل ذهبوا إلى مصاف أصحابهم أو بقوا هنالك؟ والظاهر أنهم ما ذهبوا إلى العدو، بل بقوا هنالك.\n(ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو) وهي الطائفة الأولى فقاموا للركعة الثانية (فركعوا) ركوعًا (وسجدوا) سجدتين وتشهدوا (ورسول الله - ﷺ - قَاعِد) في التشهد (ومن معه) من الطائفة الثانية (ثم كان السلام، فسلَّم رسول الله - ﷺ - وسلموا) أي الطائفتان (جميعًا، فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتين)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"من كان معه\".","vol":"5","page":421},{"text":"وَلكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً رَكعَةً\". [ن ١٥٤٣، حم ٢/ ٣٢٠ خزيمة ١٣٦١، ق ٣/ ٢٦٤، ك ١/ ٣٣٨]\n١٢٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى نَجْدٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ\n===\nوفي نسخة: ركعتان (ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة) أي مع الإِمام، وأما الركعة الثانية فالطائفة الأولى صلتها حين رجعوا من مواجهة العدو، والإمام قاعد في التشهد، وأما الطائفة الثانية فصلت الركعة الأولى حين كان الإِمام قائمًا في الركعة الثانية لأنفسهم منفردين عن الإِمام، وصلت الركعة الثانية مع الإِمام مع ركعته الثانية.\nوالحديث أخرجه النسائي في \"مجتباه\" والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١) ولفظهما: ولكل رجل من الطائفتين ركعتان ركعتان، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى التوجيه.\n١٢٤١ - (حدثنا محمد بن عمرو الرازي) المعروف بزنيج مصغرًا، (نا سلمة) بن الفضل، (حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن الأسود) هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود، يتيم عروة، أبو الأسود، (عن عروة بن الزبير، عن أبي هريرة) وقد تقدم في الحديث السابق أن عروة بن الزبير يروي هذا الحديث عن أبي هريرة بواسطة مروان بن الحكم، وههنا أسقط ذكره، فإن ثبت أن عروة بن الزبير سمع عن أبي هريرة أيضًا هذا الحديث، فالسند متصل وإلَّا ففيه انقطاع.\n(قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع) قال\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٤).","vol":"5","page":422},{"text":"مِنْ نَخْلٍ، لَقِىَ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ (١)، وَلَفْظُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ حَيْوَةَ. وَقَالَ فِيهِ: حِينَ رَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ قَالَ: فَلَمَّا قَامُوا مَشَوُا\n===\nفي \"القاموس\": وذات الرقاع جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض (من نخل) قال في \"معجم البلدان\" (٢): نخل بالفتح ثم السكون: منزل من منازل بني ثعلبة من المدينة على مرحلتين، وقيل: موضع بنجد من أرض غطفان مذكور في غزاة ذات الرقاع، وهو موضع في طريق الشام، ذكره المتنبي فقال:\nفمرت بنخل وفي ركبها ... عن العالمين وعنه غنى\n(لقي جمعًا من غطفان، فذكر) محمد بن إسحاق (معناه) أي معنى حديث حيوة (ولفظه) أي لفظ محمد بن إسحاق (على غير لفظ حيوة).\nوقد أخرج الطحاوي حديث ابن إسحاق في \"شرح معاني الآثار\" (٣) مفصلًا: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن أبي هريرة قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف، فصدع الناس صدعين، فصلَّى طائفة خلف رسول الله - ﷺ -، وطائفة تجاه العدو، فصلَّى رسول الله - ﷺ - بمن خلفه ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم قام، وقاموا معه، فلما استووا قيامًا رجع الذين خلفه وراءهم القهقرى، فقاموا وراء الذين بإزاء العدو، وجاء الآخرون، فقاموا خلف رسول الله - ﷺ -، فصلوا لأنفسهم ركعة، ورسول الله - ﷺ - قائم، ثم قاموا فصلَّى رسول الله - ﷺ - بهم أخرى، فكانت لهم ولرسول الله - ﷺ - ركعتان، وجاء الذين بإزاء العدو، فصلوا لأنفسهم ركعة وسجدتين، ثم جلسوا خلف رسول الله - ﷺ - فسلم بهم جميعًا.\n(وقال فيه) أي الفرق بينهما أن ابن إسحاق قال فيه: (حين ركع) رسول الله - ﷺ - (بمن معه وسجد قال) ابن إسحاق: (فلما قاموا مشوا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) \"معجم البلدان\" (٥/ ٢٧٦).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٤).","vol":"5","page":423},{"text":"الْقَهْقَرَى إِلَى مَصَافِّ أَصْحَابِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرِ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ\". [انظر سابقه]\n١٢٤٢ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ فَحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنِى عَمِّى، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَتْ: \"كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَكَبَّرَتِ الطَّائِفَةُ الَّذِينَ صُفُّوا مَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدُوا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا، ثُمَّ مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسًا، ثُمَّ سَجَدُوا هُمْ لأَنْفُسِهِمُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَامُوا فَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ يَمْشُونَ الْقَهْقَرَى حَتَّى قَامُوا مِنْ وَرَائِهِمْ،\n===\nالقهقرى) أي راجعين على أعقابهم مستقبلين إلى القبلة (إلى مصاف أصحابهم، ولم يذكر) ابن إسحاق (استدبار القبلة) فزاد لفظ \"القهقري\".\n١٢٤٢ - (قال أبو داود: وأما عبيد الله بن سعد فحدثنا قال: حدثني عمي) يعقوب بن إبراهيم، (نا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، (عن ابن إسحاق) محمد، (حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عائشة حدثته بهذه القصة قالت: كبر رسول الله - ﷺ -) للتحريمة (وكبرت الطائفة الذين صفوا معه) وهي الطائفة الأولى.\n(ثم ركع) رسول الله - ﷺ - (فركعوا) أي الطائفة الأولى (ثم سجد) أي السجدة الأولى (فسجدوا) أي الطائفة الأولى معه (ثم رفع) رسول الله - ﷺ - رأسه من السجدة الأولى (فرفعوا) أي الطائفة الأولى رؤوسهم من السجدة الأولى.\n(ثم مكث رسول الله - ﷺ - جالسًا) ولم يسجد السجدة الثانية للركعة الأولى، (ثم سجدوا هم) أي الطائفة الأولى (لأنفهسم) السجدة (الثانية، ثم قاموا فنكصوا) أي رجعوا (على أعقابهم يمشون القهقرى) لا يستدبرون القبلة (حتى قاموا من ورائهم) أي الطائفة الثانية التي كانت مقابلة العدو، ولفظ الوراء","vol":"5","page":424},{"text":"وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَقَامُوا فَكَبَّرُوا، ثُمَّ رَكَعُوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَسَجَدُوا لأَنْفُسِهِمُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَامَتِ الطَّائِفَتَانِ جَمِيعًا فَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَكَعَ فَرَكَعُوا، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدُوا جَمِيعًا ثُمَّ عَادَ فَسَجَدَ الثَّانِيَةَ وَسَجَدُوا (١) مَعَهُ سَرِيعًا كَأَسْرَعِ الإِسْرَاعِ جَاهِدًا لَا يَأْلُونَ سِرَاعًا، ثُمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَسَلَّمُوا (٢)، فَقَامَ رَسُول اللهِ - ﷺ -\n===\nيحتمل معنى القدام والخلف (وجاءت الطائفة الأخرى) أي الثانية (فقاموا فكبروا) للتحريمة (ثم ركعوا لأنفسهم) من غير أن يشرك رسول الله - ﷺ -.\n(ثم سجد رسول الله - ﷺ -) السجدة الثانية التي بقيت له من ركعته الأولى (فسجدوا معه) السجدة الأولى (ثم قام رسول الله - ﷺ -) بعد أن فرغ من سجدتيه لركعته الأولى إلى الركعة الثانية (وسجدوا) أي الطائفة الثانية (لأنفسهم الثانية، ثم قامت الطائفتان جميعًا، فصلوا مع رسول الله - ﷺ - فركع) رسول الله - ﷺ - (فركعوا) كلهم.\n(ثم سجد) رسول الله - ﷺ - (فسجدوا) كلهم (جميعًا) أي السجدة الأولى (ثم عاد) رسول الله - ﷺ - (فسجد الثانية) أي السجدة الثانية للركعة الثانية (وسجدوا معه سريعًا كأسرع الإسراع) بفتح الهمزة على صيغة الجمع، ولكن لم أجد الجمع لسريع على أسراع في كتب اللغة، أو بكسر همزة على صيغة المصدر، معناه كأشد الإسراع، (جاهدًا) أي ساعيًا في السرعة جاهدًا فيه (لا يألون) أي لا يقصرون (سراعًا) أي في السرعة، لأن الطائفتين كلهم مشتغلون في الصلاة، فيجتهدون في السرعة مخافة هجوم العدو.\n(ثم سلم رسول الله - ﷺ - وسلموا) أي الطائفتان جميعًا (فقام رسول الله - ﷺ -)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فسجدوا\".\n(٢) وفي نسخة: \"فسلموا\".","vol":"5","page":425},{"text":"وَقَدْ شَارَكَهُ النَّاسُ في الصَّلَاةِ كُلّهَا\". [حم ٦/ ٢٧٥، خزيمة ١٣٦٣، ق ٣/ ٢٦٥، ك ١/ ٣٣٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>(٢٨٦) بَابُ مَنْ قَالَ: يُصَلِّي بكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ فيَقُومُ كُلُّ صَفٍّ، فَيُصَلُّوَنَ لأَنْفُسِهِم رَكْعَةً</span>\n١٢٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً،\n===\nأي فرغ عن الصلاة (وقد شاركه الناس في الصلاة كلها).\nفإن قلت: كيف يقال: إن الناس قد شاركوه في الصلاة كلها، وقد أحرمت الطائفة الثانية خلف رسول الله - ﷺ - بعد ما صلَّى رسول الله - ﷺ - ركعته الأولى؟\nقلت: فإنهم وإن شاركوا رسول الله - ﷺ - في الركعة الثانية وأحرموا خلفه بعد تمام الركعة الأولى، لكنهم لما صلوا ركعتيهم قبل سلام الإِمام، وسلموا مع سلام الإِمام، ولم يقضوا بعد سلام الإِمام شيئًا من صلاتهم، فكأنهم أيضًا شاركوه في صلاتهم كلها، ويمكن أن يؤول هذا الكلام على وجه آخر، فيقال: هذا بيان لقوله في الحديث: \"ثم قام رسول الله - ﷺ -\" أي معناه قام رسول الله - ﷺ - إلى الركعة الثانية، والحال أنه قد شاركه الناس كلهم في الصلاة أي في التي بقيت من الصلاة، وتأنيث الضمير باعتبار الطائفة.\n(٢٨٦) (بَابُ مَنْ قَالَ: يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ) ويفرغ الإِمام عن الصلاة بالسلام (فَيَقُومُ كُلُّ صَفٍّ فَيُصَلُّونَ لأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً) التي بقيت من صلاتهم، فيكون الطائفة الأولى بحكم اللاحقين، والثانية مسبوقون\n١٢٤٣ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - صلَّى بإحدى الطائفتين ركعة،","vol":"5","page":426},{"text":"وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا فِى مَقَامِ أُولَئِكَ، وَجَاؤوا (١) أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ، وَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ\". [خ ٤١٣٣، م ٨٣٩، ت ٥٦٤، ن ١٥٣٨، ق ٣/ ٢٦٠، حم ٢/ ١٤٧]\n===\nوالطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم) لما صلت الطائفة الأولى ركعتهم الأولى (انصرفوا) أي مواجهة العدو (فقاموا في مقام أولئك) أي الطائفة الثانية التي كانت مواجهة العدو (وجاؤوا) وفي المصرية: \"وجاء\" بالإفراد (أولئك) أي الطائفة الثانية (فصلَّى) رسول الله - ﷺ - (بهم ركعة أخرى، ثم سلَّم عليهم، ثم قام هؤلاء) أي الطائفة الثانية (فقضوا ركعتهم) الباقية (وقام هؤلاء) أي الطائفة الأولى (فقضوا ركعتهم).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قوله: \"فقام كل واحد منهم فركع لنفسه\" لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح (٣) من حيث المعنى، وإلَّا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإِمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه: \"ثم يسلم فقام هؤلاء\" أي الطائفة الثانية، فقضوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا.\n_________\n(١) وفيه نسختان: \"فجاؤوا\"، \"جاء\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣٠ - ٤٣١).\n(٣) وقال الزيلعي على \"الهداية\": قال البيهقي: ويمكن أن يحمل هذا على حديث ابن مسعود، وقال القرطبي في \"شرح مسلم\": الفرق بين حديث ابن عمر وابن مسعود أن في حديث ابن عمر كان قضاؤهم على حالة واحدة، ويبقى الإِمام كالحارس وحده، وفي حديث ابن مسعود كان قضاؤهم متعاقبًا، وتأول بعضهم حديث ابن عمر بما في حديث ابن مسعود، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه غير أبي يوسف، وهو نص أشهب عن أصحابنا خلاف ما قاله ابن حبيب. (ش).","vol":"5","page":427},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ نَافِعٌ وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- (١)، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ وَيُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ،\n===\nوظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها، ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية، واختار الكيفية التي في حديث ابن مسعود أشهب والأوزاعي، وهي الموافقة لحديث سهل بن أبي حثمة من رواية مالك عن يحيى بن سعيد، ورجح ابن عبد البر هذه الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيره لقوة الإسناد ولموافقة الأصول في: أن المأموم لا يتم صلاته قبل صلاة إمامه، انتهى ملخصًا (٢).\n(قال أبو داود: وكذلك رواه نافع وخالد بن معدان عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -) أما رواية نافع فقد أخرجها مسلم وغيره (٣)، وأما حديث خالد بن معدان (٤) عن ابن عمر فلم أجده فيما تتبعت.\n(وكذلك قول مسروق) وهذا القول أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٥) ثنا غندر عن شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن مسروق أنه قال: صلاة الخوف يقوم الإِمام ويصفون خلفه صفين، ثم يركع الإِمام فيركع الذين يلونه، ثم يسجد بالذين يلونه، فإذا قام تأخر هؤلاء الذين يلونه، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم، فركع بهم وسجد بهم، والآخرون قيام، ثم يقومون فيقضون ركعة، فيكون للإمام ركعتان في جماعة، ويكون للقوم ركعة ركعة في جماعة ويقضون الركعة الثانية.\n(و) كذلك روى (يوسف بن مهران) قال في \"التقريب\": يوسف بن مهران البصري، وليس هو يوسف بن ماهك، ذاك ثقة، وهذا لم يرو عنه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣٠ - ٤٣١).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٨٣٩)، وأخرجه أيضًا مالك في \"موطئه\" (١/ ١٧٨) رقم (٤٥١).\n(٤) كذلك أورد هذا السند ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٥/ ٢٥٨) ولم يسق لفظه.\n(٥) \"المصنف\" (٢/ ٤٦٦).","vol":"5","page":428},{"text":"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَلِكَ رَوَى يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِى مُوسَى أَنَّهُ فَعَلَهُ.\n===\nإلَّا ابن جدعان، هو لين الحديث (عن ابن عباس) وصله ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١) فقال: حدثنا غندر عن شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس مثل ذلك.\nقلت: وقد أخرج ابن جرير (٢): حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فإنه كانت تأخذ طائفة منهم السلاح، فيقبلون على العدو، والطائفة الأخرى يصلون مع الإِمام ركعة، ثم يأخذون أسلحتهم فيستقبلون العدو، ويرجع أصحابهم فيصلون مع الإِمام ركعة، فيكون للإمام ركعتين، ولسائر الناس ركعة واحدة، ثم يقضون ركعة أخرى، وهذا تمام الصلاة، انتهى.\n(وكذلك روى يونس عن الحسن عن أبي موسى أنه فعله) أخرج ابن جرير (٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن أن أبا موسى الأشعري صلَّى بأصحابه صلاة الخوف بأصبهان إذ غزاها، قال: فصلَّى بطائفة من القوم ركعة، وطائفة تحرس، فنكص هؤلاء الذين صلَّى بهم ركعة، وخلفهم الآخرون، فقاموا مقامهم فصلَّى بهم ركعة، ثم سلم، فقامت كل طائفة فصلت ركعة.\nقلت: وكذلك روي عن زيد بن ثابت وحذيفة وجابر عند الطحاوي (٤).\n_________\n(١) \"المصنف\" (٢/ ٤٦٦).\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" (٤/ ٢٥٦). سورة النساء: الآية ١٠٢.\n(٣) \"جامع البيان\" (٤/ ٢٥٥).\n(٤) انظر: شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٠ - ٣١١).","vol":"5","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>(٢٨٧) بابُ مَنْ قَالَ: يُصَلِّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ، فَيَقُومُ الَّذِينَ خَلْفَهُ فَيُصَلُّونَ رَكْعَةً، ثُمَّ يَجِئُ الآخَرُونَ إِلَى مَقَامِ هَؤُلَاءِ فَيُصَلُّونَ رَكْعَةً</span>\n١٢٤٤ - حَدَّثَنَا عِمْرَان بْنُ مَيْسَرَةَ، نَا ابْنُ فُضَيْلٍ، نَا خُصَيْفٌ، عن أَبِي عُبَيْدَةَ،\n===\n(٢٨٧) (بَابُ مَنْ قَالَ: يُصَلِّي) أي الإِمام (بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ) لما يصلي الطائفتان ركعة (يُسَلِّمُ) الإِمام (فَيَقُومُ الَّذِينَ خَلْفَهُ) أي الطائفة الثانية (فَيُصَلُّون رَكْعَةً ثُمَّ يَجيءُ الآخَرُونَ) أي الطائفة الأولى (إِلَى مَقَامٍ هَولاءِ) أي الطائفة الثانية التي كانت خلف الإِمام (فَيُصَلُّون رَكْعَةً)\nوالفرق بين هذه الترجمة والترجمة السابقة أن هذه الترجمة ذكر فيها أداء الطائفتين للركعة الثانية متواليًا بأن الطائفة الثانية بعد ما صلت الركعة الأولى صلت الركعة الثانية بعد ما سلَّم الإِمام في مقامها، والطائفة الأولى صلت ركعتها الثانية بعد ما فرغت الثانية من ركعتيها، وأما الترجمة السابقة فلم يذكر فيها أداء الطائفتين الركعة الثانية.\n١٢٤٤ - (حدثنا عمران بن ميسرة) بفتح الميم وسكون التحتانية، أبو الحسن البصري الآدمي، ثقة، (نا ابن فضيل) محمد بن فضيل بن غزوان، (نا خصيف، عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي، ثقة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه.\nقلت: قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): قال صالح بن أحمد: ثنا ابن المديني ثنا سلم بن قتيبة قال: قلت لشعبة: إن عثمان البري حدثنا\n_________\n(١) (٥/ ٧٦).","vol":"5","page":430},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: \"صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَقَامُوا صَفًّا (١) خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ (٢) -ﷺ- وَصَفٌّ مُسْتَقْبِلَ (٣) الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ (٤) -ﷺ- رَكْعَةً، ثُمَّ جَاءَ الآخَرُونَ فَقَامُوا مَقَامَهُمْ، وَاسْتَقْبَلَ هَؤُلَاءِ الْعَدُوَّ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِىُّ (٥) -ﷺ- رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَصَلَّوْا لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا، ثُمَّ ذَهَبُوا فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ\n===\nعن أبي إسحاق أنه سمع أبا عبيدة أنه سمع ابن مسعود فقال: أوه كان أبو عبيدة ابن سبع سنين، وجعل يضرب جبهته، انتهى. هذا الاستدلال بكونه ابن سبع سنين على أنه لم يسمع من أبيه ليس بقائم، ولكن راوي الحديث عثمان ضعيف، وقال الدارقطني: أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه من حنيف بن مالك ونظرائه.\n(عن عبد الله بن مسعود قال: صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - بصلاة الخوف، فقاموا صفًا خلف رسول الله - ﷺ -، وصف مستقبل العدو، فصلَّى بهم) أي بمن خلفه (رسول الله - ﷺ - ركعة) أي الركعة الأولى (ثم جاء الآخرون) أي الصف الذي مستقبل العدو (فقاموا مقامهم) أي مقام الذين خلف رسول الله - ﷺ - (واستقبل هؤلاء) الذين كانوا خلف رسول الله - ﷺ - (العدو، فصلَّى بهم) أي بالذين جاؤوا في الركعة الثانية، (النبي - ﷺ - ركعة) أي ثانية (ثم سلَّم) أي رسول الله - ﷺ - لأنه أتم ركعتيها وبقي للطائفتين ركعة ركعة.\n(فقام هؤلاء) أي الصف الثاني الذين اقتدوه في الركعة الثانية (فصلوا لأنفسهم ركعة) ثانية (ثم سلَّموا، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك) أي مقام الصف\n_________\n(١) وفي نسخة: \"صفين صف خلف\".\n(٢) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٣) وفي نسخة: \"مستقبلي العدو\".\n(٤) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٥) وفي نسخة: \"رسول الله\".","vol":"5","page":431},{"text":"مُسْتَقْبِلِى الْعَدُوِّ، وَرَجَعَ أُولَئِكَ إِلَى مَقَامِهِمْ فَصَلَّوْا لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا\". [حم ١/ ٤٠٩، ق ٣/ ٢٦١]\n١٢٤٥ - حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِى ابْنَ يُوسُفَ -، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ خُصَيْفٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: \"فَكَبَّرَ نَبِىُّ اللَّهِ -ﷺ- وَكَبَّرَ الصَّفَّانِ جَمِيعًا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِىُّ بِهَذَا الْمَعْنَى عَنْ خُصَيْفٍ (١):\n===\nالأول (مستقبلي العدو، ورجع أولئك) أي الصف الأول (إلى مقامهم) أي مقام الصف الثاني (فصلوا لأنفسهم ركعة) ثانية (ثم سلموا).\n١٢٤٥ - (حدثنا تميم بن المنتصر) بن تميم بن الصلت بن تمام بن لاحق، الهاشمي مولاهم الواسطي، جد أسلم بن سهل، الملقب ببحشل لأمه، ثقة، ضابط، (نا إسحاق -يعني ابن يوسف- عن شريك) بن عبد الله بن أبي شريك النخعي، (عن خصيف بإسناده) أي الحديث المتقدم (ومعناه) أي معنى الحديث المتقدم (قال: فكبر نبي الله - ﷺ -، فكبر الصفان جميعًا).\nوالغرض بتخريج هذا الكلام بيان الفرق بين حديث ابن فضيل عن خصيف وبين حديث شريك عن خصيف بأن شريكًا ذكر في حديثه: إن الصفين جميعًا كبَّرا مع رسول الله - ﷺ -، ولم يذكره ابن فضيل.\nقلت: قد أخرج ابن جرير (٢) حديث شريك فقال بنحو حديث عبد الواحد بن زياد عن خصيف، وليس في رواية عبد الواحد بن زياد هذا اللفظ.\n(قال أبو داود: رواه) أي هذا الحديث (الثوري) أي سفيان عن خصيف (بهذا المعنى) أي بمعنى ما ذكره شريك (عن خصيف) من قوله: \"فكبر نبي الله - ﷺ - فكبر الصفان جميعًا\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) \"جامع البيان\" (٤/ ٢٥٤).","vol":"5","page":432},{"text":"\"وَصَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ هَكَذَا، إلَّا أَنَّ الطَّائِفَةَ الَّتِى صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ مَضَوْا إِلَى مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ، وَجَاءَ هَؤُلَاءِ فَصَلَّوْا لأَنْفُسِهِمْ\n===\nقلت: قد أخرج الطحاوي حديث (١) سفيان بلفظ: حدثنا علي بن شيبة ثنا قبيصة ثنا سفيان ح وحدثنا أبو بكرة قال: ثنا مؤمل ثنا سفيان عن خصيف عن أبي عبيدة قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف في بعض أيامه، فصف صفًا خلفه، وصفًا موازي العدو، وكلهم في صلاة فصلَّى بهم ركعة، الحديث (٢).\nفقول سفيان في حديث \"وكلهم في صلاة\" بمعنى قول شريك: \"فكبر الصفان جميعًا\" إن كان مرجع ضمير الجمع صفان، وأما إن كان المرجع الصف الذي خلف رسول الله - ﷺ - فليس في معناه، ولعل شريكًا فهم من قول سفيان المعنى الأول، فرواه بالمعنى، وغلط فيه، فإنه كان يخطئ كثيرًا، وكان تغير حفظه منذ ولي القضاء.\nفإنه روى عن خصيف هذا الحديث خمسة رجال: ابن فضيل، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الملك بن الحسين، والثوري، وشريك، فكلهم لم يذكروا هذا اللفظ يعني \"فكبر الصفان جميعًا\" إلَّا شريك، وأما سفيان فقوله محتمل، وأما الباقون فلم يذكروا شيئًا من ذلك، فالظاهر أنه من خطأ شريك، والله أعلم.\n(وصلَّى عبد الرحمن بن سمرة هكذا) أي مثل ما روى عبد الله بن مسعود (إلَّا أن الطائفة التي صلَّى بهم ركعة ثم سلَّم) أي رسول الله - ﷺ - (مضوا إلى مقام أصحابهم) أي إلى وجه العدو، ولم يصلوا ركعتهم الثانية هناك (وجاء هؤلاء) أي الطائفة الأولى (فصلوا لأنفسهم\n_________\n(١) تكلم عليه البيهقي وأجاب عنه الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ٢٦٣). (ش).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١١)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٥٠٨) رقم (٤٢٤٥)، وأحمد في \"مسنده\" (١/ ٤٠٩).","vol":"5","page":433},{"text":"رَكْعَةً، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَقَامِ أُولَئِكَ، فَصَلَّوا لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً\" [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى أَنَّهُمْ غَزَوْا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ كَابُلَ، فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ الْخَوْفِ.\n===\nركعة) ثانية وسلموا (ثم رجعوا) أي الطائفة الأولى (إلي مقام أولئك) أي الطائفة الثانية مواجهة العدو، وجاء الثانية إلى مقام الأولى (فصلوا) أي الثانية (لأنفسهم ركعة) أي ثانية وسلموا.\nقلت: حاصل الفرق بين حديث ابن مسعود وبين حديث عبد الرحمن بن سمرة أن في حديث ابن مسعود: لما صلت الطائفة الثانية إحدى ركعتيهم مع الإِمام في الركعة الثانية له، وسلَّم الإِمام صلوا لأنفسهم ركعتهم الثانية هناك، ثم بعد فراغهم من ركعتيهم ذهبوا إلى وجه العدو، وفي فعل عبد الرحمن بن سمرة: أن الطائفة الثانية لما صلت إحدى ركعتيها مع الإِمام في ركعته الثانية، وسلَّم الإِمام ذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأولى فصلت ركعتها الثانية قبل ما صلت الطائفة الثانية ركعتها الثانية.\n(قال أبو داود: حدثنا بذلك) أي بفعل عبد الرحمن بن سمرة (مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي، (نا عبد الصمد بن حبيب) أو ابن عبد الله بن حبيب الأزدي، ضعفه أحمد، وقال ابن معين: لا بأس به، (أخبرني أبي) حبيب بن عبد الله الأزدي اليحمدي بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم، والد عبد الصمد، مجهول، (أنهم) أي حبيبًا ومن معه من المسلمين (غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة كابل) بضم الموحدة، بلدة معروفة افتتحها المسلمون في أيام وليد بن عبد الملك سنة أربع وتسعين (١) (فصلَّى) عبد الرحمن (بنا صلاة الخوف).\n_________\n(١) هكذا في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٢١٩) وهو مشكل، لأن عبد الرحمن توفي سنة ٥٠ هـ أو قريبًا منه كما في \"الإصابة\" (٢/ ٣٩٣). (ش).","vol":"5","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>(٢٨٨) بَابُ مَنْ قَالَ: يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكعَةً وَلَا يَقْضُونَ</span>\n١٢٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى الأَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قَالَ: \"كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (١) بِطَبَرِسْتَانَ\n===\n\n(٢٨٨) (بَابُ مَنْ قَالَ: يُصَلِّي) الإِمام (بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، ولَا يَقْضُونَ)\nأي لا يقضي القوم ركعتهم الثانية، بل يقتصرون على الركعة الواحدة التي صلوها مع الإِمام\n١٢٤٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن سفيان، حدثني الأشعث بن سليم) هو ابن أبي الشعثاء المحاربي، ثقة، (عن الأسود بن هلال) المحاربي، أبو سلام الكوفي، مخضرم، ثقة، جليل، (عن ثعلبة بن زهدم) الحنظلي، مختلف في صحبته، وقال العجلي: تابعي ثقة.\n(قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان) بفتح أوله وثانيه وكسر الراء، و\"الطبر\" لفظ فارسي، وهو الذي يشقق به الأحطاب وما شاكله بلغة الفرس، و\"ستان\" الموضع أو الناحية، كأنه يقول: ناحية الطبر، والنسبة إلى هذا الموضع الطبري، وهي بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم، والغالب على هذه النواحي الجبال، فمن أعيان بلدانها: \"دهستان\" و\"جرجان\" و\"استرآباذ\" و\"آمل\" وهي قصبتها، و\"سارية\" و\"شالوس\".\nوسبب تسميتها بطبرستان أن أهل تلك الجبال كثيرو الحروب، وأكثر أسلحتهم بل كلها الأطبار، حتى إنك قلَّ أن ترى صعلوكًا أو غنيًا إلَّا وبيده الطبر صغيرهم وكبيرهم، فكأنها لكثرتها سميت بذلك، هذا الغزو كان في زمان عثمان بن عفان حين ولي سعيد بن العاص الكوفة سنة ٢٩ هـ.\nقال الطبري في \"تاريخه\" (٢) بسنده عن حنش بن مالك قال:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"العاصي\".\n(٢) انظر: \"تاريخ الطبري\" (٢/ ٦٠٧).","vol":"5","page":435},{"text":"فَقَامَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، فَصَلَّى (١) بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا\". [ن ١٥٢٩، حم ٥/ ٣٩٩، خزيمة ١٣٤٣، ق ٣/ ٢٦٢، ك ١/ ٣٣٥]\n===\nغزا سعيد بن العاص (٢) من الكوفة سنة ٣٠ هـ يريد خراسان، ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومعه الحسن، والحسين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وخرج عبد الله بن عامر من البصرة يريد خراسان، فسبق سعيدًا، ونزل أبر شهر، وبلغ نزوله أبر شهر سعيدًا، فنزل سعيد قومن (٣)، وهي صلح صالحهم حذيفة بعد نهاوند، فأتى جرجان، فصالحوه على مأتي ألف، ثم أتى طميسة، وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان، وهي مدينة على ساحل البحر، وهي في تخوم جرجان، فقاتله أهلها حتى صلَّى صلاة الخوف، فقال لحذيفة: كيف صلَّى رسول الله - ﷺ -؟ فأخبره ... إلخ.\n(فقام) سعيد بن العاص (فقال: أيكم صلَّى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا) فصفهم صفين (٤) (فصلى) سعيد أو حذيفة بإذن سعيد (بهولاء) أي بالطائفة الأولى (ركعة، وبهؤلاء) أي الطائفة الثانية (ركعة، ولم يقضوا) أي لم يؤد القوم ركعتهم الثانية، بل اقتصروا على الركعة الواحدة.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فصلَّى بهم\".\n(٢) وكان يحارب المجوس، كما في \"البدائع\" (١/ ٥٥٥). (ش).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"تاريخ الطبري\" (٢/ ٦٠٧): \"قومِس\".\n(٤) أوَّل البيهقي الحديث فأجاد فقال: معنى قوله: جعلهم صفين أي خلفه فصلَّى بالطائفة المتقدمة ركعتين، والمؤخرة شريكة معهم، ثم جاء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، يعني تأخروا وتقدموا، فصلَّى بهم أخرى، يعني بالطائفة الثانية، والأولى أيضًا شريكة معهم، فسلموا جميعًا ولم يقضوا، وإنه لم يبق عليهم شيء من الصلاة، انتهى، وعلى هذا فلا يخالف بما ورد في بعض طرقه من لفظ \"قضوا\". (ش).","vol":"5","page":436},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-،\n===\n(قال أبو داود: وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة (ومجاهد عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -). أما حديث عبيد الله، فقد أخرج ابن جرير في \"تفسيره\" والنسائي في \"سننه\" (١) واللفظ لابن جرير: حدثنا ابن بشار ثني يحيى ثنا سفيان ثني أبو بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى بذي قرد، فصف الناس خلفه صفين، صفًا خلفه، وصفًا موازي العدو، فصلَّى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلَّى بهم ركعة، ولم يقضوا\"، وأخرجه الطحاوي عن قبيصة عن سفيان. وأما حديث مجاهد عن ابن عباس فأخرجه النسائي وابن جرير والطحاوي (٢) عن أبي عوانة عن بكير عن مجاهد عن ابن عباس قال: \"فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الحضر (٣) ركعة\"، وسيخرجه المصنف.\n(وعبد الله بن شقيق) أي وكذا روى عبد الله بن شقيق (عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -) مرفوعًا.\nأخرجه النسائي: أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني سعيد بن عبيد الهنائي، ثنا عبد الله بن شقيق قال: حدثنا\n_________\n(١) \"جامع البيان\" (٤/ ٢٤٨)، و\"سنن النسائي\" (١٥٣٣)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦١)، وأحمد (١/ ٢٣٢)، وابن خزيمة (٢/ ٢٩٥) رقم (١٣٤٤)، وابن حبان (٧/ ١٢٢) رقم (٢٨٧١)، والطحاوي (١/ ٣٠٩)، والحاكم (١/ ٣٣٥)، والبيهقي (٣/ ٢٦٢).\n(٢) انظر: \"سنن النسائي\" (١٥٣٢)، و\"جامع البيان\" (٤/ ٢٤٨)، و\"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٩).\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: \"وفي الخوف\"، انظر التخريج السابق.","vol":"5","page":437},{"text":"وَيَزِيدُ الْفَقِيرُ وَأَبُو مُوسَى، جَمِيعًا عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-\n===\nأبو هريرة قال: \"كان رسول الله - ﷺ - نازلًا بين ضجنان وعسفان محاصر المشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أجمعوا أمركم، ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة، فجاء جبرائيل ﵇ فأمره أن يقسم أصحابه نصفين، فيصلي بطائفة منهم، وطائفة مقبلون على عدوهم، قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم، فيصلي بهم ركعة، ثم يتأخر هؤلاء، ويتقدم أولئك، فيصلي بهم ركعة تكون لهم مع النبي - ﷺ - ركعة ركعة وللنبي - ﷺ - ركعتان\".\nوأخرجه ابن جرير برواية أحمد بن محمد الطوسي عن عبد الصمد (١) (ويزيد الفقير وأبو موسى) قال أبو داود: رجل من التابعين ليس بالأشعري، كذا في نسخة.\nقلت: قال في \"التهذيب\": أبو موسى عن جابر بن عبد الله في صلاة الخوف وعنه زياد بن نافع، يقال: إنه علي بن رباح اللخمي، ويقال: أبو موسى الغافقي الصحابي، والأول أقرب إلى الصواب، واسم أبي موسى الغافقي مالك بن عبادة، له صحبة، روى عنه ثعلبة بن أبي الكنود ووداعة الحميري (جميعًا) أي كذا رواه يزيد الفقير وأبو موسى (عن جابر عن النبي - ﷺ -).\nأما حديث يزيد الفقير عن جابر، فأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٢) مرفوعًا: \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى بهم صلاة الخوف\" (٣)، الحديث.\nوأما رواية أبي موسى، فأخرجه ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه عن زياد بن نافع حدثه عن أبي موسى، أن جابر بن عبد الله\n_________\n(١) انظر: \"سنن النسائي\" (١٥٤٤)، و\"جامع البيان\" (٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، و\"مسند أحمد\" (٢/ ٥٢٢)، و\"سنن الترمذي\" (٣٠٣٥)، و\"صحيح ابن حبان\" (٢٨٧٢).\n(٢) \"جامع البيان\" (١٠٣٤٠)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٢)، وأحمد (٢/ ٢٩٨)، وابن خزيمة (١٣٤٧)، وابن حبان (٢٨٦٩).\n(٣) أخرجه النسائي أيضًا (١٥٤٥). (ش).","vol":"5","page":438},{"text":"وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ، فِى حَدِيثِ يَزِيدَ الْفَقِيرِ: إِنَّهُمْ قَضَوْا رَكْعَةً (١)، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سِمَاكٌ الْحَنَفِىُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"فَكَانَتْ لِلْقَوْمِ رَكْعَةً رَكْعَةً وَلِلنَّبِىِّ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ\".\n===\nحدثهم: أن رسول الله - ﷺ - صلَّى بهم صلاة الخوف يوم محارب وثعلبة، لكل طائفة ركعة وسجدتين (٢).\n(وقد قال بعضهم في حديث يزيد الفقير: إنهم قضوا ركعة) أخرى، قلت: لم أقف على من قال في حديث يزيد: \"أنهم قضوا ركعة\".\n(وكذلك) أي كما روى هؤلاء المذكورون عن ابن عباس وأبي هريرة وجابر كذلك (رواه سماك الحنفي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -).\nأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٣): حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، قال: ركعتان تمام غير قصر، وإنما القصر صلاة المخافة، قلت: وما صلاة المخافة؟ قال: يصلي الإِمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء مكان هؤلاء، فيصلي بهم، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.\n(وكذلك) أي ومثل ما رووه (رواه زيد بن ثابت عن النبي - ﷺ - قال: فكانت للقوم ركعة ركعة، وللنبي ﵇ ركعتين) أخرجه الطحاوي (٤):\nحدثنا علي بن شيبة قال: ثنا قبيصة عن سفيان عن الركين بن الربيع\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ركعة أخرى\".\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" (٤/ ٢٤٨)، و\"تهذيب الكمال\" للمزي رقم الترجمة (٢٠٥٧).\n(٣) \"جامع البيان\" (٤/ ٢٤٧)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٣٤٩).\n(٤) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٠)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (٢/ ٥١٠) رقم (٤٢٥٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٦١)، وأحمد (٥/ ١٨٣)، والنسائي (٣/ ١٦٨)، =","vol":"5","page":439},{"text":"١٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"فَرَضَ اللَّهُ ﷿ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ -ﷺ-: فِى الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِى السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِى الْخَوْفِ رَكْعَةً\". [م ٦٨٧، ن ٤٥٦، ١٤٤١، جه ١٠٦٨، ق ٣/ ١٣٥]\n===\nعن القاسم بن حسان قال: أتيت ابن وديعة، فسألته عن صلاة الخوف، فقال: أثبت زيد بن ثابت فاسأله، فلقيته، فسألته، فقال: صلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف في بعض أيامه، فصف صفًا خلفه، وصف موازي العدو، فصلَّى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى بهم ركعة، ثم سلَّم عليهم، وذكر مؤمل بن إسماعيل عن سفيان في هذا الحديث: وقال عبد الله بن وديعة: وزاد: \"فكانت للنبي - ﷺ - ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة\".\n١٢٤٧ - (حدثنا مسدد وسعيد بن منصور قالا: نا أبو عوانة) الوضاح اليشكري، (عن بكير بن الأخنس) السدوسي، ويقال: الليثي الكوفي، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ثم أعاده في أتباع التابعين من الثقات، وهو قليل الحديث، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: شيخ جائز الحديث، وقال العجلي: كوفي ثقة.\n(عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فرض الله ﷿ الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة).\nهذا الحديث هو الذي أشار إليه المؤلف في أوائل هذا الباب بعد تخريج الحديث بقوله: وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله ومجاهد عن ابن عباس، وأجاب الطحاوي عن هذا الحديث، فقال: قال أبو جعفر: فهذا عبيد الله بن عبد الله قد روى عن ابن عباس ما خالف ما روى مجاهد عنه، ومحال أن\n_________\n= وابن خزيمة (٢/ ٣٩٤) رقم (١٣٤٥)، والطبري (١٠٣٣٢)، والبيهقي (٣/ ٢٦٢).","vol":"5","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>(٢٨٩) بَابُ مَنْ قَالَ: يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتيْنِ </span>(١)\n١٢٤٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: \"صَلَّى النَّبِىُّ (٢) -ﷺ- فِى خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بَعْضَهُمْ خَلْفَهُ، وَبَعْضَهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى (٣)\n===\nيكون الفرض على الإِمام ركعة فيصليها بأخرى بلا قعود للتشهد، ولا تسليم، فلما تضاد الخبران عن ابن عباس تنافيًا، ولم يكن لأحد أن يحتج في ذلك بمجاهد عن ابن عباس، لأن خصمه يحتج عليه بعبيد الله عن ابن عباس بخلاف ذلك (٤).\n\n(٢٨٩) (بَابُ مَنْ قَالَ: يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَة رَكْعَتَيْنِ)\nوتكون للإمام أربعًا\n١٢٤٨ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة (٥) قال: صلَّى النبي - ﷺ - في خوف الظهر) مفعول لصلَّى أي صلاة الظهر (فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلَّى) بهم، أي بالطائفة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وتكون للإمام أربعًا\".\n(٢) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) وفي نسخة: \"فصلَّى بهم\".\n(٤) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٩).\n(٥) وروي نحوه عن جابر عند مسلم وغيره. (انظر: \"صحيح البخاري\" ٤١٣٦، و\"صحيح مسلم\" ٨٤٣)، وفيه: \"كانت لرسول الله - ﷺ - أربع ركعات وللقوم ركعتان\"، وحديث أبي بكرة صريح في السلام على ركعتين، بخلاف حديث جابر، فحمله بعضهم على حديث أبي بكرة، منهم: النووي، ومنهم: من لم يحمله عليه، ومنهم: القرطبي.\nوقال المنذري في \"مختصره\": كان النبي - ﷺ - في غير حكم سفر، وهم مسافرون، وقال بعضهم بالخصوصية، وقيل: كان ﵇ مخيرًا بين القصر والإتمام، فاختار لنفسه الإتمام، وللقوم القصر، وقال بعضهم: كان في حضر ببطن نخلة على باب المدينة، وكان خوف فخرج منه محترسًا، انتهى. (انظر: \"نصب الراية\" ٣/ ٢٤٦). وأوَّله الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ٢٦٢) بسلام التشهد. (ش).","vol":"5","page":441},{"text":"رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعًا، وَلأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ.\n===\nالأولى (ركعتين ثم سلَّم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم) أي وجاه العدو (ثم جاء أولئك) أي الطائفة الثانية (فصلوا خلفه، فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم، فكانت لرسول الله - ﷺ - أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين).\nقال القاري (١): هذا على مذهبنا مشكل جدًا، فإنه لو حمل على السفر لزم اقتداء المفترض بالمتنفل، وإن حمل على الحضر يأباه السلام عند رأس كل ركعتين، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: هذا من خصوصياته - ﷺ -، وأما القوم فأتموا ركعتين أخريين بعد السلام، وقال الطحاوي: إنه كان في وقت كانت الفريضة تصلَّى مرتين، انتهى.\nقلت: وعبارة الطحاوي (٢) هكذا: ولا حجة لهم- عندنا- في هذه الآثار، لأنه يجوز أن يكون النبي - ﷺ - صلاها كذلك، لأنه لم يكن في سفر يقصر في مثله الصلاة، فصلَّى بكل طائفة ركعتين، ثم قضوا بعد ذلك ركعتين ركعتين، وهكذا نقول نحن: إذا حضر العدو في مصر، فأراد أهل ذلك المصر أن يصلوا صلاة الخوف فعلوا هكذا، يعني بعد أن تكون تلك الصلاة ظهرًا أو عصرًا أو عشاء، فإن قالوا: القضاء ما ذكر، قيل لهم: قد يجوز أن يكونوا قد قضوا ولم ينقل ذلك في الخبر، وقد يجيء في الأخبار مثل هذا كثيرًا، وإن كانوا لم يقضوا، فإن ذلك- عندنا- لا حجة لهم فيه أيضًا لأنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول الله - ﷺ - والفريضة [تصلى]- حينئذ- مرتين، فيكون كل واحد منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل في أول الإِسلام، ثم نسخ، انتهى.\nفإن قلت: أبو بكرة هذا متأخر الإِسلام، فإنه أسلم بالطائف.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٢٦).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٥).","vol":"5","page":442},{"text":"وَبِذَلِكَ كَانَ يُفْتي الْحَسَنُ\". [ن ١٥٥١، حم ٥/ ٣٩، ٤٩، قط ٢/ ٦١، حب ٢٨٨٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ في الْمَغْرِب (١): يَكُونُ لِلإِمَامِ سِتُّ رَكَعَاتٍ وَللقَوْمِ ثَلَاثًا، ثَلاثًا.\n===\nقلت: يمكن أن يكون مرسل صحابي، فإنه لم يصرح أنه كان معه في تلك الصلاة.\nقلت: ومدار جواب الطحاوي على أنه ليس في حديث الطحاوي لفظ \"ثم سلم\" فإنه فيه \"صلَّى بهم ركعتين\"، ولكن في رواية أبي داود والنسائي والدارقطني: \"فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم\" فيمكن أن يقال: إن المراد بالسلام السلام الذي في التشهد، وهو \"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين\".\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢): قال المنذري في \"مختصره\": قال بعضهم: كان النبي - ﷺ - في غير حكم سفر، وهم مسافرون، وقال بعضهم: هذا خاص بالنبي - ﷺ -، وقيل: فيه دليل على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ويعترض عليه بأنه لم يسلم من الفرض، كما في حديث جابر، وقيل: إنه ﵇ كان مخيرًا بين القصر والإتمام في السفر، فاختار الإتمام واختار لمن خلفه القصر، وقال بعضهم: كان في حضر ببطن نخلة على باب المدينة فخرج منه محترسًا، انتهى.\n(وبذلك كان يفتي الحسن) لم أجده موصولًا فيما تتبعت.\n(قال أبو داود: وكذلك فى المغرب (٣): يكون للإمام ست ركعات، وللقوم ثلاثًا) للصف الأول (وثلاثًا) للصف الثاني.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"صلاة المغرب\".\n(٢) \"نصب الراية\" (٢/ ٢٤٧).\n(٣) واختلف الفقهاء في أداء المغرب جدًا، بسطه الرازي في \"أحكام القرآن\" (٢/ ٢٦٣)، والشوكاني في \"النيل\" (٢/ ٦٢٩)، وأهل الفروع من الأئمة، وصاحب \"العارضة\" (٣/ ٤٧)، وذكر الموفق في مذهبه روايتين. (انظر: \"المغني\" ٣/ ٣٠٩). (ش).","vol":"5","page":443},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن جَابِرٍ (١) عن النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَذَلِكَ قَالَ سُلَيْمَانُ الْيَشْكُرِيُّ، عن جَابِرٍ، عن النَّبِي - ﷺ -.\n===\n(قال أبو داود): و(كذلك) أي كما رواه الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة كذلك (رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي - ﷺ -) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا عفان قال: أنا أبان بن يزيد قال: نا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله - ﷺ -، الحديث، وفي أخرى له: \"أنه صلَّى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف، فصلَّى رسول الله - ﷺ - بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلَّى رسول الله - ﷺ - أربع ركعات، وصلى بكل طائفة ركعتين\".\n(وكذلك قال سليمان اليشكري، عن جابر، عن النبي) قال السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣): أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سليمان اليشكري: \"أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أي يوم أنزل؟ فقال جابر بن عبد الله: وعير قريش آتية من الشام\"، الحديث، وفي آخره: \"فكانت للنبي - ﷺ - أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين يومئذ، فأنزل [الله]، في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"بن عبد الله\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٨٤٣)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٤)، وأحمد (٣/ ٣٦٤)، وأبو عوانة (٢/ ٣٦٥)، وابن حبان (٧/ ١٣٩) رقم (٢٨٨٤)، والبيهقي (٣/ ٥٩)، والطحاوي (١/ ٣١٥).\n(٣) \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٦٠)، وأخرجه أيضًا أحمد (٣/ ٣٦٤)، وعبد بن حميد رقم (١٠٩٦)، وأبو يعلى (٣/ ٣١٢) رقم (١٧٧٨)، والطحاوي (١/ ٣١٥)، وابن حبان (٢٨٨٣)، والحاكم (٣/ ٢٩).","vol":"5","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>(٢٩٠) بَابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ</span>\n١٢٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عن ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ أُنيْسٍ،\n===\n\n(٢٩٠) (بَابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ)\nوهو الذي يكون في طلب العدو سائرًا خلفه ليقتله، قال الحافظ (١): قال ابن المنذر: كل من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومئ إيماء، وإن كان طالبًا نزل فصلَّى على الأرض، قال الشافعي: إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه فيجزئه ذلك، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب ظاهرة لتحقق السبب المقتضي لها، وأما الطالب فلا يخاف استيلاء العدو عليه، وإنما يخاف أن يفوته العدو، انتهى.\nقلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قال صاحب \"البدائع\" (٢): ولو صلَّى راكبًا، والدابة سائرة، فإن كان مطلوبًا فلا بأس به، لأن السير فعل الدابة في الحقيقة، وإنما يضاف إليه من حيث المعنى لتسييره، فإذا جاء العذر انقطعت الإضافة إليه، بخلاف ما إذا صلى ماشيًا (٣) أو سابحًا حيث لا يجوز، لأن ذلك فعله حقيقة، فلا يتحمل إلَّا إذا كان في معنى مورد النص، وليس ذلك في معناه على ما مر، وإن كان الراكب طالبًا فلا يجوز، لأنه لا خوف في حقه فيمكنه النزول، انتهى.\n١٢٤٩ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو) بن سخبرة، (نا عبد الوارث، نا محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن ابن عبد الله بن أنيس) لم يسم\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣٦).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٥٩).\n(٣) يشكل عليه أن الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ٢٦٤) أباح للمطلوب الصلاة ماشيًا. (ش).","vol":"5","page":445},{"text":"عن أَبِيهِ قَالَ: \"بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ-\n===\nابن عبد الله بن أنيس هذا، ولعبد الله هذا خمس بنين: ضمرة، وعطية، وعبد الله، وعمرو، وعيسى، ولم أقف في هذا الحديث على أن المراد عن ابن عبد الله بن أنيس من هو منهم؟ ولم يصرح أحد من الأعلام به إلا ما حكى صاحب \"العون\" (١) عن المنذري: أنه عبد الله بن عبد الله بن أنيس، ولم أجد ما يستدل به على تعيين هذا، ولم أظفر على الرواية التي استشهد بها المنذري (٢).\n(عن أبيه) عبد الله بن أنيس (٣) مصغرًا الجهني، أبو يحيى المدني، حليف الأنصار، يقال له: الجهني والقضاعي والأنصاري والسلمي بفتحتين، روى عنه أولاده عطية، وضمرة، وعمرو، وعبد الله، شهد العقبة وأحدًا، وما بعدهما، وهو الذي بعثه النبي - ﷺ - إلى خالد بن نبيح العنزي فقتله، وأما علي بن المديني، فقال: الأنصاري غير الجهني، فإن الأنصاري هو الذي روى عنه جابر في القصاص، والجهني هو الذي روى عنه أولاده، ولكن قال العسكري: عبد الله بن أنيس بن السكن، يقال له: الجهني الأنصاري، وكذا قال ابن أبي حاتم عن أبيه: عبد الله بن أنيس الجهني الأنصاري، وفي \"القاموس\": ذو المخصرة: عبد الله بن أنيس، لأن النبي - ﷺ - أعطاه مِخْصَرَةً (٤)، وقال: \"تلقاني بها في الجنة\"، وكانت المخصرة عنده إلى وقت وفاته، فلما دنا موته، وصى بها أهله، حتى لَفُّوها في كفنه ودفنوها معه.\n(قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى خالد بن سفيان الهذلي،\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (٤/ ٩١).\n(٢) قال المنذري (١/ ٤٠١): جاء ذلك مُبَيِّنًا من رواية محمد بن سَلَمة الحَرَّاني عن محمد بن إسحاق، قلت: أخرجه بهذا الطريق البيهقي في \"سننه\" (٣/ ٢٥٦)، ولكن تحرف في المطبوع إلى: عبيد الله بن عبد الله بن أنيس.\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٥٤) رقم (٢٨٢٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٥٠).\n(٤) مخصرة: ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه.","vol":"5","page":446},{"text":"وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ - فَقَالَ: \"اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ\". قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَحَضَرَتْ (١) صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا إِنْ أُؤَخِّرَ (٢) الصَّلَاةَ،\n===\nوكان نحو عرنة (٣) وعرفات) وهما موضعان خارجان من الحرم من مكة على تسعة أميال، وبطن عرنة بعرفات، وليس من الموقف، وعرفات موقف الحجاج للحج (فقال) رسول الله - ﷺ -: (اذهب فاقتله) أي خالد بن سفيان، وسببه أنه كان يجمع البعوث لقتال رسول الله - ﷺ - كما سيأتي (قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر) أي وقتها (فقلت) في نفسي: (إني لأخاف (٤) أن يكون بيني وبينه ما) (٥) أي شيء من المجادلة (إن) زائدة (أوخر الصلاة) به، وفي نسخة: ما يؤخر، وهو أوضح، لأنه لا يحتاج إلى التقدير، والذي عندي في توجيه إعرابه أن يكون لفظ \"ما\" بمعنى شيء، اسم ليكون، وخبره بيني وبينه مقدم على اسمه، ولفظة \"إن\" زائدة، وأوخر الصلاة صفة له، والراجع مقدر، وهو لفظ \"به\".\nحاصل المعنى على هذا أنه يقول: إني أخاف من أن يكون بيني وبينه\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وقد حضرت\".\n(٢) وفي نسخة: \"يؤخر الصلاة\".\n(٣) وفي \"تاريخ ابن جرير الطبري\": وهو بنخلة أو بعرنة. (ش).\n(٤) ولفظ الطبري في \"تاريخه\": وخشيت أن تكون بيني وبينه مجادلة تشغلني عن الصلاة. (ش).\n(٥) ووجهه الوالد (الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي) بثلاث توجيهات أخر، (١) \"ما\" استفهامية، أي حرج أن أوخرها. (٢) نافية، و\"أن\" للتأكيد لا أوخرها أبدًا، (٣) مصدرية و\"أن\" زائدة، أي يحول بيني وبينه تأخير الصلاة، وقال ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" له: اختلفوا في من أدركته الصلاة، وهو مشغول بالقتال، فقالت الأئمة الثلاثة: يصلي حسب حاله ولا يؤخر الصلاة، وقصة غزوة الخندق منسوخة، وقالت الحنفية: يؤخر لغزو الخندق، وقال قوم بالتخيير ههنا، وهو رواية لأحمد ومذهب جماعة ... إلخ. (ش).","vol":"5","page":447},{"text":"فَانْطَلَقْتُ أَمْشِى وَأَنَا أُصَلِّى أُومِئُ إِيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِى: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ، بَلَغَنِى أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِى ذَاكَ (١). قَالَ: إِنِّى لَفِى ذَاكَ (٢). فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِى عَلَوْتُهُ بِسَيْفِى حَتَّى بَرَدَ\". [حم ٣/ ٤٩٦، حب ٧١١٦، خزيمة ٩٨٢، ق ٣/ ٢٥٦]\n===\nالقتال، فيطول الزمان فيكون سببًا لتأخر الصلاة، أو لفوت الصلاة، فلذلك صليت بالإيماء قبل أن أحمل عليه.\n(فانطلقت أمشي (٣)، وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه) أي نحو خالد متعلق بأمشي، (فلما دنوت منه قال) خالد بن سفيان (لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك نجمع) أي المجموع (لهذا الرجل) وأشار إلى النبي - ﷺ - بهذا الكلام ليخفى عليه أنه من أصحابه (فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك) أي مشغول في جمع البعوث (فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني) أي أقدرني، كأنه غفل عنه وأمن، وحصل له القدرة (علوته بسيفي) فقتلته (حتى برد).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): وإسناده حسن، وقد أخرجه الإِمام أحمد في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذلك\".\n(٢) وفي نسخة: \"ذلك\".\n(٣) قال ابن قدامة في \"المغني\" (٢/ ٩٩): الماشي في السفر، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يباح له الصلاة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فإنه قال: لا أعلم أحدًا قال في الماشي يصلي إلَّا عطاء، ولا يعجبني أن يصلي، وهذا مذهب أبي حنيفة، والرواية الثانية: أن يصلي ماشيًا، فعليه أن يستقبل القبلة لافتتاح الصلاة، ثم ينحرف إلى جهة سيره، فيقرأ ماشيًا ويركع ويسجد على الأرض، وهذا مذهب الشافعي، وعطاء، قال الآمدي: يومئ بالركوع والسجود ... إلخ.\nقلت: وظاهر هذا في الخوف وغيره عام، كما يظهر من تمام كلامه في هذا، لكن نص في موضع آخر: أنه يجوز في شدة الخوف الصلاة راكبًا وماشيًا مع الكر والفر يومئ بالركوع والسجود. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣٧).","vol":"5","page":448},{"text":"(٢٩١) بَابُ (١) تَفْرِيعِ أَبْوَابِ التَطَوُّعِ وَرَكَعَاتِ (٢) السُّنَّةِ\n===\n\" مسنده\" (٣) بطوله، فههنا مختصر، استدل به على جواز الصلاة بالإيماء لطالب العدو، ولكنه لا يتم الاستدلال على ذلك بهذا الحديث، لأنه فعل صحابي لا حجة فيه، ولم يثبت أن رسول الله - ﷺ - قرره على ذلك، فلهذا لم يتمسك به جمهور الفقهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>(٢٩١) (بَابُ تَفْريعِ أَبْوَابِ التَّطوّعِ وَرَكَعَاتِ السنَّةِ)</span>\nوالمراد بركعات السنَّة: الراتبة، قال القاري (٤): اعلم أن السنَّة والنفل والتطوع والمندوب والمستحب والمرغب فيه ألفاظ مترادفة معناها واحد، وهو ما رجحه الشارع فعله على تركه، وجاز تركه، وإن كان بعض المسنون آكد من بعض اتفاقًا.\nقال النووي: تصح النوافل وتقبل وإن كانت الفريضة ناقصة، لقوله في الحديث الصحيح: \"فإن انتقص من فريضته شيئًا، قال الرب تعالى: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل به ما انتقص من الفريضة\"، وخبر: \"لا تقبل نافلة المصلي حتى يؤدي الفريضة\" ضعيف، ولو صح حمل على الرواتب البعدية لتوقف صحتها على صحة الفرض.\nقال الشامي في حاشيته على \"الدر المختار\": اعلم أن المشروعات (٥) أربعة أقسام: فرض، وواجب، وسنَّة، ونفل، فما كان فعله أولى من تركه مع\n_________\n(١) وفي نسخة: \"باب تفريع أبواب صلاة التطوع\".\n(٢) وفي نسخة: \"باب في ركعات السنَّة\".\n(٣) (٣/ ٤٩٦).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٣٩).\n(٥) قال ابن العربي: المشروع عند أبي حنيفة أربع، وعند الشافعي ثلاثة: فرض، وسنَّة، ونافلة، وعندنا أربعة: فرض، واجب، رغيبة، ونفل، ولم يجر على لسان الشارع إلا بعضها. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" ٢/ ٢٤١). (ش).","vol":"5","page":449},{"text":"١٢٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى هِنْدٍ، حَدَّثَنِى النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ (١) -ﷺ-: «مَنْ صَلَّى فِى يَوْمٍ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا بُنِىَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِى الْجَنَّةِ». [م ٧٢٨، ن ١٨٠٢، ت ٤١٥، جه ١١٤١، ١٧٩٦، حم ٦/ ٣٢٦]\n١٢٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا هُشَيْم،\n===\nمنع الترك إن ثبت بدليل قطعي ففرض، أو بظني فواجب، وبلا منع الترك إن كان مما واظب عليه الرسول - ﷺ - أو الخلفاء الراشدون من بعده فسنَّة، وإلَّا فمندوب ونفل، والسنَّة نوعان: سنَّة الهدى: وتركها يوجب إساءة وكراهية، كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها، وسنَّة الزوائد: وتركها لا يوجب ذلك، كسير النبي - ﷺ - في لباسه وقيامه وقعوده، والنفل ومنه المندوب يثاب فاعله ولا يسيء تاركه.\n١٢٥٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا ابن علية) إسماعيل بن إبراهيم، (نا داود بن أبي هند، حدثني النعمان بن سالم) الطائفي ثقة، (عن عمرو بن أوس) بن أبي أوس الثقفي الطائفي، تابعي كبير، من الطبقة الثانية، ووهم من ذكره في الصحابة، (عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة) أم المؤمنين بنت أبي سفيان أخت معاوية (قالت: قال رسول الله - ﷺ -: من صلَّى في يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا بني له بهن) الباء للمعاوضة أو السببية (بيت في الجنة) والحديث مختصر رواه الترمذي مطولًا، فقال: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر.\n١٢٥١ - (حدثنا أحمد بن حنبل (٢)، نا هشيم) مصغرًا، ابن بشير مكبرًا،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) أفاد المزي في \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٢٥٣) رقم (١٦٢٠٧) أنه في بعض النسخ: أحمد بن مَنِيع، بدل أحمد بن حنبل.","vol":"5","page":450},{"text":"أَخْبَرَنَا خَالِدٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - الْمَعْنَى - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ التَّطَوُّعِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّى قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا فِى بَيْتِى، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِى فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِى فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى بِهِمُ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتِى فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ،\n===\n(نا خالد) الحذاء، (ح: وحدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا خالد- المعنى- عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله - ﷺ - من التطوع) أي صلاة النفل (فقالت: كان) رسول الله - ﷺ - (يصلي قبل الظهر (١) أربعًا في بيتي) هذا دليل لمختار مذهبنا أن المؤكد قبلها أربع (ثم يخرج) إلى المسجد (فيصلي بالناس) الفريضة (ثم يرجع إلى بيتي، فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يرجع إلى بيتي، فيصلي ركعتين، وكان يصلي بهم) أي بأصحابه (العشاء) أي فريضة العشاء (ثم يدخل بيتي، فيصلي ركعتين).\nقال ابن الملك: فيه دليل على استحباب أداء السنَّة في البيت، قيل: في زماننا إظهار السنَّة الراتبة أولى ليعلمها الناس، أي ليعلموا عملها أو لئلا ينسبوه إلى البدعة، ولا شك أن متابعة السنَّة أولى، ولعل وجه ترك العصر لأنها بصدد بيان السنن المؤكدة.\n(وكان) أحيانًا (يصلي من الليل) أي بعض أوقاته (تسع ركعات) قال ابن حجر: تارة، وإحدى عشرة تارة، وأنقص تارة (فيهن) أي في جملتهن (الوتر) قال ابن الملك: قيل: الوتر والتهجد سواء، وقيل: الوتر غير التهجد، فإذا صلَّى أحد أكثر من ثلاث عشرة ركعة فهل جميعها وتر أم ركعة واحدة،\n_________\n(١) والمالكية لم يقولوا بالرواتب كما في \"الأوجز\" (٣/ ٤٣٣)، فأوَّلوا هذه الروايات قبل دخول وقتها، كما في \"العارضة\" أو قبل الجماعة. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" ٢/ ٢٢٢). (ش).","vol":"5","page":451},{"text":"وَكَانَ يُصَلِّى لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا جَالِسًا، فَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ،\n===\nوالباقي صلاة الليل؟ فالمفهوم من الأحاديث الواردة في الوتر أن جميعها وتر، وليس صلاة الليل غير الوتر إلَّا في حق من صلَّى الوتر قبل، ثم نام، وقام، وصلَّى، فإن ذلك حينئذ صلاة الليل، انتهى (١).\nوهو خلاف المذهب، فإن الوتر غير التهجد، فإن الأول واجب منحصر في ثلاث ركعات بسلام واحد عندنا، غير مقيد بوقت من آخر الليل، أو أوله بشرط وقوعه بعد العشاء سواء بعد نوم أو قبله إلَّا أن الأفضل تأخيره إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه لقوله ﵇: \"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا\"، وأما الثاني: فسنَّة بالاتفاق، وهو مقيد بآخر الليل مطلقًا، أو بنوم قبله.\n(وكان يصلي ليلًا طويلًا) أي في الليل زمانًا طويلًا (قائمًا، وليلًا طويلًا جالسًا) قال في \"المفاتيح\": يعني يصلي صلاة كثيرة من القيام والقعود، أو يصلي ركعات مطولة في بعض الليالي من القيام، وفي بعضها من القعود (فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم) أي لا يقعد قبل الركوع. قاله ابن حجر، وقال الطيبي: أي ينتقل من القيام إليهما، وكذا التقدير فيما بعده.\n(وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد) أي لا يقوم للركوع، قال الطحاوي: ذهب قوم إلى كراهة (٢) الركوع قائمًا لمن افتتح الصلاة قاعدًا، وخالفهم آخرون فلم يروا به بأسًا.\nقلت: لأنه انتقال إلى الأفضل، وقال: حجتهم ما روي بأسانيد عن عائشة: \"أنها لم تر رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية، ثم ركع\"،\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(٢) وذهب محمد وأبو يوسف إلى كراهة عكسه كما تقدم، والأربعة على جواز الصورتين معًا. (ش).","vol":"5","page":452},{"text":"وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ -ﷺ-\". [م ٧٣٠، ن ١٦٤٦، حم ٦/ ٣٠، ق ٣/ ٤٧١، ت ٤٣٦]\n١٢٥٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِى بَيْتِهِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ\". [خ ٩٣٧، م ٧٢٩، ن ٨٧٣]\n===\nلأن في هذا الحديث: أنه كان يركع قائمًا بعد ما افتتحها قاعدًا، وهو الأولى، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ (١).\n(وكان إذا طلع الفجر صلَّى ركعتين) أي خفيفتين (ثم يخرج فيصلي بالناس صلاة الفجر) أي فرض الصبح (- ﷺ -).\n١٢٥٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي قبل الظهر ركعتين) وهذا لا ينافي أنه كان يصلي أربعًا، ولعله - ﷺ - صلَّى أربعًا في بيته، وركعتين خارج البيت، أو صلَّى ركعتين أحيانًا، اقتصر عليهما للعجلة، (وبعدها) أي بعد صلاة الظهر (ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته) الظاهر أنه قيد للأخيرة، وقال ابن حجر: عائد إلى الكل (وبعد صلاة العشاء ركعتين) هذا أيضًا مقيد بقوله: \"في بيته\" في رواية الشيخين.\n(وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف) إلى بيته (فيصلي ركعتين) وقد وقع في رواية ابن عمر عند أبي داود والترمذي: \"إذا صلَّى الجمعة بمكة فصلى ركعتين، ثم يتقدم، فيصلي أربعًا\".\nواختلف في السنن بعد الجمعة هل هي ركعتان أو أربع ركعات أو ست؟\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٤٣).","vol":"5","page":453},{"text":"١٢٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ\". [خ ١١٨٢، ن ١١٥٨، حم ٦/ ٦٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>(٢٩٢) بَابُ رَكعَتَيِ الْفَجْرِ</span>\n١٢٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَكُنْ\n===\nفحكى الترمذي (١) عن الشافعي وأحمد: أنها ركعتان، وعند أبي حنيفة أربع ركعات، وعن أبي يوسف أنه قال: يصلي بعدها ستًا، وجه قول أبي يوسف أن فيه جمعًا بين قول رسول الله - ﷺ - وبين فعله، فإنه روي أنه أمر بالأربع بعد الجمعة، وروي أنه صلَّى ركعتين بعد الجمعة، فجمع بين قوله وفعله، وكذا روي عن علي، ووجه قول أبي حنيفة ما تقدم من رواية أبي هريرة في \"باب الصلاة بعد الجمعة\": \"من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا\"، وفي رواية: \"إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعًا\"، وما روي من فعله - ﷺ - فليس فيه ما يدل على المواظبة.\n١٢٥٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان لا يدع) أي: لا يترك (أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل صلاة الغداة) أي الفجر.\n\n(٢٩٢) (بَابُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ) (٢)\n١٢٥٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن ابن جريج، حدثني عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: إن رسول الله - ﷺ - لم يكن\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٩٩).\n(٢) قال ابن العربي (٢/ ٢٠٩): قد ورد في فضلهما ثمانية أحاديث ثم ذكرها. (ش).","vol":"5","page":454},{"text":"عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ\". [خ ١١٦٩، م ٧٢٤، السنن الكبرى للنسائي ٤٥٦، ق ٢/ ٤٧٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>(٢٩٣) بَابٌ: في تَخْفِيفِهِمَا</span>\n١٢٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرَةَ،\n===\nعلى شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الصبح) ولذلك قال في \"البدائع\" (١): وأقوى السنن (٢) ركعتا الفجر لورود الشرع بالترغيب ما لم يرد في غيرهما. قال - ﷺ -: \"صلوهما ولو طردتكم الخيل\" (٣).\n\n(٢٩٣) (بابٌ: في تَخْفِيفِهِمَا)، أي ركعتي الفجر\n١٢٥٥ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني) أي أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب، (نا زهير بن معاوية، نا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصاري المدني، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، روى عن عمته عمرة بنت عبد الرحمن، قال الحافظ: قلت: وصرح ابن سعد بأن عمرة عمة أبيه، وقال في ترجمة عمرة بنت عبد الرحمن: روى عنها أخوها محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، ثقة.\n(عن عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، إحدى الثقات العلماء بعائشة الأثبات فيها، قال نوح بن حبيب القومسي: من قال: عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة فقد أخطأ، إنما هو ولد سعد بن زرارة، وهو أخو أسعد، فأما أسعد فلم يكن له عقب، وإنما الولد\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦٣٦).\n(٢) حتى قال الحسن بوجوبها، كما في \"الأوجز\" (٢/ ٦٥٩)، وبه قال بعض الحنفية كما في \"الشامي\" (٢/ ٥٤٩). (ش).\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٤٠٥) وأبو داود (١٢٥٨).","vol":"5","page":455},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى إِنِّى لأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؟ \". [خ ١١٧١، م ٧٢٤، ق ٣/ ٤٣ - ٤٤]\n١٢٥٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ-\n===\nلسعد، وإنما غلط الناس، لأن المشهور هو أسعد، سمعت ذلك من علي بن المديني، ومن الذين يعرفون نسب الأنصار.\n(عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - يخفف الركعتين قبل صلاة الفجر حتى إني لأقول) في نفسي: (هل قرأ) رسول الله (فيهما بأم القرآن؟) أي بسورة الفاتحة.\nقال الحافظ في \"الفتح\": وقد تمسك به من زعم (١) أنه لا قراءة في ركعتي الفجر أصلًا، وتعقب بما ثبت في الأحاديث الآتية، قال القرطبي: ليس معنى هذا أنها شكت في قراءته - ﷺ - الفاتحة، وإنما معناه أنه كان يطيل في النوافل، فلما خفف في قراءة ركعتي الفجر صار كأنه لم يقرأ بالنسبة إلى غيرها من الصلوات.\nواستدل بحديث الباب على أنه لا يزيد فيهما على أم القرآن، وهو قول مالك، وفي \"البويطي\" عن الشافعي استحباب قراءة السورتين المذكورتين فيهما مع الفاتحة عملًا بالحديث المذكور، وبذلك قال الجمهور، فقالوا: معنى قول عائشة: \"هل قرأ فيهما بأم القرآن؟ \" أي مختصرًا عليها أو ضم إليها غيرها، وذلك لإسراعه بقراءتها، انتهى (٢).\n١٢٥٦ - (حدثنا يحيى بن معين، نا مروان بن معاوية، نا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي ثقة، (عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) ففيه أربعة مذاهب: لا قراءة عند قوم، والفاتحة فقط عند مالك، والتخفيف عند الجمهور، والتطويل عند الطحاوي. (انظر: \"شرح معاني الآثار\" ١/ ٢٩٧). (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧).","vol":"5","page":456},{"text":"قَرَأَ في رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ \". [م ٧٢٦، ن ٩٤٥، جه ١١٤٨، ق ٣/ ٤٢]\n١٢٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنِى أَبُو زِيَادَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الْكِنْدِىُّ، عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِيُؤْذِنَهُ (١) بِصَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَشَغَلَتْ عَائِشَةُ بِلَالًا بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ حَتَّى فَضَحَهُ الصُّبْحُ\n===\nقرأ في ركعتي الفجر) أي في سنته بعد الفاتحة (﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾).\nوهذا الحديث يدل على استحباب قراءة سورتي الإخلاص في ركعتي الفجر، وكذلك عند الحنفية، قال في \"البحر الرائق\" (٢): وفي \"الخلاصة\": والسنَّة في ركعتي الفجر ثلاث: أحدها: أن يقرأ في الركعة الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية الإخلاص، والثاني: أن يأتي بهما في بيته، والثالث: أن يأتي بهما أول الوقت.\n١٢٥٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو المغيرة) عبد القدوس بن الحجاج، (نا عبد الله بن العلاء) بن زبر، (حدثني أبو زيادة عبيد الله بن زيادة الكندي) أبو زيادة البكري، ويقال: الكندي الدمشقي، ويقال: عبد الله، ويقال: ابن زياد وأبو زياد بلا هاء، ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: الظاهر أن روايته عن بلال مرسلة، (عن بلال أنه حدثه، أنه أتى رسول الله - ﷺ - ليؤذنه) أي ليعلمه (بصلاة الغداة) أي بقرب وقت إقامتها (فشغلت عائشة بلالًا بأمر سألته) بلالًا (عنه) أي عن ذلك الأمر.\n(حتى فضحه الصبح) قال في \"المجمع\": حتى فضحه الصبح، أي: دهمته\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يؤذنه\".\n(٢) \"البحر الرائق\" (٢/ ٥٢).","vol":"5","page":457},{"text":"فَأَصْبَحَ جِدًّا، قَالَ: فَقَامَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ وَتَابَعَ أَذَانَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا خَرَجَ صَلَّى بِالنَّاسِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ شَغَلَتْهُ بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ حَتَّى أَصْبَحَ جِدًّا، وَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ فَقَالَ: «إِنِّى كُنْتُ رَكَعْتُ رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَصْبَحْتَ جِدًّا! قَالَ (١): «لَوْ أَصْبَحْتُ أَكْثَرَ مِمَّا أَصْبَحْتُ لَرَكَعْتُهُمَا وَأَحْسَنْتُهُمَا وَأَجْمَلْتُهُمَا». [ق ٣/ ٤٧١، حم ٦/ ١٤]\n===\nفضحة الصبح، أي بياضه، وقيل: فضحه أي كشفه، وبينه للأعين بضوئه، ويروى بصاد مهملة بمعناه، وقيل: معناه إنه لما تبين الصبح جدًا ظهرت غفلته عن الوقت، فصار كما يفتضح بعيب ظهر فيه (فأصبح جدًا، قال: فقام بلال فآذنه) أي رسول الله - ﷺ - (بالصلاة وتابع أذانه) أي أعلمه مرة بعد أخرى (فلم يخرج رسول الله - ﷺ -) على أذانه في الفور بل تأخر شيئًا.\n(فلما خرج صلَّى بالناس وأخبره) أي أخبر بلال رسول الله - ﷺ - (أن عائشة شغلته) أي بلالًا (بأمر سألته عنه حتى أصبح جدًا) أي نور بالصبح كثيرًا (وأنه) أي رسول الله - ﷺ - (أبطأ عليه بالخروج فقال) رسول الله - ﷺ -: (إني كنت ركعت ركعتي الفجر) أي كنت أصلي ركعتي الفجر حين آذنتني (فقال: يا رسول الله! إنك أصبحت جدًا) أي لو كنت تركت النافلة، لأن أداء الفرض في وقته أهم من الاشتغال بالنوافل.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (لو أصبحت) أي نورت بالصبح (أكثر مما أصبحت) أي مما نورت به (لركعتهما) أي صليتهما (وأحسنتهما) أي أحسنت في أدائهما بإتيان السنن والمستحبات (وأجملتهما) أي آتيتهما جميلًا، والحديث ليس له كبير مطابقة بالباب.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال: قال\".","vol":"5","page":458},{"text":"١٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا خَالِدٌ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ- يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيَّ-، عن ابْنِ زيدٍ، عن ابْنِ سِيْلَانَ،\n===\n١٢٥٨ - (حدثنا مسدد، نا خالد، نا عبد الرحمن - يعني ابن إسحاق المدني-، عن ابن زيد) هو محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، (عن ابن سيلان) في \"التقريب\" (١): بكسر السين المهملة بعدها تحتانية ساكنة، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ترجمة جابر بن سيلان: جابر بن سيلان عن ابن مسعود في الغسل من الجنابة، وعن أبي هريرة في المحافظة على ركعتي الفجر، روى عنه محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، روى له أبو داود، ولم يسمه في روايته، وسماه أبو حاتم وغيره، وروى موسى بن هارون الحديثين المذكورين من طريقه، وسماه فيهما جابرًا، وسماه أحمد بن حنبل في بعض الطرق عبد ربه بن سيلان، فالله أعلم.\nوذكره صاحب \"الكمال\" فيمن اسمه عيسى، وهو وهم، فإن عيسى بن سيلان شيخ آخر، يروي عنه المصريون وهو متأخر عن هذا.\nقلت: أما أبو حاتم فسمى الراوي عن ابن مسعود جابرًا، وذكر عيسى بن سيلان، فقال: يروي عن أبي هريرة وكعب، وزكر عبد ربه بن سيلان على حدة، فقال: وروى عن أبي هريرة، وعنه محمد بن زيد، وكذا ذكره البخاري وابن حبان في \"الثقات\".\nوظهر من هذا أن ابن سيلان ثلاثة: جابر بن سيلان وهو الراوي عن ابن مسعود، وعبد ربه بن سيلان وهو الذي يروي عن أبي هريرة ويروي عنه ابن قنفذ، وأما عيسى فإنه وإن كان يروي عن أبي هريرة فلم يذكروا أن ابن قنفذ روى عنه، فتعين أن الذي أخرج له أبو داود هو عبد ربه، قاله الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، وقال في \"التقريب\" في ترجمة جابر بن سيلان: والصواب أن الذي روى له أبو داود اسمه عبد ربه.\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص ١٩١).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٤٠).","vol":"5","page":459},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَدَعُوهُمَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ\". [حم ٢/ ٤٠٥، ق ٣/ ٤٧١]\n===\n(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تدعوهما) أي لا تتركوا ركعتي الفجر (وإن) وصلية (طردتكم) أي دفعتكم (الخيل) وهذا الحديث أيضًا لا يناسب بالباب.\nحكى صاحب \"العون\" (١) في معنى هذا الحديث عن الشيخ نذير حسين الدهلوي (٢): \"لا تتركوا ركعتي الفجر وإن دفعتكم الفرسان\"، أي فرسانكم للرحيل، يعني إن حان وقت رحيل الجيش، وسار الجيش وعجل للرحيل فلا تتركوهما، وحكى معنًى ثانيًا عن الشيخ حسين بن محسن الأنصاري (٣) فقال: وإن طردتكم الخيل أي خيل العدو، ومعناه إذا كان الرجل مثلًا هاربًا من العدو، والعدو يركب فرسه ليقتله، فلا ينبغي للمطلوب ترك ركعتي الفجر.\nثم حكى محشيه عن بعض تلامذة الشيخ المحدث السهارنفوري (٤) معنى ثالثًا: أنه كتب على هامش \"معاني الآثار\" ما نصه: طردتكم الخيل أي جرت عليكم الخيل، ودقت أعناقكم فدفعتكم عن الاشتغال بهما، فأتى بكلمات غليظة، وشنع عليه بتشنيعات بليغة، وادعى بتغليط هذا المعنى فقال: انظر إلى هذا المعنى الغلط البين، يضحك به الطلبة فضلًا عن الكملة، وأسأل هذا المتعلي عمن أخذت هذا المعنى، وقد جرى هذا المجهل على عادة أسلافه من السب والشتم والتفحش مع أن هذا المعنى فرد من أفراد المعنى الثاني، والعجب أنه لم يسأل الشيخ الدهلوي ولا الشيخ الأنصاري أنهما عمن أخذا معنييهما مع أن الكل محتمل.\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (٤/ ٩٦).\n(٢) المتوفى ١٣١٥ هـ، \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٥٢٧).\n(٣) المتوفى ١٣٢٧ هـ، \"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٢١).\n(٤) هو الشيخ الفقيه المحدث أحمد علي السهارونفوري (ت ١٢٩٧ هـ)، انظر: \"نزهة الخواطر\" (٧/ ٥٠).","vol":"5","page":460},{"text":"١٢٥٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا كَانَ يَقْرأُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في رَكْعَتَي الْفَجْرِ بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (١) هَذ الآية. قَالَ: هَذه في الَرَّكْعَةِ الأولَى، وَفِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ بِـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) \". [م ٧٢٧، ن ٩٤٤، حم ١/ ٢٣٠، خزيمة ١١١٥، ق ٣/ ٤٢]\n١٢٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ - يَعْنِى ابْنَ مُوسَى -، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ ﴿قُلْ آمَنَّا\n===\n١٢٥٩ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير) بن معاوية، (نا عثمان بن حكيم، أخبرني سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عباس: أن كثيرًا مما كان يقرأ رسول الله - ﷺ - في ركعتي الفجر) أي الذي كان يقرأ رسول الله - ﷺ - في ركعتي الفجر كثيرًا منه هذه الآيات (بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ هذه الآية) أي الآية التامة التي في البقرة (قال) ابن عباس: (هذه) أي الآية (في الركعة الأولى) منهما (و) يقرأ (في الركعة الآخرة بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي الآية التامة التي في آل عمران.\n١٢٦٠ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، نا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي، (عن عثمان بن عمر يعني ابن موسى) بن عبيد الله بن معمر التيمي المدني، قاضيها مقبول، (عن أبي الغيث) سالم المدني، مولى ابن مطيع، ثقة، (عن أبي هريرة، أنه سمع النبي - ﷺ - يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُلْ آمَنَّا\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ٨٤.\n(٢) سورة آل عمران: الآية ٥٢.","vol":"5","page":461},{"text":"بِاَللهِ وَمَآ أنُزِلَ عَلَيْنَا﴾ (١) في الرَّكْعَةِ الأُولىَ، وَفِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى بِهَذ الآية: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢) أَوْ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) \" (٤) شَكَّ الدَّرَاوَرْدِيُّ. [ق ٣/ ٤٣]\n===\nبِاَللهِ وَمَآ أنُزِلَ عَلَيْنَا﴾ الآية التامة التي في آل عمران (في الركعة الأولى، وفي الركعة الأخرى بهذه الآية: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَوْ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ شك الدراوردي).\nوالحنفية يحكمون بجواز الصلاة بأمثال هذه الآيات على ظاهر الرواية، وهذا الحديث بظاهره يدل على جواز قراءة الآيات في الركعات على خلاف النظم القرآني، فإن قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ مؤخر في النظم، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ مقدم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ الآية، والحنفية قالوا بكراهة القراءة على خلاف النظم، أي: منكوسًا.\nوالجواب عنه: أن البيهقي روى هذا الحديث من طريق سعيد بن منصور قال: ثنا عبد العزيز حدثني عثمان بن عمر بن موسى قال: سمعت أبا الغيث يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - في السجدتين قبل الصبح في السجدة الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾، والثانية ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ هكذا أخبرناه بلا شك، فهذا الحديث يدل على أن\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ٨٤.\n(٢) سورة آل عمران: الآية ٥٣.\n(٣) سورة البقرة: الآية ١١٩.\n(٤) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"5","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>(٢٩٤) بَابُ الاضْطِجَاعِ بَعْدَهَا</span>\n١٢٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو كَامِلٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ». فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَمَا\n===\nما في أبي داود لعله وهم من محمد بن الصباح، قال الحافظ في ترجمته من \"التهذيب\": قال يحيى: حدّث بحديث منكر، قال يعقوب: هذا حديث منكر جدًا من هذا الوجه كالموضوع، ووثقه أبو زرعة ومحمد بن عبد الله الحضرمي.\n\n(٢٩٤) (بَابُ الاضْطِجَاعِ بَعْدَها) (١)\nأي بعد سنة الفجر (٢)\n١٢٦١ - (حدثنا مسدد وأبو كامل وعبيد الله بن عمر بن ميسرة قالوا: نا عبد الواحد) بن زياد، (نا الأعمش) سليمان بن مهران، (عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا صلَّى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه (٣)، فقال له) أي لأبي هريرة (مروان بن الحكم: أما) همزة\n_________\n(١) قال المناوي: كان مزاجه - ﷺ - على سبيل الندور بمصلحة عامة، أو تامة من نحو مؤانسة أو تألف، لما كانوا عليه من تهيب الإقدام عليه سيما عقب التجليات السبحانية، ومن ثم كان لا يخرج إليهم بعد الفجر إلا بعد الاضطجاع بالأرض أو مكالمة بعض نسائه، إذ لو خرج إليهم عقب المناجاة الفردية والفيوض الرحمانية لما استطاع أحد منهم لقيه. (انظر: \"شرح الشمائل\" ٢/ ٢٨). (ش).\n(٢) قال ابن العربي: قال مالك: لا بأس به ما لم ير فيه الفضل، وأحمد لا يفعله ولا يمنع ... إلخ. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" ٢/ ٢١٦)، وأثبت ابن القيم كونه بعد الوتر قبل السنَّة. (انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٣٠٩). (ش).\n(٣) قال ابن القيم (١/ ٣١٩): قال الترمذي (٤٢٠): حسن صحيح، لكن قال ابن تيمية: الحديث باطل، وإنما الصحيح الفعل لا الأمر ... إلخ، وقال الشوكاني (٢/ ٢٢٧) =","vol":"5","page":463},{"text":"يُجْزِئُ أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ عَلَى يَمِينِهِ؟ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِى حَدِيثِهِ: قَالَ: لَا. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ، قَالَ: فَقِيلَ لاِبْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ؟ قَالَ (١): لَا، وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ وَجَبُنَّا\n===\nاستفهام، وما نافية (يجزئ) من الإجزاء أي يكفي (أحدنا) مفعول للفعل (ممشاه) فاعله (إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه؟).\nحاصله (٢) أن المشي إلى الصلاة لأجل أداء الصلاة لا يكفيه لحصول الأجر حتى يكون الضجعة سببًا لحصول الأجر، فإن المشي إلى الصلاة سبب لتحصيله، والضجعة ليست سببًا لتحصيله، بل هي منع منه، فكيف تكون سببًا للأجر؟\n(قال عبيد الله في حديثه: قال) أبو هريرة: (لا) أي لا يكفيه، فإن المشي إلى المسجد عبادة، والضجعة لفعله - ﷺ - عبادة أخرى، لا يحصل أجر إحداهما بالأخرى (قال) أي عبيد الله، إن ثبت أن هذا الكلام من رواية عبيد الله فقط وإلا فيرجع إلى أبي صالح (فبلغ ذلك ابن عمر فقال: كثر أبو هريرة على نفسه) أي أكثر في رواية الأحاديث كثرة يعود ضررها إلى نفسه، لأنه لا يسلم من الخطأ والنسيان، فيخاف أن يدخل في وعيد قوله ﵊: \"من قال علي ما لم أقل\" الحديث.\n(قال: فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا) أي لا أنكر شيئًا في خصوص هذه الرواية، بل أنكر كثرة الرواية، وعدم الاحتياط فيها (ولكنه اجترأ) على كثرة رواية الحديث (وجبنا) عنها لخوف الدخول في الوعيد\n_________\n= عن البيهقي: إن كونه من فعله أولى، وبسطه العيني. (انظر: \"عمدة القاري\" ٥/ ٥١٥ - ٥١٦). (ش).\n(١) وفي نسخة: \"قال: قال\".\n(٢) والأوجه ما في \"التقرير\": أما يجزئ للفصل المشي حتى يحتاج إلى الاضطجاع؟ (ش).","vol":"5","page":464},{"text":"قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ. قَالَ: فَمَا ذَنْبِي أَنْ كُنْتُ حَفِظْتُ وَنَسُوا\". [ت ٤٢٠، جه ١١٩٩، حم ٢/ ٤١٥، خزيمة ١١٢٠، ق ٣/ ٤٥]\n===\n(قال: فبلغ ذلك) أي قول ابن عمر (أبا هريرة، قال) أبو هريرة: (فما ذنبي أن كنت حفظت ونسوا).\nقال البيهقي بعد تخريج الحديث (١): وهذا يحتمل أن يكون المراد به الإباحة، فقد رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة حكاية عن فعل النبي - ﷺ -، ثم قال بعد تخريج الفعل: قال الشيخ: وهذا أولى أن يكون محفوظًا لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس.\nقال الشوكاني (٢): والأحاديث المذكورة تدل على مشروعية الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر إلى أن يؤذن بالصلاة، كما في \"صحيح البخاري\" (٣) من حديث عائشة، وقد اختلف في حكم هذا الاضطجاع على ستة أقوال:\nالأول: أنه مشروع على سبيل الاستحباب، قال العراقي: فممن كان يفعل ذلك أو يفتي به من الصحابة: أبو موسى الأشعري، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، واختلف فيه على ابن عمر، فروي عنه فعل ذلك، كما ذكره ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤)، وروي عنه إنكاره كما سيأتي.\nوممن قال به من التابعين: ابن سيرين، وعروة، وبقية الفقهاء السبعة، كما حكاه عبد الرحمن بن زيد في \"كتاب السبعة\"، وهم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار.\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٥).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٥).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٦٢٦).\n(٤) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٢٤٧).","vol":"5","page":465},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن حزم: وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عثمان بن غياث، هو ابن عثمان أنه حدثه قال: كان الرجل يجيء وعمر بن الخطاب يصلي بالناس، فيصلي ركعتين في مؤخر المسجد، ويضع جنبه في الأرض، ويدخل معه في الصلاة، وممن قال باستحباب ذلك من الأئمة الإِمام الشافعي وأصحابه.\nالقول الثاني: أن الاضطجاع بعدهما واجب مفترض، لا بد من الإتيان به، وهو قول أبي محمد بن حزم، واستدل بحديث أبي هريرة المذكور، وحمله الأولون على الاستحباب لقول عائشة: \"فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع\" وظاهره أنه كان لا يضطجع مع استيقاظها، فكان ذلك قرينة لصرف الأمر إلى الندب.\nالقول الثالث: أن ذلك مكروه وبدعة، وممن قال به من الصحابة: ابن مسعود وابن عمر على اختلاف عنه، فروى ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١) من رواية إبراهيم قال: قال ابن مسعود: ما بال الرجل إذا صلَّى الركعتين يتمعك كما تتمعك الدابة أو الحمار؟ إذا سلَّم فقد فصل، وروى ابن أبي شيبة أيضًا من رواية مجاهد قال: صحبت ابن عمر في السفر والحضر، فما رأيته اضطجع بعد ركعتي الفجر، وروى سعيد بن المسيب عنه: أنه رأى رجلًا يضطجع بعد الركعتين، فقال: احصبوه.\nوروى أبو مجلز عنه أنه قال: إن ذلك من تلعب الشيطان، وفي رواية زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عنه أنه قال: إنها بدعة، ذكر ذلك جميعه ابن أبي شيبة، وممن كره ذلك من التابعين: الأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، وقال: هي ضجعة الشيطان، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومن الأئمة: مالك، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء.\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٢٤٨).","vol":"5","page":466},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالقول الرابع: أنه خلاف الأولى، روى ابن أبي شيبة عن الحسن: أنه كان لا يعجبه الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.\nالقول الخامس: التفرقة بين من يقوم بالليل، فيستحب له ذلك للاستراحة، وبين غيره فلا يشرع له، واختاره ابن العربي، وقال: لا يضطجع بعد ركعتي الفجر لانتظار الصلاة، إلا أن يكون قام الليل، فيضطجع استجمامًا لصلاة الصبح، فلا بأس، ويشهد لهذا ما رواه الطبراني وعبد الرزاق (١) عن عائشة أنها كانت تقول: \"إن النبي - ﷺ - لم يضطجع لسنَّة، ولكنه كان يدأب ليله فيستريح\"، وهذا لا تقوم به حجة، أما أولًا: فلأن في إسناده راويًا لم يسم، وأما ثانيًا: فلأن ذلك منها ظن وتخمين وليس بحجة.\nالقول السادس: أن الاضطجاع ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود الفصل بين ركعتي الفجر وبين الفريضة، روى ذلك البيهقي عن الشافعي.\nوقد أجاب من لم ير مشروعية الاضطجاع عن الأحاديث المذكورة بأجوبة: منها: أن حديث أبي هريرة من رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش وقد تكلم فيه بسبب ذلك يحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسي، قال يحيى بن سعيد: ما رأيته يطلب حديثًا بالبصرة ولا بالكوفة قط، وكنت أجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة، أذاكره بحديث الأعمش، لا يعرف منه حرفًا، وقال عمرو بن علي الفلاس: سمعت أبا داود يقول: عمد عبد الواحد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها يقول: حدثنا الأعمش حدثنا مجاهد في كذا وكذا، وهذا من روايته عن الأعمش، وقد رواه الأعمش بصيغة العنعنة وهو مدلس، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين عن عبد الواحد بن زياد فقال: ليس بشيء.\nومن جملة الأجوبة التي أجاب بها النافون لشرعية الاضطجاع: أنه اختلف في حديث أبي هريرة المذكور: هل من أمر النبي - ﷺ - أو فعله؟ كما تقدم، وقد قال البيهقي: إن كونه من فعله أولى أن يكون محفوظًا.\n_________\n(١) \"المصنف\" (٣/ ٤٣) رقم (٤٧٢٢).","vol":"5","page":467},{"text":"١٢٦٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنسٍ،\n===\nومن الأجوبة التي ذكروها أن أحاديث عائشة في بعضها الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، وفي بعضها بعد ركعتي الفجر، وفي حديث ابن عباس قبل ركعتي الفجر، وقد أشار القاضي عياض إلى أنّ رواية الاضطجاع بعدهما مرجوحة، فتقدم رواية الاضطجاع قبلهما، ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلهما أنه سنَّة فكذا بعدهما، انتهى ملخصًا (١).\nقلت: وللشوكاني فيها كلام طويل، تركته للاختصار، وكذا بسطه العيني في شرحه على البخاري (٢)، أما عند الحنفية فقال الشامي في حاشيته على \"الدر المختار\" (٣): صرح الشافعية بسنية الفصل بين سنَّة الفجر وفرضه بهذه الضجعة أخذًا بهذ الحديث ونحوه، وظاهر كلام علمائنا خلافه حيث لم يذكروها، بل رأيت في \"موطأ الإِمام محمد\" (٤) - ﵀ - ما نصه: أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: \"أنه رأى رجلًا يركع ركعتي الفجر، ثم اضطجع، فقال ابن عمر: ما شأنه؟ فقال نافع: قلت: يفصل بين صلاته، فقال ابن عمر: وأي فصل أفضل من السلام، قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-، ثم قال في آخر البحث: وحاصله أن اضطجاعه ﵊ إنما كان في بيته للاستراحة لا للتشريع، وإن صح حديث الأمر بها الدال على أنها للتشريع يحمل على طلب ذلك في البيت فقط.\n١٢٦٢ - (حدثنا يحيى بن حكيم) المقوم بتشديد الواو المكسورة، ويقال: المقومي، أبو سعيد البصري، ثقة، حافظ، عابد، مصنف، (نا بشر بن عمر) بن حكم بن عقبة الزهراني بفتح الزاي، الأزدي، أبو محمد، البصري، ثقة، (نا مالك بن أنس) قال البيهقي: ورواه مالك بن أنس خارج \"الموطأ\" عن سالم\n_________\n(١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٥).\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٥١٥).\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٤٦٢).\n(٤) \"موطأ الإمام محمد\" (٢٤٥).","vol":"5","page":468},{"text":"عَنْ سَالِمٍ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ نَظَرَ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِى، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً أَيْقَظَنِى، وَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ (١) حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ\". [ق ٣/ ٤٥ - ٤٦]\n===\nأبي النضر، فذكر التحديث عقيب صلاة الليل، وذكر اضطجاعه بعد ركعتين قبل ركعتي الفجر.\n(عن سالم أبو النضر) هو ابن أبي أمية، (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا قضى) أي أتم (صلاته من آخر الليل) أي صلاة التهجد (نظر) أي التفت وتوجه إلى (فإن كنت مستيقظة حدثني، وإن كنت نائمة أيفظني) أي لأداء الوتر كما جاء في رواية (وصلَّى الركعتين) بعد الوتر، ولعله - ﷺ - صلَّى الركعتين بعد الوتر ليدل على أن قوله: \"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا\" ليس للوجوب، بل لجواز أن يصلي بعد الوتر النافلة، وقد ثبت عنه - ﷺ - كان يصلي بعد الوتر ركعتين نافلة جالسًا.\n(ثم اضطجع حتى يأتيه الموذن فيوذنه بصلاة الصبح، فيصلي ركعتين خفيفتين) أي ركعتي الفجر (ثم يخرج إلى الصلاة)، وهذا الحديث يدل على أنه - ﷺ - اضطجع قبل ركعتي الفجر ولم يضطجع بعدهما، والروايات الآتية تدل على أنه - ﷺ - كان يضطجع بعد ركعتي الفجر، فالظاهر أنه محمول على اختلاف الأوقات، وأيضًا هذا الاختلاف يدل على أن هذه الضجعة لم يكن للتشريع بل لدفع الكسل والتعب.\nقال البيهقي بعد تخريج هذه الرواية (٢): وهذا بخلاف رواية الجماعة\n_________\n(١) وفي نسخة: \"يضطجع\".\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٦).","vol":"5","page":469},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن أبي سلمة، ثم أخرج من طريق عبد الجبار بن العلاء المكي عن حديث سفيان عن زياد بن سعد عن ابن أبي عتاب عن أبي سلمة عن عائشة قالت: \"كان النبي - ﷺ - إذا صلَّى من الليل ثم أوتر، صلَّى ركعتين، فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يأتيه المنادي\".\nثم أخرج من طريق الحميدي وابن أبي عمر بهذا السند مثل حديث ابن عيينة عن أبي النضر إلا أن في حديث ابن أبي عمر عن عبد الرحمن بن أبي عتاب، ثم أخرج من طريق يعقوب بن سفيان الحميدي، ثنا سفيان ثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يوتر حركني برجله، وكان يصلي الركعتين، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يقوم إلى الصلاة\".\nقال: وقال أبو بكر الحميدي: كان سفيان يشك في حديث أبي النضر، ويضطرب فيه، وربما شك في حديث زياد ويقول: يختلط علي، ثم قال غير مرة: حديث أبي النضر كذا، وحديث زياد كذا، وحديث محمد بن عمرو كذا، على ما ذكرت كل ذلك، انتهى.\nواعترض عليه صاحب \"الجوهر النقي\" فقال: قلت: الظاهر أن البيهقي ساق رواية ابن أبي عتاب على أنها مخالفة لرواية أبي النضر، والظاهر أنها موافقة لها في أن الاضطجاع بعد الركعتين قبل ركعتي الفجر، ويحتمل أنها مخالفة لها بأن يحمل قوله في رواية ابن أبى عتاب: \"ثم صلَّى الركعتين\" على أنهما ركعتا الفجر، ولكن صرفهما إلى الركعتين قبل ركعتى الفجر، كما ذكرناه أولى لتتفق الروايتان، انتهى (١).\nوأما حديث ابن عباس في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، فأخرجه\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي مع \"الجوهر النقي\" (٣/ ٤٥ - ٤٦).","vol":"5","page":470},{"text":"١٢٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ: ابْنِ أَبِى عَتَّابٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: \"كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ، وَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِى\". [خ ١١٦١، م ٧٢٤، ٧٤٣، ق ٣/ ٤٥]\n١٢٦٤ - حَدَّثَنَا عَباسٌ الْعَنْبَرِيُّ وَزِيَادُ بْنُ يَحْيَى\n===\nالبخاري (١) في حديث بيتوته عند خالته ميمونة وقيامه مع رسول الله - ﷺ - في الصلاة، وقوله: \"ثم صلَّى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلَّى ركعتين، ثم خرج فصلَّى الصبح\".\n١٢٦٣ - (حدثنا مسدد، نا سفيان) بن عيينة، (عن زياد بن سعد، عمن حدثه) ذكره أبو داود مبهمًا، ثم شك فيه فقال: (ابن أبي عتاب أو غيره) فهو بدل من \"من حدثه\"، أو خبر مبتدأ محذوف، وهو الضمير أي هو ابن أبي عتاب أو غيره.\nوقد أخرجه مسلم (٢): حدثنا ابن أبي عمر قال: نا سفيان عن زياد بن سعد عن ابن أبي عتاب، وأيضًا أخرجه البيهقي من طريق عبد الجبار بن العلاء المكي: ثنا سفيان عن زياد بن سعد عن ابن أبي عتاب عن أبي سلمة، وكذا من طريق الحميدي: ثنا سفيان ثنا زياد بن سعد الخراساني عن ابن أبي عتاب، فلم يبهما ولم يشكا.\n(عن أبي سلمة قال: قالت عائشة: كان النبي - ﷺ - إذا صلَّى ركعتي الفجر، فإن كنت نائمة اضطجع، وإن كنت مستيقظة حدثني) أي حتى يأتيه المؤذن، فإذا أتى خرج إلى الصلاة.\n١٢٦٤ - (حدثنا عباس) بن عبد العظيم (العنبري وزياد بن يحيى) بن حسان،\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٩٩٢).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٧٤٣).","vol":"5","page":471},{"text":"قَالَا: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِى مَكِينٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ - رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ -، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"خَرَجْتُ مَعَ النَّبِىِّ (١) -ﷺ- لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ\".\n===\nأبو الخطاب الحساني، النكري بضم النون، البصري، ثقة (قالا: نا سهل بن حماد، عن أبي مكين) بفتح الميم وكسر الكاف، نوح بن ربيعة الأنصاري مولاهم البصري، صدوق، وهم وكيع في اسم أبيه فقال: نوح بن أبان، ووهم من جعله اثنين، (نا أبو الفضل رجل من الأنصار) وهو ابن خلف، وقيل: أبو الفضيل، وقيل: أبو المفضل، وقيل: ابن المفضل، قال أبو الحسن القطان: رجل مجهول.\n(عن مسلم بن أبي بكرة) بن الحارث الثقفي البصري، صدوق، (عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث (قال: خرجت مع النبي - ﷺ - لصلاة الصبح فكان لا يمر برجل إلَّا ناداه بالصلاة، أو حركه برجله) أدخل المصنف هذا الحديث في هذا الباب مع أنه لا مناسبة بينهما إلا أن يقال: إن الذي يمر به رسول الله - ﷺ - ويناديه بالصلاة أو يحركه برجله كان مضطجعًا بعد ركعتي الفجر، فيحصل له المطابقة في الجملة.\nوقد أخرج البيهقي هذا الحديث بسنده عن أبي داود، ثم أخرج حديث مسعر عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي قال: رأى عبد الله بن عمر قومًا قد اضطجعوا بعد الركعتين قبل صلاة الفجر، فقال: ارجع إليهم، فسلهم ما حملهم على ما صنعوا؟ فأتيتهم، فسألتهم، فقالوا: نريد السنَّة، قال: ارجع إليهم فأخبرهم أنها بدعة، فلعله أورد هذا الحديث بعد حديث أبي بكرة ليكون قرينة على أن ما كان من رسول الله - ﷺ - من النداء للصلاة وتحريك الرجل كان بعد ما صلوا ركعتي الفجر واضطجعوا بعدهما، والله أعلم.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".","vol":"5","page":472},{"text":"(١) قَالَ زِيَادٌ (٢): قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو الْفُضَيْلِ (٣). [ق ٣/ ٤٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>(٢٩٥) بَابٌ: إِذَا أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ</span>\n١٢٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: \"جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِىُّ -ﷺ- يُصَلِّى الصُّبْحَ، فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- فِى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا فُلَانُ، أَيَّتُهُمَا؟ صَلَاتُكَ الَّتِى صَلَّيْتَ وَحْدَكَ، أَوِ الَّتِى صَلَّيْتَ مَعَنَا؟». [م ٧١٢، ن ٨٦٨، جه ١١٥٢]\n===\n(قال زياد) أي شيخ المصنف: (قال: نا أبو الفضيل) والغرض منه بيان الفرق بين لفظ زياد وبين لفظ عباس، فإن عباسًا قال: \"أبو الفضل\" مكبرًا، وأما زياد بن يحيى فقال: \"أبو الفضيل\" مصغرًا.\n(٢٩٥) (بَابٌ: إِذَا أَدْرَكَ) أي رجل (الإمَامَ) وهو يصلي بالناس صلاة الفجر (وَلَمْ يُصَلِّ) ذلك الرجل (رَكعَتَيِ الْفَجْرِ)\n١٢٦٥ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن عاصم) الأحول، (عن عبد الله بن سرجس قال: جاء رجل) وفي مسلم: \"دخل رجل المسجد\" (والنببي - ﷺ - يصلي) بالناس (الصبح) وفي مسلم: \"في صلاة الغداة\" (فصلَّى الركعتين) أي ركعتي الفجر، وفي مسلم: \"صلَّى ركعتين في جانب المسجد\".\n(ثم دخل مع النبي - ﷺ - في الصلاة، فلما انصرف) رسول الله - ﷺ - عن الصلاة (قال: يا فلان! أيتهما) مفعول لفعل مقدر، وهو اعتددت، ولفظ رواية مسلم: بأي الصلاتين اعتددت؟ (صلاتك التي صليت وحدك) بتقدير الاستفهام بدل من أيتهما (أو التي صليت معنا؟) ولفظ مسلم: \"أبصلاتك وحدك\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) وفي نسخة: \"زياد بن يحيى\".\n(٣) وفي نسخة: \"أبو الفضل\".","vol":"5","page":473},{"text":"١٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ. (ح): وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ،\n===\nأم بصلاتك معنا؟ \"، ولفظ ابن ماجه: \"أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وهو في الصلاة فلما صلَّى قال له: بأي صلاتيك اعتددت؟ \"، ويمكن أن يقال: قوله: \"وأيتهما\" مرفوع مبتدأ، و\"صلاتك\" خبر، و\"التي صليت\" مع معطوفه بدل من أيتهما.\nوالحديث عندنا محمول على أن الرجل صلَّى الركعتين في جانب المسجد مخالطًا للصف يدل عليه لفظ ابن ماجه، فإنه روى من طريق أبي معاوية عن عاصم عن عبد الله بن سرجس: \"أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وهو في الصلاة\" أن رؤيته - ﷺ - إياه لم يكن إلا وهو في جانب المسجد عند الصف الأول يصلي، وأما إذا صلَّى غير مخالط للصفوف فلا مانع منه في هذا الحديث، وسيأتي الكلام على المذاهب في ذلك.\n١٢٦٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا حماد بن سلمة، ح: وحدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن ورقاء) بن عمر اليشكري، أبو بشر الكوفي، نزيل المدائن، صدوق، في حديثه عن منصور لين، (ح: ونا الحسن بن علي، نا أبو عاصم، عن ابن جريج، ح: ونا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، عن أيوب، ح: ونا محمد بن المتوكل) بن عبد الرحمن بن حسان الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله بن أبي السري، الحافظ العسقلاني، أخو الحسين بن أبي السري، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لين الحديث، وقال ابن عدي: كثير الغلط، وقال مسلمة بن قاسم: كان كثير الوهم، وكان لا بأس به، وقال ابن وضاح: كان كثير الحفظ كثير الغلط، وقال ابن حبان في \"الثقات\": وكان من الحفاظ.","vol":"5","page":474},{"text":"نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، كُلُّهُمْ عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا أُقِيمَتِ\n===\n(نا عبد الرزاق، أنا زكريا بن إسحاق كلهم) أي حماد بن سلمة وورقاء وابن جريج وأيوب وزكريا بن إسحاق رووا (عن عمرو بن دينار) أما رواية حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار فأخرجه الدارمي في \"سننه\" (١): حدثنا مسلم ثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\". وكذا أخرج الدارمي (٢) حديث ورقاء عن عمرو بن دينار فقال: أخبرنا أبو حفص عمرو بن علي الفلاس، ثنا غندر عن شعبة عن ورقاء عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحوه.\nوأما حديث أيوب عن عمرو بن دينار فأخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٣): حدثنا الحسن بن علي الحلواني، نا يزيد بن هارون، أنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، وزاد: قال حماد: ثم لقيت عَمْرًا فحدثني به، ولم يرفعه.\nوأما حديث زكريا بن إسحاق فأخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٤): حدثناه عبد بن حميد قال: أنا عبد الرزاق، أنا زكريا بن إسحاق بإسناده مثله، وأما حديث ابن جريج عن عمرو فلم أجده في غير أبي داود.\n(عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أقيمت\n_________\n(١) \"سنن الدارمي\" (١٤٥٠).\n(٢) \"سنن الدارمي\" (١٤٤٨).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٧١٠).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (٧١٠).","vol":"5","page":475},{"text":"الصلاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ\". [م ٧١٠، ت ٤٢١، ن ٨٦٥، جه ١١٥١، دي ١٤٤٨، حم ٢/ ٣٣١، ق ٢/ ٤٨٢]\n===\nالصلاة فلا صلاة (١) إلا المكتوبة) أي الصلاة المكتوبة التي أقيمت لها كما في رواية أحمد، وليس المراد بنفي الصلاة نفيًا عامًا يشمل جميع أمكنة البلد، بل المراد نفي الصلاة في المسجد أو مخالطًا للصف، فعلى الأول لو صلَّى خارج المسجد أو في مكان عند المسجد يجوز الصلاة، وعلى الثاني لو صلَّى غير مخالط للصف خلف سارية من سواري المسجد يجوز، والمراد بنفي الصلاة، إما النفي رأسًا أو نفي الكمال، ذهب إلى الأول أهل الظاهر.\nقال الشوكاني (٢): وقد بالغ أهل الظاهر فقالوا: إذا دخل في ركعتي الفجر أو غيرهما من النوافل، فأقيمت صلاة الفريضة بطلت الركعتان، ولا فائدة له في أن يسلم منهما، وإن لم يبق عليه منهما غير السلام، بل يدخل كما هو بابتداء التكبير في صلاة الفريضة، فإذا أتم الفريضة فإن شاء ركعهما، قال: وهذا غلو منهم في صورة ما إذا لم يبق عليه غير السلام، فليت شعري أيهما أطول زمانًا مدة السلام أو مدة إقامة الصلاة، إلى آخره، وذهب الجمهور إلى الثاني.\nقال الشوكاني (٣): وقد اختلف الصحابة والتابعون ومن بعدهم (٤) في ذلك على تسعة أقوال:\n_________\n(١) بسط الكلام في \"العرف الشذي\" (١/ ١٩٠) في رفعه ووقفه. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١١٠).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٠٨).\n(٤) وفي \"المغني\" (٢/ ١١٩): إذا أقيمت الصلاة فلا يشتغل بالنافلة سواء خاف فوت الركعة أو لا يخاف، وبه قال الشافعي، وقال مالك: إن خاف فوت الركعة الأولى لا يصلي، وإلا يصلي خارج المسجد، وقال أبو حنيفة: يصلي ما لم يخف فوت الركعتين، وأجاد ابن رشد الكلام، وحاصله: أن أصل الاختلاف أن من جعل قوله ﵇: \"إذا أقيمت الصلاة ... إلخ\" عامًا، وجعل علة النهي الاشتغال بالنفل منعه مطلقًا، =","vol":"5","page":476},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحدها: الكراهة، وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله - على خلاف عنه في ذلك-، وأبو هريرة، ومن التابعين: عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومسلم بن عقيل، وسعيد بن جبير، ومن الأئمة: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن جرير، هكذا أطلق الترمذي الرواية عن الثوري، وروى عنه ابن عبد البر والنووي تفصيلًا، وهو أنه إذا خشي فوت ركعة من صلاة الفجر دخل معهم، وترك سنَّة الفجر، وإلَّا صلاها.\nوالقول الثاني: أنه لا يجوز صلاة شيء من النوافل، إذا كانت المكتوبة قد قامت من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما، قاله ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١).\nالقول الثالث: أنه لا بأس بصلاة سنَّة الصبح والإمام في الفريضة، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، ومسروق، والحسن البصري، ومجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، وهو قول الحسن بن حي، ففرق هؤلاء بين سنتي الفجر وغيرها، واستدلوا بما رواه البيهقي (٢) من حديث أبي هريرة: \"أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلَّا ركعتي الصبح\".\nالقول الرابع: التفرقة بين أن يكون في المسجد أو خارجه، وبين أن يخاف فوت الركعة الأولى مع الإِمام أو لا، وهو قول مالك فقال: إذا كان قد دخل المسجد فليدخل مع الإِمام ولا يركعهما يعني ركعتي الفجر،\n_________\n= ومن قصره على المسجد جعل العلة اختلاط الصلاتين والاختلاف على الإِمام كما في قوله ﵇: \"أصلاتان معًا؟ \"، ثم مالك يقول بإدراك فضل الجماعة بالركعتين معًا، وأبو حنيفة يقول: من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة، ولذا اختلفا في القدر الذي ينبغي له أن يظن إدراكه. (ش).\n(١) انظر: \"التمهيد\" (٢٢/ ٦٨ - ٦٩).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٨٣).","vol":"5","page":477},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوإن لم يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الإِمام بركعة فليركع خارج المسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الإِمام فليدخل وليصل معه.\nالقول الخامس: أنه إن خشي فوت الركعتين معًا، وأنه لا يدرك الإِمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فيركعهما خارج المسجد، ثم يدخل مع الإِمام وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، كما حكاه ابن عبد البر، وحكى عنه أيضًا نحو قول مالك، وهو الذي حكاه الخطابي (١)، وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه.\nالقول السادس: أنه يركعهما في المسجد إلَّا أن يخاف فوت الركعة الأخيرِة، فأما الركعة الأولى فليركع، وإن فاتته، وهو قول الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وحكاه النووي (٢) عن أبي حنيفة وأصحابه.\nالقول السابع: يركعهما في المسجد وغيره إلَّا إذا خاف فوت الركعة، وهو قول سفيان الثوري، حكى ذلك ابن عبد البر، وهو مخالف لما رواه الترمذي عنه.\nالقول الثامن: أن يصليهما، وإن فاتته صلاة الإِمام إذا كان الوقت واسعًا، قاله ابن الجلاب من المالكية.\nالقول التاسع: أنه إذا سمع الإقامة لم يحل له الدخول في ركعتي الفجر، ولا في غيرهما من النوافل، سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد عصى، وهو قول أهل الظاهر.\nقلت: وقد بسط الطحاوي البحث في هذه المسألة من شاء فليرجع إليه (٣).\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٢٧٥).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٤١).\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٧١).","vol":"5","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>(٢٩٦) بَابُ مَنْ فَاتَتْهُ مَتَى يَقْضِيهَا</span>؟\n١٢٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا (١) ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: \"رَأَى رَسُولُ اللَّهِ (٢) -ﷺ- رَجُلًا\n===\n(٢٩٦) (بَابُ مَنْ فَاتَتْهُ) أي سنَّة الفجر (مَتَى يَقْضِيهَا؟)\n١٢٦٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن نمير) هو عبد الله، (عن سعد بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري، أخو يحيى، صدوق، سيِّئ الحفظ، (حدثني محمد بن إبراهيم) التيمي، (عن قيس بن عمرو) بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري المدني، جد يحيى بن سعيد بن قيس وإخوته، وزعم مصعب الزبيري أن اسم جد يحيى قيس بن قهد، وغلطه ابن أبي خيثمة في ذلك وقال: هما اثنان، روى عن النبي - ﷺ -، وعنه قيس بن أبي حازم، وابنه سعيد بن قيس بن عمرو، وقيل: لم يسمع منه، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال الترمذي: ولم يسمع منه.\nقلت: وأما ابن حبان فزعم أن قيس بن عمرو هو قيس بن قهد، وأن قهدًا لقب لعمرو، وكأنه أخذه من قول البخاري: قيس بن عمرو جد يحيى بن سعيد له صحبة، قال: وقال بعضهم: قيس بن قهد، وقال أبو نعيم في \"الصحابة\": قيس بن عمرو بن قهد بن ثعلبة، ثم قال: وقيل: قيس بن سهل، والله أعلم.\n(قال: رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا) كنى بالرجل عن نفسه، كما تدل عليه رواية عبد ربه ويحيى الآتية، ويدل عليه رواية الترمذي (٣)، فإنه أخرج من طريق\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"النبي\".\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٤٢٢).","vol":"5","page":479},{"text":"يُصَلِّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّى لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\". [ت ٤٢٢، جه ١١٥٤، حم ٥/ ٤٤٧، ق ٢/ ٤٨٣، ك ١/ ٢٧٥، قط ١/ ٣٨٥]\n===\nعبد العزيز بن محمد عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن جده قيس قال: خرج رسول الله - ﷺ - فأقيمت الصلاة وصليت معه الصبح، الحديث.\n(يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: صلاة الصبح ركعتان) وفي نسخة: ركعتين، قال القاري (١): وفي نسخة صحيحة: \"ركعتين ركعتين\" لتأكيد نفي الزيادة، فعلى هذا لفظ صلاة الصبح منصوب بتقدير فعل، أي: الزموا وصلوا صلاة الصبح، وقال الطيبي (٢): ركعتين منصوب بفعل مضمر تقديره أتصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، وليس بعدها صلاة؟ وتبعه ابن حجر فقال: أي أتصلي صلاة الصبح، وتصلي بعدها ركعتين ركعتين، وقد علمت أنه لا صلاة بعدها؟، فالاستفهام المقدر للإنكار، وركعتين الثاني تأكيد لفظي، أي هذه صلاة الصبح صليتها فكيف تصلي بعدها؟\n(فقال الرجل: إني لم كن صليت الركعتين اللتين قبلهما) أي ركعتي الفجر (فصليتهما الآن) قال الطيبي: فاعتذر الرجل بأنه قد أتى بالفرض، وترك النافلة، وحينئذ أتى بها، وهذا هو مذهب الشافعي ومحمد.\nقلت: ومذهب محمد أنها تقضى بعد طلوع الشمس، قال: وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا قضاء بعد الفوت يعني انفرادًا، وأما إذا فات فرض الصبح فإن السنَّة تقضى تبعًا له قبل الزوال (فسكت رسول الله - ﷺ -)\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٩ - ٢٠).","vol":"5","page":480},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن الملك: سكوته يدل على قضاء سنَّة الفجر بعد فرضه لمن لم يصلها قبله، وبه قال الشافعي (١).\nقلت: وسيأتي أن الحديث لم يثبت، فلا يكون حجة على أبي حنيفة، قاله القاري.\nقلت: أما أولًا: فإن الترمذي (٢) قال: إسناد هذا الحديث (٣) ليس بمتصل، فإن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو.\nوثانيًا: لما ثبت نهي رسول الله - ﷺ - عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فسكوته ﵇ لا يحمل على التقرير.\nوأما ثالثًا: فيحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي ثم نهى عنها، وفي رواية الترمذي (٤) في محل قوله: \"فسكت\" لفظ \"فلا إذًا\".\nقلت: وهو من حديث الدراوردي، وهو مختلف فيه، قال أبو زرعة: سيِّئ الحفظ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطئ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يغلط، قال المزي: روى له البخاري مقرونًا بغيره، وقال ابن حبان: كان يخطئ، وقال الساجي: كان من أهل الصدق والأمانة إلَّا أنه كان كثير الوهم، وقال الزبير: حدثني عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن: جاء الدراوردي إلى أبي يعرض عليه الحديث، فجعل يلحن لحنًا منكرًا، فقال له أبي: ويحك! إنك كنت إلى لسانك أحوج منك إلى هذا، قاله الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٥).\n_________\n(١) فقط خلافًا للأئمة، كذا في \"الأوجز\" (٢/ ٦٧٠). (ش).\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢٨٦) رقم الحديث (٤٢٢).\n(٣) وفي \"الإِمام\": إسناده غير متصل، ومحمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، كذا في \"عمدة القاري\" (٤/ ١٠٩). (ش).\n(٤) انظر: \"سنن الترمذي\" (٤٢٢).\n(٥) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٥٤).","vol":"5","page":481},{"text":"١٢٦٨ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِىُّ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِى رَبَاحٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ. [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى (١) عَبْدُ رَبِّهِ وَيَحْيَى ابْنَا سَعِيدٍ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلًا، أَنَّ جَدَّهُمْ زَيْدًا\n===\nوقال في \"الميزان\" (٢): الدراوردي صدوق من علماء المدينة، غيره أقوى منه، قال أحمد بن حنبل: إذا حدث من حفظه يهم، وإذا حدث من كتابه فنعم، وإذا حدث جاء ببواطيل، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقد تقول (٣) رواية ابن نمير عند أبي داود برواية عطاء بن أبي رباح الآتية عند أبي داود، وكذا عند أحمد، وكذا برواية عبد الله بن سعيد أخي يحيى بن سعيد عن جده من طريق ابن جريج عند أحمد، قال: خرج إلى الصبح، الحديث، وفيه فسكت النبي - ﷺ -، ومضى، ولم يقل شيئًا.\n١٢٦٨ - (حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال: قال سفيان) بن عيينة: (كان عطاء بن أبي رباح يحدث بهذا الحديث) المتقدم (عن سعد بن سعيد) كما يحدث عنه ابن نمير (قال أبو داود: روى عبد ربه ويحيى ابنا سعيد هذا الحديث مرسلًا) أي لم يذكرا قيس بن عمرو ولا ابن إبراهيم التيمي (أن جدهم زيدًا) هذا الذي وقع في أبي داود من لفظ: \"زيد\" هكذا، هو في جميع النسخ الموجودة، وهو وهم، وغلط من الكاتب.\nأما أولًا: فإن البيهقي (٤) حكى هذه الرواية من طريق أبي داود، ولم يذكر \"زيدًا\" بل قال: قال أبو داود: روى عبد ربه ويحيى ابنا سعيد هذا الحديث مرسلًا: \"أن جدهم صلَّى مع النبي - ﷺ -\"، لم يسم زيدًا ولا غيره.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رواه\".\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٦٣٣).\n(٣) الظاهر: وقد تُقَوَّى، فليتأمل.\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٨٣).","vol":"5","page":482},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوثانيًا: قال الترمذي (١) بعد ما أخرج هذا الحديث: روى بعضهم هذا الحديث عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم: \"أن النبي - ﷺ - خرج فرأى قيسًا\".\nقلت: وهو الصواب، فإن جد سعد بن سعيد وإخوته عبد ربه ويحيى وعبد الله هو قيس، لا زيد.\nوثالثًا: لم أجد في أجداده زيدًا يصلي مع النبي - ﷺ -، نعم فيهم: زيد بن ثعلبة، وهو الذي لم يدرك زمان رسول الله - ﷺ - بل هلك في الجاهلية.\nورابعًا: قال الحافظ في \"الإصابة\" في ترجمة زيد جد يحيى بن سعيد: ذكره أبو داود في \"باب من فاتته ركعتا الفجر\"، فقال: قال عبد ربه ويحيى ابنا سعيد: \"صلَّى جدنا زيد مع النبي - ﷺ -\".\nهكذا قرأت بخط شيخنا البلقيني الكبير في هامش نسخته من \"تجريد الذهبي\"، ولم أر في النسخ المعتمدة من السنن لفظ: \"زيد\" بل فيها جدّنا خاصة، فليحرر، فإن نسب يحيى بن سعيد ليس فيه أحد يقال له: \"زيد\" إلَّا زيد بن ثعلبة، وهو جد أعلى جدًا هلك في الجاهلية، انتهى.\nقلت: وكتب الحافظ في \"الإصابة\" (٢) في ترجمة زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار جد عال ليحيى بن سعيد الأنصاري، وقع في أصل سماعنا من \"سنن أبي داود\" ما يقتضي أنه صحابي، فقال في باب \"من فاتته ركعتا الفجر\" بعد حديث محمد بن إبراهيم التيمي عن قيس بن عمرو قال:\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٤٢٢).\n(٢) انظر: \"الإصابة\" (١/ ٥٥٨).","vol":"5","page":483},{"text":"صَلى مَعَ النَّبِيَّ - ﷺ - (١).\n===\n\"رأى النبي - ﷺ - رجلًا يصلي بعد الصبح ركعتين\"، الحديث: روى عبد ربه ويحيى ابنا سعيد هذا الحديث أن جدهما زيدًا صلَّى مع النبي - ﷺ -، فاغتر بذلك شيخنا البلقيني، فألحق زيد بن ثعلبة في حاشية \"التجريد في الصحابة\" وعزاه لأبي داود، وزيد بن ثعلبة مات قبل الإِسلام بدهر طويل، وهو الجد الرابع لقيس بن عمرو جد يحيى بن سعيد، وكنت أظن أن الرواة اختلفوا في اسم جد يحيى بن سعيد، هل هو قيس بن عمرو، أو زيد بن عمرو، كما قالوا فيه: قيس بن قهد؟ ثم راجعت النسخ القديمة من \"سنن أبي داود\" فوجدت فيها بدل قوله: \"زيدًا\" \"مرسلًا\"، فهذا هو المعتبر، والأول تصحيف، انتهى.\n(صلى مع النبي - ﷺ -) أما حديث يحيى بن سعيد فقد قال البيهقي: فقد روي من وجه عن يحيى عن أبيه عن جده: \"أنه جاء والنبي - ﷺ - صلاة الفجر، فصلَّى معه، فلما سلَّم، قام فصلَّى ركعتي الفجر، فقال له النبي - ﷺ -: ما هاتان الركعتان؟ قال: لم أكن صليتهما قبل الفجر، فسكت ولم يقل شيئًا\"، ثم ذكر إسناده إلى يحيى بن سعيد.\nقلت: وهذا كما ترى ليس بمرسل، بل ذكره فيه عن جده، والروايتان المرسلتان لعبد ربه ويحيى لم أقف عليهما (٢)، وقد رأيت في \"مسند أحمد\" من طريق ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن سعيد أخا يحيى بن سعيد يحدث عن جده قال: خرج إلى الصبح، الحديث.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بهذه القصة\".\n(٢) قلت: رواية عبد ربه بن سعيد أخرجها عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٤٤٢) رقم (٤٠١٦) ومن طريقه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٤٤٧)، كما صرح الشارح، ورواية يحيى بن سعيد الأنصاري، أخرجها ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ١٦٤) رقم (١١١٦)، ومن طريقه ابن حبان في \"صحيحه\" (٦/ ٢٢٢) رقم (٢٤٧١)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٣٨٣)، وأخرجها الحاكم (١/ ٢٧٥)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٨٣).","vol":"5","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>(٢٩٧) بَابُ الأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا</span>\n١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِىِّ -ﷺ-: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرُمَ عَلَى النَّارِ». [ت ٤٢٧، جه ١١٦٠، حم ٦/ ٣٢٥، ن ١٨١٢، ق ٢/ ٤٢٧، ك ١/ ٣١٢]\n===\n(٢٩٧) (بَابُ الأَرْبَعِ) أي أربع ركعات (قَبْلَ (١) الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا) أي وأَربع ركعات - بعد صلاة الظهر\n١٢٦٩ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا محمد بن شعيب، عن النعمان) بن المنذر، (عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو عامر المدني، قال أبو نعيم الأصبهاني: أدرك النبيَّ - ﷺ -، ولا تصح له صحبة ولا رؤية، ذكره بعض المتأخرين، واتفق متقدمو أئمتنا على أنه من التابعين، وذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.\n(قال: قالت أم حبيبة زوج النبيِّ - ﷺ -: قال رسول الله: من حافظ) أي: داوم (على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها) أي بعد صلاة الظهر (حرم على النار) قال الشوكاني (٢): وقد قال أبو زرعة، وهشام بن عمار، والنسائي: إنَّ مكحولًا لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان، كذا قال المنذري، وقد أعله ابن القطان، وأنكره أبو الوليد الطيالسي، وأما الترمذي فصححه.\nقال الشوكاني (٣): وقد اختلف في معنى ذلك: هل المراد أنه لا يدخل\n_________\n(١) قال ابن العربي (٢/ ٢٢١): قال مالك: لا يصليها المنفرد بل يقدم الفرض، وذكر أحاديث الباب، وبسط الكلام. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢١٨).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢١٨).","vol":"5","page":485},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عن مَكْحُولٍ بِإِسْنَادِهِ (١) مِثْلَهُ.\n===\nالنار؟ أو أنه - وإن قدر عليه دخولها - لا تأكله النار؟ أو أنه يحرم على النار أن تستوعب أجزاءه، وإن مست بعضه؟ كما (٢) في بعض طرق الحديث عند النسائي بلفظ: \"فَتَمَسُّ وَجْهَهُ النَّارُ أَبَدًا\"، وهو موافق لقوله في الحديث الصحيح: \"وَحَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأكُلَ مَوَاضِعَ السُّجُودِ\"، فيكون قد أطلق الكل وأريد البعض مجازًا، والحمل على الحقيقة أولى، و[هو]، أن الله تعالى يحرِّم جميعه على النار، وفضل الله تعالى أوسع ورحمته أعم، وظاهر قوله: \"مَنْ صلَّى\" أن التحريم على النار يحصل بمرة واحدة، ولكنه قد أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما بلفظ: \"مَنْ حَافَظَ\" فلا يحرم على النار إلَّا المحافظ، انتهى.\nقلت: وقد أخرج الترمذي (٣) من طريق الثوري عن أبي إسحاق عن المسيب بن رافع عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة، وفيه: \"مَنْ صلَّى في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ثِنْتَي عَشْرَة رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ في الجَنَّةِ، أَرْبَعًا قَبْل الظُهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَها\" الحديث. وهذا هو الموافق لما روت عائشة -﵂ - في هذا الباب، فالظاهر أن الركعتين في الأربع بعد الظهر مؤكدتان، والركعتين غير مؤكدتين.\n(قال أبو داود: ورواه العلاء بن الحارث وسليمان بن موسى عن مكحول بإسناده) أي بإسناد الحديث المتقدم (مثله) أي مثل الحديث المتقدم. أما رواية العلاء بن الحارث فلم أجدها فيما عندي من كتب الحديث (٤)، وأما رواية\n_________\n(١) في نسخة: \"رواه مثله\".\n(٢) في المطبوع: \"فما\" وهو تحريف.\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٤١٥).\n(٤) قلت: أخرج روايته البخاري في \"التاريخ \"الكبير\" (٧/ ٣٦)، والترمذي في \"سننه\" (٤٢٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٣/ ٢٣٥) رقم (٤٥٠)، والبغوي في \"شرح السنَّة\" (٣/ ٤٦٣) رقم (٨٨٩). ولكن روايته عن أبي عبد الرحمن الدمشقي وليست عن مكحول.","vol":"5","page":486},{"text":"١٢٧٠ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ قَرْثَعٍ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ». [جه ١١٥٧، حم ٥/ ٤١٦، خزيمة ١٢١٤، تم ٢٧٩]\n===\nسليمان بن موسى فأخرجها النسائي (٢) من طريق سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: \"مَنْ صَلى\"، الحديث، وأيضًا أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٣) عن ابن لهيعة قال: حدثنا سليمان بن موسى، أخبرني مكحول، أن مولى لعنبسة بن أبي سفيان حدثه، أن عنبسة بن أبي سفيان أخبره، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان أنها سمعت رسول الله - ﷺ -، فزاد أحمد بين مكحول وعنبسة بن أبي سفيان مولاه.\n١٢٧٠ - (حدثنا) محمد (بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة قال: سمعت عبيدة) بن مُعَتِّب- بكسر المثناة الثقيلة بعدها موحدة - الضبي أبو عبد الرحيم، قلت: كذا في \"التقريب\" و\"الخلاصة\"، وفي \"تهذيب التهذيب\" (٤): أبو عبد الكريم، الكوفي الضرير، ضعيف، واختلط بأخرة، ما له في البخاري سوى موضع واحد من الأضاحي (يحدث عن إبراهيم) النخعي، (عن ابن منجاب) هو سهم بن منجاب بن راشد الضبي الكوفي، ثقة، (عن قرثع) (٥) بمثلثة وزن أحمد، الضبي الكوفي، صدوق، مخضرم، قتل في زمن عثمان، (عن أبي أيوب) خالد بن زيد الأنصاري (عن النبي - ﷺ - قال: أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم) بل تصلَّى الركعات الأربع بتحريمة واحدة (تفتح لهن) أي لأجلهن (أبوابُ السماء.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٨١٥).\n(٣) (٦/ ٣٢٦).\n(٤) (٧/ ٨٦).\n(٥) الحديث أخرجه الترمذي في \"شمائله\" (رقم ٢٧٩)، والإمام أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٤١٦)، وابن ماجه (١١٥٧): عن قزعة عن قرثع. (ش).","vol":"5","page":487},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَلَغَنِى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ (١) قَالَ: لَوْ حَدَّثْتُ عَنْ عُبَيْدَةَ بِشَىْءٍ لَحَدَّثْتُ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عُبَيْدَةُ ضَعِيفٌ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ابْنُ مِنْجَابٍ هُوَ سَهْمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>(٢٩٨) بَابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعَصْرِ</span>\n١٢٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الْقُرَشِىُّ، حَدَّثَنِى جَدِّى أَبُو الْمُثَنَّى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا». [ت ٤٣٠، حم ٢/ ١١٧، خزيمة ١١٩٣، حب ٢٤٥٣، ق ٢/ ٤٧٣]\n===\nقال أبو داود: بلغني عن يحيى بن سعيد القطان قال: لو حدثت عن عبيدة بشيء لحدثت عنه بهذا الحديث) ولكن لم أحدث عنه؛ لأنه ضعيف (قال أبو داود: عبيدة ضعيف، قال أبو داود: ابن منجاب هو سهم).\n\n(٢٩٨) (بَابُ الصَّلَاةِ) أي صلاة التطوع (قَبْلَ الْعَصْرِ) أي قبل صلاة العصر\n١٢٧١ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) الدورقي، (نا أبو داود) الطيالسي، (نا محمد بن مهران القرشي) هو محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران أبو جعفر، (حدثني جدي أبو المثنى) مسلم بن المثنى، ويقال: مسلم بن مهران بن المثنى، ويقال: اسمه مهران، (عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: رحم الله امرأً) أي: شخصًا، والجملة دعاء أو إخبار، قاله ابن الملك، والأظهر الثاني مع أن دعوته مستجابة لا تتخلف، فدعاؤه في معنى الإخبار متضمن للبشارة (صلَّى قبل العصر أربعًا) أي أربع ركعات تطوع العصر، وهي من المستحبات.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أنه\".","vol":"5","page":488},{"text":"١٢٧٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِىٍّ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>(٢٩٩) بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ</span>\n١٢٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالُوا: اقْرَأْ\n===\n١٢٧٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن عاصم بن ضمرة، عن علي: أن النبي - ﷺ - كان يصلي قبل) الصلاة (العصر ركعتين) وفي رواية للترمذي (١) عنه: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يصلي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ، يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَسْلِيْمِ عَلَى المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِيْنَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُسْلِميْنَ وَالْمُؤْمِنِينَ\"، ولأجل الاختلاف في ذلك قال علماؤنا: إن المصلي يُخَيَّرُ بين الإتيان بالركعتين أو الأربع تطوعًا.\n\n(٢٩٩) (بَابُ الصَّلَاةِ) أي التطوع (بَعْدَ) صلاة (الْعَصْرِ)\n١٢٧٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن) عبد الله (بن الأشج، عن كريب مولى ابن عباس، أن عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أزهر) الزهري، أبو جبير المدني، صحابي صغير، مات قبل الحرة (والمسور) كمنبر (ابن مخرمة) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، أبو عبد الرحمن، صحابي (أرسلوه) أي كريبًا (إلى عائشة زوج النبي - ﷺ -، فقالوا: اقرأ) من قرأ، وفي نسخة: \"أقرأ\" من\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٤٢٩).","vol":"5","page":489},{"text":"﵍ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَقُلْ: إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا (١)، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْهُمَا!\nفَدَخَلْتُ عَلَيْهَا فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِى بِهِ، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِى إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِى بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، أَمَّا حِينَ صَلَّاهُمَا فَإِنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ وَعِنْدِى نِسْوَةٌ مِنْ بَنِى حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَصَلَاّهُمَا، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ\n===\nالإقراء (﵍ منا جميعًا وسلها عن الركعتين بعد العصر) أي اللتين كان يصليهما النبي - ﷺ - بعد صلاة العصر، وقد نهى عن الصلاة بعدها، ما الذي استقر أمره عليه فيهما؟ (وقيل: إنا أخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن رسول الله - ﷺ - نهى عنهما) أي عن الركعتين بعد العصر (فدخلت عليها) أي على عائشة (فبلغتها ما أرسلوني به) أي بتبليغه من السلام والكلام.\n(فقالت: سل أم سلمة) أي لأنها صاحبة الواقعة، فهي أعلم بها من غيرها (فخرجت إليهم، فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة) فجئت إليها، فسألت (فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عنهما) أي عن الركعتين بعد العصر (ثم رأيته يصليهما) وفي رواية الطحاوي: \"ثم رَأَيْتُه صَلَّاهُما\".\n(أما حين صلاهما) أولًا (فـ) قصتها (أنه) - ﷺ - (صلَّى العصر ثم دخل) أي في بيتي (وعندي نسوة من بني حرام) بفتح المهملتين (من الأنصار فصلاهما) في البيت (فأرسلت إليه الجارية)، قال الحافظ (٢): لم أقف على اسمها، ويحتمل أن تكون بنتها زينب، لكن في رواية المصنف: \"فأَرْسَلْتُ إلَيْهِ الخَادِمَ\".\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"تصلينها\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٦).","vol":"5","page":490},{"text":"فَقُلْتُ: قُومِى بِجَنْبِهِ فَقُولِى لَهُ: تَقُولُ (١) أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِى عَنْهُ. قَالَتْ: فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا اِبْنَةَ (٢) أَبِى أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِى (٣) نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ،\n===\n(فقلت) للجارية: (قومي بجنبه) أي رسول الله - ﷺ - (فقولي له: تقول أم سلمة: يا رسول الله، أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما؟) فهل نسخ وارتفع ذلك النهي المتقدم؟\n(فإن أشار بيده فاستأخري عنه، قالت) أم سلمة: (ففعلت الجارية) ما قلت لها من أنها قامت بجنب رسول الله - ﷺ -، وبلغته ما أرسلت به (فأشار) رسول الله - ﷺ - (بيده) إلى الجارية (فاستأخرت عنه) أي تأخَّرت.\n(فلما انصرف) رسول الله - ﷺ - عن الصلاة (قال) للجارية: قولي لأم سلمة، ويحتمل أنه - ﷺ - لم يخاطب الجارية بالجواب، وأجاب أم سلمة من غير الواسطة (يا ابنة أبي أمية) وهو والد أم سلمة، واسمه حذيفة، وقيل: سهيل بن المغيرة المخزومي (سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناسٌ من عبد القيس بالإِسلام من قومهم).\nوللطحاوي (٤) عن وجه آخر: \"قَدِمَ عَلَيَّ قَلائصٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَنَسِيْتُهما [حَتَى صَلَّيْت العَصْر]، ثُمَّ ذَكَرْتُهُما، فَكَرِهْتُ أَنْ أُصَلِّيَهُما في المَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَرَوْنَ، فَصَلَّيْتُهُما عِنْدَكِ\"، وله من وجه آخر: \"فَجَاءَنِي مَالٌ فَشَغَلَنِي\"،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لك\".\n(٢) في نسخة: \"بنت\".\n(٣) في نسخة: \"أتى\".\n(٤) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٢).","vol":"5","page":491},{"text":"فَشَغَلُونِي عن الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ\". [خ ١٢٣٣، م ٨٣٤]\n===\nوله من وجه آخرة \"قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدٌ مِنْ بَنِي تَمِيْمٍ أَوْ جَاءَتنِي صَدَقَةٌ\" (فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان).\nقال الحافظ (١): في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أم سلمة عند الطحاوي من الزيادة: \"فَقُلْتُ: أُمِرْتَ بِهِمَا؟ فَقَالَ: لَا، ولكنْ كنتُ أُصَلِّيْهما بعدَ الظُّهْرِ، فشغلْتُ عَنْهُمَا فَصَلَّيْتُهُما الآن\"، وله من وجه آخر عنها: \"لَمْ أَرَه صَلَّاهُما قَبْلُ وَلَا بَعْدُ\"، لكن هذا لا ينفي الوقوع، فقد ثبت في مسلم (٢) عن أبي سلمة: \"أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْهُمَا، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهما قَبْلَ الْعَصْرِ، فَشُغِلَ عَنْهُما، أوْ نَسِيَهُما، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ العَصْرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا، وَكَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا\"، ومن طريق عروة عنها: \"مَا تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِيْ قَطُّ\".\nومن ثم اختلف نظر العلماء، فقيل: تقضى الفوائت في أوقات الكراهة لهذا الحديث، وقيل: هو خاص بالنبي - ﷺ -، وقيل: هو خاص بالذي وقع له مثل ما وقع له - ﷺ -.\nقال القاري (٣): وهذا يدل على أن قضاء السنَّة سنَّة، وبه أخذ الشافعي، قاله ابن الملك، وظاهر الحديث أن هذا من خصوصياته ﵇؛ لعموم النهي للغير، ولأنه ورد في أحاديث عن عائشة: \"أنه كان يصليهما دائمًا\"، وقد ذكر الطحاوي بسنده حديث أم سلمة، وزاد (٤): \"فقلت: يا رسول الله! أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا\"، انتهى.\nفمعنى الحديث كما قال ابن حجر: أي وقد علمت أن من خصائصي أني\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٦).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٨٣٥).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٣٢).\n(٤) وحكى الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ٤٧٧) هذه الزيادة. (ش).","vol":"5","page":492},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإذا عملت عملًا داومت عليه، فمن ثم فعلتهما ونهيت غيري عنهما، انتهى، لكن خالف كلامه حيث قال: ومن هذا أخذ الشافعي أن ذات السبب لا تكره في تلك الأوقات حيث لا تحري، انتهى، ولا يخفى أنه إذا كان من خصوصياته، فلا يصلح للاستدلال، والله أعلم.\nقال القاضي: اختلفوا في جواز الصلاة في الأوقات الثلاثة، وبعد صلاة الصبح إلى الطلوع، وبعد صلاة العصر إلى الغروب، فذهب داود إلى جواز الصلاة فيها مطلقًا، وقد روي عن جمع من الصحابة، فلعلهم لم يسمعوا نهيه ﵊، أو حملوه على التنزيه دون التحريم، وخالفهم الأكثرون، فقال الشافعي: لا يجوز فيها فعل صلاة لا سبب لها، أما الذي له سبب كالمنذورة وقضاء الفائتة فجائز؛ لحديث كريب عن أم سلمة، واستثنى أيضًا مكة، واستواء الجمعة، لحديثي جبير بن مطعم، وأبي هريرة، وقال أبو حنيفة: يحرم فعل كل صلاة في الأوقات الثلاثة، سوى فعل عصر يومه عند الاصفرار، ويحرم المنذورة، والنافلة بعد الصلاتين دون المكتوبة الفائتة، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة. وقال مالك: يحرم فيها النوافل دون الفرائض، ووافقه أحمد، غير أنه جوز فيها ركعتي الطواف، انتهى.\nقلت: وخلاصة الكلام (١) في هذا الباب أن كثيرًا من الصحابة رووا عنه - ﷺ - النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب، حتى شركتهم عائشة -﵂ -، وروت: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس\".\nثم روت أم سلمة وعائشة -﵄- أن رسول الله - ﷺ - صلاهما بعد العصر، فالذي روت أم سلمة: أنها سألت عنه - ﷺ - إنك تنهى عن هاتين\n_________\n(١) قال ابن العربي: حاصل الأقوال في ذلك خمسة: (١) لا صلاة فيهما. (٢) لا نفل فيهما، (٣) لا نفل التي لا سبب لها، (٤) لا صلاة فيهما ولا عند الزوال، (٥) إلا بمكة، ثم بسط دلائل كل قول، وراجع: \"الأوجز\" (٤/ ٣٦٥). (ش).","vol":"5","page":493},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالركعتين، ورأيتك تصليهما، فكيف هذا؟ فاعتذر عنه - ﷺ - بأن الركعتين بعد الظهر ما صليتهما، فهما هاتان الركعتان، وفي بعض الروايات عنها أنها قالت: \"ما رأيته صلاها قبل ولا بعد\".\nوفي رواية عنها عند الطحاوي (١): \"قالت: نعم، صلَّى رسول الله - ﷺ - عندي ركعتين بعد العصر، قلت: أمرت بهما؟ قال: لا، ولكن أصليهما بعد الظهر، فشغلت عنهما فصليتهما الآن\"، وفي رواية عنها عند الطحاوي: \"قالت: صلَّى رسول الله - ﷺ - العصر، ثم دخل بيتي، فصلَّى ركعتين، فقلت: يا رسول الله - ﷺ -! صليت صلاة لم تكن تصليها، قال: قدم عليَّ مال، فشغلني عن ركعتين كنت أصليهما بعد الظهر، فصليتهما الآن، قلت: يا رسول الله! أفنقضيهما إذا فاتتا، قال: لا\".\nفهذه الروايات تشير إلى أن فعله - ﷺ - كان مخصوصًا به، وبعض الروايات في هذا المعنى أصرح من بعض.\nوأما عائشة -﵂ - فرويت عنها روايات مختلفة، ففي روايات عنها أن رسول الله - ﷺ - داوم على الركعتين بعد العصر، \"قالت: ركعتان لم يكن رسول الله - ﷺ - يدعهما سرًا ولا علانية، ركعتان قبل الصبح، وركعتان بعد العصر\"، وفي غيرها من الروايات هذا المعنى روي عنها بألفاظ مختلفة، ومعنى المداومة أنه - ﷺ - إذا دخل عندها صلاهما، وأما إذا دخل على غيرها من الأزواج، أو لم يدخل على إحداهن، أو كان في سفر لم يصلهن.\nوفي رواية عنها عند الطحاوي: \"أن معاوية بن أبي سفيان قال، وهو على المنبر لكثير بن الصلت: اذهب إلى عائشة، فاسألها عن ركعتي النبي - ﷺ - بعد العصر، قال أبو سلمة: فقمت معه، وقال ابن عباس لعبد الله بن الحارث: اذهب معه فجئناها فسألناها، فقالت: لا أدري، سلوا أم سلمة\"، الحديث.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠١).","vol":"5","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>(٣٠٠) بَابُ مَنْ رَخَّصَ فِيهِمَا إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مُرْتَفِعَةً</span>\n١٢٧٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ الأَجْدَعِ، عَنْ عَلِىٍّ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ\". [ن ٥٧٣، حم ١/ ٨٠ - ٨١، خزيمة ١٢٧٤]\n===\nوفي رواية عنها عند الطحاوي: \"أن معاوية أرسل إلى عائشة يسألها عن السجدتين بعد العصر، فقالت: ليس عندي صلاهما، ولكن أم سلمة حدثتني\"، الحديث. وفي رواية عنها عند الطحاوي: \"أن رسول الله - ﷺ - لم يصل صلاة إلَّا تبعها ركعتين غير العصر والغداة، فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما\"، وأيضًا في رواية عنها: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس\".\nفهذه الروايات المختلفة (١) عنها لا تثبت شيئًا، ولو سلَّم إثباتها فتعارض قول النبي - ﷺ - وفعله، فقلنا بخصوصية الفعل به - ﷺ -، ونهى علماؤنا أن يصلي أحد بعد العصر تطوعًا، وجعلوا هاتين الركعتين وغيرهما من سائر التطوع في ذلك سواء، والله تعالى أعلم.\n\n(٣٠٠) (بَابُ مَنْ رَخَّصَ فِيهِمَا) أي في الركعتين بعد العصر (إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مُرْتَفِعَةً)\n١٢٧٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع) الهمداني الكوفي، كان قليل الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، (عن علي: أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد العصر إلَّا والشمس مرتفعة).\nقلت: معنى الحديث أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد دخول وقت العصر\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٠).","vol":"5","page":495},{"text":"١٢٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى فِى إِثْرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ\". [ق ٢/ ٤٥٩، حم ١/ ١٢٤، خزيمة ١١٩٦]\n١٢٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"شَهِدَ عِنْدِى\n===\nإلا والحال أن تكون الشمس مرتفعة، وفي لفظ النسائي (١): \"إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية مرتفعة\"، فالمراد بالصلاة ههنا فرض العصر، وحينئذ لا يعارض هذا الحديث ما روي عن علي وغيره من الصحابة في النهي عن الصلاة بعد العصر.\nوقد أخرج الطحاوي (٢) عن علي بن أبي طالب: \"سبح بعد العصر ركعتين بطريق مكة، فدعاه عمر، فتغيظ عليه وقال: والله لقد علمت أن رسول الله - ﷺ - كان ينهانا عنهما\"، وقد روي عن علي عند الطحاوي: \"قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي دبر كل صلاة ركعتين إلا الفجر والعصر\"، فعلم من هذين الحديثين أن محمل حديث الباب ليس إلا فرض العصر.\n١٢٧٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي في إثر) أي عقب (كل صلاة مكتوبة ركعتين) تطوعًا (إلَّا الفجر والعصر) فإنه لا يصلي بعدهما تطوعًا، وهذا الحديث لا يطابق بالباب.\n١٢٧٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا أبان) بن يزيد العطار، (نا قتادة، عن أبي العالية) الرياحي، نقيع بن مهران، (عن ابن عباس قال: شهد عندي\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٥٧٣).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٣).","vol":"5","page":496},{"text":"رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِى عُمَرُ، أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ». [خ ٥٨١، م ٨٢٦، ت ١٨٣، ن ٥٦٢، دي ١٤٣٣، حم ١/ ١٨، جه ١٢٥٠، خزيمة ١٢٧١]\n١٢٧٧ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِى سَلَّامٍ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ،\n===\nرجال مرضيون، فيهم) أي داخل فيهم (عمر بن الخطاب، وأرضاهم عندي عمر، أن نبي الله - ﷺ - قال: لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس)، وقد روى كثير من الصحابة عن رسول الله - ﷺ - ذلك، منهم أم سلمة - ﵂ -، وابن عباس - ﵁ -، ولكن ذكر ذلك بلاغًا ولم يذكر سماعًا، فإنه قال مرة: \"شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر\"، ومرة قال: \"حدثنا غير واحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، ومعاذ بن عفراء، وأبو سعيد الخدري، وابن عمر، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو هريرة - رضي الله تعالى عنهم-، أخرج روايتهم الطحاوي (١)، وعمرو بن عَبَسَة كما سيأتي.\n١٢٧٧ - (حدثنا الربيع بن نافع) أبو توبة، (نا محمد بن المهاجر) بن أبي مسلم دينار الأنصاري الشامي، أخو عمرو بن مهاجر، مولى أسماء بنت يزيد الأشهلية، ثقة متقن، (عن العباس بن سالم) بن جميل بن عمرو بن ثوابة بن الأخنس اللخمي الدمشقي، وثقه العجلي وأبو داود، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي سلام) الأسود الحبشي، اسمه ممطور، ثقة، (عن أبي أمامة) صدي بن عجلان.\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤).","vol":"5","page":497},{"text":"عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِىِّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَىُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حَتَّى تُصَلِّىَ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَتَرْتَفِعَ قِيْسَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ\n===\n(عن عمرو بن عبسة) (١) بموحدة ومهملتين مفتوحات، ابن عامر بن خالد (السلمي) أبو نجيح، صحابي مشهور، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام، وكان أخا أبي ذر لأمه (أنه قال: قلت: يا رسول الله! أي الليل أسمع؟) أي: أي ساعات الليل أرجى للدعوى، وأولى للاستجابة؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (جوف الليل الآخر) لفظ الآخر صفة للجوف، قال الخطابي: المراد به الثلث الآخر (فصل ما شئت) فيه (فإن الصلاة) في ذلك الوقت (مشهودة) أي تشهدهما الملائكة (مكتوبة) يكتب أجرها (حتى تصلي الصبح).\nفإن قلت: تكره الصلاة تطوعًا بعد طلوع الفجر أيضًا إلا ركعتي الفجر، وهذا الحديث يدل على عدم كراهتها، قلت: لعلها كانت مباحة في ذاك الوقت ثم نهي عنها. ولفظ أحمد في \"مسنده\": \"قلت: أي الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر، ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا صلاة إلَّا الركعتين حتى تصلي الفجر\"، الحديث. وعلى هذا السياق لا إشكال في الحديث، ولعله وقع في سياق أبي داود الحذف والاختصار.\n(ثم أقصر) ثم انته عن الصلاة وكف عنها (حتى تطلع الشمس فترتفع قيس) أي قدر (رمح أو رمحين) في رأي العين (فإنها) أي الشمس (تطلع بين (٢) قرني شيطان) أي ناحيتي رأسه، وقيل: القرن القوة، أي حين تطلع يتحرك الشيطان وينشط، فيكون كالمعين لها، وقيل: بين قرنيه أي أمتيه الأولين\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٢٨٩) رقم (٣٩٨٤).\n(٢) أجاب عما أشكل على الحديث من حيث العقل ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٤٤). (ش).","vol":"5","page":498},{"text":"وَيُصَلِّى لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحُ ظِلَّهُ، ثُمَّ أَقْصِرْ، فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ وَتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا،\n===\nوالآخرين، وكله تمثيل لمن يسجد له، وكأن الشيطان سوَّل له لك، فإذا سجد لها كان كأن الشيطان مقترن بها.\nوقال النووي (١): أي حزبيه الذين يبعثهما للإغواء، قيل: جانبي رأسه، فإنه يدني رأسه إلى الشمس في هذين الوقتين؛ ليكون الساجدون لها كالساجدين له، ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم يسجدون له، وحينئذ يكون له ولشيعته تسلط في تلبيس المصلين، كذا في \"المجمع\" (٢).\n(ويصلي لها) أي للشمس (الكفار) والمراد بالصلاة العبادة (ثم) أي بعد ما ارتفعت الشمس قدر رمح (صلِّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله) ولفظ سلم: \"حتى يستقل الظل بالرمح\"، قال ابن الملك: يعني لم يبق ظل الرمح، وهكذا بمكة والمدينة وحواليهما في أطول يوم في السنة، فإنه لا يبقى عند الزوال ظل على وجه الأرض، بل يرتفع عنها، ثم إذا مالت الشمس من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وهو أول وقت الظهر، يقع الظل على الأرض، وقيل: من القلة، يقال: استقله، أي حتى يقل الظل الكائن بالرمح أدنى غاية القلة، وهو المسمَّى بظل الزوال، قاله القاري (٣).\nفمعنى لفظ أبي داود: \"حتى يعدل الظل رمحه\"، أي يساوي ظل الرمح الرمح، بأنه لا يظهر من أحد الجانبين الشرقي أو الغربي (ثم) أي إذا ساوى ظل الرمح الرمح (أقصر) أي انته عن الصلاة (فإن جهنم تسجر) بالتشديد والتخفيف مجهولًا، أي توقد حينئذ، ولعل تسجيرها حينئذ لمقارنة الشيطان الشمس، وتهيُّئ عباد الشمس أن يسجدوا لها (وتفتح أبوابها) أي جهنم.\n_________\n(١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٣/ ٣٧٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٦٥).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٢٨).","vol":"5","page":499},{"text":"فَإِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تُصَلِّىَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ وَيُصَلِّى (١) لَهَا الْكُفَّارُ». وَقَصَّ حَدِيثًا طَوِيلًا. قَالَ الْعَبَّاسُ: هَكَذَا حَدَّثَنِى أَبُو سَلَّامٍ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ، إلَّا أَنْ أُخْطِئَ شَيْئًا لَا أُرِيدُهُ، فَأَسْتَغْفِرُ (٢) اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. [م ٨٣٢، ت ٣٥٧٩، حم ٤/ ١١١ - ١١٢، ن ٥٧٢، جه ١٢٥١، خزيمة ١١٤٧]\n١٢٧٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حُصَيْنٍ،\n===\n(فإذا زاغت الشمس) أي مالت عن سمت الرأس (فصل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة حتى تصلي العصر، ثم) إذا صليت العصر (أقصر حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، ويصلي لها) أي للشمس (الكفار) قال الراوي: (وقص) شيخي (حديثًا طويلًا) فاختصرته، أخرج مسلم هذا الحديث، والإمام أحمد في \"مسنده\" مطولًا وذكرا فيه قصة الوضوء (٣).\n(قال العباس) بن سالم: (هكذا حدثني أبو سلام، عن أبي أمامة، إلَّا أن أخطئ شيئًا لا أريده) ووقع الخطأ مني سهوًا ونسيانًا بدون الاختيار (فأستغفر الله وأتوب إليه).\n١٢٧٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا وهيب) بن خالد، (نا قدامة بن موسى) بن عمر بن قدامة بن مظعون، الجمحي المدني، إمام المسجد النبوي، ثقة، مات سنة ١٥٣ هـ، (عن أيوب بن حصين) وقيل: محمد بن الحصين التميمي، ثم الحنظلي، قال أبو حاتم: ومحمد أصح، ذكره ابن حبان في\n_________\n(١) في نسخة: \"تصلي\".\n(٢) في نسخة: \"واستغفر الله\".\n(٣) انظر تخريج الحديث.","vol":"5","page":500},{"text":"عَنْ أَبِى عَلْقَمَةَ، عَنْ يَسَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَآنِى ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلِّى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَالَ: يَا يَسَارُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلِّى هَذِهِ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: «لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ: لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ». [ت ٤١٩، جه ٢٣٥، حم ٢/ ٢٣، قط ١/ ٢٤٦، ق ٢/ ٤٦٥]\n١٢٧٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ\n===\n\"الثقات\"، وقال الدارقطني: مجهول، (عن أبي علقمة) الأنصاري، (عن يسار) المدني (مولى ابن عمر) قال أبو زرعة: مدني ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال: رآني ابن عمر، وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار! إن رسول الله - ﷺ - خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: ليبلغ شاهدكم غائبكم: لا تصلوا) تطوعًا (بعد الفجر) أي بعد طلوع الفجر (إلَّا سجدتين) أي ركعتي سنَّة الفجر.\nقال الشوكاني (١) بعد ما جمع طرق الحديث (٢): والحديث يدل على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، قال الحافظ في \"التلخيص\" (٣): دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب، فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره، وقال الحسن البصري: لا بأس به، وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة بالليل، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في \"قيام الليل\"، وطرق حديث الباب يقوي بعضها بعضًا؛ فتنتهض للاحتجاج بها على الكراهة، وقد أفرط ابن حزم، فقال: الروايات في أنه لا صلاة بعد الفجر إلَّا ركعتا الفجر ساقطة مطروحة مكذوبة، انتهى.\n١٢٧٩ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٢١).\n(٢) بسط الحافظ في \"التلخيص\" طرقه والكلام عليها. (انظر: ١/ ٤٨٣). (ش).\n(٣) \"التلخيص الحبير\" (١/ ٤٨٣ - ٤٨٤).","vol":"5","page":501},{"text":"وَمَسْرُوقٍ قَالَا: نَشْهَدُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"مَا مِنْ يَوْمٍ يَأْتِى عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ- إلَّا صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ\". [خ ٥٩٣، م ٨٣٥، ن ٥٧٤ - ٥٧٥، ق ٢/ ٤٥٨]\n١٢٨٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا عَمِّى، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ: \"أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَنْهَى عَنْهَا، وَيُوَاصِلُ وَيَنْهَى عَنِ الْوِصَالِ\". [ق ٢/ ٤٥٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>(٣٠١) باب الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ</span>.\n===\nومسروق قالا: نشهد على عائشة أنها قالت: ما من يوم يأتي) فيه (علي النبي - ﷺ - إلَّا صلَّى بعد العصر ركعتين) (١) قد تقدم أنه كان مخصوصًا به - ﷺ -، وسيأتي في الحديث الآتي عن عائشة - ﵂ - ما يدل على الخصوصية.\n١٢٨٠ - (حدثنا عبيد الله بن سعد، نا عمي) يعقوب بن إبراهيم، (نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان مولى عائشة: أنها حدثته أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي بعد العصر وينهى عنها) الأمة (ويواصل) في الصيام بأن يصوم يومًا، ثم لا يفطر حتى يصوم يومًا آخر (وينهى) الأمة (عن الوصال).\n\n(٣٠١) (بَابُ الصَّلَاةِ (٢) تطوعًا (قَبْلَ الْمَغْرِبِ)\n_________\n(١) يشكل عليه ما في الترمذي عن ابن عباس بلفظ: \"ثم لم يعد\"، وأجاب عنه الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٦٥). (ش).\n(٢) قال ابن العربي (١/ ٣٠٠): الحديث فيه صحيح مسند، والذي أظن الذي منع منه المبادرة إلى المغرب، وقال العيني (٥/ ٥٥٣): اختلف فيه السلف فأباحه طائفة، وجماعة لا يصلونها، وقال إبراهيم النخعي: بدعة، الحديث محمول على أول الإِسلام ليتبين الوقت المنهي عنه، والحديث فيه كلام طويل في \"فيض الباري\" (٢/ ١٨٠). (ش).","vol":"5","page":502},{"text":"١٢٨١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ»، خَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا (١) النَّاسُ سُنَّةً. [خ ١١٨٣، ق ٢/ ٤٧٤، حم ٥/ ٥٥، حب ١٥٨٨، خزيمة ١٢٨٩، قط ١/ ٢٦٥]\n===\n١٢٨١ - (حدثنا عبيد الله بن عمر، نا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين) بن ذكوان (المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله) بن مغفل (المزني قال: قال رسول اللهﷺ -: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء) قوله: \"صلوا\" كان يدل على الوجوب؛ لأن الأمر للوجوب، فزاد قوله: \"لمن شاء\"؛ ليدل على أن الأمر ليس للوجوب.\n(خشية أن يتخذها الناس سنَّة)، وفي رواية البخاري قال: \"صلوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنَّة\"، وهذا السياق يدل على أن في سياق أبي داود اختصارًا، فإنه ذكر قوله: \"صلوا قبل المغرب ركعتين\" مرتين، قال الحافظ (٢): وأعاده الإسماعيلي من هذا الوجه ثلاث مرات، وهو موافق لقوله في رواية البخاري: \"قال في الثالثة\"، فحذف أبو داود أو أحد من الرواة قوله: \"قال في الثالثة\"، ولم يصرح أحد من الشراح أن قوله: \"خشية أن يتخذها الناس\" من قول رسول اللهﷺ -، أو مدرج من قول الراوي، وظاهر سياق الحديثين أنه من قول الراوي، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير، فيكون معناه: قال الراوي: قال رسول الله -ﷺ- لفظ \"لمن شاء\"؛ لأجل خشية أن يتخذها الناس سنَّة، وأما على أن يكون من قول رسول الله -ﷺ- يقدر له: قلت ذلك، أي لفظ: لمن شاء خشية أن يتخذها الناس سنَّة.\n_________\n(١) في نسخة: \"تتخذها\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩).","vol":"5","page":503},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١): هل يندب قبل المغرب ركعتان؟ ذهبت طائفة (٢) إليه، وأنكره كثير من السلف، وأصحابنا، ومالك، تمسك الأولون بما في البخاري أنه - ﷺ - قال: \"صلوا قبل المغرب\"، الحديث، وفي لفظ لأبي داود: \"صلوا قبل المغرب ركعتين\"، زاد ابن حبان في \"صحيحه\": \"أن النبي - ﷺ - صلَّى قبل المغرب ركعتين\"، ولحديث أنس في \"الصحيحين\": \"كان المؤذن إذا أذن لصلاة المغرب، قام ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - يبتدرون السواري\"، الحديث.\nوالجواب المعارضة بما في أبي داود عن طاووس: قال: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله -ﷺ- يصليهما، ورخص في الركعتين بعد العصر، سكت عنه أبو داود والمنذري، وهذا تصحيح، وإذ قد صح حديث ابن عمر عندنا عارض ما صح في البخاري، ثم يترجح هو بأن عمل أكابر الصحابة كان على وفقه، كأبي بكر وعمر، حتى نهى إبراهيم النخعي عنهما فيما رواه أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان عنه أنه نهى عنهما، وقال: إن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر - ﵄- لم يكونوا يصلونهما.\nوما زاده ابن حبان على ما في \"الصحيحين\" من \"أن النبي - ﷺ - صلاهما\" لا يعارض ما أرسله النخعي من أنه - ﷺ - لم يصلهما لجواز كون ما صلاه قضاء عن شيء فاته، وهو الثابت، روى الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٣) عن جابر قال: \"سألنا نساء رسول الله -ﷺ-، هل رأيتن رسول الله -ﷺ- يصلي الركعتين قبل المغرب؟ \" الحديث، فأجاب نساؤه اللاتي\n_________\n(١) (١/ ٣٨٨).\n(٢) حكى الترمذي عن أحمد استحبابه، وفي \"الروض المربع\" (١/ ٢٢٤): مباح، وفي \"المغني\" (٢/ ٥٤٦): جائز. (ش).\n(٣) انظر: \"الدراية\" (١/ ١٩٩)، و\"نصب الراية\" (٢/ ١٤١).","vol":"5","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيعلمن من علمه ما لا يعلمه غيرهن بالنفي عنه، وأجاب ابن عمر بنفيه عن الصحابة أيضًا.\nوما قيل: المثبت أولى من النافي فيترجح حديث أنس على حديث ابن عمر، ليس بشيء، فإن الحق عند المحققين أن النفي إذا كان من جنس ما يعرف بدليله كان كالإثبات، فيعارضه ولا يقدم عليه. وذلك؛ لأن تقديم رواية الإثبات على رواية النفي ليس إلَّا لأن مع راويه زيادة علم بخلاف النفي، إذ قد يبني راويه الأمر على ظاهر الحال من العدم لما لم يعلم باطنه، فإذا كان النفي من جنس ما يعرف تعارضا؛ لابتناء كل منهما حينئذ على الدليل، وإلَّا فنفس كون مفهوم المروي مثبتًا لا يقتضي التقديم، إذ قد يكون المطلوب في الشرع العدم، كما قد يكون المطلوب الإثبات.\nوحينئذ لا شك أن هذا النفي كذلك، فإنه لو كان الحال على ما في رواية أنس لم يخف على ابن عمر، ولا على أحد ممن يواظب الفرائض خلف رسول الله -ﷺ-، بل ولا على من لم يواظب، بل يحضرها خلفه أحيانًا، ثم الثابت بعد هذا هو نفي المندوبية، أما ثبوت الكراهة فلا، إلَّا أن يدل دليل آخر، وما ذكر من استلزام تأخير المغرب، فقد قدمنا من \"القنية\" استثناء القليل، والركعتان لا تزيد على القليل إذا تجوَّز فيهما، انتهى.\nقلت: والذي عندي في وجه الكراهة أن الناس إذا صلوا الركعتين قبل المغرب، فإنه لا يمكن أن يصلوهما دفعة واحدة متفقين في التحريمة في وقت واحد، بل لا بد أن يكون لهم فيهما تقدم وتأخر، وسرعة وبطء، فإن انتظرهم الإِمام يلزم تأخير المغرب ضرورة، وإن لم ينتظرهم يلزم أن يصلوهما عند الإقامة، وهو مكروه أيضًا، أو تفوتهم التكبيرة الأولى، وإن أحرموا عند الأذان تفوتهم الإجابة، وقد قال - ﷺ -: \"فقولوا مثل ما يقول المؤذن\"، فعلى جميع الصور يلزم ترك المأمور به.","vol":"5","page":505},{"text":"١٢٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِى الأَسْوَدِ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أَرَآكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ، رَآنَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا\". [م ٨٣٦، ق ٢/ ٤٧٥]\n١٢٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ،\n===\n١٢٨٢ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم) بن أبي زهير البغدادي (البزاز) أبو يحيى، المعروف بصاعقة، ثقة حافظ، (أنا سعيد بن سليمان) الضبي، أبو عثمان الواسطي، نزيل بغداد، البزاز، لقبه سعدويه، ثقة حافظ، (نا منصور بن أبي الأسود) الليثي الكوفي، يقال: اسم أبيه حازم، عن ابن معين: ثقة، وعن ابن معين: لا بأس به، وكان من الشيعة الكبار، قال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك قال: صليت ركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله -ﷺ-، قال) المختار: (قلت لأنس: أرآكم) الهمزة للاستفهام، أي هل أبصركم (رسول الله - ﷺ -) حين صليتم الركعتين (قال) أنس: (نعم، رآنا فلم يأمرنا ولم ينهنا).\n١٢٨٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا ابن علية) إسماعيل، (عن الجريري) سعيد بن إياس، (عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله -ﷺ-: بين كل أذانين صلاة) المراد بالأذانين الأذان والإقامة على سبيل التغليب.\nقال الحافظ (١): ولا يصح حمله على ظاهره؛ لأن الصلاة بين الأذانين\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٧).","vol":"5","page":506},{"text":"بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، لِمَنْ شَاءَ». [خ ٦٢٤، م ٨٣٨، ت ١٨٥، ن ٦٨١، دي ١٤٤٠، جه ١١٦٢، حم ٤/ ٨٦]\n===\nمفروضة، والخبر ناطق بالتخيير؛ لقوله: \"لمن شاء\"، وأجرى المصنف الترجمة مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد، وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب، كقولهم: القمرين للشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان؛ لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت، ولا مانع من حمل قوله: \"أذانين\" على ظاهره؛ لأنه يكون التقدير بين كل أذانين صلاة نافلة غير المفروضة.\n(بين كل أذانين صلاة لمن شاء) وقد أخرج البخاري في \"باب كم بين الأذان والإقامة\" حديث أنس، وفيه: \"وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب ولم يكن بينهما شيء\".\nقال الحافظ (١): وحمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره، فقال: دل قوله: \"ولم يكن بينهما شيء\" على أن عموم قوله: \"بين كل أذانين صلاة\" مخصوص لغير المغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان، ويفرغون مع فراغه، قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه مثل الحديث الأول، وزاد في آخره: \"إلَّا المغرب\"، انتهى.\nوفي قوله: فيفرغون مع فراغه نظر؛ لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك، وأما رواية حيان - وهو بفتح المهملة والتحتانية - فشاذة؛ لأنه وإن كان صدوقًا عند البزار وغيره، لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه، وقد وقع في بعض طرقه عند الإسماعيلي: \"وكان بريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب\"،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٨).","vol":"5","page":507},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفلو كان الاستثناء محفوظًا لم يخالف بريدة روايته (١)، وقد نقل ابن الجوزي في \"الموضوعات\" عن الفلاس أنه كذب حيان المذكور، انتهى.\nقلت: حيان بن عبيد الله، قال البزار: هو بصري مشهور، ليس به بأس، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": لكنه اختلط، وذكره ابن عدي في \"الضعفاء\". قال البخاري: ذكر الصلت عنه الاختلاط، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال إسحاق بن راهويه: كان رجل صدق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حزم: مجهول، فلم يصب.\nوقول ابن الجوزي: حيان كذبه الفلاس، فيه نظر، فإن حيان هذا غير الذي كذبه الفلاس (٢)، ذاك حيان بن عبد الله بالتكبير، أبو جبلة الدارمي، وذاك حيان بن عبيد الله بالتصغير، أبو زهير البصري، ذكرهما في \"الميزان\" (٣)، فقول الحافظ: رواية حيان شاذة، فيه نظر؛ لأن متن الحديث ليس فيه من مخالفة للحفاظ، بل فيه زيادة.\nوأما المخالفة في الإسناد، فليس فيه إلا أنه قال: \"عن أبيه\" بدل عن عبد الله بن مغفل، وهو الاختلاف في اسم الصحابي، فلا يقدح هذا في الحديث، ويمكن أن تكون الرواية من كليهما، وما نقل من الإسماعيلي: وكان بريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب، فهو غير صحيح، ولعله سقط منه لفظ \"الابن\"، فإنه قال السيوطي في \"اللَالي المصنوعة\" (٤): إن ابن المبارك قال في حديثه عن كهمس: فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، فلو كان ابن بريدة سمع من أبيه، عن النبي - ﷺ - هذا\n_________\n(١) في الأصل: \"راويه\" وهو تحريف.\n(٢) يؤيده ما نقله الشوكاني في \"الفوائد المجموعة\" (ص ١٩) عن السيوطي: الذي كذبه الفلاس رجل آخر.\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٦٢٢ - ٦٢٣)، (٢٣٨٦ - ٢٣٨٨).\n(٤) (٢/ ١٥).","vol":"5","page":508},{"text":"١٢٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى شُعَيْبٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: \"سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّيهِمَا، وَرَخَّصَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ\". [ق ٢/ ٤٧٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: هُوَ شُعَيْبٌ. يَعْنِى وَهِمَ شُعْبَةٌ فِى اسْمِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>(٣٠٢) بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى</span>\n===\nالاستثناء الذي زاد حيان بن عبيد الله في الخبر ما خلا صلاة المغرب، لم يكن يخالف خبر النبي - ﷺ، فما حكي عن الإسماعيلي من فعل بريدة الصحيح أنه من فعل ابن بريدة.\n١٢٨٤ - (حدثنا ابن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن أبي شعيب) قال في \"التقريب\": أبو شعيب صاحب الطيالسة، هو شعيب تقدم في الأسماء، وقال في الأسماء: شعيب بَيَّاع الطيالسة، بصري، لا بأس به، يقال: اسم أبيه بيان، (عن طاوس قال: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب، فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله -ﷺ- يصليهما، ورخص في الركعتين بعد العصر) عطف على قوله: يصليهما، فمعنى الكلام أن ابن عمر قال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله -ﷺ- رخص في الركعتين بعد العصر.\n(قال أبو داود: سمعت يحيى بن معين يقول: هو شعيب، يعني وهم شعبة في اسمه).\n\n(٣٠٢) (بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى) (١)\nقال في \"المجمع\" (٢): أما الضحوة فهو ارتفاع أول النهار، والضحى\n_________\n(١) بسط الكلام عليه في \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٥٧) و\"الأوجز\" (٢/ ٢١٩). (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٩١).","vol":"5","page":509},{"text":"١٢٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ - الْمَعْنَى - عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنِ ابْنِ (١) آدَمَ صَدَقَةٌ:\n===\nبالضم والقصر فوقه، وبه سميت صلاته، وفي \"القاموس\": الضحو والضحوة والضحية كعشية: ارتفاع النهار، والضحى فويقه.\n١٢٨٥ - (حدثنا أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن، أبو جعفر البغوي، نزيل بغداد، الأصم، ثقة حافظ، (عن عباد بن عباد، ح: ونا مسدد، نا حماد بن زيد، المعنى) أي معنى حديث عباد بن عباد وحماد بن زيد واحد، (عن واصل) مولى أبي عيينة- بتحتانية مصغرًا - بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي البصري، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكذا قال إسحاق عن ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال البزار: ليس بالقوي، وقد احتمل حديثه.\n(عن يحيى بن عقيل) بالتصغير، الخزاعي البصري، نزيل مرو، قال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن يحيى بن يعمر، عن أبي ذر (٢)، عن النبي - ﷺ - قال: يصبح على كل سلامى) بضم السين وفتح الميم، أي عظام الأصابع، والمراد بها العظام كلها، في \"النهاية\": السلامى جمع سلامية، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: واحده وجمعه سواء، ويجمع على سلاميات، وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان (من ابن آدم صدقة).\nقال الطيبي (٣): اسم يصبح إما صدقة، أي تصبح الصدقة واجبة على كل سلامى، وإما من أحدكم، على تجويز زيادة \"من\"، والظرف خبره، وصدقة\n_________\n(١) في نسخة: \"بني\".\n(٢) وأخرجه المصنف في آخر الكتاب بمعناه عن بريدة في \"باب إماطة الأذى\". (ش).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٣/ ٣٩٠).","vol":"5","page":510},{"text":"تَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِىَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَهُ (١) الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَبُضْعَةُ أَهْلِهِ (٢) صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَى». [م ٧٢٠، حم ٥/ ١٦٧، ق ٣/ ٤٧، خزيمة ١٢٢٥]\n(٣) وَحَدِيثُ عَبَّادٍ أَتَمُّ. وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ\n===\nفاعل الظرف، أي يصبح أحدكم واجبًا على كل مفصلٍ منه صدقة، وإما ضمير الشأن، والجملة الاسمية بعدها مفسرة له، قال القاضي: يعني أن كل عظم من عظام ابن آدم يصبح سليمًا عن الآفات باقيًا على الهيئة التي تتم بها منافعه، فعليه صدقة شكرًا لمن صوَّره ووقَّاه عما يغيِّره.\n(تسليمه) أي تسليم ابن آدم (على من لقي صدقة) وليس المراد بالصدقة التصدق بالمال فقط، بل كل ما يفعله من الخير صدقة، (وأمره بالمعروف صدقة، ونهيه عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى) أي دفع ما يؤذي الناس (عن الطريق) كالشوك والحجر (صدقة، وبضعة أهله) والمراد به الجماع (صدقة، ويجزئ) بالضم من الإجزاء، وبالفتح من جزى يجزي بمعنى يكفي (من ذلك كله) من بمعنى عن، أي يكفي عما ذكر مما وجب على السلامى من الصدقات (ركعتان من الضحى) لأن الصلاة عمل بجميع أجزاء البدن، فيقوم كل عضو بشكره، ولاشتمال الصلاة على الصدقات المذكورة وغيرها، فإن فيها أمرًا للنفس بالخير، ونهيًا لها عن ترك الشكر، وإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فينبغي المداومة عليهما، ولذا كره جماعة تركها، وفي ترك ذكر الصدقة الحقيقية تسلية للفقراء والعاجزين عن الصدقات المالية.\n(وحديث عباد أتم) من حديث حماد بن زيد، (ولم يذكر مسدد) أي عن\n_________\n(١) في نسخة: \"إماطته\".\n(٢) في نسخة: \"بُضْعُهُ أَهْلَهُ\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"5","page":511},{"text":"الأَمْرَ وَالنَّهْىَ. زَادَ فِى حَدِيثِهِ: وَقَالَ كَذَا وَكَذَا. وَزَادَ ابْنُ مَنِيعٍ فِى حَدِيثِهِ: قَالُوا (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدُنَا يَقْضِى شَهْوَتَهُ وَتَكُونُ لَهُ صَدَقَةٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِى غَيْرِ حِلِّهَا أَلَمْ يَكُنْ يَأْثَمُ؟».\n===\nحماد بن زيد (الأمر والنهي. زاد) أي مسدد (في حديثه: وقال) حماد بن زيد: (كذا وكذا) هذا دليل على كون حديث عباد أتم (وزاد ابن منيع في حديثه) عن عباد بن عباد: (قالوا: يا رسول الله! أحدنا يقضي شهوته، وتكون له صدقة؟)، فكيف يكون هذا؟ فإن العبادات أمور تكليفية، وهذا أمر طبعي عادي، ترغب إليه النفوس.\n(قال) رسول الله -ﷺ-: (أرأيت) أي أخبرني (لو وضعها) أي الشهوة (في غير حلها) أي محلها (ألم يكن يأثم؟) استدل رسول الله -ﷺ- على كون إتيان الأزواج مما يثاب عليه بحرمة ضده، وهو إتيانه في غير الأزواج، وكونه مما يعاقب عليه، فيثبت له الحكم على خلاف ذلك، وهو حصول الثواب إذا نوى به امتثال أمره ﷾، والكف عن المعصية (٢).\nقال الشوكاني (٣) بعد ما ساق أحاديث في صلاة الضحى: هذه الأحاديث المذكورة تدل على استحباب صلاة الضحى، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء منهم: الشافعية والحنفية، وقد جمع ابن القيم في \"الهدي\" (٤) الأقوال، فبلغت ستة (٥):\nالأول: إنّها سنَّة، واستدلوا بهذه الأحاديث التي قدمناها.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالوا\".\n(٢) وفي الكف عن المعصية ثواب إذا انتهت أسبابها، كما في \"التلويح\" (ص ١٢) في تعريف الواجب، و\"شرح مسلم الثبوت\" للخير آبادي (ص ٢٢٢). (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٨٣).\n(٤) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٣٥١ وما بعدها).\n(٥) وأما عند الأئمة فتتأكد عند مالك والشافعي، ويندب عندنا وأحمد في رواية، وبغير الدوام عند الحنابلة في المرجح من روايتي الإِمام، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٢٢٠). (ش).","vol":"5","page":512},{"text":"١٢٨٦ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ الدُّؤَلِىِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ فِى كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ، فَلَهُ بِكُلِّ صَلَاةٍ صَدَقَةٌ، وَصِيَامٍ صَدَقَةٌ، وَحَجٍّ صَدَقَةٌ، وَتَسْبِيحٍ\n===\nالثاني: لا تشرع إلَّا لسبب، فحديث أم هانئ في صلاته يوم الفتح كان لسبب الفتح، وصلاته عند القدوم من مغيبه- كما في حديث عائشة- كانت لسبب القدوم، وصلاته في بيت عتبان بن مالك كانت لسبب تعليم عتبان إلى أين يصلي في بيته.\nوالقول الثالث: إنها لا تستحب أصلًا.\nوالقول الرابع: يستحب فعلها تارة وتركها أخرى.\nوالقول الخامس: تستحب صلاتها، والمحافظة عليها في البيوت.\nوالسادس: إنها بدعة، روي ذلك عن ابن عمر، ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة بإثباتها قد بلغت مبلغًا، لا يقصر البعض منها عن اقتضاء الاستحباب، انتهى.\nقلت: قال في \"الدر المختار\" (١): وندب أربع فصاعدًا في الضحى على الصحيح من بعد الطلوع - أي ارتفاع الشمس- إلى الزوال.\n١٢٨٦ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد، عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي قال: بينما نحن عند أبي ذر قال) أبو ذر: (يصبح) أي إذا مضى الليل ويصبح الإنسان، يلزم (على كل سلامى من أحدكم في كل يوم) شكرًا لما أنعمه الله عليه (صدقة) فإذا صلَّى (فـ) يكون (له بكل صلاة) يصليها عنه (صدقة، وصيام) أي: وكذا بكل صيام نفلًا كان أو فرضًا عنه (صدقة)، وكل (حج صدقة، وتسبيح\n_________\n(١) (٢/ ٤٦٥).","vol":"5","page":513},{"text":"صَدَقَةٌ، وَتَكْبِيرٍ صَدَقَةٌ، وَتَحْمِيدٍ صَدَقَةٌ، فَعَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ هَذِهِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ثُمَّ قَالَ: «يُجْزِئُ أَحَدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى». [انظر تخريج الحديث السابق]\n١٢٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِىِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ قَعَدَ فِى مُصَلَاّهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ\n===\nصدقة، وتكبير صدقة، وتحميد صدقة، فعد رسول الله -ﷺ- من هذه الأعمال الصالحة) إما زائدة أو تبعيضية، فعلى الأول كل الأعمال المذكورة من قول رسول الله -ﷺ-، وعلى الثاني بعضها من قول رسول الله -ﷺ-، وبعضها من قول أبي ذر، (ثم قال: يجزئ أحدكم) مفعول ليجزئ (من ذلك) أي مما لزم عليه من الصدقة (ركعتا الضحى) فاعل يجزئ.\n١٢٨٧ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب) الغافقي (عن زبان) بزاي مفتوحة وشدة موحدة وبنون (ابن فائد) بالفاء، المصري، أبو جوين الحمراوي، قال ابن معين: شيخ ضعيف، وقال أبو حاتم: شيخ صالح، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا، يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة، كأنها موضوعة لا يحتج به، قال في \"التقريب\": ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته.\n(عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه) معاذ (إن رسول الله -ﷺ- قال: من قعد (١) في مصلاه حين ينصرف) أي يفرغ (من صلاة الصبح\n_________\n(١) بوَّب الترمذي \"ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد الصبح\"، وأورد فيه حديث جابر بن سمرة، وبسطه ابن العربي (٣/ ٦٩)، وقال: خالفه حديث عائشة: لم يجلس إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ... إلخ، وحديث البراء: وجلسته بين التسليم والانصراف ... إلخ. (ش).","vol":"5","page":514},{"text":"حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَىِ الضُّحَى، لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ». [حم ٣/ ٤٣٨، ق ٣/ ٤٩]\n١٢٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ (١) بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ أبي (٢) عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «صَلَاةٌ فِى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِى عِلِّيِّينَ». [حم ٥/ ٢٦٣، ق ٣/ ٦٣، وانظر رقم الحديث ٥٥٦]\n===\nحتى يسبح) أي يصلي (ركعتي الضحى، لا يقول إلَّا خيرًا) أي يداوم على ذكر الله في ذلك الوقت، ولا يتكلم بسوء (غفر له خطاياه) أي الصغائر (وإن كانت أكثر من زبد البحر).\n١٢٨٨ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا الهيثم بن حميد، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي- أمامة أن رسول الله -ﷺ- قال: صلاة في إثر صلاة) أي عقب صلاة (لا لغو بينهما) سواء كان من لغو الفعل أو القول (كتاب) أي مكتوب (في عليين) قال في \"المجمع\" (٣): صلاة في أثر صلاة كتاب في عليين، أي صلاة عقب صلاة مكتوب في عليين، أي متابعة الصلاة من غير شوب بما ينافيها لا مزيد عليها، ولا شيء من الأعمال أعلى منها، فكنى عنه بكتاب في عليين، وهو ديوان الحفظة.\nومناسبة الحديث بترجمة الباب، أن هذا الحديث الذي أورده المصنف مختصر من حديث طويل، أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٤) وفيه ذكر سبحة الضحى، ولفظه هكذا: حدثنا عبد الله،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) في نسخة: \"ابن\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٧٢).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٦٣).","vol":"5","page":515},{"text":"١٢٨٩ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ أَبِى شَجَرَةَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ (١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ (٢): «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: ابْنَ (٣) آدَمَ لَا تُعْجِزْنِى مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِى أَوَّلِ نَهَارِكَ أَكْفِكَ آخِرَهُ». [حم ٥/ ٢٨٧، دي ١٤٥١]\n===\nحدثني أبي، ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: \"من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر كان له كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى سبحة الضحى كان له كأجر المعتمر، وصلاة على أثر صلاة\"، الحديث.\n١٢٨٩ - (حدثنا داود بن رشيد، نا الوليد) بن مسلم، (عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن كثير بن مرة أبي شجرة، عن نعيم بن همار (٤) قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: يقول الله ﷿: ابن آدم) وفي نسخة: يا ابن آدم (لا تعجزني) من الإعجاز، بمعنى الفوت والسبق، أي لا تفتني ولا تسبقني (من) أجلية، أي من أجل (أربع ركعات في أول نهارك) أي صل أول نهارك أربع ركعات، قيل: المراد صلاة الضحى، وقيل: صلاة الإشراق، [و] قيل: سنَّة الصبح وفرضه؛ لأنه أول فرض النهار الشرعي (أكفك) أي مهماتك (آخره) أي إلى آخر النهار.\nقال الطيبي (٥): أي أكفك شغلك وحوائجك، وأدفع عنك ما تكرهه بعد\n_________\n(١) في نسخة: \"هماز\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"يا ابن\".\n(٤) قال العيني: هو الصحيح، وقيل: هبار، وقيل: همام، وأبو نعيم وهم فيه، وقال: نعيم بن حماد، ثم رجع عنه. (ش).\n(٥) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٩٣).","vol":"5","page":516},{"text":"١٢٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِى طَالِبٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْفَتْحِ صَلَّى سُبْحَةَ\n===\nصلاتك إلى آخر النهار، والمعنى فرغ بالك لعبادتي في أول النهار، أفرغ بالك في آخره بقضاء حوائجك، انتهى.\nقال صاحب \"تخريج المصابيح\": حمل بعض العلماء هذه الركعات على صلاة الضحى، ولذا أخرج أبو داود والترمذي هذا الحديث في باب صلاة الضحى، وقال بعضهم: يقع النهار عند أكثرهم إلى ما بين طلوع الشمس وغروبها، نقله ميرك. لكن هذا القول إنما هو في عرف الحكماء والمنجمين، وأما على عرف الشرع فهو من طلوع الصبح إلى المغرب، غايته أنه يطلق على الضحوة وما قبلها أنه أول النهار، فمن تبعيضية في قوله: من أول النهار.\n١٢٩٠ - (حدثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح قالا: نا ابن وهب، حدثني) وفي نسخة: قال ابن صالح: حدثني (عياض بن عبد الله) بن عبد الرحمن بن معمر الفهري المدني، نزيل مصر، قال الساجي: روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر، وقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": وقال أبو صالح: ثبت له بالمدينة شأن كبير، في حديثه شيء.\n(عن عبد الله) هكذا في النسخة المطبوعة المجتبائية والمكتوبة القديمة، وليس في المصرية ولا الكانفورية ولا اللكهنوية ولا في نسخة \"عون\"، والظاهر أنه أدخله النساخ غلطًا.\n(عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، عن أم هانئ بنت أبي طالب) الهاشمية، اسمها فاختة، وقيل: هند، لها صحبة، كنيت بابنها، ماتت في خلافة معاوية (أن رسول الله -ﷺ- يوم الفتح) أي فتح مكة (صلَّى سبحة","vol":"5","page":517},{"text":"الضُّحَى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ\". [جه ١٣٢٣، خزيمة ١٢٣٤، ق ٣/ ٤٨]\n(١) قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْفَتْحِ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ، قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: إِنَّ أُمَّ هَانِئٍ قَالَتْ: \"دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\" ...، وَلَمْ يَذْكُرْ سُبْحَةَ الضُّحَى، بِمَعْنَاهُ.\n١٢٩١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى قَالَ: \"مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى\n===\nالضحى ثماني (٢) ركعات، يسلم من كل ركعتين، قال أحمد بن صالح: إن رسول الله -ﷺ- صلَّى يوم الفتح سبحة الضحى فذكر مثله).\nوهذا تفصيل لما أجمل قبله من رواية أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح، فإنه بيّن بهذا الكلام أن لفظ أحمد بن صالح هكذا: \"أن رسول الله -ﷺ- صلَّى يوم الفتح سبحة الضحى\"، ثم روى لفظ ابن السرح فقال: (قال ابن السرح: إن أم هانئ قالت: دخل علي رسول الله -ﷺ-، ولم يذكر سبحة الضحى) وذكر الحديث (بمعناه) أي بمعنى حديث ابن صالح المتقدم.\nفكان لفظ ابن السرح: \"دخل علي رسول الله - ﷺ - يوم الفتح، وصلى ثمان ركعات\"، وادَّعى النووي بأن أبا داود روى هذا الحديث في \"سننه\" بهذا اللفظ بإسناد صحيح على شرط البخاري، وفيه نظر، لأن عياض بن عبد الله ليس من رواة البخاري، بل قال البخاري: إنه منكر الحديث.\n١٢٩١ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن (قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي - ﷺ - صلَّى\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) قلت: يشكل عليها ما في رواية النسائي عنها بلفظ: \"فما أدري كم صلَّى\". (ش).","vol":"5","page":518},{"text":"الضُّحَى غَيْرَ أُمِّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِى بَيْتِهَا وَصَلَّى ثَمَانِ (١) رَكَعَاتٍ، فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ صَلَّاهُنَّ بَعْدُ\". [خ ١١٧٦، م ٣٣٦، ت ٤٧٤، حم ٦/ ٣٤٢، دي ١٤٥٢، ١٤٥٣]\n١٢٩٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى الضُّحَى؟ فَقَالَتْ: لَا، إلَّا أَنْ يَجِئَ مِنْ مَغِيبِهِ،\n===\nالضحى غير أم هانئ، فإنها ذكرت أن النبي - ﷺ - يوم فتح مكة اغتسل في بيتها وصلَّى ثمان ركعات، فلم يره) أي رسول الله -ﷺ- (أحد صلاهن بعد).\n١٢٩٢ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، حدثنا الجريري) سعيد بن إياس، (عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة: هل كان رسول الله -ﷺ- يصلي الضحى؟ فقالت: لا) أي لا يصليها (إلَّا أن يجيء من مغيبه) أي من سفره، فيصليها إذا جاء من سفره ضحى، وهذا معارض لما روته معاذة: \"أنها سألت عائشة، كم كان رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات ويزيد ما شاء\"، وفي رواية: \"ويزيد ما شاء الله\".\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٢): وأما الجمع بين حديثي عائشة في نفي صلاته - ﷺ - الضحى وإثباتها، فهو أن النبي - ﷺ - كان يصليها بعض الأوقات لفضلها، ويتركها في بعض خشية أن تفرض، كما ذكرته عائشة، ويتأول قولها: \"ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه\" على أن معناه ما رأيته، كما قالت في الرواية الثانية: \"ما رأيت رسول الله -ﷺ-\n_________\n(١) في نسخة: \"ثماني\".\n(٢) (٣/ ٢٥١).","vol":"5","page":519},{"text":"قُلْتُ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرُنُ بَيْنَ السُّورِ؟ قَالَتْ: مِنَ الْمُفَصَّلِ\". [م ٧١٧، ن ٢١٨٤، ق ٣/ ٥٠]\n١٢٩٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: \"مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّى لأُسَبِّحُهَا، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ\". [خ ١١٧٧، م ٧١٨، السنن الكبرى للنسائي ٤٨٠، ق ٣/ ٥٠]\n===\nيصلي سبحة الضحى\"، وسببه أن رسول الله - ﷺ - ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات، فإنه قد يكون في ذلك مسافرًا، وقد يكون حاضرًا، ولكنه في المسجد، أو في موضع آخر، وإذا كان عند نسائه فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصح قولها: \"ما رأيته يصليها\" وتكون قد علمت بخبره، أو بخبر غيره، أنه صلاها، أو يقال: قولها: \"ما كان يصليها\" أي ما يداوم عليها، فيكون نفيًا للمداومة، لا لأصلها، والله أعلم.\n(قلت: هل كان رسول الله -ﷺ- يقرن السور؟) وفي نسخة: السورتين، أي يقرأ السورتين، أو السور في ركعة واحدة (قالت: من المفصل) أي يقرأ من المفصل سورتين في ركعة واحدة، كما سيأتي في أبي داود.\n١٢٩٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: ما سبَّح) أي ما صلَّى (رسول الله -ﷺ-) أي عندي، أو دوامًا (سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها) أي لأصليها (وإن) مخففة من الثقيلة (كان رسول الله -ﷺ- ليدع) أي يترك (العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية) مفعول له ليدع (أن يعمل به الناس فيفرض عليهم).\nمعنى هذ الكلام أن رسول الله -ﷺ- ترك تطوع الضحى لخوف أن تفرض","vol":"5","page":520},{"text":"١٢٩٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ قَالَ: \"قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، فَكَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِى صَلَّى فِيهِ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ -ﷺ\" (١). [م ٦٧٠، ن ١٣٥٨، ت ٥٨٥، حم ٥/ ٨٦، ق ٢/ ١٨٦]\n===\nعلى الأمة، وقد تقدم جواب المعارضة لحديثها عند مسلم: \"أنه ﵊ يصلي الضحى أربع ركعات\" بأن النفي محمول على المداومة أو الرؤية.\n١٢٩٤ - (حدثنا ابن نفيل) عبد الله بن محمد (وأحمد بن يونس قالا: نا زهير) بن معاوية، (نا سماك) بن حرب (قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله -ﷺقال: نعم كثيرًا) أي أجالس رسول الله -ﷺ- في كثير من الأوقات (فكان لا يقوم من مصلاه الذي صلَّى فيه الغداة) أي صلاة الفجر (حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت) أي وارتفعت (قام - ﷺ -) للانصراف عن المسجد.\nولا مناسبة لهذا الحديث بصلاة الضحى، ولعل المصنف - ﵀ - فَهِمَ من قوله: \"فإذا طلعت قام\" أي قام إلى تطوع الضحى، وقد أشار إليه في الحاشية: أي لصلاة الإشراق، ولكن تتبعت طرق الحديث، فلم أجد في طريقه ما يدل على أن هذا القيام كان لأداء الصلاة، بل في بعض طرقه أن هذا القيام كان للرجوع والانصراف، أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) من طريق سفيان عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: \"كان النبي - ﷺ - إذا صلَّى الفجر جلس في مصلاه، لم يرجع حتى تطلع الشمس\".\n_________\n(١) في نسخة: \"آخر الجزء السابع وأول الجزء الثامن من تجزئة الخطيب البغدادي -﵀-\".\n(٢) (٥/ ٨٦).","vol":"5","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>(٣٠٣) بابٌ: فِى صَلَاةِ النَّهَارِ</span>\n١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِىِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى». [ت ٥٩٧، ن ١٦٦٦، حم ٢/ ٢٦، دي ١٤٥٨، خزيمة ١٢١٠، جه ١٣٢٢]\n===\n\n(٣٠٣) (بَابٌ: في صَلَاةِ النَّهَارِ)\n١٢٩٥ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن يعلي بن عطاء، عن علي بن عبد الله البارقي) الأزدي، أبو عبد الله بن أبي الوليد، قال ابن عدي: هو عندي لا بأس به، وقد احتج به مسلم، روى له حديثًا واحدًا في الدعاء إذا استوى على الراحلة للسفر، نقل ابن خلفون عن العجلي: أنه وثقه، قال في \"الميزان\" (١): ما علمت لأحد فيه جرحة، وهو صدوق، وحكى الشوكاني (٢) تضعيف هذا الحديث عن جماعة، لأنه من طريق علي البارقي، وهو ضعيف عند ابن معين.\n(عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى (٣) أي اثنتين اثنتين، وهو غير منصرف للعدل والوصف، وتكرار لفظ مثنى\n_________\n(١) (٣/ ١٤٢).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٣٩).\n(٣) ذكر ابن العربي (٢/ ٢٢٧) حديث الفصل الآتي، وذكر حديث ابن عمر هذا، وقال: التطوع بركعة لم تشرع، وبتكبيرة فقط كما قال به الشافعي تلاعب، والتطوع بركعة يجوز عند أحمد أيضًا كما في \"الأوجز\" (٢/ ٥٦٩) بخلاف الحنفية والمالكية، ويمكن لهم أن يستدلوا بروايات السهو في الصلاة إذ قال في حديث الخدري: إن كانت الصلاة تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان، وفي حديث عطاء بن يسار: إن كانت خامسة شفعها بهاتين، فإن كانت التطوع بركعة صحيحة فأي فاقة إلى تشفيعها بسجدتين. اختلف الأئمة في حمل الحديث فقال مالك بظاهره، فلا يبيح الأقل من اثنين ولا أكثر، وقال أحمد والشافعي: لبيان الأفضل، وعندنا: لبيان الأشفاع. (ش).","vol":"5","page":522},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nللمبالغة، أخرجه مسلم (١) ولم يزد فيه لفظ النهار.\nقال الشوكاني (٢): الحديث زاد فيه الخمسة \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\" وقد اختلف في زيادة قوله: \"والنهار\" فضعفها جماعة؛ لأنها من طريق علي البارقي الأزدي عن ابن عمر، وهو ضعيف عند ابن معين، وخالفه جماعة عن ابن عمر ولم يذكروا فيه النهار.\nقال الدارقطني في \"العلل\": إنها وهم، وقد صححها ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في \"المستدرك\"، وقال: رواتها ثقات، وقال الخطابي: إن سبيل الزيادة من الثقة أن تقبل.\nوقال البيهقي (٣): هذا حديث صحيح، وعلي البارقي احتج به مسلم، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد صححه البخاري لما سئل عنه، ثم روى ذلك بسنده إليه، قال: وقد روي عن محمد بن سيرين عن ابن عمر مرفوعًا بإسناد كلهم ثقات.\nوقد أخذ مالك بظاهر الحديث فقال: لا يجوز الزيادة على ركعتين، قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السياق لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل لما صح عن فعله - ﷺ - مما يخالف ذلك، ويحتمل أن يكون للإرشاد على الأخف إذ السلام من الركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها بما فيه من الراحة غالبًا.\nوقد اختلف السلف في الأفضل من الوصل والفصل، فقال أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، وإن صلَّى بالنهار أربعًا فلا بأس به،\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٤٥/ ٧٤٩).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٣٩).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢١).","vol":"5","page":523},{"text":"١٢٩٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ أَبِى أَنَسٍ،\n===\nوقال محمد بن نصر نحوه في صلاة الليل، قال: وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرها إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على الوصل، انتهى.\nوقال في \"الدر المختار\" (١): وتكره الزيادة على أربع في نفل النهار، وعلى ثمان ليلًا بتسليمة لأنه لم يرد، والأفضل فيهما الرباع بتسليمة، وقالا: في الليل المثنى أفضل، قيل: وبه يفتى.\nقال الشامي: وبه يفتى عزاه في \"المعراج\" إلى \"العيون\"، قال في \"النهر\": ورده الشيخ قاسم بما استدل به المشايخ للإمام من حديث \"الصحيحين\" عن عائشة: \"كان رسول الله -ﷺ- لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأَل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا\" (٢)، وكانت التراويح ثنتين تخفيفًا، وحديث \"صلاة الليل مثنى مثنى\" يحتمل أن يراد به شفع لا وتر، وترجحت الأربعة بزيادة منفصلة لما أنها أكثر مشقة على النفس، وقد قال - ﷺ -: \"إنما أجرك على قدر نصبك\"، انتهى بزيادة، وتمام الكلام على ذلك في شرح \"المنية\" (٣) وغيره.\n١٢٩٦ - (حدثنا ابن المثنى، نا معاذ بن معاذ، نا شعبة، حدثني عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): هكذا رواه شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، ورواه\n_________\n(١) (٢/ ٤٥٥).\n(٢) أخرجه البخاري (١١٤٧)، ومسلم (١٢٥/ ٧٣٨)، وأبو داود (١٣٤١)، والترمذي (٤٣٧)، والنسائي (١٦٩٧).\n(٣) (ص ٣٩٠).\n(٤) (١/ ٣٧٤).","vol":"5","page":524},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى،\n===\nالليث (١)، عن عبد ربه، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس، قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: روى شعبة هذا الحديث عن عبد ربه، فأخطأ في مواضع. قال: وحديث الليث أصح، انتهى.\nقلت: والمواضع التي أخطأ فيها شعبة أولها: أنه قال: عن أنس بن أبي أنس، وهو عمران بن أبي أنس، وقال: عن عبد الله بن الحارث، وإنما هو عن عبد الله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، وقال شعبة: عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - ﷺ -، وإنما هو عن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن الفضل بن عباس، عن النبي - ﷺ -، انتهى. وأما أنس بن أبي أنس فقال في \"الميزان\": لا يعرف.\n(عن عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب) (٢) وقد تقدم ما فيه، وفي حديث ابن ماجه: المطلب بن أبي وداعة، وهو وهم.\n(عن النبي - ﷺ -: الصلاة مثنى مثنى) يحتمل أن يكون المراد أنه يسلم في كل ركعتين، ويحتمل أن المراد أن يتشهد في كل ركعتين،\n_________\n(١) أخرج حديثه الترمذي، وحكى عن البخاري أنه أصح من حديث شعبة. (ش).\n(٢) وفي \"التهذيب\" (١٠/ ١٧٧): المطلب بن ربيعة بن الحارث الهاشمي روى عنه - ﷺ -، وعنه عبد الله بن الحارث، وفي حديثه اختلاف، وقيل: إنه عبد المطلب، وتقدم خبره فيه، انتهى. وبسطه في ترجمة عبد المطلب بسطًا، ولكن لم يذكر فيه هذا الحديث، وبسط أيضًا في ترجمته من \"الإصابة\" (٢/ ٤٢٣)، ورجح أن اسمه المطلب، لكن لم يذكر هذا الحديث، نعم أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" بطرق عديدة في ترجمة المطلب بن ربيعة هذا الحديث ولم يذكره في روايات المطلب بن أبي وداعة، وبسط المنذري في \"الترغيب\" الاختلاف فيه.","vol":"5","page":525},{"text":"أَنْ تَشَهَّدَ فِى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنْ تَبَأسَ وَتَمَسْكَنَ وَتُقْنِعَ بِيَدَيْكَ وَتَقُولَ: اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهِىَ خِدَاجٌ». [جه ١٣٢٥، حم ١/ ١٦٧، خزيمة ١٢١٢]\nسُئِلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ مَثْنَى قَالَ: إِنْ شِئْتَ مَثْنَى وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا.\n===\nوأن جميع ركعات بتسليم واحد، ويكون قوله: أن تشهد ... إلخ، تفسيرًا لقوله: مثنى مثنى.\n(أن تشهد) بحذف إحدى التائين (في كل ركعتين) أي تقرأ التحيات لله في آخر كل ركعتين (وأن تَبْأَس) قيل: تفاعل من البؤس، فعلى هذا حذفت إحدى تائيه، وقيل: من المجرد أي تظهر الخضوع، قال في \"القاموس\": التباؤس التفاقر، ويطلق أيضًا على التخشع والتضرع (وتَمَسْكَنَ) بحذف إحدى التائين، أي تظهر المسكنة، والمسكين: من لا شيء له، والذليل، والضعيف (وتُقْنِعَ بيديك) (١) أي ترفعهما، والإقناع رفع اليدين في الدعاء والمسألة.\n(وتقول: اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ) يعني ينادي ربه (فمن لم يفعل ذلك) أي ما تقدم من التشهد والتباؤس وغيرها (فهي خداج) أي ناقص، والمراد برفع اليدين في الدعاء بعد الفراغ من الصلاة، قاله ابن العربي، وقال العراقي: لا يتعين ذلك بل يجوز أن يراد القنوت في الصبح والوتر.\n(سئل أبو داود عن صلاة الليل مثنى قال) أبو داود: (إن شئت مثنى وإن شئت أربعًا) حاصله أنه ليس المراد من قوله: صلاة الليل مثنى أنه لا يجوز الزيادة عليه، بل المراد أقلها وأخفها، فيجوز الزيادة عليه.\n_________\n(١) والحديث من مستدل الجمهور في استحباب الدعاء المتعارف برفع اليدين بعد الصلاة، كما بسط في \"إعلاء السنن\" (٣/ ١٧٠) ومحمد الزبيدي في \"رسالة رفع اليدين بعد الصلاة\" (المطبوعة على آخر المنتقى) و\"آثار السنن\" للنيموي (١/ ١٢٦). (ش).","vol":"5","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>(٣٠٤) بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ</span>\n١٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ النَّيْسَابُورِىُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ (١) اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: «يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّاهُ، أَلَا أُعْطِيكَ؟ أَلَا أَمْنَحُكَ؟ أَلَا أَحْبُوكَ؟ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ\n===\n\n(٣٠٤) (بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ)، أي: الصلاة التي تقرأ فيها التسبيحات\n١٢٩٧ - (حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم) العبدي أبو محمد (النيسابوري) ثقة، (نا موسى بن عبد العزيز) العدني أبو شعيب، القنباري بكسر القاف وسكون النون ثم الموحدة، والقنبار حبل الليف، صدوق، سيئ الحفظ، (نا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال للعباس بن عبد المطلب: يا عباس يا عماه) (٢) بسكون الهاء وقفًا، إشارة إلى مزيد استحقاقه، وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم، قلبت ياؤه ألفًا وألحقت بها هاء السكت كيا غلاماه.\n(ألا) للتنبيه، والهمزة للاستفهام (أعطيك؟) من الإعطاء، أي عطية رفيعة.\n(ألا أمنحك؟) بفتح همزة ونون، أي أعطيك منحة سنية، وأصل المنح أن يعطى الرجل شاة أو ناقة ليشرب لبنها، ثم يردها إذا ذهب درها، ثم كثر استعماله في كل عطاء.\n(ألا أحبوك؟) بفتح همزة وسكون حاء وضم الموحدة، من حباه كذا، والحباء العطية، والمعنى عطية سنية.\n(ألا أفعل بك) وفي بعض نسخ المصابيح باللام، قال التوربشتي (٣):\n_________\n(١) في نسخة: \"عن النبي\".\n(٢) كرر هذه الألفاظ لزيادة التشويق، كذا في \"المنهل\" (٧/ ٢٠٧). (ش).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤١٤).","vol":"5","page":527},{"text":"عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ: أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ،\n===\nالرواية الصحيحة بالباء، وذكر ابن حجر في قوله: \"ألا أفعل بك\" أنه قال غير واحد، كذا في نسخ \"المصابيح\"، والصواب: ألا أفعل لك.\n(عشر خصال) بالنصب على أنه مفعول للأفعال المتقدمة على سبيل التنازع، وروي بالرفع على تقدير هي، والخصلة هي الخلة، وهي الاختلال العارض للنفس إما لشهوتها الشيء [أو لحاجتها إليه]، وإنما ذكره بألفاظ مختلفة تقريرًا وتأكيدًا وتحريضًا وتأييدًا على الاستماع إليه والمواظبة عليه.\n(إذا أنت فعلت ذلك) أي ما ذكر من عشر خصال، والمراد بالخصال العشر هو أنواع الذنوب المعدودة بقوله: أوله وآخره إلى قوله: سره وعلانيته، والتقدير أفعل بك وأُعَلِّمك بما يكفر عشر خصال، وقيل: المراد بها التسبيحات، فإنها فيما سوى القيام عشر عشر، وقيل: المعنى إذا فعلت ما أُعَلِّمُك.\n(كفر الله لك ذنبك: أوله وآخره) بالنصب أي مبدأه ومنتهاه، ويحتمل أن يكون معناه ما تقدم من ذنبه وما تأخر (قديمه وحديثه) أي جديده (خطأه وعمده) قيل: يشكل بأن الخطأ لا إثم فيه، لقوله ﵇: \"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (١)، فكيف يجعل من جملة الذنب.\nوأجيب بأن المراد بالذنب ما فيه نقص وإن لم يكن فيه إثم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢).\nويحتمل أن يراد مغفرة ما يترتب على الخطأ من نحو الإتلاف من ثبوت بدلها في الذمة، فمعنى المغفرة حينئذ إرضاء الخصوم وفك النفس عن مقامها\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٨).\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٨٦.","vol":"5","page":528},{"text":"صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، عَشْرَ خِصَالٍ: أَنْ تُصَلِّىَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً. فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِى أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ:\n===\nالكريم المشار إليه بقوله ﵊: \"نفس المؤمن مرهونة حتى يقضى عنه دينه\" (١).\n(صغيره وكبيره) ولعل المراد بالكبير ما هو من أفراد الصغائر، فإن الصغائر في أفرادها تشكيك (سره وعلانيته) والضمير في هذه كلها عائد إلى قوله: ذنبك.\nفإن قلت: أوله وآخره يندرج تحته ما يليه، وكذا باقيه، فما الحاجة إلى تعدد أنواع الذنوب؟ .\nقلت: ذكر قطعًا لوهم أن ذلك الأول والآخر ربما يكون عمدًا أو خطأ، وعلى هذا في أقرانه، وأيضًا في التنصيص على الأقسام حث للمخاطب على المحثوث عليه بأبلغ الوجوه.\n(عشر خصال) بالنصب بتقدير خذ، وبالرفع بتقدير هذه (أن تصلي أربع ركعات) ظاهره أنه بتسليم واحد ليلًا كان أو نهارًا، وقيل: يصلي في النهار بتسليمة، وفي الليل بتسليمتين، وقيل: الأول أن يصلي مرة بتسليمة وأخرى بتسليمتين.\n(تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة) قيل لابن عباس: ما هذه السورة بعد الفاتحة؟ قال: \"ألهكم التكاثر\"، و\"الكافرون\"، و\"الإخلاص\"، وفي رواية: \"إذا زلزلت\"، و\"العاديات\" و\"النصر\"، و\"الإخلاص\"، وقيل: الأفضل أن يقرأ فيها أربعًا من المسبحات: \"الحديد\"، و\"الحشر\"، و\"الصف\"، و\"التغابن\" للتناسب بينها وبين الصلاة.\n(فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة) قبل الركوع (وأنت قائم قلت:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١٠٧٨) وابن ماجه (٢٤١٣) وأحمد (٢/ ٤٤٠) نحوه.","vol":"5","page":529},{"text":"سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِى سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا،\n===\nسبحان الله والحمد لله ولا إله إلَّا الله والله أكبر خمس عشرة مرة) قال ابن حجر: ما صرح به هذا السياق أن التسبيح بعد القراءة أخذ به أئمتنا، وأما ما كان يفعله عبد الله بن المبارك من جعله الخمس عشرة قبل القراءة وبعد القراءة عشرًا، ولا يسبح في الاعتدال مخالف لهذا الحديث، قال بعض أئمتنا: جلالته تقتضي التوقف عن مخالفته، ووافقه النووي في \"الأذكار\" (١)، فجعل قبل الفاتحة عشرًا، لكنه أسقط في مقابلتها ما يقال في جلسة الاستراحة، قال بعضهم: وفي رواية عن ابن المبارك أنه كان يقول عشرين في السجدة الثانية، وهذا ورد في أثر بخلاف ما قبل القراءة.\n(ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا) أي بعد تسبيح الركوع (ثم ترفع رأسك من الركوع (٢) فتقولها عشرًا) بعد التسميع والتحميد (ثم تهوي)، في \"الصحاح\": هوى بالفتح يهوي بالكسر هويًا إذا سقط إلى أسفل (ساجدًا) حال (فتقولها وأنت ساجد عشرًا) بعد تسبيح السجود (ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا) من غير زيادة دعاء عندنا، وظاهر مذهب الشافعي أن يقولها بعد: رب اغفر لي ونحوه (ثم تسجد) ثانيًا (فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك) من السجدة الثانية (فتقولها عشرًا) قبل أن تقوم على ما في \"الحصن\"، وهو يحتمل جلسة الاستراحة (٣) وجلسة التشهد. قلت: والحمل على جلسة التشهد بعيد.\n_________\n(١) (ص ٢٤٤).\n(٢) ويرسل يديه \"فتاوى رشيدية\" (ص ١٠٣). (ش).\n(٣) وعلى هذا فهل يكبر للقيام بعد التسبيح؟ ذكر في \"شرح الإقناع\" يقوم ساكتًا بلا تكبير، وكذا في \"روضة المحتاجين\" وتردد في \"الطحاوي على المراقي\" (ص ١٩٠) هل يكبر قبل التسبيح أو بعده؟ . (ش).","vol":"5","page":530},{"text":"فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِى كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى عُمُرِكَ مَرَّةً». [جه ١٣٨٧، خزيمة ١٢١٦، ق ٣/ ٥١]\n١٢٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ الأُبُلِّىُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ أَبُو حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِىُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الْجَوْزَاءِ،\n===\n(فذلك) أي مجموع ما ذكر من التسبيحات (خمس وسبعون) أي مرة (في كل ركعة، تفعل ذلك) أي ما ذكر في هذه الركعة (في أربع ركعات) فتصير ثلثمائة تسبيحة.\n(إن استطعت) استئناف، أي إن قدرت (أن تصليها) أي هذه الصلاة (في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل) أي فإن لم تستطع أن تفعل ذلك في كل يوم لعدم القدرة أو لوجود المانع (ففي كل جمعة) أي في كل أسبوع (مرة، فإن لم تفعل) أن تصليها في كل أسبوع (ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك) بضم الميم وتسكن (مرة).\n١٢٩٨ - (حدثنا محمد بن سفيان) بن أبي الزرد (الأبلي) بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام، قيل: اسم جده يعقوب، صدوق، (نا حبان) بالفتح ثم موحدة (ابن هلال أبو حبيب) البصري ثقة، (نا مهدي بن ميمون) الأزدي المعولي بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو، أبو يحيى، البصري، ثقة.\n(نا عمرو بن مالك) النكري بضم النون، أبو يحيى، ويقال: أبو مالك، البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، يخطئ، ويغرب.\n(عن أبي الجوزاء) بالجيم والزاي، أوس بن عبد الله الربعي، بصري،","vol":"5","page":531},{"text":"حَدَّثَنِى رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ يُرَوْنَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لي النَّبِىُّ (١) -ﷺ- «ائْتِنِى غَدًا أَحْبُوكَ وَأُثِيبُكَ وَأُعْطِيكَ»، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُعْطِينِى عَطِيَّةً. قَالَ: «إِذَا زَالَ النَّهَارُ فَقُمْ فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» فَذَكَرَ نَحْوَهُ. قَالَ: «ثم تَرْفَعُ رَأْسَكَ يَعْنِى مِنَ السُّجُودِ (٢) الثَّانِيَةِ فَاسْتَوِ جَالِسًا، وَلَا تَقُمْ حَتَّى تُسَبِّحَ عَشْرًا، وَتَحْمَدَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرَ عَشْرًا، وَتُهَلِّلَ عَشْرًا، ثُمَّ تَصْنَعُ ذَلِكَ فِى الأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ» (٣). قَالَ: «فَإِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَعْظَمَ أَهْلِ الأَرْضِ ذَنْبًا غُفِرَ لَكَ بِذَلِكَ» (٤). قال:\n===\nيرسل كثيرًا، ثقة، (حدثني رجل كانت له صحبة يرون أنه عبد الله بن عمرو) أي ابن العاص (قال: قال لي (٥) النبي - ﷺ -: ائتني غدًا أحبوك وأثيبك) والإثابة المجازاة والمكافأة، وههنا في معنى العطاء (وأعطيك حتى ظننت أنه يعطيني عطية) أي مالية، وإنما أمهله إلى الغد ليزداد شوقه فيحافظ عليه، فأتيته غدًا (قال) رسول الله -ﷺ-: (إذا زال النهار فقم) إلى الصلاة (فصل أربع ركعات، فذكر) الراوي (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.\n(قال: ثم ترفع رأسك يعني من السجود الثانية فاستو جالسًا، ولا تقم حتى تسبح عشرًا، وتحمد عشرًا، وتكبر عشرًا، وتهلل عشرًا) وهذا الكلام للإشارة إلى الفرق بين ألفاظ الروايتين.\n(ثم تصنع ذلك في الأربع ركعات، قال) رسول الله -ﷺ-: (فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنبًا) من صغر الذنوب (غفر لك بذلك، قال) عبد الله بن\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"السجدة\".\n(٣) في نسخة: \"أربع الركعات\".\n(٤) في نسخة: \"ذلك\".\n(٥) هذا نص في الرفع بخلاف ما حكى الزبيدي في \"شرح الإحياء\" (٣/ ٧٩٠) عن سياق أبي داود. (ش).","vol":"5","page":532},{"text":"قلت: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُصَلِّيَهَا تِلْكَ السَّاعَةَ قَالَ: «صَلِّهَا مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» (١). [ق ٣/ ٥٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وحَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ خَالُ هِلَالٍ الرَّأي (٢).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الْمُسْتَمِرُّ بْنُ الرَّيَّانِ، عَنْ أَبِى الْجَوْزَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا،\n===\nعمرو: (قلت: فإن لم أستطع أن أصليها تلك الساعة) أي بعد الزوال (قال: صلها من الليل والنهار) أي أيَّة ساعة شئت منها ما خلا الأوقات التي تكره الصلاة فيها.\n(قال أبو داود: وحبان بن هلال خال هلال الرأي) قال في \"الميزان\" (٣): هو هلال بن يحيى البصري الحنفي الفقيه، حدث عن أبي عوانة وابن مهدي، وعنه عبد الله بن قحطبة والحسين بن أحمد بن بسطام، ذكره ابن حبان في \"كتاب الضعفاء\". يقال: يخطئ كثيرًا على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.\nوقال ابن نصر في \"الجواهر المضيئة\" (٤): هلال بن يحيى بن مسلم الرأي البصري، ويقع في بعض الكتب الرازي وهو غلط، وإنما لقب بالرأي لسعة علمه وكثرة فقهه، وبذلك لقب ربيعة شيخ مالك.\n(قال أبو داود: رواه المستمر بن الريان) بالتحتانية الإيادي الزهراني، أبو عبد الله البصري، ثقة عابد، (عن أبي الجواز، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا).\n_________\n(١) قال المزي في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٨) رقم (٨٦٠٦): هذا الحديث في رواية ابن العبد واللؤلؤي موقوف، وفي رواية ابن داسة وابن الأعرابي وغير واحد مرفوع، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) في نسخة: \"الرازي\".\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٣١٧).\n(٤) (٣/ ٥٧٢).","vol":"5","page":533},{"text":"وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَجَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ النُّكْرِىِّ، عَنْ أَبِى الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ،\n===\nقال السيوطي في \"اللآلئ\" (١): قال أبو داود: رواه المستمر بن ريان عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، قال المنذري: رواة هذا الحديث ثقات، قال الحافظ ابن حجر: اختلف فيه على أبي الجوزاء، فقيل: عنه عن ابن عباس، وقيل: عنه عن عبد الله بن عمر، وقيل: عنه عن عبد الله بن عمرو مع الاختلاف عليه في رفعه ووقفه.\n(ورواه روح بن المسيب) الكلبي، أحاديثه غير محفوظة، وقال ابن معين: صويلح، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا تحل الرواية عنه، وقال البزار في \"مسنده\": ثنا حميد بن مسعدة، ثنا أبو رجاء روح بن المسيب الكلبي، فذكر هذا الحديث، استنكره ابن حبان وقال: لا نعلم رواه عن ثابت غير روح وهو مشهور.\n(وجعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قوله) أي قول ابن عباس موقوفًا عليه.\nقال السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\": ورواية روح وصلها الدارقطني في كتاب صلاة التسبيح من طريق يحيى بن يحيى النيسابوري عنه، وأيضًا قال في \"اللآلئ المصنوعة\": وقال علي بن سعيد، عن أحمد بن حنبل: إسناده ضعيف، كل يروي عن عمرو بن مالك، يعني وفيه مقال. قلت له: قد رواه المستمر بن ريان، عن أبي الجوزاء، قال: من حدثك؟ قلت: مسلم يعني ابن إبراهيم، فقال: المستمر شيخ ثقة، وكأنه أعجبه. قال الحافظ ابن حجر: فكأن أحمد لم يبلغه إلَّا من رواية عمرو بن مالك، وهو النكري، فلما بلغه متابعة المستمر أعجبه، فظاهره أنه رجع من تضعيفه.\n_________\n(١) (٢/ ٣٦).","vol":"5","page":534},{"text":"وَقَالَ في حَدِيثِ رَوْحٍ فَقَالَ: حُدِّثْتُ (١) عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.\n١٢٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ (٢)، حَدَّثَنِى الأَنْصَارِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِجَعْفَرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ. فَذَكَرَ نَحْوَهُمْ، قَالَ فِى السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى كَمَا قَالَ فِى حَدِيثِ مَهْدِىِّ بْنِ مَيْمُونٍ. [ق ٣/ ٥٢]\n===\n(وقال في حديث روح فقال) ابن عباس: (حدثت عن النبي - ﷺ -).\n١٢٩٩ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم) بالراء مصغرًا، اللخمي، أبو القاسم، صدوق يرسل، (حدثني الأنصاري) قيل: إنه جابر بن عبد الله، وقيل: غيره (أن رسول الله -ﷺ- قال لجعفر بهذا الحديث) أي حدث بهذا الحديث (فذكر) أبو توبة (نحوهم) أي نحو أحاديث الرواة المتقدمين (قال في السجدة الثانية من الركعة الأولى، كما قال في حديث مهدي بن ميمون).\nقال السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (٣): وأما حديث الأنصاري الذي لم يسم، فأخرجه أبو داود في \"السنن\" وساق هذا الحديث، ثم قال: قال المزي: قيل: إنه جابر بن عبد الله، قال الحافظ ابن حجر في مسنده (٤): إن ابن عساكر أخرج في ترجمة عروة بن رويم أحاديث عن جابر وهو الأنصاري، فجوز أن يكون هو الذي ههنا، لكن تلك الأحاديث من رواية غير محمد بن مهاجر عن عروة، قال: وقد وجدت في ترجمة عروة هذا من \"الشاميين\" للطبراني حديثين أخرجهما من طريق أبي توبة وهو الربيع بن نافع شيخ أبي داود فيه بهذا السند بعينه، فقال\n_________\n(١) في نسخة: \"حديث النبي - ﷺ -\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) (٢/ ٤٢).\n(٤) كذا في \"اللآلئ المصنوعة\" (٢/ ٤٢)، والصواب: قال الحافظ ابن حجر: مستنده أن ابن عساكر ... إلخ، انظر: \"إتحاف السادة المتقين\" (٣/ ٧٩٣).","vol":"5","page":535},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفيهما: حدثني أبو كبشة الأنماري، فلعل الميم كبرت قليلًا فأشبهت الصاد، وإن يكن كذلك فصحابي، هذا حديث أبي كبشة (١). وعلى التقديرين فسند هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، فكيف إذا ضم إلى رواية أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو التي أخرجها أبو داود، والله أعلم.\nقال في \"درجات مرقاة الصعود\" (٢): أفرط ابن الجوزي فأورد هذا الحديث في \"الموضوعات\"، وأعله بموسى بن عبد العزيز أنه مجهول، قال الحافظ ابن حجر في كتاب \"الخصال المكفرة\": أساء (٣) ابن الجوزي بذكر هذا الحديث في \"الموضوعات\"، وقوله: إن موسى بن عبد العزيز مجهول لم يصب فيه، لأن ابن معين والنسائي وثقاه، وقال في \"أمالي الأذكار\": هذا الحديث أخرجه البخاري في \"جزء القراءة خلف الإِمام\" وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في \"صحيحه\" والحاكم في \"مستدركه\" وصححه البيهقي وغيرهم.\nوقال ابن شاهين في \"الترغيب\": سمعت أبا بكر بن أبي داود يقول: سمعت أبي يقول: هو أصح حديث في صلاة التسبيح، وموسى بن عبد العزيز وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، وروى عنه أبو داود، وأخرج له البخاري في \"القراءة\" هذا الحديث بعينه، وله في \"الأدب المفرد\" حديث بسماع\n_________\n(١) كذا في \"اللآلئ المصنوعة\"، والصواب: فصحابي هذا الحديث أبو كبشة. (انظر المصدر السابق).\n(٢) (ص ٧٧).\n(٣) وكذا قال قطب الدين الحنفي في آخر أدعية الحج الذي على هامش \"لباب المناسك\" للقاري، وبسط في تفصيل هذه الصلاة أحسن البسط، وكذا بسطه في \"روضة المحتاجين\"، والسيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (٢/ ٤٣)، و\"التعقبات\"، والمنذري في \"الترغيب\" (٤٦٧)، وصاحب \"المنهل\" (٧/ ٢٠٧) في شرحه، والنووي في \"الأذكار\" (١٩٣)، والشامي (٢/ ٥٧١)، وصاحب \"الكبيري\" (ص ٤٣١)، وصاحب \"تحفة المنهاج\"، وصاحب \"شرح الاقناع\"، وصاحب \"إتحاف السادة بشرح الإحياء\" (٣/ ٧٨١). (ش).","vol":"5","page":536},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالرعد، وببعض هذه الأمور ترتفع الجهالة، وممن صححه أو حسنه غير من مَرَّ ابن منده\" وألف في تصحيحه كتابًا، والآجري والخطيب وأبو سعد السمناني (١) وأبو موسى المديني وأبو الحسن بن المفضل والمنذري وابن الصلاح والنووي في \"تهذيبه\" وآخرون.\nوقال الديلمي في \"مسند الفردوس\": صلاة التسبيح أشهر الصلوات وأصحها إسنادًا، وروى البيهقي وغيره عن أبي (٢) خالد الشرقي قال: كنت عند مسلم بن الحجاج فسمعته يقول: لا يروى فيها إسناد أحسن من هذا.\nوقال الترمذي (٣): قد روى ابن المبارك وغيره من أهل العلم صلاة التسبيح وذكروا الفضل فيه، وقال البيهقي: كان عبد الله بن المبارك يصليها ويتداولها الصالحون بعضهم من بعض، وبذلك (٤) تقوية الحديث المرفوع، قال الحافظ ابن حجر: وأقدم من روى عنه فعلها صريحًا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله البصري من ثقات التابعين، وثبت ذلك عن جماعة بعده، وأثبتها أئمة الطريقين من الشافعية.\nولحديث ابن عباس هذا طرق، فتابع موسى بن عبد العزيز عن الحكم بن أبان إبراهيمُ بنُ الحكم، ومن طريقه أخرجه ابن راهويه وابن خزيمة والحاكم، وتابع عكرمة عن ابن عباس عطاء وأبو الجوزاء ومجاهد.\nوورد حديث صلاة التسبيح أيضًا من حديث عباس بن عبد المطلب وابنه\n_________\n(١) هكذا في \"الدرجات\" (ص ٧٦)، والصواب بدله السمعاني. (ش).\n(٢) هكذا في \"الدرجات\" (ص ٧٦)، وفى \"اللآلئ المصنوعة\" (٢/ ٤٣)، و\"إتحاف السادة\" (٣/ ٧٩٤) بدله أبي حامد بن الشرقي، وفي \"التعقبات\": وكذا في هامش أبي داود عن \"مرقاة الصعود\" أبي حامد الشرقي بدون لفظ ابن. (ش).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٤٨).\n(٤) هكذا في \"الدرجات\" (ص ٧٦)، وفي الكتب الآخر، وفي ذلك تقوية للحديث المرفوع. (ش).","vol":"5","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>(٣٠٥) بَابُ رَكْعَتَيِ الْمَغْرِبِ، أَيْنَ تُصَلَّيَان</span>؟\n١٣٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ،\n===\nالفضل وأبي رافع وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب وجعفر أخيه وابنه عبد الله وأم سلمة والأنصاري الذي لم يسم، أخرج أبو داود حديثه وسنده حسن.\nوقال الحافظ جمال الدين المزي: إن الأنصاري هذا جابر بن عبد الله، وقال ابن حجر: والظاهر أنه أبو كبشة الأنماري، انتهى.\nقال الغزالي في \"الإحياء\" (١) بعد ما أورد حديث عكرمة عن ابن عباس: وفي رواية أخرى: أنه يقول في أول الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يسبح خمس عشرة تسبيحة قبل القراءة [وعشرًا بعد القراءة]، والباقي كما سبق عشرًا عشرًا، ولا يسبح بعد السجود الأخير، وهذا هو الأحسن، وهو اختيار ابن المبارك (٢).\n\n(٣٠٥) (بَابُ رَكْعَتَي الْمَغْرِبِ أَيْنَ تُصَلَّيَان؟)\nأي في البيت أو في المسجد\n١٣٠٠ - (حدثنا أبو بكر بن أبي الأسود) منسوب إلى جده، وهو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود حميد بن الأسود البصري، الحافظ، أبو بكر، قاضي همدان، عن ابن معين: لا بأس به، وقال الخطيب: كان حافظًا متقنًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن أبي خيثمة: كان يحيى سيِّئ الرأي فيه، روى عنه البخاري عشرين حديثًا.\n_________\n(١) انظر: \"إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين\" (٣/ ٧٨٢).\n(٢) وقد ورد هذا النوع مرفوعًا أيضًا كما في رسالتي في الذكر، وروي عن ابن المبارك أيضًا خمسة وعشرون في القيام، ولا يسبح في الاعتدال، وروي عنه أيضًا عشرون في السجدة الثانية، كما في \"المرقاة\" (٣/ ٢١٥)، لكن لم أرهما في الكتب التي عندي. (ش).","vol":"5","page":538},{"text":"حَدَّثَنِى أَبُو مُطَرِّفٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى الْوَزِيرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْفِطْرِىُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَتَى مَسْجِدَ بَنِى عَبْدِ الأَشْهَلِ فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ بَعْدَهَا. فَقَالَ: «هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ». [ت ٦٠٤، ن ١٦٠٠، خزيمة ١٢٠١]\n===\n(حدثني أبو مطرف محمد بن أبي الوزير) هو محمد بن عمرو بن مطرف الهاشمي مولاهم، أبو مطرف بن أبي الوزير البصري، قال أبو حاتم: كان ثقة، وقال ابن خزيمة: كان من ثقات أهل المدينة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا محمد بن موسى الفطري، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبيه) إسحاق بن كعب بن عجرة البلوي، حليف الأنصار، مجهول الحال، قتل يوم الحرة.\n(عن جده) كعب بن عجرة (أن النبي - ﷺ - أتى مسجد بني عبد الأشهل) هم من الأوس، وهو عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر ابن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة (فصلَّى فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم) أي فرض المغرب (رآهم يسبحون) أي يتطوعون (بعدها فقال) رسول الله -ﷺ-: (هذه) أي التطوع بعد المغرب (صلاة البيوت) أي أولى أن يصلى بها في البيوت، وفي رواية للبخاري: \"وبعد المغرب ركعتين في بيته\"، وفي لفظ له: \"فأما المغرب والعشاء ففي بيته\".\nوقد استدل بذلك على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد بخلاف نوافل النهار، وحكي ذلك عن مالك والثوري.\nقال الحافظ (١): وفي الاستدلال به لذلك نظر، والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد، وإنما كان - ﷺ - يتشاغل بالناس في النهار غالبًا، وبالليل يكون في بيته\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٠).","vol":"5","page":539},{"text":"١٣٠١ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَرْجَرَائِىُّ، حَدَّثَنَا (١) طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِى الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ\n===\nغالبًا، وروي عن ابن أبي ليلى: أنها لا تجزئ صلاة سنَّة المغرب في المسجد، واستدل بحديث محمود بن لبيد مرفوعًا \"أن الركعتين بعد المغرب من صلاة البيوت\" (٢)، وحكي ذلك لأحمد فاستحسنه، قاله الشوكاني في \"النيل\" (٣).\n١٣٠١ - (حدثنا حسين بن عبد الرحمن الجرجرائي) بجيمين مفتوحتين ورائين، نسبة إلى جرجرايا بلدة قريبة من الدجلة بين بغداد وواسط، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: مجهول، فكأنه ما أخبر أمره، (نا طلق بن غنام) بمعجمة ونون، ابن طلق بن معاوية النخعي، أبو محمد، الكوفي، ثقة، (نا يعقوب بن عبد الله) بن سعد بن مالك الأشعري، أبو الحسن القمي بضم القاف وتشديد الميم، قال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو القاسم الطبراني: كان ثقة، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، استشهد به البخاري (٤) في \"صحيحه\" في كتاب الطب فقال: ورواه القمي عن ليث (٥)، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبيﷺ - في العسل والحجم، وليس هو بابن بابويه القمي الرافضي، كما زعمه بعض المتأخرين.\n(عن جعفر بن أبي المغيرة) الخزاعي القمي، قيل: اسم أبي المغيرة دينار، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله -ﷺ - يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب) أي أحيانًا لما روى ابن ماجه: أنه كان يقرأ\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرنا\".\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٢٠٠).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢١٦).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١٣٦).\n(٥) وفي الأصل: \"ليس\" وهو تحريف.","vol":"5","page":540},{"text":"حَتَّى يَتَفَرَّقَ (١) أَهْلُ الْمَسْجِدِ\". [ق ٢/ ١٩٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ نَصْرٌ الْمُجَدَّرُ، عن يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، وَأَسْنَدَهُ مِثْلَهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَاع، نَا نَصْرٌ الْمُجَدَّرُ، عن يَعْقُوبَ مِثْلَهُ.\n١٣٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،\n===\nفيهما الكافرون والإخلاص (حتى يتفرق أهل المسجد) ويرجعون عنه، قال ابن حجر (٢): ظاهره أنه كان يصليهما في المسجد، فيحمل على أن فعلهما فيه لعذر منعه من دخول البيت، فقد صرح الأئمة بأن هذا من أعذار فعلها في المسجد، قلت: والأظهر أنه يحمل على بيان الجواز أو وقت الاعتكاف، قال: ويحتمل أنه يفعلهما في البيت، وأن ابن عباس علم بذلك.\n(قال أبو داود: رواه نصر المجدر) هذه اللفظة إنما يقال لمن كان به الجدري، فذهب وبقي الأثر، هو نصر بن زيد أبو الحسن البغدادي، مولى بني هاشم، أصله من سجستان، عن ابن معين: لا بأس به، وقال ابن سعد: ثقة صاحب حديث، (عن يعقوب القمي، وأسنده) أي هذا الحديث (مثله) أي مثل ما تقدم من الحديث، ذكره تعليقًا ثم أسنده فقال: (قال أبو داود: حدثناه) أي هذا الحديث (محمد بن عيسى بن الطباع، نا نصر المجدر، عن يعقوب مثله) أي مثل حديث طلق بن غنام.\n١٣٠٢ - (حدثنا أحمد بن يونس وسليمان بن داود العتكي قالا: نا يعقوب) بن عبد الله، (عن جعفر) بن أبي المغيرة، (عن سعيد بن جبير،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ينصرف\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٥٦).","vol":"5","page":541},{"text":"عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ مُرْسَلٌ (١). [ق ٢/ ١٩٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ يَقُولُ: كُلُّ شَىْءٍ حَدَّثْتُكُمْ عَنْ جَعْفَرٍ (٢)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، فَهُوَ مُسْنَدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-.\n\n(٣٠٦) بَابُ (٣) الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعِشاءِ\n١٣٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ (٤) بْنُ الْحُبَابِ الْعُكْلِىُّ، حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنِى مُقَاتِلُ بْنُ بَشِيرٍ الْعِجْلِىُّ،\n===\nعن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (مرسل) أي هو مرسل، لأن سعيدًا تابعي، ولم يذكر فيه الصحابي ابن عباس ولا غيره، ولكن كونه مرسلًا باعتبار الظاهر، وأما في الحقيقة فهو موصول، لأنه يقول: (قال أبو داود: سمعت محمد بن حميد يقول: سمعت يعقوب يقول: كل شيء حدثتكم عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن النبي - ﷺ -، فهو مسند عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ) فعلى هذا مراسيل يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير كلها مسانيد.\n\n(٣٠٦) (بَابُ الصَّلَاةِ) أي التطوع (بَعْدَ) فرض (الْعِشَاءِ)\n١٣٠٣ - (حدثنا محمد بن رافع، نا زيد بن الحباب العكلي، نا مالك ابن مغول) بكسر أوله وسكون المعجمة وفتح الواو، الكوفي، أبو عبد الله، ثقة ثبت، (حدثني مقاتل بن بشير العجلي) الكوفي، ذكره ابن حبان في\n_________\n(١) في نسخة: \"مرسلًا\".\n(٢) وفي نسخة: \"جعفر بن أبي المغيرة\".\n(٣) زاد في نسخة: \"في\".\n(٤) زاد في نسخة: \"أبو الحسين\".","vol":"5","page":542},{"text":"عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: \"سَأَلْتُهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَىَّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَلَقَدْ مُطِرْنَا مَرَّةً بِاللَّيْلِ فَطَرَحْنَا لَهُ نِطْعًا، فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى ثُقْبٍ فِيهِ (١) يَنْبُعُ الْمَاءُ مِنْهُ، وَمَا رَأَيْتُهُ (٢) مُتَّقِيًا الأَرْضَ بِشَىْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ قَطُّ\". [حم ٦/ ٥٨]\n===\n\"الثقات\"، (عن شريح بن هانئ، عن عائشة، قال) شريح: (سألتها) أي عائشة - ﵁ - (عن صلاة رسول الله -ﷺ-) أي النوافل (فقالت: ما صلَّى رسول الله -ﷺ- العشاء قط) أي فرض العشاء (فدخل عليَّ) في نوبتي (إلَّا صلَّى أربع ركعات) أي ركعتان مؤكدتان بتسليمة، وركعتان مستحبتان (أو ست ركعات) يحتمل الشك والتنويع، فالركعتان مؤكدتان والأربع نافلة.\n(ولقد مطرنا مرة بالليل فطرحنا) أي ألقينا (له نطعًا) بالكسر وبالفتح وبالتحريك وكعنب: بساط من الأديم على الأرض (فكأني أنظر إلى ثقب) والثقب الخرق النافذ (فيه) أي في النطع (ينبع الماء) أي خرج ويفور (منه) أي من الثقب (وما رأيته) أي - ﷺ - (متقيًا) أي متجنبًا (الأرض بشيء من ثيابه قط).\nحاصله أن رسول الله -ﷺ- كان لا يحفظ ثيابه في الصلاة من الوقوع على الأرض والتدنس بها، وهو مذهب الحنفية، وكره كفه أي رفعه ولو لتراب كمشَمِّرِ كُمٍّ أو ذَيْلٍ \"الدر المختار\" (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"منه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بالليل\".\n(٣) (٢/ ٤٠٦).","vol":"5","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>(٣٠٧) بَابُ نَسْخِ قِيَامِ اللَّيْلِ</span>\n١٣٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ابْنِ شَبُّوَيْهِ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: في الْمُزَّمِّلِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ﴾ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي فِيهَا ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ: أَوَّلُهُ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ لِأَوَّلِ اللَّيْلِ،\n===\n\n(٣٠٧) (بابُ نَسْخِ قِيَامِ اللَّيْلِ) (١)\nوفي نسخة: أبواب قيام الليل، باب نسخ قيام الليل والتيسير فيه ١٣٠٤ -\n(حدثنا أحمد بن محمد المروزي ابن شبويه، حدثني علي بن حسين) بن واقد بقاف، المروزي، كان جده واقد مولى عبد الله بن عامر بن كريز، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، ونقل ابن حبان عن البخاري قال: كنت أمر عليه طرفي النهار ولم أكتب عنه.\n(عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد) بن أبي سعيد (النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال): الآية التي (في) سورة (المزِّمل) وهي (﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ﴾) الآية التي تدل على وجوب قيام الليل (نسختها الآية التي فيها) أي في سورة المزمل وهي (﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾) أي لن تطيقوه (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وناشئة الليل أوله) وهذا من كلام ابن عباس ذكره البيهقي، وروينا فيما مضى عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ناشئة الليل أوله (وكانت صلاتهم) أي أصحاب رسول الله - ﷺ - (لأول الليل) لمقتضى هذه الآية.\n_________\n(١) وذكر ابن العربي أن البخاري ذهب إلى إيجابه، واختلفوا هل كان واجبًا عليه - ﷺ - أو لم يكن؟ بسطه ابن القيم (١/ ٣١١)، والبسط في \"الأوجز\" (٢/ ٥٤٥) وهامش \"اللامع\"، وقال العيني (٥/ ٤٧٤): عدم الإيجاب إجماع في حق الأمة وهو الأصح في حق سيدنا محمد - ﷺ -، وذكر بعض الاختلاف. (ش).","vol":"5","page":544},{"text":"يَقُولُ: هُوَ (١) أَجْدَرُ أَنْ تُحْصُوا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا نَامَ لَمْ يَدْرِ مَتَى يَسْتَيْقِظُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وأَقْوَمُ قِيلًا﴾، هُوَ أَجْدَرُ أَنْ يُفْقَهَ فِى الْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ يَقُولُ: فَرَاغًا طَوِيلًا. [ق ٢/ ٥٠٠]\n===\n(يقول) أي يريد الله ﷿ بقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّليل﴾ أي قيام أول الليل ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطئًا﴾ (هو أجدر) أي أليق وأحرى (أن تحصوا) أي تحافظوا (ما فرض الله عليكم من قيام الليل) وهذا تفسير لقوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطئًا﴾، ولكن سقط هذا اللفظ في رواية أبي داود، وذكره ابن جرير في \"تفسيره\" فيما ساق من رواية ابن عباس وسيأتي.\n(وذلك) أي كون قيام أول الليل أجدر في محافظة قيام الليل أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ) ويمكن أن يطول النوم ولا يستيقظ إلَّا بعد الفجر فيفوت الفرض، فلأجل ذلك قيام أول الليل أجدر في محافظة الفرض، وقد أخرج ابن جرير في \"تفسيره\" (٢): حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾، يقول: ناشئة الليل كانت صلاتهم أول الليل هي أشد وطأ، يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من القيام، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ.\n(وقوله: ﴿وَأَقوَمُ قِيلًا﴾) معناه (هو أجدر أَنْ يَفْقَهَ في القرآن) أي أدنى أن يفقه القرآن (وقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ يقول) ابن عباس: تفسيره (فراغًا طويلًا) أي تفرغ لأشغالك وحوائجك في النهار طويلًا، فافرغ لدينك في الليل، وقد اختلف العلماء في تفسير ألفاظ الآيات، من شاء فليرجع إلى تفسير ابن جرير.\n_________\n(١) في نسخة: \"هذا\".\n(٢) \"جامع البيان في تفسير القرآن\" (٢٩/ ٨٢).","vol":"5","page":545},{"text":"١٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى الْمَرْوَزِىَّ -، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سِمَاكٍ الْحَنَفِىِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلُ الْمُزَّمِّلِ كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِمْ فِى شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى نَزَلَ آخِرُهَا، وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا سَنَةٌ\". [ق ٢/ ٥٠٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>(٣٠٨) بَابُ قِيَامِ اللَّيْلِ</span>\n١٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي الزِّنَادَ،\n===\n١٣٠٥ - (حدثنا أحمد بن محمد يعني المروزي) يحتمل أن يكون ابن حنبل أو ابن شبويه، والظاهر هو الثاني، (نا وكيع، عن مسعر، عن سماك الحنفي، عن ابن عباس قال: لما نزلت أول المزمل) (١) وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ﴾ (٢) الآية (كانوا) أي الصحابة (يقومون) للصلاة (نحوًا من قيامهم في شهر رمضان (٣) حتى نزل آخرها) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٤) (وكان بين أولها وآخرها سَنَةٌ) (٥) فنسخ آخر السورة أولها.\n\n(٣٠٨) (بَابُ قِيَامِ اللَيْلِ) والفضل فيه\n١٣٠٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن\n_________\n(١) في مبدأ النبوة إذ أوحي في غار حراء، فرجع إلى خديجة، وقال: زملوني \"تفسير الجمل\" (٤/ ٤٢٦). (ش).\n(٢) سورة المزمل: الآيات ١ - ٣.\n(٣) يعني كما يقومون في زماننا في رمضان، فهذا تشبيه بالمنسوخ، فهو دليل على أن قيام رمضان أكثر من التهجد الغير المنسوخ، وعلم أيضًا أنهم يقومون لرمضان قريبًا من نصف الليل. (ش).\n(٤) سورة المزمل: الآية ٢٠.\n(٥) وكذا قالت عائشة كما سيأتي في \"باب في قيام الليل\". (ش).","vol":"5","page":546},{"text":"عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ\n===\nذكوان، (عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: يعقد) بكسر القاف أي يشد (الشيطان) (١) أي إبليس أو بعض جنده (على قافية رأس أحدكم) أي قفاه ومؤخره (إذا هو نام ثلاث عقد) (٢) والمراد بها عقد الكسل، قال البيضاوي: القافية القفا، وقفا كل شيء وقافيته آخره، وعقد الشيطان على قافيته استعارة عن تسليط (٣) الشيطان وتحبيبه النوم إليه، والدعة والاستراحة، والتقييد بالثلاث للتأكيد، أو لأن الذي ينحل به عقدته ثلاثة أشياء: الذّكْرُ والوضوء والصلاة، وكان الشيطان منعه عن كل واحدة منها بعقدة عقدها على قافيته، ولعل تخصيص القفا لأنه محل الواهمة ومحل تصرفها، وهو أطوع القوى للشيطان وأسرع إجابة لدعوته.\n(يضرب) أي بيده تأكيدًا أو إحكامًا (مكان) أي في مكان (كل عقدة) قال ميرك (٤): واختلف في هذا العقد فقيل: على الحقيقة، كما يعقد الساحر من يسحره، ويؤيده ما ورد في بعض طرق الحديث: \"إن على رأس كل آدمي حبلًا فيه ثلاث عقد\"، وقيل: على المجاز، كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم من منعه من الذكر والصلاة بفعل الساحر بالمسحور من منعه عن مراده، وقيل: المراد به عقد القلب وتصميمه على الشيء، فكأنه يوسوس بأن عليك ليلًا طويلًا، فيتأخر عن القيام، وقيل: مجاز عن تثبيط الشيطان وتعويقه للنائم من قيام الليل.\n_________\n(١) يخالف ما ورد: من قرأ آية الكرسي لا يقربه الشيطان. (ش).\n(٢) قال الشيخ ولي الله: جَرَّبْتُه. (ش).\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: تسويل، كما في \"المرقاة\" (٣/ ٢٩٤)، سَوَّل له الأمر حَبَّبَه إليه.\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٩٤).","vol":"5","page":547},{"text":"عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (١). [خ ١١٤٢، م ٧٧٦، ن ١٦٠٧، ط ١/ ١٧٦/ ٩٥، جه ١٣٢٩]\n===\n(عليك ليل طويل فارقد) قال الشيخ ابن حجر (٢): هكذا وقع في جميع روايات البخاري \"ليل\" بالرفع، ورواية الأكثر عن مسلم بالنصب على الإغراء، وقوله: \"عليك\" إما خبر لقوله: ليل طويل، أي ليل طويل باقٍ عليك، أو إغراء، أي عليك بالنوم أمامك ليل طويل، فالكلام جملتان، والثانية مستأنفة كالتعليل.\n(فإن استيقظ) أي من نوم الغفلة (فذكر الله) بالقلب أو اللسان (انحلت) أي انفتحت (عقدة) أي عقدة الغفلة، (فإن توضأ انحلت عقدة) أي عقدة النجاسة (فإن صلَّى انحلت عقدة) (٣) أي عقدة الكسالة والبطالة (فأصبح نشيطًا) أي للعبادة (طيب النفس) ذات فرح، لأنه تخلَّص عن وثاق الشيطان وتخفَّف عنه أعباء الغفلة والنسيان.\n(وإلَّا) أي وإن لم يفعل كذلك بل أطاع الشيطان ونام حتى تفوته صلاة الصبح، ذكره ميرك، والظاهر حتى تفوته صلاة التهجد (أصبح خبيث النفس) (٤) محزون القلب، كثير الهم، متحيرًا في أمره (كسلانًا) لا يحصل مراده فيما يقصد من أموره، لأنه مقيد بقيد الشيطان.\n_________\n(١) في نسخة: \"كسلان\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥).\n(٣) بالإفراد والجمع روايتان، كذا في \"الفتح\" (٣/ ٢٦). (ش).\n(٤) يشكل عليه ما سيأتي \"لا يقول أحدكم: خبثت نفسي\" وأجيب عنه بأن النهي باعتبار النفس، والقول باعنبار الوصف، أو النهي باعتبار الأصل، والقول تنفير وغير ذلك، كما في \"الأوجز\" (٣/ ٦٠٣). (ش).","vol":"5","page":548},{"text":"١٣٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ: \"سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى قَيْسٍ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ لَا يَدَعُهُ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ أَوْ كَسِلَ صَلَّى قَاعِدًا\". [ق ٣/ ١٥، حم ٦/ ٢٤٩، خزيمة ١١٣٧]\n١٣٠٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِى وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا،\n===\n١٣٠٧ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو داود) الطيالسي، (نا شعبة، عن يزيد بن خمير قال: سمعت عبد الله بن أبي قيس) ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن أبي موسى، والأول أصح، أبو الأسود النصري بالنون والمهملة، الحمصي، مولى عطية بن عازب، ويقال: ابن عفيف، وقيل: كان اسمه عازب، فسمَّاه رسول الله -ﷺ- عفيفًا، قال العجلي والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: من قال: عبد الله بن قيس فقد وهم.\n(يقول: قالت عائشة: لا تدع) نهي من ودع يدع، أي لا تترك (قيام الليل) أي التهجد (فإن رسول الله -ﷺكان لا يدعه) أي لا يتركه، (وكان) أي رسول الله -ﷺ- (إذا مرض أو كسل صلَّى قاعدًا).\n١٣٠٨ - (حدثنا ابن بشار، نا يحيى) القطان، (نا ابن عجلان) محمد، (عن القعقاع) بن حكيم، (عن أبي صالح) السمان ذكوان، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: رحم الله) دعاء أو خبر (رجلًا قام من الليل فصلَّى) أي التهجد (وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) ليزول عنها النوم (رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت) صلاة التهجد (وأيقظت زوجها،","vol":"5","page":549},{"text":"فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِى وَجْهِهِ الْمَاءَ». [ن ١٦١٠، جه ١٣٣٦، حم ٢/ ٢٥٠، ك ١/ ٣٠٩]\n١٣٠٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ الأَقْمَرِ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ (١)، عَنْ عَلِىِّ بْنِ الأَقْمَرِ - الْمَعْنَى - عَنِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ وَأَبِى هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا - أَوْ صَلَّى - رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا\n===\nفإن أبى) أي عن القيام لغلبة النوم (نضحت) أي رشت (في وجهه الماء) ليزول عنه النوم وينتبه.\n١٣٠٩ - (حدثنا ابن كثير) محمد، (نا سفيان، عن مسعر، عن علي بن الأقمر، ح: وحدثنا محمد بن حاتم بن بزيع، نا عبيد الله بن موسى، عن شيبان) بن عبد الرحمن النحوي، (عن الأعمش، عن علي بن الأقمر، المعنى) أي معنى حديث الأعمش ومسعر، عن علي بن الأقمر واحدٌ.\n(عن الأغر) هو أبو مسلم المدني، نزل الكوفة، وروى عن أبي هريرة وأبي سعيد، وكانا اشتركا في عتقه، وزعم قوم أنه أبو عبد الله سلمان الأغر، وهو وهم، وقال في \"التقريب\": إنه ثقة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال البزار: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي سعيد) الخدري (وأبي هريرة قالا: قال رسول الله -ﷺ-: إذا أيقظ الرجل أهله) أي زوجته (من الليل) من تبعيضية، أي في بعض أجزاء الليل (فصليا) أي الزوجان (أو صلى) أي الرجل وأهله \"أو\" للشك من الراوي (ركعتين جميعًا) تأكيد لضمير صليا أو صلَّى، والمراد أن كل واحد منهما صلَّى\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"جميعًا\".","vol":"5","page":550},{"text":"كُتِبَ (١) في الذَّاكِرِينَ وَ(٢) الذَّاكِرَاتِ\"، وَلَمْ يَرْفَعْهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَلَا ذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ، جَعَلَهُ كَلَامَ أَبِي سَعِيدٍ. [جه ١٣٣٥، ك ٦/ ٤١٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عن سُفْيَانَ، قَالَ: وَأُرَاهُ ذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ سُفْيَانَ مَوْقُوفٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>(٣٠٩) بَابُ النُّعَاسِ في الصَّلَاةِ</span>\n١٣١٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،\n===\n(كتب) أي كل واحد منهما (في الذاكرين) الله كثيرًا (والذاكرات) وفي الحديث إشارة إلى تفسير الآية الكريمة: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (٣) الآية (ولم يرفعه) أي الحديث (ابن كثير، ولا ذكر) أي ابن كثير (أبا هريرة) بل (جعله) أي جعل ابن كثير الحديث (كلام أبي سعيد).\n(قال أبو داود: رواه ابن مهدي) عبد الرحمن (عن سفيان، قال) ابن مهدي: (وأراه) أي أظن سفيان (ذكر أبا هريرة، قال أبو داود: وحديث سفيان موقوف) أي على أبي سعيد، وفي \"السنن الكبرى\" (٤) للبيهقي: قال الشيخ: ورواه عيسى بن جعفر الرازي عن سفيان مرفوعًا نحو حديث الأعمش.\n\n(٣٠٩) (بَابُ النُّعَاسِ في الصَّلَاةِ)\nالنعاس هو الوسن وأول النوم، وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي العين ولا تصل إلى القلب، فإذا وصله كان نومًا\n١٣١٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة،\n_________\n(١) في نسخة: \"كتبا\".\n(٢) في نسخة: \"أو\".\n(٣) سورة الأحزاب: الآية ٣٥.\n(٤) (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢).","vol":"5","page":551},{"text":"عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ (١) أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِى الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ». [خ ٢١٢، م ٧٨٦، ن ١٦٢، ت ٣٥٥، جه ١٣٧٠، حم ٦/ ٥٦]\n===\nعن أبيه، عن عائشة زوج النبي) - ﷺ -، (أن النبي - ﷺ - قال: إذا نعس) بفتح العين ويكسر (أحدكم في الصلاة (٢) فليرقد) الأمر للاستحباب، الرقد والرقاد والرقود بضمهما: النوم، أي فلينم (حتى يذهب عنه النوم) أي ثقله (فإن أحدكم) علة للرقاد وترك الصلاة (إذا صلَّى وهو ناعس) جملة حالية (لعله) استئناف بيان لما قبله (يذهب يستغفر) أي يريد أن يستغفر (فيسب) بالنصب ويجوز الرفع (نفسه) من حيث لا يدري، أي يقصد أن يستغفر لنفسه بأن يقول: اللَّهُمَّ اغفر، فيسب نفسه بأن يقول: اللَّهُم اعفر بالمهملة، فيكون دعاء عليه بالذل والهوان.\nفإن قيل: ظاهر الشرع يقتضي أن ما يخرج من لسان الإنسان من غير اختيار لا يعتبر به، فكيف بما يخرج في حالة النعاس، فإن هذه الحالة حالدة عدم الشعور، فكيف يكون علة للمنع عن الصلاة، فإنه ورد في الحديث: \"رفع عن الأمة الخطأ والنسيان\"، وقال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣)؟ .\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"- ﷺ -\".\n(٢) قال المهلب: إنما هذا في صلاة الليل، لأن الفريضة ليست في أوقات النوم ولا فيها من التطويل ما يوجب ذلك. قال الحافظ (١/ ٣١٥): وقد جاء الحديث على سبب، وهو قصة الحولاء بنت تويت، لكن العبرة بعموم اللفظ، فيعمل به أيضًا في الفرائض إن أمن بقاء الوقت، انتهى. واختار العموم القسطلاني والعيني عبرة بعموم اللفظ. (انظر: \"عمدة القاري\" ٢/ ٥٨٨، و\"إرشاد الساري\" ١/ ٢٨٥). (ش).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٢٥.","vol":"5","page":552},{"text":"١٣١١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ». [م ٧٨٧، حم ٢/ ٣١٨، جه ١٣٧٢]\n١٣١٢ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ وَهَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الأَزْدِىُّ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمْ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ،\n===\nقلنا: نعم، نسلم أن ما يخرج من لسان الإنسان من غير اختيار لا يكون فيه إثم ولا مؤاخذة، ولكن يمكن أن يكون سببًا لما يترتب عليه من الضرر باعتبار التسبيب، كالسم إذا تناول خطأ بلا علم لا يأثم، ولكن يترتب عليه الموت تسبيبًا، وقد روى جابر عنه - ﷺ - أنه قال: \"لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم ولا على أموالكم\" (١) الحديث، وظاهر أن الإنسان لا يقصد في الدعاء عليه هلاكه ولا هلاك أولاده وأمواله، ولكن يصدر عنه في الغضب تلك الكلمات، فمع هذا منع - ﷺ - أيضًا لئلا يوافق ساعة الإجابة فيستجاب له فكذا هذا، والله أعلم.\n١٣١١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: إذا قام أحدكم من الليل) أي في بعض ساعات الليل، فصلَّى، وقرأ القرآن فيها، فغلب عليه النعاس (فاستعجم) أي صعب (القرآن على لسانه) لغلبة النعاس (فلم يدر ما يقول) أي يقرأ (فليضطجع) حتى يذهب عنه النوم، وكذا الحكم إذا قرأ القرآن خارج الصلاة.\n١٣١٢ - (حدثنا زياد بن أيوب وهارون بن عباد الأزدي أن إسماعيل بن إبراهيم) وهو المعروف بابن علية (حدثهم قال: نا عبد العزيز) بن صهيب،\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٠٠٩)، وأبو داود (١٥٣٢)، وابن حبان (٥٧٤٢).","vol":"5","page":553},{"text":"عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ: «مَا هَذَا الْحَبْلُ؟» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، هَذِهِ (١) حَمْنَةُ ابنة (٢) جَحْشٍ تُصَلِّى، فَإِذَا أَعْيَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لِتُصَلِّي مَا أَطَاقَتْ، فَإِذَا أَعْيَتْ فَلْتَجْلِسْ».\nقَالَ زِيَادٌ: فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّى، فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ: «حُلُّوهُ»، فَقَالَ: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ». [خ ١١٥٠، م ٧٨٤، جه ١٣١٧، ن ١٦٤٣، حم ٣/ ١٠١]\n===\n(عن أنس قال: دخل رسول الله -ﷺ- المسجد وحبل ممدود بين ساريتين) أي أسطوانتين من سواري المسجد (فقال) رسول الله -ﷺ-: (ما هذا الحبل؟) لأي أمر شُدَّ؟ (فقيل: يا رسول الله -ﷺ- هذه حمنة (٣) بنت جحش) أخت زينب بنت جحش ختنة رسول الله -ﷺ- (تصلي) صلاة طويلة (فإذا أعيت) فإذا حسرت (تعلقت به) أي بهذا الحبل لتستريح (فقال رسول الله -ﷺ-: لتصلي ما أطاقت، فإذا أعيت فلتجلس) هذا لفظ هارون بن عباد.\n(قال زياد: فقال) رسول الله -ﷺ-: (ما هذا؟ قالوا: لزينب) بنت جحش أم المؤمنين، أي هذا الحبل لزينب، فسمى زياد صاحبة الحبل زينب (تصلي، فإذا كسلت أو فترت) شك من الراوي (أمسكت به) أي بالحبل وتعلقت به.\n(فقال) رسول الله -ﷺ-: (حُلُّوه) أي فكوه (فقال) رسول الله -ﷺ-: (ليصل أحدكم نشاطه) أي وقت نشاطه (فإذا كسل أو فتر فليقعد) حتى يذهب عنه الكسل والفتور.\n_________\n(١) في نسخة: \"لهذه\".\n(٢) في نسخة: \"بنت\".\n(٣) وفي \"إقامة الحجة\" (ص ١٤): لعله وهم، لأن جل الروايات لزينب، وقال العيني (٥/ ٥٠٢): لا مانع من التعدد، وقد ورد لميمونة، ووجهه الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٦) بتوجيه آخر. (ش).","vol":"5","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>(٣١٠) بَابُ مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ</span>\n١٣١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. (ح): وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ - الْمَعْنَى -، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ - قَالَا: عَنِ ابْنِ وَهْبِ: ابْنِ عَبْدٍ الْقَارِىِّ - قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ نَامَ\n===\n\n(٣١٠) (بَابُ مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ)\nالحزب: النوبة في ورود الماء، وهو ههنا ما يجعله على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد\n١٣١٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا أبو صفوان عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان) الأموي الدمشقي، ثقة (ح وحدثنا سليمان بن داود ومحمد بن سلمة المرادي قالا) أي ابن داود ومحمد بن سلمة: (نا ابن وهب، المعنى) أي معنى حديث أبي صفوان وابن وهب واحد، كلاهما أي أبو صفوان وابن وهب، (عن يونس، عن ابن شهاب أن السائب بن يزيد وعبيد الله) بن عبد الله بن عتبة (أخبراه أن عبد الرحمن بن عبد) وهذا لفظ قتيبة، بأنه ذكر اسمه عبد الرحمن ولم يذكر لفظ القاري.\n(قالا) أي سليمان ومحمد: (عن ابن وهب: ابنَ عبد القاري) بأنهما لم يذكرا اسمه، وزاد لفظ القاري، وغرضه بيان الفرق بين لفظ قتيبة وبين لفظ ابن داود وابن سلمة في إيراد لفظ عبد الرحمن ابن عبد القاري.\n(قال: سمعت عمر بن الخطاب (١) يقول: قال رسول الله -ﷺ-: من نام\n_________\n(١) قال ابن العربي: والجمع بينه وبين حديث عائشة الآتي بأن حديث عائشة متأخر. (ش)","vol":"5","page":555},{"text":"عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ». [ت ٥٨١، م ٧٤٧، ن ١٧٩٠، جه ١٣٤٣، حم ١/ ٣٢ - ٥٣، ق ٢/ ٢٨٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>(٣١١) بَابٌ: فِيمَنْ نَوَى الْقِيَامَ فَنَامَ</span>\n١٣١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ رَضًى:\n===\nعن حزبه (١) أي فاته كله لغلبة النوم (أو عن شيء منه) أي فاته بعضه (فقرأه) أي الحزب (ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له) أي عند الله (كأنما قرأه من الليل) فيثاب بثواب قراءة الليل.\n\n(٣١١) (بَابٌ: فِيمَنْ نَوَى الْقِيَامَ فَنَامَ)\nأي فيمن عزم في أول الليل على أن يقوم في الليل فنام فلم يستيقظ\n١٣١٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن رجل عنده) أي عند سعيد بن جبير ظرف لرضىً (رضىً) مصدر وصف به مبالغة كما يقال: رجل صدق، وزيد عدل، ويحتمل أن يكون صفة على وزن غني، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في المبهمات: سعيد بن جبير عن رجل عنده رضىً عن عائشة في النوم عن صلاة الليل، هو الأسود بن يزيد النخعي.\nوقال الحافظ في \"شرح النخبة\" (٣): وكذا لا يقبل خبره لو أبهم بلفظ التعديل كأن يقول الراوي: أخبرني الثقة؛ لأنه قد يكون ثقةً عنده مجروحًا عند\n_________\n(١) وكان ﵇ إذا نام عن صلاة الليل صلَّى في النهار ثنتي عشرة ركعة، كذا في \"العارضة\" (٢/ ٢٣٠). (ش).\n(٢) (١٢/ ٣٦٩).\n(٣) انظر: \"شرح شرح النخبة\" (ص ٥١٢).","vol":"5","page":556},{"text":"أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ -ﷺ- أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ إلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً». [ن ١٧٨٤، ط ١/ ١١٧/ ١، ق ٣/ ١٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>(٣١٢) بَابٌ: أَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ</span>؟\n١٣١٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ،\n===\nغيره، وهذا على الأصح في المسألة، ولهذه النكتة لم يقبل المرسل، ولو أرسله العدل جازمًا به لهذا الاحتمال بعينه، وقيل: يقبل تمسكًا بالظاهر إذ الجرح خلاف الأصل.\n(أن عائشة زوج النبي - ﷺ - أخبرته أن رسول الله -ﷺقال: ما من امرئ) قال في \"القاموس\": والمرء مثلثة الميم: الإنسانُ أو الرجلُ، ولا يُجْمَعُ من لفظه أو سُمِعَ مَرؤونَ وهي بهاءٍ، ويقال: مَرَة والامرأة، وفي امْرئٍ مع ألف الوصل ثلاث لغات: فتح الراء دائمًا، وضمها دائمًا، وإعرابها دائمًا، وتقول: هذا امْرُؤٌ، ومَرْءُ، ورأيت امْرَأً ومرءًا، ومررت بامْرِئٍ وبمرءٍ معربًا من مكانين.\n(تكون له صلاة بليل) أي يعتادها في الليل (يغلبه) أي الرجل (عليها) أي الصلاة (نوم) فتفوته (١) الصلاة (إلَّا كتب له أجر صلاته) بنيته التي نواها (وكان نومه عليه) أي على الرجل (صدقة) تصدق الله به عليه، فيكون له في نومه أجر.\n\n(٣١٢) (باب: أَيُّ اللَّيْلِ) أي: أيُّ ساعاته (أَفْضَلُ؟)\n١٣١٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن أبي عبد الله الأغر) سلمان،\n_________\n(١) بأن لا يستيقظ أو انتبه لكن لا يقدر على أن يصلي لغلبة النوم، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٣١٩). (ش).","vol":"5","page":557},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﷿ (١) كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ». [خ ١١٤٥، م ٧٥٨، حم ٢/ ٢٦٤، ت ٤٤٦، جه ١٣٦٦]\n===\n(عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: ينزل (٢) ربنا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر) (٣) صفة لثلث (فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).\nقال القاري (٤): قال ابن حجر: أي ينزل أمره ورحمته أو ملائكته، وهذا تأويل الإِمام مالك وغيره، ويدل له الحديث الصحيح: \"إن الله ﷿ يمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر مناديًا ينادي فيقول: هل من داع فيستجاب له؟ \" الحديث.\nوالتأويل الثاني، ونسب إلى مالك أيضًا: أنه على سبيل الاستعارة، ومعناه الإقبال على الداعي بالإجابة واللطف والرحمة وقبول المعذرة، كما هو عادة الكرماء لا سيما الملوك إذا نزلوا بقرب محتاجين ملهوفين مستضعفين.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٥): في هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران.\nفمذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين الإيمان بحقيقتها على ما يليق به\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في\".\n(٢) قال ابن العربي (٢/ ٢٣٤): اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال، فمنهم من ردَّه، لأنه خبر واحد وهم المبتدعة، ومنهم من قبله بلا تأويل، ومنهم من فسره، وبه أقول ... إلخ، وبسطه أشد البسط، وراجع \"تأويل مختلف الحديث\" لابن قتيبة (ص ٣٢٧). (ش).\n(٣) وفي وقت النزول خمس روايات ذكرها العيني في \"عمدة القاري\" (٥/ ٤٨٥). (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٩٩).\n(٥) (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"5","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>(٣١٣) بَابُ وَقْتِ قِيَامِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ اللَّيْلِ</span>\n١٣١٦ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ،\n===\nتعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله سبحانه عن سائر سمات الحدوث.\nوالثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف، وهو محكي عن مالك والأوزاعي إنما يتأول (١) على ما يليق بها بحسب بواطنها (٢)، فعليه الخبر مؤوَّل بتأويلين أي المذكورين، وبكلامه وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا وغيرهم يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظوهر كالمجيء، والصورة، والشخص، والرجل، والقدم، واليد، والوجه، والغضب، والرحمة، والاستواء على العرش، والكون في السماء، وغير ذلك مما يفهمه ظاهرها لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره، وإنما اختلفوا هل نصرفه عن ظاهره معتقدين اتصافه سبحانه بما يليق بجلاله وعظمته من غير أن تأوله بشيء آخر؟ وهو مذهب أكثر أهل السلف، وفيه تأويل إجمالي، أو مع تأويله بشيء آخر، وهو مذهب أكثر أهل الخلف وهو تأويل تفصيلي، ولم يريدوا بذلك مخالفة السلف الصالح معاذ الله أن يظن بهم ذلك، وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك لكثرة المجسمة والجهمية وغيرهما من فرق الضلالة واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، إلى آخر ما قاله الشيخ القاري في \"المرقاة على المشكاة\".\n\n(٣١٣) (بَابُ وَقْتِ قِيَامِ النبِي - ﷺ - مِنَ اللَّيْلِ)\n١٣١٦ - (حدثنا حسين بن يزيد) بن يحيى الطحان الأنصاري (الكوفي)\n_________\n(١) كذا في \"المرقاة\"، وفي \"شرح مسلم\": \"أنها تتأول\"، وهو الظاهر.\n(٢) كذا في \"المرقاة\"، وفي \"شرح مسلم\": \"مواطنها\".","vol":"5","page":559},{"text":"حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيُوقِظُهُ اللَّهُ ﷿ بِاللَّيْلِ، فَمَا يَجِئُ السَّحَرُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حِزْبِهِ\". [ق ٣/ ٣]\n١٣١٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. (ح): وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، وَهَذَا حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ لَهَا: أَىُّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّى؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصُّرَاخَ قَامَ فَصَلَّى\". [خ ١١٣٢، م ٧٤١، ٧٨٣، ن ١٦١٦، حم ٦/ ٩٤، ق ٣/ ٣]\n===\nلين الحديث، (نا حفص) بن غياث، (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: إنْ) مخففة من الثقيلة كان رسول الله -ﷺ- ليوقظه الله ﷿ بالليل، فما يجيء السحر) أي آخر الليل (حتى يفرغ) رسول الله -ﷺ- (من حزبه) أي ورده.\n١٣١٧ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أبو الأحوص) سلام بن سليم، (ح: وحدثنا هناد، عن أبي الأحوص، وهذا) أي المذكور لفظ (حديث إبراهيم، عن أشعث) بن أبي الشعثاء، (عن أبيه، عن مسروق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله -ﷺ- فقلت لها) أي لعائشة - ﵂ -: (أيَّ حين) من الليل (كان) رسول الله -ﷺ- (يصلي؟ قالت: كان إذا سمع الصراخ) أي صوت الديك (قام فصلَّى) وأكثر ما يصيح (١) الديك في الحجاز بعد نصف الليل، قاله الطيبي (٢)، وكان هذا أكثر أوقاته.\n_________\n(١) وقال شيخنا الدهلوي في \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥): يصرخ ثلاثًا: أولًا نصف الليل، ثم إذا بقي ربع الليل، ثم عند طلوع الصبح المعترض، فتأمل. (ش).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٠٧)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٨٠).","vol":"5","page":560},{"text":"١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِى إلَّا نَائِمًا تَعْنِى النَّبِىَّ -ﷺ-\". [خ ١١٣٣، م ٧٤٢، جه ١١٩٧، حم ٦/ ١٣٧، ق ٣/ ٣]\n١٣١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدُّؤَلِىِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَخِى حُذَيْفَةَ،\n===\n١٣١٨ - (حدثنا أبوتوبة) الربيع بن نافع، (عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: ما ألفاه) أي ما أدرك رسول الله -ﷺ- (السحر عندي) أي عندما كان رسول الله -ﷺ- عندي في نوبتي (إلَّا نائمًا تعني) أي بالضمير (النبي - ﷺ -).\nقال الحافظ (١): قال ابن التين: قولها: \"إلَّا نائمًا\" تعني مضطجعًا على جنبه، لأنها قالت في حديث آخر: \"فإن كنت يقظانة حدثني وإلَّا اضطجع\"، انتهى. وتعقبه ابن رشيد بأنه لا ضرورة لحمل هذا التأويل، لأن السياق ظاهر في النوم حقيقة، وظاهر في المداومة على ذلك، ولا يلزم من أنه كان ربما لم ينم وقت السحر هذا التأويل، فدار الأمر بين حمل النوم على مجاز التشبيه أو حمل التعميم على إرادة التخصيص، والثاني أرجح وإليه ميل البخاري، انتهى.\n١٣١٩ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله) بن أبي قدامة (الدؤلي) الحنفي، ويقال: محمد بن عبيد أبو قدامة، قال الذهبي: ما روى عنه فيما أعلم إلَّا عكرمة بن عمار، وقال في \"التقريب\": مقبول، (عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة) قال في \"تهذيب\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨).","vol":"5","page":561},{"text":"عن حُذَيْفَةَ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ (١) إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى\". [حم ٥/ ٣٨٨]\n١٣٢٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا الْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ السَّكْسَكِيُّ،\n===\nالتهذيب\" (٢): عبد العزيز أخو حذيفة، ويقال: ابن أخي حذيفة، روى عن حذيفة \"أن النبي - ﷺ - كان إذا حزبه أمر صلَّى\"، ذكره ابن حبان في التابعين من كتاب \"الثقات\"، وقال: لا صحبة له.\nقلت: صحح أبو نعيم أنه ابن أخي حذيفة، ووهم ابن منده بذكره إياه في الصحابة، وقوله: إنه أخو حذيفة، وذكره في الصحابة أيضًا أبو إسحاق بن الأمين وغيره، وذلك مصير منهم إلى أنه أخو حذيفة فيكون له إدراك أو رؤية، لأن أبا حذيفة قتل يوم أحد مع النبي - ﷺ -، ولكن قال الحافظ في \"تهذيبه\" (٣) في ترجمة محمد بن عبد الله بن أبي قدامة: روى عن عبد العزيز بن أبي حذيفة ويقال: أخي حذيفة، انتهى. قلت: لفظ أبي تصحيف، والصواب ابن أخي حذيفة.\n(عن حذيفة) بن اليمان (قال: كان النبي - ﷺ - إذا حزبه) أي نابه (أمر) شديد (صلَّى) أي بادر إلى الصلاة، فالمراد بالصلاة الصلاة الشرعية أو الدعاء، قال القاري (٤): وهذه الصلاة ينبغي أن تسمى بصلاة الحاجات، لأنها غير مقيدة بكيفية من الكيفيات، ولا مختصة بوقت من الأوقات.\n١٣٢٠ - (حدثنا هشام بن عمار، نا الهقل) بكسر أوله وسكون القاف ثم لام (ابن زياد السكسكي) بمهملتين مفتوحتين بينهما كاف ساكنة، الدمشقي، نزيل بيروت، قيل: هو لقب واسمه محمد أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعي، ثقة.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله -ﷺ-\".\n(٢) (٦/ ٣٦٤).\n(٣) (٩/ ٢٧١).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤١٠).","vol":"5","page":562},{"text":"حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ كَعْبٍ الأَسْلَمِىَّ يَقُولُ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- آتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَبِحَاجَتِهِ فَقَالَ: «سَلْنِى»، فَقُلْتُ: مُرَافَقَتَكَ فِى الْجَنَّةِ، قَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّى عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». [م ٤٨٩، ت ٣٤١٦، ن ١١٣٨، جه ٣٨٧٩، حم ٤/ ٥٧]\n===\n(نا الأوزاعى، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمعت ربيعة بن كعب) بن مالك (الأسلمي) أبو فراس بكسر فاء وخفة راء وسين مهملة، المدني، كان من أهل الصُّفة، خدم النبي - ﷺ -، وروى عنه، له في الكتب حديث واحد (١)، فيه: \"أعني على نفسك بكثرة السجود\" (يقول: كنت أبيت مع رسول الله -ﷺ-) لعله كان يخدمه (٢) في السفر (آتيه بوَضوئه) أي ماء الوضوء (وبحاجته) أي ما يحتاج إليه في ذلك الوقت.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (سلني، فقلت: مرافقتك) أي أسأل صحبتك وقربك (في الجنة، قال: أو) الهمزة للاستفهام والواو للعطف. أي أو تسأل (غير ذلك؟ قلت: هو) أي غير ذلك (ذاك) حاصله أن كل ما أسأله هو مرافقتك ليس إلا ذاك (قال: فأعني) أي فكن لي عونًا (على نفسك) الأمَّارة بالسوء التي تمنع من حصول مطلوبك (بكثرة السجود) أي بكثرة الصلاة والعبادة، أو يقال: أعني على إصلاح نفسك.\n_________\n(١) ولا يشكل عليه ما في الترمذي (٣٤١٦) من الدعاء في هوي من الليل، لأن ظاهر ما في \"مسند أحمد\" (٤/ ٥٧) رقم (١٦٥٥٧) أنهما حديث واحد اختصره بعض الرواة فذكره مقطعًا، نعم يشكل عليه ما في مسند أحمد (١٦٥٥٨) من حديث النكاح الطويل، ويمكن التفصي عنه بأن المراد بالكتبِ الستةُ.\nواستدل بذلك على أنها أفضل من طول القيام، وأجيب بأن المراد كثرة الصلاة، وستأتي المذاهب قريبًا. (ش).\n(٢) وهكذا في \"الكوكب\" (٤/ ٣٤٠)، ويشكل عليه ما في \"مسند أحمد\" (٤/ ٥٧) من لفظ الحجرة والبيت، وللتأويل مساغ، كما في \"المرقاة\" (٢/ ٦١٥). (ش).","vol":"5","page":563},{"text":"١٣٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١)، قَالَ: \"كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ\"، قال: وَكَانَ (٢) الْحَسَنُ يَقُولُ: \"قِيَامُ اللَّيْلِ\". [ق ٣/ ١٩]\n===\nقال القاري (٣): قال ابن الملك: وفيه إشارة إلى أن هذه المرتبة العالية لا تحصل بمجرد السجود، بل به مع دعائه ﵇ له إياها من الله تعالى، وفي قوله: على نفسك إيذان بأن نيل المراتب العلية إنما يكون بمخالفة النفس الدنية.\n١٣٢١ - (حدثنا أبو كامل، نا يزيد بن زريع، نا سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن أنس بن مالك في هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال) أنس: (كانوا) أي الصحابة - ﵃- (يتيقَّظون ما بين المغرب والعشاء يصلون) أي ليصلوا صلاة العشاء، فالمراد بقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الاستيقاظ لانتظار صلاة العشاء.\n(قال) قتادة: (وكان الحسن) البصري (يقول) في تفسير الآية: إن المراد منه (قيام الليل) لصلاة التهجد.\nقال ابن جرير في \"تفسيره\" (٤): واختلف أهل التأويل في الصلاة التي وصفهم جلَّ شأنه أن جنوبهم تتجافى لها عن المضجع، فقال بعضهم: هي الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال: نزلت هذه الآية في قوم كانوا يصلون في هذا الوقت، ثم أخرج من حديث أنس بطرق مختلفة.\n_________\n(١) سورة السجدة: الآية ١٦.\n(٢) في نسخة: \"فكان\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦١٥).\n(٤) \"جامع البيان في تفسير القرآن\" (٢١/ ٦٣).","vol":"5","page":564},{"text":"١٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عَدِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ في قَوْلِهِ ﷿: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١)، قَالَ: \"كَانُوا يُصَلِّونَ فِيمَا بَيْنَ (٢) الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ\"، زَادَ في حَدِيثِ يَحْيَى:\n===\nوقال آخرون: عني بها صلاة المغرب، ثم أخرج الروايات التي تدل على أنها العتمة، وقال آخرون: عني بها قيام الليل، ثم أخرج الرواية الدالة عليه، وقال آخرون: إنما هذه صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله، ثم أخرج الرواية الدالة عليه.\nثم قال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى وصف هؤلاء القوم بأن جنوبهم تنبو عن مضاجعهم شغلًا منهم بدعاء ربهم وعبادته خوفًا وطمعًا، وذلك نبوُّ جنوبهم عن المضاجع ليلًا، لأن المعروف من وصف الواصف رجلًا بأن جنبه نبا عن مضجعه، إنما هو وصف منه له بأنه جفا عن النوم في وقت منام الناس المعروف، وذلك الليل دون النهار، إلى آخر ما قال.\n١٣٢٢ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا يحيى بن سعيد، وابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس في قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾) أي كانوا قليلًا يهجعون في بعض الليل، وهو الوقت الذي بين المغرب والعشاء، لا ينامون فيه، بل يصلون فيه، فعلى هذا من تبعيضية، وقيل: معناه: كانوا ينامون قليلًا من الليل ويصلون أكثره، ووقف بعضهم على قوله: كانوا قليلًا أي من الناس، ثم ابتدأ من الليل ما يهجعون، أي لا ينامون في الليل البتة، بل يقومون الليل كله في الصلاة والعبادة.\n(قال) أي أنس: كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء، زاد) أي محمد بن المثنى (في حديث يحيى) بن سعيد دون حديث ابن أبي عدي:\n_________\n(١) سورة الذاريات، الآية ١٧.\n(٢) في نسخة: \"بينهما\".","vol":"5","page":565},{"text":"وَكَذَلِكَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [ق ٣/ ١٩، ك ٢/ ٤٦٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>(٣١٤) بَابُ افْتِتَاحِ صَلَاةِ اللِّيْلِ بِرَكْعَتَينِ</span>\n١٣٢٣ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ (١) ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ». [م ٧٦٨، حم ٢/ ٢٣٢، ق ٣/ ٦]\n===\n(وكذلك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾) أي كما نزلت ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية في الذين كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء، كذلك نزلت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ أيضًا فيهم.\n\n(٣١٤) (بَابُ افْتِتَاحِ صَلَاةِ اللَّيْلِ بِرَكعَتَيْنِ)\nأي خفيفتين\n١٣٢٣ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، نا سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: إذا قام أحدكم من الليل) ليتهجد (فليصل ركعتين خفيفتين) (٢) أي في الابتداء.\nقال القاري (٣) ذيل حديث عائشة: \"كان إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين\": قال في \"الأزهار\": المراد بهما ركعتا الوضوء، ويستحب فيهما التخفيف لورود الروايات بتخفيفهما قولًا وفعلًا، انتهى. والأظهر أن الركعتين من جملة التهجد، يقومان مقام تحية الوضوء، [لأن الوضوء] ليس له صلاة على حدة، فيكون فيه إشارة إلى أن من أراد أمرًا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٢) وفي \"الفتح\" (٣/ ٢٤) وفروع الشافعية: أن الغرض من تخفيفهما السرعة في حلِّ العقدة التي يعقدها الشيطان، فالثالثة منها تنحلُّ بالصلاة، فتأمل فهو عجيب، ولله درّهم. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٦٤).","vol":"5","page":566},{"text":"١٣٢٤ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنَ خَالِدٍ -، عَنْ رَبَاحِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: «إِذَا - بِمَعْنَاهُ - زَادَ: ثُمَّ لْيُطَوِّلْ بَعْدُ مَا (١) شَاءَ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَجَمَاعَةٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَوْقَفُوهُ عَلَى أَبِى هُرَيْرَةَ.\nوَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ أَوْقَفُوهُ عَلَى أَبِى هُرَيْرَةَ،\n===\nيشرع فيه قليلًا ليتدرج، قال الطيبي: ليحصل بهما نشاط الصلاة ويعتاد بهما، ثم يزيد عليهما بعد ذلك، انتهى.\n١٣٢٤ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا إبراهيم -يعني ابن خالد-، عن رباح) بن زيد، (عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال) أبو هريرة: (إذا) الحديث حدث أي مخلد (بمعناه) أي بمعنى الحديث المرفوع المتقدم، وهذا موقوف على أبي هريرة (زاد) مخلد: (ثم ليطول) الصلاة (بعد) أي بعد هاتين الركعتين (ما شاء).\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث حماد بن سلمة وزهير بن معاوية وجماعة، عن هشام) بن حسان، (عن محمد أوقفوه على أبي هريرة، وكذلك رواه أيوب وابن عون أوقفوه على أبي هريرة).\nقال البيهقي في \"سننه\" (٢): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو بن أبي جعفر، أنبأنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين\"، رواه مسلم عن أبي بكر، وكذلك رواه أبو خالد الأحمر وجماعة عن هشام بن حسان، ورواه جماعة\n_________\n(١) في نسخة: \"بما\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٦).","vol":"5","page":567},{"text":"وَرَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ عن مُحَمَّدٍ (١) قَالَ: \"فِيهِمَا تَجَوُّزٌ\".\n١٣٢٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ حَنْبَلٍ - يَعْنِى أَحْمَدَ -، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عُثْمَانُ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِىٍّ الأَزْدِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِىٍّ\n===\nعن هشام موقوفًا على أبي هريرة، منهم: حماد بن سلمة وحماد بن زيد، وكذلك رواه أيوب وابن عون وابن سيرين، وروي في حديث أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة \"ثم ليطول بعد ما شاء\" أخبرنا أبو علي الروذباري، أبنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا مخلد بن خالد، ثنا إبراهيم، عن رباح، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة من قوله.\n(ورواه ابن عون (٢)، عن محمد قال: فيهما تجوز) إما على صيغة الأمر أو على صيغة المستقبل بحذف إحدى التائين، ويحتمل المصدر أيضًا.\n١٣٢٥ - (حدثنا ابن حنبل - يعني أحمد-، نا حجاج) بن محمد المصيصي (قال: قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل النوفلي المكي، كان قاضيًا على مكة، ثقة، (عن علي) بن عبد الله أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقي (الأزدي) قال ابن عدي: ليس عنده كثير حديث، وهو عندي لا بأس به، وقال منصور عن مجاهد: كان علي الأزدي يختم القرآن في رمضان كل ليلة، روى له مسلم حديثًا واحدًا في الدعاء إذا استوى على الراحلة في السفر، ونقل ابن خلفون عن العجلي أنه وثقه.\nوقال في \"الميزان\" (٣): قد احتج به مسلم، ما علمت لأحد فيه جرحة، وهو صدوق.\n(عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي) بضم المهملة وسكون\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) أخرج روايته أبو عوانة في \"صحيحه\" (٢/ ٣٠٤).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ١٤٢).","vol":"5","page":568},{"text":"الْخَثْعَمِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ (١) سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضلُ؟ قَالَ: \"طُولُ الْقِيَامِ\". [ن ٢٥٢٦ (بلفظ: طول الْقنوت)، دي ١٤٢٤، حم ٣/ ٤١١]\n===\nالموحدة بعدها معجمة ثم ياء ثقيلة (الخثعمي) أبو قتيلة بقاف مصغرًا، صحابي، قال ابن سعد: نزل مكة (أن النبي - ﷺ - سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام).\nوأخرج الترمذي (٢) هذا الحديث عن جابر قال: قيل للنبي - ﷺ -: أي الصلاة أفضل؟ قال: \"طول القنوت\" (٣).\nقال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود. وقال بعضهم: كثرة الركوع (٤) والسجود أفضل من طول القيام، وقال أحمد بن حنبل: قد روي عن النبي - ﷺ - في هذا حديثان، ولم يقض فيه بشيء.\nوقال إسحاق: أما بالنهار (٥) فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل فطول القيام، إلَّا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلى، لأنه يأتي على جزئه وقد ربح كثرة الركوع والسجود.\nقال أبو عيسى: وإنما قال إسحاق هذا، لأنه كذا وُصِفَ صلاةُ النبي - ﷺ - بالليل، ووُصِفَ طول القيام، وأما بالنهار فلم يُوصف من صلاته من طول القيام ما وصف بالليل.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٦): قال النووي (٧): وفي هذه المسألة مذاهب:\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله -ﷺ-\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣٨٧).\n(٣) قال ابن العربي: للقنوت عشر معان. (\"عارضة الأحوذي\" ٢/ ١٧٨). (ش).\n(٤) ويؤيده ما تقدم حديث \"أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود\" وتقدم قريبًا. (ش).\n(٥) وبه جزم ابن العربي (٢/ ١٧٩). (ش).\n(٦) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٩٩).\n(٧) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٤١).","vol":"5","page":569},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحدها: أن تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بذلك ابن عمر.\nوالمذهب الثاني: أن تطويل القيام أفضل لحديث جابر، وإلى ذلك ذهب الشافعي وجماعة كما سيأتي.\nو[المذهب] الثالث: أنها سواء، وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة ولم يقض فيها [بشيء].\nوقال في محل آخر في شرح حديث جابر (١): والحديث يدل على أن القيام أفضل من الركوع والسجود وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة منهم الشافعي (٢) وهو الظاهر، ولا يعارض حديث الباب وما في معناه الأحاديث المتقدمة في فضل السجود؛ لأن صيغة أفعل الدالة على التفضيل، إنما وردت في فضل طول القيام، ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام، وأما حديث \"ما تقرب العبد إلى الله بأفضل من سجود خفي\" فإنه لا يصح لإرساله كما قال العراقي، ولأن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف، وكذلك أيضًا لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حالي سجوده أفضليته على القيام، لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء.\nقال العراقي: الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تشرع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإِمام في الفرائض والنوافل، فهو مأمور بالتخفيف المشروع، إلَّا إذا علم من حالي المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صبي ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يحمل صلاته في المغرب بالأعراف، كما تقدم، انتهى.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٠٠).\n(٢) وحكي في فروعنا مذهبه كثرة السجود كما في \"الشامي\" (٢/ ٥٥٤)، وغيره، وفيه قولان للمالكية، كما في \"مختصر الخليل\" للدردير (٢/ ١٦). (ش).","vol":"5","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>(٣١٥) بَابٌ: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَىَ مَثْنَىَ</span>\n١٣٢٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى،\n===\n\n(٣١٥) (باب: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى)\n١٣٢٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رجلًا) قال العيني (١): وقع في \"معجم الطبراني\" هو: ابن عمر، لكن يعكر عليه رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر: \"أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ- هو وأنا بينه وبين السائل\"، فذكر الحديث، وذكر محمد بن نصر في كتاب \"أحكام الوتر\" من رواية عطية، عن ابن عمر: أن أعرابيًا سأل؟ قلت: إذا حمل الأمر على تعدد السائل لا اعتراض فيه، ويجوز أن يكون ابن عمر عبر عن السائل تارة بـ: رجلًا، وتارة بـ: أعرابيًا، ويجوز أن يكون هو السائل مع سؤال (٢) الرجل.\n(سأل رسول الله -ﷺ- عن صلاة الليل) أي عددها، لأن جوابه ﵇ بقوله: \"مثنى\" يدل على ذلك (فقال رسول الله -ﷺ-: صلاة الليل مثنى مثنى) (٣) مرفوع بأنه خبر مبتدأ وهو قوله: صلاة الليل، وهو بدون التنوين لأنه غير منصرف، وسئل ابن عمر ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تسلم في كل ركعتين، وقال بعضهم: فيه رد على من زعم من الحنفية أن معنى اثنتين أن يتشهد بين كل ركعتين، لأن راوي الحديث أعلم بالمراد، ولأنه لا يقال في الرباعية مثلًا إنها مثنى.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢١٢).\n(٢) وفي الأصل: \"رسول\" وهو تحريف.\n(٣) وقد أخرج الترمذي (٣٨٥) بروايهْ ابن عباس: \"الصلاة مثنى مثنى يتشهد بعد كل صلاة\"، الحديث، وتقدم عند المصنف \"باب في صلاة النهار\"، وتقدم البسط في معناه في \"البذل\". (ش).","vol":"5","page":571},{"text":"فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ (١) لَهُ مَا قَدْ صَلى\". [خ ٩٩٠، م ٧٤٩، -٧٥١، ط ١/ ١٢٣/ ١٣، ن ١٦٧١، جه ١٣٢٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>(٣١٦) بَابٌ في رَفْعِ الصَّوتِ بِالْقِرَاءَةِ في صَلَاةِ اللَّيْلِ</span>\n١٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرَكَانِيُّ،\n===\nقلت: زعم هذا الحنفي بما ذكر لا يستلزم نفي السلام، ومقصوده أن لا بد من التشهد بين كل ركعتين، وأما أنه يسلم أو لا يسلم فهو بحث آخر، فيجوز أن يقال في الرباعية: مثنى مثنى، أي أن كل ركعتين منها مثنى مع قطع النظر عن السلام.\nقال الحافظ (٢): حمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل، ويحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف، إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها لما فيه من الراحة غالبًا.\n(فإذا خشي أحدكم الصبح) أي فوت الوتر بطلوع الفجر (صلى ركعة واحدة) مع الركعتين المتقدمتين (توتر) هذه الركعة (له) أي للمصلي (ما قد صلَّى) أي الصلاة التي صلَّى قبل الركعة وهي الركعتان المتقدمتان، وهذه الجملة قرينة على اتصال الركعة الواحدة بما قبلها، ومن يقتصر على ركعة واحدة كيف يوتر له ما قبلها، وليس قبلها مثنى لانقطاعها عنها؟\n\n(٣١٦) (بَابٌ في رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ في صَلَاةِ اللَّيْلِ)\n١٣٢٧ - (حدثنا محمد بن جعفر) بن زياد بن أبي هاشم، أبو عمران (الوركاني) قال في \"التقريب\": بفتحتين، وقال السمعاني في \"الأنساب\" (٣): بفتح الواو وسكون الراء، من أهل خراسان، منسوب إلى وركان، وهي قرية من\n_________\n(١) في نسخة: \"يوتر\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٩).\n(٣) (٥/ ٥٩٢).","vol":"5","page":572},{"text":"نَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ (١) - ﷺ - عَلَى قَدْرِ مَا (٢) يَسْمَعُهُ مَنْ في الْحُجْرَةِ وَهُوَ في الْبَيْتِ\". [حم ١/ ٢٧١، ق ٣/ ١١]\n١٣٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى خَالِدٍ الْوَالِبِىِّ،\n===\nقرى قاشان، (نا ابن أبي الزناد) عبد الرحمن، (عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت قراءة النبي - ﷺ -) أي رفع صوت قراءته (على قدر ما يسمعه) أي مقدار صوت ما يسمعه (من في الحجرة وهو) - ﷺ - في (البيت) أي في بيته.\nقيل: المراد بالحجرة صحن البيت، ويحتمل أن يقال: إن المراد بالبيت هو الحجرة نفسها. أي يسمع من فيها، وقال العسقلاني: الحجرة أخص من البيت، يعني كان لا يرفع صوته كثيرًا ولا يسر بحيث لا يسمعه أحد، وهذا إذا كان يصلي ليلًا، وأما في المسجد فكان يرفع صوته فيها كثيرًا، ذكره ابن الملك (٣).\n١٣٢٨ - (حدثنا محمد بن بكار بن الريان) الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله البغدادي الرصافي، ثقة، (نا عبد الله بن المبارك، عن عمران بن زائدة) بن نشيط بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ثم مهملة، الكوفي، ثقة، (عن أبيه) زائدة بن نشيط، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي خالد الوالبي) بموحدة قبلها كسرة، اسمه هرمز، ويقال: هرم، مقبول، من الثانية، وقد على عمر، وقيل: حديثه عنه مرسل، فيكون من الثالثة، هذه النسبة إلى والبة، وهي حي من بني أسد.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله \".\n(٢) وفي نسخة: \"من يسمعه\".\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٧٧).","vol":"5","page":573},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: \"كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيّ - ﷺ - بِاللَّيْلِ يَرْفَعُ طَوْرًا وَيَخْفِضُ طَوْرًا\". [خزيمة ١١٥٩، ك ١/ ٣١٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو خَالِدٍ الْوَالِبِيُّ اسْمُهُ: هُرْمُزُ.\n١٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-. (ح): وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِى بَكْرٍ يُصَلِّى يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ. قَالَ: وَمَرَّ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُصَلِّى رَافِعًا صَوْتَهُ. قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ\n===\n(عن أبي هريرة أنه قال: كانت قراءة النبي - ﷺ - بالليل) في \"الأزهار\": يعني في الصلاة، ويحتمل [في] غيرها أيضًا، والخبر محذوف وهو مختلفة (يرفع) صوته رفعًا متوسطًا (طورًا) [أي]، مرة أو حالة إن كان خاليًا (ويخفض طورًا) إن كان هناك نائم أو بحسب حاله المناسب لكل منهما (قال أبو داود: أبو خالد الوالبي اسمه هرمز).\n١٣٢٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت) بن أسلم (البناني، عن النبي - ﷺ -) وهذا السند مقطوع، (ح: وحدثنا الحسن بن الصباح، نا يحيى بن إسحاق) السيلحيني، (أنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله (١) بن رباح، عن أبي قتادة: أن النبي - ﷺ - خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر) أي مار بأبي بكر (يصلي) حال عنه (يخفض) حال عن ضمير يصلي (من صوته) من زائدة أو تبعيضية (قال: ومر بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعًا صوته، قال) أبو قتادة: (فلما اجتمعا عند النبي - ﷺ - قال النبي - ﷺ -: يا أبا بكر مررت بك وأنت\n_________\n(١) قال ابن العربي (٢/ ٢٣٧): الصحيح إرساله عن ابن رباح. (ش).","vol":"5","page":574},{"text":"تُصَلِّي تَخْفِضُ (١) صَوْتَكَ\" قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَقَالَ لِعُمَرَ: \"مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ\". قَالَ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ\".\nزَادَ الْحَسَنُ في حَدِيثِهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شيْئًا\"،\n===\nتصلي تخفض صوتك) أي لِمَ اخترت هذا؟\n(قال) أبو بكر، لما غلب عليه من الشهود والجمال: (قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله) جواب متضمن لعلة الخفض، أي أنا أناجي ربي وهو يسمع، ولا يحتاج إلى رفع الصوت.\n(قال: وقال لعمر: مررت بك وأنت تصلي رافعًا صوتك) أي لم اخترت هذا؟ (قال) أبو قتادة: (فقال) عمر، لما غلب عليه من الهيبة والجلال: (يا رسول الله -ﷺ- أوقظ) أي أنبه (الوسنان) أي النائم الذي لم يستغرق في نومه (وأطرد) أي أبعد (الشيطان) ووسوته بالغفلة عن ذكر الرحمن، وتأمل في الفرق بين مرتبتيهما ومقاميهما، وإن كان لكل نية حسنة في فعليهما وحاليهما من مرتبة الجمع للأول وحالة الفرق للثاني، والأكمل هو جمع الجمع الذي كان حاله عليه الصلام ودَلَّهما عليه.\n(زاد الحسن في حديثه: فقال النبي - ﷺ -) لكونه الطبيب الحاذق والحبيب المشفق الموصل إلى مرتبة الكمال: (يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا) أي قليلًا لينتفع بك السامع ويتعظ مهتدٍ، ولما غلب عليه مزاج التوحيد الحار المحرق ما سوى الله الحق في الدار ليحصل له المقام الجمعي الشهودي بأن لا تحجبه الوحدة عن الكثرة، ولا الخلق عن الحق، وهو أكمل المراتب، وأفضل المناصب الذي هو وظيفة الرسل الكرام وطريقة الأولياء التابعين المكملين العظام.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من\".","vol":"5","page":575},{"text":"وَقَالَ لِعُمَرَ: \"اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا\". [ت ٤٤٧، خزيمة ١١٦١، ق ٣/ ١١]\n١٣٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينِ بْنُ يَحْيَى الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ،عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لَمْ يَذْكُرْ: فَقَالَ لأَبِى بَكْرٍ: «ارْفَعْ شَيْئًا» وَلا لِعُمَرَ: «اخْفِضْ شَيْئًا».\nزَادَ: «وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلَالُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ» قَالَ: كَلَامٌ طَيِّبٌ يجمعه الله\n===\n(وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا) أي قليلًا لئلا يتشوش بك نحو مصلٍ أو نائم معذور، وإنما أراد به - ﷺ - بأمره ليعتدل مزاجه، فإن برودة الخلق وكافورية الشيطان كانت غالبة عليه، فأمره بمزج عسل التوحيد الذي فيه شفاء للناس، وباستعمال حلاوة المناجاة التي هي لذة العبادات وزبدة الطاعات عند أرباب الحالات وأصحاب المقامات، أذاقنا الله من مشاربهم، وأنالنا من مآربهم- آمين- قال الطيبي (١): نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢).\n١٣٣٠ - (حدثنا أبو حصين) بالمهملة مكبرًا (ابن يحيى) بن سليمان (الرازي) ثقة، قيل: اسمه عبد الله، (نا أسباط بن محمد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - بهذه القصة) المذكورة في الحديث المتقدم (لم يذكر) أبو هريرة: (فقال لأبي بكر: ارفع شيئًا، ولا لعمر: اخفض شيئًا، زاد) أبو هريرة: (وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة) من تبعيضية (قال) بلال: (كلام طيب) أي القرآن (يجمعه الله)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٠٥)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٧٨).\n(٢) سورة الإسراء: الآية ١١٠.","vol":"5","page":576},{"text":"بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ (١) النَّبِيُّ - ﷺ -: \"كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ\". [ق ٣/ ١١]\n١٣٣١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَجُلًا\n===\nأي على لساني (بعضه إلى بعض، فقال النبي - ﷺ -: كلكم قد أصاب) أي من قرأ سرًا، ومن قرأ جهرًا، ومن قرأ الآيات من هذه السورة (٢) والآيات من سورة أخرى فقد أصاب.\nفإن قلت: هذا الحديث يعارض الحديث المتقدم، فإن في هذا الحديث تصويب فعلهما، وفي الحديث المتقدم عدم التصويب بل فيه شيء من الإنكار؟\nقلت: كلا ليس فيه إنكار بل فيه إرشاد إلى ما هو الأولى لهما، ولا ينافيه تصويب ما كانا عليه من حالتيهما قبل ذلك، والله أعلم.\n١٣٣١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة: أن رجلًا (قال الحافظ في \"الفتح\" (٣): جزم عبد الغني بن سعيد في \"المبهمات\" بأن المبهم في رواية هشام عن أبيه، عن عائشة هو عبد الله بن يزيد الأنصاري، فروى من طريق عمرة عن عائشة \"أن النبي - ﷺ - سمع صوت قارئ يقرأ، فقال: صوت من هذا؟ قالوا: عبد الله بن يزيد، قال: لقد ذَكَّرني آية يرحمه الله كنت أنسيتها\"، ويؤيد ما ذهب إليه مشابهة قصة عمرة عن عائشة بقصة عروة عنها بخلاف قصة عباد بن عبد الله عنها، فليس فيه تعرض لنسيان الآية.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: قال\".\n(٢) ويشكل عليه ما حكى السيوطي في \"الإتقان\" (١/ ١٤٤) برواية سعيد بن المسيب من الإنكار على بلال - ﵁ - ولفظه: قال: أخلط الطيب الطيب، فقال: \"اقرأ السورة على وجهها\" أو قال: \"على نحوها\"، مرسل صحيح، وفي طريق آخر: عن عمر مولى غفرة أنه ﵇ قال لبلال: إذا قرأت السورة فانفذها ... إلخ. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٥).","vol":"5","page":577},{"text":"قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَقَرَأَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ بالْقُرْآنِ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَرْحَمُ اللَّهُ فُلَانًا كَأَيِّن (١) مِنْ آيَةٍ أَذْكَرَنِيهَا اللَّيْلَةَ كُنْتُ قَدْ أَسْقَطْتُهَا\". [خ ٥٠٤٢، م ٧٨٨، \"السنن الكبرى\" للنسائي ٨٠٠٦، ق ٣/ ١٢]\n===\n(قام من الليل فقرأ فرفع صوته بالقرآن) يحتمل أن قراءته كانت بالصلاة أو خارجها (فلما أصبح) أي دخل في الصباح (قال رسول الله - ﷺ -: يرحم الله فلانًا) دعاء له (كأين) بكاف وهمزة مفتوحتين وتحتانية مكسورة مشددة في آخره نون ساكنة بمعنى كم (من آية) قال في \"القاموس\": وكأين وكائن بمعنى كم في الاستفهام والخبر، مركب من كاف التشبيه وأيٍّ المنونة، ولهذا جاز الوقف عليها بالنون، ورسم في المصحف نونًا (أذكرنيها الليلة كنت قد أسقطتها).\nقال الحافظ (٢): لم أقف على تعيين الآيات المذكورة، وفي رواية: \"كنت أنسيتها\" قال الحافظ: هي مفسرة لقوله: \"أسقطتها\" فكأنه قال: أسقطتها نسيانًا لا عمدًا، وفي رواية معمر عن هشام عند الإسماعيلي \"كنت نسيتها\" بفتح النون ليس قبلها همزة.\nقال الإسماعيلي: النسيان من النبي - ﷺ - لشيء من القرآن يكون على قسمين: أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قريب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله - ﷺ - في حديث ابن مسعود في السهو: \"إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون\" (٣). والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٤)، قال: فأما القسم الأول فعارض سريع الزوال لعارض (٥) قوله تعالى:\n_________\n(١) في نسخة: \"كأي\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٨٥ - ٨٦).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٨٩/ ٥٧٢)، والنسائي (١٢٤٤)، وأبو داود (١٠٢٠)، وابن ماجه (١٢١١).\n(٤) سورة الأعلى: الآية ٦.\n(٥) كذا في الأصل، والصواب: لظاهر قوله تعالى، كما في \"فتح الباري\" (٩/ ٨٦).","vol":"5","page":578},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ هَارُونُ النَّحْوِيُّ، عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ في الْحُرُوفِ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾.\n===\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١)، وأما الثاني فداخل في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٢) على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزةٍ.\nوفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبيء - ﷺ - فيما ليس طريقه البلاغ مطلقًا، وكذا فيما طريقه البلاغ لكن بشرطين: أحدهما: أنه بعد ما يقع تبليغه، والآخر: أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصل له تذكُّره إما بنفسه وإما بغيره، فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلًا.\nوفي الحديث أيضًا جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد.\nواختلف السلف في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، واحتجوا بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعًا: \"عرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها\" (٣) وفي إسناده ضعف، انتهى مختصرًا.\n(قال أبو داود: ورواه هارون النحوي) (٤) هو هارون بن موسى الأزدي العتكي مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو إسحاق البصري، الأعور، ثقة، صاحب القراءات، (عن حماد بن سلمة) فهذه الرواية من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، لأن هارون من الطبقة السابعة وحماد بن سلمة من الثامنة (في) تفسير (سورة آل عمران) متعلق بقوله: رواه (في الحروف) أي في بيان القراءات في سند قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾).\n_________\n(١) سورة الحجر: الآية ٩.\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٠٦.\n(٣) أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦)، والبيهقي (٢/ ٤٤٠)، وابن خزيمة (١٢٩٧).\n(٤) لم أجد رواية هارون في كتاب القراءات كما أشار إليه المصنف، بل فيه رواية محمد بن إسماعيل عن حماد، فلعل المصنف حذف هذه الرواية، أو أنها في بعض النسخ من كتاب \"السنن\" والله أعلم.","vol":"5","page":579},{"text":"١٣٣٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ (١) رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الْقِرَاءَةِ» أَوْ قَالَ: «فِى الصَّلَاةِ». [حم ٣/ ٩٤، خزيمة ١١٦٢، ك ١/ ٣١١، ق ٣/ ١١]\n===\nحاصله أن قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾ (٢) الآية، قرئ بوجهين: أولهما: وكأين بفتح الكاف والهمزة والياء المشددة المكسورة في آخره نون، وهذا قراءة جميع القراء إلا ابن كثير، فإن وقف عليه فالبصري يقف على الياء تنبيهًا على الأصل، والباقون يقفون بالنون اتباعًا لصورة الرسم، وثانيهما: كائن على وزن فاعل، وهو قراءة ابن كثير، فروى هارون هذا الحديث على خلاف ما رواه موسى بن إسماعيل، فإن كان رواية موسى بن إسماعيل عن حماد على الوجه الأول، فرواية هارون على الوجه الثاني، وإن كان رواية موسى بن إسماعيل على الوجه الثاني، فرواية هارون على الوجه الأول.\n١٣٣٢ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن إسماعيل ابن أمية، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله -ﷺ- في المسجد فسمعهم) أي أصحابه (يجهرون بالقراءة (٣)، فكشف الستر وقال: ألا) حرف تنبيه (إن كلكم مناجٍ ربه، فلا يوذين بعضكم بعضًا) أي برفع صوته (ولا يرفع بعضكم على بعض) صوته (في القراءة) أي قراءة القرآن (أو) للشك من الراوي (قال: في الصلاة) والشاك راوٍ من رواة السند، وفي رواية البيهقي: \"في القراءة في الصلاة\" بدون لفظ أو للشك.\n_________\n(١) في نسخة: \"يناجي\".\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٤٦.\n(٣) وفي \"الإحياء\" (١/ ٢٧٨): من رواية أبي داود وغيره عن البياضي في الصلاة بعد المغرب. (ش).","vol":"5","page":580},{"text":"١٣٣٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِىِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ». [ت ٢٩١٩، ن ١٦٦٣، حم ٤/ ١٥١، ق ٣/ ١٣، ك ١/ ٥٥٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>(٣١٧) بَابٌ: في صَلَاةِ اللَّيْلِ</span>\n===\n١٣٣٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله -ﷺ-: الجاهر) أي المعلن (بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر) أي المخفي (بالقرآن كالمسر بالصدقة).\nقال القاري (١): قال الطيبي: جاء آثار بفضيلة الجهر بالقرآن، وآثار بفضيلة الإسرار [به]، فالجمع بأن يقال: الإسرار أفضل لمن يخاف الرياء، والجهر أفضل لمن لا يخافه بشرط أن لا يؤدي غيره من مصلٍ أو نائم أو غيره (٢)، وذلك لأن العمل في الجهر يتعدى نفعه إلى غيره من استماع أو تعلم أو ذوق، أو كونه شعارًا للدين، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه، ويطرد النوم عنه، وينشط غيره للعبادة، فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل.\n\n(٣١٧) (بَابٌ: في صَلَاةِ اللَّيْلِ)\nاعلم أن صلاة الليل يطلق حقيقة على ما يصلى فيه، سواء كان فرضًا أو واجبًا أو نفلًا، ولكن خص في استعمال الشرع بالتهجد والوتر، ولم يطلق على صلاة المغرب والعشاء، فإنهما وإن كانا من صلاة الليل باعتبار الحقيقة،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٧٠٢).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المرقاة\" غيرهما.","vol":"5","page":581},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولكن صارت الحقيقة مهجورة فيهما، فلهذا لا يشمل صلاة الليل في إطلاق الشرع عليهما (١)، ولا يطلق إلا على صلاة التهجد والوتر، فإطلاق لفظ صلاة الليل عليه حقيقة قاصرة.\nثم اختلفت الروايات في صلاة الليل، أما التهجد فوقع الاختلاف فيها في أدائها فقط، وأما حكمها فمتفق عليه أنها ليس بواجب على الأمة، وأما الوتر فوقع الاختلاف في حكمها وفي أدائها، وسيأتي بحثه في أبواب الوتر.\nأما الاختلاف الواقع في صلاة التهجد في أدائها فليس هو باختلاف في الواقع، بل وقع الاختلاف فيها في أدائها بحسب اختلاف الأوقات في الأداء، فإن رسول الله -ﷺ- صلاها دائمًا، فمرة صلاها على كيفية خاصة، وفي أخرى على كيفية أخرى، فلهذا وقع الاختلاف فيها خصوصًا في الروايات التي روت عائشة - ﵂ -، فإنها كثيرة الاختلاف بحيث يصعب الجمع بينها، ولهذا حكم بعضهم بالاضطراب فيها، وحاشا من ذلك كما ستعرف إن شاء الله تعالى، فأكثر الروايات عنها تدل على أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي صلاة الليل إحدى عشرة ركعة، وفي بعضها: كان يصلي بعد الوتر ركعتين قاعدًا.\nولما كان رسول الله -ﷺ- صلاهما في بعض الأحيان لبيان الجواز، وليعلم أن قوله - ﷺ -: \"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا\" ليس للوجوب، ذكرتهما مرة وتركتهما أخرى.\nوأما الروايات التي تدل على أنه - ﷺ - كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ففي بعضها هذا العدد يتم بالركعتين اللتين كان يصليهما قاعدًا، وفي بعضها يتم بما كان يصلي من ركعتي سنَّة الفجر لقربها من صلاة الليل.\nوأما الاختلاف الواقع في أدائها ففي بعضها: أنه - ﷺ - كان يصلي إحدى\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: \"إياهما\". (ش).","vol":"5","page":582},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعشرة ركعة يسلم من كل ثنتين، وفي بعضها: يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة فيسلم.\nوفي رواية: كان يوتر بثمان ركعات، لا يجلس إلَّا في الثامنة، ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى، لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلم إلَّا في التاسعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن وأخذ اللحم أوتر بسبع ركعات، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، وهذا لفظ حديث سعد بن هشام، عن عائشة - ﵂ -.\nولفظ حديث زرارة بن أوفى، عن عائشة أنها قالت: ثم يقوم إلى مصلاه فيصلي ثمان ركعات، يقرأ فيهن بأم الكتاب وسورة من القرآن وما شاء الله، ولا يقعد في شيء منها حتى يقعد في الثامنة، ولا يسلم، ويقرأ في التاسعة، ثم يقعد فيدعو بما شاء الله أن يدعوه ويسأله ويرغب إليه، ويسلم تسليمة واحدة شديدة يكاد يوقظ أهل البيت من شدة تسليمه، ثم يقرأ وهو قاعد بأم الكتاب، [ويركع وهو قاعد]، ثم يقرأ الثانية فيركع ويسجد وهو قاعد، ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم وينصرف، فلم تزل تلك صلاة رسول الله - ﷺ - حتى بدن، فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الست والسبع وركعتيه وهو قاعد حتى قبض على ذلك.\nوفي حديث عروة عن عائشة قالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتيه قبل الصبح، يصلي ستًا مثنى مثنى، ويوتر بخمس، لا يقعد بينهن إلَّا في آخرهن.\nوفي حديث عبد الله بن أبي قيس قال: قلت لعائشة: بكم كان رسول الله -ﷺ- يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة.\nولفظ حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عند مسلم، أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله -ﷺ-؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على","vol":"5","page":583},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا.\nفالاختلافات الواقعة في هذه الأحاديث المذكورة أكثرها محمولة على اختلاف الأحوال والأوقات، ولكن الذي وقع فيها أنه كان يوتر منها بخمس لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة، وكذا ما وقع في الأخرى: \"كان يوتر بثمان ركعات لا يجلس إلا في الثامنة\"، الحديث، ففيها إشكال صعب على رأي الحنفية فإنهم قالوا بوجوب القعود والتشهد بعد كل من الركعتين في الفرض والنفل جميعًا، لقوله - ﷺ -: \"وأن تشهد في كل ركعتين\" وهو مجمع عليه عندهم.\nفالجواب عنه ما قال القاري (١): وقد يقال: المعنى لا يجلس في شيء للسلام بخلاف ما قبله من الركعات، وفيه نظر، لأن الحنفية قائلون بأن الوتر ثلاث لا تجوز الزيادة عليها، فإذا صلَّى خمس ركعات، فإن نوى الوتر في أول التحريمة لا يجوز ذلك، لأن الزيادة على الثلاث ممنوعة، وإن نوى النفل في أول التحريمة لا يؤدي الوتر بنية النفل.\nوإن قيل: إنها كانت في ابتداء الإِسلام، ثم أستقر الأمر على أن الوتر ثلاث ركعات فينافيه ما سيأتي من حديث زرارة بن أوفى عند أبي داود: \"فلم تزل تلك صلاة رسول الله - ﷺ - حتى بدن، فنقص من التسع [ثنتين] فجعلها إلى الست والسبع وركعتيه وهو قاعد حتى قبض على ذلك\".\nفالأولى في التوجيه على مذهب الحنفية أن يقال: لا يجلس في شيء من الخمس جلسة الفراغ والاستراحة حتى يجلس تلك الجلسة في الآخرة، أي بعد الركعة الآخرة، أو يقال: لا يجلس، أي لا يصلي جالسًا في شيء من الخمس حتى يجلس، أي يصلي في الأخيرة جالسًا، والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٦٢).","vol":"5","page":584},{"text":"١٣٣٤ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثنَى، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عن حَنْظَلَةَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بسَجْدَةٍ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ الْفَجْرِ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَة\" [خ ١١٤٠، م ٧٣٨، ن ١٦٩٦، ق ٣/ ٧]\n١٣٣٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ-: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ\". [خ ٩٩٤، م ٧٣٦، ن ١٦٩٦، ت ٤٤٠، جه ١١٧٧، حم ٦/ ٣٤]\n===\n١٣٣٤ - (حدثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم، (عن حنظلة) بن أبي سفيان، (عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- يصلِّي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة) أي بركعة (ويسجد) أي يصلي (سجدتي) أي ركعتي (الفجر) فهذه إحدى عشرة ركعة من صلاة الليل ما سوى ركعتي الفجر، فعند من قال بركعة واحدة للوتر عشر ركعات من صلاة الليل، وعند من قال بثلاث ركعات للوتر فثمان ركعات لصلاة الليل (فذلك ثلاث عشرة ركعة).\n١٣٣٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -: أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن) وقد تقدم البحث في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر وبعدهما قريبًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد\".","vol":"5","page":585},{"text":"١٣٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (١) وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ (٢) وَهَذَا لَفْظُهُ قَالَا: نَا الْوَلِيدُ، نَا الأَوْزَاعِيُّ - وَقَالَ نَصْرٌ: عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالأَوْزَاعِيُّ - عن الزُّهْرِي، عن عُرْوَةَ، عن عَائَشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَنْصَدِعَ الْفَجْرُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ، وُيوْتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَيَمْكُثُ في سُجُوده قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيةً\n===\n١٣٣٦ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) دحيم (ونصر بن عاصم) الأنطاكي (وهذا لفظه) أي لفظ نصر (قالا: نا الوليد) بن مسلم، (نا الأوزاعي، وقال نصر: عن ابن أبي ذئب والأوزاعي) فزاد ابن أبي ذئب (عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى أن ينصدع) أي ينشق (الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ثنتين، ويوتر بواحدة) أي مضمومة إلى الشفع الذي قبلها، قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: فيه أن أقل الوتر ركعة فردة، والتسليم من كل ركعتين، وبهما قال الأئمة الثلاثة (ويمكث في سجوده).\nقال القاري (٣): قال البيضاوي: في الحديث دليل على أنه يجوز أن يتقرب إلى الله تعالى بسجدة فردة لغير التلاوة والشكر. قال الطيبي (٤): قيل: الفاء في \"فيسجد\" داعية إلى هذا، لكن قوله: \"من ذلك\" لا يساعد عليه إلا أن يقال: من ابتدائية متصلة بالفعل، أي فيسجد السجدة من جهة ما صدر عنه ذلك المذكور، فيكون حينئذ سجدة شكر، والظاهر أن الفاء لتفصيل المجمل، يعني فيسجد كل واحدة من سجدات تلك الركعات طويلة.\n(قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية) قلت: وهذا مبني على لفظ الحديث\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"دحيم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الأنطاكي\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٦٠).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٩٥).","vol":"5","page":586},{"text":"قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ\" [انظر سابقه]\n١٣٣٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وُيونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَ ابْنَ شِهَاب أَخْبَرَهُمْ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: \"وُيوْتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَيَسْجُدُ سَجْدَةً قَدْرَ مَا يَقْرَأ\n===\nالذي اتفق عليه الشيخان، فإن لفظه فيسجد السجدة من ذلك\"، أما على لفظ أبي داود وهو \"ويمكث في سجوده\" فلا يجري ذلك البحث فيه، بل لفظ أبي داود محتمل لسجدة الشكر وسجدة الصلاة، والظاهر المراد سجود الصلاة.\nونقل عن بعض الشوافع، قال بعض علمائنا من الشراح: قد اختلفت الآراء في جواز السجدة المنفردة من غير تلاوة وشكر، والأصح أنه حرام كالتقرب بركوع مفرد ونحوه، والثاني يجوز، قاله صاحب \"التقريب\"، وذكر صاحب \"الروضة\" سواء في هذا الخلاف في تحريم السجدة ما يفعل بين صلاة وغيرها، وليس هذا ما يفعل كثيرون من الجهلة السجدة بين يدي المشايخ، فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال سواء كانت إلى القبلة أو إلى غيرها، وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل عنه.\n(قبل أن يرفع رأسه) أي قبل إتمام السجود (فإذا سكت الموذن بالأولى) أي بالمناداة الأولى وهو الأذان، والثانية الإقامة (من صلاة الفجر قام) أي رسول الله -ﷺ- (فركع ركعتين خفيفتين) سنَّة الفجر (ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن) ليستريح من تعب قيام الليل.\n١٣٣٧ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد، أن ابن شهاب أخبرهم بإسناده) أي الحديث المتقدم (ومعناه، قال) سليمان بن داود في حديثه: (ويوتر بواحدة) أي بركعة واحدة (ويسجد سجدة قدر ما يقرأ","vol":"5","page":587},{"text":"أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ\" وَسَاقَ مَعْنَاهُ. قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n١٣٣٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوْتِرُ مِنْهَا بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ حَتَّى يَجْلِسَ في الآخِرَةِ فَيُسَلِّمَ\" (١). [م ٧٣٧، ت ٤٥٩، ن ١٧١٧، جه ١٣٥٩، حم ٦/ ٥٠، ق ٣/ ٢٧]\n===\nأحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه) من السجود (فإذا سكت الموذن من صلاة الفجر) أي من أذانها (وتبين له الفجر، وساق) سليمان بن داود (معناه) أي معنى الحديث المتقدم (قال) سليمان: (وبعضهم يزيد على بعض)\nوفي الحديث دليل على أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي سنَّة الفجر بعد تبين الفجر، ثم يضطجع حتى يأتيه المؤذن، فإذا آذنه المؤذن خرج يصلي بالناس، فتكون صلاته في الإسفار.\nقال القاري (٢): قال الطيبي: الحديث يدل على أن التبين لم يكن في الأذان، وإلَّا لما كان لذكر التبين فائدة، قلت: الظاهر أن المراد بالتبين الإسفار، فيفيد أن الإسفار مستحب حتى في حق السنَّة، ثم رأيت ابن حجر ذكر نظير ما ذكرته، ثم قال: وأفاد الحديث ندب التغليس بالأذان، وحكمته اتساع الوقت ليتم تَهيؤ الناس للدخول في الصلاة.\n١٣٣٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة فيسلم).\n_________\n(١) في نسخة: \"ويسلم\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٦١).","vol":"5","page":588},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.\n١٣٣٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،\n===\nوهذا الحديث لا يخالف مذهب الشافعية، قال في \"روضة المحتاجين\": وله في الفصل أن يتشهد بعد كل ركعتين أو أربع مثلًا وإن لم يسلم، وفي الوصل أن لا يتشهد إلا قبل الأخيرة وبعدها أو بعدها فقط، وهو أولى للنهي عن تشبيه الوتر بالمغرب في وقوع ركعة بين التشهدين، وأما الحنفية فظاهر الحديث مخالف لهم، فإنه يجب التشهد بعد كل من الركعتين عندهم، وقد تقدم توجيه الحديث على مذهبهم.\nوقال الطحاوي (١) بعد ما أخرج حديث هشام بن عروة عن عروة: كان يوتر بخمس سجدات، ولا يجلس بينها حتى يجلس في الخامسة ثم يسلِّم، وحديث محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة: كان يجلس في خمس (٢) لا يجلس إلا في آخرهن: فقد خالف ما روى هشام ومحمد بن جعفر عن عروة ما روى الزهري من قوله: كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، ويسلِّمُ بين كل ركعتين، فلما اضطرب ما روي عن عروة في هذا عن عائشة من صفة وتر رسول الله - ﷺ - لم يكن فيما روي عنها في ذلك حجة، ورجعنا إلى ما روى عنها غيره،\n(قال أبو داود: ورواه ابن نمير عن هشام نحوه) أي نحو ما روى وهيب عن هشام، وحديث ابن نمير عن هشام أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٣)، ولفظه: \"قالت: كان رسول الله -ﷺ- يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلَّا في آخرها\".\n١٣٣٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة،\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٨٤).\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: \"كان يوتر بخمسٍ\" انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٨٤).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٧٣٧)، وأيضًا أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٢٣٠)، والترمذي في \"سننه\" (٤٥٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٧).","vol":"5","page":589},{"text":"عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِاللَّيْلٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفتَيْنِ\". [خ ١١٧٠، م ٧٣٦، حم ٦/ ١٧٧] (وانظر سابقه)\n١٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ يُصَلِّى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُصَلِّى - قَالَ مُسْلِمٌ: بَعْدَ الْوِتْرِ، ثُمَّ اتَّفَقَا - رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ،\n===\nعن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة) وسيأتي تفصيله في الحديث الآتي (ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين) أي سنَة الفجر.\n١٣٤٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم قالا: نا أبان) بن يزيد العطار، (عن يحيى) أظنه ابن أبي كثير، (عن أبي سلمة، عن عائشة: أن نبي الله - ﷺ - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، وكان يصلي ثماني ركعات ويوتر) الشفع منها (بركعة ثم يصلي، قال مسلم: بعد الوتر) ولم يقل موسى ابن إسماعيل لفظ بعد الوتر (١) (ثم اتفقا) أي موسى ومسلم (ركعتين وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام فركع) أي إذا صلى ركعتين بعد الوتر وهو قاعد، فإذا أراد فيها الركوع لم يركع قاعدًا بل قام فركع.\nولكن هذا مخالف لما سيأتي من حديث زرارة عن عائشة: \"ثم يقرأ وهو قاعد بأم الكتاب، ويركع وهو قاعد، ثم يقرأُ الثانية فيركع ويسجد وهو قاعد\"، فيحمل على اختلاف الأوقات بأنه صلاهما مرة قاعدًا بحيث ركع\n_________\n(١) والركعتان بعد الوتر كرههما مالك وحملهما على الخصوصية لرواية: \"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا\"، كذا في \"المنهل\" (٧/ ٢٦٩). (ش).","vol":"5","page":590},{"text":"وُيصَلِّي بَيْنَ أَذَانِ الْفَجْرِ وَالإِقَامَةِ رَكْعَتَيْنِ. [م ٧٣٨، ن ١٧٥٦، حم ٦/ ٥٢]\n١٣٤١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ -ﷺ-: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: \"مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَزِيدُ فِى رَمَضَانَ وَلَا فِى غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً،\n===\nوسجد وهو قاعد، وصلاهما مرة بأنه أحرم قاعدًا، ثم إذا أراد أن يركع قام فركع وسجد وهو قائم، لكن ثبت عن عائشة أن رسول الله -ﷺ- لم يكن يصلي صلاة الليل قاعدًا حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين أو أربعين آية، ثم ركع.\nفهذا الحديث يدل على أن قيام رسول الله -ﷺ- بعد القعود في صلاة تكون القراءة فيها طويلة، وهاتان الركعتان يقرأهما رسول الله -ﷺ- بقراءة خفيفة، فلا يناسب فيهما القيام بعد القعود، ويحتمل أن يكون هذا متعلقًا بثماني ركعات بأنه إذا صلاها قاعدًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ آيًا من القرآن، فركع وسجد وهو قائم، (ويصلي بين أذان الفجر والإقامة ركعتين) وهما سنَّة الفجر.\n١٣٤١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه) أي أبا سلمة (أخبره) أي سعيدًا (إنه) أي أبا سلمة (سأل عائشة) - ﵂ - (زوج النبي - ﷺ - كيف كانت صلاة رسول الله -ﷺ-) صلاة الليل (في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله -ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة).\nيشكل هذا بما تقدم من روايتها أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الشفعة التي كان يصليها جالسًا، فكيف تقول: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؟\nوأيضًا يشكل بصلاة التراويح، فإنه - ﷺ - صلاها ثلاث ليال، ثم تركها بعذر فرضيتها.","vol":"5","page":591},{"text":"يُصَلِّى أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّى أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّى ثَلَاثًا\n===\nوالجواب عن الأول: أن السائل لما سأل عن صلاة الليل وزاد لفظ: في رمضان، فظن أن رسول الله -ﷺ- لعله كان يزيد في رمضان على تهجده في غير رمضان، فردته بقولها: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره، أي في غالب الأحوال والأوقات، فغرضها بهذا الكلام الرد على ما يظن أنه - ﷺ - كان يزيد في رمضان على غيره، فلا ينافيه ما كان يصليه في بعض الأوقات ركعتين.\nوأما عن الثاني: فإن هذا الحديث لا تعلق له بالتراويح لا نفيًا ولا إثباتًا، فكأنها صلاة أخرى، والاستدلال بهذ الحديث على أن التراويح ثمان ركعات لغو، هكذا كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -.\n(يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا) (١) وهذا تفصيل لما أجمله أولًا، فإن عائشة بينت أولًا صلاة الليل في رمضان وفي غيره بالإجمال، ثم فصلتها بهذا، فظهر بهذا أنه - ﷺ - كان يصليها هكذا في أكثر الأحوال، وهذا الحديث ظاهر في الاستدلال على ما ذهب إليه الحنفية من أن الوتر ثلاث ركعات وما سواه ثمان ركعات من صلاة الليل.\nقال في \"الإكمال\" (٢): ثم اختلفوا في معنى الأربع، فقيل: إنه لم يكن يسلم من كل ركعتين، وقيل: إنه لم يجلس إلا في آخر كل أربعة، وقال مالك: والأكثر أنه كان يسلم من كل ركعتين، ثم اختلفوا في معنى الأربع، فقيل: أراد أنها على صفة واحدة في التلاوة والتحسين، لم تختلف الأخيرتان من الأولتين (٣)،\n_________\n(١) قال المناوي في \"شرح الشمائل\" (٢/ ٧٤): لم يذكر الطول فيها إشارة إلى تخفيفها، أو لأنها الوتر المعلوم للسائل كيفية إدائها. (ش).\n(٢) انظر: \"إكمال المعلم\" (٣/ ٨٤).\n(٣) كذا في \"الإكمال\"، والصواب بدله \"بالأوليين\". (ش).","vol":"5","page":592},{"text":"قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَىَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِى». [خ ١١٤٧، م ٧٣٨، ن ١٦٩٧، ت ٤٣٩، حم ٦/ ٣٦، ق ١/ ١٢٢]\n===\nثم الأربعة الثانية مستوية أيضًا في الطول والحسن وإن لم تبلغ في الطول قدر الأولى، كما قال في الآخر \"صلَّى ركعتين طويلتين ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما\". وقيل إنما خص الأربع بالذكر، لأنه كان ينام قبل (١) كل أربعة نومة، وفي حديث أم سلمة: كان يصلي ثم ينام قدر ما صلَّى، ثم يصلي قدر ما نام، هذا معنى ذكر الأربع لا أنه لم يكن يفصل بينهما بسلام.\n(قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله -ﷺ-، أتنام قبل أن توتر؟ فقال) رسول الله -ﷺ-: (يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي).\nقال في \"الإكمال\" عن القاضي عياض: لما رأته أنه ينام قبل أن يوتر، وعهدت من أبيها العكس على ما علم، وكانت صغيرة ليس عندها كبير علم، ظنت أن فعل أبيها لا يجوز غيره سألت فأجابها بذلك. قلت: والمعنى أن السبب في تقديم الوتر إنما هو خوف غلبة النوم وهو في ذلك بخلاف الناس، لأنه - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه، انتهى.\nقلت: ما قال القاضي عياض في توجيه قول عائشة بعيد جدًا، فإنه لم يثبت أن عائشة - ﵂ - سألته حين زفت إليه بل كانت عالمة فقيهة لا يقبل العقل السليم منها أنها تظن لما رأت من أبيها أنه لا ينام قبل الوتر، ورأت فعله - ﷺ - أنه ينام قبله، فتحمل فعل رسول الله -ﷺ- على عدم الجواز، وأيضًا لا يطابقه الجواب، فإن جوابه بأن كليهما أي النوم قبل الوتر وعدم النوم قبله جائز إن كان كافيًا لا يحتاج إلى بيان أن عينه تنام ولا ينام قلبه.\nوما وجهه صاحب \"الإكمال\" أن السبب في تقديم الوتر إنما هو خوف غلبة النوم ورسول الله - ﷺ - في ذلك بخلاف الناس، فإن عينه تنام ولا ينام قلبه،\n_________\n(١) في \"الإكمال\": بعد كل أربع نومةً.","vol":"5","page":593},{"text":"١٣٤٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا هَمَّامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عن سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: \"طَلَّقْتُ امْرَأَتِي فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ لأَبِيعَ عَقَارًا كَانَ لِي بِهَا فَأَشْتَرِيَ بِهِ السِّلَاحَ وَأَغْزُوَ، فَلَقِيتُ نَفَرًا مِنَ أَصْحَاب النَّبِيِّ (١) - ﷺ، فَقَالُوا: قَدْ أَرَادَ نَفَرٌ مِنَّا سِتَّةٌ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَنَهَاهُمُ الَنَبِيُّ - ﷺ -، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾\n===\nفغير صحيح، فإنّ رسول الله -ﷺ- نام ليلة التعريس حتى طلوع الشمس ولم يتنبه له، فالقلب المستيقظ لا يدرك طلوع الشمس، فكيف يدرك طلوع الفجر، بل غرض عائشة - ﵂ - عندي من سؤالها أنها حفظت من رسول الله -ﷺ- أن النوم ناقض للوضوء، ورؤى رسول الله -ﷺ- ينام في أثناء صلاة الليل، ويوتر بعد النوم من غير أن يجدد وضوءه، فسألته عن ذلك، فأجابها رسول الله -ﷺ- بأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه فيدرك الحدث، وليس أحد من أمته في ذلك مثله فتنتقض طهارتهم، والله أعلم.\n١٣٤٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا همام، ثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام قال) سعد: (طلقت امرأتي فأتيت المدينة) أي من البصرة، فإن أباه هشامًا كان نزيلها (لأبيع عقارًا كان لي بها) أي بالمدينة (فأشتري) على صيغة المتكلم (به) أي بالمال الذي يحصل من بيع العقار (السلاح وأغزو) ولفظ مسلم: \"ويجاهد الروم حتى يموت\".\n(فلقيت نفرًا من أصحاب النبي - ﷺ - فقالوا: قد أراد نفر منا ستة أن يفعلوا ذلك) أي يطلقوا أزواجهم وينهمكوا في الغزو حتى يموتوا (فنهاهم النبي - ﷺ -، وقال) رسول الله -ﷺ- (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾) ولفظ مسلم: \"أليس لكم فيّ أسوة حسنة\"، فإن رسول الله -ﷺ- غزا الكفار غزوات ولم يطلق أزواجه، ولفظ مسلم: \"فلما حدثوه بذلك راجع امرأته، وقد كان طلقها وأشهد على رجعتها\".\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"5","page":594},{"text":"فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عن وِتْرِ النَّبِيِّ (١) - ﷺ - فَقَالَ: أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ النَّاسِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ؟ فَأتِ عَائِشَةَ، فَأَتَيْتُهَا فَاسْتَتْبَعْتُ حَكِيمَ بْنِ أَفْلَحَ فَأَبَى، فَنَاشَدْتُهُ فَانْطَلَقَ مَعِي، فَاسْتَأذَنَّا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ قَالَتْ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَتْ: هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ أُحَدٍ؟\n===\n(فأتيت ابن عباس فسألته عن وتر النبي - ﷺ - فقال: أدلك) بحذف حرف الاستفهام، وفي نسخة: ألا أدلك (على أعلم الناس بوتر رسول الله -ﷺ-؟) قال النووي (٢): فيه أنه يستحب للعالم إذا سئل عن شيء ويعرف أن غيره أعلم منه به أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصيحة.\n(فأت عائشة) هكذا في أكثر النسخ بالهمزة بدون الياء، فما في النسخة القادرية والمجتبائية بالياء بعد الهمزة تصحيف من الكاتب (فأتيتها) أي فأردت أن آتيها، وفي رواية مسلم: \"فسلها ثم ائتني فأخبرني بردها عليك، فانطلقت إليها\" (فاستتبعت) أي استصحبت وطلبت منه أن يصحبني (حكيم بن أفلح فأبى) أن يصحبني (فناشدته) أي أقسمته، وفي رواية مسلم: فقال: \"ما أنا بقاربها لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا، فأبت فيهما إلا مُضِيًّا\".\n(فانطلق معي، فاستأذنا على عائشة، فقالت: من هذا؟ قال: حكيم بن أفلح) ولعل المتكلم بالاستئذان كان حكيم بن أفلح (قالت: ومن معك؟ قال) حكيم: (سعد بن هشام) أي معي سعد بن هشام (قالت: هشام بن عامر الذي قتل يوم أحد؟) بحذف همزة الاستفهام، ولفظ: \"الذي قتل\" صفة لعامر لا لهشام، وسياق أبي داود يدل على أن لفظ: \"الذي قتل يوم أحد\" من كلام عائشة، وسياق مسلم يدل على أنه من كلام قتادة.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٨٣).","vol":"5","page":595},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرًا (١).\nقَالَ: قَلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كانَ الْقُرْآنَ.\n===\nفالجواب عنه أن في رواية مسلم وقع الاختصار فلعله كان فيها، قالت: من هشام؟ أهشام بن عامر الذي قتل يوم أحد؟ قال حكيم: نعم ابن عامر الذي قتل يوم أحد، ثم قال قتادة: وكان أصيب يوم أحد، ولم يذكره أبو داود.\n(قال) حكيم: (قلت: نعم) أي هو هشام بن عامر، هكذا في رواية أبي داود \"قال: قلت\"، وفي رواية مسلم \"قال\" بدون لفظ \"قلت\"، وهكذا في رواية \"قيام الليل\" لمحمد بن نصر، وفي رواية البيهقي \"قلت\" بدون لفظ \"قال\"، وكذا في النسائي، وما في رواية مسلم ومحمد بن نصر أولى، فإن الراوي سعد بن هشام لا حكيم بن أفلح.\n(قالت: نعم) فعل مدح (المرء كان عامرًا، قال) سعد: (قلت: يا أم المومنين حدثيني عن خلق رسول الله -ﷺ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ فإن خلق رسول الله -ﷺ- كان القرآن).\nقال النووي (٢): معناه (٣) العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه\n_________\n(١) في نسخة: \"عامر\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٨٣).\n(٣) قلت: وبسط القاري في \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٥٠) في معناه على أقوال: منها أنه تخلق بأخلاق الله تعالى، فإن القرآن صفته، أو إشارة إلى أنه لا تتناهى عجائبه كما لا تتناهى عجائبه، قلت: وقد أخرج السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٨٢) نحو ذلك عن يزيد بن بابنوس أنه سأل عائشة، وفيه زيادة توضح المراد، قالت: كان خلقه القرآن، ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنين ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيات العشر، فقالت: هكذا كان خلُق رسول الله -ﷺ-، وفي رواية ذكرها القاري في \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٥٠) وصاحب \"البداية والنهاية\" (٦/ ٣٥) عنها قالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه. (ش).","vol":"5","page":596},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: حَدِّثِينِي عَنْ قِيَامِ (١) اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرأُ القُرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ أَوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَتْ، فَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله - ﷺ - حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ، وَحُبِسَ خَاتِمَتُهَا في السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشْرَ شَهْرًا، ثُمَّ نَزَلَ آخِرُهَا، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ،\n===\nوالاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته، قلت: وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).\n(قال) سعد: (قلت: حدثيني عن قيام الليل؟ قالت: ألست تقرأ القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن أول هذه السورة نزلت) أي أول آيات هذه السورة التي فيها حكم وجوب قيام الليل نزلت (فقام) نبي الله - ﷺ - و(أصحاب رسول الله -ﷺ-) أي في الصلاة في الليل (حتى انتفخت) أي تورمت (أقدامهم) من طول قيامهم في الصلاة (وحبس خاتمتها) أي الآيات التي في آخر السورة فيها نسخ الوجوب (في السماء اثني عشر شهرًا) أي لم ينزل سنة كاملة (ثم نزل آخرها) الناسخ لفرضية القيام (فصار قيام الليل تطوعًا) أي نفلًا (بعد فريضة) أي بعد كونه فريضة.\nقال النووي (٣): هذا ظاهره أنه صار تطوعًا في حق رسول الله -ﷺ- والأمة، فأما الأمة فهو تطوع في حقهم بالإجماع، وأما النبي - ﷺ - فاختلفوا في نسخه في حقه، والأصح عندنا نسخه، وأما ما حكاه القاضي عياض عن بعض السلف أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم، ولو قدر حلب شاة، فغلط ومردود بإجماع من قبله مع النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"رسول الله -ﷺ-\".\n(٢) سورة القلم: الآية ٤.\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٨٣).","vol":"5","page":597},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: حَدِّثِينِي عَنْ وِتْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ قَالَتْ: كَانَ يُوْتِرُ بِثَمَانِي (١) رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ إِلَّا في الثَّامِنَةِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى، لَا يَجْلِسُ إِلَّا في الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ، وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا في التَّاسِعَةِ،\n===\n(قال: قلت: حدثيني عن وتر النبي - ﷺ -؟ قالت: كان يوتر بثماني ركعات، لا يجلس) أي فيها (إلَّا في الثامنة، ثم) بعد الجلوس (يقوم فيصلي ركعة أخرى) منضمًا إلى الثامنة (لا يجلس إلَّا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلم إلَّا في التاسعة) أي إنما يسلم في التاسعة فقط، لا في الثامنة تسليمًا يسمعنا.\nاختلف الشافعية والحنفية في هذه المسألة.\nفالشافعية قالوا بعدم وجوب الجلسة عند الركعتين، وقالوا: إن رسول الله -ﷺ- كان يصلي ثمانيًا متصلًا بلا تخلل جلسات بينها على الشفعات.\nوأما الحنفية فقالوا بوجوب الجلسة للتشهد عند كل ركعتين، فالمراد بالجلسة المنفية عندهم الجلسة الخالية عن السلام، أو يقال: إن الجلسة المنفية المراد بها جلسة الاستراحة عن التعب بطول القيام.\nقال في \"البدائع\" (٢) في التراويح: هذا إذا قعد على رأس الركعتين قدر التشهد، فأما إذا لم يقعد فسدت صلاته عند محمد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله- يجوز، وأصل المسألة يصلي التطوع أربع ركعات إذا لم يقعد في الثانية قدر التشهد وقام وأتم صلاته أنه يجوز استحسانًا عندهما، ولا يجوز عند محمد قياسًا، ثم إذا جاز عندهما، فهل يجوز عن تسليمتين أو لا يجوز إلَّا عن تسليمة واحدة، الأصح أنه لا يجوز إلا عن تسليمة واحدة، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"بثمان\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦٤٧).","vol":"5","page":598},{"text":"ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَ اللَّحْمَ أَوْتَرَ بِسْبعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا في السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا في السَّابِعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَتِلْكَ تِسْعُ رَكعَاتٍ يَا بُنَيَّ.\nوَلَمْ يَقُمْ رَسُولُ الله - ﷺ - لَيْلَةً يُتِمُّهَا إِلَى الصَّبَاح، وَلَمْ يَقْرَإِ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ قَطُّ، وَلَمْ يَصُمْ شَهْرًا يُتِمُّهُ (١) غَيْرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ\n===\n(ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك) أي المجموعة (إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن) أي دخل في السنن وكبر (وأخذ اللحم، أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلَّا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلَّا في السابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك تسع ركعات يا بني) فنقص ركعتين من التسع لأجل الضعف.\n(ولم يقم رسول الله -ﷺ- ليلة يتمها) أي ليلة تامة يصلي فيها من أولها إلى آخرها (إلى الصباح) وهذا الذي قالته عائشة - ﵂ - فهو محمول على علمها، وإلا فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه أحيا ليله كله صلى فيه حتى الفجر.\nفقد أخرج النسائي (٢) في باب إحياء الليل عن خباب بن الأرت: \"أنه راقب رسول الله -ﷺ- في ليل صلاها رسول الله -ﷺ- كلها حتى كان مع الفجر\" الحديث.\n(ولم يقرأ القرآن) كله (في ليلة قط، ولم يصم شهرًا يتمه) بالصوم (غير رمضان) وما وقع من صومه - ﷺ - شعبان كله، فالمراد أكثره بدليل الروايات الأخر.\n(وكان) - ﷺ - (إذا صلَّى صلاة) أي من النوافل (داوم\n_________\n(١) في نسخة: \"فيتمه\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٦٣٨).","vol":"5","page":599},{"text":"عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ مِنَ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاس، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: هَذَا وَاللهِ هُوَ الْحَدِيثُ، وَلَوْ كُنْتُ أُكَلِّمُهَا لأَتَيْتُهَا حَتَّى أُشَافِهَهَا بِهِ مُشَافَهَةً،\n===\nعليها) لأن أحب الأعمال عنده ﵇ أدومها (وكان إذا غلبته عيناه من الليل بنوم) ولم يستطع أن يصلي بالليل من غلبة النوم (صلَّى من النهار) أي بعده أو بمعنى في (ثنتي عشرة ركعة) وهذا يدل على أنه - ﷺ - لم يكن يفوته الوتر، لأنه لو فاته في الليل ليؤديه مع النوافل.\n(قال) سعد: (فأتيت ابن عباس فحدثته) بما حدثتنيه عائشة من صلاة الليل (فقال) ابن عباس: (هذا والله هو الحديث) أي التام الأكمل (ولو كنت أكلمها لأتيتها حتى أشافهها به) أي بهذا الحديث (مشافهة).\nفإن قلت: كيف ترك ابن عباس كلامها، فقد قال رسول الله -ﷺ-: \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام\" (١)؟\nفالجواب عنه أولًا: أن المنهي عنه ليس ترك التكلم مطلقًا، إنما المنهي عنه الإعراض وترك التكلم عند اللقاء، كما يدل عليه رواية: \"يلتقيان فيصُدُّ هذا ويصُدُّ هذا\"، وأما ابن عباس فلم يترك الكلام عند اللقاء؛ بل ترك قربها والدخول عليها، كما في رواية مسلم: \"لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها\".\nوثانيًا: لو سلم أنه ترك كلامها فوجه تركه الكلام أنه ظن أنها عاصية في تكلمها في الحروب التي جرت، كما في حديث مسلم (٢): \"نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين فأبت فيهما إلا مضيًا\"، والهجر على العصيان غير منهي عنه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٢٣٧)، ومسلم (٢٥٦٠).\n(٢) ظاهر العبارة تدل على أن قائل \"نهيتها أن تقول ... إلخ\" هو ابن عباس - ﵁ - وليس كذلك، فإن هذا قول حكيم بن أفلح. انظر: \"صحيح مسلم\" (٧٤٦).","vol":"5","page":600},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تُكَلِّمُهَا مَا حَدَّثْتُكَ\". [م ٧٤٦، ن ١٦٠١، حم ٦/ ٢٣٥]\n١٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ قَالَ: \"يُصَلِّى ثَمَاني رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ إلَّا عِنْدَ الثَّامِنَةِ، فَيَجْلِسُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ، ثُمَّ يَدْعُو، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَةً،\n===\n(قال) سعد: (قلت: لو علمت أنك لا تكلمها ما حدثتك) بحديثها لتذهب إليها فتكلمها.\n١٣٤٣ - (حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى بن سعيد) القطان، (عن سعيد) ابن أبي عروبة، (عن قتادة بإسناده) أي الحديث المتقدم (نحوه) أي نحو المتقدم، ولكن (قال) سعيد في هذا الحديث: (يصلي ثماني ركعات، لا يجلس فيهن إلَّا عند الثامنة، فيجلس فيذكر الله، ثم يدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا) وقد قال همام في الحديث المتقدم: إنه كان يجلس في الثامنة ولا يسلم، فخالف سعيد همامًا في ذكر السلام بعد الثامنة.\nقلت: والظاهر أن حديث سعيد وقع فيه الوهم بالتقديم والتأخير، فذكر ركعة الوتر بعد الركعتين اللتين صلاهما جالسًا، وكان حقها أن يذكرها بعد الجلسة في الثامنة، ثم يذكر السلام بعد التاسعة.\n(ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، ثم يصلي ركعة) وهذا السياق يخالف جميع الروايات الواردة في صلاة الليل، قلت: وقد أخرج النسائي (١) هذا الحديث في \"مجتباه\" بهذا السند، ثم قال في آخره: قال أبو عبد الرحمن: كذا وقع في كتابي، ولا أدري ممن الخطأ في موضع وتره ﵇، انتهى.\nقلت: الظاهر أن الخطأ وقع فيه من محمد بن بشار، فإن الحافظ قال في\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (١٦٠١).","vol":"5","page":601},{"text":"فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وأَخَذَ اللَّحْمَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ (١) - بِمَعْنَاهُ- إِلَى: مُشَافَهَةً\" [انظر سابقه]\n١٣٤٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: \"يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا\"، كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. [انظر الحديث رقم ١٣٤٢]\n===\n\"تهذيب التهذيب\" (٢): قال عبد الله بن محمد بن سيار: سمعت عمرو بن علي يحلف أن بندار يكذب فيما يروي عن يحيى، قال ابن سيار: وبندار وأبو موسى ثقتان، وأبو موسى أصح، لأنه كان لا يقرأ إلَّا من كتابه، وبندار يقرأ من كل كتاب، وقال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي وسألته عن حديث رواه بندار، عن ابن مهدي، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الرحمن، عن النبي - ﷺ - قال \"تسحروا فإن في السحور بركة\"، فقال: هذا كذب، وأنكره أشد الإنكار، وقال: حدثنيه أبو داود موقوفًا، وقال عبد الله بن الدورقي: كنا عند ابن معين، وجرى ذكر بندار، فرأيت يحيى لا يعبأ به ويستضعفه، قال: ورأيت القواريري لا يرضاه، وقال: كان صاحب همام.\n(فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله -ﷺ- وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصلَّى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم- بمعناه- إلى مشافهة) أي لم يقل قوله: لو علمت أنك لا تكلمها ما حدثتك.\n١٣٤٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر، نا سعيد) بن أبي عروبة (بهذا الحديث، قال: يسلم تسليمًا يسمعنا، كما قال يحيى بن سعيد)، وقد أخرج مسلم (٣) حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ولم يذكر فيه هذا الوهم.\n_________\n(١) في نسخة: \"سلَّم\".\n(٢) (٩/ ٧١).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٧٤٦).","vol":"5","page":602},{"text":"١٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ سَعِيدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً (١) يُسْمِعُنَا\". [خزيمة ١١٢٧، وانظر الحديث ١٣٤٢]\n١٣٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ الدِّرْهَمِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى: \"أَنَّ عَائِشَةَ سُئِلَتْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّى صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِى جَمَاعَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَيَرْكَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يَأْوِى إِلَى فِرَاشِهِ وَيَنَامُ، وَطَهُورُهُ مُغَطّى عِنْدَ رَأْسِهِ، وَسِوَاكُهُ مَوْضُوعٌ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ سَاعَتَهُ الَّتِى يَبْعَثُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى مُصَلَّاهُ\n===\n١٣٤٥ - (حدثنا محمد بن بشار، نا ابن أبي عدي) محمد، (عن سعيد بهذا الحديث. قال ابن بشار بنحو حديث يحيى بن سعيد، إلَّا أنه قال: ويسلم تسليمة يسمعنا) فزاد حرف التاء، وهذا الحديث أخرجه مسلم مفصلًا ومطولًا، وليس فيه هذا الوهم.\n١٣٤٦ - (حدثنا علي بن الحسين الدرهمي، نا ابن أبي عدي) أي محمد، (عن بهز بن حكيم، عن زرارة بن أوفى: أن عائشة سئلت عن صلاة رسول الله -ﷺ-) والسائل غير معلوم، ولعله سعد بن هشام (في جوف الليل، فقالت: كان يصلي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه) أي يتخذه مأوى (وينام) أي يرقد (وطهوره) أي ماء طهوره (مغطى عند رأسه، وسواكه موضوع) أي بقرب منه (حتى) غاية لقوله: ينام (يبعثه الله ساعته) أي في ساعته (التي يبعثه من الليل) وأكثر ما يبعث فيه بعد مضي نصف الليل.\n(فيتسوك ويسبغ) أي يكمل (الوضوء، ثم يقوم إلى مصلاه\n_________\n(١) في نسخة: \"تسليمًا\".","vol":"5","page":603},{"text":"فَيُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يَقْرأُ فِيهِنَّ بِأُمِّ الْكِتَاب (١) وَسُورَهٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَا شَاءَ اللَّه، وَلَا يَقْعُدُ في شَيءٍ مِنْهَا حَتَّى يَقْعُدَ في الثَّامِنَةِ، وَلَا يُسَلِّمُ، وَيَقْرَأُ في التَّاسِعَةِ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَدْعُو بِمَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَدْعُوَهُ، وَيَسْأَلُهُ وَيرْغَبُ إِلَيْهِ، وُيسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً شَدِيدَةً، يَكَادُ (٢) يُوقِظُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ شِدَّةِ تَسْلِيمِهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ وَهُوَ قَاعِدٌ بِأُمِّ الْكِتَابِ ويرْكَعُ وَهُوَ قَاعِدٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ (٣) الثَّانِيَةَ فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَهُوَ قَاعِدٌ، ثُمَّ يَدْعُو مَا (٤) شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ (٥)، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيَنْصَرِفُ،\n===\nفيصلي ثماني ركعات، يقرأ فيهن) أي في كل واحدة من الركعات الثمانية (بأم الكتاب وسورة من القرآن وما شاء الله) أي ويزيد على السورة ما شاء الله من قراءة القرآن (ولا يقعد في شيء منها) أي من الركعات الثمانية، وقد تقدم توجيهه قريبًا (حتى يقعد في الثامنة، ولا يسلم) في الثامنة، بل يقوم إلى التاسعة بدون سلام (ويقرأ) أم الكتاب وسورة (في التاسعة، ثم يقعد) بعد التاسعة (فيدعو بما شاء الله أن يدعوه) من الشهد والصلاة والدعاء (ويسأله ويرغب إليه، ويسلم تسليمة واحدة شديدة) أي بصوت رفيعة (يكاد يوقظ أهل البيت من شدة) صوت (تسليمه، ثم) بعد الفراغ من الوتر يصلي ركعتين (يقرأ وهو قاعد بأم الكتاب) وسورة (ويركع وهو قاعد) ويسجد السجدتين (ثم يقرأ الثانية) أي الركعة الثانية فيقرأ فيها (فيركع ويسجد وهو قاعد، ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم وينصرف) عن الصلاة أو عن مصلاه إلى فراشه.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"القرآن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أن\".\n(٣) زاد في نسخة: \"في\".\n(٤) في نسخة: \"بما\".\n(٥) زاد في نسخة: \"به\".","vol":"5","page":604},{"text":"فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاةُ رَسُولِ الله - ﷺ - حتَّى بَدُنَ، فَنَقَصَ مِنَ التِّسْع ثِنْتَيْنِ، فَجَعَلَهَا إِلَى السِّتِّ وَالسَّبْعِ وَرَكْعَتَيْهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، حَتَّى قُبِضَ (١) عَلَى ذَلِكَ\". [حم ٦/ ٢٣٦، وانظر ١٣٤٢]\n١٣٤٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادهِ، قَالَ: \"يُصَلِّي الْعِشَاءَ ثُمَّ يأوِي إِلَى فِرَاشِهِ، (٢) لَمْ يَذْكُرِ الأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَيُصَلِّي ثَمَانِيَ (٣) رَكَعَاتٍ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ في الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (٤)، وَلَا يَجْلِسُ في شَيءٍ مِنْهُنَّ إِلَّا في الثَّامِنَةِ، فَإِنَّهُ كَان يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ وَلَا يُسَلِّمُ فِيهِ، فَيُصَلِّي رَكْعَةً يُوْتِرُ بِهَا،\n===\n(فلم تزل تلك صلاة رسول الله -ﷺ- حتى بدن) بتشديد الدال أي كبر وتخفيفها والضم أي سمن (فنقص من التسع ثنتين، فجعلها) أي صلاة الليل منتهيًا (إلى الست) أي ست ركعات (والسبع) أي مع السابع (وركعتيه وهو قاعد، حتى قبض على ذلك).\n١٣٤٧ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا يزيد بن هارون، أنا بهز بن حكيم، فذكر هذا الحديث بإسناده) المتقدم (قال: يصلي العشاء، ثم يأوي إلى فراشه، لم يذكر الأربع ركعات، وساق الحديث، وقال فيه: فيصلي ثماني ركعات يسوي بينهن في القراءة والركوع والسجود) فزاد ذكر التسوية بينهن، والمراد بالتسوية بينها أن كل ركعة منها تساوي الركعة السابقة وتكون قريبًا منها في القراءة والركوع والسجود.\n(ولا يجلس في شيء منهن إلَّا في الثامنة، فإنه كان يجلس) في الثامنة (ثم يقوم) منها (ولا يسلم فيه) أي في الجلوس في الثامنة (فيصلي ركعة يوتر بها،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"- ﷺ -\".\n(٢) زاد في نسخة: \"و\".\n(٣) في نسخة: \"ثمان\".\n(٤) زاد في نسخة: \"وقال\".","vol":"5","page":605},{"text":"ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ حَتَّى يُوْقِظَنَا\" ثُمَّ سَاقَ مَعْنَاهُ. [انظر الحديث رقم ١٣٤٢]\n١٣٤٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ مُعَاوِيَةَ -، عَنْ بَهْزٍ، حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ (١): \"كَانَ يُصَلِّى بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُصَلِّى أَرْبَعًا، ثُمَّ يَأْوِى إِلَى فِرَاشِهِ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، (٢) لَمْ يَذْكُرْ: سَوِّى (٣) بَيْنَهُنَّ فِى الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِى التَّسْلِيمِ: حَتَّى يُوقِظَنَا\". [انظر الحديث رقم ١٣٤٢]\n١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ\n===\nثم يسلم تسليمة يرفع بها صوته حتى يوقظنا، ثم ساق معناه) أي معنى الحديث المتقدم.\n١٣٤٨ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا مروان -يعني ابن معاوية-، عن بهز، نا زرارة بن أوفى، عن عائشة أم المومنين أنها سئلت عن صلاة رسول الله -ﷺ-) أي بالليل (فقالت: كان يصلي بالناس العشاء، ثم يرجع إلى أهله فيصلي أربعًا) أي في بيته (ثم يأوي إلى فراشه، ثم ساق الحديث بطوله) لكن (لم يذكر) فيه: (سَوَّى بينهن في القراءة والركوع والسجود، ولم يذكر في التسليم: حتى يوقظنا).\n١٣٤٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد -يعني ابن سلمة-، عن بهز بن حكيم، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، بهذا الحديث)\n_________\n(١) في نسخة: \"قالت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"و\".\n(٣) في نسخة: \"يسوي\".","vol":"5","page":606},{"text":"وَلَيْسَ في تَمَامِ حَدِيثِهِمْ. [انظر ١٣٤٢]\n١٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ -، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ بتسعٍ - أَوْ كَمَا قَالَتْ - وَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، وَرَكْعَتَىِ الْفَجْرِ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ\". [ق ٣/ ٣٠٢]\n١٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ الْوِتْرِ يَقْرَأُ فِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ\n===\nالمتقدم (وليس) حديث حماد بن سلمة مساويًا (١) لحديثهم (في تمام حديثهم) أي حديث يزيد بن هارون وابن أبي عدي ومروان بن معاوية.\n١٣٥٠ - (حدثنا موسى -يعني ابن إسماعيل-، نا حماد -يعني ابن سلمة-، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة: أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر بتسع) وفي نسخة: بسبع (أو كما قالت، ويصلي ركعتين وهو جالس) أي بعد الوتر (وركعتي الفجر بين الأذان والإقامة).\n١٣٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث، (عن علقمة بن وقاص، عن عائشة: أن رسول الله -ﷺ- كان يوتر بتسع ركعات، ثم) لما ضعف (أوتر بسبع ركعات، وركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر يقرأ فيهما) القرآن (فإذا أراد أن يركع قام\n_________\n(١) أورد ها هنا صاحب \"المنهل\" (٧/ ٢٨١) على \"البذل\"، وبسط الكلام على معنى هذا اللفظ صاحب \"عون المعبود\" (٤/ ١٥٧). (ش).","vol":"5","page":607},{"text":"فَرَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ\". [ق ٣/ ٣٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى (١) الْحَدِيثَيْنِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الوَاسِطِيُّ (٢) مِثْلَهُ قَالَ فِيهِ: قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ: \"يَا أُمَّتَاهُ (٣)، كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ؟ \" فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.\n١٣٥٢ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنِ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ. (ح): وَنَا ابْنُ الْمُثنَّى،\n===\nفركع ثم سجد) (٤).\nهذا الكلام إن تعلق بالركعتين فإذا كان يقرأ في الركعتين سورًا طِوالًا يقرأ قاعدًا، ثم إذا أراد أن يركع يقوم فيركع ويسجد وهو قائم، وأما إذا قرأ فيها السور القصار يقرأ وهو قاعد ويركع ويسجد وهو قاعد (٥)، وإن كان متعلقًا بالركعات التي قبل الوتر فيقرأ وهو قاعد، فإذا أراد الركوع والسجود قام فركع وسجد وهو قاعد، وهذا في بعض الأحيان، والله تعالى أعلم.\n(قال أبو داود: روى الحديثين خالد بن عبد الله الواسطي مثله قال فيه: قال علقمة بن وقاص: يا أمتاه) قال ابن الحاجب: وقالوا: يا أبي، ويا أمي، ويا أبت، ويا أمت فتحًا وكسرًا، وبالألف قال الشارح: بعد التاء جمعًا بين العوضين (كيف كان يصلي الركعتين؟ فذكر معناه).\n١٣٥٢ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) بن عبد الله، (ح: ونا ابن المثنى) هكذا في جميع النسخ الموجودة إلا في النسخة المكتوبة القلمية الأحمدية، فإن فيها كتب بعض النساخ \"ح\" حرف التحويل، وبعدها: \"ونا\" على\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هذين\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن محمد بن عمرو\".\n(٣) في نسخة: \"يا أمه\".\n(٤) هل بعد القراءة أم بدونها؟ تقدم الكلام في \"باب في صلاة القاعد\" إذا بقي ثلاثون أو أربعون آية. (ش).\n(٥) وحمل المناوي في \"شرح الشمائل\" (٢/ ٨٠) الركوع قائمًا فيها مع قصر القراءة. (ش).","vol":"5","page":608},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالحاشية، وأما في المتن فتم العبارة على عن خالد، ثم كتب بالحمرة: حدثنا ابن المثنى، وليس فيها حرف \"ح\" ولا \"ونا\"، وكان ما في المتن صحيحًا، ولكن وقع التصحيف (١) والغلط من بعض النساخ الذي كتب على الحاشية: \"ح ونا\"، وأصله أن أبا داود لما قال في الحديث المتقدم: قال أبو داود: روى الحديثين خالد بن عبد الله الواسطي مثله ... إلخ، وكان ذكر هذا معلقًا فوصله بقوله: حدثناه وهب بن بقية عن خالد، وتم كلامه، ثم أنشأ حديثًا آخر فقال: حدثنا ابن المثنى.\nويوضحه ما قال البيهقي في \"سننه الكبرى\" (٢) بعد ما أخرج الحديثين من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو: قال أبو داود: روى الحديثين خالد بن عبد الله عن محمد بن عمرو مثله، قال فيه: قال علقمة بن وقاص: يا أمه كيف كان يصلي الركعتين؟ فذكر معناه، حدثناه وهب بن بقية عن خالد، انتهى. فأتى بالضمير في قوله: حدثناه وهب بن بقية، وهو يوضح المرام.\nفما قال صاحب \"العون\" (٣): عن خالد بن عبد الله الطحان الواسطي وهو يروي عن هشام بن حسان كما يروي عنه عبد الأعلى، غلط محض.\nولم يقف على حقيقة الأمر صاحب \"غاية المقصود\" الذي نقل عنه صاحب \"العون\" فقال في الشرح ناقلًا عنه: رواية وهب بن بقية عن خالد عن هشام ما وجدناها في \"أطراف المزي\"، وأما رواية ابن المثنى عن عبد الأعلى فثابتة فيه.\nقلت: ليس لخالد بن عبد الله عن هشام بن حسان هنا رواية، فكيف يوجد في \"الأطراف\" ما لا وجود له؟\n_________\n(١) به جزم صاحب \"المنهل\" (٧/ ٢٨٣).\n(٢) (٣/ ٣٢).\n(٣) \"عون المعبود\" (٤/ ١٥٩).","vol":"5","page":609},{"text":"نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا هِشَامٌ، عن الْحَسَنِ، عن سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: \"قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ (١): أَخْبِرِينِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ يَأوِي إِلَى فِرَاشِهِ فَيَنَامُ، فَإِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ قَامَ إِلَى حَاجَتِهِ وَإِلَى طَهُورِهِ فَتَوَضَّأ (٢)، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ (٣) رَكَعَاتٍ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُ يَسُوِّي (٤) بَيْنَهُنَّ في الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ثُمَّ يُوْتِرُ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ يَضَعُ جَنْبَهُ، فَرُبَّمَا جَاءَ بِلَالٌ فآَذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ يُغْفِي، وَرُبَّمَا شَكَكْتُ أَغَفَا أَوْ لَا؟\n===\n(نا عبد الأعلى، نا هشام) بن حسان، (عن الحسن) البصري، (عن سعد بن هشام قال: قدمت المدينة فدخلت على عائشة فقلت: أخبريني عن صلاة رسول الله -ﷺ-) بالليل كيف كانت؟ (قالت: إن رسول الله - ﷺ - كان يصلي بالناس صلاة العشاء، ثم) بعد ما يفرغ من صلاة العشاء يدخل البيت، ثم (يأوي إلى فراشه فينام، فإذا كان جوف الليل قام إلى حاجته) من البول وغيره (وإلى طهوره) أي الماء المعد لطهوره (فتوضأ) بحذف إحدى (٥) التائين ويحتمل الماضي.\n(ثم دخل المسجد) المراد به إما مسجد البيت أو المسجد النبوي (فصلى ثماني ركعات يُخَيَّلُ إليَّ أنه يسوي بينهن) أي بين الركعات (في القراءة والركوع والسجود، ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يضع جنبه) الأيمن على فراشه (فربما جاء بلال فآذنه بالصلاة، ثم يُغْفي) أي ينام نومًا خفيفًا (وربما شككت أغفا أو لا؟).\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) في نسخة: \"فيتوضأ\".\n(٣) في نسخة: \"ثمان\".\n(٤) في نسخة: \"سوى\".\n(٥) كذا في الأصل، والظاهر أن الماضي متعين. (ش).","vol":"5","page":610},{"text":"حَتَّى يُؤذِنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَكَانَتْ تِلْكَ صَلَاتُهُ حَتَّى سَنَّ (١) أَوْ لَحُمَ، فَذَكَرَتْ مِنْ لَحْمِهِ مَا شَاءَ اللَّه\". وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [ن ١٧٢١]\n===\nوأخرج النسائي (٢) هذا الحديث من طريق عمرو بن علي عن عبد الأعلى بسنده، وسياقه أوضح من سياق أبي داود في هذا اللفظ، فلفظه: \"ثم يضع جنبه فربما جاء بلال فآذنه بالصلاة قبل أن يغفي، وربما يغفي، وربما شككت أغفا أو لم يغف\" ومعناه واضح، وعلى سياق أبي داود فقوله: ثم يغفي عطف على قوله: فربما جاء بلال.\n(حتى يوذنه بالصلاة، فكانت تلك صلاته حتى سَنَّ) وفي نسخة: أَسَنَّ (أو لَحُمَ) ولفظ النسائي: حتى أسن ولحم (فذكرت من لحمه ما شاء الله، وساق الحديث) أي بقيته، وهو قصة الصلاة بعد ما أسن ولحم من نقص الركعتين منها.\nوقد كتب ها هنا في النسخة المكتوبة على الحاشية، ونقل عنها في بعض النسخ المطبوعة الهندية الحديث الذي تقدم في أول الباب من حديث موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: \"كان رسول الله -ﷺ- يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة\" الحديث، وفي آخره: قال أبو داود: إنما كررت هذا الحديث لأنهم اضطربوا فيه. ثم قال أبو داود: أصحابنا لا يرون الركعتين بعد الوتر، انتهى. ثم كتب بعض الكتاب: هذا الحديث ليس في الأصل المنقول منه، ولا في أصول صحيحة، وذكره في \"الأطراف\" (٣) ولم ينبه على أنه من رواية أحد، انتهى. ولم يوجد في النسخة المصرية ولا الكانفورية لا في المتن ولا في الحاشية، فلذلك تركتها.\nوذكر صاحب \"العون\" (٤) في وجه اضطرابه فقال: فروى وهيب وابن نمير\n_________\n(١) في نسخة: \"أسن\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٦٥١).\n(٣) \"عون المعبود\" (٤/ ١٦٠).\n(٤) انظر: \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٦٠٥) رقم (١٧٢٩٤).","vol":"5","page":611},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن هشام هكذا، أي \"أوتر بخمس لم يجلس إلَّا في آخرهن\"، وروى مالك وجماعة عن هشام خلاف ذلك. ولذا قال ذلك، ولذا قال بعض العلماء: إن أحاديث الفصل كما رواه مالك أثبت وأكثر طرقًا إذ هو الذي رواه أكثر الحفاظ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ورواية \"أوتر بخمس لم يجلس إلَّا في آخرهن\" انفرد بها بعض أهل العراق عن هشام، وقد أنكرها مالك وقال: منذ صار هشام بالعراق أتانا عنه ما لم نعرف، وقال ابن عبد البر: ما حدث به هشام قبل خروجه إلى العراق أصح عند أهل الحديث، قاله الزرقاني (١).\nقلت: حكى الزرقاني عن ابن عبد البر في شرح \"الموطأ\" (٢) فقال: قال ابن عبد البر: ذكر قوم من رواة هذا الحديث عن هشام أنه كان يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء من الخمس إلَّا في آخرهن، رواه حماد بن سلمة وأبو عوانة، ووهيب وغيرهم، وأكثر الحفاظ رووه عن هشام كما رواه مالك، والرواية المخالفة له إنما حدث بها عن هشام أهل العراق، وما حدث به هشام قبل خروجه إلى العراق أصح عندهم.\nقلت: ما ادعى من المخالفة بين حديث مالك عن هشام وحديث وهيب وغيره عن هشام غير صحيح، فإنه لا مخالفة بينهما أصلًا، بل التفاوت بينهما بالإجمال والتفصيل، فإن حديث مالك مجمل ومختصر، وفي حديث وهيب عن هشام زيادة لا ينفيها حديث مالك بل هو زيادة ثقة، ولهذا لم يحكم عليه أحد بالضعف، بل قال القسطلاني في \"المواهب\" (٣): قد صح عنه - ﷺ - أنه أوتر بخمس لم يجلس إلَّا في آخرها، لكن أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقًا، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"شرح المواهب اللدنية\" للزرقاني (١١/ ٣).\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٣٢٠).\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٢٠٢).","vol":"5","page":612},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد أخرج الحاكم في \"المستدرك\" (١) من طريق همام، ثنا هشام بن عروة، حدثني أبي أن عائشة حدثته: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يوتر بخمس\"، الحديث، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في \"ذيله\": على شرطهما، انتهى.\nوقد أخرج هذا الحديث عن هشام وهيب عند أبي داود (٢)، وهمام عند الحاكم في \"المستدرك\"، وعند الذهبي في \"ذيله\"، وعند البيهقي (٣)، وسفيان عند النسائي (٤)، وعبدة وجعفر بن عون وابن نمير عند البيهقي، وذكر روايته أبو داود، وذكر الزرقاني حماد بن سلمة وأبا عوانة في رواة هذا الحديث أيضًا، وأيضًا روى عنه وكيع وأبو أسامة عند \"مسلم\" (٥).\nثم قال البيهقي بعد تخريج الرواية: وهكذا رواه جماعة عن هشام، وتابعه على هذه الرواية عن عروة محمد بن جعفر بن الزبير، إلا أنه قال: ست ركعات مثنى مثنى، ثم ساق الرواية، وسيخرجها أبو داود برواية عبد العزيز بن يحيى.\nثم قال: وروينا عن عبد الله بن عباس عن النبي - ﷺ - بمعنى رواية هشام بن عروة في الوتر بخمس ركعات، ثم ساق الحديث، ثم أخرج عن زيد بن ثابت - ﵁ -: أنه كان يوتر بخمس لا يسلم إلَّا في الخامسة.\nفلما بلغ هذا الحديث هذا المبلغ من كثرة الرواة عن هشام، والمتابعة عن عروة، والتقوية بحديث ابن عباس وبفعل زيد بن ثابت،\n_________\n(١) \"المستدرك\" (١/ ٣٠٥).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (١٣٣٨).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٧١٧).\n(٥) \"صحيح مسلم\" (٧٣٧).","vol":"5","page":613},{"text":"١٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ (١). (ح): وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ النَّبِىِّ -ﷺ-، فَرَآهُ اسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتِّ رَكَعَاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ\n===\nلا يحكم بالاضطراب فيه، إلَّا من لا دراية له في الحديث، ولذا أخرجه أبو داود في كتابه.\n١٣٥٣ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا هشيم، أنا حصين) بن عبد الرحمن، (عن حبيب بن أبي ثابت، ح: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن فضيل، عن حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس: أنه) أي ابن عباس (رقد عند النبي - ﷺ -) في بيت خالته ميمونة (فرآه) أي رأى ابن عباس النبي - ﷺ - (استيقظ) من النوم (فتسوك وتوضأ، وهو يقول) حال من ضمير استيقظ، لأن حديث البخاري ومسلم يدل على أن تلاوة الآيات كانت قبل الوضوء والسواك.\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) حتى ختم السورة) أي سورة آل عمران (ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف) أي عن الصلاة (فنام حتى نفخ) أي تنفس بصوت، حتى يسمع منه صوت النفخ كما يسمع من النائم (ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، كل ذلك) أي في كل ذلك (يستاك، ثم يتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات) أي من آخر آل عمران (ثم أوتر،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المعنى\".\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٩٠.","vol":"5","page":614},{"text":"- قَالَ عُثْمَانُ: بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ - فَأَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ - وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: ثُمَّ أَوْتَرَ، فَأَتَاهُ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى (١) رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ اتَّفَقَا (٢) - وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِى قَلْبِى نُورًا، وَاجْعَلْ فِى لِسَانِى نُورًا، وَاجْعَلْ فِى سَمْعِى نُورًا، وَاجْعَلْ فِى بَصَرِى نُورًا، وَاجْعَلْ خَلْفِى نُورًا، وَأَمَامِى نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِى نُورًا، وَمِنْ تَحْتِى نُورًا، اللَّهُمَّ وَأَعْظِمْ (٣) لِى نُورًا». [م ٧٦٣، ن ١٧٠٤]\n===\nقال عثمان) بن أبي شيبة شيخ المصنف: (بثلاث ركعات، فأتاه الموذن فخرج إلى الصلاة) أي صلاة الصبح (وقال ابن عيسى) أي محمد شيخ ثانٍ للمصنف: (ثم أوتر، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة حين طلع الفجر فصلَّى ركعتي الفجر).\nغرضه بيان الفرق بين لفظي شيخيه في أداء هذا المعنى، فإن عثمان ذكر ثلاث ركعات ولم يذكر سنَّة الفجر، وأما محمد بن عيسى فذكر صلاة سنَّة الفجر ولم يذكر عدد ركعات الوتر، وذكر اسم المؤذن، وذكر إيذانه بالصلاة حين طلع الفجر.\n(ثم خرج إلى الصلاة، ثم اتفقا) أي عثمان وابن عيسى (وهو يقول) أي والحال أن رسول اللهﷺ - يقول: (اللهَّم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل خلفي نورًا، وأمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهُمَّ وأعظم لي نورًا).\nقال في النهاية (٤): \"اللهُمَّ اجعل في قلبي نورًا\" وباقي أعضائه، أراد ضياءَ\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ثم صلَّى\".\n(٢) في نسخة بدله: \"اتفقوا\".\n(٣) في نسخة: \"فأعظم\".\n(٤) (٥/ ١٢٥).","vol":"5","page":615},{"text":"١٣٥٤ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن حُصَيْنٍ نَحْوَهُ. قَالَ: \"وَأَعْظِمْ لِي نُورًا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، عن حَبِيبٍ في هَذَا. وَكَذَلِكَ قَالَ في هَذَا (١). وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عن أَبِي رِشْدِيْنَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nالحق وبيانه، كأنه قال: اللهم استعمل هذه الأعضاء مني في الحق، واجعل تصرفي وتقلبي فيها على سبيل الثواب والخير (٢)، انتهى. وفي أسمائه ﷾ \"النور\"، وهو الذي يبصر بنوره ذو العماية، ويرشد بهداه ذو الغواية، وقيل: هو الظاهر الذي به كل ظهور، فالظاهر في نفسه المُظْهِر لغيره يسمى نورًا.\n١٣٥٤ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) بن عبد الله، (عن حصين نحوه) أي نحو حديث هشيم وابن فضيل (قال) خالد عن حصين: (وأعظم (٣) لي نورًا) كما قال هشيم وابن فضيل.\n(قال أبو داود: وكذلك) أي كما قال هشيم وابن فضيل وخالد عن حصين عن حبيب بن أبي ثابت (قال أبو خالد الدالاني عن حبيب في هذا) الحديث، أي وأعظم لي نورًا (وكذلك) أي مثل ما قالوا (قال في هذا) الحديث (وقال) تأكيد لقال الأول، وهو مكتوب في جميع النسخ إلا في النسخة القلمية، فإن فيها كتب هذا اللفظ بعض المصححين بين السطرين (سلمة بن كهيل عن أبي رشدين عن ابن عباس).\nغرض المصنف بهذا الكلام عندي أن هذا اللفظ وقع الاختلاف فيه في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحديث\".\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"النهاية\" (٥/ ١٢٥): الصواب الخير.\n(٣) وكتب والدي بين سطور كتابه: أي بدون قوله: \"اللهُم\"، وبه جزم صاحب \"المنهل\" (٧/ ٢٨٧). (ش).","vol":"5","page":616},{"text":"١٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، نَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عن كُرَيْبٍ، عن الْفَضلِ بْنِ\n===\nالرواة، فروى مسلم (١) هذا الحديث من حديث واصل بن عبد الأعلى قال: نا محمد بن فضيل، عن حصين بن عبد الرحمن بمثل سند أبي داود قال فيه في آخره: \"اللَّهُمَّ أعطني نورًا\"، فأشار أبو داود إلى أنه وقع في هذا الحديث من حديث محمد بن عيسى وعثمان بن أبي شيبة بلفظ: \"وأعظم لي نورًا\" في موضع \"وأعطني نورًا\"، ثم قواه برواية وهب بن بقية عن خالد عن حصين، ثم قواه بمتابعة أبي خالد الدالاني عن حبيب، ثم قواه بحديث سلمة بن كهيل عن أبي رشدين.\nوحديث سلمة بن كهيل عن أبي رشدين أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢) ولفظه: \"وحدثني أبو الطاهر قال: نا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن سلمان الحجري، عن عُقَيْل بن خالد، أن سلمة بن كهيل حدثه أن كريبًا حدثه أن ابن عباس بات ليلة عند رسول الله -ﷺ-\" الحديث. وفي آخره: \"وأعظم لي نورًا\".\nقلت: وقع الاختلاف في هذا اللفظ، ففي رواية عند مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي قال: نا سفيان، عن سلمة بن كهيل: \"وعَظِّمْ لي نورًا\" من باب التفعيل، وفي رواية سعيد بن مسروق وعقيل بن خالد عن سلمة بن كهيل عند مسلم: \"وأعظم لي نورًا\" من باب الإفعال، وفي رواية ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده ابن عباس عند الترمذي (٣): \"اللهُمَّ أعظم لي نورًا، وأعطني نورًا\"، فإنه جمع بينهما.\n١٣٥٥ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو عاصم) النبيل، (نا زهير بن محمد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن الفضل بن\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٩٠/ ٧٦٣).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٨٩/ ٧٦٣).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣٤١٩).","vol":"5","page":617},{"text":"عَبَّاسٍ قَالَ: \"بِتُّ لَيْلَةً (١) عِنْدَ النَّبِىِّ -ﷺ- لأَنْظُرَ كَيْفَ يُصَلِّى، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ: قِيَامُهُ مِثْلُ رُكُوعِهِ، وَرُكُوعُهُ مِثْلُ سُجُودِهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ (٢)، ثُمَّ قَرَأَ بِخَمْسِ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، فَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ هَذَا حَتَّى صَلَّى عَشْرَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى سَجْدَةً وَاحِدَةً فَأَوْتَرَ بِهَا، وَنَادَى الْمُنَادِى عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ مَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ، فَصَلَّى سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ\".\n===\nعباس قال: بت ليلة) عند خالتي كما في نسخة، أي ميمونة - ﵂ - (عند النبي - ﷺ - لأنظر كيف يصلي) رسول الله -ﷺ- صلاة الليل.\n(فقام) في جوف الليل (فتوضأ وصلَّى ركعتين: قيامه مثل ركوعه، وركوعه مثل سجوده، ثم نام) أي بعد ما صلَّى الركعتين (ثم استيقظ فتوضأ واستن) أي استاك (ثم قرأ بخمس آيات من آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٣) فلم يزل يفعل هذا) أي يقوم ويتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم ينام (حتى صلى عشر ركعات، ثم) بعد العشر (قام فصلى سجدة واحدة) أي ركعة واحدة (فأوتر بها) أي بتلك الركعة (ونادى المنادي) أي أذن المؤذن (عند ذلك) أي عندما صلَّى ركعة الوتر (فقام رسول الله -ﷺ- بعد ما سكت الموذن) أي فرغ من أذانه (فصلَّى سجدتين) أي ركعتين (خفيفتين، ثم جلس حتى صلَّى الصبح) أي فرض الصبح.\nوقد أخرج مسلم (٤) من حديث أبي بكر بن إسحاق قال: أنا ابن أبي مريم،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عند خالتي\".\n(٢) في نسخة: \"واستنثر\".\n(٣) سورة آل عمران: الآية ١٩٠.\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٩٠/ ٧٦٣).","vol":"5","page":618},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: خَفِيَ عَلَيَّ مِن ابْنِ بِشَّارٍ بَعْضُهُ.\n١٣٥٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الأَسَدِيُّ، عن الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ\n===\nنا محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس أنه قال: \"رقدت في بيت ميمونة ليلة كان النبي - ﷺ - عندها لأنظر كيف صلاة النبي ﷺ بالليل\"، فقال فيه: عن ابن عباس، ولم يذكر الفضل بن عباس غير أبي داود، فيحتمل أن تكون القصة وقعت لهما، ويحتمل أن يكون ذكر الفضل وهمًا من بعض الرواة.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (١): اتفق هؤلاء الرواة الحفاظ المتقنون على أنه - ﷺ - صلَّى ليلة كان معه ابن عباس ثلاث عشرة ركعة، وصرح بعضهم بأن ركعتي الفجر من غيرها، لكن رواية شريك بن أبي نمر عن كريب تخالف ذلك. ولفظه: \"فصلَّى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلَّى ركعتين\"، هذا لفظ البخاري في التفسير، ولفظ أبي داود: \"فصلَّى عشر ركعات، ثم قام فصلَّى سجدة واحدة فأوتر بها، ونادى المنادي عند ذلك، فقام فصلى سجدتين خفيفتين\"، فهذا ما في رواية كريب من الاختلاف، وقد عرف أن الأكثر خالفوا شريكًا فيها، وروايتهم مقدمة على روايته، لما معهم من الزيادة، ولكونهم أحفظ منه، انتهى.\n(قال أبو داود: خفي عليَّ من ابن بشار بعضه) أي بعض الحديث فلم أسمع منه كما أحب.\n١٣٥٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، نا محمد بن قيس الأسدي) الوالبي بالموحدة، الكوفي، أبو نصر، ويقال: أبو قدامة، ويقال: أبو الحكم، ثقة، (عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨٣).","vol":"5","page":619},{"text":"قَالَ: \"بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ مَا أَمْسَى فَقَالَ: «أَصَلَّى الْغُلَامُ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَاضْطَجَعَ حَتَّى إِذَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَامَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى سَبْعًا أَوْ خَمْسًا أَوْتَرَ بِهِنَّ، لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِى آخِرِهِنَّ\".\n١٣٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَصَلَّى النَّبِىُّ (١) -ﷺ- الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعًا ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّى فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَدَارَنِى فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسًا، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ،\n===\nقال: بت عند خالتي ميمونة، فجاء رسول اللهﷺ - بعد ما أمسى) أي دخل في المساء، أي تأخر في المجيء في الليل (فقال: أصلى الغلام؟) أي ابن عباس (قالوا) أي الأهل: (نعم، فاضطجع) على فراشه (حتى إذا مضى من الليل ما شاء الله، قام فتوضأ، ثم صلَّى سبعًا أو خمسًا أوتر بهن، لم يسلم إلَّا في آخرهن).\n١٣٥٧ - (حدثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث، فصلَّى النبي - ﷺ - العشاء، ثم جاء فصلَّى أربعًا) أي أربع شفعات (ثم نام، ثم قام يصلي فقمت عن يساره، فأدارني فأقامني عن يمينه، فصلَّى خمسًا، ثم نام حتى سمعت غطيطه) هو الصوت الذي يخرج من نفس النائم وهو ترديده حيث لا يجد مساغًا (أو) للشك من الراوي (خطيطه) وهو بمعنى الأول، قاله الداودي، وقال ابن بطال: لم أجده بالخاء المعجمة عند أهل\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"5","page":620},{"text":"ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ\". [خ ٦٩٧، ن ١٦٢٠، م ٧٦٣، ق ٢/ ٤٧٧]\n١٣٥٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ في هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: \"قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى صَلَّى ثَمَانِيَ (٢) رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ وَلَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُنَّ\" [السنن الْكبرى للنسائي ٤٠٦]\n===\nاللغة، وتبعه القاضي عياض فقال: هو هنا وهم، انتهى. وقد نقل ابن الأثير عن أهل الغريب أنه دون الغطيط، كذا في \"الفتح\" (٣) للحافظ.\n(ثم قام فصلَّى ركعتين) أي سنَّة الفجر (ثم خرج) إلى المسجد (فصلَّى الغداة) أي صلاة الفجر.\n١٣٥٨ - (حدثنا قتيبة، نا عبد العزيز بن محمد، عن عبد المجيد) بن سهل، وفي بعض المواضع من \"التهذيب\" وفي \"الخلاصة\"، و\"الجمع بين رجال الصحيحين\": سهيل، بالياء مصغرًا، ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو محمد، ويقال: أبو وهب، المدني، ثقة.\n(عن يحيى بن عباد) بن شيبان بن مالك الأنصاري السلمي، أبو هبيرة الكوفي، يقال: إنه ابن بنت البراء بن عازب، ويقال: ابن بنت خباب بن الأرت، ثقة.\n(عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدثه في هذه القصة) المتقدمة (قال) ابن عباس: (قام) رسول الله -ﷺ- (فصلَّى ركعتين ركعتين، حتى صلى ثماني ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سعيد\".\n(٢) في نسخة: \"ثمان\".\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢١٢).","vol":"5","page":621},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): وقد اختلف على سعيد بن جبير أيضًا، ففي التفسير من طريق شعبة عن الحكم عنه: \"فصلَّى أربع ركعات، ثم نام، ثم صلَّى خمس ركعات\"، وقد حمل محمد بن نصر هذه الأربعة على أنها سنَّة العشاء لكونها وقعت قبل النوم، لكن يعكر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن عمرو عن علي بن عبد الله بن عباس فإن فيه: \"فصلَّى العشاء، ثم صلَّى أربع ركعات بعدها حتى لم يبق في المسجد غيره، ثم انصرف\" فإنه يقتضي أن يكون صلَّى الأربع في المسجد لا في البيت، ورواية سعيد بن جبير أيضًا تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم، وفيه نظر، وقد رواها أبو داود من وجه آخر عن الحكم وفيه: \"فصلَّى خمسًا أو سبعًا أوتر بهن، لم يسلم إلَّا في آخرهن\".\nوقد ظهر لي من رواية أخرى عن سعيد بن جبير ما يرفع هذا الإشكال، ويوضح أن رواية الحاكم وقع فيها تقصير، فعند النسائي من طريق يحيى بن عباد عن سعيد بن جبير: \"فصلَّى ركعتين ركعتين حتى صلَّى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن\"، فبهذا يجمع بين رواية سعيد ورواية كريب، انتهى.\nقلت: أحاديث سعيد بن جبير عندي ليس فيها اختلاف، فالأصل فيه ما رواه يحيى بن عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عند أبي داود والنسائي: \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى ركعتين ركعتين حتى صلَّى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس\"، فهذه ثلاث عشرة ركعة.\nويوافقه ما رواه الحكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: \"أنه - ﷺ - صلَّى العشاء ثم جاء فصلَّى أربعًا\" - هكذا لفظ أبي داود \"أربعًا\" من غير زيادة لفظ ركعات-، \"ثم نام ثم قام يصلي فصلى خمسًا\"، فهذه الرواية موافقة لما رواه\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨٤).","vol":"5","page":622},{"text":"١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيْهِ قَبْلَ الصُّبْحِ: يُصَلِّى سِتًّا مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِخَمْسٍ، لَا يَقْعُدُ بَيْنَهُنَّ إلَّا فِى آخِرِهِنَّ\". [ق ٣/ ٢٨]\n١٣٦٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ،\n===\nيحيى بن عباد، لأن المراد من قوله: \"فصلَّى أربعًا\" أي صلَّى أربع شفعات، فهذه كلها ثلاث عشرة ركعة.\nوما قال الحافظ فيها: ففي التفسير من طريق شعبة عن الحكم عنه: \"فصلَّى أربع ركعات، ثم نام ثم صلَّى خمس ركعات\" بزيادة لفظ \"ركعات\" فلم أجده في التفسير، ولعل الراوي زاد لفظ \"ركعات\" من عند نفسه، نعم ذكر هذا اللفظ محمد بن نصر في \"قيام الليل\"، ولعله أيضًا نشأ من فهم الراوي.\nوأما الحديث الآخر الذي رواه أبو داود من طريق الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وفيه: \"ثم صلَّى سبعًا أو خمسًا أوتر بهن\" فوقع فيه الاختصار، وأسقط منه الركعات الثمانية التي قبل الخمس، فلم يذكره.\n١٣٥٩ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتيه) أي مع ركعتيه (قبل الصبح: يصلي ستًا مثنى مثنى، ويوتر بخمس، لا يقعد بينهن إلَّا في آخرهن) وقد تقدم مثل هذا من رواية عائشة - ﵂ - بحديث هشام ابن عروة عن أبيه.\n١٣٦٠ - (حدثنا قتيبة، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب،","vol":"5","page":623},{"text":"عن عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: \"أَنَّ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ (٢) ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ\". [خ ١١٤٠، م ٧٣٨]\n١٣٦١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ وَجَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْمُقْرِئَ أَخْبَرَهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى أَيُّوبَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ قَائِمًا، وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الأَذَانَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا\". [خ ١١٥٩، حم ٦/ ١٥٤]\nقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ في حَدِيثِهِ: وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا بَيْنَ الأَذَانَيْنِ. زَادَ: \"جَالِسًا\".\n===\nعن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة أنها أخبرته: أن النبي - ﷺ - كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر) فإحدى عشرة ركعة منها صلاة الليل وركعتا الفجر سنته.\n١٣٦١ - (حدثنا نصر بن علي وجعفر بن مسافر أن عبد الله بن يزيد المقرئ أخبرهما عن سعيد بن أبي أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن أبي سلمة، عن عائشة: أن رسول الله -ﷺصلَّى العشاء، ثم صلَّى ثمانيَ ركعات قائمًا) ولم يذكر فيه الوتر، والظاهر أنه - ﷺ - صلَّى الوتر ثلاث ركعات، حتى يكون إحدى عشر ركعة (وركعتين بين الأذانين) أي بين أذان الفجر وإقامته (ولم يكن يدعهما) ليدل على زيادة تأكدهما.\n(قال جعفر بن مسافر) شيخ المصنف (في حديثه: وركعتين جالسًا بين الأذانين، زاد: جالسًا) وجعفر بن مسافر ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال:\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"من الليل\".","vol":"5","page":624},{"text":"١٣٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَيْسٍ قَالَ: \"قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ\".\n(١) زَادَ أَحْمَدُ (٢): وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ\n===\nكتب عن ابن عيينة، ربما أخطأ، قلت: فلعل الوهم منه، فإن كان صحيحًا يحمل على العذر أو على بيان الجواز.\n١٣٦٢ - (حدثنا أحمد بن صالح ومحمد بن سلمة المرادي قالا: نا ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس قال: قلت لعائشة: بكم) أي ركعات (كان رسول الله -ﷺ؟) أي يصلي صلاة الليل مع الوتر (قالت: كان يوتر) أي رسول الله -ﷺ- (بأربع) ركعات صلاة الليل (وثلاث) أي الوتر (وست) أي ركعات صلاة الليل (وثلاث) أي ثلاث ركعات الوتر (وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة).\nوهذا الحديث ظاهر في الاستدلال لمذهب الحنفية، فإن عائشة - ﵂ - لما فصل صلاة الليل والوتر جعل الوتر ثلاثًا، وما زاد عليه جعلتها من صلاة الليل، ولكن ليس فيه تصريح بعدم السلام ولا بالسلام بين الركعتين وواحدة، وقد بينته فيما تقدم من روايتها: \"أنه لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلم إلَّا في التاسعة\"، وفيه تصريح بأنه - ﷺ - لا يسلم بين الركعتين والركعة.\nقال أبو داود: (زاد أحمد) بن صالح أي شيخ المصنف: (ولم يكن يوتر بركعتين قبل الفجر) ولما كان معنى لفظ \"يوتر\" غير ظاهر سأل عن معناه فقال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن صالح\".","vol":"5","page":625},{"text":"قُلْتُ: مَا يُوْتِرُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يَدَعُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ: وَلسِت وَثَلَاثٍ. [حم ٦/ ١٤٩، ق ٣/ ٢٨]\n١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِىِّ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: \"أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ إِنَّهُ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَتَرَكَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُبِضَ حِينَ قُبِضَ -ﷺ- وَهُوَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ، وَكَانَ آخِرُ صَلَاتِهِ مِنَ اللَّيْلِ الْوِتْرَ\". [ق ٣/ ٣٤]\n===\n(قلت: ما يوتر؟) أي ما معنى هذا اللفظ (قالت: لم يكن يدع) أي يترك (ذلك) فمعنى لفظ \"يوتر\" يترك (ولم يذكر أحمد) بن صالح: (وست وثلاث) وذكره محمد بن سلمة.\n١٣٦٣ - (حدثنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق الهمداني) عمرو بن عبد الله السبيعي، (عن الأسود بن يزيد: أنه دخل على عائشة) - ﵂ - (فسألها عن صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل؟ فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل) أي مع الركعتين جالسًا.\n(ثم إنه) - ﷺ - (صلَّى إحدى عشرة ركعة، وترك) أي نقص (ركعتين) أي مع الركعتين اللتين كان يصليهما جالسًا ليوافق حديث سعد بن هشام المتقدم، أي من صلاة الليل.\n(ثم قبض) أي توفي (حين قبض - ﷺ - وهو يصلي من الليل تسع ركعات، وكان آخر صلاته من الليل الوتر) ولم تذكر فيه ركعتين سنَّة الفجر، لأنها غير داخلة في صلاة الليل.\nقلت: وقع الاختلاف في حديث عائشة - ﵂ - في الروايات التي ذكرت فيها أنه - ﷺ - كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ففي بعضها أنها مع","vol":"5","page":626},{"text":"١٣٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: \"سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِاللَّيْلِ؟ قَالَ: بِتُّ عِنْدَهُ لَيْلَةً وَهُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، فَنَامَ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُهُ اسْتَيْقَظَ؛ قَامَ (١) إِلَى شَنٍّ فِيهِ مَاءٌ، فَتَوَضَّأَ وَتَوَضَّأْتُ مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِى عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِى كَأَنَّهُ يَمَسُّ أُذُنِى، كَأَنَّهُ يُوقِظُنِى، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. قُلْتُ:\n===\nركعتي الفجر، وفي بعضها غير مذكورة فيها، بل ذكرت أنه كان يصلي ركعتين جالسًا، فهذا الحديث يحتمل أمرين. قال القرطبي (٢): أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها واحدًا أو أخبرت عن وقت واحد، والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة، بحسب النشاط وبيان الجواز، والله أعلم.\n١٣٦٤ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن مخرمة بن سليمان، أن كريبًا مولى ابن عباس أخبره أنه قال: سألت ابن عباس: كيف كانت صلاة رسول الله -ﷺ- بالليل؟ قال) أي ابن عباس: (بت عنده ليلة وهو) أي رسول الله -ﷺ- (عند) خالتي (ميمونة) - ﵂ - (فنام حتى إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه استيقظ، قام إلى شن) أي قربة (فيه ماء، فتوضأ وتوضأت معه، ثم قام) أي للصلاة (فقمت إلى جنبه على يساره، فجعلني عن يمينه، ثم وضع يده على رأسه كأنه يمس أذني، كأنه يوقظني، فصلَّى ركعتين خفيفتين. قلت) أي في\n_________\n(١) في نسخة: \"فقام\".\n(٢) كذا في \"الفتح\" (٣/ ٢١).","vol":"5","page":627},{"text":"قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، حَتَّى صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ، ثُمَّ نَامَ فَأَتَاهُ بِلَالٌ فَقَالَ: الصَّلَاةُ (١) يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى لِلنَّاسِ\" (٢). [خ ١٨٣، م ٧٦٣، ن ٦٨٦، حم ١/ ٢٤١، ق ٣/ ٧]\n١٣٦٥ - حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِىُّ -ﷺ- يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا رَكْعَتَي (٣) الْفَجْرِ\n===\nنفسي: (قرأ فيهما) أي في الركعتين (بأم القرآن) أي فقط (في كل ركعة، ثم سلَّم، ثم صلَّى) أي صلاة طويلة (حتى صلّى إحدى عشرة ركعة بالوتر) أي مع الوتر (ثم نام فأتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله، فقام فركع ركعتين) أي ركعتي الفجر (ثم صلَّى للناس) أي: فرض الفجر.\n١٣٦٥ - (حدثنا نوح بن حبيب) القومسي بضم القاف وسكون الواو آخره مهملة، البذشي بفتح الموحدة بعدها معجمة، أبو محمد، ثقة، والبذش قرية على فرسخين من بسطام، وهي من قومس (ويحيى بن موسى) بن عبد ربه بن سالم الحداني بضم المهملة الأولى، أبو زكريا البلخي السختياني، المعروف بخت، وهو لقبه، كوفي الأصل، ثقة.\n(قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاوس) عبد الله، (عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة فقام النبي - ﷺ - يصلي من الليل، فصلَّى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتي الفجر) وفي نسخة: ركعتا الفجر\n_________\n(١) في نسخة: \"الصلاة الصلاة\".\n(٢) في نسخة: \"بالناس\".\n(٣) في نسخة: \"ركعتا\".","vol":"5","page":628},{"text":"حَزَرْتُ قِيَامَهُ في كُلِّ رَكْعَةٍ بِقَدْرِ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، لَمْ يَقُلْ نُوحٌ: مِنْهَا ركعتي (١) الْفَجْر\". [ق ٣/ ٨، حم ١/ ٢٢]\n١٣٦٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ - قَالَ: \"لأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اللَّيْلَةَ قَالَ: فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ\n===\n(حزرت) أي قدرت (قيامه في كل ركعة بقدر ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أي سورة المزمل (لم يقل نوح: منها ركعتي الفجر) ورواية نوح أوفق بسائر روايات ابن عباس، فإن فيها ركعتي الفجر غير داخلة في صلاة الليل، بل هي خارجة منها.\n١٣٦٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، أن عبد الله بن قيس بن مخرمة) بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، أخو محمد، يقال: له رؤية، استعمله عبد الملك بن مروان على الكوفة والبصرة، واستقضاه الحجاج على المدينة سنة ثلاث وسبعين، وهو من كبار التابعين.\n(أخبره) أي أخبر عبد الله بن قيس أبا بكر، (عن زيد بن خالد الجهني أنه قال) أي في نفسه: (لأرمقن) أي لأنظرن (صلاة رسول الله -ﷺ- الليلة) أي صلاة التهجد (قال) أي زيد بن خالد: (فتوسدت عتبته أو) للشك من الراوي (فسطاطه) العتبة في الأصل أَسْكُفَةُ الباب، وكل مرقاة من الدرج عتبة، أي جعلت العتبة أو الفسطاط وسادة، ولعل هذه القصة وقعت (٢) في السفر.\n(فصلَّى رسول الله -ﷺ- ركعتين خفيفتين، ثم صلَّى ركعتين طويلتين طويلتين\n_________\n(١) في نسخة: \"ركعتا\".\n(٢) وهو مختار القاري والمناوي في \"شرح الشمائل\" (٢/ ٧٢). (ش).","vol":"5","page":629},{"text":"طَوِيلَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْن (١) دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٢) دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٣) دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً\". [م ٧٦٥، تم ٢٥٨، جه ١٣٦٢، حم ٥/ ١٩٣، ق ٣/ ٨]\n١٣٦٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن مَخْرَمَةَ بْن سُلَيْمَانَ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، \"أَنّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهِيَ خَالَتُهُ قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ في عَرْضِ الْوِسَادَةِ\n===\nطويلتين) كرره للمبالغة في الطول، وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤) ولم يكرره، بل ذكر طويلتين مرة، ولكن كرره محمد بن نصر في \"قيام الليل\".\n(ثم صلَّى ركعتين، وهما) أي الركعتان (دون) الركعتين (اللتين قبلهما) أي أقصر منهما (ثم صلَّى ركعتين)، وهما (دون اللتين قبلهما، ثم صلَّى ركعتين) وهما (دون اللتين قبلهما ثم صلَّى ركعتين) وهما (دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة) أي صلاة الليل مع الوتر.\n١٣٦٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، أن عبد الله بن عباس أخبره، أنه بات عند ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وهي خالته قال) أي ابن عباس: (فاضطجعت في عرض الوسادة) قال النووي (٥): هكذا ضبطناه \"عرض\" بفتحتين، وهكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين، قال: ورواه الداودي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وهما\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وهما\".\n(٣) زاد في نسخة: \"وهما\".\n(٤) مسند أحمد (٥/ ١٩٣).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٣١١).","vol":"5","page":630},{"text":"وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَهْلُهُ فِى طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ،\n===\nبالضم، وهو الجانب، والصحيح الفتح، والمراد بالوسادة الوسادة المعروفة التي تكون تحت الرؤوس، ونقل القاضي عياض عن الباجي والأصيلي وغيرهما أن الوسادة هنا الفراش، لقوله: \"اضطجع في طولها\" وهذا ضعيف أو باطل، وفيه دليل على جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها.\n(واضطجع رسول الله -ﷺوأهله) أي زوجته (في طولها) أي طول المخدَّة، وفي رواية سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد عن كريب عن ابن عباس عند محمد بن نصر في \"قيام الليل\": \"وتوسدا وسادة لهما من أدم محشوة ليفًا، وبت عليها معترضًا عند رأسيهما\".\n(فنام رسول الله -ﷺ- حتى إذا انتصف الليل أو قبله) أي قبل انتصافه (بقليل) أي بزمان قليل (أو بعده) أي بعد انتصافه (بقليل) أي بزمان قليل (استيقظ رسول الله -ﷺ-، فجلس يمسح النوم) أي أثر النوم (عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) إلى آخر السورة.\n(ثم قام إلى شن) أي قربة (معلقة فتوضأ منها) أي من القربة، وفي رواية محمد بن نصر في \"قيام الليل\": \"ثم قام إلى شن معلقة ثم استفرغ منها في إناء ثم توضأ\" (فأحسن وضوءه) أي أكمله.\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ١٩٠.","vol":"5","page":631},{"text":"ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي\".\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: \"فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأسِي، فَأَخَذَ (١) بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ- قَالَ الْقَعْنَبِيُّ: سِتَّ مِرَارٍ (٢) - ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتينِ خَفِيفَتينِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ\". [خ ١٨٣، م ٧٦٣، ن ٦٨٦، وانظر أيضًا تخريج الحديث رقم ١٣٦٤]\n===\n(ثم قام يصلي. قال عبد الله) بن عباس: (فقمت فصنعت مثل ما صنع) أي توضأت مثل ما توضأ (ثم ذهبت فقمت إلى جنبه) (٣) الأيسر (فوضع رسول الله -ﷺيده اليمنى على رأسي) أي أدارني إلى جنبه الأيمن (فأخذ بأذني يفتلها).\nقال في \"المجمع\" (٤): يفتلها بكسر مثناة، أي يدلك أذنه لتركه أدب القيام عن يمين الإِمام، ولينبهه عن بقية النوم، وليستحضر أفعال النبيﷺ -.\n(فصلَّى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، قال القعنبي) أي في حديثه لفظ: (ست مرار، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه الموذن) فآذنه بالصلاة (فقام فصلَّى ركعتين خفيفتين) أي سنَّة الفجر (ثم خرج فصلَّى الصبح) أي فرض الصبح.\n_________\n(١) في نسخة: \"وأخذ\".\n(٢) في نسخة: \"مرات\".\n(٣) في الحديث اقتداء من لم ينو إمامته، وفيه خلاف الحنابلة كما في \"الروض المربع\" (١/ ٢٥٨). (ش).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٩٨).","vol":"5","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>(٣١٨) بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقَصْدِ في الصَّلَاةِ</span>\n١٣٦٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلَ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّه لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، فَإِنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ\"، وَكَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ. [خ ١٩٧٠، م ٧٨٢، ٧٨٣، ن ٧٦٢، حم ٦/ ٤٠، جه ٤٢٣٨]\n١٣٦٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، نَا عَمِّي، نَا أَبِي،\n===\n\n(٣١٨) (بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقَصْدِ في الصَّلَاةِ)\nالقصد من الأمور المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط، وأصله الاستقامة في الطريق، ثم استعير للتوسط\n١٣٦٨ - (حدثنا قتيبة، نا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول الله -ﷺ- قال: اكلفوا) أي تحملوا (من العمل ما تطيقون) (١) دوامه، فإن العمل إذا كان كثيرًا لا يطاق دوامه، بل يحصل منه ملالة (فإن الله لا يمل) (٢)، الملالة في حقه تعالى ليس على حقيقتها، بل هي استعارة لقطع الإقبال بالإحسان، أي لا يقطع الإقبال عليكم بالإحسان (حتى تملوا) عن العبادة، وإطلاق الملالة عليه ﷾ من باب المشاكلة (فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وكان) أي رسول الله -ﷺ- (إذا عمل عملًا أثبته) أي داوم عليه ولم يتركه إلَّا لمصلحة شرعية دعت إليه.\n١٣٦٩ - (حدثنا عبيد الله بن سعد، نا عمي) أي يعقوب، (نا أبي)\n_________\n(١) وبسط الكلام على روايات الباب وما ورد من شدة الاجتهاد في العبادات في \"إقامة الحجة\" (ص ١٢٠ - ١٣٥). (ش).\n(٢) وفي \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٤١٨) لا يمل الله تعالى أبدًا، وهذا كقولهم: هذا الفرس لا يفتر حتى يفتر الفرس، ليس معناه أنه يفتر بعد فتورهم، راجع \"مشكل الآثار\" للطحاوي (٢/ ١١٦). (ش).","vol":"5","page":633},{"text":"عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- بَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ: «يَا عُثْمَانُ، أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِى؟» قَالَ (١): لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ، قَالَ: «فَإِنِّى أَنَامُ وَأُصَلِّى وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ». [حم ٦/ ٢٦٨]\n١٣٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ قَالَ: \"سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، هَلْ كَانَ\n===\nأي إبراهيم، (عن ابن إسحاق) محمد، (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) - ﵂ -: (أن النبي - ﷺ - بعث إلى عثمان بن مظعون) أي دعاه، ولعله لأنه أخبر بقوله: \"أصلي الليل ولا أنام، وأصوم فلا أفطر، وأتبتل عن النساء\".\n(فجاءه فقال: يا عثمان أرغبت) أي أعرضت (عن سنتي؟) أي الطريقة التي بعثت بها (قال) أي عثمان: (لا) أي لا أرغب عن سنتك (والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب، قال: فإني) أي إن سنتي أني (أنام) في الليل في بعضه (وأصلي) أي أصلي في بعضه (وأصوم) في بعض الأيام (وأفطر) في بعضها (وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان) من أن تضيع حق نفسك وأهلك وضيفك (فإن لأهلك) أي زوجتك (عليك حقًا) من المحادثة والمؤانسة (وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا) أن تريحها (فصم) في بعض الأيام (وأفطر) أي في بعضها (وصلِّ) في بعض الليل (ونم) في بعضها.\n١٣٧٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: سألت عائشة: كيف كان عمل رسول الله -ﷺ-، هل كان\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".","vol":"5","page":634},{"text":"يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأيَّامِ؟ قَالَتْ؟ لَا، كَانَ (١) عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يسْتَطِيعُ\"؟ ! . [خ ١٩٨٧، م ٧٨٣، حم ٦/ ١٨٩]\n===\nيخص (٢) شيئًا من الأيام؟ قالت: لا) قال ابن بطال: فإن قيل: هو معارض لقولها: \"ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان\"، قلنا: لا تعارض، لأنه كان كثير الأسفار، فلا يجد سبيلًا إلى صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فيجمعها في شعبان.\n(كان عمله ديمة) بكسر أوله وسكون التحتانية أي: دائمًا، قال أهل اللغة: الديمة مطر يدوم أيامًا، ثم أطلقت على كل شيء يستمر، وأصله الواو فانقلبت ياءً للكسرة قبلها (وأيكم يستطيع) وفي رواية سفيان: \"يطيق\" في الموضعين والمعنى متقارب (ما كان رسول الله -ﷺ - يستطيع؟ !).\n* * *\nتَمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الخامس ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد السادس وأوله: \"تفريع أبواب شهر رمضان\" وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا\n_________\n(١) يشكل عليه تخصيص الاثنين والخميس وغيرهما، وأجيب بوجوه في هامش \"الخصائل\"، أقربها ما قال الحافظ (٤/ ٢٣٦): إن السؤال عن صيام الثلاثة من كل شهر.\n(٢) في نسخة: \"كل\".","vol":"5","page":635},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء السَّادس\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"6","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"6","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٦)","vol":"6","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"6","page":4},{"text":"بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَاب شَهْرِ رَمَضَانَ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>(٣١٩) بابٌ: في قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ</span>\n١٣٧١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ - قَالَ الْحَسَنُ فِى حَدِيثِهِ: وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (١) قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُرَغِّبُ فِى قِيَامِ رَمَضَانَ\n===\n\n(بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَابِ شَهْرِ رَمَضَانَ)\n(٣١٩) (بابٌ: في قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ) (٢)\nأي: في فضل قيام ليله\n١٣٧١ - (حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن المتوكل قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، قال الحسن في حديثه: ومالك بن أنس) أي وزاد حسن بن علي في سند حديثه مع معمر مالك بن أنس، (عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله -ﷺ- يُرَغِّبُ) أي أصحابه (في قيام رمضان)\n_________\n(١) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٥١) رقم (١٢٢٧٧) إسنادًا آخر لهذا الحديث، وعزاه إلى كتاب الصلاة والصوم: عن قتيبة، عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ولكن لم نقف عليه في المطبوع من \"السنن\".\n(٢) الأولى في التراويح: البيوت إن لم تعطل المساجد، كذا في \"الدسوقي\" (١/ ٣١٥). (ش).","vol":"6","page":5},{"text":"مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ،\n===\nأي في قيام ليله في الصلاة (من غير أن يأمرهم (١) بعزيمة) أي بإيجاب (ثم يقول: من قام رمضان) أي في لياليه في الصلاة (إيمانًا) أي تصديقًا بوعد الله عليه بالثواب (واحتسابًا) أي طلبًا للأجر لا لقصد آخر من رياء ونحوه (غفر له) ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر.\nوقال النووي (٢): المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنَّة، قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة.\n(ما تقدم من ذنبه) زاد قتيبة عن سفيان عند النسائي: \"وما تأخر\"، وقد استشكلت هذه الزيادة من حيث إن المغفرة تستدعي سبق شيء يُغْفر، والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يغفر؟\nوالجواب عنه: قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك. وقيل: إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورة، وبهذا أجاب جماعة منهم الماوردي في الكلام على حديث صيام عرفة: وأنه يكفِّر سنتين: سنة ماضية وسنة آتية.\n(فتوفي رسول الله -ﷺ-)، هذا قول (٣) الزهري، صرح به البخاري في \"صحيحه\" (٤) (والأمر على ذلك) أي على ترك الجماعة الواحدة في التراويح،\n_________\n(١) قلت: وقد أمرهم بذلك في حديث ابن عباس كما سيأتي في الصوم. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٣٩٨).\n(٣) يعني مدرج عنه، قلت: لكنه مختلف عند الرواة، فالبخاري ومالك أخرجاه عن الزهري وأبو داود والترمذي جعلاه متصلًا، كذا في \"الأوجز\" (٢/ ٥١٠). (ش).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٢٠٠٩).","vol":"6","page":6},{"text":"ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِى خِلَافَةِ أَبِى بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَيُونُسُ وَأَبُو أُوَيْسٍ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ»، وَرَوَى عُقَيْلٌ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ». [خ ٢٠١٤، م ٧٥٩ -\n٧٦٠، ت ٨٠٨، ن ٢١٩٥، ط ١/ ١١٣/ ٢، ق ٢/ ٤٩٢، حم ٢/ ٢٤١]\n١٣٧٢ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ وَابْنُ أَبِى خَلَفٍ (١)، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ\n===\nبل يصلي الناس أوزاعًا متفرقين، يصلي الرجل نفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، (ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا) أي ابتداءً (من خلافة عمر ﵁) أي في أول خلافته.\n(قال أبو داود: وكذا) أي كما رواه معمر ومالك بن أنس عن الزهري (رواه عقيل ويونس وأبو أويس: من قام رمضان) أخرج البخاري (٢) حديث عقيل عن ابن شهاب، وأما يونس فأخرج حديثه النسائي (٣) في الصوم، وأما أبو أويس فلم أجد روايته فيما تتبعت من الكتب (٤).\n(وروى عقيل: من صام رمضان وقامه) وهذا إشارة إلى أن عقيلًا روى عن الزهري روايتين، روى مرة مقتصرًا على قيام رمضان، ومرة روى في الصيام والقيام جميعًا، ولم أجد رواية عقيل فيها ذكر من صام.\n١٣٧٢ - (حدثنا مخلد بن خالد وابن أبي خلف) المعنى (قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يبلغ به\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المعنى\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٠٠٨)، وأيضًا أخرجه البيهقي (٢/ ٤٩٢).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٢١٩٤)، وأيضًا أخرجه البيهقي (٢/ ٤٩٢)، وابن حبان (٢٥٤٦).\n(٤) أخرج روايته الدارقطني في \"العلل\" (٩/ ٢٣٠)، والخطيب في \"التاريخ\" (٦/ ١١٦)، وأوردها ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٠٢).","vol":"6","page":7},{"text":"النَّبِىَّ -ﷺ-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [خ ١٩٠١، م ٧٥٩ - ٧٦٠، ن ٢٢٠٢، جه ١٣٢٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ.\n١٣٧٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِي، عن مَالِكٍ (١)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ-: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى فِى الْمَسْجِدِ\n===\nالنبي - ﷺ -: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، قال أبو داود: كذا رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة) أخرج (٢) حديثه النسائي ومسلم، ولم أجد (٣) رواية محمد بن عمرو.\n١٣٧٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ صلَّى في المسجد) مع أن أفضل صلاة المرء في بيته، فلأجل أنه كان معتكفًا، أو أن السبب في كون صلاة التطوع في البيت أفضل لعدم شوبه بالرياء غالبًا، والنبي - ﷺ - منزَّه عنه في بيته وفي غيره، وهذا عند من يقول بأفضلية التراويح في البيت، وإليه ذهب مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم، قاله النووي (٤).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن أنس\".\n(٢) قلت: أخرج حديث يحيى بن أبي كثير: البخاري (١٩٠١) أيضًا، كما أخرجه مسلم (٧٦٠)، والنسائي (٢٢٠٦ - ٢٢٠٧).\n(٣) قلت: وصلها الترمذي (٦٨٣)، (ش). قلت: ووصل أيضًا ابن ماجه الطرف الأول (١٣٢٦).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٩٨).","vol":"6","page":8},{"text":"فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِى صَنَعْتُمْ، فَلَمْ (١) يَمْنَعْنِى مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ\n===\nوأما عند من يقول بأن الأفضل أن تكون صلاة التراويح جماعة في المسجد، وهو قول الشافعي، وجمهور أصحابه وأبي حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم أن الأفضل صلاتها جماعة في المسجد، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة - ﵃- واستمر عمل المسلمين عليه، فلا حاجة إلى التوجيه عنده.\n(فصلى بصلاته) أي مقتديًا بصلاته (ناس) أي ذوو عدد، (ثم صلَّى من القابلة) أي من الليلة المقبلة (فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة)، وفي البخاري: \"أو الرابعة\"، ولأحمد من رواية ابن جريج عن ابن شهاب: \"فلما أصبح تحدثوا أن النبي - ﷺ - صلَّى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم\"، زاد يونس: \"فخرج النبي - ﷺ - في الليلة الثانية فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كان الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله\"، وله من رواية سفيان بن حسين عنه: \"فلما كانت الليلة الرابعة غصَّ المسجد بأهله\".\n(فلم يخرج إليهم رسول الله -ﷺ-)، زاد أحمد في رواية ابن جريج: \"حتى سمعت ناسًا منهم يقولون: الصلاة\"، وفي رواية سفيان بن حسين: \"ما شأنه\"، وفي حديث زيد بن ثابت في الاعتصام (٢): \"ففقدوا صوته وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم\"، وفي حديثه في الأدب: \"فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب\".\n(فلما أصبح) أي رسول الله -ﷺ- (قال: قد رأيت الذي صنعتم) أي علمت الذي فعلتم من رفع الصوت وحصب الباب، (فلم يمنعني من الخروج إليكم\n_________\n(١) في نسخة: \"ولم\".\n(٢) أي \"كتاب الاعتصام\" لـ \"صحيح البخاري\".","vol":"6","page":9},{"text":"إِلَّا أَنِّي خَشِيْتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ\"،\n===\nإلَّا أني خشيت أن تفرض عليكم) أي خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها، أي تشق عليكم فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلي؛ لأنه يسقط التكليف من أصله.\nثم إن ظاهر هذا الحديث أنه - ﷺ - توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال.\nوأجاب المحب الطبري بأنه يحتمل أن يكون الله ﷿ أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم فترك المواظبة.\nقال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتفق في بعض القُرَب التي داوم عليها فافترضت.\nوقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، وإلى هذا الأخير نحا القرطبي فقال: قوله: \"فتفرض عليكم\" أي: تظنونه فرضًا، فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به.\nقال: وقيل: كان حكم النبي - ﷺ - أنه إذا واظب على شيء من أعمال البر واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم، انتهى.\nوقال ابن بطال: يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه - ﷺ - لما كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمته، فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه قيام الليل أن يسوي الله بينه وبينهم في حكمه، لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي - ﷺ - وبين أمته في العبادة.\nوقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن الله تعالى قال: \"هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي\"، فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ وهذا يدفع في صدور الأجوبة التي تقدمت.","vol":"6","page":10},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد أجاب عنه الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه - ﷺ -، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها - يعني عند المواظبة -، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع.\nقال: وفيه احتمال آخر، وهو أن الله فرض الصلاة خمسين، ثم حطَّ معظمها بشفاعة نبيه - ﷺ -، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم - ﷺ - منه لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم، كما التزم ناس الرهبانية من قبل أنفسهم، ثم عاب الله عليهم التقصير فيها فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (١)، فخشي - ﷺ - أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقطع العمل شفقة عليهم من ذلك.\nوقد تلقى هذين الجوابين من الخطابي جماعة من الشراح كابن الجوزي، وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبًا عليه - ﷺ - وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كل من الأمرين نزاع.\nوأجاب الكرماني بأن حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿لا يبدل القول لدي﴾، الأمن من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة، انتهى. لكن في ذكر التضعيف بقوله: \"هن خمس وهن خمسون\"، إشارة إلى عدم الزيادة أيضًا، لأن التضعيف لا ينقص عن العشر.\nودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلًا للنسخ، فلا مانع من خشية الافتراض، وفيه نظر، لأن قوله: ﴿لا يبدل القول لدي﴾ خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح.\n_________\n(١) سورة الحديد: الآية ٢٧.","vol":"6","page":11},{"text":"وَذَلِكَ في رَمَضَانَ\". [خ ١١٢٩، م ٧٦١، ن ١٦٠٤، ق ٢/ ٤٩٢، حم ٦/ ١٧٧، ط ١/ ١١٣/ ١]\n===\nوقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى:\nأحدها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: \"حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم\"، فمنعهم عن التجميع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.\nثانيها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها.\nثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان بن حسين: \"خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر\"، فعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس، وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول، والله ﷾ أعلم بالصواب، قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\n(وذلك في رمضان) أي وذلك الحال والأمر المتقدم وقع في رمضان، وهو كلام عائشة - ﵂ -، ذكرته إدراجًا لتبين أن هذه القضية كانت في شهر رمضان.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣ - ١٤).","vol":"6","page":12},{"text":"١٣٧٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ (١)، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ فِى الْمَسْجِدِ فِى رَمَضَانَ أَوْزَاعًا، فَأَمَرَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَضَرَبْتُ لَهُ حَصِيرًا، فَصَلَّى (٢) عَلَيْهِ - بِهَذِهِ الْقِصَّةِ - قَالَتْ (٣) فِيهِ: قَالَ (٤) - تَعْنِى النَّبِىَّ -ﷺ-: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَمَا وَاللَّهِ مَا بِتُّ لَيْلَتِى هَذِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ غَافِلًا، وَلَا خَفِىَ عَلَىَّ مَكَانُكُمْ». [حم ٦/ ٢٦٧]\n===\n١٣٧٤ - (حدثنا هناد، نا عبدة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: كان الناس يصلون في المسجد) أي صلاة التراويح (في رمضان أوزاعًا) بسكون الواو بعدها زاي، أي جماعة متفرقون، قال في \"لسان العرب\": ووزعه بين الناس أي فرقه وقسمه بينهم، وزعه يوزعه توزيعًا، ومن هذا أخذ الأوزاع، وهم الفرق من الناس، يقال: أتيتهم وهم أوزاع أي متفرقون، وفي حديث عمر - ﵁ -: أنه خرج ليلة في شهر رمضان والناس أوزاع أي يصلون متفرقين غير مجتمعين على إمام واحد، أراد أنهم كانوا يتنفلون فيه بعد العشاء متفرقين، ولا واحد للأوزاع، انتهى.\n(فأمرني رسول الله -ﷺ-) أي ببسط الحصير في المسجد (فضربت له حصيرًا) أي ألقيت، (فصلَّى) رسول الله -ﷺ- (عليه) أي على الحصير (بهذه القصة) أي حدث بهذه القصة المتقدمة.\n(قالت) عائشة (فيه) أي في الحديث: (قال- تعني النبي - ﷺ -) حين قالوا: لعله - ﷺ - نام: (أيها الناس، أما والله ما بت ليلتي هذه بحمد الله غافلًا، ولا خفي علي مكانكم) أي كونكم في المسجد، \"ولكني خشيت\" الحديث، وقد\n_________\n(١) زاد في نسخة \"ابن السري\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رسول الله -ﷺ\".\n(٣) في نسخة: \"قال\".\n(٤) في نسخة: \"قالت\".","vol":"6","page":13},{"text":"١٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى هِنْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: \"صُمْنَا مَعَ (١) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِىَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ (٢) السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».\n===\nأخرج محمد بن نصر هذا الحديث في \"قيام الليل\" (٣) مطولًا (٤) وفيه: \"حتى خرج إليهم إلى الصبح، فقال: أيها الناس أما والله ما بت\" الحديث.\n١٣٧٥ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله -ﷺ- رمضان، فلم يقم بنا) أي في لياليه لصلاة التراويح (شيئًا من الشهر) بل كان إذا صلَّى الفرض دخل حجرته (حتى بقي سبع) أي سبع ليال، (فقام بنا) في الصلاة في الليلة السابعة مما بقي، وهي الثالثة والعشرون (حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة) مما بقي، وهي الرابعة والعشرون (لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة) مما بقي، وهي الخامسة والعشرون (قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله لو نفلتنا) أي زدتنا (قيام هذه الليلة) أي كلها لكان حسنًا.\n(قال: فقال: إن الرجل إذا صلَّى) هذه الصلاة في رمضان (مع الإِمام حتى ينصرف) أي يفرغ الإِمام من الصلاة ويرجع (حسب له قيام ليلة) أي كاملة، وهذا يدل على أن هذه الصلاة مع الإِمام أفضل من الانفراد.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) في نسخة: \"كان\".\n(٣) (ص ٣٥).\n(٤) وأوله: \"في رمضان بالليل أوزاعًا، يكون مع الرجل الشيء من القرآن، فيكون معه النفر الخمسة أو الستة، أو أقل من ذلك، أو أكثر يصلون فرادى\". (ش).","vol":"6","page":14},{"text":"قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ. قَالَ:\n===\nوقال القاري (١): وإذا صلَّى، أي الفرض مع الإِمام حتى ينصرف أي الإِمام اعتبر، وعُدَّ له قيام ليلة، أي حصل له قيام ليلة تامة، يعني الأجر حاصل بالفرض، وزيادة النوافل مبنية على قدر النشاط: \"فإن الله لا يمل حتى تملوا\"، والظاهر أن المراد بالفرض العشاء والصبح لحديث ورد بذلك، انتهى.\nوالأولى عندي أن يقال: إن المراد بالصلاة في قوله: \"إذا صلَّى مع الإِمام\" صلاة التراويح، فإنه إذا صلَّى فرض العشاء والصبح مع الإِمام يكون له ثواب ليلة كاملة ثواب صلاة الفرض، وههنا إذا صلَّى التراويح مع الإِمام حتى ينصرف يحصل له ثواب ليلة كاملة ثواب صلاة النفل.\nوظاهر الكلام يؤيد ما قلنا، فإن أبا ذر سأله - ﷺ - أن ينفل بقية الليلة، فأجاب أنه لا يحتاج إلى قيام بقية الليلة، لأن ثواب الليلة الكاملة يحصل بهذا القدر أيضًا.\nوأيضًا يؤيده قوله: \"حتى ينصرف\"، فإن الانصراف في الفرض في أثناء الصلاة غير ممكن، بل الانصراف يحصل بعد ما ينصرف الإِمام، وأما في التراويح فالانصراف فيها قبل انصراف الإِمام ممكن، لأنها ترويحات متعددة، فيمكن أن ينصرف الرجل قبل أن يفرغ الإِمام من جميع الصلاة.\n(قال) أبو ذر: (فلما كانت الرابعة) أي من الباقية، وهي السادسة والعشرون، وقال ابن حجر: وهي ليلة السابع والعشرين، ولعله سهو قلم (لم يقم) بنا (فلما كانت الثالثة) وهي الليلة السابعة والعشرون (جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال) جبير بن نفير:\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٧٢).","vol":"6","page":15},{"text":"قُلْتُ: (١) مَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السَّحُورُ. ثُمّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيةَ الشَّهْرِ\". [ت ٨٠٦، ن ١٣٦٤، جه ١٣٢٧، دي ١٧٧٧، ق ٢/ ٤٩٤، حب ٢٥٤٧، حم ٥/ ١٥٩]\n١٣٧٦ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ وَدَاوُدُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ سُفْيَانَ أَخْبَرَهُمْ عَنْ أَبِى يَعْفُورٍ - وَقَالَ دَاوُدُ (٢): عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسٍ -، عَنْ أَبِى الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ،\n===\n(قلت: ما الفلاح؟ قال) أبو ذر: (السحور) أي المراد بالفلاح السحور (ثم لم يقم بنا بقية الشهر) أي: في الثامنة والعشرين، والتاسعة والعشرين.\nوحديث أبي ذر هذا يخالف ما روته عائشة - ﵂ - من صلاة الليل في رمضان، فإن ظاهره يدل على أن صلاته - ﷺ - كانت في الليالي الموصولة، وفي هذا تصريح بأن صلاته ﵊ كانت في الليالي المفصولة، فإما أن يحمل على تعدد القصة، أو يؤول حديث عائشة - ﵂ - بأنه ليس فيه ذكر الوصل صريحًا، بل هو محمول على الانفصال كحديث أبي ذر.\n١٣٧٦ - (حدثنا نصر بن علي وداود بن أمية) بمضمومة وخفة ميم مفتوحة وشدة تحتية، الأزدي، ثقة (أن سفيان) بن عيينة (أخبرهم عن أبي يعفور- وقال داود: عن ابن عبيد بن نسطاس-، عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح، (عن مسروق، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل العشر) أي العشر الأخير من رمضان (أحيا الليل) أي: أكثره، أي سهره فأحياه بالطاعة، أو أحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت، وأضافه إلى الليل اتساعًا (وشدَّ المئزر) أي اعتزل النساء، وبذلك جزم عبد الرزاق، عن الثوري، واستشهد بقول الشاعر:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"و\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن أمية\".","vol":"6","page":16},{"text":"وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ\". [خ ٢٠٢٤، م ١١٧٤، ن ١٦٣٩، جه ١٧٦٨]\n(١) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو يَعْفُورَ اسْمُهُ: عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاس.\n١٣٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمد بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ،\n===\nقوم إذا حاربوا شَدُّوا مآزرهم ... عن النساء ولو باتت بأطهار\nوذكر ابن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عياش نحوه، وقال الخطابي (٢): يحتمل أن يريد به الجد في العبادة كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي تشمرت له، ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معًا، ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز، كمن يقول: طويل النجاد، لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة، فيراد شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل وشمر للعبادة، قلت: وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة: \"شد مئزره واعتزل النساء\"، فعطفه بالواو فيتقوى الاحتمال الأول.\n(وأيقظ أهله) للصلاة (قال أبو داود: أبو يعفور اسمه: عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس).\n١٣٧٧ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، نا عبد الله بن وهب، أخبرني مسلم بن خالد) الزنجي المكي الفقيه، أبو خالد، مولى بني مخزوم، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، قال الساجي: كثير الغلط، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال البخاري: منكر الحديث، وضعفه أبو داود، وقال ابن المديني: ليس بشيء، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وهو حسن الحديث، وقال الأزرقي: كان فقيهًا عابدًا يصوم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"و\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٦٩).","vol":"6","page":17},{"text":"عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا أُنَاسٌ (١) فِى رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «مَا هَؤُلَاءِ؟»، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ، وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّى، وَهُمْ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «أَصَابُوا، وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا\". [ق ٢/ ٤٥٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: (٢) لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالقَوِيِّ، مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ (٣) ضَعِيفٌ.\n===\nالدهر، وقال إبراهيم الحربي: كان فقيه أهل مكة، قاله الذهبي في \"الميزان\" (٤).\n(عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله -ﷺ-) إلى المسجد (فإذا أناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟) أي: ما بالهم مجتمعين؟ (فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن) أي: لا يحفظون القرآن (وأبي بن كعب يصلي) أي إمامًا (وهم يصلون) مقتدين (بصلاته، فقال النبي: أصابوا) أي بلغوا الصواب (ونعم ما صنعوا).\n(قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقوي، ومسلم (٥) بن خالد ضعيف) ولكن قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٦): ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من فقهاء الحجاز، ومنه تعلم الشافعي الفقه قبل أن يلقى مالكًا،\n_________\n(١) في نسخة: \"الناس\".\n(٢) زاد في نسخة: \"و\".\n(٣) زاد في نسخة: \"الزنجي\".\n(٤) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ١٠٢).\n(٥) قلت: وثقه جماعة، وهو مؤيد بالروايات العديدة كما في \"الأوجز\" (٢/ ٥١١)، منها حديث أبي سلمة عن عائشة المتقدم من أنهم كانوا يصلون أوزاعًا. (ش).\n(٦) (١٠/ ١٢٩).","vol":"6","page":18},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكان مسلم بن خالد يخطئ أحيانًا، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أحمد بن محرز: سمعت، يحيى بن معين يقول: كان مسلم بن خالد ثقة صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة حكاه ابن القطان.\nوقد أخرج الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (١) عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي هذا الحديث، وقال: رواه البيهقي في \"المعرفة\" وإسناده جيد، وقال في \"تعليقه\": فإن قلت: ثعلبة هذا تابعي على ما قاله العجلي، قلت: قال البيهقي بعد ما أخرجه: وثعلبة بن أبي مالك قد رأى النبي - ﷺ - فيما زعم أهل العلم بالتاريخ، انتهى.\nوقال الذهبي في \"تجريد أسماء الصحابة\" (٢): ثعلبة بن أبي مالك أبو يحيى القرظي، إمام بني قريظة، ولد في عهد النبي - ﷺ -، وله رؤية، وطال عمره.\nواعلم أنهم اختلفوا في عدد ركعات التراويح، ولم يقع فيما روي عن رسول الله -ﷺ- أنه قرأها ثلاث ليالي عدد ركعاته بطريق صحيح، ولكن وقع ذكر عدد التراويح فيما صلاها بعض الصحابة والتابعين - ﵃- فقد أخرج الشيخ النيموي (٣) عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - في شهر رمضان بعشرين ركعة، قال: وكانوا يقرأون بالمئين، وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان من شدة القيام، قال: رواه البيهقي (٤) بإسناد صحيح.\nوعن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، رواه مالك وإسناده مرسل قوي.\n_________\n(١) (٢/ ٤٩).\n(٢) (١/ ٦٩).\n(٣) \"آثار السنن\" (٢/ ٥٣).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٩٦).","vol":"6","page":19},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوعن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب -﵁ - أمر رجلًا يصلي بهم عشرين ركعة، رواه أبو بكر بن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١) وإسناده مرسل قوي.\nوعن عبد العزيز بن رفيع قال: كان أبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث، أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في \"مصنفه\" وإسناده مرسل قوي.\nوعن عطاء قال: أدركت الناس وهم يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة بالوتر رواه ابن أبي شيبة، وإسناده حسن.\nوعن أبي الخصيب قال: كان يؤمنا سويد بن غفلة في رمضان فيصلي خمس ترويحات عشرين ركعة، رواه البيهقي، وإسناده حسن.\nوعن نافع بن عمر قال: كان ابن أبي مليكة يصلي بنا في رمضان عشرين ركعة، رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وإسناده صحيح.\nوعن سعيد بن عبيد أن علي بن ربيعة كان يصلي بهم في رمضان خمس ترويحات ويوتر بثلاث، أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في \"مصنفه\"، وإسناده صحيح.\nقال النيموي: وفي الباب روايات أخرى أكثرها لا تخلو عن وهم، لكن بعضها يقوي بعضًا، هذا مما ذهب إليه الحنفية.\nووافقنا فيه الشافعية، فقال في \"التوشيح\": والثالث صلاة التراويح، وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات، في كل ليلة من رمضان، وجملتها خمس ترويحات، وينوي الشخص بكل ركعتين التراويح أو قيام رمضان، فلا تصح بنية مطلقة، ولو صلَّى أربع ركعات أو أكثر منها بتسليمة واحدة لم تصح، انتهى.\n_________\n(١) (٢/ ٣٩٣).","vol":"6","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>(٣٢٠) بابٌ: في لَيْلَةِ الْقَدْرِ</span>\n===\nوقال في \"المدونة الكبري\" (١) للإمام مالك بن أنس برواية عبد الرحمن بن القاسم عنه: قال ابن القاسم: وهو تسع وثلاثون ركعة بالوتر، ستة وثلاثون ركعة، والوتر ثلاث.\nوقال الترمذي في \"جامعه\" (٢): واختلف أهل العلم في قيام رمضان، فرأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، وهو قول أهل المدينة، والعمل على هذا عندهم بالمدينة، وأكثر أهل العلم على ما روي عن علي وعمر وغيرهما من أصحاب النبي - ﷺ - عشرين ركعة، وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي، وقال الشافعي: وهكذا أدركت ببلدنا بمكة يصلون عشرين ركعة، وقال أحمد: روي في هذا ألوانٌ [و] لم يقض فيه بشيء، وقال إسحاق: بل نختار إحدى وأربعين ركعة على ما روي عن أبي بن كعب، انتهى.\n\n(٣٢٠) (بَابٌ: في لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (٣)\nإنما سميت بها لأنها تقدر فيها الأرزاق وتكتب الآجال والأحكام التي تكون في تلك السنَّة لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٤)، وقوله تعالى:\n_________\n(١) (٢/ ٥٦).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ١٧٠).\n(٣) وفيها سبعة أبحاث، منها اختلاف النسخ، ووجه التسمية، وأنها مختصة بنا، وسبب العطية، واختلافهم في تعيين الليلة، ومختار الأئمة وغيرهم في ذلك، [والحكمة في إخفائها] كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٣٦٧ - ٣٧٩)، انتهى. وأتى صاحب \"روضة المحتاجين\" ضابطة في تعيينها فارجع إليه، وأوضح منه في \"شرح الإقناع\" (١/ ٢١٢) لكن في تعيينها فرق، ولم يتعرض لها صاحب \"الأنوار\" ولا صاحب \"تحفة المحتاج\" ولا صاحب \"الوجيز\"، ثم اختلفوا في أفضل ليالي السنة، فعند الشافعية كما في \"الأنوار\": أفضلها في حقنا ليلة المولد، فليلة القدر، فالإسراء، فعرفة، فالجمعة، فالنصف من شعبان، وبقية ليالي السنة على سواء. (ش).\n(٤) سورة الدخان: الآية ٤.","vol":"6","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (١)، والقدر بهذا المعنى يجوز فيه تسكين الدال، فالمشهور تحريكه، وقيل: سمي بها لعظم قدرها وشرفها، والإضافة على هذا من قبيل حاتم الجود، وقيل: من أتى الطاعات فيها صار ذا قدر، أو أن الطاعات لها قدر زائد فيها.\nقال الشامي (٢): قال في \"معراج الدراية\": اعلم أن ليلة القدر ليلة فاضلة يستحب طلبها، وهي أفضل ليالي السنة، وكل عمل خير فيها يعدل ألف عمل في غيرها، وعن ابن المسيب: من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ نصيبه منها، وعن الشافعي: العشاء والصبح، ويراها من المؤمنين من شاء الله تعالى، وينبغي لمن يراها أن يكتمها، ويدعو الله تعالى بالإخلاص، انتهى.\nوفيها للعلماء أقوال بلغت ستة وأربعين.\nوقال في \"مراقي الفلاح\" (٣): وقال ابن مسعود: هي في كل السنة، وبه قال الإِمام الأعظم في المشهور عنه أنها تدور في السنة، وقد تكون في رمضان، وقد تكون في غيره، قاله قاضي خان.\nقال الشامي: ويؤيده ما ذكره سلطان العارفين سيدي محيي الدين بن عربي (٤) في \"فتوحاته المكية\" بقوله: واختلف الناس في ليلة القدر أعني في زمانها، فمنهم من قال: هي في السنَّة كلها تدور، وبه أقول، فإني رأيتها في شعبان، وفي شهر ربيع، وفي شهر رمضان، وأكثر ما رأيتها في شهر رمضان وفي العشر الآخر منه، ورأيتها في العشر الوسط من رمضان في غير ليلة وتر وفي الوتر منها، فأنا على يقين من أنها تدور في السنة في وتر وشفع من الشهر.\n_________\n(١) سورة القدر: الآية ٤.\n(٢) \"رد المحتار\" (٣/ ٤٤٦).\n(٣) (ص ٢٦٤).\n(٤) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٥/ ١٩٠ - ٢٠٢) و\"ميزان الاعتدال\" (٣/ ١٠٨) و\"البداية والنهاية\" (١٣/ ١٥٦).","vol":"6","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"مراقي الفلاح\": وفي \"المبسوط\": أن المذهب عند أبي حنيفة أنها تكون في رمضان، لكنها تتقدم وتتأخر، وعندهما لا تتقدم ولا تتأخر.\nوقال في \"الاعتكاف\" (١) بعد نقل الحديث: وعن هذا ذهب الأكثر إلى أن ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان، فمنهم من قال: في ليلة إحدى وعشرين، ومنهم في سبع وعشرين، وفي \"الصحيح\": \"التمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر\"، وعن أبي حنيفة أنها في رمضان، ولا يدرى أي ليلة هي، وقد تتقدم وقد تتأخر، وعندهما كذلك إلَّا أنها معينة لا تتقدم ولا تتأخر، والمشهور أنها تدور في السنة كما قدمنا في إحياء الليالي، وقيل: في أول ليلة من رمضان، وقيل: ليلة تسع وعشرين. وقال زيد بن ثابت: ليلة أربع وعشرين، وقال عكرمة: ليلة خمس وعشرين.\nوأجاب أبو حنيفة (٢) عن الأدلة المفيدة لكونها في العشر الأواخر بأن المراد في ذلك الرمضان الذي التمسها ﵊ فيه، ومن علامتها أنها بُلْجَةٌ ساكنة، لا حارة ولا قارة، تطلع الشمس صبيحتها بلا شعاع كأنها طست، وإنما أخفيت ليجتهد في طلبها، فينال بذلك أجر المجتهد في العبادة، كما أخفى الله سبحانه الساعة ليكونوا على وجل من قيامها بغتة، والله ﷾ أعلم.\nقال الشوكاني (٣): وقد اختلف العلماء فيها على أقوال كثيرة، ذكر منها\n_________\n(١) \"مراقي الفلاح\" (ص ٤٦١).\n(٢) قلت: وهكذا أجاب الشافعي عن اختلاف الروايات في ذلك بما حكاه الترمذي عنه بأنه ﵇ كان يجيب، على نحو ما يسأل عنه، يقال: نلتمسها في ليلة كذا؟ فيقول: التمسوها في ليلة كذا. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٦٢).","vol":"6","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي \"فتح الباري\" (١) ما لم يذكره غيره، وسنذكر ذلك على طريق الاختصار، فنقول:\nالقول الأول: أنها رفعت، حكاه المتولي عن الروافض، والفاكهاني عن الحنفية (٢)، قلت: لم أجد هذا القول أصلًا في كتب الحنفية.\nالثاني: أنها خاصة بسنة واحدة وقعت في زمنه - ﷺ -، حكاه الفاكهاني.\nالثالث: أنها خاصة بهذه الأمة، جزم به جماعة من المالكية.\nالرابع: أنها ممكنة في جميع السنة، وهو المشهور عن الحنفية، وحكي عن جماعة من السلف.\nالخامس: أنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه.\nالسادس: أنها في ليلة معينة مبهمة، قاله النسفي.\nالسابع: أنها أول ليلة من رمضان؛ حكي عن أبي رزين العقيلي الصحابي.\nالثامن: أنها ليلة النصف من رمضان، حكاه ابن الملقن.\nالتاسع: أنها ليلة النصف من شعبان، حكاه القرطبي في \"المفهم\".\nالعاشر: أنها ليلة سبع عشرة من رمضان.\nالحادي عشر: أنها مبهمة في العشر الوسط.\nالثاني عشر: أنها ليلة ثمان عشرة.\nالثالث عشر: ليلة تسع عشرة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٦٢ - ٢٦٧).\n(٢) قال الحافظ: كأنه خطأ منه (أي الفاكهاني) والذي حكاه السروجي أنه من قول الشيعة. انظر: \"فتح الباري\". (ش).","vol":"6","page":24},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالرابع عشر: أول ليلة من العشر الأخير، وإليه مال الشافعي.\nالخامس عشر: مثل إلى ذي قبله إلَّا أنه إن كان الشهر تامًّا فهي ليلة العشرين، وإن كان ناقصًا فليلة إحدى وعشرين.\nالسادس عشر: ليلة اثنين وعشرين.\nالسابع عشر: ليلة ثلاث وعشرين، وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة والتابعين.\nالثامن عشر: أنها ليلة الرابع وعشرين.\nالتاسع عشر: أنها ليلة خمس وعشرين، حكاه ابن الجوزي عن أبي بكرة.\nالعشرون: ليلة ست وعشرين، وهو قول لم أره صريحًا إلا أن عياضًا قال: ما من ليلة من ليالي العشر الأخير، إلَّا وقد قيل فيها: إنها ليلة القدر.\nالحادي والعشرون: ليلة سبع وعشرين.\nالثاني والعشرون: ليلة الثامن والعشرين.\nوالثالث والعشرون: أنها ليلة تسع وعشرين، حكاه ابن العربي.\nالرابع والعشرون: أنها ليلة الثلاثين، حكاه عياض.\nالخامس والعشرون: أنها في أوتار العشر الأخير، قال في \"الفتح\" (١): وهو أرجح الأقوال.\nالسادس والعشرون: مثله بزيادة الليلة الأخيرة.\nالسابع والعشرون: تنتقل في العشر الأواخر كلها، قاله أبو قلابة، ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٦٥).","vol":"6","page":25},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالثامن والعشرون: مثله إلَّا أن بعض ليالي العشر أرجى من بعض.\nالتاسع والعشرون: مثل السابع والعشرين إلَّا أن أرجاها ليلة ثلاث وعشرين.\nالثلاثون: كذلك إلَّا أن أرجاها ليلة سبع وعشرين.\nالحادي والثلاثون: أنها تنتقل في جميع السبع الأواخر، وقد اختلف أهل هذا القول هل المراد ليالي السبع من آخر الشهر أو آخر سبعة تعد من الشهر؟ ويخرج من ذلك القول الثاني والثلاثون.\nوالقول الثالث والثلاثون: أنها تنتقل في النصف الأخير، ذكره صاحب \"المحيط\" عن أبي يوسف ومحمد.\nالرابع والثلاثون: ليلة ست عشرة أو سبع عشرة.\nالخامس والثلاثون: ليلة سبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين.\nالسادس والثلاثون: أول ليلة من رمضان أو آخر ليلة منه.\nالسابع والثلاثون: ليلة تسع عشرة، أو إحدى عشرة، أو ثلاث وعشرين.\nالثامن والثلاثون: أول ليلة، أو تاسع ليلة، أو سابع عشرة أو إحدى وعشرين أو آخر ليلة.\nالتاسع والثلاثون: ليلة ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين.\nالأربعون: ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين.","vol":"6","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالحادي والأربعون: أنها منحصرة في السبع الأواخر، في الفرق بينه وبين القول الحادي والثلاثين خَفَاءٌ.\nالثاني والأربعون: ليلة اثنين وعشرين، أو ثلاث وعشرين.\nالثالث والأربعون: أنها في أشفاع العشر الوسط، والعشر الأواخر.\nالرابع والأربعون: أنها الليلة الثالثة من العشر الأواخر، أو الخامسة منه، والفرق بينه وبين ما تقدم: أن الثالثة تحتمل ليلة ثلاث وعشرين، وتحتمل ليلة سبع وعشرين، فتنحل إلى أنها ليلة ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، وبهذا يتغاير هذا القول مما مضى.\nالخامس والأربعون: أنها في سبع أو ثمان من أول النصف الثاني.\nالسادس والأربعون: أنها في أول ليلة أو آخر ليلة أو الوتر من الليل.\nقال الحافظ (١): هذا آخر ما وقفت عليه من الأقوال وبعضها يمكن رده إلى بعض، وإن كان ظاهرها التغاير، وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى، وعشرين، أو ثلاث وعشرين، وعند الجمهور ليلة سبع وعشرين.\nواختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وُفِّقَتْ له أم لا؟ فقيل: يرى كل شيء ساجدًا، وقيل: الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة. وقيل: يسمع سلامًا أو كلامًا (٢) من الملائكة، وقيل: علامتها استجابة دعاء من وفقت له، واختار الطبري أن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٦٦).\n(٢) في \"فتح الباري\": خطابًا.","vol":"6","page":27},{"text":"١٣٧٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ - الْمَعْنَى - قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ قَالَ: قُلْتُ لأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ: أَخْبِرْنِى عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، فَإِنَّ صَاحِبَنَا سُئِلَ (١) عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا،\nفَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِى رَمَضَانَ - زَادَ مُسَدَّدٌ: وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يَتَّكِلُوا، أَوْ: أَحَبَّ أَنْ لَا يَتَّكِلُوا، ثُمَّ اتَّفَقَا - وَاللَّهِ إِنَّهَا لَفِى رَمَضَانَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ لَا يَسْتَثْنِى. قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَنَّى عَلِمْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِالآيَةِ الَّتِى أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٢)، قُلْتُ لِزِرٍّ: مَا الآيَةُ؟ قَالَ: \"تُصْبِحُ الشَّمْسُ صَبِيحَةَ\n===\n١٣٧٨ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا حماد، عن عاصم) بن أبي النجود، (عن زر) بن حبيش (قال: قلت لأبي بن كعب: أخبرني عن ليلة القدر) أي عن تعيين وقتها (يا أبا المنذر) كنية أبي بن كعب، (فإن صاحبنا سئل عنها فقال: من يقم الحول يصبها) ولفظ مسلم في \"صحيحه\": يقول: سألت أبي بن كعب فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر.\n(فقال) أي أبي: (رحم الله أبا عبد الرحمن) كنية ابن مسعود (والله لقد علم) أي ابن مسعود (أنها) أي ليلة القدر (في رمضان. زاد مسدد: ولكن كره أن يتكلوا) فلا يلتمسوها إلَّا في الليلة الواحدة المعينة (أو) للشك من الراوي (أحب أن لا يتكلوا، ثم اتفقا، والله إنها) أي ليلة القدر (لفي رمضان ليلة سبع وعشرين لا يستثني) ولفظ مسلم: ثم حلف لا يستثني، أي ما قال: إن شاء الله.\n(قلت: يا أبا المنذر أنى) أي كيف (علمت ذلك؟ قال) أبي: (بالآية) أي العلامة (التي أخبرنا رسول الله -ﷺ-) أي بها (قلت لزر) والقائل عاصم: (ما الآية؟ قال: تصبح الشمس) أي تطلع (صبيحة\n_________\n(١) في نسخة: \"يسأل\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".","vol":"6","page":28},{"text":"تِلْكَ اللَّيْلَةِ مثلَ الطَّسْتِ، لَيْسَ لَهَا (١) شُعَاعٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ\" [م ٧٦٢، ت ٧٩٣، حم ٥/ ١٣٠، خزيمة ٢١٩١، حب ٣٦٨٩، ق ٤/ ٣١٢]\n١٣٧٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ (٢)، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ،\n===\nتلك الليلة مثل الطست، ليس لها شعاع حتى ترتفع).\nقال النووي (٣): الشعاع بضم الشين، قال أهل اللغة: هو ما يرى من ضوئها عند بروزها مثل الحبال والقضبان مقبلة إليك إذا نظرت إليها، وقال القاضي عياض: وقيل: بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها، انتهى.\n١٣٧٩ - (حدثنا أحمد بن حفص) بن عبد الله بن راشد السلمي النيسابوري قاضيها، أبو علي بن أبي عمرو، قال النسائي في أسماء شيوخه: ثقة، وقال أيضًا: لا بأس به، صدوق، قليل الحديث، (حدثني أبي) حفص بن عبد الله بن راشد السلمي، أبو عمرو النيسابوري قاضيها، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(حدثني إبراهيم بن طهمان) بمهملة مفتوحة وسكون هاء وبنون، ابن شعبة الخراساني، أبو سعيد، ولد بهراة، وسكن نيسابور، وقدم بغداد، ثم سكن مكة إلى أن مات، قال أحمد وأبو حاتم وأبو داود: ثقة، وكذا وثقه غيرهم، وقال الدارقطني: ثقة، إنما تكلموا فيه للإرجاء.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): قلت: الحق فيه أنه ثقة صحيح\n_________\n(١) في نسخة: \"فيها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن عبد الله إلى السلمي\".\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٢٢).\n(٤) (١/ ١٣١).","vol":"6","page":29},{"text":"عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِىِّ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"كُنْتُ فِى مَجْلِسِ بَنِى سَلِمَةَ وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ فَقَالُوا: مَنْ يَسْأَلُ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَذَلِكَ صَبِيحَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجْتُ فَوَافَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ قُمْتُ بِبَابِ بَيْتِهِ فَمَرَّ بِى، فَقَالَ:\n===\nالحديث إذا روى عنه ثقة، ولم يثبت غلوه في الإرجاء، ولا كان داعية إليه، بل ذكر الحاكم أنه رجع عنه، والله أعلم.\n(عن عباد بن إسحاق) ويقال له: عبد الرحمن بن إسحاق، (عن محمد بن مسلم الزهري، عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس) الجهني، حليف الأنصار، المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، أخرج له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا في ذكر ليلة القدر.\n(عن أبيه) عبد الله بن أنيس (قال: كنت في مجلس بني سلمة) قال في \"المغني\" (١): وبنو سلمة القبيلة من الأنصار فبكسرها أي اللام، وفي \"الأنساب\" (٢) للسمعاني: السَّلَمي هذه النسبة بفتح السين المهملة وفتح اللام، إلى بني سلمة، حي من الأنصار، منها جماعة، فهم سَلَمِيُّون، وهذه النسبة وردت على خلاف القياس، وهذه النسبة عند النحويين، وأصحاب الحديث يكسرون اللام على غير قياس النحويين.\n(وأنا أصغرهم فقالوا: من يسأل لنا رسول الله -ﷺ- عن ليلة القدر) ولم يسألوه بأنفسهم، لأنهم يهابونه ويعظمونه (وذلك صبيحة) ليلة (إحدى وعشرين من رمضان، فخرجت) إلى رسول الله -ﷺ- (فوافيت) أي وافقت (مع رسول الله -ﷺ- صلاة المغرب، ثم قمت بباب بيته فَمرَّ بي، فقال:\n_________\n(١) (ص ١٣١).\n(٢) (٣/ ٢٨٠).","vol":"6","page":30},{"text":"ادْخُلْ) (١)، فَدَخَلْتُ، فَأُتِىَ بِعَشَائِهِ فَرَأيتني (٢) أَكُفُّ عَنْهُ مِنْ قِلَّتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «نَاوِلْنِى (٣) نَعْلِى»، فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: «كَأَنَّ لَكَ حَاجَةً؟» قُلْتُ (٤): أَجَلْ أَرْسَلَنِى إِلَيْكَ رَهْطٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ: «كَمِ اللَّيْلَةُ؟» فَقُلْتُ (٥): اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ، قَالَ: «هِىَ اللَّيْلَةُ»، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: «أَوِ الْقَابِلَةُ»، يُرِيدُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ\". [السنن الكبرى للنسائي ٣٤٠١]\n١٣٨٠ - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبرَاهِيمَ، عن ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ أنيْسٍ الْجُهَنِيِّ،\n===\nادخل) البيت (فدخلت، فأتي بعشائه) أي طعام العشاء (فرأيتني أكف) أي يدي (عنه) أي الطعام (من) أجل (قلته، فلما فرغ) من الطعام (قال: ناولني) أي أعطني (نعلي) فناولته.\n(فقام: وقمت معه، فقال: كأن لك حاجة؟ قلت: أجل) أي لي حاجة وهي (أرسلني إليك وهي من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر) أي عن تعيينها (فقال: كم الليلة؟) أي هذه (فقلت: اثنتان وعشرون، قال) رسول الله -ﷺ-: (هي) أي ليلة القدر هذه (الليلة، ثم رجع) عن قوله (فقال: أو القابلة) أي الليلة المقبلة (يريد ليلة ثلاث وعشرين).\n١٣٨٠ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم، عن ابن عبد الله بن أنيس الجهني) قال في \"التقريب\": ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه في ذكر ليلة القدر، هو ضمرة، وقيل: عمرو.\n_________\n(١) في نسخة: \"ادخل ادخل\".\n(٢) في نسخة: \"فرآني\".\n(٣) في نسخة: \"ناولوني\".\n(٤) في نسخة: \"فقلت\".\n(٥) في نسخة: \"فقال\".","vol":"6","page":31},{"text":"عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا وَأَنَا أُصَلِّى فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ، فَمُرْنِى بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ»، فَقُلْتُ لاِبْنِهِ: فكَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّىَ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ، وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ\". [خزيمة ٢٢٠٠، ق ٤/ ٣١٠]\n١٣٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فِى تَاسِعَةٍ تَبْقَى،\n===\n(عن أبيه) أي عبد الله بن أنيس (قال: قلت: يا رسول الله إن لي بادية) البادية الصحراء والبرية (أكون فيها) أي أسكن فيها (وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمرني بليلة) معينة عظيمة القدر (أنزلها إلى هذا المسجد) أي مسجد النبي - ﷺ -.\n(فقال: أنزل ليلة ثلاث وعشرين، فقلت) هذا قول محمد بن إبراهيم (لابنه) أي ابن عبد الله بن أنيس: (فكيف كان أبوك يصنع؟ قال) ابن عبد الله: (كان) أبي (يدخل المسجد إذا صلَّى العصر) من يوم الثاني والعشرين (فلا يخرج (١) منه لحاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلَّى الصبح) أي فرغ من صلاة الصبح (وجد دابته على باب المسجد، فجلس) أي ركب (عليها فلحق بباديته) التي يسكن فيها.\n١٣٨١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: التمسوها) أي اطلبوا ليلة القدر (في) ليالي (العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى) أي مما بقي وهي الليلة الحادية\n_________\n(١) وفي \"شرح السنَّة\" و\"المصابيح\": ولم يخرج إلا في حاجة، كذا في \"المرقاة\" (٤/ ٥٩٣). (ش).","vol":"6","page":32},{"text":"وَفِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، وَفي خَامِسةٍ تَبْقَى\". [خ ٢٠٢١، حم ١/ ٢٣١، ق ٤/ ٣٠٩]\n\n(٣٢١) بابٌ: فِيمَنْ قَالَ: لَيْلَةُ (١) إِحْدَى وَعِشْرِينَ\n١٣٨٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَتْ (٢) لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِىَ اللَّيْلَةُ الَّتِى يَخْرُجُ فِيهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ -\n===\nوالعشرون، (وفي سابعة تبقى) وهي الليلة الثالثة والعشرون، (وفي خامسة تبقى) وهي الليلة الخامسة والعشرون باعتبار كون الشهر تسعة وعشرين يومًا، لأنها المتيقن.\n\n(٣٢١) (بَابٌ: فِيمَنْ قَالَ:) ليلة القدر (ليلة إِحْدَى وَعِشْرينَ)\n١٣٨٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله -ﷺ- يعتكف العشر الأوسط (٣) من رمضان، فاعتكف عامًا) أي العشر الأوسط على ما كان يعتكفه (حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة (٤) التي يخرج فيها من اعتكافه) العشر الأوسط.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"القدر\"\n(٢) في نسخة: \"كان\".\n(٣) أشكل التوصيف بالمذكر، وأوَّله الحافظ (٤/ ٢٥٧) بإرادة الوقت والزمان، والقاري (٤/ ٥٨٣) بأن اللفظ مذكر والمعنى مؤنث، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٣٨١) (ش).\n(٤) ظاهره أن الخطبة كانت في هذه الليلة، والصواب أنها في صبيحة عشرين كما بسط في \"الأوجز\" (٥/ ٣٨٣). (ش).","vol":"6","page":33},{"text":"قَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِى فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِى أَسْجُدُ مِنْ صَبِيحَتِهَا فِى مَاءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوهَا (١) فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِى كُلِّ وِتْرٍ».\nقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمُطِرَتِ السَّمَاءُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ (٢)، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَبْصَرَتْ عَيْنَاىَ رَسُولَ اللَّهِ (٣) -ﷺ- وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. [خ ٢٠١٨، م ١١٦٧، ن ١٣٥٦، ط ١/ ٣١٩/ ٩]\n١٣٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\n===\n(قال) رسول الله -ﷺ-: (من كان اعتكف معي) أي العشر الأوسط (فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيت هذه الليلة) أي ليلة القدر (ثم أنسيتها) ولكني أحفظ علامتها (وقد رأيتني أسجد من صبيحتها) أي صبيحة تلك الليلة (في ماء وطين) فهذه علامتها (فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر) من العشر الأواخر.\n(قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة) أي ليلة إحدى وعشرين (وكان المسجد) أي سقف المسجد مبنيًا (على عريش، فوكف المسجد) أي سأل سقف المسجد وتقاطر المطر منه (فقال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله -ﷺ- وعلى جبهته) أي والحال أن على جبهته (وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين).\n١٣٨٣ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عبد الأعلى، نا سعيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-:\n_________\n(١) في نسخة: \"فالتمسها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"النبي\".","vol":"6","page":34},{"text":"«الْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْتَمِسُوهَا فِى التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ». قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا. قَالَ: أَجَلْ (١)، قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِى تَلِيهَا التَّاسِعَةُ، وَإِذَا (٢) مَضَى ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِى تَلِيهَا السَّابِعَةُ، وَإِذَا (٣) مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِى تَلِيهَا الْخَامِسَةُ\". [م ١١٦٧، حم ٣/ ١٠]\n===\nالتمسوها) أي ليلة القدر (في العشر الأواخر من رمضان، والتمسوها في التاسعة (٤) والسابعة والخامسة) من جانب آخر الشهر.\n(قال قلت: يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل، قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال) أبو سعيد: (إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها) أي الليلة التي تتصلها وهي الثانية والعشرون (التاسعة، فإذا مضى ثلاث وعشرون فالتي تليها) أي الليلة التي تلحقها (السابعة، وإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة).\nوقد أخرج مسلم هذا الحديث في \"صحيحه\" (٥). بهذا السند وفيه إشكال، فإن هذا الحديث يدل على أن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان في أشفاعها (٦) لا في أوتارها. والحديث المتقدم عن أبي سعيد فيه تصريح\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"فإذا\".\n(٣) في نسخة: \"فإذا\".\n(٤) له خمسة معان، بسطت في \"الأوجز\" (٥/ ٣٩٨)، وفي بعض الروايات: في تسع بقين. وهذا يحتمل معنى خاصًا، وهو أن المقصود طلبه في تسعة أيام، فإن لم يستطع ففي سبعة أيام، فإن لم يستطع ففي خمسة أيام متواليات، \"العرف الشذي\" (١/ ٣٠٦). (ش).\n(٥) \"صحيح مسلم\" (١١٦٧).\n(٦) وفي الأصل: \"شفعاتها\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبأن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان في كل وتر، بل في ليلة إحدى وعشرين خاصة.\nفلا يمكن الجواب عنه إلَّا بأن يقال: إن الغرض من هذا الكلام ليس إلَّا بيان معنى التاسعة والسابعة وغيرها بأنها تطلق على اثنتين وعشرين وأربع وعشرين، وكذا غيرها باعتبار أن يكون الشهر تامًا ثلاثين يومًا، وليس المراد بيان كون ليلة القدر فيها، لأنه مخالف لما صح عنه أنها في الأوتار، بل في إحدى وعشرين.\nفالحاصل أن إطلاق التاسعة والسابعة يكون بطريقين، إما أن يطلق باعتبار كون الشهر تسعًا وعشرين، أو يكون الشهر ثلاثين، فعلى الأول يكون التاسع إحدى وعشرين، والسابع ثلاثًا وعشرين، وباعتبار الثاني يكون التاسع اثنتين وعشرين، والسابع أربعًا وعشرين، فالمقصود بيان الإطلاق فقط لا بيان ليلة القدر.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى- في هذا المحل: ظاهره مشعر بكون ليلة القدر عنده في المزدوج من الليالي، لأن التاسعة باعتبار العدد من الآخر، واعتبار الشهر ثلاثين إنما هو الثاني والعشرون كما صرح به، وهذا مخالف لما رواه الثقات، ولرواية نفسه أيضًا كما تقدم، فلا يصح الجواب يكون ذلك مذهبه كما أجاب به النووي، بل الحق في الجواب أنه اعتبر الشهر ثلاثين للإفهام، وتصويرًا للمسألة (١)، وتقريرًا لها في ذهن السامع، ثم العبرة لتسع وعشرين لا محالة فالتاسعة بذلك هي الليلة الوتر ليلة إحدى وعشرين وكذلك ما بعدها، انتهى.\nويحتمل أن يكون معنى قوله: فالتمسوها في السابعة والخامسة، أي التمسوها ليلة القدر في الليلة التي تبقى التاسعة بعدها، وفي الليلة التي تبقى\n_________\n(١) وفي الأصل: \"تصوير المسألة\" وهو تحريف، والصواب ما أثبته.","vol":"6","page":36},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَا أَدْرِي أَخَفِيَ عَلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>(٣٢٢) بَابُ مَنْ رَوَى أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ</span>\n١٣٨٤ - حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ سَيْفٍ الرَّقِّيُّ، نَا عُبَيْدُ اللهِ- يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو-،\n===\nالسابعة بعدها على اعتبار كون الشهر ثلاثين يومًا، فحينئذ لا يبقى فيه إشكال.\nقال الزرقاني (١): قال ابن عبد البر: قيل: المراد بالتاسعة تاسعة تبقى، فتكون ليلة إحدى وعشرين، والسابعة سابعة تبقى، فتكون ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة خامسة تبقى، فتكون ليلة خمس وعشرين على الأغلب في أن الشهر ثلاثون لقوله: \"فإن غم عليكم فأكملوا العدة\"، يعني والمعنى عليه تاسعة وسابعة وخامسة تبقى بعد الليلة تلتمس فيها كما هو ظاهر.\n(قال أبو داود: لا أدري أخفي علي منه) أي من هذا الحديث (شيء أم لا) معنى هذا الكلام أنه لما رآه مخالفًا لما رواه الثقات، ولما رواه أبو سعيد بنفسه اختلج في قلبه بأنه إما أن يكون خفي علي من الحديث شيء حتى يصح معناه، أو لم يخف علي منه شيء، وكانت الآفة فيه من بعض رواة السند، والله أعلم.\n\n(٣٢٢) (بَابُ مَنْ رَوَى أَنَّها لَيْلَةُ سَبْعَ (٢) عَشَرَةَ)\n١٣٨٤ - (حدثنا حكيم بن سيف) بن حكيم الأسدي مولاهم، أبو عمرو (الرقي) قال أبو حاتم: شيخ، صدوق، لا بأس به، يكتب حديثه، ولا يحتج به، ليس بالمتين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (نا عبيد الله يعني ابن عمرو) بن\n_________\n(١) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٠٥).\n(٢) وفي \"الدر المنثور\" (٨/ ٥٨١) برواية ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: \"ليلة القدر ليلة سبع عشرة ليلة جمعة\". (ش).","vol":"6","page":37},{"text":"عن زيدٍ - يَعْني ابْنَ أَبِي أُنيْسَةَ-، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اطْلُبُوهَا لَيَلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ\"، ثمَّ سَكَتَ\". [ق ٤/ ٣١٠]\n\n(٣٢٣) بَابُ مَنْ رَوَى (١) في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ\n١٣٨٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ\". [خ ٢٠١٥، م ١١٦٥، ق ٤/ ٣١١]\n===\nأبي الوليد الأسدي مولاهم، أبو وهب الجزري الرقي، أحد الأئمة، وثَّقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم وغيرهم.\n(عن زيد يعني ابن أبي أنيسة) واسمه زيد الجزري، أبو أسامة الرهاوي، كوفي الأصل، غنوي مولاهم، ثقة، (عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه) الأسود بن يزيد، (عن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله -ﷺ-: اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، ثم سكت).\n\n(٣٢٣) (بَابُ مَنْ رَوَى) أنها (في السَّبْعِ الأوَاخِرِ) من رمضان\n١٣٨٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: تحروا) قال في \"المجمع\" (٢): التحري القصد والاجتهاد في الطلب، أي تعمدوا طلبها فيها (ليلة القدر في السبع الأواخر) (٣).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"قال\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٨٥).\n(٣) قال ابن عبد البر: هكذا رواه مالك، ورواه شعبة عن عبد الله بن دينار بلفظ: \"سبع =","vol":"6","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>(٣٢٤) بَابُ مَنْ قَالَ: سَبْعٌ وَعِشْرُونَ</span>\n١٣٨٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عن قتَادةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُطَرِّفًا، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - في لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ: \"لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ\". [ق ٤/ ٣١٢، حم ٥/ ١٣٢]\n===\nقال القاري (١): قال التوربشتي: السبع الأواخر يحتمل أن يراد بها السبع التي تلي آخر الشهر، وأن يراد بها السبع بعد العشرين. وحمله على هذا أمثل لتناوله إحدى وعشرين وثلاثًا وعشرين، قلت: ولتحقق هذا السبع يقينًا وابتداء، بخلاف ذاك وإن كان بحسب الظاهر هو المتبادر، انتهى.\nوقيل: المراد بالسبع الأواخر ليلة سبع وعشرين، لأن السبع إنما يذكر في ليالي الشهر في أول العدد، ثم في سبع عشرة، ثم في سبع وعشرين، فعلى هذا السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين، وإنما جمع الأواخر باعتبار جنس السبع، وقيل: المراد به السبع التي أولها ليلة الثاني والعشرين وآخرها ليلة الثامن والعشرين، لأنها السبع الأواخر، قاله القاري.\n\n(٣٢٤) (بَابُ مَنْ قَالَ: سَبْعٌ وَعِشْرُونَ)\n١٣٨٦ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن قتادة أنه سمع مطرفًا، عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي - ﷺ - في ليلة القدر قال) رسول الله -ﷺ-: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين).\n_________\n= وعشرين\"، قلت: وهذا يؤيد التأويل الأخير في كلام القاري، لكن رواه عن ابن عمر سالم ونافع بلفظ مالك فتأمل، ثم قال ابن عبد البر: لا ينافي روايات العشر الأواخر لاحتمال أنه في عام آخر، أو مضى من الشهر ما يوجب ذلك، أو أعلم بها آخرًا، أو هذا لمن يعجز عن العشر لما في بعض الروايات: \"فإن ضعف أحدكم فلا يضعف عن السبع الأواخر\"، كما في \"الأوجز\" (٥/ ٣٩١). (ش).\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٨١).","vol":"6","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>(٣٢٥) بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ في كُلِّ رَمَضَانَ</span>\n١٣٨٧ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُويَهْ النَّسَائِيُّ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، نَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عن أَبِي إِسْحَاق، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَنَا أَسْمَعُ، عن لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ (١): \"هِيَ في كُلِّ رَمَضَانَ\". [ق ٤/ ٣٠٧]\n===\n\n(٣٢٥) (بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ في كُلِّ رَمَضَانَ)\n١٣٨٧ - (حدثنا حميد بن زنجويه) هو حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الأزدي، أبو أحمد بن زنجويه (النسائي) الحافظ، وزنجويه لقب أبيه، ثقة ثبت، (نا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير) الأنصاري مولاهم، المدني، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقة، (نا موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله -ﷺ- وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: هي) أي ليلة القدر (في كل رمضان).\nقال القاري (٢): قال الطيبي: الحديث يحتمل وجهين: أحدهما: أنها واقعة في كل (٣) رمضان من الأعوام، فتختص به فلا تتعدى إلى سائر الشهور، وثانيهما: أنها واقعة في كل رمضان، فلا تختص بالبعض الذي هو العشر الأخير، لأن البعض في مقابلة الكل، فلا ينافي وقوعها في سائر الأشهر، اللهُمَّ إلَّا أن يختص بدليل خارجي.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٩٢).\n(٣) فعلى هذا لفظ الكل للأفراد ورمضان منصرف، لأنه إذا نكر صرف، وعلى الثاني الكل للأجزاء ورمضان لم ينصرف \"العرف الشذي\" (١/ ٣٠٦). (ش).","vol":"6","page":40},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ، عن أَبِي إِسْحَاق، مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ، لَمْ يَرْفَعَاهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>(٣٢٦) بَابٌ: في كَمْ يُقْرأُ الْقُرْآنُ</span>؟\n١٣٨٨ - حَدَّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: نَا أَبَانُ، عن يَحْيَى، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو، أَنَ النبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: \"اقْرَإِ الْقُرْآنَ في (١) شَهْرٍ\". قَالَ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً\n===\n(قال أبو داود: رواه سفيان وشعبة، عن أبي إسحاق موقوفًا على ابن عمر، لم يرفعاه إلى النبي - ﷺ -) (٢).\n(٣٢٦) (بَابٌ: في كم) من (٣) الأيام (يُقْرَأُ) بصيغة المجهول أو المعلوم (القُرْآنُ؟)\n١٣٨٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: نا أبان) بن يزيد العطار، (عن يحيى) بن أبي كثير، (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارثي التيمي، (عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي - ﷺ - قال له) أي لعبد الله بن عمرو بن العاص: (اقرإ القرآن في شهر) كل ليلة جزءًا، وكان يقرأ القرآن كل ليلة، أي يختم فيها، كما هو في حديث مسلم (٤).\n(قال: إني أجد قوة) على أكثر من هذا القدر، فأذن لي في الزيادة عليه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كل\".\n(٢) أخرج رواية سفيان، ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٥٧)، ورواية شعبة أخرجها الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٨٤).\n(٣) وأخرج ابن سعد أنه ﵇ قرأ في مرض وصاله في ليلة سبعين سورة، منها السبع الطول، وسيأتي في الباب الآتي أنه لا تحديد فيه. (ش). (انظر: الطبقات الكبرى ٢/ ١٦١).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٨٢/ ١١٥٩).","vol":"6","page":41},{"text":"قَالَ: \"اقْرَأ في عِشْرِينَ\"، قَالَ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: \"اقْرَأْ في خَمْسَ عَشْرَةَ\"، قَالَ: إِنَي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: \"اقْرَأ في عَشْرٍ\"، . قَالَ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: \"اقْرَأ في سَبْعٍ، وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ\". [خ ٥٠٥٤، م ١١٥٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ أَتَمُّ.\n===\n(قال: اقرأ في عشرين) أي اختم في عشرين ليلة (قال: إني أجد قوة) على الزيادة منه (قال) رسول الله -ﷺ-: (اقرأ في خمس عشرة) ليلة، في كل ليلة جزئين. (قال: إني أجد قوة، قال) رسول الله -ﷺ-: (اقرأ) القرآن (في عشر) أي عشر ليال، في كل ليلة منها ثلاثة أجزاء (قال) عبد الله بن عمرو: (إني أجد قوة) أن أقرأ أكثر منها (قال) رسول الله -ﷺ-: (اقرأ في سبع) على منازل \"فمي بشوق\" (١) (ولا تزيدن على ذلك).\nقال النووي (٢): هذا من الإرشاد إلى الاقتصاد في العبادة، والإشارة (٣) إلى تدبر القرآن، وقد كان للسلف عادات مختلفة فيما يقرؤون، كل يوم بحسب أحوالهم وأفهامهم ووظائفهم، فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر، وبعضهم في عشرين يومًا، وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم أو أكثر في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير في كل يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات، وهو أكثر ما بلغنا، وقد أوضحت ذلك كله مضافًا إلى فاعليه وناقليه في كتاب \"آداب القراء\". قلت: وقد أخرج مسلم هذا الحديث في \"صحيحه\" في كتاب الصوم مفصلًا.\n(قال أبو داود: وحديث مسلم) بن إبراهيم شيخ المصنف (أتم).\n_________\n(١) هذا القول منسوب إلى علي كرم الله وجهه، وأشار بالفاء إلى الفاتحة المفتوحة بها الجمعة، وإلى ميم المائدة، ثم إلى ياء يونس، ثم إلى باء بني إسرائيل، ثم إلى شين الشعراء، ثم إلى ق، ثم إلى آخر القرآن، قاله القاري في \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٠).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٠٣).\n(٣) في \"شرح صحيح مسلم\": بدله \"والإرشاد\".","vol":"6","page":42},{"text":"١٣٨٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمرٍو قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله - ﷺ -: \"صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّام، وَاقْرَإ الْقُرْآنَ في شَهْرٍ\". فَنَاقَصَنِي وَنَاقَصْتُهُ فَقَالَ: \"صُمْ يَوْمًا وَأفْطِرْ يَوْمًا\"، قَالَ عَطَاءٌ: وَاخْتَلَفْنَا (١)، عن أَبِي، فَقَالَ بَعْضُنَا: سبْعَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَ بَعْضُنَا: خَمْسًا. [حم ٢/ ١٦٢]\n١٣٩٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثنَى، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ، نَا هَمَّامٌ، نَا قَتَادَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ:\n===\n١٣٨٩ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: صم من كل شهر ثلاثة أيام) وكان يصوم الدهر (واقرإ القرآن في شهر) وكان يقرأ في كل ليلة (فناقصني) في القراءة (وناقصته) في المدة، وقيل: جرى بيني وبينه مراجعة في النقصان.\n(فقال) في آخر الأمر: (صم يومًا وأفطر يومًا، قال عطاء: واختلفنا) أي أنا ومن كان معي في الرواية (عن أبي، فقال بعضنا: سبعة أيام) أي انتهى تقدير قراءة القرآن إلى سبعة أيام (وقال بعضنا: خمسًا) أي انتهى تقدير قراءة القرآن إلى خمسة أيام.\nوقد أخرج مسلم (٢) هذا الحديث من طريق ابن جريج أنه سمع عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر هذا الاختلاف، بل وليس فيه ذكر العدد لقراءة القرآن.\n١٣٩٠ - (حدثنا ابن المثنى، نا عبد الصمد، نا همام، نا قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو أنه قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"فاختلفنا\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٨٦/ ١١٥٩).","vol":"6","page":43},{"text":"\"يَا رَسُولَ اللهِ، في كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: \"في شَهْرٍ\". قَالَ: إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. رَدَّدَ الْكَلَامَ أَبُو مُوسَى وَتَنَاقَصَهُ (١) حَتَّى قَالَ: \"اقْرَأهُ في سَبْعٍ\". قَالَ: إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: \"لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ في أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ\". [ت ٢٩٤٩، جه ١٣٤٧، دي ١٤٩٣، حم ٢/ ١٨٩]\n١٣٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقَطَّانُ خَالُ عِيسَى بْنِ شَاذَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا الْحُرَيْشُ بْنُ سُلَيْم،\n===\nيا رسول الله -ﷺ- في كم أقرأ القرآن؟) أي في كم ليلة أختمه (قال) رسول الله -ﷺ-: اختمه (في شهر، قال) عبد الله بن عمرو: (إني أقوى من ذلك) أي من أن أقرأه في شهر (ردد الكلام أبو موسى) وهو ابن المثنى شيخ المصنف، ذكر أبو موسى محمد بن المثنى في حديثه ترديد الكلام ومراجعته، فيما بين رسول الله -ﷺ-، وفيما بين عبد الله بن عمرو (وتناقصه) بصيغة المضارع (٢) أي وذكر المناقصة (حتى قال) رسول الله -ﷺ-: (اقرأه في سبع) أي في سبع ليال.\n(قال: إني أقوى من ذلك قال) رسول الله -ﷺ-: (لا يفقه من قرأه) أي القرآن (في أقل من ثلاث) كأنه أذن له أن يختمه في ثلاث، وقد منعه قبل ذلك أن يقرأه في أقل من سبع.\n١٣٩١ - (حدثنا محمد بن حفص أبو عبد الرحمن القطان خال عيسى بن شاذان) البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الحافظ: وذكره أبو عبد الله أحمد بن منده في \"تاريخه\"، وذكر أنه بغدادي، حدث عنه ابن عيينة، ويحيى القطان بالمناكير.\n(نا أبو داود) الطيالسي، (نا الحريش) بفتح أوله وكسر الراء (ابن سليم) أو ابن أبي حريش الجعفي أو الثقفي، أبو سعيد الكوفي، ثقة، قاله أبو مسعود،\n_________\n(١) في نسخة: \"يناقصه\".\n(٢) الظاهر بدله \"الماضي\". (ش).","vol":"6","page":44},{"text":"عن طَلْحَةَ بْن مُصَرِّفٍ، عن خَيْثَمَةَ، عن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اقْرَإ الْقُرْآنَ في شَهْرٍ\". قَالَ: إِنَّ بِي قُوَّةً. قَالَ: \"اقْرَأهُ في ثَلَاثٍ\".\nقَالَ أَبُو عَلِىٍّ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ- يَعْنِي ابْنَ حَنْبَلٍ - يَقُولُ: عِيسَى بْنُ شَاذَانَ كَيِّسٌ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>(٣٢٧) بَابُ تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ</span>\n١٣٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَم،\n===\nوقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن طلحة بن مصرف، عن خيثمة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: اقرإ القرآن في شهر، قال: إن بي قوة، قال) بعد المراجعة فيه: (اقرأه في ثلاث).\n(قال أبو علي) اللؤلؤي: (سمعت أبا داود) المصنف (يقول: سمعت أحمد، يعني ابن حنبل يقول: عيسى بن شاذان كيس) أي عاقل، وقال الحافظ في \"التقريب\": ثقة حافظ.\n\n(٣٢٧) (بَابُ تَحْزِيبِ (٢) الْقُرْآن)\nبالحاء المهملة والزاي، الحزب: هو ما يجعله الإنسان على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد، والحزب: النوبة في ورود الماء.\n١٣٩٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا ابن أبي مريم) سعيد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"كان كيسًا\".\n(٢) ليس فيه تحديد كما بسطه في \"الأوجز\" (٤/ ٢٢٧ - ٢٣٠)، وعجيبة الشيخ موسى السدراني يختم كل يوم سبعين ألف ختمة، وقال الإِمام: من ختم في السنة مرتين أعطى حقه لمعارضة جبرائيل. (ش).","vol":"6","page":45},{"text":"أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن ابْنِ الهَادِ قَالَ: سَأَلَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فَقَالَ لِي: في كمْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ فَقُلْتُ: مَا أحَزِّبُهُ، فَقَالَ لِي نَافِعٌ: لَا تَقُلْ: مَا أُحَزِّبُهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"قَرَأتُ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ\" قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.\n١٣٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا قُرَّانُ بْنُ تَمَّامٍ. (ح)، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيد، نَا أَبُو خَالِدٍ وَهَذَا لَفْظُهُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْلَى، عن عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَوْسٍ،\n===\nالحكم المصري، (أنا يحيى بن أيوب) الغافقي، (عن ابن الهاد) يزيد (قال: سألني نافع بن جبير بن مطعم فقال لي: في كم) أيام أو ليال (تقرأ القرآن؟) أي تختمه (فقلت: ما أحزبه) أي ما قدرت منه جزءًا معينًا، بل أقرأ منه كيفما اتفق.\n(فقال لي نافع: لا تقل: ما أحزبه) أي لا تنكر عن التحزيب (فإن رسول الله -ﷺ- قال: قرأت جزءًا من القرآن) وهذا هو التحزيب (قال) يزيد بن الهاد: (حسبت) أي ظننت (أنه) أي نافع بن جبير (ذكره) أي قول رسول الله -ﷺ-: \"قرأت جزءًا من القرآن\" (عن المغيرة بن شعبة) فالحديث كان مرسلًا، لأن نافع بن جبير تابعي، ورفعه إلى رسول الله -ﷺ-، ثم ذكر الواسطة فيما بينه وبين رسول الله -ﷺ-، وهو المغيرة فوصله.\n١٣٩٣ - (حدثنا مسدد، نا قرَّان) بضم القاف وتشديد الراء (ابن تمام) بتشديد الميم الأول، الأسدي الوالبي، أبو تمام، ويقال: أبو عامر الكوفي، سكن بغداد، قال أحمد وابن معين والدارقطني: ثقة، وقال ابن سعد: كان نخاسًا، قدم بغداد فمات بها، وكانت عنده أحاديث، ومنهم من يستضعفه، وقال أبو حاتم: شيخٌ لَيِّنٌ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(ح: وحدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي، (نا أبو خالد) الأحمر (وهذا لفظه) أي لفظ الحديث لفظ أبي خالد، كلاهما قُرَّان وأبو خالد رويا (عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس) بن أبي أوس","vol":"6","page":46},{"text":"عن جَدِّهِ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ في حَدِيثِهِ: أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ - قَالَ: \"قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في وَفْدِ ثَقِيفٍ قَالَ: فَنَزَلَتِ الأحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَنِي مَالِكٍ في قُبَّةٍ لَهُ.- قَالَ مُسَدَّدٌ: وَكَانَ في الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ ثَقِيفٍ -. قَالَ: كَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ\n===\nواسمه حذيفة، روى عن جده وعمه عمرو، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود وابن ماجه حديث في وقد ثقيف.\n(عن جده) أوس بن أبي أوس (قال عبد الله بن سعيد) شيخ المصنف (في حديثه: أوس بن حذيفة) أي سماه باسمه (قال) أوس: (قدمنا على رسول الله -ﷺ- في وفد ثقيف) وكان قدومهم سنة تسع من الهجرة (قال) أوس: (فنزلت الأحلاف). قال في \"القاموس\": الأحلاف قوم من ثقيف، وفي قريش ستة قبائل، وقال في \"أسد الغابة\" (١): ثقيف قبيلتان الأحلاف ومالك، فالأحلاف ولد عوف بن ثقيف، انتهى.\nوكان في الوفد خمسة رجال مع عبد ياليل بن عمرو، رجلان من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك، فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف - منسوب إلى جده-، ونمير بن خرشة.\n(على المغيرة بن شعبة) لأنه من الأحلاف (وأنزل رسول الله -ﷺ- بني مالك في قبة له) أي لرسول الله - ﷺ -، ضرب عليهم في ناحية المسجد.\n(قال مسدد: وكان) أي أوس بن حذيفة (في الوفد الذين قدموا على رسول الله -ﷺ- من ثقيف) والفرق بين قول مسدد وقول عبد الله بن سعيد، أن عبد الله بن سعيد جعل قدومه في وفد ثقيف من قول أوس بن حذيفة، وأما مسدد فجعله من قول نفسه.\n(قال) أي أوس بن حذيفة: (كان) أي رسول الله - ﷺ - (كل ليلة\n_________\n(١) \"أسد الغابة\" (٢/ ٤٠) رقم الترجمة (١٢٢٤).","vol":"6","page":47},{"text":"يَأْتِينَا بَعْدَ الْعِشَاءِ يُحَدِّثُنا. قَال أَبُو سَعِيدٍ: - قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُول الْقِيَامِ - وَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا: مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَقُول: لَا سَوَاءٌ، كُنَّا مُسْتَضعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ- قَال مُسَدَّدٌ: بِمَكَّةَ- فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، نُدَالُ عَلَيْهُمْ وُيدَالُونَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةً أَبْطَأَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأتِينَا فِيهِ، فَقُلْنَا: لَقَدْ أَبْطَاتَ عَنَّا اللَّيْلَةَ. قَال: إِنَّهُ (١) طَرَأَ عَلَيَّ جُزْئِي مِنَ الْقُرْآنِ،\n===\nيأتينا بعد العشاء يحدثنا. قال أبو سعيد) وهو كنية عبد الله بن سعيد: (قائمًا على رجليه) أي يحدثنا قائمًا على رجليه ولا يجلس (حتى يراوح بين رجليه) أي يعتمد على إحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة ليوصل الراحة إلى كل منهما من رجليه (من طول القيام، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش) أي من الشدائد والمصائب (ثم يقول: لا سواء) أي ما كنا وهم متساويين، بل (كنا) في أول الأمر (مستضعفين مستذلين) وكانت قريش أقوياء أعزاء.\n(قال مسدد: بمكة) ولم يقل هذا اللفظ عبد الله بن سعيد، أي حين كنا بمكة (فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم) سجال بكسر سين وخفة جيم، جمع سجل بفتح فسكون (ندال عليهم ويدالون علينا) الإدالة الغلبة، أي نغلب عليهم مرة ويغلبون علينا مرة.\n(فلما كانت ليلة أبطأ) أي تأخر (عند) وفي نسخة: عن (الوقت الذي كان يأتينا فيه) فجاء (فقلنا: لقد أبطأت عنا الليلة، قال) أي رسول الله -ﷺ-: (إنه طرأ علي) قال في \"المجمع\" (٢). طرأ علي، أي ورد وأقبل، من طرأ مهموزًا إذا جاء مفاجأة كأنه فجأه وقت كان يؤدي فيه ورده من القراءة، وقد تترك الهمزة فيقال: طرا يطرو طروًا (جزئي من القرآن) وفي رواية أحمد في \"مسنده\": \"حزب من\n_________\n(١) في نسخة: \"إني\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٣٩).","vol":"6","page":48},{"text":"فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ. قَالَ أَوْسٌ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ،\n===\nالقرآن (فكرهت أن أجيء) أي عندكم (حتى أتمه) ولفظ أحمد في \"مسنده\": \"فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه\".\n(قال أوس: سألت أصحاب رسول الله - ﷺ -) ولفظ أحمد: \"فسألنا أصحاب رسول الله -ﷺ- حين أصبحنا\" (كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث) (١) أي ثلاث سور: سورة البقرة (٢) والنساء، وآل عمران في اليوم الأول.\n(وخمس) أي خمس سور في اليوم الثاني وهي: سورة المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة.\n(وسبع) أي سبع سور في اليوم الثالث وهي: سورة يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل.\n(وتسع) أي تسع سور في اليوم الرابع وهي: سورة بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان.\n(وإحدى عشرة) أي إحدى عشرة سورة في اليوم الخامس وهي: سورة الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، وألم السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس.\n(وثلاث عشرة) أي ثلاث عشرة سورة في اليوم السادس وهي: سورة الصافات، وص، والزمر، والمؤمن، وحم السجدة، والشورى، والزخرف،\n_________\n(١) استدل الحافظ بهذا الحديث على أن ترتيب السور في زمانه - ﷺ - كان على هذا الترتيب الذي في زماننا، وذكر الاختلاف فيه، وبه جزم في \"فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت\" (١/ ١٦)، وأثبته جزمًا، وفي \"الدر المختار\" (٩/ ٥٥٤): جاز تحلية المصحف وتعشيره ونقطه وكتابة أسامي السور وعد الآيات وعلامات الوقف ونحوها إلى آخر ما قال. (ش).\n(٢) قال الحافظ: هذا إذا لم يعد الفاتحة. (ش).","vol":"6","page":49},{"text":"وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ\". [جه ١٣٤٥، حم ٤/ ٩]\n(١) وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَتَمُّ.\n١٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، نَا سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الْعَلَاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الشِّخِّيرِ، عن عَبْدِ الله - يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو-\n===\nوالدخان، والجاثية، والأحقاف، ومحمد، والفتح، والحجرات.\n(وحزب المفصل (٢) وحده) أي (٣) من سورة ق إلى آخر سورة، وهي سورة الناس في اليوم السابع، ولفظ أحمد: قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ست سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من ق حتى تختم، ولعل لفظ ست في رواية أحمد تصحيف من الناسخ والصواب ثلاث سور (٤).\nوهذا التحزيب يقال له في اصطلاح القراء: تحزيب \"فمي بشوق\" (٥)، إلا أنه ترك في الحديث ذكر الفاتحة لصغرها، وهذا الحديث يدل على أن ترتيب السور في القرآن عند جمهور الصحابة مثل ترتيب السور الذي الآن في القرآن (وحديث أبي سعيد أتم).\n١٣٩٤ - (حدثنا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، نا سعيد، عن قتادة، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله، يعني ابن عمرو) بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) قال صاحب \"السعاية\": اختلفوا في بدء المفصل على اثني عشر قولًا ثم بسطها. انظر: (٢/ ٢٤١). (ش).\n(٣) وإن عد من الفاتحة فهذا من الحجرات وهو مختار الحافظ، لكن رواية أحمد تؤيد الشيخ. (ش).\n(٤) وفي النسخة المطبوعة المحققة: \"ثلاث سور\"، وفيها: \"يَخْتِم\" بدل: \"تختم\".\n(٥) تقدم تفصيله في (ص ٤٢)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٠).","vol":"6","page":50},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ في أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ\". [انظر تخريج الحديث رقم ١٣٩٠]\n١٣٩٥ - حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ، عن وَهْب بْنِ مُنبِّهٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو: \"أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - في كَمْ يُقْرَأُ الْقُراَنُ؟ قَالَ: \"في أَرْبَعِينَ يَوْمًا\"، ثمَّ قَالَ: \"في شَهْرٍ\"، ثُمَّ قَالَ: \"في عِشْرِينَ\"، ثُمَّ قَالَ: \"في خَمْسَ عَشْرَةَ\"، ثُمَّ قَالَ: \"في عَشْرٍ\"، ثُمَّ قَالَ: \"في سَبْعٍ\"، لَمْ يَنْزِلْ مِنْ سَبْعٍ\". [ت ٢٩٤٧]\n===\nالعاص (قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يفقه) أي ما في القرآن من المعاني (من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) لأن من قرأ في أقل من ثلاث لا بد أن يسرع في التلاوة فيغفل عن التدبر في المعنى، ولا يكون (١) له هم إلَّا أداء الألفاظ.\n١٣٩٥ - (حدثنا نوح بن حبيب، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن سماك بن الفضل) الخولاني اليماني الصنعاني، ثقة، (عن وهب بن منبه، عن عبد الله بن عمرو) بن العاص (إنه سأل النبي - ﷺ - في كم) أي مدة من الأيام أو الليالي (يقرأ) بصيغة المجهول للغائب، أو بصيغة المعلوم لجمع المتكلم (القرآن؟ قال) أي النبي - ﷺ -: (في أربعين يومًا (٢) ثم قال) أي رسول الله -ﷺ- لما ناقصه في المدة: (في شهر) أي اقرأه في شهر (ثم) لما ناقصه (قال) رسول الله -ﷺ-: (في عشرين) أي يومًا (ثم قال: في خمس عشرة) أي ليلة (ثم قال: في عشر) وفي نسخة: عشرة (ثم قال: في سبع، لم ينزل) أي لم ينقص (من سبع) أي في ذلك الوقت وإلَّا فقد أذن له في ثلاث كما تقدم.\n_________\n(١) إلا أن يجد من النشاط والقوة أكثر من ذلك كما بسطه ابن قدامة في \"المغني\" (٢/ ٦١٢). وبسط الأقوال الحلبي. (ش).\n(٢) ولذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: لا ينبغي أن ينقص منه، كما في \"الفتح\" (٩/ ٩٥) وهكذا في \"الدر المختار\". (ش).","vol":"6","page":51},{"text":"١٣٩٦ - حَدَّثنا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جعفرٍ، عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ قَالَا: \"أَتَىٍ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي أَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ في رَكْعَةٍ! فَقَالَ: \"أَهَذّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَنَثْرًا كَنَثْرِ الدَّقَلِ؟ لَكِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ النَّظَائِرَ\n===\n١٣٩٦ - (حدثنا عباد بن موسى، نا إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود قالا: أتى ابن مسعود رجل) وهو نهيك بن سنان، صرح بتسميته مسلم في \"صحيحه\" (فقال: إني أقرأ المفصل) أي جميع سور المفصل (في ركعة، فقال) أي ابن مسعود: (أَهَذّا كَهَذِّ الشعرِ).\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (١): معناه أن هذا الرجل أخبر بكثرة حفظه وإتقانه، فقال ابن مسعود: أتهذُّه هذًّا، وهو بتشديد الذال، وهو شدة الإسراع والإفراط في العجلة، ففيه النهي عن الهذ، والحث على الترتيل والتدبر، وبه قال جمهور العلماء، قال القاضي: وأباحت طائفة قليلة الهذِّ، وقوله: كهذ الشعر معناه في تحفظه وروايته لا في إنشاده وترنمه، لأنه يرتل في الإنشاد والترنم في العادة.\n(ونثرًا كنثر الدقل) الدقل بفتحتين: رديء التمر ويابسه، فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثورًا (لكن النبي - ﷺ - كان يقرأ النظائر) أي السور المتشابهة والمتقاربة في الطول.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): أي السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو القصص، لا المتماثلة في عدد الآي لما سيظهر عند تعيينها، قال المحب الطبري: كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العد حتى اعتبرتها، فلم أجد فيها شيئًا متساوًا عشرين سورة في عشر ركعات.\n_________\n(١) (٣/ ٣٦٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٩).","vol":"6","page":52},{"text":"السُّورَتَيْنِ في رَكعَةٍ؛ ﴿النَّجْم﴾ وَ﴿الرَّحْمن﴾ في رَكعَةٍ، وَ﴿اقتربت﴾ وَ﴿الْحَاقَّة﴾ في رَكعَةٍ، وَ﴿والطُّورَ﴾ وَ﴿الذَّارِيَاتِ﴾ هو في رَكْعَةٍ، و﴿إذا وَقَعَتْ﴾ وَ﴿نُون﴾ في رَكْعَةٍ، وَ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ وَ﴿النَّازعات﴾ في رَكْعَةٍ، وَ﴿ويلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾ وَ﴿عَبَسَ﴾ في رَكْعَةٍ، وَ﴿المدثر﴾ وَ﴿الْمُزَّمّل﴾ في رَكْعَةٍ، وَ﴿هَلْ أَتَى﴾ وَ﴿لَا أُقْسِمُ بيَوْمِ القيامة﴾ في رَكعَةٍ، وَ﴿وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَ﴿الْمُرْسَلَاتِ﴾ في ركعة وَ﴿الدُّخَانَ﴾ وَ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ في رَكْعَةٍ\".\n===\n(السُّورَتَيْنِ) أي يقرأ السورتين منها (في رَكعَةٍ) ثم فصله بقوله (﴿النَّجْم﴾ (١) وَ﴿الرَّحْمن﴾ في رَكعَةٍ، وَ﴿اقتربت﴾ وَ﴿الْحَاقَّة﴾ في رَكعَةٍ، وَ﴿والطُّورَ﴾ وَ﴿الذَّارِيَاتِ﴾ في رَكْعَةٍ، و﴿إذا وَقَعَتْ﴾ وَ﴿نُون﴾ في رَكْعَةٍ، وَ﴿سَأَلَ سَائِل﴾ وَ﴿النَّازعات﴾ في رَكْعَةٍ، وَ﴿ويلٌ لِلْمُطَفِّفِين﴾ وَ﴿عَبَسَ﴾ في رَكْعَةٍ، وَ﴿المدثر﴾ وَ﴿الْمُزَّمّل﴾ في رَكْعَةٍ، وَ﴿هَلْ أَتَى﴾ وَ﴿لَا أُقْسِمُ بيَوْمِ القيامة﴾ في رَكعَةٍ، وَ﴿وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَ﴿الْمُرْسَلَاتِ﴾ في ركعة، وَ﴿الدُّخَانَ﴾ وَ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ في رَكْعَةٍ\". (٢).\nويشكل هذا بما أخرج البخاري (٣) وغيره من حديث واصل عن أبي وائل عن عبد الله، وفيه: إني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي - ﷺ - ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم، لأن رواية أبي داود وغيره لم يختلف في أنه ليس في العشرين من الحواميم غير الدخان فيحمل على التغليب، أو فيه حذف كأنه قال: وسورتين إحداهما من آل حم، وكذا ما وقع في رواية البخاري (٤) من حديث عمرو بن مرة عن أبي وائل قوله: \"فذكر عشرين سورة من المفصل\" محمول على التجوز، لأن الدخان ليست من المفصل، ولذلك فصلها من المفصل في رواية\n_________\n(١) وهذا الترتيب يخالف الترتيب الذي حكاه الحافظ عن أبي داود. انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٩). (ش).\n(٢) ولا يكره الجمع بين السورتين في ركعة، صرح به في \"البدائع\" (١/ ٤٨٢). (ش).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٠٤٣)، ومسلم (٢٧٨/ ٨٢٢).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٧٧٥).","vol":"6","page":53},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا تَألِيفُ ابْنِ مَسْعُود - ﵀-. [خ ٧٧٥، م ٨٢٢، حم ١/ ٣٨٠]\n١٣٩٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُور، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ\n===\nواصل، وسمي مفصلًا لقصر سوره وقرب انفصال بعضهن من بعض.\n(قال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود - ﵀-) أي ترتيب السور المذكورة في الحديث هو الترتيب الذي ألف عليه السور في مصحفه عبد الله بن مسعود.\nقال الحافظ (١): وفيه دلالة على أن تأليف مصحف ابن مسعود على غير التأليف العثماني، وكان أوله الفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران، ولم يكن على ترتيب النزول. ويقال: إن مصحف علي كان على ترتيب النزول أوله اقرأ ثم المدثر ثم ن والقلم ثم المزمل ثم تبَّت ثم التكوير ثم سبح، وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني، والله أعلم.\nوأما ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - هو الذي أمر بترتيبه هكذا، ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة.\nومما يدل على أن ترتيب المصحف كان توقيفيًّا ما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي، فهذا الحديث يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي - ﷺ -، ويستفاد من هذا الحديث حديث أوس أن الراجح في المفصل أنه من أول سورة ق إلى آخر القرآن، لكنه مبني على أن الفاتحة لم تعد في الثلاث الأول، فإنه يلزم من عدها أن يكون أول المفصل من الحجرات، وبه جزم جماعة من الأئمة.\n١٣٩٧ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم) النخعي، (عن عبد الرحمن بن يزيد) النخعي (قال) أي عبد الرحمن: (سألت\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٢).","vol":"6","page":54},{"text":"أَبَا مَسْعُودٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ\". [خ ٤٠٠٨، م ٨٠٧، ت ٢٨٨١، جه ١٣٦٨، دي ١٤٨٧، حم ٤/ ١١٨]\n===\nأبا مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، قال الحافظ (١): في رواية أحمد، عن غندر، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة، عن أبي مسعود، وقال في آخره: قال عبد الرحمن: ولقيت أبا مسعود فحدثني به، وأخرج البخاري (٢) من وجه آخر عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن وعلقمة جميعهما، عن أبي مسعود، فكأنَّ إبراهيم حمله عن علقمة أيضًا بعد أن حدثه به عبد الرحمن عنه، كما لقي عبد الرحمن أبا مسعود فحمله عنه بعد أن حدثه به علقمة، ووقع في رواية عبدوس بدله \"ابن مسعود\"، وكذا عند الأصيلي عن أبي زيد المروزي، وصَوَّبه الأصيلي، فأخطأ في ذلك، بل هو تصحيف، قال أبو علي الجياني: الصواب \"عن أبي مسعود\"، وهو عقبة بن عمرو، قلت: وقد أخرجه أحمد من وجه آخر عن الأعمش، فقال فيه: \"عن عقبة بن عمرو\".\n(وهو يطوف بالبيت) أي حدثني أولًا علقمة عن أبي مسعود، ثم سألت أبا مسعود في حال طوافه بالبيت (فقال) أي أبو مسعود: (قال رسول الله -ﷺ: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة) يعني من قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ اَلرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة وآخر الآية الأولى ﴿اَلمَصِير﴾، ومن ثم إلى آخر السورة آية واحدة (في ليلة كفتاه) أي أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل: معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل: معناه كفتاه كل سوء، وقيل: كفتاه شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل: معناه كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥٠٤٠).","vol":"6","page":55},{"text":"١٣٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح، نَا ابْنُ وَهْب، أَنَا عَمْروٌ أَنَّ أَبَا سَوِيَّةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ حُجَيْرَةَ يُخبِرُ، عن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِئَةِ آيةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ\". [خزيمة ١١٤٤]\n===\nويجوز أن يراد جميع ما تقدم، والله أعلم، قاله الحافظ والنووي (٢).\n١٣٩٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أنا عمرو) بن الحارث أبو أمية المصري (أنّ أبا سوية حدثه) قال في \"تهذيب التهذيب\" (٣): أبو سوية البصري اسمه عبيد بن سوية، تقدم، ووقع في بعض رواية أبي داود \"أبو سودة\" وهو وهم، وقال ابن حبان: الصواب \"أبو سويد\"، وهو عبيد بن حميد، ومن قال: أبو سوية فقط غلط، كذا قال، وفيه نظر، قلت: ووقع في رواية اللؤلؤي في نسخة الخطيب \"أبو سويد\" كما قال ابن حبان.\nوقال في ترجمته (٤): عبيد بن سوية بن أبي سوية الأنصاري، أبو سوية المصري، روى له أبو داود حديثًا واحدًا، ولم يسمه، ووقع في بعض النسخ عنده أبو سويد، والصواب أبو سوية، وكذا وقع في \"مسند حرملة\" رواية ابن المقري.\n(أنه) أي أبا سوية (سمع ابن حجيرة) وهو عبد الرحمن بن حجيرة بمهملة وجيم مصغرًا، الخولاني، أبو عبد الله المصري، وهو ابن حجيرة الأكبر، ثقة (يخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله -ﷺ-: من قام) في صلاة بالليل (بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب) أي عند الله (من القانتين) أي من المطيعين القائمين في تلك الليلة (ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين) أي ممن لهم القنطار من الأجر، أي ثواب بعدده\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٦)، و\"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٣٥٢).\n(٣) (١٢/ ١٢٤).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٦٧).","vol":"6","page":56},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ابْنُ حُجَيْرَةَ الأَصْغَرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حُجَيْرَةَ.\n١٣٩٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوب، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاس الْقِتْبَانِيُّ، عن عِيسَى بْنِ هِلَال الصَّدَفِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (١) قَالَ: \"أَتَى رَجُلٌ (٢) رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَقْرِئْني يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ (٣): \"اقْرَأ ثَلَاثًا\n===\nأو بوزنه. قال الطيبي (٤): وفي الحديث أن القنطار ألف ومأتا أوقية، وقال ابن حجر: القنطار اثنا عشر ألفًا من الأرطال.\n(قال أبو داود: ابن حجيرة الأصغر اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة) وهذا الأصغر ولد الأكبر، حاصله أن ابن حجيرة يطلق على اثنين: أحدهما الأكبر وهو الوالد المذكور في السند، والثاني: الأصغر وهو ولده، ذكره لئلا يشتبه بالأول.\n١٣٩٩ - (حدثنا يحيى بن موسى) بن عبد ربه (البلخي وهارون بن عبد الله قالا: نا عبد الله بن يزيد) المكي المقرئ القصير، (نا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عياش بن عباس القتباني، عن عيسى بن هلال الصدفي) قال في \"التقريب\": صدوق، وقال في \"الخلاصة\": وثقه ابن حبان.\n(عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل) لم أقف على تسميته (رسول الله -ﷺ- فقال) أي الرجل: (أقرئني) أمر من الإقراء، أي علمني من القرآن شيئًا (يا رسول الله -ﷺ-، فقال: اقرأ ثلاثًا) أي ثلاث سور\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن العاصي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إلى\".\n(٣) في نسخة: \"قال\".\n(٤) انظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٧٠).","vol":"6","page":57},{"text":"مِنْ ذَوَاتِ ﴿الر﴾ (١) \" فَقَالَ: كَبِرَتْ سِنِّي، وَاشْتَدَّ قَلْبِي، وَغَلُظَ لِسَانِي قَالَ: \"فَاقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ ﴿حم﴾ \"، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَالَ: \"اقْرَأ ثَلَاثًا مِنَ الْمُسَبِّحَاتِ\"، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْرِئْنِي سُورَةً جَامِعَةً، فَأَقْرَأَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿إِذَا زُلزِلَتِ ألأَرْضُ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا\n===\n(من ذوات الر) بغير المد أي ألف لام راء، وفي نسخة: من ذوات الراء بالمد والهمزة، قال الطيبي (٢): أي من السور التي صدرت بالر، قلت: هي سورة يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر، ويحتمل أن يعد فيها الرعد، لكن فيها زيادة الميم.\n(فقال: كبرت) بضم الباء وتكسر (سني) أي عمري، (واشتد قلبي) أي غلب عليه قلة الحفظ وكثرة النسيان، (وغلظ لساني) أي ثقل بحيث لا يطاوعني في تعلم القرآن، فلا أستطيع تعلم السور الطوال.\n(قال) رسول الله -ﷺ-: فإن كنت لا تستطيع قراءتهن (فاقرأ ثلاثًا من ذوات حم) فإن أطول ذوات الر أطول من أطول حم، وأقصر ذوات حم أقصر من أقصر من ذوات الر.\n(فقال) الرجل (مثل مقالته) الأولى، (فقال) رسول الله -ﷺ-: (إقرأ ثلاثًا من المسبحات) وهي السور التي في أولها سَبَّح، أو يسبح، أو سَبِّح، (فقال) الرجل (مثل مقالته) الأولى (فقال الرجل: يا رسول الله -ﷺ- أقرئني سورةً جامعةً) أي بين وجازة المباني، وغزارة المعاني.\n(فأقرأه النبي - ﷺ - ﴿إِذَا زُلزِلَتِ الأَرْضُ﴾ حتى فرغ) رسول الله -ﷺ- (منها) أي من السورة، فإن هذه السورة تشتمل على المعاد والمعاش، والعمل والاعتقاد، وفيها آية قال رسول الله -ﷺ-: \"إنها جامعة فاذة\"، وهي قوله تعالى:\n_________\n(١) في نسخة: \"الراء\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٦٨)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦٨٤).","vol":"6","page":58},{"text":"فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا أَبَدًا، ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَفْلَحَ الرُّوْيجِلُ\"، مَرَّتَيْنِ\". [حم ٢/ ١٦٩، ك ٢/ ٥٣٢، سي ٧١٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>(٣٢٨) بَابٌ: في عَدَدِ الآيِ</span>\n١٤٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَنَا شُعْبَةُ، أَنَا قَتَادَةُ، عن عَبَّاسٍ الْجُشَمِيِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيةً تَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا، حَتَّى غُفِرَ (١) لَهُ: في ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ \". [ت ٢٨٩١، جه ٣٧٨٦، حم ٢/ ٢٩٩، ك ١/ ٥٦٥]\n===\n﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢).\n(فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدًا) أي على العمل بما دل عليه، (ثم أدبر الرجل فقال النبي - ﷺ -: أفلح) أي فاز بالمطلوب (الرويجل) قال الطيبي (٣): تصغير تعظيم لبعد غوره وقوة إدراكه، وهو تصغير شاذ، قال القاري (٤): ويحتمل أن يكون تصغير راجل بالألف بمعنى الماشي (مرتين) أي قاله مرتين، إما للتأكيد، أو مرة بالدنيا ومرة بالأخرى.\n\n(٣٢٨) (بَابٌ: في عَدَدِ الآي)، أي: عدها\n١٤٠٠ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، أنا قتادة، عن عباس الجشمي) بضم الجيم وفتح المعجمة، يقال: اسم أبيه عبد الله، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، أخرجوا له حديثًا واحدًا في فضل سورة تبارك: أي الملك (عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: سورة من القرآن) مبتدأ (ثلاثون آية) خبر له (تشفع لصاحبها) أي لقارئها خبر ثان (حتى غفر له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾) خبر مبتدأ محذوف أي هي.\n_________\n(١) في نسخة: \"يغفر\".\n(٢) سورة الزلزلة: الآيتان ٧، ٨.\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٦٩).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦٨٥).","vol":"6","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>(٣٢٩) بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَابِ السُّجُودِ، وَكَمْ سَجْدَةً في الْقُرْاَنِ</span>؟ (١)\n===\nقال القاري (٢): والشفاعة للسورة إما على الحقيقة في علم الله، وإما على الاستعارة، وإما على أنها تتجسم، وفي سوق الكلام على الإبهام، ثم التفسير تفخيم للسورة، إذ لو قيل: إن سورة تبارك شفعت لم تكن بهذه المنزلة.\nوقد استدل بهذا الحديث من قال: البسملة ليست من السورة، وليست آية تامة، لأن كونها ثلاثين إنما يصح على تقدير كونها آية تامة منها، والحال أنها ثلاثون من غير كونها آية تامة، فهي إما ليست بآية منها، كمذهب أبي حنيفة ومالك والأكثرين، وإما ليست بآية تامة بل جزء من الآية الأولى، كرواية في مذهب الشافعي،\n\n(٣٢٩) (بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَابِ السُّجُودِ، وَكَمْ سَجْدَةً (٣) في القُرْآن؟)\nاختلف الأئمة في وجوب سجدة التلاوة وعدمه، فذهب الإِمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى الوجوب، والأئمة الثلاثة على أنها سنَّة (٤)، وفي رواية لأحمد أيضًا واجبة إن كانت في الصلاة، وفي خارجها لا.\nلنا ما روى أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا تلا ابن آدم آية السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد، فلي النار\" (٥).\nوالأصل: أن الحكيم متى حكى عن غير الحكيم أمرًا ولم يعقبه بالنكير\n_________\n(١) في نسخة: \"تفريع أبواب سجود القرآن وكم فيه من سجدة\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦٦٣ - ٦٦٤).\n(٣) قال ابن العربي (٣/ ٤٩): اختلفوا فيها على سبعة أقوال، وفي \"الأوجز\" (٤/ ٢٩١): أنهم اختلفوا في عدد سجود القرآن على اثني عشر قولًا. (ش).\n(٤) وعند مالك سنَّة أو فضيلة قولان مشهوران، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٢٧٥)، و\"هامش البخاري\". (ش).\n(٥) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٨١)، وابن ماجه في \"سننه\" (١٠٥٢).","vol":"6","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيدل ذلك على أنه صواب، فكان في الحديث دليل على كون ابن آدم مأمورًا بالسجود، ومطلق الأمر للوجوب (١)، ولأن الله تعالى ذم أقوامًا بترك السجود فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٢)، وإنما يستحق الذم بترك الواجب.\nوأما استدلالهم بحديث الأعرابي بأنه قال له رسول الله -ﷺ-: لا، إلَّا أن تطوع، ففيه بيان الواجب ابتداءً لا ما يجب بسبب يوجد من العبد، ألا ترى أنه لم يذكر المنذور وهو واجب.\nثم اعلم أنه وقع الاختلاف في عدد سجود القرآن، فقال بعضهم: مواضع السجود خمسة عشر موضعًا، وذهب إلى ذلك: أحمد، والليث، وإسحاق، وابن وهب، وابن حبيب من المالكية، وابن المنذر، وابن سريج من الشافعية، وطائفة من أهل العلم، فأثبتوا في الحج سجدتين، وفي ص سجدة، وذهب أبو حنيفة وداود إلى أنها أربع عشرة سجدة، إلا أن أبا حنيفة لم يعد في سورة الحج إلَّا لسجدة واحدة، وعد لسجدة ص، وذهب الشافعي في القديم والمالكية إلى أنها إحدى عشرة، وأخرج سجدات المفصل وهي ثلاث (٣)، وذهب في قوله الجديد إلى أن أربع عشرة سجدة، وعد منها سجدات المفصل وسجدتين في الحج، ولم يعد سجدة ص.\nواعلم أن أول مواضع السجود خاتمة الأعراف، وثانيها عند قوله في الرعد: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، وثالثها عند قوله في النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، ورابعها عند قوله في بني إسرائيل: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، وخامسها عن قوله\n_________\n(١) وبالأمر في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ والأمر للوجوب. كذا في \"حاشية البخاري\". (ش).\n(٢) سورة الانشقاق: الآية ٢١.\n(٣) وقال الشاه ولي الله في \"تراجم البخاري\" (ص ٣٠١): إن مالكًا -﵁ - لم ينكرها بل قال: ليست مؤكدة، فاشتهر عنه أنه لم يقلها - فتأمل. (ش).","vol":"6","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي مريم: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾، وسادسها عند قوله في الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، وسابعها عند قوله في الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾، وثامنها عند قوله في النمل (١): ﴿رَبُّ اَلعَرْشِ اَلعَظِيمِ﴾، وتاسعها عند قوله في ألم تنزيل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وعاشرها في ص عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، والحادي عشر عند قوله في حم السجدة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقال أبو حنيفة، والشافعي، والجمهور عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، والثاني عشر عند قوله في النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، والثالث عشر عند قوله في إذا السماء انشقت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، والرابع عشر عند قوله في اقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، قاله الشوكاني (٢) بتغير يسير.\nقلت: والذي قال الشوكاني: إن في ص لسجدة عند قوله: ﴿أَناَبَ﴾ مرجوح عند الحنفية، والراجح أن سجدة ص عند قوله: ﴿مَئَابٍ﴾.\nقال في \"مراقي الفلاح\" (٣): وهذا أولى مما قاله الزيلعي: تجب عند قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، وعند بعضهم عند قوله تعالى: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ لما نذكره، وهكذا قال الشامي في \"رد المحتار\" (٤).\nوقال في \"البدائع\" (٥): وما تعلق به الشافعي فهو دليلنا، فإنا نقول: نحن نسجد ذلك شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران، والوعد بالزلفى،\n_________\n(١) ينبغي أن يفتش ما في شرح شيخ الإِسلام على البخاري من أن السجدة فيها عندنا على \"تعلنون\"، وعند الشافعي ومالك على \"العرش العظيم\"، والظاهر أنه سبقة قلم. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٢٨).\n(٣) (ص ٣١٢).\n(٤) (٢/ ٥٧٦).\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٥٢).","vol":"6","page":62},{"text":"١٤٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْبَرْقِيِّ، نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عن الْحَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ الْعُتَقِيِّ، عن عَبْدِ الله بْنِ مُنَيْنٍ\n===\nوحسن المآب، ولهذا لا يسجد عندنا عقب قوله: ﴿وَأَناَبَ﴾، بل عقيب قوله: ﴿مَئَابٍ﴾.\n١٤٠١ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن البرقي) بفتح الموحدة، وسكون الراء بعدها قاف، هو محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيه بن أبي زرعة المصري، أبو عبد الله ابن البرقي، مولى بني زهرة، وقد نسب إلى جده، قيل له البرقي لأنه كان يَتَّجر هو وأخوه إلى برقة، قال النسائي: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان ثقة، حدث بكتاب المغازي عن عبد الملك بن هشام، قلت: جده الأعلى سعيه بسكون المهملة، وفتح التحتانية ثم هاء، ضبطه ابن ماكولا، والذي رأيته في \"التقريب\" (١) و\"تذكرة الحفاظ\" و\"الأنساب\" للسمعاني، فمكتوب فيها بصورة سعيد، وليس صورة سعيه، إلَّا في \"تهذيب التهذيب\" (٢).\n(نا ابن أبي مريم) سعيد، (أنا نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقي) بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف، المصري، ويقال: ابن يزيد، ويقال: سعيد بن الحارث، والأول الأصح، قال ابن القطان الفاسي: لا يعرف له حال، وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف، يعني حاله، كما قال ابن القطان.\n(عن عبد الله بن منين) بنونين مصغرًا، اليحصبي بفتح التحتانية وسكون المهملة وكسر الصاد المهملة وقيل: بضم الصاد وهو الأشبه، هذه النسبة إلى يحصب، وهي قبيلة من حمير، وقيل: إن يحصب قرية من قرى حمص، والأول\n_________\n(١) (٢/ ١٨٧) قلت: كذا في نسخة \"التقريب\" القديمة، أما في النسخة المحققة ففيها: \"سعيه\"، ونبه المحقق في الهامش على أن \"سعيه\" هو الصواب، كما في \"الإكمال\" (٥/ ٦٧)، و\"التبصير\" (٢/ ٧٨٣).\n(٢) (٩/ ٢٦٣).","vol":"6","page":63},{"text":"- مِنْ بَنِي عَبْدِ كُلَالٍ -، عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١): \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً في الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ في الْمُفَصَّلِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ\" (٢). [جه ١٠٥٧، ق ٢/ ٣١٦، قط ١/ ٤٠٨، ك ١/ ٢٢٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رُوِيَ عن أَبِي الدَّرْدَاءِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ.\n===\nأشبه، كذا في \"الأنساب\" (٣): قال الحافظ (٤): قلت: وثقه يعقوب بن سفيان.\n(من بني عبد كلال، عن عمرو بن العاص: أن النبي - ﷺ - أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن. منها ثلاث) أي ثلاث سجدات (في المفصل) وهي سجدة النجم والانشقاق والعلق (وفي سورة الحج سجدتان) إحداهما متفق عليها، والثانية اختلف فيها، فالحنفية أنكروها (٥) والشافعية أثبتوها.\nقال الشوكاني (٦): الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم، وحسنه المنذري والنووي، وضعفه عبد الحق وابن القطان، وفي إسناده عبد الله بن منين الكلابي (٧)، وهو مجهول، والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي المصري، وهو لا يعرف أيضًا.\n(قال أبو داود: روي عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - إحدى عشرة سجدة، وإسناده واه) أخرج الترمذي (٨) حديث أبي الدرداء بلفظ: حدثنا\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) في نسخة: \"سجدتين\".\n(٣) (٥/ ٦٨٢).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤٤).\n(٥) وفي هامش \"فيض الباري\" عن ابن حزم أنه أبطل الصلاة بثانية الحج، وكذا في \"الأوجز\" (٤/ ٢٨٤). (ش).\n(٦) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٢٨).\n(٧) كذا في \"النيل\" (٢/ ٣٢٨)، والصواب على الظاهر: كلالي؛ لأنه من بني عبد كلال. (ش).\n(٨) \"سنن الترمذي\" (٥٦٨ - ٥٦٩)، وأيضًا أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ١٩٤) (٦/ ٤٤٢)، وابن ماجه (١٠٥٥ - ١٠٥٦)، والبيهقي (٢/ ٣١٤) من طرق.","vol":"6","page":64},{"text":"١٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّ مِشْرَحَ بْنَ هَاعَانَ أَبَا الْمُصْعَبِ (١)\n===\nسفيان بن وكيع، نا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُمَر (٢) الدمشقي، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: \"سجدث مع رسول الله - ﷺ - إحدى عشرة، منها التي في النجم\"؛ ثم قال: حديث أبي الدرداء حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن أبي هلال عن عُمَر الدمشقي.\nثم أخرج فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، نا عبد الله بن صالح، نا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمر وهو ابن حَيَّان الدمشقي قال: سمعت مخبرًا يخبرني عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: سجدت، الحديث، ثم قال: وهذا أصح من حديث سفيان بن وكيع، عن عبد الله بن وهب.\nقلت: وعُمَر الدمشقي مجهول، وهو يروي عن مخبر، ولم يسمه، وهو مجهول أيضًا.\n١٤٠٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة أن مشرح) بكسر أولى وسكون ثانيه وفتح ثالثه وآخره مهملة (ابن هاعان) المعافري بفتحتين وفاء (أبا المصعب) البصري، قال حرب عن أحمد: معروف، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. قلت: وقال ابن حبان في \"الثقات\": يخطئ ويخالف، ثم قال في \"الضعفاء\": يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليه، فالصواب ترك ما انفرد به، وحكى العقيلي عن موسى بن داود بلغني أنه كان في جيش الحجاج الذين حاصروا ابن الزبير، ورموا الكعبة بالمنجنيق.\n_________\n(١) في نسخة: \"أبا مصعب\".\n(٢) وقع في الأصل: \"عمرو\" وهو تحريف.","vol":"6","page":65},{"text":"حَدَّثَهُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ حَدَّثَهُ قَالَ: \"قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - (١): في سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأهُمَا\". [ت ٥٧٨، حم ٤/ ١٥١، ك ١/ ٢٢١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>(٣٣٠) بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ في الْمُفَصَّلِ</span>\n١٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: نَا أَزْهَرُ بْنُ الْقَاسِمِ - قَالَ مُحَمَّدٌ:\n===\n(حدثه أن عقبة بن عامر حدثه قال: قلت لرسول الله - ﷺ -: في سورة الحج سجدتان؟) بتقدير الاستفهام (قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما) أي آيتي السجدة، قال أبو عيسى الترمذي (٢): هذا حديث ليس إسناده بالقوي، واختلف أهل العلم في هذا، فروي عن عمر بن الخطاب وابن عمر أنهما قالا: فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، ورأى بعضهم فيها سجدة، وهو قول سفيان الثوري، ومالك، وأهل الكوفة.\nوقال الشوكاني (٣): وفي إسناده ابن لهيعة ومشرح بن هاعان، وهما ضعيفان، وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به.\n\n(٣٣٠) (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ في الْمُفَصَّلِ)\n١٤٠٣ - (حدثنا محمد بن رافع، نا أزهر بن القاسم) الراسبي بكسر السين المهملة وباء موحدة، نسبة إلى راسب بطن من الأزد، أبو بكر البصري، نزيل مكة، قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ (قال محمد) بن رافع:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يا رسول الله\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٤٧١).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٢٩).","vol":"6","page":66},{"text":"رَأَيْتُهُ بِمَكَّةَ- نَا أَبُو قُدَامَةَ، عن مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَسْجُدْ في شَيءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ\" (١). [ق ٢/ ٣١٣]\n===\n(رأيته) أي أزهر بن القاسم (٢) (بمكة، نا أبو قدامة) الإيادي الحارث بن عبيد.\n(عن مطر) بفتحتين، ابن طهمان (الوراق) أبو رجاء السلمي الخراساني، سكن البصرة، قال في \"الميزان\" (٣): قال ابن سعد: فيه ضعف في الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال أحمد ويحيى: ضعيف في عطاء خاصة، وكان يحيى القطان يشبه مطرًا الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال عثمان بن دحية: لا يساوي دستجة بقل (٤)، فهذا غلو من عثمان، فمطر من رجال مسلم، حسن الحديث.\n(عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله -ﷺ- لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة) قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٥): قال عبد الحق في \"أحكامه\": إسناده ليس بقوي، ويروى مرسلًا، والصحيح حديث أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وإسلامه متأخر، قدم على النبي - ﷺ - في السنة السابعة من الهجرة.\nوقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر، وأبو قدامة ليس بشيء، وأبو هريرة لم يصحب النبي - ﷺ - إلَّا بالمدينة، وقد رآه يسجد في الانشقاق والقلم، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا الحديث أيضًا يروى مرسلًا عن عكرمة\nعن النبي - ﷺ.\n(٢) وفي الأصل: \"أزهر بن رافع\"، وهو تحريف.\n(٣) رقم الترجمة (٨٥٨٧).\n(٤) وفي الأصل: \"وشيجة مقل\" وهو تصحيف، والصواب: \"دستجة بقل\"، والدستجة: الحزمة، معرب، والجمع الدساتج.\n(٥) (٢/ ١٨٢).","vol":"6","page":67},{"text":"١٤٠٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا وَكِيعٌ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن يَزِيدَ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن زيدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: \"قَرَأتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ﴿النَّجْم﴾، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا\". [خ ١٠٧٢، م ٥٧٧، ت ٥٧٦، ن ٩٦٠، حم ٥/ ١٨٣، خزيمة ٥٦٨، حب ٢٧٦٢، قط ١/ ٤٠٩، ق ٢/ ٣٢٤]\n===\nوقال ابن القطان في كتابه: وأبو قدامة الحارث بن عبيد، قال فيه ابن حنبل: مضطرب الحديث، وضعفه ابن معين، وقال النسائي: صدوق، وعنده مناكير، وقال أبو حاتم: كان شيخًا صالحًا، وكثر وهمه، ومطر الوراق كان سيِّئ الحفظ، حتى كان يشبه في سوء الحفظ بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد عيب على مسلم إخراج حديثه، انتهى.\nوتأويل الحديث أن ابن عباس لعله لم يطلع عليه، وقال ذلك على حسب علمه، وأما غيره فقد اطلع عليه كأبي هريرة، فتؤخذ روايته لأنه مثبت.\n١٤٠٤ - (حدثنا هناد بن السري، نا وكيع، عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، (عن يزيد بن عبد الله بن قسيط) مصغرًا، ابن أسامة بن عمير الليثي، أبو عبد الله المدني، الأعرج، ثقة، (عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت قال: قرأت على رسول الله -ﷺ- النجم) أي سورة النجم (فلم يسجد فيها).\nقال الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١): ذهب إلى هذا الحديث قوم فقلدوه، فلم يروا (٢) في \"النجم\" سجدة، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل فيها سجدة، وليس في هذا الحديث دليل عندنا على أنه لا سجود فيها،\n_________\n(١) (١/ ٣٥٢).\n(٢) وحكاه العيني عن جماعة من السلف، وعد أسماءهم. انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٥٥). (ش).","vol":"6","page":68},{"text":"١٤٠٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، نَا أَبُو صَخْرٍ، عن ابْنِ قُسَيْطٍ، عن خَارِجَةَ بْنِ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، عن أبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ. [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَانَ زيدٌ الإِمَامَ فَلَمْ يَسْجُدْ.\n===\nلأنه قد يحتمل أن يكون ترك النبي - ﷺ - السجود فيها حينئذ بأنه كان على غير وضوء فلم يسجد لذلك، ويحتمل أنه تركه، لأنه كان في وقت لا يحل فيه السجود، ويحتمل أن يكون تركه، لأن الحكم كان عنده في سجود التلاوة، أن من شاء سجد، ومن شاء تركه، ويحتمل أن يكون تركه لأنه لا سجود فيها، فلما احتمل تركه للسجود كل معنى من هذه المعاني، لم يكن هذا الحديث بمعنى منها أولى من صاحبه إلَّا بدلالة تدل عليه من غيره، انتهى.\nثم أخرج روايات تدل على أن فيها سجدة، عن أبي هريرة، وأبي الدرداء، والمطلب بن أبي وداعة، قلت: وأيضًا ليس الوجوب على الفور.\n١٤٠٥ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، نا أبو صخر) هو حميد بن زياد، وهو ابن أبي المخارق المدني، الخراط، صاحب العباء، سكن مصر، ويقال: هو حميد بن صخر، أبو مودود الخراط، ويقال: إنهما اثنان، صدوق يهم، (عن ابن قسيط) يزيد بن عبد الله، (عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\n(قال أبو داود: وكان زيد الإِمام) لأنه التالي (فلم يسجد) فلما لم يسجد الإِمام لا يجب على المقتدي السجود، ولعله كان هذا مذهب أبي داود، فأجاب عن الحديث على مذهبه (١).\n_________\n(١) قال العيني (٥/ ٣٥٥): استدل بالحديث بعضهم على أن المستمع لا يسجد إلا إذا سجد القارئ، وبه قال أحمد، (صرح به في \"نيل المآرب)، وإليه ذهب القفال ... إلخ، وقال أيضًا: استدل به البيهقي على أن السامع لا يسجد ما لم يكن مستمعًا، قال: وهو أصح الوجهين، واختاره إمام الحرمين، وهو قول المالكية والحنابلة. (ش).","vol":"6","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>(٣٣١) بَابُ مَنْ رَأَى فِيهَا سُجُودًا</span>\n١٤٠٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَبْدِ اللَّهِ: \"أَنَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ بِهَا (١)، وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ\n===\n(٣٣١) (بَابُ مَنْ رَأَى فِيهَا) أي في المفصل من السور (سُجُودًا)\n١٤٠٦ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله) بن مسعود: (إن رسول الله -ﷺ- قرأ سورة النجم (٢) فسجد بها) أي بعد ما قرأ آية السجدة (وما بقي أحد من القوم) أي قريش (إلَّا سجد)، أما المسلمون فسجدوا لسجود رسول الله -ﷺ-، وأما المشركون فسجدوا لاستماع أسماء آلهتهم، أو لما ظهر لهم من سطوة سلطان العز والجبروت وسطوع الأنوار العظيمة والكبرياء من توحيد الله ﷿، وصدق رسوله - ﷺ - حتى لم يبق لهم شك ولا اختيار، ولا أشر ونخوة واستكبار إلا من كان أشقى القوم وأطغاهم وأعتاهم، وهو الذي أخذ كفا من حصى فرفعه إلى وجهه.\n(فأخذ رجل من القوم) قال الحافظ (٣): سماه في تفسير \"سورة النجم\" من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق: أمية بن خلف، ووقع في \"سيرة ابن إسحاق\" أنه الوليد بن المغيرة، وفيه نظر لأنه لم يقتل، انتهى. وقيل: سعيد بن العاص، وقيل: أبو لهب، وللنسائي من حديث مطلب بن أبي وداعة قال: \"قرأ رسول الله -ﷺ- النجم، فسجد وسجد من معه، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد\"، ولم يكن المطلب يومئذ أسلم، ومهما ثبت من ذلك فلعل ابن مسعود لم يره أو خص واحدًا بذكره لاختصاصه بأخذ الكف من التراب دون غيره.\n_________\n(١) في نسخة: \"لها\"، وفي نسخة: \"فيها\".\n(٢) فيه رد على أبي ثور إذ لم ير سجدة في النجم، كذا في \"الفتح\" (٢/ ٥٥٥). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥١).","vol":"6","page":70},{"text":"كَفًّا مِنْ حَصًا أَوْ تُرَاب، فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا\". [خ ١٠٧٠، م ٥٧٦، ق ٢/ ٣٢٣]\n===\n(كفا من حصل أو تراب) شك من الراوي (فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا) أي ولم يسجد، (قال عبد الله: فلقد رأيته بعد ذلك قتل كافرًا) (١).\nواعلم أن ها هنا قصة (٢) يلزم التعرض لها، وهي أنه أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله -ﷺ- بمكة \"والنجم\" فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٣) ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾ الآية (٤).\nوأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال في\n_________\n(١) وأفاد شيخ مشايخنا الدهلوي في \"حجة الله البالغة\" (٢/ ١٤): وتأويل الحديث عندي أن في ذلك الوقت ظهر الحق ظهورًا بينًا، فلم يكن لأحد إلا الخضوع والاستسلام، فلما رجعوا إلى طبيعتهم كفر من كفر، وأسلم من أسلم، ولم يقبل شيخ من قريش تلك الغاشية الإلهية لقوة الختم على قلبه إلَّا بأن رفع التراب إلى الجبهة، فعجل تعذيبه بأن قتل ببدر، انتهى. قلت: وقريب منه ما أفاده الشيخ الجنجوهي على ما حكاه الوالد في تقرير الترمذي في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٤٥٤)، وحكى العيني (٥/ ٣٤٨) عن \"المعجم الكبير\": أن القصة وقعت في أول الإِسلام، وكان يسجدون مع النبي - ﷺ - حتى لا يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام حتى قدم رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة وأبو جهل وغيرهما، وكانوا بالطائف في أرضهم، فقالوا: تدعون دين آبائكم؟ . (ش).\n(٢) وبسط الكلام عليها في مقدمة \"التفسير الحقاني\" (ص ٨٢)، \"والجمل\" (٥/ ٢٠٧). (ش).\n(٣) سورة النجم: الآية ١٩، ٢٠.\n(٤) سورة الحج: الآية ٥٢.","vol":"6","page":71},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإسناده: \"عن سعيد بن جبير عن ابن عباس\" فيما أحسب، ثم ساق الحديث، وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي، وذكره ابن إسحاق في \"السيرة\" مطولًا وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في \"المغازي\" عن الزهري، وكذا ذكره أبو معشر في \"السيرة\" له، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وأورده من طريقه الطبري، وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي، ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن كثير، عن الكلبي، عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة، وسليمان التيمي عمن حدثه ثلاثتهم عن ابن عباس.\nوأوردها الطبري أيضًا من طريق العوفي، عن ابن عباس، ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف، وإلَّا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوه، والثاني ما أخرجه أيضًا من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.\nوقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعفه نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب. وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية، قال: وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله، وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه، ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم، قال: ولم ينقل ذلك، انتهى.","vol":"6","page":72},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض.\nوإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: \"ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى\"، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه يستحيل عليه - ﷺ - أن يزيد في القرآن عمدًا ما ليس منه، وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته.\nوقد سلك العلماء في ذلك مسالك، فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، وهو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم الله آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة، ورده عياض بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي - ﷺ - ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم.\nوقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكايته عن الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (١) الآية، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة في طاعة.\nوقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوهم بذلك، فعلق ذلك بحفظه - ﷺ -، فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوًا، وقد رد ذلك عياض فأجاد.\nوقيل: لعله قالها توبيخًا للكفار، قال عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزًا، وإلى هذا نحا الباقلاني.\nوقيل: إنه لما وصل إلى قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ خشي المشركون أن\n_________\n(١) سورة الصافات: الآية ٣.","vol":"6","page":73},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به، فبادروا إلى ذلك الكلام، فخلطوه في تلاوة النبي -ﷺ- على عادتهم في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (١)، ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس، وقيل: المراد بالغرانيق العلى الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله ويعبدونها، فسيق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ (٢) فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك، فنسخ الله تلك الكلمتين وأحكم آياته.\nوقيل: كان النبي -ﷺ- يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات. ونطق بتلك الكلمات محاكيًا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها، قال: وهذا أحسن الوجوه (٣)، ويؤيده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير \"تمنى\" بتلا.\nوكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال قبله: إن هذه الآية نص في مذهبنا في براءة النبي -ﷺ- مما نُسِبَ إليه، قال: ومعنى قوله: \"في أمنيته\" أي في تلاوته، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنته في رسله إذا قالوا قولًا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي -ﷺ- لا أن النبي -ﷺ- قاله، قال: وقد سبق إلى ذلك الطبري لجلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب على هذا المعنى وحوم عليه، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٤)، ثم قال: وهذه القصة وقعت بمكة قبل الهجرة (٥) اتفاقًا.\n_________\n(١) سورة فصلت: الآية ٢٦.\n(٢) سورة النجم: الآية ٢١.\n(٣) ورده البيضاوي بأنه يخل بالوثوق على القرآن ولا يندفع بقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢]، لأنه أيضًا يحتمله. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠).\n(٥) وفي \"الجمل\" (٣/ ١٧٣): في رمضان سنة خمس من المبعث، وكانت الهجرة إلى الحبشة في رجبها، وقدوم المهاجرين إلى مكة في شوالها. (ش).","vol":"6","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>(٣٣٢) بَابُ السُّجُودِ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقرأ﴾</span>\n١٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ \" (١). [م ٥٧٨، ت ٥٧٣، حم ٢/ ٢٤٩، ن ٩٦٧، جه ١٠٥٨، دي ١٤٧١]\n١٤٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: نَا بَكْرٌ، عن أَبِي رَافِع قَالَ: \"صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فَسَجَدَ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ - فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ\". [خ ٧٦٦،\nم ٥٧٨، ن ٩٦٨، ق ٢/ ٣٢٢]\n===\n\n(٣٣٢) (بَابُ السجُودِ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وَ﴿اَقرَأ﴾\n١٤٠٧ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء) بكسر الميم وسكون التحتانية ثم نون، المدني البصري، مولى ابن أبي ذباب الدوسي، يكنى أبا معاذ، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عيينة: عطاء بن ميناء من المعروفين من أبي هريرة.\n(عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾).\n١٤٠٨ - (حدثنا مسدد، نا المعتمر قال: سمعت أبي) أي سليمان (قال: نا بكر) بن عبد الله المزني، (عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة) أي العشاء (فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد) أبو هريرة (فقلت: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها) أي بهذه السجدة (خلف أبي القاسم - ﷺ -، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أسلم أبو هريرة سنة ست عام خيبر، وهذا السجود من رسول الله -ﷺ- آخر فعله\".","vol":"6","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>(٣٣٣) بَابُ السُّجُودِ في ﴿ص﴾</span>\n١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا أَيُّوبُ،\n===\nوهذا الحديث يدل على أنه لا يكره قراءة السورة التي فيها السجدة في الفريضة، وقال مالك: يكره، قال في \"المدونة\" (١): وسألنا مالكًا عن الإِمام يقرأ السورة في صلاة الصبح فيها سجدة فكره ذلك، وقال: أكره للإمام أن يتعمد سورة فيها سجدة فيقرؤها، لأنه يخلط على الناس صلاتهم، فإذا قرأ سورة فيها سجدة سجدها.\nقلت: وكذا يكره عند الحنفية أن يقرأ الإِمام السجدة في المخافتة ونحو جمعة وعيد، قال في \"الدر المختار\" (٢): ويكره للإمام أن يقرأها في مخافتة، ونحو جمعة وعيد، إلا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو سجودها، قال الشامي: قوله: ويكره، لأنه إن ترك السجود لها فقد ترك واجبًا، وإن سجد يشتبه على المقتدين.\nقال الشوكاني (٣): وبهذا الدليل يرد على من قال بكراهة قراءة ما فيه سجدة في الصلاة السرية والجهرية كما روي عن مالك، أو السرية فقط كما روي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل.\nقلت: وهذه الكراهة لمصلحة خارجية فلا يرد عليهم (٤) بهذا الحديث.\n\n(٣٣٣) (بَابُ السجود في (ص»\n١٤٠٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا أيوب،\n===\n(١) (١/ ٢٩١).\n(٢) (٢/ ٥٩٨).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٣٤).\n(٤) وفي الأصل: \"فلا يرد بها عليهما\"، ولعل الصواب: \"فلا يرد عليهم\".","vol":"6","page":76},{"text":"عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَيْسَ ﴿ص﴾ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ (١) يَسْجُدُ فِيهَا\". [خ ١٠٦٩، ت ٥٧٧، حم ١/ ٢٧٩، دي ١٤٦٧، ق ٢/ ٣١٨، خزيمة ٥٥٠]\n===\nعن عكرمة، عن ابن عباس قال: ليس ص) أي سجدة ص (من عزائم السجود) أي واجبات (٢) التلاوة، بل هو سجدة شكر، (وقد رأيت رسول الله -ﷺ- يسجد فيها).\nقال الطحاوي (٣): وقد اختلف في سجدة ص (٤) فقال قوم: فيها سجدة، وقال آخرون: ليس فيها سجدة، فكان النظر عندنا في ذلك أن يكون فيها سجدة، لأن الموضع الذي جعله من جعله فيها سجدة، موضع السجود هو موضع خبر، لا موضع أمر، وهو قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٥)، فذلك خبر، فالنظر فيه أن يُرَدَّ حكمه إلى حكم أشكاله من الأخبار، فيكون فيه سجدة كما يكون فيها.\nوقد روي ذلك عن رسول الله -ﷺ-: حدثنا يونس بسنده، عن أبي سعيد: أن رسول الله -ﷺ- سجد في ص، وحدثنا علي بن شيبة بسنده، عن مجاهد قال: سئل ابن عباس عن السجدة في ص فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٦)، فبهذا نأخذ فنرى السجود في ص اتباعًا لما قد روي فيها عن رسول الله - ﷺ - ولما قد أوجبه النظر.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) قلت: بل من مؤكدات السجود، فإنهم اختلفوا في عزائم السجود كم هي؟ فقد حكى الحافظ عن جماعة من الصحابة أنها خمسة: الأعراف وسبحان وثلاثة من المفصل وقيل: غير ذلك، ذكرها في \"الفتح\" (٢/ ٥٥٢) على أن قوله: \"ليس من عزائم\" موقوف، \"وقد رأيته يسجد\" مرفوع. (ش).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٦١).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"شرح معاني الآثار\": سورة ص.\n(٥) سورة ص: الآية ٢٤.\n(٦) سورة الأنعام: الآية ٩٠.","vol":"6","page":77},{"text":"١٤١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ-، عن ابْنِ أَبِي هِلالٍ، عن عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن سَعْدِ بْن أَبِي سَرْحٍ، عن أَبِي سعيد الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: \"قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدة نزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِي، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ\"، فَنَزَلَ فَسَجَدَ (١) وَسَجَدُوا\". [دي ١٤٦٦، خزيمة ١٤٥٥، ق ٢/ ٣١٨، قط ١/ ٤٠٨، ك ٢/ ٤٣١]\n===\nوقد قال ابن عباس في هذا الحديث: وقد رأيت رسول الله -ﷺ- يسجد فيها، فما قال ابن عباس: \"ليس من عزائم السجود\" هو رأي منه، وليس من قول النبي -ﷺ-، وكم من آية في القرآن ذكر فيها المغفرة كما في قصة موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٢) فغفر له، ولم يسجد فيها النبي -ﷺ-، فعلم من هذا أن السجدة ها هنا ليس لمجرد الشكر، بل هي للتلاوة والشكر جميعًا، ولا يستلزم كونها شكرًا أن لا يكون للتلاوة لعدم المنافاة بينهما.\n١٤١٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو- يعني ابن الحارث-، عن ابن أبي هلال) هو سعيد، (عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قرأ رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر ص، فلما بلغ السجدة) أي آيتها قرأها (نزل) عن المنبر (فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر) للجمعة وفي رواية: و(قرأها) مرة أخرى (فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس) أي تأهبوا وتهيأوا (للسجود، فقال رسول الله -ﷺ-: إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَزَّنتم) أي تهيأتم (للسجود، فنزل) عن المنبر (فسجد وسجدوا).\n_________\n(١) في نسخة: \"وسجد\".\n(٢) سورة القصص: الآية ١٤.","vol":"6","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>(٣٣٤) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَهُوَ رَاكِبٌ </span>(١)\n١٤١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ أَبُو الْجُمَاهرِ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ-، عن مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن نَافِعٍ،\n===\nقال الزيلعي (٢) بعد نقل حديث ابن عباس وأبي سعيد: وعندي أنهما حجة لنا. وأجاب عنه صاحب \"البدائع\" (٣) فقال: وما تعلق به الشافعي فهو دليلنا، فإنا نقول: نحن نسجد ذلك شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران، والوعد بالزلفى، وحسن المآب، ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله: \"وأناب\" بل عقيب قوله: \"مآب\"، وهذه نعمة عظيمة في حقنا، فإنه يطمعنا في إقالة عثراتنا، وغفران خطايانا، وزلاتنا، فكانت سجدة تلاوة، لأن سجدة التلاوة ما كان سببها التلاوة، وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النعم على داود ﵊ وإطماعنا في نيل مثله.\nوكذا سجدة النبي -ﷺ- في الجمعة الأولى، وترك الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة، وتركه في الجمعة الثانية لا يدل على أنها ليست بسجدة تلاوة، بل كان يريد التأخير، وهي عندنا لا تجب على الفور، فكان يريد أن لا يسجدها على الفور.\n\n(٣٣٤) (بابٌ: في الرَّجُلِ يَسْمَعُ السَّجْدة وهُوَ رَاكِبٌ)\nأي: هل يسجد راكبًا على الدابة أو ينزل لها على الأرض؟\n١٤١١ - (حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن نافع،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أو في غير صلاة\".\n(٢) \"نصب الراية\" (٢/ ١٨١).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٥٣).","vol":"6","page":79},{"text":"عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ: مِنْهُمُ الرَّاكِبُ، وَالسَّاجِدُ في الأَرْضِ، حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ (١) عَلَى يَدِهِ\" [ق ٢/ ٣٢٥، ك ١/ ٢١٩، خزيمة ٥٥٦]\n===\nعن ابن عمر: أن رسول الله -ﷺ- قرأ عام الفتح) أي فتح مكة (سجدة) أي آية سجدة بانضمام ما قبلها أو بعدها، أو منفردة لبيان الجواز، لأن الانفراد بها خلاف الاستحباب عندنا لإيهام تفضيل آي السجدة على غيرها.\nقال ابن الهمام (٢): والمستحب أن يقرأ معها آيات ليكون أدل على مراد الآية، وليحصل بحق القراءة لا بحق إيجاب السجدة، إذ القراءة للسجود ليست بمستحبة، فيقرأ معها آيات ليكون قصده إلى التلاوة لا إلى إيجاب السجود.\n(فسجد الناس كلهم: منهم الراكب، والساجد في الأرض حتى إن الراكب ليسجد على يده) أي يضع يده على السرج ثم يسجد عليها، قال ابن الملك: وهذا يدل على أن من يسجد على يده يصح إذا انحنى عنقه عند أبي حنيفة لا عند الشافعي، وهو غير مشهور في المذهب، ففي شرح \"المنية\": لو سجد بسبب الزحام على فخذه جاز، وكذا لو كان به عذر منعه عن السجود على غير الفخذ على المختار، ولا يجوز بلا عذر على المختار، كذا في \"الخلاصة\"، ولو وضع كفه بالأرض وسجد عليها يجوز على الصحيح ولو بلا عذر إلَّا أنه يكره، قال ابن الهمام (٣): إذا تلا راكبًا أو مريضًا لا يقدر على السجود أجزأه الإيماء، قاله القاري (٤).\nقلت: قال في \"البدائع\" (٥): وما وجب من السجدة في الأرض لا يجوز على\n_________\n(١) في نسخة \"يسجد\".\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٢٦).\n(٣) \"فتح القدير\" (٢/ ٢٧).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٨ - ١١٩).\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٤٠).","vol":"6","page":80},{"text":"١٤١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ (١)، نَا ابْنُ نُمَيْرٍ - الْمَعْنَى- عن عُبَيْدِ الله، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ - قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: في غَيْرِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ اتَّفَقَا- فَيَسْجُدُ (٢) وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى لَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ\". [خ ١٠٧٥، م ٥٧٥]\n١٤١٣ - حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُود الرَّازِيُّ،\n===\nالدابة، وما وجب على الدابة يجوز على الأرض، لأن ما وجب على الأرض وجب تامًّا فلا يسقط بالإيماء الذي هو بعض السجود، فأما ما وجب على الدابة وجب بالإيماء لما روي عن علي - ﵁ - أنه تلا سجدة وهو راكب فأومأ بها إيماء، وروي عن ابن عمر أنه سئل عمن سمع سجدة وهو راكب قال: \"فليومئ إيماء\"، فما حكى ابن الملك من أن انحناء العنق للسجدة على الدابة كافٍ في أداء السجدة عند أبي حنيفة ليس هو غير مشهور في المذهب بل هو مشهور.\n١٤١٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، ح: ونا أحمد بن أبي شعيب، نا ابن نمير) أي عبد الله (المعنى) أي معنى حديث يحيى وابن نمير واحد، (عن عبيد الله) بن عمر، (عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله -ﷺ- يقرأ علينا السورة، قال ابن نمير: في غير الصلاة) ولم يقل هذا اللفظ يحيى بن سعيد (ثم اتفقا) أي يحيى وابن نمير (فيسجد) رسول الله -ﷺ- (ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكانًا) في الأرض (لموضع) إما مصدر أي لوضع، وإما ظرف أي لمحل وضع (جبهته) لكثرة الزحام، وهذا الحديث لا مناسبة له بالترجمة إلا أن يقال: إن في بعض نسخ أبي داود زيادة في الترجمة وهو قوله: أو في غير الصلاة، فهذا الحديث يناسب هذا الجزء من الترجمة.\n١٤١٣ - (حدثنا أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحراني\".\n(٢) في نسخة: \"فسجد\".","vol":"6","page":81},{"text":"أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن نَافِع، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا (١) \". قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: يُعْجِبُهُ لأنَّهُ كَبَّرَ. [ق ٢/ ٣٢٥]\n===\nأنا عبد الرزاق، أنا عبد الله بن عمر)، قال الشوكاني (٢): الحديث في إسناده العمري عبد الله المكبر، وهو ضعيف، وأخرجه الحاكم من رواية العمري أيضًا لكن وقع عندهم مصغرًا، والمصغر ثقة، ولهذا قال: على شرط الشيخين.\n(عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله -ﷺ- يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة) أي بآية السجدة (كبر) أي يقول: الله أكبر (وسجد وسجدنا، قال عبد الرزاق: وكان الثوري) أي سفيان (يعجبه هذا الحديث، قال أبو داود: يعجبه لأنه كبر) أي وجه إعجابه أنه ذكر فيه التكبير.\nقال القاري: قال ابن الملك: وهذا يدل على أنه لا يكبر إلا للسجود، وبه أخذ أبو حنيفة، وعند الشافعي يرفع يديه ويكبر للإحرام ثم يكبر للسجود.\nقال في البدائع (٣): وأما سنن السجود، فمنها أنه يكبر عند السجود، وعند رفع الرأس من السجود، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يكبر عند الانحطاط، وهي رواية عن أبي يوسف، والصحيح ظاهر الرواية لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال للتالي: \"إذا قرأت سجدة فكبر واسجد، وإذا رفعت رأسك فكبر\"، ولو ترك التحريمة يجوز عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز لأن هذا ركن من أركان الصلاة فلا يتأدى بدون التحريمة.\nقلت: وكذا اختلف في التشهد والسلام، فعند الحنفية لا تشهد في سجود التلاوة ولا تسليم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"معه\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٣٩).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٤٨).","vol":"6","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>(٣٣٥) بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَجَدَ</span>\n١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا إِسْمَاعِيلُ، نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عن رَجُلٍ،\n===\nقال الشوكاني (١): وقال بعض أصحاب الشافعي: بل يتشهد ويسلم كالصلاة، وقال بعض أصحابه: يسلم ولا يتشهد إذ لا دليل.\n\n(٣٣٥) (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَجَدَ)\nأي: ما يقول في سجدة التلاوة؟\n١٤١٤ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل، نا خالد الحذاء، عن رجل) زيادة \"عن رجل\" مختص بأبي داود والبيهقي، وقد أخرج الحاكم والترمذي والنسائي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد، عن أبي العالية، وأخرج الدارقطني من طريق سفيان بن حبيب، عن خالد الحذاء، عن أبي العالية، ولم يذكروا بين خالد وأبي العالية رجلًا كما ذكره أبو داود، وزاد الحاكم: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال في \"تلخيصه\": خالد بن عبد الله ووهيب وعبد الوهاب الثقفي عن الحذاء، عن أبي العالية، عن عائشة، ثم قال: زاد الثقفي: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ على شرطهما، وهذا يدل أن لا واسطة بين خالد وأبي العالية.\nولكن يشكل هذا بما حكى الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في \"كتاب العلل\" عن أبيه: لم يسمع خالد الحذاء من أبي عثمان النهدي شيئًا، وقال أحمد أيضًا: لم يسمع من أبي العالية، وذكر ابن خزيمة ما يوافق ذلك ويشهد له، فإن هذا الكلام يدل على أن بينهما واسطة، وكذا يشكل ما حكم الحاكم بأنه صحيح على شرط الشيخين، فإن الانقطاع في السند مانع عن الحكم بالصحة للحديث.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٣٩).\n(٢) (٣/ ١٢١ - ١٢٢).","vol":"6","page":83},{"text":"عن أَبِي الْعَالِيَةِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ في سُجُودِ الْقُرْاَنِ بِاللَّيْلِ، يَقُولُ في السَّجْدَةِ مِرَارًا: \"سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ\". [ن ١١٢٩، ت ٥٨٠، حم ٦/ ٣٠، ك ١/ ٢٢٠، ق ٢/ ٣٢٥]\n\n(٣٣٦) بابٌ: فِيمَنْ يَقْرَأُ (١) السَّجْدَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ\n١٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْعَطَّارُ،\n===\n(عن أبي العالية، عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- يقول في سجود القرآن بالليل، يقول في السجدة مرارًا)، قوله: يقول في السجدة مرارًا، زاده أبو داود في روايته، والبيهقي في روايته عن أبي داود، ولم يذكره غيرهما، والظاهر أنه مكرر.\n(سجد وجهي للذي خلقه) وفي نسخة بعد قوله: خلقه \"وصوره\"، وقال الشوكاني: وزاد البيهقي \"وصوره\" بعد قوله: \"خلقه\" (وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)، قال الشوكاني (٢): أخرجه أيضًا الدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن السكن، وقال في آخره: ثلاثًا، وزاد الحاكم: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>(٣٣٦) (بابٌ: فِيمَنْ يَقْرَأُ السَّجْدة بَعْدَ الصُّبْح)</span>\nأي: بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس هل يسجد أم لا؟\n١٤١٥ - (حدثنا عبد الله بن الصباح العطار) هو عبد الله بن الصباح بن عبد الله الهاشمي، العطار، البصري، المربدي بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة ومهملة، مولى بني هاشم، ثقة، من كبار العاشرة.\n_________\n(١) في نسخة: \"قرأ\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٤٠).","vol":"6","page":84},{"text":"نَا أَبُو بَحْرٍ، نَا ثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ، نَا أَبُو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيُّ قَالَ: \"لَمَّا بَعَثْنَا الرَّكْبَ (١) - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي إِلَى الْمَدِينَةِ-\n===\n(نا أبو بحر) وهو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي، أبو بحر البكراوي البصري، اختلفوا فيه، قال ابن الجارود في \"الضعفاء\": قال البخاري: لم يتبين لي طرحه، ووثقه العجلي، وقال إسماعيل بن إسحاق، عن علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه، وحدث عنه، كذا قال الحافظ في \"تهذيبه\"، ولكن في \"الميزان\": ولا حدث عنه بشيء، وروى عباس عن يحيى بن معين أنه ضعيف، وكذا ضعفه النسائي، وقال أحمد: طرح الناس حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بشيء، يكتب حديثه، ولا يحتج به.\n(نا ثابت بن عمارة) الحنفي، أبو مالك البصري، قال ابن معين: ثقة، وقال الدارقطني في \"الجرح والتعديل\": ثقة، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس عندي بالمتين.\n(نا أبو تميمة) مكبر (الهجيمي) اسمه طريف بن مجالد، ثقة (قال) أبو تميمة: (لما بعثنا) بصيغة المجهول (الركب) منصوب بنزع الخافض، وهو في، أي بعثنا في الركب، أو بصيغة المعلوم والركب مفعول به، أي بعث قومنا الركب.\n(قال أبو داود: يعني) أي يريد أبو تميمة بقوله: بعثنا أي بعثنا (إلى المدينة)، وهذا الكلام أي من قوله: \"قال: لما بعثنا\" إلى قوله: \"إلى المدينة\" لم يذكره البيهقي في \"سننه\" فيما أخرجه بسنده عن أبي داود بهذا السند، ولفظه: \"ثنا أبو تميمة الهجيمي قال: كنت أقص بعد صلاة الصبح فأسجد\" الحديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"الراكب\".","vol":"6","page":85},{"text":"قَالَ: كُنْتُ أَقُصُّ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَأَسْجُدُ (١)، فَنَهَانِي ابْنُ عُمَرَ، فَلَمْ أَنْتَهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٢)، ثُمّ عَادَ فَقَالَ: إِنِّي صليتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ يَسْجُدُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ\". [حم ٢/ ٢٤، ق ٢/ ٣٢٦]\n===\n(قال) أبو تميمة: (كنت أقص) أي أذكر الناس (بعد صلاة الصبح) فأقرأ فيه آية السجدة (فأسجد) لها قبل طلوع الشمس (فنهاني ابن عمر، فلم أنته ثلاث مرات) أي نهاني ثلاث مرات (ثم عاد) في الرابعة (فقال) ابن عمر: (إني صليت) أي صلاة الصبح (خلف رسول الله -ﷺ- ومع أبي بكر وعمر وعثمان) فكانوا إذا قرؤوا آية السجدة بعدها (فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس).\nقال البيهقي (٣): وهذا إن ثبت مرفوعًا فنختار له تأخير السجدة حتى يذهب وقت الكراهة، وإن لم يثبت رفعه فكأنه قاسها على صلاة التطوع، ونستدل إن شاء الله على تخصيص ما له سبب عن النهي المطلق، ويذكر عن عطاء وسالم وقاسم وعكرمة أنهم رخصوا في السجود بعد الصبح وبعد العصر، وثابت عن كعب بن مالك أنه سجد للشكر حين سمع البشرى بالتوبة، وكان ذلك في زمان النبي -ﷺ-، انتهى.\nومذهب الحنفية في ذلك أيضًا أنه لا يكره سجدة التلاوة بعد صلاة الفجر، والجواب عن هذا الحديث أنه ضعيف، لأن أبا بحر ضعيف.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فيها\".\n(٢) في نسخة: \"مرار\".\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٢٦).","vol":"6","page":86},{"text":"بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>(٣٣٧) بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوِتْرِ</span>\n===\n\n(بَابُ تَفرِيعِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ) (١)\n(٣٣٧) (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوِتْرِ)\nبكسر واوه ويفتح، قال في \"غيث النفع\": قرأ الأخوان بكسر الواو، والباقون بالفتح لغتان كالحِبر والحَبر، والفتح لغة قريش ومن والاها، والكسر لغة تميم.\nواختلفوا في بيان صفة الوتر أنه واجب أم سنَّة، فعند أبي حنيفة فيه ثلاث روايات: روى حماد بن زيد عنه أنه فرض، وروى يوسف بن خالد السمتي أنه واجب، وروى نوح بن أبي مريم المروزي في \"الجامع\" عنه أنه سنَّة، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد والشافعي (٢) - ﵏-، وقالوا: إنه سنَّة مؤكدة آكد من سائر السنن المؤقتة.\nواحتجوا بما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم: الوتر، والضحى، والأضحى\" (٣)، وفي رواية: \"ثلاث كتبت علي وهي لكم سنَّة: الوتر، والضحى، والأضحى\".\nوعن عبادة بن الصامت عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إن الله كتب عليكم\n_________\n(١) قال ابن العربي (٣/ ٢٤٢): ذكر الترمذي أبواب الوتر أربعة عشر، قلت: وفي \"الأوجز\" (٢/ ٥٧٢) فيها ست عشرة مسألة خلافية، بسط البحث في هذا الباب مولانا السيد مهدي حسن المفتي الأعظم بدار العلوم ديوبند في \"الإسعاف في رد أقوال صاحب الإنصاف\". (ش).\n(٢) وبه قال مالك وأحمد كما في \"المغني\" (٢/ ٥٤٢). (ش).\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٣١)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٠)، والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ٤٦٨).","vol":"6","page":87},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي كل يوم وليلة خمس صلوات\" (١)، وقال - ﷺ - في خطبة الوداع: \"صلوا خمسكم\".\nوكذا المروي في حديث معاذ أنه لما بعثه إلى اليمن قال له: \"أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة\" (٢).\nولو كان الوتر واجبًا لصار المفروض ست صلوات في كل يوم وليلة، ولأن زيادة الوتر على خمس المكتوبات نسخ لها، لأن الخمس قبل الزيادة كانت كل وظيفة اليوم والليلة، وبعد الزيادة تفسير بعض الوظيفة، فينسخ وصف الكلية بها، ولا يجوز نسخ الكتاب والمشاهير من الأحاديث بالآحاد.\nولأن علامات السنن فيها ظاهرة فإنها تؤدى تبعًا للعشاء، والفرض ما لا يكون تابعًا لفرض آخر، وليس لها وقت ولا أذان ولا إقامة ولا جماعة، ولفرائض الصلوات أوقات وأذان وإقامة وجماعة، ولذا يُقرأ في الثلاث كلها، وذا من أمارات السنن.\nولأبي حنيفة (٣) ما روى خارجة بن حذافة عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إن الله تعالى زادكم صلاة، ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٢٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٤٥٧٥)، وأحمد في \"المسند\" (٥/ ٣١٥ - ٣١٦)، وأبو داود في \"سننه\" (١٤٢٠)، والنسائي في \"سننه\" (٤٦١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢١٥).\n(٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٣٣)، والبخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩).\n(٣) واستدل في \"فيض الباري\" (٢/ ٣٦٥)، على وجوبه بأن لا دليل على نسخ المزمل أصلًا، لكن لما كانت دلالته على الوتر ظنية قلنا بوجوبه. (ش).\n(٤) أخرجه أبو داود (١٤١٨)، والترمذي (٤٥٢)، وابن ماجه (١١٦٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٧٨).","vol":"6","page":88},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالاستدلال به من وجهين:\nأحدهما: أنه أمر بها، ومطلق الأمر للوجوب.\nوالثاني: أنه سماها زيادة، والزيادة على الشيء لا تتصور إلَّا من جنسه، فأما إذا كان غيره فإنه يكون قِرانًا لا زيادة، ولأن الزيادة إنما تتصور على المقدَّر وهو الفرض، فأما النفل فليس بمقدر فلا تتحقق الزيادة عليه.\nولا يقال: إنها زيادة على الفرض، لكن في الفعل لا في الوجوب، لأنهم كانوا يفعلونها قبل ذلك، ألا ترى أنه قال: \"ألا وهي الوتر\" ذكرها مُعَرَّفَةً بحرف التعريف، ومثل هذا التعريف لا يحصل إلَّا بالعهد، ولذا لم يستفسروها، ولو لم يكن فعلها معهودًا لاستفسروا، فدل أن ذلك في الوجوب لا في الفعل.\nولا يقال: إنها زيادة على السنن لأنها كانت تؤدى قبل ذلك بطريق السنَّة، وروي عن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أوتروا يا أهل القرآن، فمن لم يوتر فليس منا\"، ومطلق الأمر للوجوب، وكذا التوعد على الترك دليل الوجوب، وروى أبو بكر أحمد بن علي الرازي بإسناده عن أبي سليمان بن أبي بردة عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"الوتر حق واجب، فمن لم يوتر فليس منا\"، وهذا نص في الباب.\nوعن الحسن البصري أنه قال: أجمع المسلمون على أن الوتر حق واجب، وكذا حكى الطحاوي فيه إجماع السلف ومثلهما لا يكذب، ولأنه إذا فات عن وقته يقضى عندهما، وهو أحد قولي الشافعي، ووجوب القضاء عن الفوات لا عن عذر يدلس على وجوب الأداء، ولذا لا يؤدى على الراحلة بالإجماع عند القدرة على النزول، وبعينه ورد الحديث، وذا من أمارات الوجوب والفرضية، ولأنها مقدرة بالثلاث، والتنفل بالثلاث ليس بمشروع.","vol":"6","page":89},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما الأحاديث، أما الأول ففيه نفي الفرضية دون الوجوب، لأن الكتابة عبارة عن الفرضية، ونحن به نقول: إنها ليست بفرض ولكنها واجبة، وهي آخر أقوال أبي حنيفة - ﵀ -، والرواية الأخرى محمولة على ما قبل الوجوب، ولا حجة لهم في الأحاديث الآخر، لأنها تدل على فرضية الخمس.\nوالوتر عندنا ليست بفرض بل هي واجبة، وإذا لم يكن فرضًا لم تصر الفرائض الخمس ستًا بزيادة الوتر عليها، وبه تبين أن زيادة الوتر على الخمس ليس نسخًا لها، لأنها بقيت بعد الزيادة كلُّ وظيفة اليوم والليلة فرضًا، أما قولهم: إنه لا وقت لها، فليس كذلك، بل لها وقت، وهو وقت العشاء، إلَّا أن تقديم العشاء عليها شرط عند التذكر، وذا لا يدل على التبعية، كتقديم كل فرض على ما يعقبه من الفرائض، ولهذا اختص بوقت استحسانًا، فإن تأخيرها إلى آخر الليل مستحب، وتأخير العشاء إلى آخر الليل يكره أشد الكراهة، وذا أمارة الأصالة إذ لو كانت متابعة للعشاء لتبعته في الكراهة والاستحباب جميعًا.\nوأما الجماعة والأذان والإقامة فلأنها من شعار الإِسلام، فتختص بالفرائض المطلقة. ولهذا لا مدخل لها في صلاة النساء (١) وصلاة العيدين والكسوف، وأما القراءة في الركعات كلها، فلضرب احتياط عند تباعد الأدلة عن إدخالها تحت الفرائض المطلقة على ما نذكر، \"بدائع\" (٢).\nثم اختلفوا في عدد ركعاتها، فقال قوم: الوتر ركعة من آخر الليل، وقال بعضهم: الوتر ثلاث ركعات يسلم في الاثنين منهن وفي آخرهن، وقال بعضهم: الوتر ثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن، وقال بعضهم:\n_________\n(١) كذا في المطبوع، والظاهر صلاة الجنازة. انظر: \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦٠٩).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦٠٦ - ٦٠٩).","vol":"6","page":90},{"text":"١٤١٦ - حدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا عِيسَى، عن زكرِيَّا، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن عَاصِمٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: \"يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ\n===\nالمصلي بالخيار إن شاء أوتر بركعة، وإن شاء أوتر بثلاث، وإن شاء أوتر بخمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة، وقد أطال الطحاوي فيه البحث في \"شرح معاني الآثار\" (١)، والشيخ النيموي أورد بحثه في \"آثار السنن\" (٢)، فأوجز وأبلغ وأجاد وأحسن، جزاهم الله تعالى خير الجزاء.\nوقال الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (٣): اختلف فيه في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة، قاله ابن التين، وزاد غيره: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل يسن ركعتان بعده، وفي صلاته عن قعود، لكن هذا الأخير يبني على كونه مندوبًا أم لا، واختلف في أول وقته أيضًا، وفي أنه أفضل صلاة التطوع، أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر، انتهى.\n١٤١٦ - (حدثنا إبراهيم بن موسى) الملقب بالصغير، (أنا عيسى) أي ابن يونس، (عن زكريا) أي ابن أبي زائدة، (عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن عاصم) بن ضمرة، (عن علي) بن أبي طالب - ﵁ - (قال: قال رسول الله -ﷺ-: يا أهل القرآن) قال القاري (٤): أي أيها المؤمنون به، فإن الأهلية عامة شاملة لمن آمن به سواء قرأ أو لم يقرأ، وإن الأكمل منهم من قرأ وحفظ وعلم وعمل ممن تولى قيام تلاوته وأحكامه.\n_________\n(١) (١/ ٢٧٧ - ٢٩٦).\n(٢) (٢/ ٣ - ١٤).\n(٣) (١/ ٢٥٢).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٣٩).","vol":"6","page":91},{"text":"أَوترُوا، فَإِنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ\". [ت ٤٥٣، جه ١١٦٩، ن ١٦٧٥، دي ١٥٧٩، حم ١/ ٨٦، خزيمة ١٠٦٧، ق ٢/ ٤٦٨، ك ١/ ٣٠٠]\n١٤١٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو حَفْصٍ الأبَّارُ، عن الأَعْمَشِ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، عن عَبْدِ اللهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ. زَادَ: \"فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: لَيْسَ لَكَ وَلَا لأَصْحَابِكَ\". [جه ١١٧٠، ق ٢/ ٤٦٨]\n===\n(أوتروا) أي صلوا الوتر (فإن الله وتر) قال الطيبي (١): أي واحد في ذاته لا يقبل الانقسام، وواحد في صفاته فلا شبه له، ولا مثل له، وواحد في أفعاله فلا شريك له ولا معين (يحب الوتر) أي يثيب عليه ويقبله من عامله.\n١٤١٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو حفص الأبار) بفتح الألف وتشديد الباء المنقوطة بواحدة، وفي آخرها الراء، هذه النسبة إلى عمل الإبر، وهي جمع إبرة التي يخاط بها الثياب، هو عمر بن عبد الرحمن بن قيس الكوفي الحافظ، أبو حفص الأبار، نزيل بغداد، وثقه ابن معين وابن سعد والدارقطني، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: صدوق.\n(عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبو عبيدة، عن عبد الله، عن النبي -ﷺ- بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (زاد) أي إبراهيم (٢) بن موسى: (فقال أعرابي) حين حدث عبد الله بن مسعود بهذا الحديث (ما تقول؟) وفي رواية ابن ماجه: فقال أعرابي: ما يقول رسول الله -ﷺ-؟ (قال) أي عبد الله في جواب الأعرابي: أليس لك ولا لأصحابك) أي هذا الحكم ليس لك.\nقال في \"إنجاح الحاجة\": أشار عبد الله إلى أن الأعراب ليست بداخلة في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٥٠).\n(٢) الظاهر أنه تصحيف من الناسخ لسبقة القلم، فإن إبراهيم من رواة الحديث الأول، فالصواب في هذا الحديث عثمان بن أبي شيبة، فتأمل. (ش).","vol":"6","page":92},{"text":"١٤١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْنَى قَالَا: نَا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ الزَّوْفِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ الزَّوْفِيِّ، عن خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ،\n===\nأمر هذا الحديث، لأن أكثرهم جفاة غلاظ لا يتعلمون القرآن، فكأن عند عبد الله سنية الوتر لأصحاب القرآن للذين يتلونه آناء الليل وهم يسجدون، وعند الجمهور من آمن بالقرآن فهو من أهله، فدخل جميع المسلمين في الخطاب.\n١٤١٨ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هو هشام بن عبد الملك، (وقتيبة بن سعيد المعنى) أي معنى حديثيهما واحد (قالا: نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزوفي) بفتح الزاي وسكون الواو وفي آخرها فاء، والنسبة إلى زوف، وهو بطن من مراد، أبو الضحاك المصري، وليس له حديث إلَّا في الوتر، ولا يعرف سماعه من أبي مرة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال: يروي عن عبد الله بن أبي مرة إن كان سمع منه، فمن اعتمده فقد اعتمد إسنادًا مشوشًا، وقال في \"الميزان\" (١): ولا هو بالمعروف.\n(عن عبد الله بن أبي مرة) ويقال: مرة (الزوفي) شهد فتح مصر، وروى عن خارجة بن حذافة العدوي حديث الوتر، وعنه عبد الله بن راشد الزوفي، قال البخاري: لا يعرف إلا بحديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، فقال: إسناد منقطع، ومتن باطل، قلت: وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال الخطيب: ابن أبي مرة وهو المشهور، وكان بكر بن بكار يقول: ابن مرة.\n(عن خارجة بن حذافة) بمضمومة وخفة معجمة وفاء، ابن غانم القرشي العدوي بعين ودال مفتوحتين، صحابي، سكن مصر، له حديث واحد في الوتر، روى عنه عبد الله بن أبي مرة وعبد الرحمن بن جبير، قال البخاري: لا يعرف سماع بعضهم من بعض، قلت: وقال ابن يونس في \"تاريخ مصر\": واختطَّ بها،\n_________\n(١) (٢/ ٤٢٠).","vol":"6","page":93},{"text":"- قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: الْعَدَوِيِّ - قَالَ: \"خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"إِنَّ الله تَعَالَى قَدْ أَمَدَّكُمْ (١) بِصَلَاةٍ وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ\". [ت ٤٥٢، جه ١١٦٨، دي ١٥٧٦، ك ١/ ٣٠٦، ق ٢/ ٤٧٨]\n===\nوكان أمير ربع المدد الذين أمد بهم عمر بن الخطاب عمرو بن العاص، وكان على شرطة مصر في إمرة عمرو بن العاص لمعاوية.\nوقال ابن حبان في \"الثقات\": يروي عن النبي - ﷺ - في الوتر، والإسناد مظلم، وقال ابن عبد البر: قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين انتدبوا لقتل علي ومعاوية وعمرو، فأراد الخارجي قتل عمرو فقتل خارجة، وذلك أنه استخلفه ذلك اليوم لصلاة الصبح، فلما قتله أخذ وأدخل على عمرو، فقال الخارجي: أردت عمرًا وأراد الله خارجة.\n(قال أبو الوليد) أي شيخ المصنف في حديثه: (العدوي) أي زاد بعد قوله: عن خارجة بن حذافة، لفظ العدوي، فهو صفة لخارجة، ولم يذكره قتيبة بن سعد.\n(قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ- فقال: إن الله تعالى قد أمدكم) أي زادكم (بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها) أي صلاة الوتر (لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر).\nقال الحافظ في \"الدراية\" (٢): أخرجه الأربعة إلَّا النسائي من حديث خارجة بن حذافة، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\"، قلت: والذهبي في \"تلخيصه\" فصحَّحاه، وأخرجه أحمد والدارقطني والطبراني وابن عدي في ترجمة عبد الله بن أبي مرة، ونقل عن البخاري: لا يعرف سماع بعضهم من بعض، وغلط ابن الجوزي فضعفه بعبد الله بن راشد عن الدارقطني، وإنما ضعف\n_________\n(١) في نسخة: \"أمركم\".\n(٢) (١/ ١٨٨).","vol":"6","page":94},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالدارقطني عبد الله بن راشد البصري، وأما هذا فهو مصري زوج صرح بنسبته النسائي في \"الكنى\".\nوأخرج إسحاق والطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد، عن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر، عن رسول الله -ﷺ-: \"إن الله زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم الوتر، وهي لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر\"، هكذا قال قرة بن عبد الرحمن عن يزيد، وخالفه الليث وابن إسحاق فقالا: عن يزيد، عن عبد الله بن راشد، عن عبد الله بن أبي مرة، عن خارجة بن حذافة، وهو المحفوظ، وقد رواه ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي تميم، عن عمرو بن العاص، عن أبي بصرة، أخرجه الحاكم، ولم يتفرد به ابن لهيعة، بل أخرجه أحمد والطبراني من وجهين جيدين عن ابن هبيرة.\nوفي الباب عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ- مستبشرًا فقال: \"إن الله قد زاد لكم صلاة وهي الوتر\" (١)، أخرجه الدارقطني والطبراني وفيه النضر أبو عمر ضعيف، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه، أخرجه الدارقطني وفيه العرزمي وهو ضعيف، وعن ابن عمر نحوه، أخرجه الدارقطني في \"الغرائب\" وفيه حميد بن أبي الجون وهو ضعيف، وعن أبي سعيد رفعه: \"إن الله ﷿ زادكم صلاة وهي الوتر\"، أخرجه الطبراني في \"مسند الشاميين\" بإسناد حسن.\nقال البزار: أحاديث هذا الباب معلولة، وقال غيره: ليس في قوله: \"زادكم\" دلالة على وجوب الوتر، لأنه لا يلزم أن يكون المراد من جنس المزيد عليه، فقد روى محمد بن نصر المروزي في \"الصلاة\" من حديث أبي سعيد رفعه: \"إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم، ألا وهي\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني) (٢/ ٣)، والطبراني في \"الكبير\" (١١٦٥٢).","vol":"6","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>(٣٣٨) بابٌ: فِيمَنْ لَمْ يُوتِرْ</span>\n١٤١٩ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالْقَانِيُّ،\n===\nالركعتان قبل الفجر\" وأخرجه البيهقي، ونقل ابن خزيمة أنه قال: لو أمكنني لرحلت في هذا الحديث، انتهى.\nقلت: وقد ذكر ابن الهمام في \"فتح القدير على الهداية\" (٢) هذا الإشكال ثم قال: فالأولى التمسك فيها بما في أبي داود، عن أبي المنيب عبيد الله العتكي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني\"، ورواه الحاكم وصححه، وقال: أبو المنيب ثقة، ووثقه ابن معين أيضًا، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في \"الضعفاء\"، وتكلم فيه النسائي وابن حبان، وقال ابن عدي: لا بأس به، فالحديث حسن، انتهى.\nوقال الترمذي (٣) بعد تخريج حديث خارجة: وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وبريدة، وأبي بصرة صاحب النبي -ﷺ-، قال أبو عيسى: حديث خارجة بن حذافة حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث فقال: عبد الله بن راشد الزرقي وهو وهم، انتهى.\n\n(٣٣٨) (بابٌ: فِيمَنْ لَمْ يُوترْ)\nأي: في وعيد من لم يوتر\n١٤١٩ - (حدثنا ابن المثنى، نا أبو إسحاق الطالقاني) هو إبراهيم بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٢) (١/ ٤٢٤).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣١٤).","vol":"6","page":96},{"text":"نَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْس مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوْتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوْتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا\". [حم ٥/ ٣٥٧، ك ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦، ق ٢/ ٤٧٠]\n===\nإسحاق بن عيسى البناني - بضم الموحدة وتخفيف النون - مولاهم، أبو إسحاق، نزيل مرو، وربما نسب إلى جده، قال ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، يقول بالإرجاء، وقال ابن حبان في \"الثقات\": يخطئ ويخالف.\n(نا الفضل بن موسى، عن عبيد الله بن عبد الله العتكي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا).\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (١): ورواه الحاكم في \"المستدرك\" (٢) وصححه، وقال: أبو المنيب ثقة، ووثقه ابن معين أيضًا، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في \"الضعفاء\"، وتكلم فيه النسائي وابن حبان والعقيلي، وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به، انتهى.\nوقال في \"الدراية\" (٣): وعن أبي هريرة رفعه: \"من لم يوتر فليس منا\"، أخرجه أحمد، وإسناده ضعيف.\nو[عن] عبد الله بن مسعود رفعه: \"الوتر واجب على كل مسلم\"، أخرجه البزار، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف، وقد ذكر البزار أنه تفرد به.\n_________\n(١) (٢/ ١١٢).\n(٢) (١/ ٣٠٥).\n(٣) (١/ ١٨٩).","vol":"6","page":97},{"text":"١٤٢٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ: \"أنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُدْعَى أَبَا مُحَمَّدٍ\n===\n١٤٢٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز) عبد الله: (أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي) قال الزرقاني (١): بميم مضمومة وفتح الدال المهملة وكسرها بعدها جيم فتحتية آخره، منسوب إلى مخدج بن الحارث، كذا في الترتيب (٢)، وقال ابن عبد البر (٣): لقب وليس بنسب في شيء من قبائل العرب، قال: وهو مجهول لا يعرف بغير هذا الحديث. وقيل: اسمه رفيع، انتهى.\nوقال في \"الميزان\" (٤): المخدجي عن عبادة في الوتر لا يعرف، وقال السيوطي في \"إسعاف المبطَّأ\": قال ابن عبد البر: وهو مجهول وصحح حديثه، قال في \"القاموس\": مخدج بن الحارث أبو بطن، منهم رفيع المخدجي.\n(سمع رجلًا بالشام يدعى أبا محمد) قال الزرقاني (٥): الأنصاري صحابي، قال في \"الإصابة\": قيل: اسمه مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم، وقيل: مسعود بن زيد بن سبع، وقيل: اسمه قيس بن عامر بن الحارث الخولاني حليف بني حارثة من الأوس، وقيل: مسعود بن يزيد، عداده في الشاميين، وسكن داريا. وقيل: اسمه سعد بن أوس، وقيل: قيس بن عباية، قال ابن يونس: شهد فتح مصر، وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر، وزعم الكلبي أنه شهد بدرًا، ثم شهد مع علي صفين.\n_________\n(١) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٥٤).\n(٢) كذا في جميع نسخ الزرقاني. (ش).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" (٥/ ٢٦٢).\n(٤) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٦٠٠).\n(٥) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٥٥).","vol":"6","page":98},{"text":"يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ. قَالَ الْمُخْدَجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: \"خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ\n===\n(يقول: إن الوتر واجب) قال الزرقاني: وبه قال ابن المسيب وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود والضحاك، رواه ابن أبي شيبة عنهم، وأخرج عن مجاهد: \"الوتر واجب ولم يكتب\"، ونقله ابن العربي عن أصبغ وسحنون وكأنهما أخذاه من قول مالك: من تَرَكه أُدِّب، وكان جرحة في شهادته، كذا في \"الفتح\" (١)، وقال ابن زرقون: قال سحنون: يجرح تارك الوتر، وقال أصبغ: يؤدب تاركه فجعلاه واجبًا.\n(قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت، فأخبرته، فقال عبادة: كذب أبو محمد)\nقال الزرقاني (٢): قال الباجي: أي وهم وغلط، والكذب ثلاثة أوجه: أحدها على وجه السهو فيما خفي عليه ولا إثم فيه، والثاني أن يعمده فيما لا يحل فيه الصدق كأن يسأل عن رجل يراد قتله ظلمًا، فيجب الكذب ولا يخبر بموضعه، والثالث يأثم فيه صاحبه وهو قصد الكذب فيما يحرم فيه قصده.\n(سمعت رسول الله يقول: خمس صلوات كتبهن) أي فرضهن (الله على العباد) فأفاد أنه لم يكتب غيرهن ومنه الوتر (فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن)، قال الباجي (٣): احترازًا من السهو والنسيان الذي لا يمكن لأحد الاحتراز منه إلَّا من خصه الله تعالى بالعصمة، وقال ابن عبد البر: ذهبت طائفة إلى أن التضييع اليسار إليه هنا أن لا يقيم حدودها من مراعاة وقت\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨٩).\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٥٥).\n(٣) \"المنتقى\" (٢/ ١٧٣)، و\"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٥٥).","vol":"6","page":99},{"text":"كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يأتِ بِهِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ\". [ن ٤٦١، جه ١٤٠١، حم ٥/ ٣١٧، وانظر الحديث رقم ٤٢٥]\n===\nوطهارة وإتمام ركوع وسجود ونحو ذلك، وهو مع ذلك يصليها، انتهى. ويؤيده رواية الترمذي وأبي داود من وجه آخر، عن عبادة عنه - ﷺ -: \"خمس صلوات افترضهن الله\" الحديث.\n(كان له عند الله عهد أن يدخله) الله (الجنة) مع السابقين أو من غير تقدم عذاب (ومن لم يأت بهن) على الوجه المطلوب شرعًا (فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه) عدلًا (وإن شاء أدخله الجنة) برحمته فضلًا.\nوقد أخرج الحديث أحمد والنسائي وابن ماجه من طريق مالك، وصححه ابن حبان والحاكم وابن عبد البر، وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود والترمذي والنسائي والبيهقي، وله شاهد عند محمد بن نصر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، ووجه استدلال عبادة بهذا على أن الوتر ليس بواجب جعله العهد لمن جاء بهن، فيفيد دخولها وإن لم يجئ بغيرهن ومنه الوتر، قاله الزرقاني (١).\nقلت: والجواب عنه أنه لا حجة لهم في الحديث لأنها تدل على فرضية الخمس، والوتر عند أبي حنيفة ليست بفرض بل هي واجبة، والفرق بين الواجب والفرض، كفرق ما بين السماء والأرض على أنه ورد في الحديث مثل هذا كثيرًا، مثلًا قال رسول الله - ﷺ -: \"من قال: لا إله إلَّا الله دخل الجنة\"، وهذا وعد لمن قال تلك الكلمة وإن لم يجئ بغيرها، فيفيد دخولها لمن اكتفى على ذلك، ومع هذا لا يستدل به على عدم فرضية الفرائض من الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).","vol":"6","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>(٣٣٩) بَابٌ: كمِ الْوِتْرُ</span>؟\n١٤٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ\n===\n\n(٣٣٩) (بابٌ: كَمِ الوِتْرُ؟) (١)\n١٤٢١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام) بن يحيى العوذي، (عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر: أن رجلًا من أهل البادية) قال الزرقاني (٢): لم أقف على اسمه، وللطبراني في \"الصغير\" أنه ابن عمر، لكن يعكر عليه رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر عند مسلم (٣): أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - وأنا بينه وبين السائل، الحديث، وفيه: ثم سأله رجل على رأس الحول وأنا بذلك المكان منه، فما أدري أهو ذلك الرجل أو غيره، وللنسائي (٤) من هذا الوجه: أن السائل من أهل البادية، ولمحمد بن نصر في \"كتاب أحكام الوتر\" من رواية عطية عن ابن عمر: أن أعرابيًا سأل، فيحتمل أن يجمع بتعدد من سأل.\n_________\n(١) وهو نوعان عند الشافعية، الموصول: وهو أن لا يتشهد إلا في الآخرة، وفي قبلها، جزم به صاحب \"الروضة\"، والمفصول: أن يتشهد على كل ركعتين وإن لم يسلم، وقريب منه في \"الروض المربع\" (ص ١٠٢)، وفي \"شرح الإقناع\" (١/ ٤١٦): لمن زاد على ركعة الفصل بالسلام أفضل من الوصل بتشهد أو بتشهدين، ولا تصح الزيادة على إحدى عشرة ركعة كسائر الرواتب، وقال مالك بواحدة، واختار في الصيام بثلاث، وبه قلنا، وأجمع عليه السلف، كذا في \"الأوجز\" (٢/ ٦١٩)، وحاصل ما في \"المغني\" (٢/ ٥٧٨)، أن مختار أحمد الوتر بركعة، فإن أوتر بثلاث فالأولى الفصل، ويجوز الوصل، وإن أوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن، وإن أوتر بسبع أو تسع لا يجلس إلا في السادسة والثامنة، ولا يسلم إلا في آخرهن، وإن أوتر بإحدى عشرة ركعة يسلم عند كل ركعتين، وفي \"الروض المربع\" (ص ١٠٢): له أن يسرد عشرًا فيجلس بعدها ويسلم على إحدى عشرة. (ش).\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٥٣).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٤٨/ ٨٤٩).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٦٩١).","vol":"6","page":101},{"text":"سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ بِأُصْبَعَيْهِ هَكَذَا: مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ\". [م ٧٤٩، ن ١٦٩١، حم ٢/ ٤٠، جه ١١٧٤، ق ٣/ ٢٢]\n١٤٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا قُرَيْشُ بْنُ حَيَّانَ الْعِجْلِيُّ، نَا بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عن أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْوِتْرُ حَقٌّ\n===\n(سأل النبي - ﷺ - عن صلاة الليل، فقال) أي أشار رسول الله -ﷺ- (بأصبعيه هكذا: مثنى مثنى) أي اثنين اثنين (والوتر ركعة من آخر الليل).\nقال الزرقاني (١): وفيه أن الوتر واحدة، وأنّ فصله أولى من وصله، ورُدّ بأنه ليس صريحًا لاحتمال أن معنى ركعة واحدة مضافة إلى ركعتين مما مضى، وبُعْده لا يخفى.\nقلت: ليس فيه بعد، لأن في رواية مالك وغيره وقع بعد قوله: صلَّى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلَّى، فهذا يدل على أن الركعة الواحدة مضافة إلى ما قبلها من الصلاة.\n١٤٢٢ - (حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، نا قريش بن حيان) بتحتانية (العجلي) أبو بكر البصري، وثقه ابن معين والنسائي والدارقطني، وقال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود حديث أبي أيوب في الوتر.\n(نا بكر بن وائل، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله -ﷺ-: الوتر حق)، قال الطيبي (٢): الحق يجيء بمعنى الثبوت والوجوب، فذهب أبو حنيفة إلى الثاني، والشافعي إلى الأول،\n_________\n(١) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٥٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٥٠)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٣٦).","vol":"6","page":102},{"text":"عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوْتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوْتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوْتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ\". [ن ١٧١١، جه ١١٩٠، دي ١٥٨٢، حم ٥/ ٤١٨]\n===\nأي ثابت في الشرع والسنَّة، وفيه نوع تأكيد (على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل) بأن يصلي ركعتين، ثم يصلي ثلاثًا، وهو مذهب أبي حنيفة، ولا يخالفه أحد، ويحتمل أن لا يجلس إلَّا في آخرهن وهو قول للشافعي.\n(ومن أحب أن يوتر بثلاث) أي بتسليمة كما عليه أئمتنا، ولا خلاف في جوازه عند الكل، وإنما الخلاف عندهم في التفضيل، قال النووي: والخلاف في التفضيل بين الوصل والفصل إنما هو في الثلاث، أما ما زاد عليها فالفصل فيه أفضل قطعًا (فليفعل) وهو بظاهره ينافي ما ذكره ابن حجر من أنه صح حديث: \"لا توتروا بثلاث، وأوتروا بخمس أو سبع، ولا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب\" (١)، فالجمع على تقدير صحته أن النهي للتنزيه على الاقتصار بثلاث المتضمن لترك صلاة الليل المقتضي للاكتفاء بمجرد الواجب كصلاة المغرب، والله أعلم.\n(ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)، قال النووي (٢): فيه دليل على أن أقل الوتر ركعة، وأن الركعة الواحدة صحيحة، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور (٣)، وقال أبو حنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة، والأحاديث الصحيحة ترد عليه.\nقلت: بل يرد هذا بما قال القاري في شرحه (٤) على \"المشكاة\" بأنه لا يوجد مع الخصم حديث يدل على ثبوت ركعة مفردة في حديث صحيح\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٧٧).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٧٥).\n(٣) به قال الأئمة الثلاثة كما في \"المغني\" (٢/ ٥٧٨)، قال ابن العربي (٢/ ٢٥٠): واختار سفيان الوتر بثلاث وهو قول مالك في الصيام. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٢٧).","vol":"6","page":103},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولا ضعيف، وقد ورد النهي عن البتيراء، ولو كان مرسلًا، إذ المرسل حجة عند الجمهور.\nقلت: حديث النهي عن البتيراء ذكره الزيلعي في \"نصب الراية\" (١) فقال: روى أبو عمر بن عبد البر في \"التمهيد\": حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، ثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج (٢)، ثنا أبي، ثنا الحسن بن سليمان قسطه (٣)، ثنا عثمان بن محمد بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمر بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد: أن رسول الله -ﷺ- نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها.\nوقد روى محمد بن الحسن في \"موطئه\" (٤) عن يعقوب بن إبراهيم، ثنا حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود أنه قال: ما أجزأت ركعة قط، انتهى.\nوروى الطبراني في \"معجمه\" حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا القاسم بن معن، ثنا حصين، عن إبراهيم قال: بلغ ابن مسعود أن سعدًا يوتر بركعة قال: ما أجزأت ركعة قط.\nقال القاري (٥): وهو موقوف في حكم المرفوع، وقولهم: صح أنه - ﷺ - اقتصر على الإيتار بواحدة، رده ابن الصلاح بأنه لم يحفظ ذلك، وقول\n_________\n(١) (٢/ ١٧٢).\n(٢) وفي الأصل: \"العرج\" وهو تحريف، والصواب: \"الفرج\" كما في \"نصب الراية\" (٢/ ١٧٢)، و\"التمهيد\" (١٣/ ٢٥٤).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"نصب الراية\" قبطية، وهو تصحيف. والصواب: قُبَّيْطَة، كما في \"التمهيد\" (١٣/ ٢٥٤)، وانظر: \"لسان الميزان\" (٢/ ٢١٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٥٠٨).\n(٤) \"موطأ محمد\" مع \"التعليق الممجد\" (٢/ ١٨).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٢٧).","vol":"6","page":104},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nابن حجر: إن هذا غفلة منه مجرد دعوى فلا تقبل، ولهذا قال جماعة من أصحاب الشافعي بكراهة الإيتار بركعة.\nوجواب ابن حجر أن مراده أنه يكره الاقتصار عليها لا أن فعلها لا ثواب عليه حجة عليه، إذ لو ثبت من فعله ﵊ الإيتار لا يحل لأحد أن يقول: يكره الاقتصار خصوصًا على مقتضى قاعدة الشافعية: أن المكروه ما ورد عنه نهي مقصود، فدل على أن النهي عن البتيراء صحيح، انتهى.\nقلت: ولحديث النهي عن البتيراء طريق آخر، قال النووي في \"الخلاصة\": حديث محمد بن كعب القرظي في النهي عن البتيراء مرسل وضعيف، انتهى.\nثم حديث الباب اختلف في رفعه ووقفه، قال الحافظ في \"التلخيص\" (١): صحح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في \"العلل\" والبيهقي وغير واحد وقفه، وهو الصواب، انتهى.\nوقال في \"بلوغ المرام\": ورجح النسائي وقفه، انتهى. وأما ما قاله الأمير اليماني في \"شرحه\" (٢): وله حكم الرفع إذ لا مسرح للاجتهاد فيه، أي في المقادير، ففيه نظر ظاهر، لأن ما روي عن النبي -ﷺ- من الأحاديث في الباب كفى به مسرحًا للاجتهاد في المقادير فيه، حكاه الشيخ النيموي في \"آثار السنن\" (٣).\nقلت: وهذا الحديث يدل على أن ما ورد من النهى عن الإيتار بثلاث، فهو إما منسوخ أو مؤول، وقد انعقد الإجماع على جواز الإيتار بثلاث ركعات.\n_________\n(١) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٣٦).\n(٢) \"سبل السلام شرح بلوغ المرام\" (١/ ٣٩٠).\n(٣) (٢/ ٧).","vol":"6","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>(٣٤٠) بَابُ مَا يُقْرَأُ في الْوِتْرِ</span>\n١٤٢٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ. (ح): وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ - وَهَذَا لَفْظُهُ-، عن الأَعْمَشِ، عن طَلْحَةَ وَزُبَيْدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرحمن بْنِ أَبْزَى، عن أَبِيهِ، عن أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُوْتِرُ: بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) وَ: اللهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ\". [ن ١٧٢٩، جه ١١٧١، حم ٥/ ١٢٣]\n===\n\n(٣٤٠) (بَابُ مَا يُقْرَأُ في الوِتْرِ)، أي: من القرآن\n١٤٢٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو حفص الأبار، ح: ونا إبراهيم بن موسى، أنا محمد بن أنس) القرشي، أبو أنس العدوي، مولى آل عمر بن الخطاب، كوفي، سكن الدينور، قال أبو حاتم: سمع منه إبراهيم بن موسى فقط، وهو صحيح الحديث، وقال أبو زرعة: ثقة، كان إبراهيم بن موسى يثني عليه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يغرب.\n(وهذا لفظه) أي لفظ محمد بن أنس، (عن الأعمش عن طلحة) بن مصرف (وزبيد) بن الحارث اليامي، (عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله -ﷺ- يوتر) أي يقرأ في الوتر في الركعة الأولى منها (بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) بعد الفاتحة (و) في الثانية منها ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أي قل يا أيها الكافرون كما في نسخة (و) في الركعة الثالثة (الله الواحد الصمد) أي سورة قل هو الله أحد، وذكر تسميتهما بمعنى أوائل السورة، وفي \"مسند أبي حنيفة\" (٢) بعد تخريج هذا الحديث مرسلًا: وفي الثانية قل للذين كفروا يعني قل يا أيها الكافرون، فهكذا في قراءة ابن مسعود، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"يا أيها الكافرون\".\n(٢) انظر: \"تنسيق النظام\" (ص ٩١).","vol":"6","page":106},{"text":"١٤٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، نَا خُصَيْفٌ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: بأَيِّ شَيءٍ كَانَ يُوْتِرُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قَالَ: وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ (١) هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالْمَعُوِّذَتَيْنِ\". [ت ٤٦٣، جه ١١٧٣، حم ٦/ ٢٢٧]\n===\nوهذا الحديث يدل على أنه - ﷺ - يوتر بثلاث ركعات بسلام واحد، لأنه وقع فيما أخرجه النسائي (٢) هذا الحديث من طريق قتادة عن عزرة أنه قال فيه: ولا يسلم إلَّا في آخرهن.\n١٤٢٤ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب، نا محمد بن سلمة، نا خصيف) بن عبد الرحمن، (عن عبد العزيز بن جريج قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء) أي بأي سور القرآن (كان يوتر رسول الله -ﷺ-، فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم (قال) عبد العزيز: (وفي الثالثة) أي الركعة الثالثة (بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين) (٣) زاد عبد العزيز في روايته عن عائشة: والمعوذتين، ولم يذكرهما عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي بن كعب، والمعوذتين بكسر الواو ويفتح.\nقال القاري (٤): إن أبا داود والنسائي وابن ماجه رووا الحديث عن أبي، ولم يذكر المعوذتين، فالاعتماد على حديث أبي أولى من الاعتماد على حديث عائشة، لأن عبد العزيز بن جريج على ما ذكره في \"التقريب\": فيه لين، وقال العجلي: لم يسمع عائشة، وأخطأ خصيف فصرح بسماعه عن عائشة،\n_________\n(١) في نسخة: \"قل هو الله\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (١٧٠١).\n(٣) وفي \"الدر المختار\" (٢/ ٤٤١): زيادة المعوذتين لم يخترها الجمهور، قال ابن عابدين: أنكرها الإِمام أحمد وابن معين، ولم يخترها أكثر أهل العلم، كما ذكره الترمذي. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٤١).","vol":"6","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>(٣٤١) بَابُ الْقُنُوتِ في الْوِتْرِ</span>\n١٤٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ قَالَا: نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عن أَبِي الْحَوْرَاءِ (١)\n===\nولأن ما ذكره خلاف المعتاد من فعله ﵊ من عدم تطويل الأخيرة على ما قبلها من الركعات.\n\n(٣٤١) (بَابُ الْقُنُوتِ في الوِتْرِ) (٢)\nقال في \"المجمع\" (٣): القنوت يرد بمعنى طاعة وخشوع وصلاة ودعاء وعبادة وقيام وطول قيام وسكوت، فيصرف كل منها إلى ما يحتمله لفظ الحديث، انتهى. قال القاري (٤): والظاهر أن المراد بالقنوت هنا الدعاء، وهو أحد معاني القنوت كما في \"النهاية\" وغيره، وكذا نقل الأبهري عن زين العرب.\n١٤٢٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن جواس الحنفي قالا: نا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي، (عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن بريد) بالباء الموحدة مصغرًا (ابن أبي مريم) مالك بن ربيعة السلولي بفتح المهملة وضم اللام، نسبة إلى بني سلول، البصري، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي الحوراء) في \"التقريب\" (٥): بالمهملتين، وفي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أبو الحوراء ربيعة بن شيبان\".\n(٢) وأجاد ابن القيم الكلام فيه في \"كتاب الصلاة\" له، وأثبت أن قنوت الصبح كان لِنَازِلَةٍ، وفيه أيضًا: لو زاد فيه حرفًا أو دعا بمثل: إنا نستعينك، أو: عذابك الجد، أو: نحفد، فإن كنت في الصلاة فاقطع الصلاة، انتهى. فتأمل، ورفع اليدين في قنوت الوتر كافتتاح الصلاة، وقيل كالداعي، كذا في \"الشامي\" (٢/ ٤٤٢). (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٢٩).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٥٦).\n(٥) (ص ٣٢٢).","vol":"6","page":108},{"text":"قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: \"عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ في الْوِتْرِ- قَالَ ابْنُ جَوَّاسٍ: في قُنُوتِ الْوِتْر-: \"اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ،\n===\n\"المغني\" (١): أبو الحوراء بمفتوحة وبراء ومد، وقال في \"القاموس\" في الحور: وأبو الحوراء راوي حديث القنوت فرد، فما في أكثر الكتب من الجوزاء بالجيم والزاي تصحيف من النساخ، هو ربيعة بن شيبان السعدي البصري، وفي نسخة: قال أبو داود: أبو الحوراء ربيعة بن شيبان، وثقه النسائي والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nوقد توقف ابن حزم في صحة حديثه عن الحسن في القنوت فقال: هذا الحديث وإن لم يكن مما يحتج فإنا لم نجد فيه عن النبي -ﷺ- غيره، والضعيف من الحديث أحب إلينا من الرأي كما قال أحمد بن حنبل.\n(قال: قال الحسن بن علي) بن أبي طالب (علمني رسول الله -ﷺ- كلمات) أي دعوات (أقولهن في الوتر، وقال ابن جواس: في قنوت الوتر) فزاد لفظ \"قنوت\"، ولم يقله قتيبة (اللهُمَّ اهدني) أي ثبتني على الهداية، أو زدني من أسباب الهداية إلى الوصول بأعلى مراتب النهاية (فيمن هديت) أي جملة من هديتهم. وقيل: لفظ \"في\" فيه وفيما بعده بمعنى مع.\n(وعافني) أي من أسوء الأدواء والأخلاق والأهواء (فيمن عافيت، وتولني) أي قول أمري ولا تكلني إلى نفسي (فيمن توليت، وبارك لي) أي أكثر الخيرَ لي (فيما أعطيت) أي فيما أعطيتني من العمر والمال والعلوم والأعمال، قال الطيبي (٢): لفظ \"في\" فيه ليست كما هي في السوابق، لأن معناها أوقع البركة فيما أعطيتني من خير الدارين.\n_________\n(١) (ص ٨٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٥٢)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٤٣).","vol":"6","page":109},{"text":"وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ (١)، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ\". [ت ٤٦٤، جه ١١٧٨، ن ١٧٤٥، حم ١/ ١٩٩، خزيمة ١٠٩٥، ق ٢/ ٢٥٩، ك ٣/ ١٧٢]\n===\n(وقني) أي احفظني (شر ما قضيت) أي ما قدرت لي من قضاء وقدر، فسلِّم لي العقل والدين (إنك) تعليل للسؤال (تقضي) أي تقدر أو تحكم بكل ما أردت (ولا يقضى عليك) فإنه لا معقب لحكمك ولا يجب عليك شيء (وإنه) الشأن (لا يَذِلُّ) بفتح فكسر أي لا يصير ذليلًا (من واليتَ) أي من تكون له مواليًا في الآخرة أو مطلقًا وإن ابتلي بما ابتلي به، وسلط عليه من أهانه وأذله باعتبار الظاهر، لأن ذلك غاية الرفعة والعزة عند الله وعند أوليائه، ومن ثم وقع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الامتحانات العجيبة ما هو مشهور، كقطع زكريا بالمنشار، وفي نسخة \"ولا يعز من عاديت\" في الآخرة أو مطلقًا. وإن أعطي من نعيم الدنيا وملكها ما أعطي، لكونه لم يمتثل أوامرك ولم يجتنب نواهيك.\n(تباركت) أي تكاثر خيرك في الدارين (ربنا) بالنصب أي يا ربنا (وتعاليت) أي ارتفع عظمتك وظهر قهرك وقدرتك على من في الكونين، أو ارتفعت عن مشابهة كل شيء، ورواه ابن أبي عاصم وزاد: \"نستغفرك ونتوب إليك\". وزاد النسائي في آخره: \"وصلى الله على النبي\".\nقال ابن الهمام (٢): في القنوت ثلاث خلافيات، إحداها: أنه إذا قنت في الوتر يقنت قبل الركوع أو بعده، والثانية: أن القنوت في الوتر في جميع السَّنةِ (٣)، أو في النصف الأخير من رمضان، والثالثة: هل يقنت في غير الوتر أو لا؟ .\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ولا يعز من عاديت\".\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٤٢٨).\n(٣) بالأول قال مالك والحنفية وبالثاني الشافعي وأحمد كما في \"المغني\" (٣/ ٥٨٠). (ش).","vol":"6","page":110},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nللشافعي ما رواه الحاكم عن الحسن بن علي وصححه قال: علمني رسول الله -ﷺ- كلمات أقولهن في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلَّا السجود، الحديث.\nولنا ما رواه النسائي وابن ماجه عن أبي بن كعب: أن رسول الله -ﷺ- كان يوتر فيقنت قبل الركوع، وأخرج الخطيب في \"كتاب القنوت\" عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قنت في الوتر قبل الركوع، وذكره ابن الجوزي في \"التحقيق\" وسكت عنه، وأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" عن ابن عباس قال: أوتر النبي -ﷺ- بثلاث فقنت منها قبل الركوع، وأخرج الطبراني في \"الأوسط\" عن ابن عمر: أن النبي -ﷺ- كان يوتر بثلاث ركعات، ويجعل القنوت قبل الركوع.\nوأما حديث أنس أنه ﵊ قنت بعد الركوع، فالمراد منه أن ذلك كان شهرًا فقط، ومما يحقق ذلك أن عمل الصحابة أو أكثرهم كان على وفق ما قلنا، قال ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة أن ابن مسعود وأصحاب النبي -ﷺ- كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع.\nقال القاري (١): والمتقرر (٢) عندهم لما أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (٣) عن خالد بن أبي عمران قال: بينما رسول الله - ﷺ - يدعو على مضر، إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت، فقال: \"يا محمد إن الله لم يبعثك سبابًا ولا لعانًا، إنما بعثك رحمة\"، ثم قرأ الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٤)،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٤٨).\n(٢) وبسطه في \"الأوجز\" (٢/ ٥٣٩) ولمالك ثلاث روايات: الأول: واسع سواء قنت أو لا، الثاني: كالشافعي، والثالث: المشهور أن لا قنوت في الوتر، والشافعي قال في النصف الأخير، وعندنا وأحمد في تمام السَّنَةِ، ولأحمد رواية أخرى مثل الشافعي. (ش).\n(٣) (ص ١٠٤).\n(٤) سورة آل عمران: الآية ١٢٨.","vol":"6","page":111},{"text":"١٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْر، نَا أَبُو إِسْحَاقَ بِإِسنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. قَالَ في آخِرِهِ قَالَ: هَذَا يَقُولُ في الْوِتْرِ في الْقُنُوِتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: \"أَقُولُهُنَّ في الْوِتْرِ\" [انظر سابقه]\n===\nثم علمه القنوت: \"اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك، إلى قوله: ملحق\".\nوأخرجه البيهقي (١) أيضًا بهذا اللفظ، عن معاوية بن صالح على ما ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" وفي \"الحصن\" بلفظ: \"اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، إلى قوله: ملحق\" بكسر الحاء ويفتح. رواه ابن أبي شيبة موقوفًا على ابن مسعود، وابن السني موقوفًا على ابن عمر، وفي رواية ابن السني زيادة البسملة قبل \"اللهم\" في الموضعين.\nوذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢) هذا الحديث من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة، وقال: ذكر ما وقع في سورة الخلع وسورة الحفد.\nومنها أخرج محمد بن نصر والطحاوي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين، اللَّهُمَّ إياك نعبد، واللَّهُمَّ إياك نستعين.\nومنها أخرج محمد بن نصر عن سفيان قال: كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين، وكذلك أخرج عن إبراهيم وعطاء وسعيد بن المسيب والحسن.\n١٤٢٦ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق بإسناده)، أي بإسناد حديث زهير (٣) المتقدم (ومعناه) أي ومعنى حديثه (قال) أي عبد الله بن محمد أو زهير (في آخره) أي في آخر الحديث بعد ختم القنوت (قال) زهير أو أبو الحوراء: (هذا) أي دعاء القنوت (يقول) الحسن بن علي (في الوتر في القنوت، ولم يذكر: أقولهن في الوتر).\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢١٠).\n(٢) (٨/ ٦٩٩).\n(٣) والصواب بدله \"أبي إسحاق\". (ش).","vol":"6","page":112},{"text":"أَبُو الْحَوْرَاء: رَبِيعَة بْن شَيْبَان.\n١٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامِ بْنِ عَمْرٍو الْفَزَارِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ،\n===\nغرض أبي داود بهذا الكلام بيان الفرق بين رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق، وبين رواية زهير بن حرب عن أبي إسحاق، بأن أبا الأحوص روى عن أبي إسحاق، فجعل قوله: \"أقولهن في الوتر\" من كلام الحسن ابن علي، وأما زهير فلم يجعله من كلام الحسن بن علي، ولم يذكره في خلال الحديث، بل ذكر في آخره بأن الحسن بن علي يدعو بهذا الدعاء في الوتر، فجعله من كلام أبي الحوراء.\nوقد أخرج البيهقي (١) من طريق عمرو بن مرزوق، ثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: علمني رسول الله -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديت\"، فذكر الحديث وفي آخره: يقولها في القنوت في الوتر.\n(أبو الحوراء: ربيعة بن شيبان).\n١٤٢٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة كما في نسخة، (عن هشام بن عمرو الفزاري) روى عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن علي في القول بعد الوتر، وعنه حماد بن سلمة، قال ابن معين: لم يروه غيره، وهو ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة شيخ قديم، وقال أبو داود: هو أقدم شيخ لحماد، وقال أبو طالب عن أحمد: من الثقات، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو محمد المدني، ولد في زمان النبي - ﷺ -، أمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وذكره ابن سعد فيمن أدرك النبي -ﷺ- ورآه ولم يحفظ عنه شيئًا، قال\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٩٨).","vol":"6","page":113},{"text":"عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ يَقُولُ في آخِرِ وِتْرِهِ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ،\n===\nالواقدي: أحسبه كان ابن عشر سنين حين قبض رسول الله -ﷺ-، وتوفي في خلافة معاوية، وكان ربيب عمر بن الخطاب في حجره، مات أبوه في طاعون عمواس، وقال الحاكم: هو صحابي، وكان فيمن أمرهم عثمان بنسخ المصاحف، من كبار ثقات التابعين.\n(عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله -ﷺ- كان يقول في آخر وتره) أي بعد السلام منه كما في رواية، قال ميرك: وفي إحدى روايات النسائي: كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوَّأ مضجعه، قاله القاري (١)، وكذا قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢)، فما قال السندي في حاشية النسائي: يحتمل أنه كان يقول في آخر القيام، فصار هو من القنوت كما هو مقتضى كلام المصنف، ويحتمل أنه كان يقول في قعود التشهد، وهو ظاهر اللفظ، ليس بموجه، كأنه لم يطلع على رواية النسائي التي فيها: كان يقول إذا فرغ من صلاته.\n(اللهُمَّ إني أعوذ برضاك) أي من جملة صفات جمالك (من سخطك) أي من بقية صفات جلالك (وبمعافاتك) أي من أفعال الإكرام والإنعام (من عقوبتك) من أفعال الغضب والانتقام (وأعوذ بك منك) أي بذاتك من آثار صفاتك، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ (٤)، وتلميح إلى قوله ﷿: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٥).\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٤٧).\n(٢) (١/ ٣٣٦).\n(٣) سورة آل عمران: الآية ٢٨.\n(٤) سورة الذاريات: الآية ٥٠.\n(٥) سورة المزمل: الآية ٨.","vol":"6","page":114},{"text":"لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ\". [ت ٣٥٦٦، ن ١٧٤٧، جه ١١٧٩، حم ١/ ٩٦، ق ٣/ ٤٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هِشَامٌ أَقْدَمُ شَيْخٍ لِحَمَّادٍ، وَبَلَغَنِي عن يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى (١) عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ أَبْزَى، عن أَبِيهِ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَنَتَ - يَعْنِي في الْوِتْرِ- (٢) قَبْلَ الرُّكُوعِ\".\n===\n(لا أحصي ثناء عليك) أي لا أطيقه ولا أبلغه حصرًا وعددًا (أنت كما أثنيت على نفسك) أي ذاتك، قال ميرك: قيل: يحتمل أن الكاف زائدة، والمعنى أنت الذي أثنيت على نفسك، وقال بعض العلماء: ما في قوله: \"كما\" موصوفة أو موصولة والكاف بمعنى المثل، أي أنت الذات التي لها صفات الجلال والإكرام، ولها العلم الشامل والقدرة الكاملة، أنت تقدر على إحصاء ثنائك، وهذا الثناء إما بالقول أو بالفعل، وهو إظهار فعله عن بث آلائه ونعمائه.\n(قال أبو داود: هشام أقدم شيخ لحماد، وبلغني عن يحيى بن معين أنه قال: لم يرو عنه) أي عن هشام بن عمرو (غير حماد بن سلمة)، وهذا يقتضي أن يكون مجهول العين، ولكن لما وثقوه ارتفعت الجهالة عنه.\n(قال أبو داود) ومن ههنا شرع البحث في كون القنوت قبل الركوع (روى عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب: أن رسول الله -ﷺ- قنت -يعني في الوتر- قبل الركوع).\n_________\n(١) في نسخة: \"رواه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني\".","vol":"6","page":115},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى عِيسَى بْنُ يُونُسَ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عن فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، عن زُبَيْدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، عن أَبِيهِ، عن أُبَيٍّ (١)، عن النبي - ﷺ - مثْلَهُ. (٢) وَرُوِيَ عن حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عن مِسْعَرٍ، عن زُبَيْدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، عن أَبِيهِ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَنَتَ في الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، عن سَعِيدٍ، عن قتَادَةَ، عن عَزْرَةَ، عن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، لَمْ يَذْكُرِ الْقُنُوتَ وَلَا ذَكَرَ أُبَيًّا.\n===\n(قال أبو داود: روى عيسى بن يونس هذا الحديث أيضًا عن فطر بن خليفة) أي كما روى عيسى بن يونس هذا الحديث عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن، كذلك روى عن فطر بن خليفة (عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي، عن النبي -ﷺ- مثله، وروي عن حفص بن غياث، عن مسعر، عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب: أن رسول الله -ﷺ- قنت في الوتر قبل الركوع).\n(قال أبو داود) وهذا شروع في الكلام في الأحاديث المتقدمة التي فيها القنوت قبل الركوع (وحديث سعيد) بن عروبة (عن قتادة رواه يزيد بن زريع، عن سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-، لم يذكر القنوت ولا ذكر أُبَيًّا)، فصار حديث عيسى عن سعيد بن أبي عروبة مخالفًا لرواية يزيد بن زريع عن سعيد في أمرين: الأول: أن يزيد لم يذكر القنوت وذكره عيسى، والثاني: أن يزيد بن زريع لم يذكر أبيًّا، وذكره عيسى بن يونس، فصار الحديث مرسلًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن كعب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"6","page":116},{"text":"وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الأَعْلَى وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ وَسَمَاعُهُ بِالْكُوفَةِ مَعَ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقُنُوتَ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائيُّ، وَشُعْبَةُ عن قتَادَةَ، لَمْ (١) يَذْكُرَا الْقُنُوتَ (٢).\nوَحَدِيثُ زُبَيْدٍ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، وَشُعْبَةُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ كُلُّهُمْ عن زُبَيْدٍ، لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ\n===\n(وكذلك) أي كما رواه يزيد بن زريع كذلك (رواه عبد الأعلى ومحمد بن بشر العبدي) عن سعيد بن أبي عروبة (وسماعه) أي محمد بن بشر (بالكوفة مع عيسى بن يونس، ولم يذكروا القنوت) فخالفا عيسى بن يونس في ترك ذكر القنوت (وقد رواه أيضًا هشام الدستوائي، وشعبة عن قتادة، لم يذكرا القنوت).\nفالحاصل أن حديث قتادة وقع الاختلاف فيه في طبقة عيسى بن يونس، فخالفه ثلاثة رجال: أحدهم يزيد بن زريع، والثاني عبد الأعلى، والثالث محمد بن بشر، فكلهم تركوا ذكر القنوت، والأول لم يذكر أُبَيًّا أيضًا. ثم وقع الاختلاف في طبقة سعيد بن أبي عروبة أيضًا، فهشام وشعبة عن قتادة خالفا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في ترك ذكر القنوت.\nنعم بقي اختلاف ثالث لم يذكره المصنف، وهو زيادة عزرة بين قتادة وسعيد بن عبد الرحمن، ولعل وجه عدم ذكره أن قتادة مدلس، فذكر الحديث عن سعيد تدليسًا، فلما ذكر مرة أخرى في سند هذا الحديث: عن عزرة، عن سعيد علم منه أنه وقع بينهما عزرة فارتفع التدليس، ويحتمل أن قتادة روى عنهما جميعًا يعني عن سعيد بلا واسطة وبواسطة عزرة.\nثم شرع في الكلام في ثاني حديث عيسى بن يونس عن فطر فقال: (وحديث زبيد رواه سليمان الأعمش، وشعبة، وعبد الملك ابن سليمان، وجرير بن حازم كلهم عن زبيد، لم يذكر أحد منهم\n_________\n(١) في نسخة: \"ولم يذكروا القنوت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"6","page":117},{"text":"الْقُنُوتَ، إِلَّا مَا رُوِيَ عن حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عن مِسْعَرٍ، عن زُبَيْدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ في حَدِيثِهِ: إِنَّهُ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هُوَ بِالْمَشْهُورِ مِنْ حَدِيثِ حَفْصٍ، نَخَافُ أَنْ يَكُونَ عن حَفْصٍ، عن غَيْرِ مِسْعَرٍ.\n===\nالقنوت) أي كلهم خالفوا فطر بن خليفة فإنه ذكر القنوت عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن، ولم يذكروه (إلَّا ما روي عن حفص بن غياث، عن مسعر، عن زبيد، فإنه) أي مسعرًا (قال في حديثه) عن زبيد: (إنه قنت قبل الركوع) فتابع مسعر فطر بن خليفة.\n(قال أبو داود: وليس هو) أي حديثه عن مسعر، عن زبيد في القنوت قبل الركوع (بالمشهور من حديث حفص، نخاف) أي نظن (إن يكون) الحديث (عن حفص عن غير مسعر) فالمتابعة ضعيفة.\nقلت: وقد حكى هذا له البيهقي في \"سننه الكبرى\" (١)، وأجاب عنه صاحب \"الجوهر النقي\" فقال: \"باب من قال: يقنت في الوتر قبل الركوع\"، ذكر فيه حديث عيسى بن يونس، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، ثم ذكر عن أبي داود أن جماعة رووه عن ابن أبي عروبة، وأن الدستوائي وشعبة روياه عن قتادة ولم يذكروا القنوت.\nقلت: عيسى بن يونس، قال فيه أبو زرعة: ثقة حافظ، وقال ابن المديني: بخ بخ ثقة مأمون، فإذا كان كذلك فهو زيادة ثقة، وقد جاء له شاهد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.\nثم أخرجه البيهقي عن حديث عيسى بن يونس، عن فطر، عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بسنده، ثم ذكر عن أبي داود أن جماعة رووه عن زبيد\n_________\n(١) (٣/ ٣٩ - ٤١).","vol":"6","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلم يذكر أحد منهم القنوت إلا ما روي عن حفص بن غياث، عن مسعر، عن زبيد، فإنه قال في حديثه: إنه قنت قبل الركوع، وليس هو بالمشهور من حديث حفص نخاف أن يكون عن حفص عن غير مسعر.\nقلت: العجب من أبي داود كيف يقول: لم يذكر أحد منهم القنوت إلا ما روي عن مسعر، عن زبيد، وقد روى هو ذكر القنوت قبل الركوع من حديث عيسى، عن ابن أبي عروبة، ثم قال: وروى عيسى بن يونس هذا الحديث أيضًا، عن فطر، عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي، عن النبي ﵇ مثله، والبيهقي خرج رواية فطر، عن زبيد مصرحة بذكر القنوت قبل الركوع، ثم نقل كلام أبي داود، ولم يتعقب عليه على أن ذلك روي عن زبيد من وجه ثالث.\nقال النسائي في \"سننه\" (١): أنا علي بن ميمون، ثنا مخلد، عن يزيد، عن سفيان هو الثوري، عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بن كعب: \"أنه ﵇ كان يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويقنت قبل الركوع\".\nوابن ميمون وثقه أبو حاتم، وقال النسائي: لا بأس به، ومخلد وثقه ابن معين، ويعقوب بن سفيان، وأخرج له الشيخان، وأخرج ابن ماجه أيضًا هذا الحديث بسند النسائي، فظهر بهذا أن ذكر القنوت عن زبيد زيادة ثقة من وجوه، فلا يصير سكوت من سكت عنه حجة على ما ذكره.\nوقد روي القنوت في الوتر قبل الركوع عن الأسود وسعيد بن جبير والنخعي وغيرهم، رواه عنهم ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢) بأسانيده.\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (١٦٩٩).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٣٠٢).","vol":"6","page":119},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يُرْوَى أَنَّ أُبَيًّا كَانَ يَقْنُتُ في النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.\n١٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَل، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَنَا هِشَامٌ، عن مُحَمَّدٍ، عن بَعْضِ أَصْحَابِهِ: \"أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْب أَمَّهُمْ - يَعْنِي في رَمَضَانَ- وَكَانَ يَقْنُتُ في النِّصْفِ الأخِيرِ (١) مِنْ رَمًضَانَ. [ق ٢/ ٤٩٨]\n===\nوقال أيضًا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن أشعث، عن الحكم، عن إبراهيم قال: كان عبد الله لا يقنت في السَّنَةِ كلها في الفجر، ويقنت في الوتر كل ليلة قبل الركوع، قال أبو بكر بن أبي شيبة: هذا القول عندنا.\nوقال أيضًا: ثنا يزيد بن هارون، ثنا هشام الدستوائي، عن حماد هو ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة: أن ابن مسعود وأصحاب النبي -ﷺ- كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع، وهذا سند صحيح على شرط مسلم.\nوفي \"الأشراف\" لابن المنذر: روينا عن ابن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأنس والبراء وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة وحميد الطويل وابن أبي ليلى أنهم رأوا القنوت قبل الركوع، وبه قال إسحاق، انتهى.\n(قال أبو داود: يروى أن أبيًّا كان يقنت في النصف) أي في النصف الأخير (من شهر رمضان) ذكره بصيغة التمريض، لأن في سنده مجهولًا كما سيذكر المصنف الحديث بسنده.\n١٤٢٨ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا محمد بن بكر، أنا هشام) بن حسان، (عن محمد) بن سيرين، (عن بعض أصحابه: أن أبي بن كعب أمهم) يعني جعل إمامًا للناس (يعني في رمضان، وكان) أبي (يقنت في النصف الأخير (٢) من رمضان).\n_________\n(١) في نسخة: \"الآخر\".\n(٢) وفي \"شرح الإقناع\" (١/ ١٢٢): يندب القنوت في آخر وتره في النصف الثاني من =","vol":"6","page":120},{"text":"١٤٢٩ - حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عن الْحَسَنِ: \"أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً (١)، وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ إِلَّا في النِّصفِ الْبَاقِي. فَإِذَا كَانَتِ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ تَخَلَّفَ، فَصلَّى (٢) في بَيْتِهِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَبَقَ أُبَيٌّ\". [ق ٢/ ٤٩٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا\n===\n١٤٢٩ - (حدثنا شجاع بن مخلد، نا هشيم، أنا يونس بن عبيد، عن الحسن) البصري: (أن عمر بن الخطاب - ﵁ - جمع الناس على أبي بن كعب) أي كان الناس قبل ذلك يصلون أوزاعًا متفرقين فجمعهم عمر على أبي، (فكان) أبي (يصلي لهم عشرين ليلة، ولا يقنت بهم إلَّا في النصف الباقي) الظاهر أن المراد من النصف الباقي العشر الأوسط، كأنه لا يقنت في العشرة الأولى ويقنت في العشرة الثانية، وأما العشرة الثالثة فيتخلف فيها في بيته، ويتفرد عن الناس.\n(فإذا كانت العشر الأواخر تخلف) أبي عن المسجد، (فصلى في بيته فكانوا) أي الناس (يقولون: أَبَقَ) أي فر وهرب (أبي، قال أبو داود: وهذا)\n_________\n= رمضان، وهو كقنوت الصبح في لفظه ومحله والجهر به، وفيه أيضًا في الأبعاض القنوت في اعتدال ثانيه الصبح في حال الأمن، فإن نزلت نازلة يستحب في سائر الصلوات، ولفظه: اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديت ... إلخ. وليُسَنَّ للمنفرد ولإمام قوم محصورين رضوا بالتطويل قنوت عمر \"اللهم إنا نستعينك ... إلخ\". وقال \"الدردير\": ندب قنوت سرًا بصبح فقط قبل الركوع \"اللهم إنا نستعينك ... إلخ\"، قال الدسوقي: لا في وتر ولا في سائر الصلوات عند الحاجة\". (\"حاشية الدسوقي\" ١/ ٣٩٨). (ش).\n(١) في نسخة بدله: \"ركعة\"، كذا في نسخة مقروءة على الشيخ مولانا محمد إسحاق - رحمه الله تعالى-[قلت: وكذا في رواية الذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٤٠٠) \"ركعة\". وانظر التعليق عليه فيه]. (ش).\n(٢) في نسخة: \"فيصلي\".","vol":"6","page":121},{"text":"يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي ذُكِرَ في الْقُنُوتِ لَيْسَ بِشَئٍ وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى ضُعْفِ حَدِيثِ أُبَيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَنَتَ في الْوِتْرِ.\n===\nأي قنوت أبي في النصف الباقي من رمضان (يدل على أن الذي ذكر في القنوت) أي من كونه قبل الركوع (ليس بشيء، وهذان الحديثان يدلان على ضعف حديث أبي: أن النبي -ﷺ- قنت في الوتر).\nقلت: ليس في هذين الحديثين دلالة على ضعف حديث أبي المتقدم، لأن الحديثين ضعيفان، أما الأول ففي سنده مجهول، وأما الثاني ففيه انقطاع، قال صاحب \"الجوهر النقي\" (١): أثر أبي في سنده مجهول، والحسن لم يدرك عمر، لأنه ولد لسنتين بقيتا من خلافته.\nقلت: وقد روى البخاري ومسلم من حديث (٢) عاصم الأحول قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت فقال: قد كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع؟ قال: كذب، إنما قنت رسول الله -ﷺ- بعد الركوع شهرًا، أراه كان بعث قومًا يقال لهم القُرَّاء، زهاء سبعين رجلًا إلى قوم مشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله -ﷺ- عهد، فقنت رسول الله -ﷺ- شهرًا يدعو عليهم، هذا لفظ البخاري.\nقال الحافظ (٣): وقد وافق عاصمًا على روايته هذه عبد العزيز بن صهيب عن أنس، كما سيأتي في المغازي بلفظ: \"سأل رجل أنسًا عن القنوت بعد الركوع، أو عند الفراغ من القراءة؟ \" (٤)، ومجموع ما جاء عن أنس في ذلك أن القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، انتهى.\n_________\n(١) (٢/ ٤٩٨).\n(٢) أخرجه البخاري (١٠٠٢)، ومسلم (٦٧٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩١).\n(٤) أخرجه البخاري (٤٠٨٨).","vol":"6","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>(٣٤٢) بَابٌ: في الدُّعَاءِ بَعْدَ الْوِتْرِ</span>\n١٤٣٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدةَ، نَا أَبِي، عن الأَعْمَشِ، عن طَلْحَةَ الإيَامِيِّ، عن ذَرٍّ، عن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، عن أَبِيهِ، عن أُبَي بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا سَلَّمَ في الْوِتْرِ قَالَ: \"سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ\". [ن ١٤٣٢، ق ٣/ ٤١ - ٤٢]\n===\n\n(٣٤٢) (بَاب: في الدعَاءِ بَعْدَ الْوِتْرِ)\n١٤٣٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن أبي عبيدة) عبد الملك بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، ثقة، قال ابن عدي: له غرائب وإفرادات، لا بأس به عندي، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بي به علم، (نا أبي) عبد الملك بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، أبو عبيدة المسعودي الكوفي، وثقه ابن معين والعجلي، وهو مشهور بكنيته، وقَلَّ أن يرد في الرواية إلا بها.\n(عن الأعمش، عن طلحة الإيامي)، قال السمعاني في \"الأنساب\" (١): الإيامي بكسر الألف وفتح الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، هذه النسبة إلى إيام، وقيل لهذا البطن: يام أيضًا، وقال في \"القاموس\" وبنو إيام ككذاب بطن، قال الشارح: قوله: ككذاب بطن صوابه ككتاب كما ضبطه غير واحد من الأئمة، انتهى. وقال في \"القاموس\" في محل آخر: والأيام كغُراب، وكِتاب: داءٌ في الإبل والدخان، وزبيد بن الحارث والعلاء بن عبد الكريم الإياميان محدثان.\n(عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا سلم في الوتر قال: سبحان الملك القدوس).\n_________\n(١) (١/ ٢٣٣).","vol":"6","page":123},{"text":"١٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، نَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عن أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ الْمَدَنِيِّ (١)، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (٣) - ﷺ -: \"مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ\". [ت ٤٦٥، جه ١١٨٨، حم ٣/ ٣١، قط ١/ ١٧١، ك ١/ ٣٠٢، ق ٢/ ٤٨٠]\n===\nقلت: وهذا الحديث مختصر، وقد أخرج النسائي (٤) هذا الحديث من طريق محمد بن الحسن بن إبراهيم، عن محمد بن أبي عبيدة بسنده إلى أبيٍّ قال: \"كان رسول الله -ﷺ- يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات\"، وفي رواية أخرى له مرسلة: ويرفع صوته بالثالثة، وفي رواية أخرى له موصولة: يُطيل في آخرهن.\n١٤٣١ - (حدثنا محمد بن عوف، نا عثمان بن سعيد، عن أبي غسان محمد بن مطرف) بن داود بن مطرف بن عبد الله بن سارية التيمي الليثي، أبو غسان (المدني) يقال: إنه من موالي آل عمر، نزل عسقلان، أحد العلماء الأثبات، ثقة، (عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد) الخدري (قال: قال رسول الله -ﷺ-: من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره).\nقال النيموي (٥): قال العراقي: وسنده صحيح (٦)، قلت: أخرج الحاكم في \"المستدرك\" (٧) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عثمان بن سعيد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"المزني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الخدري\".\n(٣) في نسخة: \"النبي\".\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٧٢٩).\n(٥) \"آثار السنن\" (٢/ ٥).\n(٦) قال ابن القيم في \"الهدي\" (١/ ٣٢٤): وللحديث عدة علل. (ش).\n(٧) \"المستدرك\" (١/ ٣٠٢).","vol":"6","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكثير بن دينار، ثنا أبو غسان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ولفظه: قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره\"، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في \"تلخيصه\" بعد إيراد الحديث: على شرطهما، وأخرجه الترمذي (١) وابن ماجه وفي إسنادهما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف.\nوأخرج الترمذي (٢) من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه أن النبي -ﷺ- قال: \"من نام عن وتر فليصل إذا أصبح\"، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الأول، سمعت أبا داود السجزي يعني سليمان بن الأشعث يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله لا بأس به، وسمعت محمدًا يذكر عن علي بن عبد الله أنه ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة، انتهى. وهذا الطريق مرسل.\nقلت: أما الإعلال بضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فقد زال بمتابعة محمد بن مطرف في طريق أبي داود، وأما الإعلال بالإرسال فالجواب عنه أن حديث أبي داود موصول، فلا يضر إرسال عبد الله بن زيد بن أسلم.\nوأخرج محمد بن نصر هذا الحديث من طريق وكيع عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ولفظه: \"من نام عن الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ\"، قال وكيع: يعني من ليلته، ثم قال: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أصحاب الحديث لا يحتجون بحديثه، وقد يحتمل أن يكون تأويله ما قال وكيع، إن كان الحديث على ما رواه وكيع محفوظًا، فإن غير وكيع قد رواه عن عبد الرحمن بن زيد هذا اللفظ الذي رواه وكيع.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٤٦٥)، و\"سنن ابن ماجه\" (١١٨٨).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٤٦٦).","vol":"6","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم ساق الحديث من طريق محمد بن المغيرة، عن عبد الله بن نافع، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- قيل له: أحدنا يصبح ولم يوتر يغلبه النوم قال: \"فليوتر وإن أصبح\"، وهذا أشبه أن يكون محفوظًا من رواية وكيع، وكان وكيع يحدث من حفظه، فربما غَيَّر من ألفاظ الحديث.\nقلت: وهذا الحديث يرد ما تأوله وكيع، فثبت بهذه الأحاديث ما ذهب إليه الإِمام أبو حنيفة من وجوب الوتر، فإن القضاء لا يكون مأمورًا به إلَّا للواجب أو الفرض.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): وفي الباب عن عبد الله بن عمر - ﵄- عند الدارقطني (٢) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من فاته الوتر من الليل فليقضه من الغد\"، قال العراقي: وإسناده ضعيف.\nقلت: لأن في سنده نهشل بن سعيد، وقد كذبه الناس.\nقال: وله حديث آخر عند البيهقي (٣): \"أن النبي - ﷺ - أصبح فأوتر\"، وعن أبي هريرة عند الحاكم والبيهقي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر\" (٤)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.\nوعن أبي الدرداء عند الحاكم والبيهقي بلفظ: \"ربما رأيت رسول الله -ﷺ- يوتر وقد قام الناس لصلاة الصبح\" (٥)، وصححه الحاكم.\nوعن الأغر المزني عند الطبراني في \"الكبير\" بلفظ: \"أن رجلًا قال:\n_________\n(١) \"نبل الأوطار\" (٢/ ٢٦٢).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٦).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٧٩).\n(٤) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ٤٧٨).\n(٥) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٣)، والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ٤٧٩).","vol":"6","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيا نبي الله، إني أصبحت ولم أوتر، فقال: إنما الوتر بالليل، فقال: يا نبي الله، إني أصبحت ولم أوتر؟ فقال: أوتر\" (١)، وفي إسناده خالد بن أبي كريمة، ضعفه ابن معين وأبو حاتم، ووثقه أحمد وأبو داود والنسائي.\nوعن عائشة عند أحمد والطبراني في \"الأوسط\" بلفظ: \"كان رسول الله -ﷺ- يصبح فيوتر\" (٢)، وإسناده حسن.\nالحديث يدل على مشروعية قضاء الوتر إذا فات، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبادة بن الصامت، وعامر بن ربيعة، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وفضالة بن عبيد، وعبد الله بن عباس، كذا قال العراقي.\nقال: ومن التابعين عمرو بن شرحبيل، وعبيدة السلماني، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن المنتشر، وأبو العالية، وحماد بن أبي سليمان.\nومن الأئمة سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي، وأبو خيثمة.\nثم اختلف هؤلاء إلى متى يقضي على ثمانية أقوال (٣):\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣) رقم الحديث (٨٩١).\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٢٤٢)، والطبراني في \"الأوسط\"، كما في \"مجمع البحرين\" (١٠٩٤).\n(٣) قلت: وحاصل ما للأئمة في ذلك أن الوتر بعد طلوع الفجر قضاء عند الأئمة الثلاثة إلا الإِمام مالك، فعنده له وقتان: وقت الاختيار إلى طلوع الفجر، ووقت الضرورة إلى صلاة الصبح، وبعد ذلك فلا يوتر عند المالكية أصلًا، وعند الثلاثة يقضي أبدًا، والبسط في \"الأوجز\" (٢/ ٦٥٥)، إلَّا أن القضاء سنَّة عند أحمد والشافعي، وواجب عند أبي حنيفة، وقال ابن العربي: وللشافعي في قضائه قولان. (ش).","vol":"6","page":127},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحدهما: ما لم يصل الصبح، وهو قول ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، ومسروق، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، ومكحول، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي أيوب، وأبي خيثمة، حكاه محمد بن نصر عنهم.\nثانيها: أنه يقضي الوتر ما لم تطلع الشمس، ولو بعد صلاة الصبح، وبه قال النخعي.\nثالثها: أنه يقضي بعد الصبح، وبعد طلوع الشمس إلى الزوال، روي ذلك عن الشعبي، وعطاء، والحسن، وطاوس، ومجاهد، وحماد بن أبي سليمان، وروي أيضًا عن ابن عمر.\nرابعها: أنه لا يقضيه بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فيقضيه نهارًا حتى يصلي العصر، فلا يقضيه بعده، ويقضيه بعد المغرب إلى العشاء، ولا يقضيه بعد العشاء لئلا يجمع بين الوترين في ليلة، حكي ذلك عن الأوزاعي.\nخامسها: أنه إذا صلَّى الصبح لا يقضيه نهارًا، لأنه من صلاة الليل، ويقضيه ليلًا قبل وتر الليلة المستقبلة، ثم يوتر للمستقبلة، روي ذلك عن سعيد ابن جبير.\nسادسها: أنه إذا صلَّى الغداة أوتر حيث ذكره نهارًا، فإذا جاءت الليلة الأخرى ولم يكن أوتر لم يوتر، لأنه إن أوتر في ليلة مرتين صار وتره شفعًا، حكي ذلك عن الأوزاعي أيضًا.\nسابعها: أنه يقضي أبدًا ليلًا ونهارًا، وهو الذي عليه فتوى الشافعية.\nقلت: وهو مذهب أبي حنيفة - ﵀ -، والفرق بين مذهبه والشافعي أن عند أبي حنيفة إذا لم يوتر بالليل وتذكر قبل صلاة الصبح لا تصح صلاته حتى يوتر قبلها.","vol":"6","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>(٣٤٣) باب: في الْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ</span>\n١٤٣٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ - مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ -\n===\nقال في \"الدر المختار\" (١): فلم يجز فجر من تذكر أنه لم يوتر لوجوبه عنده، إلا إذا ضاق الوقت أو نسيت الفائتة أو فاتت ست اعتقادية، انتهى ملخصًا.\nقال: وثامنها: التفرقة بين أن يتركه لنوم أو نسيان، وبين أن يتركه عمدًا، فإن تركه لنوم أو نسيان قضاه إذا استيقظ، وإذا ذكر في أي وقت كان ليلًا أو نهارًا، وهو ظاهر الحديث، واختاره ابن حزم، واستدل بعموم قوله - ﷺ -: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكر\" قال: وهذا عموم يدخل فيه كل صلاة فرض أو نافلة، وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب، قال: ومن تعمد تركه حتى دخل الفجر، فلا يقدر على قضائه أبدًا، قال: فلو نسيه أحببنا له أن يقضيه أبدًا متى ذكره ولو بعد أعوام، وقد استدل بالأمر بقضاء الوتر على وجوبه، وحمله الجمهور على الندب، انتهى.\n\n(٣٤٣) (بَابٌ: في الوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ)\nأي: من لا يثق على نفسه بالانتباه في آخر الليل، فعليه أن يوتر في أول الليل\n١٤٣٢ - (حدثنا ابن المثنى، نا أبو داود، نا أبان بن يزيد، عن قتادة، عن أبي سعيد من أزد شنوءة)، قال الحافظ في \"تهذيبه\": أبو سعيد الأزدي الشنائي من أزد شنوءة، روى عن أبي هريرة: \"أوصاني خليلي بثلاث\" الحديث، وعنه قتادة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٥٣٢).","vol":"6","page":129},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"أَوْصَانِي خَلِيلِي - ﷺ - بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ في سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ (١): رَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَأَنْ لَا أَنَامَ إِلَّا عَلَى (٢) وِتْرٍ\". [خ ١٩٨١، م ٧٢١، ن ١٦٧]\n١٤٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا أَبُو الْيَمَانِ،\n===\n(عن أبو هريرة قال: أوصاني خليلي - ﷺ - بثلاث) أي بثلاث خصال (لا أدعهن في سفر ولا حضر: ركعتي الضحى) (٣) وهذه أقل صلاة الضحى، وتقدم الكلام على صلاة الضحى في بابه، (وصوم ثلاثة أيام) أي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر (من الشهر) يعني أيام البيض، وقيل: يومًا من أوله، ويومًا من أوسطه، ويومًا من آخره، وقيل: كل يوم من أول كل عشر، وقيل مطلقًا، (وأن لا أنام إلَّا على وتر)، ولعله أوصاه بذلك مع أن الوتر آخر الليل أفضل، لأنه كان لا يثق على الانتباه (٤)، فخاف من الفوت.\nقال ابن حجر: قيل: سببه أنه - ﵁ - كان يشتغل أولى ليله باستحضاره لمحفوظاته من الأحاديث الكثيرة التي لم يسايره في حفظ مثلها أكثر الصحابة، فكان يمضي عليه جزء كبير من أولى الليل، فلم يكد يطمع في استيقاظ آخره، فأمره ﵇ بتقديم الوتر لذلك لاشتغاله بما هو أولى، انتهى، ويمكن أن يكون بسبب آخر، والله أعلم، قاله القاري (٥).\n١٤٣٣ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا أبو اليمان) هو حكم بن نافع البهراني بمفتوحة وسكون هاء وبراء ونون، نسبة إلى بهراء بن عمرو بن الحاف الحمصي مولاهم، قال أبو حاتم: نبيل ثقة صدوق، وقال ابن عمار: ثقة، وقال العجلي: لا بأس به.\n_________\n(١) في نسخة: \"في حضر ولا سفر\".\n(٢) في نسخة: \"عن وتر\".\n(٣) وعند النسائي: \"ركعتي الفجر\". (انظر: \"سنن النسائي\" ١٦٧٨). (ش).\n(٤) هكذا في بين السطور من النسخة القديمة والجديدة. (ش).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٣٣).","vol":"6","page":130},{"text":"عن صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ السَّكُونِيِّ، عن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: \"أَوْصَانِي خَلِيلِي - ﷺ - بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ بِشَيْءٍ: أَوْصَانِي بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَلَا أَنَامُ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ، وَبِسُبْحَةِ (١) الضُّحَى في الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ\". [م ٧٢٢، حم ٦/ ٤٤٠]\n١٤٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، نَا أَبُو زَكريَّا (٢) السَّيْلَحِينِيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن ثَابِتٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ\n===\n(عن صفوان بن عمرو، عن أبي إدريس السكوني) الحمصي، قلت: قرأت بخط الذهبي: قال ابن القطان: حاله مجهولة، قال الذهبي: قد روى عنه غير صفوان بن عمرو، فهو شيخ محله الصدق، كذا قال، ولم يسم الراوي الآخر، وقد جزم ابن القطان بأنه ما روى عنه غير صفوان، وقول الذهبي: إن من روى عنه أكثر من واحد فهو شيخ محله الصدق، لا يوافقه عليه من يبتغي على الإِسلام مزيد العدالة، بل هذه الصفة هي صفة المستورين الذين اختلفت الأئمة في قبول أحاديثهم، والله أعلم.\n(عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي - ﷺ - بثلاث لا أدعهن بشيء) الباء للسببية، أي بشيء مانع من الموانع، ويحتمل أن يكون بدلًا من لفظ منهن، أي لا أدع بشيء منهن، (أوصاني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر) وهذه أحد الثلاثة، (ولا أنام إلَّا على وتر) وهذه ثانيتها، (وبسبحة الضحى في الحضر والسفر) وهذه ثالثتها. وقد تقدم البحث في هذا الحديث.\n١٤٣٤ - (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، نا أبو زكريا) يحيى بن إسحاق (السيلحيني، نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن\n_________\n(١) في نسخة: \"سبحة\"، وفي نسخة: \"تسبيحة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يحيى بن إسحاق\".","vol":"6","page":131},{"text":"رَبَاحٍ، عن أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: \"مَتَى تُوْتِرُ؟ \"، قَالَ: أُوْتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَقَالَ لِعُمَرَ: \"مَتَى تُوْتِرُ؟ \"، قَالَ: آخِرَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ: \"أَخَذَ هَذَا بِالْحَذَرِ\". وَقَالَ لِعُمَرَ: \"أَخَذَ هَذَا بِالقُوَّةِ\". [خزيمة ١٠٨٤، ك ١/ ٣٠١، ق ٣/ ٣٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>(٣٤٤) بابٌ: في وَقْتِ الْوِتْرِ</span>\n١٤٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عن الأَعْمَشِ، عن مُسْلمٍ، عن مَسْرُوقٍ قَالَ: \"قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَتَى كَانَ يُوْتِرُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ:\n===\nرباح، عن أبي قتادة أن النبي -ﷺ- قال لأبي بكر: متى توتر؟ قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر الليل) أي أوتر من آخر الليل (فقال) رسول الله -ﷺ- (لأبي بكر: أخذ هذا بالحذر) أي بالاحتياط عن الفوت، وفي نسخة: بالحزم. (وقال لعمر: أخذ هذا بالقوة) أي بما هو أقوى وأصعب.\n\n(٣٤٤) (بَابٌ: في وَقْتِ الوِتْرِ)\n١٤٣٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا أبو بكر بن عياش) بتحتانية ومعجمة، ابن سالم الأسدي، الكوفي، المقرئ، الحناط بمهملة ونون، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد، أو عبد الله، أو سالم، أو شعبة، أو رؤبة، أو مسلم، أو خِدَاش، أو مطرف، أو حماد، أو حبيب، عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح.\n(عن الأعمش، عن مسلم) بن صبح، أبي الضحى، (عن مسروق قال: قلت لعائشة: متى كان يوتر رسول الله -ﷺ-؟) أي في أي وقت من الليل كان يوتر (قالت: كل ذلك قد فعل) أي في كل أوقات الليل صلَّى فيها الوتر بعد صلاة","vol":"6","page":132},{"text":"أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَوَسَطَهُ، وَآخِرَهُ، وَلَكِنِ انْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ\". [خ ٩٩٦، م ٧٤٥، ت ٤٥٦، ن ١٦٨١، جه ١١٨، حم ٦/ ٤٦، ق ٣/ ٣٥]\n===\nالعشاء (أوتر أول (١) الليل) أي أوتر في أول الليل بعد العشاء (ووسطه) هكذا في نسخ أبي داود، وفي بعض الكتب \"وأوسطه\"، أي أوتر في وسطه (وآخره) أي أوتر في آخره (ولكن انتهى وتره حين (٢) مات) أي قبل وفاته - ﷺ - (إلى السحر) أي قبيل الفجر، فالوتر فيه أفضل.\nقال في \"البدائع\" (٣): وأما بيان وقته فالكلام فيه في موضعين: أحدهما في بيان أصل الوقت، وفي بيان الوقت المستحب، أما أصل الوقت فوقت العشاء عند أبي حنيفة، إلا أنه شرع مرتبًا عليه حتى لا يجوز أداؤه قبل صلاة العشاء مع أنه وقته لعدم شرطه وهو الترتيب، إلَّا إذا كان ناسيًا كوقت أداء الوقتية وهو وقت الفائتة لكن شرع مرتبًا عليه، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي وقته بعد أداء صلاة العشاء، وهذا بناءً على ما ذكرنا أنّ الوتر واجب عند أبي حنيفة وعندهم سنَّة.\nوالدليل على أن وقته ما ذكرنا، لا ما بعد فعل العشاء أنه لو لم يصل العشاء حتى طلع الفجر، لزمه قضاء الوتر كما يلزمه قضاء العشاء، ولو كان وقتها ذلك لما وجب قضاء الوتر، إذ لم يتحقق وقتها لاستحالة تحقق ما بعد فعل العشاء بدون فعل العشاء.\nوأما الوقت المستحب للوتر فهو آخر الليل، لما روي عن عائشة - ﵂ - أنها سئلت عن وتر رسول الله -ﷺ- فقالت: \"كان تارةً يوتر أول الليل\"\n_________\n(١) مقتضاه العموم، لكن الإجماع على أنه بعد مغيب الشفق، كذا في \"الفتح\" (٢/ ٤٨٦). (ش).\n(٢) ليس في البخاري هذا اللفظ، فقال الشيخ في \"التراجم\" (٣/ ٢٢): للحديث معنيان: أحدهما أنه ﵇ في آخر زمانه كان يوتر في السحر، والثاني لا يتجاوز وقته عن السحر، انتهى، وهذا الثاني لا يتمشى في حديث أبي داود. (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦١٠).","vol":"6","page":133},{"text":"١٤٣٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، نَا ابْنُ أَبِي زَائِد قالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ\". [م ٥٧٠، ت ٤٦٧، حم ٢/ ٣٧، ك ١/ ٣٠١]\n١٤٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي قَيْسٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَتْ (١): رُبَّمَا أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا أَوْتَرَ مِنْ آخِرِهِ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَتْ (٢) قِرَاءَتُهُ؟ أَكَانَ يُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَجْهَرُ؟ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ\". [م ٣٠٧، ت ٤٤٩، ن ١٦٦٢، حم ٦/ ٣٧، تم ٣١٧، ك ١/ ٣١٠، جه ١٣٥٤]\n===\nالحديث (٣)، وهذا إذا كان لا يخاف فوته، فإن كان يخاف فوته يجب أن لا ينام إلَّا على وتر.\n١٤٣٦ - (حدثنا هارون بن معروف، نا ابن أبو زائدة) يحيى بن زكريا (قال: حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: بادروا الصبح بالوتر) أي عجلوا بأداء الوتر قبل طلوع الصبح، وعلم بهذا أنه إذا أصبح خرج وقت الوتر.\n١٤٣٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله -ﷺ- قالت: ربما أوتر أول الليل، وربما أوتر من آخره، قلت: كيف كانت قراءته؟ أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ قالت: كل ذلك) أي كل واحد من الأمرين (كان يفعل، ربما أسرَّ وربما جهر) أي في القراءة (وربما اغتسل فنام، وربما توضَّأ فنام) هذا\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالت\".\n(٢) في نسخة: \"كان\".\n(٣) أخرجه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥).","vol":"6","page":134},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ: تَعْني في الْجَنَابَةِ.\n١٤٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيلِ وِتْرًا\" (١). [خ ٩٩٨، م ٧٥١]\n===\nجواب حذف سؤاله، فما أدري حذفه الراوي اختصارًا أو سقط من الكاتب، ولم أقف على السؤال فيما عندي من النسخ.\nوقد أخرج النسائي (٢) هذا الحديث في باب الاغتسال قبل النوم، فذكر السؤال، ولفظه عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة - ﵂ - كيف كان نوم رسول الله -ﷺ- في الجنابة؟ أيغتسل قبل أن ينام أو ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك [قد]، كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام، انتهى.\n(قال أبو داود: وقال غير قتيبة (٣): تعني في الجنابة) حاصله أن غير قتيبة زاد في آخر الحديث تعني في الجنابة، أي لم تذكر عائشة لفظ الجنابة في الاغتسال، ولكن تريد يعني مرادها من الاغتسال، اغتسال الجنابة.\n١٤٣٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى) القطان، (عن عبيد الله) بن عمر، (حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل) (٤) أي صلاة التهجد (وترًا) أي صلاة (٥) الوتر في آخرها، والأمر للندب بالاتفاق إلا عند من هو قائل بنقض الوتر.\n_________\n(١) آخر الجزء الثامن من تجزئة الخطيب وأول الجزء التاسع.\n(٢) \"سنن النسائي\" (٤٠٤).\n(٣) قلت: وهذه الرواية أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٦/ ١٤٩)، ومسلم في \"صحيحه\" (٣٠٧)، والنسائي في \"سننه\" (١/ ١٩٩)، وابن خزيمة (١/ ١٢٨) رقم (٢٥٩).\n(٤) واستدل به والدي المرحوم في \"اللامع\" (٤/ ١٤٤) على أنه ﵇ لما أمرنا أن نجعل الوتر آخر ما نصلي من الفرائض لم يجز تقديمه على العشاء، انتهى، وأوضح منه في \"الكوكب\" (١/ ٣٨٧). (ش).\n(٥) وتقدم أن مالكًا - ﵁ - كره الركعتين بعد الوتر جالسًا لهذا الحديث، وحمل ما ورد على الخصوصية. (ش).","vol":"6","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>(٣٤٥) بَابٌ: في نَقْضِ الْوِتْرِ</span>\n===\n\n(٣٤٥) (بَابٌ: في نَقْضِ الْوِتْرِ)\nقال الشوكاني (١): قال العراقي: ذهب أكثر العلماء إلى أن من أوتر وأراد الصلاة بعد ذلك، لا ينقض وتره، ويصلي شفعًا شفعًا حتى يصبح، قال: فمن الصحابة أبو بكر الصديق، وعمار بن ياسر، ورافع بن خديج، وعائذ بن عمرو، وطلق بن علي، وأبو هريرة، وعائشة - ﵃-، ورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢)، عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس، وممن قال به من التابعين: سعيد بن المسيب، وعلقمة، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، والحسن البصري، روى ذلك ابن أبي شيبة عنهم في \"المصنف\" أيضًا، وقال به من التابعين: طاوس، وأبو مجلز، ومن الأئمة: سفيان الثوري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، روى ذلك الترمذي عنهم في \"سننه\" (٣)، وقال: إنه أصح، ورواه العراقي عن الأوزاعي والشافعي وأبي ثور، وحكاه القاضي عياض عن كافة أهل الفتيا.\nوروى الترمذي عن جماعة من أصحاب النبي -ﷺ-[ومن بعدهم] جواز نقض الوتر، وقالوا: يضيف إليها أخرى، ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته، قال: وذهب إليه إسحاق.\nواستدلوا بحديث ابن عمر أنه كان إذا سئل عن الوتر قال: أما أنا فلو أوترت قبل أن أنام، ثم أردت أن أصلي بالليل، شفعت بواحدة ما مضى من وتري، ثم صليت مثنى مثنى، فإذا قضيت صلاتي أوترت بواحدة؛ لأن رسول الله - ﷺ - أمرنا أن نجعل آخر صلاة الليل الوتر، رواه أحمد (٤).\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٥٩).\n(٢) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٦).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٣٤).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٢/ ١٣٥).","vol":"6","page":136},{"text":"١٤٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، عن قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ قَالَ: \"زَارَنَا طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ في يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَأَمْسَى عِنْدَنَا وَأَفْطَرَ، ثُمَّ قَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَأَوْتَرَ بِنَا، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى مَسْجِده فَصَلَّى بأَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلًا فَقَالَ: أَوْتِرْ بِأَصْحَابِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا وِتْرَانِ في\n===\nقلت: ولا دليل فيه، لأنه فعل ابن عمر باجتهاد منه، وقد تقدم أن الأمر في حديث \"اجعلوا\" ليس للوجوب بل للندب.\nواستدل الأولون على عدم كون الأمر للوجوب بحديث عائشة وأبي (١) سلمة، وأبي أمامة، ففي حديث عائشة الطويل عند مسلم (٢): \"فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس\"، وفي حديث أم سلمة: \"كان يصلي بعد الوتر ركعتين\"، رواه الترمذي (٣)، وزاد ابن ماجه (٤): \"خفيفتين وهو جالس\"، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد (٥): \"كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهم ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ \".\n١٤٣٩ - (حدثنا مسدد، نا ملازم بن عمرو، نا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق قال: زارنا طلق بن علي) وهو أبوه (في يوم من رمضان وأمسى عندنا وأفطر) الصوم (ثم قام بنا) أي صلَّى بنا التراويح (تلك الليلة وأوتر بنا) وصلى بنا الوتر (ثم انحدر إلى مسجده) الذي كان يصلي فيه (فصلَّى بأصحابه) أي أهل المسجد (حتى إذا بقي الوتر قدم رجلًا فقال: أوتر بأصحابك) أي صل بهم الوتر (فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: لا وتران في\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: \"أم سلمة\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٧٤٦).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٤٧١).\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (١١٩٥).\n(٥) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٦٩).","vol":"6","page":137},{"text":"لَيْلَةٍ\". [ت ٤٧٠، ن ١٦٧٩، حم ٤/ ٢٣، خزيمة ١١٠١، ق ٣/ ٣٦، حب ٢٤٤٩]\n===\nليلة) قوله: وتران بالألف، هكذا في النسخ جاء على لغة بني الحرث (١)، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٢).\nقال البيضاوي (٣): وهذان اسم إنَّ على لغة بلحرث بن كعب، فإنهم جعلوا الألف للتثنية وأعربوا المثنى تقديرًا، أي الألف عندهم علامة التثنية لا علامة إعراب، حتى تتغير كغيرها، فأعربوه بإعراب مقدر كالمقصور.\nقال الترمذي (٤) بعد إيراد هذا الحديث: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، واختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعدهم نقض الوتر، وقالوا: يضيف إليها ركعة، ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته، لأنه لا وتران في ليلة، وهو الذي ذهب إليه إسحاق، انتهى.\nوحاصل مذهبهم أن من أوتر أول الليل ثم قام من آخره، فإن لم يصل سبحة التهجد حرم من ثوابها، وإن صلَّى ولم يصل الوتر بعدها يخالف قوله: \"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا\". وإن صلَّى الوتر بعدها أيضًا خالف قوله - ﷺ -: \"لا وتران في ليلة\"، فقالوا: ينقض الوتر الذي صلَّى في أول الليل بأنه إذا قام من آخر الليل وقد أوتر في أوله يتطهر ويصلي ركعة واحدة يضيفها إلى ركعة الوتر التي صلاها في أول الليل ينوي نقض الوتر، ثم يصلي ما بدا له ركعتين ركعتين، ثم يوتر في آخر صلاته، فإذا فعل ذلك فقد نقض وتره الذي صلَّى أول الليل، وأحرز فضيلة التهجد وثوابه، ووافق قوله - ﷺ -: \"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا\"، ولم يخالف قوله - ﷺ -: \"لا وتران في ليلة\"؛ لأن الوتر الأول قد نقضه.\n_________\n(١) كذا في الأصل، وهو تحريف، والصواب: \"بلحرث\".\n(٢) سورة طه: الآية ٦٣.\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥١).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٣٤).","vol":"6","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>(٣٤٦) بابُ الْقُنُوتِ في الصَّلَوَاتِ</span>\n===\nوقال الآخرون: إذا أوتر من أول الليل، ثم قام من آخره، يصلي ما بدا له من صلاة التهجد ولا ينقض وتره، لأنه لا يجوز نقضه بل لا يمكن، لأن الرجل إذا أوتر أول الليل فقد قضى وتره، فإذا هو نام بعد ذلك، ثم قام وتوضأ وصلَّى ركعة أخرى، فهذه صلاة غير تلك الصلاة، وغير جائز في النظر أن تتصل هذه الركعة بالركعة الأولى التي صلاها في أول الليل، فلا يصيران صلاة واحدة، وبينهما نوم وحدث ووضوء وكلام في الغالب، وإنما هما صلاتان متباينتان كل واحدة منهما غير الأولى، فمن فعل ذلك فقد أوتر مرتين، بل ثلاث مرات، مرة في أول الليل، ومرة ثانية بهذه الركعة التي صلَّى ينوي نقض الوتر، ثم إذا هو أوتر أيضًا في آخر صلاته صار موترًا ثلاث مرات في ليلة واحدة، وخالف قوله - ﷺ -: \"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا\"، لأنه جعل الوتر في مواضع من الليل في أولها وأوسطها وآخرها، وخالف قوله - ﷺ -: \"لا وتران في ليلة\"، لأنه زاد على وترين، وأوتر ثلاث مرات، وهذا قول أبي حنيفة وغيرهم من الأئمة، وقالوا: إن الأمر في قوله - ﷺ -: \"اجعلوا آخر صلاتكم\"، الحديث، ليس للوجوب، لأنه قد تقدم أنه قد روي من غير وجه أن النبي -ﷺ- قد صلَّى السبحة بعد الوتر، والله تعالى أعلم.\nوأما أداء طلق بن علي صلاة التراويح مرتين، فيمكن أن يوجه أنه صلَّى عند ابنه قيس بن طلق بعضها مع الوتر، ثم صلَّى ما بقي منها بأصحابه في مسجده (١).\n\n(٣٤٦) (بَابُ الْقُنُوتِ) أي: الدعاء (في الصَّلَوَاتِ) أي: المكتوبات\nقلت: قد عقد صاحب \"منتقى الأخبار\" \"باب القنوت في المكتوبة عند\n_________\n(١) ووجه الشيخ الكَنكَوهي بأنه صلَّى أولًا التراويح في مسجد ابنه، ثم صلَّى في آخر الليل التهجد في مسجده، ولم يوتر بعده لما أنه قد أوتر مع التراويح. (ش).","vol":"6","page":139},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالنوازل وتركه في غيرها\"، وأورد فيه حديث (١) أبي مالك الأشجعي عند أحمد والترمذي وابن ماجه: \"أنه سأل أباه أن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا هل كانوا يقنتون؟ قال: أي بُنَيَّ مُحْدَثٌ\"، قال: وفي رواية: \"صليت خلف رسول الله -ﷺ- فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بُنيَّ بدعة\".\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وفي الباب عن ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي أنه قال: القنوت في صلاة الصبح بدعة (٣). قال البيهقي: لا يصح.\nوعن ابن عمر عند الطبراني قال- في قيامهم عند فراغ القارئ من السورة. يعني قيام القنوت-: إنها لبدعة، ما فعلها رسول الله -ﷺ-، وفي إسناده بشر بن حرب الداري، وهو ضعيف (٤).\nوعن ابن مسعود عند الطبراني في \"الأوسط\" والبيهقي والحاكم في \"كتاب القنوت\": \"ما قنت رسول الله -ﷺ- في شيء من صلاته\"، زاد الطبراني: \"إلَّا في الوتر وأنه كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن يدعو على المشركين، ولا قنت أبو بكر ولا عمر حتى ماتوا، ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام، وكان يقنت في الصلوات كلهن\" (٥)، قال البيهقي: كذا رواه محمد بن جابر السحيمي، وهو متروك. وعن أم سلمة\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٧٢)، والترمذي (٤٠٢)، والنسائي (١٠٨٠)، وابن ماجه (١٢٤١).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٩١).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٢/ ٢١٣)، والدارقطنى في \"سننه\" (٢/ ٤١).\n(٤) انظر: \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٤٠).\n(٥) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢١٣)، والطبراني في \"الأوسط\" (٧٤٨٣).","vol":"6","page":140},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعند ابن ماجه قالت: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن القنوت في الفجر\"، ورواه الدارقطني (١)، وفي إسناده ضعف.\nوالحديث يدل على عدم مشروعية القنوت، وقد ذهب إلى ذلك أكثر أهل العلم (٢)، كما حكاه الترمذي في كتابه، وحكاه العراقي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس، وقال: قد صح عنهم القنوت، وإذا تعارض الإثبات والنفي قُدِّم المثبت، وحكاه عن أربعة من التابعين، وعن أبي حنيفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق.\nوقد اختلف النافون لمشروعيته، هل يشرع عند النوازل أم لا؟ وذهب جماعة إلى أنه مشروع في صلاة الفجر، وقد حكاه الحازمي عن أكثر الناس من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من علماء الأمصار (٣)، ثم عد من الصحابة الخلفاء (٤) الأربعة إلى تمام تسعة عشر من الصحابة، ومن المخضرمين: أبو رجاء العطاردي، وسويد بن غفلة، وأبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ، ومن التابعين اثنا عشر، ومن الأئمة والفقهاء: أبو إسحاق الفزاري، وأبو بكر بن محمد، والحكم بن عتيبة، وحماد، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأكثر أهل الشام، والشافعي، وأصحابه، وعن الثوري روايتان، ثم قال: وغير هؤلاء خلق كثير.\nواعلم أنه قد وقع الاتفاق (٥) على ترك القنوت في أربع صلوات من غير\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٣٨).\n(٢) وبه قال أحمد وغيره كما في \"المغني\" (٢/ ٥٨٥). (ش).\n(٣) وقع في الأصل: \"الأنصار\" وهو تحريف، والصواب: \"الأمصار\".\n(٤) وقال ابن العربي (٢/ ١٩٢): قنت ﵇ لأمر نزل، لكنه استقر الأمر عليه في زمان الخلفاء، فهو ثابت، وليس فيه دعاء صحيح، وما يرويه الناس فإنما روي في قنوت الوتر ولم يصح، انتهى. (ش).\n(٥) ولكن حكى الشامي إثباته في الكل عن الشافعي وأكثر المحدثين. انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٤٤٩). (ش).","vol":"6","page":141},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nسبب، وهي: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم يبق الخلاف إلَّا في الصبح (١) من المكتوبات، وفي صلاة الوتر في غيرها.\nأما القنوت في صلاة الصبح، فاحتج المثبتون له بحجج، منها: حديث البراء وأنس الآتيان، ويجاب بأنه لا نزاع في وقوع القنوت منه - ﷺ -، إنما النزاع في استمرار مشروعيته، فإنه قد قدمنا ما حكاه النووي عن جمهور المحققين أن لفظ كان لا يدل على الاستمرار، وإذا سلمنا فغايته (٢) مجرد الاستمرار، وهو لا ينافي تركه آخرًا، كما صرحت به الأدلة الآتية، على أن في الحديثين أنه كان يفعل ذلك في الفجر والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب فهو جوابنا عن الفجر، وأيضًا في حديث أبي هريرة المتفق عليه: \"أنه كان يقنت في صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح\" (٣)، فما هو جوابكم عن مدلول لفظ \"كان\" فهو جوابنا.\nقالوا: وأخرج الدارقطني وغيره، والحاكم وصححه، عن أنس: \"أن النبي -ﷺ- قنت شهرًا\" الحديث، وفي آخره: \"فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا\" (٤)، وهذا لو صح لكان قاطعًا للنزاع، ولكنه من طريق أبي جعفر الرازي، وهومختلف فيه، ولحديثه هذا شاهد، ولكن في إسناده عمرو بن عبيد، وليس بحجة.\nقال الحافظ (٥): ويعكر على هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس بن\n_________\n(١) بسط في \"شرح مواهب الرحمن\"، انتهى. (ش).\n(٢) وقع في الأصل: \"سلمنا فعلية مجرد الاستمرار\" وهو تحريف، والصواب: وإذا سلمنا، فغايته مجرد الاستمرار.\n(٣) أخرجه البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٢٩٦/ ٦٧٦)، وأبو داود (١٤٤٠)، والنسائي (١٠٧٥)، وأحمد (٢/ ٣٣٧)، والبيهقي (٢/ ١٩٨)، والدارقطني (٢/ ٣٨).\n(٤) أخرجه أحمد (٣/ ١٦٢)، والدارقطني (٢/ ٣٩)، والبيهقي (٢/ ٢٠١)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٣٠٢٩).\n(٥) \"التلخيص الحبير\" (١/ ٥٩٩ - ٦٠٠).","vol":"6","page":142},{"text":"١٤٤٠ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أُمَيَّةَ، نَا مُعَاذٌ - يَعْنِي ابْنَ هِشَام-، حَدَّثَنِي أَبِي، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سلَمَة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: \"وَاللَّه لأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ (١) صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ،\n===\nالربيع، عن عاصم بن سليمان: قلنا لأنس: \"إن قومًا يزعمون أن النبي -ﷺ- لم يزل يقنت في الفجر؟، فقال: كذبوا، إنما قنت شهرًا واحدًا يدعو على حي من أحياء المشركين\" (٢)، وقيس وإن كان ضعيفًا لكنه لم يتهم بالكذب، وروى ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣) من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس: \"أن النبي -ﷺ- لم يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم\".\nفاختلفت الأحاديث عن أنس واضطربت فلا يقوم بها حجة، وإذا تقرر هذا علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تخص به صلاة دون صلاة، وقد حاول جماعة من حذاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل، انتهى ملخصًا.\n١٤٤٠ - (حدثنا داود بن أمية) الأزدي، (نا معاذ - يعني ابن هشام-، حدثني أبي) أي هشام بن أبي عبد الله، (عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، نا أبو هريرة قال: والله لأقربن بكم صلاة رسول الله -ﷺ-) أي لأصلين بكم صلاة قريبًا بصلاته - ﷺ - وشبيهًا بها.\n(قال) أبو سلمة: (فكان أبو هريرة يقنت) أي يصلي القنوت (في الركعة الآخرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الصبح،\n_________\n(١) في نسخة: \"لكم\".\n(٢) أخرجه الخطيب في \"تاريخه\" (٥/ ٨١) في ترجمة أحمد بن محمد القزويني (رقم الترجمة ٢٤٦٧).\n(٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٦٢٠).","vol":"6","page":143},{"text":"وَيَدْعُو (١) لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكَافِرِينَ\" (٢). [خ ٧٩٧، م ٦٧٦، ن ١٠٧٥، ق ٢/ ١٩٨، قط ٢/ ٣٨]\n===\nويدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين).\nقال في \"الدر المختار\": ولا يقنت لغيره، أي الوتر، إلَّا لنازلة، فيقنت الإِمام في الجهرية، وقيل: في الكل.\nوقال الشامي في \"رد المحتار\" (٣) قوله: \"فيقنت الإِمام في الجهرية\" يوافقه ما في \"البحر\" و\"الشرنبلالية\" عن \"شرح النقاية\" عن \"الغاية\": وإن نزلت بالمسلمين نازلة قنت الإِمام في صلاة الجهر، وهو قول الثوري وأحمد، انتهى. وكذا ما في شرح الشيخ إسماعيل عن \"البناية\": إذا وقعت نازلة قنت الإِمام في الصلاة الجهرية، لكن في \"الأشباه\" عن \"الغاية\": قنت في صلاة الفجر، ويؤيده ما في \"شرح المنية\" حيث قال بعد كلام: فتكون شرعيته أي شرعية القنوت في النوازل مستمرة، وهو محمل قنوت من قنت من الصحابة بعد وفاته ﵊، وهو مذهبنا وعليه الجمهور.\nقال الحافظ (٤) أبو جعفر الطحاوي: إنما لا يقنت عندنا في صلاة الفجر من غير بلية، فإن وقعت فتنة أو بلية فلا بأس به، فعله رسول الله -ﷺ-، وأما القنوت في الصلوات كلها للنوازل فلم يقل به إلَّا الشافعي، فكأنهم حملوا ما روي عنه ﵊ أنه قنت في الظهر والعشاء كما في مسلم، وأنه قنت في المغرب أيضًا كما في البخاري على النسخ لعدم ورود المواظبة والتكرار الواردتين في الفجر عنه\n_________\n(١) في نسخة: \"فيدعو\".\n(٢) في نسخة: \"الكفار\".\n(٣) (٢/ ٤٤٨).\n(٤) يشكل عليه أن الطحاوي أثبت في \"معاني الآثار\" (١/ ٢٤٥ - ٢٥٤)، بالبسط والدلائل نسخ القنوت مطلقًا في الفجر وغيره في حال حرب وغيره، وعزاه إلى الأئمة الثلاثة. (ش).","vol":"6","page":144},{"text":"١٤٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ. (ح): وَحَدَّثنَا ابْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَني أَبِي قَالُوا كُلُّهُمْ: نَا شُعْبةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عن الْبَرَاءِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْنُتُ في صلَاةِ الصُّبْحِ\". [م ٦٧٨، ن ١٠٧٦، ت ٤٠١، حم ٤/ ٢٨٠، دي ١٥٩٧، ق ٢/ ١٩٨]\n(١) زاد ابن مُعَاذٍ: \"وصلاة المغرب\".\n===\n﵊، انتهى، وهو صريح في أن قنوت النازلة عندنا مخصص بصلاة الفجر دون غيرها من الصلوات الجهرية أو السرية، ومفاده أن قولهم بأن القنوت في الفجر منسوخ، معناه نسخ عموم الحكم لا نسخ أصله، كما نبه عليه نوح أفندي.\nقوله: \"وقيل في الكل\" قد علمت أن هذا لم يقل به إلَّا الشافعي، وعزاه في \"البحر\" إلى جمهور أهل الحديث، فكان ينبغي عزوه إليهم لئلا يوهم أنه قول في المذهب، انتهى.\nوقال الطحطاوي في \"حاشية الدر المختار\" (٢) بعد نقل كلام صاحب \"البحر\": والذي يظهر لي أن قوله في \"البحر\": وإن نزلت بالمسلمين نازلة قنت الإِمام في صلاة الجهر، تحريف من النساخ وصوابه الفجر، انتهى.\n١٤٤١ - (حدثنا أبو الوليد) الطيالسي (ومسلم بن إبراهيم وحفص بن عمر، ح وحدثنا ابن معاذ) عبيد الله، (حدثني أبي) معاذ (قالوا كلهم) أي أبو الوليد ومسلم وحفص ومعاذ: (نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن، (عن البراء) بتخفيف الراء، ابن عازب: (أن النبي -ﷺ- كان يقنت في صلاة الصبح، زاد ابن معاذ: وصلاة المغرب).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) (١/ ٢٨٣).","vol":"6","page":145},{"text":"١٤٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحمن بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا الْوَلِيدُ، نَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي (١) يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ (٢)،\n===\n١٤٤٢ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا الوليد) قال في \"درجات مرقاة الصعود\": صوابه أبو الوليد كما برواية ابن داسة وابن الأعرابي، واسمه هشام بن عبد الملك، قلت: وأصله عن السيوطي (٣)، وهو غير صواب، والصواب الوليد، وهو الوليد بن مسلم القرشي، مولى بني أمية، أبو العباس الدمشقي، ذكر الحافظ في شيوخه الأوزاعي، وذكره في شيوخ عبد الرحمن بن إبراهيم.\nوقد أخرج هذا الحديث الطحاوي في \"معاني الآثار\" (٤): حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة مثله.\nوفيه التصريح بأنه ابن مسلم، وهذا يدل على أن ما وقع في نسخ ابن داسة وابن الأعرابي من أبي الوليد فتصحيف من النساخ، فإن أبا الوليد هو: هشام بن عبد الملك الطيالسي، وليس في شيوخه الأوزاعي، وليس هو من شيوخ عبد الرحمن بن إبراهيم، والله تعالى أعلم.\nثم رأيت \"السنن الكبير\" (٥) للبيهقي فذكر فيها هذا الحديث بهذا السند من طريق ابن داسة ولفظه: وأخبرنا أبو علي الروذباري، أبنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد هو ابن مسلم، ثنا الأوزاعي فذكر بإسناده، قال: قنت رسول الله -ﷺ-، الحديث، فذكر الوليد وصرح بأنه ابن مسلم، فثبت بذلك ما قلنا، والحمد لله على ذلك.\n(نا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة) بن\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن عبد الرحمن\".\n(٣) وَهْمٌ من العلامة السيوطي وكثير من الشراح. (ش).\n(٤) (١/ ٢٤٢).\n(٥) (٢/ ٢٠٠).","vol":"6","page":146},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"قَنَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في صَلَاةِ الْعَتَمَةِ شَهْرًا، يَقُولُ في قُنُوتِهِ: \"اللهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ،\n===\nعبد الرحمن، (عن أبي هريرة قال: قنت رسول الله -ﷺ- في صلاة العتمة شهرًا، يقول في قنوته: اللهُمَّ نَجِّ الوليد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي، أخو خالد بن الوليد، شهد بدرًا مشركًا، فأَسَرَه عبد الله بن جحش، فقدم في فدائه أخواه خالد وهشام، وكان هشام أخا الوليد لأبيه وأمه، حتى افتكاه بأربعة آلاف درهم، فلما افتدي أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟ قال: كرهت أن تظنوا بي أني جزعت من الإسار، فحبسوه بمكة، وكان رسول الله - ﷺ - يدعو له فيمن دعا له من المستضعفين المسلمين، ثم أفلت من إسارهم، ولحق برسول الله - ﷺ -، وشهد معه عمرة القضية، وقال: يا رسول الله -ﷺ-، حسرت وأنا ميت، وإذا مت فكفني في فضل ثوبك، واجعله مما يلي جلدك، ومات فكفنه النبي -ﷺ- في قميصه.\n(اللهُمَّ نج سلمة بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وأمه ضباعة بنت عامر بن قرط، وهو أخو أبي جهل بن هشام، وابن عم خالد بن الوليد، وكان من خيار الصحابة وفضلائهم، وهاجر إلى الحبشة، ومنع من الهجرة إلى المدينة، وعذب في الله ﷿، فكان رسول الله -ﷺ- يدعو له في صلاته في القنوت، ولم يشهد بدرًا لذلك، وشهد مؤتة، ولم يزل بالمدينة مع رسول الله -ﷺ- حتى توفي النبي -ﷺ-، فخرج إلى الشام مجاهدًا حين بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام، فقتل بمرج الصفر سنة أربع عشر، وقيل: بأجنادين.\nوذكر في بعض الروايات بعده عياش بن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يكنى أبا عبد الرحمن، وهو أخو أبي جهل لأمه، أسلم قديمًا قبل أن يدخل رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب، ولما هاجر إلى المدينة قدم عليها أخواه لأمه أبو جهل والحارث بن هشام، وذكرا له أن أمه","vol":"6","page":147},{"text":"اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ\". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: \"وَمَا تَرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا؟ \". [خ ٨٠٤، م ٦٧٥، ق ٢/ ٢٠٠]\n===\nحلفت أن لا يدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه، فرجع معهما، فأوثقاه وحبساه بمكة، وكان رسول الله -ﷺ- يدعو له، قتل عياش يوم اليرموك.\n(اللهُمَّ نج المستضعفين من المومنين) الذين في إسار كفار مكة (اللهُمَّ اشدد وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة، الوطأ في الأصل الدوس بالقدم، والمراد به الإهلاك والأخذ بالعذاب الشديد (على مضر) (١) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، ابن نزار بن معد بن عدنان، وهو شعب عظيم، فيه قبائل كثيرة، كقريش وهذيل وأسد وتميم وضبة ومزينة والضباب وغيرهم.\n(اللهُمَّ اجعلها) أي الوطأة (عليهم) أي على كفار مضر (سنين) أي الأعوام المجدبة (كسني يوسف) أي كالسنين التي كانت في زمن يوسف ﵊ المشار إليها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ (٢)، وجمع السَّنَةِ بالواو والنون شاذ من جهة أنه ليس من ذوي العقول، ومن جهة تغير مفرده بكسر أوله.\n(قال أبو هريرة: وأصبح رسول الله -ﷺ- ذات يوم) أي صلَّى صلاة الصبح يومًا، ولفظ ذات زائدة (فلم يدع لهم، فذكرت ذلك) أي سألت سبب ترك دعائه (له) أي لرسول الله - ﷺ - (فقال) رسول الله -ﷺ- (وما تراهم قد قدموا؟) أي كان ذلك الدعاء لهم لأجل تخلصهم من أيدي الكفرة، وقد نجوا منهم، وجاؤوا إلى المدينة، فما بقي حاجة إلى الدعاء لهم بذلك.\n_________\n(١) استدل بذلك من قنت من علماء العصر على المسمين من البرطانية وغيرها، وعامتهم على أن التسمية مفسدة لما في \"مبسوط\" السرخسي من أن عليًا - ﵁ - كان يقنت فيلعن من ناوأه، فكتب أبو موسى الأشعري: إذا أتاك كتابي فأعد صلاتك. (ش).\n(٢) سورة يوسف: الآية ٤٨.","vol":"6","page":148},{"text":"١٤٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ، نَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، عن هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - شَهْرًا مُتَتَابعًا في الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِب، وَالْعِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ في دُبُرِ كُلًّ صَلَاةٍ، إِذَا قَالَ: \"سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ\" مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصيَّةَ، وُيؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ\". [حم ١/ ٣٠١، خزيمة ٦١٨، ك ١/ ٢٢٥]\n===\n١٤٤٣ - (حدثنا عبد الله بن معاوية) بن موسى (الجمحي) بضم الجيم وفتح الميم في آخره الحاء المهملة، نسبة إلى بني جمح، أبو جعفر البصري، معمر، كانت له مئة سنة وزيادة على عشر، ثقة، (نا ثابت بن يزيد) الأحول، أبو زيد البصري، ثقة ثبت، (عن هلال بن خباب) بمعجمة وموحدتين، العبدي مولاهم، أبو العلاء البصري نزيل المدائن، صدوق، تغير بأخرة.\n(عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قنت رسول الله -ﷺ- شهرًا متتابعًا) أي في كل يوم منه لم يتركه في وقت (في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح في دبر كل صلاة) أي في الركعة الأخيرة (إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سليم على رعل وذكوان) قال في \"القاموس\": قبيلتان من سليم (وعصية) كسمية بطن.\nوقال العيني (١): رعل بكسر الراء وسكون العين المهملة، ابن خالد (٢) بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم. وذكوان بفتح الذال المعجمة، ابن ثعلبة بن بهثة بن سليم، وعصية بضم العين المهملة، مصغر عصا، ابن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، وهؤلاء الثلاثة قبائل سليم (ويؤمن من خلفه) أي يقولون: آمين.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٣٧).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٣٧): مالك.","vol":"6","page":149},{"text":"١٤٤٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالكٍ: \"أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ قَنَتَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - في صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ (٢)؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ. قَالَ مُسَدَّدٌ: بِيَسِيرٍ (٣). [خ ١٠٠١، م ٦٧٧، ن ١٠٧١، جه ١١٨٣، دي ١٥٩٦]\n١٤٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَنَتَ شهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ\". [م ٦٧٧، حم ٣/ ١٨٤، وانظر سابقه]\n١٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ،\n===\n١٤٤٤ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد، عن أيوب) السختياني، (عن محمد) بن سيرين، (عن أنس بن مالك أنه سئل: هل قنت النبي -ﷺ- في صلاة الصبح؟ فقال) أنس: (نعم، فقيل له: قبل الركوع) أي من الركعة الثانية (أو بعد الركوع، قال: بعد الركوع، قال مسدد: بيسير) (٤) أي زاد مسدد بعد قوله: \"بعد الركوع\" لفظ \"بيسير\"، ولم يقله سليمان بن حرب.\n١٤٤٥ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام بن عبد الملك، (نا حماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك: أن النبي -ﷺ- قنت شهرًا) في صلاة الصبح (ثم تركه) لأنه قنت في نازلة، فارتفعت وزالت.\n١٤٤٦ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا يونس بن عبيد،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"بعده\".\n(٣) في نسخة: \"يسير\".\n(٤) ولفظ الشيخين: \"بعد الركوع يسيرًا\"، والظاهر أن معناه \"أيامًا\" كما يدل عليه في بعض طرقه \"شهرًا\"، فتأمل، انتهى. (ش).","vol":"6","page":150},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، \"حَدَّثَنِي مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ (١) - ﷺ - صلَاةَ الْغَدَاةِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانيَةِ قَامَ هُنيَةً\". [ن ١٠٧٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>(٣٤٧) بابٌ: في فَضْلِ التَّطوُّعِ في الْبَيْتِ</span>\n١٤٤٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّازُ، نَا مَكِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَبْدُ اللهِ- يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ -،\n===\nعن محمد بن سيرين، حدثني من صلَّى مع النبي -ﷺ-) قال في \"التقريب\" (٢) في المبهمات: محمد بن سيرين حدثني من صلَّى مع النبي -ﷺ- (صلاة الغداة) هو أنس (فلما رفع رأسه من الركعة الثانية) أي ركوع الركعة الثانية (قام هنية) بضم هاء وفتح نون وشدة تحتية بلا همز، وفي بعضها بهمزة مفتوحة بعد تحتية ساكنة، مصغر هَنَة، كناية عن شيء نحو الزمان، ويقال: هنيهة بإبدال الثانية هاء.\n\n(٣٤٧) (بابٌ: في فَضْلِ التَّطَوّعِ في الْبَيْتِ)\n١٤٤٧ - (حدثنا هارون بن عبد الله البزاز، نا مكي بن إبراهيم) بن بشير التميمي البلخي الحنظلي، أبو السكن، ثقة ثبت، وأخطأ في حديثه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر في الصلاة على النجاشي، والصواب عن الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة، قاله الحافظ في \"التهذيب\" (٣).\n(نا عبد الله -يعني ابن سعيد بن أبي هند-) الفزاري- بالفاء والزاي ثم راء- مولاهم، أبو بكر المدني، عن أحمد: ثقة ثقة، وعن ابن معين وأبي داود: ثقة، ووثقه العجلي ويعقوب وسفيان وابن سعد وابن المديني وابن البرقي، وقال القطان: كان صالحًا يعرف وينكر، وقال النسائي:\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) (ص ١٣٣١).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٩٤).","vol":"6","page":151},{"text":"عن أَبِي النَّضْرِ، عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن زيدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - في الْمَسْجِدِ حُجْرَةً، فَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَخْرُجُ مِنَ الليل فَيُصَلِّي فِيهَا\n===\nليس به بأس، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ.\n(عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية، (عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت أنه قال: احتجر) أي اتخذ (رسول الله -ﷺ- في المسجد) أي في مسجد المدينة (حجرة) من حصير لصلاته تطوعًا، وانفراده للذكر والفكر تضرعًا، والظاهر أنه كان معتكفًا، فجعل الحصير ليحجزه عن الناس حال الأكل والنوم والسآمة، ويؤخذ منه جواز اتخاذ الحجرة في المسجد من حصير ونحوه، لكن يشترط كما هو ظاهر أنه لا يحجز على أكثر مما يسعه وإلا حرم، لأن أخذه أكثر من ذلك فيه تضييق على المصلين، لكن ينبغي أن محله إن كان ثمة من يحتاج لذلك المحل ولو نادرًا، أما لو علم بالعادة أن الناس وإن كثروا في المسجد لا يحتاجون لما أخذه، فلا تتجه الحرمة حينئذ.\n(فكان رسول الله -ﷺ- يخرج من الليل) أي من الحجرة (فيصلي فيها) سياق هذه العبارة مشكل، فإن الخروج يدل على الصلاة خارجًا منها، وقوله: \"فيصلي فيها\" يدل على أن الصلاة كانت داخلها، والذي أظن أن في العبارة تقديمًا وتأخيرًا، هكذا: فكان رسول الله -ﷺ- يصلي فيها فيخرج من الليل، يدل عليه رواية الشيخين (١): \"اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى فيها ليالي حتى اجتمع عليه ناس\"، الحديث. أي فكان يخرج منها ويصلي بالجماعة.\nقلت: وهذه قصة صلاة التراويح، وأما ما وقع في رواية عائشة عند أبي داود من قولها: \"صلَّى رسول الله -ﷺ- في حجرته والناس يأتمون به من وراء الحجرة\"، فهي قصة أخرى.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٧٣١)، و\"صحيح مسلم\" (٧٨١).","vol":"6","page":152},{"text":"قَال: فَصَلَّوْا مَعَهُ بِصَلَاتِهِ- يَعْنِي رِجَالًا- وَكَانُوا يَأتُونَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -، فَتَنَحْنَحُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا بَابَهُ، قَال: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُغْضَبًا فَقَال: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا زَال بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ في بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ\n===\n(قال) زيد بن ثابت: (فصلوا) أي الناس (معه) مؤتمين (بصلاته- يعني رجالًا-) تفسير لضمير قوله: فصلوا (وكانوا يأتونه كل ليلة) فيخرج إليهم فيصلون بصلاته (حتى إذا كان ليلة من الليالي لم يخرج إليهم رسول الله -ﷺ-، فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم، وحصبوا بابه) أي رموه بالحصباء للإعلام بحضورهم وبطلب خروجه إليهم.\n(قال) زيد: (فخرج إليهم رسول الله -ﷺ- مغضبًا) أي غضبان (فقال) رسول الله -ﷺ-: (يا أيها الناس، ما زال بكم) خبر زال قدم على الاسم (صنيعكم) اسمه، أي ثبت فعلكم هذا وهو حرصكم في إقامة صلاة التراويح، أو الذي فعلتم من رفع الأصوات والتنحنح ورمي الباب بالحصباء، فلم يمنعني من الخروج إليكم والصلاة بكم (حتى ظننت) أي خشيت (أن سيكتب) أي سيفرض (عليكم) لو واظبت على إقامتها بالجماعة لفرضت عليكم، وفيه دليل على أن التراويح سنَّة جماعة وانفرادًا، والأفضل في عهدنا الجماعة لكسل الناس.\n(فعليكم) وفي رواية الشيخين: فصلوا أيها الناس (بالصلاة) أي بهذه الصلاة (في بيوتكم) والأمر للاستحباب (فإن خير صلاة المرء) وهذا عام لجميع النوافل والسنَّة إلا النوافل التي من شعار الإِسلام كالعيد والكسوف والاستسقاء.\nقلت: وهذا يدل على أن صلاة التراويح في البيت أفضل، والجواب عن الذين قالوا بأفضليتها في المسجد جماعة: أن رسول الله -ﷺ- قال ذلك لخوف الافتراض، فإذا زال الخوف بوفاته ﵇ ارتفع المانع، وصار فعله في المسجد أفضل كما فعله رسول الله -ﷺ- في المسجد، ثم أجراه عمر بن الخطاب","vol":"6","page":153},{"text":"في بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ\". [خ ٧٣١، م ٧٨١، ت ٤٥٠، ن ١٥٩٩، حم ٥/ ١٨٢، ق ٣/ ١٠٩]\n١٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى (١)، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَا نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اجْعَلُوا في بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تتَخِذُوهَا قُبُورًا\". [قد مضى برقم ١٠٤٣]\n===\nواستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد. (في بيته) خبر إن (إلَّا الصلاة المكتوبة) أي المفروضة، فإنها في المسجد أفضل، قال ابن حجر: وبه أخذ أئمتنا فقالوا: يسن فعل النوافل التي لا تسن فيها الجماعة في البيت، فهو أفضل منه في المسجد، ولو الكعبة أو الروضة الشريفة، لأن فضيلة الاتباع تربو على فضيلة المضاعفة، ولتعود بركتها على البيت، ولأنه أبعد عن الرياء وإن خلا المسجد، والظاهر أن الكعبة والروضة الشريفة تستثنيان للغرباء لعدم حصولهما في مواضع أخر، فتغتنم الصلاة فيهما قياسًا على ما قاله أئمتنا: إن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة النافلة، والله أعلم، قاله القاري (٢).\n١٤٤٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) بن سعيد، (عن عبيد الله، أنا نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم) أي بعض صلواتكم التي هي النوافل مؤداة في بيوتكم، قوله: \"من صلاتكم\" مفعول أول، \"وفي بيوتكم\" مفعول ثان، قدم على الأول للاهتمام بشأن البيوت، وأن من حقها أن يجعل لها نصيبًا من الطاعات لتصير منورة، لأنها مأواكم ومنقلبكم، وليس كقبوركم التي لا تصلح لصلاة.\n(ولا تتخذوها قبورًا) أي مثل القبور بأن تترك الصلاة فيها كما تتركون في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن سعيد\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٣٦٩).","vol":"6","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>(٣٤٨) بابٌ</span>\n١٤٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عن عَلِيٍّ الأَزْدِيِّ، عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"طُولُ الْقِيَامِ\"، قِيلَ (١): فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"جُهْدُ\n===\nالمقابر، شبه المكان الخالي عن العبادة بالمقبرة والغافل عنها بالميت، وقيل: لا تجعلوا بيوتكم مواطن النوم لا تصلون فيها، فإن النوم أخو الموت، وقيل: إن مثل ذاكر الله وغير ذاكر الله كمثل الحي والميت الساكن في البيوت والساكن في القبور، فالذي لا يصلي في بيته جعله بمنزلة القبر، كما جعل نفسه بمنزلة الميت، وقيل: معناه لا تدفنوا فيها موتاكم لئلا يكدر عليكم معاشكم ومأواكم.\n\n(٣٤٨) (بَابٌ)\nهذا الباب خَالٍ عن الترجمة كأنه تتمة للأبواب السابقة، فإنه ذكر فيه فضيلة طول القنوت في الصلوات النافلة\n١٤٤٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا حجاج) بن محمد المصيصي (قال: قال ابن جريج) عبد الملك: (حدثني عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي الخثعمي: أن النبي -ﷺ- سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام)، وقد تقدم هذا المتن بهذا السند في \"باب افتتاح صلاة الليل بركعتين\" فهو مكرر، ولكن زاد ها هنا سؤال الصدقة والهجرة والقتل في سبيل الله ولم يذكرها فيما تقدم.\n(قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد) بضم الجيم ويفتح، قال الطيبي (٢): الجهد بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: هما لغتان\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٢٥)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٢٧).","vol":"6","page":155},{"text":"الْمُقِلِّ\"، قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ\"،\n===\n(المقل) أي ما يتحمله قليل المال من التصدق ويبذل جهده فيه، والجمع بينه وبين قوله: \"أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى\"، أن الفضيلة تتفاوت بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف اليقين، وقيل: المراد بالمقل الغني القلب ليوافق قوله: \"أفضل الصدقة ... إلخ\"، وقال ابن الملك: أي أفضل الصدقة ما قدر عليه الفقير الصابر على الجوع أن يعطيه، والمراد بالغنى في قوله: \"أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى\" من لا يصبر على الجوع والشدة توفيقًا بينهما، فمن يصبر فالإعطاء في حقه أفضل، ومن لا يصبر فالأفضل في حقه أن يمسك قوته ثم يتصدق بما فضل، انتهى.\nوحاصل ما ذكروه أن تصدق الفقير الغني القلب ولو كان قليلًا أفضل من تصدق الغني بكثير المال (١) ولو كان كثيرًا، فهو من أدلة أفضلية الفقير الصابر على الغني الشاكر، وأن عبادة الأول مع قلتها أفضل من الثاني مع كثرتها، فكيف بتساويهما؟ ويحتمل أن يكون المراد من الحديث ما ورد في حديث مرفوع: \"سبق درهمٌ مائةَ ألف درهم، قالوا: يا رسول الله، وكيف؟ قال: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها\"، رواه النسائي (٢) عن أبي ذر.\n(قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر) أي هجرة من هجر، أو يقال: فأي صاحب الهجرة أفضل، وكذا في البواقي (ما حرم الله عليه).\nوالحاصل أن الهجرة على نوعين: أحدهما هجرة الوطن في الله تعالى، والثاني هجرة عن المعاصي والمحرمات، فالأفضل في الهجرة هي الثانية وهي ترك المحرمات، فأما الأولى، فإذا كان مع ترك المحرمات فهو أفضل، وأما إذا لم يترك المحرمات فلا يساوي درجة الهجرة الثانية.\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المرقاة\" (٤/ ٤٢٨): بكثرة المال.\n(٢) \"سنن النسائي\" (٢٥٢٨) وفيه: عن أبي هريرة.","vol":"6","page":156},{"text":"قِيلَ (١): فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ\"، قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: \"مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ جَوَادُهُ\". [ن ٢٥٢٦، دي ١٤٢٤، حم ٣/ ٤١١، وانظر رقم ١٣٢٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>(٣٤٩) بَابُ الْحَثِّ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ</span>\n١٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى، نَا ابْنُ عَجْلَانَ، نَا الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"رَحِمَ الله رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ (٢) فَصَلَّى وَأَيْقَظَ (٣)\n===\n(قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه) ويدخل فيه من يجاهد الكفار والمبتدعين بإبطال مذاهبهم ورد أقوالهم باللسان وبالكتابة وبإشاعة الكتب فيها، ولا ينافيه ما ورد: \"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر\" (٤)، لأنه أشق على النفس، أو الأفضلية إضافية.\n(قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق) أي أريق وسفك (دمه وعقر جواده) أي قطع قوائمه، ولعل هذا محمول على أن عقر جواده وقع في حياته وبمرأى منه، ثم قتل، فكأنه بذل ماله ونفسه في سبيل الله، وجاهد راكبًا وماشيًا، وقطع قوائمه كناية عن غاية شجاعته، وأنه كان مما لا يطاق أن يظفر به إلا بعقر جواده.\n\n(٣٤٩) (بابُ الحَثِّ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ)، أي: صلاة التهجد\n١٤٥٠ - (حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى) القطان، (نا ابن عجلان، نا القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: رحم الله) دعاء، ويحتمل الخبر (رجلًا قام) أي انتبه (من الليل فصلَّى وأيقظ\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"بالليل\".\n(٣) في نسخة: \"فأيقظ\".\n(٤) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٩) والحميدي في \"مسنده\" (٧٥٢).","vol":"6","page":157},{"text":"امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الْمَاءَ. رَحِمَ الله امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْل فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ في وَجْهِهِ المَاءَ\". [ن ١٦١٠، جه ١٣٣٦، حم ٢/ ٢٥٠، وانظر رقم ١٣٠٨]\n١٤٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، نَا عُبَيْدُ اللهِ (١) بْنُ مُوسَى، عن شَيْبَانَ، عن الأَعْمَشِ، عن عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عن الأَغَرِّ أَبي مُسْلِمٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. \"مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فصلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّه كثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ\". [جه ١٣٣٥ وانظر رقم ١٣٠٩]\n===\nامرأته فصلت) التهجد (فإن أبت) عن القيام لغلبة النوم (نضح) أي رش (في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى) الزوج (نضحت في وجهه الماء) لإيقاظه.\n١٤٥١ - (حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع، نا عبيد الله بن موسى، عن شيبان) بن عبد الرحمن، (عن الأعمش، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله -ﷺ-: من استيقظ) أي انتبه (من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين) وهذا أقل ما يصلى في الليل (جميعًا) تأكيد للضمير في صليا أي كلاهما (كتبا من) جملة (الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات) الذي وقع في القرآن ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).\n_________\n(١) وفي نسخة الحاشية: \"عبد الله\".\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٣٥.","vol":"6","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>(٣٥٠) بابٌ: في ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ</span>\n١٤٥٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ (١)، عن عُثْمَانَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ\". [خ ٥٠٢٧، ن ٢٩٠٧، جه ٢١١، دي ٣٣٣٨، حم ١/ ٥٨]\n===\n\n(٣٥٠) (بَابٌ: في ثَوَابِ قِرَاءَة الْقُرْآنِ)\nأي: قراءته مع فهم معناه\n١٤٥٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن علقمة (٢) بن مرثد، عن سعد بن عبيدة) السلمي، أبو حمزة الكوفي، ختن أبي عبد الرحمن السلمي على ابنته، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي، وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج ثم تركه، يكتب حديثه، (عن أبي عبد الرحمن) السلمي.\n(عن عثمان، عن النبي -ﷺ- قال: خيركم) أي يا معشر القراء، أو يا أيتها الأمة، أي أفضلكم (من تعلم القرآن) حق تعلّمه (وعلمه) أي حق تعليمه، ولا يتمكن من هذا إلَّا بالإحاطة بالعلوم الشرعية أصولها وفروعها، مع زوائد العوارف القرآنية، وفوائد المعارف الفرقانية، ومثل هذا الشخص يعد كاملًا لنفسه ومكملًا لغيره، وهو أفضل المؤمنين مطلقًا، ويدعى في الملكوت عظيمًا، والفرد الأكمل من هذا الجنس هو النبي -ﷺ-، ثم الأشبه فالأشبه، وأدناه فقيه الكتاب، ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما، إذ أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هو السلمي\".\n(٢) اختلف في هذا الحديث على علقمة وغيره اختلافًا كثيرًا، بسطه الحافظ (٩/ ٧٤ - ٧٦)، منها أن شعبة يذكر واسطة سعد ولا يذكرها سفيان الثوري، ورجح الترمذي حديث سفيان وقال: هو أصح، وأخرج البخاري الطريقين معًا، قالت الشراح: كأنه عنده بالطريقين معًا. (ش).","vol":"6","page":159},{"text":"١٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عن سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ، عن أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ في بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟ ! \". [حم ٣/ ٤٤٠]\n١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ وَهَمَّامٌ،\n===\nثم الخطاب عام لا يختص بالصحابة، ولو خص بهم فغيرهم بالطريق الأولى، ولكن لا بد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص.\n١٤٥٣ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه) معاذ بن أنس (أن رسول الله -ﷺ- يقال: من قرأ القرآن) أي أحكمه كما في رواية، أي: فأتقنه، وقال ابن حجر: أي حفظه عن ظهر قلب (وعمل بما فيه ألبس والداه تاجًا يوم القيامة)، قال الطيبي (١): كناية عن الملك والسعادة، انتهى. والأظهر حمله على الظاهر كما يظهر من قوله: (ضوؤه) أي التاج (أحسن من ضوء الشمس) حال كونها (في بيوت الدنيا لو كانت) الشمس على الفرض والتقدير (فيكم) أي في بيوتكم تتميم للمبالغة، فإن الشمس مع ضوئها وحسنها لو كانت داخلة في بيوتنا كانت آنس وأتم مما لو كانت خارجة عنها (فما ظنكم) أي إذا كان هذا جزاء والديه لكونهما سببًا لوجوده (بالذي عمل بهذا؟ !).\nقال الطيبي: استقصار للظن عن كنه معرفة ما يعطى للقارئ العامل به من الكرامة والملك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما أفادته ما الاستفهامية المؤكدة لمعنى تحير الظان.\n١٤٥٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام) الدستوائي (وهمام) بن يحيى\n_________\n(١) شرح الطيبي (٤/ ٢٤٨)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦٥٢).","vol":"6","page":160},{"text":"عن قَتَادَةَ، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عن سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَلَهُ أَجْرَانَ\". [خ ٤٩٣٧، م ٧٩٨، ت ٢٩٠٤، جه ٣٧٧٩، دي ٣٣٦٨]\n===\n(عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي -ﷺ- قال: الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به) أي الحاذق، من المهارة، وهي الحذق، وجاز أن يراد به جودة الحفظ أو جودة اللفظ، وأن يريد به كليهما وأن يريد به ما هو أعم منهما.\n(مع السفرة) جمع سافر، وهم الرسل إلى الناس برسالات الله تعالى، وقيل: السفرة الكتبة، والمراد بها الملائكة (١) الذين هم حملة اللوح المحفوظ كما قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٢) سموا بذلك، لأنهم ينقلون الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنبياء، فكأنهم يستنسخونها، وقيل: المراد بها أصحاب رسول الله - ﷺ -، لأنهم أول ما نسخوا القرآن، وقيل: السفرة الكرام الكاتبون لأعمال العباد، أو من السفار بمعنى الإصلاح، فالمراد حينئذ النازلون بأمر الله بما فيه مصلحة العباد.\n(الكرام) جمع الكريم، أي المكرمين على الله المقربين عند مولاهم لعصمتهم ونزاهتهم عن دنس المعصية والمخالفة (البررة) جمع بار وهو المحسن، وقيل: أي المطيعون، لأن البر الطاعة.\n(والذي يقرؤه وهو يشتد عليه) وفي رواية الشيخين: ويتتعتع فيه، أي يتردد ويتلبد عليه لسانه، والتعتعة في الكلام التردد فيه من حصرٍ أو عيٍّ (فله أجران)\n_________\n(١) وعلى هذا فيكون الحديث من مؤيدات من قال بأفضلية الملائكة على المؤمنين، والمسألة خلافية كما بسطها ابن نجيم في \"البحر\" (١/ ٥٨٣)، والكبيري (ص ٣٣٧) في آخر صفة الصلاة، والشامي (٣/ ٢٤٣)، والعيني (٤/ ٢٣٤). (ش).\n(٢) سورة عبس: الآية ١٥.","vol":"6","page":161},{"text":"١٤٥٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّه فِيمَنْ عِنْدَهُ\". [م ٢٦٩٩، ت ٢٩٤٥، جه ٢٢٥]\n١٤٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، نَا مُوسَى بْنُ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عن أَبِيهِ،\n===\nأي أجر لقراءته، وأجر لتحمل مشقته، وهذا تحريض على تحصيل القراءة، وليس معناه أن الذي يتتعتع فيه أجره أكثر من الماهر، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا حيث اندرج في سلك الملائكة المقربين، أو الأنبياء، والمرسلين، أو الصحابة المقربين.\n١٤٥٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: ما اجتمع قوم) أي: المؤمنون (في بيت من بيوت الله) أي: في مسجد من مساجده (يتلون كتاب الله) أي القرآن (ويتدارسونه بينهم) أي يعلمون ويتعلمون (إلَّا نزلت عليهم السكينة) قيل: هو بمعنى الرحمة، وقيل: إنها الملائكة، وقيل: هي ما يحصل به السكون وصفاء القلب وذهاب الظلمة النفسانية (وغشيتهم) أي أحاطت بهم (الرحمة، وحفتهم الملائكة) أي أطافت بهم (وذكرهم الله فيمن عنده) من الملائكة المقربين.\n١٤٥٦ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، نا موسى بن عُلَيٍّ) بالتصغير (ابن رباح) بموحدة، اللخمي، أبو عبد الرحمن البصري، صدوق ربما أخطأ، (عن أبيه) علي بن رباح بن قصير- ضد الطويل-، اللخمي، أبو عبد الله البصري، ثقة، والمشهور فيه علي بالتصغير، وكان يغضب منها.","vol":"6","page":162},{"text":"عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ونَحْنُ في الصُّفَّةِ فَقَالَ: \"أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأخُذَ نَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوينِ بِغَيْرِ إِثْمٍ بِاللَّهِ وَلَا قَطْعِ (١) رَحِمٍ؟ \"\n===\n(عن عقبة بن عامر الجهني قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ-) أي من حجرته (ونحن في الصفة) وهو موضع مظلل في مسجد المدينة يأوي إليه فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يسكنون فيه، قال ابن حجر (٢): وكانت هي في مؤخر المسجد معدة لفقراء أصحابه الغير المتأهلين، وكانوا يكثرون تارة حتى يبلغوا نحو المائتين، ويقلون أخرى لإرسالهم في الجهاد وتعليم القرآن.\n(فقال: أيكم يحب أن يغدو) أي يذهب في الغدوة، وهي أول النهار، أو ينطلق كل يوم (إلى بطحان) بضم الموحدة وسكون الطاء، اسم واد بالمدينة، سمي بذلك لسعته وانبساطه، وضبطه ابن الأثير بفتح الباء أيضًا (أو العقيق) قيل: أراد العقيق الأصغر، وهو على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة، وخصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي تقام فيها أسواق الإبل في المدينة، والظاهر أن \"أو\" للتنويع، لكن في \"جامع الأصول\": أو قال إلى العقيق، فدل على أنه شك من الراوي.\n(فيأخذ ناقتين كوماوين) تثنية كوماء قلبت الهمزة واوًا، وأصل الكوم العلو، أي ناقتين عظيمتي السنام، وهي من خيار مال العرب (زهراوين) أي مائلتين إلى البياض من كثرة السمن (بغير إثم بالله) كسرقة وغصب (ولا قطع رحم) تخصيص بعد تعميم، وفي للسببية (٣) كقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ وقوله: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾.\n_________\n(١) في نسخة: \"قطيعة\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦١٣).\n(٣) هذا الكلام لا يناسب بهذا المقام، لأن الرواية هنا بلفظ \"بغير إثم بالله\"، والشيخ ﵀ أخذه من \"المرقاة\" للقاري (٤/ ٦١٤)، والرواية هناك بلفظ \"في غير إثم\".","vol":"6","page":163},{"text":"قَالُوا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"فَلأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَعَلَّمَ آيتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَإِنْ ثلَاثٌ فَثَلَاثٌ مِثْلَ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ\". [م ٨٠٣، حم ٤/ ١٥٤]\n===\n(قالوا: كلنا يا رسول الله) أي كلنا يحب ذلك. وهذا لا ينافي اختيارهم الفقر، فإنهم أردوا الدنيا للدين، ليصرفوا على الفقراء والمساكين، وليجهزوا جيش المسلمين، فأراد - ﷺ - أن يرقيهم عن هذا المقام.\n(قال: فلأن يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد) أي إذا كنتم كذلك غير تاركين لهما فلأن يغدو ... إلخ. (فيتعلم) وفي رواية الشيخين (١) (آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وإن ثلاث) أي ثلاث آيات (فثلاث) أي خير له من ثلاث فوق، وفي رواية مسلم: وأربع خير من أربع، ومثل أعدادهن (٢) (مثل أعدادهن من الإبل) أي وسائر الأعداد من الآيات خير من مثل أعدادهن من الإبل، وقيل: يحتمل أن يراد أن آيتين خير من ناقتين ومن أعدادهما من الإبل، وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الإبل، وكذا أربع.\nوالحاصل أن الآيات تفضل على أعدادهن من النوق، ومن أعدادهن من الإبل، وهذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى الفهم العليل، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يقابل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى، أو بثوابها من الدرجات العلى.\nوالذي يظن أن حرف الواو العاطفة سقطت في نسخ أبي داود الموجودة عندنا في أول قوله: مثل أعدادهن.\n_________\n(١) قلت: هنا سقوط وتسامح، أما السقوط فالظاهر أنه \"فيعلم أو يقرأ\"، وأما التسامح ففي عزوه إلى الشيخين، والحديث أخرجه مسلم وحده (٨٠٣)، فالعبارة: وفي رواية مسلم: \"فيعلم أو يقرأ\". انظر: \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٣١٣) رقم (٩٩٤٢).\n(٢) وفي \"صحيح مسلم\" (٨٠٣): ومن أعدادهن.","vol":"6","page":164},{"text":"(٣٥١) بَابُ (١) فَاتِحَةِ الْكِتَابِ\n١٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الْمَقْبُرِيِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي\". [خ ٤٧٠٤، ت ٣١٢٤، حم ٢/ ٤٤٨]\n===\n\n(٣٥١) (بَابٌ:) في فَضْلِ (فَاتِحَةِ الْكِتَابِ)\n١٤٥٧ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، نا عيسى بن يونس، نا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، (عن المقبري) سعيد بن أبي سعيد، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني).\nسورة فاتحة الكتاب لها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، فذكر منها في الحديث ثلاثة أسماء، الأول أم القرآن، والثاني أم الكتاب، وأم الشيء أصله، وأصول القرآن ومقاصده أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوة، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى. فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يدل على الإلهيات من الذات المستجمع لصفات الكمال والصفات لله تعالى، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يدل على المعاد، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يدل على نفي الجبر والقدر، وأن الكل بقضاء الله وقدره، وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر الآية يدل على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات.\nولما كان المقصد الأعظم من القرآن هذه الأربعة، وكانت هذه السورة مشتملة عليها لقبت بأم القرآن وأم الكتاب.\nأو يقال: إن المقصود إما معرفة عزة الربوبية أو معرفة ذلة العبودية، وهذه السورة مشتملة على كلا الأمرين.\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في ... إلخ\".","vol":"6","page":165},{"text":"١٤٥٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا خَالِدٌ، نَا شُعْبَةُ، عن خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ،\n===\nأو يقال: إن العلوم البشرية إما علم ذات الله وصفاته وأفعاله، وهو علم الأصول، وإما علم أحكام الله تعالى وتكاليفه، وهو علم الفروع، وإما علم تصفية الباطن لظهور الأنوار الروحانية، وهذه السورة الكريمة مشتملة على هذه المطالب الثلاثة على أكمل الوجوه.\nوقيل: الأم في كلام العرب الراية التي تنصب في العسكر، ويكون مفزعًا للعسكر في الكرِّ والفرِّ، وسُمِّيت هذه السورة به، لأنها مفزع أهل الإيمان، كما أن الأرض تُسمَّى أمًّا، لأن معاد الخلق إليها في حياتهم ومماتهم.\nوالثالث: السبع المثاني، أما وجه تسميتها بالسبع المثاني، فلأنها سبع آيات تثنى في كل ركعة من الصلاة، أو لأنها مستثناة من سائر الكتب، قال ﵇: \"والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم\"، وقيل: سميت مثاني، لأنها سبع آيات، كل آية تعدل قراءتها قراءة سبع من القرآن، وقيل: إنها سبع آيات، وأبواب النيران سبعة، فمن قرأها أغلقت عنه الأبواب السبعة، وقيل: سميت مثاني، لأنها أثنية على الله تعالى ومدائح له، وقيل: لأن الله تعالى أنزلها مرتين.\nومن أسمائها: الوافية، والكافية، والشافية، وسورة الشفاء، وسورة الأساس، وسورة الصلاة، وسورة السؤال، وسورة الشكر، وسورة الدعاء، وهذا ملخص من \"التفسير الكبير\" (١).\n١٤٥٨ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا خالد) بن الحارث، (نا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث،\n_________\n(١) (١/ ١٥٦ - ١٥٩).","vol":"6","page":166},{"text":"عَنْ أَبِى سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى: \"أَنَّ النَّبِىَّ (١) -ﷺ- مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُصَلِّى فَدَعَاهُ، قَالَ: فَصَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، قَالَ: فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِى؟»، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّى، قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ !\n===\nعن أبي سعيد (٢) بن المعلى) الأنصاري المدني، صحابي، يقال: اسمه رافع بن أوس بن المعلى، وقيل: الحارث بن أوس بن المعلى، ويقال: الحارث بن نفيع الخزرجي، وأصح ما قيل فيه الحارث بن نفيع بن المعلى، توفي سنة أربع وسبعين، وهو ابن أربع وثمانين سنة.\n(أن النبي - ﷺ - مَرَّ به وهو) أي أبو سعيد (٣) بن المعلى (يصلي فدعاه) أي دعا رسول الله - ﷺ - أبا سعيد (قال) أبو سعيد: (فصليت) أي بقيت مشغولًا بصلاتي، ولم أجب على الفور (ثم) بعد ما أتممت صلاتي (أتيته) أي رسول الله - ﷺ - (قال) أبو سعيد: (فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما منعك أن تجيبني؟) أي تجيب دعوتي على الفور؟\n(قال) أبو سعيد: (كنت أصلي) أي منعني عن الإجابة على الفور أني كنت مشتغلًا بصلاتي، فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب (قال) رسول الله - ﷺ -: (ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٤».\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٥): والذي تأول القاضيان عبد الوهاب وأبو الوليد\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وهم فيه بعضهم، فقالوا: أبو سعيد الخدري، كذا في \"الفتح\" (٨/ ١٥٧)، و\"العيني\" (١٢/ ٤١٢). (ش).\n(٣) ووقعت القصة في الترمذي لأبيٍّ، وجمع البيهقي بالعدد، وتبعه الحافظ (٨/ ١٥٧). كذا في \"المنهل\" (٨/ ١٠٦). (ش).\n(٤) سورة الأنفال: الآية ٢٤.\n(٥) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"6","page":167},{"text":"لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ- أَو: في الْقُرْآنِ-\"- شَكَّ خَالِدٌ - \"قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ\"،\n===\nأن إجابة النبي - ﷺ - في الصلاة فرض، يعصي المرء بتركه، وأنه حكم يختص بالنبي - ﷺ -، وما جنح إليه القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلاف عندهم، بعد قولهم بوجوب الإجابة هل تبطل الصلاة أم لا، انتهى.\nقلت: وأما عند الحنفية فقال الطحطاوي في \"حاشية مراقي الفلاح\" (١): يفترض على المصلي إجابة النبي - ﷺ -، واختلف في بطلانها حينئذ، كذا ذكره البدر العيني، وكذا أبو السعود (٢) في تفسير سورة الأنفال، انتهى.\nواختلف في معنى قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فقال بعضهم: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان، وقال مجاهد: للحق، وقال آخرون: إذا دعاكم إلى ما في القرآن، وقال آخرون: معناه إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو، قاله ابن جرير في \"تفسيره\" (٣)، وقال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق.\n(لأعلمنك) وهكذا في رواية البخاري (أعظم صورة من القرآن - أو في القرآن - شك خالد)، وفي رواية أحمد: \"ألا أعلمك\"، قال ابن التين: معناه ثوابها أعظم من غيرها، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، ومنع ذلك الأشعري وجماعة.\n(قبل أن أخرج من المسجد)، وفي رواية البخاري: \"قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل. لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ \".\n_________\n(١) (ص ٣٠٢).\n(٢) \"تفسير أبي السعود\" (٤/ ١٦).\n(٣) (٩/ ١٤١).","vol":"6","page":168},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْلَكَ؟ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّتِي أُوتِيتُ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ\". [خ ٤٦٤٧، ن ٩١٣، جه ٣٧٨٥، دي ٣٣٧١، حم ٣/ ٤٥٠، خزيمة ٨٦٢]\n===\n(قال: قلت: يا رسول الله قولك؟) مفعول لفعل محذوف، وهو راعِ، أو احفظ قولك الذي وعدتني به من تعليم السورة (قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم).\nقال الحافظ (١): وفي حديث أبي هريرة \"قال: فإنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\" تصريح بأن المراد بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٢) هي الفاتحة، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن السبع المثاني هي السبع الطول من أولى البقرة إلى آخر الأعراف، ثم براءة، وقيل: يونس.\nوأما قوله: \"والقرآن العظيم الذي أوتيته\" قال الخطابي: فيه دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٤)، وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ محذوف الخبر، والتقدير ما بعد الفاتحة مثلًا فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله: \"هي السبع المثاني\"، ثم عطف قوله: \"والقرآن العظيم\"، أي ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية، ويكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة، ويستنبط من تفسير السبع المثاني بالفاتحة أن الفاتحة مكية، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهد.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٨).\n(٢) سورة الحجر: الآية ٨٧.\n(٣) سورة الرحمن: الآية ٦٨.\n(٤) سورة البقرة: الآية ٩٨.","vol":"6","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>(٣٥٢) بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ مِنَ الطُّولِ</span>\n١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أُوتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِى الطُّوَلِ، وَأُوتِىَ مُوسَى سِتًّا، فَلَمَّا أَلْقَى الأَلْوَاحَ رُفِعَتْ\n===\n(٣٥٢) (بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ) أي سورة الفاتحة (مِنَ الطُّوَلِ) أي من السور الطوال باعتبار اشتمال آياتها على المعاني الطويلة لا باعتبار اللفظ\n١٤٥٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله - ﷺ - سبعًا من المثاني الطول) وقد تقدم في الباب السابق أن المراد من السبع المثاني الفاتحة، فلما وصفت بالطول علم بذلك أن الفاتحة هي الطول (١)، ولهذا عقد المصنف \"باب من قال: هي من الطول\"، وأخرج فيها هذا الحديث.\nوقد أخرج ابن جرير في \"تفسيره\" (٢): عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: سبعًا من المثاني، قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، قال إسرائيل: وذكر السابعة فنسيتها، وهذا يدل على أن عند ابن عباس المراد من السبع المثاني هي السبع السور الطوال لا سبع آيات، وكان المصنف اختار من أقوال ابن عباس ما أخرج ابن جرير في \"تفسيره\": حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ يقول: السبع ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويقال: هن السبع الطول، وهن المئون.\n(وأوتي موسى ستًّا) أي ستة ألواح (فلما ألقى) أي موسى (الألواح رفعت\n_________\n(١) لكن الترجمة بلفظ \"من الطول\". فالظاهر عندي أنه أطلق عليه أولًا: السبع المثاني، وجعلهن ههنا \"الطول\" فعلم أنها منها. (ش).\n(٢) (١٤/ ٣٥).","vol":"6","page":170},{"text":"ثِنْتَانِ وَبَقِيَ أَرْبَعٌ\". [ن ٩١٤ مختصرًا]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>(٣٥٣) بابُ مَا جَاءَ فِى آيَةِ الْكُرْسِىِّ</span>\n١٤٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِى السَّلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: \"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَبَا الْمُنْذِرِ، أَىُّ آيَةٍ مَعَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟»\n===\nثنتان وبقي أربع) من الست، وأخرج السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢): عن ابن عباس قال: \"لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلَّا سدسها\"، وفي رواية عنه: \"قال: كتب الله لموسى في الألواح فيها ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) فلما ألقاها رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع، يقول الله: ﴿وفي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ (٤) يقول: فيما بقي منها.\n\n(٣٥٣) (بَابُ مَا جَاءَ في) فضل (آيةِ الْكُرْسِيَّ)\n١٤٦٠ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عبد الأعلى، نا سعيد بن إياس، عن أبي السليل) اسمه ضُرَيب بن نقير القيسي الجريري البصري، ثقة، (عن عبد الله بن رباح) بموحدة (الأنصاري، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -: أبا المنذر) بتقدير حرف النداء، كنية أبي بن كعب (أي آية) لفظ أيَّ اسم استفهام معرب لازم الإضافة، ويجوز تذكيره وتأنيثه عن إضافته إلى المؤنث (معك من كتاب الله) وكان - ﵁ - ممن حفظ القرآن كله في زمنه - ﷺ - (أعظم؟) قال إسحاق بن راهويه وغيره: المعنى راجع إلى الثواب والأجر، أي أعظم ثوابًا وأجرًا، وهو المختار.\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثني\".\n(٢) (٣/ ٥٦٤).\n(٣) سورة الأعراف: الآية ١٤٥.\n(٤) سورة الأعراف: الآية ١٥٤.","vol":"6","page":171},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَبَا الْمُنْذِرِ، أَىُّ آيَةٍ مَعَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ قَالَ: فَضَرَبَ فِى صَدْرِى وَقَالَ: «لِيَهْنِ لَكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ الْعِلْمُ». [م ٨١٠، حم ٥/ ١٤١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>(٣٥٤) بابٌ: فِى سُورَةِ الصَّمَدِ</span>\n١٤٦١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ\n===\n(قال) أبي: (قلت: الله ورسوله أعلم) ترك الجواب أولًا تأدبًا، أو لإرادة أن رسول الله - ﷺ - بنفسه يجيب عن هذا السؤال، ويخبر بالآية التي هي أعظم، لأن كثرة ثواب الشيء وكثرة أجره لا دخل فيها للقياس، أو ظن أن الآية التي عنده أعظم لا يكون عند رسول الله - ﷺ - أعظم أجرًا.\nفلما كرر وأعاد رسول الله - ﷺ - السؤال علم أن المطلوب منه الجواب اختبارًا لعقله، فأجاب (قال:) يا (أبا المنذر أيُّ آية معك من كتاب الله أعظم؟ قال) أبي بن كعب: (قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) أي آية الكرسي إلى آخرها، وإنما كان آية الكرسي أعظم آية لاحتوائها على بيان توحيد الله تعالى وتمجيده وتعظيمه، وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكل ما كان من الأذكار في تلك المعاني أبلغ كان في باب التدبر والتقرب به إلى الله أجل وأعظم.\n(قال) أبي: (فضرب) النبي - ﷺ - (في صدري) محبة (وقال: ليهن (٢) لك يا أبا المنذر العلم) وفيه منقبة عظيمة لأبي المنذر أبي بن كعب.\n\n(٣٥٤) (بَابٌ: في) فَضل (سُورَةِ الصَّمَدِ)\n١٤٦١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٥٥.\n(٢) أي: ليكن العلم هنيئًا لك، وهذا دعاء له بتيسير العلم ورسوخه فيه، قاله القاري (٤/ ٦١١).","vol":"6","page":172},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأنَّ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ». [خ ٥٠١٣، ن ٩٩٥، ط ١/ ٢٠٨/ ١٧، حم ٣/ ٩٣، ق ٣/ ٢١]\n===\nعبد الله بن عبد الرحمن) بن أبي صعصعة الأنصاري المازني، ومنهم من يسقط عبد الرحمن من نسبه، ومنهم من ينسبه هو إلى جده فيقول: عبد الرحمن بن أبي صعصعة، ثقة، (عن أبيه) عبد لله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المدني، ثقة، (عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا سمع رجلًا).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): القارئ هو قتادة بن النعمان، أخرج أحمد من طريق أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزيد عليها، الحديث، والذي سمعه لعله أبو سعيد راوي الحديث، لأنه أخوه لأمه، وكانا متجاورين، وبذلك جزم ابن عبد البر، فكانه أبهم نفسه وأخاه.\n(يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها) أي يكررها (فلما أصبح) أي أبو سعيد (جاء إلى رسول الله - ﷺ -، فذكر ذلك) الذي سمعه (له) أي لرسول الله - ﷺ - بقراءته السورة مكررًا (وكأن) بتشديد النون (الرجل) أي السائل وهو أبو سعيد (يتقالها) بتشديد اللام، أي يعتقد أنها قليلة، والمراد استقلال العمل لا التنقيص، قاله الحافظ.\n(فقال النبي - ﷺ -: والذي نفسي بيده إنها) أي سورة الصمد (لتعدل) أي تساوي (ثلث القرآن) قال الحافظ (٢): حمله بعض العلماء على ظاهره فقال: هي ثلث باعتبار معاني القرآن؛ لأنه أحكام وأخبار وتوحيد، وقد اشتملت هي على القسم الثالث فهي ثلث بهذا الاعتبار.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦١).","vol":"6","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>(٣٥٥) بابٌ: فِى الْمُعَوِّذَتَيْنِ</span>\n===\nقال الزرقاني (١): واعترضه ابن عبد البر بأن في القرآن آيات كثيرة أكثر مما فيها من التوحيد، كآية الكرسي، وآخر الحشر، ولم يرد فيها ذلك. وأجاب أبو العباس القرطبي بأنها اشتملت على اسمين من أسماء الله تعالى يتضمنان جميع أوصاف الكمال لم يوجدا في غيرها من السور، وهما الأحد الصمد، لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، لأن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال، لأنه الذي انتهى إليه سؤدده، فكان مرجع الطلب منه وإليه، ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلَّا لمن حاز جميع خصال الكمال، وذلك لا يصلح إلا لله تعالى، فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات الفعل ثلثًا.\nوقال قوم: معناه تعدل ثلث القرآن في الثواب، وضعفه ابن عقيل بحديث: \"من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات\".\nوقال إسحاق بن راهويه: ليس المراد أن من قرأها ثلاث مرات كمن قرأ القرآن جميعه، هذا لا يستقيم، ولو قرأها مِأَتَي مرة، وقيل: معناه إن الرجل لم يزل يرددها حتى بلغ ترديده لها بالكلمات والحروف والآيات ثلث القرآن، وهذا تأويل بعيد عن ظاهر الحديث، ثم قال: السكوت في هذه المسألة وشبهها أفضل من الكلام فيها وأسلم، قال السيوطي: وإلى هذا نحا جماعة كابن حنبل وابن راهويه، وأنه من المتشابه الذي لا يدري معناه، ونقل ابن السيد حمله على ظاهره، وهو الأظهر.\n\n(٣٥٥) (بَابٌ: فِي) فضل (الْمُعَوَّذَتَيْنِ)\nبكسر الواو، وتفتح، قاله القاري (٢)\n_________\n(١) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٢٣).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦٧١).","vol":"6","page":174},{"text":"١٤٦٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قال: أَخْبَرَنِى مُعَاوِيَةُ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَاقَتَهُ فِى السَّفَرِ فَقَالَ لِى: \" يَا عُقْبَةُ، أَلَا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا؟ \"، فَعَلَّمَنِى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. قَالَ: فَلَمْ يَرَنِى سُرِرْتُ بِهِمَا جِدًّا، فَلَمَّا نَزَلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى بِهِمَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الصَّلَاةِ الْتَفَتَ إِلَىَّ فَقَالَ: \" يَا عُقْبَةُ، كَيْفَ رَأَيْتَ؟ \". [ن ٥٤٣٦، حم ٤/ ١٤٤، خزيمة ٥٣٤، ق ٢/ ٣٩٤]\n١٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\n١٤٦٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنا ابن وهب قال: أخبرني معاوية) بن صالح، (عن العلاء بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية) هو قاسم بن عبد الرحمن الشامي، (عن عقبة بن عامر قال: كنت أقود) أي أجر (برسول الله - ﷺ - ناقته في السفر) وفي بعض الروايات: في الغزو (فقال لي: يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا؟) أي في باب التعوذ (فعلمني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾).\n(قال) عقبة: (فلم يرني) رسول الله - ﷺ - (سررت) أي فرحت (بهما) بتعلمهما (جدًّا) أي سرورًا كثيرًا (فلما نزل لصلاة الصبح صلَّى بهما) أي بالمعوذتين (صلاة الصبح للناس) أي: قرأ بهما في ركعتيهما (فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من الصلاة التفت) أي توجه (إلي فقال) رسول الله - ﷺ -: (يا عقبة كيف رأيت؟) أي حال السورتين بأنهما تكفيان لصلاة الصبح.\n١٤٦٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه) أبي سعيد،","vol":"6","page":175},{"text":"عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالأَبْوَاءِ، إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَعَوَّذُ بِـ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وَيَقُولُ: \"يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا\"\n===\n(عن عقبة بن عامر قال: بينا أنا أسير مع رسول الله - ﷺ - بين الجحفة) بالضم ثم السكون والفاء، كانت قرية كبيرة ذات منبر، على طريق المدينة من مكة، على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام، وكان اسمها مهيعة، وإنما سميت الجحفة، لأن السيل اجتحفها، وهي الآن خراب، وهي التي دعا النبي - ﷺ - بنقل حمى المدينة إليها فانتقلت إليها، وكان لا يمر بها طائر إلَّا حمي، ولخفاء موضعها الآن استبدل الناس الإحرام من رابغ (١) محل مشهور قبيلها، لأمنه وكثرة مائه.\n(والأبواء) بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة، سميت بها لتبوأ السيول بها، قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، قال السكري: الأبواء جبل شامخ مرتفع ليس عليه شيء من النبات، وهناك بلد ينسب إلى هذا الجبل، وبها قبر آمنة بنت وهب أم النبي - ﷺ -.\n(إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل) أي شرع (رسول الله يتعوذ بـ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ اَلفَلَقِ﴾ قال في \"القاموس\": الفلق محركة: الصبح، أو ما انفلق من عموده، أو الفجر، والخلق كله، وجهنم، أو جُبٌّ فيها. (و﴿أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنَاسَ﴾) أي بهاتين السورتين المشتملتين على ذلك.\n(ويقول) الظاهر قال، وعدل إلى الاستقبال لاستحضار الحال الماضية، أو لمشاكلة ما عطف عليه، ويحتمل وقوع التكرار منه ﵊ حثًّا له وتحريضًا (يا عقبة تعوذ بهما) أي اقرأهما تعوذًا (فما تعوذ متعوذ بمثلهما)\n_________\n(١) وقع في الأصل: \"رابق\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":176},{"text":"قَالَ: \"وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا في الصَّلَاةِ\". [ق ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥، دي ٣٤٤٠]\n\n(٣٥٦) بابٌ (١): كيف يُسْتحبُّ التَّرْتِيل فِى الْقِرَاءَةِ؟ (٢)\n١٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (٣)، نَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \" يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ\n===\nبل هما أفضل التعاويذ، ومن ثم لما سحر ﵊ مكث مسحورًا سنة، حتى أنزل الله تعالى عليه ملكين يعلمانه أنه يتعوذ بهما ففعل، فزال ما كان يجد من أثر السحر.\n(قال) عقبة: (وسمعته) رسول الله - ﷺ - (يؤمنا بهما) أي يصلي بنا (في الصلاة) يقرأ بهاتين السورتين في ركعتيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>(٣٥٦) (بَابٌ: كيْفَ يُسْتَحَبُّ التَّرْتيلُ في القِرَاءَةِ</span>؟)\n١٤٦٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني عاصم بن بهدلة، عن زر) بن حبيش، (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص (قال: قال رسول الله - ﷺ -: يقال) عند دخول الجنة وتوجه العاملين إلى مراتبهم على حسب مكاسبهم (لصاحب القرآن) (٤) أي من يلازمه بالتلاوة والعمل، لا من يقرؤه وهو يلعنه (اقرأ وارتق) إلى درجات الجنة أو مراتب القرب (ورتل) أي لا تستعجل في قراءتك في الجنة التي هي لمجرد التلذذ والشهود الأكبر (كما كنت ترتل) قراءتك، أي في الدنيا، فيه إشارة إلى أن الجزاء على وفق الأعمال كمية وكيفية\n_________\n(١) في نسخة: \"باب استحباب الترسل\".\n(٢) في نسخة: \"القرآن\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ابن مسرهد\".\n(٤) ومال ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١١٦) إلى أنه مخصوص بالحفاظ. (ش).","vol":"6","page":177},{"text":"فِى الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ (١) عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا\". [ت ٢٩١٤، حم ٢/ ١٩٢، ق ٢/ ٥٣]\n===\n(في الدنيا) من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف (فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها).\nوقد ورد في الحديث أن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، يقال للقارئ: اقرأ وارتق الدرجة على قدر ما تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءًا منها كان رقيه من الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الارتقاء عند منتهى القراءة.\nقال الداني: وأجمعوا على أن عدد آي القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد، فقيل: ومِئَتَا آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة، وقيل: وتسع عشرة، وقيل: وخمس وعشرون، وقيل: وست وثلاثون.\nقال الطيبي: وقيل: المراد أن الترقي يكون دائمًا، فكما أن قراءته في حال الاختتام استدعت الافتتاح الذي لا انقطاع له، كذلك هذه القراءة والترقي في المنازل التي لا تتتناهى، وهذه القراءة لهم كالتسبيح للملائكة لا تشغلهم عن مستلذاتهم، بل هي أعظم مستلذاتهم.\nقال الطيبي (٢): والمنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في الحفظ والتلاوة لا غير، وذلك لما عرفنا من أصل الدين أن العامل بكتاب الله المتدبر له أفضل من الحافظ والتالي له إذا لم ينل شأنه في العمل والتدبر، وقد كان في الصحابة من هو أحفظ من الصديق وأكثر تلاوة منه، وكان هو أفضلهم على الإطلاق لسبقه عليهم في العلم بالله وبكتابه وتدبره له وعمله به، وإن ذهبنا إلى الثاني وهو أحق الوجهين وأتمهما، فالمراد من الدرجات التي يستحقها بالآيات سائرها، وحينئذ تقدر القراءة في القيامة على\n_________\n(١) في نسخة: \"منزلتك\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٤١).","vol":"6","page":178},{"text":"١٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا جَرِيرٌ، عن قَتَادَةَ قَالَ: \"سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ فَقَالَ: كَانَ يَمُدُّ مَدًّا\". [خ ٥٠٤٥، ن ١٠١٤، جه ١٣٥٣، حم ٣/ ١١٩]\n===\nقدر العمل، فلا يستطيع أحد أن يتلو آية إلَّا وقد أقام ما يجب عليه فيها، واستكمال ذلك إنما يكون للنبي - ﷺ -، ثم للأمة بعده على مراتبهم ومنازلهم في الدين ومعرفة اليقين، فكل منهم يقرأ على مقدار ملازمته إياه تدبرًا وعملًا، هكذا في \"المرقاة\" (١).\n١٤٦٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا جرير) بن حازم، (عن قتادة قال: سألت أنسًا عن قراءة النبي - ﷺ -؟ فقال) أنس: (كان) رسول الله - ﷺ - (يمد مدًّا) والمراد أن رسول الله - ﷺ - يمد ما كان في القرآن من حروف المد، قال الحافظ (٢): المد عند القراءة على ضربين، أصلي: وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي: وهو ما إذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة، وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل ما كان بكلمة أخرى، فالأول يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين الألف والواو والياء زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلَّا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أولًا، وقد يزاد على ذلك قليلًا، وما أفرط فهو غير محمود، انتهى.\nقلت: وفي رواية للبخاري (٣) عن قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي - ﷺ -؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم، قال الحافظ: أي يمد اللام التي قبل الهاء من الجلالة، والميم التي قبل النون من الرحمن، والحاء من الرحيم.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦٤٣ - ٦٤٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٩١).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٥٠٤٦).","vol":"6","page":179},{"text":"١٤٦٦ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ: \"أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- وَصَلَاتِهِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتَهُ؟ !، كَانَ يُصَلِّى وَيَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّى قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى حَتَّى يُصْبِحَ،\n===\n١٤٦٦ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، نا الليث (٢)، عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله، (عن يعلي بن مملك: أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله - ﷺ - وصلاته؟) أي في الليل (فقالت: وما لكم وصلاته) وفي رواية أحمد: \"ما لكم ولصلاته\" بترك الواو وزيادة اللام على الصلاة، قال الطيبي (٣): وما لكم عطف على مقدر، أي ما لكم وقراءته، وما لكم وصلاته، والواو في قوله: \"وصلاته\" بمعنى مع، أي ما تصنعون هع قراءته وصلاته، ذكرتها تحسرًا وتلهفًا على ما تذكرت من أحوال رسول الله - ﷺ -، لا أنها أنكرت السؤال على السائل، انتهى. أو معناه أي شيء يحصل لكم مع وصف قراءته وصلاته وأنتم لا تستطيعون أن تفعلوا مثله، ونظيره قول عائشة: وأيكم يطيق ما كان رسول الله - ﷺ - يطيق.\nكان) رسول الله - ﷺ - (يصلي وينام قدر ما صلَّى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلَّى حتى يصبح) أي كانت صلاته في أوقات [ثلاث] إلى الصبح، أو كان يستمر حاله هذا من القيام والنيام إلى أن يصبح، قلت: ويدل على التوجيه الثاني ما رواه النسائي في \"المجتبى\" (٤) في \"باب ذكر صلاة\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) قوله: \"الليث\" رجح الترمذي هذا الحديث على حديث ابن جريج الآتي في \"كتاب الحروف والقراءات\"، وسيأتي تمام الكلام هناك. (ش).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٠٩)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٨٣).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٦٢٨).","vol":"6","page":180},{"text":"وَنَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِىَ تَنْعَتُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا\". [ت ٢٩٢٣، ن ١٠٢٢، حم ٦/ ٢٩٤، خزيمة ١١٥٨، ق ٣/ ١٣]\n١٤٦٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفَتْحِ وَهُوَ يُرَجِّعُ\". [خ ٤٨٣٥، م ٧٩٤، تم ٣١٢، ق ١٠/ ٢٢٩]\n===\nرسول الله - ﷺ - بالليل\"، ولفظه فقالت: كان (٢) يصلي العتمة، ثم يصبح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلَّى، ثم يستيقظ من نومه ذلك، فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح.\n(ونعتت) أي وصفت (قراءته فإذا هي) أي أم سلمة (تنعت (٣) قراءته) أي رسول الله - ﷺ - (حرفًا حرفًا)، وفي رواية النسائي (٤): قراءةً مفسرةً حرفًا حرفًا، أي مرتلة ومجودة ومميزة غير مخالطة، أو المراد بالحرف الجملة المفيدة فتفيد مراعاة الوقوف بعد تبيين الحروف.\n١٤٦٧ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن معاوية بن قرة) بضم القاف، (عن عبد الله بن مغفل قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة، وهو على ناقة يقرأ بسورة الفتح وهو يرجع) أي يردد في الصوت.\nقال الحافظ (٥): الترجيح هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسره كما سيأتي في حديث\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي الأصل: \"قالت: فكان\" وهو خطأ.\n(٣) قوله: \"تنعت\" بالقول أو الفعل احتمالان، الظاهر الثاني كما في \"حاشية الخصائل\"، انتهى. (ش).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٦٢٩).\n(٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٩٢).","vol":"6","page":181},{"text":"١٤٦٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ». [ن ١٠١٥، جه ١٣٤٢، دي ٣٥٠٠، حم ٤/ ٢٨٣]\n===\nعبد الله بن مغفل: \"أاأ\" بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى، ثم قالوا: يحتمل أمرين: أحدهما: أن ذلك حدث من هزِّ الناقة، والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق، فإن في بعض طرقه: \"لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن\" أي النغم، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: معنى الترجيح تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.\n١٤٦٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير) بن حازم، (عن الأعمش، عن طلحة) بن مصرف، (عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله - ﷺ -: زيَّنُوا القرآن) أي قراءته (بأصواتكم) الحسنة، أو أظهروا زينة القرآن بحسن أصواتكم، قال القاضي (١): قيل: من القلب، يدل عليه أنه روي عن البراء أيضًا عكسه، وقيل: المراد تزيينه بالتجويد والترتيل وتليين الصوت وتحزينه.\nوأما التغني (٢) بحيث يخل بالحروف زيادة ونقصانًا، فهو حرام يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع، ويجب إنكاره، فإنه من أسوء البدع، وزاد الحاكم: \"فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا\". وروى الطبراني: \"حسن الصوت زينة القرآن\"، وعبد الرزاق: \"لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن\"، يعني كما أن الحلل والحلي يزيد للحسناء حسنًا، وهو أمر\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦٩٩).\n(٢) قوله: \"وأما التغني\": القراءة باللحن مكروه، وحديث: \"زينوا القرآن\" مقلوب، كذا في الدسوقي (١/ ٤٩١). (ش).","vol":"6","page":182},{"text":"١٤٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ، بِمَعْنَاهُ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَهِيكٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ.\nوَقَالَ يَزِيدُ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ.\nوَقَالَ قُتَيْبَةُ: هُوَ فِى كِتَابِى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ\n===\nمشاهد، فدل علي أن رواية العكس محمولة علي القلب لا العكس، فتدبر، ولا منع من الجمع.\n١٤٦٩ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي وقتيبة بن سعيد وبزيد بن خالد بن موهب الرملي، بمعناه) أي كل واحد منهم روى الحديث بمعنى حديث الاخر وإن اختلف لفظه، (أن الليث حدثهم، عن عبد الله) بن عبيد الله (بن أبي مليكة) منسوب إلى جده، (عن عبيد الله بن أبو نهيك) بفتح النون، المخزومي، حجازي، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): عبد الله بن أبي نهيك، ويقال: عبيد الله، قال أبو حاتم: عبيد الله بن أبي نهيك القاسم بن محمد، روى عن سعد بن أبي وقاص، وعنه ابن أبي مليكة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: لكنه ذكره في عبيد الله مصغرًا، وكذا ذكره جماعة، وقال النسائي والعجلي: عبيد الله بن أبي نهيك ثقة.\n(عن سعد بن أبي وقاص، وقال يزيد: عن ابن أبي مليكة) أي لم يذكر اسمه، (عن سعيد بن أبي سعيد) أي موضع سعد بن أبي وقاص (وقال قتيبة: هو في كتابي عن سعيد بن أبي سعيد) أي في حفظي عن سعد بن أبي وقاص، وفي كتابي عن سعيد بن أبي سعيد.\nحاصله: أنه وقع الاختلاف في سند هذا الحديث، فقال بعض تلامذة\n_________\n(١) (٦/ ٥٨).","vol":"6","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالليث: عن سعد بن أبي وقاص، وقال بعضهم: عن سعيد بن أبي سعيد، فأبو الوليد الطيالسي وقتيبة قالا: عن سعد بن أبي وقاص، ولكن في كتاب قتيبة: عن سعيد بن أبي سعيد، فاختلف حفظه كتابه، وفي رواية يزيد بن خالد: عن سعيد بن أبي سعيد، وفي رواية عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك: عن سعدٍ، كما سيأتي.\nوروى الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١) من طريق عبد الله بن صالح، ثنا الليث بن سعد، أبنا عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعيد بن أبي سعيد.\nثم أخرج من عبد الله بن صالح، قال لنا الليث بالعراق - يعني في هذا الحديث-: عن سعد بن أبي وقاص، وأخرج من طريق شعيب بن الليث، ثنا الليث، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد أو سعيد.\nثم أخرج من طريق أبي الوليد الطيالسي، ثنا الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن سعد.\nوقال الذهبي في \"التجريد\" (٢): سعيد بن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - في التغني بالقرآن من رواية عبيد الله بن أبي نهيك عنه، والصواب عن ابن أبي نهيك، عن سعد، وقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣) في القسم الرابع: سعيد بن أبي سعيد، روى عن النبي - ﷺ - في التغني بالقرآن من رواية عبيد الله بن أبي نهيك عنه، والصواب عن ابن أبي نهيك عن سعد، هكذا استدركه الذهبي في \"التجريد\"، وليست لسعيد بن أبي سعيد صحبة، وإنما جاءت هذه الرواية مرسلة.\n_________\n(١) (٣/ ٣٤٨).\n(٢) (١/ ٢٢٢).\n(٣) (٢/ ١٢٤).","vol":"6","page":184},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ\". [حم ١/ ١٧٢، دي ١٤٩٠]\n===\nوقد ذكر المزي في \"الأطراف\" (١) وعزاه لأبي داود (٢)، وأبو داود قد بين الاختلاف في \"مسنده\" (٣) عن الليث، ومن جملته هذه الرواية، ثم ذكر المزي في \"المراسيل\" (٤): سعيد بن أبي سعيد المقبري حديث \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" تقدم في ترجمة عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص، وهذا هو الصواب، وقد غلط صاحب \"العون\" (٥) في هذا المحل، فقال فيه ما قال على ظنه.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليس منا) أي خلقًا وسيرة، أو متصلًا بنا ومتابعًا لنا في طريقتنا الكاملة، ونظيرُ مِنْ الاتصالية قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٦) (من لم يتغن بالقرآن) أي لم يحسن صوته به، أو لم يجهر، أو لم يستغن (٧) به عن غيره، أو لم يترنم، أو لم يتحزن، أو لم يطلب به غنى النفس، أو لم يرج به غنى اليد، والتوربشتي (٨) رجح معنى الاستغناء، وقال: المعنى ليس من أهل سنتنا، وممن تبعنا في أمرنا، وهو وعيد، ولا خلاف بين الأمة أن قارئ القرآن مثاب على قراءته مأجور من غير تحسين صوته، فكيف يحمل على كونه مستحقًا للوعيد وهو مثاب مأجور.\nقلت: وكذلك رجح الطحاوي في \"مشكله\" (٩) معنى الاستغناء.\n_________\n(١) \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٣٠٤) رقم الحديث (١٨٦٩).\n(٢) وفي الأصل: لابن أبي داود، وهو تحريف.\n(٣) كذا في \"الإصابة\" (٢/ ١٢٤)، والظاهر: في سننه.\n(٤) انظر: \"تحفة الأشراف\" (١٣/ ٢٠٤).\n(٥) انظر: \"عون المعبود\" (٤/ ٢٤٠).\n(٦) سورة التوبة: الآية ٦٧.\n(٧) أي يستغني به عن أخبار الأمم السابقة، كذا في حاشية البخاري، وكذا في شروحه \"الفتح\" وغيره. (ش) [انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٩٨)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٦٦)].\n(٨) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦٩٣).\n(٩) \"مشكل الآثار\" (٣/ ٣٥٣).","vol":"6","page":185},{"text":"١٤٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (١) بْنِ أَبِى نَهِيكٍ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ (٢) اللَّهِ - ﷺ - مثْلَهُ. [انظر سابقه]\n١٤٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى يَزِيدَ:\n===\n١٤٧٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو) بن دينار، (عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك، عن سعد) بن أبي وقاص (قال: قال رسول الله - ﷺ - مثله).\n١٤٧١ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد) بن نصر الباهلي مولاهم، البصري، أبو يحيى المعروف بالنرسي بفتح النون وسكون الراء وبالمهملة، لا بأس به، (نا عبد الجبار بن الورد) المخزومي مولاهم، المكي، أبو هشام، صدوق يهم (قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد)، ذكر الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في شيوخ عبيد الله بن أبي يزيد أبا لبابة، وفي تلامذة أبي لبابة بن عبد المنذر عبيد الله بن أبي يزيد.\nوأخرج الطحاوي هذا الحديث (٣) من طريق إبراهيم بن أبي الوزير، ثنا عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي يزيد، ثم قال: قال أبو جعفر: هكذا قال، وإنما هو ابن أبي نهيك، ثم قواه بحديث فهد، قال: ثنا فهد قال: حدثنا يَسَرَة بن صفوان بن جميل اللخمي، [قال:] ثنا عبد الجبار بن ورد، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك - هكذا قال لنا فهد: [عن عبد الله] وإنما هو عبيد الله - قال: دخلنا على أبي لبابة، الحديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٣٥١) رقم الحديث (١٣٠٨).","vol":"6","page":186},{"text":"مَرَّ بِنَا أَبُو لُبَابَةَ فَاتَّبَعْنَاهُ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَجُلٌ رَثُّ الْبَيْتِ، رَثُّ الْهَيْئَةِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»، قَالَ: فَقُلْتُ لاِبْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَرَأَيْتَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ؟ قَالَ: \"يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ\". [ق ١٠/ ٢٣٥]\n===\nفكلام الطحاوي يدل على أن تسمية عبيد الله بن أبي يزيد غير صواب، والله تعالى أعلم، وعبيد الله بن أبي يزيد المكي مولى آل قارظ بن شيبة، وثقه ابن المديني وابن معين والعجلي وأبو زرعة وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(مر بنا أبو لبابة) بن عبد المنذر الأنصاري المدني، اسمه بشير، وقيل: رفاعة بن عبد المنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس، ويقال: إن رفاعة ومبشرًا أخواه، ويقال: شهد بدرًا، ويقال: رده النبي - ﷺ - حين خرج إلى بدر من الروحاء، واستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره، ثم شهد أحدًا وما بعدها، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في الفتح، وكان أحد النقباء، شهد العقبة، مات في خلافة علي - ﵁ -.\n(فاتَّبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رث البيت) الرب: الثوب الخلق البالي، فأطلق على كل شيء خلق ضعيف رديء (رث الهيئة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، ظاهره أن أبا لبابة اختار رثاثة الحال، لأنه حمل قوله - ﷺ -: \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" على معنى الاستغناء.\n(قال) أي ابن الورد: (فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع)، فحمل ابن أبي مليكة التغني على حسن الصوت.","vol":"6","page":187},{"text":"١٤٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالَ: قَالَ وَكِيعٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ: يَعْنِي يَسْتَغْني بِهِ. [خ ٥٠٢٤]\n١٤٧٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ وَحَيْوَةُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَىْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ». [خ ٥٠٢٣، م ٧٩٢، ن ١٠١٦، ق ٣/ ١٢]\n===\n١٤٧٢ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: قال وكيع وابن عيينة) أي في تفسير من لم يتغن: (يعني يستغني به).\n١٤٧٣ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، حدثني عمر بن مالك وحيوة) بن شريح التجيبي، (عن ابن الهاد) يزيد، (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث) التيمي القرشي، (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: ما أذن الله لشيء) ما نافية، أي ما استمع لشيء (ما أذن) ولفظ ما هذا مصدرية، أي كاستماعه (لـ) صوت (نبي) أي استماع محبة ورحمة (حسن الصوت يتغنى) أي يحسن صوته (بالقرآن) أي بتلاوته، وقيل: مصدر بمعنى القراءة أو المقروءة، وقيل: أراد بالقرآن ما يقرأ من الكتب المنزلة، ويدل عليه تنكير نبي، وقال الأزهري: والحمل على الاستغناء خطأ من حيث اللغة، انتهى. وقد أخطأ في التخطئة من حيث اللغة، إذ في \"النهاية\": رجل ربطها تغنيًا، أي استغناء بها عن الطلب من الناس، ومن لم يتغن بالقرآن، أي من لم يستغن به عن غيره، وفي \"القاموس\": تغنيت: استغنيت.\n(يجهر به) أي في صلاته أو تلاوته أو حين تبليغ رسالته، ظاهر سياق أبي داود يدل على أن لفظ \"يجهر به\" داخل في الحديث، وليس كذلك، لأنه أخرج البخاري (١) من طريق ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن،\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٠٢٣).","vol":"6","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>(٣٥٧) بابُ التَّشْدِيدِ فِيمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ</span>\n١٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ فَائِدٍ،\n===\nعن أبي هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"لم يأذن الله لنبي ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن، وقال صاحب له: يريد يجهر به\".\nقال الحافظ (١) الضمير في \"له\" لأبي سلمة، والصاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث، فكأن هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة، وسمعه من عبد الحميد، قلت: وهي ثابتة عن أبي سلمة من وجه آخر أخرجه مسلم (٢) من طريق الأوزاعي، عن أبي هريرة بلفظ: \"ما أذن الله لشيء كَأَذَنِهِ (٣) لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به\"، وكذا ثبت عنده من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، وظاهر هذا الكلام أن قوله: \"يجهر به\" تفسير من أبي سلمة مدرج في الحديث، والله أعلم.\n(٣٥٧) (بَابُ التَّشْدِيدِ) أي: التغليظ (فِيمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَه) أي: ترك قراءته تهاونًا وتساهلًا حتى نسي\n١٤٧٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن إدريس) أي عبد الله، (عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد) بفاء، عن سعد بن عبادة في الذي ينسى القرآن، وقيل: عن رجل، عن سعد، وقيل: عن عبادة بن الصامت، وقيل غير ذلك، روى عنه يزيد بن أبي زياد، قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره، وقال ابن عبد البر: هذا إسناد رديء في هذا المعنى، وعيسى بن فائد لم يسمع من سعد بن عبادة ولا أدركه، قلت: وقال ابن المديني: مجهول.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٩).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٢٣٤/ ٧٩٢).\n(٣) قوله: \"كأَذَنِه\" وهو بفتح الهمزة والذال، مصدر أذن يأذن أذنًا كفرح يفرح فرحًا.","vol":"6","page":189},{"text":"عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثم يَنْسَاهُ إلَّا لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ». [دي ٣٣٤٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>(٣٥٨) بابٌ: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ</span>\"\n===\n(عن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه) أي بالنظر عندنا، وبالغيب عند الشافعي، أو المعنى ثم يترك قراءته نسي أو ما نسي (إلَّا لقي الله يوم القيامة أجذم) أي ساقط الأسنان، أو على هيئة المجذوم، أو ليست له يد، أو لا يجد شيئًا يتمسك به في عذر النسيان، أو ينكس رأسه بين يدي الله حياء وخجالة من نسيان كلامه الكريم.\nوقال الطيبي (١): أي مقطوع اليد من الجذم وهو القطع، وقيل: مقطوع الأعضاء، يقال: رجل أجذم إذا تساقطت أعضاؤه من الجذام، وقيل: أجذم الحجة، أي لا حجة له، ولا لسان يتكلم [به]، وقيل: خالي اليد عن الخير.\nوالحديث أخرجه الإِمام أحمد (٢) من طريق خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة قال: سمعت غير مرة ولا مرتين يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من أميرِ عَشَرةٍ إلَّا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا، لا يَفُكُّه من ذلك الغُلِّ إلَّا العَدْلُ، وما من رجل قرأ القرآن فَنَسِيَه إلا لقي اللهَ يوم يلقاه وهو أَجْذَمُ\".\nوقد تقدم في \"باب كنس المسجد\" من حديث أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -، وفيه: \"وعرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها\".\n\n(٣٥٨) (بَابٌ: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\")\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): أي على سبعة أوجه، يجوز أن يقرأ بكل وجه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٨١)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٧٠٠).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٨٥) رقم (٢٢٤٦٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣).","vol":"6","page":190},{"text":"١٤٧٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: \"سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا،\n===\nمنها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما ينتهي إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة، فإن قيل: فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه، فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة، وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما، وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعين في العشرات.\n١٤٧٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد) غير مضاف إلى شيء (القاريِّ) بتشديد الياء التحتانية، نسبة إلى القارة، بطن من خزيمة بن مدركة، وليس هو منسوبًا إلى القراءة، وكانوا قد حالفوا بني زهرة، وسكنوا معهم بالمدينة بعد الإِسلام، وكان عبد الرحمن من كبار التابعين، وقد ذكر في الصحابة لكونه أتي به إلى النبي - ﷺ - وهو صغير، مات سنة ٨٨ هـ، كذا في \"الفتح\" (١).\n(قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام) الأسدي، له ولأبيه صحبة، وكان إسلامهما يوم الفتح، وكان لهشام فضل، ومات قبل أبيه، ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر أو عمر (يقرأ سورة الفرقان) أي في حياة رسول الله - ﷺ - (على غير ما أقرؤها) وفي البخاري: \"فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله - ﷺ -).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٥).","vol":"6","page":191},{"text":"وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِي، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اقْرَأْ»، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِى سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ لِى: «اقْرَأْ»، فَقَرَأْتُ،\n===\n(وكان رسول الله - ﷺ - أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه) أي لا أمهله إلى إتمام الصلاة (ثم أمهلته حتى انصرف) عن الصلاة (ثم لببته بردائى) وفي رواية: \"بردائه\". بفتح اللام وموحدتين الأولى مشددة والثانية ساكنة، أي جمعت عليه ثيابه عند لبته لئلا يتفلت مني، وكان عمر - ﵁ - شديدًا في الأمر بالمعروف، وفعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشامًا خالف الصواب، ولهذا لم ينكر عليه النبي - ﷺ - بل قال له: \"أرسله\".\n(فجئت به رسول الله - ﷺ -) وفي البخاري: \"فانطلقت به أقوده إلى رسول الله - ﷺ -\"، كأنه لما لبَّبه بردائه، صار يجرُّه به، فلهذا صار قائدًا له، ولولا ذلك لكان يسوقه، ولهذا قال له رسول الله - ﷺ - لما وصلا إليه: \"أرسله\".\n(فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا) أي هشامًا (يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها)، وفي رواية البخاري: \"على حروف لم تُقرئنيها\"، قال الزرقاني (١): ولم يقع في شيء من الطرق تفسير الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان، نعم اختلف الصحابة فمن دونهم في أحرف كثيرة من هذه السورة كما بينه في \"التمهيد\".\n(فقال له) أي لهشام (رسول الله - ﷺ -: اقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته) أي هشامًا (يقرأ، فقال رسول الله - ﷺ -) لما أتم هشام قراءتهما (هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت) أي القراءة التي أقرأنيها رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١١)، وانظر: \"التمهيد\" (٨/ ٢٧٢).","vol":"6","page":192},{"text":"فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ». [خ ٤٩٩٢، م ٨١٨، ت ٢٩٤٣، ن ٩٣٦، حم ١/ ٥٦٠، ق ٢/ ٣٨٣]\n===\n(فقال: هكذا أنزلت، ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف).\nقال الحافظ (١): هذا أورده النبي - ﷺ - تطمينًا لعمر - ﵁ - لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين.\nوقد وقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام.\nمنها: ما وقع لأبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل.\nومنها: ما وقع لعمرو بن العاص مع رجل في آية، أخرجه أحمد بإسناد حسن.\nومنها: ما وقع من حديث أبي جهم بن الصمة عند أحمد وأبي عبيد والطبري: أن رجلين اختلفا في آية من القرآن كلاهما يزعم أنه تلقاها هن رسول الله - ﷺ -.\nومنها: ما وقع للطبرى والطبراني عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي بن كعب فاختلف قراءتهم، فبقراءة اْيهم آخذ؟ الحديث،\nوقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة، بلغها أبو حاتم بن حبان إلى خمسة وثلاثين قولًا، وقال المنذوي: أكثرها غير مختار.\n(فاقرؤوا ما تيسر منه) أي من المنزل، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القاريء، وهذا يقول قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام بلسان\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٦).","vol":"6","page":193},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقريش وكذلك عمر - ﵁ -، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما، نبه على ذلك ابن عبد البر، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة.\nوذهب أبو عبيد وآخرون إلى أن المراد اختلاف اللغات وهو اختيار ابن عطية، وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأن المراد أفصحها، فجاء عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العَجُزِ من هوازن، قال: والعَجُزُ: سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية، وهؤلاء كلهم من هوازن، ويقال لهم: عليا هوازن، ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم.\nوأخرج أبو عبيد من وجه آخر عن ابن عباس قال: نزل القرآن بلغة الكعبين: كعب قريش وكعب خزاعة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الدار واحدة، يعني أن خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم.\nوقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش وهذيل وتيم الرباب والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر.\nواستنكره ابن قتيبة واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (١) فعلى هذا فتكون اللغات السبع في بطون قريش، وبذلك جزم أبو علي الأهوازي.\nوعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم: هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسد بن خزيمة وقريش، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات.\nونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولًا بلسان قريش\n_________\n(١) سورة إبراهيم: الآية ٤.","vol":"6","page":194},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد، كل ذلك مع اتفاق المعنى، وعلى هذا ينزل اختلافهم في القراءة كما تقدم، وتصويب رسول الله - ﷺ - كلا منهم.\nوقال الزرقاني (١): واختلف في ذلك على نحو أربعين قولًا، أكثرها غير مختار، قال ابن العربي: لم يأت في ذلك نص ولا أثر، وقال أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي: هذا من المشكل الذي لا يدرى معناه، لأن الحرف يأتي لمعان للهجاء وللكلمة وللمعنى وللجهة، انتهى.\nوأقربها قولان: أحدهما: أن المراد سبع لغات، وعليه أبو عبيدة وثعلب والزهري وآخرون، وصححه ابن عطية والبيهقي.\nوالثاني: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل وتَعال وهَلُمَّ وعَجِّل وأَسْرع، وعليه سفيان بن عيينة وابن وهب وخلائق، ونسبه ابن عبد البر (٢) لأكثر العلماء، لكن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، وهو أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها من لغته، بل ذلك مقصور على السماع منه - ﷺ -، كما يشير إليه قول كل من عمر وهشام: أقرأني النبي - ﷺ -، ولئن سلم إطلاق الإباحة بقراءة المرادف ولو لم يسمع، لكن إجماع الصحابة زمن عثمان - ﵁ - الموافق للعرضة الأخيرة يمنع ذلك.\nواختلف هل السبعة باقية إلى الآن يقرأ بها أم كان ذلك ثم استقر الأمر على بعضها؟ ذهب الأكثر إلى الثاني كابن عيينة وابن وهب والطبري والطحاوي، وهل استقر ذلك في زمن النبي محمد أم بعده؟ الأكثر على الأول، واختاره الباقلاني\n_________\n(١) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١١).\n(٢) انظر: \"التمهيد\" (٨/ ٣٩).","vol":"6","page":195},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوابن عبد البر وابن العربي وغيرهم، لأن ضرورة اختلاف اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم أقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر، فأذن لكل أن يقرأ على حرفه أي على طريقته في اللغة، حتى انضبط الأمر، وتدربت الألسن، وتمكن الناس من ألاقتصار على لغة واحدة، فعارض جبريل النيي - ﷺ - القرآن مرتين في السنة الأخيرة، واستقر على ما هو عليه الآن، فنسخ الله تلك القراءات المأذونة فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس.\nقال أبو شامه: ظن قوم أن المراد القراءة السبعه الموجودة الآن، وهو خلاف إجماع العلماء، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل.\nوقال مكي بن أبي طالب: من ظن أن قراءة هؤلاء كعاصم ونافع هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطًا عظيمًا، ويلزم منه أن ما خرج عن قراءتهم مما ثبت عن الأئمة وغيرهم ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم، وقد بين الطيري وغيره أن اختلاف القراء إنما هو حرف واحد، انتهى.\nقلت: وأما المشيخ ولي الله الدهلوي - رحمة الله عليه- قال في شرحه على \"الموطأ\" (١) ما حاصله: إن ما تقرر عندي وترجح في هذا الاختلاف أن ذكر السبع في الحديث لبيان الكثرة لا للتحديد.\nوالحاصل: أن العرب يؤدون الكلام الواحد مع رعاية ترتيب النظم على وجوه محتلفة، وكل واحد من الوجوه حرف، وهذا التعدد قد يكون بجهة اختلاف مخارج الحروف، وقد يكون بجهة المدة والترخيم والترقيق وغيرها، وقد يكون لاستعمال ألفاظ مترادفة كالفاجر والأثيم، ومثل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، و﴿قُلْ لِمَنْ كَفَرَ﴾.\nفاختلاف القُرَّاء السبعة الذي كتب في مصاحف عثمان هو من جملة\n_________\n(١) انظر: \"المصفى\" (١/ ١٩١). و\"المسوى\" (١/ ٣٣٢).","vol":"6","page":196},{"text":"١٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِىُّ: \"إِنَّمَا هَذِهِ الأَحْرُفُ فِى الأَمْرِ الْوَاحِدِ لَيْسَ يخْتَلِفُ (١) فِى حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ\". [م ٨١٩]\n١٤٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِىِّ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «يَا أُبَىُّ، إِنِّى أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ، فَقِيلَ لِى: عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ (٢)،\n===\nاختلاف الأحرف، واختلاف الصحابة والتابعين في أداء كلمة بوجه لا تتحمله المصاحف العثمانية داخل أيضًا في اختلاف الأحرف مثلًا: فامضوا، فاسعوا، ووصى ربك، وقضى ربك، وما خلق الذكر والأنثى، بخلاف ما إذا كان الاختلاف على وجه يُخِلُّ بترتيب النظم وُيغَيِّرُه تغييرًا فاحشًا بحيث لا يطلق عليه القرآن لا يكون داخلًا في السبعة الأحرف، انتهى ملخصًا.\n١٤٧٦ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق، أنا معمر قال: قال الزهري: إنما هذه الأحرف) أي الاختلاف في الأحرف (في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال ولا حرام) حاصله: أن اختلاف الأحرف مقصور على اختلاف في اللفظ لا يتعدي إلى اختلاف المعنى والحكم.\n١٤٧٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام بن عبد الملك، (نا همام بن يحيى، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد الخزاعي، عن أبي بن كعب قال: قال النبي - ﷺ -: يا أبي، إني أقرئت القرآن) أي: أقرأني جبرئيل (فقيل لي) لعل القائل هو الله تعالى أو ملك (على حرف أو حرفين؟) بتقدير الاستفهام، أي: أتحب أن تقرأ على حرف\n_________\n(١) في نسخة: \"تختلف\".\n(٢) زاد في نسخه: \"أو ثلاث\".","vol":"6","page":197},{"text":"فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِى مَعِى: قُلْ عَلَى حَرْفَيْنِ، قُلْتُ: عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقِيلَ لِى: عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِى مَعِى: قُلْ عَلَى ثَلَاثَةٍ (١)، قُلْتُ: عَلَى ثَلَاثَةٍ (٢)، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ مِنْهَا إلَّا شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ (٣)، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ». [حم ٥/ ١٢٤، ق ٢/ ٣٨٤]\n===\nأو حرفين (فقال الملك الذي معي) أي جبرئيل: (قل على حرفين) أي أحب أن أقرأ على حرفين (قلت: على حرفين، فقيل لي) القائل هو الأول: (على حرفين أو ثلاثة؟) بتقدير الاستفهام، أي أتحب أن تقرأ على حرفين أوثلاثة؟ (فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة، قلت: على ثلاثة) أي أحب أن أقرأ على ثلاثة أحرف (حتى بلغ) أي الملك أو التزايد (سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها) أي من الأحرف (إلَّا شاف) لأمراض الجهل (كاف) في الصلاة، أو شاف للعليل في فهم المقصود، كاف للإعجاز في إظهار البلاغة، أو شاف لصدور المؤمنين للاتفاق في المعنى، وكاف في الحجة على صدق النبي - ﷺ -، أو شاف في إثبات المطلوب للمؤمنين، كاف في الحجة على الكافرين، قاله القاري (٤).\n(إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا) أصبت، والأوضح ما في رواية أحمد في \"مسنده\" (٥): إن قلت: غفورًا رحيمًا، أو قلت: سميعًا عليمًا، أو عليمًا سميعًا، فالله كذلك، حاصله: أنك إن بدلت صفة بصفة أخرى، فلا مضايقة فيه (ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب) فهذا لا يجوز، لأن هذا يخل بالنظم ويغير المعنى.\n_________\n(١) في نسخة: \"ثلاث\".\n(٢) في نسخة: \"ثلاث\".\n(٣) في نسخة: \"بآية رحمة\".\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٧٢٠).\n(٥) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٢٤) رقم الحديث (٢١١٤١).","vol":"6","page":198},{"text":"١٤٧٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِى غِفَارٍ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى حَرْفٍ. قَالَ: «أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، إِنَّ أُمَّتِى لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»، ثُمَّ أَتَاهُ ثَانِيَةً (١) فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا،\n===\n١٤٧٨ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن الحكم) بن عتيبة، (عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب أن النبي - ﷺ - كان عند أضاة بني غفار) هو بفتح الهمزة والضاد المعجمة بغير همز وآخره تاء تأنيث، هو مستنقع الماء كالغدير، وجمعه أضى كعصى، وقيل: بالمد والهمز مثل إناء، وهو موضع بالمدينة النبوية، ينسب إلى بني غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء، لأنهم نزلوا عنده، كذا في \"الفتح\".\n(فأتاه) رسول الله - ﷺ - (جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ) القرآن (أمتك على حرف) واحد (قال) رسول الله - ﷺ -: (أسأل الله معافاته) عفوه، وجاء بالمفاعلة للمبالغة (ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك) لاختلاف ألسنتهم أو لحميتهم على أن ينتقلوا من لغتهم إلى لغة غيرهم (ثم أتاه) أي جبرئيل رسول الله - ﷺ - (ثانية) أي مرة ثانية (فذكر) أي ابن المثنى (نحو هذا) اختصره المصنف.\nوأخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) مطولًا ولفظه: \"ثم جاء الثانية فقال: إن الله ﵎ يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذاك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله ﵎ يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا\".\nوقد أخرجه مسلم (٣) أطول مما لأحمد، وفيه: \"ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته\n_________\n(١) في نسخة: \"الثانية\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٢٧) رقم (٢١١٦٤).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٨٢١).","vol":"6","page":199},{"text":"حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، قَالَ (١): إِنَّ اللَّه يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتكَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَؤُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا\". [م ٨٢١، ن ٩٣٩، حم ٥/ ١٢٧، ق ٢/ ٣٨٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>(٣٥٩) باب الدُّعَاءِ</span>\n١٤٧٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِىِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الدُّعَاءُ هي (٢) الْعِبَادَةُ\n===\nومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يامرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف\"، الحديث.\n(حتى بلغ سبعة أحرف، قال) في الرابعة كما في مسلم: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك) القرآن (على سبعة أحرف) ظاهره أنه كان في الحديث ذكر المرة الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، فحذف في الاختصار، ولكن لم أر في رواية أحد ذكر المرة الخامسة والسادسة والسابعة (فأيما حرف قرؤوا عليه) من تلك الحروف (فقد أصابوا).\n\n(٣٥٩) (بابُ الدُّعَاءِ) (٣)، أي: في فضله وآدابه\n١٤٧٩ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن منصور، عن ذر) بن عبد الله، (عن يُسيع) مصغرًا، ويقال له: أسيع بن معدان (الحضرمىِ) ويقال: الكندي الكوفي، أخرجوا له حديثه عن النعمان: في الدعاء هي العبادة\"، (عن النعمان بن بشير، عن النبي - ﷺقال: الدعاء هي العبادة) الحصر للمبالغة، فإن\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"هو\".\n(٣) وهل يجب أن يكون بالعربية؟ ذكر الاختلاف فيها في هامش \"الحصن الحصين\" (ص ٢١) (ش).","vol":"6","page":200},{"text":"﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ \" [ت ٢٩٦٩، جه ٣٨٢٨، حم ٤/ ٢٦٧]\n١٤٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ، عَنْ أَبِى نُعَامَةَ،\n===\nالدعاء غاية التذلل، والتذلل بين يدي الله تعالى هو أصل العبادة وخلاصتها.\n(﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾) إلى آخر الآية، فالاستدلال على كون الدعاء هي العبادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١)، فإنه أطلق لفظ العبادة على الدعاء، معناه إن الذين لا يدعون الله ويتركون الدعاء استكبارًا فهم يستكبرون عن عبادة الله ﷾، فثبت بها أن الدعاء هي العبادة.\nفإن قلت- قوله تعالى ﴿ادْعُونِي﴾ بصيغة الأمر الذي هو للوجوب، وقوله تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ إطلاق الوعيد يدل على فرضية، الدعاء ووجوبه، وأجمعت الأمة على عدم الوجوب.\nقلت: إن الدعاء مفهومه يشمل جميع العبادات من الفرائض والنوافل، فبعض أفرادها فرض، وبمعضها نفل، فلا إشكال فيه، أو يقال: إن الأمر للاستحباب، والوعيد ليس على ترك الدعاء مطلقًا، بل على تركها استكبارًا.\n١٤٨٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، عن زياد بن مخراق) بميم مكسورة وسكون معجمة وراء وقاف، المزني مولاهم، أبو الحارث البصري، قدم الشام، وشهد خطبة عمر بن عبد العزيز، قال الأثرم: سألت أحمد عنه فقال: ما أدري، قال: وقلت له: روى حديث سعد أن النبي - ﷺ - قال: \"يكون بعدي قوم يعتدون في الدعاء\"، الحديث، فقال: نعم، لم يقم إسناده، وقال النسائي: ثقة، وكذا عن ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي نعامة) قيس بن عباية بفتح أوله وتخفيف الموحدة ثم تحتانية،\n_________\n(١) سورة غافر: الآية ٦٠","vol":"6","page":201},{"text":"عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ قَالَ: \"سَمِعَنِى أَبِى وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ (١): يَا بُنَىَّ، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِى الدُّعَاءِ»،\n===\nالحنفي الرماني، وقيل: الضبي البصري، قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي نعامة الحنفي فقال: اسمه قيس بن عباية، بصري، ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدًا رماه بكذب ولا ببدعة، قلت: فما قاله صاحب \"العون\": اسمه عيسى بن سوادة وكذا غيره في حواشي النسخ، فهو غلط محض.\n(عن ابن لسعد) بن أبي وقاص، وقال الإِمام أحمد: عن مولى لسعدٍ، أن سعدًا سمع ابنًا له يدعو (قال: سمعني أبي) أي سعد بن أبي وقاص (وأنا أقول: اللهُمَّ إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها) أي حسنها (وكذا وكذا) كناية عما في الجنة من المنازل والسرر والبسط والغرف وغيرها (وأعوذ بك من النار وسلاسلها) جمع سلسلة (وأغلالها) جمع غل وهو الطوق (وكذا وكذا) كناية عما فيها من أنواع العذاب.\n(فقال: يا بني إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء) أي يتجاوزون الحد فيها، والاعتداء في الدعاء أن يدعو بما يستحيل شرعًا أو عادة، مثل طلب النبوة بعد خاتم النبيين، أو عدم وجود الآدميين، أو ما في معناه من نزول سماء وطلوع أرض وغيرهما.\nوقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يدعو الإنسان أن يطلع السماء، أو تحول الجبل الفلاني ذهبًا، أو يجيء له الموت، أو بأمر لا يعلم حقيقته ونحو ذلك، وقد فسر الاعتداء في الدعاء بتكلف السجع، وقال بعضهم: الاعتداء هو طلب مما لا يليق به كرتبة الأنبياء والصعود إلى السماء، وقيل: هو الصياح في الدعاء.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".","vol":"6","page":202},{"text":"فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، إنك إِنْ (١) أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ (٢) مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ\".\n[جه ٣٨٦٤، حم ١/ ١٧٢]\n===\n(فإياك) أي اتق نفسك (إن تكون منهم) أي من المعتدين في الدعاء (إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر)، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (٣).\nوقد أخرج الإِمام أحمد (٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة، عن زياد بن مخراق، قال: سمعت أبا عباية، عن مولًى لسعد أن سعدًا - ﵁ - سمع ابنًا له يدعو وهو يقول: اللهُمَّ إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألتَ الله خيرًا كثيرًا، وتعوذت بالله من شر كثير، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء\"، وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥)، إنَّ بِحَسْبِك أن تقول: اللهُمَّ إني أسألك الجنة، وما قَرَّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قَرَّب إليها من قول أو عمل.\nوقد أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٦): حدثنا شعبة، أخبرني زياد بن مخراق، سمعت أبا عباية (٧)، شك أبو داود أن سعدًا سمع ابنا له يقول، الحديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢) في نسخة: \"أعذت منها يعني من النار\".\n(٣) سورة آل عمران: الآية ١٨٥.\n(٤) \"مسند أحمد\" (١/ ١٧٢) رقم (١٤٨٢).\n(٥) سورة الأعراف: الآية ٥٥.\n(٦) (ص ٢٨) رقم الحديث (٢٠٠).\n(٧) قال في حاشيته: هكذا، وفي \"مسند الإِمام أحمد\" (١/ ١٨٣) رقم (١٥٨٤): سمعت قيس بن عباية يحدث عن مولى لسعد، انتهى. (ش).","vol":"6","page":203},{"text":"١٤٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِى أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ: أَنَّ أَبَا عَلِىٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا يَدْعُو فِى صَلَاتِهِ، لَمْ يُمَجِّدِ (١) اللَّهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ (٢) رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ-، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ». [ت ٣٤٧٦، ن ١٢٨٤]\n===\n١٤٨١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن يزيد) أبو عبد الرحمن المقرئ، (نا حيوة) بن شريح التجيبي، (أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ) الخولاني المصري، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: لا بأس به، ثقة.\n(أن أبا علي عمرو بن مالك حدثه أنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله - ﷺ -) هو فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، أَوَّلُ ما شَهِدَ شهد أُحُدًا، ثم نزل دمشق وولي قضاءها (يقول: سمع رسول الله - ﷺ - رجلًا يدعو في صلاته) أي في داخل صلاته أو بعدها (لم يمجد الله) في بدء دعائه (ولم يصل على النبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: عَجلَ هذا)، أي كان ينبغي له أن يبدأ بآداب الدعاء من التحميد والثناء على الله تعالى، والصلاة على النبي - ﷺ -، فعجل وتركها وبدأ بالطلب.\n(ثم دعاه) أي الرجل (فقال له أو لغيره) ليسمع هو ويعمل به: (إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه) هو من عطف العام على الخاص (ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ثم يدعو)، وفي روايه الترمذي: ثم ليصلي على النبي - ﷺ -، ثم ليدع (بعد بما شاء) من خير الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) في نسخة: \"يحمد\".\n(٢) في نسخة: \"بتحميد الله\"، وفي نسخة: \"بتحميد ربه\".","vol":"6","page":204},{"text":"١٤٨٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِى نَوْفَلٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ\n===\nقال الشوكاني (١): قيل: هذا الحديث موافق في المعنى لحديث ابن مسعود وغيره في التشهد، فإن ذلك متضمن للتمجيد والثناء، وهذا مجمل، وذلك مبين للمراد، وهو لا يتم إلَّا بعد تسليم أن النبي - ﷺ - سمع الرجل يدعو في قعدة التشهد.\n١٤٨٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا يزيد بن هارون، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل) بن أبي عقرب البكري الكندي العريجي، قال في \"التقريب\": بفتح المهملة وكسر الراء والجيم، وفي \"الخلاصة\": العرنجي بفتح المهملتين وإسكان النون، وكلاهما غير صحيح.\nوالصواب ما قال السمعاني في \"الأنساب\" (٢): بضم العين المهملة وفتح الراء وبعدها الياء الساكنة آخر الحروف وفي آخرها الجيم، هذه النسبة إلى العُرَيج، وهو اسم لجماعة، ولبطون من العرب، وهو عُرَيج بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، منهم أبو نوفل بن أبي عقرب العريجي البصري، وقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣) في ترجمة أبيه أبي عقرب: أبو عقرب البكري من بني عريج بمهملة وجيم مصغرًا، ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وصححه وصوبه في \"أسد الغابة\": قيل: اسمه مسلم بن أبي عقرب، وقيل: عمرو بن مسلم بن أبي عقرب، وقيل: معاوية بن مسلم بن أبي عقرب، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وسماه شعبة معاوية بن عمرو، قال: وكنت آتيه أنا وأبو عمرو بن العلاء فأسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو عن العربية.\n(عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستحب) أي يحب (الجوامع\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٢٥).\n(٢) (٤/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(٣) \"الإصابة\" (٤/ ١٣٥) رقم الترجمة (٧٧٥).","vol":"6","page":205},{"text":"مِنَ الدُّعَاءِ وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ\". [حم ٦/ ١٤٨]\n١٤٨٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ». [خ ٦٣٣٩، م ٢٦٧٩، ت ٣٤٩٧، جه ٣٨٥٤، حم ٢/ ٢٤٣]\n===\nمن الدعاء) أي الجامعة لخير الدنيا والآخرة، وقيل: هي ما كان لفظه قليلًا ومعناه كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١)، ومثل الدعاء بالعافية في الدنيا والآخرة، أو الجامعة للتحميد والصلاة وجميع آداب الدعاء، أو الجامعة لجميع المؤمنين بأن لا يخص نفسه (ويدع) أي يترك (ما سوى ذلك).\n١٤٨٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يقولن أحدكم اللهُمَّ اغفر لي إن شئت، اللهُمَّ ارحمني إن شئت) قيل: منع عن قوله: إن شئت، لأنه شك في القبول، والله تعالى كريم لا بخل عنده، فليتيقن بالقبول (ليعزم المسألة) أي ليطلب جازمًا من غير شك (فإنه لا مكره له) وفي رواية أنس عند البخاري (٢): \"لا مستكره له\"، وهما بمعنى، أي لله تعالى على الفعل، أو لا يقدر أحد أن يكرهه على فعل أراد تركه بل يفعل ما يشاء، فلا معنى لقوله: إن شئت، لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة، فلا حاجة إلى التقييد به مع أنه موهم بعدم الاعتناء بوقوع ذلك الفعل، أو لاستعظامه على الفاعل على المتعارف بين الناس.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): والمراد أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٠١.\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٣٣٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤٠).","vol":"6","page":206},{"text":"١٤٨٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِى». [خ ٦٣٤٠، م ٢٧٣٥، ت ٣٣٨٧، جه ٣٨٥٣، حم ٢/ ٣٩٦]\n===\nما إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه، ويعلم أنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلَّا برضاه، وأما الله سبحانه فهو منزه عن ذلك، فليس للتعليق فائدة، وقيل: المعنى أن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه، والأول أولى.\n١٤٨٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد) اسمه سعد بن عبيد، مولى ابن أزهر اسمه عبد الرحمن، (عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: يستجاب) أي يجاب (لأحدكم) أي دعاؤه (ما لم يعجل) ثم بينه بقوله: (فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي)، قال ابن بطال: المعنى أنه يسأم فيترك الدعاء، فيكون كالمانِّ بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة، فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء.\nفإن قلت: إن قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وعد بإجابة مطلق الدعاء، وهذا الحديث يحكم بأنه إذا استعجل لا يستجاب له، فكيف التوفيق بينهما؟ .\nوالجواب عنه: أن الحافظ نقل عن الكرماني أنه دل الحديث على أن مطلق قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ مقيد بما دل عليه الحديث.\nقلت: ويمكن أن يجاب بأن المراد من الإجابة الموعودة هو الأعم من تحصيل المطلوب بعينه، أو ما يقوم مقامه ويزيد عليه، وإلى ذلك أشار ابن الجوزي بقوله: اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة، أو يعوض بما هو أولى له عاجلًا أو آجلًا، فينبغي للمؤمن أن","vol":"6","page":207},{"text":"١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (١)، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيْمَنَ،\n===\nلا يترك الطلب من ربه، والأحاديث أيضًا تدل على أن دعوة المؤمن لا ترد، وأنها إما أن تعجل له الإجابة، وإما أن تدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له في الآخرة خير مما سأل.\nفإن قلت: إن الداعي لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على وفق المقدور، فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاندة.\nوالجواب عن الأول أن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار، وعن الثاني أنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلَّا ما قدر الله تعالى كان إذعانًا لا معاندة، وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفًا على الدعاء، لأن الله خالق الأسباب ومسبباتها.\nوحكى القشيري في \"الرسالة\" الخلاف في المسألة، فقال: اختلف أَيّ الأمرين أولى؛ الدعاء أو السكوت والرضا؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة، لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل، قاله الحافظ في \"القتح\" (٢).\n١٤٨٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الملك بن محمد بن أيمن) تقدم ذكره في \"باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام\"، وقال الحافظ (٣) في ترجمته: روى له أبو داود حديثًا واحدًا منقطعًا، وضعفه.\nقلت: وقد تقدم في الباب المذكور حديثه بهذا السند عن محمد بن كعب القرظي قال: قلت له - يعني لعمر بن عبد العزيز-: حدثني عبد الله بن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث\"، فهذا الحديث ثاني\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"القعنبي\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٩٥ و١٤١).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤١٩).","vol":"6","page":208},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عن مُحَمَّدِ بْن كَعْبٍ الْقرَظِىِّ (١)، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -\n===\nأحاديثه، وأما ما ادعى الحافظ من انقطاع السند فلم أقف على وجه انقطاعه، وفي أي محل من السند منقطع.\n(عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق)، وقد تقدم ذكره فيما تقدم ذكر عبد الملك، وقال الحافظ في \"التهذيب\" (٢): له عند أبي داود حديثه عمن حدثه عن محمد بن كعب عن ابن عباس في الصلاة خلف النائم.\nقلت: وله عند أبي داود هذا الحديث الثاني أيضًا بعد الحديث المتقدم.\nقال الحافظ: وأخرج له الترمذي حديثه عن ابن أبي الزناد بسنده إلى زيد بن ثابت في الاغتسال في الحج، ولم يذكر اسم جده، وقد توقف غير واحد هل الذي أخرج له الترمذي هو الذي أخرج له أبو داود أو غيره، وقال ابن القطان: أجهدت نفسي في التنقب عن حاله فلم أجد أحدًا ذكره، قال: ولا أدري أهو المذكور في حديث النهي عن الصلاة خلف النائم أو غيره، وقال ابن المواق: لا أراه إلَّا إياه، قلت: ويبعد ظنه بعد ما بينهما من الطبقة.\n(عمن حدثه) قال في \"التقريب\" (٣) في المبهمات: عبد الله بن يعقوب عمن حدثه عن محمد بن كعب يقال: هو أبو المقدام هشام بن زيد، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٤) في المبهمات: عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عمن حدثه، في محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، الحديث مشهور برواية أبي المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب.\n(عن محمد بن كعب القرظي، حدثني عبد الله بن عباس أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) (٦/ ٨٥).\n(٣) (ص ١٣٢٦).\n(٤) (١٢/ ٣٧٦).","vol":"6","page":209},{"text":"قَالَ: \"لَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ، مَنْ نَظَرَ في كِتَاب أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَنْظُرُ في النَّارِ، وَسَلُوا الله بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا،\n===\nقال: لا تستروا الجدر) جمع جدار، أي لا تغطوها بالثياب، لأنه زي المتكبرين والمتنعمين.\nو(من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه)، قال بعضهم: إنما أراد بالكتاب الذي فيه أمانة، أو شيء يكره صاحبه أن يطلع عليه أحد دون الكتب التي فيها علم، فإنه لا يحل منعه، ولا يجوز كتمانه، وقيل: عام في كل كتاب، لأن صاحب الشيء أولى بماله، وأحق بمنفعة ملكه، وإنما يأثم بكتمان العلم الذي يسئل عنه، فإما أن يأثم في منفعة كتاب عنده وحبسه عن غيره فلا وجه له.\n(فإنما ينظر في النار) قال الخطابي (١): هو تمثيل، يقول كما يحذر النار فليحذر هذا الصنيع، إذ كان معلومًا أن النظر إلى النار والتحديق إليها يضر بالبصر، ويحتمل أن يكون أراد بالنظر إليها الدنو منها والصُّلِيُّ بها، لأن النظر إلى الشيء إنما يتحقق عن قرب المسافة والدنو منه، ويجوز أن يكون معناه كأنما ينظر إلى ما يوجب النار، فأضمره في الكلام.\n(وسلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها) قال القاري (٢): قال ابن حجر: لأن اللائق لطالب شيء يناله أن يمد كفه إلى المطلوب، ويبسطها متضرعًا ليملأها من عطائه الكثير المؤذن به رفع اليدين إليه جميعًا، أما من سأل رفع شيء وقع به من البلاء، فالسنَّة أن يرفع إلى السماء ظهر كفيه اتباعًا له ﵊، وحكمته التفاؤل في الأول بحصول المأمول، وفي الثاني بدفع المحظور.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٠، ٢١).","vol":"6","page":210},{"text":"فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ\". [ق ٢/ ٢١٢، ك ٤/ ٢٧٠، جه ٣٨٦٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: (١) رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ كُلُّهَا وَاهِيَة،\n===\n(فإذا فرغتم) أي من الدعاء (فامسحوا بها) أي بأكفكم (وجوهكم) فإنها تنزل عليها آثار الرحمة فتصل بركتها إليها، وقول ابن عبد السلام: لا يسن مسح الوجه بهما، ضعيف، إذ ضعف حديث المسح لا يؤثر لما تقرر أن الضعيف حجة في الفضائل اتفاقًا.\nويخالف هذا الحديث بظاهره ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢) عن أنس \"أن نبي الله - ﷺ - كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء، حتى يرى بياض إبطيه\".\nقال النووي (٣): هذا الحديث يوهم ظاهره أنه - ﷺ - لم يرفع يديه إلَّا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه - ﷺ - في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصر، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من \"شرح المهذب\" (٤)، ويتأول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يرى بياض إبطيه إلَّا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أره رفع، وقد رآه غيره رفع، فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك، ولا بد من تأويله لما ذكرناه، والله أعلم، انتهى.\n(قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية)، وقد روى هذا الحديث ابن ماجه (٥): حدثنا محمد بن الصباح، ثنا عائذ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قد\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٨٩٦).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٥٨).\n(٤) انظر: (٣/ ٤٨٧).\n(٥) \"سنن ابن ماجه\" (٣٨٦٦).","vol":"6","page":211},{"text":"وَهَذَا الطَّرِيقُ أَمْثَلُهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا.\n١٤٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَهْرَانِيُّ قَالَ: قَرَأْتُهُ (١) في أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ- يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ-:\n===\nابن حبيب، عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله - ﷺ - \"إذا دعوت الله الحديث\"، وفي سنده صالح بن حسان، وهو ضعيف.\nوقد أخرج الحاكم في \"مستدركه\" (٢) أيضًا هذا الحديث من طريق وهيب ابن خالد، عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -، الحديث. وفي سنده أيضًا صالح بن حسان (٣).\n(وهذا الطريق) الذي أوردناه في الكتاب (أمثلها) قلت: لم أقف على وجه كون هذا الطريق أمثل، فإن فيه من حدثه مع جهالته، فلو كان هذا أبا المقدام فقد ضعَّفوه، حتى قال فيها بن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. (وهو) أي هذا الطريق (ضعيف أيضًا) لأن في سنده مجهولًا.\n١٤٨٦ - (حدثنا سليمان بن عبد الحميد) بن رافع، ويقال: ابن سليمان (البهراني) الحكمي، قال أبو حاتم: هو صديق أبي، كتبت عنه، وسمعت منه بحمص، وهو صدوق، وقال النسائي: كذاب ليس بثقه ولا مأمون، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: قرأته) أي الحديث (في أصل إسماعيل، يعني ابن عياش)، وأصل إسماعيل هو الكتاب الذي جمع فيه مسموعاته، كأنه ليس له رواية عنه، ولكن قرأ في كتابه بخطه، وهذه صورة الوجادة، وهي وجدان الطالب صحيفة مكتوبًا\n_________\n(١) في نسخة: \"قرأت\".\n(٢) (٤/ ٢٧٠).\n(٣) وأيضًا أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٣٨٨) وقم (١٠٧٧٩) وابن نصر في \"قيام الليل\" (١٣٧).","vol":"6","page":212},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفيها الأحاديث، وعرفانه أنها مكوبة بخط فلان من غير بينة على هذا، فلا يجوز التحديث بالوجادة إلَّا بشرط الإذن من الشيخ.\nقال في \"النخبة\" (١): وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة، وهي أن يجد بخط يعرف كاتبه فيقول: وجدت بخط فلان، ولا يسوغ في إطلاق أخبرني بمجرد ذلك، إلَّا إن كان له منه إذن للرواية عنه، وأطلق قوم ذلك فغلطوا.\nوقال السيوطي في \"تدريب الراوي\" (٢): القسم الثامن من أقسام التحمل: الوجادة، وهي مصدرٌ لِوَجَدَ مُوَلَّدٌ غير مسموع من العرب، وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها غير المعاصر له، أو المعاصر، ولم يلقه أو لقيه، ولم يسمع منه، أو سمع منه، لكن لا يرويها الواجد عنه بسماع ولا إجازة، فله أن يقول: وجدت، أو قرأت بخط قلان أو في كتابه بخطه \"حدثنا فلان\" ويسوق الإسناد والمتن، أو بخط فلان عن فلان، هذا الذي استمر عليه العمل قديمًا وحديثًا، وهو من باب المنقطع، ولكن فيه شوب اتصال، وقد تسهل بعضهم فأتى فيها بلفظ \"عن\" فقال: قال ابن الصلاح: وذلك تدليس قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه منه.\nووقع في \"صحيح مسلم\" (٣) أحاديث مروية بالوجادة، وانتقدت بأنها من باب المقطوع، وأجاب الرشيد العطار بأنه رواها من طرق أخرى موصولة، قلت: وجواب آخر وهو: أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه لا في كتابه عن شيخه.\nثم قال: وأما العمل في الوجاده فنقل عن معظم المحدثين وفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز، وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه،\n_________\n(١) (ص ١٠٠).\n(٢) (٢/ ٦٠ - ٦٣).\n(٣) انظر: \"صحيح مسلم\" رقم الحديث (٢٤٣٩، و٢٤٤٣ و١٤٢٢).","vol":"6","page":213},{"text":"حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عن شُرَيْحٍ، نَا أَبُو ظَبْيَةَ أَنَّ أَبَا بَحْرِيَّةَ السَّكُونِيَّ\n===\nوقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به، وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره، انتهى ملخصًا.\n(حدثني ضمضم) بن زرعة، (عن شريح) بن عبيد، (نا أبو ظبية) بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية، ويقال: أبو طيبة بالمهملة وتقديم التحتانية على الموحدة، والأول أصح، السلفي، ثم الكلاعي، الحمصي، شهد خطبة عمر بالجابية، قال العسكري: لا يعرف اسمه، عن ابن معين: ثقة، وعن الأعمش: كانوا لا يعدلون به رجلًا إلَّا رجلًا صحب محمدًا - ﷺ -.\n(أن أبا بحرية) بفتح الموحدة وسكون المهملة وتشديد المثناة التحتانية، عبد الله بن قيس الكندي الحمصي (السكوني) التراغمي، اختلف في ضبطه، قال في \"التقريب\" (١): بمثناة ثم معجمة، وفي \"المغني\" (٢): التراغمي بمضمومة وخفة راء وكسر غين معجمة، منسوب إلى تراغم بن كدا، وفي \"الخلاصة\": اليزاغمي بفتح التحتانية والمعجمة الأولى وكسر الثانية، وفي \"الأنساب\" (٣): بفتح التاء ثالث الحروف والراء بعدها الغين المكسورة وفي آخرها الميم، نسبة إلى التراغم، ونقل في حاشية \"تهذيب التهذيب\" عن \"لب اللباب\" في ترجمة سلمة التراغمي: بفتحتين وكسر المعجمة، نسبة إلى التراغم، بطن من السكون.\nوقال في \"جامع الأصول\" (٤) في ترجمة سلمة بن نفيل (٥): والتراغمي بضم التاء فوقها نقطتان، وتخفيف الراء، وبالغين المعجمة، شهد خطبة عمر بالجابية، وذكر أبو الحسن بن سميع أنه أدرك الجاهلية، وثَّقه ابن معين والعجلي وابن عبد البر، مات زمن الوليد بن عبد الملك.\n_________\n(١) (ص ٥٣٦).\n(٢) (ص ٥١).\n(٣) (١/ ٤٥٥).\n(٤) (١٤/ ١٩٢).\n(٥) وقع في الأصل: \"سلمة بن فضيل\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":214},{"text":"حَدَّثَهُ، عن مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ السَّكُونِيَّ ثُمَّ الْعَوْفِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"إِذَا سَأَلْتُمُ الله فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفكُمْ، وَلَا تَسأَلُوهُ بِظُهُورِهَا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: لَهُ عِنْدَنَا صُحْبَةٌ - يَعْيي مَالِكَ بْنَ يَسَارٍ -.\n١٤٨٧ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَبْهَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو هَكَذَا بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ وَظَاهِرِهِمَا\".\n===\n(حدثه) أي أبو بحرية أبا ظبية (عن مالك بن يسار السكوني ثم العوفي) صحابي، قال سليمان بن عبد الحميد شيخ أبي داود: لمالك بن يسار عندنا صحبة. وفي نسخة من \"السنن\": ما لمالك عندنا صحبة بزيادة ما النافية، وقال البغوي: لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث، ولا أدري له صحبة أو لا، والعوفي بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالفاء، كذا في \"جامع الأصول\".\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها) تقدم شرحه (قال أبو داود: قال سليمان بن عبد الحميد: له عندنا صحبة، يعني مالك بن يسار).\n١٤٨٧ - (حدثنا عقبة بن مكرم، نا سلم بن قتيبة) مصغرًا، الشعيري بفتح المعجمة، أبو قتيبة الخراساني، نزيل البصرة، قال في \"التقريب\": صدوق، (عن عمر بن نبهان) بفتح النون وسكون الموحدة، العبدي، ويقال: الغبري بضم المعجمة وفتح الموحدة الخفيفة، البصري، خال محمد بن بكر البرساني، له عند أبي داود في الدعاء ببطون كفيه وظاهرهما، ضعيف، (عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله - ﷺ - (١) يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما) أي مرة\n_________\n(١) ذكر الكبيري الدعاء على أنحاء أربعة: دعاء رغبة، ورهبة، وتضرع، وابتهال، وكذا في \"الشامي\" (٢/ ٢٦٤). (ش).","vol":"6","page":215},{"text":"١٤٨٨ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ -، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - يَعْنِى ابْنَ مَيْمُونٍ صَاحِبَ الأَنْمَاطِ -، حَدَّثَنِى أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا». [ت ٣٥٥٦، جه ٣٨٦٥، ك ١/ ٤٩٧، ق ٢/ ٢١١]\n١٤٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ - يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ -،\n===\nيدعو ويجعل باطن كفيه إلى السماء، وأخرى يجعل ظاهرهما إلى السماء، وهذا الثانية في الاستسقاء، والأولى في غيره.\n١٤٨٨ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا عيسى - يعني ابن يونس-، نا جعفر - يعني ابن ميمون صاحب الأنماط -) التميمي، أبو علي، ويقال: أبو العوام، يياع الأنماط، قال في \"التقريب\": صدوق يخطئ، (حدثني أبو عثمان) النهدي، (عن سلمان) الفارسي (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن ربكم حيي) فعيل أي مبالغ في الحياء، وفسر في حق الله سبحانه بما هو الغرض والغاية، وغرض الحيي من الشيء تركه والإباء منه، لأن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان عن تخوف ما يعاب ويذم بسببه، وهو محال على الله تعالى، لكن غايته فعل ما يسر وترك ما يضر، أو معناه عامل معاملة المستحيي (كريم) وهو الذي يعطي من غير سؤال (يستحيي من عبده) المؤمن (إذا رفع يديه إليه) أي للسؤال (أن يردهما صفرًا) بكسر (١) الصاد وسكون الفاء أي خاليتين عن الرحمة، يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع، قاله القاري (٢).\n١٤٨٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب - يعني ابن خالد -،\n_________\n(١) وفتحها وضمها. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٢).","vol":"6","page":216},{"text":"حَدَّثَنِى الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ نَحْوَهُمَا، وَالاِسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَالاِبْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا\".\n١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: \"وَالاِبْتِهَالُ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ (١) ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِى وَجْهَهُ\".\n===\nحدثني العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب) الهاشمي المدني، قال في \"التقريب\": ثقة، (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: المسألة) بحذف المضاف أي أدب السؤال (أن ترفع يديك حَذْوَ منكبيك أو نحوهما) أي قريبًا منهما (والاستغفار) أي أدبه (أن تشير بأصبع واحدة) قال القاري (٢): قال الطيبي (٣): الإشارة بالسبابة سبَّا للنفس الأمَّارة، والشيطان، والتعوذ منهما أدب الاستغفار، وقيده بواحدة، لأنه يكره الإشارة بالأصبعين (والابتهال) أي التضرع والمبالغة في الدعاء في دفع المكروه عن النفس أدبه (أن تمد يديك جميعًا) أي حتى يرى بياض إبطيك.\n١٤٩٠ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا سفيان، حدثني عباس بن عبد الله بن معبد بن عباس بهذا الحديث) المتقدم (قال) سفيان (فيه: والابتهال هكذا، ورفع) رسول الله - ﷺ - (يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه) أي رفع يديه رفعًا كلِّيًّا حتى يرى بياض الإبطين جميعًا، وصارت كفاه محاذيتين لرأسه، قال الطيبي (٤): أواد بالابتهال دفع ما يتصوره من مقابلة العذاب، فيجعل يديه الترس\n_________\n(١) في نسخة: \"واجعل ظهورهما مما يلي وجهك\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٨).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١٨).\n(٤) انظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١٨)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٨).","vol":"6","page":217},{"text":"١٤٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ (١)، عَنْ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\n١٤٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عن حَفْصِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،\n===\nليستره عن المكروه، والفرق بين حديث سفيان وحديث وهيب بن خالد أن في حديث وهيب بيان الابتهال بالقول، وفي حديث سفيان بالفعل.\n١٤٩١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا إبراهيم بن حمزة) بن مصعب بن عبد الله بن الزبير بن العوام المدني، أبو إسحاق، قال في \"التقريب\": صدوق، (نا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي، (عن العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، عن أخيه إبراهيم بن عبد الله) بن معبد بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" في طبقة أتباع التابعين، وقد أخرج البخاري في \"التاريخ\" بعد أن روى حديثه عن ميمونة حدث نافع عنه عن ابن عباس عن ميمونة، قال البخاري: ولا يصح فيه ابن عباس، فهذا مشعر لصحة روايته عن ميمونة عند البخاري، وقد علم مذهبه في التشديد في هذه المواطن، قلت: فعلى هذا يكون داخلًا في التابعين.\n(عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال، فذكر نحوه)، أي نحو الحديث المتقدم، ولعل الغرض من إيراد هذا السند تأييد حديث خالد بأن فيه تعليمًا قوليًّا.\n١٤٩٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن لهيعة) عبد الله، (عن حفص بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص) الزهري، قال الذهبي في \"الميزان\" (٢): لا يدرى\n_________\n(١) في نسخة: \"العباس\".\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٥٦٩).","vol":"6","page":218},{"text":"عن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِيهِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ\".\n١٤٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن مَالِكِ بْنِ مِغْولٍ،\n===\nمن هو، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): روى له أبو داود هذا الحديث الواحد، عن قتيبة عنه، وقال رشدين بن سعد: عن ابن لهيعة، عن حفص، عن خلاد بن السائب، عن أبيه، وتابعه يحيى بن إسحاق في الإسناد، لكن قال: عن حبان بن واسع بدل حفص بن هاشم، وحفص مجهول، لم يذكره البخاري ولا ابن أبي حاتم، قلت: أظن الغلط فيه من ابن لهيعة، لأن يحيى بن إسحاق السيلحيني من قدماء أصحابه، وقد حفظ عنه حبان بن واسع، وأما حفص بن هشام فليس له ذكر في شيء من كتب التواريخ، ولا ذكر أحد أن لابن عتبة ابنًا يسمى حفصًا، انتهى.\n(عن السائب بن يزيد، عن أبيه) هو يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود الكندي، صحابي، أسلم يوم الفتح، قال الزهري عن سعيد بن المسيب: ما اتخذ النبي - ﷺ - قاضيًا ولا أبو بكر ولا عمر حتى كان في وسط خلافته، قال ليزيد ابن أخت نمر: اكفني بعض الأمور، يعني صغارها واستقضاه.\n(أن النبي - ﷺ - كان إذا دعا) أي أراد الدعاء (فرفع يديه مسح وجهه بيديه) إذا فرغ من الدعاء، قال الطيبي (٢): دل على أنه إذا لم يرفع يديه في الدعاء، لم يمسح، وهو قيد حسن لأنه - ﷺ - كان يدعو كثيرًا، كما في الصلاة والطواف وغيرهما من الدعوات المأثورة دبر الصلاة، وعند النوم، وبعد الأكل، وأمثال ذلك، ولم يرفع يديه لم يمسح بهما وجهه.\n١٤٩٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن مالك بن مغول،\n_________\n(١) (٢/ ٤٢٠).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١٧)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٧).","vol":"6","page":219},{"text":"نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عن أَبيهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، أَنّي أشْهَدُ أَنَّكَ (١) أَنْتَ اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَالَ: \"لَقَدْ سَأَلْتَ الله بِالاسْمِ الّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ\". [ت ٣٤٧٥، جه ٣٤٥٧، ك ١/ ٥٠٤]\n===\nنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة: (أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا) وهو أبو موسى الأشعري كما يدل عليه حديث أحمد في \"مسنده\" (يقول: اللهُمَّ إني أسألك أني) وفي رواية الترمذي وأحمد \"بأني\" (أشهد أنك أنت الله لا إله إلَّا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال) رسول - ﷺ - للرجل: (لقد سألت الله بالاسم) وفي رواية أحمد والترمذي: \"والذي نفس محمد بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم\" (الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب).\nوأخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (٢) مطولًا من طريق عثمان بن عمر، أنا مالك، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرج بريدة عِشاءً، فلقيه النبي - ﷺ -، فأخذ بيده فأدخله المسجد، فإذا صوت رجل يقرأ، فقال النبي - ﷺ -: \"تراه مرائيًا؟ \"، فأسكت بريدة، فإذا رجل يدعو، فقال: اللَّهُمَّ إنى أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلَّا إنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال النبي - ﷺ - \"والذي نفسي بيده\"، أو قال: \"والذي نفس محمد بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب\"، قال: فلما كان من القابلة خرج بريدة عِشاءً، فلقيه النبي - ﷺ -، فأخذ بيده فأدخله المسجد، فإذا صوت الرجل يقرأ، فقال النبي - ﷺ -: \"أتقوله مراء؟ \" فقال بريدة: أتقوله مراء يا رسول الله - ﷺ -؟ فقال النبي - ﷺ -: \"لا، بل مؤمن منيب، لا، بل مؤمن منيب\"، فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب\n_________\n(١) في نسخة: \"بأنك أنت الله\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٤٩) (٢٢٩٤٦).","vol":"6","page":220},{"text":"١٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ خَالِدٍ الرَّقِّيُّ، نَا زيدُ بْنُ حُبَابٍ (١)، نَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: \"لَقَدْ سَأَلْتَ (٢) اللَّه بِاسْمهِ الأَعْظَمِ\". [انظر سابقه]\n١٤٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَلَبِيُّ، نَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ،\n===\nالمسجد، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الأشعري- أو إن عبد الله بن قيس- أعطى مزمارًا من مزامير داود\"، فقلت: ألا أخبره يا رسول الله؟ فقال: \"بلى أخبره\"، فأخبرته، فقال: أنت لي صديق، أخبرتني عن رسول الله - ﷺ - بحديثٍ.\n١٤٩٤ - (حدثنا عبد الرحمن بن خالد) بن يزيد القطان الواسطي ثم (الرقي) قال في \"التقريب\": صدوق، (نا زيد بن حباب، نا مالك بن مغول بهذا الحديث، قال) زيد (فيه: لقد سألت الله باسمه الأعظم) وسيجيء تفصيل الأقوال في اسم الله الأعظم.\n١٤٩٥ - (حدثنا عبد الرحمن بن عبيد الله) بن حكيم الأسدي، أبو محمد (الحلبي) الكبير، المعروف يابن أخي الإِمام بحلب، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وقال أحمد بن إسحاق بن صالح الوزان: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ.\n(نا خلف بن خليفة) بن صاعد الأشجعي مولاهم، أبو أحمد، كان بالكوفة، ثم انتقل إلى واسط فسكنها مدة، ثم تحول إلى بغداد فأقام بها إلى حين وفاته، اختلفوا في أنه هل رأى عمرو بن حريث صاحب النبي - ﷺ - أم لا؟ قال العجلي: ثقه، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، لكنه خرف فاضطرب عليه حديثه، وقال ابن سعد: أصابه الفالج قبل موته، حتى ضعف وتغير واختلط، وحكى القراب اختلاطه عن ابراهيم بن أبي العباس، وكذا حكاه مسلمة الأندلسي ووثقه، وقال: من سمع منه قبل التغير فروايته\n_________\n(١) في نسخة: \"الحباب\".\n(٢) في نسخة: \"سأل\".","vol":"6","page":221},{"text":"عن حَفْصٍ - يَعْنِي ابْنَ أَخِي أَنَسٍ -، عن أَنَسٍ: \"أَنَّهُ كَانَ مَعِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعَا: اللهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ بَأَن لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ اْلْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَقَدْ دَعَا الله بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى\". [ن ١٣٠٠، حم ٣/ ١٥٨، ك ١/ ٥٠٤]\n===\nصحيحة، وذكر الحاكم في \"المدخل\" أن مسلمًا إنما أخرج له في الشواهد.\n(عن حفص، يعني ابن أخي أنس) بن مالك، أبو عمر المدني. قيل: هو ابن عبد الله، أو ابن عبيد الله بن أبي طلحة، وقيل: ابن عمر بن عبد الله، أو عبيد الله بن أبي طلحة، وقيل: ابن محمد بن عبد الله، وقال ابن حبان في \"الثقات\": حفص بن عبد الله بن أبي طلحة صحب أنسًا إلى الشام، روى له أحمد في \"مسنده\" عدة أحاديث من رواية خلف بن خليفة عنه عن أنس، قال في بعضها: عن حفص بن عمر، وقال في بعضها: عن حفص ابن أخي أنس، فيترجح أن اسم أبيه عمر، قال الدارقطني: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث.\n(عن أنس) (١) بن مالك: (أنه كان مع رسول الله - ﷺ - جالسًا ورجل يصلي) قال في \"الدرجات\": هو أبو عياش الزرقي (٢)، كذا برواية \"بتاريخ ابن عساكر\" (ثم دعا اللهُمَّ إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلَّا أنت المنان) أي المعطي المنعم، من المن: العطاء، لا من المنة، وكثيرًا ما يرد السنن في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه (بديع السموات والأرض) أي مبدعها، وهو الخالق المخترع بلا مثال سابق (يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قَيُّوْمُ، فقال النبي - ﷺ -: لقد دعا الله باسمه العظيم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).\n_________\n(١) وذكر في \"حياة الحيوان\" (٢/ ٣٨٣) نحو ذلك عن أبي الدرداء، وفيه قصة أيضًا لموت الكلب بدعائه؛ وبسط في \"الأوجز\" في \"باب ما جاء في أمر الكلب\" (١٧/ ٢٦٩). (ش).\n(٢) وكذا في \"التلقيح\" لابن الجوزي (ص ٤٩٧) باب في أحاديث تتضمن ذكر قوم. (ش).","vol":"6","page":222},{"text":"١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ في هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ\n===\n١٤٩٦ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا عبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد) بن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصارية الأشهلية، أم سلمى، ويقال: أم عامر، بايعت النبي - ﷺ -، وشهدت اليرموك، قلت: ولها ذكر في \"صحيح مسلم\" (١) في الغسل من الحيض، عن عائشة - ﵂ - قالت: دخلت أسماء بنت شكل، كذا وقع عنده، وقال الخطيب: هو وهم، والصواب أسماء بنت السكن، وهي بنت يزيد بن السكن، خطيبة الأنصار، وتبع الخطيب على ذلك جماعة، وهو متجه، فقال الحافظ أبو أحمد الدمياطي: ليس في الأنصار من اسمه شكل، ففي \"البخاري\" (٢) في هذا الحديث بعينه: \"أن امرأة من الأنصار سألت\"، قلت: وليس الوهم في اسم أبيها من مسلم، وإنما هو ممن فوقه، فقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة في \"مسنده\"، وأبو عوانة وأبو نعيم في \"مستخرجيهما\" عن أبي الأحوص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن صفية، وذكر أسماء بنت شكل جماعة في الصحابة، منهم ابن سعد والباوردي والطبراني وغيرهم، انتهى.\nقلت: والذي قال الطبراني والباوردي وابن سعد وغيرهم، لعلهم أخذوها من مسلم وابن أبي شيبة ولم يتنبهوا على هذا التصحيف (٣).\n(أن النبي - ﷺ - قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ\n_________\n(١) رقم الحديث (٣٣٢).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٣١٥).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٩٩).","vol":"6","page":223},{"text":"﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ \"، وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿الم * الله لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ \". [ت ٣٤٧٨، جه ٣٨٥٥، دي ٣٣٨٩]\n===\nلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وفاتحة) أي ابتداء (سورة آل عمران ﴿الم* الَّلهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾).\nقلت: وخالف محمد بن بكر عيسى بن يونس، فأخرج الإمام أحمد من طريقه (٢): أنا عبيد الله بن أبي زياد، ثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿الم* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: \"إن فيهما اسم الله الأعظم\".\nقال القاري (٣) وروى الحاكم: \"اسم الله الأعظم في ثلاث سور: البقرة وآل عمران وطه\"، قال القاسم ين عبد الرحمن الشامى التابعي: روى أنه قال: لقيت مائة صحابي فالتمستها، أي السور الثلاث، فوجدت أنه الحي القيوم، قال ميرك: وقرره (٤) الإِمام فخر الدين الرازي، واحتج بأنهما يدلان على صفات الربوبية، ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما، وأختاره النووي، وقال الجزري: وعندي أنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ونقل الفخر أيضًا عن بعض أرباب الكشف أنه هو، واحتج له بأنه من أراد أن يعبر عن كلام معظم بحضرته لم يقل أنت بل يقول هو، انتهى.\nوهنا أقوال أخر في تعيين الاسم الأعظم، منها: أنه رب، أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وأبي الدرداء أنهما قالا: اسم الله الأكبر رب رب.\nومنها: الله الله لله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، نقل هذا عن الإِمام زين العابدين أنه رأى في النوم.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٦٣.\n(٢) \"مسند أحمد\" (٦/ ٤٦١) رقم (٢٧٥٩٨).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١١٧ - ١١٨).\n(٤) وقع في الأصل: \"قرأه\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":224},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومنها: كلمة التوحيد، نقله القاضي عياض عن بعض العلماء.\nومنها: أنه الله، لأنه اسم لم يطلق على غيره تعالى، ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى، ومن ثم أضيف إليه.\nومنها: الله الرحمن الرحيم، ولعل مستنده ما اْخرجه ابن ماجه عن عائشة - ﵂ - أنها سألت رسول الله - ﷺ - أن يعلمها الاسم الأعظم، فلم يفعل، فصلت ودعت: اللهُمَّ إني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى ما علمت وما لم أعلم ... إلخ. وفيه أنه - ﷺ - قال: \"إنه هي الأسماء التي دعوت بها\"، قلت: سنده ضعيف، وفي الاستدلال بهما لا يخفى.\nوقد استوعب السيوطي الأقوال في رسالته، وقيل: إنه مخفي في الأسماء الحسنى، ويؤيده حديث عائشة - ﵂ -، وأنكر قوم من العلماء ترجيح بعض الأسماء الإلهية على بعض، وقالوا: ذلك لا يجوز، لأنه يؤذن باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وأولوا ما ورد من ذلك بأن المراد من الأعظم العظيم، إذ أسماؤه تعالى كلها عظيمة.\nقال أبو جعفر الطبراني: اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم، وعندي أن الأقوال كلها صحيحة، إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع لمعنى عظيم.\nوقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد الداعي في ثوابه إذا دعا بها، كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به مزيد الثواب للقارئ.\nوقيل: المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسمائه تعالى دعا به العبد مستغرقًا، بحيث لا يكون في خاطره وفكره حالتئذٍ غير الله، فإنه يحصل له ذلك معنى ذلك من الإِمام جعفر الصادق - ﵁ -.","vol":"6","page":225},{"text":"١٤٩٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: سُرِقَتْ مِلْحَفَةٌ لَهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مَنْ سَرَقَهَا، فَجَعَلَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا تُسَبِّخِى عَنْهُ». [ش ١٠/ ٣٤٨]\n===\nوقال آخرون: استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم، ولم يطلع عليه أحد، وأثبته آخرون، واضطربت أقوالهم في ذلك كما ذكرنا بعضها، انتهى بلفظه.\n١٤٩٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن عائشة قال: سرقت ملحفة لها) قال في \"القاموس\": وككتاب: ما يلتحف به، واللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه كالملحفة (فجعلت تدعو على من سرقها، فجعل النبي - ﷺ - يقول: لا تسبخي عنه).\nليس غرضه - ﷺ - بهذا الكلام النهي عن التخفيف وإبقاء كل الإثم على السارق، لأن خلقه - ﷺ - ورأفته على الأمة ينافي ذلك، بل غرضه - ﷺ - عفو السارق بالكلية، وكفُّ عائشة - ﵂ - عن سبِّ السارق، فإن السَبَّ والسرقة توزنان، فإذا كان السبُّ أقلَّ من السرقة بقي شيء من حقها على السارق، وإذا كانت السرقة أقل من السب وزاد السب عليها عاد حق السارق عليها، وإذا تساويا لم يبق لأحدهما حق على الآخر، فلذا أشار رسول الله - ﷺ - إلى العفو، لأن فيه عظيم الأجر.\nوكتب مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى- قوله: \"لا تسبخي عنه\" إذ لا شك أن سبها يوزن كما توزن سرقة السارق، فما وازاه منه سقط، ولم يكن ذلك تعليمًا لعدم التسبيخ، بل للعفو كلية وإن لم يذكره الراوي، فكأنه نظر لهما معًا. فإن المسروق منه إذا عفا كان أعظم لأجره مما إذا عفا بعد سبه وشتمه، والسارق لعله لا يكفي السب قدر السرقة من الإثم، فيؤاخذ بالآخرة، ولا كذلك إذا عفا عنه بالكلية، فكان ذلك أفيد لهما، انتهى.","vol":"6","page":226},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَا تُسَبِّخِي: (١) لَا تُخَفِّفِي عَنْهُ.\n١٤٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- فِى الْعُمْرَةِ، فَأَذِنَ لِى وَقَالَ: «لَا تَنْسَنَا يَا أُخَىَّ مِنْ دُعَائِكَ»، فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِى أَنَّ لِى بِهَا الدُّنْيَا\n===\n(قال أبو داود: لا تُسَبِّخِي: لا تُخَفِّفِي عنه).\n١٤٩٨ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله) بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ضعيف. قال عفان: سمعت شعبة يقول: كان عاصم لو قيل له: من بني مسجد البصرة؟ لقال: فلان عن فلان، عن النبي - ﷺ - أنه بناه.\n(عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر) - ﵁ - (قال: استأذنت النبي - ﷺ - في العمرة) قال القاري (٢): أي من المدينة، قال ابن حجر: في قضاء عمرة كان نذرها في الجاهلية (فأذن لي) بها (وقال: لا تنسنا) يحتمل نون العظمة وأن يريد نحن وأتباعنا (يا أُخَيَّ) بصيغة التصغير، وهو تصغير تلطف وتعطف، ويروى بلفظ التكبير (من دعائك) فيه إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية بالتماس الدعاء ممن عرف له الهداية، وحث للأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وأهل العبادة، وتنبيه لهم على أن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء، ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم، لا سيما في مظان الإجابة، وتفخيم لشأن عمر - ﵁ - وإرشاد إلى ما يحمي دعاءه من الرد.\n(فقال كلمة) لعل المراد بالكلمة لفظ \"يا أُخَيَّ\" بالإضافة إلى نفسه الشريفة، أو المراد بالكلمة الكلام الذي ساقه لطلب الدعاء (ما يسرني أن لي بها) أي ببدلها (الدنيا) أي لا يعجبني كون جميع الدنيا لي ببدلها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أي\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٣).","vol":"6","page":227},{"text":"قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُ عَاصِمًا بَعْدُ بِالْمَدِينَةِ فَحَدَّثَنِيهِ فقَالَ (١): «أَشْرِكْنَا يَا أُخَىَّ فِى دُعَائِكَ». [ت ٣٥٦٢، جه ٢٨٩٤، ق ٥/ ٢٥١]\n١٤٩٩ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ: \"مَرَّ عَلَىَّ النَّبِىُّ -ﷺ- وَأَنَا أَدْعُو بِأُصْبُعَىَّ فَقَالَ: «أَحِّدْ أَحِّدْ». وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ\". [ن ١٢٧٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>(٣٦٠) باب التَّسْبِيحِ بِالْحَصَى</span>\n١٥٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي\n===\n(قال شعبة) قائله سليمان بن حرب: (ثم لقيت عاصمًا بعد بالمدينة فحدثنيه، فقال: أشركنا يا أخي في دعائك) غرضه بهذا الكلام بيان كمال حفظ شعبة وسوء حفظ عاصم، فإنه بدل لفظ لا تنسنا بأشركنا.\n١٤٩٩ - (حدثنا زهير بن حرب، نا أبو معاوية) الضرير، (نا الأعمش، عن أبي صالح) السمان، (عن سعد بن أبي وقاص قال: مر عليَّ النبيُّ - ﷺ - وأنا أدعو) أي (٢) أشير (بأصبعي) قال مولانا محمد يحيى المرحوم عن شيخه - ﵀ -: أي من مسبحتي كلتا يدي لا من يد واحدة (فقال: أَحِّدْ أَحِّدْ) أي أشر بالأصبع الواحدة (وأشار) رسول الله - ﷺ - (بالسبابة) أي من يده اليمنى، فعلمه التوحيد بالقول وتعيين الأصبع بالفعل.\n\n(٣٦٠) (بَابُ التَّسْبِيحِ بِالْحَصَى)\n١٥٠٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) والظاهر عند التشهد في الصلاة، كما فسر به الترمذي حديث أبي هريرة، ولذا ذكره صاحب \"المشكاة\" في باب التشهد. (ش).","vol":"6","page":228},{"text":"عَمْرٌو، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِى هِلَالٍ حَدَّثَهُ عَنْ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهَا: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى امْرَأَةٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ،\n===\nعمرو) بن الحارث بن يعقوب، (أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن خزيمة) غير منسوب، روى عن عائشة بنت سعد، وعنه سعيد بن أبي هلال، قال في \"التقريب\" (١): لا يعرف، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٢): ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"الميزان\" (٣): خزيمة لا يعرف عن عائشة بنت سعد، تفرد عنه سعيد بن أبي هلال، حديثه في التسبيح.\n(عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص) الزهرية المدنية، ثقة، عمرت حتى أدركها مالك، ووهم من زعم أن لها رؤية، (عن أبيها) أي سعد: (أنه) أي سعدًا (دخل مع رسول الله - ﷺ - علي امرأة) لم أقف على تسميتها، ولعلها جويرية زوج النبي - ﷺأو صفية.\nوقال القاري (٤): أي محرم له، أو كان ذلك قبل نزول الحجاب على أنه لا يلزم من الدخول الرؤية، ولا من وجود الرؤية حصول الشهوة.\n(وبين يديها نوًى) جمع نواة وهي عظم التمر (أو حصًى) شك من الراوي (تسبح) أي المرأة (به) أي بما ذكره، وهذا أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره - ﷺ -، فإنه في معناها، إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يعد به، ولا يعتد بقول من عدها بدعة، وقد قال المشايخ: إنها سوط الشيطان، وروي أنه رؤي مع الجنيد (٥) سبحة في يده حال انتهائه، [فسئل عنه؟] فقال: شيء وصلنا به إلى الله كيف نتركه؟\n_________\n(١) (ص ٢٩٦).\n(٢) (٣/ ١٤١).\n(٣) (١/ ٦٥٣).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(٥) وروي نحو ذلك عن الحسن البصري، فقد روى سالم بن عبد الله في \"الإمداد لعلو =","vol":"6","page":229},{"text":"فَقَالَ: \"أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا، أَوْ: أَفْضَلُ؟ \"\n===\n(فقال) النبي - ﷺ -: (أخبرك بما هو أيسر) أي أسهل وأخف (عليك من هذا أو أفضل؟) قيل: \"أو\" للشك من سعد أو ممن دونه، وقيل: بمعنى الواو، وقيل: بمعنى بل، وهو الأظهر، وإنما كان أفضل لأنه اعتراف بالقصور، وأنه لا يقدر أن يحيى ثناءه، وفي العَدِّ بالنوى إقدام على أنه قادر على الإحصاء، بل المراد - والله أعلم- أنه أراد ﷺ ترقيها من عالم كثرة الألفاظ والمباني إلى وحدة الحقائق والمعاني.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: وأفضلية هذا على ذاك إنما هو في الكيف لا في الكم، والمقصود منه الإشارة إلى أن الوقت المذكور المصروف في التحميدة والتهليلة والتقديسة المطلقات عن ذكر تلك القيود، ينبغي أن يصرف فيها مقيدة بتلك القيود ليزيد كمه كزيادة كيفه.\nقلت: والذي أظن أن ما علمها رسول الله - ﷺ - أفضل كما وكيفا مما تقول هي بنفسها، فإن الذي علمها رسول الله - ﷺ - يزيد على ما تقول عددًا، ويزيد أيضًا ببيان صفة الخالقية، فلهذا يكون هذا أفضل من ذاك، نعم الذي تقول بنفسها فيه زيادة باعتبار صرف زيادة الوقت وزيادة المشقة، ولعله تحصل فيها الملالة، فينقص الأجر.\n_________\n= الإسناد\" عن والده عبد الله بن سالم حديثًا مسلسلًا في السبحة، وفي آخره: عن عمر المكي قد رأيت الحسن البصري، وفي يده سبحة، فقلت: يا أستاذ مع عظم شأنك، وحسن عبادتك أنت إلى الآن مع السبحة؟ فقال: هذا شيء كنا قد استعملناه في البدايات، ما كنا نتركه في النهايات. أنا أحب أن أذكر الله بقلبي ولساني ويدي، قال أبو العباس: تبين منه أن السبحة كانت موجودة متخذة في عهد الصحابة - ﵃-، لأن بداية الحسن من غير شك كانت في زمن الصحابة، والبسط في \"نزهة الفكر\" (ص ١٨) لمولانا عبد الحي اللكنوي، وسيأتي كيس أبي هريرة في \"باب ما يكره من ذكر الرجل\"، ما يكون من إصابة أهله من \"كتاب النكاح\". (ش).","vol":"6","page":230},{"text":"فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِى السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِى الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ». [ت ٣٥٦٨]\n١٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عن هَانِئِ بْنِ\nعُثْمَانَ، عن حُمَيْضَةَ\n===\n(فقال: سبحان الله عدد ما خلق) فيه تغليب لغير ذوي العقول (في السماء) أي في عالم العلويات جميعها (وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض) أي في عالم السفليات كلها (وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك) أي بين ما ذكر من السماء والأرض، وهو الهواء والطير والسحاب وغيرها (وسبحان الله عدد ما هو خالق) أي خالقه فيما بعد ذلك، وقيل: ما هو خالق له من الأزل إلى الأبد، والمراد الاستمرار.\n(والله أكبر مثل ذلك) أي مثل ما تقدم في القرائن السابقة، فيكون التقدير: الله أكبر عدد ما خلق في السماء، والله أكبر عدد ما خلق في الأرض، والله أكبر عدد ما خلق بين ذلك، والله أكبر عدد ما هو خالق، وليس المراد أن تقول في تسبيحها لفظ مثل ذلك.\n(والحمد الله مثل ذلك) أي على هذا المنوال، (ولا إله إلَّا الله مثل ذلك) أي على هذا الحال، (ولا حول ولا قوة إلَّا بالله مثل ذلك) أي مثل ما تقدم، والأظهر أن هذا من اختصار الراوي، فنقل آخر الحديث بالمعنى خشية الإطالة، ويدل عليه بعض الآثار.\n١٥٠١ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود) الخريبي، (عن هانئ بن عثمان) الجهني، أبو عثمان الكوفي، روى عن أمه حميضة بنت ياسر، عن يسيرة في فضل عقد التسبيح بالأنامل، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن حميضة) بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية، وفتح الضاد المعجمة","vol":"6","page":231},{"text":"بِنْتِ يَاسِرٍ، عَنْ يُسَيْرَةَ أَخْبَرَتْهَا: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَمَرَهُنَّ أَنْ يُرَاعِينَ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيلِ، وَأَنْ يَعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ، فَإِنَّهُنَّ مَسْؤُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ\". [ت ٣٥٨٣، حم ٦/ ٣٧٠]\n===\n(بنت ياسر) بمثناة تحتية وسين مهملة، روت عن جدتها يسيرة، وعنها ابنها هانئ بن عثمان، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن يسيرة) بضم المثناة التحتية ثم سين مهملة مفتوحة ثم تحتية ثم راء ثم تاء التأنيث، ويقال: أسيرة بالهمزة في أوله بدل الياء، بنت ياسر (١)، ويقال: أم ياسر، وكانت من المهاجرات، وقيل: من الأنصار، ذكرها ابن سعد في النساء الغرائب من غير الأنصار، وقال ابن حبان وابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر: كانت من المهاجرات.\nقلت: وقد أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) من طريق محمد بن بشر، ثنا هانئ بن عثمان، عن أمه حميضة بنت ياسر، [عن جدتها يسيرة]- وكانت من المهاجرات - قالت: قال لنا رسول الله - ﷺ -: \"يا نساء المؤمنات عليكن بالتهليل\" الحديث.\n(أخبرتها: أن النبي - ﷺ - أمرهن) أي النساء المؤمنات (أن يراعين) أي يحافظن ويعددن (بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل) في تعدادهن (فإنهن) أي الأنامل (مسؤولات مستنطقات) أي يسأل عنهن، ويتكلمن بخلق النطق فيها، فيشهدن لصاحبها أو عليه بما اكتسبه بهن، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) الآية.\n_________\n(١) وجعله القاري سهوًا من الناسخ. (انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٥/ ١٤٤). (ش).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٧٠) رقم (٢٧٠٨٣).\n(٣) سورة النور: الآية ٢٤.\n(٤) سورة فصلت: الآية ٢٢.","vol":"6","page":232},{"text":"١٥٠٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ فِى آخَرِينَ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَثَّامٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ - قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: - (١) بِيَمِينِهِ\". [ت ٣٤١٠، ن ١٣٤٨، جه ٩٢٦]\n١٥٠٣ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آل طَلْحَةَ،\n===\n١٥٠٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة ومحمد بن قدامة في آخرين) أي حال كونهما داخلين في شيوخ آخرين (قالوا: نا عثام) بن علي بن هجير بجيم مصغرًا، ابن بجير العامري الكلابي، أبو علي الكوفي، قال في \"التقريب\" (٢): صدوق، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٣): وثَّقه أبو زرعة وابن سعد والدارقطني والبزار، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن الأعمش، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يعقد التسبيح) أي يعقد الأنامل بالتسبيح (قال ابن قدامة) الشيخ الثاني لأبي داود: (بيمينه) أي بيده اليمنى، زاد هذا اللفظ ابن قدامة ولم يذكره عبيد الله.\n١٥٠٣ - (حدثنا داود بن أمية، نا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد القرشي التيمي (مولى آل طلحة) كوفي، عن ابن معين: ثقة، وقال الترمذي وأبو علي الطوسي ويعقوب بن سفيان: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود: صالح الحديث.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) (ص ٦٥٩).\n(٣) (٧/ ١٠٥).","vol":"6","page":233},{"text":"عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عِنْدِ جُوَيْرِيَةَ - وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَحَوَّلَ اسْمَهَا - فَخَرَجَ (١) وَهِىَ فِى مُصَلَّاهَا، وَرَجَعَ (٢) وَهِىَ فِى مُصَلَّاهَا، فَقَالَ: «لَمْ (٣) تَزَالِى فِى مُصَلَّاكِ هَذَا؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «قَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ\n===\n(عن كريب، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله - ﷺ - من عند جويرية) أي بكرة حين صلَّى الصبح كما عند مسلم (وكان اسمها برة فحول اسمها) وسماها جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية (٤)، سباها رسول الله - ﷺ - في غزوة المريسيع، وتزوجها، وكان اسمها برة فسماها رسول الله - ﷺ - جويرية، وكره أن يقال: خرج من عند برة.\nقال ابن سعد في \"الطبقات\" (٥) بسنده: عن أبي قلابة: أن النبي - ﷺ - سبى جويرية، فجاء أبوها فقال: إن ابنتي لا تسبى مثلها فخل سبيلها، فقال: أرأيت إن خَيَّرتها أليس قد أحسنت؟ قال: بلى، فأتاها (٦) أبوها، فذكر لها ذلك، فقالت: قد اخترت رسول الله - ﷺ -.\n(فخرج) رسول الله - ﷺ - من عندها (وهي في مصلاها) أي في محل صلاتها التي صلت فيه الصبح (ورجع) رسول الله - ﷺ - إليها بعد أن أضحى وارتفع النهار (وهي في مصلاها) تسبح (فقال: لم تزالي) أي ما زلت (في مصلاك هذا؟) بتقدير الاستفهام (قالت: نعم، قال) رسول الله - ﷺ -: (قد قلت بعدك) أي بعد ما خرجت من عندك (ربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت) بصيغة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"رسول الله - ﷺ -\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ودخل\".\n(٣) في نسخة: \"ألم\".\n(٤) وقع في الأصل: \"المستلقية\" هكذا، وهو تحريف.\n(٥) (٨/ ٩٣).\n(٦) وفي الأصل: \"فأتانا\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":234},{"text":"بِمَا قُلْتِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَى نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ\". [م ٢٧٢٦، ت ٣٥٥٥، ن ١٣٥٢، جه ٣٨٠٨]\n===\nالمجهول أي قوبلت (بما قلت) أي بجميع ما قلت من الذكر من أول الصبح إلى هذا الوقت (لوزنتهن) أي لترجحت تلك الكلمات على جميع أذكارك، وزادت عليهن بالأجر والثواب، أو لساوتهن، يقال: هذا يزن درهمًا أي يساويه (١).\n(سبحان الله وبحمده) أي وبحمده أحمده (عدد خلقه) أي قدر عدد خلقه (ورضى نفسه) أي أسبح وأحمد بقدر ما يرضيه خالصًا مخلصًا له، فالمراد بالنفس ذاته (وزنة عرشه) أي أسبحه وأحمده بقدر ثقل عرشه أو بمقدار عرشه (ومداد كلماته) أي مثلها في العدد أو عدم النفاد، والمداد بكسر الميم مصدر مثل المدد، وهو الزيادة والكثرة، أي بمقدار ما يساويها بمعيار قيل أو وزن أو ما أشبهه من وجوه الحصر، وهذا تمثيل يراد به التقريب، لأن الكلام لا يدخل في الكيل، وكلماته تعالى هو كلامه وصفته لا تعد ولا تنحصر، فإذا المراد المجاز مبالغة في الكثرة، لأنه ذكر أولًا ما يحصره العد الكثير من عدد الخلق، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم منه، أي ما لا يحصيه عد كما لا تحصى كلمات الله.\nسياق أبي داود لهذا الحديث يخالف سياق مسلم وغيره، فإن سياقه يدل على أنه من مسانيد ابن عباس، وسياق مسلم وغيره يدل على أنه من مسانيد جويرية.\nففي \"مسلم\" (٢) عن ابن عباس من طريق سفيان بهذا السند، عن ابن عباس عن جويرية: أن النبي - ﷺ - خرج من عندها بكرة، الحديث.\nوعند الترمذي (٣) والنسائي من طريق شعبة بسنده، عن ابن عباس عن جويرية بنت الحارث: أن النبي - ﷺ - مَرَّ عليها وهي تسبح.\n_________\n(١) وبسط في \"الفتاوى الحديثية\" على إعرابه ومعناه. (ش). (انظر: ص ٢٥٩).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٢٧٢٦).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣٥٥٥)، و\"سنن النسائي\" (١٣٥٢).","vol":"6","page":235},{"text":"١٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَائِشَةَ، حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَصْحَابُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ\n===\nوفي \"مسند الحسن بن سفيان\" عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة بسند مسلم، عن ابن عباس قال: قالت جويرية بنت الحارث: خرج النبي - ﷺ - وأنا في مصلاي، فرجع حين تعالى النهار، الحديثا، ذكر الحافظ جميع السياقات في \"الإصابة\" (١).\n١٥٠٤ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، حدثني محمد بن أبي عائشة) المدني، مولى بني أمية، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن، وذكر ابن أبي حاتم أنه أخو موسى بن أبي عائشة، وقال: سألت أبي عنه فقال: ليس بمشهور، قليل الحديث، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(حدثني أبو هريرة قال: قال أبو ذر: يا رسول الله) - ﷺ - (ذهب أصحاب الدثور) (٢) أي الأموال الكثيرة (بالأجور) أي بالأجور الكثيرة (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم\n_________\n(١) (٤/ ٢٥٩).\n(٢) وشرح ألفاظ الحديث القاري (٣/ ٤٥)، وفي آخره: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وذكر له محملين، إما يتعلق بالأغنياء أو الفقراء، وقال ابن بطال عن المهلب: في هذا الحديث فضل الغني نصًّا لا تأويلًا إذا استوت أعمال الغني والفقير، إلى آخر ما بسطه الحافظ (٢/ ٣٢٧ - ٣٣١)، وذكر في المسألة خمسة أقوال للعلماء، الثالث: الأفضل الكفاف، الرابع: يختلف باختلاف الأشخاص، والخامس: التوقف.\nقلت: ومن مرجحات فضل الفقير ما تقدم في \"باب الحث على قيام الليل\"، والبسط في \"الإحياء\" (١/ ٢٧٣). (ش).","vol":"6","page":236},{"text":"فُضُولُ (١) أَمْوَالٍ يَتَصَدَّقُونَ بِهَا، وَلَيْسَ لَنَا مَالٌ نَتَصَدَّقُ بِهِ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تُدْرِكُ بِهِنَّ مَنْ سَبَقَكَ وَلَا يَلْحَقُكَ مَنْ خَلْفَكَ إلَّا مَنْ أَخَذَ بِمِثْلِ عَمَلِكَ؟»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «تُكَبِّرُ اللَّهَ ﷿ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَخْتِمُهَا بِلَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». [دي ١٣٥٣، حم ٢/ ٢٣٨]\n===\nفضول أموال) أي أموال فاضلة (يتصدقون بها) أي بالأموال الفاضلة (وليس لنا مال نتصدق به، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر ألا أعلمك كلمات تدرك بهن) أي بسبب قراءة تلك الكلمات (من سبقك ولا يلحقك من خلفك إلَّا من أخذ بمثل عملك؟) فيعمل به (قال: بلى يا رسول الله) علمنيها.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (تكبر الله دبر) أي خلف (كل صلاة) من الصلوات المكتوبات (ثلاثًا وثلاثين) (٣) مرة (وتحمده ثلاثًا وثلاثين) مرة (وتسبحه ثلاثًا وثلاثين) مرة (وتختمها) أي الكلمات (بلا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) مرة واحدة (غفرت له) أي لمن قال تلك الكلمات بعد الصلوات (ذنوبه ولو كانت) الذنوب كثيرًا (مثل زبد البحر).\nقال في \"اللسان\": زَبَدُ الماءِ والجِرَّةِ واللُّعابِ: طُفاوته وقذاه، والمراد بالذنوب الصغائر.\n_________\n(١) في نسخة: \"فضل\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) هل يختص بهذا العدد؛ قيل نعم، وقيل: لا، والبسط في حاشية البخاري. (ش). (انظر: \"عمدة القاري\" ٤/ ٦١٢).","vol":"6","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>(٣٦١) بابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا سَلَّمَ</span>\n١٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَىُّ شَىْءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَأَمْلَاهَا الْمُغِيرَةُ عَلَيْهِ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». [خ ٨٤٤، م ٥٩٣، ن ١٣٤١]\n===\n\n(٣٦١) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ (١) إِذَا سَلَّمَ)\nأي: ما يقول من الدعاء إذا سلم وفرغ من الصلاة\n١٥٠٥ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن وراد مولى المغيرة بن شعبة) وكاتبه، (عن المغيرة بن شعبة: كتب معاوية) الظاهر أنه كتب من الشام (إلى المغيرة بن شعبة) لعله كتب إليه حين كان واليًا على الكوفة من جهة معاوية (أي شيء) أي دعاء (كان رسول الله - ﷺ - يقول إذا سلم من الصلاة؟ فأملاها) أي الدعاء والكلمات، والإملاء أن تلقى على الكاتب فيكتب (المغيرة عليه) أي على وراد (وكتب) أي أمر بالكتابة (إلى معاوية قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول) عقب الصلاة: (لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد)، زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة: \"يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير\"، (وهو على كل شيء قدير، اللهُمَّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).\n_________\n(١) وبوَّب عليه الترمذي \"التسبيح بعد الصلاة\"، قال ابن العربي: لا توقيت فيما ورد. (ش).","vol":"6","page":238},{"text":"١٥٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِىُّ (١) -ﷺ- إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،\n===\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قال الخطابي: الجد الغنى ويقال: الحظ، قال: و\"من\" في قوله: \"منك\" بمعنى البدل، قال الشاعر: فليت لنا من ماء زمزم شربة أي: بدل ماء زمزم، انتهى، وفي \"الصحاح\" معنى \"منك\" ههنا عندك، أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح، وقال ابن التين: الصحيح [عندي]، أنها ليست بمعنى البدل ولا عند، بل هو كما تقول: ولا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء، ولم يظهر من كلامه معنى، ومقتضاه أنها بمعنى عند، أو فيه حذف، تقديره: من قضائي أو سطوتي أو عذابي، وحكى الراغب أن المراد به ههنا أبو الأب، أي لا ينفع أحدًا نسبه، انتهى.\nوالجد مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، قال القرطبي: حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواها بالكسر، وقال: والمعنى لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري. قال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح، وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو السلطان، والمعنى لا ينجيه حظه منك، وإنما ينجيه فضلك ورحمتك، انتهى.\n١٥٠٦ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا ابن علية) إسماعيل، (عن الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير) محمد بن مسلم (قال: سمعت عبد الله بن الزبير على المنبر يقول: كان النبي - ﷺ - إذا انصرف من الصلاة) أي المكتوبة (يقول: لا إله إلَّا الله وحده) في الألوهية (لا شريك له)\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣٢).","vol":"6","page":239},{"text":"لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، أَهْلُ النِّعْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». [م ٥٩٤، ن ١٣٣٩]\n١٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُهَلِّلُ (١) فِى دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الدُّعَاءِ زَادَ فِيهِ: «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا نَعْبُدُ إلَّا إِيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ ......................». وَسَاقَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ [انظر سابقه]\n===\nلا في الذات ولا في الصفات (له الملك وله الحمد) أولًا وآخرًا (وهو على كل شيء قدير) من الإيجاد والإعدام، (لا إله إلَّا الله) ولا نعبد إلَّا، إياه، إذ لا يستحق العبادة أحد سواه (مخلصين) أي نعبده مخلصين (له الدين) الطاعة (ولو كره الكافرون، أهل النعمة) بالرفع أي أنت، وبالنصب مفعول لأعبد أو أمدح (والفضل والثناء الحسن، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون).\n١٥٠٧ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبدة) بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٧ هـ، وقيل بعدها، (عن هشام بن عروة، عن أبي الزبير قال: كان عبد الله بن الزبير يهلل) أي يدعو بالتهليل (في دبر كل صلاة) من الصلوات المكتوبة، أو كل صلاة سواء كانت مكتوبة أو نافلة (فذكر) أي هشام (نحو هذا الدعاء) في الحديث المتقدم (زاد) هشام (فيه) أي في حديثه: (ولا حول) أي لا تحول عن معصية الله (ولا قوة) على طاعة الله (إلَّا بالله، لا إله إلا الله لا نعبد إلَّا إياه، له النعمة) كلها (وساق بقية الحديث) وهي قوله: والفضل والثناء الحسن إلى خاتمة الدعاء.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بهن\".","vol":"6","page":240},{"text":"١٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ - وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ الطُّفَاوِىَّ قَالَ (١): حَدَّثَنِى أَبُو مُسْلِمٍ الْبَجَلِىُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِىَّ (٢) اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ: كَانَ رَسُولُ (٣) اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِى دُبُرِ صَلَاتِهِ (٤): «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَىْءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّكَ\n===\n١٥٠٨ - (حدثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي- وهذا حديث مسدد- قالا: نا المعتمر قال: سمعت داود الطفاوي) بضم الطاء المهملة وخفة الفاء في آخرها واو بعد الألف، نسبة إلى طفاوة، وهي حي من قيس عيلان، وهو داود بن راشد، أبو بحر الكرماني، ثم البصري، الصائغ، لين الحديث.\n(قال: حدثني أبو مسلم البجلي) قال في \"تهذيب التهذيب\" (٥): روى عن ابن عمر وزيد بن أرقم، وعنه داود الطفاوي القسام، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مقبول، وقال في \"الميزان\" (٦): أبو مسلم البجلي عن زيد بن أرقم لا يعرف.\n(عن زيد بن أرقم قال: سمعت نبي الله - ﷺ - يقول- وقال سليمان) بن داود شيخ المصنف: (كان رسول الله - ﷺ - يقول- في دبر (٧) صلاته) وفي نسخة: كل صلاة، والظاهر أن المراد بها المكتوبات.\n(اللهمَّ ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد) أي شاهد (أنك) أي على أنك\n_________\n(١) في نسخة: \"يقول\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) في نسخة: \"نبي الله\".\n(٤) في نسخة: \"كل صلاة\".\n(٥) (١٢/ ٢٣٥).\n(٦) (٤/ ٥٧٣).\n(٧) قال ابن القيم (١/ ٣٠٥): دبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام، فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان، قلت: لكن الحديث المتقدم بلفظ \"إذا انصرف\" يرد عليه.","vol":"6","page":241},{"text":"أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَىْءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَىْءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَىْءٍ، اجْعَلْنِى مُخْلِصًا لَكَ وَأَهْلِى فِى كُلِّ سَاعَةٍ فِى (١) الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ اسْمَعْ وَاسْتَجِبِ. اللَّهُ أَكْبَرُ الأَكْبَرُ، اللَّهُمَّ نُورَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» - قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: «رَبَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» - اللَّهُ أَكْبَرُ الأَكْبَرُ، حَسْبِىَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، اللَّهُ أَكْبَرُ الأَكْبَرُ». [حم ٤/ ٣٦٩]\n١٥٠٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عن عَمِّهِ الْمَاجِشُونِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ،\n===\n(أنت الرب وحدك لا شريك لك، اللهُمَّ ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن) أي على أن (محمدًا عبدك ورسولك، اللهُمَّ ربنا ورب كل شيء أنا شهيد) على (أن العباد كلهم إخوة، اللهمَّ ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصًا لك وأهلي) عطف على ضمير المتكلم في اجعلني (في كل ساعة في الدنيا والآخرة) أي في أمورها بحيث لا توجد ساعة، سواء كانت تلك الساعة بأمر الدنيا أو العقبى، إلَّا أن تكون في صرف طاعة مقرونة بالإخلاص.\n(يا ذا الجلال والإكرام اسمع) دعائي سماع قبول (واستجب) أي أحب (الله أكبر اكبر، اللهُمَّ نور السموات والأرض- قال سليمان بن داود: رب السموات والأرض- الله أكبر الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الأكبر).\n١٥٠٩ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا عبد العزيز بن أبي سلمة) أي عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، (عن عمه الماجشون بن أبي سلمة)\n_________\n(١) في نسخة: \"من\".","vol":"6","page":242},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ الأَعْرَجِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِع، عن عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ قالَ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ لَا إِنهَ إِلَّا أَنْتَ\". [وهو قطعة من الحديث رقم ٧٦٠ تقدم تخريجه]\n١٥١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن عَمْرِو بْنِ مرَّةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عن طُلَيقِ بْنِ قَيْسٍ،\n===\nواسم عمه يعقوب بن أبي سلمة، (عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي - ﷺ - إذا سلَّم من الصلاة قال: اللهُمَّ اغفر لي ما قدمت) أي من الذنوب والتقصير في العمل (وما أخرت) أي ما يقع مني بعد ذلك على الفرض والتقصير، وعبر عنه بالماضي، لأن المتوقع كالمتحقق، أو معناه ما تركت من العمل، قلت: سأفعل أو سوف أمر (٢) (وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت) أي تجاوزت عن الحد في ارتكاب المعاصي أو المظالم المتعدية (وما أنت أعلم به مني) أي تعلمها ولا أعلمها (أنت المقدم) أي قدم أنبياءه وأولياءه بتقربهم (والمؤخر) أي أخَّر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم (لا إله إلَّا أنت).\n١٥١٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث) الزبيدي النجراني الكوفي المكتب، ثقة، (عن طليق بن قيس) الحنفي الكوفي، لم أر أحدًا صرح بكونه مصغرًا أو مكبرًا، نعم صنيع الحافظ في \"التقريب\" (٣) يوهم أنه مصغر،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المرقاة\" (٥/ ٣٤٢): سوف أترك.\n(٣) (ص ٤٦٦).","vol":"6","page":243},{"text":"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ (١) -ﷺ- يَدْعُو: «رَبِّ أَعِنِّى وَلَا تُعِنْ عَلَىَّ وَانْصُرْنِى وَلَا تَنْصُرْ عَلَىَّ، وَامْكُرْ لِى وَلَا تَمْكُرْ عَلَىَّ، وَاهْدِنِى وَيَسِّرْ هُدَاىَ إِلَىَّ، وَانْصُرْنِى عَلَى مَنْ بَغَى عَلَىَّ. اللَّهُمَّ (٢) اجْعَلْنِى لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا\n===\nقال أبو زرعة والنسائي: ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديثا واحد في الدعاء \"رب أعني ولا تعن علي\"، الحديث، صححه الترمذي وابن حبان والحاكم (٣).\n(عن ابن عباس قال: كان النبي - ﷺ - يدعو: رب أعني) من الإعانة على عبادتك، أي وفقني لذكرك وشكرك وحسن عبادتك (ولا تعن علي) أي الشيطان حتى يمنعني من حُسن العبادة، (وانصرني) على الأعداء (ولا تنصر عليَّ) أحدًا من خلقك، أي لا تسلطهم علي، (وامكر لي)، قال الطيبي (٤): المكر: الخداع، وهو من الله تعالى إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون (ولا تمكر علي) أي ولا تمكر لأعدائي (واهدني) أي: دلني على الخيرات أو على عيوب نفسي (يسر هداي إلى) أي سهل وصول الهداية إلى (وانصرني على من بغى علي) أي: بالاستنكاف عن قبول الحق والاستكبار عن الإِسلام، أو بالخروج على القتال.\n(اللهُمَّ اجعلني لك شاكرًا) أي لا لغيرك (لك ذاكرًا) أي لا لمن سواك (لك راهبًا) أي خائفأ منك خاصة، والرهب من المعصية ومن السخط (لك مطواعًا) أي كثير الطوع والانقياد للطاعة (إليك مخبتًا) من الخبت وهو المطمئن من الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ (٥) أي أطمأنوا إلى ذكره،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رب\".\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣٥٥١)، و\"صحيح ابن حبان\" (٩٤٧ - ٩٤٨)، و\"المستدرك\" للحاكم (١/ ٥١٩).\n(٤) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٠٣)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٣٤٦).\n(٥) سورة هود: الآية ٢٣.","vol":"6","page":244},{"text":"- أَوْ مُنِيبًا - رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِى، وَاغْسِلْ حَوْبَتِى، وَأَجِبْ دَعْوَتِى، وَثَبِّتْ حُجَّتِى، وَاهْدِ قَلْبِى، وَسَدِّدْ لِسَانِى، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِى». [ت ٣٥٥١، جه ٣٨٣٠، حم ١/ ٢٢٧]\n===\nأو سكنت نفوسهم إلى أمره، وقال ﷾: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾ (١) الاية، أي: خافت، فالمخبت هو الواقف بين الخوف والرجاء، وقيل: خاشعًا من الإخبات وهو الخشوع والتواضع.\n(أو منيبًا) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي، والذي يغلب على الظن أن ههنا سقوطًا، وكأن في الأصل: أوَّاهًا منيبا، فسقط منه الألف والهاء، وهكذا في \"الحصين الحصين\": إليك أوَّاهًا منيبًا، وعزاه إلى الأربعة وابن حبان و\"مستدرك الحاكم\" و\"مصنف ابن أبي شيبة\"، وقد رأيت هكذا في لفظ الترمذي وابن ماجه، وليس فيها لفظ أو للشك، ومعناه كثير التأوه والبكاء، أي اجعلني حزينًا متوجعًا على التفريط، ومنه قوله تعالى: ﴿لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٢)، والإنابة الرجوع أي راجعًا إليك عن المعصية إلى الطاعة، وعن الغفلة إلى الحضرة، وتقديم الصلات على متعلقاتها للاهتمام وإرادة الاختصاص.\n(رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي) بفتح الحاء: الإثم، وغسلها كناية عن إزالتها بالكلية بحيث لا يبقى منها أثر (وأجب دعوتي) أي دعائي (وثبت حجتي) أي: قولي وإيماني في الدنيا وعند جواب الملكين (واهد قلبي) إلى معرفة ربي (وسدد لساني) أي صَوِّبْ وقَوِّمْ لساني حتى لا أنطق إلَّا بالصدق، ولا أتكلم إلَّا بالحق (واسْلُلْ سخيمة قلبي) أي غله وحقده وحسده ونحوها مما ينشأ من الصدر، ويسكن في القلب من مساوئ الأخلاق، وسَلُّها إخراجها وتنقية القلب منها، من سل السيف إذا أخرجه من الغمد.\n_________\n(١) سورة الحج: الآية ٣٤.\n(٢) سورة التوبه: الآية ١١٤.","vol":"6","page":245},{"text":"١٥١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ: «وَيَسِّرِ الْهُدَى إِلَىَّ»، وَلَمْ يَقُلْ «هُدَاىَ». [انظر سابقه]\n١٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا سَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ». [م ٥٩٢، ت ٢٩٨، ن ١٣٣٨، جه ٩٢٤، حم ٦/ ٦٢، ق ٢/ ١٨٣]\n===\n١٥١١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، قال: سمعت عمرو بن مرة بإسناده) أي بإسناد عمرو بن مرة للحديث المتقدم (ومعناه) أي معنى حديث عمرو المتقدم (قال: ويسر الهدى إليَّ، ولم يقل هداي) هكذا في نسخ أبي داود، وفي \"الحصين\": \"ويسر الهدى لي\".\n١٥١٢ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن عاصم الأحول) ابن سليمان (وخالد الحذاء) ابن مهران، (عن عبد الله بن الحارث) الأنصاري أبو الوليد البصري، نسيب ابن سيرين وختنه، وقال سليمان بن حرب: كان ابن عم ابن سيرين، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، ووهم فيه يحيى بن أبي كثير فقال: عبد الله بن نسيب، وإنما هو عبد الله بن الحارث نسيب ابن سيرين، فسقط عليه الحارث فبقي عبد الله بن نسيب، ثقة.\n(عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - كان إذا سلَّم قال: اللهُمَّ أنت السلام) أي من أسمائك الحسنى السلام (ومنك السلام) أي السلامة في الدين، أو في جميع أمور الدين والدنيا يحصل منك (تباركت) أي تكاثر خيرك، وقال الأزهري: تعاليت، أي تعالى صفتك عن صفات المخلوقين (يا ذا الجلال) أي العظمة، وقيل: الجلال التنزه عما لا يليق، والجلال لا يستعمل إلَّا لله تعالى (والإكرام) أي الإحسان، وقيل: المكرم لأوليائه بالإنعام عليهم والإحسان إليهم.","vol":"6","page":246},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعَ سُفْيَانُ مِنْ (١) عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالُوا: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا.\n١٥١٣ - حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنا (٢) عِيسَى، عن الأَوْزَاعِيَّ، عن أَبِي عَمَّارٍ، عن أَبِي أَسْمَاءَ، عن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاتِهِ\n===\n(قال أبو داود: وسمع سفيان) وهو الثوري (من عمرو بن مرة قالوا: ثمانية عشر حديثًا) منها هذا الحديث، لأن ابن ماجه قال في \"سننه\" (٣): حدثنا عمرو بن مرة.\n١٥١٣ - (حدثنا إبراهيم بن موسى) الصغير، (أنا عيسى) بن يونس، (عن الأوزاعي) عبد الرحمن، (عن أبي عمار) شداد بن عبد الله القرشي الدمشقي، مولى معاوية بن أبي سفيان، ثقة، (عن أبي أسماء) الرحبي بفتح الحاء المهملة، الدمشقي، قال ابن زبر: الرحبي نسبة إلى رحبة دمشق قرية من قراها، بينها وبين دمشق ميل، رأيتها عامرة، وذكر أبو سعد بن السمعاني (٤): أنه من رحبة حمير، وسماه وأباه عمرو بن مرثد، وقيل: عمرو بن مزيد بالزاي، ويروى عن أبي داود أن اسم أبي أسماء الرحبي عبد الله، قال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد أن ينصرف من صلاته) هكذا في رواية الترمذي من طريق ابن المبارك عن الأوزاعي، و\"مسند أحمد\" من طريق ابن المبارك عن الأوزاعي،\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) في نسخة: \"ثنا\".\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" (٣٨٣٠).\n(٤) انظر: \"الأنساب\" (٣/ ٥٠).","vol":"6","page":247},{"text":"اسْتَغْفَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: \"اللهُمَّ\" فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ. [م ٥٩١، ت ٣٠٠، جه ٩٢٨، دي ١٣٤٨، حم ٥/ ٢٧٥، ق ٢/ ١٨٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>(٣٦٢) بابٌ: فِى الاِسْتِغْفَارِ</span>\n١٥١٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، نَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، نَا عُثْمَانُ بْنُ وَاقِدٍ الْعُمَرِىُّ،\n===\nوأما في رواية النسائي من طريق الوليد عن الأوزاعي: كان إذا انصرف من صلاته، وهكذا في رواية مسلم من طريق الوليد عن الأوزاعي، وكذا عند ابن ماجه من طريق الوليد وعبد الحميد كليهما عن الأوزاعي، وسياق مسلم والنسائي وابن ماجه هو الموافق لسياق ما روت عائشة المتقدم، وهذا السياق يقتضي أن يكون الدعاء بعد الفراغ من الصلاة، وسياق أبي داود يدل على أن الدعاء كان في الصلاة قبل السلام، إلَّا أن يقال: إن معناه إذا أراد الدعاء بعد أن ينصرف من الصلاة، والله أعلم.\n(استغفر ثلاث مرات ثم قال: اللهمَّ، فذكر معنى حديث عائشة) - ﵂ - إلى آخر الدعاء.\n\n(٣٦٢) (بَابٌ: في الاسْتِغْفَارِ) (١)\n١٥١٤ - (حدثنا النفيلي، نا مخلد بن يزيد، نا عثمان بن واقد) بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر العدوي (العمري) المدني ثم البصري، عن أحمد: لا أرى به بأسًا، وعن ابن معين: ثقة، وعن أبي داود: ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره الزبير في \"أنساب القرشيين\"، وأنشد له شعرًا، فلا عبرة بعد هذا بقول ابن حزم: إنه مجهول.\n_________\n(١) وبسط في حقيقة التوبة في \"الإحياء\" (٤/ ٣ - ٥٠)، والإجمال في \"الخازن\" تحت قوله تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. (ش).","vol":"6","page":248},{"text":"عن أَبِي نُصَيْرَةَ، عن مَوْلى لأَبِى بَكْر الصِّدِّيقِ، عن أَبِي بَكْرٍ الصِّدّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإِنْ عَادَ في الْيَوْمِ سبْعِينَ مَرَّةً\". [ت ٣٥٥٩]\n===\n(عن أبي نصيرة) بالتصغير، اسمه مسلم بن عبيد، عن أحمد: ثقة، وقال ابن معين: صالح، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يخطئ على قلة روايته، وقال الأزدي: ضعيف، وفرق الحاكم أبو أحمد وابن ماكولا بين الراوي عن مولى أبي بكر، وبين الواسطي، وجعلهما واحدًا البخاري وأبو حاتم وابن طاهر وغيرهم، وقال البزار: أبو نصيرة عن مولى أبي بكر مجهولان.\n(عن مولى لأبي بكر الصديق) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١) في المبهمات: أبو نصيرة عن مولى لأبي بكر عن أبي بكر حديث: \"ما أصرَّ من استغفر\"، روي عن أبي نصيرة عن أبي رجاء مولى أبي بكر، قلت: تقدم قول البزار: إن مولى أبي بكر مجهول في ترجمة أبي نصيرة (٢)، وإن كان ما أشار إليه محفوظًا فقد عرف أنه أبو رجاء.\n(عن أبي بكر الصديق - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما أصر) أصر على الشيء لزمه وداومه، وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب (من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة) أي من أتبع ذنبه بالاستغفار فليس بمصرٍّ عليه، وإن تكرر منه، والظاهر أن المراد بسبعين التكثير والتكرير، وليس المراد بالاستغفار التلفظ بقوله: أستغفر الله، بل المراد الندامة (٣) على فعل المعصية، والعزم على عدم العود.\n_________\n(١) (١٢/ ٣٩٥).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٥٦).\n(٣) ولذا قال الربيع بن خثيم كما في \"الحصين الحصين\": لا يقال: أستغفر الله فيكون ذنبًا وكذبًا ... إلخ. (ش).","vol":"6","page":249},{"text":"١٥١٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِىِّ - قَالَ مُسَدَّدٌ فِى حَدِيثِهِ: وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِى،\n===\n١٥١٥ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد) بن زيد، (عن ثابت) البناني، (عن أبي بردة) بن أبي موسى الأشعري، (عن الأغر المزني) قال في \"الخلاصة\": الأغر بن يسار المزني أو الجهني، والمزني أصح، صحابي من المهاجرين الأولين، وقيل: اسم أبيه عبد الله، له ثلاثة أحاديث، خرج مسلم منها فرد حديث، وعنه ابن عمر ومعاوية بن فرة وأبو بردة (قال مسدد في حديثه: وكانت له) أي للأغر (صحبة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنه ليغان على قلبي).\nقال في \"المجمع\" (١): الغين الغيم، وغينت السماء تغان إذا أطبق عليها الغيم، وقيل: الغين شجر ملتف، أراد ما يغشاه من سهو لا يخلو منه البشر، لأن قلبه أبدًا كان مشغولًا بالله تعالى، فإن عرض وقتًا ما عارضٌ بشريٌّ يشغله عن أمور الأمة والملة ومصالحهما، عد ذلك ذنبًا وتقصيرًا، فيفزع إلى الاستغفار.\nوقال القاري (٢): الغين الستر أي ليغشى على قلبي ما لا يخلو البشر عنه من سهو والتفات إلى حظوظ النفس من مأكول ومشرب ومنكوح ونحوها، فإنه كحجاب وغيم يطبق على قلبه، فيحول بينه وبين الملأ الأعلى حيلولةً مَّا، فيستغفر تصفيةً للقلب وإزاحةً للغاشية، وهو وإن لم يكن ذنبًا، لكنه من حيث إنه بالنسبة إلى سائر أحواله نقص وهبوط يشابه الذنب، فيناسبه الاستغفار، ثم قال في آخره: والمختار أنه من المتشابه الذي لا يخاض في معناه.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: \"ليغان على قلبي\": وكان ترقيه كل لحظة يريد أن السابق منه كان معصية ومنقصة، أو المأثم الذي هو مأثم في مرتبته وإن كانت عين الطاعة لغيره - ﷺ -.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٨٨).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٥٢ - ١٥٣).","vol":"6","page":250},{"text":"وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّه في كُلِّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ\". [م ٢٧٠٢، حم ١/ ٢١١]\n١٥١٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِى وَتُبْ عَلَىَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ». [ت ٣٤٣٤، جه ٣٨١٤، حم ٢/ ٢١]\n١٥١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَني حَفْصُ بْنُ عُمَرَ (١) الشَّنِّىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى عُمَرُ بْنُ مُرَّةَ\n===\n(وإني لأستغفر الله في كل يوم مئة مرة).\n١٥١٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو أسامة) حماد بن أسامة، (عن مالك بن مغول) بكسر أوله وسكون المعجمة وفتح الواو، ابن عاصم بن غزية البجلي، أبو عبد الله الكوفي، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن سعد وأبو نعيم، وعن أحمد: ثقة ثبت، (عن محمد بن سوقة) بضم المهملة، الغنوي بفتح المعجمة والنون الخفيفة، أبو بكر الكوفي، العابد، كان من أهل العبادة والفضل والدين والسخاء، ثقة ثبت، (عن نافع، عن ابن عمر قال: إن) مخففة من الثقيلة (كنا لنعد لرسول الله - ﷺ - في المجلس الواحد مئة مرة: رب اغفر لي وتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم)، وسبب تكثير الاستغفار ما تقدم في الحديث السابق من إزالة الغين عن قلبه الشريف ولتعليم الأمة.\n١٥١٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثني حفص بن عمر) بن مرة (الشني) بالفتح والتشديد، نسبة إلى شن بطن من عبد القيس، البصري، ثقة، روى حديثًا واحدًا في الاستغفار، (حدثني أبي عمر بن مرة) بدل من لفظ أبي، أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، وهو عمر بن مرة الشني البصري، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) في نسخة: \"حفص بن عمر بن مرة\".","vol":"6","page":251},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ بِلَال بْنَ يَسَارِ بْنِ زيدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُنِيهِ عن جَدِّي،\n===\n(قال: سمعت بلال) بالباء الموحدة، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" (١) و\"التقريب\" و\"الخلاصة\"، ووجد في نسخة مكتوبة مصححة بالهاء، أي هلال ابن يسار، وكتب في هامشه: قوله: هلال بن يسار، كذا في الأصل المنقول عنه وفي أصول غيره، وفي أجل صحيح: بلال بن يسار، وهو الذي في \"الأطراف\"، وفي \"التقريب\" وغيره من كتب أسماء الرجال.\nقلت: فاختلف فيه في كونه بالباء الموحدة أو بالهاء، وذكر هذا الاختلاف ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٢) في ترجمة زيد بن بَوْلَا مولى رسول الله - ﷺ -، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه الترمذي بهذا السند من حديث موسى بن إسماعيل، أخبرنا حفص بن عمر الشني، حدثني أبي عمر بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي عن جدي قال: سمعت رسول الله - ﷺ -[يقول:] \"من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلَّا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له، وإن كان فر من الزحف\"، أخرجه الثلاثة، وأخرجه أبو موسى علي بن منده، وهو في كتاب ابن منده\" إلَّا أنه لم ينسبه ولا تسبه أبو عمر، وإنما نسبه أبو نعيم، وتبعه أبو موسى، وأخرج الحديث بعينه عن بلال بن يسار عن أبيه عن جده زيد، فهو لا شك فيه، وقال: قال بعضهم: هلال موضع بلال، والله أعلم، انتهى.\n(ابن يسار بن زيد) القرشي (مولى النبي - ﷺ -) حديثه في أهل البصرة، روى عن أبيه عن جده في الاستغفار، وعنه عمر بن مرة الشني، روى أبو داود والترمذي له حديثًا واحدًا، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سمعت أبي) يسار بن زيد أبو بلال مولى النبي - ﷺ -، روى عن أبيه زيد، وله صحبة، وعنه ابنه بلال، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (يحدثنيه عن جدي) وهو زيد بن بولا بالموحدة مولى رسول الله - ﷺ - أبو يسار، له حديث\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٥٠٥)، و\"تقريب التهذيب\" (ص ١٨٠).\n(٢) \"أسد الغابة\" (٢/ ١٢٦).","vol":"6","page":252},{"text":"أَنَّهُ سمِعَ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّه الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ (٢) فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ\". [ت ٣٥٧٧]\n١٥١٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا الْحَكَمُ بْنُ مُصْعَبٍ،\n===\nعند أبي داود والترمذي من رواية ولده بلال بن يسار بن زيد، حدثني أبي عن جدي، ذكر أبو موسى أن اسم أبيه بولا بالموحدة، وقال غيره: اسمه زيد، وقال ابن شاهين: كان نوبيا، أصابه النبي - ﷺ - في غروة بني ثعلبة فأعتقه. كذا في \"الإصابة\" (٣).\n(أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: من قال) بصميم قلبه: (أستغفر الله الذي لا إله إلَّا هو الحي القيوم) رواية النصب أكثر، منصوب على أنه صفة الله، أو مرفوع على أنه بدل من هو، (وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف)، أي: وإن ارتكب الكبيرة، فإن الفرار من الزحف كبيرة، أوعد الله تعالى عليه، وقال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) الآية.\n١٥١٨ - (حدثنا هشام بن عمار، نا الوليد بن مسلم، نا الحكم بن مصعب) القرشي المخزومي الدمشقي، روى عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وعنه الوليد بن مسلم، قال أبو حاتم: لا أعلم روى عنه غيره، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، له عندهم حديث واحد في لزوم الاستغفار، قلت: هذا مقل جدًّا، فإن كان أخطأ فهو ضعيف، وقد قال\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٢) زاد فى نسخة: \"قد\".\n(٣) (١/ ٥٤٣).\n(٤) سورة الأنفال: الآية ١٦.","vol":"6","page":253},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ». [جه ٣٨١٩، ق ٣/ ٣٥١]\n١٥١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. (ح): وَحَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - الْمَعْنَى -، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: \"سَأَلَ قَتَادَةُ أَنَسًا: أَىُّ دَعْوَةٍ كَانَ (١) يَدْعُو بِهَا النبي (٢) -ﷺ- أَكْثَرَ؟ قَالَ:\n===\nأبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في \"الضعفاء\" أيضًا، وقال: قد روى عنه ابن المغيرة أيضًا، لا يجوز الاحتجاج بحديثه ولا الرواية عنه إلَّا على سبيل الاعتبار، وهو تناقض صعب، وقال الأزدي: لا يتابع على حديثه، فيه نظر.\n(نا محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه) علي بن عبد الله (أنه حدثه عن ابن عباس) عبد الله (أنه) أي ابن عباس (حدثه) علي بن عبد الله (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من لزم الاستغفار) أي عند صدور معصية، أو من دوام عليه، فإنه في كل نفس يحتاج إليه (جعل الله له من كل ضيق) أي شدة ومحنة (مخرجًا) مصدر أو ظرف (ومن كل هم) أي غم (فرجًا) أي خلاصًا (ورزقه من حيث لا يحتسب) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣) الآية.\n١٥١٩ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، ح: وحدثنا زياد بن أيوب، نا إسماعيل) بن علية (المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن عبد العزيز بن صهيب قال: سأل قتادة أنسًا: أيُّ دعوة كان يدعو بها النبي - ﷺ - أكثر، قال)\n_________\n(١) في نسخة: \"كان النبي - ﷺ - يدعو بها\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) سورة الطلاق: الآية ٢.","vol":"6","page":254},{"text":"كَانَ أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»\n===\nأنس: (كان أكثر دعوة) أي دعاء (يدعو) النبي - ﷺ - (بها: اللهُمَّ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة).\nقال الحافظ (١): قد اختلفت (٢) عبارات السلف في تفسير الحسنة، فعن الحسن قال: هي العلم والعبادة في الدنيا، والرزق الطيب والعلم النافع، وفي الآخرة الجنة، وعن قتادة: العافية في الدنيا والآخرة، وعن السدي ومقاتل: حسنة الدنيا الرزق الحلال الواسع [والعمل الصالح]، وحسنة الآخرة المغفرة والثواب، وعن عطية: حسنة الدنيا العلم والعمل به، وحسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنة.\nوقال الشيخ عماد الدين بن كثير (٣): الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل إلى غير ذلك، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنة وتوابعها من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة.\n(وقنا عذاب النار) قال الحافظ (٤): وأما الوقاية من عذاب النار فهو يقتضي\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٢).\n(٢) والحديث من أوضح ما استدل به الجهلة في زماننا على مساواة الدنيا بالدين في الطلب مع أنه دعاء، والدعاء، وإن كان للدنيا فعبادة، وأما الطلب: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ الآية [الشورى: ٢٠]، وأيضًا فالطلب فيه الحسنة في الدنيا، وهم فسروا الحسنة بما ترى، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية [النازعات: ٣٧] ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآيه [الزخرف: ٣٣]، وفيها: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقال تعالي: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]. (ش).\n(٣) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٢٤٤).\n(٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٢).","vol":"6","page":255},{"text":"وَزَادَ زِيَادٌ: وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ (١) دَعَا بِهَا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهَا\". [خ ٦٣٨٩، م ٢٦٩٠]\n١٥٢٠ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ بِصدق (٢)\n===\nتيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم وترك الشبهات أو العفو محضًا، انتهي.\n(وزاد زياد) بن أيوب شيخ المصنف: (وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة) أي واحدة (دعا بها) أي بهذا الدعاء، وهو اللَّهُمَّ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة (وإذا أراد أن يدعو بدعاء) كثير (دعا بها) أي بهذا الدعاء (فيها) أي في الدعاء الكثير، ولم يذكرها مسدد.\n١٥٢٠ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا ابن وهب، نا عبد الرحمن بن شريح) بن عبيد الله بن ميمون المعافري، أبو شريح الإسكندراني، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"الميزان\" (٣): عبد الرحمن بن شريح المصري، ثقة، متفق على حديثه، وقال ابن سعد وحده: منكر الحديث، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٤): وضعفه ابن سعد وحده فقال: منكر الحديث، وقال في \"التقريب\" (٥): ثقة فاضل، لم يصب ابن سعد في تضعيفه.\n(عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه) سهل بن حنيف (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من سأل الله الشهادة) أي القتل في سبيله وإعلاء كلمته (بصدق)\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"دعوة\".\n(٢) في نسخة بدله: \"صادقًا\".\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٥٦٩).\n(٤) (٦/ ١٩٤).\n(٥) (ص ٥٨٢).","vol":"6","page":256},{"text":"بَلَّغَهُ الله مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ\". [م ١٩٠٩، ت ١٦٥٣، ن ٣١٦٢، دي ٢٤٠٧، حب ٣١٩٢، ك ٢/ ٧٧، ق ٩/ ١٧٠]\n١٥٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِىِّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةَ الأَسَدِىِّ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ (١) قال: سَمِعْتُ عَلِيًّا - ﵁ - يَقُولُ: \"كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ\n===\nأي صادق بها قلبه (بلغه الله منازل الشهداء) أي مراتبهم (وإن مات على فراشه) وهذا يدل على أن المرء يثاب على نيته وعزمه على الخير وإن لم يفعل.\n١٥٢١ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة) الوضاح اليشكري، (عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة) بن نضلة الوالبي (الأسدي) أبو المغيرة الكوفي، واختلف في أنه هو علي بن ربيعة البجلي أو غيره، فالبخاري فرق بينه وبين البجلي، وتبعه على ذلك ابن حبان في \"الثقات\"، فذكر هذا في التابعين، وجزم أبو حاتم بأنهما واحد حكاه ابنه عنه، وصنيع الخطيب يقتضي أنه وافقه، وثَّقه النسائي وابن سعد والعجلي وابن نمير وغيره.\n(عن أسماء بن الحكم) الفزاري، وقيل: السلمي، أبو حسان الكوفي، قال البخاري: لم يرو عنه إلَّا هذا الحديث، وحديث آخر لم يتابع عليه، وقد روى أصحاب النبي - ﷺ - بعضهم عن بعض، ولم يحلف بعضهم بعضًا، وتبع العقيلي البخاري في إنكار الاستحلاف، فقال: قد سمع علي من عمر فلم يستحلفه، قلت: وقد جاءت عنه رواية عن المقداد، والأخرى عن عمار، ورواية عن فاطمة الزهراء - ﵃-، وليس في شيء من طرقه أنه استحلفهم، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن حبان في \"الثقات\": يخطئ.\n(قال: سمعت عليًّا - ﵁ - يقول: كنت رجلًا إذا سمعت من\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الفزاري\".","vol":"6","page":257},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثًا نَفَعَنِى اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِى وَإِذَا حَدَّثَنِى أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِى صَدَّقْتُهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ثُمَّ قَرَأَ\n===\nرسول الله - ﷺ - حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني) أي بالعمل به (وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته) على أنه لم يقع فيه سهو ولا نسيان، وفي رواية ابن جرير بسنده عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: ما حدثني أحد عن رسول الله - ﷺ - إلَّا سألته أن يقسم لي بالله لهو سمعه من رسول الله - ﷺ -، إلا أبا بكر فإنه كان لا يكذب.\n(فإذا حلف لي) على يقين منه (صدقته، قال) علي: (وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر) أي علمت صدقه بلا استحلاف (أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما من عبد يذنب ذنبًا) صغيرًا أو كبيرًا (فيحسن الطهور) أي الوضوء (ثم يقوم فيصلي ركعتين) وهذا من آداب الاستغفار، لأنه يدل على مزيد الاهتمام للاستغفار، وعلى عظيم الندامة على الذنب (ثم يستغفر الله إلَّا غفر الله له، ثم قرأ) أي رسول الله - ﷺ - أو أبو بكر.\nوأخرج ابن جرير (١) هذا الحديث من طريق شعبة قال: سمعت عثمان مولى آل أبي عقيل الثقفي قال: سمعت علي بن ربيعة يحدث عن رجل من فزارة يقال له: أسماء أو ابن أسماء، عن علي قال: كنت إذا سمعت من رسول الله - ﷺ - شيئًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، فحدثني أبو بكر- وصدق أبو بكر- عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من عبد\"، قال شعبة: وأحسبه قال: \"مسلم يذنب ذنبًا، ثم يتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب\"، وقال شعبة: وقرأ إحدى هاتين الآيتين: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا\n_________\n(١) \"جامع البيان في تفسير القرآن\" (٤/ ٦٢).","vol":"6","page":258},{"text":"هَذ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) إِلَى آخِرِ الآيَةِ\". [ت ٣٠٠٦، جه ١٣٩٥، حم ٥٦]\n١٥٢٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، حدثني (٢) عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىُّ، عَنِ الصُّنَابِحِىِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّى لأُحِبُّكَ»، فَقَالَ:\n===\nفَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، وهذا السياق يدل ظاهره على أن ضمير \"قرأ\" راجع إلى شيخ شعبة، وهو عثمان مولى آل أبي عقيل، (هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ أي زنا ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بذنب آخر (إلى آخر الآية) وتمام الآية ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٣).\n١٥٢٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا عبد الله بن يزيد المقرئ، نا حيوة بن شريح، حدثني عقبة بن مسلم يقول: حدثني أبو عبد الرحمن الحبلي، عن الصنابحي) عبد الرحمن بن عسيلة بمهملة مصغرًا، ابن عسل بن عسال المرادي، أبو عبد الله الصنابحي، رحل إلى النبي - ﷺ -، فوجده قد مات قبله بخمس ليال أو ست، ثم نزل الشام، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.\n(عن معاذ بن جبل (٤): أن رسول الله - ﷺ - أخذ بيده) أي معاذ (وقال: يا معاذ، والله إني لأحبك) وفيه منقبة عظيمة لمعاذ (فقال) رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم\".\n(٢) في نسخة: \"سمعت\".\n(٣) سورة آل عمران: الآية ١٣٦.\n(٤) والحديث مسلسل بقول: إني أحبك فقال ... إلخ، في \"المسلسلات\" (ص ٤٢). (ش).","vol":"6","page":259},{"text":"«أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، وَأَوْصَى بِذَلِكَ مُعَاذٌ الصُّنَابِحِىَّ، وَأَوْصَى بِهِ الصُّنَابِحِىُّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ\". [ن ١٣٠٣، ك ١/ ٢٧٣، حم ٥/ ٢٤٤، خزيمة ٧٥١]\n١٥٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ حُنَيْنَ بْنَ أَبِى حَكِيمٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُلَىِّ بْنِ رَبَاح اللَّخْمِىِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: \"أَمَرَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ (١) دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ\". [ت ٢٩٠٣، ن ١٣٥٣، حم ٤/ ١٥٥]\n١٥٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سوَيْدٍ السدُوسِيُّ،\n===\n(أوصيك) أي آمرك (يا معاذ: لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللَّهُمَّ أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) أي وفقني بها (وأوصى بذلك معاذ الصنابحي، وأوصى به الصنابحي أبا عبد الرحمن).\n١٥٢٣ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن الليث بن سعد أن حنين) بنونين مصغرًا (ابن أبي حكيم) الأموي مولاهم، المصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عدي: لا أدري البلاء منه أو من ابن لهيعة، فإن أحاديثه عنه غير محفوظة (حدثه، عن علي بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ بالمعوذات) وهي سورة الفلق وسورة الناس، أطلق عليهما صيغة الجمع باعتبار كون التثنية أقل مراتب الجمع، أو المراد المعوذتان مع سورتي الإخلاص والكافرون، ولكن وقع في رواية الترمذي بالتثنية (دبر) أي عقب (كل صلاة) مكتوبة أو تعم النافلة أيضًا.\n١٥٢٤ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن علي بن سويد السدوسي،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في\".","vol":"6","page":260},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلَاثًا، وَيَسْتَغْفِرَ ثَلَاثًا\". [حم ١/ ٣٩٤، سي ٤٥٧، حب ٩١٩]\n١٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ ابْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَلَا أُعَلِّمُكِ\n===\nنا أبو داود) الطيالسي، (عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله) بن مسعود: (أن رسول الله - ﷺ - كان يعجبه) أي يسره ويستحسن (أن يدعو ثلاثًا) أي ثلاث مرات (ويستغفر ثلاثًا) أي ثلاث مرات.\n١٥٢٥ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود) الخريبي، (عن عبد العزيز بن عمر) بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي، أبو محمد المدني، وثقه ابن معين وقال أيضًا: ثبت، وأبو داود وابن عمار ويعقوب بن سفيان، وعن أبي مسهر: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، وحكى الخطابي عن أحمد بن حنبل قال: ليس هو من أهل الحفظ والإتقان.\n(عن هلال) أبي طعمة بضم أوله وسكون المهملة، شامي سكن مصر، يقرئ القرآن بها، وكان مولى عمر بن عبد العزيز، وثقه ابن عمار الموصلي، ولم يثبت أن مكحولًا رماه بالكذب.\n(عن عمر بن عبد العزيز) أمير المؤمنين، (عن ابن جعفر) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، صحابي، قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، حمل امرأته أسماء بنت عميس، فولدت هناك عبد الله وعونًا ومحمدًا، ثم قدم بهم المدينة، وأخباره في الكرم شهيرة، كان يقال له: قطب السخا، وكان يوم توفي النبي - ﷺ - ابن عشر، أمَّره علي في صفين.\n(عن) أمه (أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: ألا أعلمك","vol":"6","page":261},{"text":"كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ، أَوْ في الْكَرْبِ؟: اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي، لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا\". [جه ٣٨٨٢، حم ٦/ ٣٦٩، سي ٦٤٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا هِلَالٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنُ جَعْفَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ.\n١٥٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ وَعَلِىِّ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدٍ الْجُرَيْرِىِّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ، أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِىَّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى سَفَرٍ، فَلَمَّا دَنَوْا (١) مِنَ الْمَدِينَةِ كَبَّرَ النَّاسُ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِى تَدْعُونَهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْنَاقِ رِكَابِكُمْ»،\n===\nكلمات تقولينهن عند الكرب) هو غم يأخذ بالنفس (أو) للشك من الراوي (في) حالة (الكرب؟ الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا، قال أبو داود: هذا هلال مولى عمر بن عبد العزيز، وابن جعفر عبد الله بن جعفر).\n١٥٢٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت) البناني (وعلي بن زيد) عطف على ثابت (وسعيد الجريري) أيضًا معطوف على ثابت، كلهم. أي ثابت البناني وعلي بن زيد وسعيد الجريري رووا (عن أبي عثمان النهدي أن أبا موسى الأشعري قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فلما دنوا) أي قربوا (من المدينة كبر الناس ورفعوا أصواتهم، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أيها الناس، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم) أي: رواحلكم، وهذا كناية عن كمال قربه من العبد، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٢)، ثم إن هذا الحديث يدل على\n_________\n(١) في نسخة: \"دنونا\".\n(٢) سورة ق: الآية ١٦.","vol":"6","page":262},{"text":"ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا أَبَا مُوسَى، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟» فَقُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ». [خ ٤٢٠٥، م ٢٧٠٤، حم ٤/ ٣٩٩]\n===\nأنهم بالغوا في الجهر وفي رفع أصواتهم، فلا يلزم منه المنع من الجهر مطلقًا، لأن النهي للتيسير والإرفاق لا لكون الجهر غير مشروع (١).\n(ثم قال رسول الله - ﷺ -: يا أبا موسى، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت: وما هو؟ قال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله) خبر مبتدأ محذوف، أي كنز\n_________\n(١) وأجاب عنه والدي المرحوم عند الدرس بأن السياق يقتضي أن جهرهم كان على سبيل الدعاء، وجهر الذاكرين يكون على سبيل الذكر، وأجاب عنه في \"روح البيان\": إن ذلك باختلاف المشارب والمقامات، اللائق بحال أهل الغفلات الجهر لقلع الخواطر، وبأحوال أهل الحضور الخفاء. وقال السعدي:\nدوست نزديكتر أزمن بمنست ... ويس عجب تركـ من أزو دورم\nقلت: وعلى هذا فالصحابة لم يبقوا في درجة من يحتاج إلى الجهر بالذكر، ولذا ترى الصوفية يمنعون على الجهر بالذكر لمن يترقى إلى درجة المشاهدة، ويأمرونه بالمراقبة على أن النبي - ﷺ - أمر أبا بكر وقد قال: \"أسمع من ناجيت\": \"ارفع من صوتك\".\nوفي \"الجامع الصغير\" (١/ ١٣٨): اذكروا الله ذكرًا يقول المنافقون: تراؤون، وضَعفُه ينجبر بالشواهد.\nمنها ما في \"المقاصد الحسنة\" (ص ٧٤)، عن أبي الجوزاء مرسلًا بمعناه، وعن أبي سعيد مرفوعًا: \"أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون\"، صححه الحاكم.\nوسيأتي أيضًا عن أبي داود في \"الجنائز\" في \"باب الدفن بالليل\" وفيه: فإذا رسول الله - ﷺ - في القبر، وإذا هو يقول: \"ناولوني صاحبكم\"، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر.\nوذكر شيخ المشايخ حضرة الشاه مظهرجان جانان حديث شداد بن أوس عن علي مرفوعًا في تعليمه - ﷺ - الذكر بالجهر، ولكنه أعلى الله مراتبه قيده بالجهر المتوسط، ورد على المبالغة في الجهر، وهو كذلك عند مشايخنا السادات العظام، فإنهم لا يحبون الإفراط في الجهر، انتهى.\nوأورد الشيخ عبد الحي اللكنوي قريبًا من خمسين رواية من الأبواب المختلفة في الجهر بالذكر، وبسطه في \"سباحة الفكر\" (ص ١٥ - ٣٨) من الرسائل الستة. (ش).","vol":"6","page":263},{"text":"١٥٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِىُّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ: أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ نبي الله (١) -ﷺ- وَهُمْ يَتَصَعَّدُونَ فِى ثَنِيَّةٍ، فَجَعَلَ رَجُلٌ كُلَّمَا عَلَا الثَّنِيَّةَ نَادَى: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ نَبِىُّ اللَّهِ (٢) -ﷺ-: «إِنَّكُمْ لَا تُنَادُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا»، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ...» فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [م ٢٧٠٤]\n١٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ (٣)، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ،\n===\nالجنة، ومعنى كونه كنزًا أنه يعد لقائله ويدخر له من الثواب ما يقع في الجنة موقع الكنز في الدنيا.\n١٥٢٧ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا سليمان التيمي، عن أبي عثمان) النهدي، (عن أبي موسى الأشعري: أنهم) أي أبو موسى وغيره من الصحابة (كانوا مع نبي الله - ﷺ - وهم) أي: والحال هم (يتصعدون) يرتقون (في ثنية) قال في \"المجمع\" (٤): الثنية في الجبل كالعقبة فيه، وقيل: بالطريق العالي فيه، وقيل: أعلى المسيل في رأسه (فجعل رجل كلما علا) أي أوفى (الثنية نادى: لا إله إلَّا الله والله أكبر، فقال نبي الله - ﷺ -: إنكم لا تنادون أصم ولا غائبًا) بل أنتم تدعون سميعًا قريبًا، فلا تصيحوا هكذا، (ثم قال: يا عبد لله بن قيس) هو أبو موسى الأشعري (فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم.\n١٥٢٨ - (حدثنا أبو صالح) محبوب بن موسى الأنطاكي، وثقه العجلي والآجري عن أبي داود، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: صويلح، وليس بالقوي، (أنا أبو أسحاق الفزاري،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) زاد في نسخة: \"محبوب بن موسى\".\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٠٩).","vol":"6","page":264},{"text":"عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ فِيهِ: \"فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ». [خ ٢٩٩٢، م ٢٧٠٤، ت ٣٣٧٤ - ٣٤٦١، جه ٣٨٢٤]\n١٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ الإِسْكَنْدَرَانِىُّ قال: حَدَّثَنِى أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَلِىٍّ الْجَنْبِىَّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٢) -ﷺ- قَالَ: «مَنْ قَالَ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ (٣) - ﷺ - رَسُولًا (٤)، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». [سي ٥، ك ١/ ٥١٨]\n===\nعن عاصم) الأحول، (عن أبي عثمان، عن أبي موسى بهذا الحديث) المتقدم. (وقال) عاصم (فيه: فقال النبي - ﷺ -: يا أيها الناس اربعوا) بهمزة وصل وفتح موحدة (على أنفسكم) أي أرفقوا بأنفسكم بخفض الأصوات، فإنكم تدعون سميعًا قريبًا.\n١٥٢٩ - (حدثنا محمد بن رافع) بن أبي زيد، واسمه سابور القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري، الزاهد، وثقه النسائي، وقال مسلم بن الحجاج: ثقة، مأمون، صحيح الكتاب. (نا أبو الحسين زيد بن الحباب، نا عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني قال: حدثني أبو هانئ الخولاني) حميد بن هانئ (أنه سمع أبا علي الجنبي) بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة، عمرو بن مالك الهمداني، بصري، ثقة، وثقه العجلي والدارقطني.\n(أنه سمع أبا سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: من قال رضيت بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولًا، وجبت له الجنة) يعني من قال ذلك\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أخبرني\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) زاد في نسخة: \"عليه وعلى آله الصلاة والسلام\".\n(٤) في نسخة: \"نبيًا\".","vol":"6","page":265},{"text":"١٥٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ (١) وَاحِدَةً فصلي (٢) اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا». [م ٤٠٨، ت ٤٨٥، ن ١٢٩٦، حم ٢/ ٢٦٢]\n١٥٣١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ (٣)، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ (٤) -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ»، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ\n===\nومات عليه وجبت له الجنة في الحال إن لم يوجد منه ما يوجب العقوبة، أو وجد وعفي عنه، أو في المآل إن وجد منه موجب العقاب.\n١٥٣٠ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب، (عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: من صلَّى علي واحدة فصلَّى الله عليه عشرًا) أي عشر مرات.\n١٥٣١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا الحسين بن علي) الجعفي، (عن عبد الرحمن بن يزبد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال النبي - ﷺ -: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قال: فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"صلاة\".\n(٢) في نسخة بدله: \"صلَّى\".\n(٣) زاد في نسخة: \"الجعفي\".\n(٤) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"6","page":266},{"text":"وَقَدْ أَرِمْتَ؟ ! - قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ\". [تقدم تخريجه برقم ١٠٤٧]\n\n(٣٦٣) بَابُ النَّهْي أَنْ (١) يَدْعُوَ الإنْسَانُ علَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ\n١٥٣٢ - حدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَيَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ،\n===\nوقد أَرِمْتَ؟ - قال: يقولون: بليت - قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء) وهذا الحديث قد تقدم في أبواب الجمعة، وتقدم شرحه هناك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>(٣٦٣) (بَابُ النَّهْي أَنْ يَدْعُوَ الإنْسَانُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ)</span>\nإذا كان صلة الدعاء حرف على يكون للضرر\n١٥٣٢ - (حدثنا هشام بن عمار ويحيى بن الفضل وسليمان بن عبد الرحمن قالوا: نا حاتم بن إسماعيل، ثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تدعوا على أنفسكم) بالنقصان والهلاك، فإن بعض الناس يدعو على نفسه عند الضجر والملالة، (ولا تدعوا على أولادكم) وقد كثر في النساء هذا المرض فإنهن يدعون على أولادهن الصغار، (ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا) علة للنهي أي كيلا توافقوا (من الله ساعة نيلٍ) أي عطاء (فيها) أي في تلك الساعة (عطاء) من الله تعالى\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عن دعاء\".","vol":"6","page":267},{"text":"فيَسْتَجِيبَ (١) لَكُمْ\". [م ٣٠٠٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ، عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ لَقِيَ جَابِرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>(٣٦٤) بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ - ﷺ </span>-\n١٥٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِلنَّبِىِّ -ﷺ-: صَلِّ عَلَىَّ وَعَلَى\n===\n(فيستجيب) أي الله (لكم) دعاءكم فتندموا. (قال أبو داود: هذا الحديث متصل) أي ليس بمنقطع، لأن (عبادة (٢) بن الوليد بن عبادة لقي جابرًا).\n\n(٣٦٤) (بَابُ الصَّلاةِ عَلَى غيرِ النَّبِيِّ (٣) - ﷺ -) هل يجوز ذلك أو لا؟\n١٥٣٣ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح) بمهملة مصغرًا، ابن عبد الله (العنزي) بفتح المهملة والنون ثم زاي، أبو عمرو الكوفي، قال أبو زرعة: ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره علي بن المديني في جملة المجهولين الذين يروي عنهم الأسود بن قيس، وصحح الترمذي حديثه، وكذلك ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.\n(عن جابر بن عبد الله: أن امرأة قالت للنبي - ﷺ -: صلِّ عليَّ وعلى\n_________\n(١) في نسخة: \"فيستجاب\".\n(٢) كما صرح بسماعه هذا الحديث عنه في آخر \"صحيح مسلم\" (٣٠٠٨)، وفي حديث جابر الطويل، وعلم منه أن هذه الواقعة كانت في غزوة بواط. (ش).\n(٣) وبسطه ابن عابدين، والبسط في \"الأوجز\" (٣/ ٤١٦) أيضًا، وحاصل المذاهب أنه يجوز عند الكل، استقلالًا عند أحمد، وقيل: هي رواية، ولا يجوز استقلالًا عند الثلاثة. (ش).","vol":"6","page":268},{"text":"زَوْجِى، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ». [٢/ ١٥٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>(٣٦٥) بَابُ الدُّعَاءِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ </span>(١)\n١٥٣٤ - حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ الْمُرَجَّى، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ ثَرْوَانَ،\n===\nزوجي، فقال النبي - ﷺ -: صلَّى الله عليك وعلى زوجك).\nقال ابن الملك: الصلاة بمعنى الدعاء والتبرك، قيل: يجوز على غير النبي، قال الله تعالى في معطي الزكاة: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، وأما الصلاة التي لرسول الله - ﷺ - فإنها بمعنى التعظيم والتكريم، فهي خاصة له، قال ابن حجر: اختلفوا في الدعاء بلفظ الصلاة يعني لغير النبي - ﷺ -، فقيل: يكره وإن أراد بها مطلق الرحمة، وقيل: يحرم، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يسن، وقيل: يباح إن أراد بالصلاة مطلق الرحمة، ويكره إن أراد بها مقرونة بالتعظيم، انتهى. والمانعون يجعلون هذا من خصوصياته ﵊، انتهى، قاله القاري (٢).\n\n(٣٦٥) (بَابُ الدُّعَاءِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)\nلفظ الظهر زائد لتحسين الكلام، أي إذا غاب مسلم فدعا له أخوه المسلم في غيبته تقبل عند الله تعالى، لأنها مقرونة بالإخلاص، وخالية عن الرياء والسمعة\n١٥٣٤ - (حدثنا رجاء بن المرجى، نا النضر بن شميل) مصغرًا، المازني، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، كان إمامًا في العربية والحديث، وهو أول من أظهر السُّنَّةَ بمرو وجميع خراسان، ثقة ثبت.\n(أنا موسى بن ثروان) ويقال بالفاء بدل المثلثة، ويقال بالسين المهملة،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"باب دعاء الغائب للغائب\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٧٠).","vol":"6","page":269},{"text":"حَدَّثَنِى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، حَدَّثَتْنِى أُمُّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: حَدَّثَنِى سَيِّدِى أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ». [م ٢٧٣٢]\n===\nالعجلي المعلم البصري، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وسئل عنه الدارقطني فقال: إسناد مجهول حمله الناس.\n(حدثني طلحة بن عبيد الله بن كريز) بفتح الكاف، الخزاعي الكعبي، أبو المطرف الكوفي، ويقال: المصري، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وثقه أحمد والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كل ما يجيء في الأخبار كريز فهو بضم الكاف إلَّا هذا، وله في الصحيح حديث واحد في الدعاء لأخيه بظهر الغيب.\n(حدثتني أم الدرداء) هذه هي الصغرى التابعية، واسمها هجيمة، وقيل: جهيمة بنت حي، الأوصابية الدمشقية، وأم الدرداء الكبرى خيرة بنت أبي حدرد، وكانت الكبرى صحابية لا رواية لها في هذه الكتب، والصغرى ثقة فقيهة، ماتت سنة ٨١ هـ.\n(قالت: حدثني سيدي) أي زوجي (أبو الدرداء أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: إذا دعا الرجل) المسلم (لأخيه) المسلم (بظهر الغيب) أي في غيبة المدعو له وفي السر، لأنه أبلغ في الإخلاص (قالت الملائكة: آمين) أي استجب (ولك بمثل) أي أعطى الله لك مثل ما سألت لأخيك، فالباء زائدة.\nقال النووي (١): ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة، ولو دعا لجميع المسلمين فالظاهر حصولها أيضًا، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه دعا لأخيه المسلم بتلك الدعوة، لأنها تستجاب ويحصل له مثلها.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٥٩).","vol":"6","page":270},{"text":"١٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دَعْوَةُ (٢) غَائِبٍ لِغَائِبٍ». [ت ١٩٨٠]\n١٥٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ (٣) -ﷺ- قَالَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ\n===\n١٥٣٥ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، حدثني عبد الرحمن بن زياد) بن أنعم الإفريقي، (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن يزيد الحبلي، (عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: إن أسرع الدعاء إجابةً دعوة غائب لغائب) لخلوص النية وصفاء الطبيعة.\nقال في \"الدرجات\" (٤): روى الطبراني بـ \"مكارم الأخلاق\" عن يوسف بن أسباط قال: مكثت دهرًا وأنا أظن أن هذا الحديث قال على من غاب شخصه فقط، فنظرت فيه فإذا هو لو كان على المائدة وهو لا يسمع كان غائبًا.\n١٥٣٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام) الدستوائي، (عن يحيى) بن أبي كثير، (عن أبي جعفر) الأنصاري المدني المؤذن، قال الترمذي: لا يعرف اسمه. وقال غيره: هو محمد بن علي بن حسين، وليس بمستقيم، لأن محمد بن علي لم يكن مؤذنًا، ولأن أبا جعفر هذا قد صرح بسماعه عن أبي هريرة في عدة أحاديث، وأما محمد بن علي بن حسين فلم يدرك أبا هريرة، وقال الدارمي: أبو جعفر هذا رجل من الأنصار، وبهذا جزم ابن القطان وقال: إنه مجهول.\n(عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: ثلاث دعوات مستجابات) إما مرفوع\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) في نسخة: \"دعاء\".\n(٣) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٤) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٨٢).","vol":"6","page":271},{"text":"لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ». [ت ١٩٠٥، حم ٢/ ٢٥٨]\n\n(٣٦٦) بَابُ مَا يَقُولُ (١) إِذَا خَافَ قَومًا\n١٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِى نُحُورِهِمْ،\n===\nخبر لقوله: ثلاث دعوات، وقوله: \"لا شك فيهن\" تأكيد، أو خبر ثان، أو مجرور صفة لقوله: \"دعوات\"، والخبر \"لا شك فيهن\" (لا شك فيهن) أي في استجابتهن، وهو آكد من حديث: \"لا ترد\"، وإنما أكد به لالتجاء هؤلاء الثلاثة إلى الله تعالى بصدق الطلب ورقة القلب.\n(دعوة الوالد) لولده أو عليه، ولم يذكر الوالدة، لأن حقها أكثر فدعاؤها أولى بالإجابة، أو لأن دعوتها عليه غير مستجابة، لأنها ترحمه ولا تريد بدعائها عليه وقوعه، كذا ذكره زين العرب، قال القاري (٢).\n(ودعوة المسافر) فإن المسافر في سفره عاجز ذليل، يدعو بكمال العجز والتواضع (ودعوة المظلوم) وهو أيضًا (كذلك).\n\n(٣٦٦) (بَابُ مَا يَقُولُ) للتعوذ والحفظ (إِذَا خَافَ قَوْمًا)\n١٥٣٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) هشام، (عن قتادة، عن أبي بردة بن عبد الله) بن قيس، أبي موسى الأشعري (أن أباه) أي عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري (حدثه: أن النبي - ﷺ - كان إذا خاف قومًا قال: اللهُمَّ إنا نجعلك في نحورهم) من جعلته في نحر العدو، أي قبالته\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الرجل\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٥).","vol":"6","page":272},{"text":"وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شرُورِهِمْ\". [حم ٤/ ٤١٥، ق ٥/ ٢٥٣، سي ٦٠١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>(٣٦٧) بَابٌ: في الاسْتِخَارَةِ</span>\n١٥٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقَاتِلٍ خَالُ الْقَعْنَبِىِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الْمَوَالِ،\n===\nوحذاءه، ليقاتل عنك ويحول بينك وبينه، كذا في \"المجمع\" (١). (ونعوذ بك من شرورهم) والمعنى: نسألك أن تصد صدورهم، وتدفع شرورهم، وتكفينا أمورهم، وتحول بيننا وبينهم.\n\n(٣٦٧) (بَابٌ: في الاسْتِخَارَةِ) (٢)\nأي: طلب الخير من الله تعالى فيما لقصد من الأمور\n١٥٣٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد الرحمن بن مقاتل خال القعنبي) التستري بمثناتين بينهما مهملة، أبو سهل، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث (ومحمد بن عيسى، المعنى واحد) أي معنى حديثهم واحد.\n(قالوا) أي عبد الله بن مسلمة وعبد الرحمن بن مقاتل ومحمد بن عيسى: (نا عبد الرحمن بن أبي الموال) واسمه زيد، وقيل: أبو الموال جده، فهو عبد الرحمن بن زيد بن أبي الموال، أبو محمد، مولى آل علي، وثقه الترمذي والنسائي، وكذا قال الدوري عن ابن معين، والآجري عن أبي داود، وقال ابن حبان في \"الثقات\": يخطئ، قال أبو طالب عن أحمد: كان يروي\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٨٨).\n(٢) وفي \"الفتاوى الحديثيه\" (ص ٣٧٨): لا يلتفت إلى تضعيف أحمد لهذا، وذكر ابن العربي فقال: حديث صلاة الحاجة ضعيف، وأما حديث الاستخارة فحديث صحيح متفق عليه، وفيه تسع مسائل. (انظر: \"عارضة الأحوذي\" ٢/ ٢٦٢). (ش).","vol":"6","page":273},{"text":"حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ لَنَا: «إِذَا هَمَّ\n===\nحديثًا منكرًا، عن ابن المنكدر، عن جابر في الاستخارة، ليس أحد يرويه غيره، قال ابن عدي: ولعبد الرحمن غير ما ذكرت، وهو مستقيم الحديث، والذي أنكر عليه حديث الاستخارة.\nوقد روى حديث الاستخارة غير واحد من الصحابة، كما رواه ابن أبي الموال، وقد جاء من رواية أبي أيوب وأبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود وغيرهم، وليس في حديث منهم ذكر الصلاة إلَّا في حديث أبي أيوب، ولم يقيد بركعتين ولا بقوله: من غير الفريضة.\n(حدثني محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة) أي طلب تيسير الخير في الأمرين من الفعل والترك من الخير وهو ضد الشر في الأمور، أي التي نريد الإقدام عليها مباحة كانت أو عبادة، لكن بالنسبة إلى إيقاع العبادة في وقتها وكيفيتها، لا بالنسبة إلى أصل فعلها.\n(كما يعلمنا السورة من القرآن) وهذا يدل على شدة الاعتناء بها (يقول لنا) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا هم) قال الحافظ (١): قال ابن أبي جمرة: ترتيب الوارد فى على القلب على مراتب: الهمة، ثم اللمة، ثم الخطرة، ثم النية، ثم الإرادة، ثم العزيمة، فالثلاثة الأولى لا يؤاخذ [بها] بخلاف الثلاثة الأخرى، فقوله: \"إذا هم\" يشير إلى أول ما يرد في القلب يستخير، فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير، بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده، وقويت فيه عزيمته وإرادته، فإنه يصير إليه له ميل وحب، فيخشى أن يخفى عنه وجه الأرشدية لغلبة ميله عليه، قال: ويحتمل أن يكون المراد بالهمِّ العزيمة، لأن الخاطر لا يثبت فلا يستمر إلَّا على ما يقصد\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٨٥).","vol":"6","page":274},{"text":"أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ وَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ،\n===\nالتصميم على فعله، وإلا لو استخار في كل خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به فيضيع فيه أوقاته، ووقع في حديث ابن مسعود: \"إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل\".\n(أحدكم بالأمر) والمراد بالأمر ما يعتنى بشأنه، ويندر وجوده مثل السفر والعمارة ونحوهما، لا كالأكل والشرب المعتاد (فليركع ركعتين من غير الفريضة) وفائدة التنصيص على الركعتين التنبيه بالأدنى على الأعلى، ويقرأ في الأولى \"الكافرون\" وفي الثانية \"الإخلاص\"، وقيل: يقرأ في الأولى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (١) الآية، وفي الثانية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ (٢) الآية، وينبغي أن يكررها سبعًا لما روى ابن السني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أنس إذا هممت فاستخر ربك سبع مرات\"، ثم يمضي بعد الاستخارة لما ينشرح له صدره إنشراحًا خاليًا عن هوى النفس، فإن لم يشرح لشيء، فالظاهر أنه يكرر الصلاة حتى يظهر له، إلى سبع مرات، ثم إنه ﷺ ما عين لها وقتًا، فذهب الجمع إلى جوازها في جميع الأوقات، والأكثرون على أنها في غير الأوقات المكروهة.\n(وليقل) وفي رواية البخاري: \"ثم يقول\"، ولفظ البخاري ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة، فلو دعا به في أثناء الصلاة احتمل الإجزاء على لفظ أبي داود (اللهُمَّ إني أستخيرك بعلمك) الباء للتعليل، أي لأنك أعلم، وكذا هي في قوله: \"بقدرتك\"، ويحتمل أن يكون للاستعانة كقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ (٣)، ويحتمل أن يكون للاستعطاف كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ (٤) الآية.\n_________\n(١) سورة القصص: الآية ٦٨.\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٣٦.\n(٣) سورة هود: الآية ٤١.\n(٤) سورة القصص: الآية ١٧.","vol":"6","page":275},{"text":"وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ\" - يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ الَّذِى يُرِيدُ - \"خَيْرًا (١) لِى فِى دِينِى وَمَعَاشِى\n===\n(وأستقدرك بقدرتك) أي أطلب منك أن تجعل لي على ذلك قوة، ويحتمل أن يكون المعنى أطلب منك أن تقدره لي، والمراد بالتقدير التيسير، ولفظ النسائي: \"أستهديك بقدرتك\".\n(وأسألك من فضلك العظيم) إشارة إلى أن إعطاء الرب فضل منه، وليس لأحد حق في نعمه، كما هو مذهب أهل السنَّة (فإنك تقدر) بالقدرة الكاملة على كل شيء ممكن تعلقت به إرادتك (ولا أقدر) على شيء إلا بقدرتك وحولك وقوتك.\n(وتعلم) بالعلم المحيط بجميع الأشياء خيرها وشرها، كُلِّيَّها وجُزئِيَّها، ممكنها وغيرها (ولا أعلم) شيئًا منها إلا بإعلامك (وأنت علام الغيوب) بضم الغين وكسرها، أي أنت كثير العلم بجميع المغيبات، لأنك تعلم السر والأخفى، فضلًا عن الأمور الحاضرة والأشياء الظاهرة في الدنيا والآخرة.\n(اللهُمَّ فإن كنت تعلم) أي إن كان في علمك (إن هذا الأمر) الذي أريده، و(يسميه بعينه الذي يريد) أو يضمر في باطنه، والشك في أن العلم متعلق بالخير أو الشر، لا في أصل العلم، فلا يستشكل الإيراد بلفظ الشك (خيرًا لي) أي الأمر الذي عزعت عليه أصلح لي (في ديني) أي فيما يتعلق بديني أولًا وآخرًا (ومعاشي) أي حياتي، وفي حديث ابن مسعود عند الطبراني في \"الأوسط\": \"في ديني وفي دنياي\"، وفي حديث أبي أيوب عنده أيضًا في \"الكبير\": \"في دنياي وآخرتي\".\n_________\n(١) في نسخة: \"خير\".","vol":"6","page":276},{"text":"وَمَعَادِى وَعَاقِبَةِ أَمْرِى، فَاقْدُرْهُ لِى، وَيَسِّرْهُ لِى، وَبَارِكْ لِى فِيهِ. اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ شَرًّا لِى\" - مِثْلَ الأَوَّلِ - \"فَاصْرِفْنِى عَنْهُ وَاصْرِفْهُ عَنِّى، وَاقْدُرْ لِىَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِى بِهِ»، أَوْ قَالَ: «فِى عَاجِلِ أَمْرِى وَآجِلِهِ». [خ ١١٦٦، ت ٤٨٠، حم ٣/ ٣٤٤، جه ١٣٨٣، ن ٣٢٥٣، ق ٣/ ٥٢]\n===\n(ومعادي وعاقبة أمري، فاقدره لي) (١) قال الحافظ (٢): قال أبو الحسن القابسي: أهل بلدنا يكسرون الدال، وأهل الشرق يضمونها، وقال الكرماني: معنى قوله اجعله مقدورًا لي أو قدره، وقيل: معناه يسره لي، فحاصل معناه: أدخله تحت قدرتي.\n(ويسره لي) أي سهله (وبارك لي فيه) أي أكثر الخير والبركة فيما أقدرتني عليه ويسرته لي.\n(اللهُمَّ وإن كنت تعلمه) أي الأمر الذي أريده (شرًّا لي، مثل الأول) أي في ديني ودنياي (فاصرفني عنه) أي اصرف خاطري عنه حتى لا يكون سبب اشتغال البال (واصرفه عني) أي بالبعد بيني وبينه، وبعدم إعطاء القدرة لي عليه، وبالتعويق والتعسير فيه.\n(واقدر لي الخير) أي يسره علي (حيث كان) الخير من زمان أو مكان (ثم رضي به) أي بالخير، أي اجعلني راضيًا بخيرك المقدور (أو قال: في عاجل أمري وآجله).\nقال القاري (٣): قال الجزري في \"مفتاح الحصن\": \"أو\" في الموضعين\n_________\n(١) وفي \"إرشاد المتحلى\" (ص ١٨٨): قال الشهاب القرافي: من الدعاء المحرم المرتب على استئناف المشيئة، كقوله: أقدر لي الخير، لأن الدعاء ليتناول المستقبل، والقدر ماض، فيكون مقتضاه أن يقع القدر في المستقبل، وهو محال، والجواب عن حديث الاستخارة أن المراد التيسير. (ش). (انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٣/ ٣٦٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٨٦).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤٠٤).","vol":"6","page":277},{"text":"قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَابْنُ عِيسَى: عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>(٣٦٨) بَابٌ: في الاسْتِعَاذَةِ</span>\n١٥٣٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ:\n===\nللتخيير، أي أنت مخير إن شئت، قلت: عاجل أمري وآجله، أو قلت: معاشي وعاقبة أمري.\nوقال العسقلاني (١): الظاهر أنه شك في أن النبي - ﷺ - قال: \"عاقبة أمري\"، أو قال: \"عاجل أمري وآجله\". [وإليه ذهب القوم] حيث قالوا: هي على أربعة أقسام: خير في دينه دون دنياه، وهو مقصود الأبدال، وخير في دنياه وهو حظ حقير، وخير في العاجل دون الآجل وبالعكس، وهو أولى، والجمع أفضل، ويحتمل أن يكون الشك في أنه ﵊ قال: \"في ديني ومعاشي وعاقبة أمري\"، أو قال بدل الألفاظ الثلاثة: \"في عاجل أمري وآجله\"، ولفظ \"في\" المعادة في قوله: \"في عاجل أمري\" ربما يؤكد هذا، وعاجل الأمر يشمل الديني والدنيوي، والآجل يشملهما والعاقبة.\n(قال ابن مسلمة) عبد الله (وابن عيسى) أي محمد: (عن محمد ابن المنكدر، عن جابر) أي آتيًا بلفظ \"عن\" لا بلفظ التحديث والسماع.\n\n(٣٦٨) (بَابٌ: فِي الاسْتِعَاذَةِ)\nأي: من الأمور الضارة في الدنيا والآخرة\n١٥٣٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب قال:\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المرقاة\": قال الطيبي.","vol":"6","page":278},{"text":"\"كَانَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ: مِنَ الْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْعُمُرِ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ\". [ن ٥٤٤٣، جه ٣٨٤٤]\n١٥٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ». [خ ٦٣٦٧، م ٢٧٠٦، ن ٥٤٤٨]\n===\nكان النبي - ﷺ - يتعوذ من خمس) ذكر العدد لا ينفي الزيادة عليه (من الجبن) هو ضد الشجاعة، فإن الجبان لا يأتي فريضة القتال، ولا يأتي فريضة الأمر بالمعروف، وإظهار كلمة الحق لخوف اللوم (والبخل) والبخيل لا يؤدي حقوق الأموال (وسوء العمر) أي أرذله وآخره في حال الكبر والعجز والخرق، وأرذل الشيء رديئه (وفتنة الصدر) أي ما ينطوي عليه الصدر من القساوة، والحقد، والحسد، والعقائد الباطلة، والأخلاق السيئة، وقيل: المراد به الضيق المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢)، وهي الإنابة إلى دار الغرور، والتجافي عن دار الخلود (وعذاب القبر).\n١٥٤٠ - (حدثنا مسدد، نا المعتمر) بن سليمان (قال: سمعت أبي) سليمان التيمي (قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان رسول الله - ﷺ - يقول: اللهُمَّ إني أعوذ بك من العجز) أي عدم القدرة على العبادة والانتقام من الأعداء (والكسل) أي التثاقل عن الخير (والجبن) أي عدم الإقدام على مخالفة النفس والشيطان، أو عدم الإقدام على قتال أعداء الدين (والبخل والهرم) وهو كبر سن يؤدي إلى تساقط بعض القوى وضعفها.\n(وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) سورة الأنعام: الآية ١٢٥.","vol":"6","page":279},{"text":"١٥٤١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ سَعِيدٌ: الزُّهْرِىُّ -، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِىَّ (١) -ﷺ-، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَظَلْعِ (٢) الدَّيْنِ،\n===\nأي الحياة والموت، والمراد بفتنة الموت قيل: فتنة القبر، ويجوز أن يكون اسم مكان، والمقصود حينئذ فتنة المنزلة والمكان عند الحياة وعند الموت.\n١٥٤١ - (حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا: نا يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري بتشديد التحتانية، المدني، حليف بني زهرة، نزيل الإسكندرية، (قال سعيد) بن منصور شيخ المصنف: (الزهري) أي زاد لفظ \"الزهري\" بعد قوله: يعقوب بن عبد الرحمن، ولم يزده قتيبة، (عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم النبي - ﷺ -، فكنت أسمعه كثيرًا يقول: اللهُمَّ إني أعوذ بك من الهم والحزن) الهم والحزن بمعنى واحد، وقيل: الهم ما يتصور من المكروه الحالي، والحزن لما في الماضي.\n(وظلع الدين) وفي حاشية (٣) الأصل المكتوبة قوله: \"ظلع الدين\"، كذا في الأصل المنقول عنه مصححًا كليه كما ترى، والذي في أصول صحيحة \"ضلع الدين\" بالضاد المعجمة، وضبط كذلك في حاشية أبي داود، وذكره في \"النهاية\" في مادة \"ض ل ع\"، قال الحافظ (٤): هو بفتح المعجمة واللام: الإعوجاج، يقال: ضلع بفتح اللام، والمراد به هنا ثقل الدين وشدته، وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاءها، ولا يسامح الدائن مع المطالبة الشديدة.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"ضلع\".\n(٣) وفيها أيضًا بالظاء المعجمة بفتحتين: الضعف، وفي \"المجمع\" (٣/ ٤١٤) بفتح اللام: الميل عن الحق، لكنه لم يذكر في ظلع هذا الحديث. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١٧٤).","vol":"6","page":280},{"text":"وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ»، وَذَكَرَ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ التَّيْمِىُّ. [خ ٢٨٩٣، ت ٣٤٨٤، ن ٥٤٤٩]\n١٥٤٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ،\n===\n(وغلبة الرجال) قيل: الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول، فكأنه إشارة إلى التعوذ من أن يكون مظلومًا أو ظالمًا، وفيه إيماء إلى العوذ من الجاه المفرط والذل المهين.\nوقال الكرماني: هذا الدعاء من جوإمع الكلم؛ لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسانية وبدنية وخارجية، [فالأولى] بحسب القوى التي للإنسان، وهي ثلاثة: العقلية والغضبية والشهوانية، فالهم والحزن متعلق بالعقلية، والجبن بالغضبية، والبخل بالشهوانية، والعجز والكسل بالبدنية، والثاني يكون عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عضو ونحوه، والضلع والغلبة بالخارجية، فالأول مالي، والثاني جاهي، والدعاء مشتمل على جميع ذلك.\n(وذكر) عمرو بن أبي عمرو أو يعقوب بن عبد الرحمن (بعض ما) أي الأمور المستعاذ منها (ذكره التيمي) أي سليمان أو ابنه المعتمر.\n١٥٤٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن طاوس، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله) - ﷺ - (كان يعلمهم) أي أصحابه (هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: اللهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"- ﷺ -\".","vol":"6","page":281},{"text":"وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ\". [تقدم تخريجه برقم ٩٨٤]\n١٥٤٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ الْغِنَى وَالْفَقْرِ». [خ ٦٣٧٥، م ٥٨٧، ت ٣٤٩٥، ن ٥٤٦٦، جه ٣٨٣٨]\n١٥٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ (١) -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ\n===\nوالمسيح الدجال هو الذي يخرج في آخر الزمان، ويدعي الألوهية، ويدعو الناس إليه، والدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس، فإن الدجال صيغة مبالغة من الدجل، وهو تمويه الشيء، وكل شيء غطيته فقد دجلته، وإنما يقال له: المسيح، لأنه مسحت عينه، أو لأنه يمسح الأرض في زمان قليل.\n(وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات).\n١٥٤٣ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى) بن يونس، (نا هشام) بن عروة، (عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يدعو بهولاء الكلمات: اللَهُمَّ إني أعوذ بك من فتنة النار) أي فتنة تؤدي إلى النار (وعذاب النار، ومن شر) فتنة (الغِنَى) مثل الأشر والبطر والشح من حقوق المال، وإنفاقه فيما لا يحل من إسراف وباطل (والفقر) كالتسخط وقلة الصبر والوقوع في حرام أو شبهه للحاجة.\n١٥٤٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا إسحاق بن عبد الله، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - كان يقول: اللهُمَّ إني أعوذ بك من الفقر) أصل الفقر كسرُ فِقَار الظهر، والفقر يستعمل على أربعة أوجه:\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"6","page":282},{"text":"وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ». [ن ٥٤٦٠، حم ٣/ ٣٠٥، ك ١/ ٥٤٠]\n١٥٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ،\n===\nالأول: وجود الحاجة الضرورية، وذلك عام للإنسان ما دام في دار الدنيا، بل عام للموجودات كلها، وعليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، والثاني: عدم المقتنيات، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ و﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٢)، والثالث: فقر النفس، وهو المقابل لقوله: \"الغنى غنى النفس\"، والرابع: الفقر إلى الله تعالى اليسار إليه بقوله: \"اللهُمَّ اغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك\"، أقول: فالمستعاذ منه في الحديث القسم الثاني، وإنما استعاذ منه عند عدم الصبر وقلة الرضا به، أو استعاذ من الفقر الذي هو فقر النفس لا قلة المال (٣).\n(والقلة) أي قلة الخيرات (والذلة) أي هَوانِ النفس الموجبة للهوان عند الله، (وأعوذ بك من أن أظلم) أي أكون ظالمًا (أو أظلم) أي أن أكون مظلومًا.\n١٥٤٥ - (حدثنا) محمد (بن عوف، نا عبد الغفار بن داود) بن مهران، أبو صالح الحراني، نزيل مصر، ثقة فقيه، وكان يكره أن يقال له الحراني. وكان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، وكان ثقة ثبتًا حسن الحديث.\n(نا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار،\n_________\n(١) سورة فاطر: الآية ١٥.\n(٢) سورة التوبة: الآية ٦٠.\n(٣) مختصرًا من الحاشية، وحكاه فيها عن الطيبي (٦/ ١٩١٦) مفصلًا، وذكر الشيخ مرزا مظهرجان جانان في \"مكاتيبه\": إن الفقير في الشريعة من لا مال عنده، وفي الطريقة من لا في قلبه غيره تعالى، وبهذا المعنى افتخر ﵇ بقوله: \"الفقر فخري\"، انتهى مختصرًا، قلت: لكن السخاوي قال: هو باطل موضوع. (ش).","vol":"6","page":283},{"text":"عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحْوِيلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ». [م ٢٧٣٩، ك ١/ ٥٣١]\n١٥٤٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا ضُبَارَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى السَّلِيكِ (١)،\n===\nعن ابن عمر قال: كان من دعاء رسول الله - ﷺ -: اللهُمَّ إني أعوذ بك من زوال نعمتك) أي الدينية أو الدنيوية النافعة في الأمور الأخروية، (وتحويل عافيتك) وفي نسخة: \"تحول\" بضم الواو المشددة، وكذا في \"الحصن\" معزوًا إلى مسلم وأبي داود والنسائي، أي انتقالها من السمع والبصر وسائر الأعضاء.\nفإن قلت: ما الفرق بين الزوال والتحول؟\nقلت: الزوال يقال في شيء كان ثابتًا ثم فارقه، والتحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره، فمعنى زوال النعمة ذهابها من غير بدل، وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض، والغنى بالفقر.\n(وفجاءة) بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة، من فاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة، وروي بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مد (نقمتك) بكسر فسكون، وفي نسخة بفتح فكسر ككلمة، وهي العقوبة، وخص فجاءة النقمة بالذكر، لأنها أشد من أن تصيب تدريجًا، (وجميع سخطك) أي ما يؤدي إلى السخط.\n١٥٤٦ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا بقية) بن الوليد، (نا ضبارة) بضم أوله وفتح الموحدة (ابن عبد الله) بن مالك (بن أبي السليك) الحضرمي، ويقال: الألهاني، أبو شريح الحمصي، ومنهم من ينسبه إلى جده، ومنهم من ينسبه إلى أبي السليك، وقيل: هم ثلاثة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"السليل\".","vol":"6","page":284},{"text":"عَنْ دُوَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَدْعُو يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الأَخْلَاقِ». [ن ٥٤٧١]\n١٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنِ (١) ابْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ:\n===\nيعتبر حديثه من رواية الثقات عنه، قلت: وذكره ابن عدي في \"الكامل\"، وساق له ستة أحاديث مناكير، وفرق تبعًا للبخاري بين ضبارة بن عبد الله بن أبي السليك، فقال فيه: القرشي، وبين ضبارة بن مالك بن أبي السليك، فقال فيه: الحضرمي، وقال ابن القطان: أخاف أن يكونا واحدًا، اضطرب بقيه فيه، ويحتاج من جعلهما واحدًا أن يضم إلى كونه قرشيًّا أن يكون حضرميًّا ولاء أو حلفًا لإحدى القبيلتين، وكيفما كان فهو مجهول.\n(عن دويد) بدالين مهملتين مصغرًا، وقيل: أوله معجمة (ابن نافع) الأموي مولاهم، أبو عيسى الشامي، قال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان دونه ثقة، قلت: وذكر ابن خلفون أن الذهلي والعجلي وثقاه.\n(نا أبو صالح السمان) ذكوان (قال: قال أبو هريرة: إن رسول الله - ﷺ - كان يدعو يقول: اللهُمَّ إني أعوذ بك من الشقاق) بكسر الشين: الخلاف والعداوة (والنفاق) أي إظهار الإِسلام وإبطان الكفر، قال الطيبى (٢): أي تظهر لصاحبك خلاف ما تضمر، وقيل: النفاق في العمل بكثرة كذبه، وخيانة أمانته، والفجور في مخاصمته، وخلف وعده، والأظهر أن اللام للجنس، فيشمل جميع أفراده (وسوء الأخلاق) من عطف العام على الخاص.\n١٥٤٧ - (حدثنا محمد بن العلاء، عن ابن إدريس) عبد الله، (عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرنا\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٩٣)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٣٢٤).","vol":"6","page":285},{"text":"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ». [ن ٥٤٦٨]\n١٥٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَخِيهِ عَبَّادِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ\n===\nكان رسول الله - ﷺ - يقول: اللهُمَّ إني أعوذ بك من الجوع) أي الألم الذي ينال الحيوان من خلو المعدة من الغذاء، استعاذ منه لظهور أثره في بدن الإنسان وقواه الظاهرة والباطنة، ومنعه من الطاعات والخيرات، (فإنه بئس الضجيع) فالضجيع من ينام معك في فراشك، أي المضاجع، سماه مضاجعًا للزومه للإنسان في النوم واليقظة، وفيه إشارة إلى أن الجوع المذموم الذي يلزم الإنسان ويتضرر منه.\n(وأعوذ بك من الخيانة) وهو ضد الأمانة، قال الطيبي (١): هي مخالفة الحق بنقض العهد في السر، والأظهر أنها شاملة بجميع التكاليف الشرعية، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (٢)، (فإنها) أي الخيانة (بئست البطانة) أي الخصلة الباطنة، والبطانة بالكسر السريرة من الثياب خلاف ظهارته، فاتسع فيما يستبطن الإنسان في أمره فجعله بطانة حاله.\n١٥٤٨ - (حدثنا قتيبة بن سعد، نا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أخيه عباد بن أبي سعيد) المقبري، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه حديثًا واحدًا في الاستعاذة من علم لا ينفع، قلت: قال ابن خلفون في \"الثقات\": وثقه محمد بن عبد الرحيم التبَّان.\n(أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله - ﷺ - يقول: اللهُمَّ إني أعوذ بك\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٣٢٥).\n(٢) سورة الأنفال: الآية ٢٧.","vol":"6","page":286},{"text":"مِنَ الأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ». [ن ٥٤٦٧، جه ٣٨٣٧]\n١٥٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: قَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ، أُرَى أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَنَا أَنَّ النبي (١) -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ صَلَاةٍ لَا تَنْفَعُ»، وَذَكَرَ دُعَاءً آخَرَ.\n١٥٥٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِىِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو بِهِ، قَالَتْ:\n===\nمن الأربع: من علم لا ينفع) أي لا لي، ولا لغيري، ولا في الدنيا من العمل به، ولا في الآخرة من الثواب عليه، (ومن قلب لا يخشع) أي عند ذكر الله تعالى، (ومن نفس لا تشبع) من الدنيا ولذاتها، أو من الأكل، (ومن دعاء لا يسمع) أي: لا يستجاب.\n١٥٤٩ - (حدثنا محمد بن المتوكل، نا المعتمر) بن سليمان (قال: قال أبو المعتمر) أي أبي وهو سليمان بن طرخان: (أرى) بصيغة المتكلم المجهول أي: أظن (أن أنس بن مالك حدثنا) أي يقول: لم يحدثني أنس بن مالك يقينًا بل أظن ذلك (أن النبي - ﷺ - كان يقول: اللهُمَّ إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع) في الدنيا والآخرة، (وذكر دعاء آخر).\n١٥٥٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل الأشجعي) الكوفي، مختلف في صحبته، والصواب أن الصحبة لأبيه، وفروة بن نوفل من الخوارج، خرج على المغيرة بن شعبة في صدر خلافة معاوية، فبعث إليهم المغيرة فقتلوا.\n(قال: سألت عائشة أم المومنين عما كان رسول الله - ﷺ - يدعو به، قالت:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\".","vol":"6","page":287},{"text":"كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ». [م ٢٧١٦، ن ١٣٠٧، جه ٣٨٣٩، حم ٣/ ٣١]\n١٥٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ - الْمَعْنَى - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بِلَالٍ الْعَبْسِىِّ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ،\n===\nكان يقول: اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل) استعاذته من شر ما لم أعمل على وجهين: أحدهما: أن يبتلى به في مستقبل الزمان، والثاني: أن يتداخله العجب في ذلك، ذكره التوربشتي، وفصله الأشرف فقال: استعاذ من أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله تعالى، فإنه: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١) وقيل: أن يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح، وسأل أن يرى ذلك من فضل الله تعالى.\n١٥٥١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن عبد الله بن الزبير، ح: وحدثنا أحمد، نا وكيع، المعنى) أي معنى حديث محمد بن عبد الله ووكيع واحد، (عن سعد بن أوس) العبسي بموحدة ثم مهملة، أبو محمد الكاتب الكوفي، قال العجلي: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في السنن ثلاثة أحاديث، الأول في التعوذ، والثاني في اللقطة عند أبي داود، والثالث في تسمية الخمر بغير اسمه عند ابن ماجه، قال الأزدي: ضعيف.\n(عن بلال) بن يحيى (العبسي) الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وعن يحيى بن معين: ليس به بأس، (عن شتير بن شكل) بن حميد العبسي، أبو عيسى الكوفي، قال العجلي والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال أبو موسى في \"ذيل الصحابة\": يقال: إنه أدرك الجاهلية، قال ابن سعد: توفي زمن مصعب، وكان ثقة قليل الحديث.\n_________\n(١) سورة الأعراف: الآية ٩٩.","vol":"6","page":288},{"text":"عَنْ أَبِيهِ - قال فِى حَدِيثِ أَبِى أَحْمَدَ: شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِى دُعَاءً قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِى، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِى، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِى، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِى، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّى». [ت ٣٤٩٢، ن ٥٤٥٥، حم ٣/ ٤٢٩، ك ١/ ٥٣٢]\n١٥٥٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ صَيْفِىٍّ مَوْلَى أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِى أَيُّوبَ،\n===\n(عن أبيه) شكل بن حميد العبسي، عداده في أهل الكوفة، روى عن النبي - ﷺ -، وعنه ابنه شتير وحده.\n(قال) أحمد بن حنبل (في حديث أبي أحمد) هو محمد بن عبد الله بن الزبير، أبو أحمد الزبيري: (شكل بن حميد) زاد بلفظ ابن حميد ولم يقله في حديث وكيع.\n(قال: قلت: يا رسول الله علمني دعاء) أدعو به (قال: قل: اللهُم إني أعوذ بك من شر سمعي) بأن أسمع كلام الزور والبهتان والغيبة وسائر أسباب العصيان، وبأن لا أسسمع كلمة الحق، وأن لا أقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ومن شر بصري) بأن أنظر إلى غير محرم، أو أرى أحدًا بعين الاحتقار، ولا أتفكر في خلق السموات والأرض بنظر الفكر والاعتبار، (ومن شر لساني) حتى لا أتكلم بما لا يعني، (ومن شر قلبي) بأن أشثغل بغير ربي، (ومن شر مَنيِّي) وهو أن يغلب عليه حتى يقع في الزنا.\n١٥٥٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر، نا مكي بن إبراهيم، نا عبد الله بن سعيد) بن أبي هند، (عن صيفي) بن زياد الأنصاري، أبو زياد، ويقال: أبو سعيد (مولى أفلح مولى أبي أيوب) صفة أفلح، ويقال: مولى أبي السائب الأنصاري، قال النسائي: صيفي روى عنه ابن عجلان، ثقة، ثم قال: صيفي مولى أفلح ليس به بأس، روى عنه ابن أبي ذئب، كذا فرق بينهما وهو واحد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث أبي سعيد في قتل الأنصاري الحية","vol":"6","page":289},{"text":"عَنْ أَبِى الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ، وَالْحَرَقِ، وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِى الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ،\n===\nعلى فراشه وموته، وعند أبي داود والترمذي حديث في الاستعاذة من الهرم، وغير ذلك، قلت: وصوَّب الذهبي تفرقة النسائي بينهما، وأنهما كبير وصغير، فالكبير روى عن أبي اليسر كعب بن عمرو، وروى عنه محمد بن عجلان، والصغير روى عن أبي السائب، وروى عنه مالك، والله أعلم.\n(عن أبي اليسر) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة، كعب بن عمرو بن عباد السلمي بفتحتين، شهد العقبة وبدرًا، وهو ابن عشرين سنة، وهو الذي أسر العباس يومئذ، مات بالمدينة سنة ٥٥ هـ، وقيل: إنه آخر من مات من أهل بدر - ﵃-، قيل: وأنه مات وله عشرون ومائة سنة.\n(أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو: اللهُمَّ إني أعوذ بك من الهدم) بسكون\nالدال، وهو سقوط البناء، ووقوعه على الشيء، (وأعوذ بك من التردي) أي السقوط من موضع عال، أو السقوط في نحو بئر، (وأعوذ بك من الغرق والحرق) بفتحهما، إنما استعاذ بالهلاك من هذه الأسباب مع ما فيها من نيل الشهادة، لأنها عن مجهدة مقلقة، لا يكاد الإنسان يصبر عليها ويثبت عندها، فلعل الشيطان ينتهز فرصة على ما يضره بدينه، (والهرم) أي أقصى كمال السنن.\n(وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت)، قال الخطابي (١): هو أن يستولي عليه عند مفارقة الدنيا، فيضله ويحول بينه وبين التوبة، أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله، أو يؤيسه من رحمة الله، أو يكرِّه له الموت ويؤسفه على الحياة الدنيا، فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنُّقلة (٢) إلى الدار الآخرة فيختم له بالسوء.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٢٩٦).\n(٢) في الأصل: \"الفقد\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":290},{"text":"وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِى سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا». [ن ٥٥٣١، ك ١/ ٥٣١]\n١٥٥٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى مَوْلًى لأَبِى (١) أَيُّوبَ،\n===\n(وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا) أي فارًّا من الزحف، أو تاركًا للطاعة، أو مرتكبًا للمعصية، أو رجوعًا إلى الدنيا بعد الإقبال على الإقبال، أو اختيارًا للغفلة والهوى إلى سواء حضور المولى. قيل: هذا وأمثال ذلك تعليم للأمة، وإلَّا فرسول الله - ﷺ - لا يجوز عليه الخبط، ولا الفرار من الزحف ونحوهما، والأظهر أن هذا كله تحدث بنعمة الله، وطلب الثبات عليها، والتلذذ بذكرها المتضمن بشكرها الموجب لمزيد النعمة المقتضي لإزالة النقمة.\n(وأعوذ بك أن أموت لديغًا) أي ملدوغًا، يقال: لدغته العقرب إذا ضربته بسمها، فهو مستعمل في ذوات السم من العقرب والحية وغيرهما، فالاستعاذة مختصة بأن يموت عقيب اللدغة، فيكون من قبيل موت الفجاءة.\n١٥٥٣ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى، عن عبد الله بن سعيد، حدثني مولى لأبي أيوب) قال في \"تهذيب التهذيب\" في المبهمات: عبد الله بن سعيد عن مولى لأبي أيوب، عن أبي اليسر في التعوذ، هو صيفي، انتهى. وصف بكونه مولى لأبي أيوب، لأنه مولى لمولاه كما تقدم فكأنه مولاه.\nوأخرج أحمد في \"مسنده\" (٢) من طريق أبي ضمرة قال: حدثني عبد الله بن سعيد، عن جده أبي هند، عن صيفي، عن أبي اليسر، فزاد عن جده أبي هند، ولم أقف (٣) على رواية عبد الله بن سعيد عن جده، ولا على رواية جده أبي هند عن صيفي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"لآل أبي أيوب\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٢٧) رقم (١٥٥٠٢).\n(٣) قلت: وقد أخرجه بهذه الزيادة ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٣/ ٤٦٠) رقم (١٩١٩) والطبراني في \"الدعاء\" (١٣٦٢ بهذا السند.","vol":"6","page":291},{"text":"عَنْ أَبِي الْيَسَرِ، وَزَادَ فِيهِ: \"وَالْغَمِّ\" [انظر الحديث السابق]\n١٥٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ». [ن ٥٤٩٣، حم ٣/ ١٩٢]\n١٥٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ (١) اللَّهِ الْغُدَانِىُّ، أَخْبَرَنَا (٢) غَسَّانُ بْنُ عَوْفٍ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: \"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ،\n===\n(عن أبي اليسر، وزاد فيه: والغم).\n١٥٥٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا قتادة، عن أنس أن النبي - ﷺ - كان يقول: اللهُمَّ إني أعوذ بك من البرص) بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج (والمجنون) هو زوال العقل الذي هو منشأ الخيرات العلمية والعملية (والجذام) علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئاتها، وربما ينتهي إلى تآكل الأعضاء وسقوطها (ومن سيِّئ الأسقام) وهو ما يكون سببًا لعيب يتنفر منه الخلق، أو فساد أعضائه.\n١٥٥٥ - (حدثنا أحمد بن عبيد الله) بن سهيل بن صخر (الغداني) بضم المعجمة والتخفيف، نسبة إلى غدانة بن اليربوع، (نا غسان بن عوف) المازني البصري، روى له أبو داود حديث أبي سعيد في الدعاء، ضعفه الساجي والأزدي، وقال العقيلي: لا يتابع على كثير من حديثه، (أنا الجريري) سعيد بن إياس، (عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله - ﷺ - ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة)، قال في\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".","vol":"6","page":292},{"text":"فَقَال (١): «يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا لِى أَرَاكَ جَالِسًا فِى الْمَسْجِدِ فِى غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ (٢)» قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِى وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا (٣) إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ:\n===\n\"الإصابة\" (٤): أبو أمامة الأنصاري غير منسوب ولا مسمى، فرق ابن منده بينه وبين الباهلي، فقال: روى غسان بن عوف، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فذكر الحديث، وقد أخرجه أبو داود من هذا الوجه، وظاهر سياقه في أوله أنه من حديث أبي سعيد، وآخره صريح أنه من رواية أبي أمامة هذا، وقد أحل المزي بترجمته في \"التهذيب\"، وفي \"الأطراف\"، واستدركته عليهما (٥)، وأغفله أبو أحمد الحاكم في \"الكنى\"، ويجوز أنه أبو أمامة بن ثعلبة الحارثي، لكن أفرده ابن منده، وتبعه أبو نعيم.\n(فقال: يا أبا أمامة، مالي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال) أي أبو أمامة: (هموم) أي غموم (لزمتني وديون يا رسول الله) خبر مبتدأ محذوف، أي سبب جلوسي في المسجد في غير وقت الصلاة هموم وديون لزمتني، فالتجأت إلى ربي في بيته.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أفلا أعلمك كلامًا) أي دعاء (إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قال) أبو أمامة: (قلت: بلى يا رسول الله) علَّمني.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (قل إذا أصبحت وإذا أمسيت) أي في الصبح\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"له\".\n(٢) في نسخة: \"صلاة\".\n(٣) زاد في نسخة: \"أنت\".\n(٤) (٤/ ١٠).\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"الإصابة\" (٤/ ١٠): استدركته عليه فيهما.","vol":"6","page":293},{"text":"اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ»، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّى، وَقَضَى عَنِّى دَيْنِى\". [أورده الزبيدي في \"الإِتحاف\" (٥/ ١٠٠)، والْمنذري في \"الترغيب\" (حديث ٢)].\n\n[آخر كِتَاب الصَّلاة]\n===\nوالمساء: (اللهُمَّ إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال) أبو أمامة: (ففعلت ذلك، فأذهب الله) ببركة هذا الدعاء (همي، وقضى عني ديني) تقدم شرح هذه الألفاظ في الأحاديث السابقة.\n\n[آخر كتاب الصلاة]\nوقد تم وكمل ما يتعلق بأحاديث كتاب الصلاة، والحمد لله أولًا وآخرًا، دائمًا وسرمدًا، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.\n[هذا آخر المجلد الثاني من الطبعة الحجرية]","vol":"6","page":294},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>(٣) كِتَابُ الزَّكَاةِ </span>(١)\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٣) (كِتَابُ الزَّكَاةِ)\nقال الحافظ (٢): الزكاة في اللغة النماء، يقال: زكا الزرع إذا نما، وترد أيضًا في المال، وترد أيضًا بمعنى التطهير (٣)، وشرعًا بالاعتبارين معًا:\nأما بالأول فلأن إخراجَها سببٌ للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أن متعلِّقَها الأموالَ ذاتُ النماء كالتجارة والزراعة، ودليل الأول: \"ما نقص مال من صدقة\" (٤)، ولأنها يُضَاعَفُ ثوابُها كما جاء: \"إن الله يُرَبِّي الصدقةَ\" (٥)، وأما بالثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذنوب. وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإِسلام عليها.\nوقال ابن العربي: تُطْلَقُ الزكاةُ على الصدقة الواجبة، والمندوبة، والنفقة، والحق، والعفو. وتعريفُها في الشرع: إعطاءُ جزءٍ من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مُطَّلِبي.\n_________\n(١) في نسخة: \"أول كتاب الزكاة\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٦٢، ٢٦٣).\n(٣) وترد في عرف الفقهاء مصدرًا بمعنى: إخراج المزكي مالَه، واسمًا بمعنى: الجزء الخارج، كما في \"الإكمال على مسلم\" (٣/ ١٠٧). (ش).\n(٤) أخرجه مسلم (٢٥٨٨)، والدارمي (١٦٨٢).\n(٥) أخرجه البخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤)، والترمذي (٦٦١)، وابن ماجه (١٨٤٢)، والدارمي (١٦٨١).","vol":"6","page":295},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالزكاة أمر مقطوع به في الشرع يستغنى عن تكلف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعه، وأما أصل فرضية الزكاة: \"فمن جحدها كفر\".\nواختُلِفَ في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة فقيل: كان في السنة الثانية قبلَ فرضِ رمضانَ، أشار إليه النووي في باب السير من \"الروضة\"، وجزم ابن الأثير في \"التاريخ\" بأن ذلك كان في التاسعة، وفيه نظر، فقد تقدم في حديث ضمام (١) بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد (٢) القيس، وفي عدة أحاديث ذكرُ الزكاةِ، وكذا مخاطبة (٣) أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: \"يأمرنا بالزكاة\"، لكن يمكن تأويل كل ذلك كما سيأتي في آخر الكلام.\nوقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولةِ ففيها: لما أُنْزِلَتْ آيةُ الصدقة بعث النبي - ﷺ - عاملًا فقال: \"ما هذه إلَّا جزية وأخت الجزية\"، والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة، لكنه حديث ضعيف لا يُحْتَجُّ به.\nوادعى ابن خزيمة (٤) في \"صحيحه\" أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن النبي - ﷺ -: \"ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام\"، وفي استدلاله بذلك نظر؛ لأن الصلواتِ الخمس لم تكن فُرِضَتْ بعدُ، ولا صيامَ رمضان فيحتمل أن تكون مراجعةُ جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٣)، ومسلم (١٢)، والبخاري (٦٣)، والترمذي (٦١٩)، والنسائي (٤٥٨)، والدارمي (٦٥٤)، وابن ماجه (١٤٠٢).\n(٢) أخرجه مسلم (١٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).\n(٤) انظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٢٦٠).","vol":"6","page":296},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقصة الصلاة والصيام. وبلغ ذلك جعفرًا فقال: يأمرنا، بمعنى: يأمر به أمتَه، وهو بعيد جدًا.\nوأولى ما حمل عليه حديث أم سلمة هذا - إن سلم من قدح في إسناده - أن المراد بقوله: \"يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام\"، أي: في الجملة، ولا يلزم أن يكون المرادُ بالصلاةِ الصلواتِ الخمسَ، ولا بالصيام صيامَ رمضانَ، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصةَ ذات النصاب والحول، والله أعلم.\nومما يدل على أن فرضَ الزكاةِ كان قبل التاسعة حديثُ أنس المتقدِّمُ في \"العلم\" في قصة ضمام بن ثعلبة، وقوله: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ وكان قدوم ضمام سنة خمس، وإنما الذي وقع في التاسعة بَعْثُ العمالِ لأخذ الصدقات، وذلك يستدعي تقدمَ فرضيةِ الزكاة قبل ذلك.\nومما يدل على أن فرضَ الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقُهم على أن صيام\nرمضان إنما فُرِضَ بعد الهجرة؛ لأن الآية الدالَّة على فرضيته مدنية بلا خلاف،\nوثبت عند أحمد، وابن خزيمة أيضًا، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من\nحديث قيس بن سعد بن عبادة قال: \"أمرنا رسولُ الله - ﷺ - بصدقة الفطر قبل أن\nتنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة الزكاة فلم يأمرنا، ولم ينهنا ونحن نفعله\" (١).\nإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح إلَّا أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفي اسمه عريب بالمهملة المفتوحة، ابن حميد، وقد وثقه أحمد وابن معين، وهو دال على أن فرضَ صدقةِ الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة وهو المطلوب. ووقع في \"تاريخ الإِسلام\": في السنة الأولى فُرِضَتِ الزكاةُ، انتهى ما قاله الحافظ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٦)، وابن خزيمة (٢٣٩٤)، والنسائي (٣٥٠٧)، وابن ماجه (١٨٢٨)، والحاكم (١/ ٤١٠).","vol":"6","page":297},{"text":"١٥٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"لَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ،\n===\nقال العيني (١): وإنما ذكر كتاب الزكاة عقيب الصلاة من حيث إن الزكاة ثالثةِ الإيمان، وثانية الصلاة في الكتاب والسنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢)، أما السنَّة فقوله - ﷺ -: \"بُنِيَ الإِسلامُ على خمس\"، الحديث.\n١٥٥٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، نا الليث، عن عقيل، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة قال: لما تُوُفِّي رسولُ الله - ﷺ -) يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة من الربيع الأول من سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودُفِنَ يوم الثلاثاء، وفيه أقوال أخر قاله العيني (٣)، (واستُخْلِفَ أبو بكر بعده) أي جُعِلَ خليفته، وأقيم مقامه، (وكفر من كفر من العرب) مَنْ الأولى بفتح الميم في محل الرفع؛ لأنه فاعل قوله: \"كفر\"، وَمِنَ الثانيةُ بكسر الميم حرف جر للبيان.\nوهؤلاء كانوا صنفين، صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى كفرهم، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: \"وكفر من كفر من العرب\". وهذه (٤) الفرقة طائفتان: إحداهما: أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدَّقوه على دعواه في النبوة، وأصحابُ الأسود العنسي ومن كان من مُسْتَجِيبِيه من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكِرَة لنبوة سيدنا\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٢٠).\n(٢) سورة البقرة: الآية ٣.\n(٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٣٥).\n(٤) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٣٥، ٣٣٧).","vol":"6","page":298},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمحمد - ﷺ -، مُدَّعِيَة للنبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر - ﵁ - حتى قتل الله المسيلمةَ باليمامة، والعنسيَّ بالصنعاء، وانقضَّ جموعهم، وهلك أكثرهم.\nوالطائفة الثانية: ارتدُّوا عن الدين فأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرَهما من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن (١) مسجد لله تعالى في بسيط الأرض إلا ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين في قرية يقال لها: جُوَاثى.\nوالصنف الآخر هم الذي فرَّقوا بين الصلاة والزكاة، فأقرُّوا بالصلاة، وأنكروا فرضَ الزكاة ووجوبَ أدائها إلى الإِمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يُدْعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا لدخولهم في غمار أهل الردةِ، فأضيف الاسمُ في الجملة إلى الردة؛ إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وَأُرِّخَ قتال بأهل البغي في زمان علي - ﵁ - إذ كانوا منفردين في زمانه لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صَدُّوهم عن ذلك، وقبضوا على أيديهم كبني يربوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتِهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر - ﵁ -، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرَّقها فيهم.\nوقال الواقدي في \"كتاب الردة\": لَمَّا تُوُفي رسول الله - ﷺ - ارتدَّت العربُ، فارتدَّ من جماعة الناس أسد وغطفان إلَّا بني عبس، فأما بنو عامر فتربصت مع قادتها، وكانت فزارة قد ارتدت، وبنو الحنفية (٢) باليمامة، وارتد أهل البحرين، وبكر بن وائل، وأهل دباء، وأزد عمان، ونمر بن قاسط، وكلب ومن قاربهم من قضاعة، وارتدت عامة بني تميم، وارتدَّ من بني سليم عصية، وعميرة، وخفاف، وبنو عوف بن امرئ القيس، وذكوان، وحارثة.\n_________\n(١) يشكل عليه ما في \"الفتح\": أن الجمهور كانوا على ما كانوا في حياته - ﷺ - وبسط في هامش \"اللامع\" (٥/ ٦ - ١٠). (ش).\n(٢) وفي \"العمدة\" (٦/ ٣٣٦): وبنو حنيفة.","vol":"6","page":299},{"text":"قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِى بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ،\n===\nوثبت على الإِسلام أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة، وأشجع، وكعب بن عمرو بن خزاعة، وثقيف، وهذيل، والدئل، وكنانة، وأهل السراة، وبجيلة، وخثعم، وطي، ومن قارب تهامة من هوازن، وجشم، وسعد بن بكر، وعبد القيس، وتجيب، ومدحج (١) إلَّا بنو زيد، وهمدان، وأهل صنعاء.\nوقال الواقدي: وحدثني محمد بن معين بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة قال: لم يرجع من دوس ولا من أهل السراة كلها، قال: وحدثني عبد المجيد بن جعفر عن يزيد بن أبي حكيم قال: سمعت أبا مروان التجيبي قال: لم يرجع رجل واحد من تجيب ولا من همدان، ولا من الأبناء بصنعاء.\nوفي \"أخبار الردة\" لموسى بن عقبة: لما توفي رسول الله - ﷺ - رجع عامة العرب عن دينهم: أهلُ اليمن، وعامة أهل المشرق، وغطفان، وبنو أسد، وبنو عامر، وأشجع، ومسكت طيء بالإِسلام، وفي \"كتاب الردة\" لسيفٍ عن فيروز الديلمي: أول ردة كانت في الإِسلام ردة كانت باليمن على عهد النبي - ﷺ - على يد ذي الخمار عبهلة بن كعب، وهو الأسود العنسي، [انتهى ما قاله العيني].\n(قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرْتُ) بضم الهمزة مبني للمفعول، أي أمرني الله (أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله) وكان عمر - ﵁ - لم يستحضره من هذا الحديث، إلَّا هذا القدر الذي ذكره، وإلَّا فقد وقع في حديث (٢) ولده عبد الله زيادة: \"وأن محمدًا رسول الله - ﷺ -، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة\"،\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"العمدة\" (٦/ ٣٣٦): مذحج بالذال المعجمة.\n(٢) أخرجه مسلم (٢٢).","vol":"6","page":300},{"text":"فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ،\n===\nوفي رواية (١) أبي العلاء بن عبد الرحمن: \"حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، ويؤمنوا بما جئتُ به\"، وهذا يعم الشريعة كلها، ومقتضاه أن من جحد شيئًا مما جاء به رسول الله - ﷺ - ودعي إليه فامتنع، ونصب القتال تجب مقاتلته وقتله إذا أصرَّ، (فمن قال: لا إله إلَّا الله عصم مني مالَه ونفسَه)، فلا يجوز هدرُ دمِه، واستباحةُ مالِه بسبب من الأسباب، (إلَّا بحقه) أي بحق الإِسلام، من قتلِ النفسِ المحرَّمةِ، أو تركِ الصلاة، أو منع الزكاة بتأويل باطل، (وحسابه على الله) فيما يسره، فيثيب المؤمنَ، ويعاقب المنافق، فاحتج عمر - ﵁ - بظاهر ما استحضره، مما رواه من قبل أن ينظر إلى قوله: \"إلَّا بحقه\".\n(فقال) له (أبو بكر) - ﵁ -: (والله لأقاتلن من فرَّق) بتشديد الراء، وقد تُخَفَّفُ (بين الصلاة والزكاة) أي قال: أحدهما واجب دون الآخر. أومنع من إعطاء الزكاة متأَوّلًا، (فإن الزكاة حق المال) كما أن الصلاة حق البدن، فدخلت في قوله: \"إلَّا بحقه\"، فقد تضمنت عصمة دم ومال معلقة باستيفاء شرائطها، والحكم المعلَّق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، فكما لا تتناول العصمةُ من لم يُوءَدِّ حقَّ الصلاة، كذلك لا تتناول العصمةُ من لم يؤد حق الزكاة، وإذا لم تتناولهم العصمة بقوا في عموم قوله: \"أمرت أن أقاتل الناس\"، فوجب قتالهم حينئذ.\nوهذا من لطيف النظر أن يقلب المعترض على المستدل دليله، فيكون أحق به، فلذلك فعل أبو بكر فسلم له عمر، وقاسه على الممتنع من الصلاة لأنها كانت بالإجماع من رأي الصحابة، فردَّ المختلَفَ فيه إلى المتفق عليه، وفيه دلالة على أن أبا بكر وعمر لم يسمعا من الحديث الصلاة والزكاة،\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢١).","vol":"6","page":301},{"text":"وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِى عِقَالًا\n===\nكما سمعه غيرهما، ولم يستحضراه، إذ لو كان ذلك لم يحتجَّ عمر على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لَرَدَّ به على عمر، ولم يحتَجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله: \"إلَّا بحقه\"، ولكن يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظري.\nويحتمل أن يكون عمر ظَنَّ أن المقاتلة إنما كانت لكفرهم لا لمنعهم الزكاةَ فاستشهد بالحديث، وأجابه الصديق بأني ما أقاتلهم بكفرهم بل لمنعهم الزكاةَ.\n(والله لو منعوني عقالًا) (١)، قال العيني (٢): واختلف العلماء فيها قديمًا وحديثًا، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعقال: زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا قولى الكسائي والنضر بن شميل، وأبي عبيد، والمبرد، وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء.\nوذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال: الحبل الذي يُعْقَل به البعيرُ، وهذا القول محكي عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو مأخوذ مع الفريضة، لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع قبضها برباطها، وقيل: معنى وجوب الزكاة فيه إذا كان من عروض التجارة، فبلغ مع غيره فيها قيمة نصاب.\nوقيل: أراد به الشيءَ التافِهَ الحقيرَ، فضرب العقال مثلًا له.\nوقيل: كان من عادة المصدِّق إذا أخذ الصدقة أن يعمد إلى قَرَن بفتح القاف والراء، وهو الحبل الذي يقرن به بين البعيرين لئلا تشرد الإبل، فيسمى عند ذلك القرآن، فكل قرنين منها عقال.\nوفي \"المحكم\": العقال: القلوص الفتية، وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك: العقالُ القلوصُ، وقال النضر بن شميل: إذا بلغت الإبل خمسًا\n_________\n(١) وأجاد المحشي في تفسيره ناقلًا عن \"مرقاة الصعود\" للسيوطي. (ش).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨).","vol":"6","page":302},{"text":"كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ\" (١). [خ ٧٢٨٤، م ٢٠، ت ٢٦٠٦، ن ٣٩٧٠، جه ٣٩٢٧]\n===\nوعشرين وجبت فيها بنت مخاض من جنس الإبل، فهو العقال، وقال أبو سعيد الضرير: كل ما أُخِذَ من الأموال والأصناف في الصدقة من الإبل والغنم والثمار من العشر ونصف العشر، فهذا كله في صنفه: عقال، لأن المؤدي عقل به عنه طلبة السلطان، وعقل عنه الإثم الذي يطلبه الله تعالى به، انتهى.\n(كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعه) أي على ترك أدائه إلى الإِمام، وهذا ظاهر في أنه قاتلهم على ترك أدائهم الزكاةَ إلى الإِمام، لا على إنكار فرضيتها، (فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما) نافية (هو) ضمير الشأن (إلَّا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال، قال: فعرفت أنه) أي القتال (الحق) أي المحقَّق الثابت بالدليل الشرعي بما ظهر من الدليل الذي أقامه الصدِّيق، لا أنه قَلَّده في ذلك؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلِّد مجتهدًا آخر.\nفإن قلت: ما النص الذي اعتمد عليه أبو بكر، وعمل به؟ قلت: روى الحاكم في \"الإكليل\" من حديث فاطمة بنت خشاف السلمية، عن عبد الرحمن الظفري، وكانت له صحبة، قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - إلى رجل من أشجع لِتُؤْخَذَ صَدَقتُه فأبى أن يعطيها، فرده إليه الثانية فأبى، ثم رده إليه الثالثة، وقال: إن أبى فاضرب عنقه\"، قال عبد الرحمن بن عبد العزيز أحد رواة الحديث: قلت لحكيم - وهو حكيم بن عباد بن حنيف -: ما أرى أبا بكر الصديق قاتل أهل الردة إلَّا على هذا الحديث، قال: أجل (٢).\n_________\n(١) وزاد في نسخة: \"قال أبو داود: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: العقال صدقة سنة، والعقالان صدقة سنتين\".\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٣٨).","vol":"6","page":303},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ بِإِسْنَادِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: عِقَالًا،\n===\n(قال أبو داود: رواه رباح بن زيد، عن معمر، عن الزهري بإسناده) أي الزهري، كما رواه عقيل، عن الزهري، أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١) من طريق إبراهيم بن خالد، ثنا رباح، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"لما توفي رسولُ الله - ﷺ -، وكفر من كفر\"، الحديث. وفيه: \"والله لو منعوني عناقًا\".\nواختلف أصحابُ الزهري في رواية لفظ: عقالًا، أو عناقًا (قال بعضهم: عقالًا) كما في رواية قتيبة (٢)، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، وكذلك عند النسائي برواية قتيبة، عن الليث، عن عقيل، وكذلك عند مسلم، والترمذي، وكذا في البخاري، لكن اختلفت نسخه، ففي نسخة الحافظ العسقلاني، والقسطلاني، والعيني: والله لو منعوني عقالًا، وكذا في النسخة المصرية، ونسخة \"تيسير الباري\"، وأما في النسخة المطبوعة الهندية الأحمدية ففيها: \"لو منعوني كذا\"، وهكذا في نسخة قديمة، وفي أخرى قديمة مُصَححةٍ: \"والله لو منعوني كذا\"، كتب لفظ كذا بسواد، ثم كتب وكذا بحمرة، وكتب على الحاشية عقالًا.\nوقال العسقلاني (٣) في شرحه على قوله: لو منعوني: ولأبي ذر: كذا، وهي كناية عن قوله: عقالًا، وله عن الكشميهني: كذا وكذا، ثم قال: واختُلِفَ في قوله: كذا، فقيل: هي وهم، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: قال ابن بكير وعبد الله عن الليث: عناقًا، وهو أصح من رواية: عقالًا. وقال الحافظ في\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (١/ ٤٧)، وأيضًا أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١٥/ ٨٦) رقم (٥٨٥٧).\n(٢) أخرجه النسائي (٢٤٤٣)، ومسلم (٢٠)، والترمذي (٢٦٠٧)، والبخاري (٧٢٨٤)، كلهم بنفس الطريق.\n(٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٨ و١٣/ ٢٥٨).","vol":"6","page":304},{"text":"وَرَواهُ بْنُ وَهْبٍ عن يُونُسَ قَاَلَ: \"عَنَاقًا\".\n===\n\"الفتح\": وقوله: وهو أصح، أي من رواية من روى عقالًا كما تقدمت الإشارة إليه في كتاب الزكاة، أو أبهمه كالذي وقع ههنا.\nمعنى هذا الكلام أن قوله: هو أصح، يحتمل معنيين، أولهما: أي أصح من رواية من روى: عقالًا، وثانيهما: أن يقال: أصح من رواية من أبهمه، فلا يتعين الأصحية من رواية من روى: عقالًا، وقد حمله القسطلاني (١) على الوهم.\n(ورواه ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد عن الزهري (قال: عناقًا)، اختلفت الرواية عن يونس عن الزهري كما سيذكره المصنف، فروى عنبسة عن يونس، عن الزهري في هذا الحديث، قال: عناقًا، وعنبسة بن خالد متكلَّم فيه، قال في \"الميزان\" (٢): قال أبو حاتم: كان هذا على خراج مصر، وكان يعلق النساء بثديهن، قال ابن القطان: كفى بهذا في تجريحه، وقال الفسوي: سمعت يحيى بن بكير يقول: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق، لم يكن موضعًا للكتابة عنه، وقال الساجي: تفرد عن يونس بأحاديث، وكان أحمد بن حنبل يقول: ما لنا ولعنبسة! أي شيء خرج علينا عن عنبسة؟ هل روى عنه غير أحمد بن صالح، قلت: بل روى عنه جماعة، وأثنى عليه أبو داود.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب (٣) \": قال الآجري عن أبي داود: عنبسة أحب إلينا من الليث بن سعد، سمعت أحمد بن صالح يقول: عنبسة صدوق. قيل لأبي داود: يُحْتَجُّ بحديثه؟ قال: سألت أحمد بن صالح، قلت: كانت أصول يونس عنده أو نسخه؟ قال: بعضها أصول، وبعضها نَسَخَه.\n_________\n(١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٠٧).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٢٩٨).\n(٣) (٨/ ١٥٤).","vol":"6","page":305},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَمَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ في هَذَا الْحَدِيثِ: لَوْ مَنَعُونِي (١) عَنَاقًا\n===\nوروى ابن السرح وسليمان بن داود - شيخا المصنف - عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وقال: عقالًا، لكن يشكل على هذا قولُ المصنف: ورواه ابن وهب، عن يونس قال: عناقًا، بأن المصنف خالف ذلك القول، فأخرج رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري وقال: عقالًا، فإن كان هذا من غير رواية ابن السرح وسليمان بن داود فكان اللازم أن يصرح به، ولم أجد رواية ابن وهب فيما عندي من الكتب.\n(قال أبو داود: قال شعيب بن أبي حمزة ومعمر والزبيدي، عن الزهري في هذا الحديث: لو منعوني عناقًا) أما رواية شعيب بن أبي حمزة فأخرجها النسائي في \"مجتباه\" (٢) في موضعين: أولهما في \"الجهاد\"، قال فيه: عناقًا، وفي نسخة: عقالًا، وثانيهما في \"استتابة المرتدين\"، وقال فيه: عناقًا، وأخرج حديثه البخاري (٣) أيضًا في \"الزكاة\"، فقال: عناقًا.\nأما معمر فروى عنه عمران القطان أبو العوام عند النسائي (٤)، والحاكم، من حديث أنس، قال فيه: عناقًا، ثم قال بعد تمام الحديث: قال أبو عبد الرحمن: عمران القطان ليس بالقوي في الحديث، وهذا الحديث خطأ، والذي قبله هو الصواب، حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: لو منعوني\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (٣٠٩٢ - ٣٩٧٣).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٣٩٩)، وأيضًا أخرجه أحمد (١/ ١٩)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١٥/ ٨٤) رقم (٥٨٥٤)، والبيهقي (٤/ ١٠٤)، وابن حبان (١/ ٤٤٩) رقم (٢١٦).\n(٤) \"سنن النسائي\" (٣٠٩٤)، و\"المستدرك\" (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧).","vol":"6","page":306},{"text":"وَرَوَى (١) عَنْبَسَةُ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ في هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: عَنَاقًا.\n١٥٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ. قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: \"إِنَّ حَقَّهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ، وَقَالَ: عِقَالًا\". [انظر سابقه]\n===\nوخطَّأه الترمذي (٢) أيضًا. وصححه الحاكم، والذهبي في تلخيصه، فقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، غير أن الشيخين لم يخرجا عن عمران القطان، وليس لهما حجة في تركه؛ فإنه مستقيم الحديث، وكذا قاله الذهبي.\nوأما رواية رباح بن زيد، عن معمر عن الزهري، فقد تقدمت عن \"مسند أحمد\"، وفيها: عناقًا، وأما حديث الزبيدي، عن الزهري، فأخرجه النسائي في الجهاد وقال فيه: عناقًا (٣).\n(وروى عنبسة) بن خالد بن يزيد الأيلي، (عن يونس، عن الزهري، في هذا الحديث (٤)، قال: عناقًا)، وعنبسة تكلم فيه بعضهم، كما تقدم.\n١٥٥٧ - (حدثنا ابن السرح، وسليمان بن داود قالا: أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري، قال: قال أبو بكر: إن حقه) أي الإِسلام، أو الله تعالى (أداءُ الزكاة) أي زاد هذا اللفظ (وقال: عقالًا) بدل: عناقًا.\nقلت: قد روي كلا اللفظين، أي: عناقًا، أو عقالًا بطريق صحيح كما عرفته، ولكن رجَّح البخاري رواية: عناقًا، وقال في صحيحه (٥): قال لي\n_________\n(١) في نسخة: \"رواه عنبسة\".\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٤/ ٣٥٣).\n(٣) أما رواية محمد بن الوليد الزبيدي فأخرجها النسائي (٣٠٩١)، ومن طريقه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١٥/ ٨٤) رقم (٥٨٥٣).\n(٤) أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١٥/ ٨٨) رقم (٥٨٥٩).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٧٢٨٤).","vol":"6","page":307},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nابن بكير وعبد الله عن الليث، عن عقيل: عناقًا، وهو أصح، ذكر هذا القدرَ الحافظُ في \"الفتح\" (١)، والعيني، والقسطلاني، وكذا في النسختين القديمتين المصحَّحَتين، وكذا في النسخة المطبوعة بمصر، وكذا في نسخة \"تيسير الباري\" المطبوعة بلا هور.\nوأما النسخة المطبوعة الهندية الأحمدية، فزاد فيه بعد قوله: \"وهو أصح\": رواه الناس عناقًا، وعقالًا ها هنا لا يجوز، وعقالًا في حديث الشعبي مرسل، وكذا قال قتيبة: عقالًا، فهذه العبارة الزائدة لم أرها في غير هذه النسخة من نسخ البخاري وشروحه.\nوسبب ترجيحهم روايةَ لفظ \"عناقًا\" قولُهم بوجوب الزكاة في الصغار التي لا يكون معها كبار، فلعلهم ظنوا أن لفظ العناق يُثبِتُ المدعى، وأنى لهم هذا؟ ! أما أولًا: فلأن أبا بكر الصديق - ﵁ - تكلم بلفظ الشرط، وما يكون بلفظ الشرط لا يلزم تحققه بل يجوز أن يكون ممتنعًا، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢)، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ (٣).\nوثانيًا: فإن هذا يحتمل المبالغة في التقليل، قال القاري (٤): قال النووي: في رواية: عقالًا، وذكروا فيه وجوهًا، أصحها وأقواها قول صاحب \"التحرير\": إنه ورد مبالغة، لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد، فيقتضي قلة وحقارة، فاندفع ما قال ابن حجر من قوله: ودليل وجوبها في الصغار قول أبي بكر - ﵁ -: \"والله لو منعوني عناقًا\" ووافقه عليه الصحابة، وكان إجماعًا.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٥٠)، و\"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٠٧)، و\"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٠٦، ٣٠٧).\n(٢) سورة الأنبياء: الآية ٢٢.\n(٣) سورة الزخرف: الآية ٨١.\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٨٨، ٢٨٩).","vol":"6","page":308},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن الهمام: يدل على نفيه ما في أبي داود، والنسائي عن سويد بن غفلة، قال: أتاني مصدِّقُ رسولِ الله - ﷺ -، فأتيته، فجلست إليه فسمعته يقول: في - يعني- كتابي \"أن لا آخذ راضع لبن\"، الحديث. قال: وحديث أبي بكر لا يعارضه؛ لأن أخذ العناق لا يستلزم الأخذ من الصغار، لأن ظاهر ما قدمناه في حديث في صدقة الغنم أن العناق يقال على الجذعة والثنية مجازًا، فيجوز حمله عليه دفعًا للتعارض، ولو سُلِّم جاز أخذُها بطريق القيمة، لا أنها هي نفس الواجب، ونحن نقول به، أو هو على طريق المبالغة لا التحقيق، يدل عليه أن في الرواية الأخرى: عقالًا، مكان عناقًا، انتهى.\nقال في \"البدائع\" (١)، ما ملخصه: أما صفة نصاب السائمة فله صفات، منها: السنُّ، وهو أن تكون كلها مسان أو بعضها، فإن كان كلها صغارًا فصلانًا، أو حملانًا، أو عجاجيل، فلا زكاة فيها، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وكان أبو حنيفة يقول أولًا: يجب فيها ما يجب في الكبار، وبه أخذ زفر ومالك، ثم رجع وقال: يجب فيها واحد منها، وبه أخذ أبو يوسف والشافعي، ثم رجع، وقال: لا يجب فيها شيء، واستقر عليه، وبه أخذ محمد.\nواختلفت الروايات عن أبي يوسف في زكاة الفصلان، في رواية: لا زكاة فيها حتى تبلغ عددًا لو كانت كبارًا تجب فيها واحدة منها، وهو خمسة وعشرون، وفي رواية قال: في الخمس خمس فصيل، وفي العشر خُمْسا فصيل، وفي خمسة عشر (٢) ثلاثة أخماس فصيل، وفي عشرين أربعة أخماس فصيل، وفي خمس وعشرين واحدة منها.\nوفي رواية قال: في الخمس يُنْظَرُ إلى قيمة شاةٍ وسطٍ، وإلى قيمة خمس فصيل، فيجب أقلُّهما، وهكذا في العشر، وفي خمسة عشر، وفي العشرين.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٢٦، ١٢٧، ١٢٨).\n(٢) في الأصل: \"ثلاثة عشر\"، والظاهر ما أثبتناه.","vol":"6","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>(١) بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ </span>(١)\n١٥٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ، عَنْ أبِيهِ (٢)\n===\nولأبي حنيفة ومحمد: أن تنصيب النصب (٣) بالرأي ممتنع، وإنما يُعْرَفُ بالنص، والنص ورد باسم الإبل، والبقر، والغنم، وهذه الأسامي لا تتناول الحملان، والفصلان، والعجاجيل، فلم يثبت كونها نصابًا، وعن أبي بن كعب أنه قال: وكان مصدق رسول الله - ﷺ - في عهدي أن لا آخذ من راضع اللبن شيئًا، وأما قول الصديق: \"لو منعوني عناقًا\"، فقد روي عنه أنه قال: لو منعوني عقالًا؛ وهو صدقة عام، أو الحبل الذي يُعْقَلُ به الصدقة، فتعارضت الرواية فيه، فلم يكن حجة، ولئن ثبت فهو كلام تمثيل لا تحقيق، أي لو وجبت هذه ومنعوها لقاتلتهم، انتهى.\n\n(١) (بَابُ مَا تَجبُ فِيهِ الزكَاةُ) (٤)\nأي: قدر النصاب الذي تجب فيه الزكاة\n١٥٥٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: قرأت على مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه)، وفي رواية البخاري (٥): عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، قال الحافظ (٦): كذا رواه مالك، وروى إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" عن أبي أسامة، عن الوليد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"باب حد ما تجب فيه الزكاة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"البدائع\": \"النصاب\".\n(٤) الظاهر عندي معنى الترجمة: باب الأشياء التي تجب فيها الزكاة؛ وذلك لأنهم قالوا: إنها تجب في ثلاثة أشياء: النقدين، وعروض التجارة، والسوائم، ويحتمل أن يكون الغرض بيان النصاب، كما في الشرح. (ش).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (١٤٥٩).\n(٦) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٣).","vol":"6","page":310},{"text":"قَالَ: سمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الَّله - ﷺ -: \"لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ،\n===\nكثير، عن محمد هذا، عن عمرو بن يحيى وعباد بن تميم كلاهما عن أبي سعيد.\n(قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله - ﷺ -: ليس فيما دون خمس ذود صدقة).\nقال الحافظ (١): الذود بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة، قال الزين ابن المنير: أضاف خمس إلى ذود، وهو مذكر؛ لأنه يقع على المذكر، والمؤنث، وأضافه إلى الجمع؛ لأنه يقع على المفرد والجمع، والأكثر على أن الذود من الثلاثة إلى العشرة، وأنه لا واحد له من لفظه، وقال أبو عبيد: من الثنتين إلى العشرة، قال: وهو يختص بالإناث، وقال سيبويه: تقول: ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنث.\n(وليس فيما دون خمس أواق (٢) صدقة) قال الحافظ (٣): أواق بالتنوين، جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية، وحكى اللحياني (٤) \"وقية\" بحذف الألف وفتح الواو، ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالصُ من الفضة، سواء كان مضروبًا أو غير مضروب.\nقال عياض: قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلومَ القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان، فجمع العلماءَ فجعلوا كلَّ عشرة دراهم سبعةَ مثاقيل، وهو مشكل، والصواب أن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإِسلام، وكانت مختلفة (٥) في الوزن بالنسبة إلى العدد، فعشرةٌ مثلًا وزن\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٣).\n(٢) قال النووي (٤/ ٥٩): بتشديدِ الياء، وتخفيفِه، وحذفِ الياء، ثلاث لغات. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٠).\n(٤) وقع في الأصل: \"الجياني\" وهو تحريف.\n(٥) وذكر في \"المصفى\" الاختلاف بيننا وبين الشافعي في مقدار الدرهم، فارجع إليه. (ش).","vol":"6","page":311},{"text":"وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ\". [خ ١٤٠٥، م ٩٧٩، ت ٦٢٦، ن ٢٤٤٥، دي ١٦٣٣، حم ٣/ ٦]\n===\nعشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربية، ويصير وزنها وزنًا واحدًا، وقال غيره: لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام.\nوأما الدرهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ولم يخالف في أن نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالًا من الفضة الخالصة إلَّا ابن حبيب الأندلسي، فإنه انفرد بقوله: إن كل أهل بلد يتعاملون بدراهمهم.\nوانفرد السرخسي من الشافعية بحكاية وجه في المذهب أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضُمَّ إليه قيمةُ الغش من نحاس مثلًا لَبَلَغَ نصابًا؛ فإن الزكاة تجب فيه كما نُقِلَ عن أبي حنيفة، واستدل بهذا الحديث على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب ولو حبة واحدة، خلافًا لمن سامح بنقص يسير، كما نُقِلَ عن بعض المالكية.\nقال القاري (١): قال ابن حجر: والمثقال اثنان وسبعون حبة من حب الشعير المعتدل وخمسا حبة. والدرهم خمسون حبة وخمسا حبة، فالتفاوت بينه وبين المثقال ثلاثة أعشار المثقال، انتهى. والذي ذكره علماؤنا أن عشرة دراهم زنة سبعة مثاقيل، والمثقال عشرون قيراطًا، والقيراط خمس شعيرات متوسطات، انتهى.\n(وليس فيما دون (٢) خمسة أوسق صدقة)، قال القاري (٣): جمع وسق، بفتح الواو وسكون السين، وهي ستون صاعًا، وكل صاع أربعة أمداد، وكل مُدٍّ\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٠٥).\n(٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٥٠): اختلفوا هل هو تحديد كما قال به أحمد وأصح الوجهين للشافعية، أو تقريب كما صحَّحه النووي، واتفقوا على وجوب الزكاة فيما زاد على خمسة أوسق. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٩٢، ٢٩٣).","vol":"6","page":312},{"text":"١٥٥٩ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ الأَوْدِىُّ،\n===\nرطل وثُلُثُ رطلٍ عند الحجازيين، وهو قول الشافعي وأبي يوسف، وعند أبي حنيفة كل مد رطلان، والرطل مائة وثلاثون درهمًا.\nقال ابن الهمام: وقال بعض أئمتنا: خمسة أوسق قدر ثمان مائة مَنٍّ، وكل مَنٍّ مائتا درهم وستون درهمًا. قال المظهر: هذا دليل لمذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة يجب في القليل والكثير من الحبوب والتمر والزبيب وغيرها من النبات، وقال ابن الملك: فيه حجة لأبي يوسف ومحمد في عدم الوجوب حتى تبلغ خمسةُ أوسقٍ، وأَوَّلَه أبو حنيفة - ﵁ - بأن المرادَ منه زكاةُ التجارة؛ لأن الناس كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهمًا (١)، انتهى.\nقلت: واستدل على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض قليلها وكثيرها بإطلاق قوله - ﷺ -: \"فيما سقته السماءُ العشرُ\"، وسيأتي بحثُه في زكاة الزروع والثمار.\n١٥٥٩ - (حدثنا أيوب بن محمد الرقي، نا محمد بن عبيد) بن أبي أمية، واسمه عبد الرحمن، ويقال: إسماعيل الطنافسي، أبو عبد الله الكوفي، الأحدب مولى إياد، ثقة، قال الدوري: سمعت محمد بن عبيد يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ويقول: اتقوا لا يخدعكم هؤلاء الكوفيون. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان محمد يظهر السنَّة وكان يخطئ، ولا يرجع عن خطئه.\n(نا إدريس بن يزيد) بن عبد الرحمن (الأودي) الزعافري، أخو داود،\n_________\n(١) أورد عليه في \"الكوكب الدري\" (٢/ ١١ - ١٢): أن ما في الوسق من الحنطة، والشعير وغير ذلك مختلف، فكيف يُحْكَم بالكلية أن قيمته أربعون درهمًا، ثم وجهه فارجع إليه لو شئت، وأجاب عن الحديث في \"الأوجز\" (٥/ ٤٩٨ - ٥٠١) بعشرة وجوه. (ش).","vol":"6","page":313},{"text":"عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجَمَلِيِّ، عن أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ (١) - يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْساقٍ (٢) زَكَاةٌ\"، وَالْوَسْقُ: سِتُّونَ مَخْتُومًا. [ن ٢٤٨٦، جه ١٨٣٢، خزيمة ٢٣١٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ.\n١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، نَا جَرِيرٌ، عن مُغِيرَةَ، عن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: \"الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا مَخْتُومًا بِالْحَجَّاجِيِّ\".\n===\nأبو عبد الله، وثقه ابن معين والنسائي وأبو داود، (عن عمرو بن مُرَّة الجملي، عن أبي البختري) بفتح الموحدة والمثناة بينهما معجمة، سعيد بن فيروز بن أبي عمران (الطائي) مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال.\n(عن أبي سعيد - يرفعه إلى النبي - ﷺ - قال) أي رسول الله - ﷺ -: (ليس فيما دون خمس أوساق زكاة، والوسق: ستون مختومًا) والمختوم الصاع: لأنه خُتِمَ عليه، وأعلم بخاتم الحكومة لئلا يُجترأ بالجعل والتلبيس.\n(قال أبو داود: أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد).\n١٥٦٠ - (حدثنا محمد بن قدامة بن أعين، نا جرير) بن عبد الحميد، (عن مغيرة) بن مقسم، (عن إبراهيم) النخعي (قال) إبراهيم: (الوسق ستون صاعًا مختومًا بالحجَّاجي) أي معلَمًا بعلامة حجاج بن يوسف الثقفي أمير الكوفة حين كان واليًا على الكوفة، وكان أخرج الصاع، ويباهي به.\nوالاختلاف في تقديره مشهور، فعند أهل الحجاز كل صاع أربعة أمداد، وكل مُدٍّ رطل وثُلُثُ رطل، وعند أهل العراق كل صاع أربعة أمداد، وكل مد رطلان.\n_________\n(١) في نسخة. \"عن أبي سعيد الخدري\".\n(٢) في نسخة: \"أوسق\".","vol":"6","page":314},{"text":"١٥٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا صُرَدُ بْنُ أَبِى الْمَنَازِلِ، سَمِعْتُ حَبِيبًا الْمَالِكِىَّ (١) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ مَا نَجِدُ لَهَا أَصْلًا فِى الْقُرْآنِ! فَغَضِبَ عِمْرَانُ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: أَوَجَدْتُمْ فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا شَاةً\n===\n١٥٦١ - (حدثنا محمد بن بشار، حدثني محمد بن عبد الله) بن المثنى (الأنصاري، نا صُرَد) بضمِّ أوله وفتح ثانيه (ابن أبي المنازل) بالزاي واللام، بصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٢)، (سمعت حبيبًا المالكي) هو حبيب بن أبي فضلان، ويقال: ابن أبي فضالة، ويقال: ابن فضالة، المالكي البصري، عن ابن معين: مشهور، روى له أبو داود حديثًا واحدًا. قلت: ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: حبيب بن أبي فضالة. وكذا ذكره البخاري (٣)، عن خليفة، عن الأنصاري، عن صرد، عن حبيب، عن عمران، فأشار إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود، وهو طرف من حديث طويل، أخرجه البيهقي في \"البعث\" من حديث أبي الأزهر عن الأنصاري، ولكن وقع في روايته: \"شبيب\" بدل: \"حبيب\" كأنه تصحيف.\n(قال) حبيب: (قال رجل) لم أقف على تسميته (لعمران بن حصين: يا أبا نجيد!) كنية عمران (إنكم لتحدثونا بأحاديث (٤) ما نجد لها أصلًا في القرآن) والأحاديث التي لم يكن لها أصل في القرآن كيف يكون معتَمَدًا عليها ومعمولًا بها؟ ! (فغضب عمران، وقال للرجل: أوجدتم) في القرآن حكم الزكاة مفصَّلًا بأنه (في كل أربعين درهمًا درهم) أي واحد، (ومن كل كذا وكذا شاة)\n_________\n(١) وفي نسخة: \"المكي\".\n(٢) \"كتاب الثقات\" (٦/ ٤٧٨).\n(٣) انظر: \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٣١)، رقم (٣٠١٦).\n(٤) وكانوا يحدثونهم بأحاديث الشفاعة، كما في \"الفتح\" (١١/ ٤٢٦). (ش).","vol":"6","page":315},{"text":"شَاةٌ، وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا بَعِيرًا كَذَا وَكَذَا. أَوَجَدْتُمْ هَذَا فِى الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَعَمَّنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ أَخَذْتُمُوهُ عَنَّا، وَأَخَذْنَاهُ عَنْ نَبِىِّ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ هَذَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>(٢) بَابُ العُرُوضِ إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ </span>(١)\n===\nأي من كل أربعين شاة (شاة، ومن كذا وكذا بعيرًا) أي من كل خمسة وعشرين بعيرًا (كذا وكذا) أي بعير بعير.\n(أوجدتم هذا) أي تفاصيل المسائل (في القرآن؟ قال) الرجل: (لا، قال) عمران بن حصين: (فعمن أخذتم هذا؟ أخذتموه عنا، وأخذناه عن نبي الله - ﷺ -) وهو رسول الله يوحى إليه، ما ينطق عن الهوى، وقوله تفصيل لِمَا أُجْمِلَ في القرآن كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٢)، نزل في القرآن مثلًا الصلاةُ والزكاةُ. وأما تفاصيل فروعاتهما فلم يُعْرَفْ إلَّا ببيان رسول الله - ﷺ -، فأصول جميع المسائل ذُكِرَتْ في القرآن، وأما تفاريعها فببيان رسول الله - ﷺ -، (وذكر) عمران بن حصين (أشياء) أي المسائل (نحو هذا) أي مثل ما ذكر من مسائل الزكاة.\n\n(٢) (بَابُ الْعُرُوضِ)\nالعروض: جمع عرض، وهو المتاع وكل شيء سوى النقدين، كذا في \"القاموس\" (٣)، وقال في \"المصباح المنير\": قالوا: والدراهم والدنانير عين، وما سواهما عرض، والجمع: عروض، مثل فلس وفلوس، وقال أبو عبيد: العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا تكون حيوانًا ولا عقارًا\n(إِذَا كانَتْ لِلتِّجَارَةِ) أي: ما حكمها في وجوب الزكاة فيها؟ (٤)\n_________\n(١) وزاد في نسخة: \"هل فيها زكاة؟ ! \".\n(٢) سورة القيامة: الآية ١٩.\n(٣) انظر: \"القاموس\" (٢/ ٤٩٢).\n(٤) وأثبت ابن العربي (٣/ ١٠٤) الزكاة فيه بأربعة أوجه. (ش).","vol":"6","page":316},{"text":"١٥٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِى خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: \"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِى نُعِدُّ (١) لِلْبَيْعِ\". [قط ٢/ ١٢٨]\n===\n١٥٦٢ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، نا يحيى بن حسان، نا سليمان بن موسى أبو داود، نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب) بالمعجمة والمضمومة مصغرًا (ابن سليمان، عن أبيه سليمان) بن سمرة، (عن سمرة بن جندب قال) سمرة: (أما بعد، فإن رسول الله - ﷺ - كان يأمرنا أن نخرج الصدقة) أي الزكاة الواجبة (٢) (من الذي) أي المال الذي (نعد) أي نُهَيّؤه اللبيع) فَيُقَوَّمُ المالُ فيؤَدَّى من كل مئتي درهم خمسةُ دراهم.\nقال الشوكاني (٣): زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ولم يخالف فيها إلا الظاهرية (٤) فقالوا: لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق، لا للتجارة ولا لغيرها، انتهى.\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٥): والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، وقال عبد الحق في \"أحكامه\": خبيب هذا ليس بمشهور، ولا نعلم روى عنه إلَّا جعفر بن سعد، وليس جعفر ممن يُعْتَمَدُ عليه.\nقال ابن القطان في \"كتابه\" متعقِّبًا على عبد الحق، فذكر في كتاب الجهاد: حديث \"من كتم غالًاّ فهو مثله\"، وسكت عنه، من رواية جعفر بن سعد\n_________\n(١) في نسخة: \"يُعَدُّ\".\n(٢) قال ابن العربي: لم يصح فيه خلاف عن السلف. (ش).\n(٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٩٢).\n(٤) وحكى النووي (٤/ ٦٤) عن داود: لا تجب الزكاة في العروض مطلقًا. (ش).\n(٥) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٧٦).","vol":"6","page":317},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهذا، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه، فهو منه تصحيح، وقال أبو عمر بن عبد البر وقد ذكر هذا الحديث: رواه أبو داود، وغيره بإسناد حسن، انتهى.\nورواه الدارقطني في \"سننه\"، والطبراني في \"معجمه\" به عن سمرة بن جندب، قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من سمرة بن جندب إلى بنيه، سلام عليكم، أما بعد، فإن رسول الله - ﷺ - كان يأمرنا برقيق الرجل أو المرأة، الذين هم تلاد له، وهم عملة لا يريد بيعهم، فكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم من الصدقة شيئًا. وكان يأمرنا أن نخرج من الرقيق الذي يُعَدُّ للبيع، انتهى كلام الزيلعي ملخصًا.\nقلت: ولفظ الحديث للدارقطني (١)، وسكت عنه، ولم يتكلم في أحد من رجال السند، وقد أخرج الزيلعي (٢) في هذا الباب أحاديث موقوفة.\nفمنها: ما راه مالك في \"الموطأ\" عن يحيى بن سعيد عن زريق بن حبان فذكر: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه، الحديث.\nوالحديث الآخر عند أحمد في \"مسنده\"، وعبد الرزاق في \"مصنفه\"، والدارقطني في \"سننه\"، من حديث يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه قال: كنت أبيع الأَدَمَ، والجعابَ، فمرَّ بي عمر بن الخطاب، الحديث، ورواه الشافعي عن سفيان فذكره.\nوالحديث الآخر رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" عن ابن عمر: أنه كان يقول: في كل مال يدار في عبيد أو دواب أوبَزٍّ للتجارة تُدارُ الزكاةُ فيه كل عام، وأخرج عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والقاسم قالوا: في العروض تدار الزكاةُ كل عام، لا يؤخذ منها الزكاة حتى يأتي ذلك الشهر من عامٍ قابلٍ.\n_________\n(١) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٢٨) و\"المعجم الكبير\" (٧/ ٢٥٣) رقم (٧٠٢٩).\n(٢) انظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٣٧٨).","vol":"6","page":318},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحديث الآخر رواه البيهقي من طريق أحمد بن حنبل بسنده عن ابن عمر قال: ليس في العروض زكاة إلَّا ما كان للتجارة، انتهى.\nقلت: وأنت تعلم أن هذه الأحاديث الموقوفة لا دخل للقياس فيها، فهي حينئذ في حكم المرفوعة، والله تعالى أعلم.\nوقال في \"البدائع\" (١): وأما أموال التجارة فتقدير النصاب فيها بقيمتها من الدنانير والدراهم، فلا شيء فيها ما لم تبلغ قيمتها مائتي درهم أو عشرين مثقالًا من ذهب، فتجب فيها الزكاة، وهذا قول عامة العلماء، وقال أصحاب الظواهر: لا زكاة فيها أصلًا، وقال مالك: إذا نضت زكاها لحول واحد.\nوجه قول أصحاب الظواهر: أن وجوب الزكاة إنما عُرِفَ بالنص، والنص ورد بوجوبها في الدراهم والدنانير والسوائم، فلو وجبت في غيرها لوجبت بالقياس عليها، والقياس ليس بحجة خصوصًا في باب المقادير.\nولنا ما رُوِيَ عن سمرة بن جندب أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق الذي كنا نعده للبيع، ورُوِيَ عن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"في البر صدقة\"، وقال - ﷺ -: \"هاتوا ربعَ عُشْرِ أموالكم\".\nفإن قيل: الحديث ورد في نصاب الدراهم لأنه ورد في آخره \"من كل أربعين درهمًا درهم\"؛ فالجواب أن أول الحديث عام، وخصوص آخره يوجب سلب عموم أوله، أو نحمل قوله: \"من كل أربعين درهم\" على القيمة، أي من كل أربعين درهمًا من قيمتها درهم، وقال - ﷺ -: \"وأدوا زكاة أموالكم\" من غير فصل بين مال ومال، انتهى.\nوقال الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (٢): قال مالك: الأمر عندنا فيما يدار\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٠٩).\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"6","page":319},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن العروض للتجارات أن الرجل إذا صدَّق مالَه أي دفع صدقته، ثم اشترى به عرضًا بزًّا أو رقيقًا أو ما أشبه ذلك، ثم باعه قبل أن يحول عليه الحول فإنه لا يؤدي من ذلك المال زكاة حتى يحول عليه الحول من يوم صدقه، وأنه إن لم يبع ذلك العرضَ سنين لم يجب (١) فيه شيء من ذلك العرض زكاة وإن طال زمانه، فإذا باعه فليس فيه إلَّا زكاة واحدة.\nوحاصله أن إدارة التجارة ضربان، أحدها التقلبُ فيها وارتصاد الأسواق بالعروض، فلا زكاة وإن أقام أعوامًا حتى يبيع فيزكي لعام واحد، والثاني البيع في كل وقت بلا انتظار سوق، كفعل أرباب الحوانيت، فيزكي كل عام بشروط أشار إليها الباجي.\nوذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى أن التاجر يُقَوِّم كل عام ويزكي مديرًا كان أو محتكرًا، وقال داود: لا زكاة في العرض بوجه كان لتجارة أو غيرها لخبر: \"ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة\"، ولم يقل إلَّا أن ينوي بهما التجارة.\nوَتُعُقِّبَ بأن هذا نقض لأصله في الاحتجاج بالظاهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) فعلى أصلهم يؤخذُ من كل مال إلَّا ما خُصَّ بِسُنَّة أو إجماع، فيؤخذ من كل [مال] ما عدا الرقيق والخيل؛ لأنه لا يقيس عليهما ما في معناهما من العروض، وقد أجمع الجمهور على زكاة عروض التجارة وإن اختلفوا في الإدارة والاحتكار.\nوالحجة لهم ما تقدم من عمل العمرين، وما نقله مالك من عمل المدينة وخبرُ أبي داود: \"كان يأمرنا أن نُخرج الزكاةَ مما نعده للبيع\"، قال الطحاوي: ثبت عن عمر - ﵁ - وابنه زكاةُ عروضِ التجارة ولا مخالِفَ\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: لم يجب عليه في شيء من ذلك العرض.\n(٢) سورة التوبة: الآية ١٠٣.","vol":"6","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-569>(٣) بَابُ الْكَنْزِ مَا هُوَ؟ وَزَكَاةُ الْحَلْي</span>\n١٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ - الْمَعْنَى - أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: \"أَنَّ امْرَأَةً\n===\nلهما من الصحابة، وهذا يشهد أن قول ابن عباس وعائشة: \"لا زكاة في العروض\"، إنما هو في عروض القنية، انتهى.\n\n(٣) (بَابُ الكَنْزِ مَا هُوَ؟) (١)\nالكنز في اللغة: الادخار، والمراد ها هنا هو المال الذي يجب فيه الزكاة ولا يؤدى زكاته، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٢) الآية. (وزكاة الحَلْيِ) بالفتح، أي ما حكمها هل تجب أم لا؟\nوالحَلْيُ بالفتح: ما يُزَيَّنُ به من مَصُوْغِ المَعْدَنِيَّات أو الحجارة، جمعه حُلِيٌّ كَدُلِي، أو هو جمع، والواحد حَلْيَة كَظَبْيَة، والحلية بالكسر الحَلْيُ، جمعه حِلًى، كذا في \"القاموس\" (٣).\n١٥٦٣ - (حدثنا أبو كامل وحميد بن مسعدة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (أن خالد بن الحارث حدثهم) أي: أبا كامل، وحميدًا، وغيرهم (نا حسين) بن ذكوان المعلم، صرح به الزيلعي (٤)، وأيضًا ذكره صاحب \"الجوهر النقي\".\n(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن امرأة) قال السيد الأمير\n_________\n(١) بَوَّب عليه الترمذي (٢/ ٢١) \" زكاة الحلي\"، وبسط في \"العارضة\" (٣/ ١٢٩، ١٣٠)، ورجَّح في \"التفسير الكبير\" (١٦/ ٣٨) للرازي وجوب الزكاة، وبسطه بالدليل. (ش).\n(٢) سورة التوبة: الآية ٣٤.\n(٣) \"القاموس المحيط\" (٤/ ٤٦٢).\n(٤) انظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٣٧٠)، و\"الجوهر النقي مع السنن الكبرى\" (٤/ ١٣٩).","vol":"6","page":321},{"text":"أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَهَا ابْنَةٌ (١) لَهَا، وَفِى يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟»، قَالَتْ: لَا. قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟»، قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ-، وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ\". [ت ٦٣٧، ن ٢٤٧٩، حم ٢/ ١٧٨، ق ٤/ ١٤٠]\n===\nاليماني في \"سبل السلام\" (٢): هي أسماء بنت يزيد بن السكن. (أتت رسول الله - ﷺ -، ومعها ابنة لها) لم أقِفْ على تسميتها (وفي يد ابنتها مسكتان) بحركة سين، أسورة من ذبل، وهي قرون الأوعال، وقيل: جلود دابة بحرية، أو عاج، وإن كان من غير ذلك أضيفت إليه، فيقال من ذهب أو فضة.\n(غليظتان من ذهب، فقال) رسول الله - ﷺ - لها: (أتعطين زكاة هذا؟) ظاهر السياق يدلس على أنه - ﷺ - خاطب الابنة بهذا الكلام (قالت: لا، قال) رسول الله - ﷺ -: (أيسرّكِ أن يسَوِّرَكِ الله بهما) الباء للسببية، أي بسبب عدم زكاتهما، أو العروض (يوم القيامة سوارين من نار؟ قال) عبد الله بن عمرو: (فخعلتهما) أي الابنة (فألقتهما إلى النبي - ﷺ - وقالت: هما لله ولرسوله).\nقال الزيلعي (٣): قال ابن القطان في كتابه: إسناده صحيح، وقال المنذري في \"مختصره\": إسناده لا مقال فيه، فإن أبا داود رواه عن أبي كامل الجحدري، وحميد بن مسعدة، وهما من الثقات، احتج بهما مسلم. وخالد بن الحارث إمام فقيه، احتج به البخاري ومسلم، وكذلك حسين بن ذكوان المعلم احتجَّا به في \"الصحيح\". ووثقه ابن المديني، وابن معين، وأبو حاتم، وعمرو بن شعيب، فهو من قد عُلِمَ، وهذا إسناد تقوم به الحجة إن شاء الله تعالى، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"بنت\".\n(٢) \"سبل السلام\" (٢/ ٦١٤).\n(٣) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٧٠).","vol":"6","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأخرجه النسائي (١) أيضًا عن المعتمر بن سليمان عن حسين المعلم عن عمرو قال: جاءت امرأة، فذكره مرسلًا، قال النسائي: وخالد أثبت عندنا من معتمر، وحديث معتمر أولى بالصواب، انتهى.\nوقال السيد الأمير اليماني في \"سبل السلام شرح بلوغ المرام\" (٢): رواه الثلاثة، وإسناده قوي، ورواه أبو داود من حديث حسين المعلم، وهو ثقة، فقول (٣) الترمذي: إنه لا يُعْرَفُ إلَّا من طريق ابن لهيعة غير صحيح، انتهى.\nقلت: وأما مسألة الزكاة في الحلي، فقال العيني في \"شرح البخاري\" (٤): أما مسألة الحلي ففيها خلاف بين العلماء، فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: تجب فيها الزكاة. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس - ﵃-، وبه قال سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومحمد بن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد، والزهري، وطاووس، وميمون بن مهران، والضحاك، وعلقمة، والأسود، وعمر بن عبد العزيز، وذر الهمداني، والأوزاعي، وابن شبرمة، والحسن بن حي، وقال ابن المنذر وابن حزم: والزكاة واجبة بظاهر الكتاب والسنَّة.\nوقال مالك وأحمد وإسحاق والشافعي في أظهر قوليه: لا تجب الزكاة فيها، وروي ذلك عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة، والقاسم بن محمد، والشعبي، وقال (٥) الشافعي بهذا في العراق، وتوقف بمصر، وقال: هذا مما أستخير الله فيه.\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٢٤٨٠).\n(٢) \"سبل السلام\" (٢/ ٦١٤).\n(٣) قلت: النسخ التي بأيدينا للترمذي، ليس فيها: أن الحديث لا يعرف بغير ابن لهيعة، بل فيها هكذا: روى المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، وابن لهيعة وابن الصباح يضعفان في الحديث. انتهى. [انظر: \"سنن الترمذي\" ٢/ ٢٣]. (ش).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٧٢).\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"العمدة\": وكان الشافعي يفتي بهذا.","vol":"6","page":323},{"text":"١٥٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَتَّابٌ - يَعْنِى ابْنَ بَشِيرٍ -، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟\n===\nوقال الليث: ما كان من حلي يُلْبَسُ ويُعَارُ، فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرز عن الزكاة ففيها الزكاة، وقال أنس: يزكى عامًا واحدًا لا غير، انتهى.\nوقال الأمير اليماني (١): في المسألة أربعة أقوال: الأول: وجوبُ الزكاة، وهو مذهب الهادوية وجماعة من السلف وأحدُ أقوال الشافعي عملًا بهذه الأحاديث. والثاني: لا تجب الزكاة في \"الحلية\" وهو مذهب مالك، وأحمد والشافعي في أحد أقواله؛ لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها في \"الحلية\" ولكن بعد صحة الحديث لا أثر للآثار. والثالث: أن زكاة الحلية عاريتها كما روى الدارقطني عن أنس وأسماء بنت أبي بكر. والرابع: أنها تجب فيها الزكاة مرة واحدة، رواه البيهقي عن أنس، وأظهر الأقوال دليلًا وجوبُها لصحة الحديث وقوته، انتهى.\n١٥٦٤ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا عتاب، يعني ابن بَشير) بفتح أوله، الجزري أبو الحسن، ويقال: أبو سهل الحراني مولى بني أمية، قال في \"التقريب\": صدوق، وقال في \"تهذيب التهذيب\": عن أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، روى بآخره أحاديث منكرة، وما أرى أنها إلا من قبل خصيف، وعن ابن معين: ثقة، وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة، وقال النسائي وابن سعد: ليس بذاك، وقال النسائي في \"كتاب الجرح والتعديل\": ليس بالقوي.\n(عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحًا) جمع وضح بفتحتين، وهي نوع من الحلي من الفضة، سميت بها لبياضها، ثم اسْتُعْمِلَتْ في غير الفضة (من ذهب، فقلت: يا رسول الله! اكنز هو؟)\n_________\n(١) \"سبل السلام\" (٢/ ٦١٤، ٦١٥).","vol":"6","page":324},{"text":"فَقَالَ: \"مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ، فَلَيْسَ بِكَنْزٍ\". [ق/ ١٤٠، قط ٢/ ١٠٥]\n١٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، أَنَّ (١) مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّهُ\n===\nأي هل داخل في وعيد الكنز المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٢) الآية.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما) أي الذي (بلغ أن) أي قدر أن (تُؤَدَّى زكاتُه) أي نصابًا تجب فيه الزكاة (فزكي) أي أدي زكاته (فليس بكنز).\nقال البيهقي في \"السنن\" (٣): هذا ينفرد به ثابت بن عجلان.\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤): وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" عن محمد بن مهاجر، عن ثابت به. وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، قال البيهقي: تفرد به ثابت بن عجلان. قال في \"تنقيح التحقيق\": وهذا لا يضر؛ فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين.\n١٥٦٥ - (حدثنا محمد بن إدريس) بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي، أبو حاتم (الرازي) الحافظ الكبير أحد الأئمة، (نا عمرو بن الربيع بن طارق، نا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن محمد (٥) بن عمرو بن عطاء أخبره) أي عبيدَ الله، (عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) سورة التوبة: الآية ٣٤.\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٤٠).\n(٤) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٧٢).\n(٥) هو ثقة، ولما وقع في حديث الدارقطني محمد بن عطاء منسوبًا إلى جده، ظن أنه مجهول، وهو وهم منه، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٥٨٤). (ش).","vol":"6","page":325},{"text":"قَالَ: \"دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَأَى فِى يَدِى فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» فَقُلْتُ: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (١)، قَالَ: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟» قُلْتُ: لَا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ». [قط ٢/ ١٠٥، ك ١/ ٣٨٩]\n===\nقال: دخلنا على عائشةَ زوجِ النبي - ﷺ -، فقالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فرأَى في يدي فتخات) جمع فتخة، وهي خواتيم كبار تُلْبَسُ في الأيدي، وربما وُضِعَتْ في أصابع الأرجل، وقيل: هي خواتيم لا فصوص لها، ويُجْمَعُ أيضًا على فتاخ (من ورق) أي فضة.\n(فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن) أي لبستهن، أو أمرت بصنعتهن (أَتَزَيَّنُ لَكَ يا رسول الله! قال: أتودين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله) أي أجابت بلفظ \"لا\" أو بغيره بما شاء الله (قال) رسول الله - ﷺ -: (هو حسبك من النار) أي يكفي هذا لعذاب النار.\nقال الزيلعي (٢): أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" عن محمد بن عمرو بن عطاء به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأخرجه الدارقطني في \"سننه\" عن محمد بن عطاء به، فنسبه إلى جده دون أبيه، ثم قال: ومحمد بن عطاء مجهول، انتهى.\nقال البيهقي في \"المعرفة\": وهو محمد بن عمرو بن عطاء لكنه لما نسب إلى جده ظن الدارقطني أنه مجهول، وليس كذلك، وتبع الدارقطنيَّ في تجهيل محمد بن عطاء عبدُ الحق في \"أحكامه\"، وتعقبه ابن القطان، فقال: إنه لما نُسِبَ في سند الدارقطني إلى جده، خفي على الدارقطني أمرُه فجعله مجهولًا، وتبعه عبدُ الحق في ذلك، وإنما هو محمد بن عمرو بن عطاء أحد\n_________\n(١) وزاد في نسخة: \"بهن\".\n(٢) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٧١).","vol":"6","page":326},{"text":"١٥٦٦ - حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ يَعْلَى،\n===\nالثقات، وقد جاء مبيَّنًا عند أبي داود، وبيَّنه شيخُه محمدُ بنُ إدريس الرازي، وهو أبو حاتم الرازي، إمامُ الجرح والتعديل، ورواه أبو نشيط محمد بن هارون عن عمرو بن الربيع كما هو عند الدارقطني، فقال فيه: محمد بن عطاء، نسبه إلى جده فلا أدري أذلك منه أم من عمرو بن الربيع، انتهى كلامه.\nقال الشيخ في \"الإِمام\": ويحيى بن أيوب أخرج له مسلم، وعبيد الله ابن أبي جعفر من رجال الصحيحين، وكذلك عبد الله بن شداد، والحديث على شرط مسلم، انتهى.\n١٥٦٦ - (حدثنا صفوان بن صالح) بن صفوان الثقفي مولاهم، أبو عبد الملك الدمشقي، مؤذن الجامع، ثقة، وكان يدلِّس تدليسَ التسوية، قاله أبو زرعة الدمشقي. قال الآجري عن أبي داود: حجة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان منتحل مذهب أهل الرأي.\n(أنا الوليد بن مسلم، نا سفيان) الثوري، (عن عمرو بن يعلى) هكذا بالواو في هذه النسخة، وفي النسخة المكتوبة المصحَّحة، والنسخة القادرية، وكذا بالواو في حديث أحمد في \"مسنده\"، وكذا في نسخة \"المنتقى\" لابن جارود، على ما نقله صاحب \"العون\" (١)، وفي نسخة \"العون\": \"عمر\" بدون الواو، وهو الصواب، وهو عمر بن عبد الله بن يعلي بن مُرَّة الثقفيُّ، قال في \"تهذيب التهذيب\": روى عن أبيه وأنس بن مالك، وغيرهم، وعنه الثوري وغيره، قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم أيضًا: متروك الحديث، وقال ابن معين أيضًا: ليس بشيء.\nوقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (٤/ ٣٠١).","vol":"6","page":327},{"text":"فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ الخَاتَمِ. \"قِيلَ لِسُفْيَانَ: كَيْفَ تُزَكِّيهِ؟ قَالَ: تَضُمُّهُ إِلَى غَيْرِهِ\" (١). [أخرجه الْبيهقي مرفوعًا ٤/ ١٤٥]\n===\nالدارقطني: متروك، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\" (٢)، وقد ذكر ترجمة عمر بن عبد الله بن يعلى في \"الميزان\" (٣)، وقال: ولعمر عن أبيه عن جده \"أتيت نبي الله - ﷺ - وفي يدي خاتم من ذهب، فقال: أتؤدي زكاته؟ فقلت: وهل فيه زكاة؟ فقال: جمرة عظيمة\".\n(فذكر الحديث نحو حديث الخاتم) أي نحو الحديث الذي تقدم عن عائشة في وجوب الزكاة في الخاتم والوعيد عليه بقوله: \"حسبك من النار\".\n(قيل لسفيان: كيف تزكيه) والخاتم الواحد لا يبلغ نصاب الزكاة؟ (قال) سفيان الثوري: (تضمه) (٤) أي تجمعه (إلي غيره) أي غير الخاتم من الحلي وغيره من الذهب والفضة.\nوقد أخرج هذا الحديثَ الإمامُ أحمدُ في \"مسنده\" (٥): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عمرو بن يعلي بن مرة الثقفي، عن أبيه، عن جده، قال: \"أتى النبيَّ - ﷺ - رجل عليه خاتم من الذهب عظيم، فقاله له النبي - ﷺ -: أتزكي هذا؟ فقال: يا رسول الله! فما زكاة هذا؟ قال رسول الله - ﷺ -: جمرة عظيمة عليه\".\nوقد أخرجه البيهقي في \"سننه الكبرى\" (٦) بطريقين: أخبرنا أبو الحسن\n_________\n(١) ذكر المزي هذا الحديث في \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٤٤١) رقم (١٩١٥٧)، ثم قال: هذا الحديث في رواية ابن داسة.\n(٢) انظر: \"الضعفاء الكبير\" رقم (١١٧١).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" رقم (٦١٥٦).\n(٤) به قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي وغيره: لا يضم إلى الآخر، كذا في \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٥٧)، وارجع إلى \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٥٦). (ش).\n(٥) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٧١).\n(٦) انظر: \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٤٥).","vol":"6","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>(٤) بَابٌ: في زَكَاةِ السَّائِمَةِ</span>\n١٥٦٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ قَالَ: أَخَذْتُ مِنْ\n===\nعلي بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبيد بن شريك، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا سفيان الثوري، عن عمر بن يعلى الطائفي الثقفي، عن أبيه، عن جده، قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وفي إصبعي خاتم من ذهب، فقال: \"تؤدي زكاة هذا؟ \"، قلت: يا رسول الله! وهل في ذا زكاة؟ قال: [\"نعم جمرة عظيمة\"، قال الوليد: فقلت لسفيان: كيف تؤدي زكاة خاتم وإنما قدره مثقال أو نحوه؟ قال:] تضيفه فيما (١) تملك فيما يجب وزنه الزكاة ثم تزكيه، وكذا رواه جماعة عن الوليد بن مسلم (٢).\nثم أخرج بالطريق الثاني فقال: ورواه أيضًا الأشجعي عن الثوري، كما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني علي بن محمد بن سختويه (٣)، ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، ثنا الأشجعي، ثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن يعلي بن مرة الثقفي، عن أبيه، عن جده، قال: أتى النبي - ﷺ - رجل عليه خاتم من ذهب عظيم، فقال النبي - ﷺ -: \" أتزكي هذا؟ \" فقال: يا رسول الله! وما زكاة هذا؟ قال: فلما أدبر الرجل قال رسول الله - ﷺ -: \"جمرة عظيمة\"، ففي السند الأول كتب \"عمر\" بغير الواو، وفي الثاني \"عمرو\" بالواو.\n\n(٤) (بَابٌ: في زَكَاةِ السَّائِمَةِ) (٤)\nالسائمة من الماشية المرسلة الراعية في مرعاها\n١٥٦٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة (قال: أخذت من\n_________\n(١) وفي \"السنن الكبرى\": إلى ما تملك فيما يجب في وزنه ... إلخ.\n(٢) وفي الأصل: \"مسلمة\"، وهو تحريف.\n(٣) وفي الأصل: \"سلمويه\"، وهو تحريف.\n(٤) قال ابن رشد: اختلفوا في السائمة من غيرها، فأوجب قوم الزكاة مطلقًا لعموم الأحاديث، منهم مالك، وقيد الثلاثة بالسائمة لتقييد الأحاديث الآخر منهم الجمهور ... إلخ. (ش) [انظر: \"بداية المجتهد\" ١/ ٢٥٢].","vol":"6","page":329},{"text":"ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ كِتَابًا زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَهُ لأنَسٍ، وَعَلَيْهِ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حينَ بَعَثَهُ مُصَدّقًا،\n===\nثمامة بن عبد الله بن أنس) بن مالك الأنصاري البصري قاضيها، قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال العجلي: تابعي، ثقة، وذكره ابن عدي في \"الكامل\" (١)، وروى عن أبي يعلى أن ابن معين أشار إلى تضعيفه.\n(كتابًا) وأخرج البخاري هذا الحديث في \"صحيحه\" (٢) عن عبد الله بن المثنى [عن ثمامة] بن عبد الله بن أنس بن مالك، قال الحافظ (٣): وقد تابعه على حديثه هذا حماد بن سلمة، فرواه عن ثمامة أنه أعطاه كتابًا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله - ﷺ - حين بعثه مصدقًا، فذكر الحديث، هكذا أخرج أبو داود عن أبي سلمة عنه.\nورواه أحمد في \"مسنده\" قال: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس أن أبا بكر، فذكره.\nوقال إسحاق بن راهويه في \"مسنده\": أخبرنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة يحدثه عن أنس عن النبي - ﷺ -، فذكره، فوضح أن حمادًا سمعه من ثمامة وأقرأه الكتاب، فانتفى تعليل من أعله بكونه مكاتبة، وانتفى تعليل من أعله يكون عبد الله بن المثنى لم يتابع عليه.\n(زعم) أي ثمامة (أن أبا بكر) الصديق - ﵁ - كتبه) (٤) أي الكتاب لما استخلف (لأنس) لما وجهه إلى البحرين، (وعليه) أي على كتاب (خاتم رسول الله - ﷺ -) أي نقش خاتمه (حين بعثه) أي أنسًا (مصدقًا)\n_________\n(١) انظر: \"الكامل\" (٢/ ٥٣٥).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٤٥٤).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٨).\n(٤) قال ابن العربي (٣/ ١٠٦): اختلفوا في العمل بالكتاب، وقال ابن الهمام (٢/ ١٧٤): يوهم لفظ بعض الرواة فيه الانقطاع، لكن الصحيح أنه صحيح. (ش).","vol":"6","page":330},{"text":"وَكَتَبَهُ لَهُ فَإِذَا فِيهِ: \"هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ\n===\nأي آخذًا صدقاتهم وعاملًا عليها (وكتبه) أي أبو بكر الكتاب (له) أي لأنس.\n(فإذا فيه) أي في الكتاب: (هذه) أي المعاني الذهنية الدالة عليها النقوش اللفظية الآتية (فريضة الصدقة) أي نسخة فريضة، فحذف المضاف للعلم به (التي فرضها رسول الله - ﷺ - على المسلمين) وهذا ظاهر في رفع الخبر إلى النبي - ﷺ -، وأنه ليس موقوفًا على أبي بكر - ﵁ -، وقد صرح برفعه في رواية إسحاق المتقدمة ذكرُها.\nومعنى \"فرض\" ها هنا: أوجب، أو شرع يعني بأمر الله تعالى، وقيل: معناه: قدَّر؛ لأن إيجابها ثابت في الكتاب، ففرض النبي - ﷺ - لها بيان للمجمل من الكتاب بتقدير الأنواع والأجناس، ويرد بمعنى البيان كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، وبمعنى الإنزال كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)، وبمعنى الحل كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٣) وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير.\nقال الراغب (٤): كل شيء ورد في القرآن \"فرض على فلان\" فهو بمعنى الإلزام، وكل شيء ورد \"فرض له\" فهو بمعنى لم يحرمه عليه، وذكر أن معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أي أوجب عليك العمل به.\nوهذا يؤيد قول الجمهور: إن الفرض مرادف للوجوب، وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به لا مشاحة فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأن اللفظ السابق لا يُحْمَلُ على الاصطلاح الحادث.\n_________\n(١) سورة التحريم: الآية ٢.\n(٢) سورة القصص: الآية ٨٥.\n(٣) سورة الأحزاب: الآية ٣٨.\n(٤) انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" (ص ٦٣٠).","vol":"6","page":331},{"text":"الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ ﵇، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلَيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهِ:\nفِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ:\n===\n(التي) صفة ثانية للصدقة (أمر الله بها) أي بالصدقة (نبيه ﵇، فمن سُئِلَها) أي من سأله المصدقُ الصدقة (من المسلمين) بيان لمن (على وجهها) أي على هذه الكيفية المبينة في هذا الكتاب من الكتاب (فليعطها) أي ليُوءَدِّ الصدقة إلى المصدق، (ومن سئل فوقها) أي زائدًا على ذلك في سِنٍّ أو عدد (فلا يعطه) أي فله المنع، أي لا يعط شيئًا من الزيادة، أو لا يعط شيئًا إلى الساعي، بل إلى الفقراء بنفسه؛ لأنه بذلك يصير خائنًا فتسقط طاعته.\nوهذا يدل على أن المصدق إذا أراد أن يظلم المزكي فله أن يأباه ولا يتحرى رضاه، ودل حديث جرير وهو قوله: \"أرضوا مصدقيكم وإن ظُلِمْتُم\" (١) على خلاف ذلك، وأجاب الطيبي: بأن أولئك المصدقين من الصحابة وهم لم يكونوا ظالمين، وكان نسبة الظلم إليهم على زعم المزكي، أو جريان على سبيل المبالغة، وهذا عام فلا منافاة بينهما، انتهى.\nوقد يجاب (٢) بأن الأول محمول على الاستحباب، وهذا محمول على الرخصة والجواز، أو الأول إذا [كان] يخشى التهمة والفتنة وهذا عند عدمهما (٣).\n(فيما دون خمس وعشرين من الإبل) أي في عشرين، وخمس عشرة،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٥٨٩).\n(٢) وجمع بينهما الشيخ ولي الله في \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٤٧) بأن الجور نوعان: نوع أظهر النصُّ حكمه، ونوع للاجتهاد فيه مساغ إلى آخر ما قال، وجمع ابن رشد في \"مقدماته\" (١/ ٢٨٤) بوجهين: الأول أن ما في كتاب الصدقات ناسخ إذ كان في آخر عمره حتى لم يخرجه إلى العمال، والثاني أنه لا يمنع إذا خشي فتنة، ويمنع إذا لم يخش. (ش).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٩٦).","vol":"6","page":332},{"text":"الْغَنَمُ، في كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ (١)\n===\nوعشرة، وخمس، تجب (الغنم) بدأ بها؛ لأنها كانت جُلّ أموالهم وأنفَسَها (في كل خمس ذود) والذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: هو خاص بالإناث، والحديث عام فيجب الزكاة في خمس من الإبل ذكورًا أو إناثًا، وخمس ذود بالإضافة، وقيل: بالبدل فَيُنَوَّنُ (شاة) (٢)، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه.\n(فإذا بلغت) الإبل (خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض) قال الحافظ (٣): فيه أن في هذا القدر بنت مخاض، وهو قول الجمهور إلَّا ما جاء عن علي: أن في خمس وعشرين خمس شياه، فإذا صارت ستًا وعشرين كان فيها بنت مخاض، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفًا ومرفوعًا، وإسناد المرفوع ضعيف، والمخاض بفتح الميم، والمعجمة الخفيفة، آخره معجمة، هي التي أتى عليها حول، ودخلت في الثاني وحملت أمها، والمخاض حامل، أي دخل وقت حملها وإن لم تحمل، قاله الحافظ.\nوقال القاري (٤): قيل: هي التي تمت لها سنة، سميت بذلك لأن أمها تكون حاملًا، والمخاض الحوامل من النوق، ولا واحد لها من لفظها، بل واحدتها خلفة، وإنما أضيفت إلى المخاض والواحدة لا تكون بنت نوق؛ لأن أمها تكون في نوق حوامل تجاورهن وتضع حملها معهن، وزاد في رواية البخاري \"أنثى\" توكيدًا، كما قال تعالى: \"نفخة واحدة\"، ولئلا يتوهم\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنة مخاض\".\n(٢) فلو أعطى بدل الشاة بعيرًا، قال في \"العارضة\" (٣/ ١١٢): لا يجوز، وقال الشافعي: يجوز، قلت: بالأول قال أحمد، كما في \"الروض المربع\" (١/ ١٢٢). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٩).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٩٧).","vol":"6","page":333},{"text":"إِلَى أَنْ ثَبْلُغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذكَرٌ،\n===\nأن البنت ها هنا والابن في ابن لبون كالبنت والابن في بنت طبق وابن آوى يشترك فيهما الذكر والأنثى، كذا ذكره الطيبي\" (١).\n(إلى أن تبلغ) أي الإبل (خمسًا وثلاثين، فإن لم يكن فيها) أي في الإبل (بنت مخاض فابن لبون (٢) ذكر) وصفها بالذكورة وإن كان قد علم من قبل؛ زيادةً للتوكيد، وهو: ما تم عليه حولان، ودخل في الثالث، وعلم من هذا أن ابن لبون ذكرًا كانت تساوي قيمة بنت مخاض، فإذا أدى المصدق ابن لبون في المحل الذي تجب فيه بنت مخاض يقبل منه ذلك، إذا لم يكن عند رب المال بنت مخاض، إذا ساوى قيمته (٣) قيمتها.\nقال الإِمام السرخسي ﵀ في \"المبسوط\" (٤): إذا وجب عليه في إبله بنت مخاص [فلم توجد] ووجد ابن اللبون فعندنا لا يتعين أخذ ابن اللبون، وعند الشافعي - ﵀ - يتعين، وهو رواية عن أبي يوسف - ﵀ - في \"الأمالي\"، واستدلا في ذلك بهذا القول.\nولكنا نقول: إنما اعتبر رسول الله - ﷺ - بهذا المعادلةَ في المالية معنى؛ فإن الإناث من الإبل أفضل قيمة من المذكور، والمسنَّة أفضل قيمة من غير المسنَّة، فأقام رسول الله - ﷺ - زيادة السن في المنقول إليه مقام زيادة الأنوثة في المنقول عنه، ونقصان المذكورة في المنقول إليه مقام نقصان السن في المنقول عنه، ولكن هذا يختلف باختلاف الأوقات والأمكنة، فلو عينا أخذ ابن اللبون من غير اعتبار القيمة أدي إلى الإضرار بالفقراء، أو الإجحاف بأرباب الأموال.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٨).\n(٢) عليه الإجماع، إلَّا عند الحنفية يتقدر بقدر القيمة، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٢٦٠). (ش).\n(٣) قلت: ويؤدي القيمة عندنا خلافًا لهم، كذا في \"العارضة\" (٣/ ١١٥، ١١٦). (ش).\n(٤) \"المبسوط\" (٢/ ١٥٥، ١٥٦).","vol":"6","page":334},{"text":"فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ،\n===\n(فإذا بلغت) الإبل (ستًّا وثلاثين ففيها بنت لبون) وهي التي تم عليها سنتان، وطعنت في الثالثة (إلى خمس وأربعين) إلى للغاية، وهو يقتضي أن ما قبل الغاية يشتمل عليه الحكم المقصود بيانه، بخلاف ما بعدها فلا يدخل إلَّا بدليل، وقد دخلت ها هنا بدليل قوله بعد ذلك: \"فإذا بلغت ستًّا وأربعين\"، فعلم أن حكمها حكم ما قبلها.\n(فإذا بلغت ستًّا وأربعين ففيها حقة) بكسر المهملة، وتشديد القاف، والجمع حقاق بالكسر والتخفيف، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة (طروقة الفحل) بفتح أوله، أي: مطروقة، وهي فعولة بمعنى مفعولة كحلوبة بمعنى محلوبة، والمراد أنها بلغت أن يطرقها الفحل (إلى ستين، فإذا بلغت) الإبل (إحدى وستين ففيها جذعه) بفتح الجيم والمعجمة، وهي التي أتت عليها أربع، ودخلت في الخامسة (إلي خمس وسبعين، فإذا بلغت) الإبل (ستًّا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومئة).\nقال الإِمام السرخسي في \"المبسوط\" (١): وعلى هذا اتفقت الآثار وأجمع العلماء - رحمهم الله تعالى-، إلَّا، ما روي شاذًّا عن علي - ﵁- كما تقدم- أنه قال: \"في خمس وعشرين خمس شياه، وفي ست وعشرين بنت مخاض\"، قال الثوري - ﵀ -: وهذا غلط وقع من رجال علي - ﵁ -، وأما علي - ﵁ - فإنه كان أفقه من أن يقول هكذا؛ لأن في\n_________\n(١) \"المبسوط\" (٢/ ١٥٠).","vol":"6","page":335},{"text":"فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ،\n===\nهذا موالاة بين الواجبين بلا وقص بينهما، وهو خلاف أصول الزكاة؛ فإن مبنى الزكاة على أن الوقص يتلو الواجب، وعلى أن الواجب يتلو الوقص.\n(فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) قال السرخسي (١): ثم الاختلاف بينهم بعد ذلك، فالمذهب عندنا استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين، فإذا بلغت الزيادة خمسًا ففيها حقتان وشاة إلى مائة وثلاثين، ففيها حقتان وشاتان، وفي مائة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه، وفي مائة وأربعين حقتان وأربع شياه، وفي مائة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض، إلى مائة وخمسين، ففيها ثلاث حقاق.\nثم تستأنف الفريضة فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، وفي مائة وستين ثلاث حقاق وشاتان، وفي مائة وخمس وستين ثلاث حقاق وثلاث شياه، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق وأربع شياه، وفي مائة وخمس وسبعين ثلاث حقاق وبنت مخاض، وفي مائة وست وثمانين ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائة وست وتسعين أربع حقاق، إلى مائتين، فإن شاء أدى عنها أربع حقاق عن كل خمسين حقة، وإن شاء خمس بنات لبون عن كل أربعين بنت لبون، ثم تستأنف كما بينا.\nوقال مالك: بعد مائة وعشرين يجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، والأوقاص تسع تسع، فلا يجب في الزيادة شيء حتى تكون مائة وثلاثين، ففيها حقة وبنتا (٢) لبون؛ لأنها مرة خمسون، ومرتين أربعون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة\n_________\n(١) \"المبسوط\" (٢/ ١٥١، ١٥٢، ١٥٣).\n(٢) وفي \"المبسوط\": \"بنت لبون\"، وهو خطأ.","vol":"6","page":336},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مئة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون إلى مئتين، فإن شاء أدى أربع حقاق، وإن شاء خمس بنات لبون.\nوقال الشافعي - ﵁ - مثل قول مالك - ﵁ - إلَّا في حرف واحد، وهو: أن عند الشافعي (١) إذا زادت الإبل على مئة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون إلى مئة وثلاثين، ثم مذهبه كمذهب مالك - ﵁ -.\nوحجتهما في ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك - ﵄-: \"أن رسول الله - ﷺ - كتب كتاب الصدقة، وقرنه بقراب سيفه، ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فعمل به أبو بكر وعمر - ﵄- حتى قبضا\"، وكان فيه: \"إذا زادت الإبل على مئة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة\". إلَّا أن مالكًا - ﵀ - حمله على الزيادة التي يمكن اعتبار المنصوص عليه فيها، وذلك لا يكون فيما دون العشرة، والشافعي - ﵀ - يقول: إن رسول الله - ﷺ - قد علَّق هذا الحكم بنفس الزيادة، وذلك بزيادة الواحدة، فعندها يوجب في كل أربعين بنت لبون، وهذه الواحدة لتعيين الواجب بها فلا يكون لها حظ من الواجب.\nواستدل عليه بالحديث الذي ذكره أبو داود وابن المبارك - رحمهما الله تعالى- بالإسناد: أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا زادت الإبل على مئة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون\". وهذا نص في الباب، والمعنى فيه: أن الواجب في كل مال من جنسه، فإن الواجب جزء من المال إلَّا أن الشرع عند قلة الإبل أوجب من خلاف الجنس نظرًا للجانبين؛ فإن خمسًا من الإبل مال عظيم، ففي إخلائه عن الواجب إضرار بالفقراء، وفي إيجاب الواحدة إجحاف بأرباب\n_________\n(١) وكذا عند أحمد كما في \"النيل\" (٣/ ٨١)، و\"الروض\" (١/ ١٣٣)، واستدلَاّ بحديث ابن المبارك الآتي. (ش).","vol":"6","page":337},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأموال، وكذلك في إيجاب الشقص؛ فإن الشركة عيب، فأوجب من خلاف الجنس دفعًا للضرر، وقد ارتفعت هذه الضرورة عند كثرة الإبل فلا معنى لإيجاب خلاف الجنس.\nومبنى الزكاة على أن عند كثرة العدد وكثرة المال يستقر النصاب والوقص، والواجب على شيء معلوم كما في زكاة الغنم عند كثرة العدد يجب في كل مائة شاة، ثم أعدل الأسنان بنت اللبون والحقاق، فإن أدناها بنت المخاض وأعلاها الجذعة، والأعدل هو الأوسط، وكذلك أعدل الأوقاص هو العَشَرُ فإن الأوقاص في الابتداء خمس، وفي الانتهاء خمسة عشر فالمتوسط هو العشر، وهو الأعدل فلهذا أوجبنا في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.\nولنا حديث (١) قيس بن سعد - ﵁ - قال: قلت لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - ﵁ -: أَخْرِجْ لي كتاب الصدقات الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حزم، فأخرج كتابًا في ورقة، وفيه: \"إذا زادت الإبل على مئة وعشرين استؤنفت الفريضة، فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس ذود شاة\"؛ وروي بطريق شاذ: \"إذا زادت الإبل على مائة وعشرين فليس في الزيادة حتى تكون خمسًا، فإذا كانت مئة وخمسًا وعشرين ففيها حقتان وشاة\"، وهذا نص، ولكنه شاذ، والقول باستقبال الفريضة بعد مائة وعشرين مشهور عن علي وابن مسعود - ﵄-.\nثم نقول: وجوب الحقتين في مئة وعشرين ثابت باتفاق الآثار وإجماع الأمة، فلا يجوز إسقاطه إلَّا بمثله، وبعد مئة وعشرين اختلفت الآثار فلا يجوز إسقاط ذلك الواجب عند اختلاف الآثار، بل يؤخذ بحديث عمرو بن حزم\n_________\n(١) الحديث ذكر ابن الهمام تصحيحه جدًّا، لكن في متنه بعض ما يخالف الحنفية. [انظر: \"شرح فتح القدير\" ٢/ ١٧٤]. (ش).","vol":"6","page":338},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n- ﵁ -، ويُحمَلُ حديثُ ابن عمر - ﵁ - على الزيادة الكبيرة حتى يبلغ مئتين، وبه نقول: إن في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.\nوحديثُ ابن المبارك محمول على ما إذا كانت مائة وعشرين من الإبل بين ثلاثة نفر، لأحدهم خمس وثلاثون، وللآخر أربعون، وللآخر خمس وأربعون، فإذا زادت لصاحب الخمس وثلاثين واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون.\nوهذا التأويل وإن كان فيه بعض بُعْد فالقول به أولى مما ذهب إليه الشافعي - ﵀ -، فإنه أوجب ثلاث بنات لبون وهو مخالف للآثار المشهورة، وإن كان لم يجعل لهذه الواحدة حظًّا من الواجب كما هو مذهبه، فهو مخالف لأصول الزكاة؛ فإن ما لاحظ له من الواجب لا يتغير به الواجب كما في الحمولة والعلوفة.\nوحقيقة الكلام في المسألة وهو: أن بالإجماع يدار الحكم على الخمسينات والأربعينات، ولكن اختلفنا في أنَ أي الإدارتين أولى؟ ! ففي حديث عمرو بن حزم - ﵁ - أدار على الخمسينات، وفيها الحقة، ولكن بشرط عود ما دونها، وفي حديث ابن عمر - ﵁ - على الأربعينات والخمسينات، فنقول: الأخذ بما كان في حديث عمرو بن حزم - ﵁ - أولى؛ فإن مبنى أصول الزكاة على أن عند كثرة المال يستقر النصاب على شيء واحد معلوم، كما في نصاب البقر فإنه يستقر على شيء واحد، وهو المسنة في الأربعين، ولكن بشرط عود ما دونها، وهو التبع: فكذلك زكاة الإبل، ولهذا لم تعد الجذعة؛ لأن الإدارة على الخمسينات، ولا يوجد فيها نصاب الجذعة، فأما ما دون الجذعة فيوجد نصابها في الخمسينات فتعود لهذا.\nولسنا نسلم احتمال الزيادة الواجب من الجنس؛ فإن حكم الزيادة كالمقطوع عن مئة وعشرين لإيفاء الحقتين فيها كما ثبت باتفاق الآثار، فلم يكن","vol":"6","page":339},{"text":"فَإِذَا تَبَايَنَ أَسْنَانُ الإِبِلِ في فَرَائِض الصَّدَقَاتِ، فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَهٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَأَنْ يَجْعَلَ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا،\n===\nمحتملًا للإيجاب من جنسه، فلهذا صرنا إلى إيجاب الغنم فيها، كما في الابتداء حتى إنه لما أمكن البناء مع إبقاء الحقتين بعد مائة وخمس وأربعين بنينًا فنقلنا من بنت المخاض إلى الحقة إذا بلغت مئة وخمسين؛ فإنها ثلاث مرات خمسون، فيؤخذ من كل خمسين حقة، انتهى كلام السرخسي.\n(فإذا تباين) أي اختلف (أسنان الإبل في فرائض الصدقات) أي فيما فرض على أرباب الأموال من الصدقات، (فمن بلغت عنده صدقة الجذعة) أي بلغت الإبل عنده نصابًا يجب فيها الجذعة للزكاة (وليست عنده جذعة (١)، وعنده حقة فإنها) أي الحقة (تُقْبَلُ منه) أي يقبلها المصدق (وأن يجعل) رب المال (معها) أي الحقة (شاتين إن استيسرتا) أي الشاتان (له) أي لرب المال، (أو عشرين درهمًا) جبرًا لنقصان الحقة بالنسبة إلى الجذعة.\nقال الإِمام السرخسي في \"المبسوط\" (٢): والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصول: أحدها أن جبران ما بين السنين غير مقدر عندنا، ولكنه بحسب الغلاء والرخص، وعند الشافعي - ﵀ - يتقدر بشاتين أو بعشرين درهمًا، واستدل بالحديث المعروف.\nوإنما (٣) نقول: إنما قال النبي - ﷺ - ذلك لأن تفاوت ما بين السنين في\n_________\n(١) اختلفوا فيه كما حكاه العيني (٦/ ٤٣٧، ٤٣٨)، وقال مالك: يشتري له ما وجب ولا أحب عشرة دراهم، وبظاهر الحديث قال الشافعي وأحمد أيضًا إلا أنه روي عنه شاة واحدة أو عشرة دراهم أيضًا، والاعتبار في النزول والصعود عندهما لرب المال، والمدار عند الحنفية على القيمة ويجبر على الصعود ولا يجبر على النزول لأنه بيع، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٦٦١). (ش).\n(٢) \"المبسوط\" (٢/ ١٥٥).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المبسوط\": \"ولكنَّا\".","vol":"6","page":340},{"text":"وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وُيعْطيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ (١) عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ ابْنَةُ (٢) لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: مِنْ هَهنَا لَمْ أَضْبِطْهُ عَنْ مُوسَى كَمَا أُحِبُّ\n===\nزمانه كان ذلك (٣) القدَر، لا أنه تقدير شرعي بدليل ما روي عن علي بن أبي طالب: أنه قدَّر الجبران (٤) ما بين السنين بشاة أو عشرة دراهم، وهو كان مصدق رسول الله - ﷺ - فما كان يخفى عليه هذا النص، ولا يظن به مخالفة رسول الله - ﷺ -، وإنما يُحْمَل على أن تفاوت ما بين السنين في زمانه كان ذلك القدر.\nولأنا لو قدرنا تفاوت ما بين السنين بشيء أدى إلى الإضرار بالفقراء، أو الإجحاف بأرباب الأموال؛ فإنه إذا أخذ الحقة عن الجذعة وردَّ شاتين، فربما تكون قيمتهما قيمة الحقة فيصير تاركًا للزكاة عليه معنى، وإذا أخذ بنت مخاض وأخذ الشاتين فقد تكون قيمتهما مثل قيمة بنت اللبون، فيكون آخذًا بالزكاة بأخذهما، وبنت المخاض تكون زيادة، وفيه إجحاف بأرباب الأموال.\n(ومن بلغت عنده صدقة الحقة) أي وجبت الحقة عليه زكاة في إبله (وليست عنده حقة، وعنده جذعة فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق) بما زاد في أخذ الجذعة مكان الحقة (عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده حقة، وعنده ابنة لبون؛ فإنها تقبل منه).\n(قال أبو داود: من ههنا لم أضبطه) أي الحديث (عن موسى) بن إسماعيل شيخي (كما أحب).\n_________\n(١) في نسخة: \"ليس عنده\".\n(٢) في نسخة: \"بنت لبون\".\n(٣) ويشكل عليه أن قيمة الشاة لم تكن عشرة دراهم إذ ذاك، بل كانت ثلاثة دراهم كما يظهر من بعض روايات \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٥٧٨) في كتاب الحج، فليفتش. (ش).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المبسوط\": \"قدَّر جبران\".","vol":"6","page":341},{"text":"- وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ (١) عِنْدَهُ إِلَّا حِقَّةٌ، فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِلَى هَهُنَا لَمْ أُتْقِنْهُ ثُمَّ أَتْقَنْتُهُ - \"وُيعْطِيهِ الْمُصَدِّقَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ (٢) لَبُونٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنَةُ (٣) مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَئءٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.\n===\n(ويجعل) رب المال (معها) أي مع ابنة لبون (شاتين) جبرًا لنقصان ابنة لبون عن الحقة (إن استيسرتا له) أي تيسرتا له بأن تكونا عنده أو تحصلا له بالقيمة (أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده إلَّا حقة (٤)؛ فإنها تقبل منه، قال أبو داود: إلى ها هنا لم أتقنه، ثم أتقنته).\n(ويعطيه) رب المال (المصدق عشرين درهمًا أو شاتين) عوضًا لما أخذ من الزيادة، (ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليس عنده إلَّا ابنة مخاض، فإنها تقبل منه وشاتين) أي مع الشاتين، (أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض، وليس عنده إلَّا ابن لبون ذكر، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء؛) لأنه انجبر فضل الأنوثة بزيادة السنن.\n(ومن لم يكن عنده إلَّا أربع) من الإبل، (فليس فيها شيء) من الزكاة؛ لأن هذا العدد ناقص عن النصاب، (إلَّا أن يشاء ربها) فيتبرع بها.\n_________\n(١) في نسخة: \"ليس\".\n(٢) في نسخة: \"بنت\".\n(٣) في نسخة: \"بنت\".\n(٤) ولا يجوز الحق الذكر عن بنت لبون عند الشافعية، نعم يجوز عن بنت مخاض، كذا في \"شرح الإقناع\" (١/ ١٨٨)، وكذا عند المالكية كما في \"الدسوقي\" (٢/ ٨)، ويجوز عند الحنابلة كما في \"الروض المربع\" (١/ ١٢٢). (ش).","vol":"6","page":342},{"text":"وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَم إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ، فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشرِينَ وَمِئَةٍ فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مِئَتَينِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِئَتَيْنِ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثَ مِئَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ فَفِي كُلِّ مِئَةِ شَاةٍ شَاةٌ،\n===\n(وفي سائمة الغنم) أي الغنم السائمة (إذا كانت) الغنم (أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومئة، فإذا زادت) الغنم ولو واحدة (على عشرين ومئة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مئتين، فإذا زادت على مئتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاث مئة، فإذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاةٍ شاة).\nقال الشوكاني (١): مقتضاه أنها لا تجب الشاة الرابعة حتى تُوَفَّى أربع مئة شاة، وهو مذهب (٢) الجمهور، وعن بعض الكوفيين، والحسن بن صالح، [ورواية عن أحمد]: إذا زادت على الثلاث مئة واحدة وجبت الأربع.\nوقال في \"البدائع\" (٣): وقال الحسن بن حي: إذا زادت على ثلاث مئة واحدة ففيها أربع شياه، وفي أربع مئة خمس شياه، والصحيح قول العامة؛ لما روي في حديث أنس: \"أن أبا بكر الصديق كتب له كتاب الصدقات الذي كتبه له رسول الله - ﷺ - وفيه: وفي أربعين من الغنم شاة، وفي مئة وواحدة وعشرين شاتان، وفي مئتين وواحدة ثلاث شياه، إلى أربع مئة، ففيها أربع شياه\"، وطريق معرفة النصب التوقيف دون الرأي والاجتهاد، انتهى.\nقلت: والذي وجدته في كتب رسول - ﷺ -، ففيها مثل ما في رواية أبي داود: \"فإذا زادت على مئتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاث مئة، فإذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاة شاة\"، ولم أجد في الروايات هذا\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٨٢).\n(٢) وبه قال الحنابلة، كما في \"نيل المآرب\" (١/ ٢٤٣). (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٢٣).","vol":"6","page":343},{"text":"وَلَا يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عُوَارٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّق،\n===\nاللفظ \"وفي مئتين وواحدة ثلاث شياه إلى أربع مئة شاة\"، لكن هذا الذي في \"البدائع\" حاصل معنى الرواية، والله تعالى أعلم.\n(ولا يوخذ في الصدقة هرمة) (١) بفتح الهاء، وكسر الراء، وهي الكبيرة التي سقطت أسنانها، (ولا ذات عوار (٢) من الغنم) العوار بفتح العين المهملة، وضمها، وقيل: بالفتح فقط أي معيبة، وقيل: بالفتح العيب، وبالضم العور. واختلف في مقدار ذلك، فالأكثر على أنه ما ثبت به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الإجزاء في الأضحية، قاله الشوكاني (٣) (٤).\n(ولا تيس الغنم) بتاء فوقية مفتوحة، وياء تحتية ساكنة، ثم سين مهملة، وهو فحل الغنم (إلَّا أن يشاء المصدق) قال الحافظ (٥): اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد: المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث: لا تؤخذ ذات عيب ولا هرمة أصلًا، ولا يؤخذ التيس، وهو فحل الغنم إلَّا برضاء المالك؛ لكونه يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، والله أعلم.\nوعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث، ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد، وهو: الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل، انتهى.\n_________\n(١) وفي \"العارضة\" (٣/ ١١٣): هي التي لا در فيها ولا نسل. (ش).\n(٢) قال ابن العربي (٣/ ١١٣): اختلفوا في ضبطه. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٨٢، ٨٣).\n(٤) فإن كانت كلها هكذا قال ابن العربي (٣/ ١١٣): لم يأخذ منها، ويأت بصحيح، وقال أبو حنيفة والشافعي: يأخذ منها، وعند الحنابلة ينقص قيمة المؤدى بقدر العيب، كذا في \"الروض المربع\" (١/ ١٢٣)، وقال صاحب \"المنهل\" (٩/ ١٤٧): يأخذ منها عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، وهو رواية عن مالك ... إلخ. (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢١).","vol":"6","page":344},{"text":"وَلَا يُجْمَعُ (١) بَيْنَ مُفْتَرِقٍ (٢)، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ،\n===\nوقال في \"لسان العرب\" (٣): رواه أبو عبيد بفتح الدال (٤) والتشديد، يريد صاحبَ الماشية الذي أُخِذَتْ صدقةُ ماله، وخالفه عامة الرواة فقالوا: بكسر الدال، وهو عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها، صدَّقهم يصدِّقهم فهو مصدِّق، وقال أبو موسى: الرواية بتشديد الصاد والدالِ معًا وكسرِ الدال، وهو صاحب المال، وأصله المتصدِّق، فأُدْغِمَتِ التاء في الصاد، والاستثناء من التَّيْسِ خاصة.\n(ولا يجمع (٥). بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشيةَ الصدقة)، قال في \"البدائع\" (٦): أما إذا كانت السوائم مشتركة بين اثنين فقد اختلف فيه،\n_________\n(١) استدل بذلك من قال: لا يجمع الأقل من نصاب الذهب والفضة إلى غيرهما، خلافًا لمالك والحنفية إذ قالوا: يجمع بينهما، كذا في \"المنهل\" (٩/ ١٤٩). (ش).\n(٢) في نسخة: \"متفرق\".\n(٣) \"لسان العرب\" (١٠/ ١٩٧).\n(٤) أي بتشديد الصاد: المالك، وبتخفيفها: الساعي، والدال مشددة على كليهما، كذا في \"المنهل\" (٩/ ١٤٨). (ش).\n(٥) قال ابن رشد في \"مقدماته\" (١/ ٢٦٨): ذهب الشافعي إلى أن النهي للسعاة، ومالك إلى أن النهي للملاك، والصواب أنه على عمومه، لا يجوز للساعي أن يجمعهما إن لم يكونا خليطين فيزكيهما على الخلطة، ولا أن يُفَرِّق غنم الخليطين فيزكيهما على الانفراد، وكذلك الملاك لا يجوز لهم إذا لم يكونوا خلطاء أن يقولوا: نحن خلطاء؛ ليؤدوا على الخلطة أقل مما يجب عليهم على الانفراد، وكذلك لا يجوز لهم إذا كانوا خلطاء أن ينكروا الخلطة، وأما أبو حنيفة الذي لا يقول بالخلطة، فيقول: المعنى في ذلك: أنه لا يجوز للساعي أن يجمع ملك الرجلين فيزكيهما على مالك واحد، ولا أن يفرق ملك الرجل الواحد فيزكيه على الملاك إلى آخر ما قال.\nوقال صاحب \"المجمع\" (٢/ ٨٧): خشية الصدقة بأن يكون ثلاثة نفرِ لكلِّ أربعون شاة فيجب على كل شاة، فيخلطون ليكون عليهم شاة، وهذا على مذهب الشافعي أن الخلطة مؤثرة عنده، وأما أبو حنيفة فلا أثر لها عنده، فمعناه عنده: نفي الخلاط لنفي الأثر بمعنى: لا أثر للخلطة في تقليل الزكاة وتكثيرها. (ش).\n(٦) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٢٣، ١٢٤).","vol":"6","page":345},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال أصحابنا: إنه يُعتبر في حال الشركة ما يُعتبر في حال الانفراد، وهو كمال النصاب في حق كل واحد منهما، فإن كان نصيب كل واحد منهما يبلغ نصابًا تجب الزكاة وإلَاّ فلا.\nوقال الشافعي: إذا كانت أسباب الإسامة (١) متحدة، وهو: أن يكون الراعي والمرعى والماء والمراح والكلب واحدًا، والشريكان من أهل وجوب الزكاة عليهما يُجْعَلُ مالُهما كمال واحد وتجب عليهما الزكاة، وإن كان كل واحد منهما لو انفرد لا تجب عليه، واحتج بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان بين خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية\".\nفقد اعتبر النبي - ﷺ - الجمعَ والتفريق؛ حيث نهى عن جمع المتفرق وتفريقِ المجتمع، وفي اعتبار حال الجمع بحال الانفراد في اشتراط النصاب في حق كل واحد من الشريكين إبطال معنى الجمع وتفريق المجتمع.\nولنا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ليس في سائمة المرءِ المسلم إذا كانت أقلَّ من أربعين صدقة\"، نفى وجوب الزكاة في أقل من أربعين مطلقًا عن حال الشركة والانفراد، فدل أن كمال النصاب في حق كل واحد منهما شرط الوجوب.\nوأما الحديث فقوله - ﷺ -: \"لا يجمع بين متفرق\".\nودليلنا أن المراد منه التفرق في الملك لا في المكان، لإجماعنا على أن النصاب الواحد إذا كان في مكانين تجب الزكاة فيه، فكان المراد منه التفرق في الملك، ومعناه: إذا كان الملك متفرقًا لا يجمع فيجعل كأنه لواحد لأجل الصدقة، كخمس من الإبل بين اثنين، أو ثلاثين من البقر، أو أربعين\n_________\n(١) ولا تخصيص عنده في السوائم بل في كل مشترك كالورق والذهب هكذا، كما قال ابن رشد. [انظر: \"بداية المجتهد\" ١/ ٢٥٨، ٢٦٤]. (ش).","vol":"6","page":346},{"text":"وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ،\n===\nمن الغنم حال عليهما الحول، وأراد المصدق أن يأخذ منها الصدقة، ويجمع بين الملكين، ويجعلهما كملك واحد؛ ليس له ذلك، وكثمانين من الغنم بين اثنين حال عليهما الحول أنه يجب فيها شاتان على كل واحد منهما شاة، ولو أراد أن يجمعا بين الملكين فيجعلاهما ملكًا واحدًا خشية الصدقة فيعطي (١) المصدِّق شاة واحدة ليس لهما ذلك لتفرق ملكيهما، فلا يملكان الجمع لأجل الزكاة.\nوقوله: \"لا يفرق بين مجتمع\" أي في الملك، كرجل له ثمانون من الغنم في مرعيين مختلفين، إنه يجب عليه شاة واحدة، ولو أراد المصدق أن يفرق المجتمع، فيجعلها كأنها لرجلين، فيأخذ منها شاتين ليس له ذلك؛ لأن الملك مجتمع فلا يملك تفريقه، وكذا لو كان له أربعون من الغنم في مرعيين مختلفين تجب عليه الزكاة؛ لأن الملك مجتمع فلا يجعل كالمتفرقين في الملك خشية الصدقة.\n(وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) (٢) قال في \"البدائع\" (٣): ثم إذا حضر المصدق بعد تمام الحول على المال المشترك بينهما فإنه يأخذ الصدقة منه، إذا وجد فيه واجبًا، ولا ينتظر القسمة لأن اشتراكهما على علمهما يوجب الزكاة في المال المشترك، وأن المصدق لا يتميز له المال\n_________\n(١) كذا في الأصل، وهو خطأ، والصواب: \"فيعطيا\"، كما في \"البدائع\".\n(٢) قال الباجي (٢/ ١٣٦): هذا دليل على صحة الخلطة، ووجه الدليل منه أنه لا يصح ذلك إلا في الخليطين، تؤخذ صدقة أحدهما من ماشية الآخر، فيرجع الذي أخذت الصدقة من غنمه على صاحبه بقدر ما أدى عنه من ذلك، ولو كانا شريكين لما تصور بينهما ما يوجب التراجع، انتهى. قلت: أنت خبير بأن تصور التراجع في الشريكين ظاهر من كلام \"البدائع\"، ثم الخلطة تؤثر في كل شيء عند الشافعية فتؤدى كمالك واحد، وفي الماشية فقط عند المالكية والحنابلة، ولا أثر للخلطة مطلقًا عند الحنفية فتؤدى في الخلطة مطلقًا كما تؤدى عند الانفراد، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٥٤٠، ٥٤١). (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٢٥، ١٢٦).","vol":"6","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفيكون إِذْنٌ من كل واحد منهما بأخذ الزكاة من ماله دلالة، ثم إذا أخذ ينظر، إن كان المأخوذ حصة كل واحد منهما لا غير بأن كان المال بينهما على السوية فلا تراجع بينهما؛ لأن ذلك القدر كان واجبًا على كل واحد منهما بالسوية، وإن كانت الشركة بينهما على التفاوت، فأخذ من أحدهما زيادة لأجل صاحبه فإنه يرجع على صاحبه بذلك القدر.\nوبيان ذلك: إذا كان ثمانون من الغنم بين رجلين فأخذ المصدق منهما شاتين فلا تراجع ههنا لأن الواجب على كل واحد منهما بالسوية وهو شاة، فلم يأخذ من كل واحد منهما إلا قدر الواجب عليه، فليس له أن يرجع.\nولو كانت الثمانون بينهما أثلاثًا يجب فيها شاة واحدة على صاحب الثلثين لكمال نصابه وزيادة، ولا شيء على صاحب الثلث لنقصان نصابه، فإذا حضر المصدق وأخذ من عرضها شاة واحدة يرجع صاحب الثلث على صاحب الثلثين بثُلُث قيمة الشاة لأن كل شاة بينهما أثلاثًا فكانت الشاة المأخوذة بينهما أثلاثًا، فقد أخذ المصدق من نصيب صاحب الثلث ثلث شاة لأجل صاحب الثلثين فكان له أن يرجع بقيمة الثلث.\nوكذلك إذا كان مئة وعشرون من الغنم بين رجلين، لأحدهما ثُلُثاها، وللآخر ثُلُثها، ووجب على كل واحد منهما شاة، فجاء المصدق وأخذ من عرضها شاتين كان لصاحب الثلثين أن يرجع على صاحب الثلث بقيمة ثلث شاة؛ لأن كل شاة بينهما أثلاثًا، ثلثاها لصاحب الثمانين، والثلث لصاحب الأربعين، فكانت الشاتان المأخوذتان بينهما أثلاثًا لصاحب الثلثين شاة وثلث شاة، ولصاحب الثلث ثلثا شاة، والواجب عليه شاة كاملة، فأخذ المصدق من نصيب صاحب الثلثين شاة وثلث شاة، ومن نصيب صاحب الثلث ثلثي شاة، فقد صار آخذًا من نصيب صاحب الثلثين ثلث شاة لأجل زكاة صاحب الثلث، فيرجع صاحب الثلثين على صاحب الثلث بقيمة ثلث شاة، وهذا- والله أعلم- معنى قوله - ﷺ -: \"وما كان بين الخليطين فإنهما يتراجعان بالسوية\"، انتهى.","vol":"6","page":348},{"text":"فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ أَرْبَعِينَ، فَلَيْسَ فِيهَا شَئٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَالُ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِئَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَئٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا\". [خ ١٤٤٨، ن ٢٤٤٧، جه ١٨٠٠، حم ١/ ١٢]\n===\n(فإن لم تبلغ سائمة الرجل) من الغنم (أربعين فليس فيها شيء) واجب من الزكاة (إلَّا أن يشاء ربها) أي مالكها، فيتبرع متطوعًا.\n(وفي الرقة) من الورق، قال في \"لسان العرب\" (١): والوَرِقُ والوِرْق، والوَرْق والرقَة: الدراهم مثل كَبِدٍ وكِبْد وكَبْد؛ لأن فيهم من ينقل كسرة الراء إلى الواو بعد التخفيف، ومنهم من يتركها على حالها.\nوفي \"الصحاح\": الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، والهاء عوض من الواو، وفي الحديث في الزكاة: \"في الرقة ربع العشر\"، وفي حديث آخر: \"فهاتوا صدقة الرقة\" يريد الفضة والدراهم المضروبة منهما، وحُكِيَ في جمع الرقة: رقاق.\n(ربع العشر) أي جزء واحد من أربعين جزءًا (فإن لم يكن المال) أي الدراهم (إلَّا تسعين ومئة فليس فيها شيء) من الواجب إجماعًا (إلَّا أن يشاء ربها).\nقال القاري: قال في \"شرح السنَّة\" (٢): هذا يوهم أنها إذا زادت على ذلك شيئًا قبل أن تتم مئتين كانت فيها الصدقة، وليس الأمر كذلك، وإنما ذكر تسعين؛ لأنه آخر فصل من فصول المئة، والحساب إذا جاوز المئة، كانت تركيبه بالفصول، والعشرات، والمئات، والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المئتين، بدليل قوله ﵊: \"ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة\".\n_________\n(١) \"لسان العرب\" (١٠/ ٣٧٥).\n(٢) انظر: \"شرح السنَّة\" (٦/ ١٧) رقم (١٥٧٠).","vol":"6","page":349},{"text":"١٥٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا عَبَّادُ بْن الْعَوَّامِ، عن سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ،\n===\n١٥٦٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عباد بن العوام) بن عمر بن عبد الله بن المنذر بن مصعب بن جندل الكلابي مولاهم، أبو سهل الواسطي، قال ابن معين، والعجلي، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وابن سعد، والبزار: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الحسن بن عرفة: سألني وكيع عنه أتحدث عنه؟ فقلت: نعم، فقال: ليس عندكم أحد يشبهه. وعن أحمد: كان يشبه أصحاب الحديث، وقال الأثرم عن أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن خراش: صدوق.\n(عن سفيان (١) بن حسين) بن الحسن، أبو محمد، ويقال: أبو الحسن الواسطي، مولى عبد الله بن خازم الواسطي، قال ابن أبي خيثمة عن يحيى: ثقة في غير الزهري، لا يُدفَع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع منه بالموسم، وعن ابن معين نحوًا منه، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة، وفي حديثه ضعف، وقال النسائي: ليس به بأس إلَّا في الزهري، وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة، إلَّا أنه كان مضطربًا في الحديث قليلًا، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، وقال ابن عدي: هو في غير الزهري صالح، وفي الزهري يروي أشياء خالف الناس.\nوقال ابن خراش: كان مؤدبًا ثقة، وقال في موضع آخر: لين الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: أما روايته عن الزهري؛ فإن فيها تخاليط يجب أن يُجانَبَ، وهو ثقة في غير الزهري، وقال في \"الضعفاء\": يروي عن الزهري المقلوبات، وذلك أن صحيفة الزهري اختلطت عليه، وقال البزار: واسطي، ثقة، وقال أبو داود عن ابن معين: ليس بالحافظ.\n_________\n(١) قال ابن العربي: لم يسنده أحد إلَّا سفيان (٣/ ١٠٦). (ش).","vol":"6","page":350},{"text":"عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كِتَابَ الصَّدَقَةِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَىً عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، فَكَانَ فِيهِ: \"في خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ابْنَةُ (١) مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا (٢) زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا جَذَعَةٌ (٣) إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا ابْنَتَا (٤) لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ\n===\n(عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: كتب رسول الله - ﷺ - كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قُبِضَ، فقرنه بسيفه، فعمل به) أي بالكتاب (٥) (أبو بكر حتى قُبِضَ، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه) أي في الكتاب:\n(في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه. وفي خمس وعشرين ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة) أي على خمس وثلاثين (ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين. فإذا زادت) أي على خمس وأربعين (واحدة، ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت) على ستين (واحدة، ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت) على خمس وسبعين (واحدة، ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت) على\n_________\n(١) في نسخة: \"بنت\".\n(٢) في نسخة: \"فإن\".\n(٣) في نسخة: \"واحدة فجذعة\".\n(٤) في نسخة: \"بنتًا\".\n(٥) قال ابن العربي: رجح مالك كتاب عمر - ﵁ - على كتاب أبي بكر - ﵁ - بأربعة وجوه (٣/ ١٠٦). (ش).","vol":"6","page":351},{"text":"وَاحِدَةً، فَفِيهَا حِقَّتَان إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الإِبِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ (١) لَبُونٍ، وَفِي الْغَنَم في كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَشَاتَاَنِ إِلَى مئَتَيْنِ (٢) فَإِذَا زَادَتْ (٣) عَلَى الْمِئَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْغَنَمُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي كُلِّ مِئَةِ شَاةٍ شَاةٌ، وَلَيْسَ فِيهَا شَئٌ حَتَّى تَبْلُغَ الْمِئَةَ،\n===\nتسعين (واحدة، ففيها حقتان إلى عشرين ومئة، فإن كانت الإبل أكثر من ذلك) أي عشرين ومئة (ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون).\n(وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومئة، فإن زادت) على عشرين ومئة (واحدة (٤) فشاتان إلى مئتين، فإذا زادت على المئتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مئة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك) أي في ثلاث مئة (ففي كل مئة شاة شاة، وليس فيها شيء حتى تبلغ المئة).\nوههنا مسألة خلافية بين فقهاء الحنفية (٥)، وهي أن المال إذا اجتمع فيه النصاب والعفو ثم هلك البعض، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-: يصرف الهلاك إلى العفو أولًا؛ كأنه لم يكن في ملكه إلَّا النصاب. وعند محمد وزفر: يصرف الهلاك إلى الكل شائعًا، حتى إذا كان له تسعة من الإبل. فحال عليها الحول ثم هلك منها أربعة، فعليه في الباقي شاة كاملة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر عليه في الباقي خمسة أتساع شاة.\n_________\n(١) في نسخة: \"بنت\".\n(٢) في نسخة: \"المائتين\".\n(٣) في نسخة: \"فإن زادت واحدة على المائتين\".\n(٤) تكلم على هذه الزيادة صاحب \"الجوهر النقي\" [انظر: \"السنن الكبرى\" ٤/ ٨٨]. (ش).\n(٥) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١١٣، ١١٤).","vol":"6","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-: أن الوجوب يتعلق بالنصاب دون العفو، وعند محمد وزفر - رحمهما الله - يتعلق بهما جميعًا، واحتجا بقول النبي - ﷺ -: \"في خمسٍ من الإبل شاةٌ إلى تسعٍ\" أخبر أن الوجوب يتعلق بالكل، ولأن سبب الوجوب هو المال النامي، والعفو مال نام، ومع هذا لا تجب بسببه زيادة على أن الوجوب في الكل، نظيره إذا قضى القاضي بحق بشهادة ثلاثة نفر كان قضاؤه بشهادة الكل وإن كان لا حاجة إلى القضاء إلى الثالث، وإذا ثبت أن الوجوب في الكل فما هلك يهلك بزكاته، وما بقي يبقى بزكاته كالمال المشترك.\nواحتج أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله- بقول النبي - ﷺ - في حديث عمرو بن حزم: \"في خمس من الإبل السائمة شاة، وليس في الزيادة شيء حتى تكون عشرًا\"، وقال في حديثه أيضًا: \"في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وليس في الزيادة شيء إلى خمس وثلاثين\"، وهذا نص على أن الواجب في النصاب دون الوقص، ولأن الوقص والعفو تبع للنصاب [لأن النصاب] باسمه وحكمه يستغني عن الوقص، والوقص باسمه وحكمه لا يستغني عن النصاب.\nوالمال إذا اشتمل على أصل وتبع، فإذا هلك منه شيء يصرف الهلاك إلى التبع دون الأصل، كمال المضاربة إذا كان فيه ربح فهلك شيء منه يصرف الهلاك إلى الربح كذا هذا.\nوعلى هذا، إذا حال الحول على ثمانين شاة، ثم هلك أربعون منها، وبقي أربعون، فعليه في الأربعين الباقية شاة كاملة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-؛ لأن الهلاك يصرف إلى العفو أولًا عندهما، فجعل كأن الغنم أربعون من الابتداء، وفي قول محمد وزفر: عليه في الباقي نصف شاة، لأن الواجب في الكل عندهما، وقد هلك النصف فيسقط الواجب بقدره، ولو هلك منها عشرون، وبقي ستون، فعليه في الباقي شاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف،","vol":"6","page":353},{"text":"وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ (١) بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ\". قَالَ: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قُسِمَتِ الشَّاءُ\n===\nوعند محمد وزفر ثلاثة أرباع شاة لما قلنا، وعلى هذا مسائل في \"الجامع\"، انتهى ما قاله في \"البدائع\".\nورجح ابن الهمام قول محمد وزفر، وقال (٢): لا يخفى أن هذا الحديث -أي الذي استدل به أبو حنيفة وأبو يوسف وفيه: \"ليس في الزيادة شيء حتى يبلغ عشرًا\" - لا يقوى قوة حديثيهما في الثبوت إن ثبت، والله أعلم، وإنما نسبه ابن الجوزي في \"التحقيق\" إلى رواية أبي يعلى القاضي وأبي إسحاق الشيرازي في كتابيهما، فقول محمد أظهر من جهة الدليل، انتهى.\nقلت: فمدار الحنفية في الاستدلال في استئناف الصدقة أيضًا على حديث محمد بن عمرو بن حزم، فلو كان الحديث عندهم ضعيفًا لا يصح الاستدلال به على الاستئناف، ومع هذا فقد ورد في هذا الحديث حديث أبي داود: \"وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة\"، فثبت بطريقين أن الأوقاص يجب فيها الزكاة، والله أعلم.\n(ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان) المال (من خليطين فإنهما يتراجعان) أي كل واحد منهما إذا أخذ من حقه لصاحبه (بالسوية، ولا يوخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عيب) أي كما أن الساعي ممنوع عن أخذ خيار المال ممنوع عن أخذ رذالته أيضًا، بل يأخذ الوسط.\n(قال) سفيان بن حسين: (وقال الزهري: إذا جاء المصدق قُسِّمَتِ الشاءُ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بينهما\".\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" (٢/ ٢٠٥).","vol":"6","page":354},{"text":"أَثْلَاثًا (١): ثُلُثًا شِرَارًا، وَثُلُثًا خِيَارًا، وَثُلُثًا وَسَطًا، فَأَخَذَ (٢) الْمُصَدِّقُ مِنَ الْوَسَطِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الزُّهْرِيُّ الْبَقَرَ\". [ت ٦٢١، حم ٢/ ١٤، جه ١٧٩٨، دي ١٦٢٠]\n١٥٦٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِىُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ (٣) مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ»، وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ الزُّهْرِىِّ. [انظر سابقه]\n===\nأثلاثًا: ثُلُثًا شِرارًا، وثُلُثًا خيارًا، وثُلُثًا وسطًا، فأخذ المصدق من الوسط، ولم يذكر الزهري البقرَ) أي في كتاب الصدقة.\n١٥٦٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن يزيد الواسطي، أنا سفيان بن حسين بإسناده) أي بإسناد الحديث المتقدم لسفيان (ومعناه، قال) أي زاد محمد بن يزيد في الحديث: (فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون، ولم يذكر كلام الزهري) أي ونقص محمد بن يزيد بأنه لم يذكر كلام الزهري الذي في آخر الحديث، وهو قوله: قال الزهري: إذا جاء المصدق.\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤): قال المنذري: وسفيان بن حسين أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري إلَّا أن حديثه عن الزهري فيه مقال، وقد تابع سفيانَ بنَ حسين على رفعه سليمانُ بنُ كثير، وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال الترمذي في \"كتاب العلل\": سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن حسين صدوق، انتهى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثلاث\".\n(٢) وفي نسخة: \"فيأخذ\".\n(٣) في نسخة: \"بنت\".\n(٤) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٣٨).","vol":"6","page":355},{"text":"١٥٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: \"هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الَّذِى كَتَبَهُ فِى الصَّدَقَةِ، وَهِىَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهِىَ الَّتِى انْتَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: «فَإِذَا (١) كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ\n===\nورواه أحمد في \"مسنده\" (٢)، والحاكم في \"مستدركه\" (٣)، وقال: سفيان بن حسين وثقه يحيى بن معين، وهو أحد أئمة الحديث، إلَّا أن الشيخين لم يخرجا له، وله شاهد صحيح وإن كان فيه إرسال، انتهى ما قاله الزيلعي.\n١٥٧٠ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك) (٤) عبد الله، (عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب) الزهري (قال) أي ابن شهاب: (هذه نسخة كتاب رسول الله - ﷺ - الذي كتبه) أي أمر بكتابته (في الصدقة) أي في تفصيل مسائلها (وهي) أي النسخة كانت (عند آل عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها) أي النسخة (على وجهها، وهي التي انتسخ) أي أمر بالانتساخ عنها (عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عبد الله ابن عمر وسالم بن عبد الله بن عمر، فذكر) الزهري (الحديث، قال) الزهري بعد ما ذكر من ابتداء النصاب إلى عشرين ومائة.\n(فإذا كانت إحدى وعشرين ومئة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ) الإبل\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٢/ ١٤ - ١٥).\n(٣) \"المستدرك\" (١/ ٣٩٢).\n(٤) قال السرخسي في \"المبسوط\" (٢/ ١٥٣): إن حديث ابن المبارك مؤول، ثم ذكر تأويله كما في \"الأوجز\" (٥/ ٦٦٩)، وظاهر كلام الدارقطني كما في \"العرف الشذي\" (ص ٢٦٦) أن التفسير من أحد الرواة. (ش).","vol":"6","page":356},{"text":"تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كانَتْ ثَلَاثِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ خَمْسِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَخَمْسِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ سِتِّينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسِتِّينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ سَبْعِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسَبْعِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ ثَمَانِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ تِسْعِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ مِئَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَيُّ السِّنَّينِ وُجِدَتْ أُخِذَتْ\".\n===\n(تسعًا وعشرين ومئة، فإذا كانت ثلاثين ومئة ففيها بنتا لبون وحقة) لأنها تشتمل على أربعينتين وخمسينة، (حتى تبلغ تسعًا وثلاثين ومئة، فإذا كانت أربعين ومئة ففيها حقتان وبنت لبون) لأنها تشتمل على خمسينتين وأربعينة (حتى تبلغ تسعًا وأربعين ومئة، فإذا كانت خمسين ومئة ففيها ثلاث حقاق) لأنها تشتمل على ثلاث خمسينات، وهذا متفق عليه، (حتى تبلغ تسعًا وخمسين ومئة، فإذا كانت ستين ومئة ففيها أربع بنات لبون) لأنها أربع أربعينات (حتى تبلغ تسعًا وستين ومئة، فإذا كانت سبعين ومئة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة)؛ لأنها ثلاث أربعينات وخمسينة.\n(حتى تبلغ تسعًا وسبعين ومئة، فإذا كانت ثمانين ومئة ففيها حقتان وابنتا لبون)؛ لأنها تشتمل على خمسينتين وأربعينتين (حتى تبلغ تسعًا وثمانين ومئة، فإذا كانت تسعين ومئة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون) لأنها تشتمل على ثلاث خمسينات وأربعينة، (حتى تبلغ تسعًا وتسعين ومئة، فإذا كانت مئتين ففيها أربع حقاق) لأنها تشتمل على أربع خمسينات (أو خمس بنات لبون) لأنها تشتمل على خمس أربعينات أيضًا (أي السنين) من الحقاق وبنات اللبون (وجدت) في الذود (أخذت).","vol":"6","page":357},{"text":"وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، وَفِيهِ: \"وَلَا يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ\". [قط ٢/ ١١٦، ك ١/ ٣٩٣]\n===\nقال السرخسي في \"مبسوطه\" (١): إن ظاهر ما ذكر في الكتاب يدل على أن الخيار في هذه الأشياء إلى المصدق يعين أيها شاء، وليس كذلك بل الخيار إلى صاحب المال إن شاء أدى القيمة وإن شاء أدى سنًّا دون الواجب وفضلَ القيمة، وإن شاء أدى سنًّا فوق الواجب واسترد فضلَ القيمة، حتى إذا عين شيئًا فليس للساعي أن يأبى ذلك؛ لأن صاحب الشرع اعتبر التيسير على أرباب الأموال، وإنما يتحقق ذلك إذا كان الخيار لصاحب المال، انتهى.\n(وفي سائمة الغنم، فذكر) يونس بن يزيد (نحو حديث سفيان بن حسين، وفيه) أي في هذا الحديث: (ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار من الغنم، ولا تيس الغنم إلَّا أن يشاء المصدق)، وقد تقدم ما يتعلق بشرح هذا الكلام.\nقال الترمذي (٢) بعد تخريج هذا الحديث: قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين.\nقال الزيلعي (٣): قال ابن عدي: وقد وافق سفيانَ بنَ حسينٍ على رفعه سليمانُ بنُ كثيرٍ أخو محمد بن كثير: حدثناه ابن صاعد، عن يعقوب الدورقي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سليمان بن كثير بذلك، وقد رواه جماعة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه فوقفوه، وسفيان بن حسين وسليمان بن كثير رفعاه، انتهى.\n_________\n(١) \"المبسوط\" (٢/ ١٥٧).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ١٩).\n(٣) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٣٩).","vol":"6","page":358},{"text":"١٥٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ (١) وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً، فَإِذَا أَظَلَّهُمُ الْمُصَدِّقُ جَمَعُوهَا، لِئَلَاّ يَكُونَ فِيهَا إِلَّا شَاةٌ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ: أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا أَظَلَّهُمَا الْمُصَدِّقُ فَرَّقَا غَنَمَهُمَا، فَلَمْ يَكُنْ\n===\n١٥٧١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: قال مالك: وقول عمر بن الخطاب - ﵁ -)، قال الزرقاني (٢): في كتابه المتقدم، ومَرَّ أنه مرفوع إلى النبي - ﷺ - (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع) قال في \"الموطأ\" (٣): \"خشية الصدقة، أنه إنما يعني بذلك أصحاب المواشي\"، قال الزرفاني: لأنه مقتضى قوله: \"خشية الصدقة\"، قال مالك: وتفسيره (هو أن يكون) النفر الثلاثة (لكل رجل أربعون شاة) قد وجبت على كل واحد منهم في غنمهم الصدقة (فإذا أظلَّهم) أي أشرف عليهم (المصدق) بتخفيف الصاد وكسر الدال، آخذ الصدقة، وهو الساعي (جمعوها لئلَّا يكون) عليهم (فيها إلَّا شاة) واحدة؛ لأنها واجب مائة وعشرين.\nوتفسير قوله: (ولا يفرق بين مجتمع أن الخليطين إذا كان لكل واحد منهما مئة شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه)؛ لأن مجموع ما للخليطين مئتا شاة وشاتين، وباتحاد المرعى وغيرها كأنها لرجل واحد فوجب عليه ثلاث شياه، وهذا عنده. وأما عندنا فليس فيها إلَّا شاتان على كل واحد منهما شاة واحدة، سواء كانت مجتمعة أو متفرقة.\n(فإذا أظلَّهما المصدق فرقا غنمهما، فلم يكن\n_________\n(١) في نسخة: \"متفرق\".\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١٢٠).\n(٣) انظر: \"الموطأ\" (١/ ٢٤٣).","vol":"6","page":359},{"text":"عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا شَاةٌ، فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ في ذَلِكَ.\n١٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عن عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ وَعَن الْحَارِثِ الأَعْوَرِ، عن عَلِيٍّ ﵁، قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"هَاتُوا رُبُعَ الْعُشُورِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ (١)، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيءٌ حَتَّى تَتِمَّ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا كَانَتْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ\n===\nعلى كل واحد منهما إلَّا شاة) واحدة، قال مالك: (فهذا الذي سمعت) في تفسير (ذلك).\nقال الزرقاني (٢): وإليه ذهب سفيان الثوري، وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة، وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئًا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لِتَقِلَّ، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فلما احتمل الأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر فحمل عليهما معًا، قال الحافظ: لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر، انتهى.\n١٥٧٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور، عن علي - ﵁ -، قال زهير: أحسبه) أي: أظن أبا إسحاق قال في حديثه بعد قوله: \"عن علي - ﵁ -\": (عن النبي - ﷺ - أنه) أي النبي - ﷺ - (قال: هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهمًا (٣) درهم، وليس) يجب (عليكم شيء) من الزكاة (حتى تتم مئتي درهم، فإذا كانت مئتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد) على مئتي\n_________\n(١) وفي نسخة: \"درهمًا\".\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١٢١).\n(٣) ولم يذكر الذهب لقلَّته، كذا في \"العارضة\" (٣/ ١٠٤). (ش).","vol":"6","page":360},{"text":"فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ. وَفِي الْغَنَمِ في كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا شَئءٌ\". وَسَاقَ صَدَقَةَ الْغَنَمِ مِثْلَ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ: \"وَفِي الْبَقَرِ في كُلِّ ثَلَاثينَ تَبِيعٌ، وَفِي الأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ،\n===\nدرهم فيجب فيه (فعلى حساب ذلك) قل أو كثر، حتَّى إذا كانت الزيادة في درهمًا ففيها جزء من أربعين جزءًا من درهم، وهو قول أبي يوسف (١)، ومحمد، والشافعي، وهو قول علي، وابن عمر، وإبراهيم النخعي.\nوقال أبو حنيفة - ﵀ -: وما زاد على المئتين فليس فيه شيء حتى يبلغ أربعين ففيها درهم مع الخمسة، وهكذا في كل أربعين درهمًا في درهم، وهو قول عمر بن الخطاب - ﵁ - واحتجوا بهذا الحديث.\nواحتج أبو حنيفة بحديث عمرو بن حزم: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"وفي كل مئتي درهم خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهمًا درهم\"، ولم يرد به في الابتداء فعلم أن المراد به بعد المئتين. وبحديث معاذ - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال له: \"لا تأخذ من الكسور شيئًا، وفي مئتي درهم خمسة دراهم، وما زاد على ذلك ففي كل أربعين درهمًا درهم\". كذا في \"المبسوط\" (٢) (٣).\n(وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة، فإن لم يكن إلَّا تسع وثلاثون فليس عليك فيها شيء، وساق) أبو إسحاق (صدقة الغنم مثل الزهري، وقال) أبو إسحاق: (وفي البقر في كل ثلاثين تبيع)، والتبيع ما تم عليه الحول، وطعن في الثانية، سمي به لأنه يتبع الأم، (وفي الأربعين مسنة) وهي التي طعنت في الثالثة، سميت بذلك لأنها طلعت سنها.\n_________\n(١) ومالك والثوري وعامة أهل الحديث، كذا في \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٥٥)، وبه قال أحمد، كما في \"المنهل\" (٩/ ١٥٩). (ش).\n(٢) \"المبسوط\" (٢/ ١٩٠).\n(٣) وبسط الدلائل العيني (٦/ ٣٥٥، ٣٥٦). (ش).","vol":"6","page":361},{"text":"وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيءٌ. وَفِي الإِبِلِ\"، فَذَكَرَ صَدَقَتَهَا كَمَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ. قَالَ: \"وَفِي خَمْسٍ (١) وَعِشْرِينَ خَمْسَةٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ (٢) مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ (٣) مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ إِلَى سِتِّينَ\".\nثُمَّ سَاقَ مِثْلَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: \"فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً - يَعْنِي وَاحِدَةً وتسْعِينَ- فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ،\n===\n(وليس على العوامل) أي التي تعمل في السقي والحرث وغيرها، (شيء، وفي الإبل، فذكر) أبو إسحاق (صدقتها كما ذكر الزهري. قال: وفي خمس وعشرين خمسة من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض) وقد تقدم ما فيه من \"مبسوط\" السرخسي، والحافظ ابن حجر.\n(فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الجمل إلى ستين).\n(ثم ساق) أبو إسحاق (مثل حديث الزهري) كما تقدم في حديث سفيان بن حسين عن الزهري بعد قوله: ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين.\n(قال) أبو إسحاق في حديثه: (فإذا زادت واحدة) أي على تسعين (يعني) صارت (واحدة وتسعين، ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى عشرين ومئة،\n_________\n(١) في نسخة: \"خمسة\".\n(٢) في نسخة: \"بنت\".\n(٣) في نسخة: \"بنت\".","vol":"6","page":362},{"text":"فَإِنْ كَانَتِ الإِبِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَلَا يُؤْخَذ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تيسٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ.\nوَفِي النَّباتِ: مَا سَقَتْهُ الأَنْهَارُ أَوْ سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ\".\nوَفِي حَدِيثِ عَاصِم وَالْحَارِثِ: \"الصَّدَقَةُ في كُلِّ عَامٍ\". قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ (١) قَالَ: \"مَرَّةَ\" [خزيمة ٢٢٦٢]\nوَفِي حَدِيثِ عَاصِمٍ: \"إِذَا لَمْ يَكُنْ في الإِبِلِ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَلَا ابْنُ لَبُونٍ، فَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَانِ\".\n===\nفإن كانت الإبل كثر من ذلك، ففي كل خمسين حقة، ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلَّا أن يشاء المصدق).\n(وفي النبات) أي ما تنبته الأرض: (ما سقته الأنهار) مثل دجلة والفرات (أو سقت السماء) أي المطر (العشر) أي يجب فيه عشر ما ينبت، (وما سقي بالغرب) أي بالدلو الكبير (ففيه نصف العشر)، وسيجيء بيانُ اختلاف المذاهب فيه والبحثُ فيما سيأتي من \"باب صدقة الزرع\".\n(وفي حديث عاصم) بن ضمرة (والحارث) الأعور: (الصدقة في كل عام، قال زهير: أحسبه) أي أبا إسحاق (قال: مرة) أي لفظ مرة، يعني: كل عام مرة، (وفي حديث عاصم: إذا لم يكن في الإبل ابنة مخاض، ولا ابن لبون) وقد وجب ذلك (فعشرة دراهم أو شاتان) (٢).\nقال الزيلعي (٣) بعد ذكر هذا الحديث عن أبي داود: ورواه الدارقطني في\n_________\n(١) في نسخة: \"حسبته\".\n(٢) أي مع بنت لبون، كما في \"المنهل\" (٩/ ١٦٣).\n(٣) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٥٣).","vol":"6","page":363},{"text":"١٥٧٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ - وَسَمَّى آخَرَ -، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَالْحَارِثِ الأَعْوَرِ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ -، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِبَعْضِ أَوَّلِ (١) الْحَدِيثِ؛\n===\n\"سننه\" مجزومًا به، ليس فيه: قال زهير: وأحسبه عن النبي - ﷺ -، وقال ابن القطان في \"كتابه\": إسناده صحيح وكلهم ثقات، ولا أعني رواية الحارث، إنما رواية عاصم، انتهى.\nورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق به مرفوعًا، ولم يشك فيه، وفيه من الغريب قوله: وفي خمس وعشرين خمسة من الغنم، وكذا قوله: إذا لم يكن في الإبل بنت مخاض ولا ابن لبون فعشرة دراهم أو شاتان.\nقال في \"الإِمام\": وقد جاء في خمس وعشرين خمسة من الغنم في حديث أخرجه الدارقطني (٢) عن سليمان بن الأرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: وجدنا في كتاب عمر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال في صدقة الإبل: \"في خمس من الإبل سائمة شاة\"، إلى أن قال: \"وفي خمس وعشرين خمس شياه، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض\"، الحديث. قال الدارقطني: وسليمان بن أرقم ضعيف.\n١٥٧٣ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، وسمى آخر)، وهذا قول سليمان أي: قال ابن وهب: أخبرني جرير بن حازم وسمى ابن وهب راويًا آخر مع جرير، ولم أحفظه.\n(عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، عن علي -﵁ - عن النبي - ﷺ - ببعض أول الحديث)، ثم ذكر بعض أول\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هذا\".\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١١٢).","vol":"6","page":364},{"text":"قَالَ: «فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَىْءٌ - يَعْنِى فِى الذَّهَبِ - حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَتْ (١) عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» - قَالَ: فَلَا أَدْرِى أَعَلِىٌّ يَقُولُ: \"فَبِحِسَابِ (٢) ذَلِكَ\" أَوْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ-؟ «وَلَيْسَ فِى مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ».\nإلَّا أَنَّ جَرِيرًا - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: - يَزِيدُ فِى الْحَدِيثِ: عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-: «لَيْسَ فِى مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ». [حم ١/ ١٤٨، ق ٤/ ٩٣ - ٩٤]\n===\nالحديث، يقول جرير: (قال) أبو إسحاق: (فإذا كانت لك مئتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس) يجب (عليك شيء، يعني في الذهب) أي لم يقل أبو إسحاق لفظ \"في الذهب\" لكن مراده ذلك، (حتى يكون لك عشرون (٣) دينارًا، فإذا كانت لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، قال) أبو إسحاق: (فلا أدري أعلي يقول: \"فبحساب ذلك\" أو رفعه إلى النبي - ﷺ -؟ وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، إلَّا أن جريرًا - قال ابن وهب: - يزيد في الحديث: عن النبي - ﷺ -: ليس (٤) في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) لفظ \"جريرًا\" اسم أن، و\"يزيد\n_________\n(١) في نسخة: \"كان\".\n(٢) في نسخة: \"بحساب\".\n(٣) قال النووي (٤/ ٥٧): نصاب الذهب عشرون مثقالًا، وفيه خلاف شاذ، ولا خلاف في الفضة، وقال أيضًا: لم يأت فيه في الصحيح نصاب، نعم وردت ضعاف، لكن الإجماع على ذلك، وذكر ابن رشد الخلاف في ذلك، وبَيَّن ثلاثة مذاهب، لكن الأئمة الأربعة والجمهور على أنه عشرون مثقالًا، وقال عطاء وغيره: يعتبر بقيمة مائتي درهم، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٥٢٣). (ش).\n(٤) وبَوَّب الترمذي (٣/ ٢٥): لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، قال في \"العارضة\" (٣/ ١٢٥): هو مجمع، واختلفوا في المستفاد. (ش).","vol":"6","page":365},{"text":"١٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِىٍّ قال: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ،\n===\nفي الحديث\" خبره ولفظ: \"قال ابن وهب\" جملة معترضة بين اسم \"أنَّ\" وخبرها.\nحاصله: أن سليمان بن داود يقول: قال شيخي ابنُ وهب: إن شيخه جريرًا يزيد في الحديث: عن النبي - ﷺ -، أي يرفعه إلى النبي - ﷺ -، يريد قوله: ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، مرفوع إلى النبي - ﷺ -.\n١٥٧٤ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا أبو عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: قد عفوت عن الخيل والرقيق).\nقال في \"البدائع\" (١): وأما حكم الخيل فجملة الكلام فيه أن الخيل لا تخلو إما أن تكون علوفة أو سائمة، فإن كانت علوفة بأن كانت تعلف للركوب أو للحمل أو للجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها؛ لأنها مشغولة بالحاجة، ومال الزكاة هو الفاضل عن الحاجة، وإن كانت تعلف للتجارة ففيها الزكاة بالإجماع؛ لكونها مالًا ناميًا فاضلًا عن الحاجة؛ لأن الإعداد للتجارة دليل النماء والفضل عن الحاجة.\nوإن كانت سائمة فإن كانت تسام للركوب والحمل أو للجهاد والغزو فلا زكاة فيها لما بينا، وإن كانت تسام للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف، وإن كانت تسام للدرِّ والنسل فإن كانت مختلطة [ذكورًا وإناثًا] فقد قال أبو حنيفة: تجب الزكاة فيها قولًا واحدًا، وصاحبها بالخيار إن شاء أدى من كل فرس دينارًا، وإن شاء قوَّمها، وأدى من كل مئتي درهم خمسة دراهم، وإن كانت إناثًا\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٣، ١٣٥).","vol":"6","page":366},{"text":"فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ (١)، وَلَيْسَ في تِسْعِينَ\n===\nمنفردة أو ذكورًا منفردة ففيهما روايتان عنه، ذكرهما الطحاوي في \"الآثار\".\nوقال أبو يوسف ومحمد: لا زكاة فيها كيفما كانت، وبه أخذ الشافعي، واحتجوا بهذا الحديث، وبقوله - ﷺ -: \"ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة\"، وكل ذلك نص في الباب.\nولأن زكاة السائمة لا بد لها من نصاب مقدر كالإبل والبقر والغنم، والشرع لم يرد بتقدير النصاب في السائمة منها فلا يجب فيها زكاة السائمة كالحمير.\nولأبي حنيفة ما روي عن جابر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"في كل فرسٍ سائمةٍ دينار، وليس في الرابطة شيء\".\nوروي أن عمر (٢) بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح - ﵁ - في صدقة الخيل: أن خَيِّرْ أربابَها، فإن شاؤوا أدوا من كل فرس دينارًا، وإلا قَوِّمْها وخُذْ من كل مائتي درهم خمسة دراهم. وروي عن السائب بن يزيد - ﵁ -: أن عمر - ﵁ - لما بعث العلاء [بن] الحضرمي إلى البحرين أمره: أن يأخذ من كل فرس شاتين أو عشرة دراهم.\nوأما قول النبي - ﷺ -: \"عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق\"، فالمراد منه الخيار للركوب والغزو، لا للإسامة، بدليل أنه فرق بين الخيل والرقيق، والمراد منها عبيد الخدمة، ألا ترى أنه أوجب فيها صدقة الفطر، وصدقة الفطر إنما تجب في عبيد الخدمة، أو يحتمل ما ذكرنا فيحمل عليه عملًا بالدليلين بقدر الإمكان، انتهى ملخصًا.\n(فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهمًا درهم، وليس) يجب (في تسعين\n_________\n(١) وفي نسخة: \"درهمًا\".\n(٢) في الأصل: \"أن ابن عمر بن الخطاب\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":367},{"text":"وَمِائَةٍ شَىْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ». [ت ٦٢٠، ن ٢٤٧٧، جه ١٧٩٠، دي ١٦٢٩، حم ١/ ٩٢، ق ٤/ ١١٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ كَمَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ، وَرَوَاهُ شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ - عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِثْلَهُ (١).\nوَرَوَى حَدِيثَ النُّفَيْلِىِّ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِىٍّ لَمْ يَرْفَعُوهُ أَوْقَفُوهُ عَلَى عَلِىٍّ.\n===\nومئة شيء) من الزكاة، (فإذا بلغت) الدراهم (مئتين ففيها خمسة دراهم).\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث الأعمشُ (٢) عن أبي إسحاق كما قال أبو عوانة) أي عن عاصم بن ضمرة، ولم يذكر الحارث الأعور، (ورواه شيبان أبو معاوية) (٣) النحوي، (وإبراهيم بن طهمان (٤)، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - مثله)، فذكرا: عن الحارث عن علي، ولم يذكرا عاصمًا، (وروى حديث النفيلي) المتقدم (شعبةُ (٥)، وسفيان (٦)، وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي لم يرفعوه)، بل (أوقفوه على علي) حاصله: أنه وقع الاختلاف في رفعه ووقفه، فرفعه زهير وجرير بن حازم\n_________\n(١) وزاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) أخرج روايته أحمد (١/ ١١٣)، والنسائي (٥/ ٣٧)، والدارقطني (٢/ ١٢٦)، والبزار (٢/ ٢٦٥) رقم (٦٧٨).\n(٣) لم أقف على من أخرجها.\n(٤) أخرج روايته الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٩).\n(٥) أخرج روايته الشافعي في \"الأم\" (٧/ ١٧٠)، وابن حزم في \"المحلى\" (٦/ ٢٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٤)، وابن زنجويه في \"الأموال\" (ص ٨٥٦).\n(٦) أخرج روايته عبد الرزاق (٤/ ٧) رقم (٦٧٩٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١١٧)، وأبو عبيد قاسم بن سلام في \"الأموال\" (ص ٣٣٤)، والشافعي في \"الأم\" (٧/ ١٧٠)، وابن حزم في \"المحلى\" (٦/ ٣٨).","vol":"6","page":368},{"text":"١٥٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «فِى كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: فِى أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا» - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: «مُؤْتَجِرًا بِهَا - فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ\n===\nوغيرهما عن أبي إسحاق، وأوقفه شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق.\n١٥٧٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا بهز بن حكيم، ح: وحدثنا محمد بن العلاء، أنا أبو أسامة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه) حكيم بن معاوية، (عن جده) معاوية بن حَيدة بفتح المهملتين، بينهما تحتانية ساكنة، ابن معاوية بن قشير بن كعب القشيري، نزل البصرة، قال ابن سعد: وفد على النبي - ﷺ - وَصَحِبَه، وقال ابن الكلبي: أخبرني أبي: أنه أدركه بخراسان، ومات بها.\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: في كل سائمة إبل: في أربعين بنت لبون) هذا محمول عند الشوافع وغيرهم على ما بعد مائة وعشرين؛ فإن مائة وعشرين تجب فيها حقتان، وليس فيها ابنة لبون مع أنه ثلاث أربعينات، وعندنا محمول على ما بعد مائة وخمسين، (لا يفرق إبل عن حسابها) أي لا يفرق المجتمع منها، فيتغير زكاة الإبل عن حسابها.\n(من أعطاها) أي الزكاة (مؤتجرًا) من الأجر، أي طالبًا للأجر، (قال ابن العلاء) الشيخ الثاني للمصنف: (مؤتجرًا بها) فزاد ابن العلاء لفظ \"بها\" (فله) أي من يعطيها مؤتجرًا (أجرها) من الله تعالى (ومن منعها) أي لم يعطها (فإنا آخذوها) أي الزكاةَ (وشطرَ) أي نصف (ماله).\nقال في \"النهاية\" (١): قال الحربي: غلط الراوي في لفظ الرواية، وإنما هو \"وَشُطِّرَ مالُهُ\"، أي يُجعل مالُه شطرين، ويتخير عليه المصدِّقُ فياْخذ الصدقة من خير النصفين عقوبةً لمنعه، فأما ما لا تلزمه فلا.\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٤٧٣، ٤٧٤).","vol":"6","page":369},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الخطابي في قول الحربي: لا أعرف هذا الوجه، وقيل: معناه إن الحق مستوفى منه غير متروك عليه، وإن تَلِفَ شطرُ ماله كرجل كان له ألف شاة مثلًا، فتلفت حتى لم يبق له إلا عشرون، فيؤخذ منه عشر شياه لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي، وهذا أيضًا بعيد؛ لأنه قال: إنَّا آخذوها وشطر ماله، ولم يقل: إنَّا آخِذُوا شطر ماله.\nوقيل: إنه كان في صدر الإِسلام يقع بعض العقوبات في الأموال، ثم نُسِخَ كقوله في الثمر المعلَّق: \"من خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبةُ\"، وكقوله في ضالَّة الإبلِ المكتومة: \"غرامتُها ومثلُها معها\"، وكان عمر يحكم به فَغَرَّم حاطبًا ضِعْفَ ثمنِ ناقة المزني لَمَّا سرقها رقيقه، ونحروها، وله في الحديث نظائر.\nوقد أخذ أحمد بن حنبل بشيء من هذا، وعمل به، وقال الشافعي في القديم: من منع زكاةَ ماله أُخِذَتْ منه، وأُخذ شطرُ ماله عقوبةً على منعه، واستدل بهذا الحديث، وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلَّا الزكاة لا غير، وجعل هذا الحديثَ منسوخًا، وقال: كان ذلك حيث كانت العقوبات في المال، ثم نُسِخَتْ، ومذهب عامة الفقهاء: أن لا واجب على مُتْلِفِ الشيء أكثر من مثله أو قيمته، انتهى.\nوقال الحافظ في \"التلخيص\" (١): رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم والبيهقي من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وقد قال يحيى بن معين: إسناد صحيح إذا كان [من] دون بهز ثقة. وقال أبو حاتم: هو شيخ يُكتَب حديثُه ولا يُحتج به. وقال الشافعي: ليس بحجة، وهذا الحديث لا يُثبته أهلُ العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم، وسئل عنه أحمد فقال: ما أدري ما وجهه، فسئل عن إسناده فقال: صالح الإسناد،\n_________\n(١) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٣٥٧) رقم (٨٢٩).","vol":"6","page":370},{"text":"عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ﷿، لَيْسَ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ\". [ن ٢٤٤٤، دي ١٦٧٧، ق ٤/ ١١٦، ك ١/ ٣٩٨، حم ٥/ ٢]\n١٥٧٦ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ مُعَاذٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً،\n===\nيخطئ كثيرًا، ولولا هذا الحديث لأدخلته في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه، قال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا. وقال ابن الطلاع في أوائل \"الأحكام\": بهز مجهول، وقال ابن حزم: غير مشهور بالعدالة، وهو خطأ منهما، فقد وثقه خلق من الأئمة، وقد استوفيت ذلك في \"تلخيص التهذيب\".\nوقال البيهقي وغيره: حديث بهز هذا منسوخ، وتعقبه النووي بأن الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإِسلام ليس بثابت ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ، والجواب عن ذلك ما أجاب به إبراهيم الحربي، ونقله ابن الجوزي في \"جامع المسانيد\" عن الحربي، انتهى.\n(عزمة من عزمات ربنا ﷿) قال في \"الدرجات\": بزاي، أي: حق من حقوقه، وواجب من واجباته (ليس لآل محمد منها شيء)؛ لأنه لا يحل له الصدقة ولا لآله.\n١٥٧٦ - (حدثنا النفيلي، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن معاذ) بن جبل (١): (أن النبي - ﷺ - لما وَجَّهه) أي معاذًا «إلي اليمن) عاملًا عليه ومصدقًا (أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا) (٢) أي ذَكَرًا (أو تبيعة) أي أنثى، قاله الإِمام السرخسي في \"المبسوط\" (٣). قال: وذكورها وإناثها في\n_________\n(١) اختلف في اتصاله وانقطاعه جدًّا بسطها القاري. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٤/ ٣١١ - ٣١٣]. (ش).\n(٢) اختلف في معناه على أقوال بسطه ابن العربي (٣/ ١١٤، ١١٥). (ش).\n(٣) \"المبسوط\" (٢/ ١٨٨).","vol":"6","page":371},{"text":"وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِى مُحْتَلِمًا - دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ - ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ -. [ت ٦٢٣، ن ٢٤٥٠، جه ١٨٠٣، دي ١٦٢٣، حم ٥/ ٢٣٣]\n===\nالصدقة سواء، وكذلك في الأخذ، لا فرق بين الذكور والإناث في زكاة البقر بخلاف زكاة الإبل؛ فإنه لا يؤخذ فيها إلَّا الإناث، وهذا التقارب ما بين الذكور والإناث في الغنم والبقر، وتباين ما بينهما في الإبل، انتهى.\nوقال (١) في زكاة الغنم: ويجوز في زكاة الغنم أخذ الذكور والإناث عندنا، وقال الشافعي - ﵀ -: لا يؤخذ الذكر إلَّا إذا كان النصاب كله ذكورًا؛ لأن منفعة النسل لا تحصل به، ويجوز في زكاة الذكور؛ لأن الواجب جزء من النصاب.\nولنا قوله - ﷺ -: \"في أربعين شاةً شاةٌ\"، واسم الشاة يتناول الذكر والأنثى جميعًا بالدليل الموجب فيه، انتهى.\n(ومن كل أربعين مسنة (٢)، ومن كل حالم - يعني محتلمًا -) والمراد به الرجل البالغ من أهل الذمة (دينارًا) على الجزية (أو عدله) أي ما يعادل قيمته ويساويه (من المعافر) ثم فسر المعافر بقوله: (ثياب تكون باليمن).\nقال في \"المجمع\" (٣): المعافري هو برود باليمن منسوبة إلى معافر \"قبيلة\"، وأيضًا قال فيه: ثوب منسوب إلى معافر بفتح ميم موضع باليمن، انتهى. واختلف النسخ، ففي بعضها: المعافر، وفي بعضها: المعافري.\n_________\n(١) انظر: \"المصدر السابق\" (٢/ ١٨٣).\n(٢) قال ابن العربي (٣/ ١١٥): وفي البقر لا يؤخذ إلا مسنَّة لا مسن، فإن لم يكن عنده كلف بأن يأتي بها، وقال بعض أصحاب الشافعي: يكفي، وقال أبو حنيفة: إن كان كلها مسنة فيكفي مسن أيضًا. (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٢٩).","vol":"6","page":372},{"text":"١٥٧٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَالنُّفَيْلِىُّ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِثْلَهُ. [انظر سابقه]\n١٥٧٨ - حدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، نَا أَبِي، عن سُفْيَانَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عنِ مَسْرُوقٍ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَل، قَالَ: \"بَعَثَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الْيَمَنِ\"، فَذكَرَ مِثْلَهُ لَمْ يَذْكُرْ \"ثِيَابًا تَكُونُ بِالْيَمَنِ\" وَلَا ذَكَرَ: يَعْنِي مُحْتَلِم. [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جَرِيرٌ، وَيَعْلَى، وَمَعْمَرٌ، وَشُعْبَةُ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن مَسْرُوقٍ، قَالَ يَعْلَى وَمَعْمَرٌ: عن مُعَاذٍ مِثْلَهُ.\n===\n١٥٧٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة والنفيلي وابن المثنى قالوا: نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن معاذ، عن النبي - ﷺ - مثله).\n١٥٧٨ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال) مسروق، أو معاذ بن جبل، يجعل نفسه غائبًا: (بعثه (١) النبي - ﷺ - إلى اليمن، فذكر مثله) أي مثل الحديث المتقدم، وكان الحديث الأول عن أبي وائل عن معاذ، من غير واسطة مسروق بينهما، وذكرها هنا مسروقًا بينهما، فالظاهر أن أبا وائل سمع الحديث منهما جميعًا (لم يذكر) أي سفيان: (ثيابًا تكون باليمن، ولا ذكر: يعني محتلم).\n(قال أبو داود: رواه جرير، ويعلى، ومعمر، وشعبة، وأبو عوانة، ويحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، قال يعلى) بن عبيد (ومعمر: عن معاذ مثله).\n_________\n(١) قال ابن العربي (٣/ ١٠٧): فرَّق ﵇ العمال بعد رجوعه عن الجعرانة. (ش).","vol":"6","page":373},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحاصل هذا الكلام: أن الذين رووا هذا الحديث عن الأعمش اختلفوا فيها، فروى يعلي بن عبيد عن الأعمش، عن إبراهيم، وعن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق قالا: قال معاذ، أخرجه البيهقي (١) والنسائي في \"المجتبى\"، وروى معمر والثوري عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، وكذلك روى أبو معاوية (٢) عن الأعمش، عن مسروق، عن معاذ، أخرجه البيهقي في \"السنن\"، وكذلك ابن إسحاق، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل بن سلمة، عن معاذ بن جبل أخرجه النسائي، وكذلك مفضل بن مهلهل، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن معاذ، أخرجه النسائي.\nوأما رواية جرير، وشعبة، وأبي عوانة، ويحيى بن سعيد عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، ولم يذكروا عن معاذ بن جبل، ولم أجد هذه الروايات (٣) فيما عندي من الكتب، وهم رووها مرسلة، ولم يذكروا عن معاذ، وقد أشار إليه الترمذي، فقال (٤): وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق: أن النبي - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ، وهذا أصح.\nوقال في \"التعليق المغني\" (٥): الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة،\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٨)، و\"سنن النسائي\" (٢٤٥٠، ٢٤٥١، ٢٤٥٣).\n(٢) وفي \"السنن الكبرى\" هكذا: أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق ...\n(٣) قلت: رواية جرير أخرجها الهيثم بن كليب الشاشي في \"مسنده\" (٣/ ٢٥٣) رقم (١٣٥٣)، ورواية شعبة أخرجها الطيالسي في \"مسنده\" (١/ ٤٦١) رقم (٥٦٨)، والهيثم بن كليب في \"مسنده\" (٣/ ٢٥٠) رقم (١٣٤)، ورواية أبي عوانة أخرجها الهيثم بن كليب في \"مسنده\" (٣/ ٢٥١) رقم (١٣٥٢).\nأما رواية يحيى بن سعيد فلم أعثر على من أخرجها.\n(٤) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٢٠).\n(٥) \"التعليق المغني مع سنن الدارقطني\" (٢/ ١٠٢).","vol":"6","page":374},{"text":"١٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: سِرْتُ أَوْ قَالَ: أَخْبَرَنِى مَنْ سَارَ مَعَ مُصَدِّقِ النَّبِىِّ -ﷺ-، فَإِذَا فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:\n===\nقال الترمذي: حديث حسن. وقد رواه بعضهم مرسلًا، لم يذكر فيه معاذًا، وهذا أصح.\nوفي \"بلوغ المرام\" (١) للحافظ، وشرحه للأمير اليماني: رواه الخمسة، واللفظ لأحمد، وحسنه الترمذي، وأشار إلى اختلاف في وصله، لفظ الترمذي بعد إخراجه: وروى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق: \"أن النبي - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ\"، قال: وهذا أصح. أي من روايته عن مسروق، عن معاذ، عن النبي - ﷺ -، وصححه ابن حبان والحاكم.\nوإنما رجَّح الترمذي الرواية المرسلة؛ لأنها (٢) اعترضت رواية الاتصال بأن مسروقًا لم يلق معاذًا، وأجيب عنه بأن مسروقًا همداني النسب من وادعة يماني الدار. وقد كان في أيام معاذ باليمن، فاللقاء ممكن بينهما، فهو محكوم باتصاله على رأي الجمهور، قلت: وكان رأيُ الترمذي رأيَ البخاري أنه لا بد من تحقق اللقاء، انتهى.\n١٥٧٩ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن ميسرة أبي صالح) مولى كندة، كوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن سويد بن غفلة قال) سويد: (سرت أو قال) سويد: (أخبرني من سار مع مصدق النبي - ﷺ -) لعل الشاكَّ ميسرة أبو صالح بأن سويدًا قال هذا أو ذاك، (فإذا في عهد رسول الله - ﷺ -) والمراد بالعهد ههنا الورقة التي كتب فيها الوصية لأحكام الزكاة وغيرها وهو السند.\n_________\n(١) انظر: \"سبل السلام شرح بلوغ المرام\" (٢/ ٥٩٧).\n(٢) وفي \"سبل السلام\": لأن رواية الاتصال اعترضت بأن ...، وهو أوضح.","vol":"6","page":375},{"text":"«أَنْ لَا تَأْخُذْ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ، وَلَا تَجْمَعْ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا تُفَرِّقْ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ»، وَكَانَ إِنَّمَا يَأْتِى الْمِيَاهَ حِينَ تَرِدُ الْغَنَمُ فَيَقُولُ: \"أَدُّوا صَدَقَاتِ أَمْوَالِكُمْ\". قَالَ: فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ - قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا صَالِحٍ، مَا الْكَوْمَاءُ؟ قَالَ: عَظِيمَةُ السَّنَامِ - قَالَ: فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. قَالَ: إِنِّى أُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَ خَيْرَ إِبِلِى. قَالَ: فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، قَالَ: فَخَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا\n===\n(أن لا تأخذ من راضع لبن)، قال في \"النهاية\" (١): أراد بالراضع ذاتَ الدَّرِّ واللبن، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: ذات راضع، فأما من غير حذف فالراضع: الصغير الذي هو بَعْدُ يَرْضَعُ، ونهيُه عن أخذها لأنها خيار المال، و\"من\" زائدة، كما تقول: لا تأكل من الحرام، أي لا تأكل الحرام، وقيل: هو [أن] يكون عند الرجل الشاة الواحدة أو اللِّقْحَة قد اتخذها للدرِّ، فلا يؤخذ منها شيء.\n(ولا تجمع بين مفترق، ولا تفرق بين مجتمع، وكان) مصدق النبي - ﷺ - (إنما يأتي المياه حين ترد الغنم) أي المياه للسقي (فيقول) لأرباب الأموال: (أدوا صدقات أموالكم. قال) سويد بن غفلة، أو من سار مع المصدق: (فعمد) أي قصد (رجل منهم) أي من أرباب الأموال (إلي ناقة كوماء. قال) هلال بن خباب: (قلت) أي لميسرة: (يا أبا صالح! ما الكوماء؟ قال: عظيمة السنام) بفتح السين، وهو ما ارتفع من ظهر الإبل.\n(قال) سويد أو من سار: (فأبى) المصدق (أن يقبلها، قال) رب المال: (إني أحب أن تأخذ خير إبلي، قال: فأبى أن يقبلها)؛ لأن رسول الله - ﷺ - منعه أن يأخذ خير المال (قال: فخطم) أي زمَّ؛ فإن الإبل كانت مرسلة من غير خطام ولا زمام، فلما أراد إعطاءها المصدق جعل برة زمامها في أنفها (له) أي للمصدق ناقة (أخرى دونها) أي أدنى من الأولى، (فأبى) المصدق (أن يقبلها) أي الثانية.\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٢٣٠).","vol":"6","page":376},{"text":"ثُمَّ خَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا فَقَبِلَهَا، وَقَالَ: إِنِّى آخِذُهَا وَأَخَافُ أَنْ يَجِدَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، يَقُولُ: \"عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ فَتَخَيَّرْتَ عَلَيْهِ إِبِلَهُ\". [ن ٢٤٥٧، قط ٢/ ١٠٤ - ١٠٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هُشَيْمٌ، عن هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَا يُفَرَّقُ.\n١٥٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى لَيْلَى الْكِنْدِىِّ،\n===\n(ثم خطم له أخرى دونها فقبلها، وقال: إني آخذها، وأخاف) الواو للحال أو بمعنى مع (أن يجد) أي يغضب (علي رسولُ الله - ﷺ -، يقول: عَمِدْتَ إلى رجل فَتَخَيَّرْتَ عليه إبلَه) أي فأخذت خير إبله.\n(قال أبو داود: رواه هشيم، عن هلال بن خباب نحوه) (١) أي نحو حديث أبي عوانة (إلَّا أنه) أي هشيمًا (قال: لا يفرق)، وقد قال أبو عوانة في حديثه: لا تفرق، بصيغة الخطاب.\nوالفرق بينهما أن على رواية أبي عوانة خاطب المصدق، ونهاه عن التفريق. وعلى رواية هشيم بصيغة الغائب نهى رب المال عن التفريق بين المجتمع.\n١٥٨٠ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا شريك) بن عبد الله القاضي، (عن عثمان) بن المغيرة الثقفي مولاهم، أبو المغيرة الكوفي، وهو عثمان الأعشى، وهو عثمان (بن أبي زرعة) وهو عثمان الثقفي، كوفي ثقة (عن أبي ليلى الكندي) يقال: مولاهم، الكوفي، اسمه سلمة بن معاوية، وقيل: سعيد بن بشير، وقيل: المعلى، قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة مشهور، وفرق الحاكم أبو أحمد بين أبي ليلى الكندي سلمة بن معاوية،\n_________\n(١) أخرج روايته ابن أبي شيبة (٣/ ١٢٦)، والدارقطني (٢/ ١٠٣)، والبيهقي (٤/ ١٠١).","vol":"6","page":377},{"text":"عن سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: \"أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأخَذْتُ بِيَدِهِ وَقَرَأْتُ في عَهْدِهِ: \"لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ\"، وَلَمْ يَذْكُرْ: \"رَاضِعَ لَبَنٍ\". [جه ١٨٠١، وانظر سابقه]\n١٥٨١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّىِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى سُفْيَانَ الْجُمَحِىِّ،\n===\nروى عن سلمان وعنه أبو إسحاق، وبين أبي ليلى الكندي، عن سويد بن غفلة، وقال: إن هذا الثاني لم نقف على اسمه، ثم روى عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: سمعت ابن معين، وسئل عن أبي ليلى الكندي فقال: كان ضعيفًا. وقال العجلي: أبو ليلى الكندي كوفي تابعي ثقة، انتهى.\nوقال في \"الميزان\" (١): أبو ليلى الكندي، عن سويد بن غفلة، ضعفه يحيى بن معين، وقيل: وثقه، وكأنهما اثنان، الثقة عن سلمان وخباب.\n(عن سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق (٢) النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميته، (فأخذت بيده) أي صافحته، (وقرأت في عهده) أي في صحيفته التي كتبت له فيها أحكام الصدقات: (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، ولم يذكر) أبو ليلى الكندي عن سويد: (راضع لبن) أي حكمه بأنه لا يأخذه.\n١٥٨١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا وكيع، عن زكريا بن إسحاق المكي، عن عمرو بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية (الجمحي) بمضمومة، وفتح ميم، وإهمال حاء، منسوب إلى جمح بن عمرو، وثقه ابن معين، والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: مستقيم\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٦٦) رقم (١٠٥٤٩).\n(٢) وذكر صاحب \"الخميس\" (٢/ ١١٨، ١١٩): جملة من مصدقيه ﵇ بعثهم هلال المحرم سنة ٩ هـ. (ش).","vol":"6","page":378},{"text":"عن مُسْلِمِ بْنِ ثَفِنَةَ الْيَشْكُرِيِّ - قَالَ الْحَسَنُ: رَوْحٌ يَقُولُ: مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ-\n===\nالحديث، (عن مسلم بن ثفنة اليشكري. قال الحسن) بن علي شيخي: (روح) مبتدأ (يقول) خبره: (مسلم بن شعبة) مفعول يقول، والجملة مقولة لقال.\nحاصله أن الحسن بن علي روى عن وكيع، فقال في روايته عنه: مسلم بن ثفنة بثاء مثلثة مفتوحة، وفاء مكسورة، وقال في روايته عن روح أنه يقول: سلم بن شعبة بشين معجمة مضمومة، وعين مهملة ساكنة، وباء موحدة مفتوحة.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": مسلم بن ثفنة، ويقال: ابن شعبة البكري، ويقال: حجازي، قال وكيع: ابن ثفنة، وقال روح وغير واحد: عن زكريا، عن عمرو، عن مسلم بن شعبة، قال أحمد بن حنبل: أخطأ فيه وكيع، قال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع وكيعًا على قوله: ابن ثفنة، وقال الدارقطني: وهم وكيع، والصواب: مسلم بن شعبة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: بقية كلام أحمد في \"مسنده\": قال بشر بن السري متعجبًا من قول وكيع: هؤلاء (١) ولده ها هنا يعني بمكة، وقال البخاري: قال وكيع: مسلم بن ثفنة، ولا يصح، وقال الذهبي: لا يعرف، كذا قال، وحكاية أحمد عن بشير (٢) تدل على شهرته، وفي سياق حديثه عند أحمد وغيره أنه كان عريف قومه، ولفضله استعمله ابن علقمة على عرافة قومه ليصدقهم، فبعثني أبي لآتيه بصدقتهم، انتهى.\nقلت: وقد أخرج النسائي (٣) حديث روح، وقال فيه: مسلم بن ثفنة، ولعله تصحيف من الكاتب.\n_________\n(١) كذا في \"التهذيب\" (١٠/ ١٢٣) لعله تحريف، والصواب: \"هو ذا\"، كما في \"مسند أحمد\" (٣/ ٤١٥).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"التهذيب\" (١٠/ ١٢٣): بسر بالسين المهملة وكلاهما خطأ، والصواب: بشر بالشين المعجمة، كما في \"المسند\".\n(٣) \"سنن النسائي\" (٢٤٦٣).","vol":"6","page":379},{"text":"قَالَ: \"اسْتَعْمَلَ نَافِعُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَبِى عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ. قَالَ: فَبَعَثَنِى أَبِى فِى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، فَأَتَيْتُ شَيْخًا كَبِيرًا يُقَالُ لَهُ: سَعْرٌ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِى بَعَثَنِى إِلَيْكَ - يَعْنِى لأُصَدِّقَكَ - قَالَ: ابْنَ أَخِى، وَأَىَّ نَحْوٍ تَأْخُذُونَ؟ قُلْتُ: نَخْتَارُ حَتَّى إِنَّا نَتَبَيَّنُ ضُرُوعَ الْغَنَمِ. قَالَ: ابْنَ أَخِى، فَإِنِّى أُحَدِّثُكَ أَنِّى كُنْتُ فِى شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ\n===\n(قال: استعمل نافع بن علقمة) فاعل لاستعمل (أبي) مفعوله (على عرافة) بكسر العين، والعريف هو القيم بأمور القبيلة، والجماعة، يلي أمورهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم، والعرافة عمله، (قومه) أي قوم أبي (فأمره) أي أمر نافع أبي (أن يصدقهم) أي يأخذ الصدقات منهم.\n(قال) مسلم: (فبعثني أبي في) أي إلى (طائفة) جماعة (منهم، فأتيت شيخًا كبيرًا يقال له: سعر) (١) وفي نسخة: سعر بن ديسم، سعر بفتح أوله، وسكون ثانيه، وآخره راء مهملة، الدؤلي، قال الدارقطني وابن حبان: له صحبة، وذكره العسكري في المخضرمين، واختلف في اسم أبيه فقيل: سوادة، وقيل: ديسم، ويقال: إنه عامري، ويقال: إنه قدم الشام تاجرًا في الجاهلية، روى عن مصدقين للنبي - ﷺ -، وذكره ابن حبان في الصحابة أيضًا.\n(فقلت: إن أبي بعثني إليك، يعني لأصدقك) أي لآخذ صدقة مالك (قال) سعر: (ابنَ أخي) أي يا ابنَ أخي، بتقدير حرف النداء (وأيَّ نحو) أي بأي طريق (تأخذون) صدقات الأموال؟ (قلت: نختار) أي نأخذ خير أموالهم (حتى إنا نبين) من التبيين بمعنى: نقدر، أو بمعنى: نتبين، ويحتمل أن يكون من البين أي نميز، وفي نسخة: نشبر، أي: نذرع بالشبر، وفي نسخة: نسبر بالسين المهملة، أي: نختبر (ضروع الغنم، قال) سعر: (ابن أخي) بتقدير النداء (فإني أحدثك أني كنت في شعب من هذه الشعاب) الشعب ما انفرج من بين الجبلين،\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٨٧)، و\"أسد الغابة\" (٢/ ٣٢٠) رقم (٢٠٦٠).","vol":"6","page":380},{"text":"عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى غَنَمٍ لِى، فَجَاءَنِى رَجُلَانِ عَلَى بَعِيرٍ، فَقَالَا لِى: إِنَّا رَسُولَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْكَ لِتُؤَدِّىَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ، فَقُلْتُ: مَا عَلَىَّ فِيهَا؟ فَقَالَا: شَاةٌ، فعمدتُ إِلَى شَاةٍ قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا مُمْتَلِئَةً مَحْضًا وَشَحْمًا، فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَا: هَذِهِ شَاةُ الشَّافِعِ، وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَأْخُذَ شَافِعًا، قُلْتُ: فَأَىَّ شَىْءٍ تَأْخُذَانِ؟ قَالَا: عَنَاقًا: جَذَعَةً أَوْ ثَنِيَّةً. قَالَ: فَأَعْمِدُ إِلَى عَنَاقٍ مُعْتَاطٍ - وَالْمُعْتَاطُ: الَّتِى لَمْ تَلِدْ وَلَدًا، وَقَدْ حَانَ وِلَادُهَا -\n===\nوقيل: الطريق فيه (على عهد رسول الله - ﷺ - في غنم لي، فجاءني رجلان على بعير، فقالا لي: إنا رسولا رسولِ الله - ﷺ - إليك لتؤدي) إلينا (صدقة غنمك).\n(فقلت: ما) يجب (عليَّ فيها؟ فقالا: شاة، فعمدت) أي قصدت (إلى شاة قد عرفت مكانها) أي منزلتها في الشياه (ممتلئة محضًا) أي لبنًا (وشحمًا، فأخرجتها إليهما، فقالا: هذه شاة الشافع) أي ذات ولد لأنه شفعها ولدها، (وقد نهانا رسول الله - ﷺ - أن نأخذ شافعًا، قلت: فأي شيء) من الشياه (تأخذان؟ قالا: عناقًا: جذعة (١) أو ثنية) والعناق هي الأنثى من أولاد المعز دون السنَّة، والجذع من المعز ما كانت في الثانية، ومن الإبل ما تم له أربع سنين، ومن البقر ما تمت له سنتان، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها.\n(قال) سعر: (فأعمد) أي قصدت (إلى عناق معتاط، والمعتاط: التي لم تلد ولدًا وقد حان ولادها).\nقال في \"النهاية\": المعتاط من الغنم: التي امتنعت عن الحمل لسمنها وكثرة شحمها، وهي في الإبل: التي لا تحمل سنوات، وأصلها من الياء أو الواو، ويقال للناقة إذا طرقها الفحل فلم تحمل: هي عائط، فإذا لم تحمل السنة المقبلة أيضًا فهي عائطُ عيطٍ وعوطٍ. وتعوطت: إذا ركبها الفحل\n_________\n(١) استدل بذلك من قال: إن الجذع يكفي في الزكاة، بخلاف الأضحية. (ش).","vol":"6","page":381},{"text":"فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَا: نَاوِلْنَاهَا، فَجَعَلَاهَا مَعَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا\". [ن ٢٤٦٢، حم ٣/ ٤١٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو عَاصِمٍ رواه عَنْ زَكَرِيَّا، قَالَ أَيْضًا: مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ، كَمَا قَالَ رَوْحٌ.\n١٥٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائيُّ،\n===\nولم تحمل، وقد اعتاطت اعتياطًا فهي معتاط. والذي جاء في سياق الحديث: أن المعتاط التي لم تلد وقد حان ولادها، وهذا بخلاف ما تقدم، إلَّا أن يريد بالولاد الحمل، أي أنها لم تحمل، وقد حان أن تحمل، وذلك من حيث معرفة سنها، وأنها قد قاربت السنن التي يحمل مثلها فيها، فسمى الحمل بالولادة، والميم والتاء زائدتان.\n(فأخرجتها إليهما، فقالا: ناولناها، فجعلاها معهما على بعيرهما ثم انطلقا، قال أبو داود: أبو عاصم) ضحاك بن مخلد (رواه عن زكريا قال أيضًا: مسلم بن شعبة، كما قال روح).\nغرض المصنف بهذا الكلام تقوية قول روح، وتضعيف قول وكيع بأن ما قال روح من قوله: \"ابن شعبة\" هو الراجح، وأما ما قال وكيع من قوله: \"ابن ثفنة\" فهو وَهم منه، ثم ساق حديث روح من غير طريق حسن بن علي، وفيه أيضًا مسلم بن شعبة.\n١٥٨٢ - (حدثنا محمد بن يونس النسائي) قال الحافظ: روى عن روح بن عبادة وغيره، وروى عنه أبو داود (١)، وقال: كان ثقة، قلت: قال الذهبي: لا يكاد يُعْرَفُ، انتهى. وقال في \"الميزان\" (٢): محمد النسائي عن العقدي وطبقته، فوثقه أبو داود، وحدث عنه، ولا يكاد يعرف.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: تفرد عنه أبو داود. (ش).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٧٤) رقم (٨٣٥٠).","vol":"6","page":382},{"text":"حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ. قَالَ فِيهِ: \"وَالشَّافِعُ الَّتِى فِى بَطْنِهَا الْوَلَدُ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَرَأْتُ فِى كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ بِحِمْصَ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْحِمْصِىِّ، عَنِ الزُّبَيْدِىِّ قَالَ: وَأَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ،\n===\n(نا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق بإسناده) أي بإسناد زكريا المتقدم (بهذا الحديث، قال) فيه روح: (مسلم بن شعبة، قال) زكريا (فيه: والشافع التي في بطنها الولد).\n(قال أبو داود: وقرأت في كتاب عبد الله بن سالم بحمص) وعبد الله بن سالم الأشعري أبو يوسف الحمصي، ثقة رمي بالنصب (عند آل عمرو بن الحارث الحمصي) وهو عمرو بن الحارث بن الضحاك الزبيدي، بضم الزاي، الحمصي، مقبول، (عن الزبيدي) هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي بالزاي والموحدة مصغرًا، أبو الهذيل الحمصي، القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري.\n(قال) عبد الله بن سالم: (وأخبرني يحيى بن جابر، عن جبير بن نفير) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي، وقال الحافظ في \"الإصابة\" (١) في ترجمة عبد الله بن معاوية الغاضري: روى حديثه أبو داود والطبراني من طريق يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عبد الله بن معاوية الغاضري، وذكر الحديث. ثم قال: وأخرج البخاري في \"تاريخه\" (٢) من طريق يحيى بن جابر، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه، أن أباه حدثه، أن عبد الله بن معاوية الغاضري حدثهم قال: قيل للنبي - ﷺ -: ما تزكيةُ المرءِ نفسَه؟ قال: \"أن يعلم أن الله معه حيثما كان\".\n_________\n(١) \"الإصابة\" (٢/ ٣٦٣) رقم (٤٩٦٦).\n(٢) (٥/ ٣١).","vol":"6","page":383},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِىِّ - مِنْ (١) غَاضِرَةِ قَيْسٍ - قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَا يُعْطِى (٢) الْهَرِمَةَ، وَلَا الدَّرِنَةَ (٣) وَلَا الْمَرِيضَةَ، وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَا (٤) يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ». [ق ٤/ ٩٦]\n===\n(عن عبد الله بن معاوية الغاضري، من غاضرة قيس) قال في \"القاموس\": وغاضرة قبيلة من أسد، وحي من صعصعة (قال: قال النبي - ﷺ -: ثلاث) أي ثلاث خصال (من فعلهن فقد طعم) أي ذاق (طعم الإيمان)، وحصل له لذته وبشاشته وانشراحه.\n(من عبد الله وحده) ولم يشرك به شيئًا في ذاته، وصفاته، وأفعاله\n(و) اعتقد (إنه لا إله إلَّا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسُه، رافدة عليه) هو فاعلة من الرفد، وهو الإعانة، رفدتَه إذا أعنته، أي تعينه نفسه على أدائها (كل عام) لأن الزكاة لا تجب إلَّا بعد تمام الحول؛ فلو أدى قبل تمامه يكون أداؤها بطيب النفس ورغبتها على أدائها.\n(ولا يُعطي الهرمة) أي كبيرة السنن، (ولا الدرنةَ) أي الجرباءَ، وأصله من الوسخ، (ولا المريضة) تعميم بعد تخصيص، (ولا الشرطَ اللئيمةَ) الشرط بفتح الشين والراء: صغار المال ورذالته، واللئيمة: الرذيلة والدنيئة (ولكن من وسط أموالكم؛ فإن الله لم يسألكم) أي لم يطلب منكم (خيره) أي خير المال (ولا يأمركم بشره).\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) وفي نسخة: \"ولم يعط الهرمة\".\n(٣) وفي نسخة: \"ولا الرديئة\".\n(٤) وفي نسخة: \"لم\".","vol":"6","page":384},{"text":"١٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: \"بَعَثَنِى النَّبِىُّ -ﷺ- مُصَدِّقًا، فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ، فَلَمَّا جَمَعَ لِى مَالَهُ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ فِيهِ (١) إلَّا ابْنَةَ (٢) مَخَاضٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَدِّ ابْنَةَ (٣) مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَتُكَ، فَقَالَ: ذَاكَ (٤) مَا لَا لَبَنَ فِيهِ وَلَا ظَهْرَ، وَلَكِنْ هَذِهِ نَاقَةٌ فَتِيَّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ فَخُذْهَا،\n===\n١٥٨٣ - (حدثنا محمد بن منصور، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد) ويقال: ابن أسعد (بن زرارة) الأنصاري النجَّاري المدني، قال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن أبي حاتم: فرَّق البخاري بين الراوي عن أبي هريرة وبين الراوي عن أم هشام، وهما واحد.\n(عن عمارة بن عمرو بن حزم) النجَّاري الأنصاري المدني، ثقة، استُشْهِدَ بالحرة، وقيل: مع ابن الزبير، (عن أبي بن كعب قال: بعثني رسول الله - ﷺ - مصدقًا، فمررت برجل) له مال من الإبل (فلما جمع لي مالَه لم أجد عليه) أي على ذمته (فيه) أي ذلك المال (إلَّا ابنة مخاض، فقلت له: أَدِّ ابنةَ مخاض؛ فإنها صدقتك) التي وجبت عليك.\n(فقال) ذلك الرجل: (ذاك) أي ابنة مخاض (ما لا لبن فيه ولا ظهر) أي لا ينتفع بها بلبنها ولا بالركوب عليها، (ولكن هذه) أشار إلى ناقة أخرى (ناقة فتية) أي شابة قوية (عظيمة سمينة فَخُذْها) فإنها ينتفع بها.\n_________\n(١) في نسخة: \"منه\".\n(٢) في نسخة: \"بنت\".\n(٣) في نسخة: \"بنت\".\n(٤) في نسخة: \"ذلك\".","vol":"6","page":385},{"text":"فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنَا بِآخِذٍ مَا لَمْ أُومَرْ بِهِ، وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْكَ قَرِيبٌ. فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَعْرِضَ عَلَيْهِ مَا عَرَضْتَ عَلَىَّ فَافْعَلْ، فَإِنْ قَبِلَهُ مِنْكَ قَبِلْتُهُ، وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْكَ رَدَدْتُهُ. قَالَ: فَإِنِّى فَاعِلٌ، فَخَرَجَ مَعِى، وَخَرَجَ بِالنَّاقَةِ الَّتِى عَرَضَ عَلَىَّ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، أَتَانِى رَسُولُكَ لِيَأْخُذَ مِنِّى صَدَقَةَ مَالِى، وَأيْمُ اللَّهِ، مَا قَامَ فِى مَالِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا رَسُولُهُ قَطُّ قَبْلَهُ، فَجَمَعْتُ لَهُ مَالِى، فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَىَّ فِيهِ ابْنَةُ مَخَاضٍ، وَذَلِكَ مَا لَا لَبَنَ فِيهِ وَلَا ظَهْرَ، وَقَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً\n===\n(فقلت له: ما أنا بآخِذٍ ما لم أُؤمَرْ به، وهذا رسول الله - ﷺ - منك قريب، فإن أحببتَ أن تأتيه) أي تحضر عنده (فَتَعْرِضَ عليه ما عرضتَ عليَّ فَافْعَلْ، فإن قبله) رسول الله - ﷺ - (منك) وتذكير الضمير مع أن المرجع الناقة باعتبار لفظ \"ما\"، (قبلته، وإن رده عليك رددته، قال: فإني فاعل، فخرج معي، وخرج بالناقة التي عَرَضَ عليَّ، حتى قدمنا على رسول الله - ﷺ -).\n(فقال) الرجل (له) أي لرسول الله - ﷺ -: (يا نبي الله! أتاني رسولك ليأخذ مني صدقةَ مالي، وأيم الله)، قال في \"القاموس\": اليمين: القسم، مؤنث لأنهم كانوا يتماسحون بأيمانهم، فيتحالفون، جمعه أَيْمُن وأيمان، وأيمن الله وأيم الله، ويكسر أولهما، وأيمَن الله بفتح الميم والهمزة، وتكسر، وإيم الله، بكسر الهمزة والميم، وقيل: ألفه ألف الوصل، وهَيم الله، بفتح الهاء وضم الميم، وأَم الله، مثلثة الميم، وإم الله بكسر الهمزة وضم الميم وفتحها، وَمُنِ الله بضم الميم وكسر النون، ومن الله مثلثة الميم والنون، وم الله مثلثة، وليم الله، وليمن الله: اسم وضع للقسم، والتقدير: أيمن الله قسمي.\n(ما قام في مالي رسول الله - ﷺ - ولا رسوله) أي رسول رسول الله (قط قبله) أي قبل ذاك الزمان إلَّا في ذاك الوقت (فجمعت له مالي، فزعم) أي قال: (إن ما) أي الذي وجب (علي فيه) أي في المال (ابنة مخاض، وذلك) أي ابنة مخاض والتذكير باعتبار المال (ما لا لبنَ فيه ولا ظهرَ، وقد عرضت عليه ناقةً","vol":"6","page":386},{"text":"عَظِيمَةً فتيَّةً لِيَأْخُذَهَا، فَأَبَى عَلَىَّ، وَهَا هِىَ ذِهِ قَدْ جِئْتُكَ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُذْهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ذَاكَ الَّذِى عَلَيْكَ، فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ». قَالَ: فَهَا هِىَ ذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ جِئْتُكَ بِهَا، فَخُذْهَا. قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَبْضِهَا، وَدَعَا لَهُ فِى مَالِهِ بِالْبَرَكَةِ\". [حم ٥/ ١٤٢، خزيمة ٢٢٧٧]\n١٥٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِىٍّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ،\n===\nعظيمةً فتية ليأخذها، فأبى علي، وها) للتنبيه (هي) أي الناقة (ذِهْ) أي هذه الموجودة عندك، (قد جئتك بها يا رسول الله، خُذْها).\n(فقال له رسول الله - ﷺ -: ذاك) أي ابنة مخاض (الذي) وجبت (عليك) مبتدأ وخبر، (فإن تطوعت بخير) منها (آجرك الله فيه) أي في تطوع الخير، (وقبلناه منك، قال: فها هِيَ ذِهْ يا رسول الله! قد جئتك بها، فَخُذها، قال) أبي بن كعب: (فأمر رسول الله - ﷺ -) أُبيًّا (بقبضها، ودعا له في ماله بالبركة).\n١٥٨٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا زكريا بن إسحاق المكي، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) وهو يحيى بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن صيفي، ويقال: يحيى بن محمد، ويقال: يحيى بن عبد الله بن صيفي المكي، مولى بني مخزوم، ويقال: مولى عثمان، قال ابن معين والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كأنه (١) ثقة.\n(عن أبي معبد) نافذ، مولى ابن عباس، (عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن) أميرًا وعاملًا عليها.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (إنك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ) لأنهم كانوا أكثرهم\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"التهذيب\" (١١/ ٢٤٢): كان ثقة.","vol":"6","page":387},{"text":"فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً\n===\nالنصارى واليهود، ولم يذكر المشركين لأنهم تبع لهم، (فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله) أي ادعهم إلى شهادة وحدانية الله تعالى، وإنكار التثليث، وَرَدِّ ألوهيةِ عزير، وشهادةِ رسالة سيدنا محمد رسول الله - ﷺ -.\n(فإن هم أطاعوك لذلك) أي الشهادتين (فأَعْلِمْهم) أي أخبِرْهم (أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)، استدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، وفيه أنه لا إشعار؛ لأن المترتب الإعلام بمعنى التكليف بالإتيان بتلك الأعمال في الدنيا، وهذا لا يخاطب به الكفار اتفاقًا؛ لأن القائل بتكليفهم بها في الدنيا إنما يقول: إنه بالنسبة للآخرة فقط حتى يعاقب عليها بخصوصها.\nوقول ابن حجر (١): فيه دليل على أن الوتر ونحوه كالعيدين ليس بواجب؛ ليس في محله، إذ لا دلالة في الحديث نفيًا وإثباتًا على ما ذكره، مع أنه لم يقل بفرضية الوتر والعيدين أحد إجماعًا، والمفهوم غير معتبر عندنا، بل مفهوم العدد ساقط الاعتبار اتفاقًا، ويحتمل أنها وجبت بعد هذه القضية، أولم يذكرها كما لم يذكر الصوم مع أنه فُرِضَ قبل الزكاة.\n(فإن هم أطاعوك لذلك) أي لوجوب الصلاة (٢) (فأعلمهم أن الله افترض عليهم) بعد حولان الحول وشروطه المعتبرة في الوجوب (صدقة) أي زكاة\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١١٨).\n(٢) يشكل عليه الترتيب بين الزكاة والصلاة؛ فإنه لم يقل أحد: إن وجوب الزكاة يتوقف على قبول الصلاة، بخلاف الإِسلام، وأجاب عنه ابن العربي (٣/ ١١٨) بأن الحديث لترتيب البيان لا لترتيب الوجوب. (ش).","vol":"6","page":388},{"text":"فِى أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». [خ ١٣٩٥، م ١٩، ت ٦٢٥، ن ٢٤٣٥، جه ١٧٨٣، حم ١/ ٢٣٣]\n١٥٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ،\n===\n(في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم) قال الطيبي (١): فيه دليل على أن الطفل يجب في ماله الزكاة، وزاد ابن حجر (٢): المجنون، وفيه أن الضمير راجع إلى المكلفين وهما غير داخلين فيهم.\n(وَتُرَدُّ (٣) في فقرائهم) أي إن وُجِدُوا، (فإن هم أطاعوك لذلك) أي وجوب الزكاة (فإياك) أي اتق نفسك (وكرائمَ أموالهم) أي وخير أموالهم من نفسكَ، فإذا أخذت كرائم أموالهم يكونون مظلومين.\n(واتقِ دعوة المظلوم) أي اجتنب منها (فإنها) دعوة المظلوم أليس بينها وبين الله حجاب) كناية عن التجنب عن الظلم، أي اجتنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، ونفي الحجاب تمثيل واستعارة لسرعة الاستجابة.\n١٥٨٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان) ويقال: سنان بن سعد الكندي المصري، روى ابن إسحاق\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ٦).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١١٨).\n(٣) استدل به على عدم النقل، كذا في \"العارضة\" (٣/ ١١٨، ١١٩)، واستدل به شارح الإقناع (٢/ ٣٩٢) لا يجوز دفع الزكاة والكفَّارة للجنِّي ... إلخ، واستدل به الموفق أيضًا لا يجوز النقل إلى مسافة القصر، فإن نقل هل يجزئ؟ روايتان عندهم. (انظر: \"المغني\" ٤/ ١٣١، ١٣٢). (ش).","vol":"6","page":389},{"text":"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «الْمُعْتَدِى (١) فِى الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا». [ت ٦٤٦، جه ١٨٠٨، خزيمة ٢٣٣٥]\n===\nعن يزيد عنه أحاديث، سماه في بعضها: سعد بن سنان، وفي بعضها: سنان بن سعد.\nوقال ابن حبان في \"الثقات\": أرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقال ابن أبي خيثمة. سألت ابن معين عن سعد بن سنان الذي روى عنه يزيد بن أبي حبيب، فقال: ثقة، وقال الجوزجاني: سعد بن سنان أحاديثه واهية، وقال النسائي: منكر الحديث.\nقلت: وقال ابن سعد: سنان بن سعد منكر الحديث، وحكى البخاري الخلافَ في اسمه، ثم قال: والصحيح سنان، وكذا صوَّبه يونس.\n(عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: المعتدي) (٢) أي الساعي المتجاوز عن قدر الواجب (في الصدقة) أي في أخذها (كمانعها) أي كالذي يمنع ربَّ المال من أداء الزكاة في الوزر، وقيل: المالك المتعدي بكتم بعضها، أو وصفها على الساعي، حتى أخذ منه ما لا يجزئه، أو ترك عنه بعض ما هو عليه كمانعها من أصلها في الإثم، وقيل: المعتدي، هو الذي يعطيها غير مستحقها، وقيل: أراد الساعي إذا أخذ خيار المال؛ فإن المالك ربما يمنعها في السنة الأخرى، فكان ظلمًا للفقراء، فيكون هو في الإثم كالمانع، وقيل: هو الذي يجاوز الحد في الصدقة بحيث لا يُبقي لعياله شيئًا، وقيل: هو الذي يعطي، ويمن، ويؤذي؛ فالإعطاء مع المن والأذى كالمنع عن أداء ما وجب عليه، كذا قال القاري (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"المتعدي\".\n(٢) وبلفظ الحديث بوب الترمذي (٣/ ١٩)، وبسطه ابن العربي (٣/ ١٤٥، ١٤٦). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣١٣).","vol":"6","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>(٥) بَابُ رِضَى الْمُصَدِّقِ</span>\n١٥٨٦ - حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ حَفْصٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ - الْمَعْنَى-\nقَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: دَيْسَمٌ - وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ:\nمِنْ بَنِي سَدُوسٍ -، عن بَشِيرِ بْنِ الخَصَاصِيَّةِ- قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ في\nحَدِيثِهِ: وَمَا كَانَ اسْمُهُ بَشِيرًا، وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَمَّاهُ بَشِيرًا-\n===\n\n(٥) (بَابُ رِضَى الْمُصَدِّقِ)، أي: الساعي\n١٥٨٦ - (حدثنا مهدي بن حفص) البغدادي أبو أحمد، قال الخطيب: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة.\n(ومحمد بن عبيد، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا حماد) بن زيد، (عن أيوب، عن رجل يقال له: ديسم) السدوسي، روى حديثًا واحدًا في عمال الصدقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"الميزان\" (١): ديسم رجل من بني سدوس، لا يُدْرى من هو، يُعْرَفُ بحديث عن بشير بن الخصاصية: أن أهل الصدقة يعتدون، تفرد عنه أيوب السختياني.\n(وقال ابن عبيد: من بني سدوس)، أي زاد هذا القول ابن عبيد شيخ المصنف صفة لرجل، (عن بشير بن الخصاصية، قال ابن عبيد في حديثه: وما كان اسمه بشيرًا) بل كان اسمه زحم بن معبد، (ولكن رسول الله - ﷺ - سماه بشيرًا) وهو بشير بن معبد المعروف بابن الخصاصية بفتح المعجمة وتخفيف المهملة، وهي أم جد بشير الأعلى، ضَبَارَى بن سدوس، حرر ذلك الدمياطي عن ابن الكلبي، وجزم به الرامهرمزي وقال: اسمها كبشة، وقيل: ماويّة، وأما أبو عمر فقال: ليست الخصاصية أمه، وإنما هي جدته، قاله الحافظ في \"الإصابة\" (٢).\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٢٩)، رقم (٢٦٨٥).\n(٢) \"الإصابة\" (١/ ١٥٩)، رقم (٧٠٤).","vol":"6","page":391},{"text":"قَالَ: قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا، أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ: \"لَا\". [ق ٤/ ١٠٤]\n١٥٨٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَيحْيَى بْنُ مُوسى قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عن أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابَ الصَّدَقَةِ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ. [انظر سابقه]\n===\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (١): وجزم ابن عبد البر وغيره أن الخصاصية أمه وليس كذلك، بل هي إحدى جداته.\n(قال) ديسم: (قلنا) أي لبشير بن الخصاصية: (إن أهل الصدقة) أي السعاة (يعتدون علينا) أي يظلموننا، ويأخذون أكثر مما وجب علينا، (أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: لا).\n١٥٨٧ - (حدثنا الحسن بن علي ويحيى بن موسى قالا: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب بإسناده) أي بإسناد حديث أيوب (ومعناه، إلَّا أنه) أي معمرًا (قال) في حديثه: (قلنا: يا رسول الله! إن أصحاب الصدقة) بدل \"أهل الصدقة\"، كأنه - ﷺ - علم أنهم لحبهم المالَ يرون الحق اعتداء، وإلَّا فلا يصح مجيء الاعتداء من عامليه - ﷺ -، ولذلك سماهم مبغضين، وإلا فلا يجب إعطاء الزيادة لقوله - ﷺ -: \"ومن سئل فوقه فلا يعطه\"، وقال القاري (٢): قال ابن الملك: إنما لم يرخص لهم في ذلك؛ لأن كتمان بعض المال خيانة ومكر، ولأنه لو رخص لربما كتم بعضهم على عامل غير ظالم، انتهى.\n(قال أبو داود: رفعه عبد الرزاق عن معمر)، معنى هذا الكلام أن هذا\n_________\n(١) \"التهذيب\" (١/ ٤٦٨).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٨١).","vol":"6","page":392},{"text":"١٥٨٨ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: نَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، عن أَبِي الْغُصْنِ، عن صَخْرِ بْنِ إِسْحَاقَ،\n===\nالحديث رواه حماد بن زيد عن أيوب، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب، فأما عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب فرفعه إلى النبي - ﷺ -، فقال: فقلنا: يا رسول الله! إن أصحاب الصدقة، الحديث. وأما حماد بن زيد عن أيوب فلم يرفعه، بل أوقفه على بشير بن الخصاصية بأن ديسمًا قال: قلنا لبشير بن الخصاصية: إن أهل الصدقة، الحديث.\nوالدليل عليه ما رواه أحمد في \"مسنده\" (١) من حديث حماد بن زيد، ثنا أيوب، عن رجل من بني سدوس يقال له: ديسم، قال: قلنا: لبشير بن الخصاصية، الحديث، وأيضًا أخرج البيهقي (٢) هذا الحديث من طريق أبي بكر ابن داسة، ثنا أبو داود، ثنا الحسن بن علي ويحيى بن موسى قالا: ثنا عبد الرزاق بإسناده ومعناه إلَّا أنه قال: يا رسول الله! إن أصحاب الصدقة، ورواه حماد بن زيد عن أيوب فلم يرفعه، انتهى. فقول أبى داود رفعه عبد الرزاق عن معمر تعريض على رواية حماد بن زيد بأنه لم يرفعه.\n١٥٨٨ - (حدثنا عباس بن عبد العظيم ومحمد بن المثنى قالا: نا بشر بن عمر، عن أبي الغصن) هو ثابت بن قيس بن غصن، كما سيقوله المصنف، الغفاري المدني، عن أحمد: ثقة، وعن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي، وقال ابن سعد: هو شيخ قليل الحديث، وقال ابن أبي عدي: هو ممن يُكتَب حديثُه، وقال الآجري عن أبي داود: ليس حديثه بذاك، وعن الحاكم: ليس بحافظ ولا ضابط، وقال ابن حبان في \"الضعفاء\": كان قليل الحديث كثير الوهم فيما يرويه، لا يُحتج بخبره إذا لم يتابعه عليه غيرُه.\n(عن صخر بن إسحاق) مولى بني غفار، حجازي، روى له أبو داود حديثًا\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٨٣).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٠٤).","vol":"6","page":393},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جَابرِ بْنِ عَتِيكٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"سَيَأتِيكُمْ رَكْبٌ (١) مُبَغَّضُونَ، فَإِذَا جَاؤُوكُمْ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَبْتَغُونَ، فَإِنْ عَدَلُوا فَلأَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ ظَلَمُوا\n===\nواحدًا في مسند جابر بن عتيك، (عن عبد الرحمن بن جابر بن عتيك) بفتح المهملة، وكسر المثناة الفوقانية، الأنصاري، المدني، روى له أبو داود حديثًا واحدًا. قلت: وفي \"مسند البزار\" في مسند جابر ما يدل على أن هذا الرجل روى عن جابر أيضًا، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول (٢).\n(عن أبيه) جابر بن عتيك (إن رسول الله - ﷺ - قال: سيأتيكم ركب) أي سعاة وعمال للزكاة (مبغضون) بفتح الغين المشددة، أو من الإفعال أي تبغضونهم طبعًا لا شرعًا؛ لأنهم يأخذون محبوب القلوب، وقيل: معناه: إنه سيكون بعض العمال سيّئ الخلق، والأول أوجه.\n(فإذا جاؤوكم فرحِّبوا بهم) أي قولوا لهم: مرحبًا وأهلًا وسهلًا، وَعَظِّمُوهم، وأَظْهِروا الفرحَ بقدومهم، (وخَلُّوا) أي اتركوا (بينهم وبين ما يبتغون) أي ما يطلبون من الزكاة. قال ابن الملك (٣): أي لا تمنعوهم وإن ظلموكم؛ لأن مخالفتهم مخالفة السلطان، لأنهم مأمورون من جهته، ومخالفة السلطان تؤدي إلى الفتنة، انتهى. وهو كلام المظهر بناء على أنه عم الحكم في جميع الأزمنة. وقال الطيبي (٤): فيه بحث، لأن العلة لو كانت المخالفة لجاز الكتمان، لكنه لم يجز لقوله في الحديث: أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون؟ قال: لا.\n(فإن عدلوا) في أخذ الزكاة (فلأنفسهم) أي فلهم الثواب، (وإن ظلموا)\n_________\n(١) في نسخة: \"ركيب\".\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٥٤).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٧٩)، و\"شرح الطيبي\" (٤/ ٢١).\n(٤) نفس المرجع السابق.","vol":"6","page":394},{"text":"فَعَلَيْهَا، وَأَرْضُوهُمْ، فَإِنَّ تَمَامَ زَكَاتِكُمْ رِضَاهُمْ، وَلْيَدْعُوا لَكُمْ\". [ق ٤/ ١١٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو الْغُصْنِ هُوَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ غُصْنٍ.\n١٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ (١) بْنُ زِيَادٍ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْا الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ- وَهَذَا حَدِيثُ\n===\nبأخذ الزكاة بأكثر مما وجه عليكم، أو أفضل على الفرض والتقدير، أو على زعمكم (فعليها) أي على أنفسهم إثم ذلك الظلم، ولكم الثواب بتحمل ظلمهم.\n(وأرضوهم) أي اجتهدوا في إرضائهم ما أمكن بأن تعطوهم الواجبَ من غير مطل، ولا غش، ولا خيانة؛ (فإن تمام زكاتكم) أي كمالها (رضاهم) أي حصول رضاهم، (وليدعوا) بسكون اللام وكسرها (لكم) وهو أمر ندب لقابض الزكاة ساعيًا أو مستحقًّا أن يدعو للمزكي.\nقال الطيبي (٢): وما ذكره في المعنى في قوله: \"مبغوضون\" أوجه؛ لأن في قوله: سيأتيكم ... إلخ، إشعار بأنهم عمال رسول الله - ﷺ -، وينصره شكوى القوم عنهم في الحديث الذي يليه، ومن المعلوم أن رسول الله - ﷺ - لا يستعمل ظالمًا، فالمعنى: أنه سيأتيكم عمال يطلبون منكم زكاة أموالكم، والنفس مجبولة على حب المال فتبغضونهم، وتزعمون أنهم ظالمون، وليسوا بذلك، وقوله: \"وإن عدلوا، وإن ظلموا\" مبني على هذا الزعم، ولو كانوا ظالمين في الحقيقة كيف يأمرهم بالدعاء لهم بقوله: وليدعوا لكم؟ .\n(قال أبو داود: أبو الغصن هو ثابت بن قيس بن غصن).\n١٥٨٩ - (حدثنا أبو كامل، نا عبد الواحد بن زياد، ح ونا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان، وهذا) أي المذكور لفظ (حديث\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٠).","vol":"6","page":395},{"text":"أَبِي كَامِلٍ -، عن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِيُّ، عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ - يَعْنِي منَ الأَعْرَاب- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فقَالوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يأتُونَّا (١) فَيَظْلِمُونَّا! قَالَ: فَقَالَ: \"أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ ظَلَمُونَا؟ ! قَالَ: \"أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ\"، زَادَ عُثْمَانُ: \"وَإِنْ ظُلِمْتُمْ\". [م ٩٨٩، ن ٢٤٦٠]\nوقَالَ أَبُو كَامِلٍ في حَدِيثِهِ: قَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ.\n===\nأبي كامل) كلاهما أي عبد الواحد بن زياد وعبد الرحيم بن سليمان يرويان (عن محمد بن أبي إسماعيل، نا عبد الرحمن بن هلال العبسي، عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس -يعني من الأعراب- إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: إن ناسًا من المصدقين) أي السعاة (يأتونا فيظلمونا) بتخفيف النون وتشديدها فيهما (قال: فقال: أرضوا) بفتح الهمزة (مصدقيكم، قالوا: يا رسول الله! وإن ظلمونا) أي نرضيهم ولو كانوا ظالمين علينا؟\n(قال: أرضوا مصدقيكم، زاد عثمان) بن أبي شيبة شيخ المصنف: (إن ظُلِمْتم) على بناء المجهول، أي وإن اعتقدتم أنكم مظلومون بسبب حبكم أموالكم، ولم يرد أنهم وإن كانوا مظلومين حقيقة يجب إرضاؤهم، بل المراد: أنه يستحب إرضاؤهم وإن كانوا مظلومين حقيقة لقوله - ﷺ -: \"فإن تمام زكاتكم رضاؤهم\".\n(وقال أبو كامل في حديثه) ولم يذكره عثمان: (قال جرير: ما صدر) أي: رجع (عني مصدق بعد ما سمعت هذا) الكلام (من رسول الله - ﷺ - إلَّا وهو) أي: المصدق (عني راضٍ).\n_________\n(١) في نسخة: \"يأتوننا فيظلموننا\".","vol":"6","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>(٦) بَابُ دُعَاءِ الْمُصَدِّقِ لِأَهْلِ الصَّدَقَةِ</span>\n١٥٩٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ أَبِي مِنْ أَصْحَاب الشَّجَرَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: \"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ\". قَالَ: فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: \"اللهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى\". [خ ١٤٩٧، م ١٠٧٨، ن ٢٤٥٩، حم ٤/ ٣٥٤، جه ١٧٩٦]\n===\n\n(٦) (بَابُ دُعَاءِ المُصَدِّقِ) عند أخذ الزكاة (لأهْلِ الصَّدَقَةِ) أي: الذين وجبت عليهم الزكاة\n١٥٩٠ - (حدثنا حفص بن عمر النمري وأبو الوليد الطيالسي، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي أوفى) اسمُ أبي أوفى علقمةُ بن خالد بن الحارث الأسلمي، أبو إبراهيم، وقيل: أبو محمد، شهد بيعةَ الرضوان تحت الشجرة، وفي \"كتاب الجهاد\" من البخاري ما يدل على أنه شهد الخندق، عُمِّر بعد النبي - ﷺ - دهرًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة.\n(قال: كان أبي) أي أبو أوفى (من أصحاب الشجرة) قال في \"الإصابة\" (١): هو علقمة بن خالد بن الحارث، أبو أوفى الأسلمي، مشهور بكنيته، وهو والد عبد الله، له صحبة، قال ابن منده: كان أبو أوفى من أصحاب الشجرة.\n(وكان النبي - ﷺ - إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال) رسول الله - ﷺ -: (اللهُمَّ صلِّ على آل فلان (٢)، قال) عبد الله: (فأتاه) أي رسول الله - ﷺ - (أبي بصدقته) أي بصدقة ماله، (فقال) رسول الله - ﷺ -: (اللهُمَّ صلِّ على آل أبي أوفى).\n_________\n(١) \"الإصابة\" (٢/ ٤٩٥)، رقم (٥٦٦٩).\n(٢) قال ابن عابدين: لا يصلي أحد على أحد إلا على النبي - ﷺ - أي استقلالًا لا تبعًا إلا الملائكة، فمن صلَّى على غيرهم يكره، هو الصحيح؛ فالصلاة حقه، فله أن يصلي على غيره، وأما الغير فلا، وبسطه. (انظر: \"رد المحتار\" ٩/ ٦٥٤). (ش).","vol":"6","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>(٧) بَابُ تَفْسِيرِ أَسْنَانِ الإِبْلِ</span>\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الرِّيَاشِيِّ، وَأَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِمَا،\n===\nقال القاري (١): قال ابن الملك: الصلاة بمعنى الدعاء والتبرك، قيل: يجوز على غير النبي، قال الله تعالى في معطِي الزكاة: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)، وأما الصلاة التي لرسول الله - ﷺ - فإنها بمعنى التعظيم والتكريم، فهي خاصة له، انتهى. قال ابن حجر (٣): اختلفوا في الدعاء له ولغيره بلفظ الصلاة، فقيل: يكره وإن أراد بها مطلق الرحمة، وقيل: يحرم، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يسن، وقيل: يباح إن أراد بالصلاة مطلق الرحمة، ويكره إن أراد بها مقرونة بالتعظيم، انتهى.\nوالمانعون يجعلون هذا من خصوصياته ﵊، ولفظ الآل مقحم، كما في قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٤).\n\n(٧) (بَابُ تَفْسِيرِ أَسْنَان الإبِلِ)، أي: أعمار الإبل\n(قال أبو داود: سمعته) أي التفسير (من الرياشي) (٥) بكسر الراء، وتخفيف التحتانية، أبو الفضل عباس بن الفرج البصري، النحوي، ثقة، (وأبي حاتم) محمد بن إدريس المنذري، الحنظلي، الرازي، أحد الحفاظ (وغيرهما،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٧٠).\n(٢) سورة التوبة: الآية ١٠٣.\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ١٧٠) تحت حديث (٦٣٥٩)، ونقله القاري في \"المرقاة\" (٤/ ٢٧١).\n(٤) سورة غافر: الآية ٤٦.\n(٥) ويسمى بالرياشي لرجل كان يجلس عنده يسمى رياشًا، وتوفي سنة ٢٥٧ هـ، كذا في \"نزهة الألباب (ص ٢٦٤). (ش).\n[قلت: هذه النسبة إلى رياش، وهو اسم رجل من جذام، وكان والد أبي الفضل العباس بن الفرج عبدًا له، فنسب إليه. انظر: \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٣٩)، و\"الأنساب\" (٣/ ١١١)].","vol":"6","page":398},{"text":"وَمِنْ كِتَابِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَمِنْ كِتَاب أَبِي عُبَيْدٍ، وَرُبَّمَا ذَكَرَ أَحَدُهُمُ الْكَلِمَةَ، قَالُوا: \"يُسَمَّى الْحُوَارَ، ثُمَّ الْفَصِيلَ إِذَا فَصَلَ، ثُمَّ تَكُونُ بِنْتَ مَخَاضٍ لِسَنَةٍ إِلَى تَمَام سَنَتَيْنِ، فَإِذَا دَخَلَتْ في الثَّالِثَةِ، فَهِيَ ابْنَةُ لَبُونٍ، فَإِذَا تَمَّتْ لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ فَهوَ حِقٌّ وَحِقَّةٌ، إِلَى تَمَامِ أَرْبَعِ سِنينَ، لانَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ، وُيحْمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلُ، وَهِيَ تُلْقَحُ، وَلَا يُلْقِحُ الذَّكَرُ حَتَّى يُثنِّي. وُيقَالُ لِلْحِقَّةِ: طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، لأَنَّ الْفَحْلَ يَطْرُقُهَا، إِلَى تَمَامِ أَرْبَعِ سِنِينَ،\n===\nومن كتاب النضر بن شميل (١)، ومن كتاب أبي عبيد) القاسم بن سلام (٢) بالتشديد، البغدادي، الإِمام المشهور، ثقة فاضل، مصنف، ولم أر له في الكتب حديثًا مسندًا، بل من أقواله في شرح الغريب، (وربما ذكر أحدهم الكلمة)، أي اجتمعوا في التفسير على أمر واحد، وبعض الكلمة لم يذكره إلَّا أحدهم.\n(قالوا: يسمى الحوار) بالضم، وقد كسر، ولد الناقة ساعة تضعه أو إلى أن يفصل عن أمه، (ثم الفصيل إذا فصل) عن أمه، (ثم تكون بنت مخاض لسنة) أي لتمامها، (إلى تمام سنتين، فإذا دخلت في الثالثة فهي ابنة لبون)، سميت بذلك لأن أمها ولدت غيرها، فصار لها لبن.\n(فإذا تمت له ثلاث سنين فهو حق، و) الأنثى (حقة إلى تمام أربع سنين؛ لأنها استحقت أن تركب) وهذا شامل للذكر والأنثى، (ويحمل عليها الفحل) وهذا للأنثى خاصة. (وهي) الحقة (تلقح) أي تحمل على الأكثر، أو تبلغ سنًّا تكون فيه حاملًا وإن لم تحمل، (ولا يلقح) من الإفعال أي إذا صار حقًّا لا يبلغ أن يلقح الأنثى اللذكر حتى يثني)، أي حتى يكون ثنيًّا، وسيأتي بيانه. (ويقال للحقة: طروقة الفحل) أي مطروقته (لأن الفحل يطرقها) أي يسفدها (إلى تمام أربع سنين) هذا مكرر، وقد تقدم.\n_________\n(١) تلميذ الخليل وشيخ أبي عبيد، صنف كتابًا في غريب الحديث، وله مؤلفات أخر توفي سنة ٢٤٣ هـ، كذا في \"النزهة\". (ش).\n(٢) المتوفى سنة ٢٢٣ هـ، كذا في \"النزهة\". (ش).","vol":"6","page":399},{"text":"فَإِذَا طَعَنَتْ في الْخَامِسَةِ فَهِيَ جَذَعَةٌ، حَتَّى يَتِمَّ لَهَا خَمْسُ سِنِينَ، فَإِذَا دَخَلَتْ في السَّادِسَةِ، وَأَلْقَى ثَنِيَّة، فَهُوَ حِينَئِذٍ ثَنِيٌّ حَتَّى يَسْتَكْمِل سِتًّا، فَإِذَا طَعَنَ في السابِعَةِ سُمِّي الذَّكَرُ رَبَاعِي (١) وَالأُنْثَى رَبَاعِيةً إِلَى تَمَامِ السَّابِعَةِ، فَإِذَا دَخَلَ في الثَّامِنَةِ، وَأَلْقَى السِّنَّ السَّدِيسَ الَّذِي بَعْدَ الرَّبَاعِيَةِ، فَهُوَ سَدِيسٌ وَسَدَسٌ إِلَى تَمَامِ الثَّامِنَةِ، فَإِذَا دَخَلَ في التِّسْعِ، طَلَعَ نَاُبهُ، فَهُوَ بَازِلٌ، أَيْ: بَزَلَ نَاُبهُ- يَعْنِي طَلَعَ-،\n===\n(فإذا طعنت في الخامسة) أي دخلت فيها (فهي جذعة، حتى يتم لها خمس سنين، فإذا دخلت في السادسة، وألقى ثنية) جمعه الثنايا، قال في \"القاموس\": ومن الأضراس: الأربع التي في مُقَدَّم الفم: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل، وسميت ثنية لأنها تطلع ثناياه، (فهو حينئذ ثني)، والأنثى ثنية، (حتى يستكمل ستًّا) أي ست سنين.\n(فإذا طعن في السابعة سمي الذكر رباعي، والأنثى رباعية) قال في \"القاموس\": والرَّباعية كثمانية: السنُّ الذي بين الثَّنِيَّة والناب، جمعه رَباعيات، ويقال للذي يُلقيها: رَباع، كثمان، فإذا نَصَبْتَ أتممتَ، فقلت: ركبتُ برذونًا رباعيًا، وجمل وفرس رَباعٌ وَرَباعٍ، ولا نظير لها سوى ثمانٌ ويمانٌ، وشناحٌ، وجوارٌ.\n(إلى تمام السابعة، فإذا دخل في الثامنة، وألقى السن السديس الذي بعد الرباعية) قبل البازل (٢) (فهو سديس وسدس إلى تمام الثامنة، فإذا دخل في التسع) وفي \"البيهقي\" (٣): \"إذا دخل في التاسعة\" (طلع نابه فهو بازل)، جمعه بزل وبوازل (أي بزل نابه، يعني طلع) وأصل البزول الشق يقال: تبزَّل جلد فلان إذا تشقق، ويقال: إذا بزل نابه فطر نابه، وشقأ شقوءًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"رباعيًا\".\n(٢) هو سبق قلم، والصواب: قبل الناب. (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٥).","vol":"6","page":400},{"text":"حَتَّى يَدْخُلَ في الْعَاشِرَةِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ مُخْلِفٌ، ثُمَّ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ (١)، وَلَكِنْ يُقَال: بَازِلُ عَامٍ، وَبَازِلُ عَامَيْنِ، وَمُخْلِفُ عَامٍ، وَمُخْلِفُ عَامَيْنِ، وَمُخْلِفُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، إِلَى خَمْسِ سِنِينَ. وَالْخَلِفَةُ: الْحَاملُ. قَالَ أَبُو حاتِمٍ: وَالْجُذُوعَةُ وَقْتٌ مِنً الزَّمَنِ لَيْسَ بِسِنٍّ، وَفُصُولُ الأَسْنَانِ عِنْدَ طُلُوعِ سُهَيْلٍ\".\n===\n(حتى يدخل في العاشرة، فهو حينئذ) أي إذا دخل في العاشرة (مختلف، ثم ليس له اسم)، وقال في \"القاموس: وليس بعده سن تسمى (ولكن يقال: بازل عام، وبازل عامين، ومخلف عام، ومخلف عامين، ومخلف ثلاثة أعوام، إلى خمس سنين، والخلفة: الحامل) قال في \"القاموس\": وَكَكَتِف: المخاض، وهي الحوامل من النوق الواحدةُ بهاءٍ.\n(قال أبو حاتم: والجذوعة وقت من الزمن، ليس بسن) وفي \"القاموس\" و\"لسان العرب\": الجذع محركةً: قبل الثني، وهي بهاءٍ، اسم له في زمن، وليس بسنّ، تنبُتُ أو تَسْقُطُ، فلم يذكرا فيه حرف الواو، لكن في \"المخصص\" بالواو.\nوفي \"المصباح المنير\": وأجذع ولد الشاة في السنة الثانية، وأجذع ولد البقرة والحافر في الثالثة، وأجذع الإبل في الخامسة فهو جذع. وقال ابن الأعرابي: الإجذاع وقت وليس بسن، فالعناق تجذع لسنة، وربما أجذعت قبل تمامها لخصب فتسمن فيسرع إجذاعها فهي جذعة، ومن الضأن إذا كان من شابين يجذع لستة أشهر إلى سبعة، وإذا كان من هرمين أجذع من ثمانية إلى عشرة.\n(وفصول الأسنان) أي تبدل أعمار الإبل بانتهاء سنٍّ وابتداءَ أخرى (عند طلوع سهيل) لأن عند طلوعها تنتج النوق، وقد أشار إليه الشاعر.\n_________\n(١) في نسخة: \"بعد ذلك\".","vol":"6","page":401},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْشَدَنَا الرِّيَاشِيُّ شِعْرًا:\nإِذَا سُهَيْلٌ أَوَّلَ (١) اللَّيْلِ طَلَعْ ... فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ جَذَعْ\nلَمْ يَبْقَ مِنْ أَسْنَانِهَا غَيْرُ الْهُبَعْ\nوَالْهُبَعُ: الَّذِي يُوْلَدُ في غَيْرِ حِيْنِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>(٨) بَابٌ: أَيْنَ تُصَدَّقُ الأَمْوَالُ</span>؟\n١٥٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا جَلَبَ،\n===\n(قال أبو داود: وأنشدنا الرياشي شعرًا:\nإذا سهيل أوَل الليلِ طلع ... فابن اللبون الحق، والحق جذع)\nمعناه: إذا طلع سهيل في أول الليل يحاسب فيها فصول الأسنان فيصير ابن اللبون حقًّا، والحق جذعًا (لم يبق من أسنانها) أي الإبل (غير الهبع، والهبع: الذي يولد في غير حينه) قال في \"المخصص\": سئل جبر بن حبيب أو أخوه عن الهبع؟ فقال: تنتج الرباع في الربعية، وينتج الهبع في الصيفية فَتَقوى الرباع قبله، فإذا ماشاها أَبْطَرَتْه فهبع، والهبع من السير أن يستعجل ويستعين بعنقه في مشيه، وقيل: الهبع ما تنتج (٢) في حمارة القيظ، والجمع هباع، وقيل: لا جمع له.\n\n(٨) (بَابٌ أَيْنَ تُصَدَّقُ الأمْوَالُ؟)\nأي: في أي محل يأخذ الساعي الزكاة من أرباب الأموال\n١٥٩١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن أبي عدي) هو محمد بن إبراهيم، (عن ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) أي جدِّ شعيب: عبد الله بن عمرو بن العاص، (عن النبي - ﷺ - قال: لا جَلَبَ) بفتحتين، وهو في\n_________\n(١) وفي نسخة: \"آخر\".\n(٢) وفي \"المخصص\": \"نتج\".","vol":"6","page":402},{"text":"وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا في دُورِهِمْ\". [حم ٢/ ١٨٠، ق ٤/ ١١٠]\n١٥٩٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (١)، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ في قَوْلِهِ: \"لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ\". قَالَ: أَنْ تُصَدَّقَ الْمَاشِيَةُ في مَوَاضِعِهَا، وَلَا تُجْلَبَ إِلَى الْمُصَدِّقِ. وَالْجَنَبُ عَنْ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ\n===\nالزكاة: أن يقدم المصدقُ على أهل الزكاة فينزل موضعًا، ثم يرسل من يجلب إليه الأموالَ من أماكنها؛ ليأخذ صدقتها فنهي عنه، وأُمِرَ أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم، وهو في السباق: أن يتبع رجلًا (٢) فرسه فيزجره، ويجلب عليه، ويصيح حثًّا له على الجري فنهي عنه.\n(ولا جنب) بفتحتين، أي: لا يُبْعِد صاحب المال المالَ بحيث تكون مشقة على العامل، وقال ابن حجر (٣): أي لا ينزل الساعي بأقصى محال أهل الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تجنب إليه أي تُحضَرَ، وفي السباق: أن يجنب فرسًا إلى فرسه الذي سابق عليه، فإذا فتر المركوب تَحَوَّل إلى المجنوب، (ولا تؤخذ صدقاتهم إلَّا في دورهم)، أي منازلهم وأماكنهم ومياههم وقبائلهم.\n١٥٩٢ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يعقوب بن إبراهيم، سمعت أبي) أي إبراهيم بن سعد (يقول: عن محمد بن إسحاق في) تفسير (قوله: لا جلب ولا جنب، قال) محمد بن إسحاق: (أن تصدق الماشية)، أي تؤخَذَ صدقتها (في مواضعها، ولا تُجْلَبَ) أي ولا تجرَّ (إلى المصدق، والجنب عن هذه الفريضة) هكذا في النسخ المجتبائية والكانفورية والقادرية، وكذا في متن النسخة المكتوبة، وفي حاشيتها كتب لفظ \"غير\" في محل \"عن\"، و\"على الطريقة\" في محل \"هذه الفريضة\".\nوأما في النسخة المصرية ففيها: \"عن غير هذه الفريضة\"، وفي النسخ في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"النهاية\": \"أن يتبع الرجل\".\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٨٢).","vol":"6","page":403},{"text":"أَيْضًا: لَا يُجْنَبُ أَصْحَابُهَا، يَقُولُ: وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ بِأَقْصَى مَوَاضِعِ أَصْحَابِ الصَّدَقَةِ (١) فتُجْنَبُ (٢) إِلَيْهِ، وَلَكِنْ تُؤْخَذُ في مَوْضِعِهِ (٣). [ق ٤/ ١١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>(٩) بَابُ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ صَدَقَتَهُ</span>\n١٥٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ\n===\nهذا اللفظ خبط وخلط، والصواب عندي: \"على هذه الطريقة\"، أي طريقة الجلب. وفي \"البيهقي\" (٤): والجنب هذه الطريقة (أيضًا) فلعله سقط فيها أيضًا لفظ \"على\" (لا يجنب أصحابها) أي أصحاب الأموال، (يقول) أي ابن إسحاق: (ولا يكون الرجل) أي الساعي (بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فتجنب) أي تحضر (إليه) أربابُ الأموال بأموالها؛ (ولكن توخذ) أي الصدقة (في موضعه) أي موضع رب المال.\n\n(٩) (بَابُ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ صَدَقَتَهُ) (٥)، هل يجوز ذلك أم لا؟\n١٥٩٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - حمل على فرس (٦)\n_________\n(١) في نسخة: \"الصدقات\".\n(٢) في نسخة: \"فتجلب\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يعني صدقته\".\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١١٠)، وفيه: والجنب عن هذه الطريقة.\n(٥) لا يجوز شراؤها عند أحمد، وهو وجه للمالكية، والثلاثة على الجواز، والنهي على الكراهة التنزيهية؛ لأن لا يتسامح في القيمة، أو لأن لا تشرف النفس إليها. كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٢٤٢). (ش).\n(٦) اختلفت ألفاظ الرواية في الصدقة والوقف والجهاد، وكذلك اختلفوا في الاستدلال، وحمله الموفق على أنه أعطاه ليغزو، وملكه بعد الغزو. (انظر: \"المغني\" ٤/ ١٠٢، ١٠٣). (ش).","vol":"6","page":404},{"text":"في سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ الله - ﷺ - عن ذَلِكَ؟ فَقَالَ: \"لَا تَبْتَاعُهُ، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ\". [خ ٣٠٠٢، م ١٦٢١، ن ٢٦١٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>(١٠) بَابُ صَدَقَةِ الرَّقِيقِ</span>\n١٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَيَّاضٍ\n===\nفي سبيل الله) أي وهبه له للجهاد في سبيل الله، (فوجده) أي الفرس (يباع) أي عُرِضَ للبيع، (فأراد) أي عمر - ﵁ - (أن يبتاعه) أي يشتريه، (فسأل) عمر - ﵁ - (رسول الله - ﷺ - عن ذلك) أي عن شرائه؟ (فقال: لا تبتاعه) وفي نسخة بصيغة النهي، (ولا تعد في صدقتك) أي صورة، وهي نهي تنزيه.\nقال ابن الملك (١): ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر الحديث، والأكثرون على أنه كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره، وهو أن المتصدق عليه ربما يسامح المتصدق في الثمن بسبب تقدم إحسانه، فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح.\nقال الحافظ (٢): (فائدة): أفاد ابن سعد في \"الطبقات\" (٣) أن اسم هذه الفرس الورد، وأنه كان لتميم الداري، فأهداه للنبي - ﷺ -، فأعطاه لعمر - ﵁ -، ولم أقف على اسم الرجل الذي حمله عليه.\n\n(١٠) (بَابُ صَدَقَةِ الرَّقِيقِ)\n١٥٩٤ - (حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن يحيى بن فياض) بفتح الفاء،\n_________\n(١) انظر: \"المرقاة\" (٤/ ٤٣٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٥٣).\n(٣) (١/ ٤٩٠).","vol":"6","page":405},{"text":"قَالَا: نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، نَا عُبَيْدُ اللهِ، عن رَجُلٍ، عن مَكْحُولٍ، عن عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ في الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ، إِلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ في الرَّقِيقِ\". [ن ٢٤٦٧، حم ٢/ ٢٧٩، ق ٤/ ١١٧]\n١٥٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا مَالِكٌ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْن دِينَارٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عن عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدهِ وَلَا في فَرَسَهِ صَدَقَةٌ\". [خ ١٤٦٣، م ٩٨٢، ت ٦٢٨، ن ٢٤٦٩، جه ١٨١٢، ق ٤/ ١١٧]\n===\nوتشديد التحتانية، الزّمَّاني بكسر الزاي وتشديد الميم، الحنفي، أبو الفضل البصري، قال الدارقطني: بصري ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قالا: نا عبد الوهاب) الثقفي، (ناعبيد الله) بن عمر، (عن رجل).\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في المبهمات: عبيد الله بن عمر العمري عن رجل، عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، روى عن إسماعيل بن أمية، عن مكحول، عن عراك، وعن أيوب بن موسى، عن مكحول، عن سليمان بن يسار عن عراك. وقال في \"التقريب\": عبيد الله العمري عن رجل، عن مكحول، كأنه إسماعيل.\n(عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: ليس في الخيل والرقيق زكاة إلَّا زكاة الفطر في الرقيق) قال البيهقي (١): مكحول لم يسمعه عن عراك.\n١٥٩٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة) (٢).\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١١٧).\n(٢) قال ابن العربي: المراد ما يقنيه لا ما يكون للتجارة، وقال الحافظ في \"الفتح\": ليس في الفرس والعبد إذا كانا للخدمة زكاة إجماعًا، وفيهما زكاة إجماعًا خلافًا للظاهرية إذا كانا للتجارة، واختلفوا في غيرهما ... إلخ، فقال الثلاثة وصاحبا أبي حنيفة =","vol":"6","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>(١١) بَابُ صَدَقَةِ الزَّرْعِ</span>\n١٥٩٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْهَيْثَمِ الأَيْلِيُّ، نَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عن ابْنِ شِهَابٍ،\n===\nقال الحافظ (١): قال ابن رشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد لا الفرد الواحد؛ إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرف والفرس المعد للركوب، ولا خلاف أيضًا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين: يؤخذ منها بالقيمة، والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذكرانًا وإناثًا نظرًا إلى النسل، فإذا انفردت فعنه روايتان.\nثم عنده أن المالك يتخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارًا، أو يقوِّم ويخرج ربع العشر، واستدل عليه بهذ الحديث، وأجيب بحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة، واستدل به من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا ولو كانا للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، فيخص به عموم هذا الحديث.\n\n(١١) (بَابُ صَدَقَةِ الزَّرْعِ)\n١٥٩٦ - (حدثنا هارون بن سعيد بن الهيثم) بن محمد بن الهيثم بن فيروز التميمي (الأيلي) بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، السعدي مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، قال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن يونس: كان ثقة، وكان قد ضعف، ولزم بيته، وقال أبو عمر الكندي، كان فقيهًا من أصحاب ابن وهب. قلت: وقال مسلمة بن قاسم: كان مقدمًا في الحديث فاضلًا.\n(نا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب،\n_________\n= والطحاوي: لا زكاة فيها، وقال الإِمام وزفر ومن معهما من السلف: فيها الزكاة، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ١٧٠، ١٧٥). (ش).\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٧).","vol":"6","page":407},{"text":"عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ بَعْلًا: الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أَوِ النَّضْحِ: نِصْفُ الْعُشْرِ\" (١). [خ ١٤٨٣، ت ٦٤٠، ن ٢٤٨٨، جه ١٨١٧]\n===\nعن سالم بن عبد الله، عن أبيه) عبد الله بن عمر (قال: قال رسول الله - ﷺ -: فيما سقت السماء)، أي في الزرع الذي سقته السماء أي المطر (والأنهار والعيون، أو كان بعلًا) وهو ما لا يحتاج إلى السقي لما يتشرب الماء بعروقه (العشرُ) مبتدأ، وخبره مقدم عليه، (وفيما سقي بالسواني) جمع سانية، وهي ناقة يستقى عليها (أو النضح) أي ما سقي بالدوالي، والنواضح إبل يستقى عليها (نصف العشر).\nاختلفوا في هذا الفصل في مسائل، منها: أن الحنفية شرطوا لوجوب العشر أن تكون الأرض عشرية، فإن كانت خراجية يجب فيها الخراج، ولا تجب في الخارج منها العشر، فالعشر والخراج لا يجتمعان في أرض واحدة عندنا.\nوقال الشافعي: يجتمعان، فيجب في الخارج من أرض الخراج العشرُ.\nولنا ما روي عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يجتمع عشر وخراج في أرضِ مسلمٍ\".\nولأن أحدًا من أئمة العدل وولاة الجور لم يأخذ من أرض السواد عشرًا إلى يومنا هذا، فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع، فيكون باطلًا.\nومنها أن النصاب ليس بشرط لوجوب العشر، فيجب العشر في كثير الخارج وقليله، ولا يشترط فيها النصاب عند أبي حنيفة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"مال أبو داود: البعل ما شرب بعروقه، ولم يُتعَنَّ في سقيه، وقال قتادة: البعل من النخل: مرَّان مُرَّان\". وقال في \"النهاية\": هو ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض، من غير سقي سماء ولا غيرها (١/ ١٤١). (ش).","vol":"6","page":408},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوعند أبي يوسف ومحمد والجمهور لا يجب فيما دون خمسة أوسق إذا كان مما يدخل تحت الكيل كالحنطة، والشعير، والذرة، والأرز ونحوها.\nلأبي حنيفة عمومُ قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١)، وقوله ﷿: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢)، وقول النبي - ﷺ -: \"ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر\" من غير فصل بين القليل والكثير.\nوأما الحديث فالجواب عن التعلق به من وجهين، أحدهما: أنه من الآحاد فلا يُقبَل في معارضة الكتاب والخبر المشهور.\nفإن قيل: ليس فيه شائبة المعارضة بل هو بيان لمقدار ما يجب فيه العشر، والبيان بخبر الواحد جائز كبيان المجمل والمتشابه.\nفالجواب أنه لا يمكن حمله على البيان؛ لأن ما تمسكنا به عام يتناول ما يدخل تحت الوسق وما لا يدخل، وما رويتم من خبر المقدار خاص فيما يدخل تحت الوسق، فلا يصلح بيانًا للقدر الذي يجب فيه العشر، لأن من شأن البيان أن يكون شاملًا لجميع ما يقتضي البيان، وهذا ليس كذلك كما بينا، فعلم أنه لم يرد مورد البيان.\nوالثاني: أن المراد من الصدقة الزكاة؛ لأن مطلق اسم الصدقة لا ينصرف إلا إلى الزكاة المعهودة، ونحن به نقول أن ما دون خمسة أوسق من طعام أو تمر للتجارة لا يجب فيه الزكاة ما لم يبلغ قيمتها مائتي درهم، أو يحتمل الزكاة فيحمل عليها عملًا بالدلائل بقدر الإمكان.\nومنها: أن يكون الخارج من الأرض مما يقصد بزراعه نماء الأرض\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.\n(٢) سورة الأنعام: الآية ١٤١.","vol":"6","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوتشتغل الأرض به عادة، فلا عشر في الحطب، والحشيش، والقصب الفارسي، لأن هذه الأشياء لا تشتغل بها الأرض عادة، لأن الأرض لا تنمو بها فلم تكن نماء الأرض، حتى قالوا في الأرض إذا اتخذها مقصبة، وفي شجره الخلاف التي تقطع في كل ثلاث سنين أو أربع سنين: إنه يجب فيها العشر، لأن ذلك غلة وافرة، ويجب في قصب السكر وقصب الذريرة لأنه يطلب بهما نماء الأرض فوجد شرط الوجوب فيجب.\nفأما كون الخارج مما له ثمرة باقية فليس بشرط لوجوب العشر، بل يجب سواء كان الخارج له ثمرة باقية، أو ليس له ثمرة باقية، وهي الخضروات كالبقول، والرطاب، والخيار، والقثاء، والبصل، والثوم ونحوها في قول أبي حنيفة - ﵁ -. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يجب إلَّا في الحبوب وما له ثمرة باقية، واحتجا بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ليس في الخضروات صدقة\"، وهذا نص.\nولأبي حنيفة - ﵁ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١)، وأحق ما تناوله هذه الآية الخضروات؛ لأنها هي المُخْرَجَة من الأرض حقيقة، وأما الحبوب فإنها غير مخرجة من الأرض حقيقة، بل من المخرج من الأرض، وقولُه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢)، وأحق ما يحمل الحق عليه الخضروات؛ لأنها هي التي يجب إيتاء الحق منها يوم القطع، وأما الحبوب فيتأخر الإيتاء فيها إلى وقت التنقية، وقولُ النبي - ﷺ -: \"ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر\" من غير فصل بين الحبوب والخضروات.\nوأما الحديث فغريب، فلا يجوز تخصيص الكتاب والخبر المشهور بمثله،\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.\n(٢) سورة الاْنعام: الآية ١٤١.","vol":"6","page":410},{"text":"١٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، أَخْبَرَني عَمْرٌو، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ: الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي: فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ\". [م ٩٨١، ن ٢٤٩٠، حم ٣/ ٣٤١، قط ٢/ ١٣٠]\n١٥٩٨ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَابْنُ الأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ قَالَا: قَالَ وَكِيع: الْبَعْلُ: الْكَبُوسُ الَّذِي يَنْبُتُ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ.\nقَالَ ابْنُ الأَسْوَدِ: وَقَالَ يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ آدم-: سَأَلْتُ أَبَا إِيَاسٍ الأَسَدِيَّ عن الْبَعْلِ؟ فَقَالَ: الَّذِي يُسْقَى بِمَاءِ السَّمَاءِ.\n===\nأو يحمل على الزكاة، أو يحمل قولُه: \"ليس في الخضروات صدقة\" على أنه ليس فيها صدقة تؤخذ، بل أربابها هم الذين يؤدونها بأنفسهم، فكان هذا نفي ولاية الأخذ للإمام، وبه نقول، ملخص ما في \"البدائع\" (١).\n١٥٩٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو) بن الحارث، (عن أبي الزبير) محمد بن مسلم، (عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: فيما سقت الأنهار) كالفرات والدجلة (والعيون: العشرُ، وما سقي بالسواني: ففيه نصفُ العشر).\n١٥٩٨ - (حدثنا الهيثم بن خالد الجهني وابن الأسود العجلي قالا: قال وكيع: البعل: الكبوس الذي ينبت من ماء السماء)، قال في \"لسان العرب\": ونخلة كبوس: حملها في سعفها. والكِباسة بالكسر: العِذْقُ التامُّ بشماريخه وبُسْره، وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب. وفي الحديث: أن رجلًا جاء بكبائس من هذه النخل، هي جمع كباسة، وهو العِذْقُ التامُّ بشماريخه وَرُطبه.\n(قال ابن الأسود: وقال يحيى -يعني ابن آدم-: سألت أبا إياس الأسدي عن البعل؟ فقال: الذي يسقى بماء السماء) أي لا يحتاج في سقيه إلى أن يتعنَّ فيها.\n_________\n(١) (٢/ ١٧٥ - ١٧٩).","vol":"6","page":411},{"text":"١٥٩٩ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن سُلَيْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ -، عن شَرِيكِ بْن أَبِي نَمِرٍ، عن عطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: \"خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: شَبَّرْتُ قِثَّاءَةً بِمِصْرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شِبْرًا! (١) وَرَأَيْتُ أُتْرُجَّةً عَلَى بَعِيرٍ بِقِطْعَتَيْنِ قُطِعَتْ، وَصُيِّرَتْ عَلَى مِثْلِ عِدْلَيْنِ. [جه ١٨١٤، ك ١/ ٣٨٨، وانظر رقم الحديث ١٥٧٦]\n===\n١٥٩٩ - (حدثنا الربيع بن سليمان، نا ابن وهب، عن سليمان- يعني ابن بلال-، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله - ﷺ - بعثه) أي معاذًا (إلي اليمن) أي عاملًا ومصدقًا (فقال: خذ الحبَّ من الحب، والشاةَ من الغنم، والبعيرَ من الإبل، والبقرةَ من البقر) إذا بلغ خمسة وعشرين وما فوقها.\n(قال أبو داود (٢): شبرت) أي ذرعت ومسحت بالشبر (قثاءة) واحدة (بمصر ثلاثة عشر شبرًا، ورأيت أترجة على بعير بقطعتين قطعت، وصيرت على مثل عدلين)، ولعلَّ هذا إشارة إلى عظيم البركة في المال الذي يؤدى منه الزكاة، فيبارك فيه بركة كثيرة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وقال أبو داود\".\n(٢) أورد بعض جهلة زماننا على المصنف بهذه القصة، وضعفه لأجله، فإلي الله المشتكى، وقد حكى ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٤/ ٣٦٣)، عن أحمد بسنده: أنه رأى في بعض خزنة بني أمية صرة فيها حنطة كنوى التمر، وأنكروا مثل هذا لما رأوا نقص تلك الأشياء في زماننا، وأنى زماننا من البركة وما يوجد، فهو مجرد فضل من الله إلَّا فنياتنا ونيات سلاطيننا تستحق أن نموت جوعًا، وتؤثر نية السلطان في البركات، كما في \"حياة الحيوان\". (ش).","vol":"6","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>(١٢) باب زَكَاةِ الْعَسَلِ</span>\n١٦٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْمِصْرِىِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: \" جَاءَ هِلَالٌ أَحَدُ بَنِى مُتْعَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِىَ لَهُ وَادِيًا (١) يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ، فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ الْوَادِى، فَلَمَّا ولىَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -، كَتَبَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ؟\n===\n\n(١٢) - (باب زَكَاةِ الْعَسَلِ)\n١٦٠٠ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، نا موسي بن أعين، عن عمرو بن الحارث المصري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء هلال أحد بني مُتْعان) وهو غير هلال بن سعد، وقصته مغايره لقصة هلال بن سعد من عدة أوجه؛ فالظاهر المغايرة بينهما (إلي رسول الله - ﷺ - بعشور) أي بعشر (نحل) أي عسل (له) أي لهلال، (وكان) هلال (سأله) أي رسول الله - ﷺ - (أن يحمي واديًا) أي يجعله حمي، لا يدخل فيه غيره بل يكون نحله مختصًا به (يقال له: سلبه) (٢) بفتح أوله، وبعد اللام باء موحدة.\n(فحمي له رسول الله - ﷺ - ذلك الوادي)، وكان بعد ذلك يؤدي عشر ما يخرج من نحله من العسل إلي رسول الله - ﷺ -، (فلما ولي) أي استخلف (عمر بن الخطاب - ﵁ - كتب سفيان بن وهب) كذا قال عمرو بن الحارث، والصواب كما سيأتي ما قال عبد الرحمن: سفيان بن عبد الله، وتابعه علي ذلك أسامة بن زيد. (إلي عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك؟) أي عن حمي ذلك الوادي له.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وادي\"، وفي نسخة: \"يحمي له واديًا\".\n(٢) قال العيني (٦/ ٥٣٣): هو بفتح السين المهملة واللام، والباء الموحدة، كذا قيده البكري، وقال شيخنا زين الدين: ووقع في سماعنا من \"السنن\" بسكون اللام. (ش).","vol":"6","page":413},{"text":"فَكَتَبَ عُمَرُ: إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ، فَاحْمِ لَهُ سَلبَةَ، وِإلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأَكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ\". [ن ٢٤٩٩]\n===\n(فكتب عمر) - ﵁ - أي إلى سفيان: (إن أدى) هلال (إليك ما كان يودي إلى رسول الله - ﷺ - من عشور نحله) أي من نحل ذلك الوادي (فاحْم له) أي لهلال (سلبة، وإلَّا) أي وإن لم يؤده إليك (فإنما هو) أي النحل (ذُبَاب غيثٍ) أي مطر تجتمع في مواقع المطر (يأكله) أي يأكل ما يخرج من نحله (من يشاء) أي فلا تَحْم له فاتركه للعامة. وأخرجه النسائي (١) بهذا السند وسكت عليه.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وحديث عمرو بن شعيب: قال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث وابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مسندًا، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب عن عمر مرسلًا، قال الحافظ: فهذه علة، وعبد الرحمن وابن لهيعة ليسا من أهل الإتقان، لكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات، وتابعهما أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عند ابن ماجه وغيره.\nوقد استدل بأحاديث الباب على وجوب العشر في العسل: أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وحكاه في \"البحر\" عن ابن عمر (٣)، وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، واحد قولي الشافعي (٤)، وقد حكى البخاري، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز: أنه لا يجب في العسل شيء من الزكاة، وروى عنه عبد الرزَّاق أيضًا مثل ما روى عنه صاحب \"البحر\"، ولكنه بإسناد ضعيف كما قاله الحافظ في \"الفتح\". وذهب\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٢٤٩٩).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٠٤، ١٠٥).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"النيل\" عن عمر.\n(٤) قال أبو حنيفة والشافعي في القديم وأحمد: فيه العشر، وفي الجديد - وبه قال مالك -: لا، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ١٨٠). (ش).","vol":"6","page":414},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالشافعي، ومالك، والثوري، وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور، إلى عدم وجوب الزكاة في العسل.\nواعلم أن حديث أبي سيارة وحديث هلال- إن كان غير أبي سيارة- لا يدلان على وجوب الزكاة في العسل، لأنهما تطوعا بها، وحمى لهما بدل ما أخذ، وعقل عمر العلة فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل (١) الصدقات لم يخير في ذلك، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (٢): ثم وجوب العشر في العسل مذهب أصحابنا (٣) رحمهم الله تعالى، وقال الشافعي - ﵁ -: لا عشر فيه. وزعم أن ما روي في وجوب العشر في العسل لم يثبت. ونحن نقول: إن لم يثبت عندك وجوب العشر في العسل فقد ثبت عندنا، ألا ترى إلى ما روي: أن أبا سيارة جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إن لي نحلًا، فقال النبي - ﷺ -: \"أَدِّ عشره\"، فقال أبو سيارة: احمها لي يا رسول الله، فحماها له (٤).\nوروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: \"أن بطنًا من فهم (٥) كانوا يؤدون إلى رسول الله - ﷺ - من نحل لهم العشرَ من كل عشر قِرَبٍ قربة، وكان يحمي لهم واديين\"، فلما كان عمر - ﵁ - استعمل [على] ما هناك سفيانَ بن عبد الله الثقفيَّ، فأبوا أن يؤدوا إليه شيئًا، وقالوا: إنما كان شيئًا نؤديه إلى رسول الله - ﷺ -، فكتب ذلك سفيان إلى عمر - ﵁ -، فكتب إليه\n_________\n(١) وفي \"النيل\" (٣/ ١٠٥)، ولو كان سبيله سبي الصدقات، وهو خطأ.\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٨٣، ١٨٤).\n(٣) ونصاب العسل عشرة قرب عند أبي يوسف، وخمسة أفراق عند محمد، وعشرة أفراق عند أحمد، كذا في \"المنهل\" (٩/ ٣٠٦)، قلت: مع اختلافهم في مقدار الفرق. (ش).\n(٤) انظر: \"مسند أحمد\" (١/ ٢٣٦)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ١٢٦).\n(٥) وفي \"البدائع\": فهر، وهو خطأ، والصواب: فهم، كما في الرواية الآتية، وكذا عند البيهقي في \"الكبرى\" (٤/ ١٢٧).","vol":"6","page":415},{"text":"١٦٠١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - وَنَسَبَهُ (١) إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِىِّ -، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ شَبَابَةَ - بَطْنٌ مِنْ فَهْمٍ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ قَالَ: \"مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ. وَقَالَ: سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِىُّ\n===\nعمر - ﵁ -: \"إنما النحل ذباب غيث يسوقه الله تعالى رزقًا إلى من يشاء، فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - فَاحْمِ لهم وَادِيَهم، وإلا فَخَلِّ بين الناس وبينها، فأدوا إليه\".\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشرُ\" (٢).\nوعن عمر - ﵁ -: أنه كان يأخذ من العسل العشرَ من كل عشر قرب قربة. وكذا روي عن ابن عباس - ﵁ - أنه كان يفعل ذلك حين كان واليًا على البصرة.\n١٦٠١ - (حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، نا المغيرة) بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بتحتانية، ومعجمة، ابن أبي ربيعة المخزومي، أبو هاشم، ويقال: أبو هشام، المدني، صدوق فقيه، (ونسبه) أي ونسب أحمد بن عبدة المغيرة (إلى عبد الرحمن بن الحارث المخزومي) هذا قول أبي داود، يقول: قال أحمد بن عبدة: هو المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث، قال المغيرة: (حدثني أبي) عبد الرحمن بن الحارث، (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن شبابة- بطن من فهم-) أي قبيلة صغيرة من قبيلة كبيرة، واسم الصغيرة شبابة، واسم الكبيرة فهم. (فذكر) عبد الرحمن بن الحارث (نحوه) أي نحو ما ذكره عمرو.\n(قال) عبد الرحمن: (من كل عشر قِرَبٍ قربةٌ)، ولم يذكره عمرو (وقال) عبد الرحمن: (سفيان بن عبد الله الثقفي) أي في مقام: سفيان بن وهب، فخالف\n_________\n(١) في نسخة: \"أحسبه يعني ابن عبد الرحمن\" بدل \"ونسبه إلى عبد الرحمن\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٢٦).","vol":"6","page":416},{"text":"قَالَ: وَكَانَ يُحَمِّى لَهُمْ وَادِيَيْنِ. زَادَ: فَأَدَّوْا إِلَيْهِ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَحَمَّى لَهُمْ وَادِيَيْهِمْ\". [ق ٤/ ١٢٦]\n١٦٠٢ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ بَطْنًا مِنْ فَهْمٍ - بِمَعْنَى الْمُغِيرَةِ - قَالَ: \"مِنْ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ، وَقَالَ: وَادِيَيْنِ لَهُمْ\". [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>(١٣) بَابٌ: في خَرْصِ الْعِنَبِ</span>\n١٦٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ السَّرِىِّ النَّاقِطُ،\n===\nعمرَو بنَ الحارثِ، فهو سفيان بن عبد الله بن أبي ربيعة بن الحارث الثقفي، له صحبة، وكان عامل عمر على الطائف، والصواب قول عبد الرحمن.\n(قال) أي عبد الرحمن: (وكان يحمي لهم واديين) وذكر عمرو بن الحارث وادي سلبة فقط، فخالفه عبد الرحمن فذكر في روايته: واديين (زاد) عبد الرحمن في حديثه: (فأدوا إليه ما كانوا يؤدون إلى رسول الله - ﷺ -، وحمى لهم وادييهم).\n١٦٠٢ - (حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، نا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن بطنًا من فهم) فذكر (بمعنى) حديث (المغيرة) عن عبد الرحمن (قال) أسامة بن زيد: (من عشر قرب قربة) كما قال عبد الرحمن (وقال) أسامة: (واديين لهم) كما قال عبد الرحمن، إلَّا أنه أسقط لفظ \"كل\"، وقدم لفظ \"لهم\".\n\n(١٣) (بَابٌ: في خَرْصِ الْعِنَبِ)\nالخرص بفتح معجمة، وقد تكسر، وبصاد مهملة، وهو: حزر ما على النخلة من الرطب تمرًا ليعرف مقدار عشره فيثبت على مالكه، ويخلى بينه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت الجداد\n١٦٠٣ - (حدثنا عبد العزيز بن السري الناقط) بالقاف والطاء المهملة،","vol":"6","page":417},{"text":"حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسِيدٍ قَالَ: \"أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤْخَذُ صدقة النَّخْلِ تَمْرًا\". [ت ٦٤٤، ن ٢٦١٨، جه ١٨١٩، قط ٢/ ١٣٣]\n===\nويقال: الناقد، البصري، روى عنه أبو داود حديثًا واحدًا، قال في \"التقريب\": مقبول. وقال السمعاني في \"الأنساب\" (١): الناقط بفتح النون، بعدها الألفُ، والقافُ المكسورةُ، وفي آخرها الطاء المهملة، هذه النسبة إلى نقط المصاحف، ويقال لهم: النقَّاط، انتهى.\nوقال أيضًا: الناقد بفتح النون، وكسر القاف، وفي آخرها الدال، هذه اللفظة لجماعة من نقَّاد الحديث وحفَّاظه، لُقِّبوا به لنقدِهم ومعرفتِهم، وجماعة من الصيارفة حدَّثوا فَنُسِبُوا إلى ذلك العمل.\n(نا بشر بن منصور، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد) بفتح أوله، ابن أبي العِيْص بكسر المهملة، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، الأموي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، المكي، استعمله النبي - ﷺ - على مكة عام الفتح في خروجه إلى حنين، فحج بالناس سنة ثمان، وحج المشركون على ما كانوا عليه، ولم يزل على مكة حتى قُبِض رسولُ الله - ﷺ -، وأقرَّه أبو بكر، فلم يزل عليها واليًا إلى أن مات، فكانت وفاته- فيما ذكر الواقدي- يوم مات أبو بكر الصديق - ﵁ -، وكان عتاب رجلًا صالحًا خيرًا فاضلًا.\n(قال: أمر رسول الله - ﷺ - أن يخرصَ العنب) أي يحزر ثمره (كما يخرص النخل، وتوخذَ زكاته) أي العنب (زبيبًا كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا).\n_________\n(١) \"الأنساب\" (٥/ ٤٤٩).","vol":"6","page":418},{"text":"١٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. [انظر تخريج الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>(١٤) بَابٌ: في الْخَرْصِ</span>\n١٦٠٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ سَهْلُ بْنُ أَبِى حَثْمَةَ إِلَى مَجْلِسِنَا قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَجُذُّوا،\n===\n١٦٠٤ - (حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، ناعبد الله بن نافع، عن محمد بن صالح التمار، عن ابن شهاب بإسناده) أي بإسناد حديث ابن شهاب المتقدم (ومعناه) وزاد في نسخة: \"قال أبو داود: وسعيد بن المسيب لم يسمع من عتاب شيئًا\" (١).\n\n(١٤) (بَابٌ: فِي الْخَرْصِ) (٢)\n١٦٠٥ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن مسعود) بن نيار بكسر النون وبالتحتانية، الأنصاري، المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له حديث واحد في الخرص في الزكاة، قلت: وقال البزار: معروف، وقال ابن القطان: لكنه لا يعرف حاله، انتهى. وقال في \"التقريب\": مقبول.\n(قال: جاء سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا، قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا خرصتم فجذوا) بالجيم والذال أي فقطعوا، فإن الجذ القطع، وفي نسخة\n_________\n(١) وبسطه العيني (٦/ ٥٢٠)، والزرقاني (٢/ ٩٨) على \"الموطأ\"، وبهذا أنكر داود الظاهري خرص العنب، واقتصر الخرص على التمر فقط. (ش).\n(٢) بفتح معجمة، وقد تكسر، والصاد مهملة: حزر ما على النخلة من الرطب تمرًا، كذا في \"المجمع\" (٢/ ٣٢). (ش).","vol":"6","page":419},{"text":"وَدَعُوا الثُّلُثَ،\n===\nمكتوبة بالقلم في المتن مثل ما في المطبوعة، وفي الحاشية: \"فجدوا\" بالجيم والدال المهملة، وكتب نسخة أخرى: فخذوا، بالخاء والذال المعجمتين، وأخذ القاري (١) في شرحه هذه النسخة الأخيرة، وعلى النسخة الأولى جزاء الشرط محذوف، أي: إذا خرصتم ثم قطع أرباب النخيل ثمرتها فخذوا زكاتها إن سلم المخروص من آفة.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قولُه: \"فجذوا\" معناه: رخصوهم في الجد، وذلك لأن الجد ليس إلى المصدقين، انتهى.\nفعلى هذا لفظ \"فجذوا\" بصيغة الأمر يقع جزاء الشرط، وعلى النسخة الأخيرة لفظ \"فخذوا\" جزاء الشرط، و(دعوا) أي اتركوا (٢) (الثلث) بضم اللام وسكونه، قال الطيبي (٣): فخذوا جواب للشرط، ودعوا عطف عليه، أي إذا خرصتم فبينوا مقدار الزكاة، ثم خذوا ثلثي ذلك المقدار، واتركوا الثلث لصاحب المال حتى يتصدق به.\nقال القاضي: الخطاب مع المصدقين، أمرهم أن يتركوا للمالك ثلثَ ما خرصوا عليه أو ربعَه توسعة عليه (٤) حتى يتصدق به على جيرانه ومن يمر به،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣١٧)، رقم (١٨٠٥).\n(٢) قال صاحب \"العرف الشذي\" (ص ٢٧٥): للعلماء في شرحه سبعة أقوال، وفي \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٦٨): استدل بالحديث الشافعية على أنه لا يحسب على الرجل ما أكل من ثمره وزرعه قبل الحصاد في النصاب إلى آخر ما قال، وحجة الجمهور: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [سورة الأنعام: ١٤١].\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٤٧): قال بظاهره الليث وأحمد وإسحاق، وقال مالك وسفيان: لا يترك لهم شيئًا، وهو المشهور عن الشافعي، وقال ابن العربي: المحصل من صحيح النظر أن يعمل بالحديث وهو قدر المؤنة، ولقد جربناه فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رطبًا. (ش).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٧، ٣٨).\n(٤) وقد ورد الأمر بذلك في عدة روايات عن عمر في \"كنز العمال\" (٦/ ٥٤٥). (ش).","vol":"6","page":420},{"text":"فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا أَوْ تَجِدُوا الثُلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ\" (١). [ت ٦٤٣، ن ٢٤٩١، حم ٣/ ٤٤٨، خزيمة ٢٣١٩]\n===\nويطلب منه فلا يحتاج إلى أن يغرم ذلك من ماله، وهذا قول قديم للشافعي وعامةِ أهل الحديث.\nوعند أصحاب الرأي لا عبرة بالخرص لإفضائه إلى الربا، وزعموا أن الأحاديث الواردة فيه كانت قبل تحريم الربا، ويرده حديث عتاب فإنه أسلم يوم الفتح، وتحريم الربا كان مقدمًا، انتهى.\nوحديثُ جابر الطويلُ في الصحيح صريح بأن تحريم الربا كان في حجة الوداع، قال ابن حجر (٢): بهذا أخد الشافعي في قوله القديم، واختاره جماعة من أصحابه فقال: يترك الساعي له نخلة أو نخلات يأكلها أهله، ثم رجع عن ذلك في القديم، وقال: لا يترك له شيئًا، وأجاب عن الحديث: بأن المراد دعوا له ذلك ليفرقه بنفسه على نحو أقاربه وجيرانهم لطمعهم في ذلك منه.\n(فإن لم تدعوا) أي لم تتركوا له (أو تجدوا) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا تجدوا من وجد يجد، وليس في نسخة \"المشكاة\" والتي عليها \"شرح القاري\" (٣)، ومعناه- والله أعلم-: إن لم تجدوا مناسبًا أن تتركوا الثلث، فعلى هذا حرف \"أو\" للشك من الراوي، أي قال: إن لم تدعوا، أو قال: وليس إن لم تجدوا (الثلث).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: فإن لم تجدوا الثلث، أي لم تدعوا الثلث، ولعل الجد ها هنا قطع الكلام، والقول الفصل منه. (فدعوا الربع) وكتب في حاشية النسخة المكتوبة: قوله: ودعوا الثلث، قال الخطابي: إذا أخذ الحق منهم مستوفى أضر بهم، فإنه تكون منه الساقطة\n_________\n(١) زاد في نسخة عقب الحديث: \"قال أبو داود: الخارص يدع الثلث للخُرْفة، وكذا قال يحيى القطان\". [والخرفة: ما يجتنى من الفواكه].\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣١٧).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣١٧).","vol":"6","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>(١٥) بَابٌ: مَتَى يُخْرَصُ التَّمْرُ</span>؟\n١٦٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أُخْبِرْتُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ - وَهِىَ تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَرَ -: \"كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى يَهُودِ، فَيَخْرِصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ\". [حم ٦/ ١٦٣، خزيمة ٢٣١٥، عب ٧٢١٥، قط ٢/ ١٣٤]\n===\nوالهالكة وما يأكله الطير والناس، وقيل: اتركوا لهم ذلك ليتصدقوا منه على جيرانهم ومن يطلب منهم لا أنه لا زكاة عليهم، \"فتح الودود\".\n\n(١٥) (بَابٌ: مَتَى يُخْرَصُ التَّمْرُ؟)\n١٦٠٦ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حجاج) بن محمد، (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال) ابن جريج: (أُخْبِرْتُ) أي: أخبرني مخبر، ولم أسمعه (عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها) أي عائشة - ﵂ - (قالت- وهي) أي والحال أنها (تذكر شأن) أي قصة (خيبر-: كان النبي - ﷺ - يبعث (١) عبد الله بن رواحة) بن ثعلبة بن امرئ القيس (٢) بن عمرو ابن امرئ القيس الأكبر، الخزرجي، الأنصاري، الشاعر، أبو محمد، ويقال: أبو رواحة، ويقال: أبو عمر (٣) المدني، شهد بدرًا وعقبة، وهو أحد النقباء، واحد الأمراء الثلاثة في غزوة مؤتة، وبها قتل سنة ثمان. (إلى يهود) خيبر، (فيخرص النخل حين يطيب) أي يظهر في الثمار الحلاوةُ (قبل أن يؤكل منه) أي من النخل من ثمره.\n_________\n(١) ظاهر اللفظ يقتضي التكرار لكنه بعث مرة؛ فإن خيبر فتحت سنة سبع، وهو قد استُشهِد في مؤتة سنة ٨ هـ، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ١٠٣). (ش).\n(٢) وليس هذا هو الشاعر الجاهلي الشهير لاختلاف نسبهما، ذكره النووي في \"الأسماء واللغات\" (١/ ٢٦٥). (ش).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"تهذيب الأسماء\" للنووي، و\"تهذيب التهذيب\" لابن حجر: عمرو، بالواو.","vol":"6","page":422},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد بسط العلامة العيني الكلام في بيان اختلاف العلماء في الخرص بسطًا طويلًا، وأنا ألخص لك ما يليق بهذا المختصر. فقال (١): اختلف العلماء فيه، فذهب الزهري وعطاء والحسن وعمرو (٢) بن دينار وعبد الكريم بن أبي المخارق ومروان والقاسم بن محمد والشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد إلى جواز الخرص في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحها، وقال ابن رشد: جمهور العلماء على إجازة الخرص فيها، ويخلى بينها وبين أهلها يأكلونه رطبًا.\nوقال داود: لا خرص إَّلا في النخيل فقط، وقال الشافعي: إذا بدا صلاح ثمار النخل والكرم فقد تعلق وجوبُ الزكاة بهما، ووجب خرصها (٣) للعلم بمقدار زكاتهما، فيخرصهما رطبًا، وينظر الخارص كم يصير تمرًا، فيثبتها تمرًا ثم يخير (٤) رب المال فيها، فإن شاء كانت مضمونة في يده وله التصرف فيها، فإذا تصرف فيها ضمنها، ويستفاد بالخرص العلم بقدر الزكاة فيها واستباحة رب المال التصرف في الثمرة بشرط الضمان، ولا خرص في الزرع.\nواختلف مذهب مالك: هل يخرص الزيتون أم لا؟ فيه قولان: الجوازُ قياسًا على الكرم، والمنع بوجهين: الأول: لأن أوراقه تستره، والثاني: أن أهله لا يحتاجون إلى أن يأكلوه رطبًا، فلا معنى لخرصه، وقد اختلفوا هل هو واجب أو مستحب؟ فحكي عن الشافعية وجه بوجوبه، وقال الجمهور: هو مستحب إلا أن تعلق به حق لمحجور مثلًا، أو كان شركاؤه غير مؤتمنين فيجب للحفظ لمال الغير.\nواختلفوا أيضًا: هل يختص بالنخل أو يلحق به العنب أو يعم كل ما ينتفع\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥١٨ - ٥٢١).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"العمدة\": عمر بن دينار.\n(٣) وفي \"العمدة\": خرصهما.\n(٤) وفي \"العمدة\": يخبر.","vol":"6","page":423},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبه رطبًا أو جافًا؟ وبالأول قال شريح القاضي وبعض الظاهرية، والثاني قول الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاري، وهل يمضي قول الخارص أو يرجع إلى ما آل عليه الحال بعد الجفاف؟ فالأول قول مالك وطائفة، والثاني قول الشافعي ومن تبعه، وهل يكفي خارص واحد عارف ثقة أم لا بد من اثنين؟ وهما قولان للشافعي، والجمهور على الأول.\nواختلف أيضًا هل هو اعتبار أو تضمين؟ وهما قولان للشافعي أظهرهما الثاني، ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أخذت منه الزكاة بحساب ما خرص.\nواختلفوا في الخرص هل هو شهادة أو حكم؟ فإن كان شهادة لم يكتف بخارص واحد، وإن كان حكمًا اكتفي به.\nواستدل من يرى الخرص في النخيل والكرم بما رواه ابن المسيب عن عتاب بن أسيد عند أبي داود والترمذي وقال: حسن غريب، وقال الماوردي: الدليل على جواز الخرص ورود السنَّة قولًا وفعلًا وامتثالًا: أما القول فحديث عتاب، وأما الفعل فحديث البخاري في هذا الباب، وأما الامتثال فما روي أن رسول الله - ﷺ - كان له خرَّاصون.\nوقال الشعبي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: الخرص مكروه، وقال الشعبي: الخرص بدعة، وقال الثوري: خرص الثمار لا يجوز.\nوفي \"أحكام ابن بزيزة\": قال أبو حنيفة وصاحباه: الخرص باطل، وقال الماوردي: احتج أبو حنيفة بما رواه جابر مرفوعًا: \"نهى عن الخرص\"، وبما رواه جابر بن سمرة: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع كل ثمرة بخرص\"، وبأنه تخمين وقد يخطئ، ولو جُوِّزَ لجوزنا خرص الزرع، وخرصُ الثمار بعد جذاذها أقربُ إلى الأبصار من خرص ما على الأشجار، فلما لم يجز في القريب لم يجز في البعيد، ولأنه تضمين رب المال بقدر الصدقة وذلك غير جائز؛ لأنه بيع رطب بتمر، وأنه بيع حاضر بغائب، وأيضًا فهو من المزابنة","vol":"6","page":424},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمنهي عنها، وهو بيع التمر في رؤوس النخل بالثمر (١) كيلًا، وهو أيضًا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع بين التفاضل وبين النسيئة.\nوقالوا: الخرص منسوخ بنسخ الربا. وقال الخطابي: أنكر أصحاب الرأي الخرصَ، وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخويفًا للمزارعين لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار.\nثم تعقبه الخطابي بأن تحريم الربا والميسر متقدم، والخرص عُمِلَ به في حياة النبي - ﷺ - حتى مات، ثم أبو بكر وعمر، - ﵄-، فمن بعدهم، ولم يُنقَل عن أحد ولا من التابعين تركُه إلا الشعبي.\nقال: وأما قولهم: إنه تخمين وغرور فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير.\nقلت: قوله: تحريم الربا والميسر متقدم، يحتاج إلى معرفة التاريخ، وعندنا ما يدل على صحة النسخ، وهو ما رواه الطحاوي من حديث جابر: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الخرص\"، وقال: \"أرأيتم إن هلك التمر أيحب أحدُكم أن يأكل مال أخيه بالباطل؟ \"، والحظر بعد الإباحة علامة النسخ. وقوله: والخرص عمل به ... إلى قوله إلَّا الشعبي، مسلم لكنه ليس على الوجه الذي ذكروه، وإنما وجهه أنهم فعلوا ذلك ليعلم مقدار ما في أيدي الناس من الثمار فيؤخذ مثله بقدره في أيام الصرام، لا أنهم يملكون شيئًا ما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل.\nوأما قولهم: إنه تخمين ... إلى آخره؛ ليس بكلام موجه لأنه لا شك أنه تخمين، وليس بتحقيق وعيان، وكيف يقال له: هو اجتهاد، والمجتهد في الأمور الشرعية قد يخطئ؟ ففي مثل هذا أجدر بالخطأ، وإنما كان يفعل ذلك\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"العمدة\": التمر بالتاء.","vol":"6","page":425},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nتخويفًا لئلا يخونوا؛ وأن يعرفوا مقدار ما في النخل ليأخذوا الزكاة وقت الصرام، هذا معنى الخرص، فأما أنه يلزم به حكم شرعي فلا.\nوأما حديث عتاب، فإنّ الذي روى عنه سعيدُ بن المسيب، فعتاب توفي سنة ثلاث عشرة، وسعيد وُلد سنة خمس عشرة، وقيل: سنة عشرين، وقال أبو علي بن السكن: لم يرو هذا الحديثُ عنه - ﷺ - من وجه غير هذا، وهو من رواية محمد بن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد، وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وخالفهما صالح بن كيسان فرواه عن الزهري عن سعيد: أن النبي - ﷺ - أمر عتابًا، ولم يقل: عن عتاب، وسئل أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان فقالا: هو خطأ، وقال أبو حاتم: الصحيحُ: عن سعيد أن النبي - ﷺ - ... مرسلًا، وقال أبو زرعة: الصحيح عندي: عن الزهري: أن النبي - ﷺ - ...، ولا أعلم أحدًا تابع عبد الرحمن بن إسحاق في هذه الرواية.\nفإن قلت: زعم الدارقطني أن الواقدي رواه عن سعيد، عن المسور بن مخرمة، عن عتاب قال: أمر رسول الله - ﷺ -، الحديث، فهذا ليس فيه انقطاع؟ !\nقلت: سبحان الله، إذا كان الواقدي فيما يحتجون به يسكتون عنه، وإذا كان فيما يُحْتَجُّ به عليهم يشنعون بأنواع الطعن، ومع هذا قال أبو بكر بن العربي (١): لم يصح حديث سعيد، ولا حديث سهل بن أبي حثمة، ولا في الخرص حديث صحيح إلَّا حديث البخاري.\nوأما حديث ابن رواحة الذي رواه أبو داود من حديث عائشة ففي إسناده رجل مجهول.\nوأما حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود، وحديث الصلت بن زبيد الذي رواه البيهقي وغيرهما فداخل تحت قول ابن العربي: ولا في الخرص حديث صحيح، وقال ابن العربي: لم يثبت عنه - ﷺ - خرصُ النخل إلَّا على\n_________\n(١) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ١٤١).","vol":"6","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>(١٦) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الثَّمَرَةِ في الصَّدَقَةِ</span>\n١٦٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْجُعْرُورِ وَلَوْنِ الْحُبَيْقِ أَنْ يُؤْخَذَا فِى الصَّدَقَةِ\". [ن ٢٤٩٢، ط ١/ ٢٧٠/ ٣٤، قط ٢/ ١٣٠]\n===\nاليهود؛ لأنهم كانوا شركاء وكانوا غير أمناء، وأما المسلمون فلم يخرص عليهم.\n\n(١٦) (بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الثَّمَرَةِ في الصَّدَقَةِ)\n١٦٠٧ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا سعيد بن سليمان) الضبي بفتح ضاد معجمة وشدة موحدة، نسبة إلى ضبة بن أود، أبو عثمان الواسطي، البزار، المعروف بسعدويه، سكن بغداد، وسمى ابن حبان جده كنانة، وسمى ابن عساكر جده نشيطًا فوهم، قال أبو حاتم: ثقة مأمون، وقال العجلي: واسطي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان صاحب تصحيف ما شئت.\n(نا عباد) بن العوام، (عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل) بن حنيف، (عن أبيه) سهل بن حنيف (قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجُعْرور) على وزن عصفورٍ، لون من التمر الدقل يحمل رطبًا صغارًا لا خير فيه (ولون الحبيق) وهو نوع من أنواع التمر رديء، منسوب إلى ابن حبيق اسم رجل، ويقال: بنات حبيق.\nوفي \"القاموس\": وَعَذْقُ حُبَيْقٍ - كزُبَيْرٍ-: تمرٌ دَقَلٌ، وفي \"المصباح المنير\": حبقت العنز حبقًا- من باب ضرب- ضرطت، ثم صغر، وسمي به الدقل من التمر لرداءته (أن يؤخذا في الصدقة) أي في الزكاة عن الجيد، قال الأصمعي: لأنهن من أردأ تمورهم.","vol":"6","page":427},{"text":"قَالَ الزُّهْرِىُّ: لَوْنَيْنِ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَسْنَدَهُ أَيْضًا أَبُو الْوَلِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ.\n١٦٠٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الانَطَاكِيُّ، نَا يَحْيَى- يَعْنِي\n===\n(قال الزهري) في تفسيرهما: (لونين من تمر المدينة) بدل من الجعرورِ ولونِ الحبيق.\n(قال أبو داود: أسنده أيضًا أبو الوليد (١)، عن سليمان بن كثير، عن الزهري) وقد أخرجه الإِمام مالك في \"موطئه\" (٢) موقوفًا على ابن شهاب: مالك، عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب أنه قال: لا يؤخذ في صدقة النخل الجعرورُ، ولا مُصْرَانُ الفارةِ ولا عَذْقُ ابن حبيق، قال ابن شهاب: وهو يُعَدُّ على صاحب المال، ولا يؤخذ منه في الصدقة.\nقال الزرقاني (٣): وهذا رواه أبو داود من طريق سفيان بن حسين وسليمان بن كثير، والنسائي من طريق عبد الجليل بن أحمد اليحصبي، الثلاثةُ عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: نهى رسول الله - ﷺ -، الحديث. زاد النسائي في روايته: وفيه نزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤)، انتهى.\nقلت: فغرض أبي داود بهذا الكلام ترجيحُ الرفع على الوقف. قلت: لكن حديث النسائي مرسل لأنه لم يذكر فيه سهل بن حنيف.\n١٦٠٨ - (حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، نا يحيى- يعني\n_________\n(١) أخرج روايته الطبراني في \"الكبير\" (٦/ ٧٦)، رقم (٥٥٦٦)، والدارقطني (٢/ ١٣٠)، والحاكم (٢/ ٢٨٤)، والبيهقي (٤/ ١٣٦).\n(٢) \"الموطأ\" (١/ ٢٧٠).\n(٣) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١٢٨).\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.","vol":"6","page":428},{"text":"الْقَطَّانَ -، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِى صَالِحُ بْنُ أَبِى عَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَسْجِدَ، وَبِيَدِهِ عَصًا، وَقَدْ عَلَّقَ رَجُلٌ مِنَّا قنا حَشَفًا، فَطَعَنَ بِالْعَصَا فِى ذَلِكَ الْقِنْوِ وَقَالَ: «لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْهَا»، وَقَالَ: «إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ يَأْكُلُ الْحَشَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [ن ٢٤٩٣، جه ١٨٢١، حم ٦/ ٢٨]\n===\nالقطان-، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني صالح بن أبي عريب) بفتح المهملة وكسرِ الراء، وآخره موحدة، واسمه: قُلَيب بالقاف والموحدة مصغرًا، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك قال: دخل علينا رسول الله - ﷺ - المسجدَ، وبيده عصًا، وقد علَّق (١) رجل منا قنا حَشَفًا) هكذا في النسخة المجتبائية، وفي المصرية لفظ \"منا\" فقط، وفي المكتوبة في المتن: \"منَّا حشفًا\"، وعلى الحاشية بطريق النسخة: \"حشفا\"، وفي الكانفورية: \"قنا حشفًا\"؛ فالظاهر أن لفظ \"منا\" تصحيف، ولفظ رواية النسائي (٢): \"وقد علَّق رجل قِنْوَ حَشَف\"، وفي ابن ماجه (٣): \"وقد علق رجل أقناءً أو قِنوًا\"، ولفظ: قنا جمع قناة بمعنى الرمح، وليس المراد ها هنا هذا، والمراد ههنا القنو بالكسر والضم، وهو الكباسة، جمعه أقناء وقنيان وقنوان مثلثتين، كذا في \"القاموس\". ولم أجد (٤) في اللغة أن القنا بمعنى القنو أو جمعه.\n(فطعن بالعصا في ذلك القنو، وقال: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها، وقال: إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة) أي يأكل جزاء الحشف.\n_________\n(١) واستنبط في \"الكوكب\" (١/ ٥١٦) بتعليق القنو في المسجد على إباحة تعليق المراوح في المسجد، انتهى. (ش).\n(٢) وذكر الحافظ لفظ النسائي: \"قنا حشف\". ولفظ الطحاوي: \"وأقناء معلقة في المسجد\"، وفي شرح الطحاوي عن أبي داود: \"وقد علق رجل منا حشفا\"، وفي \"الدر المنثور\" برواية أبي داود وغيره: \"أقناء معلقة\". (ش).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٢٤٩٥)، و\"سنن ابن ماجه\" (١٨٢١).\n(٤) موجود في \"لسان العرب\" (١٥/ ٢٠٤). (ش).","vol":"6","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>(١٧) بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ</span>\n١٦٠٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِىُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْخَوْلَانِىُّ، وَكَانَ شَيْخَ صِدْقٍ، وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ يَرْوِى عَنْهُ -،\n===\n\n(١٧) (بَابُ زَكَاةِ الفِطْرِ)، أي: صدقة الفطر\n١٦٠٩ - (حدثنا محمود بن خالد الدمشقي وعبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن بهرام (السمرقندي) التميمي، الدارمي، أبو محمد، الحافظ صاحب المسند، ثقة فاضل متقن (قالا: نا مروان) بن محمد الطاطري (قال عبد الله) بن عبد الرحمن شيخ المصنف: (نا أبو يزيد الخولاني) المصري الصغير، روى عن سيار بن عبد الرحمن الصدفي، وعنه ابن وهب ومروان بن محمد الطاطري، وقال: كان شيخ صدق، قلت: ذكره أبوه أحمد الحاكم فيمن لا يعرف اسمه، وأغرب الحاكم أبو عبد الله، فأخرج الحديثَ في \"مستدركه\" من طريق مروان بن محمد، عن يزيد بن مسلم الخولاني، كذا سماه: يزيد بن مسلم، والمعروف: أنه أبو يزيد كذا في \"التهذيب\". وقال في \"التقريب\": صدوق، وسماه الحاكم يزيد بن مسلم، فَوَهِمَ.\n(وكان شيخ صدق، وكان ابن وهب يروي عنه) ليس هذا كلام عبد الله، بل هو قول مروان تلميذِ أبي يزيد، يدل عليه كلام الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، وأيضًا يدل عليه أنه أخرجه الحاكم في \"مستدركه\" (١) من طريق محمود بن خالد الدمشقي بسنده: ثنا مروان بن محمد الدمشقي، ثنا يزيد بن مسلم الخولاني، وكان شيخ صدق، وكان عبد الله بن وهب يحدث عنه إلى آخر السند والحديث، فلو كان من كلام عبد الله لم يذكر في رواية محمود بن خالد، فما قال صاحب \"العون\" (٢): إنه من كلام عبد الله، وهم. قلت: ذكر ههنا لفظ: عبد الله، ولم يذكر لفظ: محمود، وأخرج حديث محمود بن خالد الحاكم في\n_________\n(١) انظر: \"المستدرك\" (١/ ٤٠٩).\n(٢) \"عون المعبود\" (٥/ ٣).","vol":"6","page":430},{"text":"حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ مَحْمُودٌ: الصَّدَفِىُّ -، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِىَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِىَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ\". [جه ١٨٢٧، قط ٢/ ١٣٨، ك ٩/ ٤٠١]\n===\n\"المستدرك\"، ولعل أبا داود لم يذكر لفظ: محمود؛ لأن في سنده ذكر في موضع أبي يزيد يزيد بن مسلم الخولاني، وكان هذا غير مشهور فتركه.\n(نا سيار) بالمهملة وشدة التحتانية (ابن عبد الرحمن) الصدفي المصري، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (قال محمود) بن خالد شيخ المصنف في صفة سيار: (الصدفي)، ولم يذكره عبد الله بن عبد الرحمن.\n(عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طهرة) (١) أي تطهيرًا (للصيام من اللغو والرفث) أي الفحش من الكلام، (وطعمة) أي إطعامًا (للمساكين، من أداها قبل الصلاة) أي صلاة العيد (فهي زكاة) أي صدقة (مقبولة) أي يقبله الله تعالى كمال القبول؛ لأن الصائم بادر بها وسبق إليها، (ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).\nقال القاري (٢): قال الطيبي: دل هذا الحديث على أنها فريضة، والحنفية على أنها واجبة (٣)، أقول: لعدمِ ثبوتِها بدليل قطعي فهو فرض عملي لا اعتقادي.\n_________\n(١) اسندل به من قال: لا يجب على الصبي كما في \"شرح مسلم\" للنووي (٤/ ٦٧ - ٦٨)، وقال الزرقاني: قال الحسن البصري وسعيد بن المسيب إنما تجب على من صام مستدلًّا بهذا الحديث، وكذا قاله الحافظ (٣/ ٣٣٧)، وأجاب عن الجمهور بأنه خرج مخرج العادة وإلَّا فتجب على متحقق الصلاح وعلى من أسلم قبيل الغروب أو قبيل طلوع الفجر إجماعًا، انتهى. (انظر: \"شرح الزرقاني\" ٢/ ١٤٩). (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٢٥).\n(٣) وقال بعض أصحاب الشافعية والمالكية وداود في آخر أمره: إنه سنة كما في \"شرح =","vol":"6","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن الهمام: وما يُستدل به على الوجوب هو ما استدل به الشافعي على الافتراض؛ فإن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية في كلام الشارع متعين ما لم يقم صارف عنه، والحقيقة الشرعية غير مجرد التقدير خصوصًا في لفظ البخاري ومسلم (١) في هذا الحديث: أنه ﵇ أمر بزكاة الفطر، فمعنى لفظ \"فرض\" هو معنى لفظ \"أمر\"، والأمر الثابت بظن إنما يفيد الوجوب، ولا خلاف في المعنى فإن الافتراض الذي يثبتونه ليس على وجه يكفر جاحده، فهو معنى الوجوب الذي نقول به، غايته أن الفرض في اصطلاحهم أعم من الواجب في عرفنا، فأطلقناه على أحد جزأيه.\nقال في \"البدائع\" (٢). وأما كيفية وجوبها فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال بعضهم: إنما يجب وجوبًا مضيقًا في يوم الفطر عينًا، وقال بعضهم: يجب وجوبًا موسعًا في العمر كالزكاة، والنذور، والكفارات ونحوها، وهذا هو الصحيح؛ لأن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت، فلا يتضيق الوجوب إلَّا في آخر العمر كالأمرِ بالزكاة وسائر الأوامر المطلقة عن الوقت.\nوقال أيضًا: وأما وقت أدائها فجميع العمر عند عامة أصحابنا، ولا تسقط بالتأخير عن يوم الفطر، وقال الحسن بن زياد: وقت أدائها يوم الفطر من أوله إلى آخره، وإذا لم يؤدِّها حتى مضى اليوم سقطت.\nوجه قول الحسن: أن هذا حق معروف بيوم الفطر فيختص أداؤه به كالأضحية.\nووجه قول العامة: أن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت فيجب في مطلق\n_________\n= مسلم\" للنووي (٤/ ٦٧)، انتهى. وقال أبو بكر بن كيسان الأصم: إنها نسخت برواية النسائي، والجمهور على خلافهما، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٢٥١). (ش).\n(١) في الأصل: \"فمسلم\" وهو تحريف.\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٩٨، ٢٠٧).","vol":"6","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>(١٨) بَابٌ: مَتَى تُؤَدَّى</span>؟\n١٦١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ\n===\nالوقت غير عين، وإنما يتعين بتعيينه فعلًا أو بآخر العمر كالأمر بالزكاة والعشر والكفارات وغير ذلك، وفي أي وقت أدى كان مؤديًا لا قاضيًا (١) كما في سائر الواجبات الموسعة، غير أن المستحب أن يخرج قبل الخروج إلى المصلى؛ لأن رسول الله - ﷺ - كذا كان يفعل.\n\n(١٨) (بَابٌ: مَتَى تُؤَدَّى؟)\n١٦١٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير) بن معاوية، (نا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) أي صلاة العيد.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وقد استدل بقوله: \"زكاة الفطر\" على أن وقت وجوبها غروبُ الشمس ليلة الفطر؛ لأنه وقت الفطر من رمضان، وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن الليل ليس محلًّا للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر. والأولُ قولُ الثوري، وأحمد، وإسحاق والشافعي- في الجديد-، وإحدى الروايتين عن مالك. والثاني: قولُ أبي حنيفة، والليث، والشافعي- في القديم-، والرواية الثانية عن مالك. قال ابن دقيق العيد: الاستدلال بقوله: \"زكاة الفطر\" على الوقت ضعيف؛ لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب، بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر.\n_________\n(١) وهكذا عند مالك، لكنه يأثم بالتأخير عنده، وعند الشافعي وأحمد: يكون قاضيًا، وعند ابن القيم: يفوت بالصلاة، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٣١٢) (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٤٣، ١٤٤).","vol":"6","page":433},{"text":"قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَدِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ\". [خ ١٥٠٩، م ٩٨٦، ت ٦٧٧، ن ٢٥٢١]\n===\n(قال) نافع: (فكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين) (١). قال في \"البدائع\" (٢): ولو عجل الصدقة على يوم الفطر لم يذكر في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يجوز التعجيل سنة وسنتين. وعن خلف بن أيوب: أنه يجوز تعجيلها إذا دخل رمضان، ولا يجوز قبله، وذكر الكرخي في \"مختصره\": أنه يجوز التعجيل بيوم أو يومين. وقال الحسن بن زياد: لا يجوز تعجيلها أصلًا، وجه قوله: أن وقت وجوب هذا الحق هو يوم الفطر فكان التعجيلُ أداءَ الواجب قبل وجوبه، وأنه ممتنع كتعجيل الأضحية قبل يوم النحر.\nوجه قول خلف: أن هذه فطرة عن الصوم فلا يجوز تقديمها على وقت الصوم، وما ذكره الكرخي من اليوم واليومين فقد قيل: إنه ما أراد به الشرط، فإن أراد به الشرط فوجهه أن وجوبها لإغناء الفقير في يوم الفطر، وهذا المقصود يحصل بالتعجيل بيوم أو يومين، لأن الظاهر أن المعجل يبقى إلى يوم الفطر، فيحصل الإغناء يوم الفطر، وما زاد على ذلك لا يبقى فلا يحصل المقصود.\nوالصحيح: أنه يجوز التعجيل مطلقًا، وذكرُ السنةِ والسنتين في رواية الحسن ليس على التقدير، بل هو بيان لاستكثار المدة أي يجوز وإن كثرت المدة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ (٣).\nووجهه: أن الوجوب إن لم يثبت فقد وجب سبب الوجوب، وهو رأس\n_________\n(١) به قال أحمد ورواية لمالك، وفي الأخرى له: أنه يؤدى قبل اليوم واليومين عند من يجتمع عنده لا عند الفقراء.\nوقال الشافعي: إذا دخل رمضان، وعندنا مطلقًا ولو للسنين على المشهور، كما في \"الأوجز\" (٦/ ٣٠٧). (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٠٧).\n(٣) سورة التوبة: الآية ٨٠.","vol":"6","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>(١٩) بَابٌ: كَمْ يُؤدَّى في صَدَقَةِ الْفِطْرِ</span>؟\n١٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَقِرَاءةً عَلَى مَالِكٍ أَيْضًا، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ - قَالَ فِيهِ فِيمَا قَرَأَهُ عَلَى مَالِكٍ: \"زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ -: صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ،\n===\nيمونه ويلي عليه، والتعجيل بعد وجوب السبب جائز كتعجيل الزكاة والعشور وكفارة القتل، والله أعلم.\n\n(١٩) (بَابٌ: كَمْ يُؤَدَّى في صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟)\n١٦١١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا مالك، وقراءة على مالك أيضًا) أي حصل لنا الرواية عن مالك بطريقين بتحديث مالك وبالقراءة عليه، (عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر، قال) عبد الله بن مسلمة (فيه) أي في الحديث (فيما قرأه على مالك: زكاة الفطر من رمضان) فزاد في طريق التحديث بالقراءة لفظ \"من رمضان\"، وفي نسخة: فقرأه عليَّ مالك في الأول، وفيما قرأه علي في الثاني، ولم يذكر هذه النسخة في المكتوبة القديمة (صاع من تمر أو صاع من شعير (١)، على كل حر أو عبد) (٢) ظاهره وجوبها على العبد وإن كان سيده يتحملها عنه.\nقال الكرماني (٣): أوجب طائفة على نفس العبد، وعلى السيد تمكينه من كسبها كتمكينه من صلاة الفرض، والجمهور: على سيده عنه، ثم افترقوا فرقتين\n_________\n(١) قال داود: لا يجوز إلَّا منهما لهذا الحديث، وقال الجمهور: وبغيرهما، لغير هذا الحديث كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٢٧٤)، وأجاب ابن الهمام عما استدلوا به على صاع من البر (انظر: \"شرح فتح القدير\" ٢/ ٢٩٢). (ش).\n(٢) استدل به الجمهور على خلاف الليث والزهري وربيعة، إذ قالوا: ليس على أهل البادية زكاة فطر. (ش).\n(٣) \"شرح الكرماني على البخاري\" (٨/ ٤٩) تحت حديث (١٤١٧).","vol":"6","page":435},{"text":"ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ\". [خ ١٥٠٤، م ٩٨٤، ت ٦٧٦، ن ٢٥٠٠، جه ١٨٢٦]\n===\nفقال طائفة: على السيد ابتداء، وكلمة \"على\" بمعنى \"عن\"، وقال آخرون: تجب على العبد ثم يتحملها عنه سيده (١) (ذكر أو أنثى).\nقال العيني (٢): المرأة المزوجة لا تجب فطرتها على زوجها عند أبي حنيفة والثوري وابن المنذر، والحديث حجة لهم. وقال الشافعي ومالك في الصحيح: إنها متابعة للنفقة. (من المسلمين) (٣).\nقال في \"البدائع\" (٤): قال الشافعي: لا تؤدى إلا عن مسلم. وجه قوله: أن الوجوب على العبد، وإنما المولى يتحمل عنه لأن النبي - ﷺ - أمرنا بالأداء عن العبد. والأداء عنه ينبئ عن التحمل، فثبت أن الوجوب على العبد، فلا بد من أهليته الوجوب في حقه، والكافر ليس من أهل الوجوب فلم يجب عليه، ولا يتحمل عنه المولى، لأن التحمل بعد الوجوب، فأما المسلم فمن أهل الوجوب فتجب عليه الزكاة إلا أنه ليس من أهل الأداء لعدم الملك فيتحمل عنه المولى.\nوقال الحنفية: إن العبد المسلم والكافر في وجوب أداء الصدقة عنه\n_________\n(١) قال النووي: قال داود: تجب على العبد، وقال الجمهور: على السيد، لرواية مسلم: \"ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر\"، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٢٧٦). (ش).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٧٦).\n(٣) قال الترمذي (٢/ ٥٤) رقم (٦٧٦): هذا اللفظ انفرد به مالك من أصحاب نافع، ورده النووي (٤/ ٦٩)، وذكر له متابعًا.\nولو سلم فالقيد في الأسباب لا يقيد الإطلاق، فالمطلق على عمومه، كما ثبت في الأصول على أنهم قالوا: لو كان المولى كافرًا والعبد مسلمًا يجب على المولى، فأين قيد المسلمين، ومن أين أوجبوا عليه، فتأمل، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٢٦٤، ٢٧٧، ٢٧٨). (ش).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٩٩، ٢٠٠).","vol":"6","page":436},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nسواء، والدليل لهم: أنه وجد سببُ وجوب الأداء عنه وشرطُه فيجب الأداء عنه.\nوقوله: الوجوب على العبد وإنما المولى يتحمل عنه أداء الواجب فاسد؛ لأن الوجوب على العبد يستدعي أهلية الوجوب في حقه، وهو ليس من أهل الوجوب، لأن الوجوب هو وجوب الأداء، والأداء بالملك، ولا ملك له فلا وجوب عليه، فلا يتصور التحمل.\nوقوله: المأمور به هو الأداء عنه بالنص مسلَّم، لكن لما قلتم إن الأداء عنه يقتضي أن يكون بطريق التحمل، بل هو أمر بالأداء بسببه، وهو رأسه الذي يمونه ويلي عليه ولاية كاملة، فكان في الحديث بيان سببية وجوب الأداء عمن يؤدي عنه لا الأداء بطريق التحمل، فتعتبر أهلية وجوب الأداء في حق المولى، وقد وجدت.\nوروي عن ابن عباس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أدوا صدقةَ الفطر عن كل حرٍّ وعبدٍ صغيرٍ أو كبيرٍ، يهودي أو نصراني أو مجوسي نصفَ صاع من بر أو صاعًا من تمر أو شعير\". وهذا نص في الباب، انتهى.\nقلت: قال الزيلعي (١): أخرجه الدارقطني في \"سننه\" وليس فيه ذكر المجوسي، عن سلام الطويل، عن زيد العمي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ...، لم يسنده غير سلام الطويل وهو متروك ... إلخ.\nقال في \"البدائع\" (٢): والصاع (٣) ثمانية أرطال بالعراقي عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: خمسة أرطال وثلث رطل بالعراقي، وهو قول الشافعي.\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٢/ ٤١٢).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٠٤، ٢٠٥).\n(٣) وأجمل ابن العربي (٣/ ١٨٩) الكلام على الأوزان. (ش).","vol":"6","page":437},{"text":"١٦١٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ،\n===\nوجه قوله: أن صاع المدينة خمسة أرطال وثلث رطل، ونقلوا ذلك عن رسول الله - ﷺ - خلفًا عن سلف.\nولهما ما روي عن أنس أنه قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ بالمد، والمد رطلان، ويغتسل بالصاع، والصاع ثمانية أرطال\"، وهذا نص، ولأن هذا صاع عمر - ﵁ -، ونقلُ أهلِ المدينة لم يصحَّ؛ لأن مالكًا من فقهائهم يقول: صاع المدينة ثبت بتحري عبد الملك بن مروان فلم يصح النقل، وقد ثبت أن صاع عمر - ﵁ - ثمانية أرطال، فالعمل بصاع عمر أولى من (١) صاع عبد الملك.\n١٦١٢ - (حدثنا يحيى بن محمد بن السكن) بن حبيب القرشي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبيد البصري، البزاز، هكذا في \"التقريب\"، و\"تهذيب التهذيب\"، و\"الجمع بين رجال الصحيحين\"، نقط على الزاي الآخرة، وأما في \"الخلاصة\" فقال: البزار، آخره مهملة. وقال الحافظ في \"مقدمة الفتح\" (٢): البزاز بزايين جماعة، وبراء في آخره: الحسن بن الصباح من شيوخ البخاري، وكذا يحيى بن محمد بن السكن، وبشر بن ثابت هؤلاء الثلاثة في البخاري بالراء، ومن عداهم بالزاي، انتهى.\nفعلم أن النقطة في هذه الكتب غلط وتصحيف، سكن بغداد، قال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة: بصري صدوق، وقال إسحاق في مشيخته: رأيت عنده عن ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عامتها مناكير.\n_________\n(١) وفي \"البدائع\": من العمل بصاع عبد الملك.\n(٢) \"هدي الساري\" (ص ٢١٠).","vol":"6","page":438},{"text":"نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَم، نَا إِسمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا، فَذَكَرَ بِمَعْنَى مَالِكٍ. زَادَ: وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ\". [خ ١٥٠٣، م ٩٨٤ - ٩٨٦، ن ٢٥٠٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عن نَافِعٍ (١) قَالَ: \"عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ\".\n===\n(نا محمد بن جهضم، نا إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا، فذكر) عمر بن نافع (بمعنى) حديث (مالك، زاد) عمر بن نافع: (والصغير (٢) والكبير، وأمر) رسول الله - ﷺ - (بها) أي بصدقة الفطر (إن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) أي صلاة العيد، وهذا الأمر كان للاستحباب لما تقدم من حديث ابن عباس: \"من أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات\".\n(قال أبو داود: رواه عبد الله العمري عن نافع قال: على كل مسلم)، أخرج الدارقطني (٣) هذا الحديث من طريق روح: ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: \"فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر على كل مسلم\"، الحديث.\nوكذلك من طريق عبد الوهاب: ثنا عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: \"فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر على كل مسلم\"، الحديث.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بإسناده\".\n(٢) به قال الجمهور، وقالوا: إن كان له مال يخرج من ماله وإلَّا فمن مال الأب، وقال محمد بن الحسن: لا يخرج من ماله بل من مال الأب مطلقًا، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٢٧٦، ٢٧٧). (ش).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٤٠)، وأيضًا أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١١٤).","vol":"6","page":439},{"text":"وَرَوَاهُ سَعِيدٌ الْجُمَحِيُّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِع قَالَ فِيهِ: \"مِنَ الْمُسْلِمِينَ\"، وَالْمَشْهُورُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ: \"مِنَ الْمسْلِمِينَ\".\n١٦١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَبِشْرَ بْنَ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَاهُمْ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.\n(ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِىِّ (١) -ﷺ-: \"أَنَّهُ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، زَادَ مُوسَى: \"وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى\". [خ ١٥١٢، م ٩٨٤، ٩٨٦]\n===\n(ورواه سعيد الجمحي) ابن عبد الرحمن، (عن عبيد الله، عن نافع قال فيه: من المسلمين)، أخرج حديثه الدارقطني في \"سننه\" (٢) (والمشهور عن عبيد الله ليس فيه: من المسلمين).\n١٦١٣ - (حدثنا مسدد، أن يحيى بن سعيد وبشرَ بنَ المفضل حدثاهم) أي مسددًا ومن كان معه من التلامذة، (عن عبيد الله، ح، ونا موسى بن إسماعيل، نا أبان، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -: أنه فرض صدقة الفطر صاعًا من شعير أو تمر (٣)، على الصغير والكبير والحر والمملوك، زاد موسى) بن إسماعيل: (والذكر والأنثى).\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٤٥)، وأيضًا أخرجه أحمد (٢/ ٦٦) و(٢/ ١٣٧)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٩/ ٤٤) رقم (٣٤٢٤ - ٣٤٢٥)، والحاكم (١/ ٤١٠)، والبيهقي (٤/ ١٦٦)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٤/ ٣١٨).\n(٣) لفظة أو للتخيير عندنا وأحمد، وللتقسيم على اعتبار غالب قوت البلد عند الشافعي ومالك، وقال ولي الدين العراقي: ظاهر الحديث التخيير، ومن قال بالغالب حمله عليه، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٢٧٣، ٢٨٩، ٢٩٠، ٢٩١). (ش).","vol":"6","page":440},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ فِيهِ أَيُّوبُ وَعَبْدُ اللهِ- يَعْنِي الْعُمَرِيَّ- في حَدِيثِهِمَا عَنْ نَافِعٍ: \"ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى\" أَيْضًا.\n١٦١٤ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، نَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - صاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ سُلْتٍ، أَوْ زَبِيبٍ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ ﵀، وَكَثُرَتِ الْحِنْطَةُ، جَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الأشْيَاءِ\". [ن ٢٥١٦، قط ٢/ ١٤٥]\n===\n(قال أبو داود: قال فيه أيوب وعبد الله - يعني العمري - في حديثهما عن نافع: ذكر أو أنثى أيضًا) أخرج الدارقطني (١) حديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: \"أن رسول الله - ﷺ - فرض على الذكر والأنثى والحر والعبد صدقة رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من طعام\".\n١٦١٤ - (حدثنا الهيثم بن خالد الجهني، نا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة) بن قدامة، (نا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله - ﷺ - صاعًا من شعير، أو تمر (٢)، أو سلت، أو زبيب). والسلت هو ضرب من الشعير أبيض لا قشر له.\n(قال) نافع: (قال عبد الله: فلما كان عمر ﵀) خليفة (وكثرت الحنطة جعل (٣) عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء). وأعله ابن الجوزي بعبد العزيز بن أبي رواد،\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٤٣)، وأيضًا وصله المصنف بعد هذ الحديث برقم (١٦١٥).\n(٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٦٩): لم تختلف الطرق عن ابن عمر في الاقتصار على التمر والشعير إلا في رواية عبد العزيز هذه، وحكم مسلم عليه بالوهم. (ش).\n(٣) قال الحافظ: حكم مسلم عليه بالوهم، ورجح ابن عبد البر قول ابن عيينة أي بلفظ: فلما كان معاوية ... إلخ. (٣/ ٣٧٢). (ش).","vol":"6","page":441},{"text":"١٦١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: \"فَعَدَلَ النَّاسُ بَعْدُ نِصْفَ\n===\nوقال المنذري (١): وفي إسناده عبد العزيز بن أبي روَّاد وهو ضعيف.\nقلت: قال الحافظ في \"التهذيب\": قال يحيى القطان: عبد العزيز ثقة في الحديث، ليس ينبغي أن يُترَك حديثُه لرأي أخطأ فيه، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة في الحديث متعبد، وقال الحاكم: ثقة عابد مجتهد شريف النسب، وقال العجلي: ثقة، وقال أحمد: كان رجلًا صالحًا وكان مرجئًا، وليس هو في التثبت مثل غيره، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن حبان: كان يحدث على الوهم والحسبان فسقط الاحتجاج به، وقال علي ابن الجنيد: كان ضعيفًا وأحاديثه منكرات، وقال الدارقطني: هو متوسط في الحديث، وربما وهم في حديثه.\nوقال في \"ميزان الاعتدال\" (٢) في ترجمته: قال ابن المبارك: كان من أعبد الناس، وقال أبو حاتم: صدوق متعبد، وقال أحمد: صالح الحديث، وقيل: كان مرجئًا، وقال ابن الجنيد: ضعيف، وقال ابن حبان: روى عن نافع، عن ابن عمر نسخة موضوعة، كذا قال ابن حبان بغير (٣) بينة، وروى أحمد بن (٤) مريم عن يحيى: ثقة، يظن بالإرجاء.\n١٦١٥ - (حدثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي قالا: نا حماد، عن أيوب، عن نافع قال: قال عبد الله) بن عمر: (فعدل) أي سوَّى (الناس (٥) بعد) أي بعد ما جعل عمر نصف صاع حنطةٍ مكان صاع من شعير (نصفَ\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري (١/ ٥٠٤).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٥١٠١).\n(٣) كذا في الأصل، وفي النسخة التي بين أيدينا من \"الميزان\" هكذا: \"هكذا قال ابن حبان، يعتبر منه\"، قلت: لعله تصحيف، والصواب ما في الأصل.\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"الميزان\": أحمد بن أبي مريم.\n(٥) ظاهر ما في \"الفتح\" (٣/ ٣٧٢) أن المراد بالناس معاوية ومن تبعه، فارجع إليه. (ش).","vol":"6","page":442},{"text":"صَاعٍ مِنْ بُرٍّ قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهَلَ الْمَدِينَةِ التَّمْرُ عَامًا، فَأَعْطَى الشَعِيرَ\". [خ ١٥١١، م ٩٨٤، ن ٢٥٠٠، ت ٦٧٥]\n١٦١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِى ابْنَ قَيْسٍ -، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: \"كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَكَاةَ (١) الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ: صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ (٢) صَاعًا مِنْ أَقِطٍ،\n===\nصاع من بر) صاع تمر وشعير، أو معناه: مال الناس بعد إلى نصف صاع. (قال) نافع: (وكان عبد الله) بن عمر (يعطي) في صدقة الفطر (التمرَ، فأعوز) أي أعدم (أهل المدينة التمر عامًا فأعطى الشعير) مكان التمر.\n١٦١٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا داود -يعني ابن قيس-، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسولُ الله - ﷺ - زكاةَ الفطر عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، صاعًا من طعام) قال علماؤنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعم (٣)، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام، وقال الشافعية: المراد من الطعام البر (أو صاعًا من أقط) (٤) بفتح الهمزة وكسر القاف، وقد ضبط بعضهم الأقط بتثليث الهمزة\n_________\n(١) في نسخة: \"صدقة\".\n(٢) هكذا في النسخ، وكلام العيني (٦/ ٥٨٠، ٥٨١) أنه بدون لفظ \"أو\"، ولذا استدل به على أن هذا وما بعده تفسير لقوله: طعامًا، فتأمل. (ش).\n(٣) فقد أخرج البخاري (١٥١٠): قال أبو سعيد: وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب. (ش).\n(٤) قال الحافظ (٣/ ٣٧٢، ٣٧٣): لم يذكر البخاري الأقط، وهو ثابت في حديث أبي سعيد، وكأنه لا يراه مجزءًا في حال وجدان غيره كقول أحمد، وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك أو لم يقدر على غيره، وظاهر الحديث يخالفه، وعند الشافعية فيه خلاف، وزعم الماوردي أنه يختص بأهل البادية، وأما الحاضرة فلا يجزئ عنهم بلا خلاف، وتعقبه النووي بأن الخلاف في الجميع. وذكر الموفق (١/ ٢٨١) في المسألة قولين لهم، وبسطه. (ش).","vol":"6","page":443},{"text":"أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّى أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاء\n===\nوإسكان القاف، وهو لبن يابس غير منزوع الزبد، وهو الكشك، وفي الهندية \"بنير\"، قال ابن الملك: في الأقط خلاف، وظاهر الحديث يدل على جوازه.\nوقال في \"البدائع\" (١): وأما الأقط فتعتبر فيه القيمة لا يجزئ إلَّا باعتبار القيمة.\nوقال مالك: يجوز أن يخرج صاعًا من أقط، وهذا غير سديد؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق به (٢)، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلَّا باعتبار القيمة كسائر الأعيان التي لم يقع التنصيص عليها من النبي - ﷺ -.\nوقال الشافعي: لا أحب أن يخرج الأقط، فإن أخرج صاعًا من أقط لم يتبين لي أن عليه الإعادة.\n(أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب) (٣) قال القاري (٤): وفي رواية: نصف صاع، وهو رواية عن أبي حنيفة (٥)، رواها الحسن عنه، وصححها أبو اليسر، (فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية) المدينة (حاجًّا، أو) للشك (معتمرًا، فكلم الناس على المنبر) أي خطبهم (فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى أن مدين) أي نصف صاع (٦) (من سمراء)\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٠٤).\n(٢) لكنه في رواية مسلم والبخاري بعدة طرق. (ش).\n(٣) خالفه الظاهرية إذ قالوا: لا يجوز من غير التمر والشعير، كما في \"الأوجز\" (٦/ ٢٧٤). (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٢٩).\n(٥) وبه قال صاحباه والأئمة الثلاثة، وعليه الفتوى، كما في \"الأوجز\" (٦/ ٢٨٣). (ش).\n(٦) قال النووي (٤/ ٦٩): أخذ به أبو حنيفة وموافقوه، وقال الجمهور: إنه رأي صحابي خالفه أبو سعيد وغيره، فلا حجة فيه. =","vol":"6","page":444},{"text":"الشَّام تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ\". [خ ١٥٠٦، م ٩٨٥، ت ٦٧٣، جه ١٨٢٩، ن ٢٥١٣، دي ١٦٦٣، قط ٢/ ١٤٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَعَبْدَةُ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ بِمَعْنَاهُ، وَذَكَرَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ:\n===\nأي حنطة (الشام تعدل) أي تساوي (صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، فقال أبو سعيد: فاْما أنا فلا أزال أخرجه) أي صاعًا من كل شيء (أبدًا ما عشت).\nأما حديث أبي سعيد هذا فليس فيه دليل الوجوب بل هو حكايه عن فعله، فيدل على الجواز، وبه نقول، فيكون الواجب نصف صاع، وما زاد يكون تطوعًا على أن المروي من لفظ أبي سعيد - ﵁ - قال: \"كنت أخرج على عهد رسول الله - ﷺ - صاعًا من طعام، صاعًا من تمر، صاعًا من شعير\"، فيجعل قوله: صاعًا من تمر، صاعًا من شعير تفسيرًا لقوله: صاعًا من طعام.\n(قال أبو داود: رواه ابن علية) أي إسماعيل (وعبدة وغيرهما عن ابن إسحاق) محمد، (عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام) بن خويلد الأسدي الحزامي، له في النسائي وأبي داود حديث واحد في صدقة الفطر، قلت: ويقال فيه: عبيد الله مصغرًا. (عن عياض) بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح (عن أبي سعيد بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (وذكر رجل واحد) وهو يعقوب الدورقي (فيه) أي في هذا الحديث (عن ابن علية:\n_________\n= وقال أيضًا: وهي صاع من زبيب وحنطة عند مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة وأحمد: نصف صاع، ولكن الموفق (١/ ٢٨١) لم يذكر مذهبه إلا صاعًا من كل شيء بر وغيره، وضعف حديث ثعلبة، وكذا في \"الروض المربع\" (١/ ١٣١)، قلت: واستدل للحنفية بما في \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٤٧) عن أسماء: \"كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله - ﷺ - مدين من قمح\". (ش).","vol":"6","page":445},{"text":"\"أَوْ صَاعَ حِنْطَةٍ\"، وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ.\n١٦١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحِنْطَةِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ ذَكَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ فِى هَذَا الْحَدِيثِ، عَنِ الثَّوْرِىِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ: «نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ»، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، أَوْ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ.\n===\nأو صاع حنطة، وليس بمحفوظ) (١).\nوحديث يعقوب الدورقي عن ابن علية أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢): حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل المحاملي وعبد الملك بن أحمد الدقاق قالا: نا يعقوب الدورقي، ثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله ابن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح قال: قال أبو سعيد، وذكروا عنده صدقة رمضان، فقال: لا أخرج إلَّا ما كنت أخرج على عهد رسول الله - ﷺ - صاعًا من تمر، أو صاعًا من حنطة، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح؟ قال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها.\n١٦١٧ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل، ليس فيه)، أي في حديث مسدد عن إسماعيل (ذكر الحنطة، قال أبو داود: وقد ذكر معاوية بن هشام في هذا الحديث عن الثوري) أي سفيان، (عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد: نصف صاع من بر، وهو وهم من معاوية بن هشام، أو ممن رواه عنه) ولم أجد رواية معاوية بن هشام التي فيها ذكر: نصف صاع من بر، فيما عندي من الكتب.\n_________\n(١) قلت: وفي \"التعليق الممجد\" (٢/ ١٦٥) في رواية الخدري أيضًا: مدين من قمح، وهكذا في الزيلعي (٢/ ٤١٨)، و\"الدراية\" (١/ ٢٧١) عن \"طبقات ابن سعد\"، وذكر في \"الجوهر النقي\" (٤/ ١٧٠) مذهب الخدري كالحنفية، وأخرج الطحاوي (٢/ ٤٤) عنه مرفوعًا كقولنا، فاختلفت الروايات عن الخدري. (ش).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٤٥، ١٤٦).","vol":"6","page":446},{"text":"١٦١٨ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ سَمِعَ عِيَاضًا قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: \"لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إلَّا صَاعًا، إِنَّا كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَاعَ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ أَقِطٍ، أَوْ زَبِيبٍ\". هَذَا (١) حَدِيثُ يَحْيَى. زَادَ سُفْيَانُ: أَوْ صَاع (٢) مِنْ دَقِيقٍ.\nقَالَ حَامِدٌ: فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَتَرَكَهُ سُفْيَانُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهَمٌ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. [ن ٢٥١٤، خزيمة ٢٤١٤]\n===\n١٦١٨ - (حدثنا حامد بن يحيى، أنا سفيان، ح: ونا مسدد، نا يحيى) القطان، كلاهما أي سفيان ويحيى القطان (عن ابن عجلان) محمد، (سمع عياضًا قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: لا أخرج أبدًا إلَّا صاعًا) من كل شيء. (إنا كنا نخرج على عهد رسول الله - ﷺ - صاع تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب، هذا حديث يحيى، زاد سفيان: أو صاع من دقيق، قال حامد) شيخ المصنف: (فأنكروا) أي المحدثون (عليه) هذه الزيادة (فتركه سفيان. قال أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة).\nقال البيهقي (٣) بعد ما حكى هذا الكلام عن أبي داود: قال الشيخ: ورواه جماعة عن ابن عجلان منهم حاتم بن إسماعيل، ومن ذلك الوجه أخرج مسلم في \"الصحيح\" ويحيى القطان وأبو خالد الأحمر وحماد بن مسعدة وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم الدقيق غير سفيان، وقد أنكر عليه فتركه، وروي عن محمد بن سيرين عن ابن عباس مرسلًا موقوفًا على طريق التوهم، وليس بثابت، وروي من أوجه ضعيفة لا تَسْوَى ذكرها، انتهى.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وحديث يحيى\".\n(٢) في نسخة: \"صاعًا\".\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٣٢).","vol":"6","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>(٢٠) بَابُ مَنْ رَوَىَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ</span>\n١٦١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ،\n===\nقلت: وقد أخرج الدارقطني (١) من طريق العباس بن يزيد، ثنا سفيان ابن عيينة، ثنا ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول ...، الحديث. وفيه: قال أبو الفضل: فقال له علي بن المديني، وهو معنا: يا أبا محمد، أحد لا يذكر في هذا الدقيق؟ قال: بل هو فيه، وأخرج من طريق سعيد بن الأزهر الواسطي، ثنا ابن عيينة بهذا السند، وفيه: صاع من دقيق، فلعل سفيان يذكر الدقيق فيه أولًا وتيقن به، ثم وقع الشك فيه فتركه.\n\n(٢٠) (بَابُ مَنْ رَوَى نِصْف صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ)، وهو الحنطة\n١٦١٩ - (حدثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي قالا: نا حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد) الجزري، أبو إسحاق الرقي، مولى بني أمية، يقال: إنه أخو إسحاق بن راشد، قال أبو حاتم: لم يصح عندي ذلك.\nقال علي بن المديني: ذكره يحيى القطان فضعفه جدًّا، وقال أحمد: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير، وقال ابن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري وأبو حاتم: في حديثه وهم كثير، وهو في الأصل صدوق، وقال أبو داود: ضعيف، وقال النسائي: ضعيف كثير الغلط، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال النسائي: صدوق فيه ضعف، وقال ابن معين مرة: ضعيف مضطرب الحديث، وقال مرة: ثقة، وقال العقيلي: ليس بالقوي يُعَرف فيه الضعف.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٤٦).","vol":"6","page":448},{"text":"عَنِ الزُّهْرِىِّ - قَالَ مُسَدَّدٌ: عَنْ ثَعْلَبَةَ (١) بْن أَبِى صُعَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِى صُعَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ:\n===\n(عن الزهري، قال مسدد: عن ثعلبة بن أبي صعير) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": ثعلبة بن صعير، ويقال: ابن عبد الله بن صعير، ويقال: ابن أبي صعير، ويقال: عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري، له حديث واحد عن النبي - ﷺ - في صدقة الفطر، وعنه ابنه عبد الله، وفيه خلاف كثير أخرجه أبو داود على الاختلاف فيه، قال يحيى بن معين: ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، وثعلبة بن أبي مالك جميعًا قد رأيا النبي - ﷺ -. قلت: وقال الدارقطني: الصواب فيه عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير، لثعلبة صحبة، ولعبد الله رؤية.\n(عن أبيه، وقال سليمان بن داود: عبد الله بن ثعلبة، أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: صاع من بر أو) للشك يدل عليه ما أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) من طريق عفان، قال: سألت حماد بن زيد عن صدقة الفطر، فحدثني عن نعمان بن راشد، عن الزهري، عن ابن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أدوا صاعًا من قمح، أو صاعًا من بر- وشك حماد- عن كل اثنين\"، الحديث، فعلى هذا الشاك حماد بن زيد (قمح على كلّ اثنين) (٣) أي نصف صاع من البر على كل\n_________\n(١) في نسخة: \"ثعلبة بن عبد الله\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٤٣٢).\n(٣) رواه الموفق (٤/ ٢٨٧) مؤيدًا لمذهبهم بلفظ: كل إنسان، وتبويب أبي داود يأباه، ثم ذكره الموفق في موضع آخر، ثم قال: وفي رواية أبي داود: عن كل اثنين، فعلم أنهما روايتان بكلا اللفظين فبقي الترجيح، قلت: ويستدل للحنفية بما في \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٥٥): عن أسماء: كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله - ﷺ - مدين من قمح. (ش).","vol":"6","page":449},{"text":"صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ تعالي، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ». زَادَ سُلَيْمَانُ فِى حَدِيثِهِ: \"غَنِىٍّ أَوْ فَقِيرٍ\". [حم ٥/ ٤٣٢، ق ٤/ ١٦٧]\n===\nواحد منهما (صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، أما غنيكم) إذا أعطى (فيزكيه) أي فيطهر (الله تعالى) نفسه وماله، (وأما فقيركم فيرد الله تعالى عليه أكثر مما أعطاه) المساكين، والمراد بالفقير عندنا: الفقير بالإضافة إلى أكابر الأغنياء (١)، أو يقال: إن الفقير إذا أعطى متطوعًا من غير أن يجب عليه يرد الله عليه أكثر مما أعطى.\nوأما على مذهب الشافعي (٢) فمن ملك صدقة الفطر زيادة على قوت نفسه وعياله ليوم العيد وليلته، (زاد سليمان في حديثه: غني أو فقير).\nقال القاري (٣): قال ابن الهمام: هو حديث مروي في \"سنن أبي داود\"، والدارقطني، و\"مسند عبد الرزاق\"، وقد اختلف في الاسم، والنسبة، والمتن؛ فالأول: أهو ثعلبة بن أبي صعير، أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، أو عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه؟ .\nوالثاني: أهو العدوي أو العذري؟ فقيل: العدوي نسبة إلى جده الأكبر عدي، وقيل: العذري، وهو الصحيح، ذكره في \"المغرب\" وغيره، وقال أبو علي الغساني في \"تقييد المهمل\": العذري بضم الذال المعجمة والراء (٤)، هو عبد الله بن ثعلبة بن صعير، أبو محمد، حليف بني زهرة، رأى النبي - ﷺ -، والعدوي تصحيف.\n_________\n(١) ذلك أن النصاب شرط الوجوب عندنا، وسيأتي المستدل، وأجاب القاري (٤/ ٣٣٢) عن الحديث بأن ذكر الفقير فيه شاذ. (ش).\n(٢) وبه قال مالك وأحمد، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٢٧٢). (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٣٢، ٣٣٣).\n(٤) كذا ضبطه القاري في \"المرقاة\" (٤/ ٣٣٢) وفيه سقوط، والصواب: بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، وفي آخرها الراء. انظر: \"الأنساب\" (٤/ ١٧١).","vol":"6","page":450},{"text":"١٦٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّارَابِجِرْدِيُّ (١):\n===\nوالثالث: أهو \"أدوا صدقة الفطر صاعًا من تمر أو قمح عن كل رأس\"، أو هو \"صدقة الفطر صاع من بر أو قمح عن كل اثنين\"؟ قال في \"الإِمام\": ويمكن أن يصرف رأس إلى اثنين، لكن تبعده رواية بين اثنين. وهي من طرقه الصحيحة التي لا ريب فيها طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة قال: خطب رسول الله - ﷺ - الناس قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، فقال: \"أدوا صاعًا من بر أو قمح بين اثنين، أو صاعًا من تمر أو شعير، عن كل حر وعبد، صغير أو كبير\"، وهذا سند صحيح، انتهى.\n١٦٢٠ - (حدثنا علي بن الحسن) بن موسى الهلالي، أبو الحسن بن أبي عيسى، كتب في \"التقريب\": (الدَّارَابِجِرْدِيّ) بالدال المهملة، بعدها ألف، ثم قال: بكسر الموحدة والجيم وسكون الراء، وفي \"الخلاصة\"، و\"تهذيب التهذيب\": الدرابجردي بغير ألف بعد الدال، وكتب في \"حاشية الخلاصة\" حكايته عن \"التهذيب\": نسبة إلى دارابجرد، محلة متصلة في الصحراء بأعلى نيسابور.\nوقال السمعاني في \"الأنساب\" (٢): الدارابجردي: بفتح الدال، والراء المهملتين، وسكون الباء المنقوطة بواحدة، وكسر الجيم، وسكون الراء، وكسر الدال المهملتين، هذه النسبة إلى دارابجرد، وهي بلدة من بلاد فارس، خرج منها جماعة من العلماء والمحدثين، منهم أبو علي الحسن بن محمد بن يوسف الدارابجردي، وأما أبو الحسن علي بن الحسن بن موسى بن ميسرة الدارابجردي، فهو منسوب إلى محلة من محال نيسابور، يقال لها: دارابجرد. وظني أن أهل دارابجرد فارس كانوا ينزلون إليها فنسبت المحلة إليهم، وعلي بن\n_________\n(١) في نسخة: \"الدرابجردي\".\n(٢) \"الأنساب\" (٥/ ٢٤٢).","vol":"6","page":451},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - هُوَ ابْنُ وَائِلٍ -، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ قَالَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِىُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ بَكْرٍ الْكُوفِىِّ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: هُوَ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ بْنِ دَاوُدَ - أَنَّ الزُّهْرِىَّ حَدَّثَهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَطِيبًا، فَأَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ: صَاعِ تَمْرٍ أَوْ صَاعِ شَعِيرٍ، عَنْ كُلِّ رَأْسٍ - زَادَ عَلِىٌّ فِى حَدِيثِهِ: أَوْ صَاعِ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ اتَّفَقَا - عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ\". [خزيمة ٢٤١٠، ق ٤/ ١٦٧ - ١٦٨، قط ٢/ ١٤٨]\n===\nالحسن هذا من هذه المحلة، وهي من محالها بالصحراء من أعلى البلد (نا عبد الله بن يزيد) المقرئ، (نا همام) بن يحيى.\n(نا بكر هو ابن وائل) بن داود التيمي الكوفي، قال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، مات قبل أبيه، قلت: وقال الحاكم: وائل وابنه ثقتان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عبد الحق في \"الأحكام\": ضعيف، ورد ذلك عليه ابن القطان فأجاد، وقال: لم يذكره أحد ممن صنف في الضعفاء، ولا قال فيه أحد: إنه ضعيف.\n(عن الزهري، عن ثعلبة بن عبد الله، أو قال) الزهري: (عبد الله بن ثعلبة، عن النبي - ﷺ -، ح: ونا محمد بن يحيى النيسابوري، نا موسى بن إسماعيل، نا همام، عن بكر الكوفي- قال محمد بن يحيى: هو بكر بن وائل بن داود- أن الزهري حدثهم، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه) ولم يشك، وزاد لفظ: عن أبيه (قال: قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا، فأمر بصدقة الفطر صاع تمر أو صاع شعير، عن كل رأس، زاد علي) بن الحسن (في حديثه: أو صاع بُرٍّ أو قمح بين اثنين، ثم اتفقا) أي علي بن الحسن ومحمد بن يحيى (عن الصغير والكبير، والحر والعبد).","vol":"6","page":452},{"text":"١٦٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ - قَالَ ابْنُ صَالِحٍ: قَالَ: الْعَدَوِىُّ وَإِنَّمَا هُوَ الْعُذْرِىُّ - خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ الْمُقْرِئِ. [قط ٢/ ١٥٠]\n١٦٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ (١): حُمَيْدٌ أَخْبَرَنَا\n===\n١٦٢١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج قال: وقال ابن شهاب: قال عبد الله بن ثعلبة) بلا شك، فالحاصل أنه أخرج أولًا حديث نعمان بن راشد عن الزهري، ثم أخرج من حديث عبد الله بن يزيد، عن همام، عن بكر بن وائل وكان فيهما بالشك، ثم أخرج حديث موسى بن إسماعيل، عن همام، عن بكر، عن الزهري من غير شك. ثم أخرج حديث ابن جريج عن الزهري من غير شك.\n(قال ابن صالح) أحمد: (قال) عبد الرزاق: (العدوي، وإنما هو العذري)، حاصله أن أبا داود يقول: قال شيخي أحمد بن صالح: إن شيخه عبد الرزاق قال في صفة عبد الله بن ثعلبة لفظَ: العدوي. وهو ليس بصحيح، وإنما هو العذري (خطب رسول الله - ﷺ - الناس قبل الفطر بيومين بمعنى حديث المقرئ) عبد الله بن يزيد المذكور.\n١٦٢٢ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا سهل بن يوسف) الأنماطي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، البصري، عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الدارقطني: ثقة، وقال الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود: بصري ثقة.\n(قال) أي سهل بن يوسف: (حميد أخبرنا) حميد مبتدأ، وأخبَرَنا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حدثنا\".","vol":"6","page":453},{"text":"عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: \"خَطَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِى آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا، قَالَ: مَنْ هَا هُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِىٌّ رَأَى رُخْصَ السِّعْرِ قَالَ: قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ. قَالَ حُمَيْدٌ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَرَى صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَلَى مَنْ صَامَ\". [ن ٢٥١٥، حم ١/ ٣٥١، قط ٢/ ١٥٢]\n===\nخبره بصيغة المعلوم، فتقدير العبارة: قال سهل بن يوسف: أخبرنا حميد (عن الحسن قال: خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة) وكان واليًا عليها (فقال: أخرجوا صدقة صومكم) أي صدقة الفطر (فكأنَّ) حرف مشبه بالفعل (الناس لم يعلموا) أي لم يفقهوا صدقة الفطر (قال) ابن عباس: (من) موصوفة أو استفهامية (ها هنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم) من أهل البصرة (فعلِّموهم) أحكامَ صدقةِ الفطر (فإنهم لا يعلمون).\n(فرض رسول الله - ﷺ - هذه الصدقة صاعًا من تمر أو شعير، أو نصفَ صاع من قمح، على كل حر أو مملوك، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير فلما قدم عليٌّ) البصرة (رأى رخص السعر) وهو ضد الغلاء (قال) علي: (قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه) أي المؤدَّى في صدقة الفطر (صاعًا من كل شيء) أي من الحنطة وغيرها لكان أحسن.\n(قال حميد: وكان الحسن يرى صدقة رمضان) أي صدقة الفطر (على من صام)، أي كان مذهبه أن صدقة الفطر لا تجب على الصبيان، ولكن لم نقف على دليله.","vol":"6","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-587>(٢١) بَابٌ: في تَعْجِيلِ الزَّكاةِ</span>\n١٦٢٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، نَا شَبَابَةُ، عن وَرْقَاءَ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَج، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَمَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ،\n===\n\n(٢١) (بَابٌ: في تَعْجيلِ الزَّكَاةِ) (١)\n١٦٢٣ - (حدثنا الحسن بن الصباح، نا شبابة) بن سوار، (عن ورقاء) بن عمر، (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: بعث النبي - ﷺ - عمر بن الخطاب - ﵁ -) أي ساعيًا (على الصدقة) أي الزكاة الفرض؛ لأن التطوعات لا تبعث عليه السعاة، وقال ابن القصار المالكي: الأليق أنها صدقة التطوع لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض (٢)، وتعقب بأنهم ما منعوه كلهم جحدًا ولا عنادًا.\nأما ابن جميل فقد قيل: إنه كان منافقًا ثم تاب بعد ذلك، كذا حكاه المهلب، وجزم القاضي حسين في تعليقه أن فيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ (٣) الآية، والمشهور أنها نزلت في ثعلبة.\nوأما خالد فكان متأولًا بإجزاء ما حبسه عن الزكاة وكذلك العباس، قاله الحافظ (٤).\n(فمنع ابن جميل) قائل ذلك عمر، قال الحافظ: لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع في تعليق القاضي الحسين المروزي الشافعي، وتبعه الرؤياني: أن اسمه عبد الله، ووقع في شرح الشيخ سراج الدين ابن الملقن: أن ابن بزيزة سماه حميدًا، ولم أر ذلك في كتاب ابن بزيزة، ووقع في رواية\n_________\n(١) واختلف الأئمة في ذلك كما بسط في \"الأوجز\" (٦/ ٣٠٦، ٣٠٧). (ش).\n(٢) ويؤيده أن عبد الرزاق ذكر هذا الحديث، وروى أنه ﵇ ندب إلى الصدقة، الحديث، قاله النووي (٤/ ٦٤). (ش).\n(٣) سورة التوبة: الآية ٧٥.\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٣٣).","vol":"6","page":455},{"text":"وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﷿،\n===\nابن جريج: أبو جهم بن حذيفة، بدل: ابن جميل، وهو خطأ لإطباق الجميع على ابن جميل، وذكر بعض المتأخرين أن أبا عبيد البكري ذكر في \"شرح الأمثال\" له: أنه أبو جهم بن جميل (وخالد بن الوليد، والعباس) بن عبد المطلب.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: ما ينقم) بكسر القاف أي ما ينكر أو يكره (ابن جميل إلَّا أن كان فقيرًا فأغناه الله). وفي رواية البخاري (١): \"فأغناه الله ورسوله\"، قال الحافظ: إنما ذكر رسول الله - ﷺ - نفسه لأنه كان سببًا لدخوله في الإِسلام، فأصبح غنيًّا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله، وأباح لأمته من الغنائم، وهذا السياق من باب تأكيد المدح (٢) بما يشبه الذم؛ لأنه إذا لم يكن له عذر إلَّا ما ذكر من أن الله أغناه فلا عذر له، وفيه التعريضُ بكفران النعم وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان.\n(وأما خالد بن الوليد فإنكم تظلمون خالدًا) أي تظلمونه بطلب الزكاة منه إذ ليس عليه زكاة؛ لأنه (فقد احتبس) أي وقف (أدراعه) جمع الدرع (وأعتُدَه) جمع عتاد، وهو ما أعده الرجال من السلاح والدواب وآلات الحرب (في سبيل الله ﷿) وأنتم تظلمونه بأن تعدوها من عروض التجارة فتطلبون الزكاة منه.\nوفيه دليل على جواز احتباس آلات الحرب حتى الخيل والإبل والثياب والبسط، وعلى جواز وقف المنقولات كما قال به محمد - ﵀ -، وقيل: تظلمونه بدعوى منع الزكاة منه، والحال أنه قد وقف تبرعًا سلاحَه في سبيل الله، أو قصد باحتباسها إعدادها للجهاد دون التجارة، وقيل: تظلمونه بطلب ما زاد على الواجب، فإنه قد احتبس الأدراع والأعتد في سبيل الله، فكيف يمنع الزكاة\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٤٦٨).\n(٢) كتب الشيخ محمد أسعد الله: بل تأكيد الذم بما يشبه المدح. (ش).","vol":"6","page":456},{"text":"وَأَمَّا الْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَهِىَ عَلَىَّ وَمِثْلُهَا»، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ الأَبِ»، أَوْ: «صِنْوُ أَبِيهِ». [خ ١٤٦٨، م ٩٨٣، ن ٢٤٦٤، قط ٢/ ١٢٣، خزيمة ٢٣٣٠]\n===\nالتي هي من فرائض الله المؤكدة، وقيل: بدعوى أنه غني وقد احتبس من رهن أسلحته المحتاج إليها في سبيل الله، أو لأجل مرضاة الله، ففي تعليلية.\n(وأما العباس عم رسول الله - ﷺ - فهي) أي صدقة العباس للسنة الذاهبة (علي، ومثلها) معها أي مثل تلك الصدقة في كونها فريضة عام آخر لا في السنين والقدر، قيل: أخر عنه زكاة عامين لحاجة بالعباس، وتكفل بها عنه.\nويعضده ما في \"جامع الأصول\" (١): أنه ﵊ أوجبها عليه، وضمَّنَها إياه ولم يقبضها، وكان دينًا على العباس لأنه رأى به حاجة. وقيل: تأويله أنه ﵊ أخذ منه زكاة سنتين تقديمًا عام شكا العامل.\nويؤيده ما روي أنه ﵇ قال (٢): \"إنا تسلَّفنا من العباس صدقة عامين\" (٣). وروي: \"إنا تعجلنا\"، والجمع بين الروايتين بالحمل على وقوع القضيتين، وفي رواية البخاري: \"فهي عليه صدقة ومثلها معها\"، فالمعنى فهي صدقة ثابتة عليه سيصدق بها، ويضيف إليها مثلها كرمًا.\n(ثم قال: أما شعرت) بفتح العين والهمزة استفهامية، أي: أما علمت (أن عم الرجل صنو الأب، أو صنو أبيه) بكسر الصاد وسكون النون، أي مثله ونظيره، إذ يقال لنخلتين نبتتا من أصل واحد: صنوان، ولأحدهما صنو، والمعنى: أما تنبهت أنه عمي وأبي فكيف تتهمه بما ينافي حاله؟ ! لعل له عذرًا وأنت تلومه، وقيل: المعنى: لا تؤذه رعاية لجانبي، ومناسبة الحديث بالباب في قوله: \"فهي علي ومثلها\"، بأنه - ﷺ - أخذها منه معجلًا، فثبت بذلك تعجيل الزكاة.\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأصول\" (٤/ ٥٧٢).\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٦٧٩).\n(٣) ولما لم يجوزه الشافعية أولوها كما في \"شرح الإحياء\". (انظر: \"إتحاف السادة المتقين\" ٤/ ١٤٥). (ش).","vol":"6","page":457},{"text":"١٦٢٤ - حَدَّثَنَا سعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عن الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عن الْحَكَمِ، عن حُجَيّةَ، عن عَلِيٍّ: \"أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبيَّ - ﷺ - في تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ تَحُلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ في ذَلِكَ\" (١). [ت ٦٧٨، جه ١٧٩٥، دي ١٦٣٦، خزيمة ٢٣٣١، حم ٤/ ١٠٤، ق ١/ ١١١، ك ٣/ ٣٣٢، قط ٢/ ١٢٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ هُشَيْمٌ، عن مَنْصُورِ بْنِ زَاذَان، عن الْحَكَمِ، عن الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، وَحَدِيثُ هُشَيْمٍ أَصَحُّ.\n===\n١٦٢٤ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا إسماعيل بن زكريا، عن الحجاج بن دينار، عن الحكم) بن عتيبة، (عن حجية) كعلية، ابن عدي الكندي الكوفي، قال في \"الميزان\" (٢) قال أبو حاتم: شبه مجهول، لا يحتج به، قلت: روى عنه الحكم، وسلمة بن كهيل، وأبو إسحاق، وهو صدوق إن شاء الله، قد قال فيه العجلي: ثقة، قال في \"التهذيب\": ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن علي: أن العباس سأل النبي - ﷺ - في تعجيل الصدقة قبل أن تحل) أي قبل حلول وقتها، (فرخص له) أي للعباس (في ذلك)، أي في تعجيل الصدقة.\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم، عن النبي - ﷺ -، وحديث هشيم) مرسل؛ لأن الحسن تابعي لم يذكر الصحابي، والمرسل (أصح) (٣) قال الشوكاني (٤): حديث علي أخرجه الخمسة إلَّا النسائي، وأيضًا الحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وفيه اختلاف ذكره الدارقطني، ورجح إرساله، وكذا رجحه أبو داود.\n_________\n(١) زاد في نسخة بعده: \"قال مرة: فأذن له في ذلك\".\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٤٦٦)، رقم (١٧٥٩).\n(٣) قلت: كذا قال الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٢٣)، وفي \"علله\" (٣/ ١٨٩)، والبيهقي (٤/ ١١١)، والبزار (٤/ ٣٠٤)، رقم (١٤٨٢)؛ كلهم أجمعوا على أن الأصح ما رواه منصور عن الحكم عن الحسن بن مسلم مرسلًا.\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٠٨).","vol":"6","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>(٢٢) بَابٌ في الزَّكَاةِ تُحْمَلُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ</span>\n١٦٢٥ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَنَا أَبِي، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَطَاءٍ مَوْلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عن أَبِيهِ: \"أَنَ زِيَادًا - أَوْ بَعْضَ الأُمَرَاءِ- بَعَثَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لِعِمْرَانَ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: وَللْمَالِ أَرْسَلْتَنِي؟ أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ -\". [جه ١٨١١، ك ٣/ ٤٧١]\n===\n\n(٢٢) (بَابٌ: في الزَّكَاةِ تُحْمَلُ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ) (١)\n١٦٢٥ - (حدثنا نصر بن علي، أنا أبي) علي بن نصر، (أنا إبراهيم بن عطاء) بن أبي ميمونة البصري، مولى أنس، وقيل: (مولى عمران بن حصين) قال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: هو أحب إليَّ من روح بن عطاء، قلت: ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) أي عطاء بن أبي ميمونة: (أن زيادًا) هو ابن أبي سفيان، وكانت عائشة - ﵂ - تقول: زياد ابن أبيه (أو بعض الأمراء بعث عمرانَ بن حصين على الصدقة، فلما رجع) أي عمران ولم يأت المال إليه (قال) الأمير (لعمران: أين المال؟ قال: وللمال) بتقدير همزة الاستفهام (أرسلتني؟) بل أرسلتني عاملًا على الصدقة لأنه تقسم في بلدها، فلهذا (أخذناها) أي الصدقات (من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله - ﷺ -، ووضعناها) أي صرفناها إلى مستحقيها (حيث كنا نضعها على عهد رسول الله - ﷺ -).\nقال الشوكاني (٢): وفي الباب عن معاذ عند الشيخين: أن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) لا يجوز النقل عند الثلاثة، ولو نقل أجزأ عند المالكية، ولا يجزئ عند الشافعية، وعن الحنابلة روايتان. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١١٠).","vol":"6","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>(٢٣) بَابُ مَنْ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ، وَحَدُّ الْغِنَى</span>\n١٦٢٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى بْنُ آدم، نَا سُفْيَانُ، عن حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ،\n===\nلما بعثه إلى اليمن قال له: \"خذها من أغنيائهم وضعها في فقرائهم\". وقد استدل بهذه الأحاديث على مشروعيةِ صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله، وكراهةِ صرفها في غيرهم، وقد روي عن مالك والشافعي والثوري: أنه لا يجوز صرفها في غير فقراء البلد، وقال غيرهم: إنه يجوز مع كراهته لِما عُلم بالضرورة أن النبي - ﷺ - كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة، ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار.\nوفي \"الدر المختار\" (١): وكره نقلها من بلد إلى آخر، إلَّا إلى قرابة، أو أحوج، أو أصلح، أو أورع، أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإِسلام، أو إلى طالب علم، أو إلى الزهاد، أو كانت معجلة قبل تمام الحول: فلا يكره.\n\n(٢٣) (بَابُ مَنْ يُعْطَى) بصيغة المجهول (مِنَ الصَّدقةِ، وَحَدُّ الغِنَى) (٢)\n١٦٢٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يحيى بن آدم، نا سفيان، عن حكيم بن جبير) الأسدي، ويقال: مولى الحكم بن أبي العاص الثقفي الكوفي، قال أحمد: ضعيف الحديث مضطرب، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: كم روى إنما روى شيئًا يسيرًا،\n_________\n(١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ٣٠٤).\n(٢) وقال الموفق (٤/ ١١٨): لا خلاف في أنه لا يجوز لغني، لكن اختلفوا في الغني، فعن أحمد: من ملك خمسين درهمًا، وعنه ما تحصل به الكفاية، فإن لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة، وإن لم يملك شيئًا وإن كان محتاجًا يجوز له وإن ملك نصابًا وبه قال مالك والشافعي إلى آخر ما قال، وقال أصحاب الرأي: الغنى الموجب للزكاة هو المانع عنها، وبسط في \"الأوجز\" (٦/ ٧٤). (ش).","vol":"6","page":460},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ\n===\nقلت: من تركه؟ قال شعبة؛ من أجل حديث الصدقة، يعني حديث: \"من سأل وله ما يغنيه\"، وقال معاذ بن معاذ: قلت لشعبة: حدثني بحديث حكيم بن جبير، قال: أخاف النار، وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: في رأيه شيء، قلت: ما محله؟ قال: بالصدق إن شاء الله؛ وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود، نسأل الله السلامة، غالٍ في التشيع، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: متروك.\n(عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي، أبو جعفر الكوفي، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: كان رفيع القدر من الحيلة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.\n(عن أبيه، عن عبد الله) بن مسعود (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من سأل) الناس من المال (وله ما يغنيه) أي وله مال بقدر ما يغنيه عن السؤال (جاء يوم القيامة خموش) أي جروح (أو خدوش، أو كدوح).\nقال القاري (١): بضم أوائلها، ألفاظ متقاربة المعاني، جمع خمش وخدش وكدح، فأو ها هنا إما لشك الراوي إذ الكل يُعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح، ولعل المراد بها آثار مستنكرة في وجهه حقيقة، أو أمارات يُعرَفُ ويشهر بذلك بين أهل الموقف، أو لتقسيم منازل السائل، فإنه مقل أو مكثر أو مفرط في المسألة، فذكر الأقسام على حسب ذلك. والخمش أبلغ في معناه من الخدش، وهو أبلغ من الكدح،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٥٥، ٣٥٦).","vol":"6","page":461},{"text":"في وَجْهِهِ\"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْغِنَى؟ قَالَ: \"خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ\". [ن ٢٥٩٢، جه ١٨٤٠، حم ١/ ٤٤١]\n===\nإذ الخمش في الوجه، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد، وقيل: الخدش قشر الجلد بالعود، والخمش قشره بالأظفار، والكدح العض، وهي في أصلها مصادر، ولكنها لما جعلت أسماء للآثار جمعت.\n(في وجهه، فقيل: يا رسول الله! وما الغنى؟) أي كم هو؟ (قال: خمسون درهمًا، أو قيمتها) أي قيمة خمسين درهمًا (من الذهب) قال القاري (١): قال الطيبي: قيل: ظاهره أن من ملك خمسين درهمًا، أو قيمتها من جنس آخر فهو غني يحرم عليه السؤالُ وأخذُ الصدقة، وبه قال ابن المبارك وأحمد وإسحاق.\nوالظاهر أن من وجد قدر ما يغديه ويعشيه على دائم الأوقات أو في أغلبها فهو غني، كما ذكر في الحديث، سواء حصل له ذلك بكسب يد أو تجارة، لكن لما كان الغالب فيهم التجارة، وكان هذا القدر - أعني خمسين درهمًا- كافيًا لرأس المال قدر به تخمينًا، وبما يقرب منه في الحديث، أعني الأوقية، وهي يومئذ أربعون درهمًا، فلا نسخ في الأحاديث، وقيل: حديث ما يغنيه منسوخ بحديث الأوقية، وهو منسوخ بحديث خمسين، وهو منسوخ بما روي مرسلًا: \"من سأل الناس وعنده عدل خمس أواق فقد سأل إلحافًا\"، وعليه أبو حنيفة، انتهى.\nوتقدم أن في مذهبه من ملك مائتي درهم يحرم عليه أخذ الصدقة، ومن ملك قوت يوم يحرم عليه السؤال، ففرق بين الأخذ والسؤال، فما نسب إليه غير صحيح، والأنسب بمسألة تحريم السؤال أن يكون أمر النسخ بالعكس، بأن نسخ الأكثر فالأكثر إلى أن تقرر أن من عنده ما يغديه ويعشيه يحرم عليه السؤال، فيكون الحكم تدريجيًّا بمقتضى الحكم، كما وقع في تحريم الخمر،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٥٦).","vol":"6","page":462},{"text":"قَالَ يَحْيَى: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ لِسُفْيَانَ: حِفْظِي أَنَّ شُعْبَةَ لَا يَرْوِي عن حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ: فَقَدْ حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ.\n===\nوأما في العبادات فوقع التدريج في الزيادات لما تقتضيه الحكم الإلهيات على وقع الطباع والمألوفات.\n(قال يحيى) بن آدم: (فقال عبد الله بن عثمان) البصري صاحب شعبة، وفي \"التقريب\": شريك شعبة، قال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن المديني: أراه مات قبل شعبة، له عند النسائي حديث واحد في الرؤية يوم القيامة، وعند الترمذي في الزكاة (لسفيان: حفظي) أي الذي أحفظه (أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير، فقال سفيان) في جوابه: (فقد حدثناه زبيد) - بموحدة مصغرًا- ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامي، ويقال: الإيامي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، الكوفي، ثقة ثبت كان علويًّا يميل إلى التشيُّع، قال في \"الأنساب\" (١): الإيامي بكسر الألف وفتح الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، هذه النسبة إلى إيام. وقيل لهذا البطن: اليام، أيضًا بغير الألف، والمشهور بالانتساب إليها أبو عبد الرحمن زبيد بن الحارث الإيامي من أهل الكوفة.\n(عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد)، حاصل قول سفيان: أن شعبة لو كان لا يروي هذا الحديث لأجل ضعف حديث حكيم بن جبير فليس هو بمنفرد فيه، بل رواه زبيد أيضًا عن محمد بن عبد الرحمن.\nقال الترمذي (٢): حدثنا محمود بن غيلان، نا يحيى بن آدم، نا سفيان، عن حكيم بن جبير بهذا الحديث، فقال له عبدُ الله بن عثمان صاحبُ شعبة: لو غيرُ حكيم حدث بهذا، فقال له سفيان: وما لحكيم لا يحدث عنه\n_________\n(١) (١/ ٢٣٣).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٦٥١).","vol":"6","page":463},{"text":"١٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى أَسَدٍ أَنَّهُ قَالَ: \"نَزَلْتُ أَنَا وَأَهْلِى بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَقَالَ لِى أَهْلِى: اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فاسألهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ، فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ، فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيكَ»، فَتَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرِى إِنَّكَ لَتُعْطِى مَنْ شِئْتَ،\n===\nشعبةُ؟ قال: نعم، قال سفيان: سمعت زبيدًا يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.\nوالعمل على هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهمًا، لم تحل له الصدقة، ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جبير، ووسَّعوا في هذا، وقالوا: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعي وغيره من أهل العلم.\n١٦٢٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد) لم أقف على تسميته (إنه قال: نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد) هو موضع بقرب المدينة فيه مقابر أهلها، (قال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله - ﷺ - فاسْأله لنا شيئًا نأكله، فجعلوا) أي أهله (يذكرون) لذلك الرجل (من حاجتهم) وفاقتهم.\n(فذهبت إلى رسول الله - ﷺ - فوجدت عنده رجلًا) لم أقف على تسميته أيضًا (يسأله رسول الله - ﷺ - يقول: لا أجد ما أعطيك) من المال، (فتولى الرجل عنه) أي عن رسول الله - ﷺ - (وهو) أي الرجل (مغضب) لأجل قوله ﵇: \"لا أجد ما أعطيك\". (وهو) أي الرجل (يقول: لعمري إنك لتعطي مَن شئت)،","vol":"6","page":464},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَغْضَبُ عَلَىَّ أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ، مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا». قَالَ الأَسَدِىُّ: فَقُلْتُ: لَلَقِحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ، وَالأُوقِيَّةُ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.\n===\nولعل هذ الرجل كان من أجلاف العرب حديث عهد بالإِسلام، لم يتأدب بآداب الشرع أو كان منافقًا.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: يغضب) وفي رواية مالك: إنه لمغضب (عليَّ أن لا أجد ما أعطيه) مع أن هذا لا يقتضي الغضب بوجه.\n(من سأل منكم وله أوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء وتخفيفها (أو عدلها) بفتح العين، ما يبلغ قيمتها من غير الفضة (فقد سأل إلحافًا) أي إلحاحًا وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه، أي خالف ثناء الله بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١) ومعناه أنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا. وقيل: هو نفي السؤال والإلحاح معًا كقول الشاعر:\nعَلَى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنَارِهِ (٢)\nفمراده نفي المنار، والاهتداء به، ولا ريب أن نفي السؤال والإلحاح أدخل في التعفف.\n(قال الأسدي: فقلت) في نفسي لما سمعت ذلك من رسول الله - ﷺ -: (لَلِقْحَة) بفتح اللام الأولى ابتدائية، أو جواب قسم مقدرٍ، وكسر اللام الثانية، وقد تفتح، أي ناقة (لنا خير من أوقية، والأوقية أربعون درهمًا) هذا القول من بعض (٣) الرواة.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية: ٢٧٣.\n(٢) قاله امرؤ القيس، والمعنى: ليس به منار فيهتدى به. انظر \"لسان العرب\" (٥/ ٤٠٠٩).\n(٣) وصرح في \"الموطأ\" (٢/ ٩٩٩) أنه من قول مالك. (ش).","vol":"6","page":465},{"text":"قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ شَعِيرٌ أَوْ زَبِيبٌ، فَقَسَمَ لَنَا مِنْهُ - أَوْ كَمَا قَالَ - حَتَّى أَغْنَانَا اللَّهُ ﷿\". [ن ٢٥٩٦، ط ٢/ ٩٩٩/ ١١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ كَمَا قَالَ مَالِكٌ.\n١٦٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الرِّجَالِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ»، فَقُلْتُ: نَاقَتِى الْيَاقُوتَةُ هِىَ خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ - قَالَ هِشَامٌ: خَيْرٌ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا - فَرَجَعْتُ فَلَمْ أَسْأَلْهُ شَيْئًا.\n===\n(قال) الأسدي: (فرجعت) إلى منزلي (ولم أسأله) أي رسول الله - ﷺ - شيئًا، وهذا يدل على قوة فهمه، (فقدم على رسول الله - ﷺ - بعد ذلك شعير وزبيب، فقسم لنا منه، أو كما قال) هذا شك من بعض الرواة (١) بأنه لم يحفظ قال هذا اللفظ أو لفظًا آخر نحوه (حتى أغنانا الله ﷿).\n(قال أبو داود: هكذا رواه الثوري، كما قال مالك).\n١٦٢٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وهشام بن عمار قالا: نا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف) أي دخل في حكم الإلحاف في السؤال، (فقلت) في نفسي: (ناقتي الياقوتة) اسم لناقته (هي خير من أوقية) فلا يجوز لي السؤال، (قال هشام) بن عمار في حديثه: (خير من أربعين درهمًا) بدل قوله: خير من أوقية، (فرجعت) عن مجلس رسول الله - ﷺ - إلى بيتي، (فلم أسأله شيئًا) أي رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) وليس هذا الشك في رواية \"الموطأ\"، ولا في رواية \"النسائي\" (٢٥٩٦)، في حديث ابن القاسم عن مالك، فالظاهر أنه شك من القعنبي. (ش).","vol":"6","page":466},{"text":"زَادَ هِشَامٌ في حَدِيثِهِ: وَكَانَتِ الأُوقِيَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللهِ - ﷺ - أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. [ن ٢٥٩٥، حم ٣/ ٧ - ٩]\n١٦٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى كَبْشَةَ السَّلُولِىِّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ\n===\n(زاد هشام) بن عمار (في حديثه: وكانت الأوقية على عهد رسول الله - ﷺ - أربعين درهمًا)، وقد أخرج النسائي (١) هذا الحديث من حديث قتيبة فقط مفصلًا، ولفظه قال: سَرَّحَتْني أمي إلى رسول الله - ﷺ - فأتيته، وقعدت فاستقبلني، وقال: \"من استغنى أغناه الله ﷿، ومن استعفَّ أَعَفَّه الله ﷿، ومن استكفى كفاه الله ﷿، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف\"، فقلتْ ناقتي الياقوتةُ خير من أوقية، فرجعت ولم أسأله.\n١٦٢٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا مسكين) بن بكير الحرَّاني، (نا محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي) بفتح المهملة وضم اللام الأولى وتخفيفها، ثم بلام ثانية بعد الواو الساكنة، الشامي، ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: لا أعلم أنه يسمى، وذكره البخاري ومسلم وغير واحد فيمن لا يعرف، وذكر الحاكم في \"المدخل\": أن اسمه البراء بن قيس، ورد ذلك عليه عبد الغني بن سعيد الحافظ بأن البراء بن قيس إنما أبو كيسة، بياء مثناة من تحتها وسين مهملة، والله أعلم.\nوقال ابن ماكولا: إن البراء يسمى أبا كبشة بالموحدة والمعجمة، وعزا ذلك للبخاري ومسلم، وقال: من قال فيه غير ذلك فقد صحف.\n(نا سهل بن الحنظلية) واسم أبيه عمرو، ويقال: الربيع بن عمرو،\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٢٥٩٥).","vol":"6","page":467},{"text":"قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَالأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ،\n===\nويقال: عقيب بن عمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري، له صحبة، والحنظلية أمه، وقيل: أم أبيه، وقيل: أم جده، شهد بيعَة الرضوان، وأُحُدًا، والخندق، والمشاهدَ كلَّها ما خلا بدرًا، قال البخاري: كان عقيمًا لا يولد له، بايع النبي - ﷺ - تحت الشجرة، قال أبو زرعة: توفي في صدر خلافة معاوية. قلت: وفي الصحابة سهل بن الحنظلية العبشمي، وهو غير الأنصاري، قاله الحافظ.\n(قال: قدم على رسول الله - ﷺ - عيينةُ بن حصن) بن حذيفة بن بدر الفزاري، أبو مالك، يقال: كان اسمه حذيفة، فلقب عيينة؛ لأنه كان أصابته شجة فجحظت عيناه، له صحبة، وكان من المؤلفة، ولم يصح له رواية، أسلم قبل الفتح، وشهدها، وشهد حنينًا والطائف، وبعثه النبي - ﷺ - لبني تميم فسبا بعض بني عنبر، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر - ﵁ -، ومال إلى طليحة فبايعه، ثم عاد إلى الإِسلام، وكان فيه جفاء، لسكن البوادي، قال فيه النبي - ﷺ -: \"الأحمق المطاع\".\n(والأقرع بن حابس) بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي، المجاشعي، الدارمي، وفد على النبي - ﷺ -، وشهد فتحَ مكة، وحنينًا، والطائفَ، وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وكان الأقرع حكمًا في الجاهلية، وقال ابن دريد: اسم الأقرع بن حابس: الفراس، وإنما قيل له الأقرع لقرع كان برأسه، وكان شريفًا في الجاهلية والإِسلام، وذكر ابن الكلبي أنه كان مجوسيًّا قبل أن يسلم، وقرأت بخط الرضي الشاطبي: قتل الأقرع بن حابس باليرموك في عشرة من بيته، وقيل: استعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره على خراسان، فأصيب بالجوزجان هو والجيش، وذلك في زمن عثمان - ﵁ -.","vol":"6","page":468},{"text":"فَسَأَلَاهُ، فَأَمَرَ لَهُمَا بِمَا سَأَلَا، وَأَمَرَ مُعَاوِيَةَ فَكَتَبَ لَهُمَا بِمَا سَأَلَا. فَأَمَّا الأَقْرَعُ (١)، فَأَخَذَ كِتَابَهُ فَلَفَّهُ فِى عِمَامَتِهِ وَانْطَلَقَ، وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ وَأَتَى النَّبِىَّ -ﷺ- مَكَانَهُ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَتَرَانِى حَامِلًا إِلَى قَوْمِى كِتَابًا لَا أَدْرِى مَا فِيهِ، كَصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّسِ،! فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَوْلِهِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ» - وَقَالَ النُّفَيْلِىُّ فِى مَوْضِعٍ آخَرَ: «مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ» - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ - وَقَالَ النُّفَيْلِىُّ فِى مَوْضِعٍ\n===\n(فسألاه، فأمر) رسول الله - ﷺ - (لهما بما سألا، وأمر معاوية فكتب لهما) أي عاملَه (بما سألا) أن يعطيهما، (فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه) أي الكتاب (في عمامته وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه وأتى النبي - ﷺ - مكانه، فقال: يا محمد!) ناداه باسمه المبارك مع أنه منع منه لأنه كان من جفاة الأعراب.\n(أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس) لها قصة مشهورة عند العرب، وهو المتلمس الشاعر كان هجا عمرو بن هند الملك، فكتب له كتابًا إلى عامله يوهمه أنه أمر له فيه بعطية، وقد كان كتب إليه أن يقتله فارتاب المتلمس ففكه وقرأ، فلما علم ما فيه رمى به ونجا، فضربت العرب مثلًا بصحيفته.\n(فأخبر معاوية بقوله رسول الله - ﷺ -) أي أفهم معاويةُ رسول الله - ﷺ - بمعنى قوله: كصحيفة المتلمس.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: من سأل وعنده) أي والحال أنه عنده (ما يغنيه) عن السؤال (فإنما يستكثر) أي يطلب الكثير (من النار- وقال النفيلي في موضع آخر: من جمر جهنم-) بدل قوله: من النار.\n(فقالوا: يا رسول الله! وما يغنيه؟ - وقال النفيلي في موضع\n_________\n(١) في نسخة: \"أقرع بن حابس\".","vol":"6","page":469},{"text":"آخَرَ: وَمَا الْغِنَى الَّذِى لَا ينْبَغِى مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ - قَالَ: «قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ».\nوَقَالَ النُّفَيْلِىُّ فِى مَوْضِعٍ آخَرَ: «أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبَعُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ»، وَكَانَ حَدَّثَنَا بِهِ مُخْتَصِرًا عَلَى هَذِهِ الأَلْفَاظِ الَّتِى ذُكِرَتْ.\n[حم ٤/ ١٨٠، خزيمة ٢٣٩١، حب ٣٣٨٥]\n===\nآخر: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ - قال) رسول الله - ﷺ -: (قدر ما يغديه) أي ما يكفي غداءه (ويعشيه) أي عشاءه.\n(وقال النفيلي في موضع آخر: أن يكون له شبعُ يومٍ وليلة أو) قال: (ليلة ويوم، وكان حدثنا به مختصرًا على هذه الألفاظ التي ذكرتْ).\nوقد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (١)، وفيه نوع مخالفة وزيادة على حديث أبي داود، قال: ثنا علي بن عبد الله، حدثني الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني ربيعة بن يزيد، حدثني أبو كبشة السلولي أنه سمع سهل بن الحنظلية الأنصاري صاحبَ رسول الله - ﷺ -: أن عيينة والأقرع سألا رسول الله - ﷺ - شيئًا، فأمر معاويةَ أن يكتب به لهما ففعل، وختمها رسول الله - ﷺ -، وأمر بدفعه إليهما.\nفأما عيينة فقال: ما فيه؟ قال: فيه الذي أمرت به، فقبله وعقده في عمامته، وكان أحكم الرجلين، وأما الأقرع فقال: أحمل صحيفة لا أدري ما فيها كصحيفة المتلبس، فأخبر معاوية رسول الله - ﷺ - بقولهما.\nوخرج رسول الله - ﷺ - لحاجة فمر ببعير مناخ على باب المسجد من أول النهار، ثم مر به آخر النهار وهو على حاله، فقال: \"أين صاحب هذا البعير؟ \" فابتُغي فلم يوجد، فقال رسول الله - ﷺ -: \"اتقوا الله في هذه البهائم، ثم اركبوها صحاحًا، واركبوها سمانًا كالمتسخط آنفًا، إنه من سأل وعنده ما يغنيه،\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٨٠، ١٨١).","vol":"6","page":470},{"text":"١٦٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِىَّ أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِىَّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَبَايَعْتُهُ، وَذَكَرَ (١) حَدِيثًا طَوِيلًا (٢)،\n===\nفإنما يستكثر من نار جهنم\"، قالوا: يا رسول الله! وما يغنيه؟ قال: \"ما يغديه أو يعشيه\"، انتهى.\nقال البيهقي في \"سننه\" (٣): ليس شيء من هذه الأحاديث بمختلف، فكأن النبي ﷺ علم ما يغني كلًّا منهم فجعل غناءَه به؛ لأن الناس مختلفون في قدر كفايتهم، فمنهم من يغنيه خمسون درهمًا لا أقل، ومنهم من يغنيه أربعون لا أقل، ومنهم من له كسب يدر عليه كل يوم ما يغديه ويعشيه ولا عيال له فهو مستغن به، انتهى، كذا في \"الدرجات\".\n١٦٣٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الله -يعني ابن عمر بن غانم-، عن عبد الرحمن بن زياد) بن أنعم الإفريقي (أنه سمع زياد) بن ربيعة (بن نعيم الحضرمي أنه) أي زياد بن نعيم (سمع زيادَ بنَ الحارث الصدائيَّ) بضم الصاد المهملة نسبة إلى صداء، وهي قبيلة من اليمن، (قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فبايعته، وذكر حديثًا طويلًا).\nذكره في حاشية \"تهذيب التهذيب\" (٤) فقال: روى المزي بسنده عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: سمعت زيادَ بنَ الحارث الصدائى صاحبَ رسول الله - ﷺ - يحدث قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فبايعته على الإِسلام، وأخبرت أنه بعث جيشًا إلى قومي، فقلت: يا رسول الله! اردد الجيش، وأنا لك بإسلام قومي،\n_________\n(١) في نسخة: \"فذكر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٥).\n(٤) انظر ترجمة زياد في: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٥٩).","vol":"6","page":471},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفقال لي: \"اذهب! فردهم\"، فقلت: يا رسول الله! إن راحلتي قد كَلَّت، فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فردَّهم، قال الصدائي: وكتبت إليهم كتابًا فقدم وفدهم بإسلامهم، فقال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا أخا صداء! إنك لمطاعٌ في قومك\"، فقلت: بل الله هو هداهم للإسلام، فقال لي رسول الله - ﷺ -: \"أفلا أُؤَمّرُك عليهم؟ \" فقلت: بلى، يا رسول الله! قال: فكتب لي كتابًا، فقلت: يا رسول الله! مر لي بشيء من صدقاتهم، قال: نعم. فكتب له كتابًا آخر.\nقال الصدائي: وكان ذلك في بعض أسفاره، فنزل رسول الله - ﷺ - منزلًا، فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم، ويقولون: أَخَذَنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية، فقال نبي الله - ﷺ -: أو فعل؟ فقالوا: نعم، فالتفت النبي - ﷺ - إلى أصحابه وأنا فيهم، فقال: \"لا خير في الإمارة لرجل مؤمن\"، قال الصدائي: فدخل قوله في نفسي، ثم أتاه آخر. فقال: يا نبي الله! أعطني، فقال نبي الله - ﷺ -: \"من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن\"، فقال السائل: فأعطني من الصدقة، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك، أو أعطيناك حقك\".\nقال الصدائي: فدخل ذلك في نفسي أني سألته من الصدقات وأنا غني، ثم إن رسول الله - ﷺ - اعتشى من أول الليل، فلزمته وكنت قويًّا، وكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون حتى لم يبق معه أحد غيري، فلما كان أوان أذان الصبح، أمرني فأذَّنْت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله! فجعل رسول الله - ﷺ - ينظر ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل رسول الله - ﷺ - فتبرز، ثم انصرف إلى، وقد تلاحق أصحابه.\nفقال: \"هل من ماء يا أخا صداء؟ ! \" فقلت: لا، إلا شيء قليل لا يكفيك، فقال النبي - ﷺ -: \"اجعله في إناء ثم ائتني به\"، ففعلت، فوضع كله في الماء، قال الصدائي: فرأيت بين كل إصبعين من أصابعه عينًا تفور، فقال رسول الله - ﷺ -:","vol":"6","page":472},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"لولا أني أستحيي من ربي لسقينا واستقينا، نادِ في أصحابي من له حاجة في الماء\"، فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم.\nثم قام رسول الله - ﷺ -، فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم\"، قال الصدائي: فأقمت الصلاة، فلما قضى رسول الله - ﷺ - الصلاة، أتيته بالكتابين، فقلت: يا رسول الله - ﷺ -! اعفني من هذين، فقال نبي الله - ﷺ -: \"ما بدا لك؟ \" فقلت: سمعتك يا نبي الله تقول: \"لا خير في الإمارة لرجل مؤمن\" وأنا أؤمن بالله ورسوله، وسمعتك تقول للسائل: \"من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن\"، وسألتك وأنا غني.\nفقال النبي - ﷺ -: \"هو ذاك، فإن شئت فاقبل، وإن شئت فدع\"، فقلت: أَدَعُ، فقال لي رسول الله - ﷺ -: \"فدَّلني على رجل أؤمِّرُه عليكم\"، فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه، فأمَّره عليهم، ثم قلنا: يا نبي الله! إن لنا بئرًا إذا كان الشتاء وَسِعَنا ماؤها، واجتمعنا، وإذا كان الصيف قَلَّ ماؤها، تفرقنا على مياه حولنا، وقد أسلمنا وكل من حولنا عدوٌّ لنا، فادع الله لنا في بئرنا أن يسعنا ماؤها فنجتمعَ عليها ولا نتفرقَ، فدعا بسبع حصيات، فعركهن في يده، ودعا فيهن ثم قال: \"اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتم البئر فألقوها واحدة واحدة، واذكروا اسم الله\"، قال الصدائي: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد أن ننظر إلى قعرها يعني البئر، انتهى بلفظه.\nقلت: وقد أخرج الإِمام أحمد (١) هذا الحديث من حديث حبان بن بح الصدائي، من طريق ابن لهيعة: ثنا بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن حبان بن بح الصدائي صاحب النبي - ﷺ -، أنه قال: إن قومي كفروا، فأُخبِرْتُ أن النبي - ﷺ - جَهَّز إليهم جيشًا، الحديث.\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٦٩).","vol":"6","page":473},{"text":"فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِى مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِىٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِى الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ». [قط ٢/ ١٣٧، ق ٤/ ١٧٣ - ١٧٤]\n===\nوقد عزا هذا الحديث أبو عمر بن عبد البر في \"الاستيعاب\" (١)، والحافظُ في \"الإصابة\" إلى حبان بن بح، وقد قال في \"أسد الغابة\" (٢) في ترجمة حبان: ويبعد أن يكون هذان الحديثان لرجلين من صداء مع قلة الوافدين من صداء على النبي - ﷺ -، وزياد هو المشهور الأكثر.\nوقال الحافظ في \"تهذيبه\" في ترجمة زياد بن الحارث الصدائي: قال ابن حبان: بايع النبي - ﷺ - إلَّا أن ابن أنعم في إسناد خبره، وقال ابن السكن: في إسناده نظر، قلت: ولحديثه طريق آخر من رواية المبارك بن فضالة، عن عبد الغفار بن ميسرة، عن الصدائي ولم يسمه، فذكر طرقًا من حديثه، وروى الباوردي في \"كتاب الصحابة\" من طريق محمد بن عيسى بن جابر الرشيدي، قال: وجدت في كتاب أبي، عن عبد الله بن سليمان، عن عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن زياد الصدائي، فذكر طرفًا من حديثه، فقال ابن يونس: وهو رجل معروف من أهل مصر، وحديثه يشبه حديث حبان بن بح، وزعم الصوري أنه حبان بن بح، وفيه نظر، انتهى.\n(فأتاه رجل) لم أقف على تسميته (فقال) الرجل لرسول الله - ﷺ -: (أعطني من الصدقة) أي أموالها، (فقال له رسول الله - ﷺ -: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات) أي في مصارفها (حتى حكم فيها هو) بنفسه، (فجزأها) (٣) من التجزئة أي قسَّم مصارفها (ثمانية أجزاء) أي أنواع، (فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقَّك) وهي المذكورة في قوله تعالى:\n_________\n(١) انظر: \"الاستيعاب\" (١/ ٣١٧) رقم (٤٦٥)، و\"الإصابة\" (١/ ٣١٧) رقم (١٥٥٠).\n(٢) \"أسد الغابة\" (١/ ٤٣٧) رقم (١٠٢٦).\n(٣) استدل به الشافعي على وجوب القسمة. (ش).","vol":"6","page":474},{"text":"١٦٣١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِى تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَالأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ،\n===\n﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (١) الآية (٢).\n١٦٣١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: نا جرير) بن عبد الحميد أو ابن حازم، (عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليس المسكين) المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة) أي اللقمة (والأكلتان) أي يطوف على الناس فيعطيه أحد منهم تمرة أو تمرتين، والآخر لقمة أو لقمتين، ونفي المسكنة عنه يحتمل أن يكون على الحقيقة، فمعناه على هذا: أن من يطوف على الناس يسأل عنهم فيجمع عنده بهذا أموال، فلا يبقى مسكينًا بل يصير غنيًا، فلا يحل له الصدقات، ويحتمل أن يكون على المجاز، فلفظ \"ليس\" في قوله: \"ليس المسكين\"، ليس النفي فيها للمسكنة عنه جملة حتى لا تحل له الصدقة، وإنما هو نفي لكمالها عنه، أي ليس الكامل في المسكنة الذي يدور على الناس ويطوف عليهم.\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ٦٠\n(٢) وسيأتي الكلام على أربعة أنواع، منها في الباب الآتي، وبسط الكلام في الفرق بين الفقير والمسكين الرازي في \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٢١، ١٢٢)، وسقط نصيب المؤلفة قلوبهم عندنا بعد وصاله - ﷺ - كما بسط أيضًا الرازي (٣/ ١٢٤)، وسيأتي خلافًا لأحمد، إذ قال: الأجزاء الثمانية باقية، واستدل بحديث الباب كما في \"المغني\" (٤/ ١٢٤)، واستدل الشافعي بهذا الحديث على أنه يقسم على الثمانية بقدر الحصص، ولا يجوز صرفه إلى واحد منهم خلافًا للحنفية ومالك، كذا قال ابن رشد (١/ ٢٥٧)، وكذا عند أحمد كما في \"الروض المربع\" (ص ٢٠١) إذ قال: يجوز صرفها إلى صنف واحد لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧١] الآية، وحديث معاذ: \"تؤخذ من أغنيائهم، وترد إلى فقرائهم\". (ش).","vol":"6","page":475},{"text":"وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا، وَلَا يَفْطِنُونَ بِهِ فَيُعْطُونَهُ\". [خ ١٤٧٩، م ١٠٣٩، ن ٢٥٧٢، حم ٧٥٢٥]\n١٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو كَامِلٍ، الْمَعْنَى،\n===\n(ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئًا، ولا يفطنون به)، أي لا يعلم الناس احتياجه (فيعطونه) قال في \"البدائع\" (١): واختلف أهل التأويل واللغة في معنى الفقير والمسكين، وفي أن أيهما أشد حاجة وأسوأ حالًا؟ قال الحسن: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، وهكذا ذكره الزهري، وكذا روى أبو يوسف، عن أبي حنيفة، وهو المروي عن ابن عباس - ﵁ -، وهذا يدل على أن المسكين أحوج.\nوقال قتادة: الفقير الذي به زمانة وله حاجة، والمسكين المحتاج الذي لا زمانة به. وهذا يدل على أن الفقير أحوج، وقيل: الفقير (٢) الذي يملك شيئًا يقوته، والمسكين الذي لا شيء له، سمي مسكينًا لما أسكنته حاجته عن التحرك فلا يقدر يبرح عن مكانه، وهذا أشبه الأقاويل، قال الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣)، قيل في التفسير: أي استتر بالتراب وحفر الأرض إلى عانته.\nوالأصل أن الفقير والمسكين كل واحد منهما اسم ينبئ عن الحاجة إلَّا أن حاجة المسكين أشد، وعلى هذا يخرج قول من يقول: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل؛ لأن من شأن الفقير المسلم أنه يتحمل ما كانت له حيلة ويتعفف، ولا يخرج فيسأل وله حيلة، فسؤاله يدل على شدة حاله.\n١٦٣٢ - (حدثنا مسدد وعبيد الله بن عمر وأبو كامل، المعنى) أي معنى\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٥٠).\n(٢) وقريب منه ما في \"الهداية\" (١/ ١١٠): أن الفقير من له أدنى شيء، والمسكين من لا شيء له. (ش).\n(٣) سورة البلد: الآية ١٦.","vol":"6","page":476},{"text":"قَالُوا: نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، مِثْلَهُ، \"وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ\".\n- زَادَ مُسَدَّدٌ في حَدِيثِهِ: \"لَيْسَ لَهُ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ-، الَّذِي لَا يَسْأَلُ، وَلَا يُعْلَمُ بِحَاجَتِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، فَذَاكَ (١) الْمَحْرُومُ\". وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ: \"الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ\" [انظر سابقه]\n===\nحديثهم واحد، (قالوا: نا عبد الواحد بن زياد، نا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -، مثلَه) أي مثل حديث أبي صالح المتقدم، (ولكن المسكين المتعفِّف) أي عن السؤال، فزاد عبيد الله وأبو كامل لفظ المتعفف، ولم يذكره مسدد (زاد مسدد في حديثه) على حديث عبيد الله بن عمر وأبي كامل: (ليس له ما يستغني به، الذي لا يسأل) الناس (ولا يُعْلَم) بصيغة المجهول (بحاجته فيتصدَّق) بصيغة المجهول (عليه فذاك المحروم) أي المذكور في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢).\n(ولم يذكر مسدد) في حديثه (المتعفف الذي لا يسأل).\nوفي هذا الكلام شيء من الغموض، وحاصل الكلام أن الرواة الثلاثة اتفقوا إلى قوله: ولكن المسكين، ثم اختلفوا، فلفظ حديث عبيد الله وأبي كامل هكذا: \"ولكن المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس، ولا يعلم بحاجته فيتصدق عليه، فذاك المحروم\"، وأما لفظ حديث مسدد فهكذا: \"ولكن المسكين ليس له ما يستغني به، ولا يعلم بحاجته، فيتصدق عليه فذلك المحروم\".\n_________\n(١) في نسخة: \"فذلك\".\n(٢) سورة الذاريات: الآية ١٩.","vol":"6","page":477},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، وَجَعَلَا \"الْمَحْرُوم\" مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ أَصَحُّ.\n١٦٣٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ - ﷺ - في حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصرَ وَخَفَّضَهُ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ:\n===\n(قال أبو داود: روى هذا) أي الحديث (محمد بن ثور) (١) الصنعاني، أبو عبد الله العابد، وثقه ابن معين، والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (وعبد الرزاق (٢) عن معمر، وجعلا) أي محمد بن ثور وعبد الرزاق (المحرومَ من كلام الزهري)، وأما به الواحد بن زياد عن معمر فجعله في الحديث، (وهو أصح) أي ما جعله محمد بن ثور وعبد الرزاق أصح، وهذا اللفظ أي: وهو أصح، موجود في المجتبائية والقادرية ونسخة \"العون\" (٣)، وليس في النسخة المكتوبة القديمة، ولا في المصرية، ولا الكانفورية.\n١٦٣٣ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عبيد الله بن عدي بن الخيار) بكسر المعجمة وتخفيف التحتانية، ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي المدني، قتل أبوه يوم بدر كافرًا، وكان هو في الفتح مميزًا فَعُدَّ في الصحابة لذلك، وعَدَّه العجلي وغيره في ثقات التابعين، مات في آخر خلافة الوليد بن عبد الملك.\n(أخبرني رجلان) لم أقف على تسميتهما (أنهما أتيا النبي - ﷺ - في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة) أي أموالها، (فسألاه) أي رسولَ الله - ﷺ - (منها) أي من تلك الأموال، (فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا) رسول الله - ﷺ - (جلْدين) أي قويين. (فقال) رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) أخرج روايته الطبري في \"تفسيره\" (٢٦/ ٢٠٢).\n(٢) أخرجه في \"المصنف\" (١١/ ٩٦) رقم (٢٠٠٢٧)، وفي \"التفسير\" (٢/ ٢٤٣).\n(٣) انظر: \"عون المعبود\" (٥/ ٢٩)، رقم (١٦٢٩).","vol":"6","page":478},{"text":"\"إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ\". [ن ٢٥٩٨، حم ٤/ ٢٢٤، ق ٧/ ١٤]\n١٦٣٤ - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الأَنْبَارِيُّ الخُتَّلِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ -، أَخْبَرَنِي أَبِي، عن ريحَانَ بْنِ يَزِيدَ،\n===\n(إن شئتما أعطيتكما) من هذه الأموال، (و) لكن (لا حظَّ) أي نصيب (فيها) أي في تلك الأموال (لغني ولا لقوي مكتسب) (١) أي قادر على الكسب.\nقال القاري (٢): قال الطيبي: أي لا أعطيكما؛ لأن في الصدقة ذلًّا وهوانًا، فإن رضيتما بذلك أعطيتكما، أو لا أعطيكما لأنها حرام على القوي المكتَسِب، فإن رضيتما بأكل الحرام أعطيتكما، قاله توبيخًا.\nوقال ابن الهمام: الحديث دل على أن المراد حرمة سؤالهما لقوله: \"وإن شئتما أعطيتكما\"، فلو كان الأخذ محرمًا غير مسقط عن صاحب المال لم يفعله (٣).\n١٦٣٤ - (حدثنا عباد بن موسى الأنباري الختلي) قال في \"الأنساب\" (٤): اختلف مشايخنا في هذه النسبة، بعضهم كان يقول: إن ختلان بلاد مجتمعة وراء بلخ، وبعضهم يقول: هي بضم الخاء، والتاء المنقوطة باثنتين مشددة، حتى رأيت أن الختلي بضم الخاء والتاء المشددة، قرية على طريق خراسان إذا خرجت من بغداد بنواحي الدسكرة.\n(نا إبراهيم -يعني ابن سعد-، أخبرني أبي) سعد بن إبرهيم، (عن ريحان بن يزيد) العامري البدوي، وثقه ابن معين، وقال حجاج، عن شعبة،\n_________\n(١) وهذه إحدى الروايتين عن أحمد أن الفقير القوي المكتسب لا يُعطَى من الزكاة. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٤٢).\n(٣) وقال ابن القيم (٢/ ٩): إن سأله أحد من أهل الزكاة ولم يَعْرِفْ حالَه أعطاه بعد أن يخبره أنه لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. (ش).\n(٤) \"الأنساب\" (٥/ ٤٤).","vol":"6","page":479},{"text":"عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عن النَبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيًّ\". [ت ٦٥٢، دي ١٦٣٩، قط ٢/ ١١٩، حم ٢/ ١٦٤، ك ١/ ٤٠٧، ق ٧/ ١٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ سُفْيَانُ، عن سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا قَالَ\n===\nعن سعد بن إبراهيم: سمع ريحان بن يزيد، وكان أعرابيًا صدوقًا، وقال أبو حاتم: شيخ مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: لا تحل الصدقة لغني) قال القاري (١): قال في \"المحيط\": الغنى على ثلاثة أنواع: غنى يوجب الزكاة، وهو ملكُ نصاب حولي نام، وغنى يحرم الصدقة، ويوجب صدقة الفطر والأضحية، وهو ملكُ ما يبلغ قيمة نصاب من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية، وغنى يحرم السؤال دون الصدقة، وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته.\n(ولا لذي مِرَّة) أي قوة (سوي) قال القاري: فيه نفي كمال الحلِّ لا نفس الحلِّ، أو لا تحل له بالسؤال. قال ابن الملك: أي لا تحل الزكاة لمن أعضاؤه صحيحة، وهو قوي يقدر على الاكتساب بقدر ما يكفيه وعياله، وبه قال الشافعي. قال الطيبي: وقيل: المعنى ولا لذي عقل وشدة، وهو كناية عن القادر على الكسب، وهو مذهب الشافعي والحنفية، على أنه إن لم يكن له نصاب حلت له الصدقة.\n(قال أبو داود: ورواه سفيان (٢) عن سعد بن إبراهيم كما قال\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٤١).\n(٢) أخرج روايته عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ١١٠) رقم (٧١٥٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٧)، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٦٤)، والدارمي في \"سننه\" (١/ ٢٩٩) رقم (١٦٣٩)، والترمذي في \"سننه\" رقم (٦٥٢)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١١٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٠٧)، والبيهقي في \"سننه\" (٧/ ١٣).","vol":"6","page":480},{"text":"إِبْرَاهِيمُ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عن سَعْدٍ قَالَ: \"لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ\"، وَالأَحَاديثُ الأُخَرُ عن النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْضُهَا: \"لِذِي مِرَّةٍ قَوِيًّ\" وَبَعْضُهَا: \"لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ\"، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ: إِنَّهُ لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِقَوِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ.\n===\nإبراهيم) أي كما رواه إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم (ورواه شعبة (١) عن سعد) أي ابن إبراهيم (قال) شعبة في روايته: (لذي مرة قوي) بدل: سوي.\n(والأحاديث الآخر عن النبي - ﷺ -) (٢) في (بعضها: لذي مرة قوي، و) في (بعضها: لذي مرة سوي، وقال عطاء بن زهير) لم أقف على ترجمته فيما عندي من الكتب (٣): (إنه لقي عبد الله بن عمرو فقال: إن الصدقة لا تحل لقوي، ولا لذي مرة سوي) (٤) وفي هذا تكرار لأن معنى الجملة الثانية هو مفاد الجملة الأولى.\n_________\n(١) أخرج روايته الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٠٧)، والبيهقي في \"سننه\" (٧/ ١٣)، وذكرها البخاري في تاريخه (٣/ ٣٢٩).\n(٢) والحديث روي عن أبي هريرة عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٧)، وأحمد (٢/ ٣٧٧)، والنسائي (٥/ ٩٩)، وابن ماجه (١٨٣٩) وغيرهم، وعن أبي سعيد الخدري عند أحمد (٣/ ٣١)، وعن رجل من بني هلال من أصحاب النبي - ﷺ - عند أحمد (٤/ ٦٢) و(٥/ ٣٧٥)، وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار عند أحمد (٤/ ٢٢٤) و(٥/ ٣٦٢)، وعند أبي داود. وعن حبشي بن جنادة عند الترمذي (٦٥٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٧)، وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عند البزار \"كشف الأستار\" (١/ ٢٣٥) رقم (٩٢١).\n(٣) قلت: هو عطاء بن زهير بن الأصبغ العامري، وهو الذي يقال له: ابن الأصبغ. انظر ترجمته في: \"كتاب الثقات\" (٢/ ٣٨٥) رقم (٢٩٥١)، و\"التاريخ الكبير\" للبخاري (٦/ ٤٦٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٣٢).\n(٤) أخرج هذه الرواية البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٦٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٣)، وعند البخاري والبيهقي عن عطاء، عن أبيه، وهو الظاهر؛ إذ قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٦٥): إنه سمع من أبيه عن ابن عمرو في الصدقة.","vol":"6","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>(٢٤) بَابُ مَنْ يَجُوزُ لهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَهُوَ غَنِيٌّ</span>\n١٦٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ،\n===\n\n(٢٤) (بابُ مَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَهُوَ غَنِىٌّ)\n١٦٣٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) مرسلًا (أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تحل الصدقة لغني إلَّا لخمسة: لغاز في سبيل الله) وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهو عبارة عن جميع القرب، ويدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجًا.\nوقال أبو يوسف: المراد منه فقراء الغزاة؛ لأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع يراد به ذلك، وقال محمد: المراد منه الحاج المنقطع لما روي: أنَّ رجلًا جعل بعيرًا له في سبيل الله، فأمره النبي - ﷺ - أن يحمل عليه الحاج.\nوقال الشافعي: يجوز دفع الزكاة إلى الغازي وإن كان غنيًا، وأما عندنا فلا يجوز إلَّا عند اعتبار حدوث الحاجة.\nواحتج بما روي عن أبي سعيد عن النبي - ﷺأنه قال: \"لا تحل الصدقة لغنيّ إلَّا في سبيل الله\" الحديث.\nوعن عطاء بن يسار عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا تحل الصدقة إلَّا لخمس، الحديث\"، نفى حل الصدقة للأغنياء، واستثنى الغازيَ منهم، والاسثناء من النفي إثبات، فيقتضي حل الصدقة للغازي الغني.\nولنا قوله - ﷺ -: \"لا تحل الصدقة لغني\"، وقولُه - ﷺ -: \"أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم\"، جعل الناس قسمين: قسم يؤخذ منهم، وقسم يُصرَف إليهم، فلو جاز صرف الصدقة إلى الغني لبطلت القسمة، وهذا لا يجوز.","vol":"6","page":482},{"text":"أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا،\n===\nوأما استثناء المغازي فمحمول على حال حدوث الحاجة، وسماه غنيًا على اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة، وهو أن يكون غنيًا، ثم تحدث له الحاجة بأن كان له دار يسكنها، ومتاع يمتهنه، وثياب يلبسها، وله مع ذلك فضل مأتي درهم حتى لا تحل له الصدقة، ثم يعزم على الخروج في سفر غزو، فيحتاج إلى آلاتِ سفره، وسلاحِ يستعمله في غزوه، ومركب يغزو عليه، وخادم يستعين بخدمته على ما لم يكن محتاجًا إليه في حال إقامته، فيجوز أن يُعطَى من الصدقات ما يستعين به في حاجته التي تحدث له في سفره، وهو في مقامه غني بما يملكه لأنه غير محتاج في حال إقامته، فيحتاج في حال سفره، فيحمل قوله: \"لا تحل الصدقة لغني إلَّا لغاز في سبيل الله\"، على من كان غنيًا في حال مقامه، فيُعطَى بعض ما يحتاج إليه لسفره لما أحدث السفر له من الحاجة إلَّا أنه يُعطَى حين يُعطَى وهو غني.\nوكذا تسمية الغارم غنيًا في الحديث على اعتبار ما كان قبل حلول الغرم به، وقد حدثت له الحاجة بسبب الغرم، وهذا لأن الغني اسم لمن يستغني عما يملكه، وإنما كان كذلك قبل حدوث الحاجة، وأما بعده فلا.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فهو الغريب المنقطع عن ماله وإن كان غنيًا في وطنه، لأنّه فقير في الحال، وقد رُوِينا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ابن السبيل\" الحديث، قاله في\"البدائع\" (١).\n(أو لعامل عليها) وهم الذين نصبهم الإِمام لجباية الصدقات، واختلف فيما يعطون، قال أصحابنا: يعطيهم الإِمام كفايتهم منها، وقال الشافعي: يعطيهم الثمن.\nوجه قوله أن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف الثمانية، منهم العاملون، فكان لهم منها الثمن.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦).","vol":"6","page":483},{"text":"أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ\n===\nولنا أن ما يستحقه العامل إنما يستحقه بطريق العمالة لا بطريق الزكاة بدليل أنه يُعطَى وإن كان غنيًا بالإجماع (١)، ولو كان ذلك صدقة لما حلت للغني، وبدليل أنه لو حمل زكاته بنفسه إلى الإِمام لا يستحق العامل منها شيئًا، ولهذا قال أصحابنا: إن حق العامل فيما في يده من الصدقات، حتى لو هلك ما في يده سقط حقه، كنفقة المضارب إنما تكون في مال المضاربة، حتى لو هلك مال المضاربة سقطت نفقته كذا هذا، دل على أنه يستحق بعمله لكن على سبيل الكفاية له ولأعوانه لا على سبيل الأجرة لأن الأجرة مجهولة.\nأما عندنا فظاهر، لأن قدر الكفاية له ولأعوانه غير معلوم، وكذا عنده؛ لأن قدر ما يجتمع من الصدقات بجبايته مجهول، فكان ثمنه مجهولًا لا محالة، وجهالة أحد البدلين يمنع جواز الإجارة، فجهالة البدلين جميعًا أولى، فدل أن الاستحقاق ليس على سبيل الأجرة بل على سبيل الكفاية له ولأعوانه لاشتغاله بالعمل لأصحاب المواشي، فكانت كفايته في مالهم.\nوأما قوله: إن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف المذكورين؛ فممنوع أنه قسم، بل بَيَّن فيها مواضع الصدقات ومصارفها.\n(أو لغارم) قيل: الغارم الذي عليه الدين أكثر من المال الذي في يده، أو مثلُه، أو أقلُّ منه، لكن ما وراءه ليس بنصاب، وقيل: الغارم من تحمل حمالة، وهو ما يتحمله الإنسان ويلتزمه في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين، فيُعطَى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير المعصية، وشرط بعضهم أن الحمالة لا بد أن تكون لتسكين فتنة.\n(أو لرجل) غني (اشتراها) أي الزكاة من الفقير (بماله، أو لرجل) غني (كان له جار مسكين فتُصُدِّقَ) بصيغة المجهول\n_________\n(١) يشكل عليه أنه إذا أعطِيَ عمالة فكيف يمنع منه الهاشمي، وسيأتي الجواب على هامش \"باب الصدقة على بني هاشم\". (ش).","vol":"6","page":484},{"text":"عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ\". [ق ٧/ ١٥، ك ١/ ٤٠٨]\n١٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، بِمَعْنَاهُ. [جه ١٨٤١، حم ٣/ ٥٦، خزيمة ٢٣٧٤، ق ٧/ ١٥، ك ١/ ٤٠٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن زيدٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عن زيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الثَّبْتُ عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n===\n(على المسكين فأهداها) أي الزكاة (المسكينُ للغني) كما وقع في قصة بريرة فيما تُصُدِّقَ عليها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هو عليها صدقة، ولنا هدية\".\n١٦٣٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى حديث مالك، عن زيد بن أسلم.\n(قال أبو داود: رواه ابن عيينة) (١) سفيان (عن زيد) بن أسلم (كما قال مالك، ورواه الثوري (٢) عن زيد) بن أسلم (قال: حدثني المثبت عن النبي - ﷺ -)، وحكى القاري (٣) عن أبي داود هذا الكلام، فقال: حدثني الليث، وهو تصحيف، وغرض المصنف بهذا الكلام أن هذا الحديث رواه مالك، وسفيان بن عيينة، والثوري عن زيد بن أسلم، واتفق مالك وابن عيينة على تسميته عطاءَ بنَ يسارٍ، وأما الثوري فلم يسم عطاء، بل قال: حدثني الثبت أي الثقة، فخالفهم.\n_________\n(١) وصل روايته ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٩٦).\n(٢) ذكر روايته ابن عبد البر (٥/ ٩٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٥)، ولكن تحرف في كتابيهما إلى \"الليث\" بدل \"الثبت\"، ورجح روايته ابن أبي حاتم في \"علله\" رقم (٦٤٢).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٤٣).","vol":"6","page":485},{"text":"١٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِىُّ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عِمْرَانَ الْبَارِقِىِّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ إلَّا فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ، أَوْ جَارٍ فَقِيرٍ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيُهْدِى لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ». [حم ٣/ ٣١، خزيمة ٢٣٦٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ فِرَاسٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عن عَطِيَّةَ (١)، مِثْلَهُ.\n===\n١٦٣٧ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا الفريابي) محمد بن إسماعيل بن عياش، (نا سفيان) الثوري، (عن عمران البارقي) أخرج له أبو داود هذا الحديث الواحد، (عن عطية، عن أبي سعيد) الخدري، (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ابن السبيل) (٢).\nقال البيهقي في \"سننه\" (٣): حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد أصح طريقًا، وليس فيه ذكر \"ابن السبيل\"، فإن صح هذا فإنما أراد- والله أعلم- أن ابن السبيل غني في بلده، محتاج في سفره، كذا في \"مرقاة الصعود\".\n(أو جار فقير يُتَصَدَّق عليه فيهدي لك أو يدعوك) أي يضيفك ويطعمك وأنت غني، والحاصل أن الفقير إذا تُصُدِّقَ عليه فيهدي للغني ويملكه، أو يضيف الغني ويطعمه على سبيل الإباحة يحل للغني على الحالين.\n(قال أبو داود: رواه فراس وابن أبي ليلى) (٤) محمد (عن عطية مثله)\n_________\n(١) زاد في نسخة:، عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - يعني مثله\".\n(٢) وقال الباجي: المسافر يكون مبتدأ لسفره ويكون مستديمًا له، أما الثاني فلا نعلم الخلاف في أنه يجوز له الصدقة، وأما الأول فقال مالك والشافعي: يجوز له، وقال أبو حنيفة: لا، وإذا ثبت ذلك فيجوز له أخذ الزكاة وإن كان معه ما يغنيه، وروي ذلك عن مالك، وروى عنه ابن نافع: أنه يجوز له ذلك إذا لم يكن له ما يغنيه، انتهى مختصرًا (٣/ ٣٤١). (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٣).\n(٤) أما رواية فراس فأخرجها الطيالسي (٣/ ٦٤٦) رقم (٢٣٠٨)، وأحمد (٣/ ٤٠)، وأبو يعلى (٢/ ٤٩٣) رقم (١٣٣٣)، والبيهقي (٧/ ٢٢). =","vol":"6","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>(٢٥) بَابٌ: كَمْ يُعْطَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنَ الزَّكَاةِ</span>\n١٦٣٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، نَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائيُّ، عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، زَعَمَ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ:\n===\nأثبت أبو داود بهذا التعليق أن عمران البارقي عن عطية ليس بمتفرد بهذا الحديث، بل رواه فراس وابن أبي ليلى أيضًا كما رواه عمران البارقي، فلفظ \"ابن السبيل\" في هذا الحديث صحيح.\n\n(٢٥) (بَابٌ: كم يُعطَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ (١) مِنَ الزكَاةِ)\n١٦٣٨ - (حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، نا أبو نعيم) فضل بن دكين، (حدثني سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير) مصغرًا (ابن يسار) الحارثي الأنصاري، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول الله - ﷺ -، وكان قليل الحديث.\n(زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة أخبره:\n_________\n= وإما رواية محمد بن عبد الرحمن فأخرجها ابن أبي شيبة (٣/ ٢١٠)، وأحمد (٣/ ٣١، ٩٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٩)، وأبو يعلى (٢/ ٤١٣) رقم (١٢٠٢)، والبيهقي (٧/ ٢٣).\n(١) قال الموفق: ظاهر قول الخرقي أنه لا يدفع إليه ما يحصل به الغنى، والمذهب أنه يجوز أن يدفع إليه ما يغنيه من غير زيادة، نص عليه أحمد في مواضع، وذكره أصحابه، فتعين حمل قول الخرقي على أنه لا يدفع إليه زيادة على ما يحصل به الغنى، وهو قول الثوري ومالك والشافعي وأبي ثور. وقال أصحاب الرأي: يُعطَى ألفًا وأكثر إذا كان محتاجًا إليها، ويكره أن يزاد على المائتين، ولنا أن الغنى إذا كان سابقًا منع، فيمنع إذا قارن، كالجمع بين الأختين في النكاح، انتهى. (٤/ ١٢٩، ١٣٠). (ش).","vol":"6","page":487},{"text":"\"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَدَاهُ بِمِئَةٍ مِنْ إبلِ الصَّدَقَةِ يَعْنِي: دِيَةَ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ\". [خ ٦٨٩٨، م ١٦٦٩]\n===\nأن النبي - ﷺ - وداه) أي أعطاه في الدية (بمئة من إبل الصدقة يعني: دية الأنصاري الذي قُتِلَ بخيبر)، والذي قتل بخيبر هو عبد الله بن سهل بن زيد بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة الأنصاري الحارثي.\nفعلى هذا يشكل ما وقع في هذا الحديث من أن سهل بن أبي حثمة يقول: إن النبي - ﷺ - وداه بمائة من الصدقة، فإنه وقع في \"الصحيح\" (١): \"أن أخا المقتول عبد الرحمن بن سهل وابنا عمه حويصة ومحيصة جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ - يطلبون ديته، فأعطاهم رسول الله - ﷺ - الدية\".\nوكان لسهل بن أبي حثمة عند وفاة رسول الله - ﷺ - سبع أو ثماني سنين على الراجح، فكيف يمكن أن يُعطَى الدية إلَّا أن يقال: إن معنى قوله: إن النبي - ﷺ - وداه أي ودى قومه، فإن سهل بن أبي حثمة من قبيلة عبد الله بن سهل المقتول، لأن نسبه هكذا: سهل بن أبي حثمة بن ساعدة بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة، فيلتقيان على عامر بن عدي، ويمكن أن يجاب عنه أن في الروايات اختلافًا في هذا اللفظ، ففي بعضها: وداهم. وفي بعضها: فوداه، ففي صورة الجمع المرجع القوم، وفي الإفراد المرجع عبد الرحمن بن سهل لأنه شقيقه، ففي هذا الحديث كان مرجع الضمير عبد الرحمن بن سهل لكن لما وقع فيه الاختصار التبس، فالمرجع عبد الرحمن لا سهل بن أبي حثمة.\nثم قال القسطلاني (٢): وفي رواية يحيى بن سعيد: من عنده، فيحتمل أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده، أو المراد بقوله: من عنده، من بيت المال المرصد للمصالح، فأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانًا؛ لما في ذلك من قطع المنازعة لإصلاح ذات البين.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٣١٧٣).\n(٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٦٣).","vol":"6","page":488},{"text":"(١)\n١٦٣٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ الْفَزَارِىِّ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ؛ إلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ، أَوْ فِى أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا». [ت ٦٨١، ن ٢٥٩٩، حم ٥/ ١٠، ١٩، حب ٣٣٨٦، ق ٤/ ١٩٧]\n١٦٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عن هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ،\n===\nقال أبو العباس القرطبي: ورواية من قال: من عنده، أصح من رواية من قال: من إبل الصدقة، وقد قيل: إنها غلط، والأولى أن لا يغلط الراوي ما أمكن، فيحتمل أنه - ﷺ - تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء، انتهى.\n١٦٣٩ - (حدثنا حفص بن عمر النَمَري) بفتحتين، منسوب إلى نمر بن عثمان، (نا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة الفزاري، عن سمرة) بن جندب، (عن النبي - ﷺ - قال: المسائل) جمع مسألة، أي الأسئلة (كدوح) وخدوش وجروح (يكدح) أي يخدش (بها الرجل وجهه) يوم القيامة فهي كناية عن الذلة والهوان (فمن شاء أبقى) الكدوح (على وجهه) بالسؤال، (ومن شاء ترك) بترك السؤال (إلَّا أن يسأل الرجل ذا سلطان) أي ذا ملك وسلطنة فإنه يجوز، فإن ما في يده من بيت المال، وفيه حقه فيطلب منه حقه (أو في أمر لا يجد منه بُدًّا) كالفقراء والمساكين، أو من تحمل حمالة ومن غرم بمال، فإنهم يجوز لهم السؤال.\n١٦٤٠ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب) بكسر الراء والتحتانية مهموز، التميمي ثم الأسيدي، أبو بكر أو أبو الحسن العابد البصري، قال أحمد، وابن معين، والنسائي، وابن سعد، ويعقوب بن سفيان:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب من لا يحل له المسألة\"، وفي نسخة: \"باب ما يجوز فيه المسألة\".","vol":"6","page":489},{"text":"حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ العَدَوِيُّ، عن قَبِيْصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَاليِّ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"أَقِمْ يَا قَبِيْصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا\"، ثُمَّ قَالَ: \"يَا قَبِيْصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأَحَدِ (١) ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَهَا،\n===\nثقة، وقال ابن عيينة: كان عنده أربعة أحاديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: لم يسمع من أنس شيئًا، قال أبو محمد بن حزم: العمار وهارون وعلي بنو رئاب، كان هارون من أهل السنَّة، والعمار من أئمة الخوارج، وعلي من أئمة الروافض، وكانوا معتادين كلهم.\n(حدثني كنانة بن نعيم العدوي)، أبو بكر البصري، قال ابن سعد: كان معروفًا ثقة إن شاء الله، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له مسلم والنسائي حديثين، وروى أبو داود أحدَهما في \"من تحل له المسألة\"، وآخر في قصة جليبيب.\n(عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمَّلْت حمالة) قال في \"القاموس\": وكسحابة: الدية يحملها قوم عن قوم، كالحِمال، وقال في \"المجمع\" (٢): بالفتح: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، كأن تقع حرب بين فريقين، ويسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى، ليصلح ذات البين، والتَّحمل أن يحملها عنهم على نفسه.\n(فأتيت النبي - ﷺ -، فقال) النبي - ﷺ -: (أقم) عندنا (يا قبيصة، حتى تأتينا الصدقة) أي أموالها (فنأمُرَ لك بها، ثم قال: يا قبيصة! إن المسألة) أي السؤال (لا تحل إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ: رجل) أي أحدها: رجل (تحمل حمالة فحلت له المسألة، فسأل) أي يسأل، كما في نسخة (حتى يصيبها) أي المال قدر الحمالة\n_________\n(١) في نسخة: \"لإحدى\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٦١).","vol":"6","page":490},{"text":"ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ\"- أَوْ (١): \"سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا الْفَاقَةُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْش- أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - ثُمَّ يُمْسِكَ، وَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسأَلَةِ يَا قَبِيْصَة: سُحْتٌ،\n===\n(ثم يمسك) عن السؤال؛ لأن السؤال حل له لأجل الحمالة، فلما أصابها ارتفعت الإباحة، فيجب أن يكفَّ عنها.\n(و) ثانيها: (رجل أصابته) أي مالَه (جائحة) أي آفة كالغرق، والحرق، وفساد الزرع (فاجتاحت) أي استأصلت الآفة (مالَه)، فصار فقيرًا (فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيب قِوامًا) بكسر القاف، ما يقوم به حاجته الضرورية (من عيش أو) شك من الراوي (سدادًا) بالكسر ما يسد به خلله (من عيش).\n(و) ثالثها: (رجل أصابته فاقة) أي كان غنيًا ثم افتقر، فأصابته فاقة ولم يُعْرَف حاله (حتى يقول ثلاثة (٢) من ذوي الحِجى) بكسر الحاء، وفتح الجيم، بعدها ألف مقصورة، قال في \"القاموس\": حجى كإلى: العقل والفطنة والمقدار، انتهى. (من) ذوي (قومه: قد أصابت فلانًا الفاقة، فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيب قوامًا من عيش- أو سِدادًا من عيش-، ثم يمسك).\nقال السيد جمال الدين: أخذ بظاهر الحديث بعض أصحابنا، وقال الجمهور: يُقْبَل من عدلين، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من عرف له مال، فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال.\n(ما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت) بضمتين، وبسكون الثاني، وهو الأكثر، هو الحرام الذي لا يحل كسبه،\n_________\n(١) في نسخة: \"أو قال: سدادًا من عيش\".\n(٢) قال الموفق: استدل به أحمد على أن الإعسار لا يثبت إلَّا بشهادة ثلاثة، والمذهب أنه يثبت برجلين، والحديث في حل المسألة لا الإعسار، (انظر: \"المغني\" ١٤/ ١٢٨). (ش).","vol":"6","page":491},{"text":"يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا\". [م ١٠٤٤، ن ٢٥٧٩، دي ١٦٧٨، حم ٣/ ٤٧٧]\n١٦٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن الأَخْضَرِ بْنِ عَجْلَانَ، عن أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِىِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيِّ - ﷺ - يسْأَلُهُ، فَقَالَ: \"أَمَا في بَيْتِكَ شَيءٌ؟ \"، قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ: \"ائْتِنِي بِهِمَا\"\n===\nلأنه يسحت البركة أي يذهبها (يأكلها) أي ما حصل له بالمسألة (صاحبها) أي المسألة (سحتًا) نصب على التمييز، أو بدل من ضمير يأكلها، قال ابن الملك: وتأنيث الضمير بمعنى الصدقة والمسألة.\n١٦٤١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عيسى بن يونس، عن الأخضر بن عجلان) الشيباني، البصري، قال ابن معين: صالح، وقال مرة: ليس به بأس، وقال مرة: يكتب حديثه، وقال النسائي: ثقة، قلت: قال الأزدي: ضعيف لا يصح، يعني: حديثه، وفي \"العلل الكبير\" للترمذي: أن البخاري قال: أخضر ثقة. وذكره ابن حبان وابن شاهين في \"الثقات\"، (عن أبي بكر الحنفي) الكبير، اسمه عبد الله بن عبد الله، قال في \"تهذيب التهذيب\": تقدم، وما وجدناه في الأسماء (١).\n(عن أنس بن مالك: أن رجلًا من الأنصار) لم أقف على تسميته (أتى النبي - ﷺ - يسأله، فقال: أما) الهمزة للاستفهام، و\"ما\" نافية (في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس) وهو كساء يلي ظهر البعير تحت القتب (نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب) أي قدح من خشب (نشرب فيه من الماء، قال) النبي - ﷺ -: (ائتني بهما) أي بالحلس والقعب.\n_________\n(١) قلت: نعم وجدته في الأسماء، هو عبد الله أبو بكر الحنفي البصري، روى عن أنس في البيع فيمن يزيد، قال الحافظ: قال البخاري: يصح حديثه، وقال ابن القطان الفاسي: عدالته لم تثبت. \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٨٨)، وانظر: \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ٣٣٨).","vol":"6","page":492},{"text":"قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدهِ وَقَالَ: \"مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ \" قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بدِرْهَم، قَالَ: \"مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ \" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آَخُذُهمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: \"اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا، فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا، فَأتِنِي بِهِ\" (١)، فَأَتَاهُ بِهِ (٢) فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: \"اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ، وَبعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا\"؛ فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيبيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ،\n===\n(قال) أنس: (فأتاه) أي الرجلُ رسولَ الله - ﷺ - (بهما، فأخذهما رسول الله - ﷺ - بيده وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل) من الحاضرين: (أنا آخُذُهما بدرهم)، (قال) رسول الله - ﷺ -: (من يزيد على درهم، مرتين أو ثلاثًا) قال هذا اللفظ مرتين أو ثلاثًا، (قال رجل) آخر: (أنا آخذهما بدرهمين فأعطى) رسول الله - ﷺ - (هما) أي الحلس والقعب (إياه) أي الرجل، (وأخذ الدرهمين) منه، (فأعطاهما) أي الدرهمين (الأنصاريَّ، وقال: اشتر بأحدهما طعامًا، فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدُومًا) قال في \"المجمع\" (٣): قيل: هو بالتشديد والتخفيف قدوم النجار، وقال في \"القاموس\": والقَدُوم آلة للنجر، مُؤَنَّثةٌ، جمعه قَدَائِمَ وقُدُم (فأتني به) وفي نسخة: بها.\n(فأتاه به، فشد فيه) أي أدخل (رسول الله - ﷺ - عودًا بيده، ثم قال له: اذهب فاحتَطِبْ، وبعْ، ولا أَرَيَنَّك خمسة عشر يومًا) أي اشتغل بالاحتطاب وبيعِها، ولا تشتغل بغيرها إلَّا ما لا بد منه، (فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء) أي بعد خمسة عشر يومًا (وقد أصاب عشرة دراهم،\n_________\n(١) في نسخة: \"بها\".\n(٢) في نسخة: \"بها\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٣٢).","vol":"6","page":493},{"text":"فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً في وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ\". [ت ١٣١٨، ن ٤٥٢١، جه ٢١٩٨، حم ٣/ ١٠٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>(٢٦) بَابُ كَرَاهِيةِ الْمَسْألَةِ</span>\n١٦٤٢ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ - يَعْنِى ابْنَ يَزِيدَ -، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىِّ، عَنْ أَبِى مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِىِّ، حَدَّثَنِى الْحَبِيبُ الأَمِينُ - أَمَّا هُوَ إِلَىَّ فَحَبِيبٌ، وَأَمَّا هُوَ عِنْدِى فَأَمِينٌ - عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ:\n===\nفاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال رسول الله - ﷺ -: هذا) أي الاحتطاب (خير لك من أن تجيء المسألةُ نكتة) أي تغير لون (في وجهك يوم القيامة، (ن المسألة لا تصلح) أي لا تحل (إلَّا لثلائة: لذي فقرٍ مُدْقِع) بدال وعين مهملتين بينهما قاف، أي شديد يفضي بصاحبه إلى الدقعاء، وهو التراب، (أو لذي غُرْمٍ مُفْظِع) بفاء وظاء معجمة وعين مهملة أي شديد شنيع (أو لذي دم مُوْجِع) وهو أن يتحمل الدية فيسعى فيها حتى يؤديها إلى أولياء المقتول، فإن لم يؤدها قتل المتحمل عنه فيوجعه قتله.\n\n(٢٦) (بَابُ كَرَاهِيَةِ المَسألةِ)، أي: السؤال\n١٦٤٢ - (حدثنا هشام بن عمار، نا الوليد) بن مسلم، (نا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة -يعني ابن يزيد-، عن أبي إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، (عن أبي مسلم الخولاني) عبد الله بن ثوب، (حدثني الحبيبُ الأمينُ - أما هو إليَّ فحبيب، وأما هو عندي فأمين-) أي صادق بين (عوفُ بنُ مالكٍ) عطف بيان، أو بدل من الحبيب الأمين، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو (قال:","vol":"6","page":494},{"text":"\"كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ تِسْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؟» وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، قُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ! حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، وبَسَطْنَا (١) أَيْدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ (٢). فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَعَلي ما نُبَايِعُكَ؟ قَالَ (٣): «أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا»، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً قَالَ: «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا». قَالَ: فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُهُ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ\". [م ١٠٤٣، ن ٤٦٠، جه ٥٨٦٧]\n===\nكنا عند رسول الله - ﷺ - سبعة) أي سبعة رجال، (أو ثمانية، أو تسعة، فقال) رسول الله - ﷺ -: (ألا تبايعون رسول الله - ﷺ -؟ وكنا حديث عهد) أي قريب الزمان (ببيعة، قلنا: قد بايعناك) ولعلهم ظنوا أن رسول الله - ﷺ - نسي بيعتهم (حتى قالها ثلاثًا) فعلموا أنه لم يَنْسَ، بل غرضه البيعة مرة ثانية.\n(وبسطنا أيدينا فبايَعْنا) أي رسولَ الله - ﷺ -، فضمير المتكلم فاعل الفعل، وضمير المفعول مقدر أي: بايعناه، ويحتمل أن يكون ضمير المتكلم مفعوله، وضمير الفاعل مضمر يعود إلى رسول الله - ﷺ -، أي بايع رسول الله - ﷺ - إيانا، أي أردنا بيعته، أو أراد بيعتنا.\n(فقال قائل: يا رسول الله! إنا قد بايعناك) قبل (فعلى ما نبايعك؟ (٤) قال: أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وتصلوا الصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا) للأمير، (وأسرَّ) رسول الله - ﷺ - (كلمة خفيةً قال) أي رسول الله - ﷺ -: (ولا تسألوا الناس شيئًا، قال) عوف بن مالك: (فلقد كان بعضُ أولئك النفر يسقط سوطُهُ) من يده وهو راكب (فما يسأل أحدًا أن يناوله إياه) أي يناول\n_________\n(١) في نسخة: \"فبسطنا\".\n(٢) وفي نسخة: \"فبايعناه\".\n(٣) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٤) ويمكن أن يستدل على مسألة معروفة من ندب بيعة السلوك فإنها لم تكن بيعة الإِسلام. (ش).","vol":"6","page":495},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ هِشَامٍ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا سَعِيدٌ.\n١٦٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنْ ثَوْبَانَ - قَالَ: وَكَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ تَكَفَّلَ لِى أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، فأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟»، فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا. [حم ٥/ ٢٧٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>(٢٧) بَابٌ: في الاسْتِعْفَافِ</span>\n١٦٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ،\n===\nالرجلُ الراكبَ السوطَ، أو يناول الرجلُ السوطَ الراكبَ، بل ينزل عن المركب، فيأخذ، ثم يركب، وهذا من شدة احتياطهم.\n(قال أبو داود: حديث هشام) بن عمار هذا (لم يروه إلَّا سعيد)، تفرد به سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة، ثم روى عن سعيد جماعة.\n١٦٤٣ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن عاصم، عن أبي العالية، عن ثوبان، قال) أبو العالية: (وكان ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -) وقد أخرج الإِمام أحمد (١) هذا الحديث من طريق محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن عاصم قال: قلت لأبي العالية: ما ثوبان؟ قال: مولى رسول الله - ﷺ - (قال) ثوبان: (قال رسول الله - ﷺ -: من تكفل) أي ضمن (لي أن لا يسأل الناس شيئًا فأتكفل) أي أضمن (له بالجنة، فقال ثوبان: أنا) أي أضمن أن لا أسأل الناس، (فكان) ثوبان (لا يسأل أحدًا شيئًا).\n\n(٢٧) (بَابٌ: في الاسْتِعْفَافِ) عن السؤال والحرام\n١٦٤٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب،\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٧٥، ٢٧٦).","vol":"6","page":496},{"text":"عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: \"أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ (١)، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِى مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِى أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». [خ ١٤٦٩، م ١٠٥٣، ت ٢٠٢٤، ن ٢٥٨٨، حم ٣/ ٩٣، ق ٤/ ١٩٥]\n===\nعن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري: أن ناسًا من الأنصار) لم أقف على تسميتهم (سألوا رسول الله - ﷺ -) من المال، (فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نَفَدَ) أي فني (ما عنده) من الأموال (قال) رسول الله - ﷺ -: (ما) موصولة (يكون عندي من خير فلن أَدَّخِرَه) أي أحبسه وأكفَّه (عنكم، ومن يستعفِفْ) أي ومن يطلب من نفسه العفةَ عن السؤال، أو يطلب العفة من الله تعالى (يُعِفَّه الله) من الإعفاف، أي يجعله عفيفًا بإعطاء العفة، وهي الحفظ عن المناهي، يعني: من قنع بأدنى قوت وترك السؤال يسهل عليه القناعة.\n(ومن يَسْتَغن) أي يظهر الغنا بالاستغناء عن أموال الناس (يُغْنِهِ الله) أي يجعله غنيًا بالقلب، كما في الحديث: \"ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس\" (٢) (ومن يتصبَّرْ) على المكاره والبلايا، أو عن السؤال، أو عن الاستشراف إلى ما في أيدي الناس (يُصَبّرْه الله) أي يرزقه الصبر، ويسهل عليه.\n(وما أعطي أحد من عطاء أوسع من الصبر) وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قدم على الصلاة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (٣).\nفإن قيل: يعارضه ما وقع في الحديث: أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ثم سألوه فأعطاهم\".\n(٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٤٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٣) سورة البقرة: الآية ٤٥.","vol":"6","page":497},{"text":"١٦٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ. (ح): وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَهَذَا حَدِيثُهُ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِى حَمْزَةَ، عَنْ طَارِقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى: إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ،\n===\nوهو يقول: اللهُمَّ إني أسألك الصبر، فقال: \"سألت الله البلاء فاسأله العافية\" (١)، وهذا يدل على أن سؤال الصبر غير مرضي. فالجواب عنه أن الصبر المحمود ما يكون بعد البلاء، وأما قبله فغير محمود.\n١٦٤٥ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، ح: ونا عبد الملك بن حبيب أبو مروان) المصيصي، البزار، قال في \"التقريب\": مقبول، (نا ابن المبارك) عبد الله (وهذا حديثه) أي ابن المبارك، (عن بشير) مكبرًا (ابن سلمان) الكندي، أبو إسماعيل الكوفي، قال أحمد، وابن معين، والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان شيخًا قليلَ الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن سيار أبي حمزة) الكوفي، مقبول، من الخامسة، ووقع في الإسناد: سيار أبي الحكم عن طارق، والصواب: عن سيار أبي حمزة.\n(عن طارق) بن شهاب، (عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أصابته فاقة) أي حاجة شديدة وفقر وضيق المعيشة (فأنزلها بالناس) أي عرضها عليهم بطريق الشكاية، وطلب إزالة الفاقة منهم، ولم ينزلها بالله (لم تُسَدَّ فاقتُه) أي لم تقض حاجته، ولم تزل فاقته، بل كلما تسد حاجة أصابته أخرى أشد منها، (ومن أنزلها باللهِ) بأن اعتمد في إزالتها على مولاه (أوشك الله) أي أسرع وعجل (له بالغنى) بكسر الغين والقصر. قال في \"القاموس\": الغنى: كإلى، ضد الفقر، وإذا فتح مُدَّ.\n(إما بموت عاجل) (٢) قيل: بموت قريب له غني فيرثه، ويحتمل أن يكون\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٣٥)، من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -.\n(٢) ولفظ الترمذي (٢٣٢٦): فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل، وهكذا في \"الدر المنثور\" =","vol":"6","page":498},{"text":"أَوْ غِنًى عَاجِلٍ\". [ت ٢٣٢٦، حم ١/ ٤٠٧، ك ١/ ٤٠٨]\n١٦٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِىٍّ، عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِىِّ، أَنَّ الْفِرَاسِىَّ،\n===\nمعنى قوله: بأن يموت عاجلًا، فيستغني عن المال (أو غنى عاجل) هكذا في النسخ الموجودة بالعين في الموضعين، وفي نسخة \"المشكاة\" (١): \"بموت عاجل، أو غنى آجل\"، في الأول بالعين، وفي الثاني بالهمزة، قال القاري في شرح قوله: غنى عاجل: قال الطيبي: هو هكذا، أي: بالعين في أكثر نسخ \"المصابيح\"، و\"جامع الأصول\"، وفي \"سنن أبي داود\"، و\"الترمذي\": \"أو غنى آجل\" بهمزة ممدودة، وهو أصح دراية لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢)، انتهى، وفيه بحث، تأمل.\n١٦٤٦ - (حدثنا قيبة بن سعيد، نا الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي) بفتح الميم، وسكون المعجمة، بعدها معجمة مكسورة، وياء النسب، المدلجي، أبو معاوية المصري، روى عن ابن الفراسي، عن أبيه في \"ماء البحر\"، وفي \"سؤال الصالحين\"، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن ابن الفراسي)، عن النبي - ﷺ -، وقيل: عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، لا يعرف اسمه.\n(إن الفراسي) (٣)، قال في \"أسد الغابة\" (٤) في ترجمة الفراسي: من بني فراس بن مالك بن كنانة، حديثه عند أهل مصر، ثم أخرج هذا الحديث\n_________\n= برواية الترمذي وأبي داود والحاكم (١/ ٤٠٨)، وقال: صححه، وفي \"كنز العمال\" (١٦٦٠٨) أوشك الله له بالغناء، إما أجل آجل أو غنى عاجل. (ش).\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٦١) رقم (١٨٥٢).\n(٢) سورة النور: الآية ٣٢.\n(٣) وبهذا السياق أخرجه النسائي (٢٥٨٧). (ش).\n(٤) رقم الترجمة (٤٢٠٥).","vol":"6","page":499},{"text":"قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:\n\"لَا، وَإِنْ كُنْتَ سَائِلًا لَا بُدَّ فَسَلِ الصَّالِحِينَ\". [ن ٢٥٨٧، حم ٤/ ٣٣٤]\n١٦٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا لَيْثٌ، عن بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن ابْنِ السَّاعِدِيِّ\n===\nبسنده، وذكر في \"الإصابة\" (١) في ترجمة فراس بغير ياء النسبة: قال: له صحبة، قاله البخاري، ثم قال: هكذا رأيته في نسخة قديمة من \"تاريخ البخاري\" في حرف الفاء، وكذا ذكره ابن السكن أن البخاري سماه فراسًا، قال: وقال غيره: الفراس (٢) من بني فراس بن مالك بن كنانة، ولا يوقف على اسمه، وذكره البغوي وابن حبان بلفظ النسب، كما هو المشهور، لكن صنيعه يقتضي أنه اسم بلفظ النسب، والمعروف أنه نسبه، وأن اسمه لا يعرف، والمعروف في الحديث ابن الفراسي (٣) عن أبيه، وقيل: عن ابن الفراسي فقط، وهو مرسل، انتهى.\n(قال لرسول الله - ﷺ -: أسأل يا رسول الله - ﷺ -؟) بتقدير همزة الاستفهام أي أأسأل الناس (فقال النبي - ﷺ -: لا) لأن السؤال ذلٌّ، (وإن كنت سائلًا لا بد فسل الصالحين) وهذا باعتبار الأولوية، فإن الصلحاء إذا سُئِلوا لا ينظرونك بنظر الاحتقار، ولأن الصالح لا يعطي إلَّا من الحلال، ولا يكون إلَّا كريمًا ورحيمًا، ولا يهتك العرض، ولأنه يدعو لك فيستجاب.\n١٦٤٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا ليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر) بضم الموحدة والسين المهملة (ابن سعيد، عن ابن الساعدي) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): عبد الله بن السعدي، واسمه عمرو، وقيل: قدامة، وقيل: عبد الله بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود العامري، أبو محمد، ويقال له السعدي؛ لأنه كان مسترضعًا في بني سعد، وقال فيه\n_________\n(١) رقم الترجمة (٦٩٦٤).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"الإصابة\": الفراسي.\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"الإصابة\": ابن الفراس.\n(٤) (٥/ ٢٣٥).","vol":"6","page":500},{"text":"قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ للَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللهِ، قَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ، فَكُلْ وَتَصَدَّقْ\". [خ ٧١٦٣، م ١٠٤٥، ن ٢٦٠٤، حم ١/ ٥٢]\n===\nبعضهم: ابن الساعدي (١)، وسكن عبد الله الأردن، روى عن النبي - ﷺ -، وعن عمر بن الخطاب حديثَ العمالة.\n(قال: استعملني) أي جعلني عاملًا (عمر على الصدقة) أي على أخذِها وجمعِها وجبايتها، (فلما فرغت منها) أي من أخذِها وجمعها، (وأديتها إليه) أي إلى عمر (أمر لي بعمالة) بضم العين، وفي \"القاموس\": مثلثة، أجرة العمل (فقلت: إنما عملت لله، وأجري على الله، قال) أي عمر: (خذ ما أُعْطِيْتَ) بصيغة المجهول (فإني قد عملت على عهد رسول الله - ﷺ - فعمَّلني) بتشديد الميم أي أعطاني أجرة العمل، (فقلت مثلَ قولك، فقال لي رسول الله - ﷺ -: إذا أُعطيتَ) بصيغة المجهول (شيئًا من غير أن تسأله فكل وتصدق) أي اصنع ما شئت فيها من الأكل والتصدق، أو كُلْ إن كنت فقيرًا، وتصدق إن كنت غنيًا.\nقال القاري (٢): فيه جواز أخذ العوض عن بيت المال على (٣) العمل العام، وإن كان فرضًا كالقضاء والحسبة والتدريس، بل يجب على الإِمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم في مال بيت المال، وظاهر هذا الحديث وغيره وجوب قبول ما أعطيه الإنسان من غير سؤال ولا إشراف نفس، وبه قال أحمد وغيره، وحمل الجمهور الأمر على الاستحباب أو الإباحة.\n_________\n(١) وحكى صاحب \"العون\" (٥/ ٦١) عن المنذري وغيره: أنه لا وجه له، والصواب ابن السعدي. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٦٣).\n(٣) في الأصل: \"عمل\" بدل \"على\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":501},{"text":"١٦٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ مِنْهَا وَالْمَسْأَلَةَ -: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا: الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى: السَّائِلَةُ». [خ ١٤٢٩، م ١٠٣٣، ن ٢٥٣٣، حم ٢/ ٦٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: اخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ، عن نَافِع في هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ (١): الْيَدُ الْعُلْيَا: الْمتَعَفِّفَةُ\n===\n١٦٤٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال، وهو) الواو للحال (على المنبر، وهو) الواو للحال (يذكر الصدقة والتعففَ منها والمسألة) (٢).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): كذا للبخاري بالواو قَبْلَ المسألةِ، وفي رواية مسلم عن قتيبة عن مالك: \"والتعفف عن المسألة\"، ولأبي داود: \"والتعفف منها\" أي من أخذ الصدقة، والمعنى أنه كان يحض الغنيَّ على الصدقة، والفقيرَ على التعفف عن المسألة، أو يحضه على التعفف ويذم المسألة (اليد العليا (٤) خير من اليد السفلى) مقولة لقال (واليد العليا: المنفقة، والسفلى: السائلة).\n(قال أبو داود: اختلف على أيوب عن نافع في هكذا الحديث، قال عبد الوارث) عن أيوب، كما في نسخة (اليد العليا المتعففة،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال عبد الوارث عن أيوب\".\n(٢) سقط في الأصل: \"والمسألة\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٧).\n(٤) وسئل شيخ المشايخ الشاه إمداد الله المهاجر المكي عن ذلك بأنه يشكل عليه أن ظاهره ترجيح الغني على الفقير؟ فأجاب بأنه كذلك؛ لأن الغني إذ ذاك يبعد المال أي الدنيا عن نفسه، والفقير يقبله ويأخذه لنفسه، انتهى. وحكي عن شيخ الهند أن كلتا اليدين واحدة، لكن السفلى السائلة، والعليا الآخذة بدون السؤال، بل بإصرار المعطي، فإن المعطي إذ ذاك يسفل يده. (ش).","vol":"6","page":502},{"text":"وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ عن حَمَّادِ بْنِ زيدٍ عَنْ أيُّوبَ: الْيَدُ الْعُلْيَا: الْمُنْفِقَةُ. وَقَالَ وَاحِدٌ عن حَمَّادٍ: الْمُتَعَفِّفَةُ.\n١٦٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ التَّيْمِىُّ، حَدَّثَنِى أَبُو الزَّعْرَاءِ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ\n===\nوقال أكثرهم (١) عن حماد بن زيد عن أيوب: اليد العليا المنفقة، وقال واحد عن حماد: المتعففة) اتفقت روايةُ عبد الوارث عن أيوب، وروايةُ واحد عن حماد بن زيد عن أيوب على أنها: المتعففة، والمراد بالواحد عن حماد هو مسدد.\nقال الحافظ (٢): ورواية عبد الوارث فلم أقف عليها موصولة، وقد أخرج أبو نعيم في \"المستخرج\" من طريق سليمان بن حرب عن حماد بلفظ: \"واليد العليا يد المعطي\"، وهذا يدل على أن من رواه عن نافع بلفظ: المتعفف، فقد صحَّف، قال ابن عبد البر: ورواه موسى بن عقبة عن نافع فاختلف عليه أيضًا، فقال حفص بن ميسرة عنه: المنفقة، كما قال مالك، قلت: وكذلك قال فضيل بن سليمان عنه، قال ابن عبد البر: رواية مالك أولى وأشبه بالأصول، ويؤيده حديث طارق المحاربي عند النسائي، وفيه: \"يد المعطي العليا\"، ثم ذكر فيها أحاديث، ثم قال: فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور، ومحصل ما في الآثار أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة لغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة والمانعة، والله أعلم، ملخص من \"الفتح\".\n١٦٤٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبيدة بن حميد التيمي، حدثني أبو الزعراء، عن أبي الأحوص، عن أبيه مالك بن نضلة) بنون ومعجمة ساكنة،\n_________\n(١) منهم سليمان بن حرب، أخرج روايته الدارمي في \"مسنده\" (١/ ٣٠٢) رقم (١٦٥٢) وعارم أخرج روايته البخاري في \"صحيحه\" (١٤٢٩) بلفظ: \"المنفقة\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٧، ٢٩٨).","vol":"6","page":503},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى؛ فَأَعْطِ الْفَضْلَ وَلَا تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ\". [حم ٣/ ٤٧٣، خزيمة ٢٤٤٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>(٢٨) بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ</span>\n١٦٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ، عن ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، عن أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -\n===\nويقال مالك بن عوف بن نضلة بن خديج الجشمي، روى عنه ابنه أبو الأحوص عوف بن مالك (قال: قال رسول الله - ﷺ -: الأيدي ثلاثة: فيدُ الله العليا) لأنه المعطي الحقيقي، (ويد المعطي التي تليها) أي تتصل بها، (ويد السائل السفلى، فَأَعْطِ الفضلَ) أي ما فضل عن حاجتك، (ولا تَعْجِز عن نفسك) أي عن رد نفسك إذا منعتك عن الإعطاء.\n\n(٢٨) (بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشمٍ) (١) هل تجوز لهم أم لا؟\n١٦٥٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن الحكم) بن عتيبة، ابن أبي رافع) عبيد الله كاتب علي، (عن أبي رافع: أن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس كلهم بنو عبد مناف، وأما بنو هاشم فقال في \"الهداية\" (١/ ١١٢): وهم آل علي، وعباس، وآل جعفر، وعقيل، والحارث بن عبد المطلب، وقال النووي (٤/ ١٨٩): مذهب الشافعي وموافقيه أن آله - ﷺ - بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية، ومذهب أبي حنيفة ومالك أنهم بنو هاشم خاصة، وقال بعض العلماء: هم قريش كلها، وقال بعضهم: هم بني قصيّ.\nوقال الباجي (٣/ ٢٣٨): قال ابن القاسم: هم بنو هاشم خاصة، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه يستثني بني أبي لهب، وقال أصبغ: هم عشيرته الأقربون الذين ناداهم حين أنزلت الآية، وهم آل عبد المطلب وهاشم وعبد مناف وقصي وبنو غالب، وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب، ورجح في \"الروض المربع\" (ص ٢٠٢، ٢٠٣) عن جماعة منهم ترجيح الحرمة لبني هاشم فقط، وحكي عن بعضهم شمول بني المطلب أيضًا، وآل بني لهب يدخل عندهم في آل بني هاشم لا عندنا. (ش).","vol":"6","page":504},{"text":"بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - فأَسْأَلَهُ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: \"مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ،\n===\nبعث رجلًا) هو أرقم بن أبي الأرقم الزهري، صرح بذلك صاحب \"البدائع\" (١) (على الصدقة) أي على جباية الزكاة (من بني مخزوم).\nواختُلِفَ في أن الأرقم بن أبي الأرقم هذا هل هو: زهري أو مخزومي؟ قال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): روى الطبراني من طريق الثوري (٣)، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: استعمل النبي - ﷺ - الأرقم بن أبي الأرقم الزهري على السعاية، فاستتبع أبا رافع مولى النبي - ﷺ -، أتى (٤) النبي - ﷺ -، فقال: يا أبا رافع إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد، انتهى.\nفهذا يدل على أن للأرقم الزهري أيضًا صحبة، لكن رواه شعبة، عن الحكم، عن مقسم فقال: استعمل رجلًا من بني مخزوم، كذلك أخرجه أبو داود وغيره، وإسناده أصح.\n(فقال) الأرقم (لأبي رافع: اصحبني) في السفر لتعينني على جباية الصدقة (فإنك تصيب منها) أي تُعْطَى من الصدقة (قال:) لا أصحبك (حتى آتي النبي - ﷺ -، فأسألَه) فإن أذن لي فأصحبك وإلا فلا، (فأتاه) أي أتى أبو رافع رسولَ الله مجديد (فسأله، فقال) رسول الله - ﷺ -: (مولى القوم من أنفسهم (٥»\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٦٢).\n(٢) \"الإصابة\" (١/ ٢٦)، رقم الترجمة (٧٣).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"الإصابة\": الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم ... إلخ.\n(٤) وفي الأصل: \"قال\" بدل \"أتى\" وهو تحريف.\n(٥) وهل يدخل فيها الأزواج؟ مختلف فيها، ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٥٦)، وتبعه العيني (٦/ ٥٤٥)، وحكى ابن عابدين (٣/ ٢٩٩) الإجماع على الجواز، لكن أورد عليه بحديث عائشة، وبسط في \"هامش الكوكب\" (٢/ ٢٢، ٢٣). (ش).","vol":"6","page":505},{"text":"وإنَّا لَا تَحِلُّ لنَا الصَّدَقَةُ\". [ت ٦٥٧، ن ٢٦١٢، حم ٦/ ٨ - ١٠، خزيمة ٢٣٤٤، ك ١/ ٤٠٤، ق ٧/ ٣٢]\n===\nأي في حرمة الصدقة (وإنا) أي بني هاشم (لا تحل لنا الصدقة) (١).\nقال الشوكاني (٢): واعلم أن ظاهر قوله: \"لا تحل (٣) لنا الصدقة\" عدمُ حل صدقة الفرض والتطوع، وقد نقل جماعة - منهم الخطابي- الإجماعَ على تحريمها عليه - ﷺ -، وتُعُقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد.\nوقال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة. وأما آل النبي - ﷺ - فقال أكثر الحنفية، وهو المصحَّح عن الشافعية، والحنابلة، وكثيرٍ من الزيدية: إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس، وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع.\nوقال في \"البحر\": إنه خصَّص صدقةَ التطوع القياسُ على الهبة والهدية والوقف، وقال أبو يوسف وأبو العباس: إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض؛ لأن الدليل لم يفصل.\n_________\n(١) قلت: ويشكل عليه أن العامل يأخذ عمالة لا من طريق الزكاة كما تقدم، ولذا يأخذ ولو كان غنيًا، فلم منع الهاشمي؟ وأجاب عنه شارح \"الإحياء\" (٤/ ٢٣٩): بأن فيه شبهة الصدقة فلا يأخذها العامل الهاشمي تنزيهًا لقرابته - ﷺ - عن شبهة الوسخ، والغني لا يوازيه في استحقاق الكرامة ... إلخ، وقريب منه ما قاله العيني رادًا على الطحاوي إذ مال إلى جواز استعمال الهاشمي، واستدل من قال بالجواز ببعثه - ﷺ - عليًا - ﵁ - على اليمن كما في \"البدائع\" (٢/ ١٥١)، وأجاب عنه بأنه ليس فيه أنه ﵇ فرض له منها، بل يحتمل من بيت المال؛ لأنه كان قاضيًا، ومستدل الجمهور سيأتي أيضًا من حديث عبد المطلب بن ربيعة في باب مواضع قسم الخمس ... إلخ. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٣٦).\n(٣) وبسط في هامش الزيلعي على \"الكنز\" وجوه الحرمة فارجع إليه (١/ ٣٠٣). (ش).","vol":"6","page":506},{"text":"١٦٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَمُرُّ بِالتَّمْرَةِ الْعَائِرَةِ، فَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهَا إلَّا مَخَافَةُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً\". [حم ٣/ ١٨٤، ٢٥٨]\n١٦٥٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَخْبَرَنَا أَبِى، عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- وَجَدَ تَمْرَةً فَقَالَ: «لَوْلَا أَنِّى أَخَافُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا». [خ ٢٤٣١، م ١٠٧١، حم ٣/ ٢٩١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هِشَامٌ، عن قتادَةَ هَكَذَا.\n===\nوقال في \"الدر المختار\" (١): وجازت التطوعات من الصدقات وغلة الأوقاف لهم أي لبني هاشم، سواء سماهم الواقف أو لا، على ما هو الحق كما حققه في \"الفتح\" (٢).\n١٦٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا حماد، عن قتادة، عن أنس: أن النبي - ﷺ - كان يمر بالتمرة العائرة)، أي الساقطة لا يُعْرَفُ مالِكُها (فما يمنعه) أي رسول الله - ﷺ - (من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة)، فهذا من باب الورع، وهذا الحديث يدل على أن الشيء اليسير الساقط الذي لا يطلبه صاحبه إذا التقطه أحد يجوز له أكلُه.\n١٦٥٢ - (حدثنا نصر بن علي، أنا أبي) علي بن نصر، (عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن أنس: أن النبي - ﷺ - وجد تمرة، فقال: لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها، قال أبو داود: رواه هشام عن قنادة هكذا) أي كما رواه خالد عن قتادة، وحاصله أن هذا الحديث رواه عن قتادة ثلاثة: حماد، وخالد،\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٣٠٠).\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" (٢/ ٢٧٣).","vol":"6","page":507},{"text":"١٦٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"بَعَثَنِى أَبِى إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- فِى إِبِلٍ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ مِنَ الصَّدَقَةِ\". [ن ١٣٤٠]\n١٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا:\n===\nوهشام؛ فأما حماد فروى فيه عدمَ أخذه التمرةَ الساقطةَ، وذكر من رأيه أن هذا كان لخشية الصدقة، وأما خالد بن قيس وهشام فرفعاه إلى النبي - ﷺ -، ورويا قولَه، وحديث هشام أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١)، ويؤيده ما رواه مسلم في \"صحيحه\" عن سفيان، وزائدة عن منصور، عن طلحة بن مصرف عن أنس من قوله - ﷺ -: \"لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها\".\n١٦٥٣ - (حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، نا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: بعثني أبي إلى النبي - ﷺ - في إبل أعطاها إياه من الصدقة) قال الخطابي: هذا لا أدري وجهه، فلا شك أن الصدقة محرمة على العباس، ويشبه- إن ثبت- أن يكون أعطاه قضاء عن سلف كان استسلفه منه لأهل الصدقة؛ لأنه روي أنه تسلَّف منه صدقة عامين، فكأنه ردها وردَّ صدقة (٢).\nوقال البيهقي (٣): هذا الحديث لا يحتمل إلَّا معنيين، أحدهما: أن يكون قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، وصار منسوخًا، والآخر: أن يكون استسلف من العباس للمساكين إبلًا، ثم رَدَّها عليه، كذا في \"الدرجات\".\n١٦٥٤ - (حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة قالا:\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٠٧١)، وأيضًا أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٢٩١)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٥/ ٣٤٢ - ٣٦٦) رقم (٢٩٧٥ - ٣٠١١).\n(٢) وعبارة الخطابي هكذا: تسلف منه صدقة عامين فردها أو رد صدقة أحد العامين عليه لما جاءته إبل الصدقة، \"معالم السنن\" (٢/ ٦٢).\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٠).","vol":"6","page":508},{"text":"نَا مُحَمَّدٌ- هُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدةَ، عن أَبِيهِ، عن الأَعْمَشِ، عن سَالِمٍ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. زَادَ أَبِي يُبْدِلهَا (١) \". [انظر سابقه]\n\n(٢٩) بَابُ الْفَقِيرِ يُهْدِيِ لِلْغَنِيَّ (٢) مِنَ الصَّدَقَةِ\n١٦٥٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أُتِىَ بِلَحْمٍ قَالَ: «مَا هَذَا؟»، قَالُوا: شَىْءٌ\n===\nنا محمد، - هو ابن أبي عبيدة -، عن أبيه، عن الأعمش، عن سالم) بن أبي الجعد، (عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس نحوه، زاد) (٣) أي أبو عبيدة في حديثه على حديث محمد بن فضيل لفظ: (أبي يبدلها) في آخر الحديث أي يبدل الإبل، وحكى صاحب \"العون\" (٤) عن \"غاية المقصود\" في معنى هذا الكلام: زاد أي أبو عبيدة، عن الأعمش في روايته هذه الجملةَ \"أبي\" بالباء الموحدة بين الألف والياء التحتانية، أي: عباس بن عبد المطلب \"يبدلها\" بصيغة المضارع، والضمير المنصوب يرجع إلى الإبل، انتهى. وهذا يدل على أن الإبل التي أعطاه رسول الله - ﷺ - لم تكن بطريق الصدقة لأنه لو كان بطريق الصدقة لا يستحق إبدالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>(٢٩) (بَابُ الفَقِيرِ يُهْدِي لِلْغَنِيِّ مِنَ الصَّدَقَةِ) </span>فتكون في حق الغني هدية\n١٦٥٥ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن النبي - ﷺ - أتي بلحم) ولعله أتته عائشة به (قال) رسول الله - ﷺ -: (ما هذا) من أين جاء، ومن أي وجه جاء؟ (قالوا) أي أهله - ﷺ -: (شيء) أي لحم قليل\n_________\n(١) في نسخة: \"يبدلها له\".\n(٢) في نسخة: \"إلى غني\".\n(٣) من كلام المصنف وضمير الفاعل إلى أبي عبيدة، والمزيد هو قوله: \"أبي يبدلها\". (ش).\n(٤) \"عون المعبود\" (٥/ ٤٩).","vol":"6","page":509},{"text":"تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ: \"هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ\". [خ ١٤٩٥، م ١٠٧٤، ن ٣٧٦٠، حم ٣/ ١٣٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>(٣٠) بَابُ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا</span>\n١٦٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ،\n===\n(تُصُدِّقَ به على بريرة) (١) وأنت لا تأكل الصدقة، (فقال) رسول الله - ﷺ -: (هو) أي اللحم الذي تُصُدِّق على بريرة (لها) أي لبريرة (صدقة، ولنا) منها (هدية).\nوالحاصل: أن الصدقة إذا دخلت في ملك الفقير، وبلغت محلها، انتهت كونها صدقة، فلما أعطاها الفقير للغني والهاشمي لا يكون في حقه صدقة، بل تكون هدية، والفرق بين الصدقة والهدية أن الصدقة ما يكون فيها وجه الله فقط، والهدية ما يكون فيه وجه المهدي له، وهذا الحديث مختصر، والطويل حديث عائشة - ﵂ - عند البخاري (٢) ومسلم: \"دخل رسول الله - ﷺ - والبرمة تفور بلحم، فقرب إليه خبز (٣) وأدم من أدم البيت، فقال: ألم أر برمة فيها لحم، قالوا: بلى، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، قال: هو عليها صدقة، ولنا هدية\".\n\n(٣٠) (بابُ مَن تَصَدَّق بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا)\n١٦٥٦ - (حدثنا أحمد (٤) بن عبد الله بن يونس، نا زهير،\n_________\n(١) لا خلاف في جواز الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ -، كما صرح به الحافظ في \"الفتح\"، وتقدم الخلاف في الأزواج قريبًا (٣/ ٣٥٦، ٣٥٧). (ش).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥٢٧٩)، \"صحيح مسلم\" (٤/ ١٥٠٤).\n(٣) وفي الأصل: \"جزء\" بدل \"خبز\" وهو تحريف.\n(٤) وسيأتي الحديث في الهبة، وفي النذور أيضًا، [انظر: رقم (٢٨٧٧، ٣٣٠١)]. (ش)","vol":"6","page":510},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّى بِوَلِيدَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ قَالَ: «قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِى الْمِيرَاثِ». [م ١١٤٩، جه ١٧٥٩، حم ٥/ ٣٥٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>(٣١) بَابٌ: في حُقُوقِ الْمَالِ</span>\n١٦٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن عَاصِمِ بْنِ\n===\nنا عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة: أن امرأة) لم أقف على تسميتها (أتت رسول الله - ﷺ - فقالت: كنت تصدقتُ على أمي بوليدة) أي جارية حديثة السنن (وإنها) أي أمي (ماتت ونركت تلكَ الوليدةَ، قال) رسول الله - ﷺ -: (قد وجب) أي ثبت (أجرُكِ) في التصدق، (ورجعت) الوليدة (إليكِ في الميراث) فأنت تملكينها، ويجوز لكِ استخدامها.\nوقد رواها الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١) مطولًا من حديث إسحاق بن يوسف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الله بن عطاء المكي، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن امرأة أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إني تصدقت على أمي بجارية، فإنها ماتت ورجعت إلى بالميراث، قال: \"قد آجركِ الله، وردَّ عليكِ في الميراث\"، قالت: فإن أمي ماتت ولم تَحُجَّ، فيجزئها أن أَحُجَّ عنها؟ قال: \"نعم\"، قالت: فإن أمي كان عليها صوم شهر فيجزئها، قال: \"نعم\"، انتهى.\n\n(٣١) (بابٌ: في حُقُوقِ المْال)\nمن الزكاة المفروضة وغيرِها من التطوعات\n١٦٥٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن عاصم بن\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٥٩).","vol":"6","page":511},{"text":"أَبِي النَّجُودِ، عن شَقَيقٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"كُنَّا نَعُدُّ الْمَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ\" [السنن الكبرى للنسائي ١١٧٠١]\n١٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّى حَقَّهُ إلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ، فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ، وَجَنْبُهُ، وَظَهْرُهُ،\n===\nأبي النجود، عن شقيق، عن عبد الله قال: كنا نعد الماعون) المذكور في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١) (٢) (على عهد رسول الله - ﷺ - عارية الدلو والقدر) وغيرهما من أشباه ذلك، وقال علي - ﵁ -: هي الزكاة، وهو قول ابن عمر وقتادة والحسن والضحاك، وقال عكرمة: أعلاها الزكاة، وأدناها عارية المتاع، وقيل: الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار.\n١٦٥٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: ما من صاحب كنز) أي ذهب وفضة (لا يودي) منها (حقه) أي زكاته (إلَّا جعله الله يوم القيامة يحيى عليها) بصيغة المجهول، وتأنيثُ الضمير لكون الكنز عبارةً عن الدراهم والدنانير، أو بتأويل الأموال (في نار جهنم، فَتُكوى بها جبهتُه وجنبُه وظهره) قيل: لأنه ازْوَزَّ عن الفقير، وأعرض عنه، وعبس له وجهه وبشره، وولاه عند الإلحاح ظهره، فتكوى بماله أعضاؤه التي آذى الفقير بها، وقيل: لأنها أشرف\n_________\n(١) سورة الماعون: الآية ٧.\n(٢) فيه وجهان: أحدهما أنه فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، وقيل: مفعول من العون أصله معون من معوون، قدمت عينها قبل فائها فصار موعون، ثم قلبت الواو ألفًا، وقيل: اسم جامع لمنافع البيت، كذا في \"تفسير الجمل\" (٤/ ٥٩٣، ٥٩٤). (ش).","vol":"6","page":512},{"text":"حَتَّى يَقْضِىَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ.\nوَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يُؤَدِّى حَقَّهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، فَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ،\n===\nالأعضاءِ الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسة التي هي الدماغ والقلب والكبد، وقيل: المراد الجهات الأربع التي هي من مقاديم البدن ومؤخره وجنباه.\n(حتى يقضي الله بين عباده في يوم) وهو يوم القيامة (كان مقداره خمسين ألف سنة) أي على الكافرين، ويطول على بقية العاصين بقدر ذنوبهم، وأما المؤمنون الكاملون فهو على بعضهم كركعتي الفجر، وأشار إليه بقوله ﷿: ﴿يوم عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (١) حتى يقضي أي يحكم بين العباد، وفيه إشارة إلى أنه في العذاب، وبقية الخلق في الحساب (مما تعدون، ثم يرى سبيله) وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ، مقهور لا يقدر أن يروح إلى النار فضلًا عن الجنة حتى يعين له أحد السبيلين (إما إلى الجنة) إن لم يكن له ذنب، وكان العذاب تكفيرًا له (وإما إلى النار) إن كان على خلاف ذلك.\n(وما من صاحب غنم لا يؤدي حقَّها إلَّا جاءت يوم القيامة أوفر) أي أكثر عددًا، وأعظم سمنًا، وأقوى قوة ليكون أثقلَ لوطئها (ما كانت، فيُبطَح) أي يُلقى على وجهه (لها) أي لتلك الغنم (بقاعٍ) أي في أرض واسعة مستوية (قَرْقَرٍ) أي أملس، وقيل: مستوٍ فيكون تأكيدًا (فتنطحه) بفتح الطاء وتكسر، في \"القاموس\": نطحه كمنعه وضربه: أصابه بقرنه (بقرونها) تأكيد أو تجريد، (وتطؤه) أي صاحبَ الغنم (بأظلافها) جمع ظلف، وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس (ليس فيها عقصاءُ) ملتوية القرن، (ولا جَلْحاءُ) التي لا قرن لها،\n_________\n(١) سورة المدثر: الآية ١٠.","vol":"6","page":513},{"text":"كُلَّمَا مضَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ.\nوَمَا مِن صَاحِبِ إبلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كانتْ، فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا،\n===\n(كلما مضت أُخْراها رُدَّتْ عليه أُولاها) فيكون مرورُها عليه بطريق الدائرة، وفي رواية لمسلم (١) عن زيد بن أسلم عن أبي صالح: \"كلما مرَّ عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها\".\nقال النووي (٢): هكذا هو في جميع الأصول في هذا الموضع، قال القاضي عياض: قالوا: هو تغيير وتصحيف، وصوابه ما جاء بعده في الحديث الآخر من رواية سهيل عن أبيه، وما جاء في حديث المعرور بن سويد، عن أبي ذر: \"كلما مر عليه أخراها ردَّ عليه أولاها\"، انتهى.\nوقال القاري (٣): وتوجيه ما في الكتاب أنه مرت الأولى على التتابع، فإذا انتهى إلى الأخرى إلى الغاية ردت من هذه الغاية، وتبعها ما كان يليها فما يليها إلى أولها، فيحصل الغرض من الاستمرار والتتابع على طريق الطرد والعكس، فهو أولى من العكس.\n(حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وما من صاحب إبلٍ لا يؤدي حقَّها إلَّا جاءت يوم القيامة أوفر) أي: أعظم وأسمن (ما كانت) أي الحالة التي كانت في الدنيا، (فيُبطَح لها بقاعٍ قَرْقَرٍ فتطؤه بأخفافها)\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٢٤/ ٩٨٧).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٧٦).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٦٤).","vol":"6","page":514},{"text":"كُلَّمَا مَضَتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّه بَيْنَ عِبَادِهِ، في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ\". [م ٩٨٧، حم ٢/ ٣٨٣، ق ٤/ ٨١]\n١٦٥٩ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- نَحْوَهُ، قَالَ فِى قِصَّةِ الإِبِلِ بَعْدَ قَوْلِهِ: «لَا يُؤَدِّى حَقَّهَا» قَالَ: «وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا». [انظر سابقه]\n===\nأي بأرجلها، (كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها)، والمراد به التتابع واستمرار العذاب (حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).\n١٦٥٩ - (حدثنا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل، (عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - نحوه) أي نحو حديث سهيل، (قال) أي زيد بن أسلم (في قصة الإبل بعد قوله: \"لا يؤدي حقها\" قال) تأكيد لقال المتقدم، أو يقال: قال زيد بسنده: قال رسول الله - ﷺ -: (ومن حقها) أي الإبل، والمراد الحق المندوب إليه (حلَبُها) قال النووي (١): بفتح اللام هي اللغة المشهورة (٢)، وهو غريب ضعيف وإن كان هو القياس (يومَ وِرْدَها) قيل: الورد الإتيان إلى الماء، أو نوبَة الإتيان إلى الماء، قال: الإبل تأتي الماء في كل ثلاثة أو أربعة، وربما تأتي في ثمانية.\nقال الطيبي (٣): ومعنى حلبها يوم وردها: أن يسقي ألبانَها المارَّةَ.\n_________\n(١) \"شرح النووي على مسلم\" (٤/ ٧٥).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"شرح النووي\": هو بفتح اللام على اللغة المشهورة، وحكي إسكانها، وهو غريب ضعيف.\n(٣) \"شرح الطيبي على المشكاة\" (٤/ ٨).","vol":"6","page":515},{"text":"١٦٦٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى عُمَرَ الْغُدَانِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَقَالَ لَهُ - يَعْنِى لأَبِى هُرَيْرَةَ -: فَمَا حَقُّ الإِبِلِ؟ قَالَ: \"تُعْطِى الْكَرِيمَةَ، وَتَمْنَحُ الْغَزِيرَةَ، وَتُفْقِرُ الظَّهْرَ،\n===\nوقال ابن الملك (١): وحصر يوم الورد لاجتماعهم غالبًا على المياه، وهذا على سبيل الاستحباب.\nواعلم أن ذكره وقع استطرادًا وبيانًا لما ينبغي أن يعتني به من له مروءة، لا لكون التعذيب يترتب عليه أيضًا، لما هو مقرر أن العذاب لا يكون إلَّا على ترك واجب أو فعل محرم، اللهم إلا أن يحمل على وقت القحط، أو حالة الاضطرار، أو على زمان وجوب ضيافة المال، وقيل: يحتمل أن التعذيب عليهما معًا تغليظ.\n١٦٦٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، أنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عمر)، هكذا في النسخ، وفي \"التهذيب\" في ترجمة أبي عمر: أبو عمر الغداني، وقيل أبو عمرو، حديثه في المصريين، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: روى حديثَه الحاكم في \"المستدرك\"، وقال: إن اسمه يحيى بن عبيد البهراني، وقال في \"التقريب\": ووهم من قال: اسمه يحيى بن عبيد (الغداني) بضم المعجمة، وتخفيف الدال: نسبة إلى غدانة بن اليربوع، (عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - نحوَ هذه القصة) المذكورة في الحديث المتقدم.\n(فقال) أي العباس كما هو مصرح في \"المستدرك\" (٢) و\"تلخيصه\" (له - يعني لأبي هريرة -: فما حق الإبل؟ قال: تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرةَ) بتقديم المعجمة على المهملة أي الكثيرة اللبن، (وتفقر الظهر) من الإفقار أي بعيره للركوب، مأخوذ من فقار الظهر، وهي خرازته، والواحد فقارة\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٦٣).\n(٢) \"المستدرك مع هامش التلخيص\" (١/ ٤٠٣).","vol":"6","page":516},{"text":"وَتُطَرِّقُ الْفَحْلَ، وَتَسْقِي اللَّبَنَ\". [ن ٢٤٤٢، حم ٢/ ٣٨٣، خزيمة ٢٣٢٢]\n١٦٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قَالَ (١): قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الإِبِلِ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ زَادَ: «وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا». [م ٩٨٨، دي ١٦١٨]\n===\n(وتُطَرِّق الفحل) أي تعيره للضراب، ولا تأخذ عليها أجرًا (وتسقي اللبن) أي ذا الحاجة، وحديث أبي عمر الغداني هذا أخرجه الحاكم في \"مستدركه\" (٢) وقال: وأبو عمر الغداني يقال: إنه يحيى بن عبيد البهراني.\n١٦٦١ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد، (عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير قال: قال رجل: يا رسول الله! ما حق الإبل؟ فذكر نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (زاد) في هذا الحديث: (وإعارةُ دلوِها) يحتمل أن يكون المراد بالدلو دلوها الذي يسقى بها الماء، فيعير ذلك الدلو ليسقي به الماء إبله، وقيل: المراد بالدلو الضرعُ، فحينئذ المراد إعارتها لِيَسقي لبنها. والحديث مرسل.\nوقد أخرج مسلم هذا الحديث في \"صحيحه\" (٣) من طريق عبد الرزاق، أنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقَّها إلَّا جاءت\". الحديث، ثم قال في آخره: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القولَ، ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال مثلَ قولِ عبيدِ بنِ عميرٍ، وقال أبو الزبير: سمعت عبيدًا يقول: قال رجل: يا رسول الله! ما حق الإبل؟ قال: \"حَلَبُها على الماء، وإعارةُ فحلِها، وَمَنِيْحَتُها، وحملٌ عليها في سبيل الله\"، انتهى، وليس فيما روى مسلم عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير لفظ: إعارة دلوها.\n_________\n(١) في نسخة: \"يقول\".\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٣٧/ ٩٨٨).","vol":"6","page":517},{"text":"١٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادٍّ (١) عَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِى الْمَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ\". [حم ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠، خزيمة ٢٤٦٩]\n١٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِىُّ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: \"بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى سَفَرٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِّفُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا،\n===\n١٦٦٢ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحَرَّاني، حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - أمر (٢) من كل جادٍّ) بالدال المهملة في النسخ الموجودة، والجد: القطع، والمعنى أمر من كل مجدود (عشرةِ أوسقٍ من التمر بقنو) أي بعذق (يعلَّق في المسجد للمساكين) أي ليأكل منه مساكين الصحابة الذين كانوا يسكنون صفة المسجد، وقال في \"الدرجات\": بجيم، فألف، فشد ذاله، قال إبراهيم الحربي: أي قدرًا من نخل يجذ منه عشرة أوسق فجاذ مجذوذ فاعل مفعول.\n١٦٦٣ - (حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي وموسى بن إسماعيل قالا: نا أبو الأشهب) جعفر بن حيان، (عن أبي نضرة) منذر بن مالك، (عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - في سفر إذ جاء رجل على ناقة له) أي للرجل، (فجعل يصرفها يمينًا وشمالًا)، قال في \"فتح الودود\": الأقرب أن\n_________\n(١) في نسخة: \"جاذ\".\n(٢) ذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوبه، والجمهور إلى ندبه؛ لأنه ليس في كتب الصدقات، كذا في \"المنهل\" (٩/ ٣٠٥). (ش).","vol":"6","page":518},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِى الْفَضْلِ\". [م ١٧٢٨، حم ٣/ ٣٤]\n١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ، نَا أَبِي، نَا غَيْلَانُ، عن جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (١) قَالَ:\n===\nالناقة أعجزها السير فأراد أن يري النبي - ﷺ - ذلك فيعطيه غيرها، وكتب في النسخة المكتوبة لمولانا الشيخ أحمد علي المحدث السهارنفوري تحت قوله: \"فجعل يصرفها يمينًا وشمالًا\"، أي فخرًا، ونسبه لمولانا، والمراد به حضرة الشيخ مولانا محمد إسحاق الدهلوي، ثم المهاجر المكي، نَوَّر الله مرقده، ثم نقل هذا القول في النسخ المطبوعة المنقولة عنها.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: من كان عنده فضل ظهر) أي مركوب فاضل عن الحاجة (فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد) أي زاد فاضل عن الحاجة (فليعد به) من العود أي فليقبل به وليُحْسِن على من لا زاد له (على من لا زاد له، حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل).\n١٦٦٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن يعلى المحاربي)، هو يحيى بن يعلي بن الحارث بن الحرب بن جرير بن عبد الحارث المحاربي، أبو زكريا الكوفي، قال أبو حاتم: ثقة، (نا أبي) يعلي بن الحارث، (نا غيلان) بن جامع بن أشعث المحاربي، أبو عبد الله الكوفي، قاضيها، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، (عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى آخر الآيتين (قال) ابن عباس:\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ٣٤.","vol":"6","page":519},{"text":"كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ، فَانْطَلَقُوا (١) فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذ الآيَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَ الله لَمْ يَفْرِضِ (٢) الزَّكَاةَ إلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وإنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ\"،\n===\n(كبر) أي شقَّ (ذلك) أي نزولُ الآية (على المسلمين)؛ لأنها تشتمل على الوعيد الشديد على الكنز، ولا يخلو رجل عنه، بل لا بد لكل واحد أن يكنز شيئًا منها.\n(فقال عمر: أنا أفرج عنكم) أي أزيل هذه الشدة عنكم، (فانطلقوا، فقالوا) وفي نسخة: \"فانطلق، فقال\" على الانفراد (يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآيةُ، فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله لم يفرض الزكاة إلَّا ليطيب) من التفعيل أي ليطهِّر (ما بقي) بعد أداء الزكاة (من أموالكم)، ولعل في الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) إشارة إليه بأن المراد بالاتفاق إعطاء الزكاة لا إنفاق المال كله.\n(وإنما فرض المواريثَ لتكون) أي الأموال بالميراث (لمن بعدكم) هكذا في النسخ التي بأيدينا من نسخ أبي داود، ونقل في \"مشكاة المصابيح\" (٤) هذه الرواية عن أبي داود، ولفظه: \"وإنما فرض المواريث- وذكر كلمة- لتكون لمن بعدكم\".\nقال القاري (٥): قوله: \"وذكر كلمة\" من كلام الراوي، يعني: ابنَ عباس، أي وذكر - ﷺ - كلمة أخرى في هذا المقام لا أضبطها، والجملة معترضة بين الفعل وعلته، انتهى.\nوأخرجها السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦) وعزاه إلى \"مسند ابن أبي شيبة\"،\n_________\n(١) في نسخة: \"فانطلق، فقال\".\n(٢) في نسخة: \"إنه ما فرض\".\n(٣) سورة التوبة: الآية ٣٤.\n(٤) انظر: \"المشكاة\" حديث (١٧٨١).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٧٨).\n(٦) \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧٨).","vol":"6","page":520},{"text":"قَالَ: فَكَبَّرَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ (١): \"أَلَا أُخْبِرُكَ (٢) بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ: إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ\". [ك ٤/ ٤٠٨، ٤٠٩، ق ٤/ ٨٣]\n===\nوأبي داود، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم (٣)، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس ولفظه: قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده، فقال عمر - ﵁ -: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر - ﵁ - واتبعه ثوبان - ﵁ -، فأتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا نبي الله! إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: \"إن الله لم يفرض الزكاة إلَّا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم\"، فكبر عمر - ﵁ -، الحديث.\nوإنما ذكر - ﷺ - المواريث بعد الزكاة ليكون أدل على أن جمع الأموال وكنزها ليس بممنوع شرعًا؛ لأنه لو كان ممنوعًا لما شرع الميراث؛ لأن الميراث لا يجري إلا في الأموال المخزونة الباقية.\n(قال: فكبر عمر) فرحًا على كشف المعضلة (ثم قال) رسول الله - ﷺ - (له) أي لعمر: (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟) أي الرجل، أي بأفضل ما يقتنيه ويتخذه لعاقبته (المرأةُ الصالحة) أي الجميلة ظاهرًا وباطنًا، قال الطيبي (٤): المرأة مبتدأ، والجملة الشرطية خبره، ويجوز أن يكون خبرَ مبتدأ محذوف، والجملة الشرطية بيان (إذا نظر) أي الرجل (إليها) أي المرأة الصالحة (سرته) أي جعلته مسرورًا بجمال صورتِها وحسنِ سيرتِها وحصولِ حفظِ الدين بها، (وإذا أمرها) بأمر شرعي أو عرفي (أطاعته) وخدمته، (وإذا غاب عنها حفظته) أي حقوقَه في نفسِها ومالِه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"رسول الله - ﷺ -\".\n(٢) في نسخة: \"إنا أخبرك\".\n(٣) وصححه، كما نقله السيوطي.\n(٤) \"شرح الطيبي على المشكاة\" (٤/ ١٩).","vol":"6","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>(٣٢) بَابُ حَقِّ السَّائِلِ</span>\n١٦٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، حَدَّثَنِى يَعْلَى بْنُ أَبِى يَحْيَى، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِىٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ». [حم ١/ ٢٠١، ق ٧/ ٢٣]\n===\n\n(٣٢) (بابُ حَقِّ السَّائِلِ)\n١٦٦٥ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، نا مصعب بن محمد بن شرحبيل، حدثني يعلي بن أبي يحيى) حجازي، روى عن فاطمة بنت حسين، وعنه مصعب بن محمد بن شرحبيل، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن فاطمة بنت حسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية، قال ابن سعد: أمها أم إسحاق بنت طلحة، تزوجها ابن عمها الحسن بن الحسن بن علي، ثم تزوجها بعده عبد الله بن عمرو بن عثمان، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال: ماتت وقد قاربت التسعين، ووقع ذكرها في \"صحيح البخاري\" في الجنائز، قال: لما مات الحسن بن الحسن ضربتْ امرأتهُ القبةَ (١).\n(عن حسين بن علي) بن أبي طالب الهاشمي، سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، استُشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وله ست وخمسون سنة (قال: قال رسول الله - ﷺ -: للسائل حق وإن جاء على فرس) يعني إذا سأل سائل أحدًا ينبغي له أن يحسن الظن به وإن جاء على فرس، فإنه يمكن أن يحتاج إلى ركوب الفرس، ومع ذلك تلجئه الحاجة إلى السؤال، ويكون له عائلة، أو يكون تحمل حمالة فلا يسيء الظن به، وهذا لعله باعتبار القرون الأولى، وأما في هذا الزمان فنشاهد كثيرًا من\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٢٣ - كتاب الجنائز، ٦١ - باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور).","vol":"6","page":522},{"text":"١٦٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا يَحْيَى بْنُ آدمَ، نَا زُهَيْرٌ، عن شَيْخٍ\n===\nالناس اتخذوا السؤال حرفة لهم، ولهم فضول أموال؛ فحينئذ يحرم لهم السؤال، ويحرم على الناس إعطاؤهم، والله أعلم.\nقال في \"الدرجات\" (١): قد انتقد الحافظ سراج الدين القزويني على \"المصابيح\" أحاديث، وزعم أنها موضوعة، ورد عليه الحافظ العلائي في كراسة، ثم ابن حجر، منها هذا الحديث، قال العلائي: أما الطريق الأول فإنها حسنة، مصعب وثقه ابن معين وغيره، وقال فيه أبو حاتم: صالح لا يحتج به، وتوثيق الأَوَّلَيْنِ أولى بالاعتماد، ويعلي بن أبي يحيى قال فيه أبو حاتم: مجهول، ووثقه ابن حبان، فعنده زيادة علم على من لم يعلم حاله، وقد أثبت أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء سماعَ الحسين - رضي الله تعالى عنه -، عن جده - ﷺ -، وقال أبو علي بن السكن وأبو القاسم البغوي وغيرهما: كل رواياته مراسيل، فعلى هذا هو مرسل صحابي، وجمهور العلماء على الاحتجاج بها.\nفأما على الرواية الثانية فقد بين فيها أنه سمعه من أبيه علي، عن النبي - ﷺ -، وزهير بن معاوية متفق على الاحتجاج به، ولكن شيخه لم يسمِّه، والظاهر أنه يعلي بن أبي يحيى المارِّ، فبالجملة الحديث حسن، ولا يحل نسبته إلى الوضع.\n١٦٦٦ - (حدثنا محمد بن رافع، نا يحيى بن آدم، نا زهير) بن معاوية (عن شيخ) قال في \"التقريب\" في المبهمات: زهير بن معاوية عن شيخ رأى سفيان عنده، هو مصعب بن محمد بن شرحبيل، وقال في \"الخلاصة\" (٢): زهير بن معاوية، عن شيخ لعله مصعب بن محمد، وقال الحافظ في \"تهذيب\n_________\n(١) (ص ٨٧).\n(٢) ص ٤٨٤).","vol":"6","page":523},{"text":"- قَالَ: رَأَيْتُ سُفْيَانَ عِنْدَهُ- عن فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ عن أَبِيهَا، عن عَلِيٍّ (١)، عن النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ. [ق ٧/ ٢٣]\n١٦٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ - وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ:\n===\nالتهذيب\": زهير بن معاوية ثنا شيخ رأيت سفيان عنده، عن فاطمة بنت الحسن (٢)، رواه سفيان، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة، قلت: وقد تقدم عن \"درجات مرقاة الصعود\" أن السيوطي حمله على أنه يعلي بن أبي يحيى.\n(قال) زهير: (رأيت سفيان عنده) وفي هذا الكلام إشارة إلى توثيق هذا الشيخ، فإنه لما رأى سفيانَ عنده، وسفيان مع علو قدره لا يأخذ إلَّا عن ثقة، فيستدل بهذا على أنه ثقة، (عن فاطمة بنت حسين، عن أبيها، عن علي، عن النبي - ﷺ - مثله).\n١٦٦٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بجيد) بموحدة وجيم، مصغرًا، ابن وهب الأنصاري، الحارثي، المدني، له رؤية، وذكره بعضهم في الصحابة، وله حديث مرسل (٣)، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: يقال: إن له صحبة، (عن جدته أم بجيد) بجيم مصغرًا، الأنصارية، يقال: اسمها حواء، صحابية، وكانت من المبايعات، لها حديث (وكانت ممن بايع رسول الله - ﷺ - أنها) أي أم بجيد (قالت له) أي لرسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن أبي طالب\".\n(٢) كذا في \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٦٨)، والصواب: فاطمة بنت الحسين، كما في \"السنن\"، و\"تهذيب التهذيب\" في ترجمتها (١٢/ ٤٤٢).\n(٣) وهو حديث القسامة، سيأتي في \"السنن\". (ش).","vol":"6","page":524},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلَى بَابِى فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاهُ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنْ لَمْ تَجِدِى لَهُ شَيْئًا تُعْطِينَهُ إِيَّاهُ إلَّا ظِلْفًا مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِى يَدِهِ». [ت ٦٦٥، ن ٢٥٧٤، حم ٦/ ٣٨٢، خزيمة ٢٤٧٣، ك ١/ ٤١٧، ق ٤/ ١٧٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>(٣٣) بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ</span>\n١٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّى\n===\n(يا رسول الله، صلَّى الله عليك، إن المسكين ليقوم على بابي) سائلًا (فما أجد له شيئًا أعطيه إياه، فقال لها رسول الله - ﷺ -: إن لم تجدي له شيئًا تعطينه إياه إلَّا ظلفًا) قال في \"القاموس\": الظلف بالكسر للبقرة والشاة والظبي وشبهها بمنزلة القدم لنا، جمعه: ظُلوف وأظلاف، (محرقًا فادفعيه إليه في يده) أي يد المسكين، والمقصود مبالغة في غاية ما يُعطى من القلة، ولم يرد صدور هذا الفعل من المسؤول عنه، فإن الظلف المحرق غير منتفع به إلا إذا كان الوقت زمن القحط.\n\n(٣٣) (بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ)\nهل يجوز أو لا؟ والمراد من الصدقة صدقة النفل\n١٦٦٨ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، أنا عيسى بن يونس، نا هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق، وكانت زوجة الزبير (قالت: قدمت عليَّ أمي) حكى الحافظ في \"الفتح\" (١) في رواية أخرجها ابن سعد، والطيالسي، والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير قال: \"قدمت قتيلة- بالقاف والمثناة مصغرة-\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٣).","vol":"6","page":525},{"text":"رَاغِبَةً فِى عَهْدِ قُرَيْشٍ، وَهِىَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّى قَدِمَتْ عَلَىَّ،\n===\nبنت عبد العزى بن سعد على ابنتها أسماءَ بنتِ أبي بكر في الهدنة، الحديث\". قال الحافظ: عرف منه تسمية أم أسماء، وأنها أمها حقيقة، وأن من قال: إنها أمها من الرضاعة؛ فقد وهم، قال: ووقع عند الزبير بن بكار أن اسمها قيلة، ورأيته في نسخة مجردة منه بسكون التحتانية، وضبطه ابن ماكولا بسكون المثناة، فعلى هذا من قال: قتيلة، صغرها، قال الزبير: أم أسماء وعبد الله ابن (١) أبي بكر قيلة بنت عبد العزى، وأما قول الداودي: إن اسمها أم بكر، فقد قال ابن التين: لعله كنيتها.\nقال الحافظ (٢): زادَ الليث عن هشام كما سيأتي في \"الأدب\" \"مع ابنها\"، وذكر الزبير أن اسم ابنها المذكور الحارث بن مدرك بن عبد عمرو بن مخزوم، ولم أر له ذكرًا في الصحابة فكأنه مات مشركًا، وذكر بعض شيوخنا أنه وقع في بعض النسخ \"مع أبيها\" بموحدة ثم تحتانية وهو تصحيف. (راغبة) أي في صلتي أو راغبة عن الإِسلام، قال الحافظ: ونقل المستغفري أن بعضهم أوَّله، فقال: وهي راغبة في الإِسلام، فذكرها لذلك في الصحابة، ورده أبو موسى بأنه لم يقع في شيء من الروايات ما يدل على إسلامها (٣).\n(في عهد قريش) إذ عاهدوا رسول الله - ﷺ -، والمراد به زمان الهدنة والصلح ما بين الحديبية والفتح (وهي راغمة) أي كارهة للإسلام (مشركة) على دين آبائها، وحكى الحافظ (٤) في رواية: أنها قدمت بهدايا زبيب وسمن وقرظ. فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها، وأرسلت إلى عائشة: سلي رسول الله - ﷺ -، فقال: لتدخلها (فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي،\n_________\n(١) في \"فتح الباري\": \"ابني\" بالتثنية، وهو الصواب.\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٤).\n(٣) قال النووي: الأكثر على أنها ماتت مشركة (٤/ ٩٧). (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٣).","vol":"6","page":526},{"text":"وَهِىَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَصِلِى أُمَّكِ». [خ ٢٦٢٠، م ١٠٠٣، حم ٦/ ٣٥٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>(٣٤) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مَنْعُهُ</span>\n١٦٦٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نا أبي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ،\n===\nوهي راغمة مشركة أَفَأَصِلُها) (١) أي: أعطيها صلة للرحم.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (نعم، فصِلي أمكِ) وإن كانت مشركة كارهة للإسلام، فلما أباح رسول الله - ﷺ - صلة المشركة من أهل الحرب في زمان الهدنة والصلح، استدل بذلك على جواز الصدقة على الكفار من أهل الذمة من صدقات التطوع، قال الحافظ: قال ابن عيينة: فأنزل الله فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢)، وقيل: نسخ هذه الآية الأمر بقتل المشمركين حيث وجدوا، والله أعلم.\n\n(٣٤) (بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مَنْعُهُ)\nمناسبة الترجمة بكتاب الزكاة أن ما ذكر في الحديث من الماء والملح هو من الأشياء التي تصدق الله به على عباده، فجعلهم شركاء فيه، فلا يحل منع أحد عنه لأحد\n١٦٦٩ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا كهمس،\n_________\n(١) وفي \"الهداية\" (١/ ١١١): لا يجوز دفع الزكاة إلى ذمي لقوله ﵊: \"تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم\". وحديث الباب ساكت عن الصدقة بما أن الصلة غير الصدقة، ولو ثبت فيحمل عندي على صدقة الفطر، إذ يجوز دفعها عندنا إلى الذمي كما في \"الشامي\" (٣/ ٣٢٥)، وفي \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٧٥): هل سهم المؤلفة قلوبهم باق؟ قال مالك: لا، وقال الشافعي وأبو حنيفة: نعم، قلت: لا يصح النقل عن الحنفية كما بسطه الشامي (٣/ ٢٨٧، ٢٨٨)، وقال الموفق (٤/ ١٢٤): سهمهم باق عندنا، خلافًا للشافعي ومالك وأصحاب الرأي. قلت: اختلفت ها هنا نقلة المذاهب، والصحيح ما في \"الأوجز\" (٦/ ٨٩): أنه باق عند الشافعي وأحمد، لا مالك والحنفية. (ش).\n(٢) سورة الممتحنة: الآية ٨.","vol":"6","page":527},{"text":"عَنْ سَيَّارِ بْنِ مَنْظُورٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِى فَزَارَةَ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا بُهَيْسَةُ، عَنْ أَبِيهَا قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ أَبِى النَّبِىَّ -ﷺ-،\n===\nعن سيار بن منظور) بن سيار الفزاري البصري، روى عن أبيه، وعنه كهمس بن الحسن فيما قاله معاذ بن معاذ، والنضر بن شميل وغيره، وقال وكيع: عن كهمس عن منظور بن سيار عن أبيه، وهو وهم فيما قاله البخاري وغيره، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: فقال: يروي عن أبيه المقاطيع، وقال عبد الحق الأشبيلي: مجهول (رجل من بني فزارة، عن أبيه) منظور بن سيار الفزاري البصري، روى حديثه كهمس بن الحسن عن سيار بن منظور عن أبيه عن امرأة يقال لها: بهيسة عن أبيها أنه سأل النبي - ﷺ -: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ !\nقال أبو حاتم: منظور بن سيار، ويقال: سيار بن منظور بن ريان، كوفي، روى عن عمر، وعنه الربيع بن عميلة، وقال ابن حبان في \"الثقات\": منظور بن سيار بن منظور عن أبيه عن عبد الله بن سلام، روى عنه أهل المدينة، قلت: قال ابن القطان: عن بهيسة مجهولان.\n(عن امرأة يقال لها: بهيسة) قال في \"تهذيب التهذيب\": بهيسة بالمهملة مصغرًا الفزارية عن أبيها عن النبي - ﷺ - روى سيار بن منظور، عن أبيها عنها. قلت: قال ابن حبان: لها صحبة، وقال ابن القطان: قال عبد الحق: مجهولة وهي كذلك.\n(عن أبيها) قال الحافظ في \"الإصابة\" في ترجمة عمير الفزاري: والد بهيسة بموحدة ومهملة مصغرة، ذكره أبو عمر، فسماه عميرًا، ولم أره لغيره، ويأتي في \"الكنى\" ثم رأيت في الكنى فذكر: أبو بهيسة بالتصغير، الفزاري، ذكره أبو بشر الدولابي في \"الكنى\"، وأورد له من طريق كهمس عن سيار بن منظور هذا الحديث ثم قال: وذكر ابن عبد البر أن والد بهيسة عمير.\n(قالت: استأذن أبي النبي - ﷺ -) في تقبيل جسمه الأطهرَ والتزامه","vol":"6","page":528},{"text":"فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ فَجَعَلَ يُقَبِّلُ وَيَلْتَزِمُ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الشَّىْءُ الَّذِى لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمَاءُ». قَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، مَا الشَّىْءُ الَّذِى لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمِلْحُ»\n===\n(فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبِّل ويلتزم) لكمال المحبة والشوق، (ثم قال) أي أبو بهيسة: (يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (الماء، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (الملح) وهما من الأمور التي يشترك الناس فيها لحديث أخرجه الطبراني بلفظ \"المسلمون شركاء في ثلاث\" (١)، وكذا أخرجه ابن ماجه، وفي آخره: \"وثمنه حرام\"، وأخرجه أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة، وابن عدي.\nقال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات، ومعنى الشركة في النار: الاصطلاءُ بها، وتجفيف الثياب، لا أخذ الجمر إلا بإذن صاحبه، وفي الماء: الشرب وسقي الدواب والاستقاء من الآبار والحياض والأنهار المملوكة، وفي الكلام: الاحتشاش ولو في أرض مملوكة غير أن لصاحب الأرض المنع من دخوله، ولغيره أن يقول: إن لي في الأرض حقًا، فإما أن توصلني إليه أو تحشه أو تستقي وتدفعه لي.\nوصار كثوب رجل وقع في دار رجل، إما أن يأذن للمالك في دخوله ليأخذه، وإما أن يخرجه إليه، نقله الشامي (٢) ملخصًا عن \"فتح القدير\"، ثم قال: قال الرملي: إن صاحب البئر لا يملك الماء وهذا ما دام في البئر، أما إذا أخرجه منها بالاحتيال- كما في السواني- فلا شك في ملكه له لحيازته له في الكيزان، ثم صبه في البرك بعد حيازته، تأمل.\nثم حرر الفرق بين ما في البئر وما في الجباب والصهاريج الموضوعة في\n_________\n(١) \"المعجم الكبير\" (١١١٠٥)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢٤٧٢)، و\"سنن أبي داود\" (٣٤٧٧)، وأحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٦٤)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢٣١٩٤)، و\"الكامل\" (٢/ ٤٥٢ و٤/ ٢٠٩).\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (٧/ ٢٥٨).","vol":"6","page":529},{"text":"قَالَ: يَا نبيَّ اللَّهِ، مَا الشَّىْءُ الَّذِى لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ». [حم ٣/ ٤٨٠، ق ٦/ ١٥٠، دي ٢٦١٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>(٣٥) بابُ الْمَسْأَلَةِ فِى الْمَسَاجِدِ</span>\n١٦٧٠ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدم، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، نَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عن ثَابتٍ الْبُنَانِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄\n===\nالبيوت لجمع ماء الشتاء؛ لأنها أعدت لإحراز الماء، فيملك ما فيها، فلو آجر الدار لا يجوز للمستأجر ماؤها إلَّا بإذن المؤجر، انتهى.\n(قال) أبو بهيسة: (يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير خير لك) وهذا جواب على أسلوب الحكيم، ولعل الغرض منه قطعُ سلسلة السؤال وسدُّ بابه، أو يقال: إن الجواب مطابق للسؤال على وجه الكلية والجامعية بأن لا يبقى بعد الجواب حاجة إلى السؤال.\nوحاصله: أن جميع الخير من المعروف الذي لا يحل منعه، فإذا فعلت ذلك يكون خيرًا لك، والمراد بالملح ما يكون في معدنه غير مملوك لأحد، فهو مشترك بين المسلمين لا يحل منعه لأحد، وأما إذا كان مملوكًا بالحيازة فللمالك حق المنع.\n\n(٣٥) (بَابُ الْمَسْألَةِ) أي: السؤال (في الْمَسَاجِدِ) هل يجوز أم لا؟\n١٦٧٠ - (حدثنا بسر بن آدم، نا عبد الله بن بكر) بن حبيب (السهمي) البابلي، أبو وهب البصري، سكن بغداد، وثقه أحمد، وابن معين، والعجلي، وابن سعد، والدارقطني، وابن قانع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (نا مبارك بن فضالة، عن ثابت) بن أسلم (البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄) أبو محمد،","vol":"6","page":530},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هَلْ فِيكُمْ (١) أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَلُ، فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِى يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ. [ك ١/ ٤١٢، ق ٤/ ١٩٩]\n===\nوقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عثمان، وهو شقيق عائشة، أسلم قبل الفتح، وقيل: إنه كان أسنَّ ولدِ أبي بكر، وشهد مع خاله اليمامةَ، فقتل سبعة من أكابرهم، ويقال: إنه كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة أو عبد العزى فسماه النبي - ﷺ - عبد الرحمن، وكانت فيه دعابة، توفي بحبشيّ- بضم الحاء وسكون الموحدة بعده معجمة وياء مشددة- جبل على اثني عشر ميلًا من مكة، سنة ثلاث وخمسين، فحمل إلى مكة ودفن بها.\n(قال: قال (٢) رسول الله - ﷺ -: هل فيكم أحد أطعم اليوم مسكينًا؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها منه فدفعتها) أي الكسرة (إليه) أي السائل، قال في \"الدرجات\" (٣): به ندب الصدقة على من دخل المسجد، ذكره النووي في \"شرح المهذب\"، وغلط من أفتى بخلافه، وقال السيوطي: ورددت على فتواه في مؤلف، وقال في \"الدر المختار\": ويحرم فيه السؤال، ويكره الإعطاء مطلقًا، وقيل: إن تخطى، قال الشامي (٤): قوله: \"وقيل: إن تخطى\" وهو الذي اقتصر عليه الشارح في الحظر حيث قال: فرع: يكره إعطاء سائل المسجد إلَّا إذا (٥) لم يتخطَّ رقابَ الناس في المختار.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"هل منكم\".\n(٢) وقد ذكر السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٦٤)، مفصلًا فيه التقابل بسيدنا عمر - ﵁ - في كل جزء من الأسئلة. (ش).\n(٣) (ص ٨٧).\n(٤) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٤٣٣).\n(٥) ورجح هذا القول الشامي، وعلى هذا فلا حاجة إلى الجواب. (ش).","vol":"6","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>(٣٦) بابُ كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ بِوَجْهِ اللَّهِ ﷿</span>\n١٦٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقِلَّوْرِيُّ،\n===\nوأما الجواب عن الحديث فليس فيه تصريح بأن السائل كان يسأل في المسجد، بل يحتمل أن يكون خارج المسجد، والدليل على الكراهة حديث كراهة إنشاد الضالة في المسجد، وقوله - ﷺ - فيه: \"فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا\"، وهذا الحديث مختصر، قال السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" (١): وحديث عبد الرحمن أخرجه البزار ولفظه: صلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: \"من أصبح منكم اليوم صائمًا\" الحديث وقد ذكره مطولًا (٢).\n\n(٣٦) (بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ) أي: السؤال (بِوَجْهِ اللهِ ﷿)\n١٦٧١ - (حدثنا أبو العباس القِلَّوري) قال في \"التقريب\": بكسر القاف، وتشديد اللام المفتوحة، وسكون الواو، بعدها راء، العصفري البصري جارُ علي بن المديني، اسمه محمد بن عمرو بن العباس، وقيل: أحمد بن عمرو بن عبيدة، وقيل: عمرو بن العباس، وسماه أكثرهم أحمد بن عمرو بن عبيدة، قال في \"التقريب\": اسمه أحمد، وقيل: محمد بن عمرو بن عباس بن عبيدة، وقيل: عبيد، ثقة، من الحادية عشر.\nقال في \"الخلاصة\" (٣): أبو العباس القلَّوزي بكسر القاف، وفتح اللام المشددة، وزاي بعد الواو، ثم ياء، وقال في حاشيتها: كذا ضبطه في \"التقريب\"، وتبعه الخزرجي. وضبطه هنا بالزاي، وفي \"التقريب\" بالراء، وكلا الضبطين خلاف ما في كتاب ابن الملقن والسمعاني؛ فإنهما ضبطاه بفتح القاف، واللام المفتوحة المشددة والواو، وآخره راء، ثم ياء النسبة.\n_________\n(١) \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٦٤).\n(٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٦/ ٢٣٢) رقم (٢٢٦٧).\n(٣) (ص ٤٥٣).","vol":"6","page":532},{"text":"حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِىُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِىِّ (١)، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ».\n===\n(نا يعقوب بن إسحاق) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق (الحضرمي) مولاهم، أبو محمد، المقرئ، النحوي، البصري، قال أحمد وأبو حاتم: صدوق، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: ليس هو عندهم بذاك الثبت، يذكرون أنه حدث عن رجال لقيهم وهو صغير.\n(عن سليمان) بن قرم بفتح القاف وسكون الراء المهملة (ابن معاذ التميمي) هكذا في جميع النسخ إلَّا المصرية ففيها وكذا في \"التهذيب\": التيمي، الضبي، أبو داود النحوي، ومنهم من ينسبه إلى جده، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبي يَتَتَبَّعُ حديث قطبة بن عبد العزيز، وسليمان بن قرم، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه، وقال: هؤلاء قوم ثقات، وهم أتم حديثًا من سفيان وشعبة، وهم أصحاب كتب، وإن كان سفيان وشعبة أحفظ منهم، وقال أحمد: لا أرى به بأسًا لكن كان يفرط في التشيع، وقال ابن معين والنسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: ليس بذاك، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال ابن حبان: كان رافضيًا غاليًا في الرفض، ويقلب الأخبار مع ذلك، وفرق ابن عدي بينه وبين سليمان بن معاذ الضبي، وقد قال غير واحد: إن سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم، منهم أبو حاتم.\nقلت: وممن فرق بينهما ابن حبان تبعًا للبخاري، ثم ابن القطان، وذكر عبد الغني بن سعيد في \"إيضاح الإشكال\": أن من فرق بينهما فقد أخطأ، وكذا قال الدارقطني، وأبو القاسم الطبراني.\n(نا) محمد (بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يسأل) بصيغة المجهول (بوجه الله) أي بتوسله (إلَّا الجنة) نقل في حاشية المكتوبة\n_________\n(١) في نسخة: \"التيمي\".","vol":"6","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>(٣٧) بَابُ عَطِيَّةِ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ ﷿</span>\n١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ-: «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوا به (٢)، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». [ن ٢٥٦٧، حم ٢/ ٦٨، ق ٤/ ١٩٩، ك ١/ ٤١٢]\n===\nعن \"فتح الودود\": قوله: \"لا يسأل بوجه الله إلا الجنة\"؛ إذ كل شيء حقير دون عظمته تعالى، والتوسل بالعظيم في الحقير تحقير له، نعم الجنة أعظم مطلب للإنسان، فصار التوسل به تعالى فيها مناسبًا.\n\n(٣٧) (بَابُ عَطِيَّةِ مَنْ سَأَلَ) بإضافة المصدر إلى المفعول أي إعطاء الرجل المالَ من سأل (بِاللهِ ﷿) أي بتوسله تعالى\n١٦٧٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: من استعاذ بالله) أي بتوسله من عقوبتكم وإيذائكم في غير الحدود (فأعيذوه، ومن سأل) وفي رواية النسائي (٣): \"من سألكم\" (بالله فأعطوه) وزاد النسائي: \"من استجار باللهِ فأجيروه\"، (ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا) أي أحسن إليكم (فكافئوه) من المكافأة، وهو المجازاة، أي: فجازوه وأحسِنوا إليه كما أحسن إليكم (فإن لم تجدوا ما تكافئوا به) بالمال وغيره (فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه).\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"ما تكافئونه\"، وفي نسخة: \"ما تكافئوه\".\n(٣) انظر: \"سنن النسائي\" (٢٥٦٦).","vol":"6","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>(٣٨) بَابُ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ</span>\n١٦٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ جَاءَ (١) رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ، فَخُذْهَا، فَهِىَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ،\n===\nوقد أخرج في \"الحصين\" عن الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن عمر: \"وإذا صنع إليه معروفًا، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء\"، أي بالغ في ثناء صانع المعروف، وخرج عن عهدة شكره حيث أظهر عجزه، وأحاله على ربه.\n\n(٣٨) (بَابُ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ) بتصدق المال كله، هل يجوز ذلك أم لا؟ (٢)\n١٦٧٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - إذ جاء رجل) لم أقف على تسميته (بمثل) أي بقدر (بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله! أصبت هذه) أي البيضة من الذهب (من معدن فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله - ﷺ -، ثم أتاه من قِبَلِ ركنه) أي جانبه (الأيمن، فقال) الرجل (مثل ذلك) أي مثل ما قال في المرة الأولى.\n_________\n(١) في نسخة: \"إذ جاءه\".\n(٢) حكى النووي (٤/ ١٣٦) عن بعض المالكية برد تصرف من تصدق بكل ماله، قال: وهذا ضعيف بل باطل، والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله. (ش).","vol":"6","page":535},{"text":"فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْسَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ (١)، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَحَذَفَهُ (٢) بِهَا، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لأَوْجَعَتْهُ، أَوْ لَعَقَرَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَأْتِى أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ (٣) النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى». [دي ١٦٥٩، خزيمة ٢٤٤١، ك ١/ ٤١٣، ق ٤/ ١٥٤]\n===\n(فأعرض) رسول الله - ﷺ - (عنه، ثم أتاه من قبل ركنه) أي جانبه (الأيسر، فأعرض) أي رسول الله - ﷺ - (عنه)، ولعله لم يتكلم في هذه المرة (ثم أتاه من خلفه) ولعله ظن أني خالفت الأدبَ في الإهداء في العرضات الثلاثة، فلذلك ذهب خلفه، والتمس القبول، قاله مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\".\n(فأخذها رسول الله - ﷺ -) أي مغضبًا (فحذفه) بالحاء المهملة والذال المعجمة أي رماه (بها) أي بالبيضة (فلو أصابته لأوْجَعَتْه أو) للشك من الراوي (لعقَرَتْه) أي جرحته.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: يأتي أحدكم بما يملك) أي بكل ما يملك من المال (فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستَكِفُّ الناس) أي يمد الكف للسؤال إليهم. (خير الصدقة ما كان) وفي نسخة: \"كانت\" (عن ظهر غنى).\nقال في \"المجمع\" (٤): أي ما كان عفوًا قد فضل عن غنى، وقيل: ما فضل عن العيال، والظهر قد يزاد في مثل هذا تمكينًا وإشباعًا للكلام، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال. ثم قال: أي خيرها ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه وإلا يندم غالبًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"رسول الله - ﷺ -\".\n(٢) وفي نسخة: \"فخذفه\".\n(٣) في نسخة: \"يتكفف\".\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٠٥).","vol":"6","page":536},{"text":"١٦٧٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. زَادَ: «خُذْ عَنَّا مَالَكَ؛ لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ». [خزيمة ٢٤٤١]\n١٦٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ -ﷺ- النَّاسَ أَنْ يَطْرَحُوا ثِيَابًا، فَطَرَحُوا، فَأَمَرَ لَهُ مِنْهَا بِثَوْبَيْنِ،\n===\nقال القاري (١): وحاصله ما ذكروه أن تصدق الفقير الغني القلب ولو كان قليلًا أفضل من تصدق الغني بكثرة المال ولو كان كثيرًا، فهو من أدلة أفضلية الفقير الصابر على الغني الشاكر، وأن عبادة الأول مع قلتها أفضل من الثاني مع كثرتها فكيف بتساويهما؟ !\n١٦٧٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن إدريس) عبد الله، (عن ابن إسحاق بإسناده ومعناه) أي بإسناد الحديث المتقدم ومعناه (زاد) عبد الله بن إدريس على رواية حماد: (خذ عنا مالك؛ لا حاجة لنا به) وفي الحديث دلالة على أن الرجل إذا تصدق بماله كله إلى الإِمام، فله أن لا يقبله ويرده عليه إذا علم من حاله أنه لا ينبغي له التصدق، ولا يصبر على شدائد الفقر والجوع.\n١٦٧٥ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد، سمع أبا سعيد الخدري يقول: دخل رجل المسجد) وهو سليك بن عمرو، أو ابن هدبة الغطفاني (فأمر النبي - ﷺ - الناس أن يطرحوا ثيابًا) على وجه التصدق، (فطرحوا، فأمر) رسول الله - ﷺ - (له) أي لسليك (منها) أي من الثياب (بثوبين) لعلهما الإزار والرداء.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٢٧) حديث (١٩٣٨).","vol":"6","page":537},{"text":"ثُمَّ حَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ فَطَرَحَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ، فَصَاحَ بِهِ وَقَالَ: «خُذْ ثَوْبَكَ» \". [ق ٤/ ١٨١، ك ١/ ٢٨٥]\n١٦٧٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ خَيْرَ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». [خ ١٤٢٦، ٥٣٥٥، ن ٢٥٤٤]\n===\n(ثم حثَّ على الصدقة) مرة أخرى (فجاء) ذاك الرجل (فطرح أحد الثوبين) اللذين أعطاهما النبي - ﷺ - من ثياب الصدقة، (فصاح) أي رسول الله - ﷺ - (به) أي بالرجل زجرًا وتنبيهًا (وقال: خذ ثوبك) ومنعه من تصدقه، وقد أخرج النسائي (١) هذا الحديث برواية محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بإسناده مطولًا.\n١٦٧٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن خير الصدقة ما ترك غِنًى) في المتصدق ببقاء المال عنده ما يكفيه وعياله، أو بالنفس بقوة القلب، (أو) للشك من الراوي (تصدق به) إما بصيغه المجهول، أو بصيغة المعلوم (عن ظهر غنى (٢)، وابدأ بمن تعول).\nقال الحافظ (٣): أي بمن يجب عليك نفقته، يقال: عال الرجل أهله إذا مانهم، أي قام بما يحتاجون إليه من قوت أو كسوة، وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب.\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (١٧٣١)، باب حث الإِمام على الصدقة في خطبته يوم الجمعة.\n(٢) وورد في \"مسند أحمد\" (٢/ ٢٣٠) بلفظ: \"لا صدقة إلا عن ظهر غنى\"، واستدل به القاري (٤/ ٣٢٦) على النصاب في صدقة الفطر، وبعكسه استدل الموفق (٤/ ٣٠٨) بلفظ: \"ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول\" على أن من ليس عنده إلَّا صاع واحد يؤدي الفطر عن نفسه لقوله: \"ابدأ بنفسك\". (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٠، ٥٠١)، رقم (٥٣٥٦).","vol":"6","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>(٣٩) بَابٌ في الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ</span>\n١٦٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جَهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». [حم ٢/ ٣٥٨، خزيمة ٢٤٤٤، ك ١/ ٤١٤]\n===\nوقال ابن المنذر: اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالًا كانوا أو بالغين، إناثًا وذكرانًا، إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها، وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى، ثم لا نفقة إلا إن كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب، وألحق الشافعي ولد الولد وإن سفل بالولد في ذلك، انتهى.\n\n(٣٩) (بَابٌ في الرُّخْصَةِ في ذلِكَ) أي: في التصدق بجميع المال\n١٦٧٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب الرملي قالا: نا الليث، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة) بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي هريرة أنه) أي أبا هريرة (قال: يا رسول الله! أي الصدقة أفضل؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (جهد المقل) (١)، وقد تقدم شرحه قبيل \"باب الحث على قيام الليل\"، (وابدأ بمن تعول) تقدم شرحه قريبًا.\n_________\n(١) وأشار المصنف بالترجمة إلى الجمع بين هذا وبين المذكور سابقًا، وجمع بينهما الشيخ ولي الله في \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٤٧) بوجهين، الأول: أن المراد غنى النفس، والثاني: أنه باعتبار البركة، وهذا باعتبار إزالة صفة البخل عن المعطي. (ش).","vol":"6","page":539},{"text":"١٦٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَهَذَا حَدِيثُهُ قَال (١): حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: \"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِى، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ، إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِى، فَقَالَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟» قُلْتُ: مِثْلَهُ. قال:\n===\n١٦٧٨ - (حدثنا أحمد بن صالح وعثمان بن أبي شيبة، وهذا حديثه) أي حديث عثمان (قال: نا الفضل بن دكين، نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه) أسلم العدوي مولى عمر بن الخطاب، أبو خالد، ويقال: أبو زيد، قيل: إنه حبشي، وقيل: من سبي عين التمر، قال ابن إسحاق: بعث أبو بكر عمر سنة ١١ هـ، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه، وقال العجلي: مدني، ثقة، من كبار التابعين، وقال أبو زرعة: ثقة، وكذا وثقه يعقوب بن شيبة.\n(قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: أمرنا رسول الله - ﷺ - يومًا (٣) أن نتصدق فوافق ذلك)، أي أمرُه - ﷺ - إيانا بالتصدق (مالًا عندي، فقلت) في نفسي: (اليوم أسبق أبا بكر) لأني ذو مال (إن سبقته يومًا) من الأيام، قال القاري (٤): وإن شرطية دل على جوابها ما قبلها، أو التقدير: إن سبقته يومًا فهذا يومه، وقيل: إن نافية، أي ما سبقته يومًا قبل ذلك.\n(فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله) أي أبقيت لهم مثله يعني نصف مالي (قال) أي عمر - ﵁ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"قالا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"لي\".\n(٣) عند غزوة تبوك. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ٣٧٨).","vol":"6","page":540},{"text":"وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَىْءٍ أَبَدًا\". [ت ٣٦٧٥، ق ٤/ ١٨٠ - ١٨١، ك ١/ ٤١٤، دي ١٦٦٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>(٤٠) بَابٌ: في فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ</span>\n١٦٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ،\n===\n(وأتى أبو بكر بكل ما عنده) وهو أبلغ من \"كل مالِه\" بكسر اللام (فقال له) أي لأبي بكر (رسول الله - ﷺ -: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله) أي رضاهما، يعني لم أترك لهم شيئًا من المال، ولكن أبقيت لهم ما يرضى به الله ورسوله، قال القاري (١): روي أنه - ﷺ - قال لهما (٢): \"ما بينكما كما بين كلمتيكما\".\n(قلت) أي في باطني، واعتقدت: (لا أسابقك إلى شيء) من الفضائل (أبدًا) لأنه إذا لم يقدر على مغالبته حين كثرة ماله وقلة مال أبي بكر، ففي غير هذا الحال أولى أن لا يسبقه، ففي هذا الحديث تصريح بأن رسول الله - ﷺ - قَبِلَ من أبي بكر التصدق بجميع ماله، ولم ينكر عليه لعلمه بقوة صبره على المشاق وتوكلِه على الله تعالى (٣).\n\n(٤٠) (بَابٌ: في فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ)\nوهذا يشمل من كان عنده ماء فيسقيه غيره، أو يحفر البئر، أو يجري النهر فينتفع الناس به.\n١٦٧٩ - (حدثنا محمد بن كثير، نا همام، عن قتادة، عن سعيد)\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ٣٧٩).\n(٢) قلت: كان قوله ﵇ هذا في مقالتيهما ذكرها في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٤٦). (ش).\n(٣) وزاد الموفق (٤/ ٣٢١) على التوكل الكسبَ أيضًا، وقال: كان أبو بكر تاجرًا، ومن لم يكن فيه كلاهما يكره له ... إلخ. (ش).","vol":"6","page":541},{"text":"أَنَّ سَعْدًا أَتَى النَّبِىَّ -ﷺ- فَقَالَ: أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «الْمَاءُ». [ن ٣٦٦٦، جه ٣٦٨٤، خزيمة ٢٤٩٧]\n١٦٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- نَحْوَهُ.\n١٦٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ\n===\nأي ابن المسيب: (أن سعدًا) أي ابن عبادة (أتى النبي - ﷺ - فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟) أي: أحب (قال: الماء) وإنما صدقة الماء أفضل لأنه أكثر احتياجًا إليه عادة، ولقلته في المدينة وجميع الحجاز مع الحر الشديد.\n١٦٨٠ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم) البزاز، (نا محمد بن عرعرة) بمهملات، ابن البرند بكسر الموحدة والراء وسكون النون، السامي بالمهملة، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو البصري، الناجي، قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثقه الحاكم وابن قانع، وقال النسائي: ليس به بأس، روى عنه البخاري عشرين حديثًا.\n(عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن) البصري، (عن سعد بن عبادة، عن النبي - ﷺ - نحوه) أي نحو الحديث المتقدمِ.\n١٦٨١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل) قال في \"التقريب\": أبو إسحاق الهمداني عن رجل، عن سعد بن عبادة، لعله: سعيد بن المسيب.\n(عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول الله! إن أم سعد) (١) أي أمي\n_________\n(١) اختلفت الروايات في قصة أم سعد؛ فروي هكذا، وروي: أنها نذرت، كما سيأتي في \"باب قضاء النذر عن الميت\". (ش).","vol":"6","page":542},{"text":"مَاتَتْ، فَأَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْمَاءُ»، قَالَ: فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ: هَذِهِ لأُمِّ سَعْدٍ\". [ن ٣٦٦٦، حم ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥]\n١٦٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - الَّذِى كَانَ يَنْزِلُ فِى بَنِى دَالَانَ -، عَنْ نُبَيْحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْىٍ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا\n===\n(ماتت، فأي الصدقة أفضل) أي لها بإيصال ثوابها إليها؟ (قال: الماء، قال) الراوي: (فحفر) سعد (بئرًا، وقال) أي سعد: (هذه) أي ثواب هذه البئر (لأم سعد)، وهذ الحديث (١) يدل على أن ثواب العبادات المالية يصل إلى الموتى بإجماع أهل السنَّة. وأما البدنية ففيه خلاف، فعند الحنفية يصل ثوابها أيضًا إلى الأموات، والشافعية ينكرونها.\nوفي ظاهر سند الحديث الانقطاع؛ لأن سعد بن عبادة توفي في الشام في سنة ١١ هـ إلى سنة ١٦ هـ، وولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر، فلا يمكن الرواية عنه، وأما الحسن البصري، قال ابن سعد: ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": روى عن أبي بن كعب، وسعد بن عبادة، وعمر بن الخطاب، ولم يُدْرِكهم.\n١٦٨٢ - (حدثنا علي بن حسين، نا أبو بدر، نا أبو خالد- الذي كان ينزل في بني دالان-، عن نبيح، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عُرْي) أي حال كون المسلم عاريًا (كساه الله من خُضْرِ الجنة) أي من ثيابها الخضر، وهي أنفس ثيابها وأعلاها، (وأيما مسلم أطعم مسلمًا\n_________\n(١) قال النووي (٤/ ٩٨): الصدقة عن الميت تنفعه إجماعًا، وكذلك أجمعوا على الدعاء وقضاء الدين، ويصح حج الإِسلام وكذا حج التطوع على الأصح عندنا، واختلفوا في الصوم، والراجح جوازه، والمشهور عندنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها، وقال بعض أصحابنا: يصل، وبه قال أحمد، وأما الصلاة وسائر الطاعات فلا يصل عندنا ولا عند الجمهور، وقال أحمد: يصل ثواب الجميع كالحج. (ش).","vol":"6","page":543},{"text":"عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا (١) عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ ﷿ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ». [ت ٢٤٤٩، حم ٣/ ١٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>(٤١) بابٌ: فِى الْمَنِيحَةِ </span>(٢)\n١٦٨٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى - وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ وَهُوَ أَتَمُّ - عَنِ الأَوْزَاعِىِّ،\n===\nعلى جوع) أي حال كونه جائعًا (أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمإٍ) أي حال كونه ظمآن، (سقاه الله ﷿ من الرحيق) قال في \"المجمع\" (٣): هو من أسماء الخمر، يريد خمر الجنة (المختوم) أي المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه.\n\n(٤١) (بَابٌ: في الْمَنِيحَةِ)\nفمنحة الورق: القرض، ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها أو بوبرها وصوفها زمانًا، ثم يردها، ومنه حديث \"المنحة مردودة\"، وهو: ما يمنح الرجل من دابة لشرب لبنها، أو شجرة لأكل ثمرتها، أو أرض لزرعها. فأعلم - ﷺ - أنه تمليك منفعة، لا رقبة، فيجب رده، \"مجمع\" (٤).\n١٦٨٣ - (حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل. ح: وحدثنا مسدد، نا عيسى، وهذا) أي المذكور (حديث مسدد، وهو أتم) من حديث إبراهيم بن موسى، (عن الأوزاعي) أي إسرائيل وعيسى كلاهما عن الأوزاعي،\n_________\n(١) في نسخة: \"مسكينًا\".\n(٢) في نسخة: \"المنحة\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٠٦).\n(٤) المصدر السابق (٤/ ٦٣٥).","vol":"6","page":544},{"text":"عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِى كَبْشَةَ السَّلُولِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ، مَا يَعْمَلُ رَجُلٌ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا، وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ». [خ ٢٦٣١، حم ٢/ ١٦٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: فِى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ: قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَة (١) عَشْرَةَ خَصْلَةً.\n===\n(عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله - ﷺ -: أربعون خصلةً أعلاهُنَّ منيحةُ العَنْزِ) بفتح عين وبسكون نونٍ، الأنثى من المعز، وهي عطية شاة ينتفع بلبنها ثم يعيدها.\n(ما يعمل رجل بخصلة منها) أي من الأربعين (رجاءَ ثوابها) مفعول له ليعمل، قال العيني (٢): قوله: رجاء، نصب على التعليل، وكذلك قوله: تصديقَ موعودها (وتصديق موعودها) أي تصديق ما وعد الله ورسوله عليها (إلَّا أدخله الله بها) أي بسبب الخصلة (الجنةَ) وسببية الخصلة لدخول الجنة رحمة منه وتفضل؛ فإنه لا يجب عليه شيء.\n(قال أبو داود: في حديث مسدد) زيادة في آخره على حديث إبراهيم بن موسى، وهي: (قال حسان: فَعَدَدْنا ما دون) أي ما هي أدنى، أو ما سوى (منيحةِ العنز مِنْ: رَدِّ السلام، وتشميتِ العاطس، وإماطةِ الأذى) أي ما يؤذي الناس (عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمسة عشر خصلةً) هكذا في جميع النسخ، والصواب: خمس عشرة.\n_________\n(١) في نسخة: \"خمس عشرة\".\n(٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٦٤).","vol":"6","page":545},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا الحديث أخرجه البخاري في \"الصحيح\" (١) من حديث مسدد بسنده، وفيه هذه الزيادة.\nقال العيني (٢): فإن قلت: من المعلوم قطعًا أنه - ﷺ - كان عالمًا بها أجمعَ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فلم لم يذكرها؟ قلت: لمعنى، وهو أنفع لنا من ذكرها، وذلك - والله أعلم - خشيةَ أن يكون التعيين لها زهدًا عن غيرها من أبواب البر.\nثم قال: قال ابن بطال: وليس قول حسان مانعًا من أن يستطيعها غيره، قال: وقد بلغني عن بعض أهل عصرنا أنه طلبها فوجد ما يبلغ أزيد من أربعين خصلة.\nفمنها: أن رجلًا سأل رسولَ الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم عن عمل يُدخِل الجنة، فذكر له أشياء، ثم قال: والمنيحة والفيء على ذي الرحم القاطع، فإن لم تطق فأَطْعِمِ الجائع واسق الظمآن، هذه ثلاث خصال، أعلاهن المنيحة، وليس الفيء منها لأنه أفضل من المنيحة والسلام.\nوفي الحديث: من قال: السلام عليك كُتِبَ له عشرُ حسنات، ومن زاد: ورحمة الله كتب له عشرون، ومن زاد: وبركاته كتب له ثلاثون، وتشميت العاطس ... الحديث، وهو ثلاث تُثبِتُ لكَ الودَّ في صدر أخيك، إحداها: تشميتُ العاطس، وإماطةُ الأذى عن الطريق، وإعانةُ الصانع، والصنعة للأخرق، وإعطاء صلة الحبل، وإعطاء شسع النعل، وأن يؤنس الوحشان - أي تلقاه بما يؤنسه من القول الجميل، أو يبلغ من أرض الفلاة إلى مكان الأنس-، وكشف الكربة، قال - ﷺ -: \"من كشف كربة عن أخيه كشف الله عنه كربه يوم القيامة\"، وكون المرء في حاجة أخيه، وستر المسلم للحديث:\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٢٦٣١).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٦٤، ٤٦٥)، وانظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٥).","vol":"6","page":546},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة\"، والتفسح في المجالس، وإدخال السرور على المسلم، ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم، قال: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\"، والدلالة على الخير، قال: \"الدال على الخير كفاعله\"، والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس، والقول الطيب يردّ به المسكين، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (١).\nوفي الحديث: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة\"، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وغرس المسلم وزرعه، قال - ﷺ -: \"ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلَّا كان له صدقة\"، والهدية إلى الجار، قال - ﷺ -: \"لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو فرسن شاة\"، والشفاعة للمسلم، ورحمة عزيز ذلَّ، وغني افتقر، وعالم بين جهال، \"ارحموا ثلاثة: غني قوم افتقر، وعزيز قوم ذلَّ، وعالم يلعب به الجهال\"، وعيادة المريض للحديث: \"عائد المريض على مخارق (٢) الجنة\"، والرد على من يغتاب، قال: \"من حمى مؤمنًا من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكًا يوم القيامة يحمي لحمه من النار\"، ومصافحة المسلم، قال: \"لا يصافح مسلم مسلمًا فتزول يده عن يده حتى يغفر لهما\"، والتحابُّ في الله، والتجالس إلى الله، والتزاور في الله، والتباذل في الله، قال الله تعالى: \"وجبت محبتي لأصحاب هذه الأعمال الصالحة\"، وعون الرجل في دابته يحمل عليها متاعه صدقة، روي ذلك عن رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nوقال الكرماني: أقول: هذا الكلام رجم بالغيب لاحتمال أن يكون المراد غير المذكورات من سائر أعمال الخير، ثم إنه من أين علم أن هذه أدنى من المنيحة لجواز أن يكون مثلها أو أعلى منها؟ ثم فيه تحكم حيث جعل:\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٦٣.\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"العمدة\": مخارف.","vol":"6","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>(٤٢) بَابُ أَجْرِ الْخَازِنِ</span>\n١٦٨٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - الْمَعْنَى - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عن أبي بردة، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ الْخَازِنَ الأَمِينَ الَّذِى يُعْطِى مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا، مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، حَتَّى يَدْفَعَهُ إِلَى الَّذِى أُمِرَ لَهُ بِهِ: أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ». [خ ١٤٣٨، م ١٠٢٣]\n===\nالسلامَ منه، ولم يجعل: ردّ السلام منه، مع أنه صرح في هذا الحديث الذي نحن فيه به، وكذا جعلوا الأمر بالمعروف منه، بخلاف النهي عن المنكر، وفيه أيضًا تكرار لدخول الأخير وهو الأربعون تحت بعض ما تقدم فتأمل.\n\n(٤٢) (بَابٌ أَجْرِ الْخَازِن)\nوهو الذي يكون بيده حفظ الطعام وغيره من الأموال من خادم وقهرمان وغير ذلك، أي: ثوابه\n١٦٨٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا) أي عثمان ومحمد بن العلاء: (نا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الخازن الأمين الذي يعطي ما أُمِرَ به) أي يعطي الفقير ما أمره به المولى (كاملًا موفَّرًا) أي: وافرًا تامًّا (طيبةً به نفسُه) أي يؤديه بطيب نفسه (حتى يدفعه) أي المال الذي أُمِرَ بدفعه (إلى الذي أمر له به) أي إلى الفقير الذي أمر ذلك الخازن له، أي للفقير به أي بالمال الذي أمر به (أحد المتصدقين) بصيغة التثنية، وهما المالك والخازن الأمين الذي يدفع بطيب نفسه.\nقال الحافظ (١): ضبط في جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية، ويجوز الكسر على الجمع، أي هو متصدق من المتصدقين.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٣) كتاب الزكاة، باب (١٧).","vol":"6","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>(٤٣) بَابُ الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوجِهَا</span>\n١٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىّ (١) -ﷺ- «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُ مَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُ مَا اكْتَسَبَ، وَلِخَازِنِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ». [خ ١٤٣٧، م ١٠٢٤]\n===\n\n(٤٣) (بَابُ الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ) أصله تتصدق فحذفت إحدى التائين (مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا)، أي: هل يجوز ذلك لها؟\n١٦٨٥ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن منصور، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة قالت: قال النبي - ﷺ -: إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها) أي بعد إذنه صراحة أو دلالة (غير مفسدة) أي أنفقت من غير نية الفساد (كان لها أجر ما أنفقت) أي أجر الإنفاق، (ولزوجها أجر ما اكتسب) أي أجر كسب المال الذي أنفقتْ، فيتساويان في الأجر، (ولخارنه مثل ذلك) أي مثل أجر الإنفاق والكسب، (لا ينقص بعضهم أجرَ بعض).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه، لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ولذا قيد الترجمة بالأمر به (٣)، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة.\nوأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه، ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٣).\n(٣) وهما روايتان لأحمد، كذا في \"المغني\" (٦/ ٦٠٥). (ش).","vol":"6","page":549},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالعبد والخازن النفقةُ على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم من فرق بين المرأة والخادم فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها. فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه فيشترك (١) الإذن فيه، وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد تخصصت به، وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت، انتهى.\nوقال (٢) في موضع آخر: ثم أورد حديث أبي هريرة في ذلك بلفظ: \"إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فلها نصف أجره\"، والأولى أن يحمل على ما إذا أنفقت من الذي يخصها به إذا تصدقت به بغير استئذانه، فإنه يصدق كونه من كسبه فيؤجر عليه، وكونه بغير أمره يحتمل أن يكون أذِنَ لها بطريق الإجمال، لكن المنفي ما كان بطريق التفصيل، ولا بد من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإلَّا فحيث كان من ماله بغير إذنه لا إجمالًا ولا تفصيلًا، فهي مأزورة بذلك لا مأجورة (٣).\nوأما قوله في حديث أبي هريرة: فلها نصف أجره، فهو محمول على ما إذا لم يكن هناك من يعينها على تنفيذ الصدقة بخلاف حديث عائشة، ففيه أن الخادم (٤) مثل ذلك، أو المعنى بالنصف في حديث أبي هريرة: أن أجره\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\": فيشترط.\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠١).\n(٣) ويشكل عليه ما في \"كنز العمال\" رقم (١٧٠٧٢): قال رجل: يا رسول الله! إن امرأتي تعطي من مالي بغير إذني، قال: \"فأنتما شريكان في الأجر\"، قال: فإني أمنعها، قال: \"لك ما بخلت به، ولها ما أحسنت\"، قلت: اللَّهُمَّ إلا أن يقال: إن معنى قوله: أمنعها، أي فيما بعد فله وزر بخله، ولها أجر ما نوت من الصدقة لكن امتنعت بعدم الإذن. (ش).\n(٤) كذا في الأصل، والصواب: للخادم، كما في \"الفتح\".","vol":"6","page":550},{"text":"١٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ (١) الْمِصْرِيُّ،\n===\nوأجرها إذا جمعا كان لها النصف من ذلك، فللكل منها أجر كامل، وهما اثنان، فكأنهما نصفان، ملخص مما قاله الحافظ.\nقال العيني (٢): فإن قلت: أحاديث هذا الباب جاءت مختلفة، فمنها: ما يدل على منع المرأة عن أن تنفق من بيت زوجها إلَّا بإذنه، وهو حديث أبي أمامة، رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ومنها: ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها في ذلك، وهو حديث عائشة المذكور. ومنها: ما قيد فيه الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منه، وبكونها غيرَ مفسدة، وهو حديث عائشة أيضًا. ومنها: ما هو مقيد بكونها غير مفسدة وإن كان من غير أمره، وهو حديث أبي هريرة، رواه مسلم من حديث همام بن منبه، وفيه وعد نصف الأجر. ومنها: ما قيد الحكم فيه بكونه رطبًا، وهو حديث سعد بن أبي وقاص، رواه أبو داود من رواية زياد بن جبير عن سعد.\nقلت: كيفية الجمع بينها أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك أو كراهته لذلك، وباختلاف الحال في الشيء المنفَق بين أن يكون شيئًا يسيرًا يتسامح به، وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطبًا يخشى فساده إن تأخر، وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد، انتهى ملخصًا.\n١٦٨٦ - (حدثنا محمد بن سَوَّار المصري) بفتح الواو المشددة، آخره راء، هكذا بالراء في جميع النسخ المطبوعة الهندية والمصرية، وكذا في \"التقريب\"، و\"الخلاصة\"، و\"تهذيب التهذيب\"، وفي النسخة القديمة: سواد بالدال الغير المنقوطة، ابن راشد الأزدي، أبو جعفر الكوفي، نزيل مصر، قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وسئل عنه فقال: صدوق، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يغرب.\n_________\n(١) في نسخة: \"سواد\".\n(٢) \"عمدة القاري\": (٦/ ٤٠٠).","vol":"6","page":551},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النِّسَاءَ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ فَقَالَتْ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا! - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأُرَى فِيهِ: وَأَزْوَاجِنَا - فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ فَقَالَ: «الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ». [ق ٤/ ١٩٣، ك ٤/ ١٣٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الرَّطْبُ: الْخُبْزُ وَالْبَقْلُ وَالرُّطَبُ.\n===\n(نا عبد السلام بن حرب، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير) بن حية بتحتانية، ابن مسعود بن معتب الثقفي البصري، ثقة، وكان يرسل، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال أبو زرعة، وأبو حاتم، وابنه: عن سعد بن أبي وقاص مرسلة، (عن سعد) بن أبي وقاص (١).\n(قال: لما بايع رسول الله - ﷺ - النساء قامت امرأة جليلة) أي كبيرة القدر عظيمة (كأنها من نساء مضر)، وهو أبو قبيله، ابن نزار (فقالت: يا نبي الله! إنا كَلٌّ) بفتح الكاف وتشديد اللام، أي ثقل وعيال (على آبائنا وأبنائنا) بأنا لا نكسب ونعتمد على أكسابهم.\n(قال أبو داود: وأُرى) أي أظن (فيه) أي في الحديث: (وأزواجِنا) أي بعد قوله: وأبنائنا، (فما يحل لنا من أموالهم؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (الرطب) بفتح الراء وسكون الطاء المهملة، (تأكُلْنَه وتُهْدِيْنَه) وهذا على حسب العادة، فإن الطعام الرطب يخشى عليه الفساد فلا يدخر، فلهذا أباح الأكل والإهداء فيه.\n(قال أبو داود: الرطب) يعني تفسير الرطب: (الخبز والبقل)، قال في \"القاموس\": البقل ما نبت في بَزْرِه لا في أرومة ثابتة، انتهى. والمراد هنا ما يؤكل من الخضراوات، (والرطب) بضم الراء وفتح الطاء المهملة: ما يقابل التمر، يقال له بالفارسية: \"خُرْمَاءِ تر\".\n_________\n(١) بهذا جزم العيني في \"عمدة القاري\"، انتهى. قلت: صرحوا بأنه وهم، والصواب أنه سعد الأنصاري رجل آخر، كما بسطه الحافظ في \"التهذيب\" في ترجمته. [قلت: قد ذهب إليه الدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٣٨٢) رقم (٦٤٥)]. (ش).","vol":"6","page":552},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عن يُونُسَ.\n١٦٨٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ». [خ ٥٣٦٠، م ١٠٢٦]\n١٦٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ (١) الْمِصْرِيُّ، نَا عَبْدَةُ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ،\n===\n(قال أبو داود: وكذا) أي كما رواه عبد السلام بن حرب عن يونس، كذا (رواه الثوري (٢) عن يونس).\n١٦٨٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره) وقد تقدم قريبًا ما يتعلق بهذا الحديث عن الحافظ.\nوقال النووي (٣): معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره، وذلك الإذن الذي قد بيناه سابقًا إما بالصريح، وإما بالعرف، ولا بد من هذا التأويل؛ لأنه - ﷺ - جعل الأجر مناصفة، وفي رواية أبي داود: \"فلها نصف أجره\"، ومعلوم أنها إذا أنففت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر، فتعين تعليله (٤).\n١٦٨٨ - (حدثنا محمد بن سوار المصري، نا عبدة، عن عبد الملك،\n_________\n(١) في نسخة: \"سواد\".\n(٢) أخرج روايته البزار (٤/ ٧٤) رقم (١٢٤١)، والحاكم (٤/ ١٣٤)، والبيهقي (٤/ ١٩٣).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ١٢٢).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"شرح النووي\": تأويله.","vol":"6","page":553},{"text":"عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"فِى الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا مِنْ قُوتِهَا وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ\". [قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذا يُضْعِفُ حَدِيثُ همام].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>(٤٤) بَابٌ: في صِلَةِ الرَّحِمِ</span>\n===\nعن عطاء، عن أبي هريرة: في المرأة تصدق) بحذف إحدى التائَين أي تتصدق (من بيت زوجها؟ قال) أي أبو هريرة: (لا) أي لا يحل لها التصدق (إلَّا من قوتها) أي ما أعطاها الزوج من قوت نفسها، (والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها) أي غير قوتها (إلَّا بإذنه) سواء كان صراحة أو دلالة تفصيلًا أو إجمالًا.\n(قال أبو داود: هذا) أي حديث أبي هريرة الموقوف عليه (يضعف حديث همام) بن منبه عن أبي هريرة المتقدم، ووجهه أن أبا هريرة - ﵁ - أفتى من نفسه بخلاف ما عنده من رسول الله - ﷺ - من الحديث المرفوع، فهذا يدل على أن الحديث المرفوع عنده معلول، وقد تقدم مثله في \"باب السدل في الصلاة\".\nقلت: دعوى المخالفة بين فتوى أبي هريرة والحديث المرفوع له غير مسلم؛ فإنه يمكن أن يحمل قوله في الحديث المرفوع: \"من غير أمره\" أي من غير أمره الصريح، وبإذنه دلالة وعرفًا، ومعنى قوله في فتواه: \"إلَّا بإذنه\" أي: سواء كان إذنه صراحة أو دلالة فحينئذ لا اختلاف بينهما، والله تعالى أعلم.\n\n(٤٤) (بَابٌ: في صِلَةِ الرَّحِمِ) (١)\nأصله: وصلة، فحذفت الواو، كما قالوا: زنة من وزن، وصلة الرحم الإحسان إلى ذوي القرابات على حسب حال الواصل والموصول إليه،\n_________\n(١) وهي واجبة كما بسطها الشامي [انظر: \"رد المحتار\" (٥/ ٢٧٨)]. (ش).","vol":"6","page":554},{"text":"١٦٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١)، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا؛ فَإِنِّى أُشْهِدُكَ أَنِّى قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِى بِأَرِيحَاءَ لَهُ،\n===\nفتارة تكون بالمال، وتارة تكون بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك، فالرحم القرابة.\n١٦٨٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾) أي لن تبلغوا حقيقة البر ولن تكونوا أبرارًا حتى تنفقوا أي حتى تكون نفقتكم في مرضاة الله تعالى من أموالكم التي تحبونها.\n(قال أبو طلحة) اسمه زيد بن سهل بن الاْسود بن حرام بن عمرو، كما سيذكره المصنف، الأنصاري النجاري، زوج أم أنس بن مالك، شهد بدرًا وما بعدها، قال أبو زرعة: عاش بعد النبي - ﷺ - أربعين سنة. (يا رسول الله! أرى رَبَّنا يسألنا من أموالنا) أن يصرف في سبل الخير (فإني أُشهِدُك أني قد جعلت أرضي بارِيحاء له) أي لربنا تعالى شأنه.\nقال العيني (٢): قوله: بَيْرحا: أشهر الوجوه (٣) فيه فتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء وبفتح الحاء مقصورًا، وهو بستان في المدينة فيه ماء.\nقال الحافظ (٤): قوله فيه \"بير حاء\" بفتح الموحدة وسكون التحتانية وفتح الراء وبالمهملة والمد، وجاء في ضبطه أوجه كثيرة جمعها ابن الأثير في\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ٩.\n(٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٩٨).\n(٣) وكذا ضبطه النووي بأوجه (٤/ ٩٤). (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٦).","vol":"6","page":555},{"text":"فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اجْعَلْهَا فِى قَرَابَتِكَ»، فَقَسَمَهَا بَيْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ\". [م ٩٩٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وبَلَغَنِى عَنِ الأَنْصَارِىِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَبُو طَلْحَةَ: زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِىِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ،\n===\n\"النهاية\" (١)، فقال: ويروى بفتح الباء، ويكسر، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر، فهذه ثمان لغات، وفي رواية حماد بن سلمة \"بريحا\" بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية، وفي \"سنن أبي داود\" \"باريحا\" مثله، لكن بزيادة ألف، وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور، وكذا جزم به الصغاني، وقال: إنه فَيْعَلى من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحف.\n(فقال له رسول الله - ﷺ -: اجعلها) أي الأرض (في قرابتك) أي في أهل قرابتك (فقسمها) أي أبو طلحة تلك الأرض (بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب).\n(قال أبو داود: بلغني عن الأنصاري محمد بن عبد الله) عطف بيان من الأنصاري، قال في \"التقريب\": محمد بن عبد الله الأنصاري ثلاثة، أكبرهم اسم جده المثنى، وثاني اسم جده حفص، والثالث زياد، انتهى، وهكذا في \"تهذيب التهذيب\"، والظاهر أن المذكور ها هنا هو الأول، أي محمد بن عبد الله بن المثنَّى.\n(قال): أي الأنصاري، فنسب أبي طلحة هكذا: (أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار) هكذا في \"تهذيب التهذيب\"، و\"أسد الغابة\"، و\"الاستيعاب\"،\n_________\n(١) (ص ٧١).","vol":"6","page":556},{"text":"وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ، يَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرَامٍ، وَهُوَ الأَبُ الثَّالِثُ، وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَعَمْرٌو يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا. قَالَ الأَنْصَارِىُّ: بَيْنَ أُبَىٍّ وَأَبِى طَلْحَةَ سِتَّةُ آبَاءٍ.\n===\nو\"طبقات ابن سعد\" (١)، ولكن في \"الإصابة\" (٢) في ترجمة زيد بن سهل زيادة لا توجد في غيرها، فقال: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عمرو بن مالك بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، فزاد: عمرو بن مالك بعد زيد مناة، ولم يذكر هذه الزيادة في نسب حسان بن ثابت كما لم يذكره في نسبه، فالظاهر أنه غلط من النساخ.\n(وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، يجتمعان) أي أبو طلحة وحسان (إلى حرام) بن عمرو، (وهو الأب الثالث) لأبي طلحة وحسان.\n(و) نسب أبي بن كعب هو: (أبي بن كعب بن قيس بن عتيك) هكذا في أكثر نسخ أبي دود، وكتب في حاشية النسخة المكتوبة: صوابه عبيد، وفي النسخة المصرية: عبيد بن عتيك، وفي \"تهذيب التهذيب\"، و\"الإصابة\"، و\"أسد الغابة\"، و\"الاستيعاب\" (٣): عبيد، وهو الصواب، فما في نسخ أبي داود من لفظ \"عتيك\" بدل \"عبيد\" تصحيف من النساخ، وكذا ما في المصرية أي من لفظ \"عتيك\" غلط.\n(ابن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فعمرو) بن مالك (يجمع حسان وأبا طلحة وأبيًّا) فهم يجتمعون فيه.\n(قال الأنصاري) أي محمد بن عبد الله: (بين أُبيٍّ وأبي طلحة) إلى الأب الذي يجمعهما (ستة آباء) باعتبار أبي طلحة، وهم: سهل، والأسود،\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤١٤)، و\"أسد الغابة\" رقم (١٨٤٣)، و\"الاستيعاب\" رقم (٨٥٠)، و\"طبقات ابن سعد\" (٣/ ٤٦٧) رقم (١٩٩).\n(٢) انظر رقم الترجمة (٢٩٠٥).\n(٣) انظر: \"الإصابة\" (١/ ١٦)، و\"أسد الغابة\" (١/ ٦١)، رقم (٣٤)، و\"الاستيعاب\" رقم (٦).","vol":"6","page":557},{"text":"١٦٩٠ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ\n===\nوحرام، وعمرو، وزيد مناة، وعدي، وهذا ظاهر جدًا، وليس فيه شائبة مسامحة كما ادعاه صاحب \"العون\"، نعم في قول صاحب \"العون\" (١): نعم على ما في \"الإصابة\" يصير عمرو بن مالك أبًا سادسًا لأبي طلحة أيضًا فيستقيم كلام الأنصاري، مسامحة وغفلة شديدة؛ فإنه على ما في \"الإصابة\" لو سلم صحته لا يكون عمرو بن مالك الذي يجمعهما أبًا سادسًا لأبي طلحة، بل يكون أبًا تاسعًا لأن أول آبائه سهل، والثاني الأسود، والثالث حرام، والرابع عمرو، والخامس زيد مناة، والسادس عمرو، والسابع مالك، والثامن عدي، والتاسع عمرو، وهو الذي يجمعهما وعمرو بن مالك الأول لا يجتمعان فيه قطعًا.\nوالظاهر أن صدقة أبي طلحة لم تكن على سبيل الوقف، بل كانت تمليكًا لهم، وأنه وقع في البخاري (٢): \"أن حسان باع حصته منه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم\"، قال الحافظ (٣): هذا يدل على أن أبا طلحة مَلَّكهم الحديقة المذكورة، ولم يقفها (٤) عليهم؛ إذ لو وقف ما ساغ لحسان أن يبيعها.\n١٦٩٠ - (حدثنا هناد بن السري، عن عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن ميمونة\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (٥/ ٧٥).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٧٥٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٨).\n(٤) وجزم في رسالة: \"إسلام كا إقتصادي نظام\" (النظام الاقتصادي للإسلام) لمولوي حفظ الرحمن: أنها كانت وقفًا على الأقرباء بمنزلة الوقف على الأولاد، ومعنى قسمتها قسمة المنافع، وحكاه عن التاج الجامع للأصول. (ش).","vol":"6","page":558},{"text":"زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَتْ: كَانَتْ لِى جَارِيَةٌ فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ -ﷺ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «آجَرَكِ اللَّهُ، أَمَا إِنَّكِ لَوْ كُنْتِ أَعْطَيْتِهَا (١) أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ». [م ٩٩٩، حم ٦/ ٣٣٢]\n١٦٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمَرَ النَّبِىُّ -ﷺ- بِالصَّدَقَةِ،\n===\nزوجِ النبي - ﷺ - قالت: كانت لي جارية) قال الحافظ (٢): لم أقف على اسم هذه الجارية (فأعتقتها، فدخل عليَّ النبيُّ - ﷺ - فأخبرته) أي بإعتاقها طلبًا للثواب.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (آجَرَكِ الله) بالمد والقصر، آجره، يؤجره: إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء، وكذا أجره يأجره، (أما) حرف تنبيه (إنكِ لو كنتِ أعطيتِها أَخَوَالَكِ) قال العيني (٣): كان أخوالها من بني هلال أيضًا، واسم أمها: هند بنت عوف بن زهير بن الحارث، ووقع في رواية الأصيلي: \"أخواتك\" بالتاء، قال عياض: ولعله أصح من رواية \"أخوالك\" بدليل رواية مالك في \"الموطأ\": \"فلو أعطيتها أختيك\"، وقال النووي (٤): الجميع صحيح، ولا تعارض، ويكون النبي - ﷺ - قال ذلك كله.\n(كان أعظم لأجرك) لأن في إعطائها إياهم صدقة وصلة، ولعلهم كانوا ذوي حاجة شديدة إلى خدمة الجارية، وإلا فلا يلزم أن تكون هبة ذي الرحم أفضل مطلقًا.\n١٦٩١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سيفان، عن محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: أمر النبي - ﷺ -)، أي: حث (بالصدقة،\n_________\n(١) في نسخة: \"أعطيتيها\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٨).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤١٥).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٩٥).","vol":"6","page":559},{"text":"فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِى دِينَارٌ. فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ». قَالَ عِنْدِى آخَرُ قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ». قَالَ: عِنْدِى آخَرُ. قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ»، أَوْ: «زَوْجِكَ». قَالَ: عِنْدِى آخَرُ. قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ». قَالَ: عِنْدِى آخَرُ. قَالَ: «أَنْتَ أَبْصَرُ». [ن ٢٥٣٥، حم ٢/ ٢٥١، ك ١/ ٤١٥]\n===\nفقال رجل:) لم أقف على تسميته (يا رسول الله! عندي دينار) أحب أن أتصدق، فعلى من أتصدق؟ (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (تصدق به) أي بالدينار (على نفسك)؛ فإن لنفسك عليك حقًّا، فلهذا قدَّم حقَّه من جميع المال في تجهيزه وتكفينه وقضاء ديونه.\n(قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك (١) أو) للشك من الراوي (زوجك) من غير تاء، وهو يطلق على الذكر والأنثى لأنه لا التباس فيه، قال الطيبي: إنما قدم الولد على الزوجة (٢) لشدة افتقاره إلى النفقة بخلافها، فإنه لو طلقها لأمكنها أن تتزوج بآخر. قال القاري (٣): والأظهر أن يقال: لأن نفقة الزوجة تقبل الانفكاك عن اللزوم بخلاف نفقة الولد، سيما إذا كان صغيرًا فقيرًا.\n(قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك) الخادم يطلق على الغلام والجارية، (قال) أي الرجل: (عندي آخر، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (أنت أبصر)، وفي رواية: \"أنت أعلم\"، قال القاري: بحال من يستحق الصدقة من أقاربك وجيرانك وأصحابك.\n_________\n(١) عندنا محمول على التطوع، قال في \"الهداية\" (١/ ١١١): لا يدفع إلى امرأته للاشتراك في المنافع عادة، ولا المرأة إلى الزوج عند الإِمام، وقالا: يجوز لرواية زوجة ابن مسعود. (ش).\n(٢) وقال الموفق (٤/ ٣٠٨، ٣٠٩): تقدم الزوجة على الأقارب؛ لأن نفقتها على سبيل المعاوضة، فقدمت على مجرد المواساة. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٢٨، ٤٢٩).","vol":"6","page":560},{"text":"١٦٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ الْخَيْوَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ». [حم ٢/ ١٦٠، ق ٧/ ٤٦٧]\n١٦٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ وَهَذَا حَدِيثُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ علَيهِ\n===\n١٦٩٢ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، نا أبو إسحاق، عن وهب بن جابر الخيواني) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتانية، الهمداني، الكوفي، وقال بعضهم: جابر بن وهب وهو خطأ، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، لقيه ببيت المقدس، وثقه ابن معين والعجلي، وعن علي بن المديني: مجهول، وكذا قال النسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قصة يأجوج ومأجوج، و\"كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت\"، ولم يرو غير ذين.\n(عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت) نقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": من قاته أي أعطاه قوته، ويمكن أن يجعل من التفعيل وهو موافق لرواية \"من يقيت\"، من أقات أي من تلزمه نفقته من أهله، ولفظ مسلم (١): \"كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته\".\n١٦٩٣ - (حدثنا أحمد بن صالح وبعقوب بن كعب وهذا حديثه) أي المذكور في الكتاب لفظ حديث يعقوب بن كعب (قالا: نا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من سره) وفي رواية للبخاري ومسلم (٢): \"من أحب\" (أن يبسط عليه)\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٩٩٦).\n(٢) \"صحيح البخاري، (٥٩٨٦)، و\"صحيح مسلم\" (٢٥٥٧).","vol":"6","page":561},{"text":"في رِزْقِهِ، وُينْسَأَ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ\". [خ ٢٠٦٧، م ٢٥٥٧]\n١٦٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،\n===\nبصيغة المجهول أي يوسَّع له (في رزقه) أي في الدنيا (وينسأ) بضم أوله وسكون النون بعدها مهملة ثم همزة، أي: يؤخر له (في أثره) أي في أجله، وأصله من أثر مشي في الأرض، فإن من مات لم يبق له حركة فلا يبقى لقدمه في الأرض أثر، (فليصل رحمه).\nقال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١) والجمع بينهما من وجهين: أحدهما: أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، وحاصله أن صلة الرحم تكون سببًا للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية، فيبقى بعده الذكر الجميل، فكأنه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينفع به من بعده، والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح.\nوثانيهما: أن الزيادة على حقيقتها، وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، وأما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى، كان يقال للملك مثلًا: إن عمر فلان مئة مثلًا إن وصل رحمه، وستون إن قطعها، وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٢)، والوجه الأول أليق بحديث الباب، ملخصًا عن \"الفتح\" (٣).\n١٦٩٤ - (حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: نا سفيان،\n_________\n(١) سورة النحل: الآية ٦١.\n(٢) سورة الرعد: الآية ٣٩.\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٤١٦).","vol":"6","page":562},{"text":"عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالي: أَنَا الرَّحْمَنُ، وَهِىَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِى، مَنْ (١) وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ». [ت ١٩٠٧، ق ٧/ ٢٦، ك ٤/ ١٥٨، حم ١/ ١٩٤]\n١٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ الرَّدَّادَ اللَّيْثِىَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ. [حم ١/ ١٩٤، ك ٤/ ١٥٧، ق ٧/ ٢٦]\n===\nعن الزهري، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، (عن عبد الرحمن بن عوف) أحد العشرة المبشرة (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: قال الله تعالى) وهذا حديث قدسي: (أنا الرحمن) وفي \"المشكاة\" (٢) برواية أبي داود: \"أنا الله، وأنا الرحمن\" أي المتصف بهذه الصفة، (وهي) أي التي تجب صلتها (الرحم، شققت) أي أخرجت وأخذت (لها) أي للرحم (اسمًا من اسمي) أي الرحمن، وفيه إيماء إلى أن للرحم قربًا خاصًا بالله تعالى وتعلقًا مخصوصًا يجب رعايته، (من وصلها وصلته) أي إلى رحمتي أو محل كرامتي، (ومن قطعها بتته) بتشديد الفوقية الثانية، أي قطعته من رحمتي الخاصة.\n١٦٩٥ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، حدثني أبو سلمة أن الرداد الليثي) بتشديد المهملة، وقال بعضهم: أبو الرداد، وهو الأصوب، حجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (أخبره، عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله - ﷺ - بمعناه) أي بعنى الحديث المتقدم.\n_________\n(١) في نسخة: \"فمن\".\n(٢) \"المشكاة\" (٤٩٣٠).","vol":"6","page":563},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): روى أبو داود من حديث معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة -وهو الصواب- أن ردادًا أخبره، عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: قال الله: \"أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم\"، الحديث، ورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢) من حديث محمد بن أبي عتيق، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي الرداد الليثي.\nقلت: وتابعه شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري كذلك، وهو الصواب، ولفظ ابن حبان في ثقات التابعين (٣): رداد الليثي يروي عن ابن عوف، وذكر الحديث: حدثناه ابن قتيبة، ثنا ابن أبي السري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن رداد، عن عبد الرحمن، قال: وما أحسب معمرًا حفظه؛ روى هذا الخبر أصحابُ الزهري عن أبي سلمة عن أبي عوف.\nقلت: وكذا رواه ابن عيينة أخرجه الترمذي من حديثه، فقال عن أبي سلمة: اشتكى أبو الرداد (٤) الليثي فعاده عبد الرحمن بن عوف، فقال: خيرهم وأوصلهم أبو محمد، فقال عبد الرحمن: سمعت، فذكره وقال: صحيح (٥)، وذكر رواية معمر، وقال: قال محمد بن إسماعيل: حديث معمر خطأ.\nقلت: وكذا قال أبو حاتم الرازي: أن المعروف أبو سلمة عن عبد الرحمن، وأما أبو الرداد الليثي فإن له في القصة ذكرًا إلَّا أن رواية شعيب بن أبي حمزة تقوي رواية معمر، لكن قول معمر: رداد خطأ، وللمتن متابع\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٧٠).\n(٢) \"الأدب المفرد\" رقم (٥٣).\n(٣) انظر: \"الثقات\" (٤/ ٢٤١).\n(٤) كذا في \"التهذيب\"، ولفظ الترمذي (١٩٠٧): \"اشتكى أبو الدرداء فعاده عبد الرحمن\" ... إلخ. (ش).\n(٥) قال المنذري: في تصحيح الترمذي نظر؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه شيئًا، كذا في \"الترغيب\" (٣/ ٣٣٨). (ش).","vol":"6","page":564},{"text":"١٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ». [خ ٥٩٨٤، م ٢٥٥٦]\n١٦٩٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو وَفِطْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - قَالَ سُفْيَانُ: وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُلَيْمَانُ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ-، وَرَفَعَهُ فِطْرٌ وَالْحَسَنُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ،\n===\nرواه أبو يعلى بسند صحيح من طريق عبد الله بن قارظ، عن عبد الرحمن ابن عوف من غير ذكر أبي الرداد فيه، انتهى.\n١٦٩٦ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه) أي جبير بن مطعم (يبلغ به النبي - ﷺ -) أي يرفع الحديث إليه (قال) أي النبي - ﷺ -: (لا يدخل الجنة قاطع) أي للرحم أو للطريق، ويدل على الأولى إيراده في هذا الباب، قال النووي (١): قد سبق نظائره مما حمل تارة على من يستحل القطيعة بلا سبب، ولا شبهة مع علمه بتحريمها، وأخرى لا يدخلها مع السابقين، قلت: وأخرى لا يدخل مع الناجين من العذاب.\n١٦٩٧ - (حدثنا ابن كثير، أنا سفيان) أي الثوري، (عن الأعمش والحسن بن عمرو) الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف، نسبة إلى فقيم بطن من تميم، التميمي، الكوفي، ثقة (وفطر) بن خليفة، (عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال سفيان: ولم يرفعه سليمان) أي الأعمش الحديث (إلى النبي - ﷺ -، ورفعه فطر والحسن) أي إلى النبي - ﷺ -.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليس الواصل) أي واصل الرحم (بالمكافئ) بكسر فاء فهمز أي المجازي لأقاربه إن صلة فصلة وإن قطعا فقطع، والمراد به\n_________\n(١) انظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٨/ ٣٥٦).","vol":"6","page":565},{"text":"وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا\". [خ ٥٩٩١، ت ١٩٠٨، حم ٢/ ١٦٣، ق ٧/ ٢٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>(٤٥) بَابٌ: في الشُّحِّ</span>\n١٦٩٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ:\n===\nنفي الكمال (ولكن الواصل) أي: ولكن الواصل الكامل (الذي إذا قطعت) بصيغة المجهول (رحمه وصلها) أي قرابته التي تقطع عنه، وهذا من باب الحث على مكارم الأخلاق، كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، ومنه قوله - ﷺ - في البخاري (٢): \"صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك\"، الحديث.\n\n(٤٥) (بَابٌ: في الشُّحِّ)\nوهو أشد البخل، وقيل: البخل مع الحرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادِها، والشح عام، وقيل: البخل في مال، والشح في مال وفي معروف.\n١٦٩٨ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي كثير) الزبيدي بالتصغير، الكوفي، اسمه زهير بن الأقمر، وقيل: عبد الله بن مالك، وقيل: جمهان، أو الحارث بن جمهان، وقيل: إن زهير بن الأقمر غير عبد الله بن مالك، مقبول.\n(عن عبد الله بن عمرو قال: خطب رسول الله - ﷺ -، فقال) أي رسول الله\n_________\n(١) سورة المؤمنون: الآية ٩٦.\n(٢) كذا نقله صاحب \"المرقاة\" (٩/ ١٩٧)، وصاحب \"تحفة الأحوذي\" (٦/ ٣١)، ولكن ما وجدت في \"صحيح البخاري\"، بل أورده المتقي في \"كنز العمال\" رقم (٦٩٢٩)، وعزاه إلى ابن النجار عن علي، فليفتش.","vol":"6","page":566},{"text":"«إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخَلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا». [حم ٢/ ١٥٩ - ١٦٠، ق ٤/ ١٨٧، ك ١/ ٤١٥]\n١٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ، حَدَّثَتْنِى أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِى شَىْءٌ إلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَىَّ الزُّبَيْرُ بَيْتَهُ، أَفَأُعْطِى مِنْهُ؟ قَالَ: «أَعْطِى\n===\nفي خطبته (إياكم والشحَّ) أي اتقوا أنفسَكم من الشح، والشحَّ من أنفسكم، (فإنما هلك من كان قبلكم) أي من الأمم الماضية (بالشح، أمرهم) أي الشح (بالبخل) لعدم أداء حقوق المالية (فبخلوا، وأمرهم) أي الشح (بالقطيعة) أي بقطيعة الرحم (فقطعوا، وأمرهم بالفجور) أي بالزناء والفحش والمعاصي (ففجروا)، ولفظ مسلم (١): \"واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلُّوا محارمهم\".\nقال القاري (٢): قيل: إنما كان الشح سببًا لذلك لأن في بذل المال ومواساة الإخوان التحابَّ والتواصل، وفي الإمساك والشح التهاجرَ والتقاطعَ، وذلك يؤدي إلى التشاجر والتعادي من سفكِ الدماء، واستباحةِ المحارم من الفروج والأعراض والأموال وغيرها.\n١٦٩٩ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل، أنا أيوب، نا عبد الله بن أبي مليكة، حدثتني أسماء بنت أبي بكر) زوجة زبير بن العوام (قالت: قلت: يا رسول الله! ما) نافية (لي شيء) أي من المال (إلَّا ما أدخل علي الزبيرُ) زوجي (بيتَه) أي في بيته (أفأعطي) أي أتصدق (منه) أي من ذلك المال؟\n(قال: أَعْطِي) أي تَصَدَّقي منه، وإنما أذن لها رسول الله - ﷺ - مطلقًا، ولم يرد إلى إذن الزبير لأن رسول الله - ﷺ - كان عارفًا بأن الزبير رجل جواد كريم\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٢٥٧٨).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٦٩).","vol":"6","page":567},{"text":"وَلَا تُوْكِي، فَيُوْكَى عَلَيْكِ\". [خ ١٤٣٤، م ١٠٢٩]\n١٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ عِدَّةً مِنْ مَسَاكِينَ. - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ غَيْرُهُ: أَوْ عِدَّة مِنْ صَدَقَةٍ - فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَعْطِى وَلَا تُحْصِى فَيُحْصِىَ عَلَيْكِ» (١). [حم ٦/ ١٠٨]\n===\nلا يمنعها من التصدق، وأيضًا كان عارفًا بأن أسماء بنت أبي بكر من النساء المتدينات تتصدق بالمال غير مفسدة فأذن لها مطلقًا، وقال الخطابي (٢): وأعطي من نصيبكِ منه، (ولا تُوْكي فَيُوْكَى عليكِ) من الله تعالى، الوكاء هو خيط يُشَدُّ به الصرة والكيس وغيرهما، يقال: أوكيت السقاء، أي شددت رأسها بالوكاء أي لا تدخري، وتشدي ما عندك، وتمنعي ما في يدك، فتنقطع مادة الرزق عنكِ.\n١٧٠٠ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل، أنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة) - ﵂ - (أنها ذكرت) أي عند رسول الله - ﷺ - (عِدَّةً) بكسر العين وشدة الدال أي عددًا، أو يحتمل أن يكون \"عدة\" على وزن زنة، أي ذكرت لرسول الله - ﷺ - وعدًا وعدها (من مساكين) واستأذنت في إعطائهم.\n(قال أبو داود: وقال غيره) والضمير يرجع إلى راوٍ من الرواة (: أو) للشك من الراوي (عدة) بتشديد الدال، أو تخفيفها (من صدقة، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أَعطي) أي تصدقي، (ولا تحصي) الإحصاء: العَدُّ والحفظ، والمراد عدُّ الشيء للقنية والإدخار، أي لا تعطي مالكِ الفقيرَ بالعدِّ والقلة بل لا تبقي شيئًا، فإن إبقاءه إحصاؤه (فيحصي) الله (عليكِ) بالنصب للجواب أي يمحق الله البركة حتى يصير كالشيء المعدود، أو يحاسبك، أو يناقشك في الآخرة، أو يمنع فضله وهو مشاكلة.\n* * *\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"آخر كتاب الزكاة\".\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٧١).","vol":"6","page":568},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>(٤) كِتَابُ اللُّقَطَةِ</span>\nقال في \"المجمع\" (١): بضم اللام وفتح القاف: المال الملقوط، والالتقاط أن يعثر على الشيء من غير قصد وطلب، وقيل: هو اسم الملتقَط كالضُّحَكة، والملقوط بسكون قاف، والأول أكثر وأصح. \"ك\": هو بفتح قاف وسكونها: الملقوط، بخلاف القياس فإن الفتح قياسًا للَّاقط. انتهى.\nوفي \"القاموس\": واللقط محركةً، - وكحُزْمَةٍ، وهُمَزَةٍ، وَثُمَامَةٍ-: ما التُقِطَ.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): واللقطة الشيء الذي يلتقط، وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض: لا يجوز غيره، وقال الزمخشري في \"الفائق\": اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكنها كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، وقال الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث: الفتحُ، وقال ابن بري: التحريك للمفعول نادر، فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥١٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٨).","vol":"6","page":569},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفيها لغتان أيضًا: لقاطة بضم اللام، ولقطة بفتحها. قد نظم الأربعةَ ابنُ مالك حيث قال:\nلُقَاطَةٌ، وَلُقْطَةٌ، وَلُقَطَهُ ... وَلَقُطَةٌ ما لاقِطٌ قَدْ لَقَطَهُ\nوأدخلها المصنف في كتاب الزكاة يدل عليه قوله في آخر كتاب اللقطة: آخر كتاب الزكاة، فوجه إدخالها فيها والمناسبة بها أن المال الملتقطة إذا لم يوجَدْ مالِكُها واجبُ التصدقِ بعد التعريف، سواء أن يكون التصدق على نفسه أو على غيره من الفقراء، فبهذا ناسب ذكرها فيها، والله أعلم.\nقال الإِمام شمس الأئمة السرخسي في \"مبسوطه\" (١) ما ملخصه: أنه اختلف الناس فيمن وجد لقطة، فالمُتَفَلْسِفَة يقولون: لا يحل له أن يرفعها؛ لأنه أخذ المال بغير إذن صاحبه، وذلك حرام شرعًا، وبعض المتقدمين من أئمة التابعين كان يقول: يحل له أن يرفعها، والترك أفضل؛ لأن صاحبها يطلبها في الموضع الذي سقطت منه، ولأنه لا يأمن على نفسه أن يطمع فيها بعدما يرفعها، والمذهب عند علمائنا وعامة الفقهاء أن رفعها أفضل من تركها.\nثم ما يجده نوعان، أحدهما: ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشر الرمان والنوى، والثاني: ما يعلم أن مالكه يطلبه، فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به إلَّا أن صاحبه إذا وجده في يده بعدما جمعه كان له أن يأخذ منه؛ لأن إلقاء ذلك من صاحبه كان إباحة الانتفاع به للواجد، ولم يكن تمليكًا من غيره، فإن التمليك من المجهول لا يصح، وملك المبيح لا يزول بالإباحة، ولكن للمباح له أن ينتفع به مع بقاء ملك المبيح، فإذا وجده في يده فقد وجد عين ملكه، قال - ﷺ -: \"من وجد عينَ ماله فهو أحق به\" (٢).\n_________\n(١) \"المبسوط\" (٢/ ١١).\n(٢) أخرجه أبو داود في البيوع برقم (٣٥٣١).","vol":"6","page":570},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالنوع الثاني، وهو: ما يعلم أن صاحبه يطلبه فمن يرفعه فعليه أن يحفظه ويعرِّفه ليوصله إلى صاحبه، وروي عن إبراهيم النخعي قال: يعرِّفها حولًا فإن جاء صاحبها وإلَّا تصدق بها، فإن جاء صاحبها فهو بالخيار، إن شاء أنفذ الصدقة، وإن شاء ضمنه.\nوالتقدير بالحول ليس بعام لازم في كل شيء، وإنما يعرفها مدة يتوهم أن صاحبها يطلبها، وذلك يختلف بقلة المال وكثرته، حتى قالوا في عشرة دراهم فصاعدًا: يعرفها حولًا؛ لأن هذا مال خطير يتعلق القطع بسرقته، والحول الكامل لذلك حسن، وفيما دون العشرة إلى ثلاثة: يعرفها شهرًا، وفيما دون ذلك إلى الدرهم: يعرفها جمعة، وفيما دون الدرهم يعرف يومًا، وفي فلس أو نحوه: ينظر يمنة ويسرة، ثم يضعه في كف فقير، وشيء من هذا ليس بتقدير لازم، لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون، ولكنا نعلم أن التعريف بناء على طلب صاحب اللقطة، ولا طريق له إلى معرفة مدة طلبه حقيقة، فيبني على غالب رأيه.\nثم قال (١) في محل آخر: وفي الحديث الذي رواه أُبَيُّ بن كعب - ﵁ - دليل لما قلنا: إن التقدير بالحول في التعريف ليس بلازم، ولكنه يعرفها بحسب ما يطلبها صاحبها، ألا ترى أن مائة دينار لما كانت مالًا عظيمًا كيف أمره - ﷺ - بأن يعرفها ثلاث سنين، انتهى.\nقلت: وهذه إحدى الروايات عن الحنفية اختارها شمس الأئمة السرخسي، وفيها روايتان أخريان، إحداهما: أنها إن كانت أقل من عشرة دراهم عرَّفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرفها حولًا، وثانيهما: قول محمد - ﵀ - إذ قدَّره في الأصل بالحول عن غير تفصيل بين القليل والكثير.\nثم قال في \"البدائع\" (٢): وأما بيان أحوالها، فأما قبل الأخذ فلها أحوال مختلفة قد يكون مندوب الأخذ، وقد يكون مباح الأخذ، وقد يكون حرام الأخذ.\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط\" (١١/ ٥).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٩٥، ٢٩٦).","vol":"6","page":571},{"text":"١٧٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: \"غَزَوْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ\n===\nأما حالة الندب فهو أن يخاف عليها الضيعة لو تركها فأخذُها لصاحبها أفضلُ من تركها.\nوأما حالة الإباحة: فهو أن لا يخاف عليها الضيعة فيأخذها لصاحبها، وهذا عندنا، وقال الشافعي - ﵁ -: إذ خاف عليها يجب أخذها.\nوأما حالة الحرمة: فهو أن يأخذها لنفسه لا لصاحبها، وكذا حكم لقطة البهيمة من الإبل والبقر والغنم عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز التقاطها أصلًا.\nوأما حال بعد الأخذ فلها بعد الأخذ حالان: في حال هي أمانة، وفي حال هي مضمونة، أما حالة الأمانة فهي أن يأخذها لصاحبها؛ لأنه أخذها على سبيل الأمانة، فكانت يده يد أمانة كيد المودع، وأما حالة الضمان فهي أن يأخذها لنفسه، لأن المأخوذ لنفسه مغصوب، انتهى.\n١٧٠١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن سُويد) مصغرًا (ابن غَفَلة) بفتح المعجمة والفاء، أبو أمية الجعفي، أدرك الجاهلية، وقيل: إنه صلى مع النبي - ﷺ -، ولا يصح، وقدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله - ﷺ -، وهذا أصح، وشهد فتح اليرموك، قال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال نعيم بن ميسرة: عن رجل، عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: أنا لِدَةُ رسولِ الله - ﷺ -، أي ولدت في العام الذي وُلد فيه رسول الله - ﷺ -.\n(قال: غزوت مع زيد بن صُوحان) بضم المهملة وسكون الواو بعدها مهملة أيضًا، ابن حجر العبدي، أبو سليمان، ويقال: أبو عائشة، وهو أخو صعصعة وسيحان ابني صوحان، أسلم في عهد رسول الله - ﷺ -، قال الكلبي في تسمية من شهد الجمل مع علي - ﵁ -، قال: وزيد بن صوحان العبدي، وكان قد أدرك النبي - ﷺ -، وصحبه، وكان فاضلًا ديِّنًا خَيِّرًا سيدًا في قومه هو وإخوته، وكان معه راية عبد القيس يوم الجمل.","vol":"6","page":572},{"text":"وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَقَالَا لِى: اطْرَحْهُ. فَقُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ\n===\nوروي من وجوه: أن النبي - ﷺ - كان في مسير له إذ هَوَّمَ (١) فجعل يقول: \"زَيْدٌ وما زيدٌ! جُنْدَبٌ وما جُنْدبٌ! \" فسئل عن ذلك، فقال: \"رجلان من أمتي، أما أحدهما فتسبقه يده إلى الجنة ثم يَتْبَعُها سائِرُ جسده، وأما الآخر فيَضْرِب ضربة تفرق بين الحق والباطل\"، فكان زيدُ بن صُوحَان قُطِعَتْ يده يوم جَلُولَاءَ، وقيل: بالقادسية في قتال فرس، وقُتِل هو يوم الجَمَل، وأما جُنْدَب فهو الذي قَتَلَ الساحرَ عند الوليد بن عقبة، كذا في \"أسد الغابة\" (٢) لابن الأثير، وكذا قال الحافظ في \"الإصابة\" (٣).\n(وسلمان بن ربيعة) بن يزيد بن عمرو بن سهم بن ثعلبة الباهلي، مختلف في صحبته، قال أبو حاتم: له صحبة، يكنى أبا عبد الله. وقال أبو عمر: ذكره العقيلي في الصحابة، وهو عندي كما قال أبو حاتم. وقال ابن منده: ذكره البخاري في الصحابة، ولا يصح، ويقال له: سلمان الخيل، شهد فتوح الشام، ثم سكن العراق، وولي غزو أرمينية في زمن عثمان، فاستشهد قبل الثلاثين أو بعدها، له ذكر في حديث اللقطة، وله ذكر في قصة أبي موسى حيث سئل عن بنت وابنة ابن، فوافقه سلمان بن ربيعة في القسمة، وسئل ابن مسعود فخالفهما، أخرجها النسائي، وأصلها في البخاري، وكان في خلافة عثمان، \"إصابة\" (٤) ملخصًا.\n(فوجدت سوطًا) أي ملقى في الطريق فالتقطته، (فقالا) أي زيد وسلمان (لي: اطرحه)؛ لأنه مال الغير (فقلت: لا) أطرحه، (ولكن) أعرفه، (إن وجدت صاحبه) أي مالكه الذي يعرفه أعطيته، (وإلا) أي وإن لم أجده (استمتعت)\n_________\n(١) \"التهويم\": هزُّ الرأس من النعاس.\n(٢) \"أسد الغابة\" (٢/ ١٣٩، الترجمة ١٨٤٧).\n(٣) انظر: \"الإصابة\" (١/ ٥٨٣، الترجمة ٢٩٩٧).\n(٤) المصدر السابق (٢/ ٥٩، الترجمة ٣٣٥٤).","vol":"6","page":573},{"text":"بِهِ، قال: فَحَجَجْتُ (١) فَمَرَرْتُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ (٢) -ﷺ- فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا»، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ (٣)، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا»، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا،\n===\nأي انتفعت (به)، ولفظ أبي داود الطيالسي (٤): \"قلت: لا، ولكن أعرفه، فإن وجدت من يعرفه وإلَّا استمتعت به، فَأَبَيا عليَّ، وأبيتُ عليهما\".\n(قال) سويد بن غفلة: (فحججت) ولفظ الطيالسي: \"فلما رجعنا من غزاتنا قُضِيَ لي أني حججت\"، (فمررت على المدينة) في البدء أو العود، (فسألت أبي بن كعب) وذكرت له قصة السوط وكلامهما.\n(فقال) أُبَيُّ بن كعب (٥): (وجدت صرة) أي كيسًا أو خريطة (فيها مئة دينار، فأتيت النبي - ﷺ -، فقال: عَرِّفْها حولًا) (٦) أي سنة كاملة (فعرفتها حولًا، ثم أتيته) بعد مضي الحول الأول (فقال: عرفها حولًا) أي ثانيًا، (فعرفتها حولًا، ثم أتيته) بعد تمام الحول الثاني (فقال: عرفها حولًا) ثالثًا، (فعرفتها حولًا).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٧): قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى إن اللقطة تُعَرَّفُ ثلاثة أعوام إلا شيء جاء عن عمر، انتهى. وقد حكاه\n_________\n(١) في نسخة: \"فحججت به\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) زاد في نسخة: \"فقلت: لم أجد من يعرفها\".\n(٤) \"مسند الطيالسي\" (رقم ٥٥٢).\n(٥) زاد الترمذي: \"أحسنت\" (رقم ١٣٧٤).\n(٦) التعريف واجب مطلقًا، وقال الشافعي: لا تجب على من أراد حفظها لصاحبها، كذا في \"المغني\" (٨/ ٢٩٢)، وسيأتي الكلام على كيفية التعريف الحولي، انتهى. (ش).\n(٧) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٩).","vol":"6","page":574},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالماوردي عن شواذ من الفقهاء، وحكى ابن المنذر عن عمر - ﵁ - أربعة أقوال (١): يعرفها ثلاثة أحوال، عامًا واحدًا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام، ويحمل ذلك على عظم اللقطة (٢) وحقارتها، وزاد ابن حزم عن عمر قولًا خامسًا، وهو أربعة أشهر. انتهى.\nقلت: وللحنفية فيها ثلاث روايات قد ذكرناها قبل مجملة، أُوْلاها ما ذكرها محمد في \"الأصل\" وهو ظاهر الرواية: تقديره بالحول من غير فصل بين قليل وكثير، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.\nوثانيتها ما ذكرها صاحب \"الهداية\" (٣): فإن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرفها حولًا، قال العبد الضعيف: هذه رواية عن أبي حنيفة.\nقال في \"العناية\" (٤): قوله: وهذه رواية عن أبي حنيفة، يشير إلى أنها ليست ظاهر الرواية، فإن الطحاوي قال: إذا التقط لقطة يعرفها سنة سواء كان شيئًا نفيسًا أو خسيسًا في ظاهر الرواية.\nوثالثتها ما ذكره صاحب \"الهداية\" (٥): وقيل: الصحيح أن شيئًا من هذه المقادير ليس بلازم، ويفوض إلى رأي الملتقط يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، ثم يتصدق بها، وهو الذي اختاره السرخسي في \"مبسوطه\" (٦).\n_________\n(١) وحكى الموفق الآثار المختلفة في ذلك (انظر \"المغني\": ٨/ ٢٩٣). (ش).\n(٢) وبسط تفصيلَها القاري أشد البسط (انظر \"مرقاة المفاتيح\": ٦/ ٢١٩). (ش).\n(٣) \"الهداية\" (٢/ ٤١٧).\n(٤) انظر: \"العناية\" مع \"فتح القدير\" (٦/ ١١٢، ١١٣).\n(٥) \"الهداية\" (٢/ ٤١٧).\n(٦) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١١/ ٣).","vol":"6","page":575},{"text":"ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَلتُ: لَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، فَقَالَ: «احْفَظْ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا ووكاءها،\n===\nقال الشامي في حاشيته على \"الدر\" (١): وصححه في \"الهداية\"، وفي \"المضمرات\" و\"الجوهرة\": وعليه الفتوى، وهو خلاف ظاهر الرواية من التقدير بالحول في القليل والكثير، \"بحر\".\nقلت: والمتون على قول السرخسي، والظاهر أنه رواية أو تخصيص لظاهر الرواية بالكثير، تأمل.\nوعبارة السرخسي: وفي الحديث الذي رواه أُبَي بن كعب - ﵁ - دليل لما قلنا: إن التقدير بالحول في التعريف ليس بلازم، ولكن يعرفها بحسب ما يطلبها صاحبها، ألا ترى أن مائة دينار لما كانت مالًا عظيمًا كيف أمره - ﷺ - بأن يعرفها ثلاث سنين، انتهى (٢).\nقلت: فما قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى: إن اللقطة تعرف ثلاث سنين، لعله لم يتنبه لهذه الرواية الثالثة للحنفية.\n(ثم أتيته) بعد مضي ثلاثة أحوال (فقلت: لم أجد من يعرفها، فقال) رسول الله - ﷺ -: (احفظ عددَها) أي الدراهم (ووعاءها) والوعاء ما يجعل فيه الشيء سواء كان من جلد أو خزف أو خشب أو غير ذلك، وهي بالمد وبكسر الواو وقد تُضَمُّ، وقرأ بها الحسن في قوله: ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ (٣)، وقرأ سعيد بن جبير \"إعاء\" بقلمب الواو المكسورة همزةً، (ووكاءها) بكسر الواو والمد: الخيط الذي يشد بها الصُّرة وغيرها، وإنما أمره بذلك لئلا تختلط بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة، وأن يعرف صدق المدعي من كذبه، وأن فيه تنبيهًا على حفظ الوعاء وغيره، لأن العادة جرت بإلقائه\n_________\n(١) \"ردّ المحتار\" (٦/ ٤٣٦).\n(٢) انظر: صفحة (٧).\n(٣) سورة يوسف: الآية ٧٦.","vol":"6","page":576},{"text":"فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وإلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا\"\n===\nإذا أخذت النفقة، وأنه إذا نبه على حفظ الوعاء كان فيه تنبيه على أن حفظ المال أولى، (فإن جاء صاحبها) والجزاء محذوف أي فَأَدِّها إليه، (وإلَّا فاستمتع بها) (١).\nقال الحافظ (٢): واختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها، هل يضمنها له أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابيسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاريُّ وداودُ بنُ علي إمامُ الظاهرية، لكن وافق داود الجمهورَ إذا كانت العين قائمة.\nومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية: \"لتكن وديعة عندك\"، وقولُه أيضًا عند مسلم: \"فاعرف عفاصَها ووكاءَها، ثم كُلْها، فإن جاء صاحبها فَأَدِّهَا إليه\"، وأصرح من ذلك رواية أبي داود بلفظ: \"فإن جاء باغيها فأدِّها إليه، وإلَّا فاعرف عفاصها ووكاءَها ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدها إليه\"، فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة الجمهور.\nقلت: وهذا الحديث بظاهره يخالف ما ذهب إليه الأحناف من أنه إذا كان الملتقط غنيًّا لا يجوز له الانتفاع بها، وهذا الحديث يدل على أن الملتقط إذا كان غنيًّا يجوز له الانتفاع بها، لأن أبي بن كعب كان من مياسير أصحاب النبي - ﷺ - وأغنيائهم، ومع هذا فأباح له رسول الله - ﷺ - الانتفاعَ بها.\n_________\n(١) قال الموفق (٨/ ٣٠٠): ظاهر المذهب أن اللقطة تملك بمضي حول التعريف، واختار أبو الخطاب أن لا يملكها، وهو مذهب الشافعي، وبسطه في موضع آخر (٨/ ٢٩٩)، وقال: إذا عرَّفها حولًا ولم تُعْرَفْ، ملكها ملتَقِطُها، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة والثوري: يتصدق بها، إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك إن كان فقيرًا، ثم قال في موضع آخرة وتملك ملكًا مراعًى يزول بمجيء صاحبها، ويضمن له بدلها إن تعذر ردها (٨/ ٣٠١). (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٤، ٨٥).","vol":"6","page":577},{"text":"وَقَالَ: وَلَا أَدْرِى أَثَلَاثًا قَالَ: «عَرِّفْهَا»، أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً\". [خ ٢٤٣٧، م ١٧٢٣، ت ١٣٧٤، جه ٢٥٠٦، حم ٥/ ١٢٦]\n===\nفالجواب عنه ما قاله الإِمام السرخسي في \"مبسوطه\" (١): ولكنا نقول: يحتمل أنه لفقره وحاجته لديون عليه، فأَذِنَ له في الانتفاع وخلطها بماله، ويحتمل أنه علم أن ذلك المال لحربي لا أمان له، وقد سبقت يده إليه فجعله أحقَّ به لهذا، وإليه أشار رسول الله - ﷺ -: \"رزقٌ ساقه الله إليك\"، ولكن مع هذا أمره بأن يعرف عددَها ووكاءها [احتياطًا] حتى إذا جاء طالب لها محترم تمكن من الخروج مما عليه يدفع مثلها إليه، انتهى.\nوكتب مولانا يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: ثم إن إجازته - ﷺ - في إنفاق أُبَيٍّ صرةَ الدنانير على نفسه إنما نحمله على أنه كان أهلًا (٢) لذلك في ذلك الوقت، وقولهم (٣): إن أبيًّا كان من مياسير أهل المدينة، إن كان المراد على عموم الأزمنة فغير مسلم، إذ قد ثبت خلاف ذلك في غير رواية واحدة، منها تصدق أبي طلحة بستانَ بيرحاء على حسان وأبي مع قوله - ﷺ - له: \"اجعلها في فقراء أهلك\" (٤)، فلو لم يكن فقيرًا كيف يستحق صدقة بيرحاء، وإن كان المراد في بعض الأزمنة، فليس لهم حجة في إثبات أن أمر الصرة كان في حالة اليسار، انتهى.\n(وقال) سلمة بن كهيل: (ولا أدري أثلاثًا قال) سويد بن غفلة: (عرفها أو مرة واحدة)، وفي رواية البخاري (٥): \"فلقيته بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا\". قال الحافظ (٦): القائل شعبة، والذي قال: \"لا أدري\"\n_________\n(١) \"المبسوط\" (١١/ ٦).\n(٢) أي كان فقيرًا، كما بسطه ابن الهمام (٦/ ١٢٤). (ش).\n(٣) كما في \"الترمذي\" (٣/ ٥٠، ٥١ تحت حديث ١٣٧٣). (ش).\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥٥ - كتاب الوصايا، ١٠ - باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٢٤٢٦).\n(٦) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٩).","vol":"6","page":578},{"text":"١٧٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا»، قَالَ: ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: فَلَا أَدْرِى قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِى سَنَةٍ، أَوْ فِى ثَلَاثِ سِنِينَ! [انظر الحديث السابق]\n===\nهو شيخه سلمة بن كهيل، وقد بيَّنه مسلم من رواية بهز بن أسد عن شعبة، أخبرني سلمة بن كهيل، واختصر الحديث، قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرفها عامًا واحدًا.\nوقد بَيَّنَه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" أيضًا فقال في آخر الحديث: قال شعبة: فلقيت سلمة بعد ذلك فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا. وأغرب ابن بطال فقال: الذي شك فيه هو أبي بن كعب، والقائل هو سويد بن غفلة، انتهى.\nولم يُصِبْ في ذلك وإن تبعه جماعة، منهم المنذري، بل الشك فيه من أحد رواته وهو سلمة لما استثبته فيه شعبة، وقد رواه غير شعبة عن سلمة بن كهيل بغير شك جماعة، وفيه هذه الزيادة، وأخرجها مسلم من طريق الأعمش والثوري وزيد بن أبي أنيسة وحماد بن سلمة كلهم عن سلمة، وقال: قالوا في حديثهم جميعًا: ثلاثة أحوال، إلَّا حماد بن سلمة فإن في حديثه: عامين أو ثلاثة، انتهى.\n١٧٠٢ - (حدثنا مسدّد، نا يحيى، عن شعبة بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدِّم، قال مسدّد بسنده عن شعبة: (قال) شيخه سلمة بن كهيل في حديثه: (عرفها حولًا، قال) أي: ثم قال سلمة بن كهيل (١) في حديثه: (ثلاث مرار، قال) سلمة بن كهيل: (فلا أدري قال) رسول الله - ﷺ - (له) أي لأبي بن كعب (ذلك) أي ثلاث مرات (في سنة، أو في ثلاث سنين).\nغرض المصنف بهذا الكلام بيان الفرق بين حديث محمد بن كثير،\n_________\n(١) كذا في \"الفتح\" (٥/ ٧٩). (ش).","vol":"6","page":579},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن شعبة، عن سلمة بن كهيل، وبين حديث يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل بأن محمد بن كثير روى عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، وفصل فيه ثلاثة أحوال، يقول: عرقها حولًا، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا.\nوأما في رواية يحيى ففيها: عن شعبة، عن سلمة بن كهيل يقول: عرفها حولًا، مرة واحدة، ولم يذكر كما ذكره محمد بن كثير ثلاث مرات مفصلة، ثم قال: ثلاث مرات، أي عرفها حولًا ثلاث مرات.\nوهذا القول يحتمل معنيين، أحدهما: أن المراد بقوله: ثلاث مرات،\nأي في ثلاث سنين، فعلى هذا يوافق حديث يحيى حديث محمد بن كثير، والاحتمال الثاني: أن يكون المراد بقوله: ثلاث مرات، أي في سنة واحدة، وعلى هذا يخالف حديث يحيى حديث أحمد بن كثير.\nوقد أوضح ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١) من حديث يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن شعبة، حدثني سلمة بن كهيل إلى أبي بن كعب، وفيه: \"وجدت صُرَّة فيها مائة دينار على عهد رسول الله - ﷺ -، فأتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت له ذلك، فقال: عرِّفها حولًا، فعرَّفتها حولًا، فلم أجد من يَعْرِفها فأتيته، فقلت له: لم أجد من يعرِفها، فقال: عرِّفها حولًا ثلاث مرات، ولا أدري قال له ذلك في سنة أو في ثلاث سنين\"، انتهى.\nويخالفه سياق أبي داود الطيالسي في \"مسنده\" (٢) من رواية شعبة، قال: أخبرني سلمة بن كهيل، وفيه: فقال أبي بن كعب: \"وجدت سورة فيها مائة دينار على عهد رسول الله - ﷺ -، فأتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له، فمّال: \"عرِّفها حولًا\"، فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثلاث مرات\".\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٢٦).\n(٢) \"مسند الطيالسي\" (٥٥٢).","vol":"6","page":580},{"text":"١٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ فِى التَّعْرِيفِ: قَالَ: \"في عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ\"،\n===\nوقد أخبرني الطحاوي (١) حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل فخالفهما، ففصَّل فيه الأحوال الثلاثة كما فصَّل في حديث محمد بن كثير، ولفظه: حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل أنه قال: قد سمعت سويد بن غفلة يقول: قد كنت خرجت حاجًّا فأصبت سوطًا، فأخذتها، فقال لي زيد بن صوحان: دعها عنك، فقلت: والله لا أدعها للسباع، ولآخذنَّها فلأَستنفعنَّ بها، فلقيت أُبَىَّ بن كعب، فذكرت له ذلك، فقال لي: لقد أحسنت في أخذها، فإني قد كنت وجدت صُرَّةً فيها مائة دينار على عهد رسول الله - ﷺ - فأخذتها، ثم لقيت رسول الله - ﷺ - فذكرتها له، فقال: \"عرفها حولًا كاملًا\"، قال: فعرفتها حولًا، فلم أجد من يعرفها، قال: فأتيت النبي - ﷺ -، فقال: \"اذهب، فعرفها حولًا\"، فعرفتها هو،، فلم أجد من يعرِفها، ثم أتيت رسول الله - ﷺ -، فقال: \"عَرِّفها حولًا\"، فلم أجد من يعرفها، فقال لي رسول الله - ﷺ -، \"احفظ عددَها، ووعاءَها، وعفاصَها، ووكاءَها\"، الحديث.\n١٧٥٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، نا سلمة بن كهيل بإسناده ومعناه، قال) حماد، عن سلمة (في التعريف: قال: في عامين أو ثلاثة) أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا بهز، ثنا حماد بن سلمة، ح: وحدثنا عبد الله قال: ثنا إبراهيم بن الحجاج الناجي، ثنا حماد بن سلمة، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة قال: حججت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة، فذكر الحديث، قال: فعرفتها عامين أو ثلاثًا. قال: \"اعرف عددها، ووعاءَها\"، الحديث.\n_________\n(١) انظر: \"شرح مشكل الآثار\" (رقم ٤٦٩٨)، و\"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٣٧).\n(٢) انظر: \"مسند أحمد\" (٥/ ١٢٦، ١٢٧).","vol":"6","page":581},{"text":"وَقَالَ: «اعْرِفْ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا»، زَادَ: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» (١). [انظر تخريج الحديث السابق]\n١٧٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ (٢)، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ اللُّقَطَةِ،\n===\n(وقال: \"اعرف عددَها ووعاءَها ووكاءَها\"، زاد) حماد: (فإن جاء صاحبها فَعَرَفَ عددَها (٣) ووكاءَها، فادفعها إليه). قال أبو داود: ليس يقول هذه الكلمة إلَّا حماد في هذا الحديث يعني: فَعَرَفَ عددَها، هذه إشارة إلى تضعيف هذه الكلمة، وسيأتي التصريح بتضعيفها.\n١٧٠٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المُنْبَعِث) بضم الميم، وسكون النون، وفتح الموحدة، وكسر المهملة بعدها مثلثة، مدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلًا)، وفي رواية البخاري (٤): \"جاء أعرابي\" (٥). (سأل رسول الله - ﷺ - عن اللقطة).\nقال الحافظ: زعم ابن بشكوال أن السائل المذكور: هو بلال المؤذن، وفيه بُعْد؛ لأنه لا يُوصَف بأنه أعرابي، وقيل: السائل هو الراوي، وفيه بُعْد أيضًا. ثم ظفرت بتسمية السائل، وذلك فيما أخرجه الحميدي، والبغوي،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ليس يقول هذه الكلمة إلَّا حماد في هذا الحديث يعني: فَعَرَفَ عددَها\".\n(٢) وفي نسخة: \"منبعث\".\n(٣) قال الموفق: إذا وصفها بالصفات المذكورة دفعها إليه، سواء غلب على ظنه صِدْقُهُ أو لا، وبهذا قال مالك، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يُجْبَرُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، ولا يجوز له دفعُها إلَّا إذا غلب على ظنه صدقُه (\"المغني\" ٨/ ٣٠٩). (ش).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٢٤٢٧).\n(٥) وبسط الحافظ في اسمه (\"فتح الباري\" ٥/ ٨٠). (ش).","vol":"6","page":582},{"text":"فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»،\n===\nوابن السكن، والباوردي (١)، والطبراني كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري، عن ربيعة، عن عقبة بن سويد الجهني، عن أبيه قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن اللقطة، فقال: \"عرفها سنة، ثم أَوْثِقْ وعاءَها\"، فذكر الحديث، وقد ذكر أبو داود طرفًا منه تعليقًا، ولم يَسُقْ لفظَه، وكذلك البخاري في \"تاريخه\"، وهو أولى ما يفسر به هذا المبهم لكونه من رهط زيد بن خالد، انتهى ملخصًا.\n(فقال: عَرِّفْها سنة (٢)، ثم اعرف وكاءَها وعفاصَها) بكسر المهملة وتخفيف الفاء وبعد الألف مهملة: الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدًا كان أو غيره، (ثم استنفِقْ بها، فإن جاء ربها فأَدِّها إليه) وفي هذه الجملة دلالة ظاهرة على أن اللقطة وديعة عند الملتقط، فالأمر بالاستنفاق على نفسه ما كان على سبيل التمليك، بل لأنها كانت سبيلها التصدق، فإذا كان الملتقط محلًّا للصدقة فقيرًا ذا حاجة أباح له التصدق على نفسه؛ لأن رسول الله - ﷺ - أمر بعد الإنفاق على نفسه إن جاء صاحبها بعد الإنفاق فأدِّها إليه أي إن كان موجودًا، وبالبدل إن كان مستهلكًا.\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\": البارودي، بتقديم الراء على الواو، وفي \"الإصابة\" في ترجمة سويد الجهني أو المزني: الباوردي، كما في الأصل.\n(٢) قال القاري (٦/ ٢١٩): قال ابن الهمام: ظاهر الأمر بتعريفها سنة يقتضي التكرار، وإن كان ظرفية السَّنَةِ يصدق بوقوعه مرة، لكن يجب حمله على المعتاد وقتًا بعد وقت، ويكرر ذلك كلما وجد مظنة، قال ابن الملك: في الأسبوع الأول يعرف كل يوم مرتين، مرة في أول النهار، ومرة في آخره، وفي الأسبوع الثاني كل يوم مرة، وبعد ذلك في كل أسبوع مرة، وقدَّر محمد في \"الأصل\" التقدير بالحول بهذا الحديث، وهو قول مالك والشافعي وأحمد ... إلخ.\nوفي \"الهداية\" (٢/ ٤١٧): يعرِّف الأقلَّ من عشرة دراهم أيامًا، والأكثر حولًا، والرواية الثالثة: أن هذا على رأي المبتلى به، كذا في \"حاشية أبي داود\". (ش).","vol":"6","page":583},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِىَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟\n===\n(فقال) الرجل السائل: (يا رسول الله! فَضَالَّةُ الغنم) ما حكمها؟ (فقال: خذها) أي ضالة الغنم (فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب). قال الحافظ في \"الفتح\" (١): فيه إشارة إلى جواز أخذها، كأنه قال: هي ضعيفة لعدم الاستقلال، معَرَّضَةٌ للهلاك، مُتَرَدَّدَةٌ بين أن تأخذها أنت أو أخوك، والمراد به ما هو أعمُّ من صاحبها أو من مُلْتَقِطٍ آخر، والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع، وفيه حث له على أَخْذِها؛ لأنه إذا علم أنه إن لم يأخذها بقيت للذئب كان ذلك أدعى (٢) له إلى أخذها ...، وفيه دليل على رد إحدى الروايتين (٣) عن أحمد في قوله: يترك التقاط الشاة، وتمسَّك به مالك في أنه يملكها بالأخذ، ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها، واحتج له بالتسوية بين الذئب والملتقط، والذئب لا غرامة عليه، فكذا الملتقط.\nوأجيب بأن اللام ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يمكلها الملتقط على شرط ضمانها، وقد أجمعوا على أنه لو جاء قبل أن يأكلها الملتقط لأخذها، فدل على أنها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين قوله في الشاة: \"هي لك، أو لأخيك، أو للذئب\"، وبين قوله في اللقطة: \"شأنك بها، أو خذها\"، بل هو أشبه بالتملك؛ لأنه لم يشرك معه ذئبًا ولا غيره، ومع ذلك فقالوا في النفقة: يغرمها إذا تصرف فيها ثم جاء صاحبها.\n(قال) أي الرجل السائل: (يا رسول الله! فَضَالَّة الإبل؟) أي ما حكمها؟\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٢).\n(٢) في الأصل: \"أوعى\" بالواو، والصواب كما في \"الفتح\": \"داعى\" بالدال.\n(٣) قال الموفق: الشاة كالذهب والفضة في التعريفِ، والملك بعده، هو الصحيح من مذهب أحمد، وعنه رواية أخرى: ليس لغير الإِمام التقاطُها، وعن مالك في الشاة توجَدُ في الصحراء: اذْبَحْها، وَكُلْها، وفي العصر: ضُمَّها حتى تجد صاحبَها (\"المغني\" ٨/ ٣٣٨). (ش).","vol":"6","page":584},{"text":"فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا». [خ ٢٤٣٦، م ١٧٢٢، ت ١٣٧٢، جه ٢٥٠٤، حم ٤/ ١١٦]\n===\n(فغضب رسول الله - ﷺ - حتى احمرَّت وجنتاه) الوجنة ما ارتفع من الخدَّين، وفيها أربع لغات: بالواو، والهمزة، والفتح فيهما والكسرة (أو احمرّ وجهه) شك من الراوي.\n(وقال: ما لك ولها، معها حِذَاؤُها) الحذاء بكسر المهملة بعدها معجمة مع المد، أي خُفُّها (وسقاؤها) أي جوفها، وقيل: عنقها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما رُكِّبَ في طباعها من الجلادة عن العطش وتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط (حتى يأتيها ربُّها).\nقال الحافظ (١): والضَّالُّ مِنَ الحيوان كاللقطة من غيره، والجمهور على القول بظاهر الحديث (٢) في أنها لا تُلْتقَطُ، وقال الحنفية: الأولى أن تلتقط، وحمل بعضهم النهيَ على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشافعية، وكذا إذا وجدت بقرية فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضًا، قال العلماء: حكمة النهي عن التقاط الإبل أن بقاءَها حيث ضلَّت أقرب إلى وجدان مالِكِها لها من تَطَلُّبِهِ لها في رحال الناس، وقالوا: في معنى الإبل كلُّ ما امتنع بقوته عن صغار السباع.\nقلت: وأما عند الحنفية فقال في \"البدائع\" (٣): وكذا لقطة البهيمة من الإبل والبقر والغنم عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز التقاطها أصلًا، واحتج بما روي\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٠).\n(٢) قال الموفق: لا يتعرض لبعير ولا لحيوان يقوى على الامتناع كالبقر والخيل والطيور، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: إن وجدها في القرى يعرفها، وفي الصحراء لا يقربها، وقال أبو حنيفة: يباح التقاطها كالغنم. (انظر: \"المغني\" ٨/ ٣٤٣). (ش)\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٩٥، ٢٩٦).","vol":"6","page":585},{"text":"١٧٠٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكٌ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زَادَ: «سِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ»،\n===\nأن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن ضالة الإبل (١)، فقال: \"ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، تَرِدُ الماءَ، وترعى الشجرَ، دَعْها حتى يلقاها ربُّها\"، نهى عن التعرض لها وأمر بترك الأخذ.\nولنا ما رُوِيَ أن رجلًا وجد بعيرًا بالحَرَّة (٢)، فَعَرَّفَه، ثم ذكره لسيدنا عمرَ - ﵁ -، فأمره أن يعرِّفَه، فقال الرجل لسيدنا عمرُ: قد شغلني عن ضيعتي، فقال سيدنا عمرُ: أَرْسِلْه حيث وجدتَه.\nوأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبًا منه، ألا ترى أنه قال ﵊: \"حتى يلقاها ربها\"، وإنما يقال ذلك إذا كان قريبًا، أو كان رجاء اللقاء ثابتًا، ونحن به نقول، ولا كلام فيه.\nوالدليل عليه أنه لما سأله عن ضالة الغنم قال: \"خذها، فإنها لك، أو لأخيك، أو للذئب\"، دعاه إلى الأخذ، ونَبَّه على المعنى، وهو خوف الضيعة، وأنه موجود في الإبل، والنص الوارد فيها أولى أن يكون واردًا في الإبل وسائرِ البهائم دلالة، إلَّا أنه ﵊ فصل بينهما في الجواب من حيث الصورة لهجوم الذئب على الغنم إذا لم يلقها ربُّها عادة بعيدًا كان أو قريبًا، ولا كذلك الإبل لأنها تَذُبُّ عن نفسها.\n١٧٠٥ - (حدثنا ابن السرح) أحمد بن عمرو، (نا ابن وهب) عبد الله، (أخبرني مالك بإسناده ومعناه، زاد) أي مالك عن ربيعة على رواية إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة: (سقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر)، فالزيادة هي قوله: \"ترد الماء، وتأكل الشجر\"، وأما لفظ \"سقاؤها\" فليس مزيدًا؛ لأنه مذكور\n_________\n(١) قال العيني: عند المالكية ثلاثة أقوال في التقاط الإبل، وعند الشافعية يجوز للحفظ فقط (\"عمدة القاري\" ٩/ ١٦٣). (ش).\n(٢) الحَرَّةُ: الأرض ذات الحجارة السوداء. والمقصود هنا: حرَّة المدينة.","vol":"6","page":586},{"text":"وَلَمْ يَقُلْ: «خُذْهَا» فِى ضَالَّةِ الشَّاءِ، وَقَالَ فِى اللُّقَطَةِ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا»، وَلَمْ يَذْكُر «اسْتَنْفِقْ». [انظر الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِىُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ رَبِيعَةَ مِثْلَهُ، لَمْ يَقُولُوا: «خُذْهَا».\n===\nفي الروايتين، (ولم يقل) أي مالك لفظ: (خذها في ضالة الشاء) وذكره إسماعيل بن جعفر في روايته (وقال) أي مالك (في اللقطة: عرِّفْها سنة، فإن جاء صاحبها) فأدها إليه (وإلَّا) أي وإن لم يجئ صاحبها (فشأنك بها).\nقال الحافظ (١): قوله: \"شأنك بها\"، الشأن: الحال، أي: تَصَرَّفْ فيها، وهو بالنصب أي الزم شأنَك بها، ويجوز الرفع بالابتداء، والخبر بها، أي شأنك متعلق بها. (ولم يذكر) مالك لفظ: (اسْتَنْفِقْ) كما ذكره إسماعيل بن جعفر.\n(قال أبو داود: رواه الثوري وسليمان بن بلال وحماد بن سلمة عن ربيعة مثلَه) أي مثل ما روى مالك عن ربيعة، (لم يقولوا: خذها) غرض المصنف بهذا الكلام ما وقع في رواية إسماعيل بن جعفر من لفظ \"خذها\" في ضالة الشاة مخالف لما رواه مالك والثوري وسليمان وحماد عن ربيعة، فهي شاذة إن كان غرضه تأييد رواية مالك، وإلا فإشارة إلى أنها زيادة ثقة، والله أعلم. أما حديث الثوري فأخرجه البخاري في \"اللقطة\" (٢)، وأما حديث سليمان بن بلال عن ربيعة فأخرجه البخاري في \"كتاب العلم\" (٣).\nوحديث سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري الذي أخرجه البخاري في \"اللقطة\" (٤) ففيها: \"خذها\"، وأما حديث حماد بن سلمة عن ربيعة فسيأتي عند المصنف قريبًا.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٤).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٤٢٧) وأيضًا أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١٧٢٢)، وأحمد في \"مسنده\" (٤/ ١١٧)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٨٦٠٢).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٩١)، واْيضًا أخرجه مسلم (١٧٢٢)، وأبو عوانة (٤/ ٣٩).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٢٤٢٨).","vol":"6","page":587},{"text":"١٧٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - الْمَعْنَى - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ -، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ،\n===\n١٧٠٦ - (حدثنا محمد بن رافع وهارون بن عبد الله، المعنى، قالا: نا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل، (عن الضحاك -يعني ابن عثمان-، عن بسر بن سعيد) هكذا في جميع النسخ لأبي داود التي عندي هن غير ذكر واسطة بين الضحاك بن عثمان وبسر بن سعيد، ولكن أخرج الطحاوي (١) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، وزاد بينهما: أبا النضر، وكذا أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٢) من طريق عبد الله بن وهب قال: حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، ومن طريق أبي بكر الحنفي قال: حدثنا الضخاك بن عثمان بهذا الإسناد، فذكر مسلم بين الضحاك وبسر بن سعيد واسطة أبي النضر.\nوكذا أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٣) من طريق ابن أبي فديك وأبي بكر الحنفي، فذكر بينهما أبا النضر، وكذا أخرجه ابن ماجه (٤) بطريق أبي بكر وابن وهب وفيه أيضًا واسطة سالم، وهو أبو النضر (٥)، ثم رأيت \"تهذيب التهذيب\" للحافظ فلم يذكر في ترجمة ضحاك بن عثمان في شيوخه بسرَ بن سعيد، وذكر في شيوخه أبا النضر سالمًا، وكذا لم يذكر ضحاك بن عثمان في تلامذة بسر بن سعيد في ترجمته، فالظاهر أن في سند أبي داود سقوطًا، والله أعلم.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٣٨).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٧٢٢).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٤/ ١١٦).\n(٤) \"سنن بن ماجه\" (٢٥٠٧).\n(٥) قلت: ذكر المزي هذا الحديث في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ١٨٣) رقم (٣٧٤٨)، وعزاه إلى أبي داود، وذكر بين الضحاك بن عثمان وبسر بن سعيد واسطة سالم أبي النضر.","vol":"6","page":588},{"text":"عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وإلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا، فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». [م ١٧٢٢، ت ١٣٧٣، جه ٢٥٠٧، حم ٤/ ١١٦]\n١٧٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ يَزِيدَ مَوْلَى\n===\n(عن زيد بن خالد الجهني: أن رسول الله - ﷺ - سئل عن اللقطة؟ فقال: عرَّفها سنة، فإن جاء باغيها) أي طالبها (فَأَدِّها إليه) أي إذا عَرَفَ وكاءَها، ووعاءَها، وعددَها، والأمر فيه ليس للوجوب، قال الحافظ (١): قال أبو حنيفة والشافعي - رحمهما الله-: إن وقع في نفسه صدقُه جاز أن يُدْفَعَ، ولا يُجْبَرُ على ذلك إلَّا ببينة، وقد أخذ بظاهرها مالك وأحمد.\n(وإلَّا) أي وإن لم يجئ باغيها (فَاعْرِفْ عفاصَها، ووكاءَها، ثم كُلْها، فإن جاء باغيها) أي بعد الأكل والتصرف فيها (فأدِّها إليه) إن كانت موجودة وإلا بالبدل، وفي سياق هذا الحديث أصرح دلالة على أن اللقطة وديعة عند الملتقط، إذا تصرف فيها يجب ردها على صاحبها إن كانت قائمة، وإن استهلكت يجب بدلها.\nقال الحافظ (٢): وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ: \"فإن جاء باغيها فأدِّها إليه، وإلَّا فاعرف عفاصَها ووكاءَها، ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدِّها إليه\"، فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور.\n١٧٠٧ - (حدثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، عن أبيه يزيدَ مولى\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٩).\n(٢) المصدر السابق (٥/ ٨٥).","vol":"6","page":589},{"text":"الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ (١) نَحْوَ حَدِيثِ رَبِيعَةَ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «تُعَرِّفُهَا حَوْلًا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعْتَهَا إِلَيْهِ، وإلَّا عَرَفْتَ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اقْبِضْهَا (٢) فِى مَالِكَ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ». [انظر سابقه]\n١٧٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بِإِسْنَادِ قُتَيْبَةَ وَمَعْنَاهُ، وَزَادَ (٣) فِيهِ: «فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» وَقَالَ حَمَّادٌ أَيْضًا: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِثْلَهُ. [انظر سابقه]\n===\nالمنبعث، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: سئل رسول الله - ﷺ -، فذكر) عبد الله بن يزيد (نحو حديث ربيعة، قال) عبد الله بن يزيد في حديثه عن أبيه يزيد: (وسئل) أي رسول الله - ﷺ - (عن اللقطة؟ فقال) رسول الله - ﷺ -: (تُعَرِّفها حولًا، فإن جاء صاحبها دفعتَها إليه) أي إن عرف علاماتها (وإلَّا) أي وإن لم يجئ صاحبها (عرفتَ وكاءَها وعفاصَها، ثم اقبضها في مالك) أي لتحفظها ولا تلتبس بمالك، (فإن جاء صاحبها) بعد معرفة وكائِها وعفاصِها وقبضِها في مالك (فادفعها إليه) وفي الحديث دلالة على أن الملتقط لا يملك اللقطة بل تبقى على ملك صاحبها.\n١٧٠٨ - (حدثنا موسى بن اسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد وربيعة بإسناد قتيبةَ ومعناه) وقد تقدم حديث قتيبة قريبًا (وزاد) حماد بن سلمة (فيه: فإن جاء باغيها) أي طالبها (فَعَرَفَ عفاصَها وعددَها فادفعها إليه، وقال حماد أيضًا: عن عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - مثلَه) أي مثل ما قال حماد عن يحيى بن سعيد وربيعة من زيادة قوله: \"فإن جاء باغيها فَعَرَفَ عفاصها وعددَها فادفعها إليه\".\n_________\n(١) في نسخة: \"ذكر\".\n(٢) وفي نسخة: \"أَفِضْها\"، وفي نسخة: \"أفضتها\".\n(٣) وفي نسخة: \"فزاد\".","vol":"6","page":590},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِى زَادَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِى حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ (١) وَرَبِيعَةَ: «إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ»؛ لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ: «فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا» (٢)\n===\n(قال أبو داود: وهذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة في حديث سلمةَ بنِ كهيلٍ ويحيى بن سعيدٍ وعبيدِ الله وربيعة: \"إن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها، فادفعها إليه\"، ليست بمحفوظة).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): في رواية حماد بن سلمة وسفيان الثوري وزيد بن أنيسة عند مسلم، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي من طريق الثوري، وأحمدُ، وأبو داود من طريق حماد كلهم عن سلمة بن كهيل في هذا الحديث: \"فإن جاء أحد يخبرك بعددِها ووكائِها ووعائِها فأعطِها إياه\"، لفظ مسلم، وأما قول أبي داود: إن هذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة، وهي غير محفوظة، فتمسك بها من حاول تضعيفَها فلم يُصِبْ، بل هي صحيحة، وقد عرفت من وافق حمادًا عليها، وليست شاذة.\nوقال في \"الجوهر النقي\" (٤): قال البيهقي: قال أبو داود: هذه الزيادة التي زادها حماد بن سلمة: \"إن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه\" ليست محفوظة، قلت: ذكر ابن حزم بأن حمادًا لم ينفرد بزيادة الأمر بالدفع، بل وافقه على ذلك الثوريُّ، فرواه كذلك عن ربيعة، عن يزيد بن خالد، عن سلمة بن كهيل، عن سويد، انتهى.\n(فعرف عفاصها ووكاءَها) هذه بيان الزيادة، أي من قوله: \"فعرف عفاصها\n_________\n(١) في نسخة: \"عبيد الله بن عمر ﵁\".\n(٢) زاد في نسخة: ورواه هدبة بن خالد أيضًا [من] حديث بسر بن سعد قال فيه: عرفها سنة.\n(٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٨).\n(٤) \"الجوهر النقي\" مع \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٩٧).","vol":"6","page":591},{"text":"وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَيْضًا قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً».\n===\nووكاءها\"، إلى قوله: \"فادفعها إليه\"، كأنه يشير إلى أن قوله: \"إن جاء صاحبها\"، ليس بزائد فالزيادة ليس إلا قوله: \"فعرف عفاصها ووكاءها\" إلى آخره.\n(ورواه هدبة بن خالد أيضًا [من] حديث بسر بن سعيد) أي كما رواه ضحاك بن عثمان [من] حديث بسر بن سعيد، (قال) هدبة (فيه) أي في الحديث: (عرفها سنة) هذه العبارة ما وجدتها إلَّا على حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية، ونقل عنها في حاشية النسخة المجتبائية، ولم أجد حديث هدبة في شيء من الكتب التي تتبعتها.\n(وحديث عقبة بن سويد، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - أيضًا قال: عرفها سنةً) وقد تقدم (١) في بيان تسمية السائل المجهول أن الحافظ ذكر اسم السائل، وقال: ثم ظفرت بتسمية السائل، وذلك فيما أخرجه الحميدي، والبغوي، وابن السكن، والباوردي، والطبراني كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري، عن ربيعة، عن عقبة بن سويد الجهني، عن أبيه قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن اللقطة؟ فقال: \"عرفها سنة، ثم أوثق وعاءها\"، فذكر الحديث، وقد ذكر أبو داود طرفًا منه تعليقًا ولم يَسُقْ لفظَه.\nوقد ذكر الحافظ في \"الإصابة\" (٢) في ترجمة سويد الجهني أو المزني: وأما حديث ربيعة فذكره أبو داود تعليقًا، ووصله الباوردي والطبراني ومطين من طريق محمد بن معن بن نضلة، عن ربيعة، عن عتبة بن سويد، عن أبيه سألت النبي - ﷺ - عن الشاة.\nوذكر الحافظ في \"تعجيل المنفعة\" (٣) في ترجمة عقبة قال: عقبة، ويقال: عتبة بن سويد الأنصاري، عن أبيه، وعنه الزهري، مجهول، قلت: قد روى\n_________\n(١) انظر: صفحة (٥٨٢).\n(٢) \"الإصابة\" (رقم الترجمة ٣٦١٨).\n(٣) \"تعجيل المنفعة\" (رقم الترجمة ٧٤٣).","vol":"6","page":592},{"text":"وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضًا عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً».\n١٧٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى الطَّحَّانَ -. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى - يعني ابْن إِسْمَاعِيلَ - حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ (١)، - الْمَعْنَى -\n===\nعنه أيضًا ربيعة الرأي وعبد العزيز، ذكره ابن أبي حاتم بالشك، وليس هو في \"المسند\" إلَّا عقبة بغير شك، انتهى.\n(وحديث عمر بن الخطاب أيضًا عن النبي - ﷺ - قال: عرفها سنة) هذا التعليق وصله الطحاوي (٢)، وقال: حدثنا فهد (٣) بن سليمان، قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: أنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير أنه قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن عمرو وعاصم ابني سفيان بن عبد الله بن ربيعة، أن أباهما سفيان بن عبد الله قد كان وجد عيبة (٤)، فأتى بها عمر بن الخطاب، فقال له: عرفها سنة، فإن عُرِفَتْ فذاك، وإلَّا فهي لك، قال: فعرفها سنة فلم تُعْرَفْ، فأتى بها عمر - ﵁ - العامَ المقبل أو القابلَ في الموسم، فأخبره بذلك، فقال له عمرُ: هي لك، وقال: إن رسول الله - ﷺ - كان أمرنا بذلك، فأبى سفيان أن يأخذها، فأخذها منه عمر بن الخطاب فجعلها في بيت مال المسلمين.\nوغرض المصنف بهذا الكلام وهو قوله: وحديث عقبة، إلى آخره أن مدة التعريف اختلفت الروايات فيها، ففي بعضها أمر رسول الله - ﷺ - بتعريفها ثلاث سنين، وفي بعضها سنة واحدة، ولما وقع الشك في ثلاث سنين، وتأيدت روايةُ سنة واحدة بروايات كثيرة، ذكر أبو داود أن رواية تقدير التعريف بسنة أقوى وأكثر، والله تعالى أعلم.\n١٧٠٩ - (حدثنا مسدد، نا خالد - يعني الطحان -، ح: وحدثنا موسى -يعني ابن إسماعيل-، نا وهيب) يعني ابن خالد (المعنى) أي معنى حديث\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن خالد\".\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٣٧ - ١٣٨)، وأيضًا أخرجه الدارمي (٢٥٩٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٥١٨)، والبيهقي في \"سننه\" (٦/ ١٨٧).\n(٣) وفي الأصل: \"فهر بن سليمان\"، وهو تحريف.\n(٤) وفي الأصل: \"عتبة\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":593},{"text":"عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ -، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً (١) فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَىْ عَدْلٍ، وَلَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وإلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». [جه ٢٥٠٥، حم ٤/ ١٦١]\n===\nخالد الطحان (٢) ووهيب بن خالد واحد، (عن خالد الحذاء، عن أبي العلاء) يزيد بن عبد الله بن الشخير، (عن مطرف، يعني ابن عبد الله) بن الشخير، (عن عياض) بكسر أوله، وتخفيفِ التحتانية، وآخره معجمة (ابن حمار) بكسر المهملة، وتخفيف الميم، التميمي، المجاشعي، صحابي، سكن البصرة، وعاش إلى حدود الخمسين.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: من وجد لقطة فليُشْهِدْ ذا عدل أو ذَوَيْ عدل) وأخرج الطحاوي (٣) هذا الحديث فقال: \"فليشهد عليها ذَوَي عدلٍ\" من غير شك، لكن في \"نصب الراية\" (٤) بلفظ: \"ذا عدل\". (ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلَّا فهو مال الله يؤتيه من يشاء).\nقال الشوكاني (٥): \"قوله: \"فَلْيُشْهِد\"، ظاهر الأمر يدل على وجوب الإشهاد (٦)، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو حنيفة، وفي كيفية الإشهاد\n_________\n(١) في نسخة: \"اللقطة\".\n(٢) وفي الأصل: \"خالد بن الطحان\"، والصواب: \"خالد الطحان\".\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٣٦).\n(٤) \"نصب الراية\" (٣/ ٤٦٦).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٤٦ - ٤٧).\n(٦) وقال ابن الهمام تحت قول صاحب \"الهداية\": ويكفيه في الإشهاد أن يقول من سمعتموه ينشد لقطة فَدُلُّوه علي: قال الحلواني: أدنى ما يكون من التعريف أن يشهد عند الأخذ، فإن فعل ذلك ولم يعرف بعدها كفى، فجعل التعريف إشهادًا، فاقتضى أن يكون الإشهاد الذي أمر به في الحديث هو التعريف، =","vol":"6","page":594},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقولان: أحدهما: يُشْهِد أنه وجد لقطة، ولا يُعْلِم بالعفاص ولا غيره، لئلا يتوسل بذلك الكاذب إلى أخذها، والثاني: يشهد على صفاتها كلها حتى إذا مات لم يتصرف فيها الوارث، وأشار بعض الشافعية إلى التوسط بين الوجهين، فقال: لا يستوعب الصفات، ولكن يذكر بعضها، قال النووي: وهو الأصح.\nوالثاني من قولي الشافعي: أنه لا يجب الإشهاد، وبه قال مالك وأحمد وغيرهما، قالوا: وإنما يستحب احتياطًا؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر به في حديث زيد بن خالد، ولو كان واجبًا لَبَيَّنه، انتهى.\nقلت: إن الإشهاد عند الحنفية لتعيين جهةِ الأمانة ورفع الضمان فقط، واختلف فيه فعند أبي حنيفة إذا أشهد لا ضمان عليه، وإذا لم يُشْهِدْ وصدقه المالك بأن الملتقط أخذه ليرده على مالكه فتصديقه يرفع الضمان، وأما إذا كذبه وكان الملتقط لم يشهد عليه فعليه الضمان حينئذٍ أيضًا.\nوأما عندهما فتحقق الأمانة بوجهين: إما بالتصديق من المالك بأن يصدقه في الأخذ له، أو باليمين.\nقال في \"البدائع\" (١): وأما حالة الضمان فهي أن يأخذها لنفسه، لأن المأخوذ لنفسه مغصوب، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في شيء آخر، وهو أن جهة الأمانة إنما تعرف من جهة الضمان، إما بالتصديق أو بالإشهاد عند أبي حنيفة، وعندهما بالتصديق أو باليمين، حتى لو هلكت فجاء صاحبها وصدقه في الأخذ له لا يجب عليه الضمان بالإجماع وإن لم يشهد؛ لأن جهة الأمانة قد ثبتت بتصديقه، وإن كذبه في ذلك فكذا عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - أشهد أو لم يشهد، ويكون القول قول الملتقط مع يمينه.\nوأما عند أبي حنيفة فإن أشهد فلا ضمان عليه، لأنه بالإشهاد\n_________\n= ويكون قوله: \"ذا عدل\" ليفيد عند جحد المالك التعريف ... إلخ. (\"فتح القدير\" ٦/ ١١٣). (ش).\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٩٦).","vol":"6","page":595},{"text":"١٧١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً\n===\nظهر أن الأخذ كان لصاحبه، فظهر أن يده يد أمانة، وإن لم يشهد يجب عليه الضمان، انتهى.\nقال الشوكاني (٢): لقوله: \"يؤتيه من يشاء\" استدل به من قال: إن الملتقط يملك اللقطة بعد أن يعرف بها حولًا، وهو أبو حنيفة، لكن بشرط أن يكون فقيرًا، وبه قالت الهادوية، واستدلوا على اشتراط الفقر بقوله في هذا الحديث: \"فهو مال الله\" قالوا: وما يضاف إلى الله إنما يمتلكة من يستحق الصدقة.\nقلت: لم يقل الحنفية بتملكها بعد التعريف حولًا، بل قالوا: إن اللقطة تبقى على ملك مالكها وإن أكلها الملتقط حال كوفه فقيرًا، فإن الأكل لم يقع على ملكة، بل وقع على ملك مالكه بالإباحة الشرعية، والمباح له لا يكون مالكًا بل يكون آكلًا على ملك المبيح.\n١٧١٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) أي جد أبيه شعيب (عبد الله بن عمرو بن العاص) عطف بيان، أو بدل عن: جده، أو بالرفع بتقدير الضمير أي هو، (عن رسول الله - ﷺ -: أنه سئل عن الثمر المعلَّق؟) أي المُدْلَى من الشجر قبل أن تُقْطَعَ (فقال: من أصاب) من الثمر (بفيه) أي يأكله (من ذي حاجة) بيان لمن، أي فقير أو مضطر، أي من أصاب للحاجة والضرورة الداعية إليه (غيرَ مُتَّخِذٍ) حال من فاعل \"أصاب\"، أو بالجر على أنه صفة \"ذي حاجة\" (خُبْنَةً) بضم معجمة وسكون موحدة، قال\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٤٧).","vol":"6","page":596},{"text":"فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ،\n===\nفي \"المجمع\" (١): الخبنة: مَعْطِفُ الإزار وطَرَفُ الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه، أخبن إذا خَبَأ شيئًا في خبنة ثوبه أو سراويله.\n(فلا شيء عليه) من الإثم والضمان، وكان هذا في أول الإِسلام ثم نُسِخَ، أو يقال: إن معنى قوله: \"لا شيء عليه\" أي من الإثم، وأما الضمان فيجب عليه (ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مِثْلَيْه) أي غرامة قيمة مثليه (والعقوبةُ) بالرفع، أي التعزير، قال ابن الملك (٢): وهذا على سبيل الزجر والوعيد، وإلَّا فالمتلف لا يضمن بأكثر من قيمة مثله، وكان عمر - ﵁ - يحكم به عملًا بظاهر الحديث، وبه قال أحمد (٣).\nوفي \"شرح السنة\": هذا إيجاب للغرامة والتعزير فيما يخرجه، لأنه ليس من باب الضرورة المرخص فيها، ولأن الملاك لا يتسامحون بذلك بخلاف القدر اليسير الذي يؤكل، ولعل تضعيف الغرامة للمبالغة في الزجر أو لأنه كان كذلك تغليظًا في أوائل الإِسلام ثم نسخ.\n(ومن سرق منه) أي من الثمر (شيئًا) أي قدر النصاب (بعد أن يُؤوِيَه) بضم الياء، من آوى يُؤْوِي، والمعنى: يضمه ويجمعه (الجَرِيْنُ) بفتح الجيم وكسر الراء، موضع تجفيف التمر بعد القطع، وهو كالبيدر للحنطة، وهو حرز عادة، فإن الجرين للثمار كالمراح للشياه (فبلغ) أي قيمةُ ذلك الشيء (ثمنَ المِجَن) بكسر الميم وفتح الجيم، أي الترس المسمى بالدرقة، والمراد بثمنه نصاب السرقة؛ لأنه كان يساوي في ذلك الزمان ربع دينار، وقيل: هو عشرة\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١٢).\n(٢) \"مرماة المفاتيح\" (٦/ ٢٢٣).\n(٣) وبه قال أحمد وإسحاق خلافًا للأئمة الثلاثة والأكثر إذ قالوا: هذا منسوخ، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بوجوب غرامة مثليه، كذا في \"المغني\" (١٢/ ٤٣٨). (ش).","vol":"6","page":597},{"text":"فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ (١)، وَذَكَرَ فِى ضَالَّةِ الْغَنَمِ والإِبِلِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: «مَا كَانَ مِنْهَا فِى طَرِيقِ (٢) الْمِيتَاءِ وِ (٣) الْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا (٤) فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهِىَ لَكَ،\n===\nدراهم، وهو نصاب السرقة عند أبي حنيفة (فعليه القطع) أي قطع اليد حدًّا.\n(وذكر) أي عبد الله بن عمرو (في ضالة الغنم والإبل كما ذكر غيره) وهو زيد بن خالد الجهني، (قال) أي عبد الله بن عمرو: (وسئل) أي رسول الله - ﷺ - (عن اللقطة فقال: ما كان) أي ما وجد (منها في طريق الميتاء) وفي نسخة \"المشكاة\": \"في الطريق الميتاء\"، بتعريف الطريق باللام.\nقال القاري (٥): كذا وقع في \"جامع الأصول\"، وقد وقع في نسخ \"المصابيح\": \"في طريق الميتاء\"، بالإضافة، والميتاء بكسر الميم وسكون التحتانية ممدودة، أي العامة المسماة بالجادة، قال التوربشتي: الميتاء الطريق العام، ومجتمع الطريق أيضًا ميتاء، والجادة التي تسلكها السابلة، وهو مفعال من الإتيان، أي يأتيه الناس ويسلكه، فالياء في الميتاء أصله همز، أبدل ياءً جوازًا، والهمز فيه أصله ياء أبدل همزًا وجوبًا.\n(والقريةِ الجامعةِ) أي لسكانها (فَعَرِّفْها سنة) لأنها لقطة، (فإن جاء طالبها فادفعها إليه، وإن لم يأت) أي طالبها (فهي) أي اللقطة (لك) أي مِلْكٌ لك، أو خاص لك تتصرف فيه، والحاصل أن ما يوجد من اللقطة في العمران والطرق المسلوكة غالبًا يجب تعريفها؛ إذ الغالب أنها ملك مسلم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وَمَنْ سَرَقَ دُوْنَ ذَلِكَ فَعَلَيْه غرَامَةُ مِثْلَيْهِ والعُقُوْبَةُ، قَالَ أَبُو دَاوُد: والجرين: الجوخان .. \" وهذا تفسير بالفارسية.\n(٢) في نسخة: \"الطريق\".\n(٣) في نسخة: \"أو\".\n(٤) في نسخة: \"صاحبها\".\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٢٤) رقم (٣٠٣٦).","vol":"6","page":598},{"text":"وَمَا كَانَ فِى الْخَرَابِ يَعْنِى فَفِيهَا وَفِى الرِّكَازِ الْخُمُسُ». [ت ١٢٨٩، جه ٢٥٩٦، ن ٤٩٧٤، ك ٤/ ٣٨١، ق ٨/ ٢٧٨، حم ٢/ ١٨٠]\n١٧١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ - يَعْنِى ابْنَ كَثِيرٍ -، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا: قَالَ فِى ضَالَّةِ الشَّاءِ: قَالَ: «فَاجْمَعْهَا» \". [انظر سابقه]\n===\n(وما كان) أي وجد (في الخراب) أي في قرية خربة (يعني) زاد لفظ: يعني؛ لأن الراوي لم يحفظ اللفظ، وفي رواية \"المشكاة\" عن النسائي: \"وما كان في الخراب العاديِّ\" أي التي لم يجر عليها عمارة إسلامية، ولم تدخل في ملك مسلم (ففيها وفي الركاز) بكسر الراء أي دفين الجاهلية، كأنه ركز في الأرض (الخمسُ) بضمتين، ويُسْكَنُ الثاني، فأعطي لها حكم الركاز؛ إذ الظاهر أنه لا مالك لها.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: والمراد بالطريق الميتاء والقرية الجامعة حيث يغلب الظن على كونه قد سقط عن أحد، وبالكائن في الخراب حيث يظن أنه كان دفينة ثمة، فبرز بعد بهبوب الرياح وصبوب الأمطار، ولما كان الغالب في كل منهما ما ذكر عبر عنه بهما، وليس المناط إلَّا ما ذكرنا، فلو علم في الطريق الميتاء كونه دفينة كان له حكم الكنز والركاز، ولو علم في الخربة كونه مِنْ سقطِ متاع أحد كان الواجب فيه التعريف، وفي قوله: \"وفي الركاز الخمس\"، أشار بزيادة لفظ الركاز إلى أن الحكم فيما إذا كان من العاديات ومن المخلوق ثمة دون الموضوع غير متفاوت.\n١٧١١ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو أسامة، عن الوليد - يعني ابن كثير-، حدثني عمرو بن شعيب بإسناده) أي بإسناد عمرو بن شعيب (بهذا) أي الحديث (قال) عبد الله بن عمرو، أو الوليد بن كثير (في ضالة الشَّاء: قال) رسول الله - ﷺ -: (فَاجْمَعْها)، والغرض بهذا بيان الفرق بين روايةِ ابن عجلان وروايةِ ابن كثير بأن في رواية ابن عجلان لم يذكر حكم ضالة الشاء إلا بقوله: \"كما ذكر غيره\"، وفي رواية ابن كثير حكمها مذكور بقوله: \"فاجمعها\" أي فاجمعها للحفظ والرفع إلى المالك.","vol":"6","page":599},{"text":"١٧١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهَذَا بِإِسْنَادِهِ؛ وقَالَ فِى ضَالَّةِ الْغَنَمِ: «لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، خُذْهَا قَطُّ». وكَذَا قَالَ فِيهِ أَيُّوبُ وَيَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «فَخُذْهَا». [ن ٢٤٩٤]\n١٧١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِهَذَا. قَالَ فِى ضَالَّةِ الشَّاءِ:\n===\n١٧١٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن عبيد الله بن الأخنس) بمفتوحةٍ فساكنةٍ معجمة، وفتحِ نونٍ، النخعي، أبو مالك الكوفي، الخزاز، ويقال: مولى الأزد، قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة، وعن ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ كثيرًا.\n(عن عمرو بن شعيب بهذا) الحديث (بإسناده، وقال) عمرو في حديثه (في ضالة الغنم: لك، أو لأخيك، أو للذئب، خذها) أي الشاة (قَطْ) بسكون الطاء، أي فقط، أي ذكرها ولم يذكر غيرها، كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"خذها قط\" بإسكان الطاء غير مشددة، أي لم يذكر زيادة على هذا، وإنما اكتفى عليه فقط، انتهى.\n(وكذا قال فيه أيوب) ولعله السختياني، ولم أجد روايته هذه فيما عندي من الكتب (ويعقوبُ بنُ عطاء) بن أبي رباح المكي، ضعيف، (عن عمرو بن شعيب، عن النبي - ﷺ - قال: \"فخذها\") ولم أجد روايته هذه أيضًا.\n١٧١٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: وحدثنا ابن العلاء، نا ابن إدريس، عن ابن إسحاق) أي كلاهما حماد وابن إدريس يرويان عن ابن إسحاق، (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - بهذا) أي الحديث. (قال) محمد بن إسحاق (في ضالة الشاء:","vol":"6","page":600},{"text":"\"فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأتيهَا بَاغِيهَا\". [حم ٢/ ١٨٠]\n١٧١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، حَدَّثَهُ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ: أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ وَجَدَ دِينَارًا فَأَتَى بِهِ فَاطِمَةَ، فَسَأَلَتْ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقُ اللَّهِ»، فَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَكَلَ عَلِىٌّ وَفَاطِمَةُ،\n===\n\"فاجْمَعْها حتى يأتيَها باغيها\") أي طالِبُها، فزاد محمد بن إسحاق على رواية ابن كثير، وعبيد الله بن الأخنس، وأيوب، ويعقوب بن عطاء قوله: \"حتى يأتيها باغيها\".\n١٧١٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن عبيد الله بن مقسم حدثه) أي حدث عبيدُ الله بنُ مقسم بكيرَ بن الأشج (عن رجل) لم أقف على تسمية هذا المبهم، وقال الشوكاني في \"النيل\" (١): وفي إسناده رجل مجهول، (عن أبي سعيد: أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا) ملقى في الطريق (فأتى به) (٢) أي بالدينار (فاطمةَ، فسألت) فاطمةُ - ﵂- (عنه) أي عن الدينار (رسولَ الله - ﷺ -) أي هل يجوز لنا أكله؟ (فقال) رسول الله - ﷺ -: (هو) أي الدينار (رزق الله) أي رزق من الله لكم، (فأكل منه رسول الله - ﷺ - وأكل علي وفاطمةُ).\nقال في \"نصب الراية\" (٣): قال المنذري: واستشكل هذا الحديث من جهة\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥١).\n(٢) واستدل بذلك صاحب \"المغني\" (٨/ ٢٩٦) لمذهب مالك وأبي حنيفة: أن ما كان مما لا تقطع فيه اليد لا يجب تعريفه ... إلخ، لكنه لا يصح؛ فإن القطع عند مالك على ربع دينار، فتأمل. (ش).\n(٣) \"نصب الراية\" (٣/ ٤٦٩).","vol":"6","page":601},{"text":"فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَتْهُ امْرأَةٌ تَنْشُدُ الدِّينَارَ،\n===\nأن عليًّا أنفق الدينار قبل تعريفه، قال: وأحاديث التعريف أكثر وأصح إسنادًا، ولعل تأويله أن التعريف ليس له صيغة يعتد بها، فمراجعته لرسول الله - ﷺ - على ملأ الخلق إعلان به، فهذا يؤيد الاكتفاء بالتعريف مرة واحدة، انتهى.\nقلت: رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١)، وفيه: أنه عرفه ثلاثة أيام، فقال: أخبرنا ابن جريج، عن أبي بكر بن عبد الله، أن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أخبره عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا في السوق، فأتى النبي - ﷺ - فقال: \"عَرِّفْه ثلاثة أيام\"، قال: فعرفه ثلاثة أيام، فلم يجد من يَعْرِفُه، فرجع إلى النبي - ﷺ - فأخبره، فقال: \"شأنك به\"، قال: فباعه علي فابتاع منه بثلاثة دراهم شعيرًا، وبثلاثة دراهم تمرًا، وقضى ثلاثة دراهم، وابتاع بدرهم لحمًا، وبدرهم زيتًا، وكان الدينار بأحد عشر درهمًا، فلما كان بعد ذلك جاء صاحبه فعرفه، فقال له علي: قد أمرني رسول الله - ﷺ - فأكلته، فانطلق صاحب الدينار إلى رسول الله - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال لعلي: \"رُدَّه إليه\"، فقال: قد أكلته، فقال النبي - ﷺ - للرجل: \"إذا جاءنا شيء أديناه إليك\"، انتهى.\nوكذلك رواه إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي (٢)، والبزار في \"مسانيدهم\"، قال البزار: وأبو بكر هذا هو عندي أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، وهو لين الحديث، انتهى.\nوذكره عبد الحق في \"أحكامه\" من جهة عبد الرزاق، ثم قال: أبو بكر بن أبي سبرة متروك الحديث، انتهى.\n(فلما كان بعد ذلك) أي بَعدَ أكلِ الدينار (أتته امرأة تَنْشُدُ الدينار)\n_________\n(١) (١٠/ ١٤٢) رقم (١٨٦٣٧)، لكن فيه: \"عبد الرزاق عن أبي بكر\" بغير واسطة ابن جريج، فليتأمل.\n(٢) انظر: \"مسند أبي يعلى\" (٢/ ٣٣٢) رقم (١٠٧٣).","vol":"6","page":602},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"يَا عَلِيُّ! أَدِّ الدِّينَارَ\". [ق ٦/ ١٩٤]\n===\nأي تطلب وتتفقد برفع صوتها (فقال النبي - ﷺ -: يا علي! أَدِّ الدينار).\nوهذا الحديث وأمثاله بظاهرها تخالف الحنفية بأن عندهم أن اللقطة يجب التصدق بها إذا كان الملتقط غنيًّا، ولا يجوز صرفها على نفسه، واستشكل بأن ها هنا التقط علي - ﵁ - الدينار، وأكله، وأكل رسول الله - ﷺ - معه، فلو كان كما قالت الحنفية لم يَجُزْ لرسول الله - ﷺ - أن يأكل منها، ولا لعلي - ﵁ -.\nواختلفوا في الجواب عن هذا الإشكال، وقد كتبه مفصلًا مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ - فقال: استدل الشافعية بهذه الروايات على أن أكل اللقطة بعد التعريف لا يختص بالفقير، كيف وقد ثبت أن عليًّا وفاطمة أكلا منه وهم بنو هاشم، لا تحل لهم الصدقة بحال، فكذلك الغني يجوز له التناول منه، وأجاب الحنفية عن ذلك بوجوه:\n١ - بضعف الروايات، ولا يصح؛ فإن الروايات كلها صحيحة، غاية الأمر أن تكون صحتها للغير إن صح الكلام في أحد من رواتها.\n٢ - وبالاضطراب في الروايات؛ فإن السائلة عن المسألة في بعضها هي فاطمة، وفي بعضها سأل علي رسول الله - ﷺ - عن ذلك، والناشد في بعضها امرأة، وفي بعضها غلام، وإتيانه في بعضها بعد ثلاث، وفي بعضها فبينا هم مكانهم.\nولا يصح هذا الجواب أيضًا؛ فإن مؤدى الكل واحد، أما السؤال عن المسألة فلعل عليًّا ذكر له القصة في أثناء الطريق، ثم ذكرتها فاطمة ولم تعلم بإخبار علي، أو كان سأله أحدهما فنسب إلى الآخر مجازًا، أو ذكرت بعض القصة فاطمة، ثم أتمها علي لكونه أعلم بها منها، وكثيرًا ما يأخذ أحد في الكلام فيقبل السامع على الآخر لما يعلم كونه أعلم بالقصة من المتكلم.\nوأما أن المتفقد للدينار رجل أو امرأة فلعلهما أم وابن، أو أخ","vol":"6","page":603},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأخت، أو غير هذين، فأتى أحدهما ثم ردفه الآخر، فذكر كل من الرواة أحدًا.\nوأما أن إتيان الناشد كان بعد ثلاث أو في مكانهم، فإن الظاهر من قوله: \"مكانهم\" وإن كان هو المكان بمعنى المجلس، والإضافة تفيد اتحاد المجلس وبقاءه غير متبدل بعد؛ إلا أنه لا يبعد حمله نظرًا إلى معناه اللغوي أنهم كانوا إجتمعوا بعد ثلاث في ذلك المكان المعين، فبينا هم ثمة إذ أتاهم ... إلخ.\nوأجاب البعض الآخرون بأن الروأية منكرة؛ لأنها تخالف الروايات الصحيحة الناطقة بوجوب التعريف، وليس في شيء من الروايات، وفيه أن عدم ذكر الراوي التعريفَ لا يستلزم عدم التعريف.\nوآخرون أثبتوا الاضطراب بوجه آخر، وهو أن هذه الرواية المفصلة الواردة ها هنا دالة على أن عليًّا أنفقه كما وجد، وقد ذكر في بعضها أنه عرفه ثلاثة أيام. فإحدى الروايتين غير صحيحة بيقين إلى غير ذلك من التطويلات التي هي غير مفيدة بيقين، بل الحق في الجواب- والله أعلم- أن رفع اللقطة قد تكون للحفظ، حتى تكون يدُ اللاقط عليها يد أمانة، ويجب حينئذ تعريفُها بفور ما أخذ، وقد يكون للإنفاق في حاجتها إذا علم من حال المالك رضاه بذلك، والقبض حينئذ قبض ضمان، ولما كان الحسنان فيما علمته من حالهما وكان أبواهما أيضًا كذلك كما تدل عليه العادة، ولم يكن أحد في المدينة بحيث يظن به الضن بعلي -﵁ - في مثل ذلك، سيما وقد رفعه لأداء ضمانه بعد ذلك، كان الدينار لا في حكم اللقطة، بل مثله في ذلك مثل صديق له مال عند رجل وهو يعلم من حاله أنه لو أنفق منه في حاجته، لا سيما فاقة الجوع لكان راضيًا، ثم أنفق منه اتكالًا على ذلك الإذن الغير الصريح لم يفعل بذلك بأسًا، كيف وقد قال الله تعالى في كتابه ما رفع الخفاء عن جواز أمثال هذه التصرفات بعد ما علم رضاء المالك حيث قال: ﴿لَيْسَ عَلَى","vol":"6","page":604},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ إلى: ﴿ليْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (١).\nوأما أنه كان في حل من أهل المدينة بتصوفه في أموالهم، فقد عرفت حال اليهودي، وهم أخبث أقوام في عداوة أهل بيت الرسالة وسائر المؤمنين، فكيف بغيرهم؟ ! وأما المؤمنون بجملتهم فلا يظن بأحد منهم أنه لا يرضى بأكل فاطمة وأبنيها وأبيها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما أجاب بعضهم من ترك التعريف بأن عليًّا رفعه في السوق بمحضر من الشاهدين، ثم لم يَحْتَجْ إلى تعريف على حدة مع أن هذا الجواب غير مقنع، فإن الاكتفاء بمثل هذا التعريف لا يجوز، وعلى هذا فيمكن جمع هذه الرواية المذكورة هاهنا بما فيه تصريح بتعريف علي إياه ثلاثة أيام بأنه أنفقه أولًا لكونه رفعه على اعتبار الضمان، ثم عرف ثلاثة أيام أن مَنْ سقط منه دينار في يوم كذا فليأتني وأنا زعيمه، ثم إن عليًّا وإن كان رفعه على قصد الإنفاق، لكن اليهودي لما تسامح بقيمة الدقيق بقي الدينار، فتركه عند الجزار على اعتبار أن يكون رهنًا عنده، فيأخذ ديناره حين يعطيه دينه، وهو المراد بقول من قال: قطعه قيراطين، انتهى كلامه.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وحديث علي -﵁ - أخرجه أبو داود عن بلال بن يحيى العبسي عنه: \"أنه التقط دينارًا فاشترى به دقيقًا، فعرفه صاحب الدقيق\" الحديث ...، قال المنذري: في سماع بلال بن يحيى عن علي نظر، وقال الحافظ: إسناده حسن، وروإه أيضًا أبو داود عن أبي سعيد الخدري: \"أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا فأتى به فاطمةَ فسألت عنه رسولَ الله - ﷺ -\"، الحديث، وفي إسناده رجل مجهول.\nوأخرجه أبو داود أيضًا من وجه آخر عن أبي سعيد، وذكره مطولًا، وفي إسناده موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين، وقال ابن عدي:\n_________\n(١) سورة النور: الآية ٦١.\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥١، ٥٢).","vol":"6","page":605},{"text":"١٧١٥ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى الْعَبْسِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ: \"أَنَّهُ الْتَقَطَ دِينَارًا فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا، فَعَرَفَهُ صَاحِبُ الدَّقِيقِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الدِّينَارَ، فَأَخَذَهُ عَلِىٌّ فَقَطَعَ مِنْهُ قِيرَاطَيْنِ\n===\nلا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وروى هذا الحديثَ الشافعي عن الدراوردي، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، وزاد: أنه أمره أن يعرفه، ورواه عبد الرزاق من هذا الوجه، وزاد: فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام، وفي إسناد هذه الزيادة أبو بكر بن أبي سبرة، وهو ضعيف جدًّا.\nوقد أعلَّ البيهقي هذه الروايات لاضطرابها ولمعارضتها لأحاديث اشتراط السنة في التعريف، قال: ويحتمل أن يكون أباح له الأكل قبل التعريف للاضطرار، انتهى.\nقلت: وقد أجاب عنه الإِمام السرخسي في \"مبسوطه\" (١)، فقال: وأما حديث علي - ﵁ - فقد قيل: ما وجده لم يكن لقطة، وإنما ألقاها مَلَكٌ ليأخذه علي - ﵁ -، فقد كانوا لم يصيبوا طعامًا أيامًا، وعرف رسول الله - ﷺ - ذلك بطريق الوحي، فلذلك تناولوا منه على أن الصدقة الواجبة كانت لا تحل، وهذا لم يكن من تلك الجملة، فلهذا استجاز علي - ﵁ - الشراء بها لحالته (٢)، انتهى.\n١٧١٥ - (حدثنا الهيثم بن خالد الجهني، نا وكيع، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى العبسي، عن علي: أنه التقط دينارًا، فاشترى به دقيقًا، فعرفه صاحب الدقيق) بأنه ختنُ رسول الله - ﷺ - وابنُ عمه (فردَّ عليه الدينارَ)، وأتاه الدقيق مجانًا (فأخذه علي فقطع منه) أي من الدينار (قيراطين)\n_________\n(١) \"المبسوط\" (١١/ ٨).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المبسوط\": لحاجته.","vol":"6","page":606},{"text":"فَاشْتَرَى بِهِ لَحْمًا\". [ق ٦/ ١٩٤]\n١٧١٦ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِىُّ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ: \"أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيهِمَا؟ (١) قَالَتِ: الْجُوعُ،\n===\nقال في \"القاموس\": القيراط والقِرّاط بكسرهما، يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة: ربعُ سدسِ دينار، وبالعراق: نصف عُشْرِه. وقال في \"المجمع\": هو نصف عشر الدينار في أكثر البلاد، وعند أهل الشام جزء من أربعة وعشرين منه، وياؤه بدل من الراء (فاشترى به لحمًا).\n١٧١٦ - (حدثنا جعفر بن مسافر التنّيسي، أنا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل، (نا موسى بن يعقوب الزمعي) هو موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، الأسدي، الزمعي، أبو محمد المدني، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، منكر الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: هو صالح، روى عنه ابن مهدي، وله مشايخ مجهولون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: لا بأس به عندي، ولا برواياته، وقال الأثرم: سألت أحمد عنه فكأنه لم يعجبه، وقال الساجي: اختلف أحمد ويحيى فيه، قال أحمد: لا يعجبني حديثه، وقال ابن القطان: ثقة.\n(عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أخبره) أي أخبر سهل أبا حازم: (إن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة وحسنٌ وحسينٌ يبكيان) والجملة حالية، (فقال: ما يبكيهما؟ قالتْ: الجوعُ) مبتدأ، خبره محذوف، أي: يبكيهما،\n_________\n(١) في نسخة: \"يبكيكما\".","vol":"6","page":607},{"text":"فَخَرَجَ عَلِىٌّ فَوَجَدَ دِينَارًا بِالسُّوقِ، فَجَاءَ إِلَى فَاطِمَةَ وأَخْبَرَهَا (١)، فَقَالَتِ: اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِىِّ فَخُذْ دَقِيقًا فَجَاءَ الْيَهُودِىَّ، فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا، فَقَالَ الْيَهُودِىُّ: أَنْتَ خَتَنُ هَذَا الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَخُذْ دِينَارَكَ وَلَكَ الدَّقِيقُ، فَخَرَجَ عَلِىٌّ حَتَّى جَاءَ به فَاطِمَةَ فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتِ: اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْجَزَّارِ، فَخُذْ لَنَا بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، فَذَهَبَ فَرَهَنَ الدِّينَارَ بِدِرْهَمِ لَحْمٍ (٢) فَجَاءَ بِهِ، فَعَجَنَتْ وَنَصَبَتْ وَخَبَزَتْ وَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا - ﷺ -، فَجَاءَهُمْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذْكُرُ لَكَ، فَإِنْ رَأَيْتَهُ لَنَا حَلَالًا\n===\nأو خبر محذوف المبتدأ أي: الذي يبكيهما الجوع، (فخرج علي فوجد دينارًا بالسوق) ملقى فالتقطه، (فجاء) به (إلي فاطمة، وأخبرها) بالتقاطه، (فقالت) فاطمة: (اذهب إلى فلان اليهوديِّ) لم أقف على تسميته (فخذ لنا دقيقًا) منه.\n(فجاء) علي (اليهوديَّ، فاشترى به) أي بالدينار (دقيقًا، فقال اليهودي: أنت) بتقدير همزة الاستفهام أي: أأنت (ختنُ) أي زوج ابنة (هذا الذي يزعم) أي يقول (إنه رسول الله؟ قال) علي - ﵁ -: (نعم)، أنا ختنه، (قال: فخذ دينارَك ولك الدقيقُ) أي هدية مني، (فخرج علي) من عند اليهودي (حتى جاء به) أي بالدينار، أو بالدقيق، أو بكل واحد منهما (فاطمة فأخبرها) أي بالقصة التي وقعت مع اليهودي، (فقالت: اذهب إلى فلان الجزّارِ، فخذلنا) منه (بدرهم لحمًا، فذهب) علي إلى الجزار (فرهن الدينار بدرهمِ لحم، فجاء) علي (به) أي باللحم، (فعجنت) أي فاطمةُ الدقيقَ، (ونصت) أي القدرَ على النار، (وخبزت، وأرسلت) أي الرسولَ (إلى أبيها - ﷺ -) تدعوه، (فجاءهم) أي جاء رسولُ الله - ﷺ - إياهم.\n(فقالت: يا رسول الله! أذكر لك) قصة الدينار، (فإن رأيته لنا حلالًا\n_________\n(١) في نسخة: \"فأخبرها\".\n(٢) في نسخة: \"لحمًا\".","vol":"6","page":608},{"text":"أَكَلْنَاهُ وَأَكَلْتَ مَعَنَا، مِنْ شَأْنِهِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: «كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ». فَأَكَلُوا، فَبَيْنَا هُمْ مَكَانَهُمْ إِذَا غُلَامٌ يَنْشُدُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ الدِّينَارَ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَدُعِىَ لَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سَقَطَ مِنِّى فِى السُّوقِ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «يَا عَلِىُّ! اذْهَبْ إِلَى الْجَزَّارِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ لَكَ: أَرْسِلْ إِلَىَّ بِالدِّينَارِ، وَدِرْهَمُكَ عَلَىَّ»، فَأَرْسَلَ بِهِ فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِ\". [ق ٦/ ١٩٤]\n١٧١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ،\n===\nأكلناه، وأكلتَ معنا، من شأنه) أي الدينار أو الطعام الموجود (كذا وكذا، فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا، فبينا هم مكانهم) أي في مكانهم (إذا غلام ينشد اللهَ والإِسلامَ الدينارَ) أي ينشد الدينار بواسطة اسم الله وبواسطة الإِسلام، (فأمر رسول الله - ﷺ -) أحدًا (فدعي) بصيغة المجهول، أي الغلامُ (له) أي لرسول الله - ﷺ -.\n(فسأله) أي سأل رسول الله - ﷺ - الغلامَ عن الدينار، (فقال) الغلام: (سقط) الدينار (مني في السوق، فقال النبي - ﷺ -: يا علي! اذهب إلى الجزار، فقل له: إن رسول الله - ﷺ - يقول لك: أرْسِلْ إليَّ بالدينار) الذي رهنه عندك علي في اللحم، (ودرهمك) الذي أخذ به عَلِيٍّ اللحمَ (عَلَيَّ، فَأرْسَلَ) الجزَّارُ (به) أي بالدينار، (فدفعه) أي الدينار (رسولُ الله - ﷺ - إليه).\nقلت: والذي عندي في توجيه الحديث أن يقال: إن هذه القصة وقعت قبل أن ينزل حكم التعريف، وأكل الطعام كان في الاضطرار، والله تعالى أعلم.\n١٧١٧ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، نا محمد بن شعيب، عن المغيرة بن زياد) البجلي، أبو هشام الموصلي، ويقال: أبو هاشم، قال البخاري: قال وكيع: كان ثقة، وقال غيره: في حديثه اضطراب، وعن أحمد: مضطرب الحديث، أحاديثه مناكير، وعن يحيى بن معين:","vol":"6","page":609},{"text":"عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى الْعَصَا وَالْحَبْلِ وَالسَّوْطِ وَأَشْبَاهِهِ: يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ\". [الكامل لابن عدي ٦/ ٣٥٤]\n===\nليس به بأس، له حديث واحد منكر، وقال الدوري وابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس، وقال العجلي، وابن عمار، ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: شيخ، قلت: يُحتَجُّ به؟ قالا: لا، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: ليس بالقوي، وقال الحاكم أبو عبد الله: المغيرة بن زياد، يقال له: أبو هشام المكفوف، صاحب مناكير، لم يختلفوا في تركه، يقال: إنه حدث عن عبادة بن نسي بحديث موضوع، قال المزي: في هذا القول نظر؛ فلا أعلم أحدًا قال: إنه متروك، ولعله اشتبه على الحاكم بأصرم بن حوشب، فإنه يكنى أبا هشام أيضًا، وهو من المتروكين.\nقلت: قد قال فيه ابن حبان: كان ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، فوجب مجانبةُ ما انفرد به، وتركُ الاحتجاج بما يخالف، ولكن نقل الإجماع على تركه مردود.\n(عن أبي الزبير المكي أنه) أي أبا الزبير (حدثه، عن جابر بن عبد الله قال: رخص لنا رسول الله - ﷺ - في العصا) بالقصر (والحبل والسوط وأشباهه) أي من الأشياء التافهة ما يُعَدُّ يسيرًا (يلتقطه الرجل ينتفع به) أي الحكم فيها أن ينتفع الملتقط به إذا كان فقيرًا من غير تعريف سنة، أو مطلقًا.\nقال السرخسي في \"مبسوطه\" (١): ثم ما يجده نوعان: أحدهما: ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشور الرمان والنوى، والثاني: ما يعلم أن مالكه يطلبه، فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به، إلَّا أن صاحبه إذا وجده في يده بعد ما جمعه كان له أن يأخذ منه، لأن إلقاء ذلك من صاحبه كان إباحة الانتفاع\n_________\n(١) \"المبسوط\" (١١/ ٢، ٣).","vol":"6","page":610},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، عن الْمُغِيرَةِ أَبِي سَلَمَةَ،\n===\nبه للواجد، ولم يكن تمليكًا من غيره، فإن التمليك من المجهول لا يصح، وملك المبيح لا يزول بالإباحة، ولكن للمباح له أن ينتفع به مع بقاء ملك المبيح، فإذا وجده في يده فقد وجد عين ملكه، قال - ﷺ -: \"من وجد عين ماله فهو أحق به\".\nوأما النوع الثاني فهو ما يعلم أن صاحبه يطلبه، فمن يرفعه فعليه أن يحفظه ويعرِّفه ليوصله إلى صاحبه، انتهى ملخصًا.\nقلت: فالعصا والسوط والحبل إن كان بحيث تدخل في الأشياء التافهة التي لا يطلبها المالك فحكمها أنه لا يجب تعريفها، ويجوز الانتفاع بها للملتقط، وإن كان من النوع الثاني فلا يجوز الانتفاع بها، ويجب تعريفها على حسب قيمتها.\n(قال أبو داود: رواه النعمان بن عبد السلام) (١) بن حبيب التيمي، أبو المنذر الأصبهاني، أصله من نيسابور، ثم صار إلى البصرة فتفقه، وكان ممن ينتحل السنة، وينتحل مذهب الثوري في الفقه، وكان أبوه يتبع السلطان، وخلَّف ضيعة فتركها النعمان، ولم يأخذها، له ذكر في اللقطة من \"سنن أبي داود\"، كان أحد العباد الزهاد الفقهاء، وقال الحاكم في \"المستدرك\": ثقة مأمون.\n(عن المغيرة أبي سلمة) هو المغيرة بن مسلم القَسْمَلِي بقاف وميم مفتوحتين بينهما مهملة ساكنة، أبو سلمة السرّاج بتشديد الراء، وُلِدَ بمرو، وسكن المدائن، عن أحمد: ما أرى به بأسًا، وعن ابن معين: صالح، وقال الغلابي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٢). قلت: وقال\n_________\n(١) أخرج روايته ابن عدي في \"كامله\" (٦/ ٣٥٤)، ومن طريقه البيهقي في \"سننه\" (٦/ ١٩٥).\n(٢) \"الثقات\" (٧/ ٤٦٦).","vol":"6","page":611},{"text":"بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَاهُ شَبَابَةُ، عن مُغِيرَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: \"كَانُوا\"، لَمْ يَذْكُرُوا النَّبِيَّ - ﷺ -.\n١٧١٨ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَحْسَبُهُ\n===\nالعجلي: ثقة. (بإسناده) أي بإسناد المغيرة عن أبي الزبير المكي.\n(ورواه شبابة، عن مغيرة بن مسلم) وهو المغيرة أبو سلمة المتقدم، (عن أبي الزبير، عن جابر، قال) شبابة: (كانوا) أي المشايخ (لم يذكروا النبيَّ - ﷺ -) بل يذكرونه موقوفًا على جابر بن عبد الله.\nوغرض المصنف بيان الاختلاف في سند هذا الحديث بأن محمد بن شعيب رواه عن المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا، ورواه النعمان بن عبد السلام فخالف محمدَ بنَ شعيب، فروى عن المغيرة أبي سلمة في موضع مغيرة بن زياد، فروى عنه عن أبي الزبير، عن جابر، والظاهر أنه مرفوع أيضًا فوافق محمدَ بنَ شعيب في الرفع، ورواه شبابة عن مغيرة بن مسلم، ووافق النعمانَ بنَ عبد السلام في شيخه، فقال: عن مغيرة بن مسلم وهو المغيرة أبو سلمة، وخالفهما في الرفع وجعله موقوفًا على جابر، وقال: كانوا لم يذكروا النبي - ﷺ -.\n١٧١٨ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن عمرو بن مسلم) الجندي بفتح الجيم والنون، اليماني، قال أحمد: ضعيف، وقال مرة: ليس بذاك، وعن ابن معين: لا بأس به، وعنه: ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: ليس له حديث منكر جدًّا، وقال الساجي: صدوق يهم، وقال ابن خراش وابن حزم: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عكرمة، أحسبه) أي قال عمرو بن مسلم: أحسب عكرمة قال:","vol":"6","page":612},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: \"ضَالَّةُ الإِبِلِ الْمَكْتُومَةُ غَرَامَتُهَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا\". [ق ٦/ ١٩١، عب ١٠/ ١٢٩]\n١٧١٩ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِىِّ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ\"\n===\n(عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: ضالة الإبل) أي حكم ضالة الإبل (المكتومةُ) إذا أخذها الملتقط فكتمها ولم يعرِّفها (غرامتُها) أي ضمان قميتها (ومثلُها معها) قد تقدم قَبْلُ أن هذا القول كان على سبيل التغليظ، أو كان في أول الإِسلام ثم نسخ.\n١٧١٩ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب وأحمد بن صالح قالا: نا ابن وهب، أخبرني عمرو) بن الحارث كما في رواية أحمد (١)، (عن بكير) ابن الأشج، (عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب) بن أبي بلتعة اللخمي، أبو محمد، ويقال: أبو بكر المدني، قال ابن سعد: كان ثقة، وقال العجلي: مدني، تابعي، ثقة، وقال النسائي والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الرحمن بن عثمان) بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة (التيمي) أسلم يوم الحديبية، وقيل: يوم الفتح، وكان يقال له: شارب الذهب، ابن أخي طلحة بن عبيد الله، قتل مع عبد الله بن الزبير بمكة، ودفن بالحزورة، فلما وسع المسجد دخل قبره في المسجد الحرام.\n(أن رسول الله - ﷺ - نهى عن لقطة الحاج)، قال الشوكاني (٢): قد استشكل\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٩٩).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥٢).","vol":"6","page":613},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nتخصيص لقطة الحاج بمثل هذا مع أن التعريف لا بد منه في كل لقطة من غير فرق بين لقطة الحاج وغيره. وأجيب عن هذا الإشكال: بأن المعنى أن لقطة الحاج (١) لا تحل إلا لمن يريد التعريفَ فقط من دون تملكٍ، فأما من أراد أن يعرِّفَها ثم يتملكها فلا، وقد ذهب الجمهور إلى أن لقطة مكة لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة.\nقال في \"الفتح\" (٢): وإنما اختصت بذلك لإمكان إرسالها إلى أربابها؛ لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من واردٍ إليها، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها.\nقال ابن بطال: وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة (٣) بالمبالغة في التعريف، لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف.\nوقال الشوكاني: هذا النهي تأوله الجمهور: بأن المراد منه النهي عن التقاط ذلك للملك، وأما للإنشاد بها فلا بأس، ويدل على ذلك قولُه في الحديث الآخر: \"ولا تحل لقطتها إلَّا لمعرِّف\"، وفي لفظ آخر: \"ولا تحل ساقطتُها إلا لمنشِدٍ\"، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (٤): وكل جواب عرفته في لقطة الحل فهو الجواب\n_________\n(١) قال القاري: وفي \"شرح الهداية\" لابن الهمام: قال ابن وهب: يعني يتركها حتى يجيء صاحبها، ولا عمل على هذا في هذا الزمان لفشوَّ السرقة بمكة من حوالي الكعبة. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٢٢)]. (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٨٨).\n(٣) قال الموفق (٨/ ٣٠٥): ظاهر كلام أحمد والخرقي أن لقطة الحل والحرم سواء، وعن أحمد رواية أخرى: لا يجوز لقطة الحرم للتملك، وعن الشافعي كالمذهبين. (ش).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٩٩).","vol":"6","page":614},{"text":"قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي في لُقَطَةِ الْحَاجِّ يَتْرُكُهَا حَتَّى يَجِدَهَا صَاحِبُهَا. [م ١٧٢٤، حم ٣/ ٤٩٩]\nقَالَ ابْنُ مَوْهِبٍ: عَنْ عَمْرٍو.\n١٧٢٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ\n===\nفي لقطة الحرم، يصنع بها ما يصنع بلقطة الحل من التعريف وغيره، وهذا عندنا، وعند الشافعي - ﵀ -: لقطة الحرم تُعَرَّف أبدًا، ولا يجوز الانتفاع بها بحال، واحتج بما روي عن النبي ﵊ أنه قال في صفة مكة: \"ولا تحل لقطتها إلَّا لمنشد\" أي لمعرِّفٍ، فالمنشد المعرِّف، والناشد الطالب وهو المالك، ومعنى الحديث: أنه لا تحل لقطة الحرم إلَّا للتعريف.\nولنا ما ذكرنا من الدلائل من غير فصل بين لقطة الحل والحرم، ولا حجة له في الحديث؛ لأنا نقول بموجبه أنه لا يحل التقاطها إلا للتعريف، وهذا حال كل لقطة، إلَّا أنه خص ﵊ لقطة الحرم بذلك لما لا يوجَد صاحِبُها عادة، فتبين أن ذا لا يسقط التعريف، انتهى.\n(قال أحمد) بن صالح: (قال ابن وهب: يعني في لقطة الحاج يتركها) أي اللقطة لملتقطها (حتى يجدها صاحبها) فزاد أحمد عن ابن وهب هذا القول من قوله: \"يتركها\" إلى قوله: \"صاحبها\".\n(قال ابن موهب) أي يزيد بن خالد: (عن عمرو)، حاصله أن للمصنف في هذا الحديث شيخين: يزيد بن خالد، وأحمد بن صالح؛ فأحمد بن صالح قال: أخبرني عمرو، وأما يزيد بن خالد فقال: عن عمرو.\n١٧٢٥ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان، (عن ابن أبي حيان) هكذا في المجتبائية والكانفورية والقادرية ونسخة صاحب \"العون\" (١). وأما في النسخة المكتوبة الأحمدية والمصرية واللكهنوية ففيها: عن أبي حيان، وهو الصواب، فإن الحافظ لم يذكر\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (٥/ ٩٨، رقم ١٧١٧).","vol":"6","page":615},{"text":"التَّيْمِىِّ، عَن الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ جَرِيرٍ بِالْبَوَازِيجِ،\n===\nفي \"تهذيب التهذيب\" في شيوخ خالدٍ الطحان الواسطيِّ ابنَ أبي حيان، بل ذكر أبا حيان، وأخرج هذا الحديث الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١) فقال: ثنا أبو حيان (التيمي)، ولم أجد ابن أبي حيان في \"التقريب\"، ولا في \"تهذيب التهذيب\"، فالظاهر أن لفظ \"ابن\" خطأ في هذه النسخ.\n(عن المنذر بن جرير) وفي رواية \"مسند أحمد\": عن الضحاك بن المنذر، عن المنذر بن جرير، فزاد فيه: الضحاك بن المنذر، والمنذر بن جرير هذا هو منذر بن جرير بن عبد الله البجلي، الكوفي، روى عن أبيه، وعنه عبد الملك بن عمير، وعون بن أبي جحيفة، وأبو إسحاق السبيعي، والضحاك بن المنذر، وأبو حيان التيمي على خلاف فيه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٢).\n(قال: كنت مع جرير بالبوازيج) بفتح الباء الموحدة، وبعد الألف زاي معجمة، بعدها تحتية، ثم جيم، كذا ضبطه البكري في \"معجم البلدان\".\nثم قال: كذا اتفقت الروايات فيه عند أبي داود، قال: ولا أعلم هذا الاسم ورد إلا في هذا الحديث، وصوابه عندي: \"الموازج\" بالميم، وهو المحفوظ، قال: والموازج من ديار هذيل، وهي متصلة بنواحي المدينة.\nوقال ابن السمعاني: بوازيج بالباء الموحدة، وبعد الألف زاي: بلدة قديمة فوق بغداد، خرج منها جماعة من العلماء قديمًا وحديثًا، وقال المنذري: بوازيج الأنبار فتحها جرير بن عبد الله، وبها قوم من مواليه، وليست بوازيج الملك التي بين تكريت وأربل، كذا قال الشوكاني (٣).\nوفي \"القاموس\": والبوازيج بلدة قرب التكريت فتحها جرير البجلي، منه منصور بن الحسن البجلي ومحمد بن عبد الكريم البوازيجيان. وفي \"معجم\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٦٢).\n(٢) \"الثقات\" (٥/ ٤٢٠).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥٣).","vol":"6","page":616},{"text":"فَجَاءَ الرَّاعِى بِالْبَقَرِ، وَفِيهَا بَقَرَةٌ لَيْسَتْ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ جَرِيرٌ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ لَا نَدْرِى لِمَنْ هِىَ، فَقَالَ جَرِيرٌ: أَخْرِجُوهَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يَأْوِى الضَّالَّةَ إِلَاّ ضَالٌّ». [جه ٢٥٠٣، حم ٤/ ٣٦٠، ق ٦/ ١٩٠]\n\nآخِر كتَاب الزَّكَاةِ\n===\nالبلدان\" (١) لياقوت الحموي: البوازيج بعد الزاي ياء ساكنة وجيم: بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل حيث يصبُّ في دجلة، ويقال لها: بوازيج الملك، لها ذكر في الأخبار والفتوح، وهي الآن من أعمال الموصل، ينسب إليها جماعة من العلماء، وبوازيج الأنبار موضع آخر، قال أحمد بن يحيى بن جابر: فتح عبد الله بوازيج الأنبار، وبها قوم من مواليه إلى الآن.\n(فجاء الراعي) أي راعى جرير (بالبقر) أي قطيع البقر، (وفيها بقرة ليست منها) والواو للحال أي ليست من تلك القطيع (فقال له) أي للراعي (جرير: ما هذه؟) أي ما لهذه البقرة دخلت في القطيع مع أنها ليست لنا (قال) الراعي: (لَحِقَتْ بالبقر لا ندري لمن هي، فقال جرير: أخرجوها) (٢) أي من قطيع (٣)، (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يأوي الضالةَ) أي لا يضمُّ ولا يجمعها من غير تحريف (إلَّا ضالٌّ) أي عن الهدى، والضالة من الحيوان ما ضل وغاب عن مالكه.\n\nآخِر كتَاب الزَّكَاةِ وفي نسخة على الحاشية: آخر كتاب اللقطة\n_________\n(١) (١/ ٥٠٣).\n(٢) قال الموفق (٨/ ٣٤٥): إذا أخذ اللقطة ثم ردها إلى موضعها ضمنها، روي ذلك عن طاوس، وبه قال الشافعي، وقال مالك: لا ضمان عليه لحديث ابن عمر هذا، ولما روي عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيرًا: أرسله حيث وجدته ... إلخ. (ش).\n(٣) في الأصل: \"قطيف\" وهو تحريف، والصواب ما أثبته.","vol":"6","page":617},{"text":"تم بحمد الله وتوفيقه المجلد السادس ويليه إن شاء الله المجلد السابع وأوله: \"كتاب المناسك\"\nوصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد\nوعلى آله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا","vol":"6","page":618},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء السَّابع\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"7","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"7","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٧)","vol":"7","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"7","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>(٥) أَوَّلُ كتَابِ الْمَنَاسِكِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>(١) باب فرض الحجِّ</span>\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٥) (أوَّلُ كِتابِ المناسكِ)\nجمع المنسك بفتح السين وكسرها، وقرئ بهما في السبعة في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ (١)، وهو مصدر ميمي من: نسك ينسك: إذا تعبد، ثم سميت أفعال الحج كلها مناسك، وقال الطيبي (٢): النسك العبادة، االناسك العابد، اختص بأعمال الحج، والمناسك مواقف النسك وأعمالها، والنسيكة مخصوصة بالذبيحة.\n\n(١) (بابُ فَرْضِ الْحَجِّ) (٣)\nاختلفوا في فرضية الحج. قيل: وجب قبل الهجرة، وقيل: بعدها، حتى يحصل أحد عشر قولًا، قال ابن الأثير: كان النبي - ﷺ - يحج كل سنة قبل\n_________\n(١) سورة الحج: الآية ٣٤.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢١٦).\n(٣) وفيه أبحاث في \"الأوجز\"، الأول: في لغته والثاني: في تعريفه شرعًا، والثالث: في سبب وجوبه، والرابع: في الفور والتراخي، والخامس: في عام فرضه، والسادس: في سبب تأخيره ﵇، والسابع: هل وجوبه مخصوص لنا أو من الشرائع السابقة؟ ولا شك أن الأنبياء قبلنا حجوا، والثامن: في حكمه، والتاسع: في فضل البيت، والعاشر: في تكفير الخطايا بالحج. (٦/ ٣١٧ - ٣٣٤). (ش).","vol":"7","page":5},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأن يهاجر. وقال ابن الجوزي: حج حججًا لا يعلم عددها، وأخرج الحاكم بسند صحيح عن الثوري: أنه ﵊ حج قبل أن يهاجر حججًا، وأما ما روى الترمذي عن جابر: \"أن النبي - ﷺ - حج قبل أن يهاجر حجتين\". وفي رواية لابن ماجه والحاكم: \"ثلاثًا\"، فمبني على علمه، ولا ينافي إثبات زيادة غيره، ثم حج رسول الله - ﷺ - بعد الهجرة سنة عشر، وهي حجة الوداع، وقد حج بالناس سنة ثمان - وهي عام الفتح - عتّاب بن أسيد، وحج بهم أبو بكر في سنة تسع من الهجرة.\nوقال ابن الهمام: فرضية الحج كانت سنة تسع، أو سنة خمس، أو سنة ست، وتأخيره ﵊ ليس يتحقق فيه تعريض الفوات؛ لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويُعَلِّم الناس مناسكهم تكميلًا للتبليغ، والأظهر أنه ﵇ أخّره عن سنة خمس أو ست لعدم فتح مكة، وأما تأخيره عن سنة ثمان فلأجل النسيء، وأما تأخيره عن سنة تسع فلما ذكرنا في رسالة مسماة بـ \"التحقيق في موقف الصديق\"، هذا ملخص ما في شرح علي القاري (١) مع التقديم والتأخير.\nوأصل الحج في اللغة: القصد، قال في \"لسان العرب\": الحج: القصد، حج إلينا فلان أي قَدِمَ، وحجه يحجه حجًّا: قصده، وحججت فلانًا واعتمدته أي: قصدته، ورجل محجوج أي: مقصود، وقد حج بنو فلان فلانًا: إذا أطالوا الاختلافَ إليه، قال المخبل السعدي:\nوأشهد من عوف حلولًا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا\nأي: يقصدونه ويزورونه، قال ابن السكيت: يقول: يكثرون الاختلاف إليه، هذا الأصل، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك والحج إلى البيت خاصة، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٣٧٩).","vol":"7","page":6},{"text":"١٧٢١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سِنَانٍ،\n===\nوهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان، نقل الطبري أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم، ونقل عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه، ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلَّا لعارض كالنذر، واختلف هل هو على الفور أو التراخي، انتهى ما قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\nقال القاري (٢): ثم اختلف في أن الحج كان واجبًا على الأمم قبلنا أم وجوبه مختص بنا لكمالنا؟ والأظهر الثاني، واختار ابن حجر الأولَ، واستدل بقوله: \"ما من نبي إلَّا وحج البيت\"، فهو من الشرائع القديمة.\nوجاء أن آدم ﵊ حج أربعين سنة من الهند ماشيًا، وأن جبرئيل قال له: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بالكعبة سبعة آلاف سنة، وهذا كما ترى لا دلالة فيه على إثباته ولا على نفيه، وإنما يدل على أنه مشروع فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يلزم من كونه مشروعًا أن يكون واجبا، مع أن الكلام إنما هو في الأمم قبلنا، ولا يبعد أن يكون واجبًا على الأنبياء دون أممهم، فيكون هذا من خصوصيات الأنبياء وأتباع سيد الأصفياء، كما حقق في \"باب الوضوء\"، انتهى.\n١٧٢١ - (حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين) ثقة في غير الزهري باتفاقهم، (عن الزهري، عن أبي سنان) بكسر سين مهملة، وخفة نون: يزيد بن أمية الدؤلي، المدني، والد سنان، ويقال: اسمه ربيعة، قال أبو زرعة:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٨).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٣٧٨).","vol":"7","page":7},{"text":"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ النَّبِىَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَجُّ فِى كُلِّ سَنَةٍ (١) أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: «بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَمَنْ (٢) زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» (٣). [ن ٢٦٢٠، جه ٢٨٨٦، حم ١/ ٢٥٥، دي ١٧٨٨]\n===\nثقة، وقال أبو حاتم: وُلدَ زمنَ أحدٍ، له في السنن حديثه عن ابن عباس في الحج.\n(عن ابن عباس: أن الأقرع بن حابس) التميمي، المجاشعي، الدارمي، وقد على النبي - ﷺ -، وشهد فتحَ مكة، وحنينًا، والطائف، وهو من المؤلَّفة قلوبهم، وكان حكمًا في الجاهلية، وإنما قيل له: الأقرع لقرع كان برأسه، وكان اسمه فراس، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سَيَّره على خراسان، فأصيب بالجوزجان هو والجيش، وقيل: قتل باليرموك في عشرة من بنيه.\n(سأل النبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة) بتقدير همزة الاستفهام، أي: أيجب الحج في كل سنة (أو مرة واحدة؟) أي: أَو يجب مرة واحدة في العمر؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (بل مرة (٤) واحدة) في العمر (٥)، (فمن زاد فهو) أي الزائد (٦) (تطوع).\n_________\n(١) في نسخة: \"عام\".\n(٢) في نسخة: (ومن).\n(٣) في نسخة: \"فتطوع\".\n(٤) استدل به الشافعية أن المرتد إذا حج في الإِسلام ثم ارتد - والعياذ بالله - لا يعيده، خلافًا لمالك وأبي حنيفة إذ قالا: بطل حجه، وعليه الإعادة، كذا في \"المنهل\" (١٠/ ٢٥٧، ٢٥٨). (ش).\n(٥) وورد: \"لو قلت: نعم، لوجبت\"، كذا في \"المرقاة\" (٥/ ٣٨٠)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٥/ ١١١، ١١٢)، ووجَّهه الشيخ ولي الله في \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٥٧) بتوجيه لطيف، ولأهل الأصول في اجتهاده ﵊ أريعة أقوال تقدمت في الجزء الأول من \"البذل\" (ش).\n(٦) وعليه يحمل حديث البيهقي الأمرُ بالحج في كل خمسة أعوام، كما في \"شرح الإقناع\" (١/ ٢١٦)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٥٩). (ش).","vol":"7","page":8},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ أَبُو سِنَانٍ الدُّؤَلِىُّ، كَذَا قَالَ عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ، وَقَالَ عُقَيْلٌ: سِنَانٍ.\n١٧٢٢ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنٍ لأَبِى (١) وَاقِدٍ اللَّيْثِىِّ،\n===\n(قال أبو داود: هو أبو سنان الدؤلي، كذا قال عبد الجليل بن حميد) (٢) اليحصبي، أبو مالك المصري، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أحمد بن رشدين عن أحمد بن صالح: ثقة. (وسليمانُ بن كثير (٣) جميعًا عن الزهري) كما قال سفيان بن حسين عنه بلفظ: أبي سنان. (وقال عقيل: سنان) أي خالفهم، وقال بترك لفظ: أبي.\n١٧٢٢ - (حدثنا النفيلي، نا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن ابنٍ لأبي واقد الليثي) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي مبهمًا. وفي حاشية النسخة المجتبائية: ابن أبي واقد الليثي، بإضافة \"ابن\" إلى \"أبي واقد\" معينًا لأنه كنيته، [وهو] واقد بن أبي واقد، كما ذكره الحافظ في \"التقريب\"، و\"تهذيب التهذيب\"، ويوافقه ما في \"مسند الإِمام أحمد\" (٤) من طريق سعيد بن منصور: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن واقد بن أبي واقد الليثي، عن أبيه، وفي أخرى له من طريق محمد بن النوشجان، وهو أبو جعفر السويدي، ثنا الدراوردي، حدثني زيد بن أسلم، عن ابن أبي واقد الليثي، عن أبيه أن النبي - ﷺ - مع قال لأزواجه، الحديث.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": واقد بن أبي واقد الليثي أن النبي - ﷺ - قال لنسائه في حجته: \"هذه ثم ظهور الحصر\"، وعنه زيد بن أَسلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن أبي واقد\".\n(٢) أخرج روايته النسائي (٥/ ١١١)، والدارقطني (٢/ ٢٧٩).\n(٣) أخرج روايته أحمد (١/ ٢٥٥ - ٢٩٠)، والدارمي (١٧٨٨)، والحاكم (٢/ ٢٩٣)، والدارقطني (٢/ ٢٧٩)، والبيهقي (٣/ ٣٢٦).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢١٨، ٢١٩).","vol":"7","page":9},{"text":"عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- يَقُولُ لأَزْوَاجِهِ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصْرِ». [حم ٥/ ٢١٨، ق ٤/ ٣٢٧]\n===\nقلت: لم يسم في رواية أبي داود، وسمي في رواية سعيد بن منصور للحديث الذي أخرجه أبو داود بعينه، وكذا سماه البخاري في \"تاريخه\"، وقال ابن القطان: لا يُعْرَفُ حاله، كذا قال، وذكره ابن منده في \"الصحابة\"، وكناه أبا مراوح، وقال: قال أبو داود: له صحبة.\n(عن أبيه) هو أبو واقد الليثي مختلف في اسمه، قيل: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث، كان حليف بني أسيد، قال البخاري، وابن حبان، والباوردي، وأبو أحمد الحاكم: شهد بدرًا، وقال أبو عمر: قيل: شهد بدرًا ولا يثبت.\n(قال: سمعت (٢) رسول الله - ﷺ - يقول لأزواجه في حجة الوداع: هذه) أي الحجة التي حججتن معي (ثم ظهور) جمع ظهر (الحصر) جمع حصير، أي: تقعدن على ظهور الحصر، وهذا يحتمل معنيين: أولهما: أنه لا يجب عليكن الحج بعد ذلك؛ لأن ما وجب عليكن فقد أديتن، وثانيهما: أنه يجب عليكن أن لا تخرجن من بيوتكن للحج بعد هذه الحجة.\nوقد اختلفت أزواج النبي - ﷺ - في ذلك، فكن يحججن إلَّا سودة وزينب فقالتا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله - ﷺ -، وقد حملت الحديث عائشة ومعها أحباتها على المعنى الأول بأن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، وتأيد ذلك عندها بقوله - ﷺ -: \"لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة\"، وقد أخرج البخاري (٣) من حديث حبيب بن أبي عمرة، قال: حدثتنا عائشة بنت أبي طلحة، عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ - قالت: قلت:\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) أنكر المهلب هذا الحديث وقال: إنه كذب، وتعقبه العيني (٧/ ٢١). (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٨٦١).","vol":"7","page":10},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيا رسول الله! ألا نغزو أو نجاهد معكم؟ فقال: \"لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور\"، قالت عائشة - ﵂ -: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -. ففهمت عائشة - ﵂ - ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن، كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وَخَصَّ به عموم قوله - ﷺ -: \"هذه ثم ظهور الحصر\".\nقال ابن بطال (١): زعم بعض من ينقص عائشة - ﵂ - في قصة الجمل: أن قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢) يقتضي تحريم السفر عليهن، قال: وهذا الحديث أي قوله - ﷺ -: \"لكن أفضل الجهاد الحج\" يردّ عليهم؛ لأنه يدل على أن لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه.\nوكأن عمر - ﵁ - متوقفًا في ذلك، ثم ظهر له قوة دليلها، فأذن لهن في آخر خلافته، وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة ومن في عصره من غير نكير، ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضًا.\nوقد أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٣) عن إبراهيم، عن أبيه، عن جده: \"أَذِنَ عمر - ﵁ - لأزواج النبي - ﷺ - في آخر حجةٍ حجَّها، فبعث معهن عثمان بن عفان - ﵁ -\". قال الحافظ (٤): وكان عثمان ينادي: ألَّا يدنو أحد منهن، ولا ينظر إليهن وهن في الهوادج، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشعب.\nوقال البيهقي (٥) بعد تخريج حديث إذن عمر في حجِّهن، وحديث أبي واقد هذا: قال الشيخ: في حج عائشة - ﵂ - وغيرها من أمهات المؤمنين\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٧٥).\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٣٣.\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٨٦٠).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٧٣).\n(٥) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٢٧).","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>(٢) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَحُجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ</span>\n١٧٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا». [خ ١٠٨٨، م ١٣٣٩، ت ١١٧٠، جه ٢٨٩٩، حم ٢/ ٣٤٠، ق ٣/ ١٣٩]\n===\n- ﵅- بعد رسول الله - ﷺ - دلالة على أن المراد بهذا الخبر وجوب الحج عليهن مرة واحدة كما بين وجوبه على الرجال مرة لا المنع من الزيادة عليه، والله أعلم، انتهى. قال الحافظ (١): وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب.\n\n(٢) (بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَحُجُّ بِغيرِ مَحْرَمٍ)\n١٧٢٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، نا الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه) أبى سعيد (أن أبا هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل لامرأةٍ مسلمةٍ تسافر (٢) مسيرةَ ليلة إلَّا ومعها رجل ذو حرمة منها)، والمراد بذي الحرمة منها محرمها، وهو الذي حرم نكاحها عليه بالتأبيد.\nقال الحافظ (٣): وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أختُ الزوجة وعمتها، وبالمباح أمُّ الموطوءة بشبهة وبنتها، وبحرمتها الملاعنةُ، واستثنى أحمد من حرمت على التأبيد مسلمة لها أب كتابي فقال: لا يكون محرمًا لها، لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٧٥).\n(٢) يستثنى منه سفر المهاجرة والمأسورة؛ كذا في بعض حواشي \"الهداية\" من كتاب الحج، وفي \"الأوجز\" (٨/ ٦٥٦). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٧٧).","vol":"7","page":12},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالأحاديث التي وردت في النهي عن سفر المرأة للحج وغيره إلَّا بمحرم أو زوج اختلفت في مسافة السفر، ففي بعضها: مسيرة ليلة (١)، وفي بعضها: مسيره يوم (٢)، ودي بعصها: مسيره يوم وليلة (٣)، وفي رواية: مسيره يومين أو ليلتين (٤)، وفي رواية: مسيرة ثلاثة أيام (٥). وفي رواية لأبي داود (٦): بريدًا.\nوقال الشوكاني (٧): قد ورد من حديث ابن عباس عند الطبراني (٨) ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد، ولفظه: \"لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذي محرم\"، انتهى.\nقال الشوكاني (٩): اختلفوا: هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا، كالنسوة الثقات؟ فقيل: يجوز لضعف التهمة، وقيل: لا يجوز، بل لا بد من المحرم، انتهى.\nقال في \"البدائع\" (١٠) في شرائط فرضية الحج: فأما الذي يخص النساء فشرطان:\nأحدهما: أن يكون معها زوجها أو محرم لها، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج، وهذا عندنا.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٤٠)، ومسلم (١٣٣٩).\n(٢) أخرجه أحمد أيضًا (٢/ ٢٥١)، ومسلم (١٣٣٩).\n(٣) أخرجه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩).\n(٤) أخرجه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٤١٥/ ٨٢٧).\n(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٧)، ومسلم (١٣٣٩/ ٤٢٢، ٤٢٣)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٥٢٧).\n(٦) سيأتي برقم (١٧٢٥).\n(٧) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٨٩).\n(٨) أخرجه في \"الكبير\" (رقم ١٢٦٥٢).\n(٩) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٨٨).\n(١٠) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٩٩).","vol":"7","page":13},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوعند الشافعي (١) - ﵀ -: هذا ليس بشرط ويلزمها الحج، والخروج من غير زوج ولا محرم إذا كان معها نساء في الرفقة ثقات، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢)، وخطاب الناس يتناول الذكور والإناث بلا خلاف، فإذا كان لها زاد وراحلة كانت مستطيعة، وإذا كان معها نساء ثقات يؤمن الفساد عليها فيلزمها فرض الحج.\nولنا ما روي عن ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ألا لا تَحُجَّنَّ امرأة إلَّا ومعها محرم\". وعن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم أو زوج\". ولأنها إذا لم يكن معها زوج ولا محرم لا يؤمن عليها، إذ النساء لَحْمٌ على وَضَمٍ إلَّا ما ذب عنه. ولهذا لا يجوز لها الخروج وحدها، والخوف عند اجتماعهن أكثر، ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية وإن كان معها امرأة أخرى.\nوالآية لا تتناول النساء حال عدم الزوج والمحرم معها؛ لأن المرأة لا تقدر على الركوب والنزول بنفسها، فتحتاج إلى من يركبها وينزلها، ولا يجوز ذلك لغير الزوج والمحرم فلم تكن مستطيعة في هذه الحالة فلا يتناولها النص، انتهى.\n_________\n(١) وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات كما في \"المغني\" (٥/ ٣٠)، الأول: أنه شرط الوجوب، وهو المذهب، والثاني: شرط الأداء، والثالث: ليس بشرط، وحكاه عن الشافعي ومالك فقالا: يجوز لها سفر الحج الواجب بدون المحرم مع الثقات، والمرجح عندنا كونه شرط أداء، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ٦٤٧، ٦٤٨)، واتفقوا على أنه شرط في الحج النفل، ثم الفرق بين الشافعي إذ قال: مع حرة، وبين مالك إذ قال: مع الثقات، ظاهر، كذا في \"المنهل\" (١٠/ ٢٦١). (ش).\n(٢) سورة آل عمران: الآية ٩٧.","vol":"7","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني (١): قال في \"الفتح\" (٢): وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقديرات. قال النووي (٣): ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وقال ابن التين (٤): وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين. وقال المنذري: يحتمل أن يقال: إن اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة، فمن أطلق \"يوما\" أراد بليلته، أو \"ليلة\" أراد بيومها، قال: ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلًا لأوائل الأعداد، فاليوم: أول العدد، والاثنان: أول التكثير، والثلاث: أول الجمع، ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما ورد من ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد.\nوقد ورد من حديث ابن عباس عند الطبراني ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد، ولفظه: \"لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلَّا مع زوج أو ذي محرم\"، وهذا هو الظاهر، عن (٥) الأخذ بأقل ما ورد، لأن ما فوقه منهي عنه بالأولى، والتنصيص على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث، واليوم والليلة واليومين والليلتين لا ينافيه؛ لأن الأقل موجود في ضمن الأكثر، وغاية الأمران النهي عن الأكثر يدل بمفهومه على أن ما دونه غير منهي عنه، والنهي عن الأقل منطوق، وهو أرجح من المفهوم.\nوقالت الحنفية: إن المنع مقيد بالثلاث؛ لأنه متحقق، وما عداه مشكوك فيه، فيؤخذ بالمتيقن، ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر، فينبغي\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٨٨، ٢٨٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٧٥).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ١١٦، ١١٧).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"النيل\" أيضًا، وفي \"الفتح\" (٤/ ٧٥): ابن المنير.\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"النيل\": أعني.","vol":"7","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأخذُ بها وطرحُ ما سواها؛ فإنه مشكوك فيه، والأولى أن يقال: إن الرواية المطلقة مقيدة بأقل ما ورد، وهي رواية ثلاثة الأميال إن صحت، وإلَّا فرواية البريد.\nوقال سفيان: يعتبر المحرم في المسافهّ البعيدة لا القريبة.\nوقال أحمد: لا يجب الحج على المرأة إذا لم تجد محرمًا، وإلى كون المحرم شرطًا في الحج ذهب العترة، وأبو حنيفة، والنخعي، وإسحاق، والشافعي- في أحد قوليه - على خلاف بينهم، هل هو شرط أداء أو شرط وجوب؟ وقال مالك -وهو مروي عن أحمد-: إنه لا يعتبر المحوم في سفر الفريضة، انتهى.\nقال الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١): اتفقت هذه الآثار كلها عن النبي - ﷺ - في تحريم السفر ثلاثة أيام على المرأة بغير ذي محرم، واختلفت فيما دون الثلاث، فنظرنا في ذلك، فوجدنا النهيَ عن السفر بلا محرم مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا ثابتًا بهذه الآثار كلها، وكان توقيته ثلاثة أيام في ذلك إباحة السفر دون الثلاث لها بغير محرم، ولولا ذلك لما كان لذكره الثلاثَ معنى، ونهى نهيًا مطلقًا ولم يتكلم بكلام يكون فصلًا، ولكنه ذكر الثلاث ليعلم أن ما دونها بخلافها، وهكذا الحكيم يتكلم بما يدل على غيره، ليغنيه عن ذكر ما يدل كلامه ذلك عليه، ولا يتكلم بالكلام الذي لا يدل على غيره، وهو يقدر أن يتكلم بكلام يدل على غيره، وهذا تفضل من الله تعالى لنبيه - ﷺ - بذلك، إذ آتاه جوامع الكلم الذي ليس في طبع غيره القوة عليه.\nثم رجحنا إلى ما كنا فيه، فلما ذكر الثلاث وثبت بذكره إياها إباحة ما هو دونها، ثم ما روي عنه ما في معها (٢) من السفر دون الثلاث من اليوم واليومين، والبريد، فكل واحد من تلك الآثار ومن الأثر المروي في الثلاث\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١١٤، ١١٥).\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: في منعها من السفر، كما في \"شرح معاني الآثار\".","vol":"7","page":16},{"text":"١٧٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ وَالنُّفَيْلِىُّ، عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ\n===\nمتى كان بعد الذي خالفه نسخه، إن كان النهي عن سفر اليوم بلا محرم بعد النهي عن سفر الثلاث بلا محرم فهو ناسخ له، وإن كان خبر الثلاث هو المتأخر عنه فهو ناسخ له.\nفقد ثبت أن أحد المعاني التي دون الثلاث ناسخة للثلاث، أو الثلاث ناسخة لها، فلم يخل خبر الثلاث من أحد وجهين: إما أن يكون هو المتقدم، أو يكون هو المتأخر.\nفإن كان هو المتقدم فقد أباح السفر أقل من ثلاث بلا محرم، ثم جاء بعده النهي عن سفر ما هو دون الثلاث بغير محرم، فحرم ما حرم الحديث الأول، وزاد عليه حرمة أخرى، وهو ما بينه وبين الثلاث، فوجب استعمال الثلاث على ما أوجبه الأثر المذكور فيه.\nوإن كان هو المتأخر، وغيره المتقدم فهو ناسخ لما تقدمه، والذي تقدمه غير واجب العمل به، فحديث الثلاث واجب استعماله على الأحوال [كلها]، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر، ولا يجب إن كان هو المتقدم.\nفالذي قد وجب علينا استعماله والأخذ به في كلا الوجهين أولى مما قد يجب استعمالُه في حال وتركُه في حال.\nوفي ثبوت ما ذكرنا دليل على أن المرأة ليس لها أن تحج إذا كان بينها وبين الحج مسيرة ثلاثة أيام إلا مع محرم، فإذا عدمت المحرم وكان بينها وبين مكة المسافة التي ذكرنا، فهي غير واجدة للسبيل الذي يجب عليها الحج بوجوده، انتهى.\n١٧٢٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة والنفيلي، عن مالك، ح: وحدثنا الحسن بن علي، نا بشر بن عمر، حدثني مالك، عن سعيد بن أبي سعيد،","vol":"7","page":17},{"text":"- قَالَ الْحَسَنُ فِى حَدِيثِهِ: عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا: - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ يَوْما وَلَيْلَةً». فَذَكَرَ (١) مَعْنَاهُ. [حم ٢/ ٢٣٦، خزيمة ٢٥٢٣، وانظر سابقه]\nقال النفيلي: حدثنا مالكٌ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرِ النُّفَيْلِىُّ وَالْقَعْنَبِىُّ: عَنْ أَبِيهِ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ كَمَا قَالَ الْقَعْنَبِىُّ.\n===\nقال الحسن) بن علي شيخ المصنف (في حديثه: عن أبيه)، ولم يذكره عبد الله بن مسلمة والنفيلي (ثم اتفقوا) أي الثلاثة فقالوا: (عن أبي هريرة).\nفرواية عبد الله بن مسلمة والنفيلي عن مالك، عن سعيد، عن أبي هريرة من غير واسطة \"أبيه\"، ورواية بشر عن مالك، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة بزيادة واسطة \"أبيه\" بين سعيد وأبي هريرة، وكلا الطريقين صحيحان؛ لأن لسعيد ولأبيه رواية عن أبي هريرة، فلعل سعيدًا روى هذا الحديث أولًا عن أبيه، عن أبي هريرة، ثم حصل له الرواية بعد ذلك عن أبي هريرة من غير واسطة.\n(عن النبي - ﷺ - قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يومًا وليلة، فذكر) مالك (معناه) أي معنى الحديث المتقدم حديث الليث. (قال النفيلي: حدثنا مالك)، وأما عبد الله بن مسلمة فقال: عن مالك.\n(قال أبو داود: لم يذكر النفيلي والفعنبي: عن أبيه) أي لفظ \"عن أبيه\" في السند، (رواه ابن وهب) (٢) وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، أبو محمد المصري، الفقيه (وعثمان بن عمر) بن فارس بن لقيط العبدي (عن مالك كما قال القعنبي) بترك لفظ: عن أبيه.\n_________\n(١) في نسخة: \"وذكر\".\n(٢) أخرج روايته ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ١٣٤) رقم (٢٥٢٤).","vol":"7","page":18},{"text":"١٧٢٥ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وذَكَرَ (١) نَحْوَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ «بَرِيدا». [خزيمة ٢٥٢٦، ك ١/ ٤٤٢]\n١٧٢٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَهَنَّادٌ، أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعًا حَدَّثَاهُمْ (٢) عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدا، إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا». [م ١٣٤٠، ت ١١٦٩، جه ٢٨٩٨، حم ٣/ ٥٤، دي ٢٦٧٨]\n١٧٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-\n===\n١٧٢٥ - حدثنا يوسف بن موسى، عن جرير، عن سهيل، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -، وذكر) سهيل (نحوه) أي نحو حديث الليث ومالك (إلَّا أنه) أي سهيلًا (قال: بريدًا) والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فالبريد اثنا عشر ميلًا.\n١٧٢٦ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة وهناد، أن أبا معاوية ووكيعًا حدثاهم عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا فوق ثلاثة أيام فصاعدًا، إلا ومعها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو ابنها، أو ذو محرم منها).\n١٧٢٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"فذكر\".\n(٢) في نسخة: \"حدثاهما\".","vol":"7","page":19},{"text":"قَالَ: «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ (١) ثَلَاثًا إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ». [خ ١٠٨٧، م ١٣٣٨، حم ٣/ ١٣]\n١٧٢٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُرْدِفُ مَوْلَاةً لَهُ يُقَالُ لَهَا: صَفِيَّةُ، تُسَافِرُ مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>(٣) بَابٌ: \"لَا صَرُورَةَ</span>\" (٢)\n١٧٢٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِى سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ -، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ (٣)،\n===\nقال: لا تسافر المرأة ثلاثًا) أي ثلاثة أيام (إلَّا ومعها ذو محرم).\n١٧٢٨ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، نا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر كان يُرْدف مولاةً له) أي يركب خلفه على راحلته (يقال لها: صفيَّةُ، تسافر معه إلى مكة) أورد المصنف هذا الحديث ليدل على أن ما وقع في الأحاديث المتقدمة من ذكر المحرم والزوج فليس على سبيل التحديد، بل المراد: المحرم، أو الزوج ومن في معناهما، والمولى لمولاته كالزوج لزوجته، فيجوز سفرها معه كما يجوز سفر الزوجهْ مع الزوج.\n\n(٣) (بَابٌ: \"لا صَرُوْرَةَ\") في الإِسلام\n١٧٢٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو خالد - يعني سليمان بن حيان الأحمر-، عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء (٤)،\n_________\n(١) في نسخة: \"امرأة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"في الإِسلام\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يعني: ابن أبي خوار\".\n(٤) قلت: عمر بن عطاء هو راويان: الأول: عمر بن عطاء بن أبي الخوار، وهو ثقة، والثاني: عصر بن عطاء بن أبي ورَّاز، وهو ضعيف، وكلا الرجلين مكي، ويروي عنهما =","vol":"7","page":20},{"text":"عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا صَرُورَةَ فِى الإِسْلَامِ». [حم ١/ ٣١٢، ك ١/ ٤٤٨، ق ٥/ ١٦٤]\n===\nعن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا صرورة في الإِسلام) قال في \"المجمع\" (١): أبو عبيد: هو التبتل، وترك النكاح، أي: لا ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج؛ لأنه ليس من خُلق المؤمنين، وهو فعل الرهبان، وهو أيضًا من لم يحج قط، من الصر: وهو الحبس والمنع، وقيل: أراد من قَتل في الحرم قُتل، ولا يقبل قوله: إني صرورة، ما حججت [ولا عرفت] حرمة الحرم، كان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حديثًا فلجأ إلى الكعبة لم يُهجْ، فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم قيل له: هو صرورة فلا تَهِجْه.\nثم قال: أي: لا ينبغي أن يكون أحد لم يحج في الإِسلام وهو تشديد (٢)، انتهي.\nوقال في \"لسان العرب\": وفي الحديث: \"لا صرورة في الإِسلام\"، وقال اللحياني: رجل صرورة لا يقال إلَّا بالهاء، قال ابن جني: رجل صرورة وامرأة صرورة ليست الهاء لتأنيث الموصوف بما هي فيه، وإنما لحقت لإعلام السامع أن هذا الموصوف بما هي فيه قد بلغ الغاية والنهاية، فجعل تأنيث الصفة أمارة لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة.\n_________\n= ابن جريج، ولكن اختلف الأئمة في تعيينه في هذا الحديث، والراجح عندي هو ابن أبي الخوار؛ لأنه وقع ذلك مصرحًا في نسخة. وما جاء في \"عون المعبود\" (٥/ ١٥٥): \"هو ابن أبي الخوار، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة\" خطأ. انظر: \"الكامل\" (٥/ ١٦٨٢)، و\"السنن الكبرى\" (٥/ ١٦٤)، و\"التلخيص الحبير\" (٣/ ١١٧)، و\"تحفة الأشراف\" (٦١٦٢)، و\"المعجم الكبير\" (١١/ ٢٣٤) (١١٥٩٥)، و\"مشكل الآثار\" (٣/ ١١٤)، و\"المستدرك\" (١/ ٤٤٨).\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣١٤).\n(٢) قال الطيبي: والمراد منه أنه لا ينبغي أن يكون في الإِسلام أحد يستطيع الحج، ولا يحج، فعبر عنه بهذه العبارة للتشديد والتغليظ. انظر: \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٩٤٥) رقم (٢٥٢٢)، و\"مشكل الآثار\" (٣/ ٣١٤ - ٣١٩) رقم (١٢٨٢).","vol":"7","page":21},{"text":"(٤) بَابُ التِّجَارَةِ (١) في الْحَجِّ\n١٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ - يَعْنِى أَبَا مَسْعُودٍ الرَّازِىَّ - وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِىُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ (٢)\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>(٤) (بَابُ التِّجَارَةِ في الْحَجِّ) </span>هل يجوز أم لا (٣)؟\nفي النسخة المكتوبة الأحمدية في متنها: باب التجارة، ثم زاد في حاشيتها: باب التزوُّد والتجارة، وهو الأوضح. وفي نسخة \"العون\" (٤) في هذا المحل: باب التزود في الحج، ثم عقد قبل الحديث الثاني: باب التجارة في الحج، ولم أره في نسخة.\nومطابقة الحديث بباب التجارة في الحج ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ - قال: والأمر بالتزود لإطلاقه يجوز التزوّد كيفما كان، ومن أفراده أن يتزوّد قليلًا ويتّجر فيه فيبارك له فيه، وتبقى تجارته في ذهابه وإيابه وأيام إقامته بمكة وغيرها، وبهذا يظهر المطابقة بين الترجمة والرواية.\n١٧٣٠ - (حدثنا أحمد بن الفرات - يعني: أبا مسعود الرازيَّ - ومحمدُ بن عبد الله المخرمي، وهذا لفظه) أي لفظ محمد بن عبد الله (قالا: نا شبابة، عن\n_________\n(١) في نسخة: \"التزود\".\n(٢) في نسخة: \"قال: ثنا ورقاء\".\n(٣) قال ابن قدامة (٥/ ١٧٤): أما التجارة والصناعة فلا نعلم في إباحتهما اختلافًا، انتهى. وفي \"أحكام القرآن\" (١/ ٣٠٩، ٣١٠): ولا نعلم في ذلك خلافًا إلَّا ما روي عن سعيد بن جبير وسأله أعرابي، فقال: إني أكري إبلي وأريد الحج أفيجزي؟ قال: لا، ولا كرامة. وهذا قول شاذ خلاف ما عليه الجمهور وخلاف الكتاب، انتهى. وفي \"المنهل\" (١٠/ ٢٧١): في الحديث دليل على إباحة التجارة لا نعلم فيه خلافًا إلا ما حكي عن أبي مسلم الخولاني منع ذلك. (ش).\n(٤) انظر: \"عون المعبود\" (٥/ ١٠٧).","vol":"7","page":22},{"text":"وَرْقَاءَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانُوا يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ - أَوْ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١) [خ ١٥٢٣]\n١٧٣١ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ،\n===\nورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال) ابن عباس: (كانوا يحجون) أي يخرجون للحج (ولا يتزوّدون) أي لا يأخذون الزاد معهم، (قال أبو مسعود) شيخ المصنف بسنده عن ابن عباس: (كان أهل اليمن أو) للشك من الراوي (ناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون) ولا يتوكلون إلَّا على الناس فيسألونهم (فأنزل الله ﷿: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٢). قال ابن جرير (٣) في تفسير هذه الآية: ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يحجون بغير زاد. وكان بعضهم إذا أحرم رمى بما معه من الزاد، واستأنف غيره من الأزودة، فأمر الله جل ثناؤه من لم يكن يتزوّد منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد أن يتحفّظ بزاده فلا يرمي به.\nثم ذكر الأخبار التي رويت في ذلك، ثم ذكر معنى الآية، قال: وتزودوا من أقواتكم ما فيه بلاغكم إلى أداء فرض ربكم عليكم في حجكم ومناسككم؛ فإنه لا بر لله جل ثناؤه في ترككم التزودَ لأنفسكم، ومسأَلَتِكم الناسَ، ولا في تضييع أقواتكم وإفسادها، ولكن البر في تقوى ربكم باجتناب ما نهاكم عنه في سفركم وحجكم، وفعلِ ما أمركم به، فإنه خير التزود، فمنه تزودوا.\n١٧٣١ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا جرير، عن يزيد بن أبي زياد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وهذا لفظ أحمد\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٧.\n(٣) \"جامع البيان\" (٢/ ٢٨٧ - ٢٨١).","vol":"7","page":23},{"text":"عن مُجَاهِدٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: \"قَرَأَ هَذ الآيَةَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قَالَ: كَانُوا لَا يَتَّجِرُونَ بِمِنًى، فَأُمِرُوا بِالتِّجَارَةِ إِذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>(٥) بَابٌ</span>\n١٧٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مِهْرَانَ أَبِى صَفْوَانَ،\n===\nعن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال) مجاهد: (قرأ) أي ابن عباس: (هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١)، قال) ابن عباس: (كانوا) أي المؤمنون (لا يتجرون) قال في \"لسان العرب\": تجر يتجر تجرأ وتجارة: باع وشرى، وكذلك اتّجر وهو افتعل، وقد غلب على الخَمّار. (بمنى، فَأُمِرُوا بالتجارة إذا أفاضوا) أي إذا رجعوا (من عرفات).\nقال ابن جرير في تفسير هذه الآية: إنها نزلت في قوم كانوا لا يرون أن يتجروا إذا أحرموا، يلتمسون البر بذلك، فأعلمهم جل ثناؤه أن لا بر في ذلك، وأن لهم التماس فضله بالبيع والشراء، أي في أيام الحج وفي مواسمه، قلت: وقد قرأ ابن عباس لفظ \"مواسم الحج\" في التنزيل.\n\n(٥) (بَابٌ)، خال عن الترجمة\n١٧٣٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن الحسن بن عمرو) الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف، نسبهّ إلى فقيمٍ بطن من تميم، التميمي الكوفي، وثقه أحمد وابن معين والنسائي. وقال ابن المديني: ثقة صدوق. وقال العجلي: كوفي ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحاكمُ عن الدارقطني وأبو حاتم: لا بأس به.\n(عن مهران أبي صفوان) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": حديثه\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٩٨.","vol":"7","page":24},{"text":"عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَن أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ\". [حم ١/ ٢٢٥، دي ١٧٨٤، ك ١/ ٤٤٨، ق ٤/ ٣٤٠]\n===\nفي الكوفيين، وروى عن ابن عباس: \"من أراد الحج فليتعجل\"، وعنه الحسن بن عمرو الفقيمي، قال أبو زرعة: لا أعرفه إلَّا في هذا الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال الحاكم لما أخرج حديثه هذا في \"المستدرك\": لا يُعرَف بجرح. وقال في \"الميزان\" (١): لا يُدْرى من هو.\n(عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أراد) الحج (فليتعجل)؛ لأنه قد يعوقه عائق ويعرض له مانع فيفوته بذلك الحج، وهذا يدل على وجوبه على الفور، وقد أخرج الإِمام أحمد (٢) عن ابن عباس مرفوعًا قال: \"تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له\".\nوأخرى أيضًا عن ابن عباس عن الفضل أو عن أحدِهما عن الآخر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة\". رواه أحمد وابن ماجه (٣).\nوهذه الأحاديث تدل على أن وجوب الحج على الفور. قال الشوكاني (٤): وإلى القول بالفور، ذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي، ومن أهل البيت: زيد بن علي، والهادي، والمؤيد بالله، والناصر.\nوقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف (٥)، ومحمد، ومن أهل البيت: القاسم بن إبراهيم، وأبو طالب: إنه على التراخي، واحتجوا بأنه - ﷺ - حج سنة عشر، وفرض الحج كان سنة ست أو خمس.\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (رقم ٨٨٢٩).\n(٢) \"مسند أحمد\" (١/ ٣١٤).\n(٣) \"مسند أحمد\" (١/ ٢١٤)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢٨٨٣).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٨٠).\n(٥) وذكر في \"الأوجز\" (٦/ ٣٢٠) أبا يوسف في الأولين. (ش).","vol":"7","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>(٦) بَابُ الْكَرِيِّ</span>\n١٧٣٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا الْعَلَاءُ بْنُ\n===\nوأجيب بأنه اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج، ومن جملة الأقوال: أنه فرض في سنة عشر فلا تأخير، ولو سلم أنه فرض قبل العاشرة فتراخيه - ﷺ - إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك؛ لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة، فلما طهر الله البيتَ الحرامَ منهم حج - ﷺ -؛ فتراخيه لعذر، ومحل النزاع: التراخي مع عدمه، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (١): واختلف في وجوبه على الفور والتراخي، ذكر الكرخي أنه على الفور حتى يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان، وهي السنة الأولى، وذكر أبو سهل الزجاجي الخلافَ في المسألة بين أبي يوسف ومحمد، فقال في قول أبي يوسف يجب على الفور، وفي قول محمد على التراخي وهو قول الشافعي، وروي عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف، وروي عنه مثل قول محمد.\nقلت: ولا مناسبة لهذا الباب بالباب السابق إلَّا أن حديثه له مناسبة بكتاب الحج فهو باب من أبوابه.\n\n(٦) (بَابُ الْكَرِيِّ)\nقال في \"القاموس\": وكَغَنِيّ: المُكَارِي، والكِرْوَة والكِراء بكسرهما: أجرة المستأْجَرِ، كاراه مكاراة وكِراء، واكتراه، وأكراني دابتَه، والاسم الكَرْوَة والكَرْو، ويضم، وجمع المُكاري: أكرياء ومكارون، انتهى.\nوفي \"المجمع\": الكريّ بوزن الصبيّ: من يكري دابته، وقد يقع على المكتري فعيل بمعنى مفعول (٢).\n١٧٣٣ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، نا العلاء بن\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٩٢).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المجمع\" (٤/ ٤٠٦): بمعنى مفعل.","vol":"7","page":26},{"text":"الْمُسَيَّبِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ التَّيْمِىُّ قَالَ: \"كُنْتُ رَجُلًا أُكْرِى فِى هَذَا الْوَجْهِ، وَكَانَ (١) نَاسٌ يَقُولُونَ (٢): إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى رَجُلٌ أُكْرِى فِى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ (٣): إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَقَالَ (٤) ابْنُ عُمَرَ: أَلَيْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّى، وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَتَرْمِى الْجِمَارَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى،\n===\nالمسيب) بن رافع، وما نقل صاحب \"العون\" (٥) عن المنذري: روى عنه العلاء بن المسيب بن عمر، والفقيمي، غير صحيح، والصواب: روى عنه العلاء بن المسيب، والحسن بن عمرو الفقيمي. (نا أبو أمامة) ويقال: أبو أميمة (التيمي) الكوفي، روى عن ابن عمر في التجارة، والكري في الحج\"، وعنه العلاء بن المسيب، والحسن بن عمرو الفقيمي، وشعبة، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، لا يُعْرَفُ اسمه. وقال أبو زرعة: لا بأس به.\n(قال: كنت رجلًا أكري) أي دابتي، من الإفعال (في هذا الوجه) أي سفر الحج، (وكان ناس) لم أقف على تسميتهم (يقولون: إنه ليس لك حج)؛ لأنك لا تسير لأجل الحج بل لأجل الدابة.\n(فلقيت ابنَ عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن!) كنية عبد الله بن عمر - ﵁ - (إني رجل أكري في هذا الوجه وإن ناسًا يقولون: إنه ليس لك حج، فقال ابن عمر: أليس تُحرِمُ)، أي تلبس ثياب الإحرام (وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى،\n_________\n(١) في نسخة: \"فكان أناس\".\n(٢) في نسخة: \"يقولون لي\".\n(٣) في نسخة: \"يقولون لي\".\n(٤) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٥) انظر: \"عون المعبود\" (٥/ ١٠٩)، والأوضح أن يذكر الشارح هذه العبارة بعد: أبو أمامة؛ كما نقلها صاحب \"العون\" في أبي أمامة، فقال: قال المنذري: أبو أمامة هذا لا يعرف اسمه، روى عنه العلاء بن المسيب بن عمر، والفقيمي.","vol":"7","page":27},{"text":"قَالَ: فَإِنَّ لَكَ حَجًّا، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺفلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأَرْسَلَ إِليهِ رَسُولُ - ﷺ - وَقَرَأَ (١) عَلَيْهِ هذه الآيَةَ وَقَالَ: \"لَكَ حَجٌّ\". [حم ٢/ ١٥٥، خزيمة ٣٠٥١] ك ١/ ٤٤٩]\n١٧٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ (٢)، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ،\n===\nقال) ابن عمر: (فإن لك حجًّا) فأفتاه بأداء حجه، استدل الحديث فقال: (جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله - ﷺ - فلم يجبه) لانتظار الوحي (حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣)، فأرسل إليه رسول الله - ﷺ -) فدعاه (وقرأ عليه هذه الآية، وقال) رسول الله - ﷺ -: (لك حج) والاستدلال بهذه الآية على أداء حج من جاء لإكراء دابته ظاهر، فإن الآية لَمّا أُذن فيها للتجارة وتحصيل المال بالبيع والشراء فبالكراء أولى؛ فكما لا يمنع ابثغاء فضل الرب عن الحج فكذلك لا يمنع إكراء الدابة عن الحج، وهذا مجمع عليه.\n١٧٣٤ - (حدثنا محمد بن بشار، نا حماد بن مسعدة) بمفتوحة وسكون سين مهملة، التميمي، ويقال: التيمي، وبقال: مولى باهله، أبو سعيد البصري، وثقه أبو حاتم وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤)، وقال ابن شاهين: ثقة ثقة، لا بأس به، (نا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، (عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير) الظاهر أَنه مولى\n_________\n(١) في نسخة: \"فقرأ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٨\n(٤) \"الثقات\" (٦/ ٢٢٢).","vol":"7","page":28},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَ النَّاسَ في أَوَّلِ الْحَجِّ كَانُوا يَتَبَايعُونَ بِمِنًى، وَعَرَفَةَ (١)، وَسُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَمَواسِم الْحَجِّ، فَخَافُوا الْبَيْعَ وَهُمْ حُرُمٌ، فَأَنْزَلَ اللَّه سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ (٢) عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مَواسِمِ الْحَجِّ قَالَ: فَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا في الْمُصْحَفِ\". [ق ٤/ ٣٣٤، ك ١/ ٤٤٩]\n===\nابن عباس، لا الليثي، كما يدل عيه سياقُ المصنف وكلامُ الحافظ في \"التهذيب\" وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\"، وصححه على شرط الشيخين، فهو يدل على أنه الليثي لا مولى ابن عباس.\n(عن عبد الله بن عباس: أن الناس في أول الحج) أي في زمان الجاهلية (كانوا يتبايعون بمنًى وعرفةَ وسوقِ ذي المجاز) قال في \"القاموس\": وذو المجاز سوق كانت لهم على فرسخ من عرفة بناحية كبكب (ومواسم الحج) جمع موسم، وهو مفعل اسم للزمان، وهو وقت يجمع فيه الحاج كل سنة؛ لأنه معلم لهم، وسمه يسمه وسمًا: أثر فيه بكيٍّ، فلما جاء الإِسلام (فخافوا البيعَ وهم حرم، فأنزل الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج) فأباح الله لهم التجارة فيها.\n(قال) ابن أبي ذئب: (فحدثني عبيد بن عمير أنه) أي ابن عباس (كان يقرؤها) أي كلمة \"في مواسم الحج\" (في المصحف) يعني أن هذه الكلمة منه ليس بطريق التفسير، بل هي في قراءة ابن عباس داخلة في القرآن.\n_________\n(١) في نسخة: \"عرفات\".\n(٢) في نسخة: \"لا جناح عليكم\" كتب عبى هذه النسخة علامة صح في نسخة صحيحة. (ش).","vol":"7","page":29},{"text":"١٧٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّاسَ فِى أَوَّلِ مَا كَانَ الْحَجُّ كَانُوا يَبِيعُونَ (١)، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِهِ مَوَاسِمِ الْحَجِّ\".\n===\nقلت: وليس هذا اللفظ في القراءة المشهورة فهو من القراءات الشاذَّة، والحاصل أن ابن أبي ذئب روى هذا الحديث بواسطة عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير، ولم يكن فيه: أنه كان يقرأها في المصحف، ثم قال ابن أبي ذئب: ثم حدثني عبيد بن عمير بنفسه أن ابن عباس كان يقرأ هذه الكلمة في المصحف.\n١٧٣٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك، أخبرني ابن أبي ذئب، عن عبيد بن عمير) يعني من غير واسطة عطاء بن أبي رباح (قال أحمد بن صالح) والقائل أبو داود (كلامًا) لا أحفظ لفظه (معناه أنه) عبيد بن عمير (مولى ابن عباس).\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": عبيد بن عمير مولى ابن عباس، ويقال: مولى أم الفضل، روى عن ابن عباس، وعنه ابن أبي ذئب، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الحج، قال ابن أبي داود: عبيد هذا غير الليثي، ويدل عليه قول ابن أبي ذئب: حدثني عبيد، فإن ابن أبي ذئب لم يدرك الليثي، والله أعلم.\n(عن عبد الله بن عباس: أن الناس في أول ما كان الحج) أي في زمان الجاهلية (كلانوا يبيعون، فذكر) أحمد بن صالح أو ابن أبي فديك (معناه) أي معنى الحديث المتقدم (إلى قوله: مواسم الحج).\n_________\n(١) في نسخة: \"يتبابعون\".","vol":"7","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>(٧) بَابٌ: في الصَّبِيِّ يَحُجّ </span>(١)\n١٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (٢) -ﷺ- بِالرَّوْحَاءِ فَلَقِىَ رَكْبًا\n===\n\n(٧) (بَابٌ: في الصَّبِيِّ يَحُجُّ)\n١٧٣٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة) ابن أبي عياش الأسدي، المدني، مولى آل الزبير، أخو موسى. قال ابن المديني: له عشرة أحاديث. وقال أحمد، ويحيى، والنسائي: ثقة. وقال الدارقطني: ثقة، ليس فيه شيء. وقال ابن سعد: ثقة قليل الحديث. وقال أبو داود: إبراهيم وموسى ومحمد بنو عقبة كلهم ثقات. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح، لا بأس به، قلت: يُحتَجُّ بحديثه؟ قال: يُكتَبُ حديثه.\n(عن كريب، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - بالرَّوْحاءِ) وهي من أعمال الفرع على نحو من أربعين ميلًا، وفي كتاب مسلم بن الحجاج (٣): على ستة وثلاثين، وفي كتاب ابن أبي شيبة (٤): على ثلاثين ميلًا.\n(فلقي راكبًا) أي جماعة من الركبان، والظاهر أن هذه القصة حين صدر رسول الله - ﷺ - راجعًا من مكة إلى المدينة بعد الفراغ من الحج، كما يظهر من الحديث الذي أخرجه النسائي (٥) بهذا السند عن ابن عباس، قال: \"صدر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"به\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) انظر: \"صحيح مسلم\" (١٥/ ٣٨٨).\n(٤) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٢٢٩)، كتاب الأذان، فيما يهرب الشيطان من الأذان.\n(٥) \"سنن النسائي\" (٢٦٤٨).","vol":"7","page":31},{"text":"فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ (١): «مَنِ الْقَوْمُ؟» فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: فَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَفَزِعَتِ امْرَأَةٌ فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِىٍّ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ مِحَفَّتِهَا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». [م ١٣٣٦، ن ٢٦٤٦، حم ٢/ ٢١٩، ط ١/ ٤٢٢]\n===\nرسول الله - ﷺ -، فلما كان بالروحاء\"، الحديث، وقد صرح الشيخ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢)، فقال: ثم ارتحل رسول الله - ﷺ - راجعًا إلى المدينة، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا إلى آخره.\n(فسلم) رسول الله - ﷺ - (عليهم فقال) رسول الله - ﷺ -: (من القوم؟ فقالوا: المسلمون، فقالوا: فمن أنتم؟ قالوا: رسول الله - ﷺ -) وأصحابه، (ففزعت امرأة) أي خافت فوتَ الجواب وبادرت (فأخذت بعضدِ صبيٍّ فأخرجته من مِحَفَّتِها) بالكسر: مركب للنساء كالهودج إلا أنها لا تقبب. \"قاموس\".\n(فقالت: يا رسول الله، هل لهذا) أي الصبي (حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر (٣». قال الشوكاني في \"النيل\" (٤): قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلَّا أنه إذا حج كان له تطوعًا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه، ولا يلزمه شيء من محظورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال: إذًا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإِسلام لظاهر قوله - ﷺ -: \"نعم\" في جواب قولها: ألهذا حج؟\nوقال الطحاوي (٥): لا حجة في قوله - ﷺ -: \"نعم\" على أنه يجزئه عن حجة\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالوا\".\n(٢) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٩٩).\n(٣) ظاهره أن أجر الحجة للأم، وفي الشامي (٢/ ٢٩٨، ٩/ ٧١٠): حسنات الصبي له، ولهما ثواب التعليم، وهكذا في \"الأشباه والنظائر\" (ص ٣٦). (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٩٣).\n(٥) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧).","vol":"7","page":32},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالإِسلام، بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له، قال: لأن ابنَ عباس- راوي الحديث- قال: \"أيما غلام حج به أهلُه ثم بلغ، فعليه حجة أخرى\"، ثم ساقه بإسناد صحيح.\nويؤيد صحةَ رفعِه ما رواه ابن أبي شيبة (١)، عن ابن عباس قال: \"احفظوا عني، ولا تقولوا: قال ابن عباس\"، وهو ظاهر في الرفع، فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أنه يصح حج الصبي، ولا يجزئه عن حجة الإِسلام إذ بلغ، وهذا هو الحق فيتعين المصير إليه جمعًا بين الأدلة، انتهى.\nوأما مذهب الحنفية في إحرام الصبي فهو ما قال الشيخ السندي في \"لباب المناسك\" وعلي القاري في \"شرحه\" (٢): ينعقد إحرام الصبي المميز للنفل لا للفرض، إذ لا ينعقد إحرامه من (٣) حجة الإِسلام إجماعًا، ويصح أداؤه بنفسه أي دون غيره بأمره، أو بغير أمره لعدم جواز النيابة عند عدم الضرورة، ولا يصح من غيره في (٤) الأداء ولا الإحرام بل يصحان من وليه له، فيحرم عنه من كان أقرب إليه، وهذا كله مبني على انعقاده نفلًا، لكن في \"شرح المجمع\": وعندنا إذا أهل الصبي أو وليه لم ينعقد فرضًا ولا نفلًا، وفي \"الهداية\" ما يدل على انعقاده نفلًا.\nثم قال صاحب \"الهداية\": واختلف المتأخرون فمنع بعضهم انعقادَه أصلًا، وقيل: ينعقد فيكون حج تمرين واعتياد، انتهى.\nويمكن الجمع بأنه لا ينعقد انعقادًا ملزمًا، وينعقد نفلًا غير ملزم، لأنه غير مكلف، ففائدته التعود بعمل الخير، ويتفرع عليه أنه لو لم يفعل شيئًا\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٤/ ٤٤٥).\n(٢) انظر: \"شرح القاري على لباب المناسك\" (ص ١١٢).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"شرح القاري على اللباب\": \"عن\".\n(٤) كذا في الأصل، وفي: \"شرح القاري\": \"لا يصح من غيره الأداء\".","vol":"7","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>(٨) بابٌ: في الْمَوَاقِيتِ</span>\n١٧٣٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ (١)، عن مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا مَالِكٌ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"وَقَّتَ\n===\nمن المأمورات أو ارتكب شيئًا من المحظورات لا يجب عليه شيء من القضاء والكفارات، ويقوي ما ذكرناه في اختلاف المسائل.\nواختلفوا في حج الصبي، قال أبو حنيفة: لا يصح منه، قال يحيى بن محمد: معنى قول أبي حنيفة: \"لا يصح منه\" على ما ذكره أصحابه: أنه لا يصح صحة يعلق بها وجوب الكفارات عليه إذا فعل محظورات الإحرام زيادة في الرفق، لا أنه يخرجه من ثواب الحج، انتهى.\n\n(٨) (بابٌ: في الْمَوَاقِيتِ) (٢)\nقال الحافظ: وأصل التوقيت أن يُجْعَلَ للشيء وقت يختص به - وهو بيان مقدار المدة - ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضًا. قال ابن الأثير: التأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة يقال: وَقَّت الشيءَ - بالتشديد- يوقته، وَوَقَتَه- بالتخفيف- يَقِته: إذا بَيَّن مدته، ثم اتسع فيه فقيل للموضع: ميقات. وقال ابن دقيق العيد: إن التأقيت في اللغة تعليق الحكم بالوقت، ثم استعمل للتحديد والتعيين، قاله الشوكاني في \"النيل\" (٣)، فالمراد بالمواقيت المواضع التي عَيَّنَها رسول الله - ﷺ - للحاج والمعتمر الآفاقيين.\n١٧٣٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: وحدثنا أحمد بن يونس، نا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: وَقّت) أي جعل\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة القعنبي\".\n(٢) حكى صاحب \"الإقناع\" (١/ ٢٢٠) عن الإِمام أحمد أن التوقيت شُرعَ عامَ حجةِ الوداع، فتأمل.\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٩٥)، وانظر: \"الفتح\" (٣/ ٣٨٥).","vol":"7","page":34},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ،\n===\nميقاتًا (١) للإحرام (رسولُ الله - ﷺ - لأهل المدينة ذا الحليفة) (٢) بالتصغير والفاء: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وبهذا المكان آبار تسميها العوام آبار علي، قيل: لأنه - ﵁ - قاتل الجن في بعض تلك الآبار، وهو كذب من قائله، وذو الحليفة أيضًا موضع آخر، وهو الذي وقع في حديث (٣) رافع بن خديج قال: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - بذي الحليفة من تهامة، فأصبنا نهب غنم\" فهو موضع بين حاذة وذات عرق من أرض تهامة، وليس بالذي قرب المدينة.\n(ولأهل الشام الجحفة) بالضم، ثم السكون، والفاء: كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام، وكان اسمها مَهْيَعَة، وإنما سميت الجحفة لأن السيل اجتحفها، وحمل أهلها في بعض الأعوام، وهي الآن خراب، وبينها وبين ساحل الجار نحو ثلاث مراحل، وبينها وبين أقرن- موضع من البحر- ستة أميال، وبينها وبين المدينة ست مراحل، وبينها وبين غدير خم ميلان، كذا في \"معجم البلدان\" (٤).\nوقال في \"لباب المناسك\" و\"شرحه\" (٥): الجُحفة بضم الجيم وسكون الحاء، وهي بالقرب من رباغ، وهو الموضع الذي يحرم الناس منه على يسار الذاهب إلى مكة، فمن أحرم من رباغ فقد أحرم قبلها أي قبل الجحفة؛ لأنها متأخرة عنه، وقيل: الأحوط أن يحرم من رباغ أو قبله لعدم التيقن بمكان\n_________\n(١) قال العيني: اختلفوا: هل الأفضل التزام الحج ها هنا، كما قال به مالك وأحمد وإسحاق، أو هو رخصة؟ كما قال به الثوري والشافعي وأبو حنيفة؛ لما أن الصحابة أحرموا من قبل، ثم بسط أسماءهم (\"عمدة القاري\" ٧/ ٣٠). (ش).\n(٢) وهي أبعد المنازل لتعظيم أجور أهل المدينة، أو لأنهم أحق بتعظيم البيت لأنهم في مهبط الوحي، أو لأنهم في أقرب الآفاق.\n(٣) انظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ١٤٠).\n(٤) \"معجم البلدان\" (٢/ ١١١).\n(٥) \"شرح القاري على لباب المناسك\" (ص ٧٩).","vol":"7","page":35},{"text":"وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا (١)، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَّتَ لأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ\". [خ ١٥٢٥، م ١١٨٢، ت ٨٣١، ن ٢٦٥١، جه ٢٩١٤، حم ٢/ ٣، دي ١٧٩٠]\n١٧٣٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن عمَرٍو، عن طَاوُس، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وعن ابْنِ طَاوسٍ\n===\nالجحفة؛ ذلك لأنها كانت على اثنين وثلاثين ميلًا من مكة، وكانت تسمى مهيعة، فنزل بنو عبيد (٢) وهم إخوة عاد، وكان أخرجهم العماليق من يثرب، فجاءهم سيل فاجتحفهم الجحاف، فسميت الجحفة.\n(ولأهل نجد قرنًا) قال في \"اللباب\" و\"شرحه\": ولأهل نجدِ اليمن، ونجدِ الحجاز، ونجدِ تهامة: قرن، بفتح، فسكون، وهي قرية عند الطائف واسم الوادي كله، وغلط الجوهري في تحريكه وفي نسبة أويس القرني إليه؛ لأنه منسوب إلى قرن بن رومان بن ناجية بن مراد أحد أجداده.\n(وبلغني) أي ما سمعت منه - ﷺ - بغير واسطة، بل سمعت بالواسطة (أنه) أي رسول الله - ﷺ - (وقت لأهل اليمن يلملم) ويقال: أَلَمْلَم موضع على ليلتين من مكة، وفيه مسجد معاذ بن جبل، كذا في \"معجم البلدان\" (٣).\n١٧٣٨ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن عمرو) بن دينار، وفي رواية البخاري (٤) مصرح أنه عمرو بن دينار، قال البخاري: حدثنا مسدد، ثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: \"وقَّت رسول الله - ﷺ - لأهل المدينة\" الحديث، وكذا في النسخة المصرية: عن عمرو بن دينار، فما كتب في حاشية المكتوبة والمجتبائية والقادرية: عمرو بن يسار؛ تصحيف.\n(عن طاوس، عن ابن عباس، وعن ابن طاوس) عطف على قوله:\n_________\n(١) في نسخة: \"القرن\".\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"شرح القاري\": \"بنو عبيل\".\n(٣) \"معجم البلدان\" (٥/ ٤٤١)،\n(٤) \"صحيح البخاري\" (١٥٢٦).","vol":"7","page":36},{"text":"عن أَبِيهِ، قَالَا: \"وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، بِمَعْنَاهُ؛ وَقَالَ أَحَدُهُمَا: وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَلَمْلَمَ،\n===\n\"عمرو\"، يعني: حدث حماد عن عمرو بن دينار، وعن عبد الله بن طاوس، فروى عمرو بن دينار عن طاوس، عن ابن عباس، وكذلك روى عبد الله بن طاوس (عن أبيه) طاوسٍ مرسلًا، لم يذكر ابنَ عباس.\nوقد أخرج الدارقطني هذا الحديث بسنديه في \"سننه\" (١): حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا خلف بن هشام، نا حماد بن زيد، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس، وعبد الله بن طاوس، عن أبيه، رفعاه إلى النبي - ﷺ -: \"أنه وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة\"، الحديث، ثم قال: تابعه سليمان بن حرب وغير واحد، وخالفهم يحيى بن حسان، فأسنده عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس.\nحاصله: أن حديث حماد هذا له طريقان، أحدهما: عن عمرو بن دينار، وهو مسند، وثانيهما: عن عبد الله بن طاوس، وهو مرسل، أرسله خلف بن هشام، عن حماد بن زيد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، ولم يذكر ابن عباس، وتابعه على إرساله سليمانُ بن حرب (٢) كما هو عند أبي داود، وغيرُ واحدٍ، وخالفهم يحيى بن حسان فأسنده.\n(قالا) أي عمرو وعبد الله بسندهما إلى رسول الله - ﷺ -: (وقت رسول الله - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، (وقال أحدهما: ولأهل اليمن يلملم، وقال أحدهما: أَلَمْلَم) والظاهر أنه من قول حماد، ولم يحفظ حماد قول أحدهما من الآخر بأن أيهما قال: يلملم، وأيهما قال: ألملم.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢٣٧، ٢٣٨).\n(٢) في الأصل: \"سليمان بن داود\"، وهو تحريف.","vol":"7","page":37},{"text":"قَالَ: \"فَهُنَّ لَهُمْ وَلمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ (١)، مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -، وفي رواية النسائي: \"وقال\"، عطف على \"وقّت\"، (فهن) أي المواقيت المذكورة (لهم) أي للمذكورين، وفي رواية النسائي: \"لهن\"، أي المواقيت للجماعات المذكورة، أو لأهلهن على حذف المضاف (٢) (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) أي من غير أهل تلك المواقيت.\nقال الحافظ (٣): ويدخل في ذلك من دخل بلدًا ذات ميقات ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلاف، كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور.\nوأطلق النووي الاتفاق [ونفى الخلاف] في \"شرحيه\" لـ \"مسلم\" و\"المهذب\" في هذه المسألة، فلعله أراد في مذهب الشافعي، وإلَّا فالمعروف عند المالكية أن للشامي مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي -وهو الجحفة- جاز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه، وبه قالت الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، انتهى.\nوأما مذهب الحنفية في ذلك ما في \"البدائع\" (٤): من جاوز ميقاتًا من هذه المواقيت من غير إحرام إلى ميقات آخر جاز، إلَّا أن المستحب أن يُحْرِمَ من الميقات الأول، كذا روي عن أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة: إذا مروا على المدينة فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك، وأحب إليَّ\n_________\n(١) في نسخة: \"عليهم\".\n(٢) وفيه دليل للجمهور أن أهل المواقيت حكمهم حكم الآفاقي خلافًا للطحاوي (٢/ ٢٦٢)، إذ قال: حكمهم حكم المكيين، والعجب من القاري إذ قال: لم يذكر في الحديث حكم أهل المواقيت [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٥/ ٢٧٠]. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٦).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٧٢).","vol":"7","page":38},{"text":"مِمَّنَ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ،\n===\nأن يحرموا من ذي الحليفة؛ لأنهم لما وصلوا إلى الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته فيكره لهم تركها، انتهى.\n(ممن كان يريد الحج والعمرة) قال الشوكاني (١): وقد اختُلِفَ في جواز المجاوزة لغير عذر، فمنعه الجمهور، وقالوا: لا يجوز إلَّا بإحرام، من غير فرق بين من دخل لأحد النسكين أو لغيرهما، ومن فعل أثم، ولزمه دَمٌ. وروي عن ابن عمر - ﵁ -، والناصرِ- وهو الأخير من قولي الشافعي، واحد قولي ابن عباس (٢) -: أنه لا يجب الإحرام إلَّا على من دخل لأحد النسكين، لا على من أراد مجرد الدخول، انتهى.\nاستدل الأولون بحديث رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣)، والطبراني في \"معجمه\"، واللفظ لابن أبي شيبة: عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تجاوز الوقت إلَّا بإحرام\".\nوروى الشافعي في \"مسنده\": أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في \"المعرفة\" (٤).\nورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس، فذكره، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر، نحوه، وكان جابر هذا أبو الشعثاء.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٠٢).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"النيل\": أبي العباس.\n(٣) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (رقم ١٣٥١٧)، و\"المعجم الكبير\" (١١/ ٤٣٦) (رقم ١٢٢٣٦).\n(٤) \"معرفة السنن والآثار\" (٩٤٣٨).","vol":"7","page":39},{"text":"وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ\". قَالَ ابْنُ طَاوسٍ: مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا\". [خ ١٥٢٦، م ١١٨١، ن ٢٦٥٤]\n===\nوروى إسحاق بن راهويه في \"مسنده\": أخبرنا فضيل بن عياض، عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إذا جاوز الوقت فلم يحرم حتى دخل مكة رجع إلى الوقت فأحرم، فإن خشي إن رجع إلى الوقت فإنه يحرم ويهريق لذلك دمًا.\nفهذه المنطوقات أولى من المفهوم المخالف في قوله: \"ممن أراد الحج والعمرة\" إن ثبت أنه من كلامه ﵇ دون كلام الراوي.\nوما في مسلم والنسائي (١) \"أنه ﵊ دخل يوم الفتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام\" كان مختصًا بتلك الساعة، بدليل قوله (٢) ﵇ في ذلك اليوم: \"مكة حرام لم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حرامًا\"، يعني الدخول بغير إحرام.\n(ومن كان دون ذلك) أي داخل المواقيت (قال ابن طاوس) فيه إشارة إلى أن لفظ سياق عمرو بن دينار يغاير لفظ ابن طاوس (من حيث أنشأ) (٣) أي ميل من حيث أنشأ وابتدأ سفره.\n(قال) ابن طاوس: (وكذلك) أي كل من كان داخل الميقات وداخل الحرم يفعل ذلك (حتى أهل مكة يهلون منها).\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٣٥٨)، و\"سنن النسائي\" (٢٨٦٩).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٣٤٩)، و\"صحيح مسلم\" (١٣٥٣، ١٣٥٤).\n(٣) قال السندي على البخاري: يشكل عليه قولنا الحنفية إذ قالوا: لمن كان داخل الميقات التأخير إلى آخر الحل، ولاْهل مكة إلى آخر الحرم، والمواقيت لا دخل فيها للقياس، انتهى. وأجاب عنه والدي في تقريره: بأن معناه في أهله وما كان في حكمه، وإليه أشار صاحب \"الهداية\" (١/ ١٣٤) إذ قال: وما كان داخل الميقات إلى الحرم فكله مكان واحد، قلت: وذكر ابن قدامة مستدل جواز التأخير إلى آخر الحرم. [انظر: \"المغني\" (٥/ ٦٢)]. (ش).","vol":"7","page":40},{"text":"١٧٣٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ الْمَدَائنِيُّ،\n===\nوقد فصل البخاري في \"صحيحه\" سياق حديث عمرو بن دينار وسياق حديث عبد الله بن طاوس، فأما لفظ حديث عمرو بن دينار: \"فمن كان دونهن فمن أهله، حتى إن أهل مكة يهلون منها\". وسياق لفظ عبد الله بن طاوس: \"فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة\" (١)، وفي الدارقطني (٢): \"فمن كان دونهن\"، وقال عمرو: \"من أهله\"، وقال ابن طاوس: \"من حيث أنشأ\"، انتهى.\nفالاختلاف الواقع في لفظ عمرو وابن طاوس في لفظ: \"من أهله\"، و\"من حيث أنشأ\" فقط.\nقال الحافظ (٣): أي لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة، فإنه يحرم من مكانه، ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاص بالحاج، وأما المعتمر (٤) فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، كما سيأتي بيانه في \"أبواب العمرة\".\n١٧٣٩ - (حدثنا هشام بن بهرام المدائني) أبو محمد، قال ابن وارة:\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٥٣٠).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢٣٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٦، ٣٨٧).\n(٤) قال المحب الطبري: لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة، فتعين حمله على القارن، واختلف في القارن، فذهب الجمهور إلى أن حكمه حكم الحاج في الإهلال من مكة، وقال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحل، انتهى. \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٧)، وأنكر ابن القيم الخروج إلى الحل للعمرة، وعند الجمهور يجب الخروج للعمرة إلى الحل، ومستدلهم ما روي عن محمد بن سيرين مرسلًا: بلغنا أن رسول الله - ﷺ - وَقَّت لأهل مكة التنعيم، كذا في \"الفتح\"، وكذا في \"المغني\" (٥/ ٥٩)، واختلف في أفضل مواقيت العمرة، كما سيأتي في هامش \"باب المهلَّة بالعمرة\". (ش).","vol":"7","page":41},{"text":"نَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عن أَفْلَحَ- يَعْنِي ابْنَ حُمَيْدٍ -، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذاتَ عِرْق\". [ن ٢٦٥٣، قط ٢/ ٢٣٦، ق ٥/ ٢٨]\n===\nحدثنا هشام بن بهرام، وكان ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". (نا المعافى بن عمران) الأزدي الفهمي، أبو مسعود الموصلي، الفقيه الزاهد، قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، وابن خراش، وابن سعد: ثقة.\n(عن أفلح -يعني ابنَ حميدٍ -) بن نافع الأنصاري، النجاري مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن صاعد: كان أحمد ينكر على أفلح قولَه: \"ولأهل العراق ذات عرق\". قال ابن عدي: ولم ينكر أحمد يعني سوى هذا اللفظ، قد تفرد بها عن أفلح معافى، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لم يحدث عنه يحيى، قال: وروى أفلح حديثين منكرين: \"أن النبي - ﷺ - أشعر\"، وحديث: \"وقَّت لأهل العراق ذات عرق\".\n(عن القاسم بن محمد، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - وقت لأهل العراق ذات عرق) (١)، وقد أخرج مسلم (٢) من حديث جابر مرفوعًا، وفيه: \"ومهل أهل العراق ذات عرق\"، قال ياقوت في \"معجم البلدان\" (٣): وذات عرق: مهل أهل العراق، وهو الحدّ بين نجد وتهامة، وقيل: عرق جبل بطريق مكة، ومنه ذات عرق، وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرّمّة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق، وعرق: هو الجبل المشرف على ذات عرق، انتهى.\n_________\n(١) اختلفوا في أن توقيت ذات عرق من النص أو الاجتهاد، بسطه العيني (٧/ ٣٦)، والزرقاني (٢/ ٢٤٠). (ش).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١١٨٣).\n(٣) \"معجم البلدان\" (٤/ ١٠٧، ١٠٨).","vol":"7","page":42},{"text":"١٧٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا سُفْيَانُ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عن مُحَمَّدِ بْنٍ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ\". [ت ٨٣٢، حم ١/ ٣٤٤، ق ٥/ ٢٨]\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): حديث عائشة، سكت عنه أبو داود والمنذري، وقال في \"التلخيص\" (٢): هو من رواية القاسم عنها، تفرد به المعافى بن عمران عن أفلح عنه، والمعافى ثقة. وحديث جابر أخرجه مسلم على الشك في رفعه، وأخرجه أبو عوانة في \"مستخرجه\" كذلك، وجزم برفعه أحمدُ، وابنُ ماجه، ولكن في إسناد أحمدَ ابنُ لهيعة وهو ضعيف، وفي إسناد ابن ماجه إبراهيمُ بنُ يزيد الخوزي وهو غير محتج به.\nوفي الباب: عن الحارث بن عمرو السهمي عند أبى داود، وعن أنس عند الطحاوي، وعن ابن عباس عند ابن عبد البر، وعن عبد الله بن عمرو عند أحمد، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهذه الطرق يقوِّي بعضها بعضًا، وبها يردّ على ابن خزيمة حيث قال: في \"ذات عرق\" أخبار لا يثبت منها شيء عند أهل الحديث، وعَلَى ابن المنذر حيث يقول: لم نجد في \"ذات عرق\" حديثًا يثبت.\nوقد أعَلَّه بعضهم بأن العراق لم تكن فتحت حينئذ، قال ابن عبد البر: هي غفلة؛ لأن النبي - ﷺ - وَقَّت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح لكونه علم أنها ستفتح، فلا فرق فيها بين العراق والشام.\n١٧٤٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا وكيع، نا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس) عبد الله (قال: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل المشرق) أي لإحرامهم (العقيقَ) قال في\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٩٧، ٢٩٨).\n(٢) \"التلخيص\" برقم (٩٧٠).","vol":"7","page":43},{"text":"١٧٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يُحَنَّسَ،\n===\n\"معجم البلدان\" (١): بفتح أوله، وكسر ثانيه، وقافين بينهما ياء مثناة من تحت، قال أبو منصور: والعرب تقول لكل مسيل ماءٍ شقّه السيلُ في الأرض فأنهره ووسعه: عقيق، قال: وفي بلاد العرب أربعة أَعِقَّة، وهي أودية عادية شقّتها السيول، انتهى.\nقال الحافظ (٢): العقيق المذكور ها هنا واد يتدفق ماؤه في غوري تهامة، وهو غير العقيق المذكور بعد بابين كما سيأتي بيانه، ثم قال الحافظ في شرح قوله - ﷺ - في الحديث: \"صل في هذا الوادي\"، يعني: وادي العقيق، وهو بقرب البقيع، بينه وبين المدينة أربعة أميال.\nوهذا الحديث يخالف ما قبله من الحديث، فأجاب عنه بعضهم بتفرد يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف.\nقال الحافظ: وقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة، منها: أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق. ومنها أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة. ومنها أن ذات عرق كانت أولًا في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة، فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحد، ويتعين الإحرام من العقيق، ولم يقل به أحد، وإنما قالوا: يستحب احتياطًا، انتهى ملخصًا.\n١٧٤١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل (عن عبد الله (٣) بن عبد الرحمن بن يُحَنَّس) بمضمومة وفتح حاء مهملة وشد\n_________\n(١) \"معجم البلدان\" (٤/ ١٣٨).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٠).\n(٣) ظاهر ما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٥٠٣)، رقم (٩٧٤) أن الصواب بدل \"عبد الله\": \"محمد بن عبد الرحمن\"، فنأمل. (ش).","vol":"7","page":44},{"text":"عن يَحْيَى بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الأَخْنَسِيِّ، عن جَدَّتِهِ حُكَيْمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ زَوْج النَّبِي - ﷺ -، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ\" أَوْ \"وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ\"، شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ أَيَّتَهُمَا قَالَ (١). [جه ٣٠٠٢، حم ٦/ ٢٩٩، قط ٢/ ٢٨٣، ق ٥/ ٣٠]\n===\nنون مفتوحة وسين مهملة، حجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\". روى له مسلم حديثًا واحدًا في \"فضل المدينة\" وأبو داود آخر في \"فضل الإحرام من بيت المقدس\".\n(عن يحيى بن أبي سفيان) الأخنس (الأخنسي) بخاء معجمة ونون، المدني، روى عن جدته، وقيل: أمه، وقيل: خالته أم حكيم حكيمة بنت أمية بن الأخنس عن أم سلمة في \"الإحرام من بيت المقدس\"، قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: شيخ من شيوخ المدينة ليس بالمشهور، قلت: لقي أبا هريرة؟ قال: لا. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن جدته حكيمة) بنت أمية بن الأخنس بن عبيد أم حكيم، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أم سلمةَ زوجِ النبي - ﷺ - أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أهل) أي أحرم (بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو) للشك من الراوي (وجبت له الجنة، شك عبد الله أيتهما) أي الكلمتين (قال) أي يحيى بن أبي سفيان.\nذكر الحافظ (٢) في شرح قول البخاري \"باب فرض مواقيت الحج والعمرة\": أن البخاري لا يجيز الإحرامَ بالحج والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي بعد قليل، قال: ميقات أهل المدينة ولا يهلون\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أحرم وكيع من بيت المقدس، يعني: إلى مكة\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٣).","vol":"7","page":45},{"text":"١٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِى الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ السَّهْمِىُّ، حَدَّثَنِى زُرَارَةُ بْنُ كُرَيْمٍ، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو السَّهْمِىَّ\n===\nقبل ذي الحليفة، وقد نقل (١) ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نُقِلَ عن إسحاق وداود وغيرهما عدمُ الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه، وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني، فلم يجيزوا المتقدم على الزماني، وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم، وقال مالك: يكره، انتهى.\n١٧٤٢ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج) ميسرة التميمي، المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، مولاهم، المقعد البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، (نا عبد الوارث، نا عتبة بن عبد الملك السهمي) البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(حدثني زرارة بن كريم) بن الحارث بن عمرو السهمي الباهلي، ويقال: زرارة بن عبد الكريم، وفي \"الخلاصة\": زرارة بن كريم مصغر، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: من زعم أن له صحبة فقدوهم، وقال أبو نعيم في \"الصحابة\": أنه رأى النبي - ﷺ - في حجة الوداع، وقال عبد الحق في \"الأحكام\": لا يُحْتَجّ بحديثه، قال ابن القطان: يعني أنه لا يُعْرَفُ.\n(إن) جدَّه (الحارث بن عمرو) بن الحارث (السهمي) الباهلي، أبو سفينة، نزل البصرة، روى عن النبي - ﷺ - حديثًا واحدًا في مواقيت الحج، والفرع\n_________\n(١) وكذا حكاه ابن قدامة ورجَّح كراهة التقدم، وأجاب عن الحديث بالضعف، لأن راويه ابن أبي فديك ومحمد بن إسحاق وفيهما مقال، قال: ويحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس دون غيره ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحدة (انظر: \"المغني\" ٥/ ٦٥ - ٦٨). (ش).","vol":"7","page":46},{"text":"حَدَّثَهُ قَالَ: \"أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِمِنًى أَوْ بِعَرَفَاتٍ، وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاسُ. قَالَ: فَتَجِئُ الأَعْرَابُ فَإِذَا رَأَوْا وَجْهَهُ قَالُوا: هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ. قَالَ: وَوَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لأَهْلِ الْعِرَاقِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>(٩) بَابُ الْحَائِضِ تُهِلُّ بِالْحَجِّ</span>\n١٧٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا (١) عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"نُفِسَتْ\n===\nوالعتيرة وغير ذلك. قلت: الصواب أن كنيته: أبو سقبة، وفي \"الخلاصة\": أبو مسقبة، كذاك هو عند الحاكم في \"المستدرك\"، وكان الحارث رجلًا جسيمًا، فمسح النبي - ﷺ -، فما زالت نضرة على وجه الحارث حكى هلك.\n(حدثه قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وهو بمنى أو) للشك من الراوي (بعرفات، وقد أطاف) أي أحاط (به الناس، قال: فتجيء الأعراب فإذا رأوا وجهه) أي رسول الله - ﷺ - (قالوا: هذا وجه مبارك، قال) أي حارث بن عمرو: (ووقّت) أي رسول الله - ﷺ - (ذات عرق لأهل العراق) أي مهلهم.\n\n(٩) (بَابُ الْحَائِضِ تُهِلُّ) أي تحرم (بِالْحَجِّ) والعمرة\n١٧٤٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبدة، عن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) أي القاسم بن محمد بن أبي بكر، (عن عائشة قالت: نفست) قال في \"النهاية\" (٢): يقال: نُفِسَت المرأة وَنَفِسَت، فهي منفوسة ونفساء: إذا ولدت، فأما الحيض فلا يقال فيه إلَّا \"نَفِسَت\" بالفتح. وقال في \"المجمع\" (٣): بالضم والفتح في الحيض والنفاس، لكن الضمَّ في الولادة، والفتحَ في الحيض أكثر.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ٩٥).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٧٥).","vol":"7","page":47},{"text":"أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا بَكْرٍ أَنْ تَغْتَسِلَ (١) وتُهِلَّ\". [م ١٢٠٩، جه ٢٩١١، دي ١٨٠٤]\n١٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو مَعْمَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ،\n===\nقال النووي (٢): قولها: نفِست أي ولدت، وهي بكسر الفاء لا غير، وفي النون لغتان: المشهورة: ضمها، والثانية: فتحها، سمي نفاسًا لخروج النفس وهي المولود والدم أيضًا، وقال القاضي: وتجري اللغتان في الحيض أيضًا. يقال: نفست، أي حاضت بفتح النون وضمها، قال: ذكرهما صاحب \"الأفعال\"، قال: وأنكر جماعة الضمَّ في الحيض.\n(أسماءُ بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة) وهي بذي الحليفة على ستة أميال من المدينة، وكانت سمرة، كان النبي - ﷺ - ينزلها ويحرم منها، قال النووي: وفي رواية: بذي الحليفة، وفي رواية: بالبيداء، هذه المواضع الثلاثة متقاربة، فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء فهي بطرفِ ذي الحليفة.\n(فأمر رسول الله - ﷺ - أبا بكر) أن تأمرها (أن تغتسل (٣) وَتُهِلَّ) أي تحرم، ولما كان للحائض والنفساء حكم واحد شرعًا استدل المصنف بالنفساء، أي بجواز إحرامها على جواز إحرام الحائض.\n١٧٤٤ - (حدثنا محمد بن عيسى واسماعيل بن إبراهيم أبو معمر قالا: نا مروان بن شجاع) الجزري الحراني، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله الأموي،\n_________\n(١) في نسخة: \"ترجل\".\n(٢) \"شرح النووي\" (٤/ ٣٩٣).\n(٣) فيه غسلها للإحرام؛ واختلفوا في تعليله، فقيل: للنظافة، ولذا لا يشرع التيمم عند العجز، وقيل: يسن التيمم، وقصر العلة في بعض المواقع لا يضر، ومال الخطابي إلى أنه تشبُّةٌ بالطاهرات، والتشبُّه بأهل الفضل مندوب، فهذه ثلاثة أقوال للمشايخ، والبسط في \"الأوجز\" (٦/ ٣٤٣، ٣٤٤) وهذا الغسل فرض عليها عند ابن حزم. (ش).","vol":"7","page":48},{"text":"عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا أَتَتَا (١) عَلَى الْوَقْتِ تَغْتَسِلَانِ وَتُحْرِمَانِ وَتَقْضِيَانِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ». [ت ٩٤٥، حم ١/ ٣٦٤]\n===\nمولى محمد بن مروان بن الحكم، نزل بغداد، وهو عم الحضير بن شجاع، ويقال له: الخصيفي لكثرة روايته عن خصيف. عن أحمد: شيخ صدوق، وعنه أيضًا: لا بأس به. وكذا قال أبو داود. وقال ابن معين، ويعقوب بن سفيان، والدارقطني: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، ليس بذاك القوي، في بعض ما يرويه مناكير، يُكتَب حديثُه. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وذكره ابن حبان أيضًا في \"الضعفاء\"، فقال: يروي المقلوبات عن الثقات.\n(عن خُصيف، عن عكرمة ومجاهد وعطاء، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت) أي ميقات الحج والعمرة (تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسكَ كلها) أي أفعال الحج (غير الطواف بالبيت) فإن الطواف بالبيت يكون في المسجد، وهما ممنوعتان عن دخوله.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وفيه دليل على أن الحائض تسعى، ويؤيد قولُه في حديث عائشة: \"افعلي ما يفعل الحاج ... إلخ\"، ولكنه قد زاد ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر - ﵄- الذي أشرنا إليه بعد قوله: \"إلَّا الطواف\"، ولفظه: \"وبين الصفا والمروة\"، وكذلك زاد هذه الزيادة الطبراني من حديثه، وقد قال الحافظ: إن إسناد ابن أبي شيبة صحيح، وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهارة غير واجبة، ولا شرط في السعي، ولم يَحْكِ ابْن المنذر القول بالوجوب إلَّا عن الحسن البصري. قال في \"الفتح\": وقد حكى المجد بن تيمية من الحنابلة- يعني: المصنف- رواية عندهم مثله، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"أتوا\"، وفي أخرى: \"أتيا\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٩٦).","vol":"7","page":49},{"text":"قَالَ أَبُو مَعْمَرٍ فِى حَدِيثِهِ: \"حَتَّى تَطْهُرَ\"، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عِيسَى عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدًا.\nقَالَ: عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ عِيسَى: «كُلَّهَا» قَالَ: «الْمَنَاسِكَ إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ».\n===\nقلت: السعي بين الصفا والمروة ليس مشروطًا بالطهارة، بل شرطه أن يكون بعد طواف على الطهارة عن الجنابة والحيض والنفاس، فإن لم تكن طاهرًا عنها وقت الطواف لم يجز السعي أصلًا، فإذا حاضت المرأة قبل الطواف، فهي ممنوعة عن الطواف وعن السعي بعدها؛ لأن تقدم الطواف الكاملي شرط له، وأما إذا حاضت بعد الطواف قبل السعي فلها أن تسعى بين الصفا والمروة، فالزيادة التي صححها الحافظ (١) وهو استثناء السعي أيضًا باستثناء الطواف لا يخالف الجمهور.\n(قال أبو معمر في حديثه: حتى تطهر) أي زاد أبو معمر في حديثه بعد قوله: \"غير الطواف بالبيت\" لفظ: \"حتى تطهير\" (ولم يذكر ابن عيسى عكرمةً ومجاهدًا، قال: عن عطاء، عن ابن عباس) أي ذكر عطاء فقط (ولم يقل ابن عيسى) لفظ: (كلها، قال:) وتقضيان (المناسكَ إلَّا الطواف بالبيت).\nقال النووي (٢): وفيه صحةُ إحرام النفساء والحائض، واستحبابُ اغتسالهما للإحرام، وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور: أنه مستحب، وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب، والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلَّا الطواف وركعتيه.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٠٥).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٩٣).","vol":"7","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>(١٠) بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ</span>\n١٧٤٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلإِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ\". [خ ١٥٣٩، م ١١٨٩، ت ٩١٧، ن ٢٦٨٤، جه ٢٩٢٦، حم ٦/ ٣٩، دي ١٧٩٨]\n١٧٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ،\n===\n\n(١٠) (بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإحْرَامِ)\n١٧٤٥ - (حدثنا القعنبي وأحمد بن يونس قالا: نا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أُطَيِّب (١) رسولَ الله - ﷺ - لإحرامه قبل أن يحرمَ، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت) أي طواف الزيارة.\n١٧٤٦ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل بن زكريا، عن الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعي، أبو عروة الكوفي، قال ابن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا أو أكثر. وقال ابن معين: ثقة صالح، وقال العجلي، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال الساجي: صدوق. وقال يعقوب بن سفيان: كان من خيار أهل الكوفة. وقال البخاري:\n_________\n(١) استدل بهذا الباب الجمهور فقالوا: يسن التطيب للبدن ولو بما بقي، لا في الثوب، لكن لو تطيب فلا بأس هذا عند الشافعية والحنابلة، وأما عند الشيخين من الحنفية فكذلك في البدن، وفي الثوب لهما روايتان: مثل البدن، أو لا يجوز، وكره محمد ومالك ما يبقى مطلقًا في الثوب وفي البدن، وحملا الحديث على الخصوصية، أو أنه ﵇ اغتسل بعد الجماع، وكان التطيب قبله، أو كان الوبيص أثره ولم يبقَ رائحته، أو أن عمل أهل المدينة على خلافه وغير ذلك، وتعقَّب هذه التوجيهات الحافظ (٣/ ٣٩٨، ٣٩٩)، واستدل بما سيأتي في \"باب الرجل يحرم في ثيابه\" من حديث يعلى، وأجاب عنه الجمهور بما سيأتي في ذيله. (ش).","vol":"7","page":51},{"text":"عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ (١) فِى مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُحْرِمٌ\". [خ ٢٧١، م ١١٩٠، جه ٢٩٢٧، حم ٦/ ٣٨]\n===\nلم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله؛ لأن عامة حديثه مضطرب. وضعَّفه الدارقطني بالنسبة إلى الأعمش.\n(عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - ﵂ - قالت: كأني أنظر إلى وَبِيْصِ المسك) الوبيص بالموحدة المكسورة وآخره صاد مهملة: هو البريق، وقال الإسماعيلي: إن الوبيص زيادة على البريق، وإن المراد به التلألؤ، وإنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط (في مفرق) وهو المكان الذي يُفْتَرَقُ فيه الشعر في وسط الرأس، وفي رواية البخاري (٢) بصيغة الجمع تعميمًا لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر (رسولِ الله - ﷺ - وهو محرم).\nقال الحافظ (٣): واستدل به على استحبابِ التطيب عند إرادة الإحرام، وجوازِ استدامته بعد الإحرام، وأنه لا يضر بقاء لونِهِ ورائحتِهِ، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وهو قول الجمهور، وعن مالك: يحرم ولكن لا فدية، وفي رواية عنه: تجب، وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى عينُه بعده، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (٤): ويتطيب بأي طيب شاء، سواء كان طيبًا تبقى عينه بعد الإحرام أو لا تبقى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول محمد أولًا، ثم رجع، وقال: يكره له أن يتطيب بطيب تبقى عينه بعد الإحرام، وحكي عن محمد في سبب رجوعه أنه قال: كنت لا أرى به بأسًا حتى رأيت قومًا أحضروا طيبًا كثيرًا، ورأيت أمرًا شنيعًا فكرهته.\n_________\n(١) في نسخة: \"الطيب\".\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٥٣٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٨).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٣٥).","vol":"7","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>(١١) بَابُ التَّلْبِيدِ</span>\n١٧٤٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ -، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"سَمِعْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- يُهِلُّ مُلَبِّدًا\". [خ ١٥٤٠، م ١١٨٤، ن ٢٦٨٣، جه ٣٠٤٧، حم ٢/ ١٢٠]\n١٧٤٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ\n===\n\n(١١) (بَابُ التَّلْبِيْدِ) (١)\nقال في المجمع (٢): التلبيد أن يجعل في الشعر شيء من صمغ عند الإحرام لئلا يشعث ويقمل، إبقاءً على الشعر من طول مكثه في الإحرام.\n١٧٤٧ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم - يعني ابن عبد الله-، عن أبيه) أي عبد الله بن عمر (قال: سمعت النبي - ﷺ - يُهِلُّ) أي يرفع صوته بالتلبية (ملبدًا) اسم فاعل من التلبيد، أي حالَ كونه ملبِّدًا شعرَ رأسه.\n١٧٤٨ - (حدثنا عبيد الله بن عمر) بن ميسرة، (نا عبد الأعلى، نا محمد بن\n_________\n(١) لم أجد بَعْدُ بسطَ الكلام على اختلاف الأئمة في ذلك، وذكر القسطلاني (٤/ ٣٥) أنه مسنون عند الشافعية، وهكذا في \"تحفة المحتاج\"، وزاد في الجنايات: ولو بذي جرم، وسكت عنه فروع المالكية والحنابلة إلا أن صاحب \"الإكمال\" ذكر أنه سنة، وكذا ابن القيم في \"الهدي\" (٢/ ١٥٨)، وذكره أصحابنا في الجنايات، وأوجبوا فيه الدم إلَّا الشامي فذكر عن ابن الهمام عن رشيد الدين أنه حسن، وهكذا ذكره على هامش \"البحر\" (٣/ ٥٧٥، ٥٧٦)، وظاهر ميل صاحب \"البحر\" (٣/ ٥) إلى الإباحة، وذكر العيني (٧/ ٥٤) في اللباس أنه مندوب، لكنه يحتمل أنه فسر كلام عمر - ﵁ - لا قول نفسه. (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٧١).","vol":"7","page":53},{"text":"إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْعَسَلِ\" (١). [ق ٥/ ٣٦]\n===\nإسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - لبَّد (٢) رأسه بالعسل).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): ولأبي داود والحاكم من طريق نافع عن ابن عمر: \"أنه ﵊ لبَّد رأسه بالعسل\". قال ابن عبد السلام: يحتمل أنه بفتح المهملتين، ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره، قلت: ضبطناه في روايتنا في \"سنن أبي داود\" بالمهملتين. انتهى.\nقال العيني في \"شرح البخاري\" (٤): روى أبو داود من حديث ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: \"أن النبي - ﷺ - لبَّد رأسَه بالعسل\"، ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال ابن الصلاح: يحتمل أن لفظ العسل بالمهملتين، ويحتمل من حيث المعنى: أن الغسل بكسر المعجمة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره. وقال بعضهم: ضبطناه في روايتنا من \"سنن أبي داود\" بالمهملتين، قلت: ليت شعري ممن ضبطه؟ وقد قال ابن الصلاح: الرواية بالعين المهملة لم تضبط، والعقل يشهد بلا إهمال، فافهم.\nوقال في \"درجات مرقاة الصعود\" (٥): قال ابن الصلاح: يحتمل بعين كسبب، وبنقطة كسدر، إنما ضبطناه بروايتنا في أبي داود بمهملتين، قلت: فإن قيل بمهملتين يجتمع عليه الذباب فلا يفعله - ﷺ -، قلت: قد ورد بشمائله أنه لا ينزل عليه، فهو مأمون من أذاه، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"الغسل\"، في أكثر النسخ بالغين المعجمة.\n(٢) قال القاري: ليس في الحديث دليل على أنه كان عند الإحرام، فتأمل. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤١٧)]. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٠).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٤).\n(٥) (ص ٨٩).","vol":"7","page":54},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأنا أقول: إن استعمال العسل وهو لعاب الذباب بعيد من العقل، وإن كان رسول الله - ﷺ - محفوظًا من نزول الذباب عليه؛ لأن لُزوجته تنتشر في الثياب والبدن ولا ييبس فيؤذي، فالأولى أن يقال: إن كانت الرواية بالمهملتين صحيحة محفوظة: أن معناه صمغ العرفط (١) كما صرح به صاحب \"القاموس\" و\"لسان العرب\" في كتبهم، ولفظ صاحب \"لسان العرب\" هكذا: والعرب تسمي صَمْغَ العُرْفُط عسلًا لحلاوته.\nقال في \"رد المحتار\" (٢): التلبيد أن يأخذ شيئًا من الخطمي والآس والصمغ، فيجعله في أصول الشعر ليتلبّد. \"بحر\". قال في \"الفتح\": فإن كان ثخينًا فلَبَّدَ الرأس ففيه دَمَان للطيب والتغطية إن دام يومًا وليلة على جميع رأسه أو ربعه، انتهى.\nأما لو غطاه أقل من يوم فصدقة، وهذا في الرجل، أما المرأة فلا تُمنَع من تغطية رأسها.\nواستشكل في \"الشرنبلالية\" إلزام الدم بالتغطية بالحناء بقولهم: إن التغطية بما ليس بمعتاد لا توجب شيئًا.\nقلت: وقد يجاب (٣) بأن التغطية بالتلبيد معتادة لأهل البوادي لدفع الشعث والوسخ عن الشعر، وقد فعله - ﷺ -.\nلكن أجاب المقدسي بأن التلبيد الذي فعله ﵊ يجب حمله على ما هو سائغ، وهو اليسير الذي لا تحصل به تغطية، قلت: وعليه يحمل ما في \"الفتح\" عن رشيد الدين في \"مناسكه\": وحسن أن يلبد رأسه قبل إحرامه، انتهى.\n_________\n(١) العُرْفُطْ بالضم: شجر من العضاه، الواحدة: عرفطة.\n(٢) \"رد المحتار\" (٣/ ٥٧٥، ٥٧٦).\n(٣) وبه جزم ابن عابدين. (ش).","vol":"7","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>(١٢) بَابٌ: في الْهَدْي</span>\n١٧٤٩ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، الْمَعْنَى، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى نَجِيحٍ -: حَدَّثَنِى مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِى هَدَايَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جَمَلًا\n===\nفإن قلت: في هذا التلبيد بظاهره مخالفة لما روي عنه - ﷺ - سأل رجل فقال: ما الحاج؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"الشعث التفل\"، والشعث انتشار الشعر وتفرقها. قلت: ليس فيهما مخالفة أصلًا؛ لأن المراد من الشعث ترك الزينة، والتلبيد ليس بزينة، بل هو دفع أذى انتشار الشعر.\n\n(١٢) (بَابٌ: في الْهَدْى)\nبفتح، فسكون، وبفتح فكسر مشددة، وهو ما يُهدَى إلى الحرم من النعم، شاة كانت أو بقرة أو بعيرًا، الواحدة هدية\n١٧٤٩ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، ثنا محمد بن إسحاق، وثنا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، عن) محمد (بن إسحاق، المعنى) أي معنى حديث محمد بن سلمة ويزيد بن زريع واحد (قال: قال عبد الله -يعني ابنَ أبي نجيح-: حدثني مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله - ﷺ -) فيه وضع المظهر موضع المضمر (جملًا) (٢) مفعول لأهدى، أي أهدى رسول الله - ﷺ - جملًا\n_________\n(١) في نسخة: \"ح، وثنا\".\n(٢) فيه حجة لمالك أن الهدي لا يختص بالإناث، بل يعم الذكور أيضًا خلافًا للشافعي إذا قال: يختص بالإناث، كذا في \"المنتقى\" (٢/ ٣٠٨)، و\"المدونة\" (١/ ٣٠٨)، ولا يصح حكايته خلاف الشراح، نعم فيه خلاف لابن عمر، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٤٩٢، ٤٩٣). (ش).","vol":"7","page":56},{"text":"كَانَ لأَبِي جَهْلٍ في رَأسِهِ بُرَةُ فِضَّةٍ. قَالَ ابْنُ مِنْهَالِ: بُرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، زَادَ النُّفَيْلِيُّ: يَغِيظُ بِذلِكَ الْمُشْرِكِينَ\". [حم ١/ ٢٦١، خزيمة ٢٨٩٧، ك ١/ ٤٦٧]\n===\n(كان لأبي جهل) (١) في هداياه (في رأسه) أي أنفه (بُرَة) البرة بضم الموحدة وفتح الراء المخففة، قال أبو علي: أصله بروة لأنها تجمع على برات وبرون كثبات وثبون (فضة) بالإضافة.\nقال القاري (٢): قال الشارح: أي في أنفه حلقة فضة، فإن البرة حلقة من صفر ونحوه تجعل في لحم أنف البعير، وقال الأصمعي: في أحد جانبي المنخرين، لكن لما كان الأنف من الرأس قال في رأسه على الاتساع، والأظهر أنه مجاز المجاورة من حيث قربه من الرأس لا من إطلاق الكل على البعض.\n(قال ابن منهال: برة من ذهب) قال القاري: ويمكن التعدد باعتبار المنخرين. (زاد النفيلي: يَغيظ بذلك المشركين) بفتح حرف المضارعة أي يوصل الغيظ إلى قلوبهم في نحر ذلك الجمل.\nقلت: خاتمة: جمله أجمل منه، فإنه نحو (٣) في سبيل الله، وأكل منه رسوله وأولياؤه.\n_________\n(١) أشكل على الحديث ما في \"الترمذي\" برقم (٨١٥) أن جمل أبي جهل كان في هدايا رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، والراجح ما في أبي داود كما بسط في \"الكوكب\" (٢/ ٨٨ - ٨٩)، و\"الأوجز\" (٧/ ٤٩٠ - ٤٩٢). (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٢٨).\n(٣) وفي \"الخميس\" (١/ ٢٢) روي أن جمله نَدَّ من بين الهدايا، وذهب إلى مكة، ودخل داره، فتعاقبه جَمَّالُ رسولِ الله - ﷺ -، فأراد سفهاء قريش أن لا يردوه، فمنعهم سهيل بن عمرو، وهو مؤسس بنيان الصلح، وقال لهم: إن تريدوه فأعرضوا عليه - ﷺ - مائة من الإبل، فإن قبل فأمسكوه، فقال ﵇: \"لو لم يكن للهدي لقبلت\" فنحره أيضًا، انتهى. (ش).","vol":"7","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>(١٣) بابٌ: في هَدْيِ الْبَقَرِ</span>\n١٧٥٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَاب، عن عَمْرَةَ بنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَنّ رَسُولَ اللَّهِ (٢) - ﷺ - نَحَرَ عن آلِ مُحمدٍ - ﷺ - في حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً\". [جه ٣١٣٥، حم ٦/ ٢٤٨]\n١٧٥١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَهْرَانَ الرَّازِيُّ قَالَا: نَا الْوَلِيدُ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ذَبَحَ عَمَّنِ اعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ\". [جه ٣١٣٣، خزيمة ٢٩٠٣]\n===\n\n(١٣) (بابٌ: في هَدْى الْبَقَرِ)\n١٧٥٠ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشةَ زوجِ النبي - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - نحر عن آل محمد - ﷺ -) أي عن أهله وأزواجه (في حجة الوداع بقرةً واحدةً)، ولفظ حديث مسلم (٣) عن جابر قال: \"ذبح رسول الله - ﷺ - عن عائشة بقرة يوم النحر\"، وفي رواية عنده عنه: \"نحو رسول الله - ﷺ - عن نسائه\"، وقال: في حديث ابن بكر: عن عائشة (٤) بقرة في حجته.\n١٧٥١ - (حدثنا عمرو بن عثمان ومحمد بن مهران الرازي قالا: نا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - ذبح عمن اعتمر) قبل الحج (من نسائه بقرة بينهن) (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٣١٩).\n(٤) يشكل عليه ما سيأتي في \"باب في إفراد الحج\": لم يكن في شيء من ذلك هدي.\n(٥) ويشكل عليه أنهن كنَّ تسعة، فكيف تكفي لهن بقرة واحدة؟ ولذا استدل بذلك ابن حزم =","vol":"7","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>(١٤) بَابٌ: في الإِشْعَارِ</span>\n===\nقد ثبت في الأحاديث (١): أن أزواج النبي - ﷺ - كن متمتعات إلَّا عائشة - ﵂ -، فإنها كانت أحرمت بالعمرة فأصابتها الحيض بسرف، فأمرها رسول الله - ﷺ - برفضِ العمرةِ والإحرامِ بالحج المفرد، فصارت مفردة ثم حجت، فلما فرغت منها سألت رسول الله - ﷺ - أن تعتمر، فأمر عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، فصارت هذه العمرة التي اعتمرها من التنعيم قضاء للعمرة التي رفضتها لأجل الحيض، فكان الذي ذبح عنها رسول الله - ﷺ - دم جناية لرفض العمرة.\nوأما الأزواج الآخر غير عائشة - ﵂ - فلما كانت متمتعات وجب عليهن دم التمتع وهو دم شكر، هذا على قول الحنفية.\nوأما على قول الشافعية وغيرهم فإن عائشة - ﵂ - لما حاضت ما رفضت العمرة، ودخلت أفعال العمرة في أفعال الحج وصارت قارنة، ولهذا قال لها رسول الله - ﷺ - لما فرغت من الحج: \"يسعكِ طوافكِ لحجكِ وعمرتكِ\"، وعلى هذا كان الدم الذي ذبح عنها رسول الله - ﷺ - دم شكر (٢).\n\n(١٤) (بابٌ: في الإشْعَارِ) (٣)\nوهو أن يشق أحد جنبي سنام البعير حتى يسيل دمها لِيُعرَف أنها هدي\n_________\n= في \"المحلى\" (٥/ ١٥٥) أنها تكفي عشرة، وسيأتي جواب الشيخ تحت \"باب إفراد الحج\"، ويظهر من كلام ابن القيم (٢/ ٢٦٦) أن مقتضاه هذا، لكن أحاديث اشتراك سبع أصح، ولم يتعرض عن ذلك النووي. (ش).\n(١) انظر: \"صحيح مسلم\" (١٢١١).\n(٢) وهل أكل ﵊ من لحم البقر؟ ظاهر رواية البخاري في قصة أخرى أكله. (ش).\n(٣) فيه أبحاث في \"الأوجز\" (٧/ ٥١٤)، الأول: في تفسيره، فقيل: إعلام بالهدي بأي شيء كان، وقيل: إدماء بجرح، والثاني: في حكمه، فالجمهور على أنه سنة، وقال الصاحبان: حسن، وقال الإِمام: مكروه لمعارضة النهي عن المثلة، والترجيح =","vol":"7","page":59},{"text":"١٧٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ (١)، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ\n===\n١٧٥٢ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي وحفص بن عمر، المعنى) أي معنى حديثيهما واحد، (قالا: نا شعبة، عن قتادة، قال أبو الوليد) في حديثه: (قال) قتادة: (سمعت أبا حسان)، وأما حديث حفص بن عمر فلم يذكر لفظه؛ لأنه كان معنعنًا، وصرح بتحديث أبي الوليد بلفظ السماع؛ لأن قتادة مدلس، وأبو حسان الأعرج، ويقال: الأجرد أيضًا، بصري، اسمه مسلم بن عبد الله، قال أبو حاتم: زعموا أن ابن سيرين كان يروي عنه. وعن أحمد: مستقيم الحديث، أو مقارب الحديث. وعن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال الآجري عن أبي داود: سمي الأجرد لأنه كان يمشي على عقبه. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله.\n(عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر بذي الحليفة) قد ثبت في الروايات (٢): أن رسول الله - ﷺ - خرج من المدينة نهارًا لخمس بقين\n_________\n= للمحرم، وقيل: إنما كره إشعار زمانه، وقبل: سدًا للباب، فإن العوام لا يقفون على الحدود، والثالث: في النعم التي تُشْعَر، فعند الشافعية والحنابلة تشعر الإبل والبقر مطلقًا، وعند المالكية في الإبل قولان، المرجح منهما: الإشعار مطلقًا، والثاني التقييد بذات السنام، وفي البقر ثلاثة أقوال، الإثبات والنفي مطلقًا، والثالث إشعار ذات السنام، وهو المرجح عندهم، وعند الحنفية تشعر الإبل لا البقر مطلقًا، والغنم لا تشعر إجماعًا، وفي \"الحاشية\" لم يقل بالكراهة إلا الإِمام، وفي الترمذي (٣/ ٢٥٠) قال به إبراهيم، انتهى. (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"النمري\".\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٧١٤، ١٧١٥)، و\"صحيح مسلم\" (٦٩٠).","vol":"7","page":60},{"text":"ثُمَّ دَعَا ببَدَنَهٍ (١) فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ، ثُمَّ سَلَتَ عَنْهَا (٢) الدَّمَ\n===\nمن ذي القعدة بعد أن صلى الظهر أربعًا بالمدينة بالمسجد، وخرج بين الظهر والعصر فنزل بذي الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر، فصلى بها خمس صلوات، فالمراد بما وقع في الحديث أنه صلى الظهر بذي الحليفة أي ظهر اليوم الثاني.\n(ثم دعا ببدنة فأشعرها) أي شق (من صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت) (٣) أي مسح وأماط (عنها الدم)، واختلفوا في الإشعار، فقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله-: أشعر البدنة، وقال أبو حنيفة: لا يشعر ويكره.\nقال في \"الهداية\" (٤): وأشعر البدنة عند أبي يوسف ومحمد، ولا يشعر عند أبي حنيفة - ﵀ - ويكره، وهذا الصنع مكروه عند أبي حنيفة - ﵀ -، وعندهما [حسن]، وعند الشافعي سنة، لأنه مروي عن النبي - ﷺ - وعن الخلفاء الراشدين - ﵃-. ولأبي حنيفة أنه مثلة، وأنه منهي عنه، ولو وقع التعارض بين كونه سنة وبين كونه مثلة فالترجيح للمحرم.\nواعترض عليه أولًا بأنه ليس كل جرح مثلة، بل هو ما يكون تشويهًا كقطع الأنف والأذنين وسمل العيون، فلا يقال لكل من جرح مثل به.\nوثانيًا أن النهي عن المثلة كان بأثر قصة العرنيين عقب غزوة أحد، والإشعار عام حجة الوداع، فأين التعارض؟\nوأجاب صاحب \"العناية\" بأن عمران بن الحصين روى: \"أن النبي - ﷺ - ما قام خطيبًا إلا نهانا عن المثلة\"، فكان الإشعار منسوخًا، فلا أقل من التعارض.\n_________\n(١) في نسخة: \"ببدنته\".\n(٢) في نسخة: \"الدم عنها\".\n(٣) بل مسح عليها، وإلَّا لم يظهر للإشعار فائدة، كذا في \"الكوكب\" (٢/ ١٣١). (ش).\n(٤) انظر: \"الهداية\" (١/ ١٥٤).","vol":"7","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١) بعد بيان الإشكال: والأولى ما حمل عليه الطحاوي من أن أبا حنيفة إنما كره إشعار أهل زمانه؛ لأنهم لا يهتدون إلى إحسانه، وهو شق مجرد الجلد ليدمي، بل يبالغون في اللحم حتى يكثر الألم، ويخاف منه السراية، انتهى.\nوقال في \"البحر الرائق\" (٢): وقال الطحاوي: إنما كره أبو حنيفة الإشعار المحدث الذي يُفْعَل على وجه المبالغة، ويخاف منه السراية إلى الموت لا مطلق الإشعار، واختاره في \"غاية البيان\" وصححه، وفي \"فتح القدير\": أنه الأولى، انتهى.\nقلت: وقد وقع في هذا الحديث أن إشعاره - ﷺ - بدنته كان في صفحة سنامها الأيمن.\nوقال في \"الهداية\" (٣): وصفته أن يشق سنامها بأن يطعن في أسفل السنام من الجانب الأيمن أو الأيسر، قالوا: والأشبه هو الأيسر؛ لأن النبي - ﷺ - طعن في جانب اليسار مقصودًا، وفي جانب الأيمن اتفاقًا.\nووقع في مسلم (٤) عن أبي حسان عن ابن عباس - ﵄-: \"أنه - ﷺ - صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنه، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن\". وروى البخاري (٥). الإشعارَ فلم يذكر فيه الأيمنَ ولا الأيسرَ، لكن قد أسند أبو يعلى إلى أبي حسان عن ابن عباس بطريق آخر: \"أنه ﵊ أشعر بدنه في شقها الأيسر، ثم سلت الدم بإصبعه\" الحديث،\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٣/ ٨).\n(٢) \"البحر الرائق\" (٢/ ٣٩١).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ١٥٤).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٢٤٣). وفيه: \"ثم دعا بناقته\".\n(٥) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٦٩٥، ١٦٩٩).","vol":"7","page":62},{"text":"وَقَلَّدَهَا بِنَعْلَيْنِ، ثُمَّ أُتِيَ بِرَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا قَعَدَ عَلَيْهَا وَاسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ\". [م ١٢٤٣، ن ٢٧٧٤]\n١٧٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ بِهذا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى أَبِي الْوَليدِ. قَالَ: \"ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ بِيَدِهِ\". [انظر الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هَمَّامٌ قَالَ: سَلَتَ عَنْهَا الدَّمَ بِإِصْبَعِهِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هذَا مِنْ سُنَنِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الَّذِي تَفَرَّدُوا بِهِ.\n===\nوفي \"موطأ مالك\" (١) عن نافع: أن ابن عمر - ﵁ - كان إذا أهدى هديًا من المدينة يقلده بنعلين، ويشعره في الشق الأيسر (٢)، فهذا يعارض ما في مسلم من حديث ابن عباس إذ لم يكن أحد أشد اقتفاءً لظواهر فعل رسول الله - ﷺ - من ابن عمر.\nثم سلت عنها الدم، أي بإصبعه (وقلّدها) أي البدنة (بنعلين، ثم أتي براحلته) أي ناقته، (فلما قعد عليها واستوت) أي علت الناقة (به) أي برسول الله - ﷺ - (على البيداء) قال في \"المجمع\": البيداء: المفازة التي لا شيء بها، وهنا اسم موضع بين مكة والمدينة وهو أكثر ما يراد بها (أهلَّ) أي لبى (بالحج).\n١٧٥٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة بهذا الحديث) المتقدم (بمعنى) حديث (أبي الوليد، قال) أي يحيى: (ثم سلت الدم بيده) فزاد لفظ: بيده. (قال أبو داود: رواه همام قال: سلت عنها الدم بإصبعه، قال أبو داود: هذا) الحديث (٣) (من سنن أهل البصرة الذي تفردوا به).\n_________\n(١) وأخرجه محمد في \"موطئه\" (١/ ٣٧٩) بطرق، وفي \"الهداية\" (١/ ١٥٤): قالوا: كان المقصود الأيسر، وفي الأيمن اتفاقًا. (ش).\n(٢) \"موطأ الإِمام مالك\" (١/ ٣٧٩) رقم (٨٣٧).\n(٣) والأوجه عندي أنه إشارة إلى قوله: سلت عنها الدم بإصبعه؛ فإنه يدل على قلته جدًّا بحيث يسلت بالإصبع الواحد، لكنه يتوقف على تتبع روايات الإشعار كلها، فإن عامة ما رأيتها خالية عن ذكر الإصبع. (ش).","vol":"7","page":63},{"text":"١٧٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّهُمَا قَالَا: \"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْىَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ\". [خ ١٦٩٤ - ١٦٩٥، ن ٢٧٧١، خزيمة ٢٩٠٧]\n١٧٥٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَهْدَى غَنَمًا مُقَلَّدَةً\". [حم ٦/ ٢٠٨]\n===\n١٧٥٤ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة) وحديثه مرسل صحابي؛ لأنه لم يحضر القصة (ومروان) وحديثه مرسل أيضًا (أنهما قالا: خرج رسول الله - ﷺ -) من المدينة للعمرة (عامَ الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قلَّد الهدي) أي عَلَّق في عنقه قلادة، (وأشعره وأحرم) أي دخل في الإحرام.\n١٧٥٥ - (حدثنا هناد، نا وكيع، عن سفيان، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - ﵂ -: أن رسول الله - ﷺ - أهدى غنمًا مقلدة). قال في \"الهداية\" (١): وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسنة أيضًا.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢) في \"باب تقليد الغنم\": قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرأي تقليدَها، زاد غيره: وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجة إلَّا قول بعضهم: إنها تضعف عن التقليد، وهي حجة ضعيفة.\nوقال العيني في \"شرح البخاري\" (٣): واحتج الشافعي بهذا الحديث\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٥٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٤٧).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣١٠).","vol":"7","page":64},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلى أن الغنم تُقَلَّد، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن حبيب. وقال مالك وأبو حنيفة (١): لا تُقَلَّد؛ لأنها تضعف عن التقليد، وقال أبو عمر: احتج من لم يره بأن الشارع إنما حج حجة واحدة لم يُهْدِ فيها غنمًا، وأنكروا حديث الأسود الذي في البخاري في تقليد الغنم، قالوا: هو حديث لا يعرفه أهل ييت عائشة، وقال بعضهم: ما أدري ما وجه الحجة منه؛ لأن حديث الباب دل على أنه أرسلها وأقام، فكان ذلك قبل حجته قطعًا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ثم من الذي صرح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حجته غنم حتى يسوخ الاحتجاج بذلك؟ انتهى.\nقلت: الهدي الذي أرسل به رسول الله - ﷺ - من الغنم ليس هدي الإحرام، ولهذا أقام حلالًا، بعد إرساله، ولم ينقل أنه أهدى غنمًا في إحرامه، وقوله: فلا تعارض بين الترك والفعل، كلام واهٍ، لأن من ادعى التعارض بينهما، والتعارض تقابل الحجتين، وهاهنا الفعل لم يوجد، فكيف يتصور التعارض؟ وقوله: \"ثم من الذي صرح من الصحابة\"؟ إلى آخره يرد بأن يقال من الذي صرح منهم بأنه كان في هداياه في حجته غنم.\nوقال هذا القائل أيضًا: والحنفية في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجة عليهم.\nقلت: هذا افتراء على الحنفية، ففي أي موضع قالت الحنفية: إن الغنم ليست من الهدي! بل كتبهم مشحونة بأن الهدي اسم لما يُهدَى من النعم إلى الحرم ليتقرب به. قالوا: وأدناه شاة لقول ابن عباس: \"ما استيسر من الهدي\n_________\n(١) وفي \"الكوكب الدري\" (٢/ ١٣٣): أن الحنفية أنكروا التقليد بالنعل وغيره، والثابت بالعهْن، ولم ينكره الحنفية، وقال العيني: على أنهم ما منعوا الجواز، وإنما قالوا: إن تقليد الغنم ليس بسنة. (ش).","vol":"7","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>(١٥) بَابُ تَبْدِيلِ الْهَدْيِ</span>\n١٧٥٦ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحِيمِ. - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ خَالِدُ بْنُ أَبِى يَزِيدَ خَالُ مُحَمَّدٍ يعني ابْنِ سَلَمَةَ رَوَى عَنْهُ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ جَهْمِ بْنِ الْجَارُودِ،\n===\nشاة\"، وعن هذا قالوا: الهدي إبل وبقر وغنم، ذكورها وإناثها، حتى قالوا: هذا بالإجماع، وإنما مذهبهم أن التقليد في البدنة، والغنم ليست من البدنة، فلا تُقَلَّد لعدم التعارف بتقليدها، إذ لو كان تقليدها سنة لما تركوها، وقالوا في الحديث المذكور: تفرد به الأسود ولم يذكره غيره على ما ذكرنا، وادّعى صاحب \"المبسوط\" (١) أنه أثر شاذ.\n\n(١٥) (بَابُ تَبْدِيلِ الْهَدْي)، يجوز أم لا؟\n١٧٥٦ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، قال أبو داود: أبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، خالُ محمد يعني ابنَ سلمة، روى عنه حجاج بن محمد). قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": خالد بن يزيد، ويقال: ابن أبي يزيد، وهو المشهور، ابن سماك بن رستم، قاله ابن عروبة، وقال الدارقطني: ابن سَمَّال بفتح السين وتشديد الميم وباللام، الأموي مولاهم، أبو عبد الرحيم الحراني، قال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وعن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: حسن الحديث متقن فيه، قلت: وقال أبو القاسم البغوي: كان ثقة.\n(عن جهم بن الجارود) قال البخاري: لا يُعْرَفُ له سماع من سالم،\n_________\n(١) وقال أيضًا: إن المقصود بالتقليد أن لا يُمنَع من العلف والماء إذا عُلِمَ أنه هدي، وهذا فيما يبعد عن صاحبه في الرعي كالإبل والبقر دون الغنم، فإن الغنم يعدم إذا لم يكن صاحبه معه، انتهى، وأجاد في \"البدائع\" (٢/ ٣٦٧) إذ استدل على أن الغنم لا تُقَلَّد بقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢] للعطف، فارجع إليه، وقريب منه ما في \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٠٠). (ش).","vol":"7","page":66},{"text":"عن سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"أَهْدَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب بُخْتِيًّا (١) فَأُعْطِيَ بهَا ثَلَاثَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَتَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَهْدَيْتُ بُخْتِيًّا، فَأُعْطِيتُ بِهَا ثَلَاثَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَبِيعُهَا وَأَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بُدْنًا؟ قَالَ (٢): \"لَا، انْحَرْهَا إِيَّاهَا\". [حم ٢/ ١٤٥، ق ٥/ ٢٤١، خزيمة ٢٩١١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هذَا لأنَّهُ كَانَ أَشْعَرَهَا.\n===\nروى له أبو داود حديثًا واحدًا، قلت: ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج ابن خزيمة حديثه في \"صحيحه\"، وتوقف في الاحتجاج به، وقال: اختلف في اسمه على محمد بن سلمة فقيل: جهم، وقيل: نهم، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" بالنون، وفي \"التقريب\": وقيل: شهم بشين معجمة.\n(عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: أهدى عمر بن الخطاب بختيًا) قال في \"المجمع\": فيه: سرق بختية، أي: الأنثى من الجمال طوال الأعناق، والذكر بختي، والجمع بخت وبخاتي.\nوقال في \"العناية في شرح الهداية\": البخت جمع بختي، وهو المتولد بين العربي والعجمي، منسوب إلى بخت نَصَّر. وفي \"القاموس\": هي الإبل الخراسانية. وفي نسخة: نجيبًا، وهو الفاضل من كل حيوان، من نَجُبَ نجابة إذا كان فاضلًا نفيسًا في نوعه. وقال في \"المجمع\" أيضًا: النجيب من الإبل: القويُّ السريعُ.\n(فأعطي) أي عمر (بها) أي بالبختي، وتأنيث الضمير باعتبار البدنة (ثلاث مائة دينار، فأتى) عمر - ﵁ - (النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إني أهديت بختيًّا، فأُعطِيْتُ بها ثلاث مائة دينار، فأبيعها) بتقدير حرف الاستفهام (وأشتري بثمنها بدنًا) كثيرة؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (لا) أي: لا تبعها، (انحرها إياها) أي البختي خاصًّا، ولا تبدلها.\n(قال أبو داود: هذا) الحكم (لأنه كان أشعرها)، وفي الحديث دلالة\n_________\n(١) في نسخة: \"نجيبًا\"، وفي نسخة: \"نجيبة\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".","vol":"7","page":67},{"text":"(١٦) بَابُ (١) مَنْ بَعَثَ بِهَدْيِهِ وَأَقَامَ\n١٧٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، نَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ،\n===\nعلى أنه لا يجوز تبديل الهدي (٢) بغيره. قلت: إن كان الهدي الذي أهداها عمر - ﵁ - تطوعًا فتبديله لا يجوز؛ لأنه لما اشتراها بنية الهدي تَعَيَّنَتْ فلا يجوز تبديلها، وإن كان واجبًا عليه فالحديث محمول على الأولى والأفضل.\nقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٣): فإن اشترى بدنة لمتعته مثلًا ثم اشترك فيها ستة بعد ما أوجبها لنفسه خاصة لا يَسَعه ذلك؛ لأنه لما أوجبها صار الكل واجبًا عليه، وقدر ما يجزئ في هدي المتعة كان واجبًا عليه، وما زاد على ذلك وجب بإيجابه، وليس له أن يبيع شيئًا مما أوجبه هديًا، فإن فعل فعليه أن يتصدق بالثمن، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه قدس سره: \"قال: لا، انحرها إياها\"، وهو إن كان جائزًا له لكنه أحب أن يكون له فضل في ذلك، فإنه لو باعها واشترى بثمنها عدة نوق لكان له فضل في الكم وزيادة في العدد، لكنها واحدة زادت عليها في الكيف، وظاهر كلام المؤلف أنه لم يجز له التبديل لكونه عيَّنه للهدي بالإشعار، وفيه أن الإشعار ليس بتعيين مع أن الهدي الواجب يجوز تبديله لكونه واجبًا على الذمة، فيقع الكفاية بكل ما ذبح، وهذا كله مبني على أن يكون البختي من الهدي الواجب، وثبوته عسير، فالوجه للنهي حينئذ تعيينه بنفس الشراء للهدي.\n\n(١٦) (بَابُ مَنْ بَعَثَ بِهَدْيِهِ) إلى الحرم، (وَأَقَامَ) ببلده حلالًا\n١٧٥٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا أفلح بن حميد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في\".\n(٢) وتبديل البدن والهدي لا يجوز عند مالك بخلاف الأضحية، صرح به في \"المدونة\" (١/ ٣٨٥): [الهدي يدخله عيب بعد ما يقلِّد ويشعر ...]. (ش).\n(٣) \"فتح القدير\" (٣/ ١٥٦).","vol":"7","page":68},{"text":"عن الْقَاسِمِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بيَدَيَّ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَأًقَامَ بِالْمَدِينَةِ فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا\" (١) [خ ١٦٩٩، م ١٣٢١، ت ٩٠٨، ن ٢٧٧، جه ٣٠٩٥، حم ٦/ ٨٥]\n===\nعن القاسم) بن محمد بن أبي بكر، (عن عائشة قالت: فتلت) أي لويت (قلائد) جمع قلادة، وهي ما يعلَّق في العنق (بدن) جمع بدنة (رسول الله - ﷺ - بيدي (٢)، ثم أشعرها وقلَّدها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة) أي وما ذهب إلى البيت للحج والعمرة، (فما حرم عليه شيء) لأجل بعث الهدي (كان له حلًّا) قبل البعث.\nحاصله أنه لم يحرم، وقد أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٣) قصة ذلك مفصلًا، وهي: أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة - ﵂ -: \"أن عبد الله بن عباس - ﵁ - قال: من أهدى هديًا حَرُم عليه ما يَحرُم على الحاج حتى يُنْحَرَ هديُه، قالت عمرة: فقالت عائشة - ﵂ -: ليس كما قال ابن عباس - ﵄-، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله - ﷺ - بيدي، ثم قلَّدها رسولُ الله - ﷺ - بيديه، ثم بعث بها مع أَبي، فلم يحرم على رسول الله - ﷺ - شيء أحله الله له حتى نُحِرَ الهدي\" (٤)، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"أحل له\".\n(٢) فيه دليل على أنها أعرف بالقصة. (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٧٠٠).\n(٤) ولا يذهب عليك أن ها هنا مسألتين بسطتا في \"الأوجز\"، إحداهما: أن يبعث الرجل المقيم في بلده الهدي إلى مكة، فالجمهور- ومنهم الأئمة الأربعة - أنه لا يصير بذلك محرمًا، خلافًا لابن عباس - ﵁ - كما تقدَّم في الشرح من رواية البخاري. والمسألة الثانية: أن من أراد النسك ومعه هدي قد قلدها (ولم يأت بالتلببة) فعند جماعة من السلف، منهم الإِمام أحمد وإسحاق يصير محرمًا بمجرد التقليد، خلافًا =","vol":"7","page":69},{"text":"١٧٥٨ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِىُّ الْهَمْدَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُهْدِى مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ\". [خ ١٦٩٨، م ١٣٢١، ن ٢٧٧٥]\n===\nوأما مذهب الحنفية في ذلك، ففي \"الهداية\" (١) قال: ومن قلد بدنة تطوعًا أو نذرًا أو جزاء صيد أو شيئًا من الأشياء، وتوجه معها يريد الحج، فقد أحرم لقوله ﵇: \"من قلد بدنة فقد أحرم\"، ولأن سوق الهدي في معنى التلبية في إظهار الإجابة، لأنه لا يفعله إلَّا من يريد الحج أو العمرة، وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول، فيصير به محرمًا لاتصال النية بفعل هو من خصائص الإحرام.\nقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٢): قوله: وتوجه معها، أفاد أنه لا بد من ثلاث أمور: التقليدُ، والتوجهُ معها، ونيةُ النسك.\n١٧٥٨ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي الهمداني وقتيبة بن سعيد، أن الليث بن سعد حدثهم، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة) - ﵂ - (قالت: كان رسول الله - ﷺ - يهدي) أي يبعث الهدي إلى مكة (من المدينة، فأفتل) أي ألوي (قلائدَ هديه، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنب المحرم).\n_________\n= للجمهور والحنفية، بل يصير محرمًا عندنا بما ذكره الشيخ من \"الهداية\"، فما أفاده الشيخ يتعلق بالثانية، والحدبث متعلق بالأولى، فإن عائشة - ﵂ - ردَّت بهذا الحديث على ابن عباس - ﵁ - القائل بالأولى (٦/ ٥٦٩، ٥٧٠). (ش).\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٤٩).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٥٢٧).","vol":"7","page":70},{"text":"١٧٥٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا (١) بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ - زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَلَمْ يَحْفَظْ حَدِيثَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ هَذَا، وَلَا حَدِيثَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ هَذَا - قَالَا: قَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: \"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْهَدْىِ فَأَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا بِيَدِىَّ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا، ثُمَّ أَصْبَحَ فِينَا حَلَالًا يَأْتِى مَا يَأْتِى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ\". [خ ١٦٩٦، م ١٣٢١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>(١٧) بَابٌ: في رُكُوبِ الْبُدْنِ</span>\n١٧٦٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَن مَالِكٍ (٢)، عن أَبِي الزِّنَادَ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا\n===\n١٧٥٩ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا ابن عون، عن القاسم بن محمد، وعن إبراهيم، زعم) قال ابن عون (أنه) أي ابن عون (سمعه) أي هذا الحديث (منهما) أي من قاسم بن محمد وإبراهيم (جميعًا، ولم يحفظ حديث هذا من حديث هذا، ولا حديث هذا من حديث هذا، قالا) أي القاسم وإبراهيم، فحديث قاسم موصول، وأما حديث إبراهيم النخعي فمنقطع؛ لأنه لم يثبت لقاؤه منها.\n(قالت أم المؤمنين: بعث رسول الله - ﷺ - بالهدي، فأنا فتلت قلائدها بيدي من عِهْنٍ) وهو الصوف المصبوغ ألوانًا (كان عندنا، ثم أصبح فينا حلالًا يأتي ما يأتي الرجل من أهله) من القبلة والملامسة والجماع.\n\n(١٧) (بابٌ: في رُكُوبِ الْبُدْنِ)\n١٧٦٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا)، وفي رواية عند أحمد والنسائي:\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"فيما قرأ على مالك\".","vol":"7","page":71},{"text":"يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: \"إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ» فِى الثَّانِيَةِ أَوْ فِى الثَّالِثَةِ\". [خ ١٦٨٩، م ١٣٢٢، ن ٢٧٩٩، جه ٣١٠٣، حم ٢/ ٢٥٤]\n١٧٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قال: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ قال: \"سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْىِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا». [م ١٣٢٤، ن ٢٨٠٢، حم ٣/ ٣١٧ - ٣٢٤]\n===\n\"قد أجهده المشي\" (يسوق بدنة، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة) أي هدي، (قال: اركبها، ويلك في الثانية أو في الثالثة) أي المرة الثانية أو الثالثة، قال في \"المجمع\": ويلك اركبها، خاطب به لأنه كان محتاجًا قد وقع في تعب، وقيل: هي كلمة تجري من غير قصد، ومعناه الحزن والهلاك والمشقة من العذاب.\n١٧٦١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: سألت جابر بن عبد الله عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: اركبها بالمعروف) أي بالإحسان إليها، والمنكر ضده، والمراد ها هنا من الركوب المعروف ما لا يلحق الضرر بها (إذا أُلْجِئْتَ) أي اضطررتَ (إليها حتى تجد ظهرًا).\nقال الشوكاني (١): وأحاديث الباب تدل على جواز ركوب الهدي، من غير فرقٍ بين ما كان منه واجبًا أو تطوعًا؛ لتركه - ﷺ - للاستفصال، وبه قال عروة بن الزبير، ونسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق، وبه قال أهل الظاهر، وجزم\n_________\n(١) وأخذ الشوكاني (٣/ ٤٦٣، ٤٦٤) هذا الكلام عن الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٥٣٧)، لكنه توهم في الاختصار؛ لأن مؤدى ما حكى الشوكاني عن ابن المنذر غير ما يظهر من كلام الحافظ عن ابن المنذر، فتأمل. (ش).","vol":"7","page":72},{"text":"(١٨) (١) بَابٌ: في الْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغ\n===\nبه النووي وجماعة من أصحاب الشافعي كالقفّال والماوردي.\nوحكى ابن عبد البر عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء: كراهةَ ركوبِه لغير حاجة، وحكاه الترمذي (٢) أيضًا عن أحمد وإسحاق والشافعي، وقيَّد الجوازَ بعض الحنفية بالاضطرار، ونقله ابن أبي شيبة عن الشعبي، وحكى ابن المنذر عن الشافعي: أنه يركب إذا اضطُرَّ ركوبًا غيرَ قادح. وحكى ابن العربي عن مالك: أنه يركب للضرورة، فإذا استراح نزل، يعني: إذا انتهت الضرورة.\nوقد وافق أبا حنيفةَ الشافعيُّ على ضمان النقص في الهدي الواجب، ونقل ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر (٣): وجوبَ الركوب تمسكًا بظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة، انتهى ملخصًا.\n\n(١٨) (بَابٌ (٤): في الْهَدْي إِذَا عَطِبَ) (٥) أي هلك في الطريق (قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ) محله، وهو الحرم\n_________\n(١) في نسخة: \"آخر الجزء العاشر، وأول الجزء الحادي عشر من تجزئة الخطيب البغدادي\".\n(٢) اختلفت الروايات عن الأئمة في هذه المسئلة، والحاصل أن فيها أربعة أقوال؛ الأول: مذهب الظاهرية، وهو وجوب الركوب بظاهر الأمر ومخالفة الجاهلية، الثاني: الجواز مطلقًا وهو مذهب أحمد، والثالث: الجواز عند الحاجة، وهو مذهب الشافعية: والرابع: الجواز عند الاضطرار وهو مذهب الحنفية والمالكية، ثم اختلفوا في الضمان إذا نقص شيء بالركوب، فقال الثلاثة بالضمان، وقال مالك: إذا ركب للضرورة فلا ضمان عليه. (ش).\n(٣) وهكذا حكاه عنهم ابن رشد (١/ ٣٧٨). (ش).\n(٤) ينظر مناسبة روايات هذا الباب غير الأولى. (ش).\n(٥) فيه اختلاف وسيع، راجع: \"الأوجز\" (٧/ ٥٤٩ وما بعدها). (ش).","vol":"7","page":73},{"text":"١٧٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَاجِيَةَ الأَسْلَمِىِّ\n===\n١٧٦٢ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان (١)، عن هشام، عن أبيه، عن ناجية الأسلمي) الظاهر أنه ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر الأسلمي، قال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم، أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله - ﷺ - ناجية بن جندب الأسلمي، صاحب بدن رسول الله - ﷺ -، وقال سعيد بن عفير: كان اسمه ذكوان، فسماه النبي - ﷺ - ناجية حين نجا من قريش، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أن ناجية صاحب بدن رسول الله - ﷺ - مات بالمدينة في خلافة معاوية.\nولناجية بن جندب حديث آخر أخرجه ابن منده من طريق مجزأة بن زاهر، عن أبيه، عن ناجية بن جندب قال: \"أتيت النبيَّ - ﷺ - حين صد الهدي، فقلت: يا رسول الله! ابعث معي بالهدي حتى أنحره في الحرم، قال: وكيف تصنع؟ قال: قلت: آخذ في أودية لايقدرون علي، قال: فدفعه إلى فنحرته في الحرم\"، انتهى.\nقلت: وقد جمع صاحب \"التهذيب\" (٣) بين الأسلمي والخزاعي، فقال: ناجية بن كعب بن جندب الأسلمي الخزاعي، كان صاحب بدنة فيما يصنع بما عطب من البدن.\nقال الحافظ: قلت: قوله: الأسلمي الخزاعي؛ عجيب، وقد بيَّنتُ في \"معرفة الصحابة\" أن ناجية بن جندب الأسلمي غير ناجية بن جندب بن كعب الخزاعي، وأن كلًّا منهما وقع له استصحاب البدن، وأن الذي روى عنه عروة هو الخزاعي، وقيل فيه: الأسلمي، وأن الذي روى عنه مجزأة\n_________\n(١) أي: الثوري، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٥٤٥). (ش).\n(٢) \"الإصابة\" (برقم ٨٦٣٥).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٩٩).","vol":"7","page":74},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْىٍ فَقَالَ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَىْءٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اصْبَغْ نَعْلَهُ فِى دَمِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ». [ت ٩١٠، جه ٣١٠٦، حم ٤/ ٣٣٤، دي ١٩٠٩، خزيمة ٢٥٧٧، ق ٥/ ٢٤٣، ك ١/ ٤٤٧]\n١٧٦٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ - وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ -\n===\nهو الأسلمي بلا خلاف، والأسلمي قد ذكر ابن سعد أنه شهد الحديبية، وزعم الأزدي وأبو صالح المؤذن أن عروة تفرد بالرواية عن الخزاعي، وأما الأسلمي فروى عنه مجزأة بن زاهر وعبد الله بن عمرو الأسلمي أيضًا، انتهى.\n(أن رسول الله - ﷺ - بعث معه بهدي) (١) قال القاري (٢): وقد أسند الواقدي في أول غزوة الحديبية القصةَ بطولها، وفيها: أنه ﵊ استعمل على هديه ناجيةَ بنَ جندب الأسلميَّ، وأمره أن يتقدمه بها، وقال: وكان سبعين بدنة، فذكره إلى أن قال: وقال ناجية بن جندب: عطب معي بعير من الهدي، فجئت رسول الله - ﷺ - بالأبواء، فأخبرته، فقال: \"انحرها واصبغ قلائدَها في دمها، ولا تأكل أنت ولا أحد من رفقتك منها شيئًا، وخَلِّ بينها وبين الناس\"، انتهى.\n(فقال: إن عطب) أي إن عجز وأعيا عن المشي (منها شيء فانحره، ثم اصبغ نعله) أي الذي قلّدت به (في دمه)؛ ليعلم مَنْ مَرَّ به أنه هدي، (ثم خَلِّ بينه وبين الناس) ما عدا الأغنياء.\n١٧٦٣ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد، ح: ونا مسدد، نا عبد الوارث، وهذا) لفظ (حديث مسدد) كلاهما أي حماد وعبد الوارث،\n_________\n(١) وظاهر كلام صاحب \"الهداية\" (١/ ١٨١) في \"باب الهدي\" أن هذا البعث كان بعد الحصر، فقال: وقد صحَّ أن النبي - ﷺ - لما أُحصِر بالحديبية، وبعث الهدايا على يد ناجية الأسلمي قال له: لا تأكل أنت ورفقتك منها شيئًا. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٢٤).","vol":"7","page":75},{"text":"عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فُلَانًا الأَسْلَمِىَّ وَبَعَثَ مَعَهُ بِثَمَانَ (١) عَشْرَةَ بَدَنَةً، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أُزْحِفَ عَلَىَّ مِنْهَا شَىْءٌ؟ قَالَ: «تَنْحَرُهَا ثُمَّ تَصْبُغُ نَعْلَهَا فِى دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْهَا عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ». أَوْ قَالَ: «مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ». [م ١٣٢٥، حم ١/ ٢١٧]\n===\n(عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة) بن المحبق بمهملة وموحدة وزن محمد، الهذلي البصري، قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.\n(عن ابن عباس قال: بعث رسول الله - ﷺ - فلانًا الأسلميَّ) وهو ناحية (٢) الأسلمي كما تقدم في الحديث المتقدم، (وبعث معه بثمان عشرة بدنة، فقال) الأسلمي: (أرأيت) أخبرني (إن أُزحِفَ) أي أعيا ووقف عن المشي (عليَّ منها شيء؟ قال: تنحرها ثم تصبغ نعلَها) التي في عنقها (في دمها، ثم اضربها) أي النعل مصبوغًا بدمها (على صفحتها) أي صفحة سنامها، (ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك، أو قال: من أهل رفقتك).\nقال الشوكاني (٣): وقال النووي (٤): وفي المراد بالرُّفْقة وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنهم الذين يخالطون المهدي في الأكل وغيره دون باقي القافلة، والثاني - وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نص الشافعي وجمهور أصحابه -: أن المراد بالرفقة جميعم القافلة؛ لأن السبب الذي منعت به الرفقة\n_________\n(١) في نسخة: \"بثماني\".\n(٢) وهو الأوجه عندي؛ فإن مسلمًا أخرج حديث ابن عباس عن ذؤيب، لكن ذكر الحافظ في \"الإصابة\" في ترجمة ناجية الاختلاف على ابن عباس، وقيل: ذؤيب بن حبيب، كذا في \"التلقيح\" (ص ٥٠١). (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٦٤).\n(٤) (شرح صحيح مسلم) (٥/ ٨٨).","vol":"7","page":76},{"text":"وَقَالَ في حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: \"اجْعَلْهُ (١) عَلَى صَفْحَتِهَا\" مَكَانَ \"اضْرِبْهَا\".\n===\nهو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة (٢).\nقال الخطابي (٣): ويشبه أن يكون ذلك ليحسم عنهم باب التهمة، فلا يعتلوا بأن بعضها قد زحف فينحروه إذا قرموا إلى اللحم فيأكلوه، والله أعلم.\nوقال القاري (٤): وإنما نهى ناجية ومن ذُكِرَ عن الأكل لأنهم كانوا أغنياء، قال شارح \"الكنز\": ولا دلالة لحديث ناجية على المدعى؛ لأنه ﵇ قال ذلك فيما عطب منها في الطريق، والكلام فيما إذا بلغ الحرم هل يجوز له الأكل أو لا؟، انتهى، وقد أوجبنا في هدي التطوع إذا ذبح في الطريق امتناع أكله منه وجوازه، بل استحبابه إذا بلغ محله، انتهى.\nوقال الشُّمُنِّي: وما عطب أي: هلك من الهدي، أو تَعَيَّبَ بفاحش وهو ما يمنع إجزاء الأضحية، كذهاب ثلث الأذن أو العين، ففي الواجب أبدله لأنه في الذمة، ولا يتأدى بالمعيب والمعيب له، لأنه لم يخرج بتعيينه لتلك الجهة عن ملكه، وقد امتنع صرفه فيها فله صرفه في غيرها، وفي التطوع نحره، وصبغ نعله، وضرب صفحته لحديث ناجية. والمراد بالنعل القلادة، وفائدة ذلك إعلام التاس أنه هدي، فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء.\n(وقال في حديث عبد الوارث: اجعله) أي النعل (على صفحتها، مكان: اضربها) وكتب على حاشية النسخة المكتوبة: قال أبو داود: والذي تفرد به من هذا الحديث قوله: \"ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك\".\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ثم اجعله\".\n(٢) ويظهر من كلام ابن رشد إجماعُهم على جواز أكل غيره ما خلا داود، فارجع إليه. [انظر: \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٧٩)]. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٢/ ١٥٧).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٢٤).","vol":"7","page":77},{"text":"١٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَيَعْلَى ابْنَا عُبَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: \"لَمَّا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بُدْنَهُ فَنَحَرَ ثَلَاثِينَ بِيَدِهِ، وَأَمَرَنِى فَنَحَرْتُ سَائِرَهَا\". [حم ١/ ١٥٩]\n===\nقلت: قد أخرج مسلم هذا الحديث بسند عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التياح، حدثني موسى بن سلمة الهذلي، فذكر قصة انطلاقه مع سنان بن سلمة للعمرة، وأزحف بدنة سنان، ثم سؤالَه ابن عباس، وحديثَ ابن عباس في جوابه، وفيه: \"ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك\"، وإخراج مسلم يقتضي أنه ليس فيه ضعف، ثم ذكر في حاشية المكتوبة نسخة أخرى: قال ابن داسة: سمعت أبا داود يقول: سمعت أبا سلمة يقول: \"إذا استقام الإسناد والمعنى كفاك\".\nحاصله أن الحديث بالمعنى جائز، لكن بشرطين: أولهما استقامة الإسناد، والثاني استقامة المعنى بأن لا يتغير، والظاهر أن مراد المصنف بهذا أن ما أشار إليه في النسخة الأولى من دعوى التفرد أنه ليس بموجب للضعف؛ لأن إسناده مستقيم، ومعناه صحيح ثابت.\n١٧٦٤ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا محمد ويعلى ابنا عبيد) بن أبي أمية (قالا: نا محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح) عبد الله بن يسار، (عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: لما نحر رسول الله - ﷺ - بدنه فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرت سائرَها) (١).\nوسيجيء في حديث جابر الطويل أن رسول الله - ﷺ - نحر بيده ثلاثًا وستين، فإن كان ما ذكر في حديث علي - ﵁ - من قوله: فنحر ثلاثين\n_________\n(١) وقال ابن القيم: هذا غلط انقلب على الراوي. [انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٤١)]. (ش).","vol":"7","page":78},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبيده، في غير قصة حجة الوداع فلا إشكال فيه، وإن كان ما في حديث علي من القصة متحدًا مع القصة التي في حديث جابر، ففيه إشكال.\nوالجواب عنه إما أن يقال: إن حديث جابر هو الصحيح، وأما حديث علي هذا فمعلول؛ لأنه عنعن فيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، أو يقال: إن التنصيص بالعدد لا ينفي الزيادة.\nوأما الجملة الثانية وهي قوله: \"فنحرت سائرها\"، معناها: نحرت باقيها بعد نحر رسول الله - ﷺ -، وليس المراد من سائرها بعد الثلاثين، أو يُؤَوَّل بما أول به في الحاشية: بأن رسول الله - ﷺ - نحر ثلاثين بدنة من غير استعانة بالغير، ونحر ثلاثًا وثلاثين باستعانة علي - ﵁ -، ونحر عليٌّ بعدها ما بقي منها، والله تعالى أعلم.\nوأورد البخاري (١) هذا الحديث من طريق سفيان قال: أخبرني ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي - ﵁ - قال: \"بعثني النبي - ﷺ - فقمت على البدن، فأمرني ﵊ فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها\".\nقال الحافظ (٢): ولم يقع في هذه الرواية عدد البدن، لكن وقع في الرواية الثالثة أنها مائة بدنة، ولأبي داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: \"نحر النبي - ﷺ - ثلاثين بدنة، وأمرني فنحرت سائرها\"، وأصح منه ما وقع عند مسلم في حديث جابر الطويل فإن فيه: \"ثم انصرف النبي - ﷺ - إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غير، وأشركه في هديه\"، فعرف بذلك أن البدن كانت مائة بدنة، وأن النبي - ﷺ - نحر منها ثلاثًا وستين، ونحر عليٌّ الباقي.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٧١٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٥، ٥٥٦).","vol":"7","page":79},{"text":"١٧٦٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ، وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، وَهَذَا لَفْظُ إِبْرَاهِيمَ -، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُحَىٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (١). وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِى\n===\nوالجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق أنه ﵇ نحر ثلاثين، ثم أمر عليًّا أن ينحر فنحر سبعًا وثلاثين مثلًا، ثم نحر النبي - ﷺ - ثلاثًا وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع وإلَّا فما في الصحيح أصح.\n١٧٦٥ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، ونا مسدد، نا) أي كلاهما قالا: نا (عيسى، وهذا لفظ إبراهيم) أي لفظ حديثه، (عن ثور) بن يزيد، (عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن عامر بن لُحَيّ) بضم أوله وفتح المهملة، ويقال: عبد الله بن لحي، الحميري، أبو عامر الهوزني بفتح الهاء والزاي، بينهما واو ساكنة، الحمصي، قال العجلي: شامي، ثقة من كبار التابعين. وقال ابن عمار: ثقة. وقال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وذكره ابن سميع فيمن أدرك الجاهلية. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الله بن قرط) بضم القاف، الأزدي الثمالي، يقال: كان اسمه شيطان، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله، وكان أميرًا على حمص من قبل ابن عبيدة، قال ابن يونس: قُتِلَ بأرض الروم سنة ست وخمسين.\n(عن النبي - ﷺ - قال: إن أعظم الأيام) أي منزلةً (عند الله يومُ النحر) هو اليوم العاشر من ذي الحجة (ثم يوم القَرِّ)، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة الذي يلي يوم النحر؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى بعد أن فرغوا من طواف الإفاضة والنحر، واستراحوا (وهو اليوم الثاني) من أيام النحر.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال عيسى: قال ثور\".","vol":"7","page":80},{"text":"قَالَ: وَقُرِّبَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ (١)، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ». [حم ٤/ ٣٥٠، خزيمة ٢٩١٧، ق ٥/ ٢٣٧ - ٢٤١]\n١٧٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ،\n===\n(قال) عبد الله بن قرط: (وقُرِّبَ لرسول الله - ﷺ - بدنات خمسٌ أو ست) شَكٌّ من الراوي، (فَطَفِقْنَ) أي البدنات (يَزْدَلِفْنَ) (٢) أي يقتربن (إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (بأيتهن يبدأ) للنحر، ولفظ أحمد: أيتهن يبدأ بها، (فلما وجبت جنوبها) أي سقطت.\n(قال) أي عبد الله بن قرط: (فتكلم) رسول الله - ﷺ - (بكلمة خفية لم أفهمها؛ فقلت: ما قال؟) وفي رواية أحمد: \"فسألت بعضَ من يليني: ما قال؟ قالوا: ... \" وفي لفظ أبي داود قالوا مقدر، وضمير الجمع يرجع إلى من يليه من الجماعة.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (من شاء اقتطع) أي من لحم البدن، وفي الحديث من المعجزة الباهرة والدلالةِ على محبة الحيوانات العجم رسول الله - ﷺ -، والموت في سبيل الله تعالى، وابتغاءِ مرضاته بيده الشريفة.\n١٧٦٦ - (حدثنا محمد بن حاتم، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران) بن قراد، بضمِ قافٍ وخفةِ راءٍ، آخره\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) قال ابن القيم (٢/ ٢٦١): نقبَله ونصدِّقه، قإن المائة لم تُقَرَّبْ إليه جملة، وإنما كانت تُقَرَّبُ إليه أَرْسالًا إلى آخر ما قال، وظاهره أنه جعل هذه من جملة المائة، وظاهر صنيع الموفق في \"المغني\" (٥/ ٣٠١، ٤٦٦): إذ استدل بالمائة على استحباب الأكل، وبهذه على إباحة عدم الأكل أنها غير المائة. (ش).","vol":"7","page":81},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الأَزْدِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ غَرَفَةَ بْنَ الْحَارِثِ الْكِنْدِىَّ\n===\nدال مهملة، التُّجِيبي بضم المثناة وكسر الجيم، بعدها ياء ساكنة ثم موحدة، أبو حفص المصري، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكان يقال له: حرملة الحاجب، وقال ابن المبارك: حدثني حرملة وكان من أولي الألباب.\n(عن عبد الله بن الحارث) الكندي (الأزدي) المصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وَجَهَّله ابن القطان، وروى مسلم حديثَه عن الشيخ الذي رواه عنه أبو داود، ولكن خارج الصحيح.\n(قال: سمعت غرفة) كذا في المجتبائية بالغين المعجمة، وفي النسخة المصرية والقلمية والقادرية والكانفورية واللكهنوية بعين مهملة وراء مفتوحتين.\nواختلفوا في ضبطه، ففي \"الخلاصة\" (١): بضم المعجمة، وسكون الراء.\nوقال محمد طاهر في \"المغني\" (٢): بغين وراء وفاء مفتوحات.\nوفي \"أسد الغابة\" (٣): بفتح الغين والراء.\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٤) في آخر ترجمته: ذكر ابن فتحون أن أبا عمر ضبط بسكون الراء. قال: وضبط الدارقطني وغيره بالتحريك.\nوقال في \"القاموس\": والغُرْفة - بالضم-: العلية، وبالتحريك غَرَفَة بن الحارث الصحابيّ.\n(ابن الحارث الكندي)، أبو الحارث اليماني، نزيل مصر، شهد حجة الوداع، ونقل عن رسول الله - ﷺ - قصة نحر البدن، شهد فتح مصر، وكان شريفًا\n_________\n(١) \"الخلاصة\" (ص ٣٠٧).\n(٢) \"المغني\" (ص ١٨٩).\n(٣) \"أسد الغابة\" (٤١٦٨).\n(٤) \"الإصابة\" (٦٩٠١).","vol":"7","page":82},{"text":"قَالَ: \"شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُتِىَ بِالْبُدْنِ فَقَالَ: «ادْعُوا لِى أَبَا حَسَنٍ» فَدُعِىَ لَهُ عَلِىٌّ فَقَالَ لَهُ: «خُذْ بِأَسْفَلِ الْحَرْبَةِ» وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَعْلَاهَا، ثُمَّ طَعَنَا بِهَا (١) فِى الْبُدْنِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَكِبَ بَغْلَتَهُ وَأَرْدَفَ عَلِيًّا ﵁\". [ق ٥/ ٢٣٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>(١٩) بابٌ: كيْفَ تُنْحَرُ الْبُدْنُ</span>؟\n١٧٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،\n===\nفي أيامه بمصر، وكان كاتب عمر بن الخطاب. قلت: ذكره ابن قانع في المهملة، وكذا ذكره ابن حبان، ثم أعاده في المعجمة، وهو الصواب.\n(قال: شهدت رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، وأتي بالبدن) لتنحر، (فقال) رسول الله - ﷺ -: (ادعو لي أبا حسنٍ، فدعي له علي، فقال) رسول الله - ﷺ - (له) أي لعلي: (خذ بأسفل الحربة، وأخذ رسول الله - ﷺ - بأعلاها) وإنما أشرك عليًّا لأنه أشركه في الهدي فيشرك في نحرها، ويحصل له الفضل (ثم طَعَنَا بها البدنَ) أي في نحرها، (فلما فرغ) من نحر البدن (ركب بغلته، وأردف (٢) عليًّا - ﵁ -).\n\n(١٩) (بابٌ: كَيْفَ تُنْحَرُ الْبُدْنُ (٣)؟)\n١٧٦٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في\".\n(٢) وسيأتي في \"باب نبيذ السقاية\": أردف أسامة على ناقته، وسيأتي التوجيه هناك على الهامش. (ش).\n(٣) هذا يشير إلى أن البدن تختص بالإبل لاختصاص النحر بها، والمسألة خلافية، وعند مالك من نذر أن ينحر بدنة فعليه الإبل، فإن لم يجد فالبقر، فإن لم يجد فسبع شياه، كما في \"المدونة\" (٢/ ٨٩). (ش).","vol":"7","page":83},{"text":"عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَأَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِىَ مِنْ قَوَائِمِهَا\".\n===\nعن أبي الزبير، عن جابر، وأخبرني) عطف على قوله: عن أبي الزبير، فالحاصل أن ابن جريج يروي عن أبي الزبير عن جابر موصولًا، ويروي عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي - ﷺ - مرسلًا، أخرج هذا الحديث الشيخ ابن تيمية في \"منتقى الأخبار\" (١) عن عبد الرحمن بن سابط: أن النبي - ﷺ - وأصحابه، الحديث، وقال في آخره: رواه أبو داود وهو مرسل.\nقال الشوكاني في \"النيل\": حديث عبد الرحمن بن سابط هو في \"سنن أبي داود\" من حديث جابر بن عبد الله، فلا إرسال، وهكذا ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٢) من حديث جابر، وعزاه إلى أبي داود، وقد سكت عنه هو والمنذري، ورجاله رجال الصحيح، انتهى.\nقلت: ظاهر قول الشوكاني يدل أن حديث ابن جريج عن عبد الرحمن بن سابط أيضًا غير مرسل، بل هو أيضًا موصول بأن معناه أن ابن جريج يروي عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر: أن النبي - ﷺ -، الحديث.\nقلت: وليس دليل يدل على أن عبد الرحمن بن سابط يرويه عن جابر، وإن سُلِّم فهو أيضًا منقطع؛ لأن الحافظ قال في \"تهذيب التهذيب\": قيل ليحيى بن معين: سمع عبد الرحمن عن سعد بن أبي وقاص؟ قال: لا، قيل: من أبي أمامة؟ قال: لا، قيل: من جابر؟ قال: لا، هو مرسل، فقول الشوكاني في \"النيل\": فلا إرسال؛ غيرُ مسلَّم.\n(عبد الرحمن بن سابط: أن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى) أي يدها اليسرى (قائمة على ما بقي من قوائمها) الثلاث،\n_________\n(١) انظر: \"نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار\" (٣/ ٤٨٧، ٤٨٨).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٣).","vol":"7","page":84},{"text":"١٧٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنِى زِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ\n===\nوهي يدها اليمنى ورجلاها، قال الشوكاني في \"النيل\": وفي هذا الحديث والذي بعده استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة، وعن الحنفية: يستوي نحرُها قائمةً وباركةً في الفضيلة، انتهى.\nقلت: كلامه يشير إلى أن الحنفية خالفوا السنَّة في هذه المسألة، وهو غير صحيح؛ فإن أصل مذهبهم أن المستحب في الإبل النحر، قال في \"الهداية\" (١): المستحب في الإبل النحر، وفي البقر والغنم الذبحُ.\nوقال في \"البدائع\" (٢): أما الذي يرجع إلى نفس التضحية فما ذكرنا في كتاب الذبائح، وهو أن المستحب هو الذبح في الشاة والبقر، والنحر في الإبل، ويكره القلب من ذلك، انتهى.\nومنشأ الغلط ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: نحرت بدنة قائمة فلم أشق عليها، فكدت أهلك ناسًا؛ لأنها نفوت، فاعتقدت أن لا أنحرها إلَّا باركة معقولة، وهذا الذي قاله الإِمام أبو حنيفة كان لأجل الضرورة، ولأنا لسنا مثل رسول الله - ﷺ -؛ فإنه - ﷺ - لما أراد النحر طَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه، وعند إرادتنا النحرَ تنفرن، ويخاف هلاك الناس بنفارها، فعلم من القصة المذكورة أن الأفضل عند أبي حنيفة النحر قائمة، لكن اختار البروكَ لخوف النفار، فإذا أمن النفار كان الأفضل هو النحر قائمة، وإلَّا فالنحر باركة، والله أعلم.\n١٧٦٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، أنا يونس، أخبرني زياد بن جبير) مصغرًا، ابن حية بتحتانية مشددة، ابن مسعود بن معتب بمضمومة وفتح عين وكسر مثناة فوق مشددة فموحدة، الثقفي البصري، وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وأحمد. وقال الدارقطني: لا بأس به. وروى\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٨٢).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٢١).","vol":"7","page":85},{"text":"قَالَ: \"كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِمِنًى فَمَرَّ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ وَهِيَ بَارِكَةٌ فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -). [خ ١٧١٣، م ١٣٢٠، السنن الكبرى للنسائي ٤١٣٤، حم ٢/ ٣، دي ١٩١٤، ق ٥/ ٢٧٣]\n١٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ - يَعْنِى ابْنَ عُيَيْنَةَ -، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِىِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: \"أَمَرَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا،\n===\nابن أبي شيبة (١) من طريق عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: كان زياد بن جبير يقع في الحسن والحسين، فقلت له: يا أبا محمد! إن أبا سعيد حدثني عن النبي - ﷺ - قال: \"الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة\".\n(قال: كنت مع ابن عمر بمنى فمر برجل وهو ينحر بدنته وهي باركة) أي جالسة، (فقال) ابن عمر: (ابعثها) أي أَقمها (قيامًا مقيَّدة) أي معقولة الرجل اليسرى، (سنةَ محمد - ﷺ -) إما منصوب بنزع الخافض أي على سنَّة محمد - ﷺ -، أو مرفوع بتقدير المبتدأ وهو الضمير، أي: هو سنَّة محمد - ﷺ -.\n١٧٦٩ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا سفيان - يعني ابن عيينة -، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقوم على بدنه)، والمراد من القيام عليها إما خدمتها من الرعي، والسقي قبل النحر، والحضورِ عند نحرها، وتقسيم جلودها وجلالها، أو المراد بالقيام عليها خدمتها المختص بالنحر وما بعده.\n(وأَقسم جلودها وجلالها) (٢) أي يتصدق بها، وهو مذهب أصحابنا أن يتصدق بجلودها وجلالها، وهذا الأمر للاستحباب، فلو أن المهدي أخذ جلودها ودبغها وانتفع بها يجوز.\n_________\n(١) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٢/ ٩٦).\n(٢) والتجليل سنة، بسطه النووي (٥/ ٧٥). (ش).","vol":"7","page":86},{"text":"وَأَمَرَنِي أَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: \"نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا\". [خ ١٧١٦، م ١٣١٧، السنن الْكبرى للنسائي ٤١٥٣، حم ١/ ٧٩، ق ٥/ ٢٤١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>(٢٠) بَابٌ: في وَقْتِ الإِحْرَامِ</span>\n١٧٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى (١) خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَزَرِىُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: \"قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ عَجِبْتُ لاِخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (٢) -ﷺ- فِى إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\n===\n(وأمرني أن لا أعطي الجزّار) في جزارتها (منها شيئًا)؛ لأن إعطاء اللحم في الجزارة بمعنى البيع وهو لا يجوز (٣)، فكذا الإعطاء في الجزارة (وقال: نحن نعطيه من عندنا) يحتمل أن يكون معناه: نحن نعطيه من لحم البدن من عندنا في غير الجزارة، ويحتمل أن يكون معناه: نحن نعطيه الجزارة بالدراهم من عندنا.\n\n(٢٠) (بابٌ: في وَقْتِ الإحْرَامِ) (٤)، أي من الميقات\n١٧٧٠ - (حدثنا محمد بن منصور، نا يعقوب -يعني ابن إبراهيم-، نا أبي) أي إبراهيم، (عن ابن إسحاق، حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس! عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله - ﷺ - في إهلال رسول الله - ﷺ -) أي في\n_________\n(١) في نسخة: \"قال حدثنا\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) به قال الجمهور، وأباحه الحسن البصري، كما حكاه النووي. (ش).\n(٤) الأفضل في المرجَّح عن الشافعي عند ابتداء السير ماشيًا كان أو راكبًا، وقوله الثاني بعد الصلاة، وبه جزم ابن القيم، ورجَّحه الموفق، وحكي عن أحمد: كله سواء بعد الصلاة وإذا استوت به الناقة وإذا علا البيداء، وعن مالك في أول المواقيت إلا بذي الحليفة ففي المسجد، كما في \"الأوجز\" (٦/ ٤٧٧). (ش).","vol":"7","page":87},{"text":"حِينَ أَوْجَبَ، فَقَالَ: إِنِّى لأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، إِنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَمِنْ هُنَاكَ (١) اخْتَلَفُوا، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَاجًّا، فَلَمَّا صَلَّى فِى مَسْجِدِهِ بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَ (٢) فِى مَجْلِسِهِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظْتُهُ عَنْهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ،\n===\nإحرامه ورفع صوته بالتلبية (حين أوجب) أي ألزم وأثبتَ الإحرامَ.\n(فقال) ابن عباس: (إني لأعلم الناس بذلك، إنها) أي القصة (إنما كانت من رسول الله - ﷺ - حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا) إشارة إلى ما سيجيء من وجه اختلاف الناس في إحرامه - ﷺ -.\n(خرج رسول الله - ﷺ -) من المدينة (حاجًّا) فنزل بذي الحليفة، (فلما صلي في مسجده بذي الحليفة ركعتيه) أي للإحرام أو ركعتيه فريضة الظهر (أوجب) الإحرام (في مجلسه، فأهل) أي أحرم (بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك) أي إهلاله وتلبيته (منه أقوام فحفظته عنه) أي فحفظت الأقوام عنه أن رسول الله - ﷺ - أهل بالإحرام حين فرغ من ركعتيه في مسجده بذي الحليفة.\n(ثم ركب) رسول الله - ﷺ - ناقته (فلما استقلَّتْ به ناقتُه) أي رفعت الناقة به - ﷺ - (أهلّ) أي رفع صوته بالتلبية، (وأدرك ذلك) أي إهلالَه حين استقلت به راحلته (منه أقوام؛ وذلك) أي اختلافهم في ابتداء الإهلال (أن الناس إنما كانوا يأتون) رسول الله - ﷺ - (أرسالًا) جمع رسل بفتحتين أي أفواجًا وفرقًا متقطعة يتبع بعضهم بعضًا، (فسمعوه حين استقلت به ناقته يهلّ) أي يرفع صوته بالتلبية.\n_________\n(١) في نسخة: \"هنا\".\n(٢) في نسخة: \"أوجبه\".","vol":"7","page":88},{"text":"فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَأَيْمُ الله لَقَدْ أَوْجَبَ في مُصَلَّاهُ، وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، وَأَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ\".\nقَالَ سَعِيدٌ: فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ (١) ابْنِ عَبَّاسٍ أَهَلَّ في مُصَلَّاهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ. [حم ١/ ٢٦٠، ك ١/ ٦٢٠، ق ٥/ ٣٧]\n===\n(فقالوا: إنما أهل) رسول الله - ﷺ - (حين استقلت به ناقته)، ولم يدروا أن رسول الله - ﷺ - أهل قبل ذلك، (ثم مضى رسول الله - ﷺ - فلما علا) أي صعد (على شرف) أي علو (البيداء أهل) أي رفع صوته بالتلبية أيضًا، (وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء) وغلطوا في ذلك.\n(وأيم الله) لفظ قسم، ذو لغات، وهمزتها وصل وقد تقطع تفتح وتكسر، وقال في \"القاموس\" (٢): وأيمُنُ الله وأيم الله، ويكسر أولُهما، وأَيمَن الله بفتح الميم والهمزة، وتُكسَر، وَإِيم الله بكسر الهمزة والميم. وقيل: أَلِفُه ألفُ الوصل، وهَيْمُ الله بفتح الهاء وضم الميم، وَأَمِ الله مثلَّثة الميم، وَإِم الله بكسر الهمزة وضم الميم وفتحِها، وَمُنِ الله بضمَّ الميم وكسرِ النون، وَمُنُ الله مثلَّثة الميمِ والنونِ، وَمُ الله مثلَّثةً، وَلَيْمُ الله، وَلَيْمَنُ الله: اسم وُضِعَ للقسم، والتقدير: أَيمنُ الله قَسَمِي.\n(لقد أوجب) أي أنشأ رسول الله - ﷺ - الإحرامَ (في مصلاه، وأهل) أي رفع الصوت بالتلبية أيضًا (حين استقلت به ناقته، وأهل) أيضًا (حين علا على شرف البيداء، قال سعيد: فمن أخذ بقول ابن عباس أهل) أي أنشأ الإحرام (في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه) وعليه الحنفية.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) انظر: \"القاموس\" (١/ ٢٠٣).","vol":"7","page":89},{"text":"١٧٧١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: \"بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِى (١) تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ،\n===\nقال في \"لباب المناسك\": إذا أراد أن يحرم يستحب أن يقص شاربه، إلى أن قال: ثم يتجرد عن الملبوس المحرم، ويلبس ثوبين جديدين أو غسيلين غير مخيطين، ثم يصلي ركعتين بعد اللبس، ولو أحرم بغير صلاة جاز، أي جاز إحرامه لا فعلُه لكونه تركَ السنَّةَ، وتجزئ المكتوبة عنها أي عن صلاة الإحرام، وفيه نظر؛ لأن صلاة الإحرام سنة مستقلة كصلاة الاستخارة وغيرها، مما لا تقوم الفريضة مقامها، وإذا سلم فالأفضل أن يحرم وهو جالس مستقبل القبلة في مكانه، انتهى ملخصًا.\n١٧٧١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه) عبدِ اللهِ بنِ عمر (أنه) أي عبد الله (قال: بيداؤكم) أضاف البيداء إلى المخاطبين للملابسة بأَنهم كانوا يقولون: إن ابتداء إحرام رسول الله - ﷺ - كان منها، (هذه) إشارة إلى البيداء (التي تكذبون على رسول الله - ﷺ - فيها) أي في حقها وفي ابتداءِ الإحرام منها، وليس المراد بالكذب الكذب عمدًا، بل إطلاق الكذب عليه لعدم علمهم بابتداء إحرامه - ﷺ - من المسجد بعد الصلاة.\n(ما أهل) أي ما ابتدأ (رسول الله - ﷺ - إلَّا مِنْ عندِ المسجد) أي حين استقلَّت به راحلته، كما يدل عليه ما أخرجه البخاري، ومسلم؛ فأخرج البخاري (٢) من طريق صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر قال: \"أهل النبي - ﷺ - حين استوت به راحلته\".\nوأخرج مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة بلفظ:\n_________\n(١) في نسخة: \"الذي\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٥٥٢).","vol":"7","page":90},{"text":"يَعْنِى مَسْجِدَ ذِى الْحُلَيْفَةِ\". [خ ١٥٤١، ١١٨٦، ن ٢٧٥٧، حم ٢/ ٦٦]\n١٧٧٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَيْنِ،\n===\nكان ابن عمر إذا قيل له: الإحرامُ من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها، إلخ إلَّا أنه قال: \"من عند الشجرة حين قام به بعيره\".\n(يعني مسجد ذي الحليفة)، وأراد بالمسجد مصلى رسول الله - ﷺ -، وليس المراد أن هناك مسجدًا بني قبل ذلك.\n١٧٧٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبيد) مصغرًا (ابن جريج) مصغرًا، التيمي مولاهم، المدني، قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد عن ابن عمر في لبس النعال السبتية وغير ذلك، قلت: وقال العجلي: مكي، تابعي، ثقة.\n(أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تصنع أربعًا) أي أربع خصال (لم أرَ أحدًا من أصحابك) أي بعض الصحابة والتابعين (يصنعها، قال) ابن عمر: (ما هن) أي الخصال (يا ابن جريج؟ قال) عبيد: (رأيتك لا تَمَسّ من الأركان) أي أركان البيت الأربعة (إلَّا اليمانيين) أي الركن اليماني وركن الحجر.\nوظاهره أن غير ابن عمر من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها، وقد (١) صح ذلك عن معاوية وابن الزبير، وقد قالوا: ليس شيء من البيت مهجورًا.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٦٨).","vol":"7","page":91},{"text":"وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا (١) كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمَسُّ إلَّا الْيَمَانِيَيْنِ،\n===\n(ورأيتك تلبس النعالَ) جمع نعل، وهي مؤنثة، قال صاحب \"المحكم\": النعل والنعلة: ما وقي به القدم (السبتيةَ) بكسر المهملة، هي التي لا شعر فيها، مشتقة من السبت وهو الحلق، وقيل: السبت جلد البقر المدبوغ بالقرظ، وقيل: بالسبت بضم أوله، وهو نبت يُدبَغ به.\n(ورأيتك تصبغ) أي الثوب أو الشعر (بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهلَّ الناس) أي رفعوا أصواتهم بالتلبية وأحرموا (إذا رأوا الهلال) أي من أول ذي الحجة (ولم تهل) أي لم تحرم (٢) (أنت حتى كان يوم التروية) أي الثامن من ذي الحجة، ومراده فتهل أنت حينئذ متأخرًا عن الناس.\n(فقال عبد الله بن عمر) في جوابه: (أما الأركان) أي استلامها (فإني لم أرَ رسول الله - ﷺ - يمس إلَّا اليمانيين) أي ركن الحجر والذي يسامته من مقابلة الصفا، وقيل للركن الأسود: يمان تغليبًا، وإنما ترك رسول الله - ﷺ - استلام الركنين الشاميين، لأن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم، وقد ثبت (٣) عن عبد الله بن الزبير أنه كان يستلم الأركان كلها، وقال: إنه ليس شيء منه مهجورًا.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إذ\".\n(٢) هذا مشكل؛ فإنه روي عن ابن عمر الإهلال لهلال ذي الحجة أيضًا، ومن جوف الكعبة أيضًا، وعند الرواح إلى مني أيضًا وجمع بتعدد الأحوال كما في \"الأوجز\" في إهلال المكي (٦/ ٤٨٧). (ش).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٦٠٨).","vol":"7","page":92},{"text":"وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فِإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا (١) أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا،\n===\nوفي \"الموطأ\" (٢): عن هشام بن عروة: \"أن أباه كان إذا طاف بالبيت يستلم الأركان كلها\"، وفي البيت أربعة أركان: ركن الحجر الأسود، والركن اليماني، والركن الشامي، والركن العراقي، الأول له فضيلتان: كونُ الحجر الأسود فيه، وكونُه على قواعد إبراهيم، وللثاني الثانية، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يقبل الأول، ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور، واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضًا.\n(وأما النعال السبتية) (٣) أي لبسها (فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها) (٤) أي يغسل الأرجل حال كونها فيها (فأنا أحب أن ألبسها) اقتفاء به - ﷺ -.\n(وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ بها) أي بالصفرة (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"فإني\".\n(٢) \"الموطأ\" (١/ ٣٦٦).\n(٣) وسيأتي في \"السنن\" بطريق آخر، قال ابن عبد البر: لا خلاف في جواز لبسهما في غير المقابر، واختلف في المقابر، فقيل: لا يجوز لحديث \"ألقهما\"، وقيل: يجوز لحديث الباب، ولما ورد أن الميت يسمع قرع نعالهم ... إلخ، وبالأول قال أحمد، وبالثاني الثلاثة، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٤٨٩، ٤٩٠). (ش).\n(٤) هذا هو الظاهر في معنى الحديث، وقال الزرقاني تبعًا للنووي: معناه: يتوضأ ويلبسهما ورجلاه رطبتان [انظر: \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٢٤٧)]. (ش).\n(٥) شعره أو ثوبه، قال عياض: هذا أظهر الوجهين، لكن جاءت آثار عن ابن عمر بين فيها تصفيره لحيته، واحتجاجه بفعله ﵇، كما رواه أبو داود، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٤٩٠). (ش).","vol":"7","page":93},{"text":"وَأَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ\". [خ ١٦٦، م ١١٧٧، ١٢٦٧، حم ٢/ ١١٠]\n١٧٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ\n===\n(وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله - ﷺ - يهل) أي يحرم (حتى تنبعث به راحلته)، فمن كان من أهل مكة لا تنبعث به راحلته إلَّا يوم التروية (١)، فلهذا أنا أهل يوم التروية (٢) إذا كنت بمكة.\n١٧٧٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن بكر، نا ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن أنس قال: صلى رسول الله - ﷺ - الظهرَ بالمدينة أربعًا)، ثم توجه إلى مكة مسافرًا، (وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين)، وفيه مشروعية قصر الصلاة لمن خرج من بيوت البلد، وبات خارجًا عنها ولو لم يستمرّ سفره.\n(ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته) أي بعد أن صلى الظهر كما يدل عليه حديث ابن عباس من طريق أبي حسان عند مسلم: \"أن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) قال المازري: ما تقدم من أجوبته نص في عين ما سئل، ولما لم يكن في الرابع نص عنده أجاب بضرب من القياس بأنه لما رآه ﵇ في حجه من غير مكة إنما يهل عند الشروع في الحمل أخَّر هو يوم التروية، وقال القرطبي: أَبعَدَ من قال: إنه قياس، بل تمسك بالفعل، وتُعقِّب بأنه - ﵁ - لم يره - ﵇ - يحرم من مكة، كما في \"الأوجز\" (٦/ ٤٩١). (ش).\n(٢) هو الأولى عند أحمد مطلقًا، وعند الشافعي لسائق الهدي، ولغيره الأفضل أن يحرم قبل السادس، والأفضل عند الحنفية التقديم كلما أمكن بشرط التمكن من عدم الوقوع في المحذور، وقولان لمالك: الأول هذا، والثاني أول ذي الحجة، والبسط في \"الأوجز\" (٦/ ٤٨٨). (ش).","vol":"7","page":94},{"text":"وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ\". [خ ١٥٤٦، م ٦٩٠، حم ٣/ ٣٧٨]\n١٧٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ\". [ن ٢٦٦٢، دي ١٨٠٧]\n١٧٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ - يَعْنِى ابْنَ جَرِيرٍ -، حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَتْ: قَالَ سَعْدٌ (١): \"كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَخَذَ طَرِيقَ الْفُرْعِ\n===\nصلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج\"، وللنسائي (٢) من طريق الحسن عن أنس: \"أنه - ﷺ - صلى الظهر بالبيداء، ثم ركب\". (واستوت به) - ﷺ - على البيداء (أهل) أي رفع صوته بالتلبية.\n١٧٧٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا روح، ثنا أشعث، عن الحسن، عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - صلى الظهر) بذي الحليفة (ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء) وفي حاشية المكتوبة وفي بعض النسخ \"حبل\" بالحاء المهملة، معناه: الرمل الضخم (أهلّ) أي رفع صوته بالتلبية.\n١٧٧٥ - (حدثنا محمد بن بشار، نا وهب - يعني ابن جرير-، نا أبي) جرير بن حازم، (قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدث عن أبي الزناد، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: قال سعد: كان نبي الله - ﷺ - إذا أخذ) (٣) أي اختار (طريقَ الفُرْع) وهي موضع بين مكة والمدينة، قال في\n_________\n(١) في نسخة: \"سعد بن أبي وقاص\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (٢٦٦٢).\n(٣) يشكل عليه أن الحج واحد، فكيف إذا وإذا؟ ويجاب بأنه أعم من الحج والعمرة، أو معنى \"أخذ\" أعم من القول والفعل. (ش).","vol":"7","page":95},{"text":"أَهَلَّ إِذَا اسْتَقَلَّتْ (١) بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا (٢) أَخَذَ طَرِيقَ أُحُدٍ أَهَلَّ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ\". [ق ٥/ ٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>(٢١) بَابُ الاشْتِرَاطِ في الْحَجِّ</span>\n١٧٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ\n===\n\"القاموس\": وبالضم، موضع من أضخم أعراض المدينة.\nوقال في \"معجم البلدان\" (٣): الفُرْع: قرية من نواحي الربذة (٤) على يسار السقيا، بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة، وقيل: أربع ليال، بها منبر ونخل ومياه كثيرة، وقال السهيلي: هو بضمتين، قال: ويقال: وهي أول قرية مارتْ إسماعيلَ وأمَّه التمر بمكة، وهي من ناحية المدينة، وفيها عينان يقال لهما الرَّبَض والنَّجَف تسقيان عشرين ألف نخلة.\n(أهل) أي أحرم برفع الصوت بالتلبية (إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أُحُد) ولم أقف على هذا الطريق (٥)؛ فإن أُحُدًا جانب الشمال من المدينة، ومكةَ على جانب الجنوب (أهل) أي أحرم برفع الصوت بالتلبية (إذا أشرف) أي علا (على جبل البيداء).\n\n(٢١) (بَابُ الاشْتِرَاطِ في الْحَجِّ) (٦)، أي ما حكمه؟\n١٧٧٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عباد بن العوام، عن هلال بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"على البيداء\".\n(٢) في نسخة: \"فإذا\".\n(٣) \"معجم البلدان\" (٤/ ٢٥٢).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"معجم البلدان\": قرية من نواحي المدينة عن يسار السقيا.\n(٥) يقال له الطريق الشرقي، ذكره صاحب \"الرحلة الحجازية\"، يمر على سيدنا حمزة - ﵁ -. (ش).\n(٦) في \"سبل السلام\" (٢/ ٢١٩): إليه ذهب طائفة من الصحابة والتابعين، ومن الأئمة أحمد وإسحاق، وهو الصحيح من قولي الشافعي، وقال طائفة: المريض يدخل في الإحصار ... إلخ، وسيأتي البسط في \"باب الإحصار\". (ش).","vol":"7","page":96},{"text":"خَبَّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، \"أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أُرِيدُ الْحَجَّ أَشْتَرِطُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَتْ: فَكَيْفَ (١) أَقُولُ؟ قَالَ: «قُولِى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَمَحِلِّى مِنَ الأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتَنِى». [م ١٢٠٨، حم ٦/ ٣٦٠، ت ٩٤١، ن ٢٧٦٥]\n===\nخباب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ضباعةَ بنتَ الزبير (٢) بن عبد المطلب)، بنت عم النبي - ﷺ -، زوجَ المقداد بن الأسود، فولدت له عبد الله وكريمة (أتت رسولَ الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج أشترط؟) بتقدير حرف الاستفهام.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (نعم، قالت) ضباعة: (فكيف أقول؟) أي أشترط (قال) رسول الله - ﷺ -: (قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلِّي) أي موضع إحلالي (من الأرض حيث حَبَسْتَني).\nأخرج البخاري (٣) ومسلم قصة ضباعة بنت الزبير من حديث عائشة قالت: \"دخل رسول الله - ﷺ - على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلكِ أردتِ الحج، قالت: والله ما أجدني إلَّا وَجِعَة، فقال لها: حُجِّي واشترطي، وقُولي: اللهم مَحِلِّي حيث حبستني\".\nقال القاري (٤): قال بعض علمائنا، وهذا تفسير الاشتراط، يعني: اشترطي أن أخرج من الإحرام حيث مرضت وعجزت عن إتمام الحج، فمن لم ير الإحصار بالمرض يستدل بهذا الحديث بأن يقول: لو كان المرض يبيح التحلل لم يأمرها بالاشتراط لعدم الإفادة.\n_________\n(١) في نسخة: \"كيف\".\n(٢) ضبطه في هامش \"روضة المحتاجين\" على وزن: أمير، انتهى. (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٥٠٨٩)، و\"صحيح مسلم\" (١٢٠٧).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٩٢).","vol":"7","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>(٢٢) بَابٌ: في إِفْرَادِ الْحَجّ</span>\n١٧٧٧ - حَدَّثَنَا (١) الْقَعْنَبِيُّ، نَا مَالِكٌ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَفْرَدَ الْحَجَّ\". [م ١٢١١، ت ٨٢٠، ن ٢٧١٥، جه ٢٩٦٤، حم ٦/ ٣٦]\n===\nومن يرى الإحصار بالمرض - وهو مذهب أبي حنيفة - يستدل بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري الآتي، وبما صح عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم؟ فعندنا اشتراط ذلك (٢) كعدمه، ولا يفيد شيئًا، هذا هو المذكور في كتب المذهب.\nوقال الطيبي: دلَّ على أنه لا يجوز التحلل بإحصار المرض بدون الشرط ومع الشرط. قيل أيضًا: لا يجوز التحلل، وجعل هذا الحكم مخصوصًا بضباعة، كما أذن النبي - ﷺ - لأصحابه في رفض الحج وليس يضرهم ذلك، انتهى.\nقلت: ما حكى الطيبي من أن حكم الاشتراط مخصوص بضباعة؛ موجَّه؛ فإنها واقعة خاصة لا عموم لها، ويدل عليه الروايات الأخر التي فيها حكم التحلل من غير الاشتراط، أو يقال: إن رسول الله - ﷺ - قال لضباعة بالاشتراط تطييبًا لقلبها وتسكينها، والله أعلم.\n\n(٢٢) (بابٌ: في إفْرَادِ الْحَجِّ)\nوهو أن يحرم بالحج في أشهره، ثم يأتي بأفعاله، ويفرغ منه\n١٧٧٧ - (حدثنا القعنبي، نا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج)، قال النووي (٣): وأما حجة النبي - ﷺ - فاختلفوا فيها، هل كان مفردًا، أو متمتِّعًا، أو قارنًا؟ وهي ثلاثة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".\n(٢) فيه شيء من الخلاف عندنا، كما في \"شرح اللباب\" (ص ٤٢٢). (ش).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٠٨).","vol":"7","page":98},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، وكل طائفة رجحت (١) نوعًا، وادعت أن حجة النبي - ﷺ - كانت كذلك، والصحيح أنه - ﷺ - كان أولًا مفردًا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج فصار قارنًا.\nواختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها أفضل؟ فقال الشافعي (٢) ومالك (٣) وكثيرون: أفضلها الإفراد، ثم التمتع، ثم القرآن، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التمتع (٤)، وقال أبو حنيفة وآخرون: أفضلها القرآن، وهذان\n_________\n(١) وهكذا في هامش \"الهداية\" عن \"الفتح\" أن أصل اختلافهم في الأفضلية يرجع إلى الاختلاف في إحرامه - ﷺ -، وهكذا قال غيره، لكن لا يصح، ففي \"الروض المربع\" (١/ ١٥٣): قال أحمد: لا أشك أنه ﵇ كان قارنًا، لكن الأفضل التمتع؛ لأنه - ﵊ - تأسَّف على سوقه الهديَ، فقال: \"لولا معي الهدي\" ... إلخ، وكذا النووي صحَّح في مذهبهم الإفرادَ، ثم قال: الصحيح أنه - ﵇ - كان أولًا مفردًا، ثم أدخل العمرة فصار قارنًا، وكذا الخطابي اختار عكسه أنه اعتمر أولًا، ثم أدخل الحج قبل العمرة. وقال عياض والحافظ وغيرهما: إنه - ﵇ - أفرد أولًا، ثم أدخل العمرة فصار قارنًا، والبسط في \"جزء حجة الوداع\" للعبد الضعيف (ص ١٥ - ٣١). (ش).\n(٢) هكذا قال النووي، واختلفت نقلة المذاهب في بيان مذاهبهم جدًا، وفي \"الهداية\" (١/ ١٥٠): القرآن أفضل عندنا، وقال الشافعي: الإفراد، وقال مالك: التمتع، وحكى النووي ثلاث روايات للشافعي في الأفضلية، كما سيأتي. (ش).\n(٣) اختلفت نقلة المذاهب في بيان مسلكه، وفي \"الأنوار الساطعة\" (ص ٦٤٣): الإفراد، ثم القرآن؛ لأن الصحيح أنه - ﵇ - حج مفردًا. وفي \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢٣٩): نُدِبَ إفراد على قرآن وتمتع بأن يحرم بالحج مفردًا، ثم إذا فرغ منه أحرم بالعمرة، ثم يلي الإفراد في الفضل قرانٌ، قال الدسوقي: ظاهره أن الإفراد لا يكون أفضل إلا إذا أحرم بالعمرة بعده، وهو قول ضعيف، والمعتمد أنه أفضل ولو لم يعتمر، وحكى الدسوقي روايات أخر عن أشهب، واللخمي وغيرهما، وحكى صاحب \"الهداية\" عن مالك أفضلية التمتع، وسكت عليه ابن الهمام (٢/ ٥٣٤) وغيره من الشراح. (ش).\n(٤) ثم الإفراد، ثم القرآن، كذا في \"الأنوار الساطعة\" (ص ٧٣٦)، وكذا قال صاحب \"نيل المآرب\" (١/ ٢٩١، ٢٩٢)، و\"الروض المربع\" (١/ ١٥٣)، وذكر في \"المغني\" (٥/ ٨٢، ٨٣) رواية أخرى: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإلَّا فالتمتع. (ش).","vol":"7","page":99},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمذهبان قولان آخران للشافعي، والصحيح تفضيل (١) الإفراد، ثم التمتع، ثم القرآن، انتهى.\nقلت: وأفضلها عند الحنفية القران، ثم التمتع، ثم الإفراد (٢)، ثم قوله: أفرد الحج. المحققون قالوا في نسكه - ﷺ -: إنه القران، فقد صح ذلك من رواية اثني عشر من الصحابة بحيث لا يحتمل التأويل، وقد جمع ابن حزم الظاهري في \"حجة الوداع\" (٣) له، وذكرها حديثًا حديثًا، قالوا: وبه يحصل الجمع بين أحاديث الباب.\nأما أحاديث الإفراد فمبنية على أن الراوي سمعه يلبي بالحج فزعم أنه مفرد بالحج، فأخبر على حسب ذلك، ويحتمل أن المراد بإفراد الحج (٤) أنه لم يحج بعد الافتراض إلَّا حجة واحدة.\nوأما أحاديث التمتع فمبنية على أنه سمعه يلبي بالعمرة فزعم أنه متمتع، وهذا لا مانع منه من إفراد نسك بالذكر للقارن، على أنه قد يختفي الصوت بالثاني.\nويحتمل أن المراد بالتمتع القرانُ؛ لأنه من الإطلاقات القديمة، وهم كانوا يسمون (٥) القران تمتعًا، انتهى.\n_________\n(١) وهكذا حكاه صاحب \"الأنوار لأعمال الأبرار\"، وكذا في \"شرح الإقناع\" (١/ ٢٢٢)، لكنه شرط أن يعتمر في هذه السنة، وهكذا في \"شرح المنهاج\"، وقال: إن لم يعتمر في هذه السنة فهما أفضل منه. (ش).\n(٢) فالصحيح في مختار الأئمة عند أحمد: التمتع، ثم الإفراد، ثم القران، وعند الشافعي: الإفراد مع العمرة، ثم التمتع، ثم القرآن، وعند مالك: الإفراد ولو بلا عمرة، ثم القران، ثم التمتع، وعندنا: القران، ثم التمتع، ثم الإفراد. (ش).\n(٣) انظر: \"حجة الوداع\" (ص ٤٠٤ إلى ٤٢٢).\n(٤) وقيل: المعنى إفراد أعمال الحج عن أفعال العمرة، وهذا جواب لقولهم: معنى دخلت العمرة في الحج، أي أفعالها في أفعاله. (ش).\n(٥) في الأصل: \"يسمعون\"، وهو تحريف.","vol":"7","page":100},{"text":"١٧٧٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُوَافِينَ هِلَالَ ذِى الْحِجَّةِ،\n===\nقلت: قال الطحاوي (١): قيل له: قد يجوز أن يكون الإفراد الذي ذكره هذا على معنى لا يخالف معنى ما روى الزهري، عن عروة، عن عائشة، وذلك أنه قد يجوز أن يكون الإفراد الذي ذكره القاسم، عن عائشة إنما أرادت به إفرادَ الحج في وقت ما أحرم به، وإن كان قد أحرم بعد خروجه منه بعمرة؛ فأرادت أنه لم يخلطه في وقت إحرامه به بإحرام بعمرة كما فعل غيره ممن كان معه.\nوأما حديث محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة؛ فإنها أخبرت أن منهم من أهلَّ بعمرة لا حجة معها، ومنهم من أهلَّ بحجة وعمرة يعني مقرونتين، ومنهم من أهلَّ بالحج، ولم يذكر في ذلك التمتع، فقد يجوز أن يكون الذين قد كانوا أحرموا بالعمرة أحرموا بعدها بحجة، ليس حديث هذا ينفي من ذلك شيئًا، وإنها قالت: \"وأهل رسول الله - ﷺ - بالحج مفردًا\"، فقد يجوز أن يكون ذلك الحج المفرد بعد عمرة قد كانت تقدمت منه مفردة، فيكون قد أحرم بعمرة مفردة على ما في حديث القاسم ومحمد بن عبد الرحمن عن عروة، ثم أحرم بعد ذلك بحجة على ما في حديث الزهري عن عروة، حتى تتفق هذه الآثار ولا تتضاد.\n١٧٧٨ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، ح: ونا موسى بن إسماعيل، نا حماد - يعني ابن سلمة-، ح: ونا موسى، نا وهيب) كلهم (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - موافين) بالِغين ومقاربين طلوعَ (هلال ذي الحجة)، فإنه - ﷺ - خرج لخمس بقين\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٤٣).","vol":"7","page":101},{"text":"فَلَمَّا كَانَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ قَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ». قَالَ مُوسَى فِى حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فَإِنِّى لَوْلَا أَنِّى أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. وَقَالَ فِى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلُّ بِالْحَجِّ فَإِنَّ مَعِىَ الْهَدْىَ، ثُمَّ اتَّفَقُوا (١)، فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ الطَّرِيقِ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبْكِى، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟». قُلْتُ: وَدِدْتُ أَنِّى لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ.\n===\nمن ذي القعدة، (فلما كان بذي الحليفة قال: من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة) أي أذن رسول الله - ﷺ - لكل واحد منهم أن يحرم بما شاء من الحج أو العمرة.\n(قال موسى في حديث وهيب: فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة) أي بعمرة خالصة، ثم حللت بعد الفراغ من أفعالها، لكن الهدي (٢) يمنع الإحلال قبل الحج كالقران والإفراد، ولعل هذا القول صدر منه - ﷺ - حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة لا عند ذي الحليفة.\n(وقال) موسى (في حديث حماد بن سلمة: وأما أنا فأهل بالحج) مع العمرة (فإن معي الهدي، ثم اتفقوا، فكنت (٣) فيمن أهل بعمرة، فلما كان) رسول الله - ﷺ - (في بعض الطريق) أي بسرف (حِضْتُ، فدخل عليَّ رسولُ الله - ﷺ - وأنا أبكي، فقال: ما يبكيكِ؟ قلت: وددتُ أني لم كن خرجت العامَ)، فلا يصيبني تلك المصيبة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قالت\".\n(٢) مستدل للحنفية في أن سوق الهدي يمنع التحلل، خلافًا للشافعية والمالكية إذ قالوا: يجوز للمتمتع السائِق الهديَ أن يتحلل، كذا في \"إكمال مسلم\" (٤/ ٢٣٦، ٢٣٧)، و\"الزرقاني\" (٢/ ٣٧٤)، وذكر الحنابلة مع الحنفية. (ش).\n(٣) تكلم المحدَّثون على حديث عروة هذا، وعدوه غلطًا، كما بسطه العيني تحت \"باب كيف تهل الحائض\" (٧/ ٨٧)، وفي \"باب التمتع والإقران\" (٧/ ١٠٥). (ش).","vol":"7","page":102},{"text":"قَالَ: \"ارْفُضِى عُمْرَتَكِ وَانْقُضِى رَأْسَكِ وَامْتَشِطِى». قَالَ مُوسَى: «وَأَهِلِّى بِالْحَجِّ»، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: «وَاصْنَعِى مَا يَصْنَعُ الْمُسْلِمُونَ فِى حَجِّهِمْ»، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الصَّدَرِ (١) أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَذَهَبَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ. [خ ١٥٥٦، م ١٢١١، ن ٢٧١٦، جه ٣٠٠٠]\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أرفُضِي عمرتكِ، وانقضي) شعر (رأسكِ، وامتَشِطِي) أي أصلِحِي شعر رأسك بالمشط، وهذا الكلام يدل (٢) صريحًا على الأمر بترك إحرام العمرة؛ فإن الامتشاط يستلزم نتف الشعر وهو ممنوع في الإحرام، فلما أمرها بالامتشاط عُلِمَ أنه - ﷺ - أمرها برفض إحرام العمرة لا بترك أفعالها.\n(قال موسى: وأَهِلِّي) أي أَحرِمي (بالحج، وقال سليمان: واصنعي ما يصنع المسلمون في حجهم) من إحرام الحج، والوقوفِ بعرفات والمزدلفة ومنى، ورميِ الجمار.\n(فلما كان ليلة الصدر) أي ليلة الرجوع (أمر رسول الله - ﷺ - عبدَ الرحمن) أخا عائشة، (فذهب) عبد الرحمن (٣) (بها) أي بعائشة (إلى التنعيم) بالفتح، ثم السكونِ، وكسرِ العين المهملة، وياءٍ ساكنةٍ، وميمٍ: موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة، وقيل على أربعة، وسمي بذلك لأن جبلًا عن يمينه يقال له: نعيم، وآخر عن شماله يقال له: ناعم، والوادي نعمان، وبالتنعيم مساجد حول مسجد عائشة - ﵂ - وسقايا على طريق المدينة، منه يحرم المكيون بالعمرة، كذا في \"المعجم\" (٤).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) وبه قلنا، خلافًا للثلاثة، كما سيأتي في \"باب المهلَّة بالعمرة\". (ش).\n(٣) وهل اعتمر عبد الرحمن أيضًا أم لا؟ وعلى الثاني كيف جاز له دخول مكة بغير إحرام؟ والجواب أن المكي إذا خرج إلى الحل لحاجة، له أن يدخل مكة بغير إحرام بشرط أن لا يكون جاوز ميقات الآفاقي، فإن جاوزه فليس له أن يدخل مكة بغير إحرام، كذا في \"غنية الناسك\" (ص ٦٤، ٦٥). (ش).\n(٤) \"معجم البلدان\" (٢/ ٤٩).","vol":"7","page":103},{"text":"زَادَ مُوسَى: فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا وَطَافَتْ (١) بِالْبَيْتِ، فَقَضَى اللَّهُ عُمْرَتَهَا وَحَجَّهَا (٢).\nقَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ مُوسَى فِى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: \"فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ طَهُرَتْ عَائِشَةُ\".\n===\n(زاد موسى: فأهلت بعمرة (٣) مكان عمرتها) التي رفضتها (وطافتْ بالبيت) المراد بالطواف إما طواف الإفاضة للحج، أو المراد طواف العمرة، والظاهر أن المراد بها طواف العمرة. وترك في الحديث طواف الزيارة. (فقضى الله عمرتها وحجَّها).\n(قال هشام: ولم يكن في شيء من ذلك هدي)؛ لأنها لما رفضت العمرة كانت مفردة بالحج فلا يلزم عليها الهدي، ولكن يلزمها دم رفض العمرة، وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - أدى عنها الدم في البقرة التي ذبحها.\n(قال أبو داود: زاد موسى في حديث حماد بن سلمة: فلما كانت ليلة البطحاء) أي الليلة التي أقام فيها رسول الله - ﷺ - في المحصب بعد عوده من مني (طهرت عائشة) في تلك الليلة، وهي ليلة أربع عشرة من ذي الحجة.\nقال الحافظ ابن القيم في \"الهدي\" (٤): وموضع طُهرها قد اختلف فيه، فقيل: بعرفة، هكذا روى مجاهد عنها، وروى عروة عنها أنها أظلّها يوم عرفة\n_________\n(١) في نسخة: \"فطافت\".\n(٢) في نسخة: \"حجتها وعمرتها\".\n(٣) من ترك العمرة عليه القضاء والهدي عندنا، وهو المرجح عند أحمد، خلافًا للشافعي ومالك إذ قالا: لا قضاء عليه، كما سيأتي. (ش).\n(٤) \"زاد المعاد في هدي خير العباد\" (٢/ ١٦٤).","vol":"7","page":104},{"text":"١٧٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَتْ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ،\n===\nوهي حائض، ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابن حزم على معنيين، فطهر عرفة: هو الاغتسال للوقوف [بها] عنده. قال: لأنها قالت: تطهرتُ بعرفة، والتطهر غير الطهر، قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها أنه يوم النحر، وحديثه في \"صحيح مسلم\" قال: وقد اتفق القاسم وعروة على أنها كانت يوم عرفة حائضًا، وهما أقرب الناس منها.\nوقد روى أبو داود حديثًا عنها، وفيه: \"فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة\"، وهذا إسناد صحيح، لكن قال ابن حزم: إنه حديث منكر، مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها، وهو قوله: \"إنها طهرت ليلة البطحاء\"، وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال، وهذا محال إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة أنها ليست من كلام عائشة، فسقط التعلق بها؛ لأنها هي مما دون عائشة، وهي أعلم بنفسها، انتهى بقدر الحاجة (١).\n١٧٧٩ - (حدثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الأسود محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ نوفل، عن عروة بن الزبير، عن عائشةَ زوجِ النبي - ﷺ - قالت: خرجنا مع رسولِ الله - ﷺ - عام حجة الوداع) من المدينة، فلما كنا بذي الحليفة أَذِنَ رسول الله - ﷺ - من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل.\n(فمنا من أهلَّ بعمرة) خالصة، (ومنا من أهلَّ بحج وعمرة) مجموعتين،\n_________\n(١) قلت: والأوجه عندي أنه سقط الواو من الناسخ، فيكون الحديث صحيحًا بلا مرية، ويكون المعنى: فلما كانت ليلة البطحاء، وطهرت عائشة ... إلخ، كما سيأتي في المتن. (ش).","vol":"7","page":105},{"text":"وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْحَجِّ، وَأَمَّا (١) مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ\". [خ ١٥٦٢، م ١٢١١، ن ٢٧١٥، جه ٢٩٦٥]\n١٧٨٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. زَادَ: \"فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَحَلَّ\" (٢). [انظر سابقه]\n١٧٨١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،\n===\n(ومنا من أهلَّ بالحج، وأهلَّ (٣) رسول الله - ﷺ - بالحج) مفردًا أو مع العمرة.\n(وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر) وهذا محمول (٤) في حق من أهل بالحج وأهدى، فلا يحل لهم التحلل إلا يوم النحر حين نحو الهدي، وإلا فمن كان منهم من أهل بالحج مفردًا أمره رسول الله - ﷺ - بفسخه إلى العمرة.\n١٧٨٠ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني مالك، عن أبي الأسود بإسناده) المتقدم (مثله) أي مثل الحديث المتقدم (زاد) ابن وهب: (فأما من أهل بعمرة فأحل) (٥).\n١٧٨١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،\n_________\n(١) في نسخة: \"فأما\".\n(٢) وفي نسخة: \"فحل\".\n(٣) وبهذا التقسيم استدل به مالك على أنه - ﷺ - كان مفردًا. (ش).\n(٤) وهذا أوجه مما أشار إليه الجصاص في \"أحكام القرآن\" (١/ ٢٨٣): من أن الرواية ساقطة، لأن عامتهم كانوا فسخوا الحج بالعمرة، وحلّوا. (ش).\n(٥) بشرط إن لم يسق هديًا عندنا وعند الحنابلة، كما تقدَّم. (ش).","vol":"7","page":106},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا». فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ\n===\nعن عائشةَ) - ﵂ - (زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ -) من المدينة (في حجة الوداع، فأهللنا) أي فأهلَّ بعضنا (بعمرة).\n(ثم قال رسول الله - ﷺ -: من كان) أهل بالعمرة و(معه هدي فليهل بالحج مع العمرة) أي فليدخل الحجَ على العمرة ليكون قارنًا، (ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا) أي لا يخرج من الإحرام، ولا يحل له شيء من المحظورات حتى يتم العمرةَ والحجَّ جميعًا.\n(فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت)؛ لأن الحائض ممنوعة عن دخولِ المسجد، والطوافُ بالبيت لا يكون إلَّا في المسجد فلم تطف لذلك.\nقال في \"شرح الوقاية\": وحيضها لا يمنع نسكًا إلَّا الطواف فإنه في المسجد، ولا يجوز للحائض دخوله، انتهى.\nواعترض عليه مولانا عبد الحي اللكهنوي وقال: قوله: إنه في المسجد، هذا قاصر؛ فإنها لو طافت من خارج المسجد أيضًا لم يجز، فإن الطهارة من الجنابة شرط لنفس الطواف، انتهى.\nقلت: فما قال شارح \"الوقاية\" ليس بقاصر؛ فإنه لو طاف خارج المسجد لا يجوز طوافه من حيث إنه يشترط لصحة الطواف كونه في المسجد.\nقال في \"البدائع\" (١): لو طاف حول المسجد وبينه وبين البيت حيطان المسجد لم يجز؛ لأن حيطان المسجد حاجزة فلم يطف بالبيت لعدم الطواف\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣١٣).","vol":"7","page":107},{"text":"وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسولِ اللهِ - ﷺ -،\n===\nحوله، بل طاف بالمسجد لوجود الطواف حوله لا حول البيت، ولأنه لو جاز الطواف حول المسجد مع حيلولة حيطان المسجد لجاز حول مكة والحرم، وذا لا يجوز، كذا هذا، انتهى.\nوقال القاري في \"شرح المناسك\" (١): ولو طاف خارج المسجد فمع وجود الجدران لا يصح إجماعًا، وأما إذا كان جدرانه منهدمة فكذا عند عامة العلماء، خلافًا لمن لم يعتد بخلافه، انتهى.\nنعم غاية ما في الباب أن لجواز الطواف شرطين (٢): الأول: مكان الطواف، والثاني: الطهارة، وكل واحد منهما له دخل في صحة الطواف، فإذا انعدم أحدهما لم يجز الطواف، فلا قصور في ذكر أحد العلتين.\n(ولا بين الصفا والمروة)، لأن صحة الطواف بين الصفا والمروة موقوفة على الطواف بالبيت طاهرًا عن الحدث الأكبر، فلا يجوز السعي بين الصفا والمروة قبل الطواف ولا بعد الطواف، حائضًا أو جنبًا.\nقال في \"المناسك\" (٣): الشرط الثاني: أن يكون السعي بعد طواف كامل ولو نفلًا، أو بعد أكثره أي أكثر أشواطه، فلو سعى قبل الطواف أي أكثر جنسه، أو بعد أقله لم يصح لعدمِ تحققِ ركنه.\nثم قال: الخامس: أن يكون السعي بعد طواف على طهارة عن الجنابة والحيض وكذا حكم النفاس، فإن لم يكن طاهرًا عنهما وقت الطواف لم يجز رأسًا.\n(فشكوت ذلك) أي تَرْكَ الطواف والسعي لعذر الحيض (إلى رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) \"شرح لباب المناسك\" (ص ١٥١).\n(٢) به جزم في \"البحر الرائق\" (٢/ ٣٥٣، ٣٥٤)، وابنُ الهمام في \"فتح القدير\" (٣/ ٤٧). (ش).\n(٣) \"شرح المناسك\" (ص ١٧٤، ١٧٧).","vol":"7","page":108},{"text":"فَقَالَ: «انْقُضِى رَأْسَكِ وَامْتَشِطِى وَأَهِلِّى بِالْحَجِّ وَدَعِى الْعُمْرَةَ». قَالَتْ: فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ (١):\n===\nفقال) رسول الله - ﷺ -: (انقُضِي) شعر (رأسكِ، وامتَشِطِي، وأَهِلي) أي أحرمي (بالحج وَدَعِي العمرةَ)، قد تقدم بيان الاختلاف بين الحنفية والشافعية في عمرة عائشة (٢) - ﵂ - أنها عندهم كانت عائشة - ﵂ - قارنة، فدخلت أفعال العمرة في أفعال الحج، فعندهم معنى قوله: \"انقضي رأسك\"، أي: حلِّي شعر رأسك، وامتشطي بحيث لا ينتف شعر الرأس، وأحرمي بالحج، ودعي العمرة أي: اتركي أفعال العمرة.\nوعند الحنفية لا تدخل أفعال العمرة في أفعال الحج، بل يجب أن يأتي بأفعال العمرة من الطواف والسعي أولًا، ثم يأتي بأفعال الحج، فعلى هذا في هذا الكلام دليل صريح لمذهب الحنفية؛ فإن قولها: لم أطف بين الصفا والمروة، وشكاية ذلك إلى رسول الله - ﷺ - لا يصح إلا أن يكون عندها علم بأن أفعال العمرة لا تدخل في أفعال الحج، وكذلك أمرُها بالامتشاطِ ورفضِ العمرة كالصريح في ذلك، فإنها إذا كانت قارنة لم تترك شيئًا من أعمال العمرة، وكذلك لا يصح قولها: أرجع بحجة، وكذلك قوله - ﷺ -: \"هذه مكان عمرتك\"، فثبت بهذا أنها كانت معتمرة، ثم لما أصابها الحيض رفضت العمرةَ، وأهلت بالحج، فصارت مفردة بالحج، ولم يجب عليها الهدي، بل وجب عليها دم لرفض العمرة.\n(قالت: ففعلت) أي رفضت العمرة، وأَهللت بالحج، (فلما قضينا الحجَ أرسلني رسول الله - ﷺ - مع) أخي (عبدِ الرحمنِ بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت) أي أحرمت منها للعمرة، وأديت أفعالها، فلما فرغت منها (فقال) رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال لي\".\n(٢) جمع ابن قتيبة في نوعية إحرامها. وتقدَّم الكلام عليه في الشرح، وسيأتي أيضًا. (ش).","vol":"7","page":109},{"text":"«هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ». قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ (١) رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا (٢) الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [خ ١٥٥٦، م ١٢١١، ن ٢٧٦٣]\n===\n(هذه) أي العمرة التي اعتمرتِ من التنعيم (مكان عمرتكِ) التي رفضتها.\n(قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا) من العمرة، (ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مني لحجهم) وهذا هو طواف الإفاضة، فإنهم لما حلوا عن طواف العمرة صاروا متمتعين.\n(وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا) (٣).\nقال العيني (٤): فيه حجة لمن قال: الطواف الواحد والسعي الواحد يكفيان للقارن، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وغيرهم (٥)، وقال الأوزاعي والشعبي والنخعي ومجاهد وابن أبي ليلى وغيرهم وأبو حنيفة وأصحابه: لا بد للقارن من طوافين وسعيين، وحكي ذلك عن علي وعمر والحسن والحسين وابن مسعود.\nوعن علقمة وابن (٦) مسعود قال: طاف رسول الله - ﷺ - لعمرته وحجه طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلي، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"إذ\".\n(٢) في نسخة: \"فأما\".\n(٣) وأطال السندي على البخاري عليه كلامًا طويلًا، وقال: لا يصح له معنى، وبسطت التوجيهات فيه في \"الأوجز\" (٨/ ٤١٩)، وسيأتي بمعناه في \"باب طواف القارن\". (ش).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ٨٩).\n(٥) كما في \"المغني\" (٥/ ٣٤٧)، و\"مناسك النووي\" (ص ١٦٧)، و\"الروض المربع\" (١/ ١٦٨). (ش).\n(٦) كذا في الأصل، وفي \"عمدة القاري\": \"وعن علقمة عن ابن مسعود قال\".","vol":"7","page":110},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَمَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ، لَمْ يَذْكُرُوا طَوَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَطَوَافَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ.\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: طافوا طوافًا واحدًا، أوَّله بعضهم بأن معناه: طافوا لكل واحد منهما طوافًا واحدًا، ولا يصح تأويله بعد ما علم من مذهب عائشة أنها كانت ترى للقارن طوافًا واحدًا كالسعي، كما هو مذهب الشافعية.\nوالسبب في اختلاف هؤلاء في هذه الأمور ما رأوا من أفعال النبي - ﷺ -، فمن لم يرَ طوافيه وسعييه بل لحقه بعد ما طاف وسعى مرة جزم بأنه إنما فعلهما مرة واحدة، والآخرون لما رأوا طوافيه وسعييه اختاروا ذلك، وقد تقدم أن المثبت أولى من النافي.\nوأوله بعض الأذكياء من العلماء من أهل الدرس أن معناه: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا للإحلال طوافًا واحدًا، فإنهم لم يحلوا بعد طواف العمرة، وإنما حلوا بعد طواف الزيارة، فليس طوافهم للحل إلَّا طوافًا واحدًا (١).\n(قال أبو داود: رواه إبراهيم بن سعد (٢) ومعمر (٣)، عن ابن شهاب نحوه) أي نحو حديث مالك، عن ابن شهاب (لم يذكروا) أي إبراهيم ومعمر وغيرهما (طوافَ الذين أهلُّوا بعمرة، وطوافَ الذين جمعوا الحج والعمرة) حاصله أن حديث إبراهيم ومعمر تم على قوله: هذه مكان عمرتك، وأما مالك فزاد في حديثه: قالت: فطاف الذين أهلوا، الحديث.\n_________\n(١) ويؤيد هذا التوجيه الحديث القولي في \"الترمذي\" بلفظ: \"حتى يحل منهما\". [انظر: حديث (٩٤٨)]. (ش).\n(٢) أخرج روايته البخاري رقم (٣١٦).\n(٣) أخرج روايته أحمد (٦/ ١٦٣)، ومسلم (١٢١١)، وابن حبان (٣٩٢٧)، والبيهقي (٤/ ٣٥٣).","vol":"7","page":111},{"text":"١٧٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبْكِى\n===\n١٧٨٢ - (حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لبينا بالحج) كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: إنما أضافته إلى نفسها مجازًا (١)، كما أضافته في قولها بعد ذلك (٢): فلما قدمنا تطوفنا، ومن المعلوم أنها كانت حائضة عند ذلك، وإنما نسبت فعل الجماعة إليها أيضًا، ولا يضرنا لو سلَّمنا أنها كانت قارنة؛ فإنها وإن نوت النُّسكين جميعًا غير أنها برفض العمرة صارت مفردة بالحج.\n(حتى إذا كنا بسرف) بفتح أوله، وكسر ثانيه، وآخره فاء: موضع على ستة أميال من مكة، وقيل سبعة، وتسعة، واثني عشرة، تزوج به رسول الله - ﷺ - ميمونةَ بنت الحارث، وهناك بني بها، وهناك تُوُفِّيَتْ - ﵂ -.\n(حضتُ، فدخل عَليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي)، قال الحافظ (٣): تقدم أن حيضها كان بسرف قبل دخولهم مكةَ، وفي رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم: أن دخول النبي - ﷺ - عليها وشكواها ذلك له كان يوم التروية، ووقع عند مسلم من طريق مجاهد، عن عائشة: أن طهرها كان بعرفة، وفي رواية القاسم عنها: \"وطهرت صبيحةَ ليلةِ عرفة حتى قدمنا مني\"، وله من طريقه: \"فخرجت في حجتي، حتى نزلنا [منى] فتطهرت ثم طفنا بالبيت\" الحديث.\nواتفقت الروايات أنها طافت طواف الإفاضة من يوم النحر، واقتصر النووي في \"شرح مسلم\" على النقل عن أبي محمد بن حزم: أن عائشة حاضت\n_________\n(١) هذا التوجيه معين؛ فإن سياق هذا الحديث معارض بما سبق: \"فأهللنا بعمرة\"، وكذا ما سيأتي عن جابر. (ش).\n(٢) في حديث الأسود الآتي، وقد رواه البخاري أيضًا برقم (١٥٦١). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠٨).","vol":"7","page":112},{"text":"فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ يَا عَائِشَةُ؟» فَقُلْتُ: حِضْتُ، لَيْتَنِى لَمْ أَكُنْ حَجَجْتُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّمَا ذَلِكَ شَىْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»، فَقَالَ: «انْسُكِى الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ»، فَلَمَّا دَخَلْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْىُ». قَالَتْ: وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ يَوْمَ النَّحْرِ،\n===\nيوم السبت ثالثَ ذي الحجة، وطهرت يوم السبت عاشرة يوم النحر، وإنما أخذه ابن حزم من هذه الرواية التي في مسلم.\nويُجْمَعُ بين قول مجاهد وقول القاسم: أنها رأت الطهر وهي بعرفة، ولم تتهيأ للاغتسال إلَّا بعد أن نزلت مني، أو انقطع الدم عنها بعرفة، وما رأت الطهر إلَّا بعد أن نزلت مني، وهذا أولى، انتهى.\n(فقال: ما يبكيكِ يا عائشة؟ فقلت: حضت، ليتني لم أكن حججت) في هذا العام، (فقال: سبحان الله، إنما ذلك شيء) أي الحيض أمر (كتبه الله على بنات آدم) (١) لا يمنع الحج.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (انسُكي المناسك كلها غير أن لا تطوفي (٢) بالبيت) ولا تسعي بين الصفا والمروة، (فلما دخلنا مكة قال رسول الله - ﷺ -: من شاء أن يجعلها) أي الحجة (عمرة فليجعلها عمرة).\nوكان هذا الحكم المعلَّق على المشيئة من غير إيجاب في ابتداء الأمر، فلما رأى استنكافهم عن ذلك أوجبه عليهم، وكان هذا خاصة لهم في تلك السنة لدفع أمر الجاهلية (إلَّا من كان معه الهدي، قالت: وذبح رسول الله - ﷺ - عن نسائه البقر يوم النحر).\n_________\n(١) اختلف في بدء الحيض، فقيل في نساء بني إسرائيل عقوبة لهن، واستدل البخاري بحديث الباب على أنه من بنات آدم، كذا في \"القسطلاني\" (١/ ٦١٩)، والبسط في هامش \"اللامع\" (٢/ ٢٣٨ - ٢٤١). (ش).\n(٢) لفظة \"لا\" زائدة، وإلا يكون إثبات الطواف، كذا في \"القسطلاني\". (ش).","vol":"7","page":113},{"text":"فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ وَطَهُرَتْ (١) عَائِشَةُ - ﵂ - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَرْجِعُ صَوَاحِبِى بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِالْحَجِّ؟ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرٍ فَذَهَبَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَلَبَّتْ بِالْعُمْرَةِ\". [م ١٢١١، حم ٦/ ٢١٩]\n١٧٨٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٢) وَلَا نَرَى إلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ،\n===\nوالظاهر أن جميع نسائه - ﷺ - كنَّ في هذا السفر، وكانت تسع نسوة، فكيف يمكن أن تكفي البقرة عن جميعهن؟ فالجواب عنه: أن البقرة كانت عن سبع منهن، وعن الباقية لعله ذبح غير البقرة.\n(فلما كانت ليلة البطحاء) وهي ليلة المحصب (وطهرت عائشة - ﵂ -) قبلها، كما تقدم أنها طهرت يوم النحر (قالت: يا رسول الله! أترجع صواحبي بحج وعمرة، وأرجع أنا بالحج؟) أي مفردًا؛ لأنها كانت رفضت عمرتها (فأمر رسول الله - ﷺ - عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكر فذهب بها) أي بعائشة (إلى التنعيم، فلبَّت) أي أحرمت (بالعمرة) منه.\n١٧٨٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ -) في حجة الوداع (لا نرى إلَّا أنه الحج) (٣)؛ وذلك لأن المعتمر يعدّه أهلُ العرف حاجًّا،\n_________\n(١) في نسخة: \"تجهزت أي للحج لأنها طهرت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"و\".\n(٣) وقال السندي على البخاري: أي: لا نرى إلا أن الذي وقع الخروج له هو الحج، ولعلَّ المراد به أن المقصود الأصلي ما كان من الخروج إلا الحج، ومن اعتمر منهم فعمرته كانت نابعة للحج، فلا يخالف ما سبق أنها كانت معتمرة، ثم قال: ويحتمل أن يقال: إن هذا (لا نرى إلَاّ الحج) باعتبار غالب من كان معه - ﷺ - من الصحابة. (ش).","vol":"7","page":114},{"text":"فَلمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا (١) بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺمنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يُحِلَّ، فَأَحَلَّ (٢) مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ\". [خ ١٥٦١، م ١٢١١، ن ٢٨٠٢]\n١٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا (٣) يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ\n===\nومن كانت سفرته للعمرة فهو حاج أيضًا، فإن الحج لما كان هو القصد وهو يعم الحج والعمرة كان المعتمر كالحاج.\nفمعناه: لا يعد سفرنا إلَّا لحج البيت وقصده، والدليل على ذلك قولها: \"فمنا من أهل بحج، ومنا من أهل بعمرة\"، فلما قبلت أنهم كانوا معتمرين وحاجين من أول الأمر ثم صرَّحت بقولها: \"لا نرى إلَّا أنه الحج\"، وجب حمل قولها على ما ذكر، كذا في تقرير مولانا محمد يحيى المرحوم.\n(فلما قدمنا) مكة (تطوَّفنا بالبيت) وسعينا بعده، أي غيري؛ لأنها كانت حائضة (فأمر رسول الله - ﷺ - من لم يكن ساق الهدي أن يحل) عن إحرام العمرة، (فأحل من لم يكن ساق الهدي) وصار متمتِّعًا، وأزواج النبي - ﷺ - لم يكنَّ أهدين، فحللن بعد إتيانهن بأركان العمرة، فصرن متمتعات غير عائشة - ﵂ -.\n١٧٨٤ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عثمان بن عمر، أنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال) لما رأى تأخُّرَ الصحابة عن فسخ الحج وتبطُّؤَهم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت)\n_________\n(١) في نسخة: \"طفنا\".\n(٢) في نسخة: \"فحل\".\n(٣) في نسخة: \"ثنا\".","vol":"7","page":115},{"text":"لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ\". [خ ٧٢٢٩، م ١٢١١، حم ٦/ ٢٤٧]\nقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: \"وَلَحَلَلْتُ مَعَ الَّذِينَ أَحَلُّوْا مِنَ الْعُمْرَةِ\". قَالَ: أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ النَّاسِ وَاحِدًا.\n١٧٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ. قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟\n===\nأي: لو علمت من أمري في أول الحال ما علمت في آخر أمري (لَمَا سقت الهدي) ولجعلت حجي عمرة.\n(قال محمد) بن يحيى بن فارس: (أحسبه) أي شيخي عثمانَ بن عمر (قال: ولحللت مع الذين أحلوا من العمرة، قال) محمد: (أراد) رسول الله - ﷺ - بهذا القول (أن يكون أمر الناس واحدًا)، ولا يلزم على هذا تفضيل الإفراد (١) على القرآن بتمنِّيه ذلك؛ لأن التمني إنما هو بعارض أن الصحابة ترددوا في امتثاله، وكان فسخ الحج إلى العمرة مما وجب لأجل كراهتهم العمرةَ في أشهر الحج، لا لأجل فضل الإفراد على القران.\n١٧٨٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أقبلنا مُهِلِّين) أي مُحرِمين (مع رسول الله - ﷺ - بالحج مفردًا، وأقبلت عائشة مهلة بعمرة) كما تقدم عنها أنها قالت: فكنت فيمن أهل بعمرة (حتى إذا كانت بسرف عَرَكت) أي: حاضت.\n(حتى إذا قدمنا) مكة (طفنا بالكعبة، و) سعينا (بالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله - ﷺ - أن يحل ما من لم يكن معه هدي، قال) جابر: (فقلنا: حِلُّ ماذا؟)\n_________\n(١) قوله: \"تفضيل الإفراد\" الظاهر بدله \"تفضيل التمتع\" وكذا فيما بعد.","vol":"7","page":116},{"text":"قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ»، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ. ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى عَائِشَةَ فَوَجَدَهَا تَبْكِى، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ (١): شَأْنِى أَنِّى قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أُحْلِل، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ. قَالَ (٢): «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِى ثُمَّ أَهِلِّى بِالْحَجِّ»، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ\n===\nإنما سألوا لأنهم استبعدوا أن يكون مراده الحل المعروف لدنو أيام مني وعرفة، فلعله أراد بالحل معنى آخر، فقالوا: أي الحل تعني؟ (قال: الحل كله) حتى المجامعة (فواقعنا) أي جامعنا (٣) (النساءَ، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا) أي المخيطة.\n(وليس بيننا وبين عرفة إلَّا أربع ليال، ثم أهللنا) للحج (يوم التروية، ثم دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنكِ؟) أي بماذا تبكي (قالت: شأني أني قد حضت، وقد حَلَّ الناس) بعد إتيان أفعال العمرة (ولم أحلِلْ، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن) فكيف أصنع؟ .\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (إن هذا) أي الحيض (أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي) لإحرام الحج للتنظيف، (ثم أهلِّي بالحج) وارفضي العمرة (ففعلتْ ووقفتِ المواقفَ، حتى إذا طهرت طافت بالبيت) للإفاضة، (و) سعت (بالصفا والمروة، ثم قال) رسول - ﷺ -: (قد حللتِ من حجكِ) (٤) الآن\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالت\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) وورد في بعض الروايات بدله لفظ الاستمتاع بالنساء، واستدل بذلك من قال: أبيح المتعة في حجة الوداع أيضًا، كما في \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٥١). (ش).\n(٤) هذا أصرح دليل لمن قال: إنها كانت قارنة، كما سيأتي. (ش).","vol":"7","page":117},{"text":"وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا». قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَجِدُ فِى نَفْسِى أَنِّى لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حِينَ حَجَجْتُ. قَالَ: «فَاذْهَبْ (١) بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ»، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ\". [م ١٢١٣، ن ٢٧٦٣، حم ٣/ ٣٩٤، جه ٢٩٦٣]\n١٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٢)، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا (٣) بِبَعْضِ هَذِهِ الْقِصَّةِ\n===\n(وعمرتكِ) قبل ذلك (جميعًا، قالت: يا رسول الله! اني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت) أي قبل الحج حين أردت الحج؛ لأنها كانت رفضت العمرةَ فلم تطف.\nوأوضح من ذلك ما أخرج البيهقي في \"سننه\" (٤) هذا الحديث بسند أبي داود وفيه: قالت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت ... إلخ (قال) رسول الله - ﷺ -: (فاذهب بها يا عبد الرحمن فأَعْمِرْها من التنعيم) أي بالإحرام من التنعيم، لأنها كانت أقرب الحل (وذلك) أي ذهابها إلى التنعيم وعمرتها (ليلة الحصبة) أي ليلة قيام رسول الله - ﷺ - في المحصب، وتلك ليلة الرابع عشرة من ذي الحجة.\n١٧٨٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا ببعض هذه القصة) أي حدَّث ابن جريج ببعض هذة القصة التي حدَّثها الليث عن أبي الزبير.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال: اذهب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ومسدد، قالا\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال: دخل النبي - ﷺ - على عائشة\".\n(٤) انظر: \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٧).","vol":"7","page":118},{"text":"قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ: «وَأَهِلِّى بِالْحَجِّ»: «ثُمَّ حُجِّى وَاصْنَعِى مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّى». [م ١٢١٣، حم ٣/ ٣٠٩]\n١٧٨٧ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى قال: حَدَّثَنِى (١) الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى مَنْ سَمِعَ عَطَاءَ بْنَ أَبِى رَبَاحٍ، حَدَّثَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْحَجِّ خَالِصًا لَا يُخَالِطُهُ شَىْءٌ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ، فَطُفْنَا وَسَعَيْنَا، ثُمَّ أَمَرَنَا (٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَحِلَّ وَقَالَ: «لَوْلَا هَدْيِي (٣) لَحَلَلْتُ»، ثُمَّ قَامَ (٤) سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ مُتْعَتَنَا هَذِهِ،\n===\n(قال) ابن جريج (عند قوله: وأهلي بالحج: ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج) من الوقوفِ بعرفة والمزدلفة ومنى وغيرها (غير أن لا تطوفي بالبيت) ما دمتِ حائضًا (ولا تصلي) فإن الحيض يمنع المرأة من الطواف والصلاة.\n١٧٨٧ - (حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي قال: حدثني الأوزاعي، حدثني من سمع عطاءَ بنَ أبي رباح) سيذكره المصنف في آخر هذا الحديث. (حدثني جابر بن عبد الله قال: أهللنا) أي أحرمنا (مع رسول الله - ﷺ - بالحج خالصًا لا يخالطه شيء) من العمرة، (ففدمنا مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة، فطفنا وسعينا، ثم أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحل) أي بجعل الطواف والسعي للعمرة.\n(وقال) رسول الله - ﷺ -: (لولا هديي لحللت، ثم قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله! أرأيت) أي أخبرني (مُتْعَتَنا هذه) أي انتفاعنا بالحل بعد\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) في نسخة: \"فأمرنا\".\n(٣) في نسخة: \"الهدي\".\n(٤) في نسخة: \"فقام\".","vol":"7","page":119},{"text":"أَلِعَامِنَا (١) هَذَا أَمْ (٢) لِلأَبَدِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «بَلْ هِىَ لِلأَبَدِ».\nقَالَ الأَوْزَاعِىُّ: \"سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِى رَبَاحٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا فَلَمْ (٣) أَحْفَظْهُ حَتَّى لَقِيتُ ابْنَ جُرَيْجٍ فَأَثْبَتَهُ لِى\". [خ ٧٣٦٧، م ١٢١٣، جه ٢٩٨٠]\n١٧٨٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى الرَّبَاحٍ (٤)، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٥) وَأَصْحَابُهُ لأَرْبَعِ خَلَوْنَ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ،\n===\nالطواف والسعي للعمرة (ألعامنا هذا) أي مختص بذلك العام (أم للأبد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: بل هي للأبد) أي زال أمر الجاهلية، وهو أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ودخلت العمرة في الحج، وأباح الله لهم ذلك، وأما فسخ الحج بالعمرة فهو مخصوص بهم في تلك السنة.\n(قال الأوزاعي: سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث بهذا) الحديث، (فلم أحفظه حتى لقيت ابن جريج فأثبته لي).\n١٧٨٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قيس بن سعد) المكي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد الله الحبشي، مولى نافع بن علقمة، ويقال: مولى أم علقمة، قال أحمد، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال العجلي: مكي، ثقة.\n(عن عطاء بن أبي الرباح، عن جابر قال: قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه) مكة (لأربع) ليال (خلون من ذي الحجة،\n_________\n(١) في نسخة: \"لعامنا\".\n(٢) في نسخة: \"أو\".\n(٣) في نسخة: \"ولم أحفظه\".\n(٤) وفي نسخة: \"رباح\".\n(٥) في نسخة: \"النبي\".","vol":"7","page":120},{"text":"فَلَمَّا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْىُ» (١)، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ قَدِمُوا فَطَافُوا بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ\". [حم ٣/ ٣٦٢]\n===\nفلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، قال رسول الله - ﷺ -: اجعلوها) أي أفعال الحج من الطواف والسعي (عمرة) أي افسخوها إلى العمرة (إلَّا من كان معه الهدي) فهو لا يفسخ ولا يجعلها عمرة.\n(فلما كان يوم التروية) وهو الثامن من ذي الحجة (أَهَلوا) أي أحرموا (بالحج) وحجوا، (فلما كان يوم النحر) أي عاشر ذي الحجة (قدموا) مكة (فطافوا بالبيت) للإفاضة، (ولم يطوفوا بين الصفا والمروة).\nقوله: \"لم يطوفوا بين الصفا والمروة\" مشكل ومخالف لما روى البخاري (٢) في باب قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣) من حديث ابن عباس - ﵁ - أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أَهَل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي - ﷺ - في حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله - ﷺ -: \"اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلَّا من قلَّد الهدي\"، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: \"من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله\"، ثم أمرنا عشية التروية أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك، جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد ثَمَّ حجُّنا وعلينا الهدي، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤)، الحديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"هدي\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٥٧٢).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٩٦.","vol":"7","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومخالف لجميع أئمة الأمة، فإن المتمتع إذا طاف للإفاضة يجب عليه السعي ثانيًا، وقد سعى في عمرته بعد طوافها سعيًا أولًا، وهذا أمر متفق عليه إلَّا من شذَّ ممن لا يعتد بخلافه، فلا محيص منه إلَّا بحمله على وهم بعض الرواة، أو يُؤَوَّل بتأويل فيه تعسُّف.\nفالتأويل الأول أن يقال: إن هذا القول ليس بمرتبط بمن تمتَّع منهم، فحلوا بعد أفعال العمرة، بل هو متعلق بالقارنين منهم الذين يدل عليهم قوله: \"إلَّا من كان معه الهدي\"؛ فإنهم أتوا بأفعال العمرة أولًا، ثم طافوا للقدوم، وسعوا فيه، ثم لما فرغوا من الحج طافوا بالبيت طواف الزيارة فإنهم لم يطوفوا بين الصفا والمروة؛ لأنهم أدُّوها في طواف القدوم.\nوالتأويل الثاني أن يقال: معنى قوله: \"ولم يطوفوا\"، أي: لم يذكر الراوي طوافهم بين الصفا والمروة، كما ورد في الحديث المتفق عليه (١) عن عائشة - ﵂ - قالت: \"فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مني لحجهم\"، فكما لم يذكر في هذا الحديث الطواف بين الصفا والمروة، فكذلك يقال في هذا الحديث: إن الراوي لم يذكر طوافهم بين الصفا والمروة، بل اقتصر على الطواف بالبيت.\nوالتأويل الثالث أن يقال: إن هذا القول متعلق ببعض المتمتِّعين منهم، ويقال: يحتمل أنهم طافوا متنفِّلين بعد إحرام الحج، وسعوا بعده، فحينئذٍ لا يجب عليهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة بعد طواف الزيارة.\nوالتأويل الرابع أن يقال: إن هذا القول مرتبط بجميع ما تقدم من الفرق: المتمتعين منهم والقارنين؛ بأنهم لما قدموا يوم النحر، وطافوا للإفاضة سعوا بين الصفا والمروة، ثم لما طافوا طواف الصدر لم يطوفوا بين الصفا والمروة، وهذه كلها تأويلات متعسفة غير متبادرة إلى الذهن.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٥٥٦)، و\"صحيح مسلم\" (١٢١١).","vol":"7","page":122},{"text":"١٧٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ - يَعْنِى الْمُعَلِّمَ -، عَنْ عَطَاءٍ، حَدَّثَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ هَدْىٌ إلَّا النَّبِىَّ -ﷺ- وَطَلْحَةَ، وَكَانَ عَلِىٌّ - ﵁ - قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ وَمَعَهُ الْهَدْىُ (١) فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-،\n===\n١٧٨٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الوهاب الثقفي، نا حبيب- يعني المعلِّم-، عن عطاء، حدثني جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - أهل هو وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم يومئذٍ هدي إلَّا النبي - ﷺ - وطلحة، وكان علي - ﵁ - قدم من اليمن معه الهدي، فقال) علي: (أهللتُ) أي أحرمتُ (بما أهل به رسول الله - ﷺ -) قال الشوكاني (٢) بعد ذكر حديثِ علي هذا، وحديثِ أبي موسى الأشعري: والحديثان يدلان على جواز الإحرام كإحرام شخص يعرفه من أراد ذلك، وأما مطلق الإحرام على الإبهام فهو جائز، ثم يصرفه المحرم إلى ما شاء؛ لكونه - ﷺ - لم ينه عن ذلك، وإلى ذلك ذهب الجمهور. وعن المالكية: لا يصح الإحرام على الإبهام، وهو قول الكوفيين.\nقال ابن المنيَّر: وكأنه مذهب البخاري؛ لأنه أشار في \"صحيحه\" عند الترجمة لهذين الحديثين إلى أن ذلك خاص بهذا الزمن، وأما الآن فقد استقرت الأحكام وعُرِفَتْ مراتب الأحكام، فلا يصح ذلك.\nوهذا الخلاف يرجع إلى قاعدة أصولية، وهي: هل يكون خطابه - ﷺ - لواحد أو لجماعة مخصوصة في حكم الخطاب لعام الأمة أو لا؟ فمن ذهب إلى الأول جعل حديثَ علي وأبي موسى شرعًا عامًّا، ولم يقبل دعوى الخصوصية إلَّا بدليل، ومن ذهب إلى الثاني قال: إن هذا الحكم مختص بهما، والظاهر الأول، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"هدي\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٢٨).","vol":"7","page":123},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال في \"لباب المناسك\" وشرحه (١) لعلي القاري: وتعيين النسك ليس بشرط، بل يكفي في صحته أن ينوي بقلبه ما يحرم به من حج أو عمرة أو قران أو نسك من غير تعيين، فصح إحرامه مبهمًا، وإن كان لا بدَّ من أن يصير مبينًا ومعينًا، وبما أحرم به الغير معلقًا به، كما في حديث علي- كرَّم الله وجهه- حيث قال: أحرمت بما أحرم به النبي - ﷺ -.\nقلت: وبهذا يعلم أن عندنا معشر الحنفية يجوز الإحرام مبهمًا ومعلَّقًا.\nوقال العيني في \"شرح البخاري\" (٢) في شرح قصة علي - ﵁ -: وفي هذا دليل لمذهب الشافعي ومن وافقه في أنه يصح الإحرام معلَّقًا، ولا يجوز عند سائر العلماء والأئمة الإحرامُ بالنية المبهمة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (٣)، ولقولِه: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، ولأن هذا كان لعلي - ﵁ - خصوصًا، وكذلك لأبي موسى الأشعري، وقال أيضًا في قصة أبي موسى الأشعري: فيه الدلالة على جواز الإحرام المعلق، وبه أخذ الشافعي، وقد ذكرناه مع الجواب عنه، انتهى.\nوهذا يدل على أن عند الحنفية لا يجوز الإحرام المعلق ولا المبهم، فهذا مخالف لما في كتب الحنفية.\nقال في \"البدائع\" (٥): ولو لبَّى ينوي الإحرام ولا نية له في حج ولا عمرة، مضى في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت شوطًا، فإن طاف شوطًا كان إحرامه\n_________\n(١) انظر: \"شرح القاري على اللباب\" (ص ١٠٧).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٩٠، ٩٥).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(٤) سورة محمد: الآية ٣٣.\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٧٠).","vol":"7","page":124},{"text":"وَأَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً يَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا، وَيَحِلُّوا، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْىُ (١)، فَقَالُوا: أَنَنْطَلِقُ (٢) إِلَى مِنًى وَذُكُورُنَا تَقْطُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «لَوْ أَنِّى اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِىَ الْهَدْىَ لأَحْلَلْتُ» (٣). [خ ١٧٨٥، م ١٢١٦، حم ٥/ ٣٠٣، خزيمة ٢٧٨٥]\n١٧٩٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ\n===\nللعمرة، والأصل في انعقاد الإحرام بالمجهول ما روي أن عليًّا وأبا موسى الأشعري - ﵄- لما قدما من اليمن في حجة الوداع قال لهما النبي - ﷺ -: \"بماذا أهللتما؟ \"، فقالا: بإهلال كإهلال رسول الله - ﷺ -؛ فصار هذا أصلًا في انعقاد الإحرام بالمجهول، ولأن الإحرام شرط جواز الأداء عندنا، وليس بأداء بل هو عقد على الأداء، فجاز أن ينعقد مجملًا، ويقف على البيان، انتهى.\n(وأن النبي - ﷺ - أمر أصحابه)، الذين ليس معهم هدي (أن يجعلوها عمرة، يطوفوا، ثم يقصروا، ويحلوا، إلَّا من كان معه الهدي) فإنهم لا يحلون حتى ينحر الهدي، (فقالوا) أي لما أمرهم أن يجعلوها عمرة ويحلوا، قالوا: (أننطلق إلى مني وذكورنا تقطر؟) أي كيف نحل مع قرب رواحنا إلى مواقف الحج (فبلغ ذلك) أي قولُهم بإنكار الحل، ولعلهم قالوا ذلك لأنهم لم يفهموا وجوبَ الحكم (رسولَ الله - ﷺ -، فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت) أي ما سقت الهدي، ولحللت مع أصحابي (ولولا أن معي الهدي لأحللت) أي بعد أفعال العمرة، كما فعل أصحابي.\n١٧٩٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أن محمد بن جعفر\n_________\n(١) في نسخة: \"هدي\".\n(٢) في نسخة: \"ننطلق\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: يعني بذكورنا تقطر: قرب العهد بالنساء\".","vol":"7","page":125},{"text":"حَدَّثَهُمْ، عن شُعْبَةَ، عن الْحَكَمِ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ (١) هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، وَقَدْ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\". [م ١٢٤١، ن ٢٨١٥، حم ٣/ ٣٥٩، دي ١٨٥٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مُنْكَرٌ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.\n===\nحدثهم، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه قال: هذه عمرة استمتعنا بها) أي تمتَّعنا وترفقنا بها في الحج، (فمن لم يكن عنده هدي فليَحِلَّ الحلَّ كلَّه). وأما من كان عنده هدي فلا يحل، ولكن هو أيضًا داخل في معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٢) الآية. (وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة). قال في \"درجات مرقاة الصعود\" (٣): قال الطبري: اختلف بتأويله، فمن نفوها قالوا: تؤدى بالحج وهو معنى دخولها فيه، ومن أوجبها قالوا: ذلك على وجهين: الأول: أن كل العمرة قد دخلت في عمرة الحج، فلا يرى على قارن أكثر من إحرام واحد، الثاني: أنها دخلت في وقت الحج وشهوره، وكانت الجاهلية لا يعتمرون في أشهره، فأبطله - ﷺ - بقوله هذا.\n(قال أبو داود: هذا منكر) أي رفع هذا الحديث منكر (إنما هو) أي الحديث (قول ابن عباس) موقوف عليه.\nقلت: وقد أخرج هذا الحديث البيهقي (٤): أخبرنا أبو بكر بن فورك (٥)، أنبأ عبد الله بن جعفر بن أحمد، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن (٦) \"ح\". وأخبرنا أبو نصر محمد بن أحمد بن إسماعيل الطابراني بها، ثنا عبد الله بن\n_________\n(١) في نسخة: \"معه\".\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٣) (ص ٩٠).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٨).\n(٥) في الأصل: (خودك) وهو تحريف.\n(٦) هكذا في النسخة، والظاهر: عن الحكم. (ش).","vol":"7","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحمد بن منصور، ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، ثنا روح، ثنا شعبة، ثنا الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هدي فليحل الحل كله، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة\".\nأخرجه مسلم في \"الصحيح\" (١) من حديث غندر ومعاذ بن معاذ، عن شعبة. وكأنه أراد- والله أعلم- أصحابَه الذين حلوا واستمتعوا، وثبت عن النبي - ﷺ - أنه تلهف حيث ساق الهدي فلم يحل، ولو كان متمتعًا بالعمرة إلى الحج لم يتلهف عليها، والله أعلم.\nوقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٢) هذا الحديث: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: نا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة ح، وحدثنا عبيد الله بن معاذ (واللفظ له)، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله؛ فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة\".\nفَعُلِمَ بحديث البيهقي وبحديث مسلم أن الحديث الذي رواه محمد بن جعفر مرفوعًا كذلك رواه أبو داود الطيالسي وروح ومعاذ بن معاذ كلهم رووا عن شعبة مرفوعًا، فقول أبي داود: \"هذا منكر\" محل نظر.\nويحتمل أن يقال: إن مراده بقوله \"هذا منكر\" أن قوله: \"دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة\"، هو المشار إليه.\nوغرضه أن هذا الكلام من جملة حديث ابن عباس منكر، ويشير إليه ما في مسلم: \"فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة\"، ذكره بطريق الدليل، والظاهر أن إيراد الدليل من ابن عباس لا من رسول الله - ﷺ -.\nوأما التوجيه الذي أشار إليه البيهقي بقوله: وكأنه أراد أصحابه الذين حلوا\n_________\n(١) برقم (١٢٤١).\n(٢) برقم (١٢٤١).","vol":"7","page":127},{"text":"١٧٩١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنِى أَبِي، حَدَّثَنَا النَّهَّاسُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ (١) بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ، وَهِىَ عُمْرَةٌ».\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ (٢)، عَنْ عَطَاءٍ: \"دَخَلَ أَصْحَابُ النَّبِىِّ -ﷺ- مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ خَالِصًا، فَجَعَلَهَا النَّبِىُّ -ﷺ- عُمْرَةً\".\n===\nواستمتعوا إلى آخره؛ لا حاجة إليه، فإنه ليس المراد بالاستمتاع الاستمتاع بالحل، ولكن المراد الاستمتاع بالعمرة كما في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٣)، كذلك في هذا القول، أي: استمتعنا بها، أي بالعمرة. وهذا القول يشمل كلا الفريقين الذين حلُّوا بعد العمرة والذين لم يحلوا منها؛ لأنهم كلهم تمتعوا بالعمرة في أشهر الحج.\n١٧٩١ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثني أبي) معاذ بن معاذ (نا النَّهَّاس) بتشديد الهاء ثم مهملة، ابن قَهم بفتح القاف وسكون الهاء، القيسي، أبو الخطاب البصري، القاص، كان ابن عدي يقول: لا يساوي شيئًا. وقال ابن معين وأبو حاتم: ليس هو بشيء. وعن ابن معين: ضعيف. وقال أبو داود: ليس بالقوي. تكلَّم فيه ابن عدي، وقال في موضع آخر: ليس بذاك. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير، ويخالف الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: مضطرب الحديث، تركه يحيى القطان. قلت: وقال أبو أحمد الحاكم: ليِّن.\n(عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: إذا أهلَّ الرجل بالحج، ثم قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حَلَّ، وهي عمرة).\n(قال أبو داود: رواه ابن جريج عن عطاء: دخل أصحاب النبي - ﷺ - مهلِّين بالحج خالصًا، فجعلها النبي - ﷺ - عمرة)\n_________\n(١) في نسخة: \"وطاف\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن رجل\"، لم يوجد في أكثر من النسخ.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.","vol":"7","page":128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأورد المصنف - ﵀ - ها هنا حديثين: أولهما حديث النهاس، عن عطاء، عن ابن عباس. وكان مدلول هذا الحديث قاعدة كلية: بأنه إذا أهل الرجل بالحج، ثم قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حَلَّ، ويكون هذا عمرة، وكانت هذه القاعدة خلافًا لما ثبت في الشرع عن رسول الله - ﷺ - ثبوتًا بيِّنًا لا مرية فيه؛ بأن هذا كان مختصًّا بأصحابه الذين لم يكن معهم هدي، وكان هذا ضعيفًا لضعف النهاس.\nوأورد بعده حديث ابن جريج ليدل أن هذا الحديث منكر، والمعروف أن رسول الله - ﷺ - جعل هذا لأصحابه الذين أهلُّوا بالحج ولم يكن معهم هدي، فجعلها عمرة لهم، فلعلَّه كان قول المؤلف الذي تقدَّم في الحديث المارّ، وهو: قال أبو داود: \"هذا حديث منكر؛ إنما هو قول ابن عباس\" في هذا الحديث، فغلط بعض النساخ، وكتب عقبه الحديث المتقدِّم، ولكن لم أره في نسخة من نسخ أبي داود التي عندي.\nقلت: قد ثبت أن مذهب ابن عباس - ﵁ -: أن من طاف بالبيت سواء كان حاجًّا أو معتمرًا فقد حل، أخرجه مسلم (١) من حديث أبي حسان قال: قيل لابن عباس: إن هذا الأمر قد تَفَشَّغَ بالناس، من طاف بالبيت فقد حل، وفي رواية: ما هذا الفتيا التي قد تَشَغَّفَتْ أو تشغَّبَتْ (٢) بالناس، الطواف عمرة، فقال: \"سنَّة نبيكم - ﷺ - وإن رغمتم\". وأخرج أيضًا من حديث ابن جريج، أخبرني عطاء قال: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاجٍّ إلَّا حَلَّ. قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣)، قال: قلت: فإن ذلك بعد المُعَرَّف (٤)، فقال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرَّف وقبله، وكان يأخذ ذلك من أمر النبي - ﷺ - حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح مسلم\" (١٢٤٤، ١٢٤٥).\n(٢) أي: فشا وانتشر.\n(٣) سورة الحج: الآية ٣٣.\n(٤) أي: بعد الوقوف بعرفة. (ش).","vol":"7","page":129},{"text":"١٧٩٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَوْكَرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ (١)، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أَهَلَّ النَّبِىُّ -ﷺ- بِالْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - وَقَالَ ابْنُ شَوْكَرٍ: وَلَمْ يُقَصِّرْ - (٢) وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ الْهَدْىِ، وَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْىَ أَنْ يَطُوفَ، وَأَنْ يَسْعَى وَيُقَصِّرَ ثُمَّ يَحِلَّ\". زَادَ ابْنُ مَنِيعٍ (٣): \"أَوْ يَحْلِقَ ثُمَّ يَحِلَّ\". [حم ١/ ٢٤١]\n===\nفلما ثبت أن ابن عباس كان مذهبه ذلك، فما روى النهاس موافقًا لمذهبه لا يكون منكرًا، وقد قال: إنه سنَّة نبيكم - ﷺ -. فما رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن عطاء: دخل أصحاب النبي - ﷺ - مهلِّين بالحج خالصًا، فجعلها النبي - ﷺ - عمرة؛ ليس مخالفًا لمذهبه بل هو مستدله، نعم قول ابن عباس في الحديث: عن النبي - ﷺ - قال: إذا أهل الرجل؛ هذا فيه نكارة؛ لأنه لم يثبت أن رسول الله - ﷺ - قال ذلك القول، فالظاهر أن هذا من حديث النهاس منكر، والله أعلم.\n١٧٩٢ - (حدثنا الحسن بن شوكر وأحمد بن منيع قالا: نا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: أهل النبي - ﷺ - بالحج، فلما قدم) مكة (طاف بالبيت وبين الصفا والمروة. وقال ابن شوكر: ولم يقصِّرْ، ولم يَحِلَّ من أجل الهدي)؛ لأنه - ﷺ - أهدى فمنعه الهدي من الحل، وهذه زيادة ابن شوكر، ثم اتفقا (٤) (وأمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف وأن يسعى) للعمرة (ويقصِّرَ ثم يحل. زاد ابن منيع: أو يحلق) أي بعد قوله: ويقصر (ثم يَحِلَّ).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال ابن منيع: أخبرني يزيد بن أبي زياد، المعنى\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ثم اتفقا\".\n(٣) في نسخة: \"قال ابن منيع في حديثه\".\n(٤) قد وقع هنا قلب، فإن ما انفرد به ابن شوكر هو لفظ: \"ولم يقصر\" فقط، وأما قوله: \"ولم يحل من أجل الهدي\" فمما اتفق عليه ابن منيع وابن شوكر جميعًا، فعلى هذا كان ينبغي الكلام هكذا: وقال ابن شوكر: \"ولم يقصر\" وهذه زيادة ابن شوكر ثم اتفقا: \"ولم يحل من أجل الهدي\" لأنه - ﷺ - أهدى فمنعه الهدي من الحل \"وأمر ... \" إلخ.","vol":"7","page":130},{"text":"١٧٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِى (١) أَبُو عِيسَى الْخُرَاسَانِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ (٢)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: \"أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِى مَرَضِهِ الَّذِى قُبِضَ فِيهِ: يَنْهَى عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ\".\n===\n١٧٩٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني حيوة) بن شريحٍ، (أخبرني أبو عيسى الخراساني) التميمي، اسمه سليمان بن كيسان، نزيل مصر، ذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: وقال ابن القطان: حاله مجهولة. وقال في \"التقريب\": مقبول.\n(عن عبد الله بن القاسم) التيمي، البصري، مولى أبي بكر - ﵁ -، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عنده في النهي عن العمرة قبل الحج. قلت: وذكر روايته عن ابن عمر تبعًا للبخاري، وسمى أبو عمرو الداني جده يسارًا، وقال ابن القطان: مجهول.\n(عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميته (أتى عمرَ بنَ الخطاب - ﵁ -، فشهد عنده أنه سمع رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي قُبِضَ فيه: ينهى عن العمرة قبل الحج)، قال الخطابي (٣): في إسناد هذا الحديث مَقَالٌ، وإن ثبت يُحمَل على الاستحباب، وإنما أمر بتقديم الحج لأنه أعظم الأمرين وأتمهما (٤)، ويخاف عليه الفوت لتعين وقته، بخلاف العمرة ليس لها وقت موقوت، كأيام السنة كلها تتسع لها، وقد قدمه تعالى بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥)، كذا نُقِلَ عنه في \"الدرجات\" (٦).\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الخراساني\".\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ١٦٦).\n(٤) كذا في الأصل، وكذا في \"الدرجات\"، وفي \"معالم السنن\": \"وأهمهما\".\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٦) (ص ٩٠).","vol":"7","page":131},{"text":"١٧٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى (١) أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى شَيْخٍ الْهُنَائِىِّ خَيْوَانَ بْنِ خَلْدَةَ مِمَّنْ قَرَأَ عَلَى أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ قَالَ لأَصْحَابِ (٢) النَّبِىِّ -ﷺ-: \"هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٣) -ﷺ- نَهَى عَنْ كَذَا وركُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ؟\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: ينهى عن العمرة قبل الحج، وذلك لئلا يفوته الحج، وهو فريضة ثابتة بالنص القرآني، ولا كذلك العمرة، ولعلَّ عمر - ﵁ - فهم منه النهيَ عن إتيان العمرة بمعد الإحرام بالعمرة والحجة، فكان ذلك نهيًا عن القرآن، والنهي نهي تنزيه لأفضلية الإفراد عنده.\n١٧٩٤ - (حدثنا موسى أبو سلمة، نا حماد، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي) بضم الهاء، وتخفيفِ النون، وبمدٍّ؛ نسبة إلى هناة بن مالك الهمداني (خيوان بن خلدة) قيل اسمه: خيوان بن خالد، وقيل: خيوان، قال: أتانا كتاب عمر ونحن مع عثمان بن أبي العاص، وكان (ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة) ذكره خليفة في الطبقة الثانية من قراء أهل البصرة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: وقال ابن سعد: أبو شيخ الهنائي من الأزد، كان ثقة، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة.\n(إن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي - ﷺ -: هل تعلمون أن رسول الله - ﷺ - نهى عن كذا) كنى الراوي عن بعض أمور ذكرها معاوية، إما نسيانًا وإمَّا اختصارًا، (وركوبِ جلودِ النمور؟)؛ لأنها من زي العجم، أو لأنه يورث النخوة والخيلاء.\n_________\n(١) في نسخة: \"موسى بن إسماعيل\".\n(٢) في نسخة: \"يا أصحاب\".\n(٣) في نسخة: \"النبي\".","vol":"7","page":132},{"text":"قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَهَى (١) أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ فَقَالُوا (٢): أَمَّا هَذَا (٣) فَلَا، فَقَالَ (٤): أَمَا إِنَّهَا مَعَهُنَّ وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ\". [حم ٤/ ٩٥]\n===\n(قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه) - ﷺ - (نهى أن يُقرَن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، فقال: أما) حرف تنبيه (إنها) أي المقارنة بين الحج والعمرة (معهن) أي مع الأمور التي نهى عنها (ولكنكم نسيتم).\nقال الخطابي (٥): لم يوافق الصحابةُ معاويةَ على هذه الرواية، وإن ثبت يحمل على الأفضل؛ لأن الإفراد أفضل من القران على بعض المذاهب.\nقلت: بل الحديث محمول على أن معاوية - ﵁ - فهم من أمر رسول الله - ﷺ - بفسخ الحج إلى العمرة (٦)، وتَلَهُّفِه - ﷺ - على إرسال الهدي وتمنيه عدمَ سوقِ الهدي، والحِلِّ بعد العمرة؛ بأن القران منهي عنه، وكان هذا مخالفًا لإجماع الصحابة، فلا يُحْتَجُّ برأي معاوية - ﵁ - على الانفراد.\nويحتمل أن يقال: إنما نهى رسول الله - ﷺ - أن يقرن بين الحج والعمرة بأن يهلّ أولًا بالحج، ثم أدخل عليه إحرام العمرة؛ وهذا الأمر أي إدخال إحرام العمرة على إحرام الحج منهي عنه، قال في \"لباب المناسك\": وإن قدمه أي الحج إحرامًا بأن أدخل إحرام العمرة على إحرام الحج كره، لأنه خلاف السنة، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"نهى عن\".\n(٢) في نسخة: \"قالوا\".\n(٣) في نسخة: \"هذه\".\n(٤) في نسخة: \"قال\".\n(٥) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ١٦٧).\n(٦) وقد أخرج مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٤٣) \"باب العمرة في أشهر الحج\": أن رجلًا سأل سعيدَ بنَ المسيب، فقال: أعتمر قبل أن أحج؟ فقال سعيد: نعم، قد اعتمر رسول الله - ﷺ - قبل أن يحِج. (ش).","vol":"7","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>(٢٣) بَابٌ: في الإِقْرَانِ</span>\n١٧٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا يَحْيَى بْنُ\n===\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" (١): والقران أن يحرم بهما جميعًا، وكذا لو أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج قبل طوافها صح، وصار قارنًا، فلو أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة فقولان للشافعي، أصحهما: لا يصح إحرامه بالعمرة، انتهى.\n\n(٢٣) (بابٌ: في الإقْرَانِ)\nوفي نسخة \"القران\" وهما بمعنىً، قال في \"القاموس\": وقرن بين الحج والعمرة قرانًا، جَمَعَ، كأَقرن في لُغَيَّةٍ (٢)، قال الحافظ (٣): وأما القران، فوقع في رواية أبي ذر \"الإقران\" بالألف، وهو خطأ من حيث اللغة، كما قاله عياض وغيره، انتهى.\nوقال العيني (٤): قوله: والإقران بكسر الهمزة، وهكذا وقع في رواية أبي ذر، يعني بكسر الهمزة في أوله، قال عياض: وهو خطأ من حيث اللغة، وفي \"المطالع\": القرن في الحج جمعه بين الحج والعمرة في الإحرام، ويقال منه: قرن، ولا يقال: أقرن، قلت: روي عنه - ﷺ - أنه نهى عن القران، إلَّا أن يستأذن أحدُكم صاحبَه، قال ابنُ الأثير: ويُروى \"عن الإقران\"، فإذا رُوِيَ الإقران في كلام الفصيح، كيف يقال: إنه غلط؟ وكيف يقال: يقال منه: قرن، ولا يقال: أقرن؟ .\n١٧٩٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم؛ أنا يحيى بن\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٠٨) بيان وجوه الإحرام.\n(٢) وقع في الأصل: \"الغتيه\"، وهو تحريف.\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٢٣).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ١٠٣).","vol":"7","page":134},{"text":"أَبِى إِسْحَاقَ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ يَقُولُ: \"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُلَبِّى بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا». [م ١٢٥١، ن ٢٧٢٩، جه ٢٩٦٨، حم ٣/ ٩٩]\n١٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- بَاتَ بِهَا - يَعْنِى بِذِى الْحُلَيْفَةِ - حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ (١) وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ\n===\nأبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل، عن أنس بن مالك، أنهم) أي يحيى وعبد العزيز وحميد الطويل (سمعوه) أي أنس بن مالك (يقول: سمعت رسولَ الله - ﷺ - يُلبِّي بالحج والعمرة جميعًا، يقول: لبيك عمرةً وحجًّا، لبيك عمرةً وحجًّا) وتلبيتُه - ﷺ - بهذا يدل على أنه كان قارنًا.\n١٧٩٦ - (حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: أن النبيَّ - ﷺ - بات بها -يعني بذي الحليفة-، حتى أصبح، ثم ركب) ظاهره يدل على أنه - ﷺ - ركب به من ذي الحليفة بعد صلاة الصبح قبل صلاة الظهر، وثبت عنه - ﷺ - أنه - ﷺ - ركب بعد صلاة الطهر، فمعنى قوله: \"ثم ركب\" أي بعد صلاة الظهر كما تقدَّم من رواية أنس - ﵁ -، أنه - ﷺ - صلَّى الظهر، ثم ركب، الحديث.\n(حتى إذا استوتْ) راحلتُه (به على البيداء، حمد الله وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج وعمرة، وأهلَّ الناسُ) أي بعضُهم (بهما، فلما قدمنا) مكة (أمر الناسَ) بالإحلال، وهم الذين ما كان معهم هديٌ (فحلوا، حتى إذا كان يوم التروية)\n_________\n(١) في نسخة: \"بحجة\".","vol":"7","page":135},{"text":"أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَبْعَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا\".\n١٧٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: \"كُنْتُ مَعَ عَلِىٍّ - ﵁ - حِينَ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْيَمَنِ، قَالَ: فَأَصَبْتُ مَعَهُ أَوَاقًا (١)، قال: فَلَمَّا قَدِمَ عَلِىٌّ مِنَ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قال: وَجَدتُ (٢) فَاطِمَةَ - ﵂ - قَدْ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَقَدْ نَضَحَتِ الْبَيْتَ بِنَضُوحٍ، فَقَالَتْ: مَا لَكَ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَحَلُّوا؟\n===\nأي الثامن من ذي الحجة (أهلُّوا) أي أحرموا (بالحج، ونَحَرَ رسول الله - ﷺ - سبع بدنات بيده قيامًا) أي حال كون البَدَنات قائمة، وفي نسخة على الحاشية: قال أبو داود: الذي تفرَّد به يعني أنسًا من هذا الحديث: \"أنه بدأ بالحمد والتسبيح والتكبير ثم أهلَّ بالحج\".\n١٧٩٧ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حجاج، نا يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: كنت مع عليّ - ﵁ - حين أمره رسول الله - ﷺ - على اليمن، قال: فأصبت معه أواقًا) وفي نسخة: \"أواقي\" وهو الأوجه، (قال) البراء: (فلما قدم عليّ من اليمن على رسول الله - ﷺ -) حين كان بمكة حاجًّا (قال) علىّ: (وجدتُ فاطمةَ ﵂) أي زوجتي (قد لبستْ ثيابًا صبيغًا) أي مصبوغات (وقد نضحت البيت) بفتح النون، والضاد المعجمة، والحاء المهملة (بنضوح) بفتح النون، وضم الضاد المعجمة، بعد الواو حاء مهملة، وهي ضرْب من الطيب.\n(فقالت) فاطمة - ﵂ - لِعليّ -﵁ - (مالك) لم تحلل من الإحرام؟ (فإن رسول الله - ﷺ - قد أمر أصحابه فأحَلُّوا؟)، وفي رواية\n_________\n(١) في نسخة: \"أواقي\".\n(٢) في نسخة: \"وجد\".","vol":"7","page":136},{"text":"قَالَ: قُلْتُ لَهَا: إِنِّى أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِىِّ -ﷺ-. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ (١) -ﷺ- فَقَالَ لِى (٢): «كَيْفَ صَنَعْتَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِىِّ -ﷺ-. قَالَ: فَإِنِّى قَدْ سُقْتُ الْهَدْىَ وَقَرَنْتُ. قَالَ: فَقَالَ لِى: «انْحَرْ مِنَ الْبُدْنِ سَبْعًا وَسِتِّينَ،\n===\n\"مسلم\" (٣): \"فوجد فاطمة ممن حلَّتْ، ولبست ثيابًا صبيغًا، فأنكر ذلك عليها، قالت: أمرني أبي بهذا، قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبتُ إلى رسول الله - ﷺ - محرشًا على فاطمة، للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله - ﷺ - فيما ذكرت عنه، فأخبرتُه أني أنكرتُ عليها ذلك، فقال: صدقت صدقت\" (قال) علي: (قلت لها: إني أهللت بإهلال النبي - ﷺ -) ورسول الله - ﷺ - لم يُحِلَّ من إحرامه، فكذلك أنا ما أحل.\n(قال) علي - ﵁ -: (فأتيت النبي - ﷺ - فقال) رسول الله - ﷺ - (لي: كيف صنعت) في إهلالك؟، وفي رواية \"مسلم\": \"ماذا قلت حين فرضت الحج؟ \"، (قال) علي: (قلت: أهللت بإهلال النبي - ﷺ -، قال) رسول الله - ﷺ -: (فإني قد سقت الهدي وقرنت) أي جمعت الحج والعمرة في الإحرام، فأبقى رسول الله - ﷺ - إحرام علي - ﵁ - كما كان رسول الله - ﷺ - في إحرامه، وقد أحرم أبو موسى الأشعري - ﵁ - بإهلال كإهلال النبي - ﷺ -، وأمره أن يفسخ حجَّه بأفعال العمرة ويحل بعدها، فلعلَّ وجه الفرق بينهما أن عليًّا - ﵁ - كان معه الهدي، أو أعطاه رسول الله - ﷺ - من هداياه، ولم يكن مع أبي موسى هدي، فلأجل ذلك لم يأمر عليًّا بالإحلال، وأمر أبا موسى به.\n(قال) علي: (فقال) رسول الله - ﷺ - (لي: انحر من البدن سبعًا وستين\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رسول الله - ﷺ -\".\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٣١٨).","vol":"7","page":137},{"text":"أَوْ سِتًّا وَسِتِّينَ، وَأَمْسِكْ لِنَفْسِكَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، أَوْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَأَمْسِكْ لِى مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ مِنْهَا بَضْعَةً». [ن ٢٧٢٥]\n١٧٩٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ: قَالَ الصُّبَىُّ بْنُ مَعْبَدٍ: \"أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ (١) عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ -ﷺ-\". [ن ٢٧٢٩، جه ٢٩٧٠، حم ١/ ١٤، خزيمة ٣٠٦٩]\n١٧٩٩ - [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،\n===\nأو ستًّا وستين) شك من الراوي (وأمسك لنفسك ثلاثًا وثلاثين، أو أربعًا وثلاثين) ويخالفه ما في \"مسلم\": \"فنحر ثلاثًا وستين، وأعطى عليًّا فنحر ما غير\"، قال الشوكاني (٢): قال النووي والقرطبي- ونقله القاضي عن جميع الرواة -: أن هذا هو الصواب، لا ما وقع في رواية أبي داود. (وأمسك لي من كل بدنة منها بضعة) بفتح الباء الموحدة، وهي القطعة من اللحم، وفي \"صحيح مسلم\": \"ثم أمر من كل بدنة ببضعة؛ فجعلت في قدر فطبخت، فأكل هو وعلي من لحمها، وشربا من مرقها\".\n١٧٩٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن أبي وائل قال: قال الصبي) بضم الصاد المهملة، وفتح الموحدة، بعدها تحتية، بالتصغير (ابن معبد) التغلبي بالمثناة، والمعجمة، وكسر اللام، ثقة مخضرم، نزل الكوفة (أهللت بهما) أي بالحج والعمرة (معًا، فقال) لي (عمر: هُدِيتَ لسنة نبيك - ﷺ -) وهذا مختصر.\nوفي رواية ابن داسة عند أبي داود مطولًا وهو مكتوب في الحاشية:\n١٧٩٩ - (حدثنا محمد بن قدامة بن أعين وعثمان بن أبي شيبة،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال لي\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٢٤).","vol":"7","page":138},{"text":"الْمَعْنَى، قَالَا: ثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدٍ، عن مَنصُورٍ، عن أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ: \"كنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمْتُ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِي يُقَالُ لَهُ هُرَيْمُ بْنُ ثَرْمُلَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا هَنْتَاهُ! إِنِّي حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَكَيْفَ لِي بأَنْ أَجْمَعَهُمَا؟ قَالَ: اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَأَهْلَلْتُ بهمَا مَعًا، فَلمَّا أَتَيْتُ الْعُذَيبَ لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَزيدُ بْنُ صُوحَانَ وَأَنَا أهِلُّ بهِمَا جَمِيعًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيْرِهِ، قَالَ: فَكَأَنَّمَا ألْقِيَ عَلَيَّ جَبَلٌ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁-، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنينَ! إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَاييًّا، وَإِنِّي أَسْلَمْتُ، وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنَ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَقَالَ لِيَ: اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي، وَإِني أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ لِي عُمَرُ -﵁-: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ - ﷺ -\" [انظر الحديث السابق]\n===\nالمعنى، قالا: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن أبي وائل قال: قال الصبي بن معبد: كنت رجلًا أعرابيا نصرانيًّا، فأسلمت، فأتيت رجلًا من عشيرتي يقال له: هريم بن ثرملة، فقلت له: يا هنتاه! إني حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ، فكيف لي بأن أجمعهما؟ قال: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدي، فأهللت بهما معًا، فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما جميعًا، فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيره، قال: فكأنما ألقي عليّ جبلٌ حتى أتيت عمر بن الخطاب - ﵁ -، فقلت له: يا أمير المؤمنين! إني كنت رجلًا أعرابيًّا نصرانيًّا، وإني أسلمت، وأنا حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ، فأتيت رجلًا من قومي فقال لي: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدي، وإني أهللت بهما معًا، فقال لي عمر: هُديتَ لسنة نبيك - ﷺ -)، انتهى (١).\n_________\n(١) وقد أخرج الجصَّاص في \"أحكام القرآن\" هذا الحديث مفصلًا، لكن فيه خلاف ولفظه: =","vol":"7","page":139},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقع في الحديث في النسخة المكتوبة والمجتبائية \"هُذيم\" - بالذال المعجمة - ابن ثربلة- بالثاء المثلثة-، وفي المجتبائية بعد الراء ميم، وفي المكتوبة بعد الراء موحدة، ولم أجد له ذكرًا إلا في \"جامع الأصول\" (١)، فإنه قال: هُديم- بضم الهاء وفتح الدال المهملة ويكون الياء-، وثرملة- بضم المثلثة وبالراء وضم الميم وباللام- ذكره في التابعين ومن بعدهم، وكذا نقل البيهقي في \"سننه\" (٢) من حديث أبي داود بسنده، وفيه هكذا: هُذيم بن ثرملة، ولكن وقع في هذا الحديث في رواية النسائي (٣) في المتن: هُريم بن عبد الله، وفي نسخة على الحاشية: هُديم، وقال في \"القاموس\" في لغة هرم: وكزبيرٍ: ابنُ عبد الله، انتهى.\nوغلط صاحب \"العون\" (٤)، فقال بعد قوله: هديم بن ثرملة: هكذا في بعض النسخ، وهو غلط؛ فإنه هديم بن عبد الله كما في رواية النسائي، انتهى. ومنشأ الغلط أن ما ذكره الحافظ في \"الإصابة\"، وابن الأثير في \"أسد الغابة\" هديم أو هريم بن عبد الله بن علقمة في الصحابة، ففهم صاحب \"العون\" أن الذي وقع في الرواية هو هذا، وليس كذلك، بل هو رجل آخر تابعي، كما ذكره في \"جامع الأصول\".\nثم اعلم أن حديث صبي بن معبد يدل دلالة ظاهرة على أن ما روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - من كراهة الجمع بين الحج والعمرة في الإحرام ليس محمله هذا القرآن؛ لأنه محال أن يكون في علمه بالنسبة إلى أمر\n_________\n= عن صبي: أنه كان نصرانيًّا، فأسلم، فأراد الجهاد، فقيل له: ابدأ بالحج، فأتى أبا موسى الأشعري، فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعًا، ففعل، فيينما هو يلبي بهما إذ مرَّ به زيد بن صوحان ... إلخ [انظر: \"أحكام القرآن\" (١/ ٢٨٦)، ط. باكستان]. (ش).\n(١) (٣/ ١٠٤ ح ١٣٩٠).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٥٤).\n(٣) \"سنن النسائي\" (ح ٢٧١٩).\n(٤) انظر: \"عون المعبود\" (٥/ ١٥٩).","vol":"7","page":140},{"text":"١٨٠٠ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «أَتَانِى اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّى ﷿»، قَالَ: وَهُوَ بِالْعَقِيقِ، فقَالَ (١): \"صَلِّ فِى هَذَا الْوَادِى الْمُبَارَكِ، وَقَالَ (٢) عُمْرَةٌ فِى حَجَّةٍ». [خ ١٥٣٤، جه ٢٩٧٦، حم ١/ ٢٤، خزيمة ٢٦١٧]\n===\nأنه من سنة رسول الله - ﷺ -، ثم يحكم عليه بأنه مكروه، فلعلَّ أن محمله هو فسخ الحج إلى العمرة، أو لئلا يأتوا البيت إلَّا مرة واحدة في السنة، لا لكراهة التمتع بأنه ليس من السنَّة.\n١٨٠٠ - (حدثنا النفيلي، نا مسكين) بن بكير، (عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه سمع رسول الله في يقول: أتاني الليلة آتٍ من عند ربي ﷿، قال) أي عمر - ﵁ -: (وهو) أي رسول الله - ﷺ - (بالعقيق)، قال الشوكاني: هو واد العقيق، بينه وبين المدينة أربعة أميال (فقال) الآتي من الرب تعالى: (صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقال) وفي نسخة: \"وقيل\"، وهو الظاهر (٣) (عمرة في حجة) قال الشوكاني (٤): قوله: \"وقيل: عمرة في حجة\" برفع \"عمرة\" في أكثر الروايات، وبنصبها في بعضها بإضمار فعل، أي جعلتها عمرة، وهو دليل على أن حجه - ﷺ - كان قرانًا، وأبعد من قال: إن معناه: أنه يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجه، وظاهر حديث عمر - ﵁ - هذا: أنَّ حجه - ﷺ - القران كان بأمر من الله، فكيف\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) في نسخة: \"وقل\".\n(٣) أي من حيث المعنى، لا بحسب هذه النسخ، لقول المصنف فيما بعد: \"رواه الوليد بن مسلم ... إلخ\". (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٢٢).","vol":"7","page":141},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ في هَذَا الْحَدِيثِ عن الأَوْزَاعِيِّ: \"وَقَال: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَا رَوَاهُ عَليُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثيرٍ\n===\nيقول - ﷺ -: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لجعلتها عمرة\"؟ فينظر في هذا، فإن أجيب بأنه إنما قال ذلك تطييبًا لخواطر أصحابه، فقد تقدَّم أنه تغرير لا يليق نسبة مثله إلى الشارع، انتهى.\nقلت: وجواب الإشكال أنه لا معارضة بين قوله - ﷺ -: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي\" وبين قوله: \"أتاني آتٍ من ربي، وقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقلْ: عمرة في حجة\"، فإن الجمع بين الحج والعمرة في الإحرام لم يكن مانعًا من الإحلال، بل المانع من الإحلال بعد العمرة إنما هو سوق الهدي، فإن الذين جمعوا الحج والعمرة في الإحرام، ولم يكن معهم هدي حلوا بالعمرة، فكذلك رسول الله - ﷺ - لو لم يكن معه هدي، وكان قد جمع الحج والعمرة في الإحرام على حسب ما قال له الآتي من ربه تعالى، لحل بعد العمرة كما حل أصحابه، فلا إشكال فيه.\n(قال أبو داود: رواه الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد في هذا الحديث عن الأوزاعي: \"وقال: عمرة في حجة\") أخرج الطحاوي (١) وغيره (٢) حديث الوليد بن مسلم، وأما حديث عمر بن عبد الواحد فلم أجده فيما عندي من الكتب.\n(قال أبو داود: وكذا رواه علي بن المبارك (٣)، عن يحيى بن أبي كثير\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٤٦).\n(٢) أخرجه أيضًا أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٤)، والبخاري (١٥٣٤)، وابن ماجه (٢٩٧٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٨٩٠).\n(٣) أخرج روايته البخاري (٧٣٤٣)، والبزار (١/ ٣١٣) رقم (٢٠٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٣).","vol":"7","page":142},{"text":"في هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: \"وَقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ\".\n١٨٠١ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ، ثنَا (١) عَبْدُ الْعَزِيزِ بن عمر بن عبد العزيز، حَدَّثَنِى الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا كُنَّا (٢) بِعُسْفَانَ\n===\nفي هذا الحديث قال: \"وقيل: عمرة في حجة\") غرض المصنف بهذين الكلامين إشارة إلى ما وقع من الاختلاف بأن في رواية مسكين، عن الأوزاعي: \"قال: عمرة في حجة\"، بلفظ: قال، بصيغة الماضي، وفي حديث الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي: \"وقيل: عمرة في حجة\" بصيغة الأمر، وكذا في رواية علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: \"وقيل: عمرة في حجة\".\nوأشار البخاري إلى اختلاف آخر في هذا اللفظ في رواية علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، وفيه: \"وقيل عمرة وحجة\"، بواو العطف في حديث سعيد بن الربيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، وقال هارون بن إسماعيل: حدثنا علي: \"عمرة في حجة\"، فخالف هارون سعيدَ بنَ الربيع في قوله: \"وقيل: عمرة وحجة\" بواو العطف، وقال هارون: \"عمرة في حجة\"، بحرف \"في\"، قال الحافظ (٣): وأبعد من قال: معناه: عمرة مدرجة في حجة أي أن عملَ العمرة يدخل في عمل الحج، فيجزئ لهما طواف واحد، وقال: من معناه: أنه يعتمر في تلك السَّنة بعد فراغ حجه، وهذا أبعد من الذي قبله؛ لأنه - ﷺ - لم يفعل ذلك.\n١٨٠١ - (حدثنا هناد بن السري، نا ابن أبي زائدة، ثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني الربيع بن سبرة، عن أبيه) سبرة بن معبد (قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ -) من المدينة (حتى إذا كنا بعُسْفانَ) كعثمان: موضح\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرنا\".\n(٢) في نسخة: \"كان\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٢).","vol":"7","page":143},{"text":"قَالَ لَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِىُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِى حَجِّكُمْ هَذَا عُمْرَةً، فَإِذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ». [حم ٣/ ٤٠٤، دي ١٨٥٧]\n١٨٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَاّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، الْمَعْنَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: \"قَصَّرْتُ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ، أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصِّرُ عَنْهُ عَلَى الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ\". [خ ١٧٣٠، م ١٢٤٦، ن ٢٩٨٨]\n===\nعلى مرحلتين من مكة (قال له سراقة بن مالك) بن جعشم بضم الجيمِ والمعجمةِ، بينهما عين مهملة، الكناني، ثم (المدلجي)، أبو سفيان، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، كان ينزل قديدًا، وهو الذي لحق النبي - ﷺ - وأبا بكر حين خرجا مهاجرين إلى المدينة، وقصته مشهورة، (يا رسول الله! اقضِ لنا) أي بَيِّنْ لنا (قضاء) أي بيان (قوم كأنما وُلدُوا اليوم) أي بيانًا وافيًا في غاية الوضوح كالبيان لمن لا يعلم شيئًا قبل اليوم. (فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن الله ﷿ قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة) كما تقدَّم في الحديث المتقدِّم: \"وقل: عمرة في حجة\"، (فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلَّ) أي من إحرام العمرة (إلَّا من كان معه هدي)؛ فإنه لا يحل حتى ينحر هديه.\n١٨٠٢ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا شعيب بن إسحاق، عن ابن جريج، وحدثنا أبو بكر بن خلاد، نا يحيى، المعنى) أي معنى حديث شعيب بن إسحاق ومعنى حديث جحيم واحد، كلاهما (عن ابن جريج، أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قَصَّرْتُ عن النبي - ﷺ -) أي شعره (بمشقصٍ) أي نصل السهم (على المروة أو) للشك (رأيته) أي رسول الله - ﷺ - (يقصِّر عنه على المروة بمشقصٍ).","vol":"7","page":144},{"text":"١٨٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ (١) وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، الْمَعْنَى، قَالا (٢): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ: \"أَمَا عَلِمْتَ أَنِّى قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمِشْقَصِ أَعْرَابِىٍّ عَلَى الْمَرْوَةِ،\n===\nوفي بعض النسخ على الحاشية: قال ابن خلاد: إن معاوية لم يذكر: أخبره. معنى هذا الكلام أن شيخي لم يذكر بعد قوله: \"إن معاوية\" لفظ: أخبره، بل قال: إن معاوية بن أبي سفيان قال: قصرت، الحديث، أو يقال: قال ابن خلاد لفظ: \"إن معاوية\" ولم يذكر - أي ابن خلاد - لفظ: \"أخبره\".\n١٨٠٣ - (حدثنا الحسن بن علي) ومخلد بن خالد (ومحمد بن يحيى، المعنى) أي معنى حديثهم واحد (قالا) وفي نسخة: قالوا: (نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أن معاوية قال له: أما علمت أني قَصَّرتُ عن رسول الله - ﷺ - بمشقصِ أعرابي على المروة).\nقال ابن حزم: وهو مشكل يتعلق به من يقول: إنه - ﵇ - كان متمتعًا، والصحيح الذي لا شكَّ فيه والذي نقله الكواف: أنه - ﷺ - لم يقصِّر من شعره شيئًا، ولا أحل من شيء من إحرامه إلى أن حلق بمنى يوم النحر، ولعلَّ معاوية عني بالحج عمرةَ الجعرانةِ؛ لأنه قد أسلم حينئذٍ، ولا يسوغ هذا التأويل في رواية من روى: أنه كان في ذي الحجة، أو لعله قصَّر عنه - ﵊ - بقية شعر لم يكن استوفاه الحلاق بعده، فقصره معاوية على المروة يوم النحر.\nوقد قيل: إن الحسن بن علي أخطأ في إسناد هذا الحديث فجعله عن معمر، وإنما المحفوظ أنه من هشام؛ وهشام ضعيف.\nقلت: كلام المصنف يدفع هذا الجواب، حيث بيَّن أن الحسن بن علي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ومخلد بن خالد\".\n(٢) في نسخة: \"قالوا\".","vol":"7","page":145},{"text":"بِحَجَّتِه\". [ن ٢٩٨٨]\n١٨٠٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، أَخْبَرَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّىِّ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: \"أَهَلَّ النَّبِىُّ (١) -ﷺ- بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ\". [م ١٢٣٩، ن ٢٨١٤]\n===\nليس بمنفرد في هذا الحديث، بل معه محمد بن يحيى أيضًا، قاله في \"فتح الودود\".\n(بحجته) وفي نسخة: زاد الحسن: بحجته. فالظاهر المراد بالحج العمرة وإلَّا لا يصح هذا القول؛ فإن رسول الله - ﷺ - لم يحل في حجته بعد العمرة، بل حل بعد الحج يوم النحر، وعلى هذا لا مطابقة بين الحديث والباب؛ لأن الحديث لا يدل على القرآن، فالمناسبة بين الحديث والباب باعتبار ظاهر لفظ: \"بحجته\"؛ فإنه يدل باعتبار ظاهر لفظه على التمتع، وهو داخل في القرآن.\n١٨٠٤ - (حدثنا ابن معاذ) عبيد الله، (أنا أبي) معاذ بن معاذ، (نا شعبة، عن مسلم) بن مخراق العبدي (القُرِّي) بضم القاف وتشديد الراء، مولى بني قرة، ويقال: المازني، الفريابي، أبو الأسود البصري العطَّار، ويقال: إنهما اثنان. عن أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: لكنه فَرَّق بين مولى بني قرة، وبين المكني أبي الأسود، وبذلك جزم أبو علي الجياني في \"تقييد المهمل\"، وقال العجلي: تابعي ثقة.\n(سمع ابنَ عباس يقول: أهلَّ النبي - ﷺ - بعمرة، وأهل أصحابه بحج) وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - أهلَّ بعمرة وحج، فذكرُ أحدِهما لا ينفي الآخر، وقد ثبت أنه - ﷺ - حجَّ فصار قارنًا، وأما أصحابه فبعضهم أحرم بعمرة، وبعضهم أحرم بحج فقط، وبعضهم أحرم بحج وعمرة، فذكر في الحديث ما فعله بعضهم.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"7","page":146},{"text":"١٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أن عبد الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَأَهْدَى وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْىَ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فسَاقَ (١) الْهَدْىَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ (٢) مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ (٣) ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ\n===\n١٨٠٥ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي) شعيب بن الليث، (عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج) أي قبل الطواف، وهذا هو القرآن، (وتمتَّع الناس مع رسول الله - ﷺ - بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهدِ، فلما قدم رسول الله - ﷺ - مكة قال للناس) أي لأصحابه: (من كان منكم أهدى فإنه لا يحل له من شيء حَرُمَ منه) لأجل الهدي (حتى يقضي حَجَّه) أي بعد الوقوفِ بعرفة، والرمي، والذبح، والحلقِ.\n(ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة) أي للعمرة، (وليقصر وليحلل) من العمرة، (ثم ليُهِلَّ بالحج وَلْيُهدِ) وهو دم التمتع. (فمن لم يجد هديًا) أي لم يقدر عليه (فليصم ثلاثة أيام في الحج).\n_________\n(١) في نسخة: \"وساق\".\n(٢) في نسخة: \"منه\".\n(٣) في نسخة: \"وليحل\".","vol":"7","page":147},{"text":"وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلى أَهْلِهِ\"\n===\nومذهب الشافعية في ذلك ما قال النووي في \"شرح مسلم\" (١): ويجب صوم هذه الثلاثة قبل يوم النحر، ويجوز صوم عرفة منها، لكن الأولى أن يصوم الثلاثة قبله، والأفضل أن لا يصومها حتى يحرم بالحج بعد فراغه من العمرة، فإن صامها بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج أجزأه على المذهب الصحيح عندنا، وإن صامها بعد الإحرام بالعمرة وقبل فراغها لم يجزه على الصحيح، فإن لم يصمها قبل يوم النحر وأراد صومها في أيام التشريق ففي صحته قولان مشهوران للشافعي، أشهرهما في المذهب: أنه لا يجوز، وأصحهما من حيث الدليل: جوازه، هذا تفصيل مذهبنا، ووافقنا أصحاب مالك في أنه لا يجوز صوم الثلاثة قبل الفراغ من العمرة، وجَوَّزه الثوري وأبو حنيفة، ولو ترك صيامها حتى مضى العيد والتشريق لزمه قضاؤها عندنا، وقال أبو حنيفة: يفوت صيامها، ويلزمه الهدي إذ أطاعه، انتهى.\nقلت: وعندنا معشر الحنفية: شرائط صحة صيام الثلاثة أن يصوم الثلاثة بعد الإحرام بهما في القارن بخلاف المتمتع، فإن فيه خلافًا، وبعد إحرام العمرة في المتمتع، وأن يكون صيام الثلاثة في أشهر الحج، واتفق أصحابنا على أن من الاستحباب أن يصوم ثلاثة أيام متوالية بعد الإحرام بالحج آخرها يوم عرفة، والحاصل أن كل ما أخَّر صيام هذه الثلاثة إلى آخر وقتها فهو أفضل، ولا يجوز له أن يصوم الثلاثة في أيام النحر والتشريق وبعدها لفوات الوقت.\n(وسبعةً إذا رجع إلى أهله) قال النووي (٢): وأما صوم السبعة فيجب إذا رجع، وفي المراد بالرجوع خلاف، والصحيح في مذهبنا: أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب لهذا الحديث الصحيح الصريح. والثاني: إذا فرغ من الحج، ورجع إلى مكة من مني، وهذان القولان للشافعي ومالك، وبالثاني قال أبو حنيفة، انتهى.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٦٩).\n(٢) انظر المصدر السابق.","vol":"7","page":148},{"text":"وَطَافَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَىْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ\n===\nوقال في \"لباب المناسك\" (٢): وأما صوم السبعة فشرط صحتها تبييتُ النية وتقدُّمُ الثلاثة، وأن يصوم السبعة بعد أيام التشريق، ويجوز صيام السبعة بعد الفراغ من الحج بمكة، والأفضل أن يصومها بعد الرجوع إلى أهله، خروجًا عن خلاف الشافعية.\n(وطاف رسول الله - ﷺ - حين قدم مكة فاستلم الركن) أي الحجر الأسود (أولَ شيء) أي أول شيء بدأ به، (ثم خَبَّ) أي رمل وأسرع (ثلاثة أطواف) أي أشواط (من السبع) أي الأشواط (ومشى أربعة أطواف، ثم ركع) أي صلَّى ركعتي الطواف (حين قضى طوافه بالبيت عند المقام) أي مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي بني الكعبة قائمًا عليه (ركعتين، ثم سلم) ثم يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، ولم يذكر في هذه الرواية الاستلام في الأشواط ولا بعد الفراغ من الطواف، وقد وقع في \"مسند أحمد\" و\"البخاري\" وغيره (٣): \"أن النبي - ﷺ - كلما أتى على الركن أشار بشيء في يده، وكبر\". الحديث.\nوأما الاستلام بعد الفراغ من ركعتي الطواف فقد وقع في حديث جابر الطويل عند مسلم (٤) بلفظ: \"كان يقرأ في الركعتين: قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا\". الحديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"فطاف\".\n(٢) انظر: \"شرح لباب المناسك\" (ص ٢٦٧).\n(٣) انظر: \"مسند أحمد\" (١/ ٢٦٤)، و\"صحيح البخاري\" (١٦١٣)، و\"صحيح مسلم\" (١٢٧٢).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٢١٨).","vol":"7","page":149},{"text":"فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ (١) وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ (٢) فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْىَ مِنَ النَّاسِ\". [خ ١٦٩١، م ١٢٢٧، السنن الكبرى للنسائي ٣٧١٢، حم ٢/ ١٣٩]\n١٨٠٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ (٣)\n===\n(فانصرف) عن البيت (فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف) يسعى بين الميلين في كل شوط منه، وهذا الطواف عندنا للعمرة، وعند الشافعية للقدوم. (ثم لم يحلل من شيء حرم منه)؛ لأنه - ﵇ - كان ساق الهدي (حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر)، فحل له ما حرم منه غير النساء (وأفاض فطاف) طواف الإفاضة (٤) (بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه) أي حل له النساء فلم يبق شيء حرَّم عليه إذ ذاك.\n(وفعل) الناس (مثل ما فعل رسول الله - ﷺ - من أهدى وساق الهدي من الناس) بأنهم لم يحلوا إلا بعد الفراغ من الهدي، وأما من لم يكن معهم هدي فقد حلوا بعد أفعال العمرة، ثم أحرموا بالحج، وحلوا منه بعد قضاء الحج.\n١٨٠٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - ﵁ - (عن) أخته (حفصةَ زوجِ النبي - ﷺ - أنها قالت: يا رسول الله!\n_________\n(١) في نسخة: \"حجته\".\n(٢) في نسخة: \"فأفاض\".\n(٣) في نسخة: \"لرسول الله\".\n(٤) هذا نص من ابن عمر أنه ﵇ طاف طوافين، فحملُ ما روي عنه من توحيد الطواف على أنه لم يطف إلَّا واحدًا لا غير؛ غلط جدًا. (ش).","vol":"7","page":150},{"text":"مَا شَأْنُ النَّاسِ قَدْ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: «إِنِّى لَبَّدْتُ رَأْسِى، وَقَلَّدْتُ هَدْيِى فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ (١)». [خ ١٧٢٥، م ١٢٢٩، جه ٣٠٤٦، ن ٢٦٨٢، حم ٦/ ٢٨٤]\n.... (٢)\n١٨٠٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ السَّرِىِّ - عَنِ ابْنِ أَبِى زَائِدَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ سَلِيمِ (٣) بْنِ الأَسْوَدِ: \"أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَهَا بِعُمْرَةٍ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\".\n===\nما شأن الناس قد حلُّوا) من عمرتهم (ولم تحلل أنت من عمرتك؟) وهذا يدل على أن طوافه - ﷺ - حين قدم مكة كان طواف العمرة حسبما قالت الحنفية؛ فإن الإحلال من العمرة لا يمكن إلا أن تكون أفعال العمرة غير داخلة في الحج، فقد ثبت بتقريره - ﷺ - وعدمِ إنكارِه أن الذي طاف وسعى كان من أفعال العمرة غير داخلة في الحج (فقالَ: إني لبدت رأسي، وقلَّدت هديي فلا أحل حتى أنحر) أي هديي.\n١٨٠٧ - (حدثنا هناد -يعني ابن السري-، عن ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا، (أنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود) النخعي، (عن سليم بن الأسود (٤): أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها) أي الحجة (بعمرة: لم يكن ذلك) أي فسخ الحج بالعمرة (إلَّا للركب الذين كانوا مع رسول الله - ﷺ -) فكان خاصة بهم لا يجوز لغيرهم، وهكذا عند الجمهور خلافًا لأحمد وطائفة من أهل الظاهر، فإنهم جَوَّزوا فسخ الحج إلى العمرة لكل أحد.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الهدي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة\".\n(٣) في نسخة: \"سليمان\".\n(٤) هو أبو الشعثاء، وما وقع في نسخة: سليمان، بدل: سليم، خطأ، لأنه ليس في رجال الكتب الستة من اسمه: سليمان بن الأسود.","vol":"7","page":151},{"text":"١٨٠٨ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، أَخْبَرَنا (١) رَبِيعَةُ بْنُ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَوْ لِمَنْ بَعْدَنَا؟ قَالَ: «بَلْ لَكُمْ خَاصَّةً». [ن ٢٨٠٨، جه ٢٩٨٤، حم ٣/ ٤٦٩، دي ١٨٥٥]\n===\n١٨٠٨ - (حدثنا النفيلي، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد-، أنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث) المزني المدني، روى عن أبيه، وعنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أخرجوا له حديثًا واحدًا في فسخ الحج. قلت: وقال الإِمام أحمد: ليس إسناده بالمعروف، قال الشوكاني (٢): قال المنذري: إن الحارث يشبه المجهول، وقال الحافظ: الحارث بن هلال من ثقات التابعين.\n(عن أبيه) بلال بن الحارث المزني، أبو عبد الرحمن المدني، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين، وقال أحمد بن عبد الله بن البرقي: إن بلال بن الحارث كان أول من قدم من مزينة على النبي - ﷺ - في رجال من مزينة سنة ٥ من الهجرة (قال: قلت: يا رسول الله! فسخُ الحَجِّ لنا خاصة) بتقدير حرف الاستفهام (أو لمن بعدنا؟) أيضًا يجوز (قال) رسول الله - ﷺ -: (بل لكم خاصة).\nاختلفوا في فسخ الحج إلى العمرة، هل هو مختص بزمان رسول الله - ﷺ - في تلك السنَّة أم يجوز بعده لكل أحد؟ فقال أحمد (٣) وطائفة من أهل الظاهر: ليس هو مختصًا بهم بل هو يجوز لكل أحد بعدهم، وقال مالك وأبو حنيفة\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرني\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٤٠ - ٣٤١)\n(٣) كما بسطه بما لا مزيد عليه ابن القيم (٢/ ١٧٨)، وصاحب \"المغني\" (٥/ ٢٥٢)، والقسطلاني (٤/ ٧٢). (ش).","vol":"7","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>(٢٤) بَابُ الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ</span>\n١٨٠٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ،\n===\nوالشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف: إن فسخ الحج إلى العمرة هو مختصٌّ بالصحابة في تلك السَّنة لا يجوز بعدها، قالوا: وإنما أُمِرُوا به في تلك السَّنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واستدل المدَّعون الخصوصَ بهذا الحديث، وأجاب المانعون عنه أن الإِمام أحمد قال: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت، ولا أقول به، ولا يعرف هذا الرجل يعني الحارثَ بنَ بلال، قلت: وقد عرفت أن الشوكاني حكى عن الحافظ أن الحارث من ثقات التابعين، فكيف يقال: إن حديثه لم يثبت؟ !\n\n(٢٤) (باب الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ) (١)\nهل يجب عليه أن يحج أولًا عن نفسه أو لا؟\n١٨٠٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديفَ رسول الله - ﷺ - فجاءته) أي رسول الله - ﷺ - (امرأة من خثعم) اسم قبيلة (تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر) المرأة الخثعمية (إليه، فجعل رسول الله - ﷺ - يصرف وجه الفضل إلى الشقِّ) أي الجانب (الآخر) للكف عن النظر إليها، وإنما لم يمنعها ولم يأمرها بصرف النظر عنه، لأن صرف وجه أحدهما يغني عن الآخر (٢).\n_________\n(١) فيه عشرة أبحاث، ذكرت في \"الأوجز\" (٧/ ٢١٠). (ش).\n(٢) أو: لأنها كانت تحتاج إلى النظر لضرورة تكلمها معه ﵇، فكان نظرها إلى الفضل تبعًا، وإليه ﵇ قصدًا. (ش).","vol":"7","page":153},{"text":"فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ ﷿ عَلَى عِبَادِهِ فِى الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِى شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ\n===\nويحتمل أن يكون - ﷺ - لم يَخَفْ منها الشهوة (١).\n(فقالت: يا رسول الله!) هذا بيان الاستفتاء (إن فريضة الله ﷿ على عباده في الحج أدركتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة (قال الحافظ (٢): والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة، وفي رواية: \"وإن شددته خشيت أن يموت\"، وعند ابن خزيمة بلفظ: \"وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله\"، وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه، كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة، انتهى.\nقلت: ولكن يشكل هذا بأن ظاهره إدراك الفريضة في حالة العجز، وهي تنافي الفرضية، فلا يجب عليه الحج، فلا يجب أن يحج عنه؛ فإن شرط الفرضية استطاعة السبيل، والذي لا يقدر على الركوب ولا يثبت على الراحلة غير مستطيع.\nفإن قيل في الجواب عنه: إن الخثعمية لما رأت أباها ذا مال وقد أسلم، ففهمت منه أنه وجب عليه الحج، قلت: محل الإشكال ليس فهمها، ولكن محل الإشكال تقريره - ﷺ - على ذلك، فالجواب عنه: أن إدراك الفريضة في هذه الحالة لا يستلزم الوجوب عليه، فإن معنى الإدراك هو المصادفة والموافقة في\n_________\n(١) والأوجه في الجواب حل نظر المرأة إلى الأجنبي بدون شهوة بخلاف عكسه، كما سيأتي في باب قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وله توجيه على قول من الشافعية خاصة، وهو أنه إذا عارض وجوب كشف الوجه للإحرام وجوب الستر عن الأجانب يجب عليها كشف الوجه، ويجب عليهم غض البصر، كما في \"الأوجز\" (٧/ ٢٢٠ - ٢٢٢). (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٦٩، ٧٠).","vol":"7","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهذه الحالة، أي فريضة الله على عباده في الحج صادفت ووافقته في حالة العجز، وهو لا يستلزم فرض الحج عليه.\nوأما قوله - ﷺ - في جواب قولها: \"أفأحج عنه؟ قال: نعم\"، فما كان على سبيل الفرضية والوجوب، بل على التنفل، وإلى هذا الجواب أشار الحافظ، وحكى عن القاضي عياض بقوله: وقال عياض: لا حجة للمخالف في حديث الباب (١)؛ لأن قوله: \"إن فريضة الله على عباده ... إلخ\" معناه أن إلزام الله عباده بالحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع؛ فهل أحج عنه؛ أي: هل يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجر ومنفعة؟ فقال: نعم. ثم اعترض عليه الحافظ: وتُعُقِّبَ بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء فيتم الاستدلال، وتقدم في بعض طرق مسلم \"إن أبي عليه فريضة الله في الحج\"، ولأحمد في رواية: \"والحج مكتوب عليه\".\nقلت: فالأولى في الجواب أن يقال: معنى قوله: \"إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا\" معناه: أدركت أبي في حالة الاستطاعة حتى صار شيخًا كبيرًا، ودخل في غير حالة الاستطاعة، ففوت القدرة بعد تحققها لا يكون مانعًا عن الوجوب السابق، فيجب عليه حينئذ أن يحج بنفسه أو يحج [عنه] غيره، أو يوصي به.\nوالتحقيق: أن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع [الحج] على الراحلةِ ولا يقدر على الاستمساكِ والثبوتِ عليها إذا حصل له مال في هذا الوقت، اختلفوا فيه؛\n_________\n(١) وفي الحديث مسألة الحج على المعضوب، وهو الذي ملك الزاد والراحلة في حال لا يقدر أن يثبت على الراحلة لضعفه ولكبر سنه، فعند الشافعي وأحمد والصاحبين: يجب عليه الحج، وهو ظاهر الحديث، وعند أبي حنيفة ومالك: لا يجب، ولما كان القاضي عياض مالكيًّا أوَّل الحديث كما في الشرح، وحمل الحافظ الحديث على ظاهره لكونه موافقًا لمذهبه. (ش).","vol":"7","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهل يجب عليه الحج أم لا؟ فقال بعضهم: لا يجب عليه الحج ولا الإحجاج، ولا الإيصاء به، وقال بعضهم: يجب عليه الحج فيحج بنفسه، أو يحج عنه غيره، أو يوصي به، وهذا القول هو الذي صححه القاضي؛ فإنه في \"شرح الجامع\" (١)، واختاره كثير من المشايخ، ومنهم ابن الهمام (٢)، وأما القول الأول فهو الذي قاله في \"النهاية\"، قال في \"البحر\" (٣): هو المذهب الصحيح. فعلى هذا القول الثاني لا إشكال في الحديث.\nوأما على القول الأول ففيه الإشكال، ويجاب عنه بما ذكر من الجواب.\nثم اعلم أنه اختلفت الروايات في أن السائل رجل أو امرأة، والمسؤول عنه أب أو أم؟ فوجه الجمع بين هذه الروايات عند الحافظ ما قال في \"الفتح\" (٤): والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل، وكانت ابنته معه فسألت أيضًا، والمسؤول عنه أب الرجل وأمه جميعًا، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس قال: \"كنت ردف النبي - ﷺ - وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله - ﷺ - رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي - ﷺ - برأسي فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة\"، فعلى هذا فقول الشابة: \"إن أبي\" لعلها أرادت به جَدَّها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ﷺ ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يسأل أيضًا عن أمه، وتحصل من مجموع هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي.\n_________\n(١) انظر: \"إكمال المعلم\" (٤/ ٤٣٩).\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" (٣/ ١٣٦).\n(٣) انظر: \"البحر الرائق\" (٣/ ٦٤).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٦٨).","vol":"7","page":156},{"text":"أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وَذَلِكَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ\". [خ ١٥١٣، م ١٣٣٤، جه ٢٩٠٩، ن ٢٦٤١، حم ١/ ٢٥١]\n١٨١٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِمَعْنَاهُ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِى رَزِينٍ.- قَالَ حَفْصٌ فِى حَدِيثِهِ: رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَامِرٍ - أَنَّهُ قَالَ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِى شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ\n===\n(أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك) أي السؤال والجواب كان (في حجة الوداع).\n١٨١٠ - (حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم بمعناه) أي: حدث مسلمُ بنُ إبراهيم بمعنى حديث حفص بن عمر (قالا: نا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين) لقيط بن صبرة العقيلي.\n(قال حفص في حديثه) لأبي رزين: إنه (رجل من بني عامر) فزاد حفص هذا اللفظ في صفة أبي رزين، ولم يذكره مسلم بن إبراهيم (أنه قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن) بفتح ظاء وسكون عين وحركتها: الراحلة. أي لا يقوى على السير ولا على الركوب من كبر السن \"مجمع\".\nقال الحافظ (١) في شرح حديث ابن عباس: ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رزين - بفتح الراء وكسرِ الزاي - العقيلي بالتصغير، واسمه لقيط بن عامر، ففي \"السنن\" و\"صحيح ابن خزيمة\" وغيرهما من حديثه: أنه قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال: \"حج عن أبيك واعتمر\"، وهذه قصة أخرى، ومن وحَّد بينها وبين حديث الخثعمي فقد أبعد وتَكَلَّفَ.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٦٨، ٦٩).","vol":"7","page":157},{"text":"قَالَ: \"احْجُجْ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ\". [ت ٩٣٠، ن ٢٦٣٧، جه ٢٩٠٦، حم ٤/ ١٠، خزيمة ٣٠٤٠، ق ٤/ ٣٢٩، ك ١/ ٤٨١]\n١٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (١) وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةَ؟» قَالَ: أَخٌ لِى، أَوْ قَرِيبٌ (٢) لِى، قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». [جه ٢٩٠٣، خزيمة ٣٠٣٩]\n===\n(قال: احجج عن أبيك (٣) واعتمر).\n١٨١١ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل وهناد بن السري، المعنى واحد، قال إسحاق: نا عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة) سعيدٍ، (عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا) قيل: اسمه نبيشة (يقول: لبيك عن شبرمة، قال) رسول الله - ﷺ -: (مَن شبرمةُ؟) (قال) الرجل: هو (أخ لي أو) للشك من الراوي (قريب لي، قال) رسول الله - ﷺ -: (حججتَ عن نفسك؟) بتقدير حرف الاستفهام (قال) الرجل: (لا) أي ما حججت عن نفسي، (قال) رسول الله - ﷺ -: (حُجَّ عن نفسك) أولًا، (ثم حج عن شبرمة) (٤).\nواختلف في أن من لم يحج عن نفسه، هل يجوز له أن يحج عن غيره؟\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الطالقاني\".\n(٢) في نسخة: \"قريبًا\".\n(٣) فيه حج الرجل عن المرأة وعكسه عند الجمهور، وخالف فيهما الحسن بن صالح، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٢١٧، ٢١٨). (ش).\n(٤) ومن سمَّاه \"نبيشة\" فقد أخطأ، كذا في \"التلقيح\" (ص ٤٧٦). (ش).","vol":"7","page":158},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفذهب الشافعي - ﵁ - (١) لا يجوز له ذلك، وقال الثوري: يجزئه حج من نفسه أو لم يحج ما لم يتضيق عليه، وعند الحنفية: يكره له ما لم يحج عن نفسه.\nواستدل المانعون بحديث ابن عباس هذا، وقالوا: هذا الحديث يدل على أنه يجب عليه أن يحج عن نفسه ثم يحج عن غيره.\nواختلفوا في رفع هذا الحديث ووقفِه، فرجَّح عبد الحق وابن القطان رفعه، وصححه البيهقي، وقال: إسناده صحيح، وليس في هذا الباب أصح منه. ورجح الطحاوي أنه موقوف (٢)، وقال أحمد: رفعه خطأ. وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه، كذا قال الشوكاني (٣).\nوأجاب ابن الهمام في \"شرح الهداية\" (٤) ما ملخصه: أن هذا الحديث مضطرب في وقفه ورفعه، وليس هذا مثل ما ذكرناه غير مرة في تعارض الرفع والوقف من تقديم الرفع؛ لأنه زيادة تقبل من الثقة، فإن ذلك في حكم مجرد عن قصة واقعة في الوجود رواه واحد عن الصحابي يرفعه وآخر عن نفسه فقط، فإن هذا يتقدم فيه الرفع؛ لأن الموقوف حاصله أنه قد ذكره ابتداء على وجه إعطاء حكم شرعي، أو جوابًا لسؤال، ولا ينافي هذا كون ما ذكره مأثورًا عنده عن النبي - ﷺ -.\nأما في مثل هذه وهي حكاية قصة: هي أن النبي - ﷺ - سمع من يلبي عن شبرمة، فقال له ما قال، أو أن ابن عباس - ﵁ - سمع من يلبي\n_________\n(١) وفي \"نيل المآرب\" (١/ ٢٨٩): لا يصح لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره، فإن فعل انصرف إلى حجة الإِسلام، هذا هو المشهور من روايته، وأخرى له: يصح، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٢١٧). (ش).\n(٢) ورفعه معلول، كما حكاه العيني (٧/ ١١)، وبسط الكلام على الحديث، وكذا بسطه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٤٨٩). (ش).\n(٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٩١).\n(٤) \"فتح القدير\" (٣/ ١٤٧، ١٤٨).","vol":"7","page":159},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن شبرمة، فقال له ذلك، فهو حقيقة التعارض في شيء وقع في الوجود أنه وقع في ذلك الزمن أو في زمن آخر بحضرة النبي - ﷺ - أو غيره، وتجويز أن يكون وقع في زمنه ﵇، ثم وقع بحضرة ابن عباس سماعه رجلًا آخر يلبي عن شبرمة، فهو وإن لم يمتنع عقلًا لكنه بعيد جدًا في العادة، فلا يندفع به حكم التعارض الثابت ظاهرًا طالبًا لحكمه فيتهاتران.\nأو يرجح وقوعه في زمن ابن عباس ...، ولأن ابن المفلس ذكر في كتابه أن بعض العلماء ضعف هذا الحديث بأن سعيد بن أبي عروبة كان يحدث به بالبصرة فيجعل هذا الكلام من قول ابن عباس، ثم كان بالكوفة يسنده إلى النبي - ﷺ -، وهذا يفيد اشتباه الحال على سعيد، وقد عنعنه قتادة، ونسب إليه تدليسه، فلا تقبل عنعنته.\nولو سُلِّمَ فحاصله: أمر بأن يبدأ بالحج عن نفسه، وهو يحتمل الندب فيحمل عليه بدليل، وهو إطلاقه ﵇ قوله للخثعمية: \"حجي عن أبيك\"، من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم الخطاب فيفيد جوازه عن الغير مطلقًا.\nوحديث شبرمة يفيد استحباب تقديم حجة نفسه، وبذلك يحصل الجمع، ويثبت أولوية تقديم الفرض على النفل مع جوازه.\nوالذي يقتضيه النظر أن حج الصرورة عن غيره إن كان بعد تحقيق الوجوب عليه بملك الزاد والراحلة والصحة؛ فهو مكروه كراهة تحريم؛ لأنه يتضيق عليه، والحالة هذه في أول سني الإمكان، فيأثم بتركه، وكذا لو تنفل لنفسه ومع ذلك يصح؛ لأن النهي ليس لعين الحج المفعول بل لغيره، وهو خشية أن لا يدرك الفرض إذ الموت في سنة غير نادر، فعلى هذا يحمل قوله ﵊: \"حج عن نفسك، ثم عن شبرمة\"، على الوجوب، ومع ذلك (١) ينفي\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"فتح القدير\": \"ومع ذلك لا ينفي الصحة\".","vol":"7","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>(٢٥) بَابٌ: كَيْفَ التَّلْبِيَةُ</span>؟\n١٨١٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ\n===\nالصحة، ويحمل ترك الاستفصال في حديث الخثعمية على علمه بأنها حجت عن نفسها أولًا، وإن لم يرو لنا طريق علمه بذلك جمعًا بين الأدلة كلها، أعني دليل التضييق عند الإمكان، وحديث شبرمة والخثعمية، والله سبحانه أعلم. انتهى ملخصًا.\nتنبيه: العبادات على ثلاثة أقسام: عبادة بدنية محضة كالصلاة، ومالية خالصة كالزكاة، ومركبة من البدنية والمالية كالحج، فالأولى لا تجري فيه النيابة مطلقًا عندنا، والثانية تجري فيه النيابة مطلقًا، والثالثة لا تجري فيها النيابة في غير عذر، ولكن تجري فيها إذا كان معذورًا لا يرجى زوال عذره، والدلائل مبسوطة في كتب المذهب.\n\n(٢٥) (بَابٌ: كَيْفَ التَّلْبِيَةُ؟) (١)\nالتلبية مصدر لَبَّى معناه التكلم بلبَّيك اللهم لبيك ... إلخ، كالتحميد والتهليل والتكبير\n١٨١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ) قال الحافظ (٢): هو لفظ مثنى عند سيبويه ومن تبعه، وقال يونس: هو اسم مفرد، وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير كلَدَيَّ وَعَلَيَّ، ورد بأنها قلبت ياء مع\n_________\n(١) واتخاذها وردًا كبقية الأذكار مكروه عند مالك، كذا في \"الدسوقي\" (٢/ ٢٦٢)، ولا بأس به عند الجمهور، كذا في \"المغني\" (٥/ ١٠١ و١٠٧). (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٩).","vol":"7","page":161},{"text":"إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ،\n===\nالمظهر. وعن الفراء: هو منصوب على المصدر، وأصله: لبًا لك، فثني على التأكيد، أي إلبابًا بعد إلباب، وهذه التثنية ليست حقيقية بل هي للتكثير أو المبالغة، ومعناه إجابة بعد إجابة، أو إجابة لازمة.\nقال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج. عن ابن عباس قال: \"لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب، وما يبلغ صوتي، قال: أَذِّنْ وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس! كتب عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون\"، وفي رواية: \"فأجابوا بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلَّا من كان أجاب إبراهيم يومئذ\"، انتهى ملخصًا.\n(إن الحمد) روي بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها على التعليل، والكسر أجود عند الجمهور، ونقل الزمخشري أن الشافعي اختار الفتح، وأن أبا حنيفة اختار الكسر (١).\n(والنعمةَ لك) المشهور فيه النصب. قال عياض: ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا، والتقدير: إن الحمد لك، والنعمة مستقرة لك، قال ابن المنير: قرن الحمدَ والنعمةَ وأفرد (٢) الملك؛ لأن الحمد متعلق النعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه، فجمع بينهما كأنه قال: لا حمد إلَّا لك؛ لأنه لا نعمة إلَّا لك، وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه، ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٩).\n(٢) في الأصل: \"إفراد\"، وهو خطأ.","vol":"7","page":162},{"text":"وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ». قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِى تَلْبِيَتِهِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ». [خ ١٥٤٩، م ١١٨٤، ت ٨٢٦، ن ٢٧٥٠، جه ٢٩١٨، حم ٢/ ٣]\n===\n(والملك) بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز الرفع وتقديره: والملك كذلك (لا شريك لك، قال) نافع: (وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل) ووقع عند مسلم من حديث ابن عمر: كان عمر يهل بهذا، ويزيد: \"لبيك اللَّهُمَّ لبيك، وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل\"، وهذا القدر في رواية مالك (١) أيضًا عنده عن نافع عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها، فذكر نحوه، فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه.\nوأخرج ابن أبي شيبة من طريق مسور بن مخرمة قال: \"كان تلبية عمر - ﵁ -\"، فذكر مثل المرفوع، وزاد: \"لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك ذا النعماء والفضل الحسن\".\nواستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي - ﷺ - في ذلك، قال الطحاوي: أجمع المسلمون جميعًا على هذه التلبية، غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحب، وهو قول محمد والثوري والأوزاعي، واحتجوا بزيادة ابن عمر المذكورة.\nوخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علَّمه رسول الله - ﷺ - الناسَ، كما في حديث عمرو بن معدي كرب، ثم فعله هو ولم يقل: لَبُّوا بما شئتم بما هو من جنس هذا، بل علَّمهم كما علَّمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئًا مما علمه.\nثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: أنه سمع رجلًا\n_________\n(١) انظر: \"الموطأ\" رقم (١/ ٣٣٢).","vol":"7","page":163},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله - ﷺ -. قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ، انتهى (١).\nويدل على الجواز ما وقع عند النسائي عن ابن مسعود قال: \"كان من تلبية النبي - ﷺ -\" فذكره، ففيه دلالة على أنه قد كان يلبي بغير ذلك، وما تقدم عن عمر، وابن عمر، وفي حديث جابر الطويل في صفة الحج: \"فأهل بالتوحيد، لبيك اللهُمَّ لبيك ... إلخ\"، قال: \"وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم شيئًا منه، ولزم تلبيته\"، وأخرجه أبو داود، \"قال: والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبي - ﷺ - يسمع فلا يقول لهم شيئًا\".\nوهذا يدل على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته - ﷺ - عليها، وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يردَّها عليهم وأقرَّهم عليها، وهو قول الجمهور، وحكى ابن عبد البر عن مالك الكراهة، وهو أحد قولي الشافعي.\nوقال الشيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشافعي في القديم أنه كره الزيادة على المرفوع، وغلطوا، بل لا يكره ولا يستحب، وحكى الترمذي عن الشافعي قال: فإن زاد على التلبية شيئًا من تعظيم الله فلا بأس به، وأحبّ إليَّ أن يقتصر على تلبية رسول الله - ﷺ -.\nونسب البيهقي الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي، فقال: الاقتصار على المرفوع أحبُّ، ولا ضيق أن يزيد عليها، قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن، انتهى ملخصًا ما قاله الحافظ في \"الفتح\".\nقال في \"لباب المناسك\" وشرحه (٢): فإن زاد عليها بعد فراغها لا في خلالها فحسن، بل مستحب بأن يقول: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك،\n_________\n(١) وهو قول أبي يوسف، وهو مختار الطحاوي أي الكراهة، وحكي عن مالك أيضًا، والجمهور على عدم الكراهة، كما في \"الأوجز\" (٦/ ٤٧٢). (ش).\n(٢) \"شرح القاري على اللباب\" (ص ١٠٢).","vol":"7","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالرغباء إليك، لبيك إله الخلق، لبيك بحجة حقًّا تعبدًا ورقًّا، لبيك إن العيش عيش الآخرة، ونحو ذلك. فما وقع مأثورًا فيستحب زيادته، وما ليس مرويًّا فجائز أو حسن، انتهى.\nتنبيه: في التلبية أربعة مذاهب:\nالأول: أنها سنَّة من السنن، لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد.\nوثانيها: واجبة، ويجب بتركها دم، حكاه المارودي عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وحكاه ابن قدامة عن بعض الماليكة، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة، وأغرب النووي فحكى عن مالك: أنها سنَّة، ويجب بتركها دم.\nوثالثها: واجبة، لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه على الطريق، وبهذا صدر ابن شاش من المالكية كلامه في \"الجواهر\" له، وحكى صاحب \"الهداية\" من الحنفية مثلَه؛ لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين.\nورابعها: أنها ركن، والإحرام لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة وابن حبيب من المالكية والزبيري من الشافعية. وأهل الظاهر قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة، قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\nقلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قاله القاري في \"شرح لباب المناسك\" (٢): (والتلبية (٣) مرة فرض) وهو عند الشروع لا غيرها (وتكرارها سنَّة) أي في المجلس الأول، وكذا في سائر المجالس إذا ذكرها (وعند تغير\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤١١).\n(٢) \"شرح القاري على اللباب\" (ص ١٠٢).\n(٣) وقال القاري في \"شرح النقاية\": شرط عندنا، وركن عند الشافعي. (ش).","vol":"7","page":165},{"text":"١٨١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ «ذَا الْمَعَارِجِ» وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِىُّ -ﷺ- يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا\". [جه ٢٩١٩، خزيمة ٢٦٢٦]\n===\nالحالات) كالإصباح، والإمساء، والإسحار، والخروج، والدخول، والقيام، والقعود، والمشي، والوقوف، وملاقاة الناس، ومفارقتهم، والمزاحمة والتوسعة، وأمثال ذلك (مستحب مؤكد) أي زائد تأكيده على سائر المستحبات، (والإكثار مطلقًا) أي من غير تقييد بتغير الحال (مندوب) أي مطلوب شرعًا ومثاب عليه أجرًا، ولكن مرتبة الندب دون مرتبة الاستحباب.\nوقال: (وكل ذكر يُقصَد به تعظيم الله سبحانه) أي ولو مشوبًا بالدعاء على الصحيح (يقوم مقام التلبية، كالتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير وغير ذلك) أي من أنواع الثناء والتمجيد، (ولو قال: اللَّهُمَّ) بمعنى: يا الله (يجزئه) وهو الأصح في الصلاة أيضًا، كما في \"المحيط\"، (وقيل: لا) أي قياسًا على الصلاة حيث لا يجوز فيها بدلًا من تكبير الافتتاح عند بعضهم، والفرق ظاهر.\n(ويجوز الذكر) وكذا التلبية (بالعربية والفارسية وغيرهما) كالتركية والهندية، ونحوهما (بأيِّ لسان) أي بأيَّ لغة (كان) والجمهور على أن يستوي فيه من يحسن العربية ومن لا يحسنها، وهو الصحيح، بخلاف افتتاح الصلاة عندهما، فالفرق أن باب الحج أوسع.\n١٨١٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، نا جعفر) بن محمد الصادق، (نا أبي) محمد الباقر، (عن جابر بن عبد الله قال: أهل رسول الله - ﷺ -، فذكر) جابر (التلبية مثل حديث ابن عمر، قال) جابر: (والناس يزيدون) بعد تلبيتهم: (ذا المعارج ونحوه من الكلام) على تلبية رسول الله - ﷺ -، (والنبي - ﷺ - يسمع) زيادتَهم (فلا يقول لهم شيئًا) بل يسكت، وهذا دليل الجواز.","vol":"7","page":166},{"text":"(١)\n١٨١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ خَلَاّدِ بْنِ السَّائِبِ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أَتَانِى جِبْرِيلُ -﵇ - فَأَمَرَنِى\n===\n١٨١٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزومي المدني، روى عن أبيه، قال النسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان سريًّا سخيًّا، وكان ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". ووثقه العجلي.\n(عن خلاد بن السائب) بن خلاد بن سويد (الأنصاري) الخزرجي، قد ذكره جماعة في الصحابة، منهم ابن حبان، ولم يرفع نسبه، وقال: له صحبة، ثم أعاده في التابعين. وذكره ابن منده وأبو نعيم وغيرهما، وشبهتهم في ذلك الحديث الذي روى عنه عبد الملك بن أبي بكر، فقال: عن خلاد، عن أبيه رفعه، وقيل: عن خلاد بن السائب، عن النبي - ﷺ -.\nوقال الترمذي: والسائب بن خلاد أصح. وقال ابن عبد البر: مختلف في صحبته. وقال ابن أبي حاتم: خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد، له صحبة. وقال بعضهم: السائب بن خلاد. وقال العجلي: خلاد بن السائب مدني، ما نعرفه، كذا قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\". وفي \"التقريب\": ثقة، من الثالثة، ووهم من زعم أنه صحابي.\n(عن أبيه) السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري الخزرجي (أن رسول الله - ﷺ - قال: أتاني جبرئيل - ﵇ - فأمرني) أي أمرَ إيجابٍ؛\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب رفع الصوت بالتلببة\".","vol":"7","page":167},{"text":"أَنْ آمُرَ أَصْحَابِى وَمَنْ مَعِى أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ، أَوْ قَالَ: بِالتَّلْبِيَةِ»، يُرِيدُ أَحَدَهُمَا\". [ت ٨٢٩، ن ٢٧٥٣، جه ٢٩٢٢، ط ١/ ٣٣٤، دي ١٨٠٩، خزيمة ٢٦٢٥، حم ٤/ ٥٦]\n===\nإذ تبليغ الشرائع واجب عليه - ﷺ - (أن آمر أصحابي) أي أمرَ ندبٍ عند الجمهور، وأمر وجوبٍ عند الظاهرية (١) (ومن معي) وفي \"موطأ مالك\": \"أو من معي\". بالشك (٢) في رواية يحيى والشافعي وغيرهما من الراوي، إشارة إلى أن المصطفى قال أحد اللفظين، وكل منهما يسدُّ مسدَّ الآخر.\nوتجويز ابن الأثير أن الشك من النبي - ﷺ -؛ لأنه نوع سهو ولا يعصم عنه؛ ركيك متعسف، وفي رواية القعنبي: \"ومن معي\" بالواو، قال العراقي: يحتمل أنه زيادة إيضاح فإن الذين معه أصحابه، ويحتمل أن يريد بأصحابه الملازمين له المقيمين معه في بلده، وهم المهاجرون والأنصار، وبمن معه غيرهم ممن قدم ليحج معه ولم يره إلَّا في تلك الحجة.\n(إن يرفعوا (٣) أصواتهم بالإهلال، أو قال: بالتلبية، يريد أحدهما) يعني أنه - ﷺ - إنما قال أحد هذين اللفظين، لكن الراوي شك فيما قاله من ذلك، فأتى بأو التي لأحد الشيئين، ثم زاد ذلك بيانًا بقوله: يريد أحدهما، قاله الزرقاني.\nقلت: واستثنى منه النساء، فإن المرأة لا تجهر بها بل تقتصر على إسماع\n_________\n(١) هكذا في \"البداية\" (١/ ٣٣٧) لابن رشد، وهذا هو المشهور عند الشرَّاح، لكن قال ابن قدامة في \"المغني\" (٥/ ٩١): إن الحديث حجة للحنفية في إيجابهم التلفظ بالتلبية مع النية خلافًا للأئمة الثلاثة إذ قالوا: تكفي النيَّة، كما في \"الأوجز\" (٦/ ٤٩٧). (ش).\n(٢) انظر، \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٢٤٨).\n(٣) ورفع الصوت مطلقًا مستحب عند الجمهور، واجب عند الظاهرية، وفي قديم الشافعي لا يرفع إلا في المسجد الحرام ومسجد مني ومسجد عرفة، واختلفت الرواية عن مالك، وروى ابن الأصم: لا يرفع إلا في المسجد الحرام ومسجد مني، كما في \"الأوجز\"، (٦/ ٤٩٣، ٤٩٤). (ش).","vol":"7","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>(٢٦) بابٌ: مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ</span>؟\n١٨١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ\". [خ ١٦٨٥، م ١٢٨١، ن ٣٠٥٦، حم ١/ ٢١٣]\n===\nنفسها، وقد قال مالك في \"موطئه\" (٢): إنه سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية، لتسمع المرأة نفسها، قال الزرقاني (٣): لأنه يخشى من صوتها الفتنة، فيستثنى ذلك من قوله: \"ومن معي\"، فليس لهن ذلك.\n\n(٢٦) (بَابٌ: مَتَى يَقْطَعُ) أي الحاج (التَّلْبِيَةَ؟)\n١٨١٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس: أن رسول الله - ﷺ - لبَّى حتى رمى (٤) جمرة العقبة) أي فلما رماها قطع، قال القاري في \"شرح لباب المناسك\" (٥): يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها من جمرة العقبة في الحج الصحيح والفاسد، سواء كان مفردًا بالحج أو متمتعًا أو قارنًا، وهذا هو الصحيح من الرواية على ما ذكره قاضي خان والطرابلسي، وقيل: لا يقطع التلبية إلا بعد الزوال كما في \"المحيط\".\nقال الشوكاني (٦): قوله: \"حتى رمى جمرة العقبة\"، فيه دليل على أن التلبية تستمر إلى رمي جمرة العقبة، وإليه ذهب الجمهور. وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن يعاود التلبيةَ إذا خرج\n_________\n(١) في نسخة: \"نبي الله\".\n(٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٦/ ٤٩٩)، رقم (٧٢٧).\n(٣) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٢٤٩).\n(٤) أي بدأه أو أتمه قولان للعلماء، كما سيأتي في الشرح. (ش).\n(٥) \"شرح القاري على اللباب\" (ص ٢٢٥).\n(٦) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٣٢، ٣٣٣).","vol":"7","page":169},{"text":"١٨١٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ\n===\nمن مكة إلى عرفة. وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة، عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعلي، وبه قال مالك، وقَيَّده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث. وعن الحسن البصري مثله، لكن قال: إذا صلَّى الغداة يوم عرفة.\nواختلف الأولون: هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة، أو عند تمام الرمي؟ فذهب جمهورهم إلى الأول، وإلى الثاني أحمد (١) وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما روى ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن الفضل قال: \"أفضت مع النبي - ﷺ - من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرةَ العقبة، ويكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة\". قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى، وأن المراد [بقوله]: \"حتى رمى جمرة العقبة\" أي: أتمَّ رميَها، انتهى.\nقلت: وهذا الذي قاله الفضل من أنه قطع التلبية مع آخر حصاة رأى منه؛ فإنه فهم منه أن قطع التلبية كان مع آخر حصاة، ولم يثبت عن أحد من أصحابه - ﷺ - أنه - ﷺ - لبى في أثناء الرمي، فلو كان ثبت أنه - ﷺ - لبى في أثناء الرمي لكان فهم فضل هذا حجة.\n١٨١٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن نمير، نا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون، (عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه) عبد الله بن عمر (قال: غدونا مع رسول الله - ﷺ - من مني إلى عرفات،\n_________\n(١) هكذا عند الحافظ وغيره، لكن فروعه مصرَّحة لقطعها في أول الرمي، كما حكاه عنها في \"الأوجز\" (٦/ ٥٤٢). (ش).","vol":"7","page":170},{"text":"مِنَّا الْمُلَبِّي وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ\". [م ١٢٨٤، ن ٢٩٩٩، حم ٢/ ٢٢، دي ١٨٧٦، خزيمة ٢٨٠٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>(٢٧) بَابٌ: مَتَى يَقْطَعُ الْمُعْتَمِرُ التَّلْبِيَة</span>؟\n١٨١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «يُلَبِّى الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ». [ت ٩١٩، خزيمة ٢٦٩٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ وَهَمَّامٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا.\n===\nمنا الملبي، ومنا المكبر) (١) أي فلم تقطع التلبية إلى عرفات، وفيه رد على من قال: يقطع التلبية من فجر يوم عرفة.\n\n(٢٧) (بَابٌ: مَتَى يَقْطَعُ المُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ؟)\n١٨١٧ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، عن ابن أبي ليلى) محمد، (عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: يلبي المعتمرُ حتى يستلم الحجر) الأسودَ، أي يقطع التلبية عند شروع استلام الحجر لطواف العمرة.\n(قال أبو داود: رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفًا) وأخرج الترمذي هذا الحديث بهذا السند عن ابن عباس قال: يرفع الحديث، أنه كان يُمسِكُ عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر.\nثم قال الترمذي: قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم\n_________\n(١) وفي \"التعليق الممجد\" (٢/ ٢٤٥): قال الخطابي: أجمعوا على ترك العمل به، والسنة التلبية فقط، وحكى المنذري أن بعض العلماء أخذوا بذلك، لكنه لا يدل على فضل التكبير على التلبية بل على الجواز. (ش).","vol":"7","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>(٢٨) بَابُ الْمُحْرِمِ يُؤَدِّبُ غُلَامَه</span>\n١٨١٨ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ حَنْبَلٍ قَالَ، (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ\n===\nالحجر. وقال بعضهم: إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية، والعمل على حديث النبي - ﷺ -، انتهى.\nوفي إسناد هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد تكلم فيه جماعة من أهل العلم.\nوقد أخرج البيهقي (٢) حديث عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سئل عطاء، متى يقطع المعتمر التلبية؟ فقال: قال ابن عمر: إذا دخل الحرم، وقال ابن عباس: حتى يمسح الحجر، قلت: يا أبا محمد! أيهما أحب إليك؟ قال: قول ابن عباس.\nثم ذكر حديث همام (٣) من طريق الربيع، عن الشافعي، عن مسلم بن خالد وسعيد بن سالم، عن ابن جريج وهمام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفًا، ثم قال: وكذلك رواه ابن جريج وهمام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفًا، ثم قال: قال الشيخ: رفعه خطأ (٤)، وكان ابن أبي ليلى هذا كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئ كثيرًا، ضعَّفه أهل النقل مع كبر محله في الفقه.\n\n(٢٨) (بَابُ المُحْرِمِ يُوَدِّبُ غُلَامَهُ)، هل يجوز أم لا؟\n١٨١٨ - (حدثنا ابن حنبل قال) ابن حنبل، (ح: وحدثنا محمد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أحمد\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٠٤، ١٠٥) وأيضًا أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٢٨٦).\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" (٥/ ٥٠٥)، وأيضًا أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٨٦).\n(٤) لكن قال الترمذي: حسن صحيح. (ش).","vol":"7","page":172},{"text":"عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى رِزْمَةَ قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَنَزَلْنَا، فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِى (١)، وَكَانَتْ زِمَالَةُ أَبِى بَكْرٍ - ﵁ - وَزِمَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاحِدَةً\n===\nعبد العزيز بن أبي رزمة قال) محمد بن عبد العزيز، أو كل واحد من عبد العزيز وابن حنبل: (أنا عبد الله بن إدريس، أنا ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه) عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الزبير بن بكار: كان عظيم القدر عند أبيه، وكان على قضائه بمكة، وكان يستخلفه إذا حج، وكان أصدق الناس لهجة، قلت: وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وأما راويته عن عمر بن الخطاب فمرسلة بلا تردد.\n(عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ -) في حجة الوداع (حُجَّاجًا حتى إذا كنا بالعَرْج) قال في \"القاموس\": منزل بطريق مكة، منه عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العرجي الشاعر. وقال في \"المجمع\": والعرج بفتح، فسكون: قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة.\n(نزل رسول الله - ﷺ -، ونزلنا، فجلستْ عائشة إلى جنب رسول الله - ﷺ -، وجلستُ إلى جنب أبي) أي أبي بكر، (وكانت زِمالةُ أبي بكر - ﵁ - وزمالة (٢) رسول الله - ﷺ - واحدة) أي مركوبهما وأداتهما وما كان معهما من\n_________\n(١) في نسخة: \"أبي بكر\".\n(٢) قلت: يشكل عليه ما في البخاري (١٥١٧): أن زاملته - ﵇ - كانت ناقته في \"باب الحج على الرحل\". انظر لتوضيح هذا الإشكال والجواب عنه: \"جزء حجة الوداع\" (ص ٦٩). (ش).","vol":"7","page":173},{"text":"مَعَ غُلَامٍ لأَبِى بَكْرٍ، فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ، فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ. قَالَ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ قَالَ: أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ؟ قَالَ فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ»، قَالَ ابْنُ أَبِى رِزْمَةَ: فَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَنْ يَقُولَ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ!» وَيَتَبَسَّمُ. [جه ٢٩٣٣، حم ٦/ ٣٤٤، ق ٥/ ٦٨، ك ١/ ٤٥٣، خزيمة ٢٦٧٩]\n===\nأداة السفر، والزاملة بعير يُحمَل عليه الطعام والمتاع (مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه) غلامه مع الزاملة (فطلع وليس معه بعيره) الواو للحال.\n(قال) أبو بكر: (أين بعيرك) الذي كان في حفظك ورعايتك؟ (قال) الغلام: (أضللته البارحةَ، قال) هكذا في النسخ الموجودة، وفي رواية البيهقي: قالت: فقام أبو بكر يضربه. (فقال أبو بكر: بعير واحد تضلُّه؟) بحذف الاستفهام. (قال:) هكذا في النسخ الموجودة، وكذا في رواية ابن ماجه، والضمير يعود إلى ابن حنبل أو إلى محمد بن عبد العزيز (فطفق يضربه) أي الغلامَ (ورسول الله - ﷺ - يتبسم ويقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! قال ابن أبي رزمة: فما يزيد رسول الله - ﷺ - على أن يقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! ويتبسم) رسول الله - ﷺ -.\nوهذا الحديث يدل على أن تأديب غلامه ليس بداخل في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في اَلحِجّ﴾ (١) وإلَّا فلم يجترئ عليه أبو بكر الصديق - ﵁ -، ونهاه عنه - ﷺ -، لكن قوله - ﷺ -: \"انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! \"، يومئ إلى أنه لا ينبغي للمحرم ذلك أيضًا.\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ١٩٧.","vol":"7","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>(٢٩) بَابُ الرَّجُلِ يُحْرِمُ في ثِيَابِهِ</span>\n١٨١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ رَجُلًا\n===\n\n(٢٩) (بَابُ الرَّجُلِ يُحْرِمُ في ثِيَابِهِ)\nالمخيطة التي لا تباح في الإحرام\n١٨١٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام قال: سمعت عطاء، أنا صفوان بن يعلي بن أمية، عن أبيه) يعلي بن أمية، وفي رواية البخاري (١) من طريق ابن جريج: أخبرني عطاء، أن صفوان بن يعلى أخبره، أن يعلى قال لعمر - ﵁ -، الحديث.\nقال الحافظ (٢): وليست رواية صفوان عنه لهذا الحديث بواضحة؛ لأنه قال فيها: \"إن يعلى قال لعمر\"، ولم يقل: إن يعلى أخبره أنه قال لعمر، فإن يكن صفوان حضر مراجَعَتَهما وإلَّا فهو منقطع، لكن سيأتي في \"أبواب العمرة\" من وجه آخر \"صفوان بن يعلى، عن أبيه\"، انتهى.\nقلت: وقد أخرج أبو داود هذا الحديث من طرق كثيرة، ففيه: أخبرنا صفوان، عن أبيه، فهذا يدل على أن ما وقع في البخاري منقطع؛ فإن صفوان يروي عن أبيه، لا أنه حضر القصة.\n(أن رجلًا) وفي رواية للبخاري (٣): جاء أعرابي، قال الحافظ (٤): ولم أقف على اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في \"الذيل\" عن \"تفسير الطرطوشي\" أن اسمه عطاء بن منية، ووقع في شرح شيخنا سراج الدين ابن الملقن ما نصه: هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد، وروى الطحاوي أن يعلي بن أمية\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٥٣٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٣)، باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب.\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤٣٢٩).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٤).","vol":"7","page":175},{"text":"أَتَى النَّبِىَّ -ﷺ- وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ، أَوْ قَالَ: صُفْرَةٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ\n===\nصاحب القصة، قال: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا عبد الرحمن، هو ابن زياد الوضاحي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح أن رجلًا يقال له: يعلي بن أمية أحرم وعليه جبة، فأمره النبي - ﷺ - أن ينزعها.\n(أتى النبي - ﷺ - وهو) أي رسول الله - ﷺ - (بالجعرانة) بكسر الجيم والعين المهملة وتشديد الراء، ومنهم من يخفف الراء ويسكن العين، وقال في \"القاموس\": وقد تكسر العين وتشدد الراء، وقال الشافعي: التشديد خطأ، موضع بين مكة والطائف.\n(وعليه) الظاهر أن مرجع الضمير الرجلُ نفسه، لا ثوبه، كما يدل عليه قوله في الحديث الاتي: \"وهو مُصَفِّرٌ لحيته ورأسه\"، ولو كان الخلوق على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام، ولكن يخالفه ما وقع في بعض طرق الحديث عند البخاري (١) بلفظ: \"عليه قميص فيه أثر صفرة\"، وفي رواية أبي داود الطيالسي في \"مسنده\" (٢) عن شعبة، عن قتادة، عن عطاء بلفظ: \"رأى رجلًا عليه جبة عليها أثر خلوق\"، ولمسلم من طريق رباح بن أبي معروف عن عطاء مثله. وقال سعيد بن منصور بسنده عن عطاء عن يعلي بن أمية: \"أن رجلًا قال: يا رسول الله! إني أحرمت وعليَّ جبتي هذه، وعلى جبته رَدغ من خلوق ... الحديث\"، قلت: ولا مضايقة في أن يكون على بدنه وعلى ثوبه أثر خلوق، فأمر بما على بدنه من الخلوق بالغسل، وكفى بما على ثوبه النزع.\n(أثر خلوق، أو) للشك من الراوي؛ فإن الخلوق طيب مركب من الزعفران (قال: صفرة، وعليه جبة) فالجبة باعتبار أنها مخيطة تنافي الإحرام، والخلوق باعتبار أنه طيب كان لا يباح استخدامه للمحرم، كما هو عند مالك\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٨٤٧).\n(٢) \"مسند الطيالسي\" (١٣٢٣).","vol":"7","page":176},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَأْمُرُنِى أَنْ أَصْنَعَ فِى عُمْرَتِى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ- الْوَحْىَ، فَلَمَّا سُرِّىَ عَنْهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ»؟ قَالَ: «اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ\"، أَوْ قَالَ: \"أَثَرَ الصُّفْرَةِ، وَاخْلَعِ الْجُبَّةَ عَنْكَ، وَاصْنَعْ فِى عُمْرَتِكَ مَا صَنَعْتَ فِى حَجَّتِكَ» (١). [خ ١٧٨٩، م ١١٨٠، حم ٤/ ٢٢٢]\n===\nومحمد بن الحسن، والجمهور (٢) على أنه منسوخ بحديث عائشة - ﵂ -، ويحتمل أن النهي عنه باعتبار أن تزعفر الرجل مطلقًا محرمًا وغير محرم منهي عنه.\n(فقال: يا رسول الله! كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟) فلم يجبه رسول الله - ﷺ - انتظارًا للوحي (فأنزل الله ﵎ على النبي - ﷺ - الوحيَ، فلما سُرِّي) بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي: كشف (عنه) ما يغشاه (٣) عند نزول الوحي شيئًا بعد شيء بالتدريج.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أين السائل عن العمرة؟) فأتي به (قال) رسول الله - ﷺ -: (اغسل عنك) أي عن بدنك أو ثوبك (أثر الخلوق، أو قال: أثر الصفرة، واخلع الجبةَ عنك، واصنع في عمرتك ما صنعتَ في حجتك) ولفظ البخاري: \"واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك\"، ولفظ مسلم: \"وما كنت صانعًا في حجتك فاصنع في عمرتك\"، وهو دال على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"حجك\".\n(٢) وتقدمت في \"باب الطيب عند الإحرام\" المذاهب ومستدلاتهم، وحاصل الجواب: الأول: أن هذا الحديث في الجعرانة سنة ٨ هـ بلا خلاف، وحديث عائشة في حجة الوداع، والثاني: أنه وقع في بعض طرق هذا الحديث \"اغسل الزعفران\" وهو منهي عنه للرجال مطلقًا، كما في \"الأوجز\" (٦/ ٤٢٠ - ٤٢١). (ش).\n(٣) من الغشي والكرب، وكان - ﵇ - يغطُّ عند الوحي كما في \"البخاري\" وغيره في هذه القصة. (ش).","vol":"7","page":177},{"text":"١٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ،\n===\nقال ابن العربي (١): كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبي - ﷺ - أن مجراهما واحد.\nقال الحافظ (٢): واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن، وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا الحديث، وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة أنها طيَّبت رسول الله - ﷺ - بيديها عند إحرامه، وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ من الآخر فالآخر من الأمر.\nواستدل به على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيًا أو جاهلًا، ثم علم فبادر إلى إزالته، فلا كفارة عليه، وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمه، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية: يجب مطلقًا.\n١٨٢٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا أبو عوانة، عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية (عن عطاء، عن يعلي بن أمية) وقد أخرج الترمذي والبيهقي عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن يعلي بن أمية، لم يذكرا فيه بين عطاء ويعلى \"صفوانَ\"، قال الترمذي: وهكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد، عن عطاء عن يعلي بن أمية، والصحيح ما روى عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -.\nوقال البيهقي بعد تخريج حديث عبد الملك بن سليمان، عن عطاء، عن يعلي بن أمية القرشي: قصر عبد الملك بإسناده، فلم يذكر صفوان فيه، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٤/ ٦٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٥).","vol":"7","page":178},{"text":"وَهُشَيْمٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ (١): فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -ﷺ-: «اخْلَعْ جُبَّتَكَ»، فَخَلَعَهَا مِنْ رَأْسِهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [ن ٨٣٥، حم ٤/ ٢٢٤، خزيمة ٢٦٧٢، ق ٥/ ٥٦]\n١٨٢١ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِىُّ الرَّمْلِىُّ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ، عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ فِيهِ (٢):\n===\nقلت: قال الترمذي: هكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد، عن عطاء، عن يعلي بن أمية، فأما حديث قتادة فأخرجه البيهقي في \"سننه\" (٣) من طريق شعبة عن قتادة، عن عطاء، عن يعلي بن أمية: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا عليه جبة، الحديث.\nوأما حديث الحجاج بن أرطاة فخالف أبو داود فيه الترمذي، وأخرجه عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، وذكر فيه صفوان، وحكى عن أبي داود البيهقيُّ كذلك في \"سننه\"، فلعل ذكر الحجاج فيمن روى عن عطاء عن يعلى وهم، أو غلط من النساخ.\n(وهشيم) مرفوع معطوف على: أبو عوانة (عن الحجاج) بن أرطاة، (عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه بهذه القصة) المتقدمة (قال) محمد بن عيسى في حديثه: (فقال له النبي - ﷺ -: اخلع جبتك، فخلعها من رأسه، وساق) محمد بن عيسى (الحديث).\n١٨٢١ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني الرملي، حدثنا الليث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن يعلي بن منية) وهو يعلى بن أمية، فمنية اسم أمه، وأمية أبوه، (عن أبيه بهذا الخبر) المتقدم (قال فيه:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فيه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٥٧).","vol":"7","page":179},{"text":"\"فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَنْزِعَهَا نَزْعًا، وَيَغْتَسِلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا\" وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ١٥٣٦، م ١١٨٠، السنن الكبرى للنسائي ٤٢٣٧]\n١٨٢٢ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ -ﷺ- بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَه\" وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ. [م ١١٨٠]\n===\nفأمره رسول الله - ﷺ - أن ينزعها) أي الجبة (نزعًا، ويغتسل) هكذا في النسخ الموجودة من باب الافتعال، وأخرجها البيهقي عن أبي داود بهذا السند، وفيه: \"ويغسل مرتين أو ثلاثًا\"، وهو الأوفق، وما في نسخ أبي داود من باب الافتعال إن كان محفوظًا من تصحيف النساخ، فهو إما بمعنى: يغسل، أي يغسل أثر الطيب عن ثوبه أو بدنه، ويحتمل أن يكون بمعناه، فعلى هذا تكون إزالة الطيب عن بدنه فقط. (مرتين أو ثلاثًا) يحتمل الشك من الراوي، ويحتمل التنويع، وهذا الحكم ليس للنجاسة بل لإزالة أثر الخلوق، (وساق) يزيد بن خالد (الحديثَ).\n١٨٢٢ - (حدثنا عقبة بن مكرم، نا وهب بن جرير، نا أبي) جرير بن حازم، (قال: سمعت قيس بن سعد يحدث، عن عطاء، عن صفوان بن يعلي بن أمية، عن أبيه) أي يعلي بن أمية (أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - بالجعرانة وقد أحرم بعمرة، وعليه جبة، وهو مصفر لحيتَه ورأسَه. وساق الحديث) أي عقبة بن مكرم.\nوهذا الحديث يدل على أن الرجل إذا أحرم وعليه جبة ينزعها ولا يشُقُّها، وقد أخرج البيهقي من طريق شعبة عن قتادة عن عطاء عن يعلي بن أمية هذا الحديث، وفي آخره: قال قتادة: فقلت لعطاء: كنا نسمع أنه قال: شَقَّها، قال: هذا فساد، والله ﷿ لا يحب الفساد.\nوقد أخرج الطحاوي (١) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: \"كنت عند النبي - ﷺ -\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٣٨، ١٣٩).","vol":"7","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>(٣٠) بَابُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ</span>\n١٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"سَأَلَ رَجُلٌ\n===\nجالسًا في المسجد، فَقَدَّ (١) قميصَه من جيبه حتى أخرجه من رجليه\" الحديث. قال: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا ينبغي للمحرم أن يخلعه كما يخلع الحلال قميصه؛ لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه، وذلك عليه حرام، فأمره بشقه لذلك.\nوخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينزعه نزعًا (٢)، واحتجوا في ذلك بحديث يعلي بن أمية الذي أحرم وعليه جبة، فأمره رسول الله - ﷺ - أن ينزعها نزعًا.\nوقال الطحاوي: ليس الممنوع تغطية الرأس فإن المحرم لو حمل على رأسه شيئًا ثيابًا أو غيرها لم يكن بذلك بأسًا، ولكن المنهي عنه إلباس الرأس، ونزع الجبة عن جانب الرأس ليس بإلباس، فلا يكون منهيًّا عنه.\nوقد اختلف المتقدمون في ذلك، فعن إبراهيم والشعبي أنهم قالوا: إذا أحرم الرجل وعليه قميص فليخرقه حتى يخرج منه، وعن سعيد بن جبير مثلَه.\nوأما عطاء وعكرمة فخالفا إبراهيمَ والشعبيَّ وسعيدَ بنَ جبير، وذهبا إلى ما ذهبنا إليه من حديث يعلى، انتهى ملخصًا.\n\n(٣٠) (بَابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ)\nأي ما يجوز للمحرم أن يلبسه من الثياب\n١٨٢٣ - (حدثنا مسدد وأحمد بن حنبل قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجل) قال الحافظ (٣): لم أقف على اسمه في\n_________\n(١) من القَدِّ، وهو القطع طولًا كالشق، كذا في \"النهاية\" (٤/ ٢١).\n(٢) به قال الجمهور، كذا في \"عمدة القاري\". [(٧/ ٤٦)]. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠١).","vol":"7","page":181},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ\n===\nشيء من الطرق. (رسول الله - ﷺ -: ما يترك المحرم من الثياب؟) وفي رواية البخاري: \"ما يلبس من الثياب\" (فقال) رسول الله - ﷺ -: (لا يلبس) المحرم (القميصَ).\nقال الحافظ (١): قال النووي: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله؛ لأن ما لا يلبس منحصر، فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا، أي: ويلبس ما سواه.\nوهذا كله بناء على سياق هذه الرواية التي في البخاري وهي المشهورة، وأما على رواية أبي داود: \"ما يترك المحرم\"، وهي شاذة؛ فلا مساغ لهذا التوجيه فيه، بل الجواب فيه مطابق للسؤال.\nوقد أجمعوا على أن المراد بالمحرم ها هنا الرجل، ولا تلتحق به المرأة في ذلك؛ لأن للمرأة يجوز أن تلبس جميع ذلك، وفي ذكر القميص والسراويل نهي عن كل مخيط، وبالعمائم والبرانس نهي عن كل ما يُغَطى الرأسُ به مخيطًا أو غيره.\n(ولا البرنس) وهو الثوب الذي رأسه منه، (ولا السراويلَ) والنهي عن هذه الثلاثة لأنها من المخيط إلَّا البرنس؛ فإن في النهي عنه وجهين: الأول: كونه مخيطًا كالقميص والقباء. والثاني: كونه ساترًا للرأس، والمراد من المخيط هو الذي صنع على البدن، فلو نسج ثوب على البدن ولم يكن فيه خياطة أصلًا فهو في حكم المخيط لا يجوز لبسه للمحرم، نعم لو لبسها على غير وجهه بأن ارتدى بالقميص أو اتَّزر بالسراويل جاز.\n(ولا العمامةَ) وكذا القلنسوةَ والعرقيةَ والتاجَ والطربوشَ، (ولا ثوبًا مسه\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٢).","vol":"7","page":182},{"text":"وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَانٌ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إلَّا لِمَنْ (١) لَا يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ». [خ ١٣٤، م ١١٧٧، ن ٢٦٧٣، ت ٨٣٣، حم ٢/ ٨]\n===\nورس) وكذا كل ثوب صبغ بما له طيب كورس، وهو نبت يكون باليمن يتَّخذ منها الغمرة للوجه، وفي \"النهاية\" عن \"القانون\": الورس شيء أحمر قانٍ يشبه سحيق الزعفران، وهو مجلوب من اليمن، كذا في \"رد المحتار\" (٢).\n(ولا زعفران) لأنهما من الطيب، ولا يختص بهما الرجل المحرم، بل يشمل الرجل والمرأة (٣)، (ولا الخفين) أي للرجال؛ فإن المرأة تلبس المخيط والخفين (إلَّا لمن لا يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين (٤) وليقطعهما (٥) حتى يكونا أسفل من الكعبين).\nوالمراد بالكعب عندنا معشر الحنفية معقدُ الشراك وهو المفصل الذي في وسط القدم بخلافه في الوضوء، فإن المراد في الوضوء العظمان الناتيان اللذان في جانبي القدم. قال الحافظ (٦): والمراد كشف الكعبين في الإحرام، وهما العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم، وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من\n_________\n(١) في نسخة: \"أن\".\n(٢) (٣/ ٥٠٠).\n(٣) أي المحرمين، كما سيأتي قريبًا عن \"الدر المختار\" ما يدل على أن المرأة لا تمنع عن المزعفر بدون الإحرام. (ش).\n(٤) فإن لبسهما مع وجود النعلين افتدى عند مالك سواء قطع أو لا، ولا فدية عندنا بشرط القطع، نعم يكون خلاف السنَّة وهو قول للشافعية، والآخر الفدية في المقطوع أيضًا، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٣١٨). (ش).\n(٥) ولا فدية إذ ذاك عند الحنفية خلافًا لما توهم جمع من الشراح إذ حكى بعضهم عنا الفدية، وكذا توهم بعضهم إذ حكوا عن مالك الفدية، وهو أيضًا غلط، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٣٧٠). (ش).\n(٦) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٣).","vol":"7","page":183},{"text":"١٨٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه وأيضًا: جه ٢٩٢٩، ٢٩٣٢]\n===\nالحنفية: الكتب ها هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، وقيل: هذا لا يُعرَف عند أهل اللغة.\nقال العيني (١): قلت: الذي قال: لا يعرف عند أهل اللغة، هو ابن بطال، والذي قاله هو لا يعرف، وكيف والإمام محمد بن الحسن إمام في اللغة والعربية؟ فمن أراد تحقيق صدق هذا فلينظر في مصنفه الذي وضعه على أوضاع يعجز عنه الفحول من العلماء والأساطين من المحققين، وهو الذي سماه \"الجامع الكبير\"، والذي قاله هو الذي اختاره الأصمعي، قاله الإِمام فخر الدين، انتهى.\nقال الحافظ: وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين، وعن الحنفية تجب، واستدل به على اشتراط القطع خلافًا للمشهور عن أحمد؛ فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس بلفظ: \"ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين\"، وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول بها هنا، انتهى.\nوكذا لا يلبس الجوربين؛ لأنهما في معنى الخفين، قال في \"البدائع\" (٢): ورخص بعض مشايخنا المتأخرون لبس الصندلة قياسًا على الخف المقطوع؛ لأنه في معناه، وكذا لبس الميثم لما قلنا.\n١٨٢٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمعناه).\nوكتب ها هنا في بعض النسخ: \"باب في المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين\"، ولا حاجة إلى ذلك الباب.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٨).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٠٦).","vol":"7","page":184},{"text":"١٨٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ زَادَ: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ (١)، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ». [خ ١٨٣٨، ت ٨٣٣، ن ٢٦٧٣، حم ٢/ ١١٩]\n===\n١٨٢٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه.\n(زاد) نافع على حديث سالم: (ولا تنتقب (٢) المرأةُ الحرامُ)؛ لأن المرأة المحرمة لا يجوز لها أن تغطي وجهها لما روي عنه - ﷺ - أنه قال: \"إحرام المرأة في وجهها\" (٣). وعن عائشة - ﵂ - أنها قالت: \"كان الركبان يمرون بنا، ونحن محرمات مع رسول الله - ﷺ -، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا رفعنا\" (٤)، فدل الحديث على أن ليس للمرأة أن تغطي وجهها، وأنها لو أسدلت على وجهها شيئًا وجافته عنه لا بأس بذلك؛ لأنها إذا جافته عن وجهها صار كما لو جلست في قبة أو أسترت بفسطاط.\n(ولا تلبس القفازين) هو بالضم والتشديد: شيء يلبسه نساء العرب في أيديهن يغطي الأصابعَ والكفَّ والساعدَ من البرد، وفيه قطن محشو، وقيل: هو ضرب من العلي تتخذه المرأة ليديها، \"مجمع\".\nوفي \"القاموس\": وكَرُمَّانٍ: شيء يُعمَل لليدين يُحْشَى بقطن تلبسهما المرأة للبرد، وضرب من العلي لليدين والرجلين.\nأما لبس القفازين فلا يكره عندنا، وهو قول علي وعائشة - رضي الله\n_________\n(١) في نسخة: \"المحرم\".\n(٢) واستدل بتخصيص المرأة على جواز تغطية الوجه للمحرم، وسيأتي في \"باب المحرمة تغطي وجهها\". (ش).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٥/ ٤٧) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(٤) أخرجه أبو داود (١٨٣٣)، وأحمد (٦/ ٣٠)، وابن ماجه (٢٩٣٥).","vol":"7","page":185},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ (١)، عَلَى مَا قَالَ اللَّيْثُ، وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ\n===\nعنهما-، وقال الشافعي: لا يجوز، واحتج بحديث ابن عمر - ﵁ - هذا، ولأن العادة في بدنها الستر، فيجب مخالفتها بالكشف كوجهها.\nولنا ما روي: أن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - كان يلبس بناته وهن محرمات القفازين، ولأن لبس القفازين ليس إلَّا تغطية يديها بالمخيط، وأنها غير ممنوعة عن ذلك؛ فإن لها أن تغطيهما عن قميصها، وإن كان مخيطًا، فكذا بمخيط آخر بخلاف وجهها، وقوله: \"ولا تلبس القفازين\" نهي ندب حملناه عليه جمعًا بين الدلائل بقدر الإمكان، \"بدائع\" (٢).\nوأما الرجل المحرم فلا يلبس القفازين لما نقل عز الدين بن جماعة من أنه يحرم عليه لبس القفازين في يديه عند الأئمة الأربعة؛ لأنهما في حكم المخيط.\n(قال أبو داود: وقد روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب، عن موسى بن عقبة (٣)، عن نافع، على ما قال الليث) أي مرفوعًا، ولم أجد روايتهما فيما عندي من الكتب.\n(ورواه موسى بن طارق) اليماني أبو قرة، بضم القاف، الزبيدي بفتح الزاي، قال أبو حاتم: محله الصدق، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان ممن جَمَعَ وصنف وتفقه وذاكر، يغرب. وعن الحاكم: ثفة مأمون.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٠١).\n(٣) وذكر متابعة موسى بن عقبة البخاري أيضًا، قال الحافظان: وصله النسائي برواية عبد الله بن المبارك عنه. (ش. [انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٥٣)، و\"عمدة القاري\" (٧/ ٥٢٧)].","vol":"7","page":186},{"text":"عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ مَوْقُوفًا، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدِينِىُّ (١)، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-: «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ».\n===\nوقال الخليل: ثقة قديم. (عن موسى بن عقبة موقوفًا على ابن عمر، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر (٢) ومالك (٣) وأيوب موقوفًا؛ وإبراهيمُ بن سعيد المديني) (٤) أي وروى إبراهيم بن سعيد المديني (عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -) مرفوعًا: (المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين).\nغرض المصنف بهذا الكلام إشارة إلى أن النهي عن النقابِ ولبسِ القفازين مختلف في رفعه ووقفه، فرواه الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وتابعه موسى بن عقبة برواية حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب؛ فإنهما روياه عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا على ما قال الليث.\nوأما موسى بن طارق فرواه عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا على ابن عمر - ﵁ -، وكذلك - أي كما رواه موسى بن عقبة برواية موسى بن طارق - رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب موقوفًا على ابن عمر.\nوأما إبراهيم بن سعيد المديني فرواه عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وإلى ذلك أشار البخاري في \"صحيحه\" بعد ما أخرج حديث الليث، عن نافع، عن ابن عمر فقال بعد تمام الحديث: تابعه موسى بن عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب والقفازين، أي في ذكرهما في الحديث مرفوعًا، وقال عبيد الله بن عمر العمري: ولا ورس، وكان - أي\n_________\n(١) في نسخة: \"المدني\".\n(٢) أخرج روايته ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ١٦٢) رقم (٢٥٩٧).\n(٣) أخرجه في \"موطئه\" (١/ ٣٠١) رقم (٧٣٩).\n(٤) وصل المصنف روايته برقم (١٨٢٦).","vol":"7","page":187},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nابن عمر- يقول: \"لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين\"، فجعله قولَ عبد الله ولم يرفعه، وقال مالك: عن نافع، عن ابن عمر: \"لا تتنقب المحرمة\"، فأوقفه مالك أيضًا، وتابعه ليث بن أبي سلم (١) أي في وقفه.\nقلت: وكذلك ذكر البيهقي هذا الاختلاف في \"سننه الكبرى\" (٢)، فأخرج أولًا، حديث الليث، عن نافع، عن عبد الله بن عمر الذي أخرجه البخاري في \"صحيحه\"، ثم حكى قول البخاري: وتابعه موسى بن عقبة ... إلخ.\nثم أخرج حديث موسى بن عقبة من طريق حفص بن ميسرة، عن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، ثم قال: ورواه أيضًا عبد الله بن المبارك وجماعة عن موسى بن عقبة.\nثم أخرج حديثه من طريق فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن نافع فرفعه.\nثم أخرج حديث جويرية بن أسماء من حديث عبد الله بن محمد بن أسماء: حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: قام رجل فنادى رسول الله - ﷺ -، الحديث، نحو حديث الليث.\nثم ذكر من حديث أبي سلمة: ثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -.\nثم أخرج حديث محمد بن إسحاق من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، فذكر الحديث مرفوعًا.\nثم قال: ورواه أيضًا إبراهيم بن سعيد المديني، عن نافع مرفوعًا، ثم قال: قال أبو داود: ورواه عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأيوب عن نافع موقوفًا\n_________\n(١) في الأصل: \"ليث بن سليم\"، وهو خطأ.\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٥/ ٤٦، ٤٧).","vol":"7","page":188},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلى ابن عمر: \"المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين\"، قال الشيخ: وعبيد الله ابن عمر ساق الحديث إلى قوله: \"ولا ورس\"، ثم قال: وكان يقول: \"لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين\".\nثم قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو علي الحافظ: \"لا تنتقب المرأة\" من قول ابن عمر، وقد أُدْرج في الحديث، انتهى.\nقال الحافظ (١): وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكمَ بالإدراج في هذا الحديث لورود النهي عن النقاب والقفاز مفردًا مرفوعًا، وللابتداء بالنهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة المقدم ذكرها.\nوقال في \"الاقتراح\": دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة، وأجيب بأن الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قُدِّمت، ولا سيما إن كان حافظًا ولا سيما إن كان أحفظ، والأمر ها هنا كذلك، فإن (٢) عبيدَ الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف، وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شَذَّ بذلك وهو ضعيف، وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدَّم وأخَّر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، أشار إلى ذلك شيخنا في \"شرح الترمذي\".\nقلت: والذي ذكره من ترجيح الوقف؛ فمحل بحث، فإن الذين رفعوه ثقات متقنون، وعندهم زيادة علم فوجب قبوله، وكيف لا؟ وقد أمكن أن يقال: إن ابن عمر﵁ - رفعه مرة ووقفه مرة أخرى بأنه أفتى بذلك، فروى عنه نافع كذلك، فلا حاجة حينئذ إلى التكلفات التي ارتكبها، فالحكم بإدراج هذه الجملة سخيف جدًا، والله أعلم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٥٣، ٥٤).\n(٢) في الأصل: \"قال\"، وهو تحريف، والصواب: \"فإن\"، كما في \"الفتح\".","vol":"7","page":189},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدِينِيُّ (١) شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ (٢) حَدِيثٍ.\n١٨٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدِينِىُّ (٣)، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ». [ق ٥/ ٤٧، وانظر الحديث السابق]\n١٨٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: فَإِنَّ (٤) نَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَنِى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى النِّسَاءَ فِى إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ\n===\n(قال أبو داود: إبراهيم بن سعيد المديني شيخ من أهل المدينة ليس له كبير حديث)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قلت: له عنده حديث واحد في \"الحج\".\n١٨٢٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا إبراهيم بن سعيد المديني، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: المحرمة لا تنتقب) أي لا تغطي الوجه بالنقاب (ولا تلبس القفازين).\n١٨٢٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يعقوب، نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق قال: فإن نافعًا مولى عبد الله بن عمر حدثني، عن عبد الله بن عمر: أنه سمع رسول الله - ﷺ - نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من\n_________\n(١) في نسخة: \"المدني\".\n(٢) في نسخة: \"كثير\".\n(٣) في نسخة: \"المدني\".\n(٤) في نسخة: \"قال لي نافع\".","vol":"7","page":190},{"text":"الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا (١) أَوْ خَزًّا أَوْ حُلِيًّا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَمِيصًا أَوْ خُفًّا (٢) \". [حم ٢/ ٢٢، ك ١/ ٤٨٦]\n===\nالثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرًا) ما صبغ بالعصفر وهو زهر القرطم (أو خزًّا) وهو نوع من الإبريسم (أو حليًّا، أو سراويل، أو قميصًا، أوخفًّا).\nوفي الحديث جواز المعصفر وهو مختلف فيه، قال في \"البدائع\" (٣): ولا يلبس المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر عندنا، وقال الشافعي (٤): يجوز، واحتج بما روي أن عائشة - ﵂ - لبست الثياب المعصفرة، وهي محرمة، وروي أن عثمان - ﵁ - أنكر على عبد الله بن جعفر لبس المعصفر في الإحرام، فقال علي - ﵁ -: ما أرى أن أحدًا يعلمنا السنَّة.\nولنا ما روي أن عمر - ﵁ - أنكر على طلحة لبسَ المعصفر في الإحرام، فقال طلحة - ﵁ -: إنما هو ممشق بِمَغْرَة، فقال عمر - ﵁ -: إنكم أئمة يقتدى بكم، فدل إنكار عمر واعتذار طلحة - ﵄ - على أن المحرم ممنوع من ذلك. وفيه إشارة إلى أن الممشق مكروه أيضًا؛ لأنه قال: إنكم أئمة يقتدى بكم، أي: أن من شاهد ذلك ربما يظن أنه مصبوغ بغير المغرة فيعتقد الجواز، فكان سببًا للوقوع في الحرام عسى (٥) فيكره، ولأن المعصفر طيب، لأن له رائحة طيبة، فكان كالورس والزعفران.\n_________\n(١) في نسخة: \"من معصفر، أو خزٍّ، أو حلي، أو سراويل، أو قميص، أو خف\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أو ذهبًا\".\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٠٧، ٤٠٨).\n(٤) وبه قال أحمد، وقال مالك: المعصفر المفدم لا يجوز. (ش).\n(٥) لفظة \"عسى\" زائدة، ولم يرد في \"البدائع\".","vol":"7","page":191},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما حديث عائشة - ﵂ - فقد روي عنها: أنها كرهت المعصفر في الإحرام، أو يحمل على المصبوغ بمثل العصفر كالمغرة ونحوها، وهو الجواب عن قول علي (١) وعمر - ﵄ - على أن قوله معارض بقول عثمان - ﵁ -، وهو إنكاره، فسقط الاحتجاج به للتعارض، هذا إذا لم يكن مغسولًا، فأما إذا كان قد غسل حتى صار لا ينفض فلا بأس به، انتهى. وقال في \"الهداية\" (٢): ولا يلبس ثوبًا مصبوغًا بورس ولا زعفران ولا عصفر؛ لقوله ﵊: \"لا يلبس المحرم ثوبًا مسَّه زعفران ولا ورس، إلَّا أن يكون غسيلًا لا ينفض\"؛ لأن المنع للطيب لا للون (٣)، وقال الشافعي: لا بأس بلبس المعصفر، لأنه لون لا طيب له، ولنا أن له رائحة طيبة.\nقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٤): فمبنى الخلاف على أنه طيِّب الرائحة أو لا؟ فقلنا: نعم، فلا يجوز، وعن هذا قلنا: لا يتحنى المحرم لأن الحناء طيب، ومذهبنا مذهب عائشة - ﵂ - في هذا، ثم النص ورد بمنع المورس على ما قدمنا، وهو دون المعصفر في الرائحة، فيمنع المعصفر بطريق أولى، ولكن تقدم في حديث أبي داود قوله ﵊: \"ولتلبس بعد ذلك ما شاءت من ألوان الثياب من معصفر\".\nفالجواب أولًا: أن عمر - ﵁ - رأى على طلحة بن عبيد الله\n_________\n(١) وفي \"البدائع\" هكذا: وهو الجواب عن قول عمر - ﵁ -، فقط، ولم يذكر فيه عليًّا.\n(٢) \"الهداية\" (١/ ١٣٦).\n(٣) وذلك لأن المرأة لا تمنع عن المعصفر والمزعفر بدون الإحرام، ففي \"الدر المختار\" (٩/ ٥٩١): كره لبس المعصفر والمزعفر للرجال، مفاده أنه لا يكره للنساء، ويشكل عليه ما سيأتي في \"آخر السنن\" في لبسه - ﵇ - ملحفة مصبوغة بزعفران. (ش).\n(٤) \"فتح القدير\" (٢/ ٤٥٠، ٤٥١).","vol":"7","page":192},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا (١) عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ (٢): عَبْدَةُ (٣) وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن محمد بن إسحاق إِلَى قَوْلِهِ: \"وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ\"، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ.\n===\nثوبًا مصبوغًا وهو محرم، فقال: ما هذا الثوب يا طلحة؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر، فقال عمر: أيها الرهط إنكم أئمة يُقتَدى بكم، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة. فإن صح كونه بمحضر من الصحابة أفاد منع المتنازع فيه وغيره، ثم يخرج الأزرق ونحوه بالإجماع، ويبقى المتنازع فيه داخلًا في المنع.\nوالجواب المحقق إن شاء الله سبحانه أن نقول: \"ولتلبس بعد ذلك ... إلخ\" مدرج، كأن المرفوع صريحًا هو قوله: \"سمعته ينهى عن كذا\" وقوله: \"ولتلبس بعد ذلك\"، ليس من متعلقاته، ولا يصح جعله عطفًا على \"ينهى\" لكمال الانفصال بين الخبر والإنشاء، فكان الظاهر أنه مستأنف من كلام ابن عمر - ﵁ -، فتخلو تلك الدلالة عن المعارض الصريح، أعني منطوق المورس ومفهومه الموافق، فيجب العمل به، انتهى.\nقلت: ويؤيد ذلك ما رواه عبدة ومحمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق بأنهما لم يذكرا هذا الكلام، فدل اقتصارُهما على قوله: \"من الثياب\" وعدمُ ذكرهما ما بعده من الكلام على كونه مدرجًا، والله أعلم.\n(قال أبو داود: روى هذا) الحديث (عن ابن إسحاق: عبدةُ ومحمدُ بن سلمة، عن محمد بن إسحاق إلى قوله: وما مس الورس والزعفران من الثياب، لم يذكرا) أي عبدة ومحمد بن سلمة (ما بعده).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحديث\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن نافع\".\n(٣) في نسخة: \"عبدة بن سليمان\".","vol":"7","page":193},{"text":"١٨٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّهُ وَجَدَ الْقُرَّ، فَقَالَ: أَلْقِ عَلَىَّ ثَوْبًا يَا نَافِعُ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا، فَقَالَ: تُلْقِى عَلَىَّ هَذَا وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ\". [حم ٢/ ٣١]\n١٨٢٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَا يَجِدُ الإِزَارَ، وَالْخُفُّ (١) لِمَنْ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ». [خ ١٨٤٣، م ١١٧٨، خزيمة ٢٦٨١، ن ٢٦٧١]\n===\n١٨٢٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه وجد القر) قال في \"القاموس\": القُرَّ بالضم: البرد، أو يخص بالشتاء (فقال) لنافع: (أَلْقِ عَليَّ ثوبًا يا نافع، فألقيت عليه برنسًا، فقال) ابن عمر: (تلقي عليَّ هذا) أي البرنس (وقد) الواو للحال (نهى رسول الله - ﷺ - أن يلبسه المحرم) وهذا الذي قاله ابن عمر - ﵁ - لنافع في البرنس كان على سبيل التورع (٢)، وإلَّا فإلقاء البرنس على الرجل لدفع البرد ليس بلبس وليس بمنهي عنه، فإنما المنهي عنه لبس المخيط لا الإلقاء عليه، ولأجل ذلك لم يدفعه عن نفسه.\n١٨٢٩ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد) أبي الشعثاء، (عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: السراويل لمن لا يجد الإزار، والخف لمن لا يجد النعلين) قال الحافظ\n_________\n(١) في نسخة: \"الخفين\".\n(٢) وتقدَّم النهي عنه في \"باب ما يلبس المحرم\"، وقال الدردير: يحرم القباء وإن لم يدخل كمَّا في يدٍ، بل وضعه على منكبيه، ومحمل المنع إن أدخل المنكبين في محلهما، فإن نكَّسه بأن جعل أسفله على منكبيه فلا فدية، وقال أيضًا: وجاز ارتداء وائتزار بقميص وجبَّة. [انظر: \"الشرح الكبير\" مع \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٢٨٣، ٢٨٥)]. (ش).","vol":"7","page":194},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي \"الفتح\" (١): قال القرطبي: أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد، فأجاز لبس الخفِّ والسراويلِ للمحرم الذي لا يجد النعلين والإزار على حالهما.\nواشترط الجمهور قطعَ الخف وفتقَ السراويل، فلو لبس شيئًا منهما على حاله لزمته الفديةُ. والدليل لهم قوله في حديث ابن عمر - ﵁ -: \"وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين\"، فيُحمَل المطلق على المقيد، ويلحق النظير بالنظير لاستوائهما في الحكم.\n(قال أبو داود: هذا حديث أهل مكة)؛ لأن سليمان بن حرب مكي كان قاضيًا بمكة، وحماد بن زيد بصري، ثم عمرو بن دينار مكي يروي عن جابر بن زيد وهو بصري، ولذا قال: (ومرجعه إلى البصرة إلى جابر بن زيد، والذي تفرد به) أي الكلام الذي تفرد به جابر بن زيد (منه) أي من الحديث (ذكرُ السراويل) فإنه لم يذكر السراويلَ عن ابن عباس غير جابر بن زيد، وقد أخرج هذا الحديث أبو بكر بن أبي شيبة (٢) في \"مصنفه\" (٣) بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فإن كان فيه ذكر السراويل فلا يصح دعوى تفرُّدِ جابرِ بنِ زيدٍ فيه.\n(ولم يذكر القطعَ في الخف) قد ترددتُ في مرجع الضمير في \"لم يذكر\" فرأيت صاحب \"العون\" (٤) أرجع الضمير إلى جابر بن زيد، ويُتَعَقَّبُ بحديث أخرجه النسائي (٥) من طريق يزيد بن زريع قال: أخبرنا أيوب، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وفيه: \"وليقطعهما أسفل من الكعبين\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٥٧).\n(٢) في الأصل: \"ابن شيبة\"، وهو خطأ.\n(٣) \"المصنف\" (٤/ ١٠١)، وفيه ذكر السراويل.\n(٤) انظر: \"عون المعبود\" (٥/ ١٩٢).\n(٥) \"سنن النسائي\" (٥/ ١٣٥)، رقم (٢٦٧٩، ٢٦٧٢).","vol":"7","page":195},{"text":"١٨٣٠ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جُنَيْدٍ الدَّامَغَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ سُوَيْدٍ الثَّقَفِىُّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: \"كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ (١) جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ\n===\nوكذا لا يجوز أن يكون المرجع حمادًا؛ لأن حديث أيوب عند النسائي من طريق إسماعيل عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ليس فيه ذكر القطع، وكذلك أخرج مسلم حديث سفيان بن عيينة وهشيم والثوري وابن جريج وإسماعيل عن أيوب كل هؤلاء عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد، وليس فيه ذكر القطع.\nوكذا إرجاع الضمير إلى سليمان بن حرب غير صحيح؛ لأنه قد أخرج مسلم من حديث يحيى بن يحيى وأبي الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد جميعًا عن حماد، ولم يذكروا فيه القطع.\nوالذي تقرر عندي أن المصنف - ﵀ - كتب أولًا هذه العبارة، ثم لما عُرِضَ عليه ثانيًا ورأى فيه هذا الخطل أخرجها من الكتاب، فكتبها بعض النساخ في حاشية بعض النسخ، والصواب حذفُها، والله أعلم، انتهى.\n١٨٣٠ - (حدثنا الحسين بن جنيد الدامغاني) نسبة إلى دامغان: مدينة من بلاد قومس. قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: من أهل سمنان، مستقيم الأمر فيما يرويه. قلت: وقال مسلمة بن قاسم: ثقة.\n(نا أبو أسامة، أخبرني عمر بن سويد الثقفي، حدثتني عائشة بنت طلحة، أن عائشة أم المومنين حدثتها قالت) عائشة أم المؤمنين: كنا نخرج مع النبي - ﷺ - من المدينة (إلى مكة فَنُضَمِّدُ) من التفعيل، أي نلطخ (جباهنا) جمع جبهة (بالسُّك) وهو نوع من الطيب، معروف، ويضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل، وقال في \"القاموس\": وهو طيب يُتَّخَذ من الرامَك مدقوقًا منخولًا\n_________\n(١) في نسخة: \"فيضمد\".","vol":"7","page":196},{"text":"الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِىُّ -ﷺ- فَلَا يَنْهَاهَا\" (١). [حم ٦/ ٧٩]\n١٨٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ذَكَرْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: \"أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَرَ - كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ؛ يَعْنِى يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ،\n===\nمعجونًا بالماء، ويُعْرَك شديدًا، ويمسح بدهن الخيري لئلا يلصق بالإناء، ويُتْرَكُ ليلة، ثم يُسْحَقُ المِسكُ ويُلْقَمُه، ويُعْرَكُ شديدًا، ويُقَرَّص، ويُتْرَكُ يومين، ثم يُثْقَبُ بمسَلَّةٍ، ويُنْظَمُ في خيط قِنَّبٍ، ويُترَكُ سنةً، وكلما عَتُقَ طابت رائحتُه. (المُطَيَّبِ عند الإحرام) أي عند إرادته، (فإذا عَرِقَتْ (٢) إحدانا سال) هذا السُّك المطيب مع العرق (على وجهها فيراه النبي - ﷺ - فلا ينهاها).\nوهذا الحديث يدل على أن بقاءَ الطيب واستدامتَه (٣) بعد استعماله عند الإحرام لا يضر، فإن سكوته - ﷺ - على ذلك يدل على الجواز، وهو قول الجمهور، وذهب ابن عمر ومالك ومحمد بن الحسن والزهري وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز التطيب عند الإحرام بحيث يبقى أثره بعد الإحرام.\n١٨٣١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق قال: ذكرت لابن شهاب) أي قطعَ الخفين للمرأة المحرمة (فقال) ابن شهاب: (حدثني سالم بن عبد الله: أن عبد الله - يعني ابنَ عمر- كان يصنع ذلك، يعني يقطع الخفين) أي يحكم بقطع الخفين (للمرأة المحرمة) بناء على إطلاق النهي للرجال والنساء عن لبس الخفين إلَّا بقطعهما.\n_________\n(١) في نسخة: \"فلا ينهانا\".\n(٢) قال في \"البحر الرائق\" (٣/ ٤): لو تطيب قبل الإحرام، ثم انتقل إلى موضع آخر فلا شيء عليه. (ش).\n(٣) وبه جزم ابن القيم. [انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٤٢، ٢٤٣)]. (ش).","vol":"7","page":197},{"text":"ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِى عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - حَدَّثَتْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ كَانَ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِى الْخُفَّيْنِ فَتَرَكَ ذَلِكَ\". (١). [حم ٢/ ٢٩، خزيمة ٢٦٨٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>(٣١) بَابُ الْمُحْرِمِ يَحْمِلُ السِّلَاح</span>\n١٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: \"لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا إلَّا بِجُلْبَّانِ السِّلَاحِ،\n===\n(ثم حدثته) زوجتُه (صفيةُ بنت أبي عبيد أن عائشة - ﵂ - حدثتها: أن رسول الله - ﷺ - قد كان رخص للنساء في الخفين)، أي في لبسهما من غير قطع، (فترك) عبد الله بن عمر (ذلك) أي الحكم بقطع الخفين للمرأة المحرمة.\n\n(٣١) (بَابُ الْمُحْرِمِ يَحْمِلُ (٢) السِّلَاحَ)، أي يجوز له أن يحمل السلاح\n١٨٣٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: لما صالح رسول الله - ﷺ - أهل) مكة في (الحديبة صالحهم على) شرط (أن لا يَدْخلوها) أي مكة (إلَّا بجلبان السلاح) بضم جيم وسكون لام، شبه الجراب من الأدم يُوضَع فيه السيف مغمودًا، ويُطرَحُ فيه السوط والأداة، ويعلَّق في آخرة الكور، وروي بضم جيم ولام وشدة باء، وسمي به لخفائه كأنهم شرطوا أن لا يجردوا السلاح.\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) ذكر في \"حاشة أبي داود\" (المطبوعة بالهند) عن ابن بطال: أجازه الشافعي ومالك وكرهه الحسن، وترجم البخاري في صحيحه \"باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم\"، وذكر فيه عن ابن عمر أنه قال: لم يكن السلاح يدخل في الحرم. وحمل السلاح في المشاهد التي لا تحتاج إلى الحرب مكروه. (ش).","vol":"7","page":198},{"text":"فَسَأَلْتُهُ: مَا جُلْبَّانُ السِّلَاحِ؟ قَالَ: الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ\". [خ ٢٦٩٨، م ١٧٨٣، السنن الكبرى للنسائي ٨٥٧٧، حم ٤/ ٢٩١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>(٣٢) بابٌ: في الْمُحْرِمَةِ تُغَطِّي وَجْهَهَا</span>\n١٨٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ (١) محرمات مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا\n===\n(فسألته) لم أر أحدًا ذَكَرَ السائلَ والمسؤول منهما، والذي أظن أن السائل شعبة، أي: فسألت أبا إسحاق (ما) معنى قوله: (جلبان السلاح؟ قال) أبو إسحاق: (القراب بما فيه) أي مع ما فيه.\n\n(٣٢) (بابٌ: في الْمُحْرِمَةِ (٢) تُغطِّي وَجْهَهَا)\nهل يجوز لها ذلك؟\n١٨٣٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، نا يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عائشة - ﵂ - قالت: كان الركبان) جمع راكب (يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله - ﷺ -، فإذا حاذوا بنا)، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا بالحاء المهملة، والذال المعجمة بعد الألف، وبالباء الجارة الداخلة على ضمير الجمع المتكلم.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): قوله: \"فإذا حاذوا بنا\": في نُسَخ المصنف\n_________\n(١) في نسخة: \"ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات\".\n(٢) بَوَّب بالمرأة لأن المحرم يجوز له عندهم تغطية الوجه خلافًا للحنفية والمالكية، كما سيأتي في \"باب كبف يصنع بالمحرم إذا مات؟ \"، وأما المرأة فيجب عليها كشف وجهها للإحرام إجماعًا، نعم عند حضور الأجانب يجوز لها السدل على وجهها عند أحمد مطلقًا، وعند الجمهور متجافيًا عن الوجه. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٤٨).","vol":"7","page":199},{"text":"سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا إِلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا (١) كَشَفْنَاهُ\". [جه ٢٩٣٥، حم ٦/ ٣٠، خزيمة ٢٦٩١]\n===\nهكذا: \"فإذا حاذوا بنا\"، ولفظ أبي داود: \"فإذا جازوا بنا\" بالزاي مكان الذال، وفي \"التلخيص\" وغيره: \"فإذا حاذونا\"، انتهى.\nقلت: لعل النسخة التي عند الشوكاني فيها كما قاله، وما رأيناه في شيء من النسخ، معناه فإذا جاؤوا في محاذاتنا بحيث يحتمل أن يقع نظرهم علينا (سدلت إحدانا) أي علَّقت وأرسلت (جلبابَها) أي ملحفتها (من رأسها على وجهها) لئلا يقع نظرهم علينا (فإذا جاوزونا) وفي نسخة على الحاشية: جازونا (كشفناه) أي أزلنا الجلباب عن وجوهنا.\nقال الشوكاني: تمسك به أحمد، فقال: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق رأسها، واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا إحتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها، لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها، فلم يحرم عليها ستره مطلقًا كالعورة، لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافيًا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم، وظاهر الحديث خلافهم؛ لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافي شرطًا لبيَّنه - ﷺ -، انتهى.\nقال في \"اللباب\" و\"شرحه\" (٢): وتغطي رأسها أي لا وجهها، إلَّا [أنها] إن غطت وجهها بشيء متجافٍ جاز، وفي \"النهاية\": إن سدل الشيء على وجهها واجب عليها، وفي \"الفتح\" قالوا: والمستحب أن تسدل على وجهها شيئًا وتجافيه، انتهى.\nقلت: قول الشوكاني: فلو كان التجافي شرطًا لبيَّنه - ﷺ -، وقع منه من غير\n_________\n(١) في نسخة: \"جازونا\".\n(٢) انظر: \"شرح القاري على اللباب\" (ص ١١٥).","vol":"7","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>(٣٣) بَابٌ: في الْمُحْرِمِ يُظَلَّلُ</span>\n١٨٣٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ\n===\nرؤية وتدبر؛ فإنه - ﷺ - نهى المرأة عن الانتقاب، وقال: \"ولا تنتقب المرأة المحرمة\"، فلما تعارضت الروايتان جمعنا بينهما بأنها لا تنتقب متصلًا بوجهها، وتسدل متجافيًا عنها، فتكون كالرجل المستظل بالبيت وبالشمسية.\nوأما قوله: لأن الثوب المذكور لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، كلام سخيف؛ فإنه ليس بمحال ولا مشكل خصوصًا في قليل من الزمان عند مرور الرجال، وروى البيهقي (١) والدارقطني في حديث ابن عمر - ﵁ - مرفوعًا: \"أن إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها\"، فلو جاز لها أن تغطي وجهها لَلَغَى حديثُ النهي عن الانتقاب وهذا الحديثُ، فجمعنا بينهما وعملنا بهما.\n\n(٣٣) (بَابٌ: في الْمُحْرِمِ يُظَلَّلُ)، هل يجوز له ذلك؟\n١٨٣٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد بن سماك بن رستم الحراني، خال محمد بن سلمة، (عن زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن حصين) الأحمسي البجلي، قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: وقال العجلي: كوفي ثقة.\n(عن) جدته (أم الحصين) بنت إسحاق الأحمسية، وحكى الحافظ في \"الإصابة\" (٢) عن أبي عمر: أنه سمَّى أباها إسحاق، وقال: لم أره لغيره،\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٥/ ٤٧)، و\"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢٩٤).\n(٢) انظر: \"الإصابة\" (٤/ ٤٢٤).","vol":"7","page":201},{"text":"حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: \"حَجَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ (١) -ﷺ- حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِىِّ (٢) -ﷺ-، وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْترُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ\". [م ١٢٩٨، حم ٦/ ٤٠٢]\n===\nشهدتْ خطبةَ حجة الوداع، وروتها عن النبي - ﷺ - وغير ذلك، وعنها ابن ابنها يحيى بن الحصين، والعيزار بن حريث.\n(حدثته قالت: حججنا مع النبي - ﷺ - حجة الوداع) وإنما سمي حجه حجة الوداع؛ لأنه - ﷺ - ودَّع الناس فيها، وأوصاهم، وعلَّمهم أمرَ دينهم، ولم يحج بعد الهجرة غيرَها، وعلم أنه لا يتفق له بعد هذا وقفة أخرى، ولا اجتماع له آخر مثله.\n(فرأيت أسامة) بن زيد (وبلالًا، وأحدهما آخذ بخطام) أي زمام (ناقة النبي - ﷺ -، والآخر رافع ثوبه) على رأسه، ووقع في رواية النسائي (٣) من حديث عمرو بن هشام قال: ثنا محمد بن سلمة بهذا السند: قالت: حججت في حجة النبي - ﷺ - فرأيت بلالًا يقول بخطام راحلته، وأسامةَ بن زيد رافع عليه ثوبه.\n(يستره من الحر) أي الشمس كما في مسلم (حتى رمى جمرة العقبة) أي الجمرة التي عند العقبة، وهي الجمرة الأولى من جانب مكة والكبرى، قال الشوكاني (٤): فيه جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب محمل وغيره، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقال مالك وأحمد: لا يجوز، والحديث يرد عليهما، وأجاب عنه بعض أصحاب مالك بأن هذا المقدار لا يكاد يدوم، فهو كما أجاز مالك للمحرم بأن يستظل بيده، فإن فعل لزمته الفدية عند مالك وأحمد (٥)، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقفٍ جاز.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) \"سنن النسائي\" (٣٠٦٠).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٥٠ - ٣٥١).\n(٥) وذكر ابن القيم (٢/ ٢٤٣، ٢٤٤) فيه ثلاث روايات لأحمد، وفيه تفصيل عند المالكية، كما في \"الدردير\" [انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٢٨٦)]. (ش).","vol":"7","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>(٣٤) بَابُ الْمُحْرِمِ يَحْتَجِمُ</span>؟\n١٨٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ\". [خ ١٨٣٥، م ١٢٠٢، ن ٢٨٤٥، ت ٨٣٩، حم ١/ ٢٢١]\n===\nوقد احتج مالك وأحمد على منع التظلل بما رواه البيهقي (١) بإسناد صحيح عن ابن عمر: \"أنه أبصر رجلًا على بعيره وهو محرم، قد استظل بينه وبين الشمس، فقال: أَضِحْ لمن أحرمتَ له\".\nوبما أخرجه البيهقي أيضًا بإسناد ضعيف عن جابر مرفوعًا: \"ما من محرم يضحي للشمس حتى تغرب إلَّا غربت بذنوبه، حتى يعود كما ولدته أمه\".\nويجاب بأن قول ابن عمر - ﵁ - لا حجة فيه، وبأن حديث جابر مع كونه ضعيفًا لا يدل على المطلوب، وهو المنع من التظلل ووجوب الكشف؛ لأن غاية ما فيه أنه أفضل، على أنه يبعد منه - ﷺ - أن يفعل المفضولَ ويدع الأفضل مقام التبليغ.\nقلت: هذا ليس ببعيد؛ لأنه - ﷺ - فعل بعض الأفعال المفضولة لبيان الجواز وتيسيرًا على الأمة، وقد أخرج هذا الحديث مسلم من طريق معقل عن زيد بن أبي أنيسة بهذا السند: قال: سمعتُها تقول: حججت مع رسول الله - ﷺ - حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف، وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة، أحدهما يقول براحلته، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله - ﷺ - من الشمس، قالت: فقال رسول الله - ﷺ - قولًا كثيرًا، الحديث.\n\n(٣٤) (بَابُ الْمُحْرِمِ) هل (يَحْتَجمُ؟)\n١٨٣٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وطاوس، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - احتجم (٢) وهو محرم).\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٧٠).\n(٢) والاحتجام في الرأس كان في حجة الوداع بموضع يقال له: لَحْيَي جمل، والاحتجام =","vol":"7","page":203},{"text":"١٨٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِى رَأْسِهِ مِنْ دَاءٍ كَانَ بِهِ\". [خ ٥٧٠٠، م ١٢٠٢]\n===\nقال العيني (١): دل الحديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقًا، وبه قال عطاء ومسروق وإبراهيم وطاوس والشعبي والثوري وأبو حنيفة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وأخذوا بظاهر هذا الحديث، وقالوا: ما لم يقطع الشعر.\nوقال قوم: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة، وروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال مالك، وحجة هذا القول أن بعض الرواة يقول: \"إن النبي - ﷺ - احتجم لضرر كان به\"، ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعر رأسه (٢) حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر إلا من ضرورة، وأنه إن حلقه من ضرورة فعليه الفدية التي قضى بها رسول الله - ﷺ - على كعب بن عجرة، فإن لم يحلق المحتجم شعرًا فهو كالعرق يقطعه، أو الدمل يبطه، أو القرحة ينكأها، ولا يضره ذلك، ولا شيء عليه عند جماعة العلماء. وعند الحسن البصري: عليه الفدية.\nقال عبد الملك في \"المبسوط\": شعر الرأس والجسد سواء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أهل الظاهر: لا فدية عليه إلا أن يحلق رأسه، انتهى.\n١٨٣٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، أنا هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - احتجم وهو محرم في رأسه) متعلق باحتجم (من) أجلية، أي بسببِ (داءٍ كان به) - ﷺ -، أو بالرأس.\n_________\n= في القدم كان بموضع مَلَلٍ في حجة أو عمرة، كذا في \"الأوجز\" [انظر: \"الأوجز\" (٧/ ٥١، ٥٢)]. (ش).\n(١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥١٩ - ٥٢٠).\n(٢) وعند الحنابلة في الشعر تفصيل، كما في \"المغني\" والاحتجام مباح. [انظر: \"المغني\" (٥/ ١٢٦، ١٢٧)]. (ش).","vol":"7","page":204},{"text":"١٨٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ\" (١). [ن ٢٨٤٩، حم ٣/ ١٦٤]\n\n(٣٥) بَابٌ (٢): يَكْتَحِلُ الْمُحْرِمُ؟\n١٨٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: \"اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ عَيْنَيْهِ\n===\n١٨٣٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به) ولعل (٣) هذه قصة أخرى غير الواقعة التي في رواية ابن عباس وعبد الله بن بحينة.\n\n(٣٥) (بَابٌ): هل (يَكْتَحِلُ المحْرِمُ؟)\n١٨٣٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن نبيه) بالتصغير (ابن وهب) بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، المدني، قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: ليس به بأس، وكان ثقة قليل الحديث، أحاديثه حِسان. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وحكى ابن عبد البر عن ابن معين: ثقة.\n(قال: اشتكى عمر بن عبيد الله (٤) بن معمر عَيْنَيه) أي رمدَ عينيه،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: سمعت أحمد قال: ابن أبي عروبة أرسله، يعني: عن قتادة\".\n(٢) في نسخة: \"باب المحرم يكتحل\".\n(٣) بل هو المتعين كما أشار إليه الحافظ (٤/ ٥٠)، وفي \"الأوجز\": يدل عليه أن قصة أنس بموضع مَلَل كما هو مصرَّح في حديث الشمائل، والاحتجام في حديث جابر غير هذين، كما سيأتي في آخر \"السنن\" [انظر: \"الأوجز\" (٧/ ٥٢)]. (ش).\n(٤) بسطت ترجمته في \"التعجيل\" برقم (٧٧١)، وذكرت في \"الأوجز\" مختصرًا (٧/ ٤٢). (ش).","vol":"7","page":205},{"text":"فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ - قَالَ سُفْيَانُ: وَهُوَ أَمِيرُ الْمَوْسِمِ -، مَا يَصْنَعُ بِهِمَا؟ قَالَ: أضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ، فَإِنِّى سَمِعْتُ عُثْمَانَ يُحَدِّثُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\". [م ١٢٠٤، ت ٩٥٢، ن ٢٧١١، حم ١/ ٦٨، خزيمة ٢٦٥٤، ق ٥/ ٦٢]\n١٨٣٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ (١). [حم ١/ ٥٩ - ٦٠ وانظر سابقه]\n===\n(فأرسل) أي عمر بن عبيد الله (إلى أبان بن عثمان) بن عفان الأموي، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله. قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أعلم بحديث ولا فقه منه، وعدَّه يحيى القطان في فقهاء المدينة. وقال العجلي: ثقة، من كبار التابعين. وقال ابن سعد: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال سفيان: وهو) أي أبان بن عثمان (أمير الموسم) أي الحج يسأله (ما يصنع بهما) أي بعينيه؟ (قال) أبان: (أضمِدْهما) ولو (بالصبر) قال في \"القاموس\": والصَّبِر ككَتِف ولا يسكن إلَّا في ضرورة الشعر: عصارة شجر مُرٍّ؛ (فإني سمعت عثمان يحدث ذلك عن رسول الله - ﷺ -).\n١٨٣٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن نُبيه بن وهب بهذا الحديث) المتقدم، أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث بهذا السند في \"مسنده\" (٢)، ولكن لم أَدْرِ أن أيوب المذكور في هذا السند هل هو أيوب السختياني أو أيوب بن موسى المذكور في السند المتقدم؟ (٣) روى عن نبيه بن وهب في السند المقدم بلا واسطة، وهنا بالواسطة، وكذا نافع هل هو مولى ابن عمر أو ابن عاصم؟ .\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بإسناده\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (١/ ٥٩، ٦٠، ٦٥، ٦٨).\n(٣) قلت: صرَّح المزي بأنه أيوب السختياني. انظر: \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٥٣٢) رقم (٩٧٧٧).","vol":"7","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>(٣٦) بَابُ الْمُحْرِمِ يَغْتَسِلُ</span>؟\n١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ،\n===\nومذهب الحنفية في الاكتحال أنه لا بأس به إن لم يكن في الكحل طيب، ولا شيء عليه من الدم والصدقة، ولو من غير عذر، لكن الأولى تركه لما فيه من الزينة إلَّا إذا كان عن ضرورة.\nوأما إذا كان الكحل مطيبًا، فإن اكحتل به فإن كان ثلاث مرات فعليه دم، وإن كان مرة أو مرتين فعليه صدقة.\nوأما عند الشافعية فقال في شرح الخطيب المسمى \"بالإقناع\" (١) و\"حاشيته\": ولا يكره غسل بدنه ورأسه بخطمي ونحوه كسدر، من غير نتف شعر؛ لأن ذلك لإزالة الوسخ لا للتزيين والتنمية، لكن الأولى تركه، وترك الاكتحال الذي لا طيب فيه، قال المحشي: أما ما فيه طيب فحرام، انتهى.\n\n(٣٦) (بَابُ الْمُحْرِمِ) هل (يَغْتَسِلُ؟) (٢)\n١٨٤٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين) الهاشمي مولاهم، المدني، أبو إسحاق، قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال النسائي: ثقة. قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\". كذا في جميع الموطآت عن زيد بن أسلم عن إبراهيم،\n_________\n(١) \"شرح الإقناع\" (١/ ٢٢٤).\n(٢) أجمعوا على أن له الغسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وأجازه الجمهور، وحكي عن مالك كراهته، وحكي كراهة غسل الرأس، وعللت الكراهة بقتل الدواب أو تغطية الرأس \"الأوجز\" (٦/ ٣٤٧، ٣٤٨). واختلفوا في الاغتسال بماء وسدر، كما سيأتي في هامش \"باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات؟ \". (ش).","vol":"7","page":207},{"text":"عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ\n===\nوأغرب يحيى بن يحيى الأندلسي، فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعًا، قال ابن عبد البر (١): وذلك معدود من خطئه.\n(عن أبيه) وهو عبد الله بن حنين الهاشمي مولى العباس، ويقال: مولى علي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، والمشهور أن حنينًا كان مولى للعباس، وهبه له النبي - ﷺ - فأولاده موالٍ له (أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا) (٢) في الغسل للمحرم رأسه (بالأبواء) بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة، سميت بها لتبوأ السيول بها، وقيل: لأنهم تبوأوا بها منزلًا، وهي قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، وقيل: الأبواء جبل على يمين آرة ويمين الطريق للمصعد إلى مكة من المدينة، وقد جاء ذكره في حديث الصعب بن جثامة وغيره.\nوبالأبواء قبر آمنة بنت وهب أمِّ النبي - ﷺ -. وكان السبب في دفنها هناك أن عبد الله والد رسول الله - ﷺ - كان قد خرج إلى المدينة يمتار تمرًا، فمات بالمدينة، فكانت زوجته آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة تخرج في كل عام إلى المدينة تزور قبره، فلما أتى على رسول الله - ﷺ - ست سنين خرجت زائرة لقبره، ومعها عبد المطلب وأم أيمن حاضنة رسول الله - ﷺ -. فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة ماتت بها، ويقال: إن أبا طالب زار أخواله بني النجار بالمدينة، وحمل معه آمنة أم رسول الله - ﷺ -، فلما رجع منصرفًا إلى مكة ماتت آمنة بالأبواء.\n(فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" (١١/ ١٥).\n(٢) قال الباجي: اختلافهما يحتمل المذاكرة في العلم، ويحتمل أنه فعل أحدهما وأنكره الآخر، قال الأبي: والظن بهما أنهما لا يختلفان إلا ولكل منهما مستند، فمستند المسور الاجتهاد، ولذا رجع عنه. [انظر: \"المنتقى\" (٢/ ١٩٣)]. (ش).","vol":"7","page":208},{"text":"رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِى إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ (١) حَتَّى بَدَا لِى رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اُصْبُبْ، قَالَ: فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ أَبُو أَيُّوبَ رَأْسَهُ\n===\nرأسه، فأرسله) أي عبد الله بنَ حنين (عبدُ الله بنُ عباس إلى أبي أيوب الأنصاري) يسأله عن غسل المحرم رأسه، ولعله عنده علم من رسول الله - ﷺ - أو لعله سمعه منه قبل ذلك.\n(فوجده) أي وجد عبد الله بن حنين أبا أيوب (يغتسل بين القرنين) أي بين قرني البئر، وهما العودان، أي العمودان المنتصبان لأجل عود البكرة (وهو يستر بثوب قال: فسلمت (٢) عليه، فقال: من هذا؟ قلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبدُ الله بن عباس أسألك) أي: لأسألك كيف (٣) كان رسول الله - ﷺ - يغسل رأسه وهو محرم؟ قال) عبد الله بن حنين: (فوضع أبو أيوب يده على الثوب) الذي يستره (فطأطأه) أي خفضه وأزاله عن رأسه (حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان) لم أقف على تسميته (يصب (٤) عليه) الماء: (اصبب، قال) عبد الله بن حنين: (فصب) الماء (على رأسه، ثم حرك أبو أيوب رأسَه) أي شعر\n_________\n(١) في نسخة: \"وطأطأه\".\n(٢) فيه السلام على المتطهر، وتُعقِّب بأنه لم يَرُدَّ ﵇ لفاء التعقيب في قوله: \"فقال: من هذا؟ \"، ووجه بأنه لم يذكره لظهوره، كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]، أي: فضرب فانفجرت. \"الأوجز\" (٦/ ٣٥٢). (ش).\n(٣) اختلفا في الغسل، وهو سأل عن الكيفية، فقيل: اختلافهما كان في ذلك لا في نفس الغسل، إذ يبعد بل لا يمكن أن يقول المسور: إنه لا يغتسل جنبًا، وقال الحافظ: لعله تصرَّف في السؤال، لأنه فهم جواز الغسل إذ رأى أبا أيوب يغتسل، فأراد أن لا يرجع إلا بفائدة. \"الأوجز\" (٦/ ٣٥٣).\n(٤) فيه الاستعانة في الطهارة، تقدَّم الكلام عليه في كتاب الطهارة. (ش).","vol":"7","page":209},{"text":"بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ (١) \". [خ ١٨٤٠، م ١٢٠٥، ن ٢٦٦٥، ط ١/ ٣٢٣، ق ٥/ ٦٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>(٣٧) بَابُ الْمُحْرِمِ يَتَزَوَّج</span>؟\n١٨٤١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ أَخِى بَنِى عَبْدِ الدَّارِ: \"أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ\n===\nرأسه (بيديه، فأقبل بهما وأدبر) وفيه جواز تحريك شعر المحرم بيده إذا أمن تناثره (ثم قال) أبو أيوب: (هكذا رأيته) - ﷺ - (يفعل) وزاد ابن عيينة: فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا.\nقال العيني (٢): وقد اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه، فذهب أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق إلى أنه لا بأس بذلك. وردت الرخصة بذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وجابر وعليه الجمهور، وحجتهم حديث الباب، وكان مالك يكره ذلك للمحرم، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من احتلام.\nومطابقة الحديث بالباب بأنه لما جاز غسل الرأس وهو موضع الإشكال في هذه المسألة؛ لأنها محل الشعر الذي يخشى انتتافه، فغسل بقية البدن أولى بالجواز.\n\n(٣٧) (بَابُ الْمُحْرِمِ) هل (يَتَزَوَّجُ؟)\n١٨٤١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب أخي بني عبد الدار: أن عمر بن عبيد الله أرسل) إنسانًا (٣) (إلى أبان بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"- ﷺ -\".\n(٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٣٢).\n(٣) وهو نبيه الراوي، كما في رواية مسلم. (ش).","vol":"7","page":210},{"text":"عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ يَسْأَلُهُ وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ وَهُمَا مُحْرِمَانِ: إِنِّى أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ ابْنَةَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ، فَأَرَدْتُ (١) أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ، وَقَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ أَبِى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ». [م ١٤٠٩،\nت ٨٤٠، جه ١٩٦٦، حم ١/ ٥٧، خزيمة ٢٦٤٩، قط ٣/ ٢٦٠، ق ٥/ ٦٥]\n===\nعثمان بن عفان يسأله) عن تزويج المحرم، (وأبان يومئذ أمير الحاج وهما) أي: عمر بن عبيد الله وأبان بن عثمان (محرمان: إني أردت أن أُنْكِحَ طلحةَ بن عمر ابنةَ شيبة بن جبير (٢)، فأردت أن تحضر ذلك) فهل يجوز لنا ذلك؟ (فأنكر ذلك) أي التزويجَ في حالة الإحرام (عليه) أي على عمر بن عبيد الله (أبان، وقال) أبان: (إني سمعت أبي عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا يَنْكِح المحرم) بفتح الياء وكسرِ الكاف وتحريكِ الحاء بالكسر على الأصح من النسخ، من: نَكَحَ، أي لا يَتزوج لنفسه امرأة (ولا ينكح) بضم الياء وكسر الكاف مجزومًا، أي لا يزوِّج الرجلُ امرأةً إما بالولاية أو بالوكالة، من: أنكح.\n(ولا يخطب) بضم الطاء من الخطبة بكسر الخاء، أي لا يطلب امرأة لنكاح، وروى الكلمات الثلاث بالنفي والنهي، وذكر الخطابي (٣) أنها على صيغة النهي أصح على أن النفي بمعنى النهي أيضًا، بل أبلغ، والأولان للتحريم، والثالث للتنزيه عند الشافعي، فلا يصح نكاح المحرم ولا إنكاحه عنده، والكل للتنزيه عند أبي حنيفة ﵀، قاله القاري (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"وأردت\".\n(٢) حكى النووي عن أبي داود أنه قال: وهم فيه مالك، والصواب ابنة شيبة بن عثمان كما في رواية مسلم وغيره، ثم حكى عن العياض: أنهما صحيحان؛ فإنها بنت شيبة بن جبير بن عثمان، نسبه بعضهم إلى جده. [انظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٢١١)]. (ش).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ١٨٢).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٦٩).","vol":"7","page":211},{"text":"١٨٤٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ مَطَرٍ وَيَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرَ مِثْلَهُ. زَادَ: «وَلَا يَخْطُبُ». [م ١٤٠٩، ن ٣٢٧٥]\n===\n١٨٤٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، أن محمد بن جعفر حدثهم، نا سعيد) بن أبي عروبة، (عن مطر ويعلي بن حكيم) الثقفي مولاهم، المكي، سكن البصرة، وكان صديقًا لأيوب، قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث. وقال ابن خراش: كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان أن رسول الله - ﷺ - ذكر) قتيبة أو كل واحد من مطر ويعلى (مثله) أي مثل الحديث المتقدم.\n(زاد) قتيبة أو كل واحد من مطر ويعلى: (ولا يخطب) (١)، وقد أخرج البيهقي (٢) هذا الحديث من طريق القعنبي فيما قرأ على مالك، عن نافع بهذا السند، ولفظه: \"لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكِح، ولا يخطب\".\nوكذلك أخرج مسلم هذا الحديث في \"صحيحه\" من طريق يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع بهذه الزيادة، وفيه أيضًا: \"ولا يخطب\".\nفسياق كلام أبي داود المؤلف يدل على أن رواية القعنبي، عن مالك، عن نافع ليس فيه لفظ: \"ولا يخطب\"، وسياق البيهقي يدل على أن في رواية القعنبي، عن مالك، عن نافع: \"ولا يخطب\"، ويؤيد البيهقي رواية مسلم؛ فإن في رواية يحيى بن يحيى عن مالك \"ولا يخطب\"، فليتأمل.\n_________\n(١) لم يقل أحد ببطلان النكاح بالخطبة في حال الإحرام، كما في \"الأوجز\" (٧/ ٤٥). (ش).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٦٥).","vol":"7","page":212},{"text":"١٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ ابْنِ أَخِى مَيْمُونَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: \"تَزَوَّجَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ\". [م ١٤١١، ت ٨٤٥، دي ١٨٢٤، جه ١٩٦٤، حم ٦/ ٣٣٢]\n===\n١٨٤٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حبيب بن الشهيد) الجزري، أبو أيوب الرقي، الفقيه، نشأ بالكوفة، ثم نزل الرقة، كان على خراج الجزيرة وقضائها لعمر بن عبد العزيز، ثقة فقيه وكان يرسل، (عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم ابنِ أخي ميمونة) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، والصواب: ابن أخت ميمونة (عن ميمونة قالت: تزوجني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان بسرف).\nواختلف العلماء في نكاح المُحْرِم، هل يجوز أو لا يجوز؟ فقال سعيد بن المسيب وسالم والقاسم وسليمان بن يسار والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز للمحرم أن يَنْكِحَ ولا يُنْكِحَ غيره، فإن فعل ذلك فالنكاح باطل، وهو قول عمر وعلي - ﵄ -.\nوقال إبراهيم النخعي والثوري وعطاء بن أبي رباح والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان وعكرمة ومسروق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد قالوا: لا بأس بالمحرم أن ينكح ولكنه لا يدخل بها حتى يحل، وهو قول ابن عباس وابن مسعود - ﵄ -، وتحقيق هذه المسألة موقوف على نكاح ميمونة - ﵂ - نكحها رسول الله - ﷺ - وهو حلال أو نكحها وهو محرم؟ فرجح الفريقان ما يوافقهما.\nواستدل الأولون بحديث أبي رافع (١): \"تزوجها حلالًا، وكنت الرسولَ بينهما\"، وقالوا: قول أبي رافع أرجح على قول ابن عباس: \"تزوجها محرمًا\" لعدة أوجه:\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٥/ ٦٦).","vol":"7","page":213},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحدها: أن أبا رافع إذ ذاك كان رجلًا بالغًا، وابن عباس لم يكن حينئذ ممن بلغ الحلم، بل كان له نحو العشرة سنين، فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه.\nالثاني: أنه كان الرسولَ بين رسول الله - ﷺ - وبينها، وعلى يده دار الحديث، فهو أعلم منه بلا شك.\nالثالث: أن ابن عباس لم يكن معه في تلك العمرة، فإنها كانت عمرة القضية، وكان ابن عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين أعذرهم الله من الولدان، وإنما سمع القصة من غير حضور لها.\nالرابع: أنه - ﷺ - حين دخل مكة بدأ بالطواف بالبيت، ثم سعى بين الصفا والمروة وحلق ثم حل، ومن المعلوم أنه لم يتزوج بها، ولا بدأ بالتزوج قبل الطواف بالبيت، ولا تزوج في حال طوافه، هذا من المعلوم أنه لم يقع، فصحَّ قول أبي رافع.\nالخامس: أن الصحابة - ﵃ - غلَّطوا ابنَ عباس، ولم يغلِّطوا أبا رافع.\nالسادس: أن قول أبي رافع موافق لنهي النبي - ﷺ - عن نكاح المحرم، وقول ابن عباس يخالفه، وهو مستلزم لأحد أمرين إما نسخه، وإما تخصيص النبي - ﷺ - بجواز النكاح محرمًا، وكلا الأمرين مخالف للأصل، ليس عليه دليل فلا يُقبَل.\nالسابع: أن ابن أختها يزيد بن الأصم شهد أن رسول الله - ﷺ - تزوجها حلالًا، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس، ذكرها ابن القيم في \"الهدي\" (١).\nقلت: وكل واحد من وجوه الترجيح مردود.\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (٥/ ١١٢، ١١٣).","vol":"7","page":214},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأما الأول: فلأن هذا القول في ترجيح حفظ أبي رافع على حفظ ابن عباس لم يقل به أحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين، ولا يساعده رواية ولا دارية؛ فإن الحفظ أمر فطري لا دخل فيه لكبر العمر ولا لصغره، ألا ترى أن مرتبة البخاري في حفظه في الصغر، هل يدانيه أحد غيره في كبره؟ فما لابن عباس من العلم والفقه والحفظ والإتقان مع صغره لا يُدانيه أبو رافع، وإن كان في الصحة سواء.\nألا ترى أن عبد الرحمن بن عوف لما اعترض على عمر بن الخطاب بأنه كان يدنيه في مجلسه مع الأشياخ، وقال: وكيف تدنيه ولنا أبناء مثله؟ فأجاب: إنكم تعلمون ما مرتبته في العلم والفقه، ثم سألهم عن معنى قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فسكتوا، وأجاب ابن عباس بأن المراد أجل رسول الله - ﷺ -، وقد حدث بهذا الحديث في حال كبره، ولم يعتريه شك وشبهة. فروى عنه أصحابه المتقنون إلى أن أخرجه الستة (١) في كتبهم، فكيف يرجح قول أبي رافع على قول ابن عباس؟ !\nوأما الثاني: سلَّمنا أن أبا رافع كان الرسولَ بين رسول الله - ﷺ - وبينها، وعلى يده دار حديث الخطبة والرسالة، ولكن لا نسلِّم أنه أعلم من ابن عباس؛ فإن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع إلى مكة ليخطبها له، ففوَّضتْ أمرَها إلى أختها أم الفضل زوجةِ عباس بن عبد المطلب، وفَوَّضَتْ أمُّ الفضل أمرَها إلى زوجها عباس بن عبد المطلب، فلم يكن أبا رافع إلا أنه بلَّغ رسالة الخطبة، ولم يكن له دخل في النكاح، ولا نعلم في رواية أنه باشر النكاح، أو كان حاضرًا في مجلس النكاح، بل باشر النكاحَ عباسُ بن عبد المطلب - ﵁ -، ولهذا نستدل بأن ابن عباس أعلم بحال النكاح؛ فإنه ابنه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٢٥٨)، ومسلم (١٤١٠)، وأبو داود (١٨٤٤)، والترمذي (٨٤٤)، والنسائي (٢٨٣٧)، وابن ماجه (١٩٦٥)، وأحمد (١/ ٢٢١)، والدارمي (١٨٢٩).","vol":"7","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما الثالث: فلا نسلم أن ابن عباس - ﵁ - لم يكن معه - ﷺ - في تلك العمرة، ولا رأيناه في رواية أنه لم يكن معه - ﷺ - في عمرة القضاء، ولو سُلِّم فإنه إنما سمع القصة مع غير حضور منه لها من العارفين بالقصة حتى تيقين به، وبلَّغها أصحابه المتقنين.\nوأما الرابع: فإنه حقيق بأن يضحك عليه الصبيان، وقد ثبت في الروايات: أن رسول الله - ﷺ - تزوجها في طريق مكة، حتى إنه وقع في حديث يزيد بن الأصم: أنه تزوجها بسرف. وقد أخرج النسائي في \"مجتباه\" (١) بسنده عن ابن عباس قال: تزوج رسول الله - ﷺ - ميمونة بنت الحارث وهو محرم، وفي حديث يعلى: بسرف.\nقلت: ويعلى ثقة، فاتفق الفريقان على أن التزوج وقع في سرف فكيف يقال: صح قول أبي رافع يقينًا؟\nوأما الخامس: فجوابه أنه غلط محض، لم يغلِّط أحد من الصحابة فيما بلغنا من روايات، ابنَ عباس إلَّا ما روي عن سعيد بن المسيب عند أبي داود وغيره، قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو (٢) محرم. ولو سلِّم فتغليط أحد من الصحابة حديثَ ابن عباس لا يساوي شيئًا، فكيف بتغليط سعيد بن المسيب؟ !\nوأما السادس: فحديث النهي عن نكاح المحرم يحتمل أحد الأمرين: إما أن يكون النهي على التحريم، أو على التنزيه، فعلى الأولى نسلم أنه يوافقه، ولكن لا دليل عليه، وعلى الثاني فلا يوافقه، والدليل عليه قوله: \"ولا يخطب\" فإن الخطبة غير منهي عنه نهي التحريم على الاتفاق، وعلى الاحتمال لا يجوز الاحتجاج به.\nوأما السابع: فسلَّمنا أن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة روى: أن\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٣٢٧١).\n(٢) سيأتي عند المصنف برقم (١٨٤٥).","vol":"7","page":216},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرسول الله - ﷺ - تزوجها حلالًا، وكانت ميمونة خالته، ولكن قوله لا يساوي قولَ ابن عباس - ﵁ -، وقد ردَّه عمرو بن دينار على ابن شهاب الزهري وجرَّحه، أخرج البيهقي في \"سننه\" (١) من طريق الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار قال: قلت: لابن شهاب: أخبرني أبو الشعثاء، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - نكح وهو محرم، فقال ابن شهاب: أخبرني يزيد بن الأصم: أن النبي - ﷺ - نكح ميمونة وهو حلال، وهي خالته، قال: فقلت لابن شهاب: أتجعل أعرابيًا بوالًا على عقبيه إلى ابن عباس - ﵁ - وهي خالة (٢) ابن عباس أيضًا.\nقال الزيلعي: ورجَّح بعضهم بدليل غير الذي قدمنا، وقال: وهو أقواها، هو أنه قد روت ميمونة وهي صاحبة القصة أنها تزوجها رسول الله - ﷺ - وهو حلال، وفي رواية: تزوجني ونحن حلالان بسرف.\nفالجواب عنه أولًا: أن ميمونة - ﵂ - لم تقل لنا بنفسها الشريفة، بل رواها عنها يزيد بن الأصم، وقد تقدم الجواب عنه.\nوثانيًا: أن ميمونة - ﵂ - لم تعقد نكاحها بنفسها، بل فوَّضت أمرَها إلى العباس بن عبد المطلب فأنكحها، ولم تحضرها ميمونة، فكيف يقال بأنها صاحبة القصة، وهي أعلم من الجميع بها؟ فلا تكون روايتها مرجحة، بل معنى قولها: تزوجني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان بسرف، أي: بنى بي.\nوأما وجوه ترجيح حديث ابن عباس على حديث أبي رافع ويزيد بن الأصم فكثيرة، منها: أن ابن عباس في مرتبة من العلم والفقه والإتقان والحفظ\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٦٦).\n(٢) كما بسط في \"تلخيص البذل\"، بل ابن عباس أقرب في ذلك؛ لأنه كما هو ابن أختها كذلك ابن عمه - ﷺ -، وصاحب قرابة الزوجين أعرف بالقصة، كذا في \"حاشية مسند الإِمام أبي حنيفة\". [انظر: \"تنسيق النظام\" (ص ١١٥ - ١١٧)]. (ش).","vol":"7","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلا يدانيه فيها أحد، وقد حكى الزيلعي في \"نصب الراية\" (١) عن ابن حبان، فقال: قال ابن حبان: وليس في [هذه] الأخبار تعارض، ولا أن ابن عباس وهم؛ لأنه أحفظ وأعلم من غيره، انتهى.\nوالثاني: أن حديث ابن عباس اتفق عليه الستة بل أجمع المحدثون على تخريجه وتصحيحه، وحديث يزيد لم يخرجه البخاري ولا النسائي، وكذا حديث أبي رافع لم يخرج في واحد من الصحيحين، ولم يبلغ درجة الصحة، ولذا قال الترمذي فيه: ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد عن مطر.\nوالثالث: أن حديث أبي رافع مختلف في إسناده وانقطاعه، وقد أشار إليه الترمذي في \"صحيحه\" فقال: ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة. وروى مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار: أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو حلال، رواه مالك مرسلًا. ورواه أيضًا سليمان بن بلال، عن ربيعة مرسلًا.\nوكذلك اختُلِفَ في حديث يزيد بن الأصم، فروى بعضهم عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: \"تزوجني رسول الله - ﷺ - وهو حلال\"، وروى بعضهم عن يزيد بن الأصم: \"أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو حلال\" مرسلًا، ولم يذكر عن ميمونة، انتهى.\nثم قال الترمذي (٢) في آخر الباب بعد أن أخرج حديث يزيد بن الأصم بسنده عن ميمونة: \"أن رسول الله - ﷺ - تزوجها وهو حلال، وبنى بها حلالًا، وماتت بسرف، ودفنَّاها في الظُّلَّة التي بني بها فيها\": قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلًا: \"أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو حلال\".\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ١٧٣).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٢٠٣).","vol":"7","page":218},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالرابع: أنه يؤيده حديث عائشة وأبي هريرة، فأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوي (١): حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يعلي بن أسد، قال: ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة - ﵂ - قالت: \"تزوج رسول الله - ﷺ - بعض نسائه وهو محرم\".\nوأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الطحاوي أيضًا: حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن قال: ثنا كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: \"تزوج رسول الله - ﷺ - وهو محرم\".\nوفي الحديثين وإن لم تسم ميمونة - ﵂ - ولكنها متعينة، فإنها لم يثبت أنه ﵇ نكح غيرها محرمًا.\nثم أقول: إن الدارقطني أخرج من طريق ضعيف عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم فسماها فيها، قاله الزيلعي (٢).\nثم قال: قال السهيلي (٣) في \"الروض الأنف\" بعد ذكر حديث عائشة: إنما أرادت نكاح ميمونة ولكنها لم تسمها.\nوقال الشوكاني (٤): قوله: \"تزوج ميمونة وهو محرم\"؛ أجيب عن هذا بأنه مخالف لرواية أكثر الصحابة ولم يروه كذلك إلَّا ابن عباس كما قال عياض، ولكنه متعقَّب بأنه قد صح من رواية عائشة وأبي هريرة نحوه، كما صرح بذلك في \"الفتح\".\nوالخامس: أن حديث ابن عباس مؤيِّد بالقياس، فإنه لو اشترى جارية للوطء، أو باشر عقدًا من العقود الدنيوية يجوز بالاتفاق، فالنكاح أيضًا عقد من العقود الدنيوية والدينية فيجوز مباشرتها أيضًا.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٦٩، ٢٧٠).\n(٢) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ١٧١).\n(٣) في الأصل: \"سهيل\"، وهو خطأ.\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٥٨).","vol":"7","page":219},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالسادس: أن حديث ابن عباس محكم في معناه لا يحتمل تأويلًا قريبًا، وأما حديث أبي رافع ويزيد بن الاْصم فمحتملان؛ لأن فيه تأويلات قريبة، فأما ما أولوا في حديث ابن عباس بأن معنى قوله: \"وهو محرم\" داخل في الحرم، فيبطله لفظ البخاري: \"أنه ﵇ تزوجها وهو محرم، وبنى بها وهو حلال\"، فالتقابل الذي وقع بين قوله: \"تزوجها وهو محرم، وبنى بها وهو حلال\" يدفع هذا التأويل.\nوأما الإشهاد بقول الشاعر:\nقتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا\nردَّه الأصمعي. قال الأصمعي (١) في جواب الرشيد: كل من لم يأت شيئًا يوجب عليه عقوبة فهو محرم، لا يحل منه شيء، وتأويلهم في لفظ التزوج بمعنى ظهر أمر تزويجه وهو محرم، فهو أيضًا غير صحيح، أما أولًا فإنه لم يظهر أمر تزوجه إياها في حالة الإحرام، بل تقولون أنتم لم يروه إلَّا ابن عباس، وحمله سعيد بن المسيب على وهم ابن عباس، فكيف يقال: إنه ظهر أمر التزوج في حالة الإحرام.\nوثانيًا: أنه لم يثبت تزوجه إياها قبل الإحرام، فإن إحرامه - ﷺ - كان بذي\nالحليفة، فهذه التأويلات كلها باطلة.\nوأما التأويلات التي قالوا في حديث أبي رافع ويزيد بن الأصم كلها تأويلات قريبة، فإنه يؤول أولًا بأنه ظهر أمر تزوجها وهو حلال، وثانيًا: يقال: معنى التزوج البناء، أي بني بها وهو حلال، وثالثًا: أن تزوجها بمعنى خطبها، كما يدل عليه ما أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢): أخبرنا يزيد بن هارون، عن عمرو بن ميمون بن مهران: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي: أن سل يزيدَ بنَ الأصم أحَرامًا\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ١٧٢).\n(٢) \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ١٣٣).","vol":"7","page":220},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكان رسول الله - ﷺ - حين تزوج ميمونة أم حلالًا؟ فدعاه أبي فأقرأه الكتاب فقال: خطبها وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وأنا أسمع يزيدَ يقول ذلك.\nوالسابع: أن حديث ابن عباس مثبت لأمر زائد على أصل الحال، وحديث أبي رافع ويزيد بن الأصم نافٍ لها؛ فإن ابن عباس يثبت النكاح في حالة الإحرام (١)، وهو أمر زائد على الحالة الأصلية، وأما أبو رافع ويزيد بن الأصم فمثبتان النكاح في الحالة الأصلية، وينفيان هذه الحالة، وهذا مختص بمن قال: إن النكاح وقع قبل الإحرام.\nقلت: وتنقيح البحث في المسألة موقوف على أن نكاح ميمونة - ﵂ - مع رسول الله - ﷺ - أين وقع؟ واختلفت الروايات فيه، فأخرج ابن سعد (٢): أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: \"تزوجها رسول الله - ﷺ - في شوال وهو حلال عام القضية، وأعرس بها بِسَرِف، وتوفيت بسرف\".\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): وذكر ابن سعد بسند له: أنه تزوجها في شوال سنة سبع، فإن ثبت صح أنه تزوجها وهو حلال؛ لأنه إنما أحرم في ذي القعدة منها.\nقلت: فصحَّته غير متيقن عند الحافظ، وإن سُلِّم فيمكن أن يحمل على معنى أنه أراد تزوجها في شوال، وأرسل أبا رافع والأنصاري لخطبتها وهو الأقرب، فروى مالك (٤) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن\n_________\n(١) كما قاله ابن الهمام (٣/ ٢٢٥) وعلى هذا لا يرد أن أهل الأصول من الحنفية كصاحب \"نور الأنوار\" (ص ٧٣) في بحث تعارض الحديثين، و\"النامي على الحسامي\" وغيرهما أقرّوا بأن حديث ابن عباس نافٍ. (ش).\n(٢) \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ١٣٣).\n(٣) \"الإصابة\" (٤/ ٣٩٨).\n(٤) \"الموطأ\" برقم (١/ ٣٤٨).","vol":"7","page":221},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيسار: \"أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوَّجاه ميمونةَ بنت الحارث، ورسول الله - ﷺ - بالمدينة قبل أن يخرج\"، وهذا مرسل، ومع ذلك يرده ما ثبت أنه فوَّض أمرها إلى العباس وأنكحها.\nفقد قال في \"المعتصر (١) من المختصر لمشكل الآثار للطحاوي\": فإن قيل: أفيخفى عن ميمونة وقت تزويجها؟ قيل له: نعم، لما أن رسول الله - ﷺ - جعل أمرها إلى العباس، فزوجها إياه، فيحتمل أنه ذهب عنها (٢) الوقت الذي عقد عليها عندما فوضتْ إلى العباس أمرَها، فلم تشعر إلَّا في الوقت الذي بني بها فيه، وعلمه ابن عباس لحضوره وغيبتها عنه.\nويرده أيضًا ما رواه أبو داود بسنده عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: \"تزوجني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان بسرف\"، فعلى هذا معنى قوله: \"فزوَّجاه ميمونة\"، أي: فبلغاه رضا ميمونة بتزوجها به بالمدينة.\nوقال الزرقاني (٣) في شرح هذا الحديث: فظاهر قوله: \"فزوجاه\" أنه وكَّلَهما في قَبول النكاح له، لكن روى أحمد والنسائي عن ابن عباس: \"لما خطبها النبي - ﷺ - جعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها النبي - ﷺ -\"، فظاهره أنه قبل النكاح بنفسه، ويقوِّيه رواية ابن سعد عن سعيد بن المسيب: \"أنه - ﷺ - قدم وهو محرم، فلما حل تزوجها\"، فيحمل قوله: \"فزوَّجاه\" على معنى \"خطبا له\" فقط مجازًا.\nومنها: أنه تزوجها بسرف، وهو موضع على عشرة أميال من مكة قرب وادي فاطمة، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أنه تزوجها جائيًا إلى مكة، أو تزوجها راجعًا من مكة إلى المدينة، فإن كان الأول فعلى هذا رسول الله - ﷺ - كان محرمًا قطعًا، وإن كان الثاني فكان حلالًا قطعًا.\n_________\n(١) \"المعتصر\" (١/ ٢٨٧).\n(٢) في الأصل: \"عنه\"، وهو تحريف.\n(٣) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٢٧٢).","vol":"7","page":222},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويؤيد الأول ما روى الطحاوي (١) من طريق ابن إسحاق قال: ثنا أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس: \"أن رسول الله - ﷺ - تزوج ميمونة بنت الحارث وهو حرام، فأقام بمكة ثلاثًا، فأتاه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا: إنه قد انقضى أجلك، فأخرج عنا، فقال: وما عليكم لو تركتموني فعرَّست بين أظهركم، فصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا إلى طعامك، فأخرج عنا، فخرج نبي الله - ﷺ - وخرج بميمونة، حتى عرَّس بها بسرف\".\nفهذا يدل على أنه - ﷺ - كان تزوجها قبل ذلك في طريق مكة حتى أراد أن يصنع الوليمة بمكة، ويضيف أهل مكة فيها، ويؤيده ما في \"سيرة ابن هشام\" (٢): قال ابن إسحاق: وحدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح ومجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام، وكان الذي زوَّجه إياها العباسُ بنُ عبد المطلب.\nومنها: أنه تزوجها في مكة وهو حلال، وهو قول ابن حبان حكاه الزيلعي (٣)، قال: قال ابن حبان: ولكن عندي أن معنى قوله: \"تزوج وهو محرم\" أي داخل في الحرم، كما يقال: أنجد، وأتهم: إذا دخل نجدًا وتهامة، وذلك أن النبي - ﷺ - عزم على الخروج إلى مكة في عمرة القضاء، فبعث من المدينة أبا رافع ورجلًا من الأنصار إلى مكة لمخطبا ميمونةَ له، ثم خرج، وأحرم، فلما دخل مكة طاف وسعى، وحل من عمرته، وتزوج بها، وأقام بمكة ثلاثًا، ثم سأله أهل مكة الخروجَ، فخرج حتى بلغ سرف، فبنى بها وهما حلالان.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٦٩).\n(٢) \"سيرة ابن هشام\" (٤/ ١٩، ط بيروت).\n(٣) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ١٧٣).","vol":"7","page":223},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد أخرج ابن سعد في \"طبقاته\" (١): أخبرنا محمد بن عمر والفضل بن دكين قالا: حدثنا هشام بن سعد، عن عطاء الخراساني قال: قلت لابن المسيب: \"إن عكرمة يزعم أن رسول الله - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم، فقال: كذب مخبثًا (٢)، اذهب إليه فسبَّه، سأحدثك، قدم رسول الله - ﷺ - وهو محرم، فلما حل تزوجها\".\nقلت: ظاهره يدل على أنه بعد الإحلال تزوجها بمكة، وقول سعيد هذا وكذا قول ابن حبان لا يُحَتج به.\nومنها: أن رسول الله - ﷺ - تزوَّجها بسرف بعد أن رجع من مكة، أخرجه الطحاوي (٣): حدثنا ربيع المؤذن وربيع الجيزي قالا: ثنا أسد. ح: وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنت الحارث قالت: \"تزوجني رسول الله - ﷺ - بسرف، ونحن حلالان، بعد أن رجع من مكة\"، ولم يقل ابن خزيمة: بعد أن رجع من مكة.\nوقد أخرج هذا الحديث أبو داود من طريق موسى بن إسماعيل، نا حماد، بهذا السند، عن ميمونة قالت: \"تزوجني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان بسرف\". ولم يذكر لفظ: بعد أن رجع من مكة.\nوهذا القول اختُلِف فيه، فذكره بعضهم، ولم يذكره بعضهم، ومع هذا لو سلِّم فمعنى قولها: \"تزوجني\" أي: بني بي؛ فإن ميمونة - ﵂ - لم تحضر عقد النكاح، لأنَّها لم تباشره، بل باشره وكيلُها عباسُ بنُ عبد المطلب، فلم تعلم بذلك.\n_________\n(١) \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ١٣٥).\n(٢) كذا في الأصل وهو خطأ، والصواب: مخبَثانُ. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ١٣٥)، والمخبثان: الخبيث. انظر: \"النهاية\" لابن الأثير (ص ٢٥٢).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٧٠).","vol":"7","page":224},{"text":"١٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ (١) -ﷺ- تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ\". [خ ٤٢٥٨، م ١٤١٠]\n===\nفثبت بما قدمنا أن الثابت بالروايات أن رسول الله - ﷺ - تزوجها بسرف عند مجيئه من المدينة لعمرة القضاء، وكان عباس عند ذلك بمكة، فلما سمع بقدوم رسول الله - ﷺ - للعمرة أستقبله ولقيه بسرف، فهناك زوَّج ميمونةَ من رسول الله - ﷺ - وهو حرام، ثم دخل رسول الله - ﷺ - مكة، فاعتمر، وأقام بها ثلاثًا، ثم خرج منها مع زوجته ميمونة.\nوالحاصل: أن جميع ما تقدم من الروايات والاستدلالات تُرَجِّح قولَ الحنفيةِ وغيرِهم بجواز نكاح المحرم في حالة الإحرام، ومبناه ترجيح رواية ابن عباس على الروايات المخالفة لها، كما تقدم مفصلًا، على أنه في هذا الوجه جمعٌ بين جميع الروايات، وإعمالٌ بكل واحد منها.\nوأما على قول المانعين، فلا بد فيها من إبطالِ بعض الأحاديث الصحيحة وتضعيفها، ونسبةِ الغلط إلى ابن عباس - ﵄ -، كما صدر عن سعيد بن المسيب، وهي جرأة عظيمة لا يقبلها قلب منصف، خصوصًا على قاعدة المحدثين.\n١٨٤٤ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم)، وقد أخرج النسائي (٢) هذا الحديث من طريق سعيد، عن قتادة ويعلي بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس: \"تزوج رسول الله - ﷺ - ميمونة بنت الحارث وهو محرم\"، وفي حديث يعلى: بسرف.\nقلت: ويعلى ثقة، وقد روى عن ابن عباس أصحابه الثقات الحفاظ\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (٣٢٧١).","vol":"7","page":225},{"text":"١٨٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: \"وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِى تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>(٣٨) بَابُ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ</span>\n١٨٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،\n===\nالمتقنون الفقهاء كسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وهكذا في جميع مراتب السند إلى أن وصل إلى الستة، فكيف يساويه حديث أبي رافع ويزيد بن الأصم وصفية بنت شيبة؟\n١٨٤٥ - (حدثنا ابن بشار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل) لم أقف على تسميته، وهو مجهول (عن سعيد بن المسيب (١) قال: وَهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم) قال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وقول سعيد بن المسيب أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري، وفي إسناده رجل مجهول، قلت: فلو كان هذا القول صحيحًا ثابتًا عن سعيد بن المسيب لا يكون أيضًا فيه حجة، فكيف وفي سنده مجهول؟ !\n\n(٣٨) (بَابُ مَا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ)\nوالمراد من الدواب الصيد البري سواء كان ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل إلَّا ما استثني منها، وأما صيد البحر فهو حلال للمحرم، كما نطق به النص\n١٨٤٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة،\n_________\n(١) وهو تابعي، وقد ردَّ عمرو بن دينار التابعي على أبي رافع كما تقدَّم. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٥٨).","vol":"7","page":226},{"text":"عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: \"سُئِلَ النَّبِىُّ -ﷺ- عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: «خَمْسٌ، لَا جُنَاحَ فِى قَتْلِهِنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِى الْحِلِّ\n===\nعن الزهري، عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر قال (١): (سئل النبي - ﷺ - عما يقتل المحرمُ من الدواب) البري؟ (فقال: خمس) (٢) من الدواب البري، والتقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك، لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره (٣) فيحتمل أن يكون قاله - ﷺ - أولًا، ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم.\nفقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ: أربع، وفي بعض طرقها بلفظ: ست، وقد وقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود نحو رواية شيبان، وزاد: السبع العادي، فصار سبعًا، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار تسعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور، ملخص ما في \"الفتح\" (٤).\n(لا جناح) أي لا إثم ولا جزاء (في قتلهن على من قتلهن في الحِلِّ)\n_________\n(١) ولأحمد من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: نادى رجل، ولأبي عوانة في \"المستخرج\" من هذا الوجه: أن أعرابيًّا نادى رسول الله - ﷺ -: ما نقتل من الدواب إذا أحرمنا؟ هذا، وقد أخرجه البخاري بطريقبن: عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -، وعنه عن حفصة، عن النبي - ﷺ -، جمع الحافظ باحتمال أنه سمع بالواسطة وبدونها. [انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦)]. (ش).\n(٢) وأطلق على هذا الخمس: الفواسق، وبسط ابن قتيبة في \"التأويل\" [انظر: (ص ١٦٠)] وجه إطلاق الفواسق عليها، واستدل بإطلاق هذا اللفظ على جواز قتل من لجأ إلى الحرم من الخارج بعد ما ارتكب جريمته، كما قال به الأئمة الثلاثة؛ لأنه فاسق. ولنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، [آل عمران: ٩٧، والبسط في \"الأوجز\" (٧/ ١٨٤، ١٨٥). (ش).\n(٣) واختلف في إلحاق غير الخمس بها، فقال المالكية: كل مؤذٍ، وقال الشافعي وأحمد: كل ما لا يؤكل، ومذهب الحنفية مذكور في الشرح، وهو جواز قتل السبع الصائل المبتدئ بالأذى. (ش).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦).","vol":"7","page":227},{"text":"وَالْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». [م ١١٩٩، ن ٢٨٣٥]\n===\nأي في أرضه (و) في (الحرم) أي أرضه.\n(العقرب) وفي معناها الحية، بل بالطريق الأولى. قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وتُعقِّب بأن شعبة سأل الحكم وحمادًا فقالا: لا يقتل المحرم الحيةَ ولا العقربَ؛ لأنهما من هوام الأرض، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى.\n(والغراب) الأبقع الأبلق، وخرج (١) الزاغ، وهو أسود محمر المنقار والرجلين، ويسمى غراب الزرع (والفأرة) بالهمز ويبدل، أي الوحشية والأهلية، لم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي، ونقل عن المالكية (٢) خلاف في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى.\n(والحدأة) كَعِنَبَة، وهو طائر، والحديا تصغير حد (٣) لغة في الحدأ، أو تصغير حدأة، قُلِّبت الهمزة بعد ياء التصغير ياء، وأُدْغِمَ ياء التصغير فيه فصار حدية، ثم حُذِفَتِ التاء وعُوِّض عنها الألف لدلالته على التأنيث أيضًا (والكلب العقور) (٤) وفي حكم الكلب العقور: السبعُ الصائل المبتدئ بالأذى، كالأسد والذئب والفهد والنمر.\nوتفصيل مذهب الحنفية ما في \"البدائع\" (٥)، وملخصه: صيد البر نوعان:\n_________\n(١) وهو مجمع عليه، كما في \"الأوجز\" (٧/ ١٧٦). (ش).\n(٢) ولم يحك الخلاف الدردير. \"الأوجز\" (٧/ ١٨٠). (ش).\n(٣) قلت: لعل المصنف - ﵀ - نقله عن \"المرقاة\" للقاري (ح ٢٦٩٨)، وهو تصحيف، والصواب: والحُديّا تصغير حِدَوْ. انظر: \"لسان العرب\" مادة (ح د أ).\n(٤) اختلف في المراد بالكلب العقور، فقالت الأئمة الثلاثة: كل عاد مفترس، وعندنا جنس الكلب سواء كان عقورًا أو غيره، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ١٨١). (ش).\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٢٧، ٤٣٠، ٤٢٨).","vol":"7","page":228},{"text":"١٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «خَمْسٌ قَتْلُهُنَّ حَلَالٌ فِى الْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». [خزيمة ٢٦٦٧]\n===\nمأكول، وغير مأكول، أما المأكول فلا يحل للمحرم اصطياده، نحو الظبي، والأرنب، وحمار الوحش، وبقر الوحش، والطيور التي يؤكل لحمها برية كانت أو بحرية؛ لأن الطيور كلها برية، لأن توالدها في البر، وإنما يدخل بعضها في البحر لطلب الرزق.\nوأما غير المأكول فنوعان: نوع يكون مؤذيًا طبعًا مبتدئًا بالأذى غالبًا، ونوع لا يبتدئ بالأذى غالبًا، أما الذي يبتدئ بالأذى غالبًا فللمحرم أن يقتله، ولا شيء عليه، وذلك نحو الذئب، والأسد، والفهد، والنمر، وغير ذلك؛ لأن دفع الأذى من غير سبب موجب للأذى واجب فضلًا عن الإباحة، ولهذا أباح رسول الله - ﷺ - قتل الخمس الفواسق للمحرم في الحل والحرم، وهذا المعنى موجود في الأسد، والذئب، والفهد، والنمر، فكان ورود النص في تلك الأشياء ورودًا في هذه دلالةً.\nولا يوجد ذلك في الضبع والثعلب، بل من عادتهما الهربُ من بني آدم، ولا يؤذيان أحدًا حتى يبتدئهما بالأذى، وعلى هذا الضب، واليربوع، والسمور (١)، والدلف، والقرد، والخنزير؛ لأنها صيد لوجود معنى الصيد، وهو الامتناع والتوحش، ولا تبتدئ بالأذى غالبًا، فتدخل تحت ما تلَونا من الآية الكريمة.\n١٨٤٧ - (حدثنا علي بن بحر، نا حاتم بن إسماعيل، حدثني محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: خمس قَتْلُهن حلال في الحرم: الحية) وهي تشمل جميعَ أنواعها، والصغارَ والكبارَ (والعقرب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور).\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: السنور، كما في \"البدائع\".","vol":"7","page":229},{"text":"١٨٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى نُعْمٍ الْبَجَلِىُّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: «الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفُوَيْسِقَةُ،\n===\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه، فصرح بتحريم قتلِه القاضيان: الحسين، والماوردي، وغيرهما، ووقع في \"الأم\" للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي، فقال في البيع من \"شرح المهذب\": لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم، لا يجوز قتله، وقال في التيمم والغصب: إنه غير محترم، وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وهذا اختلاف شديد.\n١٨٤٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، أنا يزيد بن أبي زياد، نا عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي - ﷺ - سئل) والسائل غير معلوم (عما يقتل المحرمُ) من الدواب البرية؟ (قال: الحية، والعقرب، والفُوَيْسِقَة).\nوالمراد بالفويسقة ها هنا: الفأرة، والتصغير للتحقير، وأصل الفسق لغة: الخروجُ، ومنه: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٢)، أي: خرج، وسمي الرجل فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه، وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة في الفسق، فقيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان (٣) في تحريم قتله، وقيل: في حل أكله، وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، ووقع عند البخاري (٤) في رواية عائشة: \"خمس من الدواب كلهن فاسق\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠).\n(٢) سورة الكهف: الآية ٥٠.\n(٣) ولا تأثير للإحرام والحرم في تحريم شيء من الحيوان الأهلي، وليس فيه اختلاف، كذا في \"المغني\" (٥/ ١٧٨)، وبسط الاختلاف في صيد البحر. (ش).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (١٨٢٩).","vol":"7","page":230},{"text":"ويرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالسَّبُعُ الْعَادِي\". [ن ٨٣٨، جه ٣٠٨٩، حم ٣/ ٣، ق ٥/ ٢١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>(٣٩) بَابُ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِم</span>\n===\n(ويرمي الغراب ولا يقتله (قال الحافظ في \"التلخيص\" (١): قوله: روي أنه - ﷺ - قال: \"يقتل المحرم السبعَ العادي\". أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد، وفيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وإن حسنه الترمذي، وفيه لفظة منكرة وهي قوله: \"ويرمي الغراب ولا يقتله\".\nقال النووي في \"شرح المهذب\" (٢): إن صح هذا الخبر حمل قوله هذا على أنه لا يتأكد ندب قتله كتأكدِه في الحية وغيرها، انتهى.\nقلت: إن صح فيشبه (٣) أن يكون محمولًا على غراب الزرع للجمع بين الروايات. (والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي) أي يعدو على الناس ويصول، والمراد منه المبتدئ بالأذى.\n\n(٣٩) (بابُ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ) (٤)\nهل يجوز أكله أم لا؟\n_________\n(١) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٥٨٠)، رقم (١٠٩٠).\n(٢) (٧/ ٢٨٣).\n(٣) وبه جمع الحافظان ابن حجر والعيني. [\"فتح الباري\" (٤/ ٣٨)، و\"عمدة القاري\" (٧/ ٥٠١)]. (ش).\n(٤) قال العيني (٧/ ٤٨٥): اختلفوا فيه على مذاهب، الأول: المنع مطلقًا، وروي هذا عن بعض السلف، والثاني: المنع إن صاده أو صيد لأجله، وهو مذهب مالك والشافعي، والثالث: إن كان باصطياده بإذنه أو بدلالته حرم، وإليه ذهب أبو حنيفة، وعزا الترمذي القول الثاني إلى أحمد وإسحاق، وحكي عن الشافعي وأحمد موافقة الحنفية، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٥٦، ٥٧). (ش).","vol":"7","page":231},{"text":"١٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ الْحَارِثُ خَلِيفَةَ عُثْمَانَ - ﵁ - عَلَى الطَّائِفِ - فَصَنَعَ\n===\n١٨٤٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سليمان بن كثير، عن حميد الطويل، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث) بن نوفل، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة. قلت: وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين، ومقتضاه عنده أن روايته عن الصحابة مرسلة.\n(عن أبيه) عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، أبو محمد المدني، وكان يُلقَّبُ ببَبَّة بموحدتين مفتوحتين ثانيتهما مشددة، وُلدَ على النبي - ﷺ -، فحنَّكه النبي - ﷺ -، وتحوَّل إلى البصرة، واصطلح عليه أهل البصرة حين مات يزيد بن معاوية، قال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه، وكان على مكة زمن عثمان.\n(وكان الحارثُ خليفةَ عثمان - ﵁ - على الطائف) قال الحافظ في \"الإصابة\" (١): قال ابن سعد (٢): صحب الحارث بن نوفل النبي - ﷺ - على بعض عمله بمكة، وأقرَّه أبو بكر وعمر وعثمان، ثم انتقل إلى البصرة، واختط بها دارًا، ومات بها في آخر خلافة عثمان - ﵁ -.\n(فصنع) يحتمل أن يكون مرجع الضمير الحارث بن نوفل، ويحتمل أن يرجع إلى ابنه عبد الله بن الحارث الراوي للحديث؛ فإنه كان أميرًا بمكة زمنَ عثمان، كما ذكره ابن سعد في \"الطبقات\" (٣).\n_________\n(١) \"الإصابة\" (١/ ٢٩٢)، رقم (١٥٠٠).\n(٢) انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٤/ ٥٦، ٥٧).\n(٣) انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٢٥).","vol":"7","page":232},{"text":"لِعُثْمَانَ طَعَامًا (١) فِيهِ مِنَ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ وَلَحْمِ الْوَحْشِ (٢)، فَبَعَثَ إِلَى عَلِىٍّ - ﵁ - فَجَاءَهُ الرَّسُولُ وَهُوَ يَخْبِطُ لأَبَاعِرَ لَهُ، فَجَاءَ وَهُوَ يَنْفُضُ الْخَبَطَ عَنْ يَدِهِ، فَقَالُوا لَهُ: كُلْ، فَقَالَ: أَطْعِمُوهُ قَوْمًا حَلَالًا فَإِنَّا حُرُمٌ.\nفَقَالَ (٣) عَلِىٌّ - ﵁ -: أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ أَشْجَعَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَهْدَى إِلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ\". [حم ١/ ١٠١]\n===\n(لعثمان طعامًا) ضيافة (فيه) أي في الطعام (من الحَجَل) وهو طائر معروف (واليعاقيب) جمع يعقوب، وهو ذّكَر الحجل، يقال له بالفارسية: كبك، وفي الهندية: جكور (ولحم الوحش، فبعث) عثمان (إلى علي - ﵁ -) يدعوه على الطعام (فجاءه) أي عليًا - ﵁ - (الرسولُ وهو) أي علي (يخبط) الخبط: ضربُ الشجرة بالعصا ليتناثر ورقُها لعلف الإبل، والخبط بفتحتين: الورق الساقط بمعنى المخبوط (لأباعر) جمع بعير (٤) (له، فجاء) أي حضر الضيافة (وهو ينفض الخبطَ) أي يزيله ويدفعه (عن يده، فقالوا) أي عثمان ومن معه (له: كُلْ، فقال) علي - ﵁ -: (أَطْعِمُوه) أي هذا الطعام (قومًا حلالًا؛ فإنَّا حُرُم) فلا يحل لنا أكله.\n(فقال علي - ﵁ -: أنشد الله من كان ها هنا من أشجع)، ولعله كان - ﵁ - علم قبل ذلك أنهم سمعوه من رسول الله - ﷺ - كما سمعه (أتعلمون أن رسول الله - ﷺ - أهدى إليه رجل) ولعله صعب بن جثامة (حمارَ وحشٍ وهو محرم، فأبى أن يأكله؟ قالوا) أي أشجع: (نعم).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وصنع\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"ثم قال\".\n(٤) الأباعرة جمع أبعرة، وهو جمع بعير، فالأباعر جمع الجمع، انتهى.","vol":"7","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): واستدل بهذا الحديث على تحريم الأكل من لحم الصيد على المحرم مطلقًا؛ لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرمًا، فدل على أنه سبب الامتناع خاصة، وهو قول علي وابن عباس وابن عمر - ﵃ -، والليث والثوري وإسحاق لحديث الصعب هذا، ولمِا أخرجه أبو داود وغيره من حديث علي أنه قال لناس من أشجع: \"أتعلمون أن رسول الله ﷺ أهدى له رجل حمار وحش وهو محرم، فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم\".\nلكن يعارض هذا الظاهرَ ما أخرجه مسلم أيضًا من حديث طلحة: \"أنه أهدي له لحم طير وهو محرم فوقف من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله - ﷺ- \"، وحديث أبي قتادة المذكور في الباب قبله، وحديثُ عمير بن سلمة \"أن البهزي أهدى للنبي - ﷺ - ظبيًا وهو محرم، فأمر أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق\"، أخرجه مالك وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وغيره.\nوبالجواز مطلقًا قال الكوفيون وطائفة من السلف، وجمع الجمهور بين ما اختُلِف من ذلك بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم.\nوجاء عن مالك تفصيل آخر بين ما صيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه أو بعد إحرامه فلا، وعن عثمان التفصيل بين ما يصاد لأجله من المحرمين فيمتنع عليه، ولا يمتنع على محرم آخر، انتهى ملخصًا.\nقلت: وأما عندنا فرده - ﷺ - حمارَ وحشٍ لأنه كان حيًّا، كما أشار إليه البخاري بعقد الباب \"إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل\"، ويحتمل أنه - ﷺ - علم أنه أعان في قتله محرم آخر من الإشارة والدلالة، وروى يحيى بن\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣، ٣٤).","vol":"7","page":234},{"text":"١٨٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: \"يَا زَيْدُ بْنَ أَرْقَمَ هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أُهْدِىَ إِلَيْهِ عُضْوُ (١) صَيْدٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَقَالَ: «إِنَّا حُرُمٌ»؟ قَالَ: نَعَمْ\". [م ١١٩٥، ن ٢٨٢١، حم ٤/ ٣٦٩]\n١٨٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى الإِسْكَنْدَرَانِىَّ (٢) -، عَنْ عَمْرٍو،\n===\nسعيد، عن جعفر، عن (٣) عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه، عن الصعب: أهدى للنبي - ﷺ - عجز حمار وحشي وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح، فإن كان [محفوظًا] فكأنه ردَّ الحيَّ، وقَبِلَ اللحم (٤).\n١٨٥٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قيس) بن سعد، أبي عبد الملك، (عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: يا زيد بن أرقم! هل علمت أن رسول الله - ﷺ - أهدي إليه عُضْو صيدٍ فلم يقبله، وقال: إنَّا حُرُم؟ قال: نعم)، هذا الحديث بظاهره يخالف الحنفية والشافعية، فتأويله عند الحنفية أنه - ﷺ - ردَّه لعلمه بأنه صيد لإعانة المحرم أو دلالته، وأما عند الشافعية فهم يقولون: لأنه صيد لأجله، أو بإعانة المحرم عليه.\n١٨٥١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب) بن عبد الرحمن (يعني الإسكندراني، عن عمرو) بن أبي عمرو، مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب\n_________\n(١) في نسخة: \"عضد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"القارئ\".\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ١٩٣) هكذا: يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عمرو، عن أبيه - عمرو بن أمية - أن الصعب بن جثامة ... إلخ، فالراوي له عن الصعب عمرو بن أمية، لا أمية الضمري.\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢).","vol":"7","page":235},{"text":"عَنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ». [ت ٨٤٦، ن ٢٨٢٧، حم ٣/ ٣٦٢، خزيمة ٢٦٤١، قط ٢/ ٢٩٠، ك ١/ ٤٥٢، ق ٥/ ١٩٠]\n===\n(عن) مولاه (المطلب، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: صيد البر لكم حلال ما لم تَصيدوه أو يصاد لكم).\nكذا في النسخة المكتوبة والنسخ المطبوعة الهندية، وفي المصرية: \"أو يُصَدْ لكم\"، ففي أكثر نسخ أبي داود بالألف إلا في المصرية، وكذا بالألف في رواية النسائي، والحاكم، والذهبي في \"تلخيصه\"، والدارقطني، والطحاوي (١)، وفي الترمذي خاصة: \"أو يصد لكم\"، بغير ألف مجزوم، فالأكثر: \"أو يصاد لكم\".\nوهذا يؤيد الحنفية، فلفظة \"أو\" الواقعة ها هنا بمعنى \"إلَّا أن\" استثناء من المفهوم المتقدم، فإن قوله: \"ما لم تصيدوه\" بمعنى الاستثناء، فكأنه قال: لحم الصيد لكم في الإحرام حلال إلَّا أن تصيدوه، إلَّا أن يصاد لكم، فيكون الاستثناء الثاني من مفهوم الاستثناء الأول، ثم قال الشافعي - ﵁ -: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب.\nوقال الشوكاني (٢): عمرو مختلف فيه مع كونه من رجال الصحيحين، ومولاه قال الترمذي: لا يُعرَف له سماع من جابر، وقال في موضع آخر: قال محمد: لا أعرف له سماعًا من أحد من الصحابة إلَّا قوله: حدثني من شهد خطبةَ رسولِ الله - ﷺ -.\nوقد رواه الشافعي عن عمرو، عن رجل من الأنصار، عن جابر. ورواه الطبراني عن عمرو، عن المطلب، عن أبي موسى، وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي، وهو متروك. ورواه الخطيب عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وفي إسناده عثمان بن خالد المخزومي، وهو ضعيف جدًا.\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٧١).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٦٩).","vol":"7","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم أو يصيده غيره له، وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له، بل يصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم، فمقيِّد لبقية الأحاديث المطلقة، كحديث الصعب وطلحة وأبي قتادة، ومخصِّص لعموم الآية المتقدمة، انتهى.\nقلت: والعجب من الشوكاني مع أنه يعترف بأن طرقه كلها ضعيفة ومضطربة، كيف يحتج به على حجيته لتقييد بقية الأحاديث المطلقة، وعلى تخصيص عموم الآية المتقدمة؟ ومع أنه ذَكَرَ قبل ذلك في حديث أبي قتادة أنه يقول: \"إني ذكرت شأنه لرسول الله - ﷺ -، وذكرت أني لم أكن أحرمتُ، وأني إنما اصطدتُه لك\" الحديث.\nثم نقل عن \"المنتقى\" بأنه رواه أحمد وابن ماجه بإسناد جيد، كيف يرد الحديثَ جيدَ السند بتقليد بعض أهل الحديث، ويقبل الحديث الضعيف الذي لا يقبل مثله؟\nوأما قول صاحب \"المنتقى\" بعد ذكر الحديث: قال أبو بكر النيسابوري: قوله: \"أني اصطدته لك\" و\"أنه لم يأكل منه\" لا أعلم أحدًا قاله في هذا الحديث غير معمر (١).\nقلت: ومعمر ثقة، فزيادته صحيحة.\nوقال الشوكاني في شرح هذا الحديث: أخرجه أيضًا الدارقطني والبيهقي وابن خزيمة، وقد قال بمثل مقالته (٢) النيسابوري التي ذكرها المصنف: ابنُ خزيمة والدارقطني والجوزقي.\nقال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون - ﷺ - أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يُعلِمَه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله،\n_________\n(١) انظر لكل ذلك: \"نيل الأوطار\" رقم (١٩١٦).\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: بمثل مقالة النيسابوري ... إلخ، كما في \"النيل\" (٣/ ٣٦٨).","vol":"7","page":237},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا تَنَازَعَ الْخَبَرَانِ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- يُنْظَرُ بِمَا أَخَذَ بِهِ أَصْحَابُهُ.\n===\nفلما علم امتنع، وفيه نظر؛ لأنه لو كان حرامًا عليه - ﷺ - ما أقرَّه تعالى على الأكل منه حتى يُعلِمَه أبو قتادة بأنه صاده لأجله.\nثم قال الشوكاني: وقال البيهقي هذه الزيادة غريبة، يعني قوله: \"أني اصطدته لك\"، قال: والذي في \"الصحيحين\": \"أنه أكل منه\".\nقلت: الحديث فيه زيادتان، أولهما: قوله: \"أني إنما اصطدته لك\"، والثاني: \"ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له\"، أما الزيادة الأولى فهو زيادة ثقةٍ ليست بمخالفة لما في الصحاح من الروايات فهي مقبولة، وأما الزيادة الثانية فهي مخالفة لما في الروايات الصحيحة فَتُرَدُّ؛ لأنها شاذة، فالظاهر أن التي حكموا بشذوذها هي الزيادة الثانية لا الأولى، وإن كان حكمهم بالشذوذ على الزيادتين فهو على خلاف قواعدهم لنصرة المذهب لا يُقبَل منهم، وقد قال الشوكاني: قال ابن حزم: لا يشك أحد بأن أبا قتادة لم يصد الحمار إلا لنفسه ولأصحابه وهم محرمون، فلم يمنعهم النبي - ﷺ - من أكله، وكأنه يقول بأنه يحل صيد الحلال للمحرم مطلقًا.\n(قال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن النبي - ﷺ - يُنْظَر بما أخذ به أصحابُه)، حاصله أن الأحاديث مختلفة في قبول الصيد وردِّه، فيجمع المصنف بينهما باعتبار العمل أنه يُنْظَر، فيؤخَذ بما أخذ به أصحابُ رسول الله - ﷺ -، ولكن هذا لا يُجْدي نفعًا، فإن الصحابة - ﵃ - اختلفوا فيه أيضًا.\nقال في \"البدائع\" (١): يحل للمحرم أكل صيد اصطاده الحلال لنفسه عند عامة العلماء، وقال داود بن علي الأصبهاني: لا يحل، والمسألة مختلفة بين الصحابة - ﵃-، روي عن طلحة بن عبيد الله وقتادة وجابر وعثمان في رواية: أنه يحل، وعن علي وابن عباس وعثمان في رواية: أنه لا يحل.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣).","vol":"7","page":238},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١)، أخبر أن صيد البر محرم على المحرم مطلقًا، من غير فصل بين أن يكون صيد المحرم أو الحلال، وهكذا قال ابن عباس أن الآية مبهمة لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله.\nولنا (٢) ما روي عن أبي قتادة - ﵁ -: \"أنه كان حلالًا وأصحابه محرمون، فَشَدَّ على حمار وحشٍ\" الحديث، وعن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لحم صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم\"، وهذا نص في الباب.\nولا حجة لهم في الآية؛ لأن فيها تحريم صيد البر، لا تحريم لحم الصيد، وهذا لحم الصيد وليس بصيد لانعدام معنى الصيد، وهو الامتناع والتوحش.\nوأما حديث الصعب بن جثامة، فقد اختلفت الروايات فيه عن ابن عباس - ﵄ -، روي في بعضها أنه أهدى إليه حمارًا وحشيًا، كذا روى مالك وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس، فلا يكون حجة.\nوحديث زيد بن أرقم محمول على صيد صاده المحرمُ بنفسه، أو غيرُه بأمرِه، أو بإعانتِه، أو بإشارَته، أو بدلالَتِه عملًا بالدلائل كلها، وسواء صاده الحلال لنفسه أو للمحرم بعد أن لا يكون بأمره عندنا.\nوقال الشافعي: إذا صاده له لا يحل له أكله، واحتج بما روي عن جابر،\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٩٦.\n(٢) قلت: هذا بمقابلة من حرم لحم الصيد مطلقًا، وأما بمقابلة الشافعي فيمكن الاستدلال عندي أن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، نص في أن ما عدا محلي الصيد حلال، فالذي لا يكون فيه للمحرم دخل من الدلالة والإشارة لا يدخل في محلي الصيد، فتأمل، فإنه سنح في خاطري الكاسد. (ش).","vol":"7","page":239},{"text":"١٨٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِىِّ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ: \"أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nعن النبي - ﷺ - أنه قال: \"صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم\" ولا حجة له فيه؛ لأنه لا يصير مصيدًا له إلَّا بأمره، وبه نقول، والله أعلم، انتهى.\nقلت: وهذا أحد الجوابين عن الحديث بعد تسليم صحته، وأما الجواب الثاني فهو ما أجاب به صاحب \"الهداية\" (١) بقوله: واللام فيما روي لام تمليك، فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم.\n١٨٥٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله التيمي، عن نافع) بن عباس بموحدة ومهملة، أو ابن عياش بتحتانية ومعجمة، أبو محمد الأقرع المدني (مولى أبي قتادة الأنصاري) ويقال: مولى عقيلة الغفارية، ويقال: إنهما اثنان، وقال ابن حبان في \"الثقات\": يقال له: نافع مولى أبي قتادة، نُسِبَ إليه ولم يكن مولاه.\nقلت: يؤيد قول ابن حبان ما وقع عند أحمد من طريق مغفل بن إبراهيم: سمعت رجلًا يقال له: مولى أبي قتادة، ولم يكن مولاه، يحدث عن أبي قتادة، فذكر حديث الحمار الوحشي، وفي رواية ابن إسحاق: عن عبد الله بن أبي سلمة أن نافعًا الأقرع مولى بني غفار حدثه: أن أبا قتادة حدثه، فذكر هذا الحديث، قال النسائي: ثقة، وقال أحمد بن حنبل: معروف، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، قال الحافظ: فيحتمل أنه نُسِبَ إليه لكونه كان زوج مولاته أو للزومه إياه، أو نحو ذلك، كما وقع لمقسم مولى ابن عباس وغيره، والله أعلم.\n(عن أبي قتادة: أنه) أي: أبا قتادة (كان مع رسول الله - ﷺ -) أي في سفر\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٦٩).","vol":"7","page":240},{"text":"حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ (١) طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ،\n===\nعمرة (٢) الحديبية، وفي رواية للبخاري (٣): \"أن رسول الله - ﷺ - خرج حاجًّا (٤) فخرجوا معه\". قال الحافظ (٥): قال الإسماعيلي: هذا غلط؛ فإن القصة كانت في عمرة، ولعل الراوي أراد خرج محرمًا، فعبر عن الإحرام بالحج غلطًا.\nقلت: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضًا فالحج في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج قاصدًا للعمرة، ولهذا يقال للعمرة: الحج الأصغر، ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي، عن أبي عوانة بلفظ: \"خرج حاجًّا أو معتمرًا\" أخرجه البيهقي، فتبين أن الشك فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد، انتهى.\n(حتى إذا كان) أي أبو قتادة، ويحتمل أن يكون المرجع رسول الله ﷺ (ببعض (٦) طريق مكة تخلَّف) أي أبو قتادة عن رسول الله - ﷺ - (مع أصحاب له) أي لأبي قتادة، أو لرسول الله - ﷺ - (محرمين وهو) أي أبو قتادة (غير محرم).\nوفي رواية البخاري: \"فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة\n_________\n(١) في نسخة: \"في بعض\".\n(٢) وبه جزم الحافظ والعيني وابن القيم، وقال الحافظ: هو أصح من رواية الواقدي: أن ذلك كان في عمرة القضية، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٥٩، ٦٠). (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٨٢٤).\n(٤) ولعله منشأ توهم الطبري إذ ذكره في حجة الوداع، انتهى. وعدَّه ابن القيم (٢/ ١٦٥) من أوهامه. [انظر: \"الأوجز\" (٧/ ٦٠)]. (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩).\n(٦) قال الحافظ: إن الروحاء هو المكان الذي ذهب أبو فتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر، ثم التقوا بالقاحة، وبها وقع له الصيد المذكور، وكأنه تأخَّر هو وأصحابه للراحة أو غيرها، وتقدمهم النبي - ﷺ - إلى السقياء حتى لحقوه (\"فتح الباري\" ٤/ ٢٧). (ش).","vol":"7","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وحشٍ\" الحديث.\nوسياق حديث البخاري هذا مشكل؛ لأنه يخالف جميع السياقات التي أخرجها البخاري وغيره، فإنه يدل على أن أبا قتادة ومن معه من أصحابه خرجوا معه إلى ساحل البحر، وكلهم لم يحرموا، فلما انصرفوا من ساحل البحر أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم، وجميع السياقات يدل على أن رسول الله - ﷺ - ومن معه من أصحابه كلهم أحرموا من الميقات إلَّا أبا قتادة فإنه لم يحرم.\nوتأوله القسطلاني (١) بأن قوله: \"فلما انصرفوا\" شرط، ليس جزاؤه قوله: \"أحرموا كلهم إلا أبو قتادة\"، بل جزاؤه قوله: \"فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحشٍ\"، وتقدير العبارة: فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا وكانوا قد أحرموا كلهم من الميقات إلَّا أبو قتادة؛ فإنه لم يحرم من ذي الحليفة، فبينما هم يسيرون.\nقلت: فعلى هذا لم يبق فيه إشكال، ولم أر من تعرض لدفع هذا الإشكال من الشراح إلَّا القسطلاني، فجزاه الله خيرًا. ولم يحرم هو لأنه إما لم يجاوز الميقات، وإما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث (٢) فيقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه؟ قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد، فيها: \"وكان النبي - ﷺ - بعثه في وجه\" الحديث، قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة،\n_________\n(١) انظر: \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٠٦).\n(٢) وأوَّله ابن قدامة بأنه لعله أخَّر إحرامه إلى الجحفة؛ لأنه لم يمرّ على طريق ذي الحليفة. (ش).","vol":"7","page":242},{"text":"فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، قَالَ: فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّمَا هِىَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ تَعَالَى». [خ ٢٩١٤، م ١١٩٦، ت ٨٤٧، ن ٢٨١٦، حم ٥/ ٣٠١]\n===\nوهذه الرواية تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي - ﷺ - من المدينة، وليس كذلك.\nثم وجدت في \"صحيح ابن حبان\" والبزار قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسول الله - ﷺ - وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان\"، فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما.\nوالذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الإحرام؛ لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التأخير، وقيل: كانت هذه القصة قبل أن يُوَقِّتَ النبي - ﷺ - المواقيتَ.\n(فرأى حمارًا وحشيًا) وقع هاهنا بالإفراد، وفي رواية بالجمع (فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابَه أن يناولوه سوطه) وكان سقط عنه (فأبوا)؛ لأنهم كانوا محرمين وقد علموا قبل ذلك الإعانة على قتل الصيد ممنوع لهم (فسألهم رمحه، فأبوا) لأجل الإحرام، (فأخذه) أي الرمح (ثم شد) أي حمل (على الحمار) وكانت أتانًا، (فقتله) وكفى هذا الجرح عن الذبح، لأنها ذكاة اضطرارية، فيكفي فيه الجرح.\n(فأكل منه بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -) لأنهم قالوا: ما اصطدناها، ولا أمَرْنا باصطيادها، ولا دللنا عليه، ولا أشرنا إليه (وأبى بعضهم) فتورَّعوا، أو عملوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ (١) أي: مصيده (فلما أدركوا رسول الله - ﷺ - سألوه عن ذلك) أي عن حل لحم الصيد وحرمته (فقال: إنما هي طُعمة أطعمكموها الله تعالى).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٩٦.","vol":"7","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>(٤٠) بَابُ الْجَرَادِ للْمُحْرِم</span>\n١٨٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ جَابَانَ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ». [ق ٥/ ٢٠٧]\n===\n\n(٤٠) (بابُ الْجَرَادِ لِلْمُحْرِمِ)، هل يجوز قتله للمحرم أم لا؟\n١٨٥٣ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا حماد، عن ميمون بن جابان) بجيم وموحدة، أبو الحكم البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال العجلي: بصري ثقة. وقال العقيلي: لا يصح حديثه. وقال الأزدي: لا يحتج بحديثه. وقال البيهقي: غير معروف، له في السنن حديث واحد: \"الجراد من صيد البحر\".\n(عن أبي رافع) الصائغ، اسمه نفيع، (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: الجراد من صيد البحر) أي في حكم صيد البحر، وهو أنه يحل ميتته، قال في الحاشية عن \"فتح الودود\": قيل: الجراد يتولد من الحيتان، فيطرحها البحر إلى الساحل، وأنكر كثير ذلك، وقال: هو مستقر في الأرض، ويقوت مما يخرج من الأرض من نباتها، ويحتمل أن يكون معنى كونه من صيد البحر أنه في حكمه، يحل الأكل بلا تزكية، انتهى.\nوقال الدميري في \"حياة الحيوان\" (١): والصحيح أنه بري؛ لأن المحرم يجب عليه فيه الجزاء إذا أتلفه عندنا، وبه قال عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس وعطاء، قال العبدري: وهو قول أهل العلم كافة إلَّا أبا سعيد الخدري؛ فإنه قال: لا جزاء فيه، وحكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار وعروة بن الزبير فإنهم قالوأ: هو من صيد البحر.\nواحتج لهم بحديث أبي المهزِّم الآتي، وهو ضعيف لضعف أبي المهزم.\n_________\n(١) (١/ ٢٧٢).","vol":"7","page":244},{"text":"١٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن مَيْمُونِ بْنِ جَابَانَ، عن أَبِي رَافِعٍ، عن كَعْبٍ قَالَ: \"الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ\".\n١٨٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ،\n===\nواحتج الجمهور بما رواه الإِمام الشافعي بإسناد صحيح أو الحسن عن عبد الله بن أبي عمار أنه قال: أقبلت مع معاذ بن جبل - ﵁ -، وكعب الأحبار - ﵁ - في أناس محرمين من بيت المقدس بعمرة، حتى إذا كنا ببعض الطريق، وكعب على نار يصطلي، فمرت به رِجْل من جراد، فأخذ جرادتين فقتلهما، وكان قد نسي إحرامه، ثم ذكر إحرامه، فألقاهما، فلما قدمنا المدينة دخل القوم على عمر - ﵁ - ودخلت معهم، فقص كعب قصةَ الجرادتين على عمر - ﵁ -، فقال: ما جعلت على نفسك يا كعب؟ قال: درهمين (١) فقال: بخ بخ درهمان خير من مائة جرادة، اجعل ما جعلت على نفسك.\n١٨٥٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن كعب قال: الجراد من صيد البحر)، هذا الحديث غير مذكور في أكثر نسخ أبي داود، وذكر في نسخة \"العون\" (٢) بعد حديث أبي المهزِّم.\n١٨٥٥ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن حبيب المعلم) أبو محمد المصري، مولى معقل بن يسار، وهو حبيب بن أبي قريبة، واسمه زائدة، ويقال: حبيب بن زيد، ويقال: ابن أبي بقية، قال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال أحمد: ما أحتج بحديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) وقع في الأصل: \"درهم\".\n(٢) انظر: \"عون المعبود\" رقم (١٨٥٢).","vol":"7","page":245},{"text":"عَنْ أَبِى الْمُهَزِّمِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"أَصَبْنَا صِرْمًا مِنْ جَرَادٍ، فَكَانَ رَجُلٌ (١) يَضْرِبُ بِسَوْطِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ (٢): «إِنَّمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ». [ت ٨٥٠، جه ٣٢٢٢، ق ٥/ ٢٠٧، حم ٢/ ٣٠٦]\nسَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ (٣) يَقُولُ: أَبُو الْمُهَزِّمِ ضَعِيفٌ، وَالْحَدِيثَانِ جَمِيعًا وَهَمٌ.\n===\n(عن أبي المهزِّم) بتشديد الزاي المكسورة، التميمي، البصري، اسمه يزيد، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان، قال في التقريب: متروك، وحكي في \"التهذيب\" جرحُه عن المحدثين، فكأنهم أجمعوا على تضعيفه، (عن أبي هريرة قال: أصبنا صرمًا)، قال في \"القاموس\": والصِّرم بالكسر: الجماعة، جمعه: أصرام وأصارم وأصاريم، وصُرمان بالضم، أي: جماعة (من جراد).\n(فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم (٤)، فقيل له) أي للرجل: (إن هذا) أي قتل الجراد في الإحرام (لا يصلح) أي لا يجوز، (فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فقال) رسول الله - ﷺ -: (إنما هو من صيد البحر).\n(سمعت أبا داود يقول: أبو المهزم ضعيف، والحديثان جميعًا وهم). قال العيني في \"شرح الهداية\" (٥): والحديث وهم، قلت: وجه الوهم أن\n_________\n(١) في نسخة: \"الرجل\".\n(٢) زاد في نسخة \"له\".\n(٣) في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٤) والظاهر أنه رواية بالمعنى، والصحيح ما في \"الترمذي\" (٨٥٠) هذا الحديث بلفظ: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في حج أو عمرة\". وكان الغرض بيان السفر لا الإحرام كما في \"الكوكب\" (٢/ ١٠٨)، لكن حبيبًا رواه بهذا اللفظ لفهمه منه الإحرام، وهذا غاية توجيه الحديث، وحديث الترمذي برواية حماد بن سلمة عن أبي المهزم. (ش).\n(٥) \"البناية\" (٤/ ٣٩٦).","vol":"7","page":246},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحماد بن سلمة رواه عن ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن كعب قوله غير مرفوع، انتهى. وقال في \"البحر الرائق\" (١): وفي رواية لأبي داود عن أبي رافع عن أبي هريرة، قال البيهقي وغيره: ميمون غير معروف، انتهى.\nقلت: أما حديث أبي المهزِّم فضعيف ووهم لشدة ضعفِ أبي المهزم، وأما حديث ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن كعب فإنه قوله، ليس بمرفوع، ثم إنه مخالف للروايات الصحيحة في أنه أوجب فيه درهمًا، وأما حديث ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن أبي هريرة فلم أقف على جرح فيه إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وليس بمخالف لما حكم فيه عمر بن الخطاب - ﵁ - بمحضر من الصحابة، فإنه يحتمل أن يقال: الجراد في حكم صيد البحر من حيث إنه يحل بلا ذكاة.\nوأما المذاهب في قتل الجراد، فقال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم للمحرم أن يصيد الجراد فيأكل، ورأى بعضهم أن عليه صدقة إن اصطادوه أو أكله، انتهى.\nوقال العيني في \"شرح الهداية\": والصحيح أنه من صيد البر، كما قال المصنف - ﵀ -، فيجب الجزاء بقتله، قال شيخنا زين الدين: وهو قول عمر، وابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في قوله الصحيح المشهور، كما حكاه ابن العربي عن أكثر (٢) أهل العلم، وقال شيخنا: وفيه قول ثالث، وهو أنه من صيد البر والبحر، ورواه سعيد بن منصور في \"سننه\" عن هشيم، عن منصور وعن الحسن قوله، انتهى.\n_________\n(١) \"البحر الرائق\" (٣/ ٣٧، ٣٨).\n(٢) وفي \"الروض المربع\" (١/ ١٥٦)، ويضمن الجراد بقيمته، وفي \"نيل المآرب\" (١/ ٢٩٦) (في المحظورات): قتل الجراد لأنه طير بري أشبه العصافير، نعم استثنى الدردير (٢/ ٣١٣): إن عمَّ الجراد، واجتهد المحرم في التحفظ، وذكر صاحب \"المغني\" (٥/ ٤٠١) فيه وجهين، فارجع إليه. (ش).","vol":"7","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>(٤١) بَابٌ: في الْفِدْيَةِ</span>\n١٨٥٦ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ (١) الطَّحَّانِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ: «قَدْ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «احْلِقْ ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ». [خ ١٨١٤، م ١٢٠١، ت ٩٥٣، ن ٢٨٥١، حم ٤/ ٢٤١]\n===\n\n(٤١) (بَابٌ: في الْفِدْيَةِ)، وهي الجزاء عن الجناية\n١٨٥٦ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد الطحان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أن رسول الله - ﷺ - مر به) أي بكعب بن عجرة (زمن الحديبية) فرآه يتناثر القمل عن رأسه، (فقال) رسول الله - ﷺ -: (قد آذاك هوام رأسك؟)، قال في \"القاموس\": الهامة للدابة جمعه الهوام، وقال في الحاشية على القاموس: قال شمر: الهوام الحيات وكل ذو سم يقتل، وأما ما لا يقتل ويسم فهو السوَّام مشددة، مثل الزنبور والعقرب وأشباههما، قال: ومنها القوام مثل: القنافذ، والفأر، واليرابيع، والخنافس، وربما تقع الهوام على ما لا يقتل كالحشرات، أفاده الشارح.\n(قال) كعب بن عجرة: (نعم) يؤذيني هوام رأسي، (فقال النبي - ﷺ -: احلق، ثم اذبح شاة نسكًا) بدل من شاة (أو) للتخيير (صم ثلاثة أيام، أو أَطْعِم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين).\nقال العيني في \"شرح البخاري\" (٢) في ذكر ما يستفاد منه الأحكام، فقال:\nمنها: جواز الحلق للمحرم للحاجة مع الكفارة المذكورة في الآية الكريمة، وفي الحديث المذكور، وهذا مجمع عليه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عبد الله\".\n(٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٤٦٢ - ٤٦٤).","vol":"7","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومنها: أنه ليس فيه تعرض لغير حلق الرأس من سائر شعور الجسد، وقد أوجب العلماء الفدية بحلق سائر شعور البدن؛ لأنها في معنى حلق الرأس إلَّا داود الظاهري، فإنه قال: لا تجب الفدية إلَّا بحلق الرأس فقط، وحكى الرافعي عن المحاملي (١) أن في رواية عن مالك لا تتعلق الفدية بشعر البدن.\nومنها: أنه أمر بحلق شعر نفسه، فلو حلق المحرم شعر حلال فلا فدية على واحد منهما عند مالك والشافعي وأحمد، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: ليس للمحرم أن يحلق شعر الحلال، فإن فعل فعليه صدقة.\nومنها: أنه إذا حلق رأسه أو لبس أو تطيب عامدًا من غير ضرورة، فقد حكى ابن عبد البر في \"الاستذكار\" عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبي ثور: أن عليه دمًا لا غير، وأنه لا يُخَيَّرُ إلا في الضرورة، وقال مالك: بئس ما فعل، وعليه الفدية، وهو مخيَّر فيها، وقال شيخنا زين الدين: وما حكاه عن الشافعي وأصحابه ليس بجيد، بل المعروف عنهم وجوب الفدية، كما جزم به الرافعي، كما أوجبوا الكفارة في اليمين الغموس.\nومنها: أنه خيَّره بين الصوم والإطعام والذبح، وقال أبو عمر: عامة الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن العظيم، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار، قال: إذا كان \"أو\" بأيَّة أخذتَ أجزَأَكَ، قال: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والجنيد وحميد الأعرج والنخعي والضحاك نحو ذلك، وذهب أبو حنيفة (٢) والشافعي وأبو ثور إلى أن التخيير لا يكون إلَّا في الضرورة، فإن فعل ذلك من غير ضرورة فعليه دم.\nقلت: ووجهه أن التخيير في حال الضرورة للتيسير والتخفيف، والجاني لا يستحق التخفيف.\n_________\n(١) وقع في الأصل: \"المحامل\"، وهو تحريف.\n(٢) وعزاه الحافظ إلى الجمهور، وقد خالف فيه أكثر المالكية (\"فتح الباري\" ٤/ ١٩). (ش).","vol":"7","page":249},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال: ومنها: أن الصوم ثلاثة أيام، وقال ابن جرير بسنده عن الحسن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ (١) قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق، وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين لكل مسكين مكوكان: مكوك من تمر، ومكوك من بُر، [والنسك شاة] وقال قتادة عن الحسن وعكرمة قال: إطعام عشرة مساكين. وقال ابن كثير في \"تفسيره\": وهذان القولان من سعيد بن جبير والحسن وعلقمة وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنه ثبت في السنَّة في حديث كعب: \"فصيام ثلاثة أيام لا عشرة\"، وقال أبو عمر في \"الاستذكار\" (٢): روي عن الحسن وعكرمة ونافع صومُ عشرة أيام، قال: ولم يتابعهم أحد من العلماء على ذلك.\nومنها: أن الإطعام لستة مساكين، ولا يجزئ أقل من ستة، وهو قول الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه: يجوز أن يدفع إلى مسكين واحد، والواجب في الإطعام لكل مسكين نصف صاع من أي شيء كان المخرج في الكفارة قمحًا أو شعيرًا أو تمرًا، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وداود، وحكي عن الثوري، وأبي حنيفة تخصيص ذلك بالقمح، وأن الواجب من الشعير والتمر صاع لكل مسكين، وحكى ابن عبد البر عن أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك والشافعي.\nقلت: لم أر هذا القول كتب مذهبنا، وعند أحمد في رواية: أن الواجب في الإطعام لكل مسكين مد من قمح أو مُدَّان من شعير أو تمر.\nومنها: ما احتج بعموم الحديث مالك على أن الفدية يفعلها حيث شاء، سواء في ذلك الإطعام والصيام والكفارة، وقد اتفق العلماء في الصوم أن له أن يفعله حيث شاء، لا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم، وأما النسك والإطعام فجوَّزهما مالك أيضًا كالصوم، وخصَّص الشافعي ذلك بمكة أو بالحرم،\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٢) (١٣/ ٣٠٣).","vol":"7","page":250},{"text":"١٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ (١) دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُ: «إِنْ شِئْتَ فَانْسُكْ نَسِيكَةً، وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ\n===\nواختلف فيه قول أبي حنيفة، فقال مرة: يختص بذلك الدم دون الإطعام، وقال مرة: يختصان جميعًا بذلك، وقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو إطعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال عطاء ومجاهد والحسن.\n١٨٥٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن داود، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبو ليلى، عن كعب بن عجرة: أن رسول الله - ﷺ - قال له) أي لكعب بن عجرة: (إن شئت فانسك نسيكة) أي: اذبح ذبيحة، وفي رواية: اذبح نسكًا، وفي رواية: اذبح شاة.\nقال القرطبي (٢): جميع هذه السياقات تدل على أنه ليس بهدي، فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء، ولا تختص بالحرم، كما هو مذهب مالك.\nوأجاب عنه الحافظ: بأنه لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نسكًا أو نسيكة أن لا تسمى هديًا أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية البخاري بلفظ: \"أو تهدي شاة\"، وفي رواية مسلم: \"وأهد هديًا\"، وفي رواية للطبري: \"هل لك هدي؟ قلت: لا أجد\"، فظهر أن ذلك من تصرف الرواة.\n(وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع)، وآصع بمد الهمزة وضم الصاد: جمع صاع على القلب؛ لأن القياس في جمعه: أصوع، بقصر الهمزة، وسكون الصاد، بعدها واو مضمومة، قال الجوهري: وإن شئت\n_________\n(١) في نسخة: \"ثنا\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٩).","vol":"7","page":251},{"text":"مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ\". [انظر سابقه]\n١٨٥٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، - وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْمُثَنَّى -،\n===\nأبدلت من الواو المضمومة همزة، فقلت: أصوع، وحكي الوجهان كذلك في أدوَر وآدر جمع: دار.\nوذكر ابن مكي في \"كتاب تثقيف اللسان\": أن قولهم: آصع، بالمد لحن من خطأ العوام، وأن صوابه: أصوع، وقال النووي: هذا غلط منه ومردود وذهول.\nقلت: القياس ما قاله ابن مكي، وأما الذي ورد فمحمول على القلب (١)، ووزنه على هذا: أعفل، فافهم. وفي الصاع لغتان: التذكير والتأنيث، حكاهما الجوهري وغيره، قاله العيني (٢).\n(من تمر لستة مساكين)، وهذا نص في التخيير بين هذه الثلاثة، وأما مذهب الحنفية فإن عندهم تجب ثلاثة آصع لستة مساكين مختصة بالقمح، وأما التمر فتجب عندهم ستة آصع لستة مساكين لكل مسكين منهم صاع، ولم يتيسر لي العذر عن الحديثين، ولم أره في الكتب الموجودة (٣) عندي.\n١٨٥٨ - (حدثنا ابن المثنى، نا عبد الوهاب، وحدثنا)، هذا تحويل ولم يذكر لفظ (ح)، (نصر بن علي، نا يزيد بن زريع، وهذا) أي المذكور (لفظ ابن المثنى) لا لفظ نصر بن علي، كلاهما أي عبد الوهاب ويزيد يرويان\n_________\n(١) كتب مولانا أسعد الله: فليس هو من خطأ العوام، بل حمله على خطأ العوام من خطأ الخواص.\n(٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٤٦٥).\n(٣) وفي الحاشية عن مولانا: أن المشهور في الروايات لفظ الطعام، قلت: ولذا ورد في بعض الروايات لفظ القمح وغيره، وسيأتي اختلاف الروايات في الشرح قريبًا، ولا أقل من أن الأحوط قول الحنفية. (ش).","vol":"7","page":252},{"text":"عَنْ (١) دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، قَالَ: «أَمَعَكَ دَمٌ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ». [ت ٢٩٧٣، حم ١/ ٢٤٤، ٢٤٣]\n===\n(عن داود، عن عامر) الشعبي، (عن كعب بن عجرة: أن رسول الله - ﷺ - مر به زمن الحديبية، فذكر القصة) المتقدمة.\nقال الحافظ (٢): والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى، عن كعب: \"أن رسول الله - ﷺ - مر به فرآه\"، وفي قول عبد الله بن معقل: \"أن النبي - ﷺ - أرسل إليه فرآه\": أن يقال: مر به أولًا فرآه على تلك الصورة، فاستدعى به إليه فخاطبه، وحلق رأسه بحضرته، فنقل كل واحد منهما ما لم ينقله الآخر.\n(قال: أمعك دم؟ قال: لا، قال: فصم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين بين كل مسكينين صاع).\nقال الحافظ (٣): رواية عبد الله بن معقل تقتضي أن التخيير إنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك، ولأبي داود في رواية أخرى: \"أمعك دم؟ قال: لا، قال: فإن شئت فصم\"، قال أبو عوانة في \"صحيحه\": فيه دليل على أن من وجد نسكًا لا يصوم يعني ولا يطعم، لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلا ما رواه الطبري وغيره عن سعيد بن جبير قال: النسك شاة، فإن لم يجد قوِّمت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا فتصدق به، أو صام لكل نصف صاع يومًا، فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه:\nمنها: ما قال ابن عبد البر: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه.\n_________\n(١) في نسخة: \"ثنا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٤).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٥).","vol":"7","page":253},{"text":"١٨٥٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ: \"أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَخْبَرَهُ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ فِى رَأْسِهِ أَذًى فَحَلَقَ، فَأَمَرَهُ النَّبِىُّ (١) -ﷺ- أَنْ يُهْدِىَ هَدْيًا بَقَرَةً\".\n===\nومنها: ما قال النووي: ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزئ إلَّا لفاقد الهدي، بل المراد أنه استخبره: هل معه هدي أو لا؟ فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخير بينهما.\nومنها: ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - لما أذن له حلق رأسه بسبب الأذي أفتاه أن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد أو بوحي غير متلو، فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح والصيام والإطعام، فخيره حينئذ بين الصيام والإطعام لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه.\n١٨٥٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع: أن رجلًا من الأنصار أخبره)، قال في \"التقريب\": نافع مولى ابن عمر، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة، هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، (عن كعب بن عجرة، وكان قد أصابه في رأسه أذى) أي: القمل (فحلق، فأمره النبي - ﷺ - يهدي هديًا بقرة) (٢).\nقال الحافظ (٣): قال عياض ومن تبعه تبعًا لأبي عمر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا إنما ذكره شاة.\nقلت: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة: \"أنه أصابه أذى، فحلق، فأمره النبي - ﷺ - أن يهدي بقرة\". وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بخت، عن نافع، عن ابن عمر قال: \"حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يفتدي، فافتدى\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) قالوا: لفظ البقرة شاذ منكر، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ٥٠٥). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨، ١٩).","vol":"7","page":254},{"text":"١٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قال: حَدَّثَنِى أَبَانُ - يَعْنِى ابْنَ صَالِحٍ -، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: \"أَصَابَنِى هَوَامُّ فِى رَأْسِى وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَرِى،\n===\nببقرة\"، ولعبد بن حميد من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر قال: \"افتدى كعب من أذى كان برأسه فحلقه ببقرة قلدها وأشعرها\"، ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن سليمان بن يسار: \"قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة\".\nفهذه الطرق كلها تدور على نافع، وقد اختُلِفَ عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة.\nوروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق المقبري، عن أبي هريرة: \"أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه\"، وهذا ما هو أصوب من الذي قبله.\nواعتمد ابن بطال على رواية نافع، عن سليمان بن يسار فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبي - ﷺ - فيما أمره به من ذبح الشاة بل وافق وزاد، ففيه أن من أفتى بأيسر الأشياء، فله أن يأخذ بأرفعها كما فعل كعب. قلت: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت لما قدمته، والله أعلم.\n١٨٦٠ - (حدثنا محمد بن منصور، نا يعقوب) بن إبراهيم، (حدثني أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق قال: حدثني أبان - يعني ابن صالح -، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبو ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أصابني هوام) أي: القمل (في رأسي وأنا مع رسول الله - ﷺ - عام الحديبية، حتى تخوَّفت على بصري) بشدة الحر، ولا أستطيع أن أغسل رأسي فأقتل القمل","vol":"7","page":255},{"text":"فَأَنْزَلَ الله ﷿ فِيَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ...﴾ الآيَةَ (١)، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ لِي: \"احْلِقْ رَأسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرْقًا مِنْ زَبِيبٍ، أَو انْسُكْ شَاة\"، فَحَلَقْتُ رَأسِي ثُمَّ نَسَكْتُ\". [تقدَّم برقم ١٨٥٧]\n===\n(فأنزل الله ﷿ فيَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية)، وتمامها: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\n(فدعاني رسول الله - ﷺ - فقال لي: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب، أو انسك شاة، فحلقت رأسي ثم نسكت).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قوله: \"لكل مسكين نصف صاع\". وللطبراني عن أحمد بن محمد الخزاعي عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه: \"لكل مسكين نصف صاع من تمر\". ولأحمد، عن بهز، عن شعبة: \"نصف صاع طعام\"، ولبشر بن عمر عن شعبة: \"نصف صاع حنطة\"، ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنه نصف صاع من زبيب فإنه قال: \"يطعم فرقًا من زبيب بين ستة مساكين\".\nقال ابن حزم: لا يد من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد.\nقلت: المحفوظ عن شعبة أنه قال في الحديث: نصف صاع من طعام، والاختلاف عليه في كونه تمرًا أو حنطة لعله من تصرف الرواة.\nوأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق وهو حجة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة كما تقدم، ولم يختلف فيه على أبي قلابة، انتهى.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧).","vol":"7","page":256},{"text":"١٨٦١ - [حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ. وزَادَ: «أَىَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ»].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>(٤٢) بَابُ الإِحْصَارِ</span>\n===\nوقوله في الحديث: \"ثم نسكت\" بظاهره يخالف ما في مسلم من حديث عبد الله بن معقل، حدثني كعب بن عجرة، وفيه: \"قال له: هل عندك نسك؟، قال: ما أقدر عليه\"، وفي رواية عنده: \"أتجد شاة؟ فقلت: لا\"، ويمكن الجواب عنه أنه إذ ذاك حين سأله رسول الله - ﷺ - لم يكن واجدًا للشاة، ثم بعد ذلك حصلت له وقدر عليها، فذبحها، والله أعلم.\n١٨٦١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة في هذه القصة)، أي في قصة كعب بن عجرة، (وزاد: أيَّ ذلك فعلت أجزأ عنك).\nهذا الحديث مذكور في حاشية بعض النسخ من المكتوبة والمجتبائية والقادرية ونسخة \"العون\" (١)، لم يذكر في غيرها، وكتب في آخر هذا الحديث: وذكر هذا الحديث في \"الأطراف\" (٢)، وعزاه إلى أبي داود، ثم قال: حديث القعنبي في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم، انتهى.\n\n(٤٢) (بَابُ الإحْصَارِ) (٣)\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" رقم (١٨٥٨).\n(٢) انظر: \"تحفة الأشراف\" رقم (١١١١٤).\n(٣) وفي الباب عشرة أبحاث مفيدة:\nالأول: أن الحصر يختص بالعدو عند الثلاثة، خلافًا للحنفية، ورواية للحنابلة.\nالثاني: نقل عامتهم أن لا حصر عند مالك في العمرة، ولا يصح، بل الأربعة متفقة =","vol":"7","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالإحصار في اللغة (١): هو المنع، والمُحْصَر: هو الممنوع، وفي عرف\n_________\n= على الحصر عنها أيضًا، والخلاف لابن سيرين، وكذا لا يصح ما حكى بعض الحنفية خلاف الشافعي في ذلك.\nالثالث: لا يجب فضاء ما أُحْصِر عنه عند الشافعي ومالك، وهو الصحيح عند أحمد، وعنه يجب القضاء، وهو قول الحنفية.\nالرابع: يجب الهدي للإحصار عندنا مطلقًا، وعند أحمد إذا لم يشترط التحلل عند الإحرام، وعند الشافعي في الحصر بالعدو مطلقًا، وفي المرض إذا لم يشترط التحلل بالهدي، سواء سكت عن الهدي أو نفاه، وعامتهم نقلوا المذاهب غلطًا، وعند مالك: لا يجب الهدي بل هو مندوب.\nالخامس: اختلافهم في زمان النحر ومكانه، أما الأول: فأجمعوا على نحر المعتمر متى شاء، وأما الحاج فيوم النحر عند الصاحبين، وهو رواية لأحمد، وقال الجمهور: متى شاء، وأما الثاني: فيتوقف على الحرم عندنا، وموضع الحصر عند الشافعي، وهما روايتان لاْحمد، والثالث له: إن قدر على أطراف الحرم يلزمه، وعند مالك في الحصر بالعدو: إن لم يجد من يرسل معه فأينما شاء، وفي المرض: يحبسه معه ندبًا أو وجوبًا، قولان، إن لم يخف العطب، وإلا فيرسله إن وجد، وإلَّا فأينما شاء.\nالسادس: العاجز عن الهدي ينتقل إلى قيمته طعامًا، ثم إلى الصوم عن كل مد يومًا، وعند أحمد: ينتقل بعد الهدي إلى صوم عشرة أيام، ولا إطعام فيه، ولا بدل له عندنا ومالك إلَّا في رواية لأبي يوسف، فكالشافعي إلا عنده يصوم عن كل نصف صاع يومًا.\nالسابع: العاجز عن البيت بعد الوقوف، فيه تفصيل في \"الأوجز\".\nالثامن: العاجز عن الوقوف يفسخ إلى العمرة عند أحمد، ويتحلل بأفعالها عند الثلاثة.\nالتاسع: يلزمه الحلق أو التقصير عند التحلل في المرجح للشافعي خلافًا لنا ومالك، وهما روايتان لأحمد مرجحتان.\nالعاشر: هل للاشتراط تأثير في الإحصار؟ قلنا ومالك: لا، وقال أحمد: له تأثير في سقوط الدم، سواء كان الإحصار بالعدو أو المرض، ولا يجوز التحلل في المرض بدونه، وكذلك عند الشافعي إلَّا أنه يقول: لا تأثير له في الحصر بالعدو، هذا خلاصة ما في \"الأوجز\". [انظر: \"الأوجز\" (٧/ ٢٢٦ - ٢٤٨)]. (ش).\n(١) بسط الكلام على اللغة صاحب \"البحر العميق\" بما لا مزيد عليه. (ش).","vol":"7","page":258},{"text":"١٨٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصَارِىَّ\n===\nالشرع: هو اسم لمن أحرم، ثم مُنِعَ عن المضي في موجب الإحرام، سواء كان المنع من العدو، أو المرض، أو الحبس، أو الكسر، أو العرج، أو ذهاب النفقة، أو سكون الهواء في البحر وغيرها من الموانع من إتمام ما أحرم به حقيقة أو شرعًا، وهذا عندنا. وقال الشافعي: لا إحصار إلَّا من العدو.\nقال العيني في \"شرح البخاري\" (١): اختلف العلماء في الحصر بأي شيء يكون، وبأي معنى يكون، فقال قوم - وهم عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري -: يكون الحصر بكل حابس من مرض، أو غيره: من عدو، وكسر، وذهاب نفقة ونحوها، مما يمنعه عن المضي إلى البيت، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت.\nوقال آخرون - وهم الليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق -: لا يكون الإحصار إلَّا بالعدو فقط، ولا يكون بالمرض، وهو قول عبد الله بن عمر.\n١٨٦٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن حجاج الصواف، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: سمعت حجاج بن عمرو) بن غزية بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتانية (الأنصاري) المازني المدني، له صحبة، روى له الأربعة حديثًا واحدًا، قد صرح بسماعه من النبي - ﷺ - في الحديث الذي أخرجوه له في الحج، وذكره بعضهم في التابعين، منهم: العجلي وابن البرقي، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، ويقال: الحجاج بن أبي الحجاج، وهو الذي ضرب مروان بن الحكم يوم الدار فأسقطه، وقال أبو نعيم: شهد مع علي - ﵁ - صفِّينَ.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٤٤٦).","vol":"7","page":259},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ\n===\n(قال: قال رسول (١) الله - ﷺ -: من كُسِرَ) بضم الكاف وكسر السين (أو عَرَج) بفتح المهملة والراء، أي: أصابه شيء في رجله وليس بخلقة، فإذا كان خلقة قيل: \"عَرِج\" بكسر الراء (فقد حل) أي: جاز له أن يحل بغير دم، وهو كقول النبي - ﷺ -: \"إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم\" (٢)، ومعناه: أي حل له الإفطار، فكذا ها هنا معناه يجوز له أن يحل.\nأما دليل جوازه فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣)، وفيه إضمار، ومعناه - والله أعلم -: فإن أُحْصِرْتم عن إتمام الحج والعمرة، وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما تيسر من الهدي، إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي.\nألا ترى أن له أن لا يتحلل ويبقى محرمًا كما كان، إلى أن يزول المانع فيمضي في موجب الإحرام، وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٤)، معناه: فحلق ففدية، وإلا فكون الأذى في رأسه لا يوجب الفدية، وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥)، معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر، وإلَّا فنفس المرض والسفر لا يوجب الصوم في عدة من أيام أخر.\nوكذا قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٦)، معناه: فأكل فلا إثم عليه، وإلَّا فنفس الاضطرار لا يوجب الإثم، كذا ها هنا، قاله [صاحب] \"البدائع\" (٧).\n_________\n(١) راجع: \"تأويل مختلف الحديث\" لابن قتيبة (ص ٣٨٨). (ش).\n(٢) أخرجه البخاري رقم (٩٩٦)، ومسلم رقم (١١٠١)، والترمذي رقم (٦٩٨).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(٥) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(٦) سورة البقرة: الآية ١٧٣.\n(٧) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٩٤، ٣٩٥).","vol":"7","page":260},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني (١): تمسك بظاهر هذا أبو ثور وداود فقالا: إنه يحل في مكانه بنفس الكسر والعرج، وأجمع بقية العلماء على أنه يحل من كسر أو عرج، ولكن اختلفوا فيما به يحل، وعلام يُحمَل هذا الحديث؟ فقال أصحاب الشافعي: إنه يُحمَل على ما إذا اشترط التحلل به، فإذا وجد الشرط صار حلالًا، ولا يلزم الدم، وقال مالك وغيره: يحل بالطواف بالبيت، لا يحله غيره، ومن خالفه من الكوفيين [يقول]: يحل بالنية والذبح والحلق، انتهى.\nثم قد اختلف الحنفية والشافعية في الإحصار، فقالت الحنفية: الإحصار يتحقق من كل ما يمنعه من المضي في موجب الإحرام، وقالت الشوافع: لا بد للإحصار من العدو.\nووجه قول الشافعي: أن آية الإحصار نزلت في أصحاب رسول الله - ﷺ - حين أُحْصِروا من العدو، وفي آخر الآية دليل عليه، وهو قوله ﷿: ﴿فَإذَآ أَمِنتُمْ﴾، والأمان من العدو يكون، وروي عن ابن عباس وابن عمر: \"لا حصر إلا من عدو\".\nولنا عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرتمُ﴾، والإحصار: هو المنع، والمنع كما يكون من العدو يكون من المرض وغيره، والعبرة بعموم اللفظ عندنا لا بخصوص السبب.\nوأما قوله تعالى: ﴿فَإذَآ أَمِنتُمْ﴾، فالجواب عنه بالوجهين، أحدهما: أن الأمن كما يكون من العدو يكون من زوال المرض، كما قال النبي - ﷺ -: \"الزكام أمان من الجذام\"، ولأنه إذا زال مرض الإنسان أمن الموت منه.\nوالثاني: أن هذا يدل على أن المُحصَرَ من العدو مراد من الآية الشريفة، وهذا لا ينفي كونَ المحصَر من المرض مرادًا منها.\nوما روي عن ابن عباس وابن عمر - ﵄ - أنه إن ثبت\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٥٠).","vol":"7","page":261},{"text":"وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ\".\nقَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عن ذَلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ. [ت ٩٤٠، جه ٣٠٧٧، ن ٢٨٦٠، حم ٣/ ٤٥٠، دي ١٨٩٤]\n===\nفلا يجوز أن يُنْسَخ به مطلقُ الكتاب، كيف وأنه لا يرى نسخ الكتاب بالسنَّة؟ ! ملخص ما في \"البدائع\" (١).\n(وعليه الحج من قابل) (٢)، قال في \"البدائع\" (٣): وأما وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل، فجملة الكلام فيه أن المُحْصَر لا يخلو إما إن كان أحرم بالحجة، وإما إن كان أحرم بالعمرة لا غير، وإما إن كان أحرم بهما بأن كان قارنًا، فإن كان أحرم بالحجة لا غير، فإن بقي وقت الحج عند زوال الإحصار، وأراد أن يحج من عامه ذلك أحرم وحَجَّ، وليس عليه نية القضاء ولا عمرة عليه، كذا ذكره محمد في \"الأصل\" (٤).\nوذكر ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: وعليه دم لرفض الإحرام الأول، وإن تحولت السنَّة فعليه قضاء حجة وعمرة، ولا تسقط عنه تلك الحجة إلَّا بنية القضاء.\nوروى الحسن عن أبي حنيفة: أن عليه قضاء حجة وعمرة في الوجهين جميعًا، وعليه نية القضاء فيهما، وهو قول زفر، وقال الشافعي: عليه قضاء حجة لا غير.\n(قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك) الحديث (فقالا: صدق)، قال الشوكاني: حديث الحجاج بن عمرو سكت عنه أبو داود\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٩٠، ٣٩١).\n(٢) قال القاري في \"شرح النقاية\": عليه الحج للزومه بالإحرام والعمرة؛ لأنه في معنى فائت الحج، فإذا لم يأت بها قضاها، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس - ﵃-. (ش).\n(٣) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٠٢).\n(٤) (٢/ ٤٦٢).","vol":"7","page":262},{"text":"١٨٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ كُسِرَ (١) أَوْ عَرِجَ أَوْ مَرِضَ»، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ (٢). [جه ٣٠٧٨، وانظر سابقه]\n١٨٦٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَاضِرٍ الْحِمْيَرِىَّ\n===\nوالمنذري، وحسنه الترمذي، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة والحاكم والبيهقي، انتهى.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه والنسائي أيضًا، وقال الحاكم في \"المستدرك\" (٣) والذهبي في \"تلخيصه\": صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه (٤)، انتهى.\n١٨٦٣ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: من كسر أو عرج أو مرض، فذكر معناه)، أي: معنى الحديث المتقدم.\nقلت في هذا السياق زيادتان: زيادة في السند، وزيادة في المتن، أما الزيادة في السند فهي زيادة عبد الله بن رافع بين عكرمة والحجاج، وهو من المزيد في متصل الأسانيد، والزيادة في المتن زيادة \"أو مرض\".\n١٨٦٤ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر الحميري) هو عثمان بن حاضر\n_________\n(١) في نسخة: \"من عرج أو كسر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال سلمة بن شبيب: قال: أنا معمر\".\n(٣) \"المستدرك\" (١/ ٤٨٣)، وابن ماجه (٣٠٧٧).\n(٤) قلت: بل أخرجه البخاري أيضًا، لكنه اختصره، والتفصيل في \"فتح الباري\" (٤/ ٧). (ش).","vol":"7","page":263},{"text":"يُحَدِّثُ أَبِى: مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ قَالَ: \"خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا عَامَ حَاصَرَ أَهْلُ الشَّامِ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَبَعَثَ مَعِى رِجَالٌ مِنْ قَوْمِى بِهَدْىٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ مَنَعُونَا أَنْ نَدْخُلَ الْحَرَمَ، فَنَحَرْتُ الْهَدْىَ مَكَانِى ثُمَّ أَحْلَلْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ خَرَجْتُ لأَقْضِىَ عُمْرَتِى، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: أَبْدِلِ الْهَدْىَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبْدِّلُوا الْهَدْىَ الَّذِى نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ\".\n===\nالحميري، ويقال: الأزدي، أبو حاضر القاصّ، وقال عبد الرزاق: عثمان بن أبي حاضر، قال في \"التقريب\": هو وهم. قال أبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحاكم: شيخ من أهل اليمن، مقبول صدوق، وقال ابن حزم في \"المحلى\": أبو حاضر الأزدي مجهول.\n(يحدث أبي: ميمون بن مهران) بدل من أبي، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو ميمون بن مهران (قال) أبو حاضر: (خرجت معتمرًا عام حَاصَرَ أهلُ الشام) أي: الحجاج وعسكره (ابنَ الزبير) عبدَ الله (بمكة، وبعث معي رجال من قومي بهدي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرمَ، فنحرت الهديَ مكاني) أي: في المكان الذي أُحْصِرْتُ فيه (ثم أحللت ثم رجعت).\n(فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي) التي فاتتني (فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أَبدِلِ الهديَ؛ فإن رسول الله - ﷺ - أمر أصحابه) أي بعض أصحابه، والمراد بهم الذين ذبحوا هداياهم خارج الحرم (أن يبدلوا (١) الهدي الذي نحروا) خارج الحرم (عام الحديبية في عمرة القضاء) متعلق بأَمَرَهم، يعني أمرهم بأن ينحروا بدل ما نحروا في السنة المتقدمة لعدم إجزاء الأول بعدم وقوعه في الحرم.\n_________\n(١) وهل يشكل عليه ما قاله البخاري من عدم التبديل؟ فتأمل. (ش).","vol":"7","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>(٤٣) بَابُ دُخُول مَكَّة</span>\n١٨٦٥ - حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ بَاتَ بِذِى طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ،\n===\nقال الطيبي (٢) - ﵀ -: يستدل بهذا الحديث من يوجب القضاء على المحصر إذا حل حيث أحصر، ومن يذهب إلى أن دم الإحصار لا يذبح إلَّا في الحرم فإنهم أمرهم بالإبدال، لأنهم نحروا هداياهم في الحديبية خارج الحرم، انتهى.\nوفيه دلالة على أنه - ﷺ - ومن تبعه ذبحوا دم إحصارهم في أرض الحرم، وهو مذهب أبي حنيفة - ﵀ - \"قاري\" (٣).\n\n(٤٣) (بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ)، أي: آدابها\n١٨٦٥ - (حدثنا محمد بن عبيد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: أن ابن عمر كان إذا قدم مكة بات) أي أقام ليلًا (بذي طوى) قال العيني (٤): ذو طوى مثلثة، وبتخفيفِ الواو: واد معروف بقرب مكة، وقال النووي: هو موضع بباب مكة بأسفلها في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة، ويُعرَف اليوم بآبار الزاهد، يصرف ولا يصرف، وقال أيضًا: إنه مقصور منون، وفي \"التوضيح\": هو ربض من أرباض مكة، وطاؤه مثلثة مع الصرف وعدمه والمد أيضًا، وقال السهيلي: واد بمكة في أسفلها.\n(حتى يُصْبِحَ) أي يدخل في الصباح (ويغتسل) ولفظ البخاري: \"حتى إذا جاء\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أحمد بن حنبل، ثنا إسماعيل ح، ونا\".\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٤٩).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٩٣).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ٨٢).","vol":"7","page":265},{"text":"ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهُ فَعَلَهُ\". [خ ١٥٥٣، م ١٢٥٩، دي ١٩٢٧، حم ٢/ ١٦، ق ٥/ ٧١]\n١٨٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ (١) الْبَرْمَكِيُّ،\n===\nذا طوى بات به حتى يصبح، فإذا صلَّى الغداة اغتسل\". (ثم يدخل مكة نهارًا).\nقال النووي (٢): هذا الحديث دليل لمن قال: يستحب للمحرم دخول مكة نهارًا لا ليلًا، وهو أصح الوجهين لأصحابنا. وبه قال ابن عمر وعطاء والنخعي وإسحاق بن راهويه وابن المنذر. والثاني: دخولها ليلًا ونهارًا سواء لا فضيلة لأحدهما على الآخر، وهو قول القاضي أبي الطيب والماوردي وابن الصباغ والعبدري من أصحابنا. وبه قال طاوس والثوري، وقالت عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز: يستحب الدخول ليلًا وهو أفضل من النهار، والله أعلم.\nوفي \"لباب المناسك\" (٣): ولا بأس بدخوله (٤) ليلًا ونهارًا، ولكن دخوله نهارًا أفضل، وفي \"فتاوى قاضي خان\": المستحب أن يدخلها نهارًا لما كان ابن عمر - ﵁ - لا يقدم مكة، الحديث.\n(وبذكر عن النبي - ﷺ - أنه فعله) أي المبيت بذي طوى، والاغتسال، ثم دخول مكة نهارًا، قال الحافظ في \"الفتح\" (٥): قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء، وقال الشافعية: إن عجز عن الغسل تيمَّم.\n١٨٦٦ - (حدثنا عبد الله بن جعفر) بن يحيى بن خالد بن برمك (البرمكي) أبو محمد البصري، نشأ بالبصرة، ثم سكن بغداد، ذكره ابن حبان في\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله بن جعفر بن يحيى\".\n(٢) انظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٩، ١٠).\n(٣) \"شرح القاري على اللباب\" (ص ١٢٦، ١٢٧).\n(٤) بدخوله، أي: بدخول الحرم، وقال القاري: والصواب: بدخولها، أي: مكة.\n(٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣٥).","vol":"7","page":266},{"text":"حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَابْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ يَحْيَى. (ح): وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (١)، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا (٢)، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى\n===\n\"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، وقال ابن خنزابة: صدوق، وقال مسلمة: ثقة.\n(نا معن) بن عيسى، (عن مالك، ح: وحدثنا مسدد وابن حنبل، عن يحيى) القطان، (ح: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، أنا أبو أسامة) جميعًا، كما في نسخة، أي يحيى القطان وأبو أسامة يرويان مجتمعين (عن عبيد الله) كلاهما أي مالك بن أنس وعبيد الله يرويان (عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان يدخل مكة من الثنية العليا).\nقال الحافظ (٣): كل عقبة في جبل أو طريق عال فيه تسمى ثنية، والمراد بها كَداء بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف، وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المُعَلَّى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها: الحَجُون، بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى، فسهَّلها معاوية، ثم عبد الملك، ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمان مائة موضع، ثم سُهِّلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود عشرين وثمان مائة، انتهى.\n(وبخرج من الثنية السفلى) وهي كُدى بضم الكاف مقصور، وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع.\n_________\n(١) زاد في نسخة \"جميعًا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قالا عن يحيى عن النبي - ﷺ -: كان يدخل مكة من كداء من ثنية البطحاء\". (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣٧).","vol":"7","page":267},{"text":"زَادَ الْبَرْمَكِيُّ: يَعْنِي ثَنِيَّتَيْ مَكَّةَ (١) \". [خ ١٥٧٥، م ١٢٥٧، جه ٢٩٤٠، حم ٢/ ٢٩، دي ١٩٢٨]\n١٨٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ\". [خ ١٥٣٣، م ١٢٥٧، حم ٢/ ١٤٢]\n===\nقلت: وما رأيت الباب ولا أثرًا منه حين حضرتها سنة ثلاث وتسعين بعد الألف والمائتين.\n(زاد البرمكي: يعني ثَنِيَّتي مكة) وهذا تفسير غير مفيد؛ فإنه معلوم لكل واحد من السياق أنهما ثنيتان بمكة، وكذلك فسَّرهما البخاري في \"صحيحه\" بقوله: قال أبو عبد الله: كداء وكدًى موضعان، قال الحافظ (٢): وهذا التفسير غير مفيد.\n١٨٦٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان يخرج) من المدينة إذا سافر إلى مكة (من طريق الشجرة) أي الشجرة التي كانت بذي الحليفة (ويدخل من طريق المعرَّس) بالضم، ثم الفتح، وتشديد الراء، وفتحها: مسجد ذي الحليفة على ستة أميال من المدينة، كان رسول الله - ﷺ - يُعَرِّسُ فيه ثم يرحل لغزوة أو غيرها. كذا في \"المعجم\" (٣).\nفمطابقة هذا الحديث بالباب: أن هذا الحديث والحديث المتقدم واحد، أخرجه مسلم في \"صحيحه\" من طريق عبد الله بن نمير بهذا السند فجعلهما حديثًا واحدًا، وأما أبو داود المؤلف أو شيخه عثمان فقطعه وجعله حديثين.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وحديث مسدد أتم\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣٨).\n(٣) \"معجم البلدان\" (٥/ ١٥٥).","vol":"7","page":268},{"text":"١٨٦٨ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَدَخَلَ فِى الْعُمْرَةِ مِنْ كُدًى،\n===\n١٨٦٨ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن أبيه) عروة، (عن عائشة قالت: دخل رسول الله - ﷺ -) مكة (عام الفتح) أي فتح مكة (من كداء من أعلى مكة، ودخل) مكة (في العمرة من كدىً).\nقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١): وكان في العمرة يدخل من أسفلها، انتهى.\nولكن قال العيني (٢) في شرح هذا الحديث حديث عائشة: وفيه استحباب الدخول إلى مكة من الثنية العليا، والخروج من السفلى، سواء فيه الحاج والمعتمر، ومن دخلها بغير إحرام، انتهى.\nقلت: هذا الحديث رواه الجماعة إلَّا الترمذي، وليس فيه ما زاد أبو داود من قوله: \"ودخل في العمرة من كدىً\"، وقد أخرج البيهقي (٣) هذا الحديث من طريق هارون بن عبد الله البزاز، ثنا أبو أسامة، قال: وحدثنا القاسم، ثنا أبو كريب، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة، وخرج في العمرة من كدًى، قال هشام: فكان أبي يدخل منهما كلاهما، قال: وكان أبي كثيرًا ما يدخل من كُدًى. لفظ القاسم: وقالوا: ودخل في العمرة من كُدًى، وكان عروة يدخل منهما جميعًا، وكان أكثر ما يدخل من كُدًى، وكان أقربهما إلى منزله\".\nرواه البخاري في \"الصحيح\" عن محمود، عن أبي أسامة، وقال في متنه: \"ودخل عام الفتح من كداء، وخرج من كُدًى من أعلى مكة\"، ورواه مسلم\n_________\n(١) (٢/ ٢٢٤).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ١٢٤).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٧١).","vol":"7","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن أبي كريب، وقال في متنه: \"دخل عام الفتح من كداء، ولم يذكر العمرة\"، وذكر قول هشام. ففي تخريج البيهقي هذا التصريحَ بأن ما وقع في رواية أبي داود من قوله: \"ودخل في العمرة من كدىً\" غير معتمد.\nوحاصله أن هذا الحديث فيه جزآن: أولهما: دخل عام الفتح من كداء، وهذا الجزء الأول متفق عليه، ليس فيه شائبة اختلاف، والجزء الثاني فوقع فيه اختلاف كثير، أما أبو داود فقال: \"ودخل في العمرة من كدىً\"، وخالفه البخاري فقال: \"وخرج من كُدًى من أعلى مكة\"، فخالف في ثلاثة أمور:\nأولها: أن البخاري قال: \"خرج\" بدل \"دخل\"، وثانيها: أنه ترك ذكر العمرة، وثالثها: قال: من كدىً من أعلى مكة، فكون كدىً من أعلى مكة وَهْمًا من أبي أسامة.\nقال الحافظ (١): كذا رواه أبو أسامة فقلَّبه، والصواب ما رواه عمرو وحاتم، عن هشام: \"دخل من كداء من أعلى مكة\".\nويمكن توجيهه أن قوله: \"من أعلى مكة\"، بيان وتفسير للفظ \"كداء\"، كان في الجزء الأول تأخر عن محله لعدم التباسه بالشهرة.\nوأما مسلم فأخرج هذا الحديث في \"صحيحه\" من حديث أبي كريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: \"أن رسول الله - ﷺ - دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة\"، قال هشام: \"وكان أبي يدخل\"، الحديث.\nفخالف مسلم أبا داود في أنه لم يذكر الجزء الثاني من الحديث، ولا ذكر العمرة، فلعله فعل ذلك لما وقع فيها من الاختلاف والاضطراب.\nثم أخرجه البيهقي بطريقين: أحدهما من طريق هارون بن عبد الله،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣٧).","vol":"7","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن أبي أسامة، وهو طريق أبي داود أيضًا، فلفظ سياقه: \"وخرج في العمرة من كدىً\"، وهذا مخالف صريح لسياق أبي داود، فإن فيه: \"دخل في العمرة\".\nوثانيهما من طريق القاسم، عن أبي كريب، عن أبي أسامة، ولفظ هذا السياق: \"وقالوا: ودخل في العمرة من كدىً\"، وهذا السياق موافق لسياق أبي داود، ولكنه زاد لفظ: \"وقالوا\"، ليدل على أن هذا اللفظ قائلوه مجهولون (١)، فهذا كله يدل على أن هذا اللفظ غير معتمد، والله أعلم.\n_________\n(١) قلت: وقع هنا تسامح من الشيخ (سامحه الله ورفع درجاته ومتَّعنا بعلومه وبركاته) في نقل إسناد \"البيهقي\" ثم في توضيحه، وإليك تمام لفظ \"البيهقي\" بإسناده ومتنه: أخبرنا أبو عمرو الأديب، أبنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان النسوي وأبو يعلى الموصلي وعبد الله بن صالح صاحب البخاري قالوا: ثنا هارون بن عبد الله البزاز نسبه الحسن، ثنا أبو أسامة (قال وحدثنا) القاسم، ثنا أبو كريب، ثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -: أن النبي - ﷺ - دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة، وخرج في العمرة من كدىً، قال هشام: فكان أبي يدخل منهما كلاهما، قال: وكان أبي كثيرًا ما يدخل من كدى - لفظ القاسم، وقالوا: ودخل في العمرة من كدىً، وكان عروة يدخل منهما جميعًا، وكان أكثر ما يدخل من كدى وكان أفربهما إلى منزله - رواه البخاري في الصحيح ... إلخ.\nقلت: فأبو بكر يرويه عن شيوخه الثلاثة - الحسن وأبي يعلى وعبد الله - كلهم عن هارون عن أبي أسامة ...، وأيضًا يروي عن شيخه القاسم عن أبي كريب عن أبي أسامة ...، فاختلف لفظ شيوخه الثلاثة (الآخذين عن هارون) عن لفظ شيخه القاسم (الآخذ عن أبي كريب)، فلفظ القاسم: \"وخرج في العمرة من كدى\" ولفظهم: \"ودخل في العمرة من كدى\" كما في حديث أبي داود، فلا مخالفة بين لفظ أبي داود وبين لفظ \"البيهقي\" في حديث هارون أصلًا، نعم توجد المخالفة بين حديث هارون وبين حديث أبي كريب الذي تفرَّد عنه القاسم بلفظ: \"وخرج في العمرة من كدىً\" عند \"البيهقي\"، هذا! وقد اتضح بما ذكر أن لفظ: \"ودخل في العمرة من كدى\" قائلوه ليسوا بمجهولين، بل هم هؤلاء الثلاثة المذكورون، ومنشأ الخطأ فيما أرى- والله أعلم - الشرطة الحائلة بين \"كدى\" وبين \"لفظ القاسم\" في النسخة المطبوعة لسنن البيهقي من الهند ثم في المصورة عنها، فإنها توهم أن \"وقالوا ودخل ... إلخ\" هو لفظ القاسم وليس كذلك، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":271},{"text":"وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وأَكْثَرُ مَا كَانَ يَدْخُلُ مِنْ كُدًى، وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ\". [خ ١٥٧٨، م ١٢٥٨، حم ٦/ ٥٨]\n١٨٦٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا\". [خ ١٥٧٧، م ١٢٥٨، ت ٨٥٣، ق ٥/ ٧١]\n\n(٤٤) بابٌ: في رَفْعِ الْيَدِ (١) إِذَا رَأَى الْبَيْت\n١٨٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا قَزَعَةَ\n===\n(وكان عروة يدخل) مكة (منهما جميعًا) أي من كَداء من أعلى مكة مرة، وأخرى من كُديً من أسفل مكة (وأكثر ما كان يدخل) مكة (من كدىً) من أسفل مكة (وكان) كدىً (أقربهما) أي الثنيتين (إلي منزله)؛ لأن منزله كان مما يلي هذه الثنية.\n١٨٦٩ - (حدثنا ابن المثنى، نا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل مكة دخل من أعلاها) من طريق الحجون (وخرج من أسفلها) أي من طريق شبيكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>(٤٤) (بابٌ: في رَفْعِ الْيَدِ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ)</span>، هل هو مشروع أم لا؟\n١٨٧٠ - (حدثنا يحيى بن معين، أن محمد بن جعفر حدثهم، نا شعبة، سمعت أبا قزعة) سويد مصغرًا، ابن حجير بتقديم الحاء المهملة مصغرًا، ابن بيان الباهلي البصري، عن أحمد: من الثقات، وقال ابن المديني وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال أبو بكر البزار في \"السنن\": ليس به بأس.\n_________\n(١) في نسخة: \"اليدين\".","vol":"7","page":272},{"text":"يُحَدِّثُ عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّىِّ قَالَ: \"سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ (١) يَدَيْهِ؟ فَقَالَ (٢): مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا الْيَهُودَ، قَدْ (٣) حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ\" (٤). [ت ٨٥٥، ن ٢٨٩٥، دي ١٩٢٠، خزيمة ٢٧٠٤، ق ٥/ ٧٣]\n===\n(يحدث عن المهاجر المكي) هو مهاجر بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي المخزومي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال أبو حاتم في \"العلل\": لا أعلم أحدًا روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور، وقال الخطابي: ضَعَّف الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق حديث مهاجر في رفع اليدين عند رؤية البيت؛ لأن مهاجرًا عندهم ضعيف.\n(قال: سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت يرفع يديه؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي: هل يرفع يديه أم لا؟ أو يقال: تقديره: يرى البيت فيرفع يديه، وجملة السؤال محذوف، أي: هل هو مشروع أم لا؟ (فقال) جابر: (ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا) أي يرفع يديه عند رؤية البيت (إلَّا اليهود) فإنهم إذا رأوا بيت المقدس رفعوا أيديهم.\nوقال السندي (٥) في حاشية النسائي: قوله: \"يفعل هذا\": أي الرفع في غير محله، أو الرفع عند رؤية البيت، وذلك لأن اليهود أعداء البيت، فإذا رأوه رفعوا أيديهم لهدمه وتحقيره، وليس المراد أن اليهود يزورونه ويرفعون الأيدي عنده بذلك، والله أعلم، انتهى.\n(قد حججنا مع رسول الله - ﷺ - فلم يكن) رسول الله - ﷺ - (يفعله) أي رفع اليدين عند رؤية البيت.\n_________\n(١) في نسخة: \"فيرفع\"، وفي نسخة: \"ويرفع\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"فقد\".\n(٤) في نسخة: \"فلم نكن نفعله\".\n(٥) انظر: \"سنن النسائي مع حاشية السندي\" (٥/ ٢١٢)، رقم (٢٨٩٥).","vol":"7","page":273},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال القاري (١): قال الطيبي - ﵀ -: وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي - رحمهم الله تعالى -، خلافًا لأحمد وسفيان الثوري - رحمهما الله تعالى -، وهو غير صحيح (٢) عن أبي حنيفة والشافعي أيضًا؛ فإنهم صرحوا أنه يسن إذا رأى البيت، أو وصل لمحل يرى منه البيت إن لم يره لعمى أو لظلمة: أن يقف ويدعو رافعًا يديه.\nقلت: رجَّح القاري ها هنا في \"شرح المشكاة\" الرفعَ، ورجح في \"شرح اللباب\" (٣) عدمَ الرفع في شرح قوله: \"ولا يرفع يديه عند رؤية البيت\": ولو حال دعائه، لعدم ذكره في المشاهير من كتب الأصحاب: \"القدوري\"، و\"الهداية\"، و\"الكافي\"، و\"البدائع\"، بل قال السروجي: المذهب تركه، وبه صرح صاحب \"اللباب\"، وكلام الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" صريح أنه يكره الرفع عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ونقل عن جابر - ﵁ - أن ذلك من فعل اليهود.\nثم قال الماتن: (وقيل: يرفع) أي يديه، كما ذكره الكرماني، وسمَّاه البصروي مستحبًا، وكأنهما اعتمدا على مطلق آداب الدعاء، ولكن السنَّة متبعة في الأحوال المختلفة، أما ترى أنه - ﷺ - دعا في الطواف، ولم يرفع يديه حينئذ؟ وأما ما يفعله بعض العوام من رفع اليدين في الدعاء (٤) عند دعاء جماعة من أئمة الشافعية والحنفية بعد الصلاة فلا وجه له، ولا عبرة بما جوَّزه ابن حجر المكي، وقد بلغني أن العلامة البرهمطوشي كان يزجر من يرفع يديه حال الطواف.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٦٧).\n(٢) وصح النقل عن أحمد، فقد صرح الموفق (٥/ ٢١١) باستحبابه لحديث ابن عباس: \"لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن\"، وحكي الإنكار عن مالك، لحديث المهاجر هذا. (ش).\n(٣) \"شرح اللباب\" (ص ١٢٨).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"شرح اللباب\" (ص ١٢٨): \"في الطواف\".","vol":"7","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): حديث جابر، قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث شعبة، وذكر الخطابي: أن سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ضعفوا حديث جابر هذا؛ لأن في إسناده مهاجر بن عكرمة المكي، وهو ضعيف (٢) عندهم.\nثم قال: قال الشافعي بعد ما أورد حديث ابن جريج: ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت (٣) شيء، فلا أكرهه ولا أستحبُّه. قال البيهقي (٤): فكأنه لم يعتمد على الحديث (٥) لانقطاعه. والحاصل: أنه ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت، وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، انتهى.\nوقال البيهقي في \"سننه\" في \"باب رفع اليدين إذا رأى البيت\" بعد تخريج أحاديث الرفع وعدمِه: قال الشيخ: الأول مع إرساله أشهر عند أهل العلم من حديث مهاجر، وله شواهد وإن كانت مرسلة، والقول في مثل هذا قول من رأى وأثبت، انتهى.\nقال القاري (٦) بعد ما نقل القول المتقدم للبيهقي: أقول: الجمع بينهما بأن يحمل الإثباتُ على أول رؤية، والنفيُ على كل مرة.\nقلت: ويمكن أن يقال في توجيه الجمع بينهما: إن الإثبات راجع إلى رفع اليدين في الدعاء ببسط اليدين ورفعِهما إلى الصدر، وأما ترك الرفع فراجع إلى\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٨٤).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"النيل\": \"مجهول\".\n(٣) قال ابن حجر في \"شرح مناسك النووي\" (ص ٢٣٢): إن الإثبات مقدم مع أن النفي ضعفه سفيان وابن المبارك وأحمد، انتهى. (ش).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٧٣).\n(٥) وقع في الأصل: \"الحديثين\"، وهو تحريف.\n(٦) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٦٨).","vol":"7","page":275},{"text":"١٨٧١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سلَّام بْنُ مِسْكِينٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (١) خَلْفَ الْمَقَامِ يَعْنِى يَوْمَ الْفَتْحِ\". [م ١٧٨٠]\n===\nالرفع الذي يكون لتعظيم البيت، مثل رفع اليدين في التحريمة إلى الآذان، والله تعالى أعلم.\n١٨٧١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا سلام بن مسكين) بن ربيعة الأزدي النمري، أبو روح البصري، قال أبو داود: سلام لقب، واسمه: سليمان، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: من الثقات، وعن ابن معين: ثقة صالح، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: لا بأس به، وقال أبو داود: كان يذهب إلى القدر، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير وأحمد بن صالح توثيقَه.\n(نا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - لما دخل مكة طاف بالبيت، وصلَّى ركعتين خلف المقام) أي مقام إبراهيم ﵇، وهو الحجر الذي رفع قواعد البيت قائمًا عليه.\n(يعني يومَ الفتح) هذا الحديث والحديث الآتي حديث واحد اختصره في الأول، وطوَّله في الثاني. وقد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" والطيالسي في \"مسنده\" (٢) أطول من هذا، ولفظ الطيالسي: \"ودخل رسول الله - ﷺ - فبدأ بالحجر فاستلمه، ثم طاف سبعًا، وصلَّى خلف المقام ركعتين، ثم جاء ومعه قوس أخذ بِسِيَتِها (٣)، فجعل يطعن بها في عين صنم من أصنامهم، وهو\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من\".\n(٢) \"مسند أبي داود الطيالسي\" (٢٥٦٤).\n(٣) سِيَة القَوْس: ما عطف من طرفيها، ولها سيتان، والجمع سيات، وليس هذا بابها، فإن الهاء فيها عوض من الواو المحذوفة كعدة، \"النهاية\" لابن الأثير (ص ٤٦٠).","vol":"7","page":276},{"text":"١٨٧٢ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَهَاشِمٌ - يَعْنِى ابْنَ الْقَاسِمِ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ،\n===\nيقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢)، ثم انطلق حتى أتى الصفا فعلا منه حتى يرى البيت\". ولفظ مسلم (٣): \"فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو\".\nومناسبة الحديث بالباب غير ظاهرة، إلَّا أن يقال: إن رسول الله - ﷺ - لما دخل مكة ابتدأ بطواف البيت، فبهذا يستدل على أنه لم يرفع يديه عند رؤيته ولو كان لَذُكِرَ.\n١٨٧٢ - (حدثنا ابن حنبل، نا بهز بن أسد وهاشم - يعني ابن القاسم -) أبو الأسود، البصري، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت، وعن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث حجة، ووثقه يحيى بن سعيد والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو الفتح الأزدي: صدوق كان يتحامل على عثمان، سيِّئ المذهب.\n(قالا: نا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله - ﷺ -) من المدينة إلى مكة (فدخل مكة، فأقبل رسول الله - ﷺ - إلى الحجر) الأسود (فاستلمه) والاستلام هو تقبيله ولمسه إن أمكن، وإلَّا فالوقوف بحياله مستقبلًا له رافعًا يديه مشيرًا بهما إليه؛ كأنه واضع يديه عليه.\n_________\n(١) في نسخة: \"أحمد بن حَنْبل\".\n(٢) سورة الإسراء: الآية ٨١.\n(٣) \"صحيح مسلم\" رقم (١٧٨٠).","vol":"7","page":277},{"text":"ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَتَى الصَّفَا فَعَلَاهُ حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ ﷿ مَا شَاءَ أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوهُ. قَالَ: وَالأَنْصَارُ تَحْتَهُ.\nقَالَ هَاشِمٌ: فَدَعَا وَحَمِدَ اللَّهَ، وَدَعَا بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ\". [خزيمة ٢٧٥٨، م ١٧٨٠]\n===\n(ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله ﷿ ما شاء أن يذكره ويدعوه).\n(قال) الظاهر أبو هريرة: (والأنصاب) وفي نسخة على الحاشية: والأنصار، وقد كتب في النسخة المكتوبة في متنها: والأنصاب، بالباء، وكتب في الحاشية: قوله: \"والأنصاب تحته\"، كذا هو في الأصل المنقول منه، وفي نسخ صحيحة: \"والأنصار\" بالراء، وكذا في جميع النسخ المطبوعة بالهند.\nوأما النسخة المطبوعة بمصر ففيها لفظ \"الأنصار\" في المتن، وليس فيه لفظ \"الأنصاب\"، فأما معنى الكلام على لفظ \"الأنصاب\" فكتب عن \"فتح الودود\": بمعنى الأحجار المنصوبة للصعود إلى الصفا، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقلت: وعندي معناه أن الأنصاب هي الأصنام التي كانت على الصفا، جعلها رسول الله - ﷺ - تحته، وصعد فوقها لتذليلها، ولئلا يتوهم تعظيمها.\nوأما على نسخة الأنصار بالراء فمعناه ظاهر، وهو أنه - ﷺ - علا على الصفا، والأنصار اجتمعوا تحته في الوادي ليكلمهم ويسمعوا صوته - ﷺ -،لأن هذا الصعود على الصفا لم يكن للسعي بين الصفا والمروة، فإن طوافه - ﷺ - كان طوافًا محضًا لا للعمرة حتى يسعى بين الصفا والمروة.\n(تحته. قال هاشم: فدعا وحمد الله، ودعا بما شاء أن يدعو)، وهذا إشارة إلى بيان الفرق بين لفظ بهز وهاشم.","vol":"7","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>(٤٥) بابٌ: في تَقْبِيلِ الْحَجَرِ</span>\n١٨٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ - ﵁ -: \"أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: إِنِّى أَعْلَمُ (١) أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ،\n===\n\n(٤٥) (بَابٌ: في تَقْبِيلِ الْحَجَرِ)، أي: الأسود\n١٨٧٣ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم) النخعي، (عن عابس بن ربيعة) النخعي الكوفي، قال الآجري عن أبي داود: جاهلي، سمع من عمر - ﵁ -، وقال النسائي: وقال ابن سعد: هو من مذحج، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عمر - ﵁ -: أنه) أي عمر (جاء إلى الحجر فقبَّله (٢) فقال) عمر: (إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر)، قال الحافظ (٣): وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وردت فيه أحاديث:\nمنها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: \"إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة\" الحديث، أخرجه أحمد والترمذي، وصححه ابن حبان، وفي إسناده رجاء أبو يحيى وهو ضعيف.\nومنها: حديث ابن عباس مرفوعًا: \"نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن فسوَّدته (٤) خطايا بني آدم\"، أخرجه الترمذي وصححه، وفيه عطاء بن السائب وهو من المختلطين.\n_________\n(١) في نسخة: \"لأعلم\".\n(٢) قال ابن قدامة (٥/ ٢١٢): قبَّل الحجر، وإن لم يمكن استلمه وقبَّل يده عند الثلاثة. وقال مالك: يضع يده على فيه من غير تقبيل ... إلخ، انتهى. ولله در من قال:\nأمرُّ على الديار ديار ليلى ... أقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا\nوما حبُّ الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٦٢ - ٤٦٣).\n(٤) قال الحافظ (٣/ ٤٦٣): اعنرض بعض الملحدين على الحديث، فقال: كيف سوَّدته =","vol":"7","page":279},{"text":"وَلَوْلَا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُكَ (١) مَا (٢) قَبَّلْتُكَ\". [خ ١٥٩٧، م ١٢٧٠، ن ٢٩٣٧، ت ٨٦٠، جه ٢٩٤٣، حم ١/ ٢٦]\n===\nومنها: ما في \"صحيح ابن خزيمة\" عن ابن عباس مرفوعًا: \"إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحقه\"، وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضًا.\nثم قال الحافظ: وقد روى الحاكم (٣) من حديث أبي سعيد: أن عمر - ﵁ - لما قال هذا، قال له علي ابن أبي طالب: إنه يضر وينفع، وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم، كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق يشهد لمن استلمه بالتوحيد\". وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جدًا.\nقال الطبري: إنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر - ﵁ - أن يظن الجهالُ أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر - ﵁ - أن يعلم الناس أن استلامه اتباعٌ لفعل رسول الله - ﷺ -، لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان.\n(ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبِّلك ما قبَّلتك)، قال الحافظ: وفي قول\n_________\n= خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد؟ وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان كذلك، وإنما أجرى العادةَ بأن السواد يصبغ، ولا ينصبغ على العكس من البياض. وقال المحب الطبري: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة؛ فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلب فتأثيرها في القلب أشد، وقال ابن عباس: إنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، انتهى. (ش).\n(١) في نسخة: \"قبلك\".\n(٢) في نسخة: \"لما\".\n(٣) \"المستدرك\" (١/ ٦٢٨)، ر قم (١٦٨٢).","vol":"7","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>(٤٦) بَابُ اسْتِلَامِ الأَرْكَانِ</span>\n١٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ (١) مِنَ الْبَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ\". [م ١٢٦٧، ن ٢٩٤٩، حم ٢/ ١٢٠، ق ٥/ ٧٦]\n===\nعمر - ﵁ - هذا التسليمُ للشارع في أمور الدين، وحسنُ الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي - ﷺ - فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه، وفيه دفْعٌ لما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصة ترحمع إلى ذاته، وأن الإِمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك.\n(٤٦) (بَابُ اسْتِلَامِ الأرْكَان)\nوالركن هو الجانب، والمراد ههنا هو ملتقى الجدارين من الخارج، والبيت له أربعة أركان: الركن الأسود، والركن اليماني، ويقال لهما: اليمانيان تغليبًا، والركن الشامي، والركن العراقي، ويقال لهما: الشاميان. فأما الركن الأسود (٢) فَيُقَبَّل ويُسْتَلَم، والركن اليمانى لا يقبل بل يمسُّ فقط. وأما الركنان الباقيان فلا يقبَّلان ولا يمسَّان؛ لأن البيت غير متمم على قواعد إبراهيم، فهذان الركنان ليسا على ركنيتهما بل هما وسط الجدار الشرقي والغربي.\n١٨٧٤ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا ليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر قال: لم أر رسول الله - ﷺ - يمسح من البيت إلَّا الركنين اليمانيين)، وقد ثبت من قول ابن عمر: إنما ترك رسول الله - ﷺ - استلام الركنين\n_________\n(١) في نسخة: \"يمس\".\n(٢) وإلى هذا التفصيل ذهب الجمهور كما بسطه الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٤٧٤)، والموفق (٥/ ٢٢٥)، ورد على الخرقي إذ قال: يقبل الركن اليماني أيضًا، وفي \"القسطلاني\": أنه لو استلمها لم يكره، ولا هو خلاف الأولى، بل هو حسن [انظر: \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٤٩]. (ش).","vol":"7","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالشاميين؛ لأن البيت ليس على قواعد إبراهيم، وقد وقع الاختلاف بين ابن عباس ومعاوية - ﵃ -، فكان معاوية يستلم الأركان كلها، ويقول: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال له ابن عباس: لا يستلم هذان الركنان، يعني الشاميين.\nوأجاب (١) الشافعي عن قول من قال: ليس شيء من البيت مهجورًا: بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنا نتبع السنَّة فعلًا أو تركًا، فلو كان ترك استلامهما هجرًا لهما فكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا لها، ولا قائل به.\n(فائدة): في البيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان: كونُ الحجر الأسود فيه، وكونُه على قواعد إبراهيم، وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما؛ فلذلك يقبَّل الأول ويستلم الثاني فقط، ولا يقبَّل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور، واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضًا.\n(فائدة أخرى): استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الأركان جوازَ تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره، فأما تقبيل يد الآدمي فيأتي في \"كتاب الأدب\".\nوأما غيره فنُقِلَ عن الإِمام أحمد: أنه سئل عن تقبيل منبر النبي - ﷺ - وتقبيل قبره فلم ير به بأسًا، واستبعد بعض أتباعه صحة ذلك، وَنُقِلَ عن ابن أبي الصيف اليماني أحدِ علماءِ مكة من الشافعية جوازُ تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين، وبالله التوفيق، انتهى ملخصًا من كلام \"الفتح\" (٢).\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٤، ٤٧٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٥).","vol":"7","page":282},{"text":"١٨٧٥ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ (١)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّهُ أُخْبِرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِنَّ الْحَجَرَ بَعْضُهُ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ - إِنِّى لأَظُنُّ عَائِشَةَ إِنْ كَانَتْ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، إِنِّى لأَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَتْرُكِ اسْتِلَامَهُمَا إلَّا أَنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى قَوَاعِدِ الْبَيْتِ، وَلَا طَافَ النَّاسُ\n===\nقلت: تقبيل قبور الصالحين يشتبه بالسجدة خصوصًا للجهال العوام، فإذا فعل ذلك أحد من العلماء يُغري الجهال على السجود، فيكون ذريعة إلى فساد اعتقادهم فلا يجوز ذلك، وأيضًا نقل الشامي في حاشيته (٢) عل \"الدر المختار\" عن \"الفتح\": ويكره النوم عند القبر، وقضاء الحاجة، بل أولى، وكل ما لم يعهد من السنة، والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائمًا، فهذه القاعدة الكلية تنفي جواز تقبيل القبر لأنه ليس مما عهد في السنَّة.\n١٨٧٥ - (حدثنا خالد بن خالد، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أنه) أي عبد الله بن عمر (أخبر) بصيغة الماضي المجهول، أي: لم يسمع قولها، بل أخبره مخبر عنها، (بقول عائشة: إن الحِجر) وهو بالكسر اسم للحائط المقوَّس إلى جانب الكعبة الغربي، مفصول عن البيت بفرجتين: فرجة إلى الجانب الشرقي وفرجة إلى الجانب الغربي، وحكي فتح الحاء، وكله من البيت أو ستة أذرع أو أربعة أذرع، أقوال.\n(بعضه من البيت، فقال ابن عمر) - ﵁ -: (والله إني لأظن) أي أتيقن (عائشة) - ﵂ - (إن كانت) إن مخففة من المثقلة، أي: إنها كانت (سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -، إني لأظن) أن (رسول الله - ﷺ - لم يترك استلامَهما) أي الركنين الشاميين (إلَّا أنهما) أي الركنين (ليسا على قواعد البيت) بل اقتصر البيت عن قواعده لقلة النفقة (ولا طاف الناس\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الشعيري\".\n(٢) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ١٨٣).","vol":"7","page":283},{"text":"وَراءَ الْحِجْرِ إِلَّا لِذَلِكَ\". [٥/ ٨٩]\n١٨٧٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِىَّ وَالْحَجَرَ (١) فِى كُلِّ طَوْافِهِ، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ\". [ن ٢٩٤٧، حم ٢/ ١٨ - ١٥٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>(٤٧) بَابُ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ</span>\n١٨٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ،\n===\nوراء الحجر) (٢) أي الحطيم (إلَّا لذلك) أي لأن البيت قد قصر عن قواعده، والحِجْر داخل فيه.\n١٨٧٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يدع) أي لا يترك (أن يستلم الركن اليماني والحجر) أي استلام الركن اليماني وركن الحجر (في كل) شوط من (طوافه) بل يستلمهما في كل شوط من طوافه، وفي نسخة: في كل طوفة، أي في كل شوط (قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله).\n\n(٤٧) (بَابُ الطَّوَافِ (٣) الْوَاجِبِ)\nالفرض، والمراد منه طواف الزيارة، أي: هل يجوز راكبًا أم لا؟\n١٨٧٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الأسود\".\n(٢) فإن طاف أحد من داخل الحجر يبطل الطواف عند الثلاثة، وقلنا: إنه ترك الواجب، فما دام بمكة يعيده كله ليكون مؤديًا على وجه مشروع، وإن طاف بالحجر فقط أجزأه، وإن خرج من مكة ينجبر بالدم، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٣٤١). (ش).\n(٣) في الحج ثلاثة أطوفة: أولها طواف القدوم، وسيأتي في \"باب حجة النبي - ﷺ - \"، والثاني هذا، ويسمى الطواف الواجب، وطواف الزيارة، وله خمسة أسماء، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٤٠٢)، والثالث طواف الوداع. (ش).","vol":"7","page":284},{"text":"عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَافَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ\". [خ ١٦٠٧، م ١٢٧٢، ن ٧١٣، جه ٢٩٤٨]\n===\nعن ابن شهاب، عن عبيد الله - يعني ابن عبد الله بن عتبة - عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن) وهو عصا معوج الرأس.\nقال الحافظ (١): زاد مسلم من حديث أبي الطفيل: \"ويقبِّل المحجن\".\nوله من حديث ابن عمر: \"أنه استلم الحجر بيده، ثم قبَّله\"، ورفع ذلك، ولسعيد بن منصور من طريق عطاء قال: \"رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرًا إذا استلموا الحجو قبَّلوا أيديهم\"، وبهذا قال الجمهور: إن السنَّة أن يستلم الركن، ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبَّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية: لا يقبل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل.\nقلت: وعندنا معشر الحنفية: وصفة الاستلام أن يضع كفيه على الحجر، ويضع فمه بين كفيه، ويقبله من غير صوت إن تيسر، وإلَّا يمسحه بالكف ويقبله، وإن لم يتيسر ذلك أمس الحجر شيئًا من عصًا ونحوها، وقبَّل ذلك الشيء إن أمكنه، وإلَّا يقف بحياله مستقبلًا له، رافعًا يديه، مشيرًا بهما إليه، كأنه واضع يديه عليه، مبسملًا، مكبرًا، مهلِّلًا، حامدًا، ومصليًا، داعيًا، وقبَّل كفيه بعد الإشارة، صرَّح به الحدادي، قال الشارح: وكذا ذكره قاضي خان وغيره.\nواختلفت الروايات في سبب ركوبه في الطواف، ففي رواية ابن عباس عند أبي داود: \"أن رسول الله - ﷺ - قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته\"،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٣).","vol":"7","page":285},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nووقع في حديث جابر عند مسلم: \"أن النبي - ﷺ - طاف راكبًا (١) ليراه الناس، وليسألوه\"، فيحتمل أن يكون فعل ذلك لأمرين، وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبًا بغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز إلَّا أن المشي أولى، والركوب مكروه تنزيهًا، والذي يترجح: المنعُ.\nثم قال: وأما طواف النبي - ﷺ - راكبًا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه، ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها، واحتمل أيضًا أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له فلا يقاس غيره عليه.\nقلت: وعندنا معشر الحنفية: المشي في الطواف للقادر عليه واجب، قال في \"لباب المناسك\" (٢): الرابع أي من الواجبات المشي فيه للقادر، ففي \"الفتح\": المشي واجب عندنا، وعلى هذا نص المشايخ وهو كلام محمد، وما في \"فتاوى قاضيخان\" من قوله: \"والطواف ماشيًا (٣) أفضل\" تساهل أو محمول على النافلة، بل ينبغي في النافلة أن يجب؛ لأنه إذا شرع فيه وجب فوجب المشي، انتهى.\nفلو طاف في طواف يجب المشي فيه راكبًا أو محمولًا زحفًا على استه أو على أربعته أو جنبه أو ظهره كالسطيح (٤) بلا عذر، فعليه الإعادة ما دام بمكة، أو الدم لتركه الواجب، وإن كان تركه بعذر لا شيء عليه، كما في سائر الواجبات.\n_________\n(١) لا خلاف بينهم في طواف الراكب إذا كان لعذر، أما بدونه فثلاث روايات عن أحمد: الأولى: أنه لا يجزئه، وهو ظاهر كلام الخرقي، والثانية: عليه دم، وبه قلنا ومالك ويؤمر بالإعادة ما دام بمكة، الثالثة: لا شيء عليه، وبه قال الشافعي، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٤١٦). (ش).\n(٢) \"شرح القاري على اللباب\" (ص ١٥٢).\n(٣) وقع في الأصل: \"ماش\"، وهو تحريف.\n(٤) في الأصل: \"الشطيح\"، وهو تحريف، والصواب: \"السطيح\"، معناه: المستلقي على قفاه.","vol":"7","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n(تكميل): الطواف الذي ذكر في هذا الحديث أنه - ﷺ - طافه راكبًا على بعير لم أر من صرَّح به بأنه أيَّ طواف كان من الأطوفة، هل هو طواف العمرة، أو طواف القدوم، أو طواف الزيارة، أو طواف الصدر؟ والظاهر أن الطواف الذي طافه راكبًا هو طواف الزيارة (١)، والله تعالى أعلم.\nثم رأيت \"زاد المعاد\" (٢) للشيخ ابن القيم قال فيه: ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا جاوز الوادي وأصعَدَ مشى، هذا الذي صَحَّ عنه، هكذا قال جابر عنه في \"صحيح مسلم\" (٣)، وظاهر هذا: أنه كان ماشيًا، وقد روى مسلم في \"صحيحه\" (٤) عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: \"طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة ليراه الناس وَليُشْرِف\"، و\"لم يطف رسول الله - ﷺ - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلَّا طوافًا واحدًا\" (٥).\nقال ابن حزم: لا تعارض بينهما؛ لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله، وانصبت قدماه أيضًا مع سائر جسده.\nوعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسنُ من هذا، وهو أنه سعى ماشيًا أولًا، ثم أتمَّ سعيَه راكبًا، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به، ففي \"صحيح مسلم\" (٦) عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنَّة، قال: صدقوا وكذبوا، قال: قلت:\n_________\n(١) به جزم النووي في \"مناسكه\" (ص ٢٦٣)، انتهى. ويؤيده أيضًا ما سيأتي في \"باب الإفاضة في الحج\" من أن النبي - ﷺ - لم يرمل فيه. (ش).\n(٢) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٢٨ - ٢٣٠).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٢١٨).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٢٧٣).\n(٥) \"صحيح مسلم\" (١٢١٥).\n(٦) \"صحيح مسلم\" (١٢٦٤).","vol":"7","page":287},{"text":"١٨٧٨ - حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْيَامِىُّ،\n===\nما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله - ﷺ - كثر عليه الناسُ، يقولون: هذا محمد [هذا محمد] (١) حتى خرج عليه العواتق من البيوت. قال: وكان رسول الله - ﷺ - لا يُضْرَب الناسُ بين يديه؟ فلما كثر عليه ركب، والمشي أفضل.\nثم أخرج حديثَ عائشة عند مسلم (٢) قالت: طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن كراهية أن يُضْرَبَ عنه الناسُ.\nوحديثَ ابن عباس عند أبي داود قال: قدم النبي - ﷺ - وهو يشتكي فطاف على راحلته، كلما (٣) أتى الركن استلمه بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ، فصلَّى ركعتين.\nوحديث أبي الطفيل عند مسلم (٤): رأيت النبي - ﷺ - يطوف حول البيت على بعيره، يستلم الحجر بمحجنه، ثم يقبله، رواه مسلم دون ذكر البعير.\nثم قال: وهذا والله أعلم في طواف الإفاضة، لا في طواف القدوم؛ فإن جابرًا حكى عنه الرملَ في الثلاثة الأول، وذلك لا يكون إلا مع المشي.\n١٨٧٨ - (حدثنا مُصَرِّف) بتشديد الراء، وقال في \"المغني\" (٥): بمضمومة، وفتح صاد، وكسر راء مشددة على الصواب، وحكي فتحها (٦)، وبفاءٍ (ابن عمرو) بن السري (اليامي) الهمداني، أبو القاسم، ويقال: أبو عمرو، قال أبو زرعة: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) سقط في الأصل.\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٢٧٤).\n(٣) في الأصل: \"حتى\"، وهو تحريف، والصواب: \"كلما\".\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٢٧٥).\n(٥) \"المغني\" للفتني (ص ٢٣٢).\n(٦) وفي \"المغني\": \"وحكي بفاء\"، وفيه سقوط، والصواب: \"حكي فتحها، وبفاء\"، كما نقل الشارح.","vol":"7","page":288},{"text":"حَدَّثَنَا يُونُسُ (١)، حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى ثَوْرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: \"لَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ طَافَ عَلَى بَعِيرٍ (٢) يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ فِى يَدِهِ (٣). قَالَتْ: وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ\". [جه ٢٩٤٧]\n===\n(نا يونس) وفي نسخة: يعني ابن بكير، (نا ابن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) القرشي، مولى بني نوفل المدني، روى عن ابن عباس وصفية بنت شيبة، وعنه الزهري ومحمد بن جعفر بن الزبير، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: ذكر الخطيب في \"المكمل\" أنه لم يرو عن غير ابن عباس، ولم يرو عنه غير الزهري.\n(عن صفية بنت شيبة قالت: لما اطمأن رسول الله - ﷺ - بمكة عام الفتح طاف على بعير يستلم الركن بمحجن في يده، قالت: وأنا انظر إليه)، وقد ذكر ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٤) هذا الطواف في فتح مكة، فقال: ورُكِزَتْ رايةُ رسول الله - ﷺ - بالحجون عند مسجد الفتح، ثم نهض رسول الله مجديد والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٥)، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (٦)، والأصنام تتساقط على وجوهها، وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرمًا يومئذ فاقتصر على الطواف.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن كثير\".\n(٢) في نسخة: \"بعيره\".\n(٣) في نسخة: \"بيده\".\n(٤) \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٠٦).\n(٥) سورة الإسراء: الآية ٨١.\n(٦) الحديث أخرجه البخاري (٤٢٨٧)، ومسلم (١٧٨١).","vol":"7","page":289},{"text":"١٨٧٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَعْرُوفٍ - يَعْنِى ابْنَ خَرَّبُوذٍ الْمَكِّىَّ -، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ (١) ثُمَّ يُقَبِّلُهُ\". زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَطَافَ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ\" (٢). [م ١٢٧٥، جه ٢٩٤٩]\n===\n١٨٧٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، المعنى، قالا: نا أبو عاصم) النبيل ضحاك بن مخلد، (عن معروف - يعني ابن خربوذ -) بفتح الخاء المعجمة والراء المشددة وضم الموحدة وسكون الواو (المكي) مولى عثمان، عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في البخاري حديثه عن أبي الطفيل، عن علي في العلم، وعند الباقين حديثه عن أبي الطفيل أنه رأى النبي - ﷺ - في الحج.\nقلت: قال أحمد: ما أدري كيف حديثه؟، وقال الساجي: صدوق، وقال ابن حبان في \"الضعفاء\": كان يشتري الكتب فيحدث بها، ثم تغير حفظه، فكان يحدث على التوهم، فكأنه ترجم لغيره؛ فإن هذه الصفة مفقودة في حديث معروف.\n(نا أبو الطفيل) وكتب في حاشية النسخة المكتوبة في بعض الأصول، أبو الطفيل عن ابن عباس، وليس هو في \"الأطراف\" في مسند ابن عباس، بل مسند أبي الطفيل (٣). قلت: وكذلك في \"مسند أحمد\" (٤) هذا الحديث في مسانيد أبي الطفيل.\n(قال: رأيت النبي - ﷺ - يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجنه ثم يقبله، زاد محمد بن رافع) أحد شيخي المصنف: (ثم خرج إلى الصفا والمروة، فطاف سبعًا على راحلته) وذلك في حجة الوداع.\n_________\n(١) في نسخة: \"بمحجنته\".\n(٢) في نسخة: \"راحلته\".\n(٣) انظر: \"تحفة الأشراف\" رقم (٥٠٥١).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٤٥٤).","vol":"7","page":290},{"text":"١٨٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: \"طَافَ النَّبِىُّ -ﷺ- فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ\". [م ٢٧٣ -، ن ٢٩٧٥، حم ٣/ ٣١٧ - ٣٣٤]\n===\n١٨٨٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة (١)، ليراه الناس وليشرف) من باب الإفعال، يقال: أشرفته: علوته، وأشرفت عليه: اطلعت عليه، فمعناه على الأول ليعلو على الناس بالركوب، فيسهل لهم الرؤيةُ والسؤالُ في حاجاتهم، ولا يصرفوا عنه ولا يضربوا، وعلى الثاني ليطلع على أحوال الناس.\n(وليسألوه، فإن الناس غَشَوه)، أي: ازدحموا عليه وكثروا، قال الشوكاني (٢): فيه بيان العلة التي لأجلها طاف - ﷺ - راكبًا، وكذلك قول عائشة: \"كراهية أن يصرف الناس عنه\". وفي رواية لمسلم \"كراهية أن يضرب\" بالباء الموحدة، قال النووي (٣): وكلاهما صحيح، وكذلك قول ابن عباس: \"وهو يشتكي\"، فهذه الألفاظ كلها مصرِّحة بأن طوافه - ﷺ - كان لعذر، فلا يلتحق به من لا عذر له.\nوقد استدل أصحاب مالك وأحمد بطوافه راكبًا على طهارة بولِ ما يؤكل لحمه وروثِه؛ لأنه لو كان نجسًا لما عرض المسجد له.\n_________\n(١) عدم الركوب في السعي بدون العذر واجب عندنا ومالك، خلافًا للشافعي، إذ المشي عنده سنة، وكذلك عن أحمد على ما في \"المغني\" (٥/ ٢٥٠) وغيره، لكن في \"نيل المآرب\" (١/ ٣٠٧) عدَّه في الشرائط، كما في \"الأوجز\" (٧/ ٤١٧). (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٠٠).\n(٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٢٥).","vol":"7","page":291},{"text":"١٨٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِى فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ\". [حم ١/ ٢١٤]\n١٨٨٢ - حدثنا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ\n===\nوَيُرَدُّ ذلك بوجوه، أما أولًا: فلأنه لم يكن إذ ذاك قد حوط المسجد. وأما ثانيًا: فلأنه ليس من لازم الطواف على البعير أن يبول. وأما ثالثًا: فلأنه يطهر منه المسجد، كما أنه - ﷺ - أقر إدخالَ الصبيان الأطفال المسجدَ، مع أنهم لا يؤمن من بولهم. وأما رابعًا: فلأنه يحتمل أن تكون راحلته عُصمت من التلويث حينئذ، كرامةً له، انتهى.\n١٨٨١ - (حدثنا مسدد، نا خالد بن عبد الله، نا يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - قدم مكة وهو يشتكي) أي: وجعان (فطاف على راحلته، كلما أتى على الركن استلم الركن بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ) أي: راحلته، كما في نسخة (فصلى ركعتين).\nقال الشوكاني (١): حديث ابن عباس في إسناده يزيد بن أبي زياد ولا يُحتَج به، وقال البيهقي: في حديث يزيد بن أبي زياد لفظة لم يوافَقْ عليها \"وهو يشتكي\" (٢)، وقد أنكره الشافعي، وقال: لا أعلمه اشتكى في تلك الحجة، انتهى.\n١٨٨٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٩٩).\n(٢) وكذا تكلَّم ابن حجر في \"شرح مناسك النووي\" على هذا اللفظ. [انظر: (ص ٢٦٣)]. (ش).","vol":"7","page":292},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنِّى أَشْتَكِى، فَقَالَ: «طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ»، قَالَتْ: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَئِذٍ يُصَلِّى إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. [خ ١٦٣٣، م ١٢٧٦] ن ٢٩٢٥، حم ٦/ ٢٩٠]\n===\nعبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن) أمها (أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: شكوت إلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي) أي مريضة أو ضعيفة، فكيف أطوف؟ (فقال: طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبة) على بعيركِ.\n(قالت: فطفت) وهذا الطواف كان طواف (١) الوداع (٢) (ورسول الله - ﷺ - حينئذ) أي حين كانت أم سلمة تطوف (يصلي إلى جنب البيت) صلاة الصبح (٣)، والناس مشغولون بصلاتهم به، (وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور).\nقال الحافظ (٤): وفيه جواز الطواف للراكب إذا كان لعذر، وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس ليكون أستر لها، ولا تقطع صفوفهم أيضًا، ولا يتأذون بدابتها.\n_________\n(١) لأنها - ﵂ - وإن طافت طواف الزيارة أيضًا في الليل على الظاهر، كما سيجيء في \"باب التعجيل من جمع\"، لكنه - ﷺ - إذ ذاك كان بالمزدلفة. (ش).\n(٢) وبه جزم ابن القيم في \"الهدي\" (٢/ ٢٩٩).\n(٣) ويؤيده ما سيأتي - كما في \"باب طواف الوداع\" - من أنه - ﷺ - نزل مكة قبيل الصبح. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨١).","vol":"7","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-661>(٤٨) بَابُ الاضْطِبِاع في الطَّوَاف</span>\n١٨٨٣ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن ابْنِ يَعْلَى، عن يَعْلَى قَالَ: \"طَافَ النَبِيُّ - ﷺ - مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ\". [ت ٨٥٩، جه ٢٩٥٤، دي ١٨٤٣]\n١٨٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى، نَا حَمَّاد، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ،\n===\n\n(٤٨) (بَابُ الاضْطِبَاعِ (١) في الطَّوافِ)\nالاضطباع هو أن يأخذ الإزار أو البُرد، فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره، وسمي به لإبداء الضبعين، ويقال للإبط: الضبع، للمجاورة، \"مجمع\" (٢)\n١٨٨٣ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى) صفوان بن يعلي بن أمية التميمي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": صفوان بن يعلي بن أمية التميمي المكي، ثقة.\n(عن) أبيه (يعلى قال: طاف النبي - ﷺ - مضطبعًا ببرد أخضر) وإنما فعل ذلك إظهارًا للتشجع والجلادة كالرمل في الطواف.\n١٨٨٤ - (حدثنا أبو سلمة موسى) بن إسماعيل المنقري التبوذكي، (نا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم) بالمعجمة والمثلثة مصغرًا، القاري المكي، أبو عثمان، حليف بني زهرة، عن ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي:\n_________\n(١) ولا اضطباع في السعي مطلقًا عند الأئمة الثلاثة، خلافًا للشافعية، كما في هامش \"الأوجز\"، وفي \"شرح اللباب\" تحريف من الناسخ إذ قال: ثم الاضطباع في السعي مطلقًا عندنا، صوابه: ثم لا اضطباع، كما حررته على هامشه. (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٨٦).","vol":"7","page":294},{"text":"عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى\". [حم ١/ ٣٠٦]\n===\nثقة، وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث، وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يخطئ.\nوأخرج النسائي في الحج حديثًا من رواية ابن جريج عنه عن أبي الزبير عن جابر، ثم قال (١): ابن خثيم ليس بالقوي، إنما أخرجت هذا لئلا يجعل ابن جريج عن أبي الزبير، ثم قال: لم يترك يحيى ولا عبد الرحمن حديث ابن خثيم إلَّا أن علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكأن عَليٌّ خُلِقَ للحديث.\n(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا) الرمل بفتحتين: إسراع المشي مع تقارب الخطى وهز المنكبين وهو الخبب دون العدو (بالبيت، وجعلوا أرديتهم) جمع رداء (تحت آباطهم) أي من الجانب الأيمن (قد قذفوها) أي الأردية (على عواتقهم اليسرى) وهذه صفة الاضطباع، فالرمل والاضطباع من سنن الطواف الذي بعده سعي، فالاضطباع سُنَّةٌ في جميع أشواط الطواف، وأما الرمل فهو سنَّة في الثلاثة الأول منه.\nلا يقال: قد زالت علة الرمل والاضطباع وهي موجبة لزوال حكمها؛ لأنا نقول: زوال علتهما ممنوع؛ فإن النبي - ﷺ - رمل أو اضطبع في حجة الوداع تذكرًا لنعمة الأمن بعد الخوف، ليشكر عليها، وقد أمرنا بتذكر النعمة في مواضع من كتاب الله تعالى، ويجوز أن يثبت الحكم بعلل متناوبة، فحين غلبة المشركين كان علة الرمل إيهام المشركين قوة المؤمنين، وعند زوال ذلك كان علته تذكر نعمة الأمن (٢).\n_________\n(١) انظر: \"سنن النسائي\" (٢٩٩٣)، و\"تحفة الأشراف\" رقم (٢٧٧٧).\n(٢) انظر: \"شرح اللباب\" (ص ١٥٩).","vol":"7","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>(٤٩) بَابٌ: في الرَّمَلِ</span>\n١٨٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الْغَنَوِىُّ، عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ قَالَ: \"قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ رَمَلَ بِالْبَيْتِ وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا (١). قُلْتُ: وَمَا صَدَقُوا وَمَا كَذَبُوا؟\n===\n\n(٤٩) (بَابٌ: في الرَّمَلِ) (٢)، وقد تقدم صفته قريبًا\n١٨٨٥ - (حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (نا أبو عاصم الغنوي) بفتح المعجمة والنون، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس في الرمل وغيره، وعنه حماد بن سلمة، قال أبو حاتم: لا أعرف اسمه ولا أعرفه، ولا حدث عنه سوى حماد، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة.\n(عن أبو الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم) أي: يقول (قومك: أن رسول الله - ﷺ - قد رمل بالبيت، وأن ذلك) أي الرمل في الطواف بالبيت (سنة، قال) ابن عباس: (صدقوا) في قول، (وكذبوا) في قول آخر (قلت: وما صدقوا وما كذبوا؟) أي ما معنى قولك: صدقوا، وما معنى قولك: كذبوا، كيف يجتمع المتضادان؟\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) وفيه أربعة مسائل: الأول: حكاه الترمذي عن بعضهم أنه قال: ليس على أهل مكة رمل، وبه قال أحمد، وعند الثلاثة لا فرق في المكي وغيره. والثاني: الرمل في ثلاثة جوانب، كما قاله جمع من التابعين، وهو قول للشافعي ضعيف، والجمهور منهم الأربعة على الاستيعاب. والثالث: مذهب الجمهور الرمل في الجوانب الأربعة سنة، وقال بعضهم: واجب، وهو مؤدى قول مالك إذ قال بوجوب الدم بتركه. الرابع: أنه في طواف القدوم لا غير عند الحنابلة، وهو قول للشافعي، والصحيح عنده، وبه قلنا: إنه في كل طواف يعقبه سعي، وقال مالك: في طواف القدوم، فإن لم يطف للقدوم ففي طواف الزيارة، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٣٥١ - ٣٦٢). (ش).","vol":"7","page":296},{"text":"قَالَ: صَدَقُوا، قَدْ رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَذَبُوا، لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ: دَعُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ حَتَّى يَمُوتُوا مَوْتَ النَّغَفِ، فَلَمَّا صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَجِيئُوا (١) مِنَ الْعَاِمِ الْمُقْبِلِ فَيُقِيمُوا بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ قُعَيْقِعَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأَصْحَابِهِ: «ارْمُلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ\".\n===\n(قال) ابن عباس: (قد صدقوا) في قولهم: (قد رمل رسول الله - ﷺ -، وكذبوا) في قولهم: \"إن ذلك سنَّة\"؛ فإنه (ليس (٢) بسنَّة) لأنه لم يفعله رسول الله - ﷺ - تشريعًا له، بل وجهه (إن قريشًا قالت زمن الحديبية: دعوا محمدًا وأصحابه حتى يموتوا موت النفف) أي موت الإبل والغنم بالنغف، وهو بنون وغين معجمتين: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، فتموت في أدنى ساعة، الواحدة نغفة.\n(فلما صالحوه) أي رسول الله - ﷺ - (على أن يجيئوا) أي رسول الله - ﷺ - وأصحابه (من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام؛ فقدم رسول الله - ﷺ -) أي في العام المقبل ودخل مكة (والمشركون من قِبَلِ قُعَيْقِعَان) بضم قاف أولى، وكسر الثانية، وفتح مهملتين، وسكون تحتية بلفظ التصغير: اسم جبل بمكة مقابل أبي قبيس، إنما سمي به لأن قطوراء وجرهمًا لما تحاربوا كثرت قعقعة السلاح هناك، وقيل: سمي الجبل الذي بمكة قعيقعان، لأن جُرهمًا كانت تجعل فيه قسيَّها وجعابها ودرقها، فكانت تقعقع فيه.\n(فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: ارملوا بالبيت ثلاثًا) أي في ثلاثة أشواط (وليس بسنَّة)، قلت: وهذا رأي من ابن عباس - ﵁ -، ولو كان كذلك لما فعل رسول الله - ﷺ - الرمل في حجة الوداع، فهو سنَّة عند الفقهاء - رحمهم الله تعالى -.\n_________\n(١) في نسخة: \"أن يحجوا\".\n(٢) وأوَّله الأُبِيّ في \"الإكمال\" (٣/ ٣٨٣)، ليس بسنَّة بل مستحب. (ش).","vol":"7","page":297},{"text":"قُلْتُ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قُلْتُ: مَا صَدَقُوا وَمَا كَذَبُوا؟ قَالَ: صَدَقُوا، قَدْ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَذَبُوا، لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ، كَانَ النَّاسُ لَا يُدْفَعُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا يُصْرَفُونَ (١) عَنْهُ، فَطَافَ عَلَى بَعِيرٍ لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَلِيَرَوْا مَكَانَهُ وَلَا تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ\". [م ١٢٦٤، حم ١/ ٢٢٩، خزيمة ٢٧١٩]\n١٨٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: \"إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا، فَأَطْلَعَ اللَّهُ تعالي نَبِيَّهُ -ﷺ- عَلَى مَا قَالُوا،\n===\n(قلت: يزعم) أي يقول (قومك: أن رسول الله - ﷺ - طاف بين الصفا والمروة على بعيره وأن ذلك سنَّة، قال) ابن عباس: (صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا؛ قد طاف رسول الله - ﷺ - بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا، ليست بسنَّة) ووجه ذلك (كان الناس لا يدفعون عن رسول الله - ﷺ - ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه) أي ليروه في محله ومكانه (ولا تناله أيديهم) وهذا كما قال ابن عباس؛ فإن الركوب في السعي ليس بسنَّة، فلا يجوز إلا بعذر.\n١٨٨٦ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير أنه حدث، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله - ﷺ - مكة) أي في عمرة القضاء (وقد وَهَنَتْهم) بخفة هاء، وشدده بعض، أي: أضعفتهم من وَهَن يهن (حُمَّى يثرب، فقال المشركون) من أهل مكة: (إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى) وكانت المدينة في ذاك الوقت أوبأ أرض الله (ولقوا منها) أي من الحمى (شرًا، فأطلع الله تعالى) أي أخبر (نبيه - ﷺ - على ما قالوا) أي قول مشركي مكة\n_________\n(١) في نسخة: \"ولا يضربون\".","vol":"7","page":298},{"text":"فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ رَمَلُوا قَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنَّا\". [خ ١٦٠٢، م ١٢٦٦، حم ١/ ٢٩٠]\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ إلَّا الإِبْقَاء (١) عَلَيْهِمْ.\n===\n(فأمرهم) أي أمر رسول الله - ﷺ - الصحابة (أن يرملوا الأشواط الثلاثة) أي بعضها (وأن يمشوا بين الركنين) أي بين الركن اليماني والحجر.\n(فلما رأوا) أي المشركون (هم) أي أصحابَ رسول الله - ﷺ - (رملوا قالوا) أي المشركون: (هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد) وأقوى (منا).\n(قال ابن عباس: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلَّا الإبقاء) وفي نسخة: إلَّا للإبقاء، أي الشفقة والرفق (عليهم).\nقال الحافظ (٢) في شرح قول البخاري: \"باب الرمل في الحج والعمرة\": القصد إثبات بقاء مشروعيته، وهو الذي عليه الجمهور، وقال ابن عباس: ليس هو بسنَّة.\nوقال في شرح حديث ابن عمر قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع\"، فقال: قوله: \"من السبع\" بفتح أوله، أي السبع طوفات، فظاهره أن الرمل يستوعب الطوفة، فهو مغاير لحديث ابن عباس الذي قبله؛ لأنه صريح في عدم الاستيعاب، وسيأتي القول فيه في الباب الذي بعده في الكلام على حديث عمر - ﵁ -.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"إلَّا إبقاء\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧١، ٤٧٠، ٤٧٢).","vol":"7","page":299},{"text":"١٨٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: فِيمَا الرَّمَلَانُ (١) وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبِ؟ وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الإِسْلَامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، ومَعَ ذَلِكَ لَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\". [جه ٢٩٥٢، حم ١/ ٤٥، خزيمة ٢٧٠٨]\n===\nوذكر في الباب الذي بعده أنهم أي الصحابة اقتصروا عند مراءاة المشركين على الإسراع، إذا مرُّوا من جهة الركنين الشاميين؛ لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية، فإذا مروا بين الركنين اليمانيين مشوا على هيئتهم، كما هو بيِّن في حديث ابن عباس، ولما رملوا في حجة الوداع أسرعوا في جميع كل طوفة، فكانت سنَّة مستقلة.\n١٨٨٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الملك بن عمرو) القيسي، (نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه) أسلم العدوي (قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: فيم الرملان) والرملان مصدر رمل كالنزوان، وفي رواية البخاري (٢): \"ما لنا وللرمل\"، فهذا يؤيد أن الرملان مصدر ليس تثنية (٣) (والكشف عن المناكب؟ وقد أطَّأ الله الإِسلام) قال في \"المجمع\": أطَّأ الله الإِسلام، أي: ثبته وأرساه، وهمزته بدل من واو وطأ (ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع) أي: لا نترك (شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -).\nقال الحافظ (٤): محصله أن عمر - ﵁ - كان هَمَّ بترك الرمل في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"اليوم\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٦٠٥).\n(٣) واختاره في \"البحر العميق\" وبسطه، وحكى قولًا آخر أنه تثنية رمل، المراد به رمل الطواف والسعي، وحكى عن محب الدين الطبري أنه لا يصح؛ لأن السعي سنة قديمة من عهد هاجر ... إلخ. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٢).","vol":"7","page":300},{"text":"١٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى زِيَادٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْىُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ». [ت ٩٠٢، ك ١/ ٤٥٩، حم ٦/ ٦٤ - ١٣٨، خزيمة ٢٧٣٨ - ٢٨٨٢ - ٢٩٧٠]\n===\nالطوأف، لأنه عرف سببه وقد انقضى، فَهَمَّ أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن تكون له حكمة ما اطلع عليها، فرأى أن الاتباع أولى من طريق المعنى، وأيضًا إن فاعل ذلك إذا فعله تذكر السبب الباعث على ذلك، فيتذكر على إعزاز الإِسلام وأهله.\n١٨٨٨ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إنما جُعِلَ الطواف (١) بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورميُ الجمار لإقامة ذكر الله) (٢)، أي: لأن يُذْكَرَ الله في هذه المواضع المتبركة، فالحذر الحذر من الغفلة.\nوإنما خصت الثلاثة بالذكر مع أن المقصود من جميع العبادات هو ذكر الله تعالى؛ لأن ظاهرها فعل لا يظهر فيه معنى العبادة، فإن الطواف حول البيت بظاهره ليس بعبادة، وإنه يصير عبادة بذكر الله تعالى وتعظيمه، لا لأن البيت يعبد، وكذلك السعي ورمي الجمار، فجعلها سنَّة لإقامة ذكر الله، والله أعلم.\n_________\n(١) وقيل: الحكمة في كونه سبعًا أن هذا العدد أكمل آحاد الأعداد التي لا يحصل بضرب الآحاد كالتسعة، ولذا يقال: إنها عند أهل الرياضي أكمل الآحاد، كما في \"الرحلة الحجازية\". (ش).\n(٢) ولعلَّه مأخذ من قال: يجب الدم بترك التكبير في الرمي كما قال به الثوري، وحكى الطبري عن بعضهم أن الرمي كعقد الأنامل، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ٣١١). (ش).","vol":"7","page":301},{"text":"١٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- اضْطَبَعَ فَاسْتَلَمَ (١) فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَكَانُوا إِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِىَ وَتَغَيَّبُوا مِنْ قُرَيْشٍ مَشَوْا، ثُمَّ يَطْلُعُونَ عَلَيْهِمْ يَرْمُلُونَ، تَقُولُ قُرَيْشٌ: كَأَنَّهُمُ الْغِزْلَانُ\"\nقَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَتْ سُنَّةً. [جه ٢٩٥٣، حم ١/ ٢٤٧]\n١٨٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-\n===\n١٨٨٩ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم) هو عبد الله بن عثمان بن خثيم، (عن أبي الطفيل، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - اضطبع فاستلم) الحجر، (فكبر، ثم رمل ثلاثة أطواف، وكانوا) أي رسول الله - ﷺ - والصحابة (إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا من قريش) فإنهم كانوا في جانب قعيقعان (مشوا، ثم) إذا جاوزوا الحجر الأسود (يطلعون) أي يظهرون (عليهم) أي على قريش (يرملون) لأن المقصود من الرمل في ذلك الوقت إراءة المشركين جلادتَهم (تقول قريش) لما رأوا رملهم: (كأنهم الغزلان) جمع غزال.\n(قال ابن عباس: فكانت سنة) أي ثم كانت سنَّة لمَّا رمل رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، كتب في حاشية النسخة المكتوبة قوله: \"فكانت سنَّة\"، وقد مر قوله: \"إنه ليس بسنَّة\" كأن هذا رجوع إلى قول الجماعة: إنه سنَّة بعد ما تقدم منه من النفي، والله تعالى أعلم.\n١٨٩٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"واستلم وكبر\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".","vol":"7","page":302},{"text":"وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا وَمَشَوْا أَرْبَعًا\". [انظر سابقه]\n١٨٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَعَلَ ذَلِكَ\". [م ١٢٦٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>(٥٠) بَابُ الدُّعَاء في الطَّوَافِ</span>\n١٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ،\n===\nوأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثًا، ومشوا أربعًا)، ولعل هذه القصة حملت ابنَ عباس على الرجوع عن قوله: إن الرمل ليس بسنَّة.\n١٨٩١ - (حدثنا أبو كامل، نا سليم بن أخضر، نا عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر رمل من الحجر) أي الأسود (إلى الحجر) أي الأسود، والمراد أنه رمل جميع الدورة، ويؤيده ما رواه مسلم (١) عن جابر قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه، ثلاثة أطواف\".\nوهذا لا يعارض ما تقدم من حديث ابن عباس من أنه - ﷺ - وأصحابه مشوا بين الركنين، فإن ابن عباس ذكره في قصة عمرة القضاء، وأما هذا (٢) فهو محمول على حجة الوداع.\n(وذكر أن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك) وبه أخذ جمهور العلماء بأن الرمل في الأشواط الثلاثة الأُوَلِ في تمام الدورة، والله تعالى أعلم.\n\n(٥٠) (بَابُ الدُّعَاءِ في الطَّواَف)\n١٨٩٢ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا ابن جريج،\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٢٦٣).\n(٢) كما جزم به الحافظ. [انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧١)]. (ش).","vol":"7","page":303},{"text":"عن يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. [حم ٣/ ٤١١، ق ٥/ ٨٤، خزيمة ٢٧٢١]\n١٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا طَافَ فِى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ\n===\nعن يحيى بن عبيد) المكي، مولى السائب، المخزومي، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبيه) عبيد مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، روى عن عبد الله بن السائب المخزومي في القول بين الركن والمقام، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود والنسائي هذا الحديث الواحد.\nقلت: ذكره في الصحابة ابن قانع وابن منده وأبو نعيم، وسموا أباه رحيبًا براء وحاء مهملتين مصغرًا ونسبوه جهنيًّا.\n(عن عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ما بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾) (١)، قال الشوكاني (٢): أخرجه أيضًا النسائي وصححه ابن حبان والحاكم، ثم قال: أحاديث الباب تدل على مشروعية الدعاء بما اشتملت عليه في الطواف، وقد حكي في \"البحر\" عن الأكثر: أنه لا دم على من ترك مسنونًا، وعن الحسن البصري والثوري وابن الماجشون: أنه يلزم.\n١٨٩٣ - (حدثنا قتيبة، نا يعقوب) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري، المدني، حليف بني زهرة، (عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا طاف في الحج والعمرة أول\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٠١.\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٩٧، ٣٩٨).","vol":"7","page":304},{"text":"مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِى أَرْبَعًا، ثُمَّ يُصَلِّى سَجْدَتَيْنِ\". [خ ١٦١٦، م ١٢٦١، ن ٢٩٤١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>(٥١) بَابُ الطَّوَافِ بَعْدَ الْعَصْرِ</span>\n١٨٩٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ (١)،\n===\nما يقدم) أي مكة (فإنه) أي رسول الله - ﷺ - (يسعى) أي يرمل (ثلاثة أطواف) أي أشواط (ويمشي أربعًا) أي أربع طوفات (ثم يصلي سجدتين).\nوزاد النسائي (٢) في هذا الحديث بهذا السند: \"ثم يطوف بين الصفا والمروة\"، وكذلك أخرج مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر فزاد فيه: \"ثم يطوف بين الصفا والمروة\".\nوهذا الحديث لا مناسبة له بالباب إلَّا أن يقال: إن الركعتين بعد الطواف من واجبات الطواف، فالدعاء فيه دعاء في الطواف.\n\n(٥١) (بَابُ الطَّوَاف بَعْدَ الْعَصْرِ) (٣) هل يجوز أم لا؟\n١٨٩٤ - (حدثنا ابن السرح)، وفي حاشية النسخة المكتوبة: والفضل بن يعقوب، وهذا لفظه، ثم كتب عليه: قال في \"الأطراف\" (٤): حديث الفضل بن يعقوب في رواية ابن العبد، ولم يذكره أبو القاسم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والفضل بن يعقوب، وهذا لفظه\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (٢٩٤١).\n(٣) فيه ثلاث مسائل: إحداها: جواز الطواف بعد العصرين، وهو مجمع على جوازه؛ قال الباجي (٣/ ٥٠٣): لا نعلم فيه خلافًا، والثانية: جواز ركعتي الطواف بعدهما، أباحهما الشافعي وأحمد، وكرههما مالك والحنفية، ذكره في \"التعليق المجدد\" (٢/ ٣٢٦)، والثالثة: جواز مطلق النفل في الاْوقات المنهية بمكة، ذهب إليه الشافعي خلافًا للأئمة الثلاثة. (ش).\n(٤) انظر: \"تحفة الأشراف\" رقم (٣١٨٧).","vol":"7","page":305},{"text":"حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهْ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ (١): «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلِّى أَىَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ». [ن ٥٨٥، ت ٨٦٨، جه ١٢٥٤، حم ٤/ ٨١، ك ١/ ٤٤٨، ق ٢/ ٤٦١، قط ١/ ٤٢٣]\n===\n(نا سفيان، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم يبلغ به النبي - ﷺ - قال) رسول الله - ﷺ -: (لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار).\nقال الشوكاني (٢): رواه الجماعة إلَّا مسلمًا والبخاري، وقد روى ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يا بني عبد المطلب، ويا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا يطوف بالبيت ويصلي؛ فإنه لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلَّا عند هذا البيت، يطوفون ويصلون\"، قال الحافظ في \"التلخيص\": وهو معلول.\nوروى ابن عدي عن أبي هريرة حديث: \"لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس\"، وزاد في آخره: \"من طاف فليصل\"، أي: حين طاف، وقال: لا يُتابَع عليه، وكذا قال البخاري.\nوقد استدل بحديثي الباب على جواز الطواف والصلاة عقيبه في أوقات الكراهة، وإلى ذلك ذهب الشافعي والمنصور بالله. وذهب الجمهور إلى العمل بالأحاديث القاضية بالكراهة على العموم؛ ترجيحًا لجانب ما اشتمل على الكراهة.\nوأنت خبير بأن حديث جبير بن مطعم لا يصلح لتخصيص أحاديث النهي المتقدمة لأنه أعم منها من وجه، وأخص من وجه، وليس أحد العمومين أولى\n_________\n(١) وزاد في نسخة: \"وقال الفضل: إن رسول الله - ﷺ - قال: يا بني عبد مناف لا تمنعوا\".\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٢٧).","vol":"7","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>(٥٢) بَابُ طَوَافِ الْقَارِن</span>\n١٨٩٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: \"لَمْ يَطُفِ النَّبِىُّ -ﷺ- وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الأَوَّلَ\". [م ١٢١٥، ت ٩٤٧، ن ٢٩٨٦، جه ٢٩٧٣، حم ٣/ ٣٨٧]\n===\nبالتخصيص من الآخر، وأما حديث ابن عباس فهو صالح لتخصيص النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، لكن بعد صلاحيته للاحتجاج، وهو معلول كما تقدم، انتهى.\n\n(٥٢) (بَابُ طَوَافِ الْقَارِنِ)\nأي: هل يطوف القارن طوافًا واحدًا للحج والعمرة، أو يطوف لهما طوافين؟\n١٨٩٥ - (حدثنا ابن حنبل، نا يحيى، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لم يطف النبي - ﷺ - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلَّا طوافًا واحدًا طوافه الأول).\nأخرجه مسلم من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، ومن طريق يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، فما هو من طريق يحيى بن سعيد فاقتصر فيه على قوله: \"إلَّا طوافًا واحدًا\"، وما هو من محمد بن بكر فزاد فيه على قوله: \"إلا طوافًا واحدًا\" لفظ: \"طوافه الأول\".\nفسياق أبي داود مخالف لسياق مسلم؛ فإن سياق مسلم ينفي هذه الزيادة في رواية يحيى بن سعيد، وسياق أبي داود يثبته فيها.\nقال النووي (١): وفيه دليل لما قدمناه أن النبي - ﷺ - كان قارنًا، وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، انتهى.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٢٤).","vol":"7","page":307},{"text":"١٨٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ لَمْ يَطُوفُوا حَتَّى رَمَوُا الْجَمْرَةَ\".\n===\nقلت: ليس فيه دليل على ما قال؛ فإنه يحتمل أن يكون معنى الحديث: لم يطف النبي - ﷺ - ولا أصحابه إلَّا طوافًا واحدًا طوافه الأول، أي في الحج، فإنه سعى فيه سعيًا واحدًا، فمعناه: أنه لا يكرر السعي في الحج، وهذا أمر مجمع عليه ليس فيه خلاف.\nقال الطحاوي (١): فإن احتجوا في ذلك بحديث عطاء، عن جابر: أن أصحاب النبي - ﷺ - لم يزيدوا على طواف واحد.\nقيل لهم: إنما يعني جابر بهذا الطواف بين الصفا والمروة، وقد بين عنه ذلك أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: لم يطف النبي - ﷺ - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلَّا طوافًا واحدًا، وإنما أراد جابر بهذا أن يخبرهم أن السعي بين الصفا والمروة لا يفعل في طواف يوم النحر، ولا في طواف الصدر كما يفعل في طواف القدوم، وليس في شيء من هذا دليل على أن ما على القارن من الطواف لعمرته وحجته هو طواف واحد أو طوافان (٢)، انتهى.\n١٨٩٦ - (حدثنا قتيبة، نا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين كانوا معه) في حجة الوداع (لم يطوفوا حتى رموا الجمرة).\nهذا الحديث بظاهره مخالف لما روته عائشة - ﵂ - وغيرُها من الصحابة الذين كانوا مع رسول الله - ﷺ - في حجه؛\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٠٤).\n(٢) وأدلة الحنفية على قولهم: \"يطوف لهما طوافين ويسعى سعيين\"، مذكورة في شرح أبي الطيب لـ \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢٥٢). (ش).","vol":"7","page":308},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإنهم كلهم قالوا: إن رسول الله - ﷺ - دخل مكة طاف بالبيت وبين الصفا والمروة.\nوالذين كانوا مع رسول الله - ﷺ - كانوا على نوعين: نوع كان معهم الهدي، ونوع ليس معهم هدي، فأما الذين معهم هدي فهم طافوا وسعوا ولم يحلوا، وأما الذين لم يكن معهم هدي فهم أيضًا طافوا وسعوا، ولكنهم حلوا، فكيف يقال: إن أصحاب رسول الله - ﷺ - لم يطوفوا حتى رموا الجمرة، فيجب تأويله.\nفتأويله أن يقال: إن أصحابه الذين لم يكن معهم هدي لم يطوفوا للحج، حتى رموا الجمرة.\nأو يقال: إن أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين كان معهم الهدي لم يطوفوا للإحلال حتى رموا الجمرة، وبعد رميها طافوا للإفاضة وحلوا.\nأو يقال: إن أصحابه - ﷺ - كلهم ممن لم يكن معهم هدي، أو كان لم يطوفوا للإفاضة حتى رموا الجمرة، فعلى كل تقدير يجب أن يقيد قوله: \"لم يطوفوا\".\nأما الحديث الأول فمناسبته بترجمة الباب على مذهب الشوافع ظاهر، حاصله: أن السعي بين الصفا والمروة من رسول الله - ﷺ - وأصحابه الذين كان معهم الهدي لم يكن إلا واحدًا في طوافه الأول، وهو طواف القدوم؛ فإن أفعال العمرة عندهم قد دخلت في أفعال الحج، فليس للعمرة عندهم طواف البيت ولا السعي بين الصفا والمروة إلَّا ما كان في الحج.\nوأما على مذهب الأحناف، فمناسبته بالباب أيضًا ظاهرة، يقال: لم يطف النبي - ﷺ - ولا أصحابه بين الصفا والمروة، أي في الحج، إلَّا طوافًا واحدًا، طوافه الأول، أي للحج، وهو عندهم أيضًا طواف القدوم، وأما طواف العمرة فقد تقدم عليه.","vol":"7","page":309},{"text":"١٨٩٧ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ، أَخْبَرَنِى الشَّافِعِىُّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ لَهَا: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ»\n===\nوأما الحديث الثاني فلا مناسبة له بالباب على مذهب الشافعية؛ فإن رسول الله - ﷺ - لما دخل مكة طاف للحج طواف القدوم أو طواف العمرة، فكيف يقال: إنهم لم يطوفوا حتى رموا الجمرة؟ فلا مناسبة على مذهبهم إلا أن يقال: إن معناه لم يطوفوا طواف الفرض حتى رموا الجمرة، وأما على مذهب الحنفية فمناسبة الحديث بالباب ظاهرة بالتوجيهين الأخيرين.\n١٨٩٧ - (حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، أنا الشافعي) هو محمد بن إدريس بن العباس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، أبو عبد الله الشافعي المكي، نزيل مصر، هو المجدد لأمر الدين على رأس المائتين، مات سنة أربع ومائتين، وله أربع وخمسون سنة.\n(عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - قال لها) أي لعائشة: (طوافكِ (١) بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيكِ لحجتكِ ولعمرتكِ)، اختلفت الأئمة في قصة عائشة - ﵂ - أنها حاضت في الطريق، فقال لها رسول الله: \"دعي عمرتك، وأهلِّي بالحج\" فحجت، فلما فرغت من مناسك الحج قالت لرسول الله - ﷺ -: ترجع صواحبي بحجة وعمرة، وأرجع بحجة فقط؟ فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم، فأحرمت بالعمرة حتى قضتها، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"طوافكِ بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيكِ لحجتك ولعمرتك\".\n_________\n(١) هذا أصرح دليل لمن قال: كانت قارنة، ويدل عليه أيضًا ما تقدم في \"باب إفراد الحج\". (ش).","vol":"7","page":310},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفقال الشافعية: إن رسول الله - ﷺ - أمرها بإدخال إحرام الحج على إحرام العمرة وترك أفعالها، فصارت قارنة، والقارن تدخل عمرته في الحج، وتؤدى أفعالها في أفعال الحج.\nوالدليل عليه أنه قال لها رسول الله - ﷺ -: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة الذي فعلت في الحج يكفيك لحجتكِ وعمرتكِ؛ لأن أفعال العمرة تداخلت في أفعال الحج.\nوأما الأحناف فإنهم يقولون بأن رسول الله - ﷺ - أمرها برفض (١) العمرة، فقال: \"انقضي (٢) رأسك، وامتشطي، وأهلِّي بالحج، ودعي العمرة\". فإن هذه الألفاظ لا تقال لترك الأفعال؛ فإن كانت أفعال العمرة داخلة في الحج فلا معنى للأمر بتركها، فإنها بظاهرها متروكة، فلما كانت رافضة للعمرة صارت مفردة بالحج، فلما حجت وفرغت منه، طلبت من رسول الله - ﷺ - أن تأتي ببدل العمرة التي رفضتها، ولم يحضر رسول الله - ﷺ - قصتها الأولى أنها حاضت، ورفضت العمرة، ولم تطف لها، فقال: ما فعلتِ من أفعال الحج وأتيتِ بها كفتكِ باعتبار الأجر والثواب لحجتكِ وعمرتكِ؛ فإنك كنت أحرمت أولًا بالعمرة ولم تستطيعي (٣) أنت لأدائها فمنعت (٤) منها بإذن الله تعالى بعروض الحيض، فثبت أجرك، ثم أديت بأفعال الحج كملًا فثبت لك ثواب الحج والعمرة، فأعلمت رسول الله - ﷺ - أني لم أطف بالعمرة، فأرسلها\n_________\n(١) وقد ورد النص بذلك في \"مسند أبي حنيفة\" بطرق [انظر: \"تنسيق النظام\" (ص ١١٣)]. (ش).\n(٢) وحمل النووي هذه الألفاظ على العذر، فتأمل. (ش).\n(٣) وقع في الأصل: \"ولم تستطع\"، وهو خطأ.\n(٤) ولا يخفى عليك أن هذا وكذا قوله: \"كفتكِ باعتبار الأجر\" منافٍ لقول الشارح: \"ولم يحضر رسول الله - ﷺ - قصتها ... إلخ\"، والصواب ما ذكره الشارح بعد ذلك بقوله: \"والحاصل أن قوله - ﷺ - ... إلخ\"، فتأمل.","vol":"7","page":311},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمع عبد الرحمن أخيها فأعمرها من التنعيم، وقال: هذه مكان عمرتك التي رفضتها، وهكذا الكلام بين الفريقين في قصة عائشة - ﵂ -، والله تعالى أعلم.\nوالحاصل أن قوله - ﷺ -: \"طوافك بالبيت\" الحديث، إن كان صدر منه بعد ما غفل عن طوافها وسعيها كما يدل عليه قوله (١) - ﷺ - لها: \"أو ما كنت طفت ليالي قدمنا\"، بل ظن رسول الله - ﷺ - أنها طافت وسعت للعمرة كما طاف الناس وسعوا، فحينئذ معنى هذا القول أنه قال: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة للعمرة حين طفت لها، ثم طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة للحج حين طفت له يسعك لحجك ولعمرتك، وهذا ظاهر لا خفاء فيه.\nوإن كان هذا القول بعد ما أخبرته عائشهّ - ﵂ - بأنها لم تطف بالبيت ولم تسع بين الصفا والمروة لعذر الحيض، فحينئذ معنى هذا القول أن طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة للحج بعد ما أحرمت بالعمرة، ومنعت من طوافها وسعيها يكفيك باعتبار الأجر والثواب، وهذا أيضًا ظاهر؛ فإن رسول الله - ﷺ - لما قدم مكة زمن الحديبية وأحرم بالعمرة ولم يتمكن من أداء أفعالها ومع ذلك جعلت عمرة وحصل لهم أجرها، فكذلك عائشة - ﵂ - لما أحرمت بالعمرة ولم تتمكن منها حتى أحرمت بالحج، ورفضتها، جعلت عمرتها باعتبار الأجر والثواب قائمة.\nويمكن أن يجاب عنه بأن الاستدلال بهذا القول موقوف على كون عائشة - ﵂ - قارنة، ولم يثبت هذا الاحتمال أنها كانت مفردة كما يدل عليه الدلائل، فإذا لم تثبت كونها قارنة لا يستدل بهذا على أن يكفي الطواف الواحد للقارن.\n_________\n(١) كما في رواية البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢٨/ ١٢١١).","vol":"7","page":312},{"text":"قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ سُفْيَانُ رُبَّمَا قَالَ: عن عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ،\n===\nوقد أجاب الطحاوي (١) ﵀ في \"شرح معاني الآثار\" (٢) بجوابين آخرين، فقال: أولهما: ليس هكذا لفظ هذا الحديث الذي رويتموه، إنما لفظه أنه قال: \"طوافك لحجك يجزئك لحجك وعمرتك\"، فأخبر أن الطواف المفعول للحج يجزئك عن الحج والعمرة، وأنتم لا تقولون هذا، إنما تقولون: إن طواف القارن طواف لقرانه لا لحجته دون عمرته، ولا لعمرته دون حجته.\nوثانيهما: قال: مع أن غير ابن أبي نجيح من أصحاب عطاء قد روى هذا الحديث بعينه عن عطاء على معنى غير هذا المعنى.\nحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم قال: أنا حجاج، وأنا عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة أنها قالت: قلت: يا رسول الله أكلُّ أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري؟ قال: \"انفري فإنه يكفيك\".\nقال حجاج في حديثه عن عطاء قال: ألَحَّتْ على رسول الله - ﷺ -، فأمرها أن تخرج إلى التنعيم، فتهل منه بعمرة، وبعث معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر، الحديث.\nفأخبر عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة بقصتها بطولها، وأنها إنما أحرمت بالعمرة في وقت ما كان لها أن تنفر بعد فراغها من الحجة والعمرة، وأن الذي ذكر أنه يكفيها هو الحج من الحجة والعمرة لا الطواف.\nفقد بطل أن يكون في حديث عطاء هذا حجة في حكم طواف القارن كيف هو، انتهى.\n(قال الشافعي: كان سفيان ربما قال: عن عطاء، عن عائشة) فيرويه\n_________\n(١) والأوجه عندي أن من روى اعتمارها نظر إلى بداية الإحرام، ومن روى إفرادها نظر إلى المال، وآخر الأمر بعد فسخها العمرة، وعلى هذا فلا يلزم تغليط عروة أو غيره، وجمع الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٦٠٩) بوجه آخر. (ش).\n(٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٠٠، ٢٠١).","vol":"7","page":313},{"text":"وَرُبَّمَا قَالَ: عنْ عَطَاءٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِعَائِشَةَ - ﵂ -. [م ١٢١١، حم ٦/ ١٢٤، ق ٥/ ١٠٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>(٥٣) بَاب الْمُلْتَزَمِ</span>\n١٨٩٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: \"لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ قُلْتُ: لأَلْبَسَنَّ ثِيَابِى، وَكَانَتْ دَارِى عَلَى الطَّرِيقِ، فَلأَنْظُرَنَّ كَيْفَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَانْطَلَقْتُ، فَرَأَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- قَدْ خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدِ اسْتَلَمُوا الْبَيْتَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الْحَطِيمِ،\n===\nموصولًا (وربما قال: عن عطاء، أن النبي - ﷺ - قال لعائشة - ﵂ -) فيرويه مرسلًا.\n\n(٥٣) (بَابُ الْمُلْتَزَمِ)\nهو حصة جدار البيت ما بين الباب وركن الحجر، يقال له: الملتزم؛ لأن الحاج إذا أراد الرجوع يستحب له أن يلتزم الملتزم عند الوداع\n١٨٩٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان) بن قدامة الجمحي، وقال بعض الرواة فيه: عبد الرحمن بن صفوان أو صفوان بن عبد الرحمن، يقال: له صحبة، وقال البخاري: لا يصح.\n(قال: لما فتح رسول الله - ﷺ - مكة قلت) أي في نفسي: (لألبسن ثيابي، وكانت داري على الطريق، فلأنظرن كيف يصنع رسول الله - ﷺ -، فانطلقت فرأيت النبي - ﷺ - قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، وقد استلموا البيتَ من الباب إلى الحطيم) (١) هو ما بين الركن والباب، وقيل: الحجر؛ لأن البيت رفع وترك\n_________\n(١) وحقَّق ياقوت الحموي في بيان الملتزم أن الحطيم ما بين الركن والمقام. [انظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ١٩٠)]. (ش).","vol":"7","page":314},{"text":"وَقَدْ وَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَسَطُهُمْ\". [حم ٣/ ٤٣١، خزيمة ٣٠١٧]\n===\nهو محطومًا (وقد وضعوا خدودَهم على البيت ورسول الله - ﷺ - وسطهم).\nقد كتب على حاشية النسخة المكتوبة في شرح هذا الحديث: لا يخفى أن الملتزم ما بين الباب والركن، فكأن الاستدلال بهذا الحديث بالمقايسة؛ فإنه لما ثبت استلام هذا الموضع يقاس عليه استلام الملتزم \"فتح الودود\"، أو بأن موضع الملتزم ازدحموا عليه قبل ما كان فارغًا فاستلموا في هذا الجانب من الباب، وليس قوله: \"ورسول الله - ﷺ - وسطهم\"، نص على أنه - ﷺ - كان شريكًا في هذا الفعل أيضًا، \"مولانا\"، والمراد به حضرة الشيخ مولانا محمد إسحاق الدهلوي ﵀.\nقلت: قد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (١) بطرق مختلفة على ألفاظ مختلفة، فأخرج من طريق أحمد بن حجاج، أخبرنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد بهذا السند على لفظ أبي داود إلا أنه زاد في آخره: \"فقلت لعمر: كيف صنع رسول الله - ﷺ - حين دخل الكعبة؟ قال: صلَّى ركعتين\".\nوأخرج أخرى بهذا السند قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - ملتزمًا الباب، ما بين الحجر والباب، ورأيت الناس ملتزمين البيت مع رسول الله - ﷺ -\".\nوأخرج أيضًا من طريق عبيدة بن حميد قال: حدثني يزيد بن أبي زياد بهذا السند قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - بين الحجر والباب واضعًا وجهه على البيت\"، ففي الحديثين الأخيرين تصريح بأن رسول الله - ﷺ - لم يلتزم إلَّا الملتزم، وأما أصحابه الكثيرون منهم بكثرتهم وازدحامهم لما لم يروا موضعًا في الملتزم للالتزام التزموا ذلك الجدار في يمين البيت.\n_________\n(١) (٣/ ٤٣١).","vol":"7","page":315},{"text":"١٨٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ،\n===\nوأنا أظن أن الحديث الطويل رواه الراوي بالمعنى، وكان في الحديث: التزموا البيت من الباب إلى الحجر، بحاء مهملة وجيم مفتوحتين، والمراد به الحجر الأسود، وفهم بعض الرواة أنه حِجْر بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم، والمراد به الحطيم، فرواه بالمعنى على ما فهم، وأورد لفظ الحطيم مكان الحجر، والله تعالى أعلم.\n١٨٩٩ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا المثنى بن الصباح) بالمهملة الموحدة الثقيلة، اليماني، الأبناوي بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون، أبو عبد الله أو أبو يحيى، نزيل مكة، ضعيف اختلط بأخرة، (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه قال: طفت مع عبد الله) أي ابن عمرو بن العاص، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي، وأخرج ابن ماجه (١) هذا الحديث في \"سننه\" من طريق عبد الرزاق قال: سمعت المثنى بن الصباح يقول: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: طفت مع عبد الله، فزاد لفظ \"عن جده\" بعد \"عن أبيه\".\nوقد أخرجه البيهقي (٢) بسند أبي داود ولم يزد فيه لفظ \"عن جده\". فالظاهر أن لفظ \"عن جده\" غير محفوظ؛ فإنه قد أخرج البيهقي هذا الحديث من طريق علي بن عاصم، أبنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه قال: كنت أطوف مع أبي عبد الله بن عمرو بن العاص، فرأيت قومًا قد التزموا البيت، فقلت له: انطلق بنا نلتزم البيت مع هؤلاء، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلما فرغ من طوافه التزم البيت (٣) بين الباب والحجر، قال:\n_________\n(١) سنن ابن ماجه (٢٩٦٢).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٩٢، ٩٣).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"السنن الكبرى\": \"التزم ما بين الباب والحجر\".","vol":"7","page":316},{"text":"فَلَمَّا جِئْنَا دُبَرَ الْكَعْبَةِ قُلْتُ: أَلَا تَتَعَوَّذُ؟ قَالَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَأَقَامَ (١) بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ، وَوَجْهَهُ، وَذِرَاعَيْهِ، وَكَفَّيْهِ هَكَذَا: وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَفْعَلُهُ\". [جه ٢٩٦٢، ق ٥/ ٩٣]\n١٩٠٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ عُمَرَ الْمَخْزُومِىُّ\n===\nهذا والله المكان الذي رأيت رسول الله - ﷺ - التزمه، كذا قال: \"مع أبي\"، وإنما هو جده، فإنه شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو.\nولو كان ما وقع في رواية ابن ماجه من قوله: \"عن جده\" محفوظًا فعلى هذا أيضًا ضمير لفظ \"قال: طفت\" يرجع إلى شعيب لا إلى جده.\n(فلما جئنا دُبُرَ الكعبة)، ولفظ رواية ابن ماجه: \"فلما فرغنا من السبع، ركعنا في دبر الكعبة\" (قلت) أي لعبد الله بن عمرو: (ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى) أي لاستلام الحجر (حتى استلم الحجر) ولفظ رواية ابن ماجه: \"فاستلم الركن\" (وأقام بين الركن) أي ركن الحجر (والباب) أي باب البيت، وهذا هو المتلزم، (فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا: وبسطهما بسطًا) ولفظ ابن ماجه: \"ألصق صدره ويديه وخدّه إليه\". (ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله).\n١٩٠٠ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا يحيى بن سعيد، نا السائب بن عمر المخزومي) هو السائب بن عمر بن عبد الرحمن بن السائب المخزومي، حجازي، قال أحمد وابن معين: ثقة، وقال أبو حاكم (٢): لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) في نسخة: \"فأقام\".\n(٢) كذا في الأصل، وهو خطأ، والصواب: \"أبو حاتم\" [انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٤٩)].","vol":"7","page":317},{"text":"قال: حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ الثَّالِثَةِ مِمَّا يَلِى الرُّكْنَ الَّذِى يَلِى الْحَجَرَ مِمَّا يَلِى الْبَابَ، فَيَقُولُ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُنْبِئْتَ\n===\n(قال: حدثني محمد بن عبد الله بن السائب) المخزومي، عن أبيه أنه كان يقول ابن عباس، الحديث، وعنه السائب بن عمر المخزومي، وقيل: عن السائب، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن عباس وعبد الله بن السائب، وقال أبو عاصم: عن السائب بن عمر، عن محمد بن عبد الرحمن المخزومي: كنت عند عبد الله بن السائب فأرسل إليه ابن عباس يسأله أين صلَّى رسول الله - ﷺ -؟ الحديث، وفيه فقال: أصبت، قال أبو حاتم: مجهول، هكذا في \"تهذيب التهذيب\".\n(عن أبيه) أي عبد الله بن السائب (أنه) أي عبد الله بن السائب (كان يقول ابن عباس) بعد ما كف بصره في آخر عمره (فيقيمه) أي ابن عباس (عند الشقة) بضم الشين ويكسر: الناحية والقطعة (الثالثة) وصفها بكونها ثالثة، ولم أر من تعرض لبيان وجه كونها ثالثة، والذي أظن أن الجدار القبلية منقسم على ثلاث قطعات: أولهما قطعة من الركن العراقي إلى الباب، والقطعة الثانية التي فيها الباب، والقطعة الثالثة التي تسمى الملتزم، فلعله لهذا الوجه جعلها ثالثة.\n(مما يلي) أي يتصل (الركن الذي) صفة الركن (يلي الحجر) أي الأسود (مما يلي الباب) أي من الجانب الآخر، ومعناه من الركن إلى الباب ومن الباب إلى الركن وهو الملتزم.\n(فيقول له ابن عباس) أي لعبد الله بن السائب: (أُنبئتَ) بصيغة الخطاب بحذف همزة الاستفهام، فإن في رواية النسائي: \"فقال ابن عباس: أما أنبئت؟ \". وفي \"مسند أحمد بن حنبل\" (١): \"فقلت - يعني القائل ابن عباس-: لعبد الله بن السائب: إن رسول الله - ﷺ - كان يقوم ههنا؟ فيقول: نعم\"، انتهى.\n_________\n(١) \"مسند الإِمام أحمد\" (٣/ ٤١٠).","vol":"7","page":318},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي ههُنَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُومُ فَيُصَلِّي\". [ن ٢٩١٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>(٥٤) بَابُ أَمْرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ</span>\n١٩٠١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ (١)، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: \"قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَأَيْتِ قول اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، فَمَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا؟\n===\n(أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي ههنا؟ فيقول) أي عبد الله بن السائب: (نعم) أي نعم يصلي رسول الله - ﷺ - ههنا (فيقوم) أي ابن عباس (فيصلي) أي عند الملتزم.\n\n(٥٤) (بَابُ أَمْرِ الصَّفَا والْمَرْوَةِ) (٢)\nأي كيف شرع الطواف بينهما؟\n١٩٠١ - حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، ح: وحدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، عن مالك، عن هشام، عن أبيه) أي عروة بن الزبير (أنه قال) أي عروة: (قلت لعائشةَ زوج النبي - ﷺ - وأنا يومئذ حديث السنن)، أي صغير: (أرأيتِ) أي أخبريني (قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) فما أرى على أحد شيئًا) لازمًا من الإثم والجناية (ألا يطوف بهما؟) أي بسبب ترك الطواف بهما.\nقال الحافظ (٤): إن عروة احتج للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح،\n_________\n(١) في نسخة: \"هشام بن عروة\".\n(٢) قال شارح \"الإقناع\" (١/ ٢٣١): المروة أفضل؛ لأنه مقصود، والصفا وسيلة؛ لأنه يمر عليه الحاج أربع مرات، وفي \"تحفة المحتاج\" (ص ٤٥٨): إن الصفا أفضل من المروة. (ش)\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٥٨.\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٩٩).","vol":"7","page":319},{"text":"قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: كلَّا لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، كَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِى الأَنْصَارِ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطَّوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ \". [خ ١٦٤٣، م ١٢٧٧، ن ٢٩٦٨، حم ٦/ ١٤٤]\n===\nفلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحب بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك.\n(قالت عائشة - ﵂ -: كلا) حرف ردع، ولفظ البخاري: \"قالت: بئسما قلت يا ابن أختي\" (لو كان كما تقول) أي لو كان الحكم بالسعي بين الصفا والمروة كما تقول (كانت) أي الآية (فلا جناح عليه) أي على الحاج أو المعتمر (أن لا يطوف بهما).\nومحصل جواب عائشة أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين بأنهم توهموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمر في الإِسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم.\nووجه نزول الآية هكذا (إنما أنزلت هذه الآية) أي: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية (في الأنصار كانوا يهلون) أي يحجون (لمناة) بفتح الميم والنون الخفيفة: صنم كان في الجاهلية، وقال ابن الكلبي: كان صخرة نصبها عمرو بن يحيى لهذيل، وكانوا يعبدونها (وكانت مناة حذو) أي مقابل (قديد) بقاف مصغرًا: قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه (وكانوا) أي الأنصار (يتحرجون) أي يعدونه حرجًا وإثمًا في الجاهلية (أن يطوفوا بين الصفا والمروة).\n(فلما جاء الإِسلام سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك) أي عن الطواف بين الصفا والمروة (فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾)","vol":"7","page":320},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويخالف ذلك حديثُ مسلم أخرجه من طريق أبي معاوية، عن هشام ولفظه: \"إنما كان ذلك لأن الأنصار كانوا يهلُّون في الجاهلية لصنمين على شَطِّ البحر، يقال لهما: إساف ونائلة، فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون (١)، فلما جاء الإِسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية\".\nووجه الجمع بينهما على ما أشار إليه البيهقي: أن الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين: منهم من كان يطوف بينهما، وهم الذين كانوا يُهلِّون لإساف ونائلة، وكانت إحداهما على الصفا، والأخرى على المروة، وما وقع أنهما كانا على شط البحر فإنه وهم، فإنهما ما كانا قط على شط البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، والتي كانت على شط البحر هي مناة، نبه على ذلك عياض (٢).\nومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهري: وهم الذين كانوا يهلون (٣) لمناة، واشترك الفريقان في الإِسلام على التوقف عن الطواف بينهما لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية، فنزلت الآية في الفريقين.\nوذكر الواحدي: أن أهل الكتاب يزعمون أن إساف ونائلة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين، فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبدا.\nواختلف أهل العلم في الطواف بين الصفا والمروة على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه ركن لا يصح الحج إلَّا به، وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر، وبه قال الشافعي ومالك في المشهور، وأحمد (٤) في أصح الروايتين عنه، وإسحاق\n_________\n(١) في الأصل: \"يحلون\"، وهو تحريف.\n(٢) انظر: \"الإكمال\" (٤/ ٣٥٣).\n(٣) قال القسطلاني (٤/ ١٨٦): إن من يهل لمناة كان يتحرج لهذين الصنمين لحبهم صنمهم وبغضهم إياهما. (ش).\n(٤) لكن رجح الموفق (٥/ ٣٣٩) أنه واجب كقولنا، نعم؛ عد صاحب \"الروض\" (١/ ١٧١) السعي من الأركان. (ش).","vol":"7","page":321},{"text":"١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اعْتَمَرَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: لَا\". [خ ١٧٩١، م ١٣٣٢]\n١٩٠٣ - حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أنَا إِلسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ،\n===\nوأبو ثور؛ لقوله - ﷺ -: \"اسعوا فإن الله كتب عليكم\"، رواه أحمد والدارقطني والبيهقي من رواية صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة بإسناد حسن.\nوالقول الثاني: أنه واجب يجبر بدم، وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومالك في \"العتبية\"، كما حكاه ابن العربي.\nوالقول الثالث: أنه ليس بركن ولا واجب بل هو سنَّة ومستحب، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية، حكاه العيني (١) عن شيخه زين الدين.\n١٩٠٢ - (حدثنا مسدد، نا خالد بن عبد الله، نا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله - ﷺ - اعتمر) أي عمرة القضاء (فطاف بالبيت) أي سبعًا (وصلَّى خلف المقام) أي مقام إبراهيم (ركعتين، ومعه) أي مع رسول الله - ﷺ - من الصحابة (من يستره من الناس) أي كفار مكة؛ لئلا يرميه أحد بشيء يؤذيه.\n(فقيل لعبد الله: أَدَخَلَ رسول الله - ﷺ - الكعبةَ) حين قدم لعمرة القضاء؟ (قال) أي عبد الله: (لا) أي لم يدخل البيت؛ لأن في ذلك الوقت كانت الأصنام فيها.\n١٩٠٣ - (حدثنا تميم بن المنتصر، أنا إسحاق بن يوسف،\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (٧/ ٢٣٢).","vol":"7","page":322},{"text":"أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى (١) بِهَذَا الْحَدِيثِ زَادَ: \"ثُمَّ أَتَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فَسَعَى بَيْنَهُمَا سَبْعًا، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ\". [جه ٢٩٩٠، حم ٤/ ٣٥٣، خزيمة ٢٧٧٥]\n١٩٠٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ: \"أَنَّ رَجُلًا\n===\nأنا شريك، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى بهذا الحديث) أي المتقدم (زاد) أي شريك: (ثم أتى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعًا، ثم) أي بعد الفراغ من السعي (حلق رأسه).\n١٩٠٤ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان) بمضمومة وسكون ميم وبنون، السلمي، ويقال: الأسلمي، أبو جعفر الكوفي، قال أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثُه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد في السعي في الحج.\n(أن رجلًا) لم أقف على تسميته، وقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه هذا الحديث، فاختصره ابن ماجه، ولكن الترمذي والنسائي قال: عن كثير بن جمهان قال: رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة، ولم يذكر السائل.\nوأما الترمذي فقال: عن كثير بن جمهان قال: رأيت ابن عمر يمشي (٢) في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى؟ ففي الترمذي السائل هو كثير بن جمهان، ولم يذكر أحد منهم أن السائل كان رجلًا آخر غير كثير بن جمهان.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يقول: اعتمرنا مع النبي - ﷺ -، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى ركعتين عند المقام\".\n(٢) تقدَّم الكلام على السعي راكبًا في \"باب الطواف الواجب\". (ش).","vol":"7","page":323},{"text":"قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى أَرَاكَ تَمْشِى وَالنَّاسُ يَسْعَوْنَ؟ قَالَ: إِنْ أَمْشِ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمْشِى، وَإِنْ أَسْعَ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَسْعَى، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ\" (١). [ت ٨٦٤، ن ٢٩٧٦، جه ٢٩٨٨، حم ٢/ ٥٢]\n===\n(قال لعبد الله بن عمر بين الصفا والمروة: يا أبا عبد الرحمن! إني أراك تمشي والناس يسعون) فكيف تخالف الناس؟ (قال) أي ابن عمر: (إن أمشي) وفي نسخة: إن أمش، وهو الأوفق بالقواعد العربية، وقال السندي (٢): عومل معاملة الصحيح، أو الياء للإشباع (فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمشي) أي في بعض المسافة بين الصفا والمروة (وإن أسعي فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يسعى) أي في بعض المسافة بينهما، وهو مسافة بطن الوادي.\nوحاصل هذا الجواب أن رسول الله - ﷺ - كان يمشي بين الصفا والمروة، ويسعى فيها، فكلا الأمرين جائزان (وأنا شيخ كبير) وهذا جواب ثان على سبيل التنزل، حاصله: لو سُلِّم أن السعي سنَّة، فهذا للأقوياء القادرين على السعي، وأنا شيخ كبير ضعيف لا أقدر على السعي.\nقلت: السعي بين الميلين الأخضرين سنَّة، فلو تركه القادر عليه يكون مسيئًا لتركه السنَّة، ولو تركه ضعيف فلا بأس به.\n_________\n(١) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٤٣٥) رقم (١٩١٣٧) بعدَ هذا الحديث زيادة من رواية ابن داسة: حديث: سمعت علي بن المديني يقول: عندي عن ابن عيينة في حديث واحد سبعة عشر لفظًا وأربعة عشر لفظًا. أبو داود: في آخر \"باب أمر الصفا والمروة\"، من الحج، عن الحسن بن علي، قال: سمعت ... فذكره. في رواية أبي بكر بن داسة.\n(٢) انظر: \"سنن النسائي مع حاشية السندي\" (٥/ ٢٤١).","vol":"7","page":324},{"text":"(٥٥) بَابُ صِفَةِ حَجَّةِ (١) النَّبِيِّ - ﷺ -\n١٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيَّانِ، وَرُبَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْكَلِمَةَ وَالشَّىْءَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ سَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَىَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِى، فَنَزَعَ زِرِّى الأَعْلَى ثُمَّ نَزَعَ زِرِّى الأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَىَّ،\n===\n\n(٥٥) (بَابُ صِفَةِ حَجَّةِ (٢) النَّبِيِّ - ﷺ -)، أي: حجة الوداع\n١٩٠٥ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان، وربما زاد بعضهم على بعضٍ الكلمةَ والشيءَ) أي الحرف، وحاصل الكلام: أن أحاديث جميع الشيوخ متفقة المعنى، ولكن اختلفت في اللفظ، فزاد بعضهم الكلمةَ والحرفَ على بعض.\n(قالوا: نا حاتم بن إسماعيل، نا جعفر بن محمد، عن أبيه) محمد بن علي الباقر (قال) أي محمد: (دخلنا على جابر (٣) بن عبد الله، فلما انتهينا إليه سأل عن القوم) أي عن الداخلين عليه، وكان قد عمي (حتى انتهى) أي السؤال (إليَّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين) بن علي بن أبي طالب، (فأهوى) أي أمال (بيده إلى رأسي، فنزع زِرِّي الأعلى) أي من أزرار القميص، (ثم نزع زري الأسفلَ، ثم وضع كله بين ثدييَّ).\n_________\n(١) في نسخة: \"حج\".\n(٢) وتقدم الاختلاف في نوعية إحرامه - ﷺ -. (ش).\n(٣) وهو في بني سلمة، كما في \"مسند أحمد\" (٣/ ٣٢٠). (ش).","vol":"7","page":325},{"text":"وَأَنا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ وَأَهْلًا يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا (١) شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَجَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَقَامَ في نِسَاجَةٍ\n===\nقال النووي (٢): ففيه تنبيه على أن سببَ فعل جابرٍ ذلك التأنيسُ لكونه صغيرًا وأما الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في جيبه، ولا المسح بين ثدييه. قلت: ولعل فعله هذا حبًا لأهل بيت النبي - ﷺ - وإكرامًا له.\n(وأنا يومئذ غلام شاب، فقال) أي جابر: (مرحبًا بك وأهلًا) قال في \"القاموس\": ومرحبًا وسهلًا، أي صادفت سعة (يا ابن أخي)، والمراد بالأخوَّة الأخوَّة في الدين.\n(سل عما شئت، فسألته وهو أعمى) أي مكفوف البصر (وجاء وقت الصلاة فقام) أي جابر (في نِساجة) قال النووي: بكسر النون وتخفيف السين وبالجيم، هذا هو المشهور في نسخ بلادنا، ورواياتنا \"لصحيح مسلم\" و\"سنن أبي داود\".\nووقع في بعض النسخ: \"في ساجة\" بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وهو الصوابُ، قال: والساجة والساج جميعًا ثوب كالطيلسان وشبهه، قال: ورواية النون وقعت في رواية الفارسي، قال: ومعناه ثوب ملفق، قال: قال بعضهم: النون خطأ وتصحيف.\nقلت: ليس كذلك، بل كلاهما صحيح، ويكون ثوبًا ملفقًا على هيئة الطيلسان، قال القاضي في \"المشارق\": الساج والساجة: الطيلسان، وجمعه السيجان، قال: وقيل: هي الخضر منها خاصة، وقال الأزهري: هو طيلسان مُقَوَّر (٣) ينسج كذلك، قال: وقيل: هي الطيلسان الحسن، قال: ويقال: الطيلسان بفتح اللام وكسرها وضمها وهي أقل، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"عم\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٤٣٤).\n(٣) في الأصل: \"وضوء\"، وهو تحريف، والصواب ما أثبتُّه. انظر: \"النهاية\" لابن الأثير (ص ٤٥٨)، و\"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٤٣٥).","vol":"7","page":326},{"text":"مُلْتَحِفًا (١) بِهَا- يَعْنِي ثَوْبًا مُلَفَّقًا - كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ (٢) رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، فَصَلَّى بِنَا وَرِدَاؤهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ.\nفَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ في النَّاسِ في الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَاجٌّ،\n===\n(ملتحفًا بها - يعني ثوبًا ملفقًا -) وهذا تفسير للنساجة، وقال في \"المجمع\" (٣): هي ضرب من الملاحف منسوجة، سميت بمصدر نسجت نساجة (كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها) أي تسقط عن المنكب.\n(فصلى بنا) أي إمامًا (ورداؤه) أي الكبير، والواو للحال (إلي جنبه على المشجب) هو بميم مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم جيم: عيدان تُضَم رؤوسها، ويُفْرَجُ بين قوائمها، وتوضَع عليه ثياب، وقد تُعَلَّق عليه الأسقية لتبريد الماء، حاصله: أنه صلَّى في نساجة من غير عذر.\n(فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله - ﷺ -) أي عن صفتها (فقال) أي أشار جابر (بيده فعقد) أنامله (تسعًا) بأن ضم من أنامله الخنصر والبنصر والوسطى إشارةً إلى تسع سنين.\n(ثم قال) أي جابر: (إن رسول الله - ﷺ - مكث) أي لبث بعد الهجرة في المدينة (تسع سنين لم يحج)؛ لأن مكة كانت إذ ذاك في أيدي الكفار (ثم) لما فتح الله على رسوله مكةَ في السنة الثامنة من الهجرة (أَذَّنَ في الناس) أي المسلمين (في) السنة (العاشرة) من الهجرة (إن رسول الله - ﷺ - حاج،\n_________\n(١) في نسخة: \"ملحفًا\".\n(٢) في نسخة: \"منكبيه\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧١٢).","vol":"7","page":327},{"text":"فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَيَعْمَلَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ (١) عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ (٢): \"اغْتَسِلِي وَاسْتَذْفِرِي بِثَوْبٍ\n===\nفقدم المدينة بشر كثير) لم يُحْصَروا، ولم يُعَيَّن عددُهم، ولكن قال القاري (٣): قيل: وقد بلغ جملة من معه من أصحابه في تلك الحجة تسعين ألفًا، وقيل: مائة وثلاثين ألفًا.\n(كلهم يلتمس) أي يطلب ويقصد (أن يأتم) أي يقتديَ (برسول الله - ﷺ -) أي في الحج، (وبعمل بمثل عمله، فخرج رسول الله - ﷺ -) أي من المدينة يريد مكة لخمس بقين من ذي القعدة بين الظهر والعصر (وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة) فنزل بها، فصلَّى العصر ركعتين، ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر، وكان نساؤه كلهن معه، فطاف عليهن تلك الليلة، ثم اغتسل غسلًا ثانيًا لإحرامه غير غسل الجماع، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وقلَّدها نعلين.\n(فولدت أسماء بنت عميس محمدَ بن أبي بكر، فأرسلت) (٤) أي أسماء (إلى رسول الله - ﷺ -: كيف أصنع) أي بالإحرام؟ (فقال: اغتسلي) وهذا الغسل للنظافة لا للطهارة، ولهذا لا ينوبه عنه التيمم، وكذا الحائض (واستذفري بثوب).\nقال في \"المجمع\" (٥): روي بذال معجمة من الذفر، بمعنى ما مرَّ،\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنة\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٢٣).\n(٤) ولفظ \"الموطأ\": فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله - ﷺ -. (ش).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٣٦).","vol":"7","page":328},{"text":"وَأَحْرِمِي\"، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْواءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، قَالَ جَابِرٌ: نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ منْ رَاكِب وَمَاشٍ، وَعن يَمِينِهِ مِثْلَ ذلِكَ، وَعن يَسَارِهِ مِثْلَ ذلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلِك، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرآنُ، وَهُوَ يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ، فَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ (١) بِالتَّوْحِيدِ: \"لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَ الْحَمْدَ وَالنّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ،\n===\nأي لتستعمل طيبًا تزيل به هذا الشيء عنها، وإن روي بمهملة فبمعنى لتدفع عن نفسها الدفر، أي الرائحة الكريهة، والمشهور \"استثفري\" بمثلثة.\n(وأحرمي، فصلى رسول الله - ﷺ -) ركعتين سنَّة الإحرام، وقيل: صلاة الظهر، وقد قال ابن القيم (٢): لم يُنقَل أنه - ﷺ - للإحرام ركعتين غير فرض الظهر (في المسجد) أي مسجد ذي الحليفة (ثم ركب القصواء) اسم لناقته - ﷺ - (حتى إذا استوت به) أي برسول الله - ﷺ - (ناقته على البيداء) وهي المفازة التي لا شيء بها، وهنا اسم موضع بين مكة والمدينة.\n(قال جابر: نظرت إلى مد) أي: منتهى (بصري من بين يديه) أي رسول الله - ﷺ - (من راكب وماشٍ) أي: بعضهم راكب، وبعضهم ماش (وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا)، لفظ: \"أظهر\" مقحم، أي: بيننا، يدخل لتحسين الكلام (وعليه ينزل القرآن، وهو يَعْلَمُ تأويلَه، فما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد) أي بالتلبية التي اشتملت على التوحيد ونفي الشرك.\n(لبيك) على لفظ التثنية، والمراد بها التكرير والتكثير (اللهُمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن) بكسر الهمزة لا بفتحها (الحمد والنعمة لك والملك)\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله - ﷺ -\".\n(٢) \"زاد المعاد\" (٢/ ١٠٧).","vol":"7","page":329},{"text":"لَا شَرِيكَ لَكَ\". وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَلْبِيَتَهُ.\nقَالَ جَابِر: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ،\n===\nأي لك (لا شريك لك، وأهلَّ الناس) أي رفعوا أصواتهم (بهذا الذي) أي بالكلام الذي (يهلون به) والمراد به زيادة الناس في التلبية من الذكر والثناء، كما روي عن ابن عمر أنه قال: \"لبيك وسعديك، والرغباءُ إليك والعملُ\" (١) (فلم يَرُدَّ) أي لم ينكر (عليهم رسول الله - ﷺ - شيئًا منه) أي من الكلام الذي زادوه في التلبية، فثبت جوازه فيها. (ولزم رسول الله - ﷺ - تلبيته)، وثبت من هذا أن تلبية رسول الله - ﷺ - التي لزمها أولى.\n(قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة) تأكيد لما قبله استصحابًا لما كان عليه في الجاهلية من كونِ العمرة محظورة في أشهر الحج وكونِها فيها من أفجر الفجور، وقمِل: ما قصدناها ولم تكن في ذكرنا، بل معنى لسنا نعرف العمرة مقرونة بالحجة، أو بالعمرة المفردة في أشهر الحج.\nوقد روى البخاري (٢) عن عائشة - ﵁ -: أن الصحابة خرجوا معه لا يعرفون إلَّا الحج، فبيَّن - ﷺ - لهم وجوه الإحرام، وجوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحج، فقال: من أحمب أن يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن يهل بحجة فليهل.\n(حتى إذا أتينا البيت معه) أي صبيحة الأحد رابع ذي الحجة (استلم الركن) أي الحجر الأسود، ولم يصل تحية المسجد؛ لأن تحية الكعبة هو الطواف (٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١١٨٤).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٧٨٣).\n(٣) وهو طواف القدوم، سنة عند الحنفية والحنابلة، وحكى الموفق (٥/ ٣١٦) عن مالك والشافعي الدم على تركه، لكن النووي عدَّه في \"مناسكه\" (ص ٢٢٥) سنة، نعم صرح الدردير (٢/ ٢٤٨) بوجوب طواف القدوم، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٢٦٨)، وحكى العيني اختلاف الشافعية في ندبه ووجويه. (ش).","vol":"7","page":330},{"text":"فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَالَ: فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: - قَالَ ابْنُ نُفَيْل وَعُثْمَان: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عن النَّبِي - ﷺ -. قَالَ سُلَيْمَانُ: وَلَا أَعْلمُهُ إِلَّا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ بـ ﴿قُل هُوَ أحد اَللهُ﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢)\n===\n(فرمل) أي: أسرع، بهز منكبيه (ثلاثًا) أي في ثلاثة أشواط من الأشواط السبعة (ومشى) على الهيئة والسكون (أربعًا) أي في أربعة أشواط وكان مضطبعًا في جميعها.\n(ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بكسر الخاء على الأمر، وبفتحها على الخبر ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي بعض حواليه (﴿مُصَلًّى﴾) أي موضع صلاة الطواف (فجعل المقام بينه وبين البيت) أي صلَّى خلف المقام بيانًا للأفضل فصلَّى ركعتين.\n(قال) أي جعفر بن محمد: (فكان أبي) أي محمد بن علي بن الحسين (يقول، قال ابن نفيل) وهو عبد الله بن محمد النفيلي (وعثمان) أي ابن أبي شيبة في حديثهما: (ولا أعلمه) مقولة لقوله: \"يقول\"، أي: كان أبي يقول: ولا أعلم جابرًا (ذكره) أي الذي يقرأ في الركعتين (إلَّا عن النبي - ﷺ -، قال سليمان) أي ابن عبد الرحمن: (ولا أعلمه) أي جابرًا (إلَّا قال: قال رسول الله - ﷺ -، يقرأ في الركعتبن بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾).\nوغرض المصنف من هذا الكلام بيان الفرق بين ألفاظ شيوخه؛ فابن نفيل وعثمان قالا في حديثهما: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي - ﷺ -، ويوافقهما لفظ مسلم في \"صحيحه\" من حديث أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، وهو أوضح في المراد، ولفظ سليمان بن عبد الرحمن: ولا أعلمه إلَّا قال: قال رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٢٩.\n(٢) في نسخة: \"قل\".","vol":"7","page":331},{"text":"ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البابِ إِلَى الصَّفَا، فَلمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. \"نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّه بِهِ\"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ،\n===\nوحاصل الكلام أن جعفر بن محمد يقول: كان أبي محمد بن علي يقول: إن جابرًا - ﵁ - يذكر: أن رسول الله - ﷺ - يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ هُوَ أَللهُ أحد﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.\nقال النووي (١): معنى هذا الكلام: أن جعفر بن محمد روى هذا الحديث عن أبيه عن جابر قال: كان أبي - يعني محمدًا - يقول: إنه قرأ هاتين السورتين، قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر، بل عن جابر عن قراءة النبي - ﷺ - في صلاته (٢) هاتين الركعتين.\nفقوله: لا أعلم، ليس هو شكًا في ذلك؛ فإن لفظة العلم تنافي الشك، بل جزم برفعه إلى النبي - ﷺ - ﷺ - وقد ذكر البيهقي بإسناد صحيح على [شرط] مسلم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي - ﷺ - طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثًا، ثم صلَّى ركعتين قرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\n(ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن) أي الحجر الأسود، وهذا استلام ثامن؛ فإنه قد أستلم في الأشواط السبعة سبع مرات، وهذا ثامن (ثم خرج من الباب) أي باب الصفا (إلى الصفا) أي إلى جانبه (فلما دنا) أي قرب (من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) جمع شعيرة، وهي العلامة التي جُعِلَتْ للطاعات المأمور بها في الحج عندها كالوقوف، والرمي، والطواف، والسعي (نبدأ بما بدأ الله به) أي في الآية (فبدأ بالصفا) أي بدأ بالسعي بالصفا (فرقي) أي صعد (عليه)\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٣٨).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"شرح النووي\": \"صلاة هاتين الركعتين\"، وهو الصواب.\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٥٨.","vol":"7","page":332},{"text":"حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَكَبَّرَ اللَّه وَوَحَّدَهُ، وَقَالَ: \"لَا إِله إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِيِ وُيمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، لَا إِلهَ إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزابَ وَحْدَهُ\". ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ\n===\nأي على الصفا (حتى رأى البيت) وذلك في ذاك الزمان، وأما الآن فلا يمكن رؤية البيت لحيلولة الجدران.\n(فكبر الله) أي قال: الله أكبر (ووحَّده وقال: لاإله إلَّا الله وحده) حال مؤكدة (لا شريك له) في الألوهية فيكون تأكيدًا؛ أو في الصفات فيكون تأسيسًا (له الملك) أي ملك السماوات والأرض (وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء) تعلقت به إرادتُه (قدير) كامل القدرة لا يعجزه شيء (لا إله إلَّا الله وحده، أنجز وعدَه) أي وفي بما وعد لإعلاء كلمته (ونصر عبدَه) أي الخاصَ، وهو رسول الله - ﷺ -، نصره نصرًا عزيزًا وفتحًا مبينًا (وهزم الأحزابَ وحدَه). معناه: هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم. والمراد بالأحزاب: الذين تحزَّبوا على رسول الله - ﷺ - يوم الخندق، قاله النووي (١).\nوقال القاري (٢): ويمكن أن يراد بهم أنواع الكفار الذين غُلِبوا بالهزيمة والفرار.\n(ثم دعا بين ذلك) \"ثم\" لمجرد الترتيب دون التراخي، أي دعا في أثناء الذكر والتوحيد (وقال) أي رسول الله - ﷺ - (مثل هذا) أي من الذكر والدعاء (ثلاث مرات، ثم نزل) أي من الصفا ومشى (إلي المروة) أي إلى جهتها.\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٣٩).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٢٩).","vol":"7","page":333},{"text":"حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ في بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى (١) الْمَرْوَةَ، فَصَنَعَ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ مَا صَنَعَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ الطَّوَافِ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: \"إِنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً،\n===\n(حتى إذا انصَبَّت) أي انحدرت (قدماه رمل) أي سعى سعيًا شديدًا، وعدا هرولة (٢) (في بطن الوادي) أي المسعى.\n(حتى إذا صعد) أي رسول الله - ﷺ -، وفي رواية: حتى إذا صعدتا، أي قدماه عن بطن الوادي (مشى حتى أتى المروة، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا) من الرقي والاستقبال والذكر والدعاء.\n(حتى إذا كان) تامة (آخر الطواف) أي السعي (على المروة قال:) جواب \"إذا\" (إني لو استقبلت من أمري) أي لو علمت في قبل أمري وابتدائه (ما استدبرت) أي ما علمته في دبر منه وانتهائه، والمعنى: لو ظهر لي هذا الرأي الذي رأيته الآن (لم أَسُقِ الهدي) بضم السين، قيل: إنما قاله تطييبًا لقلوبهم، وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم إليه، إذ كان يشق عليهم ترك الاقتداء بفعله (ولجعلتها) أي الحجةَ (عمرة) أي جعلت إحرامي بالحج مصروفًا إلى العمرة، أو معناه: جعلت الحجة الآن عمرة بأن حللت منها بعد الفراغ من أفعال العمرة، كما يدل عليه حديث عروة عن عائشة عند البخاري (٣): \"أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي - ﷺ - أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة\".\nقال الحافظ (٤): معنى قوله: \"ثم لم تكن عمرة\"، أي لم تكن الفعلة\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا أتى\".\n(٢) وهو سنة عند الأربعة، لا شيء بتركه إلَّا في رواية مرجوحة عند مالك، كما في \"الأوجز\" (٧/ ٣٥٠). (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٦١٤، ١٦٤١).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٩).","vol":"7","page":334},{"text":"فَمَنْ (١) كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً\"، فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ؟\n===\nعمرة، هذا إن كان بالنصب على أنه خبر كان، ويحتمل أن تكون كان تامة، والمعنى ثم لم تحصل عمرة، وهي على هذا بالرفع، ووقع في آخر الحديث: \"ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم إنهما لا تحلان\" بجعلها عمرة كناية عن الحل.\n(فمن كان منكم ليس معه هدي) الهدي بإسكان الدال، وقيل: بكسر الدال وتشديد الياء (فليحلل) بعد الفراغ من أفعال العمرة (وليجعلها) أي تلك الأفعال من الطواف بالبيت والسعي بين الصفاء والمروة أو الحجة (عمرة) فالمراد من جعلها عمرة أن يفسخ نية الحج، ويقطع أفعاله، ويجعل إحرامَه وأفعاله للعمرة.\n(فحل الناس) الذين ليس معهم هدي (كلهم وقصَّروا إلَّا النبي - ﷺ -)؛ لأنه كان معه - ﷺ - هدي (ومن كمان معه هدي) من الصحابة فلم يقدروا أن يجعلوها عمرة ويحلوا؛ فإن الهدي كانت مانعة لهم من الحل، وذكر ابن القيم (٢) أسماء الذين لم يحلوا معه - ﷺ -: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وزاد الطحاوي في رواية عائشة في الذين لم يحلوا: عثمان - ﵁ -.\n(فقام سراقة) (٣) بضم السين ابن مالك (بن جعشم) بضم الجيم والشين (فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا)، أي الإتيان بالعمرة في أشهر الحج مختص بهذه السنَّة (أم للأبد؟) أي حكم عام إلى يوم القيامة يشرع إتيانها لمن بعدنا\n_________\n(١) في نسخة: \"ومن\".\n(٢) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٣٢).\n(٣) ظاهره أن السؤال وقع عنهما، وفي حديث البخاري أن السؤال عند رمي الجمرة، وجمع الحافظ بتعدد السؤال. [انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠٨)]. (ش).","vol":"7","page":335},{"text":"فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَصَابِعَهُ في الأُخْرَى ثُمَّ قَالَ: \"دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ هَكَذَا مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ\".\n===\n(فشبَّك رسول الله - ﷺ - أصابعه) أي أصابع يد واحدة (في الأخرى) أي في أصابع اليد الأخرى (ثم قال: دخلت العمرة في الحج) أي في أشهره (هكذا) كما دخلت أصابع يدي في أصابع يدي الأخرى (مرتين) أي قالها مرتين، أي (لا) يختص هذا الحكم بهذه السنَّة (بل لأبد أبد) (١) كرره للتأكيد.\nقيل: معناه أنه تجوز العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة، والمقصود إبطال ما زعمه أهل الجاهلية من أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج، قال النووي (٢): وعليه الجمهور.\nوقيل معنى دخولها في الحج: أن فرضها ساقط بوجوب الحج، وفيه أنه متى فرضت حتى يقال سقطت، وقيل: معناه جواز القرآن، وتقدير الكلام: دخلت أفعال العمرة في الحج إلى يوم القيامة، ويدل عليه تشبيك الأصابع، وفيه أنه حينئذ لا مناسبة بين السؤال والجواب، وقيل: جواز فسخ الحج إلى العمرة، قال النووي: وهو ضعيف.\nثم قال: واختلف العلماء في هذا الفسخ، هل هو خاص بالصحابة لتلك السنَّة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟\nفقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصًا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلل بأعمالها.\nوقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف - رحمهم الله تعالى -: هو مختص بهم في تلك السنَّة؛ ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: فيه روايتان حكاهما القاضي وغيره، إحداهما تنكير الاثنين مع الإضافة، والرواية الثانية تنكير الأول وتعريف الثاني مع الإضافة.\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٤٢٦ - ٤٢٧).","vol":"7","page":336},{"text":"قَالَ: وَقَدِمَ عَلِيٌّ - ﵁ - مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵍ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ عَلِيٌّ - ﵁ - ذلِكَ عَلَيْهَا وَقَالَ (١): مَنْ أَمَرَكِ بِهَذَا؟ قَالَتْ: أَبِي - ﷺ -. قَالَ: فَكَانَ (٢) عَلِيٌّ - ﵁ - يقُولُ بالْعِرَاقِ: ذَهَبْتُ إلَي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ - ﵂ - في الأَمْرِ الَّذِي صَنَعَتْهُ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُول اللَّهِ - ﷺ - في الَّذِي ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلِكَ عَلَيْهَا،\n===\nوالحجة للجمهور حديث أبي ذر عند مسلم: \"كانت المتعة - أي الفسخ - في الحج لأصحاب محمد خاصة\"، وحديث النسائي: \"يا رسول الله! فسخ الحج للعمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال ﵊: لنا خاصة\".\n(قال) أي جابر: (وقدم عليٌّ - ﵁ - من اليمن ببُدن النبي - ﷺ -) هو بضم الباء وسكون الدال، جمع بدنة، والمراد ههنا ما يُتَقَرَّب بذبحه من الإبل (فوجد) أي عَلِيٌّ (فاطمة ﵍ ممن حل، ولبست ثيابًا صبيغًا، واكتحلت)؛ لأنها لم تكن أهدت (فأنكر علي - ﵁ - ذلك) أي الإحلالَ (عليها) أي على فاطمة (وقال) أي علي لها: (من أمرك بهذا) أي بالإحلال؟ (قالت: أبي - ﷺ -) أي أمرني أبي بهذاء.\n(قال) أي جابر: (فكان علي - ﵁ - يقول بالعراق) حين كان خليفة فيها في حديث ذلك: (ذهبت إلى رسول الله - ﷺ -) حين سمع جواب فاطمة في إحلالها (مُحَرِّشًا) أي مغريًا (على فاطمة - ﵂ - في الأمر الذي صَنَعَتْه) وهو إحلالها (مستفتيًا لرسول الله - ﷺ -) أي سائلًا (في الذي ذكرت عنه) بأنها قالت: أمرني أبي بهذا (فأخبرته) أي رسول الله - ﷺ - (أني أنكرت ذلك) أي الإحلال (عليها)\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"وكان\".","vol":"7","page":337},{"text":"فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، فَقَالَ: \"صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ \"، قَالَ: قُلْتُ: اللهُمَّ إِنّي أُهِلُّ بَمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: \"فَإِنَ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحْلِلْ\".\nقَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْي الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَن وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ الْمَدِينَةِ مِائَةً. فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إلَّا النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ\n===\nأي على فاطمة (فقالت: إن أبي أمرني بهذا، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (صَدَقَتْ صَدَقَتْ) أي فاطمة، إني أمرتها بهذا، والكلمة الثانية للتأكيد.\n(ماذا قلت حين فرضت الحج؟) أي ماذا سميت من الحج والعمرة حين ألزمته على نفسك بالنية والتلبية؟ (قال) أي علي: (قلت: اللَّهُمَّ إني أهل بما أهل به رسول الله - ﷺ -)، قال ابن الملك (١): هذا يدل على جواز تعليق إحرام الرجل على إحرام غيره.\n(قال) (٢) أي النبي - ﷺ -: (فإن معي) بسكون الياء وفتحها، أي: إذا علقتَ إحرامك بإحرامي فمعي (الهدي)، ولا أقدر أن أخرج من العمرة بالتحلل (فلا تحلل) أي أنت بالخروج من الإحرام كما لا أحل حتى نفرغ من العمرة والحج جميعًا.\n(قال) أي جابر: (فكان جماعة الهدي) أي الإبل (الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي - ﷺ - من المدينة مائة، فحلَّ الناس كلهم وقصَّروا، إلَّا النبي - ﷺ - ومن كان معه هدي) هذه الجملة مكررة وقد مرت.\nفإن قلت: قد أحرم أبو موسى الأشعري بما أحرم به رسول الله - ﷺ - معلقًا على إحرامه فأمره بالإحلال، ولم يأمر عليًا به، فما وجه الفرق بينهما؟\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٣٤).\n(٢) هكذا لفظ مسلم، وفي \"البداية والنهاية\" (٥/ ١٧١): قال علي: فإن معي الهدي، فلا تحلل، وهذا أوضح. (ش).","vol":"7","page":338},{"text":"قَالَ: فَلمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فصَلَّى بِمِنًى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ لَهُ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ بِنَمِرَةَ (١)،\n===\nقلت: وجه الفرق بينهما أن عليًا - ﵁ - جاء من اليمن بالهدي، فالظاهر لما أخذ النبي - ﷺ - هديًا أخذ لنفسه أيضًا ليتم اتباعه واتفاقه في الإهلال، ويمكن أن يكون رسول الله - ﷺ - أشركه في هديه فلهذا لم يأمره بالإحلال، وأمر به أبا موسى لأنه لم يكن معه هدي، والله أعلم.\n(قال: فلما كان يوم التروية) وهو ثامن ذي الحجة (ووجهوا) بمعنى توجهوا، أو وجهوا ركابهم ورواحلهم، أي أرادوا التوجه أو التوجيه (إلى مني أهلوا) أي أحرموا (بالحج، فركب رسول الله - ﷺ - فصلَّى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث) أي وقف بمنى (قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة) أي بضرب خيمةٍ (له من شعر) بفتح العين وسكونها (فضُرِبَتْ بِنَمِرَةَ) بفتح النون وكسر الميم، وهو غير منصرف: موضع عن يمين الخارج من مأزِمَيْ عرفةَ إذا أراد الموقف، قال الطيبي (٢): جبل قريب من عرفات، وليس منها (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"في نمرة\".\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٥٠، ٢٥١).\n(٣) وبذلك جزم النووي في \"شرح مسلم\" (٤/ ٤٤١)، والزرقاني في \"شرح المواهب\" (١١/ ٣٩٧) إذ قالا: إنها ليست منها، وهو ظاهر كلام الأبي في \"الإكمال\"، إذ قال: يخرج إلى عرفة بعد الزوال، وفي \"تهذيب اللغات\" للنووي (٤/ ١٧٣): موضع معروف عند عرفات، وهكذا في \"تحفة المحتاج\"، إذ قال: السنَّة أن لا يدخلونها (أي عرفة) بل يقيمون بنمرة: محل معروف بقرب عرفات، وقال الحافظ (٣/ ٥١١): موضع بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات، وهكذا في \"عمدة القاري\" (٧/ ٢٤٩) وهو ظاهر \"المغني\" (٥/ ٢٦٣) إذ قال: إن شاء يقيم بنمرة، وإن شاء بعرفة، وكذا قال النووي في \"مناسكه\" (ص ٣٢٠)، لكن ظاهر الباجي أنها بعرفة، وظاهر فروع =","vol":"7","page":339},{"text":"فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ - ﷺ - وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام بِالْمُزْدَلِفَةِ كمَا كَانَتْ قُرَيْش تَصْنَعُ في الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ (١) فَنزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاء فَرُحِلَتْ لَهُ،\n===\n(فسار رسول الله - ﷺ -) أي من مني إليها (ولا تشك قريش أن رسول الله - ﷺ - واقف عند المشعر الحرام) أي كانوا على يقين من أن رسول الله - ﷺيقف (بالمزدلفة) ولا يجاوزها إلى عرفات (كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) بأنهم لا يجاوزون عن المزدلفة، ولا يخرجون من الحرم إلى الحل، ويقولون: نحن قطَّان الله، والناس كلهم يخرجون إلى عرفات.\n(فأجاز) (٢) أي تجاوز (رسول الله - ﷺ -) من المزدلفة إلى عرفات (حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها) أي بالقبة، وهذا يدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها مثل هودج ونحو ذلك، خلافًا لمالك وأحمد.\n(حتى إذا زاغت الشمس) أي نزل بها واستمر فيها، حتى إذا مالت وزالت عن كبد السماء إلى جانب الغرب (أمر بالقصواء) وهي ناقته (فَرُحِلَتْ له) أي شد\n_________\n= الحنفية والدردير أنها من عرفات، بل نص الزيلعي على \"الكنز\" على ذلك إذ قال: قال الشافعي: النزول بنمرة أفضل لنزوله - ﵇ -، قلنا: هي من عرفات، وهي كلها موقف، انتهى.\nوكذا في \"الشامي\" (٣/ ٥١٨) خلافًا لما تقدم عن العيني، وفي \"المجمع\" (٤/ ٨١٠): هي جبل عليه أنصاب الحرم بعرفات، وفي \"القاموس\" (٤/ ٤٤٢): موضع بعرفات أو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك خارجًا من المأزِمَيْنِ ... إلخ، وهو نص حديث ابن عمر الآتي خلافًا لما شرحه الشيخ، قال ابن القيم (٢/ ٢٣٣): موضع بشرقي عرفات. (ش).\n(١) في نسخة: \"في نمرة\".\n(٢) وكان يوم جمعة بلا خلاف، فهل له مزية على غيره من الأيام؟ وراجع: \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٢٨). (ش).","vol":"7","page":340},{"text":"فَرَكِبَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: \"إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم عَلَيْكُم حَرَام كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هَذَا في شَهْرِكُم هَذَا، في بَلَدِكُم هَذَا، أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِليَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ،\n===\nالرحل عليها له (فركب حتى أتى بطن الوادي) موضع بعرفات يسمى عرنة (١) وليست من عرفات خلافًا لمالك.\n(فخطب الناس) أي وَعَظَهم، وخطب خطبتين (٢): الأولى لتعريفهم المناسكَ والحثِّ على كثرة الذكر والدعاء بعرفة، والثانية قصيرة جدًا لمجرد الدعاء.\n(فقال) أي في خطبته: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) أي ليس لبعضكم أن يتعرض لبعض فيريق دمه أو يسلب ماله (كحرمة يومكم هذا) يعني تعرُّض بعضِكم دماءَ بعضٍ وأموالَه في غير هذه الأيام كحرمة التعرض لهما في يوم عرفة (في شهركم هذا) أي ذي الحجة (في بلدكم هذا) أي مكة.\nقال الطيبي (٣): شبه في التحريم بيوم عرفة، وذي الحجة، والبلدِ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرمة أشد التحريم لا يستباح فيها شيء.\n(ألا) للتنبيه (إن كل شيء) أي كل فعل (من أمر الجاهلية تحت قَدَمَيَّ) بالتثنية (موضوع) أي كالشيء الموضوع تحت القدم، وهو مجاز عن إبطاله،\n_________\n(١) بذلك جزم الزرقاني في \"شرح المواهب\" (١١/ ٣٩٧)، وابن القيم (٢/ ٢٣٤)، وابن رشد (١/ ٣٤٩)، والمغني (٥/ ٢٦٧)، وجزم الدردير (٢/ ٣٨) بالإجزاء في مسجد عرنة لا بطنها. (ش).\n(٢) عند الحنفية والمالكية والشافعية كما حكي في \"الأوجز\" (٨/ ١٨٩ - ١٩٢) من النصوص عن فروعهم، نعم لم أجد النص بذلك عن الحنابلة، بل صرَّح ابن القيم (٢/ ٢٣٤) بأنها فردة، والعجب من الزرقاني المالكي حكى عن المالكية أنها فردة، والنصوص تأبى ذلك؟ ! . (ش).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٥١).","vol":"7","page":341},{"text":"وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دِمَاؤُنَا: دَمُ\".\nقَالَ عُثْمَانُ: دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ. وَقَالَ سلَيْمَانُ: دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَانَ مُسْتَرضَعًا في بَني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ (١) هُذَيْلٌ.\n===\nوالمعنى: عفوت عن كل شيء فعله رجل قبل الإِسلام من أفعال الجاهلية حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدم.\n(ودماء الجاهلية موضوعة) أي متروكة، لا قصاص، ولا دية، ولا كفارة، أعادها للاهتمام بها (وأول دم أضعه) أي أتركه (دماؤنا) هكذا في نسخ أبي داود، ولفظ رواية مسلم: \"وإن أول دم أضع من دمائنا\" بزيادة لفظ \"من\" أي: دماء أهل الإِسلام (دم) هذا اللفظ مشترك في روايات الشيوخ، ثم اختلفوا.\n(قال عثمان) أي ابن أبي شيبة: (دم ابن ربيعة، وقال سليمان) أي ابن عبد الرحمن: (دم ربيعة) فزاد عثمان لفظ \"ابن\"، ولم يزده سليمان، ولم يذكر المصنف لفظ النفيلي ولا لفظ هشام بن عمار (ابن الحارث بن عبد المطلب) وكلاهما صحيح كما سيأتي.\n(كان) أي ابن ربيعة واسمه إياس (مسترضَعًا في بني سعد فقتلته) أي ابن ربيعة (هذيل) وكان طفلًا صغيرًا يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب بني سعد مع قبيلة هذيل فقتله هذيل، ورواية البخاري (٢): \"دم ربيعة بن الحارث\"، وقد خطأها جمع من أهل العلم بأن الصواب: دم ابن ربيعة، ويمكن بأن يقال: إضافته إلى ربيعة لأنه ولي ذلك، أو هو على حذف مضاف، أي دم قتيل ربيعة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقتله\"، وفي نسخة: \"قتلته\".\n(٢) هكذا في \"المرقاة\" (٥/ ٤٣٨)، وعزاه القاضي عياض (٤/ ٢٧٦)، والنووي (٤/ ٤٤٣)، والزرقاني إلى بعض روايات مسلم وأبي داود، ولم ينسبوه إلى البخاري، ولم نجده في البخاري فليتحرر. (ش) [انظر: \"شرح المواهب\" (١١/ ٣٩٨)].","vol":"7","page":342},{"text":"\"وَرِبَا الْجَاهِليَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ (١) رِبَانَا: رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. فَاتَّقُوا (٢) اللَّه في النِّسَاءِ فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلَمَةِ اللَّهِ، وَإِنَّ لَكُم عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم أَحَدًا تكرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْربُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُم رِزْقُهُنَّ\n===\n(وربا الجاهلية موضوع) يريد أموالهم المغصوبة والموهوبة، وإنما خص الربا تأكيدًا؛ لأنه في الجملة معقول في صورة مشروع (وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب) بدل من ربانا (فإنه) أي ربا عباس (موضوع كله) والمراد الزائد على أصل المال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣).\n(فاتقوا الله في النساء) أي في حقهن، ومعطوف على ما سبق من حيث المعنى، أي اتقوا الله في استباحة الدماء ونهب الأموال، وفي النساء (فإنكم أخذتموهن بامانة الله) أي بعهده من الرفق وحسن العشرة (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) أي بشرعه، أو بأمره وحكمه، وهو قوله: \"فانكحوا\"، وقيل: بالإيجاب والقبول، أي بالكلمة التي أمر الله بها.\n(وإن لكم عليهن) من الحقوق (أن لا يوطئن) بهمزة أو بإبدالها من باب الإفعال (فرشكم أحدًا تكرهونه) أي لا يأذن لأحد أن يدخل منازل الأزواج من غير أن يأذن لها (فإن فعلن) ذلكَ أي الإيطاء (فاضربوهن) قيل: المعنى: لا يأذن لأحد من الرجال الأجانب أن يدخل عليهن فيتحدث إليهن، وكان من عادة العرب لا يرون به بأسًا، فلما نزلت آية الحجاب انتهوا عنه، وليس هذا كناية عن الزنا، وإلَّا كان عقوبتهن الرجم دون الضرب (ضربًا غير مبرح) بتشديد الراء المكسورة وبالحاء المهملة، أي مجرح، أو شديد سياق.\n(ولهن عليكم رزقهن) من المأكول والمشروب، وفي معناه سكناهن\n_________\n(١) في نسخة: \"أضعه\".\n(٢) في نسخة: \"اتقوا الله\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٧٩ ..","vol":"7","page":343},{"text":"وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُم مَا لَنْ تَضِلُّوا (١) بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ مَسْؤولُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ \"، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، ثُمَّ قَالَ بِإِصْبُعِهِ السَبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكِتُهَا (٢) إِلَى النَّاسِ: \"اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ\".\n===\n(وكسوتهن بالمعروف) باعتبار حالكم فقرًا وغنى، أو بالوجه المعروف من التوسط الممدوح.\n(وإني قد تركت فيكم) أي فيما بينكم (ما) موصولة، أو موصوفة (لن تضلوا بعده) تركي إياه فيكم، أو بعد التمسكِ به والعمل بما فيه (إن اعتصمتم به) في الاعتقاد والعمل (كتاب الله) بالنصب بدل، أو بيان لما في التفسير بعد الإبهام تفخيم لشأن القرآن، ويجوز الرفع بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو كتاب الله.\nوإنما اقتصر على الكتاب؛ لأنه مشتمل على العمل بالسنَّة لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل في التمسك هو الكتاب.\n(وأنتم مسؤولون عني) يوم القيامة، أي عن تبليغي الأحكام الإلهية إليكم (فما أنتم قائلون؟) أي في حقي (قالوا: نشهد أنك قد بلغت) أي الرسالة، (وأديت) أي الأمانة (ونصحت) أي الأمة.\n(ثم قال) أي أشار (بإصبعه السبابة يرفعها) حال من \"قال\"، أي: رافعًا إياها، أو من السبابة، أي: مرفوعة (إلى السماء وينكتها) بضم الكاف والمثناة الفوقانية، أي يخفضها مشيرًا بها (إلى الناس) أي يميلها إليهم؛ يريد بذلك أن يشهد الله عليهم (اللهُمَّ اشهد) أي على عبادك بأنهم قد أقرُّوا بأني قد بلغت (اللَّهُمَّ اشهد، اللَّهُمَّ اشهد) كرَّرها ثلاث مرات.\n_________\n(١) في نسخة: \"لم تضلوا\".\n(٢) في نسخة: \"ينكبها\".\n(٣) سورة الحشر: الآية ٧.","vol":"7","page":344},{"text":"ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ (١) فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ (٢) فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ (٣) الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ\n===\n(ثم أذن (٤) بلال، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر) أي جمع بينهما في وقت الظهر، وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عندنا، وجمع سفر عند الشافعي خلافًا لبعض أصحابه (٥) (ولم يصلِّ بينهما شيئًا) من السنن والنوافل كيلا يبطل الجمع، فإن الموالاة بين الصلاتين واجبة.\n(ثم ركب القصواء) وسار (حتى أتى الموقف) أي أرض عرفات (فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات) بفتحتين: الأحجار الكبار، قال النووي (٦) - ﵀ -: هن صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، وهذا هو الموقف المستحب، فإن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعودِ الجبل وتوهُّمِهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه؛ فغلط، والصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات.\nوأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من فجر عرفة.\n(وجعل حبل المشاة بين يديه) قال النووي: روي بالحاء المهملة وسكونِ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الصلاة\".\n(٢) وزاد في نسخة: \"الصلاة\".\n(٣) في نسخة: \"جبل\".\n(٤) ظاهر الحديث أن الأذان بعد الخطبة، وحكى ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٣٤٧) فيه الخلاف، وفيه خلاف عند الحنفية أيضًا، كما في \"الهداية\" (١/ ١٤١)، وما سيأتي من أن الخطبة بعد الصلاة عند المالكية، لم أجده في فروعهم. (ش).\n(٥) انظر: \"شرح الزرقاني على المواهب\" (١١/ ٤٠٢)، و\"عمدة القاري\" (٧/ ٢٥٣).\n(٦) انظر: \"شرح النووي\" (٤/ ٤٤٥).","vol":"7","page":345},{"text":"فَاسْتَقبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حِينَ (١) غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ،\n===\nالباء، وروي بالجيم، وفتح الباء، قال القاضي - ﵀ -: الأول أشبه بالحديث، وحبل المشاة: مجتمعهم، وحبل الرمل: ما طال منه، وأما بالجيم فمعناه: طريقهم، وحيث تسلك الرجالة.\nوقال الطيبي (٢): - ﵀ -: بالحاء، أي: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقال التوربشتي (٣) - ﵀ -: حبل المشاة موضع، وقيل: اسم موضع من رمل مرتفع كالكثبان، وقيل: الحبل الرمل المستطيل، وإنما أضافها إلى المشاة؛ لأنها لا يقدر أن يصعد إليها إلا الماشي، أو لاجتماعهم عليها توقيًا منه مواقف الركاب، ودون حبل المشاة، ودون الصخرات اللاصقة بسفح الجبل موقف الإِمام، وبه كان رسول الله - ﷺ - يتحرى الوقوف.\n(فاستقبل القبلة فلم يزل واقفًا) أي قائمًا بركن الوقوف، راكبًا على الناقة (حتى غربت الشمس) أي أكثرها، أو كادت أن تغرب (وذهبت الصفرة قليلًا) أي ذهابًا قليلًا (حين) وفي نسخة: حتى (غاب القرص، وأردف أسامةَ) أي أركب رسولُ الله - ﷺ - أسامةَ بن زيد (خلفه) على ناقته.\n(فدفع رسول الله - ﷺ -) أي ارتحل وانطلق، أو دفع ناقته وحملها على السير (وقد شنق) بتخفيف النون (للقصواءِ الزمامَ) أي ضيق وجر إليه زمامها (حتى إن رأسها) أي رأس الناقة (لَيُصِيْبُ مَوْرِكَ رحلِه) بفتح الراء وبالحاء المهملة، وفي رواية بالجيم مع كسر الراء، والمورك بفتح الميم وكسر الراء: هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا ملَّ من الركوب،\n_________\n(١) في نسخة: \"حتى\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٥٥).\n(٣) نقله الشارح من \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٤٠).","vol":"7","page":346},{"text":"وَهُوَ يَقُولُ بِيَدهِ الْيُمْنَى: \"السَّكِينَةَ أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ أَيُّهَا النَّاسُ\"، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ (١) أَرْخَى لَهَا قَليلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَجَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وإِقَامَتَيْنِ\n===\nوقال القاضي (٢): هو قطعة أدم، يتورك عليها الراكب، تُجعَل في مُقَدَّم الرحل شبه المخدة الصغيرة.\n(وهو يقول) أي يشير (بيده اليمنى: السكينةَ) أي الزموها (أيها الناس، السكينةَ أيها الناس، كلما أتى حبلًا من الحبال) بالحاء المهملة، أي التل اللطيف من الرمل (أرخى لها) أي زمامها (قليلًا حتى تصعد) أي سهل صعودها على الحبل (حتى أتى المزدلفة) قيل: سميت بها لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أي ساعات قريبة من أوله، وأما ازدحام الناس بين العلمين فبدعة قبيحة يترتب عليها مفاسد صريحة (فجمع بين المغرب والعشاء) أي في وقت العشاء (بأذان واحد وإقامتين) وبه قالت الأئمة الثلاثة وزفر - ﵀ -.\nقال العيني في \"شرح البخاري\" (٣): وفي الحديث أن الإقامة لكل واحدة من المغرب والعشاء، وفيه للعلماء ستة أقوال، أحدها: أنه يقيم لكل منهما، ولا يؤذن لواحدة منهما، وهو قول القاسم ومحمد وسالم، وهو إحدى الروايات عن ابن عمر - ﵄ -، وبه قال إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعي وأصحابه فيما حكاه الخطابي والبغوي وغير واحد.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\": الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى وإقامتين، لكل واحدة إقامة، وقال في \"الإيضاح\": إنه الأصح.\nالثاني: أنه يصليهما بإقامة واحدة للأولى، وهو إحدى الروايات عن\n_________\n(١) في نسخة: \"جبلًا من الجبال\".\n(٢) \"الإكمال\" (٤/ ٢٨١).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ٢٦٩)، رقم (١٦٧٣).","vol":"7","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nابن عمر، وهو قول سفيان الثوري فيما حكاه الترمذي والخطابي وابن عبد البر وغيرهم.\nالثالث: أنه يؤذن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول أحمد بن حنبل في أصح قوليه، وبه قال أبو ثور وعبد الملك بن (١) الماجشون من المالكية والطحاوي، وقال الخطابي: هو قول أهل الرأي، وذكر ابن عبد البر أن الجوزجاني حكاه عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.\nالرابع: أنه يؤذن للأولى ويقيم لها، ولا يؤذن للثانية ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، حكاه النووي وغيره.\nقلت: هذا مذهب أصحابنا، وعند زفر: بأذان وإقامتين.\nالخامس: أنه يؤذن لكل منهما ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهما -، وهو قول مالك وأصحابه إلا ابن الماجشون، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البر.\nالسادس: أنه لا يؤذن لواحدة منهما ولا يقيم، حكاه المحب الطبري عن بعض السلف، انتهى.\nوقد احتج صاحب \"الهداية\" (٢) برواية جابر. قال في \"فتح القدير\" (٣): قوله: (ولنا رواية جابر) روى ابن أبي شيبة: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن جابر بن عبد الله - ﵁ -: \"أن رسول الله - ﷺ - صلَّى المغرب والعشاء بجمع، بأذان واحد وإقامة، ولم يسبِّح بينهما\"، وهو متن غريب.\n_________\n(١) سقط لفظ: \"ابن\" في الأصل.\n(٢) \"الهداية\" (١/ ١٤٣).\n(٣) \"فتح القدير\" (٢/ ٤٩٠، ٤٩١).","vol":"7","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالذي في حديث جابر الطويل الثابت في \"صحيح مسلم\" وغيره: \"أنه صلاهما بأذان وإقامتين\"، وعند البخاري (١) عن ابن عمر - ﵄ - أيضًا قال: \"جمع النبي - ﷺ - بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (٢) عن سعيد بن جبير: \"أفضنا مع ابن عمر - ﵄ -، فلما بلغنا جمعًا صلَّى بنا المغربَ ثلاثًا، والعشاءَ ركعتين، بإقامة واحدة، فلما انصرف قال ابن عمر: هكذا صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - في هذا المكان\".\nوأخرج أبو الشيخ (٣): حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ -: \"أن النبي - ﷺ - صلَّى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة\".\nوأخرج أبو داود (٤) عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: \"أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة، فلم يكن يفتر عن التكبير والتهليل حتى أتينا مزدلفة، فأذن وأقام، أو أمر إنسانًا فأذن وأقام، وصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا فقال: الصلاة، فصلَّى العشاء ركعتين، ثم دعا بعشائه\"، قال: وأخبرني علاج (٥) بن عمرو بمثل حديث أبي عن ابن عمر - ﵄ -، فقيل لابن عمر في ذلك، فقال: \"صليت مع رسول الله - ﷺ - هكذا\".\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٦٧٣).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٢٨٨).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"فتح القدير\": \"وأخرج أبو الشيخ عن الحسين بن حفص: حدثنا ... إلخ\".\n(٤) سيأتي عند المصنف برقم (١٩٣٤).\n(٥) في الأصل: \"صلاح بن عمرو\"، وهو تحريف.","vol":"7","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفقد علمت ما في هذا من التعارض، فإن لم يرجح ما اتفق عليه الصحيحان على ما انفرد به \"صحيح مسلم\" وأبو داود حتى تساقطا، كان الرجوع إلى الأصل يوجب تعدد الإقامة لتعدد الصلاة كما في قضاء الفوائت، بل أولى، لأن الصلاة الثانية هنا وقتية، فإذا أقيم للأولى المتأخرة عن وقتها المعهود كانت الحاضرة أولى أن يقام لها بعدها، انتهى.\nقلت: اختلفت الروايات في الوقوفِ بالمزدلفة والجمعِ فيها بين المغرب والعشاء، هل هما بإقامة واحدة أو بإقامتين لكل واحدة منهما؟ وهل صلَّى رسول الله - ﷺ - العشاءَ بعد صلاة المغرب متصلًا بها من غير تخلل شيء بينهما، أو صلَّى العشاء بعد التعشي منفصلًا من صلاة المغرب؟ كما ثبت في \"البخاري\" (١) من حديث عبد الرحمن بن يزيد يقول: \"حج عبد الله فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا فأذن وأقام، ثم صلَّى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر- أرى - فأذن وأقام - قال عمرو: لا أعلم الشك إلَّا من زهير-، ثم صلَّى العشاء ركعتين\" الحديث.\nوكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٢) عنه، ولفظه قال: \"فلما أتى جمعًا أذن وأقام، فصلَّى المغرب ثلاثًا، ثم تعشى، ثم أذن وأقام، فصلى العشاء ركعتين\".\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣): أخرج البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال: \"دفع رسول الله - ﷺ - من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، فتوضأ، ولم يسبغ الوضوء، قلت: الصلاة؟ قال: الصلاة أمامك، فركب،\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٦٧٥).\n(٢) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٧٠).\n(٣) المصدر السابق (٣/ ٧١).","vol":"7","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفلما جاء مزدلفة، نزل فتوضأ، وأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولى يصل بينهما شيئًا\"، انتهى.\nقال (١): وروى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": حدثنا ابن مسهر، عن ابن أبي ليلى، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب قال: \"صلَّى رسول الله - ﷺ - بالمزدلفة المغربَ والعشاءَ بإقامة\"، انتهى. ورواه إسحاق بن راهويه في \"مسنده\": أخبرنا يحيى بن آدم، ثنا قيس، عن غيلان بن جامع. صوابه: حازم، عن عدي به. ورواه من طريق آخر الطبراني في \"معجمه\" (٢) من طريق أبي نعيم، ثنا سفيان، عن جابر عن (٣) عدي به، ورواه من طريق آخر فقال: حدثنا علي بن سعيد الرازي (٤)، ثنا جعفر بن محمد بن فضيل الراسبي (٥)، ثنا محمد بن سليمان بن أبي داود، حدثنا أبي، عن عبد الكريم، عن سعيد بن المسيب، عن أبي أيوب الأنصاري: \"أن رسول الله - ﷺ - جمع بين صلاة المغرب وصلاة العشاء بالمزدلفة بأذان وإقامة واحدة\"، انتهى.\nوحديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - هذا رواه البخاري ومسلم، ليس فيه ذكر الإقامة، انتهى.\nقلت: وجه الجمع بين الأحاديث المختلفة في هذا الباب عندنا: أن الأحاديث الواردة في إفراد الإقامة للمغرب والعشاء محمولة على أن\n_________\n(١) المصدر السابق (٣/ ٦٩).\n(٢) \"المعجم الكبير\" للطبراني (٤/ ١٢٣ رقم ٣٨٧٠).\n(٣) وقع في الأصل، وفي \"نصب الراية\": \"جابر بن عدي\"، والصواب ما أثبتُّه.\n(٤) في الأصل: \"البرازي\"، وهو تحريف، والصواب: \"الرازي\"، كذا في \"نصب الراية\"، و\"المعجم الكبير\" للطبراني (٤/ ٣٨٩١).\n(٥) وقع في الأصل، وفي \"نصب الراية\" أيضًا: \"ثنا جعفر بن محمد عن فضيل الرواسي\"، والصواب ما أثبتُّه من \"المعجم الكبير\".","vol":"7","page":351},{"text":"قَالَ عُثْمَانُ: وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا،\n===\nرسول الله - ﷺ - جمع بين المغرب والعشاء من غير تخلل شيء بينهما، فأفرد الإقامة لهما.\nوأما أحاديث الإقامتين فمحمولة على أن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - صلوا المغرب ثم فعلوا بعض الأفاعيل وتخللوها بينهما، بأن أناخوا الإبل كما يدل عليه رواية أسامة بن زيد عند البخاري، وتعشَّوا كما يدل عليه رواية ابن أبي شيبة: \"فلما أتى جمعًا أذن وأقام، فصلَّى المغرب ثلاثًا، ثم تعشى، ثم أذن وأقام، فصلَّى العشاء ركعتين\"، معناه تعشى بعضهم بحضرة رسول الله - ﷺ - وبإذنه.\nوحاصل وجه الجمع أنه إذا صلاهما متصلًا لم يتخلل بين الصلاتين شيء صلاهما بإقامة واحدة لهما، وإذا صلاهما من غير اتصال بينهما صلاهما بإقامتين لكل واحدة منهما إقامة، وهذا الوجه سائغ في الأحاديث، كثير الوقوع فيها.\nفالعجب من الشيخ ابن الهمام فإنه يقول: كيف يسوغ للمصنف أن يعتبر هذا حديثًا حجة عن رسول الله - ﷺ -، فإنه جمع بين المتضادين لأنه يستلزم اعتقاد أنه تعشى ولا تعشى، وأفرد الإقامة ولا أفردها، والله الموفق وإلا فكيف يمكن.\n(قال عثمان) أي ابن أبي شيبة شيخ المصنف: (ولم يسبح بينهما) أي بين المغرب والعشاء (شيئًا) ولم يقله باقي شيوخه، والمراد بالشيء النوافل والسنن، والمعتمد أنه يصلي بعدهما سنَّة المغرب والعشاء والوتر، وهذا مذهب الأحناف، وكذا عن الشوافع، فإنه قال النووي في \"شرح مسلم\": ومذهبنا استحباب السنن الراتبة، لكن يفعلها بعدهما لا بينهما.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (١) في شرح حديث ابن عمر: \"ولم يسبح\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٣، ٥٢٤).","vol":"7","page":352},{"text":"ثُمَّ اتَّفَقُوا:\nثمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\n===\nبينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما\": أي عقبها، ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء؛ فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها، لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثمة قال الفقهاء: تؤخر سنَّة العشائين عنهما.\nونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنَّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود الآتي في الباب الذي بعده.\n(ثم اتفقوا) أي جميع شيوخه: (ثم اضطجع رسول الله - ﷺ -) أي للنوم بعد راتبة المغرب والعشاء والوتر كما في رواية.\nفإن قيل: كيف ترك رسول الله - ﷺ - التهجد وهو كان عليه - ﷺ - فرضًا على قول طائفة من العلماء؟ !\nقلت: ترك التهجد مبني على قول طائفة أن التهجد لم يكن عليه - ﷺ - فرضًا، وصرح بذلك مولانا الشاه ولي الله في \"حجة الله البالغة\"، والشيخ بحر العلوم في \"رسائل الأركان\"، قال الشاه ولي الله (١): أقول: إنما لم يتهجد رسول الله - ﷺ - في ليلة مزدلفة، لأنه كان لا يفعل كثيرًا من الأشياء المستحبة في المجامع، لئلا يتخذها الناس سنَّة، انتهى.\nوقال مولانا بحر العلوم: وقوله: \"ثم اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر\": يدل دلالة واضحة على أنه - ﷺ - لم يصل صلاة الليل في تلك الليلة،\n_________\n(١) \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٦٤).","vol":"7","page":353},{"text":"حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ\n===\nوقد نص القسطلاني في \"المواهب اللدنية\" (١) على أنه - ﷺ - لم يصل صلاة الليل في تلك الليلة، فما في \"الإحياء\" (٢): ينبغي أن لا يترك نوافل الليل في هذه الليلة، بل جعل أداءَها في هذه الليلة من المهمات، فليس على ما ينبغي، انتهى.\nقلت: ما في \"الإحياء\" فالظاهر أنه مبني على قول من قال: إن صلاة التهجد كان واجبًا عليه - ﷺ -، فالظاهر أنه - ﷺ - لم يترك واجبه، وما في الحديث: أنه اضطجع حتى طلع الفجر، مبني على علم الراوي.\nوأيضًا يمكن أن يقال على كلا التقديرين يعني على قول الوجوب عليه والسنيَّة: قول الراوي: \"اضطجع حتى طلع الفجر\"، إما أن يكون محمولًا على علم الراوي بأنه لم يره صلَّى، أو يقال: اضطجع بعد أداء راتبة المغرب والعشاء والوتر؛ فإن صلاة الوتر واجبة عند الحنفية، فعلى قولهما يلزم أنه - ﷺ - ترك الوتر أيضًا كما ترك صلاة التهجد أيضًا، وإلا فالوتر كما يطلق على الوتر يطلق على صلاة الليل مطلقًا، فالظاهر أنه - ﷺ - صلَّى التهجد مع الوتر، فلا ينبغي أن يقال: إنه - ﷺ - ترك صلاة الليل، والله أعلم.\n(حتى طلع الفجر) تقوية للبدن ورحمة للأمة، ثم المبيت عندنا سنَّة وعليه بعض المحققين من الشافعية، وقيل: واجب، وهو مذهب الشافعي، وقيل: ركن لا يصح إلا به كالوقوف وعليه جماعة من الأجلة، وقال مالك: النزول واجب، وكذا الوقوف بعده، ثم المبيت بمعظم الليل، والصحيح أنه بحضور لحظة بالمزدلفة.\nوقال في \"البدائع\" (٣): اختلف أصحابنا في الوقوف بمزدلفة، قال بعضهم: إنه واجب، وقال الليث: إنه فرض، وهو قول الشافعي.\nوأما زمانه: فما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس،\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزرقاني على المواهب\" (١١/ ٤١٥).\n(٢) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (١/ ٢٣٢).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٢٠، ٣٢٢).","vol":"7","page":354},{"text":"فَصلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ. قَالَ سُلَيْمَانُ: بِنِدَاءٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا: ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرامَ فَرَقِيَ عَلَيْهِ. قَالَ عُثْمَانُ وَسُلَيْمَانُ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَحَمِدَ الله وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ. زَادَ عُثْمَانُ: وَوَحَّدَهُ. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا. ثُمَّ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ (١) الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسِ، وَكَانَ رَجُلًا\n===\nفمن حصل بمزدلفة في هذا الوقت فقد أدرك الوقوف سواء بات بها أو لا، ومن لم يحصل بها فيه فقد فاته الوقوف، وهذا عندنا.\nوقال الشافعي: يجوز في النصف الأخير من ليلة النحر، والسنَّة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة، والبيتوتة ليست بواجبة إنما الواجب الوقوف، والأفضل أن يكون وقوفه بعد الصلاة، فيصلي صلاة الفجر بغلس، ثم يقف عند المشعر الحرام، فيدعو الله تعالى ويسأله حوائجه إلى أن يسفِرَ، ثم يفيض منها قبل طلوع الشمس إلى مني، ولو أفاض بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر فقد أساء، ولا شيء عليه لتركه السنَّة، انتهى.\n(فصلَّى الفجر حين تبين له الصبح) أي: طلع الفجر (قال سليمان: بنداء وإقامة) ولم يذكر هذا اللفظ غيره من شيوخ المصنف (ثم اتفقوا) كلهم: (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) وهو موضع خاص من المزدلفة ببناء معلوم، سمي به لأنه معلم للعباد، والمشاعر المعالم التي ندب الله إليها، وأمره بالقيام فيها، وهو بفتح الميم، وقد يُكْسَرُ (فرقي عليه) أي على المشعر الحرام.\n(قال عثمان وسليمان: فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبَّره وهلَّله، زاد عثمان: وَوَحَّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا) أي: أضاء الفجر إضاءَةً تامةً.\n(ثم دفع) أي سار وانطلق (رسول الله - ﷺ -) من المزدلفة إلى مني (قبل أن تطلع الشمس، وأردت الفضل بن عباس) أي بدل أسامة بن زيد (وكان رجلًا\n_________\n(١) في نسخة: \"فأردف\".","vol":"7","page":355},{"text":"حَسَنَ الشَّعْرِ أَبَيْضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَرَّ الظُعُنُ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ - يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الفَضْلِ، وَصَرَفَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، وَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، وَصَرَفَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ،\n===\nحسن الشعر أبيض وسيمًا) أي حسينًا جميلًا (فلما دفع رسول الله - ﷺ -) من المزدلفة (مَرَّ الظُّعُن) بضمتين جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج، (يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله - ﷺ - يده على وجه الفضل) ليكف بصره عن النظر إليهن، ولا ينظرن إليه.\n(وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر، وحوَّل رسولُ الله - ﷺ - يدَه إلى الشق الآخر) أي ووضعه على وجه الفضل (وصرف الفضلُ وجهَه إلى الشق الآخر ينظر)، ففي الأول في قوله: \"ينظر إليهن\" تصريح بأن النظر كان إليهن، وكذلك في القول الذي بعده: \"وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر، وحوَّل رسول الله - ﷺ - يده إلى الشق الآخر\"، فالظاهر أن النظر في المرة الثانية إليهن لم يكن قصدًا منه، فالغرض بوضع يده - ﷺ - أن لا تنظر إليه الظعن.\nوأما قوله في الثالثة: \"وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر\"، ليس المراد فيه بالنظر النظر إلى الظعن، بل المراد من النظر النظر إلى ذلك الجانب لا إلى الظعن؛ لأنه لا يمكن من ابن عباس أن ينظر إليهن بعد منعه - ﷺ - إياه من النظر إليهن في الجانبين، ولهذا لم يذكر فيه وضع يده - ﷺ - على وجهه.\nقال النووي (٢): فيه الحث على غضِّ البصر عن الأجنبيات، وغضِّهن عن الرجال الأجانب، وفي رواية الترمذي وغيره في هذا الحديث: أن النبي - ﷺ - لوى عنقَ الفضل، فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك، قال \"رأيت شابًا\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٤٩).","vol":"7","page":356},{"text":"حَتَّى (١) أَتَى مُحَسِّرًا فَحَرَّكَ (٢) قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّذِي يُخْرِجُكَ إِلَى (٣) الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ\n===\nوشابة فلم آمن الشيطان عليهما\"، فهذا يدل على أن وضعه - ﷺ - يده على وجه الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها.\n(حتى أتى محسِّرًا) بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين، سمِّي بذلك لأن قيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي: أعيا وكلَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٤)، هذا ما قاله النووي وجماعة.\nقال القاري (٥): لكن المرجح عند غيرهم أنهم لم يدخلوا الحرم، وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من وراءهم، فقيل: حكمة الإسراع فيه نزول نار فيه على من اصطاد فيه، ولذا يسمي أهل مكة هذا الوادي: وادي النار.\n(فحرك) أي ناقته بالإسراع (قليلًا) أي: تحريكًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، أو مكانًا قليلًا أي يسيرًا، قال النووي: قدر رمية حجر (ثم سلك) أي سار (الطريقَ الوسطى) وهذا غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهي طريق ضب، وأما طريق الرجوع فهي طريق المأزِمَيْنِ (الذي يخرجك إلى الجمرة الكبرى) أي جمرة العقبة (حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة) أي حتى وصل إلى جمرة العقبة، ولعل الشجرة إذ ذاك كانت موجودة هناك.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إذا\".\n(٢) في نسخة: \"حرك\".\n(٣) في نسخة: \"على\".\n(٤) سورة الملك: الآية ٤.\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٤٢).","vol":"7","page":357},{"text":"فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْل (١) حَصَى الْخَذْفِ، فَرَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتينَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ فَنَحَرَ مَا غَبَرَ - يقُولُ: مَا بَقِيَ - وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ. ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا.\n===\n(فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة (٢) منها مثل حصى الخذف) بالخاء والذال المعجمتين، وهو بقدر حبة الباقلاء، والرمي برؤوس الأصابع (فرمى من بطن الوادي) أي لا من فوقها (ثم انصرف رسول الله - ﷺ -) أي رجع من جمرة العقبة (إلى المنحر) بفتح الميم أي موضع النحر، والآن يقال له: المذبح لعدم النحر، أو تغليبًا للأكثر، والأصح أن منحره ﵊ في منزله الذي بقرب مسجد الخيف متقدمًا على قبلة مسجد الخيف.\n(فنحر بيده ثلاثًا وستين) بدنة بعدد سني عمره (وأمر عليًا - ﵁ - فنحر ما غبر) أي ما بقي من المائة، وهي سبع وثلاثون (يقول) أي في تفسيره: (ما بقي، وأشركه) أي النبي - ﷺ - عليًا (في هديه) أي أشركه في نحر هديه، ويحتمل أن يكون معناه أنه - ﷺ - أذن لعلي أن ينحر بعض البدن عن نفسه.\n(ثم أمر من كل بدنة ببَضعة) بفتح الباء الثانية، وهي قطعة من اللحم (فَجُعِلَتْ) أي القطع (في قِدر) بكسر القاف (فطبخت) أي القطع (فأكلا من لحمها) الهدايا (وشربا من مرقها) أي مرق لحوم الهدايا، قال ابن الملك (٣):\n_________\n(١) في نسخة: \"بمثل\".\n(٢) هكذا في حديث جابر، وكذا في حديث الأزدية الآتي، وحديثِ عائشة الآتي في \"باب رمي الجمار\"، وقد ورد في \"البخاري\" (١٦٧٣) بطرق من حديث سالم عن ابن عمر: \"على إثر كل حصاة\"، ويظهر الجمع بينهما من كلام ابن حجر في \"شرح المناسك\" (ص ٣٦٠): أن الأول محمول على رمي العقبة، والثاني على أيام التشريق، لكن لا فرق بينهما في المذاهب، والمعتمد عند الكل المعية. (ش).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٤٥).","vol":"7","page":358},{"text":"قَالَ سُلَيْمَانُ: ثُمَّ ركِبَ ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ،\n===\nهذا يدل على جواز الأكل من هدي (١) التطوع، انتهى. والصحيح أنه مستحب، وقيل: واجب لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾.\n(قال سليمان (٢): ثم ركب) أي رسول الله - ﷺ - (ثم أفاض)، [أي] أسرع (رسول الله - ﷺ - إلى البيت) أي الكعبة لطواف الفرض، ويسمى: طواف الإفاضة، والركن، والزيارة (فصلَّى بمكة الظهر)، قال القاري (٣): قال النووي: فيه محذوف، تقديره: فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة، ثم صلَّى الظهر، فحُذِفَ ذكرُ الطواف لدلالة الكلام عليه، وأما قوله: \"فصلَّى بمكة الظهر\"، فقد ذكر مسلم بعد هذا في حديث ابن عمر - ﵄ -: \"أن النبي - ﷺ - طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلَّى الظهر بمنى\"، ووجه الجمع بينهما أنه - ﷺ - طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلَّى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى مني فصلَّى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فكان متنفلًا بالظهر الثانية بمنى.\nأقول: إنه لا يحمل فعله - ﷺ - على القول المختلف في جوازه، فيؤوَّل بأنه صلَّى بمكة ركعتي الطواف وقت الظهر، ورجع إلى مني فصلَّى الظهر بأصحابه،\n_________\n(١) واستدل به الموفق (٥/ ٤٤٤) وصاحب \"الهداية\" (١/ ١٨١) على استحباب الأكل من هدي التمتع أيضًا، والمسألة خلافية مشهورة، فيها خلاف للشافعي إذ قال: لا يجوز الأكل بشيء من الدماء الواجبة حتى التمتع والقران، ويجوز من التطوع، وقال الحنفية وأحمد: يجوز من الثلاثة المذكورة، ولا يجوز من غيرها من الدماء الواجبة، وقال مالك في المشهور: لا يجوز من ثلاثة: وهي جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين، ويجوز من غيرها، كما في \"الأوجز\" (٧/ ٥٦٠). (ش).\n(٢) وهذا نص من جابر على الطواف الثاني لما تقدَّم في أول الحديث طواف آخر، فلا يمكن حمل ما روي عنه من توحيد الطواف كما تقدَّم على ظاهره أصلًا. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٤٥، ٤٤٦).","vol":"7","page":359},{"text":"ثُمَّ أَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ\n===\nأو يقال: الروايتان حيث تعارضتا فقد تساقطتا، فترجح صلاته بمكة لكونها فيها أفضل، ويؤيده ضيق الوقت؛ لأنه ﵊ رجع قبيل طلوع الشمس من المشعر، ورمى بمنى، ونحر مئة من الإبل، وطبخ لحمها، وأكل منها، ثم ذهب إلى مكة وطاف وسعى، فلا شك أنه أدركته الوقت بمكة، وما كان يؤخرها عن الوقت المختار لغير ضرورة.\nثم قال النووي: وأما الحديث الوارد عن عائشة - ﵂ - وغيرها: أنه - ﷺ - أخر الزيارة يوم النخر إلى الليل؛ فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث.\nقلت: لا بد من التأويل، لكن لا من هذا التأويل؛ لأنه لا دلالة عليه، لا لفظًا ولا معنى، ولا حقيقة ولا مجازًا، فالأحسن أن يقال: معناه جوَّز تأخير الزيارة مطلقًا إلى الليل، أو أمر بتأخير زيارة نسائه إلى الليل، وقول ابن حجر: فذهب معهن؛ غير صحيح، إذ لم يثبت عوده ﵊ معهن في الليل، قاله القاري.\n(ثم أتى بني عبد المطلب) وهم أولاد العباس وجماعته؛ لأن سقاية الحج كانت وظيفته (وهم يسقون على زمزم) (١) الواو للحال، أي: والحال أنهم ينزعون الماء من زمزم ويسقون الناس، قال النووي (٢): معناه يغرفون بالدلاء، ويصبونه في الحياض ونحوها.\n_________\n(١) والشرب منه مستحب لما فيه مع البركات الكثيرة التي لا ينكرها مجرب خصيصة عاجلة وهي: يدفع التعب، ويغني عن العطش والجوع، ويقال: إن التبريك بالماء أيضًا من العادات الرسمية العامة كأهل الهنود بكَنكَا، والنصارى بنهر الأردن، والفراسية بعين لورده، وراجع \"كتاب الحج والزيارة\" لمولوي كريم بخش، انتهى. وفي \"إعانة الطالبين\" من فروع الشافعية جعله أفضل المياه حتى من الكوثر، وحكى عن التاج السبكي نظمًا:\nأفضلُ المياهِ ماءٌ قَدْ نَبَع ... مِنْ بَيْنِ أصَابع النبي المتبع\nيليه ماءُ زمزمَ، فالكوثرُ ... فنيلُ مصرَ، ثم يَأتي الأنهرُ. (ش)\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٥٢).","vol":"7","page":360},{"text":"فَقَالَ: \"انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُم النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُم لَنَزَعْتُ مَعَكُم\"؛ فَنَاوَلُوَهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ - ﷺ -\". [م ١٢١٨، جه ٣٠٧٤، ق ٥/ ٨]\n===\n(فقال: انزعوا) أي الماء، أو الدلاء (بني عبد المطلب) بحذف حرف النداء، يريد أن هذا العمل عمل صالح مرغوب فيه لكثرة ثوابه، والظاهر أنه أمر استحباب لهم (فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم) أي لولا مخافة كثرة الازدحام عليكم بحيث تؤدي إلى إخراجكم عنه رغبةً في النزع اتباعًا لفعلي (لنزعت معكم).\nوقال النووي: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج فيزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم؛ لكثرة فضيلة هذا الاستقاء.\nقلت: ويعارضه ما ذكره صاحب \"الهداية\" (١): روي أن النبي - ﷺ - استقى دلوًا بنفسه فشرب منه، ثم أفرغ باقي الدلو في البئر. قال ابن الهمام (٢): رواه في كتاب الطبقات مرسلًا، قال: ويجمع بأن ما في هذا كان بعقب طواف الوداع، وحديث جابر - ﵁ - وما معه كان عقب طواف الإفاضة، ولفظه ظاهر فيه حيث قال: \"فأفاض إلى البيت فصلَّى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا\" الحديث، وطواف الوداع كان ليلًا، والله أعلم.\n(فناولوه) أي أعطوه (دلوًا فشرب منه - ﷺ - أي من الدلو، أو من الماء، قيل: ويستحب أن يشرب قائمًا، وفيه بحث؛ لأنه ﵊ شربه قائمًا لبيان الجواز، أو لعذر به في ذلك المقام من الطين، أو الازدحام؛ فإنه صح نهيه عن الشرب قائمًا بل أمر من شرب قائمًا أن يتقيأ ما شربه، قلت: لم يذكر في هذا الحديث: الحلق.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٤٨).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٥٨١).","vol":"7","page":361},{"text":"١٩٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ -. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ (١) يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَإِقَامَتَيْنِ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ أَسْنَدَهُ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فِى الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، وَوَافَقَ حَاتِمَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ،\n===\n١٩٠٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا سليمان - يعني ابن بلال -، ح: وحدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الوهاب) بن عبد المجيد (الثقفي، المعنى واحد) أي معنى حديث سليمان بن بلال، وحديث عبد الوهاب الثقفي واحد وإن اختلفا في اللفظ، كلاهما أي سليمان وعبد الوهاب (عن جعفر بن محمد، عن أبيه) أي محمد بن علي بن الحسين الباقر: (أن النبي - ﷺ - صلَّى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة) أي في مسجد نمرة (ولم يسبِّح) أي لم يتنفل (بينهما، وإقامتين) أي لكل واحدة منهما إقامة (وصلَّى المغرب والعشاء بجمع) أي بالمزدلفة (بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح) أي لم يتنفل (بينهما)، وهذا حديث مرسل.\n(قال أبو داود: هذا الحديث أسنده حاتم بن إسماعيل في الحديث الطويل) وقد تقدم تقريبًا (ووافق حاتمَ بنَ إسماعيل على إسناده) أي على كونه مسندًا (محمد بن علي الجعفي) لم أجد ترجمته فيما تتبعت من الكتب (٢)\n_________\n(١) في نسخة: \"وإقامتين، ولم يسبح بينهما\".\n(٢) قلت: هو محمد بن علي الجعفي، من أهل الكوفة، أخو حسين بن علي الجعفي، انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٨٤)، و\"الثقات\" لابن حبان (٥/ ٤١٠)، رقم (٣٠٣٢)، و\"كتاب الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٧)، وكلهم سكتوا عن جرحه وتوثيقه.","vol":"7","page":362},{"text":"عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ\". [انظر سابقه]\n١٩٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِىُّ (١) -ﷺ-: «قَدْ نَحَرْتُ هَا هُنَا\n===\n(عن جعفر، عن أبيه، عن جابر) أي مسندًا (إلَّا أنه) أي محمد بن علي الجعفي (قال: فصلَّى المغرب والعتمة) أي العشاء (بأذان وإقامة) (٢) أي واحدة، وهذا. قول: أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله تعالى -.\nوههنا نسخة كُتِبَتْ على حاشية النسخة المكتوبة، ونُقِلَتْ منها في النسخ المطبوعة وهي هذه: قال أبو داود: قال لي أحمد: أخطأ حاتم في هذا الحديث الطويل.\nقلت: ولم يتحقق لي محل الخطأ، فيحتمل أن يكون الخطأ: أن حاتم بن إسماعيل أدخل كلام محمد بن علي في قصة فاطمة وهو قوله: \"قال علي بالكوفة: فذهبت محرشًا\" إلى آخره في حديث جابر بن عبد الله، وهو ليس بداخل فيه، بل هو مدرج من كلام محمد بن علي.\nويحتمل أن يكون المراد من الخطأ: أن حاتم بن إسماعيل ذكر في حديثه في الجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامتين، ولم يذكره يحيى القطان في حديثه، عن جعفر، عن أبيه، والله تعالى أعلم.\n١٩٠٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، نا جعفر) بن محمد بن علي بن الحسين، (نا أبي) أي محمد بن علي بن الحسين، (عن جابر قال) أي جابر: (ثم قال النبي - ﷺ -: قد نحرت ههنا) أي في منحره،\n_________\n(١) في نسخهَ: \"رسول الله\".\n(٢) وهذه الرواية وصلها ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٤١٠).","vol":"7","page":363},{"text":"وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ»، وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَالَ: «قَدْ وَقَفْتُ هَا هُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»، وَوَقَفَ بالْمُزْدَلِفَةِ (١) وقَالَ: «قَدْ وَقَفْتُ هَا هُنَا وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». [م ١٢١٨، ن ٣٠١٥، ٣٠٤٥، حم ٣/ ٣٢١]\n١٩٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ (٢) زَادَ: «فَانْحَرُوا فِى رِحَالِكُمْ». [انظر تخريج الحديث السابق]\n١٩٠٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَأَدْرَجَ فِى الْحَدِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣) قَالَ:\n===\n(ومنى كلها منحر)، فمن شاء أن ينحر فلينحر في أيها شاء (ووقف بعرفة فقال: قد وقفت ههنا) أي في موقفه - ﷺ - (وعرفة كلها موقف)، فمن وقف فليقف في أيِّ موضع شاء منها، (ووقف بالمزدلفة وقال: قد وقفت ههنا) أي في موقفه (ومزدلفة كلها موقف)، فمن وقف فليقف في أيها شاء.\n١٩٠٨ - (حدثنا مسدد، نا حفص بن غياث، عن جعفر) أي ابن محمد (بإسناده) أي المتقدم (زاد) أي حفص بن غياث: (فانحروا في رحالكم) أي لِيَنْحَر كل واحد منكم في رحله، فإن رحالهم كان في مني، حاصله أنه لا يلزم أن ينحر كل واحد منهم في منحر النبي - ﷺ -؛ فإنه يؤدي إلى الضيق والحرج والازدحام.\n١٩٠٩ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم، نا يحيى بن سعيد القطان، عن جعفر) بن محمد المذكور، (حدثني أبي) أي محمد بن علي، (عن جابر، فذكر) أي يحيى بن سعيد القطان (هذا الحديث، وأدرج) أي يحيى القطان (في الحديث عند قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال) أي: جعفر بن\n_________\n(١) في نسخة: \"بمزدلفة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"نحوه\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٢٩.","vol":"7","page":364},{"text":"فَقَرَأَ فِيهِمَا بِالتَّوْحِيدِ وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. وَقَالَ فِيهِ: قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ - بِالْكُوفَةِ، قَالَ أَبِي: هَذَا الْحَرْفُ لَمْ يَذْكُرْهُ جَابِرٌ: فَذَهَبْتُ مُحَرِّشًا، وَذَكَرَ قِصَّةَ فَاطِمَةَ ﵂\". [م ١٢١٨، ت ٨٦٢، ن ٢٩٦٣، جه ٣٠٧٤، خزيمة ٢٧٥٤]\n===\nمحمد: (فقرأ فيهما) أي في ركعتي الطواف (بالتوحيد) أي بسورة التوحيد وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وقد صرَح بذلك الإِمام أحمد في \"مسنده\"؛ فإنه أخرج حديث يحيى القطان، عن جعفر، عن أبيه، قال أبو عبد الله - يعني جعفرًا -: فقرأ فيها بالتوحيد، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.\n(وقال) أي جعفر بن محمد: (فيه) أي في الحديث: (قال علي - ﵁ - بالكوفة، قال أبي) أي محمد بن علي: (هذا الحرف) أي الذي يذكره وهو قوله: \"فذهبت محرشًا\" (لم يذكره جابر: فذهبت محرشًا، وذكر) أي جابر (قصة فاطمة - ﵂ -) وهي التي تقدم ذكرها في الحديث الطويل.\nقلت: ولكن ظاهر حديث حاتم بن إسماعيل الذي أخرجه مسلم وأبو داود مطولًا أن هذا القول من حديث جابر أيضًا، والله تعالى أعلم.\nوقد فصل الإِمام أحمد وبيَّن في \"مسنده\" (١) في حديث يحيى القطان كلام جابر في قصة فاطمة - ﵂ -، وكلام محمد بن علي الذي زاد فيه ولم يذكره جابر، فقال: \"فإذا فاطمة - ﵂ - قد حلَّت، ولبست ثيابًا صبيغًا، [واكتحلت]، فأنكر ذلك علي - ﵁ - عليها، فقالت: أمرني به رسول الله - ﷺ -\". وهذا كلام جابر في قصة فاطمة - ﵂ -، ثم ذكر قال: قال علي بالكوفة - قال جعفر: قال أبي: هذا الحرف أي من قوله: قال علي بالكوفة، إلى آخره، لم يذكره جابر- فذهبت محرشًا أستفتي به النبي - ﷺ - في الذي ذكرته فاطمةُ، قلت: إن فاطمة لبست ثيابها صبيغًا، واكتحلت، وقالت: أمرني به أبي، قال: صدقت، صدقت، صدقت، أنا أمرتها به\"، انتهى كلام محمد بن علي.\n_________\n(١) (٣/ ٣٢٠).","vol":"7","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>(٥٦) بَابُ الْوقُوفِ بِعَرَفَةَ</span>\n١٩١٠ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ\n===\nقلت: ومحمد بن علي هذا لم يدرك جدَّ أبيه عليَّ بن أبي طالب، فلعله سمع هذا الكلام من غير جابر بن عبد الله، وأدخله في حديث جابر.\n\n(٥٦) (بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) (١)\nأي: كيف شُرع؟ سمِّي بها لتعرُّف (٢) العباد إلى الله بالعبادات هناك، وقيل: للتعارف فيه بين آدم وحواء، وقيل: لأن جبريل ﵊ أرى إبراهيم ﵊ المناسكَ، أي: مواضع النسك في ذلك اليوم، فكان يقول له في موضع: أعرفت هذا؟ فيقول: نعم، وقيل: هو يوم اصطناع المعروف إلى أهل الحج، وقيل: يعرِّفهم الله تعالى يومئذ بالمغفرة والكرامة، أي: يطيِّبهم، ومنه قوله تعالى: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، أي: طيَّبها (٣).\n١٩١٠ - (حدثنا هناد، عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت فريش) وهم ولد النضر بن كنانة، قال في \"القاموس\" (٤): ومنه قريش لِتَجَمُّعِهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرَّشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تَقَرَّش، أو لأنه جاء إلى قومه فقالوا: كأنه جَمَلٌ قَرِيشٌ، أي: شديد، أو لأن قُصَيًّا كان يقال له: القُرَشي، أو لأنهم كانوا يُفَتِّشُون الحاجَّ فيسدون خَلَّتَها،\n_________\n(١) ولعل وجه التخصيص بعرفة لذلك أنه محل أخذ العهد الأزلي لقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] كما هو مصرح في رواية \"المشكاة\" [انظر: رقم (١٣١). (ش).\n(٢) التعريف يكره عندنا كما في الفروع، ولا بأس به عند المالكية والحنابلة كما بسط في \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٣٩). (ش).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٤٨٤).\n(٤) انظر: \"القاموس\" (ق، ر، ش).","vol":"7","page":366},{"text":"وَمَنْ دَانَ دِينَهَا (١) يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ. قَالَتْ: فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ -ﷺ- أَنْ يَأْتِىَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٢). [خ ٤٥٢٠، م ١٢١٩، ق ٥/ ١١٣، خزيمة ٣٠٥٨]\n===\nأو سميت بمصَغَّر القِرْشِ، وهو دابةٌ بحريةٌ تخافها دوابُّ البحر كلُّها، أو سميت بقُرَيْش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عِيْرِهم، فكانوا يقولون: قَدِمَتْ عِيْرُ قُريش، وخرجتْ عيرُ قريش، والنسبة: قَرَشِيٌّ وقُرَيْشِىٌّ.\n(ومن دان) أي اختار وتبع (دينها) أي طريقة قريش (يقفون بالمزدلفة) أي حين يقف الناس بعرفة في الحل، فإنهم كانوا لا يخرجون من الحرم (وكانوا) أي قريش (يسمون الحمس) (٣) جمع أحمس من الحماسة، بمعنى الشجاعة وهم قريش، ومن ولدته قريش وكنانة وجديلة قيس ومن تابعهم، سموا به لتحمُّسِهم في دينهم، أي: لشدتهم، أو لالتجائهم للحمساء، وهي الكعبة، لأن حجرها أبيض يضرب إلى السواد، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يفتخرون بشجاعتهم وجلادتهم قائلين بأنا أهل الحرم المحترم كالحمام، فلا نخرج إلى الوقوف كالعوام.\n(وكان سائر العرب يقفون بعرفة) على العادة القديمة (قالت: فلما جاء الإِسلام أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - أن يأتي عرفات) متابعة للأنبياء الكرام (فيقف بها) أي بعرفة (ثم يفيض) أي يدفع (منها) وأصله أفاض نفسه أو راحلته، ثم تُرِكَ المفعولُ رأسًا حتى صار كاللازم.\n(فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾)، أي: ادفعوا وارجعوا (﴿مِنْ حَيثُ أَفَاضَ الناس﴾) أي: عاملوا معاملتهم، وفيه إيماء إلى خروج\n_________\n(١) في نسخة: \"بدينها\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٩.\n(٣) وكان العرب على دينين؛ الحمس والحلة، كما في \"المسامرات\" (١/ ١١٧). (ش).","vol":"7","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>(٥٧) بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى مِنًى</span>\n١٩١١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ الضَّبِّىُّ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ- الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْفَجْرَ\n===\nالمتكبرين عن كونهم ناسًا، الخطاب مع قريش، أمروا بأن يساووا الناس بعد ما كانوا يترفعون عنهم، وثم لتفاوت ما بين الإفاضتين يعني أحدهما صواب، والآخر خطأ، وقيل: من مزدلفة إلى مني بعد الإفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه، والظاهر من الحديث أن الخطاب معه ﵊ تعظيمًا له، أو له ولأمته.\n\n(٥٧) (بَابُ الْخُرُوجِ) أي من مكة (إِلَى مِنًى)\n١٩١١ - (حدثنا زهير بن حرب، نا الأحوص بن جَوَّاب) بفتح الجيم وتشديد الواو (الضبي) أبو الجواب الكوفي، قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس بذاك القوي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان متقنًا وربما وَهِمَ.\n(نا عمار بن رزيق) بتقدم الراء على الزاي، مصغرًا، الضبي التميمي، أبو الأحوص الكوفي، قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الإِمام أحمد: كان من الأثبات، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال ابن المديني: ثقة، وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس.\n(عن سليمان الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - الظهر) أي صلاة الظهر (يوم التروية) أي في اليوم الثامن من ذي الحجة، وكذا صلاة العصر والمغرب والعشاء (والفجر) أي صلاة\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"7","page":368},{"text":"يَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى\". [ت ٨٨٠، حم ١/ ٢٥٥، خزيمة ٢٧٩٩، ك ١/ ٤٦١]\n١٩١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قُلْتُ أَخْبِرْنِى بِشَىْءٍ عَقَلْتَهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ (١): بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ\" (٢). [خ ١٧٦٣، م ١٣٠٩، ن ٢٩٩٧، ت ٩٦٤، دي ١٨٧٢، حم ٣/ ١٠٠]\n===\nالفجر (يوم عرفة) أي في اليوم التاسع من ذي الحجة (بمنى) ثم غدا إلى عرفات.\n١٩١٢ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) ولعله الدورقي، (نا إسحاق الأزرق) بتقديم المعجمة على المهملة، ابن يوسف بن مرداس، المخزومي، الواسطي، ثقة، (عن سفيان) أي الثوري، (عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك، قلت: أخبِرْني بشيء عقلتَه عن رسول الله - ﷺ -) وهو (أين صلَّى رسول الله - ﷺ - الظهر) أي صلاة الظهر (يوم التروية؟) أي ثامن ذي الحجة (قال: بمنى، قلت: أين صلَّى العصر يوم النفر؟) أي: الثاني، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهو يوم الرجوع من منى (قال: بالأبطح) وهو المحصب، (ثم قال) أي أنس بن مالك: (افعل كما يفعل أمراؤك) ولا تخالِفْهم؛ فإن نزول المحصب ليس بنسك لازم، فلو تركه أمراؤك اتركه، وفي خلافهم فتنة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) زاد في نسخة: آخر الجزء الحادي عشر وأول الجزء الثاني عشر من تجزئة الخطيب البغدادي ﵀.","vol":"7","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>(٥٨) بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى عَرَفَة</span>\n١٩١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"غَدَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مِنًى حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَنَزَلَ بِنَمِرَةَ، وَهِىَ مَنْزِلُ الإِمَامِ الَّذِى يَنْزِلُ بِهِ بِعَرَفَةَ،\n===\n\n(٥٨) (بَابُ الْخُرُوجِ) أي من مني (إِلَى عَرَفَة)\n١٩١٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يعقوب) بن إبراهيم بن سعد، (نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: غدا) الغدو: سير أول النهار، نقيض الرواح، وهو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس (رسول الله - ﷺ - من مني) أي إلى عرفات (حين صلَّى الصبح صبيحة يوم عرفة) أي لتاسع ذي الحجة.\nقال الحافظ (١): ظاهره أنه توجه من مني حين صلَّى الصبح بها، لكن في حديث جابر الطويل عند مسلم أن توجّهَه - ﷺ - منها كان بعد طلوع الشمس، ولفظه؟ \"فضُرِبَتْ له قبة بنمرة، فنزل بها، حتى زالت الشمس، فأمر بالقصواء فَرُحِلَتْ فأتى بطن الوادي\"، انتهى.\n(حتى أتى عرفة) أي قريبًا منها (فنزل بنمرة) بفتح النون وكسر الميم: موضع بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات (٢) (وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة) أي بقربها، كما تقدم في حديث جابر الطويل ولفظه: \"وجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها\".\nقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٣): والسنَّة أن ينزل الإِمام بنمرة،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١١).\n(٢) كذا في \"الفتح\" (٣/ ٥١١)، وكتبه الشيخ - قدِّس سرّه - تبعًا للحافظ، وإلَّا فنمرة من عرفة عند الحنفية كما تقدَّم مبسوطًا. (ش).\n(٣) \"فتح القدير\" (٢/ ٤٧٩).","vol":"7","page":370},{"text":"حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُهَجِّرًا فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ،\n===\nونزول النبي - ﷺ - بها لا نزاع فيه، وفي \"المنهاج\" للنووي: ويبيتون بها، فإذا طلعت الشمس قصدوا عرفات ولا يدخلونها، بل يقيمون بنمرة بقرب عرفات حتى تزول الشمس.\n(حتى إذا كان عند صلاة الظهر) أي وقت زوال الشمس (راح رسول الله - ﷺ - مُهَجِّرًا) أي مبتكرًا ومبادرًا إلى الصلاة، أو معناه داخلًا بالهاجرة (فجمع بين الظهر والعصر).\nواختلف في الجمع بين الصلاتين بعرفة هل هو للسفر أو للنسك؟ قال الحافظ (١): وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك الجمع المذكور يختص بمن يكون مسافرًا بشرطه، وعن مالك والأوزاعي وهو وجه للشافعية: أن الجمع بعرفة جمع للنسك، فيجوز لكل أحد، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد، سمعت ابن الزبير يقول: إن من سنَّة الحج أن الإِمام يروح إذا زالت الشمس فيخطب الناس، فإذا فرغ من خطبته نزل فصلَّى الظهر والعصر جميعًا.\nقلت: وكذا عند الحنفية، قال القاري في \"شرح المناسك\" (٢): اعلم أن هذا الجمع للنسك عندنا، فيستوي فيه المسافر والمقيم، خلافًا للشافعي ومن تبعه في تخصيصه بالمسافر.\n(ثم خطب الناس) وهذا مخالف لما تقدم أنه - ﷺ - خطب قبل الصلاة، نقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": وعلى حديث جابر عمل العلماء، قال ابن حزم: رواية ابن عمر لا تخلو عن أحد الوجهين لا ثالث لهما، إما أن يكون النبي - ﷺ - خطب، كما روى جابر، ثم جمع بين الصلاتين، ثم كلم ﵊ الناس ببعض ما يأمرهم، ويعظهم فيه، فسمَّى ذلك الكلام خطبة، فيتفق الحديثان بذلك، وهذا أحسن لمن فعله، فإن لم يكن فحديث ابن عمر وهم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٣).\n(٢) \"شرح المناسك\" (ص ١٩١).","vol":"7","page":371},{"text":"ثُمّ رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ\". [حم ٢/ ١٢٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>(٥٩) بَابُ الرَّوَاحِ إِلَى عَرَفَة</span>\n١٩١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عن سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ،\n===\nوقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١): إنه - ﷺ - خطب قبل صلاة الظهر من حديثِ جابر الطويل وحديثِ عبد الله بن الزبير من \"المستدرك\" (٢)، وحديثُ أبي داود عن ابن عمر - ﵄ - يفيد أنهما بعد الصلاة، وقال فيه: \"فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس\"، وهو حجة لمالك في الخطبة بعد الصلاة (٣)، قال عبد الحق: وفي حديث جابر الطويل \"أنه خطب قبل الصلاة\" وهو المشهور الذي عمل به الأئمة والمسلمون، وأعل هو وابن القطان حديثَ ابن عمر - ﵄ - بابن إسحاق.\n(ثم راح) إلى موقف من عرفات (فوقف على الموقف من عرفة) عند جبل الرحمة عند الصخرات، كما تقدم في حديث جابر الطويل: \"فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس\".\n\n(٥٩) (بابُ الرَّواح)، وهو السير بعد الزوال (إِلَى عَرَفَة)، أي: مسجد نمرة، ثم إلى عرفات\n١٩١٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا نافع بن عمر، عن سعيد بن حسان) حجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في أبي داود وابن ماجه\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٣/ ٤٧٩، ٤٨٠).\n(٢) \"المستدرك\" (١/ ٤٦١).\n(٣) هكذا حكاه في \"الهداية\" (١/ ١٤٠)، و\"التبيين\" وغيرهما من فروع الحنفية، ولم يتعقبه شراح \"الهداية\"، لكن لم أجده في فروع المالكية، بل فيها التصريح بالخطبة قبل الصلاة كما حكيت النصوص عنهم في ذلك في \"الأوجز\" (٨/ ١٨٩). (ش).","vol":"7","page":372},{"text":"عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"لَمَّا أَنْ قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ (١) أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ: أَيَّةُ سَاعَةٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَرُوحُ فِى هَذَا الْيَوْمِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ (٢) رُحْنَا، فَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَرُوحَ قال: قَالُوا: لَمْ تَزِغِ الشَّمْسُ، قَالَ: أَزَاغَتْ (٣)؟ قَالُوا: لَمْ تَزِغْ، قَالَ: فَلَمَّا قَالُوا: قَدْ زَاغَتِ، ارْتَحَلَ\". [جه ٣٠٠٩، حم ٢/ ٢٥]\n\n(٦٠) بَابُ الْخُطْبَةِ (٤) بِعَرَفَةَ\n===\nحديث واحد في وقت الرواح إلى عرفة، (عن ابن عمر قال: لما أن قتل الحجاجُ ابنَ الزبير) وأخبر به عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك الخليفة إلى الحجاج أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج (أرسل) أي الحجاج (إلى ابن عمر) يسأله (آية ساعة كان رسول الله - ﷺ - يروح) إلى الصلاة أو إلى الوقوف (في هذا اليوم؟) أي يوم عرفة.\n(قال) أي ابن عمر: (إذا كان ذلك) أي وقت الرواح (رُحْنا) ونخبرك به (فلما أراد ابن عمر أن يروح، قال) أي سعيد بن حسان: (قالوا: لم تزغ الشمس، قال: أزاغت؟ قالوا: لم تزغ) وإنما سألهم لأنه - ﵁ - كان قد كف بصره إذ ذاك (قال) أي سعيد بن حسان: (فلما قالوا) أي أتباعه وأصحابه: (قد زاغت) أي الشمس (ارتحل) أي إلى الخطبة والصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>(٦٠) (بابُ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ)</span>\nاختلفوا في خطب الحج، فقالت المالكية والحنفية: خطب الحج\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله بن الزبير\".\n(٢) وفي نسخة: \"ذاك\".\n(٣) في نسخة: \"أو زاغت\".\n(٤) زاد في نسخة: \"على المنبر\".","vol":"7","page":373},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثلاثة (١): سابع (٢) ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر بمنى، ووافقهم (٣) الشافعي إلَّا أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه؛ لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة، وهي يوم النحر (٤)، وقال: إن بالناس حاجة إليها ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف.\nوتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج؛ لأنه لم يذكر فيها شيئًا من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة، ولم ينقل أحد أنه علَّمهم فيها شيئًا من الذي يتعلق بيوم النحر،\n_________\n(١) وبه قال زفر إلا أنه قال: هي متوالية، أولاها يوم التروية، كما في \"الهداية\" (١/ ١٤٠). (ش).\n(٢) حكاها ابن الهمام (٢/ ٤٧٧) عن فعله - ﷺ - وفعل أبي بكر، وعزا الثاني إلى ابن المنذر برواية ابن عمر، وعزا الأول في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٥٤٤)، و\"شرح مناسك النووي\" (ص ٣٠٨) إلى البيهقي (٥/ ١١١)، والحاكم (١/ ٤٦١)، وعزاه في \"مناسك الضياء\" إلى \"مسند أحمد\" برواية ابن عباس أيضًا، وبسطها في \"شرح المنهاج\" و\"الدردير\" (٢/ ٢٦٣)، وهذه الخطبة مصرَّحة في فروع الأئمة الثلاثة، ولم أجدها في فروع الحنابلة من \"المغني\" و\"الروض\"، إلا أن القسطلاني (٤/ ٢٩٢) ذكر أحمد مع الشافعي، والعيني في \"البناية\" حكى عن الإِمام أحمد: أن لا خطبة في اليوم السابع عنده [انظر: \"الأوجز\" (٨/ ١٩١)]. (ش).\n(٣) فقد صرَّح النووي في \"المناسك\" (ص ٣٠٧ - ٣٠٩) بهذه الخطب الأربع: أولها يوم السابع، وهي خطبة فردة عند الكعبة، والثانية يوم عرفة، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول، كلها أفراد، وبعد صلاة الظهر إلا التي بعرفة؛ فهي خطبتان وقبل الظهر. (ش).\n(٤) وبسط المغني (٥/ ٣١٩) في روايات ذكرت في خطبة يوم النحر، وسيأتي في \"باب من قال: خطب يوم النحر\"، وأما خطبة عرفة، ففي \"شرح المواهب\" (١١/ ٣٩٧) للزرقاني: قال به الجمهور والمدنيون والمغاربة من المالكية، وهو المشهور، فقول النووي: خالف فيها المالكية؛ فيه نظر، وإنما هو قول العراقيين منهم، واتفق الشافعية على استحبابها، خلافًا لما توهمه عياض والقرطبي، انتهى. وجزم الدردير (٢/ ٢٦٤) بندب هذه الخطبة، وكذا الموفق (٥/ ٣٦٣). (ش).","vol":"7","page":374},{"text":"١٩١٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنِ ابْنِ أَبِى زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِعَرَفَةَ\". [حم ٥/ ٣٦٩، ق ٩/ ٣١٢]\n===\nفعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج، وقال ابن القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكر لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه خطب.\n١٩١٥ - (حدثنا هناد، عن ابن أبي زائدة، أنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة (قال الحافظ في \"التقريب\" وفي \"تهذيب التهذيب\" في باب المبهمات: زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة، عن أبيه، لم يسمَّيا، ضبط الزرقاني بفتح الضاد المعجمة وإسكان الميم، وقد كتب في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\": حمزة بالحاء المهملة والزاي، وهو خلاف الصواب.\n(عن أبيه أو عمه) لم أقف على تسميتهما (قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر بعرفة).\nوقد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (١) بإسناده: ثنا سفيان بن عيينة، ثنا زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبيه، أو عن عمه قال: \"شهدت النبي - ﷺ - بعرفة، فسئل عن العقيقة، فقال: لا أحب العقوق، ولكن من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل\"، وليس فيه ذكر المنبر، ولم يكن بعرفات منبر في وقته - ﷺ -، بل خطبته كانت على ناقته، فالظاهر أن ذكر المنبر غير محفوظ، فإن كان محفوظأ فلعل المراد به شيء مرتفع، وهي ناقته - ﷺ -، كما أفاده شيخ مشايخنا مولانا محمد إسحاق الدهلوي، ثم المهاجر المكي - ﵀ -.\n_________\n(١) (٥/ ٤٣٠).","vol":"7","page":375},{"text":"١٩١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْحَىِّ، عَنْ أَبِيهِ نُبَيْطٍ: \"أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ -ﷺ- وَاقِفًا بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ\". [ن ٣٠٠٧، جه ١٢٨٦، حم ٤/ ٣٠٥، دي ١٦٠٨]\n===\n١٩١٦ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن سلمة بن نبيط) بنون وموحدة مصغرًا، ابن شريط بفتح المعجمة، ابن أنس الأشجعي، روى عن أبيه، وقيل: عن رجل عن أبيه، وثَّقه أحمد ووكيع وأبو داود وابن معين والعجلي والنسائي وعثمان بن أبي شيبة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال البخاري: يقال: اختلط بأخرة.\n(عن رجل من الحي) وقد أخرج الإِمام أحمد (١) حديث نبيط من طريق وكيع قال: ثنا سلمة بن نبيط، عن أبيه، ولم يذكر عن رجل (٢)، وأخرج أيضًا من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني قال: ثنا سلمة بن نبيط قال: كان أبي وجدِّي وعمي مع النبي - ﷺ - قال: أخبرني أبي قال: \"رأيت النبي - ﷺ - يخطب عشية عرفة على جمل أحمر، قال: قال سلمة: أوصاني أبي بصلاة السحر، قلت: يا أبت! إني لا أطيقها، قال: فانظر الركعتين قبل الفجر فلا تدعنَّهما، ولا تشخصنَّ في الفتنة\".\nوهذا الحديث صريح في أن سلمة روى عن أبيه بلا واسطة رجل؛ فإنه قال بلفظ الإخبار، وذكر وصية أبيه، فهذا يدل على أن الواسطة بين سلمة وأبيه غير محفوظ (٣).\n(عن أبيه نبيط: أنه) أي نبيط (رأى النبي - ﷺ - واقفًا بعرفة على بعير أحمر يخطب) ولفظ النسائي: \"على جمل أحمر\"، وكذلك في حديث خالد بن العداء\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٠٥).\n(٢) وكذا أخرجه النسائي برواية سفيان وابن المبارك عن سلمة بدون الواسطة. (ش).\n(٣) قلت: لكن أخرج الترمذي في \"الشمائل\" في وفاته - ﷺ - حديث سلمة عن نعيم بن أبي هند، عن نبيط بن شريط. [انظر: \"شمائل الترمذي\" رقم (٣٩٦)]. (ش).","vol":"7","page":376},{"text":"١٩١٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ (١)، حَدَّثَنِى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ. قَالَ هَنَّادٌ: عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبِى عَمْرٍو، حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ الْعَدَّاءِ بْنِ هَوْذَةَ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ\n===\nابن هوذة الذي بعد هذا، قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - يخطب الناس يوم عرفة على بعير\".\nوهذا كله يخالف ما تقدم من حديث جابر الطويل: \"حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فَرُحِلَتْ له، فركب حتى أتى بَطن الوادى، فخطب الناس\"، والجواب عن حديث نبيط وخالد بن العداء أنهما رأياه من بعيد، فظناها بعيرًا، فرويا الحديث على ظنهما، والصواب أنه - ﷺ - كان على ناقته القصواء حين قام في الموقف، وخطب.\n١٩١٧ - (حدثنا هناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة قالا: نا وكيع، عن عبد المجيد) بن أبي يزيد: وهب العقيلي العامري، أبو وهب، ويقال: أبو عمرو البصري، قال يحيى بن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود حديث في الخطبة يوم عرفة.\n(حدثني العداء بن خالد بن هوذة) بن خالد بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العامري، صحابي قد وقد على النبي - ﷺ - وأقطعه مياهًا كانت لبني عامر، يقال لها: الرخيخ بخائين معجمتين، وكان هو وأبوه سيدَي قومهما.\n(قال هناد: عن عبد المجيد أبي عمرو) فزاد هناد كنيته، (حدثني خالد بن العداء بن هوذة قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يخطب الناس يوم عرفة)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".","vol":"7","page":377},{"text":"عَلَى بَعِيرٍ قَائِمٌ (١) في الرِّكَابَيْنِ\". [حم ٥/ ٣٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ الْعَلَاءِ، عن وَكِيعٍ كَمَا قَالَ هَنَّادٌ (٢).\n١٩١٨ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيم، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، نَا عَبْدُ الْمَجِيدِ أَبُو عَمْرٍو، عن الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>(٦١) بَابُ مَوْضِعِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ</span>\n١٩١٩ - حَدَّثَنَا (٣) ابْنُ نُفَيْلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِى ابْنَ دِينَارٍ -، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ\n===\nأي في عرفات (على بعير قائم في الركابين، قال أبو داود: رواه ابن العلاء، عن وكيع كما قال هناد)، وقد أخرج الإِمام أحمد (٤) حديث وكيع، فذكر عبد المجيد مع كنيته كما قال هناد.\n١٩١٨ - (حدثنا عباس بن عبد العظيم، نا عثمان بن عمر) بن فارس، (نا عبد المجيد أبو عمرو، عن العداء بن خالد بمعناه).\n\n(٦١) (بَابُ مَوْضِعِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ)\n١٩١٩ - (حدثنا ابن نفيل، نا سفيان، عن عمرو - يعني ابن دينار-، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي المكي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، (عن يزيد بن شيبان) الأزدي صحابي، ذكر الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمته: قال أبو حاتم: هو خال عمرو المذكور، وقال البخاري: له رؤية.\n_________\n(١) في نسخة: \"قائمًا\".\n(٢) قال في \"تتمة المنهل العذب المورود\" (٢/ ٥٣): والصواب ما قال عثمان بن أبي شيبة أن شيخ عبد المجيد العداء بن خالد.\n(٣) زاد في نسخة: \"عبد الله بن محمد\".\n(٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٠).","vol":"7","page":378},{"text":"قَالَ: \"أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الأَنْصَارِىُّ وَنَحْنُ بِعَرَفَةَ فِى مَكَانٍ يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو عَنِ الإِمَامِ، فَقَالَ (١): إِنِّى رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْكُمْ، يَقُولُ لَكُمْ: «قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ». [ت ٨٨٣، ن ٣٠١٤، جه ٣٠١١، حم ٤/ ١٣٧، خزيمة ٢٨١٨، ك ١/ ٤٦٢]\n===\n(قال: أتانا ابن مِرْبَع الأنصاري) هو زيد بن مربع، بكسر الميم وسكون الراء بعدها موحدة مفتوحة، ابن قيظي، بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها ظاء مشالة، ابن عمرو بن زيد بن جشم بن مجدعة بن حارثة الأوسي الأنصاري، سماه أحمد وابن معين وابن البرقي، وقيل اسمه: يزيد، وقيل: عبد الله، وأكثر ما يجيء في الحديث غير مسمى.\n(ونحن بعرفة) أي بعرفات (في مكان يباعده عمرو عن الإِمام) هكذا في نسخ أبي داود، وكذا في الترمذي، وهكذا في إحدى روايتي البيهقي (٢)، فأخرج من طريق أحمد بن شيبان: ثنا سفيان، فذكره بنحوه إلا أنه قال: عن عمرو، وقال: أتانا ابن مربع الأنصاري بعرفة، ونحن في مكان من الموقف يباعده عمرو يعني عن الإِمام، فقال: ثم ذكره. وفي \"مسند الإِمام أحمد\": أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن في مكانٍ من الموقف بعيدٍ.\n(فقال: إني رسولُ رسولِ الله - ﷺ -، يقول لكم: قفوا على مشاعركم) هذه (فإنكم على إرثٍ من إرثِ إبراهيم) لمكان تباعده عمرو، بالتاء المثناة الفوقانية، وهو تصحيف، والصواب بالياء التحتانية؛ لأن فاعله عمرو بعده ظاهر (٣).\nوفي النسائي قال: \"كنا وقوفًا بعرفة مكانًا بعيدًا من الموقف، فأتانا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أما\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١١٥).\n(٣) وأول أبو الطيب شارح الترمذي: قال بعض الفضلاء: عمرو هو المخاطب بهذا الكلام ... الخ. (ش).","vol":"7","page":379},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nابن مربع الأنصاري\"، وهذا السياق يدل على أن قوله: \"مكانًا بعيدًا من الموقف\" من كلام يزيد بن شيبان لا من كلام غيره، وهكذا في إحدى روايتي البيهقي قال: \"كنا وقوفًا بعرفة في مكان بعيد من الموقف، فأتانا ابن مربع الأنصاري\"، وفي ابن ماجه المطبوعة بمصر قال: \"كنا وقوفًا في مكان تباعده من الموقف، فأتانا ابن مربع\".\nقال السندي في حاشيته: قوله: \"تباعده من الموقف\" أي من موقف الإِمام، وهو من باعد بمعنى بَعَّد مشددًا، عمرو هو المخاطب بهذا الكلام، أي: مكانًا تبعده أنت، أي تعده بعيدًا، والمقصود تقدير بُعده، وأنه مسلم عند المخاطب، ويحتمل أن هذا من كلام الراوي عن عمرو بمنزلة: قال عمرو: كان ذلك المكان بعيدًا عن موقف الإِمام، أو من كلام عمرو.\nوفي نسخة لابن ماجه أيضًا المطبوعة بالهند قال: \"كنا وقوفًا بمكان نباعده من الموقف فأتانا ابن مربع\"، وكتب عليه شيخ مشايخنا الشيخ عبد الغني المجددي المهاجر المدني: قوله: \"كنا وقوفًا في مكان نباعده\"، أي: نظن مكان وقوفنا بعيدًا من موقف الإِمام، فضبطه بصيغة المتكلم مع الغير.\nوهذا الاختلاف مبني على كتابة لفظ \"يباعده\"، فمن كان في نسخته بالتاء ظنه صحيحًا، وكتب عليه الحاشية، وكتب توجيهه، ومن كان في نسخته بالنون كتب توجيهه.\nوالصواب عندي ما في نسخ أبي داود وغيره بلفظ: \"يباعده عمرو عن الإِمام\"، ومعناه على هذه النسخة: إن عمرو بن دينار يقول: يباعده، أي يبينه بعيدًا عمرو، أي عمرو بن عبد الله بن صفوان عن الإِمام، ويحتمل أن يقال: إن هذا من كلام سفيان، فيقول: يباعده، أي يبعده عمرو بن دينار عن الإِمام، وقد ثبت في رواية النسائي في قوله: قال يزيد بن شيبان: \"كنا وقوفًا بعرفة مكانًا بعيدًا من الموقف\"، فبيان بعد المكان داخل في كلام يزيد بن شيبان، ففي كلام عمرو ليس إلا بعد المكان عن الإِمام.","vol":"7","page":380},{"text":"(٦٢) بَابُ الدَّفْعَةِ (١) مِنْ عَرَفَةَ\n١٩٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ. (ح): وَحَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، الْمَعْنَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَرَدِيفُهُ أُسَامَةُ،\n===\nفحاصله أن عمرًا بَيَّن أن ذلك المكان كان بعيدًا عن الإِمام لا عن الموقف كما يوهم لفظ رواية النسائي، فإن المراد منه من الموقف موقف الإِمام، والله تعالى أعلم.\nقال السندي في حاشية ابن ماجه: فإرساله - ﷺ - الرسولَ إلى ذلك لتطييب قلوبهم لئلا يتحزَّنوا ببعدهم عن موقف رسول الله - ﷺ -، ويروا ذلك نقصًا في الحج، أو يظنوا ذلك المكان الذي هم فيه ليس بموقف، ويحتمل أن المراد بيان أن هذا خير مما كان عليه قريش من الوقوف بمزدلفة، وأنه شيء اخترعوه من أنفسهم، والذي أورثه إبراهيم هو الوقوف بعرفة، انتهى.\n\n(٦٢) (بَابُ الدَّفْعَةِ) أي الرجوع والانصراف (مِنْ عَرَفَةَ) بعد الفراغ من الوقوف\n١٩٢٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأعمش، ح: وحدثنا وهب بن بيان) بن حيان الواسطي، أبو عبد الله، نزيل مصر، قال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة: ثقة رجل صالح، قال أبو داود: وأهل مصر يقولون: إنه بدل من الأبدال.\n(نا عبيدة) بن حميد، (نا سليمان الأعمش، المعنى) أي معنى حديث محمد بن كثير (٢) وحديث عبيدة واحد، (عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: أفاض رسول الله - ﷺ - من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة).\n_________\n(١) في نسخة: \"الدفع\".\n(٢) الظاهر بدله: حديث سفيان. (ش).","vol":"7","page":381},{"text":"وَقَالَ: «يا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ» (١). قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا عَادِيَةً حَتَّى أَتَى جَمْعًا. زَادَ وَهْبٌ: ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ\n===\n(فقال: يا أيها الناس عليكم بالسكينة) أي الزموا، (فإن البر ليس بإيجاف الخيل) أي ليس بالإيضاع والإسراع في السير (والإبل. قال) ابن عباس كما يدل عليه حديث البخاري (٢) عن ابن عباس: \"أنه دفع مع النبي - ﷺ - يوم عرفة\". أو أسامة بن زيد، كما يدل عليه بعض (٣) روايات البيهقي والإمام أحمد في \"مسنده\" (٤).\n(فما رأيتها) أي الخيل والإبل (رافعة يديها عادية) (٥) من عدا يعدو، أي: مسرعة في السير، كأنهم امتثلوا أمر رسول الله - ﷺ - فاطمأنوا، وسكَّنوا رواحلهم، ويحتمل أن يكون أمره - ﷺ - أمرًا تكوينيًا فلم يقدر الرواحل على رفع الأيدي (حتى أتى جمعًا) أي المزدلفة.\n(زاد وهب: ثم أردف الفضل بن عباس) أي: من المزدلفة إلى مني.\n(وقال) رسول الله - ﷺ -: (أيها الناس! إن البر ليس\n_________\n(١) زاد في نسخة: فعليكم بالسكينة.\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٦٧١).\n(٣) وكذا رواية مسلم (١٢٨٠)، ورجحه الزرقاني (١١/ ٤١٢). (ش).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١١٩)، و\"مسند الإِمام أحمد\" (٥/ ٢٠٧).\n(٥) ويشكل عليه ما سيأتي من حديث أسامة: \"إذا وجد فجوة نص\"، وقال ابن خزيمة: هذا محمول على الزحام، قاله الزرقاني [\"شرح المواهب\" (١١/ ٤١٢)]، وقال السرخسي في \"المبسوط\": يمشي على هينته في الطريق، هكذا قال - ﵇ -: أيها الناس! ليس البر في إيجاف الخيل، روى جابر: أنه - ﵇ - كان يمشي على راحلته في الطريق على هينته، حتى إذا كان في بطن الوادي أوضع راحلته، وجعل يقول: \"إليك تعدو قلقًا وضينها ... إلخ\"، فزعم بعض الناس أن الإيضاع في هذا الموضع سنَّة، ولسنا نقول به، وتأويله أن راحلته كلَّت في هذا الموضع فبعثها، فانبعثت، كما هو عادة الدواب، لا أن يكون قصده الإيضاع، انتهى. [\"المبسوط\" (٤/ ٢٠)]. (ش).","vol":"7","page":382},{"text":"بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ». قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنًى\". [خ ١٥٤٣، ن ٣٠١٨، حم ١/ ٢٥١]\n١٩٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِى كُرَيْبٌ: \"أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قُلْتُ: أَخْبِرْنِى كَيْفَ فَعَلْتُمْ أَوْ صَنَعْتُمْ عَشِيَّةَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِى يُنِيخُ فيه النَّاسُ فِيهِ لِلْمُعَرَّسِ\n===\nبإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة، قال) أي ابن عباس، أو الفضل بن عباس: (فما رأيتها رافعة يديها) أي للعَدْو (حتى أتى مني) قال القاري (١): والحاصل أن المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى المبرات مطلوبة، لكن لا على وجه يجر إلى المكروهات وما يترتب عليه من الأذيات.\n١٩٢١ - (حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، نا زهير، ح: وحدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، وهذا لفظ حديث زهير) كلاهما أي زهير وسفيان قالا: (نا إبراهيم بن عقبة، أخبرني كريب، أنه سأل أسامة بن زيد قلت: أخبرني كيف فعلتم أو) للشك من الراوي (صنعتم عشيةَ ردفتَ رسولَ الله - ﷺ -؟).\n(قال: جئنا الشعب الذي يُنيخ فيه الناس للمعرس)، ولفظ رواية مسلم: \"فقال: جئنا بالشعب الذي يُنيخ الناس فيه للمغرب\"، والشعب الطريق في الجبل، وقيل: الفرجة بين الجبلين، والمعرس محل التعريس، وهو نزول المسافر في آخر الليل للاستراحة.\nقال الحافظ (٢): وأخرجه الفاكهي من وجه آخر عن ابن عمر، من طريق\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٢٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٠).","vol":"7","page":383},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nسعيد بن جبير قال: \"دفعت مع ابن عمر من عرفة، حتى إذا وازينا الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب، دخله ابن عمر فتنفض فيه، ثم توضأ وكبر، فانطلق حتى أتى جمعًا\".\nوروى الفاكهي أيضًا من طريق ابن جريج قال: قال عطاء: \"أردف النبي - ﷺ - يلي أسامةَ، فلما جاء الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء الآن المغرب [نزل] فأراق الماء ثم توضأ\".\nوظاهر هذين الطريقين أن الخلفاء كانوا يصلون المغرب عند الشعب المذكور قبل دخول وقت العشاء، وهو خلاف السنَّة في الجمع بين الصلاتين في المزدلفة.\nووقع عند مسلم من طريق محمد بن عقبة، عن كريب: \"أتى الشعب الذي ينزله الأمراء\"، وله من طريق إبراهيم بن عقبة عن كريب: \"الشعب الذي يُنيخ الناس فيه للمغرب\"، والمراد بالخلفاء والأمراء في هذا الحديث بنو أمية، فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وقد جاء عن عكرمة إنكار ذلك.\nوروى الفاكهي أيضًا من طريق ابن أبي نجيح، سمعت عكرمة يقول: اتخذه رسول الله - ﷺ - مبالًا واتخذتموه مصلَّى، وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفة السنَّة في ذلك، وكان جابر يقول: \"لا صلاة إلَّا بجمع\"، أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح.\nونقل عن الكوفيين وعند ابن القاسم صاحب مالك: وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلَّى أجزأه، وهو قول أبي يوسف والجمهور، انتهى.\nفالمراد بقوله: \"الذي ينيخ فيه الناس\" في حديث أبي داود: الأمراءُ ومن تبعهم، وكذلك المراد بالمعرس معرسهم ومحل نزولهم.","vol":"7","page":384},{"text":"فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَاقَتَهُ، ثُمَّ بَالَ - وَمَا قَالَ: أَهْرَاقَ الْمَاءَ - ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ جِدًّا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الصَّلَاةَ.\n===\n(فأناخ رسول الله - ﷺ - ناقته، ثم بال، وما قال) أي أسامة: (أهراق الماء) والظاهر أنه من كلام كريب، (ثم دعا بالوضوء) أي بماء الوضوء (فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ) أي بالسابغ والكامل (جدًا) أىِ وضوءًا خفيفًا كما في رواية البخاري؛ بأن توضأ مرة مرة، وخفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته.\nوأغرب (١) ابن عبد البر فقال: معنى قوله: \"فلم يسبع الوضوء\"، أي: استنجى به، وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي، ولكن الأصول تدفع هذا؛ لأنه لا يشرع الوضوء لصلاة واحدة مرتين، وهو متعقب بهذه الرواية الصريحة، وفي مسلم: \"فتوضأ وضوء ليس بالبالغ\". وقد تقدم في الطهارة بلفظ: \"فجعلت أصب عليه وهو يتوضأ\"، ولم تكن عادته - ﷺ - أن يباشر ذلك أحد منه حال الاستنجاء.\nقال القرطبي: اختلف الشراح في قوله: \"ولم يسبغ الوضوء\" هل المراد به اقتصر به على بعض الأعضاء فيكون وضوءًا لغويًا، أو اقتصر على بعض العدد فيكون وضوءًا شرعيًا؟ وكلاهما محتمل، لكن يعضد من قال بالثاني قولُه في الرواية الأخرى: \"وضوءًا خفيفًا\"؛ لأنه لا يقال في الناقص خفيف، ومن موضحات ذلك أيضًا قول أسامة له: \"الصلاة\" فإنه يدل على أنه رآه يتوضأ وضوءه للصلاة، ولذلك قال له: \"أتصلي\"؟ .\nوإنما توضأ أولًا ليستديم الطهارة ولا سيما في تلك الحالة لكثرة الاحتياج إلى ذكر الله حينئذ، وخفف الوضوء لقلة الماء حينئذ.\n(قلت: يا رسول الله! الصلاة) بالنصب على إضمار الفعل، أي: تذكر\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٠، ٥٢١).","vol":"7","page":385},{"text":"قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، قَالَ: فَرَكِبَ حَتَّى قَدِمْنَا مُزْدَلِفَةَ (١) فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِى مَنَازِلِهِمْ وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ وَصَلَّى (٢)، (٣) ثُمَّ حَلَّ النَّاسُ\".\nزَادَ مُحَمَّدٌ فِى حَدِيثِهِ: قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ (٤) وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِى سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَىَّ\". [خ ١٦٦٩، م ١٢٨٠، ن ٦٠٩، جه ٣٠١٩، حم ٥/ ١٩٩، دي ١٨٨١]\n===\nالصلاة، أو صل، ويجوز الرفع على تقدير: حضرت الصلاة مثلًا (قال: الصلاة) بالرفع (أمامك) بفتح الهمزة وبالنصب على الظرفية، أي الصلاة ستصلي بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها أي المصلى بين يديك، أو معنى \"أمامك\": لا تفوتك وستدركها.\n(قال) أسامة: (فركب) رسول الله - ﷺ - على ناقته (حتى قدمنا مزدلفة، فأقام المغرب) وصلاها، (ثم أناخ الناس) رواحلَهم (في منازلهم ولم يحلوا) أي الرحال بل تركوها على ظهور الجمال (حتى أقام) أي رسول الله - ﷺ - (العشاء وصلَّى، ثم حل الناس) أي الرحال.\n(زاد محمد) بن كثير (في حديثه: قال: قلت: كيف فعلتم حين أصبحتم) حين سرتم إلى مني؟ (قال: ردفه الفضلُ، وانطلقت أنا في سباق قريش على رجلي) أي: إلى مني. واستدل بالحديث على جمع التأخير بمزدلفة وهو إجماعٌ، لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية والمالكية بسبب النسك.\nوأغرب (٥) الخطابي فقال: فيه دليل على أنه لا يجوز أن يصلي الحاج\n_________\n(١) في نسخة: \"المزدلفة\".\n(٢) في نسخة: \"فصلى\".\n(٣) زاد في نسخة: \"زاد ابن يونس في حديثه\".\n(٤) زاد في نسخة: \"ابن عباس\".\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٢).","vol":"7","page":386},{"text":"١٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ آدم، نَا سُفْيَانُ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عن زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عن أَبِيهِ،\n===\nالمغربَ إذا أفاض من عرفة حتى يبلغ المزدلفة، ولو أجزأته في غيرها لما أخرها النبي - ﷺ - عن وقتها الموقت لها في سائر الأيام، قاله الحافظ (١).\nقلت: وكذا في \"لباب المناسك\" وشرحه (٢): لو صلَّى الصلاتين أو إحداهما قبل الوصول إلى مزدلفة لم يجز، وعليه إعادتهما بها إذا وصل. وفي \"تلقيح العقول\" (٣) للمحبوبي: إذا صلَّى المغرب في يوم عرفة في وقتها في الطريق أو بعرفات يجب عليه الإعادة عندهما، خلافًا لأبي يوسف، ولو أخرها عن وقتها وصلاها في وقت العشاء لا يلزمه الإعادة بالإجماع، إلَّا أنه لا بد أن يقيد بأنه صلاهما في مزدلفة.\n١٩٢٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن آدم، نا سفيان) الثوري، (عن عبد الرحمن) بن الحارث بن عبد الله (بن عياش) بن أبي ربيعة، نسب إلى جد أبيه، (عن زيد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وإليه نسب الزيدية من طوائف الشيعة، قدم على يوسف بن عمر الحيرة فأجازه، ثم شخص إلى المدينة فأتاه ناس من أهل الكوفة فقالوا له: ارجع ونحن نأخذ لك الكوفة، فرجع فبايعه ناس كثير وخرج، فقتل فيها، يعني سنة ١٢٢ هـ، وهو ابن ٤٢ سنة.\n(عن أبيه) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، زين العابدين، قال ابن سعد (٤) في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة: أمه أم ولد، وكان ثقة مأمونًا كثير الحديث عاليًا رفيعًا ورعًا، قال ابن عيينية عن\n_________\n(١) واختلف النقل عنه، وكذا اختلفوا في بيان المذاهب، كما في \"الأوجز\" (٨/ ٢٠٨ وما بعدها). (ش).\n(٢) \"شرح اللباب\" (٢١٥، ط. باكستان).\n(٣) في الأصل: \"تنقيح العقول\"، وهو تحريف.\n(٤) \"الطبقات\" (الترجمة ١٥٨٠).","vol":"7","page":387},{"text":"عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: \"ثُمَّ أَرْدَفَ أُسَامَةَ، فَجَعَلَ يُعْنِقُ عَلَى نَاقَتِهِ، وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ الإِبِلَ يَمِينًا وَشِمَالًا، لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: السَّكِينَةَ أَيّهَا النَّاسُ،\n===\nالزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل من علي بن حسين، وكان مع أبيه يوم قتل وهو مريض فسلم وقال: ما رأيت أحدًا كان أفقه منه، وأطال أهل التراجم في مناقبه، واختلف في سنة وفاته من سنة ٩٢ هـ إلى سنة ١٠٠ هـ، وكان سنه حين قتل أبوه ٢٣ سنة، وقتل أبوه يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ.\n(عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي قال: ثم أردف) رسولُ الله - ﷺ - (أسامةَ فجعل يعنق) أي يسير العنق، وهو السير الوسط (على ناقته) القصواء (والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا، لا يلتفت إليهم) في بعض الأحيان، ويلتفت إليهم في بعضها.\n(ويقول: السكينة أيها الناس) أي: الزموها، وهذا الذي قلنا في توجيه قوله: \"لا يلتفت يمينًا وشمالًا\"، مبني على ما في جميع النسخ لأبي داود الموجودة عندنا، ثم تتبعنا هذا الحرف في كتب الأحاديث، فوجدنا عند الترمذي هذا الحديث من طريق أبي أحمد: نا سفيان بهذا السند، وفيه: \"والناس يضربون يمينًا وشمالًا يلتفت إليهم\" بغير لفظ \"لا\" النافية.\nوأخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١) من طريق أبي أحمد الزبيري: ثنا سفيان، وفيه: \"والناس يضربون يمينًا وشمالًا، يلتفت إليهم\" وليس فيه حرف \"لا\"، وأيضًا أخرج من طريق المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، قال: حدثني أبي عبد الرحمن بن الحارث بسنده المذكور، ولفظه: \"فجعل الناس يضربون يمينًا وشمالًا، وهو يلتفت، ويقول: السكينة أيها الناس، ثم قال: ثم دفع وجعل يسير العنق، والناس يضربون يمينًا وشمالًا، وهو يلتفت ويقول: السكينة السكينة أيها الناس\".\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (١/ ٧٥)، رقم (٥٦٢، ٥٦٣).","vol":"7","page":388},{"text":"وَدَفَعَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ\". [ت ٨٨٥، جه ٣٠١٠، حم ١/ ١٥٧، خزيمة ٢٨٣٧]\n===\nوأخرج البيهقي في \"سننه\" (١) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: \"أن رسول الله - ﷺ - التفت بعرفة في النفر والناس يضربون، فقال: السكينة أيها الناس\".\nوهذه الأحاديث المختلفة تدل على أن حرف \"لا\" النافية على قوله: يلتفت، غير محفوظ (٢)، ولكن أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" مثل سند أبي داود من طريق يحيى بن آدم: ثنا سفيان، وفيه: \"والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا لا يلتفت إليهم\" (٣)، وهاتان الروايتان تدلان على أن في رواية يحيى بن آدم عن سفيان حرف \"لا\" النافية موجودة، وليس من تصحيف النسَّاخ، بل الظن يشهد أنه من خطأ يحيى بن آدم، وإن كان محفوظًا فتوجيهه ما ذكرناه من قبل، والله أعلم.\nثم رأيت \"فتح القدير\" (٤) للشيخ ابن الهمام فإنه ذكر هذا الحديث فيه، وقال: أخرج الإِمام أبو داود والترمذي وابن ماجه عن علي - ﵁ - ولفظه: \"وجعل يشير بيده على هينته والناس يضربون يمينًا وشمالًا، فجعل يلتفت إليهم ويقول: أيها الناس عليكم السكينة\"، وهذا أيضًا يدل أن حرف \"لا\" النافية ليس في الحديث (ودفع حين غابت الشمس).\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١١٩).\n(٢) قال أبو الطيب شارح الترمذي: قال المحب الطبري: قال بعضهم: رواية الترمذي بإسقاط \"لا\" أصح، وقد تكررت \"لا\" هناك على بعض الرواة من قوله: شمالًا، انتهى. وعلى تقدير صحتها معناه: لا يلتفت إلى مشيهم ولا يشاركهم فيه، انتهى.\nقلت: وما وجَّهه والدي في تقريره أوجه إذ قال: يلتفت بلَيِّ العنق فقط لا بجميعه. (ش).\n(٣) قوله: \"لا يلتفت\"، قال السندي: هكذا بزيادة \"لا\" في هذه الرواية في نسخة \"المسند\" و\"الترتيب\"، وقد سبق \"يلتفت\" بدون زيادة \"لا\" وهو الأقرب معنى، وقد جاءت الرواية بزيادة \"لا\" في أبي داود أيضًا، فيحمل على أن المعنى: أنه لا يلتفت إلى مشيهم، ولا يشاركهم في فعلهم.\n(٤) \"فتح القدير\" (٢/ ٤٨٩).","vol":"7","page":389},{"text":"١٩٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: \"سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسِيرُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.\nقَالَ هِشَامٌ: النَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ\". [خ ١٦٦٦، م ١٢٨٦، ن ٣٠٢٣، جه ٣٠٢٣، جه ٣٠١٧، حم ٥/ ٢٠٥]\n١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ (١)، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: \"كُنْتُ رِدْفَ النَّبِىِّ -ﷺ-، فَلَمَّا وَقَعَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\". [حم ٥/ ٢٠١]\n===\n١٩٢٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) أي عروة (أنه) أي عروة (قال: سئل أسامةُ بن زيد وأنا جالس) أي عنده: (كيف كان رسول الله - ﷺ - يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق) وهو السير بين الإسراع والإبطاء (فإذا وجد فجوة)، الفجوة: الفرجة وما اتسع من الأرض، كذا في \"القاموس\" (نَصَّ، قال هشام: النص فوق العنق) أي سير فوق سير العنق، وقال في \"القاموس\": نصَّ ناقته: استخرج أقصى (٢) ما عندها من السير.\n١٩٢٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يعقوب) بن إبراهيم، (نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن أسامة قال: كنت ردف) أي رديف (النبي - ﷺ -) على ناقته حين سار من عرفة، (فلما وقعت) أي غربت (الشمس دفع) أي سار (رسول الله - ﷺ -) من عرفة إلى مزدلفة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"مولى عبد الله بن عباس\".\n(٢) يشكل عليه ما تقدم \"ما رأيتها عادية\" وتقدم الجمع. (ش).","vol":"7","page":390},{"text":"١٩٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: \"دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ. قُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ! فَقَالَ (١): «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا\". [خ ١٦٧٢، م ١٢٨٠، حم ٥/ ٢٠٨]\n===\n١٩٢٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى عبد الله بن عباس، عن أسامة بن زيد أنه) أي كريبًا (سمعه) أي أسامة بن زيد. قال الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (٢): قال أبو عمر: كذا رواه الحفاظ الأثبات عن مالك، إلا أشهب وابن الماجشون فقالا: عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة، والصحيح إسقاط ابن عباس من إسناده.\n(يقول: دفع رسول الله - ﷺ - من عرفة) أي عرفات (حتى إذا كان بالشعب نزل فبال فتوضأ ولم يسبغ الوضوء، قلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، فركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئًا)، وقد تقدم شرحه.\n(حدثنا (٣) (٤) محمد بن المثنى قال: روح بن عبادة قال: نا زكريا بن\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٣٥٩)، صلاة المزدلفة.\n(٣) زاد في نسخة هذا الحديث.\n(٤) قلت: قال المزي في \"تحفة الأشراف\" رقم (٤٨٤٢): هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم.","vol":"7","page":391},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإسحاق، أنا إبراهيم بن ميسرة، أنا يعقوب بن عاصم بن عروة) بن مسعود الثقفي، أخو نافع بن عاصم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أنه سمع الشريد) بوزن الطويل، ابن سويد مصغرًا، الثقفي، له صحبة، وقيل: إنه من حضرموت، وعداده في ثقيف، قال ابن السكن: له صحبة، حديثه في أهل الحجاز، سكن الطائف، والأكثر أنه الثقفي، ويقال: إنه حضرمي، وتزوج آمنة بنت أبي العاص بن أمية، ويقال: كان اسمه مالك، فسمي الشريد لأنه شرد من المغيرة بن شعبة لما قتل الرفقة الثقفيين، شهد بيعة الرضوان، ووفد على النبي - ﷺ - فسمَّاه الشريد.\n(يقول: أفضت)، ولفظ حديث أحمد في \"مسنده\" (١): \"أشهد لأفضت\" (مع رسول الله - ﷺ - أي: من عرفات إلى المزدلفة (فما مسَّت قدماه الأرضَ حتي أتى جمعًا) أي: المزدلفة، قال القاري (٢): قال الطيبي: عبارة عن الركوب من عرفة إلى الجمع، فما يرد عليه أنه ﵇ نزل لنقض الطهارة، فعرض عليه ماء الوضوء، فقال: \"الصلاة أمامك\"، وقيل: توضأ وضوءًا، ثم ركب، انتهي.\nحاصله أنه بالغ في بيان ركوب النبي - ﷺ - في السير من عرفات إلى مزدلفة، بأنه - ﷺ - قطع تلك المسافة راكبًا، ولم يمش على الأرجل في تلك المسافة شيئًا يسيرًا، وليس معناه أنه ﵇ لم ينزل عن الناقة، فلا يعارض ما في حديث أسامة، من أنه - ﷺ - نزل في الشعب، فبال وتوضأ، وأما الجواب عنه بترجيح رواية أسامة، كما فعله صاحب \"العون\" (٣) بأن أسامة كان رديفه - ﷺ -، فهو بعيد من الصواب، فإنه وقع\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٨٩).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٠٨).\n(٣) انظر: \"عون المعبود\" (٥/ ٢٨١).","vol":"7","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>(٦٣) بَابُ الصَّلَاة بِجَمْعٍ</span>\n١٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا\". [خ ١٦٧٣، م ٧٠٣، ط ١/ ٤٠٠، حم ٢/ ٦٢]\n١٩٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَقَالَ:\n===\nفي حديث الشريد أنه كان مع رسول الله - ﷺ -، فلا سبيل لترجيح أحدهما على الآخر.\n\n(٦٣) (بَابُ الصَّلاةِ بِجَمْعٍ) (١)\nهو علم للمزدلفة، أجتمع فيه آدم وحواء لمَّا أُهبطا\n١٩٢٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - صلَّى المغرب والعشاء) في وقت العشاء (بالمزدلفة جميعًا) أي جمعهما في وقت واحد.\n١٩٢٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا حماد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري بإسناده) أي بإسناد حديث الزهري (ومعناه، قال) ابن أبي ذئب، عن الزهري:\n_________\n(١) الصلاة بعرفة، وكذا الصلاة بجمع، فيه مسألتان خلافيتان، الأولى: أن الجمع هذا جمع نسك، كما قال الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة، خلاقًا للمصحَّح المرجَّح عند الشافعية أنها جمع سفر فيختص بالمسافر الشرعي. والثانية: أن القصر قصر سفر كما عند الثلاثة، خلافًا للمشهور عن مالك أنه قصر نسك، والحق أن مالكًا لم يقل بقصر النسك بل قال بقصر سفر، لكن السفر عنده عام ولو كان قصيرًا، ولذا يقول: يتم أهل مكة بمكة ويقصرون بمنى، ولو كان القصر عنده للنسك، لقال: يقصر أهل مكة بمكة وأهل مني بمنى، وليس كذلك. (ش).","vol":"7","page":393},{"text":"\"بِإِقَامَةٍ إِقَامَةٍ جَمَعَ بَيْنَهُمَا\". [خ ١٦٧٣، ن ٦٦٠، ٣٠٢٨، حم ٢/ ٥٦]\nقَالَ أَحْمَد: قَالَ وَكِيعٌ: صَلَّى (١) كُلَّ صَلَاةٍ بِإِقَامَةٍ.\n١٩٢٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا شَبَابَةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الْمَعْنَى، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ ابْنِ حَنْبَلٍ، عن حَمَّادٍ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: \"بِإِقَامَةٍ وَاحدَةٍ لِكَل صَلَاةٍ، وَلَمْ يُنَادِ في الأُولَى، وَلَمْ يُسَبِّحْ عَلَى إِثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا\".\nقَالَ مَخْلَدٌ (٢): لَمْ يُنَادِ في وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. [خ ١٦٧٣، ن ٣٠٢٨، حم ٢/ ٥٦]\n===\n(بإقامة إقامة) أي لكل واحدة منهما (جمع بينهما) أي بين صلاة المغرب والعشاء. (قال أحمد: قال وكيع: صلَّى كل صلاة) أي منهما (بإقامة).\n١٩٢٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا شبابة) بن سوار، (ح: وحدثنا مخلد بن خالد، المعنى) أي معنى حديث شبابة ومخلد واحد، كلاهما قالا: (نا عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري بإسناد ابن حنبل، عن حماد ومعناه، قال) عثمان بن عمر: (بإقامة واحدة لكل صلاة) معناه بإقامة واحدة لكل واحدة من الصلاتين، ويحتمل أن يكون معناه لجميع الصلاتين، ويؤيده زيادة لفظ \"الواحدة\". (ولم يُنادِ في الأولى) أي لم يؤذن. وهذا مخالف لما تقدم في حديث جابر الطويل ولفظه: \"فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين\"، ويرجَّح حديثُ جابر؛ فإنه مثبت، وأما تقييده بالأولى فلإفادة أنه إذا لم ينافى في الأولى فالثانية أولى بأن لا ينادي لها. (ولم يسبح على إثر) بكسر فسكون، ويجوز فتحهما، أي بعد (واحدة منهما) قال في \"القاموس\": خرج في إثرِه وأَثَرِه: بَعْدَه. (قال مخلد: لم يناد في واحدة) أي في كل واحدة (منهما).\n_________\n(١) في نسخة: \"فصلى\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".","vol":"7","page":394},{"text":"١٩٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: صَلَّيْتُهُمَا (١) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى هَذَا الْمَكَانِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ\". [ت ٨٨٧، حم ٢/ ١٨، ق ١/ ٤٠١]\n١٩٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِى ابْنَ يُوسُفَ -، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ\n===\n١٩٢٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك) بن الحارث الهمداني، ويقال: الأسدي، الكوفي، أخو خالد بن مالك، وقيل: إنهما اثنان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: صليت مع ابن عمر) بالمزدلفة (المغرب ثلاثًا، والعشاءَ ركعتين، فقال له مالك بن الحارث) ولعله هو مالك بن الحارث الهمداني، أبو موسى الكوفي (ما هذه الصلاة؟) وغرضه بهذا السؤال أن صلاته كانت بالجمع بإقامة واحدة على خلاف المعتاد.\n(قال) ابن عمر: (صليتهما مع رسول الله - ﷺ - في هذا المكان بإقامة واحدة).\nوهذا الحديث يرد تأويل المخالفين بأنهم يقولون بإقامة واحدة لكل واحدة، فإن الجمع بين الصلاتين في السفر كان شائعًا فلا وجه للسؤال، بل منشأ السؤال أن الصلاتين لما كانتا بإقامة واحدة تعجب من ذلك وسأل، وقال: صليتهما مع رسول الله - ﷺ - بإقامة واحدة.\n١٩٣٠ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا إسحاق - يعني ابن يوسف -، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير\n_________\n(١) في نسخة: \"صليتها\".","vol":"7","page":395},{"text":"وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَالَا: \"صَلَّيْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِالْمُزْدَلِفَةِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، فَذَكَرَ مَعْنَى ابْنِ كَثِيرٍ\". [انظر الحديث السابق]\n١٩٣١ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: \"أَفَضْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَلَمَّا بَلَغْنَا جَمْعًا صَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثًا وَاثْنَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَنَا ابْنُ عُمَرَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى هَذَا الْمَكَانِ\". [م ١٢٨٨، ن ٦٠٦، ت ٨٨٨، حم ٢/ ٢]\n١٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَقَامَ بِجَمْعٍ\n===\nوعبد الله بن مالك قالا: صلينا مع ابن عمر بالمزدلفة المغرب والعشاء بإقامة واحدة، فذكر معنى ابن كثير) أي حديثه بأنه لما سُئِلَ رَفَعَه إلى النبي - ﷺ -.\n١٩٣١ - (حدثنا ابن العلاء، نا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي (١) إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: أفضنا) أي رجعنا من عرفات (مع ابن عمر، فلما بلغنا جمعًا صلَّى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثلاثًا واثنتين، فلما انصرف قال لنا ابن عمر: هكذا صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - في هذا المكان).\n١٩٣٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن شعبة، حدثني سلمة بن كهيل قال: رأيت سعيد بن جبير أقام) أي للصلاة (بجمع) أي المزدلفة\n_________\n(١) وتكلم الترمذي على حديث إسماعيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، وحاصله: أن رواية أبي إسحاق ليست عن سعيد بن جبير، بل عن عبد الله بن مالك؛ فتأمل. (ش).","vol":"7","page":396},{"text":"فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ صَنَعَ فِى هَذَا الْمَكَانِ مِثْلَ هَذَا، وَقَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَنَعَ مِثْلَ هَذَا فِى هَذَا الْمَكَانِ\". [م ١٢٨٨، ن ٤٨١، حم ٢/ ٧٩]\n١٩٣٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"أَقْبَلْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يَفْتُرُ مِنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ حَتَّى أَتَيْنَا (١) الْمُزْدَلِفَةَ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، أَوْ أَمَرَ إِنْسَانًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ\".\n===\n(فصلَّى المغرب ثلاثًا، ثم صلَّى العشاء ركعتين) أي ولم يُقِم لها؛ لأنها لو كانت لذكرت، ولموافقة الأحاديث المتقدمة.\n(ثم قال: شهدتُ ابنَ عمر صنع في هذا المكان مثل هذا) أي صلاهما بإقامة واحدة (وقال: شهدت رسول الله - ﷺ - يصنع مثل هذا في هذا المكان) أي صلاهما رسول الله - ﷺ - يإقامة واحدة مثل ما صليتهما.\n١٩٣٣ - (حدثنا مسدد، نا أبو الأحوص، نا أشعث بن سليم، عن أبيه) ثم بن أسود بن حنظلة، أبو الشعثاء (قال: أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة) قال في \"القاموس\": والمزدلفة موضع بين عرفات ومنى؛ لأنه يتقرب فيها إلى الله تعالى، أو لاقتراب الناس إلى مني بعد الإفاضة، أو يخطيء الناس إليها في زلف من الليل، أو لأنها أرض مستوية مكنوسة، وهذا أقرب، انتهى.\n(فلم يكن يفتُر) أي يَمَلَّ ويعيى (من التكبير والتهليل) أي مرة يكبر، ومرة يهلل (حتى أتينا المزدلفة فأذن وأقام؛ أو) للشك من الراوي (أمر إنسانًا فأذن وأقام، فصلَّى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا فقال: الصلاة) أي: ولم يقم، بل اكتفى على قوله: الصلاة للعشاء (فصلَّى بنا العشاء ركعتين، ثم دعا بعشائه) بفتح العين المهملة، أي بطعام العشية.\n_________\n(١) في نسخة: \"أتى\".","vol":"7","page":397},{"text":"قَالَ: أخْبَرَنِى عِلَاجُ بْنُ عَمْرٍو بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)، \"فَقِيلَ لاِبْنِ عُمَرَ فِى ذَلِكَ، فَقَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (٢) -ﷺ- هَكَذَا\". [ق ١/ ٤٠١]\n١٩٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زِيَادٍ وَأَبَا عَوَانَةَ وَأَبَا مُعَاوِيَةَ حَدَّثُوهُمْ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: \"مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى صَلَاةً إلَّا لِوَقْتِهَا، إلَّا بِجَمْعٍ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنَ الْغَدِ قَبْلَ وَقْتِهَا\". [خ ١٦٨٢، م ١٢٨٩]\n===\n(قال) أشعث بن سليم: (أخبرني علاج بن عمرو) بكسر أوله وتخفيف اللام، قال في \"الميزان\" (٣): لا يُعْرَف، له حديث واحد، وفي \"التقريب\": مقبول، وفي \"تهذيب التهذيب\": علاج بن عمرو، عن ابن عمر في الصلاة بالمزدلفة، وعنه أشعث بن سليم وأبو صخر جامع بن شداد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال الذهبي: لا يُعرَف، انتهى.\n(بمثل حديث أبي) أي سليم بن أسود، (عن ابن عمر، فقيل لابن عمر في ذلك) أي في اقتصاره على الإقامة الواحدة، (فقال: صليت مع رسول الله - ﷺ - هكذا) أي كما صليت بكم.\n١٩٣٤ - (حدثنا مسدد، أن عبد الواحد بن زياد وأبا عوانة وأبا معاوية حدثوهم) أي مسددًا ومن معه من التلامذة، (عن الأعمش، عن عمارة) بن عمير، (عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلَّى صلاة) في سفر ولا حضر (إلا لوقتها إلا بجمع) أي المزدلفة (فإنه جمع بين المغرب والعشاء) أي في وقت العشاء (بجمع، وصلَّى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" رقم (٥٧٥٣).","vol":"7","page":398},{"text":"١٩٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: \"فَلَمَّا أَصْبَحَ يَعْنِى النَّبِىَّ -ﷺ- وَوَقَفَ عَلَى قُزَحَ\n===\nقال الحافظ (١): وإما إطلاقه على صلاة الصبح أنها تُحُوِّل عن وقتها، فليس معناه أنه وقع الفجر قبل طلوعها، وإنما أراد أنها وقعت قبل الوقت المعتاد فعلُها فيه في الحضر؛ لأن الناس كانوا مجتمعين، والفجر نصب أعينهم، فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى إن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه.\nوهو مبيَّن في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال: خرجت مع عبد الله إلى مكة، ثم قدمنا جمعًا فصلَّى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعَشاء بينهما، ثم صلَّى الفجر حين طلع الفجر، - قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر- ثم قال: إن هاتين الصلاتين حُوِّلَتا عن وقتهما في هذا المكان، المغربَ والعشاءَ، فلا يقدَمُ الناسُ جمعًا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة، الحديث.\n١٩٣٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن آدم، نا سفيان، عن عبد الرحمن بن عياش، عن زيد بن علي) بن الحسين، (عن أبيه) علي بن الحسين، (عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي) بن أبي طالب - ﵁ - (قال: فلما أصبح يعني النبي - ﷺ -) في المزدلفة (ووقف على قُزَح) قال في \"القاموس\": قزح كزفر: جبل بالمزدلفة.\nوقال في \"معجم البلدان\" (٢): قزح بضم أوله، وفتح ثانيه، وحاء مهملة: القرن الذي يقف الإِمام عنده بالمزدلفة عن يمين الإِمام وهو الميقدة، وهو الموضع الذي كانت تُوقَد فيه النيرانُ في الجاهلية، وهو موقف قريش في الجاهلية، إذ كانت لا تقف بعرفة.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٥، ٥٢٦).\n(٢) \"معجم البلدان\" (٤/ ٣٤١).","vol":"7","page":399},{"text":"فَقَالَ: «هَذَا قُزَحُ وَهُوَ الْمَوْقِفُ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَنَحَرْتُ هَا هُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا (١) فِى رِحَالِكُمْ». [ت ٨٨٥، جه ٣٠١٠، حم ١/ ٧٥، خزيمة ٢٨٣٧، ق ٥/ ١٢٢]\n١٩٣٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «وَقَفْتُ هَا هُنَا بِعَرَفَةَ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَا هُنَا بِجَمْعٍ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَنَحَرْتُ هَا هُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِى رِحَالِكُمْ». [م ١٤٩/ ١٢١٨، خزيمة ٢٨٥٨، ق ٥/ ١١٥]\n١٩٣٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن أُسَامَةَ بْنِ\n===\n(فقال: هذا قزح وهو) أي قزح (الموقف) بالمزدلفة (وجمع) أي المزدلفة (كلها موقف) فحيث وقف كان وقوفه معتبرًا عند الله تعالى إلا بطن محسر (ونحرتُ ههنا) وهذا الكلام لما أتى مني، وأشار إليه، ونحر هداياه فيها (ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم) فإن رحالهم كانت في مني.\n١٩٣٦ - (حدثنا مسدد، نا حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد) الملقَّب بالصادق، (عن أبيه) محمد بن علي الملقَّب بالباقر، (عن جابر أن النبي - ﷺ - قال) حين كان بعرفة: (وقفت ههنا) أي في موقفه (بعرقة) عند الصخرات (وعرفة كلها موقف) أي إلَّا بطن عرفة (و) قال حين كان بجمع: (وقفت ههنا) أي في موقفه (بجمع، وجمع كلها موقف) إلا بطن محسر (و) قال حين كان في مني: (نحرت ههنا) أي في موقفه بمنى (ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم) فحيث نحو في مني يجوز نحرها، والأمرُ بالنحر في الرحال ليس إلَّا للإباحة للرفق بهم والسهولة.\n١٩٣٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو أسامة، عن أسامة بن\n_________\n(١) في نسخة: \"وانحروا\".","vol":"7","page":400},{"text":"زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ». [جه ٣٠٤٨، حم ٣/ ٣٣٦، ط ١/ ٣٩٣/ ١٧٨، دي ١٨٧٩]\n١٩٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: \"كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُفِيضُونَ حَتَّى يَرَوُا الشَّمْسَ عَلَى ثَبِيرٍ، فَخَالَفَهُمُ النَّبِىُّ -ﷺ- فَدَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ\". [خ ١٦٨٤، ت ٨٩٦، ن ٣٠٤٧، جه ٣٠٢٢، حم ١/ ١٤]\n===\nزيد، عن عطاء قال: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: كل عرفة موقف، وكل مني (١) منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر).\nقال الشوكاني (٢): الفجاج - بكسر الفاء - جمع فج، وهو الطريق الواسعة، والمراد أنها طريق من سائر الجهات والأقطار التي يقصدها الناس للزيارة والإتيان إليها من كل طريق واسع، وهذا متفق عليه، ولكن الأفضل الدخول إليها من الثنية العليا التي دخل منها النبي - ﷺ - كما تقدم، وهذه الزيادة رواها أبو داود كما رواها أحمد وابن ماجه.\n١٩٣٨ - (حدثنا ابن كثير، أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر بن الخطاب: كان أهل الجاهلية لا يفيضون) أي لا يرجعون من المزدلفة (حتى يروا الشمس) طالعة (على ثَبِير) بفتح مثلثة وكسر موحدة، وهو جبل عظيم بمزدلفة يسارَ الذاهب إلى مني، وبمكة خمسة جبال تسمى ثبيرًا (فخالفهم) أي أهلَ الجاهلية (النبيُّ - ﷺ -، فدفع قبل طلوع الشمس).\n_________\n(١) والأئمة الثلاثة والجمهور على أنه يجوز نحو الهدايا بجميع الحرم، وقال مالك: يجب نحرها بمنى إذا وجدت شروط ثلاثة، وهي: إن سيق في إحرام حج، ووقف به بعرفة، والئالث أن ينحر في أيام النحر، فإن انتفت واحدة من هذه الثلاثة فيجب النحر بمكة، ولا يجزئ في غيرها حتى خارج مكة أيضًا، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٦٤٥). (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤١٣).","vol":"7","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-677>(٦٤) بَابُ التَّعْجِيلِ مِنْ جَمْعٍ</span>\n١٩٣٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: \"أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ- لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِى ضَعَفَةِ أَهْلِهِ\". [خ ١٦٧٨، م ١٢٩٣، ن ٣٠٣٢، حم ١/ ٢٢١]\n١٩٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، نَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عن الْحَسَنِ الْعُرَنِيَّ،\n===\nوهذه الأحاديث الأربعة الأخيرة لا تناسب ترجمة الباب؛ لأنها فيها ليس ذكر الصلاة مطلقًا إلَّا أن يقال: إن المراد بترجمة الباب ذكرُ الصلاةِ بجمع وغيرِها من بعض أحكام المزدلفة.\n\n(٢٤) (بَابُ التَّعْجيلِ مِنْ جَمْعٍ)\nأي للضعفة لعذر الازدحام\n١٩٣٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان، أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس يقول: أنا ممن قَدَّم) أي داخل فيمن قَدَّمهم (رسولُ الله - ﷺ - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) أي من النساء والصبيان.\n١٩٤٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفبان، نا سلمة بن كهيل، عن الحسن) بن عبد الله (العرني) بضم المهملة، وفتح الراء، بعدها نون، نسبة إلى عرينة، بطن من بجيلة، البجلي الكوفي، عن يحيى بن معين: صدوق ليس به بأس، إنما يقال: إنه لم يسمع من ابن عباس، وقال أبو زرعة: ثقة، وحديثه عند البخاري مقرون بغيره، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال أحمد بن حنبل: الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس شيئًا، وقال أبو حاتم: لم يدركه.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"7","page":402},{"text":"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ أُغَيْلِمَةَ بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ، فَجَعَلَ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا وَيَقُولُ «أُبَيْنِىَّ\n===\n(عن ابن عباس قال: قدَّمنا رسولُ الله - ﷺ - ليلة المزدلفة أغيلمةَ بني عبد المطلب) بدل من ضمير المفعول في \"قدمنا\".\nقال في \"لسان العرب\": والغلام معروف. ابن سيده: الغلام الطَّارُّ الشَارِبِ، وقيل: هو من حين يولد إلى أن يشيب، والجمع أغلمة وغِلْمَة وغلمان، ومنهم من استغنى بغلمة عن أَغْلِمة، وتصغير الغلمة أُغَيْلمة على غير مُكَبَّره، كأنهم صَغَّروا أغلمة وإن لم يقولوه، كما قالوا: أُصَيْبِيَة في تصغير صِبْيَة، وبعضهم يقول: غُلَيمة على القياس، قال ابن بري: وبعضهم يقول: صُبَيَّة أيضًا، وفي حديث ابن عباس: \"بعثنا رسول الله - ﷺ - أغيلمة بني عبد المطلب من جَمْع بليل\"؛ هو تصغير أَغْلِمَة جمع غلام في القياس.\nقال ابن الأثير (١): ولم يرد في جمعه أَغْلِمة، وإنما قالوا: غِلْمَة، ومثله أُصَيْبِيَة تصغير صِبْيَة، ويريد بالأُغَيْلمة الصِّبيان، ولذلك صغَّرهم.\nوقال في \"القاموس\" (٢): والغلام الطَّار الشَارِب، والكَهْلُ ضد، أو من حين يولد إلى أن يَشِبَّ، جمعه أَغْلِمة وغِلمة وغِلْمَانٌ، وهي غُلَامَة.\n(على حُمُرات) جمع حمار (فجعل) رسول الله - ﷺ - (يلطح) اللطح: الضرب الخفيف، أي: يضرب ضربًا خفيفًا لينًا (أفخاذنا) جمع فخذ لأنهم كانوا على الحمر (ويقول: أُبيني)، قال في \"المجمع\" (٣): قيل: هو تصغير أبنى كأعمى وأعيمى، وأبنى اسم مفرد يدل على الجمع، وقيل: إن ابنًا يجمع على أبناء مقصورًا، وممدودًا، أبو عبيد: هو تصغير بني جمع ابن مضافًا، فوزنه شُرَيحي، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٣٨٢).\n(٢) انظر: \"القاموس\" (٣/ ٤١٣) مادة (غ، ل، م).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٢).","vol":"7","page":403},{"text":"لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ\".\n===\nوقال الرضي في \"شرح الكافية\" (١) في شرع قول الشاعر:\nزعمت تماضر (٢) أني إمَّا أمت ... يَسْدُد أبينوها الأصاغر خَلَّتي\nوهو عند البصريين جمع أُبَيْنِ، وهو تصغير أبنى مقدرًا على وزن أفعل كأضحى، فشذوذه عندهم لأنه جمع لمصغَّر لم يثبت مكبَّره.\nوقال الكوفيون: هو جمع أُبَيْنٍ، وهو تصغير أبن مقدرًا، وهو جمع ابن كَأَدْلٍ في جمع دَلْو، فهو عندهم شاذ من وجهين: كونه جمعًا لمصغر لم يثبت مكبره، ومجيء أفعُل في فَعَل، وهو شاذ: كأجْبُل وأَزمُن في جبل وزمن.\nوقال الجوهري: شذوذه لكونه جمع أُبَيْن تصغير ابن، بجعلِ همزة الوصل قطعًا، وقال أبو عبيدة (٣): هو تصغير بنين على غير قياس، انتهى.\n(لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس).\nقال العيني في \"شرح البخاري\" (٤): قد اختلف السلف في المبيت بالمزدلفة، فذهب أبو حنيفة (٥) وأصحابه والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور ومحمد بن إدريس في أحد قوليه: إلى وجوب المبيت بها، وأنه ليس بركن، فمن تركه فعليه دم، وهو قول عطاء والزهري وقتادة ومجاهد،\n_________\n(١) \"شرح الكافية\" للرضي (٣/ ٣٧٩).\n(٢) في الأصل: \"تمادر\"، وهو تحريف، وفي \"شرح الرضي\": \"تماضر\"، بالضاد المعجمة وهو الصواب.\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: \"أبو عبيد\"، وهو أبو عبيد القاسم بن سلَّام، تلميذ أبي عبيدة معمر بن المثنى.\n(٤) \"عمدة القاوي\" (٧/ ٢٧٥، ٢٧٦).\n(٥) المبيت عندنا في أكثر الليل سُنَّةٌ، صرح بها صاحب \"اللباب\" (ص ٢١٨)، وواجب عند الشافعية وأحمد إلى ما بعد نصف الليل لمن أدركه، وإلا فساعة من النصف الثاني، وعند مالك النزول بقدر حَطّ الرحال واجب في أي وقت من الليل شاء، وعند السبكي وغيره من الشافعية ركن، وأما الوقوف بعد الفجر فواجب عندنا، وسنة عند الثلاثة، وفريضة عند ابن الماجشون، وعند جماعة من التابعين حضور مزدلفة ركن، كذا في \"الأوجز\". [انظر: (٨/ ٢٨٢ وما بعدها)]. (ش).","vol":"7","page":404},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوعن الشافعي: سنَّة، وهو قول مالك. وقال ابن بنت الشافعي وابن خزيمة الشافعيان: هو ركن، وقال علقمة والنخعي والشعبي: من ترك المبيت بمزدلفة فاته الحج.\nوفي \"شرح \"التهذيب\": وهو قول الحسن، وإليه ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال الشافعي: يحصل المبيت بساعة في النصف الثاني من الليل دون الأول. وعن مالك: النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها سنَّة، وكذا الوقوف مع الإِمام سنَّة. وقال أهل الظاهر: من لم يدرك مع الإِمام صلاة الصبح بالمزدلفة بطل حجه، بخلاف النساء والصبيان والضعفاء.\nوعند أصحابنا الحنفية: لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام فتعجَّلَ السير إلى مني فلا شيء عليه، والمأمور به في الآية الكريمة الذكر دون الوقوف، ووقت الوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن يسفر جدًا، وعن مالك: لا يقف أحد إلى الإسفار، بل يدفعون قبل ذلك، انتهى.\nوقال أيضًا (١): وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر ضحى اقتداء به - ﷺ -، وقال الرافعي: المستحب أن يرمي بعد طلوع الشمس، ثم يأتي بباقي الأعمال فيقع الطواف في ضحوة النهار، انتهى.\nوقال شيخنا زين الدين: وما قاله الرافعي مخالف للحديث على مقتضى تفسير أهل اللغة أن ضحوة النهار مقدمة على الضحى، وهذا وقت الاختيار.\nوأما أول وقت الجواز فهو بعد طلوع الشمس (٢)، وهذا مذهبنا لما روى\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٧٠)، باب رمي الجمار.\n(٢) قلت: وفي \"الهداية\" (١/ ١٤٧): بعد طلوع الفجر، فتأمل، وكذا قال صاحب \"اللباب\" (ص ٢٣٦) وغيره من أهل الفروع، فما في العيني سبقة قلم من الناسخ لا يوافق المذهب. (ش).","vol":"7","page":405},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: اللَّطَحُ الضَّرْبُ اللَّيِّنُ. [ن ٣٠٦٤، جه ٣٠٢٥، حم ١/ ٢٣٤]\n١٩٤١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا الْوَليدُ بْنُ عُقْبَةَ، نَا حَمْزَةُ\n===\nأبو داود عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أي بني! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\".\nوأما آخره فإلى غروب الشمس، وقال الشافعي (١): يجوز الرمي بعد النصف الأخير من الليل.\nوفي \"شرح الترمذي\" لشيخنا: وأما آخر وقت رمي جمرة العقبة، فاختلف فيه كلام الرافعي، فجزم في \"الشرح الصغير\" أنه يمتد إلى الزوال، قال: والمذكور في \"النهاية\" جزمًا امتداده إلى الغروب، وحكى وجهين في امتداده إلى الفجر، أصحهما: أنه لا يمتد، وكذا صححه النووي في \"الروضة\".\nوفي \"التوضيح\": رمي جمرة العقبة من أسباب التحلل عندنا، وليس بركن خلافًا لعبد الملك المالكي حيث قال: من خرجت عنه أيام مني، ولم يرم جمرة العقبة بطل حجه، فإن ذكر بعد غروب شمس يوم النحر فعليه دم، فإن تذكر بعد فعليه بدنة، وقال ابن وهب: لا شيء عليه ما دامت أيام مني.\nوفي \"المحيط\": أوقات رمي جمرة العقبة ثلاثة: مسنون بعد طلوع الشمس، ومباح بعد زوالها، ومكروه وهو الرمي بالليل.\nولو لم يرم حتى دخل الليل فعليه أن يرميها في الليل، ولا شيء عليه، وعن أبي يوسف وهو قول الثوري: لا يرمي في الليل وعليه دم، ولو لم يرم في يوم النحر حتى أصبح من الغد رماها وعليه دم عند أبي حنيفة، خلافًا لهما.\n(قال أبو داود: اللَّطَح الضرب اللين).\n١٩٤١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا الوليد بن عقبة، نا حمزة\n_________\n(١) وبه قال أحمد كما في \"الروض المربع\" (١/ ١٦٧). (ش).","vol":"7","page":406},{"text":"الزَّيَّاتُ، عن حَبيب (١)، عن عَطَاءٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بغَلَسٍ، وَيأمُرُهُمْ، يَعْنِي: لَا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ\" (٢). [نَ ٣٠٦٥]\n١٩٤٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ -، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: \"أَرْسَلَ النَّبِىُّ -ﷺ- بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ،\n===\nالزيات، عن حبيب) بن أبي ثابت، (عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - يقدِّم) من المزدلفة (ضعفاءَ أهله) بالليل (بغلس، ويأمرهم يعني) زاد لفظ \"يعني\" لأنه لم يحفظ اللفظ بل حفظ المعنى فقط (لا يرمون الجمرة، حتى تطلع الشمس) خبر بمعنى النهي كما تقدم في الحديث السابق.\n١٩٤٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا ابن أبي فديك، عن الضحاك -يعني ابن عثمان-، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: أرسل النبي - ﷺ - بأم سلمة ليلة) يوم (النحر فرمتِ الجمرةَ) القبة (قبل الفجر) يحتمل (٣) أن يكون معناه قبل صلاة الفجر، فلا يستدل به على جواز الرمي قبل طلوع الفجر، وخصص بعضهم بالنساء من غير دليل التخصيص فلا يقبل، والتحقيق أنه ليس في الحديث دلالة على أن فعلها كان بإذن النبي - ﷺ - فلا حجة في فعلها.\n_________\n(١) في نسخة: \"حبيب بن أبي ثابت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أو كما قال\".\n(٣) وقال الزيلعي على \"الكنز\": وحديث أم سلمة ليس فيه دلالة على أنه - ﵊ - علمها ذلك وأقرها عليه، ولا أنه أمرها أن ترمي ليلًا، وبمثل هذا لا يترك المرفوع، ألا ترى أن عمر - ﵁ - لم يترك المنقول عنه - ﵇ - حين قاله أُبَيٌّ: كنا نغتسل على عهد النبي - ﷺ - في التقاء الختانين بل قال له: أخبرتموه بذلك فسكت، انتهى. (ش).","vol":"7","page":407},{"text":"ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْيَوْمَ الَّذِى يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَعْنِى - عِنْدَهَا -\". [ق ٥/ ١٣٣]\n١٩٤٣ - حَدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِليُّ،\n===\n(ثم مضت) إلى البيت (فأفاضت) أي طافت طواف الإفاضة (١) أي بعد الذبح والقصر. (وكان ذلك اليوم) أي يوم النحر (٢) (اليوم الذي يكون رسول الله - ﷺ - تعني عندها)، أي كان ذلك اليوم يوم نوبتها.\nوفيه إشارة إلى السبب الذي أرسلت من الليل، ورمت قبل طلوع الشمس، وأفاضت في النهار بخلاف سائر أمهات المؤمنين حيث أفضن في الليلة الآتية.\nقال الطيبي (٣): جَوَّز الشافعي رمي الجمرة قبل الفجر وإن كان الأفضل تأخيره عنه، واستدل بهذا الحديث، وقال غيره: هذا رخصة لأم سلمة، فلا يجوز أن يرمي إلا بعد الفجر لحديث ابن عباس.\n١٩٤٣ - (حدثنا محمد بن خلاد) بن كثير (الباهلي) أبو بكر البصري، قال مسدد: ثقة ولكنه صلف (٤)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة.\n_________\n(١) وهذا غير الطواف الذي تقدَّم في \"باب استلام الركنين\"، وقال ابن القيم في \"الهدي\" (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩): هذا الحديث منكر. (ش).\n(٢) وهل كان يومها يوم النحر كما هو ظاهر القصة، ويدل عليه جميع طرقها عند الطحاوي (٢/ ٢١٨، ٢١٩)، و\"زاد المعاد\" (٢/ ٢٤٨)، والبيهقي، و\"الجوهر النقي\" (٥/ ١٣٢)، وظاهر ما سيأتي في \"باب طواف الإفاضة\" من حديث قصة ابن زمعة أن ليلتها كانت ليلة الحادي عشر، فتأمل، ويمكن أن يوجه أن الليالي تكون متابعة لليوم السابق في مسائل الحج، كما هو معروف عند الفقهاء، فيومها يوم النحر وليلة الحادي عثر، فلا تعارض بين الروايتين. (ش).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٩٢)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٠٦).\n(٤) انظر: \"التهذيب\" (٩/ ١٥٢).","vol":"7","page":408},{"text":"نَا يَحْيَى، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ،\n===\n(نا يحيى) القطان، (عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أخبرني مخبر) لم أقف على تسميته، لكن أخرج البخاري (١) حديث أسماء بهذا السند، فقال: حدثنا مسدد عن يحيى، عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء: أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، الحديث. فالظاهر أن المبهم في سند أبي داود هو عبد الله بن كيسان المدني، مولى أسماء، يكنى أبا عمر.\nقال الحافظ (٢): وقد صرح ابن جريج بتحديث عبد الله له في رواية مسدد عند البخاري، وكذا رواه مسلم (٣) عن محمد بن أبي بكر المقدمي وابن خزيمة عن بندار، وكذا أخرجه أحمد في \"مسنده\" كلهم عن يحيى، وأخرجه مسلم من طريق عيسى بن يونس، وأخرجه الإسماعيلي من طريق داود العطار، والطبراني من طريق ابن عيينة، والطحاوي من طريق سعيد بن سالم، وأبو نعيم من طريق محمد بن بكير، كلهم عن ابن جريج.\nوأخرجه أبو داود، عن محمد بن خلَّاد، عن يحيى القطان، عن ابن جريج، عن عطاء، أخبرني مخبر، عن أسماء، وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء، أن مولى أسماء أخبره، وكذا أخرجه الطبراني من طريق أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد.\nفالظاهر أن ابن جريج سمعه من عطاء، ثم لقي عبد الله فأخذه عنه، ويحتمل أن يكون مولى أسماء شيخ عطاء غير عبد الله.\nقلت: واختلفت رواية مالك ورواية الشيخين، بأن في روايتهما: عن عطاء، عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء، وفي رواية مالك (٤) أن مولاة\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٦٧٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٨).\n(٣) انظر: \"صحيح مسلم\" (١٢٩١).\n(٤) \"موطأ الإِمام مالك\" (٨٦٤/ ١٧٢).","vol":"7","page":409},{"text":"عن أَسْمَاءَ: \"أَنَّهَا رَمَتِ الْجَمْرَةَ، قُلْتُ: إِنَّا (١) رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ. قَالَتْ: إِنَّا كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -\". [أن ٣٠٥٠]\n١٩٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ\n===\nلأسماء بنت أبي بكر، قال الزرقانى (٢): لا منافاة بين كون السائل ههنا ذكرًا. وفي رواية: أنثى؛ لحمله على أنهما جميعًا سألاها في عام أو عامين، انتهى.\n(عن أسماء) بنت أبي بكر (أنها رمت الجمرة، قلت: إنا رمينا الجمرة بليل) أي قبل طلوع الفجر، ويحتمل أن يكون معناه بغلس وإن كان بعد طلوع الفجر، ويدل عليه ما وقع في رواية البخاري (٣) عن ابن عمر، وفيه: \"فمنهم من يَقْدَم مني لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك\"، ولفظ حديث أسماء عند البخاري (٤): \"فقلت لها: يا هنتاه، ما أُرانا إلا قد غلَّسنا (٥)، قالت: يا بُنيَّ إن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن\"، وليس فيها دلالة على الرمي قبل طلوع الشمس (٦) قطعًا.\n(قالت: إنا كنا نصنع هذا) أي الرمي بالليل كما عند الشافعي، أو الغلس بعد طلوع الفجر كما عند الجمهور (على عهد رسول الله - ﷺ -).\n١٩٤٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، حدثني أبو الزبير، عن جابر قال: أفاض) أي رجع (رسول الله - ﷺ -) من المزدلفة (وعليه السكينة، وأمرهم\n_________\n(١) في نسخة: \"إنما\".\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٣٤١).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٦٧٦).\n(٤) المصدر السابق (١٦٧٩).\n(٥) قال الزيلعي على \"الكنز\": هذا أظهر في الوقوع بعد الفجر؛ لأن الغلس يكون بعده؛ قال ابن مسعود: وصلى الفجر يومئذٍ بغلس. (ش).\n(٦) كذا في الأصل، والصواب بدله: \"قبل طلوع الفجر\". (ش).","vol":"7","page":410},{"text":"أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، فأَوْضَعَ (١) في وَادِي (٢) مُحَسِّرٍ\". [م ١٢٩٩، ت ٨٨٦، ن ٣٠٥٣، جه ٣٠٢٣، حم ٣/ ٣٠١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>(٦٥) بَابُ يَوْمِ الْحَجِّ الأَكْبَرِ</span>\n===\nأي الناس (أن يرموا بمثل حصى الخذف) الخذف هو رميك حصاةً أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها، أو تتخذ مخذفة من خشب، ثم ترمي بها الحصاة بين إبهامك والسبابة، والمراد بحصى الخذف: الصغار (فأوضع) أي أسرع (في وادي محسر)؛ والإسراع فيه قدر رمية حجر.\n\n(٦٥) (بَابُ يَوْمِ الْحَجِّ الأكْبَرِ)\nاختلفوا فيه على خمسة أقوال، قيل: هو يوم النحر، وقيل: هو يوم عرفة، وقيل: هو أيام الحج كلها، كقولهم: يوم الجمل، ويوم صفين ونحوه، وقيل: الأكبر القران، والأصغر الإفراد، وقيل: هو يوم (٣) حج أبي بكر؛ لأنه اجتمع فيه المسلمون والمشركون واليهود والنصارى، فحج المسلمون والمشركون في ثلاثة أيام، واليهود والنصارى في ثلاثة أيام متتابعات، ولم يجتمع منذ خلق الله السموات والأرض كذلك قبل العام، ولا تجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة.\nقال الحافظ (٤): واختلف في المراد بالحج الأصغر؛ فالجمهور على أنه العمرة، وعن مجاهد: الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد، وقيل: يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك.\n_________\n(١) في نسخة: \"وأوضع\".\n(٢) في نسخة: \"بوادي\".\n(٣) وقيل: هو الحجة يوم الجمعة، كما في \"مناسك القاري\" (ص ٦١٧)، وتمامه في \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٢٧). (ش).\n[قلت: ولعلي القاري فيه جزء مستقل سمَّاه: \"الحظ الأوفر في الحج الأكبر\"، وهو مطبوع].\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٣٢١).","vol":"7","page":411},{"text":"١٩٤٥ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ - يَعْنِى ابْنَ الْغَازِ (١) -، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِى الْحَجَّةِ الَّتِى حَجَّ (٢)، فَقَالَ: «أَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ. قَالَ: «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ». [خت ١٧٤٢، جه ٣٠٥٨]\n===\n١٩٤٥ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا الوليد، نا هشام - يعني ابن الغاز-) بغين ععجمة وآخره زاي خفيفة، (نا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - وقف يوم النحر) أي عاشر (٣) ذي الحجة (بين الجمرات) أي الثلاثة (في الحجة التي حج) أي حجة الوداع (فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: هذا يوم الحج الأكبر).\nقال الحافظ (٤): وفي هذه الأحاديث دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر، وبه أخذ الشافعي ومن تبعه، وخالف في ذلك المالكية والحنفية قالوا: خطب الحج ثلاثة: سابغ ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر بمنى، ووافقهم الشافعي إلا أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه؛ لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر، وقال: إن بالناس حاجة إليها ليتعلم أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف.\nوتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج؛ لأنه لم يُذكَر فيها شيء من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة، ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئًا من الذي يتعلق بيوم النحر، فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج.\n_________\n(١) في نسخة: \"المغازي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فيها\".\n(٣) استدل بذلك من قال: النحر في اليوم العاشر فقط، وهو قوله ابن سيرين وداود وغيرهما، كما في \"الفتح\"، وسيأتي على هامش \"البذل\" [انظر: \"الأوجز\" (١٠/ ٨)]. (ش).\n(٤» فتح الباري\" (٣/ ٥٧٧).","vol":"7","page":412},{"text":"١٩٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: \"بَعَثَنِى أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ،\n===\nوقال ابن القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه خطب، وقال: وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسبابَ التحلل المذكورة؛ فليس بمتعين، لأن الإِمام يمكنه أن يعلمهم يوم عرفة، انتهى، ثم أجاب عنه الحافظ بكلام طويل.\n١٩٤٦ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، أن الحكم بن نافع حدثهم، أنا شعيب، عن الزهري، حدثني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثني) أي أرسلني (أبو بكر فيمن) أي في جماعة عامهم (يؤذن) أي ينادي (يوم النحر بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك) كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١).\nقال الحافظ (٢): وفي دخول المشرك المسجد مذاهب، فعن الحنفية: الجوإز مطلقًا، وعن المالكية والمزني: المنع مطلقًا، وعن الشافعية: التفصيل بين المسجد الحرام وغيره، انتهى.\nقال في \"التفسير الأحمدي\": ومعنى عدم القربان مع الحجة والعمرة، أي: لا يدخلوا المسجد الحرام لأجلهما ولا يمنعون من مجرد الدخول فيه وفي سائر المساجد عندنا، وأما عند الشافعي فعدم القربان عبارة عن عدم الدخول، فيمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة، عملًا بظاهر الآية؛ ومالك - ﵀ - كما يمنع الدخول من المسجد الحرام يمنع عن سائر المساجد\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ٢٨.\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٦٠).","vol":"7","page":413},{"text":"وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَالْحَجُّ الأَكْبَرُ الْحَجُّ\". [خ ٣٦٩، م ١٣٤٧، ن ٢٩٥٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>(٦٦) بَابُ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ </span>(١)\n١٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا إِسْمَاعِيلُ، نَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَطَبَ (٢) في حَجَّتِهِ،\n===\nقياسًا عليه، ويؤيدنا قوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، إذ لا يناسب النفي عن الدخول التقييد ببعد العام، بخلاف النهي عن الحج والعمرة لأنه لا يكون إلَّا بعد عام، فكأنه قيل: لا يتمكنوا من الحج مرة أخرى.\n(ولا يطوف بالبيت عريان) وكان أهل الجاهلية يطوفون عراة، فأبطل رسول الله - ﷺ - رسم الجاهلية، وستر العورة في الطواف عندنا من واجبات الطواف التي تجبر بالدم، فلو طاف كاشفًا ربعَ عضو من العورة يجب الدم.\n(ويوم الحج الأكبر يوم النحر) لأنه تؤدى فيه أكثر مناسكه (والحج الأكبر الحج) والحج الأصغر العمرة.\n\n(٦٦) (بَابُ الأشْهُرِ الْحُرُمِ)\n١٩٤٧ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل، نا أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة) (٣) واسمه عبد الرحمن (عن أبو بكرة: أن النبي - ﷺخطب في حجته) أي يوم النحر، كما في رواية \"البخاري\".\n_________\n(١) في نسخة: \"الحرام\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الناس\".\n(٣) في جميع نسخ \"السنن\" وشروحه: \"عن محمد عن أبي بكرة\" بغبر واسطة: \"ابن أبي بكرة\"، فليتأمل.","vol":"7","page":414},{"text":"فَقَالَ: \"إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّه السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَي عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ:\n===\n(فقال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض) نقل في الحاشية عن الخطابي: قال الخطابي (١): معناه أن العرب في الجاهلية كانت قد بدلت أشهر الحرام، وقدمت وأخرت أوقاتها من أجل النسيء الذي كانوا يفعلونه، وهو تأخير رجب إلى شعبان والمحرم إلى صفر، واستمر ذلك بهم حتى اختلط عليهم، وخرج حسابه من أيديهم، فكانوا ربما يحجون في بعض السنين في شهر، ويحجون من قابلٍ في شهر غيره إلى أن كان العام الذي حج فيه رسول الله - ﷺ - فصادف حجهم شهر الحج المشروع وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة يوم التاسع، ثم خطبهم فأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى الأصل الذي وضع الله تعالى حساب الأشهر عليه يوم خلق الله السماوات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا يتغير أو يتبدل فيما يستأنف من الزمان.\n(السنة اثني (٢) عشر شهرًا) وفي نسخة: اثنا عشر (منها) أي من تلك الشهور (أربعة حرم) أي حرام محترم لا يجوز هتك حرمتها بالقتال فيها (ثلاث متواليات) أي: متتابعات (٣).\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٢٠٦، ٢٠٧).\n(٢) والحديث تفسير لقوله عز اسمه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ...﴾ الآية، [التوبة: ٣٦]، وقال عزَّ اسمه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ...﴾ الآية، [البقرة: ٢١٧]، وقال عزَّ اسمه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، [البقرة: ١٩٤]، واختلف في أن حكم حرمة القتال فيها باقٍ كما قال به طائفة، والجمهور أنه منسوخ، بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، والباقي منها مضاعفة الأجر ومضاعفة وزر السيئات، كما في كتب التفاسير، كـ \"تفسير الجمل\" (١/ ١٧٣)، و\"التفسير الكبير\" (٥/ ٢٨)، و\"أحكام القرآن\" (١/ ٣٢٢)، وشيء منه على هامش مصحفي. (ش).\n(٣) ههنا مسألة خلافية بين الفقهاء ستأتي في كتاب الصوم، باب صوم أشهر الحرم. (ش).","vol":"7","page":415},{"text":"ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ\". [خ ٧٤٤٧، م ١٦٧٩، حم ٥/ ٣٧، ق ٥/ ١٦٥]\n١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ فَيَّاضٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِىُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وسَمَّاهُ ابْنُ عَوْنٍ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ فِى هَذَا الْحَدِيثِ.\n===\n(ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، و) رابعها (رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)، وإنما أضيف الشهر إليهم، إذ كانوا يُشدِّدون في تحريمه، ويبالغون فيه، ويحافظون عليه أشد المحافظة من سائر العرب، وإنما وصفه بكونه بين جمادى وشعبان؛ لأنهم كانوا نسأوا رجبًا وحوَّلوه من محله وسموا به بعض المشهور، فبيَّن لهم أن رجبًا هو ما بين جمادى وشعبان، لا ما كانوا يسمونه رجبًا بحساب النسيء، ويحتمل أن يكون ذكرهما تأكيدًا أو توضيحًا.\n١٩٤٨ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فياض، نا عبد الوهاب، نا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن ابن أبي بكرة، عن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\n(قال أبو داود: وسمَّاه ابن عون)، أي: وسمى عبد الله بن عون ابن أبي بكرة في روايته (فقال: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة في هذا الحديث)، وقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (١).\n_________\n(١) \"صحيح البخاري، (٦٧)، و\"صحيح مسلم\" (١٦٧٩)، و\"سنن الترمذي\" (١٥٢٠)، و\"سنن النسائي\" (٧/ ١٢٥)، و\"مسند أحمد\" (٥/ ٣٧ - ٥٤).","vol":"7","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>(٦٧) بَابُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَة</span>\n١٩٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى بُكَيْرُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِىِّ قَالَ: \"أَتَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَجَاءَ نَاسٌ أَوْ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَأَمَرُوا رَجُلًا،\n===\n\n(٦٧) (بَابُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَة)، أي: الوقوف بعرفات\n١٩٤٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري، (حدثني بكير بن عطاء) الليثي الكوفي، روى عن عبدِ الرحمن بن يعمر الديلي (١)، وله صحبة، وحريثِ بنِ سليم، وعنه الثوري وشعبة، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ صالح لا بأس به، وعن أبي داود: ثقة، حدث عنه الثوري وشعبة بحديث أصل من الأصول: \"الحج عرفة\"، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الرحمن بن يعمر) بفتح التحتانية وسكون المهملة وفتح الميم، وفي \"المغني\" (٢): وبضمها (الديلي) بكسر الدال وسكون الياء، له صحبة، عداده في أهل الكوفة، روى عن النبي - ﷺ - حديث الحج يوم عرفة، وحديث النهي عن الدبَّاء والمزفَّت، وعنه بكير بن عطاء الليثي. قلت: ذكره ابن حبان في \"الصحابة\" أنه مكي سكن الكوفة، قال: ويقال: مات بخراسان، وقال مسلم والأزدي وغيرهما: لم يرو عنه غير بكير بن عطاء.\n(قال) أي عبد الرحمن بن يعمر: (أتيت النبي - ﷺ - وهو) واقف، كما في \"مسند أحمد\" (٣) (بعرفة، فجاء ناس أو) للشك من الراوي (نفر) أي قال ذلك اللفظ أو هذا (من أهل نجد، فأمروا رجلًا) وفي رواية أحمد في \"مسنده\": \"فقالوا: يا رسول الله\"، ولفظ الترمذي: \"فسألوه\"، ولم أقف على تسمية الرجل.\n_________\n(١) في الأصل: \"الدؤلي\"، وهو تحريف، والصواب ما أثبته.\n(٢) \"المغني\" للفتني (ص ٢٧٧).\n(٣) \"مسند الإِمام أحمد\" (٤/ ٣٠٩).","vol":"7","page":417},{"text":"فَنَادَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَيْفَ الْحَجُّ؟ فَأَمَرَ رَجُلًا فَنَادَى: \"الْحَجُّ الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ، مَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ (١) جَمْع فَتَمَّ حَجُّهُ، أَيَّامُ مِنًى: ثَلَاثَةٌ (٢)، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٣)،\n===\n(فنادى) أي الرجل (رسول الله - ﷺ - كيف الحج؟ فأمر) رسول الله - ﷺ - (رجلًا فنادى) أي الرجل (الحج الحج يوم عرفة)، ولفظ الترمذي: \"فأمر مناديًا فنادى: الحج عرفة\"، ولفظ أحمد: \"فقال رسول الله - ﷺ -: الحج يوم (٤) عرفة\"، ولفظ النسائي: \"فقال: الحج عرفة\".\n(من جاء) أي عرفات (قبل صلاة الصبح من ليلة جمع) وهكذا لفظ أحمد في \"مسنده\" وكذا لفظ النسائي، ولكن لفظ الترمذي: \"من ليلة جمع قبل طلوع الفجر\"، وكذا في \"مسند الطيالسي\" (٥). (فتم حجه) ولفظ الترمذي: \"فقد أدرك الحج\"، ومثله في النسائي.\n(أيام مني ثلاثة) هو اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، وليس يوم النحر.\n(فمن تعجل في يومين) أي في اليوم الثاني من أيام مني الثلاثة بعد الفراغ من الرمي بالرجوع من مني إلى مكة (فلا إثم عليه) أي يجوز له ذلك (ومن تأخر) (٦) ورجع في الثالث منها بعد رمي الجمرات (فلا إثم عليه،\n_________\n(١) في نسخة: \"ليل\".\n(٢) في نسخة: \"ثلاث\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٠٣.\n(٤) وقع في الأصل: \"الحج حج عرفة\"، وهو تحريف، والصواب: \"الحج يوم عرفة\".\n(٥) انظر: \"مسند الطيالسي\" (١٣٠٩، ١٣١٠).\n(٦) وهذا إجماع عند العلماء إلا أنهم اختلفوا في موضعين كما في \"الأوجز\"، الأول: في الأفضل منهما، فعند الحنفية التأخير أفضل مطلقًا، وكذا في المرجح عند الشافعية، وفي قول لهم: ليس للإمام التعجيل، وكذا يكره له التعجيل عند المالكية، وأما غير الإِمام فيجوز له الأمران متساوي الطرفين هو المرجح عند ابن القاسم، وفي قول =","vol":"7","page":418},{"text":"قَالَ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَجُلًا خَلْفَهُ فَجَعَلَ يُنَادِي بِذَلِكَ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مِهْرَانُ عن سُفْيَانَ قَالَ: \"الْحَجُّ الْحَجُّ\" مَرَّتَينِ. وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عن سُفْيَانَ قَالَ: \"الْحَجُّ\" مَرَّةً. [ت ٨٨٩، ن ٣٠٤٤، جه ١٨٨٧]\n===\nقال: ثم أردف رجلًا خلفه) أي بعث أولًا رجلًا فنادى، ثم أردفه آخر (فجعل) ذلك الرجل (ينادي بذلك) مع الأول، ومعنى أردفه أي أتبعه، ويحتمل أن يكون الأول على الدابة فأردفه عليها.\n(قال أبو داود: وكذلك رواه مهران عن سفيان قال: الحج الحج مرتين) أي: وافق مهرانُ محمدَ بنَ كثير عن سفيان في تكرير لفظ الحج، ومهران هذا لعله مهران بن أبي عمر العطار، أبو عبد الله الرازي، قال في \"التقريب\": صدوق، له أوهام، سيِّئ الحفظ. وقد طَوَّل في ترجمته في \"تهذيب التهذيب\"، ولم أجد روايته فيما عندي من كتب الحديث، نعم أخرج البيهقي (١) برواية عبد الرحمن بن بشر عن سفيان بن عيينة عن الثوري بلفظ: \"الحج عرفات، الحج عرفات\"، وأخرجه الدارقطني (٢) برواية أبي أحمد الزبيري عن سفيان بلفظ: \"الحج عرفة، الحج عرفة\".\n(ورواه يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان قال: الحج مرة) أخرج حديثه\n_________\n= لمالك: لا تعجيل للمكي بغير ضرورة، وقال ابن الماجشون: لا تعجيل للآفاقي أن يبيت بمكة، وأما عند أحمد: فالأولى لأهل الحرم التأخير، ولستوي فيه غيره. والثاني: في وقت النفر فيجوز عند الأئمة الثلاثة قبل الغروب، وهو رواية الحسن عن الإِمام، والمشهور عندنا إلى طلوع الفجر من اليوم الرابع، ويشترط عند الحنابلة الخروج من مني قبل الغروب، وكذا عند مالك للمكي ولغيره تكفي نية الخروج، ويكفي عند الشافعية الارتحال والاشتغال بالارتحال، وإن لم يخرج من مني. [انظر: \"الأوجز\" (٨/ ٣٤١) وما بعدها]. (ش).\n(١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١١٦).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢٤٠، ٢٤١).","vol":"7","page":419},{"text":"١٩٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِىُّ قَالَ: \"أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِالْمَوْقِفِ - يَعْنِى بِجَمْعٍ -، قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيٍّ، أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِى، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِى، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِى مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ،\n===\nالترمذي مقرونًا بعبد الرحمن بن مهدي، والنسائي (١).\n١٩٥٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن إسماعيل، نا عامر) الشعبي، (أخبرني عروة بن مضرس) بمعجمة ثم راء مشددة مكسورة، ابن أوس بن حارثة بن لام (الطائي) شهد مع النبي - ﷺ - حجة الوداع، وروى عنه هذا الحديث الشعبي.\n(قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالموقف يعني بجمع) أي في موقف المزدلفة، وهو مصرح في رواية شعبة عن عبد الله بن السفر عن الشعبي عند أحمد في \"مسنده\" (٢)، ولفظه: \"أتيت النبي - ﷺ - وهو بجمع\".\n(قلت: جئت يا رسول الله من جبلي طَيّ) هما أجا وسلمى (أكلَلْتُ) أي أعييتُ (مطيتي) أي راحلتي (وأتعبت) أي وقعت في التعب (نفسي، والله ما تركت من حبل) كذا في نسخ أبي داود بالحاء المهملة، وفي \"مسند أحمد\" بالجيم، وكذا بالجيم في رواية الدارقطني والترمذي (٣)، فالحبل بالحاء: ما ارتفع وطال من الرمل، وأما بالجيم فمعروف.\n(إلَّا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: من أدرك معنا هذه الصلاة) أي صلاة الصبح من يوم النحر، ولفظ رواية شعبة عن عبد الله بن أبي السفر، فقال: \"من صلَّى معنا هذه الصلاة في هذا المكان، ثم وقف معنا\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٨٨٩)، و\"سنن النسائي\" (٥/ ٢٦٤)، و\"صحيح ابن خزيمة\" (٢٨٢٢).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ٢٦٢).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢٣٩)، و\"سنن الترمذي\" (٨٩١).","vol":"7","page":420},{"text":"وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ (١) لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ\". [ت ٨٩١، ن ٣٠٤١، دي ١٨٨٨، ك ١/ ٤٦٣، حم ٤/ ١٥، جه ٣٠١٦، ق ٥/ ١٧٣]\n===\nهذا الموقف حتى يُفيض الإِمام\"، وإنما ذكر وقوف المزدلفة ليعلم أنه من واجبات الحج.\n(وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه).\nقال الشوكاني (٢): تمسك بهذا أحمد بن حنبل فقال: وقت الوقوف (٣) لا يختص بما بعد الزوال، بل وقته ما بين طلوع الفجر من يوم عرفة وطلوعه يوم العيد؛ لأن لفظ الليل والنهار مطلقان. وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال؛ بدليل أنه - ﷺ - والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم يُنقَل عن أحد أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيدًا لذلك المطلق، ولا يخفى ما فيه.\nوقال في \"المحلى\" (٤): وفيه ردٌ على من زعم أن الوقوف يفوت بغروب الشمس يوم عرفة، ومن زعم أن وقته يبقى إلى بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والجمهور على أن وقت الوقوف يمتدُّ من زوال يوم عرفة إلى فجر يوم النحر.\n(وقضى تفثه) بفتح المثناة الفوقية والمثلثة، قال في \"النهاية\" (٥):\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤١١).\n(٣) وفي \"الأوجز\": ههنا خلافيتان، الأولى: وقت الوقوف من طلوع الفجر، أي فجر عرفة إلى فجر يوم النحر عند أحمد، وعند الأئمة الثلاثة من زوال عرفة إلى فجر يوم النحر، فآخر الوقت متفق عليه عند الأربعة إنما الخلاف في الابتداء، والثانية: أن الوقوف بجزء من ليلة النحر ركن عند مالك خلافًا للثلاثة. [انظر: \"الأوجز\" (٨/ ٨ - ٩]. (ش).\n(٤) انظر: \"المحلى\" (٥/ ١١٦ وما بعدها).\n(٥) \"النهاية\" (١/ ١٩١).","vol":"7","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>(٦٨) بَابُ النُّزُولِ بِمِنًى</span>\n١٩٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ،\n===\nهو ما يفعله المحرم بالحج إذا حَلَّ، من: قص الشارب، والأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقيل: إذهاب الشَّعَثِ والدرنِ والوسخ مطلقًا.\nقال في \"المعالم\" (١): التفث: الوسخ والقذرات من طول الشعر والأظفار والشَعث، وتقول العرب لمن تستقذره: ما أتفثك أي أوسخك، والحاج أشعث أغبر لم يحلق شعره، ولم يقصر ظفره، فقضاء التفث إزالة هذه الأشياء.\n\n(٦٨) (باب النُّزُولِ بِمِنًى)\n١٩٥١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، ابن عم طلحة بن عبيد الله، روى حديثه حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عنه قال: \"خطبنا رسول الله - ﷺ - ونحن بمنى\"، قاله غير واحد عن حميد، وقال معمر: عن حميد عن محمد عن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة، وقيل غير ذلك، قلت: جزم البخاري والترمذي وابن حبان بأن له صحبة، وكذا ذكره في الصحابة ابنُ عبد البر وأبو نعيم وابن زبر والباوردي وابن منده وغيرهم، وعده ابن سعد فيمن شهد الفتح (٢).\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٢٠٩).\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢٧١).","vol":"7","page":422},{"text":"عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"خَطَبَ النَّبِىُّ -ﷺ- النَّاسَ بِمِنًى، وَنَزَّلَهُمْ (١) مَنَازِلَهُمْ، فَقَالَ: «لِيَنْزِلِ الْمُهَاجِرُونَ هَا هُنَا»، وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ «وَالأَنْصَارُ هَا هُنَا». وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ «ثُمَّ لْيَنْزِلِ النَّاسُ حَوْلَهُمْ». [حم ٤/ ٦١، ق ٥/ ١٣٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>(٦٩) بَابٌ: أَيُّ يَوْمٍ يَخْطُبُ بِمِنًى</span>؟\n١٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ\n===\n(عن رجل (٢) من أصحاب النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميته (قال: خطب النبي - ﷺ - الناس بمنى)، وسيجيء ما ذكر في الخطبة في الباب الآتي: \"باب ما يذكر الإِمام في خطبته بمنى\".\n(ونزَّلهم) أي عَيَّن لهم (منازلهم، فقال: لينزل المهاجرون ههنا، وأشار إلى ميمنة القبلة، والأنصار ههنا، وأشار إلى ميسرة القبلة)، أي إذا استقبلت القبلة وتوجهت إليها فالجانب الذي على يمينك هو ميمنة القبلة، وما على يسارك فهو يسارها، وسيأتي في الحديث الآتي: \"ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد\"؛ فوجه الجمع بينهما أن المهاجرين نزلوا على يمين القبلة في مقدمه، والأنصار في جانب اليسار في مؤخر المسجد وورائه.\n(ثم لينزل الناس) أي غير المهاجرين والأنصار (حولهم) وإنما عيَّن لهم منازلهم لئلا يختلطوا، ويكون بعضهم قريبًا من بعض، ولا يلحق لهم ضيق في حاجاتهم.\n\n(٦٩) (بابٌ: أَيُّ يَوْمٍ يَخْطُبُ بِمِنًى؟ (٣)\n١٩٥٢ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن المبارك، عن إبراهيم بن\n_________\n(١) في نسخة: \"أنزلهم\".\n(٢) وسيأتي الحديث بدون الواسطة، وبرواية الواسطة ذكره صاحب \"البداية والنهاية\" (٥/ ٢١٨) عن مسند أحمد. (ش).\n(٣) حاصل ما في \"الأوجز\": أن خطب الحج أربعة عند الشافعي وأحمد، وثلاثة عندنا ومالك، وتقدم البسط. [انظر الأوجز: (٨/ ١٨٩، ١٩٠)]. (ش).","vol":"7","page":423},{"text":"نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِى بَكْرٍ قَالَا: \"رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ بَيْنَ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَنَحْنُ عِنْدَ رَاحِلَتِهِ، وَهِىَ خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الَّتِى خَطَبَ بِمِنًى\".\n١٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حِصْينٍ (١)، حَدَّثَتْنِى جَدَّتِى سَرَّاءُ بِنْتُ نَبْهَانَ - وَكَانَتْ رَبَّةَ بَيْتٍ فِى الْجَاهِلِيَّةِ -\n===\nنافع، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه) أبي نجيح، (عن رجلين من بني بكر) لم أقف على تسميتهما (قالا: رأينا رسول الله - ﷺ - يخطب بين أوسط أيام التشريق) وهو اليوم الثاني من أيام التشريق ثاني عشر (٢) من ذي الحجة (ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله - ﷺ - التي خطب بمنى).\n١٩٥٣ - (حدثنا محمد بن بشار، أنا أبو عاصم، نا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين) الغنوي بمعجمة ونون مفتوحين، حديثًا واحدًا (٣) في حجة الوداع، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(حدثتني جدتي سَرَّاء) بفتح أولها وتشديد الراء المهملة مع المد (بنت نبهان) الغنوي (وكانت رَبَّةَ بيتٍ في الجاهلية)، أي صاحبة بيت الأصنام، قال ابن حبان: لها صحبة، ضبطها ابن ماكولا بالقصر.\n_________\n(١) في نسخة: \"حصن\".\n(٢) وظاهر العيني (٧/ ٣٦٢) أنه يوم الحادي عشر ثاني يوم النحر، وبسط الكلام على الخطب، وتقدم شيء منه، وفي \"شرح مناسك النووي\" (ص ٣٩٦) برواية \"طبقات ابن سعد\" عن عمرو بن يثربي خطبته - ﵇ - الغد يوم النحر بعد الظهر، قلت: وذكرها في \"مسند أحمد\"، لكن ليس فيه غد يوم النحر بل بلفظ \"مني\" فقط. [انظر: \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٧٠)]. (ش).\n(٣) وفي \"تهذيب التهذيب\": روى عن جدته سَرَّاء بنت نبهان حديثًا واحدًا، (٣/ ٢٥٨).","vol":"7","page":424},{"text":"قَالَتْ: \"خَطَبَنَا النبي -ﷺ- يَوْمَ الرُّؤُوسِ فَقَالَ: «أَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ». [خزيمة ٢٩٧٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ عَمُّ أَبِى حُرَّةَ الرَّقَاشِىِّ: \"إِنَّهُ خَطَبَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ\".\n===\n(قالت: خطبنا النبي - ﷺ - يوم الرؤوس) بضم الراء والهمزة بعدها، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق؛ لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي، قاله الشوكاني (١) (٢). (فقال: أيَّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: أليس أوسط أيام التشريق).\n(قال أبو داود: وكذلك قال عم أبي حُرَّة) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، واسم أبي حرة حنيفة، وقيل: حكم (الرقاشي) بفتح الراء وتخفيف القاف (إنه خطب أوسط أيام التشريق) وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، أخرج أحمد حديث عم أبي حرة الرقاشي مطولًا ومفصلًا في \"مسنده\" (٣)، من شاء فليرجع إليه.\nوفي هذين الحديثين ذكر الخطبة في أوسط أيام التشريق، وهذه الخطبة داخلة في خطب الحج عند الشافعية (٤)، وأما عند الحنفية والمالكية فليست هذه الخطبة من خطب الحج، بل هو من قبيل الفتيا، وليست في شيء من هذه الألفاظ ما يدل على أنه خطبة، وإنما هو سؤال وجواب وتعليم وتعلم، فلا يسمَّى هذا خطبة، فإطلاق الخطبة عليها باعتبار المعنى اللغوي بأنه خاطب به بعض السائلين، والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٤٠).\n(٢) ويخالفه ما قال الزرقاني في \"شرح المواهب\" (١١/ ٤٥٨): أنه يوم الحادي عشر؛ لأنهم يأكلون فيه الرؤوس، وقال ابن القيم في \"الهدي\" (٢/ ٢٨٨): يوم الرؤوس هو ثاني يوم النحر بالاتفاق، وصرح الحنفية بندبه، ولم يذكرها الدردير، نعم ذكرها الباجي (٤/ ٧٠)، وصاحب \"الأنوار\" (ص ٦٤٥) من مسلك مالك، والبسط في \"الأوجز\". [انظر: \"الأوجز\" (٨/ ١٩٣)]. (ش).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ٧٢).\n(٤) وكذا عند الحنابلة كما في \"المغني\" (٥/ ٣٣٤). (ش).","vol":"7","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-683>(٧٠) بَابُ مَنْ قَالَ: خَطَبَ يَومَ النَّحْرِ</span>\n١٩٥٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنِى الْهِرْمَاسُ بْنُ زِيَادٍ الْبَاهِلِىُّ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ يَوْمَ الأَضْحَى بِمِنًى\". [خزيمة ٢٩٥٣]\n١٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ - يَعْنِى ابْنَ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ -، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ\n===\n\n(٧٠) (بَابُ مَنْ قَالَ: خَطَبَ (١) يَوْمَ النَّحْر)\nوهذه الخطبة أيضًا مختلف فيها، فعند الشافعية هي داخلة في خطب الحج، وعندنا الحنفية والمالكية ليست منها، بل هي من قبيل الوصايا العامة\n١٩٥٤ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هشام بن عبد الملك، نا عكرمة) بن عمار، (حدثني الهرماس بن زياد الباهلي) أبو حدير بمهملتين مصغرًا، قال العسكري: هو وأبوه من ساكني اليمامة، وقال أبو زكريا بن منده: هو آخر من مات من الصحابة باليمامة، وقال عكرمة بن عمار: لقيته سنة اثنتين ومائة.\n(قال: رأيت النبي - ﷺ -) ولفظ حديث أحمد في \"مسنده\" (٢): \"قال: رأيت وأبي مردفي خلفه على حمار، وأنا صغير، فرأيت رسول الله - ﷺ - (يخطب الناس على ناقته العضباء) وسميت العضباء لأنها كانت صغيرة الأذنين، لا أنها كانت مقطعوتهما (يوم الأضحى) ولفظ أحمد: يوم النحر (بمنى).\n١٩٥٥ - (حدثنا مؤمل - يعني ابن الفضل الحراني -، نا الوليد) بن مسلم، (نا ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، (نا سليم) مصغرًا (ابن عامر\n_________\n(١) وبسطه صاحب المغني (٥/ ٣١٩)، والحافظ (٣/ ٥٧٤ - ٥٧٨) في روايات صريحة في خطبة يوم النحر، وأجاب العيني (٧/ ٣٥٧) بأنها من باب وصايا عامة. (ش).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٧).","vol":"7","page":426},{"text":"الْكَلَاعِىُّ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: \"سَمِعْتُ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ\". [ن ٦١٦، حم ٥/ ٢٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>(٧١) بَابٌ: أَيُّ وَقْتٍ يُخْطَبُ يَوْمَ النَّحْرِ</span>؟\n١٩٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الدِّمَشْقِىُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ الْمُزَنِىِّ، حَدَّثَنِى رَافِعُ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِىُّ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ،\n===\nالكلاعي، سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله - ﷺ - بمنى يوم النحر).\n\n(٧١) (بابٌ: أَيُّ وَقْتٍ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ؟)\n١٩٥٦ - (حدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمشقي، نا مروان، عن هلال بن عامر المزني، حدثني رافع بن عمرو المزني) أخو عائذ بن عمرو، لهما صحبة، سكن رافع البصرة، وروى عن النبي - ﷺ - حديثين: أحدهما \"العجوة من الجنة\" عند ابن ماجه (١)، والثاني شهوده حجة الوداع عند \"دس\"، قال ابن عساكر: كان في حجة الوداع خماسيًا أو سداسيًا.\n(قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى) وهذا يخالف ما هو عند الشافعية (٢) من أن الخطب كلها بعد صلاة الظهر إلَّا التي بنمرة فقبلها وبعد الزوال، كما في \"روضة المحتاجين\". (على بغلة شهباء) وهذا يخالف ما تقدم في رواية الهرماس، فإن فيه: \"يخطب الناس على ناقته العضباء\"، فيحمل حديث الهرماس على أن الخطبة فيه كان يوم النحر، وما في حديث رافع بن عمرو فهي في يوم آخر غير يوم النحر.\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (٣٤٥٦).\n(٢) انظر: \"مناسك النووي\" (ص ٣٠٨، ٣٠٩).","vol":"7","page":427},{"text":"وَعَلِيٌّ - ﵁ -، يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ\". [السنن الكبرى للنسائي ٤٠٩٤، ق ٥/ ١٤٠، حم ٣/ ٤٧٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>(٧٢) بَابُ مَا يَذْكُرُ الإِمَامُ في خُطْبَتِهِ بِمِنًى</span>\n١٩٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِىِّ قَالَ: \"خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: أن الروايات في خطب النبي - ﷺ - في حجته مختلفة، والظاهر أنه خطب أيامًا بل خطب من السابع إلى انقضاء النسك جميعًا ولا ضير فيه، وهو الظاهر من حاله - ﷺ -؛ فإنه كان يذكرهم كل حين لا سيما وهم يومئذ أحوج ما كانوا إلى الذكر والعظة، وأكثر ما كانوا يومًا، فلا ينبغي أن ترجع روايات الخطب إلى أنه خطب ثلاثة أو أربعة.\nوأما ما ذهب إليه علماؤنا - رحمهم الله تعالى - من أن الإِمام يخطب سابع ذي الحجة، ثم التاسع، ثم الحادي عشر، فإنما قصدوا التيسير على الناس؛ لأن في اجتماعهم كل يوم وهم يكلؤون أمتعتهم ويصلحون أقمشتهم حرجًا بهم، وليس يريدون أن الزيادة على تلك الخطب ممنوعة أو بدعة، والله أعلم، انتهى.\n(وعلي - ﵁ - يعبر عنه) بأنه - ﵁ - كان بينه وبين الناس الذين كانوا بعيدًا من الإِمام، فيبلغهم صوته ويفهمهم مراده (والناس بين قائم وقاعد) أي بعضهم قائم، وبعض منهم قاعد.\n\n(٧٢) (بَابُ مَا يَذْكُرُ الإمَامُ في خُطْبَتِهِ بِمِنًى)\n١٩٥٧ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله - ﷺ -","vol":"7","page":428},{"text":"وَنَحْنُ بِمِنًى فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا، حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ فِى مَنَازِلِنَا! فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ [فِى أُذُنَيْهِ]، ثُمَّ قَالَ: «بِحَصَى الْخَذْفِ»،\n===\nونحن بمنى فَفُتِحَت أسماعنا) أي زادت قوة سماعنا (حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق) رسول الله - ﷺ - (يعلِّمهم مناسكهم) أي أحكام الحج (حتى بلغ الجمار، فوضع إصبعيه السبابتين في أذنيه ثم قال: بحصى الخذف).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: وهذه الخطبة إما أن يكون خطبها ثامن يوم من ذي الحجة، فالبلوغ في قوله: \"حتى بلغ\" بلوغ حديثه، يعني أنه ذكر فيه المسائل حتى ذكر مسألة رمي الجمار، أو يكون في غير يوم الثامن بل في يوم النحر أو بعده، فالبلوغ بلوغ نَفْسه الشريفة، والمعنى أنه أخذ يذكر لهم المسائل حتى إذا وصل عند الجمر أدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه ليمُدَّ صوته، فنادى بقوله: \"بحصى الخذف\" أي: ارموا بها.\nوإن لم يكن ذكر الأذنين كما في نسخة، فتوجيه العبارة ممكن بنحو آخر أيضًا، وهو أنه حين وصل إلى الجمرة أشار إلى الناس بمسبحتيه، يريهم كيفية الرمي، وقال بلسانه: ارموا بحصى الخذف، فذكر مقدار الحصى باللسان، وبَيَّن وجه الرمي بالبنان.\nأو يكون ذلك على معنى بلوغ الحديث أيضًا إلى ذكرها، فإنه ذكر المسائل حتى إنه ذكر مسألة رمي الجمار، ومد صوته بإدخال أصبعيه في أذنيه، وقال: أو يكون المعنى حتى انتهى إلى الجمرة، وضع أصبعيه المسبِّحتين على باطن إبهاميه، وقال أي رمى بحصى الخذف (١).\nفعلى هذا يكون ذلك بيانًا من الراوي لكيفية رميه - ﷺ - الجمرة، وأيًّا ما كان\n_________\n(١) بفتح خاء وسكون ذال معجمتين: رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما، تأخذ بين سبابتيك تخذف به، أو بمخذفة من خشب، كذا في \"شرح اللباب\" (ص ٢٤١)، وفي \"لغات الصراح\": سنكَريزه زدن. (ش).","vol":"7","page":429},{"text":"ثُمَّ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَنَزَلُوا في مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَ الأَنْصَارَ فَنَزَلوا مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ (١)، ثُمَّ نَزَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ\". [ن ٢٩٩٦، حم ٤/ ٦١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>(٧٣) بَابٌ: يَبِيتُ بِمَكَّة لَيَالِي مِنًى</span>\n===\nفقوله: \"نسمع ما يقول في منازلنا\" كان معجزة منه - ﷺ -.\nوما يتوهم أنهم كيف قعدوا في منازلهم ورسول الله - ﷺ - يخطب؟ فالجواب أنه إما أن يكون أراد بذلك سماع من بقي منهم في الرحال لا أنهم بأسرهم كانوا فيها، أو يكون المراد أنهم كانوا بحيث لو لبثوا في المنازل ولم يحضروا الخطبة لكانوا سمعوها.\nويمكن أن يكون النبي - ﷺ - بيَّن لهم مسائل متفرقة اتفاقًا، ولم يهتم بها حتى يجمعهم فيجتمعوا؛ غير أنه إذا شرع فيها رفع صوته بها ليكون أبلغ في المسامع، وأهدى إلى المجامع، وعلى هذا فلا يرد أنه لا يصح بالبلوغ بلوغ نفسه إلى الجمرات، لأن قوله: \"ونحن في المنازل\" ينافيه، وعدم الورود لما قلنا من أن المقصود بذلك بيان معجزته - ﷺ - في بلوغ صوته إلى الأماكن القاصية، لا نفس حقيقة كونهم في منازلهم، والله تعالى أعلم.\n(ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد، ثم نزل الناس بعد ذلك) وقد تقدم ما يتعلق بهذا الكلام قريبًا.\n\n(٧٣) (بَابٌ: يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى)\nوالبيتوتة في مني ليالي مني سنَّة مؤكدة إلى الفجر عندنا، لا واجبة كما عند الشافعي (٢) - ﵀ -، ولا ركن كما قال بعضهم، والمراد بها كون أكثر الليل فيها\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في أظهر قوليه وأشهر روايتي أحمد، والثاني لهما كقولنا: إنه سنة، ولا خلاف بين المالكية في الوجوب. \"الأوجز\" (٨/ ٢٩٢). (ش).","vol":"7","page":430},{"text":"١٩٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَاّدٍ الْبَاهِلِىُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِى (١) حَرِيزٌ أَوْ أَبُو حَرِيزٍ - الشَّكُّ مِنْ يَحْيَى - أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ فَرُّوخَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ إِنَّا نَتَبَايَعُ (٢) بِأَمْوَالِ النَّاسِ فَيَأْتِى أَحَدُنَا مَكَّةَ فَيَبِيتُ عَلَى الْمَالِ؟ فَقَالَ: أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَبَاتَ بِمِنًى وَظَلَّ\".\n===\n١٩٥٨ - (حدثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي، نا يحيى، عن ابن جريج، حدثني حريز أو أبو حريز، الشك من يحيى) وفي نسخة: قال أبو بكر: هذا من يحيى، يَعني الشك، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\": حريز أو أبو حريز عن ابن عمر في التجارة في الحج، حجازي، مجهول، روى عنه ابن جريج.\n(أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ) العدوي مولى عمر ﵁، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (يسأل ابن عمر قال: إنا نتبايع بأموال الناس) أي نشتري لهم ببدل أموالهم أموالًا، فيلزم علينا حفظ المال (فيأتي أحدنا مكة، فيبيت على المال) لحفظه؟\n(فقال) أي ابن عمر: (أمَّا رسول الله - ﷺ - فبات بمنى وظل)، معناه أنه ﵇ لم يترك البيتوتة بمني لا في الليل ولا في النهار، بل وقف فيها؛ فعليك أن لا تخالف فعله - ﷺ -.\nوأما عذرك بحفظ أموال الناس فليس بعذر؛ فإن الناس أكثرهم يتركون أموالهم في مكة، فيعذرون بحفظ أموالهم، فيترك بهذه الأعذار الفاسدة سنَّة البيتوتة بمنى، فإن لحفظ الأموال طرقًا غير هذا بأن يودع عند رجل، أو يوضع في بيت ويقفل عليه.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أخبرني\".\n(٢) في نسخة بدله: \"نبتاع\".","vol":"7","page":431},{"text":"١٩٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ\". [خ ١٧٤٥، م ١٣١٥، دي ١٩٤٣، حم ٢٢/ ٢، ق ٥/ ١٥٣]\n===\n١٩٥٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن نمير وأبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: استأذن العباس رسولَ الله - ﷺ - أن يبيت بمكة ليالي مني من أجل سقايته، فأذن له) وقبل له عذره، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه رخص للرعاء أن يدعُوا الرمي يومًا ويرموا يومًا، وهذا كله استدل به الجمهور على أن المبيت بمنى واجب، وأنه من جملة مناسك الحج.\nوقد اختُلِفَ في وجوب الدم لتركه، فقيل: يجب عن كل ليلة (١) دم، روي ذلك عن المالكية، وقيل: صدقة بدرهم، وقيل: الطعام، وعن الثلاث دم، هكذا روي عن الشافعي، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه، وعن الحنفية: لا شيء عليه، قاله الشوكاني (٢).\nقلت: البيتوتة في مني سنَّة عند الحنفية، فلا شيء على تركه سوى الإساءة، وقيل: إن جواز ترك المبيت يختص بالعباس - ﵁ - وقيل: يدخل معه بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية، وهو جمود يرده حديث عاصم بن عدي الآتي، وقيل: يجوز الترك لكل من له عذر يشابه الأعذار التي رخص لأهلها رسول الله - ﷺ -، وهو قول الجمهور، وقيل: يختص بأهل السقاية ورعاة الإبل، وبه قال أحمد واختاره ابن المنذر (٣).\n_________\n(١) لكن جزم الدسوقي بالدم الواحد في ليلة وأكثر. [انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٢٧٣)]. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٣٧).\n(٣) انظر: \" نيل الأوطار\" (٣/ ٤٣٧).","vol":"7","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>(٧٤) بَابُ الصَّلَاةِ بِمِنًى</span>\n١٩٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَحَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ حَدَّثَاهُم (١) - وَحَدِيثُ أَبِى مُعَاوِيَةَ أَتَمُّ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: \"صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِى بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ\"، زَادَ عَنْ حَفْصٍ: \"وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا\". زَادَ مِنْ هَا هُنَا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ: \"ثُمَّ تَفَرَّقَتْ\n===\n\n(٧٤) (بَابُ الصلاةِ بِمِنًى) (٢)\nأي هل يقصر الصلاة فيها أم لا؟\n١٩٦٠ - (حدثنا مسدد، أن أبا معاوية وحفص بن غياث حدثاهم) أي مسددًا ومن كان معه في مجلس التحديث (وحديث أبي معاوية أتم) كلاهما، أي: أبو معاوية وحفص رويا (عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلَّى عثمان بمنى أربعًا) أي أربع ركعات في الصلاة الرباعية.\n(فقال عبد الله: صليت مع النبي - ﷺ - ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، زاد عن حفص: ومع عثمان) أي صليت مع عثمان ركعتين (صدرًا من إمارته) أي في ابتداء سنين الخلافة (ثم أتمها) أي الصلاة الرباعية في آخر سني إمارته (زاد) مسدد (من ههنا عن أبي معاوية: ثم تفرقت) أي اختلفت\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"حدثاه\".\n(٢) بذلك ترجم عامة المحدثين منهم البخاري، قال الحافظ: لم يذكر المصنف حكم المسألة لقوة الخلاف فيها، وخص مني بالذكر؛ لأنها المحل الذي وقع فيها ذلك قديمًا وحديثًا، واختلف السلف في المقيم بمنى هل يقصر أم لا؟ بناءً على أن القصر بها للسفر أو للنسك؟ واختار الثاني مالك ... إلخ. [\"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٣)]. (ش).","vol":"7","page":433},{"text":"بِكُمُ الطُّرُقُ، فَلَوَدِدْتُ (١) أَنَ لي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ\".\nقَالَ الأَعْمَشُ: فَحدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عن أَشْيَاخِهِ: \"أَنُّ عَبْدَ الله صَلى أَرْبَعًا. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيتَ أَرْبَعًا. قَالَ: الْخِلافُ شَرٌّ\". [خ ١٠٨٤، م ٦٩٥، ن ١٤٥١]\n===\n(بكم الطرق) أي طرق أداء الصلاة، فبعضكم يقصر، وبعضكم يتم، (فَلَوَدَدت أن لي من أربع ركعات) التي أصلي مع الإِمام (ركعتيق متقبلتين) كما يصلي رسول الله - ﷺ - ركعتين.\nوغرضه بهذا الكلام التعريض على عثمان أني وددت أن عثمان صلى ركعتين بدل الأربع، كما كان النبي - ﷺ - وصاحباه يفعلونه، وفيه كراهة مخالفة ما كانوا عليه، وقيل: معناه أنا أتم متابعة لعثمان، وليت الله قبل مني من الأربع ركعتين.\n(قال الأعمش) ولعله هذا قول أبي معاوية (فحدثني معاوية بن قرة) بن إياس بن هلال بن رئاب المزني، أبو إياس البصري، عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا قال العجلي والنسائي وأبو حاتم وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن حبان: كان من عقلاء الرجال، وقال الشافعي: روايته عن عثمان منقطعة.\n(عن أشياخه: أن عبد الله صلَّى أربعًا) مع عثمان أي بعد ما أنكر على عثمان الإتمام (قال: فقيل له: عِبْتَ على عثمان) إتمامه الصلاة (ثم صليت أربعًا، قال: الخلاف شر) أي خلاف الإِمام فتنة وبلية، ولعل عثمان إنما ترك هذه السنَّة، وهو من الخلفاء الراشدين؛ لأنه بدا له عذر.\nوأما العذرُ عن عثمان والتأويلُ فقد اختلفوا فيه، فقيل: إنما أتمَّ لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين وكل موضع له دَارٌ، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، أو لأنه استجدَّ له أرضًا بمنى، أو لأنه كان يسبق الناس إلى مكة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فوددت\".","vol":"7","page":434},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنونٌ ممن قالها، ويردُّ الأول أن النبي - ﷺ - كان يسافر بزوجاته [وقصر].\nقلت: وهذا الرد مردود؛ فإنه فرق بين التأهل وكون الزوجة معه في السفر، وقد صرح الحنفية بأن الوطن الأصلي هو موطن ولادته، أو تأهله، أو توطنه، كذا في \"الدر المختار\".\nثم قال الحافظ: والثاني أن النبي - ﷺ - كان أولى بذلك، والثالث أن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام كما سيأتي تقريره في الكلام على حديث العلاء بن الحضرمي في كتاب المغازي، والرابع والخامس لم ينقلا فلا يكفي التخرص بذلك.\nثم قال: والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم.\nقلت: ويرد هذا الوجه بأن عثمان - ﵁ - قد رأى رسول الله - ﷺ - في سفر حجه وغزواته أنه كان في أثناء سفره يقيم ولا يتم، وقد كان أقام بمكة في غزوة الفتح وحجة الوداع، فكان لا يتم بل يقصر، فلا يجوز أن يخالف رسول الله - ﷺ - فيما يواظبه ويداوم عليه، فيقصر في حالة السير والشخوص، ويتم في حالة السكون والقرار، وأيضًا يلزم عليه أنه إذا نزل في المنزل ويبيت به في الليل فعليه أن يتم فيه الصلاة؛ لأنه في ذلك الوقت ليس بشاخص ولا سائر.\nثم قال الحافظ: وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي - ﷺ - إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخدا لأنفسهما بالشدة. وهذا رجحه جماعة آخرهم القرطبي.\nقلت: وهذا القول أليق وأوفق بمذهب الإِمام الشافعي ﵀.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٠، ٥٧١).","vol":"7","page":435},{"text":"١٩٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ: \"أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعًا لأَنَّهُ (١) أَجْمَعَ عَلَى الإِقَامَةِ بَعْدَ الْحَجِّ\".\n===\nوقيل: إنما أتمَّ عثمان الصلاة بمنى لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع.\nقلت: وهذا الوجه أيضًا بعيد؛ لأن الناس كثروا مع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، حتى قيل: إنهم زادوا على مائة ألف، فلو كان كثرة الناس واجتماعهم سببًا للإتمام لكان أحق به رسول الله - ﷺ -؛ لأنه وقع في بدء الإِسلام، فالخوف ههنا كان أشد.\n١٩٦١ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري: أن عثمان) - ﵁ - (إنما صلَّى بمنى أربعًا لأنه) أي عثمان (أجمع) أي عزم وصمم عزيمته (على الإقامة) أي أيامًا (بعد الحج).\nوحاصل هذا الوجه: أن عثمان - ﵁ - لما تأهل بمكة، واتخذ الأموال بالطائف، أراد أن يقيم بمكة وبالطائف أيامًا، ثم يرجع إلى المدينة، فلهذا أتم الصلاة بها لأنه صار مقيمًا بالتأهل.\nوأما الاعتراض عليه بأن قيام المهاجر في غير مهاجره حرام ممنوع، فإن الممنوع والمحرم استيطان مكة لا القيام بها عدة أيام، وقد رثى النبي - ﷺ - لسعد بن خولة أن مات بمكة، وقد أقام رسول الله - ﷺ - بمكة زمن الفتح فأقام بها خمس عشرة ليلة، وأقام ابن عباس في الطائف أميرًا وتوفي بها، وكذا علي بالكوفة.\nوأما حديث العلاء بن الحضرمي قال: قال رسول الله - ﷺ - \"ثلاث للمهاجر بعد الصدر\"، فيحتمل أنه لم يبلغه، وإن بلغه فيكون محمولًا، على\n_________\n(١) في نسخة: \"أنه\".","vol":"7","page":436},{"text":"١٩٦٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: \"إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى أَرْبَعًا لأَنَّهُ اتَّخَذَهَا وَطَنًا\".\n١٩٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: \"لَمَّا اتَّخَذَ عُثْمَانُ الأَمْوَالَ بِالطَّائِفِ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا صَلَّى أَرْبَعًا\". قَالَ: \"ثُمَّ أَخَذَ (١) بِهِ الأَئِمَّةُ بَعْدَهُ\".\n١٩٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ،\n===\nعدم الأولوية لا التحريم، أو يكون محمولًا على الاستيطان، قال الحافظ (٢): قال النووي (٣): معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة، وحكى عياض أنه قول الجمهور، قال: وأجاز لهم جماعة يعني بعد الفتح، فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه.\n١٩٦٢ - (حدثنا هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: إن عثمان صلَّى أربعًا لأنه اتخذها وطنًا) أي كالوطن بتأهله فيها، وهذا التأويل أوفق بمذهب أبي حنيفة - ﵁ -.\n١٩٦٣ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها) أي أيامًا (صلَّى أربعًا، قال) أي الزهري: (ثم أخذ به) أي بفعل عثمان (الأئمة بعده) الذين كانوا من بني أمية، ولعلهم اختاروه لأنهم كانوا مقيمين بمكة.\n١٩٦٤ - (حدثنا موسى إسماعيل، نا حماد، عن أيوب،\n_________\n(١) في نسخة: \"اتخذته\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٦٧).\n(٣) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ١٣٣).","vol":"7","page":437},{"text":"عَنِ الزُّهْرِىِّ: \"أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى مِنْ أَجْلِ الأَعْرَابِ، لأَنَّهُمْ كَثُرُوا عَامَئِذٍ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ أَرْبَعًا لِيُعْلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>(٧٥) بَابُ الْقَصْرِ لأَهْلِ مَكَّة</span>\n١٩٦٥ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِىُّ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْتَ عُمَرَ فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: \"صَلَّيْتُ مع رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمِنًى وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا،\n===\nعن الزهري: أن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى) من أجل الأعراب (لأنهم كثروا عامئذ) أي في ذلك العام (فصلَّى بالناس أربعًا ليعلمهم أن الصلاة أربع) وهذا الوجه منفردًا لا يناسب أن يكون سببًا لإتمام الصلاة، إلَّا أن يقال: إن سبب الإتمام هو تأهله، وانضم بذلك نية تعليم الأعراب، فحينئذ لا مضايقة فيه.\n\n(٧٥) (بَابُ الْقَصْرِ لأهْلِ مَكَّةَ) ومِنَى\nأي: هل يجوز لهم القصر خلف الإِمام في موسم الحج أم لا؟ واختلفوا في ذلك، ومبنى الخلاف على أن القصر بها للسفر، أو للنسك، واختار الثاني مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي (١): يقصر الإِمام ومن معه إذا كانوا مسافرين، وأما أهل مكة ومنى فلا يقصرون؛ لأن القصر للسفر، وهم ليسوا مسافرين فلا يجوز لهم القصر\n١٩٦٥ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، حدثني حارثة بن وهب الخزاعي، وكانت أمه) أم كلثوم بنت جرول الخزاعية (تحت عمر) - ﵁ - أي في نكاحه بعد وهب الخزاعي (فولدت) أي لعمر (عبيدَ الله بنَ عمر) فكان عبيد الله أخا حارثة بن وهب لأمه.\n(قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - بمنى والناس أكثر ما) أي مما (كانوا)\n_________\n(١) وبه قال الثوري وأحمد واسحاق وغيرهم، كما قاله الترمذي (٣/ ٢٢٩). (ش).","vol":"7","page":438},{"text":"فَصَلَّى بِنا رَكعَتَينِ في حجَّةِ الوَداعِ\". [خ ١٠٨٣، م ٦٩٦، ن ١٤٤٨، حم ٣/ ١٢٠]\n[قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حارثةُ من خُزاعَةَ وداَرُهُمْ بِمَكَّةَ، حَارِثة بن وَهَب أَخُو عُبَيْد الله بن عُمَر لأُمه].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>(٧٦) بَابٌ في رمْيِ الجِمَارِ</span>\n١٩٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ\n===\nقبل ذلك (فصلَّى بنا ركعتين في حجة الوداع) استدل به المالكية على أن من كان في مني في أيامها يقصر الصلاة مع الإِمام المسافر وإن كان هو مقيمًا، فإن حارثة بن وهب صلَّى مع النبي - ﷺ - ركعتين.\nوالجواب عنه أولًا: أنه ليس في الحديث دليل على أنه لم يزد في صلاته على ركعتين، بل معناه أنه صلَّى مع رسول الله - ﷺ - ركعتين وصلَّى الأخريين بعد ما سلَّم الإِمام على الركعتين.\nوثانيا: أنه لم يثبت أن حارثة بن وهب كان مقيمًا بمكة أو مني إذ ذاك.\nوثالثًا: يمكن أن يكون المراد \"فصلَّى بنا\" أي بالناس، والمراد بالناس الذين جاؤوا مع رسول الله - ﷺ - مسافرين ولم يكن حارثة فيهم.\n(قال أبو داود: حارثة من خزاعة، ودارُهم (١) بمكة، حارثة بن وهب أخو عبيد الله بن عمر لأمه)، وهذه النسخة مكتوبة على حاشية النسخة الأحمدية وغيرها من المطبوعة الهندية.\n\n(٧٦) (بابٌ: في رَمْيِ الْجِمَارِ) (٢)\n١٩٦٦ - (حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثني علي بن\n_________\n(١) والغرض منه أن حارثة لما قصر الصلاة بمنى مع كون داره بمكة علم منه أن القصر بمنى للنسك لا للسفر كما هو مشهور عن المالكية، لكن قد تقدم مني أن القصر عندهم أيضًا للسفر لكن لمطلق السفر وإن كان قصيرًا، والله أعلم. (ش).\n(٢) واختلف في معناه لغة، والرمي واجب عند الجمهور يجبر بالدم، إلا ابن الماجشون فقال: ركن، وقال بعضهم: سنة، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ٣٠٨). (ش).","vol":"7","page":439},{"text":"مُسْهِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- يَرْمِى الْجَمْرَةَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِى وَهُوَ رَاكِبٌ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَرَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ يَسْتُرُهُ، فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ،\n===\nمسهر، عن يزيد بن أبي زياد، أنا سليمان بن عمرو بن الأحوص) الجشمي، ويقال: الأزدي الكوفي، روى عن أبيه وأمه أم جندب، ولهما صحبة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: لكنه نسبه بارقيًا، وبارق من الأزد، وقال ابن القطان: مجهول.\n(عن أمه) وأمه أم جندب الأزدية، روت عن النبي - ﷺ - في رمي الجمرة، وفي رواية أحمد: وكانت بايعت النبي - ﷺ -.\n(قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي الجمرة) أي جمرة العقبة (من بطن الوادي وهو راكب، يكبر مع كل حصاة) (٢) أي مع رمي كل واحدة من الحصاة (ورجل من خلفه يستره، فسألتُ عن الرجل) من هو؟ (فقالوا: الفضل بن العباس).\nوهذا بظاهره يخالف ما تقدم من رواية أم الحصين قالت: حججت في حجة النبي - ﷺ -، وفيه: \"فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلته وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يظله من الحر\" (٣).\nوقد أخرج الإِمام (٤) أحمد هذا الحديث مطولًا، وسياقه يزيل هذا\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) وقد ورد \"على إثر كل واحدة\" كما تقدم. (ش).\n(٣) أخرجه النسائي (٣٠٦٠).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٧٩).","vol":"7","page":440},{"text":"وَازْدَحَمَ النَّاسُ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ». [جه ٣٠٣١، حم ٣/ ٥٠٣، ق ٥/ ١٢٨]\n١٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ وَوَهْبُ بْنُ بَيَانٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ رَاكِبًا، وَرَأَيْتُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ حَجَرًا، فَرَمَى وَرَمَى النَّاسُ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n===\nالإشكال، فأخرج: ثنا حسين (١) بن محمد، قال: ثنا يزيد بن عطاء، عن يزيد - يعني ابن أبي زياد -، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي قال: حدثتني أمي: \"أنها رأت رسول الله - ﷺ - يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، وخلفه إنسان يستره من الناس أن يصيبوه بالحجارة، وهو يقول: أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضًا، وإذا رميتم فارموا بمثل حصى الخذف، ثم أقبل فأتته امرأة بابن لها\"، الحديث.\n(وازدحم) أي هجم (الناس) للرمي (فقال النبي - ﷺ -: يا أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضًا) أي برمي الحجارة الكبيرة، ولعلهم كانوا يرمونها بالأحجار الكبار فأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف، ولا يرموا بالأحجار الكبار، فيصيب بعضكم فيقتله ويجرحه ويؤذيه (وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف) وقد سبق معناه.\n١٩٦٧ - (حدثنا أبو ثور إبراهيم بن خالد ووهب بن بيان قالا: نا عبيدة) بن حميد، (عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - عند جمرة العقبة راكبًا) على ناقته، (ورأيت بين أصابعه حجرًا) أي حصى (فرمى) أي بها الجمرة (ورمى الناس).\n_________\n(١) في الأصل: \"هشيم\"، وهو تحريف، والصواب: \"حسين\".","vol":"7","page":441},{"text":"١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى زِيَادٍ بِإِسْنَادِهِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ. زَادَ: \"وَلَمْ يَقُمْ عِنْدَهَا\".\n١٩٦٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (١)، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّهُ كَانَ يَأْتِى الْجِمَارَ فِى الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ\". [ن ٩٠٠، حم ٢/ ١٣٨، ق ١/ ١٣٥]\n===\n١٩٦٨ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا ابن إدريس) أي عبد الله، (نا يزيد بن أبي زياد بإسناده) المتقدم (في هذا الحديث، زاد) ابن إدريس: (ولم يقم عندها) أي لم يقف عند الجمرة بعد الفراغ من رميها، بل رجع إلى منزله.\n١٩٦٩ - (حدثنا القعنبي، نا عبد الله - يعني ابن عمر-) بن حفص، (عن نافع، عن ابن عمر: أنه) أي عبد الله بن عمر - ﵄ - (كان يأتي الجمار) أي من منزله للرمي (في الأيام الثلاثة) أي يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر (بعد يوم النحر ماشيًا) أي على الأقدام (٢) (ذاهبًا وراجعًا) أي في حالة الذهاب إلى الجمرة والرجوع عنها (ويخبر أن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك) أي المشي في الذهاب والرجوع في الأيام الثلاثة.\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".\n(٢) واختلفت أقوال أهل الفروع في أفضلية المشي والركوب، فقيل: المشي أفضل مطلقًا، وقيل: الركوب مطلقًا، وقيل: كل رمي بعده رمي فالمشي وإلا فالركوب، كذا في \"شرح اللباب\" (ص ٢٤٢، ٢٤٣)، و\"الشامي\" (٣/ ٥٤٣)، وحاصل ما في \"جزء حجة الوداع\": أن للحنفية فيه ثلاث روايات؛ أفضلية الركوب مطلقًا، أفضلية المشي مطلقًا، كل رمي بعده رمي فماشيًا وإلا فراكبًا، وعند الشافعية في اليوم الأول، وكذا في اليوم الآخر راكبًا، وفي الوسط (الحادي عشر والثاني عشر) ماشيًا، وعند المالكية في اليوم الأول (يوم النحر) على حاله السابق إن كان راكبًا فراكبًا، وإن ماشيًا فماشيًا، وفي الباقي ماشيًا، وعند الحنابلة يوم النحر راكبًا، وفي الباقي ماشيًا. [انظر: \"جزء حجة الوداع\" (ص ١١٠)]. (ش).","vol":"7","page":442},{"text":"١٩٧٠ - [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أنه سَمِع جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَرْمِى عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ يَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ\". قال: لَا أَدْرِى لَعَلِّى لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ»]. [م ١٢٩٧، ن ٣٠٦٢، حم ٣/ ٣٠١، خزيمة ٢٨٧٦]\n١٩٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، سمعت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَرْمِى عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ\n===\n١٩٧٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر، يقول: لتأخذوا مناسككم، قال (١): لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)، وهذا الحديث داخل في المتن في النسخة المصرية، وأما في المكتوبة فعلى حاشيتها (٢).\n١٩٧١ - (حدثنا) أحمد (بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي) جمرة العقبة (على راحلته يوم النحر) أي عاشر ذي الحجة (ضحى) أي بعد ارتفاع الشمس قبل الزوال (فأما بعد ذلك) أي بعد يوم النحر\n_________\n(١) في نسخة: \"فإني\".\n(٢) قال المزي في \"تحفة الأشراف\" (٢/ ٤١٥)، رقم (٢٨٠٤): حديث أبي داود في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم.\nقلت: وهو في مختصر المنذري أيضًا، رقم (١٨٨٩)، ولم ينتبه عليه صاحب \"العون\" (٥/ ٤٤٧)، وقال: ولم يذكره المنذري.\nوأما ما قال الشيخ عوامة: أما صاحب \"البذل\" فلم يذكر الحديث أبدًا، فليس بصحيح، ولم يتنبَّه الشيخ على أنه موجود في \"بذل المجهود\" أيضًا رقم (١٩٧٠ - ١٩٧١).","vol":"7","page":443},{"text":"فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ\". [م ١٢٩٩، ت ٨٩٤، ن ٣٠٦٣، جه ٣٠٥٣، حم ٣/ ٣١٢، خزيمة ٢٨٧٦]\n١٩٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ وَبَرَةَ\n===\n(فبعد زوال الشمس) أي فرمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس (١)، وهذه المسألة مجمع عليها.\n١٩٧٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد) بن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة (الزهري، نا سفيان) بن عيينة، (عن مسعر، عن وبرة) بالموحدة المحركة، ابن عبد الرحمن المُسْلي، بضم أوله وسكون المهملة بعدها لام، أبو خزيمة، ويقال: أبو العباس الكوفي، وثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، واختلفت النسخ في كتابة هذه النسبة، ففي \"التقريب\" و\"الخلاصة\": المسلمي، وهو تصحيف من الكاتب؛ فإن السمعاني قال في \"الأنساب\" (٢): المسلي بضم الميم وسكون السين وتخفيفها، هذه\n_________\n(١) وفي \"المغني\" (٥/ ٣٣٣): إذا أخر رمي يوم إلى آخر، أو كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنَّة، ولا شيء عليه إلا يرتب بالنية رمي كل يوم، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن ترك ثلاثًا من الغد رماها وعليه الصدقة، وإن ترك أربعًا فعليه دم، وحاصل المذاهب كما في \"الأوجز\" (٨/ ٣٦٣): أن لا يجوز رمي أيام التشريق قبل الزوال، أراد عند الأئمة الستة إلا عند الإِمام في يوم النفر الثاني خاصة، ثم لا توقيت ولا دم عند الشافعي وأحمد والصاحبين في الرمي إلى غروب الرابع، وعند الإِمام الوقت المسنون في كل يوم إلى الغروب، وبعده إلى الفجر وقت إباحة مكروه فيه لغير المحذور، ولا دم، وبعد الفجر إلى غروب الرابع قضاء، ويجب الدم، وعند الإِمام مالك أيضًا كذلك إلا أنه يجب عنده الدم في الرمي ليلًا أيضًا، فيفوت عند وقت الأداء لكل يوم بغروبه، والأئمة الستة بعد ما اتفقوا على أنه لا يجوز جمع التقديم اختلفوا في جمع التأخير، فقال أبو حنيفة: يجب الدم، وقال مالك: يجب لغير الرعاة، وحُكي عن بعض العلماء غير الأئمة التخيير في جمع التقديم والتأخير، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ٣٦٣ - ٣٦٨). (ش).\n(٢) \"الأنساب\" (٥/ ٢٩٥).","vol":"7","page":444},{"text":"قَالَ: \"سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: مَتَى أَرْمِى الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا (١) رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِ. فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ زَوَالَ الشَّمْسِ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا\". [خ ١٧٤٦، ق ٥/ ١٤٨]\n١٩٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ بَحْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ - الْمَعْنَى - قَالَا، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\nالنسبة إلى بني مسلية، وهي قبيلة من بني الحارث، والمشهور بالنسبة إليها أبو خزيمة وبرة بن عبد الرحمن المسلي الحارثي من أهل الكوفة، من التابعين.\n(قال: سألت ابن عمر: متى أرمى الجمار؟) أي بعد يوم النحر في الأيام الثلاثة (قال: إذا رمى إمامك فَارْمِ) أي لا تخالف الإِمام؛ فإن في خلافه فتنة.\n(فأعدت عليه المسألة، فقال) ابن عمر: (كنا نَتَحَيَّنُ) أي ننتظر وقت (زوال الشمس، فإذا زالت الشمس رمينا) وهذا الحكم كذلك، إلَّا أنه لو رمى في اليوم الرابع من أيام الرمي، أي في اليوم النفر الثاني قبل الزوال ورجع، يجوز له ذلك مع الكراهة عند أبي حنيفة لمخالفته للسنَّة، وأما عندهما فلا يجوز ذلك.\n١٩٧٣ - (حدثنا علي بن بحر) بن بَرَّي بفتح الموحدة وتشديد الراء المكسورة بعدها تحتانية ثقيلة، القطان، أبو الحسن البغدادي، فارسي الأصل، قال أحمد وابن معين وأبو حاتم والعجلي والدارقطني: ثقة، وقال الحاكم: ثقة، مأمون، وكذا ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن قانع: ثقة.\n(وعبد الله بن سعيد- المعنى -، قالا: نا أبو خالد الأحمر) سيمان بن حيان، (عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن\n_________\n(١) في نسخة: \"متى\".","vol":"7","page":445},{"text":"عن عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"أَفَاضَ رَسُول اللهِ - ﷺ - مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى،\n===\nمحمد، (عن عائشة - ﵂ - قالت: أفاض رسول الله - ﷺ -) أي طاف طواف الإفاضة (من آخر يومه) أي بعد مضي نصف النهار (حين صلَّى الظهر) بمكة (ثم رجع) بعد طواف الزيارة وصلاة الظهر (إلى مني) وعلى هذا يوافق هذا الحديث حديث جابر الطويل، ويؤيد ذلك ما قال الشيخ الزيلعي في \"نصب الراية\" (١): وقال ابن الفتح اليعمري في \"سيرته\": وقع في رواية ابن عمر: \"أن النبي - ﷺ رجع من يومه ذلك إلى مني، فصلَّى الظهر\"، وقالت عائشة وجابر: \"بل صلَّى الظهر ذلك اليوم بمكة\"، ولا شك أن أحد الخبرين وهم، ولا يدرى أيهما هو لصحة الطرق في ذلك، انتهى.\nوذكر البيهقي في \"المعرفة\" (٢) حديث ابن عمر، وعزاه لمسلم، ثم قال: وروى محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: أفاض رسول الله - ﷺ - بمكة من آخر يومه، حتى صلَّى الظهر، ثم رجع إلى مني، قال: وحديث ابن عمر أصح إسنادًا من هذا، انتهى.\nوحديث ابن إسحاق هذا رواه أبو داود في \"سننه\"، وقال المنذري في \"مختصره\": هو حديث حسن، ورواه ابن حبان في \"صحيحه\" في النوع الخامس والعشرين، من القسم الخامس، والحاكم في \"المستدرك\"، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، انتهى.\nوقال في \"العون\" (٣): \"أفاض رسول الله - ﷺ - من آخر يومه\"، أي طاف للزيارة في آخر يوم النحر، وهو أول أيام النحر \"حين صلَّى الظهر\"، فيه دلالة على أنه صلَّى الظهر بمنى، ثم أفاض وتقدم الكلام فيه، انتهى.\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٨٢، ٨٣).\n(٢) \"معرفة السنن والآثار\" (٤/ ١٢٦)، وقال نحوه في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٤٤).\n(٣) \"عون المعبود\" (٥/ ٣١٢).","vol":"7","page":446},{"text":"فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْيريقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْع حَصَيَاتٍ، يكَبِّر مَعَ كُلِّ حَصَاةِ، وَيَقِفُ عند الأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيل الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ، وَيرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَها\". [حم ٦/ ٩٠، خزيمة ٢٩٥٦]\n===\nوهذا الذي قاله صاحب \"العون\" خلاف الصواب؛ لأنه على هذا التقدير لا يوافق حديث (١) ابن عمر، فإن فيه: \"طاف طواف الزيارة قبل صلاة الظهر، ثم رجع إلى مني فصلَّى صلاة الظهر فيها\"، وهذا يدل على أنه صلَّى صلاة الظهر بمنى، ثم أفاض إلى مكة فطاف طواف الزيارة بها، وأيضًا لا يوافق حديث جابر؛ فإن في حديث جابر: \"ثم أفاض رسول الله - ﷺ - إلى البيت فصلَّى بمكة الظهر\".\n(فمكث بها) أي بمنى (ليالي أيام التشريق) وكذا في أيامها (يرمي الجمرة) أي الجمار الثلاث (إذا زالت الشمس) أي بعد زوالها (كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة) فيرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم الثالثة الكبرى.\n(ويقف عند الأولى والثانية) (٢) بعد الفرغ من رميهما (فيطيل القيامَ) أي في الأرض السهلة عندهما (ويتضرع) في الدعاء (ويومي الثالثة) أي جمرة العقبة (ولا يقف عندها) (٣) أي عند الثالثة للدعاء، بل يرجع إلى منزله.\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٤٤).\n(٢) وقد ورد القيام عندهما برواية سالم عن أبيه عند البخاري (١٧٥١) موقوفًا ومرفوعًا، وهو مجمع عند الأئمة الأربعة، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ٣١٠). (ش).\n(٣) وقد وقع ترك الوقوف عندها في رواية سالم عن أبيه موقوفًا ومرفوعًا عند البخاري (١٧٥١)، وبرواية ابن عمر (٣٠٣٢)، وابن عباس (٣٠٣٣) مرفوعًا عند ابن ماجه، وبرواية أم جندب الأزدية المارة، وحكى الإجماع على ذلك الموفق (٥/ ٢٩٢)، وابن حجر (٣/ ٥٨٢)، وهو مجمع عند الأئمة الأربعة أيضًا، وحكي الخلاف فيه للحسن البصري، كما في \"الحصين الحصين\" من أنه يدعو عند الجمرات كلها، فإن لم يكن شاذًّا يؤول بالدعاء بعدم الوقوف، والسر في عدم الوقوف هاهنا وقوع الدعاء في وسط العبادة أو ضيق مكان هذه الجمرة أو التفاؤل بالقبول، والجمهور على الثاني، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ٣١٣، ٣١٤). (ش).","vol":"7","page":447},{"text":"١٩٧٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (١)، الْمَعْنَى، قَالَا، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: \"لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ\". [خ ١٧٤٨، م ١٢٩٦، ن ٣٠٧١، ت ٩٠١، جه ٣٠٣٠]\n===\n١٩٧٤ - (حدثنا حفص بن عمر، وسلم بن إبراهيم) بسين مهملة مفتوحة وسكون لام، هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية، وفي المصرية ونسخة \"العون\" (٢) واللكهنوية: مسلم بن إبراهيم، وهو الصواب. فإنه قال العيني في \"شرح البخاري\" (٣): وأخرجه أبو داود عن حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم.\n(المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، قال) عبد الرحمن: (لما انتهى) ابن مسعود (إلى الجمرة الكبرى) وهي جمرة العقبة (جعل البيت (٤) عن يساره ومنًى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) وهو رسول الله - ﷺ -، وإنما خص سورة البقرة بالذكر؛ لأن مناسك (٥) الحج مذكورة فيها.\n_________\n(١) في نسخة: \"مسلم بن إبراهيم\".\n(٢) انظر: \"عون المعبود\" (٥/ ٣١٣).\n(٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٧٢).\n(٤) هكذا حكاه ابن عابدين عن \"اللباب\" [\"رد المحتار\" (٣/ ٥٣١)]، لكن في \"اللباب\" (ص ٢٤١) ذكر استقبال الكعبة وبالأول جزم شيخنا القطب الكَنكَوهي في \"الزبدة\". (ش).\n(٥) هكذا ذكر عامة الشراح، وقال ابن المنير: خصها بالذكر؛ لأنها التي ذكر الله تعالى فيها الرمي، فأشار إلى أن فعله - ﵇ - مبيِّن لكتاب الله، وتعقبه الحافظ (٣/ ٥٨٢) بأنه لبس فيها ذكر الرمي، والظاهر أن كثيرًا من أحكام الحج فيها، ويظهر الجواب من =","vol":"7","page":448},{"text":"١٩٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَخَّصَ (١) لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِى الْبَيْتُوتَةِ\n===\n١٩٧٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، ح: ونا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه) أبي بكر بن محمد، (عن أبي البداح) بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة (ابن عاصم) بن عدي بن الجد بن العجلان البلوي، حليف الأنصار، ثقة، قيل: اسمه عدي، ويقال: كنيته أبو عمرو، وأبو البداح لقب، قال الحافظ (٢): حكى ابن عبد البر أن له صحبة، وهو غلط تعقبناه (٣) عليه.\n(عن أبيه) عاصم بن عدي بن الجد بن عجلان بن حارثة بن ضبيعة العجلاني القضاعي، أخو معن بن عدي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، حليف الأنصار، شهد أحدًا، وكان رسول الله - ﷺ - استعمله على أهل قباء وأهل العالية، فلم يشهد بدرًا وضرب له بسهمه، وهو الذي أمره عويمر العجلاني: أن يسأل له عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا، له عندهم في الرمي بمنى، ويقال: إن عاصم بن عدي العجلاني غير عاصم والد أبي البداح، وكذا فرق بينهما أبو القاسم البغوي، وفي \"الصحيح\" حكايته ابن عباس عن عاصم بن عدي قصة الملاعنة (٤).\n(أن رسول الله - ﷺ - رخص لرعاء الإبل في البيتوتة) في غير مني وتركها في\n_________\n= كلام القسطلاني (٤/ ٣٠٦) أن المذكور فيها قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، [البقرة: ٢٠٣]، والمراد به الذكر على الرمي. (ش).\n(١) في نسخة: \"أرخص\".\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٧).\n(٣) انظر: \"الإصابة\" (٤/ ٢٤، ٢٥)، وبسط في التعقيب، وأنكر صحبته.\n(٤) انظر: \"التهذيب\" لابن حجر (٥/ ٤٩).","vol":"7","page":449},{"text":"يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ بِيَوْمَيْنِ،\n===\nمني بحيث (يرمون) أي الرعاء (يوم النحر) جمرة العقبة فقط، (ثم يرمون الغد) أي للغد وهو اليوم الحادي عشر واليوم الثاني من أيام النحر (ومن بعد الغد) (١) أي لليوم الذي من بعد الغد، وهو الثاني عشر وآخر أيام النحر (بيومين) أي لهذين اليومين الغد ومن بعد الغد في أحدهما.\nوفسره مالك في \"الموطأ\" (٢)، قال مالك: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسولُ الله - ﷺ - لرعاء الإبل في [تأخير] رمي الجمار فيما نُرى- والله أعلم- أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يومَ النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه، ومضى كان القضاء بعد ذلك.\nقلت: وأخرج الإِمام أحمد حديث أبي البداح بن عاصم، عن أبيه من طريق مالك وسياقه أوضح من سياق غيره، وهو: \"أن رسول الله - ﷺ - رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن مني، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، أو من بعد الغد اليومين - أي لليومين -، ثم يرمون يوم النفر\" لكنه مخالف لمذهب الحنفية والمالكية والشافعية ﵏.\nوفي رواية عند أحمد من طريق عبد الرزاق عن مالك ولفظها قال: \"أرخص رسول الله - ﷺ - لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه في الآخر منهما، ثم يرمون يوم النفر\".\nوفي رواية ابن جريج عن محمد بن أبي بكر مصرَّح بأن يرمي لليومين في\n_________\n(١) هكذا في النسخة القادرية والأحمدية و\"عون المعبود\" (٥/ ٣١٤) والمصرية التي على هامش الزرقاني وغيرها، ووقع في نسخة الخطابي المصرية بلفظ: \"أو\" وهو موافق لكثير من الروايات، كما في \"الأوجز\" (٨/ ٣٧٤). (ش).\n(٢) انظر: \"الموطأ\" مع شرحه \"أوجز المسالك\" (٨/ ٣٧٩، ٣٨٠، ٣٨١).","vol":"7","page":450},{"text":"ويرْمُونَ يَوْمَ النَّفَرِ\". [ت ٩٥٤، ن ٣٠٦٩، جه ٣٥٣٧، حم ٥/ ٤٥٠]\n١٩٧٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ ابْنَىْ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ أَبِى الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِىٍّ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا\". [انظر سابقه]\n١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزٍ\n===\nثانيهما، ولفظه: \"أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر، ثم يَدعوا يومًا وليلة، ثم يرموا الغد\"، أي: في الغد ليومين.\nقال القاري (١) عن الطيبي: ولم يجوِّز الشافعي ومالك أن يقدموا الرمي (٢) في الغد، انتهى، وهو كذلك عند أئمتنا، (ويرمون يوم النفر) أي النفر الثاني، وهو الثالث عشر من ذي الحجة إن وقفوا بمنى، وإلَّا فإن تعجلوا في اليومين فلا يلزمهم رمي اليوم النفر الثاني.\n١٩٧٦ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر، عن أبيهما، عن أبي البداح بن عدي، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - رخص للرعاء أن يرموا يومًا) أي يوم النحر (ويدعوا يومًا) أي اليوم الحادي عشر، ثم يرموا في اليوم الثاني عشر لليومين.\n١٩٧٧ - (حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، نا خالد بن الحارث، نا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أبا مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي، لاحق بن حميد بن سعيد، ويقال: شعبة بن خالد بن كثير السدوسي\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٦٤).\n(٢) وقال ابن حزم وغيره: هم مخيرون في جمع تقديم وتأخير، والأئمة الستَّة اتفقوا على أنه لا يجوز جمع تقديم، وفي التأخير دم عند الإِمام ومالك لا عند بقية الأئمة، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ٣٨٣، ٣٨٤). (ش).","vol":"7","page":451},{"text":"يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجِمَارِ، فَقَالَ: مَا أَدْرِى أَرَمَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسِتٍّ أَوْ بِسَبْعٍ\". [ن ٣٠٧٨]\n١٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ إلَّا النِّسَاءَ». [حم ٦/ ١٤٣، خزيمة ٢٩٣٧]\n===\nالبصري الأعور، قدم خراسان، قال ابن سعد والعجلي وأبو زرعة وابن خراش: ثقة، وعن ابن معين: مضطرب الحديث، وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم.\n(يقول: سألت ابن عباس عن شيء من أمر الجمار)، ولعله سأله عن عدد الحصيات التي ترمى بها الجمار وغيره (فقال) ابن عباس: (ما أدرى أرماها رسول الله - ﷺ - بست) أي بست حصيات (أو بسبع)، وقد ثبت (١) عنه - ﷺ - أنه رماها بسبع حصيات، فأخذ به الأمة، وقد تقدم من حديث جابر وابن مسعود وعائشة أنه رماها بسبع حصيات.\n١٩٧٨ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، نا الحجاج) بن أرطاة، (عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة) وذبح وحلق (٢) (فقد حل له كل شيء إلَّا النساء)،\n_________\n(١) وقال أحمد: لا بأس إن نقص بواحد واثنين، وعنه: لا بأس في النسيان، وفي العمد يتصدق، وعنه: أن السبع شرط، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، \"المغني\" (٥/ ٣٣٠). (ش).\n(٢) هذا توجيه للحديث على مذهب الجمهور، وإلَّا فظاهره دليل لمن قال: إن التحلل الأصغر يحصل بالرمي، ولا يتوقف على الحلق، وهو مختار الموفق (٥/ ٣١٠)، واستدل بهذا الحديث، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ومذهب مالك، وقال الجمهور: إنه يحصل بالحلق، كما في \"الأوجز\" (٨/ ٣٩٤ وما بعدها). (ش).","vol":"7","page":452},{"text":"قَال أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، الْحَجَّاجُ لَمْ يَرَ الزُّهْرِيَّ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>(٧٧) بَابُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِير</span>\n١٩٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ\n===\nوقد أخرج البيهقي (١) هذا الحديث من طريق يزيد بن هارون، أنبأنا الحجاج بن أرطاة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال النبي - ﷺ -: \"إذا رميتم وحلقتم (٢) فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلَّا النساء\"، ورواه محمد بن بكر، عن يزيد بن هارون فزاد: \"وذبحتم، فقد حل لكم كل شيء الطيب والثياب إلا النساء\".\n(قال أبو داود: هذا حديث ضعيف (٣)؛ الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه) فالحديث منقطع، قال الشوكاني (٤): استدلت به الحنفية والشافعية على أنه يحل بالرمي لجمرة العقبة كل محظور من محظورات الإحرام إلَّا الوطء للنساء، فإنه لا يحل به بالإجماع، وقال مالك: والطيب، وقال الليث: إلا النساء والصيد، وأحاديث الباب ترد عليهم.\nقلت: وهذا الذي قاله من المذهب إذا لم يكن عنده هدي، وأما إذا كان معه هدي فلا يحل حتى ينحر هديه.\n\n(٧٧) (بابُ الْحَلْقِ والتَّقْصِيرِ)\n١٩٧٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٣٦).\n(٢) كذا وقع زيادة الحلق في حديث سعيد وغيره، كما ذكره في \"المغني\" (٥/ ٣٠٨). (ش).\n(٣) لكنه مؤيد بعدة روايات ذكرت في \"النيل\" (٣/ ٤٢٥)، و\"نصب الراية\" (٣/ ٨١). (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٢٦).","vol":"7","page":453},{"text":"عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ». [خ ١٧٢٧، م ١٣٠١، ت ٩١٣، جه ٣٠٤٤، دي ١٩٠٦، حم ٢/ ١٦]\n===\nعمر أن رسول الله - ﷺ - قال: اللهُمَّ (١) ارحم المحلِّقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصِّرين)، هذا عطف تلقين كأنهم قالوا: قل: والمقصرين، وأدخلهم في الرحمة.\n(قال: اللهُمَّ ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: والمقصرين)، وفي هذا الحديث قوله: \"والمقصرين\" قال في المرة الثانية.\nوقد أخرج البيهقي (٢) من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال في الرابعة: والمقصرين\".\nقلت: وإنما أخر \"المقصرين\" لأن الأفضل الحلق فيرغبوا فيه، وفي الحديث دلالة على أن الحلق أفضل من التقصير، ووجهه أنه أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية، والذي يقصر يُبقي على نفسه شيئًا بما يتزيَّن به بخلاف الحالق، فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى، وفيه إشارة إلى التجرد، ومن ثم استحب الصلحاء إلقاء الشعور عند التوبة.\nواستدل بقوله: \"المحلقين\" على مشروعية حلق جميع الرأس؛ لأنه الذي تقتضيه الصيغة، وقال بوجوب حلق جميعه مالك وأحمد، واستحبه الكوفيون، والشافعي، ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا فيه فعن الحنفية: الربع،\n_________\n(١) اختُلِفَ في موضع هذا القول: الحديبية، أو حجة الوداع، أو كلاهما، وبه جزم الحافظ، وبسط الكلام. (انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٢، ٥٦٣)]. (ش).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٣٤).","vol":"7","page":454},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإلَّا أبا يوسف، فقال: النصف، وقال الشافعي: أقل ما يجب عليه حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة.\nوالتقصير كالحلق، فالأفضل أن يقصر من جميع شعر رأسه، ويستحب أن\nلا ينقص عن قدر الأنملة، وأما النساء فالمشروع في حقهن التقصير بالإجماع، قاله الحافظ (١).\nقال القاري في شرحه (٢) على \"المشكاة\": وفي الصحيحين وغيرهما: أنه ﵊ قصَّر في عمرة القضاء، وقد قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٣)، فدل على جواز كل منهما، إلَّا أن الحلق أفضل بلا خلاف، وظاهره وجوب استيعاب الرأس، وبه قال مالك وغيره، وحكى النووي الإجماع عليه، والمراد به إجماع الصحابة أو السلف - رحمهم الله تعالى -، ومما يؤيده قوله ﵊: \"خذوا عني مناسككم\" ولم يُحْفَظ عنه ﵊ ولا عن أحد من أصحابه الكرام الاكتفاءُ ببعض شعر الرأس.\nوأما القياس على مسح الرأس فغير صحيح للفرق بينهما، وهو أن المسح فيه الباء الدالة على التبعيض في الجملة، وقد ورد حديثُ الناصية المشعرُ بجواز الاكتفاء بالبعض، ولم يرد نص على منع مسح البعض، بخلاف ذلك كله في باب الحلق، فإنه قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ (٤)، ولم يثبت عنه ﵊ وأصحابه الكرام قط أنهم اكتفوا بحلق بعض الرأس أو تقصيره، بل ورد النهي عن القزعة حتى للصغار، وهي حلق بعض الرأس وتخلية بعضه، فالظاهر أنه لا يخرج من الإحرام إلَّا بالاستيعاب كما قال به مالك، وتبعه ابن الهمام في ذلك، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٤، ٥٦٥).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٣٣، ٥٣٤).\n(٣) سورة الفتح: الآية ٢٧.\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٩٦.","vol":"7","page":455},{"text":"١٩٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، نَا يَعْقُوبُ (٢)، عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَلَقَ رَاسَهُ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ\". [خ ١٧٢٦، م ١٣٠٤]\n١٩٨١ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا حَفْصٌ، عن هِشَامٍ، عن ابْنِ سِيرِينَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَمَى جَمْرةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِمِنًى فَدَعَا بِذِبْحٍ فَذَبَحَ،\n===\nقلت: يمكن أن يقال في جواب هذا الإشكال: إنه روي في \"المشكاة\" (٣) من حديث ابن عباس - ﵁ - قال: قال لي معاوية: \"إني قصرتُ من رأس النبي - ﷺ - عند المروة بمشقص\"، فالظاهر أن يكون حرف \"من\" للتبعيض.\nووقع عند أحمد (٤) من طريق قيس بن سعد، عن عطاء، أن معاوية حدث: \"أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله - ﷺ - في أيام العشر بمشقص معي وهو محرم\"، وقوله: \"في أيام العشر\" شاذٌّ، فهذا يقتضي أن رسول الله - ﷺ - قصر من شعر رأسه، فلو ثبت هذا لكفى في تقدير الحلق والتقصير ببعض الرأس.\n١٩٨٠ - (حدثنا قتيبة، نا يعقوب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - حلق رأسه) أي أمر بحلق رأسه (في حجة الوداع).\n١٩٨١ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا حفص، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم رجع إلى منزله) أي محل نزوله (بمنى، فدعا بذبح فذبح) والذبح بكسر أوله: ما يذبح من الغنم.\nقلت: وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه نحر في حجته بدنات، ولم يثبت أنه ذبح غنمًا يوم النحر، فالظاهر أن المراد بالذبح النحر.\n_________\n(١) في نسخة: \"قتيبة بن سعيد\".\n(٢) في نسخة: \"يعقوب الإسكندراني\".\n(٣) \"مشكاة المصابيح\" رقم (٢٦٤٧).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٤/ ٩٢).","vol":"7","page":456},{"text":"ثُمّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ فَأَخَذَ بِشِقِّ رَأسِهِ الأَيْمَنِ فَحَلَقَهُ،\n===\nوقد أخرج هذا الحديث مسلم في \"صحيحه\" من طريق يحيى بن يحيى، حدثنا حفص بن غياث بسند أبي داود، ولفظه: \"إن رسول الله - ﷺ - أتى مني، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ\"، الحديث، ثم أخرج من طريق أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير وأبي كريب قالوا: حدثنا حفص بن غياث بهذا الإسناد، ثم أشار إلى الاختلاف بين حديث أبي كريب وبين حديث أبي بكر في قوله: \"قال للحلاق\" إلى آخر الحديث، ولم يبين الاختلاف في القول الذي قبل ذلك، فدل هذا على أن في حديث أبي كريب محمد بن العلاء ليس ذكر الذبح، بل فيه ذكر النحر.\nوأخرج البيهقي في \"سننه\" (١) من حديث سفيان قال: ثنا هشام بن حسان، ولفظه: \"قال: لما رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة ونحر نسكه وحلق\"، الحديث، ففي هذا أيضًا تصريح بالنحر.\n(ثم دعا بالحلاق) قال النووي (٢): واختلفوا في اسم هذا الرجل لذي حلق رأس رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، فالصحيح هو المشهور أنه معمر بن عبد الله العدوي، وفي صحيح (٣): زعموا أنه معمر بن عبد الله، وقيل: اسمه (٤) خراش بن أمية بن ربيعة الكُليبي، بضم الكاف، منسوب إلى كليب بن حبشية.\n(فأخذ) الحلاق (بشق رأسه الأيمن فحلقه)، ولفظ مسلم: \"فقال للحلاق:\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٣٤).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٦٢).\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: وفي \"صحيح البخاري\" قال: زعموا. انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٦٢).\n(٤) ذكرها النووي في \"تهذيب اللغات\"، ورجح الأول (٢/ ٣١٣) النوع السابق من المبهمات. (ش).","vol":"7","page":457},{"text":"فَجَعَلَ يَقْسِمُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِشِقِّ رَأسِهِ الأَيْسَرِ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"ههُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ \"، فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةِ. [م ١٣٠٥، ت ٩١٢، حم ٣/ ١١١، خزيمة ٢٩٢٨، ق ٥/ ١٠٣]\n===\nخذ\"، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناسَ، وفي رواية: \"قال للحلاق: ها\"، وأشار إلى جانب الأيمن. وفي رواية: \"قال: فبدأ بالشق الأيمن\".\n(فجعل) رسول الله - ﷺ - (يقسم بين من يليه الشعرةَ والشعرتين) أي يعطي بعضَهم شعرة وبعضَهم شعرتين (ثم أخذ) الحلاق (بشق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (ههنا أبو طلحة؟) بحذف الاستفهام (فدفعه) أي الشعر (إلى أبي طلحة) وفي رواية عند مسلم: \"فأعطاه أم سليم\".\nوتوجيهه: أن يقال: لما سأل رسول الله - ﷺ - عن أبي طلحة فلعله لم يكن موجودًا، فأعطاه أم سليم لتدفعه إلى أبي طلحة.\nقلت: وفي هذه الروايات اختلاف آخر ذكره الشيخ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١)، وأنا ألخصه لك لتتميم الفائدة:\n(فصل) فلما أتم رسول الله - ﷺ - نحوه استدعى بالحلَّاق، فحلق رأسه، فقال للحلاق: \"خذ\"، وأشار إلى جانبه الأيمن، فلما فرغ منه قسم شعرَه بين من يليه، ثم أشار إلى الحلَّاق فحلق جانبه الأيسر، ثم قال: \"ههنا أبو طلحة؟ \" فدفعه إليه، هكذا وقع في \"صحيح مسلم\".\nوفي \"صحيح البخاري\": عن ابن سيرين، عن أنس: \"أن رسول الله - ﷺ - لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره\" (٢).\nوهذا لا يناقض رواية مسلم؛ لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٦٨ - ٢٧٠).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٧١).","vol":"7","page":458},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمثلُ ما أصاب غيرَه، ويختص بالشق الأيسر، لكن قد روى مسلم في \"صحيحه\" أيضًا من حديث أنس قال: لما رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة، ونحر نسكه، وحلق، ناول الحلاقَ شقَّه الأيمن، فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه، ثم ناوله الشقَّ الأيسرَ فقال: \"احلق\"، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: \"اقسمه بين الناس\"، ففي هذه الرواية كما ترى أن نصيبَ أبي طلحة كان الشق الأيمن، وفي الأولى أنه كان الأيسر.\nقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي: رواه مسلم من رواية حفص بن غياث وعبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس: \"أن النبي - ﷺ - دفع إلى أبي طلحة شعرَ شقهِ الأيسر\"، ورواه من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسان: \"أنه دفع إلى أبي طلحة شعر شقه الأيمن\". قال: ورواية ابن عون، عن ابن سيرين أراها تقوي روايةَ سفيان، والله أعلم.\nقلت: يريد برواية ابن عون ما ذكرناه عن ابن سيرين من طريق البخاري، وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة هو الشق الذي اختص به، والله أعلم.\nوالذي يَقْوَى أن نصيب أبي طلحة الذي اختص به كان الشقَّ الأيسرَ، وأنه - ﷺ - عَمَّ، ثم خَص، وهذه كانت سُنَّتَه في عطائه، وعلى هذا أكثر الروايات؛ فإن في بعضها أنه قال للحلاق: \"خذ\"، وأشار إلى جانبه الأيمن، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه، فأعطاه أمَّ سليم، ولا يعارض هذا دفعُه إلى أبي طلحة فإنها امرأتُه.\nوفي لفظ آخر: فبدأ بالشق الأيمن، فوزَّعه الشعرةَ والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر، فصنع به مثل ذلك، ثم قال: ههنا أبو طلحة؟ فدفعه إليه.\nوفي لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شعرَ شقه الأيسر، ثم قلَّم أظفاره وقسمها بين الناس.","vol":"7","page":459},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوذكر الإِمام أحمد (١) من حديث محمد بن عبد الله بن (٢) زيد أن أباه حدثه: \"أنه شهد النبي - ﷺ - عند المنحر (٣)، ورجل من قريش وهو يقسم أضاحيَ، فلم يصبه شيء ولا صاحبَه، فحلق رسول الله - ﷺ - رأسه في ثوبه، فأعطاه، فقسم منه على رجال، وقلم (٤) أظفاره، فأعطاه صاحبه، قال: فإنه عندنا مخضوب بالحنَّاء والكتم يعني شعره\".\nقلت: وعندي أن حديث سفيان بن عيينة عن هشام بن حسان الذي بظاهره يناقض حديث حفص بن غياث وعبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن هشام، توجيهه أن يقال: إن ضمير قوله: \"اقسمه بين الناس\" لا يعود إلى ما أعطاه أبا طلحة ثانيًا، بل يرجع إلى ما أعطاه من شقه الأيمن أولًا، أو يقال بأن في العبارة تقديمًا وتأخيرًا بأن قوله: قال: \"اقسمه بين الناس\" كان في الأول متصلًا بقوله: \"فأعطاه إياه\"، فأخره الراوي، فألحقه بقوله: \"فأعطاه أبا طلحة\"، فحينئذ يوافق حديثُ سفيان حديثَ حفص بن غياث وعبد الأعلي بن عبد الأعلى، والله أعلم.\nقال النووي (٥): وفي الحديث فوائد كثيرة، منها: بيان السنَّة في أعمال الحج يوم النحر (٦)، وهي أربعة أعمال: رمي جمرة العقبة، ثم نحو الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم دخوله مكة فيطوف طواف الإفاضة، ويسعى بعده إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم.\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٤٢).\n(٢) وقع في الأصل: \"محمد بن زيد\"، والصواب: \"محمد بن عبد الله بن زيد\" كما في \"مسند أحمد\" و\"الهدي\".\n(٣) في الأصل: \"النحر\"، وهو تحريف، والصواب: \"المنحر\" كما في \"مسند أحمد\" و\"الهدي\".\n(٤) في الأصل: \"قسم\"، وهو تحريف، والصواب: \"قلم\" كما في \"مسند أحمد\" و\"الهدي\".\n(٥) \"شرح النووي\" (٥/ ٦١، ٦٢).\n(٦) وتمام العبارة: يوم النحر بعد الدفع من مزدلفة.","vol":"7","page":460},{"text":"١٩٨٢ - [حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَلَبِيُّ وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عن هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، بِإِسْنَاده بِهَذَا، قَالَ لِلْحَالِقِ: \"ابْدَأْ بِالشِّقِّ الأَيْمَنِ فَاحْلِقْهُ\"].\n١٩٨٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، أَنَا خَالِدٌ،\n===\nومنها: أنه يستحب إذا قدم مني أن لا يعرج على شيء قبل الرمي، بل يأتي الجمرة راكبًا كما هو فيرميها، ثم يذهب فينزل حيث شاء من مني.\nومنها: استحباب نحر الهدي، وأنه يكون بمنى، ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم.\nومنها: أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير، وأنه يستحب فيه البداءة بالجانب الأيمن من رأس المحلوق، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يبدأ بالجانب الأيسر.\nقلت: وهذا القول رجع عنه الإِمام أبو حنيفة كما هو مصرَّح في كتبهم، ومذهبهم في ذلك كمذهب الجمهور أنه يبدأ بالحلق من جانب يمين المحلوق.\nقال: ومنها: طهارة شعر الآدمي، وبه قال جماهير العلماء.\nومنها: التبرك بشعره - ﷺ - وجواز اقتنائه للتبرك.\nوههنا نسخة كتبت على حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية.\n١٩٨٢ - (حدثنا عبيد بن هشام أبو نعيم الحلبي) جرجاني الأصل، صدوق تغير في آخر عمره فتلقن، (وعمرو بن عثمان، المعنى، قالا: حدثنا سفيان عن هشام بن حسان بإسناده بهذا، قال للحالق: ابدأ بالشق الأيمن فاحلقه).\nوكتب عليه: وجد في نسخة واحدة، وما وجدت في أكثر النسخ وقت القراءة (١).\n١٩٨٣ - (حدثنا نصر بن علي، أنا يزيد بن زريع، أنا خالد،\n_________\n(١) قلت: ذكره المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٤٥٦)، وقال: هو في رواية أبي الحسن ابن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم.","vol":"7","page":461},{"text":"عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبيَّ (١) - ﷺ - كَانَ يُسْأَلُ يَوْمَ مِنًى فيَقُولُ: \"لَا حَرَجَ\"، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: \"اذْبَحْ وَلَا حَرَج\"، قَالَ: إِنِّي أَمْسَيْتُ وَلَمْ أَرْم، قَالَ: \"ارْمِ وَلَا حَرَج\". [خ ١٧٢٣، ن ٣٠٦٧]\n===\nعن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - كان يُسأَل يوم مني) عن بعض المسائل المتعلق بالحج، أو عن تقديم بعض الأفعال على البعض وتأخير بعضها عن البعض.\n(فيقول: لا حرج، فسأله رجل، فقال: إني حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، قال) أي الرجل السائل: (إني أمسيت) حمل القاري (٢) المساء على ما بعد غروب الشمس، ونقل عن الطيبي: أي بعد العصر، واعترض عليه قال: وفيه أنه ليس فيه توهم تقصير، فإنه جائز بالاتفاق حتى في أول أيام النحر، وأما مذهبنا ففي أيام الرمي تفصيل، قال شيخ الإِسلام في \"مبسوطه\": إن ما بعد طلوع الفجر من يوم النحر وقت الجواز مع الإساءة، وما بعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، والليل وقت الجواز مع الإساءة، فقوله: \"أمسيت\" ضد \"أصبحت\" على ما في \"القاموس\"، فظاهره أنه بعد الغروب، انتهى.\n(ولم أرم، قال: ارم ولا حرج) اعلم أن الترتيب بين الرمي والذبح والحلق للقارن والمتمتع واجب عند أبي حنيفة، وكذا تخصيص الذبح بأيام النحر، وأما تخصيص الذبح بالحرم فإنه شرط بالاتفاق، فلو ذبح في غير الحرم لا يسقط ما لم يذبح في الحرم، والترتيب بين الحلق والطواف ليس بواجب، وكذا بين الرمي والطواف، فما قيل من أن الترتيب بين الرمي والحلق والطواف واجب فليس بصحيح، قاله القاري (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٤٣).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٤٢).","vol":"7","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوتفصيل مذهب الحنفية في هذه الأفعال أن طواف الإفاضة موقَّت بأيام النحر، فأول (١) وقته حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر بلا خلاف بين أصحابنا حتى لا يجوز قبله.\nوقال الشافعي: أول وقته منتصف ليلة النحر، وهذا غير سديد؛ لأن ليلة النحر وقت ركن آخر، وهو الوقوف بعرفة، فلا يكون وقتًا للطواف؛ لأن الوقت الواحد لا يكون وقتًا لركنين.\nوليس لآخره زمان معين موقت به فرضًا، بل جميع الأيام والليالي وقته فرضًا بلا خلاف بين أصحابنا، لكنه موقت بأيام النحر وجوبًا في قول أبي حنيفة، حتى لو آخره عنها فعليه دم عنده، وفي قول أبي يوسف ومحمد غير موقت أصلًا، ولو آخره عن أيام النحر لا شيء عليه، وبه أخذ الشافعي.\nواحتجوا بما روي: \"أن رسول الله - ﷺ - سئل عمن ذبح قبل أن يرمي، فقال: ارم ولا حرج\"، وما سئل يومئذ عن أفعال الحج قُدِّم شيء منها أو أخر إلَّا قال: افعل ولا حرج، فهذا ينفي توقيت آخره وينفي وجوب الدم بالتأخير.\nوالجواب عنه أنه لا حجة لهم في الحديث؛ لأن فيه نفي الحرج وهو نفي الإثم، وانتفاء الإثم لا ينفي وجوبَ الكفارة، كما لو حلق رأسه لأذى فيه إنه لا يأثم وعليه الدم، كذا ههنا.\nوأما (٢) وقت الرمي فأيام الرمي أربعة: يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، أما يوم النحر، فأول وقت الرمي ما بعد طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، فلا يجوز قبل طلوعه، وأول وقته المستحب ما بعد طلوع الشمس قبل الزوال، وهذا عندنا، وقال الشافعي: إذا انتصفت ليلة النحر دخل وقت رمي الجمار،\n_________\n(١) انظر: \"البدائع\" (٢/ ٣١٤، ٣١٥).\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٢٣، ٣٢٤).","vol":"7","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكما قال في الوقوف بعرفة ومزدلفة، فإذا طلعت الشمس وجب، وقال سفيان الثوري: لا يجوز قبل طلوع الشمس.\nوأما آخره فآخر النهار، كذا قال أبو حنيفة: إن وقت الرمي يوم النحر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو يوسف: يمتد إلى وقت الزوال، فإذا زالت الشمس يفوت الوقت.\nولأبي حنيفة الاعتبار لسائر الأيام، وهو أن في سائر الأيام ما بعد الزوال إلى غروب الشمس وقت الرمي فكذا في هذا اليوم، فإن لم يرم حتى غربت الشمس فيرمي قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني أجزأه، ولا شيء عليه في قول أصحابنا، وللشافعي فيه قولان، في قول: إذا غربت الشمس، فقد فات الوقت، وعليه الفدية، وفي قول: لا يفوت إلا في آخر أيام التشريق.\nفإن أخر الرمى حتى طلع الفجر من اليوم الثاني رمى، وعليه دم للتأخير في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا شيء عليه، والكلام فيه يرجع إلى أن الرمي موقت عنده، وعندهما ليس بموقت، وهو قول الشافعي.\nوأما (١) الحلق فيختص بالزمان والمكان، فزمانه أيام النحر، ومكانه الحرمُ، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يختص بالزمان ولا بالمكان، وقال محمد: يختص بالمكان لا بالزمان، وقال زفر: يختص بالزمان لا بالمكان، حتى لو أخر الحلق عن أيام النحر، أو حلق خارج الحرم، يجب عليه الدم في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا دم عليه فيهما جميعًا، وعند محمد يجب الدم في المكان لا في الزمان، وعند زفر يجب في الزمان لا في المكان.\n_________\n(١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٣٠).","vol":"7","page":464},{"text":"١٩٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (١) الْعَتَكِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَنَا ابْنُ جُرَيجٍ قَالَ: بَلَغَنِي عن صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عُثْمَان\n===\nوأما الذبح فلا يجب على المفرد، بل هو مختص بالقارن والمتمتع، وهو موقت بالمكان والزمان، فأما بمكان فالحرم، لا يجوز في غيره لقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٢)، ومحله الحرم، والمراد منه هدي المتعة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣)، والهدي اسم لما يهدى إلى بيت الله الحرام، أي يُبعَث ويُنقَل إليه.\nوأما زمانه فأيام النحر حتى لو ذبح قبلها لم يجز؛ لأنه دم نسك عندنا، فيتوقت بأيام النحر كالأضحية (٤).\n١٩٨٤ - (حدثنا محمد بن الحسن) هكذا في متن جميع النسخ و\"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" و\"الخلاصة\" بدون ياء التصغير، وفي الحاشية: الحسين، ولم أجده فيما عندي من الكتب، ابن تسنيم بفتح المثناة، وسكون المهملة، وكسر النون، بعدها تحتانية ساكنة، الأزدي (العتكي) بفتح المهملة والمثناة، التسنيمي، أبو عبد الله البصري، نزيل الكوفة، وقد يُنسَب إلى جده، قال ابن خزيمة: كوفي ثبت، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث، عداده في الكوفيين، يُغْرِب.\n(أنا محمد بن بكر، أنا ابن جريج قال: بلغني) فيه انقطاع لأنه على سبيل البلاغ، وقد ذكر الواسطة في السند الآتي فلا يضر (عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أمُّ عثمان) بنت سفيان، ويقال: بنت أبي سفيان،\n_________\n(١) في نسخة: \"الحسين\".\n(٢) سورة الفتح: الآية ٢٥.\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(٤) انظر: \"شرح اللباب\" (ص ٢٢٦، و٢٦٣).","vol":"7","page":465},{"text":"أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ (١) إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ\". [دي ١٩٠٥، ق ٥/ ١٠٤]\n===\nوهي أم ولد شيبة بن عثمان، روت عن النبي - ﷺ - وعن ابن عباس، روت عنها صفية بنت شيبة.\n(أن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير) وقدر التقصير فأقله بقدر أنملة، قال الشوكاني (٢): فيه دليل على أن المشروع في حقهن التقصير، وقد حكى الحافظ (٣) الإجماع على ذلك، قال جمهور الشافعية: فإن حلقت أجزأها، قال القاضي أبو الطيب والقاضي حسين: لا يجوز، وقد أخرج الترمذي (٤) من حديث علي: \"نهى أن تحلق المرأة رأسَها\".\nوقال في \"اللباب\" (٥) وشرحه: والحلق مسنون للرجال، ومكروه للنساء، والتقصير مباح لهم، ومسنون أي مؤكد بل واجب لهن لكراهة الحلق كراهة تحريم إلَّا لضرورة.\nقلت: ولو اعتمرت المرأة أيامًا وقصرت من شعرها كل يوم حتى بقي شعرُها قدرَ أنملة، فإن حلقت رأسها وقعت في الحرمة أو الكراهة، وإن لم تحلق فلا تحل، ولم أر حكمه في ذلك في شيء من كتب المذهب إلا أن يقال: كما أن إجراء الموسى على من ليس له شعر في الرأس يكفيه، كذلك إجراء المقص لعلها يكفيها، والله أعلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"الحلق\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٢٥).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٥).\n(٤) برقم (٩١٤).\n(٥) \"شرح اللباب\" (ص ٢٢٩).","vol":"7","page":466},{"text":"١٩٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِىُّ - ثِقَةٌ -، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِى أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ أَبِى سُفْيَانَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ». [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>(٧٨) بَابُ الْعُمْرَةِ</span>\n===\n١٩٨٥ - (حدثنا أبو يعقوب البغدادي) هو إسحاق بن أبي إسرائيل، واسمه إبراهيم بن كَامَجْرا، بفتح الكاف والميم، بينهما ألف، بإسكان الجيم، أبو يعقوب المروزي، نزيل بغداد، وثقه ابن معين والدارقطني، ولكن تكلموا فيه لوقفه في القرآن (١)، ولهذا احتاج أبو داود إلى توثيقه فقال: (ثقة (٢)، نا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي المكي، قال ابن معين والنسائي وابن سعد: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن) عمته (صفية بنت شيبة قالت) صفية: (أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير).\n\n(٧٨) (بَابُ الْعُمْرَةِ)، أي: وبيان فضلها\nوالعمرة في اللغة: الزيارة، وهي واجبة عند الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوع، واختلف قول الحنفية في\n_________\n(١) راجع: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٢٣، ٢٢٤).\n(٢) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (٦٥٧٦) زيادة نقلًا عن أبي الحسن بن العبد أنه قال: \"وأثنى عليه أبو داود خيرًا\".","vol":"7","page":467},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nذلك، قال في \"البدائع\" (١): قال أصحابنا: إنها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر، ومنهم من أطلق اسم السنَّة، وهذا الإطلاق لا ينافي الواجب.\nوفي \"لباب المناسك\" و\"شرحه\" (٢) للقاري: العمرة سنَّة مؤكدة أي على المختار، وقيل: هي واجبة، قال المحبوبي: وصححه قاضيخان، وبه جزم صاحب \"البدائع\" حيث قال: إنها واجبة كصدقة الفطر، وعن بعض أصحابنا: أنها فرض كفاية، منهم محمد بن الفضل من مشايخ بخارى.\nواستدلوا بما رواه الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر: \"أتى أعرابي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك\"، أخرجه الترمذي (٣). قال الحافظ (٤): والحجاج ضعيف.\nقلت: قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول بعض أهل العلم، قالوا: العمرة ليست بواجبة.\nقال العيني (٥): فإن قلت: قال المنذري: وفي تصحيحه له نظر؛ فإن في سنده الحجاج بن أرطاة، ولم يحتج به الشيخان في \"صحيحيهما\"، وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك ويحيى القطان وابن معين وأحمد، وقال الدارقطني: لا يحتج به، وإنما روي هذا الحديث موقوفًا على جابر، وقال البيهقي: رفعه ضعيف.\nقلت: قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في \"كتاب الإِمام\":\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٧٧).\n(٢) \"شرح اللباب\" (ص ٤٦٣).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٩٣١)، و\"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢٨٥)، و\"سنن البيهقي\" (٤/ ٣٤٩).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٧).\n(٥) \"عمدة القاري\" (٧/ ٤٠١).","vol":"7","page":468},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا الحكم بالتصحيح في رواية الكروخي لكتاب الترمذي، وفي كتاب (١) غيره: حسن، لا غير. وقال شيخنا زين الدين: لعل الترمذي إنما حكم عليه بالصحة لمجيئه من وجه آخر، فقد رواه يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر، قلت: \"يا رسول الله! العمرة فريضة كالحج؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك\". ذكره صاحب \"الإِمام\".\nوقال: اعترض عليه بضعف عبد الله بن عمر العمري، قلت: رواه الدارقطني من رواية يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قلت: \"يا رسول الله! العمرة واجبة فريضتها كفريضة الحج؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك\"، ورواه البيهقي من رواية يحيى بن أيوب، عن عبيد الله- غير منسوب- عن أبي الزبير، ثم قال: وهو عبيد الله بن المغيرة، تفرد به عن أبي الزبير، ووهم الباغندي في قوله: عبيد الله بن عمر.\nوروى ابن ماجه من حديث طلحة بن عبيد الله: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"الحج جهاد، والعمرة تطوع\"، وروى عبد الباقي بن قانع من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحوه، وكذا روي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - نحوه، انتهى.\nوقال أيضًا (٢): واحتج الأولون بأحاديث، منها: ما رواه الدارقطني (٣) من رواية إسماعيل بن مسلم، عن محمد بن سيرين، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهما بدأت\".\nقلت: الصحيح أنه موقوف، رواه هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن زيد.\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"العمدة\": \"وفي رواية غيره ... إلخ\"، وهو أوضح.\n(٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٤٠٠ - ٤٠٢).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٢٧١٨).","vol":"7","page":469},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومنها: ما رواه ابن ماجه (١) من رواية حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة قالت: قلت: \"يا رسول الله! على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة\".\nقلت: أخرجه البخاري ولم يذكر فيه العمرة.\nومنها: ما رواه ابن عدي في \"الكامل\" من رواية قتيبة، عن ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الحج والعمرة فريضتان واجبتان\".\nقلت: قال ابن عدي: هو عن ابن لهيعة عن عطاء غير محفوظ؛ وأخرجه البيهقي، وقال: ابن لهيعة غير محتج به.\nومنها: ما رواه الترمذي (٢) من حديث عمرو بن أوس، عن أبي رزين العقيلي: \"أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال: حج عن أبيك واعتمر\"، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nقلت: أمره بأن يعتمر عن غيره.\nومنها: ما رواه الدارقطني (٣) من رواية يونس بن محمد، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: \"بينا نحن جلوس عند رسول الله - ﷺ - في أناس إذ جاء رجل ليس عليه سحناء سفر\"، فذكر الحديث، وفيه: \"فقال: يا محمد! ما الإِسلام؟ فقال: الإِسلام أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر\"، وقال الدارقطني: وهذا إسناد (٤)\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (٢٩٠١)، و\"صحيح البخاري\" (١٥٢٠، ٢٨٧٥).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٩٣٠)، وأخرجه الدارقطني (٢/ ٢٨٣)، والبيهقي (٤/ ٣٢٩).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٢٧٠٨).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"عمدة القاري\": \"هذا إسناد ثابت\"، وفي \"سنن الدارقطني\": \"هذا إسناد ثابت صحيح، لعله اختصره الشارح\".","vol":"7","page":470},{"text":"١٩٨٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ. [خ ١٧٧٤، حم ٢/ ٤٧]\n===\nأخرجه مسلم بهذ الإسناد، وقال ابن القطان: زيادة صحيحة، وأخرجه أبو عوانة في \"صحيحه\"، والجوزقي والحاكم أيضًا.\nقلت: المراد بإخراج مسلم له أنه أخرج الإسناد هكذا، ولم يسق لفظ هذه الرواية، وإنما أحال به على الطرق المتقدمة إلى يحيى بن يعمر بقوله: بنحو حديثهم.\nثم اعلم أن الشافعي ذهب إلى استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مرارًا، وقال مالك وأصحابه: يكره أن يعتمر في السنة الواحدة أكثر من عمرة واحدة، وقال ابن قدامة (١): قال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة واحدة، وعند أبي حنيفة: تكره العمرة في خمسة أيام: يوم عرفة، والنحر، وأيام التشريق، وقال أبو يوسف: تكره في أربعة أيام: عرفة والتشريق، انتهى ملخص ما في العيني.\n١٩٨٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا مخلد بن يزيد ويحيى بن زكريا؛ عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر قال: اعتمر رسول الله - ﷺ - قبل أن يحج)، وقد أخرج البخاري معلقًا، وقال إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق: حدثني عكرمة بن خالد قال: سألت ابن عمر، مثله.\nقال الحافظ (٢): وصله أحمد عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد بالإسناد المذكور، ولفظه: \"حدثنا عكرمة بن خالد بن العاصي المخزومي قال: قدمت المدينة في نفر من أهل مكة، فلقيت عبد الله بن عمر فقلت: إنا لم نحج قط، أفنعتمر من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" (٥/ ١٦، ١٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٩).","vol":"7","page":471},{"text":"١٩٨٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، عَنِ ابْنِ أَبِى زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"وَاللَّهِ مَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَائِشَةَ فِى ذِى الْحِجَّةِ إلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَىَّ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا عَفَا الْوَبَرْ، وَبَرَأَ الدَّبَرْ، وَدَخَلَ صَفَرْ، فَقَدْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ (١)، فَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الْعُمْرَةَ حَتَّى يَنْسَلِخَ ذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ. [خ ١٥٦٤، م ١٢٤٠، حب ٣٧٦٥، ق ٤/ ٣٤٤]\n===\nعُمَرَه كلها قبل حجه، قال: فاعتمرنا\". وهذا يدل على أن من اعتمر قبل الحج تجزئه العمرة، وهو مجمع عليه.\n١٩٨٧ - (حدثنا هناد بن السري، عن ابن أبي زائدة، نا ابن جريج ومحمد بن إسحاق، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله - ﷺ - عائشةَ) وغيرَها (في ذي الحجة) بأنه أمرها ومن لم يكن معهم هدي بفسخ إحرام الحج بإحرام العمرة (إلَّا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك).\n(فإن هذا الحي من قريش ومن دان) أي تبع (دينَهم) أي طريقهم (كانوا يقولون: إذا عفا) أي كثر (الوبر) أي الشعر على ظهر البعير، ولفظ البخاري ومسلم: إذا عفا الأثر، أي انمحى واندرس (وبرأ) أي صح وزال (الدبر) وهو الجرح الذي يكون في ظهر البعير، وقيل: جرح خف البعير (ودخل (٢) صفر؛ فقد حلت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم) فأبطله رسول الله - ﷺ -، وأمر أصحابه وأزواجه بأن يعتمروا في ذي الحجة في أشهر الحج.\n_________\n(١) قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٣/ ٤٢٦) رقم حديث (١٥٦٤): وهذه الألفاظ تقرأ ساكنة الراء لإرادة السجع.\n(٢) لفظ البخاري: وانسلخ صفر، وفي النسائي (٢٨١٣) بالشك، كذا في حاشية \"اللامع\" (٥/ ١٦٣). (ش).","vol":"7","page":472},{"text":"١٩٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ مَرْوَانَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَى أُمِّ مَعْقِلٍ قَالَتْ: \"كَانَ (١) أَبُو مَعْقِلٍ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ -، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَتْ أُمُّ مَعْقِلٍ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَلَىَّ حَجَّةً، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ حَتَّى دَخَلَا عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَىَّ حَجَّةً، وَإِنَّ لأَبِى مَعْقِلٍ بَكْرًا،\n===\n١٩٨٨ - (حدثنا أبو كامل، نا أبو عوانة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني، كان أحد الفقهاء السبعة، قيل: اسمه محمد، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وكان قد استُصْغِر يوم الجمل، فرُدَّ هو وعروة بن الزبير، وكان ثقة، فقيهًا، شيخًا، كثير الحديث، وكان يقال له: واهب قريش؛ لكثرة صلاته.\n(أخبرني رسول مروان) لم أقف على تسميته (الذي أرْسل إلى أم معقل، قالت) أم معقل: (كان أبو معقل حاجًا مع رسول الله - ﷺ -، فلما قدم) أي أبو معقل في البيت عند زوجته (قالت أم معقل) له: (قد علمتَ أن عليَّ حجة) لا بد من التأويل في تلك الكلمة كيلا تخالف الرواية سائرَ المذاهب، وقد كثر وشاع استعمال صيغ الوجوب فيما يعده المرء لازمًا على نفسه، ولا من نفسه من دون نذر ولا إيجاب، كما ذكر في رواية صبي بن معبد: \"إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ\". وقد علم أن العمرة ليست بواجبة على رأي الحنفية، كذا في \"التقرير\".\n(فانطلقا) أي أبو معقل وأم معقل (يمشيان حتى دخلا عليه) أي على رسول الله - ﷺ - قبل أن يسير إلى الحج (فقالت: يا رسول الله! إن علي حجة، وإن لأبي معقل بكرًا) فمره أن يعطينيه لأحج عليه\n_________\n(١) في نسخة: \"جاء\".","vol":"7","page":473},{"text":"قَالَ أَبُو مَعْقِلٍ: صَدَقَتْ، جَعَلْتُهُ في سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: «أَعْطِهَا فَلْتَحُجَّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ في سَبِيلِ اللهِ»، فَأَعْطَاهَا الْبَكْرَ، فَقَالَتْ (١): يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرْتُ وَسَقِمْتُ فَهَلْ مِنْ عَمَلٍ يُجْزِئُ عَنِّي مِنْ حَجَّتِى؟ قَالَ: عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تُجْزِئُ حَجَّةً» (٢). [حم ٦/ ٤٠٥، ك ١/ ٤٨٢]\n===\n(قال أبو معقل: صدقت، جعلتُه في سبيل الله) أي الجهاد، فكيف أعطيها وهي زوجتي.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أعطِها فلتحج عليه فإنه) أي إعطاؤك إياها للحج (في سبيل الله)، ولعل أبا معقل ظن أن في سبيل الله يختص بالجهاد (فأعطاها البكر) فأصابها المرض وهلك أبو معقل، أو سار مع رسول الله - ﷺ - فمات في الحج.\nفلما رجع رسول الله - ﷺ - (فقالت: يا رسول الله إني امرأة قد كبرت) أي كبرت سنين (وسقمت) أي ضعفت (فهل من عمل يجزئ عني من حجتي؟) أي يكفيني من حجتي (قال) رسول الله - ﷺ -: (عمرة في رمضان تجزئ حجة) (٣).\nواختلف الرواة في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم معقل، ففي حديث أبي عوانة عند أبي داود وأحمد: عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: أخبرني رسول مروان الذي أرسل إلى أم معقل.\nوفي رواية شعبة عند أحمد: عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن قال: أرسل مروان إلى أم معقل الأسدية يسألها عن هذا الحديث، فحدثته.\n_________\n(١) في نسخة: \"قالت\".\n(٢) في نسخة: \"عن حجة\".\n(٣) وهل تفضل على العمرة في أشهر الحج أم لا؟ مال ابن القيم إلى الثاني. [انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٩٥، ٩٦)]. (ش).","vol":"7","page":474},{"text":"١٩٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِىُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْقِلِ ابْنِ أُمِّ مَعْقِلٍ الأَسَدِىِّ أَسَدُ خُزَيْمَةَ،\n===\nوفي رواية محمد بن أبي إسماعيل عند أحمد: عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي، عن معقل بن أبي معقل: أن أمه أتت رسول الله - ﷺ - فقالت، فذكر معناه.\nوفي رواية سمر عن الزهري عند أحمد: عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن امرأة من بني أسد بن خزيمة، يقال لها: أم معقل قالت، الحديث.\nوفي رواية يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عند أحمد: عن الحارث بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه قال: كنت فيمن رَكِبَ مع مروان حين ركب إلى أم معقل، قال: وكنت فيمن دخل عليها من الناس معه، وسمعتها حين حدثت هذا الحديث.\nقلت: ويمكن أن يجمع بين هذه الاختلافات بأن مروان أرسل رسوله أولًا إلى أم معقل فحدثته بهذا الحديث، وقد سمع أبو بكر بن عبد الرحمن من الرسول حين حدث مروان هذا الحديث، ثم ركب مروان إليها بنفسه ليشافهها بالحديث، وركب معه إليها أبو بكر بن عبد الرحمن، فسمعا منها هذا الحديث بالمشافهة، وقد سمع أبو بكر بن عبد الرحمن من معقل بن أبي معقل أيضًا، فتارة يروي عن الرسول، ومرة يروي عن معقل بن أبي معقل، وتارة يحدث عنها بغير واسطة.\n١٩٨٩ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، ثنا أحمد بن خالد الوهبي، نا محمد بن إسحاق، عن عيسى بن معقل بن أم معقل الأسدي أسد خزيمة) حجازي، روى عن جدته أم معقل ويوسف بن عبد الله بن سلام، وعنه موسى بن عقبة وابن إسحاق، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".","vol":"7","page":475},{"text":"حَدَّثَنِى يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ مَعْقِلٍ قَالَتْ: \"لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ، فَجَعَلَهُ (١) أَبُو مَعْقِلٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَصَابَنَا (٢) مَرَضٌ، وَهَلَكَ (٣) أَبُو مَعْقِلٍ، وَخَرَجَ النَّبِىُّ -ﷺ-، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ (٤) جِئْتُهُ فَقَالَ: «يَا أُمَّ مَعْقِلٍ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِى مَعَنَا»؟ قَالَتْ: لَقَدْ تَهَيَّأْنَا فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ، وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ هُوَ الَّذِى\n===\n(حدثني يوسف بن عبد الله بن سلام، عن جدته) (٥)، ظاهر السياق يدل على أن الضمير إلى يوسف، ولكن ما وجدت في الكتب أنها جدة يوسف بن عبد الله، بل هي جدة عيسى بن معقل (أم معقل) الأسدية أو الأشجعية، زوج أبي معقل، ويقال لها: الأنصارية، صحابية، لها حديث في عمرة رمضان.\n(قالت: لما حج رسول الله - ﷺ - حجة الوداع) كنت أردت أن أخرج معه للحج، فعرض لي منه موانع، أولها: (وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله)، والثاني: (وأصابنا مرض) أي مرضت أنا وزوجي، وثالثها: (وهلك أبو معقل) فلم أخرج معه.\n(وخرج النبي - ﷺ -، فلما فرغ من حجه جئته فقال) رسول الله - ﷺ -: (يا أم معقل! ما منعكِ أن تخرجي معنا؟ قالت: لقد تهيَّأنا) أي للحج، فلم أستطع أن أخرج معك؛ لأني أصابني مرض (فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي\n_________\n(١) في نسخة: \"جعله\".\n(٢) في نسخة: \"فأصابنا\".\n(٣) في نسخة: \"فهلك\".\n(٤) في نسخة: \"حجته\".\n(٥) وقال الحافظ في \"الإصابة\": رواه موسى بن عقبة عن عيسى بن معقل عن جدته أم معقل، ولم يذكر يوسف. [انظر: \"الإصابة\" (٤/ ١٨٢)، في ترجمة أبي معقل الأسدي]. (ش).","vol":"7","page":476},{"text":"نَحُجُّ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: «فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَجَّ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَّا إِذْ (١) فَاتَتْكِ هَذِهِ الْحَجَّةُ مَعَنَا، فَاعْتَمِرِى فِى رَمَضَانَ فَإِنَّهَا كَحَجَّةٍ»، فَكَانَتْ تَقُولُ: الْحَجُّ حَجَّةٌ (٢) وَالْعُمْرَةُ عُمْرَةٌ، وَقَدْ قَالَ هَذَا لِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، مَا أَدْرِى أَلِىَ خَاصَّةً\"؟ . [دي ١٨٦٠، خزيمة ٢٣٧٦]\n===\nنحجُّ عليه) أي نريد أن نحج عليه (فأوصى به أبو معقل في سبيل الله) أي جعله في سبيل الله.\n(قال: فهلا خرجتِ عليه؛ فإن الحج في سبيل الله! فأما إذا فاتتكِ هذه الحجة معنا فاعتمري في رمضان؛ فإنها) أي العمرة في رمضان (كحجة، فكانت تقول: الحج حجة، والعمرة عمرة) لا تتحد إحداهما بالأخرى (وقد قال هذا لي رسول الله - ﷺ -، ما أدري ألي خاصة) أو عام شامل لجميع الأمة؟\nوفي هذا الحديث اضطراب كثير، واختلاف شديد، فإن الحديث الأول يدل على أن أبا معقل حج مع رسول الله - ﷺ -، ورجع، وذهب مع زوجته أم معقل إلى رسول الله - ﷺ -، وتكلما مع رسول الله - ﷺ -، وهذا الحديث يدل بظاهره على أن أبا معقل هلك قبل أن يخرج رسول الله - ﷺ -، وانطلقت منفردة إلى رسول الله - ﷺ -، وتكلمت معه في أمر الحج والعمرة.\nولم أر من تعرض لجمع هاتين الروايتين ورفع الإشكال إلَّا ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ - فقال: الروايات في قصة أبوي معقل هذين متخالفة، الذي يجتمع به الروايات أن يقال: إن أبا معقل كان له جمل للركوب، والجمل الآخر (٣) للزراعة، وآخر جعله في سبيل الله،\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢) في نسخة: \"حج\".\n(٣) ولا حرج أيضًا في أن يكون الواحد للركوب والزراعة، والآخر حبيس، وأخرج =","vol":"7","page":477},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكان أبو معقل وابنه كلاهما قاصدان الحج، فلم يبق لأم معقل راحلة تحج عليها، فسألت رسول الله - ﷺ - في أمرها ماذا تفعل، ورخص لها أن تحج على البكر الذي جعله أبو معقل في سبيل الله.\nثم بعد الفتيا مرض أبو معقل حتى مات، ومرضت أم معقل، ثم أخذتها عدة الوفاة، وسار النبي - ﷺ - ومن معه يريدون الحجة، فلما رجع من حجته، حضرته أم معقل، فسألها عن السبب الذي عرضها حتى امتنعت عن الرواح معه مع ذلك الاهتمام الذي كان لها قبل، فبينت لذلك عللًا وموانع.\nمنها: أن البكر كان في سبيل الله، فلما سمع ذلك ولم تكن تكلمت بسائر الأعذار التي عاقتها عنه، قال النبي - ﷺ -: \"هلا حججتِ عليه؛ فإن الحج في سبيل الله\"، ثم بينت الأسباب الأخرى.\nمنها: موت زوجها وما دهمها من المصائب والأمراض، وأنواع الآلام، ثم سألت بعد كل ذلك عن السبب الذي تنال به تلك الفضيلة التي فاتتها، فقال لها: \"عمرة في رمضان تعدل حجة معي\".\nوعلى هذا التقرير تتفق كثير من الروايات الواردة في قصتهما، غير أنه ينافيه ما في (١) بعضها من أن بيان فضيلة العمرة كانت على لسان أبي معقل، وهذا يستدعي أن تكون سألته في حياته، فَيُتَكَلَّف إلى توجيه ذلك بأنها حين صممت العزم بالمعية واستفتت، فرخص لها في الركوب على البكر الموقوف،\n_________\n= السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٠٨): قالت: حج بي على جملك فلان، قال: ذاك نتعاقبه أنا وولدك، قالت: فحج بي على جملك فلان، قال: ذاك احتبس إلى آخره. ثم تحقق لي أنها قصة أخرى؛ فإنها من رواية ابن عباس في امرأة مبهمة، والصواب في تفسيرها عندي أنها أم سنان، كما سيأتي. (ش).\n(١) لكنه مبني على أن حديث ابن عباس الآتي في قصنها، والصواب عندي أنه في قصة أم سنان، ثم رأيت الحافظ في \"الإصابة\" (٤/ ١٨١) ذكر في ترجمة أبي معقل ما يؤيد الشيخ كونها من مسند أبي معقل أيضًا، وإليه يؤول كلام الشيخ. (ش).","vol":"7","page":478},{"text":"١٩٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَامِرٍ الأَحْوَلِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْحَجَّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ\n===\nفَكَّرت في نفسها فذكرت لزوجها أن الناس مع رسول الله - ﷺ - كثيرون مزدحمون، وإني عجوزة مريضة، فلا أجدني أصبر على مقاساة تلك الشدائد، فذكر ذلك له - ﷺ -، فبين له الفضل في عمرة رمضان.\nثم لما عاد عن الحج وعادت هناك خطوب وحوادث، عادت فأعادت المسألة، فأعاد الجواب، ولعله نسيها ما كان ذكرها من قبل، كما نسيت ما كانت سألتها من قبل، أو ظنت أني كنت في شأن غير شأني هذا الذي أنا اليوم فيه، فلعلي أُجاب بأسهل من هذا.\nثم إن فضيلة العمرة في رمضان لا تقتضي فراغ الذمة عن فريضة الحج؛ لأنها لما تأسفت على ما فاتها من الفضل سألت عما تتدارك به ذلك، فأُجِيبَتْ على حَسَب مسألتها، ولا دلالة في الحديث على فراغ الذمة عن الحجة، ولا هي متعرضة بها فيه، كيف وهي بنفسها مترددة في ذلك، حيث قالت: ما أدرى ألي خاصة؟، يعني: لا أدري هل المراد بذلك فراغ الذمة، فيكون لي خاصة، أو مجرد الفضل فتكون لكم عامة، والله أعلم، انتهى.\n١٩٩٠ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن عامر) بن عبد الواحد (الأحول، عن بكر بن عبد لله، عن ابن عباس قال: أراد رسول الله - ﷺ - الحج) أي حجة الوداع (فقالت امرأة) وهي أم معقل.\nقال الحافظ (١): ولا معدل عن تفسير المبهمة (٢) في حديث ابن عباس\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠٤).\n(٢) قلت: وذكر القسطلاني (٤/ ٣٤٣، ٣٤٤) في اختلاف صاحبة القصة أقوالًا وروايات؛ وجزم في تفسير المبهمة بأنها أم سنان، انتهى. والأوجه عندي أنها أم سنان، كما هو نص حديث ابن عباس عند الشيخين، وسياق قصة أم سليم يغاير قصة أم سنان. (ش).","vol":"7","page":479},{"text":"لِزَوْجِهَا: أَحْجِجْنِي (١) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ (٢): مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ، قَالَتْ: أَحْجِجْنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلَانٍ، قَالَ: ذَاكَ حَبِيسٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي تَقْرأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، وَإِنَّهَا سَأَلَتْنِي الْحَجَّ مَعَكَ قَالَتْ: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: مَا عِنْدِي مَا أحِجُّكِ عَلَيْهِ قَالَتْ: أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلَانٍ، فَقُلْتُ: ذَاكَ (٣) حَبِيسٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، قَالَ:\n===\nبأنها أم سنان أو أم سليم لما في القصة التي في حديث ابن عباس من التغاير للقصة التي في حديث غيره، ولقوله في حديث ابن عباس: إنها أنصارية، وأما أم معقل فإنها أسدية، انتهى.\nقلت: وقد قال الحافظ في ترجمة أم معقل من \"التهذيب\" (٤) و\"التقريب\": ويقال لها: الأنصارية. فلعله نسي ما كتب فيهما، أو تحقق له كونُها أنصارية بعد ما كتب في \"الفتح\" من أنها أسدية لا أنصارية.\n(لزوجها) أبي معقل (أحججني مع رسول الله - ﷺ -، فقال) الزوج: (ما عندي ما أحجكِ عليه) من الجمل، (قالت: أحججني) وفي نسخة: أحجني (على جملك فلان، قال: ذاك) أي الجمل الفلاني (حبيس في سبيل الله ﷿) أي موقوف في الجهاد.\n(فأتى) الزوجُ (رسولَ الله - ﷺ -، فقال: إن امرأتي تقرأ عليكَ السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك، قالت: أحجني مع رسول الله - ﷺ -، فقلت) لها: (ما عندي ما أحجك عليه، قالت: أحجني على جملك فلان، فقلت) لها: (ذاك حبيس في سبيل الله ﷿، قال) رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"حَجِّجْني\"، وفي نسخة: \"أحِجَّنِي\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"ذلك\".\n(٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٨٠).","vol":"7","page":480},{"text":"«أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ (١) فِى سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ: وَإِنَّهَا أَمَرَتْنِى أَنْ أَسْأَلَكَ مَا يَعْدِلُ حَجَّةً (٢) مَعَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَقْرِئْهَا السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ وَأَخْبِرْهَا أَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِى». - يَعْنِى عُمْرَةً فِى رَمَضَانَ-. [خزيمة ٣٠٧٧، جه ٢٩٩٤]\n١٩٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، نَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اعْتَمَرَ عُمْرَتَيْنِ: عُمْرَة في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً في شَوَّالَ\".\n===\n(أما إنكَ لو أحججتها عليه كان في سبيل الله).\nقال الزوج: (وإنها أمرتني أن أسألك ما يعدل حجة معك؟) أي عبادة تكون ثوابها كالحج معك (قال رسول الله - ﷺ -: أقرئها السلام ورحمة الله وبركاته، وأخبرها أنها تعدل حجة معي يعني) بالضمير في أنها (عمرة في رمضان).\n١٩٩١ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد، نا داود بن عبد الرحمن) العطار العبدي، أبو سليمان المكي، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به صالح، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال العجلي: مكي ثقة، وثقه أيضًا البزار، ونقل الحاكم عن ابن معين تضعيفَه، وقال الأزدي: يتكلمون فيه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - اعتمر (٣) عمرتين: عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال).\n_________\n(١) في نسخة: \"كانت\".\n(٢) في نسخة: \"حجتها\".\n(٣) قال ابن القيم: قد ظن بعضهم بهذا أنه - ﵇ - اعتمر في سنة مرتين؛ لأنه لا يمكن أن يراد به مجموع عمره، وهذا الحديث وهم ... إلخ، وأكثر في تغليط الحديث. [انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٩٧، ٩٨)]. (ش).","vol":"7","page":481},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا الحديث يخالف ما أخرجه البخاري (١) من القصة، بأن عروة ابن الزبير سأل ابن عمر: \"كم اعتمر النبي - ﷺ -؟ قال: أربعًا، إحداهن في رجب\"، فخاطب عائشة وقال: \"يا أُمَّاه! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله - ﷺ - اعتمر أربع عمرات؛ إحداهن في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلَّا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط\".\nوكذا يخالف حديث أنس عند مسلم قال: \"اعتمر أربع عمر كلهن (٢) في ذي القعدة إلَّا التي اعتمر مع حجته: عمرته من الحديبية، ومن العام المقبل، ومن الجعرانة حيث قسم غنائم حنين\".\nويخالف حديث عائشة عند ابن ماجه (٣)، قالت: \"لم يعتمر رسول الله - ﷺ - عمرة إلَّا في ذي القعدة\".\nفالجواب عنه أن ذكرت العمرتين لأنها تركت عمرة الحديبية؛ لأن رسول الله - ﷺ - أُحْصِرَ عنها، وكذا العمرة التي كانت مع الحج، فاكتفت على العمرتين المنفردتين المستقلتين.\nوأما قولها: \"فعمرة في شوال\"، فقد أجاب عنه ابن القيم في \"الهدي\" (٤)، فقال: وقد روى أبو داود في \"سننه\" عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - اعتمر في شوال\"، وهذا إن كان محفوظًا فلعله في عمرة الجعرانة (٥)\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٧٧٥، ١٧٧٦).\n(٢) سقط في الأصل لفظ: \"كلهن\".\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" (٢٩٩٧).\n(٤) \"زاد المعاد\" (٢/ ٩٤).\n(٥) قلت: وحكى العيني (٧/ ٤٠٦) أن بعضهم حمل عمرة في شوال على عمرة الحديبية، والجمهور على أنه عمرة الجعرانة، كما في \"الأوجز\" (٦/ ٥٨٨). (ش).","vol":"7","page":482},{"text":"١٩٩٢ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: \"سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: مَرَّتَيْنِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا سِوَى الَّتِى قَرَنَهَا بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ\".\n١٩٩٣ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ وَقُتَيْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ\n===\nحين خرج في شوال؛ ولكن إنما أحرم بها في ذي القعدة (١)، انتهى.\nوكذا قال شيخ مشايخنا مولانا الشاه محمد إسحاق الدهلوي ثم المهاجر المكي: هذا إشارة إلى عمرة الجعرانة، لكن ما وقعت عمرة الجعرانة في شوال، بل هي أيضًا في ذي القعدة، لكن بسبب خروج النبي - ﷺ - من مكة إلى حنين في شوال، ووقوع هذه العمرة في هذا الخروج نسبته إلى شوال.\n١٩٩٢ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، عن مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال: مرتين (٢)، فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجة (٣) الوداع)، فكأنها نسبَتْه إلى نسيان، ويمكن توجيهه بما تقدم في قول عائشة: أن رسول الله - ﷺ - اعتمر عمرتين.\n١٩٩٣ - (حدثنا النفيلي وقتيبة قالا: نا داود بن عبد الرحمن\n_________\n(١) وذكر الواقدي أن إحرامه - ﵇ - من الجعرانة كان ليلة الأربعاء لاثنتي عشر ليلة بقيت من ذي القعدة، كذا في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٥٠٤)، رقم (٩٧٧). (ش).\n(٢) وظاهر ما في البخاري عن نافع أن ابن عمر لم يعلم بعمرة الجعرانة، لكن يشكل عليه ما تقدم قريبًا في \"البذل\" عن ابن عمر عند البخاري أربع عمر. (ش).\n(٣) فيه دليل على أن المراد بالتمتع في حديث ابن عمر القرآن، انتهى، وأيضًا فهو نص من عائشة أنه -﵊ - كان قارنًا، وأجاب عنه البيهقي بتفرُّد أبي إسحاق عن مجاهد بهذا، وقال: رواه منصور عن مجاهد بلفظ: فقالت: ما اعتمر في رجب قط، وقال: هو المحفوظ ... إلخ، كذا في \"الفتح\" (٣/ ٤٢٨). (ش).","vol":"7","page":483},{"text":"الْعَطَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالثَّانِيَةَ حِينَ تَوَاطَؤوا عَلَى عُمْرَةٍ مِنْ قَابِلٍ، وَالثَّالِثَةَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَالرَّابِعَةَ الَّتِى قَرَنَ مَعَ حَجَّتِهِ\". [ت ٩١٦، جه ٣٠٠٣، حم ١/ ٢٤٦، ق ٥/ ١٢]\n١٩٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ وَهُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ فِى ذِى الْقَعْدَةِ إلَّا الَّتِى مَعَ حَجَّتِهِ. [خ ١٧٨٠، م ١٢٥٣]\n===\nالعطار، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عمر: عمرة الحديبية) ولكن صُدَّ عنها، وصالح قريشًا على أن يأتي العام المقبل فيعتمر، ولما كان سافر لها وأحرم بها وذبح لها عد عمرة.\n(والثانية حين تواطؤوا) أي توافقوا رسول الله - ﷺ - وقريش (على عمرة من قابل) فاعتمر رسول الله - ﷺ - مع أصحابه في العام المقبل (والثالثة من الجعرانة) بعد فتح مكة سنة ثمان (والرابعة التي قرن مع حجته) وهذا يثبت أن رسول الله - ﷺ - كان قارنًا (١).\n١٩٩٤ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي وهدبة بن خالد)، وفي نسخة: وأنا لحديثه أتقن، (قالا: نا همام، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلَّا التي مع حجته) فإنها في ذي الحجة، ولكن إحرامها كان في ذي القعدة، فلو نسبت إليه لكان له وجه.\n_________\n(١) ومن ذهب إلى الإفراد أعلَّه بداود العطار، وقال: إنه تفرَّد بوصله عن عمرو بن دينار، ورواه ابن عيينة عن عمرو فأرسله؛ ولم يذكر ابن عباس، كذا في \"الفتح\" (٣/ ٤٢٨). (ش).","vol":"7","page":484},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَتْقَنْتُ (١) مِنْ هَا هُنَا مِنْ هُدْبَةَ وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِى الْوَلِيدِ وَلَمْ أَضْبِطْهُ:\n\"زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ (٢) أَوْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ (٣) فِى ذِى الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِى ذِى الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ\".\n===\n(قال أبو داود: أتقنتُ من ها هنا من هدبة) أي من بعد قوله: إلَّا التي مع حجته، (وسمعته من أبي الوليد) أيضًا (و) لكن (لم أضبطه) ولعدم ضبطه ترك لفظ حديثِ أبي الوليد، وذكر لفظ حديث هدبة وهو قوله: (زمن الحديبية أو من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته).\nوقد سقط في سياق أبي داود لهذا الحديث ذكر عمرةِ القضاء في جميع النسخ الموجودة عندي إلَّا في نسخة صاحب \"العون\"؛ فإن فيها ذكر عمرة القضاء، وكتب عليه \"ن\" علامة للنسخة.\nوقد أخرج البخاري حديث هدبة بهذا السند، ولفظه: \"قال: اعتمر أربع عمر في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته: عمرته من الحديبية، ومن العام المقبل، ومن الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجته\".\nوقد أخرج أيضًا حديثَ أبي الوليدِ هشام بن عبد الملك، حدثنا همام، عن قتادة قال: \"سألت أنسًا - ﵁ -، فقال: اعتمر النبي - ﷺ - حيث رَدُّوه، ومن القابل عمرة الحديبية، وعمرة في ذي القعدة، وعمرة مع حجته\" (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"أيقنت\".\n(٢) في نسخة: \"عمرة زمن الحديبية\".\n(٣) زاد في نسخة: \"وعمرة القضاء\".\n(٤) \"صحيح البخاري\" (١٧٧٩).","vol":"7","page":485},{"text":"(٧٩) بَابُ (١) الْمُهِلَّةِ بالعُمْرَةِ تَحِيضُ فَيُدْرِكُهَا الْحَجُّ فتنْقُضُ عُمْرَتَهَا وَتُهِلُّ بِالْحَجِّ، هَلْ تَقْضِي عُمْرَتَهَا؟\n١٩٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَرْدِفْ أُخْتَكَ عَائِشَةَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ،\n===\nوأخرج مسلم حديث هدَّاب بن خالد، وهو هدبة المذكور بهذا السند، ولفظه: \"أن رسول الله - ﷺ - اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلَّا التي مع حجته: عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته\"، وكذلك أخرج البيهقي (٢) حديث هدبة، فذكر مثل حديث مسلم، فالظاهر أن سقوط عمرة القضاء في سياق أبي داود من الناسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>(٧٩) (بَابُ الْمُهِلَّةِ بِالْعُمْرَةِ تَحِيضُ فَيُدْرِكُهَا الْحَجُّ فتنْقُضُ عُمْرَتَهَا وَتُهِلُّ بِالْحَجِّ، هَلْ تَقْضِي عُمْرَتَهَا</span>؟)\n١٩٩٥ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد، نا داود بن عبد الرحمن، حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر) زوجة المنذر بن الزبير، قال العجلي: تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيها: أن رسول الله - ﷺ - قال لعبد الرحمن) بن أبي بكر الصديق - ﵁ -: (يا عبد الرحمن: أَرْدِفْ أختَكَ عائشةَ) بدل من أختك (فأعمرها من التنعيم) وهو موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة،\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في المرأة تهل بالعمرة وتحيض فيدركها الحج فترفض عمرتها ... إلخ\".\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٠).","vol":"7","page":486},{"text":"فَإِذَا هَبَطْتَ بِهَا مِنَ الأَكَمَةِ فَلْتُحْرِمْ فَإِنَّهَا عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ». [خ ١٧٨٤، م ١٢١٢، حم ١/ ١٩٨، ق ٤/ ٣٥٧]\n===\nأقرب أطراف الحل إلى البيت (فإذا هبطتَ بها) أي بعائشة - ﵂ - (من الأكمة).\nقال في \"القاموس\": الأكمة محركةً: التَّلُّ من القفِّ من حجارة واحدة، أو هي دون الجبال، أو الموضع يكون أشدَّ ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حَجَرًا، جمعه أَكَم، محرَّكةً وبضمتين، \"قاموس\".\n(فلتُحرِم) فإنها من الحل (فإنها عمرة متقبَّلة)، وهذا يدل على أن عائشة - ﵂ - كانت رافضة للعمرة ناقضة إحرامَها عند أبي داود، واختلف فيه.\nفقالت الحنفية: إن عائشة - ﵂ - لما حاضت وأدركها الحج رفضت (١) عمرتها، ثم أحرمت بالحج، فلما فرغت من حجها قضت العمرة التي رفضتها.\nوأما عند الشوافع: أنها لم ترفض عمرتها وبقيت على إحرامها، ولكن تركت أفعالَها، فعمرتها من التنعيم عمرة مستأنفة، وقد تقدم بحثها.\nومناسبة الحديث بالباب بأن هذا الحديث وقع فيه ذكرُ الحيض ونقضُ العمرة وأداءُ العمرة من التنعيم مكانها في بعض طرقها، فباعتبار تلك الطرق حصل المناسبة بينه وبين ترجمة الباب، وإن لم تكن هذه الأمور في هذا الطريق.\n_________\n(١) وبذلك صرَّح محمد في \"موطئه\" [انظر: \"التعليق الممجد\" (٢/ ٣٦٠)]، لكن يشكل على الحنفية أن طواف الحائض ينجبر عندهم بالشاة كما في \"شرح اللباب\"، فكيف احتاجوا إلى رفضها مع وجوب القضاء والدم؟ ويمكن الجواب عنه على رأي صاحب \"البدائع\" (٢/ ٣١٩، ٣٢٠): أن السعي على طواف الحائض باطل، لكن رده ابن الهمام كما في \"شرح اللباب\". ولا يشكل علينا ما في \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢٣٨)، و\"المغني\" (٥/ ٣٦٩): أن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع، فمع الخشية أولى ... إلخ، لما في \"شرح اللباب\" (ص ٢٥٧، ٢٥٨): أن الفراغ من العمرة قبل الوقوف بعرفة من شرائط القرآن عندنا، وهاهنا لا يمكنها الفراغ بخلاف الأئمة الثلاثة إذ قالوا: بالتداخل. (ش).","vol":"7","page":487},{"text":"١٩٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُزَاحِمِ بْنِ أَبِى مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنِى أَبِى مُزَاحِمٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدٍ، عَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِىِّ قَالَ: \"دَخَلَ النَّبِىُّ -ﷺ- الْجِعْرَانَةَ فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَرَكَعَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَحْرَمَ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَاسْتَقْبَلَ بَطْنَ سَرِفَ حَتَّى لَقِىَ\n===\n١٩٩٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا سعيد بن مزاحم بن أبي مزاحم) الأموي، مولى عمر بن عبد العزيز، روى عن أبيه، أخرج أبو داود والنسائي له حديث محرش الكعبي، قال: (حدثني أبي مزاحمٌ) بدل من أبي، وهو مزاحم ابن أبي المزاحم المكي، مولى عمر بن عبد العزيز، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد العزيز بن عبد الله بن) خالد بن (أسيد) مكبرًا، ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي، استعمله عبد الملك بن مروان على مكة، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكنَاه ابن حبان أبا الحجاج.\n(عن محرش) بضم أوله وفتح المهملة، ويقال: بالخاء المعجمة وكسر الراء بعدها (١) معجمة، ابن عبد الله، أو ابن سويد بن عبد الله (الكعبي) الخزاعي، نزيل مكة، صحابي، له حديث في عمرة الجعرانة.\n(قال: دخل النبي - ﷺ - الجعرانةَ (٢) فجاء إلى المسجد) الذي كان هناك (فركع) أي فصلى فيه (ما شاء الله، ثم أحرم) فيه للعمرة، وذهب إلى مكة ليلًا فطاف وسعى، ثم رجع بعد ما فرغ من العمرة إلى الجعرانة ليلًا (ثم) لما زالت الشمس من الغد (استوى) أي ركب (على راحلته، فاستقبل بطن سرف حتى لقي\n_________\n(١) هكذا ضبطه ابن ماكولا تبعًا لابن معين وغيره، وضبطه ابن السكت تبعًا لابن المديني بسكون الحاء المهملة وفتح الراء. \"زرقاني\" (٢/ ٢٤٢). (ش).\n(٢) اختلفوا في الأفضل من مواقيت العمرة، فقال الشافعية: الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية؛ لأنه - ﷺ - صلَّى بالحديبية، وأراد الدخول لعمرته منها، وفي\"تحفة المحتاج\": من قال: إنه هَمَّ بالاعتمار منها فقد وهم؛ لأنه إنما أحرم من ذي الحليفة، =","vol":"7","page":488},{"text":"طَرِيقَ الْمَدِينَةِ، فَأَصْبَحَ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ\". [ت ٩٣٥، ن ٢٨٦٤، حم ٣/ ٤٢٦، ق ٤/ ٣٥٧]\n===\nطريق المدينة، فأصبح بمكة كبائت).\nسياق هذا الحديث في \"سنن أبي داود\" يخالف سياق هذا الحديث في \"الترمذي\" و\"النسائي\" و\"مسند أحمد\"؛ فأخرج الترمذي من حديث ابن جريج، عن مزاحم بن أبي مزاحم بسنده: \"أن رسول الله - ﷺ - خرج من الجعرانة ليلًا معتمرًا، فدخل مكة ليلًا فقضى عمرته، ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائتٍ، فلما زالت الشمس من الغد، خرج في بطن سرف، حتى جاء مع الطريق طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرتُه على الناس\".\nوهكذا أخرج الإِمام أحمد من طريق ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن مزاحم بن أبي مزاحم.\nونقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": قوله: \"فأصبح بمكة كبائتٍ\"، ظاهر هذا أنه كان بمكة؛ إلَّا أنه جاء الجعرانة ليلًا، ثم رجع إلى مكة فأصبح بها بحيث ما علم بخروجه منها، وهو خلاف المشهور، والمشهور أنه كان بالجعرانة، يقسم بها غنائم حنين، وأراد السفر إلى المدينة، خرج إلى مكة ليلًا، ثم رجع إلى الجعرانة، فأصبح فيها كبائتٍ، فالظاهر أن بعض رواة الكتاب أخطأ في النقل.\nوالصواب رواية الترمذي والنسائي عن محرش الكعبي: \"أن رسول الله - ﷺ - خرج من الجعرانة ليلًا معتمرًا، فدخل مكة ليلًا، فقضى عمرته، ثم خرج من ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائتٍ، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن\n_________\n= والتنعيم أفضل عندنا من غيره \"شامي\" (٣/ ٤٨٤)، وحكى الدردير في \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢٣١) أفضليةَ الجعرانة، والدسوقي المساواةَ، وحكى ابن قدامة (٥/ ٦٠) عن أحمد: كلما تباعد فهو أعظم للأجر، ولم يعين صاحب \"نيل المآرب\" (١/ ٢٩١)، و\"الروض المربع\" (١/ ١٥٢) غير الحل. (ش).","vol":"7","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>(٨٠) بَابُ الْمَقَامِ في العُمْرَةِ</span>\n١٩٩٧ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، وَعَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَقَامَ فِى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ثَلَاثًا\" (١).\n===\nسرف، حتى جاء مع الطريق طريق جمع ببطن سرف، فلذلك خفيت عمرته على الناس\"، انتهى.\nقلت: ليس في الحديث من الوهم إلَّا، قوله: \"فأصبح بمكة\"؛ فإن قوله: \"بمكة\" وهم من بعض الرواة غلط فيه، فقال: \"بمكة\" موضع \"بالجعرانة\"، ومع ذلك الحديث لا يناسب ترجمة الباب.\n\n(٨٠) (بَابُ الْمَقَامِ في الْعُمْرَةِ)\nأي إقامة رسول الله - ﷺ - في مكة بعد الفراغ من العمرة\n١٩٩٧ - (حدثنا داود بن رشيد) مصغرًا، (نا يحيى بن زكريا، نا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - أقام في عمرة القضاء) أي بعد أداء العمرة (ثلاثًا) أي ثلاثة أيام أو ثلاث ليال؛ لأنه - ﷺ - لما صالح قريشًا في عمرة الحديبية صالحهم على أن يقيموا في مكة ثلاثة أيام.\nقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٢): وهي قضاء عن عمرة الحديبية، هذا مذهب أبي حنيفة، وذهب مالك إلى أنها مستأنفة (٣) لا قضاء عنها، وتسمية\n_________\n(١) في نسخة: \"ثلاثة\".\n(٢) \"فتح القدير\" (٣/ ١٢٤).\n(٣) وقال ابن القيم في \"الهدي\" (٢/ ٩١): وهما روايتان عن الإِمام أحمد، والأصح الثاني ... إلخ، أي عند ابن القيم، وإلا فأشهر الروايات عن الإِمام أحمد: أنه يجب القضاء والهدي، كما في \"الهدي\"، وهو مذهب الحنفية، وعند الشافعي: لا قضاء عليه =","vol":"7","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>(٨١) بَابُ الإفَاضَةِ في الْحَجّ</span>\n١٩٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا عُبَيْدُ اللهِ،\n===\nالصحابة وجميع السلف إياها بعمرة القضاء ظاهر في خلافه، وتسمية بعضهم إياها عمرةَ القضية لا ينفيه؛ فإنه اتفق في الأولى مقاضاة النبي - ﷺ - أهلَ مكة على أن يأتي من العام المقبل، فيدخل مكة بعمرة ويقيم بها ثلاثًا، وهذا الأمر قضية تصح إضافة هذه العمرة إليها، فإنها عمرة كانت عن تلك القضية، فهي قضاء عن تلك القضية، فتصح إضافتها إلى كل منهما، فلا تستلزم الإضافة إلى القضية نفي القضاء، والإضافة إلى القضاء يفيد ثبوته، فيثبت مفيد ثبوته بلا معارض.\nوأيضًا فالحكم الثابت فيمن شرع في إحرام بنسك فلم يتمه لإحصار، فحل أن يقضي، وهذه تحتمل القضاء، فوجب حملها عليه، وعدم نقل (١) أنه ﵇ أمر الذين كانوا معه بالقضاء لا يفيد ذلك، بل المفيد له نقل العدم لا عدم النقل؛ نعم هو مما يؤنس به في عدم الوقوع؛ لأن الظاهر أنه لو كان لنقل، لكن ذلك إنما يعتبر لو لم يكن من الثابت ما يوجب القضاء في مثله على العموم، فيجب الحكم بعلمهم به وقضائها من غير تعيين طريق علمهم، انتهى.\n\n(٨١) (بَابُ) طواف (الإفَاضَةِ في الْحَجِّ)\nويقال له: طواف الزيارة وطواف الركن\n١٩٩٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا عبيد الله،\n_________\n= وعليه الهدي، وعند مالك لا قضاء عليه ولا هدي، كذا في \"جزء حجة الوداع\" (ص ٣٤٧). (ش).\n(١) وهذا على سبيل التسليم؛ وإلا فقد قال الحاكم في \"الإكليل\": تواترت الأخبار أنه - ﷺ - لما هَلَّ ذو القعدة، أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وأن لا يتخلف أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلَّا من استشهد، وخرج معه آخرون، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان، انتهى، كذا في \"الأوجز، (٦/ ٥٩٢)، و\"الفتح\" (٧/ ٥٠٠). (ش).","vol":"7","page":491},{"text":"عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنى، يَعْني رَاجِعًا\". [م ١٣٠٨، حم ٢/ ٣٤]\n١٩٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - قَالَا، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، نَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، عن أَبِيهِ،\n===\nعن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - أفاض) أي طاف طواف الإفاضة (١) بعد ما فرغ من رمي جمرة العقبة والنحر والحلق (يوم النحر) عاشر ذي الحجة (ثم صلَّى الظهر بمنى، يعني) وقائل لفظ \"يعني\" إما أبو داود، أو أحد من الرواة غيره (راجعًا) أي بعد الرجوع من مكة إلى مني، يدل عليه حديث مسلم ولفظه، \"ثم رجع فصلَّى الظهر بمنى\"، وقد تقدم في حديث جابر الطويل أنه - ﷺ - صلَّى الظهر بمكة، فهذا يخالفه، وقد مضى بحثه قريبًا.\n١٩٩٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، المعنى) أي معنى حديثهما (واحد، قالا: نا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، نا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة) بن أسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، قال أبو زرعة: لا أعرف أحدا سمَّاه، له عند مسلم حديث عن أمه زينب، عن أمها أم سلمة في الرضاعة.\n(عن أبيه) عبد الله بن زمعة بن أسود بن المطلب بن أسد القرشي، وأمه قريبة أخت أم سلمة، وهو زوج زينب بنت أم سلمة، وهو الذي خرج فأمر عمر - ﵁ - بالصلاة حين غاب أبو بكر - ﵁ - في مرض النبي - ﷺ -، وقد كان يأذن على النبي - ﷺ -، استشهد يوم الدار مع عثمان - ﵁ -، وهو صحابي مشهور.\n_________\n(١) وأنكر المالكية أن يقال: طواف الزيارة، قاله الدردير. [انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٢٨١)]. (ش).","vol":"7","page":492},{"text":"وعن أُمِّهِ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عن أُم سَلَمَةَ قَالَتْ: \"كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي يَصِيرُ إِلَيَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَسَاءَ يَوْم النَّحْرِ، فَصَارَ إِلَيَّ فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهْبُ بْنُ زَمْعَةَ وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبَي أُمَيَّةَ مُتَقَمِّصَينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لوَهْب: \"هَلْ أَفَضْتَ أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ \" قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ - ﷺ -: \"انْزَعْ عَنْكَ الْقَمِيصَ\"، قَالَ: فَنَزَعَهُ مِنْ رَأسِهِ وَنَزَعَ صَاحِبُهُ قَمِيصَهُ مِنْ رَأسِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ\n===\n(وعن أمه زينبَ بنتِ أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: كانت ليلتي) أي ليلة نوبتي (التي يصير) أي يعود (ويدور إليَّ فيها رسولُ الله - ﷺ - مساء يوم النحر) أي بعد تمام يوم النحر (١)، وهي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة (فصار إليَّ، فدخل عليَّ وهبُ بنُ زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية) لم أقف على تسميته (مُتَقَمِّصَيْنِ) بصيغة التثنية.\n(فقال رسول الله - ﷺ - لوهب: هل أفضت) أي طفت طواف الإفاضة (أبا عبد الله؟) بتقدير حرف النداء (قال) وهب: (لا والله يا رسول الله) أي ما طفت لها (قال - ﷺ -: انزع عنك القميصَ، قال) هكذا في جميع النسخ، وكذا في رواية أحمد، وليس في رواية البيهقي (٢) لفظ: قال. ويحتمل تذكير الصيغة باعتبار أن يكون مرجعه الراوي، وإلا فالظاهر أن يكون: قالت بصيغة التأنيث؛ لأن مرجع الضمير أم سلمة.\n(فنزعه) أي فنزع وهب قميصه (من رأسه، ونزع صاحبه قميصَه من رأسه، ثم قال) وهب: (وَلمَ يا رسول الله؟) أي لم أمرتنا أن ننزع مصنا؟\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة)\n_________\n(١) ظاهره أن ليلتها كانت ليلة الحادي عشر، وظاهر ما تقدم في \"باب التعجيل بجمع\": أن ليلتها كانت ليلة النحر، ومرّ الجواب هناك. (ش).\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٣٧).","vol":"7","page":493},{"text":"أَنْ تَحِلُّوا\" - يَعْني مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءَ-، \"فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ\". [حم ٦/ ٢٩٥، ق ٥/ ٣٧، ك ١/ ٤٨٩ - ٤٩٠، خزيمة ٢٩٥٨]\n===\nأي وذبحتم إن كان عندكم، وحلقتم (أن تحلوا - يعني من كل ما حُرِمتم منه إلَّا النساء-، فإذا أمسيتم) أي دخلتم في المساء، والمراد بالمساء ها هنا الليل (قبل أن تطوفوا هذا البيت) أي طواف الإفاضة (صرتم حرمًا كهيئتكم) أي كهيئة كونكم محرمين (قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به) (١).\nوالحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده، وزاد في آخره: قال محمد: \"قال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس ابنة محصن، وكانت جارة لهم، قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلى عشاء قمصهم على أيديهم يحملونها، قالت: فقلت: أي عكاشة! ما لكم خرجتم متقمصين، ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: خيرًا يا أم قيس (٢)، كان هذا يومًا قد رُخِّص لنا فيه، إذا نحن رمينا الجمرة، حللنا من كل ما حُرِمنا منه، إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف به، صرنا حُرُمًا، كَهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة، حتى نطوف به، ولم نطف فجعلنا قمصنا كما ترين\".\nوهكذا هذه الزيادة في حديث البيهقي في \"السنن\"، ثم قال: هكذا رواه أبو داود في \"كتاب السنن\" عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بالإسناد الأول دون\n_________\n(١) قال العيني (٧/ ٣٤٧): إن الحديث شاذ، أجمعوا على ترك العمل به، وقال المحب الطبري: لا أعلم أحدًا قال به، وإذا كان كذلك فهو منسوخ، والإجماع وإن لم ينسخ فهو يدل على وجود ناسخ، وإن لم يظهر، وفي \"النهاية\": هذا غريب جدًا، لا أعلم أحدًا قال به. (ش).\n(٢) قلت: وفي الأصل: \"أخبرتنا أم قيس\"، وكذا وقع في نسخة \"مسند أحمد\" القديمة، ولعله غلط من النساخ، أما في نسخة \"مسند أحمد\" الجديدة فهو: \"خيرًا يَا أم قيس\" وأشار المحقق إلى اختلاف النسخ. انظر: (٦/ ٢٩٥)، رقم (٢٦٥٣١).","vol":"7","page":494},{"text":"٢٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - أَخَّرَ\n===\nالإسناد الثاني عن أم قيس. وقد قال البيهقي قبل تخريج الحديث: \"وقد رويت تلك اللفظة في حديث أم سلمة مع حكم آخر لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول بذلك\".\nوكتب في الحاشية عن \"فتح الودود\": ولعل من لا يقول به يحمله على التغليظ والتشديد في تأخير الطواف من يوم النحر، والتأكيد في إتيانه في يوم النحر، وظاهر الحديث يأبى مثل هذا الحمل جدًا، والله تعالى أعلم.\nوقد كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه وشيخنا - ﵀ -: قوله: \"انزع عنك القميص\"، والظاهر أنه كان مُضَمَّخًا بطيب، وهو أدعى الأشياء إلى الجماع لا سيما في أصحابه - ﷺ -، فأمره بنزع القميص لما علم من قوة مزاجهما، وقد حان الليل، فخاف أن يجني على إحرامه قبل طواف الفريضة، فكان أمره بنزع قميصه بالاحتياط ومن باب سد الذرائع، وهو كذلك إذا خيف فتنة بارتكاب مباح، وعليه مبنى ما ذهب إليه بعضهم من أن الحاج بعد الحلق أو التقصير يحل له كل شيء إلا النساء والطيب، فاستثناه مع النساء لما علم أنه أدعى إليها.\nويمكن أن يكون نزع القميص لمجرد التشديد في تأخير الطواف؛ فإن هؤلاء لقربهم به - ﷺ - كان ينبغي لهم المسارعة إلى أدائه في الوقت المستحب، وعلى هذا لا يحتاج إلى كونه مطيبًا، وأيًّا ما كان فمعنى قوله: \"صرتم حرمًا كهيئتكم ... إلخ\"، إنما هو في مجرد امتناع لبس القميص، وخاص بهما دون سائر الناس، ويؤيد الأول أن أحدًا منهم لم يذكر نزع غير القميص من العمامة والقلنسوة إلى غير ذلك.\n٢٠٠٠ - (حدثنا محمد بن بشار، نا عبد الرحمن، نا سفيان، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: أن النبي - ﷺ - أخَّر\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"7","page":495},{"text":"طَوَافَ (١) يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ\". [ت ٩٢٠، جه ٣٠٥٩، حم ١/ ٢٨٨]\n===\nطواف يوم النحر إلى الليل) وقد تقدم في رواية جابر وابن عمر: \"أن رسول الله - ﷺ - طاف للزيارة، وفرغ منه في يوم النحر حتى إنه صلَّى الظهر بمكة، ثم رجع، أو صلَّى الظهر بعد الرجوع من مكة في مني\"، فيمكن أن يحمل قوله: \"أخَّر طوافَ يوم النحر إلى الليل\": أنه أمر بإباحة تأخير طواف الزيارة في الليل (٢).\nقلت: وخلاصة كلام الشيخ ابن القيم في \"الهدي\" (٣) المتعلق بهذا الحديث: أن هذا الحديث غلط بَيِّنٌ خلاف المعلوم من فعله - ﷺ - الذي لا يشك فيه أهلُ العلم بحجته - ﷺ -، قال الترمذي في كتاب \"العلل\": سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث؛ وقلت له: أسمع أبو الزبير من عائشة وابن عباس؟ قال: أما من ابن عباس فنعم، وفي سماعه من عائشة نظر، وقال أبو الحسن القطان: عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف النبي - ﷺ - يلي يومئذ نهارًا.\nوإنما اختلفوا: هل هو صلَّى الظهر بمكة أو رجع إلى مني فصلَّى الظهر بها؟ فابن عمر يقول: إنه رجع إلى مني فصلَّى الظهر بها، وجابر يقول: إنه صلَّى الظهر بمكة، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير، فهذه التي فيها أنه أخر الطواف إلى الليل، هذا شيء لم يُروَ إلَّا من هذا الطريق، وأبو الزبير مدلس لم يذكر ههنا سماعًا من عائشة - ﵂ -، فيجب التوقف فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة لما عُرِفَ به من التدليس، فأما ولم يصح لنا أنه سمع من عائشة فالأمر بيِّن في وجوب التوقف فيه، والخلاف في رد حديث المدلِّسين حتى يعلم اتصاله، أو قبوله حتى يعلم انقطاعه، إنما هو إذا لم يعارضه ما لا شك في صحته، وهذا قد عارضه ما لا شك في صحته، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"الطواف\".\n(٢) وأجاب عن الحديث ابن حجر في \"شرح المنهاج\" بأنه - ﵇ - أَخَّر طوافَ نسائه وخرج معهن. (ش).\n(٣) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٨).","vol":"7","page":496},{"text":"٢٠٠١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي\n===\nويدل على غلط أبي الزبير على عائشة أن أبا سلمة بن عبد الرحمن روى عن عائشة أنها قالت: حججنا مع رسول الله - ﷺ -، فأفضنا يوم النحر (١).\nقلت: وإنما نشأ الغلط من تسمية الطواف؛ فإن النبي مجديد أخر طواف الوداع إلى الليل، فهذا هو الطواف الذي آخره إلى الليل بلا ريب، فغلط فيه أبو الزبير، أو من حدثه به، وقال: طواف الزيارة، والله الموفق.\nقلت: ويمكن تأويله بأن البخاري أخرج تعليقًا (٢) فقال: قال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس - ﵃-: \"أخر النبي - ﷺ - الزيارة إلى الليل\". فلفظ الحديث كان ما ذكره البخاري، وكان المراد بالزيارة زيارة البيت لا طواف الزيارة، ولكن فهم بعض الرواة منه أن المراد به طواف الزيارة، فرواه بلفظ: \"أخر طواف يوم النحر\" على ما فهمه من لفظ الحديث.\nوقد ذكر البخاري بلفظ التمريض: وَيُذْكَر عن أبي حسان، عن ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - كان يزور البيتَ أيام مني\"، فكأن البخاري حمل الزيارة في حديث أبي الزبير عن ابن عباس على زيارة البيت غير طواف الزيارة.\nقال الحافظ (٣): ولرواية أبي حسان هذه شاهد مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة: حدثنا ابن طاوس، عن أبيه: \"أن النبي - ﷺ - كان يفيض كل ليلة\"، فظاهره أنه - ﷺ - لا يطوف طواف الإفاضة كل ليلة، فليس المراد طواف الإفاضة، بل المراد أنه ينزل من مني إلى مكة كل ليلة.\n٢٠٠١ - (حدثنا سليمان بن داود، أنا ابن وهب، حدثني\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٥/ ١٤٤).\n(٢) في باب الزيارة يوم النحر. [انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٧)].\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٨).","vol":"7","page":497},{"text":"ابْنُ جُرَيجٍ، عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن ابْنِ عَبَّاس: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَرْمُلْ مِنَ السُّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ\" (١). [جه ٣٠٦٠، خزيمة ٢٩٤٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>(٨٢) بَابُ الْوَدَاعِ</span>\n٢٠٠٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: \"كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِى كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ». [م ١٣٢٧، جه ٣٠٧٠، دي ١٩٣٢، ق ٥/ ١٦١، السنن الكبرى للنسائي ٢/ ٤٦٣]\n===\nابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - لم يرمل من). وفي نسخة: في (السبع) أي الأشواط السبع (الذي أفاض فيه) أي في طواف الإفاضة، قال القاري (٢): لتقدُّمِ السعي عليه. قلت: وهذا على رأي الشافعية ظاهر، وأما على رأي الحنفية ففيه خفاء، والذي عندي أنه - ﷺ - لم يرمل فيه؛ لأنه كان راكبًا، والرمل لا يتحقق إلا في المشي.\n\n(٨٢) (بابُ الْوَدَاعِ) (٣)، أي حكم الوداع من البيت\n٢٠٠٢ - (حدثنا نصر بن علي، نا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان الناس) إذا جاؤوا مكة للحج، وفرغوا من أركانها (ينصرفون) بعد طواف الزيارة (في كل وجه) أي جهة، ولا يطوفون طواف الوداع، (فقال النبي - ﷺ -: لا ينفرن أحد) من مكة (حتى يكون آخر عهده الطوافَ بالبيت).\n_________\n(١) في نسخة: \"منه\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥٦١).\n(٣) قال الحافظ: استدل بقوله - ﷺ -: \"للمهاجر بعد قضاء نسكه ثلاث\" على أن طواف الوداع عبادة مستقلة، ليست من المناسك، وهو أصح الوجهين في المذهب؛ لأن طواف الوداع لا إقامة بعده ومتى أقام بعده، خرج عن كونه طوافَ الوداع، وقد سمَّاه قبله قاضيًا لمناسكه. [\"فتح الباري\" (٧/ ٢٦٧)]. (ش).","vol":"7","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>(٨٣) بَابُ الْحَائِضِ تَخْرُجُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ</span>\n٢٠٠٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ، فَقِيلَ: إِنَّهَا قَدْ حَاضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَعَلَّهَا حَابِسَتُنَا»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ،\n===\nقال في \"لباب المناسك\" و\"شرحه\" (١): باب طواف الصدر، بفتحتين، وهو الرجوع، ويسمى طواف الوداع، وهو واجب على الحاج الآفاقي أي دون المكي والميقاتي، والمراد به المفرد والمتمتع والقارن، ولا يجب على المعتمر ولو كان آفاقيًا، ولا على أهل مكة والحرم كأهل مني، والحل كالوادي والخليص وجُدَّة وحَدَّة (٢)، والمواقيت، وفائت الحج والمحصَر أي في الحج، والمجنون، والصبي، ومن نوى الإقامة الأبدية قبل حل النفر الأول من أهل الآفاق، فمن خرج ولم يطف يجب عليه العود بلا إحرام ما لم يجاوز الميقات، فإن جاوزه لم يجب الرجوع، ويجب الدم.\n\n(٨٣) (بَابُ الْحَائِضِ تَخْرُجُ بَعْدَ) طواف (الإفَاضَةِ)\nقبل أن تطوف طواف الوداع، هل يجوز لها ذلك؟\n٢٠٠٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - ذكر صفية بنت حيي) وذكر بما يدل على إرادة قربانها (فقيل) الظاهر أن القائلة هي عائشة - ﵂ - (إنها قد حاضت، فقال رسول الله - ﷺ -) ولعله ظن أنها لم تفرغ من طواف الزيارة (لعلها حابِسَتُنا) أي مانِعَتُنا من السفر إلى المدينة حتى تطوف للزيارة (فقالوا) أي الأهل: (يا رسول الله! إنها) أي صفة (قد أفاضت) أي فرغت من طواف الإفاضة.\n_________\n(١) \"شرح اللباب\" (ص ٢٥٢، ٢٥٣).\n(٢) قلت: \"حَدَّة\" منزل بين جدة ومكة. [انظر: \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٢٩)].","vol":"7","page":499},{"text":"فَقَالَ: \"فَلَا إِذًا\". [خ ١٧٣٣، م ١٢١١، حم ١/ ٢٣٦، ق ٥/ ١٦٢]\n===\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (فلا إذًا) أي إذا كانت طافت للزيارة فلا تحبسنا عن الرجوع إلى المدينة، أو فلا بأس برجوعها إلى المدينة من غير طواف الوداع.\nقال الحافظ (١): وهذا مشكل؛ لأنه - ﷺ - إن كان علم طواف الإفاضة فكيف يقول: \"أحابستنا هي\"، وإن كان ما علم فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟\nويجاب عنه بأنه - ﷺ - ما أراد ذلك منها إلَّا بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة فأذن لهن، فكان بانيًا على أنها قد حلت، فلما قيل له: إنها حائض، جوَّز أن يكون وقع لها قبل ذلك، حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك، انتهى.\nقال الشوكاني (٢): في الحديث دليل على وجوب طواف الوداع، قال النووي: وهو قول أكثر العلماء، ويلزم بتركه دم. وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنَّة، لا شيء في تركه. قال الحافظ (٣): والذي رأيته لابن المنذر في \"الأوسط\": أنه واجب للأمر به، إلَّا أنه لا يجب بتركه شيء.\nقال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي أفاضت طواف الوداع. وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت: أنهم أمروها بالمقام لطواف الوداع، فتقيم حتى تطوف. وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر، فخالفناه لثبوت حديث عائشة - ﵂ -، ولثبوت حديث أم سليم عند الطيالسي (٤) أنها قالت: \"حضت بعد ما طفت بالبيت، فأمرني رسول الله - ﷺ - أن أنفر\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٧).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٤٧، ٤٤٨).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٥).\n(٤) أخرجه أبو داود الطيالسي (١٦٥١).","vol":"7","page":500},{"text":"٢٠٠٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ\n===\n٢٠٠٤ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا أبو عوانة، عن يعلي بن عطاء) العامري الليثي الطائفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، قال الأثرم: أثنى عليه أحمد بن حنبل خيرًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن المديني: يعلي بن عطاء له أحاديث لم يروها غيره، ورجال لم يرو عنهم غيره، منهم وكيع بن عدس، وأهل الحجاز لا يعرفونه، وإنما روى عنهم قوم بواسط.\n(عن الوليد بن عبد الرحمن) الجُرشي بضم الجيم وبالشين المعجمة، الحمصي، الزَّجَّاج، كان على خراج الغوطة أيام هشام، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن خراش: ثقة، وقال أبو حاتم ومحمد بن عون: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن الحارث بن عبد الله بن أوس)، ذكره الحافظ في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" في ترجمة الحارث بن أوس، قال في \"التقريب\": الحارث بن أوس الطائفي، مختلف في صحبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقيل: هو حارث بن عبد الله بن أوس الذي يروي عن عمر، فَنُسِبَ إلى جده، وفرَّق بينهما ابن سعد وأبو حاتم وغيرهما.\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (١): الحارث بن أوس، ويقال: ابن عبد الله بن أوس الثقفي، حجازي سكن الطائف، روى عن النبي - ﷺ - وعن عمر -﵁ -، وعنه عمرو بنُ أوس الثقفي، ويقال: إنه أخوه، والوليدُ بنُ عبد الرحمن الجرشي.\nقلت: فرق ابن سعد بين الحارث بن أوس والحارث بن عبد الله بن أوس، فجعل الأول يروي عن النبي - ﷺ - حسب، والثانيَ عن عمر وعن\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٣٧).","vol":"7","page":501},{"text":"قَالَ: \"أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ تَحِيضُ، قَالَ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ، قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ: كَذَلِكَ أَفْتَانِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَرِبْتَ عَنْ يَدَيْكَ،\n===\nالنبي - ﷺ -، وغلط عبد السلام بن حرب فقلَبه، فقال: عبد الله بن الحارث بن أوس، وكذا فرق بينهما أبو حاتم بن حبان، وجزم بأن عمرو بن أوس أخو الأول، انتهى.\n(قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر) أي طواف الإفاضة (ثم تحيض) هل ترجع إلى وطنها قبل أن تطوف طواف الوداع؟ (قال) عمر (١) - ﵁ -: (ليكن آخر عهدها بالبيت) أي يجب عليها أن لا ترجع إلى الوطن، حتى تطوف طواف الوداع.\n(قال) أي الوليد بن عبد الرحمن: (فقال الحارث: كذلك) أي كما أفتيتَ (أفتاني رسول الله - ﷺ -) حين سألته عنها.\n(قال) الوليد: (فقال عمر: أربتَ) قال في \"المجمع\" (٢): قال عمر لمن نقم عليه قولًا: أربت (عن) ذي (يديك) أي سقطت آرابك من اليدين خاصة، وقيل: وذهب ما في يديك حتى تحتاج.\nوكتب في الحاشية عن \"فتح الودود\": أرِبْتَ عن يديك بكسر الراء، أي: سقطت من أجل مكروه يصيب يديك من قطع أو وجع، أو سقطت بسبب يديك أي من جنايتهما، قيل: هو كناية عن الخجالة، والأظهر أنه دعاء عليه، لكن ليس المقصود حقيقته، وإنما المقصود نسبة الخطأ إليه. واستدل الطحاوي (٣) على نسخ هذا الحديث بحديث عائشة وبحديث أم سليم.\n_________\n(١) قال الحافظ في \"الفتح\": خالفه الجمهور. [انظر: (٣/ ٥٨٧)]. (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٦٣).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٧).","vol":"7","page":502},{"text":"سَأَلْتَني عن شَيءٍ سَأَلْتَ عَنْهُ رَسُولَ الله - ﷺ - لِكَيْمَا أُخَالِفَ\". [حم ٣/ ٤١٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>(٨٤) بَابُ طَوَافِ الْوَدَاع</span>\n٢٠٠٥ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَفْلَحَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"أَحْرَمْتُ مِنَ التَّنْعِيمِ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْتُ فَقَضَيْتُ عُمْرَتِى وَانْتَظَرَنِى (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالأَبْطَحِ حَتَّى فَرَغْتُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، قَالَتْ: وَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ ثُمَّ خَرَجَ\". [انظر الحديث التالي]\n===\n(سألتني عن شيء) أي مسألة (سألتَ عنه رسول الله - ﷺ - لكيما) ما زائدة (أخالف) حاصله: أنك لما سألتَ عنها رسول الله - ﷺ - كان ينبغي لك أن تخبرني به ولا تسألني عنها؛ لئلا أقول قولًا أخالف فيه رسول الله - ﷺ -.\n\n(٨٤) (بَابُ طَوَافِ الْوَدَاعِ)\nوالفرق بين هذه الترجمة والتي سبقت من باب الوداع، أن الأولى عقدت في بيان حكم الوداع، وهذه عقدت لبيان أن رسول الله - ﷺ - طاف طواف الوداع، فذكر في الأولى الحكم القوليَّ، وفي الثانية فعلَه - ﷺ -\n٢٠٠٥ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) الطحان، (عن أفلح) بن حميد، (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر، (عن عائشة - ﵂ - قالت: أحرمتُ من التنعيم بعمرة، فدخلت) مكة، (فقضيت عمرتي) أي طفت وسعيت لها (وانتظرني رسول الله - ﷺ - بالأبطح) وهو بطحاء مكة في طريق مني يقال له: المحصب (حتى فرغتُ، وأمر الناس بالرحيل) أي إلى المدينة لما جئته بعد الفراغ من الطواف.\n(قالت) عائشة: (وأتى رسول الله - ﷺ - البيتَ فطاف به) أي طواف الوداع (ثم خرج) راجعًا إلى المدينة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فانتظرني\".","vol":"7","page":503},{"text":"٢٠٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِى الْحَنَفِىَّ -، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"خَرَجْتُ (١) مَعَهُ - تَعْنِى مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- فِى النَّفْرِ الآخِرِ فَنَزَلَ الْمُحَصَّبَ\" (٢) ... فِى هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَتْ: \"ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرٍ\n===\n٢٠٠٦ - (حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر - يعني الحنفي-) وهو عبد الكبير ابن عبد المجيد بن عبيد الله البصري، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\"، لكن في \"كتاب الكنى\" (٣) للدولابي: عبد الكريم بن عبد المجيد، وكناه الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): أبو يحيى، وفي \"التقريب\": أبو بكر.\nوثقه أحمد ومحمد بن سعد، وقال أبو زرعة: هم ثلاثة إخوة، وهم ثقات، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: هم أربعة إخوة: أبو بكر، وأبو علي، وأبو المغيرة - واسمه عمير-، وشريك، وقال العجلي: بصري، ثقة، وقال العقيلي: عبد الكبير ثقة، وأخوه أبو علي ثقة، وأخوه الثالث ضعيف يعني عميرًا، وقال الدارقطني: هم أربعة إخوة، لا يعتمد منهم إلَّا على أبي بكر وأبي علي.\n(نا أفلح) بن حميد، (عن القاسم، عن عائشة قالت: خرجتُ معه- تعني) أي عائشة بالضمير في \"معه\" (مع النبي - ﷺ - في النفر الآخر) أي اليوم الثالث عشر من ذي الحجة (فنزل المحصب) وهو البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الأرض واتسع، وحَدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة، ويقال لها: خيف بني كنانة (في هذا الحديث) أي المتقدم.\n(قالت: ثم جئته) أي رسول الله - ﷺ - بعد الفراغ من العمرة (بسحر) أي في\n_________\n(١) في نسخة: \"فخرجت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ولم يذكر ابن بشار قصة بعثهما إلى التنعيم\".\n(٣) انظر: \"الكنى\" للدولابي (ص ١١٩).\n(٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٧٠، ٣٧١).","vol":"7","page":504},{"text":"فَأَذَّنَ فِى أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ، فَارْتَحَلَ، فَمَرَّ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَطَافَ بِهِ حِينَ خَرَجَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ\". [خ ١٥٦٠، م ١٢٣/ ١٢١١]\n===\nآخر الليل، (فأذن) من الإفعال (١)، أي: أعلن (في أصحابه بالرحيل، فارتحل) إلى المدينة (فمر بالبيت) لطواف الوداع (قبل صلاة الصبح) ووقع البيت في طريقه؛ لأنه خرج من كدى من أسفل مكة (فطاف به) للوداع (حين خرج) إلى المدينة (ثم انصرف) بعد الفراغ من الطواف (متوجهًا إلى المدينة).\nوأشار الشيخ ابن القيم (٢) ههنا إلى إشكالين، ثم أجاب عنهما، قال: قالت عائشة: \"فلقيني رسول الله - ﷺ - وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها\". ففي هذا الحديث أنهما تلاقيا في الطريق، وفي الأول أنه انتظرها في منزله، فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه.\nثم فيه إشكال آخر، وهو قولها: \"لقيني وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة إليها\"، أو بالعكس، فإن كان الأول فكان قد لقيها مصعدًا منها راجعًا إلى المدينة، وهي منهبطة عليها للعمرة، وهذا ينافي انتظاره لها بالمحصب.\nثم أجاب عنهما، فقال: فإذا كان حديث الأسود هذا محفوظًا فصوابه: لقيني رسول الله - ﷺ - وأنا مصعدة من مكة، وهو منهبط إليها؛ فإنها طافت وقضت عمرتها، ثم أصعدت لميعاده، فوافته وهو قد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع، فارتحل، وأذَّن في الناس بالرحيل، ولا وجه لحديث الأسود غير هذا.\n_________\n(١) الظاهر من التفعيل. (ش).\n(٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٩١، ٢٩٢).","vol":"7","page":505},{"text":"٢٠٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى يَزِيدَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ طَارِقٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا جَازَ مَكَانًا مِنْ دَارِ يَعْلَى - نَسِيَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ - اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ فَدَعَا\". (١) [ن ٢٨٩٦، حم ٥/ ٣٧٤]\n===\n٢٠٠٧ - (حدثنا يحيى بن معين، نا هشام بن يوسف) الصنعاني، أبو عبد الرحمن الأبناوي، قاضي صنعاء، وثقه أبو حاتم والعجلي وغيرهما، (عن ابن جريج، أخبرني عبيد الله بن أبي زيد، أن عبد الرحمن بن طارق) بن علقمة الكناني المكي، روى عن أمه، وقيل: عن أبيه، وقيل: عن عمه في الدعاء إذا استقبل البيت، ذكره ابن سعد في أهل مكة، وقال: كان قليل الحديث، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يروي عن جماعة من الصحابة، وقال البخاري: وقال بعضهم: عن عمه، ولا يصحُّ، (أخبره عن أمه) قال في \"التقريب\": لم أعرف اسمها، وهي صحابية، لها حديث، (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جاز مكانًا من دار يعلى- نسيه) أي المكان (عبيد الله - استقبل البيت فدعا).\nوقد أخرج الإِمام أحمد (٢) هذا الحديث في \"مسنده\" بطرق مختلفة، فأخرج من حديث محمد بن بكر عن ابن جريج بسنده، ولفظه: \"كان إذا دخل مكانًا من دار يعلى- نسيه عبيد الله- استقبل البيت فدعا\".\nوكذلك أخرج من طريق عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، ولفظه مثله، وزاد: \"وكنت أنا وعبد الله بن كثير إذا جئنا ذلك الموضع استقبل البيت فدعا\".\nوأخرج من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج ولفظه: \"كان إذا دخل مكانًا في دار يعلى- نسيه عبيد الله- استقبل البيت فدعا\"، وفي هذه الطرق الثلاثة روى عبد الرحمن بن طارق عن أمه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الصحيح حديث يحيى بن معين، وهذا أصح من حديث عبد الرزاق\".\n(٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (٦/ ٤٣٧).","vol":"7","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>(٨٥) بَابُ التَّحْصِيبِ</span>\n===\nوأخرج الإِمام أحمد (١) في حديث رجل عن عمه من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج بهذا السند إلى عبد الرحمن بن طارق بن علقمة، عن عمه، ولفظه: \"أن النبي - ﷺ - كان إذا جاء مكانًا من دار يعلى- نسيه عبيد الله- استقبل البيت دعا\"، وقال روح: عن أبيه، وقال ابن بكر: عن أبيه (٢)، انتهى.\nوأخرج في \"أسد الغابة\" (٣) من طريق أبي عاصم عن ابن جريج بهذا السند عن أمه: \"أن النبي - ﷺ - كان يأتي مكانًا في دار يعلى فيستقبل البيت فيدعو، فيخرج يعلى مع رسول الله - ﷺ - فيدعو ونحن مسلمات\". وقد أخرجه الحافظ في \"الإصابة\" (٤) فقال: ابن أبي عاصم، فذكر مثل ما في \"أسد الغابة\".\nفالظاهر أن لفظ \"جاز\" في سياق أبي داود تصحيف من الكاتب، والصواب: جاء، ونقل عن \"فتح الودود\": لعله الموضع المعلوم بموضع استجابة الدعاء في السوق إلى جهة المعلى.\n\n(٨٥) (بَابُ التَّحْصِيبِ)\nأي النزول في المحصب، وهو الأبطح وخيف بني كنانة\nقال الشيخ ابن (٥) القيم: وقد اختلف السلف في التحصيب هل هو سنَّة، أو منزل اتفاق؟ على قولين، فقالت طائفة: هو من سنن الحج، فإن في \"الصحيحين\" عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال حين أراد أن ينفر من مني: \"نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٦١).\n(٢) والصواب: \"عن أمه\" كما أشار إليه في النسخة المحققة لـ \"مسند أحمد\".\n(٣) انظر: \"أسد الغابة\" (٦/ ٣٦٢، ٣٦٣) في ترجمة أم عبد الرحمن بن طارق.\n(٤) انظر: \"الإصابة\" (٤/ ٤٥٣).\n(٥) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٩٤، ٢٩٥).\n(٦) أخرجه \"البخاري\" (١٥٨٩)، و\"مسلم\" (١٣١٤).","vol":"7","page":507},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفي \"صحيح مسلم\" (١): عن ابن عمر: \"أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا ينزلونه\". وفي رواية لمسلم عنه: \"أنه كان يرى التحصيب سنَّة\".\nوذهب آخرون، منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنَّة، وإنما هو منزلُ اتفاقٍ، ففي \"الصحيحين\": عن ابن عباس: \"ليس بالمحصب بشيء، وإنما هو منزل نزل به رسول الله - ﷺ - ليكون أسمحَ لخروجه\" (٢).\nوفي \"صحيح مسلم\" (٣): عن أبي رافع: \"لم يأمرني النبي - ﷺ - أن أنزل بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربت قبته، ثم جاء فنزل\"، فأنزله الله فيه بتوفيقه تصديقًا لقول رسوله: \"نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة\". وتنفيذًا لما عزم عليه، وموافقة منه لرسوله صلاة الله وسلامه عليه، انتهى.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): فالحاصل أن من نفى أنه سنَّة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر -﵄- أراد دخولَه في عموم التأسي بأفعاله - ﷺ -، لا الإلزام بذلك، ويستحب أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل، كما دل عليه حديث أنس وحديث ابن عمر.\nوقال في \"لباب المناسك\" (٥): وإذا وصل المحصب، وهو الأبطح، فالسنَّة أن ينزل به ولو ساعة، ويدعو، أو يقف على راحلته، والأفضل أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعة (٦)، ثم يدخل مكة، وحد المحصب ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة والجبل الذي يقابله مصعدًا، انتهى.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٣٣٧، ٣٣٨/ ١٣١٠).\n(٢) أخرجه البخاري (١٧٦٦)، ومسلم (١٣١٢).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٣١٣).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩١).\n(٥) \"لباب المناسك\" مع شرحه لعلي القاري (ص ٢٥١).\n(٦) قال في \"المجمع\" (٥/ ١٥٠): الهجعة: طائفة من الليل، والهجوع: النوم ليلًا، يهجع هجعة: ينام نومة.","vol":"7","page":508},{"text":"٢٠٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ (١): \"إِنَّمَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمُحَصَّبَ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، فَمَنْ شَاءَ نَزَلَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْهُ\". [خ ١٧٦٥، م ١٣١١، ت ٩٢٣، جه ٣٠٦٧، حم ١/ ٤٦]\n٢٠٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، الْمَعْنَى. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ: \"لَمْ يَأْمُرْنِى (٢) أَنْ أَنْزِلَهُ\n===\n٢٠٠٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة (٣): إنما نزل رسول الله - ﷺ - المحصب ليكون أسمح) أي أسهل (لخروجه) أي لتوجهه إلى المدينة، قال الحافظ (٤): أي ليستوي في ذلك البطيء والمعتدل، ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة (وليس) نزولهم بالمحصب (بسنَّة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله).\n٢٠٠٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (ح: وحدثنا مسدد، قالوا) أي أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة ومسدد: (نا سفيان، نا صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار قال: قال أبو رافع) مولى النبي - ﷺ -: (لم يأمرني) أي رسول الله - ﷺ - (أن أنزله) عن نزل ينزل، أي: أنزل المحصب، وأضرب له فيه قبته، أو من باب الإفعال، أي أنزل رسولَ الله - ﷺ - في المحصب بضرب قبته فيه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قالت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رسول الله - ﷺ -\".\n(٣) ورجَّح الشيخ ولي الله- قدَّس الله سرَّه - في \"حجة الله البالغة\" (٢/ ١٧١) قول عائشة، وقال: هو أصح، وفي \"الأوجز\": أن الأربعة على الندب إلا أن مالكًا قيد الندب لغير المتعجل، ولغير يوم الجمعة. [انظر: \"الأوجز\" (٨/ ٢٨٨ - ٢٩١)]. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩١).","vol":"7","page":509},{"text":"وَلكِنْ ضُرِبَتْ قُبَّتهُ فَنَزَلَهُ\". [م ١٣١٣، خزيمة ٢٩٨٦]\n(١) قَالَ مُسَدَّدٌ: وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِىِّ -ﷺ-. وَقَالَ عُثْمَانُ (٢): يَعْنِى فِى الأَبْطَحِ.\n٢٠١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ - فِى حَجَّتِهِ -\n===\n(ولكن ضربت قبته) بتوفيق من الله سبحانه، وتصديقًا لقوله: \"ونحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة\" (فنزله، قال مسدد: وكان) أبو رافع (على ثقل النبي - ﷺ -) أي متاعه (وقال عثمان: يعني في الأبطح) أي زاد عثمان بعد قوله: \"ولكن ضربت قبته\".\n٢٠١٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان) بن عفان بن أبي العاص الأموي، أبو عثمان، قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وقال العجلي: مدني، ثقة من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر الزبير أن معاوية زوَّجه لما ولي الخلافة ابنَتَه رملة.\n(عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله! أين تنزل غدًا؟ في حجته) متعلق بقوله: \"قلت\"، ويخالفه ما أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٣) من طريق محمد بن أبي حفصة، ثنا الزهري بهذا السند قال: \"يا رسول الله! أين تنزل غدًا إن شاء الله؟ \" وذلك زمن الفتح. فقال: \"هل ترك لنا عقيل؟ \"، الحديث.\nقال الحافظ (٤): وظاهر هذه القصة أن ذلك كان حين أراد دخول\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) في نسخة: \"عثمان بن أبي شيبة\".\n(٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٠١).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٥١، ٤٥٢).","vol":"7","page":510},{"text":"قَالَ: \"هَلْ تَرَكَ لنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟ \"،\n===\nمكة، ويزيده وضوحًا رواية زمعة بن صالح عن الزهري بلفظ: \"لما كان يوم الفتح قبل أن يدخل النبي - ﷺ - مكةَ، قيل: أين تنزل، أفي بيوتكم؟ \"، الحديث.\nوروى علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي بن حسين قال: قيل للنبي - ﷺ - حين قدم مكة: أين تنزل؟ قال: \"وهل ترك لنا عقيل من طَلٍّ؟ \". قال علي بن المديني: ما أشك أن محمد بن علي بن حسين أخذ هذا الحديث عن أبيه، لكن في حديث أبي هريرة أنه - ﷺ - قال ذلك حين أراد أن ينفر من مني، فيحمل على تعدد القصة.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (هل ترك لنا عقيل (١) منزلًا؟) قال الحافظ (٢): وأخرج هذا الحديث الفاكهي من طريق محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره: ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثم صارت لابنه عبد المطلب، فقسمها بين ولده حين عمر، فمن ثم صار للنبي - ﷺ - حق أبيه عبد الله، وفيها وُلِد النبي - ﷺ -.\nومحصل هذا: أن النبي - ﷺ - لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي - ﷺ - لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها، وحكى الفاكهي أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار.\n_________\n(١) استدل به العيني (٧/ ١٤٨) على رد من منع بيع بيوت مكة، وفي \"الشامي\" (٩/ ٦٤٧): يجوز عندنا بيعها، واستدل به أيضًا على مسألة أصولية خلافية من أن الحربي إذا استولى على مال مسلم، هل يملكه كما قاله الجمهور، أو لا، كما قاله الشافعي؟ ! . (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٥٢).","vol":"7","page":511},{"text":"ثُمَّ قَالَ: «نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِى كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ» - يَعْنِى الْمُحَصَّبَ - وَذَلِكَ أَنَّ بَنِى كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِى هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يؤووهم ولا يُبَايِعُوهُمْ. [خ ٣٠٥٨، م ١٣٥١ مختصرًا]\nقَالَ الزُّهْرِىُّ: وَالْخَيْفُ: الْوَادِى.\n===\n(ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (نحن نازلون بخيف بني كنانة) وهو المحصب (حيث قاسمت) أي تحالفت (قريش) قال في \"تاريخ الخميس\" (١): وكان اجتماعهم وتحالفهم (٢) بخيف بني كنانة بالأبطح، ويسمى محصبًا بأعلى مكة عند المقابر.\n(على الكفر، يعني) بخيف بني كنانة (المحصب، وذلك) أي التحالف على الكفر (أن بني كنانة حالفت قريشًا) أي كفارهم (على بني هاشم أن لا يناكحوهم) أي لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم (ولا يؤووهم) في مكة (ولا يبايعوهم) أي لا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوهم، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم كتبوا في صحيفة، وعَلَّقوها في جوف الكعبة حتى يسلِّموا رسولَ الله - ﷺ - إليهم.\n(قال الزهري: والخيف: الوادي) وقصته أنه لما رأت قريش عزَّ النبي - ﷺ - وعزَّ أصحابه بالحبشة وإسلامَ عمر - ﵁ - وفشوَّ الإِسلام في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا النبي - ﷺ -، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وبني المطلب، وأدخلوا رسول الله - ﷺ - شعبهم، ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوها لذلك حتى كفارهم، فعلوا ذلك حميةً على عادة الجاهلية.\nفلما رأت قريش ذلك اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابًا، يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم ولا يقبلوا منهم صلحًا أبدًا؛ حتى يسلموا رسول الله - ﷺ - للقتل.\n_________\n(١) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٢٩٧).\n(٢) وقع في الأصل: \"تخالفهم\"، وهو تحريف.","vol":"7","page":512},{"text":"٢٠١١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ (١)، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو - يَعْنِى الأَوْزَاعِىَّ -، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ:\n===\nوكتبوا في صحيفة بخط منصور بن عكرمة بن هشام، وقيل: بغيض بن عامر فشلَّتْ يده، وعَلَّقُوا الصحيفة في جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة، وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، ودخلوا معه شِعْبَه إلَّا أبا لهب، فكان مع قريش، وأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا حتى جهدوا، وكانت قرش قد قطعت عنهم الميرة والمادة، وكان لا يصل إليهم شيء إلَّا سرًا، وكانوا لا يخرجون من موسم إلى موسم.\nثم قام رجال في نقض الصحيفة، فأطلع الله تعالى نبيه على أمر الصحيفة على أن الأرضة أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلَّا اسم الله فقط، فأخبرهم أبو طالب بذلك، فلما أنزلت لتمزق، وجدت كما قال ﵇، فأخرجوهم من الشعب، وذلك في السنة العاشرة، وخرج من الشعب وله تسع وأربعون سنة، وتوفي أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام (٢).\nوقد ذكر ياقوت الحموي في \"معجم البلدان\" (٣)، وسمَّاه شعب أبي يوسف، وقال: وهو الشعب الذي أوى إليه رسول الله - ﷺ - وبنو هاشم لما تحالفت قريش على بني هاشم، وكتبوا الصحيفة، وكان لعبد المطلب، فقسم بين بنيه حين ضعف بصره، وكان النبي - ﷺ - أخذ حظ أبيه، وهو كان منزل بني هاشم ومساكنهم، انتهى.\n٢٠١١ - (حدثنا محمود بن خالد، نا عمر) بن عبد الواحد، (ثنا أبو عمرو - يعني الأوزاعي -، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن عبد الواحد\".\n(٢) انظر: \"تاريخ الخميس\" (١/ ٢٩٧).\n(٣) \"معجم البلدان\" (٣/ ٣٤٧).","vol":"7","page":513},{"text":"\"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَهُ وَلَا ذَكَرَ الْخَيْفُ الْوَادِى\". [خ ١٥٨٩، م ١٣١٤، جه ٢٩٤٢، حم ٢/ ٢٣٧]\n٢٠١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَهْجَعُ هَجْعَةً بِالْبَطْحَاءِ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ، وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ\". [خ ١٧٦٨، حم ٢/ ١٠٠]\n٢٠١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،\n===\nأن رسول الله - ﷺ - قال حين أراد أن ينفر) أي يرجع (من مني: نحن نازلون غدًا، فذكر نحوه، ولم يذكر أوله) أي سؤال أسامة وجوابَه - ﷺ - (ولا ذكر) تفسير الزهري (الخيف الوادي).\nوقد أخرج مسلم (١) هذا الحديث في \"صحيحه\": حدثني زهير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم بسنده إلى أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - ونحن بمنى: \"نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر\"، وذلك أن قريشًا وبني كنانة حالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله - ﷺ -، يعني بذلك المحصب.\n٢٠١٢ - (حدثنا أبو سلمة موسى) بن إسماعيل، (نا حماد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله وأيوب، عن نافع: أن ابن عمر كان) إذا رجع من مني (يهجع هجعة) أي ينام نومة خفيفة بعد العشاء (بالبطحاء) أي المحصب، (ثم يدخل مكة، ويزعم أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك).\n٢٠١٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عفان، نا حماد بن سلمة،\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٣١٤).","vol":"7","page":514},{"text":"أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْبَطْحَاءِ، ثُمَّ هَجَعَ هَجْعَةً، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، وَكَانَ (١) ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n\n(٨٦) باب (٢) فِيمَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَىْءٍ فِى حَجِّهِ\n٢٠١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،\n===\nأنا حميد) الطويل، (عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمرَ، وأيوبُ) عطف على حميد، أي قال حماد بن سلمة: وأخبرنا أيوب، (عن نافع عن ابن عمر) ولما كان السند الأول الذي أخرجه أبو داود عن أبي سلمة موسى فيه خلط؛ أردفه هذا السند، وفصل السندين لئلا يبقى فيه إشكال، وكان السند الأول يدل على أن بكر بن عبد الله، وأيوب كلاهما يرويان عن نافع، وليس كذلك؛ بل يروي حماد عن حميد عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر، من غير واسطة نافع، ويروي حماد عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فبين هذا التفصيل في هذا السند الثاني.\n(أن النبي - ﷺ - صلَّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء) أي المحصب (ثم هجع هجعة) أي نام نومة (ثم دخل مكة) قال الشيخ ابن القيم (٣): فصلَّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة، ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلًا سحرًا، ولم يرمل في هذا الطواف (وكان ابن عمر يفعله).\n\n(٨٦) (بَابُ مَنْ قَدَّم شَيْئًا قَبْل شَىْءٍ)\nأي: نسكًا مؤخرًا قبل نسك مقدم (في حَجِّهِ)\n٢٠١٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب،\n_________\n(١) في نسخة: \"فكان\".\n(٢) زاد في نسخة: \"في\".\n(٣) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٩٣).","vol":"7","page":515},{"text":"عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) أَنَّهُ قَالَ: \"وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّى لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»،\n===\nعن عيسى بن طلحة بن عبيد الله) التيمي، أبو محمد المدني، وأمه سعدى بنت عوف المرية، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي والعجلي، وقال ابن حبان: وكان من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم.\n(عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: وقف رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بمنى يسألونه، فجاءه رجل) لم أقف على تسميته (فقال: يا رسول الله! إني لم أشعر فحلقت) رأسي (قبل أن أذبح؟، فقال رسول الله - ﷺ -: اذبح ولا حرج).\nقال العيني (٢) في أنه إذا حلق قبل أن يذبح فقال مالك (٣) والشافعي وأحمد وإسحاق: لا شيء عليه، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: عليه دم، وإن كان قارنًا فدمان، واحتج بما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: \"من قدم شيئًا من حجه أو أخره فليهرق بذلك دمًا\".\nوأجاب عن حديث الباب ونحوه: أن المراد بالحرج المنفي هو الإثم، ولا يستلزم ذلك نفي الفدية، انتهى. قلت: وهذا الاختلاف في صورة إذا كان\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٣٤).\n(٣) قلت: صرَّح في \"المدونة\" (٢/ ٣٩٠) بالفدية فيمن حلق قبل أن يرمي. (ش).","vol":"7","page":516},{"text":"وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (١)! لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَىْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إلَّا قَالَ: «اصْنَعْ وَلَا حَرَجَ». [خ ٨٣، م ١٣٠٦، ت ٩١٦، دي ١٩٠٧، حم ٢/ ١٥٩]\n٢٠١٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: \"خَرَجْتُ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَمَنْ قَالَ:\n===\nالذبح عليه واجبًا كالقارن والمتمتع، وأما إذا كان متطوعًا في الذبح كالمفرد، فلو قدم الحلق قبل الذبح لا يلزم عليه شيء.\n(وجاء رجل آخر) لم أقف على تسميته (فقال: يا رسول الله! لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج، قال: فما سئل يومئذ عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلَّا قال: اصنع ولا حرج).\n٢٠١٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الشيباني) سليمان بن أبي سليمان أبي إسحاق، (عن زياد بن علاقة) بكسر المهملة وبالقاف وخفة لام، ابن مالك الثعلبي بالمثلثة والمهملة، أبو مالك الكوفي، ابن أخي قطبة، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الأزدي: سيِّئ المذهب، كان منحرفًا عن أهل بيت النبي - ﷺ -، وقال في \"التقريب\": رمي بالنصب.\n(عن أسامة بن شريك) الثعلبي من بني ثعلبة بن سعد، صحابي، تفرد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح. (قال: خرجت مع النبي - ﷺ - حاجًا، فكان الناس يأتونه) أي سائلين (فمن قال) هكذا في جميع نسخ أبي داود\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إني\".","vol":"7","page":517},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا، أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا، فَكَانَ يَقُولُ: لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ\". [خزيمة ٢٩٥٥]\n===\nالموجودة عندنا، وذكر الشيخ ابن القيم هذا الحديث في \"هديه\" (١)، وفيه: فمن قائل، وهو الأوضح (٢).\n(يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، أو قدَّمت شيئًا، أو أخَّرت شيئًا، فكان يقول) في جوابهم: (لا حرج، لا حرج إلَّا على رجل اقترض) أي اقتطع (عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك)، وهذا الكلام يدل على أن المراد من الحرج المنفي في الحديث هو الإثم فقط، وهذا الحديث أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣).\nقال الشيخ ابن القيم بعد ذكر هذا الحديث (٤): وقوله: \"سعيت قبل أن أطوف\"، في هذا الحديث ليس بمحفوظ، والمحفوظ: تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض، انتهى (٥).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٥٩).\n(٢) كذا في: \"شرح ابن رسلان\".\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٣٦).\n(٤) واستدل بعض أهل الحديث بهذا على جواز تقديم السعي على الطواف، خلافًا للجمهور، إذ قالوا: لا يجزئه، وأوَّلوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة، هكذا في \"الفتح\" (٣/ ٥٧١)، وهو رواية لأحمد كذا في \"المغني\" (٥/ ٢٤٠)، واستدل بذلك في \"المستصفى\" على أن هذا الترخيص منه - ﷺ - كان في أول الإِسلام إذ لم يستقر أمر شرائع الحج، أما اليوم فلا يفتى بتقديم السعي قبل الطواف إلى آخر ما في \"البناية\" (٤/ ٢٩٧). (ش).\n(٥) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٥٩).","vol":"7","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>(٨٧) بابٌ: فِى مَكَّةَ</span>\n٢٠١٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ عن بَعْضِ أَهْلِهِ (١)،\n===\n\n(٨٧) (بابٌ: فِى مَكَّةَ)\n٢٠١٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة، حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة) بن صبيرة بن سعيد- مصغرًا- ابن سعد بن سهم القرشي السهمي المكي، روى عن أبيه وسعيد بن جبير وعلي بن عبد الله البارقي وغيرهم، قال ابن سعد: كان شاعرًا قليل الحديث، وقال أحمد وابن معين: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن بعض أهله) وأخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) هذا الحديث، ففي حديث سفيان بن عيينة: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، سمع بعض أهله يحدث عن جده، وفيه: قال سفيان مرة أخرى: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عمن سمع جدَّه يقول: رأيت رسول الله - ﷺ -، الحديث. قال سفيان: وكان ابن جريج أنبأ عنه قال: ثنا كثير، عن أبيه فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي.\nثم أخرج من طريق ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - حين فرغ من أسبوعه، أتى حاشية الطواف، فصلَّى ركعتين، وليس بينه وبين الطواف أحد\".\nوأخرج ابن الأثير في \"أسد الغابة\": حدثنا أبو الفضل بن الحسن الطبري بإسناده [إلى أبي يعلى]: حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه وغير واحد من أعيان\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يحدث\".\n(٢) (٦/ ٣٩٩).","vol":"7","page":519},{"text":"عن جَدِّهِ: \"أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ\n===\nبني المطلب، عن المطلب بن وداعة قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - إذا فرغ من سعيه، حاجى (١) بينه وبين السقيفة، فيصلي ركعتين في حاشية المطاف، ليس بينه وبين الطواف أحد\"، أخرجه الثلاثة.\n(عن جده) وهو المطلب بن أبي وداعة بنِ (٢) الحارث بن صُبيرة بن سُعيد بن سعد بن سهم القرشي السهمي، ذكره ابن سعد في مُسْلِمَة الفتح، وقال الواقدي: نزل المدينة، وله بها دار، وبقي دهرًا، وقال ابن الكلبي: كان لدة النبي - ﷺ -، أُسِرَ أبوه أبو وداعة يوم بدر، فقال النبي - ﷺ -: \"إن له ابنًا كيسًا تاجرًا ذا مال، كأنكم به قد جاء في فداء أبيه\"، فكان كذلك، فخرج المطلب بن أبي وداعة سرًا، حتى فدى أباه بأربعة آلاف درهم، ولامَتْه قريش في بداره ودفعه في الفداء، فقال: ما كنت لأدع أبي أسيرًا، فشخص الناس بعده، ففدوا أسراهم بعد أن قالوا: لا تعجلوا في فدائهم، فيطمع محمد في أموالكم.\n(أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي) حين فرغ من أسبوعه (٣) حاشية المطاف (مما يلي) أي من جانب البيت الذي يتصل (باب بني سهم)\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"أسد الغابة\" (٤٩٥٤) \"من سبعة حاجى بينه وبين السقيفة\"، وفي \"مسند أبي يعلى\" (ح ٦٨٧٥) بدله: \"من سبعه، جاء حتى يحاذي بينه وبين السقيفة\".\n(٢) لفظ: \"بن\" مقحم، والصواب حذفه، لأن الحارث هو أبو وداعة نفسه لا أبوه، والله أعلم. [انظر: \"تهذيب الكمال\" (٦٠٠٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٧٩)، و\"أسد الغابة\" (٤٩٤٦)].\n(٣) وفي \"البحر الرائق\" (٢/ ٣٥٩): أن هذه الصلاة كانت بعد الفراغ من سعيه بين الصفا والمروة، فتأمل، وبه جزم صاحب \"اللباب\" (ص ١٨١) وغيره، وتعقَّب عليهم ابن حجر في \"شرح مناسك النووي\" (ص ٣٠٥) بأنه وقع في كتب الحنفية التصحيف، والصواب إذا فرغ من سبعه بالموحدة، ويؤيده تبويب ابن ماجه (٢/ ٩٨٦) إذ ترجم عليه: \"باب الركعتين بعد الطواف\"، وأصرح منه دليلًا أن النسائي أخرجه بلفظ: طاف بالبيت ثم صلَّى ركعتين. [\"سنن النسائي\" (٢٩٥٩)]. (ش).","vol":"7","page":520},{"text":"وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ\" (١). [حم ٦/ ٣٩٩]\nقَالَ سُفْيَانُ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ (٢)\n===\nويقال له الآن: باب العمرة؛ لأنه يخرج الناس منه إلى التنعيم للعمرة، صرح بذلك في \"الرحلة الحجازية\" (والناس يقرون بين يديه) أي طائفتين (وليس بينهما) أي بين رسول الله - ﷺ - والطواف، أو الكعبة (سترة، قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة) (٣)، ومذهب الحنفية في ذلك أنه يكره للمار أن يمر بين يدي المصلي، ويستحب للمصلي أن يغرز بين يديه سترة.\nواختلفوا في المرور بين يديه في الصحراء أو في مسجد كبير، وقال بعضهم: يكره المرور من موضع قدمه إلى موضع سجوده في الأصح. قال الشامي (٤): هو ما اختاره شمس الأئمة، وقاضي خان، وصاحب \"الهداية\"، واستحسنه في \"المحيط\"، وصحَّحه الزيلعي، ومقابله ما صححه التمرتاشي، وصاحب \"البدائع\"، واختاره فخر الإسلام، ورجحه في \"النهاية\" و\"الفتح\": أنه قدر ما يقع بصره على المار، لو صلَّى بخشوع، أي راميًا ببصره إلى موضع سجوده، وأرجع في \"العناية\" الأولَ إلى الثاني بحمل موضع السجود على القريب منه، وخالفه في \"البحر\"، وصحح الأول. قلت: ويؤيده هذا الحديثُ حديثُ مطلب بن أبي وداعة (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"و\".\n(٢) في نسخة: \"و\".\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٥٧٦): رجاله موثوقون إلَّا أنه معلول ... إلخ، وقال أيضًا: أراد البخاري التنبيه إلى تضعيفه؛ إذ بوَّب: \"السترة بمكة وغيرها\". (ش).\n(٤) \"رد المحتار\" (٢/ ٣٩٨).\n(٥) وظاهره أن جوازه معلل بكونه مسجدًا كبيرًا، لكن صرَّح ابن عابدين أنه معلل بأن الطواف صلاة، فكأنه بين يديه صف من الصلاة، فتأمل. [انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ٥١٦)]. (ش).","vol":"7","page":521},{"text":"قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا (١) عَنْهُ قَالَ: أَنَا كَثِيرٌ عن أَبِيهِ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ أَبِي سَمِعْتُهُ، وَلَكِنْ مِنْ بَعْضِ أَهْلِي عن جَدِّي.\n\n(٨٨) بَابُ تَحْرِيمُ (٢) مَكَّةَ\n٢٠١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،\n===\n(قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أنا كثير عن أبيه (٣)، فسألته) أي قال سفيان: فسألت أنا بنفسي عن كثير أنه هل سمع من أبيه أم لا؟ (فقال) أي كثير: (ليس من أبي سمعته، ولكن) سمعته (من بعض أهلي عن جدي).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>(٨٨) (بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ) </span>(٤)\n٢٠١٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم،\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبره\".\n(٢) في نسخة: \"حرم\".\n(٣) هكذا أخرجه عبد الرزاق (رقم ٢٣٨٨)، كما في \"الفتح\". (ش).\n(٤) وفيه عشرة أبحاث في \"الأوجز\" (٨/ ٥٤٩): الأول: في مصداق المنهي عنه من القطع، فقال مالك: يحرم ما ينبت بنفسه عادةً ولو استنبته أحد. وعندنا يحرم ما ينبت بنفسه ولم يستنبته أحد. وعند أحمد يحرم ما نبت بنفسه وإن كان مما يستنبت عادةً، فالمعتبر عند مالك الجنس دون الفعل، وعند أحمد عكس ذلك، وعند الحنفية اجتماع الوصفين؛ عدم الإنبات وكونه من جنس ما ينبت بنفسه، فإذا انتفى أحد الوصفين جاز القطع، وأما عند الشافعي فالنهي عام يشمل النوعين، والثاني: الزرع المنبت يجوز قطعه إجماعًا، والثالث: لا فرق بين الأخضر والرطب عند مالك، وعند الثلاثة يجوز قطع اليابس، الرابع: الشوك وغيره سواء عند مالك وأحمد، ويجوز قطعه عند الشافعي وبعض الحنابلة، ويحرم بدون الضمان عندنا، والخامس: أجمعوا على قطع الإذخر رطبًا ويابسًا، السادس: لا يجوز القطع لعلف الدواب عند مالك على المعتمد، وبه قلنا وأحمد، ويجوز في الأصح عند الشافعي، السابع: في رعي الدواب وجهان عند أحمد، ويجوز عند الشافعي ومالك وأبي يوسف، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، ولو ارتعت بنفسها يجوز إجماعًا، والثامن: أجمعوا على الانتفاع بالأوراق الساقطة، التاسع: يجوز السواك من شجر الحرم عند مالك لا عندنا وأحمد، واختلفت فيه الشافعية، العاشر: لا يجوز قطع الورق عند أحمد، ويجوز عندنا والشافعي. (ش).","vol":"7","page":522},{"text":"نَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ أَبي كَثِيرٍ -، عن أَبِي سَلَمَةَ،\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ (١) مَكَّةَ قَامَ النَّبيُّ -ﷺ- فِيهِمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ\n===\nنا الأوزاعي، حدثني يحيى -يعني ابن أبي كثير-، عن أبي سلمة، عن أبو هريرة قال: لما فتح الله على رسوله مكة قام النبي - ﷺ -) أي خطيبًا (فيهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال): (إن الله حبس عن مكة الفيل) وقصته أن أبرهة سار مع جيوشه إلى هدم الكعبة وغزوها، وخرج معه الفيل حتى انتهى إلى مكة، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، ثم بعث أبرهة حناطة (٢) الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قال له: إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به، فلما دخل حُناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم فجاءه، فقال له ما أمره به أبرهة.\nقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله ﵇، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يُخَلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا له من دافع عنه.\nفقال له حُناطة: فانطلق إلى الملك، فإنه قد أمرني أن آتيه بك، فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فقال للملك بعض جلسائه: أيه الملك! هذا سيد قريش ببابك، يستأذن عليك، فأذن له عليك\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله - ﷺ -\".\n(٢) في الأصل: \"حياطة\"، وهو تحريف، والصواب: \"حناطة\" كما في \"الخميس\" (١/ ١٨٩)، و\"سيرة ابن هشام\" (١/ ٨٢).","vol":"7","page":523},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفليكلمك بحاجته، فأذن له أبرهة، وكان عبد المطلب رجلًا عظيمًا وسيمًا جسيمًا، فلما رآه أبرهة أجلَّه وأكرمه عن أن يجلس تحته، فجلس على بساطه، فأجلسه معه إلى جنبه.\nثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى المَلِك؟ قال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد عليَّ مائتى بعير أصابها لي، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، فلا تكلمني فيه؟ قال له عبد المطلب: إنى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًا سيمنعه، قال: ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت وذاك أعلم، أردد إليَّ إبلي، فرد عليه إبله التي أصاب.\nوانصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرزِ في شعف الجبال والشعاب، تخوفًا عليهم من معرَّة (١) الجيش، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيَّأ (٢) فيله، وعَبَّأَ جيشَه، وكان اسم الفيل محمودًا (٣)، وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن.\nفلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حَبِيْب الخثعمي حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمودًا وارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، فبرك الفيل، فضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى،\n_________\n(١) وفي الأصل: \"مغيرة\"، وهو تحريف، والصواب: \"معرة\" كما في \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٨٤)، و\"الروض الأنف\" (١/ ١٢٢)، و\"تاريخ الخميس\" (١/ ١٩٠).\n(٢) وفي الأصل: \"تهيأ\"، وهو تحريف.\n(٣) وقع في الأصل: \"محمود\"، وهو خطأ.","vol":"7","page":524},{"text":"وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤمِنِينَ، وَإِنَّمَا أُحِلَّت لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا،\n===\nفوجَّهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، فوجَّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى مكة فبرك.\nوأرسل الله إليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طير ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس، لا يصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، فأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم، فسقطت أنامله أنملة أنملة، كل ما سقطت أنملة أتبعتها مِدّة قيحًا ودمًا، حتى قدموا صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع قلبه عن صدره فيما يزعمون.\n(وسلط عليها) أي على مكة (رسولَه والمؤمنين) وهذا يدل على أن فتح مكة كان عنوة وهو مذهب الحنفية والجمهور، (وإنما أحلت لي ساعة من النهار) وهي الساعة التي دخل فيها رسول الله - ﷺ - مع جيوشه مكةَ (ثم هي) أي مكة (حرام) أي محترم (١) أو حرام فيها القتال وغيره (إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ) أي لا يُقطَع (شجرُها) أي الرطب الذي نبت بنفسه حتى لا يقطع الشوك، وأما الشجر التي ينبتها الناس فيباح لهم قطعه.\nقال الشوكاني (٢): قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عنه بما\n_________\n(١) واختلفوا هل كانت محرمة قبل دعوة إبراهيم بدليل قوله - ﵇ -: \"إن الله حرَّم مكة يوم خلق السموات والأرض\"، وقول إبراهيم: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] أو كانت بدعوته بقوله - ﷺ -: \"إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمت المدينة\"؛ قولان للعلماء، والجمع أنها كانت محرمة قبل دعوته، لكن أظهر حرمته بدعوته إلى آخر ما بسطه. \"الخازن\". (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٧٠).","vol":"7","page":525},{"text":"وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ\". فَقَامَ عَبَّاسٌ - أَوْ قَالَ:\n===\nينبته الله تعالى، أما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال الشافعي: في الجميع الجزاء.\nواختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمة هدي، وقال الشافعي: في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة.\nقال ابن العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلَّا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقل أبو ثور عنه وأجاز أيضًا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك؛ لكونه يؤذي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور؛ لنهيه - ﷺ - عن ذلك، والقياس مصادم لهذا النص فهو فاسد الاعتبار، وهو أيضًا قياس غير صحيح لقيام الفارق؛ فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر.\nقال ابن قدامة (١): ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر من غير صنيع الآدمي، ولا بما يسقط من الورق، نص عليه أحمد: ولا نعلم فيه خلافًا.\n(ولا ينفَّر صيدها) أي لا ينحى عن محله فكيف بقتله وصيده. قال النووي (٢): يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفره عصى، تلف أو لا؟ فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا، قال: قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى.\n(ولا تحل لقطتها إلَّا لمنشد) وقد تقدم البحثُ وبيانُ الاختلاف فيه في كتاب اللقطة (فقام عباس، أو) للشك من الراوي (قال) الراوي:\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" (٥/ ١٨٧).\n(٢) انظر: \"شرح النووي\" (٥/ ١٣٨).","vol":"7","page":526},{"text":"قَالَ الْعَبَّاسُ (١) -: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ رُسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"إِلَّا الإِذْخِرَ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَ فِيهِ ابْنُ الْمُصَفَّى عن الْوَلِيدِ: \"فَقَامَ أَبُو شَاهٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ- فَقَالَ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُبُوا لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ\". قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ\n===\n(قال العباس) بن عبد المطلب: (يا رسول الله! إلَّا الإذخر) بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة، وكسر الخاء: نبت معروف عند أهل مكة، طيب الرائحة، له أصل مُنْدَفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب، ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور، وهذا استثناء تلقين، أي: قل بعد قوله: \"لا يعضد شجرها\" لفظ: إلَّا الإذخر (فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله - ﷺ -: إلَّا الإذخر)، ونقل الحافظ عن ابن المنير أن الإجماع على أنه مباح مطلقًا من غير قيد الضرورة (٣).\n(قال أبو داود: وزاد فيه ابن المصفى عن الوليد: فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن-)، قال الحافظ في \"الإصابة\" (٤): أبو شاه اليماني، يقال: إنه كلبي، ويقال: إنه فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن، كذا رأيت بخط السلفي، وقيل: إن هاءه أصلية، وهو بالفارسي معناه: الملك، وقال: من ظن أنه اسم أحد الشياه فقد وَهِم، انتهى.\n(فقال: يا رسول الله! اكتبوا لي، فقال رسول الله - ﷺ -: اكتبوا لأبي شاه، قلت) هذا قول الوليد (للأوزاعي: ما قوله:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"فقال: اكتبوا لي يا رسول الله\".\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٩).\n(٤) \"الإصابة\" (٤/ ١٠١).","vol":"7","page":527},{"text":"\"اكْتبوا لأَبِي شَاهٍ؟ \" قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَ (١) مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -\". [خ ١١٢، م ١٣٥٥، ت ٢٦٦٧، حم ٢/ ٢٣٨]\n٢٠١٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن طَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ في هَذ الْقِصَّهِ (٢): \"وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا\". [خ ١٨٣٤، م ١٣٥٣، حم ١/ ٢٥٣]\n===\nاكتبوا لأبي شاه؟) أي شيء يسأل أبو شاه أن يكتب له (قال) أي الأوزاعي: (هذه الخطبة التي سمع من رسول الله - ﷺ -) يسأل أن يكتب له، وفيه جواز كتابة الحديث، وقد وقع الإجماع على ذلك.\n٢٠١٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في هذه القصة) أي في قصة تحريم مكة: (ولا يختلى خلاها) بالخاء المعجمة، والخلا مقصور، وهو الرطب من النبات، واختلاؤه قطعه واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون، واختاره الطبري، وقال الشافعي: لا بأس (٣) بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش فإنه المنهي عنه، فلا يتعدى ذلك إلى غيره.\nوفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه وهو أصح الوجهين للشافعية؛ لأن النبت اليابس كالصيد الميت، قال ابن قدامة: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم، فلا بأس برعيه واختلائه، قاله الحافظ (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"سمعها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) واستدل لهم بما تقدم من حديث ابن عباس في السترة: \"فأرسلت الأتان ترتع\"، استدل به القسطلاني في \"شرح البخاري\" [انظر: \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٢٢)، رقم (١٨٣٣)]. (ش).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨، ٤٩)، وراجع أيضًا: \"المغني\" (٥/ ١٨٥).","vol":"7","page":528},{"text":"٢٠١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا نَبْنِى لَكَ بِمِنًى بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ (١)؟ فَقَالَ: «لَا إِنَّمَا هُوَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ». [ت ٨٨١، جه ٣٠٠٧، حم ٦/ ١٨٧، خزيمة ٢٨٩١، ك ١/ ٤٦٦، ق ٥/ ١٣٩]\n===\n٢٠١٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه) مسيكة المكية، قال ابن خزيمة: لا أعرف عنها راويًا غير ابنها، ولا أعرفها بعدالة ولا جرح، كذا في \"التهذيب\" (٢). وقال في \"التقريب\": مسيكة بالتصغير، المكية، لا يعرف حالُها.\n(عن عائشة - ﵂ - قالت: قلت: يا رسول الله! ألا نبني لك) من الطين والحجارة (بمنى بيتًا أو) للشك من الراوي قال: (بناء يظلك عن الشمس؟) أي ظلًا ظليلًا، أو يكون لك أبدًا بالعمارة؛ لأن الخيمة ظلها ضعيف لا يمنع تأثير الشمس بالكلية.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (لا) أي لا تبنوا لي بناء (إنما هو) أي مني (مناخ) بضم الميم، أي: موضع الإناخة (مش سبق إليه) والمعنى أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء فيه، أي هذا مقام لا اختصاص فيه لأحد دون أحد.\nقال الطيبي (٣): أي أتأذن أن نبني لك بيتًا في مني لتسكن فيه؟ فمنع وعلَّل بأن مني موضع لأداء النسك من النحر، ورمي الجمار، والحلق؛ يشترك فيه الناس، فلو بني فيها لأدى إلى كثرة الأبنية تأسِّيًا به فتضيق على الناس، وكذلك\n_________\n(١) في نسخة: \"من الشمس\".\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٥١).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٩٧).","vol":"7","page":529},{"text":"٢٠٢٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ، أَخْبَرَنِى عُمَارَةُ بْنُ ثَوْبَانَ، حَدَّثَنِى مُوسَى بْنُ بَاذَانَ قَالَ: أَتَيْتُ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِى الْحَرَمِ إِلْحَادٌ فِيهِ».\n===\nحكم الشوارع ومقاعد الأسواق، وعند أبي حنيفة - ﵁ -: أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يتملكها أحد، انتهى.\nقال الخطابي: إنما لم يأذن في البناء لنفسه وللمهاجرين؛ لأنها دار هاجروا منها لله، فلم يختاروا أن يعودوا إليها ويبنوا فيها، وفيه أن هذا التعليل يخالف تعليله - ﷺ - مع أن مني ليست دارًا هاجروا منها، قاله القاري (١).\nقلت: وفي هذا الزمان كثرت الأبنية فيها، وتملكوا منها بقاعًا كثيرة، فإلى الله المشتكى.\n٢٠٢٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، أخبرني عمارة بن ثوبان، حدثني موسى بن باذان) حجازي، ويحتمل أن يكون عثمان بن الأسود بن موسى بن باذان، قال ابن أبي حاتم (٢): سماه البخاري: مسلم بن باذان، فقال أبي وأبو زرعة: أخطأ في هذا، وهو موسى بن باذان. قلت (٣): قد حكى البخاري القولين في \"تاريخه\" (٤)، ويظهر من سياقه ترجيحَ موسى، وقال ابن القطان: لا يعرف.\n(قال: أتيت يعلي بن أمية، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: احتكار الطعام) وهو اشتراؤه وحبسه ليقلَّ ويغلو (في الحرم إلحاد فيه) أي ظلم وعدوان،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥١٧).\n(٢) انظر: \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١/ ١٣٨).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٣٨).\n(٤) انظر: \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١/ ٢٥٥).","vol":"7","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>(٨٩) بابٌ فِى نَبِيذِ السِّقَايَةِ</span>\n٢٠٢١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"قَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا بَالُ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ يَسْقُونَ النَّبِيذَ، وَبَنُو عَمِّهِمْ يَسْقُونَ اللَّبَنَ وَالْعَسَلَ وَالسَّوِيقَ، أَبُخْلٌ بِهِمْ أَمْ حَاجَةٌ؟ قَالَ (١) ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بِنَا مِنْ بُخْلٍ وَلَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ، وَلَكِنْ\n===\nوأصله: الميل والعدول عن الشيء؛ فإنه في واد غير ذي زرع، فالواجب أن يجلبوا إليها الأرزاق ليتسع، فمن اجتهد في تضييقه بالاحتكار فقد ظلم، \"مجمع\" (٢).\n\n(٨٩) (بَابٌ: في نَبِيذِ السِّقَايَةِ)\nأي في فضل سقي الحاج النبيذَ\nوالنبيذ: ما يُعمَل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، نَبَذْتُ التمرَ والعنبَ: إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، والانتباذ: أن يُجعَل نحو تمر أو زبيب في الماء ليحلو فيشرب، \"مجمع\" (٣).\n٢٠٢١ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا خالد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله قال: قال رجل لابن عباس: ما بال) أي حال (أهل هذا البيت) أي بيت عباس بن عبد المطلب (يسقون النبيذ، وبنو عمهم يسقون اللبن والعسل والسويق، أبخل بهم أم حاجة) أي فقر؟\n(قال ابن عباس: ما بنا من بخل، ولا بنا من حاجة) أي ليس لنا شيء قليل من البخل والفقر (ولكن) نفعل ذلك ونؤثر سقايةَ النبيذ على سقاية اللبن\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٨١).\n(٣) \"المصدر السابق\" (٤/ ٦٦٦).","vol":"7","page":531},{"text":"دَخَلَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى رَاحِلَتِهِ وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَرَابٍ فَأُتِىَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَدَفَعَ فَضْلَهُ إِلَى أُسَامَةَ (٢) فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَلِكَ فَافْعَلُوا»، فَنَحْنُ هَكَذَا، لَا نُرِيدُ أَنْ نُغَيِّرَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\". [م ١٣١٦، حم ١/ ٣٦٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>(٩٠) بَابُ الإِقَامَةِ بِمَكَّةَ</span>\n٢٠٢٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ\n===\nوالعسل والسويق؛ لأنه (دخل) علينا (رسول الله - ﷺ - على راحلته وخلفه) أي: ردفه (٣) (أسامة بن زيد، فدعا رسول الله - ﷺ - بشراب فأتي بنبيذ فشرب منه ودفع فضله) أي بقيته (إلى أسامة فشرب منه) أي أسامة من النبيذ.\n(ثم قال رسول الله - ﷺ -: أحسنتم وأجملتم) أي فعلتم فعلًا حسنًا جميلًا (كذلك فافعلوا) أي إذا فعلتم ذلك في ماضي الزمان فافعلوا فيما يأتي كذلك (فنحن هكذا) نفعل، (لا نريد أن نغير) أي نبدل (ما قال رسول الله - ﷺ -) واستحسنه.\n\n(٩٠) (بَابُ الإقَامَةِ بِمَكَّةَ) للمهاجر\n٢٠٢٢ - (حدثنا القعنبي، نا عبد العزيز -يعني الدراوردي-، عن عبد الرحمن بن حميد) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"علينا\".\n(٢) في نسخة: \"أسامة بن زيد\".\n(٣) وتقدَّم في \"باب في الهدي إذا عطب\": أردف عليًا، والظاهر أن هذا في فتح مكة، كما في \"البخاري\" برقم (٢٩٨٨). (ش).","vol":"7","page":532},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ: هَلْ سَمِعْتَ فِى الإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ الْحَضْرَمِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لِلْمُهَاجِرِينَ إِقَامَةٌ بَعْدَ الصَّدَرِ ثَلَاثًا». (١). [خ ٣٩٣٣، م ١٣٥٢]\n===\nعن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم وأبو داود: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال العجلي: مدني ثقة، وقال النسائي في \"الجرح والتعديل\": ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أنه سمع عمرَ بنَ عبد العزيز يسأل السائبَ بنَ يزيد: هل سمعتَ في الإقامة بمكة) للمهاجر (شيئًا؟ قال) السائب بن يزيد: (أخبرني ابن الحضرمي) هو العلاء بن الحضرمي، واسم أبيه عبد الله بن عماد، وكان حليف بني أمية، صحابي جليل، عمل على البحرين للنبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر.\n(أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: للمهاجرين إقامة) في مكة (بعد الصدر) أي بعد قضاء النسك (ثلاثًا)، والمراد أن له مكث هذه المدة لقضاء حوائجه، وليس له أزيد منها؛ لأنها بلد تركها لله تعالى فلا يقيم فيها أكثر من هذه المدة؛ لأنه يشبه العود إلى ما تركه لله تعالى، نقله في الحاشية عن \"فتح الودود\".\nقال الحافظ (٢): وفقه هذا الحديث أن الإقامة بمكة كانت حرامًا على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها، ولهذا رثى النبي - ﷺ - لسعد بن خولة أن مات بمكة، وفي كلام الداودي اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، ولا معنى لتقييده بالأولين (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"ثلاث\".\n(٢) وتقدم في البذل في \"باب الصلاة بمنى\" ما يرد على عثمان - ﵁ - من استيطانه على أحد التوجيهات. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٦٧).","vol":"7","page":533},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال النووي (١): معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة، وحكى عياض أنه قول الجمهور، قال: وأجازه لهم جماعة يعني بعد الفتح، فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه، قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النبي - ﷺ - ومواساته بالنفس.\nوأما غير المهاجرين فيجوز له سكنى أي بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق، انتهى كلام القاضي.\nويستنثى من ذلك من أذن له النبي - ﷺ - بالإقامة في غير المدينة. وقال القرطبي: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبي - ﷺ -، ولا يعني به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لما تحرجوا من الإقامة بمكة، إذ كانوا قد تركوها لله تعالى.\nقال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل يبتني عليه خلاف فيمن فَرَّ بدينه من موضع يخاف أن يفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء الفتنة؟ يمكن أن يقال: إن كان تركها لله كما فعله المهاجرون، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فرارًا بدينه ليسلم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك، انتهى. وهو حسن متجه.\nقلت: ويؤيده ما أخرج النسائي (٢) من حديث ابن مسعود رفعه: \"لعن الله آكل الربا ومؤكله\" الحديث، وفيه: \"والمرتد بعد هجرته أعرابيًا\".\n_________\n(١) راجع: \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ١٣٣).\n(٢) \"سنن النسائي\" (٥١٠٢).","vol":"7","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-704>(٩١) بَابُ الصَّلَاةِ في الْكَعْبَةِ</span>\n٢٠٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِىُّ وَبِلَالٌ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ،\n===\n\n(٩١) (بَابُ الصَّلَاةِ (١) في الْكَعْبَةِ)\nأي هل صلَّى فيها رسول الله - ﷺ - أم لا؟\n٢٠٢٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة) كان ذلك عام الفتح (٢)، كما وقع مبينًا من رواية يونس بن يزيد، عن نافع عند البخاري (٣) في \"كتاب الجهاد\" (هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة الحجبي وبلال، فأغلقها عليه) وفي رواية: فأغلقوا عليهم\n_________\n(١) ها هنا بحثان: الأول: صحة الصلاة فرضًا ونفلًا، والثاني: هل هو مندوب كما صرَّح به أهل الفروع من الأئمة الأربعة أم لا؟ كما جزم به ابن القيم، قال النووي (٥/ ٩٦): قال الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد والجمهور: تصح فيها صلاة الفرض والنفل، وقال مالك: تصح فيها صلاة النفل المطلق، ولا يصح الفرض ولا الوتر ولا ركعتا الطواف، هكذا في شرح أبي الطيب من الشروح الأربعة للترمذي؛ لكن ما حكاه عن أحمد تأباه كتب فروعه، ففي \"الروض المربع\" (١/ ٥١، ٥٢): لا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها والحجر منها، وإن وقف على منتهاها بحيث لم يبقَ وراءه شيء منها، أو وقف خارجَها وسجد فيها صحت؛ لأنه غير مستدبر لشيء منها، وتصح النافلة والمنذورة فيها وعليها. والمسألة خلافية عند المالكية كما في الدردير (١/ ٣٦٦، ٣٦٧). (ش).\n(٢) لا خلاف بين أهل العلم في دخوله﵇ - في غزوة الفتح، واختُلِفَ في حجة الوداع، والجمهور على عدم الدخول حتى حكى النووي الإجماعَ على ذلك، وكذا أنكر ابن القيم (٢/ ٢٩٦) أشدَّ الإنكار، وذهب كثير من الفقهاء وأهل العلم إلى التعدد، أي الدخول في الحجة أيضًا، منهم ابن حبان والبيهقي والمحب الطبري والسهيلي لرواية عائشة، ولم تكن معه في الفتح، ولما ورد في رواية ابن عمر وابن عباس من تكرار الدخول عند الدارقطني، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ١٧٣ - ١٧٨). (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٢٩٨٨).","vol":"7","page":535},{"text":"فَمَكَثَ (١) فِيهَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: \"فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى\". [خ ٥٠٥، م ١٣٢٩، ن ٧٤٩، حم ٢/ ١٣٨]\n===\nالباب (فمكث فيها، قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالًا حين خرج) من البيت (ماذا صنع رسول الله - ﷺ - فيها؟\n(فقال) بلال: (جعل) رسول الله - ﷺ - (عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة (٢) ثم صلَّى) والحكمة في تغليق الباب مخافة أن يزدحموا لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعاله ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه.\nولا يخالفه ما في \"البخاري\" (٣): أنه صلَّى بين العمودين اليمانيين؛ فإنه لما جعل ساريتين عن يمينه وسارية عن يساره يصدق عليه أنه صلَّى بين العمودين اليمانيين أيضًا، كأنه ترك فيه ذكر سارية واحدة التي كانت عن يمينه.\nويعارضه حديث ابن عباس عند البخاري وغيره: أنه لم يصل في البيت (٤)، ولا معارضة في ذلك، فإثبات بلال أرجح؛ لأن بلالًا كان معه يومئذ، ولم يكن معه ابن عباس، وإنما استند في نفيه تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل، مع أنه لم يثبت أن الفضل كان معهم إلا في رواية شاذة، فترجح رواية بلال من جهة أنه مثبت وغيره ناف.\n_________\n(١) في نسخة: \"ومكث\".\n(٢) فيه دليل على تغيير هيئته، وهو كذلك، فبناها ابن الزبير على ثلاثة أعمدة، وهو كذلك إلى زماننا هذا على ثلاثة، كذا في \"الأوجز\" (٨/ ١٦٧). (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٥٩٨).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (١٦٠١).","vol":"7","page":536},{"text":"٢٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن إِسْحَاقَ الأَذْرَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عن مَالِكٍ بِهَذَا، لَمْ يَذكُرِ السَّوَارِيَّ، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ. [خ ٥٠٦]\n٢٠٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن عُبَيْدِ الله،\n===\nوقال النووي (١) وغيره: يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي - ﷺ - يدعو فاشتغل بالدعاء في ناحية، والنبي - ﷺ - في ناحية، ثم صلَّى النبي - ﷺ - فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع أنه يحجب عنه بعض الأعمدة فنفاها عملًا بظنه.\nوقال في \"لباب المناسك\": \"فصل\": يستحب دخول البيت إذا روعي آدابه، والصلاة فيه، والدعاء، ويدخله خاضعًا خاشعًا معظمًا متسحييًا، لا يرفع رأسه إلى السقف، ويقصد مصلَّى النبي - ﷺ -، وإذا صلَّى وضع خده على الجدار، وحمد الله واستغفره، ثم يأتي الأركان الأربعة، فيحمد ويستغفر ويسبح ويهلل ويكبر ويصلي على النبي ﵊، ويدعو بما شاء، ويجتنب البدع والإيذاء، فإن أدى دخولُه إلى الإيذاء لم يدخل.\n٢٠٢٤ - (حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الراء، نسبة إلى أذرمة، قرية بنصيبين، الجزري، أبو عبد الرحمن الموصلي، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة. (نا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بهذا) أي بهذا الحديث (لم يذكر) عبد الرحمن (السواري، قال) ابن مهدي عن مالك: (ثمَّ صلَّى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع).\n٢٠٢٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو أسامة، عن عبيد الله،\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٩٦)، و\"فتح الباري\" (٣/ ٤٦٨، ٤٦٩).","vol":"7","page":537},{"text":"عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَى حَدِيثِ الْقَعْنَبِيِّ، قَالَ: \"وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى؟ \". [م ١٣٢٩]\n٢٠٢٦ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: \"كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ\". [حم ٣/ ٤٣١]\n٢٠٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْن عبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا قَدِمَ\n===\nعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمعنى حديث القعنبي، قال: ونسيت أن أسأله: كم صلَّى؟).\n٢٠٢٦ - (حدثنا زهير بن حرب، نا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان (١) قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله - ﷺ - حين دخل الكعبة؟ قال) عمر ﵁: (صلَّى ركعتين)، قال النووي في \"شرح مسلم\" (٢): إسناده فيه ضعف. قلت: ولعله لأجل (٣) يزيد بن أبي زياد، فإنه ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًا، كما في \"التقريب\".\n٢٠٢٧ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، نا عبد الوارث، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - لما قدم\n_________\n(١) والحديث مختصر، وأخرجه أحمد وغيره مفصلًا، ولفظهم كما في \"نصب الراية\" (٢/ ٣٢٢)، عن ابن صفوان قال: \"لما افتتح رسول الله - ﷺ - ... إلخ\". (ش).\n(٢) (٥/ ٩٧).\n(٣) وكذا قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٣٢٢). (ش).","vol":"7","page":538},{"text":"مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، قَالَ: فَأَخْرَجَ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَفِى أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ،\n===\nمكة) زمن الفتح (أبى أن يدخل البيتَ) أي امتنع عن دخوله (وفيه الآلهة) أي والحال أن في البيت آلهتهم- وهي الأصنام- موجودة، (فأمر بها) أي بالأصنام (فأُخْرِجَتْ) أي من البيت.\n(قال: فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام) أي القداح، جمع زلم، وهو القدح الذي لا ريش لها، وهي أعواد نحتوها وكتبوا في أحدها \"افعل\"، وفي الآخر \"لا تفعل\"، و\"لا شيء\" في الأُخَر، فإذا أراد أحدهم السفر أو حاجة ألقاها في الوعاء، فإن خرج \"افعل\" فعل، وإن خرج \"لا تفعل\" لم يفعل، وإن خرج \"لا شيء\"، أعاد الإخراج حتى يخرج له \"افعل\" أو \"لا تفعل\".\nوعن ابن إسحاق قال: كانت هُبَل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت في بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكانت عند هبل سبعة أقداح، كلُ قدح منها فيه كتاب، قِدْح فيه \"العَقْل\"، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، وقِدْح فيه \"نعم\" للأمر إذا أرادوه يُضرب به، قال: فإذا خرج قدح \"نعم\" عملوا به، وقدح فيه \"لا\"، فإذا أرادوا أمرًا ضربوه به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه \"منكم\"، وقدح فيه \"مُلْصِق\"، وقدح فيه \"من غيركم\"، وقدح فيه \"المياه\" إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح، فحيث ما خرج عملوا به.\nوكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا أو أن يُنكحوا منكحًا أو أن يَدْفنوا مَيْتًا أو يشكوا في نسب واحد منهم، ذهبوا به إلى هُبَل بمائة درهم وبجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قرَبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا؛ هذا فلان بن فلان قد أردنا به \"كذا وكذا\" فأخْرِج الحقَّ فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب فيضرب، فإن خرج عليه","vol":"7","page":539},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا (١) بِهَا قَطُّ». قَالَ: \"ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِى نَوَاحِيهِ وَفِى زَوَايَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ\". [خ ١٦٠١، حم ١/ ٣٣٤]\n٢٠٢٨ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عَلْقَمَةَ،\n===\n\"من غيركم\" كان حليفًا، وإن خرج \"مُلْصِق\" كان على ميراثه منهم (٢)، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه [شيء]، سوى هذا مما يعملون به \"نعم\" عملوا به، وإن خرج \"لا\" أخَّروه عامهم ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح، انتهى.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: قاتلهم الله) أي أهلكهم، (والله لقد علموا) أي كفار قريش (ما استقسما) أي إبراهيم وإسماعيل -﵉ - (بها) أي بالأزلام (قط. قال) ابن عباس: (ثم دخل البيت فكبر في نواحيه وفي زواياه) أي أركانه (ثم خرج ولم يصل فيه).\nوههنا كتب في النسخة المكتوبة الأحمدية على هامشها \"باب\" وفي المصرية \"باب في الحجر\"، وفي حاشية النسخة المجتبائية الدهلوية \"باب الصلاة في الحجر\"، والأولى أن لا يكون ها هنا باب، لأن الأحاديث المذكورة فيها كلها تناسب \"باب الصلاة في الكعبة\".\n٢٠٢٨ - (حدثنا القعنبي، نا عبد العزيز) الدراوردي، (عن علقمة) بن أبي علقمة، واسمه بلال المدني مولى عائشة - ﵂ -، وهو علقمة بن أم علقمة واسمها مرجانة، قال ابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عبد البر: كان ثقة مأمونًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"ما اقتسما\".\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"سيرة ابن هشام\" (١/ ١٨٩) وغيره من كتب التاريخ: كان على منزلته فيهم. والله أعلم بالصواب.","vol":"7","page":540},{"text":"عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأُصَلِّىَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِى فَأَدْخَلَنِى فِى الْحِجْرِ\"، فَقَالَ: «صَلِّى فِى الْحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ». [ت ٨٧٦، ن ٢٩١٢، حم ٦/ ٩٢، خزيمة ٣٠١٨]\n===\n(عن أمه) مرجانة والدة علقمة تكنى أم علقمة، علق لها البخاري في \"الحيض\"، مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\" (عن عائشة) - ﵂ - (أنها قالت: كنت أحب (١) أن أدخل البيت وأصلي فيه) كأنها قالت: فقلت لرسول الله - ﷺ - ذلك.\n(فأخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فأدخلني في الحجر) وهو الحطيم (فقال) رسول الله - ﷺ -: (صلِّي في الحجر) أي الحطيم (إذا أردتِ دخولَ البيت، فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك) أي قريشًا (اقتصروا) أي البيت (حين بنوا الكعبة) وقلَّت النفقة (فأخرجوه) أي الحجر (من البيت).\nواستدل ابن عمر بهذا على أن رسول الله - ﷺ - لم يمس الركن الشامي والعراقي؛ لأنهما ليسا بركنين في الحقيقة، لأن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم.\nقلت: ويؤيد ذلك أن رسول الله - ﷺ - طاف دائمًا من وراء الحطيم، ولم يطف مرة بين الفرجتين، ولكن قالت الفقهاء (٢): إذا صلَّى المصلي،\n_________\n(١) وكان حبها للنذر، ففي \"العناية\" (٢/ ٣٥٦): روي أنها نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله - ﷺ - أن تصلي في البيت ركعتين، فأخذ - ﷺ - بيدها وأدخلها الحطيم وقال: صلي ها هنا؛ فإن الحطيم من البيت، إلَّا أن قومك قصرت بهم النفقة فأخرجوه من البيت، ولولا حدثان قومك بالجاهلية لنقضت البيت، وأظهرت قواعد إبراهيم، وأدخلت الحطيم في البيت، وألصقت العتبة بالأرض، وجعلت له بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، ولئن عشت إلى قابل لأفعلنَّ ذاك ولم يَعِشْ ... إلخ. (ش).\n(٢) قال العيني (٧/ ١٣٦): هذا هو المذهب عند الحنفية والمالكية، وهو الذي صححه =","vol":"7","page":541},{"text":"٢٠٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَهُوَ مَسْرُورٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَىَّ وَهُوَ كَئِيبٌ، فَقَالَ «إِنِّى دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا، إِنِّى أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِى». [ت ٨٧٣، جه ٣٠٦٤، ق ٥/ ١٥٩ - ١٦٣، حم ٦/ ١٣٧، خزيمة ٣٠٠٨]\n===\nواستقبل الحطيم فقط لا تجوز صلاته؛ لأن استقبال البيت في الصلاة قطعي الثبوت، وكون الحطيم داخل البيت ثبت بحديث ظني، لهذا لا يجوِّزون استقبالها حتى يكون الاستقبال إلى جزء من البيت.\n٢٠٢٩ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود) الخريبي، (عن إسماعيل بن عبد الملك، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - خرج من عندها وهو مسرور) أي فرحان، (ثم رجع إليَّ وهو كئيب، فقال) رسول الله - ﷺ -: (إني دخلت الكعبة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققتُ على أمتي) أي أوقعت المشقة عليهم بدخولي في الكعبة.\nومناسبة الحديث بالباب أنه قد ثبت في هذا الحديث دخولُه - ﷺ - في الكعبة، وقد سبق ذكرُ الصلاة فيها، فلهذا ناسب بالباب؛ ولكن فيه أن هذا الدخول في الكعبة ظاهره أنه وقع في الحجة، والصلاة المتقدمة كانت في زمن الفتح.\nقال الشوكاني (١): فيه دليل على أن رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة في غير عام الفتح؛ لأن عائشة لم تكن معه فيه، إنما كانت معه في غيره، وقد جزم جمع من أهل العلم أنه لم يدخل إلَّا في عام الفتح، وهذا الحديث يرد عليهم،\n_________\n= الرافعي والنووي أنه لا يصح استقبال الحجر في الصلاة مع عدم استقبال شيء من الكعبة. (ش).\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٤٣).","vol":"7","page":542},{"text":"٢٠٣٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمُسَدَّدٌ قَالُوا، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ الْحَجَبِىِّ، حَدَّثَنِى خَالِى، عَنْ أُمِّي (١) قَالَتْ: سَمِعْتُ الأَسْلَمِيَّةَ\n===\nوقد تقرر أن النبي - ﷺ - لم يدخل البيت في عمرته، كما في حديث ابن أبي أوفى من حديث إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: \"أدَخل النبيُّ - ﷺ - البيتَ في عمرته؟ قال: لا\" فتعين أن يكون دخله في حجته، وبذلك جزم البيهقي (٢)\nوقد أجاب البعض عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون - ﷺ - قال ذلك بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح، وهو بعيد جدًا.\n٢٠٣٠ - (حدثنا ابن السرح وسعيد بن منصور ومسدد قالوا: نا سفيان، عن منصور) بن عبد الرحمن (الحجبي، حدثني خالي) وهو مسافع بن عبد الله بن شيبة الحجبي، وفيه إشكال، فإن مسافعًا لا يمكن أن يكون خالًا لمنصور، فإن الخال من يكون أخًا للأم، وليس هو أخًا لأم منصور صفية بنت شيبة، بل هو ابن أخي أمه كما صرح به الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣) في ترجمة مسافع، روى عن أبيه وجده وعمته صفية، وعنه ابن عمته منصور بن صفية، فإطلاق الخال عليه لعله بطريق المجاز؛ لأنه ابن أخيها، كما أطلق رسول الله - ﷺ - الخالَ على سعد بن أبي وقاص؛ فعبد الله والد مسافع أخ لطيفة بنت شيبة وشقيق لها، فهو خال لمنصور؛ فيحتمل أن يقال: إن ههنا سقط لفظ \"ابن\" من النساخ؛ فكأنه قال: حدثني ابن خالي، وعلى هذا لا يحتاج إلى ارتكاب المجاز، ولكن ما وجدته في شيء من نسخ أبي داود، والله أعلم.\n(عن أمي) أي صفية بنت شيبة الحجبية (قالت: سمعت الأسلمية)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"صفية بنت شيبة\".\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٥٩).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٠٢).","vol":"7","page":543},{"text":"تَقُولُ: \"قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ دَعَاكَ؟ قَالَ: «إِنِّى نَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَ الْقَرْنَيْنِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ فِى الْبَيْتِ شَىْءٌ يَشْغَلُ الْمُصَلِّىَ». [حم ٤/ ٦٨ - ٥/ ٣٨٠]\nقَالَ ابْنُ السَّرْحِ: خَالِى مُسَافِعُ بْنُ شَيْبَةَ.\n===\nوقيل: عن امرأة من بني سليم، قال في \"التقريب\": عن عثمان بن طلبة في تخمير قرني الكبش، لا تُعرف. (تقول: قلت لعثمان) بن طلحة بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي العبدري الحجبي، أسلم في الهدنة، وهاجر مع خالد بن الوليد، ثم سكن مكة إلى أن مات بها، وقيل: قتل بأجنادين، قال مصعب الزبيري: دفع النبي - ﷺ - مفتاح الكعبة لشيبة بن عثمان، وقال: \"خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة\"، وقال العسكري: قال قوم: استشهد بأجنادين، وذلك باطل (١).\n(ما قال لك رسول الله - ﷺ - حين دعاك؟ قال) عثمان بن طلحة: قال لي رسول الله - ﷺ -: (إني نسيت أن آمرك أن تخمِّر) أي تغطي (القرنين) أي قرني (٢) الكبش الذي فدي به إسماعيل ﵊، (فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلِّي) عن الصلاة.\n(قال ابن السرح) أي زاد: (خالي مسافع بن شيبة) أي زاد لفظ مسافع بن شيبة، وقدمنا أن مسافع بن شيبة ليس هو خاله إلَّا أن يحمل على المجاز، ومناسبة الحديث بالباب بذكر الصلاة في الكعبة فيه.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٢٤).\n(٢) وقد احترقا في فتنة الحجاج بابن الزبير، كذا في \"حياة الحيوان\" (٢/ ٣٦٦). (ش).","vol":"7","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>(٩٢) بابٌ: فِى مَالِ الْكَعْبَةِ</span>\n٢٠٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِىُّ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ شَيْبَةَ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ - قَالَ: \"قَعَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِى مَقْعَدِكَ الَّذِى أَنْتَ فِيهِ، فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ، قَالَ:\n===\n\n(٩٢) (بابٌ: فِى مَالِ الْكَعْبَةِ)\nأي: في المال الذي يهدى إلى الكعبة فيوضع في بئر في جوفها، هل يخرج أم لا؟\n٢٠٣١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن محمد) بن زياد (المحاربي) أبو محمد الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال النسائي أيضًا: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الساجي: صدوق يهم.\n(عن الشيباني) أبي إسحاق، (عن واصل الأحدب، عن شقيق، عن شيبة يعني ابن عثمان) بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، أبو عثمان الحجبي العبدري المكي، قُتِل أبوه يوم أحد كافرًا، قال ابن سعد: بقي حتى أدرك يزيد بن معاوية، وأوصى إلى ابن الزبير، وهو أبو صفية بنت شيبة، وكان ممن صبر بحنين مع النبي - ﷺ -، دفع النبي - ﷺ - مفتاح الكعبة إليه وإلى عثمان بن طلحة فقال: \"خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة، لا يأخذها منكم إلَّا ظالم\".\n(قال) شيبة: (قعد عمر بن الخطاب في مقعدك (١) الذي أنت فيه، فقال) عمر: (لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة) أي على المسلمين، (قال) شيبة:\n_________\n(١) أي: شقيق، الحديث مختصر طوَّله ابن ماجه [انظر: \"السنن\" (٣١١٦)]. (ش).","vol":"7","page":545},{"text":"قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، قَالَ: بَلَى لأَفْعَلَنَّ، قَالَ (١): قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ (٢)، قَالَ: لِمَ (٣)؟ قُلْتُ: لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى الْمَالِ، فَلَمْ يُحَرِّكاهُ، فَقَامَ فَخَرَجَ\". [خ ١٥٩٤، جه ٣١١٦]\n٢٠٣٢ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانٍ الطَّائِفِىِّ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\n(قلت (٤): ما أنت بفاعل، قال عمر: بلى لأفعلن، قال) شيبة: (قلت: ما أنت بفاعل، قال) عمر: (لم) أي: لِمَ قلتَ ذلك؟ (قلت: لأن رسول الله - ﷺ - قد رأى) أي علم (مكانه) أي وجوده (وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحركاه) أي لم يخرجاه (فقام) عمر (فخرج) وفي رواية قال: هما المرءان يقتدى بهما.\n٢٠٣٢ - (حدثنا حامد بن يحيى، نا عبد الله بن الحارث) بن عبد الملك المخزومي، أبو محمد المكي، قال يعقوب بن شيبة: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي) الثقفي، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، في حديثه نظر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري (٥) لما ذكر حديثه في صيد وجٍّ: لم يتابع عليه.\n(عن أبيه) عبد الله بن إنسان الثقفي الطائفي ثم المدني، قال البخاري: لم يصح حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يخطئ،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"فاعل\".\n(٣) في نسخة: \"فلم\".\n(٤) قال الحافظان ابن حجر (٣/ ٤٥٧)، والعيني (٧/ ١٦٢) في وجهه: إنه مال موقوف، لا يجوز صرفه إلى غيره، لكن يشكل عليه ما ورد أن المهدي يقسمه، اللَّهمَّ إلَّا أن يقال: إنه مجتهد، فيقع اجتهاده إلى أن الجواز لأجل احتياج الناس إليه. (ش).\n(٥) انظر: \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ١٤٠).","vol":"7","page":546},{"text":"عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: \"لَمَّا أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ لِيَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ السِّدْرَةِ، وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى طَرَفِ الْقَرْنِ الأَسْوَدِ حَذْوَهَا، فَاسْتَقْبَلَ نَخِبًا بِبَصَرِهِ - وَقَالَ مَرَّةً: وَادِيَهُ - وَوَقَفَ حَتَّى اتَّقَفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ صَيْدَ وَجٍّ وَعِضَاهَهُ حَرَامٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ». وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطَّائِفَ وَحِصَارِهِ (١) لِثَقِيفٍ. [حم ١/ ١٦٥]\n===\nروى له أبو داود حديثًا واحدًا في تحريم صيد وجٍّ، قلت: تعقب الذهبي فقال: هذا لا يقوله الحافظ إلَّا فيما روى عدة أحاديث، وعبد الله ما عنده غير هذا الحديث، فإن كان أخطأ فيه فما هو الذي ضبطه.\n(عن عروة بن الزبير، عن الزبير، قال: لما أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - من لِيَّة)، قال في \"القاموس\" (٢): بالكسر، وادٍ لثقيف، أو جبل بالطائف أعلاه لثقيف، وأسفله لنصر بن معاوية.\nوقال في \"معجم البلدان\" (٣): ليَّة بتشديد الياء، وكسر اللام: من نواحي الطائف، مر به رسول الله - ﷺ - حين انصرافه من حنين يريد الطائف، وأمر- وهو بلية- بهدم حصن مالك بن عوف قائد غطفان.\n(حتى إذا كنا عند السدرة) أي شجر النبق، (وقف رسول الله - ﷺ - في طرف القرن الأسود) وهو جبل صغير، أو قطعة تنفرد من الجبل (حذوَها) أي مقابل السدرة (فاستقبل نخبًا) بفتح النون، قال في \"القاموس\" (٤): وَكَكَتِفٍ: واد بالطائف (ببصره، وقال مرة: واديه) أي فاستقبل واديه ببصره (ووقف حتى اتفق الناس) أي توقفوا معه (كلهم، ثم قال: إن صيدَ وَجٍّ (٥). وعضاهَه) وهو كل شجر عظيم له شوك (حرم) أي حرام (محرَّم لله، وذلك قبل نزوله الطائفَ وحصارِه لثقيف).\n_________\n(١) في نسخة: \"إحصاره\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (٤/ ١٩٢).\n(٣) \"معجم البلدان\" (٥/ ٣٠).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (٤/ ٣٤٠).\n(٥) اختلف في تعيين محله، كما في \"شرح المناسك\" للنووي (ص ٥٣٤)، قال ابن قدامة =","vol":"7","page":547},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"تاريخ الخميس\" (١): ثم سار رسول الله - ﷺ - إلى الطائف حين فرغ من حنين، وسلك على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم المليح، ثم بحرة الرغى من لية فابتنى بها مسجدًا، ومر في طريقه بحصن مالك بن عوف فهدمه، ثم سلك عن طريق فسأل عن اسمها، فقيل له: الضيقة، فقال: بل هي اليسرى، ثم نزل (٢) منها حتى نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة قريبًا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله - ﷺ - إما أن تخرج، وإما أن نخرب عليك حائطك؟ فأبى أن يخرج، فأمر بإخرابه، حتى انتهى إلى الطائف، فنزل قريبًا من حصنه، فضرب به عسكره.\nوقال أيضًا في \"تاريخ الخميس\": وفي كون صيد (٣) وج حرمًا اختلاف، فعند أبي حنيفة: ليس بحرم، وعند الشافعي (٤) ومالك: حرم كحرم مكة والمدينة.\nقال صاحب \"الوجيز\": ورد النهي عن صيدِ وجٍّ الطائف وقطع نباتها، وهو نهي كراهة يوجب تأديبًا لا ضمانًا، وسئل محمد بن عمر القسطلاني إمام المالكية ومفتيها: هل رأيت في مذهب مالك مسألة صيد وَجّ؟ فقال: لا أعرفها، ولا يسعني أن أفتي بتحريم صيدها؛ لأن الحديث ليس من الأحاديث التي يبتني عليها التحليل والتحريم، انتهى.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٥): والحديث يدل على تحريم صيد وَجّ وشجره، وقد ذهب إلى كراهيته الشافعي والإمام يحيى، قال في \"البحر\" بعد أن\n_________\n= (٥/ ١٩٤): صيد وجّ في وشجره مباح، وقال أصحاب الشافعي: حرام، ولنا: أن الأصل الإباحة، والحديث ضعفه أحمد إلى آخر ما قال. (ش).\n(١) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١١٠).\n(٢) وفي \"تاريخ الخميس\" بدله: \"خرج\" وهو الظاهر.\n(٣) كذا في الأصل، ولعلَّ لفظة \"صيد\" زائدة، وليست هي في \"تاريخ الخميس\" أيضًا.\n(٤) صرَّح به النووي في \"مناسكه\" (ص ٥٣٤).\n(٥) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٨٢، ٣٨٣).","vol":"7","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>(٩٣) بابٌ: فِى إِتْيَانِ الْمَدِينَةِ</span>\n٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِى هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى». [خ ١١٨٩، م ١٣٩٧]\n===\nذكر هذا الحديث: إن صح فالقياس التحريم، لكن منع منه الإجماع، انتهى. وفي دعوى الإجماع نظر؛ فإنه قد جزم جمهور أصحاب الشافعي بالتحريم، واختلفوا في وجوب الضمان، فقال جمهور أصحاب الشافعي: إنه يأثم فيؤدبه الحاكم على فعله، ولا يلزمه (١) شيء؛ لأن الأصل عدم الضمان إلَّا فيما ورد به الشرع، ولم يرد في هذا شيء. وقال بعضهم: حكمه في الضمان حكم المدينة وشجرها. قال الخطابي (٢): ولست أعلم لتحريمه معنى إلَّا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم إلى مدة محصورة، ثم نسخ.\n\n(٩٣) (بَابٌ: في إِتْيَانِ الْمَدِينَةِ) (٣)، أي: حضورها لفضلها\n٢٠٣٣ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: لا تشد الرحال) وشد الرحال كناية عن السفر، أي لا يُقصَد بالسفر موضع أو مسجد بنية التقرب إلى الله تعالى (إلَّا إلى) أحد (ثلاثة مساجد: مسجد الحرام) في مكة، (ومسجدي هذا) أي المسجد النبوي، (والمسجد الأقصى)، فإن لهذه المساجد الثلاثة درجة وفضلًا على غيرها.\n_________\n(١) وبه صرَّح النووي في \"مناسكه\" (ص ٥٣٤). (ش).\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٢٢٥).\n(٣) قال القاري في \"شرح المناسك\" (ص ٥٣١، ٥٣٢): أجمعوا على أن أفضل البلاد مكة والمدينة، ثم اختلفوا فيما بينهما، فقيل: مكة أفضل، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، =","vol":"7","page":549},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nففي المسجد الحرام يزيد ثواب الصلاة (١) مائة ألف، وفي المسجد الأقصى بخمسين ألف، وفي المسجد النبوي بخمسين ألف صلاة، أخرجه ابن ماجه (٢) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يُجَمَّعُ فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة\".\nقال القاري (٣): هذا التزايد بالنسبة إلى ما قبله، ففي المسجد الحرام بالنسبة إلى مسجد المدينة، وفي مسجد المدينة بالنسبة إلى المسجد الأقصى، وفي المسجد الأقصى بالنسبة إلى المسجد الجامع، وهلم جرًا إلى المنتهى، وفي سنده أبو الخطاب، وفيه مقال.\nقال القاري: قال ابن حجر: قيل: إنه حديث منكر؛ لأنه مخالف لما رواه\n_________\n= وقيل: المدينة أفضل، وهو قول بعض المالكية ومن تبعهم من الشافعية، قيل: هو المروي عن بعض الصحابهْ ... إلخ، وبسطه القاري في \"شرح المشكاة\" (٥/ ٦٠٢ - ٦٠٥) أيضًا، ونقل ابن قدامة في \"المغني\" (٥/ ٤٦٤) عن أحمد أن إقامة المدينة أحبُّ إليَّ من الإقامة بمكة، كذا في \"الكوكب\" (٤/ ٤٦٢)، و\"الشامى\" (٤/ ٥٥)، و\"شرح المناسك\" (ص ٥٠٢) للنووي.\nواختلفوا أيضًا في جواز المجاورة بعد القول بالفضل، كما في \"شرح مناسك النووي\" (ص ٥٠٢): ثم فضل مكة عند الجمهور هل يعم أو يختص بغير الموت؟ وهو ظاهر \"المرقاة\"، وجزم به في \"شرح اللباب\" (ص ٥٣٣)، وهو ظاهر \"شرح مناسك النووي\"، وخصَّه القاري بغير المدني لحديث \"قيس له من مولده إلى منقطع أثره\"، والبسط في \"الأوجز\" (١٥/ ٥٧٠ - ٥٧٤). (ش).\n(١) واختلفت الروايات فيه، كما في \"مناسك النووي\" (ص ٤٢٨). (ش).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (١٤١٣).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٤٦٠).","vol":"7","page":550},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالثقات، وقد يقال: يمكن الجمع بينه وبين ما رووه بأن روايتهم أن صلاة الجماعة تعدل صلاة المنفرد بخمس أو سبع وعشرين، تحمل على أن هذا كان أولًا، ثم زيد هذا المقدار في المسجد الذي تقام فيه الجمعة، وكذا ما جاء أن صلاة في المسجد الأقصى بألف في سائر المساجد، وصلاة بمسجده ﵇ بألف صلاة في المسجد الأقصى كان أولًا، ثم زيد فيهما، فجعل الأول بخمسين ألفًا في سائر المساجد، والثاني بخمسين ألفًا في الأقصى، ومسجد مكة بمائة ألف في مسجده ﵇، فتزداد المضاعفة على ما قدمناه أول الباب في مسجد مكة بأضعاف مضاعفة، فتأمله ضاربًا مائة ألف في خمسين ألف (١) ألف، انتهى.\nوأما الاختلاف الواقع في زيارةِ قبر النبي - ﷺ -، والسفرِ له، وشدِّ الرحال إليه؛ فقال بعضهم: لا يجوز (٢) ذلك لهذا الحديث، والصواب عند الحنفية وغيرهم من الشافعية (٣) والمالكية: أنه يستحب ذلك؛ فإن النهي عن شد الرحال بالنسبة إلى المساجد لا إلى جميع البقاع، ولو سلم فاستثناء ثلاثة مساجد لأجل الفضل الذي فيها، ففضل قبر النبي - ﷺ - يقتضي أن يشد الرحال إليه، بل أولى أن يمشي إليه على الأحداق.\nقال في \"لباب المناسك\"، و\"شرحه\" (٤): اعلم أن زيارة سيد المرسلين - ﷺ - بإجماع المسلمين- من غير عبرة بما ذكره بعض المخالفين- من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، وأنجح المساعي لنيل الدرجات، قريبة من درجة الواجبات،\n_________\n(١) قلت: فيه أن الخمسين ألف المذكور أيضًا مضاعف بما قبله. (ش).\n(٢) وممن قال بالمنع إمام الحرمين والقاضي حسين من الشافعية، ومن المالكية القاضي عياض، ومن الحنابلة ابن تيمية، كذا في \"الإتحاف\" (٤/ ٤٨٥). (ش).\n(٣) وكذلك عند الحنابلة، كما في \"الرحلة الحجازية القديمة\"، وذكر له الدلائل والنصوص لمذهبهم. (ش).\n(٤) \"شرح اللباب\" (ص ٥٠٢).","vol":"7","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>(٩٤) بَابٌ: في تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ</span>\n===\nبل قيل: إنها من الواجبات لمن له سعة، وتركها غفلة عظيمة وجفوة كبيرة، وفيه إشارة إلى حديث استدل به على وجوب الزيارة وهو قوله (١) - ﷺ -: \"من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني\"، رواه ابن عدي بسند حسن.\nوجزم (٢) بعض المالكية بأن المشي إلى المدينة أفضل من الكعبة وبيت المقدس.\nبقي الكلام: هل يستحب زيارة قبره - ﷺ - للنساء أو يكره؟ فالصحيح أنه يستحب بلا كراهة إذا كانت بشروطها على ما صرح به بعض العلماء، أما على الأصح من مذهبنا وهو قول الكرخي وغيره من أن الرخصة في زيارة القبور ثابتة للرجال والنساء جميعًا، فلا إشكال، وأما على غيره فكذلك نقول بالاستحباب لإطلاق الأصحاب، والله أعلم بالصواب.\n\n(٩٤) (بابٌ: فِى تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ)\nوقد اختلف العلماء في تحريم المدينة وعدم تحريمها، فقال محمد بن أبي ذئب والزهري والشافعي ومالك وأحمد (٣) وإسحاق: المدينة لها حرم، فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم، خلافًا لابن أبي ذئب؛ فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلَّا عند الشافعي في قوله القديم؛ فإنه قال فيه: من اصطاد في المدينة صيدًا أخذ سلبه، وقال في الجديد بخلافه، وقال ابن نافع: سئل مالك عن قطع سدر المدينة وما جاء فيه من النهي؟ فقال: إنما نهى عن قطع سدر المدينة لئلا توحش، وليبقى فيها شجرها، ويستأنس بذلك، ويستظل به من هاجر إليها.\n_________\n(١) وفي الباب روايات كثيرة، ذكرها السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٦٩). (ش).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"شرح اللباب\": \"صَرَّح\".\n(٣) قلت: وفي مذهب الحنابلة فرق بين حرم المدينة ومكة، كما بسطه في \"المغني\" (٤/ ١٩٣)، وفيه اختلاف عند الشافعي، كما في \"مناسك النووي\" (ص ٥٣٣). (ش).","vol":"7","page":552},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال ابن حزم: من احتطب في حرم المدينة، فحلال سلبه وكل ما معه في حاله تلك، وتجريده إلا ما يستر عورته؛ لحديث سعد بن أبي وقاص.\nوقال الثوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن الحديث (١) بأنه - ﷺ - إنما قال ذلك لا لأنه لِمَا ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها، كما ذكرنا عن قريب عن ابن نافع عن مالك، وذلك كمنعه - ﷺ - من هدم آطام المدينة، وقال: \"إنها زينة المدينة\"، على ما رواه الطحاوي (٢) بسنده عن ابن عمر قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن آطام المدينة أن تُهدَم\"، وفي رواية: \"لا تُهدَم (٣) الآطام؛ فإنها زينة المدينة\"، وهذا إسناد صحيح.\nثم ذكر الطحاوي دليلًا على ذلك من حديث حميد الطويل عن أنس قال: \"كان لأبي طلحة ابن من أم سليم يقال له: أبو عمير، وكان رسول الله - ﷺ - يضاحكه إذا دخل، وكان له نغير، فدخل رسول الله - ﷺ - فرأى أبا عمير حزينًا، فقال: ما شأن أبي عمير؟ فقيل: يا رسول الله، مات نُغيره، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ \"، وأخرجه من أربع طرق، وأخرجه مسلم أيضًا.\nقال الطحاوي: فهذا قد كان بالمدينة، ولو كان حكم صيدها كحكم صيد مكة إذًا لما أطلق له رسول الله - ﷺ - حبس النغير، ولا اللعب به، كما لا يطلق ذلك بمكة.\n_________\n(١) يعني به حديثَ أنس المرفوع: \"المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يُقطَع شجرها ... إلخ\". أخرجه البخاري (١٨٦٧).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٩٤).\n(٣) كذا في الأصل، وفي العيني، و\"شرح المعاني\": \"لا تهدموا\"، بصيغة الجمع مبنيًا على الفاعل.","vol":"7","page":553},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأجيب عنه باحتمال أن يكون من صيد الحل، قلت: لا تقوم الحجة بالاحتمال الذي لا ينشأ عن دليل، وردَّ أيضًا بأن صيد الحل إذا دخل الحرم يجب عليه إرساله فلا يرد علينا.\nقلت: وهذا الجواب لا يتمشى على أصل الشافعي، فإن عنده إذا أخذ الرجل صيد الحل؛ ثم أدخله في الحرم، لا يجب عليه إرساله، سواء كان في يده أو في قفصه، نعم يتمشى على أصلنا، ولكن هذا لا يكفي في الجواب.\nثم قال الطحاوي: فإن قال قائل: قد يجوز أن يكون هذا الحديث بقناة (١)، وذلك الموضع غير موضع الحرم، فلا حجة لكم في هذا الحديث، فنظرنا هل نجد مما سوى هذا الحديث ما يدل على شيء من حكم صيد المدينة؟ !\nفإذا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي وفهد حدثانا بسندهما، عن مجاهد قال: قالت عائشة: \"كان لآل رسول الله - ﷺ - وحش، فإذا خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله - ﷺ - قد دخل؛ ربضَ فلم يترمرم كراهة أن يؤذيه\"، فهذا بالمدينة في موضع قد دخل فيما حرم منها، وقد كانوا يؤوون فيها الوحوش، ويتخذونها، ويغلقون دونها الأبواب، وقد دل هذا أيضًا على أن حكم المدينة في ذلك بخلاف حكم مكة، وإسناده صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\".\nوروى الطحاوي أيضًا من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع: \"أنه كان يصيد، ويأتي النبي - ﷺ - من صيده، فأبطأ عليه فجاء، فقال رسول الله - ﷺ -: ما الذي حبسك؟ فقال: يا رسول الله! انتفى عنا الصيد فصرنا نصيد ما بين تيت (٢) إلى قناة، فقال رسول الله - ﷺ -: أما إنك لو [كنت]\n_________\n(١) كذا في العيني، وفي الطحاوي (٤/ ١٩٥): \"بقباء\". (ش).\n(٢) تِيْت: بكسر التاء المثناة من فوق، وسكون الياء، وفي آخره تاء مثناة أخرى، ولقال: تَيِّت على وزن \"سَيِّد\"، قال الصغاني: هو جبل قرب المدينة على بريد منها. كذا في \"العمدة\" (٧/ ٥٧٠).","vol":"7","page":554},{"text":"٢٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: \"مَا كَتَبْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلَّا الْقُرْآنَ وَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ،\n===\nتصيد بالعقيق لَشَيَّعتُك إذا ذهبتَ، وتلقيتُك إذا جئتَ؛ فإني أحب العقيق\"، وأخرجه من ثلاث طرق، وأخرجه الطبراني أيضًا.\nثم قال الطحاوي: ففي هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة، ألا ترى رسول الله - ﷺ - قد دلَّ سلمةَ وهو بها على موضع الصيد، وذلك لا يحل بمكة، فثبت أن حكم صيد المدينة خلاف حكم صيد مكة.\nوأما الجواب عن حديث سعد في أمر السلب، فهو أنه كان في وقت كانت العقوبات التي تجب في المال، ثم نسخ ذلك في وقت نسخ الربا، وقال ابن بطال: حديث سعد بن أبي وقاص في السلب لم يصح عند مالك، ولا رأى العمل عليه بالمدينة، كذا في العيني (١) ملخصًا.\n٢٠٣٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه) يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، ثقة، يقال: إنه أدرك الجاهلية، مات في خلافة عبد الملك. (عن علي) - ﵁ - (قال: ما كتبنا عن رسول الله - ﷺ - إلَّا القرآن، وما في هذه الصحيفة) كأنه أشار إلى صحيفة كانت عنده في قراب سيفه، وقد سأله بعض أصحابه: هل عندكم غير ما في كتاب الله عن رسول الله - ﷺ -؟ !\nووجه السؤال أنه كان بعض الروافض يقول: إن عند علي علومًا كثيرة زائدة على ما في كتاب الله، وهي ألف باب من العلم، كل باب منه يفتح ألف باب، وكان هذا من خرافاتهم، فسأله بعض أصحابه، فأجاب عنه في خطبته.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٦٨ - ٥٧٠).","vol":"7","page":555},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرَ إِلَى ثَوْرٍ،\n===\nولمسلم (١) من طريق أبي الطفيل: \"كنت عند علي، فأتاه رجل فقال: ما كان النبي - ﷺ - يُسِرُّ إليك؟ فغضب ثم قال: ما كان يُسِرُّ إليَّ شيئًا يكتمه عن الناس، غير أنه حدثني بكلمات أربع\". وفي رواية له: \"ما خصَّنا بشيء لم يعمَّ به الناسَ كافة، إلا ما كان في قراب سيفي\". ووقع من طريق أبي جحيفة قال: قلت لعلي: \"هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلَّا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم\" (٢).\n(قال) علي - ﵁ -: (قال رسول الله - ﷺ -: المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور)، ويقال له: \"عَيْر\" أيضًا، وهو اسم جبل بقرب المدينة، معروف، وقد كنى الراوي عند البخاري (٣) فقال: \"من كذا إلى كذا\". وفي رواية: \"من عائر إلى كذا\".\nولعل وجه الكناية عنهما أن مصعب الزبيري قال: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وخالفه الناس في إنكاره عيرًا؛ لأنه كان مشهورًا بالمدينة يعرفه الناس حتى الآن، فإنكاره منه عجيب، ولكنه وافقه على إنكار ثور، قال أبو عبيد: أما أهل المدينة فلا يعرفون جبلًا عندهم يقال له: ثور، وإنما ثور بمكة الذي توارى فيه النبي - ﷺ - وأبو بكر عند الهجرة، ونرى أن أصل الحديث (٤): ما بين عير إلى أُحُدٍ.\nفاختلفوا على هذا في معنى الحديث على أقوال: منها قول ابن قدامة (٥): يحتمل أن يكون المراد مقدار ما بين عير وثور، لا أنهما بعينهما في المدينة، أو سمى النبي - ﷺ - الجبلين اللذين بطرفي المدينة\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٩٧٨).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١١١).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٨٦٧).\n(٤) انظر: \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٦٨).\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٨٢).","vol":"7","page":556},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعيرًا وثورًا ارتجالًا، وقيل (١): إن عيرًا جبل بمكة، فيكون المراد: أُحرِّم من المدينة مقدارَ ما بين عير وثور بمكة، على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف.\nوقال النووي: يحتمل أن يكون ثور كان اسم جبل هناك إما أحُد وإما غيره، وقال المحب الطبري في \"الأحكام\": قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري: أن حذاء أحد عن يساره جانحًا إلى ورائه جبل صغير يقال له: ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، وتواردوا على ذلك، قال: فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، قال: وهذه فائدة جليلة، انتهى.\nوقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبي في \"شرحه\": حكى لنا شيخنا الإِمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولًا إلى العراق، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل، وكان يذكر له الأماكنَ والجبالَ، قال: فلما وصلنا إلى أحد إذًا بقربه جبل صغير، فسألته عنه فقال: هذا يسمى ثورًا.\nقال الحافظ: وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي في \"مختصره لأخبار المدينة\": أن خَلَفَ أهل المدينة ينقلون عن سَلَفهم أن خَلْفَ أحد من جهة الشمال جبلًا صغيرًا إلى الجمرة بتدويرٍ يسمى ثورًا، وقد تحققته بالمشاهدة، انتهى.\nقلت: وقال المجد في \"القاموس\" (٢): وثور جبل بالمدينة، ومنه الحديث الصحيح: \"المدينة حرم ما بين عير إلى ثور\"، وأما قول أبي عبيد بن سلام وغيره من الأكابر الأعلام: إن هذا تصحيف، والصواب إلى أحد؛ لأن ثورًا\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في \"النهاية\" (٣/ ٣٢٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (١/ ٤٢٧).","vol":"7","page":557},{"text":"فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ،\n===\nإنما هو بمكة؛ فغير جيد؛ لما أخبرني الشجاع البعلي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري: أن حذاء أُحُدٍ جانحًا إلى ورائه جبلًا صغيرًا يقال له: ثور.\nوتكرر السؤال (١) عنه طوائفَ من العرب العارفين بتلك الأرض، فكُلٌّ أخبرني أن اسمه ثور، ولما كتب إليَّ الشيخ عفيف الدين المطري، عن والده الحافظِ الثقةِ: قال: إن خَلْف أُحُدٍ عن شمالِيِّه جبلًا صغيرًا مُدوَّرًا يسمى ثورًا، يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلف.\n(فمن أحدث حدثًا) أي ابتدع فيها بدعة، أو أمرًا منكرًا (أو آوى) أي ضَمَّ إليه ونصره (محدثًا) بكسر الدال وفتحها، على صيغة اسم الفاعل والمفعول، أي مبتدعًا أو أمرًا مبتدعًا (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يُقْبَلُ منه عدل ولا صرف) بفتح أولهما.\nواختُلِفَ في تفسيرهما، فعند الجمهور: الصرف الفريضة، والعدل النافلة، وعن الثوري والحسن البصري بالعكس، وعن الأصمعي: الصرف التوبة، والعدل الفدية، وقيل: الصرف الدية، والعدل الزيادة عليها، وقيل بالعكس.\nوحكى صاحب \"المحكم\": الصرف الوزن، والعدل الكيل، وقيل: الصرف القيمة، والعدل الاستقامة، وقيل: الصرف الدية، والعدل البديل، وقيل: الصرف الشفاعة، والعدل الفدية؛ لأنها تعادل الدية، وبهذا الأخير جزم البيضاوي، وقيل: الصرف الرشوة، والعدل الكفيل.\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"القاموس\": \"سؤالي\"، أي سؤال صاحب القاموس.","vol":"7","page":558},{"text":"وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ\n===\nقال عياض: معنى القبول: لا يقبل قبول رضي وإن قبل قبول جزاء، وقيل: يكون القبول ههنا تكفير الذنب بهما، وقد يكون معنى الفدية أنه لا يجد يوم القيامة فدى يفتدي به بخلاف غيره من المذنبين بأن يفديه من النار يهودي أو نصراني، كما رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري.\nوفي الحديث ردٌّ لما تدعيه الشيعة بأنه كان عند علي وآل بيته من النبي - ﷺ - أمور كثيرة، أعلمه بها سرًا، تشتمل على كثير من قواعد الدين وأمور الإمارة، ملتقط من \"الفتح\" (١) للحافظ.\n(وذمة المسلمين) أي أمانهم أو عهدهم (واحدة يسعى بها) أي يتولاها (أدناهم) والمعنى أن ذمة المسلمين سواء، صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع؛ فإذا أمن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمته، لم يكن لأحد نقضُه، فيستوي في ذلك الرجلُ والمرأة، والحر والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة.\n(فمن أخفر مسلمًا) أي نقض عهدَ مسلم (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبَلُ منه عدل ولا صرف، ومن وإلى قومًا بغير إذن مواليه)، إما أن يراد بالموالاة ولاء العتاقة، فلم يجعل الإذن شرطًا، وإنما هو لتأكيد التحريم؛ لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه، وحالوا بينه وبين ذلك، قاله الخطابي (٢) وغيره. ويحتمل أن يكون كنى بذلك عن بيعه، فإذا وقع بيعه، جاز له الانتماء إلى مولاه الثاني، وهو غير مولاه الأول، أو المراد موالاة الحلف فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلا بإذن (٣).\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٨٦).\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٢٢٤).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٨٦).","vol":"7","page":559},{"text":"فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ». [خ ٧٣٠٠، م ١٣٧٠]\n٢٠٣٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِى حَسَّانَ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ - فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُلْتَقَطُ (١) لُقَطَتُهَا إلَّا لِمَنْ أَشَادَ بِهَا (٢)، وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ». [ق ٥/ ٢٠١]\n===\n(فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف)، فهذه الأمور كلها مكتوبة في الصحيفة، وأيضًا فيه الجراحات وأسنان الإبل وغير ذلك.\n٢٠٣٥ - (حدثنا ابن المثنى، نا عبد الصمد، نا همام، نا قتادة، عن أبي حسان) الأعرج، (عن علي - ﵁ - في هذه القصة، عن النبي - ﷺ - قال: لا يختلى خلاها) بالخاء المعجمة مقصور، وهو الرطب من النبات، واختلاؤه: قطعه واحتشاشه (ولا ينفَّر صيدها، ولا يُلْتَقَط لقطتها إلَّا لمن أشاد بها) أي رفع الصوت بالتعريف بها، (ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلَّا أن يعلف رجل بعيره).\nقال الحافظ (٣): ويجوز أخذ العلف لحديث أبي سعيد في مسلم: \"ولا يخبط فيها شجرة إلَّا لعلف\"، ولأبي داود من طريق أبي حسان عن علي - ﵁ - نحوه، وقال المهلب: في حديث أنس (٤) دلالة على أن المنهي عنه في الحديث الماضي مقصور على القطع الذي يحصل به الإفساد، فأما من يقصد به الإصلاح\n_________\n(١) في نسخة: \"ولا تلتقط\".\n(٢) في نسخة: \"أنشدها\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٤).\n(٤) أخرجه البخاري (١٨٦٧).","vol":"7","page":560},{"text":"٢٠٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كِنَانَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: \"حَمَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّ نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ بَرِيدًا بَرِيدًا: لَا يُخْبَطُ شَجَرُهُ (١) وَلَا يُعْضَدُ، إلَّا مَا يُسَاقُ بِهِ الْجَمَلُ\".\n===\nكمن يغرس بستانًا مثلًا، فلا يمتنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجر يضر بقاؤه، قال: وقيل: بل فيه دلالة على أن النهي إنما يتوجه على ما أنبته الله من الشجر بما لا صنع للآدمي فيه، كما حمل عليه النهي عن قطع شجر مكة.\n٢٠٣٦ - (حدثنا محمد بن العلاء، أن زيد بن الحباب حدثهم) أي محمدَ بنَ العلاء وغيرَه، (نا سليمان بن كنانة) الأموي (مولى عثمان بن عفان) قال ابن أبي حاتم (٢) عن أبيه: لا أعرفه؛ له عند أبي داود حديث واحد.\n(أنا عبد الله بن أبي سفيان) مولى ابن أبي أحمد، حجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في حمى المدينة، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.\n(عن عدي بن زيد) الجذامي، يقال: له صحبة، روى عن النبي - ﷺ - حديثًا واحدًا في حمى المدينة، وفي إسناد حديثه اختلاف، روى عنه داود بن الحصين وعبد الله بن أبي سفيان، وروى عنه عبد الرحمن بن حرملة- ولم يلقه- حديثًا آخر، وقيل فيه: عن ابن حرملة، عن رجل، عن عدي، وقيل: إن الذي روى عنه عبد الرحمن بن حرملة آخر من جذام، يقال له: عدي، غير عدي بن زيد هذا.\nقلت: فرق الطبراني بينهما، لكنه لم يسم والد عدي الجذامي، ولم يقل في عدي بن زيد إنه جذامي، وكذا صنع البغوي وابن السكن.\n(قال: حمى رسول الله - ﷺ - كلَّ ناحية من المدينة بريدًا بريدًا: لا يخبط شجره) والخبط ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، والخبط بالحركة: الورق الساقط بمعنى المخبوط (ولا يعضد) أي: ولا يقطع (إلَّا ما يساق به الجمل)\n_________\n(١) في نسخة: \"شجرها\".\n(٢) انظر: \"الجرح والتعديل\" رقم (٦٠١).","vol":"7","page":561},{"text":"٢٠٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ حَازِمٍ - قال: حَدَّثَنِى يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ فِى حَرَمِ الْمَدِينَةِ الَّذِى\n===\nأي بقدر علف الدواب، فيحمل على الجمل ويساق به.\nواختلفت الروايات في تحديد الحرم، ففي رواية: \"اللَّهُمَّ إني أحرِّم ما بين جبليها\"، وفي رواية: \"ما بين لابتيها\"، واللابة هي الحرة، وهي الحجارة السود، وفي حديث جابر عند أحمد: \"ما بين حرتيها\"، وفي رواية: \"بين مأزميها\"، والمأزم بكسر الزاي: المضيق بين الجبلين، وفي حديث أبي داود: \"كل ناحية من المدينة بريدً بريدًا\"، فادعى بعض الحنفية لأجل اختلاف الروايات فيه أن الحديث مضطرب.\nقال الحافظ (١): ولا شك أن رواية \"ما بين لابتيها\" أرجح لتوارد الرواة عليها، ورواية \"جبليها\" لا تنافيها، فيكون عند كل لابة جبل، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة الشرق والغرب. والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وقد روى أبو هريرة - ﵁ - بمثل هذا الحديث عند البخاري ومسلم قال: \"حرم رسول الله - ﷺ - ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى\" (٢)، قاله في \"المنتقى\" (٣).\n٢٠٣٧ - (حدثنا أبو سلمة، نا جرير - يعني ابن حازم - قال: حدثني يعلي بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله) روى عن سعد وأبي هريرة وصهيب، وعنه يعلي بن حكيم الثقفي، قال أبو حاتم: ليس بالمشهور فيعتبر بحديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في حرم المدينة، قلت: قال البخاري وأبو حاتم: أدرك المهاجرين والأنصار.\n(قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة الذي\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٣).\n(٢) أخرجه البخاري (١٨٧٣)، ومسلم (١٣٧٢)، واللفظ لمسلم.\n(٣) انظر: \"المنتقى\" مع \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٧٧).","vol":"7","page":562},{"text":"حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَوَالِيهِ فَكَلَّمُوهُ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَرَّمَ هَذَا الْحَرَمَ، وَقَالَ: «مَنْ وَجَدَ (١) أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ (٢)»، \"ولَا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ ثَمَنَهُ\". [حم ١/ ١٧٠، ق ٥/ ١٩٩]\n===\nحرَّم رسول الله - ﷺ - فسلبه ثيابَه) أي أخذ ما عليه من الثياب (فجاء) أي سعدًا (مواليه فكلموه فيه) أي في ذلك الرجل وسلبه.\n(فقال: إن رسول الله - ﷺ - حَرَّم هذا الحرم، وقال: من وجد أحدًا يصيد فيه فليسلبه) أي ثيابه (ولا أردُّ عليكم طعمة أطعمنيها) أي أعطانيها (رسولُ الله - ﷺ -، ولكن إن شئتم دفعتُ إليكم ثمنَه)، وفي رواية عن عامر بن سعد عند أحمد ومسلم (٣): \"أن سعدًا ركب إلى قصره بالعَقِيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا- أو يخبطه- فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهلُ العبد، فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفَّلنيه رسول الله - ﷺ -، وأبى أن يرد عليهم\".\nقال الشوكاني (٤): هذا ظاهر في أنه تؤخذ ثيابه جميعها، وقال الماوردي: يبقى له ما يستر عورته، وصححه النووي (٥)، واختاره جماعة من أصحاب الشافعي، وبقصة سعد هذه احتج من قال: إن من صاد من حرم المدينة، أو قطع من شجرها؛ أُخِذَ سَلَبُه، وهو قول الشافعي في القديم. قال النووي: وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة، انتهى.\nوقد حكى ابن قدامة (٦) عن أحمد في إحدى الروايتين القولَ به،\n_________\n(١) في نسخة: \"أخذ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ثيابه\".\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٣٦٤)، و\"مسند أحمد\" (١/ ١٦٨).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٨١).\n(٥) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ١٥٤).\n(٦) انظر: \"المغني\" (٥/ ١٩٢).","vol":"7","page":563},{"text":"٢٠٣٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ،\n===\n[قال:] وقد روي ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر، انتهى. وهذا يردُّ على القاضي عياض حيث قال: ولم يقل به أحدٌ بعد الصحابة إلَّا الشافعي في قوله القديم.\nوقد اختُلِفَ في السلب، فقيل: إنه لمن سلبه، وقيل: لمساكين المدينة، وقيل: لبيت المال، وظاهر الأدلة أنه للسالب، وهو أنه طعمة لكل من وجد فيه أحدًا يصيد، أو يأخذ من شجره.\n٢٠٣٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، أنا ابن أبي ذئب، عن صالح) هو صالح بن نبهان (مولى التوأمة) فتح المثناة، وسكون الواو، بعدها همزة مفتوحة. قال ابن عيينة: سمعت منه ولعابه يسيل، يعني من الكبر (١)، فما علمت أحدًا يحدث عنه لا مالك ولا غيره، لقيته وقد تغير، ولقيه الثوري بعدي، وكان شعبة لا يحدث عنه، وعن يحيى القطان: لم يكن بثقة، وقال مالك: ليس بثقة.\nوقال أحمد بن حنبل: كان مالك أدركه وقد اختلط، فمن سمع منه قديمًا فذاك، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وهو صالح الحديث، ما أعلم به بأسًا، وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابنَ معين عنه فقال: ليس بقوي في الحديث، وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم: سمعت ابن معين يقول: صالح مولى التوأمة ثقة حجة، قلت له: إن مالكًا ترك السماع منه، فقال: إن مالكًا والثوريَّ إنما أدركاه بعد ما خرف، وسمعا منه أحاديث منكرات، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف، وقال أبو زرعة والنسائي: ضعيف، وقال النسائي مرة: ليس بثقة، قال في \"التقريب\": وقد أخطأ من زعم أن البخاري أخرج له.\n_________\n(١) في الأصل: \"الحبر\"، وهو تحريف. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٠٥).","vol":"7","page":564},{"text":"عَنْ مَوْلًى لِسَعْدٍ: \"أَنَّ سَعْدًا وَجَدَ عَبِيدًا مِنْ عَبِيدِ الْمَدِينَةِ يَقْطَعُونَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ، فَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ، وَقَالَ - يَعْنِى لِمَوَالِيهِمْ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَى أَنْ يُقْطَعَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ شَىْءٌ، وَقَالَ: «مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ». [م ١٣٦٤]\n٢٠٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقَطَّانُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْجُهَنِيُّ،\n===\n(عن مولى لسعد) قال القاري (١): قال الشيخ الجزري: هذا الحديث رواه عن صالح مولى التوأمة، عن مولى لسعدٍ، ومولى سعد مجهول.\n(أن سعدًا وجد عبيدًا من عبيد المدينة يقطعون من شجر المدينة، فأخذ متاعهم، وقال) سعد (يعني لمواليهم) زاد الراوي لفظ \"يعني\" لعدم ضبط لفظ الشيخ، أي لما جاءه وكلَّموه في رد متاع العبيد (سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى أن يُقْطَع من شجر (٢) المدينة شيء، وقال: من قطع منه شيئًا فلمن أخذه سلبه).\n٢٠٣٩ - (حدثنا محمد بن حفص أبو عبد الرحمن القطان، نا محمد بن خالد) الجهني، قال المزي: ليس هذا محمد بن خالد بن رافع بن مكيث المتقدم، فإن ذاك أقدم من هذا، قلت: ما أشك أنه هو، ولم يتقدم ما يدل أنه أقدم من هذا إلا رواية إبراهيم بن أبي يحيى عنه، وليس هذا صريحًا في تقدمه على هذا، والله أعلم.\n(أخبرني خارجة بن الحارث) بن رافع بن مكيث (الجهني) المدني، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، قلت: وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فخارجة بن الحارث الجهني؟ فقال: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٦٢٧).\n(٢) والسبب عندنا أنه كان من الحمى، كما يدل عليه ما في \"فتوح البلدان\" (ص ٢٣) لا لكونه من الحرم. (ش).","vol":"7","page":565},{"text":"أَخْبَرَنِي أَبِي، عن جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يُخْبَطُ وَلَا يُعْضَدُ حِمَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَلَكِنْ يُهَشُّ هَشًّا رَقِيقًا\". [ق ٥/ ٢٠٠]\n٢٠٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى. (ح): وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عن ابْنِ نُمَيْرٍ، عن عُبَيْدِ الله، عن نَافِع، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ مَاشِيًا وَرَاكِبًا، زَاد ابْنُ نُمَيْرٍ: \"وُيصَلِّي رَكْعَتَيْنِ\". [خ ١١٩٤، م ١٣٩٩، حم ٢/ ٥٨]\n===\nقال: (أخبرني أبي) الحارث بن رافع بن مكيث بفتح الميم وآخره مثلثة، الجهني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: لا يُعرَف.\n(عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يُخبَطُ ولا يُعضَد حمى رسول الله - ﷺ -) الحمى بكسر الحاء مقصورًا: ما يُحْمى ويُحفَظ، (ولكن يهشُّ هشًا رقيقًا) أي ينثر نثرًا بلين ورفق، ولفظ الرقيق لم يضبطه أحد أنه بالقاف أو بالفاء، ففي النسخة المكتوبة الأحمدية والمطبوعة القادرية والمجتبائية منقوط بنقطتين، وفي المصرية والكانفورية ونسخة \"العون\" (١) منقوط بنقطة واحدة.\n٢٠٤٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، ح: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن ابن نمير) أي عبد الله كلاهما (عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان يأتي قباء) قباء بضم قاف وفتح موحدة يُمَدُّ، ويُقْصَر، ويُصرَف، ولا يُصرَف، وأصله اسم بئر هناك عُرِفَتِ القريةُ بها على ميلين من المدينة على يسار المقاصد إلى مكة، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وهناك مسجد أُسِّسَ على التقوى، وفيها آبار ومياه عذبة (ماشيًا) مرة (وراكبًا) أخرى. (زاد ابن نمير: ويصلي ركعتين) أي في مسجدها.\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (٦/ ١٨)، رقم (٢٠٣٧).","vol":"7","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>(٩٥) بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ </span>(١)\n٢٠٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، نَا الْمُقْرِئُ، نَا حَيْوَةُ، عن أَبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْن زيَادٍ، عن يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَا مِنْ أَحْدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇\". [حم ٢/ ٥٢٧، ق ٥/ ٢٤٥]\n===\nومناسبة الحديث بالباب بأن قباء من متعلقات المدينة، وفيها أقام رسول الله - ﷺ - زمن الهجرة قبل أن يدخل المدينة، وبنى فيها مسجدًا، وله فضل كثير وشرف.\n\n(٩٥) (بَابُ زِيَارةِ (٢) الْقُبُورِ)\nاختلفت النسخ في كتابة هذا الباب، ففي النسخة المكتوبة والقادرية على الحاشية، وأما في المصرية والكانفورية والمجتبائية ففي المتن\n٢٠٤١ - (حدثنا محمد بن عوف، نا المقرئ) عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرئ، (نا حيوة) بن شريح التجيبي، (عن أبي صخر حميد بن زياد) الخراط صاحب العباء، (عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: ما من أحد يسلِّم عليَّ) وظاهر عقد الباب يدل على أن المراد بالسلام ﵇ عند القبر (٣) وقتَ حضوره للزيارة (إلَّا ردَّ الله عليَّ روحي) قال ابن حجر: أي نطقي (حتى أردَّ ﵇) أي أقول: وعليك السلام.\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في الصلاة على النبي - ﷺ - وزيارة قبره\".\n(٢) قلت: وظاهر صنع المؤلف إذ بوَّب به بعد المدينة - وكان محله كتاب الجنائز- إشارةً إلى إباحة شدِّ الرحال إلى المدينة لزيارة القبر الشريف - ﷺ -، وهو مباح عند الحنابلة كما تقدم. (ش).\n(٣) قلت: وذكر في \"المغني\" (٥/ ٤٦٥) هذا الحديث من حديث أحمد برواية عبد الله بلفظ: \"ما من أحد يسلم عليَّ عند قبري ... \". [انظر: \"مسند أحمد\" (٢/ ٥٢٧)]. (ش).","vol":"7","page":567},{"text":"٢٠٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (١) قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ قال: أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا،\n===\nقال القاضي: لعل معناه أن روحه المقدسة في شأن ما في الحضرة الإلهية، فإذا بلغه سلام أحد من الأمة، رد الله تعالى روحَه المطهرة من تلك الحالة إلى رد من سلَّم عليه، وكذلك عادته في الدنيا يفيض على الأمة من سبحات الوحي الإلهي ما أفاضه الله تعالى عليه، فهو صلوات الله عليه في الدنيا والبرزخ والآخرة في شأن أمته، وقال ابن الملك: رد الروح كناية عن إعلام الله تعالى إياه بأن فلانًا صلَّى عليه، وقد أجاب عنه السيوطي بأجوبة أخرى (٢).\n٢٠٤٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، قرأت على عبد الله بن نافع) الصائغ (قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا) أي كالقبور الخالية عن ذكر الله وطاعته، بل اجعلوا لها نصيبًا من العبادة النافلة لحصول البركة النازلة.\nوقيل: معناه: لا تدفنوا موتاكم في بيوتكم، ورَدُّ الخطابي بأنه ﵇ دُفِن في بيته الذي كان يسكنه؛ مردود بأن ذلك من الخصائص لحديث: \"ما قُبِضَ نبي إلَّا وَدُفِنَ حيث يُقْبَض\" (٣). ويمكن أن يكون المعنى: لا تجعلوا القبور مساكنكم لئلا تزول الرقة والموعظة والرحمة، بل زوروها وارجعوا إلى بيوتكم.\nوقيل: المعنى: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورًا؛ لأن العبد إذا مات وصار في قبره لم يصل، وقيل: لا تجعلوا بيوتكم وطنًا للنوم فقط، لا تصلون فيها، فإن النوم أخو الموت، والميت لا يصلي.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٢، ١٣).\n(٣) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" (١٦٢٨)، والبيهقي في \"سننه\" (٣/ ٤٠٧).","vol":"7","page":568},{"text":"وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي (١) حَيْثُ كُنْتُمْ\". [حم ٢/ ٣٦٧]\n===\nوقال التوربشتي: ويحتمل أن يكون المراد أن من لم يصل في بيته جعل نفسه كالميت، وبيتَه كالقبر، انتهى.\nوقد ورد ما يؤيد هذا، ففي \"صحيح مسلم\" (٢): \"مثل البيت الذي يُذكَرُ الله فيه والبيت الذي لا يُذكَر الله فيه، كمثل الحي والميت\"، فالمعنى لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، أو لا تتركوا الصلاة فيها حتى تصيروا كالموتى، وتصير هي كالقبور.\nوقال بعض أرباب اللطائف: يحتمل أن يكون معناه: لا تجعلوا بيوتكم كالقبور خالية عن الأكل والشرب للزائرين، \"قاري\" (٣).\n(ولا تجعلوا قبري عيدًا) هو واحد الأعياد، أي لا تجعلوا زيارة قبري عيدًا، أو لا تجعلوا قبري مظهر عيد؛ فإنه يوم لهو وسرور، وحال الزيارة خلاف ذلك، وقيل: يحتمل أن يكون المراد الحث على كثرة زيارته، ولا يجعل كالعيد الذي لا يأتي في العام إلَّا مرتين.\nقال الطيبي: نهاهم عن الاجتماع لها اجتماعهم للعيد نزهة وزينة، وكانت اليهود والنصارى تفعل ذلك بقبور أنبيائهم، فأوردهم (٤) القسوة والغفلة، وقيل: العيد اسم من الاعتياد، يقال: عاده واعتاده وتعوَّده، أي صار عادة له، والعيد ما اعتادك من هَمٍّ أو غيره، أي لا تجعلوا قبري محل اعتياد، فإنه يؤدي إلى سوء الأدب وارتفاع الحشمة، ولئلا يظن أن دعاء الغائب لا يَصِلُ علي (وصَلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) أي لا تتكلفوا المعاودة إلى قبري فاستغنيتم عنها بالصلاة عليَّ.\n_________\n(١) في نسخة: \"تبلغ إليَّ\".\n(٢) رقم (٧٧٩).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٣، ١٤).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٦٣)، و\"المرقاة\" (٣/ ١٤): \"فأورثهم\".","vol":"7","page":569},{"text":"٢٠٤٣ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، نَا محمدُ بْنُ مَعْنٍ الْمَدِينِيُّ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ خَالِدٍ، عن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن رَبِيعَةَ - يَعْنِي ابْنَ الْهُدَيْرِ- قَالَ: مَا سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله يُحَدِّثُ\n===\n٢٠٤٣ - (حدثنا حامد بن يحيى، نا محمد بن معن) بن نضلة بن عمرو الغفاري، أبو يونس (المديني) ويقال: أبو معن، لجده نضلة صحبة، قال ابن المديني، وابن سعد: ثقة قليل الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق.\n(أخبرني داود بن خالد) بن دينار المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في ذكر قبور الشهداء، قال ابن المديني: لا يحفظ عنه إلَّا هذا الحديث الواحد عن ربيعة، وقد أورد له ابن عدي (١) هذا الحديث وحديثًا آخر عن ابن المنكدر، عن جابر، وقال: وله غير ما ذكرت، وليس بالكثير، وكل (٢) أحاديثه إفرادات، وأرجو أنه لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: مجهول لا نعرفه، ولعله ثقة، وقال العجلي: ثقة.\n(عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ربيعة - يعني ابن الهدير-) وهو ربيعة ابن عبد الله بن الهدير مصغرًا، ويقال: ابن ربيعة بن الهدير بن عبد العزى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة التيمي المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن سعد: وُلدَ على عهد النبي - ﷺ -، وروى عن أبي بكر وغيره، وكان قليلَ الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة من كبار التابعين.\n(قال) ربيعة بن الهدير: (ما سمعت طلحة بن عبد الله يحدث\n_________\n(١) \"الكامل\" (٣/ ٩٦١).\n(٢) كذا في الأصل، و\"التهذيب\" أيضًا (٣/ ١٨٢)، وفي \"الكامل\": \"وكأنَّ أحاديثه ... إلخ\".","vol":"7","page":570},{"text":"عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نُرِيدُ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةِ وَاقِم، فَلمَّا تَدَلَّيْنَا مِنْهَا فَإِذَا قُبُورٌ بمَحْنِيَّةٍ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقُبُورُ إِخْوانِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: \"قُبُورُ أَصْحَابِنَا\"، فَلمَّا جِئْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاءِ قَالَ: \"هَذ قُبُورُ إِخْوَانِنَا\". [حم ١/ ١٦١]\n===\nعن رسول الله - ﷺ - حديثًا قط غير حديث واحد، قال) ربيعة بن أبي عبد الرحمن: (قلت) لربيعة بن الهدير: (وما هو) أي الحديث الواحد؟ (قال) ربيعة بن الهدير: قال لي طلحة: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - نريد قبور الشهداء) أي زيارتها، (حتى إذا أشرفنا) أي علونا (على حرة واقم) قال في \"القاموس\" (١): وواقم: أُطُم بالمدينة، ومنه حَرَّة واقم.\nوقال في \"معجم البلدان\" (٢): حرة واقم: إحدى حرتي المدينة، وهي الشرقية، سميت برجل من العماليق اسمه واقم، وكان قد نزلها في الدهر الأول، وقيل: واقم اسم أطم من آطام المدينة إليه تضاف الحرة.\n(فلما تدلينا) أي هبطنا منها (فإذا قبور بمحنية) أي بمنعطف الوادي، (قال) أي طلحة: (قلنا: يا رسول الله! أقبور إخواننا هذه؟ قال: قبور أصحابنا، فلما جئنا قبور الشهداء قال) رسول الله - ﷺ -: (هذه قبور إخواننا).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"أقبور إخواننا هذه؟ \" سألوه عن الأخوة النسبية فنفاها، وأثبت لهم صحبة، والشهداء كانوا من المهاجرين والأنصار، وهم إخوانهم نسبًا، وهذا بخلاف ما ورد من إثبات الأخوة لمن لم يأت من أمته بعد، إذ الأخوة ثمة أخوة إيمان وإسلام، فلا يراد بالأخوة في الموضعين معنى واحد حتى يشكل الأمر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (٤/ ٦٤٧).\n(٢) \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٤٩).","vol":"7","page":571},{"text":"٢٠٤٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِى (٢) بِذِى الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [خ ١٥٣٢، م ١٢٥٧]\n٢٠٤٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: \"لَا يَنْبَغِى لأَحَدٍ أَنْ يُجَاوِزَ الْمُعَرَّسَ إِذَا قَفَلَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى يُصَلِّىَ فِيهَا مَا بَدَا لَهُ، لأَنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٣) -ﷺ- عَرَّسَ بِهِ\".\n===\n٢٠٤٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة فصلَّى بها، فكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك)، إما أن يراد بالإناخة بالبطحاء حين ركب إلى مكة، أو حين رجع من مكة إلى المدينة (٤)، فإن كان الأول، فهو الذي أقام فيها رسول الله - ﷺ -، وصلى فيها الصلاة؛ وأحرم بها، وصلَّى فيها ركعتي الإحرام، وإن كان الثاني فهو أنه أقام بها وصلَّى فيها صلاة كما يذكر في قول مالك الآتي.\n٢٠٤٥ - (حدثني القعنبي قال: قال مالك: لا ينبغي لأحد أن يجاوز المعرَّس (٥) إذا قفل) من مكة (راجعًا إلى المدينة حتى يصلي فيها ما بدا له) إذا كان وقت الصلاة، وأما إذا لم يكن وقت الصلاة، فينتظر حتى يكون وقت الصلاة فيصلي؛ (لأنه بلغني أن رسول الله - ﷺ - عَرَّس به) أي بالمُعَرَّس.\nوقال في \"معجم البلدان\" (٦): المُعَرَّس بالضم، ثم الفتح، وتشديدِ الراء\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٢) في نسخة بدله: \"الذي\".\n(٣) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٤) قال ابن رسلان: قال القاضي: المراد بالإناخة النزول بالبطحاء في رجوعه من الحج.\n(٥) وذكر ابن أبيِ شيبة الآثار المختلفة في اقتفاء آثاره صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا. (ش).\n(٦) \"معجم البلدان\" (٥/ ١٥٥).","vol":"7","page":572},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ الْمَدِينِيَّ قَالَ (١): الْمُعَرَّسُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ.\n[آخر كتاب المناسك]\n===\nوفتحِها: مسجد ذي الحليفة على ستة أميال من المدينة، كان رسول الله - ﷺ - يُعَرَّسُ فيه، ثم يرحل لغزاة وغيرها، والتعريس نومة المسافر بعد إدلاجه من الليل، فإذا كان وقت السحر أناخ، ونام نومة خفيفة، ثم يثور السائر مع انفجار الصبح لوجهته.\n(قال أبو داود: سمعت محمد بن إسحاق المديني قال) محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن المسيبي من ولد المسيب بن عابد المخزومي المدني: (المعرس على ستة أميال من المدينة) وفي بعض النسخ هناك زيادة وهي هذه:\n(حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع، حدثني عبد الله -يعني العمري- عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قدم بات بالمعرَّس حتى يغتذي) (٢).\n* * *\n_________\n(١) في نسخة: \"يقول\".\n(٢) قلت: ذكر المزي هذا الحديث في \"تحفة الأشراف\" (٥/ ٤١٩)، رقم (٧٧٣٠)، وقال: هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم.","vol":"7","page":573},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>(٦) أَوَّلُ كِتَابِ النِّكَاحِ</span>\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٦) (أَوَّلُ كِتَابِ النِّكَاحِ) (١)\nقال الحافظ (٢): النكاح في اللغة: الضم والتداخل، وقال الفراء: النُّكْح - بضم ثم سكون - اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثر استعماله في الوطء، وسمي به العقد لكونه سببه، قال أبو القاسم الزجاجي: هو حقيقة فيهما، وقال الفارسي: إذا قالوا: نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد العقد، وإذا قالوا: نكح زوجته فالمراد الوطء. وقال آخرون: أصله لزوم شيء لشيء مستعليًا عليه، ويكون في المحسوسات، وفي المعاني قالوا: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، ونكحت القمح في الأرض إذا حرثتها وبذرته فيها، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل.\nوفي الشرع: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء على الصحيح، والحجة في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسنَّة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلَّا للعقد، ولا يرد مثل قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنَّة، وإلَّا فالعقد لا بد منه لأن قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ معناه\n_________\n(١) قال الموفق: من قدر على لفظ النكاح بالعربية لم يصح [عقده] بغيرها، وهذا أحد قولي الشافعي، وعند أبي حنيفة ينعقد ... إلخ. (انظر: \"المغني\" ٩/ ٤٦١). (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٣).\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٠.","vol":"7","page":574},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحتى تتزوج أي يعقد عليها، ومفهومه أن ذلك كافٍ بمجرده، لكن بيَّنت السنَّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية، بل لا بُدَّ بعد العقد من ذوق العُسيلة، كما أنه لا بد بعد ذلك من التطليق، ثم العدة.\nنعم أفاد أبو الحسن ابن الفارس: أن النكاح لم يرد في القرآن إلَّا للتزويج إلَّا في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (١)، فالمراد به: الحلم، والله أعلم.\nوفي وجهٍ للشافعية - كقول الحنابلة- أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وقيل: مقولٌ بالاشتراك على كل منهما، وبه جزم الزجاجي، وهذا الذي يترجح في نظري، وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد، ورجح بعضهم الأول بأن أسماء الجماع كلها كناياتٌ لاستقباح ذكره، فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعه لما لا يستفظعه (٢)، فدل على أنه في الأصل للعقد، وهذا يتوقف على تسليم المدعي أنها كلها كنايات، وقد جمع اسم النكاح ابن القطاع فزادت على الألف.\nقال في \"البدائع\" (٣): لا خلاف أن النكاح فرضٌ حالةَ التَّوَقان (٤) حتى إن من تاقت نفسه إلى النساء بحيث لا يمكنه الصبر عنهن وهو قادر على المهر والنفقة ولم يتزوج يأثم، واختلف فيما إذا لم تَتُق نفسه إلى النساء، قال نفاة القياس مثل داود بن علي الأصفهاني وغيره من أصحاب الظواهر: إنه فرض عين بمنزلة الصوم والصلاة وغيرهما من فروض الأعيان، حتى إن من تركه مع القدرة على المهر والنفقة والوطء يأثم، وقال الشافعي - ﵀ -: إنه مباح كالبيع والشراء.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٦.\n(٢) وفي الأصل: \"ما يستفزعه لما لا يستفزعه\"، وهو تحريف.\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٥).\n(٤) قال الموفق: هو قول أكثر أهل العلم. (ش).","vol":"7","page":575},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواختلف أصحابنا فيه: قال بعضهم: إنه مندوب (١) ومستحب، وإليه ذهب من أصحابنا الكرخي، وقال بعضهم: إنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين بمنزلة الجهاد وصلاة الجنازة.\nوقال بعضهم: إنه واجب، ثم القائلون بالوجوب اختلفوا في كيفية الوجوب، قال بعضهم: إنه واجب على سبيل الكفاية كرد السلام، وقال بعضهم: إنه واجب عينًا لكن عملًا لا اعتقادًا على طريق التعيين كصدقة الفطر والأضحية.\nاحتج أصحاب الظواهر بظواهر النصوص من نحو قوله ﷿: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣)، وقول النبي - ﷺ -: \"تزوَّجوا\"، وقوله - ﷺ -: \"تناكحوا تكثروا\" (٤)، أمر الله ﷿ بالنكاح مطلقًا، والمطلق للفرضية والوجوب قطعًا إلا أن يقوم الدليل بخلافه، ولأن الامتناع من الزنا واجب، ولا يتوصل إليه إلَّا بالنكاح، وما لا يتوصل إلى الواجب إلَّا به يكون واجبًا.\nواحتجَّ الشافعي - ﵀ - بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٥)، أخبر عن إحلال النكاح، والمحلل، والمباح من الأسماء المترادفة، ولأنه قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾، ولفظ \"لكم\" يستعمل في المباحات، ولأن النكاح سبب يتوصل به إلى قضاء الشهوة فيكون مباحًا كشراء الجارية للتسري بها، وهذا لأن قضاء الشهوة إيصال النفع إلى نفسه، وليس يجب على الإنسان\n_________\n(١) وبه قال أحمد كما في \"المغني\" (٩/ ٣٤١). (ش).\n(٢) سورة النساء: الآية ٣.\n(٣) سورة النور: الآية ٣٢.\n(٤) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٥٨، ٢٤٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٨١، ٨٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٠٢٨).\n(٥) سورة النساء: الآية ٢٤.","vol":"7","page":576},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإيصال النفع إلى نفسه، بل هو مباح في الأصل كالأكل والشرب، وإذا كان مباحًا لا يكون واجبًا لما بينهما من التنافي، والدليل على عدم وجوبه قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١)، وهذا خرج مخرج المدح ليحيى﵇ - بكونه حصورًا، ولو كان واجبًا لما استحق المدح بتركه؛ لأن ترك الواجب لأن يذم عليه أولى من أن يمدح.\nواحتج من قال من أصحابنا بأنه مندوب إليه ومستحب بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء\" (٢)، أقام الصوم مقام النكاح، والصوم ليس بواجب، فدل أن النكاح ليس بواجب أيضًا، لأن غير الواجب لا يقوم مقام الواجب، ولأن في الصحابة - ﵃- من لم تكن له زوجة، ورسول الله - ﷺ - علم منه بذلك، ولم ينكر عليه، فدل أنه ليس بواجب.\nومن قال منهم: إنه فرض أو واجب على الكفاية، احتجَّ بالأوامر الواردة في باب النكاح، والأمر المطلق للفرضية والوجوب قطعًا، والنكاح لا يحتمل ذلك على طريق التعيين، لأن كل واحد من آحاد الناس لو تركه لا يأثم، فيحمل على الفرضية والوجوب على طريق الكفاية، فأشبه الجهاد وصلاة الجنازة ورد السلام.\nومن قال منهم: إنه واجب عينًا لكن عملًا لا اعتقادًا على طريق التعيين يقول: صيغة الأمر المطلقة عن القرينة تحتمل الفرضية وتحتمل الندب، لأن الأمر دعاء وطلب. [ومعنى الدعاء] والطلب موجود في كل واحد منهما\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ٣٩.\n(٢) أخرجه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠)، وأبو داود (٢٠٤٦)، والترمذي (١٠٨١)، والنسائي (٢٢٣٩)، وابن ماجه (١٨٤٥).","vol":"7","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>(١) بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى النِّكَاحِ</span>\n٢٠٤٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ،\n===\nفيؤتى بالفعل لا محالة، وهو تفسير وجوب العمل، ويعتقد على الإبهام على أن ما أراد الله تعالى بالصيغة من الوجوب القطعي أو الندب فهو حق؛ لأنه إن كان واجبًا عند الله فخرج عن العهدة بالفعل، فيأمن الضرر، وإن كان مندوبًا يحصل له الثواب، فكان القول بالوجوب على هذا الوجه أخذًا بالثقة والاحتياط واحترازًا عن الضرر بالقدر الممكن.\nوما ذكره من دلائل الإباحة والحل فنحن نقول بموجبها: إن النكاح مباح وحلال في نفسه، لكنه واجب لغيره أو مندوب ومستحب لغيره من حيث إنه صيانة للنفس من الزنا ونحو ذلك على ما بيَّنَّا، ويجوز أن يكون الفعل الواحد حلالًا بجهة، واجبًا أو مندوبًا إليه بجهة، إذ لا تنافي عند اختلاف الجهتين، وأما قوله ﷿: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ الآية، فاحتمل أن التخلي للنوافل كان أفضل من النكاح في شريعته، ثم نُسخ ذلك في شريعتنا بما ذكرنا من الدلائل، ملخص ما في \"البدائع\".\nوقال في \"الدر المختار\" (١): ويكون واجبًا عند التوقان، فإن تيقن الزنا إلَّا به فرض، وهذا إن ملك المهر والنفقة وإلَّا فلا إثم بتركه، ويكون سنَّة مؤكدة في الأصح فيأثم بتركه، ويثاب إن نوى تحصينًا وولدًا حال الاعتدال، أي: القدرة على وطء ومهر ونفقة، ومكروهًا تحريمًا لخوف الجور، فإن تيقنه حرم ذلك.\n\n(١) (بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى النِّكَاحِ)\nأي: الترغيب فيه والحث عليه\n٢٠٤٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش،\n_________\n(١) (٤/ ٦٣ - ٦٦).","vol":"7","page":578},{"text":"عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: إِنِّى لأَمْشِى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنًى إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَانُ فَاسْتَخْلَاهُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَالَ لِى: تَعَالَ يَا عَلْقَمَةُ، فَجِئْتُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَلَا نُزَوِّجُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَارِيَةً بِكْرًا، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟\n===\nعن إبراهيم، عن علقمة قال: إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود بمنى إذ لقيه) أي عبد الله (عثمان فاستخلاه) أي: طلب منه الخلوة.\nوفي رواية البخاري (١): عن علقمة قال: كنت مع عبد الله فلقيه عثمان بمنى فقال: يا أبا عبد الرحمن إن لي إليك حاجة، فخليا، فقال عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نُزَوِّجك بكرًا تُذَكِّرُك ما كنت تعهد؟ فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إلى، فقال: يا علقمة، فانتهيتُ إليه وهو يقول: أَمَا لئن قلتَ ذلك! لقد قال لنا النبي - ﷺ -: \"يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة\"، الحديث.\n(فلما رأى عبد الله أن ليست له) أي لعبد الله (حاجة) في النكاح (قال لي) أي عبد الله: (تعال يا علقمة).\nقال الحافظ (٢): هكذا عند الأكثر أن مراجعة عثمان لابن مسعود في أمر التزويج كانت قبل استدعائه لعلقمة، ووقع في رواية جرير عند مسلم وزيد ابن أبي أنيسة عند ابن حبان بالعكس، ولفظ جرير بعد قوله: فاستخلاه، فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة، قال لي: تعال يا علقمة.\nقال: (فجئت، فقال له عثمان: ألا نزوجك يا أبا عبد الرحمن جارية بكرًا، لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد؟)، يعني من نشاطك وقوة شبابك، وقيل: لعل عثمان رأى به قَشَفًا ورثاثةَ هيئة، فحمل ذلك على فقده الزوجة التي ترفهه.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٠٦٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٧).","vol":"7","page":579},{"text":"فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: \"مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ\". [خ ٥٠٦٥، م ١٤٠٠، ت ١٠٨١، ن ٣٢٠٦، جه ١٨٤٥، حم ١/ ٤٢٤]\n===\n(فقال عبد الله (١): لئن قلت ذاك) إشارة إلى قوله: نزوِّجك (لقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من استطاع منكم الباءة)، قال النووي (٢): فيها أربع لغات: المشهور بالمد والهاء، والثانية بلا مد، والثالثة بالمد بلا هاء، والرابعة بلا مد، وأصلها لغةً الجماع، ثم قيل لعقد النكاح، وقال الجوهري: الباءة مثل الباعة لغة في الباه، ومنه سمي النكاح باءً وباهًا، لأن الرجل يتبوأ من أهله، أي: يستمكن منها كما يتبوأ من داره \"عيني\" (٣).\n(فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع منكم) أي الباءة (فعليه بالصوم فإنه) أي الصوم (له وجاء) بكسر الواو وبالمد، وهو رضُّ الخصيتين، قيل في قوله: عليه بالصوم إغراء الغائب، وهو من النوادر، ولا تكاد العرب تغري إلَّا الحاضر، يقول: عليك زيدًا، ولا يقول: عليه زيدًا.\nقال النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة ها هنا على قولين يرجعان إلى (٤) معنى واحد، أصحهما: أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه، وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم، ليقطع (٥) شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها [غالبًا].\n_________\n(١) والحديث في جميع رواياته من مسند ابن مسعود إلَّا عند النسائي فمن مسند عثمان. كذا في \"تلخيص البذل\". (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ١٨٨).\n(٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٨).\n(٤) في الأصل: \"على\" وهو تحريف.\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"شرح صحيح مسلم\": ليدفع.","vol":"7","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>(٢) بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ تَزْوِيجِ ذَاتِ الدِّينِ</span>\n٢٠٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ -، حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «تُنْكَحُ النِّسَاءُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا\n===\nوالقول الثاني: مؤن النكاح، وسميت باسم ما يلازمها، فتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم ليدفع شهوته، وقالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن، وأجاب الأولون بما قدمناه وهو أن تقديره: من لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه وهو محتاج إلى الجماع فعليه بالصوم، انتهى.\nقال العيني (١): والحمل على المعنى الأعم أولى بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤن التزوج، واستدل به الخطابي على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية، وينبغي أن يحمل على دواء يسكن الشهوة دون ما يقطعها أصالة لأنه قد يقدر بعد فيندم لفوات ذلك في حقه، وقد صرح الشافعية بأنه لا يكسرها بالكافور ونحوه، واستدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء، وقد ذكر أصحابنا الحنفية أنه مباح عند العجز لأجل تسكين الشهوة.\n\n(٢) (بَابُ ما يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ تَزْويجِ ذَاتِ الدِّينِ)\n٢٠٤٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى -يعني ابن سعيد-، حدثني عبيد الله، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: تنكح النساء) أي عادة الناس في نكاح النسوة أن ينكحوها (لأربع: لمالها ولحسبها) والحسب في الأصل الشرف في الآباء وبالأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدُّوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٩).","vol":"7","page":581},{"text":"وَلجَمَالِهَا وَلدِينهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ\". [خ ٥٠٩٠، م ١٤٦٦، ن ٣٢٣٠، جه ١٨٥٨، حم ٢/ ٤٢٨]\n\n(٣) بَابٌ (١): في تَزْوِيجِ الأَبْكَارِ\n٢٠٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيةَ، أَنا الأَعْمَشُ،\n===\n(ولجمالها ولدينها، فاظفر) أي فُز (بذات الدين) (٢) أي من الأربع، فإن الدين أحق أن يرغب فيه من أخلاق النساء (تربت يداك) لفظة دعاء عليه، وليس معناه الدعاء.\nقال الحافظ (٣): أي لصقتا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يراد به حقيقته، وقيل: معناه ضعف عقلك، وقيل: افتقرت من العلم، وقيل: فيه تقدير شرط أي وقع لك ذلك إن لم تفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>(٣) (بابٌ: في تَزْوِيجِ الأَبْكَارِ)</span>\nجمع بكر: وهي التي لم توطأ، واستمرت على حالتها الأولى، والأَولى أن يقول: \"في نكاح الأبكار\" أو \"في تزوج الأبكار\"، وعقد البخاري \"باب في نكاح الأبكار\"، إلَّا أن يقال: تزويج الأبكار من نفسه.\n٢٠٤٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو معاوية، أنا الأعمش،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب ما جاء\".\n(٢) مستدل مالك في أن الكفاءة لا تعتبر إلَّا في الدين، وأعجب منه أن الباجي استدل به على أنه لا يجوز للمرأة التصرف في مالها بأكثر من الثلث لحديث: \"تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها ... إلخ\". وليس في رواية: و\"الحسب\"، كذا في \"المنتقى\" (٣/ ٢٥٣). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٥).","vol":"7","page":582},{"text":"عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَتَزَوَّجْتَ\"؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: \"بِكْر (١) أَمْ ثَيِّب؟ \" فَقُلْتُ: ثَيِّبًا قَالَ: \"أَفَلَا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ \". [خ ٥٠٨٠، م ٧١٥، ت ١١٠٠، ن ٣٢١٩، جه ١٨٦٠، حم ٣/ ٣٠٨، دي ٢٢١٦]\n٢٠٤٩ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَتَبَ إِلَيَّ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عن الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ،\n===\nعن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: أتزوَّجتَ؟ قلت: نعم، قال: بكر أم ثيب؟) بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، أي: هي، وفي بعض النسخ بالنصب، فعلى هذا مفعول لفعل مقدر، وهو: تزوجت، (فقلت: ثيبًا) أي: تزوجت ثيبًا (قال) رسول الله - ﷺ -: (أفلا) تزوجت (بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟).\nوفي رواية: \"تضاحكها وتضاحكك\"، وفي رواية محارب بن دثار عن جابر بلفظ: \"ما لك وللعذارَى ولعابها\"؟ ضبطه الأكثرُ بكسر اللام، وهو مصدر من الملاعَبَة أيضًا. ووقع في رواية المستملي في البخاري بضم اللام، والمراد به الريق، إشارة إلى مس لسانها ورشف شفتيها، وليس هو ببعيد، وفي الحديث الترغيب في نكاح الأبكار.\nقال الحافظ (٢): وأما امرأة جابر المذكورة، فاسمها سهلة بنت معوذ بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية، ذكره ابن سعد.\n٢٠٤٩ - (قال أبو داود: كتب إليَّ حسين بن حريث) بن الحسن بن ثابت بن قطبة الخزاعي مولاهم، أبو عمار (المروزي)، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد،\n_________\n(١) في نسخة: \"بكرًا أم ثيبًا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٢٢).","vol":"7","page":583},{"text":"عن عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ،\n===\nعن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس (١)، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -) ولم أقف على تسميته ولا على تسمية امرأته (فقال) الرجل: (إن امرأتي لا تمنع يد لامس).\nنُقِلَ في الحاشية عن \"مرقاة الصعود\": قد تكلم الناس على معناه، وحاصل ما حملوه عليه شيئان: أحدهما: أنه كناية عن الفجور (٢)، وهذا قول أبي عبيد وابن الأعرابي، وبه جزم الخطابي فقال: معناه الريبة، وإنها مطاوعة لمن أرادها.\nوالثاني: أنه كناية عن بذلها الطعام، وهو قول الأصمعي (٣)، وقال النسائي: قيل: كانت سخية تعطي، وقال أحمد بن حنبل: ليس هو عندنا، إلَّا أنها تعطي من ماله، قال في \"النهاية\": وهذا أشبه، وقال القاضي أبو الطيب الطبري: القول الأول أولى؛ لأنه لو كان المراد به السخاء لقيل: \"لا تَردُّ يدَ ملتمس\"؛ لأنه لا يُعَبَّرُ عن الطلب باللمس،\n_________\n(١) ورَدَّ السيوطي في \"اللآلي المصنوعة\" (١/ ١٧١) على من حكم بوضعه، انتهى. (ش).\n(٢) وبوَّب عليه النسائي \"النكاح بالزانية\"، \"ابن رسلان\". وحمله الشامي على الزانية، واستنبط أنه لا يجب عليه تطليق الفاجرة، وعليها حمله الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٣/ ٢٦٦)، وذكر معنى آخر: لا تردُّ يدَ طالب مالِه، ولا تحفظه من سارق، فكأنه وصفها بالخرق وضعف الرأي، وكذا حمل عَلى الزنا الرازي في \"التفسير الكبير\" (٢٣/ ١٣٥)، وذكر: يستحب الستر لمن رأى زوجته تزني.\nويشكل عليه ما ورد من الشدائد في ديُّوث، ويمكن التفصي عنه أنها فيمن يرضى بذلك والرضاء غير السكوت، انتهى.\nوقال الموفَّق (٩/ ٥٦٥): وإذا زنتِ المرأةُ لم ينفسخ النكاحُ في قول عامة أهل العلم، وبه قال الثوريُّ والشافعيُّ وأصحابُ الرأي وغيرُهم، وعن جابر - ﵁ - يُفَرَّقُ بينهما، وكذلك رُوي عن الحسن ... إلخ. (ش).\n(٣) وبه قال أحمد، انتهى، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"7","page":584},{"text":"قَالَ: \"غَرِّبْهَا\"، قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي، قَالَ: \"فَاسْتَمْتِعْ بِهَا\". [ن ٣٤٦٤، ق ٧/ ١٥٥]\n===\nوإنما يعبر عنه بالتماس، يقال: لمس الرجل، إذا مسه، والتمس منه، إذا طلب منه، انتهى.\nقلت: ويرده قولُ الحماسي:\n\"وألمسه فلا أجده\".\nوقال الحافظ شمس الدين الذهبي في \"مختصر السنن الكبير\": معناه تتلذذ بمن يلمسها فلا تردُّ يدَه، وأما الفاحشة العظمى، فلو أرادها الرجلُ لكان بذلك قاذفًا.\nقلت: ألفاظ الكنايات والكلام المبهم لا يفيد ثبوتَ القذف، إلَّا إذا قامت قرينة تُعَيِّنُ أن المراد منها الزنا لا غير، وها هنا ليست قرينة موجودة فلا يفيد القذف.\nوقال الحافظ عماد الدين بن كثير (١): حمل اللمس على الزنا بعيد جدًا، والأقرب حمله على أن الزوج فَهِمَ منها أنها لا ترد من أراد منها السُّوء، لا أنه تحقق وقوع ذلك منها، بل ظهر له ذلك بقرائن، فأرشده الشارع إلى مفارقتها احتياطًا، فلما أعلمه أنه لا يقدر على فراقها، لمحبته لها، وأنه لا يصبر على ذلك، رخص له في إبقائها، لأن محبته لها متحققة، ووقوع الفاحشة منها متوهم.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (غرِّبْها) أمر من التغريب، أي: أبعِدها بالطلاق، (قال) الرجل: (أخاف أن تتبعها نفسي، قال) رسول الله - ﷺ -: (فاستمتع بها)، خاف النبي - ﷺ -، إن أوجبَ عليه طلاقها، أن تتوق نفسُه إليها، فيقع في الحرام، فأباح له إبقاءَها.\n_________\n(١) انظر: \"التفسير لابن كثير\" (٤/ ٢١٤).","vol":"7","page":585},{"text":"(١)\n٢٠٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا مُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ ابْنُ أُخْتِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عن مَنْصُورٍ - يَعْنِي ابْنَ زَاذَانَ -، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: \"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ وَحَسَب (٢)،\n===\nوالحديث لا يناسب الباب، وحاصل ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ - في وجه مناسبة الحديث بالباب قال: لعل الوجه في إيراد الحديث في \"باب تزويج الأبكار\" أن الأبكار قلما يكن مبتليات بأمثال تلك المعاصي، لكثرة حيائهن، فالتزوج بهن أولى، انتهى.\nوكتب في نسخة \"العون\" على هذا الحديث: \"باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء\"، ولا مناسبة لهذا الحديث بهذا الباب أيضًا، إلَّا ما كتب مولانا المرحوم، أن الزنا لما لم يثبت به النسب كان الأولاد المولودة من الزنا في حكم العدم، بل أولى عدمها من وجودها، فكان الأمر بتزويج الولود من النساء أمرًا بتزويج المحصنات منهن لا الخبيثات.\n٢٠٥٠ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا يزيد بن هارون، أنا مستلم بن سعيد ابن أخت منصور بن زاذان) الثقفي الواسطي العابد، عن أحمد: شيخ قليل الحديث، وعن ابن معين: صويلح، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". (عن) خاله (منصور - يعني ابن زاذان -، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي - ﷺ - فقال: إني أصبتُ امراةً ذاتَ جمالٍ وحسب) زاد الحاكم في روايته: \"ومال\"،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في تزويج الولود\".\n(٢) في نسخة: \"ذات حسب وجمال\".","vol":"7","page":586},{"text":"وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: \"لَا\"، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: \"تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُم الأُمَمَ\". [ن ٣٢٢٧]\n\n(٤) بَابٌ: في قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿الزَّانِى لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾\n٢٠٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ، نَا يَحْيَى،\n===\n(وإنها لا تلِدُ) أي: عقيم، وكأنه علم ذلك بأنها كانت قبله عند أزواج فلم تلد، أو علم أنها لا تحيض، أو بأنها لم تنهد ثدياها (أَفَأَتَزَوَّجُها؟ قال: لا) أي: لا تتزوَّج.\n(ثم أتاه الثانيةَ فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوَّجُوا الودُود)، أي التي تحب زوجها محبة شديدة (الوَلُودَ)، أي كثيرة الولادة (فإنِّي مكاثرٌ)، أي مفاخر (بكم) أي بكثرتكم (الأمَمَ) أي الأممُ السابقةُ، أي: على أنبيائهم.\nوهذا يدل على أن النهي ما كانت للتحريم، بل كان مبنى النهي المكاثرة في الآخرة، وهي لا تقتضي التحريم.\nومناسبة هذا الحديث بـ \"باب تزويج الأبكار\" بأن الغالب في الأبكار أن تكون ودودًا بخلاف الثيبات، وأما ما في بعض النُّسَخ من: \"باب النهي عن تزويج من لم يلد\"، فمناسبة الحديث به أيضًا ظاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>(٤) (بابٌ: فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِى لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾) </span>(٢)\n٢٠٥١ - (حدثنا إبراهيم بن محمد) بن عبد الله بن عبيد بن معمر (التيمي) المعمري أبو إسحاق البصري قاضيها، ثقة، (نا يحيى) القطان،\n_________\n(١) في نسخة: \"قول الله ﷿\".\n(٢) سورة النور: الآية ٣.","vol":"7","page":587},{"text":"عن عُبَيدِ اللهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ كَانَ يَحْمِلُ الأُسَارَى بمَكَّةَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقَالُ لَهَا: عَنَاقٌ، وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ، قَالَ: جِئْتُ (١) إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحُ عَنَاقًا (٢)؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، فَدَعَانِي، فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، وَقَالَ: \"لَا تَنْكِحْهَا (٣) \". [ن ٣٢٢٨، ت ٣١٧٧، ق ٧/ ١٥٣، ك ٢/ ١٦٦]\n===\n(عن عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب، (عن جده) أي جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، (أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي) صحابي، وأبوه أبو مرثد صحابي أيضًا، واسمه كناز- بنون ثقيلة وزاي- ابن الحصين، وهما ممن شهدا بدرًا، وكانا حليفي حمزة بن عبد المطلب، قال ابن إسحاق: استشهد مرثد في صفر سنة ثلاث أو أربع في غزاة الرجيع، وكان زميل النبي - ﷺ -.\n(كان يحمل الأسارى)، أي أسارى المسلمين الذين كانوا (بمكة) في أيدي الكفار، (وكان بمكة بغي) أي زانيه (يقال لها: عَنَاقُ (٤)، وكانت صديقته) أي في الجاهلية، (قال: جئت إلى النبي - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله أنكح عناقًا؟) بتقدير حرف الاستفهامِ، (قال) مرثد: (فسكت) أي رسول الله - ﷺ - (عني) ولم يجبني، (فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، فدعاني، فقرأها) أي الآية (عليَّ، وقال: لا تنكحها)، قلت: وهذا الحديث مختصر، وأخرجه النسائي (٥) والترمذي وغيرهما مطولًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"فجئت\".\n(٢) في نسخة: \"عناق\".\n(٣) في نسخة: \"لا تتزوجها\".\n(٤) وكانت مشركة كما في هامش \"بيان القرآن\" (١/ ١٢٦) عن \"اللباب\" برواية ابن المنذر وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٢١]. (ش).\n(٥) \"سنن النسائي\" (٣٢٢٨)، و\"سنن الترمذي\" (٣١٧٧).","vol":"7","page":588},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولفظ الترمذي قال: \"كان رجل يقال له: مرثدُ بنُ أبي مرثدٍ، وكان رجلًا يحمل الأَسْرَى من مكة، حتى يأتي بِهمُ المدينةَ، وكانت امرأةٌ بَغِيٌّ بمكة، يقال لها: عَنَاقُ، وكانت صديقةً له، وإنه كان وعَدَ رجلًا مِن أُسَارَى مكة يحملُه.\nقال: فجئتُ، حتى انتهيتُ إلى ظل حائطٍ من حوائطِ مكة في ليلةٍ مُقْمِرَةٍ، قال: فجاءتْ عَنَاقُ، فأبصرتْ سوادَ ظلِّي بجنْب الحائط، فلما انتهتْ إليَّ، عرفتْ، فقالت: مرثدٌ؟ فقلتُ: مرثد، فقالت: مرحبًا وأهلًا هَلُمَّ فبِتْ عندنا الليلةَ، قال: قلت: يا عناقُ! حرَّم اللهُ الزنا، قالت: يا أهلَ الخِيام، هذا الرجلُ يحملُ أَسْرَاكُمْ، قال: فتَبِعَني ثمانيةٌ، وسلكْتُ الخَنْدَمَةَ، فانتهيتُ إلى غار أو كهف، فدخلت فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظلَّ بولُهُمْ على رأسي وأعماهُمُ الله عَنِّي.\nقال: ثم رجعوا، ورجعتُ إلى صاحبي فحملتُهُ، وكان رجلًا ثقيلًا حتى انتهيتُ إلى الإذخِرِ، ففككْتُ عنه أكْبُلَه فجعلتُ أحملُه ويُعِينُني حتى قدمتُ المدينة، فأتيتُ رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله أنْكِحُ عَنَاقًا؟ فأمْسكَ رسولُ الله - ﷺ - ولم يُردَّ عليَّ شيئًا حتى نزلتْ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فقال رسول الله - ﷺ -: يا مرثدُ! الزاني لا ينكح إلَّا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلَّا زانٍ أو مشرك، فلا تَنْكِحْهَا\".\nقال ابن جرير الطبري (١): اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضُهم: نزلت هذه الآيةُ في بعض مَنِ اسْتأذن رسولَ الله - ﷺ - في نكاحِ نسوةٍ كُنَّ معروفاتٍ بالزنا من أهل الشِّرْك، وكن أصحاب رايات بكرين أنفسَهن، فأنزل الله تحريمهن على المؤمنين فقال: [الزاني من المؤمنين لا يتزوج] (٢) إلَّا زانية أو مشركة، لأنهن كذلك.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٥٦، ٥٩).\n(٢) هذه العبارة سقطت من الأصل، فزدتها.","vol":"7","page":589},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلَّا زان من المؤمنين أو المشركين أو مشرك مثلها؛ لأنهن كُنَّ مشركاتٍ، وحرم ذلك على المؤمنين، فحرَّم اللهُ نكاحَهن في قول أهل هذه المقالة، ثم سرد الأحاديثَ المتعلقةَ بهذا القول.\nوقال آخرون: معنى ذلك: الزاني لا يزني إلَّا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلَّا زان أو مشرك، قالوا: ومعنى النكاح في هذا الموضع الجماع، ثم سرد الروايات المتعلقة بهذا القول.\nوقال آخرون: كان هذا حكم الله في كل زانٍ وزانيةٍ حتى نسخه بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (١)، فأحل نكاح كل مسلمة وإنكاح كل مسلم، ثم سرد الآثار المتعلقة بهذا القول.\nثم قال: قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بالنكاح في هذا الموضع الوطء، وإن الآية نزلت في بغايا المشركات ذوات الرايات، وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وإن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان.\nفمعلوم إذ كان كذلك أنه لم يعن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات، ولا ينكح إلَّا بزانية أو مشركة، وإذ كان كذلك، تبين أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلَّا بزانية تستحل الزنا، أو بمشركة تستحله.\nوقوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وحرم الزنا على المؤمنين باللهِ ورسوله، وذلك هو النكاح الذي قال جلَّ ثناؤه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية.\nقال في \"نهاية المقتصد\" (٢): اختلفوا في زواج الزانية، فأجازها\n_________\n(١) سورة النور: الآية ٣٢.\n(٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٢/ ٤٠).","vol":"7","page":590},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالجمهور، ومنعها قوم (١). وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟ وهل الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى الزناء أو إلى النكاح؟\nوإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذم لا على التحريم، لما جاء في الحديث، لحديث ابن عباس - ﵁ -: أن رجلًا قال للنبي - ﷺ - في زوجته: إنها لا تردُّ يدَ لامسٍ، الحديث.\nوقال قوم أيضًا: إن الزنا يفسخ النكاحَ بناء على هذا الأصل، انتهى.\nقال الشوكاني (٢): وقد حُكيَ في \"البحر\" عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وسعيد بن المسيب، وعروة، والزهري، والعترة، ومالك، والشافعي، وربيعة، وأبي ثور \"أنها لا تحرم المرأة على من زنى بها\"، لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣). وقوله - ﷺ -: \"لا يحرِّمُ الحلالَ الحرامُ\"، أخرجه ابن ماجه (٤) من حديث ابن عمر.\nوحُكيَ عن الحسن البصري أنه يحرم على الرجل نكاح من زنى بها. واستدل بالآية. وحكاه أيضًا عن قتادة، وأحمد إلَّا إذا تابا لارتفاع سبب التحريم.\nقلت: لا يستدل أولًا على حرمة المزنية على الزاني بالآية، لأن الآية صريحة في حرمة الزانية على العفيف، والعفيفة على الزاني، وأيضًا صريحة باعتبار الاستثناء في حل الزانية على الزاني، والزاني على الزانية، فكيف يمكن أن يقال: يستدل بالآية على تحريم من زنا بها؟\n_________\n(١) قلت: واختاره ابن حزم في \"الملل والنحل\" (٣/ ١٣٣). (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٢٥).\n(٣) سورة النساء: الآية ٢٤.\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (٢٠١٥).","vol":"7","page":591},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوإن سلَّم فالتوبة لا تَرْفَعُ إلَّا الإثم، لا اسم الزاني والزانية، فكيف يرفع التحريم بعد التوبة؟ ! والله أعلم.\nوقال الشوكاني (١): قال المنذري: وللعلماء في الآية خمسة أقوال: أحدها: أنها منسوخة (٢)، والناسخ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وعلى هذا أكثر العلماء يقولون: من زنى بامرأة فله أن يتزوجها، ولغيره أن يتزوجها.\nوالثاني: أن النكاح ها هنا الوَطْء.\nوالثالث: أن الزاني المجلود لا ينكح إلَّا زانية مجلودة، أو مشركة، وكذلك الزانية.\nوالرابع: أن هذا كان في نسوة كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا.\nالخامس: أنه عام في تحريم نكاح الزانية على العفيف، والعفيف على الزانية، انتهى (٣).\nقلت: قال الزمخشري في \"الكشاف\" (٤): وقيل: كان نكاح الزانية محرمًا في أول الإِسلام ثم نسخ، والناسخ قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وقيل: الإجماع، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، انتهى.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٢٦).\n(٢) قاله سعيد بن المسيب، وقال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد: إنها منسوخة إن شاء الله تعالى، كذا في \"عون المبعود\" (٦/ ٣٥)، وبه قال صاحب \"الدر المختار\" (٣/ ٥٠)، جعل الناسخ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣]. (ش).\n(٣) السادس: قول الحنابلة: إن الزانية لا يجوز نكاحها قبل التوبة، فإنها قبلها زانية، وبعد التوبة كمن لا ذنب له، واستدل الموفق (٩/ ٥٦٢، ٥٦٣) لمذهبه بذلك الحديث قال: وبه قال إسحاق وأبو عبيد، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا يشترط التوبة لجواز نكاحها، ولنا الآية المذكورة والحديث. (ش).\n(٤) \"تفسير الكشاف\" (٣/ ٦١). سورة النور: الآية ٣٢.","vol":"7","page":592},{"text":"٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو مَعْمَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ حَبِيبٍ، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَنْكِحُ الزَّانِى الْمَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ». [ك ٢/ ١٩٣، حم ٢/ ٣٢٤]\n===\nومذهب الحنفية في ذلك وهو ما قاله الجمهور بأن الزانية لا يحرم نكاحها على الزاني ولا على غيره، وكذلك لا يحرم إنكاحُ الزاني بالمؤمنة ولا بالزانية، وقد خالف في ذلك الشيخ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١)، وقال بالحرمة، والله تعالى أعلم.\n٢٠٥٢ - (حدثنا مسدد وأبو معمر قالا: نا عبد الوارث، عن حبيب) المعلم، (حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا ينكح الزاني المجلود) أي في الزنا (إلَّا مثله) أي المجلودة في الزنا.\nقال الأمير اليماني في \"سبل السلام\" (٢): الحديث دليل على أنه يحرم على المرأة أن تزوج بمن ظهر زناه، ولعل الوصف بالمجلود بناء على الأغلب في حق من ظهر منه الزنا، وكذلك الرجل يحرم عليه أن يتزوج بالزانية التي ظهر منها الزنا.\nقلت: لو حملت صيغة الحديث على النهي، فظاهره تحريم المجلودة والمجلود إلَّا على مثلهما، والوصف بكونه مجلودًا أو مجلودة ليس إلا لأن ثبوت الزنا لا يكون إلَّا بالإقرار أو الشهادة، وهما يستلزمان الجلد، وأما إذا لم يثبت فلا يطلق عليه اسمُ الزاني أو الزانية.\nفعلى هذا عند جمهور العلماء والأئمة، أن هذا الحديث منسوخ كما نسخت الآية، والناسخ قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ الآية أو ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ١١٤).\n(٢) \"سبل السلام\" (٣/ ١٢٧).","vol":"7","page":593},{"text":"وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: نَا حَبِيبُ الْمُعَلِّمُ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>(٥) بَابٌ: في الرَّجُلِ يُعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا</span>\n٢٠٥٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، ثَنَا عَبْثَرٌ (١)، عن مُطَرِّفٍ، عن عَامِرٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ،\n===\nمَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أو الإجماع، فإنه لم يثبت عن أحد من الأئمة ما يخالف ذلك خلافًا يقدح في الإجماع، وأما إن كان محمولًا على الخبر، فلا يقتضي التحريم.\n(وقال أبو معمر:) قال: (نا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب) غرضه بهذا الكلام بيان الاختلاف بين لفظ حديث مسدد ولفظ أبي معمر، فأشار المصنف بهذا الكلام إلى أن الاختلاف بين لفظيهما في السند على ثلاثة أوجه:\nالأول: أن مسددًا قال في سند هذا الحديث: نا عبد الوارث عن حبيب بصيغة عن، وقال أبو معمر من حديث عبد الوارث: حدثنا حبيب بصيغة التحديث.\nثانيهما: أن مسددًا لم يذكر لفظ المعلم في صفة حبيب، وذكره أبو معمر في حديثه.\nثالثها: أن مسددًا قال: حدثني عمرو بن شعيب، وأما أبو معمر فقال: عن عمرو بن شعيب بصيغة عن، والله أعلم.\n\n(٥) (بابٌ فِى الرَّجُلِ يَعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا)\nما له من الفضل؟\n٢٠٥٣ - (حدثنا هناد بن السري، ثنا عبثر، عن مطرف) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة، ابن طريف الحارثي ويقال: الجارفي أبو بكر، ويقال: أبو عبد الرحمن، ثقة فاضل، (عن عامر) الشعبي، (عن أبي بردة،\n_________\n(١) في نسخة: \"أبو زيد\".","vol":"7","page":594},{"text":"عن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ\". [خ ٥٠٨٣، م ١٥٤، ن ٤٣٤٥]\n===\nعن أبي موسى) الأشعري (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أعتق جاريته وتزوجها كان له أجران) أي أجر العتق وأجر التزوج، وقيل: له أجران على كل عمل يعمله من الصوم والصلاة وغيرها.\nوالحديث الذي أخرجه أبو داود مختصر، وأخرجه البخاري ومسلم بطوله (١)، ولفظه: قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد - ﷺ -، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطأها، فأدَّبها فأحسن تأديبها، وعلَّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران\".\nقال القاري (٢): أجرٌ على عتقه، وأجرٌ على تزوُّجِه كذا قالوا. وقيل: أجرٌ على تأديبه وما بعده، وأجر على عتقه وما بعده.\nقال الكرماني: فإن قلتَ: ما العلة في تخصيص هؤلاء الثلاثة، والحال أن غيرهم أيضًا كذلك، مثل من صام وصلَّى، فإنَّ للصلاة أجرًا وللصوم أجرًا؟\nقلت: الفرق بين هذه الثلاثة وغيرهم أن الفاعل من كل منهم جامع بين أمرين بينهما مخالفةٌ عظيمةٌ، كأن الفاعل لهما فاعل للضدين، انتهى.\nوفيه أن هذه الضدية بعينها موجودة في حق الله تعالى وحق الوالد، فالأحسن أن يقال: المراد هذه الأشياء وأمثالها، وليس المقصود بذكرها نفي ما عداها.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥٠٨٣)، و\"صحيح مسلم\" (١٥٤).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٥٤).","vol":"7","page":595},{"text":"٢٠٥٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا\". [خ ٥٠٨٦، م ١٣٦٥، ت ١١١٥، ن ٣٣٤٣، حم ٣/ ١٨٦]\n===\n٢٠٥٤ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا أبو عوانة، عن قتادة وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس: أن النبي - ﷺ - أعتق صفية) بنت حُيَيِّ بن أخطب الإسرائيلية، أم المؤمنين، من أولاد هارون بن عمران - ﵇ -، سَبَاهَا رسولُ الله - ﷺ - عام خيبر، ماتت في خلافة معاوية سنة خمسين، وقيل: سنة ست وثلاثين.\n(وجعل عتقها صداقها)، قال العيني (١): وقد اختلف العلماء فيه، فقال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، والأوزاعي، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وطاووس، والحسن بن حي، وأحمد، وإسحاق: جاز ذلك، فإذا عقد عليها لا تستحق عليه مهرًا غير ذاك العتاق.\nوممن قال بهذا القول سفيان الثوري وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وذكر الترمذي أنه مذهب الشافعي؛ وقال النووي: قال الشافعي: فإن عقدها (٢) على هذا الشرط فقبلت عتقت، ولا يلزمها أن تتزوجه، بل له عليها قيمتها؛ لأنه لم يرضَ بعتقها مجانًا، فإن رضيت وتزوجها على مهر يتفقان عليه فله عليها القيمة، ولها عليه المهر المسمى من قليل أو كثير.\nوإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت قيمتها معلومة له أو لها صح الصَّداق، ولا يبقى له عليها قيمة، ولا لها عليه صداق.\nوإن كانت مجهولة، ففيه وجهان، أحدهما: يصح الصَّداق، وأصحهما، وبه قال جمهور أصحابنا: لا يصح الصداق، بل يصح النكاح، ويجب لها مهر المثل، انتهى.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٦).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"عمدة القاري\": \"فإن أعتقها\" (١٤/ ٢٦، ٢٧).","vol":"7","page":596},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الليث بن سعد، وابن شبرمة، وجابر بن زيد، وأبو حنيفة، ومحمد، وزفر، ومالك: لا يجوز ذلك. وقال الطحاوي: ليس لأحدٍ غير رسول الله - ﷺ - أن يفعل هذا، فيتم له النكاح بغير صَداق سوى العتاق، وإنما كان ذلك لرسول الله - ﷺ -؛ لأن الله ﷿ جعل له أن يتزوج بغير صداق، ويكون له التزوج على العتاق الذي ليس بصداق. وقال أبو حنيفة: إن فعل ذلك رجلٌ وقع العتاقُ ولها عليه مهر المثل، فإن أبت أن تتزوجه تسعى له في قيمتها، وقال مالك وزفر: لا شيء عليها.\nواحتجت الطائفة الأولى بهذا الحديث فيما ذهبوا إليه.\nوأجابت الطائفة الثانية بأجوبة. منها: أنهم قالوا: هذا من قول أنس؛ لأنه لم يسنده، فلعله تأويل منه إذ لم يسمَّ لها صَداق.\nومنها: ما قاله الطحاوي: إنَّه (١) مخصوص بالنبي - ﷺ -، وليس لغيره أن يفعل ذلك.\nومنها: أن الطحاوي روى عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه فعل في جويرية بنتِ الحارث مثل ما فعله في صفية، ثم قال ابن عمر بعد النبي - ﷺ - في مثل هذا الحكم: إنه يجدد لها صَداقًا، فدل هذا أن الحكم في ذلك بعد رسول الله - ﷺ - على غير ما كان لرسول الله - ﷺ -، ويحتمل أن يكون ذلك سماعًا سمعه من رسول الله - ﷺ -، ويحتمل أن يكون دله على هذا خصوصيته - ﷺ - بذلك. وعلى كلا التقديرين تقوم الحجة لأهل المقالة الثانية.\nقلت: ومما يؤيد كلام ابن عمر ما روى البيهقي من حديث القواريري: حدثتنا عليلة بنت الكميت عن أمها أميمة [عن أمة الله] (٢) بنت رزينة، عن أمها رزينة قالت: لما كانت يوم قريظة والنضير جاء رسول الله - ﷺ - بصفية يقودها سبية،\n_________\n(١) في الأصل: \"كله\"، وهو تحريف.\n(٢) سقط في الأصل.","vol":"7","page":597},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحتى فتحها الله عليه، وذراعها في يده، فأعتقها وخطبها وتزوجها وأمهرها رزينة.\nقلت: رزينة مصغرًا خادمةُ رسول الله - ﷺ -، وقال ابن المرابط: قول أنس: أصدقها نفسها، أنه من رأيه وظنه، وإنما قال ذلك مدافعة للسائل.\nألا ترى أنه قال: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فكيف علم أنس أنه أصدقها نفسها قبل ذلك؟ وقد صح عنه أنه لم يعلم أنها زوجته إلَّا بالحجاب، فدل أن قوله هذا لم يشهده على نبينا - ﷺ - ولا غيره، وإنما ظنه أنس والناس معه ظنًا، مع أن كتاب الله أحق أن يُتَّبَع، قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (١) الآية، فهذا يدل على أنه أعتقها وخيَّرها في نفسها فاختارته - ﷺ -، فنكحها بلا صداق، انتهى.\nوأما وجه النظر فيه فمحال أن يجعل العتاق صَداقًا، وتقرير الاستحالة بوجهين:\nأحدهما: إن عقدها على نفسها إما أن يقع قبل عتقها، وهو محال لتناقض الحكمين الحرية والرق، فإنَّ الحرية حكمها الاستقلال والرق ضده، وإمَّا بعد العتق فلزوال حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز أن لا ترضى، وحينئذ لا تنكح إلا برضاها.\nوالوجه الثاني: أنا إذا جعلنا العتق صداقًا، فإمَّا أن يتقرر العتقُ حالة الرق، وهو محال لتناقضهما، أو حالة الحرية فيلزم سبقيته على العقد، فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه وهو محال، لأن الصداق لا بد أن يتقدم تقرره على الزوج، إما نصًا وإما حكمًا حتى تملك الزوجة طلبه، فإن اعتلوا بنكاح التفويض فقد تحرزنا عنه بقولنا حكمًا، فإنها وإن لم يتعين لها حالة العقد شيء، لكنها تملك المطالبة، فثبت أنه يثبت لها حالة العقد شيء تطالب به الزوج، ولا يتأتى مثل ذلك في العتق، فاستحال أن يكون صداقًا، فافهم، قاله القرطبي.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.","vol":"7","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>(٦) بَابٌ يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ</span>\n٢٠٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ». [ت ١١٤٧، ن ٣٣٠٠، حم ٦/ ٤٤، وانظر خ ٣١٠٥، م ١٤٤٤، جه ١٩٣٧]\n===\n\n(٦) (بابٌ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)\nهكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، إلَّا في النسخة المجتبائية، فإنَّ فيها مكتوبًا على الحاشية: \"أبواب الرضاع من قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\".\n٢٠٥٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عروة، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أن النبيَّ - ﷺ - قال: يحرُمُ من الرَّضاعة ما يحرُمُ من الوِلادَةِ) بكسر الواو، أي: النسب.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم النكاح وتوابعِه وانتشارِ الحرمة بين الرضيع وأولادِ المرضعة، وتنزيلِهم منزلةَ الأقارب في جواز النظر والخلوة والمسافرة، ولكن لا يترتب عليه باقي أحكام الأمومة من التوارث، ووجوبِ الإنفاق، والعتق بالملك، والشهادة، والعقل، وإسقاط القِصاص.\nقال القرطبي: في الحديث دلالة على أن الرضاع ينشر الحرمة بين الرضيع والمرضعة وزوجها، يعني الذي وقع الإرضاعُ بلبن ولده منها أو السيد، فتحرم على الصبي؛ لأنها تصير أمه، وأمها لأنها جدته فصاعدًا، وأختها لأنها خالته، وبنتها لأنها أخته، وبنت بنتها فنازلًا لأنها بنت أخته، وبنت صاحب اللبن لأنها أخته، وبنت بنته فنازلًا لأنها بنت أخته، وأمه فصاعدًا لأنها جدته، وأخته لأنها\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٤١، ١٤٢).","vol":"7","page":599},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعمته، ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع، فليست أخته من الرضاعة أُختًا لأخيه ولا بنتًا لأبيه إذ لا رضاع بينهم.\nوالحكمة في ذلك أن سبب التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وزوجها وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرضيع صار جزءًا من أجزائهما، فانتشر التحريمُ بينهم بخلاف قرابات الرضيع؛ لأنه ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب ولا سبب.\nقال القاري (١): واستثني منه بعض المسائل، ثم قال طائفة: هذا الإخراج تخصيص للحديث بدليل العقل، والمحققون على أنه ليس تخصيصًا؛ لأنه أحال ما يحرم من الرضاع على ما يحرم بالنسب، وما يحرم بالنسب هو ما تعلق به خطاب تحريمه، وقد تعلق بما عبر عنه بلفظ الأمهات والبنات وأخواتكم وعمَّاتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت، فما كان من مسمَّى هذه الألفاظ متحققًا في الرضاع حرم فيه، والمذكورات ليس شيء منها من مسمَّى تلك، فكيف تكون مخصوصة وهي غير متناولة؟\nوفي \"شرح السنَّة\": في الحديث دليل على أن حرمةَ الرضاع كحرمة النسب في المناكح، فإذا أرضعتِ المرأةُ رضيعًا تحرم على الرضيع وعلى أولاده من أقارب المرضعة كل من يحرم على ولدها من النسب.\nولا تحرم المرضعة على أبي الرضيع، ولا على أخيه، ولا يحرم عليك أم أختك من الرضاع إذا لم تكن أمًا لك ولا زوجة أبيك، ويتصور هذا في الرضاع، ولا يتصوَّر في النسب أم أخت، إلَّا وهي أم لك أو زوجة لأبيك، وكذلك لا يحرم عليك نافلتك من الرضاع إذا لم تكن ابنتك، أو زوجة ابنك، ولا جدة ولدك من الرضاع إذا لم تكن أمك، أو أم زوجتك، ولا أخت ولدك من الرضاع إذا لم تكن ابنتك أو ربيبتك.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٣٢١، ٣٢٢).","vol":"7","page":600},{"text":"٢٠٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِى أُخْتِى؟ قَالَ: «فَأَفْعَلُ مَاذَا»؟ قَالَتْ: فَتَنْكِحُهَا، قَالَ: «أُخْتَكِ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَوَتُحِبِّينَ ذَاكَ؟»، قَالَتْ:\n===\nقال: وفيه دليل على أن الزانية إذا أرضعت بلبن الزنا رضيعًا لا تثبت الحرمة بين الرضيع وبين الزاني وأهل نسبه، كما لا يثبت به النسب، انتهى بقدر الحاجة.\n٢٠٥٦ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، أن أم حبيبة) بنت أبي سفيان أم المؤمنين (قالت: يا رسول الله هل لك) رغبة (في أختي)؟ وفي رواية مسلم والنسائي: \"انكح أختي عزة بنت أبي سفيان\" (قال) رسول الله - ﷺ - (فأفعل ماذا؟ قالت: فتنكحها، قال) رسول الله - ﷺ -: (أختك؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي: أأنكح أختك؟ (قالت) أم حبيبة: (نعم) انكح أختي.\nفإن قلت: كيف قالت أم حبيبة ذلك؟ وفي التنزيل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١)، قلت: يحتمل أن تكون هذه الآية لم تنزل بعد، والأولى أن يقال: إنها نزلت كما يدل عليه سياق الحديث. ولكن أم حبيبة ظنَّتْ أن في باب النكاح خصوصيات لرسول الله - ﷺ - من الزيادة على الثلاث وغيرها، وقد أخبرت بأن رسول الله - ﷺ - يريد أن يخطب دُرَّة بنت أم سلمة من أبي سلمة مع أنها ربيبته، ولم يكن هذا الخبر صدقًا، بل كان كذبًا، فقوي ظنها في جواز الجمع بين الأختين بالخصوصية.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أو تحبين ذاك؟) استفهام تعجُّب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها، مع ما طبع عليه النساء من الغيرة، (قالت) أم حبيبة:\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٢٣.","vol":"7","page":601},{"text":"لَسْتُ بِمُخْلِيَةٍ بِكَ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرَكَنِى فِى خَيْرٍ أُخْتِى، قَالَ: «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِى» قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أُخْبِرْتُ (١) أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ - أَوْ ذَرَّةَ، شَكَّ زُهَيْرٌ - بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ؟ قَالَ: «بِنْتَ (٢) أُمِّ سَلَمَةَ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِى فِى حِجْرِى مَا حَلَّتْ لِى،\n===\n(لست بمخلية بك) بضم الميم وسكون المعجمة وكسر اللام، اسم فاعل من أخلى يخلي، أي لست بمنفردة لك (وأحبُّ) إلى (من شركني في خير)، مرفوع بالابتداء، والمراد بالخير صحبةُ رسول الله - ﷺ - المتضمنة لسعادة الدارين، وتدل عليه رواية: \"وأحب من شركني فيك\" (أختي)، خبر لقوله: وأحب من شركني.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (فإنها) أي أختك (لا تحل لي) لحرمة الجمع بين الأختين (قالت) أم حبيبة: (فوالله لقد أخبرت) لم أقف على اسم المخبر، ولعله كان هذا الخبر من الأراجيف والأكاذيب (إنك تخطب دُرَّة) بضم المهملة وتشديد الراء (أو ذرة) بالذال المعجمة المفتوحة، وقد خطَّأها عياض، (شك زهير)، جملة معترضة بين المبدل منه والبدل (بنت أبي سلمة)، بدل من درة، (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (بنت أم سلمة؟)، بتقدير حرف الاستفهام، أي: أخبرتم أني أخطب دُرَّة بنت أبي سلمة من أم سلمة (قالت) أم حبيبة: (نعم) أخبرنا بذلك، (قال) رسول الله - ﷺ -: (أما) حرف تنبيه (والله) أتى بحرف التنبيه والقسم لزيادة التوكيد (لو لم تكن) أي دُرَّة (ربيبتي في حجري ما حلت لي).\nحاصله: أن حرمتها علي ثابتة بعلَّتين، أولاها: أنها ربيبتي في حجري وهي من المحرمات لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٣) الآية، وثانيها: أنها بنت أخي من الرضاعة. فلو أنها لم تكن هذه الحرمة التي تثبت بنكاح أمها أم سلمة، بأنها صارت ربيبة لي لكانت عليَّ حرامًا قبل ذلك، بكونها ابنة أخي من الرضاعة. فنبه على أنها لو كان بها مانع واحد لكفى في التحريم،\n_________\n(١) في نسخة: \"بلغني\".\n(٢) في نسخة: \"ابنة\".\n(٣) سورة النساء: الآية ٢٣.","vol":"7","page":602},{"text":"إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِى وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ (١) عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ». [خ ٥١٠١، م ١٤٤٩، ن ٣٢٨٧، جه ١٩٣٩]\n===\nفكيف وبها مانعان؟ (إنها) أي دُرَّة (ابنة أخي) أي أبي سلمة (من الرضاعة) ثم بيَّن الرضاعة فقال: (أرضعتني وأباها) أي أبا درة وهو أبو سلمة (ثويبة) بمثلثة وموحدة مصغر، مولاة أبي لهب بن عبد المطلب عم النبي - ﷺ -، أرضعت النبي - ﷺ -.\nوأخرج ابن سعد (٢) من طريق برة بنت أبي تجراة: أن أول من أرضع رسول الله - ﷺ - ثويبة بلبن ابن لها، يقال له: مسروح، أيامًا قبل أن تقدم حليمة، وأرضعت قبله حمزة، وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد، كان رسول الله - ﷺ - يصِلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها، وهي على ملك أبي لهب، وسألته أن يبيعها لها فامتنع، فلما هاجر رسول الله - ﷺ - أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله - ﷺ - يبعث إليها بصِلة وبكسوة، حتى جاء الخبر أنها ماتت سنة سبع، مرجعه من خيبر، ومات ابنها مسروح قبلها.\nوقال الحافظ في الفتح (٣): وذكر السهيلي: أن العباس قال: لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلَّا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، وذلك أن النبي - ﷺ - ولد يوم اثنين وكانت ثويبة بشَّرت أبا لهب بمولده فأعتقها (٤) (فلا تعرضن) بفتح أوله وسكون العين، وكسر الراء بعدها معجمة ساكنة، ثم نون على الخطاب لجماعة النساء، وبكسر المعجمة وتشديد النون خطاب لأم حبيبة وحدها، والأول أوجه (عليَّ بناتكن ولا أخواتكن) قاله - ﷺ - ردعًا وزجرًا أن تعود هي أو غيرها إلى مثل ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"فلا تعرضوا بناتكم ولا أخواتكم\".\n(٢) انظر: \"الطبقات الكبرى\" (١/ ٨٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٥).\n(٤) قال الحافظ: ظاهره أن عتقه لها كان قبل إرضاعها، والذي في السير يخالفه. \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٥). وانظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٥).","vol":"7","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>(٧) بَابٌ: في لَبَنِ الْفَحْلِ</span>\n٢٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"دَخَلَ عَلَىَّ أَفْلَحُ بْنُ أَبِى الْقُعَيْسِ، فَاسْتَتَرْتُ مِنْهُ، قَالَ (١): تَسْتَتِرِينَ مِنِّى وَأَنَا عَمُّكِ، قَالَتْ: قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ؟\n===\n\n(٧) (بابٌ: فِى لَبَنِ الْفَحْلِ)\nبفتح الفاء وسكون المهملة، أي الرجل، ونسبة اللبن إليه مجازية لكونه السبب فيه\n٢٠٥٧ - (حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: دخل عليَّ أفلحُ بن أبي القُعَيس) بقاف وعين وسين مهملتين، وفي رواية البخاري: \"أفلح أخا أبي القعيس\"، وفي رواية مسلم: \"أفلح بن قعيس\"، قال الحافظ (٢): والمحفوظ أفلح أخو أبي القعيس، ثم قال: قال القرطبي: كل ما جاء من الروايات وهم إلَّا من قال: أفلح بن قعيس أخو أبي القعيس.\n(فاستترتُ منه) أي أبيت أن آذن له أن يدخل عليَّ، (قال) أي أفلح: (تسْتَترِين مني) بتقدير همرة الاستفهام (وأنا عمك؟) (٣)، جملة حالية، أي: والحال أن العم لا يُستتر منه، (قالت: قلت: من أين؟) أي من أي وجه\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٥٠).\n(٣) هذا لا غبار فيه كما تدل عليه بقية الرواية، فإنه أخو زوج المرضعة، والعجب من الطيبي وغيره كيف اشتبه عليهم حتى حملوه على المجاز بأنه كان أبًا لها، وأطلق عليه العم مجازًا كما في \"حاشية الترمذي\" و\"المرقاة\" (٦/ ٣٢٢)، وحكى أبو الطيب عن النووي أن له عمَّين من الرضاعة، أحدهما أخو أبيها أبي بكر ارتضعا من امرأة واحدة، والثاني أخو أبيها من الرضاعة الذي هو أبو القعيس، وأبو القعيس أبوها من الرضاعة، وأخوه أفلح عمها، انتهى. (ش).","vol":"7","page":604},{"text":"قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِى، قَالَتْ (١): إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِى الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِى الرَّجُلُ. فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ». [خ ٥١٠٣، م ١٤٤٥، ت ١١٤٨، جه ١٩٤٩، دي ٢٢٤٨، حم ٦/ ١٩٤]\n===\nأنت عمي؟ فإن العمومة (٢) إما أن يكون نسبًا وهي مفقودة، أو رضاعًا فهي على ثلاثة أوجه: إما أن يكون للأب (٣) نسبًا أخًا من الرضاعة، أو للأب رضاعًا أخًا من النسب، أو للأب رضاعًا أخًا من الرضاعة.\n(قال) أفلح: (أرضعتْكِ امرأةُ أخي) أبي القعيس على الرواية المحفوظة، أي أنا عمك من الرضاعة، بأني أخٌ نسبي لأبيك الرضاعي لأن امرأة أخي أرضعتك، (قالت) عائشة: (إنما أرضعتني المرأة) فلعل الحرمة مقصورة عليها، (ولم يرضعني الرجل)، فكيف يثبت الحرمة؟ (فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فحدثته) هذه القصة.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنَّه عمك فليلج عليك)، ولعل رسول الله - ﷺ - علم بالرضاع بينهما قبل ذلك، أو أخبر بوحي إلهي بصدق أفلح.\nقال الحافظ: وفي الحديث أن لبن الفحل يحرم فتنتشر الحرمة لمن ارتضع الصغير بلبنه، فلا تحل له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غيرها مثلًا، وفيه خلاف قديم (٤) حكي عن ابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة وغيرهم، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة،\n_________\n(١) في نسخة \"قلت\".\n(٢) في الأصل: \"العمومية\"، وهو تحريف.\n(٣) بأن أم أبيها أرضعته. (ش).\n(٤) بسطه مع الكلام عليه ابن القيم (٥/ ٥٦٤) والجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ١٢٦) و\"المحلَّى على الموطأ\"، وحكي عن القاسم بن محمد أنه كان ينكر حديث أبي قعيس ويدفعه دفعًا شديدًا، ويحتج فيه برأي عائشة ﵂ خلافه، كذا في \"حاشية مسند أبي حنيفة\" (ص ١٤٢). (ش).","vol":"7","page":605},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، وإياس بن معاوية.\nوعن ابن سيرين: نبئت أن ناسًا من أهل المدينة اختلفوا فيه، وعن زينب بنت أبي سلمة أنها سألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا: الرضاعة من قِبَل الرجل لا تحرم شيئًا. وقال به من الفقهاء ربيعة الرأي وإبراهيم بن علية وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١)، ولم يذكر العمة ولا البنت، كما ذكرهما في النسب.\nوأجيبوا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ولا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة.\nواحتج بعضهم من حيث النظر بأن اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة، فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟\nوالجواب أنه قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه، وأيضًا فإن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما، كالجد لما كان سبب الولد، أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده، وإلى هذا أشار ابن عباس بقوله في هذه المسألة: اللقاح واحد. أخرجه ابن أبي شيبة، وأيضًا فإن الوطء يدر اللبن، فللفحل فيه نصيب.\nوذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار كالأوزاعي في أهل الشام، والثوري وأبي حنيفة وصاحبَيْه في أهل كوفة، وابن جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم إلى أن لبن الفحل يحرم، وحجتهم هذا الحديث الصحيح.\nقال القاضي عبد الوهاب: يتصور تجريد لبن الفحل برجل له امرأتان، تُرْضع إحداهما صبيًا، والأخرى صبيةً، فالجمهور قالوا: يحرم على الصبي تزويج الصبية، وقال من خالفهم: يجوز.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٢٣.","vol":"7","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>(٨) بابٌ: فِى رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ</span>\n٢٠٥٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ (١)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، قَالَ حَفْصٌ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ اتَّفَقَا: قَالَتْ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ،\n===\n\n(٨) (بَابٌ: في رِضَاعَةِ الْكَبِيرِ)، أي: بعد زمن الفطام لا يحرم\n٢٠٥٨ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، ح: وحدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري كلاهما أي شعبة والثوري، (عن أشعث بن سليم، عن أبيه) سليم بن أسود أبو الشعثاء، (عن مسروق، عن عائشة، المعنى واحد) أي معنى حديث شعبة والثوري (أن رسولَ الله - ﷺ - دخل عليها) أي على عائشة (وعندها رجل).\nقال الحافظ (٣): لم أقف على اسمه، وأظنه ابنًا لأبي القُعيس، وغلط من قال: إنه عبد الله بن يزيد رضيع عائشة، لأن عبد الله هذا تابعي باتفاق الأئمة، وكانت أمه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبي - ﷺ - فولدته - ولذا قيل له: رضيع عائشة - (قال حفص: فشق ذلك عليه) أي على رسول الله - ﷺ - (وتغير وجهُه) وهذا لفظ حديث شعبة، وليس في حديث محمد بن كثير عن سفيان.\nقال الحافظ (٤): وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر عن شعبة: \"فشق ذلك عليه وتغير وجهه\"، وتقدم من رواية سفيان في الشهادات فقال: يا عائشة من هذا؟ انتهى. (ثم اتفقا)، أي حفص ومحمد بن كثير، (قالت) عائشة: (يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال) رسول الله - ﷺ -: (انظرن من إخوانكن).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هو ابن أبي الشعثاء\".\n(٢) في نسخة: \"فقالت\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٧).\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٧).","vol":"7","page":607},{"text":"فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ\" (١). [خ ٥١٠٢، م ١٤٥٥، ن ٣٣١٢]\n===\nقال الحافظ (٢): والمعنى تأمَّلن ما وقع من ذلك هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة؟ فإن الحكمَ الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. قال المهلب: انظرن ما سبب هذه الأخوة؟ فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسد الرضاعة المجاعة، وقال أبو عبيد: معناه أن الذي جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع، انتهى.\n(فإنما الرضاعة من المجاعة) فيه تعليل الباعث على إمعان النظر والفكر، لأن الرضاعة تثبت النسب، وتجعل الرضيع محرمًا. وقوله: \"من المجاعة\" أي الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، فتحل به الخلوة، حيث يكون الرضيع طفلًا يسدُّ اللبن جوعته، لأن معدته ضعيفة، يكفيها اللبن، وينبت بذلك لحمُه، فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلَّا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة.\nواستدل به على أن التغذية بلبن المرضعة يحرم سواء كان بشرب أو أكل، بأي صفة كان؟ حتى الوجور (٣)، والسعوط (٤)، والشرد، والطبخ وغير ذلك إذا وقع ذلك بالشرط المذكور، لأن ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذكر، فيوافق الخبر والمعنى، وبهذا قال الجمهور. لكن استثنى الحنفية الحقنة، وخالف في ذلك الليث، وأهل الظاهر، فقالوا: إن الرضاعة إنما تكون بالتقدم الثدي ومص اللبن منه، انتهى.\nواستدل به على أن الرضعة الواحدة لا تحرم لأنها لا تغني من جوع،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: روى أهل المدينة في هذا اختلافًا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٨).\n(٣) قوله: الوجور: صب اللبن في حلقه صبًّا من غير الثدي.\n(٤) قوله: السعوط: أن يصب في أنفه من إناء وغيره.","vol":"7","page":608},{"text":"٢٠٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهِّرٍ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْن لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: \"لَا رِضَاعَ إلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ\"، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: \"لَا تَسْأَلُونَا وَهَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ\". [ق ٧/ ٤٦١، قط ٤/ ١٧٣]\n===\nفإذن يحتاج إلى تقدير، فأولى ما تؤخذ به ما قدَّرته الشريعة، وهو خمس رضعات، قلنا: هذا كله زيادة على مطلق النص غير مقيد بالعدد، والزيادة على النص نسخ فلا يجوز. وكذلك الجواب عن كل حديث مثل حديث عائشة ﵂، قال: \"لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان\".\nوقال ابن بطال: أحاديث عائشة كلها مضطربة، فوجب تركها والرجوع إلى كتاب الله، وروى أبو بكر الرازي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: قولها: \"لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان\" كان، فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم، فجعله منسوخًا.\n٢٠٥٩ - (حدثنا عبد السلام بن مُطهَّر، أن سليمان بن المغيرة حدثهم) أي عبد السلام وغيرهم من التلامذة، (عن أبي موسى) الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود في الرضاع، وعن كعب بن عجرة في الإسراء، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) لم أقف على ترجمته فيما عندي من كتب الرجال، إلَّا ما كتب صاحب \"العون\" عن المنذري: سئل أبو حاتم الرازي عن أبي موسى الهلالي، قال: هو مجهول وأبوه مجهول (١)، (عن ابن لعبد الله بن مسعود) لم أقف طى تعيينه، (عن ابن مسعود) أي عبد الله (قال: لا رضاع إلَّا ما شد) أي قوَّى وأحكم (العظم، وأنبت اللحم، فقال أبو موسى) إلأشعري: (لا تسألونا) أي المسائل (وهذا الحبر) بفتح المهملة، وكسرها، وسكون الموحدة، أي: العالم، والمراد به عبد الله بن مسعود (فيكم) موجود.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب الكمال\" رقم (٨٢٥٤).","vol":"7","page":609},{"text":"٢٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِى مُوسَى الْهِلَالِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: أَنْشَزَ الْعَظْمَ. [حم ١/ ٤٣٢]\n===\nذكر هذا الحديث بقصته (١) صاحب \"البدائع\" (٢)، فقال: روي أن رجلًا من أهل البادية ولدتْ امرأتُه ولدًا، فمات ولدها، فورم ثدي المرأة، فجعل الرجل يمصه ويمجه، فدخل جرعة منه حلقه، فسأل عنه أبا موسى الأشعري - ﵁ -، قال: قد حرمت عليك، ثم جاء إلى عبد الله بن مسعود - ﵁ - فسأله فقال: هل سألت أحدًا؟ فقال: نعم، سألتُ أبا موسى الأشعري، فقال: حرمت عليك، فجاء ابن مسعود أبا موسى الأشعري - ﵄- فقال له: أما علمت أنه إنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم. فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم (٣).\n٢٠٦٠ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا وكيع، عن سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، والاختلاف بين الحديثين بوجهين: أن الحديث الأول كان موقوفًا على ابن مسعود وقع منه بطريق الفتيا، والثاني مرفوع إلى رسول الله - ﷺ -، والثاني أنه ذكر في الأول بين والد أبي موسى وعبد الله بن مسعود ابن لعبد الله بن مسعود، ولم يذكر ها هنا.\n(وقال) وكيع: (أنشز العظم) وهذا إشارة إلى اختلاف آخر بأن\n_________\n(١) ذكر هذه القصة \"البيهقي\" (٧/ ٤٦٠) بطريقين، بطربق المصنف وبطريق آخر. (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٤٠١).\n(٣) قلت: وللحديث شواهد من حديث عائشة مرفوعًا عند البخاري (٥١٠٢)، ومسلم (١٤٥٥)، ومن حديث أم سلمة عند الترمذي (١١٥٢)، وابن حبان (٤٢٢٤)، ومن حديث عبد الله بن الزبير عند ابن ماجه (١٩٤٦)، ومن حديث أبى هريرة عند البزار (١٤٤٤)، والبيهقي (٧/ ٤٥٥)، ومن حديث ابن عباس مرفوعًا عند الدارقطني (٤/ ١٧٤).","vol":"7","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>(٩) بَابُ مَنْ حَرَّمَ بِهِ </span>(١)\n٢٠٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ- وَأُمِّ سَلَمَةَ: \"أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ كَانَ تَبَنَّى سَالِمًا،\n===\nعبد السلام بن مطهر قال: لفظ \"ما شد العظم\"، وقال محمد بن سليمان الأنباري بطريق وكيع عن سليمان: \"أنشز العظم\" بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الشين آخره زاي، أي رفعه وأعلاه وأكبر حجمه من النشز المرتفع من الأرض، وفي نسخة بالراء المهملة بدل الزاي، أي قوَّاه من الإنشار وهو الإحياء، والأحاديث الثلاثة تدل على أن الرضاعة في حالة الكبر لا يحرم.\n\n(٩) (بَابُ مَنْ حَرَّمَ بِهِ)، أي: بإرضاع الكبير\n٢٠٦١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، حدثني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة (٢) زوج النبي - ﷺ -، وأم سلمة) أمَّي المؤمنين (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس) خال معاوية اسمه مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: هاشم، وقيل: قيس. كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وصلَّى القبلتين، أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنسانًا، وقد شهد بدرًا، استشهد يوم اليمامة، وهو ابن ست وخمسين سنة (٣).\n(كان تبنى سالمًا) وهو سالم مولى أبي حذيفة، وهو سالم بن عبيد بن ربيعة قاله ابن منده، يكنى أبا عبد الله، كان من أهل فارس من إصطخر، وكان من فضلاء الصحابة والموالي وكبارهم، وهو معدود في المهاجرين، لأنه لما أعتقته مولاته ثُبَيْتَة (٤) الأنصارية زوج أبي حذيفة تولى أبا حذيفة وتبناه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"برضاع الكبير\".\n(٢) جمع ابن قتيبة في \"التأويل\"، انظر: (ص ٢٢٨) بينه وبين ما سبق في الباب السابق. (ش).\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٤١٦)، رقم (٥٨٠٨).\n(٤) في الأصل: \"ثبينة\" بالنون، وهو تحريف. انظر: \"أسد الغابة\" رقم (١٨٩٣).","vol":"7","page":611},{"text":"وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ،\n===\nأبو حذيفة، فلذلك عُدَّ من المهاجرين، وهو معدود في بني عبيد من الأنصار لعتق مولاته زوج أبي حذيفة له، وهو معدود في قريش لما ذكرناه، وفي العجم أيضًا لأنه منهم، ويعُدُّ في القُرَّاء لقول رسول الله - ﷺ -: \"خذوا القرآن من أربعة\" (١) فذكره منهم.\nوكان قد هاجر إلى المدينة قبل النبي - ﷺ -، فكان يؤم المهاجرين بالمدينة، لأنه كان أكثرهم أخذًا للقرآن، آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين معاذ بن ماعص. قتُل يوم اليمامة شهيدًا، فإنه أخذ اللواء باليمين، فقطعت، فأخذ بيساره فقطعت، فاعتنق اللواء وهو يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (٢)، فلما صرع قال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ قيل: قتل، قيل: فما فعل فلان؟ قيل: قتل، قال: فأضجعوني بينهما.\n(وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة)، وهي ابنة خال معاوية، كذا في \"أسد الغابة\" (٣). سماها أبو عمر فاطمة، وقال الدارقطني: سماها مالك فاطمة، وخالفه غيره عن الزهري فقالوا: هند، وهو الصواب، تزوجها سالم، مولى عمها أبي حذيفة، (وهو) أي سالم (مولى لامرأة من الأنصار) سماها بعضهم ثُبَيْتَة- بالثاء المثلثة وبعد المثلثة موحدة مصغرًا- وقيل في تسميتها غير ذلك، وكانت زوج أبي حذيفة.\nواعترض عليه الحافظ في \"الإصابة\" (٤): قال أبو عمر: كانت من المهاجرات الأول، ومن فضلاء نساء الصحابة، قلت: في قوله: إنها\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٧٥٨ - ٣٨٠٦)، ومسلم (٦٢٨٤).\n(٢) سورة آل عمران الآية ١٤٦.\n(٣) \"أسد الغابة\" (١٨٩٣).\n(٤) \"الإصابة\" (٨/ ٣٥).","vol":"7","page":612},{"text":"كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَيْدًا،\n===\nمن المهاجرات نظر؛ لأن نسبها في الأنصار، وفي قوله: إنها امرأة أبي حذيفة نظر آخر، فقد تقدَّم (١) في ترجمة أبي حذيفة أن اسم امرأته التي الحرب بأن ترضعه، وهي كبيرة (٢) سهلة بنت سهيل الأنصارية إلَّا أن يقال: كانت له امرأتان، التي أعتقت سالمًا والتي أمرت أن ترضعه فيحتمل على بعد، والعلم عند الله تعالى، انتهى.\nقلت: في قوله: سهلة بنت سهيل الأنصارية نظر؛ وسيجيء من الحافظ في ترجمة سهلة بنت (٣) سهيل بن عمرو القرشية (٤) العامرية: أنها أسلمت قديمًا وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة، ثم أقول: يمكن الجواب عن الإشكال الأول: أنها كانت أنصارية تزوجها أبو حذيفة، وأتى بها مكة، وأتى معها بغلامها فأعتقته (٥)، ثم هاجرت مع زوجها، فكانت أنصارية وصارت مهاجرية، والله تعالى أعلم.\n(كما تبنَّى رسول الله - ﷺ - زيدًا) أي ابن حارثة بن شراحيل، وهو مولى رسول الله - ﷺ -، أشهر مواليه، وحِبُّ رسول الله - ﷺ -، أصابه سبيًا في الجاهلية، لأن أمه خرجت به تزور قومها بني معن، فأغارت عليهم خيل بني القين بن جسر، فأخذوا زيدًا، فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته خديجة للنبي - ﷺ - قبل النبوة، وهو ابن ثماني سنين.\nوقيل: بل رآه رسول الله - ﷺ - بالبطحاء بمكة ينادى عليه ليباع، فأتى\n_________\n(١) لم أجده في ترجمة أبي حذيفة، بل وجدته في ترجمة سالم مولى أب حذيفة فالعبارة: فقد تقدمت في ترجمة سالم مولى أبي حذيفة. انظر: \"الإصابة\" (٣/ ٥٧)، و(٧/ ٤٢).\n(٢) في الأصل: \"وهل كبيرة\" وهو تحريف. وفي \"الإصابة\": \"وهي كبيرة\"، والظاهر: \"وهو كبير\" حال من ضمير \"ترضعه\" المنصوب. والله أعلم.\n(٣) وفي الأصل: \"ابن\"، وهو تحريف.\n(٤) وفي الأصل: \"القرشي\"، وهو تحريف.\n(٥) في الأصل: \"فَأعتقها\"، وهو تحريف، والظاهر ما أثبته.","vol":"7","page":613},{"text":"وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوُرِّثَ مِيرَاثَهُ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِى ذَلِكَ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ (١) لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِى الدِّينِ.\nفَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِىِّ ثُمَّ الْعَامِرِىِّ وَهِىَ امْرَأَةُ أَبِى حُذَيْفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا، وَكَانَ يَأْوِى مَعِى وَمَعَ أَبِى حُذَيْفَةَ فِى بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَيَرَانِى فُضْلًا،\n===\nخديجة، فذكره لها، فاشتراه من مالها فوهبته لرسول الله - ﷺ -، فأعتقه وتبنَّاه، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين حمزة بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنه -.\n(وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه) أي يقولون: ابن فلان، كما يقال لزيد: ابن محمد - ﷺ - (وورث ميراثه، حتى أنزل الله ﷿ في ذلك ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾)، وتمام الآية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢)، (فردوا) أي: أَمَرَ الناس أن يردوا المتبنين (إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب، كان مولى وأخًا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالمًا ولدًا) لما تبناه أبو حذيفة (فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد) كما يأوي الأولاد مع آبائهم وأمهاتهم (وبراني فضلًا). قال في \"القاموس\": ورجلٌ وامرأةٌ فُضُلٌ بضمتين، متفضِّلٌ في ثوب واحد، وقال في \"المجمع\": يراني فضلًا، أي مبتذلة في ثياب مهنة، من تفضلت المرأة، إذا لبست ثياب مهنتها، أو كانت في ثوب واحد فهي فضل، والرجل\n_________\n(١) في نسخة: \"يعرف\".\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٥.","vol":"7","page":614},{"text":"وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ -ﷺ-: «أَرْضِعِيهِ»، فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إِخْوَتِهَا (١) أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ يَدْخُلَ عَلَيْهَا. وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ -ﷺ\n===\nفضل أيضًا (وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت) وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. (فكيف ترى فيه؟) أي في سالم.\n(فقال لها) أي لسهلة (النبي - ﷺ -: أرضعيه (٢)، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك) أي بقصة سهلة وسالم. (كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها) بلا حجاب (وإن كان كبيرًا، خمس رضعات، ثم يدخل عليها) أي على عائشة ﵂، فمذهب عائشة في هذه المسألة، أن المرأة إذا أرضعت رجلًا كبيرًا خمس رضعات، يثبت حكم الرضاعة وتحرم عليه كما يثبت حكم الرضاعة في الصغر.\n(وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي - ﷺ -) أي باقيها، وذكر الطبري في \"تهذيب الآثار\" (٣)، وساق بإسناد صحيح عن حفصة مثل قول عائشة، وهو مما يخص به عموم قول أم سلمة: \"أبى سائر أزواج النبي - ﷺ - أن يدخلن\n_________\n(١) في نسخة: \"إخوانها\".\n(٢) يشكل عليه التقام سالم ثدي سهلة وهي أجنبية، وأجاب عنه عياض، بأنه يحتمل أنها حلبت اللبن ثم شربه من غير أن يمص ثديها، وهذا يمشي على مذهب الأئمة الأربعة إذ قالوا: المحرم شرب لبنها بأي وجه كان، ولا يتمشى على مذهب أهل الظاهر إذ قالوا: لا بد لحرمة الرضاع أن يمص اللبن من ثديها، فأجابوا: أن هذا مغتفر لضرورة شرب اللبن، كذا في \"الفتح\" (انظر: ٩/ ١٤٨)، انتهى (ش).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٩).","vol":"7","page":615},{"text":"أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فِى الْمَهْدِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَدْرِى لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ النَّبِىِّ -ﷺ- لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ\". [خ ٥٠٨٨، م ١٤٥٣، ن ٣٣٢٤ - ٣٣٢٥، جه ١٩٤٣، دي ٢٢٥٧، حم ٦/ ٢٧٠]\n===\nعليهن بتلك الرضاعة أحدًا\"، (أن يدخلن) بضم التحتانية من باب الإفعال (عليهن بتلك الرضاعة)، أي رضاعة الكبير (أحدًا من الناس حتى يرضع في المهد)، أي في زمان الصغر (وقلن لعائشة) لما استدلت بقصة سالم: (والله ما ندري لعلها) أي قصة سالم (كانت رخصةً من النبي - ﷺ - لسالم دون الناس).\nقال الشوكاني (١): وقد استدل بذلك من قال: إن إرضاع الكبير يثبت به التحريم، وهو مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - كما حكاه عنه ابن حزم، وأما ابن عبد البر فأنكر الرواية عنه في ذلك، وقال: لا يصح، قلت: لأنه من رواية الحارث الأعور عنه وهو ضعيف، وإليه ذهبت عائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن أبي سعد وابن علية، وحكاه النووي عن داود الظاهري، وإليه ذهب ابن حزم، يؤيد ذلك الإطلاقات القرآنية كقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢).\nوذهب الجمهور (٣) إلى أن حكم الرضاع إنما يثبت في الصغر،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٤١٧).\n(٢) سورة النساء: الآية ٢٣.\n(٣) وأجابوا عن الحديث، بأن للنبي - ﷺ - أن يخص من شاء بما شاء من الحكم، قال الزرقاني على \"الموطأ\" (٣/ ٧٣، ٧٤) في بحث الأضاحي: وتخصيص أبي بردة بالمعز كجعله ﵇ شهادة خزيمة بشهادة رجلين، وترخيصه في النياحة لأم عطية، وترك الإحداد لأسماء بنت عميس لما مات زوجها جعفر، وإنكاح المرأة بما مع الرجل من القرآن فيما ذكره جماعة، وفي الجمع بين اسمه وكنيته لولد علي - ﵁ -، وفي المكث له - ﵁ - جنبًا في المسجد، وباب علي - ﵁ - =","vol":"7","page":616},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٣).\nوبالأحاديث التي في الباب المتقدم، وبحديث أم سلمة عند الترمذي (٤): \"لا يحرم من الرضاع إلَّا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام\"، وبحديث عبد الله بن الزبير عند ابن ماجه (٥) بلفظ: \"لا رضاع إلَّا ما فتق الأمعاء\"، وبحديث ابن عمر الموقوف عليه، كان يقول: \"لا رضاعة إلَّا لمن أرضع في الصغر\"، وبحديث ابن عباس كان يقول: \"ما كان في الحولين وإن كانت مصة واحدة فهي تحرم\"، وبحديث ابن عباس مرفوعًا عند ابن عدي والدارقطني والبيهقي (٦): \"لا يحرم من الرضاع إلَّا ما كانت في الحولين\"، وبحديث جابر عند الطيالسي والبيهقي مرفوعًا: \"لا رضاع بعد الفصال ولا يُتْمَ بعد احتلام\".\nقال الحافظ (٧): وأجابوا عن قصة سالم بأجوبة: منها أنه حكم منسوخ،\n_________\n= وخوخة أبي بكر - ﵁ -، وأكل المجامع من كفارة نفسه، ولبس الحرير للزبير وعبد الرحمن بن عوف، ولبس خاتم الذهب للبراء - ﵁ -، وقبول الهدية لمعاذ - ﵁ - لما بعثه إلى اليمن ... إلخ.\nقلت: والاكتفاء بصلاتين لرجل على قول أحمد، كما تقدم في \"باب المحافظة على الصلوات\"، وعد نظائره السيوطي في \"الخصائص الكبرى\" (٢/ ٤٦١)، والجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ٢٠٤). (ش).\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.\n(٢) سورة الأحقاف: الآية ١٥.\n(٣) سورة لقمان: الآية ١٤.\n(٤) \"سنن الترمذي\" رقم (١١٥٢).\n(٥) \"سنن ابن ماجه\" رقم (١٩٤٦).\n(٦) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٦١)، \"سنن الدارقطني\" (٤/ ١٧٤)، \"الكامل\" لا بن عدي (٧/ ٢٥٦٢).\n(٧) \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٩).","vol":"7","page":617},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوبه جزم المحب الطبري في \"أحكامه\"، وقرَّره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، فدَلَّ على تأخرها، وهو مستند ضعيف إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدمًا، ومنها دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة.\nوالأصل فيه قول أم سلمة وأزواج النبي - ﷺ -: ما نرى هذا إلَّا رخصة أرخصها رسول الله - ﷺ - لسالم خاصة، وقَرَّرَه ابن الصباغ وغيره، وقرَّره آخرون بأن الأصل أن الرضاع لا يحرم، فلما ثبت ذلك في الصغر خولف الأصل له، وبقي ما عداه على الأصل، وقصة سالم واقعة عين يطرقها احتمال الخصوصية، فيجب الوقوف عن الاحتجاج بها.\nوقد اختلفوا في تقدير المدة التي يقتضي الرضاع فيه التحريم على أقوال:\nالأول: أنه لا يحرم منه إلَّا ما كان في الحولين، وهو محكي عن عمر وابن عباس وابن مسعود والشافعي وأبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح ومالك وزفر ومحمد، فمروي عن أبي هريرة وابن عمر وأحمد وأبي يوسف وسعيد بن المسيب والشعبي وابن شبرمة وإسحاق وأبي عبيد وابن المنذر.\nالقول الثاني: أن الرضاع المقتضي للتحريم ما كان قبل الفطام، وإليه ذهبت أم سلمة، وروي عن ابن عباس، وبه قال الحسن والزهري والأوزاعي وعكرمة وقتادة.\nالقول الثالث: أن الرضاع في حال الصغر يقتضي التحريم، ولم يحدّه القائل بحدٍّ، روي ذلك عن أزواج النبي - ﷺ - ما خلا عائشة وعن ابن عمر وسعيد بن المسيب.\nالقول الرابع: ثلاثون شهرًا، وهو رواية عن أبي حنيفة وزفر.","vol":"7","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-719>(١٠) بَابٌ: هَلْ يُحَرِّمُ مَا دُون خَمْسِ رَضَعَاتٍ</span>؟\n===\nالقول الخامس: في الحولين وما قاربها، روي ذلك عن مالك، وروي عنه أن الرضاع بعد الحولين لا يحرم قليله وكثيره، كما في \"الموطأ\".\nالقول السادس: ثلاث سنين، وهو مروي عن جماعة من أهل الكوفة، وعن الحسن بن صالح.\nالقول السابع: سبع سنين، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز.\nالقول الثامن: حولان واثنا عشر يومًا روي عن ربيعة.\nالقول التاسع: أن الرضاعة يعتبر فيه الصغر إلَّا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية، انتهى ملخصًا من \"النيل\" (١).\n\n(١٠) (بابٌ: هَلْ يُحَرِّمُ مَا دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ؟)\nاختلفوا في هذه المسألة، فقال الجمهور: يحرم قليل الرضاع وكثيره، هو قول مالك وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري والليث وهو المشهور عن أحمد، وذهب آخرون إلى أن الذي يحرِّم ما زاد على الرضعة الواحدة، ثم اختلفوا فجاء عن عائشة - ﵂ - \"عشر رضعات\"، أخرجه مالك في \"الموطأ\"، وعن حفصة كذلك، وجاء عن عائشة أيضًا \"سبع رضعات\"، أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير عنها، وفي رواية عنها عند عبد الرزاق: \"لا يحرم دون سبع رضعات\"، أو \"خمس رضعات\"، وجاء عنها أيضًا عند مسلم \"خمس رضعات\"، وإلى هذا ذهب الشافعي وهي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، وذهب أحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وداود وأتباعه إلَّا ابن حزم إلى أن الذي يحرِّم ثلاث رضعات.\n_________\n(١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ٤١٧).","vol":"7","page":619},{"text":"٢٠٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ (عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ) ثُمَّ نُسِخْنَ بِـ (خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ يُحَرِّمْنَ)، فَتُوُفِّىَ النَّبِىُّ -ﷺ- وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ\". [م ١٤٥٢، ت ١١٥٠، ن ٣٣٠٧، جه ١٩٤٢، قط ٤/ ١٨١، ق ٧/ ٤٥٤]\n===\nقال القرطبي في رواية: \"لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، ولا المصَّة ولا المصَّتان\"، وهو أنص ما في الباب، إلَّا أنه يمكن حمله على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع، وقوى مذهب الجمهور بأن الأخبار اختلفت في العدد، وعائشة التي روت ذلك قد اختلف عليها فيما يعتبر من ذلك، فوجب الرجوع إلى أقل ما يطلق عليه الاسم، ويعضده من حيث النظر أنه معنى طارئ يقتضي تأبيد التحريم، فلا يشترط فيه العدد كالصهر، أو يقال مائع يلج الباطن فيحرم، فلا يشترط فيه العدد كالمني.\nوأيضًا فقول عائشة - ﵂ -: \"عشر رضعات معلومات، ثم نُسِخْنَ بخمس معلومات، فمات النبي - ﷺ - وهن مما يقرأ\" لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قول الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونه قرآنًا، ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه، والله أعلم، ملخص ما في \"الفتح\" (١).\n٢٠٦٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة) - ﵂ (أنها قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات يُحَرِّمْن، ثم نسخن بخمس معلومات يحرِّمن، فتوفي النبي - ﷺ - وهن) أي: خمس رضعات (مما يقرأ من القرآن)، تعني أن بعض من لم يبلغه\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٦، ١٤٧).","vol":"7","page":620},{"text":"٢٠٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ». [م ١٤٥٠، ت ١١٥٠، ن ٣٣١٠، جه ١٩٤١، حم ٦/ ٣١، قط ٤/ ١٧٢، ق ٧/ ٤٥٤]\n===\nالنسخ، كان يقرؤه على الرسم الأول، لأن النسخ لا يكون إلا في زمان الوحي، فكيف بعد وفاة النبي - ﷺ -؟ أرادت بذلك قرب زمان الوحي، وقد تقدم عن الحافظ في الحديث المتقدم ما يتعلق بحكم هذا الحديث فلا نعيده.\n٢٠٦٣ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا إسماعيل، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله، (عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: لا تحرم المصة ولا المصتان)، والجواب عن هذا الحديث بأنه لا يحتج به، لأن فيه اضطرابًا كما تقدم، ولو سلِّم خلوّه عن الاضطراب فيحتمل أن الحرمة لم تثبت لعدم القدر المحرم، ويحتمل أنها لم تثبت، لأنه لا يُعلم أن اللبن وصل إلى جوف الصبي أم لا، وما لم يصل لا يحرم، فلا يثبت لعدم القدر المحرم.\nولا تثبت الحرمة بهذا الحديث بالاحتمال، ولذا قال ابن عباس - ﵄-: \"إذا عَقَى الصبى فقد حرم\" حين سئل عن الرضعة الواحدة هل تحرم؟ لأن العِقْيَ اسم لما يخرج من بطن الصبي حين يولد أسودَ لزجًا إذا وصل اللبنُ إلى جوفه، يقال: هل عَقَيْتُم صبيكم؟ أي: هل سقيتموه عسلًا ليُسْقِطَ عنه عِقْيَه؟ إنما ذكر ذلك ليُعْلَمَ أن اللبن قد صَار في جوفه لأنَه لا يَعْقِي من ذلك اللبن حتى يصير في جوفه.","vol":"7","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>(١١) بَابٌ: في الرَّضْخِ عِنْدَ الْفِصَالِ</span>\n٢٠٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُذْهِبُ عَنِّى مَذَمَّةَ الرَّضَاعَةِ؟ قَالَ: «الْغُرَّةُ الْعَبْدُ أَوِ الأَمَةُ». [ن ٣٣٢٩، ت ١١٥٣، حم ٣/ ٤٥٠، ق ٧/ ٤٦٤]\n===\n(١١) (بَابٌ: في الرَّضْخِ)، الرضخ: العطية القليلة، أي: عطاء الرضعة (عِنْدَ الْفِصَالِ)\n٢٠٦٤ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا أبو معاوية، ح: وحدثنا ابن العلاء، أنا ابن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج) بن مالك الأسلمي، حجازي، أخرجوا له حديثًا واحدًا، يأتي في ترجمة أبيه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبيه) حجاج بن مالك بن عويمر بن أبي أسيد بن رفاعة الأسلمي، روى عن النبي - ﷺ - حديثًا، أخرجوا له حديثًا واحدًا في الرضاع، وصححه الترمذي.\n(قال: قلت: يا رسول الله، ما يُذهب) بضم التحتانية من باب الإفعال (عني مذمة الرضاع؟) بكسر الذال (١) المعجمة وفتحها، الحق والحرمة التي يذم مضيِّعها، والمراد به الحق اللازم بسبب الرضاع، أي ما يُسْقِطُ عني حقَّ المرضعة حتى أكون قد أديته كاملًا؟ وكانوا يستحبون أن يهبوا المرضعة عند فصال الصبي شيئًا سوى الأجرة.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (الغرة) أصلها بياض في وجه الفرس، والمراد ها هنا العبد، أو الأمة، كما فسَّر بقوله: (العبد، أو الأمة،\n_________\n(١) قال العراقي: والمشهور في الرواية بفتح الميم وكسر الذال بعدها ميم مفتوحة مشددة، كذا في \"قوت المغتذي\". (ش). (انظر: \"نفع قوت المغتذي\" ص ٥٢).","vol":"7","page":622},{"text":"قَالَ النُّفَيْلِيُّ: حَجَّاجُ بْنُ الْحَجَّاجِ (١) الأَسلَمِيُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>(١٢) بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ</span>\n٢٠٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، وَلَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى». [خ ٥١٠٩، م ١٤٠٨، ت ١١٢٦، ن ٣٢٩٦، حم ٢/ ٤٢٦، ق ٧/ ١٦٦]\n===\nقال النفيلي: حجاج بن الحجاج الأسلمي) فزاد لفظ الأسلمي ولم يذكره ابن العلاء (٢) (وهذا لفظه) أي لفظ هذا الحديث لفظ النفيلي، لا لفظ ابن العلاء.\n(١٢) (بَابُ ما)، أي: النسوة اللاتي (يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ)، من بيانية للفظ ما\n٢٠٦٥ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا داود بن أبي هند، عن عامر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها)، أي لا يجمع بين العمة وبنت أخيها، سواء تقدم نكاح العمة أو بنت الأخ، (ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها) وكذا لا تجمع في الوطء بملك اليمين، وسواء كانت سفلى كأخت الأب أو العليا كأخت الجد، لأن ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم، (ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى) تأكيد للأول.\nقال النووي: يحرم الجمع بينهما سواء كانت عمة أو خالة حقيقية،\n_________\n(١) في نسخة: \"حجاج\".\n(٢) وذكره الترمذي أيضًا برواية قتيبة عن حاتم عن هشام. (ش).","vol":"7","page":623},{"text":"٢٠٦٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤيبٍ\n===\nأو مجازية، وهي أخت أب الأب وأب الجد وإن علا، وأخت أم الأم وأم الجد، وأم الجدة من جهة الأم والأب وإن علت، وكلهن حرام بالإجماع، ويحرم الجمع بينهما في النكاح أو في ملك اليمين، وأما في الأقارب كبنتي العمتين وبنتي الخالتين ونحوهما فجائز، وهذا الحديث مشهور يجوز تخصيص عموم الكتاب به، وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١).\nثم ذكر الحنفية (٢) في هذا المحل قاعدة كلية، وهي أنه لا يجمع بين امرأتين لو كانت كل واحدة منهما ذكرًا لا يجوز له أن يتزوج بالأخرى، والدليل على اعتبار الأصل المذكور ما ثبت في الحديث برواية الطبراني، وهو قوله: \"فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم\"، وروى أبو داود في \"مراسيله\"، قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة\"، فأوجب تعدي الحكم المذكور، وهو حرمة الجمع إلى كل قرابة يفرض وصلها، وهي ما تضمنه الأصل المذكور، وبه تثبت الحجة على الروافض والخوارج وعثمان بناءً على ما نقل عنه، وداود الظاهري في إباحة الجمع بين غير الأختين، ملخص من \"القاري\" (٣).\n٢٠٦٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب) مصغرًا، ابن حلحلة بمهملتين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة، أبو سعيد الخزاعي المدني، ويقال: أبو إسحاق، ولد عام الفتح، قال ابن سعد: كان على خاتم عبد الملك، وكان آثر الناس عنده، وكان\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٢٤.\n(٢) وكذا الحنابلة كما في \"المغني\" (٩/ ٥٢٣)، والمالكية كما في \"الباجي\" (٥/ ٧٩)، وذكر ابن رشد الخلاف في ذلك (٢/ ٤١، ٤٢)، وقيَّد العيني (١٤/ ٦١) الضابطة بالنسب والرضاع دون الصهر. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٣٢٠، ٣٢١).","vol":"7","page":624},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا\". [خ ٥١١٠، م ١٤٠٨، ن ٣٢٩٥، ٣٢٩٦]\n٢٠٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا خَطَّابُ بْنُ الْقَاسِمِ، عن خُصَيْفٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَبَيْنَ الْخَالَتَيْنِ وَالْعَمَّتَيْنِ\". [ت ١١٢٥، حم ١/ ٢١٧]\n===\nثقة مأمونًا كثير الحديث، وقال الغلابي (١) عن ابن معين: أتي به رسول الله - ﷺ - ليدعو له بالبركة، ذهبت عينه يوم الحرة (أنه سمع أبا هريرة يقول: نهى رسول الله - ﷺ - أن يجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها).\n٢٠٦٧ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا خطاب بن القاسم) الحراني، أبو عمر، قاضي حران، عن ابن معين: ثقة، عن أبي زرعة: منكر الحديث، يقال: إنه اختلط قبل موته، قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: ثقة، أخرج له أبو داود حديثًا واحدًا في النكاح في الجمع بين العمة والخالة، والنسائي آخر في الصيام في فضل التطوع، وقال عقبة: هذا حديث منكر، وخصيف ضعيف، وخطاب لا علم لي به، (عن خصيف) بن عبد الرحمن الجزري، (عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: أنه يكره أن يجمع بين العمة والخالة) أي وبين بنت أخيها وبنت أختها.\nكتب في الحاشية عن \"فتح الودود\": قوله: كره أن يجمع بين العمة والخالة، أي وبين من هما عمة وخالة لها. فالطرف الثاني من مدخول بين متروك في الكلام لظهوره، وكذا قوله: (وبين الخالتين) أي وبين من هما خالتان لها، والمراد بالخالتين الصغيرة ممن هي خالة لها، والكبيرة منها، أو الأبوية وهي أخت الأم من أب، والأموية وهي أخت الأم من أم (و) على هذا قياس (العمتين).\n_________\n(١) وقع في الأصل: \"الفلاني\" وهو تحريف.","vol":"7","page":625},{"text":"٢٠٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: \"أَنَّهُ سَأَلَ\n===\nويحتمل أن يكون المراد بالخالتين الخالة، ومن هي خالة لها أطلق عليها اسم الخالة تغليبًا، وكذا العمتين، والكلام لمجرد التأكيد، وهذا الذي ذكرناه هو الموافق لأحاديث الباب.\nوقال السيوطي نقلًا عن الكمال الدميري: قد أشكل هذا على بعض العلماء حتى حمله على المجاز، وإنما المراد النهي عن الجمع بين امرأتين إحداهما عمة والأخرى خالة، أو كل منهما عمة الأخرى، أو كل منهما خالة الأخرى.\nتصوير الأولى أن يكون رجل وابنه، فتزوجا امرأة وبنتها، فتزوج الأب البنت والابن الأم، فولدت لكل منهما ابنة من هاتين الزوجتين، فابنة الأب عمة بنت الابن وبنت الابن خالتها.\nوتصوير العمتين (١) أن يتزوج رجل أمَّ رجل، ويتزوج الآخر أمَّه، فيولد لكل منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى.\nوتصوير الخالتين (٢) أن يتزوج رجل ابنة رجل والآخر ابنته، فولدت لكل منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى.\n٢٠٦٨ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير: أنه سأل\n_________\n(١) صورته هكذا: [صورة] (ش).\n(٢ صورته هكذا: [صورة] (ش).","vol":"7","page":626},{"text":"عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ -ﷺ- عَنْ قَوْلِه (١): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ ألَا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢)، قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هِىَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِى حِجْرِ وَلِيِّهَا، تُشَارِكُهُ فِى مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وليها أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِى صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ\".\n===\nعائشة زوج النبي - ﷺ - عن تفسير (قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) أي ظننتم يا أولياء اليتامى (﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾) أي لا تعدلوا، هو من أقسط، يقال: قسط إذا جار، وأقسط إذا عدل (﴿فِي الْيَتَامَى﴾) إذا نكحتموهن (﴿فَانْكِحُوا﴾) أي تزوجوا (﴿مَا﴾) بمعنى من (﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾) أي: فانكحوا غيرهن من الغرائب.\n(قالت) عائشة - ﵂ -: (يا ابن أختي، هي) أي المذكورة في الآية (اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركله في ماله، فيعجبه) أي الولي (مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها (٣) بغير أن يقسط في صداقها) أي يعدل في صداقها فيبلغ سنة مهر مثلها (فيعطيها مثل ما يعطيها غيره) هو معطوف على معمول بغير أن، يريد أن يتزوجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره، أي ممن يرغب في نكاحها سواه، ويدل على هذا قوله بعد ذلك: فنهوا عن ذلك إلَّا أن يبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق.\n(فنهوا أن ينكحوهن إلَّا أن يقسطوا) أي يعدلوا (لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق) أي مهر المثل، (وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن)\n_________\n(١) في نسخة: \"قول الله ﷿\".\n(٢) سورة النساء: الآية ٣.\n(٣) فيه أن للولي أن يزوجها بنفسه، ولا يحتاج إلى تزويج ولي آخر، وإليه مال البخاري، وبه قال مالك والحنفية، وقال الشافعي وزفر وداود: يزوجهما ولي آخر، كذا في \"الفتح\" (٩/ ١٨٨)، ولم يتنبه لذلك ابن رشد، إذ قال في \"البداية\" (٢/ ١١): لا أعلم لمالك حجة في ذلك إلا ما روي من أنه ﵊ تزوج أم سلمة بغير ولي، لأن ابنها كان صغيرًا، وما ثبت أنه ﵇ أعتق صفية وجعل صداقها عتقها، والأصل عند الشافعي في أنكحة النبي - ﷺ - أنها على الخصوص، انتهى. (ش).","vol":"7","page":627},{"text":"قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ فِى يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (١)، قَالَتْ: وَالَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْهِمْ (٢) فِى الْكِتَابِ\n===\nأي بأي مهر توافقوا عليه، قال الحافظ (٣): وعن مجاهد في مناسبةِ ترتُّب قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤) على قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ شيء آخر، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾: أي إذا كنتم تخافون أن لا تعدلوا في مال اليتامى فتحرَّجتم أن لَا تَلُوها، فتحرجوا من الزنا، وانكحوا ما طاب لكم من النساء، وعلى تأويل عائشة - ﵂ - يكون المعنى: وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى.\n(قال عروة: قالت عائشة) هو معطوف على الإسناد المذكور، وإن كان بغير أداة عطف، (ثم إن الناس استفتوا رسول الله - ﷺ -)، أي طلبوا منه الفتيا في أمر النساء (بعد هذه الآية) وهي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ إلى ﴿وَرُبَاعَ﴾ (فيهن) أي: النساء، (فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى﴾) عطف على لفظ \"الله\" أو على الضمير في يفتيكم أي يفتيكم ما يتلى (﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾) من صداقهن (﴿وَتَرْغَبُونَ﴾) عن (﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾) لدمامتهن، فنهاهم الله.\n(قالت) عائشة: (والذي ذكر الله أنه يتلى، عليهم في الكتاب) أي القرآن،\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٢٦.\n(٢) في نسخة: \"عليكم\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٤٠).\n(٤) سورة النساء: الآية ٣.","vol":"7","page":628},{"text":"الآيةُ الأُوْلَى الَّتِي قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ في الآيةِ الآخِرَةِ (١): ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عن يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ حِينَ تَكونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا في مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ.\n===\nالمراد به (الآية الأولى التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قالت عائشة) - ﵂ -: (وقول الله ﷿ في الآية الآخرة) أي ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾، الآية: (﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾) هي رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره)، أي: حفظه وتربيته (حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا) إذا (ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء)، \"من\" بيانية للفظ \"ما\"، والمراد بهن المذكورات في الآية الأولى (إلَّا بالقسط)، أي بالعدل في مهرهن، بأن لا تنقصوه من مهر المثل (من أجل رغبتهم عنهن)، أي عن المذكورات في الآية الثانية.\nوحاصل هذا الكلام أن اليتامى على نوعين: إحداهما: غنية كثيرة المال والجمال، وثانيتهما: معدمة فقيرة ليس عندها مال ولا جمال، فأمر الله ﷿ أولياءهن، أنكم إذا كن قليلات المال والجمال تتركونهن، فكذلك إذا كن كثيرات المال والجمال لا تنكحوهن إلَّا بالعدل في الصداق، ولا تنقصوا من صداقهن.\nولفظ رواية البخاري: أن عروة سأل عائشة - ﵂ -، قال لها: يا أمتاه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ - إلى- ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، قالت عائشة: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهن، إلَّا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، قالت عائشة\n_________\n(١) في نسخة: \"الأخرى\".","vol":"7","page":629},{"text":"قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ: رَبِيعَةُ (١) في قَوْلِ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قَالَ: يَقُولُ: اُتْرُكُوهُنَّ إِنْ خِفْتُمْ، فَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكُمْ أَرْبَعًا [خ ٤٥٧٤، م ٣٠١٨، ن ٣٣٤٦]\n===\n- ﵂ -: استفتى الناس رسول الله - ﷺ - بعد ذلك، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ - إلى- ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، فأنزل الله لهم في هذه الآية، أن اليتيمة إذا كانت ذات مال وجمال، رغبوا في نكاحها ونسبها والصداق، وإذا كانت مرغوبًا عنها في قلة المال والجمال، تركوها وأخذوا غيرها من النساء، قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق.\n(قال يونس) بن يزيد: (وقال ربيعة) أي الرأي (في قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قال) يونس: (يقول) ربيعة: (اتركوهن إن خفتم، فقد أحللت لكم أربعًا) (٢).\nحاصل هذا التفسير أن الجملة الشرطية وإن خفتم جزاؤها مقدر، وهو اتركوهن، وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ بمنزلة الدليل على الجزاء لتسليتهم، أي: اتركوهن لأني أحللت لكم أربعًا.\nقلت: ولا مناسبة للحديث بترجمة الباب، إلَّا أن يقال: إن اليتامى إذا كن كثيرات عند وليهن، فأباح له نكاحهن، إلا أنه لا يجمع بينهن، بحيث يلزم فيه الجمع بين العمة والخالة وابنة الأخ وابنة الأخت، وكذلك إذا مات\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"و\".\n(٢) لا يجوز للحر أكثر من أربع نسوة، حكى عليه الإجماع غير واحد منهم الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٣٩)، وقال: لا عبرة بخلاف الرافضي. وقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٣/ ٢٢٩، ٢٣٠): اتفق عليه الأئمة الأربعة والجمهور، وأجاز الروافض تسعًا، ونقل عن النخعي وابن أبي ليلى والخوارج ثماني عشرة، وحكي عن بعض الناس إباحة أي عدد شاء بلا حصر ... إلخ. وأما العبد فالأئمة الثلاثة والصحابة على ثنتين وأباح مالك له أيضًا الأربع. كذا في \"الأوجز\" (١٠/ ٥٣٥). (ش).","vol":"7","page":630},{"text":"٢٠٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِى أَبِي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلي (١)، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَلِىَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ: \"أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِىٍّ - ﵄ - لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَىَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِى بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ لَا، قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِىَّ\n===\nالرجل وترك زوجة وبنتًا، فتزوج أمها، فلا يجوز له أن ينكح بنتها؛ لأنها ربيبته، فيلزم أن يجمع بين الأم وبنتها.\n٢٠٦٩ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي) أي إبراهيم بن سعد، (عن الوليد بن كثير، حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي، أن ابن شهاب حدثه، أن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب، الملقب بزين العابدين (حدثه: أنهم) أي علي بن الحسين، ومن معه من أهل البيت من النسوة والولدان (حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية) وهو أن عمر بن سعد بن أبي وقاص قائد جيش يزيد بن معاوية لما فرغ من قتل الإِمام الحسين - ﵁ - ومن معه من الرجال، وكان علي بن الحسين مريضًا، فأشخصهم إلى يزيد بن معاوية في الشام، ثم ردَّهم يزيد بن معاوية إلى المدينة (مقتل الحسين بن علي - ﵄-) أي في زمان قتله وشهادته، (لقيه المسور بن مخرمة، فقال) المسور (له) أي لعلي بن الحسين: (هل لك إلى من حاجة تأمرني بها؟) فأمتثلها وآتي بها (قال) علي بن الحسين: (فقلت له) أي للمسور: (لا) أي ليس لي إليك من حاجة، والغرض منه إظهار المحبة والشفقة لأهل البيت وجبر خاطرهم\n(قال) أي المسور: (هل أنت معطي) بتشديد الياء بالإضافة إلى ياء\n_________\n(١) في نسخة: \"الدؤلي\".","vol":"7","page":631},{"text":"سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ؟ وَأيْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى نَفْسِي، إِنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ - ﵁ - خَطَبَ بِنْتَ أَبِى جَهْلٍ\n===\nالمتكلم (سيف رسول الله - ﷺ -) المراد به ذو الفقار الذي تَنَفَّله يوم بدر، ورأى فيه الرؤيا يوم أحد، وأراد المسور بالكلام الذي دار بين المسور بن مخرمة وبين علي بن الحسين صيانة سيف رسول الله - ﷺ -، لئلا يأخذه من لا يعرف قدره (فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه؟) أي على السيف، ويأخذونه من يديك (وأيم الله لئن أعطيتنيه لا يُخلص إليه) أي إلى السيف (أبدًا)، أي لا يأخذه مني أحد أبدًا (حتى يبلغ إلى نفسي) أي إلَّا أن أقتل فيأخذه بعد موتي، ولم يذكر لهذا السؤال جواب، ولعله لم يوافقه هذا السؤال.\n(إن علي بن أبي طالب - ﵁ -)، قال الكرماني (١): مناسبة ذكر المسور لقصة خِطبة بنت أبي جهل عند طلبه السيف من جهة أن رسول الله - ﷺ - كان يحترز عما يوجب وقوع التكدر بين الأقرباء، أي فكذلك ينبغي أن تعطيني السيف، حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كدورة بسببه، أو كما أن رسول الله - ﷺ - كان يراعي جانب بني عمه العبشميين، فأنت أيضًا راع جانب بني عمك النوفليين، لأن المسور نوفلي، كذا قال، والمسور زهري لا نوفلي، قال: أو كما أن رسول الله - ﷺ - كان يحب رفاهية خاطر فاطمة - ﵂ - فأنا أيضًا أحب رفاهية خاطرك، فأعطني السيف، حتى أحفظه لك.\nقلت: وهذا الأخير هو المعتمد، وما قبله ظاهر التكلف (٢).\n(خطب (٣) بنت أبي جهل) واختُلف في اسم ابنة أبي جهل، فروى الحاكم\n_________\n(١) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (١٣/ ٨٨، ٨٩).\n(٢) كذا قال الحافظ في \"الفتح\" (٧/ ٨٦)، وقال العيني (١٠/ ٤٤١): إنما ذكر المسور هذه القصة ليعلم زين العابدين بمحبته في فاطمة ونسلها لما سمع من رسول الله - ﷺ -. (ش).\n(٣) ذكر في \"الخميس\" هذه القصة في سنة ٢ هـ. (انظر: ١/ ٤١٢). (ش).","vol":"7","page":632},{"text":"عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِى ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: «إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّى وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِى دِينِهَا»، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ\n===\nفي \"الإكليل\": جويرية وهو الأشهر، وفي بعض الطرق اسمها العوراء، أخرجه ابن طاهر في \"المبهمات\"، وقيل: اسمها الحيفاء، ذكره ابن جرير الطبري، وقيل: جرهمة، حكاه السهيلي، وقيل: اسمها جميلة، ذكره شيخنا ابن الملقن في \"شرحه\"، وكان علي قد أخذ بعموم الجواز، فلما أنكر النبي - ﷺ - أعرض علي عن الخطبة، فيقال: تزوجها عتاب بن أسيد.\n(على فاطمة، فسمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يخطب الناس في ذلك) أي في خِطبة علي بنت أبي جهل (على منبره هذا) أي منبر مسجد النبوي - ﷺ - (وأنا يومئذ محتلم)، أي بالغ، قال ابن سيد الناس (١): هذا غلط، والصواب ما وقع عند الإسماعيلي بلفظ \"كالمحتلم\"، والمسور لم يحتلم في حياة النبي - ﷺ - لأنه ولد بعد ابن الزبير، فيكون عمره عند وفاة النبي - ﷺ - ثمان سنين.\nقلت: كذا جزم به وفيه نظر، فإن الصحيح أن ابن الزبير ولد في السنة الأولى، فيكون عمره عند الوفاة النبوية تسع سنين، فيجوز أن يكون احتلم في أول سنين الإمكان، أو يحمل قوله: \"محتلم\" على المبالغة، والمراد التشبيه فتلتئم الروايتان، وإلَّا فابن ثمان سنين لا يقال له: محتلم ولا كالمحتلم، إلَّا أن يريد بالتشبيه أنه كان كالمحتلم بالحذق والفهم والحفظ.\n(فقال: إن فاطمة مني وأنا أتخوف أن تفتن في دينها) لأن النساء جبلن على المغيرة، (قال) أي المسور: (ثم ذكر) أي رسول الله - ﷺ - (صهرًا له من بني عبد شمس) والصهر يطلق على جميع أقارب المرأة والرجل، ومنهم من يخصه بأقارب المرأة، فالمراد ها هنا أبو العاص بن الربيع،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٧، ٣٢٨).","vol":"7","page":633},{"text":"فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِى مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ، قَالَ: «حَدَّثَنِى فَصَدَقَنِى وَوَعَدَنِى فَوَفَّى لِي، وَإِنِّى لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا». [٣٧٢٩، م ٢٤٤٩، جه ١٩٩٩]\n===\nختن رسول الله - ﷺ - على ابنته زينب، فإنه تزوَّج زينب بنت رسول الله - ﷺ - قبل البعثة، وهي أكبر بنات النبي - ﷺ -، وقد أسر أبو العاص ببدر، وفدته زينب، فشرط النبي - ﷺ - أن يرسلها إليه، فوفى له بذلك، وهذا معنى قوله: \"وعدني فوفى لي\"، ثم أسر أبو العاص مرة أخرى، فأجارته زينب، فأسلم، فردها النبي - ﷺ - إلى نكاحه.\n(فأثنى عليه) أي على الصهر (في مصاهرته) أي: الصهر (إياه) أي: حسن معاملته رسول الله - ﷺ - (فأحسن) أي الثناء عليه. (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (حدثني فصدقني) لعله شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، (ووعدني فوفى لي) وهو إرسال زينب إلى رسول الله - ﷺ -، ثم رجع إلى خِطبة علي (وإني لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا) أي ليس التحليل والتحريم من نفسي، بل هو من الله تعالى، وهو يتولى أمر التحليل والتحريم، وأنا مبلغ لما ينزل إليَّ (ولكن والله لا تجتمع بنتُ رسول الله - ﷺ -) أي فاطمة (وبنتُ عدوِّ الله) أي بنت أبي جهل (مكانًا واحدًا أبدًا).\nقال الحافظ (١): وقال ابن التين: أصح ما تحمل عليه هذه القصة أن النبي - ﷺ - حرَّم على علي - ﵁ - أن يجمع بين ابنته وابنة أبي جهل، لأنه علل بأن ذلك يؤذيه، وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله: \"لا أحرِّم حلالًا\"، أي: هي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبي - ﷺ - لتأذي فاطمة به فلا، وزعم غيره أن السياق يشعر بأن ذلك مباح لعلي، لكنه منعه النبي - ﷺ - رعاية لخاطر فاطمة، وقيل: هو ذلك امتثالًا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٨، ٣٢٩).","vol":"7","page":634},{"text":"٢٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، وَعن أَيُّوبَ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ: \"فَسَكَتَ عَلِيٌّ -﵁- عَنْ ذَلِكَ النِّكَاحِ\" [انظر سابقه]\n٢٠٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، الْمَعْنَى، قَالَ أَحْمَدُ: نَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: \"إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَة\n===\nلأمر النبي - ﷺ -، والذي يظهر لي أنه لا يبعد أن يُعَدَّ في خصائص النبي - ﷺ - أن لا يتزوج على بناته (١). ويحتمل أن يكون ذلك مختصًا بفاطمة ﵍.\n٢٠٧٠ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، وعن أيوب، عن ابن أبي مليكة) عطف على قوله: عن الزهري، أي حدث معمر هذا الحديث بطريقين، أولهما حدث عن الزهري، عن عروة، وثانيهما روى عن أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة؛ وأظن أن كليهما أي عروة وابن أبي مليكة يرويان عن المسور بن مخرمة (بهذا الخبر قال) أي المسور: (فسكت علي - ﵁ - عن ذلك النكاح)، وفي رواية شعيب عن الزهري عند البخاري: \"فترك عليٌّ الخِطبةَ\".\n٢٠٧١ - (حدثنا أحمد بن يونس وقتيبة بن سعيد، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قال أحمد) بن يونس: (نا الليث، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشي التيمي، أن المسور بن مخرمة حدثه، أنه سمع رسول الله - ﷺ - على المنبر يقول: إن بني هشام بن المغيرة)، قال الحافظ (٢): وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل، لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم\n_________\n(١) وهل هو تخصيص لفاطمة أو لكل بناته ظاهره التعميم. \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٦٦٠). (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٨).","vol":"7","page":635},{"text":"اسْتَأذَنُوا أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ مِنْ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالب، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أنْ يُطَلِّقَ ابْنًتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وُيؤْذِيني مَا آذَاهَا\". وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ\n===\nأخوه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح، وحسن إسلامهما، وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة عكرمة بن أبي جهل بن هشام، وقد أسلم أيضًا، وحسن إسلامه.\n(استأذنوا) وفي نسخة: \"استأذنوني\" (أن ينكحوا ابنتهم من علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن)، قال الحافظ (١): كرر ذلك تأكيدًا، وفيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، وكأنه أراد رفع المجاز لاحتمال أن يحمل النفي على مدة بعينها، فقال: \"ثم لا آذن\" أي ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها ثم كذلك أبدًا، (إلَّا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم). قال الحافظ: هذا محمول على أن بعض من يبغض عليًا وشى به أنه مصمم على ذلك، وإلَّا فلا يظن به أنه يستمر على الخِطبة بعد أن استشار النبي - ﷺ - فمنعه، قلت: يمكن أن يحمل على المبالغة في المنع.\n(فإنما ابنتي بضعة مني) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة، أي: قطعة، وفي رواية: \"مضغة\" بضم الميم وبغين معجمة (يريبني ما أرابها) من باب الإفعال، وفي رواية مسلم: \"ما رابها\" من المجرد (ويؤذيني ما آذاها).\nقال الحافظ (٢): ويؤخذ من هذا الحديث، أن فاطمة لو رضيت بذلك، لم يمنع عليٌّ من التزوج بها أو بغيرها.\nواستشكل اختصاص فاطمة بذلك مع أن المغيرة على النبي - ﷺ - أقرب إلى خشية الافتنان في الدين، ومع ذلك كان رسول الله - ﷺ - يستكثر من الزوجات، وتوجد منهن المغيرة، ومع هذا لم يراع رسول الله - ﷺ - في حقهن، كما راعاه في حق فاطمة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٨).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٩).","vol":"7","page":636},{"text":"أَحْمَدَ. [خ ٥٢٣٠، م ٢٤٤٩، ت ٣٨٦٧، جه ١٩٩٨، حم ٤/ ٣٢٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>(١٣) بَابٌ: في نِكَاحِ الْمُتعَةِ</span>\n===\nومحصل الجواب: أن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك وزيادة عليه، وهو زوجهن - ﷺ - لما كان عنده من الملاطفة، وتطييب القلوب، وجبر الخواطر بحيث أن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خلقه، وجميل خلقه، لجميع ما يصدر منه بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من المغيرة لزال عن قرب.\n(والإخبار في حديث أحمد) أي ولفظ الإخبار كما يدل عليه قوله في السند: قال أحمد.\n\n(١٣) (بابٌ: فِى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ) (١)\nوهي تزويج المرأة إلى أَجَل، فإذا انقضى وقعت الفرقة، أو يقال: إن معنى المتعة عقد مؤقت بين الرجل والمرأة ينتهي بانتهاء الوقت، فيدخل [فيه] ما بمادة المتعة والنكاح المؤقت أيضًا، فيكون النكاح المؤقت من أفراد المتعة، وإن عقد بلفظ التزويج وأحضر الشهود، وما يفيد ذلك من الألفاظ التي تفيد التواضع مع المرأة على هذا المعنى، وهي أبيحت في زمن خيبر، ثم نسخت، ثم أبيحت في غزوة الفتح، ثم نسخت بعدها إلى الأبد.\nواختلف الصحابة، فقال بعضهم بإباحتها لِعَدَمِ بلوغِهم النسخ، ثم رجعوا عن الإباحة وقالوا بحرمتها، فانعقد الإجماع على حرمتها، إلَّا قوم من الروافض قالوا بإباحتها، والعجب منهم كيف قالوا بإباحتها وهم ينتسبون إلى\n_________\n(١) بسط عليه الكلام النووي (٥/ ١٩٩). وقال ابن العربي (٥/ ٤٨): نسخت مرتين. (ش).","vol":"7","page":637},{"text":"٢٠٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: \"كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَتَذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نهَى عَنْهَا في حَجَّةِ الْوَدَاعِ\". [م ١٤٠٦، ٣٣٦٨، جه ١٩٦٢، حم ٣/ ٤٠٤، دي ٢١٩٥]\n===\nعلي بن أبي طالب - ﵁ -، وقد ثبتت عنه حرمتها المؤبدة؟ ! فما هي إلَّا النزعة الشيطانية، والهوى النفسانية التي حملتهم على ذلك، وكذلك أكثر مسائلهم المذهبية، والبحث في مسألة المتعة طويل مذكور في المطولات كـ \"الفتح\" و\"النيل\" و\"العيني\" (١)، من شاء فلينظر فيها.\n٢٠٧٢ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا عبد الوارث، عن إسماعيل بن أمية، عن الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز) الخليفة العادل (فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل يقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أبي) أي سبرة بن معبد الجهني (أنه حدَّث أن رسول الله - ﷺ - نهى عنها)، أي عن متعة النكاح (في حجة الوداع) (٢).\nوقد أخرج مسلم حديث ربيع بن سبرة، وفيه: \"أن أباه غزا مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمس عشرة، ثلاثين بين ليلة ويوم، فأذن لنا رسول الله - ﷺ - في متعة النساء\" الحديث بطوله، وفي آخره: \"فلم أخرج حتى حرمها رسول الله - ﷺ -\"، وفي رواية: \"من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع فليُخل سبيلها\"، فخالف حديث مسلم حديث أبي داود في تعيين المحل، والحديث واحد في قصة واحدة، فتعين الترجيح، فالطريق الذي أخرجها مسلم بأنها في زمن الفتح (٣) أرجح، فتعين المصير إليه.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٧ - ١٧٤)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢١٢ - ٢١٧)، \"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٢٤ - ٢٢٦). \"فتح القدير\" (٣/ ١٥٠).\n(٢) حكى النووي (٥/ ٢٠٠) من أبي داود أنه قال: هذا أصح. (ش).\n(٣) وهو مختار الحافظ (٩/ ١٦٩). (ش).","vol":"7","page":638},{"text":"٢٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ يَحْيَى بْنُ فَارِسٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن رَبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عن أَبِيهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ\". [م ١٤٠٦، وانظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>(١٤) بابٌ: فِى الشِّغَارِ</span>\n===\n٢٠٧٣ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن ربيع بن سبرة، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - حرم متعة النساء) ولم يذكر فيه وقت التحريم على ما تقدم في الحديث المتقدم من الوقت.\n\n(١٤) (بابٌ: فِى الشِّغَارِ) (١)\nقال النووي (٢): الشغار: بكسر الشين المعجمة وبالغين المعجمة، أصله في اللغة: الرفع، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك، وقيل: هو من شغر البلد إذا خلى لخلوه عن الصداق، وكان الشغار من نكاح الجاهلية.\nوأجمع العلماء على أنه منهي عنه، لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي إبطال النكاح أم لا؟ وعند الشافعي يقتضي إبطاله، وحكاه الخطابي عن أحمد وإسحاق وأبي عبيد، وقال مالك: يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية عنه:\n_________\n(١) فيه أبحاث في \"الأوجز\" (١٠/ ٤٢٥ - ٤٣٠): الأول: في لغته من شغر الكلب، أو من شغر البلد إذا خلا لخلوه عن المهر. الثاني: أن التفسير مرفوع أو من أحد الرواة. الثالث: في اختلاف الأئمة، فعند مالك إذا سمى المهر أيضًا يفسخ قبل البناء، لا بعده، وإن لم يسم فيفسخ مطلقًا، وعندهما يصح النكاح في الأول ويبطل في الثاني، وفي قول لهما وهو مذهب الحنفية: يصح مطلقًا وفيها مهر المثل. والرابع: في علة النهي، الخلو عن المهر، أو التشريك في البضع من ملك الزوج وملك البنت الأخرى للصداق، وقيل: لتوقف النكاح على نكاح أخرى. والخامس: أنه يختص بنكاح البنت أو يعم كل ولية أو بما يجبر عليها. (ش).\n(٢) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٥/ ٢١٧).","vol":"7","page":639},{"text":"٢٠٧٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الشِّغَارِ\". زَادَ مُسَدَّدٌ فِى حَدِيثِهِ: \"قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا الشِّغَارُ؟ قَالَ: يَنْكِحُ ابْنَةَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَيَنْكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ\". [خ ٥١١٢، م ١٤١٥، ت ١١٢٤، جه ١٨٨٣، ن ٣٣٣٤، حم ٢/ ٧، دي ٢١٨٠]\n٢٠٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثنَا أَبِي، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ هُرْمُزٍ الأَعْرَجُ: \"أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ\n===\nقبله لا بعده، وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة - ﵀ -، وحكي عن عطاء والزهري والليث، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وبه قال أبو ثور وابن جرير، وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ والعمات، وبنات الأعمام والإماء كالبنات في هذا، وصورته الواضحة زَوَّجْتك بنتي على أن تزوجني بنتك، وبضع كل واحدة صداق للأخرى، فيقول: قبلت.\n٢٠٧٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: وحدثنا مسدد بن مسرهد، نا يحيى، عن عبد الله كلاهما) أي مالك وعبيد الله يرويان (عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشغار، زاد مسدد في حديثه: قلت) القائل عبيد الله (لنافع: ما الشغار؟) أي ما تفسيره (قال: ينكح) أي الرجل (ابنة الرجل وينكحه) من باب الإفعال، أي ينكح الرجل الرجل (ابنته بغير صداق و) كذلك (ينكح) من المجرد، أي الرجل (أخت الرجل فينكحه)، أي الرجلُ الناكحُ الرجلَ المنكوحةَ (أختَه بغير صداق).\n٢٠٧٥ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي) أي: إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أن العبَّاس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن","vol":"7","page":640},{"text":"الْحَكَم ابْنَتَهُ وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بِنْتَهُ، وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا. فَكَتَبَ مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ في كِتَابِهِ: هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\" [حم ٤/ ٩٤]\n===\nالحكم) مفعول أول لأنكح (أبنته) مفعول ثان (وأنكحه) أي العباس (عبد الرحمن) فاعل لأنكح (بنته، وكانا) أي العباس وعبد الرحمن (جعلا) لابنتيهما (صداقًا) لكل واحدة منهما، هكذا في جميع نسخ أبي داود بغير الضمير (١)، وكذا في النسخة المصرية \"لمسند الإِمام أحمد\" (٢) مثل ما في أبي داود، ووجدت في ما كتب الشوكاني من نسخة \"منتقى الأخبار\": \"وقد كانا جعلاه صداقًا\" بالضمير، ولم أجده لغير الشوكاني (٣).\n(فكتب معاوية إلى مروان يأمره) أي معاوية مروان (بالتفريق بينهما، وقال) أي معاوية (في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -).\nقال الشوكاني (٤): وللشغار صورتان: إحداهما: المذكورة في الأحاديث، وهي خلو بضع كل منهما من الصداق، والثانية: أن يشترط كل واحد من الوليين على الآخر أن يزوجه وليته، فمن العلماء من اعتبر الأولى فقط، ومنعها دون الثانية، وليس المقتضي للبطلان عندهم مجرد ترك ذكر الصداق؛ لأن النكاح يصح بدون تسميته، بل المقتضي لذلك جعل البضع صداقًا، واختلفوا في ما إذا لم يصرح بذكر البضع، فالأصح عندهم الصحة.\nقال الحافظ (٥): واختلف نص الشافعي في ما إذا سمى مع ذلك مهرًا، فنص في \"الإملاء\" على البطلان، وظاهر نصه في \"المختصر\" الصحة، وعلى\n_________\n(١) وهكذا بغير الضمير حكاه الموفق (١٠/ ٤٤)، وحمله على أنهما جعلا وسمَّيا صداقًا مستقلًا. (ش).\n(٢) (٤/ ٩٤).\n(٣) قلت: وفي \"معالم السنن\" (٢/ ١٤٣) أيضًا: \"جعلاه\".\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٢١).\n(٥) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٣).","vol":"7","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>(١٥) بَابٌ: في التَّحْلِيلِ</span>\n٢٠٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ،\n===\nذلك اقتصر في النقل عن الشافعي من ينقل الخلاف من أهل المذاهب.\nقلت: فإذا ثبت ذلك علمت أن العقد الذي وقع بين العباس بن عبد الله وابنة عبد الرحمن بن الحكم، وبين العقد الذي وقع بين عبد الرحمن بن الحكم وابنة العباس ليس فيهما شائبة الشغار الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -؛ لأن العقدين خاليان عن شرط تزويج كل واحد منهما ابنة الآخر، وليس فيهما خلو بضع كل منهما عن الصداق، ولم يجعل بضع كل واحدة منهما صداقًا للأخرى، بل فيهما تقرر الصداق لكل واحدة منهما غير البضع من المال، فهذه الصورة بظاهرها ليس فيها علة الفساد عند أحد من العلماء، فأمر معاوية - ﵁ - بالتفريق بينهما ليس إلَّا للاحتياط، ومن باب سد الذرائع.\nوأما قول معاوية في كتابه: \"هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -\" فهو مبني على فهمه، وأنت تعلم أن فهم الراوي غير معتبر، ومع هذا مخالف للمعنى اللغوي.\nوقال الشوكاني (١): حديث معاوية في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم اختلاف الأئمة في الاحتجاج بحديثه.\nقلت: اختلاف الأئمة في حديثه إذا حدث بعن، وفي هذا الحديث حديث ابن إسحاق بلفظ التحديث، وهو مقبول.\n\n(١٥) (بابٌ: فِى التَّحْلِيلِ) (٢)\nأي: إن طلق رجل زوجته ثلاثًا، ثم تزوج بها آخر، ليحلِّلها للزوج الأول، هل يجوز ذلك أم لا؟\n٢٠٧٦ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، حدثني إسماعيل،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٢٠).\n(٢) ستأتي قصة امرأة رفاعة وعبد الرحمن بن الزبير في \"باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره\". (ش).","vol":"7","page":642},{"text":"عن عَامِرٍ، عن الْحَارِثِ، عن عَلِيٍّ - قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَأُرَاهُ قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"لُعِنَ الْمُحِلُّ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ\". [ت ١١١٩، جه ١٩٣٥، حم ١/ ٨٣، ق ٧/ ٢٠٨]\n===\nعن عامر، عن الحارث، عن علي، قال إسماعيل: وأراه) بصيغة المجهول، أي أظن والضمير إلى عامر أي أظن أن عامرًا (قد رفعه) أي الحديث. وأتى بلفظ أراه ليعلم أن رفع الحديث ليس بمتيقن، بل هو مظنون (إلي النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ - قال: لعن المحل) من باب الإفعال، وفي نسخة من التفعيل (والمحلل له).\nقال الشوكاني (١): والأحاديث المذكورة تدل على تحريم التحليل؛ لأن اللعن إنما يكون على ذنب كبير؛ قال الحافظ في \"التلخيص\": استدلوا بهذا الحديث على بطلان النكاح، إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها بانت منه، أو شرط أنه يطلقها، أو نحو ذلك، وحملوا الحديث على ذلك، ولا شك أن إطلاقه يشمل هذه الصورة وغيرها.\nوقال ابن حزم: ليس الحديث على عمومه في كل محلل، إذ لو كان كذلك لدخل فيه كل واهب وبائع ومزوج، فصح أنه أراد به بعض المحللين، وهو من أحل حرامًا لغيره بلا حجة؛ فتعين أن يكون ذلك فيمن شرط ذلك؛ لأنهم لم يختلفوا في أن الزوج إذا لم ينو تحليلها للأول ونوت هي، أنها لا تدخل في اللعن، فدل على أن المعتبر الشرط، انتهى.\nومن المجوِّزين للتحليل بلا شرط أبو ثور وبعض الحنفية والمؤيد بالله والهادوية، وحملوا أحاديث التحريم على ما إذا وقع الشرط أنه نكاح تحليل، قالوا: وقد روى عبد الرزاق أن امرأة أرسلت إلى رجل فزوجته نفسها، ليحلها لزوجها، فأمره عمر بن الخطاب أن يقيم معها ولا يطلقها، وأوعده\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢١٨، ٢١٩).","vol":"7","page":643},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأن يعاقبه إن طلقها، فصحَّحَ نكاحه ولم يأمره باستئنافه، وروى عبد الرزاق أيضًا عن عروة بن الزبير أنه كان لا يرى بأسًا بالتحليل إذا لم يعلم أحد الزوجين.\nقال ابن حزم: وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد، قال ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" (١): وصح عن عطاء في من نكح امرأة محللًا، ثم رغب فيها فأمسكها قال: لا بأس بذلك. وقال الشعبي: لا بأس بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج. وقال الليث بن سعد: إن تزوجها ثم فارقها فترجع إلى زوجها. وقال الشافعي وأبو ثور: المحلل الذي يفسد نكاحه هو من تزوجها ليحلها، ثم يطلقها، فأما من لم يشترط ذلك في عقد النكاح، فعقده صحيح، لا داخلة فيه، سواء شرط عليه ذلك قبل العقد أو لم يشرط، نوى ذلك أو لم ينوه.\nقال أبو ثور: وهو مأجور، وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل هذا سواء، وروى أيضًا عن محمد وأبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه إذا نوى الثاني والمرأة التحليل للأول لم تحل له بذلك. وروى الحسن بن زياد عن زفر وأبي حنيفة: أنه إن شرط عليه في نفس العقد أنه إنما تزوجها ليحلها للأول، فإنه نكاح صحيح، ويبطل الشرط، وله أن يقيم معها، فهذه ثلاث روايات عن أبي حنيفة.\nقالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢)، وهذا زوج قد عقد بمهر وولي، ورضاها وخلوها عن المانع الشرعي، وهو راغب في ردها إلى زوجها الأول، فيدخل في حديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا، إلَّا نكاح رغبةٍ\"، وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والنبي - ﷺ - إنما شرط في عودها إلى الأول مجرد ذوق العُسَيْلة بينهما، فالعُسَيْلة حلت له بالنص.\n_________\n(١) (٣/ ١٩٥).\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٠.","vol":"7","page":644},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما لعنه - ﷺ - للمحلل فلا ريب أنه لم يرد كل محلِّل، ومحلَّل له، فإن الولي محلل لما كان حرامًا قبل العقد، والحاكم المزوج محلل لهذا الاعتبار، والبائع أمته محلل للمشتري وطأها؛ ووجدنا كل من تزوج مطلقة ثلاثًا فإنه محلل، ولو لم يشترط التحليل، أو لم ينوه، فإن الحل حصل بوطئه وعقده، ومعلوم قطعًا أنه لم يدخل في النص، وإنما أراد به من أحل الحرام بفعله أو عقده بلا حجة، وكل مسلم لا يشك في أنه أهل للعنه. ومن قصد الإحسان إلى أخيه المسلم، ورغب في جمع شمله بزوجته، وَلَمِّ شعثه وشعث أولاده وعياله فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل فضلًا أن يلحقهم لعنة رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nقلت: ثم اعترض الشوكاني بعد نقل العبارة على هذا، ولا يخفى عليك أن هذا كله بمعزل عن الصواب، بل هو من المجادلة بالباطل البحت، ودفعه لا يخفى على عارف.\nقلت: ولم يذكر وجه الدفع وأحاله على عارفه، ولو ذكر لرد عليه.\nوقال القاري (١) في شرحه على \"المشكاة\": واعلم أنه استدل بهذا الحديث في الفروع على كراهة اشتراط التحليل بالقول، فقالوا: إذا تزوجها بشرط التحليل بأن يقول: تزوجتك على أن أحلك له، أو تقول هي، فمكروه كراهةَ تحريم، وقالوا: ولو نويا اشتراط التحليل ولم يقولاه يكون الرجل مأجورًا فلم يستوجب اللعن، على أن بعضهم قالوا: إنه مأجور، وإن شرطاه بالقول لقصد الإصلاح يؤول اللعن بما إذا شرط الأجر على ذلك.\nقال في \"الهداية\": والمحلل الشارط هو محمل الحديث؛ لأن عمومه وهو المحلل مطلقًا غير مراد إجماعًا، وإلا شمل المتزوج تزويج رغبة.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٤٣).","vol":"7","page":645},{"text":"٢٠٧٧ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: فَرَأَيْنَا (١) أَنَّهُ عَلِىٌّ - عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>(١٦) بَابٌ: في نِكَاحِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ</span>\n٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَذَا لَفْظُ إِسْنَادِهِ، وَكَلَامُهُ عن وَكِيعٍ، نَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ،\n===\nقال ابن الهمام (٢): وعلى المختار للفتوى، لو زوجت المطلقة ثلاثًا نفسها بغير كفؤ، ودخل بها لا تحل للأول، قالوا: ينبغي أن تحفظ هذه المسألة، فإن المحلل في الغالب أن يكون بغير كفؤ، وأما لو باشر الولي عقد المحلل فإنهما تحل للأول.\n٢٠٧٧ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) بن عبد الله الطحان، (عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي، (عن عامر) الشعبي، (عن الحارث الأعور، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، قال) أي الشعبي أو أحد رواة السند: (فرأينا) أي ظننا (أنه) أي رجل من أصحاب النبي - ﷺ - (علي) وذلك لأن أكثر روايات الحارث إنما هي عن علي (عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، والحديث ضعيف؛ لأنه من رواية الحارث الأعور، وهو كَذَّاب.\n\n(١٦) (بابٌ: فِى نِكَاحِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ)\nوفي النسخة المصرية: بغير إذن سيده\n٢٠٧٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة، وهذا لفظ إسناده، وكلامه) هكذا في النسخة المكتوبة والمجتبائية والقادرية، وفي النسخة المصرية: \"وكلاهما\"، وهذه هي الأوضح، (عن وكيع، نا الحسن بن صالح،\n_________\n(١) في نسخة: \"فرئينا\".\n(٢) \"فتح القدير\" (٤/ ٣٤).","vol":"7","page":646},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ\". [ت ١١١١، حم ٣/ ٣٠١، دي ٢٢٣٣، ق ٧/ ١٢٧، ك ٢/ ١٩٤]\n٢٠٧٩ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، نَا أَبُو قُتَيْبَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،\n===\nعن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر) أي: زانٍ.\nقال الشوكاني (١): قد استدل بحديث جابر من قال: إن نكاح العبد لا يصح إلَّا بإذن سيده، وذلك للحكم عليه بأنه عاهر، والعاهر: الزاني، والزنا باطل، قال داود: إن نكاح العبد بغير إذن مولاه صحيح؛ لأن النكاح عنده فرض عين، وفروض الأعيان لا تحتاج إلى إذنٍ، وهو قياس في مقابلة النص.\nواختلفوا هل ينفذ بالإجازة من السيد أم لا؟ فذهبت الحنفية (٢) إلى أن عقد العبد بغير إذن مولاه موقوف ينفذ بالإجازة. وقال الشافعي: إنه لا ينفذ بالإجازة، بل هو باطل، والإجازة لا تلحق العقود الباطلة. وقال مالك: إن العقد نافذ وللسيد فسخه.\n٢٠٧٩ - (حدثنا عقبة بن مكرم، نا أبو قتيبة، عن عبد الله بن عمر)، هكذا في النسخة المجتبائية والمكتوبة ونسخة \"العون\"، ولكن كتب في حاشية المجتبائية نسخة: \"عبيد الله بن عمر\"، ثم كتب: كذا في النسختين المصرية والقلمية، وكذا يظهر من \"التقريب\" و\"الخلاصة\".\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣٢).\n(٢) قال القاري: بطل عند الشافعي وأحمد، ولا إذن بعد النكاح، ويصح عندنا ومالك إذا أجاز المولى. (ش). (انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٦/ ٢٩٨).","vol":"7","page":647},{"text":"عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلَاهُ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ». [ق ٧/ ١١٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵁.\n===\nقلت: ولم أجد \"عبيد الله بن عمر\" في النسخة القلمية، ولم يظهر لي من \"التقريب\" و\"الخلاصة\" أنه عبيد الله بن عمر، ولكن في النسخة المصرية \"عبيد الله بن عمر\"، بل كلام الشوكاني (١) يقوي أنه \"عبد الله بن عمر العمري\"، فإنه قال: وأخرجه أيضًا أبو داود من حديث العمري، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: فنكاحه باطل، وتعقبه بالتضعيف وبتصويب وقفه، انتهى.\nوكلاهما أي عبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر عمريان، لكن عبيد الله ثقة ثبت، قُدِّمَ على مالك في نافع، وعلى الزهري في القاسم عن عائشة، وأما عبد الله بن عمر أبو عبد الرحمن العمري فضعيف، كذا في \"التقريب\" وغيره.\n(عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل).\n(قال أبو داود: وهذا الحديث ضعيف) لأن في سنده عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، (وهو موقوف) أي على ابن عمر (٢) (وهو قول ابن عمر - ﵁ -)، وفي نسخة على الحاشية: هذا موقوف على ابن عمر، وليس هو بالصحيح.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣٢).\n(٢) قلت: الصواب رواية من روى عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، كما أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧/ ٢٤٣) رقم (١٢٩٨١)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٦١) من طريق أيوب عن نافع.","vol":"7","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>(١٧) بابٌ: فِى كَرَاهِيَةِ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ</span>\n٢٠٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ علَى خِطْبَةِ أَخِيهِ\". [خ ٥١٤٤، م ١٤١٣، ت ١١٣٤، ن ٣٢٣٩، جه ١٨٦٧، حم ٢/ ٢٣٨، دي ٢١٧٥]\n===\n\n(١٧) (بَابٌ: في كَرَاهِيَةِ انْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أخِيهِ)\nالخِطبة: بالكسر، وهو طلب الرجل من ولي المرأة أن يزوجها منه، وأما بالضم فيطلق على القول والكلام\n٢٠٨٠ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يخطب الرجل) بالجزم على النهي، ويجوز الرفع على أنه نفي، وسياق ذلك بصيغة الجزم أبلغ في المنع، ويؤيد الرفع قوله في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع: ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، بإثبات التحتانية في يبيع (على خِطبة أخيه) أي المسلم.\nقال الجمهور: هذا النهي للتحريم. وقال الخطابي: هذا النهي للتأديب، وليس نهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء، كذا قال. ولا ملازمةَ بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور، بل هو عندهم للتحريم؛ ولا يبطل العقد، بل حكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالإجماع.\nولكن اختلفوا في شروطه؛ فقال الشافعية والحنابلة: محل التحريم ما إذا صرحت المخطوبة أو وليها الذي أذنت له بالإجابة، فلو وقع التصريح بالرد فلا تحرم، ولو لم يعلم الثاني بالحال، فيجوز الهجوم على الخطبة؛ لأن الأصل الإباحة؛ وعند الحنابلة في ذلك روايتان، وإن وقعت الإجابة بالتعريض، كقولها: لا رغبة عنك، فقولان عند الشافعية، الأصح، وهو قول المالكية والحنفية: لا يحرم أيضًا، وإذا لم ترد ولم تقبل فيجوز، والحجة فيه قول فاطمة: خطبني معاوية وأبو جهم فلم ينكر النبي - ﷺ - ذلك عليهما، بل خطبها لأسامة.","vol":"7","page":649},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوحكى الترمذي عن الشافعي أن معنى حديث الباب إذا خطب الرجل المرأة، فرضيت به وركنت إليه، فليس لأحد أن يخطب على خِطبته، فإذا لم يعلم برضاها ولا ركونها فلا بأس أن يخطبها؛ والحجة فيه قصة فاطمة بنت قيس، فإنها لم تخبره برضاها بواحد منهما، ولو أخبرته بذلك لم يشر بغير من اختارت.\nوإذا وجدت شروطُ التحريم ووقع العقد للثاني، فقال الجمهور: يصح مع ارتكاب التحريم. وقال داود: يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وعند المالكية خلاف كالقولين، وقال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده.\nوحجة الجمهور أن المنهي عنه الخطبة، والخطبة ليس شرطًا في صحة النكاح، فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة، واستدل به على أن الخاطب الأول إذا أذن للخاطب الثاني في التزويج، ارتفع التحريم؛ ولا يختص ذلك بالمأذون له بل يتعدى إلى غيره.\nومحل التحريم إذا كانت الخطبة من الأول جائزة؛ فإن كانت ممنوعة كخطبة المعتدة، لم يضر الثاني بعد انقضاء العدة أن يخطبها؛ لأن الأول لم يثبت له بذلك حق.\nوأيضًا محل التحريم إذا كان الخاطب (١) مسلمًا، فلو خطب الذمي ذمية، فأراد المسلم أن يخطبها، جاز له ذلك مطلقًا؛ وهو قول الأوزاعي وابن المنذر وابن جويرية والخطابي، وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك، وأن التعبير بأخيه خرج على الغالب، فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ (٢) وكقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٣) ونحو ذلك.\n_________\n(١) قال الموفق: إن كان الخاطب الأول ذميًا لم تحرم الخطبة، نص عليه أحمد إذ قال: إنما هو للمسلمين، ولو خطب على خطبة يهودي أو نصراني أو استام على سومهم، لم يكن داخلًا في ذلك. (انظر: \"المغني\" ٩/ ٥٧١). (ش).\n(٢) سورة الأنعام: الآية ١٥١.\n(٣) سورة النساء: الآية ٢٣.","vol":"7","page":650},{"text":"٢٠٨١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ\". [خ ٥١٤٢، م ١٤١٢، جه ١٨٦٨، ت ١٢٩٢، ن ٣٢٣٨، حم ٢/ ٢١، دي ٢١٧٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>(١٨) بَابُ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ يُرِيدُ تَزْوِيجَهَا</span>\n٢٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ\n===\nوكذلك حكم تحريم خطبة المرأة على خطبة امرأة أخرى إلحاقًا لحكم النساء بحكم الرجال، وصورته أن ترغب امرأة في رجل، وتدعوه إلى تزويجها فيجيبها، فتجيء امرأة أخرى، فتدعوه وترغبه في نفسها، وتزهده في التي قبلها، ولا يخفى أن محل هذا إذا كان المخطوب عزم أن لا يزوج إلَّا واحدة؛ فأما إذا جمع بينهما فلا تحريم. ملخص من \"الفتح\" (١).\n٢٠٨١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) أي: المسلم (ولا يبيع) بصيغة المضارع، وفي نسخة: \"ولا يبع\" بصيغة النهي، وهو عطف على \"لا يخطب\" فإن كان الأول، فكذلك يكون لا يخطب بصيغة المضارع، وعلى النسخة الثانية لا يخطب أيضًا يكون نهيًا (على بيع أخيه إلَّا بإذنه)، وزاد في نسخة على الحاشية المجتبائية: قال سفيان: لا يبيع على صاحبه يقول: \"عندي خير منه\".\n\n(١٨) (بَابُ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ (٢) وَهُوَ يُرِيدُ تَزْويجَهَا)\nالتزويج بمعنى التزوج، أو تزويجها من نفسها\n٢٠٨٢ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، نا محمد بن\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٩ - ٢٠١).\n(٢) قال ابن عربي في \"الفتوحات المكية\": إن كانت المخطوبة من ذرية الأنصار ولم ينظر إليها قبل العقد فهو عاص، وأما غير الأنصار فلا، والأولى أن ينظر، انتهى. (ش).","vol":"7","page":651},{"text":"إِسْحَاقَ، عن دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عن وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ- يَعْنِي ابْنَ سعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -،\n===\nإسحاق، عن داود بن حصين) الأموي مولاهم، أبو سليمان المدني ثقة، إلا في عكرمة، فإن أحاديثه عنه مناكير، ورُمي برأي الخوارج (عن واقد بن عبد الرحمن - يعني ابن سعد بن معاذ -) الأنصاري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وفرَّق بينه وبين واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، قلت: وروى البزار الحديث الذي أخرجه له أبو داود، وقال: ما أسند واقد بن عبد الرحمن عن جابر إلا هذا الحديث.\nوقال الشوكاني (١): وحديث جابر أخرجه أيضًا الشافعي وعبد الرزاق والبزار والحاكم وصححه. قال الحافظ: ورجاله ثقات، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وأعله ابن القطان بواقد بن عبد الرحمن، وقال: المعروف واقد بن عمرو. ورواية الحاكم فيها واقد بن عمرو، وكذا رواية الشافعي وعبد الرزاق.\nوفي \"التقريب\": واقد بن عبد الرحمن بن سعد مجهول، وقال في \"الميزان\" (٢): واقد بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ، عن جابر في النظر إلى المخطوبة تفرد عنه داود بن الحصين، إلا أن يكون واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ فهو ثقة.\nوفي \"الخلاصة\": واقد بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ الأنصاري عن جابر، وعنه داود بن الحصين، وثقه ابن حبان.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٨٤).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٩٣٣٠).","vol":"7","page":652},{"text":"عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ\"، قَالَ: فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ (١) لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزْوِيجِهَا، فَتَزَوَّجْتُهَا. [حم ٣/ ٣٣٤، ك ٢/ ١٦٥]\n===\n(عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، قال) أي جابر: (فخطبت جارية فكنت أتخبَّأ) أي أختفي (لها) أي للنظر إليها (حتى رأيت منها) أي من وجهها (ما دعاني إلى نكاحها وتزويجها، فتزوجتها).\nقال الشوكاني (٢): وفي أحاديث الباب دليل على أنه لا بأس بنظر الرجل إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها، وإلى ذلك (٣) ذهب جمهور العلماء، وحكى القاضي عياض كراهته، وهو خطأ مخالف للأدلة، وقد وقع الخلاف في الموضع الذي يجوز النظر إليه من المخطوبة، فذهب الأكثر إلى أنه يجوز إلى الوجه والكفين فقط. وقال داود: يجوز النظر إلى جميع البدن. وقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم. وظاهر الأحاديث أنه يجوز له النظر إليها سواء كان ذلك بإذنها أم لا، وروي عن مالك اعتبار الإذن.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"تحت الكرب\"، والكرب: أصول السعف الغلاظ العراض.\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٨٥).\n(٣) قال الشامي: يجوز النظر إلى المخطوبة ولو بشهوة، ثم بسطه وذكر الاختلاف في جواز المس، وقال: الظاهر جواز نظرها إليه بالطريق الأولى. (ش). (انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٦١٠)","vol":"7","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>(١٩) بَابٌ: في الْوَلِيِّ</span>\n٢٠٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حدَّثنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لَا وَلِىَّ لَهُ». [ت ١١٠٢، جه ١٨٧٩، حم ٦/ ٤٧، دي ٢١٨٤، ق ٧/ ١٠٥، ك ٢/ ١٦٨، قط ٣/ ٢٢١]\n===\n\n(١٩) (بابٌ: فِى الْوَلِىِّ)\nقال ابن الهمام (١): الولي هو العاقل البالغ الوارث، فخرج الصبي والمعتوه والعبد والكافر على المسلمة، والولاية في النكاح نوعان: ولاية ندب واستحباب، وهو الولاية على العاقلة البالغة بكرًا كانت أو ثيبًا، وولاية إجبار، وهو الولاية على الصغير بكرًا كانت أو ثيبًا، وكذا الكبيرة المعتوهة والمرقوقة، وقال في \"البدائع\" (٢): الولاية في باب النكاح أربعة: ولاية الملك، وولاية القرابة، وولاية الولاء، وولاية الإمامة.\n٢٠٨٣ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل، ثلاث مرات)، أي كررها ثلاث مرات، قال القاري (٣): هو معارض لحديث: \"الأيم أحق بنفسها من وليها\"، فخص بمن نكحت بغير الكفؤ، وفي \"شرح جمع الجوامع\": حمله الحنفية على الصغيرة والأمة والمكاتبة.\n(فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها) أي استمتع بها، (فإن تشاجروا) أي تنازعوا واختلفوا بينهم كانوا كالمعدومين (فالسلطان ولي من لا ولي له).\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٣/ ٢٤٦).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٩٦).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٩٧).","vol":"7","page":654},{"text":"٢٠٨٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عن جَعْفَرٍ - يَعْنِي ابْنَ رَبِيعَةَ-، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: جَعْفَرٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزُّهْرِيِّ، كَتَبَ إِلَيْهِ.\n٢٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، نَا أَبُو عُبَيْد الْحَدَّادُ، عن يُونُسَ، وَإِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِي مُوسَى، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَليٍّ\". [ت ١١٠١، جه ١٨٨١، حم ٤/ ٣٩٤، دي ٢١٨٢، ق ٧/ ١٠٧، ك ٢/ ١٦٩، قط ٣/ ٢٢٠]\n===\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ - قوله: \"فالسلطان ولي من لا ولي له\"، يعني بذلك أنهم لما تعارضوا تساقطوا، فبقيت المرأة كمن لا ولي لها، والسلطان ولي لمثلها، ثم في الأمر بإعطاء المهر دون العقر والحد دلالة على جواز النكاح من غير ولي، والبطلان في الرواية عدم التمام، وكونه على شرف السقوط، إن كان للولي ضرر في ذلك بتقليل المهر، أو عدم الكفاءة.\nقلت: ولفظ بعض الروايات: فلها المهر بما استحل من فرجها، فلفظ \"الاستحلال\" يدل دلالة صريحة على انعقاد النكاح.\n٢٠٨٤ - (حدثنا القعنبي، نا ابن لهيعة، عن جعفر - يعني ابن ربيعة -، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\n(قال أبو داود: جعفر لم يسمع من الزهري) بل (كتب) أي الزهري (إليه) أي إلى جعفر بن ربيعة.\n٢٠٨٥ - (حدثنا محمد بن قدامة بن أعين، نا أبو عبيدة الحداد، عن يونس، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، أن النبي - ﷺ - قال: لا نكاح إلَّا بولي).","vol":"7","page":655},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nاختلف العلماء في هذه المسألة، فقال الشافعي: لا يصح العقد بدون ولي، وقال أبو حنيفة ﵀: لا يعتبر الولي في البالغة مطلقًا لحديث: \"الثيب- وفي رواية: الأيم- أحق بنفسها من وليها\".\nقال القاري (١): قال ابن الملك: عمل به الشافعيُّ وأحمدُ وقالا: لا ينعقد بعبارة النساء أصلًا، سواء كانت أصيلة أو وكلية، قلت: المراد منه النكاح الذي لا يصح إلا بعقد ولي بالإجماع، كعقد نكاح الصغيرة والمجنونة. وقال السيوطي في \"شرح الترمذي\": حمله الجمهور على نفي الصحة، وأبو حنيفة - ﵀ - على نفي الكمال. وقال زين العرب: قال مالك: إن كانت المرأة دنيئة، جاز أن تزوِّج نفسها، أو توكل من يزوجها، وإن كانت شريفة لا بد من وليها.\nوقال ابن الهمام (٢): حاصل ما في الولي من علمائنا سبع روايات، روايتان عن أبي حنيفة - ﵀ -، إحداهما: تجوز مباشرة العاقلة البالغة عقد نكاحها ونكاح غيرها مطلقًا؛ إلا أنه خلاف المستحب، وهو ظاهر المذهب، ورواية الحسن عنه: إن عقدت مع كفؤ جاز، ومع غيره لا يصح، واختيرت للفتوى.\nثم قال: قال ابن الهمام: الحديث المذكور معارض لقوله ﵊: \"الأيم أحق بنفسها من وليها\"، رواه مسلم (٣) ومالك في \"الموطأ\" وغيرهما. ووجه الاستدلال أنه أثبت لكل منها، ومن الولي حقًا في ضمن قوله: \"أحق\"، ومعلوم أنه ليس للولي سوى مباشرة العقد إذا رضيت، وقد جعلها أحق منه به.\nوبعد هذا إما أن يجريَ بين هذا الحديث، وما رووا حكم المعارضة والترجيح، أو طريق الجمع، فعلى الأول يترجح هذا بقوة السند وعدم\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٩٥، ٢٩٦).\n(٢) \"فتح القدير\" (٣/ ٢٥٥) ط. دار الفكر.\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٤٢١)، \"الموطأ لإمام مالك\" (٢/ ٥٢٤) رقم (١١٣٦).","vol":"7","page":656},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالاختلاف في صحته، بخلاف حديث: \"لا نكاح إلَّا بولي\"، فإنه ضعيف (١) مضطرب في إسناده، وفي وصله وانقطاعه وإرساله، وكذا حديث عائشة - ﵂ -، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وقد أنكره الزهريُّ. قال الطحاويُّ: وذكر ابن جريج أنه سأل عنه ابن شهاب فلم يعرفه.\nوعلى الثاني وهو إعمال طريقة الجمع، بأن يحمل عمومه على الخصوص، وذلك شائع، وهذا يخص حديث أبي موسى بعد جواز كون النفي للكمال والسنَّة، وهو محمل قولها، ويخص حديث عائشة بمن نكحت غير الكفؤ، والمراد بالباطل حقيقته على قول من لم يصحح ما باشرته من غير كفؤ، أو حكمه على قول من يصححه، ويثبت للولي حق الخصومة في فسخه، وكل ذلك شائع في إطلاقات النصوص، ويجب ارتكابه لدفع المعارضة بينهما على أن حديث عائشة يخالف مذهبهم، فإن مفهومه إذا نكحت نفسها بإذن وليها كان صحيحًا وهو خلاف مذهبهم، فثبت مع المنقول الوجه المعنوي، وهو أنها تصرفت في خالص حقها، وهو نفسها، وهي من أهله كالمال، فيجب تصحيحه مع كونه خلاف الأولى، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وقد اختلف العلماء في اشتراط الولي في النكاح، فذهب الجمهور إلى ذلك، وقالوا: لا تزوج المرأةُ نفسها أصلًا، واحتجوا بالأحاديث المذكورة، ومن أقواها هذا السبب المذكور في الآية، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٣) نزلت في معقل بن يسار، قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها\n_________\n(١) تقدم في \"باب الوضوء من مس الذكر\" عن علي بن المديني ثلاث أحاديث لم يصح، \"مس الذكر\"، و\"لا نكاح إلَّا بولي\"، \"وكل مسكر خمر\". (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٧).\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٢.","vol":"7","page":657},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nجاء يخطبها، فقلت له: لا تعود إليك أبدًا، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، وهو أصرح دليلِ على اعتبار الولي، وإلَّا لما كان لعضله معنى؛ ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها؛ ومن كان أمره إليه، لا يقال: إن غيره منعه عنه.\nوذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط الولي أصلًا، ويجوز أن تزوج نفسها ولو بغير إذن وليها، إذا تزوجت كفؤًا، واحتج بالقياس على البيع، فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة، وخص بهذا القياس عمومها، وهو عمل سائغ في الأصول، وهو جواز تخصيص العموم بالقياس. لكن حديث معقل المذكور رفع هذا القياس.\nقلت: لم يحتج الإِمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى- في هذه المسألة بالقياس فقط، كما ظنه الحافظ - ﵀ - وهو عجيب من مثله، بل احتج بكتاب الله تعالى وسنَّة رسوله، والاستدلال، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ (١)، فالآية الشريفة نص على انعقاد النكاح بعبارتها، وانعقادها بلفظ الهبة، فكانت حجةً على المخالف في المسألتين.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢). والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه أضاف النكاح إليها فيقتضي تصوَّر النكاح منها. والثاني أنه جعل نكاح المرأة غاية الحرمة، فيقتضي انتهاء الحرمة عند نكاحها نفسها، وعنده لا تنتهي.\nوقوله ﷿: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٣) أي: يَتَنَاكَحَا، أضاف النكاح إليهما من غير ذكر الولي.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٠.\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٠.","vol":"7","page":658},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقوله ﷿: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١) الآية. والاستدلال به من وجهين، أحدهما: أنه أضاف النكاح إليهن، فيدل على جواز النكاح بعبارتهن من غير شرط الولي. والثاني: أنه نهى الأولياء عن المنع عن نكاحهن أنفسهن من أزواجهن، إذا تراضى الزوجان، والنهي يقتضي تصوير المنهي عنه.\nوأما السنَّة: فما روي عن ابن عباس - ﵄- عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"ليسَ للوليِّ مع الثيِّبِ أمر\" (٢). وهذا قطع ولاية الولي عنها. وروي عنه أيضًا، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"الأيم أحقُّ بنفسِها من وَليها\" (٣). والأيم اسم لامرأة لا زوج لها. وأما الاستدلال فهو أنها لما بلغت عن عقل وحرية، فقد صارت ولية نفسها في النكاح، فلا تبقى موليًا عليها، كالصبيِّ العاقل إذا بلغ.\nوالجامع أن ولايةَ الإنكاح إنما ثَبَتَتْ للأب على الصغيرة بطريق النيابة عنها شرعًا؛ لكون النكاح تصرفًا نافعًا متضمنًا مصلحة الدين والدنيا، وحاجتها إليه حالًا ومآلًا، وكونِها عاجزةً عن إحرازِ ذلك بنفسها، فبالبلوغ عن عقل زال العجزُ حقيقةً، وقدرتْ على التصرف في نفسها حقيقة، فتزول ولايةُ الغير عنها، وتثبت الولاية لها؛ لأن النيابةَ الشرعيةَ إنما تثبت بطريق الضرورة نظرًا، فتزول بزوال الضرورة، مع أن الحرية منافية لثبوت الولاية للحر على الحر، وثبوت الشيء مع المنافي لا يكون إلَّا بطريق الضرورة؛ ولهذا المعنى زالت الولايةُ عن إنكاح الصغير العاقل إذا بلغ، وتثبتُ الولايةُ له، وهذا المعنى موجود في الفرع، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"النِّساءُ شَقائِقُ الرِّجالِ\"؛ ولهذا زالتْ ولايةُ الأب عن التصرف في مالها، وتثبت الولايةُ لها، كذا هذا.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٢.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢١٠٠) والنسائي (٢٣٦٣) وأحمد (١/ ٣٣٤).\n(٣) أخرجه مسلم (١٤٢١) وأبو داود (٢٠٩٨) والترمذي (١١٠٨) والنسائي (٣٢٦٠) وأحمد (١/ ٢١٩) ..","vol":"7","page":659},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوإذا صارت ولي نفسها في النكاح لا تبقى موليًا عليها بالضرورة لما فيه من الاستحالة. وأما الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (١) فالخطاب للأولياء بالإنكاح ليس يدل على أن الولي شرط جواز الإنكاح، بل على وفاق العرف والعادة بين النساء؛ فإن النساء لا يتولِّين النكاح بأنفسهن عادةً، لما فيه من الحاجة إلى الخروج إلى محافل الرجال؛ وفيه نسبتهن إلى الوقاحة، بل الأولياء هم الذين يتولون ذلك عليهن برضاهن؛ فخرج الخطاب بالأمر بالإنكاح مخرج العرف والعادة على الندب والاستحباب، دون الحتم والإيجاب.\nوالدليلُ عليه ما ذكره ﷾ عقيبه، وهو قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾، ثم لم يكن الصلاح شرط الجواز، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٢)، أو تحمل الآية الكريمة على إنكاح الصغار، عملًا بالدلائل كلها، وعلى هذا يحمل قوله - ﷺ -: \"لا يزوج النساء إلَّا الأولياء\" (٣)، أن ذلك على الندب والاستحباب، وكذا قوله - ﷺ -: \"لا نكاح إلا بوليٍّ\"؛ مع ما حكي عن بعض النقلة أن ثلاثة أحاديث لم تصح عن رسول الله - ﷺ -، وعدَّ من جملتها هذا، ولهذا لم يُخَرَّجْ في الصحيحين، على أنا نقول بموجب الأحاديث، لكن لما قلتم: إن هذا إنكاح بغير ولي، بل المرأة ولية نفسها، لما ذكرنا من الدلائل.\nوأما حديث عائشة - ﵂ - فقد قيل: إن مداره على الزهري، فعرض عليه فأنكره، وهذا يوجب ضعفًا في الثبوت، ويحقق الضعف أن راوي الحديث عائشة - ﵂ - ومن مذهبها جوازُ النكاح بغير ولي؛ والدليل عليه ما روي أنها زَوَّجَتْ بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير؛ وإذا كان مذهبها في هذا الباب، فكيف تروي حديثًا لا تعمل به؟ !\n_________\n(١) سورة النور: الآية ٣٢.\n(٢) سورة النور: الآية ٣٣.\n(٣) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٢٥) والبيهقي (٧/ ١٣٣).","vol":"7","page":660},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ: يُونُسُ، عن أَبِي بُرْدَةَ، وَإِسْرَائِيلُ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِي بُرْدَةَ.\n===\nولئن ثبت فنحمله على الأمة؛ لأنه روي في بعض الروايات: \"أيما امرأةٍ نكحتْ بغير إذن مَواليها\"؛ فدل ذكر الموالي على أن المراد من المرأة الأمة، فيكون عملًا بالدلائل أجمع، والله أعلم، ملخص من \"البدائع\" (١).\n(قال أبو داود: وهو) أي سند الحديث هكذا: (يونس، عن أبي بردةَ، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة)، حاصله أن السند الذي سرده، وقال: عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، يوهم بأن يونس وإسرائيل كلاهما يرويان عن أبي إسحاق، وأبو إسحاق يروي عن أبي بردة، فدفع هذا الوهم، بأنه ليس المراد هكذا، بل يونسُ يروي عن أبي بردة بغير واسطة، وإسرائيلُ يروي بواسطة أبي إسحاق، عن أبي بردة؛ فلفظ \"إسرائيل\" مع متعلقه وهو قوله: عن أبي إسحاق، معطوف على يونس، لا لفظ \"إسرائيل\" فقط.\nوفي نسخة على حاشية المجتبائية: \"قال أبو داود: ويونسُ لقيَ أبا بردةَ\"، وقلتُ: هذا الذي قاله أبو داود من أن رواية يونس، عن أبي بردة من غير واسطة أبي إسحاق، مختص برواية أبي عبيدة الحداد عنه؛ وإلَّا فقد قال الترمذي في \"سننه\" (٢): ورواه أسباطُ بن محمد وزيد بن حُباب، عن يونس بن أبي إسحاقَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -. وروى أبو عبيدةَ الحدَّاد، عن يونس بن أبي إسحاقَ، عن أبي بردةَ، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - نحوه، ولم يذكر فيه: أبي إسحاق. وقد رُوي عن يونس بن أبي إسحاقَ، [عن أبي إسحاق]، عن أبي بردةَ، [عن أبي موسى]، عن النبي - ﷺ -، انتهى.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٥١٥ - ٥١٧).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٤٠٨) رقم (١١٠٢).","vol":"7","page":661},{"text":"٢٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عنِ مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن أُمِّ حَبِيبَةَ: \"أَنَّهَا كَانتْ عِنْدَ ابْنِ جَحْشٍ فَهَلَكَ عَنْهَا، وَكَانَ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهِيَ عِنْدَهُمْ\". [ن ٣٣٥٠]\n===\nوقد أخرج الحاكمُ في \"مستدركه\" (١) حديثَ يونس من طريق الحسن ابن قتيبة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، ومن طريق أسباط بن نصر، ثنا يونس بن أبي إسحاق؛ وكذا من طريق قبيصة بن عقبة، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ولم يذكروا أبا إسحاق، ثم قال: قال الحاكم: لستُ أعلم بين أئمة هذا العلم خلافًا على عدالة يونس بن أبي إسحاق، وأن سماعه من أبي بردة مع أبيه صحيح.\n٢٠٨٦ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أم حبيبة: أنها كانت عند ابن جحش) أي عبيد الله بن جحش في نكاحه (فهلك) أي مات ابن جحش (عنها، وكان فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، فزوَّجها النجاشي رسول الله - ﷺ -، وهي عندهم).\nوقصتها أنها خرجت مهاجرة إلى أرض الحَبَشة مع زوجها عبيد الله ابن جحش في الهجرة الثانية، ثم ارتدَّ عن الإِسلام وتنصَّر ومات هناك، وثبتت أم حبيبة على الإِسلام، قالتْ: رأيتُ في المنام، كأن آتيًا يقول: يا أم المؤمنين! ففزعت، فأوَّلتها بأن رسول الله - ﷺ - يتزوجني، فلما انقضتْ عدتي فما شعرت إلَّا برسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا بجاريةٍ له يُقال لها: أبرهة، كانتْ تقوم على ثيابه ودهنه، فدخلت عليَّ، فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله - ﷺ - كتب إلى أن أزوجك منه، قلت: بشَّرك الله بالخير، قالت: يقول الملك: وَكِّلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته.\nوفي \"سيرة اليعمري\": ولي نكاح أم حبيبة عثمان بن عفان، وقيل:\n_________\n(١) \"المستدرك\" (٢/ ١٧١، ١٧٢).","vol":"7","page":662},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nخالد بن سعيد بن العاص، فأعطتْ أبرهة سوارين من فضة، وخدَمتين كانتا في رجليها، وخواتم من فضةٍ في أصابع رجليها، سرورًا بما بشرت به، فلمَّا كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب، ومن كان هناك من المسلمين فحضروا، فخطب النجاشي قال:\nالحمد لله الملكِ القدوسِ السلامِ المؤمنِ المهيمنِ العزيز الجبار، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، أما بعد: فإن رسول الله - ﷺ - كتب إلى أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله - ﷺ -، وقد أصدقتها أربعَ مائة دينار.\nوفي \"روضة الأَحباب\": أربع مائة مثقال من الذهب، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد بن العاص، فقال:\nالحمد لله أحمدُه وأستعينهُ وأستغفرُه، وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، فأما بعد: فقد أجبت إلى ما دعاه إليه رسول الله - ﷺ -، وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك اللهُ لرسوله.\nودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد، فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا، فقال النجاشي: اجلسوا، فإن من سنن الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يوكل طعامٌ على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا، ثم تفرقوا، وذلك سنة سبع من الهجرة.\nقالت أم حبيبة: لَمَّا أتاني المال أرسلت إلى أبرهة التي بشَّرتني، فقلتُ لها: إني كنتُ أعطيتُكِ ما أعطيتكِ، ولا مال بيدي، فهذه خمسون مثقالًا، فخذيها، واستعيني بها، قالت: فأخرجت أبرهة كل ما كنت أعطيتها، فردته علي، وقالت: عزم عليَّ الملك أن لا أرزؤك، وأنا التي أقوم على ثيابه ودهنه، وقد اتبعت دينَ محمد رسول الله، وأسلمت لله، وقد أمر الملك","vol":"7","page":663},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>(٢٠) بَابٌ في الْعَضْلِ</span>\n٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ (١):\n===\nنساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهنَّ من العطر. فلما كان من الغد جاءتني بعداد ورسٍ وعنبرٍ وزبادٍ كثير، فقدمت بكله على النبي - ﷺ -، وكان يراه عَلَيَّ وعندي ولا ينكره.\nوبعث النجاشي أم حبيبة إلى النبي - ﷺ - مع شرحبيل بن حسنة، ولمَّا بلغ أبا سفيان خبر تزوج رسول الله - ﷺ - بأم حبيبة، قال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه، وكان لأم حبيبة حين قدم بها إلى المدينة بضع وثلاثون سنة، ومكثتْ عند النبي - ﷺ - قريبًا من أربع سنين، وتوفيتْ في زمان معاوية سنةَ ثلاثين، أو أربع وأربعين من الهجرة في المدينة على القول الصحيح، وصلَّى عليها مروان بن الحكم. كذا في \"تاريخ الخميس\" (٢).\nومناسبة الحديث بترجمة الباب أن أم حبيبة - ﵂ - زوجتْ نفسها من رسول الله - ﷺ -، ولم يكن هناك لها ولي. ولفظ الحديث: \"فزوَّجها النجاشي\" يدل على أن النجاشي تولى النكاح، وهو ليس بولي لها، فلا يثبت اشتراط الولي في النكاح، أو يقال: إن النجاشي كان سلطانًا، والسلطان ولي من لا ولي له، فعقده عقد الولي، والقول بأن خالد بن سعيد بن العاص تولى أمر النكاح، وهو وليها، فلم يثبت بطريق صحيح.\n\n(٢٠) (بَابٌ: في الْعَضْلِ)\nوهو المنع والشدة، يقال: أعضل لي الأمر، إذا ضاق عليك فيه الحيل، والمراد ها هنا منع الولي موليته من النكاح\n٢٠٨٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني أبو عامر) وفي نسخة: \"أبو عامر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الملك بن عمرو\".\n(٢) (٢/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"7","page":664},{"text":"نَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عن الْحَسَنِ، حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: \"كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ، فَأَتَانِي ابْنُ عَمٍّ لِي،\n===\nعبد الملك بن عمرو\" (نا عباد بن راشد) التميمي مولاهم، البصري البزار ابن أخت داود بن أبي هند، ويقال: ابن خالته، عن أحمد: شيخ ثقة صَدوقٌ صالح، وعنه: عباد بن راشد، أثبت حديثًا من عباد بن ميسرة، وعن ابن معين: حديثه ليس بالقوي، ولكن يكتب، وعنه: صالح، وعنه: ضعيف.\nقال البخاري: روى عنه عبد الرحمن، وتركه يحيى القطان، وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وأنكر على البخاري ذكره في \"الضعفاء\"، وقال: يحول. روى له البخاري مقرونًا بغيره، قلت: وقال العجلي وأبو بكر البزار: ثقة، وقال الساجي: صدوق، وقال فيه أحمد: ثقة، ورفع أمره، وقال ابنُ المديني: لا أعرف حاله، وقال ابنُ عدي: ليس حديثه بالكثير، وهو على الاستقامة.\n(عن الحسن) البصري، (حدثني معقلُ بن يسار، قال: كانتْ لي أختٌ).\nقال الحافظ (١): اسمها جُميل- بالجيم مصغر- بنت يسار؛ وقع في \"تفسير الطبري\" من طريق ابن جريج، وبه جزم ابن ماكولا، وسماها ابن فتحون كذلك، لكن بغير تصغير، وقيل: اسمها ليلى، حكاه السهيلي في \"مبهمات القرآن\"، وتبعه البدريُّ، وقيل: فاطمة، وقع ذلك عند ابن إسحاق، ويحتمل التعدد، بأن يكون لها اسمان، ولقب، أو لقبان واسم.\n(تخطب إلى، فأتاني ابن عم لي)، وفي رواية البخاري: قال: \"زوجت أختًا لي من رجل\". قال الحافظ (٢): قيل: هو أبو البَدَّاح (٣) بن عاصم الأنصاري، هكذا وقع في \"أحكام القرآن\" لإسماعيل القاضي من طريق\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٦).\n(٣) وفي \"الإصابة\" (٤/ ١٨) هذا غير أبي البداح بن عاصم المذكور في \"باب رمي الجمار\". (ش).","vol":"7","page":665},{"text":"فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا لَهُ رَجْعَةٌ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَلَمَّا خُطِبَتْ إِلَىَّ أَتَانِى يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُنْكِحُهَا (١) أَبَدًا. قَالَ: فَفِىَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآيَةَ. قَالَ: فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ\" (٢). [خ ٥١٣٠، ت ٢٩٨١، قط ٣/ ٢٢٤، ق ٧/ ١٠٣، ك ٢/ ١٧٤]\n===\nابن جريج، أخبرني عبد الله بن معقل، أن جُميل بنت يسار أخت معقل، كانت تحت أبي البداح بن عاصم، فطلقها، فانقضت عدَّتُها فخطبها.\nووقع في كتاب \"المجاز\" (٣) للشيخ عز الدين بن عبد السلام: أن اسم زوجها عبد الله بن رواحة، ووقع في رواية عباد (٤) بن راشد، عن الحسن عند البزار والدارقطني: \"فأتاني ابن عم لي فخطبها مع الخُطَّاب\"، وفي هذا نظر؛ لأن معقل بن يسار مزني، [وأبو البداح أنصاري]، فيحتمل أنه ابن عمه لأمه، أو من الرضاعة.\n(فأنكحتها إياه، ثم طلقها طلاقًا له رجعة، ثم تركها) أي لم يرجعها (حتى انقضتْ عدتُها، فلما خطبت إلى) أي: خطبها بعض المسلمين (أتاني) أي ابن عم لي الذي أنكحتها إياه (يخطبها) إلى (فقلت: لا والله لا أنكحها) أي منك (أبدًا)، ولفظ رواية البخاري: \"لا والله لا تعود إليك أبدًا\" (قال) أي معقل بن يسار: (ففيَّ نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (٥)، أي: انقضتْ عدتُهن ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا تمنعوهن ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية، قال: فكفَّرت عن يميني فأنكحتها إياه).\n_________\n(١) في نسخة: \"أنكحتكها\".\n(٢) آخر الجزء الثاني عشر، وأول الجزء الثالث عشر من تجزئة الخطيب.\n(٣) وقع في الأصل: \"الحجاز\" بدل \"المجاز\" وهو تحريف.\n(٤) وفي الأصل: \"عبد الله بن راشد\" وهو تحريف، والصواب: \"عباد بن راشد\" كما في \"الفتح (٩/ ١٨٦).\n(٥) سورة البقرة: الآية ٢٣٢.","vol":"7","page":666},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>(٢١) بَابٌ: إِذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ</span>\n٢٠٨٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّامٌ. (ح): وَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، الْمَعْنَى، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَليَّانِ فَهِيَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَأَيُّمَا رَجُل بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا\". [ت ١١١٠، ن ٤٦٨٢، حم ٥/ ٨، جه ٢١٩١]\n===\nوبهذا الحديث احتج من قال باشتراط الولي في النكاح. قال الحافظ (١): وهي أصرحُ دليلٍ على اعتبار الوليِّ، وإلَّا، لما كان لعضله معنى؛ ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها، لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال: إن غيره منعه عنه.\nواستدلَّ الحنفيةُ بهذه الآية على عدم اشتراط الولي في النكاح؛ وقد تقدم تقريره. وأجاب الإِمام الطحاوي عن استدلالهم بهذه القصة بقوله: وكان ذلك عندنا قد يحتمل ما قالوا، ويحتمل غير ذلك، أن يكون عضل معقل كان تزهيدُه لأخته في المراجعة، فتقفُ عند ذلك، فأمر بترك ذلك.\n\n(٢١) (بابٌ: إِذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ)\nأي إذا أنكح الوليان المستويان في الولاية امرأة برجلين، فما حكمه؟\n٢٠٨٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، ح ونا محمد بن كثير، أنا همام، ح: ونا موسى بن إسماعيل، نا حماد، المعنى)، أي معنى حديث هشام وهمام وحماد واحد، كلهم رووا (عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال: أيَّما امرأةٍ زوجها وليان، فهي للأوَّل منهما) أي للأوَّل من الزوجين، (وأيَّما رجلٍ باع بيعًا من رجلين) أي باع من رجلٍ أولًا، ثم باع من رجل آخر (فهو للأول منهما).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٧).","vol":"7","page":667},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث: هذا حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافًا، إذا زوَّج أحد الوليين قبل الآخر، فنكاح الأول جائز، ونكاح الآخر مفسوخ، وإذا زوَّجا جميعًا، فنكاحهما جميعًا مفسوخ، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، انتهى.\nقلت: وهكذا مذهب الحنفية في هذه المسألة. قال في \"البدائع\" (١): فأما إذا كانا في الدرجة سواء، كالأخوين وعمين ونحو ذلك، فلكل واحد منهما على حياله أن يزوج، رضي الآخر أو سخط، بعد أن كان التزويج من كفءٍ بمهر وافر.\nوقال مالك: ليس لأحد الأولياء ولاية الإنكاح ما لم يجتمعوا، بناءً على أن هذه الولاية ولاية شركة عنده، وعندنا وعند العامة ولاية استبداد.\nوجه قوله أن سبب هذه الولاية هو القرابة، وإنها مشتركةٌ بينهم، فكانت الولايةُ مشتركةً؛ لأن الحكم يثبت على وفق العلة، وصار كولاية المِلك؛ فإنَّ الجاريةَ بين اثنين، إذا زوَّجها أحدُهما لا يجوز من غير رضي الآخر، لِمَا قلنا، كذا هذا.\nولنا أن الولايةَ لا تتجزأ؛ لأنها ثبتتْ بسبب لا يتجزأ، وهو القرابة، وما لا يتجزأ إذا ثبت بجماعة سبب لا يتجزأ، يثبت لكل واحد منهم على الكمال؛ كأنه ليس معه غيره، كولاية الأمان، بخلاف ولاية الملك؛ لأن سبَبها المِلكُ، وأنه متجزأٌ، فيتقدر بقدر الملك.\nفإنْ زوَّجها كل واحد من الوليين رجلًا على حدة، فإنْ وقع العقدان معًا، بطلا جميعًا؛ لأنه لا سبيل إلى الجمع بينهما؛ وليس أحدهما أولى من الآخر؛ وإن وَقَعَا مرتبًا، فإنْ كان لا يُدرى السابقُ، فكذلك لما قلنا؛ ولأنه لو جاز لجاز\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٥٢١).","vol":"7","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>(٢٢) بابٌ: قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾</span>\n٢٠٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا أَسْبَاطُ (١)، نَا الشَّيْبَانِيُّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ عَطَاءٌ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِي\n===\nبالتجزئ، ولا يجوز العمل بالتجزئ في الفروج، وإن عُلِمَ السابق منهما من اللاحق، جاز الأول، ولم يجز الآخر، انتهى.\n\n(٢٢) (بابٌ: قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾)\nقرأها حمزة والكسائي بالضم، والباقون بالفتح، ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا تقهروهن\nوعن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن، يعني الرجل تكون له المرأة، وهي كارهة لصحبته، ولها عليه مهر، فيضرُّها لتَفْتَدِي، وأسند عن السدي والضحاك نحوه، وعن مجاهد أن المخاطَبَ بذلك أولياءُ المرأة، كالعضل المذكور في سورة البقرة، ثم ضعَّف ذلك ورجَّح الأول.\n٢٠٨٩ - (حدثنا أحمد بن منيع، نا أسباط) بن محمد، (نا الشيباني) أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز، (عن عكرمة، عن ابن عباس، قال الشيباني: وذكره) أي تفسير الآية (عطاء أبو الحسن السوائي) بضم المهملة، وتخفيف الواو، ثم ألف، ثم همزة، روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢)، أخرجوا له هذا الحديث مقرونًا بعِكْرمة.\n_________\n(١) في نسخة: \"أسباط بن محمد\".\n(٢) سورة النساء: الآية ١٩.","vol":"7","page":669},{"text":"وَلَا أَظُنُّهُ إلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، قَالَ: \"كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ\n===\nقلت (١): ما وجدتُ له راويًا إلَّا الشيباني، ولم أقفْ فيه على تعديلٍ ولا تجريحٍ، وروايته عندهم، عن ابن عباس غير مجزوم بها فيه، وقرأتُ بخط الذهبي: لا يعرف.\n(ولا أظنُّه) أي التفسير (إلا عن ابن عباس في هذه الآية). حاصله أن للشيباني فيه طريقين: إحداهما: موصولة، وهي عكرمة، عن ابن عباس، والأخرى: مشكوك في وصلها، وهي عطاء أبو الحسن السوائي، عن ابن عباس.\n(﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، قال) ابن عباس: (كان الرجل إذا مات)، وفي رواية السدي تقييده ذلك بالجاهلية، وفي رواية الضحاك تخصيص ذلك بأهل المدينة، وكذلك أورده الطبري من طريق العوفي، عن ابن عباس؛ لكن لا يلزم من كونه في الجاهلية أن لا يكون استمر في أول الإِسلام إلى أن نزلت الآية، فقد جزم الواحدي أن ذلك كان في الجاهلية وفي أول الإِسلام، وساق القصة مطولةً.\nوروى الطبري من طريق ابن جريج، عن عكرمة، أنها نزلتْ في قصةٍ خاصةٍ، قال: نزلتْ في كبشة بنت معن بن عاصم من الأوس، وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت، فتوفي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبيَّ - ﷺ - فقالتْ: يا نبى الله! لا أنا ورثت زوجي، ولا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية. وبإسناد حسن عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنُه أن يتزوج امرأتَه، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية (٢).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢١٩).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧).","vol":"7","page":670},{"text":"كَانَ أَوْليَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ مِنْ وَليِّ نَفْسِهَا: إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ زَوَّجَهَا (١) أَوْ زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ\". [خ ٤٥٧٩، السنن الكبرى للنسائي ١١٠٢٨]\n٢٠٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ،\n===\n(كان أولياؤه) أي أولياءُ الزوج (أحقَّ بامرأته من ولي نفسها)، أي من ولي المرأة. قال الحافظ (٢): في روايةِ أبي معاوية، عن الشيباني، عن عكرمة وحدَه، عن ابن عباس في هذا الحديث تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها.\n(إن شاء بعضهم زوَّجها أو زوَّجوها)، هكذا في النسخة المكتوبة، والنسخ المطبوعة الهندية، وفي النسخة المصرية: \"إن شاء تزوَّجها، أو زوَّجُوها\"، وفي رواية البخاري: \"إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوَّجُوها\"، وفي رواية البخاري: \"إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يُزوَّجُوها\"، فما في البخاري، والنسخة المصرية لأبي داود هو الصحيح، وما في النسخة المكتوبة، والنسخ المطبوعة الهندية فلعله سهو من الكاتب (وإن شاؤوا لم يزوجوها).\nوقد روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كان الرجلُ إذا مات، وترك امرأةً، ألقى عليها حميمه ثوبًا، فمنعها من الناس، فإنْ كانتْ جميلةً، تَزَوَّجها، وإن كانتْ دميمةً، حَبَسَها، حتى تموتَ، ويرثها (فنزلتْ هذه الآية في ذلك) ونهى اللهُ عنه.\n٢٠٩٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين،\n_________\n(١) في نسخة: \"تزوجها\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٤٥ - ٢٤٧).","vol":"7","page":671},{"text":"عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِى قَرَابَةٍ، فَيَعْضُلُهَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ\". [انظر سابقه]\n===\nعن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد) بن أبي سعيد (النحوي) أبو الحسن القرشي مولاهم المروزي، قال أبو بكر بن أبي داود: نحوٌ بطنٌ من الأزد، يقال لهم: بنو نحو، وثقه أبو زرعة، وأبو داود، وابن معين، والنسائي.\n(عن عِكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) وذلك) أي وسبب نزول ذلك الحكم، (إنَّ الرجلُ كان يرث امرأة ذي قرابة فيعضلها) أي يمنعها من التزوج (حتى تموت، أو ترد إليه) أي إلى الرجل (صداقَها) الذي أخذتْه (فأحكم اللهُ تعالى عن ذلك، ونهى عن ذلك) هكذا في النسخ، وفي نسخة على الحاشية: \"أي نهى عن ذلك\".\nوأخرج الطبري (٢) من طريق يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، ولفظه: \"فأحكم عن ذلك\"، يعني أن الله نهاكم عن ذلك، فعلى هذا معنى قوله: أحكم، أي: منع.\nقال في \"المجمع\" (٣): فأحكم الله عن ذلك، أي: منعه، من أحكمته، أي: منعته، فمعنى هذا على ما قال الطبري في \"تفسيره\": يقول: لا يحل لكم أن ترثوا نكاح أقاربكم وآبائكم كرهًا.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١٩.\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٧٧ - ٣٧٨).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٣٤).","vol":"7","page":672},{"text":"٢٠٩١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبُّويَه، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عن عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ مَوْلَى عُمَرَ، عن الضَّحَّاكِ بمَعْنَاهُ، قَالَ: فَوَعَظَ اللَّهُ ذَلِكَ (١).\n===\nفإنْ قال قائل: كيف كانوا يرثونهن؟ وما وجهُ تحريم وراثتهن؟ قيل: إن ذلك ليس من معنى وراثتِهِنَّ، إذا هن مُتْن فتركن مالًا، وإنما ذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات زوجُها، كان ابنُه أو قريبُه أولى بها من غيره، ومنها بنفسها، فإن شاء نكحها، وإن شاء عَضَلَها، فمنعها من غيره ولم يزوجها حتى تموت، فحرَّم اللهُ تعالى ذلك، وحَظَرَ عليهم نكاحَ حلائل آبائهم، ونهاهم عن عضلهِنَّ عن النكاح.\n٢٠٩١ - (حدثنا أحمد بن شبويه، نا عبد الله بن عثمان) بن جَبلة - بفتح الجيم الموحدة - ابن أبي رواد - بفتح الراء، وتشديد الواو- العتكي- بفتح المهملة والمثناة -، أبو عبد الرحمن المروزي الملقب عبدان، ثقة، حافظ، (عن عيسى بن عبيد) بن مالك الكندي أبو المنيب - بضم الميم وكسر النون، بعدها تحتانية ثم موحدة -، وأبوه بغير إضافة، وقد قيل: عبيد الله، صَدوقٌ، وقال في \"تهذيب التهذيب\": ووقع في أكثر الروايات عن أبي داود عيسى بن عبيد الله وهو وهم، والصواب عيسى بن عبيد، كما وقع عند اللؤلؤي.\n(عن عبيد الله مولى عمر) بن مسلم الباهلي، عن الضحاك بن مزاحم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن الضحَّاك بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، (قال: فوعظ اللهُ ذلك) هكذا في النسخ، وفي نسخة على الحاشية: \"بذلك القول والكلام\".\n_________\n(١) في نسخة: \"بذلك\"، وفي نسخة: \"ذاك\". وفي نسخة: \"عن ذلك\".","vol":"7","page":673},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-732>(٢٣) بابٌ: فِى الاِسْتِئْمَارِ</span>\n٢٠٩٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا الْبِكْرُ إلَّا بِإِذْنِهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ». [خ ٥١٣٦، م ١٤١٩، ت ١١٠٧، ن ٣٢٦٥، جه ١٨٧١، حم ٢/ ٢٢٩، دي ٢١٨٦]\n===\n\n(٢٣) (بابٌ: فِى الاِسْتِئْمَارِ)\nأي: طلب الأمر من المرأة في النكاح\n٢٠٩٢ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا أبان) بن يزيد، (نا يحيى) ابن أبي كثير، (عن أبي سلمة، عن أبي هريرة) - ﵁ -، (أن النبي - ﷺ - قال: لا تنكح) بكسر الحاء للنهي، وبرفعها للخبر، وهو أبلغ في المنع (الثيب) وهي التي فارقتْ زوجها بموتٍ، أو طلاقٍ (حتى تُستأمَرَ) أي لا يعقد عليها، حتى يُطلب الأمرُ منها، ويؤخذ من قوله: \"تستأمر\" أنه لا يعقد عليه الولي إلَّا بعد أن تأْمرَ بذلك.\n(ولا البكر إلَّا بإذنها) كذا في هذه الرواية: التفرقة بين البكر والثيب؛ فعُبِّرَ للثيب بالاستئمار، وللبكر بالاستئذان، فيُؤخذ منه فرقٌ بينهما من جهة أن الاستثمار يدل على تأكيد المشاورة، وجُعل الأمرُ إلى المستأمرة. ولهذا يحتاج الوليُّ إلى صريح إذنِها في العقد؛ فإذا صرحتْ بمنعه، امتنع اتفاقًا، والبِكرُ بخلاف ذلك. والإذنُ دائر بين القول والسكوت، بخلاف الأمر، فإنه صريح في القول، وإنما جَعَل السكوتُ إذنًا في حق البكر؛ لأنها قد تستحي أن تفضح.\n(قالوا: يا رسول الله، وما إذنها؟ قال: أن تسكت) (١). قال في \"البدائع\" (٢): ثم إذا اختلف الحكمُ في البكر البالغةِ والثيبِ البالغةِ في الجملة، حتى جُعل\n_________\n(١) قال الحافظ (٩/ ١٩٤): شذَّ بعض أهل الظاهر فقال: لا يجوز إن أعلنت بالرضا وقوفًا على ظاهر قوله: \"إذنها أن تسكت\". (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٥٠٨).","vol":"7","page":674},{"text":"٢٠٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا يَزِيدُ- يَعْنِي ابْنَ زُريع-. (ح): وَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، الْمَعْنَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ عَمْرو، نَا أَبُو سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"تُسْتأمَرُ الْيَتِيمَةُ في نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا، وإن أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا\". [ت ١١٠٩، ن ٣٢٧٠، حم ٢/ ٢٥٩، وانظر سابقه]\n===\nالسكوتُ رضًا من البكر دون الثيب، فلا بد من معرفة البكارة والثيابة في الحكم لا في الحقيقة؛ لأن حقيقة البكارة بقاء العذرية، وحقيقة الثيابة زوال العذرية.\nوأما الحكم غير مبني على ذلك بالإجماع؛ فنقول: لا خلاف في أن كل من زالت عذرتها بوثبة، أو طفرة، أو حيضة، أو طول التعنيس أنها في حكم الأبكار، تزوج كما تزوج الأبكار. ولا خلاف أيضًا أن من زالت عذرتها بوطء يتعلق به ثبوت النسب، وهو الوطء بعقد جائز، أو فاسد، أو شبهة عقد، وجب لها مهرٌ بذلك الوطء، أنها تزوج كما تزوج الثيب. وأما إذا زالت عذرتها بالزنا فإنها تزوج كما تزوج الأبكار في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي تزوج كما تزوج الثيب.\n٢٠٩٣ - (حدثنا أبو كامل، نا يزيد -يعني ابن زريع-، ح: ونا موسى بن إسماعيل، نا حماد، المعنى) أي: معنى حديث يزيد وحماد واحد، (حدثني محمد بن عَمرو، نا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: تُستأْمرُ اليتيمةُ في نفسها) وهي الصغيرةُ التي مات أبوها، والمراد ها هنا البالغة، سماها يتيمةً باعتبار ما كانتْ، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١)، وفائدة التسمية بها مراعاةُ حقِّها، والشفقة عليها؛ فإنَّ اليتم مظنة الرأفة والرحمة، فكأنه - ﷺ - شرط بلوغها، فمعناه: لا تُنكَحُ حتى تبلغَ فتُستأْمر.\n(فإنْ سكتتْ فهو إذنُها، وإن أبتْ فلا جوازَ عليها) أي: جواز النكاح عليها، والمعنى: لا ولاية عليها مع الامتناع.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٢.","vol":"7","page":675},{"text":"وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ يَزِيدَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو. وَرَوَاهُ أَبُو عَمْرو ذَكْوَانُ،\n===\nقال أبو عيسى الترمذي (١): حديث أبي هريرة حديث حسن، واختلف أهل العلم في تزويج اليتيمة، فرأى بعضُ أهل العلم أن اليتيمة إذا زُوِّجتْ، فالنكاح موقوفٌ حتى تبلغَ، فإذا بلغتْ، فلها الخيارُ في إجازة النكاح أو فسخه وهو قولُ بعض التابعين وغيرهم.\nوقال بعضُهم: لا يجوز نكاحُ اليتيمة حتى تبلغَ، ولا يجوزُ الخيار في النكاح، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي وغيرهما من أهل العلم.\nوقال أحمد وإسحاق: إذا بلغت اليتيمةُ تسع سنين، فزُوِّجت، فرضيت، فالنكاح جائزٌ، ولا خيارَ لها إذا أدركتْ، واحتجَّا بحديث عائشة: أن النبي - ﷺ - بني بها وهي بنت تسع سنين، وقد قالتْ عائشة: إذا بلغتِ الجاريةُ تسع سنين فهي امرأة، انتهى.\nقلتُ: ومذهب الحنفية في ذلك، أن اليتيمة إذا زوجها الجدُّ نفذ نكاحُه، ولا خيارَ لها إذا بلغتْ، وأما إذا أنكحها غيرُه ينعقد النكاحُ، ولها الخيارُ بعد البلوغ.\n(والإخبار) أي ألفاظ الحديث (في حديث يزيد) دون حماد.\n(قال أبو داود: وكذلك) أي كما روى يزيدُ بن زريع وحماد (رواه أبو خالد سليمان بن حيان ومعاذ بن معاذ، عن محمد بن عَمرو، ورواه أبو عَمرو ذكوان) المدني مولى عائشة، كانتْ عائشة - ﵂ - قد دبَّرتْه، كان عبدُ الرحمن بن أبي بكر يَؤُمُّ عائشة، فإذا لم يحضر ففتاها ذكوان. قال أبو زرعة: ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٤١٨).","vol":"7","page":676},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (١): يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي (٢) أَنْ تَتَكَلَّمَ! قَالَ: \"سُكَاتُهَا إِقْرَارُهَا\".\n٢٠٩٤ - حَدَّلَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ. زَادَ فِيهِ قَالَ: \"فَإِنْ بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ\"، زَادَ: \"بَكَتْ\".\n===\n(عن عائشة: قالت: يا رسول الله! إنَّ البكرَ تستحيي أن تتكلمَ) أي تأذن بالكلام (قال: سكاتُها إقرارُها)، وقد أخرجه البخاري (٣) موصولًا، وكذلك مسلم.\nقال الحافظ (٤): واختلفوا فيما إذا لم تتكلم، بل ظهرتْ منها قرينةُ السخط، أو الرضا بالتبسم مثلًا، أو البكاء؛ فعند المالكية إن نفرتْ، أو بكتْ، أو قامتْ، أو ظهر منها ما يدل على الكراهة لم تزوج. وعند الشافعية لا أثرَ لشيءٍ من ذلك في المنع، إلَّا إن قرنتْ مع البكاءِ الصياح أو نحوه.\nوفرق بعضُهم بين الدمع، فإنْ كان حارًّا دل على المنع، وإن كان باردًا دلَّ على الرضا، وخصَّ بعضُ الشافعية الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجدِّ دون غيرهما؛ والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع الأولياء.\n٢٠٩٤ - (حدثنا محمدُ بن العلاء، نا ابنُ إدريس) عبد الله، (عن محمد بن عَمرو بهذا الحديث) المتقدم (بإسناده) أي بإسناد محمد بن عمرو (زاد) ابن إدريس (فيه قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فإنْ بكتْ أو سكتتْ، زاد) ابن إدريس لفظ: (بكتْ).\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) في نسخة: \"تستحي\".\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٦٩٤٦)، \"صحيح مسلم\" (١٤٢٠).\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٣).","vol":"7","page":677},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ \"بَكَتْ\" بِمَحْفُوظٍ، وَهُوَ وَهْمٌ في الْحَدِيثِ. الْوَهْمُ مِنْ ابْنِ إِدْرِيسَ.\n٢٠٩٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عن سُفْيَانَ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"آمِرُوا النِّسَاءَ في بَنَاتِهِنَّ\". [حم ٢/ ٣٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>(٢٤) بَابٌ: في الْبِكْرِ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا وَلَا يَسْتَأمِرُهَا</span>\n٢٠٩٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهَيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -\" [جه ١٨٧٥، حم ١/ ٢٣٧، ق ٧/ ٢٠٠، ن ٥٣٨٧ - ٥٣٨٩]\n===\n(قال أبو داود: وليس) لفظ (بكتْ بمحفوظ، وهو وهم في الحديث، الوهم من ابن إدريس) وفي نسخة على الحاشية: \"أو من محمد بن العلاء أو من دونه\".\n٢٠٩٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، حدثني الثقة) وهو مجهولٌ لم أقِفْ مَنْ هو، (عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: آمِرُوا) أي: شاوِرُوا (النساء في بناتهنَّ) أي في أمر تزويجهنَّ وغيرها؛ لأن الأمهات أعلم بحالهن من الآباء.\n\n(٢٤) (بَابٌ: في الْبِكْرِ يُزَوِّجُهَا أَبُوها ولا يَسْتَأمِرُهَا)، أي: بغير إذنها\n٢٠٩٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا حسين بن محمد) بن بهرام، (نا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عِكرمة، عن ابن عباس: أن جارية بكرًا) أي بالغةً (أتتِ النبيَّ - ﷺ -، فذكرتْ أن أباها زوَّجها وهيَ كارهة، فخيرها النبيُّ - ﷺ -). وفي الحديث دليل على أن الوليَّ لا إجبارَ له على البالغة ولو كانت بكرًا، وبه قال أبو حنيفة ﵀، وخالفه الشافعيُّ وأحمد، ولأصحابنا هذا الحديث.","vol":"7","page":678},{"text":"٢٠٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيثِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّاسُ مُرْسَلًا مَعْرُوفٌ (١).\n===\n٢٠٩٧ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - بهذا الحديث. قال أبو داود: لم يذكر) حماد بن زيد (ابن عباس، وهكذا) أي كما رواه حمادُ بن زيد مرسلًا (رواه الناسُ مرسلًا معروف) (٢).\nقال الزيلعي (٣) في \"نصب الراية\": قال أصحابُنا: ليس للوليِّ إجبارُ البكر البالغة على النكاح، وخالفهم الشافعيُّ وأحمد.\nلأصحابنا هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود، والنسائي، وابنُ ماجه، وأحمد في \"مسنده\" عن حسين، ثنا جرير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن جارية بكرًا، الحديث، وحسين بن محمد المروزي أحد الثقات، المخرج لهم في \"الصحيحين\".\nورواه البيهقي وقال: أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني، والمحفوظ عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وقد رواه أبو داود، عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا.\nوقد رواه ابن ماجه من حديث زيد بن حبان عن أيوب موصولًا، وزيد مختلفٌ في توثيقه. قال ابن أبي حاتم في \"علله\": سألت أبي عن حديث\n_________\n(١) في نسخة: \"معروفًا\".\n(٢) تابع حمادًا على إرساله معمر وابن جريج، أخرج روايتهما عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ١٤٧) رقم (١٠٣٠٥) و(١٠٣٠٦). وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن المهاجر، عن عكرمة مرسلًا، أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١/ ١٥٩) رقم (٥٧٧)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٣٤).\n(٣) \"نصب الراية\" (٣/ ١٩٠، ١٩١).","vol":"7","page":679},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحسين، فقال: هو خطأ، إنما هو كما روى الثقات حماد بن زيد، أو ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبيِّ - ﷺ - مرسل، وهو الصحيح، فقلتُ له: الوهمُ ممن؟ فقال: ينبغي أن يكون من حسين، فإنه لم يروه عن جرير بن حازم غيره، انتهى.\nوقال في \"التنقيح\": قال الخطيب البغدادي: قد رواه سليمان بن حرب، عن جرير بن حازم أيضًا، كما رواه حسين، فبرأت عهدته، وزالت تبعته، ثم رواه بإسناده، قال: ورواه أيوب بن سويد هكذا عن الثوري، عن أيوب موصولًا، وكذلك رواه معمر بن سليمان، عن زيد بن حبان، عن أيوب، انتهى.\nقال ابن القطان في كتابه: حديث ابن عباس هذا حديث صحيح، قال: وليستْ هذه خنساء بنت خدام التي زوجها أبوها، وهي ثيبٌ فكرهتْه، فردَّ ﵇ نكاحَه، رواه البخاري، فإن تلك ثيب، وهذه بكر، وهما ثنتان، والدليل على أنهما ثنتان ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - ردَّ نكاح بكر وثيب، أنكَحَهما أبوهما، وهما كارهتان، انتهى.\nقلت: أخرج النسائي في \"سننه\" حديث خنساء، وفيه أنها كانتْ بكرًا، رواه عن عبد الله بن يزيد، عن خنساء قالت: أنكحَني أبي وأنا كارهة، وأنا بكر، فشكوتُ ذلك للنبيِّ - ﷺ - فقال: لا تنكحها وهي كارهة. قال عبد الحق في \"أحكامه\": وقع في كتاب النسائي أنها كانت بكرًا، والصحيح أنها كانت ثيبًا، كما رواه البخاري، انتهى.\nقال في \"الجوهر النقي\" (١): ثم ذكر البيهقي رده ﵇ نكاح بكر، زوَّجها أبوها، فأبت، من حديث جرير عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، ثم قال: أخطأ فيه جرير، والمحفوظ عن عكرمة مرسلًا.\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى مع الجوهر النقي\" (٧/ ١١٧).","vol":"7","page":680},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>(٢٥) بابٌ: فِى الثَّيِّبِ</span>\n٢٠٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَا: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «الأَيِّمُ\n===\nقلت: جرير بن حازم ثقةٌ جليلٌ، وقد زاد الرفع، فلا يضره إرسال من أرسله، كيف وقد تابعه الثوري، وزيد بن حبان، فروياه عن أيوب كذلك مرفوعًا؟ ! كذا قال الدارقطني وابن القطان، وأخرج رواية زيد كذلك النسائي وابن ماجه في \"سننهما\" من حديث معمر بن سليمان، عن زيد، عن أيوب.\nوالروايةُ التي ذكرها البيهقي بعد هذا تشهد لهذه الرواية بالصحة، وهي أن البيهقي قال: وروي من وجه آخر عن عكرمة موصولًا، وهو أيضًا خطأ، ثم ذكره، وفي سنده الذماري، فحكى عن الدارقطني أنه ليس بقوي، وأنه وهم فيه، والصواب مرسلٌ. قلت: هذه كما تقدم زيادة من الذماري، وهو أخرج له الحاكم في \"المستدرك\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر صاحب \"الكمال\" عن عمر بن علي الصوفي أنه ثقةٌ.\n\n(٢٥) (بابٌ: فِى الثَّيِّبِ)، أي البالغة\n٢٠٩٨ - (حدثنا أحمد بن يونس وعبد الله بن مسلمة قالا: نا مالك، عن عبد الله بن الفضل) بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم المدني، عن أحمد: لا بأس به، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وابن البرقي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ -: الأيِّم). قال الحافظ (١): وظاهر الحديث أن الأيَّم هي الثيِّب التي فارقتْ زوجها بموتٍ، أو طلاقٍ لمقابلتها\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٢).","vol":"7","page":681},{"text":"أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِى نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»،\n===\nبالبكر، وهذا هو الأصل في الأيِّم وقد تطلق على من لا زوجَ لها أصلًا، ونقله عياض عن إبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي وغيرهما أنه يطلق على كل من لا زوجَ لها، صغيرة كانت أو كبيرة. وحكى الماوردي القولين لأهل اللغة.\nقلت: قال في \"القاموس\": الأيِّمُ ككيِّس: من لا زوجَ لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، ومن لا امرأة له، جَمْعُ الأَوَّل أيايِمُ، وأيامَى، انتهى. ولم يذكر المعنى الثاني.\n(أحق بنفسها من (١) وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صُماتها)، استدل الإِمام الشافعي - ﵀ - بهذا الحديث، ووجه الاستدلال أنه قسم النساء قسمين: ثيبًا وأبكارًا، ثم خص الثيِّب بأنها أحق من وليها، مع أنها هي والبكر اجتمعا في ذهنه، فلو أنها كالثيب في ترجح حقها على حق الولي لم يكنْ لإفراد الثيِّب معنى، وصار بهذا كقوله: في سائمة الغنم زكاة.\nفإن قالوا: قد رواه مسلم أيضًا بلفظ: \"الأيِّمُ أحق بنفسها\"، والأيِّم: هي التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا.\nقلنا: المراد بالأيِّمِ أيضًا الثيبُ؛ لأنه لما ذكر البكر علم أنه أراد الثيب، إذ ليس قسم ثالث، والجواب عنه أن المفهومَ ليس بحجةٍ عندنا، ولو سلم فلا يعارض المفهوم المنطوق، ولو سلم فنفس نظم باقي الحديث يخالف المفهوم، وهو قوله - ﷺ -: \"والبكر تُستأمر في نفسها\"، إذ وجوب الاستئمار على ما يفيده لفظ الخبر منافٍ للإجبار، لأنه طلب الأمر أو الإذن، وفائدته الظاهرة ليست إلَّا ليعلم رضاها أو عدمه، فيعمل على وفقه، هذا هو الظاهر من طلب الاستئذان، فيجب البقاء معه، وتقديمه على المفهوم لو عارضه.\n_________\n(١) فمعنى الحديث عندهم كما فسر به الترمذي أن الولي إذا أنكحها بدون الاستئذان فنكاحها مفسوخ. وليس المعنى أن لها أن تنكح نفسها كما قال الأحناف. (ش).","vol":"7","page":682},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحاصل من اللفظ إثباتُ الأحقية للثيِّب بنفسها مطلقًا، ثم أثبت مثله للبكر، حيث أثبت حق أن تستأمر، وغايةُ الأمرِ أنه نصَّ على أحقيَّةِ كل من الثيب والبكر بلفظ يخصها، كأنه قال: الثيِّب أحقُّ بنفسها والبكرُ أحق بنفسها أيضًا، غير أنه أفاد أحقية البكر بإخراجه في ضمن إثبات حق الاستئمار لها.\nوسببه أن البكر لا تخطب إلى نفسها عادة، بل إلى وليها، بخلاف الثيب، فلما كان الحال أنها أحق بنفسها، وخطبتها تقع للولي، صرح بإيجاب استئماره إياها، فلا يفتاتُ عليها بتزويجها قبل أن يظهرَ رضاها بالخاطب، والأيِّمُ من لا زوجَ لها، بكرًا كان أو ثيبًا، فإنها صريحة في إثبات الأحقية للبكر، ثم تخصيصها بالاستئذان، وذلك لما قلنا من السبب، وبه تتفق الروايتان، بخلاف ما مشوا عليه، فإنه إثبات المعارضة بينهما، وتخصيص المنطوق، وهو الأيِّم لإعمال المفهوم مع أن باقي رواية الثيب ظاهرة في خلاف المفهوم على ما قررناه، فلا يجوز العدولُ عما ذهبنا إليه في تقرير الحديث. قاله ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١).\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وظاهر أحاديث البابِ أن البكرَ البالغةَ إذا زوِّجتْ بغير إذنها، لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي، والثوري، والعترة، والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم. وذهب مالك، والشافعي، والليث، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان، ويرد عليهم ما في أحاديث الباب من قوله: \"والبكرُ يستأمرها أبوها\"، ويرد عليهم أيضًا حديث عبد الله بن بريدة الذي سيأتي في \"باب ما جاء في الكفاءة\".\nوأما ما احتجوا به من مفهوم قوله - ﷺ -: \"الثيِّب أحقُ بنفسها من وليها\"،\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٣/ ٢٥٤).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٩٩).","vol":"7","page":683},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفدل على أن ولي البكر أحق بها منها، فيجاب عنه بأن المفهومَ لا ينتهض للتمسك به في مقابلة المنطوق. وقد أجابوا عن دليل أهل القول الأول بما قاله الشافعي من أن المؤامرة قد تكون على استطابة النفس، ويؤيده حديث ابن عمر بلفظ: \"وآمِرُوا النِّساء في بناتهنَّ\"، قال: ولا خلاف أنه ليس للأم أمر، لكنه على معنى استطابة النفس.\nوقال في \"الجوهر النقي\" (١): حكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: لو كان النكاح لا يجوز على البكر إلَّا بأمرها لم يجز أن تزوج حتى يكون لها أمر في نفسها.\nقلت: قوله - ﷺ -: \"ولا تُنكح البكرُ حتى تستأذن\" دليلٌ على أن البكرَ البالغَ لا يجبرها أبوها ولا غيره. قال شارح \"العمدة\": وهو مذهب أبي حنيفة، وتمسكه بالحديث قوي؛ لأنه أقرب إلى العموم في لفظ البكر، وربما يُزاد على ذلك بأن يقال: الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا إذنَ للصغيرة، فلا يكون داخلةً تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ، فيكون أقرب إلى التناول.\nوقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ولا تُنكح البكر حتى تستأذنَ\"، وهو قول عام. فكل من عقد على خلاف ما شرع رسول الله - ﷺ - فهو باطل؛ لأنه حجة على الخلق، وليس لأحدٍ أن يستثني، إلَّا سنَّة مثلها، فلما ثبت أن أبا بكر الصديق - ﵁ - زوَّج عائشة - ﵂ - من النبيِّ - ﷺ -، وهيَ صغيرة، لا أمر لها في نفسها، كان ذلك مستثنى منه، انتهى.\nوقوله ﵇ في حديث ابن عباس: \"والبكرُ يستأذنُها أبوها\"، صريح في أن الأبَ لا يجبر البكرَ البالغَ، ويدل عليه أيضًا حديث جرير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فترك الشافعي منطوق هذه الأدلة، واستدل بمفهوم حديث: \"الثيب أحق بنفسها\"، وقال: هذا يدل على أن البكرَ بخلافها.\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى مع الجوهر النقي\" (٧/ ١١٤).","vol":"7","page":684},{"text":"وَهَذَا لَفْظُ الْقَعْنَبِىِّ. [م ١٤٢١، ت ١١٠٨، جه ١٨٧٠، ن ٣٢٦٠، حم ١/ ٢١٩]\n٢٠٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا». [ن ٣٢٦٤، وانظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُوهَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ.\n===\nوقال ابن رشد (١): العموم أولى من المفهوم بلا خلاف، لا سيما وفي حديث مسلم \"البكر يستأمرها أبوها\"، وهو نص في موضع الخلاف.\nوقال ابن حزم: ما نعلم لمن أجاز على البكر البالغة إنكاح أبيها لها بغير أمرها متعلقًا أصلًا، وذهب ابن جرير أيضًا إلى أن البكر البالغة لا تجبر، وأجاب عن حديث: \"الأيِّم أحقُّ بنفسها\"، بأن الأيِّمَ من لا زوجَ له، رجلًا أو امرأة، بكرًا أو ثيبًا، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وكرَّر ذكرَ البكرِ بقوله: \"والبكر تستأذن\" للفرق بين الإذنين، إذن الثيب، وإذن البكر. ومن أوَّل الأيم بالثيب أخطأ في تأويله. وخالف سلف الأمة وخلفها في إجازتهم لوالد الصغيرة تزويجها، بكرًا كانت أو ثيبًا، من غير خلاف.\n(وهذا) أي لفظ هذا الحديث (لفظ القعنبي) دون أحمد بن يونس.\n٢٠٩٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل بإسناده) أي بإسناد حديث عبد الله بن الفضل (ومعناه، قال) زياد بن سعد بلفظ: (الثِّيبُ أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأمرها أبوها. قال أبو داود: أبوها) أي لفظ أبوها في الحديث (ليس بمحفوظٍ)، وفي النسخة على الحاشية: \"هذا من سفيان\".\n_________\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٥).","vol":"7","page":685},{"text":"٢١٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَيْسَ لِلْوَلِىِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ، وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا». [ن ٣٢٦٣، حم ١/ ٣٣٤، ق ٧/ ١٦٨]\n===\nقال الحافظ (١): وقال البيهقي: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة. قال الشافعي: زادها ابن عيينة في حديثه، وكان ابن عمر والقاسم و(٢) سالم يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن، قال البيهقي: والمحفوظ في حديث ابن عباس: \"البكر تستأمر\"، رواه صالح بن كيسان بلفظ \"واليتيمةُ تُستأمر\"، وكذلك رواه أبو بردةَ، عن أبي موسى، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فدل على أن المراد بالبكر اليتيمة، قلت: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، انتهى.\n٢١٠٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: ليس للولي مع الثيب أمرٌ، واليتيمة) البكرُ البالغةُ (تُستأمرُ، وصمتُها إقرارُها) أي: إذنها.\nأخرج الدارقطني (٣) بسنده عن ابن إسحاق، حدثني صالح بن كيسان، عن عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الأيِّم أولى بأمرها، واليتيمةُ تُستأمرُ في نفسها، وإذنُها صُماتُها\"، تابعه سعيد بن سلمة، عن صالح بن كيسان، وخالفهما معمر في إسناده، وأسقط منه رجلًا، وخالفهما أيضًا في متنه، فأتى بلفظ آخر وهم فيه، لأن كل من رواه عن عبد الله بن الفضل، وكل من رواه عن نافع بن جبير مع عبد الله بن الفضل خالفوا معمرًا، واتفاقهم على خلافه دليل على وهمه، والله أعلم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٣).\n(٢) في الأصل: \"والقاسم ابن سالم\"، وهو تحريف.\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٣/ ٢٣٩).","vol":"7","page":686},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم أخرج بسنده حديث سعيد بن سلمة بن أبي الحسام قال: نا صالح ابن كيسان، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت ابن عباس [يقول:] قال رسول الله - ﷺ -: \"الأيِّم أحق بنفسها من وليها\" الحديث.\nثم أخرج حديث معمر عن صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس للولي مع الثيب أمرٌ\" الحديث. ثم قال: كذا رواه معمر عن صالح، والذي قبله أصح في الإسناد والمتن؛ لأن صالحًا لم يسمعه من نافع بن جبير، وإنما سمعه من عبد الله بن الفضل عنه، اتفق على ذلك ابن إسحاق وسعيد بن سلمة، عن صالح، سمعت النيسابوري يقول: الذي عندي أن معمرًا أخطأ فيه، انتهى.\nوقال النسائي: لعل صالح بن كيسان سمعه من عبد الله بن الفضل، كذا رواه من طريق ابن إسحاق عن صالح بن كيسان، قلت: سماع صالح بن كيسان عن نافع بن جبير ليس ببعيد، فإنه رأى ابن عمر وابن الزبير.\nووقع في \"كتاب الزكاة\" من \"صحيح البخاري\": صالح أكبر من الزهري، أدرك ابن عمر. وأما نافع بن جبير فإنه كما قال الواقدي عن ابن أبي الزناد: مات سنة تسع وتسعين، فلا استحالة في لقاء صالح بن كيسان نافعَ بن جبير، فيمكن أنه سمع من عبد الله بن الفضل، ثم سمعه من صالح بن كيسان أيضًا، ولا مضايقة فيه.\nوأما معمر بن راشد، فهو ثقة ثبت فاضلٌ، وكان فقيهًا حافظًا متقنًا. فمخالفة ابن إسحاق وسعيد بن سلمة لا يضرُّه، فإنَّ ابن إسحاق من تعرف حاله، وأما سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، قال النسائي: شيخ ضعيف، وقال أبو حاتم: سألت ابن معين عنه، فلم يعرفه.","vol":"7","page":687},{"text":"٢١٠١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَىْ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّيْنِ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ (١) الأَنْصَارِيَّةِ: \"أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِىَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ،\n===\n٢١٠١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن محمد، (عن عبد الرحمن ومجمع) بضم الميم وفتح الجيم وكسر الميم الثقيلة ثم عين مهملة (ابني يزيد) بن جارية (الأنصاريين) وهو ابن أخي مجمع بن جارية الصحابي، الذي جمع القرآن في عهد النبي - ﷺ -، وأخرج له أصحابُ \"السنن\"، وقد وهم من زعَم أنهما واحد، ومنه قيل: إن لمجمع بن يزيد صحبة، وليس كذلك، وإنما الصحبةُ لعمه مجمع بن جارية.\n(عن خنساء) بمعجمة، ثم نون مهملة وزن حمراء (بنت خدام) بكسر المعجمة وتخفيف المهملة (٢)، قيل: اسم أبيه وديعة، والصحيح أن اسم أبيه خالد، ووديعة اسم جده، (الأنصارية: أن أباها) خدامًا (زوَّجها وهيَ ثيبٌ فكرهتْ ذلك).\nووقع في رواية الثوري قالت: أنكحني أبي، وأنا كارهة، وأنا بكر، والأول (٣) أرجح، فقد ذكر الحديث الإسماعيلي من طريق شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، فقال في روايته: وأنا أريد أن أتزوجَ عم ولدي. وفي رواية\n_________\n(١) في نسخة: \"خذام\"، بخاء معجمة مكسورة فذال معجمة.\n(٢) كذا في \"الفتح\" و\"التقريب\" (٨٥٧٣)، وكذا حكاه في \"المحلى\" عن \"جامع الأصول\"، وبها ضبطه العيني، وصحَّح الكرماني وغيره الذال المعجمة كما في \"المرقاة\"، وقال: كذا في النسخ الصحيحة أي من \"المشكاة\"، وكذا ضبطه بالذال المعجمة الدارقطني في \"المؤتلف والمختلف\" (٢/ ٨٩٧)، وابن ماكولا في \"الإكمال\" (٣/ ١٣٠)، وابن ناصر الدين في \"التوضيح\" (٣/ ١٥٣).\n(٣) وبه جزم ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٦٨٧٥). (ش).","vol":"7","page":688},{"text":"فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَتْ ذَلِكَ (١) فَرَدَّ نِكَاحَهَا\". [خ ٥١٣٨، ن ٣٢٦٨، جه ١٨٧٣]\n===\nعند عبد الرزاق: أن رجلًا من الأنصار تزوَّج خنساء بنت خدام، فقُتل عنها يوم أحد، فأنكحَها أبوها رجلًا، فهذا يدل على أنها كانت ولدت قبل ذلك (٢).\nقلت: لا معارضةَ بينهما، حتى يحتاجَ إلى الترجيح، فيحتمل أن يكون وقع لها هذه القصة مرتين: مرة وقعت لها حال كونها بكرًا، ثم وقعت لها حال كونها ثيبًا، وهذا أهونُ من أن يرد الحديث الصحيح بهذا العذر الواهي مع أن القائل بكونها ثيبًا وهو عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد، والقائلةُ بكونها بكرًا هي خنساء نفسها، فلا يرجح قولهما بمقابلة قولها.\n(فجاءت رسولَ الله - ﷺ - فذكرتْ ذلك) أي له (فردَّ) أي رسولُ الله - ﷺ - (نكاحَها).\nبحمد الله وتوفيقه تمَّ المجلد السابع ويتولوه إن شاء الله المجلد الثامن وأوله: \"باب في الأكفاء\" وصلَّى الله تعالى على خيرنا خلقه سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\". وفي نسخة: \"ذلك له\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٥).","vol":"7","page":689},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء الثَّامن\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"8","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"8","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٨)","vol":"8","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"8","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>(٢٦) بَابٌ في الاكْفَاءِ</span>\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٢٦) (بَابٌ في الاكْفَاءِ) (١)\nجمع كفءٍ بضم أوله، وسكون الفاء بعدها همزة: المثل والنظير، فالكفاءة في الدين لازمة بالإجماع، حتى لا يجوز نكاحُ مسلمة بكافر، وأما في غيره فغير لازمة، واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور. وقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضًا، والعرب كذلك، وليس أحدٌ من العرب كفؤًا لقريش، كما ليس أحد من غير العرب كفؤًا للعرب، وهو وجه للشافعية.\nقال في \"الفتح\" (٢): والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكْفاء بعضهم لبعض. وقال الثوري (٣): إذا نكح المولى العربية\n_________\n(١) في \"إزالة الخفاء\" (٣/ ٤٠٧ - ٤٠٩). في مذهب عمر - ﵁ -: \"لا أبالي أي النساء نكحت وأيهم أنكحت\". وعنه: \"لأمنعن خروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء\"، وعنه: \"أنه نهى أن يتزوج العربي الأمة\". (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٢).\n(٣) يشكل عليه ما في \"الشامي\" (٤/ ٢٠٩): أن مالكًا والثوري والكرخي أنكروا الكفاءة، وزاد في \"البدائع\" (٢/ ٦٢٣) الحسن، وأجاد في الدلائل، وتقدم في \"باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين\" مستدل مالك، ومذهبه أن لا كفاءة إلَّا في الدين، انتهى. وأجمل ابن القيم الكلام عليه (٥/ ١٥٨ - ١٦١)، ومال إلى عدم اعتبارها، انتهى. وحكى القسطلاني عن مالك والشافعي اعتبارها، وتكلم على المسألة. (ش).","vol":"8","page":5},{"text":"٢١٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِياثٍ، نَا حَمَّادٌ، نَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَبَا هِنْدٍ\n===\nيفسخ النكاح، وبه قال أحمد في رواية. وتوسط الشافعي فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حرامًا، فأردّ به النكاح؛ وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رَضَوْا صحَّ، ويكون حقًا لهم تركوه، فلو رَضَوْا إلَّا واحدًا فله فسخُه، قال: ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث.\nقال الخطابي: إن الكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء: الدين، والحرية، والنسب، والصناعة، ومنهم من اعتبر السلامة من العيوب، واعتبر بعضهم اليسار، انتهى. ملخص \"الشوكاني\" (١).\nومذهب الحنفية فيما تُعتبر في الكفاءة، أن الكفاءة تعتبر نسبًا، فقريش أكفاء بعضهم بعضًا، وباقي العرب أكفاء بعضهم بعضًا، وحريةً وإسلامًا، وأبوان فيهما كالآباء، وديانةً ومالًا، وتعتبر للنساء لا للرجال على معنى أنه تعتبر الكفاءة في جانب الرجال للنساء، ولا تعتبر في جانب النساء للرجال؛ لأن النصوص وردتْ بالاعتبار في جانب الرجال خاصة. وكذا المعنى الذي شرعت به الكفاءة يوجب اختصاص اعتبارها بجانبهم؛ لأن المرأةَ هي التي تُستنكح لا الرجل، لأنها هي المستفرَشة، وأما الزوج فهو المستفرِش فلا تلحق الأنفة من قبلها.\n٢١٠٢ - (حدثنا عبد الواحد بن غياث) بكسر المعجمة آخره مثلثة، المربدي البصري أبو بحر الصيرفي. قال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال صالح بن محمد: لا بأس به، وقال الخطيب: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". زاد البغوي: وكان أعور، (نا حماد، نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن أبا هند) الحجام البياضي (٢)، مولى فروة بن عمرو البياضي، اسمه عبد الله، وقيل: يسار، تخلف عن بدر، وشهد ما بعدها من المشاهد\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٠٦).\n(٢) وبياضة بطن من الأنصار. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"8","page":6},{"text":"حَجَمَ النَّبِيَّ -ﷺ - في الْيَافُوخِ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ -: «يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَانْكِحُوا إِلَيْهِ»\n===\n(حجم النبي (١) - ﷺ - في اليافوخ) هو موضع يتحرك من وسط رأس الطفل، من وجع كان به.\n(فقال النبي - ﷺ -: يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند) أي بناتكم (وانكحوا (٢) إليه) أي اخطبوا إليه بناته. وإنما قال رسول الله - ﷺ - ذلك لأن الناسَ يأنفون أن يتناكحوا الموالي، وكان أبو هند من خيار أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقد قال فيه رسولُ الله - ﷺ -: \"من سرَّه أن ينظرَ إلى من صوَّر الله الإيمان في قلبه فلينظرْ إلى أبي هند\" (٣)، فندبهم رسولُ الله - ﷺ - إلى أن يتناكحوا معه باعتبار الكفاءة.\nوكتب مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: \"أنكحوا أبا هند\" يعني أن الحرفة لا تعتبر بها، فيمن لم يضيع نسبه، وكان معروفًا، كما في قبائل العرب، فليس يخرج أحد منهم بتلبس حرفة عن قبيلته، ونسبه المعروف، ولا كذلك في بعض العجم الذين ضيَّعوا أنسابَهم، فإن الحرفةَ (٤) تعتدّ بها فيهم، انتهى.\n_________\n(١) وقد حجمه أبو طيبة أيضًا، ومما ينبغي أن يفتش، أن الأمر بالإنكاح لأبي هند، كما ها هنا أو لأبي طيبة كما حكاه صاحب \"البدائع\" (٢/ ٦٢٣) أو لكليهما معًا. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: استدل بالحديث من قال: إن الكفاءة لا تُعتبر إلَّا في الدين، ويمكن أنه - ﷺ - ندبهم إلى نكاح أهل الصلاح، وإن لم يكونوا أكْفاء في النسب، انتهى.\nوقال الموفق (٩/ ٣٨٩): إن هذا الحديث ضعفه أحمد وأنكره إنكارًا شديدًا. (ش).\n(٣) أخرجه ابن عدي في \"كامله\" (٤/ ٣١٨) رقم الترجمة (١١٥٠)، وانظر: \"كنز العمال\" رقم (٣٣٦٠٠)، وفيه: \"الكتاب\" بدل \"الإيمان\".\n(٤) ويشكل عليه ما في \"العيني\" (١٤/ ٣٣) مفصلًا: أنه كان من الموالي، وبمعناه أخرج السيوطي في \"الدر المنثور\" (٧/ ٥٨٧): أنهم قالوا: يا رسول الله نُزَوِّجُ بناتنا موالينا؟ (ش).","vol":"8","page":7},{"text":"وقَالَ: «إِنْ كَانَ في شَيءٍ مِمَّا تَدَاوَوْنَ بِهِ خَيْرٌ فَالْحِجَامَةُ». [ق ٧/ ١٣٦، ك ٢/ ١٦٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>(٢٧) بَابٌ: في تَزْوِيجِ مَنْ لَمْ يُولَدْ </span>(١)\n٢١٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مِقْسَمٍ الثَّقَفِيُّ - مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ-، حَدَّثَتْنِي سَارَةُ بِنْتُ مِقْسَم أَنَّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ قَالَتْ: \"خَرَجْتُ مَعَ أَبِي في حَجّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -،\n===\n(وقال) رسول الله - ﷺ -: (إن كان في شيء مما تداوون به خير) أي شفاء (فالحجامة).\n\n(٢٧) (بابٌ: في تَزْوِيجِ مَنْ لَمْ يُولَدْ)\nأي: في نكاح امرأة قبل ولادتها\n٢١٠٣ - (حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن المثنى، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا يزيد بن هارون، أنا عبد الله بن يزيد بن مقسم) بن ضبة (الثقفي) مولاهم البصري، أصله من الطائف، روى له أبو داود حديثًا واحدًا عن عمته سارة، عن ميمونة بنت كردم، نقل ابن خلفون في \"الثقات\" توثيقه عن ابن المديني (من أهل الطائف، حدثتني) عمتي (سارة بنت مقسم) الثقفية، روى عنها ابن أخيها عبد الله بن يزيد بن مقسم المعروف بابن ضبة، قال في \"التقريب\": لا تعرف.\n(أنها سمعت ميمونة بنت كردم) على وزن جعفر، ابن سفيان اليسارية، ويقال: الثقفية، قال ابن حبان: لها صحبة، وقال ابن منده: لها رؤية (قالت: خرجت مع أبي) كردم (في حجة رسول الله - ﷺ -، فرأيت رسول الله - ﷺ -) بمكة،\n_________\n(١) في نسخة: \"لم تولد\".","vol":"8","page":8},{"text":"فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ -، فَدَنَا إِلَيْهِ أَبِى وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، مَعَهُ دِرَّةٌ كَدِرَّةِ الْكُتَّابِ، فَسَمِعْتُ الأَعْرَابَ وَالنَّاسَ وَهُمْ يَقُولُونَ: الطَّبْطَبِيَّةَ الطَّبْطَبِيَّةَ الطَّبْطَبِيَّةَ، فَدَنَا إِلَيْهِ أَبِى، فَأَخَذَ بِقَدَمِهِ، فَأَقَرَّ (١) لَهُ،\n===\nكما في رواية \"مسند أحمد\" (فدنا إليه) أي قرب إليه (أبي، وهو) أي رسول الله - ﷺ - (على ناقة له، معه) وفي رواية أحمد في \"مسنده\": \"وبيده\"، أي بيد رسول الله - ﷺ - (دِرَّة) بكسر قال وشدة راء: التي يضرب بها. قال في \"لسان العرب\": وفي \"التهذيب\": الدِرَّة: درة السلطان التي يُضرب بها (كدِرَّة الكُتَّاب) أي معلِّمِي (٢) الصبيان.\n(فسمعت الأعراب والناس وهم يقولون: الطبطبية الطبطبية الطبطبية) بفتح المهملتين، وسكون الموحدة الأولى، وكسر الثانية، وبعدها ياء مشددة، قيل: هي كناية عن الدِّرة، فإنها إذا ضربت بها، حكت صوت طب طب، وهي بالنصب على التحذير، أو حكايته وقع الأقدام، أي الناس يسعون، ولأقدامهم صوت طب طب.\n(فدنا إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (أبي، فأخذ) أي أبي (بقدمه) أي برجل رسول الله - ﷺ - (فأقرَّ لَهُ) نقل في الحاشية عن \"فتح الودود\" وكذا\n_________\n(١) في نسخة: \"فقر\".\n(٢) وفيه أن ضرب المعلمين كان معروفًا بينهم، قيَّده ابن عابدين باليد وبالمنع عن فوق الثلاث؛ لقوله - ﷺ - لمرداس المعلم: \"إياك أن تضرب فوق الثلاث\"، انتهى.\nقلت: ولم أجد ترجمته في \"أسد الغابة\"، نعم ذكرها في \"الإصابة\" (٧٨٩٨)، وذكر له حديثًا آخر، وقال: لم أقف على إسناده، انتهى. وقال الموفق (١٢/ ٥٢٨): وللمعلم ضرب الصبيان للتأديب، قال الأثرم: سئل أحمد عن ذلك، قال: على قدر ذنوبهم ويتوفى بجهده الضرب، وإذا كان صغيرًا لا يعقل فلا يضربه، ومن ضرب الضرب المأذون فيه، لم يضمن ما تلف، وبهذا في الدابة قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد.\nوقال الثوري وأبو حنيفة: يضمن، وكذا قال الشافعي في المعلم يضرب الصبي، لأنه يمكنه تأديبه بغير الضرب، ولنا أنه تلف من فعل مستحق فلم يضمن ... إلخ.\nقلت: يشكل ما في \"مسند أحمد\" (١/ ٢٤٧) من المنع عن إتيان التلميذ. (ش).","vol":"8","page":9},{"text":"وَوَقَفَ عَلَيْهِ، وَاسْتَمَعَ مِنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي حَضَرْتُ جَيْشَ عِثْرَانَ - قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: جَيْشَ غِثْرَانَ - فَقَالَ طَارِقُ بْنُ الْمُرَقَّعِ: مَنْ يُعْطِينِي رُمْحًا بِثَوَابِهِ؟ قُلْتُ (١): وَمَا ثَوَابُهُ؟ قَالَ: أُزَوِّجُهُ أَوَّلَ بِنْتٍ تَكُونُ لِي، فَأَعْطَيْتُهُ\n===\nفي \"العون\" (٢): أي اعترف برسالته، ولكن يخالفه ما في رواية أحمد في \"مسنده\" ولفظه: \"فأقر له رسول الله - ﷺ -\"، فحينئذ معناه: أن رسول الله - ﷺ - لم يمنعه من أخذ القدم، ولم ينزع القدم من يده.\n(ووقف عليه) أي عنده (واستمع) الحديث (منه، فقال) أي أبي: (إني حضرت جيشَ عثران) بمهملة (قال ابن المثنى: جيش غثران) بالمعجمة في الجاهلية (فقال طارق بن المرقع) قال في \"الإصابة\" (٣): له ذكر في حديث ميمونة بنت كردم، أخرجه أبو داود وأحمد. قال أبو نعيم: طارق بن المرقع زعم بعضُ الناس أنه حجازي، له صحبة، ولم يذكر ما يدل على ذلك؛ لأن الذي خطب إليه كردم، لا يعرف له إسلام، وطارق بن المرقع إن كان إسلاميًا، فهو آخر، تابعي، يروي عن صفوان بن أمية، روى عنه عطاء بن أبي رافع، ثم ساق روايته.\nقلت: أشار ابن منده إلى ذلك، لكن جعلهما واحدًا. قلت: بل هما اثنان بلا مرية. فالصحابي كان شيخًا كبيرًا في حجة الوداع. والذي روى عن صفوان معدودٌ في الطبقة الثانية من التابعين، وقصة كردم ظاهرة في أن طارقًا كان معهم في تلك الحجة؛ لأن كلامه يدل على أنه كان يطلب محاكمته إلى النبي - ﷺ -.\n(من يعطيني رمحًا بثوابه؟) أي بعوضه وبدله (قلت: وما ثوابه؟) أي: بدله (قال: أزوجه أول بنت تكون لي، فأعطيته\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"عون المعبود\" (٦/ ٩٣).\n(٣) \"الإصابة\" (٤٢٣١)، وانظر: \"أسد الغابة\" (٢٥٩٨).","vol":"8","page":10},{"text":"رُمْحِي، ثُمَّ غِبْتُ عَنْهُ، حَتَّى عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَهُ جَارِيَةٌ وَبَلَغَتْ، ثُمَّ جِئْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَهْلِى جَهِّزْهُنَّ (١) إِلَىَّ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ حَتَّى أُصْدِقَ (٢) صَدَاقًا جَدِيدًا غَيْرَ الَّذِي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَحَلَفْتُ أن لَا أُصْدِقُ غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: «وَبِقَرْنِ (٣) أَىِّ النِّسَاءِ هِىَ الْيَوْمَ؟»، قَالَ: قَدْ رَأَتِ الْقَتِيرَ، قَالَ: «أَرَى أَنْ تَتْرُكَهَا»، قَالَ: فَرَاعَنِي ذَلِكَ وَنَظَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ -، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنِّي، قَالَ: \"لَا تَأثَمُ وَلَا صَاحِبُكَ يَأثَمُ (٤) \". [حم ٦/ ٣٦٦، ق ١٠/ ٨٣]\n===\nرمحي، ثم غبت عنه، حتى علمت أنه قد ولد له جارية وبلغت، ثم جئته، فقلت له: أهلي جَهِّزْهن إلى، فحلف أن لا يفعل حتى أصدقَ له صداقًا جديدًا) أي أجعل له مهرًا (غير الذي كان بيني وبينه) من إعطاء الرمح، (وحلفت أن لا أصدق) أي: أمهر (غير الذي أعطيته، فقال (٥) رسول الله - ﷺ -: وبقرن) وفي رواية أحمد: \"وبقدر\" (أي النساء هي اليوم؟ قال: قد رأت القتير) أي: الشيب.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أرى أن تتركها) وفي رواية أحمد: \"دعها عنك، لا خير لك فيها\" (قال) كردم: (فراعني) أي: أفزعني (٦) (ذلك) لأجل الحلف (ونظرت إلى رسول الله - ﷺ -، فلما رأى ذلك) أي الفزع (مني، قال: لا تأثم ولا صاحبك يأثم) لأنهما لم يحنثا في حلفهما، فإن كردمًا حلف أن لا يصدق غير الذي كان بينه وبين طارق، فإذا تركت، برَّ في يمينه؛ لأنه لم يتزوجها بمهر جديد، وكذلك طارق لم يحنث في يمينه؛ لأنه لم يزوجها بالمهر السابق. وقوله: \"ولا صاحبك يأثم\" يومئ إلى أن طارقًا كان مسلمًا قد أسلم قبل ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"جهزهم لي\".\n(٢) في نسخة: \"أصدقه\".\n(٣) في نسخة: \"بقدر\".\n(٤) في نسخة: \"ولا يأثم صاحبك\".\n(٥) قال ابن رسلان: أشار ﵇ بذلك إلى علة الترك، فإن الخاطب يتنفر عند الثيب غالبًا. (ش).\n(٦) قال ابن رسلان: أفزعني ذكر كبرها. (ش).","vol":"8","page":11},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْقَتِيرُ: الشَّيْبُ.\n٢١٠٤ - حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ صَالحٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، أَنَّ خَالَتَهُ أَخْبَرَتْهُ، عن امْرَأَةٍ - قَالَتْ (٢): هِيَ مُصَدَّقَةٌ، امْرَأَةُ صِدْقٍ\n===\n(قال أبو داود: والقتير: الشيب) وفي الحديث (٣) دليل على أن التزويج قبل ولادة المرأة لا ينعقد، فإن رسول الله - ﷺ - أمره بتركها، ولم يأمره بطلاقها، فلو انعقد النكاح لكان رسولُ الله - ﷺ - يأمره بطلاقها.\n٢١٠٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن ميسرة) الطائفي نزيل مكة. قال الحميدي عن سفيان: أخبرني إبراهيم بن ميسرة: من لم تر عيناك والله مثله، وعن سفيان: كان من أوثق الناس وأصدقهم، ووثقه أحمد، ويحيى، والعجلي، والنسائي، وابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال البخاري: مات سنة ١٣٢ هـ.\n(أن خالته) أخبرته، قال الحافظ في \"التقريب\": إبراهيم بن ميسرة، عن خالته لم أقف على اسمها. قلت: لعلها سارة بنت مقسم، (أخبرته، عن امرأة) ولعلها هي ميمونة بنت كردم (قالت) وفي نسخة: \"قال\"، فالتأنيث باعتبار أن مرجع الضمير الخالة، وتذكيره باعتبار أن المرجع إبراهيم بن ميسرة (هي مصدقة) أي يصدقها الناس (امرأة صدق) باعتبار إضافة الموصوف إلى الصفة، والمراد به المدح.\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) وبنحو ذلك جزم الخطابي (٣/ ٢٠٨) كما حكاه عنه صاحب \"العون\" (٦/ ٩٤). (ش).","vol":"8","page":12},{"text":"- قَالَتْ: \"بَيْنَا أَبِي في غَزَاةٍ في الْجَاهِليَّةِ إِذْ رَمِضُوا فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ يُعْطِينِي نَعْلَيْهِ، وَأَنْكِحُهُ أَوَّلَ بِنْتٍ تُولَدُ لِي؟ فَخِلَعَ أَبِي نَعْلَيْهِ، فَأَلْقَاهُمَا (١) إِلَيْهِ، فَوُلِدَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَبَلَغَتْ، فَذَكَرَ نحْوَهُ، لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْقَتِيرِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>(٢٨) بَابُ الصَّدَاقِ </span>(٢)\n٢١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ، نَا عَبْدُ الَعَزِيزِ بْنُ\n===\n(قالت: بينا أبي في غزاة في الجاهلية، إذ رمضوا) أي اشتد بهم الحر (فقال رجل) ولعله (٣) هو طارق بن المرقع: (من يعطيني نعليه، وأنكحه أول بنت تولد لي؟ فخلع أبي نعليه، فألقاهما إليه، فوُلدتْ له جارية فبلغت، فذكر)، أي إبراهيم بن ميسرة (نحوَه) أي نحو الحديث المتقدم (لم يذكر قصة القتير) والظاهر أن الحديثين في قصة واحدة، وأما الاختلاف في النعلين والرمح، فيحتمل أنه طلبهما، ويحتمل أنهما قصتان، والله أعلم.\n\n(٢٨) (بَابُ الصَّدَاقِ) (٤)، وهو: المهر\nقال في \"القاموس\": والصَّدُقة: بضم الدال، وكغُرْفَةٍ، وصَدْمةٍ، وبضمتين، وبفتحتين، وككِتَابٍ، وسَحَابٍ: مهرُ المرأة، جمعُ الصَّدُقَةِ كنَدُسة: صَدُقاتٌ، وجمعُ الصُّدْقَة بالضم: صُدْقاتٌ وصُدَقاتٌ وصُدُقات، بضمتين، وهي أقبحها.\n٢١٠٥ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عبد العزيز بن\n_________\n(١) في نسخة: \"بهما\".\n(٢) في نسخة: \"أبواب الصداق\".\n(٣) وبه جزم ابن رسلان. (ش).\n(٤) سمي به لأنه يظهر به صدق ميل الرجل إلى المرأة، كذا في \"المرقاة\" (٦/ ٣٥٥). (ش).","vol":"8","page":13},{"text":"مُحَمَّدٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: \"سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن صَدَاقِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: ثِنْتَا عَشْرَةَ أُوْقِيَّة وَنَشٌّ، فَقُلْتُ: وَمَا نَشٌّ؟ قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ\". [م ١٤٢٦، ن ٣٣٤٧، جه ١٨٨٦، حم ٦/ ٩٣، دي ٢١٩٩]\n٢١٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُوبَ، عن مُحَمَّدٍ (١)، عن أَبِي الْعَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ\n===\nمحمد، نا يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صداق رسول الله - ﷺ -)، أي عن صداق أزواج رسول الله - ﷺ -، (فقالت: ثِنْتا عَشْرةَ أُوقية ونَشٌّ، فقلت: وما نَشٌّ (٢)؟ قالت: نصفُ أوقيَّةٍ).\nوالأوقية: أربعون درهمًا، فصار مجموعُ ثنتي عشر أوقية ونش: خمسمائة درهم، وأما مهر أم حبيبة بنت أبي سفيان - ﵂ -، فكان أربعة آلاف درهم أو أربعمائة دينار، ولكن ما أصدقها رسول الله - ﷺ -، بل أصدقها النجاشيُّ وأدَّاها من عنده.\n٢١٠٦ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي العَجْفاء) بفتح أوله، وسكون الجيم، (السلمي) البصري، قيل: اسمه هرم بن نسيب، وقيل: نسيب بن هرم، وقيل: هرم بن نصيب، بالصاد المهملةِ بدل السين المهملة، قال ابن معين والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس حديثه بالقوي.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هو ابن سيرين\".\n(٢) ونش كل شيء نصفه، يقال: نش الرغيف أي نصفه. \"المرقاة\" (٦/ ٣٥٨). (ش).","vol":"8","page":14},{"text":"قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ -﵁- فَقَالَ: \"أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ (١) النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَة في الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللهِ كَانَ (٢) أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيّ - ﷺ -، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَي عَشْرَةَ أُوْقِيَّة\". [ت ١١١٤، جه ١٨٨٧، ن ٣٣٤٩، حم ١/ ٤٠، ق ٧/ ٢٣٤، ك ٢/ ١٧٥]\n===\n(قال: خطبنا عمر - ﵁ - فقال: ألا لا تغالوا بصُدُق النساء (٣»، أي لا تُبالغُوا في كثرة الصداق، وأصل الغلاء: الارتفاع، ومجاوزة القدر في كل شيء، غاليت في الشيء وبالشيء، وغلوت فيه، إذا جاوزت فيه، (فإنها) أي: المغالاة في المهر (لو كانتْ مكْرُمَةً في الدنيا) أي ما يحمد به في الدنيا (أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النبيُّ - ﷺ -، ما أصدق (٤) رسولُ الله عظَ امرأةً من نسائه، ولا أُصْدِقتْ) بصيغة المجهول (امرأةٌ من بناته (٥) أكثر من ثنتي عشْرة أوقيةً).\nوما روي في الحديث الآتي أن صداقَ أم حبيبة - ﵂ - كان أربعة آلاف درهم، فإنه مستثنى من قول عمر - ﵁ -؛ لأنه أصدقها النجاشي بأرض الحبشة من غير تعيين النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) في نسخة: \"في صدوق\"، وفي نسخة: \"بصداق\".\n(٢) في نسخة: \"لكان\".\n(٣) ولا يشكل بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]؛ لأنه يدل على الجواز لا الأولوية، كذا في \"المرقاة\" (٦/ ٣٥٩). (ش).\n(٤) قال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٤٠٤): هذا باعتبار الأكثر، وإلا فخديجة وجويرية بخلاف ذلك، وصفية كان عتقها صداقها، وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشي، انتهى. (ش).\n(٥) واختلف في مهر فاطمة - ﵂ - كما بسطه القاري (٦/ ٣٦٠). وأبو الطيب في \"شرح الترمذي\". (ش).","vol":"8","page":15},{"text":"٢١٠٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ، نَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن أُمِّ حَبِيبَةَ: \"أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ فَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ،\n===\nوما روته عائشة من ثنتي عشْرة أوقية ونشًّا، يتجاوز عدد الأواقي التي ذكرها عمر، فلعله أراد عدَّ الأوقية ولم يلتفت إلى الكسر، مع أنه نفى الزيادة في علمه، ولعله لم يبلغه صداق أم حبيبة ولا الزيادة التي روتْ عائشة - ﵂ -.\nفإن قلتَ: نهيه عن المغالاة مخالف لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١)، قلت: النص يدل على الجواز، لا على الأفضلية؛ والكلام (٢) فيها لا فيه.\n٢١٠٧ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب) يوسف بن حجاج (الثقفي) البغدادي، المعروف بابن الشاعر، وكان يوسف شاعرًا صحب أبا نواس، قال ابن أبي حاتم: ثقة من الحفاظ ممن يحسن الحديث، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا معلي بن منصور، نا ابن المبارك، نا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة، أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش) فهاجرت مع زوجها إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فتنصَّر بها، (فمات بأرض الحبشة،\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٢٠.\n(٢) كذا في \"المرقاة\" (٦/ ٣٥٩)، وذكر الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢٠٤): استدلت بذلك المرأة التي نازعت عمر - ﵁ - إذ قالت: ليس ذلك إليك يا عمر، إن الله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ من ذهب، فقال عمر - ﵁ -: امرأة خاصمت عمر فخصمته، وفي طريق آخر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.\nقلت: وقد ذكر الأثارَ السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٥ - ٤٦٨)، والسخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (ص ٥٠١)، والمتقي في \"كنز العمال\" (١٦/ ٥٣٤ - ٥٤٢). (ش).","vol":"8","page":16},{"text":"فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَة آلَافٍ (١)، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ\". [تقدَّم برقم ٢٠٨٧، وانظر: حم ٦/ ٤٢٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَسَنَةُ هِيَ أُمُّهُ (٢).\n٢١٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عن ابْنِ الْمُبَارَكِ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ: \"أَنَّ النَّجَاشِيَّ زَوَّجَ\n===\nفزوَّجها) أي أم حبيبة (النجاشيُّ النبي - ﷺ -، وأمهرها عنه أربعة آلاف) درهم (وبعث بها) أي أم حبيبة (إلى رسول الله - ﷺ - مع شرحبيل بن حسنة).\n(قال أبو داود: حسنة هي أمه)، واسم أبيه: عبد الله، وهو شرحبيل ابن عبد الله بن المطاع بن قطن الغوثي- بالفتح والسكون ومثلثة-، قال ابن البرقي: كان من مهاجرة الحبشة، وكان واليًا في الشام لعمر - ﵁ -، وحسنة قيل: إنها أمه، وقيل: إنها تبنته، هو وأخوه عبد الرحمن بن عبد الله صحابيان.\n٢١٠٨ - (حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع، نا علي بن الحسن بن شقيق) بن دينار العبدي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، قدم شقيق من البصرة إلى خراسان، روى عنه البخاري، وروى الباقون بواسطة ابنه محمد، ومحمد بن عبد الله بن قهزاز، ومحمد بن حاتم بن بزيع، تكلموا فيه في الإرجاء، وقد رجع عنه. قال في \"التقريب\": ثقةٌ حافظٌ.\n(عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري: أن النجاشيَّ زوج\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"درهم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: عبيد الله بن جحش تنصر، ومات نصرانيًا، وأوصى إلى النبيِّ - ﷺ - بعد ما تنصَّر. قال أبو داود: عقد النكاح عثمان بن عفان، وكان بأرض الحبشة. (انظر: \"تحفة الأشراف\" رقم ١٩٤٠٠).","vol":"8","page":17},{"text":"أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِيِ سُفْيَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى صَدَاقِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ بِذلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَبِلَ\". [تقدَّم موصولًا برقم ٢١٠٧، ٢٠٨٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>(٢٩) بَابُ قِلَّةِ الْمَهْرِ </span>(١)\n٢١٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَحُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رأَى عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَهْيَمْ؟ \"،\n===\nأم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله - ﷺ - على صداق أربعة آلاف درهم، وكتب بذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقبل) وبهذا يستدل على أن النكاح إذا تولاه فضولي ينعقد انعقادًا موقوفًا، فإن قبلَ أو قبلتْ نَفَذَ وإلَّا بطل.\n\n(٢٩) (بَابُ قِلَّةِ الْمَهْرِ) (٢)\n٢١٠٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، أنا حماد، عن ثابت البناني وحميد، عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - رأى عبد الرحمن بن عوف، وعليه) الواو حاليةٌ (رَدْعُ) بمهملات وأوله مفتوح، أي أثر (زعفران، فقال النبي - ﷺ -: مَهْيَم؟) بهاء فتحتية بين ميمين كجعفر، ما شأنه؟ كلمة يمانية، وقال الحافظ (٣): معناه: ما شأنك؟ أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهام مبنية\n_________\n(١) في نسخة: \"في أقل المهر\".\n(٢) قال ابن رشد في \"البداية\" (٢/ ١٨): اتفقوا على أنه لا حد لأكثره، واختلفوا في أقله، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المدينة من التابعين: لا حد لأقله، وكل ما جاز أن يكون ثمنًا وقيمة لشيء جاز أن يكون صداقًا، وقال طائفة بوجوب تحديد أقله. والمشهور من ذلك مذهبان: أحدُهما: مذهب مالك: لا بد من ربع دينار أو ثلاثة دراهم، ومذهب أبي حنيفة: لا بد من عشرة، وقيل: خمسة، وقيل: أربعون ... إلخ. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٤).","vol":"8","page":18},{"text":"قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، قَالَ: \"مَا أَصْدَقْتَهَا\"؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ،\n===\nعلى السكون، وهل هي بسيطة أو مركبة؟ قولان لأهل اللغة. وقال ابن مالك: هي اسم فعل بمعنى أخبر (١).\n(قال: يا رسول الله تزوجت امرأة) أي من الأنصار. قال الحافظ: وهذه المرأة جزم الزبير بن بكار في \"كتاب النسب\" أنها بنت أبي الحيسر أنس بن رافع ابن امرئ القيس بن زيد، وذكر ابن القداح في \"نسب الأوس\" أنها أم إياس بنت أبي الحيسر، بفتح المهملتين، بينهما تحتانية ساكنة، وآخره راء، واسمه أنس بن رافع الأوسي. وفي \"طبقات ابن سعد\": أنها بنت أبي الحشاش وساق نسبه، وأظنهما ثنتين.\n(قال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب)، واختلف في المراد بقوله: نواة، فقيل: المراد واحد نوى التمر، كما يوزن بنوى الخروب، وأن القيمة عنها يومئذ كان خمسة دراهم، وقيل: كان قدرُها يومئذ ربع دينار، ورد بأن نوى التمر يختلف في الوزن، فكيف يجعل معيارًا لما يوزن به؟\nوقيل: لفظُ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورِق، وجزم به الخطابي. واختاره الأزهري، ونقله عياض (٢) عن أكثر العلماء، وقيل: وزنُها من الذهب خمسة دراهم، حكاه ابن قتيبة، وجزم به ابن الفارس، وجعله البيضاوي الظاهر، واستبعد؛ لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفًا.\n_________\n(١) إنكار، فيكون القول الآتي اعتذارًا أو سؤالًا عن السبب فيطابق الجواب. (ش). (انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٦/ ٣٦٥).\n(٢) قال النووي: وأنكر القاضي عياض على من احتج به على قلة المهر، قال: لأنه قال: \"من ذهب\"، وذلك يزيد على دينارين. كذا في \"الجوهر النقي\" (٧/ ٢٣٦)، وبسط الكلام عليه، وقال في آخره: فتلخص من هذا أنه تزوج على قطعة ذهب زنتها عند الأكثر خمسة دراهم، وعند بعضهم ثلاثة دراهم وثلث، وأن من استدل بهذا الحديث على أقل المهر، فقد وهم، انتهى. (ش).","vol":"8","page":19},{"text":"قَالَ: \"أَوْلِمْ\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أولم) قال الأزهري: الوليمة مشتقة (١) من الولم، وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان، وقال ابن الأعرابي: أصلها تمام الشيء، واجتماعه، وتقع على كل طعام يتخذ لسرور، وتستعمل في وليمة الأعراس بلا تقييد، وفي غيرها مع التقييد، فيقال مثلًا: وليمة مأدبة، هكذا قال بعض الفقهاء، وحكاه في \"الفتح\" (٢) عن الشافعي وأصحابه، وحكى ابن عبد البر عن أهل اللغة، وهو المنقول عن الخليل وثعلب، وبه جزم الجوهري، وابن الأثير أن الوليمة هي الطعام في العرس خاصة. قال ابن رسلان: وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان، وهم أعرف بموضوعات اللغة، وأعلم بلسان العرب، انتهى.\nفظاهر الأمر الوجوب، وقد روى القول به القرطبي عن مذهب مالك، وقال: مشهور المذهب أنها مندوبة، وروى ابن التين الوجوب أيضًا عن مذهب أحمد، لكن الذي في \"المغني\" أنها سنَّة، وكذلك حكي الوجوب في \"البحر\" عن أحد قولي الشافعي. وحكاه ابن حزم عن أهل الظاهر، وقال سليم الرازي: إنه ظاهر نص \"الأم\"، وحكاه في \"الفتح\" (٣) أيضًا عن بعض الشافعية، وبهذا يظهر ثبوت الخلاف في الوجوب، لا كما قال ابن بطال: لا أعلم أحدًا أوجبها.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: أسماء أنواع الضيافات: فقال: العرس عند البناء، الخرس عند الولادة، الأعذار عند الختان، الوكيرة عند البناء للمكان وغيره، النقيعة عند قدوم مسافر، العقيقة سابع ولادة، الوضيمة عند المصيبة، المأدبة ضيافة بلا سبب، وكذا في \"المجمع\" و\"المظاهر\"، وكذا ذكرها الحافظ (٩/ ٢٤١، ٢٤٢)، وزاد: الحذاق عند ختم القرآن أو جزء منه، والنقرى المأدبة الخاصة، والجفلى المأدبة العامة، وشندخ للعقد، وتحفة للقادم من سفر، وكذا ذكر بعض الأنواع الشامي في الإجارة. (انظر: ٩/ ٢٨)\nقلت: منها البشارة، قال العيني: وما يعطى للبشير يسمى البشارة بضم الباء الموحدة، قلت: وترجم الإِمام أبو داود \"باب في إعطاء البشير\". (ش).\n(٢) \"فتح الباري (٩/ ٢٤١).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٠).","vol":"8","page":20},{"text":"وَلَوْ بِشَاةٍ\" (١). [خ ٥١٦٧، م ١٤٢٧، ت ١٠٩٤، ن ٣٣٥١، جه ١٩٠٧، حم ٣/ ١٦٥، دي ٢٠٦٤]\n===\nواستدلوا بحديث الطبراني: \"الوليمة حق\"، وفي \"مسلم\": \"شر الطعام الوليمة\"، ثم قال: \"وهو حق\"، وفي رواية لأبي الشيخ والطبراني: \"الوليمة حق وسنَّة، فمن دعي إليها، فلم يُجب فقد عصى\"، وفي رواية أحمد من حديث بريدة: قال: لما خطب علي فاطمة قال: \"إنه لا بد للعروس من وليمة\"، قال ابن بطال: قوله: \"حق\" أي ليس بباطل، بل يندب إليها وهي سنَّة فضيلة، وليس المرادُ بالحق الوجوب، وأيضًا هو طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة. والأمر محمول على الاستحباب، ولكونه أمر بشاة، وهي غير واجبة اتفاقًا.\nواختلف السلفُ في وقتها، هل هو عند العقد، أو عقبه، أو عند الدخول، أو عقبه، أو يوسع من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول؟ على أقوال. قال السبكي: والمنقول من فعل النبي - ﷺ - أنها بعد الدخول، وفي حديث أنس عند البخاري وغيره التصريح بأنها بعد الدخول، لقوله: أصبح عروسًا بزينب فدعا القوم.\n(ولو بشاة)، قال الحافظ (٢): ليست \"لو\" هذه الامتناعية، وإنما هي للتقليل، وزاد في رواية حماد بن زيد: فقال: \"بارك الله لك\"، قبل قوله: \"أولم\"، وكذا في رواية حماد بن سلمة، ويستفاد من السياق طلب تكثير الوليمة لمن يقدر، قال عياض: وأجمعوا على أن لا حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك، ومهما تيسر أجزأ، والمستحب أنها على قدر حال الزوج، وقد تيسر على الموسر الشاة فما فوفها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قَالَ أبو داود: النَّواةُ خمسة دراهم، والنش: عشرون، والأوقية: أربعون\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٥، ٢٣٦).","vol":"8","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواستدل به على جواز التزعفر للعروس، وخص به عموم النهي عن التزعفر للرجال، وتعقب باحتمال أن تكون تلك الصفرة كانت في ثيابه دون جسده، وهذا الجواب للمالكية على طريقتهم في جوازه في الثوب دون البدن.\nوقد نقل ذلك مالك عن علماء المدينة، ومنع من ذلك أبو حنيفة والشافعي ومن تبعهما في الثوب أيضًا، وتمسكوا بالأحاديث الواردة في ذلك وهي صحيحة، وعلى هذا فأجيب عن قصة عبد الرحمن بأجوبة:\nأحدها: أن ذلك كان قبل النهي، ويؤيده أن سياق قصة عبد الرحمن يشعر بأنها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي ممن تأخرت هجرته.\nوثانيها: أن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، ورجحه النووي، وعزاه إلى المحققين، وجعله البيضاوي أصلًا.\nثالثها: أنه كان قد احتاج إلى التطيب للدخول على أهله، فلم يجد من طيب الرجال حينئذ شيئًا، فتطيب من طيب المرأة، وصادف أنه كان فيه صفرة، فاستباح القليل منه عند عدم غيره جمعًا بين الدليلين، وقد ورد الأمر في التطيب للجمعة، ولو من طيب المرأة، فبقي أثر ذلك عليه.\nرابعها: كان يسيرًا ولم يبق إلا أثره، فلذلك لم ينكر.\nخامسها: وبه جزم الباجي، أن الذي يكره من ذلك ما كان من زعفران وغيره من أنواع الطيب، وأما ما كان ليس بطيب فهو جائز.\nسادسها: أن النهي عن التزعفر للرجال ليس على التحريم بدلالة تقريره لعبد الرحمن بن عوف في هذا الحديث.\nسابعها: أن العروس يستثنى من ذلك، ولا سيما إذا كان شابًا،","vol":"8","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nذكر ذلك أبو عبيد قال: وكانوا يرخصون للشاب في ذلك أيام عرسه، ملخص من \"الفتح\".\nواختلفوا في قدر المهر، ومحصل الاختلاف أنه أقل ما يتمول، وقيل: أقله ما يجب فيه القطع، وقيل: أربعون، وقيل: خمسون، وأقل ما يجب فيه القطع مختلف فيه، فقيل: ثلاثة دراهم، وقيل: خمسة، وقيل: عشرة.\nقال العيني (١): قال أصحابنا: أقل المهر عشرة دراهم، سواء كانت مضروبة، أو غيرها، حتى يجوز وزن عشرة تبرًا، وإن كانت قيمته أقل، بخلاف السرقة لما روى الدارقطني من حديث ابن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تنكح النساء إلَّا للأكْفاء، ولا يزوِّجهن إلَّا الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم\".\nفإن قلت: فيه مبشر بن عبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليه، قاله الدارقطني، وقال البيهقي في \"المعرفة\": عن أحمد بن حنبل أنه قال: أحاديث مبشر بن عبيد موضوعة كذب.\nقلت: رواه البيهقي من طرق، والضعيف إذا روي من طرق يصير حسنًا، فيحتج به، ذكره النووي في \"شرح المهذب\"، وعن علي - ﵁ - أنه قال: \"أقل ما يستحل به المرأة عشرة دراهم\"، ذكره البيهقي (٢)، وأبو عمر بن عبد البر، انتهى.\nقلت: واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (٣)، فمنع الله القادر على الطول من نكاح الأمة، فلو كان الطول درهمًا، أو ثلاثة دراهم ما تعذر على أحد، فهذه الآية تدل على أن صداق الحرة لا بد، وأن يكون\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٠٣).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٠)، وفيه \"أدنى ما يستحل\".\n(٣) سورة النساء: الآية ٢٥.","vol":"8","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nما يطلق عليه اسم مال له قدر؛ ليحصل الفرق بين الحرة وبين الأمة، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١) تدل على اشتراط ما يسمى مالًا في الجملة، وقد حده بعض المالكية ما تجب فيه الزكاة.\nقال في \"البدائع\" (٢): وأما بيان أدنى المقدار الذي يصلح مهرًا، فأدناه عشرة دراهم، أو ما قيمته عشرة دراهم، وهذا عندنا. وعند الشافعي المهر غير مقدر، يستوي فيه القليل والكثير، وتصلح الدانق والحبة مهرًا.\nواحتج بما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من أعطَى في نكاح ملء كفيه طعامًا، أو دقيقًا، أو سويقًا، فقد استحل\" (٣).\nوروي عن أنس - ﵁ - أنه قال: \"تزوج عبد الرحمن بن عوف امرأة على وزن نواة من ذهبٍ\"، فدل على أن التقدير في المهر ليس بلازم.\nولنا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٤)، شرط ﷾ أن يكون المهر مالًا، والحبة والدانق ونحوهما لا يعدان مالًا، فلا يصلح مهرًا.\nوروي عن جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لا مهر دون عشرة\" (٥)، وعن عمر، وعلي، وعبد الله بن عمر - ﵃- أنهم قالوا: \"لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم\"، والظاهر أنهم قالوا ذلك توقيفًا؛ لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس. ولأنه لما وقع الاختلاف في المقدار، يجب الأخذ بالمتيقن وهو العشرة.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٢٤.\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٥٦٢، ٥٦٣).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢١١٠) وأحمد (٣/ ٣٥٥).\n(٤) سورة النساء: الآية ٢٤.\n(٥) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٤٥)، والبيهقي (٧/ ١٣٣).","vol":"8","page":24},{"text":"٢١١٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ جِبْرَئِيلَ الْبَغْدَادِيُّ،\n===\nوأما الحديث ففيه إثبات الاستحلال إذا ذكر فيه مال قليل لا تبلغ قيمته عشرة، وعندنا الاستحلال صحيح ثابت، ألا ترى أنه يصح من غير تسمية شيء أصلًا؟ ! فعند تسمية مال قليل أولى، إلَّا أن المسمَّى إذا كان دون العشرة تكمل عشرة، وليس في الحديث نفي الزيادة على القدر، وعندنا قام دليل الزيادة إلى العشرة، فيكمل عشرة، ولا حجة له فيما روي من الأثر؛ لأن فيه وزن نواة من ذهبٍ، وقد تكون مثل وزن دينار، بل أكثر في العادة.\nفإن قيل: روي أن قيمةَ النواة كانت ثلاثة دراهم، فالجواب: أن المقوم غير معلوم أنه من كان، فلا يصلح أن يجعل قول ذلك حجة على الغير، حتى يعلم أنه من هو، مع ما أنه قد قال قوم: إن النواة كان بلغ وزنها قيمة عشرة دراهم، وبه قال إبراهيم النخعي على أن القدر المذكور في الخبر، والأثر كان يحتمل أن يكون معجلًا في المهر، لا أصل المهر على ما جرت العادة بتعجيل شيء من المهر قبل الدخول، ويحتمل أن يكون ذلك كله في حال جواز النكاح بغير مهر (١) على ما قيل: إن النكاح كان جائزًا بغير مهر، إلى أن \"نهى النبي - ﷺ - عن الشغار\".\n٢١١٠ - (حدثنا إسحاق بن جبرئيل البغدادي)، قال أبو علي الجياني في \"شيوخ أبي داود\": إسحاق بن جبرئيل، وهو ابن أبي عيسى، حدث عنه البخاري، وهذا أخذه من الكلاباذي، فإنه جزم به ابن منده، فقال: إسحاق بن أبي عيسى البخاري، واسم [ابن] أبي عيسى جبرئيل، كذا نسبه بخاريًا، وكأنه سكن بغداد. وقال أبو الوليد الباجي في \"رجال البخاري\": الأشبه بالصواب أنه ابن أبي عيسى جبرئيل، انتهى. وقيل: هو إسحاق بن منصور بن الكوسج، قال في \"التقريب\": صدوق.\n_________\n(١) أو على زمان جواز المتعة. (ش).","vol":"8","page":25},{"text":"أَنَا يَزِيدُ، أَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمِ بْنِ رُومَانَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَعْطَى في صَدَاقِ امْرَأَةٍ مِلءَ كَفَّيْهِ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا، فَقَدِ اسْتَحَلَّ\". [حم ٣/ ٣٥٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عن صَالِحِ بْنِ\n===\n(أنا يزيد) بن هارون، (أنا موسى بن مسلم بن رومان) وقد ينسب إلى جده، ويقال: صالح بن مسلم بن رومان، روى له أبو داود. وقال: رواه ابن مهدي عن صالح بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر قوله. ورواه أبو عاصم، عن صالح عن أبي الزبير، عن جابر: \"كنا نستمتع بالقبضة من الطعام\"، وقال الآجري عن أبي داود: أخطأ يزيد بن هارون فقال: موسى بن رومان، انتهى.\nورواه يونس بن محمد، عن صالح بن مسلم بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال أبو حاتم: مجهول، وضعَّفه الأزدي، وقد أفصح أبو داود عن علته، فالصواب أنه صالح، أخطأ يزيد في اسمه.\n(عن أبي الزبير، عن جابرٍ (١) بن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قال: من أعطى في صداق امرأة مِلءَ كفيه سويقًا أو تمرًا، فقد استحل)، وقد تقدم الجواب عنه بما قال في \"البدائع\" (٢): إن المذكور في الحديث استحباب الاستحلال إذا ذكر فهي مال قليل لا تبلغ قيمته عشرًا، وعندنا الاستحلال صحيح ثابت؛ لأن النكاح صحيح ثابت، ألا ترى أنه يصح من غير تسمية شيء أصلًا، فعند تسمية مال قليل أولى، إلَّا أن المسمَّى إذا كان دون العشرة تكمل عشرة، وليس في الحديث نفي الزيادة على القدر، وعندنا قام دليل الزيادة إلى العشرة فيكمل عشرة.\n(قال أبو داود: رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن صالح بن\n_________\n(١) ضعَّف القاري رواة هذا السند. (ش). (انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٦/ ٣٦٠).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٥٦٢).","vol":"8","page":26},{"text":"رُومَانَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِم، عن صَالِحِ بْنِ رُومَانَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نسْتَمْتِعُ بِالْقُبْضَةِ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى مَعْنَى الْمُتْعَةِ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ عَلَى مَعْنَى أَبِي عَاصِمٍ.\n===\nرومان، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا) غرض أبي داود بذكر هذا التعليق: بيان العلة فيه، بأن يزيد بن هارون أخطأ في تسمية موسى بن مسلم، والصواب أنه صالح بن رومان. وأيضًا رواه مرفوعًا، وهو موقوف على جابر.\n(ورواه أبو عاصم، عن صالح بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كنا على عهد رسول الله - ﷺ - نستمتع بالقُبضة من الطعام على معنى المتعة) أي متعة النكاح، فالمراد بقوله: \"نستمتع\" أي الاستمتاع بالنساء على وجه المتعة لا النكاح، والغرض بهذا التعليق تأييد حديث عبد الرحمن بن مهدي في تسمية صالح بن رومان، فإن أبا عاصم أيضًا سماه صالح بن رومان.\n(قال أبو داود: رواه ابن جريج (١)، عن أبي الزبير، عن جابر على معنى أبو عاصم) أي موافقًا في المعنى لحديث أبي عاصم، والغرض بذكر حديث ابن جريج تقوية حديث أبي عاصم في أن هذا الحديث وقع في قصة المتعة، لا في النكاح، فعلى هذا معنى الحديث: من أعطى امرأةً مِلءَ كفيه سويقًا أو تمرًا بطريق الصداق في المتعة فقد استحل، وقد علمت أن المتعة منسوخة، وثبتت حرمتُها إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) أخرج روايته عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧/ ٥٠٠)، رقم (١٤١٨٢)، ومن طريقه مسلم رقم (١٠٤٥).","vol":"8","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-739>(٣٠) بَابٌ: في التَّزْوِيجِ عَلَى الْعَمَلِ يُعْمَلُ</span>\n٢١١١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي حَازِمِ بْنِ دَينَارٍ، عن سَهْلِ بْنٍ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - جاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ،\n===\n\n(٣٠) (بابٌ: فِى التَّزْوِيجِ عَلَى الْعَمَلِ يُعْمَلُ) (١)\nأي: يُجْعَلُ المهرُ عملًا، فإذا عَمِل فقد أَدَّى المهر كملًا\n٢١١١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله - ﷺ - جاءته امرأة)، قال الحافظ (٢): وهذه (٣) المرأة لم أقفْ على اسمها، وقال في \"الأحكام\" لابن القطاع: إنها خولة بنت حكيم أو أم شريك، وهذا نقل من اسم الواهبة الوارد في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (٤)، وقد تقدم بيان اسمها في تفسير الأحزاب، وما يدل على تعدد الواهبة.\n(فقالت: يا رسول الله! إني قد وهبت نفسي لك)، وفي هذا حذف مضاف، تقديره أمر نفسي أو نحوه، وإلَّا فالحقيقة غير مرادة؛ لأن رقبة الحر لا تملك، فكأنها قالت: أتزوجك من غير عوض. وفي رواية البخاري: \"فلم يجبها شيئًا\"، وفي رواية: \"فصمت\"، وفي رواية: \"فنظر إليها، فصعَّد النظر إليها، وصوَّبه\".\n_________\n(١) قال ابن رشد (٢/ ٢١): اختلفوا في الإجارة على ثلاثة أقوال: المنع قول ابن القاسم والحنفية، والجواز قول الشافعي وأصبغ، والكراهة قول مالك، ففسخ قبل الدخول، وأجاز بعده. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٦).\n(٣) وقريب منه ما قال أبو الطيب في \"شرح الترمذي\". وقال الحافظ (٩/ ١٧٥) في موضع آخر: والذي يظهر لي أن صاحبة هذه القصة غير التي في قصة أَنَسٍ. (ش).\n(٤) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.","vol":"8","page":28},{"text":"فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تكُنْ (١) لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟»، قَالَ (٢): مَا عِنْدِى إلَّا إِزَارِى هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ (٣) شَيْئًا»، قَالَ: لَا أَجِدُ شَيْئًا، قال:\n===\n(فقامت قيامًا طويلًا) ولفظ البخاري: \"ثم قامت، فقالت: يا رسول الله! إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت الثالثة فقالت: إنها قد وهبت نفسها، فر فيها رأيك\"، قال الحافظ (٤): وسكوته - ﷺ - إما حياء من مواجهتها بالرد، [و]، كان - ﷺ - شديد الحياء جدًا، كما تقدم في صفته: أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وإما انتظارًا للوحي، وإما تفكرًا في جواب يناسب المقام.\n(فقام رجل) قال الحافظ: في رواية فضيل بن سليمان: \"من أصحابه\"، ولم أقف على اسمه، لكن وقع في رواية معمر والثوري عند الطبراني: \"فقام رجل أحسبه من الأنصار\"، وفي رواية زائدة عنده: \"فقال رجل من الأنصار\".\n(فقال: يا رسول الله! زوِّجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله - ﷺ -: هل عندك من شيء) أي مالٍ (تصدقها) أي المرأة (إياه؟) أي المال (قال) أي الرجل: (ما عندي (٥» أي من المال (إلَّا إزاري هذا، فقال رسول الله - ﷺ -: إنك إن أعطيتها) أي المرأة (إزارك) في المهر (جلست لا إزار لك، فالتمس شيئًا) أي من المال وغيره، (قال: لا أجد شيئًا، قال)\n_________\n(١) في نسخة: \"إن لم يكن\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) في نسخة: \"التمس\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(٥) استدل به الموفق على جواز النكاح لمن ليس له شيء ينفقه، قال: فإن كان عنده أنفق وإلَّا صبر به. (ش). (انظر: \"المغني\" ١٠/ ٩٩).","vol":"8","page":29},{"text":"\"فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ\"، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْاَنِ شَيءٌ\"؟ قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ\". [خ ٥٠٢٩، م ١٤٢٥، ن ٣٣٥٩، ت ١١١٤، جه ١٨٨٩، حم ٥/ ٣٣٠، دي ٢٢٠١]\n===\nرسول الله - ﷺ -: (فالتمسْ، ولو خاتمًا (١) من حديدٍ، فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، لسور سماها).\nقال الحافظ: وقع في حديث أبي هريرة: \"قال: ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة، أو التي تليها\". ووقع في حديث أبي مسعود: \"قال: نعم، سورة البقرة، وسورة المفصل\" (فقال له رسولُ الله - ﷺ -: قد زوجتكها بما (٢) معك من القرآن).\nاختلفوا في كون المهر المسمَّى مالًا متقوَّمًا أو لا؟ فعندنا يلزم أن يكون المسمَّى مالًا متقومًا. وعند الشافعي هذا ليس بشرط. ويصح التسمية سواء كان المسمَّى مالًا، أو لم يكن بعد أن يكون مما يجوز أخذ العوض عنه، واحتج بهذا الحديث. ومعلوم أن المسمَّى وهو السورة من القرآن لا يوصف بالمالية، فدل أن كون التسمية مالًا ليس بشرط لصحة التسمية.\n_________\n(١) وسيأتي الكلام عليه في \"باب ما جاء في خاتم الحديد\". (ش).\n(٢) ولفظ حديث ابن مسعود كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٣): \"أنكحتك على أن تقرئها وتعلمها\"، انتهى. وحكى الموفق (١٠/ ١٠٣) عن أحمد روايتين: إحداهما: الجواز، وهو مذهب الشافعي، والثاني: عدم الجواز، وهو مذهب مالك والحنفية، وأجاب عن الرواية بما رواه النجار من زيادة قوله: \"ولا تكون لأحد بعدك\"، وفي \"الدر المختار\" (٩/ ٧٦): ينبغي أن يكون جائزًا على قول المتأخرين، يعني حيث جوَّزوا أخذ الأجرة على التعليم. (ش).","vol":"8","page":30},{"text":"٢١١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي أَبِي: حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عن الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْبَاهِليِّ،\n===\nولنا قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١) شرط أن يكون المهر مالًا، فما لا يكون مالًا لا يكون مهرًا، فلا تصح تسميته مهرًا، وقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٢) أمر بتنصيف المفروض في الطلاق قبل الدخول، فيقتضي كون المفروض محتملًا للتنصيف، وهو المال.\nوأما الحديث فهو في حد الآحاد، ولا يُتْرَكُ نصُّ الكتاب بخبر الواحد، مع ما أن ظاهره متروك؛ لأن السورة من القرآن لا تكون مهرًا بالإجماع، وليس فيه ذكر تعليم القرآن، ولا ما يدل عليه، ثم تأويلها زوجتكها بسبب ما معك من القرآن وبحرمته وبركته، لا أنه كان ذلك النكاح بغير تسمية مال، انتهى. وفي المسألة بحث طويل ذكره ابن الهمام في \"شرح الهداية\" (٣) وصاحب \"البدائع\" في كتابه (٤).\n٢١١٢ - (حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي) أي والدي (حفص بن عبد الله) بدل من لفظ أبي، (حدثني إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج الباهلي) البصري الأحول، قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة من الثقات، صدوق، وزعم عبد الغني بن سعيد هو الحجاج الأسود، زِقُّ العسل، القسملي، وفرق بينهما ابن أبي حاتم وغيره، وهو الصواب.\nقلت: وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٢٤.\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٧.\n(٣) انظر: \"فتح القدير\" (٣/ ٣٠٥ - ٣٠٨).\n(٤) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٥٦٤ - ٥٧٠).","vol":"8","page":31},{"text":"عن عِسْلٍ، عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ. لَمْ يَذْكُرِ الإِزَارَ وَالْخَاتَمَ، فَقَالَ: \"مَا تَحْفَظُ مِنَ الْقُرْآنِ\"؟ قَالَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ أَوْ الَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: \"قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيةً، وَهِيَ امْرَأَتُكَ\". [\"السنن الكبرى\" للنسائي ٥٤٨٠، تحفة الأشراف ١٤١٩٤]\n٢١١٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زيدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، نَا أَبِي، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ،\n===\n(عن عِسْل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة نحو هذه القصة) المذكورة في الحديث المتقدم (لم يذكر) أي أبوهريرة، أو أحد من الرواة (الإزار والخاتم، فقال: ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة أو التي تليها)، قال الحافظ (١): ووقع في حديث أبي هريرة: \"قال: ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة أو التي تليها\"، كذا في كتابي أبي داود والنسائي بلفظ \"أو\"، وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو، وعند النسائي بلفظ \"أو\".\n(قال: قم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك). قال الذهبي في \"الميزان\" (٢) في ترجمة عِسل بن سفيان: إبراهيم بن طهمان، عن عسل، عن عطاء، عن أبي هريرة: \"أن رجلًا تزوج امرأةً على أن يعلِّمها شيئًا من القرآن، فأجاز ذلك النبي - ﷺ -\"، ورواه إبراهيم مرة فأرسله.\n٢١١٣ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي) أي زيد بن أبي الزرقاء، (حدثنا محمد بن راشد) المكحولي الخزاعي الدمشقي،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٨).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٥٦٢٠).","vol":"8","page":32},{"text":"عن مَكْحُولٍ نَحْوَ خَبَرِ سَهْلٍ، قَالَ: وَكَانَ مَكْحُولٌ يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.\n===\nأبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى، نزيل البصرة، وإنما يقال له: المكحولي؛ لأنه روى عنه فنسب إليه، وقال في \"الأنساب\" (١): وأما أبو يحيى محمد بن راشد المكحولي الخزاعي الشامي، من أهل دمشق، عُرف بالمكحولي؛ لأنه صاحب أبي عبد الله مكحول الهذلي من أهل الشام، انتقل إلى البصرة، وسكن بها، سئل أحمد بن حنبل عنه، فقال: ثقة، قلت: قال في \"التهذيب\": وقال ابن خراش: ضعيف الحديث.\n(عن مكحول نحو خبر) أي حديث (سهل) بن سعد، (قال) محمد بن راشد: (وكان مكحول يقول) في هذا الحديث: (ليس ذلك (٢) لأحد بعد رسول الله - ﷺ -)، أي هذا الأمر مختص بالنبي - ﷺ - أن ينكح امرأة رجلًا من غير مهر.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"وكان مكحول يقول: إلى آخره\"، وإنما استبعد مكحول ما ظهر منه من أن يكون الاكتفاءُ بالتعليم كافيًا، مع أن النصَّ موجب لشيء يعد مالًا بحسب العرف، وهو قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٣)، فاحتيج إلى تأويل، انتهى.\n_________\n(١) \"الأنساب\" (٥/ ٣٧٤).\n(٢) وبه جزم الطحاوي (انظر: ٣/ ١٨)، والأبهري، ودليله ما أخرجه سعيد بن منصور وابن السكن عن أبي النعمان الأزدي الصحابي قال: زوج رسول الله - ﷺ - امرأة على سورة من القرآن، وقال: \"لا يكون لأحد بعدك مهرًا\"، قاله أبو الطيب في \"شرح الترمذي\". (ش).\n(٣) سورة النساء: الآية ٢٤.","vol":"8","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>(٣١) بابٌ: فِيمَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا حَتَّى مَاتَ</span>\n٢١١٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عن سُفْيَانَ، عن فِرَاسٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن مَسْرُوقٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ: \"في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، فَقَالَ: لَهَا الصَّدَاق كَامِلًا، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ. قَالَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى بِهِ في بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ\". [ت ١١٤٥، ن ٣٣٥٤، جه ١٨٩١، حم ١/ ٤٣١]\n٢١١٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَابْنُ مَهْدِيٍّ، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ، فَسَاقَ عُثْمَانُ مِثْلَهُ. [انظر سابقه، وق ٧/ ٢٤٥]\n===\n\n(٣١) (بابٌ: فِيمَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُسَمِّ (١) صَدَاقًا حَتَّى مَاتَ)\n٢١١٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله) بن مسعود (في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها) أي الصداق، (فقال) عبد الله: (لها الصداق كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث، قال معقل) بكسر القاف (ابن سنان) بنونين، اختلف في كنيته، صحابي شهد الفتح، وكان حامل لواء قومه، سكن الكوفة ثم المدينة، وكان مع أهل الحرَّة، وقتل يومئذ في سنة ثلاث وستين.\n(سمعت رسول الله - ﷺ - قضى به) أي بما قضى به عبد الله بن مسعود (في بروع)، قال في \"القاموس\": وبَرْوَع- كجَردَل، ولا يُكْسَرُ (بنت واشق)، وقال في حاشيته: قوله: ولا يكسر، وقد جزم أكثر المحدثين بصحة الكسر لوروده هكذا سماعًا، وفي \"الغاية\": هو بالكسر والفتح، والكسر أشهر.\n٢١١٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، وابن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فساق عثمان) الحديث (مثله) أي مثل ما تقدم من حديث مسروق.\n_________\n(١) وفي \"شرح الإقناع\" (٢/ ١٣٥): إن لم يسم صح العقد بالإجماع. (ش).","vol":"8","page":34},{"text":"٢١١٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ (١) بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ وَأَبِى حَسَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: \"أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أُتِىَ فِى رَجُلٍ بِهَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ شَهْرًا، أَوْ قَالَ: مَرَّاتٍ، قَالَ: فَإِنِّى أَقُولُ فِيهَا، إِنَّ لَهَا صَدَاقًا كَصَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَإِنَّ لَهَا الْمِيرَاثَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّى وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ،\n===\n٢١١٦ - (حدثنا عبيد الله بن عمر) القواريري، (نا يزيد بن زريع، نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خِلآس وأبى حسان) الأعرج، (عن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن مسعود أتي) أي: أتاه سائل (في) مسألة (رجل بهذا الخبر) المتقدم (قال) عبد الله بن عتبة بن مسعود: (فاختلفوا) أي: الأشجعيون (إليه) أي إلى ابن مسعود (شهرًا) لا يجيبهم، ويتأمل في المسألة ويجتهد فيها (أو) للشك من الراوي (قال) أي الراوي: (مراتٍ) في موضع قوله: شهرًا، أي أو قال: فاختلفوا إليه مراتٍ.\n(قال) ابن مسعود بعد مضي شهر: (فإني أقول) باجتهادي (فيها) أي في القضية، أو المسألة: (إن لها) أي للمرأة التي توفي عنها زوجها، ولم يدخل بها، ولم يسم لها (صداقًا كصداق نسائها) أي نساء قومها، كأخواتها وعماتها، وبناتهن التي تشاركها في المال والجمال والثيوبة والبكارة (لا وَكْس) بفتح الواو، وسكون الكاف: النقص (ولا شَطَطَ) بفتحتين، وهو الجور والزيادة (وإن لها الميراث، وعليها العدة، فإن يك) حكمي وقضائي هذا (صوابًا فمن الله) أي من توفيقه وتسديده، (وإن يك (٢) خطأ فمني) أي من قصور علمي (ومن الشيطان) أي: من تسويله وتلبيسه، (والله ورسوله بريئان).\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) استدل بذلك في \"نور الأنوار\" على أن الحق واحد، إذ قال: حكم القياس أو الاجتهاد الإصابة بغالب الرأي، حتى قلنا: المجتهد يخطئ ويصيب، والحق في موضع الخلاف =","vol":"8","page":35},{"text":"فَقَامَ نَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ فِيهِمُ الْجَرَّاحُ وَأَبُو سِنَانٍ فَقَالُوا: يَا ابْنَ مَسْعُودٍ نَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- قَضَاهَا فِينَا فِى بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَإِنَّ زَوْجَهَا هِلَالُ بْنُ مُرَّةَ الأَشْجَعِىُّ كَمَا قَضَيْتَ. قَالَ: فَفَرِحَ\n===\n(فقام ناسٌ من أشجع فيهم الجراح) الأشجعي، ويقال: أبو الجراح، روى حديثه أحمد وأبو داود من طريق عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: أتي عبد الله بن مسعود في رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يفرض لها، الحديث، قال: فقام رجل من أشجع، فقال: قضى فينا رسول الله - ﷺ - بذلك في بروع بنت واشق فقال: هلم شاهداك على هذا، فشهد أبو سنان والجراح رجلان من أشجع (وأبو سنان) الأشجعي، ويقال: إنه معقل بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا، واستشهد في الخندق، انتهى.\nقلت: ولعل أبا سنان المذكور في قصة بروع بنت واشق غير هذا، فإنه استشهد في الخندق، وذلك بقي بعد زمان رسول الله - ﷺ -، حتى شهد عند ابن مسعود بقصة بروع بنت واشق.\n(فقالوا: يا ابن مسعود نحن نشهد أن رسول الله - ﷺ - قضاها) أي القضية التي قضا بها عبد الله بن مسعود (فينا في بَرْوَعَ بنت واشق، وإن زوجها هلال بن مرة الأشجعي كما قضيتَ، قال) أي عبد الله بن عتبة بن مسعود: (ففرح\n_________\n= واحد، ولكن لا يعلم ذلك الواحد باليقين، فلذا قلنا بحقية المذاهب الأربعة، ويعلم هذا بأثر ابن مسعود - ﵁ - هذا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - ﵃-، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا على أن الاجتهاد يحتمل الخطأ.\nوقالت المعتزلة: كل مجتهد مصيب والحق متعدد، وروي هذا عن أبي حنيفة، ولذا نسب إلى الاعتزال وهو منزه عنه، انتهى. وفي \"إزالة الخفاء\": الحق عندي أن النص إذا لم يبلغ واحدًا وبلغ الآخر، فالأول معذور والثاني مصيب، وإن كان الخلاف لتعدد الطرق والجمع بين الدليلين فكلاهما مصيب، انتهى معربًا. (ش).\n(١) في نسخة: \"نبي الله\".","vol":"8","page":36},{"text":"عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَرَحًا شَدِيدًا حِينَ وَافَقَ قَضَاؤُهُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\". [حم ١/ ٤٣١، ق ٧/ ٢٤٥، ك ٢/ ١٨٠ - ١٨١، حب ٤٠٩٨، عب ١٠٨٩٨]\n===\nعبد الله بن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاءَ رسول الله - ﷺ -).\nقال الشوكاني (١): الحديث فيه دليل على أن المرأةَ تستحق بموت زوجها بعد العقد قبل فرض الصداق جميع المهر، وإن لم يقع منه دخول ولا خلوة (٢)، وبه قال ابن مسعود، وابن سيرين، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وأحمد، وعن علي، وابن عباس، وابن عمر، ومالك، والأوزاعي، والليث، والهادي، وأحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن القاسم: أنها لا تستحق إلَّا الميراث فقط، ولا تستحق مهرًا ولا متعة، وأجابوا عن حديث الباب بالاضطراب، بأنه روي مرة عن معقل بن سنان، ومرة عن رجل من أشجع، أو أناس من أشجع، وقيل غير ذلك.\nوالحديث أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي، وأخرجه الحاكم والبيهقي وابن حبان، وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده، قال البيهقي: قد سمي فيه ابن سنان، وهو صحابي مشهور، والاختلاف فيه لا يضر، فإن جميع الروايات فيه صحيحة، وفي بعضها ما دل على أن جماعة من أشجع شهدوا بذلك، وقال الشافعي: لا أحفظه من وجه يثبت مثله، ولو ثبت حديث بروع لقلت به.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧).\n(٢) قال الموفق في مسألة الطلاق: إذا طلقها قبل الدخول، ولم يسم لها مهرًا، ليس لها إلا المتعة، نص عليه أحمد في رواية الجماعة، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى: أن الواجب نصف المهر، وقال في مسألة الموت: لها مهر نسائها في الصحيح من المذاهب، وإليه ذهب الثوري، وإسحاق. وقال مالك: لا مهر لها كفرقة الطلاق. وقال أبو حنيفة: كقولنا في المسلمة، وكقولهم في الذمية، وعن أحمد رواية أخرى: بنصف المهر، وللشافعي قولان، كالروايتين.\nقلت: لم أر التنصيف قول الشافعي، بل قوله الآخر موافق لمالك، وحكى الترمذي عنه أنه رجع عنه بمصر، وقال بحديث بروع. (ش). (انظر: \"المغني\" ١٠/ ١٣٩ - ١٤٢).","vol":"8","page":37},{"text":"٢١١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ الذُّهْلِيُّ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، قَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَصْبَغِ الْجَزَرِيُّ (١) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ (٢)، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ خَالِدِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عن زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنيْسَةَ،\n===\nوروى الحاكم في \"المستدرك\" (٣)، عن حرملة بن يحيى أنه قال: سمعت الشافعي يقول: إن صح حديث بروع بنت واشق، قلت به. قال الحاكم: قال شيخنا أبو عبد الله: لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس الناس وقلت: قد صح الحديث فقلْ به.\nوللحديث شاهد أخرجه أبو داود والحاكم من حديث عقبة بن عامر: أن النبي - ﷺ - زوج امرأةً رجلًا فدخل بها ولم يفرض لها صداقًا، فحضرته الوفاة فقال: أشهدكم أن سَهْمِي بخيبر لها، ملخص من الشوكاني بتقديم وتأخير.\n٢١١٧ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس الذهلي وعمر بن الخطاب (٤)، قال محمد) أي ابن يحيى: (حدثني أبو الأصبغ (٥). الجزري) وفي نسخة على الحاشية: \"الحراني\"، وكلاهما صحيحان، فإن حران بلدة من الجزيرة، كما قاله في \"الأنساب\"، (عبد العزيز بن يحيى) عطف بيان لأبي الأصبغ، (أنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة) بضم الهمزة مصغرًا.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الحراني\".\n(٢) في نسخة: \"مسلمة\".\n(٣) (٢/ ١٨٠).\n(٤) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٦٢٨) رقم (٩٩٦٢) شيخًا آخر لأبي داود في هذا الحديث وهو ابن المثنى، وقال: حديث ابن المثنى في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٥) وما في بين سطور الكتاب: في \"المغني\": اسمه حويطب، غلط من الناسخ. قال في \"المغني\": ابن الأصبغ اسمه حويطب. (ش).","vol":"8","page":38},{"text":"عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: \"أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِرَجُل: \"أَتَرْضَى أَنْ أَزَوِّجَكَ فُلَانَةً؟ \" قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: تَرْضَيْنَ (١) أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَانًا؟ \"، قَالَتْ: نَعَمْ، فَزَوَّجَ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ، فَدَخَلَ بِهَا الرَّجُلُ، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، وَكَانَ مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ لَهُم سَهْمٌ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - زَوَّجَنِي فُلَانَةً، وَلَمْ أَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ أُعْطِهَا شَيْئًا، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَعْطَيْتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمِي بِخيْبَرَ، فَأَخَذَتْ سَهْمًا، فبَاعَتْهُ بِمائَةِ أَلْفٍ. [٧/ ٢٣٢، ك ٢/ ١٨]\n===\n(عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر: أن النبي - ﷺ - قال لرجل) لم أقف على اسمه: (أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: ترضين) بتقدير همزة الاستفهام، وفي نسخة: \"بها\" (أن أزوجك فلانًا؟ قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل) أي خلا بها وجامعها، (ولم يفرض) أي لم يعين (لها صداقًا) يجب في الذمة، (ولم يعطِها شيئًا) أي معجلًا، (وكان) أي ذاك الرجل المتزوج (ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية لهم سهم بخيبر) لأنهم فتحوها بعد الرجوع من الحديبية.\n(فلما حضرته) أي الرجل (الوفاة، قال: إن رسول الله - ﷺ - زوجني فلانةً، ولم أفرض لها صداقًا، ولم أعطها شيئًا، وإني أشهدكم أني أعطتيها من صداقها) أي في صداقها (سهمي بخيبر، فأخذت) المرأة (سهمًا، فباعته بمائة ألف) أي درهم. أخرجه الحاكم في \"المستدرك\"، وقال: هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n_________\n(١) في نسخة: \"أترضين\".","vol":"8","page":39},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَ عُمَرُ في أَوَّلِ الْحَدِيثِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ\". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِلرَّجُلِ، ثُمَّ سَاقَ مَعْنَاهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>(٣٢) بَابٌ: في خُطْبَةِ النِّكَاحِ</span>\n===\n(قال أبو داود: وزاد عمر) بن الخطاب شيخ المصنف (في أول الحديث: قال رسول الله - ﷺ -: خير النكاح أيسره، وقال رسول الله - ﷺ - للرجل) أي معرفًا باللام. وفي حديث محمد بن سلمة بغير اللام (ثم ساق) أي عمر بن الخطاب (معناه) أي معنى الحديث المتقدم. قلت: ولكن الحاكم في \"مستدركه\" والذهبي في \"تلخيصه\" أخرجا هذه الجملة في آخر الحديث لا في أوله.\nوكتب على حاشية النسخة المكتوبة والمطبوعة المجتبائية والقادرية: \"قال أبو داود: يُخاف أن يكون هذا الحديث مُلْزَقًا، لأن الأمر على غير هذا؛ لأنه أعطاها زائدة عن المهر في مرض الموت\". قلت: ولا مضايقة فيه؛ لأن له إن كان ورثة لعلهم رضوا به، وإن لم يكن فلا مانع عنه.\n\n(٣٢) (بابٌ: فِى خُطْبَةِ النِّكَاحِ) (١)\nأي: عند العقد، وهو بضم الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة\n_________\n(١) المستحب خطبة واحدة يخطب الولي، أو الزوج، وقال الشافعي: خطبتان. والمنقول عن النبي - ﷺ - وعن السلف خطبة واحدة، كذا في \"المغني\" (٩/ ٤٦٦). وقال الدردير (٢/ ٢١٦): نُدب أربع: خطبتان عند الخِطبة، واثنان عند العقد من كل منهما، انتهى.\nثم يناسب هذا المحل ما قال الموفق (١٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩): اختلفت الرواية عن أحمد في النثار والتقاطه، فعنه أنه مكروه، وبه قال مالك والشافعي، وعنه ليس بمكروه، وبه قال أبو حنيفة، وبسط الكلام على ذلك، واستدل للأولين بعموم النهي عن النهبة، وللآخرين بحديث نحره ﵇ خمس بدنات، وقال: من شاء فليقتطع، وبحديث أنه ﵇ دعي إلى وليمة رجل من الأنصار، ثم أتوا بنهب، فانتهب عليه. قال الراوي: نظرت إلى رسول الله - ﷺ - يزاحم الناس، قلت: يا رسول الله أو ما نهيتنا عن النهبة؟ قال: \"نهيتكم عن نهبة العساكر\" ... إلخ\". (ش).\n[قلت: المراد \"بالنثار والتقاطه\" ما ينثر في العرس وغيره من التمور واللوز والسكر وغيره].","vol":"8","page":40},{"text":"٢١١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، عن (١) عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ في خُطْبَةِ الْحَاجَةِ في النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، الْمَعْنَى، نَا وَكِيعٌ، عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِي الأَحْوَصِ وَأَبي عُبَيْدَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: \"إِنَّ الْحَمْدَ للهِ،\n===\nقال الحافظ (٢): وقد قال أهلُ العلم: إن النكاح جائز بغير خطبة، وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل العلم. وقد شرطه في النكاح بعض أهل الظاهر، وهو شاذ.\n٢١١٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة) هو ابن عبد الله بن مسعود، ولم يسمع منه، ولكن أخرجه أصحاب \"السنن\"، وصححه أبو عوانة، وابن حبان، عن ابن مسعود مرفوعًا. وقال الترمذي: حسن، رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، ورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، وكلا الحديثين صحيح؛ لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ -، (عن عبد الله بن مسعود في خطبة الحاجة في النكاح وغيره).\n(وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري المعنى)، أي معنى حديث محمد بن كثير المتقدم، وحديث محمد بن سليمان واحد، (نا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله) أي ابن مسعود (قال: علَّمنا رسول الله - ﷺ - خطبة الحاجة) أي في النكاح وغيره (إن الحمد لله) قال القاري (٣): بتخفيف إن، ورفع الحمد، وفي نسخة: بالتشديد والنصب. قال الجزري في \"تصحيح المصابيح\": يجوز تخفيف إن وتشديدها، ومع التشديد\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أن\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٢).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"8","page":41},{"text":"نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّه فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾،\n===\nيجوز رفع الحمد ونصبه، ورويناه بذلك، انتهى. ورفع الحمد مع التشديد يكون على الحكاية.\n(نستعينه) في حمده وغيره (ونستغفره) في تقصير عبادته، وتأخير طاعته، (ونعوذ به من ضرور أنفسنا) أي بصدور المعاصي منها، (من يهدِه الله) بإثبات الضمير أي من يوفقه للهداية (فلا مضلَّ له) من شيطان ونفس وغيرهما، (ومن يضلل) بخلق الضلالة فيه (فلا هاديَ له) أي: من ولي ولا نبي.\n(وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) سيد مخلوقاته، وسند موجوداته، وزاد في رواية النسائي: \"ويقرأ ثلاث آيات\"، وهو يقتضي معطوفًا عليه فالتقدير يقول: الحمد، ويقرأ أي النبي - ﷺ - ثلاث آيات:\n(يا أيها الذين آمنوا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾)، قال القاري: هكذا في نسخ \"المشكاة\" و\"الأذكار\" و\"تيسير الوصول إلى جامع الأصول\" وبعض نسخ \"الحصين\"، قال الطيبي - ﵀ -: ولعله هكذا في مصحف ابن مسعود - ﵁ -، فإن المثبت في أول سورة النساء \"واتقوا الله الذي\" بدون \"يا أيها الذين آمنوا\".\nقيل: يحتمل أن يكون تأويلًا لما في \"الإمام\": فيكون إشارة إلى أن اللام في \"يا أيها الناس\" للعهد، والمراد المؤمنون، قلت: لا يصح هذا الاحتمال؛ لأنه لو كان كذلك لقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (١) الآية، مع أن الموصولين لا يلائمان التخصيص.\n\"وتساءلون\" بحذف إحدى التائين، وبتشديد السين، قراءتان متواترتان، \"والأرحام\" بالنصب عند عامة القراء، أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١.","vol":"8","page":42},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢)، (٣) لَمْ يَقُلْ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ: \"إِنَّ\". [ت ١١٠٥، ن ١٤٠٤، جه ١٨٩٢، حم ١/ ٣٩٢، دي ٢٢٠٢]\n===\nحمزة بالخفض، أي به وبالأرحام كما في قراءة شاذة عن ابن مسعود، والعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار فصيح على الصحيح، وطعن من طعن فيه. وقيل: الجر للجوار. وقيل: الواو للقسم. وقيل: على نزع الخافض.\n(﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾)، قال ابن مسعود وابن عباس: هو أن يطاع فلا يعصى، وقيل: وأن يذكر فلا ينسى. قال أهل التفسير: لما نزلت هذه الآية شَقَّ ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله! ومن يقوى على هذا؟ ! فأنزل الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسخت هذه الآية. وقيل: إنها ثابتة، والآية الثانية مبينة: (﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾) أي: مؤمنون، أو مخلصون، أو مفوضون، أو محسنون الظن بالله تعالى. وقيل: متزوجون. والنهي في ظاهر الكلام وقع على الموت، وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإِسلام، ومعناه: داوِمُوا على الإِسلام، حتى لا يصادفكم الموت إلَّا وأنتم مسلمون.\n(﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾) أي: مخالفته ومعاقبته، ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي: صوابًا، وقيل: عدلًا وصدقًا، وقيل: مستقيمًا، وهو قول لا إله إلَّا الله، أي: دوموا على هذا القول، ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: يتقبل حسناتكم، (﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾) أي: يمحو سيئاتكم، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾) أي: ظفر خيرًا كثيرًا، وأدرك مُلكًا كبيرًا.\nقال أبو داود: (لم يقل محمد بن سليمان: إنَّ)، أي في قوله: \"إن الحمد لله\"، بل قال: الحمد لله.\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ١٠٢.\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٧٠ - ٧١.\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"8","page":43},{"text":"٢١١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، نَا عِمْرَانُ، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ رَبِّهِ، عن أَبِي عِيَاضٍ،\n===\nوقال الترمذي في \"جامعه\": ففسرها أي ثلاث آيات سفيان الثوري، أقول: فيمكن الغلط في الآية الأولى سهوًا منه، فالأولى أن تقرأ الآية على القراءة المتواترة، كما في نسخة من \"الحصن\"، وهو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية، وهو في غاية المناسبة لحال النكاح وغيره من كل حاجة.\n٢١١٩ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو عاصم) النبيل، (نا عمران) القطان، (عن قتادة، عن عبد ربه) بن أبي يزيد، ويقال: ابن يزيد، ويقال: عبد رب، روى عن أبي عياض، وعنه قتادة، روى له أبو داود حديثًا في الخطبة، والنسائي آخر في الصائم يصبح جنبًا.\nقلت: قال علي بن المديني: عبد ربه الذي روى عنه قتادة لم يرو عنه غير قتادة، وقال البخاري في \"تاريخه\": نسبه همام (١)، وقال علي: عرفه ابن عيينة قال: كان يبيع الثياب، انتهى. وقال في \"التقريب\": مستور.\n(عن أبي عياض) المدني، عن ابن مسعود وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. روى قتادة عن عبد ربه عنه. قال مسلم في \"الكنى\": أبو عياض عمرو ابن الأسود، سمع معاوية، وعنه خالد بن معدان، وقيل: اسمه قيس بن ثعلبة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: أبو عياض هو صاحب علي، اسمه مسلم بن نذير.\nقلت: الذي ذكره مسلم هو الذي قبل هذا، ومسلم تبع في ذلك البخاري، فإنه كذلك ذكره في \"الكنى\"، ونقل عن علي بن المديني أن اسمه قيس بن ثعلبة، ثم قال: وقال غيره: عمرو بن الأسود، وكذلك نقل هذا كله عن البخاري النسائي وأبو أحمد الحاكم كلاهما في \"الكنى\"، وأما الراوي عن عبد الرحمن\n_________\n(١) في الأصل: \"بسند همام\" وهو تحريف، انظر: \"تاريخ البخاري\" رقم (١٧٦٣).","vol":"8","page":44},{"text":"عن ابْنِ مَسْعُودٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ إِذَا تَشَهَّدَ، ذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَرَسُولُهُ: \"أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ، مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَد، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ وَلَا يَضُرّ اللَّه شَيْئًا\". [ق ٧/ ١٤٦]\n٢١٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، نَا شعْبَةُ، عن الْعَلَاءِ ابْنِ أَخِي شُعَيْبٍ الرَّازِيِّ،\n===\nابن الحارث فمدني، لا يعرف، لكنه ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، إلا أنه جعل عبد الرحمن بن الحارث من الرواة عنه، والله تعالى أعلم.\n(عن ابن مسعود: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تشهد) أي خطب، (ذكر) أي الراوي (نحوه) أي نحو ما تقدم (قال) أي زاد (بعد قوله: ورسوله: أرسله بالحق بشيرًا) للمؤمنين (ونذيرًا) للكافرين والعاصين (بين يدي الساعة) أي قدامها، (من يطع الله ورسولَه فقد رشد) أي: فاز، (ومن يعصهما فإنه لا يضر إلَّا نفسه، ولا يضر الله شيئًا).\n٢١٢٠ - (حدثنا محمد بن بشار، نا بدل) بفتحتين (ابن المحبر) بضم الميم وفتح المهملة والموحدة، ابن المنبه، التميمي اليربوعي، أبو المنير، البصري، واسطي الأصل، روى عنه البخاري، وروى له الأربعة بواسطة بندار وغيره، قال ابن عبد البر: هو عندهم ثقةٌ حافظ، وقال الحاكم: سألت الدارقطني عنه، فقال: ضعيف، حدث عن زائدة بحديث لم يتابع عليه حديث ابن عقيل، عن ابن عمر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": ثقةٌ ثبتٌ إلَّا في حديثه عن زائدة.\n(نا شعبة، عن العلاء ابن أخي شعيب) بن خالد البجلي (الرازي) والد يحيى، روى عن إسماعيل بن إبراهيم، عن رجل من بني سليم، وعنه شعبة بن الحجاج، ذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: وقال الذهبي: لا يُعرف، تفرد عنه شعبة.","vol":"8","page":45},{"text":"عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: \"خَطَبْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ\" (١). [ق ٧/ ١٤٧، التاريخ الكبير للبخاري ١/ ١٠٨٦]\n===\n(عن إسماعيل بن إبراهيم) عن رجل من بني سليم مرفوعًا بحديث واحد في النكاح، وعنه العلاء ابن أخي شعيب الرازي، وفيه اضطراب، وقيل: عن يزيد بن عياض بن جعدبة، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عباد بن شيبان، عن أبيه، عن جده رفعه نحوه. قلت: هذا ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: روى عنه حفص بن عمر بن عامر، وقال البخاري في \"التاريخ\": قال محمد بن عقبة السدوسي: ثنا حفص بن عمر بن عامر السلمي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عباد بن شيبان به، عن رجل من بني سليم، هو عباد بن شيبان السلمي.\n(عن رجل من بني سليم) قال في \"تهذيب التهذيب\" في باب المبهمات: إسماعيل بن إبراهيم، عن رجل من بني سليم، هو عباد بن شيبان السلمي، كما تقدم في ترجمة إسماعيل، وهو حفيد عباد المذكور.\n(قال: خطبت) مِن الخِطبة بكسر الخاء المعجمة (إلى النبي - ﷺ - أمامة بنت عبد المطلب)، قال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): لها ذكر في حديث ضعيف، كذا في \"التجريد\"، وهي أميمة الآتي ذكرها، نسبت إلى جد أبيها، وهي بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. قلت: وذكر في ترجمة أميمة مثله (فأنكحني من غير أن يتشهد) أي: يخطب، فدل هذا على جواز النكاح بغير خطبة (٣).\n_________\n(١) وفي نسخة \"عون المعبود\" (٦/ ١٥٧) زيادة: \"قال لنا أبو عيسى: بَلَغَنا أن أبا داود قيل له: أيجوز هذا؟ قال: نعم\". وفي هذا أحاديث عن النبي - ﷺ -\".\nوأبو عيسى هو الرملي، أحد رواة هذه \"السنن\" عن المؤلف أبي داود.\n(٢) \"الإصابة\" (٤/ ٢٣١).\n(٣) ويستدل له أيضًا بحديث الصحيحين: \"زوجتكها بما معك من القرآن\"، كما في \"الأوجز\" (١٠/ ٣٢٨). (ش).","vol":"8","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>(٣٣) بابٌ: فِى تَزْوِيجِ الصِّغَارِ</span>\n٢١٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"تَزَوَّجَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - وأَنَا بِنْتُ سَبْعٍ - قَالَ سُلَيْمَانُ: أَوْ سِتٍّ - وَدَخَلَ بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعٍ\". [خ ٥١٥٨، م ١٤٢٢، ن ٣٢٥٥، جه ١٨٧٦، حم ٦/ ٢٨٠، دي ٢٢٦١]\n===\n\n(٣٣) (بَابٌ: في تَزْويجِ الصِّغَارِ)\n٢١٢١ - (حدثنا سليمان بن حرب وأبو كامل قالا: نا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله - ﷺ - وأنا بنت سبع) أي: سبع سنين (قال سليمان) شيخ المصنف: (أو سِتٍّ، ودخل بي)، وفي رواية: \"وبنى بها\"، وفي رواية: \"وزُفَّتْ إليه\"، وحاصل جميع الألفاظ واحد (وأنا بنت تسع) (١).\n_________\n(١) بني بها في شوال سنة ٢ هـ، وقيل في سنة ٣ هـ، كذا في \"التلقيح\" (ص ٢٠)، انتهى. وأورد بعض الجهلة على حديث بنائه ﵇ عليها، وهي بنت تسع، فقالوا: والحديث وإن كان في \"البخاري\"، لكنه من الأكاذيب؛ لأن مثلها لا سيما عائشة لهزالها وورود الحمى عليها لا تستطيع ذلك.\nوأجاب عنه في جريدة \"أهل حديث\" دهلى ٢١ ذو القعدة سنة ١٣٧٥ هـ، إذ قال الدكتور غلام جيلاني في كتابه \"مخزن الحكمة\": إنها تختلف باختلاف الممالك، ففي البلاد الحارة تحيض المرأة وهي بنت تسع سنين، وفي البلاد المعتدلة في اثنتي عشرة سنة، وفي الباردة في ست عشرة سنة.\nوهكذا قال غير واحد من الأطباء كما حكاه سر سيد أحمد خان مؤسس جامعة عليكراه في \"خطباته\"، وحكى الدارقطني (٣/ ٣٢٣) والبيهقي (٧/ ٤٢٠) عن عباد بن عباد: \"أنه صارت امرأة مِنَّا جدة وهي بنت ثمانية عشر سنة\"، وحكى البخاري (كتاب ٥٢ باب ١٨) نحو ذلك: وهي بنت إحدى وعشرين، وحكى البيهقي (٧/ ٤٢١) عن عبد الله بن صالح: \"أنه رأى امرأة بنت تسع حاملة\".\nواختلف الحنفية في أقل ما يمكن لها الحمل، فقيل: بنت ست، وقيل: سبع، وقال ابن الهمام: المختار بنت تسع. قلت: وما قيل في حق عائشة: إنها كانت مهزولة يأبى عنه ما سيأتي في \"باب السمنة\". (ش).","vol":"8","page":47},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): قال المهلب: أجمعوا على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا توطأ مثلها، إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه في من لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقًا: أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة، حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزويج النبي - ﷺ - عائشة وهي بنت ست سنين، كان من خصائصه، ومقابله تجويز الحسن والنخعي للأب إجبار بنته، كبيرةً كانت أو صغيرةً، بكرًا كان أو ثيبًا.\nقلت: ويرد دعوى التخصيص أن عمر - ﵁ - خطب إلى علي بنته أم كلثوم، فاعتذر بأنها صغيرة، فقال عمر: إن تعش تكبر فتزوجها.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٢): وأجمع المسلمون على جواز تزويج الأب- والجد فيه كالأب - بنته البكر الصغيرة لهذا الحديث، وإذا بلغتْ فلا خيار لها في فسخه عند مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز. وقال أهل العراق: لها الخيار إذا بلغت.\nقلت: وكذلك عند الحنفية من أهل العراق: لا خيار لها في فسخ النكاح، كما هو مذهب فقهاء الحجاز، أما غير الأب والجد من الأولياء فلا يجوز أن يزوجها عند الشافعي، والثوري، ومالك، وابن أبي ليلى، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عبيد، والجمهور قالوا: فإن زوجها لم يصح، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون من السلف: يجوز لجميع الأولياء، ويصح، ولها الخيار إذا بلغتْ، إلَّا أبا يوسف فقال: لا خيار لها.\nوأما وقت زفاف الصغيرة المزوجة للدخول بها، فإن اتفق الزوج والولي على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة عُمل به، وإن اختلفا، فقال أحمد وأبو عبيد: تجبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها، وقال مالك والشافعي\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٠).\n(٢) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"8","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>(٣٤) بابٌ: فِى الْمَقَامِ عِنْدَ الْبِكْرِ</span>\n٢١٢٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ أَبِي بَكْرٍ، عن أَبِيهِ، عن أُمِّ سَلَمَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ:\n===\nوأبو حنيفة: حد ذلك أن تطيق الجماع، ويختلف ذلك باختلافهن، ولا يضبط بسن، وهذا هو الصحيح. وليس في حديث عائشة تحديد، ولا المنع من ذلك في من أطاقته قبل تسع، ولا الإذن فيه لمن لم تطقه، وقد بلغتْ تسعًا.\nقال الداودي: وكانت عائشة قد شبَّت شبابًا حسنًا، وأما قولها في رواية: \"تزوجني وأنا بنت سبع\"، وفي أكثر الروايات: \"بنت ست\"، فالجمع بينهما أنه كان لها ست وكسر، ففي رواية اقتصرت على السنين، وفي رواية عدت السنَّة التي دخلت فيها، والله أعلم.\n\n(٣٤) (بابٌ: فِى الْمَقَامِ عِنْدَ الْبِكْرِ)\nأي إذا تزوج البكر على الثيب كم يقيم عندها؟\n٢١٢٢ - (حدثنا زهير بن حرب، نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني محمد بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجَّاري الحزمي، بإسكان الزاي، أبو عبد الملك المدني القاضي، وثقه أبو حاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وعن أحمد: ليس به بأس، (عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه) أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، (عن أم سلمة) أم المؤمنين.\n(أن رسول الله - ﷺ - لما تزوَّج أم سلمة، أقام عندها ثلاثًا، ثم قال (١):\n_________\n(١) هذا نص في أن هذا القول بعد ثلاثة أيام، ولفظ مسلم: \"أنه ﵇ حين تزوجت أم سلمة، وأصبحت عنده، قال ذلك\". وأوَّله الباجي (٥/ ٦٢) باحتمال أنه ﵇ قال ذلك مرتين في اليوم الأول والثالث إعادة للتخيير. (ش).","vol":"8","page":49},{"text":"\"لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي\". [م ١٤٦٠، جه ١٩١٧، حم ٦/ ٢٩٢، دي ٢٢١٠]\n===\nليس بك على أهلك هوانٌ) أي: احتقار، والمراد بالأهل قبيلتها، والباء للسببية، أي لا يلحق أهلك بسببك هوان، وقيل: أراد بالأهل نفسه ﷺ، والباء متعلقة بهوان، أي ليس اقتصاري على الثلاثة لهوانك علي، ولا لعدم رغبتي فيك، (إن شئتِ سبَّعتُ لكِ) أي أقمت سبع ليال عندك (وإن سبَّعتُ لك سبَّعْتُ لِنِسائي).\nوهذا الحديث يدل على وجوب العدل (١) على الزوج، إذا كان له أكثر من زوجة. ومذهب الحنفية في ذلك: أن الرجل إذا كان عنده أكثر من امرأة، فعليه العدل بينهن في حقوقهن من: القسم، والنفقة، والكسوة، لا في المودة، والمجامعة؛ فيجب عليه التسوية في المأكول، والمشروب، والملبوس، والسكنى، والبيتوتة.\nوالأصل فيه قوله ﷿: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (٢)، أي: إن خفتم أن لا تعدلوا في القسم، والنفقة في نكاح المثنى، والثلاث، والرباع، فواحدة، ندب ﷾ إلى إنكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة. وإنما يخاف على ترك الواجب، فدل على أن العدل بينهن واجب، وإليه أشار في آخر الآية بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٣)، أي: لا تجوروا، والجور حرام، فكان العدل واجبًا ضرورة؛ ولأن العدل مأمور به بقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٤) على العموم والإطلاق، إلا ما خص بدليل.\nويستوي في القسم: البكر، والثيب، والشابة، والعجوز، والقديمة،\n_________\n(١) وهل كان واجبًا عليه - ﷺ -؟ سيأتي في \"باب القسم\". (ش).\n(٢) سورة النساء: الآية ٣.\n(٣) سورة النساء: الآية ٣.\n(٤) سورة النحل: الآية ٩٠.","vol":"8","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحديثة، والمسلمة، والكتابية، ولا قسم للمملوكات بملك يمين، وإن كثرن بقوله ﷿: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ولو كانت إحدى الزوجتين حرة، والأخرى أمة، فللحرة يومان، وللأمة يوم، وهذا التفاوت في السكنى والبيتوتة.\nوأما في المأكول، والمشروب، والملبوس، فإنه يسوي بينهما؛ لأن ذلك من الحاجات اللازمة، فيستوي فيه الحرة والأمة.\nوقال الشافعي (١) - ﵀ -: إن كانت الجديدة بكرًا، يفضلها بسبع ليالٍ، وإن كانت ثيبًا، فبثلاث، ثم التسوية بعد ذلك لحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"يفضل البكر بسبع، والثيبُ بثلاثٌ\".\nوالحاصل أن الاختلاف في موضعين في الفرق بين البكر والثيب، وفي تفضيل الجديدة على القديمة، وأجاب عنه الحنفية: بأن ما رواه محمول على التفضيل بالبداءة دون الزيادة، كما ذكر في حديث أم سلمة، أنه ﵇ قال: \"إن شئتِ سبَّعتُ لكِ وسبَّعتُ لهنَّ\"، ونحن نقول للزوج أن يبتدئ بالجديدة، ولكن بشرط أن يسوي بينهما، فلا تفضيل إلَّا بالبداءة.\nوقال الطحاوي (٢): وقال أصحاب المقالة الأولى: فما معنى قوله: \"ثم أدور؟ \" قيل لهم: يحتمل ثم أدور بالثلاث عليهن جميعًا؛ لأنه لو كانت الثلاث\n_________\n(١) وبه قال مالك وأحمد أيضًا، قاله العيني (١٤/ ١٨٩، ١٩٠)، وفي \"التعليق الممجد\" (٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠): فهم منه جواز تخيير الثيب بين الثلاث بلا قضاء، والسبع مع القضاء، وإليه ذهب الجمهور والشافعي وأحمد، وقال مالك: لا تخيير، بل للبكر الجديدة سبع، وللثيب ثلاث، بدون التخيير والقضاء، لما رواه البخاري من حديث أنس: السنَّة إذا تزوج البكر ... إلخ، واعتذر مالك من حديث أم سلمة أنه من خصائصه - ﷺ -، قال الحافظ (٩/ ٣١٥ - ٣١٦): (تنبيه): يكره أن يتأخر في السبع أو الثلاث عن صلاة الجماعة، وقال الرافعي: هذا في النهار، وأما في الليل فلا، إلى آخر ما ذكر من التفصيل. (ش).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٩، ٣٠).","vol":"8","page":51},{"text":"٢١٢٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عن هُشَيْمٍ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"لَمَّا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَفِيَّةَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا\". زَادَ عُثْمَانُ: \"وَكَانَتْ ثَيِّبًا\". وَقَالَ: حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ، أَنَا حُمَيْدٌ، نَا أَنَسٌ\". [حم ٣/ ٩٩]\n===\nحقًا لها دون سائر النساء، لكان إذا أقام عندها سبعًا كانت ثلاث منهن غير محسوبة عليها، ووجب أن يكون لسائر النساء أربع أربع.\nفلما كان الذي للنساء إذا أقام عندها سبعًا سبعًا، لكل واحدة منهن، كان كذلك إذا أقام عندها ثلاثًا، لكل واحدة منهن ثلاث ثلاث، هذا هو النظر الصحيح، مع استقامة تأويل هذه الآثار عليه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين.\nقال ابن الهمام (١): واعلم أن المروي إن لم يكن قطعي الدلالة في التخصيص، وجب تقديم الآية والحديث المطلق لوجوب التسوية، وإن كان قطعيًا وجب اعتبار التخصيص بالزيادة، فإنه لا يعارض ما روينا وتلونا؛ لأن مقتضاهما العدل، وإذا ثبت التخصيص شرعًا، كان هو العدل، فإنا نراه لم ينحصر في التسوية، بل يتحقق مع عدمها لعارض وهو رق إحدى المرأتين، حتى كان العدل لإحداهما يومًا، وللأخرى يومين، فليكن أيضًا بتخصيص الجديدة الدهشة بالإقامة سبعًا إن كانت بكرًا، أو ثلاثًا إن كانت ثيبًا؛ لتألف بالإقامة وتطمئن بهذا.\n٢١٢٣ - (حدثنا وهب بن بقية وعثمان بن أبي شيبة، عن هشيم، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: لما أخذ رسول الله - ﷺ - صفية) بنت حيي، وتزوجها (أقام عندها ثلاثًا، زاد عثمان: وكانت) أي صفية (ثيبًا، وقال) أي عثمان: (حدثني هشيم، أنا حميد، نا أنس)، حاصله أن وهب بن بقية رواها بصيغة عن، وأما عثمان بن أبي شيبة فرواها بصيغة التحديث والإخبار.\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٣/ ٤١٣).","vol":"8","page":52},{"text":"٢١٢٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا هُشَيْمٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا\". وَلَوْ قُلْتُ: إِنَّهُ رَفَعَهُ لَصَدَقْتُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: \"السُّنَّةُ كَذَلِكَ\". [خ ٥٢١٤، م ١٤٦١، ت ١١٣٩، جه ١٩١٦]\n===\n٢١٢٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا هشيم وإسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: إذا تزوَّج البكرَ على الثيب)، ولفظ حديث البخاري عن أنس قال: \"من السنَّة إذا تزوج الرجلُ البكر على الثيب\" (أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب) أي على البكر، كما في حديث البخاري (أقام عندها ثلاثًا) وزاد في حديث البخاري في الأول \"وقسم\"، وفي الثاني: \"ثم قسم\".\nقال الحافظ (١): ووقع عند الإسماعيلي وأبي نعيم من طريق حمزة بن عون، عن أبي أسامة بلفظ \"ثم\" في الموضعين.\n(ولو قلت) وفي البخاري: \"وقال أبو قلابة: ولو شئت لقلت\" (إنه) أي: أنسًا (رفعه) أي إلى النبي - ﷺ - كما في البخاري (لصدقت، ولكنه) أي: أنسًا (قال: السنَّة كذلك).\nقال الحافظ: كأنه يشير إلى أنه لو صرح برفعه إلى النبي - ﷺ -، لكان صادقًا، ويكون روى بالمعنى، وهو جائز عنده، لكنه رأى أن المحافظة على اللفظ أولى.\nوقال ابن دقيق العيد: قول أبي قلابة يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ظن أنه سمعه عن أنس مرفوعًا لفظًا، فتحرَّز عنه تورُّعًا. والثاني: أن يكون\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٤).","vol":"8","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>(٣٥) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَدْخُلُ بِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَهَا </span>(١)\n٢١٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ، نَا عَبْدَةُ، نَا سَعِيدٌ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَمَّا تَزَوَّجَ عَليٌّ فَاطِمَةَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَعْطِهَا شَيْئًا، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: أَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟ \". [ن ٣٣٧٦]\n===\nرأى أن قول أنس: \"من السنَّة\" في حكم المرفوع، فلو عبر عنه بأنه مرفوع على حسب اعتقاده، يصح؛ لأنه في حكم المرفوع. قال: والأول أقرب؛ لأن قوله: \"من السنة\" يقتضي أن يكون مرفوعًا بطريق اجتهادي محتمل.\n\n(٣٥) (بابٌ: فِى الرَّجُلِ يَدْخُلُ (٢) بِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَهَا)\nأي: يعطيها شيئًا\n٢١٢٥ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، نا عبدة، نا سعيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما تزوَّجَ عليٌّ فاطمةَ، قال له رسول الله - ﷺ -: أعطها شيئًا)، ولعله - ﷺ - أمره بذلك أن يعطيها بطريق المهر المعجل تأنيسًا لها، وجبرًا لخاطرها، (قال: ما عندي شيء، قال: أين درعك الحُطَمِيَّةُ؟ (٣». قال في \"النهاية\" (٤): هي التي تَحْطِم السيوف، أي: تكسرها،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"شيئًا\".\n(٢) قال الموفق (١٠/ ١٤٧ - ١٤٨): يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئًا، بهذا قال الثوري والحسن والشافعي، وروي عن ابن عباس وابن عمر والزهري وقتادة ومالك لا يدخل بها حتى يعطيها شيئًا؛ لحديث علي - ﵁ -. ولنا حديث عائشة - ﵂ - الآتي، وحديث علي - ﵁ - محمول على الاستحباب، ويحتمل أن يكون قول ابن عباس ومن معه على الاستحباب، فلا يكون بين القولين فرق ... إلخ. (ش).\n(٣) وبسط صاحب \"الخميس\" (١/ ٣٦٢) في وجه التسمية بذلك، وفي أنه ذكرها موضع الذم. (ش).\n(٤) \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٤٠٣).","vol":"8","page":54},{"text":"٢١٢٦ - حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحِمْصِيُّ، نَا أَبُو حَيْوَةَ، عَنْ شُعَيبٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَمْزَةَ-، حَدَّثَنِي غَيْلَانُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - لَمَّا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بنْتَ رَسُولِ الله - ﷺ - وَرَضِيَ عَنْهَا، أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَمَنَعَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لي شَيْءٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَعْطِهَا دِرْعَكَ\"، فَأَعْطَاهَا دِرْعَهُ ثمَّ دَخَلَ بِهَا. [ق ٧/ ٢٥٢]\n===\nوقيل: هي العريضة الثقيلة، وقيل: هي منسوبة إلى بطن من عبد القيس يقال لهم: حطمة بن محارب، كانوا يعملون الدروع، وهذا أشبه الأقوال.\n٢١٢٦ - (حدثنا كثير بن عبيد الحمصي، نا أبو حيوة، عن شعيب- يعني ابن أبي حمزة-، حدثني غيلان بن أنس) من أهل حمص، الكلبي مولاهم، أبو يزيد الدمشقي. وقال ابن مريم عن ابن معين: ليس يروي عنه غير الأوزاعي، (حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -).\nقال الشوكاني (١): والرواية الثانية: هي في \"سنن أبي داود\" عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، لم يقل عن ابن عباس، كما في الرواية الأولى.\n(أن عليًا - ﵁ - لما تزوج فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - ورضي عنها، أراد أن يدخل بها، فمنعه رسول الله - ﷺ - حتى يعطيها شيئًا، فقال: يا رسول الله، ليس لي شيء، فقال له النبي - ﷺ -: أعطها درعك، فأعطاها درعه، ثم دخل بها).\nقال الشوكاني: قيل: وظاهر الحديث أن المهر لم يكن مسمَّى عند العقد، وتُعِقَّب بأنه يحتمل أنه كان مسمَّى عند العقد، ووقع التأجيل، ولكنه - ﷺ - أمره\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٥٧).","vol":"8","page":55},{"text":"٢١٢٧ - حَدَّثَنَا كَثِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ عُبَيْدٍ -، حَدَّثَنَا أَبُو حَيْوَةَ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. [انظر سابقه]\n٢١٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"أَمَرَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أُدْخِلَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا\". [جه ١٩٩٢]\n٢١٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ:\n===\nبتقديم شيء منه، كرامةً للمرأة، وتأنيسًا لها. وحديث عائشة المذكور يدل على أنه لا يشترط في صحة النكاح أن يسلم الزوج إلى المرأة مهرها قبل الدخول، ولا أعرف في ذلك خلافًا.\n٢١٢٧ - (حدثنا كثير - يعني ابن عبيد -، أنا أبو حيوة، عن شعيب، عن غيلان، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله) أي مثل ما تقدم من الحديث.\n٢١٢٨ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا شريك) القاضي، (عن منصور) بن المعتمر، (عن طلحة) بن مصرف، (عن خيثمة) بن عبد الرحمن، (عن عائشة)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال ابن القطان: ينظر في سماعه عن عائشة - ﵂ - (قالت: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أُدخِل امرأة على زوجها قبل أن يعطيَها شيئًا)، وهذا يدل على أنه لا يشترط في صحة النكاح أن يعطيها الزوج شيئًا قبل الدخول بها، فالذي أمر رسول الله - ﷺ - عليًا بإعطاء الدرع، لم يكن للوجوب.\n(قال أبو داود: خيثمة لم يسمع عن عائشة)، وهذه العبارة توجد في بعض النسخ، ولا توجد في بعضها.\n٢١٢٩ - (حدثنا محمد بن معمر، نا محمد بن بكر البرساني، أنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال:","vol":"8","page":56},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ، أَوْ عِدَةٍ قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاع فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أكْرِمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ\". [ن ٣٣٥٣، جه ١٩٥٥، حم ٢/ ١٨٢، ق ٧/ ١٢٤٨]\n===\nقال رسول الله - ﷺ -: أيما امرأة نُكحت على صداق أو حِباء) وهي بالكسر والمد، ما يعطيه الزوج سوى الصداق بطريق الهبة (أو عدة) بكسر العين المهملة، ما يعد الزوج أنه يعطيها (قبل عصمة النكاح) أي قبل عقده (فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح، فهو لمن أعطيه) على بناء المفعول، أي لمن أعطاه الزوج.\nقال الشوكاني (١): وفيه دليل على أن المرأةَ تستحق جميع ما يذكر قبل العقد من صداق، أو حِباء، وهو العطاء، أو عدة بوعد، ولو كان ذلك الشيء مذكورًا لغيرها، وما يذكر بعد عقد النكاح، فهو لمن جعل له، سواء كان وليًا، أو غير ولي، أو المرأة نفسها. وقد ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز، والثوري، وأبو عبيد، ومالك، والهادوية. وقال أبو يوسف: إن ذكر قبل العقد لغيرها استحقه. وقال الشافعي: إن سمى لغيرها كانت التسمية فاسدة، وتستحق مهر المثل. قال: والصحيح أن ما شرطه الولي لنفسه سقط، وعليه عامة السادة والفقهاء، وأنه الظاهر من الحديث (٢).\n(وأحقُ ما اكرم عليه الرجلُ ابنتُه أو أختُه)، قال الشوكاني: فيه دليل على مشروعية صلة أقارب الزوجة، وإكرامهم، والإحسان إليهم، وأن ذلك حلال لهم، وليس من قبيل الرسوم المحرمة، إلَّا أن يمتنعوا من التزويج إلَّا به.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٥٨).\n(٢) وبسط الخلاف ابن رشد في \"البداية\" (٢/ ٢٨)، والموفق (١٠/ ١٧٨)، والحاصل الشرط صحيح عندنا، والجميع للمرأة عند مالك، وتفسد التسمية عند الشافعي، ويجب لها مهر المثل، وأما أحمد فإن شرط الأب فهو معنا، وإن شرط غير الأب فهو مع مالك. (ش).","vol":"8","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>(٣٦) بَابٌ: في مَا يُقَالُ لِلْمُتَزَوِّج</span>\n٢١٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَفَّأَ الإِنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِى خَيْرٍ». [ت ١٠٩١، جه ١٩٠٥، حم ٢/ ٣٨، دي ٢١٧٤، ك ٢/ ١٨٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>(٣٧) بَابُ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَة فيَجِدُهَا حُبْلَى</span>\n٢١٣١ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ،\n===\n\n(٣٦) (بَابٌ: في مَا يُقَالُ لِلْمُتَزَوِّج)، أي من الدعاء\n٢١٣٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز - يعني ابن محمد -، عن سهيل، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - كان إذا رفَّأ) أي رسول الله - ﷺ -، بتشديد الفاء، وهمزة، أي: هنَّأه ودعا له، مأخوذ من قول العرب ودعائهم للمتزوج: بالرفاء والبنين، فنهى عنه كراهية لعادتهم، ولما فيه من التنفير عن البنات، والرفاء: الالتئام، والاتفاق، والبركة، والنماء، من رفأت الثوب رفاء: إذا رفوته رفوًا، (الإنسان) مفعول لرفأ (إذا تزوج) أي الإنسان (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير).\n\n(٣٧) (بَابُ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيَجدُهَا حُبْلَى)\n٢١٣١ - (حدثنا مخلد بن خالد والحسن بن علي ومحمد بن أبي السري) هو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن بن حسان الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله بن أبي السري، الحافظ العسقلاني، أخو الحسين بن أبي السري، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لين الحديث، وقال ابن عدي: كثير الغلط، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من الحفاظ، وقال مسلمة بن قاسم: كان كثير الوهم، وكان لا بأس به، قال ابن وضاح: كان كثير الحفظ، كثير الغلط، قال مسلمة بن","vol":"8","page":58},{"text":"الْمَعْنَى، قَالُوا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عن صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ- قَالَ ابْنُ أَبِي السَّرِيِّ: مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي - ﷺ -، وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الأَنْصَارِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا-: يُقَالُ لَهُ: بَصْرَةُ،\n===\nقاسم: وأخبر ابن حجر أن ابن أبي السري كان يبصر النجوم، فخرج ليلًا من الجامع بعسقلان بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء، فقال: الله أكبر، أنا والله ميت، ومضى إلى منزله صحيحًا، فكتب وصيته وودَّع أهله، ومات من ليلته - رحمه الله تعالى-.\n(المعنى) أي معنى حديثهم واحد (قالوا: نا عبد الرزاق، أنا ابن (١) جريج، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب، عن رجل من الأنصار)، و(قال ابن أبي السري: من أصحاب النبي - ﷺ -، ولم يقل من الأنصار، ثم اتفقوا)، حاصل هذا الكلام أن مخلد بن خالد، والحسن بن علي قالا في هذا السند بعد قوله: عن سعيد بن المسيب: عن رجل من الأنصار، وخالفهما محمد بن أبي السري، فلم يقل: \"من الأنصار\". بل قال: \"عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -\"، ثم اتفقوا فقالوا كلهم:\n(يقال له: بصرة)، قال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): بصرة بن أكثم الأنصاري، وقيل: الخزاعي، له حديث في النكاح، روى عنه سعيد بن المسيب، أخرجه أبو داود وغيره، وقيل فيه بسرة (٣) بضم أوله والمهملة. وقيل: نضلة بنون ومعجمة. وقيل: نضرة مثله، لكن بدل اللام راء، والراجح الأول، وهو المحفوظ من طريق صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب.\n_________\n(١) قال الدارقطني: قال عبد الرزاق: حديث ابن جريج، عن صفوان: هو ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم. (ش).\n(انظر: \"سنن الدارقطني\" ٤/ ٣٦٨ رقم ٣٦١٦).\n(٢) \"الإصابة\" (١/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(٣) وذكر هذا الاختلاف في اسمه ابن الجوزي في \"التلقيح\" (ص ١٦٨)، وأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٥١)، عن سعيد بن المسيب، عن نضرة بن أبي نضرة الغفاري. (ش).","vol":"8","page":59},{"text":"قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً بِكْرًا في سِتْرِهَا، فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ حُبْلَى، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ، فَإِذَا وَلَدَتْ\"، قَالَ الْحَسَنُ: \"فَاجْلِدْهَا\". وَقَالَ ابْنُ أَبِي السَّرِيِّ: \"فَاجْلِدُوهَا\" أَوْ قَالَ: \"فَحُدُّوهَا\".\n===\n(قال: تزوجت امرأةً بكرًا في سترها) حال من لفظ امرأة، أي حال كونها في سترها، كأنها لم تخرج من سترها إلى الزوج بالنكاح، (فدخلت عليها، فإذا هي حبلى (١)، فقال النبي - ﷺ -: لها الصداقُ بما استحللتَ من فرجها، والولدُ) أي الذي تلده من الزنا (عبدٌ لك، فإذا ولدت، قال الحسن) أي ابن علي شيخ المصنف: (فاجلدها) بصيغة الإفراد (وقال ابن أبي السري) وهو أيضًا شيخ المصنف: (فاجلدوها) بصيغة الجمع (أو) للشك من المصنف (قال) أي ابن أبي السري: (فحدُّوها).\nوكتب في الحاشية: قوله: \"والولد عبد لك\" أي أحسن إليه، كما يحسن الإنسان إلى عبده، وإن كان ولد الغير، وأما الجلد، والحد فقد قال به مالك، وعند غيره يحمل على التعزير، والتأديب، أو على أنها أقرت بالزنا.\nقال الخطابي (٢): هذا الحديث لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به، ولا أعلم أحدًا من العلماء اختلف في أن ولد الزنا حرٌّ، إذا كان من حرة، فكيف يستعبده؟ قال: يشبه أن يكون معناه إن ثبت الخبر أنه - ﷺ - أوصاه به خيرًا، وأمره بتربيته واقتنائه، لينتفع بخدمته إذا بلغ، فيكون كالعبد له في الطاعة، مكافأةً له على إحسانه، وجزاءً لمعروفه، كذا في \"فتح الودود\".\n_________\n(١) قال ابن القيم (٥/ ١٥٥): لا خلاف في تحريم نكاح الحامل، سواء كان الحمل من الزوج أو السيد، أو بالشبهة، إلا الزنا، ففيه قولان: أحدهما بطلانه، وهو مذهب أحمد ومالك، والثاني صحته، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٢١٨).","vol":"8","page":60},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَتَادَةُ، عن سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، عن ابْنِ الْمُسَيَّب، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن يَزِيدَ بْنِ نُعَيْم، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عن سعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَرْسَلُوه (١).\nوَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ بَصْرَةَ بْنَ أَكْثَمَ نَكَحَ امْرَأَةً، وَكُلُّهُمْ قَالَ في حَدِيثِهِ: جَعَلَ الْوَلَدَ عَبْدًا لَهُ. [ق ٧/ ١٥٧، ك ٢/ ١٨٣]\n===\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث قتادة، عن سعيد بن يزيد)، ولعله هو سعيد بن يزيد البصري، الذي روى عن ابن المسيب في قصة المخزومية التي سرقتْ، وروى عنه قتادة، وقال أبو حاتم: شيخ. وقال ابن المديني: شيخ بصري لا أعرفه، (عن ابن المسيب، ورواه يحيى بن أبي كثير، عن يزيد بن نعيم) بن هزال الأسلمي، حجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن سعيد بن المسيب، وعطاء الخراساني) يحتمل أن يكون عطفًا على يحيى بن أبي كثير، فيكون مرفوعًا، أي رواه عطاء الخراساني، ويحتمل أن يكون عطفًا على يزيد بن نعيم، أي رواه يحيى بن أبي كثير، عن يزيد بن نعيم وعطاء الخراساني، فيكون مجرورًا، (عن سعيد بن المسيب، أرسلوه) أي كلهم، وهم: سعيد بن يزيد، ويزيد بن نعيم، وعطاء الخراساني، رووه مرسلًا عن النبي - ﷺ -، ولم أجد هذه المعلقات الثلاثة في ما عندي من كتب الحديث.\n(وفي حديث يحيى بن أبي كثير، أن بصرة بن أكثم نكح امرأةً)، ولعل الاختلاف فيه في ذكر والد بصرة، والباقون لم يذكروه (وكلهم قال في حديثه) عن ابن المسيب: (جعل) أي رسول الله - ﷺ - (الولدَ عبدًا له) أي خادمًا (٢) لبصرة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كلهم من النبي - ﷺ -\".\n(٢) قال ابن الهمام (٣/ ٢٣٤): هذا أوجه وإلَّا فهو منسوخ. (ش).","vol":"8","page":61},{"text":"٢١٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلِىٌّ - يَعْنِى ابْنَ الْمُبَارَكِ -، عَنْ يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: بَصْرَةُ بْنُ أَكْثَمَ، نَكَحَ امْرَأَةً، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، زَادَ: وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَتَمُّ. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>(٣٨) بَابٌ: في الْقَسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ</span>\n٢١٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا هَمَّامٌ، نَا قَتَادَةُ،\n===\n٢١٣٢ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عثمان بن عمر، نا علي- يعني ابن المبارك-، عن يحيى) بن أبي كثير، (عن يزيد بن نعيم، عن سعيد بن المسيب، أن رجلًا يقال له: بصرة بن أكثم، نكح امرأة، فذكر) أي محمد بن المثنى (معناه) أي معنى الحديث المتقدم.\n(زاد: وفرق بينهما) يحتمل أن يكون التفريق بينهما بطلبهما أو بطلب الزوج بالإذن في الطلاق، ويحتمل أن يكون التفريق بينهما باعتبار الوطء، فإنها كانت حبلى من الزنا، وكان لا يجوز له قربانها، حتى تلد، فأمر بالتفريق بينهما حتى تلد. والله تعالى أعلم.\n(وحديث ابن جريج أتم) من حديث غيره سعيد بن يزيد، ويزيد بن نعيم، وعطاء الخراساني.\n\n(٣٨) (بَابٌ: في الْقَسْمِ) أي العدل\n(بَيْنَ النِّسَاءِ) في المبيت (١) والطعام والكسوة والإعطاء.\n٢١٣٣ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا همام، نا قتادة،\n_________\n(١) مجمع عليه في المبيت، وفي الآخرين مختلف فيه، حتى عند الحنفية أيضًا، ولا يجب التسوية فيهما عند الأئمة الثلاثة بعد إعطاء الواجب لها. كذا في \"الأوجز\" (١٠/ ٦١٧). (ش).","vol":"8","page":62},{"text":"عن النَضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عن بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ\". [ت ١١٤١، ن ٣٩٥٢، جه ١٩٦٩، حم ٢/ ٢٩٥، دي ٢٢٠٦]\n===\nعن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: من كانت له امرأتان) أي مثلًا (فمال إلى إحداهما) أي فضَّل إحداهما على الأخرى، (جاء يوم القيامة وشقُّه) أي أحد جنبيه (مائلٌ) أي: مفلوجٌ ساقط. قال القاري (١): وهذا الحكم غير مقصور على امرأتين، فإنه لو كانت ثلاث، أو أربع، كان السقوط ثابتًا، واحتمل أن يكون نصفه ساقطًا، وإن لزم الواحدة وترك الثلاث، أو كانت ثلاثة أرباعه ساقطة على هذا فاعتبر.\nواعلم أن تركَ جماعها مطلقًا لا يحل له، صرح أصحابُنا بأن جماعها أحيانًا واجب ديانة، لكنه لا يدخل تحت القضاء والإلزام، إلا الوطأة الأولى، ولم يقدِّروا فيه (٢) مدة، ويحب أن لا يبلغ به مدة الإيلاء، إلَّا برضاها وطيب نفسها به.\nهذا والمستحب أن يسوي بينهن في جميع الاستمتاعات من الوطء، والقبلة، وكذا بين الجواري وأمهات الأولاد، ليحصِّنهن عن الاشتهاء للزنا، والميل إلى الفاحشة، ولا يجب شيء، فأما إذا لم تكن له إلا امرأة واحدة، فتشاغل عنها بالعبادة، أو السراري، اختار الطحاوي رواية الحسن، عن أبي حنيفة: أن لها يومًا وليلة من كل أربع ليال، وباقيها له؛ لأن له أن يسقط في الثلاث بتزوج ثلاث حرائر، وإن كانت الزوجة أَمَة، فلها يوم وليلة في\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤).\n(٢) وهل يحد في الكثرة أيضًا؟ لم أره، وفي \"مجمع الزوائد\" (٧٥٦٩): إن أكارًا لا يدعها ليلًا ولا نهارًا، فأصلح بينهما أنس - ﵁ - على ستة في كل يوم وليلة، وفي \"مفيد العلوم\": قضاء ابن الزبير في نحو هذه القصة ثمانية، أو سبعة، فحاضت سبعة أيام، فأتاها تلك الليلة تسعًا وأربعين مرة، وفي \"الدر المختار\" (٤/ ٣٨): مدار ذلك على طاقتها، ويقدره القاضي، وحكى ابن عابدين عن المالكية: أربع في الليل، وأربع في النهار. وقيل: أربع فيهما. (ش).","vol":"8","page":63},{"text":"٢١٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِىِّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِى فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِى فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ». [ت ١١٤٠، ن ٣٩٤٣، جه ١٩٧١، حم ٦/ ١٤٤، ق ٧/ ٢٩٨، ك ٢/ ١٨٧]\n(١) يَعْنِي الْقَلْبَ.\n٢١٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى الزِّنَادِ -، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِى! كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا،\n===\nكل سبع، وظاهر المذهب أن لا يتعين مقدار، بل يؤمر أن يبيت معها، ويصحبها أحيانًا من غير توقيت.\n٢١٣٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقسم) أي بين نسائه، أي تفضلًا، وقيل: وجوبًا (فيعدل) أي فيسوِّي بينهن (ويقول: اللهُمَّ هذا) أي هذا العدل (قَسمي فيما أملك) أي أقدر عليه، (فلا تلمني) أي لا تعاتبني، أو لا تؤاخذني (فيما تملك ولا أملك) أي من زيادة المحبة وميل القلب (يعني القلب) أي محبة القلب.\n٢١٣٥ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو ابن عبد الله بن يونس، نسب إلى جده، (نا عبد الرحمن -يعني ابن أبي الزناد -، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة (قال: قالت عائشة: يا ابن أختي! كان رسول الله - ﷺ - لا يفضِّل بعضَنا على بعض) أي بعض الأزواج على بعض (في القسم من مكثه) أي: لبثه، وإقامته (عندنا) أي: يسوي فيه لكل واحدة، واحدةٍ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"8","page":64},{"text":"وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتُ (١) عِنْدَهَا، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - منْهَا.\nقَالَتْ: نَقُولُ (٢) في ذَلِكَ: أَنْزَلَ اللَّه ﷿ وَفِي أَشْبَاهِهَا، أُرَاهُ قَالَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾. [حم ٦/ ١٠٧، ك ٢/ ١٨٦]\n===\n(وكان) أي رسول الله - ﷺ - (قلَّ يومٌ إلَّا وهو يطوف) أي يدور (علينا جميعًا) أي على كل واحدة منا، (فيدنو) أي يقرب (من كل امرأة من غير مسيس) أي جماع (حتى يبلغ إلى التي) أي إلى المرأة التي (هو يومها، فيبيت) أي يمكث في الليل (عندها).\n(ولقد قالت سودة بنت زمعة) بن قيس بن عبد شمس العامرية القرشية، أم المؤمنين، تزوجها النبي - ﷺ - بعد خديجة، وهو بمكة، وماتت سنة خمس وخمسين على الصحيح (حين أسنَّتْ) أي كبرتْ سنها (وفرقتْ) أي خشيت (أن يفارقها) أي يطلقها (٣) (رسول الله - ﷺ -: يا رسول الله يومي) أي يوم نوبتي (لعائشة، فقبل ذلك رسول الله - ﷺ - منها) أي من سودة.\n(قالت) أي عائشة: (نقول في ذلك) أي فيما فعلت سودة: (أنزل الله ﷿ وفي أشباهها، أراهُ) أي أظن عروة (قال) والظاهر أنه من كلام هشام: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن\n_________\n(١) في نسخة: \"فيثبت\".\n(٢) في نسخة: \"تقول\".\n(٣) وفي \"التلقيح\" (ص ٤١): طلقت سنة ٨ هـ، وعَدَّها في \"المجمع\" (٥/ ٣٩٠) في وقائع سنة ٨ هـ، فوهبت يومها فراجعها. وبمعناه حكى ابن الهمام (٣/ ٤١٦، ٤١٧)، عن رواية البيهقي من الطلاق والرجوع، جمع بينه وبين رواية الكتاب من خوف الفراق أنَّه ﵇ طلقها رجعيًا، ومعنى حديث الباب: خافت أن يستمر الحال إلى انقضاء العدة فتقع الفرقة ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":65},{"text":"٢١٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، الْمَعْنَى، قَالَا: ثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عن عَاصِمٍ، عن مُعَاذَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَسْتَأذِنَّا (١) إِذَا كَانَ في يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَمَا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾\n===\n﴿يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٢).\nيعني إن خافتْ امرأةٌ من بعلها نشوزًا، أي استعلاءَ بنفسه عنها إلى غيرها أثرة عليها، وارتفاعًا بها عنها، إما لبغضة، أو دمامة، وإما لسنها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها، أو إعراضًا، أي: انصرافًا عنها بوجه، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما، وهو أن تترك له يومها، أو تضعَ عنه بعض الواجب لها من حق عليه تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، يقول: \"والصلح خير\"، يعني والصلح بترك بعض الحق خير من الفرقة والطلاق.\n٢١٣٦ - (حدثنا يحيى بن معين ومحمد بن عيسى) الطباع، (المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: ثنا عباد بن عباد، عن عاصم) الأحول، (عن معاذة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستأذنا) إذا كان (في يوم المرأة منا) أي إذا كان في يوم المرأة منا عندها في نوبتها، فيريد قربان غيرها، فيستأذنها (بعد ما نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٣».\nواختلفوا في معنى الآية (٤)، فقيل: معناها تعزل بغير طلاق من أزواجك\n_________\n(١) في نسخة: \"يستأذننا\".\n(٢) سورة النساء: الآية ١٢٨.\n(٣) سورة الأحزاب: الآية ٥١.\n(٤) وقال في \"الجمل\" (٣/ ٤٤٧): أصح ما قيل فيها: التوسعة على النبي - ﷺ - في ترك القسم، فكان لا يجب عليه القسم ... إلخ، وهكذا حكي في \"هامش أبي داود\" مذهب الحنفية مستدلًا بهذه الآية، وكذا حكى ابن كثير (٤/ ٥٣٩) مذهب طائفة من فقهاء =","vol":"8","page":66},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن تشاء، وتؤوي إليك من تشاء، أي جعله الله في حل من ذلك، أن يدع من يشاء منهن، ويأتي من يشاء منهن بغير قسم، ولكن كان النبي - ﷺ - يقسم.\nوقيل: معناها تطلق، وتخلي سبيل من شئت من نسائك، وتمسك من شئت منهن، فلا تطلق.\nوقيل: معناها تترك نكاح من شئت، وتنكح من شئت من نساء أمتك.\nقال الطبري (١): وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى جعل لنبيه أن يرجي من النساء اللواتي أحلَّهن له من يشاء، ويؤوي إليه منهن من يشاء، وذلك أنه لم يحصر معنى الإرجاء والإيواء على المنكوحات اللواتي كن في حباله عندما نزلت هذه الآية، دون غيرهن ممن يستحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهن. وإذا كان كذلك، فمعنى الكلام: تؤخر من تشاء ممن وهبت نفسها لك، وأحللت لك نكاحها، فلا تقبلها، ولا تنكحها، أو ممن هنَّ في حبالك، فلا تقربها، وتضم إليك من تشاء ممن وهبت نفسها لك، أو أردْتَ من النساء اللاتي أحللت لك نكاحهن، فتقبلها وتنكحها، وممن هي في حبالك، فتجامعها إذا شئت، وتتركها إذا شئت بغير قسم.\nقال النووي (٢): واختلف العلماء في هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾، فقيل: ناسخة لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ ومبيحة له أن يتزوج ما شاء، وقيل: بل نسخت تلك بالسنَّة. قال زيد بن أرقم: تزوج رسول الله - ﷺ - بعد نزول هذه الآية ميمونة ومليكة وصفية وجويرية، وقالت\n_________\n= الشافعية وغيرهم مستدلًا بها، وصرح الدردير (٢/ ٢٢١) بعدم وجوب القسم، وحكى القسطلاني في \"المواهب\" (٧/ ١٧٨) عن الأكثر الوجوب، وفي \"حاشية شرح الإقناع\" (٣/ ٤٦٢) اختلاف وسيع بين الشافعية، وفي \"الشامي\" (٤/ ٣٨٥): لم يكن القسم واجبًا عليه، وتمامه في \"البحر\" (٣/ ٢٣٦). (ش).\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٣٣).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٣٠٦).","vol":"8","page":67},{"text":"قَالَتْ مُعَاذَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ لَمْ أُؤْثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِي\". [خ ٤٧٨٩، م ١٤٧٦، السنن الكبرى للنسائي ٨٩٣٦]\n٢١٣٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عن يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ، عن عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ إِلَى النِّسَاءَ- يَعْنِي في مَرَضِهِ- فَاجْتَمَعْنَ، فَقَالَ: \"إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ\n===\nعائشة: ما مات رسول الله - ﷺ - حتى أحل له النساء، وقيل عكس هذا، وأن قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ناسخة لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾، والأول أصح. قال أصحابنا: الأصح أنه - ﷺ - ما توفي حتى أبيح له النساء مع أزواجه.\n(قالت معاذة: فقلت لها) أي لعائشة: (ما كنت تقولين لرسول الله - ﷺ -) حين يستأذنك؟ (قالت: كنت أقول: إن كان ذاك إلى) أي مفوضًا إلى، وفي اختياري (لم أوثر) أي: أرجح (أحدًا) أي من نسائك (على نفسي).\n٢١٣٧ - (حدثنا مسدد، نا مرحوم بن عبد العزيز العطار) بن مهران الأموي أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله البصري، وثقه أحمد، وابن معين، والنسائي، والبزار، ويعقوب بن سفيان، وأبو نعيم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(حدثني أبو عِمْرَان الجوني، عن يزيد بن بابنوس) بموحدتين بينهما ألف، ثم نون مضمومة، وواو ساكنة ومهملة، بصري، قال البخاري: كان ممن قاتل عليًا، وقال ابن عدي: أحاديثه مشاهير، وقال الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال أبو حاتم: مجهول، وقال أبو داود: كان شيعيًا.\n(عن عائشة - ﵂ -: أن رسول الله بعث إلى النساء، يعني في) أيام (مرضه، فاجتمعن) أي عنده (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إني لا أستطيع) أي من المرض (أن أدور بينكن) في أيام نوبتكن، (فإن رأيتن","vol":"8","page":68},{"text":"أَنْ تَأْذَنَّ لِي، فَأَكُونُ عَنْدَ عَائِشَةَ فَعَلْتُنَّ\"، فَأَذِنَّ لَهُ. [ق ٧/ ٢٩٩]\n٢١٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْح، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن يُونُسَ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ،\n===\nأن تأذن) بتشديد النون (لي، فأكون عند عائشة) في أيام مرضي (فعلتن، فأذنَّ) بتشديد النون، بصيغة الجمع (له)، وهذا الاستئذان إن كان القسم واجبًا عليه فهو لا بد منه، وإن لم يكن واجبًا عليه فمبني على جبر خاطرهن، وتطييبًا لقلوبهن، تبرعًا منه - ﷺ -.\n٢١٣٨ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير، حدثه، أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه).\nقال في \"البدائع\" (١): ولا قسم على الزوج إذا سافر، حتى لو سافر بإحداهما، وقدم من السفر، وطلبت الأخرى أن يسكن عندها مدة السفر، فليس لها ذلك؛ لأن مدة السفر ضائعة بدليل أن له أن يسافر وحده دونهن، لكن الأفضل أن يقرع بينهن، فيخرج بمن خرجت قرعتها تطييبًا لطبعهن دفعًا لتهمة الميل عن نفسه، هكذا كان يفعل رسول الله - ﷺ -: \"إذا أراد السفر، أقرع بين نسائه\".\nوقال الشافعي (٢) ﵀: إن سافر بها بقرعة فكذلك، وأما إن سافر\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٦٤٨).\n(٢) قال ابن القيم في \"الهدي\" (٥/ ١٥١): إذا أراد السفر لا يجوز أن يسافر بإحداهن إلَّا بقرعة، ولا يقضي للبواقي إذا قدم، فإن رسول الله - ﷺ - لا يقضي إذا قدم، وفي هذا ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه لا يقضي سواء أقرع أو لم يقرع. وبه قال أبو حنيفة ومالك، =","vol":"8","page":69},{"text":"وَكَانَ يقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ ﵂\". [خ ٢٥٩٣، م ١٤٦٣، دي ٢٢٠٨، جه ١٩٧٠، حم ٦/ ٢٦٩]\n===\nبها بغير قرعة، فإنه يقسم للباقيات، وهذا غير سديد، لأن بالقرعة لا يعرف أن لها حقًا في حالة السفر أو لا، فإنها لا تصلح لإظهار الحق أبدًا لاختلاف عملها في نفسها، فإنها لا تخرج على وجه واحد، بل مرة هكذا ومرة هكذا، والمختلف فيه لا يصلح دليلًا على شيء.\n(وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها) في نوبتها، (غير أن سودة بنت زمعة) لما أسنَّت وخافت أن يفارقها رسول الله - ﷺ - (وهبت يومها لعائشة - ﵂ -).\nووقع في حديث مسلم عن ابن جريج: قال عطاء: \"التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب\"، قال النووي (١): وهو وهم من ابن جريج، وإنما الصواب سودة كما سبق في الأحاديث.\nوقال في \"البدائع \" (٢): ولو وهبت إحداهما قسمها لصاحبتها، أو رضيت بترك قسمها جاز؛ لأنه حق ثبت لها، فلها أن تستوفي ولها أن تترك.\nوقد روي أن سودة بنت زمعة - ﵂ - لما كبرت وخشيت أن يطلقها رسول الله - ﷺ -، جعلت يومها لعائشة - ﵂ -. وقيل: فيها\n_________\n= والثاني: يقضي للبواقي أقرع أو لا، وبه قال أهل الظاهر، والثالث: إن أقرع لم يقض وإن لم يقرع قضى، وبه قال أحمد والشافعي، انتهى. وبه صرح في فروع الشافعية كما في \"الأقناع\" (٢/ ١٤٢)، لكنهم قيدوه بالسفر لغير نقلة، وأما السفر لنقلة فلا يجوز استصحاب البعض، ولو بقرعة. وفي \"الهداية\" (١/ ٢١٦): القرعة مستحقة عند الشافعي. (ش).\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٣٠٧).\n(٢) (٢/ ٦٤٨).","vol":"8","page":70},{"text":"(٣٩) بَابٌ (١): في الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ لَهَا دَارَهَا\n٢١٣٩ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ (٢)، أَنَا اللَّيْثُ، عن يَزيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَبِي الْخَيْرِ، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ\". [خ ٥١٥١، م ١٤١٨، ت ١١٢٧، ن ٣٢٨١، جه ١٩٥٤، حم ٤/ ١١٤، دي ٢٢٠٣]\n===\nنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣).\nفإن رجعت عن ذلك، وطلبت قسمها فلها ذلك؛ لأن ذلك كله كان إباحة منها، والإباحة لا تكون لازمة، ولو بذلت واحدة منهن مالًا للزوج، أو بذل الزوج لواحدة منهن مالًا، لتجعل نوبتها لصاحبتها، أو بذلت هي لصاحبتها مالًا لتترك نوبتها لها، لا يجوز شيء من ذلك، ويسترد المال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>(٣٩) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ لَهَا دَارَهَا)</span>\nأي إذا نكحت المرأة رجلًا، وشرطت أن لا يخرجها من دارها، فقبل الزوج شرطها، فهل يلزم عليها أن لا يخرجها أم لا؟\n٢١٣٩ - (حدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج).\nقال الحافظ (٤): أي أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح؛ لأن أمره أحوط وبابه أضيق. وقال الخطابي: الشروط في النكاح مختلفة، فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقًا، وهو ما أمر الله به من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، وعليه\n_________\n(١) في نسخة: \"باب فيمن تزوج امرأة وشرط لها دارها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"المصري\".\n(٣) سورة النساء: الآية ١٢٨.\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٧ - ٢١٨).","vol":"8","page":71},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحمل بعضهم هذا الحديث، ومنها ما لا يوفى به اتفاقًا كسؤال طلاق أختها، ومنها ما اختلف فيه كاشتراط أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرى، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله.\nقال الترمذي بعد تخريجه: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة منهم عمر - ﵁ - قال: إذا تزوج الرجل المرأة، وشرط أن لا يخرجها لزم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. كذا قال.\nوالنقل في هذا من الشافعي غريب، بل الحديث عندهم محمول على الشروط التي لا تنافي (١) مقتضى النكاح، بل تكون من مقتضياته، ومقاصده، كاشتراط العشرة (٢) بالمعروف، والإنفاق، والكسوة، والسكنى، وأن لا يقصر في شيء من حقها من قسمة ونحوها، وكشرطه عليها أن لا تخرج إلَّا بإذنه، ولا تمنعه نفسها، ولا تنصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك.\nوأما شرط ينافي مقتضى النكاح، كان لا يقسم لها، أو لا يتسرَّى عليها، أو لا ينفق، أو نحو ذلك فلا يجب الوفاء به، بل إن وقع في صلب العقد لغا، وصح النكاح بمهر المثل، وفي وجه يجب المسمى، ولا أثر للشرط، وفي قول للشافعي يبطل النكاح. وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشروط مطلقًا.\nقال الحافظ (٣): ومما يقوي حمل حديث عقبة على الندب ما في حديث عائشة في قصة بريرة: \"كُلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل\"، وحديث: \"المسلمون عند شروطهم، إلَّا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا\"،\n_________\n(١) وعليها حمل الحديث ابن رسلان في \"شرحه\". (ش).\n(٢) ويؤيد الجمهور ما في \"كنز العمال\" (١٦/ ٣٢٥): \"ما استحل به فرج امرأة من مهر أو صدقة فهو لها\"، الحديث. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٩).","vol":"8","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-749>(٤٠) بَابٌ: في حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ</span>\n٢١٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، عن شَرِيكٍ، عن حُصَيْنٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ\n===\nوحديث: \"المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق\"، وأخرج الطبراني في \"الصغير\" بإسناد حسن عن جابر: \"أن النبي - ﷺ - خطب أم مبشر بنت البراء بن معرور، فقالت: إني شرطت لزوجي أن لا أتزوج بعده، فقال النبي - ﷺ -: إن هذا لا يصلح\". قال الترمذي: وقال علي: يسبق شرط الله شرطها. قال: وهو قول الثوري، وبعض أهل الكوفة، انتهى.\nوقد اختلف عن عمر، فروى ابن وهب بإسناد جيد، عن عبيد بن السباق: \"أن رجلًا تزوج امرأة، فشرط لها أن لا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر، فوضع الشرط، وقال: المرأة مع زوجها\". قال أبو عبيد: تضادت الروايات عن عمر في هذا، ملخصًا بتقديم وتأخير من \"الفتح\".\n\n(٤٠) (بَابٌ: في حَقِّ الزَّوْجِ (١) عَلَى الْمَرْأَةِ)\n٢١٤٠ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا إسحاق بن يوسف) الأزرق، (عن شريك) بن عبد الله القاضي، (عن حصين، عن الشعبي، عن قيس بن سعد) بن\n_________\n(١) قال الموفق (١٠/ ٢٢٥): ليس عليها الخدمة من الخبز، والعجن، والطبخ، وأشباهه، نص عليه أحمد. وقال أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني: عليها ذلك، لحديث علي - ﵁ -، وهل من حقه عليها خدمته؟ تقدم في هامش \"باب السواك من الفطرة\" اختلاف بعض الأئمة في ذلك، وفي \"الشامي\" (٥/ ٢٩٠ - ٢٩١): لو امتنعت من الطبخ، أو كان بها علة، فعليه أن يأتيها بطعام مهيأ، وإن كانت ممن تخدم نفسها، وتقدر على ذلك لا، وتجب عليها ديانة، ولا تجبر، لكن إذا لم تطبخ، لا يعطيها الإدام، وفي \"شرح الإحياء\": جواز استخدامها برضاها، تظاهرت عليه الأدلة من السنة والإجماع، أما بغير رضاها فلا يجوز. وقال الدردير (٣/ ٤٨٢): اللازم على الزوجة عجن، وكنس، وإصلاح مصباح ونحوه، لا غزل، وطحن، وتكسب، ولو أمة دنيئة. (ش).","vol":"8","page":73},{"text":"قَالَ: \"أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ، فَقُلْتُ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: إِنّي أَتَيتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ، فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ (١) لَكَ،\n===\nعبادة بن دليهم (٢) - مصغر- ابن حارثة الأنصاري، الخزرجي، المدني، كان من النبي - ﷺ - بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وكان رجلًا ضخمًا جسيمًا، وكان إذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض، وكان من دهاة العرب، صحابي جليل، وأبوه صحابي أيضًا، مات سنة ستين تقريبًا. وقيل: بعد ذلك.\n(قال) أي قيس: (أتيت الحيرة) بكسر المهملة، بلدة قديمة بظهر الكوفة. وقال في \"معجم البلدان\" (٣): مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له: \"النجف\"، زعموا أن بحر فارس كان يتصل به، وبالحيرة الخورنق بقرب منها، مما يلي الشرق على نحو ميل.\n(فرأيتهم) أي أهل الحيرة (يسجدون لمرزبان لهم) وهو بفتح الميم، وضم الزاي: الفارس الشجاع المقدم على القوم دون الملك، وهو معرب. وقيل: أهل اللغة يضمون ميمه، ثم إنه منصرف، وقد لا ينصرف.\n(فقلت) أي في نفسي: (رسول الله - ﷺ - أحق أن يسجد له) لأنه أعظم المخلوقات وأكرم الموجودات (قال) أي قيس: (فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: إني أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم) أي تعظيمًا له وتكريمًا، (فأنت يا رسول الله أحق) أي أولى وأليق منه (أن نسجد لك،\n_________\n(١) في نسخة: \"يسجد\".\n(٢) كذا في الأصل و\"التهذيب\" (٨/ ٣٩٥) في ترجمة قيس بن سعد، والصواب: دُلَيْم، كما في \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ٤٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٧٥) في ترجمة سعد بن عبادة، وغيرهما.\n(٣) \"معجم البلدان\" (٢/ ٣٢٨).","vol":"8","page":74},{"text":"قَالَ (١): \"أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ؟ \"، قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: \"فَلَا تَفْعَلُوا، لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لأَزْوَاجِهِنَّ؛ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقِّ\" (٢). [دي ١٤٦٣، ق ٧/ ٢٩١، ك ٢/ ١٨٧]\n٢١٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ،\n===\nقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أرأيت) أي: أخبرني (لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟) أي للقبر أو لمن في القبر (قال: قلت: لا، قال: فلا تفعلوا) خطاب عام له ولغيره، أي في الحياة كذلك لا تسجدوا، قال الطيبي: أي اسجدوا للحي الذي لا يموت، ولمن ملكه لا يزول، فإنك إنما تسجد لي الآن مهابة وإجلالًا، فإذا صرت رهين رمس امتنعت عنه.\nقلت: وعندي في معنى الحديث: أن القبر محل للجسم، كما أن الجسم محل للروح، الذي هو حامل الكمالات، فكما لا يسجد لمحل الجسم، لا يسجد لمحل الروح، الذي هو الجسم، والله تعالى أعلم.\n(لو كنت آمر) بصيغة المتكلم، وفي رواية: آمرًا بصيغة الفاعل، أي لو صح لي أن آمر، أو لو فرض إني كنت آمرًا (أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن) أي تعظيمًا لهم وتكريمًا (لما جعل الله لهم عليهن من الحق) وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٣). قاله القاري (٤).\n٢١٤١ - (حدثنا محمد بن عمرو الرازي، نا جرير، عن الأعمش،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"من حق\".\n(٣) سورة النساء: الآية ٣٤.\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٠٧ - ٤٠٨).","vol":"8","page":75},{"text":"عن أَبِي حَازِمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ (١) فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ\". [خ ٥١٩٣، م ١٤٣٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>(٤١) بَابٌ: في حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا</span>\n٢١٤٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ،\n===\nعن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه) ليضاجعها، أو ليجامعها (فلم تأته) من غير عذر، (فبات) أي الزوج (غضبان عليها) لعصيانها، (لعنتها الملائكة حتى تصبح)، وفي رواية زرارة: \"حتى ترجع\". وظاهر الحديث اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلًا، لقوله: \"حتى تصبح\"، وكان السر فيه تأكيد ذلك، لا أنه يجوز لها الامتناع في النهار، وإنما خص الليل بالذكر؛ لأنها المظنة لذلك.\nواعلم أن إخبار الشارع بأن هذه المعصية يستحق فاعلها لعن ملائكة السماء، يدل أعظم دلالة على تأكد وجوب طاعة الزوج، وتحريم عصيانه، ومغاضبته، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك، فلا تكون المعصية متحققة، إما لأنه عذرها، وإما لأنه ترك حقه من ذلك.\n\n(٤١) (بَابٌ: في حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا) (٢)\n٢١٤٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فأبت\".\n(٢) قال الباجي (٥/ ٤٤٣): وعلى الزوج أن ينفق على خادمها، وذلك أن المرأة لا تخلو أن تكون ممن يخدم نفسها أو لا، فإن كانت ممن يخدم نفسها، فليس عليه إخدامها، وإن كان لها خادم فنفقتها عليها، وإن كانت ممن لا تخدم نفسها، فهو مخير بين أربعة أحوال: أن يكري لها من يخدمها، أو يشتري لها خادمًا، وأن ينفق على خادمها، أو يخدمها بنفسه ... إلخ مختصرًا، وبسط الفروع في ذلك الموفق مع الاختلاف بينهم، انتهى (ش). (انظر: \"المغني\" ١١/ ٣٣٥).","vol":"8","page":76},{"text":"أَنَا أَبُو قَزَعَةَ (١) الْبَاهِليُّ، عن حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ، عن أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: \"أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ\" أَوْ \"اكْتَسَبْتَ\" (٢)، \"وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ،\n===\nأنا أبو قزعة الباهلي، عن حكيم بن معاوية) بن حيدة، بمهملة مفتوحة، وسكون مثناة تحت، وفتح دال مهملة، فتاء تأنيث (القشيري) قال العجلي: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: ذكره أبو الفضائل الصنعاني في من اختلف في صحبته، وهو وهم منه، فإنه تابعي قطعًا.\n(عن أبيه) معاوية بن حيدة (قال: قلت يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ) أي بتاء الخطاب (وتكسوها إذا اكتسيتَ) وهذا أيضًا بتاء الخطاب.\nقال الطيبي (٣) - ﵀ -: فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب اهتمامًا بشأن الإطعام والكسوة، والخطاب عام لكل زوج، أي يجب عليك إطعام الزوجة وكسوتها عند قدرتك عليهما لنفسك.\n(ولا تضرب) أي وأن لا تضرب (الوجه) فإنه أعظم الأعضاء، وأظهرها، ومشتمل على أجزاء شريفة، وأعضاء لطيفة، وفيه دلالة على جواز ضربها غير الوجه. قلت: فكان الحديث مبينًا لما في القرآن: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، وقد نهى النبي - ﷺ - عن ضرب الوجه نهيًا عامًا.\nوفي \"فتاوى قاضيخان\" (٤): للزوج أن يضرب المرأة على أربعة: منها: ترك الزينة، إذا أراد الزوج الزينة، والثانية: ترك الإجابة، إذا أراد الجماع\n_________\n(١) في نسخة: \"أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي\".\n(٢) زاده في نسخة.\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣١٦).\n(٤) \"فتاى قاضيخان\" (١/ ٢٠٣).","vol":"8","page":77},{"text":"وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا في الْبَيْتِ\" (١). [جه ١٨٥٠، حم ٤/ ٤٤٧، السنن الكبرى للنسائي ٩١٧١، ق ٧/ ٢٩٥]\n٢١٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى، نَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا (٢) أَبِي، عن جَدِّي قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، نِسَاؤُنَا مَا نَأتِي مِنْهُنَّ (٣) وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: \"ائْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ، وَأَطْعِمْهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَاكْسُهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ (٤)،\n===\nوهي طاهرة. والثالثة: ترك الصلاة في بعض الروايات، وعن محمد: ليس له أن يضربها على ترك الصلاة، وترك الغسل عن الجنابة والحيض بمنزلة ترك الصلاة. والرابعة: الخروج عن منزله بغير إذنه.\n(ولا تقبِّح) بتشديد الباء، أي: لا تقل لها قولًا قبيحًا، ولا تشتمها، ولا قبَّحك الله ونحوه. (ولا تهجر إلَّا في البيت) أي لا تتحول عنها، أو تحولها إلى دار أخرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (٥).\n٢١٤٣ - (حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى، نا بهز بن حكيم، حدثنا أبي) أي حكيم بن معاوية، (عن جدي) معاوية بن حيدة القشيري (قال: قلت: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منهن) أي: أيَّ محل نجامع منهن (وما نذر؟) أي: وأي محل نترك منهن عند الجماع (قال: إئتِ حرثَك) أي محل حرثك، وهو القبل (أنى شئت) أي كيف شئت، أو من أين شئت، أي من أي جانب شئت.\n(وأطعِمْها إذا طعمتَ، واكسُها إذا اكتسيتَ) ليس المقصود التقييد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ولا تقبح أن تقول: قَبَّحك الله\".\n(٢) في نسخة: \"حدثني\".\n(٣) في نسخة: \"منها\".\n(٤) في نسخة: \"اكتسبت\".\n(٥) سورة النساء: الآية ٣٤.","vol":"8","page":78},{"text":"وَلَا تُقْبِّحِ الْوَجْهَ وَلَا تَضْرِبْ\". [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى شعْبَةُ: \"تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ\".\n٢١٤٤ - حَدَّثَنا (١) أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْمُهَلَّبِيُّ (٢)\n===\nبل المطلوب الحث على المبادرة في إطعامها وكسوتها، كما يفعل الإنسان عادة ذلك في شأن نفسه، (ولا تقبِّح الوجه) أي: لا تقبح وجهها بضرب الوجه، أو ولا تقل: قبح الله وجهك (ولا تضرب) أي: لا تضربه، أي: الوجه.\n(قال أبو داود: روى شعبة: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت) أي بصيغة المضارع، فخالف يحيى، فإنه رواه بصيغة الأمر.\nوقد أخرج ابن ماجه حديث شعبة في \"سننه\" (٣)، ولفظه: \"قال: أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى\" بصيغة الغائب.\nقلت: وقد أخرج الإمام أحمد (٤) حديث يحيى بن سعيد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ولفظه: قال: قلت: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منهن أم ما نَذَرُ؟ قال: \" [حَرْثُكَ]، ائت حرثك أنى شئت في أن لا تضرب الوجه، ولا تقبح، وأطعم إذا طعمت، وَاكْسُ إذا اكتسيت، ولا تهجر إلَّا في البيت، كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض، إلَّا بما حلَّ عليهن\".\n٢١٤٤ - (حدثنا أحمد بن يوسف) بن خالد (المهلبي) الأزدي\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرني\".\n(٢) في نسخة: \"السلمي\".\n(٣) رقم (١٨٥٠) وأخرج روايته أيضًا أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٤٤٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩١٧١)، والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٤٢٨) رقم (١٠٣٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤١٧٥)، والبيهقي في \"سننه\" (٧/ ٢٩٥).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٥).","vol":"8","page":79},{"text":"النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عن دَاوُدَ الْوَرَّاقِ، عن سَعِيدِ بْنِ حَكِيم (١)، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: فَقُلْتُ (٢): مَا تَقُولُ في نِسَائِنَا؟ قَالَ: \"أَطْعِمُوهُنَّ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُنَّ مِمَّا تَكْتَسُونَ، وَلَا تَضْرِبُوهُنَّ، وَلَا تُقَبِّحُوهُنَّ\". [تقدَّم برقم ٢١٤٢]\n===\nأبو الحسن السلمي (النيسابوري) المعروف بحمدان، قال في \"التقريب\": حافظ ثقة، (حدثنا عمر بن عبد الله بن رزين) بن محمد بن برد السلمي، أبو العباس النيسابوري، له عند أبي داود حديث في ترجمة سعيد بن حكيم، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\": وقال: روى عن سفيان بن حسين الغرائب، وقال في \"التقريب\": صدوق له غرائب.\n(نا سفيان بن حسين، عن داود الوراق) هو أبو سليمان البصري، قيل: إنه داود بن أبي هند، والصحيح أنه غيره، فرَّق بينهما ابن معين، له عند أبي داود والنسائي حديث واحد في حق المرأة على الزوج.\n(عن سعيد بن حكيم) بن معاوية بن حيدة القشيري البصري، هو أخو بهز، روى عنه داود الوراق، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي في \"الجرح والتعديل\": ثقة، وفي نسخة: عن بهز بن حكيم، (عن أبيه، عن جده معاوية القشيري قال: أتيت رسول الله - ﷺ - قال) أي معاوية: (فقلت: ما تقول في نسائنا) أي في حقوقهن؟ (قال: أطعموهن بما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ولا تضربوهن، ولا تقبِّحوهن).\n_________\n(١) في نسخة: \"بهز بن حكيم\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".","vol":"8","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-751>(٤٢) بَابٌ: في ضَرْبِ النِّسَاءِ</span>\n٢١٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى حُرَّةَ الرَّقَاشِىِّ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «فَإِنْ خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ فَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ».\n===\n\n(٤٢) (بَابٌ: في ضَرْبِ النِّساءِ)، أي: الزوجات (١)\n٢١٤٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن علي بن زيد) بن جدعان، (عن أبي حرة) بمهملة مفتوحة وشدة راء (الرقاشي) بمفتوحة، وخفة قاف وشين معجمة، نسبة إلى رقاش بن ضبيعة، قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم وغيره: اسمه حنيفة، وقال الآجري عن أبي داود: لا أرى ما اسمه، وهو ثقة.\nقلت: إنما هو مشهور بكنيته، وقال ابن منده وأبو نعيم وابن قانع والباوردي وجماعة: إن حنيفة اسم عم أبي حرة، وكذا الطبراني في \"المعجم الكبير\". وقال أبو نعيم وغيره: اختلف في اسم أبي حرة، فقيل: حكيم ابن أبي يزيد، وقيل غير ذلك.\n(عن عمه) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في فصل المبهمات من الكنى: أبو حرة الرقاشي عن عمه، وله صحبة، أفاد ابن فتحون أن اسم عمه عمر بن حمزة، وعزاه للبزار، قال: وسماه البغوي حِذْيم بن حنيفة.\n(أن النبي - ﷺ - قال: فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع)، ولفظ حديث أحمد في \"مسنده\": \"فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع\". قلت: وهو حديث طويل أخرجه الإِمام في \"مسنده\" (٣) بطوله.\n_________\n(١) للزوج ضرب المرأة تأديبًا، كما في \"أحكام القرآن\" (١/ ١٨٨). (ش).\n(٢) (١٢/ ٣٩٣).\n(٣) انظر: \"مسند أحمد\" (٥/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"8","page":81},{"text":"قَالَ حَمَّادٌ: يَعْنِي النِّكَاحَ. [ق ٧/ ٣٠٣]\n٢١٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى خَلَفٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ ابْنُ السَّرْحِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -، عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى ذُبَابٍ\n===\n(قال حماد) أي في تفسير قوله: فاهجروهن في المضاجع: (يعني) أي يريد رسول الله - ﷺ - من الهجر في المضاجع (النكاح) أي الوطء، ولم يذكر هذا التفسير في \"مسند الإِمام أحمد\".\n٢١٤٦ - (حدثنا ابن أبي خلف (١)، وأحمد بن عمرو بن السرح قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله- قال ابن السرح: عبيد الله بن عبد الله-) يعني وقع الاختلاف بين لفظي شيخي المصنف، فقال ابن أبي خلف: عبد الله بن عبد الله مكبرًا فيهما، وقال ابن السرح: عبيد الله بن عبد الله مصغرًا في الأول (٢).\n(عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب) بضم المعجمة وموحدتين، الدوسي، سكن مكة، وعنه عبد الله، ويقال: عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. قلت: جزم أحمد بن حنبل والبخاري وابن حبان بأن لا صحبة له، ولم يخرج أحمد حديثه في \"مسنده\"، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، والراجح صحبته.\nوقال الشيخ ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٣): إياس بن عبد الله بن أبي ذباب\n_________\n(١) قوله: \"حدثنا ابن أبي خلف\"، وهو كذلك في رواية اللؤلؤي، كما صرح به الحافظ في \"النكت الظراف\" (٢/ ٩) رقم (١٧٤٦)، وأفاد أن في رواية ابن الأعرابي وابن داسة: \"حدثنا أحمد بن محمد بن أبي خلف\"، وصوابه: محمد بن أحمد بن أبي خلف. انظر ترجمته في: \"التقريب\" (٥٧١١).\n(٢) قلت: عبد الله وعبيد الله أخوان، وكلاهما ثقة، وهما ابنا عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵃-.\n(٣) \"أسد الغابة\" (١/ ١٨٣) رقم (٣٤١).","vol":"8","page":82},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ»، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ فِى ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ» (١). [جه ١٩٨٥، دي ٢٢١٩]\n===\nالدوسي، وقيل: المزني، والأول أكثر، سكن مكة، وقال أبو عمر: هو مدني، له صحبة، وقال ابن منده وأبو نعيم: اختلف في صحبته، وأخرج هذا الحديث من طريق ابن أبي خلف، وأحمد بن عمرو بن السرح، فقال فيه: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، ولم يقل عبيد الله.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تضربوا إماءَ الله، فجاء عمرُ إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: ذئرن النساءُ) أي: اجترأن ونشزن (على أزواجهن) على طريقة قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٢)، وقولهم: أكلوني البراغيث (فرخص) أي رسول الله - ﷺ - (في ضربهن) أي: تأديبهن (فأطَافَ) بالهمزة، يقال: أطاف بالشيء، ألمَّ به، وقاربه، أي اجتمع ونزل (بآل رسول الله - ﷺ - نساءٌ كثيرٌ يشكون أزواجهن)، أي من ضربهم إياهن.\n(فقال النبي - ﷺ -: لقد طاف) هذا بلا همز، أي دار (بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن)، وهذا يدل على أن الآل يشمل أمهات المؤمنين أليس أولئك) أي الرجال الذين يضربون نساءَهم (بخياركم) أي بل خياركم من لا يضربهن، ويتحمل عنهن، أو يؤدبهن، ولا يضربهن ضربًا شديدًا يؤدي إلى شكايتهن.\nوفي \"شرح السنَّة\" (٣): فيه من الفقه أن ضرب النساء في منع حقوق النكاح\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال لنا أبو داود: هو عبد الله بن عبد الله\".\n(٢) سورة الأنبياء: الآية ٣.\n(٣) \"شرح السنَّة\" (٢٣٤٦).","vol":"8","page":83},{"text":"٢١٤٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَوْدِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُسْلِىِّ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ». [جه ١٩٨٦، حم ١/ ٢٠، ق ٧/ ٣٠٥]\n===\nمباح؛ إلَّا أنه يضرب ضربًا غير مُبَرَّح، ووجه ترتب السنَّة على الكتاب في الضرب يحتمل أن نهي النبي - ﷺ - قبل نزول الآية، ثم لما ذَئِرَ النساءُ، أذن في ضربهن، ونزل القرآن موافقًا له، ثم لما بالغوا في الضرب، أخبر - ﷺ - أن الضرب وإن كان مباحًا على شكاية أخلاقهن، فالتحمل والستر على سوء أخلاقهن وترك الضرب أفضل وأجمل. ويُحكى عن الشافعي هذا المعنى.\n٢١٤٧ - حدثنا زهير بن حرب، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن عبد الرحمن المُسْلي) بضم الميم وسكون المهملة، الكوفي، ومسلية من كنانة، وقيل: من مذحج، ليس له عندهم سوى حديث واحد في ضرب الزوجة، وفي الحض على الوتر.\nقلت: وصححه الحاكم، وأما أبو الفتح الأزدي فذكر عبد الرحمن هذا في الضعفاء، وقال: فيه نظر، وأورد له هذا الحديث.\n(عن الأشعث بن قيس) بن معدي كرب الكندي، روى عن النبي - ﷺ -، وعن عمر، وفد على النبي - ﷺ - بسبعين من كندة، وكان اسمه معدي كرب، ولقب الأشعث لشعث رأسه، وكان ارتدَّ، ثم راجع الإِسلام في خلافة أبي بكر، وزوّجه أخته أم فروة، وشهد القادسية والمدائن.\n(عن عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ - قال: لا يُسأل الرجلُ) أي في الدنيا، بصيغة المجهول (فيمَا ضرَبَ امرأته) أي إذا راعى شروط الضرب وحدوده، ولفظ \"ما\" عبارة عن النشوز المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (١)، وقوله: \"لا يسأل\" عبارة عن عدم التحرج والتأثم؛\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٣٤.","vol":"8","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-752>(٤٣) بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ</span>\n٢١٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ،\n===\nلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (١)، أي أزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ، وتوبوا عليهن، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن.\nوقد أخرج هذا الحديث ابن ماجه في \"سُنَنه\" (٢) من طريق يحيى بن حماد بسنده عن الأشعث بن قيس، قال: ضِفْتُ عمرَ ليلةً، فلما كان في جوف الليل، قام إلى امرأته يضربها، فحَجزْتُ بينهما، فلما أوى إلى فراشه قال لي: يا أشعث! احْفَظْ عني شيئًا، سمعتُه عن رسول الله - ﷺ -: \"لا يُسأل الرجلُ فيم يضرب امرأتَه، ولا تنمْ (٣) إلا على وترٍ\"، ونسيتُ الثالثةَ، ثم أخرج من طريق عبد الرحمن بن مهدي.\n\n(٤٣) (باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ)\nأي: خفضه وإطراقه عن الأجنبيات\n٢١٤٨ - حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، حدثني يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد) القرشي، ويقال: الثقفي مولاهم، أبو سعيد البصري، وثقه ابنُ سعد والنسائي، وعن ابن معين: مشهور، وقال العجلي: عمرو بن سعيد ثقةٌ، (عن أبي زرعة) بن عمرو بن جرير، (عن جرير) بن عبد الله البجلي (قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن نظرة الفجأة) أي التي تقع بغتة على المرأة الأجنبية بلا قصد.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٣٤.\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (١٩٨٦ - ١٩٨٧).\n(٣) ويشكل عليه أن المعروف عن عمر -﵁- وتره آخر الليل. (ش).","vol":"8","page":85},{"text":"فَقَالَ (١): \"اصْرِفْ بَصَرَكَ\" [م ٢١٥٩، ت ٢٧٧٦، حم ٤/ ٣٥٨، ق ٧/ ٨٩، ك ٢/ ٣٩٦]\n٢١٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ، أَنَا شَرِيكٌ، عن أَبِي رَبِيعَةَ الإِيَادِيِّ، عن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِعَلِي: \"يَا عَلِيُّ لَا تُتْبعِ النَّظْرَةَ\n===\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (اصرفْ بَصَرَك) أي إذا وقعت النظرة إلى الأجنبية فجأةً، فاصْرفْ بصرَك عنها، ولا تنظر إليها قصدًا؛ لأن الأولى إذا لم تكن بالاختيار، فهو معفو عنها، فإن أدام النظر أثم وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٢)، قال القاضي عياض (٣): قالوا: فيه حجة على أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها، وإنما ذلك سنَّة مستحبة لها، ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال، إلا لغرض صحيح شرعي، قال الخطابي (٤): ويروى \"أطرق بصرك\"، فالإطراق أن يقبل ببصره إلى صدره، والصرف أن يقلبه إلى الشق الآخر والناحية الأخرى، نقله في الحاشية عن \"مرقاة الصعود\" (٥).\n٢١٤٩ - (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، أنا شريك، عن أبي ربيعة الإيادي) قيل: اسمه عمرو بن ربيعة، قال ابن منده: روى عن عبد الله بن بريدة، والحسن البصري، وعنه شريك بن عبد الله النخعي وغيره، حسَّن الترمذي بعض أفراده، قال في \"التقريب\": مقبول، (عن ابن بريدة) أي عبد الله، (عن أبيه) بريدة.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ - لعَلِيٍّ: يا علي لا تُتْبعِ) من باب الإفعال (النظرةَ\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) سورة النور: الآية ٣٠.\n(٣) \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\" (٧/ ٣٧).\n(٤) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٢٢).\n(٥) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٩٨).","vol":"8","page":86},{"text":"النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ\". [ت ٢٧٧٧، حم ٥/ ٣٥١، ق ٧/ ٩٠، ك ٢/ ١٩٤]\n٢١٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا». [خ ٥٢٤١، ت ٢٧٩٢، حم ١/ ٣٨٠، ق ٦/ ٢٣]\n===\nالنظرةَ) أي تعقبها إياها، ولا تجعل أخرى بعد الأولى (فإن لك الأولى) أي النظرة الأولى إذا كانت من غير قصد (وليست لك الآخرة) لأنها باختيارك فتكون عليك. قال الطيبي (١) - ﵀ -: دل على أن الأولى نافعة، كما أن الثانية ضارَّة؛ لأن الناظر إذا أمسك عنان نظره ولم يتبع الثانية أُجِرَ.\n٢١٥٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تباشر المرأةُ المرأةَ)، قيل: لا نافية بمعنى الناهية، وقيل: ناهية. والمباشرة بمعنى المخالطة والملامسة، وأصله من لمس البشرة البشرة، والبشرة ظاهرة جلد الإنسان (لتنعتها) أي تصف نعومة بدنها، ولينة جسدها (لزوجها، كأنما ينظر إليها) فيتعلق قلبه بها وتقع بذلك فتنة، والمنهي عنه في الحقيقة وهو الوصف المذكور.\nقال الطيبي (٢) - ﵀ -: المعنى به في الحديث النظرُ مع اللمس، فتنظر إلى ظاهرها من الوجه والكفين، وتجس باطنها باللمس، وتقف على نعومتها وسمنها، \"فتنعتها\" عطف على \"تباشر\"، فالنفي منصب عليهما، فتجوز المباشرة بغير التوصيف.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٣٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٣١).","vol":"8","page":87},{"text":"٢١٥١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- رَأَى امْرَأَةً فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِى صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُ يُضْمِرُ مَا فِى نَفْسِهِ». [م ١٤٠٣، ت ١١٥٨، حم ٣/ ٣٣٠، ق ٧/ ٩٠]\n٢١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا أَبُو ثَوْرٍ (١)،\n===\n٢١٥١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي - ﷺ - رأى امرأة)، وفي حديث ابن مسعود عند الدارمي (٢): قال: رأى رسول الله - ﷺ - امرأة فأعجبته، فأتى سودة، وهي تصنع طيبًا، وعندها نساء، فأخلينه، فقضى حاجته، ثم قال: \"أيما رجل رأى امرأة تعجبه، فليقم إلى أهله، فإن معها مثل الذي معها\"، وهذه الرؤية لم تكن إلا فجأة.\n(فدخل على زينب بنت جحش)، هكذا وقع في حديث جابر عند مسلم والترمذي: \"فدخل على زينب\"، ووقع في رواية ابن مسعود عند الدارمي: \"أنه دخل على سودة\"، فإما أن يحمل على تعدد القصة، أو يقال: إن ما وقع في رواية الدارمي لعله وهم من بعض الرواة في تسمية صاحبة القصة، والله تعالى أعلم.\n(فقضى حاجته منها، ثم خرج إلى أصحابه، فقال لهم: إن المرأة تُقْبل) من الإقبال (في صورة شيطان) شبهها بالشيطان في صفة الوسوسة والإضلال، فإن رؤيتها داعية للفساد، (فمن وجد من ذلك) أي من إعجاب المرأة (فليأت أهله) أي يجامعها، (فإنه) أي جماع الأهل (يضمر) من الضمور، وهو الهزال، أي يضعف ويقلل (ما في نفسه) من الميل إلى النساء، والتلذذ بالنظر إليهن.\n٢١٥٢ - (حدثنا محمد بن عبيد) بن حساب، (نا أبو ثور) هكذا في\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن ثور\".\n(٢) \"سنن الدارمي\" (٢٢١٥).","vol":"8","page":88},{"text":"عن مَعْمَرٍ، أَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ\n===\nالنسخة الدهلوية، واللكهنوية، والمكتوبة الأحمدية، والنسخة المصرية، وأما في النسخة القادرية، ونسخة العون، والنسخة الكانفورية: \"ابن ثور\" وهو الصواب، وهو محمد بن ثور الصنعاني أبو عبد الله العابد.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائي، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: ما حال ابن ثور؟ قال: الفضل، والعبادة، والصدق، قلت: عبد الله بن معاذ أحبُّ إليك أو ابن ثور؟ فقال: ابن ثور أحبُّ إليَّ، قال: وسألت أبا زرعة عن ابن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق، فقال: ابن ثور أفضلهم، وقال البخاري: قال لي إبراهيم بن موسى: قال لنا عبد الرزاق: محمد بن ثور صوَّام قوَّام، كذا قال، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن معمر، أنا ابن طاوس) عبد الله، (عن أبيه) طاوس، (عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا) أي فعلًا من شهوات النفس وحظوظها، أو من معاصي الصغائر (أشبه باللَّمَم) بفتح اللام والميم، هو ما يلم به الشخص من شهوات النفس، وقيل: هو مقارفة الذنوب الصغار. وقال الراغب (١): اللَّمَمُ: مقارفة المعصية، ويعبر به عن الصغيرة.\nومحصل كلام ابن عباس تخصيصه ببعضها، ويحتمل أن يكون أراد أن ذلك من جملة اللمم، أو في حكم اللمم.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"ما رأيت شيئًا أشبه باللمم\"، يعني أن تلك الذنوب مع كونها كبائر لورود الوعيد بالنار فيها، كإلقاء الآنك في العيون وغيره، تشبه اللمم في\n_________\n(١) \"مفردات ألفاظ القرآن\" (ص ٧٤٦).","vol":"8","page":89},{"text":"مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: \"إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدم حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ\". [خ ٦٢٤٣، م ٢٦٥٧، السنن الكبرى للنسائي ١١٥٤٤، ق ٧/ ٨٩، حم ٢/ ٢٧٦]\n===\nانمحائها بالصلوات وغيرها من الخيرات؛ لأن نزول [الآية] الكريمة: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)، إنما كانت نزلت في أمثالها.\n(مما قال أبو هريرة، عن النبي - ﷺ -: إن الله كتب) أي قدر ذلك عليه، أو أمر الملك بكتابته (على ابن آدم) أي هذا الجنس، أو كل فرد من أفراده، واستثنى الأنبياءَ (حظَّه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة) بفتح الميم، أي لا بُدَّ له من عمل ما قدر عليه.\nقال ابن بطال: كل ما كتبه الله على الآدمي، فهو قد سبق في علم الله، فلا بُدَّ أن يدركه المكتوب عليه، وأن الإنسان لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه، إلا أنه يلام إذا وقع ما نهى عنه، فبذلك يندفع قول القدرية والمجبرة، ويؤيده قوله: \"والنفس تمنى وتشتهي\"، لأن المشتهى بخلاف الملجأ.\n(فزنا العينين النظر) أي إلى ما لا يحل للناظر، (وزنا اللسان المنطق) وفي رواية: النطق، وكلاهما بمعنى، (والنفسُ تمنَّى) بفتح أوله، على حذف إحدى التاءين، والأصل تتمنَى (وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك ويكذِّبه) أي لما نظر إلى ما لا يحل له، أو نطق بما يدعوه إلى الفاحشة، فكأنما أخبر بوقوع الفاحشة، فإذا وقعت الفاحشة، فكأنما صدق تلك الخبر، وأما إذا لم تقع، فكأنه كذبه.\nقال الخطابي: المراد باللمم ما ذكر في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢)، وهو المعفو عنه، وقال: وفي الآية الأخرى:\n_________\n(١) سورة هود: الآية ١١٤.\n(٢) سورة النجم: الآية ٣٢.","vol":"8","page":90},{"text":"٢١٥٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لكُلِّ ابْنِ آدم حَظّهُ مِنَ الزِّنَا\"، بِهَذ الْقِصَّةِ، قَالَ: \"وَاليَدَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنيَانِ فَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ، وَالْفَمُ يَزْني فَزِنَاهُ (١) الْقُبَلُ\". [م ٢٦٥٧، حم ٢/ ٣٤٣]\n٢١٥٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (٢)، نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عن الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، بِهَذه الْقِصَّةِ،\n===\n﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣)، فيؤخذ من الآيتين أن اللمم من الصغائر، وأنه يكفر باجتناب الكبائر (٤).\n٢١٥٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: لكل ابن آدمَ) أي غير الأنبياء ﵈ (حظُّه من الزنا) أي من دواعيه (بهذه القصة) المذكورة في الحديث المتقدم.\n(قال) أي النبي - ﷺ -، أو أبو هريرة في هذا الحديث: (واليَدان تزنيان، فزناهما البطش) أي بطش الأجنبية، (والرجلان تزنيان فزناهما المشي) إلى المرأة للفاحشة، (والفم يزني فزناه القُبَلُ) بضم القاف وفتح الموحدة، جمع قبلة.\n٢١٥٤ - (حدثنا قتيبة) بن سعيد، (نا الليث، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، بهذه القصة)\n_________\n(١) في نسخة: \"وزناه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن سعيد\".\n(٣) سورة النساء: الآية ٣١.\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٥٠٤).","vol":"8","page":91},{"text":"قَالَ: \"وَالأُذُنُ (١) زِنَاهَا الاسْتِمَاعُ\". [م ٢٦٥٧، حم ٢/ ٣٧٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>(٤٤) بَابٌ: في وَطْءِ السَّبَايَا</span>\n٢١٥٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُريع، نَا سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن صَالِحٍ أَبِي الْخَلَيلِ، عن أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ\n===\nأي المتقدمة في الحديث (قال: والأذن زناها الاستماع) أي كلام الأجنبيات بشهوة وتلذذ.\n\n(٤٤) (بَابٌ: في وَطْءِ السَّبَايَا) (٢)\n٢١٥٥ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا يزيد بن زريع، نا سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن صالح أبي الخليل) هو صالح بن أبي مريم الضبعي مولاهم البصري، قال ابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال ابن عبد البر في \"التمهيد\": لا يحتج به. وقال الحافظ في \"التقريب\": وأغرب ابن عبد البر (٣)، فقال: لا يحتج به.\n(عن أبي علقمة (٤) الهاشمي) مولاهم، (عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله - ﷺ - بعث يوم حنين) بضم المهملة، وفتح النون مصغرًا، موضع قريب من\n_________\n(١) في نسخة: \"الأذنان زناهما\".\n(٢) قال الموفق (١٣/ ١١٣ - ١١٤): إذا سبي المتزوج من الكفار، فله ثلاثة أحوال: أن يُسبى الزوجان معًا، فلا ينفسخ نكاحهما، وبهذا قال أبو حنيفة والأوزاعي، وقال مالك والشافعي والثوري والليث: ينفسخ. والثاني: أن تسبى المرأة فقط، فينفسخ النكاح بلا خلاف، والآية دلت عليه. والثالث: يسبى الرجل وحده، فلا ينفسخ، وقال أبو الخطاب: ينفسخ، وبه قال أبو حنيفة. (ش).\n(٣) وقع في الأصل وفي نسخة \"التقريب\" القديمة: \"ابن عبد الله بن عبد البر\" وهو تحريف.\n(٤) تكلم ابن كثير على زيادة أبي علقمة في هذا السند، وأكثر الرواة عن أبي الخليل، عن أبي سعيد، بدون واسطة أبي علقمة. (ش).","vol":"8","page":92},{"text":"بَعْثًا إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقُوْا عَدُوَّهُمْ (١)، فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَ أُناسًا (٢) مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى في ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أَي فَهُنَّ لَهُمْ (٣) حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَ\" (٤). [م ١٤٥٦، ت ١١٣٢، ن ٣٣٣٣، حم ٣/ ٨٤]\n===\nمكة، وقيل: هو وادٍ قِبَل الطائف. وقيل: واد بجنب ذي المجاز. وقال الواقدي: بينه وبين مكة ثلاث ليال، وقيل: بينه وبين مكة بضع عشر ميلًا، وهو يذكر ويؤنث، فإن قصدت به البلد ذكرته وصرفته، كقوله ﷿: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ (٥)، وإن قصدت به البلدة والبقعة أنثته، ولم تصرف كقول الشاعر:\nنَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وَشَدُّوا أَزْرَهُ ... بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكُلِ الأَبْطَالِ (٦)\n(بعثًا) أي جيشًا (إلى أوطاس) واد في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين للنبي - ﷺ - ببني هوازن، على ثلاث مراحل من مكة، (فلقوا عدوهم) أي لبني هوازن (فقاتَلوهم، فظهروا) أي غلبوا (عليهم وأصابوا لهم) أي لبني هوازن (سبايا) أي: نساء مَسْبِيات.\n(فكأن أناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - تحرَّجُوا) أي تنزهوا، واعتقدوا في وطئهن حرجًا وإثمًا (من غشيانهن) أي: من وطئهن (من أجْل أزواجهن المشركين، فأنزل الله) ﷿ (في ذلك) أي: في إباحتهن ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ أي حرمت عليكم المحصنات، أي: ذوات الأزواج ﴿مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وفي نسخة: \"لكم\" (حلال، إِذا انقضت عدتُهن) والعدة حيضة، كما سيأتي في الحديث الآتي.\n_________\n(١) في نسخة: \"عدوًا\".\n(٢) في نسخة: \"أناس\".\n(٣) في نسخة: \"لكم\".\n(٤) في نسخة: \"عددهن\".\n(٥) سورة التوبة: الآية ٢٥.\n(٦) قاله حسان بن ثابت - ﵁ -. انظر: \"لسان العرب\" (٢/ ١٠٣٢).","vol":"8","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال النووي (١): ومعناه: والمزوَّجات حرام على غير أزواجهن، إلَّا ما ملكتم بالسبي، فإنه ينفسخ نكاح زوجها الكافر، وتحل لكم إذا انقضى استبراؤها، والمراد بقوله: \"إذا انقضت عدتهن\"، أي: استبراؤهن، وهي بوضع الحمل عن الحامل، وبحيضة من الحائل.\nواختلف العلماء في الأَمَة إذا بيعت، وهي مزوَّجة مسلمًا، هل ينفسخ النكاح، وتحل لمشتريها أم لا؟ فقال ابن عباس: ينفسخ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢). وقال سائر العلماء: لا ينفسخ، وخصوا الآية بالمملوكة بالسبي.\nقال المازري: هذا الخلاف مبني على أن العموم إذا خرج على سبب، هل يقصر على سببه أم لا؟ فمن قال: يقصر على سببه لم يكن فيه ها هنا حجة للمملوكة بالشراء؛ لأن التقدير: إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي.\nومن قال: لا يقصر، بل يحمل على عمومه، قال: ينفسخ نكاح المملوكة بالشراء، ولكن ثبت في حديث شراء عائشة بريرة أن النبي - ﷺ - خيَّر بريرة في زوجها، فدل على أنه لا ينفسخ بالشراء، ولكن هذا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وفي جوازه خلاف.\nوقال في \"البدائع\" (٣): ومنها: أن لا تكون منكوحة الغير، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، معطوفًا على قوله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وهن ذوات الأزواج، وسواء كان زوجها مسلمًا، أو كافرًا، إلا المَسْبِيَّة التي هي ذات زواج سُبيت وحدها؛ لأن قوله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ في جميع ذوات الأزواج.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٢٩٢).\n(٢) سورة النساء: الآية ٢٤.\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩).","vol":"8","page":94},{"text":"٢١٥٦ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا مِسْكِينٌ، نَا شُعْبَةُ، عن يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ في غَزْوَةٍ، فَرَأَى امْرَأَةً مُجِحًّا (١)\n===\nثم استثنى تعالى منها المملوكات بقوله تعالى: ﴿إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والمراد منها المسبيات اللاتي سُبين، وهن ذوات الأزواج، ليكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فيقتضي حرمة نكاح كل ذات زوج إلَّا التي سبيت، كذا روي عن ابن عباس - ﵄- أنه قال في هذه الآية: \"كل ذات زوج إتيانها زنا إلَّا ما سبيت\"، والمراد منه التي سُبيت وحدها، وأخرجت إلى دار الإِسلام؛ لأن الفرقة ثبتت بتباين الدارين عندنا، لا بنفس السبي، وصارت هي في حكم الذمية.\nواعلم أن مذهب الشافعي ومن قال بقوله من العلماء: أن المسبية من عبدة الأوثان وغيرهم من الكفار الذين لا كتاب لهم، لا يحل وطؤها بملك اليمين حتى تسلم، فما دامت على دينها، فهي محرمة، وهؤلاء المسبيات كن من مشركي العرب عبدة الأوثان، فيتأول هذا الحديث وشبهه على أنهن أسلمن، وهذا التأويل لا بد منه، قاله النووي (٢).\nقلت: وكذلك مذهب الحنفية في هذه المسألة.\n٢١٥٦ - (حدثنا النفيلي، نا مسكين، نا شعبة، عن يزيد بن خمير، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن أبي الدرداء: أن رسول الله - ﷺ - كان في غزوة) لم أقف على تعيينها (فرأى امرأة مُجِحًّا) بميم مضمومة، وجيم مكسورة، فحاء مهملة مشددة، أي: حاملًا تقرب ولادتها، وضبطه صاحب \"درجات مرقاة الصعود\" (٣) بميم، فجيم، فحاء، فمد، كحمراء، ويردُّه ما في رواية مسلم: \"مَرَّ النبي - ﷺ - بامرأة مُجِحٍّ\".\n_________\n(١) في نسخة: \"مخجًا\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٢٩٢).\n(٣) انظر: (ص ٩٨).","vol":"8","page":95},{"text":"فَقَالَ: \"لَعَلَّ صَاحِبَهَا أَلَمَّ بِهَا\"، قَالُوا (١): نَعَمْ، قَالَ: \"لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ في قَبْرِهِ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ وَكيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ \". [م ١٤٤١، حم ٥/ ١٩٥، دي ٢٤٧٨]\n===\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لعل صاحبها ألمَّ بها) أي: جامعها (قالوا: نعم)، ولفظ حديث مسلم: \"فسأل عنها فقالوا: أمة لفلان، قال: أيلمُّ بها؟ قالوا: نعم\"، (قال: لقد هممتُ) أي عزمتُ وقصدتُ (أن ألعنَه) أي أدعو عليه بالبعد عن الرحمة (لعنة تدخل معه في قبره) أي يستمر ما بعد موته، وإنما همَّ بلعنه؛ لأنه إذا ألمَّ بأمته التي يملكها وهي حامل، كان تاركًا للاستبراء، وقد فرض عليه.\n(كيف يورِّثه) أي الولد (وهو) أي توريثه (لا يحل له؟ وكيف يستخدمُه) أي الولد، استخدام العبيد (وهو) أي استخدامه واستعباده (لا يحل له؟) بيانه أنه إذا لم يستبرئ وألمَّ بها، فأتت بولد لزمانٍ، وهو ستة أشهر، يمكن أن يكون منه، بأن يكون الحمل الظاهر نفخًا، ثم يخرج منها، فتعلق منه، وأن يكون ممن ألمَّ بها قبله، فإن استخدمه استخدام العبيد، فلعله كان منه، فيكون مستعبدًا لولده، قاطعًا لنسبه عن نفسه، فيستحق اللعن، وإن استلحقه، وادَّعاه لنفسه، فلعله لم يكن منه فيكون مورثه، وليس له أن يورثه فيستحق اللعن، فلا بد من الاستبراء ليتحقق الحال.\nقال الشوكاني (٢): والحديثان يدلان على أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبية، إذا كانت حائلًا، حتى تضع حملها، والحديث الأول منهما يدل على أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبية إذا كانت حاملًا، حتى تستبرئ بحيضة، وقد ذهب إلى ذلك العترة، والشافعية، والحنفية، والثوري، والنخعي، ومالك.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالوا\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٤٠٧).","vol":"8","page":96},{"text":"٢١٥٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا شَرِيكٌ، عن قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عن أَبِي الْوَدَّاكِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَرَفَعَهُ، أَنَّهُ قَالَ في سَبَايَا أَوْطَاسَ: \"لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَة\". [حم ٣/ ٢٨، دي ٢٢٩٥، ق ٩/ ١٢٤]\n٢١٥٨ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبيبٍ، عن أَبِي مَرْزُوقٍ، عن حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عن رُويفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الأنْصَارِيِّ، قَالَ:\n===\n٢١٥٧ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد الخدري، ورفعه) إلى رسول الله - ﷺ -، (أنه) أي رسول الله - ﷺ - (قال) وهو مصرح في رواية الإِمام أحمد (في سبايا) أي مسبيات غزوة (أوطاس: لا توطأ حامل) أي من السبايا (حتى تضع) أي حملها، (ولا غيرُ ذات حمل، حتى تحيض حيضة) أي كاملة (١)، حتى لو ملكها، وهي حائض لا تعتد بتلك الحيضة، حتى تستبرئ بحيضة مستأنفة.\n٢١٥٨ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق) التجيبي بضم المثناة، وكسر الجيم، ثم القتيري مولاهم المصري، اسمه حبيب بن الشهيد، وقيل: ربيعة بن سليم، قال العجلي: مصري تابعي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو عمر الكندي: أبو مرزوق حبيب بن الشهيد، مولى عقبة بن بحرة من بني قتيرة كان فقيهًا.\n(عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري، قال) أي حنش:\n_________\n(١) وإن كانت آيسة، فشهر واحد، وإن كان حاملة، فوضع الحمل، وهكذا في \"رد المحتار\" (٤/ ٢٦٨)، للشامي، و\"البدائع\" (٢/ ٥٥١)، و\"نيل المآرب\" (٢/ ٢٨١). واستدل في \"الروض المربع\" (ص ٥١٤) بهذا الحديث، انتهى. (ش).","vol":"8","page":97},{"text":"قَامَ فِينَا خَطِيبًا قَالَ: أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ يَوْمَ حُنَيْنٍ (١)، قَالَ: \"لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ\" - يَعْنِي إِتْيَانَ الْحُبَالَى- \"وَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا حَتَّى يُقْسَمَ\". [حم ٤/ ١٠٨، دي ٢٤٧٧، ت ١١٣٣ مختصرًا]\n٢١٥٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،\n===\n(قام) أي رويفع بن ثابت (فينا خطيبًا قال) أي رويفع: (أما إنِّي لا أقول لكم إلَّا ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يوم حنين، قال: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع (٢) غيره، يعني) هذا قول رويفع أو غيره، أي يريد النبي - ﷺ - بهذا الكلام (إتيان الحبالى) أي لا يحل أن يجامع امرأة حاملًا لغيره.\n(ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة) أي يجامعها (من السبي) أي إذا ملكها (حتى يستبرئَها) أي بحيضة، أو بشهر.\n(ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا) أي مال الغنيمة (حتى يُقْسَمَ) بصيغة المجهول، أي يقسمه الإِمام بين الغانمين بعد إخراج الخمس، فيدخل في الملك.\n٢١٥٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو معاوية،\n_________\n(١) في نسخة: \"خيبر\".\n(٢) سواء كان من حلال أو حرام، وفيه إشارة إلى جواز نكاح حبلى من غيره، وبه قال علماؤنا بجواز نكاح حبلى من زنا، لكن يحرم وطؤها ما لم تضع، وإن نكح الزاني بنفسه، يجوز الوطء؛ لأنه يسقي زرع نفسه، كذا في \"التعليق الممجد\" (٢/ ٤٥٦). (ش).","vol":"8","page":98},{"text":"عن ابْنِ إِسْحَاقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: \"حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ\" (١). زَادَ (٢): \"وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَاَنَ يؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْحَيْضَةُ لَيْسَتْ (٣) بِمَحْفُوظَةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>(٤٥) بَابٌ: في جَامِعِ النِّكَاح</span>\n٢١٦٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ\n===\nعن ابن إسحاق بهذا الحديث) المتقدم (قال) أي أبو معاوية، عن ابن إسحاق: (حتى يستبرئها بحيضة) فزاد لفظ: \"بحيضة\"، (زاد: ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين) أي: غنيمتهم (حتى إذا أعجفها) أي أهزلها (ردها) أي الدابة (فيه) أي في الفيء. ووجهه أن الفيء قبل أن يقسم فيه حق لجميع الغانمين، فالتصرف فيه واستعماله قبل القسمة إتلاف لحقهم، (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه) أي أبلاه (رده فيه) أي في الفيء.\n(قال أبو داود: والحيضة) أي لفظة: الحيضة (ليست بمحفوظة) أي في هذا الحديث. وفي نسخة: الوهم من أبي معاوية.\n\n(٤٥) (بابٌ: فِى جَامِعِ النِّكَاحِ)\nأي: باب جامع لأحاديث شتى في النكاح\n٢١٦٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن سعيد) بن حصين\n_________\n(١) زاد هناك في نسخة: \"زاد فيه: بحيضة، وهو وهم من أبي معاوية وهو صحيح في حديث أبي سعيد\".\n(٢) في نسخة: \"فيه\".\n(٣) في نسخة: \"ليس\".","vol":"8","page":99},{"text":"قَالَا: نَا أَبُو خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ \"إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً و(١) اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ\". [جه ١٩١٨، السنن الكبرى للنسائي ١٠٠٩٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ أَبُو سَعِيدٍ: \"ثُمَّ لِيَأخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ (٢) بِالْبَرَكَةِ في الْمَرْأَةِ وَالْخَادِمِ\".\n٢١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ،\n===\n(قالا: نا أبو خالد) الأحمر، (عن ابن عجلان) محمد، (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: إذا تزوج أحدكم امرأة واشترى خادمًا) أي عبدًا، أو أمةً (فليقل: اللَّهُمَّ إني أسألك خيرَها) تأنيث الضمير باعتبار تغليب الأكثر (وخير ما جَبَلْتَها) أي خلقتَها (عليه) من الخصال، (وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما) أي خصال (جبلتَها عليه، وإذا اشترى بعيرًا فليأخذ بِذِرْوةِ) في \"القاموس\": وذروة الشيء: بالضم والكسر أعلاه (سَنامِه) أي أعلاه (وليقل مثل ذلك).\n(قال أبو داود: زاد أبو سعيد) أي عبد الله بن سعيد شيخ المصنف: (ثم ليأخذ بناصيتها) الناصية: الشعر الكائن في مقدم الرأس، والظاهر أن المراد مقدم رأسها، والضمير راجع إلى المرأة والجارية، والعبد تغليبًا للأكثر، أو إلى النفس الشامله للثلاث (وليدع بالبركة في المرأة والخادم).\n٢١٦١ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا جرير) بن عبد الحميد، (عن منصور،\n_________\n(١) في نسخة: \"أو\".\n(٢) في نسخة: \"وليدعوا\".","vol":"8","page":100},{"text":"عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَن يَأتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّب الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قُدِّرَ أَنْ يَكُون بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا\". [خ ٥١٦٥، م ١٤٣٤، ت ١٠٩٢، جه ١٩١٩، حم ١/ ٢١٦، دي ٢٢١٢]\n===\nعن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال النبي - ﷺ -: لو أن أحدَكُم إذا أراد أن يأتي أهله) أي أراد الجماع (قال: بسم الله، اللَّهُمَّ جنِّبْنا الشيطانَ وجنِّب الشيطان ما رزقتَنا) أي من الولد (ثم قُدِّر أن يكون بينهما ولدٌ في ذلك) أي في ذَلك الجماع (لم يضرَّه شيطانٌ أبدًا).\nقال الحافظ (١): واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر، وإن كان ظاهرًا في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد، وكان سبب ذلك ما تقدم في بدء الخلق: \"أن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد، إلا من استثني\"، فإن في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة، مع أن ذلك سبب صراخه.\nثم اختلفوا فقيل: المعنى لم يسلط عليه من أجْل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٢)، وقيل: المراد لم يطعن في بطنه، وهو بعيد لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا، وقيل: المراد [لم يصرعه، وقيل:] لم يضره في بدنه.\nوقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن لا يضره في دينه أيضًا، ولكن يبعده انتفاء العصمة. وتعقب بأن اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب، لا بطريق الجواز، فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدًا، وإن لم يكن ذلك واجبًا له.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٩).\n(٢) سورة الحجر: الآية ٤٢.","vol":"8","page":101},{"text":"٢١٦٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عن وَكِيعٍ، عن سُفْيَانَ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن الْحَارِثِ بْنِ مُخَلَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَة (١) في دُبُرِهَا\". [جه ١٩٢٣]\n===\nقلت: ويتعقب أيضًا بأن انتفاء الضرر في دينه لا يستلزم العصمة، بل انتفاء الضرر في الدين يتحقق بعد صدور الذنب منه؛ بأن يوفقه الله للتوبة والإنابة، وهو الأقرب.\nوقال الداودي: معنى \"لم يضره\" أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية. وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه، كما جاء عن مجاهد: \"أن الذي يجامع، ولا يسمي، يلتفت الشيطان إلى إحليله فيجامع معه\"، ولعل هذا أقرب الأجوبة.\nقال الحافظ (٢): وأفاد الكرماني أنه رأى في نسخة قرأت على الفربري: قيل للبخاري: من لا يحسن العربية يقولها بالفارسية؟ قال: نعم.\n٢١٦٢ - (حدثنا هناد، عن وكيع، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلد) بفتح المعجمة وتشديد اللام، الزرقي الأنصاري، أخرجوا له حديثًا واحدًا في إتيان المرأة في دبرها. قلت: وقال البزار: ليس بمشهور، وقال ابن القطان: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ملعون من أتى امرأة في دبرها) أي جامعها في دبرها.\nوهذا الحديث يستدل به، وبالأحاديث الكثيرة الواردة في هذا الباب على أنه يحرم إتيان النساء في أدبارهن. وتعقب بأن الأحاديث الواردة في هذا الباب كلها ضعيفة. ويجاب عنه: بأن الأحاديث وإن كان كل واحد منها تكلم فيه، إلَّا أنه يقوي بعضها بعضًا، فيصير مجموعها حجةً في ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"امرأته\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٢).","vol":"8","page":102},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويستدل بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١)، فإن محل الحرث ليس إلَّا القبل.\nوأما ما وقع من المناظرة بين الإِمام الشافعي، وبين الإِمام محمد بن الحسن، وقد ذكره الشوكاني (٢) والحافظ ابن حجر (٣)، فالذي أظن أن ما ينسب إلى الإِمام الشافعي من الاعتراض على الاستدلال بالآية فيبعد عن جنابه؛ بأن الإِمام محمد بن الحسن لما استدل بالآية على تحريم الوطء في الدبر، قال له الإِمام الشافعي: لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أو تحت إبطها، أو أخذت ذكره بيدها، أفيحرم ذلك؟ قال محمد بن الحسن: لا. قال الشافعي: فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ ! .\nفهذا الكلام الذي دار بينهما لا يليق بصغار الطلبة، فضلًا عن الإمامين الهُمامين؛ لأنه ظاهر أن هذه الأفعال ليس بوطء، ولا إدخال، بل هو إلصاق البشرة بالبشرة.\nنعم لو اعترض عليه بأن الرجل لو أدخل في فمها لكان له ذلك. ولكننا نقول: إن الإدخال في الفم يحرم، كما يحرم الوطء في الدبر، ولا قائل بجوازه (٤) أحد، فظني أن قصة المناظرة غلط.\nوأما إنكار بعض أهل الحديث ثبوت الحرمة بالأحاديث الواردة فيه، فمبني على اعتبار أنه لم يثبت في هذا الباب كل واحد واحد من الأحاديث، لا باعتبار مجموعها، فإن مجموعها مثبت لها.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٣.\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٩٠ - ٢٩١).\n(٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٩١).\n(٤) فيه أن المسألة خلافية عند الحنفية، ذكر في \"الفتاوى الهندية\" فيه قولان: الكراهة وغيرها. (ش).","vol":"8","page":103},{"text":"٢١٦٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، نَا سُفْيَانُ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا (١) يقُولُ: \"إِنَّ الْيَهُودَ يقُولُون: إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ في فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا\n===\nويستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٢)، حرم وطء الحائض بعلة الأذى، وهذه العلة المصرحة مع ما فيه مفاسد كثيرة تدل على تحريم الوطء في الدبر بدلالة النص.\nقال الشوكاني: وقد ذكر ابن القيم لذلك مفاسد دينية، ودنيوية فليراجع (٣). وكفى مناديًا على خساسته أنه لا يرضى أحد أن ينسب إليه، ولا إلى إمامه تجويز ذلك، إلَّا ما كان من الرافضة، مع أنه مكروه عندهم. وأوجبوا للزوجة فيه عشرة دنانير عوض النطفة، وهذه المسألة هي إحدى مسائلهم التي شَذُّوا بها.\nوحكى الإِمام المهدي في \"البحر\" عن العترة جميعًا، وأكثر الفقهاء أنه حرام. قال الحاكم بعد أن حكى عن الشافعي ما سلف: لعل الشافعي كان يقول ذلك في القديم، فأما الجديد فالمشهور أنه حرَّمه. وقد روى الماوردي في \"الحاوي\"، وأبو نصر الصباغ في \"الشامل\" وغيرهما عن الربيع أنه قال: كذب والله يعني ابن عبد الحكم، فقد نصَّ الشافعي على تحريمه في ستة كتب.\nوقد رُوي الجواز أيضًا عن مالك، روى ذلك عنه أهل مصر وأهل المغرب، وأصحاب مالك العراقيون لم يثبتوا هذه الرواية عنه، وقد رجع متأخرو أصحابه عن ذلك، وأفتوا بتحريمه، انتهى.\n٢١٦٣ - (حدثنا ابن بشار، نا عبد الرحمن، نا سفيان، عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابرًا يقول: إن اليهود يقولون: إذا جامع الرجل أهله في فرجها من ورائها)، قال ابن الملك: كان يقف خلفها، ويولج في قُبُلها،\n_________\n(١) في نسخة: \"يعني ابن عبد الله\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\n(٣) انظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٤٠).","vol":"8","page":104},{"text":"كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) [خ ٤٥٢٨، م ١٤٣٥، ت ٢٩٨٢، جه ١٩٢٥، دي ٢٢١٤]\n٢١٦٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الأَصبَغِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"إِنَّ ابْنَ عُمَرَ- والله يَغْفِرُ لَهُ- أَوْهَمَ،\n===\nفإن الوطء في الدبر محرم في جميع الأديان (كان ولده) أي: المتولد بذلك الجماع (أحولَ) لتحول الوطء عن الجماع المتعارف، وهو الإتيان من جهة القدام في القبل.\n(فأنزل الله ﷿) ردًا عليهم (﴿نِسَاؤُكُمْ﴾) أي: منكوحاتكم ومملوكاتكم (﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾) أي: مواضع زراعة أولادكم، يعني هن لكم بمنزلة الأرض المعدة للزراعة، ومحله القبل، فإن الدبر موضع الفرث، لا محل الحرث (﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾) أي: كيف شئتم من قيام، أو قعود، أو اضطجاع، أو من الدبر في فرجها. والمعنى على أيِّ هيئة كانت، فهي مباحة لكم، ولا يترتب منها ضرر عليكم، شبَّههن بالمحارث، لما يلقى في أرحامهن من النطف، التي منها النسل المشبهة بالبذور، فلفظ \"أنى\" بمعنى كيف، أو بمعنى من أين، أي فأتوا حرثكم من أي جهة شئتم.\n٢١٦٤ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، حدثني محمد -يعني ابن سلمة-، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن ابن عمر- والله يغفر له -) جملة دعائية معترضة بين اسم إن وخبرها (أوهم) هكذا في جميع النسخ الموجودة. قال السيوطي: قال الخطابي (٢): هكذا وقع في الرواية، والصواب \"وهم\" بغير ألف، يقال:\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٣.\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٢٧).","vol":"8","page":105},{"text":"إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ - وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ - مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ - وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ - وَكَانُوا يَرَوْنَ لَهُم فَضْلًا عَلَيْهِمْ في الْعِلْم، فَكَانُوا (١) يَقْتَدُونَ بكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَان مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْكِتَاب أنْ لَا يأتُوا النِّسَاءَ إلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ،\n===\nوهم الرجل بالكسر، إذا غلط في الشيء، ووهم بالفتح، إذا ذهب وهمه إلى الشيء، وأوهم بالألف، إذا أسقط من قراءته أو كلامه شيئًا.\nقلت: لكن قال في \"القاموس\": ووهم. في الحساب، كوَجِلَ: غَلِط، وفي الشيء كوعد: ذهب وهمه إليه، وأوهم كذا من الحساب: أسقط، أو وهم كوَعَدَ ووَرِثَ، وأوهم بمعنى.\nولعل الحامل لابن عباس على هذه التخطئة ما روي عن ابن عمر عند الدارقطني: أن قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ نزلت في الوطء في الدبر، فأنكر عليه ذلك. وقال:\n(إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهُم أهلُ وثنٍ) أي يعبدون الأوثان في الجاهلية يسكنون (مع هذا الحي من يهود، وهم) أي اليهود (أهل كتاب، وكانوا) أي الأنصار (يرون لهم) أي لليهود (فضلًا) أي فضيلة (عليهم) أي على الأنصار (في العلم، فكانوا) أي الأنصار (يقتدُون) أي يتبعونهم (بكثير من فعلهم، وكان من أمر) أي حال (أهل الكتاب أن) أي أنهم (لا يأتوا النساء) أي: لا يجامعونهن (إلَّا على حرْف) أي: على هيئة واحدة وهي الاستلقاء (٢).\n(وذلك) أي الطريق الواحد (أسترُ ما تكون المرأةُ) أي في هذه الحالة،\n_________\n(١) في نسخة: \"وكانوا\".\n(٢) كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٢٧) برواية ابن عساكر عن جابر، ويظهر من كلام الزرقاني (٣/ ١٧٧): أنهم يأتونها على ظهورها، إذ قال: إن عادة كثير من العرب وغيرهم إتيان النساء من قبل ظهورهن، ولم تكن الأنصار تفعل غير ذلك، استبقاءً للحياء وطلبًا للستر، وكراهة لاجتماع الوجوه حينئذ، والاطلاع على العورات، والمهاجرون يأتونهن من قبل الوجه، انتهى. ويؤيد ذلك لفظ حديث الباب: \"وذلك أستر ما يكون للمرأة\"، =","vol":"8","page":106},{"text":"فَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ شَرْحًا مُنْكَرًا، وَيَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ وَقَالَتْ: إِنَّمَا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ فَاصْنَعْ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَاجْتَنِبْنِي حَتَّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أَيْ: مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، يَعْني بِذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَدِ\".\n===\n(فكان هذا الحيُّ من الأنصار قد أخذوا) أي اختاروا وتعلموا (بذلك من فعلهم، وكان هذ الحي من قريش يشرحُون (١» بالحاء المهملة، قال في \"المجمع\": شرح جاريته إذا وطئها نائمة على قفاها (النساءَ شرحًا منكرًا، ويتلذذون منهن مقبلاتٍ ومدبراتٍ ومستلقياتٍ، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم) أي من المهاجرين (امرأة من الأنصار، فذهب) أي المهاجري (يصنع بها) أي بزوجه من الأنصار (ذلك) أي الشرح المتعارف بينهم (فأنكرتْه عليه) ولم ترض بهذا الفعل؛ لأنه خلاف المتعارف بينهن.\n(وقالت: إنما كنا نُؤتى على حرْف) أي نجامع على حالة واحدة (فاصنعْ ذلك، وإلَّا) وإن لا ترض بذلك (فاجْتَنِبْني، حتى شرِيَ) أي: عظم وتفاقم (أمرهما، فبلغ ذلك) أي الأمر (رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع) الحرث (الولد)، أي: وهو الفرج.\n_________\n= ولكن ما تقدم من الحديث السابق: أن اليهود يزعمون أن الولد بذلك يكون أحول، وهم يقتدون باليهود يأبى ذلك، فتأمل. (ش).\n(١) وقال ابن عمر: الأولى أن ينظر إلى فرج امرأته وقت الوقاع ليكون أبلغ في اللذة، وسئل أبو حنيفة: هل يمسّ فرجها وتمسّ ذكره؟ قال: أرجو أن يعطى الأجر، كذا في \"الفتاوى العالمكَيرية\" (٥/ ٣٢٨). (ش).","vol":"8","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>(٤٦) بَابٌ: في إِتْيَانِ الْحَائِضِ وَمُبَاشَرَتِهَا</span>\n٢١٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتْ مِنْهُمْ امْرَأَةٌ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ، وَلَمْ يؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُشَارِبُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهَا في الْبَيْتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ...﴾\n===\nفحاصل قول ابن عباس: أن الذي بلغني عن ابن عمر إن صح، فهو غلط منه، فإن قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، لا يدل على إباحة الوطء في الدبر، بل يدل على حرمته. فإنها نزلتْ في إتيان النساء في محل الحرث في إباحة الكيفيات المختلفة، مقبلاتٍ ومدبراتٍ ومستلقياتٍ في عموم الأحوال، لا في عموم المواضع.\n\n(٤٦) (بَابٌ: في إِتيَان الْحَائِضِ)، أي: جماعها (وَمُبَاشَرَتِهَا)\nأي: إلصاق البشرة بالبشرة من غير جماع\n٢١٦٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك: أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة، أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها) بالهمزة، ويبدل واوًا، أي: لم يأكلوا معها (ولم يشاربوها) أي لا يشربون معها (ولم يجامعوها) أي لم يساكنوهن (في البيت، فسئل رسول الله - ﷺ -) أي سأله أصحابه كما في رواية مسلم.\nقال الحافظ (١): وروى الطبري عن السدي: أن الذي سأل أولًا عن ذلك هو: ثابت بن الدحداح. (عن ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾)\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٩).","vol":"8","page":108},{"text":"إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"جَامِعُوهُنَّ في الْبُيُوتِ، وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ\"، فَقَالَتِ اليَهُودُ: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ\n===\nأي حكم زمان الحيض ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١) (إلى آخر الآية).\nقال في \"الأزهار\": المحيض الأول في الآية: هو الدم بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. وفي الثاني ثلاثة أقوال: أحدها: الدم، كالأول. والثاني: زمان الحيض. والثالث: مكانه، وهو الفرج، وهو قول جمهور المفسرين وأزواج النبي - ﷺ -.\nثم الأذى: ما يتأذى به الإنسان، قيل: سمي بذلك؛ لأن له لونًا كريهًا، ورائحة منتنة، ونجاسة مؤذية، مانعة عن العبادة، يعني الحيض أذى يتأذى معه الزوج من مجامعتها فقط، دون المؤاكلة، والمجالسة، والافتراش، أي: فابعدوا عنهن بالمحيض، أي في مكان الحيض، وهو الفرج، أو حوله مما بين السرة والركبة احتياطًا.\n(فقال رسول الله - ﷺ -) مبيِّنًا ومفسِّرًا للاعتزال المذكور في الآية بقصره على بعض أفراده: (جامعوهن في البيوت) أي ساكنوهن، وخالطوهن (واصنعوا كل شيء) من المؤاكلة والملامسة والمضاجعة (غير النكاح) أي الجماع.\nوالحديث بظاهره يدل على جواز الاستمتاع بما تحت الإزار، وهو قول أحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي في قوله القديم، وبعض المالكية، وقال الجمهور بجواز الاستمتاع بما فوق الإزار دون ما تحته، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في قوله الجديد، قاله القاري (٢).\n(فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل) يعني النبي - ﷺ -، وعبَّروا بلفظ يوهم\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٤٤).","vol":"8","page":109},{"text":"أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ أَمْرنَا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْيرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ في الْمَحِيضِ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ (١) قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا،\n===\nالتحقير، لإنكارهم نبوَّته، ولمخالفته إياهم (أن يدعَ) أي يترك (شيئًا من أمرنا) أي من أمور ديننا (إلَّا خالفنا) بفتح الفاء (فيه) أي إلَّا حال مخالفته إيانا فيه، يعني لا يترك أمرًا من أمورنا إلا مقرونًا بالمخالفة.\n(فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر إلى رسول الله - ﷺ - فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا)، والظاهر أنه إشارة إلى الكلام السابق الذي صدر من اليهود (أفلا ننكحهن في المحيض).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: أنه فيه توجيهان: أحدهما: أن يكون المقصود استجازة الجماع، واستباحته، تقصيًا في الخلاف، أي ليكون المخالفة تامة. وثانيهما: أن يكون المقصود ترك معاملة النكاح، وأن يصيروا كما كانوا عليه من المتاركة الكاملة، تقصيًا عن الخلاف؛ والاستفهام على الأول إنكار على عدم النكاح بمعنى الجماع، فإنكار عدم النكاح إقرار له، فيثبت الجماع، وعلى الثاني: استفهام تقرير، بمعنى عدم تلبس لوازمه، يعني به ما يكون بين الزوجين من الانبساط والملامسة، حتى تبقى المتاركة التامة بينهما والمباعدة المحضة.\n(فتمعَّر وجهُ رسول الله - ﷺ -، حتى ظننا أن) أي أنه (قد وجد) أي غضب (عليهما) وجه التمعر والغضب على الاحتمالين ظاهر، وفي الأول أظهر، فإن فيه مخالفة صريحة للنص، وفي الثاني: موافقة لليهود على خلاف شريعة الإِسلام.\nويحتمل أن سبب التمعُّر والغضب أمر آخر، لم يطلع عليه أنس - ﵁ -،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنه\".","vol":"8","page":110},{"text":"فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَبَعَثَ في آثَارِهِمَا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا\". [تقدَّم برقم ٢٥٨]\n٢١٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن جَابِر بْنِ صُبْح (١)، سَمِعْتُ خِلَاسًا الْهَجَريَّ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقولُ: \"كُنْتُ أَنا وَرَسُولُ الِله - ﷺ - نَبِيتُ في الشِّعَارِ الْوَاحِدِ، وَأَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شيءٌ غَسَلَ مَكَانَهُ لَمْ (٢) يَعْدُهُ، وَإِنْ أَصَابَ\n===\nوالذي عندي أن سبب التمعر والغضب هو قولهما هذا، ولكنهما لما تكلما بهذا الكلام، لم يصدر عنهما هذا الكلام بنية فاسدة ومخالفة، بل صدر عنهما عن نصح، فلم يكن هذا الغضب في حقهما.\n(فخرجا) أي أسيد بن خضير وعباد بن بشر من مجلسه - ﷺ - (فاستقبلهما) وفي نسخة: \"فاستقبلتهما\" (هديةٌ من لبن إلى رسول اللهِ - ﷺ -) أي استقبلهما شخص معه هدية من بعض الصحابة، يهديها إلى رسول الله - ﷺ -، (فبعث) أي أرسل النبي - ﷺ - (في آثارِهِما)، أي عقبهما أحدًا، فدعاهما، فجاءاه، فسقاهما، أي اللبن تلطفًا بهما، ولئلا يظنا أنه وجد عليهما. (فظننا أنه) أي رسول الله - ﷺ - (لم يجد) أي لم يغضب (عليهما).\nوهذا الحديث بسنده ومتنه مكرر، قد تقدم في كتاب الطهارة في مؤاكلة الحائض ومجامعتها.\n٢١٦٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن جابر بن صبح، سمعت خلاسًا الهَجَري قال: سمعت عائشة - ﵂ - تقول: كنت أنا ورسول الله - ﷺ - نبيت في الشعار الواحد، وأنا حائض طامث، فإن أصابه) أي بدنه (مني شيءٌ) أي من الدم (غسل مكانَه لم يَعْدُه، وإن أصاب\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"ولم\".","vol":"8","page":111},{"text":"- تَعْنِي ثَوْبَهُ- مِنْهُ شَيءٌ غَسَلَ مَكَانَهُ لَمْ يَعْدُهُ وَصَلَّى فِيهِ\". [تقدَّم برقم ٢٦٩]\n٢١٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا حَفْصٌ، عن الشَّيْبَانيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عن خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا\". [تقدَّم برقم ٢٦٨]\n===\n- تعني ثوبه- منه) أي من الدم (شيء غسل مكانه لم يعده وصلى فيه) أي في ذلك الثوب.\nوهذا الحديث بسنده ومتنه مكرر، وقد تقدم في كتاب الطهارة \"في باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع\"، وهذا السياق يؤيد ما تقدم في شرح هذا الحديث أن قوله الأول: \"ثم صلَّى فيه\" تصحيف، فإن أبا داود لم يقله في هذا الحديث ها هنا.\n٢١٦٧ - (حدثنا محمد بن العلاء، ومسدد قالا: نا حفص، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن خالته) أي لأمه (١) (ميمونة بنت الحارث) فإن أمه سلمى بنت عميس الخثعمية، وخالته أسماء بنت عميس، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن يباشر امرأةً) أي يضاجع ويلاصق بشرته ببشرتها (من نسائه، وهي حائض أمرها أن تَتَّزِرَ) أي تشد الإزار عليها (ثم يباشرها)، أي بما فوق الإزار دون ما تحته. وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في قوله الجديد.\nولعل قوله - ﷺ -: \"اصنعوا كل شيء إلَّا النكاح\" كان رخصة، وفعله - ﷺ - محمول على العزيمة تعليمًا للأمة، سدًا لذريعة الفساد، فإن الذي يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه.\n_________\n(١) تقدم في الحيض بمعناه عن عائشة، وأما عن ميمونة ففيه: أنه ﵇ كان يباشر إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>(٤٧) بَابٌ: في كفَّارَةِ مَنْ أَتَى حَائِضًا</span>\n٢١٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ: - غَيْره، عن سَعِيد- حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - في الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: \"يَتَصَدَّق بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ\". [مضى برقم ٢٦٤]\n٢١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَام بْنُ مُطَهَّرٍ، نَا جَعْفَرٌ - يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ -، عن عَلِيِّ بْنِ الْحَكمِ الْبُنَانِيِّ، عن أَبِي الْحَسَنِ الْجَزَرِيِّ، عن مِقْسَمٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"إِذَا أَصَابَهَا في الدَّمِ فَدِينَارٌ،\n===\n\n(٤٧) (بَابٌ: في كَفَّارَةِ مَنْ أَتَى حَائِضًا)\n٢١٦٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة- غيره، عن سعيد-) هكذا في النسخة المكتوبة، والكانفورية، والقادرية، ونسخة \"العون\"، وقد تقدم هذا الحديث بهذا السند في \"باب إتيان الحائض\"، فلم يزد المصنف هذا اللفظ هناك. وقد روى عن شعبة يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، وابن أبي عدي فرفعوه عنه، وكذلك روى وهب بن جرير، وسعيد بن عامر، والنضر بن شميل، وعبد الوهاب عن عطاء الخفاف عنه، ولم يسم أحد فيه غير شعبة، ولم أدر أن سعيدًا من هو، ولم يذكر الحافظ في تلامذة الحكم بن عتيبة سعيدًا، فإن صح هذا الكلام، فلعله يكون سعيد بن أبي عروبة، أو سعيد بن عامر، وإلا فتصحيف.\n(حدثني الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - في الذي يأتي) أي يجامع (امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار).\n٢١٦٩ - (حدثنا عبد السلام بن مطهر، نا جعفر - يعني ابن سليمان-، عن علي بن الحكم البناني، عن أبي الحسن الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس قال: إذا أصابها في الدم) أي في جريانه (فدينار،","vol":"8","page":113},{"text":"وَإِذَا أَصَابَهَا في انْقَطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ\". [مضى برقم ٢٦٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>(٤٨) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ</span>\n٢١٧٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ، نَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن قَزَعَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ: ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِي - ﷺ - يَعْنِي الْعَزْلَ- قَالَ (١): \"فَلِمَ يَفْعَلُ أَحَدُكُمْ؟ ! \" -وَلَمْ يَقُلْ:\n===\nوإذا أصابها في انقطاع الدم) أي في حال انقطاعه قبل الغسل (فنصف دينار).\nوهذان الحديثان ها هنا مكرران، وقد تقدما في كتاب الطهارة في \"باب إتيان الحائض\"، وقد تقدم ما يتعلق بشرحهما.\n\n(٤٨) (بَابُ مَا جَاءَ في الْعَزْلِ)\nقال النووي (٢): هو أن يجامع، فإذا قارب الإنزال نزع، وأنزل خارج الفرج (٣).\n٢١٧٠ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن قزعة، عن أبي سعيد) قال: (ذُكِرَ) بصيغة المجهول (ذلك عند النبي - ﷺ -، يعني) أي يريد أبو سعيد بلفظ اسم الإشارة (العزلَ، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فلِمَ يفعل أحدكم؟ ! ولم يقل) أي رسول الله - ﷺ - وقائله\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٢٦٧).\n(٣) وحاصل المذاهب في العزل أنه يكره في الحرة بغير إذنها عند الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، وعند الشافعية روايتان: الكراهة وعدمها، وهو الراجح عند المتأخرين منهم، وأما الأمة المملوكة فيجوز بلا إذنها بالاتفاق إلا عند ابن حزم، وأما الأمة المزوجة فهي في حكم الحرة، لكن المعتبر فيها إذن سيدها عند الأئمة الثلاثة على الراجح عندهم، وعند الصاحبين الإذن لها، وعند الشافعية في المزوجة قولان مثل الحرة، وعند ابن حزم: حرام مطلقًا سواء في الحرة والأمة. \"الأوجز\" (١٠/ ٤٩٦، ٤٩٩، ٥٠٠). (ش).","vol":"8","page":114},{"text":"وَلَا يَفْعَلْ (١) أَحَدُكُمْ- \"فَإِنَّهُ لَيْسَتْ مِنْ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا\". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَزَعَةُ مَوْلَى زِيادٍ. [م ١٤٣٨، ت ١١٣٨، ق ٧/ ٢٢٩]\n٢١٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا يَحْيَى، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ ثَوْبَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رِفَاعَةَ حَدَّثَهُ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ،\n===\nأبو سعيد: (ولا يفعل) بصيغة النهي، أو الخبر بمعنى النهي (أحدكم، فإنه) الضمير للشأن (ليست من نفس مخلوقة إلَّا الله خالقُها) فإذا أراد الله خلق نفس، لا يمنعه العزل ولا ينفع، فلم يفعل ذلك بهذه الإرادة؟\n(قال أبو داود: قزعة مولى زياد)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قزعة بن يحيى، ويقال: ابن الأسود أبو الغادية البصري، مولى زياد بن أبي سفيان، ويقال: مولى عبد الملك، ويقال: بل هو من بني الحريش، قال العجلي: بصري، تابعي، ثقة، وقال ابن خراش: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند البخاري حديث أبي سعيد الخدري في سفر المرأة وغيره.\n٢١٧١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان) العطار، (نا يحيى) بن سعيد الأنصاري (إن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، حدثه أن رفاعة)، ويقال: أبو رفاعة، ويقال: أبو مطيع بن عوف الأنصاري، عن أبي سعيد الخدري في العزل (حدثه عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا) لم أقف على تسميته.\n(قال: يا رسول الله! إن لي جارية) لم أقف على تسميتها (وأنا) أطأها و(أعزل عنها، وأنا اكره أن تحمِلَ) علة لقوله: \"أعزل عنها\" أي كراهة الحمل، فإذا حملت، وولدت صارت أم ولد، فلا يجوز بيعها، (وأنا أريد) أي منها (ما يريد الرجال) أي: من بيعها، وتحصيل المال بعوضها، فيفسده الحمل\n_________\n(١) في نسخة: \"فلا يفعل\".","vol":"8","page":115},{"text":"وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ مَوْؤُودَةُ الصُّغْرَى. قَالَ: \"كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللَّه أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ\". [ت ١١٣٦، حم ٣/ ٣٣]\n===\n(وإن اليهود تحدث أن العزل) لا يجوز؛ لأنه (موؤودة الصغرى (١» هكذا بالإضافة في جميع النسخ الموجودة لأبي داود، وفي كتاب \"منتقى الأخبار\" (٢) متن \"نيل الأوطار\": \"الموؤودة الصغرى\" بالتوصيف، وكذا في حديث جابر عند الترمذي بالتوصيف، فالإضافة مؤوَّلة بإضافة الموصوف إلى الصفة.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (كذبَتْ يهودُ) أي في قولهم: \"العزل الموؤودة الصغرى\"، فإن الوأد دفن البنات حَيَّة، وهذا يكون بعد الخلق، فإذا لم تخلق لم يتحقق الوأد، (لو أراد اللهُ أن يخلقه ما استطعتَ) أيها العازل (أن تصرفه) أي تمنعه.\nوهذا الحديث بظاهره مخالف لما رواه مسلم من حديث جدامة، قال رسول الله - ﷺ -: \"ذلك الوأد الخفي\"، وأجاب عنه الشوكاني نقلًا عن الحافظ، فقال: من العلماء من جمع بين هذا الحديث وما قبله، فحمل هذا على التنزيه، وهذه طريقة البيهقي، ومنهم من ضعف حديث جدامة هذا لمعارضته لما هو أكثر منه طرقًا. قال الحافظ: وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم، والحديث صحيح لا ريب فيه، والجمع ممكن.\nومنهم من ادَّعى أنه منسوخ، ورُدَّ بعدم معرفة التاريخ، وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون حديث جدامة على وفق ما كان عليه الأمر أولًا من موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثم أعلمه الله بالحكم، فكذَّب اليهود فيما كانوا\n_________\n(١) وقال علي - ﵁ -: لا تكون الموؤدة حتى تمر عليه سبع تارات، واستحسنه عمر - ﵁ -، وبسطه القاري في \"المرقاة\" (٦/ ٣٤٧)، وفي \"الشامي\" (٥/ ٣٠٤): يكره الإسقاط قبل التصور وبعده إلا لعذر، وإن أسقط ميتًا، ففيه الغرة، وإن أسقط حيًا ثم مات، فعليه الدية. (ش).\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٨٦).","vol":"8","page":116},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيقولونه، وتعقبه ابن رشد وابن العربي بأن النبي - ﷺ - لا يحرِّم شيئًا تبعًا لليهود، ثم يصرح بتكذيبهم فيه.\nومنهم من رجح حديث جدامة بثبوته في الصحيح، وضعف مقابله بالاختلاف في إسناده والاضطراب، قال الحافظ: ورد بأنه إنما يقدح في حديث لا يقوى بعض الوجوه، فمتى قوي بعضها، عمل به، وهو ها هنا كذلك، والجمع ممكن.\nورجح ابن حزم العمل بحديث جدامة؛ بأن أحاديث غيرها موافقة لأصل الإباحة، وحديثها يدل على المنع، قال: فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعليه البيان، وتعقب بأن حديثها ليس بصريح في المنع؛ إذ لا يلزم من تسميته وأدًا خفيًّا على طريق التشبيه أن يكون حرامًا.\nوجمع ابن القيم فقال: الذي كذب فيه - ﷺ - اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلًا، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم، وأخبر أنه لا يمنع الحمل، إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه، لم يكن وأدًا حقيقة، وإنما سماه وأدًا خفيًا في حديث جدامة؛ لأن الرجل إنما يعزل هربًا من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، ولكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد فقط، فلذلك وصفه بكونه خفيًا، وهذا الجمع قوي.\nوقد ضعِّف أيضًا حديث جدامة - أعني الزيادة التي في آخره - بأنه تفرد بها سعيد بن أبي أيوب عن أبي الأسود، رواه مالك ويحيى بن أيوب عن أبي الأسود فلم يذكراها، وبمعارضتها لجميع أحاديث الباب، وقد حذف هذه الزيادة أهل السنن الأربع، وقد احتج بحديث جدامة من قال بالمنع عن العزل كابن حبان، انتهى.\nوقد ذكر الحافظ (١) وجهًا آخر في الجمع بين الحديثين، ولم يذكره\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠٩).","vol":"8","page":117},{"text":"٢١٧٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حبَّانَ، عن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ عن الْعَزْلِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبَايَا (١) مِنْ سَبْي الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ،\n===\nالشوكاني، قال: وجمعوا أيضًا بين تكذيب اليهود في قولهم: \"الموؤودة الصغرى\"، وبين إثبات كونه وأدًا خفيًّا في حديث جدامة، بأن قولهم: \"الموؤودة الصغرى\" تقتضي أنه وأد ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيًّا، فلا يعارض قوله: \"إن العزل وأدٌ خفيٌّ\"، فإنه يدل على أنه ليس في حكم الظاهر أصلًا، فلا يترتب عليه حكم، وإنما جعله وأدًا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة.\n٢١٧٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز قال: دخلت المسجد) الظاهر أنه المسجد النبوي (فرأيت أبا سعيد الخدري) أي في المسجد، (فجلست إليه فسألته عن العزل، فقال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة بني المصطلق) وهي غزوة المريسيع، وقع ذكر تلك الغزوة في حديث عمر عند البخاري (٢): \"أن النبي - ﷺ - أغار على بني المصطلق، وهم غارون، وأنعامهم تُسْقى (٣) على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبق ذراريهم\".\n(فأصبنا سبايا من سبي العرب) أي من بني المصطلق (فاشتيهنا النساء، واشتدتْ علينا العزبةُ) أي عدم الزوجات (وأحببنا الفداءَ)، ولفظ مسلم: \"ورغبنا في الفداء\"، والمراد بالفداء القيمة، أي خفنا أننا إذا وطئناهن، فيحملن،\n_________\n(١) في نسخة: \"سبيًا\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" رقم الحديث (٢٥٤١).\n(٣) وقع في الأصل: \"يستقى\"، وهو تحريف.","vol":"8","page":118},{"text":"فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسَأَلَهُ عن ذَلِكَ؟ ! فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: \"مَا عَلَيْكُم أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ\". [خ ٥٢١٠، م ١٤٣٨، ن ٣٣٢٧]\n===\nفلا يمكن بيعهن، ورغبنا في أن يحصل لنا القيمة، (فأردنا أن نعزل، ثم قلنا: نعزلُ) بحذف الاستفهام (ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا) جملة حالية ولفظ أظهر زائد (قبل أن نسأله عن ذلك) أي عن العزل، هل يجوز أم لا؟ .\n(فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم) أي لا بأسَ عليكم (أن لا تفعلوا) أي ليس عليكم ضرر أن لا تفعلوا العزل. وقيل: بزيادة \"لا\" في \"لا تفعلوا\". ومعناه: لا بأس عليكم أن تفعلوا، وروي \"لا عليكم\"، فيحتمل أن يقال: لا نفي لما سألوه، وعليكم أن لا تفعلوا كلام مستأنف، مؤكد له، وعلى هذا ينبغي أن تكون مفتوحة.\nقال القاضي: روي بما، وروي بلا، والمعنى: لا بأس عليكم في أن تفعلوا، ولا مزيدة، ومن منع العزل قال: لا نفي لما سألوه، وعليكم أن لا تفعلوا كلام مستأنف، مؤكد له، وعلى هذا ينبغي أن تكون أن مفتوحة.\n(ما من نسمة) أي نفس كائنة إلى يوم القيامة إلَّا وهي) أي النسمة (كائنة) لا محالة، لا يمنعها عزل، ولا شيء غيره.\nقال النووي (١): في هذا الحديث دلالة لمذهب جماهير العلماء أن العرب يجري عليهم الرقُّ، كما يجري على العجم، وأنهم إذا كانوا مشركين وسبوا جاز استرقاقهم، وبهذا قال مالك، والشافعي في قوله الصحيح الجديد، وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة والشافعي في قوله القديم: لا يجري عليهم الرق لشرفهم.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٢٦٨).","vol":"8","page":119},{"text":"٢١٧٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، نَا زُهَيْرٌ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: جَاء رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً أَطُوفُ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فَقَالَ: \"اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيَأتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا\"،\n===\nقلت: ومذهب الحنفية في هذه المسألة ما قال في \"الهداية\" (١): ولا توضع أي الجزية على عبدة الأوثان من العرب، ولا المرتدين؛ لأن كفرهما قد تغلظ. أما مشركو العرب: فلأن النبي - ﷺ - نشأ بين أظهرهم والقرآن نزل بلغتهم، والمعجزة في حقهم أظهر، وأما المرتد فلأنه كفر بربه بعد ما هدي للإسلام، ووقف على محاسنه، فلا يقبل من الفريقين إلَّا الإِسلام، أو السيف، زيادة في العقوبة. وعند الشافعي - ﵀ - يسترق مشركو العرب، وجوابه ما قلنا.\nوإذا ظهر عليهم فنساؤهم وصبيانهم فيء؛ لأن أبا بكر الصديق - ﵁ - استرق نسوان بني حنيفة وصبيانهم لما ارتدوا، وقسمهم بين الغانمين.\nوقال ابن الهمام (٢): والنبي - ﷺ - استرقَّ ذراري أوطاس وهوازن، وهذا يدل على أن نسبة عدم جواز استرقاق العرب إلى الحنفية غير صحيحة، فإن كتب الحنفية مصرحة بأن استرقاق الرجال غير جائز، وأما استرقاق نسائهم وصبيانهم فجائز، فعلى هذا ما ذكر في هذا الحديث من استرقاق سبايا بني المصطلق لا يخالف مذهب الحنفية ولا يحتاج إلى تأويله.\n٢١٧٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا الفضل بن دكين، نا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إن لي جاريةً) أي مملوكة (أطوف عليها) أي أجامعُها (وأنا أكره أن تحملَ) أي مني فتكون أم ولد، (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (اعزِلْ عنها إن شئت فإنه) أي الشأن (سيأتيها ما قُدِّر لها) أي من الحمل وغيره.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٤٢).\n(٢) \"فتح القدير\" (٦/ ٤٧).","vol":"8","page":120},{"text":"قَالَ: فَلَبِثَ الرَّجُل، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَمَلَتْ، قَالَ: \"قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ (١) سَيَأْتيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا\". [م ١٤٣٩، حم ٣/ ٣١٢ - ٣٨٦]\n===\n(قال: فلبث الرجل) أي أيامًا، (ثم أتاه، فقال) أي الرجل: (إن الجارية قد حملتْ، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قُدِّر لها). قال النووي (٢): فيه دلالة على إلحاق النسب مع العزل؛ لأن الماء قد يسبق.\nقال ابن الهمام (٣): إذا عزل بإذن أو بغير إذن، وظهر بها حمل، هل يحل نفيه؟ وقالوا: إن لم يعد إليها، أو عاد، ولكن بال قبل العود حل نفيه، وإن لم يبل لا يحل، كذا روي عن علي - ﵁ -؛ لأن بقية المني في ذكره يسقط فيها، ولذا قال أبو حنيفة فيما إذا اغتسل من الجنابة قبل البول، ثم بال، فخرج المني: وجب إعادة الغسل.\nقال الشوكاني (٤): واختلف السلف في حكم العزل، فحكي في \"الفتح\" عن ابن عبد البر أنه قال: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلَّا بإذنها (٥)؛ لأن الجماع من حقها ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلَّا ما لا يلحقه عزل.\nقال الحافظ: ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة، قال: وتعقب بأن المعروف عند الشافعية أنه لا حق للمرأة في الجماع، فيجوز عندهم العزل عن الحرة بغير إذنها على مقتضى قولهم: إنه لا حق لها في الوطء. وأما الأمة فإن كانت زوجة فحكمها حكم الحرة.\n_________\n(١) في نسخة: \"أنها\".\n(٢) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٥/ ٢٦٨).\n(٣) \"فتح القدير\" (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٨٥).\n(٥) قلت: هو نص رواية ابن ماجه عن عمر مرفوعًا. (ش).","vol":"8","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>(٤٩) بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ذِكْرِ الرَّجُل مَا يَكُونُ مِنْ إِصَابَتِهِ أَهْلَهُ</span>\n٢١٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرٌ، ثنَا الْجُرَيْرِيُّ\n===\nواختلفوا هل يعتبر الإذن منها أو من سيدها إن كانت سَرِية؟ فقال في \"الفتح\" (١): يجوز بلا خلاف عندهم، إلَّا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقًا، كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرية مستولدة، فالراجح الجواز فيها مطلقًا؛ لأنها ليست راسخة في الفراش، وقيل: حكمها حكم الأمة المزوجة.\nقال الحافظ: واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرة لا يعزل عنهما إلَّا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها، واختلفوا في المزوجة، فعند المالكية يحتاج إلى إذن سيدها، وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن أحمد، وقال أبو يوسف ومحمد: الإذن لها، وهي رواية عن أحمد، وعنه بإذنها، وعنه: يباح العزل مطلقًا، وعنه المنع مطلقًا.\n\n(٤٩) (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ذِكْرِ الرَّجُلِ مَا يَكونُ مِنْ إِصَابَتِهِ أَهْلَهُ)\nوعقد الشيخ ابن تيمية في \"منتقى الأخبار\" \"باب نهي الزوجين عن التحدث بما يجري حال الوقاع\"، وإنما اكتفى أبو داود على تحدث الرجل، مع أن المرأة كذلك؛ لأنه من الرجال أكثر، وهذا إذا لم تكن إليه حاجة، وأما إذا كانت الضرورة داعية إليه، فلا كراهة في ذكره، فإنه إذا ادَّعت المرأة على زوجها أنه لا يصل إليها، وأنكر الزوج وادعى الوصول إليها، فلا بأس بذكرهما ما يتعلق بالجماع، كما في قصة ركانة بن عبد يزيد عند أبي داود، وقصة عبد الرحمن بن الزبير مع امرأته، وقصة الرجل الذي ادعتْ عليه امرأته العُنَّةَ قال: يا رسول الله: لأنفضها نفض الأديم، ولم ينكر عليه رسول الله - ﷺ -.\n٢١٧٤ - (حدثنا مسدد، نا بشر) بن المفضل، (ثنا الجريري) سعيد بن\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠٨).","vol":"8","page":122},{"text":"(ح): وَحَدَّثنَا مُؤَمَّلٌ، نَا إِسْمَاعِيلُ. (ح): وَحَدَّثنَا مُوسَى، نَا حَمَّادٌ، كُلَّهُمْ عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي نَضْرَةَ (١)، حَدَّثَنِي شَيْخٌ (٢) مِنْ طُفَاوَةَ قَالَ: تَثَوَّيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (٣) - ﷺ - أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلَا أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ، مَعَهُ (٤) كيسٌ فِيهِ حَصًى أَوْ نَوًى، وَأَسْفَلَ مِنْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، وَهُوَ يُسَبِّحُ بِهَا، حَتَّى إِذَا أَنْفَدَ (٥)\n===\nإياس، (ح: وحدثنا مؤمل) بن الفضل، (نا إسماعيل) بن علية، (ح: وحدثنا موسى، نا حماد، كلهم) أي بشر وإسماعيل وحماد (عن الجريري، عن أبي نضرة، حدثني شيخ من طفاوة)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": الطفاوي عن أبي هريرة، وعنه أبو نضرة العبدي لم يسم، ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي متأخر عن ذلك، ومثله في \"التقريب\".\n(قال) أي أبو نضرة: (تَثَوَّيْتُ أبا هريرة بالمدينة) أي أقمت عنده ضيفًا، قال في \"القاموس\": ثوى المكان وبه يثوى ثواء وثويًا بالضم، وأثوى به: أطال الإقامة به أو نزل، (فلم أر رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - أشدَّ تشميرًا) أي اجتهادًا في العبادة، (ولا أقوم على ضيف) أي أكثر خدمة للضيف (منه) أي من أبي هريرة.\n(فبينما أنا عنده) أي أبي هريرة (يومًا، وهو) أي أبو هريرة (على سرير له معه كيس، فيه حصى أو) للشك من الراوي (نوى) أي نوى التمر (وأسفل منه) أي في أسفل السرير قاعدة على الأرض (جاريةٌ له سوداءُ، وهو) أي أبو هريرة (يسبِّح بها) أي بحصى أو نوى (حتى إذا أنفد) أي أتم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"قال موسى: حدثنا شيخ من الطفاوة، وقال: مؤمل ومسدد: عن رجل من الطفاوة\".\n(٣) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٤) في نسخة: \"ومعه\".\n(٥) في نسخة: \"أنفذ\"، وفي نسخة: \"نفذ\".","vol":"8","page":123},{"text":"مَا في الْكِيسِ، أَلْقَاهُ إِلَيْهَا، فَجَمَعَتْهُ فَأَعَادَتْهُ في الْكِيسِ فَرَفَعَتْهُ (١) إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدّثُكَ عَنِّي وعن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:\nبَيْنَا أَنَا أُوعَكُ في الْمَسْجِدِ، إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: \"مَنْ أَحَسَّ الْفَتَى الدَّوْسيَّ؟ \" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ ذَا يُوعَكُ في جَانِب الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي مَعْرُوفًا، فَنَهَضْتُ،\n===\n(ما في الكيس ألقاه) أي الكيس (إليها) أي إلى الجارية (فجمعته) أي جمعت ما كان في الكيس (فأعادته في الكيس، فرفعته إليه) أي إلى أبي هريرة على السرير.\n(فقال) أي أبو هريرة: (ألا أحدثك عني وعن رسول الله - ﷺ -؟ قال) أي شيخ من طفاوة: (قلت) لأبي هريرة: (بلى) حدثني عنك وعن رسول الله - ﷺ - (قال) أي أبو هريرة: (بينا أنا أُوعَكُ) بصيغة المجهول من باب الإفعال، قال في \"القاموس\": الوعكُ: سكونُ الريح، وشدةُ الحر، كالوَعَكةِ، وأذى الحُمَّى، ووجعُها، ومغثُها في البدن.\n(في المسجد، إذ جاء رسول الله - ﷺ - حتى دخل المسجد فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (من أحس الفتى الدوسيَّ؟) والمراد بالفتى الدوسي أبو هريرة، أي من اطلع عليه، فيدلني عليه ويخبرني به (ثلاث مرات، فقال رجل) لم أقف على تسميته: (يا رسول الله هو) أي: الفتى الدوسي (ذا يُوعك في جانب المسجد، فأقبل) أي: توجه (يمشي حتى انتهى إليَّ، فوضع يده عليَّ) أي: شفقةً بي وتسكينًا لقلبي، (فقال لي معروفًا) أي كلامًا حسنًا، (فنهضتُ) أي قمتُ.\n_________\n(١) في نسخة: \"فدفعته\".","vol":"8","page":124},{"text":"فَانْطَلَقَ يَمْشِي حَتَّى أَتَى مَقَامَهُ (١) الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ صَفَّانِ مِنْ رِجَالٍ وَصَفٌّ مِنْ نِسَاءٍ، أَوْ صَفَّانِ مِنْ نِسَاءٍ وَصَفٌّ مِنْ رِجَالٍ، فَقَالَ: \"إِنْ نَسَّانِي الشَّيْطَانُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِي فَلْيُسَبِّح الْقَوْمُ وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ\". قَالَ: فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَمْ يَنْسَ مِنْ صَلَاتِهِ شَيْئًا، فَقَالَ: \"مَجَالِسَكُمْ مَجَالِسَكُمْ\".\n===\n(فانطلق يمشي) أي رسول الله - ﷺ - (حتى أتى مقامَه الذي يُصلِّي فيه) أي في ذلك المكان، (فأقبل عليهم) أي على أصحابه الذين كانوا هناك (ومعه) جملة حالية (صَفَّان من رجال وصفٌّ من نساء أو) للشك من الراوي (صفَّان من نساء وصفٌّ من رجال).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: أو صفان من نساء إلى آخره، ولا غرو، فإن صفوف الرجال تكون تامة، وهن يقمن في الزوايا والجوانب، فلعل صفوفهن قصيرة، فإنهن وإن كانت صفين، لكنه ليس بمستلزم زيادتهن على الرجال، مع أنه لا بعد في كثرتهن نسبة على الرجال.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن نَسَّاني الشيطانُ شيئًا من صلاتي فليسبِّح القومُ) أي الرجال، ولفظ القوم خاص بالرجال كما قال الشاعر:\nوَمَا أدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (٢)؟\n(وليصفِّق النساءُ)، والتصفيق للنساء ضرب إحدى اليدين على الأخرى.\n(قال) أبو هريرة: (فصلَّى رسول الله ع - ﷺ -، ولم ينس من صلاته شيئًا، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (مجالسَكم مجالسَكم) أي الزموا مجالسكم، كررها للتأكيد، وإنما قال ذلك؛ لأن النساء كن يعجلن الرجوع، لئلا يقع الاختلاط بالرجال، فأمرهن بلزوم المجالس؛ ليستمعن الكلام، والصيغة وإن كانت\n_________\n(١) في نسخة: \"مكانه\".\n(٢) قاله زهير بن أبي سلمى، انظر: \"ديوان زهير بن أبي سلمى\" (ص ١٤).","vol":"8","page":125},{"text":"زَادَ مُوسَى ها هنَا: ثُمَّ حَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"أَمَّا بَعْدُ\" - ثُمَّ اتَّفَقُوا- ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى الرجَالِ قَالَ (١): \"هَلْ مِنْكُم الرَّجُلُ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ سِتْرَهُ، وَاسْتَتَرَ بِسِتْرِ اللَّهِ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: \"ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا، فَعَلْتُ كَذَا\". قَالَ: فَسَكَتُوا.\n===\nمختصة بالرجال، ولكنهن يدخلن في خطابات الرجال تبعًا، كما في عامة الخطابات الواقعة في كتاب الله تعالى.\n(زاد موسى ها هنا) أي موسى بن إسماعيل شيخ المصنف بعد قوله: \"مجالسكم\": (ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد) وإلى ها هنا تم زيادة موسى (ثم اتفقوا) أي موسى ومؤمل ومسدد.\n(ثم أقبل) أي رسول الله - ﷺ - (على الرجال، قال: هل منكم الرجل إذا أتى أهله) أي إذا أراد جماع أهله (فأغلق عليه) أي على الرجل، والمراد نفسه وزوجته (بابَه، وألقى عليه سترَه) أي الرداء والثوب (واستتر بستر الله؟) تعميم بعد تخصيص، أي أتى بكل مرتبة من مراتب الاستتار الذي أمر الله ﷿ به. (قالوا: نعم) إيجاب لما في جملة الشرطية، أي نعم نتستر في ذلك الوقت كمال الاستتار.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (ثم يجلس) ذلك الرجل في مجلس الرجال (بعد ذلك، فيقول: فعلتُ) الليلة أو اليومَ، فعلتُ كذا) أي ينشر سِرَّه، ويفشي ما كان صدر منه من الجماع (٢)، (قال: فسكتوا) أي: لم يجيبوا شيئًا، ولعله لم يجيبوه لشدة الحياء، أو للخوف.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) أي من كيفية الجماع والأحوال فيه، وإلَّا فمجرد إخبار الجماع قالوا: لا بأس به لحديث صفية - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - ذكرها فقيل: إنها قد حاضت، الحديث تقدم في \"باب الحائض تخرج بعد الإفاضة\". كما جزم به العيني (٧/ ٣٤٩)، إذ قال: لا بأس بالإعلام بذلك ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":126},{"text":"قَالَ: فَأَقْبَلَ (١) عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: \"هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ\" فَسَكَتْنَ، فَجَثَتْ فتاةٌ (٢) عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهَا، وَتَطَاوَلَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِيَرَاهَا وَيسْمَعَ كَلَامَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَتَحَدَّثُونَ وَإِنَّهُنَّ لَيَتَحَدَّثْنَهُ، فَقَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَا مَثَلُ ذَلِكَ؟ \"، فَقَالَ: \"إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانَةٍ لَقِيَتْ شَيْطَانًا في السِّكَّةِ، فَقَضَى مِنْهَا حَاجَتَهُ وَالنَاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ،\n===\n(قال) أي أبو هريرة: (فأقبل على النساء، فقال) أي للنساء: (هل منكن من تحدث؟) أي سرَّها في النساء (فسكتْن) أي لم يجبن، (فجَثَتْ) أي جلست على ركبتها (فَتَاةٌ) أي امرأةٌ شابةٌ (على إحدى ركبتيها، وتطاولت) أي عنقها (رسول الله - ﷺ - ليراها) أي رسول الله - ﷺ - (ويسمعَ كلامَها، فقالت: يا رسول الله إنهم) أي الرب (ليتحدثون) فيما بينهم (وإنهن) أي النساء (ليتحدثنه) فيما بينهن مثل ما قلت.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (هل تدرون ما مَثَلُ ذلك) في القبح والافتضاح؟ (فقال: إنما مثل ذلك مَثَلُ شيطانةٍ لقيتْ شيطانًا في السِّكة) أي في الطريق الذي يمر فيه الناس، (فقضى) أي الشيطان (منها) أي من الشيطانة (حاجته) أي جامعها في مرأى من الناس (والناس ينظرون إليه).\nقال الشوكاني (٣): والحديثان يدلان على تحريم إفشاء أحد الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع، وذلك لأن كون الفاعل لذلك من أشَرِّ الناس، وكونه بمنزلة شيطان لقي شيطانة، فقضى حاجته والناس ينظرون من أعظم الأدلة الدالة على تحريم نشر أحد الزوجين للأسرار الواقعة بينهما، الراجعة إلى الوطء ومقدماته، فإن مجرد فعل المكروه لا يصير به فاعله من الأشرار، فضلًا عن كونه من أشرهم، وكذلك الجماع بمرأى من الناس لا شك في تحريمه.\n_________\n(١) في نسخة: \"ثم أقبل\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال مؤمل في حديثه: فتاة كَعَابٌ\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٨٧).","vol":"8","page":127},{"text":"أَلَا إِنَّ (١) طِيبَ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَوْنُهُ، أَلَا إِنَّ طِيبَ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ رِيحُهُ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَمِنْ هَا هُنَا حَفِظْتُهُ عن مُؤَمَّلٍ وَمُوسَى: \"أَلَا لَا يُفْضِيَنَّ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ، وَلَا امْرَأَةٌ إِلَى امْرَأَةٍ، إِلَّا إِلَى وَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ\"، وَذَكَرَ ثَالِثَة فَنَسِيتُهَا، وَهُوَ في حَدِيثِ مُسَدَّدٍ، وَلَكِنّي لَمْ أُتْقِنْهُ (٢)،\n===\n(ألا إن طيب الرجال ما ظهر) أي غلب (ريحُه) كالمسك (ولم يظهر لونُه، ألَّا إن طيب النساء ما ظهر لونُه) كالزعفران والحناء (ولم يظهر ريحه)، ذكر ذلك مبالغة في أمر إخفاء ريح الطيب، حتى إن طيبهن لا ينبغي أن يفشو، وهذا لِسَدِّ ذريعة الفساد، فإن ريح الطيب يهيج الشهوة، وهذا إذا أرادت الخروج من البيت لا ينبغي لها أن تتطيب بما يفوح ريحه، وإلا ففي البيت عند الزوج تتطيب بما شاءت.\n(قال أبو داود: ومن ها هنا) أي بعد قوله: \"ولم يظهر ريحه\" (حفظته) أي الحديث (عن مُؤمَّل وموسى) ولم أحفظه عن مسدد: (ألا لا يفضينَّ رجل إلى رجل) أي لا يدخل رجل في فراش رجل آخر (ولا امرأة إلى امرأة، إلَّا إلى ولد أو والد) أي ولد إلى والد، ووالد إلى ولد.\nقال في \"المجمع\" (٣): هو نهي تحريم (٤) إذا لم يكن بينهما حائل، بأن يكونا متجردين، وإن كان بينهما حائل فتنزيه.\n(وذكر) أي كل واحد من مؤمل وموسى (ثالثة) أي كلمة ثالثة (فنسيتها، وهو) أي هذا الكلام الذي حفظه عن مؤمل وموسى مذكور (في حديث مسدد، ولكني لم أتقنه) عن مسدد.\n_________\n(١) في نسخة: \"وإن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"كما أحب\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ١٥٧).\n(٤) ويشكل على الأول الاستثناء، وعلى الثاني ما صرح به في كتب الحنفية أن لا بأس بذلك، كما صرح به \"الشامي\" (٩/ ٥٤٨، ٥٤٩) على المرجح، والطحطاوي على \"المراقي\"، (ص ١١٦). (ش).","vol":"8","page":128},{"text":"وَقَالَ مُوسَى: نَا حَمَّاد، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن الطُّفَاوِيِّ. [ت ٢٧٨٧، مختصرًا، حم ٢/ ٥٤٠، ق ٧/ ١٩٤]\nآخُر كِتَابِ النِّكَاحِ\n===\n(وقال موسى: نا حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن الطفاوي)، غرض المصنف بهذا الكلام بيان الفرق بين حديث موسى وبين حديث مسدد، بأن موسى قال في سند حديثه: نا حماد، عن الجريري، بصيغة \"عن\"، ثم قال: عن الطفاوي، بلفظ \"عن\"، وبياء النسبة.\nوأما مسدد فقال: نا بشر، حدثنا الجريري، بصيغة التحديث، ثم قال: حدثني شيخ من طفاوة، بصيغة التحديث، وبزيادة لفظ الشيخ، وبغير ياء النسبة.\nآخُر كِتَابِ النِّكَاحِ","vol":"8","page":129},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>(٧) أَوَّلُ كِتاَبِ الطَّلَاق </span>(١)\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٧) (أَوَّلُ كِتَابِ الطَّلَاقِ)\nلما فرغ من بيان النكاح، وبيان الأحكام اللازمة عند وجوده والمتأخرة عنه، وهي أحكام الرضاع، شرع بذكر ما به يرتفع؛ لأنه فرع، تقدم وجوده واستعقاب أحكامه، فقال: آخر كتاب النكاح وأول كتاب الطلاق.\nوالطلاق اسم بمعنى المصدر الذي هو التطليق، كالسلام والسراح بمعنى التسليم، والتسريح، ومنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أي التطليق، والطلاق في اللغة: حل الوثاق، مشتق من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، وفلان طلقُ اليد بالخير، أي كثير البذل. وفي الشرع: حل عقدة التزويج فقط، وهو موافق لبعض أفراده اللغوي.\nقال إمام الحرمين: هو لفظ جاهلي، ورد الشرع بتقديره، وطَلُقَتِ المرأة بفتح الطاء، وضم اللام وبفتحها أيضًا، وهو أفصح، وطُلِّقت أيضًا بضم أوله وكسر اللام الثقيلة، فإن خففت فهو خاص بالولادة، والمضارع فيهما بضم اللام، والمصدر فيهما طلْقًا، ساكنة اللام، فهي طالق فيهما (٢).\n_________\n(١) في نسخة: \"تفريع أبواب الطلاق\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٦).","vol":"8","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>(١) بَابٌ: فِيمَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا</span>\n٢١٧٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، نَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْق، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عن عِكْرِمَةَ، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ\". [حم ٢/ ٣٩٧، ك ٢/ ١٩٦]\n===\n\n(١) (بَابٌ: فِيمَنْ خَبَّبَ)، أي: أغرى وأفسد (امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا)\n٢١٧٥ - (حدثنا الحسن بن علي، نا زيد بن الحباب، نا عمار بن رزيق) بتقديم الراء على الزاي مصغرًا، الضبي التميمي، أبو الأحوص الكوفي، قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الإِمام أحمد: كان من الأثبات، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال ابن المديني: ثقة، وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس.\n(عن عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، (عن عكرمة) مولى ابن عباس، (عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليس منا) أي من أتباعنا (مَنْ خَبَّب) بتشديد الباء الأولى بعد الخاء المعجمة، أي: خدع وأفسد (امرأة على زوجها) بأن يذكر مساوئ الزوج عند امرأته، أو محاسن أجنبي عندها (أو عبدًا) أي: أفسده (على سيده) بأي نوع من الإفساد، وفي معناهما إفساد الزوج على امرأته.\nوإنما عقد هذا الباب في \"كتاب الطلاق\"، وذكر هذا الحديث فيه؛ لأن التخبيب سبب للفساد والنزاع بين الزوجين، وهو سبب للطلاق، وخُصَّ في الحديث تخبيب المرأة على الزوج، مع أن إغراء الزوج على الزوجة كذلك في الحكم؛ لأنهن جُبِلنَ على الإعوجاج، فقبول الإفساد والميل إلى الفساد في طبعهن أغلب وأكثر لقلة عقلهن، فلأجل هذا خصت بالذكر.","vol":"8","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>(٢) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَسْاَلُ زَوْجَهَا طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ</span>\n٢١٧٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَسْأَل الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرغَ صَحْفَتَهَا،\n===\n\n(٢) (بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَسْأَلُ زَوْجَها طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ)\nأي: المرأة تشترط في نكاحها من الرجل الذي سيكون زوجها أن يطلق امرأة له، ويدخل فيه المرأة التي تكون في نكاح رجل له امرأة أخرى فتسأل طلاقها\n٢١٧٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تسأل) بصيغة النهي (المرأة) أي الأجنبية المخطوبة، أو الزوجة المنكوحة (طلاق أختها)، قال الحافظ (١): قال النووي: والمراد بأختها غيرها، سواء كانت أختها من النسب، أو الرضاع أو الدين، ويلحق بذلك الكافرة في الحكم، وإن لم تكن [أختًا] في الدين، إما لأن المراد الغالب، أو أنها أختها في جنس الآدمي، وحمل ابن عبد البر الأخت ها هنا على الضَرَّة.\nقال النووي: معنى هذا الحديث نهي المرأة الأجنبية أن تسأل رجلًا طلاق زوجته، وأن يتزوجها هي، فيصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ما كان للمطلقة.\n(لتستفرغ صحفتها) وفي رواية: \"لتَكْفِئَ\"، وفي رواية: \"لتكتفئ\" من كفأت الإناء، إذا قلبته وأفرغته وأملته، ويقال: بمعنى أكببته، والصحفة إناء كالقصعة المبسوطة. قال الطيبي: هذه استعارة مستملحة تمثيلية، شبه النصيب والبخت بالصحفة، وحظوظها وتمتُّعاتها بما يوضع في الصحفة من الأطعمة اللذيذة، وشبه الافتراق المسبب عن الطلاق باستفراغ الصحفة عن تلك\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٠، ٢٢١).","vol":"8","page":132},{"text":"وَلتَنْكِحَ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا\". [خ ٦٦٠١، م ١٤١٣، ١٥١٥، ت ١١٩٠، ن ٣٢٣٩، حم ٢/ ٢٣٨]\n===\nالأطعمة، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به، واستعمل في المشبه ما كان مستعملًا في المشبه به.\n(ولتنكح) بكسر اللام وبإسكانها وبسكون الحاء على الأمر، فعلى هذا يكون معطوفًا على قوله: \"لا تسأل\"، والمراد: لتنكح ذلك الرجل الخاطب من غير أن تتعرض لإخراج الضرة من عصمته، بل تكل الأمر في ذلك إلى ما يقدره الله.\nويحتمل نصب الحاء المهملة، عطفًا على قوله: \"لتستفرغ\"، فيكون تعليلًا لسؤال طلاقها، ويتعين على هذا كسر اللام.\nويحتمل أن يكون المراد ولتنكح غيره، وتعرض عن هذا الرجل، أو المراد ما يشمل الأمرين، والمعنى: ولتنكح من تيسَّر لها، فإن كانت التي قبلها أجنبية، فلتنكح الرجل المذكور، وإن كانت أختها، فلتنكح غيره، والله أعلم.\n(فإنّما لها ما قُدِّر لها) أي لو نكحت بالخاطب، ولم تسأل طلاق الضرة، واجتمعت معها، لا ينقص ذلك مما قدِّر لها، ولو شرطتْ طلاقَ الضرة، فطلقها الزوج، ثم نكحته، فلا يزيد لها ذلك على ما قدر لها.\nوفي رواية البخاري: قال: \"لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها\"، الحديث. قال الحافظ: ظاهره تحريم ذلك، وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب، يجوز ذلك كريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، أو لضرر يحصل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض، وللزوج رغبة في ذلك، فيكون كالخلع مع الأجنبي إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة.\nوقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فعل ذلك لم يفسخ النكاح. وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم،","vol":"8","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>(٣) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ الطَّلَاقِ</span>\n٢١٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا مُعَرِّفٌ، عن مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ\". [ق ٧/ ٣٢٢]\n===\nولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولترض بما قسم الله لها.\n\n(٣) (بابٌ: في كَرَاهِيَّةِ الطَّلَاقِ)\nأي: في كون الطلاق في نفسه مبغوضًا ومكروهًا عند الله تعالى\n٢١٧٧ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا مُعَرِّف) بضم أوله وفتح المهملة وتشديد الراء المكسورة، ابن واصل السعدي، أبو بدل، ويقال: أبو يزيد الكوفي، قال أحمد وابن معين: ثقة، وقال علي بن المديني: هو أثبت من الأجلح، ووثقه ابن مهدي، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أحمد بن يونس: كان من أفضل الشيوخ. (عن محارب بن دثار قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما أحل اللهُ شيئًا أبغضَ إليه) أي إلى الله تعالى (من الطلاق).\nوهذا الحديث مرسل. قال الحافظ في \"التلخيص\" (١): ورواه أبو داود والبيهقي مرسلًا، ليس فيه ابن عمر، ورجَّح أبو حاتم والدارقطني في \"العلل\" والبيهقي المرسل.\nقلت: وقد أخرج هذا الحديث المرسل الحاكم في \"مستدركه\" (٢) بسند أبي داود، فذكره موصولًا عن ابن عمر، ثم قال: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال: قلت: على شرط مسلم.\n_________\n(١) \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٤٣٤، ٤٣٥).\n(٢) انظر: \"المستدرك\" (٢/ ١٩٦).","vol":"8","page":134},{"text":"٢١٧٨ - حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ (١)، عن مُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ، عن مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ ﷿ الطَّلَاقُ\". [جه ٢٠١٨، ق ٧/ ٣٢٢، ك ٢/ ١٩٦]\n===\n٢١٧٨ - (حدثنا كثير بن عبيد، نا محمد بن خالد) بن محمد، الوهبي الحمصي، أبو يحيى بن أبي مخلد، أخو أحمد، كان أكبر من أخيه أحمد، قال الدارقطني: ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: أبغض الحلال إلى الله ﷿ الطلاق).\nقال القاري (٢): قيل: كون الطلاق مبغوضًا مناف لكونه حلالًا، فإن كونه مبغوضًا يقتضي رجحان تركه على فعله، وكونه حلالًا يقتضي مساواة تركه لفعله.\nأجيب: بأنه ليس المراد بالحلال ما استوى طرفاه، بل أعم، فإن بعض الحلال مشروع، وهو عند الله مبغوض، كأداء الصلاة في البيت لا لعذر، وكالصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع في وقت النداء ليوم الجمعة، والأكل والشرب في المسجد لغير المعتكف ونحوها، ولما كان أحب الأشياء عند الشيطان هو التفريق بين الزوجين، كان أبغض الأشياء عند الله هو الطلاق. هذا حاصل قول الطيبي وغيره.\nوقال الشمني: أجيب: بأن المراد بالحلال ما ليس تركه بلازم الشامل للمباح والواجب والمندوب والمكروه، وقد يقال: الطلاق حلال لذاته، والأبغضية لما يترتب عليه من انجراره إلى المعصية.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن وهب\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٢٠، ٤٢١).","vol":"8","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>(٤) بَابٌ: في طَلَاقِ السُّنَّةِ</span>\n===\n\n(٤) (بَابٌ: في طَلَاقِ السُّنَّةِ)\nقال البخاري في \"صحيحه\": وطلاق السنَّة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع ويشهد شاهدبن، قال العيني في \"شرحه\" (١): الطلاق السني أن يطلق امرأته حالة طهارتها عن الحيض، ولا تكون موطوءة في ذلك الطهر، ويشهد شاهدين على الطلاق، فمفهومه: أنه إن طلقها في الحيض، أو في طهر وطئها فيه، أو لم يشهد يكون طلاقًا بدعيًا.\nواختلفوا في طلاق السنَّة، فقال مالك (٢): طلاق السنَّة أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي العدة برؤية أول الدم من الحيضة الثالثة. وهو قول الليث والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: هذا حسن من الطلاق، وله قول آخر، وهو: ما إذا أراد أن يطلقها ثلاثًا طلقها عند كل طهر طلقة واحدة من غير جماع. وهو قول الثوري وأشهب.\nوزعم المرغيناني (٣): أن الطلاق على ثلاثة أوجه عند أصحاب أبي حنيفة: حسن، وأحسن، وبدعي.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٢٦).\n(٢) قال الباجي (٥/ ١٨٣): أما العدد، فإنه لا يحل أن يوقع أكثر من طلقة واحدة، فمن أوقع طلقتين أو ثلاثًا فقد طلق بغير السنَّة، وقال الشافعي: مُوقع الثلاث جملة مطلق للسنَّة، انتهى، وقال الموفق (١٠/ ٣٢٦ - ٣٢٩): اختلفت الرواية عن أحمد في جمع الثلاث، فروي عنه أنه غير محرم، اختاره الخرقي، وهو مذهب الشافعي، والرواية الثانية أن جمع الثلاث طلاق بدعة محرم إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (١١/ ٢٩٣ - ٣٠٠)، وقال النووي: (٥/ ٣٢٤): الطلاق على أربعة أقسام: حرام، ومكروه، وواجب، ومندوب، ثم بسطها، وقال: وأما جمع الطلقات الثلاث دفعة فليس بحرام عندنا، لكن الأولى تفريقها، وبه قال أحمد وأبو ثور، وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة: هو بدعة، انتهى مختصرًا. (ش).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٢٢١).","vol":"8","page":136},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفالأحسن: أن يطلقها وهي مدخول بها تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ويتركها حتى تنقضي في عدتها.\nوالحسن: وهو طلاق السنَّة، وهو أن يطلق المدخول بها ثلاثًا في ثلاثة أطهار.\nوالبدعي: أن يطلقها ثلاثًا بكلمة واحدة أو ثلاثًا في طهر واحد. فإذا فعل ذلك وقع الطلاق وكان عاصيًا، انتهى.\nقلت: وكذا إذا طلقها في حالة الحيض يكون بدعيًا أيضًا.\nوأما خلاصة كلام صاحب \"البدائع\" (١): أن الطلاق باعتبار الصفة على نوعين: طلاق سنة وطلاق بدعة. أما طلاق السنَّة فنوعان: نوع يرجع إلى الوقت، ونوع يرجع إلى العدد، وكل واحدة منهما نوعان: حسن، وأحسن، ولا يمكن معرفة كل واحد منهما إلَّا بعد معرفة أصناف النساء، وهن في الأصل على صنفين حرائر وإماء، وكل صنف على صنفين: حائلات وحاملات، والحائلات على صنفين: ذوات الأقراء، وذوات الأشهر.\nثم نقول: أحسن الطلاق في ذوات القرء أن يطلقها طلقة واحدة رجعية في طهر لا جماع فيه، ولا طلاق، ولا في حيضة طلاق، ولا جماع، ويتركها حتى تنقضي عدتها ثلاثة حيضات، إن كانت حرة، وإن كانت أمة حيضتان.\nوالأصل فيه ما روي عن إبراهيم النخعي - ﵀ - أنه قال: \"كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يستحسنون أن لا يطلقوا للسنَّة إلَّا واحدة، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدةُ\". وفي رواية أخرى: وكان ذلك عندهم أحسن من أن يطلق الرجل ثلاثة في ثلاثة أطهار.\nوأما الحسن في الحرة التي هي ذات القرء أن يطلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٤٠).","vol":"8","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلا جماع فيها، وإن كانت أمة طلقها واحدة، ثم إذا حاضتْ وطهرتْ طلقها أخرى، وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك: لا أعرف طلاق السنَّة إلَّا أن يطلقها واحدة ويتركها حتى تنقضي عدتها، انتهى.\nوقال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (١): أجمع العلماء على أن المطلق للسنَّة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة، وأن المطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنَّة.\nواختلفوا من هذا الباب في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: هل من شرطه أن لا يتبعها طلاقًا في العدة؟ والثاني: هل المطلق ثلاثًا بلفظ الثلاث مطلق للسنَّة أم لا؟ والثالث: في حكم من طلق في وقت الحيض.\nأما الأول فاختلف فيه مالك وأبو حنيفة ومن تبعهما، فقال مالك: من شرطها أن لا يتبعها في العدة طلاقًا آخر. وقال أبو حنيفة: إن طلقها عند كل طهر طلقة واحدة كان مطلقًا للسنَّة.\nوأما الثاني: فإن مالكًا ذهب إلى أن المطلق ثلاثًا بلفظ واحد مطلق لغير سنَّة، وذهب الشافعي إلى أنه مطلق للسنَّة.\nوسبب الخلاف معارضة إقراره ﵇ للمطلق بين يديه ثلاثًا في لفظة واحدة لمفهوم الكتاب في حكم الطلقة الثالثة، والحديث الذي احتج به الشافعي هو ما ثبت من أن العجلاني طلق زوجته ثلاثًا بحضرة النبي - ﷺ - بعد الفراغ من الملاعنة، قال: فلو كان بدعة لما أقرَّه - ﷺ -.\nوأما مالك فلما رأى أن المطلق بلفظ الثلاث رافع للرخصة التي جعلها الله في العدد، قال فيه: إنه ليس للسنَّة. واعتذر أصحابه عن الحديث بأن المتلاعنين عنده قد وقعت الفرقة بينهما من قبل التلاعن نفسه، فوقع الطلاق على غير\n_________\n(١) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٦٣).","vol":"8","page":138},{"text":"٢١٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَسَأَل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا،\n===\nمحله، فلم يتصف لا بسنَّة ولا ببدعة، وقول مالك -والله أعلم- أظهر ها هنا من قول الشافعي، وأما الثالث إلى آخره.\n٢١٧٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته)، قال النووي في \"تهذيبه\": اسمها آمنة (١) بنت غفار، وفي رواية فيه ابن لهيعة: \"أن ابن عمر طلق امرأته آمنة بنت عمار\"، والأول أولى، وأقوى من ذلك ما في \"مسند أحمد\" من حديث يونس، حدثنا الليث، عن نافع: \"أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال عمر: يا رسول الله، إن عبد الله طلق امرأته النوار\" (٢)، ويونس شيخ أحمد، هو ابن محمد المؤدب من رجالهما، ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة ولقبها النوار (٣).\n(وهي حائض) أي في حالة الحيض (على عهد رسول الله - ﷺ -، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله - ﷺ - عن) حكم (ذلك) الطلاق، (فقال رسول الله - ﷺ -: مُرْه فليراجعها) لأنه طلقها طلاقًا بدعيًا، فيراجعها ليمحو أثر الكراهية بالرجعة، فإنه معصية.\nواختلف في وجوب المراجعة، فذهب إليه مالك وأحمد في رواية، والمشهور عنه وهو قول الجمهور: أنها مستحبة، واحتجوا بأن ابتداء النكاح لا يجب فاستدامته كذلك، لكن صحَّح صاحب \"الهداية\" (٤) من الحنفية أنها\n_________\n(١) هكذا في الأصل وهو الصواب، كذا في ترجمتها في \"الإصابة\" (٨/ ٥) رقم (١٤)، وفي \"تهذيب النووي\" (٣/ ٣٧٣): \"أميَّة بنت غفار\" وهو خطأ.\n(٢) كذا قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٧)، وقد بحثناه في \"مسند أحمد\" (٢/ ١٢٤)، فلم أعثر عليه، فليفتش.\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٧).\n(٤) انظر: (١/ ٢٢٣).","vol":"8","page":139},{"text":"ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ،\n===\nواجبة. والحجة لمن قال بالوجوب وُرود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرمًا في الحيض، كان استدامة النكاح فيه واجبة، واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول، وهي حائض، لم يؤمر بالمراجعة، إلَّا ما نقل عن زفر، فطرد الباب.\n(ثم ليمسكها) في نكاحها (حتى تطهير) من تلك الحيضة الأولى (ثم تحيض) ثانيًا (ثم تطهر).\nقال الحافظ (١): في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع: \"ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها\"، ونحوه في رواية الليث وأيوب عن نافع، وكذا عند مسلم من رواية عبد الله بن دينار، وكذا عندهما من رواية الزهري عن سالم، وعند مسلم من رواية محمد بن عبد الرحمن، عن سالم بلفظ: \"مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا\".\nقال الشافعي: غير نافع إنما روى \"حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك\"، رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسالم.\nقلت: وهو كما قال، لكن رواية الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع، وقد نبه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا.\nواختلف في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة. وفيه للشافعية وجهان: أصحهما المنع، وبه قطع المتولي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث، وعبارة الغزالي في \"الوسيط\"، وتبعه مجلي (٢): هل يجوز أن يطلق في هذا الطهر؟ وجهان، وكلام المالكية يقتضي أن التأخير مستحب، وقال ابن تيمية في \"المحرر\": ولا يطلقها في الطهر المتعقب له، فإنه بدعة، وعنه أي عن أحمد جواز ذلك.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\n(٢) هو مجلي بن جُميع (ت ٥٥٠ هـ) شيخ الشافعية بمصر، \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٣٢٥).","vol":"8","page":140},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفي كتب الحنفية عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع، ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت، زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر، كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطهر إن لم يتقدم طلاق في الحيض، انتهى.\nوقال القاري (١): قال النووي: فإن قيل: ما فائدة التأخير إلى الطهر الثاني؟ فالجواب من أوجه:\nأحدها: لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها (٢) زمانًا كان يحل له طلاقها، وإنما أمسكها لتظهر فائدة الرجعة.\nالثاني: أنه عقوبة له وتوبة من معصية باستدراك جنايته.\nوالثالث: أن الطهر الأول مع الحيض الذي طلق فيه كقرء واحد، فلو طلقها في أول طهر كان كمن طلقها في حيض.\nوالرابع: أنه نهى عن طلاقها في الطهر، ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها، انتهى.\nوالأخير هو الأولى، لكن الأظهر أن يقال: أمر بإمساكها في الطهر إلى آخره، في \"الهداية\": وإذا طهرت وحاضت، ثم طهرت، فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها.\nقال ابن الهمام: هذا لفظ \"القدوري\"، وهكذا ذكر في \"الأصل\"، ولفظ محمد: فإذا طهرت في حيضة أخرى راجعها. وذكر الطحاوي أن له أن يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها وراجعها فيها. قال الكرخي: ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة وما ذكره في \"الأصل\" قولهما.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤١٥ - ٤١٦).\n(٢) ويؤيده ما قال ابن رسلان باستحباب الجماع بعد المراجعة، فإنها حينئذ حائضة. وُيسَنُّ الطلاق في طهر لا جماع فيه، فلا بد من تخلل الطهر بينهما ليحل الجماع فيه. (ش).","vol":"8","page":141},{"text":"ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ (١) لَهَا النِّسَاءُ\". [خ ٥٢٥١، م ١٤٧١، ن ٣٣٨٩، ت ١١٧٥، جه ٢٠١٩، دي ٢٢٦٢]\n٢١٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. [انظر سابقه]\n===\nوالظاهر أن ما في الأصل قول لكل؛ لأنه موضوع لإثبات مذهب أبي حنيفة - ﵀ - إلَّا أن يحكى الخلاف، ولم يحك خلافًا فيه، فلذا قال في \"الكافي\": إنه ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وبه قال الشافعي في المشهور ومالك وأحمد. وما ذكره الطحاوي رواية عن أبي حنيفة، وهو وجه للشافعية، انتهى (٢).\n(ثم) في الطهر الثاني (إن شاء أمسك) الزوجة (بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس) أي إن أراد أن يطلقها في ذلك الطهر، فيجب عليه أن لا يجامعها (فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣)، والمشار إليها في قوله: \"فتلك العدة\" عندنا حالة الحيض.\nفقيل: اللام في قوله: \"أن تطلق لها النساء\" بمعنى \"في\"، فتكون حجة لما ذهب إليه الشافعي من أن العدة بالأطهار، إذ لو كانت بالحيض يلزم أن يكون الطلاق مأمورًا به فيه، وليس كذلك، وأجيب بأنا لا نسلم أن اللام ها هنا بمعنى \"في\"، بل للعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.\n٢١٨٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن نافع: أن ابن عمر طلق امرأة له وهي حائض تطليقة بمعنى حديث مالك)، وإنما أخرج الحديث بهذا\n_________\n(١) في نسخة: \"يطلق\".\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" (٣/ ٣٣٩).\n(٣) سورة الطلاق: الآية ١.","vol":"8","page":142},{"text":"٢١٨١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عن سَالِم، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ للنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ ليُطَلِّقْهَا إِذَا طَهُرَتْ، أَوْ وَهِيَ حَامِلٌ\". [م ١٤٧١، ت ١١٧٦، ن ٣٣٩٧، جه ٢٠٢٣، حم ٢/ ٢٦]\n===\nالطريق بعد طريق مالك؛ لأن فيها زيادة لفظ \"تطليقة\" أي واحدة، قال مسلم (١): جوَّد الليث في قوله: \"تطليقة واحدة\" (٢).\n٢١٨١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد القرشي (مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي - ﷺ - فقال) رسول الله - ﷺ -: (مره) أي عبد الله (فليراجعها) أي امرأته (ثم ليطلقها، إذا طهرت، أو وهي حامل) وإنما أخرج هذا الحديث؛ لأن في هذا الطريق مخالفة للحديث المتقدم، فإنه لم يذكر فيه ثم تحيض ثم تطهر.\nقال القاري (٣): قال الطيبي: دل هذا الحديث على اجتماع الحيض والحبل، وقيل: الحامل إذا كانت حائضة حل طلاقها، إذ لا تطويل في العدة في حقها؛ لأن عدتها بوضع الحمل، انتهى. وعندنا أن الحامل لا تحيض، وما رأته من الدم فهو استحاضة، انتهى.\nقلت: لا دليل في الحديث على أن الحامل تحيض، بل فيه دليل على أنها لا تحيض، فإنه سوَّى في جواز إيقاع الطلاق بين الطاهرة والحاملة، وقد تقدم أن طلاق الحائضة بدعة، فقد علم منه أن الحامل لا تحيض، ولأجل ذلك سواه بالطاهرة، والله أعلم.\n_________\n(١) وإنما قال ذلك؛ لأن بعض من روى الحديث قال فيه: ثلاثًا، كذا في \"الأوجز\" (١١/ ٢٩٤). (ش).\n(٢) يعني: أنه حفظ وأتقن قدر الطلاق الذي لم يتقنه غيره. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤١٦).","vol":"8","page":143},{"text":"٢١٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، نَا يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَاب (١)، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَتَغَيَّظَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: \"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَذَلِكَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ\". [خ ٤٩٠٨، م ١٤٧١، ن ٣٣٩٠]\n٢١٨٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن أَيُّوبَ، عن ابْنِ سِيرِينَ (٢)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ (٣):\n===\n٢١٨٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، نا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله - ﷺ -، فتغيظ رسول الله - ﷺ -) وإنما تغيَّظ على ابن عمر؛ لأنه ارتكب معصية، فإن الطلاق في الحيض كان معصية.\n(ثم قال) بعد التغَيظ: (مره فليراجعها) لترتفع المعصية، (ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، ثم إن شاء طلقها طاهرًا قبل أن يمس) أي: يجامع في ذلِك الطهر، (فذلك الطلاق) في الطهر (للعدة كما أمر الله تعالى ذكره) أي بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهذا الحديث يؤيد ما في حديث نافع من ذكر الطهرين.\n٢١٨٣ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين) أي محمد، (أخبرني يونس بن جبير، أنه سأل ابن عمر فقال:\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"قال\".","vol":"8","page":144},{"text":"كَمْ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؟ فَقَالَ: وَاحِدَةً\". [خ ٥٢٥٢، م ١٤٧١، ت ١١٧٥، ن ٣٣٩٩، جه ٢٠٢٢]\n٢١٨٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ (١)، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: قُلْتُ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: تَعْرِفُ (٢)\n===\nكم طلقت امرأتك؟ فقال) ابن عمر: (واحدة) (٣)، أي طلقتها واحدة.\n٢١٨٤ - (حدثنا القعنبي، نا يزيد بن إبراهيم) التستري بضم المثناة، وسكون المهملة، وفتح المثناة، ثم راء، أبو سعيد البصري التميمي، عن أحمد: ثقة، وكذا قال ابن معين، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا، وكان عفان يرفع أمره، وقال ابن عدي: وليزيد أحاديث مستقيمة عن كل من يروي عنه، وإنما أنكرت أحاديث رواها عن قتادة عن أنس، وهو ممن يكتب حديثه، ولا بأس به، وأرجو أن يكون صدوقًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وفرَّق أبو محمد ابن حزم في كتاب الحج من \"المحلى\" بين يزيد بن إبراهيم التستري وبين يزيد بن إبراهيم الراوي عن قتادة، فقال: إن التستري ثقة ثبت، والراوي عن قتادة ضعيف، ولا أدري من هو سلفه في جعله اثنين.\n(عن محمد بن سيرين، حدثني يونس بن جبير) الباهلي أبو غلاب بفتح معجمة وشدة لام وبموحدة، البصري، وثقه ابن معين، والنسائي، وابن سعد، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال ابن علية: كان ذا ثبت، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سألت عبد الله بن عمر، قال) أي يونس بن جبير: (قلت) لعبد الله بن عمر: (رجل طلق امرأته وهي حائض) ما حكمه؟ (قال) أي ابن عمر: (تعرف)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"أتعرف عبد الله بن عمر\".\n(٣) قال ابن رسلان: ووهم من قال: ثلاثًا، كما رواه مسلم. (ش).","vol":"8","page":145},{"text":"ابْنَ عُمَرَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبيَّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: \"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُطَلِّقْهَا (١) في قُبُلِ عِدَّتِهَا\". قَالَ: قُلْتُ: فَيُعْتَدُّ بِهَا؟ قَالَ: \"فَمَهْ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ؟ ! \". [خ ٥٢٥٢، م ١٤٧١، ت ١١٧٥، ن ٣٣٩٩، جه ٢٠٢٢، حم ٢/ ٤٣]\n===\nبتقدير همزة الاستفهام (ابن عمر؟) يعني نفسه (قلت: نعم، قال) ابن عمر: (فإن عبد الله بن عمر) حكى القصة عن نفسه بجعله غائبًا (طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي - ﷺ - فسأله) أي عن المسألة.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (مره فليراجعها، ثم يطلقها) بعد المراجعة (في قبل عدتها) أي إقبالها وأولها، (قال: قلت: فيعتد بها؟) أي: فهل يحتسب بهذه التطليقة؟\n(قال) ابن عمر: (فمه)، قال في \"المجمع\" (٢): في حديث طلاق ابن عمر: \"قلت: فمه\"، أي: فماذا للاستفهام، فأبدل الألف هاء للوقف، وقال الكرماني (٣): فما يكون إن لم يحتسب بتلك التطليقة، فإنه لا شك في كونه محسوبة بتلك التطليقة، أو هو كلمة زجر، أي انزجر عنه، فإنه لا شك في وقوع الطلاق، وكونه محسوبًا في عدد الطلاق، انتهى.\n(أرأيت) أخبرني (إن عجز) أي ابن عمر، أو المطلق عن أداء ما كان يجب عليه (واستحمق؟ !) أي فعل فعل الحمقاء بارتكاب ما هو خلاف الشرع من الطلاق في الحيض، فهو استفهام إنكار، أي نعم يحتسب طلاقه، ولا يمتنع احتسابه لعجزه وحمقه، وقيل: إن عجز عن الرجعة، بأنه لم يراجعها واستحمق أي فَعَلَ فعل الجاهلية، بأن أبى عن الرجعة فلا عجز، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"ثم ليطلقها\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٥٢).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (١٩/ ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"8","page":146},{"text":"٢١٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عُرْوَةَ يَسْألُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ قَالَ: \"كَيْفَ تَرَى في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا (١)؟ قَالَ: طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا،\n===\n٢١٨٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن)، ويقال: مولى أيمن المخزومي مولاهم المكي، سمعه أبو الزبير يسأل عبد الله بن عمر عن رجل طلق امرأته حائضًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال المزي: ذكره غير واحد في رجال مسلم، وليس له عندهم رواية، قلت: وقال البخاري: رأى أبا سعيد وسمع ابن عمر، أثنى عليه ابن عيينة خيرًا.\n(مولى عروة) هكذا في جميع نسخ أبي داود، وقد أخرج مسلم هذا الحديث، فقال: عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة، هذا في رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج، وقال في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج: مولى عروة، ثم قال: قال مسلم: أخطأ حيث قال: مولى عروة، إنما هو مولى عزة (٢).\n(يسأل) عبد الرحمن (ابن عمر وأبو الزبير يسمع، قال) عبد الرحمن: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ قال) ابن عمر: (طلق عبد الله بن عمر امرأته، وهي حائض على عهد رسول الله - ﷺ -، فسأل عمر رسول الله - ﷺ -) ثم بين السؤال (فقال) أي عمر: (إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردها) أي أمر رسول الله - ﷺ - بردِّها (عليَّ) ورجعتها (ولم يرها) أي الطلقة التي طلقها (شيئًا).\n_________\n(١) في نسخة: \"وهي حائض\".\n(٢) انظر: \"صحيح مسلم\" (٢/ ١٠٩٨).","vol":"8","page":147},{"text":"وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِىُّ -ﷺ-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ\". [م ١٤٧١، ن ٣٣٩٢، حم ٢/ ٦١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عن ابْنِ عُمَرَ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَزيدُ بْنُ أَسْلَمَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ وَمَنْصُور عن أَبِي وَائِلٍ\n===\nوهذا بظاهره يدل على عدم وقوع الطلاق أصلًا (١). وبقية الأحاديث كلها تدل على الوقوع، فيمكن تأويله، بأن يقال: لم يرها شيئًا مشروعًا، أو لم يرها شيئًا مانعًا من الرجعة، ويحتمل أن يقال: إن ضمير \"لم يرها\" يعود إلى الرجعة، أي لم يرَ الرجعة شيئًا ممنوعًا.\n(وقال) رسول الله - ﷺ -: (إذا طهرت) أي بعد الرجعة (فليطلق أو ليمسك، قال ابن عمر: وقرأ النبي - ﷺ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (٢) في قبل عدتهن) أي في إقبالها، وهكذا قرأها مجاهد.\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر يونس بن جبير) وقد تقدم حديثه (٣) (وأنس بن سيرين) أخرج حديثه مسلم في \"صحيحه\" (٤) (وسعيد بن جبير) أخرجه النسائي (٥) ولكنه مختصر (وزيد بن أسلم) ولم أجد حديثه فيما عندي من الكتب (وأبو الزبير) وقد مر حديثه قريبًا (٦). (ومنصور عن أبي وائل)\n_________\n(١) وبه شرحه ابن رسلان إذ قال: لم يعتدها من الطلقات الثلاثة. (ش).\n(٢) سورة الطلاق: الآية ١.\n(٣) انظر رقم الحديث: (٢١٨٤).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٤٧١)، وأيضًا أخرجه البخاري (٥٢٥٢)، وأحمد (٢/ ٦١).\n(٥) \"سنن النسائي\" (٦/ ١٤١)، وأيضًا أخرجه الطيالسي (١٨٧١)، وسعيد بن منصور (١٥٤٦)، والطحاوي (٣/ ٥٢).\n(٦) انظر رقم الحديث: (٢١٨٥).","vol":"8","page":148},{"text":"مَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ\".\nوَكَذَلِكَ رَوَاهُ محمدُ (١) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن سَالِم، عن ابْنِ عُمَرَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ وَنَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ أَوْ أَمْسَكَ\".\n===\nولم أجد حديثه فيما عندي من كتب الحديث (٢).\n(معناهم كلهم: أن النبي - ﷺ - أمره) أي ابن عمر (أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك) أي حاصل حديثهم كلهم: أن رسول الله - ﷺ - أمر ابن عمر أن امرأته إذا تطهرت من الحيض الذي طلق فيه، له الخيار إن شاء طلق في ذلك الطهر، أو لم يطلق، بل يمسكها في نكاحه، ولم يذكروا في هذا الحديث الطهر الثاني.\n(وكذلك) أي مثل ما رووا (رواه محمد (٣) بن عبد الرحمن) مولى آل طلحة (عن سالم، عن ابن عمر (٤»، فإنه أيضًا المراجعة في الطهر الذي بعد الحيض الذي طلق فيه، ولم يذكر الطهر الثاني.\n(وأما رواية الزهري عن سالم (٥) و) كذلك رواية (نافع) (٦) كليهما (عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق أو أمسك) حاصله أن رواية سالم اختلف فيها، فروى الزهري\n_________\n(١) في نسخة: \"أحمد\".\n(٢) قلت: أخرج روايته عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ٣٠٨)، رقم (١٠٩٥٦)، والبيهقي في \"السنن\" (٧/ ٣٢٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣).\n(٣) وفي النسخة القادرية بدله: \"أحمد بن عبد الرحمن\".\n(٤) هذه الرواية وصلها المصنف في هذا الباب برقم (٢١٨١).\n(٥) وصل المصنف روايته في هذا الباب برقم (٢١٨٢).\n(٦) انظر روايته برقم: (٢١٧٩).","vol":"8","page":149},{"text":"وَرُوِيَ عن عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ رِوَايَةِ نَافِعٍ وَالزُّهْرِيِّ\n===\nعن سالم، وذكر فيها طهرين، وأما محمد بن عبد الرحمن، فلم يذكر فيه إلَّا الطهر الأول، ولم يذكر الثاني، ورواية نافع اتفق ناقلوها على أن فيها ذكر الطهرين.\n(وروي عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن ابن عمر نحو رواية نافع والزهري) فإنه ذكر أيضًا الطهرين، كما ذكره نافع والزهري، ولم أجد رواية عطاء الخراساني، عن الحسن فيما عندي من كتب الحديث (١).\nقلت: والغرض: من هذا الكلام بظاهره ترجيح رواية الطهر الواحد على ذكر الطهرين.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٢) ما حاصله: أنه لا معارضة في الحديثين، بل في رواية نافع روى عنه مالك وعبيد الله بن عمر والليث وأيوب وعبد الله بن دينار، وكذلك في رواية الزهري، عن سالم زيادة الطهر، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا.\nقلت: ما قال الحافظ: إن الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا مقبول بشرط أن لا تكون الزيادة منافية للحديث الذي ليس فيه تلك الزيادة.\nقال الحافظ (٣): وزيادة راويهما أي الصحيح والحسن [مقبولة] ما لم تقع منافيةً لرواية من هو أوثق، ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تقبل مطلقًا؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي يتفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيرُه، وإما أن تكون\n_________\n(١) قلت: رواية عطاء الخراساني عن الحسن وصلها الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٣١)، والبيهقي في \"السنن\" (٧/ ٣٣٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٩).\n(٣) انظر: \"شرح شرح نخبة الفكر\" للملَّا علي القاري (ص ٣١٥ - ٣٢٢).","vol":"8","page":150},{"text":"وَالأَحَادِيثُ (١) كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ.\n===\nمنافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى. فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها، فيُقبلُ الراجح، ويرد المرجوح.\nواشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل؛ ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه. والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن، انتهى.\nوهنا هنا كذلك، فإن هذه الزيادة منافية للرواية التي لم تذكر فيها تلك الزيادة، فإن الحديث الذي ليس فيها تلك الزيادة يدل على جواز المراجعة في ذلك الطهر الذي يتصل بالحيض الذي طلق فيه، والحديث الذي فيه تلك الزيادة، يدل بظاهره على أنه لا تجوز المراجعة، إلَّا أن تحيض ثم تطهر بعد الطهر الأول.\nفالعجب من الحافظ، كيف أغفل ذلك مع أنه مصرح بعدم قبول الزيادة، إذا كانت منافية؟ وقد أشار أبو داود إلى أن الراجح عدم الزيادة بكثرة الرواة، فثبت بهذا أن هذه الزيادة في هذا الحديث شاذة، والله أعلم.\n(والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير)، وفي هذا الكلام إشارة إلى ما تقدم في حديث أبي الزبير، أنه قال فيه: ولم يرها شيئًا، وهذا اللفظ بظاهره يدل على أن الطلقة الواقعة من ابن عمر لم ير رسول الله - ﷺ - شيئًا يعتد به، وهو مخالف لجميع الأحاديث الواردة في قصة ابن عمر، فما قال أبو الزبير شاذ (٢).\n_________\n(١) في نسخة: \"فالأحاديث\".\n(٢) لكن ذكر ابن رسلان عن الحافظ متابعة، إلَّا أنه قال بعده: لكنه يؤول، بأنه لم يعتد جائزًا جمعًا بين الروايات، انتهى. (ش).","vol":"8","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>(٥) بَابٌ: في نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلاثِ</span>\n٢١٨٦ - حَدّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ حَدَّثَهُمْ، عن يَزِيدَ الرِّشْكِ،\n===\nوقد أخرج النسائي في \"مجتباه\" ومسلم في \"صحيحه\" (١) حديث أبي الزبير من طريق حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن، يسأل ابن عمر، الحديث، ولم يذكرا فيه: \"ولم يرها شيئًا\"، فإما وقع الاختصار فيه من أحد الرواة، أو رواه ابن جريج مرة بتلك الزيادة، ثم تنبه على أنها شاذة فتركها.\n\n(٥) (بَابٌ: في نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ) (٢)\nهكذا ها هنا هذا الباب في النسخ الموجودة عندي (٣)، إلَّا في نسخة \"العون\"، فإن فيها ها هنا: \"باب الرجل يراجع ولا يشهد\"\n٢١٨٦ - (حدثنا بشر بن هلال، أن جعفر بن سليمان حدثهم) أي بشر بن هلال وغيره من التلامذة، (عن يزيد الرشك) هو يزيد بن أبي يزيد الضبعي -بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها مهملة- مولاهم، أبو الأزهر، البصري الدراع، وفي \"الخلاصة\": الذَّراع (٤)، المعروف بالرِّشك بكسر الراء وسكون المعجمة، والرشك هو القسام (٥).\nوقال ابن الجوزي: الرشك بالفارسية: الكبير اللحية. قيل: دخلت عقرب\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٤٧١) \"سنن النسائي\" (٣٣٩٢).\n(٢) قال الموفق (١٠/ ٣٣٤): إن طلقها ثلاثًا بكلمة واحدة، وقع الثلاث، وحرمت عليه، حتى تنكح زوجًا غيره، ولا فرق بين قبل الدخول وبعده، وهو قول الأئمة، ثم حكى خلاف السلف فيه. (ش).\n(٣) وكذا في \"شرح ابن رسلان\" ولم يتكلم عليه. (ش).\n(٤) في الأصل: \"الذراع\" وهو تحريف، والصواب: الذارع، انظر: \"الخلاصة\" (ص ٤٣٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٨/ ١٥٨) رقم (٧٦٥٩).\n(٥) لأنه كان يقسم الدور قبل أيام الموسم، قاله ابن رسلان، وبسطه، لكنه لم يقرأ. (ش).","vol":"8","page":152},{"text":"عن مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: \"أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ (١) يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَقَعُ بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَلَا عَلَى رَجْعَتِهَا؟ فَقَالَ: طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ (٢) سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَعَلَى رَجْعَتِهَا، وَلَا تَعُدْ\". [جه ٢٠٢٥]\n===\nفي لحيته فمكثت فيها ثلاثة أيام، ولم يعلم بها، عن أحمد: صالح الحديث، وعن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي، وقال أبو زرعة وحاتم والترمذي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال ابن شاهين: ضعفه ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا يزيد بن معين قال: كان علية يضعفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان غيورًا، فسمي بالفاسية \"أرشك\"، فقيل: الرشك.\n(عن مطرف بن عبد الله: أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته) طلاقًا رجعيًا (ثم يقع بها) أي يجامعها للرجعة، (ولم يُشهد على طلاقها، ولا على رجعتها؟ فقال) أي عمران بن حصين: (طلقتَ) بصيغة الخطاب؛ لأن المراد بالرجل هو السائل كان جعل نفسه غائبًا (لغير سُنَّة، وراجعتَ) أي زوجتها (لغير سنة، أشْهدْ على طلاقها) إذا طلقتها (وعلى رجعتها) أي وأشْهدْ على رجعتها إذا راجعتها (ولا تعُدْ) (٣) نهي من عاد يعود، أي ولا تعُدْ إلى ترك الإشهاد على الطلاق ولا على الرجعة.\nقال الشوكاني (٤): وقد استدل به من قال بوجوب الإشهاد على الرجعة، وقد ذهب إلى عدم وجوب الإشهاد في الرجعة أبو حنيفة وأصحابه والقاسمية والشافعي في أحد قوليه. واستدل لهم في \"البحر\" بحديث ابن عمر السالف، فإن فيه أنه قال - ﷺ -: \"مره فليراجعها\" ولم يذكر الإشهاد.\n_________\n(١) في نسخة: \"عن رجل\".\n(٢) في نسخة: \"بغير\".\n(٣) ليست هذه الجملة في رواية ابن ماجه، انتهى \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٤٩).","vol":"8","page":153},{"text":"٢١٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (١) الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ،\n===\nوقال مالك والشافعي والناصر: إنه يجب الإشهاد في الرجعة، واحتجَّ في \"نهاية المجتهد\" بعدم الوجوب بالقياس على الأمور التي ينشئها الإنسان لنفسه، فإنه لا يجب فيه الإشهاد.\nومن الأدلة على عدم الوجوب أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في \"تيسير البيان\" والرجعة قرينته، فلا يجب فيها، كما لا يجب فيه.\nوالاحتجاج بالأثر المذكور في الباب لا يصلح للاحتجاج؛ لأنه قول صحابي في أمر من مسارح الاجتهاد، وما كان كذلك فليس بحجة، لولا ما وقع من قوله: \"طلقت لغير سنَّة وراجعت لغير سنَّة\"، انتهى.\nقال: وهذا القول لا يثبت الإيجاب، ويحتمل أن يكون المراد منه ندب الإشهاد، ثم قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، فهو وإن عقب قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية، وقد عرفت الإجماع على عدم وجوب الإشهاد على الطلاق، والقائلون بعدم الوجوب يقولون بالاستحباب، انتهى.\nوهذا الحديث له مناسبة ظاهرة بالباب على نسخة \"العون\"، وأما على النسخ الأخرى فلا مناسبة له بالباب أصلًا.\n٢١٨٧ - (حدثنا (٣) أحمد بن محمد) الخزاعي أبو الحسن بن شبوية، (المروزي، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن ثابت\".\n(٢) سورة الطلاق: الآية ٢.\n(٣) وقع هذا الحديث في نسخة تحت \"باب بقية نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث\" برقم (٢١٩٥).","vol":"8","page":154},{"text":"عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ...﴾ الآية، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَنُسِخَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. [ن ٣٥٥٦]\n===\nعن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية (١)، وذلك) أي نزول هذه الآية (أن الرجل كان) في الجاهلية وفي بدء الإِسلام (إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية) يعني الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبه مرتان، فإذا طلق ثلاثًا فلا تحل له إلَّا من بعد وطء زوج آخر.\nقال صاحب \"العون\" (٢) بعد شرح هذا الحديث: واعلم أن نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث إنما هو إذا كانت مُفَرَّقة في ثلاثة أطهار، وأما إذا كانت في مجلس واحد، فهي واحدة؛ لحديث ابن عباس: \"كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة\" رواه مسلم. وسيأتي في هذا الكتاب أيضًا، فيجوز للرجل أن يراجع امرأته بعد ما طلقها ثلاثًا في مجلس واحد، كما يجوز له الرجعة بعد ما طلقها واحدة.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣) في \"باب من جَوَّز الطلاق الثلاث\": قال: وفي الترجمة إشارة إلى أن من السلف من لم يُجوِّز وقوع الطلاق الثلاث، فيحتمل أن يكون مراده بعدم الجواز من قال: لا يقع الطلاق إذا أوقعها مجموعة للنهي عنه، وهو قول للشيعة وبعض أهل الظاهر، وطرد بعضهم ذلك في كل طلاق منهي كطلاق الحائض، وهو شذوذ.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨ - ٢٢٩.\n(٢) \"عون المعبود\" (٦/ ١٩٠).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٦٢ - ٣٦٥).","vol":"8","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوذهب كثير منهم إلى وقوعه مع منع جوازه، واحتج له بعضهم بحديث محمود بن لبيد عند النسائي: قال: \"أخبر النبي - ﷺ - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام مغضبًا فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم\"؟ رجاله ثقات.\nوالجواب عنه أولًا: أن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي - ﷺ -، ولم يثبت له منه سماع، وعداده في الصحابة لأجل الرؤية.\nوثانيًا: أن النسائي قال بعد تخريجه: لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير عن أبيه. وقد قيل: إنه لم يسمع من أبيه.\nوثالثًا: على تقدير صحة حديث محمود، فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعها مجموعة، أو لا؟ فأقل أحواله أن يدل على تحريم ذلك وإن لزم، وقد تقدم الكلام على حديث ابن عمر في طلاق الحائض أنه قال لمن طلق ثلاثًا مجموعة: \"عصيت ربك، وبانت منك امرأتك\".\nوأخرج أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال: \"كنت عند ابن عباس، فجاء رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس! يا ابن عباس! إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١)، وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك\".\nومن القائلين بالتحريم واللزوم من قال: إذا طلق ثلاثًا مجموعة، وقعت واحدة، وهو قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي، واحتج بما رواه داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد\" الحديث، وفيه فقال النبي - ﷺ -: \"إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت\". وهذا الحديث نص في المسألة، وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء.\n_________\n(١) سورة الطلاق: الآية ٢.","vol":"8","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأحدها: أن محمد بن إسحاق وشيخه مختلف فيهما. وأجيب بأنهم احتجوا في عدة من الأحكام بمثل هذا الإسناد، وليس كل مختلف فيه مردودًا.\nوالثاني: معارضته بفتوى ابن عباس بوقوع الثلاث، كما تقدم من رواية مجاهد، فلا يظن بابن عباس أنه كان عنده هذا الحكم عن النبي - ﷺ -، ثم يفتي بخلافه، إلَّا بمرجح ظهر له، وراوي الخبر أخبر من غيره بما رواه. وأجيب بأن الاعتبار برواية الراوي لا برأيه.\nوالئالث: أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، كما أخرجه هو من طريق أهل بيت ركانة، وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس.\nوالرابع: أنه مذهب شاذ، فلا يعمل به، وأجيب بأنه نقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير مثله، ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة، كمحمد بن تقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهما. ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار.\nويقوي حديث ابن إسحاق المذكور ما أخرجه مسلم عن ابن عباس قال: \"كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم\".\nوفي رواية: \"أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم\".\nوفي رواية: \"أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن طلاق الثلاث على عهد النبي - ﷺ - واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر، تتابع الناس","vol":"8","page":157},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي الطلاق، فأجازه عليهم\". وهذه الرواية الأخيرة أخرجها أبو داود، ولفظ المتن: \"أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة\"، فتمسك بهذا السياق من أعل الحديث. وقال: إنما قال ابن عباس ذلك في غير المدخول بها.\nوهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث، وهي متعددة، وهو جواب إسحاق بن راهويه وجماعة، وبه جزم زكريا الساجي من الشافعية. ووجهوه بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها: \"أنتِ طالق\"، فإذا قال: ثلاثًا، لغا العدد. وتعقبه القرطبي بأن قوله: \"أنت طالقٌ ثلاثًا\"، كلام متصل غير منفصل، فكيف يصح جعله كلمتين، وتعطى كل كلمة حكمًا؟\nالجواب الثاني: دعوى شذوذ رواية طاووس، وهي طريقة البيهقي، فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث، ثم نقل عن ابن المنذر: أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي - ﷺ - شيئًا، ويفتي بخلافه، فيتعين المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم.\nوالجواب الثالث: دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك. قال البيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك\".\nوقد أنكر المازري ادعاء النسخ فقال: زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ وهو غلط، فإن عمر لا ينسخ ولو نسخ - وحاشاه - لبادر الصحابة على إنكاره. وإن أراد القائل أنه نسخ في زمن النبي - ﷺ - فلا يمتنع، لكن يخرج عن ظاهر الحديث؛ لأنه لو كان كذلك، لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر.","vol":"8","page":158},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: تكلم الحافظ في مسألة النسخ بكلام طويل تركناه للاختصار (١).\nالجواب الرابع: دعوى الاضطراب، قال القرطبي في \"المفهم\": وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب في لفظه، وظاهر سياقه يقتضي النقل عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرونه ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه.\nالجواب الخامس: دعوى أنه ورد في صورة خاصة، فقال ابن سريج وغيره: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ كأن يقول: \"أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق\"، وكانوا أولًا على سلامة صدورهم، يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم.\nوهذا الجواب ارتضاه القرطبي وقوَّاه بقول عمر: \"إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة\"، وكذا قال النووي: إن هذا أصح الأجوبة.\nالجواب السادس: تأويل قوله: \"واحدة\"، وهو أن معنى قوله: \"كان الثلاث واحدة\" أن الناس في زمن النبي - ﷺ - كانوا يطلقون واحدة، فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثًا، ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثًا، كان يوقع قبل ذلك واحدة؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلًا، أو كانوا يستعملونها نادرًا، وأما في عصر عمر فكثر استعمالهم لها.\nومعنى قوله: \"فأمضاه عليهم، وأجازه\"، وغير ذلك، أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله. ورجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٦٣).","vol":"8","page":159},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإلى أبي زرعة الرازي. قال النووي: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصةً، لا عن تغير الحكم في الواحدة.\nالجواب السابع: دعوى وقفه، فقال بعضهم: ليس في هذا السياق أن ذلك كان يبلغ النبي - ﷺ - فيقره، والحجة إنما هي في تقريره، وتعقب بأن قول الصحابي: \"كنا نفعل كذا في عهد رسول الله - ﷺ -\" في حكم الرفع على الراجح، حملًا على أنه اطلع على ذلك، فأقرَّه لتوفر دواعيهم على السؤال عن جليل الأحكام وحقيرها.\nالجواب الثامن: حمل قوله: \"ثلاثًا\" على أن المراد بها لفظ البتة، كما تقدم في حديث ركانة سواء، وهو من رواية ابن عباس أيضًا، وهو قوي، ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها البتة.\nوالأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث، إلَّا إن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ البتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم.\nوفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها، فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وايقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما.\nوقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع مُنابِذٌ لَه، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق، والله أعلم.","vol":"8","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>(٦) بَابٌ: في سُنَّةِ طَلَاقِ الْعَبْدِ</span>\n٢١٨٨ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى- يَعْني ابْنَ سَعِيدٍ -، نَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ مُعَتِّبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا حَسَنٍ مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ استَفْتَى ابْنَ عَبَّاسٍ في مَمْلُوكٍ كَانَتْ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ فَطَلَّقَهَا\n===\n\n(٦) (بَابٌ: في سُنَّةِ طَلَاقِ الْعَبْدِ)\n٢١٨٨ - (حدثنا زهير بن حرب، حدثنا يحيى- يعني ابن سعيد-، نا علي بن المبارك، حدثني يحيى بن أبي كثير أن عمر بن معتب أخبره)، ويقال: ابن أبي معتب بمضمومة، وفتح مهملة، وكسر مثناة، فوق مشددة فموحدة، المدني، قال الميموني: قال لنا أحمد: لا أعرف عمر، وقال مسلم عن أحمد: قيل له: أثقة هو؟ قال: لا أدري، وقال ابن المديني: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا أعرفه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: قليل الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره العقيلي وغيره في \"الضعفاء\".\n(أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره)، \"قال أبو داود: سمعت أحمد، قال: قال عبد الرزاق: قال ابن المبارك لمعمر: من أبو الحسن هذا؟ لقد تحمل صخرة عظيمة، قال أبو داود: قد روى عنه الزهري، وكان من الفقهاء، وأهل الصلاح، وأبو الحسن هذا معروف، وليس العمل على هذا الحديث\". هذه العبارة مذكورة في نسخة \"العون\" (١) بعد تمام الحديث الثاني، وعليها علامة النسخة، وسائر النسخ الموجودة عندنا خالية عنها (٢).\nوثَّقه أبو حاتم الرازي وأبو زرعة، وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه ثقة.\n(أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة، فطلقها\n_________\n(١) (٦/ ٢٥٥).\n(٢) قلت: جعل المزي في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٧٤٩) رقم (٦٥٦١) هذه الزيادة من رواية أبي الطيب ابن الأشناني وغيره.","vol":"8","page":161},{"text":"التَطْلِيقَتَيْنِ (١)، ثُمَّ عُتِقَا (٢) بَعْدَ ذَلِكَ، هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. [ن ٣٤٢٧، جه ٢٠٨٢، حم ١/ ٢٢٩، ق ٦/ ٣٧]\n٢١٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنَا عَلِيٌّ بِإِسْنَادِه وَمَعْنَاهُ بِلَا إِخْبَارٍ.\nقًالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَقِيَتْ لَكَ وَاحِدَةٌ\n===\nالتطليقتين، ثم (٣) عُتِقا بعد ذلك، هل يصلح له أن يخطبها؟) (٤) أي قبل النكاح بزوج آخر (قال: نعم) أي يحل له أن يخطبها قبل التحليل (قضى بذلك رسول الله - ﷺ -).\n٢١٨٩ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عثمان بن عمر، أنا علي) أي ابن المبارك (بإسناده) أي بإسناد حديث علي (ومعناه بلا إخبار) أي بغير لفظ التحديث والإخبار، بل روي بلفظ عن، حاصله أن هذا السند وقع فيه الإخبار والتحديث إلى علي بن المبارك، أما بعده فرواه معنعنًا.\n(قال ابن عباس) أي لأبي الحسن السائل: (بقيتْ لك واحدةٌ) لأن العبد\n_________\nفي نسخة: \"تطليقتين\".\nفي نسخة: \"أعتقها\".\n(٣) قال ابن رسلان: ثم عتق واشتراها، وبوَّب عليه ابن ماجه: \"من طلق أمة تطليقتين ثم اشتراها\"، ثم قال: قال الخطابي (٣/ ٢٣٩): لا أعلم أحدًا قال به من العلماء. قلت: كذا قال البيهقي (٧/ ٣٧١)، لكن قال ابن قدامة في \"المغني\" (١٠/ ٥٣٦) بعد نقل عدم الجواز: روي عن أحمد أنه يحل له أن يتزوجها، وتبقى عنده على واحدة، وذكر هذا الحديث، وقال: لا أرى شيئًا يدفعه، وبه يقول أبو سلمة وسعيد بن المسبب. (ش).\n(٤) ولفظ النسائي وابن ماجه: \"أيتزوجها؟ \"، انتهى. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"8","page":162},{"text":"قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. [انظر سابقه]\n===\nيملك ثلاث تطليقات كالحر، فطلقتها تطليقتين، بقيت لك واحدة (قضى به رسول الله - ﷺ -).\nاستدل بهذا الحديث أن العبد يملك من الطلاق ثلاثًا كما يملك الحر. وقال الشافعى (١): إنه لا يملك من الطلاق إلَّا اثنتين، حرة كانت زوجته أو أمة. وقال أبو حنيفة والناصر: إنه لا يملك في الأمة إلَّا اثنتين لا في الحرة فكالحر. واستدلوا بحديث ابن مسعود: \"الطلاف بالرجال والعدة بالنساء\" عند الدارقطني والبيهقي. وأجيب بأنه موقوف. قالوا: أخرج الدارقطني [والبيهقي] أيضًا عن ابن عباس نحوه. وأجيب بأنه موقوف أيضًا.\nوكذلك روى نحوه أحمد من حديث علي، وهو أيضًا موقوف، قالوا: أخرج ابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان\"، وأجيب بأن في إسناده عمر بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان. وقال الدارقطني والبيهقي: الصحيح أنه موقوف، قالوا: في \"السنن\" نحوه من حديث عائشة، وأجيب بأن في إسناده مظاهر بن أسلم.\nقال الترمذي: حديث عائشة هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وإسحاق، انتهى. قاله الشوكاني (٢).\nقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٣): ونقل أن الشافعي - ﵀ -\n_________\n(١) وبه قال مالك وأحمد، كما في \"المغني\" (١٠/ ٥٣٦). (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤).\n(٣) \"فتح القدير\" (٣/ ٤٧٤ - ٤٧٦).","vol":"8","page":163},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلما قال عيسى بن أبان له: أيها الفقيه! إذا ملك الحر على امرأته الأمة ثلاثًا كيف يطلقها للسنَّة؟ قال: يوقع عليها واحدة، فإذا حاضت وطهرت، أوقع أخرى، فلما أراد أن يقول: فإذا حاضت وطهرت، قال له: حسبك قد انقضت عدتها، فلما تحير رجع، فقال: ليس في الجمع بدعة، ولا في التفريق سنَّة.\nقلت: الأحاديث الموقوفة التي استدل بها كلها في حكم المرفوعات، فإنه لا دخل فيها للرأي والاجتهاد، فيستدل بها كما يستدل بالمرفوعات الصريحة، والله تعالى أعلم.\nفقال ابن الهمام في \"فتح القدير\": ولنا قوله - ﷺ -: \"طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان\"، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن عائشة ترفعه، وهو الراجح الثابت، بخلاف ما رواه الشافعي.\nفإن قلت: قد ضعف ما رويتم بأنه من رواية مظاهر، ولم يعرف له سوى هذا الحديث. قلنا أولًا: تضعيف بعضهم ليس كعدمه بالكلية. وثانيًا: بأن ذلك التضعيف ضعيف، فإن ابن عدي أخرج له حديثًا آخر عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: \"أنه كان يقرأ عشر آيات في كل ليلة من آخر آل عمران\"، وكذا رواه الطبراني، ثم منهم من ضَعَّفَه عن أبي عاصم النبيل فقط. ومنهم من نقل عن ابن معين وأبي حاتم والبخاري تضعيفه، لكن قد وثَّقه ابن حبان.\nوأخرج الحاكم حديثه هذا عنه، عن القاسم، عن ابن عباس، قال: ومظاهر شيخ من أهل البصرة، ولم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح، فإذن إن لم يكن الحديث صحيحًا كان حسنًا، ومما يصحح الحديث أيضًا عمل العلماء على وفقه.","vol":"8","page":164},{"text":"٢١٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن مُظَاهِرٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَقُرؤُهَا حَيْضَتَانِ\".\n===\nوقال الترمذي عقيب روايته: حديث غريب، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيره، وفي \"الدارقطني\": قال القاسم وسالم: عمل به المسلمون، وقال مالك: شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده، انتهى، والله أعلم.\n٢١٩٠ - (حدثنا محمد بن مسعود) بن يوسف النيسابوري، أبو جعفر بن العجمي، نزيل طرسوس، ويقال له: المصيصي أيضًا، قال ابن وضاح: رفيع الشأن فاضل، ليس بدون أحمد، وقال الخطيب: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا أبو عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن مظاهر) بن أسلم، ويقال: ابن محمد بن أسلم المخزومي المدني، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ليس بشيء، مع أنه رجل لا يعرف، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال أبو داود: رجل مجهول، وقال الترمذي: لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث (١)، وهو غريب لا نعرفه إلَّا من حديثه، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو عاصم النبيل: ليس بالبصرة حديث أنكر من حديث مظاهر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي قال: طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها (٢) حيضتان)، أخرج ابن ماجه هذا الحديث من طريق محمد بن بشار، ثنا أبو عاصم بهذا اللفظ.\n_________\n(١) قال المنذري: روى له ابن عدي حديثًا آخر، رواه عن أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: كان ﵇ يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) احتج به من قال: القرء الحيض. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"8","page":165},{"text":"قَالَ أَبُو عَاصِمِ: حَدَّثَنِي مُظَاهِرٌ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِي - ﷺ - مِثْلهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ\". [ت ١١٨٢، جه ٢٠٨٠، دي ٢٢٩٤، قط ٤/ ٣٩، ق ٧/ ٣٦٩، ك ٢/ ٢٠٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ حَدِيثٌ مَجْهُولٌ.\n===\nوأخرج بسند آخر (١) بغير هذا اللفظ: حدثنا محمد بن طريف وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا: ثنا عمر بن شبيب المسلمي، عن عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان\"، وفي إسناده عمر بن شبيب، وهو ضعيف.\nوكذلك أخرجه الترمذي من حديث محمد بن يحيى النيسابوري، نا أبو عاصم بسنده إلى رسول الله - ﷺ - قال: \"طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان\". ثم قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.\n(قال أبو عاصم) هذا قول محمد بن مسعود شيخ المصنف: (حدثني مظاهر، حدثني القاسم، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - مثله) أي مثل ما حدثني ابن جريج عن مظاهر (إلَّا أنه) أي مظاهر (قال: وعدتها حيضتان) بدل قوله: \"قرؤها حيضتان\".\nوقد فصل هذا ابن ماجه بقوله: قال أبو عاصم: فذكرته لمظاهر، فقلت: حدثني كما حدثني (٢) ابن جريج، فأخبرني عن القاسم، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: \"طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان\"، (قال أبو داود: هو حديث مجهول).\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (٢٠٧٩).\n(٢) وفي الأصل: \"حدثت\" وهو تحريف، والصواب: \"حدثني\". انظر: \"سنن ابن ماجه\" رقم الحديث (٢٠٨٠).","vol":"8","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>(٧) بَابٌ: في الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ</span>\n٢١٩١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ. (ح): وَنَا ابْنُ الصَّبَّاحِ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَا: نَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عن عَمْرِو بْنِ\n===\n\n(٧) (بَابٌ: في الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ)\nوهذا على نوعين: إما أن ينجز الطلاق، وإما أن يعلقها بالنكاح، فإن كان الأول، فهو متفق على أنه لا يقع الطلاق فيه أصلًا. وإن كان الثاني، فهو الذي اختلف فيه الأئمة، فالجمهور على أنه لا يقع الطلاق فيه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقع الطلاق\n٢١٩١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام) الدستوائي، (ح، ونا ابن الصباح) لم أقف على تعيين اسمه (١)، فإن ابن الصباح في شيوخه ثلاثة، أحدهم: محمد بن الصباح بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر. والثاني: محمد بن الصباح الدولابي أبو جعفر البغدادي. والثالث: الحسن بن الصباح البزار-آخره راء- أبو علي الواسطي.\n(نا عبد العزيز بن عبد الصمد) العمي أبو عبد الصمد البصري الحافظ، قال أحمد: كان ثقة، وقال ابن معين: لم يكن به بأس، وقال القواريري: كان حافظًا، وقال أبو زرعة وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال العجلي: ثقة، وقال عبد الرحمن بن مهدي يوم مات: ما مات لكم منذ ثلاثين شبهه، أو مثله، أو أوثق منه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قالا) أي هشام وعبد العزيز: (نا مطر الوراق) ابن طهمان، (عن عمرو بن\n_________\n(١) قلت: وقد صرح المزي في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٨٢) رقم (٨٨٠٤)، بأنه: \"عبد الله بن الصباح العطار\"، فظهر أنه الشيخ الرابع للإمام أبي داود، فليتنبه. انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٣٣٢٨).","vol":"8","page":167},{"text":"شُعَيبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ،\n===\nشعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - قال: لا طلاقَ إلَّا فيما تملك، ولا عتقَ إلَّا فيما تملك).\nقال القاري (١): وهو متمسك الشافعي، وبه قال أحمد (٢)، وهو منقول عن علي وابن عباس وعائشة -﵃-.\nومذهبنا أنه إذا أضاف الطلاق إلى سببية الملك صح، كما إذا قال لأجنبية: إن نكحتك فأنت طالق، فإذا وقع النكاح وقع الطلاق، وكذا إذا أضاف العتق إلى الملك، نحو: إن ملكت عبدًا فهو حر، لأن هذا تعليق لما يصح تعليقه، وهو الطلاق كالعتق والوكالة والإبراء.\nوقال مالك: إن خصَّ بلدًا أو قبيلة أو صنفًا أو امرأة صح، وإن عمَّ مطلقًا لا يجوز، إذ فيه سدُّ باب النكاح، وبه قال ربيعة والأوزاعي وابن أبي ليلى.\nوعندنا لا فرق بين العموم، وذلك الخصوص، إلَّا أنَّ صحته في العموم مطلق، يعني لا فرق بين أن يعلق بأداة الشرط أو بمعناه، وفي المعينة يشترط أن يكون بصريح الشرط، فلو قال: \"هذه المرأة التي أتزوجها طالق\"، فتزوجها لم تطلق؛ لأنه عرفها بالإشارة، فلا تؤثر فيها الصفة، أعني \"أتزوجها\"، بل الصفة فيها لغو، فكأنه قال: هذه طالق، بخلاف قوله: \"إن تزوجت هذه\" فإنه يصح.\nولا بد من التصريح بالسبب. في \"المحيط\": لو قال: \"كل امرأة أجتمع معها في فراشي فهي طالق\"، فتزوج امرأة لا تُطَلَّقُ، وكذا: \"كل جارية أطأها\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٢٣ - ٤٢٥).\n(٢) في رواية اختارها الموفق، والثانية له مثل الحنفية، والثالثة له يصح العتق دون الطلاق، وهي مختارة الخرقي، انتهى. (ش). (انظر: \"المغني\" ١٣/ ٤٨٩ و١٤/ ٤٠٠).","vol":"8","page":168},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحرة\"، فاشترى جارية فوطئها لا تعتق؛ لأن العتق لم يُضِفْ إلى الملك. ومذهبنا مروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر.\nوالجواب عن الأحاديث المذكورة أنها محمولة على نفي التنجيز؛ لأنه هو الطلاق، وأما المعلق به فليس به، بل عرضية أن يصير طلاقًا، وذلك عند الشرط، والحمل مأثور عن السلف كالشعبي والزهري.\nقال عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١): أنا معمر، عن الزهري أنه قال في رجل: قال: \"كل امرأة أتزوجها فهي طالق\" و\"كل أمة أشتريها فهي حرة\"، هو كما قال، فقال له معمر: أو ليس قد جاء: \"لا طلاق قبل النكاح، ولا عتاقة إلَّا بعد الملك\"؟ قال: إنما ذلك أن يقول: امرأة فلان طالق، وعبد فلان حر.\nوأخرج ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" عن سالم بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي، والزهري، والأسود، وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومكحول الشامي في رجل قال: \"إن تزوجت فلانة فهي طالق\"، أو \"كل امرأة أتزوجها فهي طالق\". قالوا: هو كما قال، وفي لفظ يجوز عليه ذلك.\nوقد نُقل مذهبنا أيضًا عن سعيد بن المسيب، وعطاء، وحماد بن أبي سليمان، وشريح ﵏ أجمعين.\nوأما ما أخرج الدارقطني عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - سئل عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق ثلاثًا، قال: \"طلق ما لا يملك\".\nوما أخرج أيضًا عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال عمر لي: اعمل لي عملًا حتى أزوجك ابنتي، فقلت: إن تزوجتها فهي طالق ثلاثًا، ثم بدا لي أن أتزوجها،\n_________\n(١) (٦/ ٤٢١) رقم (١١٤٧٥).","vol":"8","page":169},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفأتيت رسول الله - ﷺ - فسألته، فقال لي: \"تزوجها، فإنه لا طلاق إلَّا بعد النكاح\"، قال: فتزوجتها فولدت لي سعدًا وسعيدًا، فلا شك في ضعفهما.\nقال صاحب \"تنقيح التحقيق\": إنهما باطلان. ففي الأول أبو خالد الواسطي، وهو عمرو بن خالد. قال: وضاع، وقال أحمد وابن معين: كذاب، وفي الأخير: علي بن قرين، كذَّبه ابن معين وغيره.\nفإن قيل: لا معنى لحمله على التنجيز، لأنه ظاهر يعرفه كل أحد، فوجب حمله على التعليق.\nفالجواب صار ظاهرًا بعد اشتهار الشرع فيه لا قبله، فقد كانوا في الجاهلية يطلقون قبل التزوج تنجيزًا، ويعدون ذلك طلاقًا إذا وجد النكاح، فنفى ذلك - ﷺ - في الشرع.\nومما يؤيد ذلك ما في \"موطأ مالك\": أن سعيد بن عمر بن سليم الزرقي، سأل قاسم بن محمد، عن رجل طلق امرأته إن هو تزوجها؟ فقال القاسم: إن رجلًا جعل امرأته عليه كظهر أمه إن هو تزوجها، فأمر عمر إن هو تزوجها أن لا يقربها حتى يكفِّر كفارة المظاهر، فقد صرح عمر - ﵁ - بصحة تعليق الظهار بالملك، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا، والكل واحد، والخلاف فيه أيضًا وكذا في الإيلاء إذا قال: \"إن تزوجتك فوالله لا أقربك أربعة أشهر\" يصح، فمتى تزوجها يصير موليًا، انتهى.\nقال الحافظ (١): وعورض من ألزم الطلاق بذلك بالاتفاق على أن من قال لامرأة: إذا قدم فلان فأْذني لوليك أن يزوجنيك، فقالت: إذا قدم فلان فقد أذنت لوليي في ذلك، أن فلانًا إذا قدم لم ينعقد التزويج حتى تنشئ عقدًا جديدًا.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨٦، ٣٨٧).","vol":"8","page":170},{"text":"وَلَا بَيْعَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ\". [ت ١١٨١، جه ٢٠٤٧، حم ٢/ ١٨٥، ق ٧/ ٣١٨، ك ٢/ ٢٠٥]\n===\nوعلى أن من باع سلعة لا يملكها، ثم دخلت في ملكه لم يلزم ذلك البيع. ولو قال لامرأته: إن طلقتك فقد راجعتك، فطلقها لا تكون مرتجعة، فكذلك الطلاق.\nقلت: وهذه معارضة فاسدة، أما الأول فإنه علَّق الإذن بالشرط، وبالإذن لا ينعقد النكاح، بل ينعقد بالإيجاب والقبول، ولم يتحققا، فكيف ينعقد النكاح على أن النكاح من الأمور التي لا يصح تعليقها بالشرط؟ ! فلو علق النكاح بالشرط، لم ينعقد لتعليقه بالحظر، وكذلك الثاني، أي مسألة البيع، فإن البيع أيضًا لا يصح تعليقه بالشرط، وكذلك الرجعة لا يصح تعليقها بالشرط.\n(ولا بيع إلَّا فيما تملك)، فإذا باع شيئًا لا يملكه لا ينعقد البيع.\nواختلف في بيع الفضولي، فإذا باع الفضولي، فعند الحنفية لا ينفذ بيعه لانعدام الملك، لكنه ينعقد موقوفًا على إجازة المالك، وعند الشافعي - ﵀ - هو شرط الانعقاد أيضًا، حتى لا ينعقد بدونه. وأصل هذا أن تصرفات الفضولي التي لها مجيز حالة العقد منعقدة موقوفة على إجازة المجيز من البيع، والإجارة، والنكاح، والطلاق، ونحوها، فعندنا إن أجاز ينفذ، وإلَّا فيبطل، وعند الشافعي - ﵀ - تصرفاته باطلة، واستدل بهذا الحديث، وفي سنده مطر الوراق، وهو متكلم فيه، وكذلك عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تكلموا فيه.\nواستدل الحنفية بما روي عن النبي - ﷺ -: \"أنه دفع دينارًا إلى حكيم ابن حزام - ﵁ -، وأمره أن يشتري له أضحية، فاشترى شاتين، ثم باع إحداهما بدينار، وجاء بدينار وشاة إلى النبي - ﷺ -، فدعا له بالبركة\"، وقال ﵇: \"بارك الله في صفقة يمينك\"، ومعلوم أنه لم يكن حكيم مأمورًا ببيع الشاة، فلو لم ينعقد تصرفه لما باع، ولما دعا له رسول الله - ﷺ -","vol":"8","page":171},{"text":"(١) زَادَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: \"وَلَا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلَّا فِيمَا (٢) تَمْلِكُ\".\n===\nبالخير والبركة على ما فعل، ولأنكر عليه، لأن الباطل ينكر.\nأخرج أبو داود (٣) هذه القصة من حديث حكيم بن حزام، ومن حديث عروة بن الجعد البارقي، وفي سند حديث حكيم رجل مجهول، وهو \"شيخ من أهل المدينة\"، ولكن لفظ \"شيخ من أهل المدينة\" يدل على توثيقه.\nوأخرج الترمذي (٤) حديث حكيم بن حزام فسمَّاه، وقال: عن أبي حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن حكيم بن حزام، ولكن قال الترمذي فيه: وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام. قلت: وهذا على مذهب البخاري، وأما على مذهب مسلم فالسماع ممكن، فلا يكون الحديث مرسلًا، ولو سلم، فالمرسل عندنا محتج به.\nوأما حديث عروة البارقي، فأخرجه أبو داود بطريقين: أحدهما: عن شبيب بن غرقدة قال: حدثني الحي، عن عروة، والثاني: حدثنا الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد، حدثني عروة البارقي، وكذلك أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥) بهذين الطريقين، ففي الأول أبهم الراوي عن عروة، ولكنه جماعة، وهي الحي، ولهذا أبهمه، وفي الثاني أبو لبيد، وهو ثقة.\n(زاد ابن الصباح: ولا وفاءَ نذرٍ إلَّا فيما تملك)، قال في \"البدائع\" (٦): ومنها أن يكون المنذور به إذا كان مالًا مملوك الناذر وقت النذر، أو كان النذر مضافًا إلى الملك، أو سبب الملك، حتى لو نذر بهدي ما لا يملكه، أو بصدقة ما لا يملكه للحال، لا يصح لقوله ﵊:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فيما لا تملك\".\n(٣) \"سنن أبي داود\" (٣٣٨٤، ٣٣٨٦).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (١٢٥٧).\n(٥) (٤/ ٣٧٥، ٣٧٦) رقم (١٩٣٥٦ - ١٩٣٦٢).\n(٦) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٤٠).","vol":"8","page":172},{"text":"٢١٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَليدِ بْنِ كَثيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْحَارِثِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زَادَ: \"وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ، وَمَنْ حلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ\". [انظر سابقه]\n===\n\"لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم\"، إلَّا إذا أضاف إلى الملك، أو إلى سبب الملك، بأن قال: كل مال أملكه فيما أستقبل فهو هدي، أو قال: فهو صدقة، أو قال: كل ما اشتريته أو أرثه، فيصح عند أصحابنا خلافًا للشافعي - ﵀-.\nوالصحيح قولنا لقوله ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١)، دلت الآية الشريفة على صحة النذر المضاف؛ لأن الناذر بنذره عاهد الله تعالى الوفاء بنذره، وقد لزمه الوفاء بما عهد، والمؤاخذة على ترك الوفاء به، ولا يكون ذلك إلَّا في النذر الصحيح، انتهى.\n٢١٩٢ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، بإسناده ومعناه، زاد) أي محمد بن العلاء: (من حلف على معصية فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له)، وهذا تخصيص بعد تعميم، فإن قطيعة الرحم معصية كبيرة.\nنقل في الحاشية عن \"مرقاة الصعود\": قال الخطابي (٢): يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون أراد به اليمين المطلق، فيكون معناه فلا يبر في يمينه، لكن يحنث ويكفر. والآخر: أن يكون أراد به النذر الذي مخرجه مخرج اليمين،\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ٧٥.\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٤٢).","vol":"8","page":173},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكقوله: إن فعلت كذا فللَّه عليَّ أن أذبح ولدي، فإن هذه باطلة، لا يلزمه الوفاء، ولا كفارة فيها ولا فدية، انتهى.\nقلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قال في \"البدائع\" (١): وأما حكم اليمين المعقودة، وهي اليمين على المستقبل، فاليمين على المستقبل لا يخلو إما أن يكون على فعل واجب، وإما أن يكون على ترك المندوب، وإما أن يكون على ترك المباح أو فعله.\nفإن كان على فعل واجب بأن قال: والله لأصلين صلاة ظهر اليوم، أو لأصومن رمضان، فإنه يجب عليه الوفاء به، ولا يجوز له الامتناع عنه؛ لقوله - ﷺ -: \"من حلف أن يطيعَ الله فليطعْه\" (٢)، ولو امتنع يأثم ويحنث، ويلزمه الكفارة.\nوإن كان على ترك الواجب، أو على فعل معصية، بأن قال: والله لا أصلي صلاة الفرض، أو لا أصوم رمضان، أو قال: والله لأشربن الخمر، أو لأزنيَن، أو لأقتلن فلانًا، أو لا أكلم والدي، أو نحو ذلك، فإنه يجب عليه للحال الكفارة بالتوبة والاستغفار، ثم يجب عليه أن يحنث نفسه، ويكفر بالمال؛ لأن عقد هذا اليمين معصية، فيجب تكفيرها بالتوبة والاستغفار في الحال، كسائر الجنايات التي ليس فيها كفارة معهودة.\nوعلى هذا يحمل ما رويَ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، ثم ليأتِ الذي هو خير\" (٣)، أي عليه أن يحنث نفسه لقوله - ﷺ -: \"من حلف أن يعصيَ الله تعالى فلا يعصه\"،\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٣٠ - ٣١).\n(٢) أخرجه بلفظ: \"من نذر ... \"، مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٧٦)، كتاب النذور والأيمان، باب ما لا يجوز من النذور، والبخاري في \"صحيحه\" (٦٦٩٦).\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣٦١)، والترمذي في \"سننه\" (١٥٣٠).","vol":"8","page":174},{"text":"٢١٩٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سَالِمِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيِّ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ في هَذَا الْخَبَرِ، زَادَ:\n===\nوترك المعصية بتحنيث نفسه فيها، فيحنث به ويكفِّر بالمال، وهذا قول عامة العلماء.\nوقال الشعبي: لا تجب الكفارة المعهودة في اليمين على المعاصي، وإن حنث نفسه لما رُويَ عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: \"إذا حلف أحدُكم على يمين، فرأى ما هو خير منها، فليأته، فإنه لا كفارة فيهما\" (١)، ولأن الكفارة شرعت لرفع الذنب، والحنث في هذا اليمين ليس بذنب؛ لأنه واجب، فلا تجب الكفارة لرفع الذنب، ولا ذنب.\nولنا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٢) من غير فصل بين اليمين على المعصية وغيرها.\nوالحديث المعروف وهو ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه\"، وما روي عن أبي هريرة - ﵁ - فقد روي عنه خلافه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا حلف أحدكم بيمين، ثم رأى خيرًا مما حلف عليه، فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير\"، فوقع التعارض بين حديثيه، فبقي الحديث المعروف لنا بلا تعارض إلى آخره.\n٢١٩٣ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - قال في هذا الخبر، زاد) ابن السرح في هذا الخبر:\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٤).\n(٢) سورة المائدة: الآية ٨٩.","vol":"8","page":175},{"text":"\"وَلَا نَذْرَ إِلَّا فيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ\". [انظر الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>(٨) بَابٌ: في الطَّلَاقِ عَلَى غَلَطٍ</span>\n===\n(ولا نذر إلَّا فيما ابتغي به وجه الله تعالى ذكره).\nقال في \"البدائع\" (١): ومنها أن يكون قربة، فلا يصح النذر بما ليس بقربة رأسًا، كالنذر بالمعاصي بأن يقول: لله عزَّ شأنه عليَّ أن أشرب الخمر، أو أقتل فلانًا، أو أضربه أو أشتمه ونحو ذلك؛ لقوله ﵊: \"لا نذر في معصية الله تعالى\"، وقوله ﵊: \"من نذر أن يعصي الله تعالى فلا يعصه\"؛ ولأن حكم النذر وجوب المنذور به، ووجوب فعل المعصية محال.\n\n(٨) (بَابٌ: في الطَّلَاقِ عَلَى غَلَطٍ) (٢)\nوفي بعض النسخ: \"على غيظ\" بدل \"على غلط\". ونقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": أي في حالة الغضب، وهكذا في كثير من النسخ، وفي بعضها: \"على غلط\"، فالمعنى: في حالة يخاف عليه الغلط، وهي حالة الغضب، والأقرب أنه غلط، والصواب: غيظ. ثم الطلاق على غيظ واقع عند الجمهور، وفي رواية (٣) عن الحنابلة أنه لا يقع، والظاهر أنه مختار المصنف رحمه الله تعالى، انتهى.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(٢) وكذا في نسخة \"ابن رسلان\". وقال: معناه يعني جرى على لسانه سهوًا، والطلاق على الغلط لا يقع عند الجمهور، وعند الحنقية يقع، مثلًا: يقول لامرأته شيئًا، وجرى على لسانه \"أنت طالق\"، انتهى. كذا في \"الفتح\" (٩/ ٣٩٥)، وفي \"نور الأنوار\": إن قصد أن يقول: سبحان الله، وجرى على لسانه \"أنت طالق\"، يقع الطلاق، وظاهر \"المغني\" أنهم فرَّقوا ديانة وقضاء (ش). (انظر: ١٠/ ٣٦٠).\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٣٨٩): هو مروي عن بعض متأخري الحنابلة، ولم يوجد عن أحد من متقدميهم إلَّا ما أشار إليه أبو داود، وفي \"نيل المآرب\" (٢/ ٢٣٧): لا تشترط النية في حال الخصومة، أو في الغضب، فيقع الطلاق في الكناية بدون النية، انتهى. (ش).","vol":"8","page":176},{"text":"٢١٩٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمْ (١)، نَا أَبِي، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ الْحِمْصِيِّ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي صَالحٍ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ إِيْلِيَا\n===\n٢١٩٤ - (حدثنا عبيد الله بن سعد) بن إبراهيم (الزهري، أن يعقوب بن إبراهيم) بن سعد (حدثهم، نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، عن ثور بن يزيد الحمصي، عن محمد بن عبيد بن أبي صالح) المكي، سكن بيت المقدس، روى عن صفية بنت شيبة وعدي بن عدي الكندي ومجاهد بن جبر، روى عنه ثور بن يزيد الحمصي وعبيد الله بن أبي جعفر المصري، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثه عن صفية عن عائشة: \"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق\".\nوأخرجه ابن ماجه من طريقه فسمَّاه عبيد بن أبي صالح، وهو وهم، قاله الحافظ في ترجمة محمد من \"تهذيب التهذيب\"، وذكر في ترجمة عبيد بن أبي صالح، فقال: روى عن صفية بنت شيبة عن عائشة بحديث: \"لا طلاق في إغلاق\"، وعنه ثور بن يزيد الحمصي، هكذا وقع عند ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن ابن إسحاق، عن ثور.\nورواه أبو يعلى الموصلي عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده فقال: عن عبيدة بن سفيان بدل عبيد بن أبي صالح، ووقع عند أبي داود من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن ثور، عن محمد بن عبيد بن أبي صالح، عن صفية، وهذا هو الصواب، وكذا ذكره ابن أبي حاتم وغيره.\n(الذي يسكن إيلياء) بكسر أوله واللام وياء وألف ممدودة، اسم مدينة بيت المقدس، وحكى الحفصي فيه القصر، وفي لغة ثالثة حذف الياء الأولى،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".","vol":"8","page":177},{"text":"قَالَ: \"خَرَجْتُ مَعَ عَدِيِّ بْنٍ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ حَتَّى قَدِمْنَا مَكَةَ، فَبَعَثَنِي إِلَى صَفيةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، وَكَانتْ قَدْ حَفِظَتْ مَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ في إِغْلَاقٍ\" (١). [جه ٢٠٤٦، حم ٦/ ٢٧٦]\n===\nفيقال: إلياء بسكون اللام والمد (قال: خرجت) من الشام (مع عدي بن عدي الكندي) هو عدي بن عدي بن عميرة بفتح المهملة، الكندى، أبو فروة الجزري، فقيه، عمل لعمر بن عبد العزيز على الموصل.\n(حتى قدمنا مكة، فبعثني) عدي بن عدي (إلى صفية بنت شيبة، وكانت) أي صفية (قد حفظت) أي الأحاديث (من عائشة، قالت) صفية: (سمعت عائشة) - ﵂ - (تقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) (٢).\nقال في \"المجمع\" (٣): أي في إكراه؛ لأن المكره مُغْلَقٌ عليه في أمره، ومُضَيَّقٌ عليه في تصرفه، كما يغلق الباب على أحد، ط. أو معناه: لا يغلق التطليقات دفعة واحدة، حتى لا يبقى فيه شيء، لكن يطلق طلاق السنَّة.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٤): قوله: \"في إغلاق\" بكسر الهمزة وسكون الغين المعجمة وآخره قاف، فسَّره علماء الغريب بالإكراه، روي ذلك في \"التلخيص\" عن ابن قتيبة والخطابي وابن السيد وغيره، وقيل: المجنون (٥)، واستبعده المطرزي.\n_________\n(١) في نسخة: \"غلاق\".\n(٢) جزم الحافظ (٩/ ٣٨٩) أن رواية أبي داود بلفظ: \"غلاق\" بدون ألف، بمعنى الغضب، وحكى البيهقي أنه روي على الوجهين، وعند ابن ماجه بلفظ: \"إغلاق\" بمعنى المكره، وغلط من قال: الإغلاق الغضب ... إلخ. (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٩).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(٥) ولا يقع طلاق المجنون إجماعًا، كذا في \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٦٠)، و\"المغني\" (١٠/ ٣٤٥)، وفي السكران اختلاف، حكاه القاري في شرح \"النقاية\" (٢/ ٨٩ - ٩٠)، =","vol":"8","page":178},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقيل: الغضب. وقع ذلك في \"سنن أبي داود\" في رواية ابن الأعرابي، وكذا فسره أحمد، ورده ابن السيد، فقال: لو كان كذلك لم يقع على أحد طلاق؛ لأن أحدًا لا يطلق حتى يغضب. وقال أبو عبيدة (١): الإغلاق التضييق.\nوقد استدل بهذا الحديث من قال: لا يصح طلاق المكره (٢). وبه قال جماعة من أهل العلم، حكي ذلك في \"البحر\" عن علي، وعمر، وابن عباس، وابن عمر، والزبير، والحسن البصري، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وشريح، والأوزاعي، والحسن بن صالح، ومالك، والشافعي. وحكي أيضًا وقوع طلاق المكره عن النخعي، وابن المسيب، والثوري، وعمر بن عبد العزيز، وأبي حنيفة، وأصحابه، انتهى.\nفاختلف في طلاق المكره، فعند الشافعي - ﵀ - لا تجوز، وعندنا جائز مع الإكراه، واحتج بما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"رفع عن أمتي (٣) الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\".\n_________\n= و\"العيني\" (١٤/ ٢٦٠)، حتى بين الحنفية أيضًا كما في \"الهداية\" (١/ ٢٢٤)، وعن أحمد فيه روايات كما في \"المغني\" (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٨). (ش).\n(١) كذا في \"النيل\" (٤/ ٣٢٩)، والصواب: أبو عبيد، كما في \"التلخيص\" (٣/ ٢١٠).\n(٢) قال ابن رشد (٢/ ٨١): طلاق المكره غير واقع عند مالك والشافعي وأحمد وجماعة، ويقع عند أبي حنيفة وأصحابه، وفرق أصحاب الشافعي بين أن ينوي الطلاق، فالأصح أن يقع، وبين أن لا ينوي، فالأصح أن لا يقع، وعن بعض السلف فيه تفصيل آخر، بسطه الحافظ (٩/ ٣٩٠) والعيني (١٤/ ٢٥٩)، وذكر القاري في \"شرح النقاية\" (٢/ ٨٩) عجيبة في مستدل الحنفية من جلوس امرأة على صدر الزوج لتذبحه أو يطلقها، وراجع الشامي (٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، وكذا ذكر المذاهب في هامش أبي داود و\"المغني\" (١٠/ ٣٥٠، ٣٥١). (ش).\n(٣) وفي \"المقاصد الحسنة\" (٥٢٨): حديث مشهور، لكن لم يوجد عند المخرجين، ثم بسط طرقه، ولم يذكر في الصحاح عنه غير ابن ماجه، وعندنا الحديث على رفع الإثم لإجماعهم على أن من نسي ركعة من الصلاة فهي باطلة، انتهى. (ش).","vol":"8","page":179},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْغِلَاقُ أَظُنُّهُ في الْغَضَبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>(٩) بَابٌ: في الطَّلَاقِ عَلَى الْهَزْلِ</span>\n٢١٩٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حَبِيبٍ،\n===\nولنا عمومات النصوص وإطلاقها كما قال الله تعالى سبحانه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقوله ﵊: \"كل طلاق جائز إلَّا طلاق الصبي والمعتوه\" (١)؛ ولأن الفائت بالإكراه ليس إلَّا الرضاء طبعًا، وأنه ليس بشرط لوقوع الطلاق، فإن طلاق الهازل واقع، وليس براضٍ به طبعًا.\nوكذلك الرجل قد يطلق امرأته الفائقة حسنًا وجمالًا الرائقة تغنجًا ودلًّا لا لخللٍ في دينها، وإن كان لا يرضى به طبعًا ويقع الطلاق عليها.\nوأما الحديث فقد قيل: إن المراد به الإكراه على الكفر، لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإِسلام، وكان الإكراه على الكفر ظاهرًا يومئذ، وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر خطأ وسهوًا، فعفا الله ﷻ عن ذلك (٢).\n(قال أبو داود: الغلاق أظنه في الغضب)، ولعله عند المصنف الطلاق الموقع في حالة الغضب الذي يغلق العقل لا يقع.\n\n(٩) (بَابٌ: في الطَّلَاقِ عَلَى الْهَزْلِ)\nأي: إذا كان الطالق هازلًا به يلزم عليه\n٢١٩٥ - (حدثنا القعنبي، نا عبد العزيز - يعني ابن محمد-، عن عبد الرحمن بن حبيب) بن أردك بفتح أوله وسكون ثانيه، ويقال: حبيب بن\n_________\n(١) حكى العيني (١٤/ ٢٦٥) الإجماع على عدم وقوع طلاق المعتوه، وحكاه الحافظ (٩/ ٣٩٣) عن الطحاوي، لكن ذكر الحافظ فيه الخلاف عن بعضهم. (ش).\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٦/ ١٩٤).","vol":"8","page":180},{"text":"عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح، عن ابْنِ مَاهَكَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَال: \"ثَلَاث جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ\". [ت ١١٨٤، جه ٢٠٣٩، قط ٣/ ٢٥٧، ك ٢/ ١٩٨]\n===\nعبد الرحمن بن أردك المدني، مولى بني مخزوم، يقال: هو أخو علي بن حسين لأمه، قال النسائي: منكر الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث: \"ثلاثة جدهن جدًا\" الحديث، قلت: وقال الحاكم: من ثقات المدنيين.\n(عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن ماهك) أي يوسف، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: ثلاث جدَّهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة (١».\nقال الشوكاني (٢): الحديث أخرجه الحاكم وصحَّحه، وفي الباب عن فضالة بن عبيد عند الطبراني بلفظ: \"ثلاث لا يجوز فيهن اللعب: الطلاق، والنكاح، والعتق\".\nوالحديث يدل على أن من تلفظ هازلًا بلفظ نكاح أو طلاق أو رجعة أو عتاق وقع منه ذلك. أما في الطلاق: فقد قال بذلك الشافعية والحنفية وغيرهم، وخالف في ذلك أحمد ومالك فقالا: إنه يفتقر اللفظ الصريح إلى النية، وبه قال جماعة من الأئمة، منهم الصادق والباقر والناصر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ (٣)، فدلت على اعتبار العزم، والهازل لا عزم منه.\nوأجاب صاحب \"البحر\" بالجمع بين الآية والحديث، فقال: يعتبر العزم\n_________\n(١) وذكر صاحب \"الهداية\" (٢/ ٣١٧) بدله اليمين، والغزالي في \"الوسيط\" بدله العتاق، وتكلم عليهما الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، والحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩). (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٢٨).\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٧.","vol":"8","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>(١٠) بَابُ بَقِيَّة نَسْخِ الْمُرَاجَعَة بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ</span>\n٢١٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالحٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أَبِي رَافِعٍ\n===\nفي غير الصريح، لا في الصريح، فلا يعتبر، والاستدلال بالآية على تلك الدعوى غير صحيح من أصله، فلا يحتاج إلى الجمع، فإنها نزلت في حق المولى.\nوقال القاري (١) في شرح الحديث: يعني لو طلق، أو نكح، أو راجع وقال: كنت فيه لاعبًا، أو هازلًا لا ينفعه، وكذا البيع والهبة وجميع التصرفات، وإنما خص هذه الثلاثة لأنها أعظم وأتم.\nوقال القاضي (٢): اتفق أهل العلم على أن طلاق الهازل يقع، فإذا جرى صريح لفظة الطلاق على لسان العاقل البالغ، لا ينفعه أن يقول: كنتُ فيه لاعبًا أو هازلًا، لأنه لو قبل ذلك منه لتعطلت الأحكام، فمن تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه، وخص هذه الثلاثة بالذكر لتأكيد أمر الفرج.\n\n(١٠) (بَابُ بَقِيَّة نَسْخِ الْمُرَاجَعَة بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ)\nوقد تقدم هذا الباب قريبًا، وذكر فيه حديثًا يدل على نسخ المراجعة بعد التطليقات، ولهذا زاد لفظ \"بقية\"\n٢١٩٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، نا ابن جريج، أخبرني بعض بني أبي رافع)، قال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): وشيخ ابن جريج الذي\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٢٧).\n(٢) وهكذا حكى الاتفاق عليه صاحب \"المغني\" (٩/ ٤٦٣)، وراجع \"الشامي\" (٤/ ٤٤٣)، فما تقدم عن الشوكاني ليس بصحيح، كما في \"الأوجز\" (١٠/ ٦١٢). (ش).\n(٣) ذكر الحافظ في ترجمة \"يزيد بن هاشم\" برقم (٥٢٧١).","vol":"8","page":182},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوصفه بأنه بعض بني أبي رافع لا أعرف من هو، وقال في \"تهذيب التهذيب\": قال: أخبرني بعض بني أبي رافع عن عكرمة، عن ابن عباس: طَلَّقَ أبو ركانة، يحتمل أن يكون هو الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع.\nقلت: وقد أخرج الحاكم في \"مستدركه\" (١) هذا الحديث بسنده عن ابن جريج، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ -، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵁ - قال: \"طلق عبد يزيد أبو ركانة أمَّ ركانةَ\" الحديث، مثل حديث أبي داود، إلَّا أنه لم يذكر فيه ثلاثًا. قال الحاكم: هذا الحديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأنت تعلم أن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ضعيف جدًا.\nقال البخاري: منكر الحديث، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا، ذاهب، وقال ابن عدي: هو في عداد شيعة الكوفة، وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك، وله معضلات، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرجه الذهبي في \"تلخيصه\"، وحكى قول الحاكم: إن الحديث صحيح الإسناد، ثم تعقب، وقال: قلت: محمد واهٍ، والخبر خطأ، عبد يزيد لم يدرك الإِسلام، انتهى.\nفالذي عندي أن ما وقع مبهمًا هو محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، كما يدل عليه سند الحاكم والذهبي في \"تلخيصه\".\nوقال ابن القيم في \"الهدي\" (٢): قالوا: وابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع، فإن كان عبيد الله فهو ثقة معروف، وإن كان غيره من إخوته فمجهول العدالة، لا تقوم به حجة، انتهى.\n_________\n(١) (٢/ ٤٩١).\n(٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٣٤).","vol":"8","page":183},{"text":"مَوْلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، عن عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ -أَبُو رُكَانَةَ وَإِخْوتِهِ- أُمَّ رُكَانَةَ، وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، فَجَاءَتِ (١) النَّبِيَّ - ﷺ - فقَالَتْ: مَا يُغْنِي عَنِّي إِلَّا كَمَا يُغْنِي (٢) هَذِهِ الشَّعْرَةُ\n===\n(مولى النبي - ﷺ -، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: طلَّق عبدُ يزيد، أبو ركانة (٣» أي والد ركانة (وإخوته) بالجر عطف على قوله: \"ركانة\" أي والد ركانة وإخوته، وهو عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، والد ركانة، ذكره الذهبي في \"التجريد\"، وعلَّم له علامة أبي داود، وقال: أبو ركانة طلق امرأته، وهذا لا يصح، والمعروف أن صاحب القصة ركانة (٤).\nقلت: وقع ذكره في الحديث الذي أخرجه عبد الرزاق وأبو داود من طريقه عن ابن جريج، أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - ﷺ -، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد، الحديث، وذكر الزبير في \"كتاب النسب\": فولد عبد يزيد بن هاشم ركانة، وعجيرًا، وعميرًا، وعبيدًا بني عبد يزيد، وأمهم العجلة بنت عجلان من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة.\n(أم ركانة) اسمها عجلة بنت عجلان الليثية من بني ليث بن سعد بن بكر بن عبد مناف بن كنانة والدة ركانة بن عبد يزيد وإخوته (ونكح امرأة من مزينة) لم أقف على تسميتها (٥)، (فجاءت النبي - ﷺ - فقالت) المزنية: (ما يغني عني إلَّا كما يغني هذه الشعرة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إلى\".\n(٢) في نسخة: \"تغني\".\n(٣) وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٦٥) من مسند ابن عباس بلفظ: \"طلق ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فساْله كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثًا، قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم\"، الحديث. (ش).\n(٤) وكذا نقله عنه ابن رسلان. (ش).\n(٥) لعل اسمها سهيمة بنت عويمر، كما يظهر من \"التلقيح\" (ص ٣٣٦). (ش).","vol":"8","page":184},{"text":"لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مَنْ رَأسِهَا، فَفَرِّقْ بَيْني وَبَيْنَهُ، فَأَخَذَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمِيَّةٌ، فَدَعَا بِرُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: \"أَتَرَوْنَ فُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ، وَفُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟ \"، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَبْدِ يَزِيدَ: \"طَلِّقْهَا\"، فَفَعَلَ، قَالَ: \"رَاجِع امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ\" فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا\"، وَتَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ \". [ق ٧/ ٣٣٩، ك ٢/ ٤٩١]\n===\nلشعرة أخذتها من رأسها (١»، حاصل هذا الكلام أنها شكت عِنَّته، وقالت: لا يقدر على وطئها.\n(ففرِّق بيني وبينه، فأخذتِ النبي - ﷺ - حميةٌ) أي غضبة وغيرة لكذبها وافترائها على زوجها، بأنه عِنِّين، وطلب مفارقتها، (فدعا برُكانة وإخوته، ثم قال لجلسائه) أي لأهل مجلسه الحاضرين فيه: (أترون فلانًا) لبعض ولد عبد يزيد (يُشْبِه منه) أي من بعض ولد عبد يزيد، أي في الصورة والخلقة (كذا وكذا) كناية عن الأعضاء، أي العضو الفلاني والفلاني (من) أعضاء (عبد يزيد، وفلانًا) أي أترون فلانًا، أي لبعض ولد عبد يزيد غير الأول (يشبه منه) أي من هذا الوالد (كذا وكذا؟) كناية عن أعضائه، أي: من عبد يزيد.\n(قالوا) أي الجلساء: (نعم) يشبهان من عبد يزيد، حاصله أنها كاذبة في دعواها أنه عنين (قال النبي - ﷺ - لعبد يزيد: طلِّقها، ففعل) أي فطلقها (قال) أي النبي - ﷺ -: (راجع امرأتَك أمَّ ركلانة وإخوته، فقال) عبد يزيد: (إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال) رسول الله - ﷺ -: (قد علمتُ (٢» بطلاقك (راجعها، وتلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣)، لإفادة أن من فوائد العدة أن يراجع فيها من يريد.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: لا يجوز النظر إلى شعر الأجنبية، والجزء المبان منها، فيمكن إذ ذاك لم يكن عنده أحد أو كانوا محارمها، أو ما رفعوا النظر تعظيمًا له - ﷺ -. (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: هذا موضع التبويب يعني أني أعلم، ثم هذا منسوخ لما في \"الصحيح\" من قصة عبد الرحمن بن الزبير وطلقها ثلاثًا فقال: \"لا حتى تذوقي عسيلته\". (ش).\n(٣) سورة الطلاق: الآية ١.","vol":"8","page":185},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ\n===\nوهذا إن صح فهو إما مخصوص أو منسوخ عند الجمهور، والأحسن في التوجيه أنه طلقها البتة طلاقًا واحدًا لا ثلاثًا، ففهم الراوي من قوله: \"البتة\" أنها ثلاث، فروى حسب فهمه، وقد تقدم بحثه مفصلًا.\n(قال أبو داود: حديث نافع بن عجير) بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: وذكره ابن حبان أيضًا في \"الصحابة\"، وكذا أبو القاسم البغوي، وأبو نعيم، وأبو موسى في \"الذيل\" وغيرهم.\n(وعبدِ الله بن علي بن يزيد بن ركانة) بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، وربما نسب إلى جده، روى عن أبيه، عن جده في الطلاق، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العقيلي: حديثه مضطرب ولا يتابع.\n(عن أبيه) علي بن يزيد بن ركانة بن عبد يزيد المطلبي، روى عن أبيه، وأرسل عن جده، قال البخاري: لم يصح حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود وابن ماجه، وروى الترمذي عن عبد الله بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده، فسقط عنده علي من نسب ابنه، والصواب إثباته.\nقلت: ذكره العقيلي في \"الضعفاء\"، وقع عنده علي بن يزيد بن ركانة، وكذا عند ابن عدي، وقال: لا أعرف له غيره يعني حديث طلاق ركانة.\n(عن جده) ظاهره أن المراد بالجد يزيد بن ركانة، لأنه يقول: إن ركانة طلق امرأته.\nفحاصله أنه يروي عن أبيه علي، وأبوه علي يروي عن أبيه يزيد، وهو جد عبد الله، بأنه يقول: إن أباه ركانة طلق امرأته، ولكن هذا الحديث سيأتي في \"باب البتة\" عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده أنه طلق امرأته، وظاهره يخالف هذا، فإن الظاهر فيه أن المراد بالجد رُكانة، لأنه يقول: إنه طلق امرأته، والمطلق هو ركانة.","vol":"8","page":186},{"text":"أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ (١) فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - (٢) أَصَحُّ، لأنهُم وَلَدُ الرَّجُلِ وَأَهْلُهُ أَعَلَمُ بِهِ، إِنَّ رُكَانَةَ إِنَّمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَاحِدَةً.\n===\nفإن كان الرواية عن أبيه، عن جده يزيد، فيكون موصولًا. وإن كان عن أبيه، عن جده، والمراد بالجد ركانة، فيكون الحديث مرسلًا، والله أعلم. وسيجيء في \"باب البتة\" حديث نافع وعبد الله بن يزيد قريبًا.\n(أن ركانة طلق امرأته فردها إليه النبي - ﷺ - أصح) أي من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس. (لأنهم) أي نافع بن عجير وعبد الله بن علي (ولد الرجل) أي ركانة (وأهلُه أعلمُ به) أي: فَهُم أعلم به، أي: بحاله، (إن ركانة إنما طلق امرأته البتة فجعلها النبي - ﷺ - واحدة) لا عبد يزيد.\nقلت: إن هذه القصة وقع فيها اختلاف، فحديث ابن جريج يدل على أن هذه القصة وقعت لعبد يزيد والد ركانة، وحديث نافع بن عجير وعبد الله بن علي يدل على أن هذه القصة وقعت لركانة بن عبد يزيد، فرجح أبو داود حديث نافع بن عجير وعبد الله بن علي بن يزيد على حديث ابن جريج.\nواستدل بأنهم ولد الرجل وأهله فهم أعلم به، ولكن قال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): لكن إن كان خبر ابن جريج محفوظًا، فلا مانع أن تتعدد القصة، ولا سيما مع اختلاف السياقين، وشيخ ابن جريج الذي وصفه بأنه بعض بني أبي رافع لا أعرف من هو.\nولعل غرض أبي داود من إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة أن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثًا، فلم يجزه - ﷺ - بل جعلها واحدة، ثم نسخ هذا الحكم، كما تدل عليه الروايات الآتية، وبذلك يحصل المناسبة بين الحديث وترجمة الباب.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"البتة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وساق الحديث\".\n(٣) (٤/ ٣٢١)، رقم الترجمة (٥٢٨٥).","vol":"8","page":187},{"text":"٢١٩٧ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ، أَنَا أَيُّوبُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عن مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَادُّهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيرْكَبُ الْحُمُوقَةَ ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَإِنَّ اللَّه قَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١)، وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّه فَلَا أجِدُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، وَإِنَّ اللَّه قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (٢) في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ\". [ق ٧/ ٣٣١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حُمَيْدٌ الأَعْرَجُ وَغَيْرُهُ،\n===\n٢١٩٧ - (حدثنا حميد بن مسعدة، نا إسماعيل) بن علية، (أنا أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل) لم أقف على اسمه (فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، قال: فسكت) أي فلم يجبه (حتى ظننت) بسكوته (أنه) أي ابن عباس (رادُّها) أي المرأة (إليه) أي إلى زوجها، (ثم) بعد السكوت زمانًا (قال) ابن عباس: (ينطلق أحدكم فيركب الحموقة) أي يفعل فعل الحمقاء (ثم) يندم عليه (يقول: يا ابن عباس! يا ابن عباس!) أي أخرجني من هذه الورطة (وإن الله) تعالى (قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ وإنك لم تتق الله) في طلاقك زوجتك (فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك) أي بتطليقك الثلاث دفعة واحدة (وبانتْ منك امرأتُك، وإن الله) تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قبل عدتهن)، وهكذا قرأه ابن عباس: في قبل عدتهن. والغرض بتلاوة هذه الآية الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ أي: في أمر الطلاق.\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث حميد الأعرج وغيره (٣)،\n_________\n(١) سورة الطلاق: الآية ٢.\n(٢) سورة الطلاق: الآية ١.\n(٣) أخرج روايته الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٧).","vol":"8","page":188},{"text":"عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ.\nوَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَيُّوبُ وَابْنُ جُرَيْجٍ جَمِيعًا، عن عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. وَابْنُ جُرَيجٍ، عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ رَافِعٍ، عن عَطَاءٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ.\nوَرَوَاهُ الأَعمَشُ، عن مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عن ابْن عَبَّاسٍ. وَابْنُ جُرَيجٍ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، كُلّهُمْ قَالوا في الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ: إِنَّهُ أَجَازَهَا،\n===\nعن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه شعبة (١) عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس). ورواه (أيوب وابن جريج (٢) جميعًا، عن عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس).\nورواه (ابن جريج (٣)، عن عبد الحميد بن رافع) هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه الأعمش (٤)، عن مالك بن الحارث) السلمي الرقي، ويقال: الكوفي، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وله رواية عن أبيه، عن أبي موسى، علقها البخاري في \"الصحيح\". (عن ابن عباس، و) روى (ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، كلهم قالوا: في الطلاق الثلاث) عن ابن عباس (أنه) أي ابن عباس (أجازها) أي: أمضاها، أي الطلقات الثلاث، ولم يقل: إنها واحدة.\n_________\n(١) أخرج روايته الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١٢).\n(٢) أما رواية أيوب فلم أقف عليها فيما عندي من الكتب. ورواية ابن جريج أخرجها عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ٣٩٧) رقم (١١٣٥٠)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٧).\n(٣) أخرج روايته عبد الرزاق (٦/ ٢٦٩) رقم (١١٣٤٨)، والبيهقي (٧/ ٣٣٧).\n(٤) أخرج روايته ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ١١)، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (١/ ٢٦٢) رقم (١٠٦٤)، والبيهقي في \"سننه\" (٧/ ٣٣٧).","vol":"8","page":189},{"text":"قَالَ: \"وَبَانَتْ مِنْكَ\" نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، عن أَيُّوبَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثيرٍ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، بِفَم وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ. وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عن أَيُّوبَ، عن عِكرِمَةَ، هَذَا قَوْلُهُ، لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَجَعَلَهُ قَوْلَ عِكْرِمَةَ.\n٢١٩٨ - وصَارَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى- وَهَذَا حَدِيثُ أَحْمَدَ- قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ (١) وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ\n===\n(قال) ابن عباس: (وبانت منك) وفي \"الدر المنثور\" (٢): عند عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه، عن مجاهد: \"حرمت عليك امرأتك\" (نحو حديث إسماعيل، عن أيوب، عن عبد الله بن كثير).\n(قال أبو داود: روى حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس إذا قال) أي الرجل لزوجته: (أنت طالق ثلاثًا بفم واحد) أي بلفظ واحد، خرج من الفم دفعة واحدة (فهي واحدة).\n(ورواه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، هذا) الكلام (قوله) أي قول عكرمة (لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة).\n٢١٩٨ - (وصار قول ابن عباس فيما: حدثنا أحمد بن صالح ومحمد بن يحيى، وهذا) لفظ (حديث أحمد، قالا: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عوف\".\n(٢) \"الدر المنثور\" (٨/ ١٩٠).","vol":"8","page":190},{"text":"إِيَاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سُئِلُوا عن الْبِكْرِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا، فَكُلُّهُمْ قَالَ: لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَ. [ق ٧/ ٣٣٥]\nوَرَوَى مَالِكٌ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عيَّاشٍ\n===\nإياس) بن البكير بن عبد ياليل الليثي المدني، كان أبوه وعمَّاه عاقل وخالد ممن شهد بدرًا، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود حديث في طلاق البكر ثلاثًا، وذكره ابن منده في \"معرفة الصحابة\"، وقال: أدرك النبي - ﷺ -، ولا تصح له صحبة، ولا تعرف له رواية، وذكر ابن سعد: أن أمه الربيع بنت معوذ.\n(أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، فكلهم قال: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره).\n(وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن معاوية بن أبي عياش) ذكره ابن سعد في \"طبقاته\" (١)، فقال: معاوية بن أبي عياش، عبيد بن معاوية بن صامت بن زيد، وأمه أم ولد، فولد معاوية بن أبي عياش محمدًا ورملة وجعدة وأم إسحاق، وأمهم أم ولد، وقد انقرض ولد معاوية بن أبي عياش فلم يبق منهم أحد، انتهى. ولم يذكره الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" ولا في \"التقريب\"، ولم يذكره في \"الخلاصة\" ولا في \"الميزان\"، ولا السيوطي في رجال \"الموطأ\" (٢).\nوالعجب منهم كيف أهملوه، وقد ذكره في رجال \"جامع الأصول\" (٣)،\n_________\n(١) (٥/ ٢١٢).\n(٢) وقد أخرج مالك هذا الحديث في \"الموطأ\" (٢/ ٥٧٠) رقم (١٢٣٥) في طلاق غير المدخول بها. (ش).\n(٣) (١٥/ ٣٢٥).","vol":"8","page":191},{"text":"أنَّهُ شَهِدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ حِينَ جَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُمَا عن ذَلِكَ، فَقَالَا: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْخَبَرِ.\n===\nفقال: هو معاوية بن أبي عياش الزرقي الأنصاري المدني، روى عن محمد بن إياس بن بكير، روى عنه محمد بن إسحاق وبكير بن الأشج.\n(أنه شهد هذه القصة) المذكورة فيما بعد (حين جاء محمد بن إياس بن البكير إلى ابن الزبير) أي عبد الله، (وعاصم بن عمر فسألهما عن ذلك،) أي عن بكر يطلقها زوجها ثلاثًا (فقالا) أي ابن الزبير وعاصم بن عمر لمحمد بن إياس: (اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة ﵂).\nولفظ مالك في \"موطئه\": \"فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلًا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فسلهما\" (ثم ساق هذا الخبر).\nولفظ مالك في \"موطئه\": فقال أبو هريرة: \"الواحدة تَبِيْنُها\"، والثلاثة تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك. وها هنا نسخة في \"عون المعبود\" ولم أجدها في غيرها، إلَّا في حاشية \"المجتبائية\":\n\"قال أبو داود: وقول ابن عباس هو: أن الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولًا بها وغير مدخول بها، تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، هذا مثل حديث الصرف قال فيه: ثم إنه رجع عنه يعني ابن عباس\"، انتهى.\nوحاصل هذه النسخة: أن مسألة الطلاق ثلاثًا كمسألة بيع الصرف، فإن ابن عباس - ﵁ - يقول في بيع الصرف أولًا: إنه يحرم بيعها نسيئة، وأما التفاضل في الذهب أو الفضة فلا ربا فيها، وهو جائز، ثم رجع ابن عباس في مسألة الصرف، فكذلك رجع في مسألة الطلاق، كأنه يقول أولًا: بأن الثلاث واحدة ثم رجع عنه، وقال بوقوع الثلاث.","vol":"8","page":192},{"text":"٢١٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، نَا أَبُو النُّعْمَانِ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ، عن غَيْرِ وَاحِدٍ،\n===\n٢١٩٩ - (حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان) الواسطي، أبو جعفر الدقيقي، قال السمعاني في \"الأنساب\" (١): بفتح الدال المهملة والياء الساكنة آخر الحروف بين القافين، هذه النسبة إلى الدقيق وبيعه وطحنه، واشتهر بهذه النسبة جماعة من أهل العلم، منهم أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم الدقيقي الواسطي، من أهل واسط، سكن بغداد، وكان من أهل العلم، صدوقًا ثقة، وهو أخو يوسف بن عبد الملك.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبى بواسط، وسئل عنه أبى فقال: صدوق، وقال أبو داود: لم يكن بمحكم العقل، وقال ابن عقدة عن محمد بن عبد الله الحضرمي: كان ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا أبو النعمان) هو محمد بن الفضل السدوسي البصري، المعروف بعارم، وهو لقبه، وكان بعيدًا من العرامة، ثقة، اختلط في آخر عمره، فمن سمع منه قبل اختلاطه، فسماعه صحيح.\n(نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن غير واحد) قيل: هذه الرواية ضعيفة، لأن أيوب السختياني رواها عن قوم مجهولين، فلا يحتج بها. قلت: قد جاء تعيين بعضهم في \"مسلم\" (٢)، ففيه: عن أيوب السختياني، عن إبراهيم (٣) بن ميسرة، عن طاوس، وفيه كفاية على أن الحديث برواية الآخرين، فلا تضر الجهالة في بعض طرقه، كذا في الحاشية عن \"فتح الودود\".\n_________\n(١) \"الأنساب\" (٢/ ٤٨٥).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٤٧٢).\n(٣) وبإبراهيم فسر الحافظ أيضًا في \"الفتح\" (٩/ ٣٦٣). (ش).","vol":"8","page":193},{"text":"عن طَاوسٍ: أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو الصَّهْبَاءِ، كَانَ كَثيرَ السُّؤالِ لاِبْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدةً علَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرِ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَى، كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدةً علَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْر، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا قَالَ: أجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ. [ق ٧/ ٣٣٨]\n===\n(عن طاوس أن رجلًا يقال له: أبو الصهباء، كان كثير السؤال لابن عباس (١)، قال) أي أبو الصهباء لابن عباس: (أما علمت) أي أنت تعلم (أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وصدرًا) وفي رواية: ثنتين، وفي رواية: ثلاثًا (من إمارة عمر) - ﵁ -؟ .\n(قال ابن عباس: بلى) أي أعلم أنه (كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر) - ﵄-، (فلما رأى الناس قد تتابعوا) بتائين فوقيتين، وبعد ألف موحدة. وفي بعض النسخ بتائين فوقيتين وبعد ألف مثناة تحتية، وهو الوقوع في الشر من غير تماسك ولا توقف، وهكذا ضبطه الشوكاني في \"النيل\" (٢)، ومعنى الأول أي تتابعوا يعني أكثروا (فيها قال) عمر - ﵁ -: (أجيزوهن عليهم).\n_________\n(١) الكلام على حديث ابن عباس هنا طويل الأذيال جدًّا، بسطه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٣٦٣)، والشوكاني في \"النيل\" (٤/ ٣٢٣)، وابن القيم في \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٤٧)، و\"إغاثة اللهفان\" (١/ ٤٢٥)، وبسط في هامش \"الدارقطني\" (٤/ ٤٤)، و\"عون المعبود\" (٦/ ١٩٦)، وأجمل الشاه ولي الله الدهلوي في \"إزالة الخفاء\" (٢/ ١١٢) في معناه. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٤٢٤).","vol":"8","page":194},{"text":"٢٢٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيج، أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: \"أَتَعْلمُ إِنَّمَا كَانَتِ الثلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ\". [م ١٤٧٢، ن ٣٤٠٦، حم ١/ ٣١٤]\n===\n٢٢٠٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس (١): أتعلم) الاستفهام للتقرير (إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر) - ﵁ - (وثلاثًا من إمارة عمر) - ﵁ -؟ (قال ابن عباس: نعم).\nقال الشيخ ابن القيم في \"الهدي\" (٢): وأما المسألة الثانية: وهي وقوع الثلاث بكلمة واحدة، فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب:\nأحدها: أنه يقع، وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة - ﵃-.\nالثاني: أنها لا تقع، بل تُردُّ، لأنها بدعة محرمة، والبدعة مردودة، لقوله - ﷺ -: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رد\"، وهذا المذهب حكاه أبو محمد بن حزم، وحُكِي للإمام أحمد فأنكره، وقال: هو قول الرافضة.\nالثالث: أنه يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس - ﵁ - ذكره أبو داود عنه. قال الإِمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق يقول: خالف السنَّة فيرد إلى السنَّة، انتهى. وهو قول طاوس وعكرمة وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: اختلفوا في تأويل الحديث على أقوال! فقيل: منسوخ، ورُدَّ بأن النسخ لا يكون في زمن عمر - ﵁ -، وقيل: محمول على قوله: \"طالق طالق طالق\"، وقيل: في غير المدخول بها. (ش).\n(٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨).","vol":"8","page":195},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالرابع: أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث بالمدخول بها، وتقع بغيرها واحدة، وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب \"اختلاف العلماء\"، انتهى.\nقلت: وحديث طاوس الذي فيه قصة سؤال أبي الصهباء ابن عباس، ليس فيه حجة لاعتبار السند، ولا باعتبار المتن. أما باعتبار السند فإن طاوسًا يقول: إن أبا الصهباء قال لابن عباس، فلا يعلم منه أنه يروي عن أبي الصهباء، عن ابن عباس، أو كان حاضرًا في المجلس الذي سأل أبو الصهباء ابنَ عباس، فيروي عن ابن عباس.\nفإن كان الأول فأبو الصهباء قال النسائي: أبو الصهباء صهيب بصري ضعيف، وقال أبو زرعة: ثقة، فاختلف في توثيقه.\nوإن كان الثاني فهو حجة، فلما دار الأمر بين أن يكون محتجًا به وغير محتج به، رجح كونه غير محتج به على قاعدة المحدثين، فإن الجرح مقدم على التوثيق، على أن هذا الحديث يخالف فتوى ابن عباس وسائر الروايات عنه، كما تقدم قريبًا من أبي داود أنه أجاز الثلاث وأمضاهن.\nوأما باعتبار المتن: ففيه احتمالات كثيرة، فأولًا أن قوله: \"إن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله - ﷺ -\"، ليس فيه تصريح بأنه بأمر رسول الله - ﷺ -، أو بتقريره.\nفيحتمل أن يكون هذا من غير أمره - ﷺ - وتقريره وعلمه، بأنه كان في الجاهلية وابتداء الإِسلام أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا يملك رجعتها فنسخ ذلك، فيحتمل أن يكون بعض من لم يبلغه النسخ كانوا على ذلك كما في متعة النكاح، أنه أبيح ثم نسخ، ثم بعد النسخ كان من لم يبلغه النسخ يفعلها، فكذا هذا.","vol":"8","page":196},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوإن سُلِّم أنه كان في عهد رسول الله - ﷺ -، فلعله كان في رجل يطلق امرأته بقوله: \"أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق\"، بتفريق ألفاظ، وكان الناس في عهد رسول الله - ﷺ - وعهد أبي بكر - ﵁ - على صدقهم وسلامتهم، لم يكن فيهم الخب والخداع، فكان يصدقون أنهم أرادوا به التأكيد، ولا يريدون به الثلاث.\nفلما رأى عمر - ﵁ - في زمانه أمورًا ظهرت، وأحوالًا تغيرت، منع من حمل اللفظ على التأكيد، وألزمهم الثلاث، ويؤيده قول عمر - ﵁ - في هذا الحديث عند مسلم (١): \"أن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة (٢)، فلو أمضيناه عليهم\".\nوقد ذكر العلماء في هذا الحديث احتمالات أخر، فمع تلك الاحتمالات لا يستدل بها، وأيضًا وقع في حديث مسلم: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: \"هات من هناتك\".\nوفسَّر النووي (٣) هذا اللفظ أي من الأمور المستغربة، ولما كان هذا الأمر غريبًا غير شائع في الإِسلام فلا يكون محتجًا به، والله تعالى أعلم.\nوأيضًا وقع في الحديث أن عمر بن الخطاب - ﵁ - \"أمضاهن\"، وهذا بمحضر من الصحابة - ﵃- في زمن توفرهم، ولم ينكر عليه أحدٌ، فأولًا لا يظن بعمر بن الخطاب - ﵁ - أن يخالف رسول الله - ﷺ - في الأمر الصريح الشائع، ثم لا يظن بالصحابة - ﵃- أن لا ينكروا عليه فيما يخالف فيه رسول الله - ﷺ -، فصار الإجماع على ذلك، ولا يمكن إجماعهم على باطل، فالحق الصريح أنه إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا مجموعًا أو مفرقًا يكون ثلاثًا لا واحدًا، وهو الذي أدين الله به.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" رقم الحديث (١٤٧٢).\n(٢) وقع في الأصل: \"هنات\" وهو تحريف.\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٣٣٠).","vol":"8","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>(١١) بَابٌ: فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَالنِّيَّاتُ</span>\n٢٢٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ (١)، وإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا\n===\n(١١) (بَابٌ فِيمَا عُنِيَ بِهِ)، أي: في ألفاظ (٢) أريد بها (الطَّلاقُ، وَالنِّيَّاتُ) بالجر، عطف على ما عني، أي: باب في النيات في الطلاق وغيرها\n٢٢٠١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، حدثني يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص) بتشديد القاف، ابن محصن بن كلدة (الليثي) العتواري، ذكره مسلم في طبقة الذين ولدوا في حياة النبي - ﷺ -، كذا قال ابن عبد البر في \"الاستيعاب\"، وقال أبو نعيم الأصبهاني في \"الصحابة\": ذكره بعض المتأخرين يعني ابن منده في \"الصحابة\"، وذكره القاضي أبو أحمد والناس في التابعين، قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وتوفي بالمدينة وله بها عقب.\n(قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إنما الأعمال (٣) أي ثوابها أو صحتها (بالنية، وإنما لامرئ ما نوى) أي في أفعاله وأقواله وجميع أموره، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) في نيته وعزمه (فهجرته) عند الله (إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته) في نيته وإرادته (لدنيا\n_________\n(١) في نسخة: \"النيات\".\n(٢) وبسط في \"الدراية\" (٢/ ١٠١) في كتاب الحدود في باب الوطء الذي يوجب الحد الآثار في الخليَّة والبريَّة وغيرهما. (ش).\n(٣) قال ابن دقيق العيد في \"الأحكام\" (١/ ٦٢ - ٦٥): الكلام على هذا الحديث بعشرة وجوه. (ش).","vol":"8","page":198},{"text":"يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَهٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ\". [خ ٦٦٨٩، م ١٩٠٧، ت ١٦٤٧، ن ٣٤٣٧، جه ٤٢٢٧، حم ١/ ٢٥ - ٤٣]\n===\nيصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته) عند الله (إلى ما هاجر إليه) لا إلى الله ورسوله.\nولفظ إنما للحصر، فالتقدير أن الأعمال تعتبر إذا كانت بنية، ولا تعتبر إذا كانت بلا نية، ولا يمكن ها هنا نفس الأعمال لثبوتها حِسًّا وصورة من غير اقتران النية بها، فلا بد من إضمار شيء يتوجه إليه النفي، ويتعلق به الجار، فقيل: التقدير صحيحة أو تصح، كما هو رأي الشافعي وأتباعه، وقيل: كاملة أو تكمل على رأي أبي حنيفة وأصحابه.\nوالأظهر أن المقدر معتبرة أو تعتبر؛ ليشمل الأعمال كلها، سواء كانت عبادات مستقلات، كالصلاة والزكاة، فإن النية تعتبر لصحتها إجماعًا، أو شروطًا في الطاعات كالطهارة وستر العورة، فإنها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقًا، لعدم توقف الشروط على النية في الصحة، خلافًا للشافعي في الطهارة، فعليه بيان الفرق، أو أمورًا مباحة، فإنها قد تنقلب بالنيات حسنات، كما أنها قد تنقلب سيئات بلا خلاف.\nغاية ما في الباب أن متعلق الصحة والكمال يُعْرفُ من الخارج ولا محظور فيه، وقوله: \"أو امرأة يتزوجها\" بعد قوله: \"ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها\" تخصيص بعد تعميم، وتنبيه على أن الحديث وقع في محل خاص، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، وهو ما روى الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود، قال: \"كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس\".\nومناسبة الحديث بالباب أن بعض ألفاظ الطلاق يحتاج فيها لوقوع الطلاق إلى النية، فأما الألفاظ الصريحة (١) للطلاق فلا يحتاج فيها إلى النية، بل يقع\n_________\n(١) قال ابن رشد (٢/ ٧٥): المشهور عن مالك أن الطلاق يحتاج إلى النية، وقال الشافعي والحنفية: الصريح لا يحتاج. (ش).","vol":"8","page":199},{"text":"٢٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (١) قَالَا: أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْب- وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ،\n===\nالطلاق بها، نوى أو لم ينو، فإن رسول الله - ﷺ - سوَّى بين الجد والهزل فيها، فعلم بذلك أنها لا تحتاج إلى النية.\nقال القاري (٢): واستثني بعض الأعمال من هذا العموم، كصريح الطلاق والعتاق، فإن تعيين الشارع هذه الألفاظ لأجل هذه المعاني بمنزلة النية، ولا يخفى أن هذا إنما هو بالنسبة إلى الصحة والجواز، وأما بالنسبة إلى الثواب، فلا بد من تصحيح النية.\n٢٢٠٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وسليمان بن داود قالا: أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك) الأنصاري السلمي، أبو الخطاب المدني، قال النسائي: ثقة، وقيل: إنه كان أعلم قومه وأوعاهم.\n(أن عبد الله بن كعب) بن مالك (وكان) عبد الله (قائد كعب من بنيه) أي من أولاد كعب (حين عمي) كعب، وهو عبد الله بن [كعب بن] مالك الأنصاري السلمي المدني، كان قائد أبيه حين عمي، قال أبو زرعة: ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن سعد: سمع من عثمان، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الواقدي: ولد على عهد النبي - ﷺ -.\n(قال) عبد الله: (سمعت كعب بن مالك) خبر لقوله: \"إن عبد الله بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المهري\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٩٩).","vol":"8","page":200},{"text":"فَسَاقَ قِصَّةً (١) في تَبُوكَ قَالَ: \"حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَأْتِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا. فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّه تَعَالَى في هَذَا الأَمْرِ\". [خ ٤٤١٨، م ٢٧٦٩، ت ٣١٠٢، ن ٣٤٢٢، حم ١/ ٩٩، ك ٢/ ٣٣٥]\n===\nكعب\" (فساق قصة في) واقعة (تبوك) وهي تخلفه عن رسول الله - ﷺ - مع الرجلين الآخرين، وهما هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، ونهى النبي - ﷺ - عن كلامهم.\n(قال: حتى إذا مضت أربعون) يومًا (من الخمسين) أي من نهي النبي - ﷺ - عن كلامنا (إذا رسول رسول الله - ﷺ - يأتي) وفي نسخة: \"يأتيني\" (فقال) الرسول: (إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال) كعب: (فقلت) للرسول: (أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال) الرسول: (لا) تطلقها (بل اعتزلها، فلا تقربنَّها) للمباشرة والوطء، وكنت رجلًا شابًّا فخفت بشبابي أن لا يقع مني شيء مع امرأتي مما يكون سببًا لزيادة غضب رسول الله - ﷺ -.\n(فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني) أي اسكني (عندهم حتى يقضي الله تعالى) أي يحكم (في هذا الأمر) أي في التخلف عن غزوة تبوك، وقبول التوبة، وترك كلام الناس.\nوغرض المصنف بإيراد هذا الحديث أن كعب بن مالك - ﵁ - تكلم بلفظ الطلاق، وهو قوله: \"الحقي بأهلك\"، ولم يقع به الطلاق، لأنه لم ينو الطلاق به، لأن اللفظ لم يكن صريحًا في الطلاق، بل كان كناية عنه، فاحتاج إلى النية، فلما لم ينو الطلاق لم يقع به الطلاق.\n_________\n(١) في نسخة: \"قصته\".","vol":"8","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-771>(١٢) بَابٌ: في الْخَيَارِ</span>\n٢٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوانَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي الضُّحَى، عن مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"خَيَّرَنَا رَسُول اللَّهِ - ﷺ - فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ شَيْئًا\". [خ ٥٢٦٢، م ١٤٧٧، ت ١١٧٩، ن ٣٤٤٥، جه ٢٠٥٢، حم ٦/ ٤٥]\n===\n\n(١٢) (بَابٌ: في الْخَيَارِ)\nأي: إذا خير الرجل امرأته بالطلاق هل يقع الطلاق أم لا؟\n٢٢٠٣ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: خيَّرنا رسول الله - ﷺ - فاخترناه، فلم يعد ذلك شيئًا) أي من الطلاق.\nذكر أن آية التخيير (١) نزل على رسول الله - ﷺ - من أجل أن عائشة سألت رسول الله - ﷺ - شيئًا من عرض الدنيا، إما زيادة في النفقة أو غير ذلك، فاعتزل رسول الله - ﷺ - (٢) نساءه شهرًا، ثم أمره الله أن يخيِّرهن بين الصبر عليه، والرضاء بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن، إن لم يرضين بالذي يقسم لهن.\nوقيل: كان سبب ذلك غيرة كانت عائشة تغارها، فخيرهن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) قال ابن رسلان: اختلفوا في نزول آية التخيير على أقوال، فقيل: لما خيَّره الله ﷿ بين الفقر والغنى، واختار الفقر، أمره بتخييرهن لتتميز من اختارت موافقة اختياره، وقيل: إنهن تغايرن عليه، فحلف أن لا يكلمهن فأمر بالتخيير، وقيل: إنهن طالبن بالثياب والحلي مما لم يكن عنده. وقيل: قصة مارية أو العسل، وقيل: في \"مسند أحمد\" عن علي: إن التخيير لم يكن في الطلاق بل في الدنيا والآخرة. (ش).\n(٢) وكان هذا الاعتزال في سنة ٩ هـ. على ما في \"الخميس\" (٢/ ١٢٢)، و\"التلقيح\" (ص ٤٦، ٤٧)، وذكر سببه ذبح عائشة بقرًا، ورد زينب بنت جحش نصيبها. وجمع الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٥٢٢) وجوه الاعتزال، وقال: يمكن جمعها كلها. (ش).","vol":"8","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية (١)، فابتدأ بعائشة وقال: \"إني ذاكر لك أمرًا، فعليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك\"، قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، ثم تلا هذه الآية، قالت عائشة: قلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبي - ﷺ - مثل ما فعلت، فلم يكن ذلك حين قاله لهن رسول الله - ﷺ -، فاخترنه طلاقًا من أجل أنهن اخترنه.\nفعلى هذا لو خيَّر رجل امرأته في الطلاق فاختارته، لم يكن طلاقًا، ولو اختارت الطلاق يكون طلاقًا، وتفصيله مذكور في كتب الفقه (٢).\nقال الشوكاني (٣): وقد استدل بهذا من قال: إنه لا يقع في التخيير شيء، إذا اختارت الزوج، وبه قال جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.\nلكن اختلفوا في ما إذا اختارت نفسها هل يقع طلقة واحدة رجعية [أو]، بائنة أو يقع ثلاثًا؟\nفحكى الترمذي عن علي (٤) - ﵁ -: أنها إن اختارت نفسها، فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها، فواحدة رجعية. وعن زيد بن ثابت: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة. وعن عمر وابن مسعود: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وعنهما رجعية، وإن اختارت زوجها، فلا شيء.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: الآية ٢٨.\n(٢) انظر: \"الهداية\" (٢/ ٢٣٦)، و\"فتح القدير\" (٣/ ٤١٠)، و\"المغني\" (١٠/ ٣٨١)، و\"الشرح الكبير\" (٢/ ٤٠٦)، و\"رد المحتار\" (٤/ ٥٤٠)، و\"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٨٠).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧).\n(٤) وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"8","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويؤيد قول الجمهور من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتَّحدا؛ فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة.\nوقد أخرج ابن أبي شيبة (١) من طريق زاذان قال: \"كنا جلوسًا عند علي - ﵁ - فسئل عن الخيار، فقال: سألني منه عمر - ﵁ - فقلت: إن اختارت نفسها. [فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت، إن اختارت نفسها] فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها، فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت، إن اختارت زوجها فلا شيء، قال: فلم أجد بدًا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف، قال علي: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت، قال\" فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذي.\nوأخذ مالك بقول زيد بن ثابت، واحتجَّ بعض أتباعه لكونها إذا اختارت نفسها يقع ثلاثًا بأن معنى الخيار بَتُّ أحد الأمرين، إما الأخذ أو الترك، فلو قلنا: إذا اختارت نفسها يكون طلقة رجعية، لم يعمل بمقتضى اللفظ؛ لأنها تكون بعد في أسر الزوج، وتكون كمن خير بين شيئين فاختار غيرهما.\nوأخذ أبو حنيفة بقول عمر وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها، فواحدة بائنة. وقال الشافعي - ﵁ -: التخيير كناية، فإذا خير الزوج امرأته، وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلق منه، وبين أن تستمر في عصمته، فاختارت نفسها، وأرادت بذلك الطلاق طلقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق، صدقت، انتهى.\nقلت: ظاهر الآية لم يكن في التخيير بين الطلاق إذا اخترن أنفسهن أن يقع الطلاق وبين البقاء في عصمة النكاح، بل الآية نزلت في التخيير بين أن يظهرن، بأنهن إن يردن الحياة الدنيا وزينتها فيطلقهن رسول الله - ﷺ - ويُمَتِّعُهن،\n_________\n(١) \"المصنف\" (٤/ ٤٦)، باب (٥٦).","vol":"8","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>(١٣) بَابٌ: في \"أَمْرُكِ بِيَدِكِ</span>\"\n٢٢٠٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ،\n===\nوبين أن يظهرن بأنهن إن يردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإنهن في عصمة رسول الله - ﷺ - فيستحققن الأجر العظيم، مصرحة بأنهن إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها، فيطلقهن رسول الله - ﷺ - ويمتعهن، لا أنه يقع الطلاق بمجرد اختيارهن الحياة الدنيا، فلا يستدل بهذه الآية على التخيير بين الطلاق والبقاء في النكاح، والله تعالى أعلم.\n\n(١٣) (بَابٌ: في \"أَمْرُكِ بِيَدِكِ\") (١)\n٢٢٠٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا سليمان بن حرب،\n_________\n(١) اعلم أولًا أنهم يسمون هذا تمليكًا، والأول تخييرًا، ويفرق عندهم فيهما في فروع، كما يظهر من كتبهم، ولا فرق بينهما عند الحنفية، غير أن نية الثلاث تصح في التمليك دون التخيير، قاله ابن الهمام، انتهى (انظر: \"فتح القدير\" ٤/ ٧١).\nثم قول الرجل لامرأته: \"أمرك بيدك\" كناية في حق الزوج، فيفتقر إلى نيته أو دلالة الحال، فإن عدما فلا طلاق عند الثلاثة، خلافًا للمالكية، إذ قالوا: هو كناية ظاهرة لا تحتاج إلى النية كالصريح.\nثم الطلاق بيدها بعد ذلك ما لم يفسخ، ولا يتقيد بالمجلس عند أحمد، خلافًا للثلاثة، إذ قالوا: يتقيد بالمجلس.\nوأما التخيير فالأربعة متفقة على أنه الفور، ثم إن رجع الزوج فيما جعل إليها، أو قال: \"فسخت ذلك\" بطل اختيارها عند أحمد، وقال مالك والحنفية: ليس له الرجوع.\nثم المرأة إن ردت الأمر الذي جعل إليها، فلا شيء عند الأربعة، خلافًا لبعض السلف، إذ قالوا: واحدة. ولو ردت رجعية أو بائنة، قولان، وإن قالت: \"اخترت نفسي\" فواحدة رجعية عند الثلاثة، وعند الحنفية واحدة بائنة، هذا إذا لم تنو أكثر منها، فإن نوت أكثر منها وقع ما نوت عند الثلاثة، وعند الحنفية لا تقع إلَّا واحدة، أو ثلاثة، فإن طلقت ثلاثًا، وقال الزوج: \"لم أجعل إليها إلَّا واحدة\"، فالقضاء ما قضت عند أحمد، وعند الثلاثة أنها تطليقة لا تقدر على أكثر مما نوى الزوج، كذا في \"الأوجز\" (١١/ ٧٣)، انتهى. وبسط الحافظ في \"الدراية\" (٢/ ١٠١ - ١٠٢) في كتاب الحدود الآثار في ذلك. (ش).","vol":"8","page":205},{"text":"عن حَمَّادِ بْنِ زيدٍ قَالَ: قُلْتُ لأَيُّوبَ: هَلْ تَعَلمُ أَحَدًا قَالَ بِقُولُ الْحَسَنِ في: \"أَمْرُكِ بِيَدِكِ؟ \" قَالَ: لَا، إِلَّا شَيءٌ حَدَّثَنَاهُ قَتَادَةُ، عن كَثِيرٍ مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوِهِ، قَالَ أَيُّوبُ: فَقَدِمَ عَلَيْنَا كَثِيرٌ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُ بِهَذَا قَطُّ. فَذَكَرْتُهُ لِقَتَادَةَ فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ. [١١٧٨، ن ٣٤١٠]\n===\nعن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل تعلم أحدًا قال بقول الحسن في: أمرك بيدك؟) إنه قال: إذا قال رجل لامرأته: \"أمرك بيدك\" فهي ثلاث (قال: لا)، أي لا أعلم أحدًا قال ذلك (إلَّا شيء حدثناه قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة) هو كثير بن أبي كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، قال العجلي. تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: ذكره ابن الجوزي في \"الصحابة\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": ووهم من عدَّه صحابيًّا، انتهى. وزعم عبد الحق تبعًا لابن حزم أنه مجهول، فتعقب ذلك عليه ابن القطان بتوثيق العجلي، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\"، وما قال فيه شيئًا.\n(عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - بنحوه) أي بنحو ما قال الحسن في \"أمرك بيدك\"، (قال أيوب: فقدم علينا كثير، فسألته) أي أنك حدثت قتادة في \"أمرك بيدك\" أنها ثلاث، (فقال: ما حدثت بهذا قط، فذكرته لقتادة فقال: بلى) أي حدثني ذلك، (ولكنه نسي).\nوقد أخرج الترمذي (١) هذا الحديث فقال: حدثنا علي بن نصر بن علي، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدًا قال في \"أمركِ بيدكِ\" إنها ثلاث إلَّا الحسن؟ فقال: لا، إلَّا الحسن، ثم قال: اللَّهُمَّ غَفْرًا إلَّا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى بني سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"ثلاث\"، قال أيوب: فلقيت كثيرًا مولى بني سمرة، فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسي.\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣/ ٤٨١) رقم (١١٧٨).","vol":"8","page":206},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهذا حديث لا نعرفه إلَّا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: نا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا، وكان علي بن نصرٍ حافظًا صاحبَ حديث.\nواختلف أهل العلم في \"أمرك بيدك\"، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود: وهي واحدة، وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم.\nوقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت.\nوقال ابن عمر - ﵁ -: إذا جعل أمرَها بيدها، وطلقت نفسها ثلاثًا، وأنكر الزوج، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلَّا في واحدة، استُحْلِف الزوج، وكان القول قوله مع يمينه.\nوذهب سفيان وأهل الكوفة إلى قول عمر وعبد الله، وأما مالك (١) بن أنس، فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد، وأما إسحاق فذهب إلى قول ابن عمر، انتهى.\nومذهب الحنفية في ذلك أن الرجل إذا قال لامرأته: \"أمرك بيدك\"، فهو تمليك من جانب الزوج، حتى لا يملك الرجوع عنه، ولا فسخ ذلك، لأنه ملَّكها الطلاق، ومن ملك غيره شيئًا زالت ولايته من الملك، فلا يملك\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: هو كناية نفتقر إلى النية ككل الكنايات. وقال مالك: لا يفتقر إلى النية، لأنه من الكنايات الظاهرة، انتهى. وفي \"التعليق الممجد\" (ص ٥٢٧، ٥٢٨) وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وإلَّا فواحدة، هذا عندنا، وعند مالك ثلاث، لأنها أعلى الاختيار، وعندهما واحدة، لأنها أدنى الاختيار، انتهى. هكذا ذكر المذاهب في \"المغني\" (١٠/ ٣٨٣، ٣٨٤)، والصحيح من المذاهب ما تقدم قريبًا عن \"الأوجز\". (ش).","vol":"8","page":207},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإبطاله بالرجوع والفسخ، فيصير الأمر بيدها في الطلاق بشرط أن ينوي الزوج الطلاق، لأنه من كنايات الطلاق، فلا يصح من غير نية، إلَّا إذا كان الحال حال الغضب والخصومة، أو حال مذاكرة الطلاق، فلا يصدق في القضاء، لأن الحال تدل على إرادة الطلاق ظاهرًا، فلا يصدق في العدول عن الظاهر.\nوالشرط الثاني: علم المرأة بجعل الأمر بيدها وهي غائبة أو حاضرة لا تسمع، فلو لم تعلم به لا يصير الأمر بيدها ما لم تسمع أو يبلغها الخبر، وشرط بقاء حكمه- إذا كان مطلقًا غيرَ معلق ولا موقت- بقاءُ المجلس، وهو مجلس علمها بالتفويض، فما دامت في مجلسها فالأمر بيدها، فيبقى الأمر في يدها ما بقي المجلس، فإن قامت عن مجلسها بطل، لأن القيام عن المجلس دليل الإعراض، فكان ردًا للتمليك، وكذلك إذا وجد منها قول أو فعل يدل على إعراضها عن الجواب، بأن دعت بطعام لتأكل، أو أمرت وكيلها بشيء إلى غير ذلك.\nوالحكم الثابت لها بالتفويض غير لازم في حق المرأة، حتى تملك رده صريحًا أو دلالة؛ لأن التخيير ينافي اللزوم، وليس لها أن تختار إلَّا مرة واحدة، لأن قوله: \"أمرك بيدك\" لا يقتضي التكرار، إلَّا إذا قرن به ما يقتضي التكرار، بأن قال: \"أمرك بيدك كلما شئت\"، فلها أن تطلق نفسها في كل مجلس تطليقة واحدة حتى تبين بثلاث، إلَّا أنها لا تملك أن تطلق نفسها في كل مجلس إلَّا تطليقة واحدة، لأنه يصير قائلًا لها في كل مجلس \"أمرك بيدك\"، فإذا اختارت فقد انتهى موجب ذاك التمليك.\nوأما بيان ما يصلح جواب جعل الأمر باليد من الألفاظ، وما لا يصلح، فالأصل فيه: أن كل ما يصلح من الألفاظ طلاقًا من الزوج يصلح جوابًا من المرأة، وما لا فلا.\nفإذا قالت في جوابه: \"طلقت نفسي\"، أو \"أبنت نفسي\"، أو \"حرمت نفسي\"، يكون جوابًا، فالواقع بهذه الألفاظ التي تصلح جوابًا طلاق واحد بائن","vol":"8","page":208},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعندنا، إن كان التفويض مطلقًا عن قرينة الطلاق، بأن قال لها: \"أمرك بيدك\"، ولم ينو الثلاث، أما وقوع الطلقة الواحدة؛ فلأنه ليس في التفويض ما ينبئ عن العدد.\nوأما كونها بائنة؛ فلأن هذه الألفاظ جواب الكناية، والكنايات على أصلنا مبينات.\nولو قال: \"أمرك بيدك\" ونوى الثلاث، فطلقت نفسها ثلاثًا كان ثلاثًا؛ لأنه جعل أمرها بيدها مطلقًا، فيحتمل الواحد، ويحتمل الثلاث، فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله مطلق الأمر، فصحت نيته، وإن نوى اثنتين، فهي واحدة عند أصحابنا الثلاثة، خلافًا لزفر - ﵁ -، ملخص ما في \"البدائع\" (١).\nوسند هذا الحديث من قبيل \"مَنْ حدَّث ونسِي\"، ومذهب المحدثين فيه ما قال الحافظ في \"شرح النخبة\" (٢): وإن روى عن شيخ حديثًا، وجحد الشيخ مرويه، فإن كان جزْمًا كأن يقول: كذب عليَّ، أو ما رويتُ له هذا، أو نحو ذلك، فإن وقع منه ذلك رُدَّ ذلك الخبر، لكذب واحد منهما، لا بعينه، ولا يكون ذلك قادحًا في واحد منهما للتعارض، أو كان جحدُه احتمالًا كأن يقول: ما أذكر هذا، أو: لا أعرفُه، قُبلَ ذلك الحديث في الأصح؛ لأن ذلك يُحمل على نسيان الشيخ، وقيل: لا يقبل؛ لأن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث، بحيث إذا ثبت أصلُ الحديث تَثبتُ روايةُ الفرع، وكذلك ينبغي أن يكون فرعًا عليه وتبعًا له في التحقيق، وهذا متعقَّب بأن عدالة الفرع تقتضي صدقه، وعدمُ علم الأصل لا ينافيه، فالمثبت مقدم على النافي، انتهى.\nقلت: وفي الحديث كذلك، فإن أيوب السختياني يقول: قدم علينا كثير فسألته، فقال: ما حدثت بهذا قط، فإنه أنكر جزمًا، فعلى قاعدة المحدثين يرد\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٨٠ - ١٨٧).\n(٢) انظر: \"شرح شرح نخبة الفكر\" لملا علي القاري (ص ٦٥١ - ٦٥٤).","vol":"8","page":209},{"text":"٢٢٠٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ في \"أَمْرُكِ بِيَدِكِ\" قَالَ: ثَلَاثٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>(١٤) بَابٌ: في الْبَتَّةِ</span>\n٢٢٠٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرحِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْكَلْبِيُّ في آخَرِينَ قَالُوا: نَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيس الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ\n===\nهذا الحديث، وأما على لفظ الترمذي، فإن لم يكن فيه جزم بالإنكار، ولكن أجمله وأبهمه أيوب، ولم يحك لفظ كثير، فيحمل على ما حكى أبو داود من لفظ كثير.\n٢٢٠٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن الحسن في \"أمرك بيدك\"، قال) أي الحسن: (ثلاث) أي ثلاث تطليقات، قلت: وهو محمول عندنا على أنه إذا قال رجل لامرأته: \"أمرك بيدك\" ونوى به ثلاثًا، فطلقت نفسها يكون ثلاثًا، وأما عند من قال: القضاء ما قضت، فمحمول على أن الزوج نوى الثلاث أو لم ينو، فطلقت نفسها ثلاثًا تقع الثلاث.\n\n(١٤) (بَابٌ: في الْبَتَّةِ) (١)\nأي إذا قال الزوج لامرأته: أنت طالق البتة\n٢٢٠٦ - (حدثنا ابن السرح وإبراهيم بن خالد الكلبي في آخرين قالوا: نا محمد بن إدريس الشافعي، حدثني عمي محمد بن علي بن\n_________\n(١) قال ابن رسلان: والطلاق الواقع بالكنايات رجعي ما لم يقع الثلاث، وهو قول الشافعي وأحمد في ظاهر المذهب، وقال أبو حنيفة: بائن، انتهى.\nقلت: اختلط كلام نقلة المذاهب في تفاريع الكنابات وأحكامها، والجملة في لفظ \"البتة\" أنها ثلاث عند مالك وأحمد، وإن نوى الأقل منها، وواحدة رجعية عند الشافعي إن لم ينو شيئًا، وإلا فما نواه، وعندنا إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإلَّا واحدة بائنة كما في \"الأوجز\" (١١/ ٩). (ش).","vol":"8","page":210},{"text":"شَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ، عن نَافِع بْنِ عُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ: أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - بذَلِكَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: \"وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ \"، فَقَالَ رُكَانَةُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ في زَمَانِ عُمَرَ، وَالثالِثَةَ في زَمَانِ عُثْمَانَ. [قط ٤/ ٣٣، مسند الطيالسي ١١٨٨]\n===\nشافع) بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب المطلبي المكي، روى عنه الإِمام محمد بن إدريس، وقال: ثقة، وكذا روى عنه سبطه ابن بنته إبراهيم بن محمد الشافعي.\n(عن عبد الله بن علي بن السائب)، وفي بعض النسخ: \"عن عبيد الله\"، وهو تصحيف من الكاتب، وهو عبد الله بن علي بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، قال في \"الخلاصة\": وثقه الشافعي.\n(عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة: أن ركانة (١) بن عبد يزيد طلق امرأته سُهَيمة البتة) أي قال لها: أنت طالق البتة (فأخبر النبي - ﷺ -) أي فبلغ خبر ذلك إلى النبي - ﷺ -، فسأله عن ذلك فقال: طلقتها البتة (بذلك، وقال) أي ركانة بن عبد يزيد: (والله ما أردت إلَّا) طلقةً (واحدة) لا ثلاث.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: والله) بحذف الاستفهام، وفي رواية: \"آلله\" كما سيأتي (ما أردتَّ إلَّا واحدة؟) أي: لا ثلاثًا، (فقال ركانة: والله ما أردت إلَّا واحدة، فردها إليه رسولُ الله - ﷺ -) أي بالنكاح عند الحنفية، لأنها من الكنايات البائنة، وبغير النكاح عند الشافعي، لأنها رجعية عنده (فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان).\n_________\n(١) هكذا ذكر اسم المطلق والمطلقة ابن الجوزي في \"التلقيح\" (ص ٣٣٦)، انتهى. (ش).","vol":"8","page":211},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَوَّلُهُ لَفْظُ إِبْرَاهِيمَ وَآخِرُهُ لَفْظُ ابْنِ السَّرْحِ.\n٢٢٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائيُّ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُمْ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عن ابْنِ السَّائِبِ،\n===\n(قال أبو داود: أوله لفظ إبراهيم وآخره لفظ ابن السرح)، والظاهر أن المراد بآخره هو قوله: \"فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان\".\nقال الترمذي (١): وقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم في طلاق البتة، فروي عن عمر بن الخطاب أنه جعل البتة واحدة، وروي عن علي: أنه جعلها ثلاثًا، وقال بعض أهل العلم: فيه نية الرجل، إن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى ثنتين لم تكن إلَّا واحدة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة.\nوقال مالك بن أنس في البتة: إن كان قد دخل بها فهي ثلاث تطليقات، وقال الشافعي (٢): إن نوى واحدة فواحدة، يملك الرجعة، وإن نوى ثنتين فثنتان، وإن نوى ثلاثًا فثلاث.\n٢٢٠٧ - (حدثنا محمد بن يونس النسائي، أن عبد الله بن الزبير) الحميدي (حدثهم) أي محمد بن يونس وغيره من التلامذة، (عن محمد بن إدريس) الإِمام الشافعي صاحب المذهب، (حدثني عمي محمد بن علي، عن ابن السائب)\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٤٨٠) رقم (١١٧٧).\n(٢) قال الموفق: أكثر الروايات عن أحمد أنه كره الفتيا في ذلك مع ميله إلى أنه ثلاث. وقيل عنه: روايتان، إحداهما: هذه، والثانية: ترجع إلى ما نوى، وإن لم ينو شيئًا فواحدة، وبه قال الشافعي، وقال مالك في المدخول بها: ثلاث وإن لم ينو، وفي غير المدخول بها: واحدة. وقال أبو حنيفة: إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى اثنين أو واحدة فواحدة. (ش). (انظر: \"المغني\" ١٠/ ٣٦٤).","vol":"8","page":212},{"text":"عن نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ، عن رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيثِ. [انظر سابقه]\n٢٢٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (١)، نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عن الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةً، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -\n===\nهو عبد الله بن علي بن السائب، (عن نافع بن عجير، عن ركانة بن عبد يزيد، عن النبي - ﷺ - بهذا الحديث) المتقدم، وإنما أعاد بهذا السند، لأن فيه عن نافع، عن ركانة، وفي السند الأول كان: \"أن ركانة بن عبد يزيد\" من غير طريق الرواية.\n٢٢٠٨ - (حدثنا سليمان بن داود، نا جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد) ابن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو القاسم، ويقال: أبو هاشم المديني، نزل المدائن، عن ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس شيء، وعن أبي داود: في حديثه نكارة لا أعلم، إلَّا أني سمعت ابن معين يقول: هو ضعيف، وقال مرة: بلغني عن يحيى أنه ضعفه، وقا ل أبو زرعة: شيخ، وقال النسائي وزكريا الساجي: ضعيف، وقال الدارقطني: يعتبر به، قال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن المديني: ضعيف، وقال العجلي: روى حديثًا منكرًا في الطلاق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه) أي علي بن يزيد بن ركانة، (عن جده) قال الذهبي في \"الميزان\" (٢) في ترجمة عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة: قلت: كأنه أراد بقوله عن جده: الجد الأعلى وهو ركانة. (أنه) أي ركانة (طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"العتكي أبو الربيع\".\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٤٤٦١).","vol":"8","page":213},{"text":"فَقَالَ: \"مَا أَرَدْتَ؟ \"، قَالَ: وَاحِدَةً، قَالَ: \"آللهِ؟ \" قَالَ: آللهِ، قَالَ: \"هُوَ عَلَى مَا أَرَدْتَ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا لأنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ وَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ رَوَاهُ عن بَعْضِ بَنِي أَبِي رَافِعٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. [ت ١١٧٧، جه ٢٠٥١، ق ٧/ ٣٤٢، ك ٢/ ١٩٩، قط ٤/ ٣٤]\n===\nفقال) أي رسول الله - ﷺ -: (ما أردتَّ؟ قال) أي ركانة: (واحدة، قال: آلله؟) أصله أوالله (١)، بهمزة الاستفهام وواو القسم، (قال) ركانة: (آلله) وهذا على المشاكلة، وأصله والله، فالهمزة الأولى زائدة (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (هو) أي الطلاق واقع (على) وفق (ما أردت).\n(قال أبو داود: وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا)، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، وهذا الكلام وقع فيه التصحيف والغلط، لأن قوله: إن ركانة طلق امرأته ثلاثًا إن كان بدلًا من حديث ابن جريج، فلا يصح قوله: \"إن ركانة\"، لأنه في حديث ابن جريج هو أبو ركانة، لا ركانة.\nوإن كان بدلًا من لفظ \"هذا\" فلا يصح أيضًا، لأن لفظ هذا إشارة إلى حديث نافع بن عجير، وحديث عبد الله بن علي بن يزيد، وليس فيهما أنه طلق ثلاثًا، بل فيهما: \"إن ركانة طلق البتة\"، والذي أظن أن قوله: \"إن ركانة\" بدل من حديث ابن جريج، وإنه سقط من العبارة لفظ: \"أبا\"، أي إن أبا ركانة، والله أعلم.\nووجه الأصحية (لأنهم) أي الرواة الذين رووا أن ركانة طلق البتَّةَ (أهل بيته وهم أعلم به)، أي بالخبر من غيرهم (وحديث ابن جريج رواه) أي ابن جريج (عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس)، وبعض بني أبي رافع مجهولون.\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: أصله: والله، أو بالله، حذف منها حرف القسم وعوض الهمزة ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>(١٥) بَابٌ: في الْوَسْوَسَةِ بِالطَّلَاقِ</span>\n٢٢٠٩ - حَدَّثَنَا مُسْلمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ، وَبِمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا\". [خ ٥٢٦٩، م ١٢٧، ت ١١٨٣، ن ٣٤٣٣، جه ٢٠٤٠، حم ٢/ ٢٥٥]\n===\n\n(١٥) (بابٌ: في الْوَسْوَسَةِ بِالطَّلَاقِ) (١)\nأي: إذا خطر في قلبه الطلاق بطريق الوسوسة، ولم يتكلم ولم يكتب، لا تطلق بها\n٢٢٠٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إن الله تجاوز لأمتي عما لم تتكلم به، أو تعمل به، وبما حدثت (٢) به أنفسُها) بالفتح على المفعولية. وذكر المطرزي (٣) عن أهل اللغة أنهم يقولون: بالضم، يريدون بغير اختيارها، وهذا الحديث حجة في أن الموسوس لا يقع طلاقه، والمعتوه والمجنون أولى منه بذلك.\nواحتج الطحاوي بهذا الحديث للجمهور في من قال لامرأته: \"أنت طالق\" ونوى في نفسه ثلاثًا، أنه لا يقع إلَّا واحدة، خلافًا للشافعي ومن وافقه، قال: لأن الخبر دل على أنه لا يجوز وقوع الطلاق بنية لا لفظ معها، وتعقب بأنه لفظ بالطلاق ونوى الفرقة التامة، فهي نية صحبها لفظ.\nواحتج به أيضًا في من قال لامرأته: \"يا فلانة\" ونوى بذلك طلاقها، أنها\n_________\n(١) قال ابن رسلان: ومذهب الشافعي والجمهور كما بوَّب عليه المصنف، وقال الزهري: يقع الطلاق بالعزم، انتهى. (ش).\n(٢) يشكل على الحديث بالعقائد وأعمال القلوب، كالحسد وتحقير المسلم وغيرهما؛ وأجمل أبو الطيب مختصرًا في \"شرح الترمذي\"، وكذا القاري بنوع من التفصيل. (ش). (انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ١/ ٢٣٨).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٣ - ٣٩٤).","vol":"8","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>(١٦) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ: \"يَا أُخْتِي</span>\"\n٢٢١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ وَخَالِدٌ الطَّحَّانُ، الْمَعْنَى،\n===\nلا تطلق، خلافًا لمالك وغيره؛ لأن الطلاق لا يقع بالنية دون اللفظ، ولم يأت بصيغة لا صريحة ولا كناية.\nواستدل به أن من كتب الطلاق طلقت امرأته؛ لأنه عزم بقلبه وعمل بكتابته، وهو قول الجمهور، وشرط مالك فيه الإشهاد على ذلك.\nواحتج من قال: إذا طلق في نفسه طلقت، وهو مروي عن ابن سيرين، والزهري، وعن مالك رواية، ذكرها أشهب عنه، وقوَّاها ابن العربي بأن من اعتقد الكفر بقلبه كفر، ومن أصرَّ على المعصية أثم، وكذلك من راءى بعمله وأعجب، وكذا من قذف مسلمًا بقلبه، وكل ذلك من أعمال القلب دون اللسان.\nوأجيب بأن العفو عن حديث النفس من فضائل هذه الأمة، والمصِرُّ على الكفر ليس منهم، وبأن المصرَّ على المعصية الآثم من تقدم له عمل المعصية، لا من لم يعمل معصية قط، وأما الرياء والعجب وغير ذلك فكله متعلق بالأعمال.\nواحتج الخطابي بالإجماع على أن من عزم على الظهار لا يصير مظاهرًا، قال: وكذلك الطلاق، وكذا لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا، ولو كان حديث النفس يؤثر لأبطل الصلاة، وقد دل الحديث الصحيح على أن ترك الحديث مندوب، فلو وقع لم تبطل.\n\n(١٦) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ: \"يَا أُخْتِي\")\nهل يكون تحريمًا لها؟\n٢٢١٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: ونا أبو كامل، نا عبد الواحد) بن زياد (وخالد الطحان، المعنى) أي معنى حديثهم واحد،","vol":"8","page":216},{"text":"كُلُّهُمْ عن خَالِدٍ، عن أَبِيِ تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا أُخَيَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أُخْتُكَ هِيَ؟ \"، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ. [ق ٧/ ٣٦٦]\n===\n(كلهم) أي حماد، وعبد الواحد، وخالد الطحان رووا (عن خالد) الحذاء، (عن أبي تميمة) طريف (١) بن مجالد (الهجيمي) بضم الهاء وفتح الجيم، البصري. قال في \"المغني\" (٢): بمضمومة وفتح جيم، نسبة (٣) إلى هجيم بن عمر، ومنه خالد بن الحارث، وأبو تميمة، وثقه ابن معين، وابن سعد، والدارقطني، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عبد البر: هو ثقة حجة عند جميعهم.\n(إن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال لامرأته: يا أخية!) تصغير أخت، (فقال رسول الله - ﷺ -: أختك هي؟) بتقدير همزة الاستفهام للإنكار (فكره ذلك ونهى عنه).\nهذا الحديث مرسل، فإن أبا تميمة تابعي من الطبقة الثالثة، وإنما كره ذلك، لأن قرابة الأخوة محرمة، فكونها أختًا له مظنة التحريم، ويحتمل أن يكون النهي عنه والكراهة سدًا للباب. فإنه يحتمل أنه إذا لم ينبه على ذلك يعتدون فيه، ويمكن أن يتكلموا بلفظ يؤدي إلى الظهار، فتحرم عليه، وتجب الكفارة أو الفراق إذا نوى الظهار.\nقال الحافظ (٤): قال ابن بطال: ومن ثم قال جماعة من العلماء: يصير بذلك مظاهرًا إذا قصد ذلك، فأرشده النبي - ﷺ - إلى اجتناب اللفظ المشكل، قال: وليس بين هذا الحديث وبين قصة إبراهيم معارضة؛ لأن إبراهيم إنما أراد بها أنها أخته في الدين، فمن قال ذلك، ونوى أخوة الدين لم يضره.\n_________\n(١) هو تابعي، فالحديث مرسل \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) \"المغني\" (ص ٢٧٢).\n(٣) قال ابن رسلان: نسبة إلى محلة بالبصرة، نزلها بنو الهجيم. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨٧).","vol":"8","page":217},{"text":"٢٢١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، نَا أَبُو نُعَيْم، نَا عَبْدُ السَّلَامِ- يَعْنِي ابْنَ حَرْبٍ-، عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عن أَبِي تَمِيمَةً، عن رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ: \"أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ: يَا أُخَيَّةُ، فَنَهَاهُ\". [ق ٧/ ٣٦٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ،\n===\nقلت: وينبغي أن لا يعتاد ذلك، ولا يتكلم بها إلَّا بضرورة دعت إليه، وأما من غير ضرورة فيكره (١) التكلُّم بذلك.\n٢٢١١ - (حدثنا محمد بن إبراهيم) بن سليمان بن محمد بن أسباط، الكندي الأسباطي الضرير أبو جعفر (البزاز) الكوفي، نزيل مصر، قال أبو حاتم: صدوق، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة، وقال الحاكم في \"مناقب الشافعي\": محمد بن إبراهيم الكوفي عدله أبو إسماعيل الترمذي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: صدوق.\n(نا أبو نعيم) فضل بن دكين، (نا عبد السلام -يعني ابن حرب-، عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن رجل من قومه (قال الحافظ في \"التقريب\" في باب المبهمات: أبو تميمة الهجيمي عن رجل من بَلْهُجيم في الإسبال وغيره، وعن رجل من قومه، هو: أبو جُرَي (أنه سمع النبي - ﷺ - سمع رجلًا) لم أقف على تسميته (يقول لامرأته: يا أخية، فنهاه)، قال الحافظ (٢): وهذا متصل.\n(قال أبو داود: ورواه عبد العزيز بن المختار) الأنصاري أبو إسحاق، ويقال: أبو إسماعيل الدباغ البصري، مولى حفصة بنت سيرين، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مستوي الحديث، ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) وكذا جزم بالكراهة الموفق، وقال: لا يكون مظاهرًا. (ش). (انظر: \"المغني\" ١١/ ٦٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨٧).","vol":"8","page":218},{"text":"عن خَالِدٍ، عن أَبِي عُثْمَانَ، عن أَبِي تَمِيمَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عن خَالِدٍ، عن رَجُلٍ، عن أَبِي تَمِيمَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n٢٢١٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ (١) الْمُثَنَّى، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، نَا هِشَامٌ، عن مُحمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمْ يَكْذِبْ قَطّ إِلَّا ثَلَاثًا،\n===\nوقال: كان يخطئ، ووثقه العجلي، وابن البرقي، والدارقطني، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بشيء.\n(عن خالد) الحذاء، (عن أبي عثمان) النهدي، (عن أبي تميمة، عن النبي - ﷺ -) وهذا أيضًا مرسل، وزاد عبد العزيز بين خالد وأبي تميمة أبا عثمان.\n(ورواه شعبة، عن خالد، عن رجل، عن أبي تميمة عن النبي - ﷺ -)، وهذا أيضًا مرسل، وزاد شعبة بين خالد وبين أبي تميمة رجلًا، ولم يسمه، فأبهمه.\nقلت: أما حديث عبد السلام بن حرب عن خالد، ففيه إبهام الصحابي، وهو لا يضر، فإنهم كلهم عدول، وأما الإرسال: فإن أبا تميمة رواه مرة مرسلًا، ولم يسم الراوي، ورواه متصلًا مرة.\nوأما زيادة أبي عثمان في رواية عبد العزيز بن المختار، وزيادة رجل مبهم في رواية شعبة، فهذا أيضًا لا يضر؛ لأن رواية خالد عن أبي تميمة متصلة، فيحمل أنه سمع أبا تميمة نفسه، وسمع بواسطة أيضًا، ويحتمل أن يقال: إن الأصل في السند عن خالد، عن أبي عثمان، عن أبي تميمة، فأبهمه شعبة، وتركه عبد السلام بن حرب، فترجح رواية عبد العزيز الذي وقع فيه مسمى، وكيفما كان فالحكم بالاضطراب غير صحيح.\n٢٢١٢ - (حدثنا ابن المثنى، نا عبد الوهاب، نا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: أن إبراهيم ﵇ لم يكذب قط إلَّا ثلاثًا).\n_________\n(١) في نسخة: \"محمد\".","vol":"8","page":219},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): (٢) وقد أورد على هذا الحصر ما رواه مسلم من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل، فقال في قصة إبراهيم: وذكر كذباته، ثم ساقه من طريق أخرى من هذا الوجه، وقال في آخره: وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، قال القرطبي: ذكر الكوكب يقتضي أنها أربع، فيحتاج في ذكر الكوكب إلى تأويل.\nقلت: الذي يظهر أنها وهمٌ من بعض الرواة، فإنه ذكر قوله في الكوكب بدل قوله في سارة، والذي اتفقت عليه الطرق ذكر سارة دون الكوكب، وكأنه لم يعد مع أنه أدخل من ذكر سارة لما نقل أنه قاله في حال الطفولية فلم يعدها؛ لأن حال الطفولية ليست بحال تكليف، وهذه طريقة ابن إسحاق.\nوقيل: إنما قال ذلك بعد البلوغ، لكنه قاله على طريق الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ.\nوقيل: قاله على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهًا على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية، وهذا قول الأكثر أنه قال توبيخًا لقومه، أو تهكمًا بهم، وهو المعتمد، ولهذا لم يعد ذلك في الكذبات.\nوأما إطلاق الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولًا يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبًا، لأنه من باب المعاريض المحتملة لأمرين، فليس بكذب محض.\nفقوله: \"إني سقيم\"، يحتمل أن يكون أراد ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي سأسقم، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرًا، ويحتمل أنه أراد \"إني سقيم\" بما قدر علي من الموت، أو سقيم الحجة على الخروج معكم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٩١ - ٣٩٤) رقم الحديث (٣٣٥٨).\n(٢) هكذا أجاب العيني (١١/ ٦٣)، والبسط في \"شرح الشفاء\" (٤/ ٢١٣). (ش).","vol":"8","page":220},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوحكى النووي عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمَّى في ذلك الوقت، وهو بعيد؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا تصريحًا، ولا تعريضًا.\nقلت: لا بُعد فيه، فإن غرض القائل بهذا الجواب أن إبراهيم ﵇ تأخذه الحمى النوبتي في هذه الأيام، وذلك اليوم الذي وقعت فيه تلك القصة يوم الراحة، فباعتبار حمى النوبتي يطلق عليه أنه سقيم، وباعتبار أنه يوم الراحة لم يكن فيه حُمَّى لم يكن سقيمًا، فباعتبار ظاهر الوقت لو يَعُدُّه السامع كذبًا لأنه غير سقيم لا يبعد.\nوقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، قال القرطبي: هذا قاله تمهيدًا للاستدلال على أن الأصنام ليست بآلهة، وقطعًا لقومه في قولهم: إنها تضر وتنفع، وهذا الاستدلال يتجوَّز فيه في الشرط المتصل، ولهذا أردف قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ بقوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.\nقال ابن قتيبة: معناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا، فالحاصل أنه مشترط بقوله: ﴿إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، أو أنه أسند إلى ذلك لكونه السبب.\nوعن الكسائي: أنه كان يقف عند قوله: \"بل فعله\"، أي فَعَلَه مَنْ فَعَله كائنًا من كان، ثم يبتدئ كبيرهم هذا، وهذا خبر مستقل، ثم يقول: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ إلى آخره، ولا يخفى تكلفه.\nوقوله: \"هذه أختي\" يعتذر عنه بأن مراده بأنها أخته في الإِسلام، كما سيأتي واضحًا، قال ابن عقيل: دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقًا به، ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب عنه.\nوإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم ﵇، يعني إطلاق الكذب على ذلك إلَّا في شدة الخوف لعلو مقامه، وإلَّا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز،","vol":"8","page":221},{"text":"ثِنْتَانِ في ذَاتِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾،\n===\nوقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعًا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب وإن كان قبيحًا مخلًّا لكنه قد يحسن مواضع وهذا منها، انتهى.\n(ثنتان) منها (في ذات الله)، ولفظ البخاري: \"ثنتين منها في ذات الله\". قال الحافظ: خصهما بذلك لأن قصة سارة وإن كانت أيضًا في ذات الله، لكن تضمنت حظًّا لنفسه ونفعًا له بخلاف الثنتين الأخيرتين، فإنهما في ذات الله محضًا، وقد وقع في رواية هشام بن حسان المذكورة: \"أن إبراهيم لم يكذب قط إلَّا ثلاث كذبات، كل ذلك في ذات الله\"، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: \"والله إن حاول بهن إلَّا عن دين الله\".\n(قوله) أي أحدها قوله: (﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾)، وفي رواية عند ابن جرير (١) في \"التفسير\" عن ابن إسحاق قوله: \"إني سقيم\"، أي: طعين، أو لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذي يريد.\nوقوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ يقول: فتولوا عن إبراهيم مدبرين عنه خوفًا من أن يعدِيَهُم السقم الذي ذكر أنه به، قال سعيد بن جبير: إن كان الفرار من الطاعون لقديمًا.\n(وقوله) وثانيهما قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، قال ابن جرير في \"التفسير\" (٢): بسنده عن ابن إسحاق قال: لما أتي بإبراهيم، واجتمع له قومه عند ملكهم نمرود ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، غضب من أن يعبدوا من معه هذه الصغار وهو أكبر، فكسرهن.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٨٤). سورة الصافات: الآية ٨٩.\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ٥١). سورة الأنبياء: الآية ٦٣.","vol":"8","page":222},{"text":"وَبَيْنَمَا (١) هُوَ يَسِيرُ في أَرْضِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ إِذْ نَزَلَ (٢) مَنْزِلًا، فَأُتِيَ الْجَبَّارُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ نَزَلَ ها هُنَا رَجُلٌ مَعَهُ امْرَأَةٌ هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ،\n===\n(و) الثالثة: (بينما هو) أي إبراهيم ﵇ (يسير في أرض جَبَّار من الجبابرة)، قال الحافظ (٣): واسم الجبار المذكور عمرو بن امرئ القيس بن سبأ، وإنه كان على مصر، ذكره السهيلي، وهو قول ابن هشام في \"التيجان\"، وقيل: اسمه صادوق، وحكاه ابن قتيبة، وكان على الأردن، وقيل: سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح، حكاه الطبري، ويقال: إنه أخو الضحاك الذي ملك الأقاليم.\n(إذ نزل منزلًا فأتي) بصيغة المجهول (الجبار) أي أتاه آتٍ (فقيل له)، أي قال الآتي للجبار.\nقال الحافظ: إن قائل ذلك رجل كان إبراهيم يشتري منه القمح، فنمَّ عليه عند الملك، وذكر أن من جملة ما قاله عند الملك: \"أني رأيتها تطحن\"، وهذا هو السبب في إعطاء الملك هاجر، وقال: إن هذه لا تصلح أن تخدم نفسها.\n(إنه نزل ها هنا رجل معه امرأة هي أحسن الناس)، قال الحافظ: في \"صحيح مسلم\" في حديث الإسراء في ذكر يوسف: أعطي شطر الحسن، زاد أبو يعلى من هذا الوجه: \"أعطي يوسف وأمه شطر الحسن يعني سارة\".\nواختلف في والد سارة مع القول بأن اسمه هاران، فقيل: هو ملك حران، وإن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه إلى حران، وقيل: هي ابنة أخيه، وكان ذلك جائزًا في تلك الشريعة، حكاه ابن قتيبة والنقاش واستبعد، وقيل: بل هي بنت عمه، وتوافق الاسمان، وقد قيل في اسمه: توبل.\n_________\n(١) في نسخة: \"وبينا\".\n(٢) في نسخة: \"نزلا\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٩٢).","vol":"8","page":223},{"text":"قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ (١): إِنَّهَا أُخْتِي، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهَا قَالَ: إِنَّ هذَا سَأَلَنِي عَنْكِ فَأَنْبَأْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْيَوْمَ مُسْلِمٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، وَإِنَّكِ أُخْتِي في كِتَابِ اللَّهِ فَلَا تُكَذِّبِينِي عِنْدَهُ\"،\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (فأرسل) أي الجبار (إليه) أي إلى إبراهيم ﵇ رسولًا، فأتاه (فسأله) أي سأل الجبار إبراهيم (عنها) أي عن المرأة، أي: من هي؟ (فقال: إنها) أي المرأة (أختي، فلما رجع) إبراهيم من مجلس الملك (إليها) أي إلى سارة (قال: إن هذا) أي الملك (سألني عنك فانبأته) أي أخبرت الملك (أنك أختي) وإن ذلك ليس بكذب (وأنه) أي الشأن (ليس اليوم مسلم غيري وغيرك).\nقال الحافظ: يشكل عليه كون لوط كان معه كما قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (٢)، ويمكن أن يجاب بأن المراد بالأرض: الأرض التي وقع له فيها ما وقع، ولم يكن معه لوط إذ ذاك.\n(وإنك أختي في كتاب (٣) الله، فلا تكذبيني عنده)، لأن المؤمنين كلهم إخوة.\nقال الحافظ: ظاهر هذا السياق أنه سأله عنها أولًا، ثم أعلمها بذلك لئلا تكذبه عنده، ويخالفه ما في رواية هشام بن حسان أنه قال لها: \"إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، وأنك أختي\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) سورة العنكبوت: الآية ٢٦.\n(٣) أي في حكم الله ودينه، كما في الحديث: \"لأقضين بينكم بكتاب الله\"، ثم قضى بالرجم والنفي وليسا في كتاب الله، ومثل حديث: \"من شرط شرطًا ليس في كتاب الله، الحديث\"، قاله ابن رسلان.\nقلت: ويحتمل أن يكون في صحف إبراهيم هذا الحكم أي المؤمنون إخوة، انتهى. قلت: وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ﴿الحجرات: ١٠﴾ الآية، فلا حاجة إلى التأويل.","vol":"8","page":224},{"text":"وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ٣٣٥٨، م ٢٣٧١، ت ٣١٦٦، حم ٢/ ٤٠٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْخَبَرَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ (١).\n===\nفي الإسلام، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلَّا لك، فأرسل إليها\"، الحديث، فيمكن أن يجمع بينهما بأن إبراهيم أحسَّ بأن الملك سيطلبها منه، فأوصاها بما أوصاها، فلما وقع ما حسبه، فأعاد عليها الوصية.\n(وساق الحديث)، وتمامه أخرجه البخاري في \"صحيحه\"، ولفظه: \"فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فَأُخِذَ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله، فأطلق، ثم تناولها الثانية، فأُخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأُطلق، فدعا بعض حجبَته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان، فأخْدمَها هاجر\"، قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء، انتهى. وأخرجه مسلم أطول من هذا.\n(قال أبو داود: روى هذا الخبر شعيب بن أبي حمزة (٢)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - نحوه).\nقال الحافظ (٣): في الحديث مشروعية أخوة الإِسلام، وإباحة المعاريض، والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة الملك الظالم، وقبول هدية المشرك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح، ويقال: إن الله كشف إبراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة، وإنه لم يصل منها إلى شيء، ذكر ذلك في \"التيجان\"، ولفظه: فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثم نَحَّى إبراهيم إلى خارج القصر، وقام إلى سارة، فجعل الله القصر لإبراهيم كالقارورة الشافعية، فصار يراهما ويسمع كلامهما.\n_________\n(١) في نسخة: \"بنحوه\".\n(٢) أخرج روايته البخاري في \"صحيحه\" (٢٢١٧)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٣٧٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٩٤).","vol":"8","page":225},{"text":"٢٢١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَزَّازُ، نَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عن عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ\n===\n٢٢١٣ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم البزاز، نا علي بن بحر القطان، نا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس) بن شماس، بمعجمة وميم مشددة وآخره مهملة، أنصاري خزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشَّره النبي - ﷺ - بالجنَّة، فنفذت وصيته بمنام رآه خالد بن الوليد - ﵁ -.\nواختلفت الروايات (١) في امرأة ثابت بن قيس، ففي بعضها: أخت عبد الله بن أبي، وفي بعضها: أنها جميلة بنت أبي، كبير الخزرج ورأس النفاق، ووقع في رواية النسائي، والطبراني: جميلة بنت عبد الله بن أبي.\nقال ابن سعد في \"الطبقات\" (٢): جميلة بنت عبد الله بن أبي، أسلمت وبايعت، وكانت تحت حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة، فقتل عنها بأحد، فخلف عليها ثابت بن قيس، فولدت له ابنه محمدًا، ثم اختلعت منه، فتزوجها مالك بن دخشم، ثم خبيب بن إساف. ووقع في رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: \"أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان أَصْدَقها حديقة، فكرهته\"، الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي، وسنده قوي مع إرساله، ولا تنافي بينه وبين الذي قبله لاحتمال أن يكون لها اسمان، أو أحدهما لقب، وإلا فالموصول أصح. قال الدمياطي: والذي وقع في \"البخاري\" من أنها بنت أبي وَهْمٌ.\nقلت: ولا يليق إطلاق كونه وهما، فإن الذي وقع فيه أخت عبد الله بن أبي، وهي أخت عبد الله بلا شك، لكن نسب أخوها في هذه الرواية إلى جده\n_________\n(١) كذا ذكر الاختلاف فيه في \"التلقيح\" (ص ٣٢٨). (ش).\n(٢) (٨/ ٢٨٤).","vol":"8","page":226},{"text":"اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عدَّتَهَا حَيْضَةً\". [ت ١١٨٥، ن ٣٤٦٣، قط ٣/ ٢٥٥، ك ٢/ ٢٠٦]\n===\nأبي، كما نسبت هي في رواية قتادة إلى جدتها سلول، فبهذا يجمع بين المختلف من ذلك.\nوأما ابن الأثير وتبعه النووي فجزما بأن قول من قال: إنها بنت عبد الله ابن أبي وهم، والصواب أنها أخت عبد الله بن أبي، وليس كما قالا، بل الجمع أولى.\nوجاء في اسم امرأة ثابت بن قيس قولان آخران:\nأحدهما: أنها مريم المغالية، أخرجه النسائي وابن ماجه.\nوالقول الثاني: أنها حبيبة بنت سهل، أخرجه مالك في \"الموطأ\"، قال ابن عبد البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل.\nقلت: والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين، واختلاف السياقين، بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة ونسبها، فإن سياق قصتها متقارب، فأمكن من الاختلاف فيه إلى الوفاق (١).\n(اختلعت (٢) منه، فجعل النبي - ﷺ - عدتها حيضة) (٣)، واختلف في الخلع\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٨ - ٣٩٩).\n(٢) وروى أبو يعلى في \"المعرفة\" أنه أول خلع في الإِسلام. (ش).\n(٣) قال ابن رسلان: استدل به ابن المنذر من أصحابنا أن عدة المختلعة حيضة، ونقله ابن القاسم عن أحمد، وقال الترمذي (٣/ ٤٩٥): وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: عدة المختلعة حيضة، قال إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي، وقال الجمهور: إنه كالطلاق، وأجابوا عن الحديث بأنه رواه عكرمة مرسلًا وضعفه جماعة ... إلخ، وكذا في \"المغني\" (١٠/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، وأثبت ابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٥١٨) أنه طلاق رجعي. (ش).","vol":"8","page":227},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأنه فسخ أو طلاق (١)؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه، وابن أبي ليلى، وأحد قولي الشافعي: إنه الطلاق (٢) البائن، وحكي ذلك عن علي وعمر وعثمان، وقال أحمد بن حنبل، وطاوس، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعي: إنه فسخ لا طلاق، حكي ذلك عن ابن عباس وعكرمة.\nواستدلوا بهذا الحديث بأنه لو كان طلاقًا لكان العدة ثلاثة قروء، فالتربص بحيضة يشعر بأنه فسخ، فيكفي فيه الحيضة الواحدة.\nوأجاب عنه بعض العلماء: أن المراد بالحيضة هو الجنس الذي يصدق على القليل والكثير، فالمراد أن العدة بالحيض لا بالأشهر، فلا يدل على وحدة الحيضة، وتعقب بأنه وقع في النسائي التصريح بالوحدة، ويجاب عنه بأن زيادة الوحدة في رواية النسائي مبني على فهم الراوي، بأنه فهم من لفظ الحيضة حيضة واحدة، فرواها كما فهم.\nقال في \"فتح الودود\": من لا يقول به يقول: إن الواجب في العدة ثلاثة قروء بالنص، فلا يترك النص بخبر الآحاد.\nواحتج القائلون بأنه طلاق بما وقع في حديث ابن عباس من أمره - ﷺ - لثابت بالطلاق.\nوبما رواه الدارقطني في \"سننه\" (٣) من حديث عباد بن كثير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - جعل الخلع تطليقة بائنة\"، وسكت عنه. ورواه ابن عدي في \"الكامل\" وأعَلَّه بعبَّاد، وأسند عن البخاري أنه قال: تركوه، وعن النسائي أنه قال: متروك الحديث، وعن شعبة أنه قال: احذروا حديثه.\n_________\n(١) وقال أهل الظاهر: إنه طلاق رجعي، كذا في \"التعليق الممجد\" (٢/ ٥١٧). (ش).\n(٢) وبه قال: مالك. كذا في \"التعليق الممجد\" (٢/ ٥١٧). (ش).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٤٠٢٥). وانظر: \"الكامل\" (٤/ ١٦٤٢).","vol":"8","page":228},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوبما رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١): حدثنا ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم، عن سعيد بن المسيب: \"أن النبي - ﷺ - جعل الخلع تطليقة\"، وكذلك رواه ابن أبي شيبة، وروى مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جمهان مولى الأسلميين، عن أم بكرة الأسلمية: أنها اختلعتْ من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: هي تطليقة.\nوروى ابن أبي شيبة بسنده إلى ابن مسعود أنه قال: لا تكون طلقة بائنة إلَّا في فدية أو إيلاء، وروي نحوه عن علي أيضًا، كذا في \"البرهان في شرح مواهب الرحمان\".\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢): روى مالك في \"الموطأ\" عن نافع: \"أن ربيع بنت معوذ جاءت هي وعمتها إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان بن عفان، فبلغ ذلك عثمان فلم ينكره، فقال ابن عمر: عدتها عدة المطلقة\".\nقال مالك: إنه بلغه أن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن شهاب كانوا يقولون: عدة المختلعة ثلاثة قروء.\nوأيضًا بما رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٣)، عن سعيد بن المسيب: \"أن المرأة كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان أصدقها حديقة، وكان غيورًا، فضربها فكسر يدها، فجاءتْ إلى النبي - ﷺ -، فاشتكته إليه، فقالت: أنا أردُّ إليه حديقته، فدعا زوجها، فقال: إنها ترد عليك حديقتك، قال: أو ذلك لي؟ قال: نعم، قد قبلتُ يا رسول الله، قال النبي - ﷺ -: اذهبا، فهي واحدة، ثم نكحتْ بعده رفاعة العائذي فضربها، فجاءت عثمان فقالت: أنا أرد عليه صداقه، فدعاه عثمان، فقال عثمان: اذهبا فهي واحدة\".\n_________\n(١) \"المصنف\" (٦/ ٤٨٢) رقم (١١٧٥٧). وانظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٤/ ٨٤).\n(٢) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٤٤).\n(٣) \"المراسيل\" (ص ١٤٩).","vol":"8","page":229},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن عَمْرِو بْنُ مُسْلِمٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - مُرْسَلًا.\n٢٢١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن ابْن عُمَرَ قَالَ: \"عِدَّةُ الْمُخْتَلَعَةِ حَيْضَةٌ\" (١). [حم ٢/ ٥٩٣، ق ٧/ ٤٤٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>(١٧) بَابٌ: في الظِّهَارِ</span>\n===\n(قال أبو داود: وهذا الحديث) المتقدم (رواه عبد الرزاق (٢)، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا) فاختلف هشام بن يوسف وعبد الرزاق عن معمر في إرساله وإسناده.\n٢٢١٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر (٣) قال: عدة المختلعة حيضة)، قال في الحاشية: عن \"فتح الودود\": من لا يقول به يقول: إن الواجب في العدة ثلاثة قروء بالنص، فلا يترك النص بخبر الآحاد، انتهى.\nقلت: أو يقال: إن عدتها بالحيض، فالتاء ليست للوحدة.\n\n(١٧) (بَابٌ: في الظِّهَارِ) (٤)\nأي: باب في بيان أحكام الظهار، وهو بكسر الظاء المعجمة، قول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: عدة المختلعة عدة المطلقة، قال أبو داود: والعمل عندنا على هذا\"، قلت: والحديث رقم ٢٢١٣ و٢٢١٤ جاءا في نسخة بعد رواية ٢٢٢٨ في آخر باب الخلع.\n(٢) أخرجه في \"المصنف\" (٦/ ٥٠٦) رقم (١١٨٥٨)، ومن طريقه أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٠٦)، وأيضًا أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٥٠)، والدارقطي في \"سننه\" (٤/ ٥٤).\n(٣) وروي عنه في \"الموطأ\": ثلاثة قروء، وروي نحوه عن علي - ﵁ -، وعمر - ﵁ -، وقولهما أولى. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) في \"الخميس\" (٢/ ٢٥): نزل حكم الظهار سنة ٦ هـ، وكذا في \"المجمع\" (٥/ ٢٨٦)، و\"التلقيح\" (ص ٤٥). (ش).","vol":"8","page":230},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء، لأنه محل الركوب غالبًا، ولذلك سمي المركوب ظهرًا، فشُبِّهَتِ الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل، فلو أضاف لغير الظهر كالبطن مثلًا كان ظهارًا على الأظهر عند الشافعية.\nواختلف في ما إذا لم يعين الأم، كأن قال: كظهر أختي مثلًا، فعن الشافعي في القديم: لا يكون ظهارًا، بل يختص بالأم كما ورد في القرآن، وكذا في حديث خولة التي ظاهر منها أوس، وقال في الجديد: يكون ظهارًا، وعن مالك هو ظهار، وهو قول الجمهور.\nولكن اختلفوا فيمن لم تحرم على التأبيد، فقال الشافعي: لا يكون ظهارًا، وعن أحمد روايتان (١) كالمذهبين، فلو قال: كظهر أبي مثلًا فليس بظهار عند الجمهور، وعن أحمد رواية: أنه ظهار، وطرده في كل من يحرم عليه وطؤه حتى في البهيمة، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٢).\nوعند الحنفية هو تشبيه الزوجة، أو جزء منها شائعًا، أو جزء معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد، ولو برضاع أو صهرية، ولا فرق بين كون العضو الظهر أو غيره بما لا يحل النظر إليه.\nوإنما خص باسم الظهار تغليبًا للظهر، لأنه كان الأصل في استعمالهم، وكان الظهار في الجاهلية يحرِّم النساء، كان أهل الجاهلية يطلقون بثلاث: الظهار، والإيلاء، والطلاق، فأقرَّ الله الطلاق طلاقًا، وحكم في الإيلاء والظهار بما بيَّن في القرآن، وشرطه في المرأة كونها زوجة، وفي الرجل كونه من أهل الكفارة، فلا يصح ظهار الذمي كالصبي والمجنون.\n_________\n(١) لكن الموفق (١١/ ٥٧ - ٥٩) لم يذكر فيه روايتين، بل ذكر مذهب أحمد كالحنفية ومالك في أن التشبيه بالمحرمة المؤبدة ظهار؛ وذكر فيه قولين للشافعي، والذي ذكر فيه قولين لأحمد هو التشبيه بظهر من يحرم عليه تحريمًا مؤقتًا والتشبيه بظهر الأب وغيره. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٣٢ - ٤٣٣).","vol":"8","page":231},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوسبب نزول آيات الظهار هو: أن خولة بنت ثعلبة كانت امرأة جسيمة، فرآها زوجها ساجدة في صلاتها، فنظر إلى عجيزتها، فلما انصرفتْ أرادها، فامتنعتْ عليه، وكان امرءًا فيه سرعة ولمم، فقال لها: \"أنت عليَّ كظهر أمي\"، ثم ندم على ما قال. وكان الإيلاء والظهار من طلاق أهل الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلَّا قد حرمت علي، فأتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني، وأنا شابة غنية، ذات مال وأهل، حتى أكل مالي، وأفنى شبابي، وتفرق أهلي، وكبر سني، ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه ينعشني به؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"حرمت عليه\"، فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا، وإنه أبو ولدي، وأحبُّ الناس إلى، فقال رسول الله - ﷺ -: \"حرمت عليه\"، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت صحبتي، ونفضت له بطني -أي كثر ولدي-، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما أراكِ إلَّا وقد حرمت عليه، ولم أؤمر في شأنك بشيء\"، فجعلت تراجع رسول الله - ﷺ -، فإذا قال لها رسول الله - ﷺ -: \"حرمت عليه\" هتفت، وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، اللَّهُمَّ أنزل على نبيك.\nوكان هذا أول ظهار في الإِسلام، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (١) الآيات، قال لها: \"ادعي زوجك\"، فجاء فتلا عليه رسول الله - ﷺ -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، الآيات، ثم قال له: \"هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ \" قال: إذن يذهب مالي كله. الرقبة غالية، وأنا قليل المال، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ \" فقال: والله يا رسول الله إن لم آكل في اليوم ثلاث مرات كَلَّ بصري، وخشيت أن تعشو عيني\"، قال: \"فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا والله إلَّا أن تعينني على ذلك يا رسول الله، قال رسول الله - ﷺ -: \"إني معينك بخمسة عشر صاعًا، واجتمع لهما أمرهما\" (٢).\n_________\n(١) سورة المجادلة: الآية ١.\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٠١).","vol":"8","page":232},{"text":"٢٢١٥ - حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاء (١) - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: ابْنِ عَلْقَمَةَ- بْنِ عَيَّاشٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عن سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: الْبَيَاضِيُّ-\n===\n٢٢١٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قَالَا) أي عثمان ومحمد بن العلاء: (نا ابن إدريس) أي عبد الله بن إدريس الأودي، (عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء- قال ابن العلاء: ابن علقمة- بن عياش)، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا لأبي داود: علقمة بن عياش، وهو صفة لعطاء، والذي ثبت عندي أنه منقلب، والصواب ما قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة بن عبد الله بن أبي قيس إلى آخر نسبه. وكذا ما قال المقدسي في ترجمة محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش بن علقمة العامري، وهو مكتوب، بمثناة تحتية وستين معجمة بعد الألف.\nوكتب على الحاشية نسخة، وهي: عطاء بن عباس- بالباء الموحدة وسين مهملة بعد الألف- موافقًا لما في \"تهذيب التهذيب\".\nوما في \"رجال جامع الأصول\": محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة العامري القرشي المدني، فظهر بهذا أن ما وقع في \"أبي داود\" من ابن العلاء، فكأنه انقلب عليه، أو وقع الغلط من تصحيف الكاتب.\n(عن سليمان بن يسار، عن سلمة (٢) بن صخر، قال ابن العلاء) في صفة سلمة: (البياضي) ولم يذكره عثمان، وهو سلمة بن صخر بن سلمان بن الصمة بن حارثة بن الحارث بن زيد مناة، الأنصاري الخزرجي، المدني،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) قال أبو القاسم البغوي: ليس لسلمة هذا حديث مسند غير هذا، قاله ابن رسلان. (ش).","vol":"8","page":233},{"text":"قَالَ: كُنْتُ امْرَءًا أُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي، فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ خِفْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنَ امْرَأَتِي شَيْئًا يُتَّايَعُ (١) بِي حَتَّى أُصْبِحَ، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فبَيْنَا (٢) هِيَ تَخْدِمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شيْءٌ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْتُ عَلَيْهَا،\n===\nويقال: سلمان بن صخر، وسلمة أصح، ودعوتهم في بني بياضة، فلذلك يقال له: البياضي.\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): كان يقال له: البياضي، لأنه كان حالفهم، أخرجوا له حديث الظهار، قال البغوي: لا أعلم له حديثًا مسندًا غيره.\n(قال) سلمة بن صخر: (كنت امرأ) أي رجلًا (أصيب من النساء) أي في الرغبة فيهن، وشدة الشهوة، ووفور القوة على الجماع (ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا) من الجماع (يُتَّايَعُ (٤) بي) أي: يلازمني شره (حتى أصبح) غاية لقوله: \"أصيب من امرأتي\"، أي: أصيب من امرأتي من الجماع في الليل، فلم أقدر على أن أنزع منها، حتى أصبح، فيفسد صومي ويلازمني شره.\n(فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان)، أي: ظاهرت منها ظهارًا مؤقتًا (٥) إلى تمام شهر رمضان، (فبينا هي تخدمني ذات ليل إذ تكشف) أي انكشف وظهر (لي منها) أي من حسنها وجمالها (شيء، فلم ألبث أن نزوت) أي وقعت (عليها)\n_________\n(١) في نسخة: \"يتتايع\".\n(٢) في نسخة: \"فبينما\".\n(٣) \"الإصابة\" رقم الترجمة (٣٣٨٦).\n(٤) ولفظ \"الترمذي\": \"فأتتايع في ذلك حتى أصبح\". (ش).\n(٥) قال الموفق (١١/ ٦٨ - ٦٩): يصح الظهار المؤقت عند أحمد والثوري وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعي (وبه قالت الحنفية)، وقوله الآخر: لا يكون ظهارًا، وقال طاوس: إذا ظاهر في وقت فعليه الكفارة، وإن بر، وقال مالك: يسقط التأقيت ويكون ظهارًا مطلقًا، كما في \"الأوجز\"، انتهى. (ش). (انظر: \"أوجز المسالك\" ١١/ ٩٧).","vol":"8","page":234},{"text":"فَلَمَّا أَصْبَحْتُ خَرَجْتُ إِلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُم الْخَبَرَ، وَقُلْتُ: امْشُوا (١) مَعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالُوا: لَا وَاللهِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: \"أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ؟ \". قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَأَنَا صَابِرٌ لأَمْرِ اللَّهِ ﷿، فَاحْكُمْ فِيَّ مَا (٢) أَرَاكَ الله.\nقَالَ: \"حَرِّرْ رَقَبَةً\"، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَة غَيْرَهَا وَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي، قَالَ: \"فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ\"، قَالَ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنَ الصّيَامِ، قَالَ: \"فَأَطْعِمْ وَسَقًا مِنْ\n===\nأي حتى أصبحت، (فلما أصبحت خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر) أي قصتي (وقلت: امشوا معي إلى رسول الله - ﷺ -، قالوا: لا) أي لا ننطلق معك (٣) (والله).\n(فانطلقت) وحدي (إلي النبي - ﷺ -، فأخبرته) بقصتي (فقال) أي رسول الله - ﷺ - توبيخًا: (أنت بذاك) أي أنت الفاعل بذاك الفعل (يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله ﷿) أي في قصتي، (فاحكم في ما أراك الله! قال: حرر) أي أعتق (رقبة، قلت (٤): والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي) بيدي (قال: فصم شهرين متتابعين) أي لم يفصل بينها بالجماع (قال: وهل أصبت الذي أصبت) من المصيبة (إلَّا من) أجل (الصيام، قال) رسول الله - ﷺ -: (فأطعم (٥) وسقا من\n_________\n(١) في نسخة: \"اسعوا\".\n(٢) في نسخة: بدله \"بما\".\n(٣) نتخوف أن ينزل فينا قرآن، كما في \"الترمذي\" (٥/ ٤٠٥). (ش).\n(٤) يعتبر الإعسار والإيسار وقت التكفير، وبه قال مالك، وقال أحمد والظاهرية: وقت الوجوب، وهما قولان للشافعي، كذا في \"فتح القدير\" (٤/ ٢٣٨)، والبسط في \" البدائع\" (٣/ ٣٧٣). (ش).\n(٥) فيه حجة للحنفية أن كفارة الظهار صاع من تمر لكل مسكين، أو نصف صاع من برٍّ، كذا في \"الكوكب\" (٢/ ٢٧٣)، وعند أحمد مد منه ومدان من غيره، وعند الشافعي مد من كل شيء، وكذا عند مالك، إلَّا أن مد الظهار عنده مد هشام، وهو مدان بمده ﵊. كذا في \"الأوجز\" (١١/ ١١٣ - ١١٤). (ش).","vol":"8","page":235},{"text":"تَمْر بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا\"، قَالَ (١): وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ مَا لنَا طَعَامٌ. قَالَ: \"فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُريقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسَقًا مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا\".\nفَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي، فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْي، وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْيِ، وَقَدْ (٢) أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُم. [ت ٣٢٩٩، جه ٢٠٦٢، حم ٤/ ٣٧، دي ٢٢٧٣، خزيمة ٢٣٧٨]\n(٣) زَادَ ابْنُ الْعَلَاءِ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: وَبَيَاضَةُ بَطْنٌ مِنْ بَنِي زُريقٍ.\n===\nتمر بين ستين مسكينًا).\n(قال) سلمة: (والذي بعثك بالحق لقد بتنا) أي أنا وزوجتي (وحشين) أي خالي البطن (ما لنا طعام، قال) رسول الله - ﷺ -: (فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق) أي عاملها (فليدفعها) أي تمر الصدقة (إليك، فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها، فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي - ﷺ - السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم).\n(زاد ابن العلاء، قال ابن إدريس: وبياضة بطن من بني زريق) بتقديم الزاي على الراء، قال السمعاني في \"الأنساب\" (٤): الزُّرَقي: بضم الزاي وفتح الراء وفي آخرها القاف، هذه النسبة إلى بني زريق، وهم بطن من الأنصار، ويقال لهم: بنو زريق بن عبد حارثة بن مالك.\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) في نسخة: \"وقد أمرني أو أمر لي\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٤) \"الأنساب\" (٣/ ١٤٧).","vol":"8","page":236},{"text":"٢٢١٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عن مُحَمَّدِ بْن إِسْحَاقَ، عن مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عن يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، عن خُوَيْلَةَ بنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ\n===\nوقال (١): البياضي بفتح الباء المنقوطة بواحدة والياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفي آخرها الضاد المعجمة، هذه النسبة إلى أشياء، [منها إلى] بياضة الأنصار، وهم بطن منه، منهم سلمة بن صخر البياضي له صحبة، وجماعة نسبوا إلى لبس الثياب البيض ببغداد. والنسبة الثالثة: هي النسبة إلى بيع الثياب القطنية تكون بالري، انتهى ملخصًا.\n٢٢١٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يحيى بن آدم، نا ابن إدريس) عبد الله، (عن محمد بن إسحاق، عن معمر بن (٢) عبد الله بن حنظلة) الحجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: أخرج حديثه في \"صحيحه\"، وفيه تصريح ابن إسحاق بالسماع، وقال القطان: مجهول الحال، وتبعه الذهبي، وقال: تفرد عنه ابن إسحاق.\n(عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": خولة بنت ثعلبة بن أصرم بن فهو بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصارية الخزرجية، ويقال: خولة بنت ثعلبة بن مالك، ويقال: بنت مالك بن ثعلبة، ويقال: دُليج، ويقال: بنت صامت، روى حديثها ابن إسحاق، عن معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت.\nقلت: هذه رواية إبراهيم بن سعد، وقال يونس بن بكير: عن إسحاق\n_________\n(١) انظر: \"الأنساب\" (١/ ٤٢٥ - ٤٢٦).\n(٢) قال ابن رسلان: ليس له في الكتاب سوى هذا الحديث. (ش).","vol":"8","page":237},{"text":"قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَشْكُو إِلَيْهِ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يجَادِلُنِي فِيهِ، وَيقُولُ: \"اتَّقِي الله فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ\"،\n===\nخولة بغير تصغير، وكذا قال ابن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وكذا هو في تفسير النخعي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال محمد بن أبي حرملة: عن عطاء بن يسار: أن خويلة بنت ثعلبة، وكذا سماها محمد بن كعب، وعروة، وعكرمة، وقال محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق: خويلة بنت ثعلبة، أخرجه الطبراني، وقال يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق: بنت مالك بن ثعلبة، أخرجه الحسن بن سفيان، وكذا قال جعفر بن الحارث عن ابن إسحاق، أخرجه ابن منده، وأخرجه يحيى الحماني في \"مسنده\" من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن يزيد، عن خولة بنت الصامت، انتهى.\n(قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت) الأنصاري الخزرجي، أخو عبادة بن الصامت، شهد بدرًا، وهو الذي ظاهر من امرأته، رواه أبو داود من رواية الأوزاعي عن عطاء عنه، وقال عقبة: عطاء لم يدرك أوسًا، وهو من أهل بدر قديم الموت، والحديث مرسل، قلت: وقال ابن حبان: مات أيام عثمان، وله خمس وثمانون سنة.\n(فجئت رسول الله - ﷺ - أشكو إليه) أي سوء خلقه وشدته (ورسول الله - ﷺ - يجادلني فيه، ويقول: اتقي الله، فإنه ابن (١) عمك).\nوهذا الكلام بظاهره يخالف ما وقع في سائر الروايات من أنها كانت تشكو إلى رسول الله - ﷺ - وحدتها وفاقتها، ويقول رسول الله - ﷺ - بها: \"حرمت عليه\".\nوهذا الكلام على أنها تشكو إلى رسول الله - ﷺ - سوء خلقه وفظاظته،\n_________\n(١) يجتمع معها في أصرم بن فهر الأنصاري السالمي، انتهى. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"8","page":238},{"text":"فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إِلَى الفَرْضِ فَقَالَ: \"يَعْتِقُ رَقَبَةً\"، قَالَتْ: لَا يَجِدُ، قَالَ: \"فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ\" قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: \"فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا\"، قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَئٍ يَتَصدَّقُ (١) بهِ، قَالَتْ: فَأُتِيَ (٢) سَاعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ\n===\nورسول الله - ﷺ - فَهِمَ من كلامها أنها تبغي مفارقته، فيشفع له إليها ويجادلها ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك.\nقلت: لا مخالفة فيه، فإن في الحديث اختصارًا ذكر بعض القصة في بعضها، وتركت أخرى، وذكر في بعضها بعضًا آخر، فإن خولة جاءت رسول الله - ﷺ -، فذكرت سوء خلقه وغلظته، ثم لما أخبرت بأنها حرمت عليه، جعلت تبكي وتهتف وتجادل رسول الله - ﷺ - في المفارقة؛ لأنها رجع إليها عقلها، وفهمت عاقبة أمرها، فنزلت آية الظهار.\n(فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٣) إلى الفرض) أي إلى المفروض من الكفارة (فقال) رسول الله - ﷺ -: (يعتق رقبة، قالتْ: لا يجد، قال فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما) نافية (به) أي بأوس قوة (من صيام) من زائدة أي قوة صيام، (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فليطعم ستين مسكينًا، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به) أي في كفارة الظهار.\n(قالتْ: فأتي ساعتئذ) أي في تلك الساعة (بعرَق) بفتح الراء، زنبيل منسوج من نسائج الخوص (من تمر) أي فأعطاه إياه رسول الله - ﷺ - في كفارته، ولما كان هذا المقدار يكفي نصف مقدار الكفارة، قالت: (قلت: يا رسول الله\n_________\n(١) في نسخة: \"يصدق\".\n(٢) في نسخة: \"قال فإني سأعينه\".\n(٣) سورة المجادلة: الآية ١.","vol":"8","page":239},{"text":"فَإِنِّي أُعِينُهُ (١) بِعَرَقٍ آخَرَ، قَالَ: \"قَدْ أَحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَارْجِعِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ\". قَالَ: وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا. [حم ٦/ ٤١٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَذَا (٢) إِنَّمَا كَفَّرَتْ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْتَأْمِرَهُ (٣).\n===\nفإني أعينه (٤) بعرَق آخر، قال: قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها) أي بالتمر (عنه) أي عن كفارته (ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك، قال) يحيى بن آدم: (والعرَق ستون صاعًا).\n(قال أبو داود: وهذا إنما كفَّرت عنه من غير أن تستأمره)، أي: تستأذنه. قلت: ليس في الحديث دلالة على أن خولة كَفَرت عنه بغير إذنه وعلمه، بل في الحديث دلالة على أنها فعلت ذلك بإذنه؛ لأنهما كانا عند رسول الله - ﷺ - لما أعانه رسول الله - ﷺ - بعرق، كما يدل عليه سائر الروايات.\nولو سُلِّم أنهما لم يكونا موجودين عند رسول الله - ﷺ -، وكانت خولة وحدها موجودة عنده، فلما أعطاها رسول الله - ﷺ - عرق تمر، ووعدت عرقًا آخر، فالظاهر أنها ذهبت به إلى بيتها، وزادت فيه عرقًا آخر، فبعيد أن لا يطلع عليه أوس بن الصامت - ﵁ -، فسكوته يكون إذنًا، والله أعلم.\nوهذا الحديث مختصر، أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" مطولًا، من شاء فلينظر فيه.\nواختلفت الروايات في تقدير العرَق (٥)، ففي هذه الرواية: أن العرق ستون\n_________\n(١) في نسخة: \"سأعينه\".\n(٢) في نسخة بدله: \"في هذا إنها\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا أخو عبادة بن الصامت\".\n(٤) يشكل عليه ما تقدم من أنها كانت تشكو الفقر، انتهى. (ش).\n(٥) قلت: لكن يظهر من ابن رسلان أن كل واحد من هذه الروايات قال به أحد من الأئمة، فقال الحنفية: ستون صاعًا من تمر، وقال المالكية: ثلاثون صاعًا من كل أنواع الكفارة بين ستين مسكينًا، وقال الشافعية: خمسة عشر صاعًا بين ستين مسكينًا. (ش).","vol":"8","page":240},{"text":"٢٢١٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى (١)، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"وَالْعَرَقُ مِكْتَلٌ يَسَعُ ثَلَاثينَ صَاعًا\". [انظر سابقيه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أَصَحُّ (٢) مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ.\n===\nصاعًا، وفي الرواية الثانية: أنه ثلاثون صاعًا، وفي الرواية الثالثة: خمسة عشر صاعًا، وهذا الاختلاف ليس باختلاف في الواقع، بل هو مبني على اختلاف المكاتل، فإنه قد يكون كبيرًا يسع ستين صاعًا، وقد يكون صغيرًا يسع ثلاثين صاعًا، وقد يكون أصغر فيسع خمسة عشر صاعًا.\n٢٢١٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد العزيز بن يحيى) الحراني، (نا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد) المتقدم (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم، (إلَّا أنه) أي عبد العزيز بن يحيى (قال: والعرق مكتل) كمنبر (يسع ثلاثين صاعًا).\n(قال أبو داود: وهذا) الحديث (أصح من حديث يحيى بن آدم).\nقلت: لم أقف على أصحية حديث عبد العزيز بن يحيى من حديث يحيى بن آدم، فإن رجال حديث يحيى بن آدم، وهما يحيى بن آدم وابن إدريس أقوى من رجال حديث عبد العزيز بن يحيى، فباعتبار رجال السند كونه أصح مشكل، إلَّا أن يقال: إن المراد بالأصحية في تقدير العرق بأنه ستون صاعًا، فإنه إذا كان العرق ستين صاعًا لا تحتاج إلى الإعانة بعرق آخر، فإن ستين صاعًا من التمر تكفي للكفارة، فالأصح أن العرق الذي أتي إلى رسول الله - ﷺ - كان يسع ثلاثين صاعًا، وهو نصف ما يكفي للكفارة، فأعانتُه بعرق آخر يسع ثلاثين صاعًا، وهو نصف آخر لا بد أن يزاد في الكفارة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبو الأصبغ الحراني\".\n(٢) في نسخة بدله: \"أصح الحديثين\".","vol":"8","page":241},{"text":"٢٢١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: يَعْنِي الْعَرَقَ (١): زَنْبِيلًا يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا. [حم ٤/ ٣٧]\n٢٢١٩ - حَدَّثَنَا ابْن السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ بِهَذَا الْخَبرِ، قَالَ: فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِتَمْرٍ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَهوَ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا. قَالَ: \"تَصَدَّقْ بِهَذَا\"،\n===\n٢٢١٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: يعني العرق) وفي نسخة: \"بالعرق\" (زنبيلًا يأخذ خمسة عشر صاعًا)، أخرجه الترمذي (٢): حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن [بن ثوبان، كما في \"المستدرك\" (٣)]، أن سلمان بن صخر (٤) الأنصاري، أحد بني بياضة، الحديث، وفيه: العرق: وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا أو ستة عشر صاعًا، إطعام ستين مسكينًا.\n٢٢١٩ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار) أي عن سلمة بن صخر (بهذا الخبر) المتقدم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن في قصة سلمة بن صخر (قال: فأتي رسول الله - ﷺ - بتمر، فأعطاه) أي التمر (إياه) أي سلمة بن صخر، (وهو قريب من خمسة عشر صاعًا، قال) رسول الله - ﷺ -: (تصدق بهذا،\n_________\n(١) في نسخة: \"بالعرق\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٥٠٣) رقم الحديث (١٢٠٠).\n(٣) (٢/ ٢٠٤) وكذا في نسخة \"سنن الترمذي\" المحققة.\n(٤) وفي الأصل: \"سليمان\"، وكذا في نسخة من \"سنن الترمذي\" وهو خطأ، والصواب: سلمان، كما نبه عليه الدكتور بشار عواد في تحقيق \"سنن الترمذي\" تحت رقم (٣٢٩٩)، وأشار إليه الحافظ في \"الإصابة\" رقم الترجمة (٣٣٥٥).","vol":"8","page":242},{"text":"قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى (١) أَفْقَرَ مِنِّي وَمِنْ أَهْلِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُكَ\".\n٢٢٢٠ - (٢) قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ وَزِيرٍ الْمِصْرِيِّ (٣):\n===\nقال) أي سلمة: (يا رسول الله على) حرف جر، بحذف همزة الاستفهام، وفي نسخة بذكرها (أفقر) أي أحوج (مني ومن أهلي؟ فقال رسول الله -ﷺ -: كله أنت وأهلك).\nوهذا الحديث يخالف ما تقدم من حديث سليمان بن يسار في قصة سلمة بن صخر أن رسول الله - ﷺ - بعثه إلى صاحب صدقة بني زريق ليدفع إليه صدقتهم، وهذا الحديث على أن رسول الله - ﷺ - أتي بتمر، فأعطاه إياه.\nويمكن أن يجاب عنه: بأن رسول الله - ﷺ - لما علم شدة فقرهم وحاجتهم فأعطاه التمر الذي أتي به، بعد ما أمره بالانطلاق إلى صاحب صدقة بني زريق ليؤدي بهما الكفارة، ويأكل هو وأهله بقيتهما، وكان ذلك التمر لا يكفي الكفارة، فلا مخالفة فيه، والله أعلم.\nوإنما أمره بالتصدق بالتمر الذي أتي به ليكون أداء بعض الصدقة في الحال، وبقيتها يؤديها مما يأخذ من صدقة بني زريق، ولما أخبر رسول الله - ﷺ - بحاجته وجوعه، أذن له في الأكل، فقدم الأكل على أداء الكفارة، والكفارة تكون عليه دينًا فيؤديها كلها فيما بعد مما يأخذ من صدقة بني زريق.\n٢٢٢٠ - (قرأت على محمد بن الوزير المصري) روى عنه أبو داود، وأغفله صاحب \"النبل\". قلت: حديثه عنه في الطلاق، وأظنه أحمد بن الوزير\n_________\n(١) في نسخة: \"أَعَلى\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قلت\".","vol":"8","page":243},{"text":"حَدَّثَكُمْ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، نَا الأَوْزَاعِيُّ، نَا عَطَاءٌ، عن أَوْسٍ أَخِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا\". [ق ٧/ ٣٩٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَعَطَاءٌ لَمْ يُدْرِكْ أَوْسًا، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، قَدِيمُ\n===\nالذي تقدم، أو كان له أخ اسمه محمد، وقد ذكره في \"الميزان\" (١)، وقال: ما رأيت أحدًا روى عنه سوى أبي داود.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان التجيبي، أبو عبد الله المصري، قال ابن عساكر في \"الأطراف\" في مسند أوس بن الصامت: \"د\" قرأت على ابن وزير المصري، يعني أحمد بن يحيى، فذكر حديثًا، قال المزي: كذا قال، وهو في عدة أصول من \"سنن أبي داود\": قرأت على محمد بن الوزير.\n(حدثكم) بتقدير حرف الاستفهام (بشر بن بكر) التنيسي، أبو عبد الله البجلي، دمشقي الأصل، قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: ما به بأس، وقال الدارقطني: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، ما علمت إلَّا خيرًا، قال محمد بن الوزير: سمعت بشر بن بكر يقول: إنه ولد سنة ١٤٠ هـ، وقال العجلي والعقيلي: ثقة، وقال الحاكم: مأمون، وقال مسلمة بن قاسم: روى عن الأوزاعي أشياء انفرد بها إن شاء الله، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا الأوزاعي، نا عطاء، عن أوس أخي عبادة بن الصامت: أن النبي - ﷺ - أعطاه خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا)، وهذا مخالف لما تقدم من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، فإن فيه بعرق من تمر، وفي هذه القصة اختلاف كثير.\n(قال أبو داود: وعطاء لم يدرك أوسًا، وهو من أهل بدر، قديم\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٨٢٨٦).","vol":"8","page":244},{"text":"الْمَوْتِ، وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ (١).\n٢٢٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ جَمِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ رَجُلًا بِهِ لَمَمٌ،\n===\nالموت، والحديث مرسل).\n٢٢٢١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن هشام بن عروة، أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت)، قال الحافظ في ترجمتها: ونسبه أبو نعيم إلى التصحيف، وليس كما زعم، فقد وقع تسميتها كذلك في حديث عائشة من \"مسند أحمد\"، لكن المعروف أنها خولة، فلعل جميلة (٢) لقب (وكان رجلًا به لمم) أي خبل وجنون، وكتب بالحاشية: قال الخطابي (٣)، وابن الأثير (٤): اللمم هنا الإلمام بالنساء وشدة الحرص عليهن والتوقان، وليس من الخبل والجنون، فإنه لو ظاهر في تلك الحال لم يلزمه شيء، وهو في غير هذا طرف من المجنون يلم بالإنسان، أي يقرب منه ويعتريه.\nقلت: ينافي هذا التفسير ما في \"مستدرك الحاكم\" (٥) و\"سنن البيهقي\" (٦) عن عائشة: \"أن جميلة كانت امرأة أوس بن الصامت وكان امرأ به لمم، فإذا اشتدَّ لممه ظاهر من امرأته\".\nوما في \"طبقات ابن سعد\" (٧): عن عمران بن أنس قال: \"كان أول من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكان به لمم، وكان يفيق أحيانًا فلاخى\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وإنما روَوه عن الأوزاعي عن عطاء أن أوسًا\".\n(٢) وقال ابن رسلان: لعل له زوجتين ظاهر منهما، انتهى. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٥٤).\n(٤) \"النهاية\" (٤/ ٢٧٣).\n(٥) \"المستدرك\" (٢/ ٤٨١).\n(٦) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٨٢).\n(٧) \"طبقات ابن سعد\" (٨/ ٣٧٩) رقم الترجمة (٤٤٥٣).","vol":"8","page":245},{"text":"فَكَانَ إِذَا اشْتَدَّ (١) لَمَمُهُ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ، فَأَنْزَلَ الله ﷿ فِيهِ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ. [ق ٧/ ٣٨٢]\n٢٢٢٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ،\n===\nامرأته خولة بنت ثعلبة في بعض صحواته، فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم\" الحديث، فعرف بهذا أن اللمم ها هنا: هو الخبل، وأن الظهار وقع في ضمن إفاقته منه، \"مرقاة الصعود\".\nقلت: وينافيه رواية أبي داود: \"فإذا اشتد به اللمم ظاهر\"، بل الصواب أن المراد باللمم سوء الفكر والغضب فيما لا يغضب فيه الناس لا الجنون، \"مولانا الشاه ولي الله المحدث الدهلوي ﵀\".\nوقد غلط صاحب \"العون\"، فنقل عن الخطابي: قال: معنى اللمم ها هنا: شدة الإلمام بالنساء وشدة الحرص والتوقان إليهن، ثم قال: يدل على ذلك قوله في هذا الحديث من الرواية الأولى: \"كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري\"، انتهى.\nقلت: هذا غلط، ليس في هذ الحديث في شيء من الروايات: \"كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري\"، بل الواقع في بعض هذه الروايات أن أوسًا كان شيخًا ضعيفًا، بل الحديث الذي وقع فيه: \"كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري\"، هو حديث سلمة بن صخر، لا حديث قصة أوس بن الصامت، وهو حديث غير هذا الحديث، فلا يستدل بما وقع في قصة سلمة بن صخر من حاله الخاصة على قصة أوس بن الصامت، والله تعالى أعلم.\n(فكان إذا اشتد لممه ظاهر من امرأته)، أي: فيكثر من الظهار في حال غلبة الخبل عليه، حتى اعتاد ذلك، فجرى على لسانه في حالة الإفاقة، (فأنزل الله ﷿ فيه كفارة الظهار).\n٢٢٢٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا محمد بن الفضل،\n_________\n(١) في نسخة: \"فإذا اشتد\".","vol":"8","page":246},{"text":"نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ ﵂ مِثْلَهُ. [ق ٧/ ٣٨٢، ك ١/ ٨٢]\n٢٢٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ، نَا سُفْيَانُ، نَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عن عِكْرِمَةَ: \"أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ثمَّ وَاقَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَأَتَى (١) النَّبِيَّ - ﷺ -! فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: \"مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ \"، قَالَ: رَأَيْتُ بَيَاضَ سَاقَيْهَا في الْقَمَرِ، قَالَ: \"فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْكَ\" (٢). (٣) [انظر سابقه]\n===\nنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂ مثله).\n٢٢٢٣ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، نا سفيان) بن عيينة، (نا الحكم بن أبان، عن عكرمة، أن رجلًا ظاهر من امرأته) لم أقف على تسميته، والذي يظهر لي أن الرجل سلمة بن صخر البياضي، فإنه وقع في الحديث المذكور في أول باب الظهار أنه واقع امرأته بعد ما ظاهر منها، والله تعالى أعلم.\n(ثم واقعها قبل أن يكفِّر، فأتى النبي - ﷺ - فأخبره، فقال) النبي - ﷺ -: (ما حملك على ما صنعت؟) الظاهر أنه لم يكن غرض الاستفهام السؤال، بل الاستفهام كان للتوبيخ والزجر والتنديم، ولكنه فهم من ظاهره السؤال (قال: رأيت بياض ساقيها في القمر) فلم أملك نفسي حتى واقعتها (قال) النبي - ﷺ -: (فاعتزلها) أي جماعها ودواعيها (٤) (حتى تكفِّر عنك) أي عن ظهارك.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أتى\".\n(٢) في نسخة: \"عن يمينك\".\n(٣) جاء في نسخة \"عون المعبود\" (٦/ ٣٠٧) بعد هذا الحديث حديث، ونبَّه الشارح إلى أنه مذكور في بعض النسخ وليس في \"تحفة الأشراف\" ونصه:\nحدثنا الزعفراني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: \"أن رجلًا ظاهر من امرأته فرأى بريق ساقها في القمر، فوقع عليها، فأتى النبي - ﷺ - فأمره أن يكفِّر\".\n(٤) ذكر الموفق: فيه روايتين للأئمة الأربعة كلهم. (ش). (انظر: \"المغني\" ١١/ ٦٦).","vol":"8","page":247},{"text":"٢٢٢٤ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا إِسْمَاعِيلُ، نَا الْحَكَمُ بْنُ\n===\nقال الشوكاني (١): فيه دليل على أنه يحرم على الزوج الوطء قبل التكفير (٢)، وهو الإجماع، وأن الكفارة واجبة عليه، لا تسقط بالوطء قبل إخراجها.\nوروى سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم أنه يجب على من وطئ قبل التكفير ثلاث كفارات، وذهب الثوري (٣)، وسعيد بن جبير، وأبو يوسف إلى سقوط الكفارة بالوطء.\nقلت: لم أقف على هذه الرواية لأبي يوسف في كتب الحنفية، ولا أثر من ذلك، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه تجب عليه كفارتان، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، وذهب الجمهور إلى أن الواجب كفارة واحدة مطلقًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.\nواختلف في مقدمات الوطء، هل تحرم مثل الوطء إذا أراد أن يفعل شيئًا منها قبل التكفير أم لا؟ فذهب الثوري والشافعي في أحد قوليه إلى أن المحرم هو الوطء وحده لا المقدِّمات، وذهب الجمهور (٤) إلى أنها تحرم كما يحرم الوطء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وهو يصدق على الوطء ومقدماته، انتهى.\n٢٢٢٤ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا إسماعيل) بن علية، (نا الحكم بن\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٥٩).\n(٢) قال ابن رسلان: وعموم التكفير يشمل العتق والصوم والإطعام، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وأحمد، وذهب أبو ثور إلى الإباحة قبل التكفير بالطعام، وعن أحمد ما يقتضي ذلك، انتهى. (ش).\n(٣) وحكى الترمذي مذهب الثوري مثل الجماعة. فتأمل. (ش). (انظر: \"سنن الترمذي\" ١١٩٨).\n(٤) قال ابن رسلان: وهو أظهر قولَي الشافعي، وبه قال مالك وأهل الرأي، وهو إحدى روايتي أحمد لعموم \"اعتزلها\" في الحديث. (ش).","vol":"8","page":248},{"text":"أَبَانَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ السَّاقَ. [انظر الحديث السابق]\n===\nأبان، عن عكرمة، عن ابن عباس) كذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا بذكر قوله: \"عن ابن عباس\" بعد قوله: \"عكرمة\"، إلَّا في النسخة المكتوبة الأحمدية، فإن فيها في أصل النسخة: \"عن عكرمة، عن النبي - ﷺ -\" من غير ذكر ابن عباس، ولكن رقم بقلم خفي فيها: \"عن ابن عباس\"، كأنه لم يكن في أصل النسخة، وزيد بعدها، والظاهر أنه غير صحيح، وكذا ما في جميع النسخ من لفظ \"عن ابن عباس\" غير صحيح.\nوالدليل عليه أن العلامة الزيلعي قال في \"نصب الراية\" (١) في باب الظهار: وأخرجه أبو داود، عن سفيان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، أن رجلًا، فذكره مرسلًا، وكذلك أخرجه عن إسماعيل، عن الحكم مرسلًا، فشهد الزلجحي أن هذا الحديث في رواية إسماعيل عن الحكم مرسل، فلو كانت زيادة قوله: \"عن ابن عباس\" في هذا السند صحيحة لم يكن مرسلًا، بل كان مسندًا، فدل ذلك على أن هذا في السند لفظ \"عن ابن عباس\" غلط من الكاتب، والله تعالى أعلم.\n(عن النبي - ﷺ - نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (ولم يذكر) إسماعيل في حديثه (الساق) أي قصة الساق، وإنما أعاد هذا السند لأنه اختلف في إرساله وإسناده.\nقال الشوكاني (٢): وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا الحاكم وصححه، قال الحافظ: ورجاله ثقات، لكن أعلَّه أبو حاتم والنسائي بالإرسال، وقال ابن حزم: رواته ثقات، ولا يضر إرسال من أرسله. وأخرج البزار شاهدًا له من طريق خصيف عن عطاء عن ابن عباس: \"أن رجلًا قال: يا رسول الله،\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٤٦).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩).","vol":"8","page":249},{"text":"٢٢٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، أَنَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمُخْتَارِ حَدَّثَهُمْ (١)، نَا خَالِدٌ (٢)، حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ (٣)، عن عِكْرِمَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ. [ق ٧/ ٣٨٦]\n===\nإني ظاهرت من امرأتي، فرأيت ساقها في القمر، فواقعتها قبل أن أكفِّر، فقال: كفِّر ولا تعد\"، وقد بالغ أبو بكر بن العربي فقال: ليس في الظهار حديث صحيح.\nقلت: أخرج النسائي هذا الحديث من طريق الفضل بن موسى، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس مسندًا، ثم أخرجه من طريق عبد الرزاق قال: ثنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة مرسلًا، ثم أخرجه كذلك من طريق المعتمر قال: سمعت الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة ولم يسنده، ثم قال: قال أبو عبد الرحمن: المرسل أولى بالصواب من المسند، انتهى. ولعله رجح الإرسال لأنه مروي من طريقين، وأما المسند فمروي عنده من طريق واحد.\n٢٢٢٥ - (حدثنا أبو كامل، أن عبد العزيز بن المختار حدثهم) أي أبا كامل وغيره، (نا خالد، حدثني محدث) كذا في النسخ الموجودة وفي المصرية، ونسخة \"العون\" والمجتبائية، والقادرية، والكانفورية، إلَّا أنه كتب على حاشية المجتبائية والقادرية لفظ \"محمد\" بطريق النسخة؛ وأما في النسخة المكتوبة الأحمدية القديمة، ففي متنها: \"حدثني محمد\"، وكتب على حاشيتها \"محدث\"، فإن كان لفظ \"محمد\" محفوظًا، فلعله هو ابن سيرين، وإلَّا فهو مجهول.\n(عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - نحو حديث سفيان) مرسلًا لم يذكر فيه ابن عباس.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"محمد\".","vol":"8","page":250},{"text":"٢٢٢٦ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عِيَسَى يُحَدِّثُ بِهِ، (١) نَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَلَمْ يَذْكُر ابْنَ عَبَّاسٍ. [انظر الأحاديث السابقة]\n٢٢٢٧ - (٢) كَتَبَ إِلَيَّ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عن مَعْمَرٍ، عن الْحَكَم بْنِ أَبَانَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n===\n٢٢٢٦ - (قال أبو داود: وسمعت محمد بن عيسى يحدث به) أي بهذا الحديث، (نا معتمر قال: سمعت الحكم بن أبان يحدث بهذا الحديث) أي عن عكرمة كما في رواية عند النسائي (ولم يذكر) المعتمر (ابن عباس).\n٢٢٢٧ - (كتب (٣) إليّ الحسين بن حريث قال: أنا الفضل بن موسى، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (عن النبي - ﷺ -).\nوهذا الحديث مسند، وغرض المصنف بذكر هذا الحديث: أن هذا الحديث مختلف في إرساله وإسناده، فذكر أولًا إرساله بطرق مختلفة، ثم أخرج مسندًا بطريق واحد، ليستدل على رجحان كونه مرسلًا على كونه مسندًا، وأخرج هذا الحديث (٤) النسائي في \"مجتباه\" (٥). بهذا الطريق مسندًا، ثم أخرج هذا الحديث من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الحكم بن أبان مرسلًا، فاختلف عن معمر في الإرسال والإسناد.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) وفي ابن رسلان: حدثنا الحسين بن حريث ... إلخ، انتهى. (ش).\n(٤) وهكذا أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٥) انظر: \"سنن النسائي\" (٣٤٥٧ - ٣٤٥٨) و\"سنن الترمذي\" (١١٩٩).","vol":"8","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>(١٨) بَابٌ: في الْخُلْعِ</span>\n===\n\n(١٨) (بَابٌ: في الْخُلْعِ) (١)\nبضم المعجمة وسكون اللام، وهو في اللغة فراق الزوجة على مال، مأخوذ من خلع الثوب؛ لأن المرأة لباس الرجل معنى، وضم مصدره تفرقة بين الحسي والمعنوي، يقال: خلع ثوبه ونعله خلعًا بفتح الخاء، وخلع امرأته خُلعًا وخُلعة بالضم.\nأما حقيقته الشرعية: فهو فراق الرجل امرأته على عوض يحصل له، وقال كثيرون من الفقهاء: هو مفارقة الرجل امرأته على مال، وليس بجيد، فإنه لا يشترط كون عرض الخلع مالًا، فإنه لو خالعها عليه من دين، أو خالعها على قصاص لها عليه، فإنه صحيح، وإن لم يأخذ الزوج منها شيئًا.\nقلت: قال أصحابنا: الخلع إزالة الزوجية بما تعطيه من المال، انتهى.\nواختلف في ماهية الخلع، قال أصحابنا: هو طلاق، وهو مروي عن عمر، وعثمان - ﵄-، وللشافعي (٢) قولان: في قول مثل قولنا. وفي قول ليس بطلاق، بل هو فسخ، وهو مروي عن ابن عباس - ﵁ -.\nوفائدة الاختلاف: أنه إذا خالع امرأته ثم تزوجها، تعود إليه بطلاقين عندنا، وعنده بثلاث تطليقات، حتى لو طلقها بعد ذلك بتطليقتين حرمت عليه حرمة غليظة عندنا، وعنده لا تحرم إلَّا بثلاث.\n_________\n(١) قال الموفق (١٠/ ٢٦٨): وبجواز الخلع قال فقهاء الحجاز والشام، قال ابن عبد البر: ولا نعلم أحدًا خالفه إلَّا بكر بن عبد الله المزني، وزعم أن آية الخلع منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية، [النساء: ٢٠]. وروي عن ابن سيرين وأبي قلابة: لا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. (ش).\n(٢) وهكذا روايتان عن أحمد، كما في \"المغني\" (١٠/ ٢٧٤، ٢٧٥)، وهكذا حكي ثمرة اختلاف الروايتين، وهذا الخلاف فيما إذا خالعها بغير لفظ الطلاق ولم ينوه، فإن خالعها بلفظ الطلاق، أو بغير لفظ الطلاق، لكن نوى به الطلاق، فهو طلاق لا اختلاف فيه، كما في \"المغني\" (١٠/ ٢٧٥) والبسط فيه. (ش).","vol":"8","page":252},{"text":"٢٢٢٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّاد، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَبِي أَسْمَاءَ، عن ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا في غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ\" (١). [ت ١١٨٧، جه ٢٢٧٠، حم ٥/ ٢٧٧، دي ٢٢٧٥]\n===\nاحتج الشافعي بظاهر قوله ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، ذكر سبحانه الطلاق مرتين، ثم ذكر الخلع بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ به﴾ (٣)، ثم ذكر الطلاق أيضًا بقوله ﷿: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فلو جعل الخلع طلاقًا، لازداد عدد الطلاق على الثلاث، وهذا لا يجوز.\nوالجواب عن الآية: أنه لا حجة له فيها؛ لأن ذكر الخلع يرجع إلى الطلاقين المذكورين، إلَّا أنه ذكرهما بغير عوض، ثم ذكر بعوض، ثم ذكر ﷾ الثالثة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فلم تلزم الزيادة على الثلاث، بل يجب حمله على هذا، لئلا يلزمنا القول بتغيير المشروع.\n٢٢٢٨ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: أيما) لفظ ما زائدة (امرأة سألت زوجها طلاقًا) سواء كانت الطلاق بعوض أو بغير عوض (في غير ما) لفظ ما زائدة (بأس) أي في غير شدة يلجئها إلى المفارقة (فحرام) أي ممنوع (عليها) أي عنها (رائحة الجنة) أي أول مرة.\n_________\n(١) زاد المزي في \"تحفة الأشراف\" (٢/ ١٦٤) رقم (٢١٠٣) في طرق هذا الحديث: \"وعن محمد بن إسماعيل الصائغ، عن عفان، عن حماد أبي سعيد، عن أيوب، به. وعن حجاج الضرير، عن عمرو بن عون، عن حماد بن زيد، به\". ثم قال في آخره: \"وجدتهما في بعض النسخ من رواية أبي بكر بن داسة، عن أبي داود، وأظنُّهما من زيادات أبي سعيد بن الأعرابي أو غيره، فإن ابن الأعرابي قد روى عنهما في \"معجمه\". ولم أجد لأبي داود عنهما رواية في غير هذا الموضع، والله أعلم\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.","vol":"8","page":253},{"text":"٢٢٢٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنٍ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عن حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْل الأَنْصَاريَّةِ: أَنَّهَا كَانتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خرَجَ إِلَى الصُّبْحِ، فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ في الْغَلَسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ هَذِهِ؟ \"، قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، قَالَ: \"مَا شَانُكِ؟ \"، قَالَتْ: لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ - لِزَوْجِهَا-. فَلَمَّا جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ\" فَذَكَرَتْ (١) مَا شَاءَ الله أَنْ تَذْكُرَ،\n===\n٢٢٢٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أنها أخبرته، عن حبيبة بنت سهل الأنصارية: أنها كانت تحت ثابت (٢) بن قيس بن شماس، وأن رسول الله - ﷺ - خرج إلى) صلاة (الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه) أي باب رسول الله - ﷺ - (في الغلس، فقال رسول الله - ﷺ -: من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل، قال) رسول الله - ﷺ -: (ما شأنك) أي: أيّ حاجة جاءت بك؟ (قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس- لزوجها-) أي لا نجتمع، (فلما جاء ثابت بن قيس قال له) أي لثابت (رسول الله - ﷺ -: هذه حبيبة بنت سهل، فذكرت ما شاء الله أن تذكر).\nسياق أبي داود يقتضي أن قوله: \"فذكرت ما شاء الله أن تذكر\" من قول الراوي، وأخرج النسائي هذا الحديث ولفظه: \"قال له رسول الله - ﷺ -: هذه حبيبة بنت سهل، قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر\"، وهذا السياق يدل على أنه من قول رسول الله - ﷺ -، وهذا أحسن وأوضح، ولعل في سياق أبي داود تصحيفًا من الكاتب، ترك الدال وغَيَّر نقطة \"قد\".\n_________\n(١) في نسخة: \"وذكرت\".\n(٢) اختلف في اسم زوجها، تقدم في \"البذل\" تحت \"باب في الرجل يقول لامرأته: يا أختي\"، وتقدم هناك الخلاف في أن الخلع فسخ أو طلاق. (ش).","vol":"8","page":254},{"text":"وَقَالَتْ (١) حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كُلُّ مَا أَعَطَانِي عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: \"خُذْ مِنْهَا\"، فَأَخَذَ مِنْهَا، وَجَلَسَتْ في أَهْلِهَا. [ن ٣٤٦٢، ط ٢/ ٥٦٤/ ٣١، حم ٦/ ٤٣٣، دي ٢٢٧١]\n٢٢٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، نَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرو، نَا أَبُو عَمْرو السَّدُوسِيُّ الْمَدِينِيُّ،\n===\n(وقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي) موجودًا أردُّه إليه (فقال رسول الله - ﷺ - لثابث بن قيس: خذ منها) ما أعطيتها في المهر، وخالعها، (فأخذ) ثابت (منها) أي من حبيبة وفارقها، (وجلست في أهلها).\n٢٢٣٠ - (حدثنا محمد بن معمر) بن ربعي القيسي، بقاف، أبو عبد الله البصري، المعروف بالبحراني، بالموحدة والمهملة، قال أبو داود: ليس به بأس، صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال البزار: ثنا محمد بن معمر، وكان من خيار عباد الله، وقال الخطيب: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، نا أبو عمرو السدوسي المديني)، قال الحافظ في ترجمة أبي عمرو: السدوسي المدني، وعزاه إلى أبي داود، وقيل: إنه سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، قال ابن صاعد: أبو عمرو السدوسي، هو سعيد بن سلمة، حدثنا هشام بن علي بالبصرة، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، حدثني عبد الله بن أبي بكر، فذكر ذلك الحديث بعينه، فتعين أن أبا عمرو المديني السدوسي المذكور، هو سعيد بن سلمة.\nوقال البخاري في \"تاريخه\" في ترجمة سعيد بن سلمة: هو مولى آل عمر بن الخطاب، وقال أبو عامر العقدي: ثنا أبو عمرو السدوسي المدني، فلا أدري\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالت\".","vol":"8","page":255},{"text":"عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (١)، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضَهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعْدَ الصُّبْحِ، فَاشْتَكَتْهُ إِلَيْهِ، فَدَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - ثَابِتًا، فَقَالَ: خُذْ بَعْضَ مَالِهَا وَفَارِقْهَا، فَقَالَ (٢): وَيَصْلُحُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قَالَ: فَإِنِّي أَصْدَقْتُهَا حَدِيقَتَيْنِ وَهُمَا بِيَدِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"خُذْهُمَا فَفَارِقْهَا فَفَعَلَ\" (٣). [تفسير الطبري ٤/ ٥٥٤، ح ٤٨٠٨]\n===\nهو هذا أو غيره، قال النسائي: شيخ ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال أبو سلمة: ما رأيت كتابًا أصح من كتابه.\n(عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة: أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس) خطيب الأنصار (فضربها، فكسر بعضها) أي: بعض أعضائها، وفي نسخة: \"نَغْضها\" (٤) (فأتت النبي - ﷺ - بعد الصبح، فاشتكته) أي ثابتًا (إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (فدعا النبي - ﷺ - ثابتًا) فجاء (فقال) له رسول الله - ﷺ -: (خذ بعض مالها)، والمراد ببعض مالها ما أعطاها ثابت في مهرها من حديقتين (وفارقْها) بصيغة الأمر.\n(فقال) ثابت: (ويصلح) بتقدير الاستفهام، أي هل يجوز (ذلك يا رسول الله؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (نعم، قال) ثابت: (فإني أصدقتها) أي أعطيتها في صداقها (حديقتين وهما بيدها، فقال النبي - ﷺ -: خذهما ففارقها ففعل) ثابت بأنه أخذهما وفارقها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو بكر: أظنه\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"آخر الجزء الثالث عشر وأول الجزء الرابع عشر من تجزئة الخطيب البغدادي\".\n(٤) النَّغْضُ: غرضوف الكتف.","vol":"8","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>(١٩) بَابٌ: في الْمَمْلُوكَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ</span>\n===\nواختلفت الروايات في قصة ثابت بن قيس بن شماس: بأنه خالع من زوجته جميلة، وفي بعضها: أنه خالع من زوجته حبيبة بنت سهل، ولا اختلاف فيه، فإنه كان في خُلقه شدة وغلظة، فتزوج منهما، وخالعتاه كل واحدة منهما.\n\n(١٩) (بَابٌ: في الْمَمْلُوكَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ)\nهل لها الخيار في فسخ نكاحها أم لا؟ أما إذا كان الزوج عبدًا فأعتقت زوجته، فلها الخيار اتفاقًا. وأما إذا كان الزوج حرًا، فأعتقت زوجته، هل يثبت لها الخيار أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت، وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة؛ لأن المرأة إذا صارت حرة، وكان الزوج عبدًا لم يكن كفؤًا لها، ويؤيد هذا قول عائشة في حديث الباب: \"ولو كان حرًا لم يخيرها\".\nولكنه تعقب ذلك: بأن هذه الزيادة مدرجة من قول عروة، كما صرح بذلك النسائي في \"سننه\"، وبينه أيضًا أبو داود في رواية مالك.\nولو سُلِّم أنه من قولها، فهو اجتهاد وليس بحجة، وذهب الشعبي والنخعي والثوري والحنفية إلى أنه يثبت لها الخيار، ولو كان الزوج حرًا، وتمسكوا بالرواية التي فيها أنه كان زوج بريرة حرًا، كذا في \"النيل\" (١).\nوقال ابن القيم في \"الهدي\" (٢): إن حديث عائشة رواه ثلاثة: الأسود، وعروة، وقاسم، فأما الأسود: فلم يختلف عنه أنه كان حرًا. وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان، إحداهما: أنه كان حرًا. والثانية: أنه كان عبدًا. وأما عبد الرحمن بن القاسم، فعنده روايتان صحيحتان، إحداهما: أنه كان حرًا، والثانية: الشك، انتهى.\nقلت: لا معارضة في كونه عبدًا أو حرًا، فإنه كان في أول الأمر عبدًا، ثم أعتق فصار حرًا، فمن قال فيه: عبدًا، فهو على أصله، ومن قال: حرًا، فهو\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣٥).\n(٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ١٦٨).","vol":"8","page":257},{"text":"٢٢٣١ - حَدَّثَتا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْن عَبَّاسٍ: أَنَّ مُغِيثًا كَانَ عَبْدًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْفَعْ لِي إِلَيْهَا، قَالَ (١) رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا بَرَيرَةُ! اتَّقِي الله، فَإِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ\"، فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللهِ، أَتَأمُرُنِي بِذَاكَ (٢)؟ قَالَ: \"لَا، إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ\"، فَكَانَ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْعَبَّاسِ: \"أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِهَا إِيَّاهُ\". [خ ٥٢٨٣، ن ٥٤١٧، جه ٢٠٧٥، حم ١/ ٢١٥، ت ١١٥٦]\n===\nأخبر بحريته العارضة بعد العتق، ليس فيه معارضة؛ فإنه مثبت للحرية بعد العتق، وليس في قول من قال: إنه كان عبدًا نفي ذلك.\n٢٢٣١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن مغيثًا (٣» زوج بريرة مولاة عائشة (كان عبدًا، فقال) مغيث: (يا رسول الله، اشفع لي إليها) أي إلى بريرة (قال رسول الله - ﷺ -: يا بريرة! اتقي الله) في مفارقة مغيث (فإنه زوجك، وأبو ولدك) لا ينبغي لك أن تفارقيه.\n(فقالت: يا رسول الله، أتأمرني بذاك؟) أي بالتمكن والاستقرار في عصمته (قال) رسول الله - ﷺ -: (لا) أي لا آمرك إيجابًا (إنما أنا شافع، فكان) مغيث (دموعه تسيل على خده) في فراق بريرة، (فقال رسول الله - ﷺ - للعباس (٤): ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغضها إياه).\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"بذلك\".\n(٣) اختلف في ضبطه كما في \"الفتح\". (انظر: ٩/ ٤٠٨). (ش).\n(٤) قال القاري: المفهوم من الروايات أن قصة بريرة في آخر الأمر سنة تسع أو عشر، لأن العباس إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من الطائف، وابنه إنما أتاها مع أبويه، وقد أخبر بمشاهدة ذلك، وإنما ذكرها في قصة الإفك مع تقدمها، فوجه بأنها كانت تخدم عائشة قبل شرائها، انتهى من \"المرقاة\" (٦/ ٣٥٢). (ش).","vol":"8","page":258},{"text":"٢٢٣٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْن عَبَّاسٍ: \"أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا، فَخَيَّرَهَا- يَعْني النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ\". [خ ٥٢٨٣، ت ١١٥٦، جه ٢٠٧٥، حم ١/ ٢٨١، ن ٥٤١٧]\n٢٢٣٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن هِشَامِ ابْن عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ في قِصَّةِ بَرِيْرَةَ قَالَتْ: \"كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا\". [م ١٥٠٤، ت ١١٥٤، ن ٣٤٥١، حم ٦/ ٣٣]\n٢٢٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْوَليدُ بْنُ عُقْبَةَ، عن زَائِدَةَ، عن سِمَاكٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن الْقَاسِمِ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ بَرِيرَةَ خَيَّرَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا\". [م ١٥٠٤، ن ٣٤٥٣]\n===\n٢٢٣٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عفان، ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن زوج بريرة كان- عبدًا أسود يسمى مغيثًا) فأعتقت (فخيَّرها) أي بريرة (يعني النبي - ﷺ -، وأمرها) أي بريرة (أن تعتد) أي بثلاث حيض، كما في حديث عائشة عند ابن ماجه: \"قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض\".\n٢٢٣٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قصة بريرة قالت: كان زوجها عبدًا، فخيرها النبي - ﷺ -، فاختارت نفسها، ولو كان حرًا لم يخيرها)، وقد تقدم أن قوله: \"ولو كان حرًا لم يخيرها\" مدرج من قول عروة، فإن النسائي أخرج في \"مجتباه\"، ولفظه: \"قال عروة: ولو كان حرًا ما خيرها رسول الله - ﷺ -\".\n٢٢٣٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا حسين بن علي، والوليد بن عقبة، عن زائدة، عن سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن بريرة خيرها النبي - ﷺ - وكان زوجها عبدًا).","vol":"8","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>(٢٠) بَابُ مَنْ قَالَ: كَانَ حُرًّا</span>\n٢٢٣٥ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَان، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ، وَأَنَّهَا خُيِّرَتْ فَقَالَتْ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مَعَهُ وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا\". [خ ٦٧٥٤، ن ٣٤٤٩، ت ١١٥٥، جه ٢٠٧٤، حم ٦/ ٤٢]\n===\n\n(٢٠) (بَابُ مَنْ قَالَ: كَانَ حُرًّا)\n٢٢٣٥ - (حدثنا ابن كثير، أنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة) - ﵂ -: (أن زوج بريرة كان حرًا حين أعتقت، وأنها خيرت، فقالت: ما أحب أن أكون معه) أي في نكاحه (وأن لي كذا وكذا) وإنما كرهته، لأنها كانت جميلة، وأن مغيثًا كان أسود دميمًا.\nوحاصل كلام العيني في \"شرح البخاري\" (٢) في هذا البحث: أن الاحتجاج بهذه الأحاديث التي فيها أنه كان عبدًا على أنه كان [عبدًا]، حين أعتقت بريرة غير قوي، وكذلك قول ابن عباس: \"رأيته عبدًا\" لا يدل على أنه كان عبدًا حين أعتقت بريرة؛ لأن الظاهر أنه كان يخبر أنه كان عبدًا، فلا يتم الاستدلال به.\nوالتحقيق فيه أن نقول (٣): إن اختلافهم فيه في صفتين لا يجتمعان في حالة واحدة، فنجعلهما في حالتين، بمعنى أنه كان عبدًا في حالة، حرًا في حالة أخرى، فبالضرورة تكون إحدى الحالتين متأخرة عن الأخرى، وقد علم أن الرق تعقبه الحرية، والحرية لا يعقبها الرق، فإذا كان كذلك جعلنا حال العبودية متقدمة، وحال الحرية متأخرة، فثبت بهذا الطريق أنه كان حرًا في الوقت الذي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٨٣).\n(٣) وقع في الأصل: \"يقول\" وهو تحريف.","vol":"8","page":260},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nخيرت فيه بريرة، وعبدًا قبل ذلك، فيكون قول من قال: \"كان عبدًا\" محمولًا على الحالة المتقدمة، وقول من قال: \"كان حرًا\" محمولًا على الحالة المتأخرة، فإذًا لا يبقى تعارض، ويثبت قول من قال: إنه كان حرًا، فيتعلق الحكم به.\nولئن سَلَّمنا أن جميع الروايات أخبرت بأنه كان عبدًا، فليس فيه ما يدل على عدم صحة ما يذهب ممن يذهب: أن زوج الأمة إذا كان حرًا فأعتقت الأمة ليس لها الخيار؛ لأنه ليس فيه ما يدل على ذلك؛ لأنه لم يأت عنه - ﷺ - أنه قال: إنما خيرتها، لأن زوجها عبد، وهذا لا يوجد أصلًا في الآثار، فثبت أنه خيرها لكونها قد أعتقت، فحينئذ يستوي فيه أن يكون زوجها حرًا أو عبدًا، وردَّ بهذا على صاحب \"التوضيح\" في قوله: لأن خيارها إنما وقع من أجل كونه عبدًا، ولو اطلع هذا على ما قلنا من التحقيق لما قال هكذا، انتهى.\nوأجاب عنه الحافظ (١) فقال: وحاول بعض الحنفية ترجيح رواية من قال: \"كان حرًا\" على رواية من قال: \"كان عبدًا\"، فقال: الرق تعقبه الحرية بلا عكس، وهو كما قال، لكن محل طريق الجمع إذا تساوت الروايات في القوة، أما مع التفرد في مقابلة الاجتماع، فتكون الرواية المنفردة شاذة، والشاذ مردود، ولهذا لم يعتبر الجمهور طريق الجمع بين الروايتين، مع قولهم: إنه لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع.\nقلت: وهذا عجيب من مثله، فإنه اشترط في الشذوذ المخالفة، وإذا لم تكن بين الحديثين مخالفة لا يحكم بالشذوذ، والأصل في الروايات الجمع. وأما الاختلاف فهو خلاف الأصل، وهذان الحديثان واقعتان على الأصل ليس بينهما اختلاف أصلًا، وكون مغيث عبدًا وكونه حرًا كلاهما صحيح، فلما لم يكن بينهما اختلاف، لا يصار إلى ترجيح أحدهما على الآخر، فدعوى الشذوذ باعترافه باطل.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٧).","vol":"8","page":261},{"text":"(٢١) بَابٌ: حَتَّى (١) مَتَى يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ؟\n٢٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ (٢)، حَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ، وَعَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>(٢١) (بَابٌ: حَتَّى مَتَى يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ</span>؟)\n٢٢٣٦ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثني محمد -يعني ابن سلمة-، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر) لم أقف على تسميته وتعيينه، ولم أقف على روايته إلَّا ما قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٣): وقد قال الدارقطني في \"العلل\": لم يختلف على عروة عن عائشة: \"أنه كان عبدًا\"، وكذا قال جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن عائشة، انتهى، وليس فيه ذكر مجاهد ولا ابن إسحاق.\n(وعن أبان بن صالح) عطف على قوله: عن أبي جعفر، فإن الحافظ ذكر في ترجمة أبان بن صالح في تلامذته محمد بن إسحاق، ولم يذكر فيه محمد بن سلمة.\n(عن مجاهد) أي كلاهما عن مجاهد، فالحاصل أن محمد بن إسحاق يروي هذا الحديث عن أبي جعفر، وعن أبان بن صالح، وكلاهما يرويان عن مجاهد، ويحتمل أن يكون رواية أبي جعفر عن عائشة من غير واسطة مجاهد، إن كان أبو جعفر هذا محمد الباقر كما في رواية الدارقطني المتقدمة، ويكون واسطة مجاهد مختصًا برواية أبان بن صالح.\n(وعن هشام بن عروة) عطف على قوله: عن أبان بن صالح، أي وروى\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى\".\n(٢) في نسخة: \"أبو الأصبغ\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤١٠).","vol":"8","page":262},{"text":"عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ - عَبْدٍ لآلِ أَبِي أَحْمَدَ- فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وقَالَ لَهَا: \"إِنْ قَرِبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ\". [ق ٧/ ٢٢٥]\n===\nمحمد بن إسحاق عن أبي جعفر وعن أبان بن صالح وعن هشام بن عروة (عن أبيه) أي عروة، (عن عائشة) ظاهر معناه أن يقال: إن مجاهدًا وعروة كليهما يرويان عن عائشة - ﵂ -، ويؤيده رواية البيهقي أنه قال: رواه ابن إسحاق عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن عائشة، نقله صاحب \"الجوهر النقي\" عنه.\nوهذا يخالف ما قال صاحب \"العون\" (١) عن المزي، إذ قال: أنه عن مجاهد مرسل، هكذا قاله المزي في \"الأطراف\"، فإنه أورد رواية مجاهد هذه في المراسيل في ترجمة أبان بن صالح بن عمير القرشي، عن مجاهد ابن جبر أبي الحجاج المكي.\n(أن بريرة أعتقت وهي عند مغيث -عبد لآل أبي أحمد-)، قال الحافظ (٢): عند الترمذي من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب: \"كان عبدًا أسود لبني المغيرة\"، وفي رواية هشيم عن سعيد بن منصور: \"وكان عبدًا لآل المغيرة من بني مخزوم\"، ووقع في \"المعرفة\" لابن منده: \"مغيث مولى أحمد بن جحش\"، لكن وقع في \"أبي داود\" بسند فيه ابن إسحاق: \"وهي عند مغيث عبد لآل أبي أحمد\". وقال ابن عبد البر: \"مولى بني مطيع\".\nوالأول أثبت لصحة إسناده، ويبعد الجمع، لأن بني المغيرة من آل مخزوم، وبني جحش من أسد بن خزيمة، وبني مطيع من آل عدي بن كعب، ويمكن أن يدعى أنه كان مشتركًا بينهم على بعده أو انتقل، انتهى.\n(فخيرها رسول الله - ﷺ -، وقال لها: إن قربكِ) أي: جامعكِ (فلا خيار لكِ)\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٦/ ٢٢٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٨).","vol":"8","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>(٢٢) بَاب: في المَمْلُوكيْن يُعْتَقَانِ مَعًا، هَلْ تُخَيَّرُ امْرَأَتُهُ</span>؟\n٢٢٣٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ:\n===\nقال الشوكاني (١): فيه دليل على أن خيار من عتقت على التراخي، وأنه يبطل إذا مكنت الزوج من نفسها، وإلى ذلك ذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والهادوية، وهو قول للشافعي، وله قول آخر: إنه على الفور، وفي رواية عنه: أنه إلى ثلاثة أيام. وقيل: بقيامها من مجلس الحاكم. وقيل: من مجلسها، وهذان القولان للحنفية.\nوالقول الأول هو الظاهر؛ لإطلاق التخيير لها إلى غاية هي تمكينها من نفسها، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد عن النبي - ﷺ - بلفظ: \"إذا عَتَقَتِ الأمةُ فهي بالخيار ما لم يطأها إن تشاء فارقته، وإن وطئَها، فلا خيار لها، ولا تستطيع فراقه\". وفي رواية للدارقطني: \"إن وطئَكِ فلا خيار لكِ\"، انتهى.\nقال في \"البدائع\" (٢): وأما ما يبطل به فهذا الخيار يبطل بالإبطال نصًا ودلالة من قول أو فعل يدل على الرضا بالنكاح، ويبطل بالقيام عن المجلس؛ لأنه دليل الإعراض، كخيار المخيرة، ولا يبطل بالسكوت، بل يمتدُّ إلى آخر المجلس، إذا لم يوجد منها دليل الإعراض، كخيار المخيرة، لأن السكوت يحتمل أن يكون لرضاها بالمقام معه، ويحتمل أن يكون للتأمل؛ لأن بالعتق يزداد الملك عليها فتحتاج إلى التأمل، ولا بد للتأمل من زمان، فقدر ذلك بالمجلس، كما في خيار المخيرة، وخيار القبول بالبيع، انتهى.\n\n(٢٢) (بَابٌ: في الْمَمْلُوكَيْن يُعْتَقَانِ معًا، هَلْ تُخَيَّرُ امْرَاتُهُ؟)\n٢٢٣٧ - (حدثنا زهير بن حرب ونصر بن علي، قال زهير:\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣٦).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٦٤٣).","vol":"8","page":264},{"text":"نَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، ثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عن الْقَاسِمِ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تُعْتِقَ مَمْلُوكَيْن لَهَا زَوْجٌ، قَالَ: فَسَأَلْتِ النَّبِيَّ - ﷺ - (١)، فَأَمَرَهَا أَنْ تَبْدَأَ بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرأَةِ\".\n===\nنا عبيد الله بن عبد المجيد، ثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب)، هو عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب، التيمي القرشي المدني، ويقال: عبد الله، عن يحيى بن معين: ثقة، وعنه: ضعيف، وقال أبو حاتم: صالح، وقال يعقوب بن شيبة: عبد الله بن موهب عن القاسم فيه ضعف، له عند أبي داود في العتق.\nقلت: وقال البخاري في: \"الأوسط\": كان ابن عيينة يضعفه، قال العجلي: ثقة، وقال النسائي: ليس بذاك القوي، وقال ابن عدي: حسن الحديث، يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن القاسم، عن عائشة، أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها) أي لعائشة (زوج) أي كل واحد منهما زوج الآخر. وقيل: ضمير لها عائد إلى الجارية المفهومة من قوله: \"مملوكين\".\nوقيل: يطلق الزوج على اثنين، كما يطلق على كل واحد، وهذا يحتاج إلى أن يقال: هو منصوب، لكن ترك الألف خطًّا مسامحة، كما علم من دأب أهل الحديث، صرح به النووي وغيره، كذا في الحاشية عن \"فتح الودود\".\n(قال) القاسم: (فسألت النبي - ﷺ -) أي في عتقهما (فأمرها أن تبدأ بالرجل) أي بإعتاقه (قبل المرأة). قال الشوكاني (٢): قالوا: ولو لم يكن التخيير (٣) ممتنعًا إذا كان الزوج حرًا لم يكن للبداءة بعتق الغلام فائدة، فإذا بدأت به، عتقت تحت حر، فلا يكون لها اختيار.\n_________\n(١) في نسخة: \"عن ذلك\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣٥، ٢٣٦).\n(٣) وكتب الشيخ محمد أسعد الله: يمكن أن يقال: لو كان التخيير ممتنعًا في الحُر لما بدأت بالغلام، فإن فيه إبطال حقها. (ش).","vol":"8","page":265},{"text":"قَالَ نَصْرٌ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِي، عن عُبَيْدِ اللهِ. [ن ٣٤٤٦، جه ٢٥٣٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>(٢٣) بَابٌ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَينِ</span>\n٢٢٣٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن إِسْرَائِيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاس: \"أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّهَا قَدْ كانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِيَ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ\". [ت ١١٤٤، حم ١/ ٢٣٢، ق ٧/ ١٨٨، ك ٢/ ٢٠٠]\n===\nوفي إسناد هذ الحديث عبد الله بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، وقال العقيلي: لا يعرف إلَّا به. وقال ابن حزم: لا يصح هذا الحديث، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنهما كانا زوجين، ولو كانا زوجين، يحتمل أن تكون البداءة بالرجل؛ لفضل عتقه على الأنثى، كما في الحديث الصحيح، انتهى.\n(قال نصر) بن علي شيخ المصنف: (أخبرني أبو علي الحنفي) وهو عبيد الله بن عبد المجيد المذكور (عن عبيد الله)، فذكر شيخه بكنيته، وذكر روايته عن شيخه بصيغة عن.\n\n(٢٣) (بَابٌ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَينِ)، أي: إذا علم بإسلام أحدهما،\nثم علم بإسلام الآخر أن إسلامه كان مع الأول يبقى نكاحهما\n٢٢٣٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا) لم أقف على تسميته (جاء مسلمًا) أي من دار الحرب (على عهد رسول الله - ﷺ -، ثم جاءت امرأته) لم أقف على تسميتها (مسلمة بعده، فقال: يا رسول الله إنها قد كانت أسلمت معي، فردها عليه (١»\n_________\n(١) قال الموفق (١٠/ ٧، ٨): هذا إجماع من العلماء أنهما إذا أسلما معًا ثبتا على النكاح، وذكر هذا الحديث. (ش).","vol":"8","page":266},{"text":"٢٢٣٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرني أَبُو أَحْمَدَ، عن إِسْرَائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: \"أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ كُنْتُ (١) أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ زَوْجِهَا الآخَرِ وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الأوَّل\". [جه ٢٠٠٨]\n===\nرسول الله - ﷺ -. أخرج الترمذي هذا الحديث، وقال: هذا حديث صحيح.\n٢٢٣٩ - (حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد) أي الزبيري، (عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أسلمت امرأة) لم أقف على تسميتها، وجاءت المدينة مهاجرة (على عهد رسول الله - ﷺ -، فتزوجت) بالمدينة رجلًا (فجاء زوجها) لم أقف على تسميته (إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني قد كنت أسلمت) في دار الحرب (وعلمت) المرأة (بإسلامي، فانتزعها) أي المرأة (رسول الله - ﷺ - من زوجها الآخر وردها إلى زوجها الأول).\nقال القاري (٢): في \"شرح السنَّة\": فيه دليل على أن المرأة إذا ادعت الفراق على الزوج بعد ما علم بينهما النكاح، وأنكر الزوج، أن القول قول الزوج مع يمينه، سواء نكحت آخر أم لا.\nوكذلك لو أسلم الزوجان قبل الدخول فاختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معًا، فالنكاح بيننا باق، وقالت: بل أسلم أحدنا قبل الآخر، فلا نكاح بيننا، فالقول قول الزوج. وكذلك إن كان بعد الدخول أسلمت المرأة، ثم بعد انقضاء عدتها ادعى أنه قبل إسلامه، كان القول قول الزوج، انتهى.\nقلت: ظاهر الحديث أن الزوج هو المدعي، فإنه ادَّعى عليها بقاء النكاح وعدم انفساخه، وأنكرت الزوجة، وقد نكحت آخر، وأيضًا يصدق عليه تعريف\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"كنت قد أسلمت\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٣٣٥).","vol":"8","page":267},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمدعي، وهو من إذا ترك، ترك لا عليها، فيمكن أن يقال: إن الرجل لما قال: \"قد كنت أسلمت وعلمت بإسلامي\"، لعل المرأة اعترفت بذلك، ولم تنكره، فثبت دعواه بعدم انفساخ النكاح باعترافها، أو علم رسول الله - ﷺ - صحة ذلك بالوحي، فانتزعها من الزوج الآخر، وردها إلى الأول.\nقال القاري (١): وقال المظهر: يعني إذا أسلما قبل انقضاء العدة، ثبت النكاح بينهما، سواء كان على دين واحد، كالكتابيين، والوثنيين، أو أحدهما كان على دين والآخر على دين، سواء كانا في دار الإِسلام أو في دار الحرب، أو أحدهما في أحدهما والآخر في الآخر، وهذا مذهب الشافعي وأحمد.\nوقال أبو حنيفة: تحصل الفرقة بينهما بأحد ثلاثة أمور، انقضاء العدة، أو عرض الإِسلام على الآخر مع الامتناع عنه، أو بنقل أحدهما من دار الإِسلام إلى دار الحرب أو بالعكس، وسواء عنده الإِسلام قبل الدخول أو بعده.\nوقال ابن الهمام (٢): اختلف في أن تباين الدارين حقيقةً وحكمًا بين الزوجين هل يوجب الفرقة بينهما؟ قلنا: نعم، وقال الشافعي: لا، وفي أن السبي هل يوجب الفرقة أم لا؟ فقلنا: لا، وقال: نعم، وقوله قول مالك وأحمد، فيتفرع أربع صور، وفاقيتان، وهما: لو خرج الزوجان إلينا معًا ذميين أو مسلمين أو مستأمنين، ثم أسلما، أو صارا ذميين لم تقع الفرقة اتفاقًا، ولو سبي أحدهما تقع الفرقة اتفاقًا عنده للسبي، وعندنا للتباين.\nوخلافيتان، إحداهما: ما إذا خرج أحدهما إلينا مسلمًا أو ذميًا أو مستأمنًا، ثم أسلم، أو صار ذميًا، عندنا تقع، فإن كان الرجل حل له التزوج بأربع في الحال، وبأخت امرأته التي في دار الحرب، إذا كانت في دار الإِسلام، وعنده لا تقع الفرقة بينه وبين زوجته التي في دار الحرب،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٣٣٥ - ٣٣٦).\n(٢) \"فتح القدير\" (٣/ ٢٩١).","vol":"8","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>(٢٤) بَابٌ: إِلَى مَتَى تُرَدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهَا</span>؟\n٢٢٤٠ - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ.\n===\nإلَّا في المرأة تخرج مراغمة لزوجها، أي يقصد الاستيلاء على حقه، فتبين عنده بالمراغمة.\nوالأخرى: ما إذا سبي الزوجان معًا، فعنده تقع الفرقة، فللسابي أن يطأها بعد الاستبراء، وعندنا لا تقع لعدم تباين الدارين، انتهى.\nفإن قيل: هذان الحديثان مخالفان لمذهب الحنفية، فإن مذهبهم أن تباين الدارين حقيقةً وحكمًا موجب للبينونة، وها هنا لما هاجر أحدهما، وبقي الآخر في دار الحرب تحقق تباين الدارين حقيقةً وحكمًا، فإن المسلم منهما في دار الإِسلام، والذي بقي فهو في دار الحرب.\nقلنا: سلَّمنا أنهما متباينان دارًا حقيقة، ولكن لا نسلِّم أنهما متباينان حكمًا، فإنهما لما أسلما في دار الحرب، وهاجر أحدهما، فالثاني ليس بعازم على القرار في دار الحرب، بل هو عازم على الهجرة، فهو في دار الإِسلام حكمًا، فلا يبين أحدهما من الآخر، والله تعالى أعلم.\nوقال شمس الأئمة في \"المبسوط\" (١): وقال الزهري: إن دار الإِسلام إنما تميزت من دار الحرب بعد فتح مكة، فلم يوجد تباين الدارين يومئذ.\n(٢٤) (بَابٌ: إِلَى مَتَى تُرَدُّ عَلَيْهِ)، أي: على الرجل (امْرَأَتُهُ إِذَا أَسْلَمَ) أي: الرجل (بَعْدَهَا؟) أي: بعد المرأة، يعني إذا أسلمت المرأة وهاجرت ثم أسلم زوجها بعد إسلامها، فإلى متى تُرَدُّ الزوجة على زوجها؟\n٢٢٤٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة،\n_________\n(١) \"المبسوط\" (٥/ ٥٣).","vol":"8","page":269},{"text":"(ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، نَا سَلَمَةُ -يَعْني ابْنَ الْفَضْلِ- (ح): وَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ، الْمَعْنَى، كُلُّهُمْ عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عن دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"رَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ابْنَتَهُ زينَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الأَوَّلِ، لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا\".\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو في حَدِيثِهِ: بَعْدَ سِتِّ سِنينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: بَعْدَ سَنَتَيْنِ (١). [ن ١١٤٣، جه ٢٠٠٩، حم ١/ ٢١٧]\n===\nح: وحدثنا محمد بن عمرو الرازي، نا سلمة -يعني ابن الفضل-، ح: ونا الحسن بن علي، نا يزيد، المعنى) أي معنى حديث محمد بن سلمة وسلمة بن الفضل ويزيد واحد (كلهم عن ابن إسحاق) أي محمد، (عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ردَّ رسول الله - ﷺ - ابنته زينب على أبي العاص) زوجها (بالنكاح الأول، لم يُحدثْ شيئًا).\n(قال محمد بن عمرو) شيخ المصنف (في حديثه: بعد (٢) ست سنين) أي زاد محمد بن عمرو في حديثه هذا اللفظ، ولم يذكره غيره، (وقال الحسن بن علي: بعد سنتين).\nقال الحافظ (٣): ووقع في رواية بعضهم: \"بعد سنتين\"، وفي أخرى: \"ثلاث\"، وهو اختلاف جمع بينه على أن المراد بالسِّت ما بين هجرة زينب وإسلامه (٤)، وهو بيِّن في المغازي، فإنه أسر ببدر، فأرسلت زينب من مكة في فدائه، فأطلق لها بغير فداء، وشرط النبي - ﷺ - عليه أن يرسل له زينب، فوفى له بذلك، والمراد بالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى:\n_________\n(١) في نسخة: \"سنين\".\n(٢) يخالف الإجماع لأن بعد مضي العدة لا يبقى النكاح. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٢٣ - ٤٢٤).\n(٤) به جزم ابن القيم في \"الهدي\" (٥/ ١٣٦). (ش).","vol":"8","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١) وقدومه مسلمًا، فإن بينهما سنتين وأشهرًا.\nوقد ورد في أجل المسألة حديثان متعارضان. أحدهما: هذا، وأخرجه أحمد وأصحاب \"السنن\" إلَّا النسائي أيضًا، وغيره من طريق محمد بن إسحاق. وقال الترمذي: لا بأس بإسناده، وصحَّحه الحاكم.\nوالحديث الثاني: أخرجه الترمذي وابن ماجه من رواية حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: \"أن النبي - ﷺ - ردَّ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد\"، قال الترمذي: وفي إسناده مقال، ثم أخرج عن يزيد بن هارون أنه حدث بالحديثين، عن ابن إسحاق، عن حجاج بن أرطاة، ثم قال يزيد: حديث ابن عباس أقوى إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب، يريد عمل أهل العراق.\nوقال الترمذي في حديث ابن عباس: لا يعرف وجهه، وأشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو ثلاث مشكل لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة، ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها (٢).\nوممن نقل الإجماع في ذلك ابن عبد البر، وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر قال بجوازه، ورده بالإجماع المذكور، وتعقب بثبوت الخلاف فيه قديمًا، وهو منقول عن علي، وعن إبراهيم النخعي، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما بطرق قوية، وبه أفتى حماد شيخ أبي حنيفة.\n_________\n(١) سورة الممتحنة: الآية ١٠.\n(٢) وقال الموفق (١٠/ ١٠ - ١١): إذا أسلم أحدهما، وتخلَّف الآخر، حتى انقضت العدة، انفسخ النكاح في قول عامة أهل العلم، قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء فيه إلَّا شيء روي عن النخعي وشذَّ فيه أنها تُردُّ وإن طالت المدةُ لقصة أبي العاص، وأجيب بأنها منسوخة، أو كانت حاملة استمر حملها حتى أسلم، أو مريضة لم تحضْ ثلاث حيض حتى أسلم، أو رُدَّتْ بنكاح جديد، كما ورد ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":271},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأجاب الخطابي عن الإشكال: بأن بقاء العدة في تلك المدة ممكن، وإن لم تجر العادة غالبًا به، ولا سيما إذا كانت المدة إنما هي سنتان وأشهر، فإن الحيض قد يبطئ عن ذوات الأقراء لعارض علة أحيانًا.\nوبحاصل هذا أجاب البيهقي، وهو أولى ما يعتمد في ذلك، وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب، وأن حديث ابن عباس لا يخالفه، قال: بل الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما، فحمل قوله في حديث ابن عباس \"بالنكاح الأول\" أي: بشروطه، وأن معنى قوله: \"لم يحدث شيئًا\" أي لم يزد على ذلك شيئًا.\nقال: وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد بمهر جديد، والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل، ويؤيده مذهب ابن عباس المحكي عنه في أول الباب، فإنه موافق لما دل عليه حديث عمرو بن شعيب، قال: وفي حديث عمرو بن شعيب زيادة ليست في حديث ابن عباس، والمثبت مقدم على النافي، غير أن الأئمة رجحوا إسناد حديث ابن عباس، انتهى.\nوالمعتمد ترجيح إسناد حديث ابن عباس على حديث عمرو بن شعيب لما تقدم، ولإمكان حمل حديث ابن عباس على وجه ممكن، ثم قال: وأحسن المسالك في هذين الحديثين ترجيح حديث ابن عباس، كما رجحه الأئمة، وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص، ولا مانع من ذلك فضلًا عن مطلق الجواز، ملخصًا.","vol":"8","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>(٢٥) بَابٌ: في مَنْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ أَكثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ </span>(١)\n٢٢٤١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا هُشَيمٌ. (ح): وَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا هُشَيْمٌ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عن حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ (٢)، عن الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ - قَالَ مُسَدَّدٌ: ابْنُ عُمَيْرَة، وَقَالَ وَهْبٌ: الأسَدِيُّ-\n===\n\n(٢٥) (بَابٌ: في مَنْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ أَكثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ) (٣)\n٢٢٤١ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، ح: ونا وهب بن بقية، أنا هشيم، عن ابن أبي ليلى) أي محمد بن عبد الرحمن، (عن حميضة) بضم المهملة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفتح الضاد المعجمة (ابن الشمردل) بفتح الشين المعجمة وفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة آخره لام، على وزن سفرجل. قال ابن عدي: ليس له إلَّا حديثان أو ثلاثة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووقع في \"سنن ابن ماجه\" (٤): حميضة بنت الشمردل. قلت: قال ابن القطان: لا يعرف حاله، وضعف ابن السكن حديثه، وقال البخاري: فيه نظر، وذكره العقيلي وابن الجارود في \"الضعفاء\".\n(عن الحارث بن قيس، قال مسدد: ابن عميرة) أي زاد مسدد في صفة الحارث لفظ \"ابن عميرة\"، فقال: عن الحارث بن قيس بن عميرة (وقال وهب: الأسدي) أي قال وهب شيخ المصنف في صفة قيس: لفظ \"الأسدي\"، فقال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أو أختان\".\n(٢) في نسخة: \"الشمرذل\".\n(٣) وكان عند أبي سفيان بن حرب ست نسوة، وكذا عند صفوان بن أمية، قاله ابن جريج، كما في \"الإصابة\" (٤/ ٣٤٨) رقم (٧٠١) في ترجمة عاتكة بنت الوليد، وكان عند عمير بن قتادة الليثي خمس نسوة، كما في \"التهذيب\" (٥/ ٢٧٢) في ترجمة عبد الله بن عامر بن كريز، انتهى. (ش).\n(٤) اختلفت نسخ الطحاوي في ابن وبنت، وقال العيني في \"شرحه\": فيه اضطراب، فقيل: ابن الشمردل، وبنت الشمردل، وذكره الحافظ في \"التقريب\" (١٥٨٠) و\"التهذيب\" (٣/ ٥٥) في الرجال، وأحال عليها في النساء. (ش).","vol":"8","page":273},{"text":"قَالَ: \"أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثَمَانُ نِسْوَةٍ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للنَّبِىِّ - ﷺ - فَقَالَ (١): \"اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا\". [جه ١٩٥٢، ق ٧/ ١٨٣]\n===\nعن الحارث بن قيس الأسدي. (قال: أسلمت وعندي) أي في نكاحي (ثمان نسوة، قال: فذكرت ذلك للنبي - ﷺ -، فقال) أي النبي - ﷺ -: (اختر منهن أربعًا).\nقال الشوكاني (٢): استدل به الجمهور على تحريم الزيادة على أربع. وذهبت الظاهرية (٣) إلى أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعًا، ولعل وجهه قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤)، ومجموع ذلك -لا باعتبار ما فيه من العدل- تسع. وأجابوا عن حديث قيس بن الحارث، وحديث غيلان (٥) الثقفي، وحديث نوفل بن معاوية عند الشافعي بما فيها من المقال.\nواستدلوا بما ثبت أن رسول الله - ﷺ - جمع بين تسع. وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٦). وأما دعوى اختصاصه بالزيادة على الأربع فلم يقم عليه دليل.\nوقد يجاب بأن مجموع الأحاديث المذكورة في الباب لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره، فتنتهض مجموعها للاحتجاج، وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال، ويؤيد ذلك كون الأصل في الفروج الحرمة، فلا يجوز الإقدام على شيء منها إلَّا بدليل، وأيضًا هذا الخلاف مسبوق بالإجماع على عدم جواز الزيادة على الأربع، كما صرح بذلك في \"البحر\"، وقال في \"الفتح\": اتفق العلماء على أن من خصائصه - ﷺ - الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهن، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال النبي - ﷺ -\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣١).\n(٣) وعزاه في \"شرح الإقناع\" (٢/ ١١٦) إلى الخوارج، وحكى قولًا آخر وهو جواز ثمانية عشر؛ لأن كل واحد من الألفاظ الثلاثة تدل على التكرار فمثنى أربع ... إلخ. (ش).\n(٤) سورة النساء: الآية ٣.\n(٥) وحكى السيوطي في \"شرح الترمذي\": أسماء جماعة كانت عندهم عشر نسوة، وكذا صاحب \"التلقيح\" (ص ٤٥٦)، ومحشي \"شرح الإقناع\" (٢/ ١١٦). (ش).\n(٦) سورة الأحزاب: الآية ٢١.","vol":"8","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: ألا ترى أن الصحابة - ﵃- مع شدة اتباعهم لرسول الله - ﷺ - وكثرة قوتهم ورغبتهم في النساء لم يزد واحد منهم على الأربع. فهذا كالصريح في أن الزيادة على الأربع مختصة برسول الله - ﷺ -.\nثم قال الشوكاني (١): فإذا أسلم كافر وعنده أختان، أجبر على تطليق إحديهما، وفي ترك استفصاله عن المتقدمة منهما من المتأخرة دليل على أنه يحكم لعقود الكفار بالصحة، وإن لم توافق الإِسلام، فإذا أسلموا أجرينا عليهم في الأنكحة أحكام المسلمين. وقد ذهب إلى هذا مالك والشافعي وأحمد وداود.\nوذهبت العترة وأبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي والزهري واحد قولي الشافعي إلى أنه لا يقر من أنكحة الكفار إلَّا ما وافق الإِسلام، فيقولون: إذا أسلم الكافر وتحته أختان، وجب عليه إرسال من تأخر عقدها، وكذلك إذا كان تحته أكثر من خمس أمسك من تقدم العقد عليها منهن، وأرسل من تأخر عقدها، إذا كانت خامسة أو نحو ذلك، انتهى.\nقلت: قال في \"البدائع\" (٢): فصل: ثم كل نكاح جاز بين المسلمين، وهو الذي استجمع شرائط الجواز التي وصفناها، فهو جائز بين أهل الذمة، وأما ما فسد بين المسلمين من الأنكحة، فإنها منقسمة في حقهم، منها ما يصح، ومنها ما يفسد، وهذا قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: كل نكاح فسد في حق المسلمين فسد في حق أهل الذمة، حتى لو أظهروا النكاح بغير شهود يعترض عليهم، ويحملون على أحكامنا وإن لم يرفعوا إلينا، وكذا إذا أسلموا يفرق بينهما عنده، وعندنا لا يفرق بينهما، وإن تحاكما إلينا أو أسلما، بل يقرَّان عليه.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٤٣).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٦١٣، ٦١٩، ٦٢٠).","vol":"8","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم قال: ثم كل عقد إذا عقده الذمي كان فاسدًا، فإذا عقده الحربي كان فاسدًا أيضًا؛ لأن المعنى المفسد لا يوجب الفصل بينهما.\nولو تزوج كافر بخمس نسوة أو بأختين ثم أسلم، فإن كان تزوجهن في عقد واحد فرق بينه وبينهن، وإن كان تزوجهن في عقد متفرقة صح نكاح الأربع، وبطل نكاح الخامسة.\nوكذا في الأختين يصح نكاح الأولى، وبطل نكاح الثانية، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يختار من الخمس أربعًا، ومن الأختين واحدة، سواء تزوجهن في عقدة واحدة أو في عقد استحسانًا، وبه أخذ الشافعي.\nاحتج محمد بما روي: \"أن غيلان (١) أسلم، وتحته عشرة نسوة، فأمره رسول - ﷺ - أن يختار أربعًا منهن\"، وروي \"أن قيس بن الحارث أسلم وتحته ثمان نسوة، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يختار منهن أربعًا\". وروي \"أن فيروز الديلمي أسلم، وتحته أختان، فخيَّره رسول الله - ﷺ -\"، ولم يستفسر أن نكاحهن كان دفعة واحدة أو على الترتيب، ولو كان الحكم يختلف لاستفسر، فدل أن حكم الشرع فيه هو التخيير مطلقًا.\nولأبي حنيفة وأبي يوسف: أن الجمع محرم على المسلم والكافر جميعًا؛ لأن حرمته ثبتت لمعنى معقول، وهو خوف الجور في إيفاء حقوقهن، والإفضاء إلى قطع الرحم، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم والكافر، إلَّا أنه لا يتعرض لأهل الذمة مع قيام الحرمة؛ لأن ذلك ديانتهم، وهو غير مستثنى من عهودهم، وقد نهينا عن التعرض لهم عن مثله بعد إعطاء الذمة، وليس لنا ولاية التعرض لأهل الحرب، فإذا أسلم فقد زال المانع، فلا يمكن من استيفاء الجمع\n_________\n(١) تكلم الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ١٣٤) على حديث غيلان فليحرر، انتهى. وقال ابن الجوزي في \"التلقيح\": اختلف في اسم هذا الثقفي، فقيل: غيلان، وقيل: عروة، وقيل: أبو مسعود، والنسوة كانت ثمانية. (ش). (انظر: \"تلقيح فهوم الأثر\" ص ٥٠٠).","vol":"8","page":276},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبعد الإسلام، فإذا كان تزوج الخمس في عقدة واحدة، فقد حصل نكاح كل واحدة منهن جميعًا، إذ ليست إحداهن بأولى من الأخرى، والجمع محرم، وقد زال المانع من التعرض، فلا بد من الاعتراض بالتفريق.\nوكذلك إذا تزوج الأختين في عقدة واحدة؛ لأن نكاح واحدة منهما جعل جمعًا، إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى، والإسلام يمنع من ذلك، ولا مانع من التفريق، فيفرق، فأما إذا كان تزوجهن على الترتيب في عقد متفرقة، فنكاح الأربع منهن وقع صحيحًا؛ لأن الحر يملك التزوج بأربع نسوة، مسلمًا كان أو كافرًا، ولم يصح نكاح الخامسة لحصوله جمعًا، فيفرق بينهما بعد الإسلام.\n[وكذلك إذا تزوج الأختين في عقدتين فنكاح الأولى وقع صحيحًا، إذ لا مانع من الصحة، وبطل نكاح الثانية لحصوله جمعًا،] فلا بد من التفريق بعد الإسلام.\nوأما الأحاديث: ففيها إثبات الاختيار للزوج المسلم، لكن ليس فيها أن له أن يختار ذلك بالنكاح الأول أو بنكاح جديد، فاحتمل أنه أثبت له الاختيار لتجدد العقد عليهن، ويحتمل أنه أثبت له الاختيار ليمسكهن بالعقد الأول، فلا يكون حجة مع الاحتمال مع ما أنه قد روي أن ذلك قبل تحريم الجمع (١)، فإنه روي في الخبر أن غيلان أسلم، وقد كان تزوج في الجاهلية.\nوروي عن مكحول أنه قال: \"كان ذلك قبل نزول الفرائض، وتحريم الجمع ثبت بسورة النساء الكبرى، وهي مدنية\". وروي أن فيروز لما هاجر إلى النبي - ﷺ - قال له: \"إن تحتي أختين، فقال رسول الله - ﷺ -: ارجع فطلق إحداهما\"، ومعلوم أن الطلاق إنما يكون في النكاح الصحيح، فدل أن ذلك العقد وقع صحيحًا في الأصل، فدل أنه كان قبل تحريم الجمع ولا كلام فيه، انتهى.\n_________\n(١) وأجاد الطحاي (٣/ ٢٥٥)، وصاحب \"البدائع\" (٢/ ٦٢٠) في توجيه الحديث بأنه كان قبل نزول تحريم الزيادة على الأولية، فالنكاح بما فوق الأربعة كان جائزًا إذ ذاك، فالعاشرة حينئذ كالواحدة، فصح التخيير. (ش).","vol":"8","page":277},{"text":"(١) وَحَدَّثنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هُشَيْمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ مَكَانَ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، يَعْني قَيْسَ بْنَ الْحَارِثِ.\n٢٢٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَاضِي الْكُوفَةِ، عن عِيسَى بْنِ الْمُخْتَارِ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عن حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ (٢)، عن قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ، بِمَعْناهُ. [انظر سابقه]\n===\n(وحدثنا به أحمد بن إبراهيم) الدورقي النكري، (نا هشيم بهذا الحديث، فقال: قيس بن الحارث مكان الحارث بن قيس، قال أحمد بن إبراهيم: هذا هو الصواب، يعني قيس بن الحارث).\n٢٢٤٢ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) الدورقي النكري، (نا بكر بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، أبو عبد الرحمن الكوفي، قال أبو حاتم وأبو زرعة: رأيناه ولم نكتب عنه، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قاضي الكوفة، عن عيسى بن المختار) بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، قال ابن سعد: كان سمع \"مصنف ابن أبي ليلى\" منه، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال ابن معين: صالح، وقال الدارقطني: ثقة، وقال الذهبي: مُقِلّ، تفرد عنه ابن عمه بكر بن عبد الرحمن.\n(عن ابن أبي ليلى) أي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، (عن حميضة بن الشمردل، عن قيس بن الحارث بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، أعاد المصنف الحديث بهذا السند ليقوِّي ما أخرجه من حديث أحمد بن إبراهيم، عن هشيم بأن الصواب قيس بن الحارث كأنه قال: وكذلك أخرج أحمد بن إبراهيم عن بكر بن عبد الرحمن أنه قيس بن الحارث لا حارث بن قيس.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) في نسخة: \"الشمرذل\".","vol":"8","page":278},{"text":"٢٢٤٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّث، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانيِّ، عن الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، قَال: \"طَلِّقْ أَيّتَهُمَا (١) شِئْتَ\". [ن ١١٣٠، جه ١٩٥١، قط ٣/ ٢٧٣، ق ٧/ ١٨٤]\n===\n٢٢٤٣ - (حدثنا يحيى بن معين، نا وهب بن جرير، عن أبيه) أي جرير (قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب (٢) الجيشاني) بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة، المصري، قيل: اسمه ديلم بن هوشع، وقال ابن يونس: هو عبيد بن شرحبيل، مقبول.\n(عن الضحاك بن فيروز) الديلمي، ويقال: الفلسطيني، ذكره معاوية بن صالح، عن ابن معين في تابعي أهل اليمن، وقال البخاري: الضحاك بن فيروز، عن أبيه، وعنه أبو وهب، لا يعرف سماع بعضهم من بعض، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: صحح الدارقطني سند حديثه، وقال ابن القطان: مجهول.\n(عن أبيه) فيروز الديلمي اليماني، صحابي، له أحاديث، وهو الذي قتل الأسود الذي ادعى النبوة في زمن النبي - ﷺ -، ومات في زمن عثمان، وقيل: بل في زمن معاوية بعد الخمسين.\n(قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان، قال: طلق أيتهما شئت)، أخرج الترمذي وابن ماجه هذا الحديث، ولفظ الترمذي: \"اختر أيتهن شئتَ\"، ولفظ ابن ماجه موافق للفظ أبي داود، أي: طلق، وقد مرَّ ما يتعلق بهذا الحديث من اختلاف المذاهب ودلائلها.\n_________\n(١) في نسخة: \"أيهما\".\n(٢) قال السيوطي في \"شرح الترمذي\": ليس له ولا لشيخه الضحاك في الكتب إلَّا هذا الحديث الواحد. (ش).","vol":"8","page":279},{"text":"(٢٦) بَابٌ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الأبوَينِ لِمَنْ (١) يَكُون الْوَلَد؟\n٢٢٤٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أنا عِيسَى، ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عن جَدِّي رَافِعِ بْنِ سِنانٍ\n===\n\n(٢٦) (بَابٌ: إذا أَسْلَمَ أَحَدُ الأَبَوَيْنِ) والآخر كافر (٢) (لِمَنْ يَكُون الْوَلَد؟)\n٢٢٤٤ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى) بن يونس، (ثنا عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي، أبو الفضل، ويقال: إن رافع بن سنان جده لأمه، (أخبرني أبي) أي جعفر بن عبد الله، (عن جدي رافع بن سنان) بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف، الأوسي، أبو الحكم المدني، وفي إسناد حديثه اختلاف، بعضه مذكور في ترجمة عبد الحميد بن سلمة.\nوقال في ترجمة عبد الحميد بن سلمة: روى عن أبيه عن جده: أن أبويه اختصما فيه، الحديث، وقال الثوري: عن عثمان، عن عبد الحميد الأنصاري، عن أبيه، عن جده به، وقال حماد بن سلمة وغيره: عن عثمان، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، أن رجلًا أسلم، فذكره مرسلًا، ورواه المعافى بن عمران وعيسى بن يونس عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جده أبي الحكم بن رافع بن سنان به.\nقلت: وروى الدارقطني حديثًا من طريقه، وقال: عبد الحميد بن سلمة وأبوه وجده لا يعرفون، قال: ويقال: عبد الحميد بن يزيد بن سلمة، وكذا قال في \"كتاب السنَّة\"، له في أحاديث النزول ذكر الرواية عن سلمة جد عبد الحميد بن يزيد بن سلمة.\n_________\n(١) في نسخة: \"مع من\".\n(٢) والولد يتبع خير الأبوين دينًا عندنا ما لم يبلغ، أو لم يفحص الإسلام بنفسه، صرح به ابن عابدين. والمعنى أنه لو أسلم بنفسه وهو صغير يعقل فيعتبر كما سيأتي، وفي موضع من \"الدر المختار\": النصراني شر من اليهودي. (ش). (انظر: \"رد المحتار\" ٤/ ٣٧٠ - ٣٧٢).","vol":"8","page":280},{"text":"أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتْ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَتْ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ أَوْ شِبهُهُ، وَقَالَ رَافِعٌ: ابْنَتِي، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ - ﷺ -: \"اقْعُدْ (١) نَاحِيَةً\"، وَقَالَ لَهَا: \"اُقْعُدِي نَاحِيَةً\"، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّةَ (٢) بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: \"ادْعُواهَا\"، فَمَالَتْ الصَّبِيَّةُ إِلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"اللَّهُمَّ اهْدِهَا\"، فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا، فَأَخَذَهَا. [ن ٣٤٩٥، حم ٥/ ٤٤٦، ك ٢/ ٢٠٦]\n===\nورجح ابن القطان أن حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه عن جده غير حديث عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جده لاختلاف السياق فيهما، وأنكر على من خلطهما وعلى من أعل حديث أبي جعفر بابن سلمة، قاله الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣).\nقلت: فعلى القول الأول رافع بن سنان جده الأعلى أي جد جده، وعلى القول الثاني هو جده لأمه.\n(أنه) أي رافع بن سنان (أسلم، وأبتْ امرأتُه أن تُسلمَ، فأتت) أي امرأة رافع (النبي - ﷺ - فقالت: ابنتي وهي فطيم) أي: هذه ابنتي وهي فطيم (أو شبهه) أي مشابهة بالفطيم ومماثلة لها.\n(وقال رافع: ابنتي) وسميت البنت المذكورة في رواية أبي عاصم عميرة (فقال له) أي لرافع (النبي - ﷺ -: اقعدْ ناحيةً) أي جانبًا (وقال لها) أي للمرأة: (اقعدي ناحيةً) أي أخرى (وأقعد الصبية بينهما) أي وسطهما (ثم قال) أي رسول الله - ﷺ -: (ادعُوَاها) أي: البنت (فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي - ﷺ -: اللهُمَّ اهدها، فمالت) أي: البنت (إلى أبيها فأخذها).\nأخرجه النسائي في \"باب إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد\" من طريق\n_________\n(١) في نسخة: \"فاقعد\".\n(٢) في نسخة: \"الصبي\".\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١١٥، ١١٦).","vol":"8","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nسفيان، عن عبد الحميد بن سلمة الأنصاري، عن أبيه، عن جده: \"أنه أسلم، وأبت امرأتُه أن تُسلمَ، فجاء ابن لهما صغير لم يبلغ الحلم\"، الحديث.\nقال الزيلعي (١) في \"نصب الراية\": وبسند أبي داود ومتنه رواه الحاكم في \"المستدرك\" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوأخرجه الدارقطني في \"سننه\" عن أبي عاصم النبيل، عن عبد الحميد به، وسمي فيه البنت المذكورة عميرة. وعن علي بن غراب، عن عبد الحميد به، وقال فيه: شبيهة بالفطيم. وفي لفظ أحمد: \"في ولد صغير\". ولفظ \"السنن\" ما يدفع حمل المصنف أي صاحب \"الهداية\" على أن الصبي كان بالغًا.\nقال ابن القطان في \"كتابه\": هذا الحديث يرويه عيسى بن يونس، وأبو عاصم النبيل، وعلي بن غراب، كلهم عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جد أبيه رافع بن سنان، فإنه عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان، وعبد الحميد ثقة، وأبوه جعفر كذلك، قاله الكوفي.\nوروي: أنه كان غلامًا، وروي: أنها كانت جارية، فلعلهما قضيتان خير في إحداهما غلام، وفي الأخرى جارية.\nثم ذكر الحديث من طريق عثمان البتي، ثم قال بعد إخراجه: وهذه الروايات لا تصح، لأن عبد الحميد بن سلمة، وأباه، وجده لا يعرفون، ولو صحت لم ينبغ أن تجعله خلافًا لرواية أصحاب عبد الحميد بن جعفر، عن عبد الحميد بن جعفر، فإنهم ثقات، وهو وأبوه ثقتان، وجده رافع بن سنان معروف.\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١).","vol":"8","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأجاب ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١) عن الحديث فقال: ونحن نقول: إنه إذا اختار من اختاره الشرع دفع له، لكن الوقوف على ذلك متعذر بتخيير غيره - ﷺ - مع دعائه، فيجب بعده - ﷺ - اعتبار مظنة النظرية، وهو فيما قلنا، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (٢) (٣): ولنا ما روينا عن النبي - ﷺ - أنه قال للأم: \"أنتِ أحق به ما لم تنكحي\"، ولم يخير، ولأن تخيير الصبي ليس بحكمة؛ لأنه لغلبة هواه يميل إلى اللذة الحاضرة من الفراغ، والكسل، والهرب من الكُتَّاب، وتعلم آداب النفس، ومعالم الدين، فيختار شر الأبوين، وهو الذي يهمله ولا يؤدبه.\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فالمراد منه التخيير في حق البالغ؛ لأنها قالت: \"نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة\".\nومعنى قولها: \"نفعني\" أي كسب عليَّ، والبالغ هو الذي يقدر على الكسب، وقد قيل: إن بئر أبي عنبة بالمدينة لا يمكن الصغير الاستقاء منه، فدل على أن المراد منه التخيير في حق البالغ، ونحن به نقول: إن الصبي إذا بلغ يخيَّر.\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٤/ ٣٣٦).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٤٦١، ٤٥٨).\n(٣) هذا الكلام قاله صاحب \"البدائع\" في حق الحضانة، وذكره الشيخ ها هنا -أي في مسألة ولاية الكافر على المسلم- لأنه لا فرق عندنا في الحضانة بين المسلمة والكافرة، صرح بذلك في \"الدر المختار\" (٥/ ٢٦٤)، و\"البدائع\" (٣/ ٤٥٨)، و\"الهداية\" (٢/ ٢٨٤).\nوقال ابن الهمام (٤/ ٣٣٠، ٣٣١):، قال الشافعي وأحمد ورواية عن مالك: لا حضانة لها (أي الذمية). والمشهور عن مالك كقولنا، انتهى.\nوقال الموفق (١١/ ٤١٢): لا تثبت الحضانة لكافر على مسلم، وبهذا قال الشافعي ومالك، وقال ابن القاسم وأصحاب الرأي: تثبت له؛ لحديث رافع هذا، ولنا أنها ولاية، فلا تثبت لكافر على مسلم، وفي الحديث مقال، ويحتمل أنه ﵇ علم أنها تختار أباها بدعوته. (ش).","vol":"8","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>(٢٧) بَابٌ: في اللِّعَانِ</span>\n===\nوالدليل عليه ما روي عن عمارة بن ربيعة المخزومي أنه قال: \"غزا أبي نحو البحرين، فقتل، فجاء عمي ليذهب بي، فخاصمته أمي إلى علي بن أبي طالب - ﵁ -، ومعي أخ لي صغير، فخيرني علي - ﵁ - ثلاثًا، فاخترت أمي، فأبى عمي أن يرضى، فوكزه علي - ﵁ - بيده وضربه بدِرَّته، وقال: لو بلغ هذا الصبي أيضًا خيِّر\"، فهذا يدل على أن التخيير لا يكون إلَّا بعد البلوغ.\nوقال في محل آخر: روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: \"طلق عمرُ - ﵁ - أمَّ ابنه عاصم - ﵁ -، فلقيها ومعها الصبي فنازعها، وارتفعا إلى أبي بكر الصديق - ﵁ -، فقضى أبو بكر - ﵁ - بعاصم بن عمر - ﵁ - لأمه ما لم يَشِبَّ أو تتزوجَ، وقال: إن ريحها وفراشها خير له حتى يشب أو تتزوج\"، وذلك بمحضر من الصحابة - ﵃-.\n\n(٢٧) (بَابٌ: في اللِّعَانِ) (١)\nأي باب في بيان أحكام اللعان، وهو مصدر الملاعنة، مشتق من اللعن، وهو الطرد والإبعاد، لبعدهما عن الرحمة، أو لبعد كل منهما عن الآخر، ولا يجتمعان أبدًا. واللعان، والالتعان والملاعنة بمعنى، والرجل ملاعن، والمرأة ملاعنة، وسمي به لما فيه من لعن نفسه في الخامسة، وهي من تسمية كل (٢) باسم البعض، كالصلاة تسمى ركوعًا وسجودًا،\n_________\n(١) وكان في سنة ٩ هـ، كما في \"الخميس\" (٢/ ١٣٣). يشكل عليه بأن اللعن علي اللعن لا يجوز، وأجيب بأنه مقيد بقوله: إن كان، كذا في \"الشامي\" (٥/ ١٥٩)، وسيأتي في باب اللعن، انتهى. (ش).\n(٢) وقال الحافظ (٩/ ٤٤٠): اختير هذا اللفظ دون الغضب؛ لأنه قول الرجل، وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضًا يبدأ به، وله أن يرجع، فيسقط عن المرأة بغير عكس، وقيل: سمي لعانًا؛ لأن اللعان: الطرد، وهو مشترك فيهما، وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم =","vol":"8","page":284},{"text":"٢٢٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ الْعَجْلَانِيَّ\n===\nومعناه الشرعي: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن (١)، وهو مذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢)\n٢٢٤٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي) هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد، الأنصاري الخزرجي، الساعدي، أبو العباس، له ولأبيه صحبة، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: بعدها وقد جاوز المائة.\n(أخبره أن عويمر بن الأشقر (٣) العجلاني) الأنصاري البدري صحابي جليل، وعويمر بن أبيض، قال الطبري: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد، وهو الذي رمى زوجته بشريك بن سحماء، فلاعن رسول الله - ﷺ - بينهما، وذلك في شعبان سنة تسع لما قدم من تبوك، قيل: عويمر بن أبيض، وقيل: عويمر بن أشقر، قال الزرقاني (٤): قال الحافظ: فلعل أباه كان يلقب\n_________\n= الذنب بالنسبة إليها؛ لأن الرجل إذا كان كاذبًا ليس فيه أكثر من القذف، وإن كانت كاذبة، ففيه تلويث الفراش والنسب، وتنتشر المحرمية والميراث والولاية ... إلخ. (ش).\n(١) وهذا عندنا، وأما عند الثلاثة: أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة، فيشترط عندهم أهلية اليمين، فيجري بين المسلم وامرأته الكافرة، وبين الكافر والكافرة، وبين العبد وامرأته، وعندنا يشترطُ أهلية الشهادة، فلا يجري إلَّا بين المسلمين الحرمين العاقلين البالغين غير محدودين في قذف. (ش).\n(٢) سورة النور: الآية ٦.\n(٣) ظاهر \"الإصابة\" (٦١١٦)، و\"التهذيب\" (٨/ ١٧٥): أن هذا غلط، والصحيح عويمر بن أبيض. وأما ابن أشقر، فهو رجل آخر، راوي حديث الأضاحي عند \"ابن ماجه\" (٣١٥٣) و\"الموطأ\" (٢/ ٤٨٤) رقم (١٠٧٠) في الذبح قبل الصلاة، والبسط في \"الأوجز\" (١٠/ ٢٣٧). (ش).\n(٤) \"شرح الزرقاني\" (٣/ ١٨٦، ١٨٧).","vol":"8","page":285},{"text":"جَاءَ إِلَى عَاصِم بْنِ عَدِيٍّ فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ (١) فَيَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟\n===\nأشقر أو أبيض، وفي \"الصحابة\": عويمر بن أشقر آخر مازني، روى له ابن ماجه حديثًا في الأضاحي.\n(جاء إلى عاصم بن عدي) بن الجد بن العجلان، وكان سيد بني العجلان، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وقيل: لم يشهد بدرًا بنفسه، بل ردَّه رسول الله - ﷺ - من الروحاء، واستخلفه على العالية من المدينة، وضرب له سهمه وأجره، وهو الذي سأل رسول الله - ﷺ - لعويمر العجلاني، فنزلت قصة اللعان، وهو ابن عم والد عويمر.\n(فقال له) أي: عويمر: (يا عاصم أرأيت) أي: أخبرني لو أن (رجلًا وجد مع امرأته رجلًا) أي أجنبيًا منها (أيقتله) بهمزة الاستفهام (فيقتلونه) أي قصاصًا (٢)، وعند مسلم عن ابن مسعود: \"إن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ\".\n(أمْ كيف) يحتمل أن تكون متصلة، والتقدير أمْ يصبر على ما به من المضض، ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى الإضراب، أي بل هناك حكم آخر لا نعرفه، ويريد أن يطلع عليه، فلذلك قال: سل لي يا عاصم؟ وإنما خصَّ عاصمًا بذلك لما تقدم من أنه كان كبير قومه وصهره على ابنته أو ابنة أخيه (يفعل؟).\nواختلفوا فيمن قتل رجلًا وجده مع امرأته قد زنا، قال الجمهور: يقتل، إلَّا أن يقوم بذلك بينة، أو يعترف له ورثة القتيل، وأما فيما بينه وبين الله تعالى إن كان صادقًا فلا شيء عليه.\n_________\n(١) في نسخة: \"يقتله فتقتلونه\".\n(٢) أشكل عليه ما في \"الدر المختار\" (١٠/ ٢١١، ٢١٢) في آخر الجنايات: دخل رجل بيته فرأى رجلًا على امرأته أو جاريته، فقتله، حلَّ له ذلك، ولا قصاص عليه، كذا في \"الشامي\"، والجمهور على القصاص كما في \"الفتح\" (٩/ ٤٤٩)، و\"المغني\" (١٢/ ٥٣٥). (ش).","vol":"8","page":286},{"text":"سَلْ لِي يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلمَّا رَجَعَ عَاصِم إِلَى أَهْلِهِ، جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: لَمْ تَأتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا. فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: واللهِ لا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِر حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ\n===\n(سل لي يا عاصم رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فسأل عاصم رسول الله - ﷺ -، فكره رسول الله - ﷺ - المسائل) المذكورة (وعابها)، قال عياض (١): يحتمل أنه كره قذف الرجل امرأته بلا بينة لاعتقاده الحد، لأن ذلك كان قبل نزول حكم اللعان، ويحتمل أنه كره السؤال لقبح النازلة وهتك ستر المسلم، أو لما كان نهى عنه من كثرة السؤال، أو لما في كثرته من التضييق في الأحكام التي لو سكتوا عنها لم تلزمهم.\n(حتى كبر) بضم الموحدة أي عظم (على عاصم ما سمع من رسول الله - ﷺ -) أي من الكراهة، وكأنه - ﷺ - لم يطلع على وقوع الحادثة، فكره حملًا لسؤاله على سؤال من يسأل عن شيء ليس له فيه حاجة.\n(فلما رجع عاصم إلى أهله، جاءه عويمر فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسول الله - ﷺ -؟) أي في الجواب عن سؤالي (فقال) له (عاصم: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله - ﷺ - المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر: والله لا أنتهي) أي أمتنع عن السؤال (حتى أسأله) أي رسول الله - ﷺ - (عنها) أي عن المسألة.\n(فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله - ﷺ - وهو وسط الناس) بفتح السين وسكونها (فقال: يا رسول الله، أرأيت) أي أعلمت فأعلمني، فعبَّر بالإبصار\n_________\n(١) \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\" (٥/ ٧٧، ٧٨).","vol":"8","page":287},{"text":"رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"قَدْ أُنْزِل فَيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ قُرْآنٌ، فَاذْهَبْ فَأتِ بِهَا\". قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلمَّا فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا عُوَيْمِرٌ ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -\n===\nعن الإخبار؛ لأن الرؤية سبب العلم، فلهذا صار معناه أخبرني (رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله) فإن قتله (فتقتلونه) بصيغة الخطاب، أي قصاصًا، وفي رواية: بصيغة الغيبة، أي: يقتله أولياء المقتول (أم كيف يفعل؟).\nزاد في حديث ابن عمر عند مسلم (١): \"فسكت النبي - ﷺ - فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٢) (فقال رسول الله - ﷺ -: قد أنزل) بصيغة المجهول، وفي نسخة: \"أنزل الله\" (فيك وفي صاحبتك) أي زوجتك خولة بنت قيس على المشهور، أو بنت عاصم بن عدي المذكور، أو بنت أخيه (قرآنٌ، فاذهب فأت بها) وزاد في رواية الأوزاعي: \"فأمرهما رسول الله - ﷺ - بالملاعنة\".\n(قال سهل: فتلاعنا)، وفي رواية ابن شهاب عند ابن إسحاق: \"بعد العصر\"، وفي رواية ابن جريج: \"فتلاعنا في المسجد\" (وأنا مع الناس عند رسول الله - ﷺ -) فتلا عليهما الآيات، ووعظهما، وذكَرهما، وأخبرهما، فتلاعنا.\n(فلما فرغا) أي عويمر وزوجته من تلاعنهما (قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها) أي في نكاحي (فطلقها عويمر (٣) ثلاثًا قبل أن يأمره النبي - ﷺ -)\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٤٩٣).\n(٢) سورة النور: الآية ٦.\n(٣) اختلفت الروايات في القاذف هل هو عويمر أو هلال؟ والمقذوف به واحد وهو =","vol":"8","page":288},{"text":"قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ. [خ ٥٢٥٩، م ١٤٩٢، جه ٢٠٦٦، ن ٣٤٠٢، دي ٢٢٢٩]\n===\n(قال ابن شهاب) أي الزهري: (فكانت تلك) أي الفرقة بينهما، أو الطلقة من الزوج (سُنَّةُ المتلاعِنَين).\nقال في \"البدائع\" (١): اختلف العلماء في حكم اللعان، قال أصحابنا الثلاثة: هو وجوب التفريق ما داما على حال اللعان، لا وقوع الفرقة بنفس اللعان من غير تفريق الحاكم، حتى يجوز طلاق الزوج وظهاره وإيلاؤه، ويجري التوارث بينهما قبل التفريق.\nوقال زفر والشافعي: هو وقوع الفرقة بنفس اللعان، إلَّا أن عند زفر لا تقع الفرقة ما لم يلتعنا.\nوعند الشافعي تقع الفرقة بلعان الزوج قبل أن تلتعن المرأة، وجه قول الشافعي: أن الفرقة أمر يختص بالزوج، ألا ترى أنه هو المختص بسبب الفرقة، فلا يقف وقوعها على فعل المرأة كالطلاق.\nواحتج زفر بما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا\"، وفي بقاء النكاح اجتماعهما وهو خلاف النص.\nولنا ما روى نافع عن ابن عمر - ﵄-: \"أن رجلًا لاعن امرأته في زمن النبي - ﷺ -، وانتفى من ولدها، ففرق النبي - ﷺ - بينهما، وألحق الولد بالمرأة\"، وعن ابن عباس﵄-: \"أن النبي - ﷺ - لما لاعن بين عاصم بن عدي وبين امرأته فَرَّق بينهما\"، وروي \"أن رسول الله - ﷺ - لاعن\n_________\n= شريك، فقيل بالتعدد كما بسطه الحافظ (٨/ ٤٥٠ - ٩/ ٤٤٦)، وقال القاري (٦/ ٤٦٤): يجمع بينهما بأنهما واقعتان، وفي النفس منه شيء، انتهى، وقال الزرقاني (٣/ ١٨٨): لا مانع أن يُتّهم شريك بكل من امرأتي عويمر وهلال إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (١١/ ٢٠٨ - ٢١١). (ش).\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٣٨٨ - ٣٩٠).","vol":"8","page":289},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبين العجلاني وبين امرأته، فلما فرغا من اللعان فرَّق بينهما\"، ثم قال ﵊: \"الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟ قال ذلك ثلاثًا، فأبيا ففرق بينهما\".\nفدلت الأحاديث على أن الفرقة لا تقع بلعان الزوج ولا بلعانها، إذ لو وقعت لما احتمل التفريق من رسول الله - ﷺ - بعد وقوع الفرقة بينهما بنفس اللعان.\nثم قال: واختلف (١) العلماء فيه أيضًا، قال أبو حنيفة ومحمد: الفرقة في اللعان فرقة بتطليقة بائنة، فيزول ملك النكاح، وتثبت حرمة الاجتماع والتزوج ما داما على حالة اللعان، فإن أكذب الزوج نفسه فجلد الحد، أو أكذبت المرأة نفسها بأن صدقته، جاز النكاح بينهما ويجتمعان.\nوقال أبو يوسف وزفر والحسن بن زياد: هي فرقة بغير طلاق، وإنها توجب حرمة مؤبدة كحرمة الرضاع والمصاهرة، واحتجوا بقول النبي - ﷺ -: \"المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا\"، وهو نص في الباب. وكذا روي عن جماعة من الصحابة - ﵃- مثل عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم ﵃، أنهم قالوا: \"المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا\".\nولأبي حنيفة ومحمد ما روي \"أن رسول الله - ﷺ - لما لاعن بين عويمر العجلاني وبين امرأته، فقال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فهي طالق ثلاثًا\"، وفي بعض الروايات: \"كذبت عليها إن لم أفارقها، فهي طالق ثلاثًا\"، فصار طلاق الزوج عقيب اللعان سنة المتلاعنين؛ لأن عويمرًا طلَّق زوجته ثلاثًا بعد اللعان عند رسول الله - ﷺ -، فأنفذها عليه رسول الله - ﷺ -، فيجب على كل ملاعن أن يطلق، فإذا امتنع ينوب القاضي منابه في التفريق، فيكون طلاقًا كما في العنِّين.\n_________\n(١) قال الموفق (١١/ ١٤٧): فرقة لعان فسخ، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: هي طلاق، ولنا أنه فرقة توجب تحريمًا مؤبدًا، فكانت فسخًا كفرقة الرضاع. (ش).","vol":"8","page":290},{"text":"٢٢٤٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى (١)، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَني عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِعَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ: \"أَمْسِكِ الْمَرْأَةَ عِنْدَكَ حَتَّى تَلِدَ\". [حم ٥/ ٣٣٥]\n٢٢٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي\n===\nولأن سبب هذه الفرقة قذف الزوج؛ لأنه يوجب اللعان، واللعان يوجب التفريق، والتفريق يوجب الفرقة، فكانت الفرقة بهذه الوسائط مضافة إلى القذف السابق، وكل فرقة تكون من الزوج أو يكون فعل الزوج سببها تكون طلاقًا، كما في العنِّين، والخلع، والإيلاء، ونحو ذلك، وهو قول السلف: إن كل فرقة وقعت من قبل الزوج فهي طلاق، من نحو إبراهيم، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم - ﵃-.\nوأما الحديث فلا يمكن العمل بحقيقته لما ذكرنا أن حقيقة المتفاعل هو المتشاغل بالفعل، وكما فرغا من اللعان ما بقيا متلاعنين حقيقة، فانصرف المراد إلى الحكم، وهو أن يكون حكم اللعان فيهما ثابتًا.\nفإذا أكذب الزوج نفسه، وحدَّ حد القذف، بطل حكم اللعان، فلم يبق متلاعنًا حقيقة وحكمًا، فجاز اجتماعهما.\n٢٢٤٦ - (أخبرنا عبد العزيز بن يحيى، حدثنا محمد -يعني ابن سلمة-، عن محمد بن إسحاق، حدثني عباس بن سهل، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال لعاصم بن عدي: أمسِك المرأة) أي زوجة عويمر التي لاعنت (عندك حتى تلد) وإنما أمره بذلك؛ لأنه كان كبير قومه، وكانت المرأة ابنته، أو ابنة أخيه كما تقدم.\n٢٢٤٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبو الأصبغ\".","vol":"8","page":291},{"text":"يُونُسُ، عَن ابْنِ شهَاب، عَن سَهْل بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: \"حَضَرْتُ لِعَانَهُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، قَالَ فِيهِ: ثُمَّ خَرَجَتْ حَامِلًا، فَكَانَ الْوَلَدُ يُدْعَى إِلَى أمِّهِ\". [خ ٤٧٤٦، م ١٤٩٢]\n٢٢٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرْكَانِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ-، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في خَبَرِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ فَلَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أُرَاهُ\n===\nيونس، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي قال: حضرت لعانهما عند رسول الله - ﷺ -، وأنا ابن خمس عشرة سنة، وساق) أي يونس (الحديث، قال) أي زاد يونس (فيه: ثم خرجت حاملًا) ظهر حملها (فكان الولد) أي الذي ولدته بعد اللعان (يُدعى) أي ينسب (إلي أمه) أي ولا ينسب إلى أبيه.\n٢٢٤٨ - (حدثنا محمد بن جعفر الوركاني، أنا إبراهيم -يعني ابن سعد-، عن الزهري، عن سهل بن سعد في خبر المتلاعنين) أي في قصتهما (قال) أي سهل: (قال النبي - ﷺ -: أبصروها) أي المرأة المتلاعنة (فإن جاءت به) أي بولدها (أدعج) أي أسود (العينين عظيم الأليتين) بفتح الهمزة، وهي اللحمة المشرفة على الظهر والفخذ، وقال في \"القاموس\": الألْيَةُ: العَجِيزَةُ، أو ما رَكِبَ العَجُزَ من شَحْمٍ ولَحْمٍ، جمعه أَلَيَاتُ وألايا، لا تَقل: إلْيَةٌ ولا لِيَّةٌ.\n(فلا أراه) أي عويمرًا (إلَّا قد صدق، وإن جاءت به) أي بالولد (أحيمر) تصغير أحمر، أي مائلًا إلى الحمرة (كأنه وحرة) أي وزغة (١) (فلا أراه)\n_________\n(١) ونقل في ما بين سطور أبي داود المطبوعة بالهند عن مولانا معناه: \"بهامني\" [هو باللغة الأردية]. (ش).","vol":"8","page":292},{"text":"إِلَّا كَاذِبًا\"، قَالَ: فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ. [خ ٥٣٠٩، جه ٢٠٦٦]\n٢٢٤٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ (١)، نَا الْفِرْيَابِيُّ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَهْل بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ بِهَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَكَانَ يُدْعَى- يَعْنِي الْوَلَدَ- لأمِّهِ. [انظر سابقه]\n===\nأي عويمرًا (إلَّا كاذبًا، قال) أي سهل بن سعد: (فجاءت به) أي بالولد (على النعت المكروه) أي الوصف الذي يصدق عويمرًا.\n٢٢٤٩ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي بهذا الخبر، قال) أي الزهري: (فكان يدعى -يعني الولد- لأمه). قال في \"البدائع\" (٢): وأما الحكم الذي ليس بأصلي للعان فهو وجوب قطع النسب في أحد نوعي القذف، وهو القذف بالولد، لما روي: \"أن رسول الله - ﷺ - لما لاعن بين هلال بن أمية وبين زوجته، وفرق بينهما، نفى الولد عنه وألحقه بالمرأة\"، فصار النفي أحد حكمي اللعان.\nوعلى هذا قلنا: إن القذف إذا لم ينعقد موجبًا للعان، أو سقط بعد الوجوب، ووجب الحد، أو لم يجب، أو لم يسقط، لكنهما لم يتلاعنا بعد، لا ينقطع نسب الولد، إلى آخر ما قال.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): وعن أحمد: ينتفي الولد بمجرد اللعان، ولو لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان، وفيه نظر؛ لأنه لو استلحقه لحقه، وإنما يؤثر لعان الرجل دفع حد القذف عنه وثبوت زنا المرأة، ثم يرتفع عنها الحد بالتعانها. وقال الشافعي: إن نفى الولد في الملاعنة انتفى، وإن لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة.\n_________\n(١) في نسخة: \"خالد الدمشقي\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٣٩١).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٠).","vol":"8","page":293},{"text":"٢٢٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْفِهْرِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عن سَهْلِ بْن سَعْدٍ (١) في هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: \"فَطَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطلِيقَاتٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَنْفَذَهُ (٢) رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَ مَا صُنِعَ عِنْدَ النَّبِيِّ (٣) عمرو سُنَّةً\".\nقَالَ سَهْلٌ: حَضَرْتُ هَذَا عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ في الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمّ (٤) لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا. [خ ٧٣٠٤]\n===\n٢٢٥٠ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، عن عياض بن عبد الله الفهري وغيره، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد في هذا الخبر) أي المتقدم (قال) أي عياض بن عبد الله، عن ابن شهاب (فطلقها) أي عويمر زوجته (ثلاث تطليقات عند رسول الله - ﷺ - فأنفذه) أي أمضى الطلاق (رسول الله - ﷺ -، وكان ما صنع عند النبي - ﷺ - سنَّة) أي: إذ لم ينكر عليه.\n(قال سهل: حضرت هذا) أي اللعان (عند رسول الله - ﷺ -، فمضت السنَّة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما) بأن يطلق الزوج، فإن لم يطلق الزوج ينوب القاضي منابه فيفرق بينهما، (ثم لا يجتمعان أبدًا) أي ما داما (٥) على لعانهما، فإن أكذب أحدهما نفسه، يجوز اجتماعهما عندنا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الساعدي\".\n(٢) في نسخة: \"وأنفذه\".\n(٣) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٤) في نسخة: \"ولا يجتمعان\".\n(٥) قال في \"الهداية\" (٢/ ٢٧١): وهو خاطب إذا أكذب نفسه عندهما، وقال أبو يوسف: هو تحريم مؤبد لهذا الحديث، ولهما: إن الإكذاب رجوع، والشهادة بعد الرجوع لا حكم لها، ولا يجتمعان ما داما متلاعنين، ولم يبق التلاعن بعد الإكذاب ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":294},{"text":"٢٢٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَوَهْبُ بْنُ بَيَانٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو ابْن السَّرْحِ وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَهْل بْن سَعْدٍ، قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ \"شَهِدْتُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ (١) - ﷺ -، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ (٢)، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ الله - ﷺ - حِينَ تَلَاعَنَا، وَتَمَّ حَدِيثُ مُسَدَّدٍ، وَقَالَ الآخَرُونَ: إِنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا\". [خ ٦٨٥٤]\n(٣) وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَقُلْ \"عَلَيْهَا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يُتابِعْ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَحَدٌ عَلَى أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ.\n===\n٢٢٥١ - (حدثنا مسدد ووهب بن بيان وأحمد بن عمرو بن السرح وعمرو بن عثمان قالوا: حدثنا سفيان) أي ابن عيينة، (عن الزهري، عن سهل بن سعد، قال مسدد) في حديثه: (قال) سهل: (شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله - ﷺ -، وأنا ابن خمس عشرة، ففرق بينهما رسول الله - ﷺ - حين تلاعنا) أي: فرغا من تلاعنهما. (وتم حديث مسدد).\n(وقال الآخرون: إنه) أي: سهل (شهد النبي - ﷺ -، فرق بين المتلاعنين) فالاختلاف بين لفظ مسدد وبين غيره أن مسددًا عبَّره بضمير المتكلم، وغيره جعله غائبًا، وزاد الآخرون: (فقال الرجل) أي عويمر: (كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، وبعضهم) أي بعض شيوخ المصنف (لم يقلْ \"عليها\") أي لفظ \"عليها\".\n(قال أبو داود: لم يتابع ابن عينية أحدٌ على أنه) أي رسول الله - ﷺ - (فرق بين المتلاعنين) فكان ما قال ابن عيينة: أنه فرق بينهما شاذًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"سنة\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"8","page":295},{"text":"٢٢٥٢ - حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (١) الْعَتَكِيُّ، نَا فُلَيْحٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في هَذَا الْحَدِيثِ: \"وَكَانَتْ حَامِلًا، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا فَكَانَ (٢) ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا، ثُمَّ جَرَتِ السّنَّةُ في الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ الله ﷿ لَهَا\". [خ ٤٧٤٦]\n===\n٢٢٥٢ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا فليح، عن الزهري، عن سهل بن سعد في هذا الحديث: وكانت) أي المرأة (حاملًا، فأنكر حملها) أي من نفسه (فكان ابنها) أي المرأة (يُدعى إليها) أي إلى المرأة.\nقال في \"الهداية\" (٣): إذا قال الزوج: ليس حملك مني، فلا لعان، وهذا قول أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله-، لأنه لا يتيقن بقيام الحمل فلم يصر قاذفًا، وقال (٤) أبو يوسف ومحمد: اللعان يجب بنفي الحمل إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر، لأنا تيقنًا بقيام الحمل عنده، أي تحقق القذف.\nقلنا: إذا لم يكن قذفًا في الحال يصير كالمعلق بالشرط، فيصير كأنه قال: إن كان بك حمل فليس مني، والقذف لا يصح تعليقه بالشرط.\nقلت: والجواب عن الحديث بأن اللعان فيه كان بالقذف لا بنفي الحمل فقط.\n(ثم جرت السنَّة في الميراث أن يرثها) أي الولد من أمه (وترث) أي المرأة (منه) أي من الولد (ما فرض الله ﷿ لها) (٥)، وهو الثلث إن لم يكن له ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة والأخوات، فإن كان شيء من ذلك\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبو الربيع\".\n(٢) في نسخة: \"وكان\".\n(٣) \"الهداية\" (٢/ ٢٧٢).\n(٤) وبه قال الشافعي، كما في \"ابن رسلان\" وقال: الحديث حجة لنا على أنها تلاعن بالحمل ... إلخ. (ش).\n(٥) وسيأتي شيء منه في \"باب ميراث ابن الملاعنة\". (ش).","vol":"8","page":296},{"text":"٢٢٥٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأعْمَشِ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عنْ عَبْدِ الله قَالَ: أَنَا (١) لَلَيْلَةُ (٢) جُمُعَةٍ في الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ في الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ بِهِ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ،\n===\nفلها السدس، فإن فضل شيء من أصحاب الفروض، فهو لبيت المال عند الزهري والشافعي ومالك وأبي ثور.\nوقال الحكم وحماد: ترث ورثة أمه. وقال آخرون: عصبته عصبة أمه، روي هذا عن علي وابن مسعود وعطاء وأحمد بن حنبل، قال أحمد: فإن انفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة، وقال أبو حنيفة: إذا انفردت أخذت جميع الثلث بالفرض، والباقي بالرد على قاعدته.\nقلت: ونقل في \"البحر\" (٣) عن \"الذخيرة\": ثم إذا قطع النسب عن الأب وألحق الولد بالأم، يبقى النسب في حق سائر الأحكام من الشهادة والزكاة وعدم القصاص على الأب بقتله، ونحو ذلك من الأحكام، إلَّا أنه لا يجري التوارث بينهما ولا نفقة على الأب؛ لأن النفي باللعان ثبت شرعًا بخلاف الأصل، بناء على زعمه وظنه مع كونه مولودًا على فراشه، وقد قال النبي - ﷺ -: \"الولد للفراش\"، فلا يظهر في حق سائر الأحكام.\n٢٢٥٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله) بن مسعود (قال: أنا لليلة جمعة في المسجد إذ دخل رجل من الأنصار في المسجد) الظاهر هو عويمر المتقدم، أو هلال بن أمية الآتي، (فقال) للناس: (لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا) أي أجنبيًا يزني بها (فتكلم به) أي بزناها (جلدتموه) أي بحد القذف، (أو قتل قتلتموه)\n_________\n(١) في نسخة: \"إنَّا\".\n(٢) في نسخة: \"ليلة\".\n(٣) \"البحر الرائق\" (٤/ ١٢٩).","vol":"8","page":297},{"text":"فَإِنْ (١) سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، وَاللهِ لأسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - (٢)، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ بِهِ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، فَقَالَ: \"اللهُمَّ افْتَحْ\" وَجَعَلَ يَدْعُو، فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ هَذ الآيَة\n===\nقصاصًا (٣)، (فإن سكت سكت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله - ﷺ -، فلما كان من الغد أتى رسول الله - ﷺ - فسأله، فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلم به جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (اللَّهُمَّ افتح) أي احكم في هذه المسألة حكمًا بينًا (وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٤) هذه الآية).\nواختلفت الروايات في نزولها، فبعضها تقتضي أنها نزلت في قصة العجلاني، وبعضها تدل في قصة هلال بن أمية، قال الحافظ (٥) في كيفية الجمع بينهما: بأن يكون هلال سأل أولًا، ثم سأل عويمر، فنزلت في شأنهما معًا.\nوظهر لي الآن احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول، ثم جاء هلال بعده، فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها: \"إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به\"، فوجد الآية نزلت في شأن هلال فأعلمه النبي - ﷺ - بأنها نزلت فيه، يعني أنها نزلت في كل من وقع له ذلك، بأن ذلك لا يختص بهلال.\n_________\n(١) في نسخة: \"وإن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) هذا مشكل لما في \"الشامي\" (١٠/ ٢١١ - ٢١٢): من رأى زانيًا بامرأته، فقتله فلا قصاص، وكذلك عند أحمد كما جزم به الموفق (١١/ ٥٣٣)، واستدل بأثر عمر، ولم يذكر الجواب عن حديث الباب، وسيعيده المصنف في \"الديات\". (ش).\n(٤) سورة النور: الآية ٦.\n(٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥٠).","vol":"8","page":298},{"text":"فَابْتُلِيَ بهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْن النَّاسِ، فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَتَلَاعَنَا، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الْخَامِسَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِين.\nقَالَ: فَذهَبَتْ لِتَلْتَعِنَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَهْ\"، فَأَبَتْ فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا أَدْبَرَا قَالَ: \"لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا\"، فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا\". [م ١٤٩٥، جه ٢٠٦٨]\n===\nوكذا يجاب على سياق حديث ابن مسعود، يحتمل أنه لما شرع يدعو بعد توجه العجلاني، جاء هلال فذكر قصته فنزلت فجاء عويمر، فقال: قد نزلت فيك وفي صاحبتك.\n(فابتلي به ذلك الرجلُ من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله - ﷺ -، فنلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن) أي أوقع اللعنة (الخامسة)، أي في المرة الخامسة (عليه) أي على نفسه (إن كان من الكاذبين. قال) أي عبد الله: (فذهبت) أي شرعت المرأة (لتلتعن، فقال لها النبي - ﷺ -: مه) أي: اكففي، كلمة زجر وردع، (فأبت) عن أن تكف وترتدع عن التلاعن (ففعلت) أي: الالتعان.\n(فلما أدبرا قال) أي رسول الله - ﷺ -: (لعلها) أي المرأة (أن تجيء به) أي بالولد (أسودَ جعدًا). الجعد: إما جعودة الجسم، وهو اجتماعه واكتنازه، أي شديد الأسر والخلق، أو جعودة الشعر، وهو ضد السبوطة، والمراد ها هنا: جعودة الشعر، يدل عليه حديث ابن عباس عند البخاري (١)، ولفظه: \"وكان ذلك الرجل مصْفَرًا قليلَ اللحم سبْطَ الشعر، وكان الذي وجده عند أهله آدمَ خَدْلًا كثير اللحْم جَعْدًا قَططًا\" (فجاءت به) أي بالولد (أسود جعدًا) أي على الصفة المكروهة، على صفةِ الذي رُميت به.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٣١٦).","vol":"8","page":299},{"text":"٢٢٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَني عِكْرِمَةُ، عن ابْن عَبَّاسٍ: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِشَرِيكِ بْن سحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ\"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا رَجُلًا عَلَى امْرَأَتِهِ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ\"، فَقَالَ هِلَالٌ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ وَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ في أَمْرِي مَا يُبَرِّئُ (١) ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، قَرَأَ (٢)\n===\n٢٢٥٤ - (حدثنا محمد بن بشار، نا ابن أبي عدي، أنبأنا هشام بن حسان، حدثني عكرمة، عن ابن عباس، أن هلال بن أمية) الواقفي، شهد بدرًا وأحدًا، وكان قديم الإسلام، وكانت معه رايتهم يوم الفتح، وهو الذي لاعن امرأته ورماها بشريك بن سحماء، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فعُوتِبُوا بترك الكلام، ثم تيب عليهم (قذف امرأته عند النبي - ﷺ - بشريك ابن سحماء، فقال النبي - ﷺ -: البينة) بالنصب والرفع، أي أحضرها على ثبوت زناها (أوحد) أي يجب (في ظهرك) (٣) وهو حد القذف.\n(فقال) أي هلال: (يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلًا على امرأته) يزني بها (يلتمس البينة؟) بتقدير حرف الاستفهام (فجعل النبي - ﷺ - يقول: البينة وإلا فحد في ظهرك)، وهذا يدل على أن آية حد القذف نزلت قبل ذلك (فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق) فيما رميتها به (ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٤)، قرأ) لعل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"به\".\n(٢) في نسخة: \"فقرأ\".\n(٣) وهو حجة لمالك في أن الحد يجلد في الظهر، خلافًا للجمهور إذ قالوا: يفرق على الأعضاء ما خلا الوجه والرأس، كما سيأتي. (ش).\n(٤) سورة النور: الآية ٦.","vol":"8","page":300},{"text":"حَتَّى بَلَغَ ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَجَاءَا، فَقَامَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: \"الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ؟ \"، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وَقَالُوا لَهَا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَرْجِعُ، فَقَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَبْصِرُوهَا (١) فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابغَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ\n===\nالضمير يرجع إلى ابن عباس أو غيره من رواة السند (حتى بلغ ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فانصرف النبي - ﷺ -، فأرسل) أي رسولًا (إليهما) يدعوهما (فجاءا) بلفظ التثنية.\n(فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي - ﷺ - يقول: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما مِن تائب؟ ثم قامت) أي المرأة (فشهدت) أي الشهادات الأربعة (فلما كان عند الخامسة) وفي نسخة: \"كانت\" وهو الأوفق ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ﴾ أي: زوجها (﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾) أي فيما رماها به.\n(وقالوا) أي الصحابة - ﵃- (لها: إنها) أي الشهادة الخامسة (موجبة) أي لغضب الله، (قال ابن عباس: فتلكأت) أي توقفت وتبطأت (ونكصت) أي رجعت القهقرى (حتى ظننا أنها سترجع) أي عن الإقدام على الشهادة (فقالت: لا أفضح قومي (٢» أي بالرجوع عن الشهادة (سائر اليوم) أي سائر الزمان، (فمضت) أي في الشهادات، (فقال النبي - ﷺ - أبصروها) من الإفعال أو من المجرد، وحرف الصلة مقدر، أي بها (فإن جاءت به) أي بالولد (أكحل العينين) أي أسود أجفان العين خلقة من غير كحل (سابغ) أي عظيم (الأليتين خدلج) بمعجمة ومهملة ولام مشددة مفتوحات، أي عظيم (الساقين\n_________\n(١) في نسخة: \"انظروها\".\n(٢) قال في \"الكوكب\" (٤/ ٢١٨): إن الكلام لما لم يكن نصًا في الإقرار لم يكتف به في تصديق الزوج. (ش).","vol":"8","page":301},{"text":"فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاء\"، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: \"لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأنٌ\". [خ ٢٦٧١، ت ٣١٧٩، جه ٢٠٦٧، حم ١/ ٢٣٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ (١) أَهْلُ الْمَدِينَةِ، حَدِيثُ ابْن بَشَّارٍ حَدِيثَ هِلَالٍ.\n٢٢٥٥ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيّ، نَا سُفْيَانُ، عن عَاصِمِ بْنِ كُلَيْب، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ رَجُلًا حِينَ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يَتَلاعَنَا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ عِنْدَ الْخَامِسَةِ يَقُولُ: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ\". [ن ٣٤٧٢]\n===\nفهو) أي الولد (لشريك بن سحماء، فجاءت به) أي بالولد (كذلك) أي أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلَّج الساقين.\n(فقال النبي - ﷺ -: لولا ما مضى من كتاب الله) أي ما أنزله في كتابه من الملاعنة أو الشهادات في ثبوت الزنا (لكان لي ولها شأن)، أي: لولا ما سبق من حكم الله أن اللعان يدفع الحد عن المرأة، لأقمت عليها الحد من أجل الشبه الظاهر بالذي رُميت به.\n(قال أبو داود: وهذا) أي الحديث (مما تفرد به أهل المدينة، حديث ابن بشار حديث هلال) أي في قصة هلال.\n٢٢٥٥ - (حدثنا مخلد بن خالد الشعيري، نا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب بن شهاب، (عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - أمر رجلًا) أي من أصحابه، لم أقف على تسميته (حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده على فيه) أي على فم الزوج المتلاعن (عند الخامسة) أي الشهادة الخامسة ليكفَّه عن الإقدام على الشهادة (يقول) أي للزوج: (إنها) أي الشهادة الخامسة (موجبة) أي للعن والعقاب إن كان كاذبًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"انفرد\".","vol":"8","page":302},{"text":"٢٢٥٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَابَ الله عَلَيهمْ؛ فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشاءً فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَرَأَى بِعَيْنِهِ وَسَمِعَ بِأذُنِيهِ فَلَمْ يُهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنّي جِئْتُ أَهْلِي عِشَاءً، فَوَجَدْتُ عِنْدَهُمْ رَجُلًا، فَرَأَيْتُ بِعَيْني وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ (١) الآيَتَيْنِ كِلتَيْهِمَا، فَسُرِّيَ عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -\n===\n٢٢٥٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، نا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم) حين تخلفوا من غزوة تبوك، فعوتبوا بترك الكلام، والاثنان منهم، أحدهما: كعب بن مالك، وثانيهما: مرارة بن الربيع.\n(فجاء) أي هلال (من أرضه) أي مزرعته (عِشاءً فوجد عند أهله رجلًا) أي شريك بن سحماء يزني بها، (فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهجه) من هاج يهيج هيجًا وهيجانًا وهياجًا: ثار، كاهتاج وتهيَّج وأثار، قاله في \"القاموس\"، أي لم يزعجه ولم ينفره.\n(حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاءً، فوجدت عندهم رجلًا، فرأيت) فعله (بعيني، وسمعت) أي صوته (بأذني، فكره رسول الله - ﷺ - ما جاء به واشتد عليه)، ولعل وجه الكراهة والاشتداد عليه أن رسول الله - ﷺ - صدق هلالًا في ظنه فيما يقول، ومع صدقه مستوجب لحد القذف، لأن آية اللعان لم تنزل بعد.\n(فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾) أي: على زناها ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآيتين كلتيهما، فسُرِّي)، أي: كشف وأزيل (عن رسول الله - ﷺ -)\n_________\n(١) سورة النور: الآية ٦.","vol":"8","page":303},{"text":"فَقَالَ: \"أَبْشِرْ يَا هِلَالُ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا\". قَالَ هِلَالٌ: قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَلِكَ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَرْسِلُوا إِلَيْهَا\"، فَجَاءَتْ فَتَلَاهَا عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وذَكَّرَهُما، وَأَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَذَابَ الآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا. فَقَالَ هِلَالٌ: وَاللهِ لَقَدْ صَدَقْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: قَدْ كَذَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لاعِنُوا بَيْنَهُمَا\"، فَقِيلَ لِهِلَالٍ: اشْهَدْ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ باللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قِيلَ: يَا هِلَالُ اتَّقِ الله فَإِنَّ عِقَابَ (١) الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكَ الْعَذَابَ،\n===\nما كان يجده من الشدة في نزول الوحي، أو ما كان يجده من الكراهة والاشتداد في هذه القصة.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أبشر يا هلال، قد جعل الله لك فرجًا) أي راحة من الغم (ومخرجًا) أي من تلك الورطة (قال هلال: قد كنت أرجو ذلك) أي الفرج والمخرج (من ربي، فقال رسول الله - ﷺ -: أرسلوا إليها، فجاءت) أي زوجة هلال (فتلاها) أي قرأ الآية (عليهما رسول الله - ﷺ -، وذكرهما) من التذكير أي وعظهما، (وأخبرهما أن عذاب الآخرة) أي على الكذب والزنا من المرأة أو على الكذب والقذف عن الزوج (أشدُّ من عذاب الدنيا) على القذف للرجل أو على الزنا للمرأة.\n(فقال هلال: والله لقد صدقت عليها) فيما قذفتها به، (فقالت: قد كذب) أي فيما رماني به، (فقال رسول الله - ﷺ -: لاعنوا بينهما، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت) أي الشهادة (الخامسة قيل: يا هلال اتق الله فإن عقاب الدنيا) وهو حد القذف (أهون من عذاب الآخرة) أي في الإقدام على القذف كاذبًا، (وإن هذه) أي الشهادة الخامسة (الموجبة التي توجب عليك العذاب) أي إن كنت كاذبًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"عذاب\".","vol":"8","page":304},{"text":"فَقَالَ: واللهِ لَا يُعَذِّبُنِي الله عَلَيْهَا كَمَا لَمْ يُجَلِّدْنِي عَلَيْهَا، فَشَهِدَ الْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: اشْهَدِي، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ باللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قِيلَ لَهَا: اتَّقِي اللهَ فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَاب الآخِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةَ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكِ الْعَذَابَ، فَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي، فَشَهِدَتِ الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لأَبٍ، وَلَا تُرْمَى وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.\nوَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ،\n===\n(فقال: والله لا يعذبني الله عليها) أي على الشهادة الخامسة (كما لم يجلدني عليها) أي على مقالتي عليها، (فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل لها) أي للمرأة: (اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب) أي إن كنت كاذبة.\n(فتلكأت) أي توقفتْ وتبطأتْ (ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح) من المجرد (قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله - ﷺ - بينهما) أي بين هلال بن أمية وزوجته، (وقضى أن لا يُدعى ولدها لأب، ولا تُرمى) أي لا تقذف المرأة بالزنا (ولا يُرمى ولدها، ومن رماها) أي قذف المرأة بالزنا (أو رمى ولدها فعليه) أي الرامي (الحد) (١) أي حد القذف (وقضى أن لا بيت) أي: لا سكنى (لها) أي للمرأة (عليه) أي على\n_________\n(١) كتبَ عليه الوالد في \"التقرير\": ومعنى الحد التعزير، لا الحد الشرعي؛ لأنها لم تبق عفيفة، حتى يلزم الحد لقذفها. (ش).","vol":"8","page":305},{"text":"وَلَا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفَّى عَنْهَا،\n===\nهلال بن أمية (ولا قوت) أي لا نفقة لها عليه (من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها) أي لم يتوف عنها زوجها.\nقال الشوكاني (١): فيه دليل على أن المرأة المفسوخة باللعان لا تستحق في مدة العدة (٢) نفقة ولا سكنى؛ لأن النفقة إنما تستحق في عدة الطلاق، لا في عدة الفسخ، وكذلك السكنى، ولا سيما إذا كان الفسخ بحكم كالملاعنة.\nومن قال: إن اللعان طلاق كأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن محمد، فلعله يقول بوجوب النفقة والسكنى، والحديث حجة عليه.\nقلت: والجواب عن الحديث: أن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عباد بن منصور وهو ضعيف، قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وكان يرمى بالقدر، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث، يكتب حديثه، ونرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحسين، عن عكرمة.\nوقال أبو داود: ولي قضاء البصرة خمس مرات وليس بذاك، وعنده أحاديث فيها نكارة، وقالوا: تغير، وقال النسائي: ليس بحجة، وقال في موضع آخر: ليس بقوي، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال مُهنا عن أحمد: كانت أحاديثه منكرة، وكان قدريًا، وكان يدلس، وقال أبو بكر البزار: روى عن عكرمة أحاديث، ولم يسمع منه، وقال ابن سعد: هو ضعيف عندهم، وله أحاديث منكرة، وقال الجرجاني (٣): كان سيِّئ الحفظ، وكان تغير أخيرًا.\nوقال ابن الهمام (٤) في \"باب اللعان\" من شرحه على \"الهداية\" مجيبًا\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٧٦).\n(٢) وعدة الملاعنة ثلاثة قروء عند الجمهور، وخالفهم ابن عباس فقال: تسعة أشهر، كذا في \"المغني\" (١١/ ١٩٥). (ش).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٠٥): \"الجوزجاني\".\n(٤) \"فتح القدير\" (٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"8","page":306},{"text":"وَقَالَ: \"إِنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُريصِحَ أُثَيْبجَ حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا\n===\nعن استدلال البيهقي بهذا الحديث: بأنه لو وقعت الفرقة بمجرد اللعان لأنكر عليه النبي - ﷺ - تطليقه، فلا يعارضه قول ابن عباس - ﵄- من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق، ثم قال: وأيضًا فحديث ابن عمر فإنه قال فيه: فأنفذه رسول الله - ﷺ -، يعني أمضى ذلك الطلاق، وهو حجة على من قال: إن الطلاق الثلاث لا يقع أو تقع واحدة، ثم هو أولى من حديث ابن عباس؛ لأنه رفع إمضاءه - ﷺ - الطلاق، وذلك إنما يكون بمفهوم اعتبار ذلك منه - ﷺ -.\n(وقال) (١) أي رسول الله - ﷺ -: (إن جاءت به أصيهب) نقل في الحاشية عن الخطابي: قال: هو تصغير أصهب، وهو الذي تعلوه صهبة، وهو كالشقرة، وقال ابن الأثير: المعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حمرة يعلوها سواد (أُرَيْصِح) تصغير أرصح، براءٍ وصادٍ وحاء مهملتين، وهو خفيف الأليتين، ويقال: أرسح بالسين والحاء بدل منها، ويقال: أرصع، بالعين والصاد بدل منها الأليتين، وذكر الهروي: أن الأرصح الناتئ الأليتين، وأنكر عليه، (أثَيْبِجَ) تصغير أثبج، بمثلثة ثم موحدة وجيم، وهو نتوء الثبج، وهو ما بين الكاهل ووسط الظهر (حمش الساقين) بالحاء المهملة والشين المعجمة، أي دقيقهما (فهو لهلال).\n(وإن جاءت به) أي بالولد (أورق) أي: أسمر، يقال: جمل أورق وناقة ورقاء، والورق: بضم واو وسكون راء، جمعه، (جعدًا) وهو ضد السبط\n_________\n(١) قال الموفق (١١/ ١٦١): اختلف أصحابنا فيما إذا لاعن امرأته وهي حامل، ونفى حملها في لعانه، فقال الخرقي وجماعة: لا ينتفي الحمل بنفيه قبل الوضع، ولا ينتفي حتى يلاعنها بعد الوضع، وهذا قول أبي حنيفة، وجماعة من أهل الكوفة؛ لأن الحمل غير مستيقن، يجوز أن يكون ريحًا، أو غيرها، وقال مالك والشافعي وجماعة: يصح نفي الحمل، لحديث الباب؛ لأنه نفاه، ثم قال: أبصروها ... إلخ، وتقدم شيء من الخلاف في المسألة قبل ذلك. (ش).","vol":"8","page":307},{"text":"جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابغَ الأَلْيَتَيْنِ فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ\"، فَجَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَاليًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْن سَابغَ الأَلْيَتيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَوْلَا الأَيمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ\". [حم ١/ ٢٣٨، ٢٤٥]\nقَالَ عِكْرِمَةُ: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مُضَرَ (١) وَمَا يُدْعَى لأَبٍ.\n٢٢٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعَ عَمْروٌ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: \"حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِب لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا\"،\n===\n(جماليًا) بضم الجيم وتشديد مثناة التحتانية: الضخم الأعضاء التام الأوصال، كأنه الجمل، يقال: ناقة جمالية مشبهة بالجمل عظمًا وبدانة (خدلج الساقين) أي: عظيمهما (سابغ الأليتين) أي: تامهما (فهو) أي: الولد للذي رميت به).\n(فجاءت به) أي ولدت بالولد (أورق جعدًا جماليًا، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فقال رسول الله - ﷺ -: لولا الأيمان) أي: الشهادات، أي: شهادات اللعان، أو شهادات ثبوت الزنا (لكان لي ولها شأن).\n(قال عكرمة: فكان) أي ولدها (بعد ذلك) الزمان (أميرًا على مضر) قبيلة (وما يدعى لأب) أي لا ينسب إلى الأب، وفي رواية: أن ذلك الولد عاش سنتين، ثم مات، فالجمع بينهما أنه محمول على تعدد القصة.\n٢٢٥٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة قال: سمع عمرو) أي ابن دينار (سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ - للمتلاعنين) أي للرجل والمرأة: (حسابكما على الله) أي لا نعلم صادقًا منكما عن كاذب، بل الله يعلم أيكما كاذب، ونعلم يقينًا أن (أحدكما) لا على التعيين (كاذب، لا سبيل لك عليها).\n_________\n(١) في نسخة: \"مصر\".","vol":"8","page":308},{"text":"قَالَ (١): يَا رَسُولَ الله مَالِي، قَالَ: \"لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ (٢) أَبْعَدُ لَكَ\". [خ ٥٣١٢، م ١٤٩٣، ن ٣٤٧٦، حم ٢/ ١١]\n٢٢٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ، نَا أَيُّوبُ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذفَ امْرَأَتَهُ، قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ، وَقَالَ:\n===\nتمسك به من قال: إن الفرقة تقع بنفس اللعان، وأجيب: بأن هذا القول هو القضاء بالتفريق؛ أو يقال: إن ذلك وقع جوابًا لسؤال الرجل عن ماله الذي أخذته منه.\n(قال) أي الزوج: (يا رسول الله مالي) أي أطلب المال الذي أعطيتها في مهرها؟ (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (لا مال لك) أي لا تستحق المال (إن كنت صدقت عليها فهو) أي المال (بما استحللت من فرجها) أي فالمهر عوض عن وطئها.\n(وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك) أي من مطالبتها؛ لأنه لا تجمع عليها الظلم في عرضها ومطالبتها مالًا قبضته منك قبضًا صحيحًا تستحقه بما استوفيت حقك منها.\n٢٢٥٨ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا إسماعيل، نا أيوب، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته) هل يفرق بينهما؟ (قال) أي ابن عمر: (فرَّق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بني العجلان) أي عويمر وامرأته، وإنما جعلهما أخوين (٣) تغليبًا (وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (الله يعلم\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"فذلك\".\n(٣) في الأصل: \"جعله أخوان\"، وهو خطأ.","vol":"8","page":309},{"text":"\"اللهُ يَعْلمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ (١)، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ \"، يُرَددُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. [خ ٥٣١١، م ١٤٩٣، حم ٢/ ٤، ن ٣٤٧٥]\n٢٢٥٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِع، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَانتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ\" (٢). [خ ٥٣١٥، م ١٤٩٤، ت ١٢٠٣، ن ٣٤٧٣، جه ٢٠٦٩، حم ٢/ ٧، دي ٢٢٣٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>(٢٨) بَابٌ: إِذَا شَكَّ في الْوَلَدِ</span>\n٢٢٦٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ،\n===\nأن أحدكما) المتعين (كاذب، فهل منكما) من هو كاذب (تائب؟ يرددها) أي يكرر تلك الكلمة (ثلاث مرات، فأبيا) أي كلاهما عن تكذيب نفسه، وتلاعنا (ففرق) أي النبي - ﷺ - (بينهما).\n٢٢٥٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلًا) وهو عويمر أو هلال بن أمية (لَاعَن امرأته في زمان رسول الله - ﷺ -، وانتفى من ولدها) أي أنكر ولدها أن يكون منه (ففرق رسول الله - ﷺ - بينهما) أي بين الرجل وامرأته (وألحق الولد) أي نسبه (بالمرأة) ونفاه من الرجل.\n\n(٢٨) (بَابٌ: إِذَا شَكَّ) أي الرجل (في الْوَلَدِ) بقرينة اللون\n٢٢٦٠ - (حدثنا ابن أبي خلف، نا سفيان، عن الزهري،\n_________\n(١) في نسخة: \"لكاذب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الذي تفرد به مالك قوله: وألحق الولد بالمرأة، وقال يونس عن الزهري، عن سهل بن سعد في حديث الفعان: وأنكر حملها فكان ابنها يدعى إليها\". انظر: \"عون المعبود\" (٦/ ٣٤٩).","vol":"8","page":310},{"text":"عن سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي جَاءَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ، فَقَالَ: \"هَلْ لَكَ مِنْ إبلٍ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"مَا (١) أَلْوَانُهَا؟ \" قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: \"فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ \"، قَالَ: إِنَ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: \"فَأَنَّى تُرَاهُ؟ \"، قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: \"وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْق\". [خ ٥٣٠٥، م ١٥٠٠، ت ٢١٢٨، ن ٣٤٧٨، جه ٢٥٠٢، حم ٢/ ٢٣٣]\n===\nعن سعيد) بن المسيب، (عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - من بني فزارة) اسمه ضمضم (٢) بن قتادة (فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود (٣»، وفي رواية: \"وإني أنكرته\"، وأراد نفيه عنه (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (ما ألوانها؟ قال) أي الرجل: (حمر) باعتبار الأغلب.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فهل فيها) أي: في إبلك (من أورق؟) مائلًا إلى السواد (قال) أي الرجل: (إن فيها) أي في الإبل (لَوُرْقًا) جمع أورق، وإنما أتى بالجمع للدلالة على الكثرة (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فأنَّى) بفتح الهمزة، وتشديد النون المفتوحة، أي من أين (تُراه؟) بضم أوله على صيغة المجهول، أي: تظن، أي: من أين جاء هذا اللون وأبواها حمر (قال) أي الرجل: (عسى أن يكون نزعه عرق) المراد بالعرق: الأصل من النسب.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (وهذا) أي الولد الأسود (عسى أن يكون نزعه عرق)، والمعنى: أن ورقها إنما جاء لأنه كان في أصولها البعيدة ما كان بهذا\n_________\n(١) في نسخة: \"فما\".\n(٢) وبه جزم النووي في \"الأسماء واللغات\" (٢/ ٣٠٥)، والدميري في \"حياة الحيوان\" (١/ ٣٠). (ش).\n(٣) واستدل بالحديث على مسألة أخرى خلافية، وهي: أن التعريض بالقذف هل يوجب الحد؟ كما قاله مالك، وهو رواية عن أحمد، أم لا؟ كما قاله الجمهور، منهم الظاهرية، واستدلوا بذلك كما في \"المحلى\" لابن حزم (١٢/ ٢٣٨)، و\"الأوجز\" (١٥/ ٣٧٠). (ش).","vol":"8","page":311},{"text":"٢٢٦١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: \"وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ\". [انظر سابقه]\n===\nاللون، أو بألوان تحصل الورقة (١) من اختلاطها، فإن أمزجة أصول قد تورث، ولذلك تورث الأمراض والألوان تتبعها. وفي رواية: ولم يرخص له في الانتفاء منه.\nقال الشوكاني (٢): وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز للأب أن ينفي ولده بمجرد كونه مخالفًا له في اللون، وقد حكى القرطبي وابن رشد الإجماع على ذلك، وتعقبهما الحافظ بأن الخلاف في ذلك ثابت عند الشافعية، فقالوا: إن لم ينضم إلى المخالفة في اللون قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به، جاز النفي على الصحيح عندهم، وعند الحنابلة: يجوز النفي مع القرينة مطلقًا.\n٢٢٦١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، بإسناده ومعناه، قال) أي زاد معمر: (وهو) أي الرجل الفزاري (حينئذ يعرض بأن ينفيه)، وفي الحديث دلالة على أن التعريض بنفي الولد ليس نفيًا ولا موجبًا للعان.\nفإن قلت: إن فيه تصريحًا بالقذف، وليس بتعريض؟ فإنه سيجيء في الحديث الآتي: \"وإني أنكرته\" وهو صريح في أنه نفاه.\nقلت: لا نسلِّم أن فيه تصريحًا، بل هو تعريض، فإن معنى قوله: \"أنكره\"، أظنه منكرًا فلا تصريح فيه.\nقال الحافظ (٣): وزاد في رواية يونس: \"وإني أنكرته\"، أي: استنكرته بقلبي، ولم يرد أنه أنكر كونه ابنه بلسانه، وإلَّا لكان تصريحًا بالنفي لا تعريضًا.\n_________\n(١) وقع في الأصل: الفرقة، وهو تحريف.\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٧٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٤٣).","vol":"8","page":312},{"text":"٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَإِنِّي أُنْكِرُهُ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ\" [انظر الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>(٢٩) بَابُ التَّغْلِيظِ في الانْتِفَاءِ</span>\n٢٢٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالحٍ، نَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْروٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ-، عن ابْنِ الْهَادِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، عن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ (١): \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللهِ\n===\n٢٢٦٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن أعرابيًا أتى النبي - ﷺ - فقال: إني امرأتي ولدت غلامًا أسود وإني أنكره، فذكر) أي يونس (معناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\n\n(٢٩) (بَابُ التَّغْلِيظِ)، أي: التشديد (في الانْتِفَاءِ) أي: من الولد\n٢٢٦٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو- يعني ابن الحارث-، عن ابن الهاد) أي يزيد بن عبد الله، (عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول حين نزلت آية المتلاعنين: أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم) بأن زنت، فحملت، فولدت ولدًا، فيعلم زوجها أو مولاها أن الولد منه، (فليست من الله) أي: من\n_________\n(١) في نسخة: \"الملاعنة\".","vol":"8","page":313},{"text":"في شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللهُ جَنَّتَهُ (١)، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ الله تَعَالَى مِنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الأوَّلينَ وَالآخِرِينَ\". [ن ٣٤٨١، جه ٢٧٤٣، دي ٢٢٣٨، ق ٧/ ٤٠٣، ك ٢/ ٢٠٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>(٣٠) بَابٌ: في ادِّعَاءِ وَلَدِ الزِّنَا</span>\n٢٢٦٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا مُعْتَمِرٌ، عن سَلْمٍ\n===\nرحمته (في شيء) أي: شيء يعتد به، (ولن يدخلها الله جنته) أي في الأولين؛ إلَّا أن تكون كافرة فيجب عليها الخلود.\n(وأيما رجل جحد ولده) بأن نفاه (وهو) أي الولد (ينظر إليه) أي إلى الرجل، ففيه إشعار إلى قلة شفقته ورحمته وكثرة قساوة قلبه وغلظته، أو والحال أن الرجل ينظر إلى ولده وهو أظهر. وقيل: المعنى وهو ينظر إليه أي وهو يعلم أنه ولد (احتجب الله تعالى منه) أي حجبه وأبعده من رحمته جزاءً وفاقًا (وفضحه) أي: أخزاه (على رؤوس) الخلائق، أي: بمرئى منهم في (الأولين والآخرين) يوم القيامة.\n\n(٣٠) (بَابٌ: في ادِّعَاءِ وَلَدِ الزِّنَا)\n٢٢٦٤ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم، نا معتمر) هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية ونسخة \"العون\"، وأما في النسخة المكتوبة الأحمدية والمصرية، وكذا على حاشية المجتبائية والقادرية: \"نا معمر\"، ولعله تصحيف، والصواب: معتمر، وهو معتمر بن سليمان، فقد ذكر الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في شيوخ يعقوب بن إبراهيم معتمر بن سليمان، وكذا ذكر معتمرًا في تلامذة سلم بن أبي الذيال.\n(عن سلم) هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية والمكتوبة الأحمدية\n_________\n(١) في نسخة: \"الجنة\".","vol":"8","page":314},{"text":"- يَعْنِي ابْنَ أَبِي الذَيَّالِ-، حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا مُسَاعَاةَ في الإِسْلَامِ، مَنْ سَاعَى في الْجَاهلِيَّةِ فَقَدْ لَحِقَ بِعَصَبَتِهِ،\n===\nونسخة \"العون\" و\"تهذيب التهذيب\" (١)، و\"التقريب\" و\"الخلاصة\" (٢)، وأما في المصرية ففيه: \"سالم\" بزيادة الألف بعد السين المهملة، ولم أجده في شيء من الكتب التي عندي إلَّا في النسخة المصرية، وفي حاشية المجتبائية والقادرية.\n(يعني ابن أبي الذيال) واسمه عجلان البصري، عن أحمد بن حنبل: ثقة، ثقة، صالح الحديث، ما أصلح حديثه، ما سمعت أحدًا يحدث عنه غير معتمر، وقال عثمان الدارمي: عن ابن معين: ثقة، قلت: روى عنه معتمر؟ قال: نعم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في \"مسلم\" حديث واحد فيما يقطع الصلاة.\n(حدثني بعض أصحابنا) لم أقف على تسميته، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا مساعاة في الإسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحق) أي الولد (بعصبته).\nقال في \"المجمع\" (٣): المساعاة الزنا، وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون الحرائر؛ لأنهن كن يسعين لمواليهن، فيكسبن لهم بضرائب كانت عليهن، ساعت الأمة إذا فجرت، وساعاها فلان إذا فجر بها، مفاعلة من السعي، كأن كلا منهما يسعى لصاحبه في حصول غرضه، فأبطله الإسلام، ولم يلحق النسب بها، وعفا عما كان منها في الجاهلية ممن ألحق بها، ومعنى قوله: \"فقد لحق بعصبته\"، أي: لا نتعرض له ونعفو عنه.\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٢٩).\n(٢) \"الخلاصة\" للخزرجي (١٤٦).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٧٥ - ٧٦).","vol":"8","page":315},{"text":"وَمَنِ ادَّعَى وَلَدًا مِنْ غَيْرِ رِشْدَةٍ (١) فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ\". [حم ١/ ٣٦٢]\n٢٢٦٥ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ. (ح): وَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارونَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، وَهُوَ أَشْبَعُ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عنْ جَدِّهِ قَالَ: \"إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقٍ استُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ\n===\n(ومن ادَّعى ولدًا من غير رشدة) أي من زنا (فلا يرث) أي ذلك الوالد المدعي من ولده (ولا يورث) أي لا يرث ذلك الولد من والده الزاني؛ لأنه لم يثبت النسب بينهما شرعًا.\n٢٢٦٥ - (حدثنا شيبان بن فروخ)، هو شيبان بن أبي شيبة الحبطي الأبلي، بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام، أبو محمد، عن أحمد بن حنبل: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: كان يرى القدر، واضطر الناس إليه بأخرة، وقال سلمة: ثقة، (نا محمد بن راشد) المكحولي الخزاعي الدمشقي، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى، في \"التقريب\": صدوق يهم، ورمي بالقدر، (ح: ونا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، أنا محمد بن راشد، وهو) أي حديث الحسن (أشبع) أي أطول وأتم (عن سليمان بن موسى) الأموي.\n(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: إن النبي - ﷺ - قضى) أي أراد أن يقضي في (أن كل مستلحق) بفتح الحاء بصيغة المجهول، أي الولد الذي طلب الورثة أن يلحقوه بهم وينسبوه إلى مورثهم (استُلحق) بصيغة المجهول، صفة لقوله: \"مستلحق\"، (بعد أبيه) أي بعد موت أب المستلحق (الذي يُدعى) بالتخفيف، أي ذلك المستلحق (له) أي: لأبيه، يعني ينسبه إليه الناس بعد موت سيد تلك الأمة، ولم ينكره أبوه حتى مات.\n_________\n(١) في نسخة: \"رشد\".","vol":"8","page":316},{"text":"ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ، فَقَضَى أَنَ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَن اسْتَلْحَقَهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِمَا قُسِمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثٍ، وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقْسَمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ، وَلَا يُلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ (١) مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ\n===\n(ادعاه ورثته) خبر أن، وقيل: صفة ثانية لمستلحق، وخبر أن محذوف، أي من كان دل عليه ما بعده، (فقضى) تفصيلية، أي أراد رسول الله - ﷺ - أن يقضي، فقضى (إن كل من كان من أمة) أي كل ولد حصل من جارية (يملكها) أي سيد تلك الأمة (يوم أصابها) أي: جامعها (فقد لحق بمن استلحقه) يعني إن لم ينكر (٢) نسبه منه في حياته.\n(وليس له) أي للولد (مما قسم) بصيغة المجهول أي في الجاهلية بين ورثته (قبله) أي قبل استلحاق ذلك الولد (من الميراث) شيء؛ لأن تلك القسمة وقعت في الجاهلية، والإِسلام يعفو عما وقع في الجاهلية.\n(وما أدرك) أي الولد (من ميراث لم يقسم، فله نصيبه)، أي: فللولد حصته (ولا يلحق) أي الولد (إذا كان أبوه الذي يُدعى له) أي: ينتسب إليه (أنكره) أي أبوه؛ لأن الولد انتفى عنه بإنكاره، وهذا إنما يكون إذا ادعى الاستبراء، بأن يقول: مضى عليها حيض بعد ما أصابها، وما وطئ بعد مضي الحيض حتى ولدت، وحلف على الاستبراء، فحينئذ ينتفي عنه الولد.\n(وإن كان) أي الولد (من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهرَ)\n_________\n(١) في نسخة: \"فإن كان\".\n(٢) يشكل الحديث على الحنفية، فإن النسب في الأمة لا يثبت عندهم بدون الدعوة، كما في \"البدائع\" (٣/ ٣٩٢)، وهكذا في \"الهداية\" (١/ ٢٨٢)، إذ حكى فيه خلاف الشافعي، إذ قال: يثبت بدون الدعوة أيضًا، وكذا عند مالك وأحمد، كما سيأتي في كلام ابن الهمام، ويمكن الجواب عن الحديث عن الحنفية ما يظهر من كلام الطحاوي في حديث آخر: أن من ادعى ذلك من الورثة يشترك في نصيبه، وهو يمكن أن يكون محمل الحديث عندنا فليفتش، ثم رأيت في حاشية أبي داود عن \"فتح الودود\" جزم بذلك، وسيأتي في هامش \"باب الولد للفراش\". (ش).","vol":"8","page":317},{"text":"بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَا يَرِثُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ\". [جه ٢٧٤٦، حم ٢/ ١٨١، دي ٣١١٢]\n٢٢٦٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا أَبِي، عن مَحْمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ\n===\nأي: زنى (بها، فإنه لا يلحق به) أي بمورثه (ولا يرث) أي من مورثه (وإن) وصلية (كان الذي يُدعى له) أي ينتسب إليه (هو ادعاه) أي انتسبه (فهو ولد زنية) بكسر الزاي فسكون النون (من حرة كان) أي الولد (أو أمة) أي جارية.\nقال الخطابي: هذه أحكام قضى بها رسول الله - ﷺ - في أوائل الإسلام ومبادئ الشرع، وهي أن الرجل إذا مات واستلحق له ورثته ولدًا، فإن كان الرجل الذي يدعي الولد له ورثته قد أنكر أنه منه، لم يلحق به ولم يرث منه، وإن لم يكن أنكره، فإن كان من أمته لحقه، وورث منه ما لم يقسم بعد من ماله، ولم يرث ما قسم قبل الاستلحاق، وإن كان من أمة غيره كابن وليدة زمعة، أو من حرة زنى بها، لا يلحق به ولا يرث، بل لو استلحقه الواطئ لم يلحق به، فإن الزنا لا يثبت النسب.\nقال النووي: معناه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشًا له، فأتت بولد لمدة الإمكان، لحقه وصار ولدًا له، يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة، سواء كان موافقًا له في الشبه ومخالفًا له، نقله السيوطي - ﵀ -، كذا قال القاري (١) في \"شرح المشكاة\" (٢).\n٢٢٦٦ - (حدثنا محمود بن خالد، نا أبي، عن محمد بن راشد\n_________\n(١) العجب منه سكت عن المذهب بعد ما كان الحديث مخالفًا للحنفية، فراجع: \"أشعة اللمعات\" (٣/ ١٧٩). (ش).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٨١).","vol":"8","page":318},{"text":"بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. زَادَ: \"وَهُو وَلَدُ زِنا لأَهْلِ أُمِّهِ مَنْ كَانُوا، حُرَّةً أَوْ أَمَةً، وَذَلِكَ فِيمَا اسْتُلْحِقَ في أَوَّلِ الإِسْلَامِ، فَمَا اقْتُسِمَ مِنْ مَالٍ قَبْلَ الإِسْلَامِ فَقَدْ مَضَى\" [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>(٣١) بَابٌ: في الْقَافَةِ</span>\n٢٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، وَابْنُ السَّرْحِ قَالُوا: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ مُسَدَّد وَابْنُ السَّرْحِ: يَوْمًا مَسْرُورًا؛ وَقَالَ عُثْمَانُ: تُعْرَفُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ- فَقَالَ: \"أَيْ عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ\n===\nبإسناده) أي بإسناد حديث خالد (ومعناه) أي: ومعنى حديثه (زاد) أي خالد: (وهو ولد زنا لأهل أمه من كانوا، حرة أو أمة، وذلك) أي الحكم (فيما استلحق في أول الإسلام، فما اقتسم من مال قبل الإسلام فقد مضى) أي لا يتعرض له في الإسلام بالنقض.\n\n(٣١) (بابٌ: في الْقَافَةِ)\nجمع قائف: وهو من يعرف الآثار، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، ويلحق الفروع بالأصول بالشبه والعلامات\n٢٢٦٧ - (حدثنا مسدد، وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (وابن السرح)، ولعل معنى حديثه ليس بمتحد معهما، فلهذا فصَّله (قالوا: نا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: دخل عليَّ) أي بيتي (رسول الله - ﷺ - قال مسدد وابن السرح: يومًا مسرورًا) أي فرحان (وقال عثمان: تعرف أسارير وجهه-)، وفي رواية: \"تبرق\"، والأسارير: جمع سرر أو سرارة بفتح أولهما ويضمان، وهما في الأصل خطوط الكف، أطلق على ما يظهر على وجه من سرَّه أمرٌ من الإضاءة والبريق.\n(فقال: أي) حرف نداء للقريب (عائشة، ألم تَرَيْ) بحذف النون","vol":"8","page":319},{"text":"أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ رَأَى زيدًا وَأُسَامَةَ قَدْ غَطَّيا رُؤُوسَهُمَا بِقَطِيفَةٍ وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ\". [خ ٣٥٥٥، م ١٤٥٩، ت ٢١٢٩، ن ٣٤٩٣، جه ٢٣٤٩، حم ٦/ ٣٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ، وَكَانَ زيدٌ أَبْيَضَ.\n٢٢٦٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: \"تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ\" (٢). [انظر سابقه]\n===\n(إن مجززًا) بكسر الزاي الأولى مشددة بعد الجيم، وفي نسخة بفتحها، اسم فاعل من الجز (المدلجي) نسبة إلى مدلج بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام فجيم، وكانت القيافة فيهم، يعترف لهم العرب، قبيلة من بني كنانة.\n(رأى زيدًا وأسامةَ) حال كونهما (قد غطَّيا) أي سَتَرَا (رؤوسهما بقطيفة)، قال في \"القاموس\": القطيفة دثار مخمل (وبدت) أي ظهرت (أقدامهما) أي أرجلهما (فقال) المدلجي: (إن هذه الأقدام بعضها من بعض) أي بينهما تعلق الأبوة والابنيَّة (قال أبو داود: كان أسامة أسودَ، وكان زيد أبيضَ).\n٢٢٦٨ - (حدثنا قتيبة، نا الليث، عن ابن شهاب، بإسناده ومعناه، قال: تبرق أسارير وجهه) قال القاري (٣): قال النووي - ﵀ -: وكانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة بن زيد مع إلحاق الشرع إياه به، لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض، فلما قضى هذا القائف بإلحاق نسبه مع اختلاف\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن سعيد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وأساريرُ وَجْهه لم يَحفَظْهُ ابنُ عُيَيَنَة.\nقال أبو داود: أساريرُ وَجْهِهِ هوَ تَدْلِيس منن ابْنِ عُيَيْنَة لَمْ يَسْمعْهُ مِن الزُّهْريِّ، إنَّما سَمِعَ الأسَارِيرَ مِنْ غَيرِ الزُّهْريِّ، قَالَ: والأسَارِيرُ في حَدِيثِ اللَّيثِ وَغَيرِهِ.\nقال أبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْت أَحْمَدَ بنَ صَالِحٍ يَقولُ: كَانَ أُسَامَةُ شَدِيدَ السَّوَادِ مِثلَ الْقَار، وَكانَ زَيدٌ أَبْيَضَ مِثْلَ القُطْنِ\". انظر: \"عون المعبود\" (٦/ ٣٥٨).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٧٣، ٤٧٤).","vol":"8","page":320},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nاللون، وكانت الجاهلية تعتمد قول القائف، فرح النبي - ﷺ -؛ لكونه زاجرًا لهم عن الطعن في نسبه، وكانت أم أسامة حبشية سوداء، اسمها بركة، وكنيتها أم أيمن.\nواختلفوا في العمل بقول القائف، واتفق القائلون به على أنه يشترط فيه العدالة، وهل يشترط العدد أم يكتفى بواحد؟ والأصح الاكتفاء بواحد بهذا الحديث، انتهى.\nوقيل: فيه جواز الحكم بفعل القيافة، وبه قال الأئمة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة (١).\nأقول: ليس في هذا الحديث ثبوت النسب بعلم القيافة، وإنما هو تقوية ودفع تهمة ورفع مظنة، كما إذا شهد عدل برؤية هلال ووافقه منجم، فإن قول المنجم لا يصلح أن يكون دليلًا مستقلًا لا نفيًا ولا إثباتًا، ويصح أن يكون مقويًا للدليل الشرعي، فتأمل.\nقال القاضي: فيه دليل على اعتبار قول القائف في الأنساب، وأن له مدخلًا في إثباتها، وإلَّا لما استبشر به، ولا أنكر عليه، وإليه ذهب عمر، وابن عباس، وأنس، وغيرهم من الصحابة، وبه قال عطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وعامة أهل الحديث، وقالوا: إذا ادَّعى رجلان أو أكثر نسب مولود مجهول النسب، ولم يكن له بينة، أو اشتركوا في وطء امرأة بالشبهة، فأتت بولد، يمكن أن يكون من كل واحد منهم، وتنازعوا فيه، حكم القائف، فبأيهم ألحقه لحقه، ولم يعتبره أصحاب أبي حنيفة، بل قالوا: يلحق الولد بهم جميعًا. وقال أبو يوسف: يلحق رجلين وثلاثًا، ولا يلحق بأكثر ولا بامرأتين، وقال أبو حنيفة: يلحق بهما أيضًا وكل ذلك ضعيف.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: ولم يقل به أبو حنيفة تمسكًا بإلغاء النبي - ﷺ - الشبهة في حديث اللعان على ما تقدم، وفي حديث سودة الآتي، وإنما كان الإلغاء في هذه المواضع لعارض ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":321},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن الهمام (١): وإذا كانت الجارية بين شريكين، فجاءت بولد، فادعاه أحدهما ثبت نسبه منه، سواء كان في المرض أو في الصحة، وصارت أم ولد له اتفاقًا، إلَّا أنه يضمن نصيب شريكه في اليسار والإعسار.\nقال: وإن ادَّعياه معًا يثبت نسبه منهما، وكانت الأمة أم ولد لهما، فتخدم كلًّا منهما يومًا، وإذا مات أحدهما عتقت، ويرث الابن من كل منهما ميراث ابن كامل، ويرثان منه ميراث أب واحد، وإذا مات أحدهما كان كل من ميراث الابن للباقي منهما. وقال: وبقولنا قال الثوري، وإسحاق بن راهويه، وكان الشافعي يقوله في القديم، ورجح عليه أحمد حديث القيافة.\nوقيل: يعمل به إذا فقدت القافة، وقال الشافعي - ﵀ -: يرجع إلى قول القائف، فإن لم يوجد القائف، وقف حتى يبلغ الولد، فينسب إلى أيهم شاء، فإن لم ينسب إلى واحد منهما كان نسبه موقوفًا لا يثبت له نسب من غير أمه.\nقلت: ومحصل الجواب عن استدلالهم: بأن استدلالهم ليس مبناه إلَّا على استبشاره - ﷺ - وسروره بقول القائف. واستبشاره - ﷺ - يحتمل أمرين: أحدهما: يحتمل أن يكون رضي بقول القائف، ومثبتًا لنسب أسامة بن زيد.\nويحتمل أن يكون استبشاره - ﷺ - ردعًا لزعم أهل الجاهلية بإبطال نسب أسامة من زيد، وقد ثبت أن أهل الجاهلية تقدح في نسب أسامة، وأثبت الشرع نسبه من زيد، ولم يكن الرسول - ﷺ - منه في شك، بل كان على يقين بثبوت نسب أسامة من زيد، فلا يشك في أن استبشاره - ﷺ - بقول القائف لم يكن على الاحتمال الأول، بل على الثاني، فلو كان الاحتمالان متساويين لم يكن في محل الاستدلال، فكيف إذا كان الاحتمال الثاني هو الأرجح، بل هو المتعين، فلا يجوز الاستدلال باستبشاره - ﷺ - على إثبات أمر القائف في إثبات النسب، وهو ظاهر.\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٤/ ٣٣٩).","vol":"8","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>(٣٢) بَابُ مَنْ قَالَ بِالْقُرْعَةِ إِذَا تَنَازَعُوا في الْوَلَدِ</span>\n===\nوأما الجواب عما استدلوا على صحة القيافة بحديث اللعان حيث قال - ﷺ - فيه: \"إن جاءت به أصهب أسحم، حمش الساقين، فهو لزوجها، وإن جاءت به أورق جعدًا جُماليًّا خدلَّج الساقين سابغ الأليتين، فهو للذي رُميت به\"، وهذه هي القيافة.\nوالحكم بالشبه بأن هذا الحكم منه - ﷺ - لم يكن للحكم بالقيافة، ولم يكن رسول الله - ﷺ - قائفًا قط، ولا عرف ذلك منه - ﷺ - في مدة عمره.\nودعوى وجود القيافة فيه - ﷺ - قدح في رسالته، بل هو حكم بالوحي الإلهي، على أنه لو كانت القيافة معتبرة لكانت شرعية اللعان لغوًا، بل يكون المدار على الشبه، فإذا كان الولد له شبهًا بالزوج، ثبت كذبه ويحد الزوج حد القذف، ولو كان له شبهًا بغير الزوج، لكان يثبت شرعًا زناها، وتحد حد الزنا.\n\n(٣٢) (بَابُ مَنْ قَالَ بِالقُرْعَةِ (١) إِذَا تَنَازَعُوا في الْوَلَدِ)\nأي إذا تنازع الرجلان أو أكثر في الولد بأن تكون الجارية مملوكة لهم، فوقعوا عليها في طهر، فادعوه كلهم، فيحكم بالقرعة عند من يقول بالقرعة\n_________\n(١) أما القرعة فمن أهم المسائل المختلفة، يتفرع عليها أحكام عديدة، قال أحمد: جاء فيها خمس سُنَن: أقرع بين نسائه، وأقرع في ستة مملوكين، وقال لرجلين: \"استهما\"، و\"مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كقوم استهموا على سفينة\"، وقال: \"لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا\"، وفي قصة كفن حمزة: \"أقْرَعْنا ثم كفنَّا كل واحد في ثوب\"، كذا في \"المغني\" (٤/ ٣٨٢).\nقلت: وترجم لها البخاري \"باب الاستهام في الأذان\"، \"باب هل يقرع في القسمة؟ \"، \"باب القرعة بين النساء\"، \"باب القرعة في المشكلات\"، \"باب إذا تسارع قوم في اليمين\"، والحنفية أنكروا كون القرعة حجة شرعية كما قرره ابن الهمام (٥/ ٤٨، ٤٩) في \"كتاب العتق\"، والطحاوي في \"مشكله\" (٢/ ٢١١)، والجصاص مختصرًا. (انظر: \"أحكام القرآن\" ٢/ ١٣)، والزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٢٩١). (ش).","vol":"8","page":323},{"text":"٢٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنَا يَحْيَى، عن الأجْلَحِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الْخَلِيلِ، عن زيدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: \"كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ (١) الْيَمَنِ فَقَالَ: إِنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَتَوْا عَلِيًّا\n===\n٢٢٦٩ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن الأجلح) بن عبد الله بن حجية، بمهملة وجيم، مصغرًا، ويقال: معاوية الكندي أبو حجية، ويقال: اسمه يحيى، والأجلح لقب، قال ابن معين مرة: صالح، وقال مرة: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، حديثه لين، وقال القطان: في نفسي منه شيء، وقال أيضًا: ما كان يفصل بين الحسين بن علي وعلي بن الحسين، يعني أنه ما كان بالحافظ، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ضعيف ليس بذلك، وكان له رأي سوء، وقال الجوزجاني: مفترى، وقال أبو داود: ضعيف، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا جدًا، وقال العقيلي: روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها، وقال ابن حبان: كان لا يدري ما يقول، جعل أبا سفيان أبا الزهير.\n(عن الشعبي، عن عبد الله بن الخليل) الحضرمي، أبو الخليل الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وفرق بين عبد الله بن الخليل الحضرمي الذي روى عن زيد بن أرقم، وعنه الشعبي، وبين عبد الله بن أبي الخليل الذي سمع عليًا قوله، روى عنه أبو إسحاق، وكذا فرق بينهما البخاري، فقال في الراوي عن زيد بن أرقم، لا يتابع عليه.\n(عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسًا عند النبي - ﷺ - فجاء رجل)، لم أقف على تسميته، (من) أهل (اليمن فقال: إن ثلاثة نفر) أي رجال (من أهل اليمن أتوا) أي: حضروا (عليًا) حين بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن سنة عشرة، وعقد له لواء، وعمَّمه بيده، وقد قال لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حديث السنن، لا أبصر القضاء، قال: فوضع يده في صدري،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أهل\".","vol":"8","page":324},{"text":"يَخْتَصِمُونَ إِلَيْهِ في وَلَدٍ، وَقَدْ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ في طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لاِثْنَيْنِ مِنْهُمَا: طِيبا بِالْوَلَدِ لِهَذَا، فَغَلَيا (١)، ثُمَّ قَالَ لاِثْنَيْنِ: طِيبا بِالْوَلَدِ لِهَذَا فَغَلَيَا، ثُمَّ قَالَ لاِثْنَيْنِ: طِيبا بِالْوَلَدِ لِهَذَا فَغَلَيا، فَقَالَ: أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ إِنِّي مُقْرعٌ بَيْنَكُمْ، فَمَنْ قَرَعَ فَلَهُ الْوَلَدُ، وَعَلَيْهِ لِصَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلَهُ لِمَنْ قُرعَ،\n===\nوقال: \"اللهُمَّ ثبت لسانه واهد قلبه\"، ثم قفل، فوافى النبي - ﷺ - بمكة قد قدمها للحج سنة عشر.\n(يختصمون إليه في ولد) (٢) كل واحد منهم يدعي أن الولد ولده (وقد) أي والحال أنهم (قد وقعوا على امرأة في طهر واحد، فقال) أي علي - ﵁ - (لاثنين منهما) لفظ \"منهما\" موجود في النسخة المكتوبة الأحمدية والمجتبائية والقادرية، وأما النسخة المصرية فهي خالية من هذا اللفظ، وأما في النسخة الكانفورية ففيه: \"لاثنين منهم\"، فإن كان محفوظًا فهو الصواب.\n(طيبا) بصيغة التثنية للأمر من طاب يطيب، يقال: طابت نفسه بالشيء: إذا سمحت به من غير كراهة (بالولد لهذا) أي لهذا الثالث منكم (فغليا) أي صاحا وتخاصما ولم يرضيا. (ثم قال) أي علي (لاثنين) آخرين منهم: (طيبا بالولد لهذا) الثالث (فغليا، ثم قال لاثنين) آخرين: (طيبا بالولد لهذا، فغليا) ولم يقبلا.\n(فقال) أي علي: (أنتم شركاء متشاكسون) أي: متنازعون (إني مقرع بينكم) أي: أقضي بينكم بالقرعة على الولد (فمن قرع) أي: فمن خرجت قرعته على الولد (فله الولد، وعليه) أي على من خرجت قرعته (لصاحبيه) أي لاثنين آخرين (ثلثا الدية) لكل واحد منهما ثلث الدية.\n(فأقرع بينهم، فجعله) أي الولد (لمن قرع) أي: خرجت قرعته، وجعل\n_________\n(١) في نسخة: \"فَغَلَبَا\".\n(٢) بسطه ابن الهمام الكلام عليه في آخر \"باب الاستيلاد\" (٥/ ٤٤ - ٥٠). (ش).","vol":"8","page":325},{"text":"فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ أَضْرَاسُهُ أَوْ نَوَاجِذُهُ\". [ن ٣٤٨٨، حم ٤/ ٣٧٣، ك ٣/ ١٤٦، جه ٢٣٤٨]\n===\nعليه للاثنين لكل واحد منهما ثلث الدية (فضحك (١) رسول الله - ﷺ -) من سرعة فهمه وحدة ذكائه (حتى بدت أضراسه) جمع ضرس، وهي الأسنان سوى الثنايا الأربعة (أو نواجده) أو للشك من الراوي، وهي من الأسنان الضواحك، والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان، والمراد الأول؛ لأنه ما كان يبلغ به الضحك حتى تبدو أواخر أضراسه. كيف وقد جاء في صفة ضحكه: \"جُلُّ ضحكه التبسم\"، وإن أريد به الأواخر، فالوجه فيه أن يراد مبالغة مثله في ضحكه من غير أن يراد ظهور نواجده في الضحك.\nقال الشوكاني (٢): وممن (٣) قال بظاهر حديث الباب إسحاق بن راهويه وقال: هذه السنَّة في دعوى الولد، حكى ذلك عنه الخطابي، وقال (٤): إنه كان الشافعي يقول به في القديم، وقيل لأحمد في حديث زيد بن أرقم هذا، فقال: حديث القافة أحب إليَّ، وقال بعضهم: إن حديث القرعة منسوخ. وقال المقبلي في \"الأبحاث\": إن حديث الإلحاق بالقرعة إنما يكون بعد انسداد الطرق الشرعية.\nومن المخالفين في اعتبار القرعة: الحنفية، وكذلك الهادوية، وقالوا: إذا وطئ شركاء الأمة المشتركة في طهر واحد، وجاءت بولد، وادَّعوه جميعًا، ولا مرجح للإلحاق بأحدهم، كان الولد ابنًا لهم جميعًا، يرث من كل واحد منهم ميراث ابن كامل، ومجموعهم أب يرثونه ميراث أب واحد.\n_________\n(١) وهي \"محاسن الآثار\" من رواية أحمد بدله: \"ما أجد فيه إلَّا ما قال علي - رضي الله تعالى عنه -\". (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٨١).\n(٣) قال ابن رسلان: وممن ذهب إلى ظاهره إسحاق، وكان الشافعي يقول به في القديم. والأظهر عند الشافعي وأصحابه أن يعرض على القافة، لأن قول القافة حجة أو حكم أقوى من القرعة ... إلخ. (ش).\n(٤) وبه قال مالك، كذا في \"البداية\" (٢/ ٢٧٠). (ش).","vol":"8","page":326},{"text":"٢٢٧٠ - حَدَّثَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا الثَّوْرِيُّ، عن صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَبْدِ خَيْرٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: \"أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِثَلَاثَةٍ - وَهُوَ بِالْيَمَنِ- وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ\n===\nقلت: وهذا الحديث (١) مخالف لأصول الدين، فإن المرأة التي وقعوا عليها في طهرها إما أن تكون مملوكة لهم أو غير مملوكة، فإذا كانت مملوكة لهم، كما يشير إليه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في \"المنتقى\"، فإنه عقد الباب \"باب الشركاء يطؤون الأمة في طهر واحد\"، ثم ذكر فيه هذا الحديث، حديث زيد بن أرقم في قصة قضاء علي - ﵁ -، وثبت نسب ولدها لواحد منهم، لا يجب عليه ثلثا الدية، بل يجب عليه لهما ثلثا قيمة الجارية؛ لأنها صارت أم ولد له خاصة.\nوأما إذا كانت غير مملوكة فلا يثبت نسب الولد؛ لأنهم ادَّعوا الوطء بالزنا، لأنهم لم يدعوا النكاح ولا الملك، فلم تكن لهم فراشًا، وقد قال رسول الله - ﷺ - في رواية أبي هريرة رواه الجماعة: \"إن الولد للفراش وللعاهر الحجر\"، فلا يثبت نسب الولد بواحد منهم. فعلى هذا قال بعض العلماء: إن الحديث غير ثابت أو هو منسوخ، والله أعلم.\n٢٢٧٠ - (حدثنا خشيش بن أصرم، نا عبد الرزاق، أنا الثوري، عن صالح الهمداني) هو صالح بن صالح بن حي، وقيل: صالح بن صالح بن سلم بن حي، أبو حيان، الثوري الهمداني الكوفي، عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كان ثقة، روى عن الشعبي أحاديث يسيرة، وما نعرف عنه في المذهب إلَّا خيرًا.\n(عن الشعبي، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم قال: أتي علي - ﵁ - بثلاثة) أي: بثلاثة رجال (وهو باليمن وقعوا على امرأة\n_________\n(١) وكتب عمي الأكبر مولانا الحاج الشيخ محمد الكاندهلوي في حاشية نسخته من هذا \"السنن\": أن القضاء كانت في الكفار. (ش).","vol":"8","page":327},{"text":"في طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، حَتَّى سَأَلَهُمْ جَمِيعًا، فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ قَالَا: لَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالَّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَي الدِّيَةِ. قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ للنَّبِيِّ - ﷺ -، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ\". [ن ٣٤٨٨، جه ٢٣٤٨]\n٢٢٧١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عن سَلَمَةَ، سَمِعَ الشَّعْبِيَّ، عن الْخَلِيلِ- أَوْ ابْنِ الْخَلِيلِ- قَالَ: أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- في امْرَأَةٍ وَلَدَتْ مِنْ (١) ثَلَاثَةٍ، نَحْوَهُ، لَمْ يَذْكُرِ الْيَمَنَ، وَلَا النَّبِيَّ - ﷺ -، وَلَا قَوْلَهُ: طِيبا بِالْوَلَدِ. [انظر سابقه]\n===\nفي طهر واحد، فسأل اثنين) منهم: (أتقران لهذا) أي الثالث منهم (بالولد؟ قالا: لا، حتى سألهم جميعًا، فجعل كلما سأل اثنين) أي: أتقرَّان (قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت) أي: وقعت (عليه القرعة، وجعل عليه) أي على من صارت له الولد (ثلثي الدية) لكل واحد منهما ثلثها (قال: فذكر ذلك) أي القضاء (للنبي - ﷺ -، فضحك حتى بدت نواجده).\n٢٢٧١ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن سلمة) أنه (سمع الشعبي، عن الخليل، أو ابن الخليل) شك من الراوي، وقد تقدم في الرواية المتقدمة أنه عبد الله بن الخليل من غير شك (قال: أتي علي بن أبي طالب - ﵁ -) أتاه ثلاثة رجال (في امرأة ولدت من ثلاثة) أي رجال فادعوه (نحوه) أي: نحو الحديث المتقدم، وفي نسخة على الحاشية: \"نحو حديث أجلح\" (لم يذكر) أي سلمة (اليمن، ولا النبي - ﷺ -، ولا قوله: طيبا بالولد).\nحاصله: أن حديث سلمة عن الشعبي مخالف لحديث أجلح عن الشعبي في أن الأجلح ذكر اليمن، وأن النبي - ﷺ - أتاه رجل من اليمن، وذكر له هذه القصة، فضحك رسول الله - ﷺ -، وأن عليًا - ﵁ - قال لكل اثنين منهم: طيبا بالولد للثالث منكم فغليا، ولم يذكر سلمة هذه الثلاثة في حديثه.\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".","vol":"8","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>(٣٣) بَابٌ: في وُجُوهِ النِّكَاحِ الَّتِي كَانَ يَتَنَاكَحُ بِهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ </span>(١)\n٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَاب: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: \"أَنَّ عَائِشَةَ -﵂- زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءَ:\n===\n\n(٣٣) (بَابٌ: في وُجُوهِ النِّكَاحِ) أي طرقه وأنواعه (الَّتِي كَانَ يَتَنَاكَحُ بِهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ)\n٢٢٧٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة بن خالد، حدثني يونس بن يزيد قال: قال محمد بن مسلم بن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير: أن عائشة (٢) - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء) جمع نحو، أي: ضرب، وزنًا ومعنى، ويطلق النحو أيضًا على الجهة والنوع، وعلى العلم المعروف اصطلاحًا.\nقال الداودي وغيره: بقي عليها أنحاء لم تذكرها.\nالأول: نكاح الخدن، وهو في قوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٣) يقولون: ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم.\nالثاني: نكاح المتعة.\nالثالث: نكاح البدل. وقد أخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة: \"كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: أنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك\n_________\n(١) في نسخة: \"باب وجوه النكاح الذي يلحق به أولاد البغايا في الجاهلية\".\n(٢) الحديث أخرجه البخاري، والدارقطني (٣/ ٢١٦ - ٣١٩) ذكر الاختلاف فيه، وبعضهم ذكروا فيه الاسترضاع محل الاستبضاع. (ش).\n(٣) سورة النساء: الآية ٢٥.","vol":"8","page":329},{"text":"فَنِكَاحٌ مِنْهَا: نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَليَّتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يُنْكِحُهَا.\nوَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِنْ أَحَبَّ، وإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً\n===\nعن امرأتي وأزيدك\"، ولكن إسناده ضعيف جدًا، قاله الحافظ (١).\n(فنكاح منها: نكاح الناس اليوم) أي كما ينكح في هذا الوقت، كذلك ينكح في الجاهلية، وتفسيره: (يخطب الرجل إلى الرجل) الولي (وليته، فيصدقها) أي يعين الولي صداقها (ثم ينكحها) أي يعقد عليها.\n(ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته: إذا طهرت) بصيغة الغائبة (من طمثها) بفتح المهملة وسكون الميم بعدها مثلثة، أي حيضها، وكان السِرُّ في ذلك أن يسرع علوقها منه (أرسلي إلى فلان) أي: أرسلي إليه رسالة للاستبضاع (فاستبضعي منه) بموحدة بعدها ضاد معجمة، أي اطلبي منه المباضعة، وهو الجماع لتحملي منه. والمباضعة: المجامعة، مشتقة من البضع وهو الفرج.\n(ويعتزلها زوجها) بعد الاستبضاع (ولا يمسها) أي: لا يجامعها (أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه) وإنما لا يمسها إلى تبين الحمل، لئلا يشك في نسب الولد أنه من الزوج أو من الرجل المستبضع منه؛ فإذا تبين حملها من الرجل المستبضع منه، لم يبق ريب في أن الولد من المستبضع منه.\n(فإذا تبين حملها أصابها) أي جامعها (زوجها إن أحب، وإنما يفعل) بصيغة المعلوم، أي: الزوج، أو بصيغة المجهول (ذلك) أي: الاستبضاع (رغبةً\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٤).","vol":"8","page":330},{"text":"في نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ يُسَمَّى: نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ.\nوَنكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ دُونَ الْعَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِع حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، فَتَقُولُ لَهُم: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ، وَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، فتُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ مِنْهُمْ بِاسْمِهِ، فيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا.\nوَنِكَاح رَابِعٌ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ\n===\nفي نجابة الولد) لأنهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم ورؤسائهم في الشجاعة والكرم أو غير ذلك، (فكان هذا النكاح يُسمَّى: نكاح الاستبضاع) بالنصب والتقدير يسمى، وبالرفع أي هو.\n(ونكاح آخر: يجتمع الرهْط) أي الجماعة (دون العشرة) ولما كان هذا النكاح يجتمع عليه أكثر من واحد، كان لا بد من الضبط العدد الزائد لئلا ينتشر (فيدخلون على المرأة) أي واحد بعد واحد (كلهم يصيبها) أي يطأها في نوبته؛ والظاهر أن ذلك إنما يكون رضًا منها، وتواطؤ بينهم وبينها.\n(فإذا حملت ووضعت) أي الحمل، (ومر ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم) أي رسالة تدعوهم، (فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع) عن المجيء إليها، فيحضرونها (حتى يجتمعوا) أي كلهم (عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت) بصيغة المتكلم (وهو ابنك يا فلان) أي لواحد منهم هذا إن كان ذكرًا، فلو كانت أنثى لقالت: هي ابنتك، (فتُسمِّي من أحبَّتْ منهم باسمه، فيلحق به) أي بالرجل الذي سمته (ولدها).\n(ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا) أي الزواني (كن يَنصبن علي أبوابهن رايات","vol":"8","page":331},{"text":"تَكُنْ (١) عَلَمًا لَمِنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا (٢) لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَة، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَهُ، وَدُعِيَ ابْنَهُ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ.\nفَلَمَّا بَعَثَ الله مُحَمَّدًا - ﷺ - هدَمَ نِكَاحَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ أَهْلِ الإِسْلَامِ الْيَوْمَ\". [خ ٥١٢٧]\n===\nتكن) أي تلك الرايات (علمًا) أي علامة (لمن أرادهن)، وفي رواية: \"فمن أرادهن\".\nقال الحافظ (٣): وقد ساق هشام بن الكلبي في \"كتاب المثالب\" أسامي صواحبات الرايات في الجاهلية، فسمَّى منهن أكثر من عشر نسوة مشهورات.\n(دخل عليهن، فإذا حملت فوضعت حملها، جمعوا) أي: اجتمعوا (لها، ودعوا لهم القافة) جمع قائف، بقاف ثم فاء، وقد تقدَّم تفسيره (ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون) أي على لسان القائف (فالتاطه) أي استلحقه به، وأصل اللَّوْط بفتح اللام: اللصوق، (ودُعي ابنه، لا يمتنع من ذلك).\n(فلما بعث الله محمدًا - ﷺ - هدَم نكاح أهل الجاهلية كله)، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، أي: حرم ذلك النكاح الذي ينكح الزناة والزواني على رسم الجاهلية (إلَّا نكاح أهل الإسلام اليوم) وهو أن يخطب الرجل إلى الرجل فيزوجه، احتج بهذا على اشتراط الولي، والجواب عنه: أنه ليس في الحديث لفظ يدل على اشتراطه، بل فيه بيان العادة على الأغلب.\n_________\n(١) في نسخة: \"يكن\".\n(٢) في نسخة: \"أجمعوا\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٥).\n(٤) سورة النور: الآية ٣.","vol":"8","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>(٣٤) بَابٌ \"الْوَلَدُ لِلفِرَاش</span>\"\n٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ إِذَا قَدِمْتُ مَكَّة أَنِ انْظُرْ إِلَى ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ فَاقْبِضْهُ فَإِنَّهُ ابْنُهُ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي ابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ،\n===\n\n(٣٤) (بَابٌ \"الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ\")\n٢٢٧٣ - (حدثنا سعيد بن منصور ومسدد قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: اختصم سعد بن أبي وقاص) وهو أحد العشرة المبشرة (وعبد بن زمعة) وهو أخو سودة بنت زمعة، وكان شريفًا سيدًا من سادات الصحابة (إلي رسول الله - ﷺ - في ابن أمة زمعة) واسم ابن أمة زمعة عبد الرحمن بن زمعة بن قيس القرشي العامري، وكانت أمه أمة يمانية لأبيه، ووقعت هذه الخصومة عام فتح مكة.\n(فقال سعد: أوصاني أخي عتبة) بضم أوله وسكون فوقية، ابن أبي وقاص، وهو الذي كسر رباعية النبي - ﷺ - يوم أحد، ومات كافرًا، (إذا قدمت مكة أن انظر) بصيغة الأمر (إلي ابن أمة زمعة) أي عبد الرحمن (فاقبضه فإنه) أي عبد الرحمن (ابنه) أي ابن عتبة، جعل نفسه غائبًا، ويحتمل أن يقال: \"أن انظر وأقبضه\" صيغتين للمتكلم الواحد، يعني كان عتبة زنى بوليدة زمعة في الجاهلية، وولدت ابنًا، فظن على رسم الجاهلية أن نسب ولد الزنا ثابت بالزاني، فأوصى لأخيه أن يقبض ذلك الابن إلى نفسه ويُرَبِّيْه.\n(وقال عبد بن زمعة:) هو (أخي ابن أمة أبي، ولد على فراش أبي) لأن أبي كان يطؤها بملك اليمين، وقد ولدت ولدها على فراشه فهو أولى، وأنا ابنه فأنا أحق بأخي (فرأى رسول الله - ﷺ - شبهًا بينًا) أي في الصورة (بعتبة).","vol":"8","page":333},{"text":"فَقَالَ (١): \"الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سوْدَةُ\". [خ ٢٠٥٣، م ١٤٥٧، ن ٣٤٨٧، جه ٢٠٠٤]\nزَادَ مُسَدَّدٌ في حَدِيثِهِ فَقَالَ (٢): \"هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ\".\n٢٢٧٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا حُسَيْنٌ\n===\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (الولد للفراش) أي صاحب الفراش (وللعاهر الحجر) أي وللزاني الحجارة بأن يرجم إن كان محصنًا، ويحتمل أن يكون معناه: الحرمان عن الميراث والنسب، كما يقال للمحروم: \"في يده التراب والحجر\"، فأبطل رسول الله - ﷺ - ما كانوا عليه من جاهلية، وأبطل ما كان يثبت من القيافة بأنه مولود من ماء عتبة بن أبي وقاص ويشبهه.\n(واحتجبي منه) (٣) أي من الولد (يا سودة!) وإنما أمرها بالاحتجاب لما رأى من شبهه ذلك الولد بعتبة، يعني أن ظاهر الشرع يحكم أن هذا الابن أخوك، ولكن حكم التقوى أن تحتجبي منه؛ لأنه لشبهه بعتبة كأنه أجنبي عنها، (زاد مسدد في حديثه فقال) أي مسدد في حديثه: (هو أخوك يا عبد).\n٢٢٧٤ - (حدثنا زهير بن حرب، نا يزيد بن هارون، أنا حسين\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"وقال\".\n(٣) قال ابن رشد في \"البداية\" (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨): أشكل على الفقهاء هذا الحديث لخروجه عندهم عن الأصل المجمع عليه في إثبات النسب، وهو اثنان. استدل بالحديث الأئمة الثلاثة على أنه يثبت النسب عن الأَمة بدون الدعوة من الميت أيضًا؛ واستدلوا على ذلك بما تقدم في حديث الاستلحاق أيضًا.\nوأجاب عنه ابن الهمام (٥/ ٣٤ - ٣٥): بأنه - ﷺ - إنما قضى به لعبد بن زمعة على أنه عبد له وَرِثَه، لا على أنه أخوه، ولذا قال: \"هو لك\"، ولم يقل: \"هو أخوك\"، ولذا قال: \"احتجبي منه يا سودة\"، ولو كان لها أخًا بالرع لم يجب احتجابها منه ... إلخ مفصلًا، وأصل هذا الجواب للطحاوي، فارجع إليه. (ش). (انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١١٤).","vol":"8","page":334},{"text":"الْمُعَلِّمُ، عن عَمرو بْنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فُلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ في الْجَاهِليَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا دِعْوَةَ في الإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِليَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ\". [حم ٢/ ٢٠٧]\n٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو يَحْيَى، نَا مَحُمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عن الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَولَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَن رَبَاحٍ\n===\nالمعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال) أي جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاص: (قام رجل) لم أقف على تسميته (فقال: يا رسول الله إن فلانًا ابني) ولم أقف على تسمية هذا الابن (عاهرت) أي زنيت (بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: لا دعوة) بالكسر، وهي ادِّعاء الولد، قال في \"النهاية\" (١): الدِّعوة بالكسر في النسب (في الإسلام) أي لا دعوة بالزنا في زمان الإسلام، وأما ما كان في الجاهلية فقد بطل، (ذهب) أي زال وبطل (أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر) الزاني (الحجر).\n٢٢٧٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا مهدي بن ميمون أبو يحيى، نا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب) التميمي الضبي البصري، وقد ينسب إلى جده، ثقة، (عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي طالب) ويقال: مولى علي، وهو الحسن بن سعد بن معبد الهاشمي مولاهم، الكوفي، ثقة، له في \"صحيح مسلم\" حديث واحد عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في إردافه خلفه وإسراره إليه.\n(عن رباح) الكوفي من الموالي، روى عن عثمان بن عفان حديث: \"الولد للفراش\"، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وبقية كلامه لا أدري من هو، ولا ابن من هو؟ وقال في \"التقريب\": مجهول.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ١٢١).","vol":"8","page":335},{"text":"قَالَ: \"زَوَّجَنِي أَهْلِي أَمَةً لَهُمْ رُومِيَّةً، فَوَقَعْتُ عَلَيهَا، فَوَلَدَتْ (١) غُلَامًا، أَسْوَدَ مِثْلِي فَسَمَّيْتُهُ عَبْدَ اللهِ. ثُمَّ وَقَعْتُ عَلَيهَا فَوَلَدَتْ (٢) غُلَامًا أَسْوَدَ مِثْلِي فَسَمَّيْتُهُ عُبَيْدَ اللهِ، ثُمَّ طَبِنَ لَهَا غُلَامٌ لأَهْلِي (٣) رُومِيٌّ، يُقَالُ لَهُ: يُوحَنَّه، فَرَاطَنَهَا بِلسَانِهِ، فَوَلَدَتْ (٤) غُلَامًا كَأَنَّهُ وَزَغَةٌ مِنَ الْوَزَغَاتِ (٥)، فَقُلْتُ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: هَذَا ليُوحَنَّهَ، فَرَفَعْنَا (٦)\n===\n(قال: زوجني أهلي أمة لهم رومية، فوقعت عليها) أي: جامعتها (فولدت غلامًا أسود مثلي، فسميته عبد الله، ثم وقعت عليها فولدت غلامًا) آخر (أسود مثلي فسميته عبيد الله، ثم طَبِنَ لها).\nقال في \"النهاية\" (٧): أصل الطَّبَنِ والطَّبَانةِ: الفِطْنَةُ، يقال: طبِن لكذا طبانة فهو طبِنٌ: أي هجم على باطنها، وأنها ممن تُواتِيه على المُرَاوَدَة، هذا إذا روي بكسر الباء، وإن روي بالفتح كان معناه خَيَّبها وأفسدها.\n(غلام لأهلي رومي، يقال له: يوحنه فراطنها) الرطانة: بفتح الراء وكسرها، والتراطن: كلام لا يفهمه الجمهور، وإنما هو مواضعة بين اثنين أو جماعة، والعرب تخص بها غالبًا كلام العجم (بلسانه) أي: كلَّمها كلامًا بلسان العجم فأمالها إلى نفسه، (فولدت غلامًا كأنه وزغة من الوزغات) وهي دابة لها قوائم تعدو في أصول الحشيش، وهي ما يقال له: سام أبرص.\n(فقلت لها) أي للأمة: (ما هذا؟) أي: من أين هذا، ولِمَ لَمْ يكن على لوني؟ (قالت) أي الأمة: (هذا) أي الولد (ليوحَنَّه، فرفعنا) أي الأمر\n_________\n(١) في نسخة: \"لي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"لي\".\n(٣) زاد في نسخة: \"من أهلي\".\n(٤) في نسخة: \"فولدت له\".\n(٥) في نسخة: \"الوزغان\".\n(٦) في نسخة: \"فرفعت\".\n(٧) \"النهاية\" (٣/ ١١٥).","vol":"8","page":336},{"text":"إِلَى عُثْمَانَ- أَحْسِبُهُ قَالَ مَهْدِيٌّ: قَالَ: فَسَأَلَهُمَا، فَاعْتَرَفَا- فَقَالَ: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بَقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فَجَلَدَهَا وَجَلَدَهُ وَكَانَا مَمْلُوكَيْنِ\". [حم ١/ ٥٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>(٣٥) بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ</span>\n===\n(إلى عثمان، أحسبه قال مهدي: قال) أي محمد بن عبد الله: (فسألهما) أي عثمانُ العبدَ الروميَّ والأمةَ الروميةَ (فاعترفا) أي بالزنا.\n(فقال) أي عثمان لهما: (أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله - ﷺ -، إن رسول الله - ﷺ - قضى أن الولد للفراش) أي لصاحب الفراش وهو الزوج (وأحسبه قال) أي قال مهدي بن ميمون، وأحسب محمد بن عبد الله قال: (فجلدها) أي الأمة (وجلده) أي الغلام الرومي (وكانا مملوكين).\n\n(٣٥) (بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ) (١) أي للحضانة\n_________\n(١) وبسط ابن القيم في \"الهدي\" (٥/ ٤٣٢ - ٤٩٠) الكلام على هذا الباب بأشد البسط، وفي \"الشرح الكبير\" (٩/ ٢٩٨ - ٢٩٩) للحنابلة: إذا افترق الزوجان، ولهما طفل أو معتوه، فأمه أولى بكفالته إذا كملت الشرائط فيها ذَكَرًا كان أو أنثى، هذا قول الثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدًا خالفهم لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص: \"أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني لي وعاء\" الحديث، وفيه: \"أنتِ أحق به ما لم تنكحي\" رواه أبو داود.\nويروى أن أبا بكر - ﵁ - حكم على عمر بحاصم لأمه ثم قال: \"لا حضانة لرقيقٍ ولا فاسقٍ ولا كافر على مسلم\".\nأما الرقيق، فبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك في حر له ولد حر من أمة: الأم أحق به إلَّا أن تباع، فيكون الأب أحق به؛ لأنها أم مشفقة أشبهت الحرة.\nولنا: أنها لم تملك منافعها التي تحصل بها الكفالة؛ لكونها مملوكة لسيدها، ولم تكن لها حضانة.\nوأما الكافر فبهذا قال مالك والشافعي. وقال ابن القاسم وأصحاب الرأي: تثبت؛ =","vol":"8","page":337},{"text":"٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ (١)، نَا الْوَلِيدُ، عن أَبِي عَمْرٍو -يَعْنِي الأَوْزَاعِيَّ-، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ،\n===\n٢٢٧٦ - (حدثنا محمود بن خالد السلمي، نا الوليد) بن مسلم، أبي عمرو - يعني الأوزاعي-، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه،\n_________\n= لما روي عن رافع بن سنان: \"أنه أسلم وأبتْ امرأتُه أن تُسلمَ\". الحديث المتقدم في \"باب إذا أسلم أحد الأبوين\".\nولنا: أنها ولاية، فلا تثبت لكافر على مسلم. والحديث روي على غير هذ الوجه، ولا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال، قاله ابن المنذر. ويحتمل أن النبي - ﷺ - علم أنها تختار أباها بدعوته، فكان ذلك خاصًا في حقه، ولا حضانة لامرأة مزوجة لأجنبي.\nقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعن الحسن: أنها لا تسقط بالتزوج.\nونقل عن أحمد: إذا تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها. قيل له: فالجارية مثل الصبي؟ قال: لا، الجارية تكون معها إلى سبع سنين، وظاهره أنه لم يزل الحضانة عن الجارية لتزويج أمها وأزالها عن الغلام. ووجه ذلك ما سيأتي من قصة بنت حمزة.\nوقوله ﵇: \"الخالة أم\"، فجعل لها الحضانة وهي مزوجة والأولى هي الصحيحة، وعليها العمل لقوله ﵇: \"أنتِ أحق به ما لم تنكِحِي\"، وإنما قضى بها لخالتها؛ لأن زوجها من أهل الحضانة.\nوإذا بلغ الغلام سبع سنين خُيِّر بين أبويه، فكان مع من اختاره، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يخير. قال أبو حنيفة: إذا استقل بنفسه، ولبس بنفسه، واستنجى بنفسه، فالأب أحق به. وقال مالك: الأم أحق به حتى يثغر.\nولنا حديث أبي هريرة، يعني حديث الباب، فإن اختار أباه كان عنده ليلًا ونهارًا، وإن اختار أمه كان عندها ليلًا، وعند أبيه نهارًا، ليعلمه ويؤدبه. فإن عاد واختار الآخر نقل. فإن عاد واختار الأول رد إليه. وهكذا أبدًا كلما اختار أحدهما صار إليه، فإن لم يختر أحدهما أقرع بينهما.\nوإذا بلغت الجارية سبع سنين كانت عند أبيها، وقال الشافعي: تخير كالغلام. وقال أبو حنيفة: الأم أحق بها حتى تتزوج أو تحيض، وذكر ابن أبي موسى في \"الإرشاد\" رواية: أن الأم أحق بها حتى تحيض. وقال مالك: الأم أحق بها حتى تتزوج، ويدخل بها الزوج ... إلخ.\n(١) في نسخة: \"الدمشقي\".","vol":"8","page":338},{"text":"عن جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحَجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ (١) مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي\". [حم ٢/ ١٨٢، ك ٧/ ٢٠٢]\n===\nعن جده عبد الله بن عمرو، أن امرأة) لم أقف على تسميتها (قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء) أي زمان الحمل، (وثديي له سقاء) أي وقت الرضاع (وحجري) بالفتح، أي حضني (له حواء) هو اسم مكان يحوي الشيء أي يضمه ويجمعه، (وإن أباه) لم أقف على تسميته (طلقني وأراد أن ينتزعه) أي الولد (مني، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أنت أحق به ما لم تنكحي).\nقال الطيبي (٢): لعل هذا الصبي ما بلغ سن التمييز فقدم الأم لحضانته، والصبي في حديث أبي هريرة كان مميزًا فخيره، قوله: \"ما لم تنكحي\" يعني كل من تزوجت من النساء ممن كان لها حق الحضانة سقط حقها.\nقال العيني في \"شرح الهداية\" (٣): وفيه خلاف الحسن البصري. قال ابن المنذر: وأجمع على هذا أهل العلم إلَّا الحسن البصري، وهو رواية عن أحمد، فإن عندهما لا يسقط حقها بالتزوج.\nوقال الشوكاني (٤): وروي عن عثمان أن الحضانة لا تبطل بالنكاح، وإليه ذهب الحسن البصري، وابن حزم؛ واحتجوا بما روي أن أم سلمة تزوجتْ بالنبي - ﷺ - وبقي ولدها في كفالتها، ويجاب بأن مجرد البقاء مع عدم المنازع لا يصلح للاحتجاج به على محل النزاع؛ لاحتمال أنه لم يبق له قريب غيرها.\n_________\n(١) في نسخة: \"ينزعه\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٥٤١)، و\"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٩٢).\n(٣) \"البناية\" (٥/ ٤٧٦).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٤٣٤).","vol":"8","page":339},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد ذهب أبو حنيفة والهادوية إلى أن النكاح إذا كان لذي رحم محرم للمحضون لم يبطل به حق حضانتها. وقال الشافعي: يبطل مطلقًا؛ لأن الدليل لم يفصِّل، وحديث ابنة حمزة (١) لا يصلح للتمسك به؛ لأن جعفرًا ليس بذي رحم محرم لابنة حمزة.\nوقد استدل لمن قال بأن النكاح إذا كان بذي رحم للمحضون لم يبطل حق المرأة من الحضانة بما رواه عبد الرزاق (٢)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه قال: \"جاءتِ امْرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: إنَّ أبي أَنْكَحَني رجلًا لا أُريده، وتَرَكَ عَمَّ ولدي، فأُحِذ مني ولدي، فدعا رسول الله - ﷺ - أباها، ثم قال لها: اذْهبي فانْكِحِي عَمَّ ولدكِ\". وهذا مع كونه مرسلًا، في إسناده رجل مجهول، ولم يقع التصريح فيه بأنه أرجع الولد إليها بعد (٣) أن زوجها بذي رحم له، انتهى ملخصًا.\nقلت: والجواب عنه أن المتعقب تعقب بثلاثة أمور:\nالأول: أنه حديث مرسل.\nوالثاني: أن في سنده مجهولًا.\nوالثالث: أنه ليس في الحديث تصريح بأن رسول الله ع - ﷺ - أعاد الولد إلى الأم.\nوالجواب عن الأول: أن المرسل عندنا حجة، فلا يضرنا إرساله. وأما جهالة الراوي فيمكن أن يكون مجهولًا عندهم، ولا يكون مجهولًا عندنا.\nوعن الثالث: بأن المرأة ادَّعت أمرين:\nأولهما: أن أبي أنكحني رجلًا لا أريده\n_________\n(١) سيأتي برقم (٢٢٧٨) في الكتاب.\n(٢) \"المصنف\" (١٠٣٠٤).\n(٣) في الأصل: \"عند\"، وهو تحريف.","vol":"8","page":340},{"text":"٢٢٧٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَاقِ وَأَبُو عَاصِمٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ،\n===\nوثانيهما: أن أبي لم ينكحني من (١) عم ولدي، فأخذ عم الولد مني ولدي.\nفعُلِمَ منه أن أبا الولد لم يكن موجودًا؛ لأنه لو كان موجودًا لم يكن لعم الولد حق في أخذه، فقضى رسول الله - ﷺ - في الأولى، بأنه أبطل نكاحها برجل لم تكن تريده، وقال: \"أنْكِحِي عَمَّ ولدكِ\"، وسكت عن القضاء في الدعوى الثانية، وسكوته عنه يدل على عدم سقوط حقها في الولد.\nودل الحديث أيضًا بأن نكاحها بغير ذي رحم محرم من الولد يبطل حق حضانتها؛ لأنه - ﷺ - سكت على قولها: \"فأُخِذ مني ولدي\". وأشار لها بأن \"انْكِحي عمَّ ولدكِ\".\nثم أقول: إن الحديث المذكور في الباب يدل على أن الحادث من النكاح يبطل حقها في الحضانة. وأما النكاح القائم قبل ذلك فلا يسقط حقها، مثلًا: امرأة ولدت ولدًا ثم ماتت، ولها أم وهي أم الأم للولد، ولها زوج وهو الجد للولد، فلا يسقط حق الحضانة لها بحكم هذا الحديث؛ لأنها لم تحدث نكاحًا. والراجح عند الشافعية هو هذا القول الموافق للحنفية.\nقال في \"التوشيح\": والشرط السابع: الخلو، أي خلو أم المميز من زوج ليس من محارم الطفل، فإن نكحت شخصًا من محارمه والمراد من له حق في الحضانة، كعم الطفل، أو ابن عمه، أو ابن أخيه، ورضي كل منهم بالمميز؛ فلا تسقط حضانتها بذلك، أي النكاح على الأصح؛ لأن لكل منهم حقًا في الحضانة بخلاف الأجنبي.\n٢٢٧٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق وأبو عاصم، عن ابن جريج، أخبرني زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني\n_________\n(١) في الأصل: \"عن\"، وهو تحريف.","vol":"8","page":341},{"text":"عن هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ سُلْمَى- مَوْلًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رَجُلَ صِدْقٍ - قَالَ: بَيْنَمَا (١) أَنَا جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَارِسِيَّةٌ مَعَهَا ابْنٌ لَهَا فَادَّعَيَاهُ، وَقَدْ طَلَقَّهَا زَوْجُهَا، فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - رَطَنَتْ (٢) بِالْفَارِسِيَّةِ - زَوْجِيِ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اسْتَهِمَا عَلَيْهِ، وَرَطَنَ لَهَا بِذلِكَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ: مَنْ يُحَاقُّنِي\n===\nأبو عبد الرحمن، سكن مكة، ثم تحول إلى اليمن، وكان شريك ابن جريج، ثقة، (عن هلال بن أسامة) وهو هلال بن علي بن أسامة، نسب إلى جده، ويقال: هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال العامري مولاهم، المدني، وبعضهم نسبه إلى جده، فقال: ابن أسامة، قال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: هلال بن علي ثقة، وقال مسلمة في \"الصلة\": ثقة قديم.\n(أن أبا ميمونة سُلمى) لم أر ضبط حركاته فيما عندي من الكتب، هو أبو ميمونة الفارسي المدني الأبار. قيل: اسمه سليم، أو سلمان، أو سُلمى، وقيل: أسامة، ثقة، منهم من فرق بين الفارسي والأبار، وكل منهما مدني، يروي عن أبي هريرة، ثقة.\n(مولى من أهل المدينة، رجل صدق، قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة، جاءته امرأة فارسية معها ابن لها، فادَّعياه) أي: هي وزوجها (وقد طلقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة- رطنتْ) تكلمت (بالفارسية-، زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال أبو هريرة: استهما) أي اقترعا (عليه) أي على الولد.\n(ورطن) أي تكلم أبو هريرة (لها) أي للمرأة (بذلك) أي الجواب (فجاء زوجها فقال: من يُحاقُّني) بضم حرف المضارعة وتشديد القاف، أي من\n_________\n(١) في نسخة: \"بينا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"له\".","vol":"8","page":342},{"text":"في وَلَدِي؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُولُ هَذَا، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا قَاعِدٌ عِنْدَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَقَدْ نفَعَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (١) - ﷺ -: \"اسْتَهِما عَلَيْهِ\"، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُّنِي في وَلَدِي؟ فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: \"هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيّهِمَا شِئْتَ\"، فَأَخَذَ بِيَدِ أمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. [ت ١٣٥٧، ن ٣٤٩٦، جه ٢٣٥١، حم ٢/ ٤٤٧، ق ٨/ ٣، ك ٤/ ٩٧]\n===\nيخاصمني في حقي (في ولدي؟ فقال أبو هريرة؟ اللَّهُمَّ إني لا أقول هذا) أي الكلام (إلَّا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله - ﷺ - وأنا قاعد عنده) أي عند رسول الله - ﷺ -، (فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني) أي جاءني الماء (من بئر أبي عِنبة (٢) بئر بالمدينة بكسر العين (٣) وفتح النون (وقد نفعني) أي بالخدمة.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: استهما عليه، فقال زوجها: من يحاقُّني في ولدي؟ فقال النبي - ﷺ -: هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه (٤) فانطلقت به).\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) استدل أبو هريرة بهذه القصة على الحضانة، وذكرها في الطلاق، ولكن النسائي ذكر الحديث في إسلام أحد الزوجين، وتقدمت مسألة الإسلام، فارجع إليها. ولا فرق عند أبي حنيفة ومالك في المشهور في حق الحضانة بين المسلمة والكافرة، خلافًا للشافعي وأحمد. (ش).\n(٣) بلفظ واحدة العنب، بيهما مقدار ميل، \"معجم البلدان\" (١/ ٣٠١). (ش).\n(٤) قال ابن رسلان: فيه أن المميَّز إذا فرَّق أبواه يخير بينهما، وسن التمييز غالبًا سبع سنين، والمدار على نفس التمييز، لا على سنه، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يخير، ولكن قال أبو حنيفة: إذا استقل بنفسه وأكل وشرب واستنجى بنفسه، فالأب أحق به، ومالك يقول: الأم أحق به حتى يثغر ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":343},{"text":"٢٢٧٨ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ، عن أَبِيهِ،\n===\nفإن قلت: قضى رسول الله - ﷺ - في هذه القصة بقضائين: أولهما الاستهام والاقتراع، وثانيهما التخيير للولد. وأما أبو هريرة فقضى في القصة التي وردت عليه بالاستهام فقط؛ فكيف خالف رسول الله - ﷺ -؟\nقلت: أما قضاء رسول الله - ﷺ - بقضائين، فإنه - ﷺ - قضى أولًا باجتهاده لقطع النزاع بينهما بالاستهام، فلما رأى الولد كبيرًا، وقد قالت: \"وقد سقاني من بئر أبي عنبة\"، ولا يقدر على الاستقاء من الأبيار إلَّا الكبير البالغ، فقضى رسول الله - ﷺ - بالتخيير للغلام، ونسخ القضاء الأول.\nوأما قضاء أبي هريرة فإنه لم يخالف في قضائه قضاء رسول الله - ﷺ -، بل وافقه، ولكن اختصر الراوي، فذكر من قضائه الاستهام فقط، وتَرَك ذكرَ التخيير، يدل عليه ما نقله الزيلعي (١) عن ابن حبان بعد تخريج هذا الحديث، فقال: ورواه ابن حبان في \"صحيحه\" في النوع السادس والثلاثين من القسم الخامس بلفظ الترمذي، وزاد فيه: \"وأن أبا هريرة خَيَّر غلامًا بين أبيه وأمه\".\nوهذا يدل على أن تخيير أبي هريرة للغلام كان في الحديث، فكأنه تركه الراوي، فتخيير أبي هريرة للغلام إن كان للكبير البالغ فهو يوافقنا، وإن كان للصغير فهو اجتهاد منه - ﵁ -، ولا يضرنا، وقد ثبت عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنه قضى في عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه، ولم يخيره ذلك، وكان بمحضر من الصحابة - ﵃-، ولم ينكره أحد.\n٢٢٧٨ - (حدثنا العباس بن عبد العظيم، نا عبد الملك بن عمرو، نا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن نافع بن عجير، عن أبيه) أي: عجير بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٦٩).","vol":"8","page":344},{"text":"عن عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَ بِابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا آخُذهَا، أَنَا أَحَقُّ بِهَا، ابْنَةُ (١) عَمِّي وَعِنْدِي خَالَتُهَا، وَإِنَّمَا الْخَالَةُ أُمٌّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا\n===\nالمطلبي، أخو ركانة، وركانة هو الذي صارع النبي - ﷺ -، وعجير أطعمه رسول الله - ﷺ - بخيبر ثلاثين وسقًا، وأمهم العجلة بنت العجلان من بني ليث، روى له أبو داود هذا الحديث الواحد.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة نافع بن عجيرة: وقع في رواية أبي داود، عن محمد بن إبراهيم، عن نافع بن عجيرة، عن أبيه، عن علي، وأوضح البيهقي أن الصواب (٢): عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن نافع بن عجيرة، عن أبيه، عن علي، وليست فيه لعجيرة رواية. وعجير هذا كان من مشايخ قريش، وممن بعثه عمر لتجديد أعلام الحرم.\n(عن علي - ﵁ - قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة) من مرِّ الظهران، أو من بطن يأجج موقف رسول الله - ﷺ - في زمان عمرة القضاء (فقدم) أي زيد بن حارثة من مكة (بابنة حمزة) بن عبد المطلب، اسمها عمارة، وقيل: فاطمة. وقيل: أمامة. وقيل: أمة الله. وقيل: سلمى. والأول هو المشهور.\n(فقال جعفر) أي ابن أبي طالب: (أنا آخذها، أنا أحق بها) أي بابنة حمزة، بوجهين: أولهما: أنها (ابنة عمي و) ثانيهما: أن (عندي خالتها) واسم الخالة أسماء بنت عميس، (وإنما الخالة أم، فقال علي: أنا أحق بها)\n_________\n(١) في نسخة: \"بنت\".\n(٢) كذا قال الحافظ في \"التهذيب\" (١٠/ ٤٠٨)، والصواب: \"وأوضح البيهقي أن الصواب: عن محمد بن نافع بن عجيرة عن أبيه ... إلخ\"، كما قال الحافظ نفسه في \"النكت الظراف على تحفة الأشراف\" (٧/ ٤٣٢): إنما رواه يزيد بن الهاد عن محمد بن نافع بن عجير بن عبد يزيد عن أبيه عن علي. فالراوي عن علي: \"نافع بن عجيرة\" لا أبوه، والراوي عن نافع \"ابنه محمد\" لا محمد بن إبراهيم، بيَّن ذلك البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٦)، وكذا أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٢١١).","vol":"8","page":345},{"text":"ابْنَةُ (١) عَمِّي، وَعِنْدِي ابْنَةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهِيَ أَحَقُّ بِهَا، فَقَالَ زَيدٌ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، أَنَا خَرَجْتُ إِلَيْهَا، وَسَافَرْتُ، وَقَدِمْتُ بِهَا،\n===\nلأنها (ابنة عمي، وعندي) أي في نكاحي (ابنة رسول الله - ﷺ - وهي أحق بها).\nوفي رواية \"البخاري\" (٢) ذكر في وجوه الاستحقاق: \"قال علي: أنا أخذتها\". وهذا بظاهره يخالف ما وقع في هذ الحديث أن عليًا يقول: \"خرج زيد بن حارثة إلى مكة، فقدم بابنة حمزة\"، وهذا يدل على أن زيد بن حارثة هو الآخذ بها والقادم من مكة، وسنبيِّن في شرح الحديث الآتي وجه الجمع بينهما.\n(فقال زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت)، وليس المراد بالسفر السفر الشرعي، بل المراد السفر اللغوي من موقفه إلى مكة، (وقدمت بها) من مكة إلى الموقف.\nواختلف في محل الخصومة، قال الحافظ في \"الفتح\" (٣): وذكر أن مخاصمة علي وجعفر وزيد إلى النبي - ﷺ - كانت بعد أن وصلوا إلى مر الظهران، ثم قال: وكانت خصومتهم في ذلك بعد أن قدموا المدينة، ثبت ذلك في حديث علي عند أحمد والحاكم (٤).\nوفي \"المغازي\" لأبي الأسود، عن عروة في هذه القصة: \"فلما دنوا من المدينة كَلَّمه فيها زيد بن حارثة، وكان وصي حمزة وأخاه\"، وهذا لا ينفي أن المخاصمة إنما وقعت بالمدينة، فلعل زيدًا سأل النبي - ﷺ - في ذلك، ووقعت المنازعة بعد.\nقلت: إن كان القول الأول: إن المخاصمة بينهم وقعت بعد أن وصلوا\n_________\n(١) في نسخة: \"بنت\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٤٢٥١).\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n(٤) \"المستدرك\" (٣/ ١٢٠)، و\"مسند أحمد\" (١/ ١١٥).","vol":"8","page":346},{"text":"فَخَرَجَ النَّبيُّ - ﷺ -، فَذَكَرَ حَدِيثًا، قَالَ: \"وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَأَقْضِي بِهَا لِجَعْفَرٍ، تكون مَعَ خَالَتِهَا، وإنَّمَا الْخَالَةُ أُمٌّ\" (١). [حم ١/ ١١٥، ك ٣/ ١٢٠]\n٢٢٧٩ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ عِيسَى، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي فَرْوَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن أَبِي لَيْلَى، بِهَذَا الْخَبَرِ، وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ، قَالَ: وَقَضَى بِهَا لِجَعْفَرٍ، لأنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ. [انظر سابقه]\n===\nإلى مر الظهران، صحيحًا ومحفوظًا، فلا مخالفة بين القولين؛ فإنه يمكن أن تكون المنازعة وقعت في مر الظهران أولًا بعد أن أخذها علي، وأوصلها إلى فاطمة، وهي في هودجها، وقال لفاطمة: أمسِكيها عندك، ولكن لم تبلغ هذه المنازعة إلى رسول الله - ﷺ -، ثم كَلَّمه زيد بن حارثة قبل أن يصل إلى المدينة، ثم وقع المنازعة بعد ما دخلوا في المدينة، فعلم رسول الله - ﷺ - بها، وعند ذلك قضى فيها.\n(فخرج النبي - ﷺ -) إلى المدينة. قال الحافظ: زاد في رواية ابن سعد: \"اختصم فيها علي وزيد وجعفر، حتى ارتفعت أصواتهم، وأيقظوا النبي - ﷺ - من نومه\".\n(فذكر) أي علي، أو راوٍ آخر (حديثًا، قال) أي علي أو الراوي: قال رسول الله - ﷺ -: (وأما الجارية فأقضي بها لجعفر، تكون) أي الجارية (مع خالتها، وإنما الخالة أم).\n٢٢٧٩ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا سفيان، عن أبي فروة؛ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) أي عن علي (بهذا الخبر) أي الحديث المتقدم عن علي (وليس بتمامه) أي ليس هذا الحديث تامًا مثل تمام الخبر المتقدم (قال) أي الراوي: (وقضى بها) أي بابنة حمزة (لجعفر، لأن خالتها عنده).\n_________\n(١) في نسخة: \"الأم\".","vol":"8","page":347},{"text":"٢٢٨٠ - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن هَانِئٍ (١) وَهُبَيْرَةَ (٢)، عن عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا خَرَجْنَا مِنْ مَكَّةَ تَبِعَتْنَا بِنْتُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ يَا عَمِّ. فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا\n===\n٢٢٨٠ - (حدثنا عباد بن موسى، أن إسماعيل بن جعفر حدثهم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ) بن هانئ الهمداني الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب، وعنه أبو إسحاق السبيعي وحده، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن سعد: كان يتشيع، وقال ابن المديني: مجهول، وقال حرملة عن الشافعي: هانئ بن هانئ لا يعرف، وأهل العلم بالحديث لا يثبتون حديثه لجهالة حاله.\n(وهبيرة) مصغرًا، ابن يريم وزن عظيم، الشيباني، ويقال: الخارفي، أبو حارث الكوفي، قال الأثرم عن أحمد: لا بأس بحديثه، هو أحسن استقامة من غيره، يعني الذين تفرد أبو إسحاق بالرواية عنهم، وقال عبد الله بن أحمد: هبيرة أحب إلينا من الحارث، وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال يحيى بن معين: هو مجهول، وقال ابن خراش: ضعيف.\n(عن علي قال: لما خرجنا من مكة تبعتنا بنت حمزة تنادي: يا عم يا عم)، قال الحافظ (٣): كأنها خاطبت النبي - ﷺ - بذلك إجلالًا له، وإلَّا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى كون حمزة، وإن كان عمه من النسب، فهو أخوه من الرضاعة، وقد أقرها عليٌّ بذلك بقوله لفاطمة بنت رسول الله - ﷺ -: \"دونك ابنة عمك\".\n(فتناولها علي، فأخذ بيدها)، وهذا بظاهره يخالف ما تقدم في الحديث المار \"أن زيد بن حارثة خرج إلى مكة، فقدم بابنة حمزة\"، وهذا الحديث يدل [على] أن ابنة حمزة تبعت رسول الله - ﷺ - حين خرجوا من مكة تنادي: يا عم يا عم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن هانئ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بن يَرِيم\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٠٥).","vol":"8","page":348},{"text":"وَقَالَ: دُونَكِ بِنْتَ عَمِّكِ، فَحَمَلَتْهَا، فَقَصَّ الْخَبَرَ، قَالَ: وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ (١) عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ - ﷺ - لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: \"الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ\". [حم ١/ ٩٨ - ٩٩]\n===\nووجه الجمع بين القصتين أن يقال: إن أول من أخرجها من مكة هو زيد بن حارثة كما تدل عليه الرواية المتقدمة، ويدل عليه ما حكى الحافظ (٢) عن مغازي سليمان التيمي: \"أن النبي - ﷺ - لما رجع إلى أهله وجد بنت حمزة، فقال لها: ما أخرجك؟ قالت: رجل من أهلك، ولم يكن رسول الله - ﷺ - أمر بإخراجها، ثم لما وصلت إلى موقف رسول الله - ﷺ - كانت تطوف في الرجال، فرأت رسول الله - ﷺ - فتبعته تنادي: يا عم يا عم؛ فأخذها علي وأركبها في هودج فاطمة، وقال لها: أمسكيها عندك\".\nيدل عليه ما قال الحافظ: قال: وعند ابن سعد من مرسل محمد بن علي بن الحسين الباقر بإسناد صحيح إليه: \"بينما بنت حمزة تطوف في الرجال، إذ (٣) أخذ علي بيدها، فألقاها إلى فاطمة في هودجها\".\n(وقال) أي علي لفاطمة: (دونك) أي خذي (بنت عمك) لأن حمزة عمها من الرضاعة، فإنه أخو رسول الله - ﷺ - رضاعًا (فحملتها) أي فاطمةُ بنتَ حمزة.\n(فقص) أي أبو إسحاق (الخبر) أي الحديث (قال) أي أبو إسحاق بسنده: (وقال جعفر: ابنة عمي) أي هي (وخالتها تحتي) أي في نكاحي (فقضى بها) أي بابنة حمزة (النبي - ﷺ - لخالتها) أي واسطة زوجها جعفر (وقال: الخالة بمنزلة الأم) (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"بنت\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٠٦).\n(٣) في الأصل: \"إذا\"، وهو تحريف.\n(٤) استدل بهذ الحديث الإِمام أحمد على أن حق الحضانة لا يزال عن الجارية للتزوج بخلاف الغلام، كما تقدم مفصلًا (ص ٤٥٢ - ٤٥٣). (ش).","vol":"8","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-795>(٣٦) بَابٌ: في عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ</span>\n٢٢٨١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَهْرَانِيُّ، ثنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ،\n===\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): وإنما أقرهم النبي - ﷺ - على أخذها مع اشتراط المشركين أن لا يخرج أحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها. وأيضًا فقد تقدم في الشروط، ويأتي في التفسير أن النساء المؤمنات لم يدخلن في ذلك، لكن إنما نزل القرآن في ذلك بعد رجوعهم إلى المدينة، ووقع في رواية أبي سعيد السكري: أن فاطمة قالت لعلي: \"إن رسول الله - ﷺ - آلى أن لا يصيب منهم أحدًا إلَّا ردَّه عليهم، فقال لها علي: إنها ليست منهم إنما هي منَّا\".\n\n(٣٦) (بابٌ: في عِدَّة الْمُطَلَّقَةِ)\n٢٢٨١ - (حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني) وهو مختلف فيه، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: كذاب، ليس بثقة ولا مأمون، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان ممن يحفظ الحديث وينتصب.\n(ثنا يحيى بن صالح) الوُحاظي، بضم الواو وتخفيف المهملة ثم معجمة، أبو زكريا، ويقال: أبو صالح، الشامي، روى عنه البخاري، قال أبو زرعة الدمشقي: لم يقل فيه أحمد إلَّا خيرًا، قال: وسألت يحيى بن معين عنه؟ فقال: ثقة، وقال أبو عوانة الإسفرائني: كان حسن الحديث، وهو عديل محمد بن الحسن إلى مكة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن عدي في جماعة من ثقات أهل الشام.\nوقال العقيلي: حمصي جهمي، وقال يزيد بن عبد ربه: سمعت وكيعًا يقول ليحيى بن صالح: يا أبا زكريا احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٠٦).","vol":"8","page":350},{"text":"نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ، عن أَبِيهِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ الأَنْصَارِيَّةِ: أَنَّهَا طُلِّقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ (١) - ﷺ -، وَلَمْ تَكُنْ لِلمُطَلَّقَةِ عِدَّةٌ، فَأَنْزَلَ الله ﷿ حِينَ طُلِّقَتْ أَسْمَاءُ بِالْعِدَّةِ لِلطَّلَاقِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ أُنْزِلَتْ (٢) فِيهَا الْعِدَّةُ لِلْمُطَلَّقَاتِ. [ق ٧/ ٤١٤]\n===\nالبول في المسجد أحسن من بعض قياسهم، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nوقال سليمان بن عبد الحميد البهراني: سمعت أبا اليمان يقول: قدم الحسن بن موسى الأشيب علينا قاضيًا بحمص فقال: دلني على رجل ثقة موسر أستعين به على أمري، فقلت: لا أعرف أحدًا أوثق من يحيى بن صالح، وقال الساجي: هو عندهم من أهل الصدق والأمانة، وقال الخليلي: ثقة (٣).\n(نا إسماعيل بن عياش، حدثني عمرو بن مهاجر) بن أبي مسلم، واسمه دينار، الأنصاري، أبو عبيد الدمشقي، مولى أسماء بنت يزيد، رأى أنسًا وواثلة، قال ابن معين، ودحيم، وأبو داود، وابن سعد، والعجلي، ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال ابن سعد: له حديث كثير، (عن أبيه) مهاجر بن أبي مسلم، واسمه دينار، الشامي الأنصاري، مولى أسماء بنت يزيد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أنها طلقت على عهد رسول الله - ﷺ - ولم تكن) أي في ذاك الوقت (للمطلقة عدة، فأنزل الله ﷿ حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق)، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤)، (فكانت) أي أسماء (أول من أنزلت فيها) أي في قصتها (العدة للمطلقات) قلت: ولم أر هذا الحديث لغير أبي داود.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"أنزل\".\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢٢٩، ٢٣٠).\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.","vol":"8","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>(٣٧) بَابٌ: في نَسْخِ مَا اسْتُثْنِي بِهِ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ </span>(١)\n٢٢٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ حُسَيْنٍ (٢)، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْويِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وَقَالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: وإن ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٣) \". [ن ٣٤٩٩]\n===\n\n(٣٧) (بَابٌ: في نَسْخِ مَا اسْتثْنِيَ بِهِ مِنْ عِدَّة الْمُطَلَّقَاتِ)\nيعني أن آية عدة المطلقات تشمل ذوات الأقراء، والآيسات، والصغائر، والممسوسة وغير الممسوسة، والحوامل وغير الحوامل، فاستثنى منها الآيسات والصغائر وغير الممسوسات والحوامل\n٢٢٨٢ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين) بن واقد، (عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي) هو ابن أبي سعيد، (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾) ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، (فنسخ من ذلك) أي نسخ هذا القول الثاني الشامل للآيسات والصغائر اللاتي لم يبلغن المحيض من ذلك أي من القول الأول الشامل لجميع أنواع المطلقات، فأوجب للآيسات والصغائر العدة ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء، (وقال) أي ابن عباس: (وإن ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾)، فنسخت هذه الآية من آية عدة المطلقات غير الممسوسة، فإنه ليس عليهن عدة، ولم يذكر ابن عباس - ﵄- الحوامل إذا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"اللاتي قد يئسن وطلقت ولم تمس\".\n(٢) في نسخة: \"الحسين\".\n(٣) الآية الأولى من البقرة: ٢٢٨، والثانية من الطلاق: ٤، والثالثة من الأحزاب: ٤٩.","vol":"8","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-797>(٣٨) بَابٌ: في الْمُرَاجَعَةِ</span>\n٢٢٨٣ - حَدّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْعَسْكَرِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدة، عن صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ، عن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن عمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا\". [ن ٣٥٦٢، جه ٢٠١٦]\n===\nطلقت، لمكان الاختلاف فيها، أو لأن الغرض بهذا أن الآية المشتملة على عدة المطلقات ليس على عمومها وإطلاقها، بل الغرض أن بعض صور المطلقات أخرج منها، أو تركها الراوي اختصارًا.\nوقد أخرج النسائي (١) هذا الحديث من حديث زكريا بن يحيى قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا علي بن الحسين بن واقد أطول من هذا.\n\n(٣٨) (بَابٌ: في الْمُرَاجَعَةِ)\nأي: إذا طلق الرجل الزوج امرأته طلقة أو طلقتين فيراجعها\n٢٢٨٣ - (حدثنا سهل بن محمد بن الزبير العسكري) أبو سعيد، وقيل: أبو داود، نزيل البصرة، قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال النسائي: ثبت، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. (نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر: أن النبي - ﷺ - طلق حفصة، ثم راجعها) (٢).\nوأخرجه النسائي بهذا السند عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن ابن عمر: \"أن النبي - ﷺ - كان طلق حفصة، ثم راجعها\"، فالظاهر أن في هذا الحديث لفظ \"ابن\" في قوله: \"عن ابن عمر\" وهم وغلط من الكاتب.\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٣٤٩٩).\n(٢) أي: بالوحي كما سيأتي، وبه جزم في \"الخميس\" (١/ ٤١٧)، ويظهر منه سبب الطلاق كشف سره - ﷺ - بحرمة مارية. (ش).","vol":"8","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>(٣٩) بَابٌ: في نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ</span>\n٢٢٨٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ\n===\nوأخرجه الدارمي (١) من حديث إسماعيل بن خليل وإسماعيل بن أبان قالا: ثنا يحيى بن أبي زائدة بسند أبي داود والنسائي، ثم أخرج بسند آخر قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، عن هشيم، عن حميد، عن أنس: \"أن النبي - ﷺ - طلق حفصة ثم راجعها\"، قال أبو محمد: كان علي بن المديني أنكر هذا الحديث، قال: وليس عندنا هذا الحديث بالبصرة عن حميد.\nقال مولانا الشيخ عبد الغني المهاجر المدني في \"إنجاح الحاجة\" (٢): قال الشيخ الدهلوي في \"المدارج\": \"إن النبي - ﷺ - طلق حفصة واحدة، فلما بلغ هذا الخبر عمر - ﵁ -، فاهتم له، فأوحي إلى النبي - ﷺ -: راجع حفصة، فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي زوجتك في الجنة\".\nوأخرج الحاكم في \"المستدرك\" (٣) من طريق عمرو بن عون، ثنا هشيم، أنبأ حميد، عن أنس - ﵁ - قال: \"لما طلق (٤) النبي - ﷺ - حفصة، أمر أن يراجعها، فراجعها\"، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n\n(٣٩) (بَابٌ: في نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ)\nمشتق من البت، وهو القطع، وهو يشمل طلاق البائن والثلاث، يعني إذا طلق الزوج زوجته طلاقًا بائنًا أو ثلاثًا هل تجب لها في عدتها النفقة على الزوج؟\n٢٢٨٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد\n_________\n(١) \"سنن الدارمي\" (٢٢٦٨).\n(٢) (ص ١٤٦).\n(٣) \"المستدرك\" (٢/ ١٩٧).\n(٤) فعلى هذا لا يصح ما في نسخ أبي داود من مولانا: أراد تطليقها. (ش).","vol":"8","page":354},{"text":"مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ،\n===\nمولى الأسود بن سفيان) من شيوخ مالك، ثقة، (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس) بن خالد، القرشية الفهرية، أخت الضحاك بن قيس الأمير، وكانت أسن منه، كانت من المهاجرات الأول، وكانت ذات جمال وعقل، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر، وكانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها فتزوجها بعده أسامة بن زيد.\n(أن أبا عمرو بن حفص) (١) بن المغيرة، وقيل: أبو حفص بن المغيرة، ويقال: أبو عمرو بن حفص بن عمرو بن المغيرة المخزومي القرشي، اختلف في اسمه، فقيل: أحمد، وقيل: عبد الحميد، وقيل: اسمه كنيته، وأمه درة بنت خزاعي بن الحويرث الثقفي، وكان خرج مع علي إلى اليمن في عهد النبي - ﷺ -، فمات هناك، ويقال: بل رجع إلى أن شهد فتوح (٢) الشام، وكانت تحته فاطمة بنت قيس.\n(طلقها البتة، وهو غائب) ويخالفه ما أخرجه الطحاوي (٣) من حديث الليث، عن أبي زبير المكي، أنه سأل عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص عن طلاق جده أبي عمرو فاطمة بنت قيس، فقال له عبد الحميد: \"طلقها البتة، ثم خرج إلى اليمن\".\nوكذلك أخرج من حديث ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: أخبرني عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت: \"أن فاطمة بنت قيس أخبرته، وكانت عند رجل من بني مخزوم، فأخبرته أنه طلقها ثلاثًا، وخرج إلى بعض المغازي، وأمر وكيلًا له أن يعطيها بعض النفقة\" الحديث.\n_________\n(١) اختلف في اسم زوج فاطمة، فقيل: هكذا، وقيل: هو عياش بن أبي ربيعة، كذا في \"التلقيح\" (ص ٦٨٠). (ش).\n(٢) وحكى القولين النووي (٩/ ٣٠٩). (ش).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٦٥).","vol":"8","page":355},{"text":"فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَئءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ الله - ﷺ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: \"لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أمِّ شَرِيك\"،\n===\nووجه الجمع بينهما أن يقال: طلقها في المدينة، ولم يظهر أمر الطلاق حتى خرج مع علي - ﵁ -، فوقع النزاع بينها وبين وكيل الزوج في وجوب النفقة، فظهر أمر الطلاق حينئذ، ظن أنه طلقها الآن، أو يقال طلقها ثنتين، ثم خرج إلى اليمن، فأرسل بطلاقها الثالث كما يدل عليه حديث مسلم (١).\n(فأرسل إليها وكيله) وهو عياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام (بشعير) في نفقة العدة (فتسخطته) أي: سخطت على قلة النفقة بالشعير القليل وما رضيت به.\n(فقال) أي الوكيل: (والله مالك علينا من شيء) من النفقة، (فجاءت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك) أي الحال (له، فقال) أي رسول الله - ﷺ - (لها: ليس لك عليه نفقة، وأمرها) أي رسول الله - ﷺ - فاطمة (إن تعتد) أي تقضي عدتها (في بيت أم شريك).\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٢) في ترجمة أم شريك الأنصارية: قيل: هي بنت أنس الماضية، وقيل: هي بنت خالد المذكورة قبلها، وقيل: هي غيرهما، وقيل: هي أم شريك بنت أبي العكر بن سمي (٣)، ثم قال: قلت: ولها ذكر في حديث صحيح عند مسلم (٤) من رواية فاطمة بنت قيس في قصة الجساسة في\n_________\n(١) انظر: \"صحيح مسلم\" (٤١/ ١٤٨٠).\n(٢) \"الإصابة\" (٤/ ٤٤٥ - ٤٤٧).\n(٣) في الأصل: \"أبي العسكر بن تيمي\" وهو تحريف، والصواب: \"العكر بن سُمَي\". انظر: \"الإصابة\" (٨/ ٤١٦) رقم (١٢١٠١).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (٢٩٤٢).","vol":"8","page":356},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي في بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثيَابَكِ، وَإِذَا حَلَلْتِ فَآذنينِي\"،\n===\nحديث تميم الداري، قال فيه: \"وأم شريك امرأة غنية من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله ﷿، ينزل عليها الضِّيفان\"، ثم قال: يقال: إنها التي أمرت فاطمة بنت قيس أن تعتد عندها، ثم قيل لها: \"اعتدي عند ابن أم مكتوم\".\nثم قال في ترجمة أم شريك: القرشية العامرية، من بني عامر بن لؤي، وأخرج الحميدي في \"مسنده\" (١) من رواية مجالد، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس: \"أن النبي - ﷺ - قال لها: اعتدي عند أم شريك بنت أبي العكر\" (٢)، وهذا يخالف ما تقدم أنها زوج أبي العكر، ويمكن الجمع بأن تكون كنية والدها وزوجها اتفقا.\nووقع في رواية النسائي (٣) من حديث مخلد، ثنا ابن جريج، عن عطاء قال: أخبرني عبد الرحمن بن عاصم: \"أن فاطمة بنت قيس أخبرته، وكانت عند رجل من بني مخزوم أنه طلقها ثلاثًا\" الحديث، وفيه قال النبي - ﷺ -: \"فانتقلي إلى أم كلثوم، فاعتدي عندها\"، ثم قال: \"إن أم كلثوم امرأة تكثر عوادها، فانتقلي إلى عبد الله بن أم مكتوم\".\n(ثم قال: إن تلك امرأة يغشاها أصحابي) لأنها كانت كثيرة الضيفان، عظيمة النفقة في سبيل الله، وخص علي القاري (٤) الأصحاب بأقاربها وأولادها، ولا حاجة إلى ذلك، (اعتدي في بيت ابن أم مكتوم) هو عمرو بن أم مكتوم، اختلف في اسمه (فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك) أي في بيته فلا يراك، (وإذا حللت) أي: خرجت من العدة (فآذنيني) أي: أعلميني بالخروج من العدة.\n_________\n(١) \"مسند الحميدي\" (١/ ١٧٦) رقم (٣٦٣، ٣٦٤).\n(٢) وفي الأصل: \"أبي العسكر\"، وهو تحريف.\n(٣) \"سنن النسائي\" (٣٥٤٥).\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٨٦).","vol":"8","page":357},{"text":"قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عن عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، اِنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ\".\nقَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: \"اِنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ\"، (١) فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ الله تَعَالَى فِيهِ خَيْرًا وَاغْتُبِطْتُ. [م ١٤٨٠، ن ٣٥٥٢]\n===\n(قالت) أي فاطمة: (فلما حللت ذكرت له) أي لرسول الله - ﷺ - (أن معاوية بن (٢) أبي سفيان وأبا جهم) بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي، واسمه عامر، وقيل: عبيد، أسلم عام الفتح، وكان معظمًا في قريش مقدمًا فيهم، فيه وفي بنيه شدة، وهو أحد الذين دفنوا عثمان - ﵁ -، وهذا أبو جهم هو الذي كان أهدى إلى رسول الله - ﷺ - خميصة لها علم، فشغلته في الصلاة، فردها (٣) إليه.\n(خطباني، فقال رسول الله - ﷺ -: أما أبو جهم فلا يضع عصاه (٤) عن عاتقه) أي ضَرَّاب للنساء، (وأما معاوية فصعلوك (٥) لا مال له، انكحي (٦) أسامة بن زيد، قالت: فكرهته) لأنه كان أسود دميمًا قصيرًا، وكان من الموالي.\n(ثم قال) أي رسول الله - ﷺ - ثانيًا: (انكحي أسامة بن زيد، فنكحته، فجعل الله تعالى فيه) أي في أسامة (خيرًا واغتبطت) أي صرت ذات غبطة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قالت\".\n(٢) قال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٣٢١): اختلفوا هل هو ابن أبي سفيان أو غيره؟ الصحيح هو هو، لرواية مسلم، قلت: لهذه الرواية به جزم السيوطي في \"شرح الترمذي\". (ش).\n(٣) زاد أبو الطيب في \"شرح الترمذي\" عن النووي: أنه غير صاحب التيمم والمرور في الصلاة. (ش).\n(٤) استدل بذلك ابن عابدين: على أن المبالغة ليس بكذب. (ش). (انظر: \"رد المحتار\" ٩/ ٧٠٥).\n(٥) قال ابن رسلان: هذا كان في الابتداء، ثم صار ذا مال كثير. (ش).\n(٦) فيه دليل على جواز الخِطبة على الخِطبة إذا لم يتحقق منها الرضاء لأحد، كما في \"الأوجز\" (١١/ ٣٣٨). (ش).","vol":"8","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nتغتبطني النساء، يقال: غبطته (١) إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ما له بِدَوَامه له، وحسدته إذا اشتهيت لك ما له بزواله عنه.\nوهذا الحديث استدل به من قال: إن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنه وقع في بعض طرق الحديث: أنه - ﷺ - لم يجعل لها النفقة والسكنى.\nواختلف فيه العلماء، فقال بعضهم: لا نفقة لها ولا سكنى، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وأتباعهم، وقال بعضهم: لا نفقة لها ولها السكنى، وهو قول الشافعي والجمهور، واحتجوا لإثبات السكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢)، ولإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فإن مفهومه أن غير الحامل لا نفقة لها، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى، والسياق يفهم أنها في غير الرجعية؛ لأن نفقة الرجعية واجبة، ولو لم تكن حاملًا.\nوذهب عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وأهل الكوفة من الحنفية، وغيرهم إلى وجوب النفقة والسكنى، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٣).\nفإن آخر الآية وهو النهي عن إخراجهن يدل على وجوب النفقة والسكنى.\nوحكي في \"البحر\" عن أحمد بن حنبل أنه قال: إنها تستحق النفقة دون السكنى، واستدلوا على وجوب النفقة بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (٥)، وبأن زوجة المطلقة بائنًا\n_________\n(١) في الأصل: \"غبطه\"، وهو تحريف.\n(٢) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(٣) سورة الطلاق: الآية ١.\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٤١.\n(٥) سورة الطلاق: الآية ٦.","vol":"8","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمحبوسة بسبب الزوج، واستدلوا على عدم وجوب السكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾، فإنه أوجب أن تكون حيث الزوج، وذلك لا يكون في البائنة.\nوأما الجواب عن حديث فاطمة فإنه رده عمر - ﵁ -، وقال: \"لا ندع كتاب ربنا وسنَّة نبينا لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت\". وقد أنكره أسامة بن زيد، فإنه كان إذا ذكرت فاطمة من ذلك شيئًا رماها بما كان في يده، وكذلك أنكرته عائشة - ﵂ -، فإنها قالت: ما لفاطمة من خير أن تذكر هذا الحديث، يعني قولها: \"لا نفقة لها ولا سكنى\".\nأخرج الطحاوي (١) هذه الأقاويل، ثم روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن \"أن الناس أنكروا عليها ما تُحَدِّث به من خروجها قبل أن تحل\"، وقد أنكر عمر بن الخطاب ذلك بحضرة أصحاب رسول الله - ﷺ -، فلم ينكر عليه منهم منكر، فدل تركهم النكير في ذلك عليه أن مذهبهم فيه كمذهبه.\nوخلاصة البحث في هذه المسألة أن الزوج تجب عليه نفقة زوجته، يدل على وجوبه الكتاب والسنَّة والإجماع والمعقول. أما الكتاب: فقوله ﷿: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢)، أي على قدر ما يجده أحدكم من السعة والمقدرة، والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها لا تصل إلى النفقة إلَّا بالخروج والاكتساب.\nوفي حرف عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \"أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم\"، وهو نص.\nوقوله ﷿: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٣) أي: لا تضارُّوهن في\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٦٧ - ٦٩).\n(٢) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(٣) سورة الطلاق: الآية ٦.","vol":"8","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالإنفاق عليهن فتضيقوا عليهن النفقة فيخرجن، أو لا تضارُّوهن في المسكن، فتدخلوا عليهن من غير استئذان، فتضيقوا عليهن المسكن فيخرجن.\nوقوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقوله ﷿: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)، وقوله ﷿: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٢) الآية، وقوله ﷿: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، قيل: هو المهر والنفقة.\nوأما السنَّة: فروي عنه - ﷺ - أنه قال: \"ولهن عليكم رزقهن وكسوتهم بالمعروف\"، أو قال: \"يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى\"، وقال لهند امرأة أبي سفيان: \"خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف\"، ولو لم تكن النفقة واجبة، لم يأذن لها بالأخذ من غير إذنه.\nوأما الإجماع: فلأن الأمة أجمعت على هذا.\nوأما المعقول: فهو أن المرأة محبوسة بحبس النكاح حقًا للزوج ممنوعة عن الاكتساب بحقه، فكان نفع حبسها عائدًا إليه، فكانت كفايتها عليه لقوله - ﷺ -: \"الخَرَاج بالضَّمان\"، ولأنها إذا كانت محبوسة بحبسه ممنوعة عن الخروج للكسب بحقه، فلو لم يكن كفايتها عليه لهلكت، ولهذا جُعل للقاضي رزق في بيت مال المسلمين لحقهم؛ لأنه محبوس لجهتهم ممنوع من الكسب، فجعلت نفقته في مالهم، وهو بيت المال، كذا ها هنا.\nواختلف العلماء في سبب وجوب هذه النفقة، قال أصحابنا: سبب وجوبها استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.\n(٢) سورة الطلاق: الآية ٧.\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.","vol":"8","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الشافعي: السبب هو الزوجية، وهو كونها زوجة له، وربما قالوا: السبب هو ملك النكاح للزوج عليها، وربما قالوا: القوَّامية.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١) الآية، أوجب النفقة عليهم لكونهم قوامين، والقوامية تثبت بالنكاح، فكانت سبب وجوب النفقة النكاح؛ لأن الإنفاق على المملوك من باب إصلاح الملك واستبقائه، فكان سبب وجوبه الملك.\nولنا: أن حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح مؤثر في استحقاق النفقة لها عليه لما بينا؛ لأنه قد قوبل بعوض مرة وهو المهر، فلا يقابل بعوض آخر، إذ العوض الواحد لا يقابل بعوضين، ولا حجة له في الآية؛ لأن فيها إثبات القوامية بسبب النفقة لا إيجاب النفقة بسبب القوامية.\nوهذه الآيات والأحاديث وإن وردت في الزوجة لكن المعتدة في حكم الزوجة باعتبار أن النكاح قائم من وجه، فإنها محبوسة للزوج، فتستحق النفقة كما كانت تستحقها قبل الفرقة، بل أولى؛ لأن حق الحبس بعد الفرقة تأكد بحق الشرع، وتأكد السبب يوجب تأكد الحكم، فلما وجبت قبل الفرقة فبعدها أولى.\nوجملة الكلام أن المعتدة إن كانت معتدة من نكاح صحيح عن طلاق، فإن كان الطلاق رجعيًا فلها النفقة والسكنى بلا خلاف، لأن ذلك النكاح قائم، فكان الحال بعد الطلاق كالحال قبله، وإن كان الطلاق ثلاثًا أو بائنًا فلها النفقة والسكنى إن كانت حاملًا بالإجماع لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢).\nوإن كانت حاملًا، لها النفقة والسكنى عند أصحابنا.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٣٤.\n(٢) سورة الطلاق: الآية ٦.","vol":"8","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الشافعي: لها السكنى ولا نفقة لها، وقال ابن أبي ليلى: لا نفقة ولا سكنى، واحتجا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، خص الحامل بالأمر بالإنفاق عليها، فلو وجب الإنفاق على غير الحامل لبطل التخصيص.\nوروي عن فاطمة بنت قيس، أنها قالت: \"طلقني زوجي ثلاثًا، فلم يجعل لي النبي - ﷺ - نفقة ولا سكنى\"؛ ولأن النفقة تجب بالملك، وقد زال الملك بالثلاث والبائن، إلَّا أن الشافعي يقول: عرفت وجوب السكنى في الحامل بالنص بخلاف البائن.\nولنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢). وفي قراءة عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \"أسكنوهن من حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن من وجدكم\"، ولا اختلاف بين القراءتين، لكن إحداهما تفسير للأخرى كقوله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣)، وقراءة ابن مسعود ﵁ \"أيمانهما\"، وليس ذلك اختلاف القراءة، بل قراءته تفسير للقراءة الظاهرة، كذا هذا.\nولأن الأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها إذا كانت محبوسة ممنوعة عن الخروج لا تقدر على اكتساب النفقة، فلو لم تكن نفقتها على الزوج، ولا مال لها لهلكت، أو ضاق الأمر عليها وعسر، وهذا لا يجوز.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، من غير فصل بين ما قبل الطلاق وبعده في العدة؛ ولأن النفقة إنما وجبت قبل الطلاق لكونها محبوسة عن الخروج والبروز لحق الزوج، وقد بقي\n_________\n(١) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(٢) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(٣) سورة المائدة: الآية ٣٨.","vol":"8","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nذلك الاحتباس بعد الطلاق في حالة العدة، وتأيد بانضمام حق الشرع إليه؛ لأن الحبس قبل الطلاق كان حقًا للزوج على الخلوص، وبعد الطلاق تعلق به حق الشرع حتى لا يباح لها الخروج، وإن أذن لها الزوج بالخروج، فلما وجبت به النفقة قبل التأكد فلأن تجب بعد التأكد أولى.\nوأما الآية: ففيها أمر بالإنفاق على الحامل، وأنه لا ينفي وجوب الإنفاق على غير الحامل ولا يوجبه أيضًا، فيكون مسكوتًا موقوفًا على قيام الدليل، وقد قام دليل الوجوب وهو ما ذكرنا.\nوأما حديث فاطمة بنت قيس فقد رده عمر - ﵁ -، فإنه روي: أنها لما روت \"أن رسول الله - ﷺ - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة\"، قال عمر - ﵁ -: \"لا ندع كتاب ربنا ولا سنَّة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت\".\nوفي بعض الروايات قال: \"لا ندع كتاب ربنا وسنَّة نبينا، ونأخذ بقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها\"، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لها السكنى والنفقة\".\nوقول عمر - ﵁ -: \"لا ندع كتاب ربنا\" يحتمل: أنه أراد به قوله ﷿: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، ويكون قراءته كقراءة ابن مسعود.\nويحتمل: أنه أراد قوله ﷿: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١).\nويحتمل: أنه أراد بقوله: \"لا ندع كتاب ربنا\" في السكنى خاصة، وهو قوله ﷿: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢)، كما\n_________\n(١) سورة الطلاق: الآية ٧.\n(٢) سورة الطلاق: الآية ٦.","vol":"8","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهو القراءة الظاهرة. وأراد بقوله - ﵁ -: \"بسنَّة نبينا\" ما روي عنه - ﵁ - أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لها النفقة والسكنى\".\nويحتمل: أن يكون عند عمر - ﵁ - في هذا تلاوة رفعت عينها، وبقي حكمها، فأراد بقوله: \"لا ندع كتاب ربنا\" تلك الآية، كما روي عنه أنه قال في باب الزنا: كنا نتلو في سورة الأحزاب: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله والله عزيز حكيم\"، ثم رفعت التلاوة وبقي حكمها، كذا ها هنا.\nوروي: \"أن زوجها أسامة بن زيد كان إذا سمعها تتحدث بذلك، حصبها بكل شيء في يده\"، وروي عن عائشة - ﵂ - أنها قالت لها: \"لقد فتنت الناس بهذا الحديث\"، وأقل أحوال إنكار الصحابة على راوي الحديث أن يوجب طعنًا فيه.\nثم قد قيل في تأويله: إنها كانت تبذو على أحمائها، فنقلها رسول الله - ﷺ - إلى بيت ابن أم مكتوم، ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى؛ لأنها صارت كالناشزة إذ كان سبب الخروج منها.\nوهكذا نقول فيمن خرجت من بيت زوجها في عدتها أو كان منها سبب أوجب الخروج: إنها لا تستحق النفقة ما دامت في بيت غير الزوج، وقيل: إن زوجها كان غائبًا فلم يقض لها بالنفقة والسكنى على الزوج لغيبته، إذ لا يجوز القضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر.\nفإن قيل: روي أن زوجها خرج إلى اليمن، وقد كان وكَّل أخاه.\nفالجواب: أنه إنما وكله بطلاقها أو بإيصال النفقة، ولم يوكله بالخصومة، \"بدائع\" (١) ملخصًا.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٤١٧ - ٤١٩، ٤٢٩).","vol":"8","page":365},{"text":"٢٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل، نَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي (١) أَبُو سلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ فِيهِ: وَأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَنَفَرًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَتَوا النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَإِنَّهُ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً يَسِيرَةً، فَقَالَ: \"لَا نَفَقَةَ لَهَا\". وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَتَمُّ. [م ١٤٨٠، ن ٣٥٥١]\n٢٢٨٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا الْوَلِيدُ، نَا أَبُو عَمْرٍو، عن يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ،\n===\n٢٢٨٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان بن يزيد العطار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن فاطمة بنت قيس حدثته، أن أبا حفص بن المغيرة)، وقد تقدم أنه اختلف في اسم زوج فاطمة بنت قيس، فالأكثر على أن اسمه أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، وقيل: اسمه أبو حفص بن المغيرة.\n(طلقها ثلاثًا، وساق) أي يحيى بن أبي كثير (الحديث فيه) أي وفي الحديث: (وأن خالد بن الوليد ونفرًا) أي: جماعة، وهو ما دون العشرة من الرجال (من بني مخزوم) قبيلة من قريش (أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: يا نبي الله، إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثًا)، وفي الرواية المتقدمة: \"طلقها البتة\" (وإنه ترك لها نفقة يسيرة) أي قليلة (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لا نفقة لها، وساق) أي يحيى بن أبي كثير (الحديث، وحديث مالك أتم) أي من حديث يحيى بن أبي كثير.\n٢٢٨٦ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الوليد) بن مسلم القرشي، (نا أبو عمرو) الأوزاعي، (عن يحيى) بن أبي كثير، (حدثني أبو سلمة،\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرني\".","vol":"8","page":366},{"text":"حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَخَبَرَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا مَسْكَنٌ\". قَالَ فِيهِ: وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ\" [انظر الحديث السابق]\n٢٢٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ،\n===\nحدثتني فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص المخزومي طلقها ثلاثًا، وساق) أي الأوزاعي (الحديث، وخبر خالد بن الوليد) بالنصب عطفًا على الحديث، أي وساق خبر خالد بن الوليد، وهو الذي تقدم أن خالد بن الوليد ونفرًا من بني مخزوم، الحديث.\n(قال) أي الأوزاعي في هذا الحديث: (فقال النبي - ﷺ -: ليست لها نفقة ولا مسكن) فزاد: \"ولا سكن\" (قال) أي الأوزاعي (فيه) أي في الحديث: (وأرسل إليها) أي فاطمة (رسول الله - ﷺ -) رسالة وهي (أن لا تسبقيني بنفسك) أي لا تَعِدِي أحدًا بالنكاح قبل مشورتي، وهو من باب التعريض للخطبة، ولا بأس بذلك، كما ورد في التنزيل من قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١) الآية.\n٢٢٨٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، أن محمد بن جعفر حدثهم، نا محمد بن عمرو، عن يحيى، عن أبي سلمة)، هكذا في النسخة المجتبائية، والقادرية، ونسخة \"العون\"، والكانفورية، وأما في النسخة المكتوبة: \"نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة\"، ثم كتب على الحاشية بين \"محمد بن عمرو\" وبين لفظ \"عن أبي سلمة\" لفظ: \"عن يحيى\".\nوأخرج مسلم هذا الحديث من طريق محمد بن بشر قال: نا محمد بن عمرو قال: نا أبو سلمة، ولم يذكر \"يحيى\" بينهما.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٥.","vol":"8","page":367},{"text":"عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ، ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، قَالَ فِيهِ: \"وَلَا تُفَوِّتِينِي بِنَفْسِكِ\". [انظر الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ، وَالْبَهِيُّ، وَعَطَاءٌ\n===\nوكذا أخرج الإِمام أحمد (١) هذا الحديث بهذا السند: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ولم يذكر بينهما يحيى، والذي أظن أن ما في النسخ من ذكر يحيى بين محمد بن عمرو وبين أبي سلمة غلط من الكاتب، فإن محمد بن عمرو بن علقمة يروي عن أبي سلمة بغير واسطة، فإن الحافظ ذكر في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ترجمة محمد بن عمرو في شيوخه أبا سلمة، ولم يذكر في شيوخه يحيى بن أبي كثير، وكذلك في ترجمة يحيى بن أبي كثير (٣)، لم يذكر في تلاميذه محمد بن عمرو بن علقمة.\n(عن فاطمة بنت قيس قالت: كنت عند رجل) وهو أبو عمرو بن حفص المتقدم (من بني مخزوم) أي في نكاحه، (فطلقني البتة، ثم ساق) أي محمد بن عمرو (نحو حديث مالك، قال) أي محمد بن عمرو (فيه) أي في الحديث: (ولا تفوتيني) أي بعد تمام العدة (بنفسك) بل شاوريني في نكاحك إذا أردت النكاح بعد العدة.\n(قال أبو داود: وكذلك رواه الشعبي)، وسيخرج المصنف روايته بعد هذه الرواية متصلًا (٤)، (والبهي) هو عبد الله بن يسار، وهو يعرف بالبهي لبهائه وجماله، أخرج حديثه مسلم في \"صحيحه\" (٥)، (وعطاء) بن أبي رباح\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٦/ ٤١٣).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٧٥).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢٦٨).\n(٤) برقم (٢٢٨٨).\n(٥) برقم (١٤٨٠)، وأيضًا أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤١٢)، والبيهقي (٧/ ٤٧٤).","vol":"8","page":368},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَاصِم، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ، كُلُّهُمْ عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: \"أَنَّ زَوْجَهَا طَلقهَا ثَلَاثًا\".\n٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، نَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: \"أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى\". [م ١٤٨٠، ت ١١٨٠، جه ٢٠٢٤، حم ٦/ ٣٧٣]\n٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، نَا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبي سَلَمَةَ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أبِي حَفْصِ بْنِ الْمُغِيْرَةِ، وَأَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ\n===\n(عن عبد الرحمن بن عاصم) بن ثابت، وأخرج حديثه النسائي في \"المجتبى\" (١)، (وأبو بكر بن أبي الجهم) هو أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم العدوي، وقد ينسب إلى جده، كان قليل الحديث، وكان فقيهًا ثقة، أخرج حديثه مسلم في \"صحيحه\" (٢) (كلهم عن فاطمة بنت قيس) قالوا: (إن زوجها طلقها ثلاثًا) أي ولم يقولوا لفظ: \"البتة\".\n٢٢٨٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، نا سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعل لها) أي لفاطمة (النبي - ﷺ - نفقة ولا سكنى).\n٢٢٨٩ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس، أنها أخبرته) أي أبا سلمة (أنها) أي فاطمة بنت قيس (كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٦/ ٢٠٧)، وأيضًا أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤١٤).\n(٢) برقم (١٤٨٠)، وأيضًا أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤١١)، والترمذي (١١٣٥)، والنسائي (٦/ ١٥٠)، وابن ماجه (٢٠٣٥)، وابن حبان (٤٢٥٤)، والبيهقي (٧/ ١٨١).","vol":"8","page":369},{"text":"الْمُغِيرَةِ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَاسْتَفْتَتْهُ في خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى، فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ في خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا. قَالَ عُرْوَةُ: أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. [م ١٤٨٠، ن ٣٥٤٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، كُلُّهُمْ عن الزُّهْرِيِّ.\n===\nالمغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات) أي طلاقًا آخر ثلاث تطليقات كان باقية لها، وقد كان طلقها تطليقتين قبل.\n(فزعمت أنها جاءت رسول الله - ﷺ - فاستفتته في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى ابن مكتوم الأعمى)، واختلف في سبب خروجها من بيت زوجها، فقيل: كانت تبذو على أحمائها، وقيل: تخوَّفت عن الاقتحام عليها (فأبى مروان أن يصدق حديث فاطمة في خروج المطلقة من بيتها)؛ لأنه ورد في التنزيل: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (١)، فسكونها في بيتها كان واجبًا عليها بهذه الآية، (قال عروة: أنكرت عائشة على فاطمة بنت قيس)، هذا التعليق (٢) وصله مسلم في \"صحيحه\" (٣).\n(قال أبو داود: وكذلك) أي كما رواه عقيل (رواه صالح بن كيسان (٤)، وابن جريج (٥)، وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري،\n_________\n(١) سورة الطلاق: الآية ١.\n(٢) قوله: \"هذا التعليق\" كذا في الأصل، والظاهر أن قول عروة موصول بالإسناد السابق عن الزهري، فليتأمل.\n(٣) برقم (٤٠/ ١٤٨٠).\n(٤) أخرج روايته مسلم في \"صحيحه\" (١٤٨٠).\n(٥) أخرج روايته عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧/ ٢٠) رقم (١٢٠٢٢، ١٢٠٢٣).","vol":"8","page":370},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَاسْمُ أَبِي حَمْزَةَ دِينَارٌ، وَهُوَ مَوْلَى زِيادٍ.\n٢٢٩٠ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى فَاطِمَةَ، فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي حَفْصٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَمَّرَ عَليَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ- يَعْنِي عَلَى بَعْضِ الْيَمَنِ- فَخَرَجَ مَعَهُ زَوْجُهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا، وَأَمَرَ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ\n===\nقال أبو داود: شعيب بن أبي حمزة، واسم أبي حمزة دينار، وهو مولى زياد).\n٢٢٩٠ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله قال: أرسل مروان) أي: قبيصة بن ذؤيب (إلى فاطمة، فسألها) أي مروان فاطمة، (فأخبرته أنها كانت عند أبي حفص) بن المغيرة (وكان النبي - ﷺ - أمَّر) من باب التفعيل (علي بن أبي طالب، يعني على بعض اليمن).\nقال أهل التاريخ: إن رسول الله - ﷺ - أرسل خالد بن الوليد قبل حجة الوداع في ربيع الأول، أو الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى عبد المدان قبيلة بنجران، ثم كتب إليه أن ارجع إلى المدينة، ثم بعث عليًا بعد ذلك مكانه، وعقد له لواء، وعمَّمه بيده، فخرج علي في ثلاث مائة فارس، ثم قفل فوافى النبي - ﷺ - بمكة، قد قدمها للحج سنة عشر.\n(فخرج معه) أي علي بن أبي طالب (زوجها) أي زوج فاطمة بنت قيس أبو عمرو بن حفص (فبعث إليها) أي إلى فاطمة بنت قيس (بتطليقة) أي ثالثة كانت) أي التطليقة (بقيت لها) من ثلاث تطليقات، فإنه طلقها تطليقتين قبل ذلك (وأمر) زوج فاطمة أبو عمرو بن حفص (عياش بن أبي ربيعة) واسمه عمرو ذو الرمحين، ابن المغيرة بن عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن المخزومي، كان أحد المستضعفين، وهاجر الهجرتين، وهو أحد من كان النبي - ﷺ - يدعو له","vol":"8","page":371},{"text":"وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ أَنْ يُنْفِقَا عَلَيْهَا، فَقَالَا (١): وَاللهِ مَا لَهَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فأَتَتِ النَبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"لَا نَفَقَةَ لَكِ إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا\"\n===\nبالنجاة من المستضعفين في القنوت، روى عن النبي - ﷺ - في تعظيم مكة، وأرَّخ ابن قانع والقراب وغيرهما وفاته سنة خمس عشرة.\n(والحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو عبد الرحمن المكي، أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح، وخرج إلى الشام مجاهدًا، فقتل يوم اليرموك، وذكر ابن سعد (٢) وغيره أنه توفي في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ.\n(أن ينفقا عليها) أي فاطمة بنت قيس، فنازعتهما وتقالَّتْها، (فقالا: والله ما لها نفقة إلَّا أن تكون حاملًا) ولعل قولهما هذا كان اجتهادًا منهما مستنبطًا من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٣)، (فأتت) أي فاطمة بنت قيس (النبي - ﷺ - فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لا نفقة لك إلَّا أن تكوني حاملًا).\nوقد تقدم من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن فاطمة بنت قيس حدثته: أن خالد بن الوليد ونفرًا من بني مخزوم أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: يا نبي الله، إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثًا، وإنه ترك لها نفقة يسيرة، فقال: \"لا نفقة لها\".\nوالعجب كل العجب أن جماعة المخزوميين سمعوا من في رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لا نفقة لها\"، ولم يرو أحد منهم أن رسول الله - ﷺ - قضى بذلك، مع أن قضاء رسول الله - ﷺ - بذلك وافق اجتهادهم، فلا يظن بهم أنهم نسوا ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالا: لا والله\".\n(٢) \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ٥).\n(٣) سورة الطلاق: الآية ٦.","vol":"8","page":372},{"text":"وَاسْتَأْذَنَتْهُ (١) في الاِنْتِقَالِ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: أَيْنَ أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ (٢) رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ\" وَكَانَ أَعْمَى، تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ وَلَا يُبْصِرُهَا، فَلَمْ تَزَلْ هُنَاكَ (٣) حَتَّى مَضَتْ عِدَّتُهَا، فَأَنْكَحَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - أُسَامَةَ، فَرَجَعَ قَبِيصَةُ إِلَى مَرْوَانَ، فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نسْمَعْ (٤) هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ امْرَأَةٍ\n===\n(واستأذنته) أي فاطمة بنت قيس رسول الله - ﷺ - (في الانتقال) أي من بيت زوجها (فأذن لها، فقالت) أي فاطمة: (أين أنتقل يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: عند ابن أم مكتوم، وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يبصرها، فلم تزل هناك) أي عند ابن أم مكتوم (حتى مضت عدتها، فأنكحها النبي - ﷺ - أسامة) بن زيد.\n(فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره ذلك) أي الخبر، (فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلَّا من امرأة) أي واحدة.\nفإن قلت: كثير من الأحاديث روي عن النساء، عن عائشة - ﵂ - وغيرها، وتلقتها الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بالقبول، فكيف جاز لمروان أن يرد الحديث الذي بلغته فاطمة بنت قيس؟\nفالجواب عنه: أن مروان لما علم أن الحديث ورد في قصة شاعت في ذلك العصر، وقضى فيها رسول الله - ﷺ - بمحضر من الصحابة - ﵃-، ولم يروه إلَّا امرأة واحدة منهم، وقد سمعوا من في رسول الله - ﷺ -، ثم علم أن الناس كلهم قالوا بخلاف ذلك، فظن أن الإجماع خالف ذلك الحديث، فلم يقبله.\n_________\n(١) في نسخة: \"فاستأذنته\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"هنالك\".\n(٤) في نسخة: \"لم أسمع\".","vol":"8","page":373},{"text":"فَسَنَأخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَهَا ذَلِكَ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، قَالَ الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حَتَّى (١) ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قَالَتْ: فَأَيُّ أَمْرٍ يُحْدِثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟ \". [م ١٤٨٠، ن ٣٥٥٢]\n===\n(فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها) هو بكسر العين، أي بالثقة والأمر القوي الصحيح (فقالت فاطمة حين بلغها ذلك) أي قول مروان من رد حديثها: (بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) حتى) أي إلى قوله تعالى: (﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قالت) أي فاطمة: (فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟).\nقد احتجت فاطمة بنت قيس صاحبة القصة على مروان حين بلغها إنكاره بقولها: \"بيني وبينكم كتاب الله\"، وقرأت أول سورة الطلاق. وحاصل استدلالها أن قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ ورد في المطلقة الرجعية، فإنه تعالى يقول في آخر ذلك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، فالمراد بإحداث الأمر هو أن يلقي في قلبه الرغبة إليها فيراجعها. وهذا يدل على أن النهي عن الخروج والإخراج كانت في الطلاق الرجعي.\nفأما إذا طلقها ثلاثًا، أو أبانها، فما بقي له عليها من شيء حتى يحدث الله بعد الإبانة أمرًا، فقالت: هذا الحكم إذا كانت له عليها مراجعة.\nوأما إذا طلقها ثلاثًا، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ وإذا لم يكن لها نفقة، وليست حاملًا، فعلى ما تحبسونها في بيت الزوج، فيجوز لها الخروج؟ .\nوقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى: ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ المراجعة: قتادة، والحسن، والسُّدِّي، والضحاك، أخرجه الطبري (٣) عنهم،\n_________\n(١) في نسخة: \"بلغ\".\n(٢) سورة الطلاق: الآية ١.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٨/ ١٥٢).","vol":"8","page":374},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ، عن الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا الزُّبَيْدِيُّ فَرَوَى الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا: حَدِيثَ عُبَيْدِ اللهِ بِمَعْنَى مَعْمَرٍ، وَحَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ بِمَعْنَى عُقَيلٍ.\nوَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن الزُّهْرِيٍّ، أَنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤيبٍ حَدَّثَهُ بِمَعْنَى دَلَّ عَلَى خَبَرِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله\n===\nوحكى غيره أن المراد بالأمر ما يأتي من قِبل الله تعالى من نسخ أو تخصيص أو نحو ذلك، فلم ينحصر ذلك في المراجعة.\nوأما قولها: إذا لم تكن لها نفقة فعلى ما تحبسونها؟، فأجاب بعض العلماء عنه: بأن السكنى التي تتبعها النفقة هو حال الزوجية الذي يمكن معه الاستمتاع، ولو كانت رجعية، وأما السكنى بعد البينونة فهو حق لله تعالى، بدليل أن الزوجين لو اتفقا على إسقاط العدة لم تسقط بخلاف الرجعية، فدل على أن لا ملازمة بين السكنى والنفقة، وهذا الجواب على مذهب الشافعي - ﵀ -.\nوأما على مذهب الحنفية: فالإشكال ليس بوارد عليهم، فإنهم أوجبوا النفقة والسكنى، فلا يرد عليهم ما يرد على الشافعية.\n(قال أبو داود: وكذلك) أي كما روى معمر عن الزهري (رواه يونس عن الزهري، وأما الزبيدي) (١) أي محمد بن الوليد (فروى الحديثين جميعًا، حديثَ عبيد الله بمعنى حديث معمر، وحديثَ أبي سلمة بمعنى) حديث (عقيل) ولفظ حديث عبيد الله وحديث أبي سلمة منصوب بدل من لفظ \"الحديثين\".\n(ورواه) أي حديث فاطمة بنت قيس (محمد بن إسحاق، عن الزهري، أن قبيصة بن ذؤيب حدثه) أي الزهري (بمعنى دل على خبر عبيد الله بن عبد الله\n_________\n(١) رواية الزبيدي عن الزهري عن عبيد الله، أخرجه النسائي في \"سننه\" (٦/ ٦٢).","vol":"8","page":375},{"text":"حِينَ قَالَ: فَرَجَعَ قَبِيصَةُ إِلَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ (١).\n===\nحين قال) أي عبيد الله بن عبد الله: (فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره بذلك).\nحاصل هذا الكلام أن أبا داود أخرج أولًا حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس، أنها ذكرت قصة طلاقها، ثم قالت: فأبى مروان أن يصدق حديث فاطمة في خروج المطلقة من بيت زوجها، وهذا الحديث لا يدل إلَّا على أن مروان أنكر قبول حديثها، وأبى أن يصدقها، ولم يعلم منه أن فاطمة بنت قيس شافهت مروان بالحديث أو بلغه بالواسطة.\nثم أخرج حديث معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، وفيه تصريح بأن مروان أرسل قبيصة إلى فاطمة، فسألها قبيصة فأخبرته بقصتها، فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره بذلك، أي بما روته من القصة.\nثم قال أبو داود بعد تخريج رواية عقيل عن الزهري، ورواية معمر عن الزهري: بأن يونس روى هذا الحديث عن الزهري، ووافق معمرًا في روايته، ولم يوافق عقيلًا.\nوأما الزبيدي وهو من كبار أصحاب الزهري، فروى الحديثين، أي روى عن الزهري موافقًا لما روى معمر عن الزهري، عن عبيد الله، وأيضًا روى موافقًا لما روى عقيل عن الزهري، عن أبي سلمة.\nثم يقول أبو داود: إن هذا الحديث رواه محمد بن إسحاق، عن الزهري من حديث قبيصة بن ذؤيب أن قبيصة حدث الزهري موافقًا بمعنى دل هذا المعنى على صحة خبر عبيد الله بن عبد الله حين قال، أي عبيد الله بن عبد الله: \"فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره بذلك\".\nوحديث محمد بن إسحاق عن الزهري، أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يعقوب قال: حدثنا أبي،\n_________\n(١) في نسخة: \"ذلك\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٦/ ٤١٥)، وأيضًا أخرجه الطبراني في \"معجمه\" (٢٤/ ٩٢٧).","vol":"8","page":376},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن ابن إسحاق، قال: وذكر محمد بن مسلم الزهري، أنَّ قَبيصَة بن ذؤيب حدثه: \"أن بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وكانت فاطمة بنت قيس خالتها، وكانت عند عبد الله بن عمرو بن عثمان طلَّقها ثلاثًا، فبعثت إليها خالتها فاطمة بنت قيس فَنَقَلَتها إلى بيتها، ومروان بن الحكم على المدينة. قال قَبِيصَة: فبعثني إليها مروان، فسألتها ما حملها على أن تُخْرج امرأة من بيتها قبل أن تنقضي عدتها؟ قال: فقالت: لأن رسول الله - ﷺ - أمرني بذلك، قال: ثم قَصَّت عليَّ حديثها، ثم قالت: وأنا أُخُاصِمُكم بكتاب الله يقول الله ﷿ في كتابه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١)، ثم قال عز جل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، الثالثة: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِحُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢)، والله ما ذكر الله بعد الثالثة حبْسًا مَعَ ما أمرني به رسول الله - ﷺ -. قال: فرجعت إلى مروان، فأخبرته خَبَرها، فقال: حديث امْرأة، حديث امرأة، قال: ثم أمَرَ بالمرأة، فرُدَّتْ إلى بيتها حتى انقضت عدتها\".\nفالحاصل: أن حديث عقيل عن الزهري، وأحد حديثي الزبيدي فيهما اختصار وسقوط؛ لأنه لم يذكر فيهما أن مروان أخذ حديث فاطمة بنت قيس منها بواسطة قبيصة بن ذؤيب، وحديث معمر عن الزهري أتم منهما، فإنه يؤيده حديث يونس عن الزهري، وأحد حديثي الزبيدي، وكذلك يؤيده ما رواه محمد بن إسحاق عن الزهري أن قبيصة بن ذؤيب بنفسه حدث الزهري بمثل ما حدثه عبيد الله بن عبد الله، فهذه الطرق تقوي وترجح حديث معمر عن الزهري عن عبيد الله.\n_________\n(١) سورة الطلاق: الآية ١.\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣١.","vol":"8","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>(٤٠) بَابُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَة</span>\n٢٢٩١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَني أَبُو أَحْمَدَ (١)، نَا عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ، عن أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كُنْتُ في الْمَسْجِدِ الْجَامِح مَعَ الأَسْوَدِ فَقَالَ: أَتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْس عُمَرَ بْنَ الْخَظَابِ ﵁ فَقَالَ: مَا كُنَّا لِنَدَعَ (٢) كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنّةَ نَبِيِّنَا - ﷺ - لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ (٣) أَمْ لَا\". [م ١٤٨٠، ت ١١٨٠، ن ٣٥٤٩]\n===\n(٤٠) (بَابُ مَنْ أَنْكَرَ ذلِكَ)، أي: عدم وجوب نفقة المبتوتة وسكناها على زوجها وجواز خروجها وانتقالها من البيت (عَلَى فَاطِمَة) أي بنت قيس\n٢٢٩١ - (حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد) الزبيري، (نا عمار بن رزيق) بتقديم الراء على الزاي، (عن أبي إسحاق قال: كنت في المسجد الجامع) أي في الكوفة (مع الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي (فقال) أي الأسوفى: (أتت فاطمة بنت قيس عمر بن الخطاب - ﵁ -)، فلعلها قالت له: إن النبي - ﷺ - لم يجعل لي نفقة ولا سكنى وكنت مبتوتة (فقال) أي عمر: (ما كنا لندع كتاب ربنا وسنَّة نبينا) أي حكمها القول امرأة، لا ندري أحفظت أم لا).\nوقد أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٤): ثنا علي بن عاصم، قال حسين بن عبد الرحمن: ثنا عامر، عن فاطمة بنت قيس: \"أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، فأتتِ النبي - ﷺ - تَشْكُو إليه، فلم يجْعلْ لها سُكنى ولا نفقة. قال عمر بن الخطاب: لا نَدَع كتاب الله ﷿ وسنَّة نبيه - ﷺ - لقول امرأة لعلها نَسِيَت\"، قال: \"قال عامر: وحدثتْني أن رسول الله - ﷺ - أمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الزبير\".\n(٢) في نسخة: \"ندع\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ذلك\".\n(٤) \"مسند أحمد\" (٦/ ٤١٥).","vol":"8","page":378},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد أخرج الطحاوي (١) هذا الحديث بسند أبي داود، عن أبي إسحاق أطول منه قال: كنت عند الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فذكروا المطلقة ثلاثًا، فقال الشعبي: حدثتْني فاطمة بنت قيس أن رسول الله - ﷺ - قال لها: \"لا سُكنى لكِ ولا نفقة\"، قال: فرماه الأسود بحصاة، قال: ويلك، أتحدث بمثل هذا؟ قد رُفِعَ ذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال: لسنا بتاركي كتاب ربنا وسنَّة نبينا - ﷺ - بقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ الآية (٢).\nوأخرج بسنده عن الشعبي عن فاطمة عن النبي - ﷺ - أنه لم يجعل لها حين طلقها زوجها سكنى ولا نفقة، فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: قد رفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: \"لا نَدع كتاب ربنا ﷿ وسنَّة نبينا - ﷺ - لقول امرأة، لها السكنى والنفقة\".\nثم أخرج عن إبراهيم، عن عمر، وعبد الله أنهما كانا يقولان: \"المطلقة ثلاثًا لها السكنى والنفقة\".\nثم أخرج بسنده عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها ثلاثًا، فأتت النبي - ﷺ - فقال: \"لا نفقة لكِ ولا سكنى\". قال: فأخبرت بذلك النخعي، فقال: قال عمر بن الخطاب، وأُخبر بذلك: لسنا بتاركي آية من كتاب الله تعالى وقول رسول الله - ﷺ - لقول امرأة، لعلها أوهمت، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لها السكنى والنفقة\".\nوهذا الحديث نص صريح على خلاف ما حدثت فاطمة من عدم وجوب النفقة والسكنى للمبتوتة على زوجها، وقد بالغ في التشنيع على هذا الحديث ابن القيم في \"هديه\" (٣)، فقال: نحن نشهَدُ بالله شهادةً نُسألُ عنها إذا لقيناه،\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٦٧ - ٦٨).\n(٢) سورة الطلاق: الآية ١.\n(٣) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٣٩).","vol":"8","page":379},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأن هذا كذبٌ على عُمَرَ - ﵁ -، وكذب على رسول الله - ﷺ -، وينبغي أن لا يَحمِلَ الإنسانُ فرطُ الانتصارِ للمذاهب والتعصب لها على معارضة سنن رسول الله - ﷺ - الصحيحةِ الصريحةِ بالكذب البحت، فلو يكونُ هذا عند عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، لخَرِسَت فَاطمة وذووها. ولم يبرزوا (١) بكلمة إلى آخر ما قال.\nقلت: وأنا متعجب من جرأة الشيخ ابن القيم على رد الحديث المعتبر الثابت عن عمر عن رسول الله - ﷺ -، فكما أن الكذب على رسول الله - ﷺ - حرام، فكذلك تكذيب الحديث الصحيح الثابت، وهذا هو فرط الانتصار منه للمذهب والتعصب له. حمله على تكذيب حديث رسول الله - ﷺ -، والذي قاله من القرينة: بأنه لو كان هذا عند عمر - ﵁ - لَخَرِسَت فاطمة ولم تبرز بكلمة سخيف جدًا، فإن ما سمعته من في رسول الله - ﷺ - وحفظت منه وإن كان أوهمت فيه أو دخله النسيان والغلط أقوى عندها مما سمعته بواسطة عمر - ﵁ -، فكيف تخرس بالسماع من عمر.\nوليس في هذا الحديث قدح، إلَّا أنه منقطع عن النخعي عن عمر، فإن كان النخعي هذا هو الأسود بن يزيد فلا انقطاع فيه، كما لا يخفى على الواقف على طبقات الرجال.\nويدل عليه ما تقدم من حديث الطحاوي عن أبي إسحاق السبيعي قال: كنت عند الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، وذكر حديث فاطمة بنت قيس أن لا سكنى ولا نفقة لها، قال: فرماه الأسود بحصاة، الحديث.\nوهذا يدل على أن الشعبي أخبر الأسود بحديث فاطمة بنت قيس، والأسود رده بحديث عمر بن الخطاب.\n_________\n(١) قوله: \"لم يبرزوا\" كذا في الأصل، وفي \"زاد المعاد\": \"لم ينسبوا\".","vol":"8","page":380},{"text":"٢٢٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (١)، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"لَقَدْ عَابَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ ﵂ أَشَدَّ العَيْب - يَعْنِي حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ- وَقَالَتْ:\n===\nوإن كان النخعي هو إبراهيم النخعي فهو منقطع، وإبراهيم النخعي وإن كان لم يدرك عمر إلَّا أن مراسيله صحيحة إلَّا حديثين، كذا قال ابن معين، وليس هذا الحديث منهما.\nوقال صاحب \"التمهيد\" في أوائله (٢): مراسيل النخعي صحيحة. ثم ذكر بسنده عن الأعمش، قلت للنخعي: إذا حدثتني حديثًا فأَسْنِدْه، فقال: إذا قلت: \"عن عبد الله\"، فاعلم أنه عن غير واحد عنه، وإذا سميمت لك أحدًا فهو الذي سميت.\nقال أبو عمر: في هذا ما يدل على أن مراسيله أقوى من مسانيده، وقال في موضع آخر: مراسيله عن ابن مسعود وعمر صحاح كلها، وما أرسل منها أقوى من الذي أسند، حكاه يحيى القطان وغيره.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣): قال الحافظ أبو سعيد العلائي: هو مكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود، فعلى هذا الحديث صحيح على تصريح جمع من المحدثين من أهل الجرح والتعديل، وبطل تكذيب الشيخ ابن القيم.\n٢٢٩٢ - (حدثنا سليمان بن داود، أنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال) أي عروة: (لقد عابت ذلك عائشة - ﵂ - أشد العيب، يعني) تفسير لاسم الإشارة في قوله: \"عابت ذلك\" (حديث فاطمة بنت قيس)، أي: أنكرت حديث فاطمة أشد الإنكار (وقالت)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المهري\".\n(٢) \"التمهيد\" (١/ ٣٠).\n(٣) (١/ ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"8","page":381},{"text":"إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ في مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِك رَخَّصَ (١) لَهَا رسول اللهِ - ﷺ -\". [خ ٥٣٢٧ - ٥٣٢٨، جه ٢٠٣٢]\n٢٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عن أَبِيهِ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: \"أَنَّهُ قِيلَ لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى قَوْلِ فَاطِمَةَ؟ قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَا خَيْرَ لَهَا في ذِكْرِ ذَلِكَ\". [خ ٥٣٢٥ - ٥٣٢٦، م ١٤٨١]\n٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زيدٍ (٢)، نَا أَبِي، عن سُفْيَانَ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ في خُرُوجِ فَاطِمَةَ قَالَ:\n===\nأي عائشة - ﵂ -: (إن فاطمة كانت في مكان وحش) أي خلاء لا ساكن به، (فخيف على ناحيتها) أي جانبها، (فلذلك رخص لها) أي لفاطمة الانتقال من بيتها في عدَّتها (رسول الله - ﷺ -)، تعني أنه كان واجبًا عليها أن تسكن بيتها التي طلقت فيه أيام عدتها، ولكن أذن لها في الخروج للعذر، وهو الخوف عليها من الاقتحام واستطالة لسانها، ولا مخالفة فيه، بأنه وجد الأمران، فذكر بعضهم هذا وبعضهم ذلك.\n٢٢٩٣ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) أي القاسم بن محمد، (عن عروة بن الزبير أنه) الضمير للشأن (قيل لعائشة: ألم تَرَيْ إلى قول فاطمة؟) أي قولها: أن لا نفقة ولا سكنى للمبتوتة، بل لها أن تسكن حيث شاءت، (قالت: أما إنه لا خير لها في ذكر ذلك)، فإنها تذكر على وجه يقع الناس منه في الخطأ.\n٢٢٩٤ - (حدثنا هارون بن زيد، نا أبي، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار في خروج فاطمة) أي من بيت الزوج (قال)\n_________\n(١) في نسخة: \"أرخص\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن أبي الزرقاء\".","vol":"8","page":382},{"text":"\"إِنَّمَا كَانَ ذَلكَ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ\". [ق ٧/ ٤٣٣]\n٢٢٩٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ (١) عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَتَّةَ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ لَهُ: اتَّقِ الله وَارْدُدِ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا،\n===\nأي سليمان بن يسار: (إنما كان ذلك) أي خروجها من بيت زوجها (من) أجل (سوء الخلق) أي من استطالة لسانها على أحمائها، فكانت تؤذي، فأذن لها بالخروج.\n٢٢٩٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار أنه) يحيى بن سعيد (سمعهما) أي القاسم بن محمد وسليمان بن يسار (يذكران أن يحيى بن سعيد بن العاص) الأموي، كان أخا عمر بن سعيد الأشدق، وكان عبد الملك بن مروان حين قتل أخاه الأشدق سيَّره إلى المدينة، فلحق بابن الزبير، ثم آمنه عبد الملك بعد قتل ابن الزبير.\n(طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم البتة)، قال الزرقاني (٢): قال في المقدمة: هي عمرة فيما أظن (فانتقلها) أي نقلها أبوها (عبد الرحمن) بن الحكم (فأرسلت عائشة - ﵂ -) حين أخبرت بنقل عمرة (إلى مروان بن الحكم) عم عمرة (وهو أمير المدينة) أي من جهة معاوية (فقالت له) أي لمروان: (اتق الله) يا مروان في نقل عمرة، فإنه لا يحل أن تنتقل المطلقة من بيت زوجها، بل يجب عليها أن تعتد في بيت زوجها، (واردد المرأة إلى بيتها) تعتد فيه.\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنة\".\n(٢) \"شرح الزرقاني\" (٣/ ٢٠٦).","vol":"8","page":383},{"text":"فَقَالَ مَرْوَانُ في حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ غَلَبَنِي.\nوَقَالَ مَرْوَانُ في حَدِيثِ الْقَاسِم: أَوَ مَا بَلَغَكِ شَأنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا يَضُرُّكَ أَن لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ فَحَسْبُكِ مَا كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ. [خ ٥٣٢١ - ٥٣٢٢، م ١٤٨١ مختصرًا]\n٢٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ (١)، نَا زُهَيْرٌ، نَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، نَا مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ قَالَ: \"قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ\n===\n(فقال مروان) في جواب عائشة - ﵂ - (في حديث سليمان) بن يسار: (إن عبد الرحمن غلبني) فلم أقدر على منعها، (وقال مروان في حديث القاسم) في جواب عائشة: (أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس) حيث انتقلت من بيت زوجها ولم تعتد فيه؟ (فقالت عائشة) لمروان: (لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة)؛ لأنه لا حجة فيه على التعميم؛ لأنه كان نقلها لعلة، وما كان لعلة لا يعم بل يكون مختصًا بمحل يوجد العلة فيه.\n(فقال مروان) أي لعائشة - ﵂ -: (إن كان بك الشر) أي إن كان عندك أن سبب خروج فاطمة بنت قيس ما وقع بينها وبين أقارب زوجها من الشر (فحسبك) أي يكفيك في جواز انتقال عمرة (ما كان بين هذين) أي عمرة وزوجها يحيى بن سعيد (من الشر) المجوز للانتقال، ولعل هذا الشر الذي وقع بين عمرة وزوجها يحيى بن سعيد لم يبلغ بمثابة أن يكون علة لجواز الانتقال من بيت زوجها.\n٢٢٩٦ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس، (نا زهير، نا جعفر بن برقان، نا ميمون بن مهران قال: قدمت المدينة) أي من\n_________\n(١) في نسخة: \"يونس بن عبد الله\".","vol":"8","page":384},{"text":"فَدُفِعْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقُلْتُ: فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ طُلِّقَتْ، فَخَرَجَت مِنْ بَيتِهَا، فَقَالَ (١) سَعِيدٌ: تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ، إِنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً فَوُضِعَتْ عَلَى يَدَي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>(٤١) بَابٌ: في الْمَبْتُوتَة تَخْرُجُ بِالنَّهارِ</span>\n٢٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ (٢)،\n===\nالرقة (فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: فاطمة بنت قيس طلقت، فخرجت من بيتها)، فهذا دليل على أن المبتوتة جاز لها الخروج من بيت زوجها في العدة. (فقال سعيد: تلك) أي فاطمة بنت قيس (امرأة فتنت الناس) أي أوقعت الناس في الفتنة بحديثها، (إنها كانت لَسِنةً) تؤذي الناس بلسانها (فوُضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى).\nوهذا الحديث أخرجه الطحاوي (٣) أطول منه: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا معاوية الضرير، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: قلت لسعيد بن المسيب: أين تعتد المطلقة ثلاثًا؟ فقال: في بيتها، فقلت له: أليس قد أمر رسول الله - ﷺ - فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم؟ فقال: تلك المرأة فتنت الناس، واستطالت على أحمائها بلسانها، فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وكان رجلًا مكفوف البصر.\n(٤١) (بَابٌ: في الْمَبْتُوتَةِ) أي البائنة أو المطلقة ثلاثة (تَخْرُجُ بالنَّهَارِ) وبالليل تبيت في بيت زوجها في العدة\n٢٢٩٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج،\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: (قال).\n(٣) (شرح معاني الآثار) (٣/ ٦٩).","vol":"8","page":385},{"text":"أَخْبَرَنِي (١) أَبُو الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُدُّ (٢) نَخْلًا لَهَا، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ فَنَهَاهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: \"اخْرُجِي فَجُدِّي (٣) نَخْلَكِ، لَعَلَّكِ أَنْ تَصدَّقِي مِنْهُ، أَوْ تَفْعَلِي (٤) خَيْرًا\". [م ١٤٨٣، ن ٣٥٥٢، جه ٢٠٣٤، حم ٣/ ٣٢١، دي ٢٢٨٨]\n===\nأخبرني أبو الزبير، عن جابر قال: طلقت خالتي ثلاثًا) لم أقف على تسميتها، وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٥): ذكرها أبو موسى في \"ذيل الصحابة\" في المبهمات، (فخرجت تَجُدُّ نخلًا لها) أي تقطع ثمرة نخلها (فلقيها رجل) لم أقف على تسميته (فنهاها) عن الخروج لجداد النخل في العدة.\n(فأتت النبي - ﷺ -، فذكرت ذلك له) أي قصة خروجها إلى جداد النخل ونهي الرجل عن الخروج، (فقال) أي رسول الله - ﷺ - (لها: اخرجي (٦) فَجُدِّي نخلك، لعلك أن تصدقي منه) بحذف إحدى التائين (أو تفعلي خيرًا) أي معروفًا من التطوع والهدية والإحسان إلى الجيران ونحوها.\nفإن قلت: ما وجه الفرق بين التصدق وفعل المعروف، والحال أن فعل المعروف شامل للتصدق أيضًا؟\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرنا\".\n(٢) في نسخة: \"تجذ\".\n(٣) في نسخة: \"فجذي\".\n(٤) في نسخة: \"وتفعلي\".\n(٥) \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٥٠٩).\n(٦) قال ابن رسلان: في الحديث دليل لمالك والشافعي وأحمد أن المعتدة تخرج لقضاء الحاجة، وإنما تلزم بالليل، وسواء عند مالك رجعية كانت أو بائنة، وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلًا ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة، وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأما المطلقة فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا، انتهى.\nقال صاحب \"الهداية\" (٢/ ٢٧٩ - ٢٩٠): لأن نفقتها على الزوج بخلاف المتوفى عنها إذ لا نفقة لها. (ش).","vol":"8","page":386},{"text":"(٤٢) بَابُ نَسْخِ مَتَاعِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا (١) بِمَا فُرِضَ لَهَا مِنَ الْمِيرَاثِ\n===\nقلت: لعل وجه الفرق بينهما أن يكون المراد بالتصدق الصدقة الواجبة إذا بلغ نصابًا، والمراد بفعل المعروف التطوعات.\nقال الشوكاني (٢): وظاهر إذنه - ﷺ - لها بالخروج لجد النخل، يدل على أنه يجوز لها الخروج لتلك الحاجة، ولما يشابهها بالقياس.\nوقد بوَّب النووي لهذا الحديث فقال: \"باب جواز خروج المعتدة البائن من منزلها في النهار للحاجة إلى ذلك ولا يجوز لغير الحاجة\"، وقد ذهب إلى ذلك علي - ﵁ -، وأبو حنيفة، والقاسم، والمنصور بالله، ويدل على اعتبار الغرض المديني أو الدنيوي تعليله - ﷺ - ذلك بالصدقة أو فعل الخير.\nولا معارضة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٣) الآية، بل الحديث مخصص لذلك العموم المشعور به من النهي، فلا يجوز الخروج إلَّا للحاجة لغرض من الأغراض.\nوذهب الثوري، والليث، ومالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم، إلى أنه يجوز لها الخروج في النهار مطلقًا؛ وتمسكوا بظاهر الحديث، وليس فيه ما يدل على اعتبار الحاجة، وغايته اعتبار أن يكون الخروج لقربة من القرب كما يدل على ذلك آخر الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>(٤٢) (بَابُ نَسْخِ مَتَاعِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِمَا فُرِضَ لَهَا مِنَ الْمِيرَاثِ)</span>\nأي كان للمتوفى عنها زوجها قبل نزول الميراث أن يوصي لها الزوج بطعامها وكسوتها وسكناها وما تحتاج إليه إلى تمام السنة، فنسخ ذلك الحكم بما جعل لها من الميراث\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"زوجها\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٩٩).\n(٣) سورة الطلاق: الآية ١.","vol":"8","page":387},{"text":"٢٢٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فَنُسِخَ ذَلِكَ بآيةِ الْمِيرَاثِ بِمَا فَرَضَ (١) لَهُنَّ مِنَ الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ، وَنُسِخَ أَجَلُ الْحَوْلِ بَأَنْ جُعِلَ أَجَلُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. [ن ٣٥٤٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>(٤٣) بَابُ إِحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا</span>\n===\n٢٢٩٨ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس) أي في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً﴾) أي: فليوصوا وصية (﴿لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا﴾) أي: متعوهن متاعًا، (﴿إِلَى﴾) تمام (﴿الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾) (٢) أي كان الواجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم أن يمتعن ولا يخرجن (فنسخ ذلك بآية الميراث بما فرض لهن من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرًا).\nفالحاصل أن الآية الأولى كان فيها حكمان: أولهما: وجوب الوصية على الأزواج بتمتيعهن إلى الحول، وثانيهما: الحكم بعدم إخراجها من البيت إلى الحول، فالحكم الأول نسخ بما جعل لهن الميراث من الربع والثمن، وثانيهما نسخ بما جعل لها من الاعتداد بأربعة أشهر وعشر ليال.\n\n(٤٣) (بَابُ إِحْدَادِ (٣) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا)\nوالإحداد: الحزن على موت الزوج، ولبس ثياب الحزن، وترك الزينة، وأنكر الأصمعي الثلاثي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الله\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٤٠.\n(٣) قال العيني: هو واجب بإجماع العلماء. (ش). (انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٩٢).","vol":"8","page":388},{"text":"٢٢٩٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عن حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عن زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَة، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بهَذِهِ الأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ. قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ حِنَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فيِهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ،\n===\n٢٢٩٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة) ربيبة النبي - ﷺ -، (أنها) أي زينب (أخبرته) أي حميد بن نافع (بهذه الأحاديث الثلاثة، قالت زينب: دخلت على أم حبيبة) بنت أبي سفيان زوج النبي - ﷺ - (حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه صفرة).\nوهكذا في \"البخاري\" في \"باب تُحِدُّ المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا\"، وأخرج البخاري (١) في الجنائز من طريق أيوب بن موسى [قال:] أخبرني حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة قالت: \"لما جاء نعي أبي سفيان من الشام\". قال الحافظ (٢): وفي قوله: \"من الشام\" نظر؛ لأن أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم (٣) بالأخبار، والجمهور على أنه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلَّا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنها وهمًا، وكنت أظن أنه حذف منه لفظ \"ابن\"؛ لأن الذي جاء نعيه من الشام، وأم حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميرًا على الشام.\n(خلوق أو غيره) يحتمل: أن يكون لفظ \"خلوق\" ولفظ \"غيره\" مرفوعان بدلًا من \"صفرة\"، قال في \"المجمع\" (٤): فدعت بصفرة: هي نوع من الطيب فيه صفرة، ولفظ \"غيره\" عطف على خلوق.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٢٨٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٧).\n(٣) لكن قال العيني: هذا مجرد دعوى وليس بصحيح، انتهى. (ش). (انظر: \"عمدة القاري\" ٦/ ٩٠، ٩١).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٣٣).","vol":"8","page":389},{"text":"فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيب مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا\"\n===\nويحتمل: أن يكون لفظ \"صفرة\" مضافًا إلى \"خلوق\"، ولفظ \"غيره\" عطف عليه مجرور.\nويحتمل: أن يكون خلوق بدلًا من طيب، فعلى هذا معنى الكلام: فدعت بطيب فيه صفرة، أي صفرة لون خلوق مجرورًا، وكذا لفظ \"غيره\"، أما الإضافة فلأبي ذر، وأما الرفع فلغير أبي ذر، قاله القسطلاني (١).\n(فدهنت منه جارية) لم أقف على اسمها، قاله القسطلاني (ثم مَسَّتْ بعارضيها) أي مسحت أم حبيبة بجانبي وجه نفسها، والظاهر أنها جعلت الصفرة في يدها، ومسحتها بعارضيها، والباء للإلصاق.\n(ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة)؛ لأن رسول الله - ﷺ - توفي فلا تحتاج إذًا إلى التزين بالطيب (غير أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله (٢) واليوم الآخر أن تحد على ميت) سواء كان قريبًا أو أجنبيًا (فوق ثلاث ليال إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا\").\nوهذا الحديث يدل على حرمة الإحداد للنساء على ميت، سواء كان أباها أو ابنها أو أخاها؛ إلا أن التقييد بقوله: \"فوق ثلاث\" (٣) يدل على أن الإحداد يباح لها في تلك المدة، ولكن لا يجب لها الإحداد في تلك المدة، فلو دعاها زوجها إلى الجماع لا يحل لها الامتناع.\n_________\n(١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٢١).\n(٢) قال العيني (٦/ ٩٢): فيه حجة للحنفية أنه لا يجب الإحداد على الزوجة الذمية؛ لأنه قيد ذلك بقوله: \"لامرأة تؤمن بالله\". (ش).\n(٣) قال الحلبي: يجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام، وهو خلاف الأولى، ويكره في المسجد ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":390},{"text":"قَالَتْ زينَبُ: وَدَخَلْتُ عَلَى زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيب مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمَنْبَرِ: \"لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا\"\n===\n(قالت زينب) بنت أبي سلمة: (ودخلت على زينب بنت جحش) أم المؤمنين (حين توفي أخوها) (١) حكى القسطلاني (٢) عن \"فتح الباري\": سمي أخوها في بعض \"الموطآت\" عبد الله، وكذا هو في \"صحيح ابن حبان\" من طريق أبي مصعب، لكن المعروف أن عبد الله بن جحش قتل بأُحد شهيدًا، وزينب بنت أبي سلمة يومئذ طفلة، فيستحيل أن تكون دخلت على زينب بنت جحش في تلك الحالة، ويجوز أن يكون عبيد الله المصغر، فإن دخول زينب بنت أبي سلمة عند بلوغ الخبر بوفاته كان وهي مميزة.\n(فدعت بطيب، فمست منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو على المنبر: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا\")، أي مع أيامها كما قاله الجمهور، فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشر.\nوقيل: الحكمة في هذا العدد أن الولد يتكامل تخليقه، وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط.\n_________\n(١) وفي \"العرف الشذي\" (ص ٤١٩): وفي القصص المذكورة في حديث الباب كلام طويل، وأما في قصة زينب بنت جحش فإشكال، ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٤٧)، بأن إخوتها كانوا ثلاثة، مات أحدهم نصرانيًا بالحبشة، والثاني مات صحابيًا قبل نكاحها بالنبي - ﷺ -، والثالث عاش بعدها، وعندي في دفع الاضطراب كلام. (ش).\n(٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٢٢).","vol":"8","page":391},{"text":"قَالَتْ زينَبُ: وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ لسَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّي زَوْجُهَا عَنْهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا (١) فَنَكْحَلُهَا (٢)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا\" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: \"لَا\"،\n===\n(قالت زينب) أي بنت أبي سلمة وهذا هو الحديث الثالث: (وسمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة) اسمها عاتكة بنت نعيم بن عبد الله بن النحام (إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي زوجها عنها) ولم أقف على تسمية البنت، وأما زوجها فهو المغيرة المخزومي، ولم يعرف اسم أبيه.\n(وقد اشتكت عينها) ووقع في بعض الروايات: \"عيناها\"، قال ابن دقيق العيد: يجوز في لفظ العين وجهان: ضم النون على الفاعلية على أن تكون هي المشكتية، وفتحها على أن يكون في \"اشتكت\" ضمير الفاعل وهي المرأة. وما وقع في بعض الروايات بالتثنية فهو يرجح الضم، وهي في \"مسلم\"، وعلى الضم اقتصر النووي، ورجح المنذري النصب. وقال الحريري: إنه الصواب، وإن الرفع لحن.\nقال في \"دُرَّة الغواص\": لا يقال: اشتكت عين فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلان عينه؛ لأنه هو المشتكي لا هي، انتهى. ورد عليه برواية التثنية المذكورة، إلَّا أن يجيب بأنه على لغةِ من يُعرب المثنى في الأحوال الثلاث بحركات مقدرة.\n(فنكحلها؟) بتقدير همزة الاستفهام، وفي رواية \"البخاري\" بإظهارها (فقال رسول الله - ﷺ -: لا) أي: لا تكحلها (مرتين أو ثلاثًا) أَي سألته مرتين أو ثلاثًا (كل ذلك يقول: لا) أي: يقول رسول الله - ﷺ - لها في كل ذلك المرات: لا،\n_________\n(١) في نسخة: \"عينيها\".\n(٢) في نسخة: \"أفنكحلها\".","vol":"8","page":392},{"text":"ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأسِ الْحَوْلِ\".\nقَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِى بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّىَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ،\n===\nتأكيدًا للمنع، أو يقال: قال رسول الله - ﷺ - ذلك أي لفظ \"لا\" مرتين أو ثلاثًا في كل مرة يقول: لا، تأكيدًا للمنع.\nقال الحافظ (١): قال النووي: فيه دليل على تحريم الاكتحال على العادة، سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في \"الموطأ\" وغيره: \"أجعليه بالليل وامسحيه بالنهار\"، ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإن احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه.\n(ثم قال رسول الله - ﷺ -: إنما هي) أي العدة الشرعية (أربعة أشهر وعشرًا)، وفي نسخة: \"عشر\"، وهو الأوفق بالقواعد، وأما النصب فعلى حكاية لفظ القرآن العظيم، (وقد) الواو للحال (كانت إحداكن في الجاهلية) إذا كان توفي عنها زوجها (ترمي بالبعرة على رأس الحول)، والبعرة: رجيع ذي الخف والظلف.\n(قال حميد: فقلت لزينب) بنت أبي سلمة: (وما) المراد بقوله - ﷺ -: (ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة) في الجاهلية (إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا) بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها شين معجمة: بيت صغير جدًا، (ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا) مما فيه الزينة (حتى تمر بها سنة) من وفاة زوجها، (ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر) ثلاثتها مجرورة على البدلية من لفظ \"دابة\" (فتفتض به) أي تكسر ما هي فيه من\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٨).","vol":"8","page":393},{"text":"فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَىْءٍ إلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِى بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ\". [خ ٥٣٣٤، ٥٣٣٥، ٥٣٣٦، م ١٤٨٦، ١٤٨٧، ١٤٨٨، ت ١١٩٧، ن ٣٥٠٠، جه ٢٠٨٤، حم ٦/ ٢٩١، دي ٢٢٨٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْحِفْشُ بَيْتٌ صَغِيرٌ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>(٤٤) بَابٌ: في الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَنْتقِل</span>؟\n٢٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن سَعِيدِ (٢) بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عن عَمَّتِهِ زينَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ:\n===\nالعدة بدابة، تمسح بها جسدها أو قبلها. (فقلَّما تفتضُّ بشيء) من الدواب المذكورة (إلَّا مات) ذلك الطائر وغيره (ثم تخرج) أي من حفشها (فتُعطى) بضم الفوقية وفتح الطاء (بعرة فترمي بها) أي: أمامها، فتكون ذلك إحلالًا لها، كذا في رواية ابن الماجشون عن مالك، وفي رواية ابن وهب: \"من وراء ظهرها\" (ثم تراجع) على صيغة المعلوم (بعد) أي بعد ما ذكر من الافتضاض والرمي (ما شاءت من طيب أو غيره) بما كانت ممنوعة منه في العدة.\n(قال أبو داود: الحفش بيت صغير).\n\n(٤٤) (بَابٌ: فِي) المرأة (الْمُتَوَفَّى عَنْهَا) زوجها (تَنْتَقِلُ؟)\nأي: هل تنتقل من بيتها الذي طلقت (٣) فيه؟\n٢٣٠٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة) الأنصارية زوج أبي سعيد الخدري، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، وذكرها ابن الأثير\n_________\n(١) في نسخة: \"البيت الصغير\".\n(٢) \"سعيد\" كذا في المجتبائية بالتحتانية وهو تحريف، والصواب سعد (انظر: \"تهذيب الكمال\" رقم ٢١٨٥).\n(٣) هذا وهم، والصحيح: الذي تأيمت فيه.","vol":"8","page":394},{"text":"أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ- وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ-، \"أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِى بَنِى خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِى طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِى فَإِنِّى لَمْ يَتْرُكْنِى فِى مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ. قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَعَمْ\"،\n===\nوابن فتحون في الصحابة (أن الفريعة) مصغرًا (بنت مالك بن سنان- وهي أخت أبي سعيد الخدري-) أنصارية شهدت بيعة الرضوان، (أخبرتها) أي زينب بنت كعب بن عجرة (أنها) أي الفريعة (جاءت إلى رسول الله - ﷺ - تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبَقوا حتى إذا كانوا) أي العبيد (بطرف القدوم).\nقال ابن الأثير (١): بالتخفيف والتشديد، موضع على ستة أميال من المدينة، وقال في \"القاموس\": جبل بالمدينة، وقال في \"معجم البلدان\" (٢): والقدوم: اسم جبل بالحجاز قرب المدينة، وفي حديث فريعة بنت مالك قالت: \"خرج زوجي في طلب أعلاج له إلى طرف القدوم\"، قال: وأما قدوم بتشديد الدال، أنبأنا محمد بن عبد الملك بسنده عن أبي العباس أحمد بن يحيى يقول: القدُّوم بتشديد الدال: اسم موضع. قال أبو بكر بن موسى: إن أراد أبو العباس أحد هذين الموضعين الذين ذكرناهما فلا يتابع على ذلك لاتفاق أئمة النقل على خلافه، وإن أراد موضعًا ثالثًا صح ما قاله، ويكون تمام الباب.\n(لحقهم) أي الأعبد (فقتلوه، فسألت رسول الله - ﷺ - أن أرجع إلى أهلي) أي أهل بيت أبي (فإني لم يتركني) زوجي (في مسكن يملكه ولا في نفقة) أي لم يتركني في نفقة، (قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: نعم) ارجعي إلى أهلك.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٢٧).\n(٢) \"معجم البلدان\" (٤/ ٣١٢).","vol":"8","page":395},{"text":"قَالَتْ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِى الْحُجْرَةِ (١) أَوْ فِى الْمَسْجِدِ دَعَانِى، أَوْ أَمَرَ بِى فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: \"كَيْفَ قُلْتِ\"؟ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِى ذَكَرْتُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِى، قَالَتْ: فَقَالَ: «امْكُثِى فِى بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ\".\nقَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَىَّ فَسَأَلَنِى عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ\".\n[ت ١٢٠٤، ن ٣٥٢٩، جه ٢٠٣١، حم ٦/ ٣٧٠]\n===\n(قالت: فخرجت) من عند رسول الله - ﷺ - (حتى إذا كنت في الحجرة أو) للشك من الراوي (في المسجد دعاني) أي ناداني رسول الله - ﷺ - بنفسه (أو) للشك من الراوي أي أو قالت: (أمر بي فدعيت له، فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت) أي ذكرتها له أولًا (من شأن زوجي) أنه قُتِل، ولم يترك لي مسكنًا ولا نفقة، وإني في دار من دور الأنصار شاسعة من دار أهلي.\n(قالت: فقال) رسول الله - ﷺ -: (امكثي في بيتك) الذي جاء فيه نعي زوجك (حتى يبلغ الكتاب) أي المكتوب من العدة (أجله) بأن ينتهي، (قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان) أي زمان خلافته (أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته) بالقصة وبقضاء رسول الله - ﷺ - في ذلك (فاتبعه وقضى به).\nوقد استدل بهذا الحديث على أن المتوفى عنها تعتدُّ في المنزل الذي بلغها نعي زوجها، وهي فيه، ولا تخرج منه إلى غيره؛ وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي وأصحا بهم، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد.\nقال ابن عبد البر: وقد قال بحديث الفريعة جماعة من فقهاء الأمصار\n_________\n(١) في نسخة: \"الحجر\".","vol":"8","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>(٤٥) بَابُ مَنْ رَأَى التَّحَوُّلَ</span>\n٢٣٠١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ،\n===\nبالحجاز، والشام، والعراق، ومصر، ولم يطعن فيه أحد منهم، وقد روي جواز خروج المتوفى عنها للعذر عن جماعة، منهم: عمر، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم.\nفإن قلت: إن هذا الحديث يدل دلالة ظاهرة على أنه لا يجوز لها الخروج، وإن كان بعذر، فإن رسول الله - ﷺ - لم يلتفت إلى عذرها، ومع عذرها لم يأذن لها في الخروج (١).\nقلت (٢): فرق بين الانتقال والخروج، فإن رسول الله - ﷺ - لم يأذن لها في الانتقال من المكان الذي أتاها نعي زوجها، وأما الخروج منه نهارًا والمبيت فيه بالليل، فلم يمنع عنه رسول الله - ﷺ -، وروي الإذن فيه عن الصحاية - ﵃-، فيجوز ذلك بأن تخرج في النهار وتبيت بمنزلها في الليل.\n\n(٤٥) (بَابُ مَنْ رَأَى التَّحَوُّلَ)\nأي: من رأى للمعتدة أن تتحول من بيت زوجها إلى غيره\n٢٣٠١ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، نا موسى بن مسعود) أبو حذيفة النهدي بفتح النون البصري، قال أبو أحمد: أبو حذيفة شِبْهٌ لا شيء، وقال بندار: موسى بن مسعود ضعيف في الحديث، كتبت عنه كثيرًا ثم تركته، وقال الترمذي: يضعف في الحديث، وقال الفلاس: لا يحدث عنه من يبصر الحديث، وقال ابن خزيمة: لا يحتجُّ به، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن قانع: فيه ضعف، وقال الحاكم أبو عبد الله: كثير الوهم سيِّئ الحفظ، وقال الساجي: كان يُصَحِّفُ وهو ليِّنٌ.\nوقال الدارقطني: قد أخرج له البخاري، وهو كثير الوهم، تكلموا فيه،\n_________\n(١) والخروج جائز عندنا للمتوفى عنها لا المبتوتة كما في \"الهداية\" (١/ ٢٧٩). (ش).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" (١٨/ ١٨٥).","vol":"8","page":397},{"text":"نا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: \"نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾\n===\nوقال ابن محرز عن ابن معين: لم يكن من أهل الكذب (١)، فقيل له: إن بندارًا يقع فيه، قال يحيى: هو خير من بندار، ومنْ ملء الأرض مثله، وقال العجلي: ثقة صدوق، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صدوق، معروف بالثوري، ولكن كان يصحف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ثقة إن شاء الله تعالى، وكان حسن الرواية عن عكرمة بن عمار والثوري وزهير بن محمد.\n(نا شبل) بن عباد المكي القاري، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والدارقطني، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن ابن أبي نجيح) أي عبد الله (قال: قال عطاء) أي: ابن أبي رباح: (قال ابن عباس: نسخت هذه الآية) أي (٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، (عدتها عند أهلها) أي كانت سكناها في هذه العدة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣) عند أهل زوجها واجبًا على المرأة التي توفي زوجها عنها بهذه الآية، فنسخها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) الآية.\n(فتعتد) المرأة المتوفى عنها زوجها (حيث شاءت) عند أهل زوجها أو في أهل بيت أبيها (وهو) أي الناسخ (قول الله ﷿: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾) أي الآية\n_________\n(١) في الأصل: \"الكتاب\" وهو تحريف.\n(٢) تعارض كلام الشيخ وكلام صاحب \"العون\" (٦/ ٢٩٠، ٢٩٣) في شرح أثر ابن عباس وفي بيان الناسخ والمنسوخ، انتهى. (ش).\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٤٠.","vol":"8","page":398},{"text":"قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِى وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ﴾، قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى، تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ\". [خ ٥٣٤٤، ن ٣٥٣١]\n===\nالتي فيها هذا اللفظ، فإن هذا القول يدل على أنه ﷾ جعل الأمر إليها، فإن شاءت اعتدت عند أهل زوجها وإن شاءت خرجت.\n(قال عطاء) في تفسير قول ابن عباس: (إن شاءت اعتدَّتْ عند أهله) أي أهل زوجها (وسكنت في وصيتها) ليس لأهل زوجها أن يخرجوها، (وإن شاءت خرجت) من بيت زوجها فتعتد حيث شاءت، لا يجب عليها أن تلازم بيت زوجها (لِقول الله ﷿: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾، قال عطاء: ثم جاء الميراث) أي قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ (١)، (فنسخ) أي الميراث (السكنى) وتركت الوصية، فلا سكنى لها عليهم، (تعتد حيث شاءت) (٢).\nقال القسطلاني (٣): قال ابن كثير: فهذا القول الذي عوَّل عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنَّة، كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخًا بأربعة أشهر وعشرًا، وإنما دلَّت على أن ذلك كان من\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١٢.\n(٢) قال ابن رسلان: أي ولا سكنى لها، وهو قول أبي حنيفة: إن المتوفى عنها لا سكنى لها. وقال مالك، والشافعي، والجمهور: لها السكنى ... إلخ. وهكذا في الحاشية عن \"العيني\"، وفي \"الهداية\" (٢/ ٢٧٩): تعتدُّ في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى، فإن كان نصيبها من الدار لا يكفيها، وأخرجت الورثة، أو كانت الدار بأجرة ولا تجد الأجرة تنتقل ... إلخ. (ش).\n[علم منها أمران: الأول: لا سكنى لها من مال الزوج، والثاني: لا يجوز لها أن تنتقل\nمن بيت العدة بدون الاضطرار].\n(٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٧٨)، وفيه: \"في بيوت أزواجهنَّ\".","vol":"8","page":399},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nباب الوصية بالزوجات أن يمكَّن من السكنى في بيوت أزواجهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: يوصيكم الله بهن.\nوقد أخرج ابن جرير في \"تفسيره\" (١)، والبخاري في \"صحيحه\"، ولفظ ابن جرير عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، قال: كانت هذه للمعتدة تعتد عند أهل زوجها واجبًا ذلك عليها، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَعْرُوفٍ﴾، قال: جعل الله لهم تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى ذكره: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. قال: والعدة كما هي واجبة.\nثم أخرج من طريق المثنى بسند أبى داود عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها (٢) تعتد حيث شاءت، وهو قول الله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، قال عطاء: \"إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾، قال عطاء: جاء الميراث بنسخ السكنى، تعتد حيث شاءت ولا سكنى.\nقلت: فالحاصل أن في بيان هاتين الآيتين اختلف أصحاب ابن عباس - ﵄-، فالجمهور على أن آية الوصية ﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾ كانت متقدمة، ثم نزلت آية: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فنسخت هذه الآية حكم الوصية إلى الحول.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٦٩٥ - ٦٩٦) سورة البقرة: الآية ٢٣٤، ٢٤٠.\n(٢) هكذا في الأصل، وفي \"تفسير الطبري\": \"عند أهله\".","vol":"8","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>(٤٦) بَابٌ: فِيمَا تَجْتَنِبُ الْمُعْتَدَّة في عِدَّتِهَا</span>\n٢٣٠٢ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، حَدَّثَنِى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، (ح): وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ الْقُهُسْتَانِىُّ،\n===\nوأما مجاهد وعطاء، عن ابن عباس (١) فإنهما قالا: إن حكم التربص أربعة أشهر وعشرًا كان واجبًا عليها أن تلازم في الاعتداد بيت زوجها، فنسختها آية الوصية ﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾ بأنه لا يجب عليها أن تلازم بيت زوجها، بل لها أن تعتدَّ حيث شاءت، وكذلك ما كان لها من حق السكنى على أهل زوجها بأن لا يخرجوها، فنسخ ذلك بآية الميراث.\nفأشار أبو داود بعقد الباب بقوله: \"باب من رأى التحول\" إلى أن بعض العلماء يقولون: إن المعتدة لا يجب عليها لزوم بيت زوجها، بل أبيح لها أن تعتد حيث شاءت، وتتحول من بيت زوجها، وأما الشارح صاحب \"العون\" (٢) فقد زل قلمه، وضل فهمه، وقدمه في شرح هذا الكلام وبيان المرام، والله الموفق.\n\n(٤٦) (بَابٌ: فِيمَا تَجْتَنِبُ الْمُعْتَدَّةُ في عِدَّتِهَا)\n٢٣٠٢ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، نا يحيى بن أبي بكير، نا إبراهيم بن طهمان، حدثني هشام بن حسان، ح: ونا عبد الله بن الجراح) التميمي أبو محمد (القهستاني) سكن نيسابور، قال أبو حاتم: كان كثير الخطأ، ومحله الصدق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) قال الموفق (١١/ ٢٩٠): قال جابر بن زيد، والحسن، وعطاء: تعتد حيث شاءت، وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ... إلخ. (ش).\n(٢) انظر: \"عون المعبود\" (٦/ ٤٠٩).","vol":"8","page":401},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي (١) ابْنَ بَكْرٍ السَّهْمِىِّ -، عَنْ هِشَامٍ، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْجَرَّاحِ - عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تُحِدُّ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، ولَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ،\n===\nوقال مسلم: مستقيم الحديث، وقال الحاكم: محدث كبير، سكن نيسابور، وبها انتشر علمه.\n(عن عبد الله -يعني ابن بكر السهمي-، عن هشام، وهذا) المذكور (لفظ ابن الجراح) لا لفظ الدورقي، (عن حفصة) بنت سيرين، (عن أم عطية أن النبي - ﷺ - قال: لا تحد) أي لا تترك الزينة (المرأة) على ميت (فوق ثلاث) أي ليال مع أيامها (إلَّا على زوج، فإنها) أي المرأة (تُحِدُّ عليه) أي تترك الزينة عليه إذا مات (أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس) بالرفع، وقيل: بالجزم (ثوبًا مصبوغًا) أي بالعصفر أو المغرة.\nوفي \"الكافي\": إذا لم يكن لها ثوب إلَّا المصبوغ، فإنه لا بأس به لضرورة ستر العورة، لكن لا بقصد الزينة (إلَّا ثوب عصب) بسكون الصاد المهملة: نوع من البرود يعصب غزله، أي يجمع ويشدُّ، ثم يُصْبغ، ثم ينسج فيأتي موشّيًا، لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغٌ. والنهي للمعتدة عما يصبغ بعد النسخ، كذا قاله بعض الشراح من علمائنا، وتبعه الطيبي.\nوقال ابن الهمام: لا تلبس العصب عندنا، وأجاز الشافعي رقيقه وغليظه، فمنع مالك رقيقه دون غليظه. واختلف الحنابلة فيه وفي تفسيره، في \"الصحاح\": العصب بُرْدٌ من برود اليمن، ينسج أبيض، ثم يصبغ بعد ذلك، وفي \"المغني\": الصحيح أنه نبت يصبغ به الثياب، وفسرت في الحديث بأنها ثياب من اليمن فيها بياض وسواد، قال: يباح لها لبس الأسود عند الأئمة،\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن أبي بكر\".","vol":"8","page":402},{"text":"وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا أَدْنَى طُهْرَتِهَا (١) إِذَا طَهُرَتْ مِنْ مَحِيضِهَا (٢) بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ\"\n===\nوجعله الظاهرية كالأخضر والأحمر، قاله القاري (٣).\n(ولا تكتحل) قال ابن الهمام (٤): إلا من عذر؛ لأن فيه ضرورة، وهذا مذهب جمهور الأئمة، وذهب الظاهرية إلى أنها لا تكتحل، ولو من وجع وعذر، لما تقدم من الحديث الصحيح حيث نهى نهيًا مؤكدًا عن الكحل للتي اشتكت عينها، والجمهور حملوه على أنه لم يتحقق له الخوف علي عينها.\n(ولا تمس طيبًا إلَّا أدنى) أي: أقرب (طهرتها) أي: طهارتها (إذا طهرت من محيضها بنبذة) أي يسير (من قسط) بضم القاف: ضرب من الطيب. وقيل: هو عود يحمل من الهند، ويجعل في الأدوية، (وأظفار) بفتح أوله، جنس من الطيب لا واحد له، وقيل: واحده ظفر، وقيل: يشبه الظفر المقلوم من أصله، وقيل: هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر.\nقال النووي: القسط والأظفار نوعان من العود، وليس المقصود بهما الطيب، ورخص فيهما للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة يتبع به أثر الدم لا للتطيب.\nوفي الحديث دليل على وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها، وهو مجمع عليه في الجملة، وإن اختلفوا في تفصيله، فذهب الشافعي والجمهور إلى التسوية بين المدخول بها وغيرها، صغيرةً كانت أو كبيرةً، بكرًا كانت أو ثيبًا، حرة أو أمة، مسلمةً أو كتابيةً.\n_________\n(١) في نسخة: \"طهرها\".\n(٢) في نسخة: \"حيضها\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(٤) \"فتح القدير\" (٤/ ١٦٣).","vol":"8","page":403},{"text":"قَالَ يَعْقُوبُ مَكَانَ عَصْبٍ: إلَّا مَغْسُولًا. وَزَادَ يَعْقُوبُ: \"وَلَا تَخْتَضِبُ\". [خ ٥٣٤٢، ٥٣٤٣، م ٩٣٨، ن ٣٥٣٤، جه ٢٠٨٧، حم ٥/ ٨٥، دي ٢٢٨٦]\n٢٣٠٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِىُّ\n===\nوقال أبو حنيفة والكوفيون وبعض المالكية: إنه لا يجب على الكتابية، بل يختص بالمسلمة، لقوله - ﷺ -: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر\".\nوتأوَّل الجمهور بأن الاختصاص إنما هو؛ لأن المؤمن هو الذي يستمر خطاب الشارع عليه، وينتفع به وينقاد له.\nوقال أبو حنيفة: لا إحداد أيضًا على الصغيرة ولا على الأمة، وجوابه: أن الصغيرة إنما دخلت في الحكم لكونها نادرة، وسلكت في الحكم على سبيل الغلبة، وأما إذا كانت حاملًا فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد حتى تضع، سواء قصرت المدة أو طالت.\nولا نعلم خلافًا في عدم وجوبه على الزوجة بسبب موت غير الزوج من الأقارب، وهل يباح؟ قال محمد في \"النوادر\": ولا يحل الإحداد لمن مات أبوها أو أمها أو أخوها، وإنما هو في الزوج خاصة، قيل: أراد بذلك فيما زاد على الثلاث لما في الحديث من إباحته للمسلمات على غير أزواجهن ثلاثة، من \"علي القاري\" مختصرًا.\n(قال يعقوب) شيخ المصنف (مكان عصب: إلَّا مغسولًا، وزاد يعقوب: ولا تختضب) أي بالحناء.\n٢٣٠٣ - (حدثنا هارون بن عبد الله ومالك بن عبد الواحد المسمعي) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة، نسبة إلى المسامعة، وهي محلة بالبصرة. وقال السمعاني في \"الأنساب\" (١): هذه النسبة إلى المسامعة،\n_________\n(١) \"الأنساب\" (٥/ ٢٩٧).","vol":"8","page":404},{"text":"قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِى تَمَامِ حَدِيثِهِمَا: قَالَ الْمِسْمَعِىُّ: قَالَ يَزِيدُ: وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا (١) فِيهِ: وَلَا تَخْتَضِبُ. وَزَادَ فِيهِ هَارُونُ\": \"وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ\". [انظر الحديث السابق]\n===\nوهي محلة بالبصرة، نزل المسمعيون، فنسبت المحلة إليهم، وهي بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية، والنسبة إليها بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، هكذا سمعنا مشايخنا يقولون. أبو حسان البصري، قال ابن حبان في \"الثقات\": يغرب، وقال ابن قانع: ثقة ثبت.\n(قالا: نا يزيد بن هارون، عن هشام، عن حفصة، عن أم عطية، عن النبي - ﷺ - بهذا الحديث) المتقدم، (وليس) حديث هارون ومالك عن يزيد بن هارون (في تمام حديثهما) أي حديث يعقوب وابن الجراح.\nوأخرج الإِمام أحمد (٢) حديث يزيد بن هارون من رواية محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وهو تام مثل تمام حديث يعقوب وابن الجراح، فلعل حديث يزيد عند المصنف من رواية هارون ومالك غير تام مثل تمام حديثهما.\n(قال المسمعي: قال يزيد: ولا أعلمه) أي هشامًا (إلَّا فيه: ولا تختضب، وزاد فيه هارون) بن عبد الله: (ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلَّا ثوب عصب).\nغرض المصنف بهذا الكلام بيان الفرق بين لفظ حديث هارون، وبين لفظ حديث المسمعي بأن الفرق بينهما في لفظين:\nأحدهما: أن المسمعي قال في حديثه: وقال شيخي يزيد: \"ولا أعلمه أي هشام إلَّا قال فيه: ولا تختضب\"، كان يزيد قال بالشك، وأما هارون بن عبد الله لم يقل: لفظ \"ولا أعلمه\"، ففي حديثه لفظ: \"ولا تختضب\" بطريق اليقين.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) مسند أحمد\" (٥/ ٨٥).","vol":"8","page":405},{"text":"٢٣٠٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، حَدَّثَنِى بُدَيْلٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ-، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِىَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ وَلَا تَكْتَحِلُ\". [ن ٣٥٣٧، حم ٦/ ٣٠٢]\n٢٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ الضَّحَّاكِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِى أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ أُسَيْدٍ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّ زَوْجَهَا تُوُفِّىَ وَكَانَتْ تَشْتَكِى عَيْنَيْهَا فَتَكْتَحِلُ بِالْجَلَاءِ-\n===\nوثانيهما: أن هارون بن عبد الله زاد في الحديث: \"ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب\"، ولم يذكره المسمعي.\n٢٣٠٤ - (حدثنا زهير بن حرب، نا يحيى بن أبي بكير، نا إبراهيم بن طهمان، حدثني بديل) بن ميسرة، (عن الحسن بن مسلم) بن يناق، (عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: المتوفى عنها زوجها لا تلبس) في أيام عدتها (المعصفر من الثياب) وهي التي صبغت بالعصفر، (ولا الممشقة) أي المصبوغ بالمشق بالكسر وهي المغرة، (ولا الحلي، ولا تختضب) بالحناء (ولا تكتحل) بالكحل الأسود.\n٢٣٠٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه) بكير بن الأشج (قال: سمعت المغيرة بن الضحاك) بن عبد الله بن خالد بن حزام القرشي الحزامي المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (يقول: أخبرتني أم حكيم) مكبرًا (بنت أسيد) مكبرًا، قال الحافظ: لا يعرف حالها، (عن أمها) قال الحافظ: لم أقف على اسمها، (أن زوجها توفي، وكانت تشتكي عينيها، فتكتحل بالجلاء) بالكسر والمد، وقيل: بالفتح والمد والقصر، أي: بالإثمد، وهو ضرب من الكحل يجلو البصر.","vol":"8","page":406},{"text":"قَالَ أَحْمَدُ: الصَّوَابُ بِكُحْلِ الْجَلَاءِ، قَالَ أَحْمَدُ -: فَأَرْسَلَتْ مَوْلَاةً لَهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَسَأَلَتْهَا عَنْ كُحْلِ الْجَلَاءِ، فَقَالَتْ: لَا تَكْتَحِلِى (١) بِهِ إلَّا مِنْ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ يَشْتَدُّ عَلَيْكِ، فَتَكْتَحِلِينَ (٢) بِاللَّيْلِ وَتَمْسَحِينَهُ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ قَالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ تُوُفِّىَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِى صَبِرًا (٣)، فَقَالَ: \"مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ\"؟ فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبِرٌ\n===\n(قال أحمد: الصواب بكحل الجلاء) (٤)، قال في \"القاموس\": والجَلَاءُ - كسماءٍ -: الأمرُ الجَليُّ، وبالكسر: الكُحْل، أو كحلٌ خاصٌ، فهذا القول فيه تصريح أن إطلاق الجلاء بدون لفظ الكحل أيضًا صحيح وصواب.\n(قال أحمد: فأرسلت) والدة أم حكيم (مولاة لها إلى أم سلمة) أم المؤمنين - ﵂ -، (فسألتها عن كحل الجلاء، فقالت) أم سلمة - ﵂ -: (لا تكتحلي به إلَّا من أمر لا بد منه يشتد عليك) ذلك الأمر (فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - حين توفي أبو سلمة) أي زوجي، (وقد جعلت على عيني صبرًا)، قال في \"القاموس\": والصبر ككتف، ولا يسكَّن إلَّا في ضرورة الشعر: عصارة شجر مُر.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صَبِرٌ\n_________\n(١) في نسخة: \"تكتحل\".\n(٢) في نسخة: \"فتكحلين\".\n(٣) في نسخة: \"علي صبرًا\".\n(٤) ظاهر لفظ أبي داود، وعليها بني الشيخ شرحه أن تصويب أحمد بزيادة لفظ الكحل، ولذا تعقب عليه بكلام المجد، ولفظ البيهقي: \"فتكتحل بكحل الجلاء\"، قال أحمد: بكحل الحلاء، الحديث. بلفظ الكحل في الموضعين، وقال محشيه: الجلاء بالكسر الإثمد، والحُلاء بضم المهملة حكاكة حجر على حجر يكتحل بهما ... إلخ. (ش). (انظر: \"السنن الكبرى\" ٧/ ٤٤٠).","vol":"8","page":407},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ. قَالَ: \"إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ (١) إلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعِينَهُ (٢) بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِى بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ\". قَالَتْ: قُلْتُ: بِأَىِّ شَىْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ\". [ن ٣٥٣٩، ق ٧/ ٤٤٠]\n===\nيا رسول الله، ليس فيه طيب، قال) رسول الله - ﷺ -: (إنه) أي الصبر (يشب) أي: يلوِّن ويجلو (الوجه، فلا تجعليه إلَّا بالليل، وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب) أي لا تمتشطي في شعر رأسك بالمطيب من الدهن (ولا بالحنَّاء)، أي: ولا تختضبي بالحناء (فإنه خضاب، قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر) أي: بأوراقه (تغلفين به رأسك) أي: تسحقينها ثم تجعلينها كالغلاف في الرأس ثم تغسلينها بالماء وتخرجينها بالمشط.\nوفي حديث أم عطية دليل على تحريم الاكتحال على المرأة في أيام عدتها من موت زوجها، سواء احتاجت ذلك أم لا، وجاء في هذا الحديث حديث أم سلمة: \"اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار\".\nقال في \"الفتح\" (٣): ووجه الجمع بينهما أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل، مع أن الأولى تركه، فإذا فعلت مسحته بالنهار، وتأوَّل بعضهم حديث أم عطية على أنه لم يتحقق الخوف على عينها لرسول الله - ﷺ -، وإن كان حصل الخوف للمرأة وأهلها، كما وقع في رواية: \"فخشوا على عينها\"، وفي رواية: \"وقد خشيت على بصرها\". وقالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي على التنزيه جمعًا من الأدلة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فلا تجعلينه\".\n(٢) في نسخة: \"وتنزعينه\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٨ - ٤٨٩).","vol":"8","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>(٤٧) بَابٌ: في عِدَّةِ الْحَامِلِ</span>\n٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَرْقَمِ الزُّهْرِىِّ يَأْمُرُهُ\n===\n\n(٤٧) (بَابٌ: في عِدَّةِ الْحَامِلِ) (١)\n٢٣٠٦ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن أباه) أي والد عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ابن أخي عبد الله بن مسعود، كان صغيرًا على عهد رسول الله - ﷺ -. قال أبو عمر: ذكره العقيلي في \"الصحابة\" وخلط، وإنما هو تابعي، وذكره ابن البرقي فيمن أدرك النبي - ﷺ -، ولم يثبت عنه رواية، وذكره ابن سعد فيمن ولد على عهد رسول الله - ﷺ -.\nثم روى بسند صحيح إلى الزهري، أن عمر - ﵁ - استعمله على السرف، قال ابن سعد: كان رفيع القدر كثير الحديث والفتيا، فقيهًا، وقال ابن حيان في \"الثقات\": كان يؤم الناس بالكوفة، مات في ولاية بشر بن مروان على العراق.\n(كتب) ولعله كتب من الكوفة حين كان يؤم الناس بها (إلى عمر بن عبد الله بن أرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة (الزهري) المدني ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (يأمره) أي يأمر عبد الله بن عتبة عمر بن عبد الله بن الأرقم، وفي رواية \"البخاري\": \"كتب إلى ابن الأرقم\".\nقال الحافظ (٢): جزم جمع من الشراح أنه عبد الله بن الأرقم الزهري،\n_________\n(١) قال القسطلاني: الحامل لا تحيض عند أبي حنيفة وأحمد، وإليه مال البخاري، وهو قول للشافعي ومالك، وفي قول لهما: تحيض. (ش). (انظر: \"إرشاد الساري\" ١/ ٦٤٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧١).","vol":"8","page":409},{"text":"أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا، وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ اسْتَفْتَتْهُ،\n===\nالصحابي المشهور، ووهموا في ذلك، وإنما هو ولده عمر بن عبد الله، كذلك وقع واضحًا مفسرًا في رواية يونس.\nقلت: نسبة الوهم إلى جمع من الشراح في قولهم: إن المراد بابن الأرقم عبد الله بن الأرقم، وإنما هو عمر بن عبد الله بن الأرقم ليس بسديد، فإن الإِمام أحمد أخرج في \"مسنده\" (١) هذا الحديث عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: إن عبيد الله (٢) بن عبد الله بن عُتبة كتب إلى عبد الله بن الأرْقم، يأمره أن يدخل على سُبَيْعَة، الحديث.\nوكذا قال في الحديث الثاني (٣): عن ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، قال: كَتبت إلى عبد الله بن الأرقم، آمُره أن يدخل على سُبَيْعة، الحديث، فهذان الحديثان يصرحان بأنه كتب إلى عبد الله بن الأرقم، لا إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم.\n(أن يدخل على سبيعة) مصغرًا (بنت الحارث الأسلمية) زوجة سعد بن خولة وصاحبة قصة أبي السنابل بن بعكك، قال ابن عبد البر: روى عنها فقهاء المدينة والكوفة حدثيها في عدة المتوفى عنها زوجها، فهي صحابية، (فيسألها عن حديثها) أي عن قصتها (وعما قال لها رسول الله - ﷺ - حين استفتته)، وهذا يدل على أن عبد الله بن عتبة لعله أخبر بحديثها، وبما قال لها رسول الله - ﷺ -.\nوقد أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" حديثها من طريق معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال: أرسل مروان عبد الله بن عتبة إلى سبيعة بنت\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٦/ ٤٣٢) رقم (٢٧٤٣٦).\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر أن لفظ \"عبيد الله بن\" غلط من الكاتب، والصواب: \"إن عبد الله بن عتبة كتب\" كما في \"أطراف المسند\" (٨/ ٤٢٣).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٦/ ٤٣٢) رقم (٢٧٤٣٧).","vol":"8","page":410},{"text":"فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِى عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّىَ عَنْهَا فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِىَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ (١) مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ-\n===\nالحارث ليسألها، الحديث، وهذا يدل على أن عبد الله بن عتبة سمع الحديث من سبيعة بنفسه بغير واسطة.\n(فكتب عمر بن عبد الله إلى عبد الله بن عتبة يخبره) في جوابه: (أن سبيعة أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة) (٢) القرشي العامري، من بني مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وقيل: من حلفائهم، قال ابن هشام: هو فارسي من اليمن، حليف بني عامر، ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق وغيرهما في البدريين، وله ذكر في \"الصحيحين\"، من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي - ﷺ - رثى له على أن مات بمكة، وقال: \"لكن البائس سعد بن خولة\".\n(وهو من بني عامر بن لؤي، وهو ممن شهد بدرًا، فتوفي عنها) أي عن سبيعة (في حجة الوداع) أي بمكة (وهي حامل، فلم تنشب) (٣) أي: لم تمكث بعد موت زوجها (أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلَّت) أي: ارتفعت وطهرت (من نفاسها تجمَّلت للخطَّاب)، جمع خاطب، أي من يخاطبها بطلب النكاح، (فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار).\n_________\n(١) في نسخة: \"تعالت\".\n(٢) هذا هو الصحيح، ووَهِمَ ابن عبد البر إذ قال: إن زوجها أبو البداح بن عاصم، كما حققه الحافظ في \"الإصابة\" (٤/ ٣١٨). (ش).\n(٣) اختلفت الروايات جدًا في المدة التي بين وفاة زوجها والوضع، بسطه أبو الطيب في \"شرح الترمذي\"، ثم حكى عن شُرَّاح \"الموطأ\" أن الجمع بينها متعذر، وهو السر في إبهام من أبهم. (ش).","vol":"8","page":411},{"text":"فَقَالَ لَهَا: مَا لِى أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً، لَعَلَّكِ تَرْتَجِينَ (١) النِّكَاحَ؟ إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ (٢) حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِى ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِى حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِى بِأَنِّى (٣) قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِى،\n===\nقال الحافظ (٤): سنابل- بمهملة ونون ثم موحدة - جمع سنبلة، اختلف في اسمه: فقيل: عمرو، وقيل: عامر، وقيل: حبة، بموحدة بعد المهملة، وقيل: لبيدربه، وقيل: أصرم، وقيل: عبد الله، وجزم العسكري بأن اسمه كنيته، وبعكك، بموحدة ثم مهملة ثم كافين بوزن جعفر، ابن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، كذا نسبه ابن إسحاق، وقيل: هو ابن بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السباق، قال: وكان من المؤلفة، وسكن الكوفة، وجزم ابن سعد أنه بقي بعد النبي - ﷺ - زمنًا.\n(فقال) أبو السنابل (لها: ما لي أراك متجملة) أي متزينة (لعلك ترتجين) أي تريدن (النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح) أي لا يجوز لك النكاح، لأن عدة الوفاة لم تتم، (حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرًا) فتتم العدة فيجوز لك النكاح.\n(قالت سبيعة: فلما قال) أبو السنابل (لي ذلك، جمعت عليَّ ثيابي) أي لبستها (حين أمسيت) أي حين الظلام (فأتيت رسول الله - ﷺ -، فسألته عن ذلك) أي عما قال لي أبو السنابل، (فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي)، وهذا الحكم مصرح في قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ\n_________\n(١) في نسخة: \"ترجين\".\n(٢) في نسخة: \"بناكحة\".\n(٣) في نسخة: \"بأن\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٢)، وانظر أيضًا: \"الإصابة\" (٧/ ١٦١) رقم (١٠٠٦٠).","vol":"8","page":412},{"text":"وَأَمَرَنِي (١) بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِى.\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ وَإِنْ كَانَتْ فِى دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ. [خ ٣٩٩١، م ١٤٨٤، ن ٣٥١٨، جه ٢٠٢٧]\n===\nحَمْلَهُنَّ﴾ (٢) (وأمرني بالتزويج إن بدا لي).\n(قال ابن شهاب) الزهري: (ولا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها) أي: دم نفاسها، لأن المانع من النكاح كانت هي العدة، فلما وضعت انقضت عدتها، فلم يبق مانع من النكاح، والنفاس لا يمنعه، (غير أنه لا يقربها) أي: لا يجامعها (زوجها حتى تطهير) فإن النفاس مانع من الوطء.\nقال الشوكاني (٣): وقد ذهب جمهور أهل العلم من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل، وعن علي بسند صحيح: أنها تعتد بآخر الأجلين، وبه قال ابن عباس، وروي عنه أنه رجع.\nوروي عن ابن أبي ليلى أنه أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال ذلك، وقد ثبت عن ابن مسعود أنه يوافق الجمهور، حتى كان يلاعن علي ذلك.\nوأما أبو السنابل فهو وإن كان في حديث الباب ما يدل على أنه يذهب إلى اعتبار آخر الأجلين، لكنه قد روي عنه الرجوع عن ذلك، وقد نقل المازري وغيره عن سحنون من المالكية أنه يقول بقول علي -﵁ -، قال الحافظ (٤): وهو مردود، لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع.\n_________\n(١) في نسخة: \"فأمرني\".\n(٢) سور الطلاق: الآية ٤.\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٨٨).\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٤).","vol":"8","page":413},{"text":"٢٣٠٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: أَخْبَرَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ لأُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ وَعَشْرًا\". [ن ٣٥٢٣، جه ٢٠٣٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>(٤٨) بَابٌ: في عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ</span>\n٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ (١). (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ مَطَرٍ،\n===\n٢٣٠٧ (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، قال عثمان: حدثنا، وقال ابن العلاء: أخبرنا أبو معاوية، نا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله) بن مسعود (قال: من شاء) الملاعنة (لاعنته) (٢) من الملاعنة وهي المباهلة، أي من يخالفني في عدة الحامل (لأنزلت) اللام توطئة للقسم، أي والله لأنزلت (سورة النساء القصرى) وهي سورة الطلاق (بعد الأربعة الأشهر وعشرًا) أي بعد نزول هذه الآية، فخصصت آية سورة الطلاق عموم آية أربعة أشهر وعشرًا، فصارت عدة الحوامل هي وضع الحمل لا غير.\n\n(٤٨) (بَابٌ: في عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ)\n٢٣٠٨ - (حدَّثنا قتيبة بن سعيد، أن محمد بن جعفر حدثهم، ح: ونا ابن المثنى، نا عبد الأعلى) كلاهما أي محمد بن جعفر وعبد الأعلى (عن سعيد) بن أبي عروبة، (عن مطر،\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثه\".\n(٢) ولعله قال لما وصله قول علي - ﵁ -: تعتد بأبعد الأجلين. (ش).","vol":"8","page":414},{"text":"عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: لَا تَلْبِّسُوا (١) عَلَيْنَا سُنَّتَهُ (٢). قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّي: سُنَّةَ نَبِيِّنَا - ﷺ -، عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا- يَعْنِى أُمَّ الْوَلَدِ-. [جه ٢٠٨٣]\n===\nعن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤبب، عن عمرو بن العاص قال: لا تلبِّسوا علينا سنَّته، قال ابن المثنى: سنة نبين - ﷺ -، عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا، يعني أم الولد) (٣).\nقال مولانا الشاه عبد الغني في \"إنجاح الحاجة\": هذا عندنا في صورة مات مولاها (٤) وزوجها ولم يدر الأول، لأن المولى إن كان مات أولًا، ثم مات الزوج وهي حرة، فلا تجب العدة لموت المولى، وتعتد للوفاة عدة الحرائر أربعة أشهر وعشرًا، وإن كان الزوج مات أولًا، لزمها شهران وخمسة أيام، ولا يلزمها بموت المولى شيء؛ لأنها معتدة الزوج، ففي حال يلزمها أربعة أشهر وعشرًا، وفي حال نصفها، فلزمها الأكثر احتياطًا، انتهى.\nقلت: وكذلك الحكم إذا علم أن المولى مات أولًا، ثم مات الزوج، فعدتها أربعة أشهر وعشرًا، عدة وفاة الزوج، ولا عدة لموت المولى، وكذلك إذا أعتق المولى أم ولده، ونكحها ثم مات المولى -وهو الزوج- فعدتها أربعة أشهر وعشرًا، وفي المسألة تفصيل لا يتحمله هذا المختصر؛ من شاء فليرجع إلى \"بدائع الصنائع\" (٥) وغيره.\n_________\n(١) في نسخة: \"لا تلْبِسوا\".\n(٢) في نسخة: \"السنة\".\n(٣) بسط الموفق (١١/ ٢٦٢ - ٢٦٤) الكلام على ضعف هذا الحديث، وقال أيضًا: رواية أحمد توافق هذا. (ش).\n(٤) وأما إذا مات مولى أم الولد، فعدتها ثلاث حيض عندنا، وحيضة عند الشافعي. كذا في \"الهداية\" (٢/ ٢٧٥). وبه قال أحمد كما في \"المغنى\" (١١/ ٢٦٢، ٢٦٣)، وقال: هو المشهور عنه وذكر له روايات، وذكر اختلاف الفقهاء في ذلك. (ش).\n(٥) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٣٠٥).","vol":"8","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-808>(٤٩) بَابُ الْمَبْتُوتَةِ لَا يَرْجِع إِلَيْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَنْكِحَ غَيْرَهُ</span>\n٢٣٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ (١)، فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَهَا، أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الأَوَّلِ؟ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: \"لَا تَحِلُّ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَةَ الآخَرِ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا\". [ن ٣٤٠٧، خ ٥٣١٧، م ١٤٣٣، ت ١١١٨، جه ١٩٣٢]\n\n(٤٩) (بَابُ الْمَبْتُوتَةِ) أي بالثلاث (لا يَرْجِعُ إِلَيْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَنْكِحَ) (٢) المرأة ويطأها (غَيْرَهُ)، أي غير الزوج الأول\n٢٣٠٩ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: سئل رسول الله - ﷺ - عن رجل (٣) طلق امرأته) يعني ثلاثًا، (فتزوجت زوجًا غيره، فدخل بها) أي خلا بها، (ثم طلقها) بعد الخلوة (قبل أن يواقعها) أي يجامعها، (أتحل لزوجها الأول؟ قالت) عائشة - ﵂ -: (قال النبي - ﷺ -: لا تحل للأول حتى تذوق) (٤) تلك المرأة (عسيلة) بالتصغير لذة جماع (الآخر، ويذوق) الرجل الثاني (عسيلتها) أي لذة جماعها.\nقال الشوكاني: العسيلة في الموضعين مصغرة، واختلف في توجيهه، فقيل: هو تصغير العسل؛ لأن العسل مؤنث، جزم بذلك القزاز، وقيل: المراد\n_________\n(١) زأد في نسخة: \"يعني ثلاثًا\".\n(٢) نكاحًا صحيحًا لا فاسدًا عند الجمهور، وشدَّ الحكم فقال: ولو فاسدًا. كذا في \"الأوجز\" (١٠/ ٣٩٤ - ٣٩٨). (ش).\n(٣) وقد وقع مفصلًا في قصة امرأة عبد الرحمن بن الزبير. كذا في \"التلقيح\" (ص ٢٢٤)، ويحتمل غيره، كذا في \"الأوجز\" (١٠/ ٣٨٤ - ٣٨٩). (ش).\n(٤) استدل بها ابن المنذر، لو جومعت نائمة لا يكفي، خلافًا للجمهور كما في \"شرح أبي الطيب\" للترمذي، وصرح به الشامي (٥/ ٤٧) أيضًا. (ش).","vol":"8","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>(٥٠) بَابٌ: في تَعْظِيمِ الزِّنا</span>\n٢٣١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟\n===\nقطعة من العسل، والتصغير للتقليل، إشارة إلى أن القدر القليل كافٍ في تحصيل ذلك، وقيل: معنى العسيلة: النطفة، وهذا يوافق قول الحسن البصري (١)؛ لأنه زاد بعد تغييب الحشفة حصول الإنزال.\nقال ابن بطال: شذَّ الحسن في هذا، وخالف سائر الفقهاء، وقالوا (٢) يكفي ما يوجب الحد، ويحصِّن الشخص، ويوجب كمال الصداق، ويفسد الحج والصوم، وقال أبو عبيدة: العسيلة: لذة الجماع، والعرب تسمي كل شيء تستلِذُّه عسلًا، وهذا حديث مشهور وقع عليه الإجماع، ولا خلاف فيه إلا ما نقل عن سعيد بن المسيب (٣) حيث قال: يكفي فيه النكاح أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤).\nوقالوا: المراد بها الوطء على ما هو أصل معنى النكاح.\n\n(٥٠) (بَابٌ: في تَعْظِيمِ الزِّنَا)\n٢٣١٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل) الهمداني، [أبو ميسرة] بمفتوحة وسكون ياء مثناة تحت وفتح سين مهملة وبراء، الكوفي، ثقة، عابد، مخضرم، (عن عبد الله) بن مسعود (قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الذنب أعظم؟) أي في الذنوب\n_________\n(١) تعقبه ابن العربي: أنه بعد الإنزال أشبه بالحنظلية لا العسيلة. (ش).\n(٢) ويكفي عند الحنفية تحليل المراهق أن تتحرك آلته كما في \"الأشباه والنظائر\". (ش).\n(٣) والشيعة والخوارج وداود. كذا في \"الأوجز\" (١٠/ ٣٩٤). (ش).\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٣٠.","vol":"8","page":417},{"text":"قَالَ: \"أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ\". قَالَ: فَقُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: \"أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خشية أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ\". قَالَ (١): ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: \"أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ (٢) جَارِكَ\". قَالَ: وَأَنْزَلَ (٣) تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِىِّ -ﷺ-: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآيَةَ\". [خ ٤٤٧٧، م ٨٦، ت ٣١٨٢، ن ٤٠١٣، حم ١/ ٤٣٤]\n===\n(قال: أن تجعل لله ندًا) بالكسر، وهو مثل الشيء يضاده ويُنَادُّهُ، أي: يخالفه، جمعه أنداد، (وهو خلقك) أي أوجدك، والإيجاد غاية النعمة، ثم مع هذا الإحسان جعل الند كفران أعظم من جميع الكفران.\n(قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك)، فقتل الولد من كبار الذنوب، ثم معه خشية الأكل معه هو الذنب الأكبر؛ لأنه يزعم أني رازقه.\n(قال) عبد الله: (ثم أيٌّ؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (أن تزاني) من المفاعلة (حليلة) أي زوجة؛ لأنها حلال عليه (جارك) فحق الجوار موجب لإيصال الخير إليه، فإذا زنى بزوجته شمل على ذنبين كبيرين، وإنما أتى بالمفاعلة؛ لأنه إذا تحقق منهما الزنا، كان أعظم، فإذا تحقق بغير رضاها كرهًا يكون أشد منه وأعظم.\n(قال: وأُنزل تصديق قول النبي - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (٤) الآية) المذكورة في سورة الفرقان، وفي آخرها: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) في نسخة: \"بحليلة\".\n(٣) في نسخة: \"فأنزل الله\".\n(٤) سورة الفرقان: الآية ٦٨.","vol":"8","page":418},{"text":"٢٣١١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: وأَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَتْ مُسَيْكَةُ (١) لِبَعْضِ الأَنْصَارِ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدِى يُكْرِهُنِى عَلَى الْبِغَاءِ،\n===\n٢٣١١ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم، عن حجاج، عن ابن جريج قال) ابن جريج: (وأخبرني أبو الزبير) هكذا في جميع النسخ الموجودة، وأخرج ابن جرير (٢): حدثنا الحسن بن الصباح قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول، الحديث، ثم أخرج: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، ثني الحجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: \"جاءت جارية\"، الحديث، ثم قال: قال ابن جريج: وأخبرني عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: \"أمة لعبد الله بن أُبي\"، الحديث.\nوهذا يدل على أن ابن جريج روى هذا الحديث عن أبي الزبير وعن غيره، فحذف المعطوف عليه وهو عمرو بن دينار عن عكرمة، فما قال صاحب \"العون\" (٣) في شرحه: \"قال حجاج: وأخبرني به أبو الزبير\" خلاف الصواب؛ فإن حجاج بن محمد، ليس له رواية عن أبي الزبير، وبين موتيهما ثمانون سنة.\n(أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: جاءت مسيكة) بضم الميم وفتح السين المهملة مصغرًا، وهو الصواب، اسم إحدى جاريتي عبد الله بن أبي ابن سلول، وثانيتهما: معاذة (لبعض الأنصار) وهو عبد الله (٤) بن أبي ابن سلول أتت النبي - ﷺ - وشكت له (فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء) أي الزنا بالعوض\n_________\n(١) في نسخة: \"مسكينة\".\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٨/ ١٥٩).\n(٣) \"عون المعبود\" (٦/ ٣٠٢).\n(٤) وبه جزم الجوزي في \"التلقيح\" (٦٩٤). (ش).","vol":"8","page":419},{"text":"فَنَزَلَ في ذَلِكَ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ \". [م ٣٠٢٩]\n٢٣١٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِى الْحَسَنِ: غَفُورٌ لَهُنَّ الْمُكْرَهَاتِ.\n\nآخِرُ كَتَابِ الطَّلاق\n===\n(فنزل في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (١».\n٢٣١٢ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا معتمر، عن أبيه) سليمان التيمي (﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾) أي: الجواري (﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، قال) سليمان: (قال سعيد بن أبي الحسن) واسمه يسار الأنصاري مولاهم، البصري، أخو الحسن البصري، له في \"صحيح البخاري\" حديث واحد في \"التصوير\"، قال العجلي: بصريٌّ، تابعيٌّ ثقةٌ، (غفور لهن المُكْرهات) بدل من ضمير المجرور في لهن، والله تعالى أعلم.\n\nآخِرُ كَتَابِ الطَّلاق\n_________\n(١) سورة النور: الآية ٣٣.\n(٢) سورة النور: الآية ٣٣.","vol":"8","page":420},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>(٨) أَوَّلُ كتَابِ الصِّيَامِ </span>(١)\n===\nبكسر الصاد والياء بدل من الواو، والصوم والصيام مصدران لصام، وهو في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساكٌ مخصوص في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، بشرائط مخصوصة.\nوقال الراغب (٢): الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير: صائم، وفي الشرع: إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب.\nوقال الزرقاني (٣): وهو لغةً الإمساك عن شيء قولًا، كقوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٤)، أي: إمساكًا وسكوتًا، أو فعلًا، كقول النابغة:\nخيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُمَا\n_________\n(١) فيه عدة أبحاث: لغته، واصطلاحه، والحكم فيه، وبدؤه، وبدء رمضان، وزمان نزول رمضان، وهل كان علينا شيء من الصوم قبل رمضان؟ وبسط كلها في \"الأوجز\" (٥/ ٥ - ١٢). (ش).\n(٢) \"المفردات في غريب القرآن\" (ص ٢٩١).\n(٣) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١٥٣).\n(٤) سورة مريم: الآية ٢٦.","vol":"8","page":421},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأي: ممسكة عن الحركة، وشرعًا: إمساك عن المفطر على وجه مخصوص.\nقال الحافظ (١): ذكر بعض الصوفية أن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة، ثم تاب، تأخر قبول توبته، لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذريته صيام ثلاثين يومًا، وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك، انتهى.\nقال الزرقاني: وشرع الصيام لفوائد: أعظمها كسر النفس، وقهر الشيطان، فالشبع نهر في النفس يَرِدُهُ الشيطان، والجوع نهر في الروح تَرِدُهُ الملائكة، ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح، فإنه من امتناعه عن ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكَّر به من منع ذلك على الإطلاق، فيوجب ذلك شكر نعم الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومؤاساته بما يمكن من ذلك.\nوتعقيب المصنف بالصيام بعد الطلاق، فوجهه أن الأصل يقتضي أن يذكر بعد النكاح للمناسبة بين النكاح والصيام؛ لأجل أن الصوم تقييد للنفس كما أن النكاح تقييد للمرأة، وكذلك كما أن النكاح قاطع للشهوة كذلك الصيام قاطع لها، كما قال رسول الله - ﷺ -: \"فإنه له وجاء\"، ولكن لما كان الطلاق أنسب للنكاح، لأنه من توابعه ولواحقه ذكره بعده، ثم ذكر الصيام، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٢).","vol":"8","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>(١) مَبْدَأُ فَرْضِ الصِّيَامِ </span>(١)\n===\n\n(١) (مَبْدَأُ (٢) فَرْضِ الصِّيَامِ)\nقال القاري (٣): ثم كانت فرضية صوم رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، كذا ذكره الشُمُنِّي، وقيل: لم يفرض قبله صوم، وقيل: كان، ثم نسخ، فقيل: عاشوراء، وقيل: الأيام البيض، انتهى.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): قد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور -وهو المشهور عند الشافعية- أنه لم يجب صوم قط قبل صوم رمضان، وفي وجه -وهو قول الحنفية- أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ.\nفمن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعًا: \"لم يكتب الله عليكم صيامه\"، وسيأتي في أواخر الصيام.\nومن أدلة الحنفية ظاهر حديثَي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب (٥) بلفظ الأمر، وحديث الربيع بنت معوِّذ الآتي، وهو أيضًا عند مسلم: \"من أصبح صائمًا فليتم صومه، قالت: فلم نزل نصومه ونُصَوِّم صبيانَنا وهم صغار\" (٦) الحديث، وحديث مسلمة مرفوعًا: \"من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم\" (٧) الحديث، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"باب مبدأ فرض الصوم\".\n(٢) قال ابن رسلان: أول من صام رمضان نوح ﵊، وفي \"الأوجز\" (٥/ ٩): قال علي: أول من صام آدم ﵇. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٤١).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٣).\n(٥) انظر: \"صحيح البخاري\" باب وجوب صوم رمضان، رقم الحديث (١٨٩٢ - ١٨٩٣).\n(٦) أخرجه البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦).\n(٧) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٥٠)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٢٩٠).","vol":"8","page":423},{"text":"٢٣١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ، حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١)، فَكَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ (٢) -ﷺ- إِذَا صَلَّوُا الْعَتَمَةَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ، فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَمْ يُفْطِرْ،\n===\n٢٣١٣ - (حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ (٣) عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٤) فكان الناس) أي المسلمون (على عهد النبي - ﷺ - إذا صلوا العتمة) أي فرغوا من صلاة العشاء (٥) (حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى) الليلة (القابلة، فاختان رجل نفسه، فجامع امرأته، وقد صلَّى العشاء ولم يفطر).\nأخرج ابن جرير (٦)، عن ابن عباس في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ (٧) الآية: كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُلِّيت، حرم عليهم الطعام، حتى يمسي من الليلة القابلة، وأن عمر بن الخطاب بينما هو قائم إذ سوَّلت له نفسه، فأتى أهله لبعض حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، الحديث.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) قال ابن رسلان: أصل الكتابة الخط الذي يقرأ، وعُبِّر به ههنا الإثبات، لأن الذي يكتب يثبت، وقيل: على حقيقته عبارة عما كتب في اللوح المحفوظ. (ش).\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٨٣.\n(٥) وسيأتي في الحديث الآتي: التقيد بالنوم \"ابن رسلان\". (ش).\n(٦) \"جامع البيان\" (٢/ ٩٦).\n(٧) سورة البقرة: الآية ١٨٧.","vol":"8","page":424},{"text":"فَأَرَادَ اللَّهُ ﷿ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا لِمَنْ بَقِىَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً، فَقَالَ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وَكَانَ هَذَا مِمَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهِ النَّاسَ وَرَخَّصَ لَهُمْ وَيَسَّرَ\". [ق ٤/ ٢٠١]\n٢٣١٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ نَصْرٍ الْجَهْضَمِىُّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ، أَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِيِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: \"كَانَ الرَّجُلُ إِذَا صَامَ فَنَامَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَى مِثْلِهَا،\n===\nوفي رواية: \"وكان منهم رجال يختانون أنفسهم، وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - ممن اختان نفسه فعفا الله عنهم؛ وأحل ذلك لهم بعد الرقاد وقبله وفي الليل كله\".\n(فأراد الله ﷿ أن يجعل ذلك يسرًا لمن بقي) من الصحابة الذين لم يختانوا أنفسهم (ورخصة) أي لهم (ومنفعة) أي عليهم، (فقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾) (١) أي بالجماع والأكل والشرب (وكان هذا) أي الحكم (مما نفع الله به الناس ورخص لهم) في الطعام والشراب والجماع (ويسر) عليهم.\nوهذا يشير إلى أن ميل المصنف إلى ترجيح القول بأن الصيام لم يفرض على المسلمين قبل رمضان، فإنه جعل مبدأ فرض الصيام رمضان بهذه الآية.\n٢٣١٤ - (حدثنا نصر بن علي بن نصر الجهضمي، أنا أبو أحمد) الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير، (أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان) الحكم في ابتداء الإِسلام (الرجل إذا صام فنام) بعد المغرب ولم يفطر قبل النوم (لم يأكل إلى مثلها) أي: لم يحل له أن يأكل إلى الليلة المستقبلة.\nقال الحافظ (٢): اتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيدًا بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٣.\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣٠).","vol":"8","page":425},{"text":"وَإِنَّ صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ الأَنْصَارِىَّ أَتَى امْرَأَتَهُ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: عِنْدَكِ شَىْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، لَعَلِّى أَذْهَبُ فَأَطْلُبُ لَكَ (١)،\n===\nحديث ابن عباس بصلاة العتمة، ونحوه في حديث أبي هريرة كما سأذكره قريبًا، وهذا أخص من حديث البراء من وجه آخر، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالبًا، والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث.\nوبَيَّنَ السدِّي وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب، كما أخرجه ابن جرير (٢) من طريق السدي ولفظه: \"كتب على النصارى الصيام، وكتب عليهم: أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم، وكتب على المسلمين أولًا مثل ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار\" فذكر القصة، انتهى.\nونقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": قوله: \"فنام ولم يأكل إلى مثلها\"، ولا يخفى أن هذا الحديث يفيد أن المنع مقيد بالنوم، وما سبق من حديث ابن عباس يفيد أن المنع مقيد بصلاة العشاء، وقد يقال: لا منافاة بينهما، فيجوز تقييد المنع بكل منهما، فأيهما تحقق أولًا تحقق المنع، وقيل: يحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء في حديث ابن عباس لكون ما بعدها مظنة النوم غالبًا، والتقييد في الحقيقة بالنوم.\n(وإن صرمة بن قيس الأنصاري)، وقد تقدم في كتاب الصلاة ذكر الاختلاف في اسمه (أتى امرأته) (٣) لم أقف على تسميتها (وكان صائمًا فقال: عندك شيء؟ قالت: لا، لعلي أذهب (٤) فأطلب لك)، ولفظ حديث البخاري:\n_________\n(١) في نسخة \"شيئًا\".\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٧٥).\n(٣) قال ابن رسلان: جامع امرأته، انتهى، وهو بعيد. (ش).\n(٤) وأجاد في \"الكوكب\" (٤/ ٧٣) ها هنا بحثًا، وهو: أنها كيف انتظرت وهي تعلم أنه صائم؟ وأجاب: بأنها لعلها أرادت الاستدانة عليه، فانتظرت لما أن الاستدانة لو لم تكن بأمره كان عليها الأداء، وإذ ذاك عليه فلعله يصوم بدون شيء ولا يستدين. (ش).","vol":"8","page":426},{"text":"فَذَهَبَتْ وَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى غُشِىَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَعْمَلُ يَوْمَهُ فِى أَرْضِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ -ﷺ- فَنَزَلَتْ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ - ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ \". [خ ١٩١٥، ت ٢٩٦٨، ن ٢١٦٨، حم ٤/ ٢٩٥]\n===\n\"ولكن أنطلق فأطلب لك\"، قال الحافظ (١): ظاهره أنه لم يجئ معه بشيء، لكن في \"مرسل السدِّي\": \"أنه أتاها بتمر فقال: استبدلي به طحينًا واجعليه ثخينًا، فإن التمر أحرق جوفي\".\n(فذهبت) أي خرجت من البيت لطلب الطعام (وغلبته عينه) أي نام (فجاءت) أي رجعت بالطعام فرأته نائمًا (فقالت: خيبة لك) بالنصب مفعول مطلق محذوف العامل، والخيبة الحرمان، يقال: خاب يخيب: إذا لم ينل ما طلب.\n(فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه)، ولفظ البخاري: \"فلما انتصف النهار غشي عليه\"، فيحمل على أن الغشي في آخر النصف الأول من النهار، [و] في \"مرسل السدِّي\": \"فأيقظته فكَرِهَ أن يعصي الله وأبى أن يأكل\"، (وكان يعمل يومه) بالنصب (في أرضه)، وفي \"مرسل السدي\": \"كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة\"، فعلى هذا قوله: \"في أرضه\" إضافة اختصاص.\n(فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٢)، قرأ) أبو أحمد أو نصر بن علي (إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾)، قال الحافظ (٣): قلت: وقد وقع في رواية أبي داود: فنزلت (٤): ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣١).\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣١).\n(٤) في رواية البخاري: فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، قال الحافظ: كذا في هذه الرواية، قال الكرماني: لما صار الرفث وهو الجماع هنا حلالًا بعد أن كان حرامًا كان الأكل والشرب بطريق الأولى، فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة، ثم لما كان حلهما =","vol":"8","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>(٢) بَابُ نَسْخِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾</span>\n٢٣١٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ -، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: \"لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِىَ فَعَلَ، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِى بَعْدَهَا\n===\nالصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فهذا يبين أن محمل قوله: \"ففرحوا بها\" بعد قوله: \"الخيط الأسود\"، ووقع ذلك صريحًا في رواية زكريا بن أبي زائدة، ولفظه: \"فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرح المسلمون بذلك\".\nولم يذكر الحافظ فيه لفظ: \"قرأ\" على خلاف النسخ الموجودة، فإن في جميعها لفظ: \"قرأ\"، فلعل الحافظ تركها اختصارًا، أو إن هذه الكلمة غير موجودة في النسخة التي عنده.\n\n(٢) (بَابُ نَسْخِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾)\n٢٣١٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا بكر -يعني ابن مضر-، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن يزيد) بن أبي عبيد (مولى سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ (١) فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢)، كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل، حتى نزلت الآية التي بعدها) وهي قوله تعالى:\n_________\n= بطريق المفهوم نزل بعد ذلك: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم صريحًا، ثم قال: أو المراد من الآية هي بتمامها.\nقال الحافظ: وهذا هو المعتمد، وبه جزم السهيلي وقال: إن الآية بتمامها نزلت في الاْمرين معًا، وقدم ما يتعلق بعمر لفضله. (انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٣١».\n(١) فيه ست قراءات. (ش).\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٤.","vol":"8","page":428},{"text":"فَنَسَخَتْهَا\". ﴿خ ٤٥٠٧، م ١١٤٥، ت ٧٩٨، ن ٢٣١٦، خزيمة ١٩٠٣]\n٢٣١٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فَكَانَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَدِىَ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ افْتَدَى، وَتَمَّ لَهُ صَوْمُهُ،\n===\n﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الآية، فإن فيها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، (فنسختها) أي نسخت هذه الآية الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، ومثل قول سلمة بن الأكوع قال ابن عمر، أخرج البخاري (١) وغيره عن ابن عمر - ﵄- قرأ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هي منسوخة، قال الحافظ (٢): وخالف في ذلك ابن عباس، فذهب إلى أنها محكمة، لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه.\n٢٣١٦ - (حدثنا أحمد بن محمد) المروزي، (نا علي بن حسين، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى) أي: أعطى الفدية (وتم له صومه) أي باعتبار أداء الفرض عنه والأجر، وإلَّا فهو مفطر.\nظاهر هذا القول يوهم أن ابن عباس أيضًا قائل بنسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وقد قال الحافظ في \"الفتح\": واتفقت هذه الأخبار على أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ منسوخ، وخالف في ذلك ابن عباس، فذهب إلى أنها محكمة، لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٩٤٩، ٤٥٠٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٨).","vol":"8","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفالجواب عنه بوجهين: إما أن يقال: إن قراءته \"وعلى الذين يطوّقونه\" أي: يكلفونه، كما في \"البخاري\" (١) عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: \"وعلى الذين يطَوَّقونه\" بفتح الطاء وتشديد الواو مبنيًا للمفعول، مخفف الطاء، \"فدية طعام مسكين\"، قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا.\nقال الحافظ (٢): هذا مذهب ابن عباس، وخالفه الأكثر، فما وقع في حديث أبي داود من قوله: \"يطَيَّقونه\" بفتح الطاء وتشديد الياء الثاني بناءً للمفعول، لا من باب أطاق يطيق، ويدل عليه ما أخرجه السيوطي في \"الدرّ المنثور\" (٣) ما نصه: أخرج ابن جرير، وابن الأنباري، عن ابن عباس أنه قرأ: \"وعلى الذين يطيقونه\"، قال: يتجشمونه، يتكلفونه.\nوالوجه الثاني: أن يقال: إن المراد بقوله غير منسوخة في حق الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، فأما في حق غيرهما فهي منسوخة.\nقال السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤): وأخرج ابن أبي حاتم، والنحاس، في \"ناسخه\" وابن مردويه، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ثم نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فنسخت الأولى، إلَّا الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر.\nوهذا دليل ظاهر على ما قلنا، وعلى هذا الوجه يوافق قول ابن عباس قول الجمهور، ولعل المصنف أورده في هذا الباب لأجل هذا الوجه، ولعل ابن عباس قال أولًا بعدم المنسوخية، ثم رجع عنه إلى قول الجمهور.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٤٥٠٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٠).\n(٣) (١/ ٤٣٣).\n(٤) (١/ ٤٣١).","vol":"8","page":430},{"text":"فَقَالَ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وَقَالَ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) \". [ق ٤/ ٢٠١، السنن الكبرى للنسائي (١١٠١٨)]\n===\n(فقال) الله ﷾: (﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾) أي زاد بطريق التطوع من طعام المسكين الواحد (﴿خَيْرٌ﴾) أي طعامًا زائدًا على طعام المسكين الواحد، فأعطى مسكينين أو مساكين فهو خير له، أي الواجب أن يطعم مسكينًا واحدًا، فأما إن أطعم مسكينين أو مساكين تطوعًا (فهو خير له ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾) أي صيامكم (﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾) من الفدية، فإن الله تعالى يقول: \"الصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان\" (٢) الحديث، (وقال) الله تعالى: (﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾) (٣) أي حضر (﴿مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾).\nحاصل ذكر ابن عباس بذكر الآيتين: أن الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الآية، تشتمل على حكمين بأن من تكلف الصوم ويتحمله بالكلفة، يجوز له أن يفتدي ويطعم مسكينًا، فخُيِّروا بين الصوم والافتداء، ثم رغبهم في الصوم بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وهذان الحكمان للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وكذا الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ تشتمل على حكمين: أحدهما: وجوب الصوم على من شهد الشهر من الرجال والنساء غير الكبيرين، والثاني: حكم من كان مريضًا يضره الصوم، أو مسافرًا، فلهم رخصة أن يفطروا ويقضوا في أيام أخر.\nوأما الحامل والمرضع إذا خافتا الضرر بولدهما فمرخص في الإفطار لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾،\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(٢) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١)، والنسائي (٢٢١١)، وابن ماجه (٣٨٢٣).\n(٣) قال ابن رسلان: اختلفوا في تفسيره، فقالت عائشة وعلي وعباس وسويد بن غفلة: إن من شهد أول الشهر يجب عليه الصوم، سافر بعده أو لا، ومن كان أول الشهر =","vol":"8","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإنه ليس المراد عين المرض، فإن المريض الذي لا يضره الصوم ليس له أن يفطر، فكان ذكرُ المرض كنايةً عن أمر يضر الصوم معه، وقد وُجد ها هنا، فيدخلان تحت رخصة الإفطار.\nوقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصيام\" (١)، وعليهم القضاء، ولا فدية عليهما عندنا، وقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية لكل يوم مد من حنطة.\nوالمسألة مختلفة بين الصحابة والتابعين، فروي عن علي - ﵁ - والحسن البصري: أنهما يقضيان ولا يفديان، وبه أخذ أصحابنا.\nوروي عن ابن عمر ومجاهد: أنهما يقضيان ويفديان، وبه أخذ الشافعي، احتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢)، والحامل والمرضع يطيقان الصوم، دخلتا تحت الآية، فتجب عليهما الفدية.\nولنا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ (٣) الآية، أوجب على المريض القضاءَ، فمن ضَمَّ إليه الفدية فقد زاد على النص، فلا يجوز إلَّا بدليل.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، فقد قيل في بعض وجوه التأويل: إن \"لا\" مضمرة في الآية، وأنه جائز في اللغة، قال الله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٤) أي: لا تضلوا، وفي بعض القراءات: ﴿وعلى الذين يطقونه ولا يطيقونه﴾ على أنه لا حجة له في الآية، لأن فيها شرع الفداء مع\n_________\n= مسافرًا يجوز له الإفطار، وجمهور الأمة على أن من شهد أول الشهر أو آخره أو وسطه يصوم ما دام مقيمًا. (ش).\n(١) أخرجه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٢٢٧٥)، وابن ماجه (١٦٦٧)، وأحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣٤٧، ٥/ ٢٩).\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٧٦.","vol":"8","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>(٣) بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ مُثْبَتَةٌ للشَّيْخِ وَالْحُبْلَى</span>\n===\nالصوم على سبيل التخيير دون الجمع بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقد نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان حتمًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١)، وعنده يجب الصوم والفداء جميعًا، دل أنه لا حجة له فيها، ولأن الفدية لو وجبت إنما تجب جبرًا للفائت، ومعنى الجبر يحصل بالقضاء، ولهذا لم تجب على المريض والمسافر.\nوأما الشيخ الفاني فيباح له أن يفطر، لأنه عاجز عن الصوم، وعليه الفدية عند عامة العلماء، وقال مالك: لا فدية عليه، وما قاله مالك خلاف إجماع السلف، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - أوجبوا الفدية على الشيخ الفاني، فكان ذلك إجماعًا منهم، وجه قوله أن الله تعالى أوجب الفدية على المطيق للصوم وهو لا يطيق الصوم فلا تلزمه الفدية، كذا في \"البدائع\" (٢).\n\n(٣) (بَابُ (٣) مَنْ قَالَ: هِيَ) (٤) أي: الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (مُثْبِتَةٌ) أي: ثابتة غير منسوخة (لِلشَّيْخِ وَالْحُبْلَى)\nأما الشيخ ففي حقه مثبتة عندنا وعند الشافعي بالاتفاق، وأما الحبلى فَمثبتة عند الشافعي، فإنه يوجب عليها القضاء والفدية، وأما عندنا فليس عليها إلَّا القضاء دون الفدية\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٢).\n(٣) وفي \"التقرير\": الحاصل أن الآية مثبتة على تفسير، ومنسوخة على تفسير، والفدية في حق الكبير على الوجوب، وفي حق الحامل والمرضع على الاستحباب ... إلخ. (ش).\n(٤) وبسط الجصاص في \"أحكام القرآن\" (١/ ١٧٧ - ١٨٣) أقوال العلماء في ذلك، انتهى. وحكى الشوكاني (٣/ ٢٠٨) عن الزهري وغيره أن الآية فبمن أفطر ولم يقض حتى جاء رمضان آخر، وفي \"العرف الشذي\" (ص ٣٠٨) عن الشاه ولي الله أن الآية تتعلق بصدقة الفطر ولا نسخ، اننهى. (ش).","vol":"8","page":433},{"text":"٢٣١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا قَتَادَةُ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أُثْبِتَتْ لِلْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ\".\n===\n٢٣١٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا قتادة، أن عكرمة حدثه، أن ابن عباس قال: أثبتت للحبلى والمرضع).\nاختلفت الروايات في مسألة الحبلى والمرضع، ففي رواية عن ابن عباس: \"للحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما\".\nوفي رواية عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: ﴿وعلى الذين يطوِّقونه﴾ مشددة، قال: يكلفونه ولا يطيقونه، ويقول: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير الهرم و[العجوز] الكبيرة الهرمة، يطعمون لكل يوم مسكينًا ولا يقضون.\nوفي رواية: ليست منسوخة، ولا يرخص إلا للكبير الذي لا يطيق الصوم، أو مريض يعلم أنه لا يشفى.\nوفي رواية عنه: من لم يطق الصوم إلَّا على جهد، فله أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينًا، والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، والذي سقمه دائم.\nوعنه أنه قال لأم ولد له حامل أو موضع: أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصوم، عليك الطعام ولا قضاء عليك.\nكذلك عن ابن عمر، قال نافع: أرسلت إحدى بنات ابن عمر إلى ابن عمر تسأله عن صوم رمضان وهي حامل، قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكينًا.\nوكذلك عن سعيد بن جبير قال: تفطر الحامل التي في شهرها، والمرضع التي تخاف على ولدها، تفطران وتطعمان كل يوم مسكينًا كل واحد منهما، ولا قضاء عليهما.\nوعن عثمان بن الأسود قال: سألت مجاهدًا عن امرأتي، وكانت حاملًا، وشق عليها الصوم، فقال: مرها فلتفطر، ولتطعم مسكينًا كل يوم، فإذا صحَّت فلتقض.","vol":"8","page":434},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوعن الحسن قال: المرضع إذا خافت أفطرت وأطعمت، والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت، وهي بمنزلة المريض.\nوعن الحسن قال: يفطران ويقضيان صيامًا.\nوعن النخعي قال: الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضتا مكان ذلك، أخرج هذه الروايات السيوطي في \"الدر المنثور\" (١).\nفعلم بهذه الروايات أن مسألة الحبلى والمرضع مختلفة فيها، وأما روايات ابن عباس فكما أنها مخالفة للحنفية في وجوب الفدية على الحامل والمرضع، فكذلك مخالفة للشافعية في عدم وجوب القضاء، وكلها لا دليل فيها، لأن الحكم فيها اجتهادي، والله تعالى أعلم.\nقال في \"بداية المجتهد\" (٢): وأما باقي هذا الصنف وهو المرضع والحامل والشيخ الكبير، فإن فيه مسألتين مشهورتين: إحداهما: الحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟ وهذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب:\nأحدها: أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس.\nوالقول الثاني: أنهما يقضيان فقط ولا إطعام عليهما، وهو مقابل الأول، وبه قال أبو حنيفة (٣) وأصحابه، وأبو عبيد، وأبو ثور.\nوالثالث: أنهما يقضيان ويطعمان، وبه قال الشافعي.\nوالقول الرابع: أن الحامل تقضي ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم.\nوسبب اختلافهم تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض، فمن شبَّههما بالمريض قال: عليهما القضاء فقط، ومن شبَّههما بالذي يجهده\n_________\n(١) (١/ ٤٣٢ - ٤٣٤).\n(٢) (١/ ٣٠٠).\n(٣) واستدل الجصاص (١/ ١٨٠) على مسلك الحنفية بما سيأتي في \"باب اختيار الفطر\" من حديث أنس بن مالك القشيري. (ش).","vol":"8","page":435},{"text":"٢٣١٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ (١)، عَنْ سَعِيدٍ،\n===\nالصوم، قال: عليهما الإطعام فقط بدليل قراءة من قرأ: ﴿وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين﴾.\nوأما من جمع عليهما الأمرين، فيشبه أن يكون رأى فيهما من كل واحد شبهًا، فقال: عليهما القضاء من جهة ما فيهما من شبه المريض، وعليهما الفدية من جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم الصوم.\nومن فرق بين الحامل والمرضع، ألحق الحامل بالمريض، وأبقى حكم المرضع مجموعًا من حكم المريض وحكم الذي يجهده الصوم.\nومن أفرد لهما أحد الحكمين أولى ممن جمع، كما أن من أفردهما بالقضاء أولى ممن أفردهما بالإطعام فقط، لكون القراءة غير متواترة، فتأمل هذا فإنه بَيِّنٌ.\nوأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا، واختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا، فقال قوم: عليهما إطعام، وقال قوم: ليس عليهما إطعام، وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة، وبالثاني قال مالك.\nوسبب اختلافهم اختلافهم في القراءة التي ذكرنا، أعني قراءة من قرأ ﴿وعلى الذين يطوِّقونه﴾، فمن أوجب العمل بالقراءة التي لم تثبت في المصحف إذا وردت من طريق الآحاد العدول، قال: الشيخ منهم، ومن لم يوجب بها عملًا جعل حكم المريض الذي يتمادى به المرض حتى يموت.\n٢٣١٨ - (حدثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن سعيد،\n_________\n(١) قلت: ذكر المزي هذا الحديث في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٣٤٦) رقم (٥٥٦٥)، وزاد إسنادًا آخر: \"وعن مسدد، عن يحيى، كلاهما عن سعيد بن أبي عروة ... به\"، وقال: \"حديث مسدد في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم.","vol":"8","page":436},{"text":"عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ: \"كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ (١) الْكَبِيرَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا،\n===\nعن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان (٢) الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا).\nقول ابن عباس (٣) بظاهره يخالف الآية، فإن الآية تدل على أن المطيقين للصيام إذا أفطروا عليهم فدية طعام مسكين، فلا يدخل فيهم الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة.\nففي قوله توجيهان: إما أن يقال: إن في الآية قوله: \"يطيقونه\" ليس من باب الإفعال، بل هو من باب الفيعلة على قراءة ابن عباس، فحينئذ يلتئم قوله: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام، أي بالجهد والمشقة بالآية.\nوإما أن يقال: إن قوله: \"يطيقونه\" في الآية من باب الإفعال، فعلى هذا يقال: إن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - رجع عن قوله الأول إلى قول الجمهور، أي كان أولًا هذا الحكم أن المطيقين كانوا مخيرين بين الفدية والصيام، كما تقدم من رواية عكرمة عن ابن عباس، ثم نسخ ذلك الحكم\n_________\n(١) في نسخة: \"للمرأة\".\n(٢) وفي \"التقرير\": بحذف لا، قال: وهو ينافي ما في الحاشية ثم بسطه. (ش).\n(٣) الروايات عن ابن عباس مختلفة في ذلك، وينبغي أن ينقح الكلام بعد جمع رواياتها من \"الدر المنثور\" وغيره، ومال صاحب \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٢٧) إلى أن الروايات عن ابن عباس مختلفة. (ش).","vol":"8","page":437},{"text":"وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا\". [ق ٤/ ٢٣٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْني عَلَى أَوْلَادِهِمَا (١).\n===\nكما يدل عليه ما أخرجه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢): أخرج عبد بن حميد عن ابن سيرين قال: كان ابن عباس يخطب فقرأ هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، قال: قد نسخت هذه الآية.\nوأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في \"ناسخه\" وابن مردويه عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ثم نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فنسخت الأولى إلا الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر، ثم قال: ولكن كانت، أي: بقيت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام.\nهكذا في جميع النسخ بدون ذكر \"لا\" النافية، وهو مخالف لسائر روايات ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -، فإن الشيخ السيوطي أخرج عن سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبي داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حاتم، والبيهقي في \"سننه\" عن ابن عباس في الآية قال: كانت مرخصة للشيخ الكبير والعجوز وهما يطيقان الصوم، أن يُفطرا ويطعما مكان كل يودا مسكينًا، ثم نسخت بعد ذلك، فقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما، وللحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا، فإما أن يقال: وهما يطيقان الصوم أي بالجهد والكلفة، أو يقال: إن حرف \"لا\" سقطت من الناسخ، أو مقدرة كما قيل في الآية.\n(والحبلى والمرضع إذا خافتا، قال أبو داود: يعني على أولادهما)، الغرض من هذا الكلام بيان الفرق بين الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أفطرتا وأطعمتا\".\n(٢) (١/ ٤٣١).","vol":"8","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>(٤) بَابُ الشَّهْرِ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ</span>\n٢٣١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (١) - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ؛\n===\nوبين الحبلى والمرضع، فإن الأولين رُخِّصَا للخوف على أنفسهما، وأما الثانيتان فمرخَّصتان خوفًا على غيرهما.\n(٤) (بَابُ الشَّهْرِ) قَدْ (يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)\nوقد يكون ثلاثين\n٢٣١٩ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا شعبة، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو، يعني ابن سعيد بن العاص) بن سعيد بن العاص بن أمية، أبو عثمان، ويقال: أبو عنبسة الأموي، كان مع أبيه إذا غلب على دمشق، قال أبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الزبير: كان من علماء قريش بالكوفة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وذكره ابن عساكر أنه بقي إلى أن وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وقال الكناني عن أبي حاتم: هو ثقة.\n(عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنا) أي: العرب، وقيل: أراد نفسه (أمة) أي جماعة (أميَّة) منسوب إلى أمة العرب، فإنهم غالبًا كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون، أو منسوب إلى الأم، لأنه باقٍ على الحال التي ولدته أمه، ولم يتعلم قراءة ولا كتابة، وقيل: منسوب إلى أم القرى، وهي مكة، أي إنا أُمة مكية (٢).\n(لا نكتب ولا نحسب) بضم السين، وهذ الحكم بالنظر لأكثرهم، أو المراد\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٤٢).","vol":"8","page":439},{"text":"الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا\"، وَخَنَسَ سُلَيْمَانُ إِصْبَعَهُ فِى الثَّالِثَةِ، يَعْنِى تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَثَلَاثِينَ\". [خ ١٩١٣، م ١٠٨٠، ن ٢١٤٠]\n===\nلا نحسن الكتاب والحساب، ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب، لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب ها هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلَّا النزر اليسير، فعلَّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، وقد ذهب قوم (١) إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الروافض، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم، لأنها حدس وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلَّا القليل.\n(الشهر هكذا وهكذا وهكذا) ثلاث مرات، فأشار بنشر الأصابع العشرة (وخنس) بفتح المعجمة والنون المخففة، أي قبض، وأخَّرها عن مقام أخواتها فإنها كانت منشورة وهذه مقبوضة (سليمان إصبعه في) المرة (الثالثة، يعني) قد يكون (تسعًا وعشرين) ثم قال: والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام ثلاثين، أي أشار أولًا بأصابع يديه العشر جميعًا مرتين، وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا المعبر عنه بقوله: تسع وعشرون، وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله: (وثلاثين).\nهكذا أخرجه مسلم (٢) عن ابن المثنى، وغيره، عن غندر، عن شعبة بلفظ: \"الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام الثلاثين\"، ففي حديث أبي داود اختصار.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٧).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٥/ ١٠٨٠).","vol":"8","page":440},{"text":"٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، نَا حَمَّادٌ، نَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، ولا تُفطروا حتَّي تَرَوْهُ\n===\n٢٣٢٠ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا حماد، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: الشهر تسع وعشرون).\nقال الحافظ (١): ظاهره حصر الشارع في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين، والجواب: أن المعنى أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين، أو اللام للعهد، والمراد شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر الأغلب لقول ابن مسعود: \"ما صمنا مع النبي - ﷺ - تسعًا وعشرين أكثر من ثلاثين\" (٢)، أخرجه أبو داود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد، ويؤيد الأول قوله في حديث أم سلمة في الباب: \"إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا\" (٣).\nوقال ابن العربي (٤): قوله: \"الشهر تسع وعشرون\" معناه حصره من جهة أحد طرفيه، أي أنه يكون تسعًا وعشرين، وهو أقله، ويكون ثلاثين، وهو أكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفًا، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله.\n(فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه)، قال الحافظ (٥): ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد، بل المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك، إما واحد على رأي الجمهور، أو اثنان على رأي آخرين.\n_________\n(١) فتح الباري\" (٤/ ١٢٣).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٢٢)، والترمذي (٦٨٩)، وأحمد في \"مسنده\" (١/ ٣٩٧).\n(٣) أخرجه البخاري (١٩١٠).\n(٤) \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٢٠٤).\n(٥) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٣).","vol":"8","page":441},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nووافق الحنفية على الأول إلَّا أنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علة الغيم (١) وغيره، وإلَّا متى كان صحو لم يقبل إلَّا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم، وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك، قال: لأن قوله: \"حتى تروه\" خطاب لأناس مخصوصين، فلا يلزم غيرهم، ولكنه مصروف عن ظاهره، فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد، فلا يتقيد بالبلد.\nوقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nأحدها: لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي \"صحيح مسلم\" من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية.\nثانيها: مقابله إذا رُئيَ ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعُد من البلاد كخراسان والأندلس.\nقال القرطبي: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة الاثنين لزمهم الصوم، وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة، إلَّا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلَّا أن يثبت عند الإِمام الأعظم، فيلزم [الناس كلهم]، لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع.\nوقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكاه البغوي عن الشافعي.\n_________\n(١) وفي \"الفتح\" علة من غيم.","vol":"8","page":442},{"text":"فَإِنْ (١) غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ\"\n===\nوفي ضبط البعد أوجه:\nأحدها: اختلاف المطالع (٢)، قطع به العراقيون والصيدلاني، وصححه النووي في \"الروضة\" و\"شرح المهذب\".\nثانيها: مسافة القصر، قطع به الإِمام والبغوي، وصححه الرافعي في \"الصغير\"، والنووي في \"شرح مسلم\".\nثالثها: اختلاف الأقاليم.\nرابعها: حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم.\nخامسها: قول ابن الماجشون المتقدم، واستدل به على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده وإن لم يثبت بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم.\nواختلفوا في الفطر فقال الشافعي: يفطر ويخفيه، وقال الأكثر: يستمر صائمًا احتياطًا.\n(فإن غُمَّ عليكم) بضم المعجمة وتشديد الميم، أي حال بينكم وبينه غير، يقال: غممتُ الشيء إذا غَطَّيْتُه (فاقدروا له) بضم الدال وكسرها، يقال: قدرت لأمر كذا إذا نظرت فيه ودبرته، وفيه ثلاث تأويلات.\nأحدها: ما قال الأئمة الثلاثة والجمهور: معناه: قدِّروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا ثلاثين يومًا، ويرجح هذا التأويل الروايات الآخر المصرحة بالمراد، وهي قوله: \"فأكملوا العدة ثلاثين\" ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"فإذا\".\n(٢) قلت: وبسطت في \"الأوجز\" (٥/ ٢٥): أن الأئمة الأربعة كلهم سوى الشافعية يعتبرون اختلاف المطالع في المعتمد عنهم، كما تدل عليه نصوص فروعهم، انتهى. (ش).","vol":"8","page":443},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوثانيها: ما قالت طائفة: معناه: ضيِّقوا له وقدروه تحت السحاب، وبه قال أحمد وغيره ممن يجوِّز صوم ليلة الغيم عن رمضان.\nوثالثها: معناه: قدروه بحسب المنازل، ونقل ابن العربي عن ابن سريح: أن قوله: \"فاقدروا له\" خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم، وأن قوله: \"فأكملوا العدة\" خطاب للعامة، قال ابن العربي (١): فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، قال: هذا بعيد عن النبلاء.\nفتعددت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل: أحدها: الجواز، ولا يجزئ عن الفرض، ثانيها: يجوز، ويجزئ، ثالثها: يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجِّم، رابعها: يجوز لهما، ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجِّم، خامسها: يجوز لهما ولغيرهما مطلقًا، وقال ابن الصباغ: أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا، قلت: ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك، فقال في \"الإشراف\": صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته، هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، فمن فرق بينهم كان محجوجًا بالإجماع قبله.\nوقال في \"الدر المختار\" (٢): ولا عبرة بقول الموقتين ولو عدولًا على المذهب، قال الشامي: قوله: \"ولا عبرة إلى آخره\" أي في وجوب الصوم على الناس، بل في \"المعراج\": لا يعتبر قولهم بالإجماع، ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه، وفي \"النهر\": فلا يلزم بقول الموقتين: إنه أي الهلال يكون في السماء ليلة كذا وإن كانوا عدولًا في الصحيح كما في \"الإيضاح\"،\n_________\n(١) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٢٠٨)، و\"فتح الباري\" (٤/ ١٢٢).\n(٢) (٣/ ٣٥٤).","vol":"8","page":444},{"text":"قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَانَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ، فَإِنْ رُؤِىَ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرَةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَإِنْ (١) حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا\n===\nوللإمام السبكي الشافعي تأليف مال فيه إلى اعتماد قولهم، لأن الحساب قطعي، قلت: ما قاله السبكي رده متأخرو أهل مذهبه، انتهى.\n(قال) نافع: (فكان ابن عمر إذا كان) أي بلغ (شعبان تسعًا وعشرين نُظِرَ له) أي: ينظر أهله الهلال، لأنه صار مكفوف البصر (فإن رُئِيَ) أي الهلال (فذاك) أي الموجب للصوم من رمضان و(إن لم يَرَ ولم يَحُلْ) من الحيلولة (دون منظره صحابي ولا قترة) أي غبار (أصبح مفطرًا، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائمًا).\nفإن قلت: كيف صام ابن عمر - ﵄- وقد نهي عن صوم يوم الشك؟ أخرج البخاري: وقال صلة عن عمار (٢): \"من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -\".\nقلت: الكراهة محمولة على أن يصوم من رمضان، وأما إذا نوى نفلًا فلا كراهة فيه.\nفي \"موطأ\" (٣): مالك أنه سمع أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان، إذا نوى به صيام رمضان، ولا يرون بصيامه تطوعًا بأسًا، قال مالك: وهذا الأمر عندنا، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا.\nقلت: وكذلك عند الحنفية، قال في \"تنوير الأبصار\": ولا يصام يوم\n_________\n(١) في نسخة: \"وإن\".\n(٢) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الصوم، باب قول النبي - ﷺ -: إذا رأيتم الهلال فصوموا ... إلخ.\n(٣) انظر: \"أوجز المسالك إلى موطأ مالك\" (٥/ ٣١٦).","vol":"8","page":445},{"text":"قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ\". [خ ١٩٠٦، م ١٠٨٠، ن ٢١٢٢، جه ١٦٥٤]\n٢٣٢١ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنِى أَيُّوبُ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ: بَلَغَنَا عَنْ (١) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، زَادَ: \"وَإِنَّ أَحْسَنَ مَا يُقَدَّرُ لَهُ إِذَا رَأَيْنَا هِلَالَ شَعْبَانَ لِكَذَا وَكَذَا، فَالصَّوْمُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِكَذَا وَكَذَا، إلَّا أَنْ تَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ\". [ق ٤/ ٢٠٥]\n===\nالشك إلَّا نفلًا، ولو صامه لواجب آخر كره، قال في \"الدر المختار\" (٢): ولو جزم أن يكون عن رمضان كره تحريمًا.\n(قال: وكان ابن عمر يفطر مع الناس) أي: إذا أفطروا (ولا يأخذ بهذا الحساب) أي لا يعتبر بحساب الصوم الذي صامه من آخر شعبان، لأنه كان تطوع به (٣).\n٢٣٢١ - (حدثنا حميد بن مسعدة، نا عبد الوهاب، حدثني أيوب قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل البصرة: بلغنا عن رسول الله - ﷺ - نحو حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ -، زاد) أي عمر بن عبد العزيز بعد سَوق الحديث من قوله، فهو مدرج، (وإن أحسن ما يقدر له إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء الله لـ) يوم (كذا وكذا) بعد مضي ثلاثين يومًا من شعبان (إلَّا أن يروا الهلال قبل ذلك) بيوم، فيكون الصوم بعد مضي تسع وعشرين يومًا من شعبان.\n_________\n(١) في نسخة: \"أن\".\n(٢) (٣/ ٣٤٧).\n(٣) وما يظهر من كلام الحنابلة أنهم قالوا: يصوم ذلك اليوم وجوبًا، ولا يأخذون بذلك في الحساب، بل إذا وجد الغيم في الثلاثين من شعبان، وكذا الثلاثين من رمضان، أوجبوا الأول أيضًا، ثم الثلاثين بعد ذلك اليوم، وعليه حملوا قوله ﵊: \"أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا\"، كذا في \"نصب الراية\" (١/ ٤٣٧). (ش).","vol":"8","page":446},{"text":"٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى زَائِدَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِى ضِرَارٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَا صُمْنَا مَعَ\n===\nوقال صاحب \"العون\" (١): زاد أي أيوب في رواية عبد الوهاب عنه دون حماد، وهو محتمل على بعدٍ.\n٢٣٢٢ - (حدثنا أحمد بن منيع، عن ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا، (عن عيسى بن دينار) الخزاعي مولاهم، أبو علي الكوفي، المؤذن، وثقه ابن معين، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق عزيز الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود والترمذي حديث ابن مسعود في الصوم.\n(عن أبيه) دينار الكوفي، والد عيسى، مولى عمرو بن الحارث بن أبي ضرار، روى عن مولاه، وعنه ابنه عيسى بن دينار، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ (٢) في ترجمة عيسى بن دينار: قال علي بن المديني: عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث، عمرو معروف، ولا نعرف أباه، قلت: إنما قال ابن المديني: عيسى معروف ولا نعرف أباه يعني دينارًا، وأما عمرو بن الحارث فهو المصطلقي الخزاعي، وليس لأبيه هنا رواية حتى يحتاج إلى من يعرفه، نص عليه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في \"سؤالاته\" عن ابن المديني، والصواب عيسى لا محالة.\n(عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار) بكسر المعجمة، الخزاعي المصطلقي، أخو جويرية زوج النبي - ﷺ -، وهو غير عمرو بن الحارث الثقفي ابن أخي زينب الثقفية على المرجح.\n(عن ابن مسعود قال: لما) موصولة، أو مصدرية (صمنا مع\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٦/ ٣١٤).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢١٠).","vol":"8","page":447},{"text":"النَّبِىِّ (١) -ﷺ- تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمَّا صُمْنَا مَعَهُ ثَلَاثِينَ\". [ت ٦٨٩، حم ١/ ٣٩٧، خزيمة ١٩٢٢، ق ٤/ ٢٥٠]\n٢٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ:\n===\nالنبي - ﷺ - تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا (٢) معه) أي النبي - ﷺ - (ثلاثين).\n٢٣٢٣ - (حدثنا مسدد، أن يزيد بن زريع حدثهم) قال يزيد بن زريع: (نا خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: شهرا عيد لا ينقصان).\nقال الحافظ (٣): وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فمنهم من حمله على ظاهره، فقال: لا يكون رمضان وذو الحجة أبدًا إلَّا ثلاثين، وهذا قول مردود معاند للموجود المشاهد، ويكفي في رده قوله - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة\"، فإنه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا.\nومنهم من تأول له معنى لائقًا، قال أبو الحسن: كان إسحاق بن راهويه يقول: لا ينقصان في الفضيلة إن كانا تسعة وعشرين أو ثلاثين، انتهى. وقيل: لا ينقصان معًا، إن جاء أحدهما تسعًا وعشرين جاء الآخر ثلاثين ولا بد، وقيل: لا ينقصان في ثواب العمل فيهما، وهذان القولان مشهوران عن السلف، ووقع عند الترمذي نقل القولين عن إسحاق بن إبراهيم (٤) وأحمد بن حنبل (٥)، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وفي \"شرح المواهب اللدنية\": عن ابن مسعود: صمت معه عشر سنين، تسعة منها تسعة وعشرون يومًا، وسنده ضعيف. كذا في \"العرف الشذي\" (ص ٢٨٦). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٥).\n(٤) هو المعروف بابن راهويه.\n(٥) هكذا حكاه البخاري عنهما رقم الحديث (١٩١٢)، وكذا الترمذي (٦٩٢). (ش).","vol":"8","page":448},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفعلى قول أحمد لا يجوز أن ينقصا معًا في سنة واحدة، إن نقص رمضان تم ذو الحجة، وإن نقص ذو الحجة تم رمضان، وعلى قول إسحاق يجوز أن ينقصا معًا في سنة واحدة.\nقال الحافظ (١): وزاد القرطبي أن معناه لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه - ﷺ - تلك المقالة، وهذا حكاه ابن بزيزة ومن قبله أبو الوليد بن رشد.\nوقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي، فقال: معنى \"لا ينقصان\" أن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمها إذا كانا ثلاثين.\nوقيل: معناه لا ينقصان في نفس الأمر، ولكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، ولا يخفى بُعده.\nوقيل: معناه لا ينقصان معًا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب، وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم، لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين.\nقال الطحاوي (٢): الأخذ بظاهره أو حمله على نقص أحدهما يدفعه العيان، لأنا قد وجدناهما ينقصان معًا في أعوام.\nوقال الزين بن المنير: لا يخلو شيء من هذه الأقوال عن الاعتراض، وأقربها أن المراد أن النقص الحسي باعتبار العدد ينجبر، بأن كلًّا منهما شهر عيد عظيم فلا ينبغي وصفهما بالنقصان، بخلاف غيرهما من المشهور، وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق.\nوقال البيهقي في \"المعرفة\" (٣): إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٥).\n(٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٥٨).\n(٣) \"معرفة السنن والآثار\" (٦/ ٢٤٣)، وفيه: حكم الصوم والعيد والحج بهما.","vol":"8","page":449},{"text":"رَمَضَانُ، وَذُو الْحِجَّةِ\". [خ ١٩١٢، م ١٠٨٩، ت ٦٩٢، جه ١٦٥٩، حم ٥/ ٣٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>(٥) بَابٌ: إِذَا أَخْطَأَ القَوْمُ الْهِلَال</span>\n٢٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ فِى حَدِيثِ أَيُّوبَ،\n===\nوالحج بهما، وبه جزم النووي، وقال: إنه الصواب.\nوقال الطيبي (١): ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من المشهور، وليس المراد أن ثواب الطاعة في غيرهما ينقص.\n(رمضان وذو الحجة) قال الحافظ (٢): أطلق على رمضان أنه شهر عيد لقربه من العيد، أو لكونه هلال العيد ربما رُؤي في اليوم الأخير من رمضان، قاله الأثرم، والأول أولى، ونظيره قوله - ﷺ -: \"المغرب وتر النهار\"، وصلاة المغرب ليلية جهرية، وأطلق كونها وترَ النهار لقربها منه.\n\n(٥) (بَابٌ: إِذَا أَخْطَأَ الْقَوْمُ الهِلَالَ)\nأي: غلطوا في رؤية الهلال، فما حكمه؟\n٢٣٢٤ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد في حديث أيوب)، أخرج الدارقطني في \"سننه\" (٣): حدثنا ابن مرداس، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن عبيد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، ذكر النبي - ﷺ - نحوه، ثم قال: وتابعه أي أيوب روح بن القاسم عن ابن المنكدر، وهذا يدل على أن حماد بن زيد يروي هذا الحديث عن أيوب، وإنما أتى بلفظ \"في حديث أيوب\" دون لفظة \"عن\"؛ لأن المذكور ههنا قطعة من حديث أيوب دون تمامه، كما يدل عليه رواية إسماعيل وعبد الوهاب التي أخرجها الدارقطني في \"سننه\".\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٤٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٦).\n(٣) رقم (٢١٧٨).","vol":"8","page":450},{"text":"عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، ذَكَرَ النَّبِىَّ -ﷺ- فِيهِ قَالَ: \"وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ،\n===\n(عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة ذكر) أي حماد بن زيد (النبي - ﷺ - فيه) أي في حديث أيوب، ويدل عليه أن الدارقطني روى أولًا عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، ثم روى عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة قوله، ثم قال: رواه عن حماد بن زيد، عن أيوب، ورفعه إلى النبي - ﷺ -، فالظاهر أن الرافع إلى النبي - ﷺ - حماد بن زيد، ويمكن أن يقال: إن لفظ \"قال حماد\" مقدر قبل قوله: ذكر النبي - ﷺ -، فحينئذ مرجع ضمير ذكر أيوب.\n(قال: وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون)، نقل في الحاشية عن الخطابي (١): معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا ولم يروا الهلال إلَّا بعد ثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، ولا عتب عليهم، وكذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادته، ويجزيهم أضحاهم كذلك، وهذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده.\nوقال الترمذي (٢): فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا: [أن] الصوم والفطر مع الجماعة وعُظْمِ الناس، أي إذا (٣) صام أو أفطر مع الجماعة وقد أخطأوا فيها، فلا مؤاخذة عليهم به.\nقلت: وهذا الحكم فيما عند الله ﷾، وأما الحكم في الدنيا بالحكم بالإعادة، فهو مبسوط في كتب الفقه، وليس هذا موضع تفصيله.\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٩٥، ٩٦).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٨٠) كتاب الصوم \"باب ما جاء الصوم يوم تصومون ... إلخ.\n(٣) قلت: بل الظاهر معناه: الناس تبع للإمام إذا صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، كما قال به جماعة، كذا في \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٠) (ش).","vol":"8","page":451},{"text":"وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ، وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ\". [ت ٦٩٧، جه ١٦٦٠، ق ٤/ ٢٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>(٦) بَاب: إِذَا أُغْمِيَ الشَّهْرُ</span>\n٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَيْسٍ قَالَ:\n===\n(وكل عرفة موقف، وكل مني منحر، وكل فجاج) جمع فج، وهو الطريق الواسع (مكة منحر، وكل جمع) أي مزدلفة (موقف).\nحاصل هذا الكلام: أن محل الوقوف في عرفة، ومحل النحر في مني ومكهَ، ومحل الوقوف في مزدلفة، لا ينحصر فيما وقف فيه النبي - ﷺ -، ونحر من تلك الأماكن، بل يجوز الوقوف في جميع أمكنة عرفة، وجميع أمكة مزدلفة، ويجوز النحر في جميع أمكنة الحرم من مني ومكة.\nقلت: وقد اختلف في سماع ابن المنكدر عن أبي هريرة، فقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): قال الترمذي: سألت محمدًا سَمِعَ محمد بن المنكدر عن عائشة؟ قال: نعم، ثم قال: قال البخاري عن هارون بن محمد الفروي: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقال ابن المديني عن أبيه: بلغ ستًا وسبعين سنة، قلت: فيكون مولده على هذا قبل سنة ستين بيسير، فتكون روايته عن عائشة وأبي هريرة ونحوهم مرسلة، وقد قال ابن معين وأبو بكر البزار: لم يسمع من أبي هريرة، وقال أبو زرعة: لم يلقه، وإذا كان كذلك فلم يلق عائشة لأنها ماتت قبله.\n\n(٦) (بَابٌ: إِذَا أُغْمِيَ الشَّهْرُ) أي: أخفي الشهر بعدم رؤية الهلال\n٢٣٢٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثني عبد الرحمن بن مهدي، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس قال:\n_________\n(١) (٩/ ٤٧٤).","vol":"8","page":452},{"text":"سَمِعْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - تَقُولُ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ\". [حم ٦/ ١٤٩، خزيمة ١٩١٠]\n٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّىُّ، عَنْ مَنْصُورٍ (١)، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» (٢). [ن ٢١٢٦، خزيمة ١٩١١]\n===\nسمعت عائشة - ﵂ - تقول: كان رسول الله - ﷺ - يتحفظ من شعبان) أي يتكلف في حفظ أيام شعبان وعدها (ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية (٣) رمضان) إذا رُئِي الهلال ليلة ثلاثين من شعبان، (فإن غم عليه) الهلال ليلة ثلاثين من شعبان (عد) شعبان (ثلاثين يومًا ثم صام) بعد إكمال شعبان ثلاثين يومًا.\n٢٣٢٦ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا جرير بن عبد الحميد الضبي، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تقدموا الشهر) أي رمضان، نقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": الأقرب معنى أنه من التقديم، أي لا تحكموا بالشهر قبل أوانه، ولا تقدموه قبل وقته، بل اصبروا (حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة) أي عدة أيام شهر شعبان (ثم صوموا) رمضان بعد الرؤية أو إكمال العدة (حتى تروا الهلال) أي هلال شوال لتسع وعشرين (أو تكملوا العدة) أي عدة أيام رمضان ثلاثين.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن المعتمر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: رواه سفيان وغيره عن منصور عن ربعي عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، لم يسم حذيفة\" (ش).\n[قلت: أخرج روايته عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٣٣٧)، وأحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣١٤)، والدارقطني (٢/ ١٦١)، وأشار إلى هذا الاختلاف على منصور النسائي (٤/ ١٣٦)، والبزار (٧/ ٢٧٣)، والدارقطني (٢/ ١٦١)، والبيهقي (٤/ ٢٠٨)].\n(٣) اللام لتعليل أو للتوقيت كذا في \"المرقاة\" (٤/ ٤٦٣). (ش).","vol":"8","page":453},{"text":"(٧) بَابُ مَنْ قَالَ: فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا (١) ثَلَاثِينَ\n٢٣٢٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ،\n===\nقال الحافظ (٢): وروى أبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، من طريق ربعي، عن حذيفة مرفوعًا: \"لا تقدموا الشهر\" الحديث، وقيل: الصواب فيه عن ربعي، عن رجل من الصحابة مبهم، ولا يقدح ذلك في صحته.\nوقال في \"التلخيص الحبير\" (٣): ورواه الثوري، وجماعة عن منصور، عن ربعي، عن رجل من الصحابة غير مسمى، ورجحه أحمد على رواية جرير.\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤): قال ابن الجوزي: وحديث حذيفة هذا ضعفه أحمد، قال في \"التنقيح\": وهذا وهم منه، فإن أحمد إنما أراد أن الصحيح قول من قال: عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وإنَّ تسمية حذيفة وَهْمٌ من جرير، فظن ابن الجوزي أن هذا تضعيف من أحمد للحديث، وأنه مرسل، وليس هو بمرسل، بل متصل، إما عن حذيفة، وإما عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وجهالة الصحابة غير قادحة في صحة الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>(٧) (بَابُ مَنْ قَالَ: فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثينَ)</span>\nوالفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها بأن الترجمة الأولى عقدت لإغماء هلال رمضان، بأنه إن أغمي هلال رمضان، فيكمل عدة أيام شعبان ثلاثين، وأما هذه الترجمة فمنعقدة لإغماء هلال شوال، بأنه إن أغمي هلال شوال، فيكمل عدة أيام رمضان، بأن يصام ثلاثون يومًا من رمضان\n٢٣٢٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا حسين، عن زائدة،\n_________\n(١) في نسخة: \"فعدوا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢١).\n(٣) (٢/ ٤٣٢).\n(٤) (٢/ ٤٣٩)، وانظر: \"التعليق المغني على سنن الدارقطني\" (٢/ ١٦٢).","vol":"8","page":454},{"text":"عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَىْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ، وَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَمَامَةٌ فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ،\n===\nعن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تقدموا) ولفظ البخاري (١): \"لا يتقدمنَّ أحدكم\"، (الشهر بصيام يوم ولا يومين، إلَّا أن يكون شيء يصومه أحدكم).\nقال الحافظ (٢): قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، قال الترمذي (٣): العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان، انتهى.\nوالحكمة فيه التقوِّي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وهذا فيه نظر، لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز.\nوقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضًا، لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث.\nوقيل: لأن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد.\nومعنى الاستثناء أن من كان له ورد، فقد أذن له فيه، لأنه اعتاده وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء.\n(ولا تصوموا) أي رمضان (حتى تروه) أي هلال رمضان (ثم صوموا) بعد رؤية الهلال، واستمروا على الصيام (حتى تروه) أي هلال شوال (فإن حال دونه) أي الهلال (غمامة) أي سحاب (فأتموا العدة) أي عدة أيام رمضان (ثلاثين،\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٩١٤) برواية أبي هريرة.\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٨).\n(٣) \"سنن الترمذي\" ٥ - كتاب الصوم، ٣ - باب ما جاء لا تقدموا الشهر بيومٍ. (٣/ ٦٩).","vol":"8","page":455},{"text":"ثُمَّ أَفْطِرُوا، وَالشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ\". [ت ٦٨٨، ن ٢١٣٠، حم ١/ ٢٥٨، خزيمة ١٩١٢، ق ٤/ ٢٠٨، ك ١/ ٤٢٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ أَبِى صَغِيرَةَ، وَشُعْبَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ بِمَعْنَاهُ، لَمْ يَقُولُوا: ثُمَّ أَفْطِرُوا (١).\n===\nثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون)، وقد مرَّ شرح هذا الكلام قريبًا.\n(قال أبو داود: رواه حاتم بن أبي صغيرة، وشعبة، والحسن بن صالح، عن سماك بمعناه (٢)، لم يقولوا: ثم أفطروا).\nوأخرج النسائي حديث ابن عباس من طريق أبي خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ثم قال بعد تخريج الحديث: قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، فالظاهر أن الإشارة بقوله: \"هذا خطأ\"، إلى حديث أبي سلمة، عن ابن عباس، فإن ذكر ابن عباس في حديث أبي سلمة ليس إلَّا في هذا الطريق، وأما حديث ابن عباس في غير هذا الطريق فهو صحيح، أخرجه أبو داود عن طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، ثم قال: قال أبو داود: رواه حاتم بن أبي صغيرة، وشعبة، والحسن بن صالح، عن سماك بمعناه.\nقال الشوكاني (٣): حديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم، وهو من صحيح حديث سماك بن حرب، لم يدلس فيه ولم يلقن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهو حاتم بن مسلم بن أبي صغيرة، وأبو صغيرة زوج أمه\".\n(٢) قلت: رواية حاتم بن أبي صغيرة أخرجها أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٢٦)، والدارمي في \"سننه\" (٢/ ٣) رقم (١٦٨٣)، والنسائي في \"المجتبى\" (٤/ ١٣٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠٧)، ورواية شعبة أخرجها ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٢٠٤) رقم (١٩١٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٥٩٠)، والحاكم في \"مستدركه\" (١/ ٤٢٤).\nورواية الحسن بن صالح أخرجها الطبراني في \"معجمه الكبير\" (١١/ ٢٨٦) رقم (١١٧٥٧).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٥٨).","vol":"8","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>(٨) بَابٌ: في التَّقَدُّم</span>\n٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَسَعِيدٍ الْجُرَيْرِىِّ، عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِرَجُلٍ:\n===\nأيضًا، فإنه من رواية شعبة عنه، وكان شعبة لا يأخذ عن شيوخه ما دَلَّسُوا فيه، ولا ما لَقَّنوا، انتهى.\n\n(٨) (بَابٌ: في التَّقَدُّمِ)\nأي في جواز تقدم الصوم على رمضان\nوهذا يخالف بظاهره ما تقدم من النهي عن تقديم صوم يوم أو يومين على رمضان، ووجه الجمع بينهما أن يقال: إن النهي مقيد بصوم يوم أو يومين، فعلى هذا حكم الجواز في آخر شعبان مختص فيما قبل يوم أو يومين، أو يقال: إن الصوم المعتاد مستثنى من النهي، وحكم جواز التقديم في المعتاد.\n٢٣٢٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن مطرف، عن عمران بن حصين، وسعيد الجريري) بالجر عطف على ثابت، أي روى حماد بن سلمة عن ثابت، وعن سعيد الجريري.\nوقد أخرج الطحاوي (١) هذا الحديث بهذين السندين من حديث عبيد الله بن محمد التيمي فقال: أخبرنا حماد، عن ثابت، عن مطرف، ثم قال: أخبرنا حماد عن الجريري، عن مطرف.\n(عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران بن حصين، أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل) (٢)، ولفظ رواية غيلان بن جرير عن مطرف عند البخاري:\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٨٣، ٨٤).\n(٢) وفي \"التقرير\": لعل الرجل كان يصومه، أو كان الصوم عليه من نذر، فأمره ﵇ بذلك على أن النهي ليس بعام، فإن كان ناذرًا فالقضاء على الوجوب، وإن كان عاديًا فعلى الاستحباب. (ش).","vol":"8","page":457},{"text":"\"هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ \"،\n===\n\"عن النبي - ﷺ - سأله، أو - سأل رجلًا، وعمران يسمع\"، قال الحافظ (١): هذا شك من مطرف، فإن ثابتًا رواه عنه بنحوه على الشك أيضًا، أخرجه مسلم، وأخرجه من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الإبهام \"أنه قال لرجل\"، زاد أبو عوانة في \"مستخرجه\": \"من أصحابه\"، ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به \"قال لعمران\" بغير شك.\n(هل صمت من سرر شعبان شيئًا؟)، ووقع في رواية البخاري: \"أما صمت سرر هذا الشهر؟ قال: أظنه قال: يعني رمضان\".\nقال الحافظ: قال الخطابي: ذكر رمضان ها هنا وهم، لأن رمضان يتعين صوم جميعه، وكذا قال الداودي وابن الجوزي.\nوقال الحافظ: والسرر بفتح السين المهملة، ويجوز كسرها وضمها جمع سرة، ويقال أيضًا سرار بفتح أوله وكسره، ورجح الفراء الفتح، وهو من الاستسرار، قال أبو عبيد والجمهور: المراد بالسرر ههنا آخر الشهر، سميت بذلك لاستسرار القمر فيها، ونقل أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: أن سرره أوله، ونقل الخطابي عن الأوزاعي كالجمهور.\nوقيل: السرر وسط الشهر، حكاه أبو داود أيضًا، ورجحه بعضهم، ووجهه بأن السرر جمع سرة، وسرة الشيء وسطه، ويؤيده الندب إلى صيام البيض، وهي وسط الشهر، وأنه لم يَرِدْ في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاص، وهو آخر شعبان لمن صامه لأجل رمضان، ورجحه النووي بأن مسلمًا أفرد الرواية التي فيها سرة هذا الشهر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الحض على صيام البيض، وهي وسط الشهر كما تقدم، لكن لم أره في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣٠).","vol":"8","page":458},{"text":"قَالَ لَا، قَالَ: \"فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمًا\". وَقَالَ أَحَدُهُمَا: \"يَوْمَيْنِ\". [خ ١٩٨٣، م ١١٦١]\n٢٣٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ الزُّبَيْدِيُّ\n===\nونقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": والخطاب لمن يعتاد، أو لبيان الجواز، ويحتمل أن يراد بالشهر كل شهر، والمراد: صوموا أول كل شهر وآخره، والمقصود بيان الإباحة.\n(قال: لا، قال: فإذا أفطرت) أي من رمضان (فصم يومًا، وقال أحدهما) وهما ثابت وسعيد الجريري، والمراد بأحدهما ثابت (يومين) كما أخرج الطحاوي (١) عن حماد، عن ثابت، عن مطرف، عن عمران، ففيه: \"فإذا أفطرت رمضان فصم يومين\"، وأخرج الطحاوي حديث حماد، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران مثله، غير أنه قال: \"صم يومًا\".\nووافقه مسلم في \"صحيحه\" (٢)، فأخرج حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف، عن عمران، ولفظه: \"فإذا أفطرت فصم يومين\"، ثم خالفه في حديث الجريري، فأخرج من حديث يزيد بن هارون، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران، ولفظه: \"فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه\".\n٢٣٢٩ - (حدثنا إبراهيم بن العلاء) بن الضحاك بن المهاجر بن عبد الرحمن بن زيد (الزبيدي) بالضم \"الخلاصة\"، أبو إسحاق الحمصي، المعروف بزبريق بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة، والد إسحاق، مستقيم الحديث إلَّا في حديث واحد، يقال: إن ابنه محمد أدخله عليه، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣): قال أبو داود: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٨٤).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٩٩/ ١١٦١ و٢٠٠/ ١١٦١).\n(٣) (١/ ١٤٩).","vol":"8","page":459},{"text":"مِنْ كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِى الأَزْهَرِ الْمُغِيرَةِ بْنِ فَرْوَةَ قَالَ: قَامَ مُعَاوِيَةُ فِى النَّاسِ بِدَيْرِ مِسْحَلٍ الَّذِى عَلَى بَابِ حِمْصَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ رَأَيْنَا الْهِلَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَا مُتَقَدِّمٌ بِالصِّيَامِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَلَهُ فَلْيَفْعَلْهُ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّبَئِىُّ،\n===\n(من كتابه) أي لا من حفظه، (نا الوليد بن مسلم، نا عبد الله بن العلاء، عن أبي الأزهر المغيرة بن فروة قال: قام معاوية في الناس) أي خطيبًا (بدير مسحلٍ الذي على باب حمص).\nقال ياقوت الحموي في \"معجم البلدان\" (١): الدير بيت يتعبد فيه الرهبان، ولا يكاد يكون في العصر الأعظم، إنما يكون في الصحارى ورؤوس الجبال، فإن كان في المصر كانت كنيسة أو بيعة، وحكى عن \"الفتوح\" دير مسحلٍ بين حمص وبعلبك.\n(فقال: يا أيها الناس، إنا قد رأينا الهلال) أي هلال شعبان (يوم كذا\nوكذا، وأنا متقدم بالصيام) أي بصيام آخر أيام شهر شعبان على رمضان (فمن أحب أن يفعله) أي الصوم في آخر شعبان (فليفعله، قال) المغيرة بن فروة: (فقام إليه) أي إلى معاوية (مالك بن هبيرة السَّبَئِيُّ).\nذكر الحافظ في \"الإصابة\" (٢)، وفي \"تهذيب التهذيب\" (٣): مالك بن هبيرة بن خالد بن مسلم بن الحارث السكوني، ويقال: الكندي، قال ابن يونس: ولي حمص لمعاوية (٤)، وكذا ذكر ابن سعد في \"الطبقات\"، ولكن لم ينسبه أحد إلى السباء، فلم يقولوا له السَّبَئيُّ، واختلفوا في أنه صحابي، فذكره ابن حبان\n_________\n(١) (٢/ ٤٩٥، ٥٣٨).\n(٢) (٣/ ٢٣٧).\n(٣) (١٠/ ٢٤).\n(٤) وفي الأصل: \"معاوية\"، والصواب: \"لمعاوية\" كما في \"التهذيب\".","vol":"8","page":460},{"text":"فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، أَشَىْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَمْ شَىْءٌ مِنْ رَأْيِكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ\". [ق ٤/ ٢١٠]\n٢٣٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِىُّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو - يَعْنِى الأَوْزَاعِىَّ - يَقُولُ: \"سِرُّهُ أَوَّلُهُ\". [انظر سابقه]\n===\nفي الصحابة، ومحمد بن الربيع الجيزي في الصحابة الذين شهدوا فتح مصر، وقال البخاري في \"التاريخ\": له صحبة، وقال محمد بن عوف: ما أعلم له صحبة، وذكره أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد الحمصي في \"كتاب الصحابة\" الذين نزلوا حمص.\n(فقال: يا معاوية أ) هذا الذي قلته (شيء سمعته من رسول الله - ﷺ - أم شيء من رأيك؟ قال) معاوية: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: صوموا الشهر (١»، والظاهر أن المراد بالشهر شهر شعبان ليطابق الدليل المدعى (وسِرِّه) أي آخره، وأما التأويلات الآخر فلا يطابق بها الجواب السؤال، إلَّا أن يقال: أن يكون المراد بالشهر رمضان، وبِسِرِّه (٢): أي قبله، فعلى التأويل الأول معناه صوموا شعبان، ثم أكد بقوله: \"وسره\" بأن آخر شعبان أولى بالصيام.\n٢٣٣٠ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي في هذا الحديث قال) سليمان: (قال الوليد) بن مسلم: (سمعت أبا عمرو -يعني الأوزاعي- يقول: سِرُّه أوَّله)، قال الحافظ (٣): ونقل الخطابي عن الأوزاعي كالجمهور، أي فسره الأوزاعي كالجمهور بأن سِرَّه آخره.\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": أي رمضان وسره، أي: سر شعبان، وإرجاع الضمير لقرينة المقام. (ش).\n(٢) وفي الأصل: \"بأوَّله\"، وهو تحريف.\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣١).","vol":"8","page":461},{"text":"٢٣٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، نَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: كَانَ سَعِيدٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَقُولُ: \"سِرُّهُ أَوَّلُهُ\" (١). [انظر الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>(٩) بَابٌ: إِذا رُؤي الْهِلَالُ في بَلَدٍ قَبْلَ الآخَرِينَ بِلَيْلَةٍ</span>\n٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ -، أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى حَرْمَلَةَ، أَخْبَرَنِى كُرَيْبٌ: \"أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ ابْنَةَ (٢) الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا،\n===\n٢٣٣١ - (حدثنا أحمد بن عبد الواحد) بن واقد التميمي المعروف بابن عبود، قال ابن عساكر: ذكره محمد بن يحيى بن أحمد الفقيه فقال: هو ثقة، وقال النسائي: صالح لا بأس به، وقال العقيلي وابن أبي عاصم وغيرهما: ثقة، (نا أبو مسهر قال) أبو مسهر: (كان سعيد - يعني ابن عبد العزيز- يقول: سره أوله)، وهذا التفسير الذي حكاه عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز يناسب التأويل الثاني، أي صوموا رمضان وقبله من شعبان، وأطلق عليه كونه أول رمضان لقربه منه، والله أعلم.\n\n(٩) (بَابٌ: إِذَا رُؤيَ الهَلَالُ في بَلَدٍ قَبْلَ الآخَرِين بِلَيْلَةٍ)\nفهل يعتبر رؤية ذلك البلد للآخرين أم لا؟\n٢٣٣٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا إسماعيل - يعني ابن جعفر-، أخبرني محمد بن أبي حرملة، أخبرني كريب) مولى ابن عباس، (أن أم الفضل) والدة ابن عباس (ابنة الحارث بعثته) أي كريبًا (إلى معاوية بالشام) في زمان إمارته، (قال) كريب: (فقدمت الشام) عند معاوية (فقضيت حاجتها) وبلغت\n_________\n(١) في نسخة: \"قال أبو داود: وقال بعضهم: سره وسطه، وقالوا: آخره\".\n(٢) في نسخة: \"بنت\".","vol":"8","page":462},{"text":"فَاسْتُهِلَّ (١) رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِى آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُهُ حَتَّى نُكْمِلَ الثَّلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ.\nفَقُلْتُ (٢): أَفَلَا تَكْتَفِى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\" (٣). [م ١٠٨٧، ت ٦٩٣، ن ٢١١١، حم ١/ ٣٠٦، خزيمة ١٩١٦، ق ٤/ ٢٥١، قط ٢/ ١٧١]\n===\nرسالتها إلى معاوية (فاستهل) بصيغة المجهول، هلال (رمضان، وأنا بالشام، فرأينا)، هكذا في رواية الترمذي بضمير الجمع المتكلم، وأما في لفظ مسلم والنسائي والدارقطني بلفظ \"فرأيت الهلال\" بضمير الواحد المتكلم (الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر) أي شهر رمضان.\n(فسألني ابن عباس) أي عن حال السفر وحال معاوية وغيره (ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيته)، ولفظ مسلم والنسائي والدارقطني والترمذي: \"رأيناه\" (ليلة الجمعة، قال) ابن عباس: (أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس)، هكذا لفظ مسلم والنسائي والدارقطني، أما لفظ الترمذي: \"فقلت: رآه الناس\"، والظاهر أن في سياق الترمذي سقوطًا سقط عنه \"نعم رأيته\" (وصاموا وصام معاوية، قال) ابن عباس: (لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصومه حتى نكمل الثلاثين) من رؤيتنا إذا لم نره (أو نراه) قبل الثلاثين فنفطر.\n(فقلت: أفلا تكتفي برؤبة معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عليه\".\n(٢) في نسخة: \"قلت\".\n(٣) ذكر في النسخ المطبوعة أثر عن الحسن البصري بعد هذا الحديث، وذكره أيضًا المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٢٧٠) رقم (١٨٤٩٢)، وقال: \"في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسه\"، نصه: =","vol":"8","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا الحديث حجة لمن قال باعتبار اختلاف المطالع، فلا يلزم الصوم برؤية أهل بلد على أهل بلد آخر.\nقال الشوكاني (١) في جوابه (٢) عن هذا الحديث: واعلم أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس، لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس، والمشار إليه بقوله: \"هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -، وهو قوله: \"فلا نزال نصومه حتى نكمل ثلاثين\".\nوالأمر الكائن من رسول الله - ﷺ - هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: \"لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\" (٣)، وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد، فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم.\nولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر لكان (٤) عدم اللزوم مقيدًا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين\n_________\n= ٢٣٣٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَني أبَي، حَدَّثنَا الأَشْعَثُ، عَنِ الحَسَنِ، في رَجُلٍ كَانَ بِمصْر مِنَ الأمْصَارِ، فَصَامَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهما رَأَيَا الهِلَالَ لَيْلَةَ الأَحَدِ فَقَالَ: لَا يَقْضِي ذَلكَ اليَوْمَ الرَجُلُ وَلَا أَهْلُ مِصْرِه، إلا أنْ يَعْلَمُوا أَنَّ أَهْلَ مِصْرٍ مِنَ أمْصَار المُسْلِمينَ قَدْ صَامُوا يَوْمَ الأَحَدِ فَيَقْضُوه.\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٦١، ١٦٢).\n(٢) وأجاب الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٤٢٥)، بأنه إخبار في وقت قد فات استعمال الصيام بتلك الرؤية. (ش).\n(٣) أخرجه البخاري (١٩٠٦)، ومسلم (٨/ ١٠٨٠)، والنسائي (٢١٢١)، وابن ماجه (١٦٥٤)، وأحمد (٢/ ١٤٥)، والبيهقي (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥).\n(٤) وفي الأصل: \"مكان\"، وهو تحريف.","vol":"8","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد، وليس بحجة.\nولو سُلِّم عدم لزوم التقييد بالعقل، فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية، والرؤية من جملتها، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا، فلا يقبل التخصيص إلَّا بدليل.\nولو سلِّم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص، فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص، إن كان النص معلومًا، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلومًا لوروده على خلاف القياس، ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي - ﷺ - ولا بمعنى لفظه، حتى ننظر في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملةٍ، أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصًا لذلك العموم، فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس، وعدم الإلحاق به، فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم، ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا نعقلها.\nولو نسلم صحة الإلحاق وتخصيص العموم به، فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من البعد ما بين المدينة والشام، أو أكثر، وأما في أقل من ذلك فلا، وهذا ظاهر، فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في المنع من العمل بالرؤية؟\nوالذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية وجماعة من الزيدية، واختاره المهدي منهم، وحكاه القرطبي عن شيوخه: أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها، ولا يلتفت إلى ما قاله ابن عبد البر [من] أن هذا القول خلاف الإجماع، قال: لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُدَ من البلدان كخراسان والأندلس، وذلك لأن الإجماع لا يتم، والمخالف مثل هؤلاء الجماعة، قاله الشوكاني في \"النيل\".","vol":"8","page":465},{"text":"(١٠) بَابُ كَرَاهِيَّة صَوْمِ (١) يَوْمِ الشَّكِّ\n٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ قَالَ: \"كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِى الْيَوْمِ الَّذِى يُشَكُّ فِيهِ، فَأُتِىَ بِشَاةٍ، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ-\". [ت ٦٨٦، ن ٢١٨٨، جه ١٦٤٥، دي ١٦٨٢، خزيمة ١٩١٤، ق ٤/ ٢٠٨، ك ١/ ٤٢٣]\n===\nقلت: ويمكن أن يقال: إن ابن عباس لم يقبل هذه الشهادة، لأنها فات حملها، فإذا قبل هذه الشهادة كأنه يقبل على الإفطار، ولا يقبل شهادة الواحد على الفطر، وقد تقدم اختلاف المذاهب في هذه المسألة قريبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>(١٠) (بَابٌ كَرَاهِيَّةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ)</span>\nقال القاري (٢): الشك هو استواء طرفي الإدراك من النفي والإثبات.\n٢٣٣٤ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق، عن صلة قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه) في أنه من رمضان أو من شعبان (فأتي بشاة) مصلية (فتنحى بعض القوم) لأنهم كانوا صائمين (فقال عمار (٣): من صام هذا اليوم) أي يوم الشك (فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -) (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"الصوم\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٧١).\n(٣) ولعل عمارًا علم بالسؤال، أو بقرينة المقام أنه صام الشك، ولا يبعد أن عمارًا حمل النهي على العموم، كذا في \"التقرير\" (ش).\n(٤) وفي \"الدر المختار\" (٣/ ٣٤٨): لا أصل له، ووجَّهه الشامي بأن المعنى لا أصل لرفعه، انتهى، وقال الزرقاني (٢/ ١٩٤): صححه الترمذي وغيره، وعَلَّقه البخاري جزمًا. (ش).","vol":"8","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>(١١) بَابٌ: فِيمَنْ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ</span>\n٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ (١)، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمًا يَصُومُهُ رَجُلٌ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ\". [خ ١٩١٤، م ١٠٨٢، ت ٦٨٤، ٦٨٥، جه ١٦٥٠، ن ٢١٧٣، حم ٢/ ٢٣٤]\n===\nقال الحافظ (٢): استدل به على تحريم صوم يوم الشك، لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه، فيكون من قبيل المرفوع، قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك، وخالفهم الجوهري المالكي، فقال: هو موقوف.\nقال ابن الجوزي في \"التحقيق\" (٣): لأحمد في هذه المسألة، وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غير أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، ثلاثة أقوال:\nأحدها: يجب صومه على أنه من رمضان، ثانيها: لا يجوز فرضًا ولا نفلًا مطلقًا، بل قضاء وكفارة ونذرًا ونفلًا يوافق عادة، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان، ويجوز عما سوى ذلك، ثالثها: المرجع إلى رأي الإِمام في الصوم والفطر.\n\n(١١) (بَابٌ: فِيمَنْ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ)\nأي: يصل شعبان بصوم آخر أيامه يومًا أو يومين برمضان\n٢٣٣٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: لا تقدموا صوم رمضان) أي على صومه (بـ) صوم (يوم) من شعبان (ولا) بصوم (يومين) منه (إلَّا أن يكون صوم يصومه رجل) أي يعتاده (فليصم ذلك الصوم) المعتاد.\n_________\n(١) في نسخة: \"بيومين\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٠).\n(٣) (٢/ ٦٨).","vol":"8","page":467},{"text":"٢٣٣٦ - نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ. [ت ٧٣٦، ن ٢١٧٥، جه ١٦٤٨، دي ١٧٣٩، حم ٦/ ٢٩٣]\n===\nقال القاري (١): قال الطيبي: العلة ترك الاستراحة الموجبة للنشاط في صوم رمضان، وقيل: اختلاط النفل بالفرض فإنه يورث الشك بين الناس، فيتوهمون أنه رأى هلال رمضان، فلذلك يصوم فيوافقه بعض الناس على ظن أنه رأى الهلال، ثم هذا النهي في النفل، وأما القضاء والنذر ففيهما ضرورة، لأنهما فرض، وتأخيره غير مرضي، وأما الورد فتركه ليس بسديد، لأن أفضل العبادات أدومها، وتركه عند من ألف به شديد.\nوقيل: العلة التقدم بين يدي الله ورسوله، فإنه ﵊ قيد الصوم بالرؤية، فهو كالعلة للحكم، أقول: وكذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، قال: فمن تقدم صومه فقد طعن في هذه العلة.\n٢٣٣٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن توية العنبري، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، عن النبي - ﷺ -: أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا إلَّا شعبان يصله) بتتابع الصيام فيه حتى يقربه (برمضان).\nولفظ حديث النسائي (٣) عن سالم، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: \"ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصوم شهرين متتابعين إلَّا أنه كان يصل شعبان برمضان\".\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٦٨)، وانظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٤٦).\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(٣) رقم (٢١٧٥).","vol":"8","page":468},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nظاهر هذا السياق يدل على أن رسول الله - ﷺ - لا يسرد بصوم شهرين متتابعين إلَّا أنه كان يصل شعبان بصومه حتى يقرب صوم رمضان، فإن الجملة الأولى تدل على عدم تتابع الصوم حقيقة، وأما الجملة الثانية الاستثنائية لو كان معناها أنه كان يصل شعبان برمضان حقيقة لقال إلَّا شعبان ورمضان، فزيادة قوله: \"إنه كان يصل\"، تدل على أن المراد بالوصول القرب.\nويؤيده ما روته عائشة - ﵂ -: \"كان يصومه كله إلا قليلًا بل كان يصومه كله\"، وفي رواية: \"كان يصوم شعبان أو عامة شعبان\"، وفي رواية: \"كان يصوم شعبان كله\"، وفي رواية: \"ولا صام شهرًا قط كاملًا غير رمضان\"، وفي رواية: \"لم يصم شهرًا قط منذ أتى المدينة إلَّا أن يكون رمضان\"، وفي رواية: \"قلت: هل كان رسول الله - ﷺ - يصوم شهرًا كله؟ قالت: لا، ما علمت صام شهرًا كله إلَّا رمضان\"، وفي رواية: \"قالت: والله إن صام شهرًا معلومًا سوى رمضان حتى مضى لوجهه، ولا أفطر حتى يصوم منه\"، وهذه الروايات المختلفة كلها عند النسائي (١).\nوأما لفظ حديث مسلم (٢): \"ما رأيت رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر قط، إلَّا رمضان، فما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان\"، وفي رواية: \"لم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلًا\".\nفهذه الروايات المختلفة تجمع بأن يقال: المراد بالكل أكثره، والمراد بوصله برمضان أنه يقربه برمضان، ويؤيده ما قال الترمذي (٣) بعد تخريج الحديث: وروي عن ابن المبارك أنه قال في هذا الحديث: وهو جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليله\n_________\n(١) انظر: \"سنن النسائي\" (٤/ ١٤٩).\n(٢) انظر: \"صحيح مسلم\" (٢/ ٨٠٩)، رقم (١١٥٦).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣/ ١١٤).","vol":"8","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>(١٢) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ ذَلِكَ</span>\n٢٣٣٧ - نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَدِمَ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ الْمَدِينَةَ، فَمَالَ إِلَى مَجْلِسِ الْعَلَاءِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا\"، فَقَالَ الْعَلَاءُ: اللَّهُمَّ إِنَّ أَبِى حَدَّثَنِى عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِذَلِكَ (١). [ت ٧٣٨، جه ١٦٥١، حم ٢/ ٤٤٢]\n===\nأجمع، ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره، كأن ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين. يقول: إنما معنى هذا الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر.\n\n(١٢) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ ذلِكَ)\nأي: الصوم في آخر شعبان\n٢٣٣٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي (قال: قدم عباد بن كثير المدينة، فمال إلى مجلس العلاء) أي ابن عبد الرحمن، (فأخذ بيده) أي بيد العلاء (فأقامه، ثم قال: اللَّهُمَّ إن هذا) أي العلاء (يحدث عن أبيه) أي عبد الرحمن، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، فقال العلاء: اللَّهُمَّ إن أبي) أي عبد الرحمن (حدثني عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - بذلك).\n_________\n(١) زاد في نسخة: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَشِبْلُ بْنُ العَلاءِ وَأَبُو عُمَيْسٍ وَزُهَيْرُ بنُ محمدٍ عَنِ العَلَاءِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمنِ لا يُحَدِّثُ بِهِ، قُلْتُ لأحْمَدَ: لِمَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ النَبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ، وَقَالَ عن النَبِيِّ - ﷺ - خِلَافَهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي خِلَافَهُ وَلَمْ يَجِئ بِهِ غَيْرُ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ.\n[قلت: رواية الثوري وشبل وزهير بن محمد فلم أقف عليها فيما تتبعت من الكتب، ورواية أبي عميس أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٤٤٢)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣/ ٢١)، والنسائي في \"سننه الكبرى\" (٢٩١١)، كتاب الصيام- صيام شعبان].","vol":"8","page":470},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا حديث اختلف العلماء في صحته وضعفه، قال الترمذي (١): قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعَّفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد وابن معين: إنه منكر، وقد استدل البيهقي بحديث: \"لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين\" الحديث، على ضعفه، فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاوي، واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعًا: \"أفضل الصيام بعد رمضان شعبان\"، لكن إسناده ضعيف، واستظهر أيضًا بحديث عمران بن حصين: \"أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل: هل صمت من سرر شعبان شيئًا؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين\"، ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يُضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمع حسن.\nقال القاري (٣): إذا مضى النصف الأول من شعبان فلا تصوموا بلا انضمام شيء من النصف الأول، أو بلا سبب من الأسباب المذكورة، والنهي للتنزيه رحمة على الأمة أن يضعفوا عن حق القيام بصيام رمضان على وجه النشاط، وأما من صام شعبان كله، فيتعود بالصوم وتزول عنه الكلفة، ولذا قيده بالانتصاف، أو نهى عنه لأنه نوع من التقدم المقدم (٤)، والله أعلم.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\"، ٥ - كتاب الصوم، ٣٨ - باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان. (٣/ ١١٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٩).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٦٩).\n(٤) وفي \"شرح الإحياء\" (١/ ٢١٦) حكاية عن بعضهم: أن النهي في حديث الباب عن صوم السادس عشر من شعبان فقط. (ش).","vol":"8","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>(١٣) بَابُ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّال</span>\n٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا عَبَّادٌ، عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، نَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ الْجَدَلِىُّ - مِنْ جَدِيلَةِ قَيْسٍ -:\n===\nقال القاضي: المقصود [استجمام] من لا يقوى على تتابع الصيام، فاستحب الإفطار كما استحب إفطار عرفة، ليتقوى على الدعاء، فأما من قدر فلا نهي له، ولذلك جمع النبي - ﷺ - بين الشهرين في الصوم، انتهى. وهو كلام حسن، لكن يخالف مشهور مذهبه أن الصيام بلا سبب بعد نصف شعبان مكروه.\nوفي \"شرح ابن حجر\": قال بعض أئمتنا: يجوز بلا كراهة الصوم بعد النصف مطلقًا تمسكًا بأن الحديث غير ثابت، أو محمول على من يخاف الضعف بالصوم، ورده المحققون بما تقرر أن الحديث ثابت، بل صحيح، وبأنه مظنة للضعف، وما نيط بالمظنة لا يشترط فيه تحققها.\n\n(١٣) (بَابُ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّال) (١)\n٢٣٣٨ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز) الملقب بصاعقة، (أنا سعيد بن سليمان) الضبي المعروف بسعدويه (نا عباد) بن العوام، (عن أبي مالك الأشجعي، نا حسين بن الحارث الجدلي- جديلة قيس-).\nقال في \"معجم البلدان\" للحموي (٢): جديلة بالفتح، ثم الكسر، والجديلة: الشاكلة، والجديلة: الناحية (٣)، وجديلة اسم قبيلة من طيءٍ، وقبيلة من الأنصار ومن قيس.\n_________\n(١) قال الزرقاني (٢/ ١٥٤): لا يثبت شوال بواحد عند الجميع إلا أبا ثور. قلت: ما في حاشية \"الإقناع\" (١/ ٤٦٨) يدل على أن المعتمد عندهم ثبوته بواحد. (ش).\n(٢) (٢/ ١١٥).\n(٣) في الأصل: \"الناصية\" وهو تحريف، والصواب: \"الناحية\".","vol":"8","page":472},{"text":"\"أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ (١) وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا، فَسَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَارِثِ: مَنْ أَمِيرُ مَكَّةَ؟ فقَالَ (٢): لَا أَدْرِى، ثُمَّ لَقِيَنِى بَعْدُ فَقَالَ (٣): هُوَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ،\n===\n(أن أمير مكة خطب ثم قال: عهد إلينا رسول الله - ﷺ - أن ننسك) أي نتعبد لمناسك الحج (للرؤية، فإن لم نره) بأنفسنا (وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، فسألت) السائلُ أبو مالك الأشجعي (الحسين بن الحارث: من أمير مكة؟) أي ما اسمه؟ (فقال: لا أدري، ثم لقيني بعد فقال: هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب).\nوهو الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، القرشي الجمحي، هاجر أبوه إلى الحبشة فولد له الحارث بها ومحمد، قاله الزهري، وللحارث بن حاطب رواية عن النبي - ﷺ -، وروايته في أبي داود والنسائي، روى عنه حسين بن الحارث الجدلي وغيره، وقال مصعب الزبيري: استعمله مروان على المساعي بالمدينة، وعمل لابنه عبد الملك على مكة، وأما ابن حبان فذكره في التابعين فوهم، لأن نص حديثه: \"عهد إلينا رسول الله - ﷺ -\"، قاله الحافظ في \"الإصابة\" (٤).\nوقال في \"أسد الغابة\" (٥): واستعمل عبد الله بن الزبير الحارث على مكة سنة ست وستين، وقيل: إنه كان يلي المساعي أيام مروان لما كان أميرًا على المدينة لمعاوية، قاله أبو عمر، والزبير بن البكار، وابن الكلبي.\n_________\n(١) في نسخة: \"لم تروه\".\n(٢) في نسخهَ: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"قال\".\n(٤) (١/ ٢٧٦).\n(٥) (١/ ٣٨٥).","vol":"8","page":473},{"text":"ثُمَّ قَالَ الأَمِيرُ: إِنَّ فِيكُمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنِّى، وَشَهِدَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَجُلٍ.\nقَالَ الْحُسَيْنُ: فَقُلْتُ لِشَيْخٍ إِلَى جَنْبِي: مَنْ هَذَا الَّذِى أَوْمَأَ إِلَيْهِ الأَمِيرُ؟ قَالَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَصَدَقَ، كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَقَالَ: بِذَلِكَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\" [ق ٤/ ٢٤٧، قط ٢/ ١٦٧]\n٢٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ،\n===\n(ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني، وشهد هذا من رسول الله - ﷺ -، وأومأ بيده إلى رجل) أي جالس في الحاضرين (قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق، كان) عبد الله بن عمر (أعلم بالله منه) أي من الحارث (فقال) عبد الله بن عمر: (بذلك) أي بأن ننسك للرؤية (أمرنا رسول الله - ﷺ -).\nقلت: وقد أخرج النسائي (١) بنحو هذا الحديث من حديث ابن أبي زائدة، عن حسين بن الحارث الجدلي، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه، الحديث، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): ولاه يزيد بن معاوية مكة سنة ثلاث وستين.\n٢٣٣٩ - (حدثنا مسدد وخلف بن هشام المقرئ قالا: نا أبو عوانة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -) لم أقف (٣) على تسميته (قال) الرجل من الصحابة: (اختلف الناس في آخر يوم من رمضان)\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٢١١٦).\n(٢) (٦/ ١٨٠).\n(٣) هو ابن مسعود - ﵁ - كما رواه الحاكم، \"المستدرك\" (١/ ٢٩٧)، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٤٩). (ش).","vol":"8","page":474},{"text":"فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِاللَّهِ لأَهَلَّا الْهِلَالَ أَمْسِ عَشِيَّةً، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا. زَادَ خَلَفٌ فِى حَدِيثِهِ: وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ. [ق ٤/ ٢٤٨، قط ٢/ ١٦٩، حم ٤/ ٣١٤]\n\n(١٤) بَابٌ في شَهَادَةِ الوَاحِدِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ (١) رَمَضَانَ\n٢٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، نَا الْوَلِيدُ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى ثَوْرٍ -. (ح): وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، نَا الْحُسَيْنُ - يَعْنِى الْجُعْفِىَّ - عَنْ زَائِدَةَ، الْمَعْنَى،\n===\nأي في يوم الثلاثين من رمضان، فقال بعضهم: هو الثلاثون من رمضان، وقال بعضهم: هو أول يوم من شوال.\n(فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي - ﷺ - بالله) أي: نشهد بالله (لأهلَّا) أي: رأيا الهلال (أمس عشية) وهي من زوال الشمس إلى الغروب، ظرف لقوله: لأهلَّا أو لشهدا (فأمر رسول الله - ﷺ - الناس أن يفطروا) أي الصوم في اليوم الذي كان ثلاثين من شعبان، فثبت بشهادة أعرابيين أنه اليوم الأول من شوال.\n(زاد خلف في حديثه: وأن يغدوا) أي يذهبوا في أول النهار (إلى مصلاهم) أي لصلاة العيد.\n\n(١٤) بَابٌ: في شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ (٢) رَمَضَانَ)\n٢٣٤٠ - (حدثنا محمد بن بكار بن الريان، نا الوليد -يعني ابن أبي ثور-، ح: وحدثنا الحسن بن علي، نا الحسين -يعني الجعفي-، عن زائدة، المعنى)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"شهر\".\n(٢) هلال رمضان يثبت بواحد عند الثلاثة خلافًا لمالك إذ قال: لا بد من اثنين، كما في \"الأوجز\" (٥/ ٢١)، فأحاديث الباب تخالفه، والأولون بعد اتفاقهم على ثبوته بواحد اختلفوا في لفظ الشهادة، شرطه الشافعية لا الحنفية والحنابلة، كما حكي في \"الأوجز\" (٥/ ٢٣) عن فروعهم، ففي لفظ الشهادة تخالف الشافعية أيضًا. (ش).","vol":"8","page":475},{"text":"عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّى رَأَيْتُ الْهِلَالَ - قَالَ الْحَسَنُ فِى حَدِيثِهِ: يَعْنِى (١) رَمَضَانَ -، فَقَالَ \"أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ \". قَالَ نَعَمْ، قَالَ: \"يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِى النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا\". [ت ٦٩١، ن ٢١١٢، جه ١٦٥٢، خزيمة ١٩٢٣، ق ٤/ ٢١١، ك ١/ ٤٢٤، قط ٢/ ١٥٨]\n===\nأي: معنى حديثهما واحد، (عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: إني رأيت الهلال، قال الحسن في حديثه: يعني) هلال (رمضان، فقال) النبي - ﷺ -: (أتشهد (٢) أن لا إله إلَّا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال، أذن في الناس) أي: أعلمهم (فليصوموا غدًا).\nقال في \"البدائع\" (٣): أما بيان ما يعرف به وقته، فإن كانت السماء مصحية يعرف برؤية الهلال، وإن كانت متغيمة يعرف بإكمال شعبان ثلاثين يومًا لقول النبي - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا ثم صوموا\" (٤)، فإن كانت السماء مصحية، ورأى الناس الهلال صاموا، وإن شهد واحد برؤية الهلال لا تقبل شهادته ما لم تشهد جماعة يقع العلم للقاضي بشهادتهم في ظاهر الرواية، ولم يقدر في ذلك تقديرًا.\nوروي عن أبي يوسف أنه قدر عدد الجماعة بعدد القسامة خمسين رجلًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هلال\".\n(٢) وفيه دليل لقول الحنفية: تقبل فيه شهادة المستور، ولا يقال: إن الصحابة كلهم عدول فلا حاجة فيه، لأن هذا الحكم باعتبارنا دون زمنه ﵇، كما بسطه الوالد في \"تقرير الترمذي\"، انتهى. (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٢٠).\n(٤) أخرجه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١)، وأحمد (٢/ ٤٥٤، ٤٥٦).","vol":"8","page":476},{"text":"٢٣٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُمْ شَكُّوا فِى هِلَالِ رَمَضَانَ مَرَّةً، فَأَرَادُوا أَنْ لَا يَقُومُوا وَلَا يَصُومُوا، فَجَاءَ أَعْرَابِىٌّ مِنَ الْحَرَّةِ، فَشَهِدَ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ، فَأُتِىَ بِهِ النَّبِىُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، وَشَهِدَ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِى النَّاسِ أَنْ يَقُومُوا وَأَنْ يَصُومُوا. [ق ٤/ ٢١٢، وانظر سابقه]\n===\nوعن خلف بن أيوب أنه قال: خمسمائة ببلخ قليل، وقال بعضهم: ينبغي أن يكون من كل مسجد جماعة واحد أو اثنان.\nوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يقبل فيه شهادة الواحد العدل، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في قول آخر: تقبل فيه شهادة اثنين.\nوجه رواية الحسن: أن هذا من باب الإخبار لا من باب الشهادة، بدليل أنه تقبل شهادة الواحد إذا كان بالسماء علة، ولو كان شهادة لما قُبِل، لأن العدد شرط في الشهادات، وإذا كان إخبارًا لا شهادة، فالعدد ليس بشرط في الإخبار عن الديانات، وإنما تشترط العدالة فقط، كما في رواية الإخبار عن طهارة الماء ونجاسته ونحو ذلك، انتهى بقدر الحاجة.\n٢٣٤١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سماك بن حرب، عن عكرمة) أي مرسلًا، (أنهم) أي الصحابة (شكوا في هلال رمضان مرة، فأرادوا أن لا يقوموا) للتراويح ليله (ولا يصوموا) نهاره، (فجاء أعرابي من الحرة) أرض حول المدينة فيها حجارة سود (فشهد أنه رأى الهلال، فأتي به النبي - ﷺ -، فقال: أتشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله؟ قال) الأعرابي: (نعم، وشهد) الأعرابي (أنه رأى الهلال، فأمر) رسول الله - ﷺ - بلالًا (فنادى في الناس أن يقوموا (١) وأن يصوموا).\n_________\n(١) فيه أمر من النبي - ﷺ - بالقيام، أي: التراويح. (ش).","vol":"8","page":477},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِيَامَ أَحَدٌ إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ (١).\n٢٣٤٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِىُّ، وَأَنَا لِحَدِيثِهِ أَتْقَنُ، قَالَا: نَا مَرْوَانُ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"تَرَاءَى النَّاسُ\n===\n(قال أبو داود (٢): رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلًا) (٣) من غير ذكر ابن عباس (عن النبي - ﷺ -) ورواه زائدة عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولًا (ولم يذكر القيام أحد إلَّا حماد بن سلمة) فإنه زاد فيه: \"وأن يقوموا\" (٤).\n٢٣٤٢ - (حدثنا محمود بن خالد وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، وأنا لحديثه) أي حديث عبد الله (أتقن، قالا) أي محمود وعبد الله: (نا مروان - هو ابن محمد-، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن أبي بكر بن نافع) المدني العدوي، مولى ابن عمر، عن أحمد: هو أوثق ولد نافع، وعن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرةً: ليس بشيء، وقال الآجري عن أبي داود: من ثقات الناس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج حديثه في \"صحيحه\"، وسمَّاه عمرًا، وقال الحاكم أبو أحمد: لم أقف على اسمه، ويقال: هو ثقة.\n(عن أبيه) نافع، (عن ابن عمر قال: تراءى الناس) أي طلبوا أن يروا\n_________\n(١) زاد في نسخة: قال أبو داود: هذه الكلمة لم يقلها إلَّا حماد \"وأن يقوموا\" لأن قومًا يقولون: القيام قبل الصيام.\n(٢) وبذلك أعله ابن عبد البر، كذا في \"الزرقاني\" (٢/ ١٥٥). (ش).\n(٣) وافق حماد بن سلمة على إرساله سفيان الثوري، أخرج روايته عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ١٦٦) رقم (٧٣٤٢)، والنسائي في \"المجتبى\" (٤/ ١٣٢)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٤٢٥) رقم (٤٨٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٥٩)، وأيضًا وافقهما إسرائيل بن أبي إسحاق عند ابن أبي شيبة (٣/ ٦٧).\n(٤) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٥٩).","vol":"8","page":478},{"text":"الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنِّى رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ\". [دي ١٦٩١، قط ٢/ ١٥٦، ك ١/ ٤٢٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>(١٥) بَابٌ فِى تَوْكِيدِ السُّحُورِ</span>\n٢٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عن مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عن أَبيهِ، عن أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١)، عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أُكْلَةُ (٣) السَّحَرِ\" (٤). [م ١٠٩٦، ت ٧٠٩، ن ٢١٦٦، دي ١٦٩٧، حم ٤/ ١٩٧، خزيمة ١٩٤٠]\n===\n(الهلال) وفتشوا، (فأخبرت (٥) رسول الله - ﷺ - أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه)، وقبول خبر الواحد في الصوم محمول على ما إذا كان في السماء علة.\n\n(١٥) (بَابٌ: في تَوْكِيدِ السَّحُورِ)\nالسحور بالضم مصدر، وبالفتح اسم ما يُتسحر به من الطعام والشراب\n٢٣٤٣ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عُلَيٍّ) بالتصغير (ابن رباح، عن أبيه) علي بن رباح، (عن أبي قيس) السهمي (مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) بضم الهمزة، اللقمة،\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) في نسخة: \"العاصي\".\n(٣) في نسخة: \"أكل\".\n(٤) في نسخة: \"السحور\".\n(٥) فيه الإعلام بلفظ الإخبار، ولا بد عند الشافعية من لفظ الشهادة، فأوَّلوه بأنه محمول على الشهادة كما في \"روضة المحتاجين\"، ثم المشهور عند الشافعية ثبوته بواحد كما تقدم قريبًا، وحكى عنه الزرقاني (٢/ ١٥٣) أنه لا يثبت إلا بعدلين، فعلى هذا الحديث يخالفهم في هذا أيضًا كما يخالف المالكية. (ش).","vol":"8","page":479},{"text":"(١٦) بَابُ مَنْ سَمَّى (١) السَّحُورَ غَدَاءً (٢)\n٢٣٤٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ،\n===\nوبالفتح المرة، وإن كثر المأكول، ففي التسحر مخالفة أهل الكتاب فإنهم لا يتسحرون.\nقال الشوكاني (٣): وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور، انتهى. وليس بواجب بما ثبت عنه - ﷺ - وعن أصحابه أنهم واصلوا.\nوقال في \"البدائع\" (٤): يسن للصائم السحور لما روي عن عمرو بن العاص مرفوعًا أنه قال: \"إن فصلًا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر\"، والسنَّة فيه التأخير، فإنه روي عنه - ﷺ - أنه من سنن المرسلين، وفي رواية: من أخلاق المرسلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>(١٦) (بَابٌ مَنْ سَمَّى السَّحُورَ غَدَاءً)</span>\nالغداء طعام يؤكل أول النهار، سُمِّي به السحور لأنه (٥) للصائم بمنزلته للمفطر، وهو بفتح الغين ومد\n٢٣٤٤ - (حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا حماد بن خالد الخياط،\n_________\n(١) في نسخة: \"يسمي\".\n(٢) في نسخة: \"الغداء\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٩٧).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٦٦).\n(٥) فسمي بذلك لكونه بدله، وبه جزم ابن العربي، وقال: ما قيل: إنه لقربه منه، ضعيف، وقال بعضهم: كان في وقت كان فيه الصيام من طلوع الشمس إلى الغروب، وما كان هذا فط، ووهم الطحاوي لأجل حديث حذيفة أنه تسحر معه إلَّا أن الشمس لم تطلع ... إلخ. (ش). (انظر: \"عارضة الأحوذي\" ٣/ ٢٢٨).","vol":"8","page":480},{"text":"نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى رُهْمٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: دَعَانِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى السَّحُورِ فِى رَمَضَانَ فَقَالَ: \"هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ\n===\nنا معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف) القيسي الكلاعي الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البزار: صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، حمصي، وحكى البخاري أنه قال فيه يوسف بن سيف، وقال الحافظ في \"التقريب\": ووهم من سمَّاه يوسف.\n(عن الحارث بن زياد) شامي، أخرج له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا في الصوم، ذكره أبو القاسم البغوي في الصحابة، وقال الحافظ في \"التقريب\": وأخطأ من زعم أن له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.\n(عن أبي رهم) هو أحزاب بن أسيد بفتح الهمزة، ويقال بالضم، قاله البخاري، ويقال: ابن أسد السماعي، ويقال: السمعي، بفتح المهملة والميم، مختلف في صحبته، والصحيح أنه مخضرم، ثقة، قال البخاري: هو تابعي.\n(عن العرباض) بكسر أوله وسكون الراء، بعدها موحدة، وبعد الألف معجمة (ابن سارية) السلمي، أبو نجيح، صحابي مشهور، من أصحاب الصفة، وهو ممن نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (١) الآية، مات في فتنة ابن الزبير، وقال أبو مسهر وغير واحد: مات سنة ٧٥ هـ.\n(قال: دعاني رسول الله - ﷺ - إلى السحور في رمضان فقال: هلم إلى الغداء (٢)\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ٩٢.\n(٢) وإطلاق الغداء على السحور، وكذا في غيره من أطعمة الأوقات يصح، بخلاف الأيمان فمبناه على العرف. (ش).","vol":"8","page":481},{"text":"الْمُبَارَكِ\" (١). [ن ٢١٦٣، حم ٤/ ١٢٩، ق ٤/ ٢٣٦، خزيمة ١٩٣٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>(١٧) بَابُ وَقْتِ السَّحُورِ</span>\n٢٣٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ\n===\nالمبارك) وكونه مباركًا (٢) لكونه يقوي على الصوم، ويُنَشِّطُ له، ويُخَفِّفُ المشقة فيه.\n\n(١٧) (بَابُ وَقْتِ السَّحُورِ)\n٢٣٤٦ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن عبد الله بن سوادة) بن حنظلة (القشيري) مصغرًا، البصري، قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس وبه بأس، له في الكتب حديثان، أحدهما في السحور، والثاني تقدم في أنس (٣)، قلت: وقال العجلي: ثقة.\n(عن أبيه) هو سوادة بن حنظلة القشيري البصري، روى عن سمرة بن\n_________\n(١) هنا حديث زائد في النسخ المطبوعة المحققة، وأيضًا ذكره المزي في \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٣١٠) رقم (١٣٠٦٧)، ولم يشر إلى أنه من غير رواية اللؤلؤي، ونصه:\n٢٣٤٥ - حدثنا محمد بن الحسين بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أبي الوزير أبو المطرف، حدثنا محمد بن موسى، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"نعم سحور المؤمن التمر\". [أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٣٤٧٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧)].\nقلت: جاء اسم شيخ أبي داود في هذا الحديث في النسخ المطبوعة: \"عمر بن الحسن ابن إبراهيم\"، والظاهر أنه خطأ قديم، إذ قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤٣٣): عمر بن الحسن بن إبراهيم، صوابه: محمد بن الحسين بن إبراهيم، وهو ابن إشكاب، وذكره المزي على الصواب: محمد بن الحسين بن إبراهيم، وكذا سمَّاه في \"تهذيب الكمال\" (٥٧٤٣).\n(٢) قال ابن العربي في \"شرح الترمذي\" (٣/ ٢٢٨): مبارك لخمسة أوجه. (ش).\n(٣) هذا قول الحافظ بأن الحديث الثاني تقدم في ترجمة أنس في \"التهذيب\" (١/ ٣٧٩).","vol":"8","page":482},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَمْنَعَنَّ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الأُفُقِ (١) هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ\". [م ١٠٩٤، ت ٧٠٦، ن ٢١٧١، حم ٥/ ٩، خزيمة ١٩٢٩]\n٢٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى عَنِ التَّيْمِىِّ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِىُّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ قَالَ: يُنَادِى - لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَيَنْتَبِهَ نَائِمُكُم،\n===\nجندب حديث: \"لا يغرنَّكم أذان بلال\"، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: سمع من علي بن أبي طالب.\n(قال: سمعت سمرة بن جندب يخطب وهو يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا يمنعن من سحوركم أذان بلال) لأنه يؤذن بليل (ولا بياض الأُفق هكذا) أي: المستطيل، فإنه الفجر الكاذب (حتى يستطير) أي: حتى ينتشر في الأفق عرضًا، والصبح الصادق المبدأ للصوم.\n٢٣٤٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن التيمي، ح ونا أحمد بن يونس، نا زهير، نا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو) للشك من الراوي (قال) الراوي: (ينادي ليرجع) بفتح المثناة التحتية وفتح الجيم المخففة (قائمكم) أي المتهجد المجتهد، لينام لحظة، ليصبح نشيطًا، أو يتسحر إن أراد الصيام، (وينتبه)، ولفظ البخاري: \"ولينبه\" (نائمكم) ليتأهب للصلاة بالغسل ونحوه، وهذا يدل على أن أذان بلال لم يكن لوقت الفجر، بل كان\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الذي\".","vol":"8","page":483},{"text":"وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا\". وَجَمَعَ يَحْيَى كَفَّيْهِ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا، وَمَدَّ يَحْيَى بِأُصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ (١). [خ ٦٢١، م ١٠٩٣، جه ١٦٩٦، ن ٢١٧٠، حم ١/ ٣٩٦]\n===\nلمعنى آخر، ولهذا كان ابن أم مكتوم ينادي بعده (وليس الفجر أن يقول) أي يظهر (هكذا، وجمع يحيى كفه) (٢) أي المستطيل (حتى يقول) أي يظهر (هكذا، ومدَّ يحيى بإصبعيه السبابتين) أي المستطيل عرضًا.\nقال الحافظ (٣): اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر، أو بتبينه عند الناظر تمسكًا بظاهر الآية؟ وذهب جماعة من الصحابة- وبه قال الأعمش من التابعين وصاحبه أبو بكر بن عياش- إلى جواز السحور إلى أن يتَّضح الفجر.\nفروى سعيد بن منصور بسنده عن حذيفة قال: \"تسحرنا مع رسول الله - ﷺ - هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع\"، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن عاصم نحوه، وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة.\nووى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي أنه صلَّى الصبح، ثم قال: الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت، وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي- وله صحبة- أن أبا بكر قال له: \"اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت، ثم أتيته قلت: قد ابيضَّ وسطع، ثم قال: اخرج فانظر هل طلع؟ فنظرت فقلت: قد اعترض، فقال: الآن أبلغني شرابي\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أحمد بن يونس في حديثه: وليس الفجر أن يقول -يعني الفجر أو الصبح- هكذا، وقال مسدد: هكذا، وجمع يحيى ... إلخ.\".\n(٢) إشارة إلى ما في الفجر الكاذب من الاجتماع وعدم الانتشار، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣٦).","vol":"8","page":484},{"text":"٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنِى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، فَكُلُوا (١) وَاشْرَبُوا حَتَّى\n===\nقال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل، قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن علي من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاءً ولا كفارةً، انتهى مختصرًا.\nقلت: وقال في \"رد المحتار\" (٢) المعروف بالشامي: وهل المراد أول زمان الطلوع أو انتشار الضوء كالخلاف في الصلاة، والأول أحوط، والثاني أوسع، كما قال الحلواني، كما في \"المحيط\"، وقد فصل فيه البحث ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٣).\n٢٣٤٨ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن النعمان) السحيمي بمهملتين مصغرًا، اليمامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: يماني ثقة، وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين فقلت: عبد الله بن النعمان عن قيس بن طلق، فقال: يمامية ثقات، وقال ابن خزيمة: لا أعرفه بعدالة ولا جرح.\n(حدثني قيس بن طلق) بن علي، (عن أبيه) طلق بن علي (قال: قال رسول الله - ﷺ -: كلوا واشربوا ولا يهيدنكم) بكسر الهاء، أي: يزعجنَّكم فتمتنعوا به عن السحور، فإنه الفجر الكاذب، يقال: هدته أهيده إذا أزعجته، وأصل الهيد بالكسر الحركة (الساطع المصعد) أي: المرتفع طولًا (فكلوا واشربوا حتى\n_________\n(١) في نسخة: \"وكلوا\".\n(٢) انظر: (٢/ ١٦).\n(٣) (١/ ٢٨٨، ٢٨٩).","vol":"8","page":485},{"text":"يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأَحْمَرُ\" (١). [ت ٧٠٥، حم ٤/ ٢٣، خزيمة ١٩٣٠، قط ٢/ ١٦٦]\n٢٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، الْمَعْنَى،\n===\nيعترض لكم الأحمر).\nقال في \"الدرجات\" (٢): أي يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة، لأن البياض إذا تتام طلوعه ظهرت أوائل الحمرة، والعرب تشبه الصبح بالبلق في الخيل لما به من بياض وحمرة.\nقلت: لا يصح كونه أحمر إلَّا قبل نزول قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ (٣) الآية، لأنه معنى الآخر (٤) هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع، وكلاهما يعارض الآية، وهذا كله على ظاهره، وإلَّا فإن الأحمر يطلق على الأبيض أيضًا، فإن أطلق عليه وافق الآية، فتنبه له إن كنت فائق السجية.\n٢٣٤٩ - (حدثنا مسدد، نا حصين بن نمير) مصغرًا، الواسطي، أبو محصن، الضرير، مولى همدان، كوفي الأصل، قال ابن معين: [صالح]، وقال العجلي وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن أبي خيثمة: قلت لأبي: لم لا تكتب عن أبي محصن؟ قال: أتيته فإذا هو يحمل على علي - رضي الله تعالى عنه - فلم أعد إليه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم.\n(ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن إدريس) هو عبد الله بن إدريس، كما هو مصرح في مسلم والطحاوي (المعنى) أي معنى حديث ابن نمير وابن إدريس واحد، كلاهما، أي حصين بن نمير وابن إدريس يرويان\n_________\n(١) في نسخة: \"قال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل اليمامة\".\n(٢) (ص ١٠٣).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(٤) كذا في الأصل، والظاهر: \"الأحمر\".","vol":"8","page":486},{"text":"عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾، قَالَ: أَخَذْتُ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، فَوَضَعْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِى، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَتَبَيَّنْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَضَحِكَ فَقَالَ: \"إِنَّ وِسَادَكَ وِسَادَكَ إِذًا لَطَوِيلٌ عَريضٌ (١)،\n===\n(عن حصين) وهو ابن عبد الرحمن السلمي (عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ (٢).\nقال الحافظ (٣): ظاهره أن عديًا كان حاضرًا لما نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدم إسلامه، وليس كذلك، لأن نزول فرض الصوم كان متقدمًا في أوائل الهجرة، وإسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة، كما ذكره أهل المغازي، فإما أن يقال: إن الآية تأخر نزولها عن نزول فرض الصوم وهو بعيد جدًا، وإما أن يؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله: \"لما نزلت\"، أي لما تليت عليَّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق حذف، تقديره: لما نزلت الآية، ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع عمدت.\n(قال: أخذت عقالًا أبيض وعقالًا أسود) والعقال- بكسر العين-: حبل يشد به الوظيف مع الذراع، جمعه عُقُل بضم عين وقاف، ويسكن، (فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرت فلم أتبين) أي: فأكلت إلى وقت التبين (فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فضحك، فقال: إن وسادك إذًا لطويل عريض).\nقال الحافظ: قال الخطابي في \"المعالم\" (٤): في قوله: \"إن وسادك لعريض\" قولان:\nأحدهما: يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوسادة عن النوم، لأن النائم يتوسد، أو أراد أن ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبين لك العقال.\n_________\n(١) في نسخة: \"لعريض طويل\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣٢).\n(٤) \"معالم السنن\" (٢/ ١٠٥).","vol":"8","page":487},{"text":"إِنَّمَا هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ\".\n===\nوالقول الآخر: أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام، والعرب تقول: فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة، وقد روي في هذا الحديث من طريق أخرى: \"إنك عريض القفا\".\nوجزم الزمخشري بالتأويل الثاني فقال: إنما عرَّض النبي - ﷺ - قفا عدي، لأنه غفل عن البيان، وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرًا.\nوقد أنكر ذلك كثير، منهم القرطبي فقال: حمله بعض الناس على الذم له على ذلك الفهم، وكأنهم فهموا أنه نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه، وعضدوا ذلك بقوله: \"إنك عريض القفا\"، وليس الأمر على ما قالوه، لأن من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل إن لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق ذمًّا، ولا ينسب إلى جهل، وإنما عني- والله أعلم- أن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين أراد الله فهو إذًا عريض واسع، ولهذا قال في إثر ذلك: \"إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار\"، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادتك؟ وقوله: \"إنك لعريض القفا\"، أي: إن الوساد الذي يغطي الليل والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة.\n(إنما هو) أي الخيط الأسود والخيط الأبيض (الليل والنهار) أي سواد الليل وبياض النهار، وحديث عدي هذا يقتضي أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل متصلًا من قوله: \"حتى يتبين لكم الخيط الأبيض\"، لأنه قد ثبت أن عديًا تأخر إسلامه إلى السنة التاسعة أو العاشرة، فلعل عديًا حمل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على السببية، أو نسي قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ حتى ذكره بها النبي - ﷺ -.\nوأما حديث سهل بن سعد الذي أخرجه البخاري في \"الصحيح\" قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١)، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، الحديث، فإنه ظاهر في أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل بعد ذلك برفع ما وقع لهم من الإشكال، وقد قيل: إنه كان بين نزولهما عام كامل.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٧.","vol":"8","page":488},{"text":"وَقَالَ عُثْمَانُ: \"إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ\". [خ ١٩١٦، م ١٠٩٠، ت ٢٩٧٠، ن ٢١٦٩، حم ٤/ ٣٧٧]\n\n(١٨) بَابُ الرَّجُلِ يَسْمَعُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى (١) يَدِهِ\n٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ مِنْهُ\". [حم ٢/ ٥١٠، ك ١/ ٤٢٦]\n===\nوالجواب عنه أن عديًا كان متأخر الإِسلام، ولم يبلغه ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردة ففهمها على ما وقع له، فبيَّن له النبي - ﷺ - أن المراد بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ أن ينفصل أحد الخيطين عن الآخر، وأن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلق بقوله: \"يتبين\"، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٢).\n(وقال عثمان: إنما هو سواد الليل وبياض النهار)، وهذا بيان الفرق بين لفظ مسدد ولفظ عثمان بن أبي شيبة، فإن مسددًا لم يذكر لفظ السواد ولفظ البياض، وذكرهما عثمان بن أبي شيبة.\n\n(١٨) (بَابُ الرَّجُلِ يَسْمَعُ النّدَاءَ)، أي: نداء الصبح (وَالإنَاءُ)، أي: إناء الشراب (عَلَى يَدِهِ)، هل يمتنع عن الشرب أو لا؟\n٢٣٥٠ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد، نا حماد) بن سلمة، (عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سمع أحدكم النداء) أي أذان الفجر (والإناء) أي إناء الطعام والشراب (على يده) يريد أن يأكل أو يشرب منه (فلا يضعه) أي من يده لأجل الأذان (حتى يقضي حاجته منه).\n_________\n(١) في نسخة: \"في\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣٤).","vol":"8","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"الدرجات\" (١): هذا يحمل على قوله: \"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم\"، وقال البيهقي (٢): هذا أرجح (٣)، فإنه محمول عند عوام أهل العلم على أنه - ﷺ - علم أن المنادي كان ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبل طلوع الفجر، انتهى.\nوقال القاري (٤): وهذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع، وقال ابن الملك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، أما إذا علم أنه قد طلع أو شك فيه فلا.\nقلت: والأولى في تأويل هذا الحديث عندي أن يقال: إن في هذا القول أشار رسول الله - ﷺ - إلى أن تحريم الأكل متعلق بالفجر لا بالأذان، فإن المؤذن قد يبادر بالأذان قبل الفجر، فلا عبرة بالأذان إذا لم يعلم طلوع الفجر، وهذا الحكم للعارفين بالفجر، وأما العوام الذين لا يعرفون فعليهم بالاحتياط، والله تعالى أعلم.\nثم أقول: إن هذا الحديث محمول على قول من اعتبر في المنع عن الأكل والشرب تبين الفجر لا طلوعه، فإن هذا الحديث يحمل على وفق هذا القول، فإن الأذان يشرع على أول طلوع الفجر، وهو ليس بمانع من الأكل والشرب، بل المانع هو تبين الفجر.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى-: قوله: \"إذا سمع أحدكم النداء ... إلخ\"، إن كان المراد بالنداء نداء المغرب فالمعنى ظاهر، وهو أنه لا ينبغي له أن ينتظر بعد الغروب شيئًا من تمام النداء أو غيره، بل يجب له المسارعة في الإفطار، وإن أريد بها نداء صلاة الفجر، فالمعنى أن النداء لا يعتدُّ به، وإنما المناط هو الفجر، فلو أذَّن المؤذن والصائم\n_________\n(١) (ص ١٠٣).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢١٨).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"السنن الكبرى\": هذا إن صح فهو محمول ... إلخ.\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٨٣).","vol":"8","page":490},{"text":"(١٩) بَابُ (١) وَقْتِ فِطْرِ الصَّائِم\n٢٣٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا هِشَامٌ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ هِشَامٍ، الْمَعْنَى، قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: \"إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَذَهَبَ النَّهَارُ\n===\nيعلم أن الفجر لم ينبلج بعد، فليس له أن يضعه من يده حتى يقضي حاجته، هذا وقد ذهب به وبما يشير إليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ إلى أن المراد هو التبين دون نفس انبلاج الفجر، وهو أولى بحال العوام نظرًا إلى تيسير الشرع، فإن أكثر الخواص أيضًا عاجزون عن درك حقيقته، فكيف لغير الخواص؟\nفإناطة الأمر بنفس الانبلاج لا يخلو عن إحراج وتكليف، ولك أن تحمل الرواية على غير حالة الصوم، فلا تتعلق هي بالفجر ولا بالمغرب، بل هي واردة على أمر الصلاة كورود قوله ﵊: \"إذا حضر العَشاء وأقيمت العِشاء فابدأوا بالعَشاء\"، فإنهما سيقا على نمط واحد، والمرعى فيهما قطع بال المصلي عن الاشتغال بغير أمر الصلاة، فكما أنها واردة بقضاء حاجته، فكذلك هي واردة بقضاء حاجته من الشراب، فلا يلزم ما لزم، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>(١٩) (بَابُ وَقْتِ فِطْرِ الصَّائِمِ)</span>\n٢٣٥١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا هشام، ح: ونا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن هشام، المعنى) أي معنى حديث وكيع وعبد الله بن داود واحد، (قال هشام بن عروة، عن أبيه) أي عروة، (عن عاصم بن عمر، عن أبيه) أي عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - (قال: قال النبي - ﷺ -: إذا جاء الليل) أي الظلمة (من ها هنا) أي من جانب المشرق (وذهب النهار)\n_________\n(١) في نسخة: \"باب وقت الفطر للصائم\".","vol":"8","page":491},{"text":"مِنْ هَا هُنَا\". زَادَ مُسَدَّدٌ: \"وَغَابَتِ الشَّمْسُ (١)، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ\". [خ ١٩٥٤، م ١١٠٠، ت ٦٩٨، حم ١/ ٢٨]\n٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، نَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى يَقُولُ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: \"يَا بِلَالُ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا\"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ، قَالَ: \"انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا\"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا،\n===\nأي الشمس (من ها هنا) أي من جهة المغرب (زاد مسدد: وغابت الشمس) أي جرم الشمس (فقد أفطر الصائم).\nقال الحافظ (٢): أي دخل في وقت الفطر، كما يقال: أَنْجَدَ إذا أقام بنجد، وأَتْهَمَ إذا أقام بتهامة، ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطرًا في الحكم لكون الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعي، وقد رد ابن خزيمة هذا الاحتمال، وأومأ إلى ترجيح الأول، فقال: قوله: \"فقد أفطر الصائم\" لفظ خبر، ومعناه الأمر، أي فليفطر الصائم، ولو كان المراد فقد صار مفطرًا كان فطر جميع الصوام واحدًا، ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى، انتهى. وقد يجاب بأن المراد فعل الإفطار حسًا ليوافق الأمر الشرعي، ولا شك أن الأول أرجح.\n٢٣٥٢ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد، نا سليمان الشيباني، سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: سرنا مع رسول الله - ﷺ - وهو صائم) يشبه أن يكون غزوة الفتح، (فلما غربت الشمس قال) رسول الله - ﷺ -: (يا بلال انزل) عن الراحلة (فاجدح لنا)، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له: المِجدح، (قال) بلال: (يا رسول الله لو أمسيت، قال) رسول الله - ﷺ -: (انزل فاجدح لنا. قال: يا رسول الله إن عليك نهارًا).\n_________\n(١) في نسخة: \"من ها هنا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٧).","vol":"8","page":492},{"text":"قَالَ: \"انْزِلْ فَاجْدَحْ لنَا\"، فَنَزَلَ فَجَدَحَ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: \"إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هنهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ\"، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ. [خ ١٩٥٦، م ١١٠١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>(٢٠) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَعْجِيلِ الفِطْرِ </span>(١)\n٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن مُحَمَّدٍ- يَعْنِي\n===\nقال الحافظ (٢): يحتمل أن يكون المذكور كان يرى كثرة الضوء من شدة الصحو، فيظن أن الشمس لم تغرب، ويقول: لعلها غطاها شيء من جبل ونحوه، أو كان هناك غير فلم يتحقق غروب الشمس، وأما قول الراوي: \"وغربت الشمس\" فإخبار منه في نفس الأمر، وإلَّا فلو تحقق الصحابي أن الشمس غربت ما توقف، لأنه حينئذ يكون معاندًا، وإنما توقف احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة.\n(قال: انزل فاجدح لنا، فنزل فجدح، فشرب رسول الله - ﷺ - ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم) أي دخل في وقت الإفطار (وأشار بإصبعه قِبَلَ المشرق).\n\n(٢٠) (بَابُ مَا يُسْتَحَب مِنْ تَعْجيلِ الفِطْرِ)\nقال الحافظ (٣): قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة، وعند عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: \"كان أصحاب محمد - ﷺ - أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا\"\n٢٣٥٣ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد- يعني\n_________\n(١) في نسخة: \"الإفطار\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٩).","vol":"8","page":493},{"text":"ابْنَ عَمْرٍو-، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَزَالُ الدَّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، لأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ\". [جه ١٦٩٨، حم ٢/ ٤٥٠، خزيمة ٢٠٦٠، ك ١/ ٤٣١]\n٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ،\n===\nابن عمرو-، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: لا يزال الدين ظاهرًا)، ولفظ حديث سهل بن سعد عند البخاري (١): \"لا يزال الناس بخير\" (ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون) أي الفطر إلى ظهور النجم، نقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": تعليل لما ذكر بأن فيه مخالفة أعداء الله تعالى، ويظهر دينهم ما دام الناس يراعون مخالفة أعداء الله تعالى.\nقال الحافظ (٢): قال المهلب: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة، واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الأرجح.\nثم قال: تنبيه: من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب لمن يريد الصيام زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلَّا آحاد الناس، وقد جَرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلَّا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا، فأخَّروا الفطر، وعجَّلوا السحور، وخالفوا السنَّة، فلذلك قل عنهم الخير وكثر فيهم الشر، والله المستعان.\n٢٣٥٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش،\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٩٥٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٩).","vol":"8","page":494},{"text":"عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِى عَطِيَّةَ قَالَ: \"دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَا وَمَسْرُوقٌ فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ (١)، قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\". [م ١٠٩٩، ت ٧٠٢، ن ٢١٦٠، حم ٦/ ٤٨]\n===\nعن عمارة بن عمير، عن أبي عطية) الوادعي الهمداني الكوفي، اسمه مالك بن عامر، وقيل: ابن أبي عامر، أو ابن عوف، وقيل: ابن حمزة، وقيل: ابن أبي حمزة، وقيل: اسمه عمرو بن جندب، وقيل: إنهما اثنان، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، ووثَّقه أبو داود، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: دخلت على عائشة أنا ومسروق فقلنا: يا أم المومنين، رجلان من أصحاب محمد - ﷺ -، أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة) (٢)، ولعل المراد بالصلاة المغرب (والآخر يؤخر الإفطار ويوخر الصلاة، قالت) عائشة: (أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، قلنا: عبد الله) بن مسعود - رضي الله تعالى عنه -، والآخر أبو موسى الأشعري (قالت: كذلك) أي مثل ما صنع عبد الله بن مسعود (كان يصنع رسول الله - ﷺ -).\nقال القاري (٣): قال الطيبي: الأول عمل بالعزيمة والسنَّة، والثاني بالرخصة، انتهى، وهذا إنما يصح لو كان الاختلاف في الفعل فقط، أما إذا كان الخلاف قوليًا، فيحمل على أن ابن مسعود اختار المبالغة في التعجيل، وأبو موسى اختار عدم المبالغة فيه، وإلَّا فالرخصة متفق عليها عند الكل،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن مسعود\".\n(٢) هكذا في روايات مسلم، وفي \"النسائي\": أحدهما يعجل الإفطار ويؤخر السحور ... إلخ\". (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٩٠). وانظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٥٦).","vol":"8","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>(٢١) بَابٌ مَا يُفْطَرُ عَلَيْهِ</span>\n٢٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ عَمِّهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ (١)، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَعَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ\". [ت ٦٥٨، جه ١٦٩٩، دي ١٧٠١، حم ٤/ ١٧، خزيمة ٢٠٦٧، ق ٤/ ٨٣٨، ك ١/ ٤٣١]\n===\nوالأحسن أن يحمل عمل ابن مسعود على السنَّة، وعمل أبي موسى على بيان الجواز، كما سبق من عمل عمر وعثمان (٢) - رضي الله تعالى عنهما-.\n\n(٢١) (بَابٌ مَا يُفْطَرُ عَلَيْهِ)\n٢٣٥٥ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب) بفتح أولها وتخفيف الموحدة وآخرها موحدة، بنت صليع بمهملتين مصغرًا، الضبية البصرية، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، (عن سلمان بن عامر) بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضبي، له صحبة (عمها) بدل من سلمان، وهو عم الرباب أم الرائح (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر) الأمر للندب (٣) (على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء، فإن الماء طهور).\nقال الحاكم في \"المستدرك\" (٤): هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه.\n_________\n(١) في نسخة: \"تمر له\".\n(٢) وفي الأصل: \"عمر وابن مسعود\"، والظاهر: \"عمر وعثمان، كما في \"المرقاة\" (٤/ ٤٩٠).\n(٣) عند الجمهور، وإليه أشار البخاري بالتبويب، وشذ ابن حزم فأوجب التمر، وإن لم يجد فالماء، كذا في \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٨). (ش).\n(٤) (١/ ٤٣١).","vol":"8","page":496},{"text":"٢٣٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ\" (١). [ت ٦٩٦، حم ٣/ ١٦٤ قط ٢/ ١٨٥، ق ٤/ ٢٣٩، ك ١/ ٤٣٢]\n===\nوقال القاري (٢): ولعل الحكمة فيه أن الحَلاء يسرع القوة إلى القوى، وفيه إيماء إلى حلاوة الإيمان، وإشارة إلى زوال مرارة العصيان، قال ابن الملك: الأولى أن تحال علَّته إلى الشارع، وأما ما يجري في الخاطر، وهو أن التمر حلو وقوت، والنفس قد تعبت بمرارة الجوع، فأمر الشارع بإزالة هذا التعب بشيء هو قوت وحلو، وقال ابن حجر: ومن خواص التمر أنه إذا وصل إلى المعدة إن وجدها خالية حصل به الغذاء، وإلَّا أخرج ما هناك من بقاء الطعام، وقول الأطباء: إنه يضعف البصر، محمول على كثيره المضر دون قليله فإنه يقويه.\n٢٣٥٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا جعفر بن سليمان، أنا ثابت البناني، أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله - ﷺ - يفطر) صومه (على رطبات قبل أن يصلي) المغرب، وفيه إشارة إلى المبالغة في استحباب تعجيل الفطر، وأما ما صح أن عمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهما- كانا برمضان يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد الصلاة، فهو لبيان جواز التأخير لئلا يظن وجوب التعجيل.\n(فإن لم تكن) أي الرطبات موجودة (فعلى تمرات، فإن لم تكن) أي التمرات موجودة (حسا) أي شرب (حسوات) بفتحتين (من ماء).\n_________\n(١) في نسخة: \"الماء\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٨٥).","vol":"8","page":497},{"text":"(٢٢) بَابُ (١) الْقَوْلِ عِنْدَ الإِفْطَارِ\n٢٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نَا عَلِىُّ بْنُ الْحَسَنِ، نَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، نَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ سَالِمٍ الْمُقَفَّعُ -\n===\nقال في \"النهاية\" (٢): الحسوة بالضم: الجرعة من الشراب بقدر ما يُحسى مرة واحدة، وبالفتح المرة، وقيل: تقديم التمر في الشتاء، والماء في الصيف لرواية به، وروى أبو يعلى (٣): \"كان رسول الله - ﷺ - يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>(٢٢) (بَابُ الْقَوْلِ عِنْدَ الإفْطَارِ)</span>\n٢٣٥٧ - (حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى) الطرسوسي، أبو محمد المعروف بالضعيف، لأنه كان كثير العبادة، أو لضعف في جسده، أو لإتقانه، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: شيخ صالح ثقة، والضعيف لقب، وقال مسلمة والخليلي: ثقة.\n(نا علي بن الحسن) وهو الصواب، وفي نسخة: الحسين، وهو تصحيف، (أنا الحسين بن واقد، نا مروان، يعني ابن سالم المقفع) (٤) وهو الصواب، قال في \"التقريب\": بقاف، ثم فاء ثقيلة، وقال في \"القاموس\": ومروان بن المقفع تابعي، ذكره في القفعة في فصل القاف، وما في النسخة الأحمدية القلمية، وحاشية المجتبائية: \"المفقع\"، بتقديم الفاء على القاف، فالظاهر أنه تصحيف من الكاتب.\n_________\n(١) في نسخة: \"ما يقول إذا أفطر\".\n(٢) (١/ ٣٨٧).\n(٣) \"مسند أبي يعلى\" (٦/ ٥٩) رقم (٣٣٠٥).\n(٤) في \"القاموس\": الأقفع: المُنَكِّسُ الرأسِ أبدًا، ورجلٌ مُقَفَّعُ اليدين: متشنِّجهما، ومروان بن المقفع لُقِّب أبوه بالمقفع، لأن الحجاج ضربه فتقَفَّعَتْ يده. (ش).","vol":"8","page":498},{"text":"قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَقْطَعُ مَا زَادَتْ (١) عَلَى الْكَفِّ، وَقَالَ: كَانَ النبي -ﷺ- إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: \"ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ\". [ق ٤/ ٢٣٩، السنن الكبرى للنسائي ١٠١٣١]\n٢٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ\n===\n(قال رأيت ابن عمر يقبض (٢) على لحيته فيقطع ما زادت) اللحية (على الكف) والغرض من ذكر هذا الفعل إثبات أنه تابعي لقي ابن عمر وحكى من فعله (وقال) ابن عمر: (كان النبي - ﷺ - إذا أفطر قال) بعد الإفطار: (ذهب الظمأ) بفتحتين بلا مد، العطش (وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله)، متعلق بالأخير على سبيل التبرك، ويصح التعليق لعدم وجوب الأجر عليه تعالى ردًا على المعتزلة.\n٢٣٥٨ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل ابن عم منصور بن المعتمر، (عن معاذ (٣) بن زهرة) (٤) الضبي، تابعي، أرسل عن النبي - ﷺ - في القول عند الإفطار، ولكن وقع عند أبي داود في \"السنن\"، وفي \"المراسيل\": عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي - ﷺ -، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (أنه بلغه أن النبي - ﷺ - كان إذا أفطر قال) أي دعا: (اللَّهُمَّ لك صمت\n_________\n(١) في نسخة: \"ما زاد\".\n(٢) ولفظ البخاري برواية نافع عن ابن عمر: \"إن حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل اْخذه\". (ش).\n(٣) قال القاري: ليس له إلَّا هذا الحديث الواحد. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٨٨). (ش).\n(٤) في الأصل: \"زهيرة\" وهو تحريف، والصواب: \"زهرة\".","vol":"8","page":499},{"text":"وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ\". [ق ٤/ ٢٣٩، سي ٤٨١]\n\n(٢٣) (١) الْفِطْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ\n٢٣٥٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا أَبُو أُسَامَةَ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ: \"أَفْطَرْنَا يَوْمًا فِى رَمَضَانَ فِى غَيْمٍ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: قُلْتُ لِهِشَامٍ: أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟\n===\nوعلى رزقك أفطرت (٢)، قال القاري (٣): قال الطيبي: قدم الجار والمجرور في القرينتين على العامل، دلالة على الاختصاص إظهارًا للاختصاص في الافتتاح، وإبداءً لشكر الصنيع المختص به في الاختتام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>(٢٣) (الفِطْر قَبْلَ غُرُوبِ الشَمْسِ)</span>\n٢٣٥٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله، ومحمد بن العلاء، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أفطرنا يومًا في رمضان في غيم في عهد رسول الله - ﷺ -، ثم طلعت) أي ظهرت (الثمس).\n(قال أبو أسامة: قلت لهشام: أمروا بالقضاء؟) بحذف حرف الاستفهام\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب\".\n(٢) وفي \"روضة المحتاجين\": ما اشتهر على الألسنة من زيادة \"وبك آمنت\"، كذا زيادة \"وعليك توكلت\" لا أصل لها، وإن كان معناها صحيحًا، انتهى. ويظهر منه أن الزيادة ثابتة في رواية أخرى.\nقلت: وزاد في \"الأذكار\" (ص ١٩٨) للنووي على رواية أبي داود من رواية ابن عباس: \"فتقبل منا إنك أنت السميع العليم\". (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٨٨).","vol":"8","page":500},{"text":"قَالَ وَبُدٌّ (١) مِنْ ذَلِكَ؟ \". [خ ١٩٥٩، جه ١٦٧٤، حم ٦/ ٣٤٦، خزيمة ١٩٩١]\n\n(٢٤) (٢) فِي الْوِصَالِ\n٢٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْوِصَالِ،\n===\n(قال) هشام في جواب أبي أسامة: (وبد من (٣) ذلك؟) بتقدير حرف الاستفهام، أي: وهل بد من القضاء، يعني أن قضاء الصوم الذي أفطر نهارًا غلطًا لازم، وهو مذهب الأئمة الأربعة (٤)، لأنه إذا أفطر غلطًا في غيم، ثم بدت الشمس، يقضي يومًا مكانه، ولا تلزم الكفارة، ولكن يلزم عليه أن لا يأكل ولا يشرب بعد بُدُوَّ الشمس إلى الغروب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>(٢٤) (فِي الْوِصَالِ) </span>(٥)\nهو تتابع الصيام في يومين أو أكثر من غير إفطار بالليل\n٢٣٦٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الوصال).\nقال القاري (٦): والحكمة في النهي أنه يورث الضعف والسآمة والقصور\n_________\n(١) في نسخة: \"لا بد من ذلك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب\".\n(٣) وروي عنه في البخاري: \"لا أدري، أقضوأ أم لا؟ \" وجمع بينهما الحافظ (٤/ ٢٠٠) بأن جزمه بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر، وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه. (ش).\n(٤) والجمهور، خلافًا لطائفة إذ قالوا: لا قضاء لرواية عن عمر - ﵁ -، والجمهور غلطوها وضعفوها، وهذا الاختلاف فيما إذا أفطر بظن الغروب، فإن أفطر وهو شاكًّ في الغروب، ففيه اختلاف، والتفصيل ذكر في \"الأوجز\" (٥/ ٢٤٥). (ش)\n(٥) قيل في تفسيره: إنه صوم الدهر، كذا في \"البدائع\" (٢/ ٢١٧)، و\"شرح الإقناع\" (١/ ٢٠٧). (ش).\n(٦) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٧٩).","vol":"8","page":501},{"text":"قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ (١): \"إِنِّى لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّى أُطْعَمُ وَأُسْقَى\". [خ ١٩٦٢، م ١١٠٢، حم ٢/ ١١٢]\n===\nعن أداء غيره من الطاعات، فقيل: النهي للتحريم، وقيل: للتنزيه، قال القاضي: والظاهر الأول، انتهى. ويؤيد الثاني ما روته عائشة أنه - ﷺ - نهاهم عن الوصال رحمةً لهم، وقيل: هو صوم السنَّة من غير أن يفطر الأيام المنهية، ويرده ما ورد عليه من السؤال.\nوقال في \"البحر الرائق\" (٢): ومن المكروه صوم يوم الشك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، ومنه صوم الوصال، وقد فسره أبو يوسف ومحمد بصوم يومين لا فطر بينهما (٣).\n(قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله! قال: إني لست كهيئتكم)، وفي رواية: \"وأيكم مثلي؟ \" (إني أطعم وأسقى)، ولفظ رواية أخرى: \"إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني\"، قال القاضي: أراد بقوله: \"وأيكم مثلي؟ \" الفرق بينه وبين غيره، لأنه تعالى يفيض (٤) عليه ما يسد مسد طعامه وشرابه من حيث إنه\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) (٢/ ٢٧٨).\n(٣) وقال النووي (٤/ ٢٢٩): اتفق أصحابنا على النهي عن الوصال، وهو صوم يومين فصاعدًا من غير أكل وشرب بينهما، ونص الشافعي على الكراهة، وفيه وجهان، أصحهما: أنه كراهة تحريم، والثاني: تنزيه، قال عياض: واختلفوا فيه، فقيل: النهي رحمة، فمن قدر فلا حرج، وأباح إلى السحر أحمد وإسحاق، وعن الأكثرين الكراهة ... إلخ. وقال الأبي في \"شرح مسلم\" (٤/ ٣٨): كرهه مالك ولو إلى السحر، والأصح أن النهي على التحريم. (ش).\n(٤) وقد بسط الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٢٠٨) الكلام على شرح الحديث، وفي آخره: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: \"ويطعمني ويسقيني\"، أي: يشغلني بالتفكر في عظمته تعالى، والتملي بمشاهدته، والتغذي بمعارفه، وقرة العين بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه عن الطعام والشراب، وإلى هذا جنح ابن القيم، انتهى.\nوفي \"التقرير\": الظاهر أن المراد بذلك بقاء القوة، فقد ورد مثل ذلك في المرضى، أو يمكن أن يراد الحقيقة، ولا يفسد به الصوم لتفاوت الأحكام فيما هناك، أو الإطعام في الليل. (ش).","vol":"8","page":502},{"text":"٢٣٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ مُضَرَ حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ\"، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: \"إِنِّى لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّ لِى مُطْعِمًا يُطْعِمُنِى\n===\nيشغله عن الإحساس بالجوع والعطش، ويقويه على الطاعة ويحرسه عن الخلل المفضي إلى ضعف القوى وكلال الأعضاء.\nقال الطيبي (١): هذا أحد قولي الخطابي، والقول الآخر ذكر في \"شرح السنَّة\"، وهو أن يحمل على الظاهر بأن يرزقه الله تعالى طعامًا وشرابًا ليالي صيامه، فيكون ذلك كرامة له، والقول الأول أرجح، لأن الاستفهام في قوله: \"أيكم مثلي؟ \" يفيد التوبيخ المُؤْذن بالبُعد البعيد، وكذلك لفظة \"مثلي\"، لأن معناه من هو على صفتي ومنزلتي وقربي من الله تعالى، ومن ثمة أتبعه بقوله: \"أبيت\"، انتهى، وهو ظاهر.\nوحاصله: أن الحمل على أن يأتيه طعام وشراب من عنده تعالى كرامة له ﵊، يدفعه قوله: \"وأيكم مثلي؟ \"، كما أنه يضعفه أيضًا قولهم: \"إنك تواصل\"، فإن الوصال مع تناول الطعام والشراب من المحال.\n٢٣٦١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، أن بكر بن مضر حدثهم) أي قتيبة وغيره، (عن ابن الهاد) يزيد بن عبد الله، (عن عبد الله بن خباب) الأنصاري النجاري مولاهم، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، قالوا: فإنك تواصل! قال: إني لست كهيئتهم، إن لي مُطْعِمًا يطعمني)، ولفظ البخاري:\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٥٢).","vol":"8","page":503},{"text":"وَسَاقِيًا يَسْقِينِي\". [خ ١٩٦٣، حم ٣/ ٨، دي ١٧٠٥، خزيمة ٢٠٧٣]\n===\n\"إني أبيت، لي مُطعِم يطعمني\" (وساقيًا يسقيني) (١) بإثبات الياء، ولفظ البخاري: \"وساقٍ\" بحذفها.\nقال الحافظ (٢): وقع عند ابن خزيمة في حديث أبي صالح، عن أبي هريرة من طريق عبيدة بن حميد، عن الأعمش عنه تقييد وصال النبي - ﷺ - بأنه إلى السحر، ولفظه: \"كان - ﷺ - يواصل إلى السحر، ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه، فقال: يا رسول الله إنك تفعل ذلك! \" الحديث.\nوظاهره يعارض حديث أبي سعيد هذا، فإن مقتضى حديث أبي صالح النهي عن الوصال إلى السحر، وصريح حديث أبي سعيد الإذن بالوصال إلى السحر، والمحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال بغير تقييد بالسحر، ولذلك اتفق عليه جميع الرواة عن أبي هريرة، فروأية عبيدة بن حميد هذه شاذة، وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش فلم يذكر ذلك، أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش، كما تقدم.\nوعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميد محفوظة، فقد أشار ابن خزيمة إلى الجمع بينهما، بأنه يحتمل أن يكون نهى - ﷺ - عن الوصال أولًا مطلقًا سواء جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يحمل حديث أبي صالح، ثم خص النهي بجميع الليل، فأباح الوصال إلى السحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد، أو يحمل النهي في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه، والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم.\n_________\n(١) وردَّ بعضهم بأحاديث الوصال ما ورد من أحاديث ربط الحجر، وقال ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\": الجمع ممكن ... إلخ. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٠٩).","vol":"8","page":504},{"text":"(٢٥) (١) الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ\n٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ\"\n===\n\n(٢٥) (الْغِيبَةُ (٢) لِلصَّائِمِ)\n٢٣٦٢ - (حدثنا أحمد بن يونس، ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من لم (٣) يدع قول الزور) (٤) أي الباطل، وهو ما فيه إثم، والإضافة بيانية، وقال الطيبي: الزور الكذب والبهتان، أي: من لم يترك القول الباطل من قول الكفر، وشهادة الزور، والافتراء، والغيبة، والبهتان، والقذف، والسب، والشتم، واللعن، وأمثالها مما يجب على الإنسان اجتنابها ويحرم عليه ارتكابها.\n(والعمل به) أي بالزور، يعني الفواحش من الأعمال، لأنها في الإثم كالزور (فليس لله حاجة) أي: التفات، ومبالاة، وهو مجاز عن عدم القبول بنفي السبب، وإرادة نفي المسبب في (أن يدع) أي يترك (طعامه وشرابه)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في\".\n(٢) قال الشعراني في \"ميزانه\" (٢/ ٢٨٢): ومن ذلك إبطال الأوزاعي الصوم بالغيبة والكذب مع قول الأئمة بصحة الصوم مع النقص، انتهى. وفي \"نفع المفتي والسائل\": حكي الإجماع على عدم النقص، وقال: الروايات فيها كلها مدخولة أو مؤولة بفساد الثواب، أو بأن الصوم له ثلاث مراتب: صوم العوام والخواص والمقربين، فهذا يفسد غير الأول، وكذا جعل الصيام ثلاثة أنواع شارح \"الإحياء\". (ش). (انظر: \"إتحاف سادة المتقين\" ٤/ ٤٠٥).\n(٣) استدل به ابن حزم على أن الصوم يبطله كل معصية، كذا في \"الفتح\" (٤/ ١١٧). (ش).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٥٧). وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٩١).","vol":"8","page":505},{"text":"قَالَ أَحْمَدُ: فَهِمْتُ إِسْنَادَهُ مِنَ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، وَأَفْهَمَنِى الْحَدِيثَ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أُرَاهُ ابْنَ أَخِيهِ. [خ ١٩٠٣، ت ٧٠٧، حم ٢/ ٤٥٢، خزيمة ١٩٩٥، جه ١٦٨٩، ق ٤/ ٢٧٠]\n٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ،\n===\nفإنهما مباحان في الجملة، فإذا تركهما وارتكب أمرًا حرامًا من أصله، استحق المقت، وعدم قبول طاعته في الوقت، فإن المطلوب منه ترك المعاصي مطلقًا.\nقال الحافظ (١): قال ابن بطال: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وهو مثل قوله: \"من باع الخمر فليشقص الخنازير\"، أي: يذبحها، ولم يأمره بذبحها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر، وأما قوله: \"فليس لله حاجة\"، فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه: فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة.\n(قال أحمد) شيخ المصنف: (فهمت (٢) إسناده) أي الحديث (من) شيخي (ابن أبي ذئب) ولم أفهم متن الحديث عنه، (وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه) أي ابن أبي ذئب (أراه ابن أخيه) أي ابن أخي ابن أبي ذئب، قلت: لم أقف على تسمية (٣) ابن أخي ابن أبي ذئب ولا على حاله.\n٢٣٦٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١١٧).\n(٢) هذا بخلاف ما في البخاري أنه فهم المتن عن الشيخ، ورجل أفهمه إسناده، بسط الحافظ (١٠/ ٤٧٤). (ش).\n(٣) قال الحافظ (١٠/ ٤٧٤): كان له اْخوان مغيرة وطالوت، ولم أقف على تعيين ابن الأخ هذا ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":506},{"text":"عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ (١) -ﷺ- قَالَ (٢): \"إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّى صَائِمٌ إِنِّى صَائِمٌ\". [خ ١٨٩٤، م ١١٥١، ن ٢٢١٧]\n===\nعن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: إذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث) أي لا يفحش في الكلام (٣) (ولا يجهل) أي لا يعمل فعل المجهل كالصخب والسخرية، أو لا يسفه، قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم.\n(فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم)، قال الحافظ (٤): واتفقت الروايات كلها على أنه يقول: \"إني صائم\"، فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة، وقد استشكل ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصًا المقاتلة، والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيُّؤ لها، أي إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته، فليقل: إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه، فإن أصَرَّ دفعه بالأخف فالأخف كالصائل.\nواختلف في المراد بقوله: \"إني صائم\"، هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه؟ وبالثاني جزم المتولي، ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في \"الأذكار\"، وقال في \"شرح المهذب\": كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، وقال الروياني: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقل في نفسه، وادَّعى ابن العربي\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال: الصيام جنة فإذا كان\".\n(٣) قال ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٣٠٧): الرفث يفسد الصوم عند أهل الظاهر. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٤، ١٠٥).","vol":"8","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-836>(٢٦) بابُ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ</span>\n٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ،\n===\nأن موضع الخلاف في التطوع، وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعًا (١)، وأما تكرير قوله: \"إني صائم\" فليتأكد الانزجار منه، أو ممن يخاطبه بذلك.\n\n(٢٦) (بَابُ السِّوَاكِ) أي: استعماله (لِلصَّائِمِ)\n٢٣٦٤ - (حدثنا محمد بن الصباح، نا شريك، ح ونا مسدد، نا يحيى)، كلاهما رويا (عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة) العنزي، أبو محمد المدني، حليف بني عدي، ولد في عهد النبي - ﷺ -، وكان له أخ أكبر منه اسمه أيضًا عبد الله استشهد يوم الطائف، وأمهما أم عبد الله ليلى بنت أبي حَثْمة، قال ابن منده: أدرك النبي - ﷺ -، ومات وهو ابن خمس، وقيل: أربع سنين، وقال ابن معين: لم يسمع من النبي - ﷺ -.\nقال الترمذي في \"الصحابة\": رأى النبي - ﷺ -، وروى عنه حرفًا، وإنما روايته عن أصحاب محمد - ﷺ -، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: ما أرى هذا الحديث محفوظًا، يعني الحديث الذي رواه أن النبي - ﷺ - دخل بيتهم، فقالت له أمه: يا عبد الله تعالَ أعطك، الحديث، كذا قال، ويحتمل أن يكون أمه أخبرته بذلك، فأرسله هو.\n_________\n(١) إذ قال: لم يختلف أحد أن يقول ذلك مصرحًا في صوم الفرض كان رمضان أو غير ذلك من أنواع الفرض، واختلفوا في التطوع، والأصح أنه لا يصرح به وليقل بنفسه: إني صائم، فكيف أقول الرفث؟ ويؤيد القول باللسان قوله في آخر الحديث عند النسائي فيما ذكره القاضي ينهى بذلك عن مراجعة الصائم، كذا في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٤١٠). وصرح بسنية جهره في رمضان، وسره في غيره صاحب \"نيل المآرب\" (١/ ٤٤٠)، والله أعلم. (ش).","vol":"8","page":508},{"text":"عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ\".\nزَادَ مُسَدَّدٌ (١): \"مَا لَا أَعُدُّ وَلَا أُحْصِي\". [ت ٧٢٥، حم ٣/ ٤٤٥، خزيمة ٢٠٠٧، ق ٤/ ٢٧٢]\n===\nقال الواقدي: وكان عبد الله ثقة قليل الحديث؛ وقال أبو زرعة: مدني أدرك النبي - ﷺ -، وهو ثقة، وقال العجلي: مدني، تابعي، ثقة، من كبار التابعين، وقال أبو حاتم: رأى النبي - ﷺ - لما دخل على أمه وهو صغير، وقال ابن حبان في \"الصحابة\": أتاهم النبي - ﷺ - في بيتهم وهو غلام.\n(عن أبيه) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي، بسكون النون، حليف بني عدي، ثم آل الخطاب، صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، ثم هاجر إلى المدينة أيضًا، وشهد بدرًا وما بعدها، قال ابن سعد: كان الخطاب والد عمر - رضي الله تعالى عنه - قد تبنى عامرًا، فكان يقال له: عامر بن الخطاب، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٢).\n(قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يستاك وهو صائم، زاد مسدد) بعد قوله: رأيت رسول الله - ﷺ -: (ما لا أعد ولا أحصي) أي هذا اللفظ.\nوقد أخرجه الترمذي (٣) ثم قال: قال أبو عيسى: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بالسواك للصائم بأسًا، إلا أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب، وكرهوا له السواك آخر النهار، ولم ير الشافعي (٤) بالسواك بأسًا أول النهار وآخره، وكره أحمد وإسحاق السواك آخر النهار.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في حديثه\".\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٥.\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣/ ١٠٤).\n(٤) قال العراقي: هذا قول غريب للشافعي، لا يوجد إلا في كلام الترمذي، وفي المسألة سبعة مذاهب للعلماء، كذا في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٣٨٤).","vol":"8","page":509},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الشوكاني (١): وقال الحافظ (٢) أيضًا: إسناده حسن، والحديث يدل على استحباب السواك للصائم من غير تقييد بوقت دون وقت، وهو يرد على الشافعي قوله بالكراهة بعد الزوال للصائم مستدلًا بحديث الخلوف، وقد نقل الترمذي أن الشافعي قال: لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره، واختاره جماعة من أصحابه، منهم أبو شامة، وابن عبد السلام، والنووي، والمزني.\nقال الحافظ في \"التلخيص\" (٣): استدلال أصحابنا بحديث: \"خلوف فم الصائم\" على كراهة الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائمًا، فيه نظر.\nقال الشوكاني: فالحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره، وهو مذهب جمهور الأئمة، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (٤): ولا بأس للصائم أن يستاك سواء كان السواك يابسًا أو رطبًا (٥)، مبلولًا أو غير مبلول، وقال أبو يوسف: إذا كان مبلولًا يكره.\nوقال الشافعي: يكره السواك آخر النهار كيف ما كان، واحتج بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لخلوف (٦) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" (٧)، والاستياك يزيل الخلوف فيكره.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٧٥).\n(٢) انظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٢٩).\n(٣) \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٢٩).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٦٨، ٢٦٩).\n(٥) قال القسطلاني (٤/ ٥٥٥): كره مالك الاستياك بالرطب للصائم، والشافعي وأحمد بعد الزوال ... إلخ. (ش).\n(٦) اختلف في معناه على ستة أقوال، ذكرت في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٣١٩)، وفي \"الأوجز\" (٥/ ٣٣٣) ثمانية، وفي كتاب \"الوابل الصيب\" (ص ٦٢) لابن القيم مناظرة أبي محمد وأبي عمرو في أن الخلوف في الدنيا أو في القيامة مع ذكر دلائلهما. وكذا في \"حياة الحيوان\". (ش).\n(٧) أخرجه البخاري (١٩٠٤).","vol":"8","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>(٢٧) بَابُ الصَّائِمِ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاء مِنَ الْعَطَشِ وَيُبَالِغُ في الاسْتِنْشَاقِ</span>\n٢٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ النَّاسَ فِى سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ وَقَالَ: \"تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ\" وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.\n===\nوجه قول أبي يوسف: أن الاستياك بالمبلول من السواك إدخال الماء في الفم من غير حاجة.\nولنا ما روي أن النبي - ﷺ - قال: \"خير خلال الصائم السواك\" (١)، والحديث حجة على أبي يوسف والشافعي، لأنه وصف الاستياك بالخيرية مطلقًا من غير فصل بين المبلول وغير المبلول، وبين أن يكون في أول النهار وآخره، لأن المقصود منه تطهير الفم فيستوي فيه المبلول وغيره، وأول النهار وآخره كالمضمضة، وأما الحديث فالمراد منه تفخيم شأن الصائم والترغيب في الصوم والتنبيه على كونه محبوبًا لله تعالى ومرضيه، ونحن به نقول، أو يحمل على أنهم كانوا يتحرجون عن الكلام مع الصائم لتغير فمه بالصوم، فمنعهم عن ذلك ودعاهم إلى الكلام.\n\n(٢٧) (بَابُ الصَّائِمِ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ مِنَ العَطَشِ ويُبَالِغُ في الاسْتِنْشَاقِ)\n٢٣٦٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -) وإبهام الصحابي لا يضر لأنهم كلهم عدول (قال: رأيت النبي - ﷺ - أمر الناس في سفره) إلى مكة (عام الفتح بالفطر، وقال: تقووا لعدوكم) بمنزلة التعليل للأمر، كأنه قيل لأجل أن تقووا لملاقاة عدوكم (وصام رسول الله - ﷺ -) لأنه لا يخاف\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٤/ ٢٧٢).","vol":"8","page":511},{"text":"قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ الَّذِى حَدَّثَنِى: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِالْعَرْجِ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ. [ط ١/ ٢٩٤/ ٢٢، ق ٤/ ٢٤٢]\n===\nعليه الضعف من الصوم، بل يزيده الصوم قوة ونشاطًا، أو لأن الصوم في السفر أفضل لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١).\n(قال أبو بكر: قال الذي حدثني) أي الصحابي الذي حدثني هذا الحديث: (لقد رأيت رسول الله - ﷺ - بالعرج) بفتح العين وسكون الراء المهملتين، وبالجيم، قرية جامعة على نحو ثلاث مراحل من المدينة (يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر)، لفظ: \"أو\" للشك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو ذاك، ويحتمل التنويع.\nقال في \"البدائع\" (٢): وأما الاستنشاق والاغتسال وصبُّ الماء على الرأس والتلفف بالثوب المبلول، فقد قال أبو حنيفة (٣): إنه يكره.\nوقال أبو يوسف: لا يكره، واحتج بما روي أن رسول الله - ﷺ - صب (٤) على رأسه ماءً من شدة الحر وهو صائم.\nوعن ابن عمر - ﵁ -، أنه كان يبل الثوب ويتلفف به وهو صائم، ولأنه ليس فيه إلَّا دفع أذى الحر، فلا يكره كما لو استظل.\nولأبي حنيفة أن فيه إظهار الضجر من العبادة والامتناع عن تحمل مشقتها، وفعل رسول الله - ﷺ - محمول على حال مخصوصة، وهي حال خوف\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٧٠).\n(٣) قال العيني: هذا رواية عن أبي حنيفة غير معتمد عليها، والمذهب المختار أنه لا يكره، ذكره الحسن عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه. (ش). (انظر: \"عمدة القاري\" ٨/ ٨٩).\n(٤) وفي \"التقرير\": بيانًا للجواز أو ضرورة العطش، والذين كرهوه إنما كرهوه لعلة أخرى.","vol":"8","page":512},{"text":"٢٣٦٦ - نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نِا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ - \"بَالِغْ في الاِسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا\". [ت ٧٨٨، ن ٨٧، ق ٤/ ٢٦١]\n===\nالإفطار من شدة الحر، وكذا فعل ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - محمول على مثل هذه الحالة، ولا غلام في هذه الحالة.\nقلت: وقول أبي يوسف هو المفتى به، قال في \"الدر المختار\" (١): وكذا لا تكره حجامة، وتلفف بثوب مبتل، ومضمضة أو استنشاق أو اغتسال للتبرد عند الثاني، وبه يفتى. \"شرنبلالية\" عن \"البرهان\".\n٢٣٦٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: بالغ في الاستنشاق (٢) إلَّا أن تكون صائمًا)، وقد تقدم هذا الحديث مطولًا في باب الاستنثار، فالحديث الأول يناسب الجزء الأول من الترجمة، وهو جواز صب الماء عليه، والحديث الثاني يناسب الجزء الثاني، وهو عدم جواز المبالغة في الاستنشاق.\nقال الترمذي (٣) بعد تخريج حديث لقيط بن صبرة: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد كره أهل العلم السعوط للصائم، ورأوا أن ذلك يفطره، وفي الحديث (٤) ما يقوي قولهم، انتهى.\n_________\n(١) (٣/ ٣٩٩).\n(٢) قال ابن رسلان: الأصحاب قاطبة يقيسون المضمضة على الاستنشاق، وقال الماوردي: يبالغ فيها دونه للرواية، وفرق بينهما بأن المضمضة يمكن رده بإطباق الحلق بخلاف الاستنشاق، وفي رواية الحافظ أبي بشر الدولابي بحديث الثوري: \"إذا توضأت فبالغ في المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائمًا\"، قال ابن العربي: إسناده صحيح، انتهى مختصرًا. (ش).\n(٣) \"سنن الترمذي\"، ٥ - كتاب الصوم، ٦٩ - باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم. (٣/ ١٥٥).\n(٤) وفي \"سنن الترمذي\": وفي الباب.","vol":"8","page":513},{"text":"(٢٨) (١) في الصَّائِمِ يَحْتَجِم\n٢٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، نَا شَيْبَانُ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ - يَعْنِى الرَّحَبِىَّ - عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ\".\nقَالَ شَيْبَانُ (٢): قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو قِلَابَةَ، أَنَّ أَبَا أَسْمَاءَ\n===\nقلت: وكذلك قول الحنفية: إن الصائم إذا استعطَّ فوصل إلى دماغه أفطر، فلأجل ذلك نهى النبي - ﷺ - عن المبالغة في الاستنشاق.\nوقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): وإنما كره المبالغة للصائم خشية أن ينزل إلى حلقه ما يفطره، انتهى. وهذا يوهم أن الوصول إلى الدماغ غير مفطر ما لم ينزل إلى الحلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>(٢٨) (في الصائِمِ يَحْتَجِمُ)</span>\n٢٣٦٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن هشام، ح: ونا أحمد بن حنبل، نا حسن بن موسى) الأشيب بمعجمة، ثم تحتانية، أبو علي البغدادي، قاضي طبرستان والموصل وحمص، ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره مسلم في رجال شعبة الثقات في الطبقة الثالثة.\n(نا شيبان جميعًا) أي هشام وشيبان (عن يحيى)، بن أبي كثير، (عن أبي قلابة، عن أبي أسماء - يعني الرحبي-، عن ثوبان، عن النبي - ﷺ - قال: أفطر الحاجم والمحجوم، قال شيبان: قال) يحيى: (أخبرني أبو قلابة، أن أبا أسماء\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"في حديثه\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٢٨).","vol":"8","page":514},{"text":"الرَّحَبِىَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ-. [جه ١٦٨٠، حم ٥/ ٢٧٧، دي ١٧٣١، خزيمة ١٩٦٢]\n===\nالرحبي حدَّثه، أن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - أخبره، أنه سمع النبي - ﷺ -)، وغرض المصنف من إعادة سند شيبان وتكريره أن سند هشام معنعن، وأما سند شيبان فهو بلفظ الإخبار والتحديث.\nوقد اختلف السلف في الحجامة للصائم، فالجمهور على عدم الفطر بها مطلقًا، وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، وقال بقول أحمد من الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان، ونقل الترمذي عن الزعفراني أن الشافعي علق القول على صحة الحديث، وبذلك قال الداودي من المالكية (١).\nوفي \"بداية المجتهد\" (٢): أن الحجامة فيها ثلاث مذاهب (٣)، قوم قالوا: إنها تفطر، وإن الإمساك عنها واجب، وبه قال أحمد، وداود، والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وقوم قالوا: إنها مكروهة للصائم وليست تفطر، وبه قال مالك والشافعي والثوري، وقوم قالوا: إنها غير مكروهة ولا مفطرة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.\nوسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك، وذلك أنه ورد في ذلك حديثان: أحدهما ما روي من طريق ثوبان، ومن طريق رافع بن خديج أنه ﵊ قال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\"،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٤).\n(٢) (١/ ٢٩٠، ٢٩١).\n(٣) لكن التفريق بين المذهب الثاني والثالث لا يوافق الفروع، فإن الحنفية صرحوا بالكراهة عند الخوف، والمالكية صرحوا بلا بأس عند الأمن، نعم عند الشافعية تركها أفضل مطلقًا، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ١٧٥).","vol":"8","page":515},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوحديث ثوبان هذا كان يصححه أحمد، والحديث الثاني حديث عكرمة عن ابن عباس: \"أن رسول الله - ﷺ - احتجم وهو صائم\"، وحديث ابن عباس هذا صحيح.\nفذهب العلماء بهذين الحديثين ثلاثة مذاهب، أحدها: (١) مذهب الترجيح، والثاني: مذهب الجمع، والثالث: مذهب الإسقاط عند التعارض والرجوع إلى البراءة الأصلية إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ.\nفمن ذهب مذهب الترجيح قال بحديث ثوبان، وذلك أن هذا موجب حكمًا، وحديث ابن عباس رافعه، والموجب مرجح عند كثير من العلماء على الرافع؛ لأن الحكم إذا ثبت بطريق يوجب العمل لم يرتفع إلَّا بطريق يوجب العمل برفعه، وحديث ثوبان قد وجب العمل به، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون ناسخًا، ويحتمل أن يكون منسوخًا، وذلك شك، والشك لا يوجب عملًا، ولا يرفع العلم الموجب للعمل، وهذا على طريقة من لا يرى الشك مؤثرًا في العلم.\nومن رام الجمع بينهما حمل حديث النهي على الكراهية، وحديث الاحتجام على رفع الخطر.\nومن أسقطهما للتعارض قال: بإباحة الاحتجام للصائم، انتهى.\nقلت: والذين رجَّحوا حديث ابن عباس وعملوا به أوَّلوا حديث: \"أفطر الحاجم والمحجوم\"، بأن المراد به أنهما سيفطران كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٢) أي ما يؤول إليه، وكذا قال البغوي في \"شرح السنَّة\": معنى قوله: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" أي: تعرَّضا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه من المص، وأما المحجوم فإنه لا يأمن\n_________\n(١) في الأصل: \"أحدهما\"، وهو تحريف.\n(٢) سورة يوسف: الآية ٣٦.","vol":"8","page":516},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nضعف قوته فيؤول أمره إلى أن يفطر، وقيل: معنى أفطر، فعلَا مكروهًا وهو الحجامة، فصارا كأنهما غير متلبسَيْن بالعبادة.\nوقيل: إنه - ﷺ - إنما قال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\"، لأنهما كان يغتابان، وقال ابن حزم: صح حديث: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: \"أرخص النبي - ﷺ - في الحجامة للصائم\"، وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا، والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني، ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه، وله شاهد من حديث أنس أخرجه الدارقطني، ولفظه: \"أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به رسول الله - ﷺ - فقال: أفطر هذان، ثم رخص النبي - ﷺ - بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم\"، ورجاله كلهم من رجال البخاري، إلَّا أن في المتن ما ينكر، لأن فيه أن ذلك كان في الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك.\nوقيل: إنما نهى عن الحجامة لأجل الضعف، فروى عبد الرزاق وأبو داود من طريق عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه\"، قوله: \"إبقاء على أصحابه\" يتعلق بقوله: \"نهى\"، وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا، ولفظه: \"عن أصحاب محمد - ﷺ - قالوا: إنما نهى النبي - ﷺ - عن الحجامة للصائم وكرهها للضعف\"، أي: لئلا يضعف (١).\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٨).","vol":"8","page":517},{"text":"٢٣٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، نَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِى أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِىُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِى مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- (١)، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. [جه ١٩٨١، حم ٥/ ٢٨٣، ق ٤/ ٢٦٥]\n٢٣٦٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى عَلَى\n===\n٢٣٦٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا حسن بن موسى، نا شيبان، عن يحيى، حدثني أبو قلابة الجرمي، أنه) أي أبا قلابة (أخبره) أي يحيى (إن شداد بن أوس بينما هو يمشي مع النبي - ﷺ -، فذكر نحوه).\nقال الحافظ (٢): ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد وثوبان، قلت: فكيف بما فيهما من الاختلاف؟ يعني عن أبي قلابة، قال: كلاهما عندي صحيح، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد، روى الحديثين جميعًا، يعني فانتفى الاضطراب، وتعين الجمع بذلك، وقال المروزي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت، فقال: هذا مجازفة.\nقلت: ولم يذكر فيه بين أبي قلابة وبين شداد بن أوس أبا الأشعث، وهكذا رواه ابن ماجه، فلم يذكر أبا الأشعث، فالظاهر أن فيه انقطاعًا.\n٢٣٦٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا أيوب، عن أبو قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس: أن رسول الله - ﷺ - أتى على\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٧).","vol":"8","page":518},{"text":"رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ، وَهُوَ يَحْتَجِمُ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِى، لِثَمَانَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: \"أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ\" (١). [حم ٤/ ١٢٣، السنن الكبرى للنسائي ٣١٣٨، ق ٤/ ٢٦٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى (٢) خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ بِإِسْنَادِ أَيُّوبَ مِثْلَهُ.\n===\nرجل (٣) بالبقيع) ولم أقف على تسميته، وقد أخرج الإِمام أحمد (٤) هذا الحديث من طريق داود بن أبي هند، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس قال: مرَّ رسول الله - ﷺ - عليَّ وأنا أحتجم في ثمان عشرة خلون من رمضان، فقال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\".\n(وهو) أي الرجل (يحتجم، وهو) أي رسول الله - ﷺ - (آخذ بيدي، لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم).\n(قال أبو داود: روى خالد الحذاء) أي هذا الحديث (عن أبي قلابة بإسناد أيوب مثله) أي كما روى أيوب عن أبي قلابة، كذلك رواه خالد الحذاء عن أبي قلابة موافقًا لإسناد أيوب ومثل حديثه، وقد أخرج الإِمام أحمد (٥) حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث مثل حديث أيوب، وكأن أبا داود أشار إلى ما وقع من الاختلاف فيه في السند والمتن.\nفأما في السند فقد روى عاصم الأحول، عن عبد الله بن زيد أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس.\nوكذلك روى معمر من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث،\n_________\n(١) في نسخة: \"له\".\n(٢) في نسخة: \"هذا\".\n(٣) قال ابن رسلان: هو معقل بن سنان كما في ابن أبي شيبة (٢/ ٤٩). (ش).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٢٣) رقم الحديث (١٧١٠٠).\n(٥) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٢٣) رقم الحديث (١٧٠٨٣).","vol":"8","page":519},{"text":"٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى مَكْحُولٌ، أَنَّ شَيْخًا مِنَ الْحَيِّ - قَالَ عُثْمَانُ فِى حَدِيثِهِ: مُصَدَّقٌ-\n===\nعن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس، وروى قتادة عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن شداد بن أوس، وروى سعيد بن أبي عروبة، عن عاصم الأحول، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس، وروى إسماعيل، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عمن حدثه، عن شداد بن أوس.\nوأما الاختلاف في المتن ففي أكثر الروايات أن شدَّاد بن أوس كان مع رسول الله - ﷺ - يمشي معه، فمر على رجل يحتجم، وأما في حديث داود بن أبي هند ففيه: قال: \"مر رسولى الله - ﷺ - عليَّ (١) وأنا أحتجم\"، وهذه الروايات المختلفة كلها أخرجها الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢)، فهذه الاختلافات كلها تدل على الاضطراب في الحديث، فما حكى الترمذي عن البخاري في رفع الاضطراب لعله لا يوجَّه بالنظر إلى هذه الاختلافات، والله تعالى أعلم.\n٢٣٧٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن بكر وعبد الرزاق، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل، يعني ابن إبراهيم) كلهم، أي: محمد بن بكر وعبد الرزاق وإسماعيل رووا (عن ابن جريج) قال: (أخبرني مكحول، أن شيخًا من الحي، قال عثمان في حديثه: مصدق) بالرفع، أي: وهو مصدق، وفي نسخة بالنصب صفة لشيخ.\n_________\n(١) وفي \"النيل\" (٣/ ١٦٨) عن معقل بن سنان الأشجعي قال: مر عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أحتجم في ثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، الحديث. (ش).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٢٣، ١٢٤).","vol":"8","page":520},{"text":"أَخْبَرَهُ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى النَّبِىَّ -ﷺ- أَخْبَرَهُ، أَنَّ نَّبِىَّ اللهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ\". [حم ٥/ ٢٨٢، السنن الكبرى للنسائي ٣١٣٤]\n٢٣٧١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا مَرْوَانُ، نَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ الرَّحَبيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ\". [السنن الكبري للنسائي ٣١٣٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ\n===\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): مكحول عن شيخ من الحي مصدق عن ثوبان: \"أفطر الحاجم والمحجوم\"، روى مكحول عن أبي أسماء الرحبي يعني عن ثوبان.\n(أخبره أن ثوبان مولى النبي - ﷺ - أخبره، أن نبي الله - ﷺ - قال: أفطر الحاجم والمحجوم).\n٢٣٧١ - (حدثنا محمود بن خالد، نا مروان، نا الهيثم بن حميد، نا العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، عن النبي - ﷺ - قال: أفطر الحاجم والمحجوم)، أورد المصنف حديث العلاء بن الحارث بعد حديث ابن جريج ليدل على أن المبهم من شيخ مكحول هو أبو أسماء الرحبي.\n(قال أبو داود: رواه ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول) ولم أجد رواية ابن ثوبان فيما عندي من كتب الحديث (٢)، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٣)\n_________\n(١) (١٢/ ٣٨٦).\n(٢) قلت: هذه الرواية وصلها الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٤/ ٣٤٦).\n(٣) (١٢/ ٢٨٧).","vol":"8","page":521},{"text":"مِثْلَهُ بِإِسْنَادِهِ (١).\n\n(٢٩) (٢) في الرُّخْصَةِ\n٢٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ،\n===\nو\"التقريب\" (٣): ابن ثوبان هو محمد بن عبد الرحمن المدني، وعبد الرحمن بن ثابت الشامي، والمراد ها هنا هو عبد الرحمن بن ثابت الشامي، يروي عن أبيه \"عبد الرحمن\" (٤)، وأبوه ثابت بن ثوبان يروي عن مكحول، وليس المراد محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي العامري، فإنه ليس له رواية عن أبيه، ولا أبوه يروي عن مكحول، بل لم أجد ترجمته فيما عندي من كتب رواة الحديث وأسماء الرجال، وقد غلط صاحب \"العون\" (٥) فقال: هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عبد الرحمن بن ثوبان.\n(مثله) أي مثل الحديث المتقدم (بإسناده) أي بإسناد الحديث المتقدم، أو بإسناد مكحول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>(٢٩) (في الرُّخْصَةِ)</span>\nفي الاحتجام للصائم\n٢٣٧٢ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، نا عبد الوارث،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لأَحْمَدَ: أيُّ حَدِيثٍ أصَحُّ في \"أَفَطْرَ الحَاجِم وَالمحجُوم\"؟ قَالَ: حَدِيثُ ثَوْبَان. قُلْتُ: حَدِيثُ مَعْدَانِ اوْ حَدِيثُ أَبِي أَسْمَاءَ؟ قَالَ: حَدِيثُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَن شَيْخٍ مِنَ الحَيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: اسْمُ أَبِي أَسْمَاءَ الرحْبِيِّ عَبْد اللهِ بْن أَسْمَاءَ، وَأَبُو رَاشِدِ الحبرَانِي اسْمُهُ أَخْضَر، هُوَ ابْنُ خَوْطٍ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب\".\n(٣) (ص ١٢٣٤).\n(٤) قلت: لفظ \"عبد الرحمن\" مقحم.\n(٥) \"عون المعبود\" (٦/ ٣٥٦).","vol":"8","page":522},{"text":"عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ\". [خ ١٩٣٩، ت ٧٧٥، حم ١/ ٢٣٦، ق ٤/ ٢٦٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عن أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.\n===\nعن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - احتجم وهو صائم).\nقال الحافظ (١): قال ابن عبد البر وغيره: فيه دليل على أن حديث: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" منسوخ، لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع، وسبق إلى ذلك الشافعي.\nواعترض ابن خزيمة بأن في هذا الحديث أنه كان صائمًا محرمًا، قال: ولم يكن قط محرمًا مقيمًا ببلده، إنما كان محرمًا وهو مسافر، والمسافر إن كان ناويًا للصوم، فمضى عليه بعض النهار وهو صائم أبيح له الأكل والشرب على الصحيح، فإذا جاز له ذلك جاز له أن يحتجم وهو مسافر، قال: فليس في خبر ابن عباس ما يدل على إفطار المحجوم فَضلًا عن الحاجم، انتهى.\nوتعقب بأن الحديث ما ورد هكذا إلا لفائدة، فالظاهر أنه وجد منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر.\n(قال أبو داود: رواه وهيب بن خالد عن أيوب بإسناده) أي بإسناد أيوب (مثله) أي: مثل الحديث المتقدم.\nقال الحافظ (٢): هكذا أخرجه أي البخاري من طريق وهيب، عن أيوب عن عكرمة، عن ابن عباس، وتابعه عبد الوارث عن أيوب موصولًا كما سيأتي في الطب، ورواه ابن علية ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله، وقد بين ذلك النسائي (٣).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٨).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٧)، وانظر رقم الحديث (١٩٣٨).\n(٣) ذكر هذه الطرق النسائي في \"السنن الكبرى\" (٣٢٠٢ - ٣٢٠٩)، ذكر اختلاف الناقلين لخبر عبد الله بن عباس، وانظر: \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣١٧).","vol":"8","page":523},{"text":"وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهِشَامٌ - يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ-، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسِ (١).\n٢٣٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٢) -ﷺ- احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ\". [ت ٧٧٧، جه ١٦٨٢، حم ١/ ٢١٥، قط ٢/ ٢٣٩، ق ٤/ ٢٦٣]\n===\n(وجعفر بن ربيعة) عطف على وهيب، أي: ورواه جعفر بن ربيعة، وأخرج روايته الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣). (وهشام -يعني ابن حسان-، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله) أي: مثل ما روى أيوب موصولًا، أما حديث هشام بن حسان فلم أجده فيما عندي من الكتب (٤).\n٢٣٧٣ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - احتجم وهو صائم محرم).\nوغرض المصنف بذكر حديث (٥) وهيب بن خالد، وجعفر بن ربيعة، وهشام بن حسان، ومقسم تقوية الوصل على الإرسال، فإن ابن علية ومعمر روياه عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله، وقد بيَّن ذلك النسائي (٦)؛ فأراد المصنف بإيراد هذه الأسانيد بأن عبد الوارث عن أيوب رواه موصولًا، وتابعه وهيب بن خالد عن أيوب، وكذلك\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"مثله\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) (٢/ ١٠١)، وأيضًا أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٢٦٣) رقم (١٢٠٢٤).\n(٤) قلت: أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٣٢٠٣) من طريق عبد الله بن رجاء عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس نحوه. وأيضًا وصله المصنف (١٨٣٦).\n(٥) وما أفاده الشيخ محتمل، ويحتمل أن يكون الغرض ترجيح رواية الجماعة على رواية مقسم إذ جمع في الحديث بين صائم ومحرم. وفي \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٤١٣): حديث ابن عباس روي على أربعة أوجه ... إلخ. (ش).\n(٦) انظر: \"السنن الكبرى\" للنسائي (٣٢١٩، ٣٢٢٠).","vol":"8","page":524},{"text":"٢٣٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، حَدَّثَنِى رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَقَالَ: \"إِنِّى أُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ وَرَبِّى يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِى\". [حم ٤/ ٣١٤]\n٢٣٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغِيرَةِ -، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: \"مَا كُنَّا نَدَعُ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ إلَّا كَرَاهِيَةَ الْجَهْدِ\". [خ ١٩٤٠، ق ٤/ ٢٦٣]\n===\nرواه أيوب موصولًا، وتابعه على ذلك جعفر بن ربيعة وهشام بن حسان عن عكرمة، وكذلك رواه عكرمة موصولًا، وتابعه على الوصل مقسم، فأثبت بهذا أن الراجح هو الوصل.\n٢٣٧٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الحجامة)، أي: للصائم (والمواصلة) أي: الوصال في الصوم (ولم يحرمهما إبقاء) أي: شفقة ورحمة (على أصحابه) متعلق بقوله: نهى، قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\n(فقيل له: يا رسول الله، إنك تواصل إلى السحر، فقال: إني أواصل إلى السحر وربي يطعمني ويسقيني)، وتقدم البحث فيه في الوصال، وهذا الحديث وكذلك حديث ابن عباس يدلان على الرخصة في الاحتجام للصائم.\n٢٣٧٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا سليمان - يعني ابن المغيرة -، عن ثابت قال: قال أنس: ما كنا ندع) أي نترك (الحجامة للصائم، إلَّا كراهية الجهد) أي: المشقة والتعب.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٨).","vol":"8","page":525},{"text":"(٣٠) (١) في الصَّائِم يَحْتَلِم نَهَارًا في شَهْرِ رَمَضَان\n٢٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُفْطِرُ مَنْ قَاءَ وَلَا مَنِ احْتَلَمَ، وَلَا مَنِ احْتَجَمَ\". [ق ٤/ ٢٢٠]\n===\nوقد أخرج البخاري (٢) هذا الحديث من طريق شعبة، قال: سمعت ثابتًا البناني قال: سئل أنس بن مالك أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلَّا من أجل الضعف، والسائل هو ثابت البناني، يدل عليه رواية الإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي من طريق جعفر بن محمد القلانسي وأبي قرصافة محمد بن عبد الوهاب وإبراهيم بن الحسين بن دريد كلهم عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري فيه، فقال: عن شعبة عن حميد قال: سمعت ثابتًا وهو يسأل أنس بن مالك، فذكر الحديث، وأشار الإسماعيلي والبيهقي إلى أن الرواية التي وقعت للبخاري خطأ، وأنه سقط منه حميد بين شعبة وثابت، قال الإسماعيلي: وكذلك رواه علي بن سهل عن أبي النضر عن شعبة عن حميد.\n\n(٣٠) (بَابٌ في الصَّائِم يَحْتَلِم نَهَارًا في شَهْرِ رَمَضَان)\nهل يفسد صومه أم لا؟\n٢٣٧٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أصحابه، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يفطر من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم).\nوقد أخرجه الترمذي (٣) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٩٤٠).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٧١٩).","vol":"8","page":526},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاث لا يفطرن\"، الحديث، ثم قال: قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد الخدري غير محفوظ، وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث عن زيد بن أسلم مرسلًا، ولم يذكروا فيه عن أبي سعيد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث، انتهى.\nوأخرجه الدارقطني (١) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يفطرن الصائم\"، الحديث.\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢) بعد ذكر حديث الدارقطني هذا، قال: وهشام بن سعد وإن تكلم فيه غير واحد، فقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري، ورواه ابن عدي في \"الكامل\"، وأسند تضعيف هشام بن سعد عن النسائي وأحمد وابن معين، ولينه هو، وقال: ومع ضعفه يكتب حديثه، وقال عبد الحق في \"أحكامه\": هشام بن سعد يكتب حديثه ولا يحتج به.\nثم أخرج هذا الحديث من حديث ابن عباس من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاث لا يفطرن الصائم\"، الحديث، رواه البزار في \"مسنده\"، قال: وهذا من أحسنها إسنادًا وأصحها، إلَّا أن عبد العزيز لم يكن بالحافظ.\nثم أخرج هذا الحديث من حديث ثوبان، فرواه الطبراني في \"معجمه الوسط\": حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا يزيد بن موهب، ثنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن عياض، عن أبي عدي التركي، عن القاسم أبي عبد الرحمن،\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٨٣).\n(٢) (٢/ ٤٤٧، ٤٤٨).","vol":"8","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>(٣١) بَابٌ: في الكُحْلِ عِنْدَ النَّوْمِ </span>(١)\n٢٣٧٧ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، نَا عَلِىُّ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ هَوْذَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ،\n===\nعن ثوبان، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ثلاث لا يفطرن\"، الحديث، وقال: لا يروى هذا الحديث عن ثوبان إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به ابن وهب، انتهى.\n\n(٣١) (بَابٌ: في الكُحْلِ عِنْدَ النَّوْمِ)\n٢٣٧٧ - (حدثنا النفيلي، نا علي بن ثابت) الجزري، أبو أحمد، ويقال: أبو الحسن، مولى العباس بن محمد الهاشمي، عن أحمد: صدوق ثقة، وقال أبو داود: ثقة، وقال ابن معين: ثقة إذا حدث عن ثقة، وقد وثقه غيرهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وضعفه الأزدي بلا حجة.\n(حدثني عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة) الأنصاري، أبو النعمان الكوفي، قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: صدوق، روى له أبو داود حديثًا واحدًا عن أبيه عن جده هذا الحديث، وقال ابن المديني: عبد الرحمن بن النعمان مجهول.\n(عن أبيه) نعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري، حجازي، روى عن أبيه، وعنه ابنه عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن جده) معبد بن هوذة الأنصاري عن النبي - ﷺ - أنه أمر بالإثمد المروح، الحديث، روى حديثه عبد الرحمن بن نعمان بن معبد عن أبيه عن جده، قلت: وجعل ابن منده وجماعة الضمير في قوله: \"عن جده\" للنعمان، وتكون الرواية والصحبة [لهوذة]، ونسبوه فقالوا: هوذة بن قيس بن عبادة بن دهيم، والله تعالى أعلم، قاله الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ترجمة [معبد بن] هوذة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"للصائم\".\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٢٤).","vol":"8","page":528},{"text":"عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهُ أَمَرَ بِالإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَالَ: \"لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ\". [حم ٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠]\n===\nقلت: وقد صرح الحافظ في \"الإصابة\" (١) بكونه خطأ في ترجمة هوذة بن قيس، فقال: هوذة بن قيس بن عبادة بن دهيم الأنصاري، ذكره ابن شاهين وابن منده وَوَهِما فيه، وإنما الصحبة لولده معبد، فأخرج ابن شاهين من طريق صالح بن رزيق عن علي بن ثابت، عن عبد الرحمن بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده. وأخرج ابن منده من طريق النفيلي، عن علي بن ثابت، عن عبد الرحمن بن النعمان بن هوذة، عن أبيه، عن جده.\nوالصواب ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن قانع من طرف عن علي بن ثابت، عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، فسقط من الرواية الأولى في نسب الراوي النعمان، ومن الثانية معبد، نبه عليه العلائي، فالصحبة لمعبد بن هوذة، وقد اغتر ابن الأثير بما ذكره ابن منده، فأخرج في هذه الترجمة من \"مسند أحمد\"، وساقه على سياق ابن منده، فوهم، وإنما هو في \"المسند\" بإثبات النعمان في السند، انتهى.\n(عن النبي - ﷺ - أنه أمر بالإثمد)، قال في \"القاموس\": الإثمد بالكسر حجر للكحل (المروح) (٢) أي المطيب بالمسك، كأنه جعل له رائحة تفوح بعد أن لم تكن له رائحة (عند النوم، وقال) رسول الله - ﷺ -: (ليتقه) أي الإثمد أو الاكتحال بالإثمد (الصائم).\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): وقد استدل بهذا الحديث ابن شبرمة\n_________\n(١) (٣/ ٥٨٨).\n(٢) الذي أضيف إليه المسك الخالص، كذا في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٠٥).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٧٦).","vol":"8","page":529},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوابن أبي ليلى، فقالا: إن الكحل يفسد الصوم، وخالفهما العترة والفقهاء (١) وغيرهم، فقالوا: إن الكحل لا يفسد الصوم، وأجابوا (٢) عن الحديث بأنه ضعيف لا ينتهض للاحتجاج به، واستدلا بما أخرجه البخاري تعليقًا، ووصله البيهقي والدارقطني وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس بلفظ: \"الفطر مما دخل، والوضوء مما خرج\" (٣) ويجاب بأن في إسناده الفضل بن المختار، وهو ضعيف جدًا، وفيه أيضًا شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف أيضًا، وقال ابن عدي: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف.\nواحتج الجمهور على أن الكحل لا يفسد الصوم بما أخرجه ابن ماجه عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - اكتحل في رمضان وهو صائم\" (٤)، وفي إسناده بقية عن الزبيدي، واسمه سعيد بن أبي سعيد، وقال البيهقي: إنه مجهول، وقال النووي في \"شرح المهذب\" (٥): إنه ضعيف، قال: وقد اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين مردودة.\nورواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، \"أن رسول الله - ﷺ - كان يكتحل وهو صائم\" (٦)، قال أبو حاتم:\n_________\n(١) قلت: لكن قال القسطلاني (٤/ ٥٤٩): ليس بالكحل بأس، ولو تشربته المسام، لأنه لم يصل في منفذ مفتوح، وهذا مذهب الشافعية والحنفية، وقال المالكية والحنابلة: إن اكتحل بما يتحقق معه الوصول إلى حلقه من كحل أو صبر أفطر، انتهى. وقال القاري (٤/ ٥٠٥): الاكتحال لا يكره، به قال الأكثرون، وقال مالك وأحمد وإسحاق: مكروه، وقال المظهر: الاكتحال ليس بمكروه عند الثلاثة، وكرهه أحمد. (ش).\n(٢) وفي \"التقرير\": أن النهي سدًا لباب الوسوسة لئلا يتوهم الفطر. (ش).\n(٣) علقه البخاري، ٣ - كتاب الصوم، ٣٢ - باب الىحجامة والقيء للصائم، ووصله ابن أبي شيبة (٣/ ٥١)، والبيهقي (٤/ ٢٦١)، والدارقطني (٥٥٣).\n(٤) أخرجه ابن ماجه (١٦٧٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٦٢).\n(٥) انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٨٨).\n(٦) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٦٢).","vol":"8","page":530},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ مُنْكَرٌ، يَعْنِي حَدِيثَ الْكُحْلِ.\n٢٣٧٨ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُتْبَةَ عَنْ أَبِى مُعَاذٍ،\n===\nهذا حديث منكر، ومحمد منكر الحديث، وكذا قال البخاري، ورواه ابن حبان في \"الضعفاء\" من حديث ابن عمر، قال في \"التلخيص\" (١): وسنده مقارب.\nورواه ابن أبي عاصم في \"كتاب الصيام\" له من حديث ابن عمر أيضًا بلفظ: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - وعيناه مملوءتان من الإثمد، وذلك في رمضان، وهو صائم\".\nورواه الترمذي (٢) من حديث أنس في الإذن فيه لمن اشتكت عينه، وقال: إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي - ﷺ - في هذا الباب شيء، ورواه أبو داود من فعل أنس، قال الحافظ (٣): ولا بأس بإسناده، قال: وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني، وعن ابن عباس في \"شعب الإيمان\" للبيهقي، انتهى.\nقلت: وقال في \"البدائع\" (٤): ولا بأس بأن يكتحل الصائم بالإثمد وغيره ولو فعل لا يفطره، وإن وجد طعمه في حلقه عند عامة العلماء، لما رُوينا \"أن رسول الله - ﷺ - اكتحل وهو صائم\"، ولما ذكرنا أنه ليس للعين منفذًا إلى الجوف، وإن وجده في حلقه فهو أثره لا عينه.\n(قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو منكر، يعني حديث الكحل) لأنه مخالف فعل رسول الله - ﷺ - فإنه اكتحل وهو صائم.\n٢٣٧٨ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا أبو معاوية) الضرير، (عن عتبة أبي معاذ)\n_________\n(١) (٢/ ٤١٢).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٧٢٦).\n(٣) انظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٤١٢).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٤٤).","vol":"8","page":531},{"text":"عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِلُ وَهُوَ صَائِمٌ.\n٢٣٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (١) الْمُخَرِّمِىُّ وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِىُّ قَالَا، نَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى،\n===\nهو عتبة بن حميد الضبي أبو معاذ، ويقال: أبو معاوية البصري، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أحمد: ضعيف ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) بن مالك، أبو معاذ الأنصاري، روى عن جده، وقيل: عن أبيه عن جده، قال أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أنس بن مالك أنه كان يكتحل وهو صائم).\n٢٣٧٩ - (حدثنا محمد بن عبيد الله)، هكذا في النسخة القادرية والكانفورية والمجتبائية والمكتوبة الأحمدية بالتصغير، وهو تصحيف، والصواب عبد الله مكبرًا كما في النسخة المصرية ونسخة \"العون\"، وقد تقدم ترجمته في المجلد الأول (٢) ص ١٠٨ في \"باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى\".\n(المخرمي، ويحيى بن موسى البلخي قالا: نا يحيى بن عيسى) بن عبد الرحمن، ويقال: ابن محمد التميمي النهشلي، أبو زكريا الكوفي الفاخوري بالفاء والخاء المعجمة، الجرار بفتح الجيم وتشديد الراء بعدها ألف وفي آخرها راء مهملة، هذه النسبة إلى عمل الجرار، وهو جمع جرة يعني الحنتم الذي يشرب منه، سكن الرملة، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أقرب حديثه،\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) من الطبعة الهندية.","vol":"8","page":532},{"text":"عن الأَعمَشِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَكْرَهُ الْكُحْلَ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ (١) إِبْرَاهِيمُ يُرَخِّصُ أَنْ يَكْتَحِلَ الصَّائِمُ بِالصَّبِرِ.\n\n(٣٢) بَابُ الصَّائِم يَسْتَقِيءُ (٢) عَامِدًا\n٢٣٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ ذَرَعَهُ قَىْءٌ (٣) وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ،\n===\nوقال أبو داود: بلغني عن أحمد أنه أحسن الثناء فيه، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال العجلي: ثقة، وكان فيه تشيع، وقال النسائي: ليس بالقوي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة: لا بأس به، وفيه ضعف.\n(عن الأعمش قال: ما رأيت أحدًا من أصحابنا) وهم الفقهاء والمحدثون (يكره الكحل للصائم، وكان إبراهيم) النخعي (يرخص أن يكتحل الصائم بالصبر) فإذا أباح استعمال الصبر في الاكتحال يثبت به إباحة الاكتحال بالإثمد، ونقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": قيل: هو نوع من الكحل، انتهى. ولم أجده في كتب اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>(٣٢) (بَابُ الصَّائِمِ يَسْتَقِيءُ عَامِدًا)</span>\nأي: يعالج حتى يقيء\n٢٣٨٠ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من ذرعه) أي سبقه وغلبه في الخروج (قيء وهو صائم فليس عليه قضاء) لأنه لم يفسد\n_________\n(١) في نسخة: \"فكان\".\n(٢) في نسخة: \"يستقيء القيء عامدًا\".\n(٣) في نسخة: \"القيء\".","vol":"8","page":533},{"text":"وَإِنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ\" (١). [ت ٧٢٠، دي ١٧٢٩، جه ١٦٧٦، حم ٢/ ٤٩٨، خزيمة ١٩٦٠]\n===\nصومه، فلا يجب قضاؤه (وإن استقاء) (٢) عمدًا (فليقض).\nقال الشوكاني: الحديث أخرجه ابن حبان والدارقطني والحاكم وله ألفاظ، قال النسائي: وقفه عطاء على أبي هريرة، قال الترمذي: لا نعرفه إلَّا من حديث هشام عن محمد عن أبي هريرة، تفرد به عيسى بن يونس، وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه، ولا يصح (٣) إسناده، وصححه الحاكم على شرطهما، وفي الباب موقوفًا عن ابن عمر عند مالك في \"الموطأ\" والشافعي بلفظ: \"من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء\" (٤).\nقال: والحديث يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء، ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه، ويجب عليه القضاء، وقد ذهب إلى هذا علي وابن عمر وزيد بن أرقم وزيد بن علي والشافعي.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: نَخَافُ إلا يَكُونَ مَحْفُوظًا.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ ذَا شَيءٍ، وَالصَّحِيح في هذَا عَنْ مَالكٍ، عن نَافِع عن ابْنِ عُمَرَ.\nقَال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَيْضًا حَفْصُ بُنُ غِيَاثٍ عن هِشَامٍ مِثْلَهُ\".\n[قلت: رواية حفص بن غياث أخرجها ابن ماجه في \"سننه\" (١٦٧٦)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٢٢٦) رقم (١٩٦١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٢٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢١٩)].\n(٢) أي مطلقًا وإن لم يكن ملء الفم عند الأئمة الأربعة، خلافًا لأبي يوسف فعنده بشرط ملء الفم، ورواية لأحمد، وأما القيء فليس بمفطر عند الأربعة خلافًا للبعض كالأوزاعي وأبي ثور، كما في \"الأوجز\" (٥/ ٢٥٢). (ش).\n(٣) وتكلم على هذا الحديث ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" له. (ش).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٠٤)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٥٥١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٣٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٩٧).","vol":"8","page":534},{"text":"٢٣٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، حَدَّثَنِى مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَاءَ وأَفْطَرَ (١)، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ\n===\nقلت: وكذلك قالت الحنفية، وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والهادي والقاسم: إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبًا أو مستخرجًا ما لم يرجع منه شيء باختيار، واستدلوا بحديث أبي سعيد: \"ثلاث لا يفطرن\"، الحديث.\nوأجيب بأن فيه المقالَ المتقدم، فلا ينتهض معه للاستدلال، ولو سلِّم صلاحيته لذلك، فهو محمول- كما قال البيهقي- على من ذرعه القيء، وهذا لا بد منه، لأن ظاهر حديث أبي سعيد أن القيء لا يفطر مطلقًا، وظاهر حديث أبي هريرة أنه يفطر نوع منه خاص، فيبني العام على الخاص.\n٢٣٨١ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، نا عبد الوارث) بن سعيد، (نا الحسين) بن ذكوان المعلم، (عن يحيى) بن أبي كثير، (حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد بن هشام) بن معاوية بن هشام بن عقبة بن أبي معيط الأموي الدمشقي، نزيل قرقيسيا، قال العجلي والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(إن أباه) أي أبا يعيش، وهو الوليد بن هشام بن معاوية بن هشام بن عقبة بن أبي معيط- بالتصغير- الأموي، أبو يعيش المعيطي، كان عامل عمر بن عبد العزيز على قنسرين، وثقه ابن معين والعجلي، وقال الأوزاعي: هو ثقة عدل، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس بحديثه.\n(حدثه) قال الوليد: (حدثني معدان بن طلحة، أن أبا الدرداء حدثه، أن رسول الله - ﷺ - قاء وأفطر، فلقيت ثوبان\n_________\n(١) في نسخة: \"فأفطر\".","vol":"8","page":535},{"text":"مَوْلَى رَسُولِ الله - ﷺ - في مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَاءَ فَأَفْطَرَ، قَالَ: صَدَقَ، وَأَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ. [دي ١٧٢٨، حم ٦/ ٤٤٣، خزيمة ١٩٥٦، ك ١/ ٤٢٦]\n===\nمولى رسول الله - ﷺ - في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله - ﷺ - قاء فأفطر، قال) ثوبان: (صدق) أبو الدرداء (وأنا صببت له) أي لرسول الله - ﷺ - (وضوءه) أي ماء وضوئه فتوضأ.\nقال الترمذي (١): وروي عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد: أن النبي - ﷺ - قاء فأفطر، وإنما معنى هذا الحديث أن النبي - ﷺ - كان صائمًا متطوعًا، فقاء فضعف، فأفطر لذلك، هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا، والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمدًا فليقض\"، وبه يقول الشافعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق.\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢): ورواه ابن حبان في \"صحيحه\" والحاكم في \"المستدرك\" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه الدارقطني في \"سننه\" وقال: رواته كلهم ثقات، انتهى.\nقال القاري (٣): قال ميرك: احتج به أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المبارك والثوري على أن القيء ناقض للوضوء، وحمله الشافعي على غسل الفم والوجه، أو على استحباب الوضوء، والثاني أولى من الأول، لأن غلام الشارع إذا أمكن حمله على المعنى الشرعي لا ينبغي العدول عنه إلى المعنى اللغوي، نعم يتوقف الاستدلال به للنقض على تحقق الوضوء السابق مع أن الأصل في فعله ﵊ الخارج عن القرينة أن يحمل على الندب على الخلاف المذكور في أصول الفقه.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٩٩)، ٥ - كتاب الصوم، ٢٥ - باب ما جاء فيمن استقاء عمدًا.\n(٢) (٢/ ٤٤٩).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٠٢، ٥٠٣).","vol":"8","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>(٣٣) بَابُ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ</span>\n٢٣٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَ لإِرْبِهِ\". [خ ١٩٢٧، م ١١٠٦، جه ١٦٨٤]\n===\n\n(٣٣) (بَابُ القُبْلَةِ (١) لِلصَّائِمِ)\nقال في القاموس: القبلة بالضم: اللثمة\n٢٣٨٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقبِّل) أي عائشة (وهو صائم، ويباشر) والمباشرة الملامسة وإلصاق البشرة بالبشرة (وهو صائم، ولكنه) أي رسول الله - ﷺ - (كان أملك لإربه).\nقال في \"المجمع\" (٢): أي لحاجته، أي كان غالبًا لهواه، فإن أكثر المحدثين يروونه بفتح همزة وراء، وبعضهم يرويه بكسر فسكون، وهو يحتمل معنى الحاجة، والعضو أي الذكر، تريد أنه يأمن مع هذه المباشرة الوقوع في الفرج، فهي علة في عدم إلحاق الغير به، ومن يجيزها له يجعل قولها علة في إلحاقه به، فإنه إذا كان أملك الناس لإربه يباشرها، فكيف لا تباح لغيره؟\nقال الحافظ (٣): وقد اختلف في القُبلة والمباشرة للصائم، فكرهها قوم مطلقًا، وهو مشهور عند المالكية، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر \"أنه كان يكره القبلة والمباشرة\"، ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٤) الآية، فمنع من المباشرة في هذه الآية نهارًا، والجواب عن ذلك أن النبي - ﷺ - هو المبيِّن عن الله تعالى، وقد أباح\n_________\n(١) بسط العيني الروايات في جواز القبلة. (ش). (انظر: \"عمدة القاري\" ٨/ ٨٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٦٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٥٠).\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٨٧.","vol":"8","page":537},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمباشرة نهارًا فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها، والله أعلم.\nوممن أفتى بإفطار من قُبُلٍ وهو صائم عبد الله بن شبرمة أحد فقهاء الكوفة، ونقله الطحاوي عن قوم لم يُسَمِّهم (١)، وأباح القبلة قوم مطلقًا، وهو المنقول صحيحًا عن أبي هريرة، وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة (٢)، بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها، وفرق آخرون بين الشاب والشيخ، فكرهها للشاب وأباحها للشيخ، وهو مشهور عن ابن عباس، وفرق آخرون بين من يملك نفسه ومن لا يملك كما أشارت إليه عائشة.\nواختلف فيما إذا باشر أو قَبَّل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء، وقال مالك وإسحاق: يقضي في كل ذلك ويكفر، إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأن الإنزال أقصى ما يطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك، وتعقب بأن الأحكام علقت بالجماع ولو لم يكن إنزال فافترقا.\nقلت: ومذهب الحنفية في ذلك أن من قَبَّل ولم يُنزل، أو أنزل بنظر ولو إلى فرجها، أو بفكر وإن طال، أو جامع في ما دون السبيلين ولم ينزل (٣)، ليس عليه القضاء، ومن قَبَّل أو لمس فأنزل قضى فقط.\n_________\n(١) وسماهم العيني (٨/ ٨٦)، وذكر مستدلهم رواية ابن ماجه مرفوعًا: \"أنه أفطر\"، وبسط الكلام على الحديث وضعفه، ومال ابن قتيبة أيضًا إلى الإفطار، انظر: \"مختلف الحديث\" (ص ٢٩١). (ش).\n(٢) منهم الإِمام أحمد وإسحاق وداود الظاهري، ومن الفارقين بين الشيخ والشاب أبو حنيفة والشافعي، ورواية عن مالك. (ش).\n(٣) ثم إن لم يخرج شيء فلا شيء عند الأربعة، وإن أمنى يفطر عند الأربعة، وكذا إن أمذى عند مالك وأحمد، لا الشافعي وأبي حنيفة. كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٨٧). (ش).","vol":"8","page":538},{"text":"٢٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُقَبِّلُ فِى شَهْرِ الصَّوْمِ\". [م ١١٠٦، ت ٧٢٧، جه ١٦٨٣، حم ٦/ ١٣٠، قط ٢/ ١٨٠، ق ٤/ ٢٣٣]\n٢٣٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ الْقُرَشِىَّ -، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُنِى وَهُوَ صَائِمٌ وَأَنَا صَائِمَةٌ\". [حم ٦/ ١٣٤، خزيمة ٢٠٠٤]\n٢٣٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ. (ح): وَحَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْن\n===\n٢٣٨٣ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، ثنا أبو الأحوص، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة - ﵂ - قالت: كان النبي - ﷺ - يقبِّل في شهر الصوم)، أي: في حالة الصوم نهارًا.\n٢٣٨٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبد الله -يعني ابن عثمان القرشي-، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقبلني وهو صائم وأنا صائمة) (١).\n٢٣٨٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا الليث، ح: وحدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن\n_________\n(١) قلت: يشكل عليه ما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٤٢٣) برواية ابن حبان (٣٥٤٦) عنها: \"كان لا يمس شيئًا من وجهها وهي صائمة\"، وبين وجهه ما في النساء من الضعف، وبمعنى حديث الباب ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٥٢) بلفظ عن عائشة قالت: \"أهوى إليَّ النبي - ﷺ - ليقبلني، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم، فقبَّلني\". وفي \"النيل\" (٣/ ١٨٤): وأشكل تقبيلها أنها كانت شابة، وأجيب بأنه علم من حالها أنها لا تتحرك. (ش).","vol":"8","page":539},{"text":"سَعِيدٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هَشِشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، قَالَ: \"أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ ! \". قَالَ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ في حَدِيثِهِ: قُلْتُ: لَا بَأْسَ (١)، قَالَ: \"فَمَهْ\". [دي ١٧٢٤، حم ١/ ٢١، خزيمة ١٩٩٩، السنن الكبرى للنسائي ٣٠٣٦، ك ١/ ٤٣١، حب ٣٥٤٤]\n===\nسعيد، عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت) أي: فرحت وارتحت، أي: لزوجتي (فقبَّلت) أي إياها (وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (أرأيت) أخبرني (لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ ! قال عيسى بن حماد في حديثه: قلت: لا بأس) أي بالمضمضة في حالة الصوم، (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فمه) أي: فماذا هو، أي: التقبيل، وقيل: كلمة زجر وكَفٍّ، أي: اكفف عن السؤال، فإن القبلة لا يضر في الصوم كما لا يضر المضمضة.\nقال الحافظ (٢): قال المازري: ومن بديع ما روي في ذلك قوله - ﷺ - للسائل عنها: \"أرأيت لو تمضمضت؟ \" فأشار إلى فقه بديع، وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع، انتهى، والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو داود والنسائي (٣) من حديث عمر، قال النسائي: منكر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"لا بأس به ثم اتفقا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٥٢).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٣٠٣٦).\n(٤) انظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (١٩٩٩)، و\"صحيح ابن حبان\" (٣٥٤٤)، و\"المستدرك\" (١/ ٤٣١).","vol":"8","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>(٣٤) بَابُ الصَّائِمُ يَبْلَعُ الرِّيقَ </span>(١)\n٢٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، نَا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ الْعَبْدِىُّ، عَنْ مِصْدَعٍ أَبِى يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصُّ لِسَانَهَا\" (٢). [حم ٦/ ١٢٣، خزيمة ٢٠٠٣]\n===\n\n(٣٤) (بَابُ الصَّائِمِ يَبْلَعُ الرِّيقَ)\n٢٣٨٦ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا محمد بن دينار) الأزدي ثم الطاحي بمهملتين، هذه النسبة إلى بني طاحية، وهي محلة بالبصرة، أبو بكر بن أبي الفرات البصري، عن ابن معين: ليس به بأس، وعنه: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال: أبو داود: تَغَيَّرَ قبل أن يموت، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عدي: هو مع هذا كله حسن الحديث، وقال البرقاني عن الدارقطني: ضعيف، وقال مرة: متروك، وقال العقيلي: في حديثه وهن، وقال العجلي: لا بأس به، وقال النسائي في حديث عائشة: \"كان يقبلها ويمص لسانها\": هذه اللفظة لا توجد إلَّا في رواية محمد بن دينار.\n(نا سعد بن أوس العبدي) قال في \"التقريب\": أو العدوي، صدوق، له أغاليط، (عن مصدع أبي يحيى، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يقبلها وهو صائم ويَمَصُّ) (٣) أي: يرشف (لسانها).\n_________\n(١) في نسخة: \"ريقه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الإسناد ليس بصحيح\"، [انظر: \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٧٤٨) رقم (١٧٦٦٣)].\n(٣) وبسط العيني (٨/ ٨٧) الكلام على ضعف هذا اللفظ، ثم قال: وعلى تقدير صحته يجوز أن يكون التقبيل في وقت، والمصُّ في وقت آخر، ويجوز أن يمَصَّه ولا يبتلعه ... إلخ، وحمل صاحب \"شرح الإقناع\" (١/ ٤٨٤) ذلك على الخصوصية، وقال صاحب \"شرح المنهاج\": واقعة حال، لها احتمالات. (ش).","vol":"8","page":541},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال القاري (١): قال ميرك: اعلم أن في إسناد هذا الحديث محمد بن دينار، قال ابن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس به بأس، ولم يكن له كتاب، وقال غيره: ضعيف، وفي إسناده أيضًا سعد بن أوس، قال ابن معين: بصري ضعيف، فإن قيل: إن ابتلاع ريق الغير يفطر إجماعًا، وأجيب على تقدير صحة الحديث أنه واقعة حال فعلية محتملة أنه ﵊ كان يبصقه ولا يبتلعه، وكان يمصه ويلقي جميع ما في فمه في فمها، والواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل فيها، انتهى. ولا يخفى أن الوجه الثاني مع بُعده إنما يتصور فيما إذا كانت غير صائمة.\nونقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": إن صح يحمل على غير حالة الصوم، أو على أنه يخرج ذلك الريق.\nوكتب مولانا محمد يحيى من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"يمص لسانها\"، ليس فيه حجة لمن لم يذهب إلى فساد الصوم بابتلاع ريق الحبيب والحبيبة، إذ لا تصريح فيه بفعله هذا في الصوم، ولو سلِّم كونه في الصوم، فلا يلزم بلوغه قدرًا يتحقق فيه الابتلاع، ولو سلِّم فليس فيه نص بأنه كان يبتلعه، بل المقصود منه بيان ما لعائشة من الوقوع في قلبه - ﷺ -، ذكره استطرادًا بذكر تقبيله إياها في الصوم، فإن تقبيله إياها وهما صائمان كما يدل على محبته لها، فكذلك مص لسانها، وإن كان الأخير حالة الإفطار لا الصوم، والمذهب عندنا وجوب الكفارة إذا ابتلع ريق حبيب أو حبيبة لما أنه مرغوب فيه طبعًا، ولا شيء إذا بلع ريق نفسه، والقضاء دون الكفارة إن بلع ريق غيرهما أو نخامته.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٠٠).","vol":"8","page":542},{"text":"(٣٥) كَرَاهِيَّتُهُ (١) لِلشَّاب\n٢٣٨٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ - يَعْنِى الزُّبَيْرِىَّ -، أَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِى الْعَنْبَسِ، عَنِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِىَّ -ﷺ- عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ (٢) فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِى رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَالَّذِى نَهَاهُ شَابٌّ\". [حم ٢/ ١٨٥ - ٢٢٩]\n===\n\n(٣٥) (كَرَاهِيتُه)، أي: التقبيل والمباشرة (لِلشَّابِ) (٣)\n٢٣٨٧ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد -يعني الزبيري-، أنا إسرائيل، عن أبي العنبس) العدوي الكوفي، اسمه الحارث بن عبيد بن كعب، من بني عدي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن الأغر) أبي مسلم، (عن أبي هريرة: أن رجلًا) لم أقف على تسميته (سأل النبي - ﷺ - عن المباشرة للصائم)، قيل: هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة واللمس باليد (فرخص له، وأتاه آخر) فسأله- كما في نسخة- عن المباشرة (فنهاه)، قال أبو هريرة: فتأملنا حالهما (فإذا الذي رخص له) في المباشرة (شيخ، والذي نهاه) أي عنها (شاب).\nفيه إشارة إلى أنه - ﷺ - أجابهما بمقتضى الحكمة، إذ الغالب على الشيخ سكون الشهوة وأمن الفتنة، فأجاز له، بخلاف الشاب فنهاه اهتمامًا له، واختلف في أن هذا النهي للتنزيه أو للتحريم، \"علي القاري\" (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"من كره\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فسأله\".\n(٣) قال الحافظ (٤/ ١٥٠): جاء فيه حديثان مرفوعان: أحدهما عند أبي داود من رواية أبي هريرة، والآخر عند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيهما ضعف، ثم رجح الفرق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، انتهى. وأنت خبير بأن لا فرق بين العلتين، إذ الشيخ يملك نفسه لا سيما، وقد ورد التصريح بذلك كما روي في \"المدونة\" (٢/ ١٤). (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٠٠).","vol":"8","page":543},{"text":"(٣٦) (١) مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا في شَهْرِ رَمَضَانَ\n٢٣٨٨ - نَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ. (ح): وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاق الأَذْرَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (٢)، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام، عن عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَة زَوْجَي النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُمَا قَالَتَا: كَانَ رَسُول اللهِ (٣) - ﷺ - يُصْبِحُ جُنُبًا\n===\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: \"والذي نهاه شاب\"، فعلم أن القبلة نفسها غير مكروهة، وإنما الكراهة لأجل إفضائها إلى الحرام، وكذلك كثير من المباحات ينهى عنه لأجل كونه سببًا لحرام، ومن ذلك تنشأ قاعدة: \"المفضي إلى الحرام حرام\".\n\n(٣٦) (مَنْ أَصْبَحَ (٤) جُنُبًا في شَهْرِ رَمَضَانَ)\nهل يسلم له صومه؟\n٢٣٨٨ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: ونا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الراء، وفي \"لب اللباب\": أنه نسبة إلى أذرمة قرية بنصيبين، (نا عبد الرحمن بن مهدي) كلاهما أي القعنبي وابن مهدي رويا (عن مالك، عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر (٥) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي - ﷺ - أنهما قالتا: كان رسول الله منهم يصبح جنبًا) أي يدخل في الصباح في حالة الجنابة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"جميعًا\".\n(٣) في نسخة: \"النبي\".\n(٤) فيه سبعة مذاهب ثم صار إجماعًا، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٦٣، ٦٤). (ش).\n(٥) اختلف في هذا الحديث على أبي بكر اختلافًا جدًا شديدًا، ذكره العيني (٨/ ٧٨). (ش).","vol":"8","page":544},{"text":"- قَالَ عَبْدُ اللهِ الأَذْرَمِيُّ في حَدِيثِهِ: في رَمَضَانَ- مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمّ يَصُومُ. [خ ١٩٢٥، م ١١٠٩، السنن الكبرى للنسائي ٢٩٧٥، حم ٦/ ٣٦]\n===\n(قال عبد الله الأذرمي في حديثه: في رمضان) أي زاد عبد الله الأذرمي في حديثه لفظ \"في رمضان\" فقط، ثم اتفقا في قوله: (من جماع غير احتلام، ثم يصوم).\nفالاختلاف الواقع في حديث القعنبي وفي حديث الأذرمي في ذكر لفظ: \"في رمضان\" فقط، وفي عدم ذكره، فإن الأذرمي زاد هذا اللفظ في حديثه ولم يذكره القعنبي، وأشار مسلم بن الحجاج في \"صحيحه\" (١) إلى هذا، فقال: قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟ قال: كذلك، [كان] يصبح جنبًا من غير حلم.\nقلت: وأصل القصة في ذلك أن أبا هريرة (٢) - ﵁ - كان يقول: من أصبح جنبًا ويريد الصوم ليس له صوم بل يفطر، أخرج الطحاوي (٣): حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عبد الله بن عون، عن رجاء بن حيوة، عن يعلي بن عقبة قال: أصبحت جنبًا وأنا أريد الصوم، فأتيت أبا هريرة فسألته فقال لي: أفطر.\nوأخرج البخاري (٤) تعليقًا: قال همام وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة:\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (١١٠٩).\n(٢) وأجاب الأبي في \"شرح مسلم\" (٣/ ٢٣٩) عن حديث أبي هريرة بأن المراد من الجنب المجامع، أو الحكم لبيان الأولى، وكان فعله ﵇ لبيان الجواز، فكان أولى في حقه ﵇ خاصة، وقيل: كان في أول الأمر حين كان الجماع محرمًا بعد النوم، ثم نسخ ولم يعلم أبو هريرة بالناسخ، قال ابن المنذر: هو أحسن ما سمعت، انتهى، وقرره الحافظ، وأورد على الجوابين الأولين، وأجيب بأجوبة أخر في \"الأوجز\" (٥/ ٨٠). (ش).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٠٣).\n(٤) \"صحيح البخاري\"، ٣٠ - كتاب الصوم، ٢٢ - باب الصائم يصبح جنبًا.","vol":"8","page":545},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكان النبي - ﷺ - يأمر (١) بالفطر، فذكر قول أبي هريرة هذا عند مروان وهو أمير المدينة، فأرسل مروان عبد الرحمن بن الحارث إلى عائشة وأم سلمة، فذهب إليهما ومعه ابنه أبو بكر، فسألهما عن المسألة، فأجابتا بالاتفاق: أن الجنابة في الصبح غير مفطر، لأنه كان رسول الله - ﷺ - يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم، فرجع إلى مروان فأخبره بذلك، ثم أرسله مروان إلى أبي هريرة، فأخبره بذلك، فرجع أبو هريرة عن قوله.\nقال الحافظ (٢): قال القرطبي: في هذا فائدتان، إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز، والثاني: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم (٣)، إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه.\nوقال غيره: في قولها: \"من غير احتلام\"، إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلَّا لما كان للاستثناء معنى، ورُدَّ بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وأجيب (٤) بأن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع (٥) الإنزال بغير روية شيء في المنام، وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدًا يفطر، وإذا كان الفاعل عمدًا لا يفطر، فالذي ينسى الاغتسال، أو ينام عنه أولى بذلك.\n_________\n(١) ولفظ النسائي على ما ذكر الأبي: \"أمرنا بالفطر\"، ومع ذلك فالحديث مرسل، لأنه لم يسمعه عنه - ﷺ -، كما صرح في روايات مسلم وغيره، فهو نص في أن صيغة المتكلم في الروايات، كما في قصة السهو ليس بنص في الحضور. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٤٤).\n(٣) وأجيب في \"التقرير\": المعتمد أنهم معصومون عن رؤية شيء في المنام، لا خروج المني لامتلاء الظرف، انتهى. (ش).\n(٤) وبه جزم في \"تحفة المحتاج\" (١/ ٣٥٠). (ش).\n(٥) وقال العيني (١١/ ٤١): جاء في الحديث امتناع الاحتلام على الأنبياء، انتهى. وذكره السيوطي في \"الخصائص الكبرى\" (١/ ٧٠)، وقال النووي في \"تهذيب الأسماء\" (١/ ٤٢): اختلفوا في جوازه، والأشهر امتناعه، انتهى. (ش).","vol":"8","page":546},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره، فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فبين في هذا الحديث أن ذلك كان من جماع لإزالة هذا الاحتمال.\nقلت: وهذا المذهب هو الذي أجمع عليه الأئمة وارتضاه الجمهور، وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة بعض التابعين، كما نقله الترمذي، ويقوي قول الجمهور أن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (١)، يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيباح الجماع فيه. ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبًا، ويؤيد دعوى النسخ رجوع أبي هريرة عن الفتوى بذلك، كما في رواية البخاري: \"أنه لما أخبر بما قالت أم سلمة وعائشة فقال: هما أعلم برسول الله - ﷺ -\"، وفي رواية ابن جريج: \"رجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك\".\nوكتب في الحاشية بطريق النسخة: قال أبو داود: وما أقل من يقول هذه الكلمة، يعني يصبح جنبًا في رمضان، أي لفظ \"في رمضان\" فقط، وإنما الحديث \"أن النبي - ﷺ - كان يصبح جنبًا وهو صائم\".\nحاصل هذا الكلام أن رواة هذا الحديث لم يذكروا في حديثهم لفظ: \"في رمضان\" إلَّا القليل منهم.\nقلت: وقد ذكر الأذرمي في حديثه هذا اللفظ، كما أخرجه أبو داود، وقد أخرج مسلم (٢) هذا الحديث من طريق يونس عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن، عن عائشة، وفيه: \"قد كان رسول الله - ﷺ - يدركه الفجر في رمضان وهو جنب\" الحديث، وأخرج أيضًا من طريق مالك عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١١٠٩).","vol":"8","page":547},{"text":"٢٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ - يَعْنِى الْقَعْنَبِىَّ -، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ أَبِى يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ - ﵂ -، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ-، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ\".\nفَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ\n===\nعن عائشة وأم سلمة، ولفظه: \"إن كان رسول الله - ﷺ - ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم\".\n٢٣٨٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة -يعني القعنبي-، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر) بن حزم (الأنصاري)، قال البخاري: أبو طوالة بضم الطاء وفتح الواو، المدني، كان قاضي المدينة، ثقة. وقال الدقاق: لا يعرف في المحدثين من يكنى أبا طوالة سواه.\n(عن أبي يونس مولى عائشة - ﵂ -، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال لرسول الله - ﷺ - وهو) أي الرجل (١) (واقف على الباب: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام) فهل أصوم ذلك اليوم؟ (فقال رسول الله - ﷺ -: وأنا أصبح جنبًا، وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم، فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فتفعل ما تشاء لا مؤاخذة عليك (فغضب (٢)\n_________\n(١) وكتب مولانا أسعد الله: الظاهر بدله: أي رسول الله - ﷺ -. (ش).\n(٢) وجه الغضب أن جوابه - ﷺ - في سؤاله نص على عدم الاختصاص، فسؤال الرجل بعد ذلك كأنه موهم، لأن فعله مما لا يتبع، وأيضًا: أنه ﵇ يحتمل أن يرتكب المحظور للمغفرة، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٦٨). وفي \"التقرير\": وجه الغضب ما يتوهم من كلامه قياسه على ملوك الدنيا أن التقرب يكون سببًا للجراءة، وليس كذلك عنده تعالى، انتهى. وأجاد الكلام، ولله دره. (ش).","vol":"8","page":548},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: \"وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ وَأَعْلَمَكُم بِمَا أَتَّبعُ\". [م ١١١٠، ط ١/ ٢٨٩/ ٩، خزيمة ٢٠١٤، حم ٦/ ٦٧]\n\n(٣٧) بَابُ كَفَّارَة مَنْ أَتَى أَهْلَه في (١) رَمَضَانَ\n٢٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا سُفْيَانُ، قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: نَا الزُّهْرِيُّ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ\n===\nرسول الله - ﷺ - وقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتبع) بصيغة المتكلم، أي: بما أعمل من وظائف العبودية.\nنقل في الحاشية عن \"الفتح\": قوله: \"لأرجو\"، ولعل استعماله الرجاء من جملة الخشية، وإلَّا فكونه أخشى وأعلم متحقق قطعًا، وهذا الحديث يدل على أن الجنابة في فجر الصيام لا يضر الصوم لرسول الله - ﷺ -، ولا في حق أمته.\n\n(٣٧) (بَابُ كفَّارَةِ مَنْ أَتَى أَهْلَه) أي متعمدًا (٢) (في رَمَضَانَ) أي صومه\n٢٣٩٠ - (حدثنا مسدد ومحمد بن عيسى المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا سفيان، قال مسدد: قال: نا الزهري) أي قال مسدد: قال نا سفيان، قال -أي سفيان-: حدثنا الزهري بصيغة التحديث لئلا يتوهم التدليس، أو للفرق بين لفظ مسدد ولفظ محمد بن عيسى، فلعل ابن عيسى حدث بلفظ \"عن\"، (عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (٣) قال: أتى رجل).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"صوم\".\n(٢) ظاهر تبويب المصنف اختصاص الكفارة بالجماع، كما قال به الشافعي وأحمد. (ش).\n(٣) اختلفت الرواة في هذا الحديث في عدة مواضع، ذكرها الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٦٤). (ش).","vol":"8","page":549},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): قيل هو سلمة بن صخر البياضي (٢)، ولا يصح ذلك كما سيأتي، ثم قال في محل آخر (٣): لم أقف على تسميته إلَّا أن عبد الغني في \"المبهمات\"- وتبعه ابن بشكوال- جزما بأنه سلمان، أو سلمة بن صخر البياضي، واستند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عن سلمة بن صخر، أنه ظاهر من امرأته في رمضان، وأنه وطئها، فقال له النبي - ﷺ -، الحديث.\nوالظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع أنه كان صائمًا، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلًا فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة، وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها اتحاد القصتين، وسنذكر أيضًا ما يؤيد المغايرة بينهما.\nوأخرج ابن عبد البر في ترجمة عطاء الخراساني من \"التمهيد\" عن سعيد بن المسيب: أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي - ﷺ - هو سلمان بن صخر، قال ابن عبد البر: أظن هذا وهمًا، لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته، ووقع عليها في الليل، لا أن كان ذلك منه بالنهار، انتهى.\nويحتمل أن يكون قوله في الرواية المذكورة: \"وقع على امرأته في رمضان\"، أي ليلًا بعد أن ظاهر، فلا يكون وهمًا، ولا يلزم الاتحاد، ووقع في مباحث العام من \"شرح ابن الحاجب\" ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بردة بن يسار، وهو وهم، يظهر من تأمل بقية كلامه.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٢).\n(٢) وبه جزم جماعة، وقيل: وقع الأمران له. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٤).","vol":"8","page":550},{"text":"النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَال: هَلَكْتُ، قَالَ: \"وَمَا شَأنُكَ؟ \" قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي في رَمَضَانَ، قَالَ: \"فَهَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ \" قَالَ: لَا،\n===\n(النبي - ﷺ - فقال) أي الرجل: (هلكت (١)، قال: وما شأنك؟) أي: حالك، لأي شيء هلكت (قال) ذلك الرجل: (وقعت على امرأتي) أي جامعتها (في رمضان) أي في نهار رمضان في حال الصوم (قال: فهل تجد ما) أي شيئًا من المال (تعتق به رقبة؟ (٢) قال) الرجل: (لا، قال: فهل (٣) تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ (٤) قال: لا) (٥)، فإنه لما لم يستطع أن يصوم شهرًا لا يستطيع أن يصوم شهرين.\nقال الحافظ (٦): وفي حديث سعد: \"قال: لا أقدر\"، وفي رواية ابن إسحاق: \"وهل لقيت ما لقيت إلَّا من الصيام؟ \"، قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن رواية ابن إسحاق هذه اقتضت أن عدم استطاعته لشدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع، فنشأ للشافعية نظر،\n_________\n(١) استدل به على العمد، وتجب الكفارة عند أحمد على الناسي أيضًا، خلافًا للثلاثة، كما في \"الأوجز\" (٥/ ١٦١)، وزيد في بعض الروايات بعدها: أهلكت، واستدل به على الكفارة على المرأة، كما قاله الثلاثة خلافًا للشافعي، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ١٥٢). (ش).\n(٢) قال القرطبي: بالنصب على بدل ما الموصوفة، \"ابن رسلان\"، وبإطلاقه استدل الحنفية، وقيدها الثلاثة بالمؤمنة، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ١٤١). (ش).\n(٣) بالفاء، استدل الثلاثة على الترتيب خلافًا للمالكية. (ش).\n(٤) وبه قال الأربعة، خلافًا لابن أبي ليلى، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ١٤٣). (ش).\n(٥) قال الأبِّي: أحسن ما يحمل عليه الحديث عندنا أنه أباح له التأخير إلى وقت اليسر، لا أنه أسقطها عنه جملة. وقال ابن العربي (٣/ ٢٥٠): كانت رخصة لهذا الرجل خاصة، وأما اليوم فلا بد من الكفارة وسيأتي البسط. وهل يجب على المرأة أيضًا؟ قيل: لا، لأنه لم يذكر في الحديث، وقيل: نعم، والحديث يحتمل أن تكون مكرهة أو ناسية، انتهى. (ش).\n(٦) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٦).","vol":"8","page":551},{"text":"قَالَ: \"فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"اجْلِسْ\" (١)، فَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَرَقٍ\n===\nهل يكون ذلك عذرًا -أي شدة الشبق- حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أو لا؟ والصحيح عندهم اعتبار ذلك، ويلتحق به من لا يجد رقبة لا غنى به عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد (٢).\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟) (٣) قال الحافظ (٤): ذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة: أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، وأما الصيام فمناسبته ظاهرة، لأنه كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع، فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده، وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة، لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين.\n(قال) أي الرجل: (لا، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (اجلس) (٥) وانتظر فرج الله تعالى، (فأتي النبي - ﷺ - بعَرَق)، هو زنبيل منسوج من نسائج الخوص\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) وقال أيضًا: أما ما رواه الدارقطني أنه قال في الجواب: \"إني لأدع الطعام ساعة فما أطيق ذلك\"، ففي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته فلعله اعتل بالأمرين، انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٦). (ش).\n(٣) وفي \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٩٢): (فرع): وقع السؤال في الدرس عن دفع الكفارة للجن هل يجزئ ذلك أم لا؟ والجواب أن الظاهر عدم الإجزاء أخذًا من قوله - ﷺ -: \"يؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم\"، إذ الظاهر فقراء بني آدم إلى آخر ما قال. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٦).\n(٥) والظاهر أنه كان قائمًا، فيؤخذ منه الأدب في مخاطبة العالم، انتهى. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"8","page":552},{"text":"فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: \"تَصَدَّقْ بِهِ\"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ (١) ثنَايَاهُ، قَالَ: \"فَأَطْعِمْهُ إِيَّاهُمْ\".\nوَقَالَ مُسَدَّدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: \"أَنْيَابُهُ\". [خ ١٩٣٦، م ١١١١، ت ٧٢٤، جه ١٦٧١، حم ٢/ ٢٠٨]\n===\n(فيه تمر، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (تصدق به) عن كفارة إفساد الصوم.\n(فقال) أي الرجل: (يا رسول الله - ﷺ -، ما بين لابتيها) أي حَرَّتَي المدينة (أهل بيت أفقر) أي أحوج (منا، قال) أي أبو هريرة: (فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت ثناياه) وهي الأسنان المتقدمة اثنتان فوق واثنتان تحت (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فأطعمه) أي التمر (إياهم) (٢) أي أهلك (وقال مسدد في موضع آخر: أنيابه).\nواختلف العلماء (٣) في من أفطر بجماع متعمدًا في رمضان، فإن الجمهور على أن الواجب عليه القضاء والكفارة، وشذَّ قومٌ فلم يوجبوا على المفطر عمدًا بالجماع إلَّا القضاء فقط، إما لأنه لم يبلغهم هذا الحديث، وإما لأنه لم يكن الأمر عزمة في هذا الحديث، لأنه لو كان عزمة لوجب إذا لم يستطع الإعتاق أو الإطعام أن يصوم، ولا بُدَّ إذا كان صحيحًا على ظاهر الحديث.\nوأيضًا لو كان عزمة لأعلمه ﵊ أنه إذا صح أنه يجب عليه الصيام أن لو كان مريضًا، وكذلك شذَّ قوم أيضًا، فقالوا: ليس عليه إلا الكفارة فقط، إذ ليس في الحديث ذكر القضاء، والقضاء الواجب بالكتاب إنما هو لمن أفطر ممن يجوز له الفطر، أو ممن لا يجوز له الصوم على\n_________\n(١) في نسخة: \"بدا\".\n(٢) الثلاثة على تأخير الكفارة أو الخصيصة، وقال الأوزاعي وأحمد في أصح الروايتين عنه: تسقط عن المعسر لهذا الحديث، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ١٥٥). (ش).\n(٣) هذا البحث أكثره مأخوذ من \"البداية\" (١/ ٣٠٢ - ٣٠٧) لابن رشد و\"البدائع\" (٢/ ٢٥٤) للكاساني. (ش).","vol":"8","page":553},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالاختلاف المتقدم، فأما من أفطر متعمدًا، فليس في إيجاب القضاء عليه نص.\nثم اختلفوا من ذلك في مواضع، منها: هل الإفطار متعمدًا بالأكل والشرب، حكمه حكم الإفطار بالجماع في القضاء والكفارة أم لا؟ ومنها: إذا جامع ساهيًا ماذا عليه؟ ومنها: ماذا على المرأة إذا لم تكن مكرهة؟ ومنها: هل الكفارة الواجبة فيه مترتبة أو على التخيير؟ ومنها: كم المقدار الذي يجب أن يعطى كل مسكين إذا كفر بالإطعام؟ ومنها هل الكفارة متكررة بتكرر الجماع أم لا؟ ومنها: إذا لزمه الإطعام وكان معسرًا هل يلزمه الإطعام إذا أثري أم لا؟\nأما المسألة الأولى: وهي: هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدًا؟ فإن مالكًا وأصحابه وأبا حنيفة وأصحابه والثوري وجماعة ذهبوا إلى أن من أفطر متعمدًا بأكل أو شرب أن عليه القضاء والكفارة، وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط، وجه قول الشافعي وأحمد وغيرهما أن وجوب الكفارة ثبت معدولًا به عن القياس، لأن وجوبها لدفع الذنب، والتوبة كافية لدفع الذنب، ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل والشرب ليسا في معناه، لأن الجماع أشد حرمة منهما، حتى يتعلق به وجوب الحد دونهما، فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردًا في الأكل والشرب، فيقتصر على مورد النص.\nواحتجَّ أبو حنيفة ومالك وغيرهما بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من أفطر في رمضان متعمدًا فعليه ما على المُظاهر\" (١)، وعلى المُظاهر الكفارة بنصِّ الكتاب، فكذا على المفطر متعمدًا.\nواحتجُّوا أيضًا بالاستدلال بالمواقعة والقياس عليها، أما الاستدلال بها\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٩٠).","vol":"8","page":554},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفهو أن الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادًا لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدًا من غير عذر ولا سفر، فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابًا ها هنا دلالة.\nوالدليل على أن الوجوب في المواقعة لما ذكرنا وجهان، أحدهما مجمل، والآخر مفسر، أما المجمل فاستدلال بحديث الأعرابي، وأما المفسر فلأن إفساد صوم رمضان ذنب، ورفع الذنب واجب عقلًا وشرعًا لكونه قبيحًا، والكفارة تصلح رافعة له، لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات ذاهبة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير، وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلَّا الشارع للأحكام، وهو الله تعالى، فمتى ورد الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص، ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر، كان ذلك إيجابًا لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابتًا بالنص لا بالتعليل والقياس (١).\nوقال الإمام السرخسي في \"المبسوط\" (٢): ولنا حديث أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله أفطرت في رمضان فقال: \"من غير مرض ولا سفر؟ \"، فقال: نعم، فقال: \"أعتق رقبة\"، وذكر أبو داود أن الرجل قال: شربت في رمضان، وقال علي - ﵁ -: إنما الكفارة في الأكل والشرب والجماع.\nثم نحن لا نوجب الكفارة بالقياس، وإنما نوجبها استدلالًا بالنص، لأن السائل ذكر المواقعة، وعينها ليس بجناية، بل هو فعل في محل مملوك، وإنما الجناية الفطرية، فتبين أن الموجب للكفارة فطر وهو جناية، ألا ترى أن الكفارة تضاف إلى الفطر، والواجبات تضاف إلى أسبابها؟ والدليل عليه أنه لا تجب على الناسي لانعدام الفطر، والفطر الذي هو جناية متكاملة يحصل بالأكل كما يحصل بالجماع، ولأنه آلة له، ويتعلق الحكم بالسبب لا بالآلة.\n_________\n(١) ذكر صاحب \"البدائع\" بعد ذلك القياس، تركه الشيخ اختصارًا. (ش).\n(٢) (٣/ ٧٥).","vol":"8","page":555},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم إيجابه في الأكل أولى، لأن الكفارة وجبت زاجرة، ودعاء الطبع في وقت الصوم إلى الأكل أكثر منه إلى الجماع، والصبر عنه أشد، فإيجاب الكفارة فيه أولى، كما أن حرمة التأفيف يقتضي حرمة الشتم بطريق الأولى، ثم لأجل العبادة استوى حرمة الجماع وحرمة الأكل بخلاف حال عدم الملك، فإن حرمة الجماع أغلظ حتى تزيد حرمة الجماع على حرمة الأكل، وبخلاف الحج فإن حرمة الجماع فيه أقوى، حتى لا يرتفع بالحلق، والدليل على المساواة هنا فصل الناسي، فقد جعلنا النص الوارد في الأكل حال النسيان كالوارد في الجماع، فكذلك يجعل النص الوارد في إيجاب الكفارة بالمواقعة كالوارد في الأكل، انتهى.\nثم استدلوا بالقياس على المواقعة وهو أن الكفارة هناك وجبت للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانة له في الوقت الشريف، لأنها تصلح زاجرة، والحاجة مست إلى الزاجر، أما الصلاحية فلأن من تأمل أنه لو أفطر يومًا من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لامتنع منه.\nوأما الحاجة إلى الزجر فلوجود الداعي الطبعي إلى الأكل والشرب والجماع، وهو شهوة الأكل والشرب والجماع، وهذا في الأكل والشرب أكثر، لأن الجوع والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعًا ها هنا من طريق الأولى، وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس.\nوأما المسألة الثانية: وهو إذا جامع ناسيًا لصومه، فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة، واحتج الشافعي وأبو حنيفة بما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما","vol":"8","page":556},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأطعمه الله وسقاه\" (١)، ويشهد له عموم قوله ﵊: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان\".\nوأما المسألة الثالثة: وهو اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعته على الجماع، فإن أبا حنيفة وأصحابه ومالكًا وأصحابه أوجبوا عليها الكفارة، وقال الشافعي وداود: لا كفارة عليها.\nقلت: وللشافعي قولان (٢): في قول: لا يجب عليها أصلًا، وفي قول: يجب عليها ويتحملها الرجل.\nوجه قوله الأول: أن وجوب الكفارة عرف نصًا بخلاف القياس، والنص ورد في الرجل دون المرأة، وكذا ورد بالوجوب بالوطء، وأنه لا يتصور من المرأة، فإنها موطوءة، وليست بواطئة، فبقي الحكم فيها على أصل القياس.\nوجه قوله الثاني: أن الكفارة إنما وجبت عليها بسبب فعل الرجل فوجب عليه التحمل كثمن ماء الاغتسال.\nولهما: أن النص وإن ورد في الرجل لكنه معلول بمعنى يوجد فيهما، وهو إفساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمدًا، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، وبه تبين أنه لا سبيل إلى التحمل؛ لأن الكفارة إنما وجبت عليها بفعلها، وهو إفساد الصوم.\nويجب مع الكفارة القضاء عند عامة العلماء.\nوقال الأوزاعي: إن كفر بالصوم فلا قضاء عليه، وزعم أن الصومين يتداخلان، وهذا غير سديد، لأن صوم الشهرين يجب تكفيرًا زجرًا عن جناية الإفساد، أو رفعًا لذنب الإفساد، وصوم القضاء يجب جبرًا للفائت، فكل واحد\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٩٣٣، ٦٦٦٩)، ومسلم (١١٥٥).\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٥٣).","vol":"8","page":557},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمنهما شرع لغير ما شرع له الآخر، فلا يسقط صوم القضاء بصوم شهرين كما لا يسقط بالإعتاق، وقد روي عن أبي هريرة: \"أن النبي - ﷺ - أمر الذي واقع امرأته أن يصوم يومًا\".\nوأمّا المسألة الرابعة: وهي هل هذه الكفارة مرتبة، ككفارة الظهار، أو على التخيير؟ والمراد بالترتيب أن لا ينتقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة إلَّا بعد العجز عن الذي قبله، وبالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز عن الآخر، فاختلفوا في ذلك، فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وسائر الكوفيين: هي مرتبة، فالعتق أولًا، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام.\nوقال مالك: هي على التخيير، ولكن وقع في \"المدونة\": ولا يعرف مالك غير الإطعام، ولا يأخذ بعتق ولا صيام، قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت، غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ، وتأوله (١) على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال.\nوأما المسألة الخامسة: وهو اختلافهم في مقدار الإطعام (٢)، فإن مالكًا والشافعي وأصحابهما قالوا: يطعم لكل مسكين مدًا بمد النبي - ﷺ -، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزئ أقل من مُدَّين بمُد النبي - ﷺ -، وذلك نصف صاع لكل مسكين، فالحنفية يقيسونها على صدقة الفطر بعلة أنه أوجب كفاية للمسكين في يومه.\n_________\n(١) هكذا أوله الزرقاني وهو مختار الباجي. (ش)، (انظر: \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١٧٢) و\"المنتقى\" (٢/ ٥٤).\n(٢) وعند أحمد مُدٌّ من بر، أو مدان من تمر، وعندنا الحنفية صاع من شعير أو تمر، أو نصف صاع من بر كما في صدقة الفطر، وعند مالك والشافعي مد من كل شيء، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٣٩٢).","vol":"8","page":558},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما المسألة السادسة: وهي تكرر الكفارة بتكرر الإفطار، فإنهم أجمعوا على أن من وطئ في رمضان ثم كفَّر ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى، وأجمعوا على أنه من وطئ مرارًا في يوم واحد أنه ليس عليه إلَّا كفارة واحدة، واختلفوا فيمن وطئ في يوم من رمضان ولم يكفر حتى وطئ في يوم ثان، فقال مالك والشافعي وجماعة: عليه لكل يوم كفارة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه كفارة واحدة، ما لم يكفِّر عن الجماع الأول.\nوأما المسألة السابعة: وهي هل يجب عليه الإطعام إذا أيسر، وكان معسرًا في وقت الوجوب؟ فإن الأوزاعي قال: لا شيء عليه إن كان معسرًا، وأما الشافعي فتردد في ذلك، والسبب في اختلافهم في ذلك أنه حكم مسكوت عنه، فيحتمل أن يشبه بالديون، فيعود الوجوب عليه في وقت الإثراء، ويحتمل أن يقال: لو كان ذلك واجبًا عليه لبينه له ﵊.\nقال العيني في \"شرح البخاري\" (١): إن قلت: لم يبين في هذا الحديث مقدار ما في المكتل من التمر؟\nقلت: وقع في رواية ابن أبي حفصة: \"فيه خمسة عشر صاعًا\"، وفي رواية مؤمل عن سفيان: \"فيه خمسة عشر أو نحو ذلك\"، وفي رواية مهران بن أبي عمرو عن الثوري عند ابن خزيمة: \"فيه خمسة عشر أو عشرون\"، وكذا هو عند مالك، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعًا، ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيمة: \"فأتي بعرق فيه عشرون صاعًا\".\nوقال بعضهم: فيه رد على الكوفيين في قولهم: إن واجبه من القمح ثلاثون صاعًا، ومن غيره ستون صاعًا.\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (٨/ ١٧).","vol":"8","page":559},{"text":"٢٣٩١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ. زَادَ (١) الزُّهْرِىُّ: وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا رُخْصَةً لَهُ خَاصَّةً،\n===\nقلت: ليت شعري كيف فيه رد على الكوفيين، وهم قد احتجُّوا بما رواه مسلم من حديث عائشة: \"فجاءه عَرْقان فيهما طعام\"، وقد ذكرنا فيما مضى أن [ما في] العرقين يكون ثلاثين صاعًا، فيعطى لكل مسكين نصف صاع، بل الرد على أئمتهم حيث احتجوا فيما ذهبوا إليه بالروايات المضطربة، وفي بعضها الشك.\nقلت: وقال في \"الجوهر النقي\" (٢): قال الخطابي ما ملخصه: ظاهر الحديث أن خمسة عشر صاعًا كاف لكفارة، لكل مسكين مد، وجعله الشافعي أصلًا في أكثر المواضع التي فيها الإطعام، إلا أنه روي في خبر سلمة وأوس في كفارة الظهار في أحدهما أطعم وسقًا، والوسق ستون صاعًا، وفي الآخر \"أتي بعرق\"، وفسره ابن إسحاق في روايته ثلاثين صاعًا، فالاحتياط أن لا يقتصر على مد، لجواز أن يكون التقدير بخمسة عشر صاعًا أمر بأن يتصدق به، وتمام الكفارة باق عليه إلى زمن السعة، كمن عليه ستون درهمًا، فيعطي صاحب الحق خمسة عشر درهمًا، وليس فيه إسقاط ما وراءه من حقه ولا براءة ذمته منه.\nقلت: ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - أذن له بإطعامه ذلك أهله، فكما بقي جميع الكفارة في ذمته في هذه الصورة، فكذلك بقي في ذمته بعض الكفارة في صورة إطعام العرق المساكين.\n٢٣٩١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري بهذا الحديث بمعناه) أي حدث معمر عن الزهري نحو ما حدث سفيان عنه موافقًا له في معناه (زاد الزهري) أي في حديث معمر: (وإنما كان هذا رخصة له خاصة)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) (٤/ ٢٢٣).","vol":"8","page":560},{"text":"فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ،\n===\nوحاصل معنى هذا القول: أنها لما وجبت عليه الكفارة بإفساد الصوم بالجماع، ثم أمره - ﷺ - بأدائها بإعطاء العَرَق له، فاعتذر بالفقر والجوع، فأباحه رسول الله - ﷺ - بإطعامه إياهم، فكأنه أسقط عنه رسول الله - ﷺ - الكفارة الواجبة عليه بإطعامه أهله، فهذا الحكم مختص به.\n(فلو أن رجلًا فعل ذلك) أي إفساد الصوم (اليوم) أي بعد زمان رسول الله - ﷺ - (لم يكن له بد من التكفير) أي من أداء الكفارة، فلو أطعم اليوم قدر الكفارة من التمر وغيره أهله لا يكون مؤديًا لها بل يكون دينًا عليه، ويجب عليه أداؤها.\nقال في \"نصب الراية\" (١): قال المنذري في حواشيه: وقول الزهري: \"إنما كان هذا رخصة له خاصة\" دعوى لم يكن (٢) له عليها برهان، وقال غيره: إنه منسوخ، وهو أيضًا دعوى.\n(قال أبو داود: رواه الليث بن سعد)، أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٣)، وأخرجه أيضًا الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤)، وخالفه في السند فقال: حدثني الليث، قال حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، فزاد بين الليث والزهري عبد الرحمن بن خالد، ولم يزده مسلم.\n(والأوزاعي (٥)، ومنصور بن المعتمر)، أخرج البخاري حديث منصور في\n_________\n(١) (٢/ ٤٥٣).\n(٢) في \"نصب الراية\" (٢/ ٤٥٣): \"لم يقم\".\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١١١١)، وأخرجه أيضًا النسائي في \"الكبرى\" (٣١١٧)، والبخاري في \"صحيحه\" (٦٨٢١).\n(٤) (٢/ ٦٠).\n(٥) أخرج روايته البخاري في \"صحيحه\" (٦١٦٤)، والطحاوي في \"معاني الآثار\" (٢/ ٦١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٥٢٦، ٣٥٢٧)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٩٠)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٢٢٧).","vol":"8","page":561},{"text":"وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ، عَلَى مَعْنَى ابْنِ عُيَيْنَةَ، زَادَ فِيهِ الأَوْزَاعِيُّ: \"وَاسْتَغْفِر اللَّه\".\n٢٣٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ في رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا\n===\n\"صحيحه\" (١)، وذكر حديثهما الطحاوي (٢)، فأخرج بسنده عن منصور، عن الزهري، وقال: فذكر بإسناده مثله، ثم أخرج حديث الأوزاعي قال: سألت الزهري عن رجل جامع امرأته في شهر رمضان، فقال: حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثني أبو هريرة، فذكره نحوه.\n(وعراك بن مالك) ولم أجد رواية عراك بن مالك فيما عندي من كتب الحديث (٣)، ولكن قال العيني (٤): وعراك بن مالك عند النسائي (على معنى) حديث (ابن عيينة، زاد فيه) أي الحديث (الأوزاعي: واستغفر الله) أي عما فعلت، والأمر بالاستغفار بعد الأمر بالكفارة دليل على أن الكفارات ليست رافعة للذنب، بل هي زواجر، والرافع للذنب التوبة والاستغفار.\n٢٣٩٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا) واحتج مالك بهذا السياق على التخيير في هذه الخصال، وإلى القول بالترتيب ذهب الجمهور.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٩٣٧)، وأيضًا أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١١١١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣١١٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٩٤٥ - ١٩٥٠).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٦١).\n(٣) أخرج روايته النسائي في \"الكبرى\" (٣١١٩)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٦٦).\n(٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ١١٣).","vol":"8","page":562},{"text":"قَالَ: لَا أَجِدُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اجْلِسْ\"، فَأُتيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: \"خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ\"، فَقَالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَاُبهُ، وَقَالَ لَهُ: \"كُلْهُ\". [ط ١/ ٢٩٦/ ٢٨]\n===\nقال الشوكاني (١): وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر، ومعهم الزيادة، وجمع المهلب والقرطبي بين الروايات بتعدد الواقعة، قال الحافظ (٢): وهو بعيد، لأن القصة واحدة، والمخرج متحد، والأصل عدم التعدد، وجمع بعضهم يحمل (٣) الترتيب على الأولوية، والتخيير على الجواز، وعكسه بعضهم.\n(قال: لا أجد، فقال له رسول الله - ﷺ -: اجلس، فأتي) بضم الهمزة على البناء للمجهول، والرجل الآتي لم يسم، ووقع في روايةٍ للبخاري: \"فجاء رجل من الأنصار\"، وفي أخرى للدارقطني: \"رجل من ثقيف\" (رسول الله - ﷺ - بعرق) بفتح المهملة والراء وهو الزنبيل، والزنبيل المكتل (فيه تمر، فقال: خذ هذا فتصدق به، فقال: يا رسول الله ما أحد أحوج مني، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت أنيابه، وقال له: كله)، وفي رواية: \"أطعمه أهلك\".\nقيل: إنه دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها، لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين النبي - ﷺ - استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وقال الأوزاعي: يستغفر الله ولا يعود، وليس في الخبر ما يدل على إسقاطها، بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز، وقال الجمهور: لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٨٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٨).\n(٣) وفي \"التقرير\": أن \"أو\" للترتيب لا للتخيير. (ش).","vol":"8","page":563},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْج عن الزُّهْرِيِّ عَلَى لَفْظِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ، وَقَالَ فِيهِ: \"أَوْ (١) تعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا\".\n===\nثم اختلفوا فقال الزهري: هو خاص بهذا الرجل، وإلى هذا نحا إمام الحرمين، ورُدُّ بأن الأصل عدم الخصوصية، وقال بعضهم: هو منسوخ، ولم يبين قائله ناسخه، وقيل: المراد بالأهل الذين أمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وضعف بالرواية الأخرى التي فيها عيالك، وبالرواية المصرحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل: لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث.\nقال الشيخ تقي الدين: وأقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على جهة الكفارة، بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث (٢)، انتهى.\n(قال أبو داود: رواه ابن جريج عن الزهري على لفظ مالك: أن رجلًا أفطر) (٣) أي متعمدًا في رمضان (وقال) أي ابن جريج (فيه) أي في حديثه: (أو تعتق رقبة، أو تصوم شهرين، أو تطعم ستين مسكينًا) بلفظة \"أو\" الدالة على التخيير كما هو في حديث مالك بلفظة \"أو\"، أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٤) حديث ابن جريج بلفظة \"أو\" في الخصال الثلاثة.\n_________\n(١) في نسخة: \"أن\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٧١).\n(٣) بإطلاقه استدل المالكية على العموم في الأكل والشرب والجماع، وكذا الحنفية لكن بدلالة النص والمناط خلافًا للشافعي وأحمد، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ١٣٧). (ش).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (٨٤/ ١١١١).","vol":"8","page":564},{"text":"٢٣٩٣ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ (١)، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي - ﷺ - أفْطَرَ في رَمَضَانَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ فِيهِ: \"كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّه\". [خزيمة ١٩٥٤، ق ٤/ ٢٢٦]\n===\n٢٣٩٣ - (حدثنا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك، نا هشام (٢) بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - أفطر في رمضان، بهذا الحديث) المتقدم (قال) أي أبو هريرة: (فأتي) بصيغة المجهول، رسول الله - ﷺ - (بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا، وقال) أي هشام بن سعد (فيه: كله) أي ما في العرق (أنت وأهل بيتك، وصم (٣) يومًا) أي بدل صوم اليوم الذي أفسدت فيه صومك (واستغفر (٤) الله).\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٥): قال ابن القطان: وعلة (٦) هذا الحديث ضعف هشام بن سعد، انتهى، وقال عبد الحق في \"أحكامه\": طرق مسلم في هذا الحديث أصح وأشهر، وليس فيها صم يومًا ولا مكتلة التمر ولا الاستغفار، وإنما يصح القضاء مرسلًا، انتهى كلامه، وهذا المرسل في \"موطأ مالك\"\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"التنيسي\".\n(٢) قال البزار وابن خزيمة وأبو عوانة: أخطأ فيه هشام (يعني الصواب: عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن)، قال الحافظ: وتابعه عبد الوهاب، فلعل الرواية عنهما معًا. كذا في \"الفتح\" (٤/ ١٦٣). (ش).\n(٣) به قال الأربعة، وفيه خلاف شذوذ، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ١٦٤). (ش).\n(٤) فيه دليل على أن الحدود والكفارات ليست فيها كفاية لرفع الإثم ... إلخ. \"تقرير\". (ش).\n(٥) \"نصب الراية\" (٢/ ٤٥٣).\n(٦) وقد بسط ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" له الكلام على هذا الحديث وضعَّفه. (ش).","vol":"8","page":565},{"text":"٢٣٩٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - تَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ (١) النَّبِيَّ - ﷺ - في الْمَسْجِدِ في رَمَضَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْتَرَقْتُ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مَا شأْنهُ؟ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي، قَالَ: \"تَصَدَّقْ\"، قَالَ:\n===\nعن [عطاء بن] عبد الله الخراساني، عن سعيد بن المسيب قال: جاء أعرابي، فذكره، وفي آخره: فقال له ﵇: \"كله وصم يومًا مكان ما أصبت\"، مختصر.\nوقال العيني في \"شرحه على الصحيح\" (٢): وقد رواه هشام بن سعد، عن الزهري فخالف الجماعة في إسناده، فرواه [عنه] عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وزاد فيه: \"وصم يومًا مكانه\"، رواه أبو داود وسكت عليه، وقال أبو عوانة الإسفرائني: غلط فيه هشام بن سعد.\n٢٣٩٤ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه، أن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه، أنه سمع عائشة زوج النبي - ﷺ - تقول: أتى رجل (٣) النبي - ﷺ - في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله احترقت) أي: ارتكبت معصية توجب الاحتراق بالنار، وفي رواية: \"هلكت\"، وهذا يدل على أن ذلك الفعل صدر منه متعمدًا ذاكرًا صومه.\n(فسأله النبي - ﷺ - ما شأنه؟ فقال) الرجل: (أصبت أهلي) أي جامعتها متعمدًا في نهار رمضان (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (تصدق، قال) أي الرجل:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إلى\".\n(٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ١١٣).\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٦٣): قيل: هو سلمة بن صخر، ولا يصح. (ش).","vol":"8","page":566},{"text":"وَاللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ، وَلَا (١) أَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ: \"اجْلِسْ\" فَجَلَسَ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا؟ \" فَقَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"تَصَدَّقْ بِهَذَا\"، فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، أَعَلَى غَيْرِنَا؟ فَوَاللَّةِ إِنَّا لَجِيَاعٌ، مَا لنَا شَيئٌ، قَالَ: \"كُلُوهُ\". [م ١١١٢، خ ١٩٣٥]\n٢٣٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، نَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَائِشَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: \"فَأتيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا\". [خزيمة ١٩٤٧، ق ٤/ ٢٢٣]\n===\n(والله ما لي شيء) أي من المال (ولا أقدر عليه) أي على المال حتى أتصدق به (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (اجلس فجلس، فبينما هو على ذلك أقبل رجل يسوق حمارًا عليه طعام)، والظاهر أن هذا الطعام هو ما وقع في حديث مسلم من حديث عائشة - ﵂ -: \"فجاءه عرقان فيهما طعام\".\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أين المحترق آنفًا؟) أي أين الذي يخبرنا باحتراقه آنفًا (فقام الرجل) أي المحترق، (فقال رسول الله - ﷺ -: تصدق بهذا) أي بهذا الطعام على ستين مسكينًا (فقال: يا رسول الله، أعلى غيرنا؟) أي أتصدق على غيرنا وإنا لمحتاجون إليه (فوالله إنا لجياع) أي: أنا وأهلي (ما لنا شيء، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (كلوه) أي كلوا أنتم ذلك الطعام.\n٢٣٩٥ - (حدثنا محمد بن عوف، نا سعيد بن أبي مريم، ثنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله، عن عائشة بهذا القصة) المتقدمة، وخالفه فيما أتى به من الطعام (قال) أي عبد الرحمن بن الحارث: (فأتي بعرق فيه عشرون صاعًا)\n_________\n(١) في نسخة: \"ما\".","vol":"8","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>(٣٨) بَابُ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا</span>\n٢٣٩٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: نَا شُعْبَةُ. (ح): وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنا شُعْبَةُ، عن حَبِيب بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عن عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عن ابْنِ مُطَوِّسٍ (١)، عن أَبِيهِ- قَاَلَ ابْنُ كَثيرٍ: عن أَبِي الْمُطَوَّسِ، عن أَبِيهِ-\n===\nوفي سنده عبد الرحمن بن الحارث، قال أحمد: متروك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وضعفه علي بن المديني، ولكن وثقه العجلي وابن سعد.\n\n(٣٨) (بَابُ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ أَفْطَرَ)\nأي: أفسد صومه في رمضان (عَمدًا)، وفي نسخة: \"متعمدًا\"\n٢٣٩٦ - (حدثنا سليمان بن حرب قال: نا شعبة، ح: وحدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عمارة بن عمير، عن ابن مطوس) قال القاري (٢): بكسر الواو المشددة، وقال في \"القاموس\": والمطوس كمعظم: الشيء الحسن، وصحابي ولم أجده في \"الإصابة\" ولا في \"أسد الغابة\" (عن أبيه) وهذا قول سليمان بن حرب، أي: ابن المطوس، وخالفه ابن كثير (قال ابن كثير: عن أبي المطوس عن أبيه).\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣): أبو المطوس، وقيل: ابن المطوس، عن أبيه عن أبي هريرة \"من أفطر في رمضان\"، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وقيل: عن حبيب، عن عمارة بن عمير عنه، قال ابن معين: أبو المطوس عبد الله أراه كوفيًا ثقة، وقال البخاري: اسمه يزيد بن المطوس، وقال أبو حاتم: لا يسمى، قلت: وقال أحمد: لا أعرفه، ولا أعرف حديثه عن غيره،\n_________\n(١) في نسخة: \"المطوس\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥١٥).\n(٣) (١٢/ ٢٣٨).","vol":"8","page":568},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ في (١) غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ\". [خت (ك ٣٠ ب ٢٩)، ت ٧٢٣، جه ١٦٧٢، حم ٢/ ٢٨٦، دي ١٧١٥]\n===\nوقال البخاري: لا أعرف له غير حديث الصيام، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا، وقال ابن حبان: يروي عن أبيه ما لا يتابع عليه، لا يجوز الاحتجاج بإفراده، انتهى.\nوإذا لم يكن له إلَّا هذا الحديث فلا معنى لهذا الكلام، وقد اختلف في رواية حبيب بن أبي ثابت عند الثوري عن حبيب، عن عمارة، عن أبي المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال حبيب: ثم لقيت أبا المطوس فحدثني به، وقال شعبة: أخبرني حبيب عن أبي المطوس، أما أنا فلم أسمع من أبي المطوس، ولكن أخبرني عمارة بن عمير، عن [أبي] المطوس، عن أبيه فذكره، وقال يزيد بن أبي أنيسة: عن حبيب عن أبي المطوس، عن المطوس، فعلى هذا من قال: أبو المطوس أو ابن المطوس فقد أصاب.\n(عن أبي هريرة (٢) قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أفطر يومًا من رمضان في غير رخصة رخصها الله له) أي في غير إذن أذن الله له من مرض أو سفر (لم يقض عنه صيام الدهر) أي لا تحصل به فضيلة رمضان وطهرته وبركته، وليس معناه لو صام الدهر بنية القضاء من يوم رمضان لا يسقط قضاء ذلك اليوم عنه، بل الحكم الشرعي فيه أنه لو صام بذلك اليوم يومًا آخر بعد رمضان يجزئه ويسقط عنه ما كان يجب عليه، فهذا من باب التغليظ (٣) والتشديد.\n_________\n(١) في نسخة: \"من\".\n(٢) وأشكل على حديث الباب الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ١٨٠) بأنه يخالف ما روي عن أبي هريرة في قصة المجامع بأن يقضي يومًا مكانه، وجمع بينهما بأن النفي للبركة دون القضاء، تقدم عن أبي داود أيضًا حديث قضاء يوم. (ش).\n(٣) عند الجمهور، قال الشعراني في \"ميزانه\" (٢/ ٢٧٤): اتفقوا على أن من تعمد الأكل والشرب صحيحًا مقيمًا في يوم من شهر رمضان يجب عليه قضاء يوم فقط، =","vol":"8","page":569},{"text":"٢٣٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي حَبيبٌ، عن عُمَارَةَ، عن ابْنِ الْمُطَوِّسِ قَالَ: فَلَقِيتُ ابْنَ الْمُطَوِّسِ (١) فَحَدَّثَنِي عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٢) - ﷺ -، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ كَثِيرٍ وَسُلَيْمَانَ. [دي ١٧١٤، حم ٢/ ٤٧٠، وانظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: واخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ عَنْهُمَا ابْنُ الْمُطَوِّسِ وَأَبُو الْمُطَوِّسِ.\n===\n٢٣٩٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثني يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني حبيب) أي ابن أبي ثابت، (عن عمارة) أي ابن عمير، (عن ابن المطوس قال: فلقيت ابن المطوس فحدثني عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -، مثل حديث ابن كثير وسليمان) أي: حدث أحمد بن حنبل مثل حديث محمد بن كثير وسليمان بن حرب.\n(قال أبو داود: اختلف على سفيان وشعبة عنهما ابن المطوس وأبو المطوس) أي اختلف أصحاب سفيان وشعبة عنهما، فقال بعضهم: ابن المطوس، وبعضهم: أبو المطوس، فأما اختلاف أصحاب شعبة فبينه المصنف في الحديث المتقدم بأن سليمان بن حرب قال في حديثه عن شعبة: ابن المطوس، وقال ابن كثير عنه: أبو المطوس، وأما اختلاف أصحاب سفيان عنه فلم يُبَيِّنه، وأخرج حديثه أحمد بن حنبل، ففي حديثه عن يحيى بن سعيد عنه عن ابن المطوس، ولم يذكر من حديث أصحاب سفيان من هو في حديثه أبو المطوس.\n_________\n= وقال ربيعة: لا يحصل إلَّا باثني عشر يومًا، وقال ابن المسيب: يصوم عن كل يوم شهرًا، وقال النخعي: لا يقضي إلا بألف يوم، وقال علي وابن مسعود: لا يقضيه صوم الدهر ... إلخ. (ش).\n(١) في نسخة: \"مطوس\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"8","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>(٣٩) بَابُ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا</span>\n٢٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ وَحَبِيبٍ وَهِشَامٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرينَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِيًا وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ: \"أَطْعَمَكَ الله (١) وَسَقَاكَ\". [خ ١٩٣٣، م ١١٥٥، ت ٧٢١، جه ١٦٧٣، حم ٢/ ٤٢٥]\n===\nوأما الاختلاف الواقع في حديث شعبة وسفيان بأن في حديث سفيان الثوري: ثم لقيت أبا المطوس فحدثني به، وفي حديث شعبة: أما أنا فلم أسمع من أبي المطوس، ولكن أخبرني عمارة بن عمير عن أبي المطوس، فوجه المجمع بينهما أن حبيب بن أبي ثابت حدث بهذا الحديث شعبة أولًا حين لم يلق أبا المطوس، ثم لم يحدثه بعد ذلك، وأما سفيان الثوري فحدث بعد ما لقي أبا المطوس، فحدث أولًا عن عمارة عن أبي المطوس، ثم قال: لقيت أبا المطوس فحدثني به، فحدث الثوري بغير واسطة عمارة.\n\n(٣٩) (بَابُ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا)\nأي: ما حكمه هل يسلم له صومه، ولا يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟\n٢٣٩٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب وحبيب) بن الشهيد (وهشام) الدستوائي، (عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: جاء رجل)، قال الحافظ (٢): وهذا الرجل هو أبو هريرة راوي الحديث (إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني أكلت وشربت ناسيًا) أي للصوم (وأنا صائم، فقال: أطعمك الله وسقاك).\nقال الشوكاني (٣): وقد ذهب [إلى هذا] الجمهور، فقالوا: من أكل ناسيًا\n_________\n(١) في نسخة: \"الله أطعمك وسقاك\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٥٦).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٧٨).","vol":"8","page":571},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفلا يفسد صومه، ولا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك وابن أبي ليلى: إن من أكل ناسيًا فقد بطل صومه، ولزمه القضاء، واعتذر بعض المالكية عن الحديث بأنه خبر واحد مخالف للقاعدة، وهو اعتذار باطل، والحديث قاعدة مستقلة في الصيام، وأجاب بعضهم يحمل الحديث على التطوع، واعتذر بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان، وهو حمل غير صحيح، يرده ما وقع في لفظ الدارقطني: \"من أفطر يومًا من رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة\"، قال الدارقطني (١): تفرد به ابن مرزوق وهو ثقة عن (٢) الأنصاري.\nوأما اعتذار ابن دقيق العيد عن الحديث بأن الصوم قد فات ركنه، وهو من باب المأمورات، والقاعدة: أن النسيان لا يؤثر في المأمورات، فيجاب عنه بأن غاية هذه القاعدة المدعاة أن تكون بمنزلة الدليل، فيكون حديث الباب مخصِّصًا لها، وأما قوله: \"أطعمك الله وسقاك\"، فهو كناية عن عدم الإثم، لأن الفعل إذا كان من الله كان الإثم منتفيًا.\nواختلفوا في المُجامع، فبعضهم ألحقه بمن أكل أو شرب، وبعضهم منع من الإلحاق لقصور حالة المجامع عن حالة الآكل والشارب، وفرق بعضهم بين الأكل والشرب القليل والكثير، وظاهر الحديث عدم الفرق، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد عن أم إسحاق أنها كانت عند النبي - ﷺ -، فأتي بقصعة من ثريد، فأكلت معه، ثم تذكرت أنها صائمة، فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت؟ فقال لها النبي - ﷺ -: \"أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك\" (٣)، وهذا ملخص ما في \"النيل\"، والتفصيل في \"الفتح\" (٤) للحافظ.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٧٨).\n(٢) وفي الأصل: \"عند\" وهو تحريف.\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٣٦٧).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٥٧).","vol":"8","page":572},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومذهب الحنفية في ذلك: أن الأصل أن ركن الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، فإذا فات ركنه بأحد من هذه الثلاثة يفسد الصوم كيف ما كان، لأن انتقاض الشيء عند ذوات ركنه أمر ضروري، سواء كان بعذر أو بغير عذر، عمدًا أو خطأ، طوعًا أو كرهًا، بعد أن كان ذاكرًا لصومه، لا ناسيًا ولا في معنى الناسي، والقياس أن يفسد وإن كان ناسيًا، وهو قول مالك، لوجود ضد الركن، لكنا تركنا القياس بالنص، وهو ما روي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من نسي وهو صائم\" (١) الحديث، وعلل بانقطاع نسبة فعله عنه لإضافته إلى الله تعالى لوقوعه من غير قصده.\nوروي عن أبي حنيفة أنه قال: لا قضاء على الناسي للأثر المروي عن النبي - ﷺ -.\nوالقياس أن يقضي ذلك، ولكنَّ اتباعَ الأثر أولى إذا كان صحيحًا، وحديث صَحَّحَه أبو حنيفة لا يبقى فيه لأحد مطعن، وكذا انتقده أبو يوسف حيث قال: وليس حديث شاذ نجترئ على رده، وكان من صيارفة الحديث، وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة - ﵃- مثل مذهبنا، ولأن النسيان في باب الصوم ما يغلب وجوده، ولا يمكن دفعه إلَّا بحرج، فَجُعِلَ عذرًا دفعًا للحرج.\nوعن عطاء والثوري أنهما فرَّقا بين الأكل والشرب وبين الجماع ناسيًا، فقالا: يفسد صومه في الجماع، ولا يفسد في الأكل والشرب، لأن القياس يقتضي الفساد في الكل لفوات ركن الصوم في الكل، إلا أنا تركنا القياس بالخبر، وأنه ورد في الأكل والشرب، فبقي الجماع على أجل القياس.\nوإنا نقول: نعم، الحديث ورد في الأكل والشرب لكنه معلول بمعنى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥).","vol":"8","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>(٤٠) بَابُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَان</span>\n٢٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: \"إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَستَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ\". [خ ١٩٥٠، م ١١٤٦، ن ٢٣١٩، جه ١٦٩٦]\n===\nيوجد في الكل، وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيض بقوله: \"فإنما أطعمه الله وسقاه\"، قطع إضافته عن العبد لوقوعه فيه من غير قصده واختياره، وهذا المعنى يوجد في الكل، والعلة إذا كانت منصوصًا عليها كان الحكم منصوصًا عليه، ويتعمم الحكم بعموم العلة، وكذا معنى الحرج يوجد في الكل، انتهى \"بدائع\" (١).\n\n(٤٠) (بَابُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ (٢) رَمَضَانَ)، أي: يجوز أم لا؟\n٢٣٩٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع عائشة تقول: إن) مخففة من المثقلة أي إنه (كان ليكون عليَّ الصوم من رمضان) أي الذي فات عني بعذر الحيض (فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان).\nاستدل بهذا على أن عائشة كانت لا تتطوع بشيء من الصيام، ولا في عشر ذي الحجة، ولا عاشوراء، ولا غير ذلك، لأنها لما لم تصم ما وجب عليها من قضاء رمضان لمكان النبي - ﷺ -، فترك صوم التطوع أولى منه، وفي لفظ البخاري: \"الشغل بالنبي - ﷺ -\"، ولفظ مسلم: \"لمكان رسول الله - ﷺ -\".\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٣٦، ٢٣٧).\n(٢) ولو أخر القضاء حتى أتى رمضان آخر يجب عليه الفدية أيضًا مع القضاء عند الجمهور، خلافًا لنا، ومال الطحاوي إليهم، كذا في \"عمدة القاري\" (٨/ ١٤٧، ١٤٨). (ش).","vol":"8","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>(٤١) بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَامٌ</span>\n===\nوفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر، لأن الزيادة أعني قوله: \"وذلك لمكان رسول الله - ﷺ -\"، قد جزم جماعة من الحفاظ بأنها مدرجة، ولكن الظاهر اطلاع النبي - ﷺ - على ذلك، لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية، فيكون ذلك أعني جواز التأخير مقيدًا بالعذر المسوغ لذلك، قاله الشوكاني (١).\nواختلفوا في القضاء، فبعضهم أوجب (٢) أن يكون القضاء متتابعًا على صفة الأداء كما هو القياس، وبعضهم لم يوجب ذلك، والجمهور على ترك (٣) إيجاب التتابع، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) إنما يقتضي إيجاب العدد فقط، وروي عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: نزلت: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ متتابعات)، فسقطت \"متتابعات\"، وفي \"الموطأ\": أنَّها قراءة أُبي بن كعب، وهذا إن صح يشعر بعدم وجوب التتابع، فكأنه كان أولًا واجبًا ثم نسخ، ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى (٥).\n\n(٤١) (بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَائم)\nقال الحافظ (٦): أي هل يشرع قضاؤه عنه أم لا؟ وإذا شرع هل يختص بصيام دون صيام أو يعم كل صيام؟ وهل يتعين الصوم أو يجزئ الإطعام؟ وهل يختص الولي بذلك أو يصح منه ومن غيره؟ والخلاف في ذلك مشهور للعلماء.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢١١).\n(٢) كما روي عن بعض الصحابة وبعض أهل الظاهر، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٢٤٨). (ش).\n(٣) وبه قال الأئمة الأربعة. (ش).\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٩).\n(٦) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٣).","vol":"8","page":575},{"text":"٢٤٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عُرْوَةَ (١)، عن عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وليُّهُ\" (٢). [خ ١٩٥٢، م ١١٤٧، حم ٦/ ٦٩]\n===\n٢٤٠٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر) المصري، أبو بكر الفقيه، مولى بني كنانة، ويقال: مولى بني أمية، واسم أبي جعفر يسار، قال أبو حاتم: ثقة مثل يزيد بن أبي حبيب، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن سعد: ثقة فقيه زمانه، وقال ابن يونس: كان عالمًا عابدًا زاهدًا، وقال أحمد: ليس بقوي، وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، كان يتفقه.\n(عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: من مات وعليه صيام) أي قضاء صيام (صام) أي كفر (عنه وليه).\nقال الطيبي: تأويل الحديث أنه يتدارك ذلك وليه بالإطعام، فكأنه صام.\nقال القاري (٣): واختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب، فذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عنه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه، وأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه، وذهب آخرون إلى أن الولي يصوم عنه عملًا بظاهر هذا الحديث، وبه قال أحمد، وهو (٤) أحد قولي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن الزبير\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا في النذر، وهو قول أحمد بن حنبل\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٢٨).\n(٤) بل الصواب في المذاهب أنه يصوم عنه عند الشافعي في القديم بشرط صحة الحديث، إذ علَّقه عليه، وقال في الجديد، وبه قال مالك والحنفية: لا يصوم، بل يفدي عنه، ومذهب أحمد: أنه يصوم في النذر لا في الواجب من الشرع لوقوع الحديث في النذر، ولأن أمره على الخفة من الواجب عن الشارع، واستدل المانعون بفتوى عائشة =","vol":"8","page":576},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالشافعي، وصححه النووي، وإنما أوَّلوا الحديث لأن القياس وفتوى الصحابة يخالفانه، وكذا الحديث الآتي، وهو وإن كان موقوفًا فهو في حكم المرفوع، انتهى.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): وأجاب الماوردي عن الجديد بأن المراد بقوله: \"صام عنه وليه\" أي فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله: \"التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء\"، قال: فسمي البدل باسم المبدل، فكذلك هنا.\nوأما الحنفية فاعتلُّوا (٢) لعدم القول بهذين الحديثين بما روي عن عائشة أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم قالت: يطعم عنها، وعن عائشة قالت: \"لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم\"، أخرجه البيهقي (٣).\nوبما روي عن ابن عباس قال في رجل مات وعليه رمضان قال: \"يطعم عنه ثلاثون مسكينًا\"، أخرجه عبد الرزاق (٤).\nوروى النسائي (٥) عن ابن عباس قال: \"لا يصوم أحد عن أحد\".\n_________\n= وابن عباس، وقد روي عنهما مرفوعًا أيضًا، وبما قال مالك: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول ذلك، فكان الشرع استقر عليه، وبأن حديث عائشة لا يصح كما صرح به أحمد، حكاه مُهَنَّا، وبأن حديث ابن عباس مضطرب، كما بسطت هذه الأمور كلها في \"الأوجز\" (٥/ ٢٣٢ - ٢٣٩)، وأجمل اضطراب حديث ابن عباس في \"الإكمال\" (٣/ ٢٦٢)، و\"العارضة\" (٣/ ٢٣٩). (ش).\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٤).\n(٢) وذكره الطحاوي في \"مشكل الآثار\" بطرق (٦/ ١٧٨). (ش).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٥٧).\n(٤) \"مصنف عبد الرزاق\" (٧٦٥٠).\n(٥) \"سنن النسائي الكبرى\" (٢٩١٨).","vol":"8","page":577},{"text":"٢٤٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي حَصِينٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ في رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصِحَّ (١) أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ،\n===\nوعن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا\"، رواه الترمذي (٢) وقال: والصحيح أنه موقوف على ابن عمر.\nوروى مالك في \"الموطأ\" (٣): بلغه أن ابن عمر كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد\".\nوفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ، ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار، ومما يؤيد النسخ أن مالكًا قال: لم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أن أحدًا منهم أمر أحدًا يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، فعلم بذلك أنه الأمر الذي استقر عليه الشرع آخرًا.\n٢٤٠١ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن أبي حصين) مكبرًا، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح) أي من مرضه (أطعم عنه (٤) ولم يكن عليه قضاء).\nقوله: \"لم يصح\"، هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية، وهو تصحيف، والصواب ما في النسخة المصرية من قوله \"ولم يصم\"، وكذا على حاشية المجتبائية والقادرية، يدل عليه أن هذا الحديث\n_________\n(١) في نسخة: \"ولم يصم\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٧١٨).\n(٣) انظر: \"أوجز المسالك إلى موطأ مالك\" (٥/ ٢٣١).\n(٤) وفي \"التقرير\": هذا اجتهاد منه وإلَّا فليس عليه وجوب الأداء ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":578},{"text":"وَإِنْ نَذر قَضَى عَنْهُ وَليُّهُ\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>(٤٢) بَابُ الصَّوْمِ في السَّفَرِ</span>\n٢٤٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا، نَا حَمَّادٌ،\n===\nأخرجه شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"منتقى الأخبار\"، وفيه: \"ولم يصم\"، وأما النسخة الأحمدية وإن كتب فيها دائرة الحاء المهملة، ولكن كتب رأس الحاء كأنه ميم.\nوأما باعتبار المعنى فلا يصح هذا اللفظ، لأن الرجل إذا مرض في رمضان، ثم مات ولم يصح من مرضه، ولم يدرك عدة أيام أخر صحيحًا، لا يلزم عليه قضاء الصوم ولا الإطعام، فعلى هذا الصواب: \"ولم يصم\"، ومعنى الكلام على هذا: إذا مرض الرجل في رمضان ولم يصم لأجل المرض، ثم لما مضى رمضان صح عن المرض، وأدرك عدة أيام أخر، ولم يصم في قضاء ما فات عنه، ثم مات، أطعم عنه وليه، ولم يكن عليه قضاء، أي لم يجز للولي أن يصوم عنه قضاء لصومه.\n(وإن نذر قضى عنه وليه) أي إن نذر ثم مات ولم يف بنذره قضى عنه أي يقضي عنه وليه بأن يصوم عنه، فالقضاء بالصوم مختص بالنذر، وأما رمضان فلا يؤدى صومه إلَّا بالإطعام، وهذا قول داود، قال القاري (٢): قال داود: هذا في النذر، وفي قضاء رمضان يطعم عنه وليه ولا يصوم.\n\n(٤٢) (بَابُ الصَّوْمِ في السَّفَرِ) (٣)\nأي: إباحة ذلك، وتخيير المكلف فيه سواء كان رمضان أو غيره\n٢٤٠٢ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد،\n_________\n(١) في نسخة: \"وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٢٨).\n(٣) جمع ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ٢٨٩) بين الروايات المختلفة في الباب. (ش).","vol":"8","page":579},{"text":"عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ، أَنَّ حَمْزَةَ الأَسْلَمِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أَفَأَصُومُ في السَّفَرِ؟ قَالَ (١): \"صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ\". [خ ١٩٤٣، م ١١٢١، ت ٧١١، ن ٢٢٨٧، جه ١٦٦٢، حم ٦/ ٤٦، دي ١٧٠٨]\n===\nعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن حمزة الأسلمي) هو حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي، أبو صالح، صحابي، استنارت أصابعه في ليلة ظلماء مع رسول الله - ﷺ -، مات سنة ٩١ هـ، وهو ابن إحدى وسبعين، وقيل: بلغ ثمانين سنة.\n(سأل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني رجل أسرُد) بضم الراء، أي: أتابع (الصوم) أي في الحضر، فإنه كان مولعًا بالصوم (أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت، وأفطر إن شئت)، ظاهر هذا الحديث أن السؤال كان من صيام التطوع في السفر، فإن السرد في الصوم يدل على أنه في التطوع.\nقال الشوكاني (٢): قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح (٣) بأنه رمضان، فلا يكون فيه حجة على من منع صوم رمضان في السفر.\nقال الحافظ (٤): هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في روايةٍ لمسلم أنه أجابه بقوله: \"هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه\"، وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة، لأن الرخصة إنما تطلق في مقابل ما هو واجب، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود والحاكم عن حمزة الأسلمي أنه قال: يا رسول الله إني صاحبُ ظَهْرٍ أعالجه، الحديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٩٨).\n(٣) وفي \"التقرير\": الجواب مثل السؤال يعم الفرض والنوافل، أو يقال: إذا جاز النفل فالفرص بالأولى ... إلخ. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٠).","vol":"8","page":580},{"text":"(١)\n٢٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَجيدِ الْمَدَنِيُّ قَالَ: سمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الأَسْلَمِيَّ يَذْكُرُ أَنًّ أَبَاه\n===\nقلت: جعل رواية مسلم قرينة على أن السؤال كان في فريضة رمضان موقوف على أن السؤال الذي روته عائشة - ﵂ - هو السؤال الذي رواه هو بنفسه، وأما إذا كان السؤال الذي روته عائشة عنه غير السؤال الذي رواه بنفسه، فلا تكون رواية مسلم ولا رواية أبي داود قرينة على أن السؤال الذي وقع في حديث عائشة أن يكون في الفريضة، والظاهر أنه سأل مرتين: مرة عن صوم التطوع، ومرة عن صوم رمضان.\n٢٤٠٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن عبد المجيد) بن سهيل مصغرًا، ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري (المدني) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال ابن القطان: لا يعرف، ولا ذكر له إلَّا في هذا الحديث، قال في \"الميزان\" (٢): لا يعرف، ما روى عنه سوى أبي جعفر النفيلي، وقيل: الصواب اسم أبيه عبد الحميد.\n(قال: سمعت حمزة بن محمد بن حمزة الأسلمى)، روى بحديث واحد عند أبي داود في الصوم في السفر، قلت: وحمزة ضعَّفه ابن حزم، وقال ابن القطان: مجهول، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا (يذكر أن أباه) أي أبا حمزة، وهو محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، حجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: ضعَّفه ابن حزم، وعاب ذلك عليه القطب الحلبي، وقال: لم يضعفه قبله أحد، انتهى. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب التاجر يفطر\".\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٦٣٠).","vol":"8","page":581},{"text":"أَخْبَرَهُ عن جَدِّهِ قَالَ: \"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ: أُسَافِرُ عَلَيْهِ، وَأُكْرِيهِ، وَإِنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ يَعْنِي رَمَضَانَ وَأَنا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَنَا شَابٌّ، فَأَجِدُ بِأَنْ أَصُوم يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنَّ أُؤَخِّرَهُ فيَكُونُ دَيْنًا، أَفَأَصُومُ يَا رَسُولَ اللهِ أَعْظَمُ لأَجْرِي أَوْ أُفْطِرُ؟ قَالَ: \"أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ\" (١). [ق ٤/ ٢٤١، ك ١/ ٤٣٣]\n===\n(أخبره عن جده) وهو حمزة بن عمرو الأسلمي المتقدم في الحديث المار (قال: قلت: يا رسول الله إني صاحب ظهر) وهو إبل يحمل عليها ويركب، جمعه ظهران بالضم (أعالجه) أي أستعمله وأمارسه (أسافر عليه) أي أذهب معه في السفر (وأكريه) أي أكاري عليه (وإنه ربما صادفني) أي أدركني (هذا الشهر -يعني رمضان-، وأنا أجد القوة) على الصيام (وأنا شاب، فأجد) (٢) في نفسي (بأن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أؤخره فيكون) أي الصوم عليَّ (دَينًا، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟) أي: صومي يا رسول الله أعظم أجرًا أو الإفطار؟ (قال: أي ذلك شئت يا حمزة).\nقال القاري (٣): قال في \"شرح السنَّة\": هذا التخيير قول عامة أهل العلم إلَّا ابن عمر فإنه قال: إن صام في السفر قضى في الحضر، وإلَّا ابن عباس فإنه قال: لا يجوز الصوم في السفر، وإليه ذهب داود بن علي من المتأخرين، وكأنهم تعلقوا بظاهر الآية، ثم اختلفوا في الأفضل منهما، فقال بعضهم: الصوم أفضل، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب أبي حنيفة، وقال بعضهم: الفطر أفضل، وقال بعضهم: أفضل الأمرين أيسرهما لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٤)، وأما الذي يجهده الصوم في السفر ولا يطيقه فإفطاره أولى لقوله - ﷺ - حين رأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه: \"ليس من البر الصيام في السفر\".\n_________\n(١) في نسخة: \"يا حمز\".\n(٢) وفي \"التقرير\": أجدني متلبسًا بأن الصوم أهون عليَّ من الفطر. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥١٥).\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٨٥.","vol":"8","page":582},{"text":"٢٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن طَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ\n===\n٢٤٠٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس (١) قال: خرج النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة) (٢) أي عام الفتح فصام (حتى بلغ عسفان) بضم العين وسكون السين المهملتين، موضع على مرحلتين من مكة.\nقال في \"معجم البلدان\" (٣): قال أبو منصور: عسفان منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة، وقال غيره: عسفان بين المسجدين وهي من مكة على مرحلتين، وقيل: عسفان قرية جامعة، بها منبر ونخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلًا من مكة، وهي حد تهامة، وقال السكري: عسفان على مرحلتين من مكة على طريق المدينة، والجحفة على ثلاث مراحل، غزا النبي - ﷺ - بني لحيان بعسفان، وقد مضى لهجرته خمس سنين وشهران واحد عشر يومًا، وما قال ابن الملك من أنه اسم موضع قريب من المدينة هو سهو قلم أو خطأ قدم، قاله القاري (٤).\n(ثم دعا بإناء)، ولفظ البخاري: \"ثم دعا بماء\" (فرفعه إلى فيه)، ولفظ البخاري: \"فرفعه إلى يده\"، قال الحافظ في \"الفتح\" (٥): كذا في الأصول التي وقفت عليها من البخاري، وهو مشكل لأن الرفع إنما يكون باليد،\n_________\n(١) الحديث مرسل لأنه ﵁ لم يكن معه في هذه السنة بل بمكة مع أبويه، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ١٠٥). (ش).\n(٢) يوم الأربعاء بعد العصر لعشر خلون من رمضان سنة ٨ هـ، كذا قال الزرقاني (٢/ ١٦٧). (ش).\n(٣) (٤/ ١٢١).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥١٨).\n(٥) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٧).","vol":"8","page":583},{"text":"لِيُرِيَهُ النَّاسَ، وَذَلِكَ في رَمَضَانَ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - وأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. [خ ١٩٤٨، م ١١١٣، ن ٢٢٨٨]\n٢٤٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زَائِدَةُ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عن أَنَسٍ قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في رَمَضَانَ، فَصَامَ بَعْضُنَا، وَأَفْطَرَ بَعْضُنَا، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. [خ ١٩٤٧، م ١١١٨]\n===\nوأجاب الكرماني بأن المعنى يحتمل أن يكون رفعه إلى أقصى طول يده، أي: انتهى الرفع إلى أقصى غايتها، قلت: وقد وقع عند أبي داود عن مسدد عن أبي عوانة بالإسناد المذكور في البخاري \"فرفعه إلى فيه\"، وهذا أوضح، ولعل الكلمة تصحَّفت.\n(ليريه الناس) ولفظ البخاري: \"ليراه الناس\" (وذلك) أي الإفطار بالماء بمرأى من الناس (في رمضان، فكان ابن عباس يقول: قد صام النبي - ﷺ -) رمضان في السفر (وأفطر) أي فعل الأمرين (فمن شاء صام، ومن شاء أفطر) وكان هذا الفعل لبيان الجواز، ففهم ابن عباس منه ذلك، ولهذا سوَّى بين الصوم والإفطار.\n٢٤٠٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زائدة، عن حميد الطويل، عن أنس قال: سافرنا مع رسول الله - ﷺ - في رمضان، فصام بعضنا، وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم).\nقال الحافظ (١): في حديث أبي سعيد عند مسلم (٢): \"كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٦).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٩٦/ ١١١٦).","vol":"8","page":584},{"text":"٢٤٠٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَوَهْبُ بْنُ بَيَانَ، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عن رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عن قَزَعَةَ قَالَ: أَتَيتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَهُوَ يُفْتِي النَّاسَ وَهُمْ مُكِبُّونَ عَلَيْهِ فَانْتَظَرْتُ خَلْوَتَهُ، فَلَمَّا خَلَا سَأَلْتُهُ عن صِيَام رَمَضَانَ في السَّفَرِ؟ فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في رَمَضَانَ عَامَ الْفَتْحِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَصُومُ وَنَصُومُ، حَتَّى بَلَغَ مَنْزِلًا مِنَ الْمَنَازِلِ فَقَالَ: \"إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ\"، فَأَصْبَحْنَا: مِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا\n===\nمن وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن\"، وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو نص رافع للنزاع.\n٢٤٠٦ - (حدثنا أحمد بن صالح ووهب بن بيان، المعنى، قالا: نا ابن وهب) أي عبد الله، (حدثني معاوية) أي ابن صالح، (عن ربيعة بن يزيد، أنه حدثه عن قزعة) بن يحيى أبي الغادية البصري (قال: أتيت أبا سعيد الخدري) ولعله أتاه في المدينة من البصرة (وهو) أي أبو سعيد (يفتي الناس وهم مكبون عليه)، أي: وكان الناس لكثرتهم وغلبة شوقهم إلى السؤال عنه كأنهم مكبون عليه، وفي نسخة: \"وهو مكثور عليه\"، وهذا هو لفظ مسلم، أي: عنده كثيرون من الناس.\n(فانتظرت خلوته) أي: وحدته ورجوع الناس عنه، (فلما خلا سألته عن صيام رمضان في السفر؟ فقال) أي أبو سعيد: (خرجنا مع النبي - ﷺ - في رمضان عام الفتح) أي فتح مكة (فكان رسول الله - ﷺ - يصوم ونصوم، حتى بلغ منزلًا من المنازل فقال: إنكم قد دنوتم) أي قربتم (من عدوكم) وهم مشركو أهل مكة (والفطر أقوى لكم، فأصبحنا منا الصائم، ومنا المفطر)، فإن النبي - ﷺ - لم يعزم علينا الإفطار، بل ندب إليها بقوله: \"والفطر أقوى لكم\"، ورغب فيها.\n(قال) أي أبو سعيد: (ثم سرنا فنزلنا منزلًا) آخر، أي أقرب إلى مكة من","vol":"8","page":585},{"text":"فَقَالَ: \"إِنَّكُمْ تُصَبِّحُونَ عَدُوَّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا\"، فَكَانَتْ عَزِيمَةً (١) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَصُومُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ. [م ١١٢٠، حم ٥/ ٣٥، خزيمة ٢٠٢٣، ن ٢٣١٠، ت ٧١٢]\n===\nالمنزل الأول (فقال: إنكم تصبِّحون) من التفعيل أي تلاقون في الصباح (عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمة) أي إيجابًا (من رسول الله - ﷺ -) بصيغة الأمر، والأول كانت رخصة.\n(قال أبو سعيد: ثم لقد رأيتني)، ولفظة \"ثم\" هذا لتراخي البيان (أصوم مع النبي - ﷺ - قبل ذلك وبعد ذلك)، فكانت عزيمة الإفطار مختصة بهذه الأيام للقوة على جهاد الكفار، فالحاصل: أن صوم رمضان في السفر والإفطار كلاهما جائزان، فمن شاء صام ومن شاء أفطر.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): فيه دليل على أن الفطر لمن وصل في سفر إلى موضع قريب من العدو أولى، لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو، ولهذا كان الإفطار أولى، ولم يتحتم، وأما إذا كان لقاء العدو متحققًا؛ فالإفطار عزيمة، لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران، ولا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان.\n(فائدة): المسافة التي يباح الإفطار فيها هي المسافة التي يباح القصر فيها، والخلاف هنا كالخلاف هناك.\nفإن قلت: ظاهر هذا الحديث يدل على أن الأمر بالفطر من رسول الله - ﷺ - كان لأجل لقاء العدو لا للسفر، فهل للغازي إذا تيقن لقاء العدو وخاف الضعف أن يفطر في الحضر أم لا؟\n_________\n(١) في نسخة: \"عزمة\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٠١، ٢٠٢).","vol":"8","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>(٤٣) بَابُ اخْتِيَارِ الْفِطْرِ </span>(١)\n٢٤٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ- يَعْنِي ابْنَ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ-، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ،\n===\nقلت: قال في \"البحر الرائق\" (٢): وقالوا: الغازي إذا كان يعلم يقينًا أنه يقاتل العدو في شهر رمضان، ويخاف الضعف إن لم يفطر، يفطر قبل الحرب مسافرًا كان أو مقيمًا.\n\n(٤٣) (بَابُ اخْتِيَارِ الْفِطْرِ)\nأي: ترجيح الفطر على الصوم لمن أجهده الصوم في السفر (٣)\n٢٤٠٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، يعني ابن سعد بن زرارة) الأنصاري المدني، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبد الله، ومنهم من ينسبه إلى جده لأمه، فيقول: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، وثقه ابن سعد والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن أبي خيثمة: مصعب بن عبد الله يقول: كان محمد بن عبد الرحمن واليًا على اليمامة لعمر بن عبد العزيز، وكان رجلًا صالحًا.\n(عن محمد بن عمرو بن حسن)، ولفظ البخاري ومسلم: \"قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن\"، زاد البخاري: ابن علي، قال الحافظ (٤):\n_________\n(١) في نسخة: \"باب من اختار الفطر\".\n(٢) (٢/ ٣٠٣).\n(٣) ومال الشيخ محيي الدين بن عربي في \"كتاب الشريعة\" له إلى أن المسافر والمريض إذا صاما لم يقع الصوم عن رمضان، بل فرضهما عدة من أيام أخر، إلا أن المريض يقع له نفلًا، والمسافر لا نفل له أيضًا، كذا في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٣٧٥). (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٥).","vol":"8","page":587},{"text":"عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يُظَلَّلُ عَلَيْهِ وَالزِّحَامُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: \"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ\". [خ ١٩٤٦، م ١١١٥، ن ٢٢٥٨]\n===\nأدخل محمد بن عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمد بن عمرو بن الحسن في رواية شعبة عنه، واختلف في حديثه على يحيى بن أبي كثير، فأخرجه النسائي من طريق شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني جابر بن عبد الله، فذكره، قال النسائي: هذا خطأ، قلت: وجه الخطأ فيه أنه لم يذكر بين محمد بن عبد الرحمن وبين جابر \"محمد بن عمرو\".\n(عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يظلل عليه) أي من الشمس (والزحام عليه)، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الرجل، ولولا ما قدمته من أن عبد الله بن رواحة استشهد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسر به لقول أبي الدرداء: إنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائمًا غيره، وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك لمبهمات الخطيب، ولم يقل الخطيب ذلك، ثم قال: إن قصة إسرائيل كان في الحضر في المسجد، وصاحب القصة في حديث جابر كان في السفر تحت ظلال الشجر، والله أعلم.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (ليس من البر الصيام في السفر)، قال الحافظ (١): وقد اختلف السلف (٢) في هذه المسألة، أي: الصوم في السفر، فقالت الطائفة (٣): لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٣).\n(٢) وفي \"التقرير\": سبب الخلاف أن الفضل في كل منهما جزئي، فمن نظر إلى أن الصوم يكون سببًا للتكاسل في العبادات الآخر اختار الفطر، ومن نظر إلى أن الأجر بقدر المشقة اختار الصوم ... إلخ. (ش).\n(٣) وقالت طائفة: من كان مقيمًا أول الشهر يصوم، ولو سافر بعده، وإنما يجوز الإفطار لمن يكن مسافرًا عند الاستهلال. (ش).","vol":"8","page":588},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالسفر وجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، ولقوله - ﷺ -: \"ليس من البر الصيام في السفر\"، ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثمًا بصومه لم يجزئه، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري، وتأول الجمهور الآية بأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر، ومقابل هذا القول قول من قال: إن الصوم (٢) في السفر لا يجوز إلَّا لمن خاف على نفسه الهلاك، أو المشقة الشديدة، حكاه الطبري عن قوم.\nوذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه، وقال كثير منهم: الفطر أفضل عملًا بالرخصة، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال آخرون: هو غير مطلقًا، وقال أَخرون: أفضلهما أيسرهما لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٣)، وهو قول عمر بن عبد العزيز، واختاره ابن المنذر، والذي يترجح قول الجمهور.\nوأما الجواب عن قوله - ﷺ -: \"ليس من البر الصيام في السفر\"، فسلك المجيزون فيه طرقًا، فقال بعضهم: قد خرج على سبب فيقتصر عليه، وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاري في ترجمته، وحمل الشافعي نفي البر المذكور في الحديث على من أبى قبول (٤) الرخصة، فقال: معنى قوله: \"ليس من البر\" أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يفطر وهو صحيح، قال: ويحتمل أن يكون معناه: ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم، وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول.\nوقال الطحاوي (٥): المراد بالبر ها هنا البر الكامل الذي هو أعلى مراتب\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(٢) كذا في \"الفتح\" (٤/ ١٨٣)، والصواب بدله \"الفطر\". (ش).\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(٤) وبسط الشوكاني في \"النيل\" (٣/ ٢٠٠، ٣٠١) معنى الحديث. (ش).\n(٥) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٦٣).","vol":"8","page":589},{"text":"٢٤٠٨ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، نَا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبيُّ، نَا ابْنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيُّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الله بْنِ كَعْبٍ إِخْوَةِ بَنِي قُشَيْرٍ (١) -:\n===\nالبر، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًا، لأن الإفطار قد يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوي على لقاء العدو مثلًا، وهو نظير قوله - ﷺ -: \"ليس المسكين بالطوَّاف\" الحديث، فإنه لم يُرِدْ إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه، ويستحيي أن يسأل، ولا يُفْطَن له، انتهى.\n٢٤٠٨ - (حدثنا شيبان بن فروخ، نا أبو هلال الراسبي) هو محمد بن سليم البصري، مولى بني سامة بن لؤي، نزل في بني راسب فنسب إليهم، قيل: كان مكفوفًا، قال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في \"الضعفاء\"، وعن أبي داود: أبو هلال ثقة، ولم يكن له كتاب، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: فيه ضعف.\n(نا ابن سوادة القشيري) هو عبد الله بن سوادة بن حنظلة القشيري البصري، قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال العجلي: ثقة.\n(عن أنس بن مالك- رجل من بني عبد الله بن كعب إخوة بني قشير-)، قال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): أنس بن مالك الكعبي القشيري أبو أمية، وقيل: أبو أميمة، وقيل: أبو مية، نزل البصرة، روى عن النبي - ﷺ - حديثًا (٣) واحدًا:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) (١/ ٨٥).\n(٣) وقال الترمذي: لا نعرف له إلَّا هذا الحديث الواحد، (انظر: \"سنن الترمذي\" تحت الرقم ٧١٥). (ش).","vol":"8","page":590},{"text":"\"أَغَارَتْ عَلَيْنَا خَيْلٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَانْتَهَيْتُ، أَوْ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: \"اجْلِسْ فَأَصِبْ مِنْ طَعَامِنَا هَذَا\"، فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: \"اجْلِسْ أُحَدِّثُكَ عن الصَّلَاةِ وعن الصِّيامِ، إِنَّ الله وَضَعَ شَطْرَ الصَّلَاةِ- أَوْ نِصْفَ\n===\n\"إن الله وضع عن المسافر\"، الحديث. وفي رواية أبي داود عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب إخوة قشير لا من قشير، وهذا هو الصواب، وبذلك جزم البخاري في ترجمته، وعلى هذا فهو كعبي لا قشيري، ولأن قشيرًا هو ابن كعب، ولكعب ابن اسمه عبد الله، فهو من إخوة قشير، لا من قشير نفسه، وقد تعقب الرشاطي قول ابن عبد البر فيه القشيري، ويقال: الكعبي، وكعب أخو قشير، فإن كعبًا والد قشير لا أخوه، والله أعلم، ووقع في رواية (١) ابن ماجه: أنس بن مالك رجل من بني عبد الأشهل، وهو غلط.\nقال -أي أنس بن مالك-: (أغارت علينا) أي على (٢) قومنا، لأنه كان مسلمًا من قبل (خيل لرسول الله - ﷺ - فانتهيت، أو قال: فانطلقت إلى رسول الله - ﷺ -).\nوأما وجه انطلاقه إلى رسول الله - ﷺ - فقد ذكره الإِمام أحمد قال: \"أتيت رسول الله - ﷺ - في إبلٍ لجار لي أُخذت\"، وفي \"النسائي\" (٣): قال: \"أتيت رسول الله - ﷺ - في إبل كانت لي أخذت\".\n(وهو يأكل، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (اجلس فأصب من طعامنا هذا) أي: كل معنا منه، (فقلت: إني صائم، قال: اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام، إن الله وضع شطر الصلاة) الرباعية (أو) للشك من الراوي (نصف\n_________\n(١) وقال ابن التركماني: الحديث مضطرب سندًا ومتنًا، \"الجوهر النقي\" (٣/ ١٥٤). (ش).\n(٢) أي: على بعضنا، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٢٢٧٦).","vol":"8","page":591},{"text":"الصَّلَاةِ- وَالصَّوْمَ عن الْمُسَافِرِ، وعن الْمُرْضِع، أَوْ الْحُبْلَى\"، وَاللهِ لَقَدْ قَالَهُمَا جَمِيعًا أَوْ أَحَدَهُمَا.\nقَالَ: فَتَلَهَّفَتْ نَفْسِي أَنْ لَا أَكُونَ أَكَلْتُ مِنْ طَعَامِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [ت ٧١٥، ن ٢٢٧٥، جه ١٦٦٧، حم ٤/ ٣٤٧، خزيمة ٢٠٤٤]\n===\nالصلاة، والصوم) عطف على قوله: شطر الصلاة (عن المسافر) والفرق بين سقوط الصوم وشطر الصلاة أن الصوم يجب قضاؤه في أيام أخر، وأما الصلاة فقد سقط شطرها من غير وجوب قضائها.\n(وعن المرضع أو الحبلى) أي: وضع (١) الصوم عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى، فهو عطف على قوله: عن المسافر، وقوله: \"أو الحبلى\" بحرف \"أو\" الدالة على الشك، أو التنويع، وهكذا في هذا الحديث عند الترمذي من رواية وكيع \"أو المرضع\" بحرف \"أو\"، وأما في رواية أحمد من حديث أيوب ووكيع بحرف الواو، ولفظ \"الترمذي\": \"إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام\"، ولفظ أحمد في \"مسنده\": \"إن الله ﷿ وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام\".\n(والله لقد قالهما) أي قال رسول الله - ﷺ - الكلمتين وهما المرضع والحبلى (جميعًا أو أحدهما) أي أحد الكلمتين (قال: فتلهفت نفسي)، ولفظ الترمذي وأحمد: \"فيا لهْفَ نفسي\" (أن لا أكون أكلت من طعام رسول الله - ﷺ -)، وهذا (٢) يدل على أن أنس بن مالك كان مسافرًا أيضًا.\n_________\n(١) وتقدم الكلام على حكمهما في \"باب من قال: هي مثبتة للشيخ والحبلى\"، واستدل بهذا الحديث الجصاص في \"أحكام القرآن\" (١/ ١٨٠) على مسلك الحنفية من عدم الفدية ووجوب القضاء. (ش).\n(٢) وفي \"التقرير\": هذا يدل على أنه كان متطوعًا، وإلَّا فكيف يدعوه النبي - ﷺ - إلى الأكل معه. (ش).","vol":"8","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>(٤٤) بَابٌ: فِيمَنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ</span>\n٢٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا الْوَلِيدُ، نَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في بَعْضِ غَزَوَاتِهِ\n===\nقال أبو عيسى الترمذي: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي - ﷺ - غير هذا الحديث الواحد، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد، وقال بعضهم: تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، إن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما، وبه يقول إسحاق.\nقال الشوكاني (١): وقد قال بعدم وجوب الكفارة مع القضاء الأوزاعي والزهري والشافعي في أحد أقواله، و[قال] مالك والشافعي في أحد أقواله: إنها تلزم المرضع لا الحامل إذ هي كالمريض.\nقلت: وأما عند الحنفية فهما كالمريض يجب القضاء عليهما إن أفطرتا ولا إطعام عليهما.\n\n(٤٤) (بَابٌ: فِيمَنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ)\nأي: على الفطر في السفر\n٢٤٠٩ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا الوليد) بن مسلم، (نا سعيد بن عبد العزيز) التنوخي، (حدثني إسماعيل بن عبيد الله) بن أبي المهاجر المخزومي مولاهم، الدمشقي، أبو عبد الحميد، ثقة (حدثتني أم الدرداء) الصغرى التابعية، (عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض غزواته)، وزاد في رواية مسلم: \"في شهر رمضان في حر شديد\".\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٠٧).","vol":"8","page":593},{"text":"في حَرِّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ- أَوْ كَفَّهُ عَلَى رَأسِهِ- مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، مَا فِينَا صَائِم إِلَّا رَسُولُ الله - ﷺ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ\". [خ ١٩٤٥، م ١١٢٢، جه ١٦٦٣]\n٢٤١٠ - حَدَّتنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، نَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسَمِ. (ح): وَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، نَا أَبُو قُتَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا:\n===\nقال الحافظ (١): وبهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال، ويتوجه الرد بها على أبي محمد بن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا، وقد كنت ظننت أن هذه السفرة غزوة الفتح، لكنني رجعت عن ذلك وعرفت أنه ليس بصواب، وأن عبد الله بن رواحة استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف، وإن كانتا جميعًا في سنة واحدة، وقد استثناه أبو الدرداء في هذه السفرة مع النبي - ﷺ -، فصح أنها كانت سفرة أخرى، وأيضًا فإن في سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين استمروا من الصحابة صيامًا كانوا جماعة، وفي هذا أنه عبد الله بن رواحة وحده، ولا يصح حمله على بدر (٢)، لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم.\n(في حر شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه- أو) للشك من الراوي (كفه على رأسه- من شدة الحر، ما فينا)، هكذا في نسخ أبي داود الموجودة عندي، ولفظ البخاري ومسلم: \"وما فينا\" بالواو (صائم إلَّا رسول الله - ﷺ - وعبد الله بن رواحة).\n٢٤١٠ - (حدثنا حامد بن يحيى، نا حاتم بن القاسم، ح: ونا عقبة بن مكرم، نا أبو قتيبة المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا) أي هشام (٣)\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٢).\n(٢) وقال القاري: وفيه أنه لم يعرف أنه - ﷺ - سافر أيام رمضان غير هاتين الغزوتين ... إلخ. (انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٤/ ٥١٦). (ش).\n(٣) في الأصل: \"عقبة\"، وهو تحريف.","vol":"8","page":594},{"text":"نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ سِنَانَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ الْهُذَلِىَّ يُحَدِّثُ عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ يَأْوِي إِلَى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ\". [حم ٣/ ٤٧٦]\n===\nوأبو قتيبة: (نا عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي قال: حدثني حبيب بن عبد الله) أي: والد عبد الصمد.\n(قال) أي حبيب: (سمعت سنان بن سلمة بن المحبق) كمعظم (الهذلي) أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو جبير، ويقال: أبو بشر البصري الهذلي، قال وكيع عن أبيه عن سنان: ولدت يوم حرب كان لرسول الله - ﷺ - فسمَّاني سنانًا، قال خليفة: ولَّاه زياد غزو الهند سنة خمسين، وقال العجلي: هو تابعي ثقة.\n(يحدث عن أبيه) سلمة بن المحبق كمعظم أو محدث، وقيل: سلمة بن ربيعة بن المحبق، واسمه صخر بن عبيد، ويقال: عبيد بن صخر، الهذلي، أبو سنان، له صحبة، روى عن النبي - ﷺ -، وسكن البصرة، وذكر أن سلمة لما بشر بابنه سنان وهو بخيبر، قال: \"لَسَهْمٌ أرمي به عن رسول الله - ﷺ - أحبُّ إليَّ ممّا بشرتموني به\".\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: من كانت له حمولة) هو بالفتح ما يحمل عليه الناس من الدواب كانت عليه الأحمال أو لا كالركوبة (يأوي إلى شبع) أي يأوي (١) صاحبها، أو تأوي هي إلى شبع، أي إلى مقام يشبع فيه بأن يكون معه زاد، فهو متعد ولازم، يريد من لا يلحقه مشقة وعناء فليصم، وإن كان سفره طويلًا، وقيل: أراد من كان راكبًا وسفره قصير بحيث يبلغ المنزل في يوم فليصم، وفيه بعد.\n(فليصم رمضان حيث أدركه) الأمر محمول على الندب على التأويل\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": أراد بذلك شبع بطنه على راحلته فلا يفتقر إلى المنزل، أو كان المعنى أن له راحلة يأوي بالركوب عليها إلى المنزل، فلا يستحب له الإفطار، انتهى. (ش).","vol":"8","page":595},{"text":"٢٤١١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ- يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الوَارِثِ-، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيب، حَدَّثَنِي أَبِي، عن سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ، عن سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: قَال: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ في السَّفَرِ\"، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [حم ٥/ ٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>(٤٥) بَابٌ: مَتَى يُفْطِر الْمُسَافِر إِذَا خَرَجَ</span>\n٢٤١٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ. (ح): وَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، الْمَعْنَى، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ، زَادَ جَعْفَر:\n===\nالأول، وأما على الثاني فعلى الوجوب، وهذا الحديث ضعيف لأن عبد الصمد راوي الحديث متكلم (١) فيه.\n٢٤١١ - (حدثنا نصر بن المهاجر، نا عبد الصمد -يعني ابن عبد الوارث-، نا عبد الصمد بن حبيب، حدثني أبي، عن سنان بن سلمة، عن سلمة بن المحبق (٢) قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أدركه رمضان في السفر، فذكر) أي عبد الصمد (معناه) أي معنى الحديث المتقدم.\n\n(٤٥) (بَابٌ: مَتَى يُفْطِرُ المُسَافِرُ إِذَا خَرَجَ)، أي: إذا خرج للسفر\n٢٤١٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر) القواريري، (حدثني عبد الله بن يزيد) المكي أبو عبد الرحمن المقرئ، (ح: ونا جعفر بن مسافر، نا عبد الله بن يحيى) المعافري (المعنى) أي معنى حديثهما واحد، كل واحد منهما قال: (حدثني سعيد -يعني ابن أبي أيوب- زاد جعفر) أي جعفر بن مسافر أحد شيخي\n_________\n(١) بسط الكلام عليه القاري (٤/ ٥٣٢)، وحكى عن العقبي: أن الحديث لا يعرف إلَّا بعبد الصمد، ولا يتابع عليه. (ش).\n(٢) وفي الأصل: \"المحقق\"، وهو تحريف.","vol":"8","page":596},{"text":"وَاللَّيْثُ- قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ كُلَيْبَ بْنَ ذُهْلٍ الْحَضْرَمِيَّ أَخْبَرَهُ عن عُبَيْدٍ - قَالَ جَعْفَر: ابْنُ جَبْرٍ- قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ\n===\nالمصنف: (والليث) أي حدثني سعيد والليث، والفرق بين لفظ عبيد الله بن عمر وبين لفظ جعفر بن مسافر أن عبيد الله بن عمر اقتصر على ذكر سعيد بن أبي أيوب في السند ولم يذكر الليث، وأما جعفر بن مسافر فذكرهما.\n(قال) أي سعيد بن أبي أيوب: (حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن كليب بن ذهل الحضرمي) المصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن خزيمة: لا أعرفه بعدالة، وقال الذهبي: تفرد عنه يزيد بن أبي حبيب.\n(أخبره عن عبيد) مصغرًا (قال جعفر) أي زاد جعفر بعد قوله: \"عن عبيد\" لفظ (ابن جبر)، هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجود عندي من غير ياء التصغير، وفي \"الخلاصة\": عبيد بن جبر بفتح الجيم الغفاري، أبو حفص المصري، وهو مصرح بأنه ليس فيه ياء التصغير، فما في نسخ \"التقريب\" من إدخال ياء التصغير بين الموحدة والراء (١) المهملة لعله تصحيف.\n(قال) أي عبيد: (كنت) ولفظ أحمد في \"مسنده\" (٢): \"ركبت مع أبي بصرة الغفاري\"، ولكن في جميع النسخ لأبي داود الموجودة عندي \"كنت\"، ولكن ما في \"مسند أحمد\" أصوب وأوضح (مع أبي بصرة الغفاري) هو حُمَيل بن بصرة بن وقاص بن حاجب بن غفار، واختلف في اسمه، فقال الدراوردي: حميل بفتح الحاء، وذكر ابن المديني عن بعض الغفاريين أنه تصحيف، وذكر البخاري أنه وهم، وحُميل بالضم وعليه الأكثر، وصححه ابن المديني وابن حبان وابن عبد البر وابن ماكولا، ونقل الاتفاق عليه، وجميل بالجيم، قاله مالك في حديث أبي هريرة حين خرج إلى الطور، وذكر البخاري\n_________\n(١) في الأصل: \"الدال\"، وهو تحريف.\n(٢) (٦/ ٣٩٨).","vol":"8","page":597},{"text":"صَاحِب رَسُولِ اللَّهِ (١) - ﷺ - في سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ في رَمَضَانَ، فَرَفَعَ، ثُمَّ قُرِّبَ غَدَاؤُهُ- قَالَ جَعْفَرٌ في حَدِيثِهِ: فَلَمْ يُجَاوِز الْبُيُوتَ (٢)\n===\nوابن حبان أنه وهم، وقيل: اسمه زيد، حكاه الباوردي، وقد قيل فيه: بصرة بن أبي بصرة كأنه قلب، شهد فتح مصر، واختطَّ بها، ومات بها، ودفن في مقبرتها.\n(صاحب رسول الله - ﷺ - في سفينة من الفسطاط) فيه لغات، فسطاط بضم أوله وبكسره، وفساط بضم أوله وكسره وإسقاط الطاء، وفستاط بضم الفاء وفتحها وبدل الطاء تاء، ففي الأول كان الفسطاط لعمرو بن العاص، فهو بيت من أدم أو شعر، وهو أول من فتحها في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -، وكل مدينة فسطاط، ومنه قيل لمدينة مصر التي بناها عمرو بن العاص الفسطاط، فلفظة \"من\" متعلق بقوله: \"ركبت\" في لفظ أحمد، وفي لفظ أبي داود متعلقة بمحذوف، أي: فسِرت من الفسطاط، أي: إلى الإسكندرية كما هو مصرح في حديث أحمد، قال: \"ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة\"، وفي أخرى له: \"ركبت مع أبي بصرة السفينة وهو يريد الإسكندرية\"، والمسافة التي بين الإسكندرية والفسطاط مسافة طويلة مسافة القصر.\n(في رمضان فرفع) أي: مرساها، وهو الأنجر، أو (٣) أبو بصرة، وفي رواية لأحمد في \"مسنده\": \"فدفع\" بالدال المهملة، وفي أخرى له: \"فلما دفعنا من مرسانا\"، وما في \"مسند أحمد\" أوضح، (ثم قرِّب غداؤه) أي طعام الغداء هو طعام أول النهار (قال جعفر في حديثه: فلم يجاوز البيوت) (٤) أي لم يجاوز\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"البيت\".\n(٣) قوله: \"أو\" كذا في الأصل، والظاهر حذفه.\n(٤) وفي \"التقرير\": عن محاذاة البيوت من جهة أخرى لا من جهة الخروج، لأنه لا يمكن السفر في البيوت، قلت: ويؤيد ما في \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٩٨) رقم الحديث (٢٧٢٣٣): \"قلت: والله ما تغيبت عنا منازلنا\". (ش).","vol":"8","page":598},{"text":"حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ- قَالَ: اقْتَرِبْ، قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ أَبُو بَصرَةَ: أَتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ جَعْفَرٌ في حَدِيثِهِ: فَأَكَلَ. [حم ٦/ ٣٩٨، دي ١٧١٣]\n===\nعن محاذاة البيوت (حتى دعا بالسفرة) وإلى ها هنا لفظ جعفر، وأما عبيد الله بن عمر فلفظه: ثم قرب غداؤه، ثم اتفقا فقالا:\n(قال) أي أبو بصرة لعبيد بن جبر: (اقترب) أي أدن من الطعام فَكُلْ معنا (قلت: ألستَ ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنَّة رسول الله - ﷺ -؟ . قال جعفر في حديثه: فأكل) أي أبو بصرة، وأكلت معه لما في حديث أحمد في \"مسنده\": \"فما زلنا مفطرين حتى بلغوا مكان كذا وكذا\"، وفي أخرى له: \"فلم نزل مفطرين حتى بلغنا مَا حَوَّزَنا\" (١).\nواختلفوا في المسافر إذا نوى الصيام من الليل وأصبح صائمًا، فقال الجمهور: له أن يفطر في أثناء النهار، وقال بعضهم: لا يحل ذلك، وهو قول الحنفية، وأما لو نوى الصوم وهو مقيم، ثم سافر في أثناء النهار، فليس له أن يفطر في أثناء النهار عند الجمهور، وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المزني، والحنفية يقولون في هذه الصورة أيضًا بعدم جواز الإفطار، فهذا الحديث يخالف الحنفية سواء كان أبو بصرة مقيمًا في الفسطاط أو كان مسافرًا فيه، فيشكل هذا الحديث على مذهب الحنفية.\nوالجواب عن هذا الإشكال أولًا: أن أبا بصرة - ﵁ - لعل مذهبه أنه يجوز عنده الإفطار سواء كان مسافرًا أو مقيمًا إذا نوى الصوم بالليل، وأما استدلاله بكونه سنَّة رسول الله - ﷺ -، فلعله ثبت عنده بنوع من الاجتهاد، وإلَّا فلا نص فيه عن رسول الله - ﷺ -.\nوأما ثانيًا: فيمكن أن يقال: إن أبا بصرة كان مقيمًا في فسطاط، فخرج\n_________\n(١) قال السندي: قوله: \"حتى بلغنا مَا حَوَّزنا\"، هو موضعهم الذي أرادوه، وانحاز القوم: تركوا مركزهم إلى آخر، وأهل الشام يسمون المكان الذي كان بينهم وبين العدو ما حَوَّز.","vol":"8","page":599},{"text":"(٤٦) بَابُ مَسِيرَةِ مَا (١) يُفْطِرُ فِيهِ\n٢٤١٣ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حمَّادٍ، أَنَا اللَّيْثُ- يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ -، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَبِي الخَيْرِ، عن مَنْصُورٍ الْكَلْبِى: \"أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ\n===\nمنها ليلًا قبل الصبح ولم ينو الصوم، وركب السفينة قبل الصبح فصار مسافرًا، فجاز له الإفطار لما فارق بيوت مصر في الجهة التي ركب فيها السفينة وإن كانت البيوت بمرأى منهم.\nوأما ثالثًا: فيمكن أن يقال: إن أبا بصرة كان في فسطاط مسافرًا ولم ينو أن يصبح صائمًا، بل نوى أن يصبح مفطرًا، ثم أظهر الإفطار، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>(٤٦) (بَابُ مَسِيرَةِ مَا يُفْطِرُ فِيهِ) </span>الصائم\n٢٤١٣ - (حدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث -يعني ابن سعد-، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني، (عن منصور) بن سعيد، ويقال: ابن زيد بن الأصبغ (الكلبي) جد أبي السحماء سهيل بن حسان بن منصور، روى عن دحية الكلبي في الإفطار في السفر القصير، وعنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، قال ابن المديني: مجهول لا أعرفه، وقال ابن خزيمة: لا أعرفه، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.\n(أن دحية بن خليفة) بن فروة بن فضالة بن امرئ القيس، صحابي أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشهد المشاهد، وبقي إلى خلافة معاوية، وكان رسول نبيِّ الله - ﷺ - إلى قيصر، وكان أجمل الناس وجهًا، ينزل جبرئيل في صورته، سكن دمشق، وكان منزله بقرية المِزَّة.\n_________\n(١) في نسخة: \"قدر ما\".","vol":"8","page":600},{"text":"خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إِلَى قَدْرِ قَرْيَةِ عُقْبَةَ مِنَ الْفُسْطَاطِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، في رَمَضَانَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ (١)، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا، فَلَمَّا وَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رأَيتُ الْيَوْمَ أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَرَاهُ، إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عن هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -\n===\nقال في \"معجم البلدان\" (٢): المرة بالكسر ثم التشديد، أظنه عجميًا، فإني لم أعرف له في العربية مع كسر الميم معنى: وهي قرية كبيرة غَنَّاء في وسط بساتين دمشق، بينها وبين دمشق نصف فرسخ، وبها فيما يقال قبر دحية الكلبي صاحب رسول الله - ﷺ -، ويقال لها: مزَّة كلب.\n(خرج من قرية من) قرى (دمشق) في \"القاموس\": دِمَشْق كحِضَجْرٍ، وقد تكسر ميمه: قاعدة الشام، سميت ببانيها دِمْشاق بن كنعان، أو دامَشْقَيوس (مرة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط) أي: مقدار مسافة قرية عقبة من الفسطاط، وهو المصر العتيق، والحاصل أن دحية بن خليفة خرج من قرية، وهي قرية مزة الكائنة من أعمال دمشق إلى قرية، أو محل آخر، والمسافة (٣) بينهما كالمسافة بين عقبة والفسطاط.\n(وذلك) أي قدر المسافة (ثلاثة أميال) فخرج من قرية إلى ثلاثة أميال (في رمضان، ثم إنه) أي دحية الكلبي (أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع) أي دحية (إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما) نافية (كنت أظن أني أراه، إن قومًا رغبوا (٤) عن هدي رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"أناس\".\n(٢) (٥/ ١٢٢).\n(٣) وفي \"التقرير\": والمسافة بينهما كان معلومًا للحاضرين، ثم الظاهر أنه ﵁ لم يكن مقيمًا في تلك القرية، بل كان مسافرًا يصوم استحبابًا، ثم لما خرج أفطر لئلا تلحقه المشقة ... إلخ. (ش).\n(٤) إذ لم يجوِّزوا الإفطار أصلًا، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"8","page":601},{"text":"وَأَصْحَابِهِ، يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: اللهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيكَ\". [حم ٦/ ٣٩٨]\n===\nوأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا) أي ولم يقبلوا الرخصة في الإفطار.\nولعل دحية - ﵁ - فهم بالقرائن أن الذين صاموا ليس صيامهم على طريق العزيمة، بل على طريق الإعراض من الرخصة عن الإفطار، فلذلك عاب عليهم ذلك، أو يكون مذهبه وجوب الإفطار في السفر، (ثم قال عند ذلك: اللَّهُمَّ اقبضني إليك).\nولفظ حديث أحمد (١): حدثنا عبد الله، حدثني أبي قال: ثنا حجاج ويونس قالا (٢): ثنا الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن منصور الكلبي، عن دحية بن خليفة أنه خرج من قريته (٣) إلى قريب من قرية عقبة في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، قال: فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أن أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله - ﷺ - وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللَّهُمَّ اقبضني [إليك]، وهذا السياق يدل على أن عقبة قرية قريبة من دمشق، ولم أجده في \"معجم البلدان\".\nواختلفوا في المسافة التي يجوز فيها الإفطار، فذهب الجمهور إلى أنه إنما يفطر في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وذلك على حسب اختلافهم في هذه المسألة، وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ما يطلق عليه اسم سفر، وهم أهل الظاهر، فمن الجمهور أبو حنيفة والكوفيون قالوا: لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل، وذهب الشافعي ومالك والليث والأوزاعي وغيرهم إلى أنه\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٩٨).\n(٢) وقع في الأصل: \"ثنا حجاج بن يونس قال\" وهو خطأ، والصواب: \"ثنا حجاج ويونس قالا ... \"، وحجاج: هو ابن محمد المصيصي، ويونس: هو ابن محمد المؤدب.\n(٣) في الأصل: \"قرية\" وهو تحريف، والصواب: \"قريته\".","vol":"8","page":602},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلا يجوز إلَّا في مسيرة مرحلتين، وهما ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية، وقال أنس -وهو مروي عن الأوزاعي-: إن مسافته يوم وليلة.\nقال في \"الفتح\" (١): وقد أورد البخاري ما يدل على أن اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة، وأما أهل الظاهر فقالوا: أقل مسافة السفر ميل، كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر، واحتج بإطلاق السفر في كتاب الله تعالى كقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، وفي سنَّة رسول الله - ﷺ -، قال: فلم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون بأجمعهم سفرًا من سفر، ثم احتجوا على ترك القصر فيما دون الميل، لأن النبي - ﷺ - قد خرج إلى البقيع لدفن الموتى، وخرج إلى الفضاء للغائط، والناس معه، فلم يقصر ولا أفطر، فحمل حديث الباب على قول أهل الظاهر ظاهر لا إشكال فيه، وأما على قول الجمهور ففيه إشكال.\nوالجواب عنه: أن يقال: إن قوله: \"على قدر قرية عقبة من الفسطاط\" ليس هو غاية السفر بأن يكون سفره منتهيًا إلى هذا الموضع بل هو غاية الخروج، أي خرج، فلما انتهى إلى هذا المحل أفطر، ولم يبين فيه غاية السفر، فلعله يكون مريدًا لموضع آخر أبعد منه.\nويرد على هذا الجواب أن قرية مزة كانت له وطنًا ومسكنًا، فاليوم الذي خرج منها فيه لم يجز له الفطر، لأنه كان صائمًا في أول النهار.\nوالجواب عنه: يحتمل أن يكون دحية - ﵁ - خرج من قرية مزة مسافرًا قبيل الفجر، فلما بلغ مسافة قدر عقبة من الفسطاط أي ثلاثة أميال أظهر الإفطار، والله تعالى أعلم، وأما قول الخطابي: إن الحديث ليس بالقوي، في إسناده رجل ليس بالمشهور، فهو قول غير متفق عليه، لأنه وإن قال فيه ابن المديني: إنه مجهول، فالعجلي قال فيه: ثقة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٦).\n(٢) سورة النساء: الآية ١٠١.","vol":"8","page":603},{"text":"٢٤١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنَا الْمُعْتَمِرُ، عن عُبَيْدِ اللهِ، عن نَافِعٍ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ (١) كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْغَابَةِ فَلَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْصُرُ\". [ق ٤/ ٢٤١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>(٤٧) بَابٌ: فِيمَنْ يَقُولُ: صُمْتُ رَمَضَان كلَّهُ</span>\n٢٤١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن الْمُهَلَّب بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، نَا الْحَسَنُ، عن أَبِي بَكَرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَقُمْتُهُ كُلَّهُ\"، فَلَا أَدْرِي أَكَرِهَ التَّزْكِيَةَ أَوْ قَالَ:\n===\n٢٤١٤ - (حدثنا مسدد، ثنا المعتمر، عن عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة) وهو موضع (٢) قرب المدينة من ناحية الشام، فيه أموال لأهل المدينة، وقال الواقدي: الغابة بريد من المدينة على طريق الشام (فلا يفطر) الصوم (ولا يقصر) الصلاة.\n\n(٤٧) (بَابٌ: فِيمَنْ يَقُولُ: صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّه)\n٢٤١٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن المهلب بن أبي حبيبة) البصري، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا، (نا الحسن) البصري، (عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يقولن أحدكم إني صمت رمضان كله وقمته) أي: قمت رمضان (كله، فلا أدري)، الظاهر أن هذا قول الحسن كما يدل عليه حديث أحمد في \"مسنده\" (أَكَرِهَ) أي رسول الله - ﷺ - (التزكية) أي تزكية النفس، فكأنه نهى عن إطلاق هذا اللفظ، لأن فيه الإعجاب (أو قال) في النهي\n_________\n(١) في نسخة: \"عن ابن عمر أنه\".\n(٢) وفي \"التقرير\": أراد بذلك دفع ما يتوهم عن الحديث السابق الفطر على ميلين أو ثلاثة بأن ذلك اجتهاد منه ليس بمعمول الصحابة، أو يقرر الدفع بأنه لم يكن هذا منتهى سفره. (ش).","vol":"8","page":604},{"text":"لَا بُدَّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ؟ \" (١). [ن ٢١٠٩، حم ٥/ ٤٩، خزيمة ٢٠٨٥]\n===\nعن ذلك، لأنه (لا بد من نومة أو رقدة؟).\nاختلفت الروايات في هذا اللفظ، ففي أبي داود: \"لا بد من نومة أو رقدة\"، وهذا لا ينافي صوم رمضان فلا يناسبه، ولفظ النسائي: \"لا بد من غفلة ويقظة\"، وفي نسخة على الحاشية: \"ورقدة\"، وهذا السياق يناسب الصوم وقيام الليل، لأن الغفلة في الصوم بأنه لعله لأجل الغفلة يرتكب أمرًا لا يناسب الصوم، وكذلك الرقود ينافي قيام الليل، فهو المناسب لقيام الليل، وأما لفظ \"يقظة\" التي في نسخة المتن، فلا مناسبة له بالصوم ولا بالقيام.\nوأما في \"مسند أحمد\" (٢) من حديث قتادة عن الحسن ولفظه: \"أو يقول: لا بد من راقد أو غافل\"، وفي أخرى له: \"لا بد من نوم أو غفلة\"، وفي رواية له من طريق يحيى بن سعيد، عن المهلب بن أبي حبيبة، ثنا الحسن، عن أبي بكرة، ولفظه: \"فلا أدري أَكَرِهَ التزكية أم لا؟ فلا بد من غفلة أو رقدة\"، فما في روايات أحمد والنسائي على إحدى النسختين هو الأوفق.\nقال السندي (٣): قوله: \"لا بد من غفلة\"، أي: فيعصي في حال الغفلة بوجه لا يناسب الصوم، فكيف يدعي بعد ذلك الصوم لنفسه.\nوأيضًا يدل هذا الحديث على أنه يجوز إطلاق رمضان بدون ذكر لفظ شهر معه، فما وقع في حديث أبي هريرة من النهي عن ذلك، فهو محمول على التنزيه، أو يقال: إن حديث النهي ضعيف لا يقاوم ما ثبت في الصحيح.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا رواه ابن عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بكرة\".\n(٢) مسند أحمد\" (٥/ ٤٨، ٣٩) (٢٠٤٨٩، ٢٠٤٨٨، ٢٠٤٠٦).\n(٣) \"حاشية السندي على النسائي\" (٤/ ١٣٠).","vol":"8","page":605},{"text":"(٤٨) بَابٌ: في صَوْمِ (١) الْعِيدَينِ\n٢٤١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، قَالَا، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: \"شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن صِيَامِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ: أَمَّا يَوْمُ الأَضْحَى فَتَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمِ نُسُكِكُمْ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>(٤٨) (بَابٌ: في صَوْمِ العِيدَيْنِ) </span>(٢)\nأي في كراهية صوم يوم عيد الفطر ويوم الأضحى\n٢٤١٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، وزهير بن حرب، وهذا حديثه) أي لفظ حديث زهير (قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن أبي عبيد) سعد بن عبيد الزهري، مولى ابن أزهر، ويقال: مولى عبد الرحمن بن عوف، كان من القراء وأهل الفقه، قال ابن سعد: كان ثقة، وقال الطبري: مجمع على ثقته، وقال مسلم في \"الكنى\": كان ثقة، وعن ابن معين: ثقة، ونقل ابن خلفون توثيقه عن الذهلي وابن البرزقي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة.\n(قال: شهدت العيد مع عمر، فبدأ بالصلاة) أي بصلاة العيد (قبل الخطبة) أي خطبة العيد، وإنما صرح بذلك لأن هذه السُنَّةَ غيرت في زمن مروان، فجعل الخطبة قبل الصلاة (ثم قال) أي عمر - ﵁ -: (إن رسول الله - ﷺ - نهى عن صيام هذين اليومين) أي يوم الأضحى ويوم الفطر.\n(أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم) وهو ضيافة الله\n_________\n(١) في نسخة: \"صيام\".\n(٢) والأمة بعد ما أجمعت على أنه لا يجوز صيامهما تطوعًا، ولا فرضًا، ولا قضاء، ولا كفارة، ولا نذرًا، ولا تمتعًا. اختلفوا هل يصح النذر بصومهما أم لا؟ كما سيأتي الخلاف فيه قريبًا. (ش).","vol":"8","page":606},{"text":"وَأمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صِيَامِكُم\". [خ ١٩٩٠، م ١١٣٧، ت ٧٧١، جه ١٧٢٢، حم ١/ ٢٤]\n===\n(وأما يوم الفطر ففطركم) أي: فهو يوم فطركم (من صيامكم)، وفيه إشارة إلى علة التحريم، والمراد بالنسك ها هنا الذبيحة المتقرب بها، فنهى عن الصوم يوم الأضحى لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه، فأما النهي في يوم الفطر فهو لأجل الفصل من الصوم وإظهار تمامه بفطر ما بعده.\nوفي الحديث تحريم صومي العيد سواء كان صوم النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع وهو بالإجماع.\nواختلفوا فيما لو نذر صومهما متعمدًا لعينهما، قال الشافعي والجمهور (١): لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما، وقال أبو حنيفة: ينعقد ويلزمه قضاؤهما، وأما إذا نذر صوم يوم الاثنين مثلًا فوافق يوم العيد، فقال النووي: لا يجوز له صوم العيد بالإجماع، قال: وهل يلزمه القضاء؟ فيه خلاف للعلماء، وفيه للشافعي قولان، أصحهما: لا يجب قضاؤه.\nوقال في \"الدر المختار\" (٢): ولو نذر صوم الأيام المنهية أو صوم هذه السنة صح مطلقًا على المختار، وفرقوا بين النذر والشروع فيها بأن نفس الشروع معصية، ونفس النذر طاعة فصح، قال الشامي: أي لزم، والحكمة في النهي عن صوم العيدين أن فيه إعراضًا عن ضيافة الله تعالى لعباده.\n_________\n(١) ليت شعري مَن الجمهور؟ إذ قيل: إن للشافعي فيه قولين، وللمالكية قولين، والحنفية والحنابلة متفقة على انعقاد النذر، ووجوب القضاء، فتأمل. كذا في \"الأوجز\" (٥/ ١٩٨). (ش).\n(٢) (٣/ ٤١٨، ٤١٩).","vol":"8","page":607},{"text":"٢٤١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا عَمْرو بْنُ يَحْيَى، عن أَبِيهِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيوْمِ الأَضْحَى، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ: الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَعَنِ الصَّلَاةِ في سَاعَتَيْنِ: بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ\". [خ ١٩٩١، م ٨٢٧، ت ٧٧٢، حم ٣/ ٩٦]\n===\n٢٤١٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني، (عن أبيه) يحيى بن عمارة، (عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى، وعن لبستين: الصماء).\nقال في \"المجمع\" (١): وفيه نهي عن اشتمال الصماء، هو أن يتجلل الرجل بثوبه، ولا يرفع منه جانبًا، ويشد على يديه ورجليه المنافذ كلها، كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، ويقول الفقهاء: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، فيرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه، فتنكشف عورته.\n(وأن يحتبي الرجل بالثوب الواحد)، وهو أن يضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعها به مع ظهره ويشده عليها، وقد يكون باليدين، وهذا لأنه ربما تحرك أو تحرك الثوب فتبدو عورته، \"مجمع\" (٢).\n(وعن الصلاة في الساعتين: بعد الصبح، وبعد العصر) أي بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، فيكره التطوع بعدهما، فإن قلت: قد تقدم في كتاب الصلاة في \"باب من فاتته متى يقضيها\" حديث قيس بن عمرو، قال: \"رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: \"صلاة الصبح ركعتان\"، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، فسكت رسول الله - ﷺ -\".\n_________\n(١) (٣/ ٣٥٩).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٣٢).","vol":"8","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>(٤٩) بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ</span>\n===\nوالجواب عنه ما قال القاري (١): إن الحديث لم يثبت، فإن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو، فليس فيه حجة، وأيضًا لما ثبت نهيه - ﷺ - عن الصلاة بعد الصبح فسكوته ﵇ لا يحمل على التقرير، ويحتمل أن تكودن هذه الواقعة قبل النهي، والله تعالى علم.\n\n(٤٩) (بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)\nأي: الأيام التي بعد يوم النحر\nوقد اختلف في كونها يومين (٢) أو ثلاثة.\nقلت: وهي عند الحنفية ثلاث: حادي عشرة وثاني عشرة وثالث عشرة من ذي الحجة.\nقال الحافظ (٣): وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي: تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة.\nقال الحافظ: وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال، أو يجوز صيامها مطلقًا، أو للمتمتع خاصة، أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف (٤) للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٣٥).\n(٢) ذكر الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٥٨): وعن ابن عباس وعطاء: هي أربعة من يوم النحر إلى ثالث عشر، والأئمة الأربعة على أنها ثلاثة بعد النحر، كما حكي عن فروعهم في \"الأوجز\" (٧/ ٤٨٦). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٢).\n(٤) ذكر العيني (٨/ ٢٢٧) فيه تسعة أقوال للعلماء، المشهور منها اثنان، أحدهما قول مالك في المشهور عنه، وأحمد، والشافعي في القديم المرجوع عنه: استثناء المتمتع والقارن، الثاني قول الحنفية، والجديد للشافعي المرجوع إليه: المنع مطلقًا، =","vol":"8","page":609},{"text":"٢٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عن أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ (١)، فَقَرَّبَ\n===\nوأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقًا، وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقًا، وهو المشهور عن الشافعي- قلت: وهو قول الحنفية- وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلَّا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره [يصومها أيضًا المحصر والقارن].\nوحجة من منع حديث نبيشة الهذلي عند مسلم (٢) مرفوعًا: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب\"، وله من حديث كعب بن مالك: \"أيام مني أيام أكل وشرب\"، ومنها حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: \"إنها الأيام التي نهى رسول الله - ﷺ - عن صومهن وأمر بفطرهن\"، أخرجه أبو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم.\n٢٤١٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ) ويقال: مولى عقيل بن أبي طالب، وهو يزيد الهاشمي، حجازي، مشهور بكنيته، قال الواقدي: هو مولى أم هانئ، وكان يلزم عقيلًا فَنُسِبَ إليه، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، فَقَرَّب)\n_________\n= قال العيني (٨/ ٢٣١) رادًا على من رجح الجواز: وكيف يترجح مع رواية المنع عن ثلاثين صحابيًا، انتهى. (ش).\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١١٤١).","vol":"8","page":610},{"text":"إِلَيْهِمَا طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمْرٌو: كُلْ فَهَذه الأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا بإفْطَارِهَا وَيَنْهَى عن صِيَامِهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (١). [ط ١/ ٣٠٠/ ٣٧، حم ٤/ ١٩٧، دي ١٧٦٧، خزيمة ٢١٤٩، ق ٤/ ٢٩٧، ك ١/ ٤٣٥]\n٢٤١٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا وَهْبٌ، نَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ،\n===\nأي عمرو بن العاص (إليهما) أي إلى أبي مرة وعبد الله بن عمرو (طعامًا فقال) أي عمرو بن العاص لعبد الله بن عمرو: (كل) الطعام (قال) عبد الله بن عمرو: (إني صائم، فقال عمرو: كل فهذه الأيام التي كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بإفطارها) أي بترك الصوم فيها (وينهى عن صيامها، قال مالك: وهي أيام التشريق).\nويخالف هذا الحديث ما أخرجه مالك في \"موطئه\" (٢)، ففيه: مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه أخبره أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص، فوجده يأكل، قال: فدعاني، قال: فقلت له: إني صائم، فقال: هذه الأيام التي نهانا رسول الله - ﷺ - عن صيامهن وأمرنا بفطرهن.\nفسياق حديث أبي داود يدل على أن رواية أبي مرة عن عمرو بن العاص، وسياق حديث \"الموطأ\" يدل على أن أبا مرة يروي هذا الحديث بواسطة عبد الله بن عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص.\n٢٤١٩ - (حدثنا الحسن بن علي، نا وهب، نا موسى بن علي، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن موسى بن علي،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا أصح حديث فيه، لأنه ليس في حديث أنه نهى عن صيام أيام التشريق، إنما في الحديث كله يعني: أنها أيام أكل وشرب\".\n(٢) انظر: \"أوجز المسالك إلى موطأ مالك\" (٧/ ٤٨٣).","vol":"8","page":611},{"text":"- وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ وَهْبٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَوْمُ عَرَفَةَ وَيوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْل وَشُرْبٍ\". [ت ٧٧٣، ن ٣٠٠٤، حم ٤/ ١٥٢، دي ١٧٦٤، خزيمة ٢١٠٠، ق ٤/ ٢٩٨، ك ١/ ٤٣٤]\n===\n- والإخبار في حديث وهب-) أي وألفاظ الحديث ما في حديث وهب (قال: سمعت أبي) علي بن رباح (أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: يوم عرفة) أي تاسع ذي الحجة (ويوم النحر) عاشرها (وأيام التشريق عيدنا أهلَ الإِسلام، وهي أيام أكل وشرب).\nوظاهر هذا الحديث يدل على أن صوم هذه الأيام المذكورة في الحديث منهي عنه، فأما صوم يومي العيدين فالإجماع على النهي عن صومهما، وأما صوم أيام التشريق فقد تقدم ما فيه من الاختلاف.\nوأما صوم يوم عرفة فقد ذهب إلى كراهته بعض أهل العلم، وقالوا: لم يصم رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع يوم عرفة، لأنه يوم عيد لأهل الموقف، ويؤيده هذا الحديث، ويؤيده ما روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم من طريق عكرمة أن أبا هريرة حدثهم: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة\" (١).\nقال الحافظ (٢) بعد نقل هذا الحديث: وأخذ بظاهره بعض السلف، فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري [قال:] يجب الفطر بعرفة للحاج، انتهى.\nومذهب الجمهور: يستحب فيه الصوم وإن كان حاجًّا إلَّا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات، ويكون مخلًّا له في الدعوات، واحتجوا بما روي من الفضل في صوم يوم عرفة، وهو ما رواه مسلم في \"صحيحه\" من حديث أبي قتادة: \"صيام يوم عرفة أَحْتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده\".\n_________\n(١) يأتي تخريجه برقم (٢٤٤٠) في \"باب في صوم عرفة بعرفة\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣٨).","vol":"8","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>(٥٠) بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ</span>\n===\nوالجواب عن حديث عقبة أنه ليس فيه نهي صريح عن صوم يوم عرفة، فكونه عيدًا لا ينافي الصوم مع أنه مختص بأهل عرفات، والظاهر أن قوله: \"وهي أيام أكل وشرب\"، راجع إلى يوم النحر وأيام التشريق.\nثم رأيت في \"النيل\"، فقال الشوكاني (١): واعلم أن ظاهر حديث أبي قتادة المذكور في الباب أنه يستحب الصوم يوم عرفة مطلقًا، وظاهر حديث عقبة بن عامر أيضًا أنه يكره صومه مطلقًا لجعله قريبًا في الذكر ليوم النحر وأيام التشريق، وتعليل ذلك بأنها عيد وأنها أيام أكل وشرب، وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا يجوز صومه بعرفات، فيجمع بين الأحاديث بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد، مكروه لمن كان بعرفات حاجًّا، والحكمة في ذلك أنه ربما مؤديًا إلى الضعف عن الدعاء والذكر يوم عرفة هنالك، والقيام بأعمال الحج.\n\n(٥٠) (بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصَّ (٢) يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ)\n_________\n(١) \" نيل الأوطار\" (٣/ ٢١٩).\n(٢) قلت: اختلفوا فيه على ثمانية أقوال، ذكرت في \"الأوجز\" (٥/ ٣٦٠ - ٣٦٢)، ومكروه إفراده عند الشافعية وأحمد، ومندوب عند مالك ولو منفردًا، واختلف نقلة مذهب الحنفية، والعامة على الندب، والمحققون على الكراهة، واختلفوا في وجه الكراهة على ثمانية أقوال، ذكرت في \"الأوجز\" (٥/ ٣٦٥ - ٣٦٧)، والراجح كونه شبه عيد.\nوفي \"التقرير\": والوجه في الكراهة ما يلزم من توهم أن الصوم فيه يفضل على صوم باقي أيام الأسبوع، مع أن ذلك غير مبين في كلام الله ورسوله، فما ورد في فضل يوم الجمعة فإنما وروده في الذكر فيه والصلاة والصدقة دون الصوم، فكان إبداع الصوم فيه إصلاحًا للرسالة بإتمام ما تركه الرسول، ولما لم يكن ذلك الادِّعاء إلا صورة لا حقيقة لم يزد على كراهة تنزيهية، وينتفي الوجه بصوم يوم الخميس معه أو السبت.\nوكذلك صوم يوم السبت لما كان فيه صورة تعظيم للسبت وليس بتعظيم له حقيقة كره ذلك، وتنتفي الكراهة بضم يوم آخر، لأن اليهود تفرده بالتعظيم، فإن صام معه يوم الأحد كان ظاهره تعظيمًا ليوم الأحد، فلزم التشبه باليهود والنصارى، ولكن الصوم لما لم يكن في خصائص اليهود ولا النصارى كان التشبه فيه أقل قليل يفتقر في زواله =","vol":"8","page":613},{"text":"٢٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا يَصُمْ (١) أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بَعْدَهُ\". [خ ١٩٨٥، م ١١٤٤، ت ٧٤٣، جه ١٧٢٣، حم ٢/ ٤٩٥]\n===\n٢٤٢٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلَّا أن يصوم قبله بيوم أو بعده).\nقال الحافظ (٢): واستدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام، نقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية، وقال: أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده، ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسليمان وأبي ذر، قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة، وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه، وعن مالك وأبي حنيفة: لا يكره، قال مالك: لم أسمع أحدًا ممن يقتدى (٣) به ينهى عنه.\nواستدل الحنفية بحديث ابن مسعود (٤): \"كان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل\n_________\n= إلى أدنى سبب، فكان الجمع بين يومي السبت والأحد رافعًا للتشبه والكراهة، لأنهم مفردون بكل يوم، فلما جمع بينهما كان خلافًا لهما معًا إلى آخر ما قال، انتهى. (ش).\n(١) في نسخة: \"لا يصوم\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣٤).\n(٣) وأجاب الدسوقي عن أحاديث النهي بأنها محمولة على زمنه - ﷺ - لاحتمال الفرضية. (انظر: \"الشرح الكبير\" ١/ ٥٣٤). (ش).\n(٤) أخرجه الترمذي في \"الشمائل\"، وبسط القاري في \"شرحه\" أشد البسط (٢/ ١٠٠). (ش).","vol":"8","page":614},{"text":"(٥١) بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصّ (١) يَوْمُ السَّبْتِ بِصَوْمٍ\n٢٤٢١ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ. (ح): وحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ قُبَيْسٍ\n===\nشهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة\" (٢).\nوذكر في \"الدر المختار\" في المندوب صومَ يوم الجمعة ولو منفردًا، قال الشامي (٣): صرح به في \"النهر\"، وكذا في \"البحر\" فقال: إن صومه بانفراده مستحب عند العامة كالاثنين والخميس، وكره الكل بعضهم، فما في \"الأشباه\" وتبعه في \"نور الإيضاح\" من كراهة إفراده بالصوم قول البعض، وفي \"الخانية\": ولا بأس بصوم يوم الجمعة عند أبي حنيفة ومحمد لما روي عن ابن عباس أنه كان يصومه ولا يفطر، وفي \"التجنيس\": قال أبو يوسف: جاء حديث في كراهته إلَّا أن يصوم قبله أو بعده، فكان الاحتياط أن يضم إليه يومًا آخر، انتهى.\nقال الطحطاوي: قلت: ثبت بالسنَّة طلبه والنهي عنه، والآخر منهما النهي كما أوضحه شراح \"الجامع الصغير\" لأن فيه وظائف، فلعله إذا صام ضعف عن فعلها، انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>(٥١) (بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصّ يَوْمُ السَّبْتِ بِصَوْمٍ)</span>\n٢٤٢١ - (حدثنا حميد بن مسعدة، نا سفيان بن حبيب) البصري أبو محمد، ويقال: أبو معاوية، ويقال: أبو حبيب البزار، وثَّقه عمرو بن علي، وقال يعقوب بن شيبة والنسائي: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عثمان بن أبي شيبة: سفيان بن حبيب لا بأس به، ولكن كان له أحاديث مناكير.\n(ح: وحدثنا يزيد بن قبيس) بضم القاف وفتح الموحدة مصغرًا،\n_________\n(١) في نسخة: \"يختص\".\n(٢) وأخرجه الترمذي أيضًا في \"سننه\" (٧٤٣).\n(٣) \"رد المحتار\" (٣/ ٣٣٦).","vol":"8","page":615},{"text":"مِنْ أَهْلِ جَبَلَةَ، نَا الْوَلِيدُ، جَمِيعًا، عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ بُسْرٍ السُّلَمِيِّ، عن أُخْتِهِ- وَقَالَ يَزِيدُ: الصَّمَّاءِ-\n===\nابن سليمان السيلحيني، أبو سهل، ويقال: أبو خالد الشامي (من أهل جبلة) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، من أهل جبلة أي جبلة الشام، وهي قلعة مشهورة بساحل الشام من أعمال حلب قرب اللاذقية، صرح به ياقوت الحموي في \"معجم البلدان\" (١).\n(نا الوليد) بن مسلم (جميعًا) أي روى سفيان بن حبيب والوليد بن مسلم جميعًا (عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر السلمي).\nقال ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٢) تحت ترجمة عبد الله بن بسر المازني: قال ابن منده: عبد الله بن بسر السلمي المازني، وهذا لا يستقيم، فإن سليمًا أخو مازن، وليس لعبد الله حلف في سليم حتى ينسب إليهم بالحلف.\nوقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون المهملة، المازني، أبو بسر الحمصي، وقال البخاري: أبو صفوان السلمي المازني من مازن بن منصور أخو بني سليم، وقيل: من مازن الأنصار، وهو قول ابن حبان، وهو مقتضى صنيع ابن منده، فإنه قال فيه السلمي المازني، وعاب ذلك ابن الأثير ولم يفهم مراده، بل استبعد اجتماع النسبة لشخص إلى بني سليم وإلى [بني] مازن، ولعل ابن منده إنما ذكره بفتح السين نسبة إلى بني سلمة من الأنصار، لكن يرده أيضًا أن بني مازن الأنصار ليسوا من بني سلمة، له ولأبويه وأخويه عطية وصماء صحبة.\n(عن أخته- وقال يزيد: الصماء-)، أي: وزاد يزيد بعد قوله: \"عن أخته\" لفظ \"الصماء\"، أو يقال: قال يزيد بدل \"عن أخته\" \"عن الصماء\"، وهي بنت بسر المازنية، واسمها نُهيمة، ويقال: بهيمة، وهي أخت عبد الله بن بسر،\n_________\n(١) (٢/ ١٠٥).\n(٢) (٣/ ٨٢) رقم الترجمة (٢٨٣٧).\n(٣) (٢/ ٢٧٣).","vol":"8","page":616},{"text":"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَصومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُم، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ\" (١). [ت ٧٤٤، جه ١٧٢٦، حم ٦/ ٣٨٦، ق ٤/ ٣٠٢، ك ١/ ٤٣٥، دي ١٧٤٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخ.\n===\nوقيل: عمته، وقيل: خالته، روت عن النبي - ﷺ -، وقيل: عن عائشة عنه، قال أبو زرعة: قال لي دحيم: أهل بيت أربعة صحبوا النبي - ﷺ -، بسر وابناه عبد الله وعطية وأختهما الصماء.\n(أن النبي - ﷺ - قال: لا تصوموا يوم السبت إلَّا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلَّا لِحاء) بكسر اللام وبالحاء المهملة، قال في \"القاموس\": وككسار: قشر الشجر (عنب أو عودَ شجرةٍ فليمضغه) أي فليأكله بعد المضغ (قال أبو داود: هذا الحديث منسوخ).\nقال الشوكاني (٢): أخرج هذا الحديث ابن حبان والحاكم والطبراني والبيهقي، وصححه ابن السكن، قال أبو داود في \"السنن\": قال مالك: هذا الحديث كذب، وقد أعلَّ بالاضطراب كما قال النسائي، لأنه روي كما ذكر المصنف، وروي عن عبد الله بن بسر، وليس فيه عن أخته، كما وقع لابن حبان.\nقال الحافظ (٣): وهذه ليست بعلة قادحة، فإنه أيضًا صحابي، وقيل: عنه عن أبيه بسر، وقيل: عنه عن أخته الصماء عن عائشة، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه وعن أخته، وعند أخته بواسطة.\nقال: ولكن هذا التلوُّن في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد\n_________\n(١) في نسخة: \"فليمضغها\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٣٢).\n(٣) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٤٦٩).","vol":"8","page":617},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمخرج يوهن الرواية، وينبئ عن قلة ضبطه، إلَّا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالًّا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا، بل اختلف أيضًا على الراوي عبد الله بن بسر، وقد ادعى أبو داود أن هذا الحديث منسوخ.\nقال في \"التلخيص\" (١): ولا يتبين وجه النسخ فيه، ثم قال: يمكن أن يكون أخذه من كون النبي - ﷺ - كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر الأمر قال: \"خالفوهم\"، والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى، وصيامُه إياه يوافق الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ، والله أعلم، انتهى.\nوقد أخرج النسائي والبيهقي وابن حبان والحاكم عن كريب \"أن ناسًا من أصحاب النبي - ﷺ - بعثوه إلى أم سلمة يسألها عن الأيام التي كان رسول الله - ﷺ - أكثر لها صيامًا؟ فقالت: يوم السب والأحد، فرجعتُ إليهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها، فسألوها فقالت: صدق، وكان يقول: إنهما يوما عيدٍ للمشركين، فأنا أريد أن أخالفهم\" (٢)، وصحح الحاكم إسناده، وصححه أيضًا ابن خزيمة.\nوروى الترمذي من حديث عائشة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس\" (٣)، وقد جمع صاحب \"البدر المنير\" بين هذه الأحاديث فقال: النهي متوجه إلى الإفراد، والصوم باعتبار انضمام ما قبله أو بعده إليه، ويؤيد هذا\n_________\n(١) (٢/ ٤٧٠).\n(٢) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٢٧٧٦)، والبيهقي (٤/ ٣٠٣)، وابن حبان (٣٦١٦، ٣٦٤٦)، والحا كم (١/ ٤٣٦)، وأحمد (٦/ ٣٢٣).\n(٣) أخرجه الترمذي (٧٤٦)، وفي الشمائل (٣١٣).","vol":"8","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>(٥٢) الرُّخْصَةُ في ذَلِكَ</span>\n٢٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ. (ح)، نَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا هَمَّامٌ، نَا قَتَادَةُ، عن أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ حَفْصٌ: الْعَتَكِيُّ-، عن جُوَيْريةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ، قَالَ: \"أَصُمْتِ أَمْسِ؟ \" قَالَتْ: لَا، قَالَ: \"تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي (١) غَدًا؟ \" قَالَت: لَا، قَالَ: \"فَأَفْطِرِي\". [خ ١٩٨٦، حم ٦/ ٣٢٤، خزيمة ٢٦٦٤]\n===\nما تقدم من إذنه - ﷺ - لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ.\nقلت: ومطابقة الحديث بالباب بأن الحديث على تقدير عدم نسخه محمول على أن النهي مخصوص بمن يفرد يوم السبت بصوم، فمن ضم معه صوم يوم قبله أو بعده، فليس في حقه النهي، ومذهب الحنفية فيه أنه يكره صوم يوم السبت وحده للتشبه باليهود، قال الشامي (٢): أفاده قوله: \"وحده\" أنه لو صام معه يومًا آخر فلا كراهة؛ لأن الكراهة في تخصيصه بالصوم للتشبه.\n\n(٥٢) (الرُّخْصَةُ في ذلِكَ)\nأي: في تخصيص يوم السبت بصوم\n٢٤٢٢ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام، عن قتادة، ح: وحدثنا حفص بن عمر، نا همام، ثنا قتادة، عن أبي أيوب، قال حفص: العَتَكِيُّ) أي زاد حفص بعد قوله: عن أبي أيوب، العتكي، فوصفه بكونه عتكيًا، (عن جويرية بنت الحارث، أن النبي - ﷺ - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، قال: أصمتِ أمس؟) أي يوم الخميس (قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال) رسول الله - ﷺ -: (فأَفطري).\n_________\n(١) في نسخة: \"تصومين\".\n(٢) \"رد المحتار\" (٣/ ٣٣٧).","vol":"8","page":619},{"text":"٢٤٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يُحَدِّثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ لهُ أَنَّهُ نهِي عن صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ يَقُولُ ابْنُ شِهَابٍ: هَذَا حَدِيثٌ حِمْصِيٌّ. [ق ٤/ ٣٠٢]\n===\nوقد مر البحث في صوم يوم الجمعة في \"باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم\"، والحديث لا يطابق الباب، فإنه ليس فيه الرخصة في تخصيص يوم السبت بصوم، فالظاهر أن هذا غلط من النساخ، بل لعل الحديث كان تحت \"باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم\"، كما ذكره البخاري في \"صحيحه\"، أو في \"باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم\" كما يظهر من النسخة التي على الحاشية، فأدخله في هذا الباب.\n٢٤٢٣ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب، نا ابن وهب قال: سمعت الليث يحدث، عن ابن شهاب، أنه كان إذا ذكر له أنه نُهِيَ عن صيام يوم السبت يقول ابن شهاب: هذا حديث حمصي) أي الحديث الذي ورد فيه النهي عن صيام يوم السبت، وهو حديث عبد الله بن بسر حديث حمصي أي ضعيف.\nنقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": قوله: حديث حمصي، كأنه يريد تضعيفه، وقول مالك: \"هذا كذب\" أصرح في ذلك وأبلغ، لكن قال الترمذي (١): حديث حسن، والظاهر أن سبب ما ذكروا عدم ظهور المعنى حتى قال بعضهم: منسوخ، وبعضهم: ضعيف.\nوما قال صاحب \"عون المعبود\" (٢): يريد تضعيفه، لأن في حديث عبد الله بن بسر راويان حمصيان، أحدهما ثور بن يزيد، وثانيهما خالد بن معدان، تكلم فيهما بعض، ووثقهما بعض.\nقلت: كلاهما ثقتان لم أجد من تكلم فيهما في حفظهما أو في\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٧٤٤).\n(٢) (٧/ ٥٤).","vol":"8","page":620},{"text":"٢٤٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح بْنِ سُفْيَانَ، نَا الْوَلِيدُ، عن الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: مَا زِلْتُ لَهُ كَاتِمًا حَتَّى (١) رَأَيْتُهُ انْتَشَرَ، يَعْنِي حَدِيثَ ابْن بُسْرٍ هَذَا في صَوْمٍ يَوْمِ السَّبْتِ. [ق ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَالِكٌ (٢): هَذَا كَذِبٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>(٥٣) بَابٌ: في صَوْمِ الدَّهْرِ </span>(٣)\n٢٤٢٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا، نَا حَمَّادُ بْنُ\n===\nعدالتهما (٤)، إلَّا أنهم قالوا: إن ثورًا كان يرى القدر، وكان الأوزاعي يتكلم فيه ويهجوه، فالمراد به التكلم لأجل القدر وهجوه به، أما خالد بن معدان فلم أجد من تكلم فيه بشيء، أخرج له الستة، وثور أخرج له البخاري، والأربعة، فليس تضعيفه لأجل ما ذكر من التكلم فيه، بل لما قال صاحب \"فتح الودود\": إن سبب ما ذكروا عدم ظهور المعنى.\n٢٤٢٤ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، نا الوليد، عن الأوزاعي قال: ما زلت له) أي لحديث عبد الله بن بسر (كاتمًا) والكتمان الستر (حتى رأيته انتشر، يعني حديث ابن بسر هذا في صوم يوم السبت، قال أبو داود: قال مالك: هذا كذب) أي حديث عبد الله بن بسر، وغرض المصنف بذكر قول ابن شهاب وبقول الأوزاعي وبقول مالك بن أنس أنهم تكلموا فيه فلا يعتد به، فثبتت الرخصة في يوم السبت.\n\n(٥٣) (بَابٌ: في صَوْمِ الدَّهْرِ)\n٢٤٢٥ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"ثم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن أنس\".\n(٣) زاد في نسخة: \"تطوعًا\".\n(٤) انظر ترجمة ثور بن يزيد في: \"تهذيب الكمال\" (٨٤٧)، وترجمة خالد بن معدان (١٦٣٧).","vol":"8","page":621},{"text":"زيدٍ، عن غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عن عَمْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ قَوْلِهِ،\n===\nزيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني) بكسر الزاي وتشديد الميم المفتوحة وفي آخرها النون، هذه النسبة إلى زمان، وهي فخذ في قبائل مختلفة، وهذا منسوب إلى زمان بن مالك من بني بكر بن وائل كما صرح به في \"القاموس\"، قال: وزِمَّان بالكسر والشدِّ: جد لِفِند الزِمَّاني، واسم الفِنْدِ شَهْلُ بنُ شَيبانَ بنِ ربيعةَ بن زِمَّان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وقول الجوهري: زمان بن تيم الله إلى آخره سهو، ومنهم عبد الله بن معبد التابعي البصري، قال النسائي: ثقة، وقال البخاري: لا يعرف سماعه من أبي قتادة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي قتادة، أن رجلًا) لم أقف على تسميته (أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، كيف تصوم؟ فغضب رسول الله - ﷺ -) أي: ظهر أثر الغضب على وجهه (من قوله)، أي: قول الرجل وسوء سؤاله.\nقال النووي (١): سبب (٢) غضبه كراهة مسألته، لأنه خشي من جوابه مفسدة، وهي أنه ربما يعتقد السائل وجوبه أو يستقله أو يقتصر عليه، وكان حق السائل أن يقول: كيف أصوم؟ أو كم أصوم؟ فيخص السؤال بنفسه ليجاب بمقتضى حاله، والنبي - ﷺ - إنما لم يبالغ في الصوم لأنه كان مشتغلًا بمصالح المسلمين وحقوق عباده وأضيافه، ولئلا يقتدي به كل أحد فيتضرر بعضهم.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٠٨).\n(٢) وبسط في \"التقرير\" وجه الغضب أنه لا يقاس عليه غيره، وليس سائر حاله - ﷺ - تشريعًا، فمنها ما هو خصوصية، ومنها ما هو بيان للجواز، ومنها ما هو مبني على العذر. (ش).","vol":"8","page":622},{"text":"فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ قَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَام دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَب اللهِ وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ (١)، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَدِّدُهَا حَتَّى سَكَنَ غَضَبُ (٢) النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ (٣) بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: \"لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ\".\nقَالَ مُسَدِّدٌ: \"لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ، أَوْ مَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ\" - شَكَّ غَيْلَانُ-.\n===\nوأيضًا كان صومه - ﷺ - لم يكن على منوال واحد، بل كان يختلف باختلاف الأحوال، فتارة يكثر الصوم وتارة يقله، ومثل هذا الحال لا يمكن أن يدخل تحت المقال، فيتعذر جواب السؤال، ولذا وقع لجماعة من الصحابة أنهم سألوا عن عبادته لله تعالى، فتقالُّوها فبلغه، فاشتد غضبه عليهم، وقال: \"أنا أتقاكم لله وأخوفكم منه\".\n(فلما رأى ذلك) أي غضبه (عمر) بن الخطاب - ﵁ - (قال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد) - ﷺ - (نبيًا، نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، فلم يزل عمر يرددها) أي هذه الكلمات (حتى سكن غضب النبي - ﷺ -، فقال) أي عمر: (يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟) أي هل محمود أو مذموم؟\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (لا صام ولا أفطر) أي لا صام صومًا فيه كمال الفضيلة، ولا أفطر فطرًا يمنع جوعه وعطشه (قال مسدد: لم يصم ولم يفطر، أو ما صام ولا أفطر، شك غيلان)، الظاهر أن الشك مختص برواية مسدد، وأما رواية سليمان بن حرب فخالية عن الشك.\nفي \"شرح السنَّة\" (٤): معناه الدعاء عليه زجرًا له، ويجوز أن يكون إخبارًا،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"- ﷺ -\".\n(٢) في نسخة: \"من غضب\".\n(٣) في نسخة: \"فكيف\".\n(٤) ٦/ ٣٦٣ - ٣٦٦)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٤٠).","vol":"8","page":623},{"text":"قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَومًا؟ قَالَ: \"أَوَ يُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ\"؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَومًا؟ قَالَ: \"ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ\".\n===\nلأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد رياضة ولا كلفة يتعلق بها مزيد ثواب، فكأنه لم يصم، وحيث لم ينل راحة المفطرين ولذتهم فكأنه لم يفطر، قال مالك والشافعي: وهذا في حق من أدخل الأيام المنهية في الصوم، وأما من لم يدخلها فلا بأس عليه في القوم ما عداها، لأن أبا طلحة الأنصاري وحمزة بن عمرو الأسلمي كانا يصومان الدهر سوى هذه الأيام، ولم ينكر عليهما رسول الله - ﷺ -.\nأو علة النهي أن ذلك الصوم يجعله ضعيفًا، فيعجز عن الجهاد وقضاء الحقوق، فمن لم يضعف فلا بأس عليه، قال ابن الهمام (١): يكره صوم الدهر، لأنه يضعفه أو يصير طبعًا له، ومبنى العبادة على مخالف العادة.\n(قال) عمر - ﵁ -: (يا رسول الله، كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال) رسول الله - ﷺ - في جوابه: (أَوَ) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على المقدر، أي: أتقول ذلك و(يطيق ذلك أحد؟)، فيه إشارة إلى أن العلة في نهي صوم الدهر إنما هو الضعف، فيكون المعنى أنه إن أطاقه أحد فلا- بأس، أو هو أفضل.\n(قال) عمر: (يا رسول الله، فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (ذاك صوم داود) يعني وهو في غاية من الاعتدال ومراعاة لجانب العبادة والعادة بأحسن الأحوال، ولذا قال بعض العلماء: اجتهد في العلم بحيث لا يمنعك من العمل، واجتهد في العمل بحيث لا يمنعك من العلم، فخير الأمور أوساطها، وشرها تفريطها وإفراطها، وكذا ورد: \"أفضل الصيام صيام داود ﵇\".\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٣٥٥).","vol":"8","page":624},{"text":"قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا وُيفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: \"وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ (١) ذَلِكَ\"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ،\n===\n(قال) عمر: (يا رسول الله، فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (وددت) بكسر الدال، أحببت وتمنيت (أني طوقت ذلك) أي جعلني الله مطيقًا لذلك الصيام المذكور.\nنقل في \"الحاشية\" عن الخطابي (٢): يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التي تلزمه لنسائه، لأن ذلك يخل بحظوظهن منه، لا لضعف جِبِلَّته عن احتمال الصيام وقلة صبره عن الطعام في هذه المدة.\nفإن قلت: كيف نفى الإطاقة رسول الله - ﷺ - في صوم يومين وإفطار يوم، وتمنى الإطاقة في صوم يوم وإفطار يومين، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني\"، فإذا كان يُطعم ويسقى من ربه ﵎ فمحال أن لا يكون مطيقًا للنوعين المذكورين من الصوم؟\nوالجواب عنه بوجهين: الأول: أنه - ﷺ - نفى الإطاقة باعتبار عدم إطاقة الأمة، فإنه - ﷺ - تمنى باليسر في الأمة، فلا يفعل أمرًا فيه عسر على الأمة.\nوثانيهما: يمكن أن يكون الإطعام والسقي من الرب ﵎ مختصًا بالوصال دون غيره من الصيام.\n(ثم قال رسول الله - ﷺ -: ثلاثة من كل شهر) أي صوم الإنسان ثلاثة أيام من كل شهر، قيل: هو أيام البيض، وقيل: أي ثلاث كان (ورمضان) أي وصوم رمضان من كل سنة (إلى رمضان) القياس انصرافهما، لأن المجموع المركب من المضاف والمضاف إليه جعل علمًا، فمنع من الصرف للعَلَمية والألف والنون المزيدتين، وأما الجزء الآخر منها وهو رمضان فليس بعَلَم، فيكون منصرفًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"أطقت\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٢/ ١٣٠).","vol":"8","page":625},{"text":"فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وَصِيَامُ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ،\n===\n(فهذا صيام الدهر) أي المحمود (كله) معناه عندي أن كل واحد منهما من صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ومن صوم رمضان إلى رمضان، كل واحد منهما صيام الدهر، أما صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فكونه صيام الدهر ظاهر، لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فإن من صام ثلاثة أيام من شهر فكأنه صام الشهر، ومن صام ثلاثة أيام من شهور السنة فقد صام السنة، فهذا صيام الدهر.\nوأما صيام رمضان إلى رمضان، فيحتمل أن يكون المراد أن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر، كما وقع في الرواية، أو يقال: إن صيام رمضان من حيث كونه صوم فرض يزيد على النفل، فيكون صيامه مساويًا لصيام الدهر، بل زائدًا عليه، فأخبر - ﷺ - أوّلًا بأن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر، ثم أخبر - ﷺ - بأن صيام رمضان فقط من غير صوم ست من شوال ليساوي صيام الدهر في الثواب.\n(وصيام عرفة إني أحتسب على الله)، في \"النهاية\" (١): الاحتساب في الأعمال الصالحة هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبًا للثواب المرجُوِّ فيها، قال الطيبي (٢): كان الأصل أن يقال: أرجو من الله أن يكفر، فوضع موضعه أحتسب، وعداه بِعَلَى الذي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب.\n(أن يكفر) ضمير الفاعل يرجع إلى الله ﷿ أو الصيام (السنة التي قبله) أي ذنوبها (والسنة التي بعده) (٣)، قال إمام الحرمين (٤): والمكفر الصغائر، قال عياض: وهو مذهب أهل السنَّة والجماعة، وأما الكبائر فلا يكفرها إلَّا التوبة ورحمة الله تعالى.\n_________\n(١) (١/ ٣٨٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٨١).\n(٣) استنبط منه في \"حاشية شرح الإقناع\" (٢/ ٤٠٥): الوعد بحياته في السنة الآتية،\nقال ابن عباس: هذا بشرى لحياة سنة مستقبلة لمن صامه ... إلخ. (ش).\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٤٢).","vol":"8","page":626},{"text":"وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ\". [م ١١٦٢، ت ٧٦٧ (مختصرًا)، ن ٢٣٨٣، ٢٣٨٧، حم ٤/ ٢٥]\n٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مَهْدِيٌّ، نَا غَيْلَانُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عن أَبِي قَتَادَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. زَادَ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ صَوْمَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ وَيوْمِ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: \"فِيهِ وُلدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ الْقُرْءَانُ\". [م ١١٦٢، حم ٥/ ٢٩٩، ق ٤/ ٢٩٣]\n===\nوقال النووي (١): المراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى تخفيف الكبائر، فإن لم تكن رفعت الدرجات. قال المظهر: وقيل: تكفير السنة الآتية أن يحفظه من الذنوب فيها، وقيل: أن يعطيه من الرحمة والثواب قدر أن يكون كفارة للسنة الماضية والآتية إذا جاءت واتفقت له ذنوب.\n(وصوم يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)، وهذا يدل على أن صيام عرفة أفضل من صيام عاشوراء، وسيجيء ما ظاهره ما يدل على أن صوم عاشوراء أفضل من صيام عرفة وغيره.\n٢٤٢٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا مهدي) بن ميمون، (نا غيلان) بن جرير، (عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة بهذا الحديث) أي المتقدم (زاد) موسى بن إسماعيل: (قال: يا رسول الله، أرأيت قوم يوم الاثنين ويوم الخميس؟)، يحتمل السؤال احتمالين: أحدهما: أن يكون السؤال من كثرة صيامه ﵇ فيه، ويحتمل أن يكون السؤال من مطلق الصيام وخصوص فضله من بين الأيام.\n(قال: فيه) أي في يوم الاثنين (ولدت، وفيه أنزل عليَّ القرآن) يعني حصل لي فيه بدء الكمال الصوري، وطلوع الصبح المعنوي المقصود الظاهري والباطني، والتفضل الابتدائي والانتهائي، فوقت يكون منشأ للنعم الدنيوية\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٠٨).","vol":"8","page":627},{"text":"٢٤٢٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ (٢): \"أَلمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ؟ \"، قَالَ: (٣) أَحْسِبُهُ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ قُلْتُ ذَاكَ، قَالَ: \"قُمْ (٤) وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَذَاكَ (٥)\n===\nوالأخروية، حقيق بأن يوجد فيه الطاعة الظاهرية والباطنية، فيجب شكره تعالى عليَّ والقيام بالصيام لديَّ، لما أولى من تمام النعمة إليَّ.\n٢٤٢٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لقيني رسول الله - ﷺ - فقال: ألم أحدث) (٦) بصيغة المجهول معناه أخبرت (أنك تقول: لأقومن الليل) أي كله ولا تنام (ولأصومن النهار؟) أي: ولا تفطر.\n(قال) الراوي: (أحسبه) أي الشيخ، فإن كان المراد من الراوي ابن المسيب أو أبا سلمة فضمير المفعول في أحسبه إلى عبد الله بن عمرو، وإن كان غيره فالضمير يرجع إلى شيخه (قال: نعم يا رسول الله، قد قلت ذاك) أي بقيام الليل وصوم النهار.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (قم ونم) أي: اجمع في الليل بالقيام والنوم (وصم) في بعض الأيام (وأفطر) في بعضها (وصم من كل شهر ثلاثة أيام، وذاك\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) زاد في نسخة: \"و\".\n(٤) في نسخة: \"فقم\".\n(٥) في نسخة: \"ذلك\".\n(٦) وذكر صاحب \"المعالم\" أن عشرة من أصحابه - ﷺ - تعاقدوا على أن يترهبوا، منهم: الصديق الأكبر وابن مسعود، وذكر أسماءهم. (ش).","vol":"8","page":628},{"text":"مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ\" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: \"فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ\"، قَالَ: فَقُلْتُ (١): إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: \"فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَهُوَ (٢) أَعْدَلُ الصِّيَامِ، وَهُوَ صِيَامُ دَاوُدَ\". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ\". [خ ١٩٧٦، م ١١٥٩، ن ٢٣٩٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>(٥٤) بَابٌ: في صَوْمِ أَشْهُرِ الْحُرُمِ</span>\n===\nمثل صيام الدهر) لأن الحسنات بعشر أمثالها.\n(قال) عبد الله: (قلت: يا رسول الله، إني أطيق أفضل) أي أكثر (من ذلك، قال) رسول الله - ﷺ -: (فصم يومًا وأفطر يومين، قال) عبد الله: (فقلت: إني أطيق أفضل) أي أكثر (من ذلك، قال: فصم يومًا وأفطر يومًا، وهو أعدل الصيام) أي أفضله (وهو صيام داود، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: لا أفضل من ذلك).\nنقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": ظاهره أنه أفضل من صوم يومين وإفطار يوم، ومن صيام يوم الدهر بلا صيام أيام الكراهة، وبه قال بعض أهل العلم، وهو أشد الصيام على النفس، لأنه لا يعتاد الصوم ولا الإفطار فيصعب عليه كل منهما.\n\n(٥٤) (بَابٌ: في صَوْمِ أَشْهُرِ الحُرُمِ)\nوهي أربعة أشهر التي ذكرها الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٣) ثلاثة منها سرد، وواحد فرد، وهي (٤): ذو القعدة، وذو الحجة،\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) في نسخة: \"فهو\".\n(٣) سورة التوبة: الآية ٣٦.\n(٤) وفي \"الأنوار الساطعة\" (ص ٤٣٥) جعلها من سنتين هو الصواب كما قال النووي في \"شرح مسلم\" (١/ ٢١٨)، وعدَّها الكوفيون من سنة واحدة، فقالوا: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، وتظهر ثمرة الخلاف فيمن نظر صيامها مرتبة، فعلى الأول =","vol":"8","page":629},{"text":"٢٤٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن سعيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي السَّلِيلِ، عن مُجِيبَةَ الْبَاهِليَّةَ، عن أَبِيهَا- أَوْ عَمِّهَا-:\n===\nوالمحرم، ورجب مضر التي بين جمادى وشعبان، وإنما سُمِّيت الحُرُم لحرمتها وحرمة القتال فيها في الجاهلية وبدء الإِسلام، ثم نسخت حرمة القتال فيها عند الجمهور، وقال عطاء بعدم النسخ.\n٢٤٢٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن مجيبة الباهلية، عن أبيها أو عمها) واختلف فيه، فقيل هكذا، وقيل: عن أبي مجيبة عن أبيه عن عمه، وقيل: عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها، وقال بعضهم: عن مجيبة امرأة من أهله، وقال بعضهم: عن مجيبة عجوز من عجائز المسلمين، وذكر البغوي أن اسم والد محبيبة عبد لله بن الحارث، كذا في \"تهذيب التهذيب\" (١).\nوقال في \"الإصابة\" (٢) في الكنى: أبو مجيبة بضم أوله وكسر الجيم وبموحدة، ذكره ابن حبان في \"الصحابة\"، وقال أبو عمر: لا أعرفه، وقال البغوي: أبو مجيبة أو عمها سكن البصرة، قلت: هو والد مجيبة الباهلي أو الباهلية، وقع عند ابن ماجه عن مجيبة الباهلي عن أبيه، وعند ابن أبي داود مجيبة الباهلية عن أبيها، وأفاد البغوي أن اسم والد مجيبة عبد الله بن الحارث، والصواب أن مجيبة امرأة، فقد وقع عند سعيد بن منصور عن ابن علية، عن الجريري، عن أبي السليل، عن مجيبة\n_________\n= يبدأ بذي القعدة، وعلى الثاني بالمحرم، انتهى.\nقلت: تقدم شيء منه في كتاب الحج من \"باب الأشهر الحرم\". (ش).\n(١) (١٠/ ٤٩).\n(٢) (٤/ ١٧٣).","vol":"8","page":630},{"text":"أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ انْطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: \"وَمَنْ أَنْتَ؟ \"، قَالَ: أَنَا الْبَاهِليُّ الَّذِي جِئْتُكَ عَامَ الأَوَّلِ، قَالَ: \"فَمَا غَيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ؟ \" قُلْتُ: مَا أَكَلْتُ طَعَامًا مُنْذُ فَارَقْتُكَ إِلَّا بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟ \"، ثُمَّ قَالَ: \"صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ\"، قَالَ: زِدْنِي فَإِنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: \"صُمْ يَوْمَيْنِ\"، قَالَ: زِدْنِي (١)، قَالَ: \"صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ\"،\n===\nالباهلية عجوز من قومها، عن أبيها، أو- شك من الراوي- عمها، لم أقف على تسمية العم.\n(أنه أتى رسول الله - ﷺ -، ثم انطلق) أي رجع إلى وطنه (فأتاه) أي رسول الله - ﷺ - (بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته) بأن تغير لونه وصار جسمه ناحلًا (فقال: يا رسول الله أما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول) أي في العام الماضي (قال: فما غيرك) أي: غيَّر هيئتك وحالتك، (وقد) الواو للحال كنت حسن الهيئة؟ أكلت: ما أكلت طعامًا) بالنهار (منذ فارقتك إلَّا بليل) أي صمت في جميع أيام السنة، ولعله لم ينه حينئذ عن صوم يومي العيد وأيام التشريق، أو نهى عنها ولم يعلم به.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: لم عذبت نفسك؟) حيث تغيرت حالك، (ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (صم شهر الصبر) أي شهر رمضان فرضًا، وسمي به لحبس النفس في نهاره عن المفطرات (ويومًا من كل شهر) نفلًا.\n(قال: زدني) من الصوم (فإن بي قوة، قال: صم يومين) أي صم شهر الصبر ويومين من كل شهر (قال: زدني) فإن بي قوة، (قال: صم ثلاثة أيام)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فإن بي قوة\".","vol":"8","page":631},{"text":"قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: \"صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُم وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ\" (١)، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثلَاثَةِ فَضَمَّهَا ثمَّ أَرْسَلَهَا\". [ق ٤/ ٢٩١]\n===\nأي من كل شهر مع صيام شهر الصبر (قال: زدني، قال: صم من الحُرُم) بضم الحاء المهملة والراء جمع حرام، أي: الأشهر الحرم (٢) (واترك) أي الصوم منها (صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال) أي أشار (بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها) (٣) أي يشير بضم أصابعه الثلاثة إلى أنه يصوم من الأشهر الحرم ثلاثة أيام، ثم يشير بإرسالها إلى أنه يفطر كذلك ثلاثة أيام مع صيام شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر من الأشهر السبعة الباقية.\nفالحاصل على هذا التأويل أنه - ﷺ - أمره أن يصوم شهر رمضان، ثم يصوم ثلاثة أيام من سبعة أشهر، لأنه خرج رمضان، وخرجت الأشهر الحرم الأربعة، فبقيت سبعة أشهر، يصوم ثلاثة أيام في كل شهر من السبعة، ثم أمره أن يصوم من الأشهر الحرم في كل شهر منها ثلاثة أيام، ثم يترك ثلاثة أيام منها ويفطر، ثم يصوم كذلك إلى آخر الأشهر الأربعة، فيكون صائمًا نصف شهر من الأشهر الحرم، ومفطرًا في النصف، فصار صيام التطوع له على هذا أحدًا وثمانين يومًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"صم من الحُرُم واترك\".\n(٢) قال الأبي: (٤/ ١٠٩): صوم رجب لم يقع فيه نهي ولا ندب، ولكن في أبي داود ندب صوم أشهر الحرم ورجب أحدها. وقال ابن القيم (٢/ ٦٤): لا صام رجبًا قط ولا استحب صيامه، بل روي عنه النهي عن صيامه، ذكره ابن ماجه (١٧٤٣). قلت: ولفظه عن ابن عباس: \"أنه نهى عن صوم رجب\"، وفي حاشيته: أن عمر يغرب عليه، وتمامه \"في ما ثبت بالسنة\" للشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي. (ش).\n(٣) ووجه الكلام في \"التقرير\" بتوجيهين: الأول: أن المراد: صم أشهر الحرم الثلاثة كلها، فالإشارة بالثلاثة إلى أشهر الحرم الثلاثة، وبالإرسال إلى تركها، وفيه بُعد، والثاني: أن المراد: صم ما شئت منها، وأفطر ما شئت منها. (ش).","vol":"8","page":632},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويحتمل أن يقال: إنه - ﷺ - أمره أن يصوم ثلاثة أيام من الأشهر الحرم الأربعة، ويترك ثلاثة أيام بدلًا من صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فحينئذ يكون صيامه تطوعًا ستين يومًا.\nوقد أخرج ابن ماجه (١) هذا الحديث، ولفظه في آخره: \"وصم أشهر الحرم\" ولم يفصل كم يصوم منها.\nوأخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) عن إسماعيل بن علية، ثنا الجُرَيْريُّ، عن أبي السليل قال: حدثتني مجيبة عجوزٌ من باهلةَ، عن أبيها أو عمِّها قال: أتيتُ رسولَ الله - ﷺ - لحاجةٍ مرةً، فقال: \"من أنت؟ \"، قال: أَوَ مَا تعرفني؟ قال: \"وَمَن أنتَ؟ \"، قال: أنا الباهليُّ الذي أتيتُكَ عامَ أَوَّل، قال: \"فإنَّك أتيتَني وجسمُك ولونُك وهيئتُك حَسَنةٌ، فما بلغ بك ما أرَى؟ \"، فقال: إني والله ما أفطرتُ بعدَك إلا ليلًا، قال: \"من أَمَرَكَ أن تعذِّب نَفْسَكَ؟ مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفسَكَ؟ مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟ - ثلاث مرات- صُمْ شهرَ الصبر رَمَضَان\"، قلت: إني أجد قُوَّةً وإني أحبُّ أن تزيدَني، فقال: \"صُمْ يومًا من الشهر\"، قلت: إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني، قال: \"فيومين من الشهر\"، قلت: إني أجد قوَّة، وإني أحب أن تزيدني، قال: \"وما تبغي عن شهر الصبر ويومين في الشهر\"، قال: قلت: إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني. قال: \"فثلاثَةَ أيام من الشهر\"، قال: وأَلْحَمَ (٣) عند الثالثة، فما كاد، قلت: إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني، قال: \"فمن الحُرُم، وأَفطرْ\".\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١٧٤١).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٨).\n(٣) قال السندي: \"وألحم عند الثالثة\" أي: وقف عندها فلم يزد عليها.","vol":"8","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>(٥٥) بَابٌ: في صَوْمِ الْمُحَرَّمِ</span>\n٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِي بشْرٍ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمِ،\n===\n\n(٥٥) (بَابٌ: في صَوْمِ المُحَرَّمِ)\n٢٤٢٩ - (حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة) - ﵁ - (قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: أفضلُ الصيامِ بعدَ شَهرِ (١) رمضانَ) صيام (شهر الله المحرم)، إضافة الشهر إلى الله للتشريف، وقيل: يوم (٢) عاشوراء، قلت: في \"الترمذي\" (٣) عن علي مرفوعًا ما يفيد أن المراد تمام الشهر، كذا في \"الحاشية\" عن \"فتح الودود\".\nقلت: فإن كان المراد من صوم شهر الله المحرم تمام الشهر، فلا تعارض بينه وبين الحديث المتقدم في فضل صوم عرفة وكثرة ثوابه، وإن كان المراد يوم عاشوراء فهو بظاهره يعارض (٤) ما تقدم من كثرة الثواب في صوم عرفة، فيمكن\n_________\n(١) وفي \"الأَنْوارِ الساطعة\" (ص ٤٣٤) من مسالك الشافعية: رمضان أفضل المشهور، ثم المحرم، ثم رجب، ثم ذو الحجة، ثم ذو القعدة، ثم شعبان، ثم باقي المشهور، انتهى. ويخالفه ما في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٤٢٩) عن النووي: أفضلها بعد رمضان المحرم، ويليه شعبان، وقال الغزالي (١/ ٢٣٧): أفضلها ذو الحجة، وذكر الاختلاف في \"شرح الإقناع\" (١/ ٢١٢)، وفي \"الشرح الكبير\" (٢/ ١٤٠) للدردير: أفضلها المحرم، فرجب، فذو القعدة، وذو الحجة. (ش).\n(٢) وكذا حكي الاختلاف في هامش ابن ماجه. (ش).\n(٣) انظر: \"سنن الترمذي\" (٧٤١).\n(٤) ويعارض ما سيأتي قريبًا عن الترمذي أن صوم شعبان أفضل الصيام بعد رمضان، لكنه ضعيف، كذا في \"الفتح\" (٤/ ٢١٤)، ويشكل أيضًا بما ورد: \"أفضل الصيام صوم داود\"، وأجاب عنه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٢٩٣) بأن الأفضلية باعتبار الأوقات وباعتبار الكيفية أي الدوام. (ش).","vol":"8","page":634},{"text":"وَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ صَلَاةٌ مِنَ اللَّيْلِ\"، لَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ: شهْر، قَالَ: \"رَمَضَانَ\". [م ١١٦٣، ت ٧٤٠، جه ١٧٤٢، دي ١٧٥٧، خزيمة ٢٠٧٦، حم ٢/ ٣٠٣]\n٢٤٣٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، نَا عِيسَى، نَا عُثْمَانُ- يَعْنِي\n===\nأن يجاب عنه: أن في صوم عاشوراء تصريحًا بالأفضلية، وفي صوم عرفة ليس فيه تصريح بالأفضلية، وأيضًا صوم عاشوراء فصومه متفق عليه، وأما صوم عرفة فمختلف فيه.\nقال في \"بداية المجتهد\" (١): وأما اختلافهم في يوم عرفة، فلأن النبي ﵊ أفطر يوم عرفة وقال فيه: \"صيام عرفة يكفر السنة الماضية والآتية\"، ولذلك اختلف الناس في ذلك، واختار الشافعي الفطرَ فيه للحاج وصيامَه لغير الحاج جمعًا بين الأثرين، وخرَّج أبو داود \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صوم عرفة بعرفة\".\n(وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل)، وهذه الأفضلية في الصلوات المندوبة، وأما السنن (٢) المؤكدات فلما أنها ملحقات بالفرائض كركعتي الفجر وغيرها، وكذلك الوتر، فهي أفضل من صلاة الليل.\n(لم يقل قتيبة) لفظ: (شهر) بل (قال: رمضان)، غرض المصنف بهذا بيان الفرق بين لفظ مسدد وقتيبة، فإن مسددًا قال: \"أفضل الصيام بعد شهر رمضان\" بإدخال لفظ \"شهر\" على رمضان، وأما قتيبة فلم يقل لفظ \"شهر\"، بل قال: \"أفضل الصيام بعد رمضان\".\n٢٤٣٠ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، نا عثمان- يعني\n_________\n(١) (١/ ٣٠٨).\n(٢) قلت: هذا عند الجمهور، وصرح الأبي المالكي أن الأقوى عندهم أنها أرجح من الرواتب. (انظر: \"إكمال إكمال المعلم\" ٣/ ٢٧٨). (ش).","vol":"8","page":635},{"text":"ابْنَ حَكِيمٍ - قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عن صِيَامِ رَجَبَ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يَصُومُ حَتَّى نقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ. [خ ١٩٧١، م ١١٥٧، ن ٢٣٤٦، جه ١٧١١]\n\n(٥٦) بَابٌ: في صَوْمِ (١) شَعْبَانَ\n٢٤٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ\n===\nابن حكيم- قال: سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب، فَقَالَ: أخبرني ابن عباس أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كان يصومُ حتى نقولَ: لا يفطرُ، وبفطرُ حتى نقولَ: لا يصومُ).\nومطابقة الحديث بالباب بأن رجب من أشهر الحرم، فمعنى الحديث يمكن أن يقال فيه: كان يصوم أي من رجب حتى نقول: لا يفطرُ، فعلى هذا ثبت فضل الصوم في رجب، فإنه - ﷺ - كان يصوم فيه كثيرًا، ويمكن أن يقال: إنه - ﷺ - كان يصوم من المشهور حتى نقول: لا يفطر، وفي الشهور التي كان يصوم فيها يدخل رجب.\nوقال النووي (٢) في شرح هذا الحديث: الظاهر أن مراد سعيد بن جبير بهذا الاستدلال أنه لا نهى عنه، ولا ندب فيه لعينه، بل له حكم باقي المشهور، ولم يثبت في صوم رجب نهي ولا ندب لعينه، ولكن أصل الصوم مندوب إليه، وفي \"سنن أبي داود\": أن رسول الله - ﷺ - ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم، ورجب أحدها، والله أعلم، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>(٥٦) (بَابٌ: في صَوْمِ شَعْبَانَ) </span>(٣)\n٢٤٣١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاويةَ بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"شهر\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٢٩٥).\n(٣) بسط العيني في وجه تسمية شعبان، فارجع إليه. (انظر: \"عمدة القاري\" ٨/ ١٨٤). (ش).","vol":"8","page":636},{"text":"صَالِحٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: \"كَانَ احَبُّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يَصُومَهُ (١) شَعْبَانُ،\n===\nصالح، عن عبدِ الله بن أبي قيس سمع عائشةَ تقول: كان أحبُّ المشهور إلى رسول الله - ﷺ - أن يصومَه شعبان).\nقال الحافظ (٢): ما ملخصه: واختلف في الحكمة في إكثاره - ﷺ - من صوم شعبان، فقيل: كان يشتغل عن صوم ثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث ضعيف.\nوقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث آخر أخرجه الترمذي (٣) من طريق صدقة بن موسى (٤)، قال الترمذي: وصدقة عندهم ليس بذاك القوي.\nوقيل: الحكمة في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان.\nوقيل: الحكمة في ذلك أنه يعقبه رمضان وصومه مفترض، وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره؛ لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان.\nوالأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائي وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، عن أسامة بن زيد قال: أكلت يا رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"يصوم\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢١٤).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٦٦٣).\n(٤) عن ثابت عن أنس قال: سئل النبي - ﷺ -: أيُّ الصوم أفضل بعد رمضان، قال: شعبان لتعظيم رمضان، \"الفتح\" (٤/ ٢١٤). (ش).","vol":"8","page":637},{"text":"ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ\". [ن ٢٣٥٠، حم ٦/ ١٨٨، خزيمة ٢٠٧٧]\n===\nلم أرك تصوم من شهر من المشهور ما تصوم من شعبان، قال: \"ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأُحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم\"، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى، انتهى.\nوأجاب النووي (١) عن كونه لم يكثر من الصوم في المحرم مع قوله: إن أفضل الصيام ما يقع [فيه]، لأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلَّا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتفق له فيه من الأعذار بالسفر والمرض مثلًا ما منعه من كثرة الصوم فيه.\n(ثم يصله برمضان) أي يصوم في آخر شعبان حتى يقرب أن يصله برمضان، وقيل: كان يصوم شعبان كله تارة فيصله برمضان، ويصوم معظمه أخرى فلا يصل برمضان، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان.\nوقيل: المراد [بقولها:] \"كله\"، أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طورًا، فلا يخلي شيئًا منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض، وقال الزين بن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، ثم أخبرت ثانيًا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله، والأول هو الصواب، كذا قال الحافظ في \"الفتح\" (٢).\nثم اعلم أنه لم يكتب ها هنا باب في النسخة المكتوبة الأحمدية والمصرية والكانفورية والقادرية، ولكن كتب في نسخة العون \"باب في صوم شوال\"، وكذا في حاشية المجتبائية وهو أولى.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٢٩٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢١٤).","vol":"8","page":638},{"text":"٢٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعِجْلِيُّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ- يَعْنِي ابْنَ مُوسَى-، عن هَارُونَ بْنِ سَلْمَانَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ، عن أَبِيهِ\n===\n٢٤٣٢ - (حدثنا محمد بن عثمان) بن كرامة بفتح الكاف وتخفيف الراء (العجلي) مولاهم، أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله الكوفي، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى عنه البخاري في \"الصحيح\" حديثًا واحدًا، وقال مسلمة: بغدادي ثقة.\n(نا عبيد الله -يعني ابن موسى-، عن هارون بن سلمان) ويقال: ابن موسى المخزومي، مولى عمرو بن حريث، كوفي، يكنى أبا موسى، روى عن عبيد الله بن مسلم، ويقال: مسلم بن عبيد الله، عن أبيه في صوم الدهر وغيره، قال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: لا بأس، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبيد الله بن مسلم القرشي) عن أبيه عن النبي - ﷺ - في صوم الدهر، وقال بعضهم: عن مسلم بن عبيد الله، وقال بعضهم: ابن عبد الله عن أبيه، ورجح البغوي وغير واحد أنه مسلم بن عبيد الله، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) قال في \"الإصابة\" (١) في ترجمة مسلم بن عبيد الله القرشي: وقيل: عبيد الله بن مسلم، وقيل: إنه مسلم بن مسلم، حديثه في صيام الدهر يدور على هارون بن سلمان الفراء، أخرجه أبو داود والترمذي من طريق عبيد الله بن موسى، عن هارون، عن عبيد الله بن مسلم القرشي، عن أبيه قال: سألت أو سئل، الحديث، قال البخاري: قال أبو نعيم عن هارون، فذكره، وأخرجه النسائي عن أحمد بن يحيى، عن أبي نعيم به، وعن إبراهيم بن يعقوب، عن أبي نعيم، عن هارون، عن مسلم، عن أبيه، كذا قال، وأشار الترمذي إلى هذه الرواية فقال: روى بعضهم عن هارون به، وقد وافق زيد بن\n_________\n(١) (٣/ ٣٩٦).","vol":"8","page":639},{"text":"قَالَ: \"سَأَلْتُ- أَوْ سُئِلَ- النَّبِيّ - ﷺ - عن صِيَامٍ الدَّهْرِ فَقَالَ: \"إِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ، وَكُلَّ أَرْبِعَاءَ وَخَمِيسٍ (١)،\n===\nالحباب عبيد الله بن موسى، وأخرجه النسائي من طريقه، وصوب غير واحد أن اسم الصحابي مسلم، وقال البغوي: سكن الكوفة.\nوقال في \"الاستيعاب\" (٢): مسلم بن عبيد الله القرشي، وليس بوالد ريطة، ولا أدري أيضًا من أي قريش هو، واختلف فيه، فقيل: مسلم بن عبيد الله، وقيل: عبيد الله بن مسلم، ومن قال: \"عبيد الله\" عندي أحفظ، له حديث واحد في صوم رمضان، والذي يليه وصوم كل أربعاء وخميس، وكراهية صوم الدهر، وقد قيل: إن الصحبة لابنه عبيد الله القرشي.\n(قال: سألت- أو سئل- النبي - ﷺ - عن صيام الدهر فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن لأهلك عليك حقًا) فإذا صمت الدهر ضعفت، حتى لا تستطيع أن تقوم بأداء حق الأهل، فلا آذن لك أن تصوم الدهر، وإنما أذن لحمزة بن عمرو الأسلمي في صيام الدهر، لأنه لم يخف عليه فوت حق واجب عليه.\n(صم رمضان والذي يليه)، الظاهر أن المراد بالذي يليه شوال، كما يدل عليه حديث أبي أيوب: \"ثم أتبعه بست من شوال\"، فعلى هذا ليس للحديث مطابقة بالباب في صوم شعبان، نعم يطابق ما وقع في النسخة: \"باب في صوم شوال\"، ويحتمل أن يكون المراد مما يليه شعبان، فعلى هذا يناسب الباب في صوم شعبان.\n(وكل أربعاء وخميس) وفي نسخة: \"وخمسين\"، ولكن لم أجد هذه النسخة إلَّا في حاشية المجتبائية، ولفظ الترمذي أيضًا: وخميس، وكذا في \"الاستيعاب\" (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"خميسين\".\n(٢) رقم الترجمة (٢٣٩٧).\n(٣) انظر رقم الترجمة: (٢٣٩٧).","vol":"8","page":640},{"text":"فَإِذًا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ\" (١). [ت ٧٤٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>(٥٧) بَابٌ: في صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّال</span>\n٢٤٣٣ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عن عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ\n===\n(فإذا) أي إذا أنت صمت رمضان والذي يليه أي ستًا من شوال، وكذلك إذا صمت كل أربعاء وخميس من الشهر (أنت قد صمت الدهر) لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فصوم رمضان وست من شوال يساوي الدهر، وكذلك كل أربعاء وخميس، بل هذا يزيد على الدهر، فإن الشهر لا يخلو عن أربعة أربعاء وأربعة خميس، فإذا صام أربعة أربعاء وأربعة خميس، فقد صام في الشهر ثمانية أيام، فإذا ساوى صوم ثلاثة أيام صوم جميع الشهر، فيزيد صوم ثمانية أيام من صوم الشهر، وأما على النسخة التي على الحاشية فمعناه: كل أربعاء وخميسين أي صوم ثلاثة أيام من كل شهر فيكون هذا صوم الدهر بقاعدة: الحسنة بعشر أمثالها.\n\n(٥٧) (بَابٌ: في صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّال)\n٢٤٣٣ - (حدثنا النفيلي، نا عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت) بن الحارث، ويقال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وافقه زيد العكلي، وخالفه أبو نعيم، قال: مسلم بن عبيد الله\".\nقلت: غرض المصنف أن زيد بن الحباب العكلي وافق عبيد الله بن موسى في اسم الصحابي أنه مسلم، فقال: \"عن عبيد الله بن مسلم عن أبيه عن النبي - ﷺ -\"، أما فضل ابن دكين فخالفهما، فقال: \"مسلم بن عبيد الله عن أبيه عن النبي - ﷺ -\"، رواية زيد العكلي أخرجها البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٣٩٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢٧٨٠)، ورواية فضل بن دكين أخرجها البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٣٩٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢٧٧٩).","vol":"8","page":641},{"text":"الأَنْصَارِيِّ (١)، عن أَبِي أَيُّوبَ صَاحِبِ النَّبِيِّ - ﷺ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالَ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ\". [م ١١٦٤، ت ٧٥٩، جه ١٧١٦، دي ١٧٥٤، حم ٥/ ٤١٧]\n===\nابن الحجاج (الأنصاري) (٢) الخزرجي المدني، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم الحديثان، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن منده: يقال: إنه ولد في عهد النبي - ﷺ -، وقال السمعاني: هو من ثقات التابعين.\n(عن أبي أيوب صاحب النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - قال: من صام رمضان ثم أتبعه) (٣) أي رمضان (بست) أي بستة أيام، قال النووي (٤): قوله - ﷺ -: \"ستًا من شوال\" صحيح، ولو قال: \"ستة\" بالهاء جاز أيضًا، قال أهل اللغة: يقال: صمنا خمسًا وستًا، وخمسة وستة، وإنما يلتزمون إثبات الهاء في المذكر إذا ذكروه بلفظه صريحًا، فيقولون: صمنا ستة أيام، ولا يجوز: ست أيام، فإذا حذفوا الأيام جاز الوجهان.\n(من شوال، فكأنما صام الدهر) (٥)، قال النووي (٦): فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"صاحب أبي أيوب\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤٣٠)، و\"كتاب الثقات\" (٥/ ١٤٩)، و\"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢/ ٤٥)، و\"تاريخ الثقات\" للعجلي (ص ٣٥٥).\n(٣) استفيد منه أن من لم يصمه بعذر لا استحباب له فيها، كذا في \"شرح الإقناع\" (٢/ ٤٠٥). (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣١٣).\n(٥) أي: السنة، وفي \"شرح الإقناع\" (٢/ ٤٠٦): أي كأنه صام السنة فرضًا، وإلا فلا فائدة في تخصيص رمضان وست من شوال، فإن من يصوم ستًا وثلاثين من أي زمن كان يحصل له صوم سنة، فتأمل فإنه عجيب. (ش).\n(٦) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣١٣).","vol":"8","page":642},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال مالك (١) وأبو حنيفة: يكره ذلك، قال مالك في \"الموطأ\" (٢): ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها، قالوا: وتكره لئلا يظن وجوبها، ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصريح الصحيح، وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها، وقولهم: قد يظن، ينتقض بصوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب، قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر، فإن فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة، لأنه يصدق أنه أتبعه ستًا من شوال، قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر والستة بشهرين، انتهى.\nوأما مذهب الحنفية في ذلك، فقال في \"نور الإيضاح\" وشرحه \"مراقي الفلاح\" (٣): وأما القسم الرابع وهو المندوب، فهو صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويندب كونها الأيام البيض، ومن هذا القسم صوم يوم الاثنين ويوم الخميس، ومنه صوم ست من شهر شوال، لقوله - ﷺ -: \"من صام رمضان فأتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر\"، ثم قيل: الظاهر (٤) وصلها، لظاهر قوله: \"فأتبعه\"، وقيل: تفريقها إظهارًا لمخالفة أهل الكتاب في التشبيه بالزيادة على المفروض.\nقال الطحطاوي في \"شرحه\": قوله: \"وصوم ست من شهر شوال\"، قال في \"البحر\": الست من شوال صومها مكروه عند الإِمام متفرقة أو متتابعة، لكن\n_________\n(١) قال الشعراني في \"ميزانه\" (٢/ ٢٩١): ومن ذلك قول الأئمة الثلاثة باستحبابها، وقال مالك: يكره، وصرح بالكراهة في \"الشرح الكبير\" (٢/ ١٤١)، و\"البداية\" (١/ ٣٠٨). (ش).\n(٢) انظر: \"موطأ مالك\" (١/ ٣١١).\n(٣) (ص ٥٢٧، ٥٢٨).\n(٤) قوله: \"الظاهر\" كذا في الأصل، وفي \"مراقي الفلاح\": \"الأفضل\".","vol":"8","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>(٥٨) بَابٌ: كَيْفَ كَانَ يَصُومُ النَّبِيِّ - ﷺ </span>-؟\n٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ - يصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وُيفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ\n===\nعامة المتأخرين لم يروا به بأسًا، قوله: \"وقيل: تفريقها\"، قال في \"التنوير\" و\"شرحه\": وندب تفريق صوم الست من شوال، ولا يكره التتابع على المختار خلافًا للثاني.\nقال ابن عابدين في \"منحة الخالق\" (٢): قوله: لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأسًا، قد سرد عبارتهم العلامة القاسم في \"فتاواه\" ورد قول من صحح الكراهة، فراجعه.\n\n(٥٨) (بَابٌ: كَيْفَ كَانَ يَصُومُ النبيُّ - ﷺ -؟)\nأي: تطوعًا\n٢٤٣٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم) من الشهر (٣) متتابعًا (حتى نقول: لا يفطر) في الشهر (ويفطر) كذلك في هذا الشهر أو غيره متتابعًا (حتى نقول:\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"منحة الخالق على البحر الرائق\" (٢/ ٢٧٨).\n(٣) قال الغزالي في \"الإحياء\" (١/ ٢١٧): الفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله، فقد يقتضي حاله دوام الصوم، وقد يقتضي دوام الفطر، وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم، فإذا فهم المعنى وتحقق جده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب، لم يخف عليه صلاح قلبه، وذلك لا يوجب ترتيبًا مستمرًا، ولذلك روي أنه - ﷺ - كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، الحديث، كذا في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٤٤٢). (ش).","vol":"8","page":644},{"text":"لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - اسْتَكْمَلَ صِيَام شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ في شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ في شَعْبَان\". [خ ١٩٦٩، م ١١٥٦، ن ٢١٧٩]\n٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّاد، عن مُحَمَّدِ بْنِ\n===\nلا يصوم (١)، وما رأيت رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر قط إلَّا رمضان)، وهذا يدل على أن الذي روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - \"أن رسول الله - ﷺ - يصوم شعبان حتى يصله برمضان\"، فالوصل محمول على القرب (وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه) أي من رسول الله - ﷺ - كان أكثر صيامًا (في شعبان) (٢) من باقي المشهور، وقد تقدم ما قيل في الحكمة في ذلك.\n٢٤٣٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن\n_________\n(١) قال الحافظ: لا يشكل على هذا قول عائشة - ﵂ -: \"إذا صلَّى صلاة داوم عليها\"، وفي الأخرى: \"كان عمله ديمة\"، لأن المراد بذلك ما اتخذه راتبًا لا مطلق النوافل، فهذا وجه الجمع، وإلَّا فظاهرهما التعارض ... إلخ. (انظر: \"فتح الباري\" ٤/ ٢١٦). (ش).\n(٢) فيه أربعة أبحاث:\nالأول: في صومه ﵇ في شعبان، فقيل: ما ورد من \"كله\" مجاز، وقيل باعتبار اختلاف الأحوال، وقيل: \"كله\" آخر فعله، \"وإلَّا قليلًا\" أول فعله ﵇، وقيل: معنى \"كله\" أي كل أيامه، ففي شهر أوله، وفي آخر أثناؤه أو آخره، وقيل: لم يصم كله قصدًا إلَّا رمضان وبدون القصد صامه، فهذه خمسة وجوه.\nالثاني: في حكمة الإكثار، فقيل: يجتمع عليه صيام الأشهر، وقيل: تعظيمًا لرمضان، وقيل: قضاء لما سيفوته من التطوع في رمضان، وقيل: لما أن أزواجه يصمن فيه، وقيل: لرفع الأعمال، وقيل: يغفل فيه الناس، وقيل: تنسخ فيه الآجال، وقيل: كان يصوم صوم داود، فيقضي ما فات منه، فهذه ثمانية وجوه.\nالثالث: أنه يخالف أحاديث النهي عن الصوم بعد نصف شعبان والتقدم على رمضان، والجمع ظاهر.\nالرابع: يخالف \"أفضل الصيام بعد رمضان المحرم\"، فقيل: أخبر في آخر عمره ولم يتفق له لعذر، كذا في \"الأوجز\" (٥/ ٣٢١ - ٣٢٧). (ش).","vol":"8","page":645},{"text":"عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِي - ﷺ - بِمَعْنَاهُ (١)، زَادَ: كَانَ يَصُومُهُ إِلّا قَلِيلًا، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>(٥٩) بَابٌ: في صَوْمِ الاثْنينِ وَالْخَمِيس</span>\n٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا يَحْيَى، عن عُمَرَ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ،\n===\nعمرو، عن أبو سلمة، عن أبو هريرة، عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (زاد) أبو سلمة عن أبي هريرة على حديثه عن عائشة: (كان يصومه إلَّا قليلًا، بل كان يصومه كله).\nأخرج مسلم في \"صحيحه\" (٢) هذه الزيادة في حديث أبي سلمة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها -، ولفظه: \"كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلَّا قليلًا\"، ولم أجدها في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة في شيء من كتب الحديث، بل لم أجد هذا الحديث مع الزيادة في كتب الحديث برواية أبي سلمة عن أبي هريرة، بل ولا برواية غير أبي سلمة عن أبي هريرة.\nوقال الترمذي بعد تخريج حديث عائشة (٣) برواية عبد الله بن شقيق: وفي الباب عن أنس وابن عباس ولم يذكر أبا هريرة.\n\n(٥٩) (بَابٌ: في صَوْمِ الاثْنينِ والخَمِيسِ)\nأي: مع يوم الخميس\n٢٤٣٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان) بن يزيد العطار، (نا يحيى) ابن أبي كثير، (عن عمر بن أبي الحكم بن ثوبان)، وكذلك في \"مسند أحمد\"\n_________\n(١) في نسخة: \"بهذا\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١١٥٦).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٧٦٨).","vol":"8","page":646},{"text":"عن مَوْلَى قدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ،\n===\nبرواية أبان: ثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني عمر بن أبي الحكم، ولكن لم يذكر فيه ثوبان بعد أبي الحكم كما ذكره في أبي داود، وفي رواية الدارمي و\"مسند أحمد\" والطيالسي (١) برواية هشام عن عمر بن الحكم بن ثوبان، وكلاهما صحيحان، فإنما في الدارمي و\"مسند أحمد\" والطيالسي نسبته إلى أبيه \"الحكم\" وما وقع في أبي داود منسوب إلى جده \"أبي الحكم\" فإنه عمر بن الحكم بن أبي الحكم.\nولكن في سند أبي داود إشكال من وجه آخر، فإنه قال: أبو الحكم بن ثوبان، فجعل أبا الحكم ابنًا لثوبان، والحال أن أبا الحكم هو ثوبان، فإن أبا الحكم اسمه ثوبان.\nقال الحافظ في \"تهذيبه\" (٢): قال ابن حبان: وكان من أجِلَّة أهل المدينة، وهو عمر بن الحكم بن أبي الحكم، واسم أبي الحكم ثوبان، وقال ابن سعد في \"الطبقات\": ويكنى عمر أبا حفص، فعلى هذا فالذي يغلب على الظن أن لفظ \"ابن\" الواقع بين أبي الحكم وثوبان في رواية أبي داود غلط من النساخ، ولكن النسخ الموجودة اتفقت على وجودها.\n(عن مولى قدامة بن مظعون)، قال في \"تهذيب التهذيب\" (٣) في المبهمات: عمر بن الحكم بن ثوبان عن مولى قدامة بن مظعون عن مولى أسامة بن زيد، روى عبيد الله بن سالم عن أبي عبيد الله [مولى قدامة]، وفي \"التقريب\" (٤) في المبهمات: عمر بن الحكم بن ثوبان عن مولى قدامة بن مظعون\n_________\n(١) \"مسند أبي داود الطيالسي\" رقم (٦٦٦)، و\"سنن الدارمي\" (١٧٥٧)، و\"مسند أحمد\" (٥/ ٢٠٥).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤٣٦).\n(٣) (١٢/ ٣٨٠).\n(٤) (ص ١٣٢٩).","vol":"8","page":647},{"text":"عن مَوْلَى أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ أُسَامَةَ إِلَى وَادِي الْقُرَى في طَلَبِ مَالٍ لَهُ، فَكَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيوْمَ الْخَمِيسِ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: لِمَ تَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ؟\nفَقَالَ (١): إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَسُئِلَ (٢) عن ذَلِكَ، فَقَالَ: \"إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ (٣) تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيوْمَ الْخَمِيسِ\". [ن ٢٣٥٨، حم ٥/ ٢٠٠، دي ١٧٥٠]\n===\nيقال: هو أبو عبد الله، وفي \"الخلاصة\" (٤) في المبهمات: عمر بن الحكم عن مولى قدامة لعله أبو عبيد.\n(عن مولى أسامة بن زيد) ولم أجد ترجمته في كتب الرجال (أنه) أي مولى أسامة بن زيد (انطلق مع أسامة إلى وادي القرى) وهو وادٍ بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القرى، فتحها النبي - ﷺ - في جمادى الآخرة، سنة سبع بعد خيبر عنوة، ثم صولحوا على الجزية (في طلب مال له) أي لأسامة.\n(فكان) أسامة (يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، فقال له مولاه: لم تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وأنت) الواو للحال (شيخ كبير؟)، وفي رواية أحمد (٥) بعد قوله: \"وأنت شيخ كبير\": \"قد رققت\" (فقال) أسامة: (إن نبي الله - ﷺ - كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وسئل عن ذلك) أي عن سبب صوم الاثنين والخميس (فقال) أي النبي - ﷺ -: (إن أعمال العباد تعرض) على الله ﵎ (يوم الاثنين ويوم الخميس).\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"فسئل\".\n(٣) في نسخة: \"الناس\".\n(٤) (ص ٤٨٦).\n(٥) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٠٠).","vol":"8","page":648},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا قَالَ هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ عن يَحْيَى، عن عُمَرَ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ.\n===\nقال القاري (١): قال ابن الملك: وهذا لا ينافي قوله ﵊: \"يرفع عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل\" للفرق بين الرفع والعرض، لأن الأعمال تجمع في الأسبوع وتعرض في هذين اليومين، قال ابن حجر: ولا ينافي هذا رفعها في شعبان، فقال: \"إنه شهر ترفع فيه الأعمال، وأُحِبَّ أن يرفع عملي وأنا صائم\" لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة وأعمال العام مجملة (٢).\n(قال أبو داود: كذا قال هشام الدستوائي) أي كما قال أبان بن يزيد (عن يحيى عن عمر بن أبي الحكم).\nحاصل هذا الكلام أنه اختلف في هذا، فقال بعضهم: عمر بن أبي الحكم، وقال بعضهم: عمر بن الحكم، وروى أبو داود برواية أبان عن يحيى، وسماه عمر بن أبي الحكم، ثم قواه برواية هشام الدستوائي (٣) بأن هشامًا قال في حديثه عن يحيى: عمر بن أبي الحكم.\nوما نقل صاحب \"العون\" (٤) في توجيه هذا الكلام عن \"غاية المقصود\" ناقلًا عن \"أطراف المزي\" (٥): بأن معاوية بن سلام روى عن يحيى حدثني مولى\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٥٥).\n(٢) وفي \"شرح المنهاج\" (ص ٤١٩): يسن صوم الاثنين والخميس للخبر الحسن أنهما تعرض فيهما الأعمال، وكذا تعرض في ليلة نصف شعبان وفي ليلة القدر، فالأول إجمال باعتبار الأسبوع، والثاني باعتبار السنة، وكذا الثالث، وفائدة التكرير إظهار شرف العاملين بين الملائكة، وأما عرضها تفصيلًا فهو برفع الملائكة بالليل مرة وبالنهار مرة. (ش).\n(٣) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٠٤ - ٢٠٨)، والدارمي في \"سننه\" (٢/ ١٩) رقم (١٧٥٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢٧٩٥)، والطيالسي في \"مسنده\" (٦٦٦).\n(٤) \"عون المعبود\" (٧/ ٧٣).\n(٥) انظر: \"تحفة الأشراف\" (١/ ١٨٤) رقم (١٢٦).","vol":"8","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>(٦٠) بَابٌ: في صَوْمِ الْعَشْرِ</span>\n٢٤٣٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن الْحُرِّ بْنِ الصَّيَّاحِ، عن هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ، عن امْرَأَتِهِ،\n===\nقدامة، ولم يذكر عمر بن أبي الحكم، وروى الأوزاعي عن يحيى عن مولى لأسامة بن زيد، ولم يذكر عمر ولا مولى قدامة، فلم أجد رواية معاوية بن سلام ولا رواية الأوزاعي بهذا الحديث في شيء من الكتب الموجودة عندي (١) مع أنه قال الحافظ في ترجمة معاوية بن سلام في \"تهذيبه\" (٢): قال العجلي: دفع إليه يحيى بن أبي كثير كتابًا، ولم يقرأه ولم يسمعه.\n\n(٦٠) (بَابٌ: في صَوْمِ العَشْرِ)\nأي: عشر ذي الحجة\n٢٤٣٧ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن الحر) بضم أوله وتشديد ثانيه (ابن الصياح) بمهملة ثم تحتانية وآخره مهملة، النخعي الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، (عن هنيدة) بنون مصغرًا (ابن خالد) الخزاعي، كانت أمه تحت عمر، روى عن أمه أو امرأته عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، هي أم سلمة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: وذكره أيضًا في الصحابة، وقال: له صحبة، وكذا ذكره ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (٣).\n(عن امرأته) قال الحافظ في \"التقريب\" (٤) في ترجمة هنيدة بن خالد في المبهمات من النسوة على ترتيب من روى منهن رجالًا ثم نساءً: هنيدة بن خالد\n_________\n(١) أخرج رواية معاوية بن أبي سلام، النسائي في \"الكبرى\" (٢٧٩٦)، وكذا أخرج رواية الأوزاعي، النسائي في \"الكبرى\" (٢٧٩٨).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٠٩).\n(٣) (٤/ ١٥٤٩).\n(٤) \"تقريب التهذيب\" (ص ١٣٩٥).","vol":"8","page":650},{"text":"عن بَعْضِ أَزْواجِ النَّبِيِّ ﵇ (١)\n===\nعن أم المؤمنين، هي حفصة، وعن امرأته، لم أقف على اسمها وهي صحابية، روت عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، وعن أمه، كانت تحت عمر - ﵁ -، صحابية أيضًا.\n(عن بعض أزواج النبي ﵇) وقد تقدم أنها أم سلمة أم المؤمنين، لما روى النسائي في \"مجتباه\" (٢) من حديث محمد بن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه، عن أم سلمة، وقد أخرج النسائي وأشار إلى اختلاف في السند.\nفأول حديث أخرجه من حديث هنيدة من طريق زهير عن الحر بن الصياح قال: سمعت هنيدة الخزاعي قال: دخلت على أم المؤمنين سمعتها تقول: \"كان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: أول اثنين من الشهر، [ثم الخميس] ثم الخميس الذي يليه\"، فالمراد بأم المؤمنين في هذا السند هي حفصة - ﵂ -.\nثم أخرج عن [عمرو بن] قيس الملائي، عن الحر بن الصياح، عن هنيدة بن خالد الخزاعي، عن حفصة قالت: \"أربع لم يكن يدعهن النبي - ﷺ -: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة\"، ليدل على أن التي أبهمت قبل هي أم المؤمنين حفصة - ﵂ -.\nثم أخرج من طريق أبي عوانة، عن الحر بن الصياح، عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، وهذه المبهمة غير حفصة - ﵂ - بل هي أم سلمة، لما أنه أخرج عقب هذا من طريق محمد بن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه، عن أم سلمة.\n_________\n(١) في نسخة: \" - ﷺ -\".\n(٢) انظر: \"سنن النسائي\" من رقم (٢٤١٥ إلى ٢٤١٩).","vol":"8","page":651},{"text":"قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ: أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ، وَالْخَمِيسَ\". [ن ٢٤١٧، حم ٦/ ٢٨٨، ق ٤/ ٢٨٤]\n٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، نَا الأَعْمَشُ،\n===\nفظهر بهذا أن رواية هنيدة عن امرأته أو عن أمه ثابتة عن أم سلمة، فرواية هنيدة عن حفصة - ﵂ - بغير واسطة، وأما روايته بواسطة امرأته أو أمه فهي عن أم سلمة، لا عن حفصة، والله تعالى أعلم.\n(قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم تسع ذي الحجة) أي من أول ذي الحجة إلى التاسع منها، فإن العاشر يوم العيد (ويوم عاشوراء) ويحتمل أن يكون المراد من لفظة \"العشر\" في الترجمة تسع ذي الحجة مع يوم عاشوراء (وثلاثة أيام من كل شهر) بأنه قوم (أول) يوم (اثنين من الشهر والخميس) أي وأول الخميس، هكذا في سياق أبي داود في جميع النسخ، وفي سياق أحمد \"والخميسين\"، فإنه أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضيع من \"المسند\" (١)، وقال فيها: \"وخميسين\"، وهو الأوضح، لأنه يكون ثلاثة، وأما على سياق أبي داود فيكون ذكر الصوم في يومين لا في ثلاثة، وكذلك في رواية النسائي بهذا الطريق من حديث الحر بن الصياح.\nقلت: والأولى أن يقال في تأويل قوله: \"وثلائة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر\": أي أول يومي الاثنين من الشهر، لما روى النسائي في \"مجتباه\" (٢) من حديث إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا محمد بن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه، عن أم سلمة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يأمر بصيام ثلاثة أيام: أول خميس والاثنين والاثنين\".\n٢٤٣٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، نا الأعمش،\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٧١، ٦/ ٢٨٨، ٦/ ٤٢٣).\n(٢) \"سنن النسائي\" (٢٤١٩).","vol":"8","page":652},{"text":"عن أَبِي صَالِحٍ وَمُجَاهِدٍ وَمُسْلِم الْبَطِينِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذ الأَيَّام\" يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: \"وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ\". [خ ٩٦٩، ت ٧٥٧، جه ١٧٢٧، حم ١/ ٢٢٤، دي ١٧٧٣]\n===\nعن أبي صالح ومجاهد ومسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الاْيام، يعني أيام العشر (١)، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلَّا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) أي: قتل في سبيل الله وأُخذ ماله.\nقال العيني (٢): وفيه تفضيل بعض الأزمنة على بعض كالأمكنة، وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة، وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر الصيام أو علق عملًا من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يومًا منها تعين يوم عرفة، لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة، جمعًا بين حديث الباب وحديث أبي هريرة مرفوعًا: \"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة\"، رواه مسلم (٣).\n_________\n(١) قال في \"شرح المنهاج\" (ص ٤١٩): يسن بل يتأكد صوم تسع ذي الحجة للخبر الصحيح فيها المقتضي لأفضليتها على عشر رمضان، ولذا قيل به، لكنه غير صحيح، لأن المراد أفضليتها على ما عدا رمضان لصحة الخبر، بأنه سيد الشهور، وأيضًا فاختيار الفرض لهذا والنفل لهذا أدل دليل على تميزه، ومن زعم أن هذا أفضل من حيث الليالي لليلة القدر، وتلك من حيث الأيام، لأن فيها يوم عرفة غير صحيح، وإن أطنب قائله ... إلخ. (ش).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ١٨٦).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٨٥٤).","vol":"8","page":653},{"text":"(٦١) (١) في فِطْرِهِ\n٢٤٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ\". [م ١١٧٦، ت ٧٥٦، جه ١٧٢٩، حم ٦/ ١٢٤، خزيمة ٢١٠٣]\n\n(٦٢) (٢) في صَوْمِ عَرَفَة بِعَرَفَة\n٢٤٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَوْشَبُ\n===\nوقال الداودي: لم يرد - ﷺ - أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة، لأنه قد يكون فيها يوم الجمعة، فيلزم تفضيل الشيء على نفسه، ورد بأن المراد أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء كان الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من يوم الجمعة من غيره لاجتماع الفضيلتين فيه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>(٦١) (في فِطْرِهِ)</span>\nأي: فطر عشر ذي الحجة وترك الصوم فيه\n٢٤٣٩ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - صائمًا العشر قط)، وهذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدم من فضل الصوم وغيره فيه، والجواب عنه أولًا: أن في الحديث نفي الرؤية، وهو لا يستلزم نفي الصوم، أو أن المراد نفي جميع العشر، فإن فيها يوم العيد، وقد تقدم من حديث هنيدة أنه - ﷺ - كان يصوم تسع ذي الحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>(٦٢) (في صَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ)</span>\n٢٤٤٠ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حوشب) بفتح أوله وسكون الواو\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في فطر العشر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب\".","vol":"8","page":654},{"text":"ابْنُ عَقِيلٍ، عن مَهْدِيِّ الْهَجَريِّ، نَا عِكْرِمَةُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ في بَيْتِهِ فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. [جه ١٧٣٢، حم ٢/ ٣٠٤، ق ٢٨٤]\n٢٤٤١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي النَّضْرِ، عن عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن أُمّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: \"أَنَّ نَاسًا\n===\nوفتح المعجمة بعدها موحدة (ابن عقيل) الجرمي، وقيل: العبدي، أبو دحية البصري، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان ثقة من الثقات، وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أبو داود والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثقه يعقوب بن سفيان، وقال العقيلي: روى عن مهدي الهجري حديثًا لا يتابع عليه، وقال الأزدي: ضعيف.\n(عن مهدي الهجري) وهو مهدي بن حرب العبدي، وهو مهدي بن أبي مهدي، قال ابن معين: مهدي الهجري لا أعرفه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وصَحَّحَ ابن خزيمة حديثه.\n(نا عكرمة قال: كنا عند أبو هريرة في بيته فحدثنا أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة) (١)، وأما في غير عرفة فمندوب كما تقدم في حديث أبي قتادة: \"وصيام عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده\".\n٢٤٤١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي النضر، عن عمير مولى عبد الله بن عباس، عن أم الفضل بنت الحارث: أن ناسًا) أي ص أصحاب\n_________\n(١) والجملة أن صومها للحاج مكروه كما صححه المالكية، أو خلاف الأولى كما صححه الشافعية، والفطر أولى عند الحنابلة، وعندنا إن قوي فالصوم أولى وإلَّا فالإفطار، والبسط في \"الأوجز\" (٧/ ٤٦٤). (ش).","vol":"8","page":655},{"text":"تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ في صَوْمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ\". [خ ١٩٨٨، م ١١٢٣]\n===\nرسول الله - ﷺ - (تماروا) أي اختلفوا (عندها يوم عرفة) بعرفة (في صوم رسول الله - ﷺ -، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم) وكان من جزم بأنه صائم استند ما ألفه من العبادة، ومن جزم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافرًا، أو قد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر فضلًا عن النفل.\n(فأرسلت إليه بقدح لبن)، قال الحافظ (١): سيأتي في الحديث الذي يليه أن ميمونة بنت الحارث هي التي أرسلت، فيحتمل التعدد، ويحتمل أنهما معًا أرسلتا، فنسب ذلك إلى كل منهما، لأنهما كانتا أختين، فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك لكشف الحال في ذلك، ويحتمل العكس، وستأتي الإشارة إلى تعيين كون ميمونة هي التي باشرت الإرسال، ولم بسم الرسول في طرق حديث أم الفضل، لكن روى النسائي (٢) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك، ويقوي (٣) ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أرسل إما أمه وإما خالته.\n(وهو واقف على بعيره) أي يخطب الناس (بعرفة فشرب)، زاد في حديث ميمونة: \"والناس ينظرون\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣٧).\n(٢) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٢٨١٥).\n(٣) وفي الأصل: \"يقول\"، وهو تحريف.","vol":"8","page":656},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>(٦٣) بَابٌ: في صَوْمِ يَوْم عَاشُورَاء</span>\n===\n\n(٦٣) (بَابٌ: في صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) (١)\nأي: ما حكمه؟ وعاشوراء بالمد على المشهور، وحكي فيه القصر، واختلف أهل الشرع في تعيينه، فقال الأكثر: هو اليوم العاشر.\nقال القرطبي (٢): العاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلَّا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية، فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ علمًا على اليوم العاشر.\nوذكر أبو المنصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلَّا هذا، وضاروراء، وساروراء، ودالولاء، من الضار والسار والدال، فعلى هذا يوم عاشوراء هو العاشر.\nوقال الزين بن المنيِّر: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من أوراد الإبل، كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع، قالوا: وردنا عِشرًا بكسر العين.\nوروى مسلم (٣) عن ابن عباس أنه قال: \"إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأَصْبِحْ يومَ التاسع صائمًا، قلت: أهكذا كان النبي - ﷺ - يصومه؟ قال: نعم\"، وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين بن المنير: إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر؛ لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعه، إلَّا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة.\n_________\n(١) وذكر في \"الخميس\" (١/ ٣٦٠) لعاشوراء خصوصيات لا مزيد عليها. (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٥).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١١٣٣).","vol":"8","page":657},{"text":"٢٤٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَصُومُهُ في الْجَاهِلِيَّةِ،\n===\nقلت: ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"لئن بقيت إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع فمات قبل ذلك\"، ثم ما هَمَّ به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر، إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح.\nولأحمد (١) من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: \"صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده\"، وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب، فلما فتحت مكة، واشتهر أمر الإِسلام، أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا، فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر.\n٢٤٤٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية).\nقال الحافظ (٢): وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيت في المجلس الثالث من \"مجالس الباغندي الكبير\" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك، فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، هذا أو معناه.\n(وكان رسول الله - ﷺ - يصومه في الجاهلية) أي قبل أن يهاجر إلى المدينة\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (١/ ٢٤١) رقم (٢١٥٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٦).","vol":"8","page":658},{"text":"فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ\". [خ ٢٠٠٢، م ١١٢٥، ت ٧٥٣، حم ٦/ ٢٩]\n===\n(فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة صامه وأمر (١) بصيامه)، وكان قدومي - ﷺ - المدينة في ربيع الأول، فصام، فكان صيامه والأمر به في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلَّا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة، ونقل عياض: أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك، قاله الحافظ (٢).\nقال العيني (٣): اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء اليوم سنَّة وليس بواجب، واختلفوا في حكمه أول الإِسلام، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا، واختلف أصحاب الشافعي على وجهين: أشهرهما: أنه لم يزل سنَّة من حين شرع (٤) ولم يكن واجبًا قط، والثاني: كقول أبي حنيفة.\n(فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وتُرِكَ) صوم (عاشوراء) على طريق الوجوب (فمن شاء صامه) تطوعًا (ومن شاء تركه) أي لم يصمه (٥).\n_________\n(١) ببناء المجهول ضبطه القاضي، قال النووي (٤/ ٢٦٥): الأظهر ببناء المعلوم. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٦).\n(٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٢٣٣).\n(٤) مستدله حديث معاوية عند البخاري \"لم يكتب عليكم\"، وأجاب القاري عنه بالبسط. (انظر: \"جمع الوسائل\" ٢/ ١٠٥، و\"مرقاة المفاتيح\" ٤/ ٥٣٥). (ش).\n(٥) وفي هذا أمارة الوجوب، إذ علم منه أنه قبل رمضان كان شيئًا فوق ذلك، ومما يستدل على الوجوب أيضًا أنه ﵇ أمر مناديًا ينادي بالإمساك، وهذا من أمارات الوجوب، وأيضًا ما ورد من أنهم يجعلون اللعب للصبيان. (ش).","vol":"8","page":659},{"text":"٢٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا نَصُومُهُ في الْجَاهِليَّةِ، فَلَمَّا نزَلَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"فذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ\". [خ ٤٥٠١، م ١١٢٦]\n٢٤٤٤ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا أَبُو بِشْرٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ،\n===\n٢٤٤٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: كان عاشوراء يومًا نصومه في الجاهلية) ونصومه في ابتداء الإِسلام (فلما نزل رمضان) أي افتراض صومه (قال رسول الله - ﷺ -: هذا يوم من أيام الله) ليس فيه حكم بوجوب الصوم (فمن شاء صامه، ومن شاء تركه).\n٢٤٤٤ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا هشيم، أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء).\nقال الحافظ (١): وقد استشكل ظاهر الخبر لاقتضائه أنه - ﷺ - حين قدومه المدينة وجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، وإنما قدم المدينة في ربيع الأول، والجواب عن ذلك أن المراد أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة، لا أنه قبل أن يقدمها، وغايته أن في الكلام حذفًا تقديره: قدم النبي - ﷺ - المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صيامًا، ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه - ﷺ - المدينة، ولكن سياق الأحاديث تدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٧).","vol":"8","page":660},{"text":"فَسُئِلُوا عن ذَلِكَ، فَقَالُوا: هُوَ (١) الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ الله فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُم\" وَأَمَرَ (٢) بِصِيَامِهِ. [خ ٣٩٤٣، م ١١٣٠، جه ١٧٣٤]\n\n(٦٤) (٣) مَا رُوِي أَنَّ عَاشُورَاء الْيَوْمُ التَّاسِعُ\n٢٤٤٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ،\n===\n(فسئلوا عن ذلك) أي عن سبب صومهم فيه (فقالوا) أي اليهود: (هو اليوم الذي أظهر الله فيه) أي نصر الله في هذا اليوم (موسى على فرعون)، وفي رواية لأحمد زاد فيه: \"وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح شكرًا\" (ونحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله - ﷺ -: نحن أولى بموسى منكم)، أي نحن أثبت وأقرب لمتابعة موسى ﵇ منكم، فإنا موافقون له في أصول الدين ومصدقون لكتابه، وأنتم مخالفون لهما بالتغيير والتحريف (وأمر بصيامه).\nقال الحافظ (٤): واستشكل (٥) رجوعه إليهم في ذلك، وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحي إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك، زاد عياض: أو أخبره به من أسلم منهم كابن سلام، ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة: أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>(٦٤) (مَا رُوِيَ أَنَّ عَاشُورَاءَ اليَوْمُ التَّاسِعُ)</span>\n٢٤٤٥ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب،\n_________\n(١) في نسخة: \"هذا\".\n(٢) في نسخة: \"فأمر\".\n(٣) في نسخة: \"باب من قال: اليوم التاسع\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٨).\n(٥) وأجاب عنه الشيخ الوالد في \"التقرير\" فأجاد وقال: إنه إلزام لهم، يعني نحن أصل المتبعين لا أنتم ... إلخ. (ش).","vol":"8","page":661},{"text":"أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ الْقُرَشِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطْفَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حِينَ صَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَنَا بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْم تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبلُ صُمْنَا يَوْمَ التَّاسِعِ\" فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. [م ١١٣٤، جه ١٧٣٦ (مختصرًا)]\n===\nأخبرني يحيى بن أيوب، أن إسماعيل بن أمية القرشي) الأموي (حدثه، أنه سمع أبا غطفان يقول: سمعت عبد الله بن عباس يقول: حين صام النبي - ﷺ - يوم عاشوراء وأمرنا بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تُعَظِّمُه اليهود والنصارى (١»، وأنت تخالفهم، فكيف تعظمه بالصوم فيه؟ (فقال رسول الله - ﷺ -: فإذا كان العام المقبل) أي الآتي (صمنا يوم التاسع (٢)، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - ﷺ -) أي قبله.\nظاهر الحديث أن معنى قوله: \"إذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع\"، أي نصومه مع يوم عاشوراء لأجل مخالفة أهل الكتاب، وعلى هذا التأويل لا يناسب الحديث بالباب، نعم لو قيل في معناه: صمنا يوم التاسع بدل يوم العاشر، ونجعله عاشوراء كما قيل، لكان له مناسبة بالباب، وظاهر حديث الحكيم بن الأعرج يدل على أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، كما قاله الحافظ في \"الفتح\" (٣).\n_________\n(١) أشكل بأن التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون يختص [بموسى] واليهود، وأجيب باحتمال أن يكون عيسى كان يصومه، وهو مما لم ينسخ في شريعة موسى؛ لأن كثيرًا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، ويقال: إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من \"التوراة\"، كذا في \"الفتح\" (٤/ ٢٤٨). (ش).\n(٢) في \"التقرير\": نسخ وجوبه قبل الأمر بالمخالفة بزمان. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٥).","vol":"8","page":662},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد تأول قول ابن عباس - ﵁ - هذا الزين بن المنيِّر بأن معناه أنه ينوي الصيام في الليلة المتعقبة للتاسع، وقواه الحافظ بحديث ابن عباس الآتي أنه - ﷺ - قال: \"إذا كان المقبل إن شاء الله صمنا التاسع\"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي (١)، قال: فإنه ظاهر في أنه - ﷺ - كان يصوم العاشر، وَهَمَّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك.\nوأقول: الأولى: أن يقال: إن ابن عباس أرشدَ السائل له إلى اليوم الذي يصام فيه، وهو التاسع، ولم يجب عليه بتعيين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر، لأن ذلك مما لا يسأل عنه، ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة، فابن عباس لما فهم من السائل أن مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه، أجاب عليه أنه التاسع، وقوله: \"نعم\"، بعد قول السائل: \"أهكذا كان النبي - ﷺ - يصوم؟ \" بمعنى نعم هكذا كان يصوم لو بقي، لأنه قد أخبرنا بذلك، ولا بد من هذا، لأنه - ﷺ - مات قبل صوم التاسع، وتأويل ابن المنير في غاية البُعد، لأن قوله: \"وأصبح يوم التاسع صائمًا\"، لا يحتمله، قاله الشوكاني في \"النيل\" (٢).\nويستشكل حديث ابن عباس هذا بأنه مخالف بظاهره لحديث عائشة - ﵂ - المتقدم في أول الباب، بأن حديث عائشة - ﵂ - يدل على أن صومه - ﷺ - عاشوراء، والأمر بصومه كان في أول قدمة قدمها، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء، وحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - يدل على أنه - ﷺ - كان يصوم عاشوراء ويأمر بصيامه في آخر عمره، حتى قال له الصحابة - ﵃-: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع\"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١١٣٤)، وأبو داود (٢٤٤٥).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٢٢).","vol":"8","page":663},{"text":"٢٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ-، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ غَلَّاب. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا إِسمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي حَاجِبُ بْنُ عُمَرَ جَمِيعًا، الْمَعْنَى، عن الْحَكَمِ بْنِ الأَعْرَجِ\n===\nوقد تقدم أن الحافظ (١) قال في شرح حديث عائشة - ﵂ -: ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلَّا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، فيمكن أن يجاب عنه، بأن معنى قول ابن عباس: حين صام النبي - ﷺ - يوم عاشوراء، وأمرنا بصيامه، أي تطوعًا بعد نسخ الفرضية، فحينئذ لا مخالفة بين الحديثين.\n٢٤٤٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى -يعني ابن سعيد-، عن معاوية بن غلاب) بفتح المعجمة وتخفيف اللام، النصري بالنون، البصري بالموحدة، منسوب إلى جد أبيه، وهو معاوية بن عمرو بن خالد بن غلاب، ويقال: إن غلاب اسم امرأة، وهي أم خالد، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في الكتب حديث واحد في صوم عاشوراء.\n(ح: ونا مسدد، نا إسماعيل، أخبرني حاجب بن عمر) الثقفي، أبو خشينة بمعجمتين ونون، مصغر، أخو عيسى بن عمر النحوي البصري، قال أحمد وابن معين والعجلي: ثقة، وعن أبي داود: رجل صالح، وحكى الساجي عن ابن عيينة أنه كان إباضيًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (جميعًا) أي معاوية بن غلاب وحاجب بن عمر (المعنى) أي معنى حديثهما واحد.\n(عن الحكم بن الأعرج) هو الحكم بن عبد الله بن إسحاق الأعرج البصري، قال أحمد: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال مرة:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٦).","vol":"8","page":664},{"text":"قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُهُ عن صَوْمِ (١) عَاشُورَاء؟ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّاسِعِ فَأَصْبِحْ صَائِمًا، فَقُلْتُ: كَذَا كَانَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - يَصُومُ؟ قَالَ: كَذلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - يَصُومُ. [م ١١٣٣، ت ٧٥٤، حم ١/ ٢٣٩، خزيمة ٢٠٩٧]\n===\nفيه لين، وقال العجلي: بصري تابعي، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال أتيت ابن عباس وهو متوسد رداءه) أي جاعلًا له رداءه وسادة (في المسجد الحرام) وفي رواية مسلم: \"عند زمزم\" (فسألته عن صوم عاشوراء؟) (٢) أي: أيِّ يوم يصام؟ (فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد) أي من أوله (فإذا كان يوم التاسع فأصْبِحْ صائمًا، فقلت: كذا كان محمد - ﷺ - يصوم؟ قال) ابن عباس: (كذلك كان محمد - ﷺ - يصوم).\nفإن قلت: إن حديث ابن عباس برواية أبي غطفان يدل على أن رسول الله - ﷺ - لم يصم التاسع، بل روى قوله: \"فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع، فلم يأت العام المقبل\"، وهذا الحديث يدل على أنه كان يصوم.\nقلت: معنى قوله: \"كذلك كان محمد ثقيف يصوم\"، أي يريد أن يصوم، وقد تقدم في كلام الشوكاني (٣) أنه تأول هذا القول، نعم هكذا كان يصوم لو بقي، لأنه قد أخبرنا بذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"صوم يوم عاشوراء\".\n(٢) زاد الترمذي بعد ذلك: \"أي يوم أصومه\". (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٢٢).","vol":"8","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>(٦٥) بَابٌ: في فَضْلِ صَوْمِهِ</span>\n٢٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، نَا يَزِيدُ (١)، نَا سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عن عَمِّهِ، أَنَ أَسْلَمَ\n===\n\n(٦٥) (بَابٌ: في فَضْلِ صَوْمِهِ) (٢)\nأي عاشوراء\n٢٤٤٧ - (حدثنا محمد بن المنهال، نا يزيد، نا سعيد، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن مسلمة) ويقال: ابن سلمة، ويقال: ابن المنهال بن سلمة الخزاعي، عن عمه في صيام عاشوراء، وعنه قتادة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي في \"الكنى\": أبو المنهال عبد الرحمن بن سلمة بن المنهال، قلت: وصوب أبو علي بن السكن أن اسم أبيه سلمة، قال: ويقال: إن شعبة أخطأ في اسمه حيث قال: عبد الرحمن بن المنهال بن مسلمة، وقد رويناه في \"جزء ابن نجيح\" من طريق شعبة عن قتادة سمعت ابن المنهال، وهو يؤيد ما قال النسائي، وقال ابن القطان: حاله مجهول.\n(عن عمه) قال الحافظ في مبهمات \"التهذيب\" (٣): عبد الرحمن بن المنهال، وقيل: ابن مسلمة، وقيل: ابن سلمة عن عمه، روى عنه قتادة، سمى ابن قانع عمه مسلمة.\n(إن أسلم) اسم قبيلة، وهي في قبائل مختلفة؛ فأسلم في خزاعة، وهو ابن أفصى، وهو خزاعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وفي مذحِج أسلم بن\n_________\n(١) في نسخة: \"يزيد بن زريع\".\n(٢) ويشكل الجمع بينه وبين حديث التوسعة على العيال، قال صاحب \"الدر المختار\" (٣/ ٣٩٨): وهو حديث صحيح، ويمكن الجمع بينهما بأن التوسعة بالفلوس لا ينافي الصوم، أو المراد بالعيال الأطفال والذريات غير الصائمين، أو يكون التوسع عند الإفطار وهو أيضًا داخل في اليوم مجازًا وحكمًا، أو يهيِّئ المآكل والمشارب في النهار ويستعمل بعد الإفطار. (ش).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٧٧).","vol":"8","page":666},{"text":"أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هذَا؟ \"، قَالُوا: لَا، قَالَ: \"فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ\" (١). [ق ٤/ ٢٢١]\n\n(٦٦) (٢) في صَوْمِ يَوْمِ وَفِطْرِ يَوْمٍ\n٢٤٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ - وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ أَحْمَدَ- قَالُوا، نَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرًا قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ، سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ\n===\nأوس الله بن سعد العشيرة بن مذحِج، وفي بجيلة أسلم بن عمرو بن لؤي، فالله أعلم من هي منهم (أتت النبي - ﷺ - فقال: صمتم) بتقدير همزة الاستفهام (يومكم هذا؟) أي عاشوراء (قالوا: لا، قال: فأتموا بقية يومكم) أي لا تفطروا فيها (واقضوه) (٣) أي صوم يوم عاشوراء، وهذا الحديث يدل على أن الصوم كان واجبًا (٤) فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>(٦٦) (في صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ)</span>\nأي: في فضله\n٢٤٤٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن عيسى ومسدد، والإخبار) أي ألفاظ الحديث ما (في حديث أحمد، قالوا: نا سفيان قال: سمعت عمرًا قال: أخبرني عمرو بن أوس، سمعه من عبد الله بن عمرو) بن العاص (قال: قال لي رسول الله - ﷺ -) في آخر الأمر بعد المناقصة: (أحب الصيام إلى الله صيام\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: يعني يوم عاشوراء\".\n(٢) في نسخة: \"باب فيمن يصوم يومًا ويفطر يومًا\".\n(٣) ويمكن أن يستدل به على مختار الحنابلة من وجوب القضاء على كافر أسلم، أو صبي بلغ في أثناء النهار، خلافًا للأئمة الثلاثة مع الاختلاف فيما بينهم في ندب القضاء.\n(٤) قلت: لكن العيني (٨/ ٢٣٥) بسط الكلام على جروح الحديث، وقال: إن قوله: \"فاقضوه\" موضوع، فتأمل. وقال الزيلعي: غريب. (\"نصب الراية\" ٢/ ٤٣٦). (ش).","vol":"8","page":667},{"text":"دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَهُ، وَيقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يُفْطِرُ يَوْمًا، وَيَصُومُ يَوْمًا\". [خ ١٩٧٩، م ٩٨٩/ ١١٥١، ن ٢٣٨٨، جه ١٧١٢]\n\n(٦٧) بَابٌ: في صَوْمِ الثَّلاثِ (١) مِنْ كلّ شَهْرٍ\n٢٤٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّام، عن أَنَسٍ أَخِي مُحَمَّدٍ، عن ابْنِ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ، عن أَبِيهِ\n===\nداود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود) ثم بينهما على غير ترتيب اللف (كان ينام نصفه) أي الليل (ويقوم) للصلاة (ثلثه، وينام سدسه) ثم بين الصوم، فقال: (وكان يفطر يومًا، ويصوم يومًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>(٦٧) (بَابٌ: في صَوْمِ الثَّلاثِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)</span>\n٢٤٤٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام) بن يحيى، (عن أنس) بن سيرين (أخي محمد) بن سيرين، (عن ابن ملحان) هو عبد الملك بن قتادة بن ملحان (القيسي) ويقال: قدامة بدل قتادة، ويقال: عبد الملك بن المنهال عن أبيه مرفوعًا في صوم الأيام البيض، قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال البخاري: عداده في البصريين، قال: أنا أبو الوليد الطيالسي: وَهِمَ شعبة في قوله: ابن المنهال، يعني أن الصواب ابن ملحان، والله أعلم، وأما ابن حبان فقال: هو عبد الملك بن المنهال بن ملحان، قال: وليس في الصحابة من يسمى المنهال غيره.\n(عن أبيه) هو قتادة بن ملحان القيسي، قال البخاري وابن حبان: له صحبة، يعد في البصريين، له حديث واحد عن النبي - ﷺ - في صوم أيام البيض، قال أبو الوليد: وهم فيه شعبة فقال: عن عبد الملك بن المنهال\n_________\n(١) في نسخة: \"ثلاث\"، وفي نسخة: \"ثلاثة\".","vol":"8","page":668},{"text":"قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ، قَالَ: وَقَالَ: \"هُنَّ (١) كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ\". [ن ٢٤٣٢، جه ١٧٠٧، ق ٤/ ٢٩٤]\n===\nعن أبيه، وقال البخاري وغير واحد: إن شعبة أخطأ في ذلك، وقد روي عن شعبة على الصواب أيضًا فيما حكاه العسكري وابن عبد البر.\nوأخرج ابن شاهين من طريق سليمان التيمي عن حيان بن عمير قال: مسح النبي - ﷺ - وجه قتادة بن ملحان، ثم كَبِرَ فَبَلِيَ منه كل شيء غير وجهه، قال: فحضرته عند الوفاة، فمرَّت امرأة، فرأيتها في وجهه كما أراها في المِرْآةِ.\n(قال: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا) أي أمر استحباب (أن نصوم البيض) أي أيام الليالي البيض (٢) (ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة).\nقال الشوكاني (٣): فيه دليل على استحباب صوم أيام البيض، وهي الثلاثة المعينة في الحديث، وقد وقع الاتفاق (٤) بين العلماء على أنه يستحب أن تكون الثلاثة المذكورة في وسط الشهر، كما حكاه النووي (٥)، واختلفوا في تعيينها، فذهب الجمهور إلى أنها ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر، وقيل: هي الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، وحديث أبي ذر وغيره يرد ذلك.\n(قال) أي ابن ملحان: (وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (هن) أي صوم أيام البيض (كهيئة الدهر) أي تساوي صوم الدهر في الأجر على قاعدة: الحسنة بعشر أمثالها.\n_________\n(١) في نسخة: \"هو\".\n(٢) هذا هو الظاهر لغة، والروايات التي ذكرها السيوطي في \"اللآليء المصنوعة\" (٢/ ١٠٧) تدل على أن تسمية هذه الأيام بالبيض لما أن آدم لما أهبط إلى الأرض أحرقته الشمس، فاسود آدم، فأمِرَ بصيام هذه الأيام فصام وصار أبيض، فسميت بالبيض. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٣٥).\n(٤) قلت: مكروه عند المالكية، كما في \"الشرح الكبير\" (٢/ ١٤١)، و\"البداية\" (١/ ٣٠٨)، و\"إكمال الإكمال\" (٤/ ١١٩). (ش).\n(٥) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٠٧).","vol":"8","page":669},{"text":"٢٤٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا أَبُو دَاوُدَ (١)، نَا شَيْبَانُ، عن عَاصِمٍ، عن زِرٍّ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَصُومُ - يَعْنِي مِنْ غُرَّةِ كُلّ شَهْرٍ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ\". [ت ٧٤٢، جه ١٧٢٥، حم ١/ ٤٠٦، خزيمة ٢١٢٩، ن ٢٣٦٨]\n===\n٢٤٥٠ - (حدثنا أبو كامل، نا أبو داود، نا شيبان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - يصوم -يعني من غرة كل شهر-)، زاد لفظ \"يعني\"، كأنه لم يحفظ الراوي لفظ الشيخ، فقال: مراد الشيخ من كلامه أنه يصوم من غرة كل شهر، والمراد بالغرة أول الشهر (ثلاثة أيام).\nوقد اختلفت الروايات في هذا الباب، فرواية ابن ملحان عن أبيه عند أبي داود والنسائي، وحديث أبي ذر عند أحمد والنسائي والترمذي على تعيين أيام البيض، وحديث ابن مسعود على تعيين غرة كل شهر، وحديث حفصة عند أبي داود والنسائي على تعيين يوم الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى، وكذا حديث عائشة - ﵂ - عند الترمذي على تعيين السبت والأحد والاثنين من الشهر، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس، ومن حديث عائشة عند مسلم: \"كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام\"، وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين: \"أوصاني خليلي بصيام ثلاثة أيام\"، وفي حديث أبي ذر عند ابن ماجه والترمذي: \"من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر\"، الحديث.\nقال الشوكاني (٢): اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة الأيام المستحبة من كل شهر، ففسرها عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو ذر وغيرهم من الصحابة، وجماعة من التابعين، وأصحاب الشافعي بأيام البيض،\n_________\n(١) زاد بي نسخة: \"هو الطيالسي\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"8","page":670},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويشكل على هذا قول عائشة المتقدم: \"لا يبالي من أيِّ الشهر صام\"، وأجيب عن ذلك بأن النبي - ﷺ - لعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكل ذلك في حقه أفضل، والذي أمر به قد أخبر به أمته، ووصَّاهم به وعيَّنه لهم، فيحمل مطلق الثلاث على الثلاث المقيدة بالأيام المعينة.\nواختار النخعي وآخرون أنها آخر الشهر، واختار الحسن البصري وجماعة أنها من أوله، واختارت عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من عدة شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده.\nوقال البيهقي: كان النبي - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، لا يبالي من أي الشهر صام، قال: فكل من رآه فعل نوعًا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك فأطلقت.\nوقال الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحبَّ، وروي عن مالك: أنه يكره تعيين الثلاث.\nقلت: وأما عند الحنفية فإنهم قالوا: والمندوب فهو صوم ثلاثة من كل شهر، ويندب كونها الأيام البيض، فعلى هذا من صام ثلاثة أيام من الشهر غير أيام البيض حصل له ثواب المندوب، ومن صام من الشهر أيام البيض، حصل له أجر مندوبين، ندب ثلاثة أيام من كل شهر وندب تعيين أيام البيض.\nقال الشوكاني (١): قال في \"الفتح\": وكلام غير واحد من العلماء أن استحباب صيام أيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، انتهى، وهذا هو الحق، لأن حمل المطلق على المقيد ها هنا متعذر.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٣٦).","vol":"8","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>(٦٨) بَابُ مَنْ قَالَ: الاثْنين وَالْخَمِيس</span>\n٢٤٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عن سَوَاءٍ الْخُزَاعِيِّ، عن حَفْصَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ: الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، وَالاثْنَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى\". [ق ٤/ ٢٩٤، ن ٢٤١٨]\n٢٤٥٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، نَا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن هُنَيْدةَ الْخُزَاعِيِّ، عن أُمِّهِ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلْتُهَا عن الصِّيَامِ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ\n===\n\n(٦٨) (بَابُ مَنْ قَالَ: الاثْنَيْنِ والْخَميِس)\nأي من قال: إن صوم ثلاث من كل شهر هو صوم يوم الاثنين ويوم الخميس من أول الشهر، ثم يوم الاثنين من الجمعة الأخرى\n٢٤٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن سواء الخزاعي) أخو مغيث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مقبول، (عن حفصة) أم المؤمنين - ﵂ - (قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم ثلاثة أيام من الشهر: الاثنين والخميس) أي يوم الاثنين ويوم الخميس في الأسبوع الأول (و) الثالث يوم (الاثنين من الجمعة الأخرى) أي من الأسبوع الثاني.\n٢٤٥٢ - (حدثنا زهير بن حرب، نا محمد بن فضيل، نا الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعي، أبو عروة الكوفي، ثقة فاضل، (عن هنيدة الخزاعي، عن أمه قالت: دخلت على أم سلمة فسألتها عن الصيام) أي عن صيام التطوع.\n(فقالت: كان رسول الله - ﷺ - يأمرني) أي استحبابًا (أن أصوم ثلاثة أيام","vol":"8","page":672},{"text":"مِنْ كُلّ شَهْرٍ، أَوَّلُهَا الاثْنَيْن وَالْخَمِيس (١). [ن ٢٤١٩، حم ٦/ ٢٨٩]\n===\nمن كل شهر، أولها الاثنين والخميس) أي في أول الأسبوع من الشهر يوم الاثنين ويوم الخميس، هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية ونسخة \"العون\" والمصرية، ولم يذكر في هذه النسخ اليوم الثالث، وفي النسخة المكتوبة الأحمدية: \"أولها الاثنين والخميس والخميس\"، أي في أول أسبوع الشهر يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وفي الأسبوع الثاني منه يصوم يوم الخميس.\nويؤيده ما أخرجه النسائي (٢) من طريق الحر بن الصَّبَّاح، عن هنيدة، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يصوم تسعًا من ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر [أوَّلَ] اثنين من الشهر وخميسين.\nولكن يخالفه ما أخرجه النسائي (٣) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري بسند أبي داود، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه، عن أم سلمة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يأمر بصيام ثلاثة أيام: أوَّلِ خميس والاثنين والاثنين\".\nوأخرج الإِمام أحمد بسندهما في \"مسنده\" (٤) فخالفهما، ولفظه: \"قال: دخلت على أم سلمة فسألتها عن الصيام، فقالت: كان رسول الله - ﷺ - يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أولها الاثنين والجمعة والخميس\".\nفإن قيل: قوله: \"أولها الاثنين\" يخالف قواعد العربية، والموافق للقواعد أن يقال: أولها الاثنان، قلت: قيل: إنه علم كالبحرين، والأعلام لا تتغير عن أصل وضعها باختلاف العوامل، قلت: يرده قول صاحب \"القاموس\": والاثنان والثِّنَى كإلَى: يَوْمٌ في الأُسْبُوع، جمعه أثناء وأثانين، وقيل: المضاف محذوف مع إبقاء المضاف إليه على حاله، وتقديره: أولها يوم الاثنين.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والخميس\" أي من جمعة أخرى.\n(٢) \"سنن النسائي\" (٢٤١٧).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٢٤١٩).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٦/ ٢٨٩).","vol":"8","page":673},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>(٦٩) بَابُ مَنْ قَالَ: لَا يُبَالِي مِنْ أَيّ الشَّهْرِ</span>\n٢٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن يَزِيدَ (١)، عن مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ (٢) كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ. [م ١١٦٠، ت ٧٦٣، جه ١٧٠٩، حم ٦/ ١٤٥]\n===\nوعندي توجيه آخر بأن يقال: لفظ \"أولها\" بدل من لفظ من كل شهر بحذف حرف الجر، أي يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر من أولها (٣)، ولفظ الاثنين والخميس بدل من ثلاثة أيام، أي أصوم ثلاثة أيام الاثنين والخميس من أول كل شهر.\n\n(٦٩) (بَابُ مَنْ قَالَ: لَا يُبَالِي مِن أَيِّ الشَّهْرِ)\nأي: يصوم من أيام الشهر من أيِّها شاء (٤) ولا يبالي من أيِّ أيام الشهر يصوم\n٢٤٥٣ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن يزيد، عن معاذة قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت) أي عائشة: (نعم، قلت: من أي) أيام (الشهر كان يصوم؟ قالت) أي عائشة: (ما كان) أي رسول الله - ﷺ - (يبالي) أي يهتم للتعيين (من أي أيام الشهر كان يصوم) أي فكان يصوم من أي أيام الشهر شاء.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الرشك\".\n(٢) في نسخة: \"شهر\".\n(٣) كتب فضيلة الشيخ أسعد الله: أي أول الشهر، وتأنيث الضمير باعتبار أن الشهر عبارة عن الأيام. (ش).\n(٤) أي في صوم الثلاث، فلا ينافي تخصيص الخميس والاثنين والبيض وغيرها. (ش).","vol":"8","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>(٧٠) بَابٌ: في النِّيَّةِ في الصَّوْمِ </span>(١)\n٢٤٥٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ وَيحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَ بْنِ حَزْمٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ، عن حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ\". [ن ٢٣٣١، ت ٧٣٠، جه ١٧٠٠، خزيمة ١٩٣٣، دي ١٦٩٨، حم ٦/ ٢٨٧]\n===\n\n(٧٠) (بَابٌ: في النِّيَّةِ في الصَّوْمِ) (٢)\nأي: تلزم النية قبل الابتداء في الصوم\n٢٤٥٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة زوج النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال: من لم يجمع) من الإجماع، وهو العزم والقصد المحكم، أي لم ينو (الصيام قبل الفجر فلا صيام له).\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): والحديث فيه دليل على وجوب تبييت النية بإيقاعها في جزء من أجزاء الليل، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر وجابر بن يزيد من الصحابة، ومالك والليث وابن أبي ذئب، ولم يفرقوا (٤) بين الفرض والنفل،\n_________\n(١) في نسخة: \"الصيام\".\n(٢) ومما يجب التنبيه عليه ما في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٣٣٨) أنه يجوز عند مالك نية سائر الشهر مرة واحدة، ولا يجوز عند أبي حنيفة والشافعي، ولأحمد روايتان، وفي \"الفتح\" (٤/ ١٤٢): المذاهب على غير هذا. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٦٣).\n(٤) صرح به في فروع المالكية، وكذلك عند الشافعي وأحمد في الفروض دون النوافل، وعند الحنفية يجب التبييت في الواجب غير المعين كقضاء رمضان والنذر المطلق والكفارة، ولا يجب في النفل والواجب المعين مثل صوم رمضان والنذر المعين. (ش).","vol":"8","page":675},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال أبو طلحة وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل: إنه لا يجب التبييت في التطوع، ويروى عن عائشة: أنها تصح النية بعد الزوال. وروي عن علي - ﵁ - وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي: أنها لا تصح النية بعد الزوال، وروي عن علي وابن مسعود والنخعي: أنه لا يجب التبييت إلَّا في صوم القضاء والنذر المطلق والكفارات، وأن وقت النية في غير هذه من غروب شمس اليوم الأول إلى بقية من نهار اليوم الذي صامه.\nوقد استدل القائلون بأنه لا يجب التبييت بحديث سلمة بن الأكوع والربيع (١) عند الشيخين: أن رسول الله - ﷺ - أمر رجلًا من أسلم أَن أَذِّنْ في الناس إذ فرض صومُ عاشوراء \"ألا، من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم\".\nوأجيب بأن خبر حفصة متأخر، فهو ناسخ لجوازها في النهار، ولو سلم عدم النسخ فالنية إنما صحت في نهار عاشوراء، لأن الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورًا، فيخص الجواز بمثل هذه الصورة، أعني من ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن انكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان.\nواستدلوا أيضًا بحديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلنا: لا، فقال: فإني إذن صائم، الحديث.\nوأجيب عنه بأنه - ﷺ - قد كان نوى الصوم من الليل، وإنما أراد الفطر لما ضعف عن الصوم، وهو محتمل، ولو سلم عدم الاحتمال كان غايته تخصيص صوم التطوع من عموم قوله: \"فلا صيام له\".\n_________\n(١) أخرجه حديث سلمة بن الأكوع: البخاري (١٩٢٤، ٢٠٠٧)، ومسلم (١١٣٥)، والنسائي (٢٣٢١)، وابن خزيمة (٢٠٩٢)، وابن حبان (٣٦١٩)، والبيهقي (٤/ ٢٨٨)، وأحمد (٤/ ٤٧، ٤٨، ٥٠)، وأخرج حديث الربيع البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦)، وابن حبان (٣٦٢٠)، والطحاوي (٢/ ٧٣)، والبيهقي (٤/ ٢٨٨).","vol":"8","page":676},{"text":"قَال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ بْنُ حَازِمِ أَيْضًا جَمِيعًا، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ\n===\nقال في \"البدائع\" (١): وأما الكلام مع الشافعي (٢) في صوم رمضان فهو يحتج بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا صيام لمن لم يعزم الصوم من الليل\" (٣)، ولأن الإمساك من أول النهار إلى آخره ركن، فلا بد له من النية ليصير لله تعالى، وقد انعدمت في أول النهار، فلم يقع الإمساك في أول النهار لله تعالى لفقد شرطه، فكذا الباقي، لأن صوم الفرض لا يتجزأ.\nولنا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤)، أباح للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر متأخرًا عنه، لأن كلمة \"ثم\" للتعقيب مع التراخي، فكان هذا أمرًا بالصوم متراخيًا عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنية إذ لا صحة للصوم شرعًا بدون النية، فكان أمرًا بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، وقد أتى به فقد أتى بالمأمور به، فيخرج عن العهدة، إلى آخر ما قال.\nثم قال: وأما الحديث فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخًا للكتاب، لكنه يصلح مكملًا له، فيحمل على نفي الكمال كقوله: \"لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد\" (٥)، ليكون عملًا بالدليلين بقدر الإمكان.\n(قال أبو داود: رواه الليث وإسحاق بن حازم (٦) أيضًا جميعًا عن عبد الله بن\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٣٠).\n(٢) فيجب عنده التبييت في صوم رمضان كما في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٣٣٩). (ش).\n(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٧)، وأبو داود (٢٤٥٤)، والدارمي (٢/ ٧)، رقم (١٦٩٨).\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(٥) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٣/ ٥٧، ١٧٤).\n(٦) أخرج رواية الليث محمد بن نصر المروزي في \"السنَّة\" (ص ٣٨)، ورواية إسحاق بن حازم أخرجها ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٣).","vol":"8","page":677},{"text":"أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ، وَأَوْقَفَهُ (١) عَلَى حَفْصَةَ: مَعْمَرٌ (٢) وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وُيونُسُ الأَيْلِيُّ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>(٧١) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ فِيهِ </span>(٤)\n٢٤٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنا سُفْيَانُ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ\n===\nأبي بكر) (٥) كما روى عنه ابن لهيعة ويحيى بن أيوب (مثله) أي مرفوعًا. (وأوقفه) أي هذا الحديث (على حفصة: معمر والزبيدي وابن عيينة ويونس الأيلي (٦».\nقال الحافظ (٧): واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريج طرقه، وحكى الترمذي في \"العلل\" عن البخاري ترجيح وقفه، وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة، فصححوا الحديث المذكور، منهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم، وروى له الدارقطني طريقًا آخر وقال: رجالها ثقات.\n\n(٧١) (بَابٌ: في الرخْصَةِ فِيهِ)\nأي: في ترك النية بالليل في الصوم\n٢٤٥٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، ح: ونا عثمان بن\n_________\n(١) في نسخة: \"وقفه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن رشد\".\n(٣) زاد في نسخة: \"كلهم عن الزهري\".\n(٤) في نسخة: \"في ذلك\".\n(٥) قلت: وأوقفه مالك في \"موطئه\" على ابن عمر، وبسط الاختلاف العيني (٨/ ٧٥). (ش).\n(٦) رواية معمر أخرجها النسائي في \"سننه\" (٤/ ١٩٧)، والطحاوي في \"معاني الآثار\" (٢/ ٥٥)، ورواية الزبيدي لم أجدها فيما عندي من الكتب، ورواية سفيان أخرجها ابن أبي شيبة (٣/ ٣٢)، والنسائي (٤/ ١٩٧)، والدارقطني (٢/ ١٧٣)، والطحاوي (٢/ ٥٥)، ورواية الأيلي أخرجها النسائي (٤/ ١٩٧)، وانظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٠٠).\n(٧) \"فتح الباري\" (٤/ ١٤٢).","vol":"8","page":678},{"text":"أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عن طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عن عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ قَالَ: \"هَلْ عِنْدَكُم طَعَامٌ؟ \" فَإِذَا قُلْنَا: لَا، قَالَ: \"إِني صَائِمٌ\".\nزَادَ وَكِيع: فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَحَبَسْنَاهُ لَكَ، فَقَالَ: \"أَدْنِيهِ\" (١)، فَأَصْبَحَ صَائِمًّا وَأَفْطَرَ (٢). [م ١١٥٤، ن ٢٣٢٤، ت ٧٣٣، حم ٦/ ٤٩، خزيمة ٢١٤١]\n===\nأبي شيبة، نا وكيع جميعًا) أي سفيان ووكيع رويا (عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة - ﵂ - قالت: كان النبي - ﷺ - إذا دخل عليَّ قال: هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا، قال: إني صائم)، وإلى ها هنا اتفق سفيان ووكيع في لفظ الحديث (٣).\n(زاد وكيع: فدخل علينا يومًا آخر، ففلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس) هو طعام متخذ من تمر وأقط وسمن، أو دقيق، أو فَتِيتٍ بدل أقط (فحبسناه لك، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أَدْنيه) من الإدناء أي: قَرِّبِيْه، وفي لفظ مسلم: \"أرينيه\" من الإراءة (فأصبح صائمًا وأفطر).\nقال الحافظ (٤): قال ابن المنذر: اختلفوا فيمن أصبح يريد الإفطار، ثم بدا له أن يصوم تطوعًا، فقالت الطائفة: له أن يصوم متى بدا له، قال: وبه قال الشافعي وأحمد، قال: وقال ابن عمر: \"لا يصوم تطوعًا حتى يجمع من الليل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال: طلحة\".\n(٢) في نسخة: \"فأفطر\".\n(٣) وروي: \"إني إذًا لصائم\"، واستدل به من قال: إن الصوم يحكم به من وقت النية، ويخالفه ما في الزرقاني (٢/ ١٥٧). (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٤١).","vol":"8","page":679},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأو يتسحَّر\"، وقال مالك في النافلة: لا يصوم إلَّا أن يُبَيِّت، إلا إن كان يسرد الصوم فلا يحتاج إلى التبييت، وقال أهل الرأي: من أصبح مفطرًا ثم بدا له أن يصوم قبل منتصف النهار أجزأه، وإن بدا له ذلك بعد الزوال لم يجزئه، قلت: وهذا هو الأصح عند الشافعية، انتهى.\nقال النووى (١): في هذا الحديث دليل للجمهور في أن صوم النافلة يجوز نيته في النهار قبل زوال الشمس، وتأوَّله الآخرون على أن سؤاله: \"هل عندكم شيء؟ \"، لكونه كان نوى الصوم من الليل، ثم ضعف عنه وأراد الفطر لذلك، وهو تأويلٌ فاسدٌ، وتكلُّف بعيدٌ.\nقال القاري (٢): قال ميرك: الحديث يدل على جواز إفطار النفل، وبه قال الأكثرون، وقال أبو حنيفة: يجوز بعذر، وأما بدونه فلا، وقال القاضي: دل الحديث على أن الشروع في النفل لا يمنع الخروج عنه، كما قال: الصائم المتطوع أمير نفسه، وقال أصحاب أبي حنيفة (٣): يجب إتمامه، ويلزمه قضاؤه إن أفطر، وقال مالك: يقضي حيث لا عذر له، واحتجوا بحديث عائشة أن رسول الله - ﷺ - أمر بالقضاء، والحديث مرسل لا يقاوم الصحيح، على أن الأمر يحتمل الاستحباب كالأصل.\nولنا الكتاب والسنَّة والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٥) الآية، سيقت في معرض ذمهم على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم، والقدر المؤدى عمل كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصين، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٢٩١).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٧٠).\n(٣) وقال الشعراني (٢/ ٢٩٢): يجب إتمام صلاة التطوع وصوم التطوع عند أبي حنيفة ومالك، لا عند الشافعي وأحمد. (ش).\n(٤) سورة محمد: الآية ٣٣.\n(٥) سورة الحديد: الآية ٢٧.","vol":"8","page":680},{"text":"٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عن أمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ الْفَتْح- فَتْحِ مَكَّةَ- جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عن يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَأُمُّ هَانِئٍ عن يَمِينِهِ، قَالَتْ: فَجَاءَتِ الْوَليدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَنَاوَلَتْهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً،\n===\nعن الإبطال، وأما السنَّة فحديث عائشة عند الترمذي (١): قالت: \"كنت أنا وحفصة صائمتين\" الحديث. وأما القياس فعلى الحج والعمرة النفلين حيث يجب قضاؤهما إذا أفسدا.\n٢٤٥٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أم هانئ قال: لما كان يوم الفتح - فتح مكة- جاءت فاطمة) بنت رسول الله - ﷺ - (فجلست عن يسار رسول الله - ﷺ -، وأم هانئ عن يمينه) أي والحال أن أم هانئ جالسة عن يمينه، والكلام على خلاف مقتضى الظاهر، لأن الظاهر أن يقال: وأنا جالسة عن يمينه، أو جلست عن يمينه، فإما أن يحمل على التجريد، كأنها تحكي عن نفسها بذلك، أو أنَّ الراوي وضع كلامه مكان كلامها، فنقله بالمعنى.\n(قالت) أي أم هانئ: (فجاءت الوليدة) أي الأمة، ولم أقف على تسميتها (بإناء فيه شراب) أي من ماء، فإنه المراد عند الإطلاق (فناولته) أي أعطت الجارية الإناء رسول الله - ﷺ - (فشرب) أي رسول الله - ﷺ - (منه، ثم ناوله) أي الإناء (أم هانئ) إما لكونها عن اليمين، أو لسبقها بالإيمان، أو لكبر سنها (فشربت) أي أم هانئ (منه فقالت) أي أم هانئ: (يا رسول الله، لقد أفطرت وكنت) الواو للحال (صائمة) فما الحكم فيه؟ وإنما لم تسأل قبل تناوله ترجيحًا لسؤره على الصوم، أو خوفًا عن فوت سؤره ﵇.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٧٣٥).","vol":"8","page":681},{"text":"فَقَالَ لَهَا: \"أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيئًا؟ \"، قَالَتْ: لَا، قَالَ: \"فَلَا يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوّعًا\"\". [ت ٧٣١، حم ٦/ ٣٤٣، ق ٤/ ٢٧٦، دي ١٧٣٦]\n===\n(فقال) رسول الله - ﷺ - (لها: أكنتِ تقضين) أي بهذا الصوم (شيئًا؟) أي من الواجبات عليك (قالت) أي أم هانئ: (لا، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فلا يضرك) (١) أي الإفطار (إن كان) أي صومك (تطوعًا)، ولا دلالة فيه على وجوب القضاء وعدمه، وإنما وجب القضاء بدليل آخر وقد تقدم.\nقال الترمذي (٢): حديث أم هانئ في إسناده مقال (٣)، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء (٤) عليه إلا أن يحِبَّ أن يقضيَه، وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي.\nوقال الذهبي: في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو صدوق، رديء الحفظ، وقد غلط سماك في هذا الحديث، فقال في بعض الروايات: إن ذلك كان يوم الفتح، ويوم الفتح كان في رمضان، فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاءً أو تطوعًا؟\nقلت: وهذا الاستدلال في توهين الحديث فاسد، فإن رسول الله - ﷺ - خرج في فتح مكة من المدينة لعاشر رمضان، وكان الفتح لعشرين من رمضان، وأقام بمكة خمسة عشر ليلة بعد الفتح، ثم خرج النبي - ﷺ - إلى حنين لعاشر شوال.\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": أن المنفي الإثم دون القضاء، كما تدل عليه الرواية الآتية، انتهى. ومناسبة الحديث بالترجمة خفية. (ش).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ١١٠).\n(٣) وقال المنذري: لا يثبت، وفي إسناده اختلاف كثير، أشار إليه النسائي، كذا في\n\"المرقاة\" (٤/ ٥٧٥). (ش).\n(٤) قلت: والعجب أَنَّهم قالوا بأن الصائم المتطوع إذا أفسد صومه لا قضاء عليه، والحاج المتطوع إذا أفسده فعليه القضاء، فإنه حكى القاري في \"شرح اللباب\" الإجماع على قضائه. (ش).","vol":"8","page":682},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>(٧٢) بَابُ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ الْقَضَاء</span>\n٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عن ابْنِ الْهَادِ، عن زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: أُهْدِيَ لِي وَلحَفْصَةَ طَعَامٌ وَكُنَّا صَائِمَتَيْنِ فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ فَاشْتَهَيْنَاهَا فَأَفْطَرْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\nصرح بهذا أهل التاريخ، فظهر بهذا أن رسول الله - ﷺ - أقام بمكة بعد رمضان عدة أيام، فعلى هذا ما وقع في الحديث من قولها: \"لما كان يوم فتح مكة\" يشمل جميع الأيام التي أقام فيها بمكة زمن الفتح، كما هو ظاهر، وليس المراد من يوم فتح مكة اليوم الخاص الذي كان فيه الفتح.\n\n(٧٢) (بَابُ مَنْ رأى عَلَيْهِ)\nأي: على الصائم المتطوع (القَضَاءَ) إذا أفطر\n٢٤٥٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن زميل) بن عباس المدني الأسدي مولى عروة، روى عن عروة بن الزبير عن عائشة: \"أهدي بي ولحفصة طعام وكنا صائمتين\"، الحديث. وعنه يزيد بن الهاد، قال البخاري: ولا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد من زميل، ولا تقوم به الحجة، وقال النسائي: ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وروى حديثه أبو داود والنسائي، وعنه التصريح بسماع يزيد من زميل، قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بزميل هذا، وإسناده لا بأس به، وقال مُهَنَّا عن أحمد: لا أدري من هو؟ وقال الخطابي: مجهول.\n(مولى عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: أهدي لي ولحفصة) أم المؤمنين (طعام وكنا صائمتين) أي تطوعًا (فأفطرنا) بأكل الطعام (ثم دخل رسول الله - ﷺ - فقلنا له: يا رسول الله، إنا أهديت لنا هدية فاشتهيناها) وكنا صائمتين (فأفطرنا، فقال رسول الله - ﷺ -:","vol":"8","page":683},{"text":"\"لَا عَلَيْكمَا، صُومَا مَكانَهُ يَوْمًا آخَرَ\". [ت ٧٣٥، حم ٦/ ١٤١، ق ٤/ ٢٨٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>(٧٣) بَابُ الْمَرْأَةِ تَصُومُ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا</span>\n٢٤٥٨ - حَدّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنَبَّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ (١) وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ\n===\nلا عليكما) أي لا بأس عليكما في الإفطار للعذر وهو الاشتهاء، (صومًا مكانه) أي مكان ذلك الصوم (يومًا آخر)، ولفظ الترمذي: \"اقضيا يومًا آخر مكانه\".\nوهذا الحديث فيه دليل للحنفية (٢) على وجوب قضاء صوم التطوع إذا أفطر، فإن الأمر أصله للوجوب، فلا يعدل عنه إلَّا بدليل، ولا دليل على العدول.\n\n(٧٣) (بَابُ المَرْأَةِ تَصُومُ)\nأي: تطوعًا (بِغيرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) هل يجوز لها ذلك؟\n٢٤٥٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا تصوم) أي (٣) نفلًا، لئلا يفوت على الزوج الاستمتاع بها (امرأة وبعلها شاهد) أي حاضر معها في\n_________\n(١) في نسخة: \"المرأة\".\n(٢) وذكر في \"حاشية النسائي\" عدة روايات في الدلائل، انتهى. (ش).\n(٣) قال العيني (١٤/ ١٦٦): قد اتفق العلماء على أن المرأة يحرم عليها صوم التطوع وبعلها حاضر، إلَّا بإذنه لهذا الحديث، وقال الباجي (٣/ ٨٢): الظاهر أنه ليس للزوج جبرها على تأخير القضاء إلى شعبان بخلاف صوم التطوع، ونقل القرطبي عن بعض أشياخه أن لها أن تقضي بغير إذنه لأنه واجب، ويحمل الحديث على التطوع، انتهى. وقال الموفق في صوم التطوع للعبد: إن كان فيه ضرر للسيد فله منعه، وإلَّا لا، وللزوج منع زوجته منه في كل حال لأنه يفوت حقه من الاستمتاع. (ش). (انظر: \"المغني\" ١٣/ ٥٣٢).","vol":"8","page":684},{"text":"إِلَّا بِإِذْنِهِ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَلَا تَأْذَنُ في بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ\". [خ ٥١٩٢، م ١٠٢٦، ت ٧٨٢، حم ٢/ ٢٤٥، جه ١٧٦١، دي ١٧٢٠]\n٢٤٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وُيفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. قَالَ: وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ، فَقَالَ:\n===\nبلدها (إلَّا بإذنه) أي تصريحًا أو تلويحًا (غير رمضان، ولا تأذن) بالنصب (١) عطفًا على تصوم، أي ولا يحل لها أن تأذن أحدًا من الأجانب أو الأقارب حتى النساء (في بيته) أي في دخول بيته (وهو شاهد إلَّا بإذنه) أي بإذن الزوج، وفي معناه العلم برضاه.\n٢٤٥٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش (٢)، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: جاءت امرأة) لم أقف على تسميتها (إلى النبي - ﷺ - ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطل (٣) بتشديد الطاء المفتوحة (يضربني إذا صليت، ويُفَطِّرُني) بالتشديد، أي يأمرني بالإفطار، أو يبطل صومي (إذا صمت، ولا يصلي صلاةَ الفجر حتى تطلع الشمس، قال) أي أبو سعيد: (وصفوان) الواو للحال (عنده) أي عند رسول الله - ﷺ -.\n(قال) أي أبو سعيد: (فسأله) أي: فسأل رسول الله - ﷺ - صفوان ابن المعطل (عما قالت) امرأته في شكواها (فقال) أي صفوان:\n_________\n(١) الظاهر بدله: بالرفع. (ش).\n(٢) قال البزار: الحديث عندي منكر، ولعل الأعمش أخذه من غير ثقة فدلَّسه، فصار ظاهر سنده الصحة، وتعقبه الحافظ بالبسط (٩/ ٢٩٦). (ش).\n(٣) صاحب قصة الإفك. (ش).","vol":"8","page":685},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا قَوْلُهَا: يَضْرُبنِي إِذَا صَلَّيْتُ، فَإنَهَا تَقْرأُ بِسُورَتي وَقَدْ نَهَيْتُهَا، قَالَ: فَقَالَ: \"لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ\"،\n===\n(يا رسول الله، أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتي) (١) هكذا في المجتبائية والمصرية والمكتوبة الأحمدية بإضافة لفظ \"السورة\" (٢) إلى ياء المتكلم، والنسخة الأخرى على حاشية المكتوبة الأحمدية وحاشية المجتبائية: \"بسورتين\" بصيغة التثنية، وهكذا في متن نسخة \"العون\" و\"المشكاة\"، وأَقَرَّه القاري فقال في \"شرحه\" (٣): بسورتين طويلتين في ركعة أو ركعتين.\nوكتب على حاشية المكتوبة الأحمدية معزوًا إلى مولانا، والمراد به مولانا محمد إسحاق الدهلوي ثم المهاجر المكي: قوله: \"بسورتي\"، وفي بعض النسخ: \"بسورتين\" بصيغة التثنية، الثاني هو الظاهر الموافق للجواب لمولانا.\n(وقد نهيتها) أي عن تطويل القراءة أو إطالة الصلاة (قال) أي أبو سعيد: (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لو كانت) أي القراءة بعد بالفاتحة، وقال الطيبي (٤): لو كانت القراءة سورة واحدة وهي الفاتحة (٥) (سورة واحدة) أي: أيَّ سورة كانت ولو أقصرها (لكفت الناس) أي لأجزأتهم كافتهم جمعًا وأفرادًا، فمعنى قوله - ﷺ -: \"لو كانت سورة\" إلى آخره على النسخة التي فيها لفظ السورة مضاف إلى ياء المتكلم، معناه لو كانت سورة واحدة في القرآن لكفت الناس قراءتها في الصلاة، فلا ينبغي لك أن تنهاها عن السورة التي تقرأها، فعلى هذا في الكلام زجر لصفوان عن نهيها عن السورة التي تقرؤها.\nوأما على النسخة الأُخرى فمعناها: لو كانت سورة واحدة، أي لو كانت\n_________\n(١) ذكر في \"التقرير\": إن كان التثنية فحذف نون بدون القياس. (ش).\n(٢) ويؤيده ما في \"التلقيح\" (ص ٤٧٧): قال: إن معي سورة ليس معي غيرها هي تقرأها ... إلخ. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٠٩).\n(٤) \"شرح الطيبي (٦/ ٣٢١).\n(٥) وفي \"التقرير\": سوى الفاتحة، انتهى. (ش).","vol":"8","page":686},{"text":"وَأَمَّا قَوْلُهَا: يُفَطِّرُنِي، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَا أَصْبِرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يوْمَئِذٍ: \"لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا\". وَأَمَّا قَوْلُهَا: إِنِّي لَا أُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ\n===\nقراءة الناس في الصلاة بسورة واحدة لكفت الناس، وفي هذا زجر لامرأة صفوان على أنه لا ينبغي لها أن تُطَوِّل القراءة بقراءة سورتين، فإنها يكفي لها أن تقرأ بسورة واحدة قصيرة، والله أعلم.\nوقد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (١) من طريق جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد على لفظ أبي داود ولفظه: \"فإنها تقرأ سورتين فقد نهيتها عنها\".\nثم أخرج من طريق أبي بكر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: \"جاءت امرأة صفوان بن معطل إلى النبي - ﷺ - قالت: إن صفوان يُفَطِّرُني إذا صمت، ويضربني إذا صليت، ولا يصلي الغداة حتى تطلع الشمس، قال: فأرسل إليه، فقال: ما تقول هذه؟ قال: أما قولها: يفطرني، فإني رجل شاب وقد نهيتها أن تصوم، قال: فيومئذ نهى رسول الله - ﷺ - أن تصوم المرأة إلَّا بإذن زوجها، قال: وأما قولها: إني أضربها على الصلاة، فإنها تقرأ بسورتي فتُعَطِّلني، قال: لو قرأها الناس ما ضرك، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإني ثقيل الرأس، وأنا من أهل بيت يُعرفون بذاك، بثَقل الرؤوس، قال: فإذا قمت فصل\".\n(وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم) أي نفلًا (وأنا رجل شاب فلا أصبر) (٢) أي عن جماع النهار (فقال رسول الله - ﷺ - يومئذ: لا تصوم المرأة) أي تطوعًا (إلَّا بإذن زوجها، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنَّا أهل بيت) أي: إنا أهل بيت لهم شغل لا ننام الليل (قد عرف\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٣/ ٨٠ - ٨٥).\n(٢) ويشكل عليه ما في قصة الإفك: \"ما كنفت كشف أنثى قط\"، وأوَّله الحافظ (٨/ ٤٦٢) بأنها كانت قبل هذا، وسيأتي في \"البذل\". (ش).","vol":"8","page":687},{"text":"لَنَا ذَاكَ، لَا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ: \"فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ\". [جه ١٧٦٢، حم ٣/ ٨٠، دي ١٧١٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ- عن حُمَيْدٍ أَوْ ثَابِتٍ عن أَبِي الْمُتَوَكِّلِ.\n===\nلنا ذاك) أي عادتنا ذلك، وهي أنهم كانوا يسقون الماء في طول الليالي، (لا نكاد نستيقظ) أي إذا رقدنا آخر الليل (حتى تطلع الشمس) (١) حقيقة أو مجاز مشارفة.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فإذا استيقظت) يا صفوان (فصَلِّ)، وقد روي عنه - ﷺ -: \"أنه لا تفريط في النوم\"، وروي عنه: \"إذا نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\"، وكان صفوان معذورًا في ترك الجماعة أو في ترك الصلاة، قلت: والعذر بالاستيقاظ في أول الليل للسقي، ذكره القاري في شرحه على \"المشكاة\" (٢)، ولكن رواية أبي بكر التي أخرجها الإِمام أحمد في \"مسنده\" المذكورة قبل تدل على أن ليس لهم عذر إلَّا ثقل النوم.\n(قال أبو داود: رواه حماد - يعني ابن سلمة- عن حميد أو ثابت عن أبي المتوكل)، قال الحافظ (٣): وإسناد هذا الحديث صحيح، ولكن يشكل عليه أن عائشة قالت في حديث الإفك: \"إن صفوان قال: ما كشفت كنف أنثى قط\"، وقد أورد هذا الإشكال قديمًا على البخاري، ومال إلى تضعيف حديث أبي سعيد بذلك، ويمكن أن يجاب بأنه تزوَّج بعد ذلك، أكلت: ويمكن أن يجاب عنه أن معنى قوله: \"ما كشفت كنف أنثى قط\" أي: حرامًا.\nقلت: ولم أجد هذا الحديث بهذا الطريق فيما عندي من كتب الحديث (٤).\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": فيه مبالغة، والمراد الإسفار جدًا، وعندي يحتمل الخصيصة كما قلته في أول الكتاب في حديث البردين. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤١٠).\n(٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٦٢).\n(٤) قلت: رواية حماد أخرجها الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\"، وأورده البوصيري في \"إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة\" (٣/ ١٢٩) رقم (٢٣٦٦)، وانظر: \"زوائد مسند الحارث\" للهيثمي (ص ٨٦)، رقم (٢٢٨).","vol":"8","page":688},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>(٧٤) في الصَّائِمِ يُدْعَى إِلَى وَليمَةٍ</span>\n٢٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو خَالِدٍ، عن هِشَامٍ، عن ابْنِ سِيرِينَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائمًا فَليُصَلِّ\".\nقَالَ هِشَامٌ: وَالصَّلَاةُ الدُّعَاءُ. [م ١١٥٠، ت ٧٨٠، حم ٢/ ٢٧٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ أَيضًا (١).\n===\n\n(٧٤) (في الصَّائِمِ يُدْعَى إِلَى وَليْمَةٍ)\n٢٤٦٠ - (حدثنا عبد الله بن سعيد، نا أبو خالد، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا دعي أحدكم) أي إلى طعام عرسًا كان أو نحوه (فليجب) أي فليحضر، قال ابن الملك (٢): قيل: الأمر للوجوب، وهذا فيمن ليس له عذر، وأما من كان معذورًا بأن كان الطريق بعيدًا يلحقه به مشقة، فلا بأس بالتخلف عن الإجابة، قيل: ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه، والجمهور على أنه للندب.\n(فإن كان مفطرًا فليطعم) أي: ندبًا، وقيل: وجوبًا إن خاف المعاداة (وإن كان صائمًا فليصل) ورواه الطبراني عن ابن مسعود ولفظه: \"فليدع بالبركة\" بدل قوله: \"فليصل\"، وقيل: \"فليصل ركعتين\"، وفي الحديث الآتي: \"فليقل: إني صائم\"، والجمع بين الحديثين أنه يعتذر أولًا ويقول: إني صائم، فإن أبى فليحضر وليدع له بالبركة، (قال هشام: والصلاة) أي المراد بالصلاة في قوله: \"فليصل\" (الدعاء) أي للداعي.\n(قال أبو داود: رواه حفص بن غياث (٣) أيضًا)، أي عن هشام كما في نسخة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن هشام\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٣٧١).\n(٣) أخرج روايته مسلم في \"صحيحه\" رقم (١٤٣١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٢/ ١١٩) رقم (٥٣٠٦)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (١٠/ ٤٢٤) رقم (٦٠٣٦).","vol":"8","page":689},{"text":"(١)\n٢٤٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَج، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلَى طَعَامٍ (٢) وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ\". [م ١١٥١، ت ٧٨١، جه ١٧٥٠، حم ٢/ ٢٤٢، دي ١٧٣٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>(٧٥) الاعْتِكَافِ</span>\n===\n٢٤٦١ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم)، أي: فليظهر عذره بأني صائم، فإن قبل عذره فبها، وإلَّا حضر الدعوة وهو مخير في الأكل وتركه إلَّا أن يتأذى بترك الإفطار، فحينئذ الأفضل الإفطار وإلَّا فلا.\n\n(٧٥) (الاعْتِكَافُ) (٣)\nوهو لغةً: لزوم الشيء وحبس النفس عليه، وشرعًا: المقام في المسجد (٤) من شخص مخصوص على صفة مخصوصة، وهو في الأصل سنَّة، وليس بواجب إجماعًا إلَّا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدًا عند قوم، وعند الحنفية سنَّة مؤكدة في العشر الأخير من رمضان سنَّة كفاية، كما في \"البرهان\" وغيره، لاقترانها بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة ﵃.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام\".\n(٢) في نسخة: \"الطعام\".\n(٣) لما كان من سنن رمضان تعوَّدوا ذكره بعد آداب الصيام، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٤) واختلفوا في أن الاعتكاف والمجاورة واحد، كما قاله عمرو بن دينار، أو مختلفان كما قاله عطاء: إن الاعتكاف في جوف المسجد، والمجاورة أعم منه ومن بابه، كذا في \"عمدة القاري\" (٨/ ٢٦٧). (ش).","vol":"8","page":690},{"text":"٢٤٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ\". [خ ٢٠٢٦، م ١١٧١، ت ٧٩٠، حم ٢/ ٢٨١]\n٢٤٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى (١)، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ، عن أَبِي رَافِعٍ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعْب: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلمَّا كَانَ في الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً\". [جه ١٧٧٠، حم ٥/ ١٤١، خزيمة ٣/ ٣٤٦، ن ٣٣٤٤]\n===\n٢٤٦٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أنَّ النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله) وهذا يدل على أنه لم ينسخ، (ثم اعتكف أزواجه من بعده) أي في بيوتهن، وهذا يدل على أنه ليس من الخصائص.\n٢٤٦٣ - (حدثنا موسى، نا حماد، أنا ثابت، عن أبي رافع، عن أُبيِّ بن كعب: أن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عامًا) لعذر، (فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ليلة).\nوأخرج ابن ماجه (٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي بن كعب: \"أن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يومًا\"، وهذا صريح في أن العذر كان هو السفر.\nقال السندي في بيان سفره - ﷺ -: الظاهر أنه عام الفتح، وفي هذا دلالة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن إسماعيل\".\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (١٧٧٠).","vol":"8","page":691},{"text":"٢٤٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ،\n===\nعلى أنه - ﷺ - يقضي الاعتكاف الفائت، فإما لأنه كان واجبًا عليه مخصوصًا فيقضيه أو لتأكد سُنِّيتِه.\n٢٤٦٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية ويعلي بن عبيد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر، ثم دخل معتكفه) (١).\nقال الحافظ (٢): وفي الحديث أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعدَّه لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها.\nقلت: لا إشكال فيه على منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، فإنه ليس في الحديث ذكر الخروج من العبادة، بل معنى الحديث أنه إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان دخل المسجد قبيل ليلة إحدى وعشرين، ولبث في المسجد بالليل حتى صلَّى الفجر، ثم دخل معتكفه أي البناء الذي بُني له في المسجد لاعتكافه، وإنما لم يدخل في بنائه بالليل، لأن الدخول فيه للتخلي، وزمان الليل بنفسه وقت الخلوة، فلم يحتج بالليل إلى الخلوة، وإنما الاحتياج إلى الخلوة بالنهار، فتخلى بالدخول في المعتكف.\n_________\n(١) وفي \"شرح الإحياء\" (٤/ ٣٨٦): هو قول الأوزاعي وأبي ثور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والليث في أحد قوليه، وحكاه الترمذي عن أحمد، وحكاه النووي عن الثوري وصححه ابن العربي، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به إلا الأوزاعي والليث وطائفة من التابعين، انتهى. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٧).","vol":"8","page":692},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال السندي (١): ظاهره أن المعتكف يشرع في الاعتكاف بعد صلاة الصبح، ومذهب الجمهور أنه يشرع من ليلة الحادي والعشرين، وقد أخذ بظاهر الحديث قوم إلَّا أنهم حملوه على أنه يشرع من صبح الحادي والعشرين، فرد عليه الجمهور بأن المعلوم أنه كان - ﷺ - يعتكف العشر الأواخر، ويحث الصحابة عليه، وعدد العشر عدد الليالي، فتدخل فيه الليلة الأولى، وإلَّا لا يتم هذا العدد أصلًا، وأيضًا من أعظم ما يطلب بالاعتكاف إدراك ليلة القدر، وهي قد تكون ليلة الحادي والعشرين كما جاء في حديث أبي داود، فينبغي له أن يكون معتكفًا فيها، لا أن يعتكف بعدها.\nوأجاب النووي عن الجمهور بتأويل الحديث أنه دخل معتكفه وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان قبل المغرب معتكفًا لابثًا في جملة المسجد، فلما أصبح انفرد، انتهى.\nولا يخفى أن قولها: \"كان إذا أراد أن يعتكف\"، يفيد أنه كان يدخل المعتكف حين يريد الاعتكاف، لا أنه يدخل في الشروع في الاعتكاف في الليل، وأيضًا المتبادر من لفظ الحديث أنه بيان لكيفية الشروع في الاعتكاف و[على] هذا التأويل لم يكن بيانًا لكيفية الشروع، ثم لازم هذا التأويل أن يقال: السنة للمعتكف أن يلبث أول ليلة في المسجد، ولا يدخل في المعتكف، وإنما يدخل فيه من الصبح، وإلَّا يلزم ترك العمل بالحديث، وعند تركه لا حاجة إلى التأويل، والجمهور لا يقول بهذه السنَّة، فيلزم عليهم ترك العمل بالحديث.\nوأجاب القاضي أبو يعلى من الحنابلة يحمل الحديث على أنه كان يفعل ذلك في يوم العشرين، ليستظهر ببياض يوم زيادة قبل العشر.\nقلت: وهذا الجواب هو الذي يفيده النظر في أحاديث الباب فهو أولى، وبالاعتماد أحرى.\n_________\n(١) انظر: \"شرح سنن ابن ماجه\" (٢/ ٣٥٨، ٣٥٩).","vol":"8","page":693},{"text":"قَالَتْ: وَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَتْ: فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ،\n===\nبقي أنه يلزم أن تكون السنَّة الشروع في الاعتكاف من صبح العشرين استظهارًا باليوم الأول، ولا بُعد في التزامه، وكلام الجمهور لا ينافيه فإنهم ما تعرضوا له لا إثباتًا ولا نفيًا، وإنما تعرضوا لدخول ليلة الحادي والعشرين وهو حاصل، غاية الأمر أن قواعدهم تقتضي أن يكون هذا الأمر سنَّة عندهم فلنقل، وعدم التعرض ليس دليلًا على العدم، ومثل هذا الإيراد يرد على جواب النووي مع ظهور مخالفة الحديث، انتهى.\nقلت: والذي قال السندي في تأييد قول من قال بشروع الاعتكاف من صبح الحادي والعشرين بعيد، وما تأوَّله النووي هو الأقرب، ويمكن أن يعترض على القائلين بشروع الاعتكاف من صبح الحادي والعشرين أنه ترك العمل بالحديث، فإن الحديث لا ثبت أن شروع الاعتكاف من الحادي والعشرين، بل الثابت بالحديث أن السنَّة في الاعتكاف أن يشرع بعد مضي جزء من النهار، وهو من طلوع الصبح إلى ما بعد الصلاة، فعلى هذا لا يكون اعتكافه اعتكاف نهار تام، فلم يكن معتكف العشر تامًا، والله أعلم.\n(قالت: وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، قالت: فأمر) أي رسول الله - ﷺ - (ببنائه) أي خبائه (فضرب) وفي رواية البخاري: \"فكنت أضرب له خباءً\"، (فلما رأيت (١) ذلك) أي ضرب خباء النبي - ﷺ - (أمرت ببنائي فضرب).\nقال الحافظ (٢): في رواية الأوزاعي المذكورة: \"فاستأذنته عائشة فأذن\n_________\n(١) وليس في رواية مسلم ذكر عائشة بل ذكر زينب فقط، ولفظها: \"فضرب لما أراد الاعتكاف، فأمرت زينب بخبائها\"، الحديث، ولا إشكال فإن الروايتين معًا مختصرتان، لأن الأخبئة كانت ثلاثة لهما ولحفصة، وهذه الثلاثة هي المراد بالأزواج لا كلها. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٦).","vol":"8","page":694},{"text":"قَالَتْ: وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إِلَى الأَبْنِيَةِ، فَقَالَ: \"مَا هَذِهِ؟ آلْبِرّ تُرِدْنَ؟ \"، قَالَتْ: فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ\n===\nلها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت\"، وفي رواية ابن فضيل المذكورة: \"فاستأذنت عائشة أن تعتكف فأذن لها، فضربت قبة، فسمعت بها حفصة، فضربت قبة\"، وهذا يشعر أنها فعلت ذلك بغير إذن، لكن رواية ابن عيينة عند النسائي: \"ثم استأذنته حفصة فأذن لها\"، وقد ظهر من رواية حماد والأوزاعي أن ذلك كان على لسان عائشة.\n(قالت: وأمر غيري من أزواج النبي - ﷺ - ببنائه)، وفي نسخة: \"ببنائها\" بتأنيث الضمير، وهو أوفق بالقواعد، وأما التذكير فباعتبار أن المرجع لفظ غيري، أو لفظ الزوج في الأزواج، والمراد بالغير حفصة وزينب.\n(فضرب، فلما صلَّى) أي رسول الله - ﷺ - (الفجر) أي صلاة الفجر، وأراد أن ينصرف إلى بنائه (نظر إلى الأبنية، فقال: ما هذه؟)، وفي رواية البخاري: \"ما هذا؟ \" فأخبر، أي هذه الأبنية أبنية أزواجه (آلبر) بهمزة استفهام ممدودة (تردن؟)، ولفظ رواية البخاري: \"آلبر ترون بهن\"، ولفظ آخر: \"آلبر تقولون بهن\"، قال الحافظ: ووقع في رواية الأوزاعي: \"آلبر أردن بهذا\"، وفي رواية ابن عيينة: \"آلبر تقولون يردن بهذا\".\nوالخطاب للحاضرين من الرجال وغيرهم، وما في أبي داود \"تردن\" بصيغة جمع المؤنث المخاطبة، هكذا في جميع نسخه، ولفظ مسلم: \"آلبر يردن\" بصيغة الغيبة، وفي نسخة: \"تردن\" بصيغة الخطاب للنساء.\n(قالت: فأمر ببنائه فَقُوِّض) أي: أزيل وقلع، وفي رواية بعد قوله: آلبر: \"انزعوها فلا أراها\"، قال الحافظ (١): وكأنه - ﷺ - خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة والتنافس الناشئ عن المغيرة حرصًا على القرب منه خاصة، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو لما أذن لعائشة وحفصة أولًا كان ذلك\n_________\n(١) \"فتح الباري (٤/ ٢٧٦).","vol":"8","page":695},{"text":"وَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوِّضَتْ، ثُمَّ أَخَّرَ الاِعْتِكَافَ إِلَى الْعَشْرِ الأُوَّلِ يَعْنِى مِنْ شَوَّالٍ. [خ ٢٠٣٣، م ١١٧٣، جه ١٧٧١، ت ٧٩١ (مختصرًا)]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالأَوْزَاعِيُّ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: \"اعْتَكَفَ عِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ\".\n===\nخفيفًا بالنسبة إلى ما يفضي إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك فيضيق المسجد على المصلين، أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيِّره كالجالس في بيته، وربما شغلته عن التخلي لما قصد من العبادة، فيفوت مقصود الاعتكاف.\n(وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت، ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول يعني من شوال)، لفظ البخاري في حديث حماد بن زيد: \"ثم اعتكف عشرًا من شوال\"، ولفظ مالك عند البخاري: \"حتى اعتكف عشرًا من شوال\"، قال الحافظ: وفي رواية ابن فضيل: \"فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال\"، وفي رواية أبي معاوية: \"فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال\"، ويجمع بينه وبين رواية ابن فضيل بأن المراد بقوله: \"آخر العشر من شوال\" انتهاء اعتكافه.\n(قال أبو داود: رواه ابن إسحاق والأوزاعي (١) عن يحيى بن سعيد نحوه) أي نحو حديث أبي معاوية ويعلي بن عبيد عن يحيى بن سعيد في قوله: عشرًا من شوال (ورواه مالك (٢) عن يحيى بن سعيد قال) أي يحيى بن سعيد: (اعتكف عشرين (٣) من شوال).\n_________\n(١) أخرج رواية ابن إسحاق مسلم في \"صحيحه\" (٢٧٧٧)، ورواية الأوزاعي أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٨٤)، والبخاري (٢٠٤٥)، ومسلم (٢٧٧٧).\n(٢) الموطأ\" (١/ ٢٩١) رقم (٧١٣).\n(٣) قال ابن رسلان: هكذا وقع، والمحفوظ عشرًا من شوال. (ش).","vol":"8","page":696},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: هذا القول مخالف لما أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١) عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، وفيه: \"فلم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال\"، وكذلك أخرج مالك فى \"موطئه\" (٢): حدثني يحيى عن زياد عن مالك عن ابن شهاب عن عمرة بنت عبد الرحمن [عن عائشة:] أن رسول الله - ﷺ - أراد أن يعتكف، وفيه: \"فلم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال\".\nقال الزرقاني في \"شرحه\" (٣): قال ابن عبد البر (٤): هذا غلط وخطأ مفرط، لا أدري هل هو من يحيى أم من زياد؟ إلَّا أن منهم من يصله عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، ومنهم من يرسله، ولم يتابعه أحد عليه من رواة \"الموطأ\"، ولا يعرف هذا الحديث لابن شهاب لا من حديث مالك ولا من غيره، وإنما الحديث لجميع رواة \"موطأ مالك\" عن يحيى بن سعيد الأنصاري، إلَّا أن منهم من يصله عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، ومنهم من يرسله فلا يذكر عائشة، ومنهم من يقطعه فلا يذكر عمرة، انتهى، وبه يتعقب قول \"فتح الباري\": إنه مرسل عن عمرة في \"الموطآت\" كلها.\nقال الحافظ (٥): قال الإسماعيلي: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن أول شوال هو يوم الفطر، وصومه حرام.\nقال الزرقاني (٦): فتعقب بأن المعنى كان ابتداؤه في العشر الأول، وهو صادق بما إذا ابتدأ باليوم الثاني فلا دليل فيه لما قاله، واستدل به المالكية على وجوب قضاء النفل لمن شرع فيه ثم أبطله، وقال غيرهم: يقضي ندبًا.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٢٠٣٤).\n(٢) موطأ مالك\" (١/ ٣١٦) رقم الحديث (٦٣٥).\n(٣) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٢٠٩).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" (١٠/ ٣٠٢)، وانظر: \"التمهيد\" (١١/ ١٨٩، ١٩٠).\n(٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٦).\n(٦) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٢١٠).","vol":"8","page":697},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>(٧٦) بَاب: أَيْنَ يَكُونُ الاعْتِكَاف</span>؟\n٢٤٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَ نَافِعٌ: وَقَدْ أَرَانِى عَبْدُ اللَّهِ الْمَكَانَ الَّذِى يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَسْجِدِ. [خ ٢٠٢٥، م ١١٧١، جه ١٧٧٣]\n===\n\n(٧٦) (بَابٌ: أَيْنَ يَكُونُ الاعْتِكَافُ؟)\n٢٤٦٥ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، عن يونس، أن نافعًا أخبره، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، قال نافع: وقد أراني عبد الله) أي ابن عمر (المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله - ﷺ - من المسجد)، وقد روى ابن ماجه (١) بسنده عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: \"أنه كان إذا اعتكف، طرح له فراشُهُ، أو يوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة\".\nقال في \"وفاء الوفاء\" (٢): قال البدر ابن فرحون: ونقل الطبراني في \"معجمه\" عن ابن عمر - ﵄-: أن ذلك مما يلي القبلة يستند إليها.\nقلت: ورواه البيهقي (٣) بسند حسن، ولفظه: \"أن رسول الله - ﷺ - كان إذا اعتكف يُطْرَحُ له فراشه أو سريره إلى أسطوانة التوبة مما يلي القبلة يستند إليها\".\nقال النووي (٤): وفي هذه الأحاديث أن الاعتكاف لا يصح إلَّا في المسجد، لأن النبي - ﷺ - وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١٧٧٤).\n(٢) (٢/ ١٨٣).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٤٧).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٢٤).","vol":"8","page":698},{"text":"٢٤٦٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عن أَبِي بَكْرٍ، عن أَبِي حَصِينٍ،\n===\nفي ملازمته، فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لا سيما النساء، لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر.\nوهذا الذي ذكرناه من اختصاصه بالمسجد، وأنه لا يصح في غيره، هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور، سواء الرجل والمرأة، وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيته، وهو الموضع المهيَّأ من بيتها لصلاتها، قال: ولا يجوز للرجل في مسجد بيته، وكمذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي ضعيف عند أصحابه، وجوَّزه بعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي للمرأة والرجل في مسجد بيتهما.\nثم اختلف الجمهور المشترطون المسجد العام، فقال الشافعي ومالك وجمهورهم: يصح الاعتكاف في كل مسجد، وقال أحمد (١): يختص بمسجد تقام الجماعة الراتبة فيه، وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلَّى فيه الصلوات كلها، وقال الزهري وآخرون: يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة، ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصحابي اختصاصه بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام ومسجد المدينة، والأقصى، وأجمعوا على أنه لا حَدَّ لأكثر الاعتكاف، والله أعلم، انتهى.\n٢٤٦٦ - (حدثنا هناد، عن أبي بكر) بن عياش، (عن أبي حصين) بفتح\n_________\n(١) ونقل الشوكاني مذهب أحمد مسجد جمعة، فتأمل، [قلت: وبعد بحث شديد في \"النيل \" (٣/ ٢٥٥) ما وجدت مذهب أحمد باشتراط مسجد الجمعة، بل وجدناه موافقًا لمذهب \"الحنفية\" والله أعلم بالصواب]، وفي \"الروض المربع\" (١/ ٤٤٦) اشتراط مسجد الجماعة، وندب مسجد الجمعة لمن تخلل في اعتكافه الجمعة، وبسط العيني (١١/ ١٤١) الكلام على المذاهب، وحكى اشتراط مسجد الجمعة قولًا لمالك دون أحمد، فتأمل، وكذا الحافظ (٤/ ٢٧٢)، وكذا في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٣٨٧)، وهو الصواب لما قد جزم به في الدردير (٣/ ١٨١) إذ قال: الجمع متعين لمن في اعتكافه جمعة. (ش).","vol":"8","page":699},{"text":"عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعْتَكِفُ كُلَّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا\". [خ ٢٠٤٤، جه ١٧٦٩، حم ٢/ ٣٣٦، ن ٣٣٤٣]\n===\nالمهملة مُكَبَّرًا، عثمان بن عاصم بن حصين، (عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة قال: كان النبي - ﷺ - يعتكف كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا).\nقال الحافظ (١): قيل: السبب في ذلك أنه - ﷺ - علم بانقضاء أجله، فأراد أن يستكثر من أعمال الخير ليتبين لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر (٢) ليلقوا الله على خير أحوالهم.\nوقيل: السبب فيه أن جبرائيل كان يعارضه بالقرآن في كل رمضان مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين.\nوقال ابن العربي (٣): يحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لما ترك الاعتكاف في العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه، واعتكف بدله عشرًا من شوال، اعتكف في العام الذي يليه عشرين ليتحقق قضاء العشر في رمضان، انتهى.\nوأقوى من ذلك أنه إنما اعتكف في ذلك العام عشرين، لأنه كان في العام الذي قبله مسافرًا، ويدل لذلك ما أخرجه النسائي (٤) واللفظ له وأبو داود وصحَّحه ابن حبان وغيره من حديث أُبَيِّ بن كعب: \"أن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين\"، ويحتمل تعدد هذه القصة بتعدد السبب، فيكون مرة بسبب تركه الاعتكاف لعذر السفر، ومرة بسبب عرض القرآن مرتين.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٥).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"فتح الباري\": العمل.\n(٣) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٤/ ٦).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٣٣٤٤)، وانظر: \"سنن أبي داود\" (٢٤٦٣)، و\"سنن ابن ماجه\" (١٧٧٠).","vol":"8","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>(٧٧) الْمُعْتَكِفُ يَدْخُلُ البَيْتَ لِحَاجَتِهِ </span>(١)\n٢٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ (٢)، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِى إِلَىَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ (٣) لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ\". [خ ٢٠٢٩، م ٢٩٧، ت ٨٠٤، ن ٣٨٧، جه ٦٣٣، حم ٦/ ٨١]\n===\n\n(٧٧) (الْمُعْتَكِفُ يَدْخُلُ البَيْتَ لِحَاجَتِهِ)\n٢٤٦٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة)، وفي رواية الليث جمع بينهما، فقال: \"عن عروة وعن عمرة\"، ورواه يونس عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة وحده، فذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد (بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اعتكف يدني) أي يقرب \"إِلَيَّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلَّا لحاجة الإنسان).\nقال الحافظ (٤): وفسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه، وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضًا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة، وقال الثوري والشافعي وإسحاق: إن شرط شيئًا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد.\n_________\n(١) في نسخة: \"للحاجة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن الزبير\".\n(٣) في نسخة: \"فكان\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٣).","vol":"8","page":701},{"text":"٢٤٦٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَة قَالَا: نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ. [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ، عن الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ مَالِكًا عَلَى: عُرْوَةَ عن عَمْرَةَ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ.\n===\n٢٤٦٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وعبد الله بن مسلمة قالا: نا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - نحوه) أي نحو حديث مالك.\n(قال أبو داود: وكذلك) أي كما روى الليث (رواه يونس (١) عن الزهري) عن عروة وعمرة عن عائشة (ولم يتابع أحد مالكًا (٢) على: عروة عن عمرة) أي في إيراد لفظ \"عن\" بين عروة وعمرة، قال الحافظ (٣): وذكر البخاري أن عبيد الله بن عمر تابع مالكًا، وذكر الدارقطني أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهري، (ورواه معمر وزياد بن سعد (٤) وغيرهما عن الزهري عن عروة عن عائشة) أي ولم يذكروا عمرة، وإنهم اختصروا بترك ذكر عمرة (٥).\n_________\n(١) أخرج روايته ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٣٤٨) رقم (٢٢٣٠).\n(٢) وبسط الكلام على الاختلاف على مالك في \"شرح الإحياء\" (٤/ ٣٩٨)، بما لا مزيد عليه. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٣).\n(٤) رواية معمر أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٢٣١ - ٢٣٤)، والبخاري في \"صحيحه\" (٢٠٤٦)، والنسائي في \"سننه\" (١/ ١٩٣)، ورواية زياد بن سعد أخرجها النسائي في \"الكبرى\" (٣٣٦٩).\n(٥) قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٣): واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد، وقد رواه بعضهم عن مالك فوافق الليث، [أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٣٣٥٩)] =","vol":"8","page":702},{"text":"٢٤٦٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَكُونُ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ، فَيُنَاوِلُنِي رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الْحُجْرَةِ فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ - وَقَالَ مُسَدَّدٌ: فَأُرَجِّلُهُ - وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر الحديث السابق]\n٢٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ الْمَرْوَزِىُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عن صَفِيَّةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ،\n===\n٢٤٦٩ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يكون معتكفًا في المسجد، فيناولني رأسه من) جانب (خلل الحجرة فأغسل رأسه).\nقال الحافظ (١): في رواية أحمد والنسائي: \"كان يأتيني وهو معتكف في المسجد، فيتكئ على باب حجرتي، فأغسل رأسه، وسائره في المسجد\"، وفي إخراج رأسه دلالة على اشتراط المسجد للاعتكاف، وعلى أن من أخرج بعض بدنه من مكان حلف أن لا يخرج منه، لم يحنث حتى يُخرجَ رجليه ويعتمد عليهما.\n(وقال مسدد: فأرجِّله) أي: أمشطه (وأنا حائض).\n٢٤٧٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه المروزي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين) زين العابدين، (عن صفية) أم المؤمنين (قالت: كان رسول الله - ﷺ - معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا فحدثته)،\n_________\n= قلت: وكذا رواه مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بمثل حديث يونس، أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٢٣١).\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٣).","vol":"8","page":703},{"text":"ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِى لِيَقْلِبَنِى، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِى دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ،\n===\nولفظ البخاري في حديث شعيب: \"إنها جاءت إلى رسول الله - ﷺ - تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة\" (ثم قمت فانقلبت) أي إلى بيتي (فقام) أي رسول الله - ﷺ - (معي ليقلبني) أي يردني إلى بيتي (وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد).\nقال الحافظ (١): وفي رواية هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري: \"كان النبي - ﷺ - في المسجد وعنده أزواجه فرحن، وقال لصفية: لا تعجلي حتى أنصرف معك\"، والذي يظهر أن اختصاص صفية بذلك لكون مجيئها تأخر عن رفقتها، فأمرها بتأخير التوجه ليحصل لها التساوي في مدة جلوسهن عنده، أو أن بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها، فخشي النبي - ﷺ - عليها، أو كان مشغولًا فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيِّعها، وقول الراوي: \"وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد\"، معناه: الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد، لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية.\n(فمر رجلان من الأنصار)، ولفظ البخاري في حديث شعيب عن الزهري: \"حتى إذا بلغت باب المسجهد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار\".\nقال الحافظ (٢): لم أقف على تسميتهما في شيء من كتب الحديث، إلَّا أن ابن العطار في \"شرح العمدة\" زعم أنهما أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، ولم يذكر لذلك مستندًا، ووقع في رواية سفيان: \"فأبصره رجل من الأنصار\" بالإفراد، قال ابن التين: إنه وهم، ثم قال: يحتمل تعدد القصة، قلت: والأصل عدمه، بل هو محمول على أن أحدهما كان تبعًا للآخر، أو خص أحدهما بخطاب المشافهة دون الآخر، ويحتمل أن يكون الزهري كان يشك فيه، فيقول تارة رجل، وتارة رجلان.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٨).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٩).","vol":"8","page":704},{"text":"فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ - ﷺ - أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ\"، قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا\" أَوْ قَالَ: \"شَرًّا\". [خ ٢٠٣٨، م ٢١٧٥، جه ١٧٧٩، دي ١٧٨٠، حم ٣/ ١٥٦]\n٢٤٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا أَبُو الْيَمَانِ، نَا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا، قَالَتْ:\n===\n(فلما رأيا النبي - ﷺ -) ورأيا امرأة معه (أسرعا) أي في المشي (فقال النبي - ﷺ -: على رسلكما) بكسر الراء ويجوز فتحها، أي: امشيا على هيئتكما في المشي، فليس هنا شيء تكرهانه (إنها صفية بنت حيي، قالا: سبحان الله يا رسول الله) زاد في البخاري: \"وكبُر عليهما\" (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)، والمراد من ابن آدم جنس أولاد آدم، فيدخل فيه الرجال والنساء، كقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ بلفظ المذكر إلَّا أن العرف عمَّمه، فأدخل فيه النساء (فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو) للشك من الراوي (قال: شرًا).\nقال الحافظ (١): والمحصل من هذه الروايات أن النبي - ﷺ - لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءًا، لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك، لأنهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسمًا للمادة، وتعليمًا لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك.\n٢٤٧١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا أبو اليمان، نا شعيب، عن الزهري بإسناده) أي بإسناد الزهري (بهذا) أي بهذا الحديث، والفرق بين حديث معمر وحديث شعيب، أن شعيبًا قال في حديثه: (قالت) أي صفية:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٠).","vol":"8","page":705},{"text":"\"حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ\"، وَسَاقَ مَعْنَاهُ [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>(٧٨) الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ</span>\n٢٤٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: نَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، أَنَا اللَّيْثُ بْنُ أَبِى سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ النُّفَيْلِىُّ:\n===\n(حتى إذا كان) أي رسول الله - ﷺ - (عند باب المسجد)، وفي رواية البخاري في حديث شعيب: \"حتى إذا بلغت باب المسجد\" (الذي عند باب أم سلمة) قال الحافظ (١): في رواية ابن أبي عتيق: \"الذي عند مسكن أم سلمة\"، والمراد بهذا بيان المكان الذي لقيه الرجلان فيه لإتيان مكان بيت صفية.\n(مر بهما رجلان، وساق) أي شعيب (معناه) أي معنى حديث معمر، وليس في الحديث دلالة على أن رسول الله - ﷺ - خرج من المسجد حين قام ليرد صفية، ولهذا (٢) ترجم البخاري: \"هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد؟ \"، ليدل على أنه - ﷺ - لم يخرج من المسجد بل خرج إلى بابه فقط.\n\n(٧٨) (الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ المَرِيض)\nمعناه: إذا خرج المعتكف من المسجد\nلحاجة الإنسان فيمر بالمريض فيعوده أم لا؟\n٢٤٧٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ومحمد بن عيسى قالا: نا عبد السلام بن حرب، أنا الليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قال النفيلي) أي عبد الله بن محمد شيخ المصنف في\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٩).\n(٢) قلت: لكن استدل بهذا الحديث صاحب \"رسائل الأركان\" على مسلك الصاحبين على جواز الخروج. (ش). (انظر: رسائل الأركان\" ص ٢٣٠).","vol":"8","page":706},{"text":"قَالَتْ: \"كَانَ النَّبِىُّ - ﷺ - يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ، وَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ\". وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: قَالَتْ: \"إِنْ كَانَ النَّبِىُّ - ﷺ - يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ\". [ق ٤/ ٣٢١]\n===\nحديثه: (قالت) أي عائشة: (كان النبي - ﷺ - يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو، ولا يعرِّج) أي لا يميل إليه ولا يقوم عنده (يسأل عنه) أي عن حاله ويعوده.\n(وقال ابن عيسى) شيخ آخر للمصنف: (قالت) أي عائشة: (إن) مخففة من الثقيلة (كان النبي - ﷺ - يعود المريض) أي إذا مر به (وهو) أي رسول الله - ﷺ - (معتكف) فخرج لحاجة الإنسان.\nوالمذهب عند الحنفية أن المعتكف لا يخرج لعيادة مريض ولا لصلاة جنازة، لأنه لا ضرورة إلى الخروج، لأن عيادة المريض ليست من الفرائض بل من الفضائل، وصلاة الجنازة ليست بفرض عين، بل فرض كفاية، تسقط عنه بقيام الباقين بها.\nوما روي عن النبي - ﷺ - من الرخصة في عيادة المريض وصلاة الجنازة، فقد قال أبو يوسف: ذلك محمول عندنا على الاعتكاف الذي يتطوع به من غير إيجاب، فله أن يخرج متى شاء، ويجوز أن تحمل الرخصة على ما إذا كان خرج المعتكف لوجه مباح، كحاجة الإنسان أو للجمعة، ثم عاد مريضًا أو صلَّى على جنازة من غير أن كان خروجه لذلك قصدًا.\nوأما حضور الجمعة فيجوز الخروج لها، لأنها فرض عين، ولا يمكن إقامتها في كل مسجد، فيحتاج إلى الخروج إليها، كما يحتاج إلى الخروج لحاجة الإنسان، فلم يكن الخروج إليها مبطلًا لاعتكافه.\nوقال الشافعي: إذا خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه.","vol":"8","page":707},{"text":"٢٤٧٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا خَالِدٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتِ: \"السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ،\n===\n٢٤٧٣ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد) بن عبد الله، (عن عبد الرحمن -يعني ابن إسحاق-، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: السنَّة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة) أي بشهوة (ولا يباشرها) وهو تخصيص بعد التعميم (ولا يخرج لحاجة إلَّا لما لا بد منه) أي من حاجة الإنسان.\n(ولا اعتكاف إلَّا بصوم) وباشتراط الصيام قال ابن عمر وابن عباس، أخرجه عبد الرزاق (١) عنهما بإسناد صحيح [و]، عن عائشة نحوه، وبه قال مالك والأوزاعي والحنفية (٢)، واختلف عن أحمد وإسحاق، واحتج عياض بأنه - ﷺ - لم يعتكف إلَّا بصوم.\nواستدل على جواز الاعتكاف بغير صوم بقصة عمر - ﵁ -، أنه سأل النبي - ﷺ -: أني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: \"أَوْف بنذرك\"، لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره النبي - ﷺ - به.\n_________\n(١) \"مصنف عبد الرزاق\" (٨٠٣٣).\n(٢) المرجح عندنا اشتراط الصوم في الواجب دون المندوب، كما في \"الأوجز\" (٥/ ٤٤٨)، وفي \"العرف الشذي\" (ص ٣٢٦)، عن ابن الهمام أنه مال إلى اشتراطه في المندوب أيضًا، قلت: هو رواية الحسن، وفي \"الأوجز\" (٥/ ٤٤٨): اختلفت الحنفية في الاعتكاف المسنون، انتهى. ورجح ابن عابدين اشتراطه، وابن نجيم عدمه، وأما عند المالكية فشرط مطلقًا، وأما عندهما فغير شرط مطلقًا. (ش).","vol":"8","page":708},{"text":"وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِى مَسْجِدٍ جَامِعٍ\". [ق ٤/ ٣٢١]\n===\nوتعقب بأن في رواية شعبة عن عبيد الله عند مسلم \"يومًا\" بدل \"ليلة\"، فجمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو ابن دينار، عن ابن عمر صريحًا، لكن إسنادها ضعيف، وقد زاد فيها: \"أن النبي - ﷺ - قال له: اعتكف وصم\"، أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل وهو ضعيف، كذا قال الحافظ في \"الفتح\" (١).\nقلت: تكلم فيه ابن عدي، فقال: له أشياء تنكر من الزيادة والنقص، وغمزه الدارقطني ومشَّاه غيره، قال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(ولا اعتكاف إلَّا في مسجد جامع)، قال الحافظ (٢): اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلَّا محمد بن عمرو بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول للشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء، لأن التطوع في البيوت أفضل.\nوذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصَّه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد إلَّا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك، لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك.\nوخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصَّه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٢).","vol":"8","page":709},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ لَا يَقُولُ فِيهِ \"قَالَتِ: السُّنَّةُ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ.\n٢٤٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ،\n===\nوالمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة، استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١)، ووجه الدلالة أنه لو صح في غير المسجد لم يختصر تحريم المباشرة به، لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلَّا فيها، كذا قال الحافظ.\n(قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق (٢) لا يقول فيه) أي في هذا الحديث (قالت: السنَّة) يعني لا يقول لفظ السنَّة.\n(قال أبو داود: جعله) أي جعل الحديث غير عبد الرحمن بن إسحاق (قول عائشة) ولم يرفعه غير عبد الرحمن بن إسحاق كما رفعه هو، قال الحافظ (٣): وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: \"لا يخرج إلَّا لحاجة\"، وما عداه ممن دونها (٤).\n٢٤٧٤ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا أبو داود، حدثنا عبد الله بن بديل) بن ورقاء، ويقال: ابن بشر الخزاعي، ويقال: الليثي المكي، قال\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(٢) قلت: قاله عقيل عن ابن شهاب أيضًا، كما في \"الأوجز\" (٥/ ٤١٥). (ش). [قلت: رواية عقيل عن ابن شهاب أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٦٧٦)، وقال: أخرجاه في \"الصحيح\" من حديث الليث دون قوله: \"والسنَّة في المعتكف ... إلخ\"، فقد قيل إنه من قول عروة].\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٣).\n(٤) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢٠١).","vol":"8","page":710},{"text":"عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِىَّ - ﷺ - فَقَالَ: «اعْتَكِفْ وَصُمْ». [خ ٢٠٤٣، م ١٦٥٦، ت ١٥٣٩، جه ١٧٧٢، ن ٣٨٢٠، حم ١/ ٣٧]\n٢٤٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ،\n===\nابن معين: صالح، وقال ابن عدي: له ما ينكر عليه الزيادة في متن أو إسناد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": صدوق يخطئ.\n(عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، أن عمر - ﵁ - جعل عليه) أي على نفسه نذرًا (أن يعتكف في الجاهلية) متعلق بجعل، أي نذر في الجاهلية أن يعتكف (ليلة أو يومًا)، هكذا في جميع النسخ الموجودة بلفظ \"أو\" للشك من الراوي، وفي رواية البخاري من حديث يحيى بن سعيد عن عبيد الله: \"أن أعتكف ليلة\"، وعند مسلم من طريق شعبة عن عبيد الله: \"يومًا\" بدل ليلة (عند الكعبة) أي في المسجد الحرام، (فسأل) (١) أي عمر (النبي - ﷺ - فقال) أي النبي - ﷺ - (اعتكف وصم) (٢).\n٢٤٧٥ - (حدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح) بن عمير (القرشي) الأموي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، لقبه مشكدانة، بضم الميم والكاف بينهما معجمة ساكنة وبعد الألف نون، وهو وعاء المسك بالفارسية،\n_________\n(١) قال العيني (٨/ ٢٧٤): والسؤال كان بالجعرانة لما رجعوا من حنين، ففيه الرد على من زعم أن اعتكاف عمر - ﵁ - كان قبل المنع من الصيام في الليل، لأن غزوة حنين متأخرة عن ذلك، انتهى. (ش).\n(٢) صريح في الصوم، فاستدلال البخاري بذاك الحديث على عدم الصوم مشكل. (ش).","vol":"8","page":711},{"text":"نَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ مُعْتَكِفٌ إِذْ كَبَّرَ النَّاسُ فَقَالَ: مَا هذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: سَبْيُ هَوَازِنَ أَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ -، قَالَ: وَتِلْكَ الْجَارِيَةُ فَأَرْسِلْهَا مَعَهُمْ. [خ ٢٠٤٣، م ١٦٥٦]\n===\nويقال له: الجعفي، قال عبدان: لأن حسين بن علي الجعفي خاله، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، كان يقول: إنما لقبني مشكدانة أبو نعيم، كنت إذا أتيته تطيَّبت وتلبَّست، فإذا رآني قال: قد جاء مشكدانة، قال صاحب حماه: كان غاليًا في التشيع، فكان يمتحن كل من يجيئه من أهل الحديث، يروي عنه مسلم اثني عشر حديثًا.\n(نا عمرو بن محمد) العنقزي، نسب إليه لأنه كان يبيع العَنْقَز وهو المَرْزَنْجُوش (٢)، قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال العجلي: ثقة جائز الحديث، وقال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الله بن بديل بإسناده نحوه) أي نحو الحديث المتقدم، زاد أي عمرو بن محمد في حديثه عن عبد الله بن بديل: (قال) أي ابن عمر: (فبينما هو) أي عمر (معتكف إذ كبر الناس فقال: ما هذا) أي التكبير، وما سبب رفع صوتهم بالتكبير (يا عبد الله؟ قال) أي عبد الله بن عمر: (سبي هوازن أعتقهم رسول الله - ﷺ -، قال) أي عمر: (وتلك الجارية) أي التي كانت عند عمر من سبي هوازن (فأرسلها) بصيغة الأمر (معهم) أي مع الذين أعتقهم رسول الله - ﷺ -، وقيل: \"فأرسلها\" بصيغة الماضي، أي عمر، وهو بعيد.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) قوله: \"العنقز وهو المرزنجوش\": هو المردقوش (فارسية): نبات عطري من فصيلة الشفويات، ذو ورق دقيق وزهر صغير، له بعض الفوائد الطبية.","vol":"8","page":712},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>(٧٩) بَابٌ: فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَعْتَكِفُ</span>\n٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَقُتَيْبَةُ قَالَا: نَا يَزِيدُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: \"اعْتَكَفَتْ مَعَ النَّبِىِّ - ﷺ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالْحُمْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا (١) الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِىَ تُصَلِّى\". [خ ٢٠٣٧، جه ٧٨٠، حم ٦/ ١٣١، دي ٨٧٧]\n\nآخرُ كِتَابِ الصِّيَامِ وَالاِعْتِكَافِ\n===\n\n(٧٩) (بَابٌ: فِى الْمُسْتَحَاضَةِ تَعْتَكِفُ)\n٢٤٧٦ - (حدثنا محمد بن عيسى وقتيبة قالا: نا يزيد) بن زريع، (عن خالد، عن عكرمة، عن عائشة قالت: اعتكفت مع رسول الله - ﷺ - امرأة من أزواجه) أي مستحاضة كما في رواية البخاري (فكانت ترى الصفرة) أي مرة عند قلة الدم (والحمرة) مرة أخرى عند غلبتها (فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي) للأمن من تلويث المسجد.\nقال الحافظ (٢): وقرأت في \"سنن سعيد بن منصور\": حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد هو الحذاء، عن عكرمة، أن امرأة من أزواج النبي - ﷺ - كانت معتكفة وهي مستحاضة، قال: وحدثنا به خالد مرة أخرى عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وربما جعلت الطست تحتها، قلت: وهذا أولى ما فسرت به هذه المرأة لاتحاد المخرج، وقد أرسله إسماعيل بن علية عن عكرمة.\nآخرُ كِتَابِ الصِّيَامِ وَالاِعْتِكَافِ\nوالحمد لله على ما وفقنا لإتمامه والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين\n_________\n(١) في نسخة: \"وضعت\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٢).","vol":"8","page":713},{"text":"تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الثامن\nويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد التاسع، وأوله: \"كتاب الجهاد\"\nوصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا\nمحمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.","vol":"8","page":714},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء التَّاسع\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"9","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"9","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٩)","vol":"9","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"9","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>(٩) أَوَّلُ كِتَابِ الْجِهَاد </span>(١)\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٩) (أَوَّلُ كِتَابِ الْجهَادِ) (٢)\nقال الحافظ (٣): والجهاد بكسر الجيم، أصله لغةً: المشقة، يقال: جهدت جهادًا بلغت المشقة، وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق.\nفأما مجاهدة النفس فعلى تعلم الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يُزَيِّنُه من\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والهجرة\".\n(٢) ويسمون هذا الكتاب بكتاب السير وكتاب المغازي أيضًا، كما في \"البحر الرائق\" وشروح \"الهداية\" وغيرها، وما يظهر من كتب الحديث والفقه أنهم يطلقون كل واحد منهما على الآخر، وبينهما فرق باعتبار اللغة، فإن الجهاد لغةً: المشقة، وفي الشرع: بذل الجهد في قتال الكفار، ويقال أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، كما في \"الفتح\" (٦/ ٣). والسير جمع سيرة لغةً: وهي الطريقة، ويراد به سيره وطرقه - ﷺ - في مغازيه وسير أصحابه، كذا في \"عمدة القاري\" (١٠/ ٧٦) وغيره.\nوفي \"الفتح\" (٧/ ٢٧٦): أصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والمراد بالمغازي ما وقع من قصد النبي - ﷺ - الكفار بنفسه الشريفة أو بجيش من قبله ... إلخ. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣).","vol":"9","page":5},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد، ثم اللسان، ثم القلب.\nواختلف في جهاد الكفار، هل كان أولًا فرض عين أو كفاية؟\nوقال في محل آخر (١): وللناس في الجهاد حالان: إحداهما: في زمن النبي - ﷺ -، والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقًا، ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي.\nوقال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام.\nوقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبي - ﷺ - ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله - ﷺ - وينصروه.\nفيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداءً، ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك، وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبي - ﷺ - دون غيرها، والتحقيق أنه كان عينًا على من عينه النبي - ﷺ - في حقه ولو لم يخرج.\nالحال الثاني: بعده - ﷺ -، فهو فرض كفاية (٢) على المشهور، إلَّا أن تدعو\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧).\n(٢) وكذا قال الشعراني، فقال: اتفقوا على أنه فرض كفاية، وعن سعيد بن المسيب أنه فرض، انتهى. (انظر: \"كتاب الميزان\" للشعراني ٣/ ٣٦٦). (ش).","vol":"9","page":6},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالحاجة إليه، كَأَنْ يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنَّة مرة عند الجمهور.\nومن حجتهم أن الجزية تجب بدلًا عنه، ولا تجب في السنَّة أكثر من مرة اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي - ﷺ - إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذكره، والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم، إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقبله، قاله الحافظ.\nوقال في \"الهداية\" (١): الجهاد فرض على الكفاية (٢) إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين، فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه؛ إلَّا أن يكون النفير عامًا فحينئذ يصير من فروض الأعيان لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٣) الآية.\nوفي \"الذخيرة\": فإن جاءه النفير إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو على الجهاد، وأما من يبعد عن العدو، فعليهم فرض كفاية حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم، أما إذا احتيج إليهم بأن عجز من كان بقرب العدو، أو تكاسلوا، أو لم يجاهدوا، فإنه يفترض على كل من يليهم فرض عين، وهكذا إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقًا وغربًا.\nوالمناسبة بين كتاب الجهاد وكتاب الصوم والاعتكاف بأن فيهما أيضًا مجاهدة النفس، فناسب إيراد كتاب الجهاد عقبهما، فإن المسلم يجاهد نفسه أولًا فيُهذِّبُها وُيمرِّنها، ثم يجاهد الكفار.\n_________\n(١) (١/ ٣٧٨).\n(٢) وهل يشترط له وجود الزاد والراحلة، سيأتي في \"باب الرجل يتحمل\". (ش).\n(٣) سورة التوبة: الآية ٤١.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>(١) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْهِجْرَةِ </span>(١)\n٢٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا الْوَليدُ - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ -، عن (٢) الأَوْزَاعِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،\n===\n\n(١) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الهِجْرَةِ) (٣)\nوإنما أورد الهجرة في \"كتاب الجهاد\"، لأن الهجرة مبدأ الجهاد، وفيها مجاهدة النفس\n٢٤٧٧ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا الوليد - يعني ابن مسلم -، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وسكنى البدو\".\n(٢) في نسخة: \"ثنا\".\n(٣) وقد فسرها بعض الجهلة من مؤرخي زماننا العارين عن العلم المصبوغين بالنصرانية بالفرار تبعًا لمقتديهم، وهو لفظ يخاف عليه الكفر، كما في \"جمع الوسائل\" (٢/ ٤٥).\nقال الشعراني (٣/ ٣٦٦): اتفقوا على أن الهجرة من دار الكفر واجبة على من يقدر عليها، وكانت الهجرة واجبة في بدء الإسلام، كما سيأتي في \"باب دعاء المشركين\"، وبذلك جزم صاحب \"الجلالين\" (ص ٩٤) إذ قال: أنزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فقتلوا يوم بدر مع الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ...﴾ إلخ [النساء: ٩٧].\nقال الصاوي (١/ ٣١٨): وهل ماتوا عصاة أو كفارًا؟ خلاف، لأن الهجرة كانت ركنًا أو شرطًا في صحة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، وهذا كان قبل الفتح، ثم نسخ بعده ... إلخ، وجزم بذلك صاحب \"الجمل (٢/ ٢٥٩)، وحكى عن الخازن: لم يقبل الله الإسلام من أحد بعد هجرة النبي - ﷺ -، حتى يهاجر إليه، ثم نسخ بعد الفتح ... إلخ، وبذلك جزم الحافظ (١٣/ ٢٠٠) في حديث الأعرابي قال: \"أقلني بيعتي\".\nوأما الآن فقال الموفق (١٣/ ١٥١): فيه ثلاثة ضروب، تجب على من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه ولا إقامة الواجبات مع المقام بين الكفار، ولا تجب على الضعفاء ونحوهم، وتستحب لمن يقدر عليها مع التمكن على دينه بينهم ... إلخ. (ش).","vol":"9","page":8},{"text":"أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عن الْهِجْرَةِ فَقَالَ: \"وَيْحَكَ! إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: \"فَهَلْ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا\". [خ ٦١٦٥، م ١٨٥٦، ن ٤١٦٤، حم ٣/ ٦٤]\n٢٤٧٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالَا، نَا شَرِيكٌ،\n===\nأن أعرابيًا) قال الحافظ (١): ما عرفت اسمه (سأل النبي - ﷺ - عن الهجرة) قال الحافظ: والهجرة المسؤول عنها مفارقة دارالكفر إذ ذاك، والتزام أحكام المهاجرين مع النبي - ﷺ -.\n(فقال: ويحك) كلمة ترحم (إن شأن الهجرة شديد) كأنه علم منه أنه لا يستطيع تحمل شدائدها، فأشار له بتركها (فهل لك من إبل؟) تبلغ النصاب (قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟) أي زكاتها (قال) أي الأعرابي: (نعم) وإنما خص السؤال بأداء الزكاة، لأنه يعلم منه أن من يؤدي من ماله الزكاة طيبة نفسه يؤدي الصلاة وغيرها من الفرائض الإيمانية، فإن إخراج المال أشد على النفس.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فاعمل) بأداء الواجبات (من وراء البحار)، قال في \"المجمع\" (٢): بموحدة ومهملة، القرى والمدن، يريد إذا كنت تؤدي فرض الله فلا تبال أن تقيم في بيتك ولو كنت في أبعد مكان (فإن الله لن يَتِرَكَ) بكسر مثناة مضارعُ وَتِرَ، أي: لن ينقصك (من) ثواب (عملك شيئًا) ولا تحرم أجر الهجرة، قال في \"القاموس\": والبحرة البلدة.\n٢٤٧٨ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: نا شريك،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٥٩).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٥٣).","vol":"9","page":9},{"text":"عن الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْبَدَاوَةِ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التِّلَاعِ، وَإِنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ مَرَّةً فَأَرْسَلَ إِلَىَّ نَاقَةً (١) مُحَرَّمَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ (٢): «يَا عَائِشَةُ ارْفُقِى فَإِنَّ الرِّفْقَ، لَمْ يَكُنْ فِى شَىْءٍ قَطُّ إلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَىْءٍ قَطُّ إلَّا شَانَهُ\". [م ٢٥٩٤، حم ٦/ ٥٨]\n===\nعن المقدام بن شريح، عن أبيه) شريح بن هانئ (قال: سألت عائشة عن البداوة) أي الخروج إلى البادية (فقالت: كان رسول الله - ﷺ - يبدو) أي يخرج (إلي هذه التلاع) جمع تلعة، هي مسايل الماء من علو إلى أسفل، قال في \"القاموس\": التلعة ما ارتفع من الأرض، وما انهبط منها، ضدٌ، ومسيل الماء، وما اتسع من فُوَّهَةِ الوادي، والقطعة المرتَفِعَةُ من الأرض، جمعه: تلعات وتِلاع، أو التلاع: مسايل الماء من الأسناد والنِّجاف والجبال حتى يَنْصَبَّ في الوادي، ولا تكون التلاع إلَّا في الصحاري، ولعله يفعل ذلك أحيانًا ليخلو بنفسه ويبعد عن الناس.\n(وإنه) أي - ﷺ - (أراد البداوة مرة فأرسل إليَّ ناقة محرمة) هي التي لم تركب ولم تذلل \"مجمع\" (٣) (من إبل (٤) الصدقة، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (يا عائشة ارفقي) أي بها، وإنما أمرها بالرفق بها، لأن الناقة المحرمة تكون صعبة، فمن ركبها يصعب عليها ليتذلل (فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلَّا زَانَه) من الزينة (ولا نُزع) أي الرفق (من شيء قط إلَّا شَانَه) مشتق من الشين، وهو العيب، أي: عابه وجعله قبيحًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى ناقة محرمة\".\n(٢) في نسخة: \"فقال لي\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٨٢).\n(٤) يشكل استعماله - ﵇ - إبل الصدقة، ويمكن التفصي عنه بما في \"التقرير\": أن هذه الناقة أعطاها لعائشة - ﵂ - أولًا، ثم استعملها النبي - ﷺ - لكونها صارت ملكًا لعائشة، إذ كتب الشيخ - قُدِّسَ سِرُّه-: قوله: \"من إبل الصدقة\"، فيه دلالة على جواز استعمال أزواجه المطهرات مال الصدقة، وانتفاعهن به، فيجوز أداء الزكاة إليهن. (ش).","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>(٢) بَابٌ: فِي الْهِجْرَةِ، هَل انْقَطَعَت</span>؟\n٢٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنَا عِيسَى، عَنْ حَرِيزٍ (١)، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عن أَبِي هِنْدٍ،\n===\nفإن قلت: قد أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بالغلظة على الكفار والمنافقين، ولم يأمره بالرفق بهم؟\nقلت: إنما أمره الله تعالى بالغلظة، لأنه - ﷺ - كان شديد الرفق، فهذا يدل على شدة رفقه، ولا يدل على أنه لم يكن فيه - ﷺ - رفق.\n\n(٢) (بَابٌ: فِي الهِجْرَةِ، هَلْ انْقَطَعَتْ؟)\nعقد هذا الباب للإشارة إلى اختلاف الروايات في انقطاع الهجرة، وإلى وجه الجمع بينهما، فإن قوله - ﷺ -: \"لا هجرة بعد الفتح\" يقتضي أن الهجرة بعد فتح مكة انقطعت، وقوله - ﷺ -: \"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة\"، يقتضي أن الهجرة لا تنقطع إلى أن تطلع الشمس من مغربها، ووجه الجمع بينهما: أن الأول محمول على أنه انقطعت الهجرة من مكة بعد الفتح، لأنها صارت دار الإسلام بعد أن كانت دار الكفر والحرب، وأما قوله الثاني فمعناه: لا تنقطع الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام إلى يوم القيامة.\n٢٤٧٩ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى) بن يونس، (عن حريز) بفتح المهملة وآخره زاي، ابن عثمان، (عن عبد الرحمن بن أبي عوف) الجرشي بضم الجيم وفتح الراء بعدها مهملة، الحمصي القاضي، قال الآجري عن أبي داود: شيوخ حريز ثقات، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن منده في \"الصحابة\"، ويقال: أدرك النبي - ﷺ -، وقال ابن القطان: مجهول الحال.\n(عن أبي هند) البجلي، شامي، ذكره العسكري في الصحابة، وقال\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عثمان\".","vol":"9","page":11},{"text":"عن مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا\". [حم ٤/ ٩٩، ق ٩/ ١٧، دي ٢٥١٣، السنن الكبرى للنسائي ٨٧١١]\n===\nعبد الحق: ليس بالمشهور، وقال ابن القطان: مجهول، وقال الحافظ في \"التقريب\": مقبول.\n(عن معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن الأموي، أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، وكتب الوحي، ولَّاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقرَّه عثمان مدة ولايته، ثم ولي الخلافة، قال ابن إسحاق: كان معاوية أميرًا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، توفي في رجب لأربع ليال بقين منه سنة ستين.\n(قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تنقطع الهجرة) أي من دار الكفر إلى دار الإسلام (حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، وقذ أشير إليه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١).\nنقل في الحاشية عن الخطابي (٢): قال: كانت الهجرة في أول الإسلام فرضًا، ثم صارت مندوبة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ (٣)، نزل حين اشتد أذى المشركين على المسلمين عند انتقال رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، فأمروا بالانتقال إلى حضرته، فيكونوا (٤) معه، فيتعاونوا إذا حزبهم أمر، ويتعلموا منه أمر دينهم، ويتفقَّهُوا فيه، وكان عِظَم الخوف في ذلك الزمان من قريش ومظاهري أهل مكة، فلما فتحت\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٢٣٤).\n(٣) سورة النساء: الآية ١٠٠.\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": ليكونوا، وهو الأولى.","vol":"9","page":12},{"text":"٢٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْم الْفَتْحِ - فَتْح مَكَّةَ -: \"لَا هِجْرَةَ،\n===\nمكة ونخعت بالطاعة زال المعنى، وارتفع وجوب الهجرة، وعاد الأمر فيها إلى الندب، فهما هجرتان، فالمنقطعة منهما هي الفرض، والباقية هي الندب.\nفهذا وجه الجمع بين هذا وبين حديث: \"لا هجرة بعد الفتح\"، على أن بين الإسنادين ما بينهما، لأن إسناد هذا صحيح متصل، وإسناد الأول فيه مقال.\n٢٤٨٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم الفتح فتح مكة: لا هجرة) أي لم يبق حكم وجوب الهجرة من مكة، لأنه صار دار الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل عدو.\nقال الحافظ (١): وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ (٢) الآية، وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها، وقد روى النسائي مرفوعًا: \"لا يقبل الله من مشرك عملًا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين\"، ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعًا: \"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين\"، وهذا محمول على من لم يأمن على دينه.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٨).\n(٢) سورة النساء: الآية ٩٧.","vol":"9","page":13},{"text":"وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا (١) اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا\". [خ ٢٧٨٣، م ١٣٥٣، ت ١٥٩٠، ن ٤١٦٩، حم ١/ ٢٢٦]\n... (٢)\n٢٤٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ،\n===\n(ولكن جهاد ونية)، قَالَ الحافظُ: قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلَّا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذا المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك.\n(وإذا استُنفرتم فانفروا)، قال الحافظ (٣): قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه، قال ابن أبي جمرة ما محصله: إن هذا الحديث يمكن تنزيله على أحوال السالك، لأنه أولًا يؤمر بهجرة مألُوفاتِه، فإذا لم يحصل له أُمِرَ بالجهاد، وهو مجاهد النفس والشيطان مع النية الصالحة في ذلك.\n٢٤٨١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم، قال ابن المبارك عن الثوري: حفاظ الناس ثلاثة، إسماعيل، وعبد الملك بن سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو يعني إسماعيل أعلم الناس بالشعبي وأثبتهم فيه، وقال ابن مهدي وابن معين والنسائي: ثقة،\n_________\n(١) في نسخة: \"وإن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب الهجرة\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٩).","vol":"9","page":14},{"text":"نَا عَامِرٌ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَعِنْدَهُ الْقَوْمُ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،\n===\nوقال ابن عمار الموصلي: حجة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان طحانًا، وقال يعقوب بن أبي شيبة (١): كان ثقةً ثبتًا.\n(نا عامر قال: أتى رجل) لم أقف على تسميته (عبد الله بن عمرو) بن العاص (وعنده القوم حتى جلس) أي الرجل (عنده، فقال: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -، فقال) أي عبد الله بن عمرو: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: المسلم) قيل الألف واللام فيه للكمال، نحو زيد الرجل، أي الكامل في الرجولية، وتعقب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملًا، ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان، قال الخطابي (٢): المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين، انتهى، وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم.\nويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذكره مثله في علامة المنافق، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثِّ على حُسْنِ معاملة العبد مع ربه، لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه، من باب التنبيه من الأدنى على الأعلى.\n(من سلم المسلمون من لسانه ويده)، ذِكر المسلمين هنا خرج مخرج\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٩١) أيضًا، وهو خطأ، والصواب: يعقوب بن شيبة، كما في \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٧٥).\n(٢) انظر: \"أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري\" للخطابي (١/ ١٤٧)، و\"فتح الباري\" (١/ ٥٣).","vol":"9","page":15},{"text":"وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ\". [خ ١٠، م ٤٠ (مختصرًا)، حم ٢/ ١٦٣، ق ١٠/ ١٨٧، ن ٤٩٩٥]\n===\nالغالب، لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا، والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يدخلن في ذلك.\nوخص اللسان بالذكر لأنه المعبر عما في النفس، وكذا اليد لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد، لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإن أثرها في ذلك لعظيم، ويستثنى من ذلك شرعًا تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعازير على المسلم المستحق لذلك، وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق، وفيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق وهو كثير.\n(والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) هو بمعنى الهاجر، وإن كان لفظ المفاعل يقتضي وقوع الفعل من اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر، ويحتمل أن يكون على بابه، لأن من لازم كونه هاجرًا وطنه مثلًا أنه مهجور من وطنه، والهجرة ضربان: ظاهرة، وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمَّارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتَّكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه (١).\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٣، ٥٤).","vol":"9","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-893>(٣) بَابٌ: فِي سُكْنَى الشَّامِ</span>\n٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ\n===\n\n(٣) (بَابٌ: فِي سُكْنَى الشَّامِ)\nأي: في فضل سكنى الشام (١)، فإذا ثبت فيه فضل يناسب أن يهاجر الناس إليه\n٢٤٨٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) أي هشام، (عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول): إنها أي قصة (ستكون هجرة بعد هجرة).\nقال القاري (٢): قال الشارحون: كان من حق الثانية أن يؤتى بها مع لام العهد، لأن المراد منها الهجرة الواجبة قبل الفتح، وإنما حسن الحذف اعتمادًا على معرفة السامعين، فإن تقدير الكلام أي بعد هجرة حقت ووجبت، والمعنى ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرة كانت إلى المدينة، قال التوربشتي: وذلك حين تكثر الفتن، ويقل القائمون بأمر الله ويستولي الكفرة الطغام على بلاد الإسلام، وتبقى الشام تسومها (٣) العساكر الإسلامية، منصورة على من ناوأهم ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجَّال، فالمهاجر إليها حينئذ فاز بدينه، ملتجئ إليها لإصلاح آخرته، يكثر ثواب (٤) عباد الله الصالحين القائمين بأمر الله تعالى.\n_________\n(١) بسط السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٩٣) في روايات الباب. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ٦٤٣).\n(٣) في الأصل: \"تسومها\" كذا في \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ٦٤٢) وهو تحريف، والصواب: \"يسوسها\" كما في شرح الطيبي (١/ ٣٦٤).\n(٤) قوله: \"ثواب عباد الله\" كذا في الأصل، وفي \"المرقاة\" و\"شرح الطيبي\": \"سواد عباد الله\" وهو الصواب.","vol":"9","page":17},{"text":"فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ\". [حم ٢/ ٢٠٩، ك ٤/ ٤٨٦، عب ٢٠٧٩٠]\n===\nقال الطيبي: ويمكن أن يراد التكرير كما في قولك: لبيك وسعديك، كأنه قيل: سيحدث للناس مفارقة من الأوطان، وكل أحد يفارق وطنه إلى آخر، ويهجره هجرة بعد هجرة.\n(فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر) أي موضع هجرة (إبراهيم) - ﵊ -، وهو الشام (١) (ويبقى في الأرض) من الكفار والفجار (شرار أهلها تلفظهم) بكسر الفاء، أي ترميهم (أرضوهم) بفتح الراء، والمعنى ترمي شرار الناس أراضيهم من ناحية إلى ناحية أخرى.\nقال الشراح: يعني ينتقل من الأراضي التي يستولي عليها الكفرة خيار أهلها، ويبقى خساس تخلفوا عن المهاجرين رغبة في الدنيا، فهم لخسة نفوسهم كالشيء المسترذل المتقذر، وكأن الأرض تستنكف عنهم فتقذفهم.\n(تقذرهم) أي تكرههم (نفس الله) بسكون الفاء أي ذاته تعالى (وتحشرهم النار مع الفردة والخنازير) أي تلازمهم النار ليلًا ونهارًا، وتجمعهم مع الكفرة الذين هم باعتبار صغيرهم وكبيرهم كالقردة والخنازير، قال المظهر: النار ها هنا الفتنة، يعني تحشرهم نار الفتنة التي هي نتيجة أفعالهم القبيحة [وأقوالهم] مع القردة والخنازير لكونهم متخلقين بأخلاقهم، فيظنون أن الفتنة لا تكون إلَّا في\n_________\n(١) ويشكل على الحديث ما ورد من فضائل المدينة لا سيما من قوله - ﵇ -: \"المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ومن استطاع أن يموت في المدينة ... إلخ\"، و\"الإيمان يأرز إلى المدينة\"، وغير ذلك كما في \"جمع الفوائد\" وغيره، والأوجه عندي في الجمع أن فضيلة المدينة عامة في كل الأوقات، وفضل الشام تختص بزمان المهدي - ﵇ -، فإن الشام يكون فسطاط المسلمين إذ ذاك كما ورد مصرحًا، وإلى هذا أشار صاحب \"الإشاعة\". (ش).","vol":"9","page":18},{"text":"٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي بَحِيرٌ، عن خَالِدٍ - يَعْنِي ابْنَ مَعْدَانَ -، عن ابْنِ أَبِي قُتَيْلَةَ،\n===\nبلدانهم، فيختارون جلاء أوطانهم ويتركونها، والفتنة تكون لازمة لهم، ولا تنفك عنهم حيث يكونون.\nذكره صاحب \"المشكاة\" في باب ذكر اليمن والشام، وعزاه إلى أبي داود، وزاد فيه: \"تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا\"، ولم أجد هذه الزيادة فيما عندي من نسخ أبي داود (١).\n٢٤٨٣ - (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، نا بقية، حدثني بَحِير، عن خالد - يعني ابن معدان -، عن ابن أبي قتيلة) بضم القاف مصغرًا، هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي بزيادة لفظ \"ابن\"، والذي في \"تهذيب التهذيب\" (٢) للحافظ فهو أبو قتيلة بغير زيادة لفظ \"ابن\"، قال الحافظ: مرثد بن وداعة العمي، وقيل: الجعفي، وقيل: الشرعبي، أبو قتيلة الحمصي، روى عن عبيد الله بن حوالة حديث: \"سيكون بعدي أجناد مجندة\"، وعنه خالد بن معدان، قال البخاري: له صحبة، وأنكر ذلك أبو حاتم، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكر الحافظ قبل ذلك في ترجمة عبد الله بن حوالة، روى عنه أبو قتيلة مرثد بن وداعة وغيره، ولم أجد ابن أبي قتيلة في \"التهذيب\" ولا في \"التقريب\" ولا في \"الخلاصة\"، ولكن أخرج الحافظ هذا الحديث برواية أبي داود في \"الإصابة\" (٣) فقال: ومن طريق ابن أبي قتيلة عن عبد الله بن حوالة، فذكر هذا الحديث، فلعل زيادة لفظ \"ابن\" على أبي قتيلة في أبي داود، وفي \"الإصابة\" من غلط الناسخ، وقد أخرج الإمام أحمد (٤) هذا الحديث عن ابن حوالة الأزدي بغير هذا السند.\n_________\n(١) قلت: هذا الحديث مع هذه الزيادة أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٩٩)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢٠٧٩٠)، والحاكم في \"مستدركه\" (٤/ ٤٨٦).\n(٢) (١٠/ ٨٣).\n(٣) (٢/ ٢٩٢)، وفيه: \"ومن طريق أبي قتيلة\" بغير زيادة لفظ ابن.\n(٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٣).","vol":"9","page":19},{"text":"عن ابْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً: جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ\". قَالَ (١) ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ: \"عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيَرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِذَا (٢) أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بَيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُم، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ\". [حم ٥/ ٣٣، ك ٤/ ٥١٠]\n===\n(عن ابن حوالة) بفتح المهملة وتخفيف الواو، الأزدي، كنيته أبو حوالة، ويقال: أبو محمد، له صحبة (قال: قال رسول الله - ﷺ -: سيصير الأمر) أي أمر الإسلام أو أمر القتال (إلى أن تكونوا جنودًا) أي عساكر (مجندة) بتشديد النون المفتوحة، أي مجموعة في كلمة الإسلام، أو مختلفة في مراعاة الأحكام (جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق) أي عراق العرب، وهو البصرة والكوفة، أو عراق العجم، وهو ما وراءهما دون خراسان وما وراء النهر.\n(فقال ابن حوالة: خِر لي يا رسول الله) بكسر المعجمة وسكون الراء، أمر من الخيرة، بمعنى الاختيار، أي اختر لي جندًا ألزمْه (إن أدركتُ ذلك) أي ذلك الوقت.\n(فقال: عليك بالشام، فإنها) أي الشام (خيرة الله) أي مختارة الله (من أرضه) أي من بلاده، والمعنى اختارها الله من جميع الأرض للإقامة في آخر الزمان (يجتبي إليها) أي يجمع الله إلى أرض الشام (خيرته من عباده) أي المختارين من عباده (فأما إذا أبيتم) أي: امتنعتم من القصد إلى الشام (فعليكم بِيَمَنِكم، واسقوا) بهمزة الوصل ويجوز قطعه، أي: أنفسكم ودوابكم (من غُدَركم) بضم معجمة وفتح مهملة، جمع غدير، أي: حياضكم، (فإن الله) ﷿ (توكل لي بالشام وأهله) أي تكفل لأجلي وإكرامًا لي في أمتي،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"إن\".","vol":"9","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-894>(٤) بَابٌ: فِي دَوَامِ الْجِهَادِ</span>\n٢٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن قَتَادَةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ\". [حم ٣/ ٣٤٥]\n===\nوقيل: صوابه تكفل لي بالشام، أي بأمر الشام وحفظ أهله من بأس الكفرة واستيلائهم، بحيث يتخطفهم ويدمرهم بالكلية.\n\n(٤) (بَابٌ: فِي دَوَامِ الْجِهَادِ)\nأي: يدوم الجهاد إلى قتال الدجال\n٢٤٨٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قتادة، عن مطرف، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين) أي غالبين منصورين، أو معروفين مشهورين (على من ناوأهم) أي: عاداهم.\nقال الطيبي (١): قد سبق في الفصل الأول أن تنزيل أمثال هذا الحديث على الطائفة المنصورة من أهل الشام أولى، انتهى، والأولى أن يقال: من جهة الشام ليدخل أهل الروم في المراد، فإنهم القائمون في هذا الزمان بهذه الوظيفة الشريفة حق القيام، نصرهم الله تعالى وخذل أعداءهم اللئام إلى يوم القيامة.\n(حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) أي المهدي وعيسى - ﵇ - وأتباعهما، ويقتله عيسى - ﵇ - بعد نزوله من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق بباب لُدٍّ من بيت المقدس حين حاصر المسلمين، وفيهم المهدي، وبعد قتله لا يكون الجهاد باقيًا، أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة والطاقة عليهم، وبعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه\n_________\n(١) شرح الطيبي\" (٧/ ٢٨٨)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٣٨٤).","vol":"9","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>(٥) بَابٌ: فِي ثَوَابِ الْجِهَادِ</span>\n٢٤٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا الزُّهْرِيُّ، عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِي سَعِيدٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا؟ قَالَ: \"رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ،\n===\nالسلام حيًا في الأرض، وأما بعد موته - ﵇ - وكفر من كفر بعده، فلموت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة، وبقاء الكفار بحيث لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله، فما وقع في بعض الأحاديث: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة\" (١)، يحمل على قربها، فإن خروج الدجال من أشراطها.\n\n(٥) (بَابٌ: فِي ثوَابِ الْجهَادِ)\n٢٤٨٥ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا سليمان بن كثير، نا الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد) أي: الخدري، (عن النبي - ﷺ - أنه سئل) ووقع في رواية البخاري (٢) من طريق الأوزاعي: \"حدثنا الزهري: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ -\"، قال الحافظ (٣): لم أقف على اسمه (أي المؤمنين) أي: أيُّ رجل من المؤمنين (أكمل إيمانًا؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (رجل يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)، وكان المراد من الرجل المؤمن الذي قام بما تعيَّن عليه القيام به، ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة، لأن الذي\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٤٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٤٩٤).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٧).","vol":"9","page":22},{"text":"وَرَجُلٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ قَدْ كَفَى النَّاسَ شَرَّهُ\". [خ ٢٧٨٦، م ١٨٨٨، ت ١٦٦٠، ن ٣١٠٥، جه ٣٩٧٨، حم ٣/ ١٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>(٦) بَابٌ: فِي النَّهْيِ عَنِ السِّيَاحَةِ</span>\n٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُّوخِيُّ (١)، نَا الْهَيْثَمُ بْنُ\n===\nيخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الآثام (٢)، وهذا لا ينافيه ما أجاب به في الإيمان: \"من سلم الناس من لسانه ويده\" ولا غير ذلك من الأجوبة المختلفة، لأن الاختلاف في ذلك بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال والأوقات (٣).\n(ورجل) وفي رواية البخاري (٤) من طريق شعيب: \"قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن\" (يعبد الله في شعب من الشعاب، قد كفى الناس شره).\nقال الحافظ (٥): هو محمول على من لا يقدر على الجهاد، فيستحب في حقه العزلة ليسلم، ويسلم منه غيره، والذي يظهر أنه محمول على ما بعد عصر النبي - ﷺ -، وقال في محل آخر (٦): وأما اعتزال الناس أصلًا فقال الجمهور: محل ذلك عند وقوع الفتن.\n\n(٦) (بَابٌ: فِي النَّهْي عَنِ السِّيَاحَةِ)\nقال في \"القاموس\": والسِّياحة بالكسر، والسُّيُوح والسَّيَحان والسَّيْح: الذهاب في الأرض للعبادة، ومنه المسيح ابن مريم.\n٢٤٨٦ - (حدثنا محمد بن عثمان التنوخي، نا الهيثم بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبو الجماهر\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٧).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٣١).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٢٧٨٦).\n(٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٣٢).\n(٦) \"فتح الباري\" (٦/ ٧).","vol":"9","page":23},{"text":"حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، عن الْقَاسِمِ (١) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالسِّيَاحَةِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿\". [ق ٩/ ١٦١، ك ٢/ ٧٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>(٧) بَابٌ: فِي فَضْلِ الْقَفْلِ فِي الْغَزْوِ</span>\n٢٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نَا عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ، عن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، نَا (٢) حَيْوَةُ، عن ابْنِ شُفَيٍّ،\n===\nحميد، أخبرني العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة أن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال: يا رسول الله، ائذن لي بالسياحة)، أراد مفارقة الأمصار وسكنى البراري وترك الجمعة والجماعات (قال النبي - ﷺ -: إن سياحة أمتي الجهادُ في سبيل الله - ﷿ -)، وإنما لم يأذنه - ﷺ - لما فيه ترك تعلم العلم وترك الجهاد، وإنما دلَّه على الجهاد، لأن الجهاد في ذلك الزمان، وكذا في أكثر الأزمان ذِرْوَةُ سنام الإسلام، وفيه كبت الكفر والضلال.\n\n(٧) (بَابٌ: فِي فَضْلِ القَفْلِ فِي الغَزْوِ)\nالقفل هو الرجوع\n٢٤٨٧ - (حدثنا محمد بن المصفى، نا علي بن عياش، عن الليث بن سعد، نا حيوة، عن ابن شُفِّيٍّ) هو حسين بن شُفَيٍّ، بمضمومة وفتح فاء وشدة ياء، ابن ماتع، بمثناة فوق مكسورة، الأصبحي المصري، قال العجلي: مصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، اختلف في أنه سمع عبد الله بن عمرو بغير واسطة أبيه أم لا؟ فقال البخاري: سمع، وقال ابن أبي حاتم وأبو زرعة: لم يسمع.\n_________\n(١) في نسخة: \"القاسم أبي عبد الرحمن\".\n(٢) في نسخة: \"قال: حيوة\".","vol":"9","page":24},{"text":"عن شُفَيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو -، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ\". [حم ٢/ ١٧٤، ق ٩/ ٢٨]\n===\n(عن شفي) بالفاء، مصغرًا، ابن ماتع، ويقال: ابن عبد الله الأصبحي، أبو عثمان، أو أبو سهل، أو أبو عبيد المصري، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال الطبراني وغيره: مختلف فيه في صحبته.\n(عن عبد الله - هو ابن عمرو -، عن النبي - ﷺ - قال: قفلة كغزوة)، قال في \"النهاية\" (١): القفلة المرة من القفول، أي إن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله بعد غزوه كأجره في إقباله إلى الجهاد، لأن في قفوله إراحة للنفس، واستعدادًا بالقُوَّة للعود، وحفظًا لأهله برجوعه إليهم.\nوقيل: أراد بذاك التعقيب، وهو رجوعه ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا، وإن لم يلق عَدُوًّا ولم يَشْهد قِتالًا، وقد يفعل ذلك الجيش إذا انصرفوا من مغزاهم لأحد أمرين:\nأحدهما: أن العدو إذا رآهم قد انصرفوا عنهم أمِنُوهم وخرجوا من أمكِنَتهم، فإذا قفل الجيش إلى دار العَدُوِّ نالوا الفُرصة منهم فأغاروا عليهم.\nوالآخر: أنهم إذا انصرفوا ظاهرين لم يأمنوا أن يَقْفُوَ العدو أثرهم فَيُوقِعوا بهم وهم غارُّون، فربما استظهر الجيش أو بعضُهم بالرُّجوع على أدْراجِهم، فإن كان من العَدُوِّ طَلَبٌ كانوا مستعدِّين للقائهم، وإلَّا فقد سَلموا وأحرَزُوا ما معهم من الغنيمة.\nوقيل: يحتمل أن يكون سئل عن قوم قَفَلوا لخوفهم أن يَدْهَمَهم من عَدُوِّهم مَن هو أكثر عَددًا منهم، فقفلوا ليَسْتَضِيْفوا إليهم عددًا آخرَ من أصحابهم، ثم يَكُرُّوا على عَدُوِّهم، انتهى.\n_________\n(١) (٤/ ٩٢، ٩٣).","vol":"9","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>(٨) بَابٌ: فِي فَضْلِ قِتَالِ الرُّوم عَلَى غَيْرِهِم مِنَ الأُمَمِ</span>\n٢٤٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَلَّامٍ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ، عن عَبْدِ الْخَبِيرِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، عن أَبِيهِ،\n===\n\n(٨) (بَابٌ: فِي فَضْلِ قِتَالِ الرُّومِ عَلَى غَيْرِهمْ مِنَ الأُمَمِ)\n٢٤٨٨ - (حدثنا عبد الرحمن بن سلَّام) بالتشديد، الجمحي، أبو حرب البصري، مولى قدامة بن مظعون، ثقة، وهو أخو محمد بن سلَّام الجمحي صاحب الأخبار، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا حجاج بن محمد، عن فرج بن فضالة، عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): ووقع عند أبي داود عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس، والصواب ما ذكره المؤلف (٢)، فإن قيس بن شماس لا صحبة له، وجزم الدمياطي بأنه عبد الخبير بن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس، فالله أعلم، قال أبو حاتم وابن عدي: منكر الحديث، حديثه ليس بالقائم، وكذا قال الحاكم أبو أحمد.\nوقال في \"التقريب\" (٣): عبد الخبير بن قيس بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، ووقع عند أبي داود منسوبًا لجده، مجهول الحال.\n(عن أبيه) قيس بن ثابت بن قيس الأنصاري الخزرجي المدني، روى عن أبيه، وعنه ابنه عبد الخبير، قلت: ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة بعد النبي - ﷺ - بقليل، فإما أن تكون رواية قيس عنه منقطعة وإلَّا لزم أن يكون لقيس إدراك، وقد تقدم في إسماعيل بن محمد بن ثابت أن الدمياطي جزم بأنه والد عبد الخبير، فالله أعلم.\n_________\n(١) (٦/ ١٢٤).\n(٢) أي المزي، قال: عبد الخبير بن قيس بن ثابت بن قيس بن شماس.\n(٣) (ص ٥٦٧).","vol":"9","page":26},{"text":"عن جَدِّهِ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يُقَالُ لَهَا أُمُّ خَلَّادٍ وَهِيَ مُتَنَقِّبَةٌ (١) تَسْأَلُ عن ابْنِهَا وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (٢) - ﷺ -: جِئْتِ تَسْأَلِينَ عن ابْنِكِ وَأَنْتِ مُتَنَقِّبَةٌ (٣) فَقَالَتْ: إِنْ أُرْزَأْ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ حَيَائِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ابْنُكِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ\"، قَالَتْ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"لأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الكِتَابِ\". [ق ٩/ ١٧٥]\n===\n(عن جده) ثابت بن قيس بن شماس (قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - يقال لها أم خَلَّاد) أي والدته، وهو الذي قتل يوم قريظة، طرحت عليه حجر من أطم من آطامها فشدخته، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن له أجر شهيدين\"، يقولون: إن الحجر ألقتها عليه امرأة اسمها بنانة امرأة من قريظة، ثم قتلها رسول الله - ﷺ - مع بني قريظة لما قتل من أنبت منهم، ولم يقتل امرأة غيرها.\n(وهي متنقبة) أي سادلة نقابها على وجهها (تسأل عن ابنها وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبي - ﷺ -: جئت تسألين عن ابنك وأنت) الواو للحال (متنقبة) يعني لو كنت أصابك رزء ابنك لكنت حاسرة عن رأسك كاشفة عن وجهك على حسب العادة.\n(فقالت: إِنْ أُرْزَأْ ابني) أي إن أصابتني مصيبة قتل ابني (فلن أَرْزَأَ حيائي) أي ما أصابتني مصيبة فقد حيائي، فإن حيائي بحمد الله باقٍ (فقال رسول الله - ﷺ -: ابنك له أجر شهيدين، قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنه قتله أهل الكتاب) (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"منتقبة\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) في نسخة: \"مُنْتَقِبة\".\n(٤) استدل بذلك الموفق على أن قتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم. (انظر: \"المغني\" ١٣/ ١٣). (ش).","vol":"9","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>(٩) بَابٌ: فِي رُكُوبِ البَحْرِ فِي الْغَزْو </span>(١)\n٢٤٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عن مُطَرِّفٍ، عن بِشْرٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عن بَشِيرِ بْنِ مُسْلِمٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\n\n(٩) (بَابٌ: فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الغَزْوِ)\n٢٤٨٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، عن بشر أبي عبد الله) الكندي، هكذا في النسخة المجتبائية والمصرية ونسخة \"العون\" وهو الصواب، وكذا في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" و\"الخلاصة\" من غير زيادة لفظ \"ابن\"، وفي النسخة القادرية والمكتوبة الأحمدية: بشر بن أبي عبد الله بزيادة لفظ \"ابن\" على أبي عبد الله، وهو غلط، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قرأت بخط الذهبي: لا يكاد يعرف، وفي \"الخلاصة\" (٣): مجهول.\n(عن بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة مكبرًا (ابن مسلم) الكندي، أبو عبد الله الكوفي. واختلف في سنده، وقيل: عن مطرف عن بشر أبي عبد الله الكندي عن عبد الله، وقيل: عن مطرف عن بشير بن مسلم أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو، وقيل غير ذلك، قال البخاري: ولم يصح حديثه، وقال مسلمة بن قاسم: مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" من أتباع التابعين، وقال: روى عن رجل عن عبد الله بن عمرو.\n(عن عبد الله بن عمرو (٤) قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"للغزو\".\n(٢) (١/ ٤٦٢).\n(٣) (ص ٥٠).\n(٤) قال الشوكاني (٣/ ٢٨٦): قال أبو داود: ورواته مجهولون، وقال الخطابي (٢/ ٢٣٨): ضعفوا إسناده، وقال البخاري: ليس هذا الحديث بصحيح، وتقدم في الطهارة ركوبه للصيد، فأجيب بضعف هذا الحديث. (ش).","vol":"9","page":28},{"text":"\"لَا يَرْكَبُ (١) الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ، أَوْ مُعْتَمِرٌ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا\". [ق ٦/ ١٨]\n... (٢).\n٢٤٩٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، نَا حَمَّادٌ - يَعْنِي\n===\nلا يركب البحر) أي المالح (إلَّا حاج، أو معتمر، أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا (٣) وتحت النار بحرًا)، نقل في الحاشية عن \"اللمعات\": قيل: هو على ظاهره، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، وقيل: المراد تهويل شأن البحر، وتفخيم الخطر في ركوبه، فإن راكبه متعرض للآفات بعضها فوق بعض.\nقلت: واختلفوا في وجوب الحج إذا كان في طريقه بحر، قيل: البحر يمنع الوجوب، والأصح أنه كالبر، فإن كان الغالب فيه السلام يجب وإلَّا فلا، وسيحون وجيحون والفرات والنيل ودجلة أنهار لا بحار، فلا تمنع الوجوب اتفاقًا، قلت: وفي زماننا السفن الدخانية الكبار لا خطر فيها، وفيها السلامة غالبًا، فلا يمنع (٤) البحر وجوب الحج لا وجوب أدائه.\n٢٤٩٠ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا حماد - يعني\n_________\n(١) في نسخة: \"لا تركب البحر إلَّا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب فضل الغزو في البحر\".\n(٣) قال ابن رسلان في الطهارة: قيل: معناه أنه يؤول إليه لما روي أنه يصير جهنم كما بسط رواياته في \"السعاية\"، وقيل: في إهلاكه نار كما يقال: السلطان نار، ويحتمل أن يكون مراده ما في \"العرف الشذي\" من \"الملل والنحل\" لابن حزم: قيل لعلي: فلان يقول: إن جهنم في البحر، قال: ما أراه إلَّا صدق، ومراده أن جهنم يوضع في موضع البحر. (ش).\n(٤) وفي \"العيني\" (١٠/ ٩٠) عن أبي عمر: ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتَجَّ لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه، وبه جزم ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٠/ ١٦٧).","vol":"9","page":29},{"text":"ابْنَ زَيْدٍ -، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ عِنْدَهُمْ، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: \"رَأَيْتُ قَوْمًا مِمَّنْ يَرْكَبُ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ\". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: \"فَإِنَّكِ مِنْهُمْ\".\n===\nابن زيد -، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس (١) بن مالك قال: حدثتني) خالتي (أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم، أن رسول الله - ﷺ - قَالَ عندهم) من القيلولة، وهو النوم في وسط النهار (فاستيقظ وهو يضحك) سرورًا (قالت) أي أم حرام: (فقلت: يا رسول الله، ما أضحكك؟) أي: أيُّ شيء حملك على الضحك؟ (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (رأيت قومًا) من المسلمين (ممن يركب ظهر هذا البحر) أي الأخضر (كالملوك على الأسِرَّةِ) جمع سرير.\nقال ابن عبد البر (٢): أراد - والله أعلم - أنه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكًا على الأسِرَّةِ (٣) في الجنة، قال عياض: هذا محتمل، ويحتمل أيضًا أن يكون خبرًا عن حالهم في الغزو، ومن سعة أحوالهم، وقوام أمرهم، وكثرة عددهم، وجودة عندهم، فكأنهم الملوك على الأسرة، قلت: وفي هذا الاحتمال بُعدٌ، والأول أظهر.\n(قالت: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فإنك منهم) وفي رواية: \"فدعا\"، ولا تنافي بينهما\n_________\n(١) قال الحافظ (٦/ ٧٨): رواه عن أنس إسحاق بن أبي طلحة وأبو طوالة وابن حبان، وظاهر الأولين أنه من مسند أنس، والثالث من مسند أم حرام وهو المعتمد ... إلخ، وقال أيضًا: إن أوله من مسند أنس، وقصة المنام من مسند أم حرام. (ش).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٧٤).\n(٣) واستدل الموفق (١٣/ ١٢) على أفضلية غزوة البحر على غزوة البر، وبه جزم في \"نيل المآرب\" (١١/ ٣٢٠).","vol":"9","page":30},{"text":"قَالَتْ: ثُمَّ نَامَ فَاستَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَضْحَكَكَ (١)؟ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، قَالَتْ: قُلْتُ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: \"أَنْتِ مِنَ الأَوَّلينَ\". قَالَ: فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ\n===\nفإنه - ﷺ - دعا لها أولًا على حسب سؤالها، ثم أخبر بإجابة الدعاء، فأخبرها بأنك منهم.\n(قالت) أي أم حرام: (ثم نام فاستيقظ وهو يضحك) فرحًا وسرورًا (قالت: فقلت: يا رسول الله ما أضحكك؟ فقال مثل مقالته) أي الأولى (٣) (قالت: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (أنت من الأوَّلين)، قال القرطبي: الأولى (٤) في أول من غزا البحر من الصحابة، والثانية (٥) في أول من غزا البحر من التابعين، قلت: بل كان في كل منهما من الفريقين، لكن معظم الأولى من الصحابة والثانية بالعَكس.\n(قال) أي أنس: (فتزوجها عبادة بن الصامت) أي تزوجها بعد تلك المقالة\n_________\n(١) في نسخة: \"مايضحكك؟ \".\n(٢) في نسخة: \"فقلت\".\n(٣) يشكل على هذا ما أَطْبَقَ عليه أهل التاريخ والحديث كون يزيد في هذه السرية، ويزيد الإشكال لفظ البخاري في \"باب قتال الروم \" بلفظ \"مغفورٌ لهم\"، ومال الشاه ولي الله في \"تراجمه\" (انظر: \"لامع الدراري \" ٧/ ٣٨٦) إلى أنه لا يثبت بهذا إلَّا كونه مغفورًا له فيما سبق، لأنه كفارة وهي لا تكون قبل الذنب، والبسط في \"الفتح\" (٦/ ١٠٢)، ثم هل يجوز لعن يزيد؟ لا بأس على أصل أحمد إذ أفتى بكفره، كما في \"الإشاعة\" بخلاف ما قال ابن العربي: إنه صار سلطانًا من عهد أبيه، فالإمام خارج عليه، وقال الشامي: المعتمد لا يجوز اللعن. (ش).\n(٤) سنة ٢٧ هـ أو قريبًا منها في زمن عثمان - ﵁ -، وكان معاوية أميرًا على الغزوة. (ش).\n(٥) سنة ٥٠ هـ أو قريبًا منها في زمان خلافة معاوية - ﵁ -، وكان الأمير على الغزوة يزيد ... إلخ. (ش).","vol":"9","page":31},{"text":"فَغَزَا فِي الْبَحْرِ فَحَمَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قُرِّبِتْ لَهَا بَغْلَةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ\" (١). [خ ٧٠٠٢، م ١٩١٢، ١٦٤٥، ن ٣١٧٢، ت ١٦٤٥، جه ٢٧٧٦، حم ٣/ ٢٤٠، دي ٢٤٢١]\n===\n(فغزا في البحر) مع معاوية بن أبي سفيان سنة ثمان وعشرين، وكان ذلك في خلافة (٢) عثمان، ومعاوية يومئذ أمير الشام.\nوقال خليفة بن خياط في \"تاريخه\" (٣) في حوادث سنة ثمان وعشرين: وفيها غزا معاوية البحر، ومعه امرأته فاختة بنت قرظة، ومع عبادة بن الصامت امرأته أم حرام، انتهى. وكان معاوية استأذن عمر في غزو البحر، فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، فكان أول ما غزا في البحر غزاة قُبْرس، فصالح أهل قُبْرس.\n(فحملها معه، فلما رجع) أي عبادة عن الغزو، وخرجت من البحر (قُرِّبت لها بغلة لتركبها) فركبتها (فَصَرَعَتْها) أي فأسقطتها (فاندقَّتْ عنقُها فماتت).\nأخرج البخاري (٤) هذا الحديث من طريق الليث: حدثنا يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس بن مالك، عن خالته أم حرام بنت ملحان قالت: \"نام النبي - ﷺ -\"، الحديث، وفيه: \"فخرجتْ مع زوجها عبادةَ بن الصامت غازيًا أوَّل مَا رَكِبَ المسلمون البحر مع معاوية، فلما انصرفوا من غزوهم قافلين، فنزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها، فصرعتها فماتت\".\nوهذا بظاهره يدل على أن سقوطها من الدابة كانت بساحل الشام لما خرجت من البحر، لكن أخرج ابن أبي عاصم، عن هشام بن عمار\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وماتت بنت ملحان بقبرس\".\n(٢) وحكى العيني (١٠/ ٨٨) في الغزوة هذه متى وقعت، ولا إشكال لو تعددت القصة كما سيظهر في كلام \"البذل\" عن \"الفتح\" (٦/ ١٠٣). (ش).\n(٣) (ص ١٦٠).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٢٧٩٩، ٢٨٠٠).","vol":"9","page":32},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن يحيى بن حمزة قصة أم حرام، وفيه: \"وعبادة نازل بساحل حمص\"، قال هشام بن عمار: رأيت قبرها بساحل حمص، وجزم جماعة بأن قبرها بجزيرة قبرس.\nقال ابن حبان بعد إخرإج حديث الليث: \"قبر أم حرام بجزيرة في بحر الروم، يقال لها: قبرس، بين بلاد المسلمين وبينها ثلاثة أيام\"، وجزم ابن عبد البر بأنها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قبرس، قربت إليها دابتها فصرعتها.\nوأخرج الطبري من طريق الواقدي أن معاوية صالحهم بعد فتحها على سبعة آلاف دينار في كل سنة، فلما أرادوا الخروج منها قُرِّبَتْ لأم حرام دابةٌ لتركبها فسقطت، فماتت، فقبرها هناك يستسقون به، ويقولون: قبر المرأة الصالحة.\nقال الحافظ (١): ويجمع بأنهم لما وصلوا إلى الجزيرة، بادرت المقاتلة، وتأخرت الضعفاء كالنساء، فلما غلب المسلمون، وصالحوهم طلعت أم حرام من السفينة قاصدة البلد لتراها، وتعود راجعة للشام، فوقعت حينئذ، ويحمل قول حماد بن زيد: \"فلما رجعت\"، وقول أبي طوالة: \"فلما قفلت\" أي: أرادت الرجوع، وكذا قول الليث: \"فلما انصرفوا من غزوهم\"، أي أرادوا الانصراف.\nقال الحافظ: ثم وقفت على شيء يزول به الإشكال من أصله، وحاصله: أن في هذه القصة قصتين، أولهما قصة أم سليم، وثانيتهما ما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن عطاء بن يسار أن امرأة حدثته قالت: \"نام رسول الله - ﷺ - ثم استيقظ\"، الحديث، فالقصة التي وقع في البخاري وغيره هي قصة أم سليم، فهي ماتت بساحل الشام ودفنت هناك، وأما القصة التي وقعت في حديث عطاء بن يسار،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١١/ ٧٦).","vol":"9","page":33},{"text":"٢٤٩١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ (١) مِلْحَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ\n===\nفليست هي قصة أم سليم، بل هي قصة أختها أم عبد الله بنت ملحان (٢)، فإن عطاء بن يسار ذكر أنها حدثته، وهو يصغر عن إدراك أم حرام، وعن أن يغزو في سنة ثمان وعشرين، لأن مولده كان في سنة تسع عشرة، وعلى هذا فقد تعددت القصة لأم حرام ولأختها أم عبد الله، فلعل إحداهما دفنت بساحل قبرس، والأخرى بساحل حمص، ولله الحمد.\n٢٤٩١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنه) أي إسحاق بن عبد الله (سمعه) أي سمع إسحاق بن عبد الله أنس بن مالك (يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان، وكانت تحت عبادة بن الصامت).\nقال الحافظ (٣): هذا ظاهره أنها كانت حينئذ زوج عبادة، وتقدم من رواية أبي طوالة عن أنس قال: \"فتزوجت عبادة بن الصامت\"، وتقدم من طريق محمد بن يحيى عن أنس: \"فتزوج بها عبادة، فخرج بها إلى الغزو\"، وفي رواية مسلم من هذا الوجه: \"فتزوج بها عبادة بعد\"، ووجه الجمع أن المراد بقوله: \"وكانت تحت عبادة\" الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك، وهو الذي اعتمده النووي وغيره تبعًا لعياض.\n(فدخل) أي رسول الله - ﷺ - (عليها) أي على أم حرام (يومًا فأطعمته)،\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنة\".\n(٢) في الأصل، وفي \"فتح الباري\" (١١/ ٧٦): أم عبد الله بن ملحان، وهو تحريف أيضًا، انظر: \"الإصابة\" (٤/ ٤٥١).\n(٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٧٢).","vol":"9","page":34},{"text":"وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ\"، وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ. [انظر الحديث السابق]\n===\nقال الحافظ (١): لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذ (وجلست تفلي) بفتح المثناة وسكون الفاء وكسر اللام، أي تفتش (رأسه) أي ما في رأسه، ولا يلزم منه أن يكون في رأسه قمل، بل سبب فلي الرأس إراحته - ﷺ -، فإن الفلي سبب (٢) للإراحة (وساق) أي إسحاق بن عبد الله بن طلحة أو غيره من الرواة (هذا الحديث) المتقدم.\nقال الحافظ (٣): وفيه خدمة المرأة الضيف بتفلية رأسه، وقد أشكل هذا على جماعة، فقال ابن عبد البر (٤): أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله - ﷺ - أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزين، قال: إنما استجاز رسول الله - ﷺ - أن تفلي أم حرام رأسه، لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته، لأن أم عبد المطلب جده كانت من بني النجار، ومن طريق يونس بن عبد الأعلى قال: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات النبي - ﷺ - من الرضاعة، فلذلك كان يقيل عندها، وينام في حجرها، وتفلي رأسه، قال ابن عبد البر: وأيهما كان فهي محرم له.\nوجزم أبو القاسم بن الجوهري والداودي والمهلب بما قال ابن وهب، قال: وقال غيره: إنما كانت خالة لأبيه أو جده عبد المطلب، وقال\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١١/ ٧٣).\n(٢) كذا في \"الكوكب\" (٢/ ٤٣١)، وزاد: أو أن يكون من غيره فوصل إليه، وفي \"شرح الشفاء\": يزيل قملة كراهة لوجوده، ولم يكن القمل يؤذيه تكريمًا له، وفيه أيضًا برواية الحاكم عن أبي سعيد مرفوعًا: \"لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل\" الحديث، ومال المناوي وتبعه البجيرمي في شرحي \"الشمائل\" إلى أنه لم يكن فيه قمل. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٧٨).\n(٤) وقريب منه ما بسط العيني (١٠/ ٨٧). (ش).","vol":"9","page":35},{"text":"٢٤٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ الرُّمَيْصَاءِ قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاسْتَيْقَظَ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَضْحَكُ (١)\n===\nابن الجوزي: سمعت بعض الحفاظ يقول. كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله - ﷺ - من الرضاعة.\nوحكى ابن العربي ما قال ابن وهب، ثم قال: وقال غيره: بل كان النبي - ﷺ - معصومًا يملك إربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه، وهو المبرأ عن كل فعل قبيح، وقول رفث، فيكون ذلك من خصائصه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، وردَّ ذلك بأن ذلك كان بعد الحجاب بل بعد حجة الوداع، وردَّ عياض بأن الخصوصيات لا تثبت إلَّا بدليل، وبالغ الدمياطي في الردِّ على من ادَّعى المحرمية.\nقال الحافظ: وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لا تثبت إلَّا بدليل، لأن الدليل على ذلك واضح.\n٢٤٩٢ - (حدثنا يحيى بن معين، نا هشام بن يوسف، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أخت أم سليم الرميصاء) صفة لأخت أم سليم، والمراد بها أم حرام على ما هو المشهور، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): ولعلها أختها أم عبد الله بن (٣) ملحان، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيات (قالت: نام النبي - ﷺ - فاستيقظ، وكانت) أي أخت أم سليم (تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت: يا رسول الله أتضحك\n_________\n(١) في نسخة: \"تضحك\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٧٧).\n(٣) كذا في \"الفتح\"، والصواب: أم عبد الله بنت ملحان. انظر: \"الإصابة\" (٤/ ٤٥١).","vol":"9","page":36},{"text":"مِنْ رَأْسِي؟ قَالَ (١): \"لَا\"، وَسَاقَ هَذَا الْخَبَرَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ (٢). [انظر الحديث السابق]\n٢٤٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْعَيْشِيُّ، نَا مَرْوَانُ. (ح): وَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْجَوْبَرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَ، نَا مَرْوَانُ، نَا هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّمْلِيُّ، عن يَعْلَى بْنِ شَدَّادٍ، عن أُمِّ حَرَامٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - (٣) قَالَ: \"الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ\n===\nمن رأسي؟ قال: لا (٤) وساق) أي يحيى بن معين أو عطاء بن يسار (هذا الخبر) أي الحديث المتقدم (يزيد وينقص) أي يزيد على الحديث المتقدم بعض اللفظ، وينقص منه بعضه.\n٢٤٩٣ - (حدثنا محمد بن بكار العيشي، نا مروان، ح: ونا عبد الوهاب بن عبد الرحيم) بن عبد الوهاب الأشجعي، أبو عبد الله (الجوبري) بفتح الجيم والموحدة بينهما واو ساكنة، نسبة إلى قرية من قرى دمشق، يقال لها: جوبر (الدمشقي، المعنى) أي معنى حديثهما واحد.\n(قال: نا مروان) بن معاوية، (نا هلال بن ميمون الرملي، عن يعلى بن شداد، عن أم حرام، عن النبي - ﷺ - قال: المائد في البحر) وهو الذي يدور رأسه باضطراب السفينة بتموج البحر (الذي يصيبه القيء) أي في السفر الذي\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الرميصاء أخت أم سليم من الرضاعة\".\n(٣) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٧٦): وقد أخرجه أبو داود، ولم يَسُق المتن بل أحال به على رواية حماد، وقال: يزيد وينقص، وقد أخرجه عبد الرزاق الوجه الذي أخرجه منه أبو داود، فقال: عن عطاء بن يسار أن امرأة حدثته، وساق المتن، ولفظه يدل على أنه في قصة أخرى غير قصة أم حرام، والله أعلم، انتهى، ثم ساق لفظه، وحقق بخمسة وجوه أنهما قصتان لأم حرام، ولأختها أم عبد الله، والمذكورة في رواية عطاء هي الثانية. (ش).","vol":"9","page":37},{"text":"لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالْغَرِقُ (١) لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ\". [مسند الحميدي ٣٤٩]\n٢٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ (٢)، نَا أَبُو مُسْهِرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ سَمَاعَةَ -، أَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"ثَلاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامَنٌ\n===\nيكون للعبادة (له أجر شهيد) أي واحد (والغَرِق) ككتف، الغريق أي الذي يغرق في البحر بتموج البحر في سفر العبادة (له أجر (٣) شهيدين).\n٢٤٩٤ - (حدثنا عبد السلام بن عتيق) بن حبيب بن أبي عتيق العنسي بالنون، ويقال: أسلميٌّ مولاهم، الدمشقي، أبو هشام، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال مرة: ليس به بأس، (نا أبو مسهر، نا إسماعيل بن عبد الله، يعني ابن سماعة) العدوي مولى آل عمر، أصله من الرملة، وقد ينسب إلى جده، قال العجلي والنسائي وابن عمار: ثقة، وقال أبو مسهر: كان من الفاضلين، وذكره في الأثبات من أصحاب الأوزاعي، وقال أبو حاتم: كان من أجل أصحاب الأوزاعي وأقدمهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أنا الأوزاعي، حدثني سليمان بن حبيب) المحاربي، أبو أيوب، ويقال: أبو بكر، ويقال: أبو ثابت، الدمشقي الداراني القاضي، قضى بدمشق أربعين سنة في خلافة عمر بن عبد العزيز، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال العجلي والنسائي، وقال الدارقطني: ليس به بأس تابعي مستقيم.\n(عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله - ﷺ - قال: ثلاثة كلهم ضامن)\n_________\n(١) في نسخة: \"الغريق\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الدمشقي\".\n(٣) استدل بذلك من قال: شهيد البحر أفضل، قاله العيني في \"شرح البخاري\" (١٠/ ٩٠)، وبسط فيه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٠/ ١٦٧). (ش).","vol":"9","page":38},{"text":"عَلَى اللَّهِ - ﷿ -: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - ﷿ -، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ (١)، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ - ﷿ -\" (٢). [حب ٤٩٩، ك ٢/ ٧٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>(١٠) بَابٌ: فِي فَضْلِ مَنْ قَتَل كَافِرًا</span>\n٢٤٩٥ - حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، نَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ -، عن الْعَلَاءِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَجْتَمِعُ فِي النَّارِ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ أَبَدًا\". [م ١٨٩١، حم ٢/ ٣٩٧، ق ٩/ ١٦٥]\n===\nأي مضمون كما في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٣) أو ذو ضمان (على الله - ﷿ -: رجل خرج غازيًا في سبيل الله - ﷿ -، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده) سالمًا من مغزاه إلى بيته (بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه) أي: يميته (فيدخله الجنة أو يرده) من المسجد إلى بيته (بما نال من أجر وغنيمة) الواو بمعنى أو لمنع الخلو (ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله - ﷿ -).\n\n(١٠) (بَابٌ: فِي فَضْل مَنْ قَتَلَ كَافرًا)\nأي: غير معاهد\n٢٤٩٥ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل -يعني ابن جعفر-، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يجتمع في النار كافر وقاتله) المسلم (أبدًا)، وفي رواية: \"لا يجتمعان في النار اجتماعًا\n_________\n(١) في نسخة: \"أو غنيمة\".\n(٢) آخر الجزء الخامس، وأول الجزء السادس عشر من \"سنن أبي داود\" بتجزئة الخطيب البغدادي.\n(٣) سورة الحاقة: الآية ٢١.","vol":"9","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>(١١) بَابٌ: فِي حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِين </span>(١)\n٢٤٩٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا سُفْيَانُ، عن قَعْنَبٍ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ\n===\nيضر أحدهما الآخر، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: مؤمن قتل كافرًا ثم سَدَّد\".\nقال القاضي (٢) في الرواية الأولى: يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرًا في الجهاد، فيكون ذلك مكفرًا لذنوبه حتى لا يعاقب عليها، أو يكون بنية مخصوصة، أو حالة مخصوصة، ويحتمل أن يكون عقابه إن عوقب بغير النار، كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة أولًا ولا يدخل النار، أو يكون إن عوقب بها في غير موضع عقاب الكفار، ولا يجتمعان في إدراكها، انتهى. قال الطيبي (٣): والأول هو الوجه.\n\n(١١) (بَابٌ: فِي حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ)\n٢٤٩٦ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن قعنب) بسكون المهملة ثم نون مفتوحة آخره موحدة، التميمي الكوفي، قال سفيان: كان ثقة خيارًا، قال أبو داود: كان رجلًا صالحًا، كان ابن أبي ليلى أراده على القضاء فامتنع، وقال: أخرجوني حتى أنظر، فتوارى فوقع عليه البيت فقتله، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة) بالتصغير، (عن أبيه) بريدة ابن الحصيب.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"على القاعدين\".\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٤٤)، و\"إكمال المعلم\" (٦/ ٣١٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٦٩).","vol":"9","page":40},{"text":"أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ (١) إِلَّا نُصِبَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ خَلَفَكَ فِي أَهْلِكَ فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ\"، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"مَا ظَنُّكُم؟ \" (٢). [م ١٨٩٧، ن ٣١٨٩، ق ٩/ ١٧٣]\n===\nأمهاتهم) مبالغة في اجتنابهم عنهن والميل إليهن بسوء ومراعاة حقوقهن (وما من رجل من القاعدين يخلف) بضم اللام أي يعقب (رجلًا من المجاهدين في أهله) أي امرأته أو جاريته وقرابته في بيته فيخونه، كما في \"مسلم\"، أي: فيخون ذلك القاعد في أهل ذلك المجاهد (إلَّا نصب) بصيغة المجهول، أي وقف وأقيم ذلك الرجل القاعد (له) أي للمجاهد (يوم القيامة، فقيل له) أي للمجاهد، والقائل الملك الموكل من الله تعالى (قد خلفك) أي هذا القاعد (في أهلك) أي بسوء وخيانة (فخذ من حسناته) أي ذلك القاعد (ما شئت) أي: أيّ قدر شئت (فالتفت إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: ما ظنكم؟).\nقال النووي (٣): معناه: فما تظنون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته، والاستكثار منها في ذلك المقام؟ أي لا يبقى منها شيء إلَّا أخذه، وقال المظهر (٤): أي ما ظنكم بالله مع هذه الخيانة؟ هل تشكون في هذه المجازاة أم لا؟ يعني فإذا علمتم صدق ما أقول فاحذروا من الخيانة في نساء المجاهدين، وقال التوربشتي: أي فما ظنكم بمن أحله الله بهذه المنزلة، وخصه بهذه الفضيلة، فربما يكون وراء ذلك من الكرامة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بسوء\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ أَبُو دَاودَ: وَكَانَ قَعْنَبٌ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَان ابن أَبِي لَيْلَى أَرَادَ قَعْنَبًا عَلَى القَضَاءِ، قَالَ: فَأَبَى عَلَيْهِ، وَقَالَ قَعْنَبٌ: أَنَا أُرِيْدُ الحَاجَةَ بِدِرْهَمٍ، فَأَسْتَعِيْنُ عَلَيْهَا بِرَجُلٍ! قَالَ: وَأَيُّنَا لَا يَسْتَعِيْنُ فِي حَاجَتِهِ؟ قَالَ: أَخْرِجُوْنِي حَتَّى أَنْظُرَ، فَأُخْرِجَ فَتَوَارَى، قَالَ سُفْيَانُ: بَيْنَمَا هُو مُتَوَارٍ إِذْ وَقَعَ عَلَيْهِ البَيْتُ فَمَات\"، انتهى. كذا في نسخة مصرية وغيرها.\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٥٠).\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٣٦٣).","vol":"9","page":41},{"text":"(١٢) بَابٌ: فِي (١) السَّريَّةِ تُخْفِق\n٢٤٩٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، نَا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا: نَا أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةً إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُم الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ\". [م ١٩٠٦، ن ٣١٢٥، حم ٢/ ١٦٩، جه ٢٧٨٥]\n===\n\n(١٢) (بَابٌ: فِي السَّرِيَّةِ) وهي قطعة من الجيش تغزو (تُخْفِقُ)\nقال في النهاية (٢): أيما سرية غَزَت فأخفقت، الإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئًا، وكذا كل طالب حاجة إذا لم تُقضَ له، وأصله من الخفق: التحرُّك، أي صادفت الغنيمة خافقة غير ثابتةٍ مستقرة.\n٢٤٩٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا عبد الله بن يزيد، نا حيوة وابن لهيعة قالا: نا أبو هانئ الخولاني) حميد بن هانئ (أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله - ﷺ -: ما من غازية) أي جماعة (تغزو في سبيل الله فيصيبون غنيمة إلَّا تعجلوا) أي في الدنيا (ثلثي أجرهم) أي السلامة والغنيمة (من الآخرة) أي من أجر الآخرة (ويبقى لهم الثلث) فيعطى لهم في الآخرة ذلك الثلث (فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم) أي في الآخرة (أجرهم) لأنهم لم يستوفوا من أجرهم في الدنيا.\nقال النووي (٣): الصواب في معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا وغنموا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ثواب\".\n(٢) (٢/ ٥٥).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٦٠).","vol":"9","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيكون أجرهم أقل من أجر من (١) لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وقد اختار القاضي عياض (٢) هذا المعنى بعد حكايته في تفسيره أقوالًا فاسدة، منها: قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة، كما لم ينقص ثواب أهل بدر، وهم أفضل المجاهدين، وهي أفضل غنيمة.\nقال: وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ راويه مجهول، ورجحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة، فرجحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله، ولأنه في \"الصحيحين\" وهذا في \"مسلم\" خاصة.\nوهذا القول باطل من أوجه، فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور، فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة، ولم يقل إن الغنيمة تنقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق وهذا مقيد، فوجب حمله عليه.\nوأما قولهم: أبو هانئ مجهول، غلط فاحش، بل هو ثقة مشهور، روى عنه خلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في \"صحيحه\".\nوأما قولهم: إنه ليس في \"الصحيحين\"، فليس لازمًا في صحة الحديث كونه في \"الصحيحين\"، ولا في أحدهما.\nوأما قولهم: في غنيمة (٣) بدر، فليس في غنيمة بدر نص أنهم لو لم يغنموا\n_________\n(١) قال الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٩): القواعد تقتضي أن الأجر عند عدم الغنيمة يزيد ... إلخ. (ش).\n(٢) انظر: \"إكمال المعلم\" (٦/ ٣٣٠، ٣٣١).\n(٣) والمراد بقولهم أنهم أوردوا على هذا الحديث بأن مقتضاه أن يفضل أهل أحد على أهل بدر، والمسلم خلافه، والجواب أن أهل بدر لو لم يصيبوا غنيمة لزادت أجورهم أكثر من هذا، والبسط في \"الأوجز\" (٩/ ٢٢). (ش).","vol":"9","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>(١٣) بَابٌ: فِي تَضْعِيفِ الذِّكْرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - ﷿ </span>-\n٢٤٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عن زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عن سَهْلِ بْن مُعَاذٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"إِنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالذِّكْرَ يُضَاعَفُ (١) عَلَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - ﷿ - بِسَبْعِ مائَةِ ضِعْفٍ\". [حم ٣/ ٤٣٨، ق ٩/ ١٧٢، ك ٢/ ٧٨]\n===\nلكان أجرهم على قدر أجرهم، وقد غنموا فقط، وكونهم مغفورًا لهم، مرضيًا عنهم، ومن أهل الجنة، لا يلزم منه أن لا تكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه مع أنه شديد الفضل عظيم القدر.\n\n(١٣) (بَابٌ: في تَضْعِيفِ الذِّكْرِ) أي: في ازدياده بمثل أو أمثال (فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿)\n٢٤٩٨ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه) معاذ بن أنس (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الصلاة والصيام والذكر)، ويدخل فيه التسبيح والتهليل والتكبير والتصلية وقراءة القرآن بالتدبر وغير ذلك من أنواع الذكر (يضاعف) أي يزاد باعتبار الأجر والثواب (على النفقة في سبيل الله ﷿ بسبع مائة ضعف).\nولفظ أحمد في \"مسنده\" (٢): \"قال: إن الذكر في سبيل الله تعالى يُضَعَّفُ فوق النفقة بسبع مائة ضعف\"، قال يحيى في حديثه: \"بسبعمائة ألف ضعف\".\nوالحديث ضعيف، لأن في سنده زبان بن فائد وسهل بن معاذ.\n_________\n(١) في نسخة: \"تضاعف\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٣٨).","vol":"9","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>(١٤) بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ غَازِيًا</span>\n٢٤٩٩ - حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عن ابْنِ ثَوْبَانَ، عن أَبِيهِ، يَرُدُّ إِلَىَ مَكْحُولٍ، إِلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ غَنْمٍ الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ فَصَل فِي سَبِيلِ اللَّهِ - ﷿ - فَمَاتَ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَبِأَيِّ حَتْفٍ (١) شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ شَهِيدٌ وَأَنَّ لَهُ الْجَنَّةَ\". [ق ٩/ ١٦٦، ك ٢/ ٧٨]\n===\n\n(١٤) (بَابٌ: فِي مَنْ مَاتَ غَازِيًا)\n٢٤٩٩ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا بقية بن الوليد، عن ابن ثوبان) عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، (عن أبيه) ثابت بن ثوبان (يرد) أي يبلغ الحديث (إلى مكحول) وهو يبلغ (إلى عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أن أبا مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من فصل) أي خرج من منزله كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ (٢) (في سبيل الله - ﷿ -) أي للجهاد ونحوه (فمات) أي بجراحة (أو قتل فهو شهيد، أو وقصه) أي صرعه ودق عنقه (فرسه أو بعيره، أو لدغته) بالدال المهملة والغين المعجمة، أي لسعته (هامة) بتشديد الميم أي ذات سم تقتل (أو مات على فراشه، وبأي حتف) بفتح فسكون، أي: أيِّ نوع من الهلاك (شاء الله) أي قدَّره وقضاه (فإنه شهيد) أي: إما حقيقة أو حكمًا (وأن له الجنة) أي دخولًا أوَّليًّا مع الشهداء والصالحين.\n_________\n(١) في نسخة: \"وبأيِّ حتف ما شاء الله\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٤٩.","vol":"9","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-905>(١٥) بَابٌ: فِي فَضْلِ الرِّبَاطِ</span>\n٢٥٠٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، نَا أَبُو هَانِئٍ، عن عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"كُلُّ الْمَيِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وُيؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ\". [ت ١٦٢١، حم ٦/ ٢٠، ك ٢/ ١٤٤]\n===\n\n(١٥) (بَابٌ: فِي فَضْلِ الرِّبَاطِ) (١)\nوهو ارتباط الخيل والإقامة على جهاد العدو، أصله أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معد لصاحبه\n٢٥٠٠ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الله بن وهب، نا أبو هانئ، عن عمرو بن مالك، عن فضالة بن عبيد، أن رسول الله - ﷺ - قال: كل الميت) وفي نسخة: \"كل ميت\"، وهكذا مُنَكَّرًا وقع في رواية أحمد والترمذي (يختم على عمله) أي لا ينمو عمله ولا يكتب له ثواب جديد (إلَّا المرابط فإنه ينمو له) أي يزاد له (عمله) بأن يصل إليه كل لحظة أجر جديد (إلى يوم القيامة) فإنه فدى نفسه فيما يعود نفعه على المسلمين، وهو إحياء الدين يدفع أعداءهم من المشركين (ويُؤَمَّن من فتان القبر) أي مع ذلك، ولعله بهذا امتاز عن غيره الوارد في حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: \"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلَّا من ثلاثة: إلَّا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\" (٢).\nوفي هذا إشارة إلى دفع التعارض بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة: \"إذا مات الإنسان انقطع عمله\"، الحديث، وتقرير التعارض أن قوله - ﷺ -:\n_________\n(١) وفي \"نيل المآرب\" (١/ ٣٢١): الرباط أفضل من المقام بمكة، وفي \"المغني\" (١٣/ ١٨): أقل الرباط ساعة وتمامه أربعون يومًا، وبسط في ذلك، وفي \"السير الكبير\": أقله يوم وأكثره أربعون، والوسط ثلاثة أيام، فيناط عليه في الأحكام. (ش).\n(٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١٦٣١).","vol":"9","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>(١٦) بَابٌ: فِي فَضْلِ الْحَرَسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - ﷿ </span>-\n٢٥٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، نَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ -، عن زَيْدٍ - يَعْنِي ابْنَ سَلَّام - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي السَّلُولِيُّ (١)، أَنَّهُ حَدَّثَهُ سَهْلُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ: أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ\n===\n\"كل ميت يختم على عمله إلَّا المرابط\"، يدل أن غير المرابط لا ينمو له عمل، ولا يزاد في ثواب عمله، وحديث أبي هريرة يدل على أن من تصدق بصدقة جارية، أو علَّم علمًا انتفع به الناس، أو من خلف له ولد صالح يدعو له، فإنهم يزدادون أجرًا وثوابًا، ولم يختم على أعمالهم.\nوالأحسن عندي في الجواب أن يقال: إن ازدياد الأجر والثواب على نوعين: أحدهما: أن يزداد الأجر بواسطة عمل إنسان آخر من الانتفاع بصدقته، كالبئر إذا شرب منه، والمسجد إذا صلَّى فيه، أو بواسطة دعاء ولد صالح أو غيره.\nوثانيهما: أن يزداد أجره بنمو عمله من غير واسطة إنسان آخر، فالمرابط على النوع الثاني، وما سواه فهو على النوع الأول، فلا تعارض بينهما، والله تعالى أعلم، ولفظ الترمذي وأحمد: \"ويأمن فتنة القبر\"، وفي أخرى لأحمد: \"ويوقى فتنة القبر\".\n\n(١٦) (بَابٌ: فِي فَضْلِ الحَرَسِ)\nأي: الحراسة (فِي سَبِيلِ اللهِ - ﷿ -) أي: في الجهاد وسفر الحج وغيرهما\n٢٥٠١ - (حدثنا أبو توبة، نا معاوية يعني ابن سلام، عن) أخيه (زيد - يعني ابن سلام - أنه سمع) جده (أبا سلام قال: حدثني السلولي) أبو كبشة (أنه) أي السلولي (حدثه سهل بن الحنظلية: أنهم) أي الصحابة - ﵃- (ساروا مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين) وهو اليوم الذي ذكره الله - ﷿ - في كتابه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبو كبشة\".","vol":"9","page":47},{"text":"فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً، فَحَضَرْتُ (١) صَلَاةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُم حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ آبَائِهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ\n===\nالكريم، وهو قريب من مكة، وقيل: هو واد، وقيل: الطائف، وقيل: واد بجنب ذي المجاز، وقال الواقدي: بينه وبين مكة ثلاثة ليال، وقيل: بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا، وهو يذكر ويؤنث، فإن قَصدت به البلد ذكرته وصرفته، وإن قصدت به البلدة والبقعة أنثته ولم تصرفه.\n(فأطنبوا السير) أي بالغوا فيه (حتى كان عشية) بالنصب على أنه خبر كان، واسمها محذوف، أي كان الوقت عشية، ويحتمل أن يكون منصوبًا بنزع الخافض، أي حتى كان السير إلى عشية (فحضرت صلاة) أي الظهر كما في نسخة (عند رسول الله - ﷺ -، فجاء رجل فارس) لم أقف على تسميته، أي: راكب فرس.\n(فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت) أي صعدت وعلوت (جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن) قبيلة (على بَكْرَةِ آبائهم)، قال في \"المجمع\" (٢): يريدون بها الكثرة ومجيء جميعهم، وليس هناك بكرة، قال الطيبي (٣): \"على\" بمعنى \"مع\"، وهو مَثلٌ، أصله أن جمعًا عرض لهم انزعاج، فارتحلوا جميعًا، حتى أخذوا بكرة أبيهم، وهي التي يستقى عليها.\n(بِظُعُنِهم) جمع ظعينة، وهي المرأة الراكبة هودجها (ونعمهم) أي: إبلهم، قال في \"القاموس\": والنعم، وقد تسكن عينه: الإبل والشاء، أو خاص بالإبل، (وشائهم) جمع شاة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فحضرت صلاة الظهر\"، وفي نسخة: \"فحضرت الصلاة\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢١٤).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٥٧).","vol":"9","page":48},{"text":"اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺوَقَالَ: \"تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ\"، ثُمَّ قَالَ: \"مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ\"؟ قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"فَارْكَبْ\" (١)، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ وَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ، وَلَا نُغَرَّنَّ (٢) مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ\".\nفَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى مُصَلَاّهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ أَحْسَسْتُمْ (٣) فَارِسَكُم\"؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْسَسْنَاهُ (٤)، فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي وَهُوَ\n===\n(اجتمعوا) أي تجمعوا (إلى حنين، فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: تلك) أي: الظعن والنعم والشاء (غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله، ثم قال: من يحرسنا) أي يحفظنا (الليلة؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي) يكنى أبا يزيد حليف حمزة بن عبد المطلب - ﵁ -، لأنس ولأبيه صحبة، وكان بينهما في السن عشرون سنة (أنا) أي أحرسكم (يا رسول الله، قال: فاركب، فَرَكِبَ فرسًا له وجاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له رسول الله - ﷺ -: استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نُغَرَّنَّ) بصيغة المتكلم مع الغير على بناء المفعول من الغرور في آخره نون ثقيلة (من قبلك الليلة) أي: لا يهجم العدو علينا من قبلك على غفلة.\n(فلما أصبحنا خرج رسول الله - ﷺ - إلى مصلاه فركع ركعتين) أي ركعتي سنَّة الفجر (ثم قال: هل أحسستم فارسكم؟ قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه) أي: ما رأيناه ولا سمعنا حسه.\n(فثوب بالصلاة) أي أقيم لها (فجعل رسول الله - ﷺ - يصلي وهو) الواو\n_________\n(١) في نسخة: \"اركب\".\n(٢) في نسخة: \"تَغُرَّنَّ\".\n(٣) في نسخة: \"حسستم\".\n(٤) في نسخة: \"حسسناه\".","vol":"9","page":49},{"text":"يَتَلَفَّتُ (١) إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى (٢) صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ فَقَالَ (٣): \"أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُم\"، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَينِ كِلَيْهِمَا، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: \"هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ\"؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مُصَلّيًا أَوْ قَاضِيًا (٤) حَاجَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"قَدْ أَوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا\". [ق ٩/ ١٤٩، ك ٢/ ٨٣]\n===\nللحال (يتلفت) أي يلتفت (إلي الشعب، حتى إذا قضى صلاته وسلَّم) تسليم الفراغ (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أبشروا فقد جاءكم فارسكم، فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر) أي بين الأشجار (في الشعب فإذا هو) أي الفارس (قد جاء حتى وقف على رسول الله - ﷺ - فسلم).\n(وقال: إني انطلقت) أي من عندكم (حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني رسول الله - ﷺ -، فلما أصبحت اطَّلعت) أي علوت (الشعبين كليهما، فنظرت فلم أرَ أحدًا) أي من العدو (فقال له رسول الله - ﷺ -: هل نزلتَ) أي من الفَرَس (الليلة؟ قال: لا، إلَّا مصليًا أو قاضيًا حاجةً) أي إلَّا للصلاة وقضاء الحاجة (فقال له رسول الله - ﷺ -: قد أوجبتَ) أي الجنة بعملك هذا (فلا عليك) أي لا بأس عليك (أن لا تعمل بعدها) أي تطوعًا بعد هذا العمل من الحراسة.\n_________\n(١) في نسخة: \"يلتفت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رسول الله - ﷺ -\".\n(٣) في نسخة: \"وقال\".\n(٤) في نسخة: \"قاضيَ حاجة\".","vol":"9","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-907>(١٧) بَابُ كَرَاهِيَة تَرْكِ الْغَزْوِ</span>\n٢٥٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، نَا وُهَيْبٌ - قَالَ عَبْدَةُ: يَعْنِي ابْنَ الْوَرْدِ -، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -\n===\n\n(١٧) (بَابُ كَرَاهِيَةِ تَرْكِ الغَزْوِ)\n٢٥٠٢ - (حدثنا عبدة بن سليمان المروزي) أبو محمد، ويقال: أبو عمر، نزل المصيصة، وصحب ابن المبارك، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث، وذكر ابن عدي أن البخاري روى عنه، ولم يذكر ذلك غيره، قلت: ووثَّقه الدارقطني، وقال البخاري: أحاديثه معروفة.\n(نا ابن المبارك، نا وهيب، قال عبدة) شيخ المصنف: (يعني) أي يريد شيخي ابن المبارك أن وهيبًا هو (ابن الورد) وهو وهيب بن الورد بن أبي الورد القرشي، أبو عثمان، ويقال: أبو أمية، أخو عبد الجبار بن الورد، مولى بني مخزوم، واسمه عبد الوهاب، ووهيب لقب، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال النسائي أيضًا: لا بأس به، وقال أبو حاتم: كان من العباد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي ويعقوب بن سفيان: مكي ثقة.\nقال وهيب: (أخبرني عمر بن محمد بن المنكدر) التيمي المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد: \"من مات ولم يغز\" قلت: ذكر ابن حبان أنه كان من العبَّاد، وأنه مات من قرآن قرئ عليه، وقال الأزدي: في القلب منه شيء، قلت: احتج به مسلم، فليسكن قلبك له.\n(عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١)، عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) واستدل ابن المسيب بهذا الحديث وبعموم الآيات على كون الجهاد فرض عين، والجمهور على الكفاية، كذا في \"المغني\" (١٣/ ٦). (ش).","vol":"9","page":51},{"text":"قَالَ: \"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ\". [م ١٩١٠، ن ٣٠٩٧، حم ٢/ ٣٧٤]\n٢٥٠٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَقَرَأتُهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْجُرْجُسِيِّ قَالَا: نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عن يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عن الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي أُمَامَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ لَمْ يَغْزُ\n===\nقال: من مات ولم يغز ولم يُحَدِّثْ) أي لم يكلم (نفسه) بالنصب على أنه مفعول به، أو بنزع الخافض، أي في نفسه، وفي نسخة بالرفع على أنه فاعل، والمعنى لم يعزم على الجهاد (بغزو مات على شعبة نفاق) أي نوع من أنواع النفاق، أي من مات على هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقيل: هذا كان مخصوصًا بزمانه - ﷺ -، والأظهر أنه عام، ويجب على كل مؤمن أن ينوي الجهاد، إما بطريق فرض الكفاية، أو على سبيل فرض العين.\n٢٥٠٣ - (حدثنا عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أْبو حفص الحمصي، مولى بني أمية، أخو يحيى، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: صدوق، قلت: ووثَّقه النسائي في أسماء شيوخه، وكذا أبو داود ومسلمة وثقاه.\n(وقرأته على يزيد بن عبد ربه الجُرْجُسِيِّ) الزبيدي، أبو الفضل الحمصي المؤذن، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا إله إلَّا الله ما كان أثبته ما كان فيهم مثله يعني أهل حمص، ووثقه ابن معين، قال ابن أبي حاتم: كان ينزل بحمص عند كنيسة جرجس فنسب إليها، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثقه العجلي.\n(قالا: نا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: من لم يغز)","vol":"9","page":52},{"text":"أَوْ (١) يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ\". قَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي حَدِيثِهِ: \"قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ\". [جه ٢٧٦٢، ق ٩/ ٤٨، دي ٢٤١٨]\n٢٥٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُم وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُم\". [ن ٣٠٩٦، دي ٢٤٣١، حم ٣/ ١٢٤، ك ٢/ ٨١]\n===\nأي مع القدرة على الغزو (أو يجهز غازيًا) وتجهيزه إعداد آلة الجهاد له، أي مع القدرة عليه (أو يخلف غازيًا في أهله) أي الغازي (بخير، أصابه الله بقارعة) أي داهية مهلكة (قال يزيد بن عبد ربه في حديثه) زيادة على حديث عمرو بن عثمان: (قبل يوم القيامة).\n٢٥٠٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد، عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم) أي ببذل الأموال والأنفس ومقاساة التعب فيه (وألسنتكم) نقل في الحاشية عن \"اللمعات\" بأن تُخَوِّفُوهم وتُوَعِّدُوهم بالقتل والأخذ والنهب وغير ذلك، وبأن تُذِلُّوهم وتَسُبُّوهم إذا لم يؤد ذلك إلى سب الله تعالى، وبأن تدعوا عليهم بالخذلان والهزيمة، وللمسلمين بالنصر والغنيمة، وبأن تُحرِّضُوا الناس على الغزو ونحو ذلك.\nقلت: ويدخل في الجهاد اللساني إقامة الحجة عليهم، والمناظرة معهم، والرد عليهم بالبيان باللسان، وبالكتابة بالقلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"أو لم\".","vol":"9","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>(١٨) بَابٌ: فِي نَسْخِ نَفِيرِ الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ</span>\n٢٥٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وَ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (١). [ق ٩/ ٤٧]\n===\n\n(١٨) (بَابٌ: فِي نَسْخِ نَفِيرِ العَامَّةِ بِالخَاصَّةِ)\nأي أمر المسلمون أولًا أن ينفروا في الجهاد عامة كافة، ثم نسخ ذلك، وأمروا بأن لا ينفروا كلهم، بل تنفر طائفة منهم\n٢٥٠٥ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه) حسين، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال) أي ابن عباس: الآية الأولى (﴿إِلَّا﴾) أصله: \"إن لا\"، فأدغم النون في اللام وحذف النون في رسم خط المصاحف (﴿تَنْفِرُوا﴾) وأصل النفر مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، أي إن لم تخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم (﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾) الآية، قيل: المراد بالعذاب الأليم: إمساك المطر عنهم، (و) الآية الثانية: (﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ - إلى قوله (﴿يَعْمَلُونَ﴾) وتمام الآية: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الآية (نسختها) أي نسخت كلَّ واحدة منهما (الآيةُ التي تليها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾).\nقال الطبري في تفسيره (٢): وقد زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة، ثم أخرج عن عكرمة والحسن البصري أنهما قالا: إن الآيتين منسوختان، نسختهما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾.\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ٣٩، ١٢٠، ١٧٢.\n(٢) (١٠/ ١٥٤).","vol":"9","page":54},{"text":"٢٥٠٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عن عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ الْحَنَفِيِّ، حَدَّثَنِي نَجْدَةُ بْنُ نُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، قَالَ: فَأُمْسِكَ عَنْهُم الْمَطَرُ، وَكَانَ (١) عَذَابَهُمْ. [ق ٩/ ٤٨]\n===\nثم قال الطبري: ولا خير بالذي قال عكرمة والحسن من نسخ حكم هذه الآية التي ذكروا يجب التسليم له، ولا حجة تأتي بصحة ذلك، وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عدد من الصحابة والتابعين سنذكرهم بعد، وجائز أن يكون قوله ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ لخاص من الناس، ويكون المراد به من استنفره رسول الله - ﷺ - فلم ينفر على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس \"أنه استنفر حيًا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه\" الحديث.\nوإذا كان ذلك كذلك كان قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ نهيًا من الله المؤمنين عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمن مقيم فيها، وإعلامًا من الله لهم أن الواجب النفر على بعضهم دون بعض، وذلك على من استنفر منهم دون من لم يستنفر، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن في إحدى الآيتين نسخ للأخرى، وكان حكم كل واحدة منهما ماضيًا فيما عُنِيَتْ به، انتهى.\n٢٥٠٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا زيد بن الحباب، عن عبد المؤمن بن خالد الحنفي) أبو خالد المروزي، قاضي مرو، قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (حدثني نجدة بن نفيع) الحنفي (٢)، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"الميزان\": لا يعرف، وقال في \"الخلاصة\": مجهول، وكذا في \"التقريب\".\n(قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾) أي: أيُّ عذاب أراد؟ (قال) أي ابن عباس: (فأمسك عنهم) أي عن الذين استنفرهم فلم ينفروا (المطر، وكان) أي ذلك الإمساك (عذابهم).\n_________\n(١) في نسخة: \"فكان\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤١٩)، و\"التقريب\" (ص ٩٩٨)، و\"الخلاصة\" (ص ٤٠٠)، و\"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٢٤٥).","vol":"9","page":55},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد أخرج ابن جرير الطبري (١) هذا الحديث: حدثنا أبو كريب قال: ثنا زيد بن الحباب قال: ثني عبد المؤمن بن خالد الحنفي قال: ثني نجدة الخراساني قال: سمعت ابن عباس وسئل عن قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، قال: إن رسول الله - ﷺ - استنفر حيًا من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم، وكذلك (٢) قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\nقلت: أورد المصنف في هذا الباب حديثين، أحدهما عن عكرمة عن ابن عباس، وهو يدل على أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ منسوخان، نسخهما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾.\nوالحديث الثاني أخرج من طريق نجدة بن نفيع عن ابن عباس، وهو يدل على أن هذين الآيتين غير منسوختين، بل هما ثابتتا الحكم، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نزلا في قوم خاص استنفرهم رسول الله - ﷺ - فتثاقلوا، وهذا الحكم خاص بهم، وبإمام استنفر القوم عند الحاجة، فلم ينفروا وتثاقلوا.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، فورد في النهي عن خروج الجميع كلهم، فليس فيها نسخ حكم بحكم آخر، فكأن المصنف أشار إلى ما وقع من الاختلاف في رواية ابن عباس.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٠/ ١٥٣).\n(٢) وفي \"تفسير الطبري\" فذلك.","vol":"9","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>(١٩) بَابٌ: فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُعُودِ مِنَ الْعُذْرِ</span>\n٢٥٠٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن أَبِيهِ، عن خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى فَخِذِي، فَمَا وَجَدْتُ ثِقَلَ شَيْءٍ أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: \"اكْتُبْ\"، فَكَتَبْتُ فِي كَتِفٍ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ،\n===\n\n(١٩) (بَابٌ: فِي الرُّخْصَةِ فِي القُعُودِ)\nأي عدم الخروج إلى الغزو (مِنَ الْعَذْرِ) أي لأجل العذر\n٢٥٠٧ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد) بن ثابت الأنصاري النجاري، أبو زيد المدني، أدرك عثمان - ﵁ -، قال أبو الزناد: كان أحد الفقهاء السبعة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن) أبيه (زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله - ﷺ - فغشيته السكينة) أي: غطت وأحاطت من السكينة ما تغشاه عند نزول الوحي (فوقعت فخذ رسول الله - ﷺ - على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله - ﷺ -) حتى خاف أن ترض (١) فخذه، ولعل إليه الإشارة في قوله - ﵇ -: \"وهو أشده علي\" (ثم سُرِّيَ) أي: كشف وأزيل، قال في \"القاموس\": وانسرى الهمُّ عني، وسُرِّيَ: انكشف، انتهى، قلت: وهو واوي (عنه) تلك الحالة فأفاق.\n(فقال: اكتب، فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ) أي في عظم الكتف (﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) إلى آخر الآية،\n_________\n(١) كما ورد في روايات \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٤١)، وكان - ﵇ - إذا نزل عليه الوحي وكان على ناقته تبرك الناقة للثقل، كذا في \"الدر المنثور\". (ش).\n(٢) سورة النساء: الآية ٩٥.","vol":"9","page":57},{"text":"فَقَامَ (١) ابْنُ أُمِّ مَكْتُوم - وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى- لَمَّا سَمِعَ فَضِيلَةَ الْمُجَاهِدِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَلَمَّا قَضَى كَلَامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، وَوَجَدْتُ (٢) مِنْ ثِقَلِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةَ كَمَا وَجَدْتُ فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سُرِّيَ عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"اقْرَأْ يَا زَيْدُ\"،\n===\nفقام ابن أم مكتوم) وأم مكتوم أمه، واسمها: عاتكة، وهو عمرو بن زائدة، ويقال: عمرو بن قيس بن زائدة، ويقال: زياد بن الأصم العامري القرشي، المعروف بابن أم مكتوم، الأعمى، مؤذن النبي - ﷺ -، وقيل: اسمه عبد الله، والأول أكثر وأشهر، أسلم قديمًا وهاجر قبل مقدم النبي - ﷺ - المدينة، واستخلفه النبي - ﷺ - على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية وقتل بها شهيدًا، وكان معه اللواء يومئذ، وهو الأعمى المذكور في القرآن في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.\nوقال الواقدي: رجع من القادسية إلى المدينة، فمات بها، ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب، ذكره ابن حبان في \"الصحابة\"، فقال: كان اسمه الحصين، فسماه النبي - ﷺ - عبد الله، ومنهم من زعم أن اسمه عمرو، ومن قال: هو عبد الله بن زائدة، فقد نسبه إلى جده، وقال ابن سعد: أما أهل المدينة فيقولون: إن اسمه عبد الله، وأما أهل العراق فيقولون: اسمه عمرو، ثم اتفقوا على نسبه، فقالوا: ابن قيس بن زائدة.\n(وكان رجلًا أعمى، لما سمع فضيلة المجاهدين) أي على القاعدين (فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد) أي من العذر (من المومنين؟ فلما قضى) أي: أتم ابن أم مكتوم (كلامه غَشِيَتْ رسولَ الله - ﷺ - السكينةُ، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها) أي الفخذ (في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى).\n(ثم سُرِّيَ عن رسول الله - ﷺ - فقال: اقرأ يا زيد) أي ما كتبت\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"فوجدت\".","vol":"9","page":58},{"text":"فَقَرَأْتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الآيَةَ كُلَّهَا.\nقَالَ (١) زَيْدٌ: فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ - ﷿ - وَحْدَهَا فَأَلْحَقْتُهَا، وَالَّذِي نَفْسِي\n===\n(فقرأت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾)، واختلف القراء في قراءة قوله: \"غير أولي الضرر\"، فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة ومكة والشام: \"غيرَ أولي الضرر\" نصبًا، بمعنى إلَّا أولي الضرر، وقرأ ذلك عامة قراء أهل العراق والكوفة والبصرة، \"غيرُ أولى الضرر\" برفع \"غير\" على مذهب النعت القاعدين، قاله الطبري في \"تفسيره\" (٢).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): واختلفت القراءة في ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بالرفع على البدل من \"القاعدون\"، وقرأ الأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين، وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء.\nوقال في \"غيث النفع\": قرأ نافع وشامي وعلي بنصب الراء حال من \"القاعدون\"، والباقون بالرفع بدل منه.\nوقال ابن القاصح في \"شرح الشاطبية\": قرأ حمزة وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ برفع الراء، فتعين للباقين القراءة بنصبها، فقول الحافظ: \"والباقون بالنصب\" ليس بسديد، فإن حمزة أيضًا قرأ بالرفع لا بالنصب، كما صرح به ابن القاصح وغيره، وكذلك قول ابن جرير: قرأ عامة قراء أهل المدينة ومكة، غير سديد، فإن ابن كثير أشهرهم وأعظمهم، وهو قرأ برفع الراء.\n(الآية كلها، قال زيد: فأنزلها الله - ﷿ -) أي تلك الكلمة (وحدها) أي في المرة الثانية (فألحقتها) أي تلك الكلمة بالكتابة في محلها (والذي نفسي\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٦٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٠).","vol":"9","page":59},{"text":"بِيَدِهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ فِي كَتِفٍ\". [خ ٢٨٣٢، م ١٨٩٨، ت ٣٠٣٣، ن ٣١٠٠، حم ٥/ ١٨٤]\n٢٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن حُمَيْدٍ، عن مُوسَى بْنِ أَنَسٍ (١)، عن أَبِيهِ،\n===\nبيده لكأني أنظر) أي في هذا الوقت، وقت رواية الحديث (إلى ملحقها) أي: موضع لحوقها وكتابتها (عند صدع) أي شق (في كتف).\nفالحاصل أن المفضل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم، يدل عليه حديث أنس عند البخاري (٢): \"إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من وادٍ إلَّا وهو معكم حبسهم العذْرُ\"، والمرجو من رحمة الله سبحانه أن يلتحق بالجهاد في ذلك سائر الأعمال الصالحة.\n٢٥٠٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد، عن موسى بن أنس، عن أبيه) أنس بن مالك، واختلف في سند هذا الحديث، فأخرج البخاري من حديث زهير، حدثنا حميد أن أنسًا حدثهم، ثم أخرج من حديث حماد بن زيد عن حميد عن أنس، ثم أخرج من حديث حماد عن سلمة عن حميد عن موسى بن أنس عن أبيه، فزاد موسى بن أنس، قال البخاري: والأول يعني حذف موسى بن أنس أصح، وقد خالفه الإسماعيلي في ذلك، فقال: حماد عالم بحديث حميد، مقدم على غيره.\nقلت: ولا مانع من أن يكونا محفوظين، فلعل حميدًا سمعه من موسى عن أبيه ثم لقي أنسًا، أو سمعه من أنس فثبَّته فيه ابنه موسى، قاله الحافظ (٣).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن مالك\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٤٤٢٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٨)، رقم الحديث (٢٨٣٩).","vol":"9","page":60},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ، وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ، إِلَّا وَهُمْ مَعَكُم فِيهِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ (١): \"حَبَسَهُم الْعُذْرُ\". [خ ٢٨٣٩، جه ٢٧٦٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>(٢٠) بَابُ مَا يُجْزِئ مِنَ الْغَزْوِ</span>\n٢٥٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ،\n===\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: لقد تركتم بالمدينة أقوامًا) لم يخرجوا معكم بعذر (ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلَّا وهم) أي الأقوام (معكم) وشركاؤكم في الأجر والفضل (فيه) أي في ذلك الفعل بالنية، ولابن حبان (٢)، وأبي عوانة من حديث جابر: \"إلَّا شركوكم في الأجر\"، بدل قوله: \"إلَّا وهم معكم فيه\".\n(قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (حبسهم العذر) أي: منعهم عن الخروج، والمراد بالعذر ما هو أعم من المرض، وعدم القدرة على السفر، وقد رواه مسلم (٣) من حديث جابر بلفظ: \"حبسهم المرض\"، وكأنه محمول على الأغلب، وفي الحدليث دلالة على أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل.\n\n(٢٠) (بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْغَزْوِ)\nأي: العمل الذي يكفي العامل عن الغزو، ويحصل له به أجر الغزو\n٢٥٠٩ - (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) انظر: \"صحيح ابن حبان\" (٤٧١٤).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٩١١).","vol":"9","page":61},{"text":"نَا عَبْدُ الوَارِثِ، نَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا\". [خ ٢٨٤٣، م ١٨٩٥، ت ١٦٢٨، ن ٣١٨٠، جه ٢٧٥٩، حم ٤/ ١١٥]\n٢٥١٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي\n===\nنا عبد الوارث، نا الحسين) بن ذكوان المعلم، (حدثني يحيى) أي ابن أبي كثير، (حدثني أبو سلمة، حدثني بسر بن سعيد، حدثني زيد بن خالد الجهني، أن رسول الله - ﷺ - قال: من جَهَّز غازيًا) أي هَيَّأَ له أسبابَ الغزو والسفر فيه (في سبيل الله فقد غزا) قال ابن حبان: معناه أنه مثله في الأجر، وإن لم يغز حقيقة.\nقال الحافظ (١): وفي رواية مسلم: \"وأيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له [مثل] نصف أجر الخارج\"، ففيه إشارة إلى أن المغازي إذا جهز نفسه أو قام بكفاية من يخلفه بعده كان له الأجر مرتين، وقال القرطبي: لفظة: \"نصف\" يشبه أن تكون مقحمة، أي مزيدة من بعض الرواة.\nقلت: ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين، كان لكل منهما مثل ما للآخر، فلا تعارض بين الحديثين، انتهى ملخص قول الحافظ.\n(ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا).\n٢٥١٠ - (حدثنا سعيد بن منصور، أنا ابن وهب، أخبرني\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٠).","vol":"9","page":62},{"text":"عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن يَزِيدَ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي سَعَيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ وَقَالَ: \"لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ\". ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِ: \"أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ\". [م ١٨٩٦، حم ٣/ ١٥، ك ٢/ ٨٢]\n===\nعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يزيد بن أبي سعيد) المدني (مولى المهري) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبيه) أبي سعيد مولى المهري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله - ﷺ - بعث) أي: بَعْثًا (إلى بني لحيان) بكسر اللام وفتحها لغتان، ولعل المراد بهذا البعث غزوة بني لحيان في السنة السادسة أو الخامسة من الهجرة.\nوقصتها: لما وقعت وقعة عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي وغيرهما من الذين قتلتهم هذيل، وجد النبي - ﷺ - عليهم وجدًا شديدًا، فأراد أن ينتقم منهم، فأمر أصحابه بالتهيؤ ووَرَّى، فأظهر أنه يريد الشام، ليُصيب من القوم غِرة، وعسكر في مائتي رجل، ومعهم عشرون فرسًا، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، فأسرع السير، حتى انتهى إلى منازلهم، فوجد بني لحيان قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، وأقام هناك يومًا أو يومين، يبعث السرايا في كل ناحية، فلما أخطأ من غرتهم ما أراد رَجَعَ قافلًا (١).\n(وقال: ليخرج من كل رجلين) في بيت (رجل) أي ليخرج من كل منزل نصف الرجال، وليقم النصف (ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج)، وقد مضى فيما تقدم ما يتعلق بدفع التعارض بين هذا الحديث وبين الأحاديث المتقدمة.\n_________\n(١) انظر: \"تاريخ الخميس\" (٢/ ٣، ٤).","vol":"9","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>(٢١) بَابٌ: فِي الْجُرْأَةِ وَالْجُبْنِ</span>\n٢٥١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عن مُوسَى بْنِ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"شَرُّ مَا فِي رَجُلٍ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ\". [ق ٦/ ١٧٠، حم ٢/ ٣٠٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>(٢٢) بَابٌ: فِي قَولِهِ - ﷿ -: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾</span>\n===\n\n(٢١) (بَابٌ: فِي الجُرْأَةِ) أي الشجاعة (وَالجُبْنِ)\n٢٥١١ - (حدثنا عبد الله بن الجراح، عن عبد الله بن يزيد، عن موسى بن عُلَيٍّ) مصغرًا (ابن رباح، عن أبيه) عُلَيِّ بن رباح، (عن عبد العزيز بن مروان) بن الحكم بن العاص بن أمية، أبو الأصبغ المدني، أمير مصر، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، كان مروان استخلفه على مصر وقت خروجه منها في رجب سنة ٦٠ هـ.\n(قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: شر ما في رجل) من الذمائم (شُحٌّ) أي بخل (هالِعٌ) أي: ذو هلع أشد، وهو الجزع والضجر (وجُبْنٌ خَالِعٌ) أي شديد كأنه يخلع فؤاده من شدة خوفه.\n\n(٢٢) (بَابٌ: فِي قَوْلهِ - ﷿ -: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾) (١)\nوالباء في قوله: \"بأيدكم\" إما زائدة، والمراد لا تلقوا أيديكم، أي: أنفسكم، عبَّر عن الأنفس بالأيدي، وقيل: غير زائدة، وفيه حذف المفعول، أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٩٥.","vol":"9","page":64},{"text":"٢٥١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ وَابْنِ لَهِيعَةَ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ،\n===\nواختلفوا في تأويل هذه الآية، فقيل: نزلت في البخل وترك الإنفاق في سبيل الله، وقيل: في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، وقيل: في ترك التوبة والقنوط من رحمة الله - تعالى -.\n٢٥١٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، عن حيوة بن شريح وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم) بن يزيد (أبي عمران) التجيبي بضم مثناة فوق، وكسر الجيم، في آخرها باء موحدة، نسبة إلى قبيلة تجيب، وهو اسم امرأة، نزلت هذه القبيلة بمصر، وبالفسطاط محلة ينسب إليهم.\n(قال: غزونا من المدينة) أي خرجنا من المدينة غازين (نريد القسطنطينية) ويقال: قسطنطينة بإسقاط ياء النسبة، دار ملك الروم، واسمها إصطنبول، عَمَّرها ملك من ملوك الروم، يقال له: قسطنطين، فسميت باسمه، وهي الآن بيد المسلمين من الترك (وعلى الجماعة) (١) أي الأمير على جميع الجيش (عبد الرحمن بن خالد بن الوليد).\nوفي رواية بهذا السند عند الطبري (٢) ولفظه: \"وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد\"، وفي أخرى له: \"وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد\" (٣)، فظهر بهذه الروايات أن عبد الرحمن بن خالد كان أميرًا على الجميع، وأما عقبة بن عامر وفضالة بن عبيد فهما كانا أميرين تحت ولاية عبد الرحمن على الجماعة الخاصة.\n_________\n(١) ولفظ \"الترمذي\": وعلى الجماعة فضالة بن عبيد. (ش).\n(٢) \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٤٥).\n(٣) وهكذا في رواية الحاكم (٢/ ٨٤). (ش).","vol":"9","page":65},{"text":"وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوّ، فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ، لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ (١) إِلَى التَّهْلُكَةِ.\nفَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ (٢) هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - ﷺ -، وَأَظْهَرَ الإِسْلَامَ، قُلْنَا: هَلُمَّ (٣) نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ -: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فَالإِلْقَاءُ (٤)\n===\n(والروم ملصقو) أي: مستندو (ظهورهم بحائط المدينة) أي بجدار سور المدينة، أي القسطنطينية (فحمل رجل) أي وحده (على العدو) وفي رواية عند الطبري: \"فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا مقبلًا\" (فقال الناس: مه مه) أي: اكفف (لا إله إلَّا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة) أي وهو منهي عنه.\n(فقال أبو أيوب) الأنصاري - ﵁ - ردًا عليهم لما سمع منهم ذلك: (إنما أنزلت هذه الآية فينا مَعْشرَ الأنصار) نصب على الاختصاص (لما نصر الله نبيه - ﷺ -، وأظهر الإسلام، قلنا) في أنفسنا أو فيما بيننا: (هلم) أي: تعالوا، مركَّبة من هاء التنبيه، ومن: لُمَّ، أي: ضُمَّ نفسَك إلينا، واستُعْمِلَت استعمال البسيطة، يستوي فيها الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث [عند الحجازيين]، وتَمِيْمٌ تُجْرِيْها مَجْرَى رُدَّ، وأهل نَجْدٍ يُصَرِّفُونَها، فيقولون: هَلُمَّا وهَلُمُّوا وهَلُمِّي وهَلْمُمْنَ. \"قاموس\".\n(نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله - عزَّو جلَّ -: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٥)، فالإلقاء\n_________\n(١) في نسخة: \"بيده\".\n(٢) في نسخة: \"نزلت\".\n(٣) في نسخة: \"هل\".\n(٤) في نسخة: \"والإلقاء\".\n(٥) سورة البقرة: الآية ١٩٥.","vol":"9","page":66},{"text":"بِأَيْدِينَا (١) إِلَى التَّهْلُكَةِ: أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ.\nقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿ - حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. [ت ٢٩٧٢، ق ٩/ ٤٥، ك ٢/ ٨٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>(٢٣) بَابٌ: فِي الرَّمْي</span>\n٢٥١٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَّامٍ، عن خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ - ﷿ - يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِي بِهِ، وَمُنَبِّلَهُ،\n===\nبأيدينا إلى التهلكة: أن نقيمَ في أموالنا ونُصْلِحَها ونَدَع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله - ﷿ - حتى دفن بالقسطنطينية).\n\n(٢٣) (بَابٌ: فِي الرَّمْيِ)\n٢٥١٣ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الله بن المبارك، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني أبو سلام) الحبشي، (عن خالد بن زيد) ويقال: ابن يزيد الجهني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله - ﷿ - يدخل بالسهم الواحد) الباء للسببية، أي بسبب صنعه ورميه وتنبيله (ثلاثة نفر الجنة:).\n(صانعه) أي الذي يُبْرِيه ويُسَوِّيه. (يحتسب) أي حال كونه يطلب (في صنعته) أي: لذلك السهم (الخير) أي الجهاد والثواب (والرامي به) أي محتسبًا (ومُنَبِّلَه) بتشديد الموحدة وتخفيف، أي مُنَاوِلًا النبلَ، وهو السهم،\n_________\n(١) في نسخة: \"بالأيدي\".","vol":"9","page":67},{"text":"وَارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلَّا ثَلَاثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ،\n===\nسواء كان ملك المعطي أو الرامي، ففي \"النهاية\" (١): يقال: نَبَّلْتُ الرجلَ - بالتشديد -: إذا ناولتَه النبل ليرمي به، وكذلك أَنْبَلْتُه، ويجوز أن يراد بالمُنْبِل الذي يَرُدُّ النبل على الرامي من الهَدَف.\n(وارموا واركبوا) أي لا تقتصروا على الرمي ماشيًا، واجمعوا بين الرمي والركوب، (وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا) والأظهر أن معناه أن معالجة الرمي وتعلمه أفضل من تأديب الفرس وتمرين ركوبه لما فيه من الخيلاء، ولما في الرمي من النفع الأعم.\n(ليس من اللهو الَّا ثلاث) قال في \"الدرجات\" (٢): قال طب: أي ليس المباح منه إلَّا ثلاثة، وعلى هذا فيه حذف اسم ليس، ولا يجيزه النحاة، ولا حذف خبره والاقتصار على اسمه، ولفظ الترمذي: \"كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلَّا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق\"، فهذه الرواية لا إشكال فيها، وبها يعرف أن الأولى من تصرفات الرواة، وقال ابن معن في \"التنقيب\"، في شرح اللفظ الأول: يعني من اللهو المستحب.\n(تأديب الرجل فرسه) أي تعليمه إياه وتدريبه بالركض والجولان بنية الغزو (وملاعبته أهله) أي امرأته، فإن ملاعبة الأهل تعين على تكثير ولادة الولد، فينوي به الإعانة على الجهاد بتكثير المجاهدين (ورميه بقوسه ونبله) عطف تفسيري للفظ \"قوسه\"، فإن الرمي لا يكون إلَّا بالنبل بواسطة القوس، ولم يكن في زمان رسول الله - ﷺ - في الحرب إلَّا رمي السهام، فيدخل بل يعوض عنه فيه ما يرمى به من الرصاص بالبندقية والمدافع وغير ذلك من آلات الحرب الجديدة المستعملة في هذا الزمان، فإنها أغنت عن رمي السهام بالقوس، وعطلته، وفي لفظ أحمد\n_________\n(١) (٥/ ١٠).\n(٢) (ص ١٠٧).","vol":"9","page":68},{"text":"وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا\" أَوْ قَالَ \"كَفَرَهَا\". [ت ١٦٣٧، ن ٣٥٧٨، جه ٢٨١١، حم ٤/ ١٤٦، ق ١٠/ ١٣، ك ٢/ ٩٥]\n٢٥١٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ الْهَمْدَانِيِّ، أنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: \" ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ،\n===\nفي \"مسنده\" (١) بدل قوله: \"ومنبله\": و\"الممدَّ به\"، ومعنى كلا اللفظين واحد.\n(ومن ترك الرمي بعد ما عَلِمَه رَغْبَةً عنه) أي: إعراضًا عن الرمي (فإنها نعمة) أي من الله تعالى أعطيها (تركها) أي ترك شكرها (أو قال) أي الراوي بدل \"تركها\": (كفرها) أي ما قام بشكرها من الكفران ضد الشكر.\nقال النووي (٢): وفي هذه الأحاديث فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله تعالى، وكذلك المثاقفة (٣) وسائر أنواع استعمال السلاح، وكذا المسابقة بالخيل وغيرها، كما سبق في بابه، والمراد بهذا كله التمرن على القتال والتدرب، والتحذق فيه، ورياضة الأعضاء بذلك.\n٢٥١٤ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثمامة بن شفي الهمداني، أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٤) ألا إن القوة) أي المراد من القوة في الآية (الرمي) أي رمي السهام\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٤٤).\n(٢) شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٧٤).\n(٣) قوله: \"المثاقفة\" كذا في الأصل، وفي \"شرح صحيح مسلم\" للنووي: \"المشاجعة\" هو الصواب.\n(٤) سورة الأنفال: الآية ٦٠.","vol":"9","page":69},{"text":"أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ\". [م ١٩١٧، جه ٢٨١٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>(٢٤) بَابٌ: فِيمَن يَغْزُو وَيَلْتَمِسُ الدُّنْيَا</span>\n٢٥١٥ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي بَحِيرٌ، عن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عن أَبِي بَحْرِيَّةَ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"الْغَزْوُ غَزْوَانِ: فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ،\n===\nوما في معناها (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي).\nقال في \"التفسير الكبير\" (١): والمراد بالقوة ها هنا ما يكون سببًا لحصول القوة، وذكروا فيه وجوهًا: الأول: المراد من القوة أنواع الأسلحة، والثاني: أن القوة الرمي، قالها - ﷺ - ثلاثًا على المنبر، الثالث: القوة هي الحصون، الرابع: قال أصحاب المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة، وقوله - ﵊ -: \"القوة هي الرمي\"، لا ينفي كون غير الرمي معتبرًا، كما أن قوله - ﵊ -: \"الحج عرفة\" و\"الندم توبة\" لا ينفي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود، فكذا ها هنا.\nوهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة، إلَّا أنه من فروض الكفايات.\n\n(٢٤) (بَابٌ: فِيمَنْ يَغْزُو وَيَلْتَمِسُ) أي: يطلب (الدُّنْيَا) بغزوه\n٢٥١٥ - (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، نا بقية، حدثني بحير، عن خالد بن معدان، عن أبي بحرية، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: الغزو غزوان) أي على نوعين (فأما من ابتغى) أي بغزوه (وجه الله) وإعلاء\n_________\n(١) (٥/ ٤٩٩).","vol":"9","page":70},{"text":"وَأَطَاعَ الإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الكَرِيمَةَ، وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنَبْهَهُ (١) أَجْرٌ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَسُمْعَةً، وَعَصَى الإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْكَفَافِ\". [ن ٣١٨٨، حم ٥/ ٢٣٤، دي ٢٤١٧]\n===\nكلمته (وأطاع الإمام) وكذا الأمير (وأنفق الكريمة) أي نفسه وماله (ويَاسَرَ الشريكَ) من المياسرة بمعنى المساهلة، أي عامل الشريك معاملة اليسر والسهولة (واجتنب الفسادَ) أي التجاوز عن المشروع قتلًا وضربًا وتخريبًا ونهبًا.\n(فإن نومه ونبهه) بفتح الموحدة أي يقظته، وكذا أكله وشربه وحركته وسكونه (أجر) أي ذو أجر وثواب (كله) بالرفع على أنه مبتدأ خبره مقدم عليه، والجملة خبر \"إن\"، أي كل ما ذكر أجر مبالغة كرجل عدل، أو مقتضٍ للأجر، وفي نسخة بالنصب على أنه تأكيد لاسم \"إن\" أتى به بعد الخبر، وفي جوازه محل نظر.\nقال الطيبي (٢): لا يصح أن يكون كله تأكيدًا للأجر على ما لا يخفى، أي لمضي الخبر الذي هو محط الحكم، فإن فائدة التأكيد إنما تظهر قبل إيقاع الخبر عليه، فالوجه أن يقال: منصوب بتقدير \"أعني\"، فيكون جملة مؤكدة.\nقلت: بل الأوجه من جميع صور التراكيب أن يقال: لفظ \"كله\" مرفوع تأكيد للفظ الأجر، وضمير لفظ \"كله\" يرجع إلى الأجر، لا إلى ما ذكر من النوم والنبه، فعلى هذا معنى قوله: \"أجر كله\"، أي أجر تمام، والله تعالى أعلم.\n(وأما من غزا فخرًا) في \"النهاية\" (٣): الفخر: ادِّعاء العظمة والكبرياء والشرف (ورياءً وسمعةً) أي لإراءة الناس ولإسماعهم (وعصى الإمام) أي في أمره ونهيه (وأفسد في الأرض) أي قصد الفساد فيها (فإنه لم يرجع بالكفاف)\n_________\n(١) في نسخة: \"نبهته\".\n(٢) شرح الطيبي\" (٧/ ٣٠٤)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٠٦).\n(٣) (٣/ ٤١٨).","vol":"9","page":71},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبفتح الكاف، وفي نسخة بكسرها، ففي \"القاموس\": كَفافُ الشيء، كسحاب: مِثلُه، ومن الرزق: ما كَفَّ عن الناس وأغنى، وكِفافُ الشيء بالكسر: خياره (١).\nوفي \"النهاية\" (٢): الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، قال القاضي: أي لم يرجع بالثواب، أي مأخوذ من كفاف الشيء، وهو خياره (٣)، أو من الرزق أي لم يرجع بخير أو بثواب يغنيه يوم القيامة، فقوله الأول يشير إلى أن الكفاف بالكسر، والثاني إلى أنه بالفتح.\nوقال المظهر: أي لم يَعُدْ من الغزو رأسًا برأس بحيث لا يكون له أجر، ولا عليه وزرٌ، بل وزره أكثر، لأنه لم يغز لله وأفسد في الأرض، يقال: دعني كفافًا، أي تكف عني، وأكف عنك، انتهى، ويدل على أنه اقتصر على كسر الكاف، وأراد به المصدر من باب المفاعلة.\nقال الطيبي (٤): الوجه ما قاله القاضي، لأن الكفاف على هذا المعنى يقتضي أن يكون له ثواب أيضًا وإثم، ويزيد إثمه على ثوابه، كما قال عمر - ﵁ -: \"وددت أني سلمت من الخلافة كفافًا لا عَلَيَّ ولا لي\"، والمرائي المفسد ليس له ثواب البتة، هكذا قال الشيخ أبو حامد في المرائي الذي لا يبتغي وجه الله، بل يعمل فخرًا ورياء وسمعة: تبطل عبادته.\nثم رَدَّ علي القاري على الطيبي بأنه ليس في الحديث دلالة على أن المرائي المذكور في الحديث هو الذي ليس له نية العبادة، بل نية الرياء\n_________\n(١) قوله: \"خياره\" كذا في الأصل، وفي \"المرقاة\" (٧/ ٤٠٧) أيضًا، وهو تصحيف، والصواب: \"حِتاره\" بالحاء المهملة والتاء المثناة، انظر: \"القاموس\".\n(٢) (٤/ ١٩١).\n(٣) كذا في \"المرقاة\"، والصواب: \"حِتاره\".\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٠٤).","vol":"9","page":72},{"text":"٢٥١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، عن ابْنِ الْمُبَارَكِ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن الْقَاسِمِ، عن بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عن ابْنِ مِكْرَزٍ\n===\nوالسمعة، والظاهر أن المراد به من هو جامع بين النيتين، نية العبادة ونية الرياء والسمعة، فعلى هذا لا تبطل نية عبادته بالكلية.\nقال في \"عين العلم\": الأفحش في الرياء أن لا يريد الثواب أصلًا، وهو في غاية المقت، ثم ما فيه إرادتان، والرياء غالب، ثم يقربه ما استويا فيه، فالمرجو أن لا يكون له ولا عليه، ثم ما ترجح فيه قصد الثواب، فالمظنون أن الراجح فيه النقصان لا البطلان، أو الثواب والعقاب بحسب القصدين.\n٢٥١٦ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، عن ابن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم) بن عباس بن محمد بن معتب بن أبي لهب الهاشمي، أبو العباس المدني، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال علي بن المديني في حديث ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس، عن ابن الأشج، عن ابن المكرز، عن أبي هريرة قيل: \"يا رسول الله، الرجل يجاهد وهو يحب أن يحمد\": لم يرو غير ابن أبي ذئب، والقاسم مجهول، وابن مكرز مجهول، لم يرو عنه غير ابن الأشج، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن بكير بن عبد الله الأشج، عن ابن مكرز) هو أيوب بن عبد الله ابن مكرز بن حفص بن الأحنف، قال البخاري: كان خطيبًا، روى أبو داود من رواية ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن بكير بن الأشبح، عن ابن مكرز، عن أبي هريرة حديث: \"يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله، ويبتغي عرض الدنيا\"، الحديث. ورواه أحمد في \"مسنده\" (١) ورواه من وجه آخر عن ابن أبي ذئب بإسناده، فسماه يزيد بن مكرز، فتبين أن الذي روى له أبو داود ليس بأيوب، قال ابن المديني: ابن مكرز مجهول، قلت: وأيوب ذكره ابن حبان\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٢/ ٢٩٠).","vol":"9","page":73},{"text":"- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ -: \"لَا أَجْرَ لَهُ\"، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ النَّاسُ، وَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَعَلَّكَ لمْ تُفَهِّمْهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا\n===\nفي \"الثقات\"، هكذا في \"تهذيب التهذيب\" (٢)، وقال في \"الميزان\" (٣): أيوب بن عبد الله بن مكرز تابعي كبير، قال ابن عدي: له حديث لا يُتابع عليه، قلت: ولعله ابن مكرز الراوي عن أبي هريرة.\n(رجل من أهل الشام، عن أبي هريرة أن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرضًا من عرض الدنيا؟) بفتح المهملة والراء، أي متاعها، وهذا القول يحتمل معنيين (٤): أولهما: معناه: يريد الجهاد في سبيل الله باعتبار الظاهر، والحال أن مطلوبه الأصلي ومقصوده الحقيقي عرض الدنيا، وثانيهما: معناه: أنه يريد الجهاد في سبيل الله باعتبار نيته، والحال أنه يطلب معه عرض الدنيا، ويخلط معه نية حصولها.\n(فقال النبي - ﷺ -: لا أجر له) فعلى الأول معناه: لا أجر له مطلقًا وهو خائب ممقوت، وعلى الثاني لا أجر له كاملًا (فأعظم) أي استعظم (ذلك الناس) أي عَدُّوه عظيمًا (وقالوا للرجل: عُد لرسول الله - ﷺ -) أي بالسؤال (فلعلك لم تُفَهِّمْه) من باب التفعيل، أي لم تفهم أنت رسول الله - ﷺ - السؤالَ، فعاد عند رسول الله - ﷺ -.\n(فقال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عَرَضًا\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) (١/ ٤٠٧).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٢٩٠).\n(٤) وبنحوهما أوله الشامي. (انظر: \"رد المحتار\" ٦/ ١٩٦). (ش).","vol":"9","page":74},{"text":"مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، قَالَ (١): \"لَا أَجْرَ لَهُ\"، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ لَهُ: \"لَا أَجْرَ لَهُ\". [حم ٢/ ٢٩٠، ك ٢/ ٨٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>(٢٥) بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا</span>\n٢٥١٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن أَبِي مُوسَى: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (٢) - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَيُقَاتِلُ لِيُحْمَدَ،\n===\nمن عرض الدنيا، قال: لا أجر له، فقالوا للرجل: عد لرسول الله - ﷺ -) فعاد إليه (فقال) أي الرجل (له) أي لرسول الله - ﷺ - (الثالثة) أي ثالثة مرة (٣) (فقال) أي رسول الله - ﷺ - (له) أي للرجل السائل في المرة الثالثة أيضًا: (لا أجر له).\n\n(٢٥) (بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا)\nفما حكمه؟\n٢٥١٧ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن أبي موسى: أن أعرابيًا) قال الحافظ (٤): وهذا الأعرابي يصلح أن يفسر بلاحق بن ضميرة، وحديثه عند أبي موسى المديني في \"الصحابة\" من طريق عفير بن معدان، سمعت لاحق بن ضميرة الباهلي قال: \"وفدت على النبي - ﷺ -، فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر، فقال: لا شيء له\"، الحديث، وفي إسناده ضعف.\n(جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إن الرجل يقاتل للذكر) أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة (ويقاتل ليحمد) أي ليحمده الناس على شجاعته\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) الظاهر: \"مرة ثالثة\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٩).","vol":"9","page":75},{"text":"وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَاتَلَ حَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الأَعْلَى (١) فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - ﷿ -\". [خ ٢٨١٠، م ١٩٠٤، ت ١٦٤٦، ن ٣١٣٦، جه ٢٧٨٣، حم ٤/ ٣٩٢]\n٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا أَبُو دَاوُدَ، عن شُعْبَةَ، عن عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي وَائِلٍ حَدِيثًا أَعْجَبَنِي، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\n===\n(ويقاتل ليغنم) أي ليحصل له من مال الغنيمة (ويقاتل ليُرى مكانه) أي مرتبته من الشجاعة، فمرجع الذي قبله إلى السمعة، ومرجع هذا إلى الرياء، وكلاهما مذموم.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: من قاتل حتى تكون كلمة الله هي الأعلى فهو في سبيل الله - ﷿ -).\nقال الحافظ (٢): المراد بكلمة الله دعوة الله إلى الإِسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلَّا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببًا من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنًا لا أصلًا ومقصودًا، وبذلك صرح الطبري فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، والحاصل أن القتال منشؤه القوة العقلية، والقوة الغضبية، والقوة الشهوانية، ولا يكون في سبيل الله إلَّا الأول.\n٢٥١٨ - (حدثنا علي بن مسلم) بن سعيد الطوسي، أبو الحسن، نزيل بغداد، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: ثقة، وفي \"الزهرة\": روى عنه البخاري سبعةً، (نا أبو داود، عن شعبة، عن عمرو) أي ابن مرة (قال: سمعت من أبي وائل حديثًا أعجبني، فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم.\n_________\n(١) في نسخة: \"هي أعلى\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨).","vol":"9","page":76},{"text":"٢٥١٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمٍ الأَنْصَارِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيِّ، نَا مُحَمَّدُ (١) بْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عن حَنَانِ بْنِ خَارِجَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عن الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ،\n===\n٢٥١٩ - (حدثنا مسلم بن حاتم الأنصاري) البصري، أبو حاتم، قال الترمذي وأبو القاسم الطبراني: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وتتمة كلامه ربما أخطأ.\n(نا عبد الرحمن بن مهدي، نا محمد بن أبي الوضاح) هو محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، واسمه المثنى القضاعي، أبو سعيد المؤدب الجزري، نزيل بغداد، مشهور بكنيته، قال أحمد وابن معين والعجلي والنسائي وأبو حاتم: ثقة، قال أبو داود: جزري، ثقة، معلم موسى الخليفة، وقال يعقوب بن سفيان: كان مؤدب موسى قبل أن يستخلف، وهو ثقة، وقال البخاري: فيه نظر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثَّقه ابن سعد وأبو زرعة، وقال أحمد بن صالح: ثقة ثقة، قالها مرتين.\n(عن العلاء بن عبد الله بن رافع) الحضرمي الجزري، قال أبو حاتم: يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن حنان) بفتح أوله وتخفيف النون (ابن خارجة) السلمي الشامي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في أبي داود والنسائي حديث واحد، عند كل منهما بعضه، فعند أبي داود فيمن قتل صابرًا، وعند النسائي في لباس أهل الجنة، قلت: وساقه أحمد والطبراني تمامًا، وقال ابن القطان: مجهول الحال.\n(عن عبد الله بن عمرو قال: قال عبد الله بن عمرو: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو) أي: عن كونه مقبولًا عند الله.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن مسلم\".","vol":"9","page":77},{"text":"فَقَالَ: \"يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، إِنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا بَعَثَكَ اللَّهُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا بَعَثَكَ اللَّه مُرَائِيًا مُكَاثِرًا، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، عَلَى أَيِّ حَالٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْتَ بَعَثَكَ اللَّهُ عَلَى تِيْكَ (١) الْحَالِ\". [ق ٩/ ١٦٨، ك ٢/ ٨٥]\n===\n(فقال: يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرًا) أي على مشاق الجهاد (محتسبًا) أي خالصًا لله تعالى طالبًا للثواب (بعثك الله) تعالى (صابرًا محتسبًا) أي متصفًا بهذين الوصفين، كما روي: \"كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون\".\nقال الطيبي (٢): أعاده في الجزاء ليؤذن بالتنكير فيهما على أن له أجرًا وثوابًا لا يقادر قدره، أي بعثك الله صابرًا كاملًا فيه، فيوفي أجرك بغير حساب، ومحتسبًا، أي مخلصًا متناهيًا في إخلاصه راضيًا مرضيًا، ورضوان من الله أكبر.\n(وإن قاتلت مرائيًا) أي في نية الأعمال (مكاثرًا) أي في تحصيل المال (بعثك الله مرائيًا مكاثرًا).\nقال الطيبي: التكاثر التباري في الكثرة والتباهي بها، وقد يكون هذا في الأنفس والأموال، قال تعالى: ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (٣)، فالرجل يجاهد للغنيمة وإكثار المال ليباهي به، ولأن يكثر رجاله وأعوانه وأجناده، وقال ابن الملك: قوله: \"مكاثرًا\"، أي: مفاخرًا.\n(يا عبد الله بن عمرو، على أيِّ حال قاتلت) فَمُتَّ (أو قتلت بعثك الله على تيك) أي تلك (الحال) وكذا بقية الأعمال على هذا المنوال.\n_________\n(١) في نسخة: \"تلك\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٠٥)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٠٩).\n(٣) سورة الحديد: الآية ٢٠.","vol":"9","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>(٢٦) بَابٌ: فِي فَضْلِ الشَّهَادَةِ</span>\n٢٥٢٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ (١) طَيْرٍ خُضْرٍ\n===\n\n(٢٦) (بَابٌ: فِي فَضْلِ الشَّهَادَةِ)\nأي في سبيل الله\n٢٥٢٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -) لأصحابه: (لما أصيب إخوانكم) أي من سعادة الشهادة (بأحد) بضم أوله وثانيه، اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة أحد، وهو جبل أحمر بينه وبين المدينة قرابة ميل في شماليها، وعنده كانت الوقعة الفظيعة التي قتل فيها حمزة عم النبي - ﷺ - وسبعون من المسلمين، وكسرت رباعيته، وشُجَّ وجهه الشريف وكلمت شفته، وذلك في سنة ثلاث، وفيه قال النبي - ﷺ -: \"أُحد جبل يحبنا ونحبه، وهو على تُرْعَة من تُرَع الجنة\".\n(جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر) (٢) أي في أجواف طيور خضر خالية\n_________\n(١) في نسخة: \"أجواف\".\n(٢) اختلفت الروايات ها هنا في الموضعين: أحدهما: أنها في جوف طير أو في صورة طير، والثاني: أن البشارة للشهداء خاصة أو للمسلمين عامة، كما تدل عليه روايات العموم كقوله - ﵇ -: \"نسمة المؤمن\" الحديث، واختلف المهرة في الاختلافين معًا.\nأما الأول: فقال القرطبي: روايات صورة طير أصح من روايات الجوف، وقال القابسي: أنكر العلماء روايات الحواصل لأنها تكون مضيقة، وقال القاري: لا فرق بينهما، فمعنى جوف الطير هو صورته كما يقال: رأيت ملكًا في صورة إنسان، وقال ابن كثير: روح الشهداء في جوف الطير كالراكب عليه، وروح المؤمنين كصورة الطير.\nوأما الثاني: فمال ابن عبد البر والقرطبي إلى أن روايات العموم مؤولة إلى الشهداء، لأنَّ عامة المؤمنين يعرض عليهم المقعد غداة وعشيًا، ومال ابن كثير إلى العموم، وفرق بصورة =","vol":"9","page":79},{"text":"تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ (١) وَمَقِيلِهِم قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ، لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟\nفَقَالَ (٢) اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُم، قَالَ: وَأَنْزَلَ (٣) اللَّهُ - ﷿ -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ \" إِلَى آخِرِ الآيَةِ (٤). [ق ٩/ ١٦٣، ك ٢/ ٨٨]\n===\nمن الأرواح، على أشباح مصورة بصور الطيور، حتى تتلذذ الأرواح بنسب الأشباح (ترد أنهار الجنة) تشرب من مائها ولبنها وعسلها وشرابها الطهور (تأكل من ثمارها، وتأوي) أي تقيل (إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش) أي بمنزلة أوكار الطيور (فلما وجدوا) أي الشهداء (طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم) بفتح فكسر، أي مأواهم ومستقرهم، والثلاثة مصادر ميمية، ولا يبعد أن يراد بها المكان أو الزمان.\n(قالوا) جواب لما: (من يبلِّغ) بتشديد اللام، وفي نسخة بتخفيفها (إخواننا) من المسلمين الذين هم في الدنيا (عنا) أي عن قبلنا (أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا) أي لئلا يغفلوا (في الجهاد) ولا يرغبوا عنه، علة لقوله: \"من يبلِّغ عنا\"، (ولا ينكلوا) بالنون والكاف المضمومة، أي: لا يجبنوا (عند الحرب؟ فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم، قال: وأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾) بالخطاب مع فتح السين وكسرها، وفي رواية بالغيبة، أي: لا تظن (﴿الَّذِينَ قُتِلُوا﴾) بالتخفيف والتشديد (﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾) (٥) مفعول ثان (إلي آخر الآية).\n_________\n= الطير وجوف الطير كما تقدم، وقيل: المراد بالمؤمنين في روايات العموم الداخلون أولًا، والبسط في \"الأوجز\" (٤/ ٦٠٢)، وأجاد الكلام مختصرًا في حاشية أبي داود أيضًا. (ش).\n(١) في نسخة: \"ومشاربهم\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"فأنزل\".\n(٤) في نسخة: \"الآيات\".\n(٥) سورة آل عمران: الآية ١٦٩.","vol":"9","page":80},{"text":"٢٥٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نَا عَوْفٌ،\n===\nأخرجه مسلم من طريق مسروق عن عبد الله بن مسعود نحوه، وأخرجه الحاكم بهذا السند: حدثني علي بن عيسى، ثنا مسدد بن قطن، ثنا عثمان بن أبي شيبة بسند أبي داود، ثم قال في آخره: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وكذلك قال الذهبي في \"تلخيصه\" (١).\nوقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح، وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة، وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا باطل مردود، لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر والنشر، وفي بعض حواشي \"شرح العقائد\": اعلم أن التناسخ عند أهله، هو رد الأرواح إلى الأبدن في هذا العالم، لا في الآخرة، إذ هم ينكرون الآخرة والجنة والنار، ولذا كفروا. ٢٥٢١ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا عوف) بن أبي جميلة بفتح الجيم، العبدي الهجري، أبو سهل البصري المعروف بالأعرابي، قال أحمد: ثقة صالح الحديث، وعن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: كان يقال: عوف الصدوق، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال مسلم في مقدمة \"صحيحه\": وإذا وازنت بين الأقران كابن عون وأيوب مع عوف وأشعث الحمراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين، كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، وجدت البون بينهما وبين هذين بعيدًا في كمال الفضل وصحة النقل، وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة، وقال في \"الميزان\" (٢): قال بندار - وهو يقرأ لهم حديث عوف -: والله لقد كان قدريًّا رافضيًّا شيطانًا.\n_________\n(١) انظر: \"المستدرك\" (٢/ ٨٨).\n(٢) انظر: \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٣٠٥).","vol":"9","page":81},{"text":"حَدَّثَتْنَا حَسْنَاءُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ الصَّرِيمِيَّةُ قَالَتْ، حَدَّثَنَا عَمِّي قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: مَنْ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: \"النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْوَئِيدُ فِي الْجَنَّةِ\". [حم ٥/ ٥٨]\n===\n(حدثتنا حسناء بنت معاوية) بن سليم (الصريمية) بفتح الصاد المهملة وكسر الراء، ويقال: خنساء (قالت: حدثنا عمي) يقال: اسم عمها أسلم بن سليم، قال في \"أسد الغابة\" (١): أسلم بن سليم عم خنساء بنت معاوية بن سليم الصريمية، وهم ثلاثة إخوة: الحارث، ومعاوية، وأسلم، وقال أبو نعيم: زعم بعض المتأخرين يعني ابن منده أن اسمه أسلم، ولا يصح، قال في \"الإصابة\" (٢): يعني وإنما يروى عن خنساء عن عمها، غير مسمى.\n(قال: قلت للنبي - ﷺ -: من في الجنة؟ قال) أي النبي - ﵇ -: (النبي) أي جنس الأنبياء (في الجنة، والشهيد) يعني المؤمن لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣)، والحاصل أن الشهيد أعم من أن يكون حقيقة أو حكمًا (في الجنة، والمولود في الجنة).\nقال الخطابي (٤): المولود: هو الطفل، والسقط، ومن لم يدرك الحنث أي الذنب (والوئيد) أي المدفون حيًا في الأرض (في الجنة) وكانوا (٥) يئدون البنات، ومنهم من كان يئد البنين أيضًا عند المجاعة والضيق، ذكره السيوطي،\n_________\n(١) انظر: \"أسد الغابة\" (١/ ٩٤).\n(٢) \"الإصابة\" (١/ ٥٤).\n(٣) سورة الحديد: الآية ٩.\n(٤) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٤٣).\n(٥) ويخالفه ما سيأتي في \"باب ذراري المشركين\": \"الوائدة والموءودة في النار\"، والجواب سيأتي هناك في \"البذل\" من تأويله بأن المراد من الموءودة: \"الأم\" أي \"الموءودة لها\" فحذفت الصلة. (ش).","vol":"9","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>(٢٧) بَابٌ: فِي الشَّهِيدِ يُشَفَّعُ</span>\n٢٥٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، نَا الْوَليدُ بْنُ رَبَاحٍ الذِّمَارِيُّ، حَدَّثَنِي عَمِّي نِمْرَانُ بْنُ عُتْبَةَ الذِّمَارِيُّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ وَنَحْنُ أَيْتَامٌ، فَقَالَتْ: أَبْشِرُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ\". [ق ٩/ ١٦٤]\nقَالَ (١) أَبُو دَاوُدَ: صَوَابُهُ رَبَاحُ بْنُ الْوَليدِ.\n===\nوقال الطيبي: الظاهر أنه أراد بالمولود جنس من هو قريب العهد من الولادة سواء كان أولاد الكفار وغيرهم (٢).\n\n(٢٧) (بَابٌ: فِي الشَّهِيدِ يُشَفَّعُ)\nأي تقبل شفاعته\n٢٥٢٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا يحيى بن حسان، نا الوليد بن رباح الذماري) قال أبو داود: أخطأ يحيى بن حسان، إنما هو رباح بن الوليد الذماري بكسر الذال المعجمة المشددة وفتح الميم وبعدها الألف وفي آخرها الراء، هذه النسبة إلى قرية باليمن على ستة عشر فرسخًا من صنعاء (حدثني عمي نمران بن عتبة الذماري) ذكر ابن منده أنه دمشقي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: دخلنا على أم الدرداء) الصغرى (ونحن أيتام) لعله استشهد أبوهم (فقالت) أي أم الدرداء: (أبشروا، فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله - ﷺ -: يشفع الشهيد) أي تقبل شفاعته (في سبعين من أهل بيته) أي: فيغفر لهم بشفاعته.\n(قال أبو داود: صوابه رباح بن الوليد).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"قال أبو داود: أخطأ يحيى بن حسان، إنما هو رباح بن الوليد\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤١٧).","vol":"9","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>(٢٨) بَابٌ: فِي النُّورِ يُرَى عِنْدَ قَبْرِ الشَّهِيدِ</span>\n٢٥٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، نَا سَلَمَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ -، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ\" (١). [\"مصابيح السُّنَة\" ٤٦٥٤]\n٢٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُبَيِّعَةَ،\n===\n\n(٢٨) (بَابٌ: فِي النُّورِ يُرَى) بصيغة المجهول (عِنْدَ قَبْرِ الشَّهِيدِ) سواء كانت شهادته حقيقة أو حكمًا\n٢٥٢٣ - (حدثنا محمد بن عمرو الرازي، نا سلمة - يعني ابن الفضل -، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان) الأسدي، أبو روح المدني، مولى آل الزبير، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد عن الواقدي وغيره: كان عالمًا كثير الحديث، ثقة، قلت: وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، (عن عروة، عن عائشة - ﵂ - قالت: لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نورٌ).\nوهذا الحديث ليس له مطابقة بالباب إلَّا أن يقال: إن موت النجاشي كان بوجه من وجوه الشهادة، فإذا كانت الشهادة الحكمية كذلك، فالحقيقية أولى به.\n٢٥٢٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن ربيعة) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر المثناة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال لنا أبو سعيد: ونا أحمد بن عبد الجبار العطار، نا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق نحوه\".","vol":"9","page":84},{"text":"عن عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، وَمَاتَ الآخَرُ بَعْدَهُ بِجُمُعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا قُلْتُمْ؟ \"، فَقُلْنَا: دَعَوْنَا لَهُ، وَقُلْنَا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَأَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"فأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَصَوْمُهُ بَعْدَ صَوْمِهِ\" - شَكَّ شُعْبَةُ فِي صَوْمِهِ - \"وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ،\n===\nالتحتانية المشددة، ابن فرقد السلمي الكوفي، مختلف في صحبته، وقال ابن المبارك عن شعبة في حديثه: وكانت له صحبة، ولم يتابع عليه، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، قلت: وذكره في \"الصحابة\" أيضًا، وقال ابن أبي حاتم: إن كان السلمي فهو من التابعين، وقال في موضع آخر: عبد الله ابن ربيعة لم يدرك النبي - ﷺ -، وهو من أصحاب ابن مسعود.\n(عن عبيد بن خالد السلمي) البهزي، بموحدة مفتوحة وهاء ساكنة ثم زاي، أبو عبد الله، نزل الكوفة، وبقي إلى إمرة الحجاج، شهد الصفين مع علي، روى له أبو داود حديثين (قال: آخى) أي عقد المواخاة (رسول الله - ﷺ - بين رجلين) لم أقف على تسميتهما (فقتل أحدهما) أي في سبيل الله، على عهد رسول الله - ﷺ - (ومات الآخر) أي على فراشه (بعده) أي بعد الأول (بجمعة) أي بسبعة أيام (أو نحوها) أي قريبًا منها (فصلينا عليه) أي صلاة الجنازة.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: ما قلتم؟) أي: في حقه (فقلنا: دعونا له، وقلنا) تفسير لقوله: \"دعونا\": (اللَّهُمَّ اغفر له وألحقه بصاحبه) لأنه استشهد في سبيل الله، وظننا أن درجته أعلى من الآخر (فقال رسول الله - ﷺ -: فأين صلاته) أي الآخر (بعد صلاته) أي الأول (وصومه) أي الآخر (بعد صومه - شك شعبة في صومه - وعمله بعد عمله) (١).\n_________\n(١) وأخرج قصة الأخوين مالك في \"موطئه\"، قال الزرقاني (١/ ٣٥٦): وتحفظ قصة الأخوين من حديث طلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وعبيد بن خالد. (ش). (انظر: \"أوجز المسالك\" ٣/ ٥٧٠). (ش).","vol":"9","page":85},{"text":"إِنْ (١) بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ\". [ن ١٩٨٥، حم ٣/ ٥٠٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>(٢٩) بَابٌ: فِي الْجَعَائِلِ فِي الْغَزْوِ</span>\n===\nوخالف الإمام أحمد أبا داود في هذا، فأخرج (٢) هذا الحديث من طريق محمد بن جعفر: ثنا شعبة، ولفظه: \"فأين صلاته بعد صلاته؟ وأين صومه بعد صومه؟ وأين عمله بعد عمله؟ \" وقال: شك في الصلاة والعمل شعبة في أحدهما، وأخرج من طريق عفان وأبي النضر ثنا شعبة، ولم يذكرا الشك.\n(إن بينهما كما بين السماء والأرض)، وقد يستشكل فضيلة درجة الآخر بالصلاة والصوم والأعمال غير الصلاة والصوم على القتل في سبيل الله.\nقلت: لا إشكال فيه، فإن بعضهم يبلغ درجة بالصلاة والصوم لا يبلغها الشهداء، ألا ترى أن أبا بكر الصديق - ﵁ - بلغ درجة من الفضل لم يبلغها الشهداء وغيرهم بكمال إخلاصه وصدقه مع الله - تعالى -، فلعل هذا الرجل الآخر بلغ درجة بإخلاصه وصدقه في أعماله لم يبلغها الأول مع شهادته في سبيل الله.\nويحتمل أن يقال: إن الأول لم يبلغ منزلة الشهادة الكاملة لأمر عرض في نيته، فقصر عن درجة الشهادة الكاملة، وأما الآخر فبلغ بإخلاصه في نيته في الصلاة والصوم والأعمال درجة فاق على الأول، والله تعالى أعلم، وهذا الحديث لا يطابق الباب أصلًا.\n\n(٢٩) (بَابٌ: فِي الْجَعَائِلِ فِي الْغَزْوِ)\nالجعائل جمع جعيلة أو جعالة بالفتح، والجعل الاسم بالضم، والمصدر بالفتح، جعلت لك كذا جعلًا، وهو الأجرة على الشيء فعلًا أو قولًا، والمراد في الحديث: أن يكتب الغزو على الرجل فيعطي رجلًا\n_________\n(١) في نسخة: \"فإن\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٣/ ٥٠٠).","vol":"9","page":86},{"text":"٢٥٢٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنَا. (ح): وَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، الْمَعْنَى، - وَأَنَا لِحَدِيثِهِ أَتْقَنُ - عن أَبِي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عن ابْنِ أَخِي أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ\n===\nشيئًا ليخرج مكانه، أو يدفع المقيم إلى المغازي شيئًا، فيقيم المغازي ويخرج هو، وقيل: الجعل أن يكتب البعث على الغزاة، فيخرج من الأربعة والخمسة رجل، ويجعل له أجر، والجاعل المعطي، والمجتعل هو الآخذ. \"مجمع\" (١).\n٢٥٢٥ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا، ح: ونا عمرو بن عثمان، نا محمد بن حرب، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (وأنا لحديثه) أي عمرو بن عثمان (أتقن) أي أضبط وأحفظ من حديث إبراهيم بن موسى، (عن أبي سلمة سليمان بن سُليم) مصغرًا، الكناني الكلبي مولاهم، أبو سلمة الشامي القاضي، قال ابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان ويحيى بن صاعد والدارقطني وأبو داود: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال العجلي: ثقة.\n(عن يحيى بن جابر الطائي) أبو عمرو الحمصي القاضي، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن ابن أخي أبي أيوب الأنصاري) أبو سورة، قال البخاري: منكر الحديث، يروي عن أبي أيوب مناكير، لا يتابع عليه، وقال الترمذي: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن معين جدًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال الساجي: منكر الحديث، وقال الدارقطني: مجهول، وقال الترمذي في \"العلل\" عن البخاري: لا يعرف لأبي سورة سماع من أبي أيوب، وأغرب\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٦١).","vol":"9","page":87},{"text":"عن أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ الأَمْصَارُ، وَسَتَكُونُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ (١) يُقْطَعُ عَلَيْكُمْ فِيهَا بُعُوثٌ (٢)، فَيَكْرَهُ (٣) الرَّجُلُ مِنْكُم الْبَعْثَ فِيهَا، فَيَتَخَلَّصُ مِنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ يَتَصَفَّحُ الْقَبَائِلَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ: مَنْ أَكْفِهِ (٤) بَعْثَ كَذَا مَنْ أَكْفِهِ بَعْثَ كَذَا؟ أَلَا وَذَلِكَ الأَجِيرُ\n===\nأبو محمد بن حزم فزعم أن ابن معين قال: إن أبا أيوب الذي روى عنه أبو سورة ليس هو الأنصاري.\n(عن أبي أيوب) - ﵁ - (إنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: ستفتح عليكم الأمصار) أي البلاد الكبيرة، وخصت، لأن القرى والقصبات تابعة لها (وستكون) أي توجد وتقع منكم (جنود) جمع جند (مجندة) أي مجتمعة، كما يقال: ألوف مؤلفة، وقناطير مقنطرة، تنزلون بالأمصار، وتسكنون بها قبائل قبائل.\n(يقطع) بصيغة المجهول من التفعيل أي يعين (عليكم فيها) أي في تلك الجنود (بعوث) جمع بعث بمعنى الجيش، يعني يلزمون أن يخرجوا بعوثًا تبعث من كل قوم إلى الجهاد (فيكره الرجل منكم البعث فيها) أي الخروج في البعث إلى الغزو بلا أجرة (فيتخلص) أي يخرج (من قومه) طلبًا للخلاص من الغزو (ثم يتصفح) أي يتفحص (القبائل) غير قبيلته، وبتساءل فيها، والمعنى: أنه بعد أن فارق قومه كراهية الغزو بغير أجر يتتبع القبائل طالبًا منهم أن يشترطوا له أو يعطوه شيئًا.\n(يعرض نفسه عليهم) أي على القبائل (يقول: من) استفهامية (أكْفِهِ بعث كذا) أي: من يأخذني أجيرًا أكفيه جيش كذا، ويكفيني هو مؤنتي (من أكفه بعث كذا؟ ألا) حرف تنبيه (وذلك) أي الرجل الذي كره البعث تطوعًا (الأجير)\n_________\n(١) في نسخة: \"جنودًا مجندة\".\n(٢) في نسخة: \"بعوثًا\".\n(٣) في نسخة: \"يكره\".\n(٤) في نسخة: \"أكفيه\".","vol":"9","page":88},{"text":"إِلَى آخِرِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ\". [حم ٥/ ٤١٣]\n===\nأي الأجير فقط (إلى آخر قطرة من دمه) لا الغازي في سبيل الله إلى أن يقتل.\nقال ابن الملك: أفاده به أنه لم يكن له جهاد كسائر الأجير، إذا لم يقصد لغزوه إلَّا الجعل المشروط، والمراد: المبالغة في نفي ثواب الغزو عن مثل هذا الشخص.\nقال القاري: واختلفوا في جواز أخذ الجعل على الجهاد، فرخص فيه الزهري، ومالك، وأصحاب (١) أبي حنيفة، ولم يجوزه قوم، وقال الشافعي: لا يجوز أن يغزو بجعل، فإن أخذه فعليه رده (٢).\nوقال الحافظ (٣): قال ابن بطال: إن أخرج الرجل من ماله شيئًا فتطوع به، أو أعان المغازي على غزوه بفرس ونحوها فلا نزاع فيه؛ وإنما اختلفوا فيما إذا آجر نفسه أو فرسه في الغزو، فكره ذلك مالك، وكره أن يأخذ جعلًا على أن يتقدم إلى الحصن، وكره أصحاب أبي حنيفة الجعائل إلَّا إن كان بالمسلمين ضعف، وليس في بيت المال شيء، وقالوا: إن أعان بعضهم بعضًا جاز لا على وجه البدل، وقال الشافعي: لا يجوز أن يغزو بجعل يأخذوه، وإنما يجوز من السلطان دون غيره، لأن الجهاد فرض كفاية، فمن فعله وقع عن الفرض، ولا يجوز أن يستحق على غيره عوضًا، هكذا قال العيني (٤).\nوقال الحافظ في باب آخر (٥): للأجير في الغزو حالان: إما أن يكون استؤجر للخدمة، أو استؤجر ليقاتل، فالأول قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق:\n_________\n(١) وفي \"السير الكبير\": أن طلب الدنيا على نوعين، الأول: أن يكون مقصودًا، فذاك هوذا، والثاني: تبعًا، فلا بأس به: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. (ش).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٠٣، ٤٠٤).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٥).\n(٤) انظر: \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٨٨).\n(٥) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٦).","vol":"9","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-920>(٣٠) بَابُ الرُّخْصَةِ فِي أَخْذِ الْجَعَائِلِ</span>\n٢٥٢٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصِّيصِيُّ، نَا حَجَّاجٌ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -. (ح): وَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عن حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عن ابْنِ شُفَيٍّ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَللْجَاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْغَازِي\". [حم ٢/ ١٧٤، ق ٩/ ٢٨]\n===\nلا يسهم له، وقال الأكثر: يسهم له لحديث سلمة: \"كنت أجيرًا لطلحة أَسُوسُ فرسه\"، أخرجه مسلم، وفيه: \"إن النبي - ﷺ - أسهم له\"، وقال الثوري: لا يسهم للأجير إلَّا إن قاتل، وأما الأجير إذا استؤجر ليقاتل، فقال المالكية والحنفية: لا يسهم له، وقال الأكثر: له سهمه، وقال أحمد: لو استأجر الإمام قومًا على الغزو لم يسهم لهم سوى الأجرة، وقال الشافعي: هذا فيمن لم يجب عليه الجهاد، أما الحر البالغ المسلم إذا حضر الصف، فإنه يتعين عليه الجهاد فيسهم له، ولا يستحق أجرة.\n\n(٣٥) (بَابُ الرُّخْصَةِ (١) فِي أَخْذِ الْجَعَائِلِ)\n٢٥٢٦ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي، نا حجاج - يعني ابن محمد -، ح ونا عبد الملك بن شعيب، نا ابن وهب) كلاهما، أي حجاج بن محمد وابن وهب يرويان (عن الليث بن سعد، عن حيوة بن شريح، عن ابن شفي، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: للغازي أجره) أي ثوابه الأخروي المختص به (وللجاعل) أي للمعين للغازي ببذل مال له تطوعًا، أو بتجهيز أسبابه وما يحتاج إليه (أجره) أي أجر نفقته (وأجر الغازي)\n_________\n(١) في \"السير الكبير\" (١/ ١٣٩): لو أراد الإمام أن يجهز جيشًا، فإن كان في بيت المال سعة يُجَهِّزُهم بماله، وإلا كان له أن يتحكم على الناس بما يتقوى ... إلخ، وفي \"الدر المختار\" (٦/ ٢٠٧): كره الجعل مع وجود شيء في بيت المال، وإلَّا فلا ... إلخ، كذا في \"البحر\" (٥/ ٧٩)، و\"البناية\" (٦/ ٤٩٤). (ش).","vol":"9","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>(٣١) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَغْزُو بِأَجْرِ الْخِدْمَةِ </span>(١)\n٢٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِي، أَنَّ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ قَالَ: آذنَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْغَزْوِ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَيْسَ لِي خَادِمٌ، فَالْتَمَسْتُ أَجِيرًا يَكْفِينِي وَأُجْرِي لَهُ سَهْمَهُ، فَوَجَدْتُ رَجُلًا، فَلَمَّا دَنَا الرَّحِيلُ أَتَانِي، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا السُّهْمَانُ، وَمَا يَبْلُغُ سَهْمِي؟ فَسَمِّ لِي شَيْئًا كَانَ السَّهْمُ أَوْ لَمْ يَكنْ،\n===\nأي الذي يغزو بماله، فللجاعل أجران: أجر إعطاء المال في سبيل الله، وأجر كونه سببًا لغزو ذلك المغازي.\n\n(٣١) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَغْزُو بِأَجْرِ الْخِدْمَةِ)\n٢٥٢٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عاصم بن حكيم) أبو محمد، ابن أخت عبد الله بن شوذب، قال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن يحيى بن أبي عمرو السيباني) بفتح السين المهملة، (عن عبد الله بن الديلمي، أن يعلي بن منية) اسم أمه، ويقال: اسم جدته، واسم أبيه أمية (قال: آذن) بالمد أي أعلم أو نادى (رسول الله - ﷺ - بالغزو) أي بالخروج للغزو (وأنا شيخ كبير، ليس لي خادم) أي ليس لي من يخدمني في الغزو ويعينني فيه.\n(فالتمست) أي طلبت (أجيرًا يكفيني) أي مؤنتي (وأجري له سهمه، فوجدت رجلًا، فلما دنا) أي قرب (الرحيل) أي إلى الغزو (أتاني، فقال: ما أدري ما السهمان وما يبلغ سهمي؟) عطف على قوله: \"ما السهمان\" (فسم) أي عين (لي شيئًا) من الدراهم والدنانير (كان) أي حصل (السهم أو لم يكن،\n_________\n(١) في نسخة: \"ليخدم بأجر\".\n(٢) في نسخة: \"أذَّنَ\".","vol":"9","page":91},{"text":"فَسَمَّيْتُ لَهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَلَمَّا حَضَرَتْ غَنِيمَتُهُ (١) أَرَدْتُ أَنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ، فَذَكَرْتُ الدَّنَانِيرَ، فَجِئْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرْتُ لَهُ أَمْرَهُ فَقَالَ (٢): \"مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِي سَمَّى\" (٣). [ق ٦/ ٣٣١، ك ٢/ ١٢١]\n===\nفسميت) أي عينت (له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمته أردت أن أجري) أي أمضي (له سهمه) أي كسائر الغزاة (فذكرت الدنانير) التي سميتها له، فترددت فيه بأن أعطي له سهمه، أو أعطي له الدنانير التي سميتها له.\n(فجئت النبي - ﷺ -، فذكرت له أمره) أي: قصته (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (ما أجد) أي أعرف له (في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلَّا دنانيره التي سمَّى) أي: سمَّيت له، أو بصيغة المجهول، أي: سُمي له.\nقال القاري: في \"شرح السنَّة\" (٤): اختلفوا في الأجير للعمل وحفظِ الدواب يحضر الوقعة هل يسهم له؟ فقيل: لا سهم له، قاتل أو لم يقاتل، إنما له أجرة عمله، وهو قول الأوزاعي وإسحاق وأحد قولي الشافعي، وقال مالك وأحمد: يسهم له، وإن لم يقاتل إذا كان مع الناس عند القتال، وقيل: يخيَّر بين الأجرة والسهم، انتهى.\nويظهر لي قول - والله تعالى أعلم به -: أنه إذا قاتل ولم يشترط في إجارته القتال يجمع له من الأجرة والسهم، لأنهما غير متنافيين، وهو ظاهر قاعدة مذهبنا السابق بأن الإجارة والأجر يجتمعان.\n_________\n(١) في نسخة: \"غنيمة\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"تسمي\".\n(٤) \"شرح السنَّة\" (٥/ ٥٥٢).","vol":"9","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>(٣٢) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَغْزُو وَأَبَوَاهُ كَارِهَانِ</span>\n٢٥٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، نَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: جِئْتُ (١) أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ (٢): \"ارْجِعْ (٣) فأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا\". [ن ٤١٦٣، جه ٢٧٨٢، حم ٤/ ٢٠٢، ك ٤/ ١٥٢]\n===\n\n(٣٢) (بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَغْزُو) أي: يريد الغزو (وَأَبَوَاهُ كَارِهَانِ) أي: خروجه إلى الغزو\n٢٥٢٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، نا عطاء بن السائب، عن أبيه) السائب، (عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى رسول الله - ﷺ - فقال) أي الرجل: (جئت أبايعك على الهجرة) والغزو معك (وتركت أبوي يبكيان، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (ارجع فأضحكهما) من الإفعال (كما أبكيتهما).\nوفي الحديث فضل بر الوالدين، وتعظيم حقهما، وكثرة الثواب على برهما، ومطابقة الحديث بالباب بأنه استأذن في الهجرة، ثم بعدها يريد الغزو، أو بأن حكم الغزو والهجرة واحد، فإذا لم يجز الهجرة من غير إذن الوالدين لم يجز الغزو، هذا إذا لم يكن فرض عين، وأما إذا كان الفرض عينًا لا يحتاج إلى إذن أحد.\n_________\n(١) في نسخة: \"جئتك\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) في نسخة: \"إرجع إليهما\".","vol":"9","page":93},{"text":"٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عن أَبِي الْعَبَّاسِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ (١) - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُجَاهِدُ؟ قَالَ: \"أَلَكَ (٢) أَبَوَانِ\"؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ\"\". [خ ٣٠٠٤، م ٢٥٤٩، ت ١٦٧١، ن ٣١٠٣، حم ٢/ ١٦٥]\n===\n٢٥٢٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي العباس) أي الشاعر، (عن عبد الله بن عمرو)، وهكذا روى البخاري عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، وقد خالف الأعمش شعبة وسفيان، فرواه ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، فلعل لحبيب فيه إسنادين.\n(قال: جاء رجل) قال الحافظ (٣): يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العباس بن مرداس (إلي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أجاهد؟) بتقدير همزة الاستفهام (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (ألك أبوان؟ قال) أي الرجل: (نعم، قال: ففيهما) أي في خدمتهما (فجاهد).\nفي \"شرح السنَّة\" (٤): هذا في جهاد التطوع، لا يخرج إلَّا بإذن الوالدين إذا كانا مسلمين، فإن كان الجهاد فرضًا متعينًا فلا حاجة إلى إذنهما، وإن منعاه عصاهما وخرج، وإن كانا كافرين فيخرج بدون إذنهما فرضًا كان الجهاد أو تطوعًا، وكذلك لا يخرج إلى شيء من التطوعات\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"لك\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤١).\n(٤) لكن قال الشعراني في \"ميزانه\" (٣/ ٣٦٦): اتفقوا على أن من يتعين عليه الجهاد لا يخرج إلَّا بإذن أبويه إن كانا مسلمين، انتهى. اللَّهُمَّ إلَّا أن يقال: إن المراد بالتعين من طريق تقسيم العمل لا تعين الفرض. (ش).","vol":"9","page":94},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو الْعَبَّاسِ هَذَا، الشَّاعِرُ، اسْمُهُ (١) السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخ.\n٢٥٣٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ\n===\nكالحج والعمرة والزيارة، ولا يصوم التطوع إذا كره الوالدان المسلمان أو أحدهما إلَّا بإذنهما (٢)، قال ابن الهمام (٣): لأن طاعة كل منهما فرض عليه، والجهاد لم يتعين عليه.\n(قال أبو داود: أبو العباس هذا، الشاعر، اسمه السائب بن فروخ)، وقال البخاري في \"صحيحه\" (٤): وكان لا يتهم في حديثه.\n٢٥٣٠ - (حَدَّثَنا سعيد بن منصور، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن دراجًا أبا السمح) هو دراج بن سمعان، يقال: اسمه عبد الرحمن، ودراج لقب، القرشي السهمي مولاهم، المصري القاضي، رأى مولاه عبد الله ابن عمرو بن العاص، قال الإمام أحمد: حديثه منكر، وعن ابن معين: ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: أحاديثه مستقيمة إلَّا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، وقال النسائي: ليس بالقوي، وأيضًا قال: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: في حديثه ضعف، وقال الدارقطني: ضعيف، وأيضًا قال: متروك، وقال فضلك الرازي لما ذكر له أن ابن معين قال: دراج ثقة، فقال: ليس بثقة ولا كرامة، وحكى ابن عدي عن أحمد بن حنبل: أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": ما كان بهذا الإسناد فليس به بأس.\n_________\n(١) في نسخة: \"هو\".\n(٢) انظر: \"شرح السنَّة\" (١٠/ ٣٧٨).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (٥/ ١٩٤).\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٩٧٩).","vol":"9","page":95},{"text":"حَدَّثَهُ، عن أَبِي الْهَيْثَمِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: \"هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟ \" فَقَالَ (١): أَبَوَاي، فَقَالَ: \"أَذِنَا لَكَ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا\". [ق ٩/ ٢٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>(٣٣) بَابٌ: فِي النِّسَاءِ يَغْزُونَ </span>(٢)\n٢٥٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهِّرٍ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ\n===\n(حدثه عن أبي الهيثم) سليمان بن (٣) عمرو بن عبدة، ويقال: عبيد، الليثي العتواري، روى عن أبي سعيد، وكان في حجره، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره الفسوي في \"الثقات\".\n(عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا) لم أقف على تسميته (هاجر إلى رسول الله - ﷺ - من اليمن) أي للغزو (فقال) رسول الله - ﷺ -: (هل لك أحد باليمن؟ فقال) أي الرجل: (أبواي، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أَذِنا لك؟) بتقدير حرف الاستفهام (قال) أي الرجل: (لا) أي لم يأذنا لي (قال: ارجع إليهما فاستأذنهما) أي للهجرة والغزو (فإن أذنا لك فجاهد) أي في سبيل الله (وإلَّا فبرهما) أي اخدمهما وأطعهما، ولعل هذه القصة وقعت في وقت لم تكن الهجرة والجهاد فرض عين.\n\n(٣٣) (بَابٌ: فِي النِّسَاءِ يَغْزُونَ)\nعلى وزن ينصرن\n٢٥٣١ - (حدثنا عبد السلام بن مطهر، نا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسول الله - ﷺ - يغزو بأم سليم) أي يغزو الكفار مصاحبًا\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"يغزين\".\n(٣) سقط من الأصل لفظ \"ابن\".","vol":"9","page":96},{"text":"وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ لِيَسْقِيْنَ (١) الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى\". [م ١٨١٠، ت ١٥٧٥، ق ٩/ ٣٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>(٣٤) بَابٌ: فِي الْغَزْوِ مَعَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ</span>\n٢٥٣٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي نُشْبَةَ (٢)، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ: الكَفُّ عمَّنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تُكَفِّرْهُ (٣)\n===\nبأم سليم (ونسوة من الأنصار ليسقين الماء ويداوين الجرحى) جمع جريح. قال النووي (٤): فيه خروج النساء في الغزو والانتفاع بهن في السقي والمداواة ونحوهما، وهذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن، وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلَّا في موضع الحاجة.\n\n(٣٤) (بَابٌ: فِي الْغَزْوِ مَعَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ)\nأي مع الجائرين من الأئمة\n٢٥٣٢ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا أبو معاوية، نا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي نشبة) بضم النون وسكون المعجمة، السلمي، قال في \"التقريب\": مجهول (عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: ثلاث) أي خصال (من أصل الإيمان) أي من أساسه، أولاها: (الكف) أي كف اليد واللسان (عمن قال: لا إله إلَّا الله) إذا لم ينكر شيئًا مما ثبت من ضروريات الدين (ولا تكفره) أي لا تنسبه\n_________\n(١) في نسخة: \"ليستقين\".\n(٢) في نسخة: \"نشيبة\".\n(٣) في نسخة: \"لا نكفره\".\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٤٢٨).","vol":"9","page":97},{"text":"بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجْهُ (١) مِنَ الإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهِ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ\". [ق ٩/ ١٥٦]\n٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عن مَكْحُولٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\nإلى الكفر (بذنب) أي بصدور ذنب منه (ولا تخرجه من الإسلام) بأن تنكر كونه مسلمًا (بعمل (٢» أي بصدور عمل منه مخالف للشرع، وهذا تأكيد للأول.\nوثانيتها: (والجهاد ماضٍ) أي جارٍ ونافذٌ (منذ بعثني الله) أي رسولًا إليكم (إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جورُ جائر، ولا عدل عادل) أي: إذا كان السلطان جائرًا يجري معه الجهاد كما كان مع السلطان العادل، ويحتمل أن يكون معناه إذا كان الجور شائعًا في العالم يجري الجهاد معهم، وكذلك إذا كان العدل شائعًا مع الكفر يمضي معهم الجهاد، وإنما قال بانتهاء الجهاد إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ومن معه من اليهود، لأن بعد ذلك لا يبقى على وجه الأرض كافر، ثم بعد ذلك يموت المؤمنون بريح طيبة، فلا يبقى في الأرض مؤمن.\nوثالثتها (والإيمان بالأقدار) أي: بالقدر خيره وشره.\n٢٥٣٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"لا نخرجه\".\n(٢) وبسط الشيخ عبد العزيز الدهلوي في \"فتاواه\" (ص ٣٩٥) في الجمع بينه وبين تكفير المبتدعة. (ش).","vol":"9","page":98},{"text":"\"الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا (١)، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا (٢) وَإِنْ عَمِلَ الكَبَائِرَ، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا (٣) وَإِنْ عَمِلَ الكَبَائِرَ (٤). [ق ٣/ ١٢١، قط ٢/ ٥٦]\n===\nالجهاد واجب) عينًا أو كفاية (عليكم مع كل أمير) أي سلطان (برًا كان أو فاجرًا) نقل في الحاشية: عن ابن حجر: فيه جواز كون الأمير فاسقًا جائرًا، وأنه لا ينعزل بالفسق والجور، وأنه يجب إطاعته ما لم يأمر بمعصية، وخروج جماعة من السلف على الجورة كان قبل استقرار الإجماع على حرمة الخروج على الجائر، انتهى (٥).\nويشكل بظهور المهدي ودعوته الخلافة مع وجود السلاطين في زمانه، ويمكن أن يجاب عنه بأن حقية خلافته ثابتة بالأحاديث الصحيحة وبإجماع الأمة، فليس حكمه وقت ظهوره كحكم غيره.\n(والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًا كان أو فاجرًا وإن عمل) أي الإمام (الكبائر) أي الصلاة بالجماعة واجبة عليكم وفرض عملي لا اعتقادي (والصلاة واجبة) أي كفائيًا (على كل مسلم) ميت طاهر (برًا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر) أي في حياته.\n_________\n(١) في نسخة: \"بر كان أو فاجر\".\n(٢) في نسخة: \"بر كان أو فاجر\".\n(٣) في نسخة: \"بر كان أو فاجر\".\n(٤) زاد في نسخة: \"والصيام واجب على كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر\".\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٠٠).","vol":"9","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>(٣٥) بَابُ الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ بِمَالِ غَيْرِهِ يَغْزُو</span>\n٢٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عن نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَ عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ، قَالَ (١): \"يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، إِنَّ مِنْ إِخْوَانِكُمْ قَوْمًا لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، فَلْيَضُمَّ أَحَدُكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَة، فَمَا لأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلَّا عُقْبَةً كَعُقْبَةِ\" - يَعْنِي أَحَدهِمْ -،\n===\n(٣٥) (بَابُ الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ) (٢) أي: يحمل نفسه ومتاعه (بِمَال غَيْرِهِ) أي: على دابة غيره (يَغْزو) أي: يريد الغزو ويحتمل أن يكون معناه: الرجل يتحمل، أي: يحمل مال غيره على دابة نفسه\n٢٥٣٤ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبيدة بن حميد، عن أسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر بن عبد الله حدث عن رسول الله - ﷺ - أنه) أي رسول الله - ﷺ - (أراد أن يغزو، قال: يا معشر المهاجرين والأنصار! إن من إخوانكم) أي المسلمين (قومًا) أي رجالًا (ليس لهم مال) فيغزون (٣) به (ولا عشيرة) فتعينهم (فليضم أحدكم إليه) أي إلى نفسه (الرجلين) منهم (أو الثلاثة) في مأكوله ومركوبه.\n(فما) أي ما كان (لأحدنا من ظهر) أي مركوب (يحمله إلَّا عقبة) أي نوبة (كعقبة) أي كنوبة (يعني أحدهم) من الذين لا مال لهم ولا عشيرة، أي كانت دابة كل واحد منا مشتركة في الركوب، فنركب نوبة ويركبون نوبة أخرى بقدر\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) قال ابن رسلان: أي يعين غيره على الحمل بمال غيره. (ش).\n(٣) قال الشعراني: قال الثلاثة: يشترط لوجوب الجهاد الزاد والراحلة كالحج، وقال مالك: لا، (انظر: \"الميزان\" للشعراني ٣/ ٣٦٧). (ش).","vol":"9","page":100},{"text":"قَالَ: فَضَمَمْتُ إِلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، قَالَ (١): مَا لِي إِلَّا عُقْبَةً كَعُقْبَةِ أَحَدٍ (٢) مِنْ جَمَلِي. [حم ٣/ ٣٥٨، ق ٩/ ١٧١، ك ٢/ ٩٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>(٣٦) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَغْزُو يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالْغَنِيمَةَ</span>\n٢٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ضَمْرَةُ،\n===\nما نركب (قال) أي جابر: (فضممت إلى اثنين أو ثلاثة) أي منهم (قال) أي جابر: (ما لي) أي كان لي من ركوب جملي (إلَّا عقبة) أي نوبة (كعقبة) أي كنوبة (أحد) أي أحد منهم (من جملي).\n(٣٦) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَغْزُو) أي: يريد الغزو (يَلْتَمِسُ) أي: حال كونه ملتمسًا أي: طالبًا (الأَجْرَ) أي الثواب الأخروي (وَالْغَنِيمَةِ) أي: مال الغنيمة في الدنيا\n٢٥٣٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا أسد بن موسى) بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، يقال له: أسد السنَّة، قال البخاري: مشهور الحديث، وقال النسائي: ثقة، ولو لم يصنف كان خيرًا له، وقال ابن يونس وابن قانع والعجلي والبزار: ثقة، وقال ابن حزم: منكر الحديث ضعيف، وقال عبد الحق في \"الأحكام الوسطى\": لا يحتج به عندهم، قال في \"التقريب\": وفيه نصب.\n(نا معاوية بن صالح، حدثني ضمرة) بن حبيب بن صهيب الزبيدي - بضم الزاي -، أبو عتبة الحمصي، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"أحدهم\".","vol":"9","page":101},{"text":"أَنَّ ابْنَ زُغْبٍ الإِيَادِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: نَزَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوَالَةَ الأَزْدِيُّ فَقَالَ لَي: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِنَغْنَمَ عَلَى أَقْدَامِنَا فَرَجَعْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا، وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا، فَقَامَ فِينَا، فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجزُوا عَنْهَا، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ\"، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي أَوْ عَلَى هَامَتِي،\n===\nقلت: وقال: مات سنة ثلاثين ومائة، وكان مؤذن المسجد الجامع بدمشق (أن ابن زغب) بضم الزاي وسكون المعجمة (الأيادي) هو عبد الله بن زغب، شامي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في أشراط الساعة، مختلف في صحبته، وساق له الطبراني حديث: \"من كذب علي\" صرح فيه بسماعه من النبي - ﷺ -، والإسناد لا بأس به.\n(حدثه قال) أي ابن زغب: (نزل علي) أي ضيفًا (عبد الله بن حوالة) بفتح المهملة وتخفيف الواو (الأزدي) كنيته أبو حوالة، ويقال: أبو محمد، له صحبة، نزل الأردن، ويقال: سكن دمشق، قال الواقدي: هو من بني عامر بن لؤي، وقال الهيثم بن عدي: هو من الأزد، وهو الأصح.\n(فقال لي: بعثنا رسول الله - ﷺ -) أي إلى غزو الكفار (لنغنم) أي ليحصل لنا من مال الغنيمة (على أقدامنا) أي: راجلين ليس لنا مركب (فرجعنا) أي من الغزو (فلم نغنم شيئًا، وعرف) أي رسول الله - ﷺ - (الجهد) أي أثر المشقة والتعب (في وجوهنا، فقام فينا) خطيبًا وداعيًا.\n(فقال: اللَّهُمَّ لا تكلهم) أي لا تفوضهم (إلى فأضعف عنهم) أي عن معونتهم، فإن الإنسان خلق ضعيفًا (ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها) أي عن إعانتهم (ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا) أي يختاروا ويرجحوا أنفسهم (عليهم).\n(ثم وضع يده) الشريفة (على رأسي أو) للشك من الراوي (على هامتي،","vol":"9","page":102},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ (١) الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالبَلَابِلُ وَالأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَة يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ\" (٢). [حم ٥/ ٢٨٨، ك ٤/ ٤٢٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>(٣٧) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَشْرِي نَفْسَهُ </span>(٣)\n٢٥٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا (٤) حَمَّادٌ، أَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ،\n===\nثم قال: يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة) أي الرئاسة العامة (قد نزلت أرض المقدسة) من إضافة الموصوف إلى الصفة، والمراد بها الشام، وقد وقع ذلك في زمان إمارة بني أمية (فقد دنت) أي قربت (الزلازل) جمع زلزلة (والبلابل) أي الهموم والأحزان (والأمور العظام) من الدواهي والفتن (والساعة) أي القيامة (يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك) أشار إلى أنه قريب غاية القرب، والمراد بالساعة أشراطها.\n\n(٣٧) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَشْرِي نَفْسَهُ)\nكأنه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٥)\n٢٥٣٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، أنا حماد، أنا عطاء بن السائب،\n_________\n(١) في نسخة: \"الأرض\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: عبد الله بن حوالة حمصي\".\n(٣) في نسخة: \"بنفسه\".\n(٤) في نسخة: \"ثنا\".\n(٥) سورة البقرة: الآية ٢٠٧.","vol":"9","page":103},{"text":"عن مُرَّةَ الْهَمَدَانِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"عَجِبَ رَبُّنَا - ﷿ - عَنْ (١) رَجُلٍ غَزَا فِي سَبيلِ اللَّهِ - ﷿ - فَانْهَزَمَ\" يَعْنِي أَصْحَابُهُ \"فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ (٢) دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ - ﷿ - لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدَي، حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ\". [حم ١/ ٤١٦، ق ٩/ ٤٦]\n===\nعن مرة الهمداني) هو مرة بن شراحيل السكسكي، أبو إسماعيل الكوفي، المعروف بمرة الطيب، ومرة الخير، لقب بذلك لعبادته، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: تابعي ثقة.\n(عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: عجب) بكسر الجيم أي رضي (ربنا - ﷿ - عن رجل غزا في سبيل الله - ﷿ - فانهزم، يعني أصحابه، فعلم ما عليه) من حق الله تعالى (فرجع) أي إلى قتال الكفار وحده فقاتل (حتى أهريق دمه، فيقول الله - ﷿ -) مباهيًا (لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع) إلى قتال الكفار (رغبة فيما عندي) أي من الثواب (وشفقة) أي خوفًا (مما عندي) أي من العقاب (حتى أهريق دمه) أي: قتل.\nقال في \"رد المحتار\" (٣): ذكر في \"شرح السير\": أنه لا بأس أن يحمل الرجل وحده، وإن ظن أنه يقتل إذا كان يصنع شيئًا بقتل أو بجرح أو بهزم، فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله - ﷺ - يوم أحد، ومدحهم على ذلك، فأما إذا علم أنه لا ينكي فيهم، فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم، لأنه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدين، بخلاف نهي فسقة المسلمين عن منكر إذا علم أنهم لا يمتنعون، بل يقتلونه، فإنه لا بأس بالإقدام وإن رُخص له السكوت.\n_________\n(١) في نسخة: \"من\".\n(٢) في نسخة: \"هريق\".\n(٣) (٦/ ٢٠٣).","vol":"9","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>(٣٨) بَابٌ: فِيمَنْ يُسْلِمُ وَيُقْتَلُ مَكَانَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى</span>\n٢٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ كَانَ لَهُ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةَ، فَكَرِهَ أَنْ يُسْلِمَ حَتَّى يَأْخُذَهُ، فَجَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: أَيْنَ بَنُو عَمِّي؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، قَالَ: أَيْنَ (١) فُلَانٌ؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، قَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا يَا عَمْرُو، قَالَ: إِنِّي قَدْ آمَنْتُ، فَقَاتَلَ\n===\n\n(٣٨) (بَابٌ: فِيمَنْ يُسْلِمُ وَيُقْتَلُ مَكَانَه فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى)\nحاصله أن من أسلم في المعركة، وقتل هناك، ولم يصل ولم يصم، ما حكمه؟\n٢٥٣٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن عمرو بن أقيش) هو عمرو بن ثابت بن أقيش، ويقال: وقيش، مصغرين، ابن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري، وقد ينسب إلى جده فيقال: عمرو بن أقيش، وأمه بنت اليمان أخت حذيفة، وكان يلقب أصيرم.\n(كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه) لأنه تعالى كان حرم الربا (فجاء يوم أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأُحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، فلبس لأمته) أي الدرع والسلاح (وركب فرسه، ثم توجه قبلهم) أي: جانبهم.\n(فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو) أي كن عنا إلى جانب آخر، ولا تدخل فينا فإنك كافر (قال: إني قد آمنت فقاتل) أي الكفار\n_________\n(١) في نسخة: \"أين بنو فلان\".","vol":"9","page":105},{"text":"حَتَّى جُرِحَ، فَحُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ جَرِيحًا، فَجَاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ، أَوْ غَضَبًا لَهُمْ، أَمْ غَضَبًا (١) للَّهِ؟ فَقَالَ: بَلْ غَضَبًا للَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَمَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَا صَلَّى للَّهِ صَلَاةً\". [ق ٩/ ١٦٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>(٣٩) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ بِسِلَاحِهِ</span>\n٢٥٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.\n- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ أَحْمَدُ: كَذَا قَالَ هُوَ (٢) وعَنْبَسَةُ يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ (٣)،\n===\n(حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحًا، فجاءه سعد بن معاذ فقال لأخته) أي أخت عمرو: (سليه حمية لقومك) أي: هل قاتلت حمية لقومك؟ أي: حفظًا لحريمهم (أو غضبًا لهم) أي للقوم على أعدائهم، وليس هذا اللفظ فيما أخرجه الحافظ في \"الإصابة\" من رواية أبي داود (أم غضبًا لله؟) لأن الكفار أعداء الله (فقال: بل غضبًا لله ورسوله، فمات فدخل الجنة، وما صلَّى لله صلاة).\n\n(٣٩) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ بِسِلَاحِهِ)\nأي: بسلاح نفسه\n٢٥٣٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن وعبد الله بن كعب بن مالك، قال أبو داود: قال أحمد) أي ابن صالح شيخي (كذا قال هو) أي عبد الله بن وهب (وعنبسة يعني ابن خالد) عبد الرحمن وعبد الله بن كعب، بإدخال الواو للعطف\n_________\n(١) في نسخة: \"غضب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني ابن وهب\".\n(٣) زاد في نسخة: \"جميعًا عن يونس\".","vol":"9","page":106},{"text":"- قَالَ أَحْمَدُ: وَالصَّوَابُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أَخِي قِتَالًا شَدِيدًا، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ وَشَكُّوا فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا\".\n===\nبين عبد الرحمن وعبد الله، بأن كليهما رويا هذا الحديث هكذا، وهو غير صحيح (قال أحمد: والصواب عبد الرحمن بن عبد الله) بن كعب بن مالك.\nقلت: وقد أخرج الإمام أحمد (١) هذا الحديث من طريق عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، أن سلمة بن الأكوع قال ...\nوأخرج النسائي (٢) عن عمرو بن سواد، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن وعبد الله ابنا كعب بن مالك، أن سلمة بن الأكوع قال، وسكت عليه ولم يتكلم فيه.\n(أن سلمة بن) ثابت بن (الأكوع قال: لما كان يوم خيبر) أي غزوة خيبر (قاتل أخي) عامر بن الأكوع (قتالًا شديدًا).\nقال الحافظ في \"الإصابة\": وفي بعض الطرق: أن سلمة قال: \"إن عامرًا عمه\"، فيمكن التوفيق أن يكون أخاه من أمه، على ما كانت الجاهلية تفعله، أو من الرضاعة، ففي مسلم من طريق إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: \"وخرج عمي عامر إلى خيبر\".\n(فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - في ذلك) أي تكلموا (وشكُّوا فيه) أي في حكم موته بسبب أنه (رجل مات بسلاحه) فكأنهم ظنوا أنه قاتل نفسه (فقال رسول الله - ﷺ -: مات جاهدًا مجاهدًا) أي مجتهدًا في طاعة الله، وغازيًا في سبيل الله، وقيل: هما للتأكيد.\n_________\n(١) انظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ٤٦).\n(٢) انظر: \"سنن النسائي\" (٣١٥٠).","vol":"9","page":107},{"text":"قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنًا لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَحَدَّثَنِي عن أَبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ\". [م ١٨٠٢، ن ٣١٥٠]\n٢٥٣٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ (١)، نَا الْوَلِيدُ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سلَّامٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ أَبِي سلَّامٍ، عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ\n===\n(قال ابن شهاب: ثم سألت ابنًا لسلمة بن الأكوع) وهو إياس بن سلمة (فحدثني عن أبيه بمثل ذلك) أي الحديث (غير أنه) أي ابن سلمة بن الأكوع (قال) أي فِي الحديث: (فقال رسول الله - ﷺ -: كذبوا، مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرتين)، فزاد في الأول لفظ: \"كذبوا\" وزاد في آخره: \"فله أجره مرتين\"، فأما سبب كونه مستحقًا لمضاعفة الأجر، إما لأنه جاهد غاية الجهد، وإما لأنه استحق أجر الطاعة ثم استحق أجر الغزو.\n٢٥٣٩ - (حدثنا هشام بن خالد، نا الوليد، عن معاوية بن أبي سلام) هو معاوية بن سلام بن أبي سلام، (عن أبيه) سلام بن أبي سلام ممطور، الحبشي الشامي، روى أبو داود من طريق معاوية بن سلام عن أبيه عن جده حديثًا، قال البخاري: سلام بن أبي سلام الحبشي شامي، وقال أبو حاتم الرازي: سلام بن أبي سلام الحبشي والد معاوية، لا أعلم أحدًا روى عنه، إنما الناس يروون عن معاوية بن سلام عن جده، وعن معاوية بن سلام عن أخيه، وأما معاوية بن سلام عن أبيه فلا، (عن جده أبي سلام، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميته.\n(قال: أغرنا على حي) أي قبيلة (من جهينة، فطلب رجل من المسلمين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الدمشقي\".","vol":"9","page":108},{"text":"رَجُلًا مِنْهُمْ، فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ نَفْسَهُ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ (١) رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ\"، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِثيَابِهِ وَدِمَائِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ\" (٢). [ق ٨/ ١١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>(٤٠) بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ اللِّقَاءِ</span>\n٢٥٤٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، نَا مُوسَى بْنُ\n===\nرجلًا منهم) أي من الكفار ليقتله (فضربه) أي المسلم الكافر بالسيف (فأخطأه) أي السيف، أو فأخطأ الرجل عن الذي يريد قتله (وأصاب) أي الرجل القاتل (نفسه بالسيف) أي بسيف نفسه (فقال رسول الله - ﷺ -: أخوكم) وفي نسخة: \"أخاكم\"، فعلى الأول هو أخوكم، وعلى الثاني: الزموا أخاكم (يا معشر المسلمين! فابتدره الناس) أي: بادروا إليه (فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله - ﷺ - بثيابه ودمائه) أي كأنه لم يغسله (وصلَّى عليه (٣) ودفنه، فقالوا: يا رسول الله! أشهيد هو؟ قال: نعم، وأنا له شهيد) قلت: لم أقف على أن هذه الغزوة متى وقعت؟ وأي غزوة هي من مغازي رسول الله - ﷺ -؟\n\n(٤٠) (بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ اللِّقَاءِ)\nأي: لقاء العدو\n٢٥٤٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا ابن أبي مريم، نا موسى بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"له\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: إنما هو معاوية، عن أخيه، عن جده، قال: وهو معاوية بن سلام بن أبي سلام\".\n(٣) وفيه الصلاة على الشهيد، فإنه وإن لم يكن حجة للحنفية لأنه ليس بشهيد أحكامًا عندهم، لكن حجة على الشافعية، لأنهم قالوا بشهادته أحكامًا، كذا في \"العرف الشذي\".\nقلت: وكذلك حجة على المالكية، فإنه شهيد عندهم، كما صرح به في \"الشرح الكبير\" (١/ ٦٧٥). (ش).","vol":"9","page":109},{"text":"يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ، عن أَبِي حَازِمٍ، عن سهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ -: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحَمُ بَعْضُهُ (١) بَعْضًا\". [ق ١/ ٤١٠]\nقَالَ مُوسَى: وَحَدَّثَنِي رِزْقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي حَازِمٍ، عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"وَقْت الْمَطَرِ\".\n===\nيعقوب الزمعي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: ثنتان) أي دعوتان (لا تردان، أو) للشك من الراوي (قَلَّما تردان: الدعاء عند النداء) أي للصلاة وهو الأذان (وعند البأس) أي القتال (حين يلحم بعضه بعضًا).\nقال في \"المجمع\": حين يلحم بعضهم بعضًا، أي تشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضًا، قال الطيبي (٢): حين يلحم بفتح ياء، أي يقتل بعضهم بعضًا. وإن ضم الياء ويكسر الحاء فمعناه يختلط.\nقلت: ويوم الملحمة هي الحرب وموضع القتال، وجمعه: الملاحم، أخذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل: من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها.\n(قال موسى) بن يعقوب: (وحدثني رزق بن سعيد بن عبد الرحمن) المدني، ذكره الحافظ في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" في رزيق مصغرًا، ثم قال: ويقال: رزق، له في أبي داود حديث واحد في الدعاء عند المطر مقرونًا، وقال في \"التقريب\": مجهول، (عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي - ﷺ - قال: وقت المطر)، وفي نسخة: \"وتحت المطر\"، أي: ولا يرد الدعاء تحت المطر، زاد هذه الثالثة.\n_________\n(١) في نسخة: \"بعضهم\".\n(٢) انظر \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢١٢).","vol":"9","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-931>(٤١) بَابٌ: فِيمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ</span>\n٢٥٤١ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو مَرْوَانَ وَابْنُ الْمُصَفَّى قَالَا، نَا بَقِيَّةُ، عن ابْنِ ثَوْبَانَ، عن أَبِيهِ يَرُدُّ إِلَى مَكْحُولٍ، إِلَى مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ\n===\n\n(٤١) (بَابٌ: فِيمَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ) (١)\n٢٥٤١ - (حدثنا هشام بن خالد أبو مروان وابن المصفى قالا: نا بقية، عن ابن ثوبان) وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، (عن أبيه) ثابت بن ثوبان (يرد) أي يبلغه (إلى مكحول إلى مالك) أي وهو يرده إلى مالك (بن يخامر) بفتح التحتانية والمعجمة وكسر الميم، كذا في \"التقريب\"، وفي \"الخلاصة\" بضم أوله، ويقال: ابن أخامر السكسكي الألهاني الحمصي، يقال: له صحبة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال أبو نعيم: ذكره بعضهم في الصحابة، ولا يثبت، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة.\n(أن معاذ بن جبل حدثهم أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: من قاتل في سبيل الله فواق) بالفتح والضم ما بين الحلبتين (ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل) أي في سبيله (من نفسه) ولفظ النسائي: \"من عند نفسه\" أي منبعثًا من عند نفسه (صادقًا) أي بصدق قلبه، (ثم مات) أي على فراشه (أو قتل، فإن له أجر شهيد).\n_________\n(١) وفيه: تمني الموت، لكن كراهته مقيدة بضر نزل به، كما وردت بها الروايات، وفيه أيضًا: طلب نصر الكافر على المسلم، لكن القصد الأصلي حصول الدرجة للمؤمن، فاغتفر لحصول المصلحة العظمى ما يقع في ضمن ذلك، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ٣١٨). (ش).","vol":"9","page":111},{"text":"- زَادَ ابْنُ الْمُصَفَّى مِنْ هُنَا -: وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً، فإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ وَرِيحُهَا رِيحُ الْمِسْكِ، وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - ﷿ - فإِنَّ (١) عَلَيْهِ طَابَعَ الشُّهَدَاءِ\". [ت ١٦٥٧، ن ٣١٤١، جه ٢٧٩٢، حم ٥/ ٢٣٠، دي ٢٣٩٤، ق ٩/ ١٧٠، ك ٢/ ٧٧]\n===\n(زاد ابن المصفى من هنا: ومن جرح جرحًا) هو بفتح الجيم على المصدر وبالضم اسمه (في سبيل الله، أو نكب نكبة) بفتح نون وسكون كاف، الجراحة بحجر أو شوكة (فإنها) أي النكبة أو الجراحة (تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت) أي: الجراحة والنكبة تكون يوم القيامة غزارة دمه مثل أكثر ما وجد في الدنيا (لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك)، وفي بعض الروايات: اللون لون الدم، أي باعتبار ظاهر الصورة دم، وفي الحقيقة تفوح منها ريح المسك.\n(ومن خرج به خراج) هو بضم المعجمة ما يخرج في البدن من الدماميل وبقي أثره على الجلد (في سبيل الله - ﷿ - فإن) أثر الخراج (عليه طابع الشهداء) أي ختمهم، يعني (٢) أمارة الشهداء وعلامتهم، ليعلم أنه سعى في إعلاء الدين، ويجازى جزاء المجاهدين. قال الطيبي (٣): ونسبة هذه القرينة مع القرينتين الأوليين الترقي في المبالغة من الإصابة بآثار ما يصيب المجاهد في سبيل الله، من العدو تارة، ومن غيره أخرى، وطورًا من نفسه.\nوقد أخرج النسائي والإمام أحمد هذا الحديث من طريق ابن جريج: ثنا سليمان بن موسى، ثنا مالك بن يخامر، أن معاذ بن جبل حَدَّثهم، الحديث، فخالفا أبا داود، فقالا: \"ومن جرح جرحًا في سبيل الله\" في محل \"ومن خرج به خراج في سبيل الله\".\n_________\n(١) في نسخة: \"كان\".\n(٢) هل يتقيد بمن يموت فيه أو يعم من برأ منها أيضًا، قولان للعلماء. كذا في \"الأوجز\" (٩/ ٣٢٦). (ش).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٩١).","vol":"9","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-932>(٤٢) بَابٌ: فِي كَرَاهِيَّةِ جَزِّ نَوَاصِي الْخَيْلِ وَأَذْنَابِهَا</span>\n٢٥٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، عن الْهَيْثَمِ بْنِ حُمَيْدٍ. (ح): وَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، جَمِيعًا، عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عن نَصْرٍ الْكِنَانِيِّ، عن رَجُلٍ - وَقَالَ أَبُو تَوْبَةَ: عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عن شَيْخٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ - عن عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ (١) السُّلَمِيِّ، وَهَذَا لَفظُهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا تَقُصُّوا نَوَاصِيَ الْخَيْلِ، وَلَا مَعَارِفَهَا،\n===\n\n(٤٢) (بَابٌ: فِي كَرَاهِيَةِ جَزِّ) أي: قطع شعر (نَوَاصِي الخَيْلِ وَ) شعر (أَذْنَابِها)\n٢٥٤٢ - (حدثنا أبو توبة) الربيع بن نافع، (عن الهيثم بن حميد، ح: ونا خشيش بن أصرم، نا أبو عاصم، جميعًا) أي الهيثم وأبو عاصم رويا (عن ثور بن يزيد، عن نصر الكناني، عن رجل) هو نصر بن عبد الرحمن الكناني، قرأت بخط الذهبي: لا يعرف (وقال أبو توبة: عن ثور بن يزيد، عن شيخ من بني سليم) وهذا أقل (٢) إبهامًا من قول خشيش بن أصرم، فإنه قال: عن رجل، (عن عتبة بن عبد السلمي، وهذا لفظه) أي لفظ أبي توبة، لأنه أقرب لفظًا، ويحتمل أن يرجع إلى خشيش، لأنه الآخر حقيقة، وهو أقرب.\n(أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقصوا نواصي الخيل) أي شعور مقدم\nرأسها المسترسلة على جبهتها (ولا معارفها) أي: لا تقصوا شعر معارفها، أي: شعور عنقها، جمع عرف على غير قياس، وقيل: هي جمع معرفة، وهي المحل الذي ينبت عليه العرف، فأطلق على الأعراف مجازًا، ووقع في بعض الروايات: \"كان يمسح أعراف الخيل\" هو جمع عرف، وهو شعر عنق الخيل\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن عبيد\".\n(٢) وفي \"شرح الطحاوي\" برواية أبي يعلى اسم الشيخ: نصر بن علقمة. (ش).","vol":"9","page":113},{"text":"وَلَا أَذْنَابَهَا، فإِنَّ أَذْنَابَهَا مَذَابُّهَا، وَمَعَارِفَهَا دِفَاؤُهَا، وَنَواصِيَهَا مَعْقُودٌ (١) فِيهَا الْخَيْرُ\". [حم ٤/ ١٨٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>(٤٣) بَابٌ: فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ أَلْوَانِ الْخَيْلِ</span>\n٢٥٤٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ (٢) الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ،\n===\n(ولا أذنابها) أي: ولا تقصوا شعر أذنابها (فإن أذنابها مذابُّها (٣) أي: مراوحها تذب بها الهوام عن أنفسها (ومعارفها دفاؤها) أي كساؤها التي تدفؤ بها.\n(ونواصيها معقود فيها الخير)، وقد فُسِّر الخير في الحديث بالأجر والمغنم، فعلى هذا المراد بالخيل الذي معقود فِي نواصيها الخير هي التي أُعِدَّت للجهاد، فلا يعارض ما وقع عن ابن عمر عند البخاري (٤): \"إنما الشؤم فِي ثلاثة: في الفرس، والدار، والمرأة\"، فإنها في غير ما أُعِدَّت للجهاد.\n\n(٤٣) (بَابٌ: فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ أَلْوَانِ الْخَيْلِ)\n٢٥٤٣ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هشام بن سعيد الطالقاني) أبو أحمد البزاز، نزيل بغداد، عن أحمد: ثقة، صاحب خير وصلاح في بدنه، قال عبد الله بن أحمد: كان يحيى بن معين لا يروي عنه شيئًا، وقال ابن سعد: كان ثقة قبل أن يسمع منه الناس، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أنا محمد بن مهاجر الأنصاري، حدثني عقيل) بفتح أوله (ابن شبيب)\n_________\n(١) في نسخة: \"معقودة\".\n(٢) في نسخة: \"المهاجر\".\n(٣) جمع مذبة، يقال لها في الهندية: \"جونرى\". (ش).\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٨٥٨).","vol":"9","page":114},{"text":"عن أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ\n===\nذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال ابن القطان: مجهول الحال، وكذا قال أبو حاتم في \"كتاب العلل\"، واختلف عنده في اسم أبيه، فقيل: شبيب، وقيل: سعيد.\n(عن أبي وهب الجشمي) أخرج له أبو داود والنسائي من طريق محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجشمي، وكانت له صحبة، عن النبي - ﷺ - في الخيل، وبهذا الإسناد: \"عليكم بكل كُميت أغرَّ محجَّلِ ... \"، قال البغوي: سكن الشام، وله حديثان، حديث الخيل، وحديث: \"تسموا بأسماء الأنبياء\"، وذكره ابن السكن، وغير واحد في الصحابة، وقال أبو أحمد في \"الكنى\": له صحبة، فحديثه في أهل اليمامة.\nوادَّعى أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه في \"العلل\": أن هذا الجشمي هو الكلاعي التابعي المعروف، وأن بعض الرواة وهم في قوله: الجشمي، وفي قوله: وكانت له صحبة، وزعم ابن القطان الفاسي أن ابن أبي حاتم وهم في خلطه ترجمة الجشمي بالكلاعي، وكنت أظن أنه كما قال، حتى راجعت \"كتاب العلل\"، فوجدته ذكره في \"كتاب العين\"، ونقل عن أبيه أنه نقَب عن هذا الحديث، حتى ظهر له أنه عن أبي وهب الكلاعي، وأنه مرسل، وأن بعض الرواة وهم في نسبته جشميًا، وفي قوله: إن له صحبة، وبَيَّن ذلك بيانًا شافيًا.\nقلت: وقد ذكره الإمام أحمد في \"مسنده\" (١) فقال: حديث أبي وهب الجشمي له صحبة - ﵁ -، ثم أخرج حديثه من طريق هشام بن سعيد بسند أبي داود عن أبي وهب الجشمي، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٤٥).","vol":"9","page":115},{"text":"وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"عَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ\". [ن ٣٥٦٥، ق ٦/ ٣٣٠]\n===\nإلى الله - ﷿ -: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة، وارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأعجازها، أو قال: وأكفالها، وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كميت\" الحديث.\nثم أخرج من حديث أبي المغيرة، ثنا محمد بن المهاجر، ثنا عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الكلاعي، قال: قال رسول الله - ﷺ -، فذكر معناه، قال محمد: ولا أدري بالكميت بدأ أو بالأدهم، قال: وسألوه لم فضل الأشقر؟ قال: لأن رسول الله - ﷺ - بعث سرية، فكان أول من جاء بالفتح صاحب الأشقر.\nفعلم بهذا الصنع أن هذا الحديث مروي بطريقين، بطريق أبي وهب الجشمي الصحابي مسندًا، وبطريق أبي وهب الكلاعي التابعي مرسلًا.\n(وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: عليكم) أي الزموا (بكل كميت) بضم الكاف مصغرًا، وهو الذي في لونه الحمرة والسواد، وفي \"القاموس\": هو الذي خالط حمرته قنوء (أغر) هو الذي في جبهته بياض (محجل) أي أبيض القوائم (أو أشقر) هو الذي في لونه حمرة صافية.\nقال السرخسي فِي \"شرح السير الكبير\" (١): وهذه الصفة في الخيل تبين بالعرف والذنَب، فإن كانا أحمرين أو أحدهما فهو أشقر، فإن كانا أسودين فهو كُميت (أغر محجل، أو أدهم) وهو الأسود (أغر محجل).\n_________\n(١) (١/ ٨١).","vol":"9","page":116},{"text":"٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، نَا عَقِيلٌ (١)، عن أَبِي وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"عَلَيْكُمْ بِكُلِّ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ كُمَيْتٍ أَغَرَّ\"، فَذَكَرَ نَحْوَهُ (٢).\nقَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ مُهَاجِرٍ -: وَسَأَلْتُهُ: لِمَ فُضِّلَ الأَشْقَرُ؟ قَالَ: لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ سَرِيَّةً فَكَانَ أَوَّلَ مَا جَاءَ بِالْفَتْحِ صَاحِبُ أَشْقَرَ\". [ن ٣٥٦٥، ق ٦/ ٣٣٠]\n... (٣)\n٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ،\n===\n٢٥٤٤ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا أبو المغيرة) والذي يظهر لي أنه عبد القدوس بن الحجاج الخولاني أبو المغيرة الحمصي، المتقدمة ترجمته في محله، (نا محمد بن مهاجر، نا عقيل) بن شبيب، (عن أبي وهب) الكلاعي كما صرح به الإمام أحمد في \"مسنده\" (٤) (قال: قال رسول الله - ﷺ -: عليكم بكل أشقر أغر محجل، أو كميت أغر، فذكر) أبو المغيرة أو محمد بن عوف (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.\n(قال محمد -يعني ابن مهاجر-: وسألته) أي عقيل بن شبيب (لم فضل الأشقر؟ قال: لأن النبي - ﷺ - بعث سرية فكان أول ما جاء)، وفي نسخة: \"من جاء\"، وكذا في رواية أحمد، وهو الأولى (بالفتح صاحب أشقر) وقد تقدم حديث أحمد قريبًا.\n٢٥٤٥ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حسين بن محمد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن شبيب\".\n(٢) في نسخة: \"مثله\".\n(٣) زاد في نسخة: \"باب ميامين الخيل\".\n(٤) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٤٥).","vol":"9","page":117},{"text":"عن شَيْبَانَ، عن عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُمْنُ الْخَيْلِ فِي شُقْرِهَا\". [ت ١٦٩٥، حم ١/ ٢٧٢، ق ٦/ ٣٣٠]\n===\nعن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي، (عن عيسى بن علي) بن عبد الله بن عباس الهاشمي، أبو العباس، ويقال: أبو موسى المدني، ثم البغدادي، وإليه ينسب نهر عيسى ببغداد، عن ابن معين: لم يكن به بأس، وروى هذا الحديث، وهو غريب عن أبيه عن جده، يعني حديث: \"يمن الخيل في شقرها\"، قلت: ذكر أبو بكر البزَّار أنه لم يرو عن أبيه حديثًا مسندًا غير الحديث المذكور.\nقلت: وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه من حديث شيبان.\n(عن أبيه) علي بن عبد الله بن عباس، (عن جده ابن عباس) بدل عن جده (قال: قال رسول الله - ﷺ -: يمن الخيل) أي بركتها (في شقرها) جمع أشقر، وقد تقدم معناه.\nوهذا لا يعارض ما روي في حديث أبي قتادة مرفوعًا عند الترمذي (١)، قال: \"خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم\" الحديث، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، فإن في هذا الحديث تصريحًا بأفضلية الأدهم، وكون اليمن في الشقر لا ينافي كون اليمن في غيرها، ولا ينافي فضل الأدهم على غيره، وأما ما رواه الإمام محمد في \"سيره الكبير\" (٢): عن صالح بن كيسان، أن النبي - ﷺ - قال: \" خير الخيل أشقر\"، وعن عبد الله بن أبي نجيح الثقفي، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \"اليمن في الخيل في كل أقرح أدهم أرثم محجل الثلاثة طلق اليمن، فإن لم يكن فكميت بهذه الصفة\"، فعلى هذه الروايات يكون الفضل على العكس.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١٦٩٦).\n(٢) انظر: \"شرح السير الكبير\" (١/ ٨١، ٨٢).","vol":"9","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>(٤٤) بَابٌ: هَلْ تُسَمَّى الأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ فَرَسًا</span>؟\n٢٥٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عن أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، نَا أَبُو زُرْعَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ - كَانَ يُسَمِّي الأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ فَرَسًا\". [ق ٦/ ٣٣٠، ك ٢/ ١٤٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>(٤٥) بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخَيْلِ</span>\n٢٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن سَلْمٍ،\n===\n\n(٤٤) (بَابٌ: هَلْ تُسَمَّى الأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ فَرَسًا؟)\n٢٥٤٦ - (حدثنا موسى بن مروان الرقي، نا مروان بن معاوية، عن أبي حيان التيمي) يحيى بن سعيد بن حيان، بمهملة وتحتانية، أبو حيان التيمي الكوفي العابد، من تيم الرباب، قال الخريبي: كان أبو حيان عند سفيان الثوري، يعني كان يعظمه ويوثقه، وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة صالح مبرز، صاحب سنَّة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال الفلاس: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مأمون.\n(نا أبو زرعة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - كان يسمي الأنثى من الخيل فرسًا)، لعل غرض أبي هريرة بهذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - لما سمَّى الأنثى من الخيل فرسًا، ثبت بهذا أن حكم الأنثى والذكر سواء، فهما يستويان في الغزو في السهم وغيره. قال في \"القاموس\": الفرس للذكر والأنثى، أو هي فَرَسَة.\n\n(٤٥) (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخَيْلِ)\nأي: من صفاتها\n٢٥٤٧ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن سلم) بن عبد الرحمن النخعي الكوفي، أخو حصين، قيل: يكنى أبا عبد الرحيم، قال عبد الله بن\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"9","page":119},{"text":"عن أَبِي زُرْعَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْل، وَالشِّكَالُ يَكُونُ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى وَفِي رِجْلِهِ الْيُسْرَى\" (٢). [م ١٨٧٥، ت ١٦٩٨، حم ٢/ ٢٥٠، جه ٢٧٩٠، ن ٣٥٦٦]\n===\nأحمد عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال حماد بن زيد عن ابن عون: قال لنا إبراهيم: إياكم وأبا عبد الرحيم والمغيرة بن سعيد، فإنهما كَذَّابان، قال أبو حاتم: قال مسدد: زعم علي أن أبا عبد الرحيم سلم بن عبد الرحمن النخعي له عندهم حديث واحد في كراهية الشكال من الخيل.\nقلت: ما زلت أستبعد قول علي هذا، لأن سلمًا يصغر أن يقول فيه إبراهيم هذا القول، ويقرنه بمغيرة بن سعيد، إلى أن وجدت أبا بشر الدولابي جزم في \"الكنى\" بأن مراد إبراهيم النخعي بأبي عبد الرحيم شقيق الضبي، وهو من كبار الخوارج، وكان يقص على الناس، وقد ذَمَّه أيضًا أبو عبد الرحمن السلمي وغيره من الكبار، ونقل ابن شاهين فِي \"الثقات\" عن أحمد بن حنبل أنه قال: سلم بن عبد الرحمن النخعي ثقة، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: كان النبي - ﷺ - يكره الشكال) بكسر أوله (من الخيل، والشكال يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى).\nقال فِي \"النهاية\" (٣): هو أن يكون ثلاث قوائم منه محجلة وواحدة مطلقة، تشبيهًا بشكال تُشكل به الخيل، فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا، وقيل:\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أي مخالف\".\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ٤٩٦).","vol":"9","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>(٤٦) بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ</span>\n٢٥٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مِسْكِينٌ - يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ -:\n===\nأن تكون الواحدة محجلة والثلاثة مطلقة، وقيل: أن تكون إحدى يديه وإحدى رجليه من خلاف مُحَجَّلَتين، و[إنما] كرهه لأنه كالمشكول صورة تفاؤلًا، ويمكن أن يكون جَرَّب ذلك الجنس، فلم يكن فيه نجابة، وقيل: إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبه الشكال.\nوحكي في \"المخصص\" عن الأصمعي: فإذا ابيضَّت اليد والرِّجل التي من شقها قيل: به شكال، فإذا ابيضت رجلًا من شقه الأيمن ويدًا من شقه الأيسر قيل: به شكال مخالف، فإذا كان محجل الرجل واليد من الشق الأيمن، فهو ممسك الأيامن مطلق الأياسر، وهم يكرهونه، فإذا كان محجل الرجل واليد من الشق الأيسر فهو ممسك الأياسر مطلق الأيامن، وهم يستحسنونه، فإذا ابيضَّت اليد فهو أعصم، وإذا ابيضت الرِّجل فهو أرجل.\n\n(٤٦) (بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ)\nأي: تعاهدها وأداء حقوقها في الأكل والشرب، وأن لا يحملها ما لا يطيقها\n٢٥٤٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا مسكين -يعني ابن بكير-) الحراني، أبو عبد الرحمن الحذاء، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ، قال ابن معين: لا بأس به، وكذا قال أبو حاتم وزاد: كان صالح الحديث، يحفظ الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: وقال أبو أحمد الحاكم: له مناكير كثيرة، كذا نقلته من خط الذهبي، والذي في \"الكنى\" لأبي أحمد: كان كثير الوهم والخطأ، وقال في","vol":"9","page":121},{"text":"نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عن رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِي كَبْشَةَ السَّلوليِّ، عن سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، قَالَ (١): \"اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمَ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً\". [حم ٤/ ١٨١، خزيمة ٢٥٤٥]\n٢٥٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مَهْدِيٌّ، نَا ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، عن الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي\n===\nموضع آخر: ومن أين؟ كان مسكين يضبط عن سعيد، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال ابن عمار: يقولون ثقة لم أسمع منه شيئًا.\n(نا محمد بن مهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، عن سهل بن الحنظلية قال: مر رسول الله - ﷺ - ببعير قد لحق ظهره ببطنه) أي من شدة الجوع (قال) رسول الله - ﷺ -: (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة) أي التي لا تتكلم، وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم (فاركبوها صالحة) أي قوية (وكلوها صالحة) أي سمينة (٢).\n٢٥٤٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا مهدي) بن ميمون، (نا ابن أبي يعقوب) محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، (عن الحسن بن سعد) بن معبد الهاشمي مولاهم الكوفي، مولى علي، ويقال: (مولى الحسن بن علي) قال النسائي: ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وثقه العجلي، ووثقه ابن نمير أيضًا، له في \"صحيح مسلم\" حديث واحد.\n(عن عبد الله بن جعفر) في إردافه خلفه وإسراره إليه (قال: أردفني\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) أي حال كونها صالحة للأكل أي سمينة، قاله العزيزي، والحديث سكت عنه المنذري، وفي \"التقرير\": أمر من الأكل أو الوكل، انتهى. (ش).","vol":"9","page":122},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ (١) أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ (٢)، فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ (٣)\n===\nرسول الله - ﷺ -) أي على بغلته كما في رواية أحمد (٤) (خلفه ذات يوم) أي يومًا ولفظ \"ذات\" مقحم (فأسَرَّ) من الإسرار (إليَّ حديثًا، لا أحدث به أحدًا من الناس) فإن رسول الله - ﷺ - لما أخفاها عن الناس لا ينبغي لي أن أفشيها.\n(وكان أحبُّ ما استتر به رسول الله - ﷺ - لحاجته) أي لقضاء الحاجة الإنسانية (هدفًا) بفتحتين: كل بناء مرتفع مشرف \"مجمع\"، (أو حائش نخل) وهو النخل الملتفُّ المجتمع (فدخل حائطًا) أي بستانًا (لرجل من الأنصار، فإذا) للمفاجأة (جمل) ولفظ أحمد: \"فإذا فيه ناضح له\" أي: موجود.\n(فلما رأى) (٥) الجمل (النبي - ﷺ - حَنَّ) أي بكى بالحنين (وذرفت) أي سالت (عيناه، فأتاه النبي - ﷺ - فمسح دفراه) بكسر الذال المعجمة مقصور، وهو الموضع الذي يعرق من قفا البعير عند أذنه، وقال في \"المجمع\": وذفراه أي أصل أذنه، وهما ذفريان، وألفها للتأنيث أو للإلحاق، وفي \"القاموس\": والذِّفْرَى بالكسر من جميع الحيوان: ما من لدن المَقَذِّ (٦)\n_________\n(١) في نسخة: \"فكان\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"ذفريه\"، وفي أخرى: \"ذفرييه\".\n(٤) \"مسند أحمد\" (١/ ٢٠٤).\n(٥) وذكر القاضي في \"الشفاء\" قصة الجمل بألفاظ مختلفة، وسكت القاري في \"شرحه\" عن أسمائهم. (ش).\n(٦) قوله: المَقَذُّ: ما بين الأذنين من خلف، ومنتهى منبت الشعر من مؤخر الرأس.","vol":"9","page":123},{"text":"فَسَكَتَ، فَقَالَ: \"مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ\"؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ\". [م ٣٤٢، جه ٣٤٠]\n٢٥٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عن أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ\n===\nإلى نصف القذَال، أو العظم الشاخص خلف الأذن، جمعه ذِفْرَيَاتٌ وَذَفَارَى (فسكت) عن الحنين.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (من ربُّ هذا الجمل؟) فنادى (لمن هذا الجمل؟ فجاء فتًى من الأنصار) لم أقف على تسميته (فقال: لي) أي هذا الجمل لي (يا رسول الله! قال) رسول الله - ﷺ -: (أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها؟) أي البهيمة (فإنه شكا إلى أنك تجيعه) أي: لا تطعمه حتى يؤذيه الجوع (وتدئبه) أي تكده وتُتعبه.\n٢٥٥٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: بينما رجل) من بني إسرائيل، قال الحافظ (١): لم أقف على اسمه (يمشي بطريق) وللدارقطني من طريق روح عن مالك: \"يمشي بفلاة\"، وله من طريق ابن وهب عن مالك: \"يمشي بطريق مكة\". (فاشتد عليه العطش فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب) منها الماء.\n(ثم خرج) منها (فإذا) للمفاجأة (كلب يلهث)، قال الحافظ: اللهث بفتح\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤١).","vol":"9","page":124},{"text":"يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ بَلَغَنِي (١)، فَنَزَلَ الْبِئْرَ وَمَلأَ (٢) خُفَّهُ (٣) فَأَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقي فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ\n===\nالهاء: هو ارتفاع النفس من الإعياء. وقال ابن التين: لهث الكلب: أخرج لسانه من العطش، وكذلك الطائر، ولهث الرجل إذا أعيى، ويقال: إذا بحث بيديه ورجليه (يأكل الثرى) أي يكدم بفمه الأرض الندية، وهي إما صفة أو حال، وليس بمفعول ثان لرأى (٤) (من العطش، فقال الرجل) في نفسه: (لقد بلغ هذا الكلب) فاعل لقوله: بلغ (من العطش مثل الذي كان بلغني) بنصب اللام على أنه صفة لمصدر محذوف، أي بلغ هذا مبلغًا مثل الذي بلغ بي، وضبط الحافظ الدمياطي بخطه بضم مثل، وتوجيهه: أن يكون لفظ \"هذا الكلب\" مفعول بلغ، وقوله: \"مثل الذي بلغ بي\" فاعله، فارتفاعه حينئذ على الفاعلية، كذا في \"الفتح\" و\"العيني\" (٥).\n(فنزل البئر وملأ خفه) بالماء (فأمسكه) أي الخف الذي في الماء (بفيه) أي: بفمه، وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، وهو يشعر بأن الصعود منها كان عسرًا (حتى رقي) بفتح الراء وكسر القاف: كصعد وزنًا ومعنى (فسقى الكلب، فشكر الله له) أي أثنى عليه، أو قبل عمله، أو جازاه بفعله، وقال القرطبي: معنى قوله: فشكر الله له: أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته (فغفر له).\n(قالوا) أي الصحابة، من جملتهم سراقة بن مالك بن جُعْشم، روى حديثه ابن ماجة: (يا رسول الله، وإن) بتقدير الاستفهام المؤكد للتعجب معطوف على شيء محذوف، تقديره: آلأمر كما ذكرت (لنا في البهائم) أي في سقيها\n_________\n(١) في نسخة: \"بلغ بي\".\n(٢) في نسخة: \"فملأ\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ماءً\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٤١)، و\"عمدة القاري\" (٩/ ٧٥).\n(٥) ولفظ: \"رأى\" ورد في رواية البخاري (١٧٣).","vol":"9","page":125},{"text":"لأَجْرًا؟ قَالَ: \"فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ\". [خ ٢٤٦٦، م ٢٢٤٤، حم ٢/ ٣٧٥]\n... (١)\n٢٥٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،\n===\nوالإحسان إليها (لأجرًا؟ قال: فِي كل ذاتِ كبد رطبة أجر) أي كل كبد حية، والمراد: رطوبة الحياة، أو لأن الرطوبة لازمة للحياة، فهو كناية.\nقال القسطلاني (٢): أو هو من باب وصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه، فيكون معناه في كل كبد حري لمن سقاها حتى تصير رطبة أجر، ومعنى الظرفية هنا أن يقدر محذوف، أي: الأجر ثابت في إرواء كل كبد حية، والكبد يذكر ويؤنث، ويحتمل أن يكون \"في\" للسبية، كقولك: في النفس الدية، قال الداودي: المعنى: في كل كبد حي أجر، وهو عام في جميع الحيوانات.\nوقال أبو عبد الملك: هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب، وأما قوله: \"في كل كبد\"، فمخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه، لأن المأمور بقتله كالخنزير، لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره، وكذا قال النووي (٣): إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم، وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه، فيلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه، وقال ابن التين: لا يمتنع إجراؤه إلى عمومه، يعني فيسقى ثم يقتل، لأنا أمرنا أن نحسن القتلة، ونهينا عن المثلة.\n٢٥٥١ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في نزول المنازل\".\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٩٨).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٥٠٣).","vol":"9","page":126},{"text":"نَا شُعْبَةُ، عن حَمْزَةَ الضَّبِّيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: \"كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نُسَبِّحُ (١) حَتَّى نَحِلَّ (٢) الرِّحَالَ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>(٤٧) بَابٌ: فِي تَقْلِيدِ الْخَيْلِ بِالأَوْتَارِ </span>(٣)\n٢٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عن عَبَّادِ بْنِ\n===\nنا شعبة، عن حمزة الضبي) ابن عمرو (قال: سمعت أنس بن مالك قال: كنا إذا نزلنا منزلًا) في السفر (لا نسبح) أي لا نصلي صلاة نافلة (حتى نحل الرحال) أي حتى نريح الجمال من حل الرحال، فنقدمه على الصلاة.\nوفي \"المجمع\" (٤): كنا إذا نزلنا منزلًا لا نسبح حتى نحل الرحال أي صلاة الضحى، يعني أنهم مع اهتمامهم بالصلاة لا يباشرونها حتى يحطُّوها رفقًا بالجمال.\n\n(٤٧) (بَابٌ: فِي تَقْلِيدِ الْخَيْلِ بِالأَوْتَارِ)\nجمع وَتَرٍ، بالتحريك، وإنما زاد لفظ \"الخيل\"، وإن لم يجر ذكرها في هذا الحديث للإشارة إلى أن ما وقع في الحديث من ذكر البعير، فإنها باعتبار الغالب، وإلَّا فهو عام شامل للبعير والخيل، ولأن الخيل ذكرت في الحديث الثاني، والكتاب كتاب الجهاد، فذكر الخيل أنسب له\n٢٥٥٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عباد بن\n_________\n(١) في نسخة: بدله \"لا ننيخ\".\n(٢) في نسخة: \"تحل\".\n(٣) في نسخة: \"الأوتار\".\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٦).","vol":"9","page":127},{"text":"تَمِيمٍ: أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَسُولًا - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ -:\n===\nتميم: أن أبا بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة مكبرًا (الأنصاري) الساعدي، ويقال: المازني، ويقال: الحارثي المدني، وقد ذكره الحاكم أبو أحمد وابن أبي خيثمة وغير واحد في من لا يعرف اسمه، وقال ابن سعد: اسمه قيس بن عبيد بن عمر بن جعد، وحكى الحافظ في \"الفتح\" (١) عن ابن سعد أن اسمه قيس بن عبد الحُرَيْر (٢) - مصغر - ابن عمرو، وقال: فيه نظر.\n(أخبره أنه كان مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره) قال في \"الفتح\": لم أقف على تعيينها (قال) أبو بشير: (فأرسل رسول الله - ﷺ - رسولًا) هو زيد بن حارثة، رواه الحارث بن أسامة في \"مسنده\" (قال: عبد الله بن أبي بكر) الراوي: (حسبت أنه) أي عباد بن تميم (قال: والناس في مبيتهم) كأنه شك في هذه الجملة، والظن الغالب أنه قالها، ووقع في \"الموطأ\" في نسخة الزرقاني (٣): \"والناس في مقيلهم\"، وكذا في النسخة المصرية القديمة، وفي النسخة المطبوعة المجتبائية: \"والناس في مبيتهم\"، وعليها نسخة: \"مقيلهم\"، فيحتمل أن يكون الشك فِي قوله: \"مبيتهم\"، أي قال: \"في مبيتهم\"، أو قال: \"في مقيلهم\"، لا في جميع الجملة، وقال الإمام أحمد في \"مسنده\" (٤) بعد تمام الحديث: قال إسماعيل: قال: وأحسبه قال: \"والناس في صيامهم\"، والظاهر أنه تصحيف من الكاتب (٥)، والله أعلم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤١).\n(٢) في الأصل: \"عبيد بن الحرير\" وهو تحريف، والصواب: \"عبد الحرير\"، كما في \"الفتح\" و\"عمدة القاري\" (١٠/ ٣١٧).\n(٣) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٣١٨).\n(٤) انظر: \"مسند أحمد\" (٥/ ٢١٦).\n(٥) قلت: وفي نسخة \"مسند أحمد\" المحققة الجديدة: \"والنَّاسُ فِي مِيَاهِهِم\". انظر: (٥/ ٢١٦) رقم (٢١٨٨٧).","vol":"9","page":128},{"text":"\"لَا تُبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ وَلَا قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ\". قَالَ مَالِك: أُرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْعَيْن. [خ ٣٠٠٥، م ٢١١٥، السنن الكبرى للنسائي ٨٨٠٨، حم ٥/ ٢١٦]\n===\n(لا تبقين) بمثناة فوقية وقاف مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة، آخره نون توكيد، قاله القسطلاني والزرقاني (١)، قلت: ويحتمل أن تكون على بناء المفعول من الإبقاء، ولكن لم أر من صرح بذلك أحد من شُرَّاح \"البخاري\" و\"الموطأ\"، ولكن ذكره القاري في \"شرح المشكاة\" (٢) (في رقبة بعير قلادة من وتر) بالواو والمثناة المفتوحتين، وهو وتر القوس (ولا قلادة) من عطف العام على الخاص (إلَّا قطعت).\n(قال مالك: أرى) أي أظن (إن ذلك) أي الأمر بقطع القلادة من الوتر (من أجل العين) أي لأجل الحفظ من العين.\nقال الحافظ (٣): قال ابن الجوزي: وفي المراد بالأوتار ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا يُقَلِّدُون الإبل أوتار القَسِيِّ لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا تردُّ من أمر الله شيئًا، وهذا قول مالك.\nوثانيها: النهي عن ذلك لئلا تختنق الدابة بها عند شدة الركض، ويحكى ذلك عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكلام أبي عبيد يرجحه، فإنه قال: نهي عن ذلك، لأن الدواب تتأذى بذلك، ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربما تعلقت بشجرة، فاختنقت أو تعوَّقت عن السير، ثالثها: أنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس، حكاه الخطابي (٤).\nقال النووي (٥) وغيره: الجمهور على أن النهي للكراهة، وأنها كراهة\n_________\n(١) انظر: \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٢٩)، و\"شرح الزرقاني\" (٤/ ٣١٨).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٤٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٢).\n(٤) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٤٩).\n(٥) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٣٤٧).","vol":"9","page":129},{"text":"(١)\n٢٥٥٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ، عن أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ- وَكَانَ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ارْتَبِطُوا الْخَيْلَ وَامْسَحَوا بَنَوَاصِيهَا وَأَعْجَازِهَا\"، أَوْ قَالَ: \"وَأَكْفَالِهَا وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الأَوْتَار\". [ن ٣٥٦٦، حم ٤/ ٣٤٥، ق ٦/ ٣٣٠]\n===\nتنزيه، وقيل: للتحريم، وقيل: يمنع منه قبل الحاجة، ويجوز عند الحاجة، وعن مالك تختص الكراهة من القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين، هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه، وأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك به والتعوذ بأسمائه وذكره، وكذلك لا نهي عما يُعَلَّقُ لأجل الزينة ما لم يبلغ الخُيلاء أو السرف.\n٢٥٥٣ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هشام بن سعيد الطالقاني، أنا محمد بن المهاجر، حدثني عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجشمي، وكان له صحبة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: ارتبطوا الخيل) أي اربطوها عندكم، لأنها آلة الغزو، أو رابطوها على الثغور لدفع هجوم الكفار، وقيل: كناية عن تسميتها للغزو (وامسحوا بنواصيها وأعجازها) جمع عجز وهو الكفل (أو) للشك من الراوي (قال: وأكفالها) أي تَحبُّبًا وتلطفًا، فإنه من العبادة، أو لأنها ترتاح بذلك وتفرح، فيكون موجبًا لقوتها ولسمنها (وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار).\nنقل في الحاشية عن \"مرقاة الصعود\": قال في \"النهاية\" (٢): أي قلدوها طلب أعداء الدين، والدفاع عن المسلمين، ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية وُدُخُولَها التي كانت بينكم، والأوتار: جمع وِتْرٍ - بالكسر - وهو: الدم، وطلب الثأر، يريد: لا تجعلوا ذلك لازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب إكرام الخيل، وارتباطها، والمسح على أكفالها\".\n(٢) واختاره العيني في \"شرح الطحاوي\". (ش).","vol":"9","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-938>(٤٨) بَابٌ: فِي تَعْلِيقِ الأَجْرَاس</span>\n٢٥٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن سَالِمٍ، عن أَبِي الْجَرَّاحِ مَوْلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، عن أُمِّ حَبِيبَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ\". [حم ٦/ ٣٢٧]\n٢٥٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\nوقيل: أراد بالأوتار: جمع وَتَرِ القوس، أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق، لأنها ربما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها، وقيل: إنما نهاهم عنها لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليدها بالأوتار يدفع ضررًا ويدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعُوذة لها، فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضررًا ولا تصرف قدرًا (١).\n\n(٤٨) (بَابٌ: فِي تَعْلِيقِ الأجْرَاسِ)\n٢٥٥٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن سالم، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة) زوج النبي - ﷺ -، قيل: اسمه الزبير، وقال بعض الرواة: عن الجراح، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال: من قال: الجراح فقد وهم (عن أم حبيبة، عن النبي - ﷺ - قال: لا تصحب الملائكة) لعل المراد بهم غير الحفظة والكتبة (رفقة) بضم راء وكسرها، جماعة ترافقهم في سفرك (فيها جرس) هو الذي يخرج منه الصوت من الجلجل وغيرها، ويعلق في أعناق الدواب أو يعلق بالعربة.\n٢٥٥٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١١٠)، والنهاية\" (٤/ ٩٩)، و\"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣١٧).","vol":"9","page":131},{"text":"\"لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ (١) أَوْ كَلْبٌ\". [م ٢١١٣، ت ١٧٠٣، حم ٢/ ٢٦٢، ق ٥/ ٢٥٤]\n٢٥٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِي الْجَرَسِ: \"مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ\". [م ٢١١٤، حم ٢/ ٣٦٦، خزيمة ١٥٥٤]\n===\nلا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس أو كلب) وهذا إذا خليا عن المنفعة، وأما ما احتيج إليه منهما فمرخص فيه.\n٢٥٥٦ - (حدثنا محمد بن رافع، نا أبو بكر بن أبي أويس) هو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني الأعشى، عن ابن معين: ثقة، وعن يحيى: ليس به بأس، وقال الآجري: قدمه أبو داود على إسماعيل تقديمًا شديدًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: وقال النسائي: ضعيف. وقال الحاكم عن الدارقطني: حجة.\n(حدثني سليمان بن بلال، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب، (عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال في الجرس) أي في حقه: (مزمار الشيطان) بكسر ميم، وهو آلة يزمر بها، يطلق على الصوت الحسن والغناء، وإضافتها إلى الشيطان، لأنها تلهي القلب عن ذكر الله تعالى.\n_________\n(١) في نسخة: \"كلب أو جرس\".","vol":"9","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>(٤٩) بَابٌ: فِي رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ</span>\n٢٥٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"نُهِيَ عن رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ\". [ق ٥/ ٢٥٤]\n٢٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ، نَا عَمْرٌو- يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ -، عن أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الْجَلَّالَةِ فِي الإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا\". [ق ٩/ ٣٣٣، ك ٢/ ٣٤]\n===\n\n(٤٩) (بَابٌ: فِي رُكُوبِ الجَلَّالَةِ)\nهي من الحيوان: ما تأكلُ العَذِرَة، والجِلَّة (١): البعر، جلت الدَّابة الجلَّة، واجْتَلَتْهَا، فهي جَالَّة، وجَلَّالة: إذا الْتَقَطَتْهَا.\n٢٥٥٧ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: نُهي عن ركوب الجلالة).\n٢٥٥٨ - (حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي، أخبرني عبد الله بن الجهم، نا عمرو - يعني ابن أبي قيس -، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلَّالة في الإبل أن يركب عليها) وهذا إذا كان غالب علفها منها، حتى ظهر على لحمها ولبنها وعرقها، فيحرم أكلها وركوبها إلَّا بعد أن حبست أيامًا، كذا في \"المجمع\" (٢).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: الجلالة: هي آكلة النجس، بحيث أثر في لحمها ولبنها وعرقها، وكراهة لحمها ولبنها لتنجسهما باختلاط النجس، وكراهة ركوبها لما يلزم فيه من التلبس بالنجاسة، وليكون النهي سببًا للاحتياط عن اعتيادها بذاك.\n_________\n(١) بتثليث الجيم وتشديد اللام. (ش).\n(٢) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٧٣).","vol":"9","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-940>(٥٠) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسَمِّي دَابّتَهُ</span>\n٢٥٥٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن أَبِي الأَحْوَصِ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عن مُعَاذٍ قَالَ: \"كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ\". [خ ٢٨٥٦، م ٣٠]\n\n(٥١) بَابٌ فِي النِّدَاءِ (١) عِنْدَ النَّفِيرِ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي\n===\n\n(٥٠) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسَمِّي دَابّتَهُ)\n٢٥٥٩ - (حدثنا هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ قال: كنت ردف النبي - ﷺ - على حمار يقال له: عفير).\nعقد هذا الباب إشارة إلى مشروعية تسمية الدواب من الحمار والفرس.\nقال الحافظ: وفي الأحاديث الواردة في هذا الباب ما يقوي قول من ذكر أنساب بعض الخيول العربية الأصيلة؛ لأن الأسماء توضع للتمييز بين أفراد الجنس، وعفير بالمهملة والفاء مصغر، مأخوذ من العفر، وهو لون التراب، كأنه سمي بذلك للونه، والعفرة: حمرة يخالطها بياض، وهو تصغير أعفر، أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا: سويد في تصغير أسود.\n(٥١) (بَابٌ فِي النِّدَاءِ عِنْدَ النَّفِيرِ) على صيغة المصدر أي: عند النفر إلى الغزو (يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي) (٢) أي: فرسان الله\nوالخيل يطلق على الأفراس وعلى الفرسان، ووقع هذا النداء أولًا في غزوة الغابة (٣)، وهي غزوة ذي قرد، أغار فيها عيينة بن حصن الفزاري في بني عبد الله بن غطفان على لقاح النبي - ﷺ - التي بالغابة، فاستاقها، وقتل راعيها، وهو رجل من عسفان، فجاء الصريخ، ونودي يا خيل الله! اركبي،\n_________\n(١) في نسخة: \"ينادي\".\n(٢) قال ابن رسلان: بحذف المضاف، أي: يا ركَّاب خيل الله! (ش).\n(٣) ذكرها صاحب \"المجمع\" في سنة ٦ هـ. (انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" ٥/ ٢٨٥). (ش).","vol":"9","page":134},{"text":"٢٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَسَّانٍ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ (١)، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: \"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمَّى خَيْلَنَا خَيْلَ اللَّهِ إِذَا فَزِعْنَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا إِذَا فَزِعْنَا بِالْجَمَاعَةِ وَالصَّبْرِ وَالسَّكِينَةِ، وَإِذَا قَاتَلْنَا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>(٥٢) بَابُ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الْبَهِيمَةِ</span>\n٢٥٦١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَبِي الْمُهَلَّبِ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي\n===\nوكان أول ما نودي بها، قاله الشيخ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢)\n٢٥٦٠ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أنا سليمان بن موسى أبو داود، نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أما بعد: فإن النبي - ﷺ - سمَّى خيلنا خيل الله إذا فزعنا) الفزع: الذعر والفرق (وكان رسول الله - ﷺ - يأمرنا إذا فزعنا) أي عند الفزع والخوف (بالجماعة) أي: بالاجتماع وعدم التفرق (والصبر والسكينة، وإذا قاتلنا) عطف على إذا فزعنا، أي: وكان يأمرنا بالاجتماع والصبر والسكينة عند القتال.\n\n(٥٢) (بَابٌ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ البَهِيمَةِ)\n٢٥٦١ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن النبي - ﷺ - كان في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن جندب\".\n(٢) \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٧٨).","vol":"9","page":135},{"text":"سَفَرٍ فَسَمِعَ لَعْنَةً فَقَالَ: \"مَا هَذِهِ؟ \"، قَالُوا: هَذِهِ فُلَانَة لَعَنَتْ رَاحِلَتَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"ضَعُوا عَنْهَا فإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ\"، فَوَضَعُوا عَنْهَا. قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَاقَةً وَرْقَاءَ. [م ٢٥٩٥، دي ٢٦٧٧، حم ٤/ ٤٢٩]\n===\nسفر) لم أقف على تعيينه (فسمع لعنة، فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما هذه؟ قالوا: هذه فلانة) لم أقف على تسميتها (١)، إلَّا أن في رواية مسلم: أنها امرأة من الأنصار (لعنت راحلتها، فقال النبي - ﷺ -: ضعوا عنها) أي: رحلها وما عليها.\nقال النووي (٢): إنما قال هذا زجرًا لها ولغيرها، وكان قد سبق نهيها، ونهي غيرها عن اللعن، فعوقبت بإرسال الناقة، والمراد النهي عن مصاحبته بتلك الناقة في الطريق، وأما بيعها وذبحها وركوبها في غير مصاحبته - ﷺ -، وغير ذلك من التصرفات التي كانت جائزة قبل هذا، فهي باقية على الجواز؛ لأن الشرع إنما ورد بالنهي عن المصاحبة، لأنه ورد في رواية: \"لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة\"، فبقي الباقي كما كان.\n(فإنها ملعونة) أي دعيت عليها باللعن (فوضعوا عنها) الرحل وغيره من المتاع، وأرسلوها (قال عمران: فكأني أنظر إليها ناقة ورقاء) أي يخالط بياضها سواد، والذكر أورق، وقيل: هي السوداء، وقيل: هي التي لونها كلون الرماد.\nنقل في الحاشية عن \"مرقاة الصعود\": قيل: إنما أمرهم بذلك، لأنه قد استجيب الدعاء عليها باللعن، واستدل على ذلك بقوله: \"فإنها ملعونة\"، ويحتمل أنه فعل ذلك عقوبة لصاحبتها لئلا تعود إلى مثل قولها.\nقلت: الأول بعيد، فإن الناقة ليست بأهل للعن، وقد وقع في الحديث:\n_________\n(١) وقد وقع نحو هذه القصة لرجل في غزوة بُوَاط، كما في حديث جابر الطويل فِي آخر \"مسلم\" لكنه رجل، وهذه لامرأة، فتأمل. (انظر: \"صحيح مسلم\" (٣٠٠٩). (ش).\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٨/ ٣٩٤).","vol":"9","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>(٥٣) بَابٌ: فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ</span>\n٢٥٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عن قُطْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (١)، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ\". [ت ١٧٠٨، ق ١٠/ ٢٢]\n===\n\"أن من لعن ما ليس بأهل للعن، فقد ترجع اللعنة إلى القائل\"، فلهذا جوزيت بالعقوبة، ولعل لهذا الوجه لم يذكره النووي.\n\n(٥٣) (بَابٌ: فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَ البَهَائِمِ)\nالتحريش: هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض، كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها، وإنما نهى عن ذلك لأنه من الملاهي، وفيه إيلام الدواب وإهلاكهم، وإن كان بشرط من الجانبين فهو قمار أيضًا.\n٢٥٦٢ - (حدثنا محمد بن العلاء، أخبرني يحيى بن آدم، عن قطبة بن عبد العزيز) بضم قاف وسكون مهملة وبموحدة، ابن عبد العزيز بن سياه (٢)، بكسر مهملة وخفة مثناة تحتية وبهاء منونة بالصرف وتركه، الأسدي الحِمَّاني الكوفي، عن أحمد: شيخ ثقة، وعن ابن معين: ثقة، وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال البزار: صالح، وليس بالحافظ.\n(عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن أبي يحيى القتات) بائع القت، وهو الرطبة من علف الدواب، لا الثَّمَّام، (عن مجاهد، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن التحريش) أي: التهييج والإغراء (بين البهائم).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سياه\".\n(٢) في الأصل: \"صياح\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-944>(٥٤) بَابٌ: فِي وَسْمِ الدَّوَابِّ</span>\n٢٥٦٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: \"أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِأَخٍ لِي حِينَ وُلِدَ لِيُحَنِّكَهُ، فإِذَا هُوَ فِي مِرْبَدٍ يَسِمُ غَنَمًا، أَحْسَبُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا\". [خ ٥٨٢٤، م ٢١١٩]\n===\n\n(٥٤) (بَابٌ: فِي وَسْمِ الدَّوَابِّ)\nالوسم: هو جعل العلامة فيها بالكي\n٢٥٦٣ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس قال: أتيت النبي - ﷺ - بأخ لي حين ولد) أخ لأمه، وهو عبد الله بن أبي طلحة (ليحنكه) التحنيك: هو مضغ التمر ودلكه في الفم، حتى يصير مائعًا، فيجعل في فم الصبي (فإذا هو في مربد) هو الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم، وأيضًا موضع يجعل فيه التمر لينشف (يسم غنمًا) من الوسم أي يعلمها بالكي، والحديدة التي يوسم بها هو الميسم، أصله موسم، لأن فاءه واو، لكنها لما سكنت وكسر ما قبلها قلبت ياءً، والحكمة فيه تمييزها وليردها من أخذها ومن التقطها، وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلًا.\nقال الحافظ (١): ولم أقف على تصريح على ما كان مكتوبًا به على ميسم النبي - ﷺ -، ووقع في \"البخاري\": \"يسم شاة\"، وفي أخرى له في \"اللباس\": \"وهو يسم الظهر الذي قدم عليه\" (٢)، وفيه ما يدل على أن ذلك بعد رجوعهم من غزوة الفتح وحُنين، والمراد بالظهر: الإبل، وكأنه كان يسم الإبل والغنم، فصادف أول دخول أنس، وهو يسم شاة، ورآه يسم غير ذلك.\n(أحسبه) القائل شعبة، وضمير المفعول لهشام بن زيد، وقع بَيِّنًا في رواية \"مسلم\" (قال: في آذانها) جمع أذن، ويستفاد منه أن الأذن ليست من الوجه.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٧).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥٥٤٢ - ٥٨٢٤).","vol":"9","page":138},{"text":"(١)\n٢٥٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مُرَّ عَلَيْهِ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: \"أَمَا بَلَغَكُمْ أَنِّي (٢) لَعَنْتُ مَنْ وَسَمَ الْبَهِيمَةَ فِي وَجْهِهَا، أَوْ ضَرَبَهَا فِي وَجْهِهَا؟ \"، فَنَهَى عن ذَلِكَ. [م ٢١١٧، ت ١٧١٠، حم ٣/ ٣٢٣]\n===\nقال الحافظ (٣): وفيه حجة للجمهور في جواز وسم البهائم بالكي، وخالف فيه الحنفية تمسكًا بعموم النهي عن التعذيب بالنار، ومنهم من ادَّعى نسخ وسم البهائم، وجعله الجمهور مخصوصًا من عموم النهي.\n٢٥٦٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي - ﷺ - مر) بصيغة البناء للمفعول (عليه) أي على النبي - ﷺ - (بحمار قد وسم في وجهه) أي كوي على وجهه للعلامة (فقال) رسول الله - ﷺ -: (أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها، أو ضربها في وجهها؟ فنهى عن ذلك) (٤).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: الوسم لا ضير فيه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب النهي عن الوسم في الوجه والضرب في الوجه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قد\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٧٢).\n(٤) هذا في ضرب الوجه خاصة، وأما ضرب غير الوجه فيجوز، قال الموفق: للمستأجر ضرب الدابة بقدر ما جرت به العادة للاستصلاح، ويحثها على السير ليلحق القافلة، وقد صح أن النبي - ﷺ - نخس بعير جابر - ﵁ - وضربه، وكان أبو بكر يحرش بعيره بمحجنه. وللرائض ضرب الدابة للتأديب، وللمعلم ضرب الصبيان للتأديب، ومَن ضرب من هؤلاء الضرب المأذون لم يضمن ما تلف، وبهذا في الدابة قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد. وقال الثوري وأبو حنيفة: يضمن، وكذلك قال الشافعي في المعلم يضرب ... إلخ. (ش). (انظر: \"المغني\" لابن قدامة ٨/ ١١٥).","vol":"9","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>(٥٥) بَابٌ: فِي كَرَاهِيَّةِ الْحُمُر تُنْزَى عَلَى الْخَيْلِ</span>\n٢٥٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ، عن أَبِي الْخَيْرِ، عن ابْنِ زُرَيْرٍ (١)، عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بَغْلَةٌ فَرَكِبَهَا، فَقَالَ عَلِىٌّ: لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ فَكَانَتْ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ، قَالَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ\" (٣). [ن ٣٥٨٠، حم ١/ ١٠٠]\n===\nإذا اشتمل على فائدة بعد أن لا يكون في الوجه، لأنه في الوجه يقبح الوجه، ويعود على بعض الحواس بالإبطال أو بالإفساد كالباصرة.\n\n(٥٥) (بَابٌ: فِي كَرَاهِيَةِ الحُمُرِ تُنْزَى عَلَى الْخَيْلِ)\nأي: تُحمل عليها للنسل\n٢٥٦٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن ابن زرير) بتقديم الزاي، مصغرًا، الغافقي المصري، قال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن علي بن أبي طالب قال: أهديت لرسول الله - ﷺ - بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل) أي الأنثى منها للنسل (فكانت لنا مثل هذه) البغلة.\n(قال رسول الله - ﷺ -: إنما يفعل ذلك) أي إنزاء الحمير على الخيل (الذين لا يعلمون) أي أن إنزاء الفرس على الفرس خير من ذلك، أو لا يعلمون\n_________\n(١) في نسخة: \"أبو رزين\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٣٨) رقم (١٠١٠٢) حديثًا عزاه إلى أبي داود، نصه: \"حديث: أن النبي - ﷺ - نهى أن ينزى حمار على فرس. أبو داود في الجهاد، عن محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن أبي المغيرة الثقفي، وهو عثمان بن المغيرة، عنه، وقال: لا يصح لسالم سماع من علي، وإنما يروي عن محمد بن الحنفية، هذا الحديث في رواية أبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم\".","vol":"9","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-946>(٥٦) بَابٌ: فِي رُكُوبِ ثَلَاثَةٍ عَلَى دَابَّةٍ</span>\n٢٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، نَا (١) أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عن عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عن مُوَرِّقٍ - يَعْنِي الْعِجْلِيَّ -، حَدَّثَنِي (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ اسْتُقْبِلَ بِنَا، فَأَيُّنَا اسْتَقْبَلَ أَوَّلًا جَعَلَهُ أَمَامَهُ،\n===\nأحكام الشريعة، ولا يهتدون إلى ما هو أولى وأنفع، وقيل: يجري مجرى اللازم للمبالغة، أي الذين ليسوا من أهل المعرفة في شيء، ومال المظهر إلى كراهية ذلك، حيث قال: وإنزاء الحمر على الفرس جائز، لأن النبي - ﷺ - ركب البغل، وجعله تعالى من النعم، ومنَّ على عباده بقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٣).\nقال الطيبي: لعل الإنزاء غير جائز، والركوب والتزين به جائزان كالصور، فإن عملها حرام، واستعمالها في الفرش والبسط مباح (٤).\n\n(٥٦) (بَابٌ: فِي رُكُوبِ ثَلَاثَةٍ عَلَى دَابَّةٍ) (٥)\n٢٥٦٦ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى، نا أبو إسحاق الفزاري، عن عاصم بن سليمان) الأحول، (عن مورق - يعني العجلي -، حدثني عبد الله بن جعفر قال: كان النبي - ﷺ - إذا قدم من سفر) وقرب من المدينة (استقبل بنا) أي بالغلمان، معناه خرج بنا كبارنا لاستقباله - ﷺ - (فأينا استقبل أولًا جعله أمامه)\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"ثنا\".\n(٣) سورة النحل: الآية ٨.\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٤٠).\n(٥) احتاجوا إلى إثباته لما في الروايات من منع ركوب الثلاثة، بسطها الحافظ والعيني والسيوطي في \"التعقبات على الموضوعات\". [انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٩٦)، و\"عمدة القاري\" (٧/ ٤٣٥)، و\"التعقبات\" (ص ٤١)]. (ش).","vol":"9","page":141},{"text":"فَاسْتُقْبِلَ بِي فَحَمَلَنِي أَمَامَهُ، ثُمَّ اسْتُقْبِلَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَجَعَلَهُ خَلْفَهُ، فَدَخَلْنَا (١) الْمَدِينَةَ وَإِنَّا لَكَذَلِكَ\". [م ٢٤٢٨، جه ٣٧٧٣، حم ١/ ٢٠٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>(٥٧) بَابٌ: فِي الوُقُوفِ عَلَى الدَّابَةِ</span>\n٢٥٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عن أَبِي مَرْيَمَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِيَّايَ\n===\nأي على الدابة (فاستقبل بي) أولًا (فحملني أمامه، ثم استقبل بحسن أو حسين فجعله خلفه) أي أردفه خلفه (فدخلنا المدينة وإنا) أي والحال إنا (لكذلك) أي: الثلاثة على الدابة، والحديث (٢) يدل على أن ركوب الثلاثة على الدَّابة يجوز، وهذا إذا كانت مطيقة، وأما إذا لم يطقها فلا يجوز.\n\n(٥٧) (بَابٌ: فِي الوُقُوفِ عَلَى الدَّابَّةِ)\nأي: كراهته من غير حاجة\n٢٥٦٧ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا ابن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي مريم، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إياي) وفي نسخة: \"إياكم\".\nواختلفوا في التحذير بضمير المتكلم، فحكم بعضهم بشذوذه، وبعضهم لم يقولوا بالشذوذ، بل قالوا بمجيئه على قلة، فقال في \"شرح ألفية بن مالك\" (٣): وشذ التحذير بغير ضمير المخاطب، نحو إياي في قول عمر:\n_________\n(١) في نسخة: \"فدخل\".\n(٢) قال النووي: هو مذهبنا ومذهب العلماء كافة، وحكى القاضي عن بعضهم المنع مطلقًا وهو فاسد، انتهى. وتعقب كلامه الحافظ (١٠/ ٣٩٦): بأنه لم يصرح أحد بالجواز مع العجز ولا بالمنع مع الطاقة، والذين أردفهم النبي - ﷺ - ثلاثة وثلاثون نفسًا، كذا في \"حياة الحيوان\" (١/ ٤٤٨). (ش).\n(٣) انظر: \"شرح الأشموني\" (٣/ ١٢٢٩)، ط. دار الفكر .......","vol":"9","page":142},{"text":"أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ، فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ\". [ق ٥/ ٢٥٥]\n===\nلِتُذَكِّ لكم الأَسَلُ والرماحُ والسهامُ، وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، والأصل إياي باعدوا عن حذف الأرنب، وباعدوا أنفسكم عن أن يحذف أحدكم الأرنب، ثم حذف من الأول المحذور، ومن الثاني المحذَّر، ومثل إياي إيانا وإياه، وما أشبهه من ضمائر الغيبة المنفصلة أشذُّ من إياي، كما في قول بعضهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب.\nوقال المحرم أفندي: وفي \"الحاشية\" نَبَّه بتكرار المثال على أن الأغلب في هذا القسم أن يكون ضميرًا مخاطبًا، وقد يجيء متكلمًا، نحو إياي والشر بتقدير اتق، بصيغة الحكاية، وقد يكون اسمًا ظاهرًا مضافًا إلى المخاطب نحو رأسك والصيد، والغائب هو الشاذ النادر مثل قولهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشوابِّ، انتهى.\nوإنما كان الأغلب المخاطب، لأن هذا تحذير، والتحذير إنما يكون في المخاطب، وقد يكون في المتكلم، لأن الإنسان يحذِّر نفسه، وشذَّ في الغائب، لأن تحذير الغائب لا يمكن إلَّا بتنزيله منزل المخاطب.\n(أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر) أي تقفون عليها كما تقفون على المنابر (فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلَّا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض) أي قرارًا (فعليها فاقضوا حاجاتكم) من الوقوف وغيره.\nأخرج السيوطي في \"الدر المنثور\" (١) قال: وأخرج ابن مردويه والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إياكم أن تتخذوا\n_________\n(١) انظر: \"الدر المنثور\" (٥/ ١١١).\n(٢) برقم (١١٠٨٣).","vol":"9","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-948>(٥٨) بَابٌ: فِي الْجَنَائِبِ</span>\n٢٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ\n===\nظهور دوابكم منابر؛ إن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغوا إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلَّا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجاتكم\".\nقال الخطابي (١): قد ثبت أنه - ﷺ - خطب على راحلته واقفًا عليها، فدل ذلك على أن الوقوف على ظهورها إن كان لأرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول مباح، وإن النهي إنما انصرف إلى الوقوف عليها، لا لمعنى يوجبه بأن يستوطنه الإنسان ويتخذه مقعدًا، فيتعب الدابة ويضر بها من غير طائل.\n\n(٥٨) (بَابٌ: فِي الْجَنَائِبِ)\nجمع جنيبة بمعنى: مجنوبة، وهي المستتبعة، كما في قول الشاعر:\nهَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمَانِينَ مُصْعِدُ ... جَنِيْبٌ، وَجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ\n٢٥٦٨ - (حدثنا محمد بن رافع، نا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن أبي يحيى) هو عبد الله بن محمد بن أبي يحيى، واسمه سمعان، الأسلمي مولاهم، المدني، المعروف بسحبل، وقد ينسب إلى جده، عن أحمد: ليس به بأس، وعنه: ثقة، وكذا قال ابن معين، وعن أبي داود: ثقة، وقال أبو حاتم: هو أوثق من أخيه إبراهيم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن سعيد بن أبي هند) الفزاري، مولى سمرة بن جندب، قال ابن سعد: له أحاديث صالحة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال العجلي: ثقة، قال أبو حاتم الرازي: لم يسمع من أبي هريرة، كذا في \"الخلاصة\"، وقال في \"التقريب\": أرسل عن أبي موسى.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٥٣).","vol":"9","page":144},{"text":"قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"تَكُونُ إِبِلٌ لِلشَّيَاطِينِ، وَبُيُوتٌ لِلشَّيَاطِينِ، فَأَمَّا إِبِلُ الشَّيَاطِينِ، فَقَدْ رَأَيْتُهَا، يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ بِجَنِيبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أَسْمَنَهَا، فَلَا يَعْلُو بَعِيرًا مِنْهَا، وَيمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ اُنْقُطِعَ بِهِ فَلَا يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ أَرَهَا\"، كَانَ (١) سَعِيدٌ يَقُولُ: لَا أُرَاهَا إِلَّا هَذِهِ الأَقْفَاصُ الَّتِي يَسْتُرُ النَّاسُ بِالدِّيبَاجِ. [ق ٥/ ٢٥٥]\n===\n(قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله - ﷺ -: تكون إبل للشياطين، وبيوت للشياطين) أي: إذا كانت زائدة على قدر الحاجة، أو مبنية من مال الحرام، أو للرياء والسمعة (فأما إبل الشياطين فقد رأيتها) أي في زماني، هذا من كلام الراوي، وهو أبو هريرة.\n(يخرج أحدكم بجنيبات) جمع جنيبة، وهي التي تقاد، وليس عليها راكب، وفي نسخة: \"بنجيبات\"، جمع نجيب، يريد بها ما يُعَدُّ للتفاخر يسوقها الرجل في سفره، فلا يعلوها، أي لا يركبها لعدم الحاجة، ولا يعين أخاه الذي يمر به (معه قد أسمنها، فلا يعلو) أي لا يركب (بعيرًا منها) أي النجيبات (ويمر بأخيه قد انقطع) على بناء المفعول (به، فلا يحمله).\nقال في \"المجمع\" (٢): انقطع ببناء مجهول، أي: انقطع بأخيه عن الرفقة لضعفه وعجزه فلا يركبه.\n(وأما بيوت الشياطين فلم أرها) إلى هنا كلام الصحابي (كان سعيد يقول) وهذا قول عبد الله بن أبي يحيى: (لا أراها) أي بيوت الشياطين (إلَّا هذه الأقفاص) أي الهوادج التي يتخذها المترفهون (التي يسترها الناس بالديباج) تفاخرًا وترفهًا، قال في \"المجمع\": فعيَّن الصحابي إبل الشياطين، وعيَّن التابعي بيوتها بالأقفاص، يريد بها المحامل، أي: الهوادج التي يتخذها المترفون.\nقال القاري (٣): قال القاضي: عيَّن الصحابي من أصناف هذا النوع\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) (٥/ ٥٩٠).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٦٢).","vol":"9","page":145},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن الإبل صنفًا، وهو نجيبات سمان يسوقها الرجل معه في سفره، فلا يركبها ولا يحتاج إليها في حمل متاعه، ثم إنه يمر بأخيه المسلم قد انقطع به من الضعف والعجز فلا يحمله، وعين التابعي صنفًا من البيوت وهو الأقفاص المحلاة بالديباج، يريد بها المحامل التي يتخذها المترفون في الأسفار.\nقال الأشرف: وليس في الحديث ما يدل عليه، بل نظم الحديث دليل على أن جميعه إلى قوله: \"فلم أرها\" من متن الحديث ومن قول النبي - ﷺ -، فعلى هذا فمعناه أنه - ﷺ - قال: فأما إبل الشياطين فقد رأيتها إلى قوله: \"فلا يحمله\"، وأما بيوت الشياطين فلم أرها، فإن النبي - ﷺ - لم ير من الهوادج المستورة بالديباج، والمحامل التي يأخذها المترفون في الأسفار، ومما يدل على ما ذكرنا قول الراوي بعد قوله: \"فلم أرها\": كان سعيد يقول ... إلخ.\nقال الطيبي (١): هذا توجيه غير موجه يعرف بأدنى تأمل، والتوجيه ما عليه كلام القاضي، انتهى.\nولا يخفى أن ظاهر العبارة مع الأشرف، ويحتاج إلى العدول عنه إلى نقل صريح أو دليل صحيح، وليس للتأمل فيه مدخل إلَّا مع وجود أحدهما فتأمل، فإنه موضع زلل، اللَّهُمَّ إلَّا أن يثبت بقوله: \"يكون\" فإن الظاهر منه أنه للاستقبال، كما أشرنا إليه أولًا، فحينئذ لا يلائمه أن يكون قوله: \"فأما الإبل فقد رأيتها\" من كلام النبي - ﷺ -، بل يتعين أن يكون قول غيره، فلما نسب آخر الحديث إلى التابعي تبين أن تفصيل أوله راجع إلى الصحابي، فيصح الاستدلال، ويزول الإشكال، والله أعلم بالحال.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٤٤).","vol":"9","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-949>(٥٩) بَابٌ: فِي سُرْعَةِ السَّيْرِ </span>(١)\n٢٥٦٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الإِبِلَ حَقَّهَا، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْجَدْبِ فَأَسْرِعُوا السَّيْرَ، فَإِذَا (٢) أَرَدْتُمُ التَّعْرِيسَ فَتَنَكَّبُوا عن الطَّرِيقِ\". [م ١٩٢٦، ت ٢٨٥٨، حم ٢/ ٣٣٧، خزيمة ٢٥٥٠]\n٢٥٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،\n===\n\n(٥٩) (بَابٌ: فِي سُرْعَةِ السَّيْرِ)\n٢٥٦٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا سافرتم في الخصب) بكسر المعجمة، أي في زمان كثرة العلف والنبات (فأعطوا الإبل حقها) من الأرض، أي من نباتها (٣)، يعني دعوها ساعة فساعة ترعى، إذ حقها من الأرض رعيها فيه (وإذا سافرتم في الجدب) أي القحط (فأسرعوا السير) أي عليها، والمعنى لا توقفوها في الطريق لتبلغكم المنزل قبل أن تضعف.\n(فإذا أردتم التعريس) وهو النزول إلى آخر الليل للاستراحة (فتنكبوا) أي: فاجتنبوا (عن الطريق) واعدلوا عنه، وزاد في رواية مسلم: \"فإنها طرق الدواب\" أي دواب المسافرين، أو دواب الأرض من السباع وغيرها والهوام بالليل، وهي بتشديد الميم جمع هامة، كل ذات سم.\n٢٥٧٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون) وفي نسخة:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والنهي عن التعريس في الطريق\".\n(٢) في نسخة: \"وإذا\".\n(٣) هكذا في \"المرقاة\" (٧/ ٤٤٧)، وفي \"الكوكب\" (/ ٤٢٥): تتركوها في موضع الكلأ. (ش).","vol":"9","page":147},{"text":"أَنَا هِشَامٌ، عن الْحَسَنِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَ هَذَا قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ \"حَقَّهَا\": \"وَلَا تَعَدَّوُا الْمَنَازِلَ\". [سي ٩٥٥، جه ٣٧٧٢]\n... (١)\n٢٥٧١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، نَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عن الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ،\n===\nيزيد بن زريع، وكتب في حاشية النسخة المكتوبة: كذا في الأصل ضبب على هارون، وكتب في الهامش بدله: زريع، وصحح عليه، والذي فِي \"الأطراف\" (٢): يزيد بن هارون، كما في الأصل، قلت: كلاهما يرويان عن هشام بن حسان، فلم يتعين لي (٣) ها هنا أنه يزيد بن هارون أو يزيد بن زريع.\n(أنا هشام) بن حسان، (عن الحسن) البصري، (عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ - نحو هذا) أي الحديث المتقدم (قال) أي: الراوي (بعد قوله: حقها: ولا تعدو المنازل) أي: لا تجاوزوا المنزل المتعارف إلى آخر استسراعًا، لأن فيه إتعاب الأنفس والبهائم من غير ضرورة.\n٢٥٧١ - (حدثنا عمرو بن علي، نا خالد بن يزيد، نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: عليكم بالدلجة) بضم فسكون، اسم من أدلج القوم بتخفيف الدال، إذا ساروا أول الليل، ومنهم من جعل الإدلاج سير الليل كله، وكأن المعني به في الحديث لأنه عقبه بقوله:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في الدلجة\".\n(٢) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٢/ ٢١٢) رقم (٢٢١٩).\n(٣) قلت: هذا الحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٨٢)، وابن ماجه في \"سننه\" (٣٧٧٢)، وفيهما: \"يزيد بن هارون\"، وكذلك أن عثمان بن أبي شيبة لا يروي عن يزيد بن زريع، فتعين أنه يزيد بن هارون.","vol":"9","page":148},{"text":"فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ\". [ق ٥/ ٢٥٦، ك ٢/ ١١٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>(٦٠) بَابُ رَبِّ الدَّابَّةِ أَحَقُّ بِصَدْرِهَا</span>\n٢٥٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَمْشِي جَاءَ رَجُلٌ وَمَعَهُ حِمَارٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ارْكَبْ وَتَأَخَّرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا، أَنْتَ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَابَّتِكَ مِنِّي\n===\n(فإن الأرض تطوى بالليل) بصيغة المجهول، أي تقطع بالسير في الليل.\nوقال المظهر: والدلجة أيضًا اسم من ادَّلجوا بفتح الدال وتشديدها، إذا ساروا آخر الليل، أي لا تقنعوا بالسير نهارًا، بل سيروا بالليل، فإنه يسهل بحيث يظن الماضي أنه سار قليلًا وقد سار كثيرًا (١).\n\n(٦٠) (بَابُ رَبِّ الدَّابَّةِ) أي: مالكها (أَحَقُّ بِصَدْرِهَا) أي: بالركوب على مقدم الدابة من غيره\n٢٥٧٢ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، حدثني أبي) أي حسين بن واقد، (حدثني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة) بدل من أبي (يقول: بينما رسول الله - ﷺ - يمشي، جاء رجل ومعه حمار) وهو راكبه (فقال: يا رسول الله! اركب وتأخر الرجل) أي عن صدر الدابة، وقعد على عجزها.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: لا) أي لا أركب صدرها (أنت أحق بصدر دابتك مني)، قال الطيبي (٢): \"أنت أحق\" تعليل له، أي: لا أركب وأنت تأخرت،\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٥٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٤٦٠).","vol":"9","page":149},{"text":"إِلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ لِي\"، قَالَ: فَإِنِّي (١) قَدْ جَعَلْتُهُ لَكَ فَرَكِبَ. [ت ٢٧٧٣، حم ٥/ ٣٥٣، ق ٥/ ٢٥٨، ك ٢/ ٦٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>(٦١) بَابٌ: فِي الدَّابَّةِ تُعَرْقَبُ فِي الْحَرْبِ</span>\n٢٥٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّادٍ، عن أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (٢)، حَدَّثَنِي أَبِي الَّذِي أَرْضَعَنِي- وَهُوَ أَحَدُ بَنِي مُرَّةَ بْنِ\n===\nلأنك أحق بصدر دابتك (إلَّا أن تجعله) أي الصدر (لي، قال: فإني قد جعلته لك، فركب) - ﷺ - على صدرها.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: إنما قال ذلك مع أن الرجل قد كان جعل له صدر دابته تنبيهًا على المسألة، ولأنه لعل تأخر لما علم أن الأفضل أحق بصدر الدابة، فبين له أن الأحقية ليست لأجل الأفضل، فإن كنت تركت الصدر لي بظن ذلك فتصدر لأنك أحق، وأما إن كنت تأخرت بعد العلم بأنك أحق، فلا ضير إذن، انتهى.\n\n(٦١) (بَابٌ: فِي الدَّابَّةِ تُعَرْقَبُ)\nأي: تُقطع عراقيبها، والعرقوب بالضم: عصبٌ خلف الكعبين بين مفصل القدم والساق من ذوات الأربع، ومن الإنسان فويق الكتب (فِي الْحَرْبِ)\n٢٥٧٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة) الباهلي الحراني، (عن محمد بن إسحاق، حدثني ابن عباد) قال في \"التقريب\" ابن عباد بن عبد الله بن الزبير، اسمه يحيى، قال ابن معين والنسائي والدارقطني: ثقة، وقال الدارقطني: يحيى بن عباد وأبوه عباد: ثقتان، (عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، حدثني أبي الذي أرضعني) أي أرضعتني زوجته بلبنها منه (وهو أحد بني مرة بن\n_________\n(١) في نسخة: \"وإني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هو يحيى بن عباد\".","vol":"9","page":150},{"text":"عَوْفٍ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ غَزَاةِ مُؤْتَةَ - قَالَ: \"واللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عن فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ\". [ق ٩/ ٨٧]\n===\nعوف، وكان في تلك الغزاة غزاة مؤتة).\nوهي قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، بعث رسول الله - ﷺ - إليها جيشًا في سنة ثمان، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة مولاه، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فلقيهم جموع هرقل من الروم في جمع عظيم، فقاتل زيد حتى قتل، فأخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل، فاجتمع المسلمون إلى خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم ثم انحاز بالمسلمين، وانصرف بالناس.\nوقد ذكر ابن سعد أن الهزيمة كانت على المسلمين، والذي في \"صحيح البخاري\" (١): \"أن الهزيمة كانت في الروم\". والصحيح ما ذكره بن إسحاق: أن كل فئة انحازت عن الأخرى، وسبب تلك الغزوة أن شرحبيل بن عمرو الغساني وهو من أمراء قيصر على الشام قتل رسولًا، وهو الحارث بن عمير، أرسله النبي - ﷺ - إلى صاحب بُصرى، فجهز إليهم النبي - ﷺ - عسكرًا في ثلاث آلاف.\n(قال) أي الأب الرضاعي لعباد بن عبد الله بن الزبير: (والله لكأني أنظر) أي الآن (إلى جعفر حين اقتحم) أي رمى نفسه (عن فرس له شقراء فعقرها) أي قطع قوائمها بالسيف (٢)، وهو أول من فعلها من المسلمين، نقل عن الخطابي: وهذا يفعله الناس في الحرب إذا رهق وأيقن أنه مغلوب، لئلا يظفر به العدو، فيتقوى به على قتال المسلمين (ثم قاتل القوم) أي الروم (حتى قتل).\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤٢٦١).\n(٢) وفي \"الخميس\": جعفر كان أول من عقر في الإسلام وأنشد شعرًا:\nيَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ واقتِرَابُها ... طَيِّبَةٌ وَبَارِدَةٌ شَرَابُهَا\n(انظر: \"تاريخ الخميس\" ٢/ ٧١). (ش).","vol":"9","page":151},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>(٦٢) بَابٌ: فِي السَّبَقِ</span>\n===\n(قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالقوي) قلت: لم أقف على علة في الحديث تقتضي ضعفه غير أن فيه ابن إسحاق، وهو مختلف فيه، فالله أعلم ماذا أراد المصنف في الحديث من العلة، وأما ما وقع في بعض نسخ أبي داود من قول المصنف: \"وقد جاء فيه نهي كثير عن أصحاب النبي - ﷺ -\"، فهذا أيضًا لا يقتضي ضعف ما وقع في قصة جعفر بن أبي طالب من عقره جواده، كما هو ظاهر.\n\n(٦٢) (بَابٌ: فِي السَّبَقِ)\nبفتح الباء الموحدة، وهو ما يجعل للسابق على سبقه من جُعْل ونوال، وأما بسكون الباء فهو مصدر سبقت الرجل.\nقال الخطابي (١). والرواية الصحيحة في هذا الحديث بالفتح يريد أن الجعل لا يستحق إلَّا في سباق الإبل والخيل وما في معناهما كالبغال (٢) والحمير، وفي النصل وهو الرمي، لأن هذه الأمور عدة في قتال العدو، وفي بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد، وتحريض عليه.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٣): قوله: \"باب السبق بين الخيل\" أي: مشروعية ذلك، والسبق بفتح المهملة وسكون الموحدة مصدر، وهو المراد ها هنا، وبالتحريك: الرهن الذي يوضع هناك.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٥٥).\n(٢) وفي \"الدر المختار\" (٦/ ٧٥٣): يجوز السبق بشرط الجعل أيضًا من جانب واحد بالخيل والإبل والأرجل والرمي، لا في غير هذه الأربعة كالبغل بالجعل، وأما بدون الجعل فيجوز في كل شيء ... إلخ. وكذا في الزيلعي على \"الكنز\" (انظر: ٦/ ٢٢٧). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٢).","vol":"9","page":152},{"text":"٢٥٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن نَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ\". [ت ١٧٠٠، ن ٣٥٨٦، حم ٢/ ٤٧٤، ق ١٠/ ١٦، جه ٢٨٧٨]\n٢٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ\n===\n٢٥٧٤ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا ابن أبي ذئب، عن نافع بن أبي نافع) البزار، مولى أبي أحمد، يقال: كنيته أبو عبد الله، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن المديني: مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا سبق إلَّا في خف) أي ذي خف وهو البعير (أو حافر) أي: ذي حافر كالفرس والبغل والحمار (١) (أو نصل) أي: ذي نصل، وهو حديدة السهم والرمح والسيف، ما لم يكن له مقبض، أي لا يستحق الجعل إلَّا في هذه الأشياء أو ما في معناها، مما هو عُدَّةٌ في الجهاد لا في غيرها، لأن فيه إما أن يكون قمارًا أو لهوًا وعبثًا.\n٢٥٧٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - سابق (٢) بين الخيل التي قد أضمرت) بضم أوله، والمراد به أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى، ثم يقلل علفها بقدر\n_________\n(١) واختلف فيهما الحنفية فيما بينهم. (ش). [هذا هو مقتضى الحديث، وذكره العيني أيضًا في \"شرح الكنز\" لكن الزيلعي، وصاحب \"الدر المختار\"، والعيني نفسه أيضًا صرحوا بعدم الجواز في البغل والحمار].\n(٢) وكان في سنة ٥ هـ، كما في \"الخميس\" (١/ ٥٠٢) وسنة ٦ هـ، كذا في \"التلقيح\" (ص ٤٠). (ش).","vol":"9","page":153},{"text":"مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا\". [خ ٤٢٠، م ١٨٧٠، ت ١٦٩٩، ن ٣٥٨٤، جه ٢٨٧٧، حم ٢/ ٥]\n===\nالقوت، وتدخل بيتًا وتغشى بالجلال، حتى تحمى فتعرق، فإذا جف عرقها، خف لحمها، وقويت على الجري.\n(من الحفياء) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية ومد، ويجوز القصر، وحكى الحازمي تقديم الياء التحتانية على الفاء، مكان خارج المدينة بينه وبين ثنية الوداع خمسة أميال، أو ستة، أو سبعة، (وكان أمدها) أي غايتها، وفسر البخاري (١) الأمد بالغاية، قال الحافظ (٢): وهو تفسير أبي عبيدة في \"المجاز\"، وهو متفق عليه عند أهل اللغة، قال النابغة:\nسَبْقَ الجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلى الأَمَدِ\n(ثنية الوداع) الثنية في اللغة الطريقة إلى العقبة، وثنية الوداع عند المدينة، بفتح الواو، وهو اسم من التوديع عند الرحيل، وهي ثنية مشرفة على المدينة، يطأها من يريد مكة، واختلف في تسميتها بذلك، فقيل: لأنها موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكة، وقيل: لأن النبي - ﷺ - ودع بها بعض من خلفه بالمدينة في آخر خرجاته، وقيل: في بعض سراياه المبعوثة عنه، وقيل: الوداع اسم واد بالمدينة، والصحيح أنه اسم قديم جاهلي سمي لتوديع المسافرين.\n(وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية) أي من ثنية الوداع (إلى مسجد بني زريق) وهو زريق بن عامر، بطن من الخزرج، والمسافة بينهما ميل أو نحوه (وأن عبد الله) بن عمر (ممن سابق بها) أي بالخيل، أو بهذه المسابقة، وقوله: \"وأن عبد الله\" يجوز أن يكون مقولة عبد الله بن عمر بطريق الحكاية عن نفسه باسمه على لفظ الغيبة.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٨٦٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٣).","vol":"9","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل، وخصَّه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء، واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقَيْن، كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس، وجَوَّز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقَيْن، وكذا إذا كان معهما ثالث مُحَلِّلٌ بشرط أن لا يخرج من عنده شيئًا، ليخرج العقد عن صورة القمار، وهو أن يخرج كل منهما سبقًا، فمن غلب أخذ السبقين، فاتفقوا على منعه.\nقال العيني (٢): قال ابن التين: إنه - ﷺ - سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، وأعطى الثاني حلتين، والثالث حلة، والرابع دينارًا، والخامس درهمًا، والسادس فضة، وقال: \"بارك الله فيك وفي كلكم وفي السابق والفِسْكِل\".\nقلت: هو بكسر الفاء والكاف وسكون السين المهملة بينهما وفي آخره اللام: وهو الذي يجيء فِي الحلبة آخر الخيل.\nوأخرجه مسلم من طريق أيوب عن نافع، وقال: فيه: \"وسبقت الناس، فطَفَّفَ بي الفرس مسجد بني زريق\"، أي: جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية. وفي رواية عن الثوري: \"فوثب بي فرسي جدارًا\".\nقال السرخسي في شرح \"السير الكبير\" (٣): ولا بأس بالمسابقة بالأفراس ما لم يبلغ غاية لا يحتملها، وكذلك المسابقة على الأقدام، لا بأس بها لحديث الزهري قال: كانت المسابقة بين أصحاب رسول الله - ﷺ - في الخيل والركاب والأرجل، ولأن الغزاة يحتاجون إلى رياضة أنفسهم، حتى إذا ابتلوا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٣، ٧٤).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٠٧).\n(٣) \"شرح السير الكبير\" (١/ ٨٢).","vol":"9","page":155},{"text":"٢٥٧٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا الْمُعْتَمِرُ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ (١) - ﷺ - كَانَ يُضَمِّرُ الْخَيْلَ، يُسَابِقُ بِهَا\". [حم ٢/ ٥٦، وانظر سابقه]\n٢٥٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ فِي الْغَايَةِ\". [حم ٢/ ١٥٧]\n===\nبالطلب والهرب، وهم رجالة لا يشق عليهم العدو، كما يحتاجون إلى ذلك في رياضة الدواب.\n٢٥٧٦ - (حدثنا مسدد، نا المعتمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان يضمر الخيل، يسابق بها).\n٢٥٧٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عقبة بن خالد) بن عقبة السكوني، أبو مسعود الكوفي، المجدر بالجيم، قال الإمام أحمد: هو ثقة، وقال أبو حاتم: من الثقات، صالح الحديث، لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الجارودي: شيخ كوفي، صاحب حديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال عثمان بن أبي شيبة: هو عندي ثقة.\n(عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - سَبَّق) من التفعيل، أي التزم السبق وهو ما يتراهن عليه (بين الخيل، وفَضَّل القُرَّحَ) هو جمع قارح، هو ما دخل في السنة الخامسة (في الغاية) أي جعل مسافة عدوها أكثر من غيرها؛ لأنها أقوى على الجري من غيرها.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"9","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>(٦٣) بَابٌ: فِي السَّبْقِ عَلَى الرِّجْلِ</span>\n٢٥٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الأَنْطَاكِيُّ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ وعن أَبِي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ (١)، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: \"هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ\". [حم ٦/ ٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>(٦٤) بَابٌ: فِي الْمُحَلِّلِ </span>(٢)\n٢٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ.\n===\n\n(٦٣) (بَابٌ: فِي السَّبْقِ عَلَى الرِّجْلِ)\n٢٥٧٨ - (حدثنا أبو صالح الأنطاكي محبوب بن موسى، أنا أبو إسحاق الفزاري، عن هشام بن عروة، عن أبيه وعن أبي سلمة) عطف على قوله: عن أبيه، (عن عائشة: أنها كانت مع النبي - ﷺ - في سفر) لم أقف على تعيينه (فسابقته) أي غالبت أنا رسول الله - ﷺ - في السبق (فسبقته) أي غلبته في السبق (على رجلي، فلما حملت اللحم) أي: كثر لحمي (سابقته) مرة أخرى (فسبقني) أي: غلبني في السبق (فقال) رسول الله - ﷺ -: (هذه) أي: سبقتي إياك (بتلك السبقة) أي: بعوض تلك السبقة التي سبقتنيها.\n\n(٦٤) (بَابٌ: فِي الْمُحَلِّلِ)\nوهو الثالث في الرهبان بين اثنين، وإنما قيل له: المحلل، لأن الرهبان بين الاثنين كان حرامًا، لأنه قمار، فإذا دخل هذا الثالث جاز الرهبان، فحلل ما كان حرامًا قبله\n٢٥٧٩ - (حدثنا مسدد، نا حصين بن نمير، نا سفيان بن حسين،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قالت\".\n(٢) في نسخة بدله: \"المحل\".","vol":"9","page":157},{"text":"(ح): وَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا عَبَّادُ (١) بْنُ الْعَوَّامِ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، الْمَعْنَى، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ\" - يَعْنِي وَهُوَ لَا يُؤْمِنُ (٢) أَنْ يُسْبَقَ - \"فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ (٣) أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَارٌ\". [جه ٢٨٧٧، حم ٢/ ٥٠٥، ق ١٠/ ٢٠، ك ٢/ ١١٤]\n===\nح: ونا علي بن مسلم، نا عباد بن العوام، أنا سفيان بن حسين، المعنى) أي معنى حديث مسدد وعلي بن مسلم واحد (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: من أدخل فرسًا بين فرسين) أي في السباق والبرهان (يعني) زاد لفظ: يعني؛ لأنه لا يحفظ لفظ الحديث، فحدث بمعناه (وهو لا يؤمن) وهو أي الفرس غير مأمون من (أن يسبق) أي: من كونه سابقًا أو مسبوقًا، بل يحتمل سابقيته، ويحتمل مسبوقيته، فالمراد منه أن يكون الفرس الثالث كفؤًا لفرسين (فليس بقمار).\n(ومن أدخل فرسًا بين فرسين) في الرهان (وقد أمن) أي ذلك الفرس من (أن يسبق) أي من المسبوقية بل هو سابق قطعًا، وكذا إذا كان مأمونًا من السابقية، بل هو مسبوق قطعًا ويقينًا، فيحتمل أن يكون على بناء المفعول، أو على بناء الفاعل، فالحكم في كلا الصورتين واحد بأن الجعل لا يجوز في الصورتين، إلَّا أن الفرق بينهما في صورة المسبوقية يكون قمارًا، فإن الثالث كأنه لم يكن. وأما في صورة السابقية وإن لم يكن قمارًا، إلَّا أن فيه تعليق تمليك المال على الخطر وهو لا يجوز. وأما في صورة كون الفرسين والثالث كفؤًا وإن كان فيه تعليق تمليك المال على الخطر، لكنه جوز للمصلحة الدينية والضرورة (فهو قمار).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) في نسخة: \"لا يأمن\".\n(٣) في نسخة: \"يأمن\".","vol":"9","page":158},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الإمام الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١): فتأملنا معنى قوله - ﷺ -: \"إن كان لا يؤمن أن يسبق فلا بأس به، وإن كان يؤمن أن يسبق فلا خير فيه\"، فوجدنا أهل العلم لا يختلفون أنه أراد بذلك البطيء من الخيل الذي لا يؤمن منه أن يسبق.\nوفي \"كنز الدقائق\" و\"شرحه\" للزيلعي: وحرم شرط الجعل من الجانبين لا من أحد الجانبين، لما روى عبد الله بن عمر - ﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - سبق بالخيل وراهن\"، ومعنى شرط الجعل من الجانبين أن يقول: إن سبق فرسك ذلك عليَّ كذا، وإن سبق فرسي فلي عليك كذا، وهو قمار فلا يجوز؛ لأن القمار من القمر الذي يزاد تارة وينقص أخرى، وسمي القمار قمارًا لأن كل واحد من المقامرين ممن يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه، ويجوز أن يستفيد مال صاحبه، فيجوز الازدياد والانتقاص في كل واحد منهما فصار قمارًا، وهو حرام بالنص.\nولا كذلك إذا شرط من جانب واحد؛ لأن النقصان والزيادة لا يمكن فيهما، وإنما في أحدهما يمكن الزيادة وفي الآخر النقصان فقط، فلا يكون مقامرة، لأن المقامرة مفاعلة منه، فتقتضي أن يكون من الجانبين، فإذا لم يكن في معناه جاز استحسانًا.\nوالقياس أن لا يجوز لما فيه من تعليق التمليك على الخطر، ولا يمكن إلحاق ما شرط فيه الجعل به؛ لأنه ليس في معناه؛ لأن المانع فيه من وجهين: القمار، والتعليق بالخطر، وفي الآخر من وجه واحد، وهو التعليق بالخطر لا غير، فليس بمثل له حتى يقاس عليه.\nوشرطه أن يكون الغاية مما يحتملها الفرس، وكذا شرطه أن يكون في كل واحد من الفرسين احتمال السبق، أما إذا علم أن أحدهما يسبق\n_________\n(١) انظر: \"مشكل الآثار\" (٥/ ١٥٧).","vol":"9","page":159},{"text":"٢٥٨٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا الْوَلِيدُ (١) بْنُ مُسْلِمٍ، عن سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ،\n===\nلا محالة، فلا يجوز، لأنه إنما جاز للحاجة إلى الرياضة على خلاف القياس، وليس في هذا إلَّا إيجاب المال للغير على نفسه بشرط لا منفعة فيه، فلا يجوز.\nولو شرط الجعل من الجانبين وأدخلا ثالثًا محللًا، جاز إذا كان فرس المحلل كفؤًا لفرسيهما، يجوز أن يَسْبق أو يُسْبق، إن كان يَسْبق أو يُسبق لا محالة، فلا يجوز لحديث أبي داود وأحمد وغيرهما.\nوصورة إدخال المحلل أن يقولا للثالث: إن سبقتنا فالمالان لك، وإن سبقناك فلا شيء لنا عليك، ولكن الشرط الذي شرطاه بينهما، وهو أيهما سبق كان له الجعل على صاحبه باق على حاله، فإن غلبهما أخذ المالين، وإن غلباه فلا شيء لهما عليه، ويأخذ أيهما غلب المال المشروط له من صاحبه.\nوإنما جاز هذا لأن الثالث لا يغرم على التقادير كلها قطعًا ويقينًا، وإنما يحتمل أن يأخذ أو لا يأخذ، فخرج بذلك أن يكون قمارًا، فصار كما إذا شرط من جانب واحد، وإن القمار هو الذي يستوي فيه الجانبان في احتمال الغرامة، والمراد بالجواز المذكور في \"باب المسابقة\" الحل لا الاستحقاق، حتى لو امتنع المغلوب من الدفع لا يجبره القاضي فلا يقضى عليه به، انتهى.\n٢٥٨٠ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير) الأزدي، ويقال: البصري مولاهم، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سلمة الشامي، أصله من البصرة، ويقال: من واسط، قال ابن سعد:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".","vol":"9","page":160},{"text":"عن الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ عَبَّادٍ وَمَعْنَاهُ (١). [ق ١٠/ ٢٠]\n===\nكان قدريًا، وقال بقية عن شعبة: ذاك صدوق اللسان، وفي رواية: صدوق الحديث، وقال مروان بن محمد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا سعيد بن بشير، وكان حافظًا، وقال يعقوب بن سفيان: سألت أبا مسهر عنه فقال: لم يكن في جندنا أحفظ منه، وهو ضعيف منكر الحديث، ووثَّقه دحيم، وعن ابن معين: ليس بشيء؛ وأيضًا عنه: ضعيف، وقال علي بن المديني: كان ضعيفًا، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات، وقال البخاري: يتكلمون في حفظه وهو محتمل، وقال النسائي: ضعيف، وعن أبي داود: ضعيف.\n(عن الزهري بإسناد عباد ومعناه) أي: ومعنى حديثه، الظاهر أنّ غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف الواقع في رواية الزهري بين أصحابه، كما يدل عليه النسخة التي على الحاشية، ففيها: قال أبو داود: رواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري عن رجال من أهل العلم، وهذا أصح عندنا، انتهى. وقد روى فِي أول الباب فيما تقدم: سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.\nفعلى هذا كان ينبغي للمصنف أن يقول بإسناد سفيان بن حسين ومعناه ليكون إشارة إلى الاختلاف الواقع بين تلامذة الزهري بين سفيان بن حسين وبين غيره، فإن تلامذة سفيان بن حسين لم يختلفوا في الإسناد، فإن حصين بن نمير، وعباد بن العوام، عن سفيان بن حسين عند أبي داود، ومروان بن معاوية الفزاري، ويزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين عند الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢) كلهم قالوا: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: رواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري عن رجال من أهل العلم، وهذا أصح عندنا\".\n(٢) \"مشكل الآثار\" (٥/ ١٥٦) ح (١٨٩٨).","vol":"9","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-955>(٦٥) بَابُ الْجَلَبِ عَلَى الْخَيْلِ فِي السِّبَاقِ</span>\n٢٥٨١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، نَا عَنْبَسَةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، جَمِيعًا، عن الْحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ\". زَادَ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ: \"فِي الرِّهَانِ\". [ت ١١٢٣، ن ٣٣٣٥، حم ٤/ ٤٣٨]\n===\n\n(٦٥) (بَابُ الْجَلَبِ عَلَى الْخَيْلِ)\nفالجلب في الرهبان من الجلبة: وهو الصياح، وفي الزكاة من الجلب: وهو طلب أن تجلب الأموال له (فِي السِّبَاقِ) أي: المسابقة\n٢٥٨١ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا عبد الوهاب بن عبد المجيد، نا عنبسة (١)، ح: وحدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، عن حميد الطويل، جميعًا) أي: عنبسة وحميد الطويلُ يرويان (عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي - ﷺ - قال: لا جلب)، الجلب في السباق: أن يتبع الراكب رجلًا فرسه فيزجره ويجلب عليه ويصيح حثًا له على الجري.\n(ولا جنب) والجنب فيه: أن يجلب فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب، قال في \"القاموس\" (٢): وَجَنَبَه جَنَبًا محركة، ومُجَنَّبًا: قاده إلى جنبه، فهو جَنِيبٌ ومَجنُوبٌ وَمُجَنَّبٌ (زاد يحيى في حديثه: في الرهان) أي زاد يحيى لفظ: \"في الرهان\" في حديثه بأن هذا اللفظ جزء الحديث وداخل فيه، ولم يزده مسدد، وأما الجلب والجنب في الزكاة فقد تقدم في محله.\n_________\n(١) ابن سعيد القطان عند صاحب \"تهذيب الكمال\" (رقم الترجمة ٥١٢٣). وعنبسة بن أبي رائطة عند الحافظ (انظر: \"التهذيب\" ٨/ ١٥٥ - ١٥٧). (ش).\n(٢) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص ٧٨).","vol":"9","page":162},{"text":"٢٥٨٢ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ قَالَ: \"الْجَلَبُ وَالْجَنَبُ فِي الرِّهَانِ\". [ق ١٠/ ٢١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>(٦٦) بَابٌ: فِي السَّيْفِ يُحَلَّى</span>\n٢٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، نَا قَتَادَةُ، عن أَنسٍ قَالَ: \"كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِضَّةً\". [ت ١٦٩١، ن ٥٣٧٤، دي ٢٤٥٧، ق ٤/ ١٤٣]\n===\n٢٥٨٢ - (حدثنا ابن المثنى، نا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة قال: الجلب والجنب) أي المنهيان عنه (في الرهان) إن كان المراد منه أنهما في الرهان خاصة لا في غيره، فهو غير صحيح، فإنه قد تقدم أنهما في الزكاة أيضًا منهيان، وإن لم يرد الاختصاص فهو صحيح.\n\n(٦٦) (بَابٌ: فِي السَّيْفِ يُحَلَّى)\nأي: هل يجوز ذلك أو لا؟\n٢٥٨٣ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا جرير بن حازم، نا قتادة، عن أنس قال: كانت قبيعة سيف (٢) رسول الله - ﷺ - فضة) القبيعة هي التي تكون على رأس قائم السيف، وقيل: هي ما تحت شاربي السيف، والشاربان أنفان طويلان في أسفل قائم السيف.\nقال في \"الدر المختار\" (٣): ولا يتحلى الرجل بذهب وفضة مطلقًا إلَّا بخاتم ومنطقة وحلية سيف منها، أي الفضة إذا لم يرد به التزين، قال الشامي: قوله: منها، أي: الفضة لا من الذهب \"دُرَر\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٢) اختلفت الروايات في حلية سيفه - ﷺ - كما في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٥٦)، وفيه رواية الذهب أيضًا. (ش).\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥٩٢).","vol":"9","page":163},{"text":"٢٥٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: \"كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِضَّةً\". [ت ١٦٩١، ن ٥٣٧٥، دي ٢٤٥٨، ق ٤/ ١٤٣]\nقَالَ قَتَادَةُ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ.\n===\n٢٥٨٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، (عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن) البصري، أخي الحسن البصري (قال: كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - فضة، قال قتادة: وما علمت أحدًا تابعه) أي سعيد بن أبي الحسن (على ذلك).\nوقد أخرج الترمذي (١) هذا الحديث من طريق جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس، وقال: هذا حديث حسن غريب، ثم قال: وهكذا روي عن همام، عن قتادة، عن أنس، وقد روى بعضهم عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، وساق الحديث كما ساقه أبو داود، إلَّا أن في رواية الترمذي: \"من فضة\" بزيادة لفظ \"مِنْ\"، فسياق الترمذي يقتضي ترجيح حديث جرير بن حازم، فإنه قال له: حديث حسن، ثم قواه برواية همام عن قتادة، عن أنس، وأما حديث قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن لم يتعرض له بشيء، إلَّا أنه قال: قد روى بعضهم عن قتادة.\nوقد أخرج النسائي في \"مجتباه\" (٢) من طريق عمرو بن عاصم قال: ثنا همام وجرير قالا: ثنا قتادة، عن أنس قال: \"كان نعل سيف رسول الله - ﷺ - من فضة، وقبيعة سيفه فضة\"، ثم أخرج من حديث يزيد بن زريع، عن هشام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن قال: \"كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - من فضة\"، ولم يتعرض في \"مجتباه\" لشيء من الترجيح بأن حديث جرير وهمام مسندًا أصح، أو حديث هشام عن قتادة مرسلًا أو موقوفًا أصح.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٤/ ٢٠١) رقم (١٦٩١).\n(٢) \"سنن النسائي\" (٨/ ٢١٩) رقم (٥٢٧٤، ٥٢٧٥).","vol":"9","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولكن حكى الزيلعي في \"نصب الراية\" (١) عن النسائي بأنه قال: حديث جرير وهمام منكر، والصواب: قتادة عن سعيد مرسلًا، وما رواه عن همام غير عمرو بن عاصم، ولعل هذه العبارة مذكورة في \"الكبرى\" (٢)، وتركها في \"المجتبى\"، ولعله لم يذكرها فيها، لأنه لم يرض بها وتغير اجتهاده.\nثم نقل عن عبد الحق قال: وقال عبد الحق في \"أحكامه\": الذي أسنده ثقة، وهو جرير بن حازم، فرجح المسند، ثم حكى كلام الدارقطني، قال: وقال الدارقطني في \"علله\": هذا حديث قد اختلف فيه على قتادة، فرواه جرير بن حازم عن قتادة، عن أنس قال: \"كان حلية سيف رسول الله - ﷺ - من فضة\"، وكذلك رواه عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، عن أنس، ورواه هشام الدستوائي، ونصر بن طريف، عن قتادة، عن سعيد بن الحسن أخي الحسن مرسلًا.\nوأخرج الدارمي في \"سننه\" (٣): أخبرنا أبو النعمان، ثنا جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس قال: \"كان قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - من فضة\"، قال عبد الله: هشام الدستوائي خالفه، قال قتادة: عن سعيد بن أبي الحسن عن النبي - ﷺ -، وزعم الناس أنه هو المحفوظ، انتهى. فظاهره ترجيح المرسل، ولكن ظاهر قوله: \"زعم الناس\" يقتضي أنه لا يبلغ مرتبة الاعتبار، فإنه قول الناس لا قول أهل الاعتبار.\nفاختلف المحدثون في ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، فمن نظر إلى ثقاهة جرير بن حازم ومتابعة همام له على ذلك مال إلى ترجيح المسند من\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٤/ ٢٣١).\n(٢) قلت: لم أعثر عليها في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٤٦٧) رقم (٩٧٢٧)، ولكن ذكرها المزي في \"تحفة الأشراف\" (١/ ٥٢٥) رقم (١١٤٦).\n(٣) \"سنن الدارمي\" (٢/ ١٨١) رقم (٢٤٥٧).","vol":"9","page":165},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nحديث جرير وهمام، ومن نظر إلى أن جرير بن حازم عن قتادة ضعيف، كما قال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه؟ فقال: ليس به بأس، فقلت: إنه يحدث عن قتادة، عن أنس أحاديث مناكير، فقال: ليس بشئ، هو عن قتادة ضعيف، قاله الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١).\nوقال أيضًا: قال: حدثت عن عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، عن عفان قال: راح أبو جُزي نصر بن طريف إلى جرير يشفع لإنسان يحدثه، فقال جرير: حدثنا قتادة عن أنس قال: \"كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - من فضة\"، فقال أبو جزي: ما حدثناه قتادة إلَّا عن سعيد بن أبي الحسن، قال أبي: القول قول أبي جزي، وأخطأ جرير.\nوهشام الدستوائي أقوى وأوثق، وتابعه أبو جُزي نصر بن طريف، فرجح المرسل، فعلى هذا قال أبو داود في نسخة على الحاشية: أقوى هذه الأحاديث حديث سعيد بن أبي الحسن المرسل، والباقية ضعاف.\nقلت: قال الحافظ في \"لسان الميزان\" (٢): نصر بن طريف أبو جُزيٍّ، القَصَّاب، الباهلي، قال ابن المبارك: كان قدريًا، ولكن لم يكن يَثْبُت، وقال أحمد: لا يكتب حديثه، وقال النسائي وغيره: متروك، وقال يحيى: من المعروفين بوضع الحديث، وقال الفلاس: وممن أجمع عليه من أهل الكذب أنه لا يروى عنهم- قوم -، منهم: أبو جُزَي القصاب نصر بن طريف ... إلخ.\nفمتابعته لهشام الدستوائي غير نافع له، فقول أبي داود: \"الباقية ضعاف\"، إن كان إشارة إلى حديث جرير بن حازم فله وجه، وإن كان المراد أن جميع ما روي في هذا الباب من الأحاديث فهو غير موجه، فإن حديث عمرو بن\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٧٠).\n(٢) (٧/ ١٧٩) رقم (٨٨٥٢).","vol":"9","page":166},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعاصم، عن همام، وهما من رواة الصحيحين، صحيح، ليس فيه علة.\nوقد أخرج النسائي في \"مجتباه\" (١): أخبرنا عمران بن يزيد قال: ثنا عيسى بن يونس قال: ثنا عثمان بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل قال: \"كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - من فضة\"، وهو أيضًا صحيح.\nوسيأتي من حديث أبي داود من حديث عثمان بن سعد عن أنس بن مالك، ففيه عثمان بن سعد، وقد وثقه أبو نعيم الحافظ، وأبو جعفر البستي، والحاكم في \"المستدرك\"، وإن كان تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وعن ابن معين: ضعيف، وكذا قال الدارمي، ومع هذا مجموع الأحاديث في هذا الباب من الطرق المختلفة تبلغ درجة الصحة.\nوأما ما في أبي داود: قال قتادة: وما علمت أحدًا تابعه على ذلك، فهذه العبارة بظاهرها غير صحيحة، ولعلها مسخها النساخ، وقد نقل صاحب \"عون المعبود\" (٢) توجيهًا عن صاحب \"غاية المقصود\": أن في هذه العبارة اختصارًا مخلًا للمقصود، وحق العبارة أن يقول: قال أبو داود: قال قتادة: يعني في رواية جرير بن حازم متصلًا، وفي رواية هشام الدستوائي مرسلًا، وما علمت من أصحاب قتادة، وهذا من بقية مقولة المؤلف، تابعه أي جرير بن حازم، فالضمير المنصوب يرجع إلى جرير بن حازم، لا إلى سعيد بن أبي الحسن، على ذلك أي الاتصال من مسندات أنس.\nوهذا التوجيه مع أنه غير متبادر إلى الذهن يخالفه ما روي عن همام، عن قتادة، فإنه متابع لجرير إلَّا أن يقال: إن أبا داود لم يطلع على متابعة همام جرير بن حازم، ولكن قوله في النسخة على الحاشية: \"والباقية ضعيف\" يومئ إلى اطلاعه على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٥٣٧٣).\n(٢) \"عون المعبود\" (٧/ ١٧٨).","vol":"9","page":167},{"text":"٢٥٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ أَبُو غَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ، عن عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"كَانَ\" (١)، فَذَكَرَ مِثْلَهُ (٢). [ق ٤/ ١٤٣]\n===\n٢٥٨٥ - (حدثنا محمد بن بشار، حدثني يحيى بن كثير أبو غسان العنبري، عن عثمان بن سعد) التميمي، أبو بكر البصري الكاتب المعلم، قال عباس عن ابن معين: ليس بذاك، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الترمذي: تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه، وقال أبو نعيم الحافظ: بصري ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن وضاح: سمعت أبا جعفر البستي يقول: عثمان بن سعد بصري ثقة، يروي عن أنس، وعن ابن معين: ضعيف، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، وقال الدارمي: عثمان بن سعد ضعيف، وقال ابن عدي: هو حسن الحديث، ومع ضعفه يكتب حديثه، وقال الحاكم في \"المستدرك\": بصري ثقة عزيز الحديث.\n(عن أنس بن مالك قال: كان، فذكر مثله) (٣) أي مثل حديث قتادة: \"كان قبيعة سيف النبي - ﷺ - من فضة\"، وعندي أن كلا الحديثين المسند والمرسل صحيحان، فإنه لا تخالف بين صحتهما، فروى جرير بن حازم وهمام مسندًا، وروى هشام عن قتادة مرسلًا، وكذا روى عثمان بن حكيم عن أبي أمامة بن سهل مرسلًا، فترجيح أحد الحديثين على الآخر وتضعيف أحدهما ليس كما ينبغي.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"كانت قبيعة سيف النبي - ﷺ - من فضة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أقوى هذه الأحاديث حديث سعيد بن أبي الحسن، والباقية ضعاف\".\n(٣) والظاهر عندي أن المصنف أشار بذلك إلى ترجيح المسند، وإليه يشير صنيع الترمذي كما تقدم قريبًا، خلافًا للنسائي. (ش).","vol":"9","page":168},{"text":"(٦٧) بَابٌ: فِي النَّبْلِ يُدْخَلُ (١) فِي الْمَسْجِدِ\n٢٥٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَمُرَّ بِهَا إِلَّا وَهُوَ آخِذٌ بِنُصُولِهَا\". [م ٢٦١٤، حم ٣/ ٣٥٠]\n٢٥٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن بُرَيْدٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِي مُوسَى، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا\"،\n===\n\n(٦٧) (بَابٌ: فِي النَّبْلِ)\nالنبل: السهام، قال في \"القاموس\":\nوالنَّبْلُ: السهام، بلا واحد، أو نبلة، وجمعه: أنبال ونُبلان، والنَّبَّالُ: صاحبه وصانعه، كالنابل، كيف (يُدْخَلُ فِي الْمَسْجِدِ)\n٢٥٨٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله - ﷺ -: أنه أمر رجلًا) قال الحافظ (٢): ولم أقف على اسمه إلى الآن (كان يتصدق بالنبل في المسجد) على الناس ليجاهدوا بها (أن لا يمر بها) أي بالسهام (إلَّا وهو) أي الرجل (آخذ بنصولها) جمع نصل، وهو حديدة السهم، وفي رواية عند مسلم: \"كيلا يخدش مسلمًا\".\n٢٥٨٧ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن رسول الله - ﷺ - قال: إذا مر أحدكم في مسجدنا أو) للتنويع من قول رسول الله - ﷺ -، لا للشك من الراوي (في سوقنا) والمراد به محل اجتماع الناس واختلاطهم (ومعه نبل، فليمسك على نصالها،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"به\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٤٧).","vol":"9","page":169},{"text":"وَ(١) قَالَ: \"فَليَقْبِضْ كَفَّهُ\"، أَوْ قَالَ: \"فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ\". [خ ٧٠٧٥، م ٢٦١٥، جه ٣٧٧٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>(٦٨) بَابٌ: فِي النَّهْيِ أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا</span>\n٢٥٨٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن أَبِي الزّبَيْرِ، عن جَابِرٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا\". [ت ٢١٦٣، حم ٣/ ٣٠٠، ك ٤/ ٢٩٠]\n===\nوقال) كذا في النسخة الأحمدية المكتوبة بالواو، وفي المصرية ونسخة \"العون\" بـ \"أو\" للشك من الراوي (فليقبض كفه) على النصال (أو) باتفاق جميع النسخ للشك من الراوي (قال: فليقبض بكفه أن يصيب) أي: لئلا يصيب، أو كراهة أن يصيب، أي: لا يجرح بالنصال (أحدًا من المسلمين).\nقال الحافظ (٢): وفي الحديث إشارة إلى تعظيم قليل الدم وكثيره، وتأكيد حرمة المسلم، وجواز إدخال المسجد السلاح.\nقلت: وفيه سد باب الفتنة بين المسلمين.\n\n(٦٨) (بَابٌ: فِي النَّهْي أَنْ يُتَعَاطَى) أي: يعطى ويؤخذ من الجانبين (السَّيْفُ مَسْلُولًا) أي: خارجًا من الغمد\n٢٥٨٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي - ﷺ - نهى أن يتعاطى السيف مسلولًا)، وهذا النهي أيضًا مبني على احتمال خدش المسلم بيد المسلم وسدًا لذريعة الفساد بين المسلمين.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أو\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٤٧).","vol":"9","page":170},{"text":"(١)\n٢٥٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، نَا أَشْعَثُ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ يُقَدَّ السَّيْرُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ\". [ك ٤/ ٢٨١]\n===\n٢٥٨٩ - (حدثنا محمد بن بشار، نا قريش بن أنس) الأنصاري، وقيل: الأموي مولاهم، أبو أنس البصري، قال علي بن المديني: كان ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به إلَّا أنه تغير، قال أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد أنه تغير، وكذا ذكر البخاري عن إسحاق الشهيدي، وزاد: أنه اختلط ست سنين في البيت، وقال النسائي: ثقة.\n(نا أشعث) بن عبد الملك، (عن الحسن، عن سمرة بن جندب: أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يقد) أي يقطع، قال في \"القاموس\": القَدُّ: القَطْعُ المُسْتَأصِلُ أو المستطيل، أو الشَقُّ طُولًا، كالاقتداد والتقديد في الكل (السير) بالفتح، الذي يقد من الجلد، جمعه سيور (بين إصبعين).\nقوله: \"بين أصبعين \" يحتمل معنيين: أحدهما: بين أصبعي القادِّ، والثاني: بين أصبعي غير القادِّ، والأول مشكل، فإن القطع بين أصبعي القاد غير معروف، بل ممتنع، فإن القدَّ يكون بالإزميل، وهو شفرة الحذاء، فبالإزميل لا يكن القطع بين أصبعي نفس القاطع، وأما القدُّ بين أصبعي الغير، فهو ممكن، ومحتمل بأن يعقره، والإدخال في \"باب النهي أن يتعاطى السيف مسلولًا\"، وكذا ذكره بعد \"باب في النبل يدخل في المسجد\" يؤيد ذلك المعنى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب النهي أن يقد السير بين إصبعين\".","vol":"9","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>(٦٩) بَابٌ: فِي لُبْسِ الدُّرُوعِ </span>(١)\n٢٥٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانٌ قَالَ: حَسِبْتُ أَنِّي سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ (٢) خُصَيْفَةَ يَذْكُرُ، عن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عن رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ،\n===\n\n(٦٩) (بَابٌ: فِي لُبْسِ الدُّرُوع)\nجمع درع، وهو قميص الحديد تلبس في الحرب، يقال له: الزردية أيضًا\n٢٥٩٠ - (حدثنا مسدد، نا سفيان قال) أي سفيان: (حسبت) أي ظننت (٣) (أني سمعت يزيد) بن عبد الله (بن خصيفة) بمعجمة ثم مهملة، مصغرًا، ابن عبد الله بن يزيد، وقد ينسب لجده، الكندي المدني، قال الأثرم عن أحمد، وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: قال أحمد: منكر الحديث، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا كثير الحديث ثبتًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: زعم ابن عبد البر أنه ابن أخي السائب بن يزيد، وكان ثقة مأمونًا.\n(يذكر عن السائب بن يزيد، عن رجل قد سماه) أي السائب بن يزيد رجلًا، وأخرج ابن ماجه (٤): حدثنا هشام بن عمار، أنا سفيان بن عيينة، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد إن شاء الله تعالى: \"أن النبي - ﷺ - يوم أحد أخذ درعين كأنه ظاهر بينهما\"، ولم يذكر رجلًا.\nوكذلك أخرج الإمام أحمد في \"مسنده\" (٥): حدثنا عبد الله قال: حدثني\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الدرع\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ابن أبي خصيفة\".\n(٣) وفي رواية ابن ماجه (٢٨٠٦) برواية هشام بن عمار: ثنا سفيان بن عيينة عن يزيد بن خصيفة بدون الشك، نعم فيه لفظ: \"إن شاء الله\" بعد السائب كما سيأتي، وهكذا في \"الشمائل\" (١١٢) بدون الشك. (ش).\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (٢٨٠٦).\n(٥) \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٩٩).","vol":"9","page":172},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبي، ثنا يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد إن شاء الله: \"أن النبي - ﷺ - ظاهر بين درعين يوم أحد\"، وحدثنا به مرة أخرى فلم يستثن فيه.\nوأخرج الترمذي في \"شمائله\" (١): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن يزيد بن خصيفة [عن السائب بن زيد]: \"أن رسول الله - ﷺ - كان عليه يوم أحد درعان قد ظاهر بينهما\"، ولم يذكر رجلًا مبهمًا.\nقال القاري في \"شرح الشمائل\" (٢): قال ميرك: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، لأن السائب لم يشهد وقعة أحد، قال المناوي: لأن مولده في ثالث الهجرة، وحج به أبوه حجة الوداع، وهو ابن سبع، وهي في العاشرة، واحد في الثالثة، فلم يكن أهلًا لحضورها، قال القاري: وعند أبي داود: عن السائب، عن رجل قد سماه أن رسول الله - ﷺ - ظاهر .. الحديث، وهذا الرجل المبهم في روايته يحتمل أن يكون الزبير بن العوام، فإنه روى معنى هذا الحديث كما تقدم.\nوقد ذكر صاحب \"الاستيعاب\" (٣) في ترجمة معاذ التميمي، فقال: ذكره صاحب \"الوحدان\"، وذكر بسند عن السائب عن رجل من بني تميم: \"أن رسول الله - ﷺ - ظاهر يوم الحديبية بين درعين\" هكذا وقع في نسخة، وأظن أن قوله: \"يوم الحديبية\" سهو من قلم الناسخ، والصواب: يوم أحد، فإنه لم ينقل أنه - ﷺ - لبس السلاح يومئذ، بل كان يومئذ محرمًا بالعمرة.\nقال: ويحتمل أن يكون طلحة، ويؤيده ما وقع في \"البخاري\" (٤) عن السائب قال: \"صحبت ابن عوف وطلحة بن عبيد الله والمقداد وسعدًا، فما سمعت أحدًا منهم يحدث عن رسول الله - ﷺ -، إلَّا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد\".\n_________\n(١) انظر: \"شمائل الترمذي\" (١٠٩).\n(٢) انظر: \"جمع الوسائل\" (١/ ١٦٠).\n(٣) انظر: \"الاستيعاب\" (٣/ ١٤١٢).\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٨٢٤).","vol":"9","page":173},{"text":"\"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ أَوْ لَبِسَ دِرْعَيْنِ\". [جه ٢٨٠٦، حم ٣/ ٤٤٩، ق ٩/ ٤٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>(٧٠) بَابٌ: فِي الرَايَاتِ وَالأَلْوِيةِ</span>\n===\nقال العسقلاني في \"شرحه\" (١): لم يبين ما حدَّث به عن ذلك، وقد أخرج أبو يعلى (٢) من طريق يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، أو عمن حدثه عن طلحة: \"إنه - ﷺ - ظاهر بين درعين يوم أحد\"، والله أعلم، انتهى.\n(أن رسول الله - ﷺ - ظاهر) أي لبس أحدهما فوق الآخر، كأنه من التظاهر والتعاون \"مجمع\" (٣)، (يوم أحد بين درعين أو) للشك من الراوي (لبس درعين) والغرض بعقد هذا الباب وذكر هذا الحديث أن الوقاية فِي الحرب بلبس الدروع ليس بمناف للتوكل، كما ورد في حديث آخر: \"اعقلها وتوكل\".\n\n(٧٠) (بَابٌ: فِي الرَّايَاتِ والأَلْوِيَةِ)\nقال القاري (٤): في \"النهاية\": الراية: العلم الضخم، وكان اسم راية النبي - ﷺ - العُقَابَ، وفي \"المغرب\": اللواء علم الجيش، وهو دون الراية، لأنه شقة ثوب يلوى ويشد إلى عود الرمح، والراية علم الجيش، ويكنى أم الحرب، وهو فوق اللواء، وقال التوربشتي: الراية هي التي يتولاها صاحب الحرب ويقاتل عليها، واللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار، وفي \"شرح مسلم\": الراية: العلم الصغير، واللواء: العلم الكبير.\nقلت: ويؤيده حديث: \"بيدي لواء الحمد، وآدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة\".\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧)، و\"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٥٤).\n(٢) انظر: \"مسند أبي يعلى\" (٢/ ٦٥٩، ٦٦٠).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٠٧).\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٤١).","vol":"9","page":174},{"text":"٢٥٩١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الثَقَفِيُّ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى (١) مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: \"بَعَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ إِلِى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ يَسْأَلُهُ عن رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا كَانَتْ؟ فَقَالَ: كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ\". [ت ١٦٨٠، حم ٤/ ٢٩٧، ق ٦/ ٣٦٣]\n٢٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ (٢)، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا شَرِيكٌ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ،\n===\n٢٥٩١ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا ابن أبي زائدة، أنا أبو يعقوب الثقفي، حدثني يونس بن عبيد مولى محمد بن القاسم) الثقفي، روى عن البراء بن عازب في الراية، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال ابن القطان: مجهول.\n(قال) يونس بن عبيد: (بعثني محمد بن القاسم إلى البراء بن عازب يسأله عن راية رسول الله - ﷺ - ما كانت؟) أي يسأل عن لونها وكيفيتها ومن أي ثوب كانت (فقال) البراء بن عازب: (كانت) رايته (سوداء) أي ما غالب لونه سواد (مربعة من نمرة) بفتح فكسر، وهي بردة من صوف، يلبسها الأعراب، فيها تخطيط من سواد وبياض، ولذلك سميت نمرة تشبيهًا بالنمر.\n٢٥٩٢ - (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن إبراهيم بن مطر، أبو يعقوب الحنظلي، المعروف بابن راهويه (المروزي) أحد الأئمة، طاف البلاد، كان حافظًا ثقة فقيهًا، إمامًا من أئمة المسلمين، (نا يحيى بن آدم، نا شريك، عن عمار الدهني) بضم أوله وسكون الهاء بعدها نون، ويقال: ابن أبي معاوية، ويقال: ابن صالح، ويقال: ابن حبان، أبو معاوية البجلي الكوفي، وقال أحمد\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رجل من ثقيف مولى لمحمد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وهو ابن راهويه\".","vol":"9","page":175},{"text":"عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ لِوَاؤُهُ يَوْمَ دَخَلَ مَكَّةَ أَبْيَضَ. [ت ١٦٧٩، جه ٢٨١٧، ن ٢٨٦٦، ق ٦/ ٣٦٢، ك / ١٠٤]\n٢٥٩٣ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، نَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ (١)، عن شُعْبَةَ، عن سِمَاكٍ، عن رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، عن آخَرَ مِنْهُمْ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - صَفْرَاءَ\". [ق ٦/ ٣٦٣]\n\n(٧١) بَابٌ (٢): فِي الانْتِصَارِ بِرُذُلِ الْخَيْلِ وَالضَّعَفَةِ\n===\nوابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال ابن المديني عن سفيان: قطع بشر بن مروان عرقوبيه في التشيع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي الزبير، عن جابر يرفعه إلى النبي - ﷺ - أنه) أي النبي - ﷺ - (كان لواؤه) يوم (دخل مكة) أي زمن الفتح (أبيض).\n٢٥٩٣ - (حدثنا عقبة بن مكرم، نا سلم بن قتيبة، عن شعبة، عن سماك، عن رجل من قومه، عن آخر منهم) ولم أقف على تسميتهما، ولم أجده في غير هذا الكتاب (قال: رأيت راية رسول الله - ﷺ - صفراء)، ولعل هذا الراوي رأى راية رسول الله - ﷺ - في بعض مغازيه صفراء، ولم أقف على تعيين تلك الغزوة.\n\n(٧١) (بَابٌ: فِي الانْتِصَارِ)\nأي: الانتصار من الكفار، أو الاستنصار بمعنى طلب النصرة من الله تعالى (بِرُذُلِ الْخَيْلِ)، الرذل: هو الرديء من الشيء، والمراد بهم غير أقوياء (والضَّعَفَةِ) من الشيوخ والنساء وغيرهم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الشعيري أبو قتيبة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب في الإمام يرذل الخيل والضعفة\"، في بعض الحواشي: لعل معنى يرذل ينفي عنهم اسم الترذل، مثل قولهم: \"تحرج\" إذا نفى الحرج، و\"تحنث\" إذا نفى الحنث، والحديث يدل على هذا، كذا في نسخة\". (ش).","vol":"9","page":176},{"text":"٢٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، نَا الْوَلِيدُ، نَا ابْنُ جَابِرٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَرْطَاةَ الْفَزَارِيِّ، عن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺيَقُولُ: \"أَبْغُوا لِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ\". [ت ١٧٠٢، ن ٣١٧٩، حم ٥/ ١٩٨، ق ٣/ ٣٤٥، ك ٢/ ١٠٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَيْدُ بْنُ أَرْطَاةَ أَخُو عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ.\n===\n٢٥٩٤ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا الوليد، نا ابن جابر) أي عبد الرحمن بن يزيد، (عن زيد بن أرطاة الفزاري) الدمشقي، قال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال دحيم والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن جبير بن نفير الحضرمي، أنه سمع أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أَبْغُوا لي) كذا في بعض النسخ بلام الجارة الداخلة على ياء المتكلم، وفي المكتوبة الأحمدية والمصرية ونسخة \"العون\" (١): \"أبغوني\" بالنون، وكتب في النسخة المكتوبة بين السطور: من بغيتك الشيءَ طلبتُه لك، وكتب في \"الحاشية\": \"ابغوني\"، كذا وجدنا في نسخ ستة، والهمزة للوصل، أي: اطلبوا لي، ويحتمل القطع من أبغيتك الشيء أعنتك على طلبه (الضعفاء) فأجالسهم، وأستعين على الأعداء بدعائهم.\n(فإنما ترزقون وتنصرون) أي على الأعداء (بضعفائكم) أي بدعوة وبركة ضعفائهم، فإن دعاءَهُم لزيادة إخلاصهم وقربهم من الله - ﷾ - أقرب إلى الإجابة، وإنما قال ذلك - ﷺ - لئلا يعجب الأقوياء على قوتهم، ولا يعتمدون على شجاعتهم، فإن النصر ليس إلَّا من عند الله العزيز الحكيم.\n(قال أبو داود: زيد بن أرطاة أخو عدي بن أرطاة)، قال شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أخ لعدي بن أرطاة: وكان أكبر وأنسك، وقال مرة: وكان أرضى\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٧/ ١٨٣).","vol":"9","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>(٧٢) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُنَادِي بِالشِّعَارِ</span>\n٢٥٩٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عن الْحَجَّاجِ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: \"كَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ عَبْدُ اللَّهِ، وَشِعَارُ الأَنْصَارِ عَبْدُ الرَّحْمنِ\". [ق ٦/ ٣٦١]\n٢٥٩٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عن ابْنِ الْمُبَارَكِ، عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عن إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ،\n===\nعندي من عدي وأفضل، وإنما ذكر المصنف ذلك لأن عدي بن أرطاة كان أشهر من أخيه زيد بن أرطاة، لأن عديًا كان واليًا على البصرة من قِبَل عمر بن عبد العزيز.\n\n(٧٢) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُنَادِي بِالشِّعَارِ)\nوالشعار: كلمة يصطلحون عليها إذا تكلموا بها يعرف بعضهم بعضًا ويتعارفون بها في الحرب ليمتاز العدو عن غيره\n٢٥٩٥ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا يزيد بن هارون، عن الحجاج، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب قال: كان شعار المهاجرين) أي علامتهم التي يتعارفون بها في الحرب (عبد الله) أي لفظ \"عبد الله\" يتكلمون بها (وشعار الأنصار عبد الرحمن) أي في بعض مغازيه، أو في بعض سراياه، ولم أقف على تعيينها.\n٢٥٩٦ - (حدثنا هناد، عن ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة) بن الأكوع، الأسلمي أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدني، قال ابن معين والعجلي والنسائي: ثقة، ووثقه ابن سعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"","vol":"9","page":178},{"text":"عن أَبِيهِ قَالَ: \"غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَكَانَ شِعَارُنَا أَمِتْ أَمِتْ\". [جه ٢٨٤٠، حم ٤/ ٤٦]\n٢٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ\n===\n(عن أبيه) سلمة بن الأكوع (قال: غزونا مع أبي بكر) أي وكان هو أميرًا على السرية (زمن رسول الله - ﷺ -)، ولعل هذه السرية سرية أبي بكر الصديق - ﵁ - إلى نجد قِبَل بني فزارة، ومعه سلمة بن الأكوع، ووقع في سهمه جارية حسناء، فاستوهبها رسول الله - ﷺ -، وفادى بها أسرى كانوا من المسملين.\n(فكان شعارنا) أي علامتنا في الحرب في تلك الليلة (أمت أمت) أمر من أمات يميت إماتة، قيل: المخاطب هو الله تعالى، فإنه المميت، فالمعنى يا ناصر! أمت العدو، وفي \"شرح السنَّة\" (١): يا منصور! أمت، فعلى هذا المخاطب كل واحد من غزاة المسلمين، والتكرار للتأكيد، أو المراد: أن هذا اللفظ كان بما يتكرر على لسانهم.\n٢٥٩٧ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان) الثوري، (عن أبي إسحاق، عن المهلب بن أبي صفرة) بضم المهملة وسكون الفاء، ظالم بن سارق بن الصبح العتكي بفتح المهملة والمثناة، الأزدي، أبو سعيد البصري، من ثقات الأمراء، وكان عارفًا بالحرب، فكان أعداؤه يرمونه بالكذب، وكان أبوه ممن أسلم، ثم ارتد في زمن أبي بكر، ثم أسلم ونزل البصرة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: عداده في أهل البصرة، أقام واليًا على خراسان من قبل الحجاج تسع سنين.\nوقال ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (٢): له رواية عن النبي - ﷺ - مرسلة،\n_________\n(١) انظر: \"شرح السنَّة\" (٥/ ٥٧٧).\n(٢) \"الاستيعاب\" (٤/ ١٦٩٢).","vol":"9","page":179},{"text":"قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنْ بُيِّتُّمْ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُم: حم لَا يُنْصَرُونَ\". [ت ١٦٨٢، حم ٤/ ٦٥، سي ٦١٧، ك ٢/ ١٠٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>(٧٣) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا سَافَرَ</span>\n٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي\n===\nوهو ثقة ليس به بأس، وأما من عابه بالكذب، فلا وجه له، لأن صاحب الحرب يحتاج إلى المعاريض والحيل، فمن لم يعرفها عدها كذبًا.\n(قال: أخبرني من سمع النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميته (يقول) أي النبي - ﷺ -: (إن بُيِّتُم) على صيغة بناء المفعول، من تبييت العدو، وهو أن يقصد العدو في الليل من غير أن يعلم، فيهجم عليهم بغتة (فليكن شعاركم، \"حم لا ينصرون\") بصيغة المفعول، وهو دعاء أو إخبار.\nقال القاضي: أي علامتكم التي تعرفون بها أصحابكم هذا الكلام، والشعار في الأصل العلامة التي تنصب ليعرف بها الرجل رفقته.\nقال الترمذي (١) بعد تخريج هذا الحديث: وهكذا روى بعضهم عن أبي إسحاق مثل رواية الثوري، وروي عنه عن المهلب بن أبي صفرة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا.\nوقد أخرجه الإمام أحمد (٢) من طريق أسود بن عامر قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المهلب بن أبي صفرة، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: \"ما أراهم الليلة إلَّا سيبيتونكم، فإن فعلوا فشعاركم حم لا ينصرون\".\n\n(٧٣) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا سَافَرَ)\n٢٥٩٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، نا محمد بن عجلان، حدثني\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٤/ ١٩٧) رقم (١٦٨٢).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ٦٥).","vol":"9","page":180},{"text":"سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا سَافَرَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ اطْوِ لَنَا الأَرْضَ، وَهَوَّنْ عَلَيْنَا السَّفَر\". [حم ٢/ ٤٣٣، سي ٣٤٨]\n٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَلِيًّا الأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ\n===\nسعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر قال: اللَّهُمَّ أنت الصاحب) أي صاحبي (في السفر) أي كما في الحضر، بل لكل واحد، وفيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١)، (والخليفة) أي: خليفتي (في الأهل) أي: أهلي.\n(اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر) أي مشقته وشدته، وأصله من الوعث، وهو أرض فيها رمل تسوخ فيه الأرجل، والمشي فيه يشق على صاحبه (وكآبة) بفتح كاف ومد همزة (المنقلب) هو تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن من كئب واكتأب، والمعنى: أن يرجع من سفره بأمر يحزنه بآفة أصابته من سفره، أو يعود غير مقضي الحاجة، أو أصابت ماله آفة، أو يجد أهله مرضى، أو فقد بعضهم.\n(وسوء المنظر في الأهل والمال) والمراد منه الاستعاذة من كل منظر يعقب الحزن والسوء عند النظر إليه في الأهل والمال (اللَّهُمَّ اطوِ) من طَوَى يَطْوي (لنا الأرض) أي: قَصِّر بُعدَها (وهوِّن علينا السفرَ) أي: سهِّل.\n٢٥٩٩ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أخبرني ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أن عليًا الأزدي) ابن عبد الله البارقي (أخبره، أن ابن عمر\n_________\n(١) سورة الحديد: الآية ٤","vol":"9","page":181},{"text":"عَلَّمَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلِى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: \" ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١).\nاللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، اللَّهُمَّ اطْوِ لَنَا الْبُعْدَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ\". وإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِ: \"آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ\". وكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَجُيُوشُهُ إِذَا عَلَوْا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا، فَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ. [م ١٣٤٢، ت ٣٤٤٧، سي ٥٤٨، حم ٢/ ١٤٤، خزيمة ٢٥٤٢، ق ٥/ ٢٥١، ك ٢/ ٢٥٤]\n===\nعلمه: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استوى) أي ركب واستقر راكبًا (على بعيره خارجًا إلى سفر كبَّر ثلاثًا، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾)، أي: ذلل (﴿لَنَا هَذَا﴾)، أي: البعير، (﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾) أي: مطيقين لولا تسخير الله تعالى إياهم لنا (﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، اللَّهُمَّ إنِّي أسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللَّهُمَّ هون) أي: سهل (علينا سفرنا هذا، اللَّهُمَّ اطو) أي: قصِّر (لنا البعد، اللَّهُمَّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال).\n(وإذا رجع) عطف على قوله: \"إذا استوى\"، أي عن السفر (قالهن) أي الكلمات المذكورة (وزاد فيهن: آيبون) أي: راجعون من السفر (تائبون) مما صدر عنا من المناهي (عابدون) أي لله تعالى (لربنا) متعلق لقوله فيما بعد (حامدون، وكان النبي - ﷺ - وجيوشه إذا علوا الثنايا) أي: صعدوها كبَّروا، وإذا هبطوا) أي: من الثنايا (سبَّحوا، فوضعت الصلاة على ذلك)، فوضع التكبير في حالة القيام عند التحريمة، ووضع التسبيح في حالة الركوع والسجود.\n_________\n(١) سورة الزخرف: الآية ١٣ - ١٤.","vol":"9","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-964>(٧٤) بَابٌ: فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْوَدَاعِ</span>\n٢٦٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَرِيرٍ، عن قَزَعَةَ (١) قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: هَلُمَّ\n===\n\n(٧٤) (بَابٌ: فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْوَدَاعِ)\n٢٦٠٠ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن عبد العزيز بن عمر، عن إسماعيل بن جرير)، قال الحافظ في ترجمة إسماعيل بن جرير: عن قزعة، وعنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، صوابه يحيى بن إسماعيل بن جرير، وكذا في \"التقريب\" في ترجمة إسماعيل.\nقلت: وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢) بسند أبي داود، وقال فيه: عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن إسماعيل بن جرير عن قزعة، ولم يقل: يحيى بن إسماعيل، وكذا قال الذهبي في \"تلخيصه\": عن إسماعيل بن جرير، عن قزعة، ولم يذكر يحيى.\nوأما صاحب \"الخلاصة\" فلم يذكر في كتابه ترجمة يحيى بن إسماعيل بن جرير، وذكر ترجمة إسماعيل بن جرير، ولم يذكر ما ذكره الحافظ من أن الصواب يحيى بن إسماعيل (٣)، (عن قزعة) بن يحيى (قال لي ابن عمر: هلم) أي تعال، مركبة من هاء التنبيه، ومن لُمَّ، أي ضُمَّ نفسك إلينا، واستعملت استعمال البسيطة يستوي فيه الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) انظر: \"المستدرك مع التلخيص\" (٢/ ٩٧).\n(٣) قلت: \"يحيى بن إسماعيل بن جرير\"، هكذا ذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٢٩٢٣)، ورجحه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٢٦٩)، والدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٢١٢)، وقال المزي في \"تهذيب الكمال\" (١/ ٢٢٤) (٤٢٥): هو المحفوظ، وقال أيضًا، (٨/ ١٠) (٧٣٨٠): والصواب رواية النسائي، انظر: \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩٠) رقم (١٠٢٦٩)، و\"عمل اليوم والليلة\" (٥١٥).","vol":"9","page":183},{"text":"أُوَدِّعْكَ كَمَا وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، \"أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ\". [حم ٢/ ٣٧، ك ٢/ ٩٧]\n٢٦٠١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّيْلَحِينِيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ،\n===\nعند الحجازيين، وتميم تجريها مجرى رُدَّ، وأهل نجد يُصَرِّفُونَها، فيقولون: هَلُمَّا وهَلُمُّوا وهَلُمِّي وَهَلْمُمْنَ، وقد توصل باللام، فيقال: هَلُمَّ لَكَ \"قاموس\" (١).\n(أودعك كما ودعني رسول الله - ﷺ -) أي عند السفر (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك) أي: أجعل هذه الأمور وديعة عند الله أستحفظه إياها.\nقال في \"المجمع\" (٢): لأن السفر مظنة إهمال بعض أمور الدنيا وتضييع الأمانة في الأخذ والعطاء من الناس، وآخر عملك في سفرك أو مطلقًا، أي يختمه بالخير.\nقال في \"درجات الصعود\" (٣): قال طب: الأمانة ها هنا أهله ومن يخلفه منهم، ومال أودعه أمينًا واستحفظه وكيله، وجرى ذكر الدين مع الوداع، لأن السفر محل خوف وخطر، وقد يصيب به مشقة وتعبًا، فيكون سببًا لإهمال بعض أمور متعلقة بدينه، فدعا له بمعونة وتوفيق فيها.\nونقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": قوله: أمانتك، أي: ما وضع عندك من الأمانات من الله أو من أحد من خلقه، أو ما وضعت أنت عند أحد، وما يتعلق بك من الأمانات، انتهى.\n٢٦٠١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يحيى بن إسحاق السيلحيني، نا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي)، وهو عمير بن يزيد بن عمير بن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (١٠٧٩).\n(٢) (٥/ ٣٣).\n(٣) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١١٣).","vol":"9","page":184},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ الْخَطْمِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْجَيْشَ قَالَ: \"أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وَأَمَانَتَكُمْ وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِكُمْ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>(٧٥) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا رَكِبَ</span>\n٢٦٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عن عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا أُتِيَ (١) بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى\n===\nحبيب بن خماشة، ويقال: ابن حباشة، الأنصاري المدني، نزيل البصرة، أمه بنت عقبة بن الفاكهة بن سعد، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: ووثقه ابن نمير [و] العجلي فيما نقله ابن خلفون، وقال الطبراني في \"الأوسط\": ثقة، وقال أبو الحسن ابن المديني: هو مدني، قدم البصرة، وليس لأهل المدينة عنه أثر ولا يعرفونه.\n(عن محمد بن كعب) القرظي، (عن عبد الله) بن يزيد (الخطمي قال: كان النبي - ﷺ - إذا أراد أن يستودع الجيش) وقت الخروج إلى الغزو (قال: أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم).\n\n(٧٥) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا رَكِبَ)\nأي: دابته للسفر أو غيره\n٢٦٠٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو الأحوص، نا أبو إسحاق الهمداني، عن علي بن ربيعة قال: شهدت عليًا) أي ابن أبي طالب (أتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال) أي علي: (بسم الله، فلما استوى) أي استقر\n_________\n(١) في نسخة: \"وأتى\".","vol":"9","page":185},{"text":"عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١)، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقِيلَ (٢): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيِّ شَيءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (٣) - ﷺ - فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَي شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: \"إِنَّ رَبَّكَ تَعَالَى يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي\". [ت ٣٤٤٦، حم ١/ ٩٧، سي ٥٠٣، ق ٥/ ٢٥٢، ك ٢/ ٩٨]\n===\n(على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾ أي: ذلل (﴿لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾،) أي: مطيقين وأقوياء عليه (﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، ثم قال: الحمد لله، ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر، ثلاث مرات)، لعل التثليث إيماء إلى الأحوال الثلاث من: الماضي والحال والاستقبال، أو إلى الدنيا والبرزخ والعقبى.\n(ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المومنين! من أي شيء ضحكت؟) أي: ما أضحكك؟ (قال: رأيت رسول الله - ﷺ - فعل كلما فعلت، ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله! من أي شيء ضحكت؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن ربك تعالى يعجب) أي يرضى (من عبده إذا قال) أي العبد: (اغفر لي ذنوبي يعلم) أي العبد (أنه لا يغفر الذنوب غيري).\n_________\n(١) سورة الزخرف: الآية ١٣ - ١٤.\n(٢) في نسخة: \"فقلت\".\n(٣) في نسخة بدله: \"النبي\".","vol":"9","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>(٧٦) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلَ إِذَا نَزَلَ الْمَنْزِلَ </span>(١)\n٢٦٠٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ، حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ، عن الزُّبَيْرِ بْنِ الْوَلِيدِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمر قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ قَالَ: \"يَا أَرْضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ، وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، وَأَعُوذُ بِاللَّه (٢) مِنْ أَسَدٍ وَأُسْوَدَ،\n===\n\n(٧٦) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا نَزَل الْمَنْزِلَ)\n٢٦٠٣ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا بقية) بن الوليد، (حدثني صفوان) بن عمرو، (حدثني شريح بن عبيد، عن الزبير بن الوليد) الشامي، ذكره ابن حبان فِي \"الثقات\"، وروى له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا: \"يا أرض! ربي وربك الله\"، الحديث (عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر فأقبل الليل) ونزل في منزله (قال: يا أرض! ربي وربك الله).\nقال القاري (٣): خاطب الأرض وناداها على الاتساع وإرادة الاختصاص، وتعقبه ابن حجر بأن هذا في حق غيره - ﷺ - لا في حقه، لأن الجمادات تكلمه وتخاطبه، فهي صالحة لخطابه، انتهى. وفيه أنه لا منافاة له بالاتساع، فإن وضع النداء حقيقة لأولي العلم، فإذا استعمل في غيره يكون مجازًا واتساعًا، ألا ترى في قوله تعالى: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ (٤).\n(أعوذ بالله من شرك) بأن يقع فيك معصية أو محنة وبلية (وشر ما فيك) من البرودة والحرارة وفساد الهواء وغيرها (وشر ما خلق فيك) أي: في جوفك من المؤذيات (ومن شر ما يدب عليك) أي: يتحرك (وأعوذ بالله من أسد وأسود)\n_________\n(١) في نسخة: \"منزلًا\".\n(٢) في نسخة: \"بك\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٩٢).\n(٤) سورة هود: الآية ٤٤.","vol":"9","page":187},{"text":"وَمِنَ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِي (١) الْبَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ\". [حم ٢/ ١٣٢، خزيمة ٢٥٧٢]\n\n(٧٧) بَابٌ: فِي كَرَاهِيَّةِ السَّيْرِ (٢) أَوَّلَ اللَّيْلِ\n٢٦٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تُرْسِلُوا\n===\nواختلف في صرفه ومنعه، فقيل: منصرف، لأنه اسم جنس، وليس بصفة، لأن غلبة الاسمية أبطل الوصفية.\nقال بعضهم: إنه غير منصرف، وهو المسموع من أفواه المشايخ والمضبوط في أكثر النسخ، لأن وصفيته أصلية وإن غلب عليه الاسمية، وهو العظيم من الحيات، خصت بالذكر لخبثها.\n(ومن الحية والعقرب) تخصيص بعد التعميم (٣) (ومن ساكني البلد) بصيغة الجمع، وهم: الجن والإنس، لأنهم يسكنون البلاد غالبًا، أو لأنهم بنوا البلدان واستوطنوها، أو المراد بالبلد الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ (٤) (ومن والد وما ولد) قيل: المراد بالوالد وما ولد: آدم وذريته، ويحتمل جميع ما يوجد بالتوالد من الحيوانات أصولها وفروعها، ويحتمل أن يكون \"والد\": إبليس، و\"وما ولد\": الشياطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>(٧٧) (بَابٌ: فِي كَرَاهِيَةِ السَّيْرِ أَوَّلَ اللَّيْلِ)</span>\n٢٦٠٤ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله بن (أبي شعيب الحراني، نا زهير) بن معاوية، (نا أبو الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا ترسلوا\n_________\n(١) في نسخة: \"ساكن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"في\".\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: تعميم بعد التخصيص. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٩٣).\n(٤) سورة الأعراف: الآية ٥٨.","vol":"9","page":188},{"text":"فَوَاشِيَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَعِيثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ\" (١). [م ٢٠١٣، حم ٣/ ٣٩٥، ق ٥/ ٢٥٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>(٧٨) بَابٌ: فِي أَيّ يَوْمٍ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ</span>\n٢٦٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عن يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ\". [خ ٤٩٤٩، ت ٣١٠٢، حم ٣/ ٤٥٥، خزيمة ٢٥١٧]\n===\nفواشيكم) الفواشي: ما انتشر من المال كالغنم السائمة، والإبل وغيرها، كذا في \"القاموس\"، (إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء)، أي: إقباله وأول سواده، يقال لظلمته بين صلاتي العشاء: فحمة، والتي بين العتمة والغداة: عسعسة (فإن الشياطين تعيث) أي: تفسد (إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء) كأن المصنف استنبط من النهي عن إرسال الفواشي كراهية السير أول الليل، ولكن هذا الاستنباط بعيد.\n\n(٧٨) (بَابٌ: فِي أَيِّ يَوْمٍ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ)\n٢٦٠٥ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك قال: قَلَّما كان رسول الله - ﷺ - يخرج في سفر إلَّا يوم الخميس)، وهذا يدل على أن أكثر خرجاته - ﷺ - للسفر كان يوم الخميس، فإن رسول الله - ﷺ - خرج للحج\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الليل\"، وزاد في نسخة: \"قال أبو داود: الفواشي: ما يفشو من كل شيء، وهي كالإبل والبقر والغنم ونحوها\".","vol":"9","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-969>(٧٩) بَابٌ: فِي الابْتِكَارِ فِي السَّفَرِ</span>\n٢٦٠٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا هُشَيْمٌ، نَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، نَا عُمَارَةُ بْنُ حَدِيدٍ، عن صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ،\n===\nيوم السبت، وإن كان ابن حزم مال إلى أنه - ﵇ - خرج للحج يوم الخميس، ولكن رده الشيخ ابن القيم مما لا مزيد عليه (١).\n\n(٧٩) (بَابٌ: فِي الابْتِكَارِ فِي السَّفَرِ)\nقال في \"القاموس\": بَكَّر وابْتَكَرَ وأَبْكَرَ وَبَاكَرَهُ: أتاه بُكْرَةً، وكل من بادر إلى شيء، فقد أبكر إليه في أي وقت كان.\n٢٦٠٦ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا هشيم، نا يعلي بن عطاء، نا عمارة بن حديد) بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية، البجلي، قال أبو زرعة: لا يعرف، وقال أبو حاتم: مجهول مثل حجية بن عدي وهبيرة بن يريم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" له عندهم حديث في صخر الغامدي، قلت: وقال ابن السكن: مجهول، وقال ابن المديني: لا أعلم أحدًا روى عنه غير يعلي بن عطاء.\n(عن صخر الغامدي) هو صخر بن وداعة الغامدي، الأسدي، حجازي، سكن الطائف، له صحبة، روى عن النبي - ﷺ -: \"اللَّهُمَّ بارك لأمتي في بكورها\"، وعنه عمارة بن حديد، قال الترمذي (٢): لا يعرف لصخر غيره [و] قال المزي: له حديث آخر: \"لا تسبوا الأموات\"، وساقه من عند الطبراني، وفيه عبد الله بن محمد بن أبي مريم شيخه وهو ضعيف، وباقي الإسناد ثقات. قلت: وقال ابن السكن: روى عنه عمارة وحده، وقال الأزدي: لا يحفظ أن أحدًا روى عنه إلَّا عمارة.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ١٠٢، ١٠٣).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٥١٧) رقم (١٢١٢).","vol":"9","page":190},{"text":"عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا\"، وكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مالُهُ (١). [ت ١٢١٢، جه ٢٢٣٦، حم ٣/ ٤١٧، ق ٩/ ١٥١، حب ٤٧٥٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>(٨٠) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسَافِرُ وَحْدَهُ</span>\n٢٦٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ\". [ت ١٦٧٤، ط ٢/ ٩٧٨ / ٣٥، حم ٢/ ١٨٦، ق ٥/ ٢٥٧، خزيمة ٢٥٧٠، ك ٢/ ١٠٢]\n===\n(عن النبي - ﷺ - قال: اللَّهُمَّ بارك لأمتي في بكورها) أي إذا فعلوا فعلًا من التجارة والسفر وغيرها، وكذا من العبادات بكرة فبارك فيه، (وكان) أي رسول الله - ﷺ - (إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم من أول النهار)، فثبت استحباب الابتكار بالقول منه - ﷺ - وبالفعل.\n(وكان صخر رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارته) أي: متاع التجارة وعروضها مع غلمانه (من أول النهار، فأثرى) أي صار ذا ثروة (وكثر ماله) ببركة دعائه - ﷺ -.\n\n(٨٠) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسَافِرُ وَحْدَهُ)\nأي: يكره ذلك\n٢٦٠٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب) أي: إذا سافر الواحد والاثنان، ففعلهم هذا من تسويل الشيطان وإغرائه، وأما إذا كانوا ثلاثة فهم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهو صخر بن وداعة\".","vol":"9","page":191},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nركب وجماعة مجتمعة يد الله عليها، وهذا يدل على النهي عن السفر إذا سافر وحده (١) أو سافر اثنان، وأما إذا سافر ثلاثة فيجوز.\nنقل في الحاشية عن الخطابي (٢): معناه أن التفرد والذهاب في الأرض من فعل الشيطان، أو شيء يحمله الشيطان، ويدعوه إليه، فقيل على هذا: إن فاعله شيطان، وكذلك الاثنان ليس معهما ثالث، فإذا صاروا ثلاثة فهم ركب، أي جماعة وصحب، وذلك النهي لفوات الجماعة من الواحد، وتعسر العيش عليه، والاثنان إن مات الواحد منهم اضطر الآخر ونحو ذلك، فعلم من هذا الحديث أنه لا بد في السفر من ثلاثة، وهي أقل الجماعة.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: \"الراكب شيطان\" .. إلخ، قيل: كان ذلك في أول الأمر لغلبة الكفار، ثم رخص لما شاع الإسلام في السفر وحده، وقيل: بل هو باق، وإطلاق الشيطان على هذا كناية عن سروره بتكاليفه ومشاقه، وعلى الأول فكان إطلاقه عليه لما أنه معرض له ومظنة لسلب إيمانه، انتهى.\nقلت: ويؤيد الأول قوله في الحديث: \"حتى تسير الظعينة لا تخاف إلَّا الله تعالى\".\nقال الحافظ في شرح \"باب السير وحده\" (٣)، قال ابن المنير: السير لمصلحة الحرب أخص من السفر، والخبر ورد في السفر، فيؤخذ من حديث جابر جواز السفر منفردًا للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلَّا بالانفراد، كإرسال الجاسوس والطليعة، والكراهة لما عدا ذلك، ويحتمل أن تكون حالة\n_________\n(١) ويشكل عليه بعثه - ﵇ - البريد وحده، قاله ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٩١). (ش).\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٢٦٠).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣٩).","vol":"9","page":192},{"text":"(٨١) بَابٌ: فِي الْقَوْمِ يُسَافِرُونَ يُؤَمِّرُونَ (١) أَحَدَهُمْ\n٢٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بَرِّيٍّ، نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عن نَافِعٍ، عن أَبِي سَلْمَةَ، عن أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ\". [ق ٥/ ٢٥٧]\n٢٦٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ\"، قَالَ نَافِعٌ: فَقُلْنَا (٢) لأَبِي سَلَمَةَ: فَأَنْتَ أَمِيرُنَا. [ق ٥/ ٢٥٧]\n===\nالجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيدة بالخوف، حيث لا ضرورة، وقد وقع في كتب المغازي بعث كل من حذيفة ونعيم بن مسعود وعبد الله بن أنس وخوات بن جبير وعمرو بن أمية وسالم بن عمير وبسبسة في عدة مواطن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>(٨١) (بَابٌ: فِي الْقَوْمِ يُسَافِرُونَ يُؤَمِّرُونَ أَحَدَهُمْ)</span>\nأي: ينبغي لهم ذلك\n٢٦٠٨ - (حدثنا علي بن بحر بن بري، نا حاتم بن إسماعيل، نا محمد بن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)، فليجعلوا أحدهم أميرًا عليهم، ليسهل قطع النزاع والاختلاف عليهم، والأمر للاستحباب.\n٢٦٠٩ - (حدثنا علي بن بحر، نا حاتم بن إسماعيل، نا محمد بن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم، قال نافع: فقلنا لأبي سلمة: فأنت أميرنا)،\n_________\n(١) في نسخة: \"يؤمروا\".\n(٢) في نسخة: \"فقلت\".","vol":"9","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-972>(٨٢) بَابٌ: فِي الْمُصْحَفِ يُسَافَرُ بِهِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوّ</span>\n٢٦١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُسَافَر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ\"، قَالَ مَالِكٌ: أُرَاهُ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ. [خ ٢٩٩٠، م ١٨٦٩، جه ٢٨٧٩، حم ٢/ ٦]\n===\nولعل أبا سلمة يحدث نافعًا وغيره الذين كانوا معه في سفر، فلما حدث بهذا الحديث، قال نافع لأبي سلمة: فأنت أميرنا.\n\n(٨٢) (بَابٌ: فِي المُصْحَفِ يُسَافَرُ بِه إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ)\n٢٦١٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يسافر بالقرآن) أي: المصحف (١) (إلى أرض العدو، قال مالك: أراه) (٢) أي: النهي (مخافة أن يناله العدو) أي: فيؤدي إلى استهانته.\nقال الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (٣): قال ابن عبد البر: كذا قال يحيى الأندلسي وابن بكير وأكثر الرواة عن مالك، ورواه ابن وهب عنه فقال: \"خشية أن يناله العدو\"، فجعله من المرفوع، وكذا قال عبيد الله بن عمر وأيوب عن نافع: \"نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو\".\n_________\n(١) ولم يكن في زمنه - ﷺ -، فإما أن يكون من قبيل الإخبار بالغيب أو كان مكتوبًا في رقاع، فيصح، ثم النهي عن السفر بالقليل والكثير على القول بأنه اسم حسن يتناول القليل والكثير، وعلى القول بأن القرآن اسم للجميع فيدخل فيه القليل للعلة، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ٥٠). (ش).\n(٢) وهكذا في \"الموطأ\" جعله قول مالك، لكن الوارد في الروايات عن مالك وغيره رفع هذا التعليل، فلعل مالكًا جزم أولًا، ثم تردد فجعله قوله، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ٥٤). (ش).\n(٣) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٣/ ١٠)، و\"التمهيد\" (١٥/ ٢٥٣).","vol":"9","page":194},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الحافظ (١): أشار إلى تفرد ابن وهب برفعها عن مالك، وليس كذلك، فقد تابعه عبد الرحمن وابن مهدي، عن مالك عند ابن ماجه بلفظ: \"مخافة أن يناله العدو\"، ولم يجعله قول مالك، وقد رفعها ابن إسحاق أيضًا عند أحمد، والليث وأيوب عند مسلم، فصح أن التعليل مرفوع وليس بمدرج، ولعل مالكًا كان يجزم برفعه، ثم صار يشك فيه، فجعله من تفسير نفسه.\nقال ابن عبد البر (٢): أجمع الفقهاء (٣) أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، وفي الكبير المأمون خلاف، فمنع مالك أيضًا مطلقًا، وفصل أبو حنيفة، وأدار الشافعي الكراهة مع الخوف وجودًا وعدمًا، واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر للعلة المذكورة فيه، وهو التمكن من استهانته، ولا خلاف في تحريم ذلك، وإنما اختلف هل يصح لو وقع ويؤمر بإزالة ملكه أم لا؟\nواستدل به على منع تعليم الكافر القرآن، وبه قال مالك مطلقًا، وأجازه أبو حنيفة مطلقًا، وعن الشافعي القولان، وفصل بعض المالكية بين القليل لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم، فأجازه، وبين الكثير فمنعه، ويؤيده كتب النبي - ﷺ - إلى هرقل بعض آيات.\nونقل النووي (٤) الاتفاق على جواز الكتابة إليهم مثله، زاد بعضهم منع بيع\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣٥).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" (١٣/ ٥١).\n(٣) وكذا قال ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٣١٠): إن عامة الفقهاء على أنه لا يجوز، وقال أبو حنيفة: يجوز إذا كان في العساكر المأمونة ... إلخ، وفي عامة الفروع التفريق بين السَّرِيَّة والعساكر مع الاختلاف في تحديدهما، كما في \"البحر الرائق\" (٥/ ٨٣)، و\"الشامي\" (٦/ ٢١١). (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ١٩).","vol":"9","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-973>(٨٣) بَابٌ: فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْجُيُوشِ وَالرُّفَقَاءِ وَالسَّرَايَا</span>\n٢٦١١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو خَيْثَمَةَ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ،\n===\nكتب فقه فيها آثار، قال السبكي، بل الأحسن أن يقال: كتب علم، وإن لم يكن فيها آثار تعظيمًا للعلم الشرعي، قال ولده التاج: وينبغي منع ما يتعلق بالشرعي ككتب النحو والفقه.\n\n(٨٣) (بَابٌ: فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الجُيُوشِ)\nجمع جيش وهو العسكر العظيم (وَالرُّفَقَاءِ) في السفر (والسَّرَايَا) جمع سرية وهو العسكر الصغير\n٢٦١١ - (حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، نا وهب بن جرير، نا أبي) جرير بن حازم (قال: سمعت يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: خير الصحابة) بالفتح، جمع صاحب، ولم يجمع فاعل على فعالة غير هذا (أربعة) أي ما زاد على ثلاثة، قال أبو حامد: المسافر لا يخلو عن رجل يحتاج إلى حفظه، وعن حاجة يحتاج إلى التردد فيها، ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد واحدًا، فيبقى بلا رفيق، فلا يخلو عن ضرر وضيق قلب لفقد الأنيس، ولو تردد اثنان كان الحافظ وحده.\nقال المظهر: يعني الرفقاء إذا كانوا أربعة خير من أن يكونوا ثلاثة، لأنهم إذا كانوا ثلاثة، ومرض أحدهم، وأراد أن يجعل أحد رفيقيه وصي نفسه، لم يكن هناك من يشهد بإمضائه إلَّا واحد، فلا يكفي، ولو كانوا أربعة كفى شهادة اثنين، ولأن الجمع إذا كانوا أكثر يكون معاونة بعضهم بعضًا أتم، وفضل صلاة الجماعة أيضًا أكثر، فخمسة خير من أربعة، وكذا كل جماعة خير ممن هو أقل منهم لا ممن فوقهم.","vol":"9","page":196},{"text":"وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ (١) اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ\" (٢). [ت ١٥٥٥، دي ٢٤٣٨، حم ١/ ٢٩٤، خزيمة ٢٥٣٨، ق ٩/ ١٥٦، ك ١/ ٤٤٣]\n===\n(وخير السرايا (٣) أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف) أي ممن هو أقل منهم لا ممن فوقهم (ولن يغلب) بصيغة (٤) المجهول، أي لن يصير مغلوبًا (اثنا عشر ألفًا).\nقال الطيبي (٥): جميع قرائن الحديث دائرة على الأربع واثنا عشر ضعفا أربع، ولعل الإشارة بذلك إلى الشدة والقوة، واشتداد ظهرانيهم تشديدًا بأركان البناء. (من قلة) معناه: أنه لو صاروا مغلوبين لم يكن للقلة، بل لأمر آخر سواها، وإنما لم يكونوا قليلين، والأعداء مما لا يعد ولا يحصى، لأن كل واحد من هذه الأثلاث جيش، قوبل بالميمنة أو الميسرة أو القلب فليكفها، ولأن الجيش الكثير المقاتل منهم بعضهم، وهؤلاء كلهم مقاتلون، ومن ذلك قول بعض الصحابة (٦) يوم حنين، وكانوا اثني عشر ألفًا: لن نغلب اليوم من قلة، وإنما غلبوا عن إعجاب منهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ\n_________\n(١) في نسخة: \"لن تغلب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: والصحيح أنه مرسل\".\n(٣) وفي \"الخميس\" (١/ ٣٥٦): أقل العساكر الجريدة، وهي قطعة جُرِّدت من سائرها لوجه ما، ثم السرية أكثر منها، وهي من خمسين إلى أربعمائة، ثم الكتيبة، وهي من مائة إلى ألف، ثم الجيش، وهو من ألف إلى أربعة آلاف، وكذلك الفريق، والجحفل، ثم الخميس، وهو من أربعة آلاف إلى اثني عشر ألفًا، والعسكر يجمعها، انتهى، واختلف في الجيش والسرية عندنا، راجع: \"الشامي\" (٦/ ٢٠٧)، و\"البحر الرائق\" (٥/ ٨٣). (ش).\n(٤) استدل به الجصاص على أنه لا يجوز لهذا العدد الفرار عن مثله. (انظر: \"أحكام القرآن\" ٤/ ٢٢٨). (ش).\n(٥) انظر: \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٣٩، ٣٤٠).\n(٦) اختلف في اسم القائل كما في \"الخميس\" (٢/ ١٠٠)، وقيل: إنه من قوله - ﷺ -. (ش).","vol":"9","page":197},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n﴿كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ (١)، وكانوا عشرة آلاف من أهل المدينة والألفان من مسلمي فتح مكة.\nوزاد في نسخة: قال أبو داود: والصحيح أنه مرسل، قال الترمذي (٢) بعد تخريج هذ الحديث: هذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما رُوي هذا الحديث عن الزهري عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وقد رواه حبان بن علي العنزي، عن عقيل، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، ورواه الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن النبي - ﷺ - مرسلًا.\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣) من طريق وهب بن جرير، عن أبيه مسندًا، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لخلاف بين الناقلين فيه عن الزهري، وقال الذهبي في \"تلخيصه\" بعد إيراد الحديث مرفوعًا: لم يخرجاه لخلاف بين أصحاب الزهري فيه، انتهى.\nولم يرجح الإرسال إلَّا أبو داود، ولم أقف على دليل يدل على ترجيحه فإن جريرًا عن يونس عن الزهري يسنده، واختلف على عقيل فحبان بن علي العنزي، عن عقيل، عن الزهري رواه مسندًا، ورواه الليث عن عقيل عن الزهري مرسلًا، وحبان بن علي وإن كان ضعيفًا لكن يؤيد حديثه حديث جرير بن حازم، وبهذه التقوية يمكن أن يرجح على حديث الليث، فلعل المراد بقول المصنف: \"الصحيح أنه مرسل\"، أن حديث الليث عن عقيل مرسلًا صحيح بالنسبة إلى حديث حبان بن علي لأنه ضعيف (٤).\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ٢٥.\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٤/ ١٢٥) رقم (١٥٥٥).\n(٣) (١/ ٤٤٣).\n(٤) قلت: قال أبو حاتم الرازي كما في \"العلل\" (١/ ٣٤٧): مرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي - ﷺ -.","vol":"9","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>(٨٤) بَابٌ: فِي دُعَاءِ الْمُشْرِكِين</span>\n٢٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَقَالَ: \"إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحَدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهَا (١) أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ:\n===\n\n(٨٤) (بَابٌ: فِي دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ)\nإلى الإسلام عند إرادة القتال\n٢٦١٢ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا وكيع، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة (٢)، عن أبيه قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا بعث أميرًا على سرية) أي جيش صغير (أو) للتنويع (جيش) كبير (أوصاه) أي الأمير (بتقوى الله في خاصة نفسه) أي في حق نفسه خاصة (وبمن معه من المسلمين خيرًا) أي أوصاه بالذين معه من المسلمين خيرًا، وفي اختصاص التقوى بخاصة نفسه، والخير بمن معه من المسلمين إشارة إلى أن عليه أن يُشَدِّدَ على نفسه فيما يأتي ويذر، وأن يُسَهِّلَ على من معه من المسلمين ويرفق بهم كما ورد: \"يسِّروا ولا تعسِّروا\".\n(وقال) رسول الله - ﷺ - للأمير: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو) للشك من الراوي قال: (خلال، فأيتها) أي الثلاث (أجابوك إليها) أي إلى الخصلة (فاقبل منهم وكف عنهم) في الخصلتين\n_________\n(١) في نسخة: \"فأيتهن\".\n(٢) قال القاري (٣٩٢٩): الحديث أخرجه مسلم والأربعة. (ش).","vol":"9","page":199},{"text":"اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلِى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَعْلِمْهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ: أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ (١) الْمُسْلِمِينَ:\n===\nالأوليين (٢)، أولاها: (ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا) أي قبلوا منك (فاقبل) الإسلام (منهم وكف عنهم) أي عن قتالهم (ثم) إذا أسلموا (ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) أي ادعهم إلى الهجرة إلى المدينة لأن قبل فتح مكة كانت الهجرة واجبة (٣) عليهم، ثم نسخ وجوبها بفتح مكة.\n(وأعلمهم) أي أخبرهم (أنهم إن فعلوا ذلك) أي الهجرة (أن لهم ما للمهاجرين) من الغنيمة والفيء (٤) إذا غزوا (وأن عليهم ما على المهاجرين) من الخروج (٥) إلى الجهاد (فإن أبوا) عن التحول والهجرة (واختاروا دارهم) أي: لزوم دارهم (فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين) ساكني البوادي\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"مثل أعراب\".\n(٢) أشار بذلك الشيخ إلى جواب ما يرد عليه أن قوله: \"كف عنهم\" لا يستقيم على العموم، وأجاب عنه الوالد في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٤٢٥) بأن الكف ها هنا متعدٍ، أي كف عنهم غير الخصلة التي أجابوها إليك، وفي الشق الثالث ما أجابوا إلَّا إلى القتال، فاعمل بهم هذه الخصلة أي القتال. (ش).\n(٣) كما تقدم في هامش \"ما جاء في الهجرة\"، وبه جزم السرخسي في \"مَبسوطه\" (٤/ ١٤٩)، و\"شرح السير\" (١/ ٩٤). (ش).\n(٤) ويؤيد ذلك ما سيأتي في \"باب من جاء بعد الغنيمة\"، لكن يشكل عليه أنه لم يبق بينهم وبين الأعراب فرق إذ ذاك، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: إن الفرق بينهم في الفيء لا الغنيمة. (ش).\n(٥) ويرد ها هنا أن الهجرة كانت مفروضة إذ ذاك، فكيف التخيير؟ وأجاب عنه في \"الكوكب الدري، (٢/ ٤٢٥) بأن هذه الهجرة ليست هي الهجرة الواجبة، وذلك لأنهم إذا أسلموا لم يبق دارهم دار كفر، فما معنى الهجرة عنها؟ بل هذا التحول لمنافع أخر المذكورة في الحديث إلى آخر ما ذكر، فليراجع فإنه جيِّد لم يتعرض له الشراح. (ش).","vol":"9","page":200},{"text":"يُجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي كَانَ يُجْرَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ (١) الْمُسْلِمِينَ.\n===\n(يجري) بالبناء للفاعل أو المفعول (عليهم حكم الله الذي كان يجري) على بناء الفاعل أو المفعول (على المؤمنين) من وجوب الشرائع (ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب).\nقال في \"الهندية\" (٢): الغنيمة: اسم لما يؤخذ من أموال الكفرة بقوة الغزاة وقهر الكفرة، والفيء: ما أخذ منهم من غير قتال كالخراج والجزية، ففي الغنيمة الخُمس دون الفيء، وما يؤخذ منهم هدية أو سرقة أو خلسة أو هبة، فليس بغنيمة، وهو للآخذ خاصة.\nفإن قلت (٣): هذا بظاهره مخالف لنص القرآن والمذهب، فإن آيتي الغنيمة والنفل مصرحتان بأن الغنيمة تقسم على خمسة أخماس: أربعة أخماس منها للغانمين، والخمس منها منقسم بين خمسة أصناف، منها الفقير والمسكين وابن السبيل، فلهم فيها حق، وكذلك النفل، فإن آية النفل مصرحة بأنه منقسم بين خمسة أصناف، منها اليتامى والمساكين، فالأعراب داخلون في هذه الأصناف، فكيف يجوز أن لا يكون لهم حق في الغنيمة والفيء؟\nوأما المذهب ففي \"العالمكَيرية\": في فصل ما يوضع في بيت المال أربعة أنواع، وفيه: والثاني: خمس المغانم والمعادن والركاز، ويصرف اليوم إلى ثلاثة أصناف، اليتامى والمساكين وابن السبيل، ولم يفرق بين أهل البلدان والأعراب فتأمل.\n(إلَّا أن يجاهدوا مع المسلمين)، فإن جاهدوا مع المسلمين يكون لهم\n_________\n(١) في نسخة: \"في\".\n(٢) انظر: \"الفتاوى الهندية\" (٢/ ٢٠٤).\n(٣) قوله: \"فإن قلت\" الظاهر حذف حرف الشرط، إذ جواب الشرط ليس بمذكور في العبارة، ويمكن أن يجاب عن إيراد الشيخ: أن المراد ليس لهم نصيب مثل نصيب المهاجرين، وليس الغرض النفي مطلقًا، (أفاده الشيخ محمد أسعد الله - ﵀ -). (ش).","vol":"9","page":201},{"text":"فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا يَحْكُمُ اللَّهُ فِيهِمْ، وَلكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ ثُمَّ اقْضُوا فِيهِمْ بَعْدُ مَا شِئْتُمْ\".\n===\nنصيب فيما يحصل من الغنيمة (فإن هم أبوا) عن الإسلام وهذه خصلة ثانية (فادعهم إلى إعطاء الجزية (١» وهي الفعلة من جزى فلان فلانًا ما عليه إذا قضاه، يجزيه، وهي مثل القعدة والجلسة، والجزية: الخراج عن رقابهم الذي يبذلونه للمسلمين دفعًا عنها.\n(فإن أجابوا) أي قبلوا منك (فأقبل منهم) أي الجزية (وكف عنهم) أي عن قتالهم (فإن أبوا) عن الجزية، وهذه الخصلة الثالثة (فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن) من الكفار الذين امتنعوا بتحصنهم (فأرادوك) أي طلبوا منك (أن تنزلهم) من الحصن (على حكم الله) أي ما يحكم الله فيهم (فلا تنزلهم) على حكم الله فيهم ولا على حكم رسوله (فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا) أي: احكموا (فيهم بعد) أي بعد تنزيلهم (ما شئتم).\nقال القاري (٢): فيه حجة لمن يقول: ليس كل مجتهد مصيبًا، بل المصيب واحد، وهو الموافق لحكم الله في نفس الأمر، ومن يقول: إن كل مجتهد مصيب، يقول: معنى قوله: \"فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم\"، إنك لا تأمن أن ينزل علي وحي بخلاف ما حكمت.\n_________\n(١) حجة للحنفية والمالكية في عموم الجزية، إلَّا أن الحنفية خصُّوه بغير العرب، وتوضيح ذلك أن الجزية تختص بأهل الكتاب والمجوس مطلقًا عند الشافعي وأحمد، وتعم كل كافر عند مالك، وعندنا بأهل الكتاب والمجوس مطلقًا وعبدة الأوثان من غير العرب كما سيأتي. (ش).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٤٧).","vol":"9","page":202},{"text":"قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عَلْقَمَةُ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيِثَ لمُقَاتِلِ ابْنِ حَيَّانَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمٌ (١) - هُوَ ابْنُ هَيْصَمَ -،\n===\n(قال سفيان: قال علقمة: فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان) النبطي، أبو بسطام، البلخي الخزاز، قال في \"التقريب\": بزاءين منقوطتين، وفي \"الخلاصة\" (٢): الخزاز أوله معجمة ثم مهملة، وقال السمعاني في \"الأنساب\" (٣): الخَرَّاز بفتح الخاء المنقوطة والراء المهملة المشددة [و] في آخرها زاي معجمة، هذه النسبة إلى خرز الأشياء من الجلود كالقُرَب والسطائح والسيور وغيرها، والمشهور بهذه النسبة المقاتل بن دوال دور الخزاز، وهو مقاتل بن حيان الخراز الرقي، [ومنهم: أبو يزيد خالد بن حيان] (٤)، وهو جد أحمد بن يحيى بن خالد بن يحيى بن حيان المقري [الذي] كان بمصر، انتهى، مولى بكر بن وائل، وهو ابن دوال دور، وقيل: إن ذلك لقب مقاتل بن سليمان، وثَّقه ابن معين وأبو داود ومروان بن محمد، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الدارقطني: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أحمد بن سيار المروزي: كان مقاتل ناسكًا فاضلًا، وهم أربعة إخوة: مقاتل والحسن ويزيد ومصعب، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به، ونقل أبو الفتح الأزدي أن ابن معين ضعفه، وكان أحمد بن حنبل لا يعبأ به.\n(فقال: حدثني مسلم هو ابن هيصم) العبدي، روى عن الأشعث بن قيس، والنعمان بن مقرن، وعنه مقاتل بن حيان، وعقيل بن طلحة، وسليمان بن بريدة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وزاد لفظ: \"هو\"، ليدل على أن لفظ \"ابن هيصم\" ليس من لفظ علقمة بن مرثد.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) انظر: \"تقريب التهذيب\" (ص ٩٦٨)، و\"الخلاصة\" للخزرجي (ص ٣٨٦).\n(٣) \"الأنساب\" (٢/ ٣٣٥).\n(٤) سقطت هذه العبارة في الأصل.","vol":"9","page":203},{"text":"عن النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرَّنٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ. [م ١٧٣١، ت ١٤٠٨، ١٦١٧، جه ٢٨٥٨، دي ٢٤٣٩، حم ٥/ ٣٥٢، ق ٩/ ١٥]\n٢٦١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الأَنْطَاكِيُّ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عن سُفْيَانَ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اُغْزُوا وَلَا تَغْدرُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا\" [انظر سابقه]\n===\n(عن النعمان بن مقرن) كمحدث، ويقال: ابن عمرو بن مقرن بن عائذ المزني، أبو عمرو أو أبو حكيم، أحد الإخوة السبعة، صحابي مشهور سكن البصرة، فتحول عنها إلى الكوفة، ففتح القادسية، وأمَّره عمر على الجيش، فغزا أصبهان ففتحها، ثم أتى نهاوند، فاستشهد بها سنة إحدى وعشرين، قال في \"التقريب\": ووهم من زعم أنه النعمان بن عمرو بن مقرن، فذاك آخر، وهو ابن أخي هذا، وهو تابعي، (عن النبي - ﷺ - مثل حديث سليمان بن بريدة) المتقدم.\n٢٦١٣ - (حدثنا أبو صالح الأنطاكي محبوب بن موسى، أخبرنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال: اغزوا بسم الله) أي: مستعينين به (وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله) إذا لم يقبلوا الإسلام أو الجزية (اغزوا ولا تغدروا) أي: لا تنقضوا العهد (ولا تغلوا) والغلول: السرقة من مال الغنيمة، أي: لا تخونوا فيه (ولا تمثلوا) يقال: مثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه، والاسم المَثُلة بفتح ميم وضم ثاء، وقيل: بضم ميم كغرفة، وقيل: بفتح فسكون مصدر (ولا تقتلوا وليدًا) أي: طفلًا.","vol":"9","page":204},{"text":"٢٦١٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عن حَسَنِ (١) بْنِ صَالِحٍ، عن خَالِدِ بْنِ الْفَرْزِ (٢)، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى (٣) مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، لَا تَقْتُلُوا شَيخًا فَانِيًا،\n===\n٢٦١٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن آدم وعبيد الله بن موسى، عن حسن بن صالح، عن خالد بن الفرز) بكسر الفاء وفتحها وسكون الراء بعدها زاي، هكذا في \"التقريب\"، و\"المغني\"، وخالفه صاحب \"الخلاصة\"، فضبطه بالكسر أو بالفتح بعدها زاي وآخره مهملة- وصاحب \"القاموس\" (٤) ذكر في لغة الفزر-: فزر الثوب: شقه، فتفزر وانْفَزَرَ، وقال فيه: وخالد بن الفزر تابعي، ولم يذكر لغة فرز بتقديم الراء على الزاي، فالظاهر الصواب بتقديم الزاي، وهكذا فِي \"المؤتلف والمختلف\" (٥)، البصري.\nقال عباس الدوري عن يحيى: ما سمعت أحدًا يروي عنه غير الحسن بن صالح بن حيي، قال: ولم أر له فيه رأيًا، وقيل: عن عباس عن يحيى ليس بذاك، وقال أبو حاتم: شيخ، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مقبول.\n(حدثني أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: انطلقوا) إلى غزو الكفار (باسم الله وبالله و) ثابتين (على ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا) أي لا يستطيع القتال، ولا يقدر على الصياح عند القتال، ولا يقدر على الحيل، ولا يكون من أهل الرأي والتدبير (٦)، أما إذا كان يقدر على ذلك يقتل، لأنه\n_________\n(١) في نسخة: \"الحسن\".\n(٢) في نسخة: \"فزر\".\n(٣) في نسخة: \"وفي سبيل الله\".\n(٤) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص ٤٢٥).\n(٥) (٤/ ١٩٢١)، وكذا في \"تهذيب الكمال\" (١٦٢٦)، و\"تبصير المنتبه\" (٣/ ١٠٧٧).\n(٦) قال الشعراني في \"ميزانه\" (٢/ ٣٦٨): وبه قال الأربعة، والأظهر من أقوال الشافعي:\nأنه يقتل، انتهى. أي يقتل مطلقًا وإن لم يكن ذا رأي. (ش).","vol":"9","page":205},{"text":"وَلَا طِفْلًا، وَلَا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ \" (١). [ق ٩/ ٩٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>(٨٥) بَابٌ: فِي الْحَرْقِ فِي بِلَادِ الْعَدُوّ</span>\n٢٦١٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَرَّقَ نَخِيلَ (٢) بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ،\n===\nبقتاله محارب، وبصياحه محرِّض، وبالاحتيال يكثر المآرب، وقد صح أنه - ﷺ - قتل دريد بن الصمة، وكان ابن مئة وعشرين، وفي رواية: ابن مائة وستين؛ لأنه كان صاحب رأي.\n(ولا طفلًا ولا صغيرًا) الظاهر أنه بدل أو بيان، أي: صبيًا دون البلوغ، واستثنى منه ما إذا كان ملكًا أو مباشرًا للقتال، (ولا امرأة) أي إذا لم تكن ملكة ولا ذات رأي في المحاربة (ولا تغلُّوا) أي: لا تخونوا في الغنائم (وضموا) أي: اجمعوا (غنائمكم، وأصلحوا) أحوالكم (﴿وَأَحْسِنُوا﴾) في جميع أموركم فِي العشرة مع الرفقاء وقتل الأعداء (﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾).\n\n(٨٥) (بَابٌ: فِي الْحَرْقِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ)\n٢٦١٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - حرَّق (٣) نخيل بني النضير) وهم طائفة من اليهود (وقطع) أي أمر بتحريقها وقطعها (وهي البويرة) تصغير البئر التي يستسقى منها الماء، موضع منازل بني النضير الذين غزاهم رسول الله - ﷺ - بعد غزوة أحد بستة أشهر، فأحرق نخلهم، وقطع زرعهم وشجرهم، فقال حسان بن ثابت في ذلك:\nوَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٩٥.\n(٢) في نسخة: \"نخل\".\n(٣) وأما حكم تحريق العدو فسيأتي في \"باب كراهية حرق العدو بالنار\". (ش).","vol":"9","page":206},{"text":"فَأَنْزَلَ اللَّهِ ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (١) \". [خ ٤٣٠١، م ١٧٤٦، ت ١٥٥٢، جه ٢٨٤٤، حم ٢/ ٧]\n٢٦١٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن ابْنِ مُبَارَكٍ، عن صَالِحِ بْنِ أَبِي الأَخْضَرِ، عن الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: فَحَدَّثَنِي أُسَامَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ فَقَالَ: \"أَغِرْ عَلَى أُبْنَى\n===\n(فأنزل الله ﷿: (﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾) الآية (٢)، أي: أي شيء قطعتم من نخلة، روي أنه - ﵇ - لما أمر بقطع نخيلهم قالوا: يا محمد! قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع النخل وتحريقها، فنزلت، واستدل به على جواز هدم ديار الكفار وقطع أشجارهم، وبه قال الجمهور، وقيل: لا يجوز.\nقال النووي (٣): اللينة المذكورة في القرآن هي أنواع التمر كلها إلَّا العجوة، وقيل: كرام النخل، وقيل: كل النخل، وقيل: كل الأشجار، قيل: إن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعًا.\n٢٦١٦ - (حدثنا هناد بن السري، عن ابن مبارك، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري) قال: (قال عروة: فحدثني أسامة أن رسول الله - ﷺ - كان عهد إليه) أي أسامة (فقال: أغر) من الإغارة (على أُبنى) (٤)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \" ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ \" [سورة الحشر: الآية ٥].\n(٢) سورة الحشر: الآية ٥.\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٩٤).\n(٤) قال الشعراني في \"ميزانه\" (٣/ ٣٦٨): قول أبي حنيفة ومالك: إن المسلمين إذا أخذوا أموال أهل الحرب، ولم يمكنهم إخراجها، جاز لهم إتلافها، فيذبحون الحيوان، ويكسرون السلاح، ويحرقون المتاع، مع قول الشافعي وأحمد: إنه لا يجوز، انتهى. وذكر ابن رشد جواز التحريق عن الشافعي دون مالك، فتأمل (انظر: \"بداية المجتهد\" ١/ ٢٨٢). وقال الموفق: إن الشجر ثلاثة أنواع: منها: ما يضر بالمسلمين، كما لو تستر به الكفار، فيجوز تحريقه إجماعًا، ومنها: ما يضر للمسلمين قطعه فلا يجوز، ومنها: ما لا، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز، وبه قال بعض السلف، والثاني: يجوز، وبه قال مالك والشافعي. \"المغني\" (١٣/ ١٤٦). (ش).","vol":"9","page":207},{"text":"صَبَاحًا وَحَرِّقْ\". [جه ٢٨٤٣، حم ٥/ ٢٠٥]\n٢٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْغَزِّيُّ، سَمِعْتُ أَبَا مُسْهِرٍ قِيلَ لَهُ: أُبْنَى، قَالَ: نَحْنُ أَعْلَمُ، هِيَ يُبْنَى فِلَسْطِينَ.\n===\nبضم الهمزة والقصر، اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة، ويقال لها: يُبنى، بالياء، وقال التوربشتي: بضم الهمزة، موضع من بلاد جهينة، وتوضيحه: أنه بضم الهمزة وسكون موحدة ونون، بعده ألف، أي: على أهله، قال ابن الهمام: قيل: إنه اسم قبيلة (١) (صباحًا) أي: حال غفلتهم، وفجأة نبهتهم، وعدم أهبتهم (وحرق) بصيغة الأمر، أي: زروعهم وديارهم وأشجارهم.\nوقد أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" (٢) ولفظه: حدثنا الزهري عن عروة عن أسامة: أن النبي - ﷺ - كان وجَّهه وجهة، فقبض النبي - ﷺ -، فسأله أبو بكر: ما الذي عهد إليك؟ قال: عهد إلى أن أُغِيرَ على أبنى صباحًا ثم أحرق.\n٢٦١٧ - (حدثنا عبد الله) بن محمد (بن عمرو) بن الجراح الأزدي الفلسطيني، أبو العباس (الغزي) بالفتح والتشديد، نسبة إلى غزة مدينة بالشام، قال ابن أبي حاتم: ثقة، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج حديثه في \"صحيحه\"، (سمعت أبا مسهر) عبد الأعلى (قيل له) أي لأبي مسهر: (أبنى، قال: نحن أعلم، هي يبنى فلسطين) أي يطلق بالهمزة والياء، موضع في فلسطين، وإنما قال: نحن أعلم (٣) لأنه شامي.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٣٦٠).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٠٩).\n(٣) قال الموفق: الصحيح: أُبْنَى، كما جاء في الرواية، قرية في أطراف الشام، وأما يُبْنَا فلسطين فلم يكن أسامة ليصل إليها، ولا يأمره النبي - ﷺ - بالإغارة عليها لبُعدها ... إلخ. (ش). (انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ١٤٧، ١٤٨).\nقلت: وكذا في \"معجم البلدان\" (١/ ٧٩)، وقال أيضًا: أبنى قرية بمؤتة).","vol":"9","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>(٨٦) بَابٌ: فِي بَعْثِ الْعُيُونِ</span>\n٢٦١٨ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، نَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ -، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: \"بَعَثَ - يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ - بُسَيْسَةَ عَيْنًا يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ\n===\n\n(٨٦) (بَابٌ: فِي بَعْثِ الْعُيُونِ)\nالعيون جمع عين: وهو الجاسوس\n٢٦١٨ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هاشم بن القاسم، نا سليمان، - يعني ابن المغيرة -، عن ثابت، عن أنس قال: بعث -يعني النبي - ﷺ - بُسيسة) بضم موحدة وفتح السينين المهملتين مصغرًا، واختلفوا في ضبطه، قال الحافظ في \"الإصابة\" (١): بَسْبَسة بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة، وهو بموحدتين مفتوحتين، بينهما مهملة ساكنة، ثم مهملة مفتوحة، ويقال له: بسبس بغير هاء، وهو قول ابن إسحاق وغيره، شهد بدرًا بالاتفاق، ووقع ذكره في \"صحيح مسلم\" (٢) من حديث أنس قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - بسبسة عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان\"، فذكر الحديث في وقعة بدر، وهو بموحدتين وزن فعللة، وحكى عياض أنه في \"مسلم\" بموحدة مصغر (٣)، ورواه أبو داود، ووقع عنده \"بسيسة\" بصيغة التصغير، وكذا قال ابن الأثير: إنه رآه في أصل ابن منده، لكن بغير هاء، والصواب: الأول، فقد ذكره ابن الكلبي أنه الذي أراد الشاعر بقوله:\nأَقِمْ لَهَا صُدُورَها يَا بَسْبَسُ ... إِنَّ مَطَايَا الْقَوْمِ لَا تُحْبَسُ\n(عينًا) أي جاسوسًا مع عدي بن [أبي] الزغباء (ينظر ما صنعت عير)\n_________\n(١) \"الإصابة\" (١/ ١٥٢).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٩٠١).\n(٣) قال النووي: هكذا في جميع النسخ، وكذا رواه أبو داود وأصحاب الحديث، والمعروف في كتب السير \"بسبس\" ببائين موحدتين بينهما سين ساكنة، انتهى. انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٥٤).","vol":"9","page":209},{"text":"أَبِي سُفْيَانَ\". [م ١٩٠١، حم ٣/ ١٣٦]\n\n(٨٧) بَابٌ: فِي ابْنِ السَّبِيلِ يَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ (١) وَيَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ إِذَا مَرَّ بِهِ\n٢٦١٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا سَعِيدٌ (٢)،\n===\nأي قافلة (أبي سفيان) القادم من الشام.\nوأخرج مسلم هذا الحديث مطولًا، وفي آخره: \"فجاء، وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله - ﷺ -، قال: ما أدري ما استثنى بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث، قال: فخرج رسول الله - ﷺ - فتكلم، وقال: إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرهم في علو المدينة، فقال: لا إلَّا من كان ظهره حاضرًا، فانطلق رسول الله - ﷺ - وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>(٨٧) (بَابٌ: فِي ابْنِ السَّبِيلِ يَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ وَيَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ إِذَا مَرَّ بِهِ)</span>\nأي: باللبن أو التمر\n٢٦١٩ - (حدثنا عياش بن الوليد الرقام) بفتح الراء والقاف المشددة في آخرها الميم، هذه النسبة إلى الرقم على الثياب التي تجلب من فارس، (نا عبد الأعلى، نا سعيد) وفي نسخة: شعبة.\nوأخرجه الترمذي بهذا السند فقال: حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، وليس فيه نسخة شعبة.\n_________\n(١) في نسخة: \"الثمر\".\n(٢) في نسخة بدله: \"شعبة\".","vol":"9","page":210},{"text":"عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ (١) - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أَتَى أَحَدُكُم عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ (٢) وَلْيَشْرَبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِلَّا فَلْيَحْتَلِبْ (٣) وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ\". [ت ١٢٩٦، ق ٩/ ٣٥٩]\n===\n(عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن نبي الله - ﷺ - قال: إذا أتى أحدكم) في سفره (على ماشية، فإن كان فيها) أي الماشية (صاحبها) أي: مالكها أو من يقوم مقامه (فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب) اللبن (وإن لم يكن) صاحبها (فيها) أي في الماشية (فليصوت ثلاثًا) وهذا لاحتمال أن يكون صاحبها بعيدًا، فإذا سمع الصوت يجيء (فإن أجابه) وحضر (فليستأذنه وإلَّا) أي وإن لم يجب ولم يحضر (فليحتلب وليشرب، ولا يحمل) أي من اللبن معه.\nقال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن صحيح غريب، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد (٤) وإسحاق، انتهى.\nقلت: قد اختلف العلماء في تأويله، فأكثرهم حملوه على حالة الاضطرار، وقالوا: يشرب بقدر الضرورة، ولا يحمل منه شيئًا، لأنه لا يقاوم النصوص التي وردت في تحريم مال المسلم، فعلى هذا فالواجب عليه أن يؤدي قيمة ما شرب إذا قدر عليها، وقيل: هو محمول على العرف والعادة، فالبلد التي كان في أهله عادة الإذن الإجمالي للمسافرين وعابري السبيل يجوز هناك أكل الثمرة، وحلب اللبن، ولا يحمل معه شيئًا إلَّا إذا كان فيه الإذن أيضًا، وعلى هذا لا يجب عليه الضمان.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"فليحلب\".\n(٣) في نسخة: \"فليحلب\".\n(٤) وفي رواية أخرى له: المنع، كذا في \"المغني\" (١٣/ ٣٣٥). (ش).","vol":"9","page":211},{"text":"٢٦٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي بِشْرٍ، عن عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: أَصَابَنِي (١) سَنَةٌ فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَفَركْتُ سُنْبُلًا فَأَكَلْتُ وَحَمَلْتُ فِي ثَوْبِي، فَجَاءَ صَاحِبُهُ فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -\n===\n٢٦٢٠ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، نا أبي) معاذ (عن أبي بشر، عن عباد بن شرحبيل) اليشكري الغبري البصري، معدود في الصحابة، روى عن النبي - ﷺ - حديثًا واحدًا في قصة له فيها: ما علمته إذ كان جاهلًا، ولا أطعمته إذ كان ساغبًا، روى عنه أبو بشر بن أبي وحشية، قلت: قال البغوي وأبو الفتح الأزدي: ما روى عنه غيره، وقال ابن السكن: في صحبته نظر.\n(قال: أصابني سنة) أي مجاعة وقحط (فدخلت حائطًا) أي بستانًا (من حيطان المدينة، ففركت) أي دلكت (سنبلًا، فأكلت) منها (وحملت في ثوبي) منها (فجاء صاحبه) لم أقف على تسميته (فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله - ﷺ -) فذكرت ذلك له، فدعاه رسول الله - ﷺ -.\nوقد أخرجه النسائي في \"مجتباه\" (٢) في \"كتاب أدب القضاة\" بأطول من هذا: أخبرنا الحسين بن منصور بن جعفر قال: ثنا مبشر بن عبد الله بن رزين قال: ثنا سفيان بن حسين، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن عباد بن شرحبيل قال: \"قدمت مع عمومتي المدينة، فدخلت حائطًا من حيطانها، ففركت من سنبله، فجاء صاحب الحائط، فأخذ كسائي فضربني، فأتيت رسول الله - ﷺ - أستعدي عليه، فأرسل إلى الرجل، فجاؤوا به، فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله! إنه دخل حائطي، فأخذ من سنبله، ففركه، فقال رسول الله - ﷺ -: ما علَّمته إذ كان جاهلًا، ولا أطعمته إذ كان جائعًا، اردد عليه كساءه، وأمر لي رسول الله - ﷺ - بوسق ونصف وسق\".\n_________\n(١) في نسخة: \"أصابتني\".\n(٢) \"سنن النسائي\" (٨/ ٢٤٠) رقم (٥٤٠٩).","vol":"9","page":212},{"text":"فَقَالَ لَهُ: \"مَا عَلَّمْتَ إِذْ كَانَ جَاهِلًا، وَلَا أَطْعَمْتَ إِذْ كَانَ جَائِعًا\"، أَوْ قَالَ: \"سَاغِبًا\"، وَأَمَرَ (١) فَرَدَّ عَلَيَّ ثَوْبِي وَأَعْطَانِي وَسْقًا أَوْ نِصْفَ وَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ. [جه ٢٢٩٨، ن ٥٤٠٩، حم ٤/ ١٦٦]\n===\n(فقال) رسول الله - ﷺ - (له) أي لصاحب الحائط: (ما علَّمت) أي علمته (إذ كان جاهلًا) أي كان اللائق بك أولًا أن تعلمه بالرفق والشفقة.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: يعني أنه لم يكن يعلم أن ليس لكم عرف في التحمل، وإنما علم أن الجائع لا ينهى عن أكله وأخذه وتحمله قدر ما يطعمه رفيقه الساغب، أو قدر ما يأكله في غير وقته، هذا فهلَّا علَّمته ذاك.\n(ولا أطعمت) أي أطعمته (إذ كان جائعًا) وكان الحق أن تطعمه إذ رأيته جائعًا (أو) للشك من الراوي (قال: ساغبًا، وأمر) أي رسول الله - ﷺ - صاحب الحائط أن يرد علي ثوبي (فرد علي ثوبي) أي كسائي (وأعطاني) أي صاحب الحائط (وسقًا) وهو ستون صاعًا (أو) للشك (نصف وسق من طعام) وهو الحنطة.\nظاهر سياق أبي داود يقتضي أن يكون ضمير الفاعل في أعطاني يعود إلى صاحب الحائط، ولكن في رواية النسائي: \"وأمر لي رسول الله - ﷺ - بوسق أو نصف وسق\"، وفي رواية ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٢): \"وأمر له - رسول الله - ﷺ - بوسق من طعام أو نصف وسق\"، فهو صريح أن الآمر بوسق أو نصف وسق هو رسول الله - ﷺ -، فيحتمل أن يكون أمر رسول الله - ﷺ - بإعطاء الطعام لصاحب الحائط تبرعًا، ويحتمل أن يكون الأمر للصحابة، فأعطى له رسول الله - ﷺ - من عنده من بيت المال، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"أمره\".\n(٢) انظر: \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٩) رقم (٢٧٧١).","vol":"9","page":213},{"text":"٢٦٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ، عن أَبِي بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ شُرَحْبِيلَ - رَجُلًا مِنَّا مِنْ بَنِي غُبَرَ- بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>(٨٨) بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ مِمَّا سَقَطَ</span>\n٢٦٢٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَهَذَا لَفْظُ أَبِي بَكْرٍ، عن مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي حَكَم الْغِفَارِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي، عن عَمِّ أَبِي رَافِعِ بْنِ عَمْرَو الْغِفَارِيِّ\n===\n٢٦٢١ - (حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت عباد بن شرحبيل- رجلًا منا من بني غُبَر-) بضم المعجمة وفتح الموحدة آخره راء مهملة (بمعناه) متعلق بحدثنا محمد بن بشار.\n\n(٨٨) (بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ مِمَّا سَقَطَ) (١)\nوليست هذه الترجمة في المكتوبة ولا المصرية ولا القادرية، وهي مذكورة في النسخة المجتبائية، ونسخة \"العون\" (٢)\n٢٦٢٢ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة، وهذا لفظ أبي بكر، عن معتمر بن سليمان قال: سمعت ابن أبي الحكم النفاري) عن جدته، عن عم أبيها رافع بن عمرو: وكنت غلامًا أرمي نخل الأنصار، الحديث، وعنه المعتمر بن سليمان، قيل: اسمه عبد الكبير بن الحكم، قلت: وحكى ابن العساكر في \"الأطراف\": أن اسمه الحسن.\n(يقول: حدثتني جدتي) لم أقف على تسميتها (عن عم أبي رافع ابن عمرو الغفاري) هكذا في جميع النسخ الموجودة لأبي داود عندي، وكذا\n_________\n(١) وعن أحمد في ذلك روايات، كما في \"المغني\"، ورجح إن كان على البستان حائط لا يأكل وإلا يأكل. (انظر: \"المغني\" ١٣/ ٣٣٣). (ش).\n(٢) انظر: \"عون المعبود\" (٧/ ٢٠٥) ح (٢٦١٩).","vol":"9","page":214},{"text":"قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا أَرْمِي نَخْلَ الأَنْصَارِ، فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \"يَاغُلَامُ\n===\nقال الإمام أحمد في \"مسنده\" (١): ثنا معتمر، سمعت ابن أبي الحكم الغفاري يقول: حدثتني جدتي، عن عم أبي رافع بن عمرو الغفاري، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": حدثتني جدتي، عن عم أبيها رافع بن عمرو، كما تقدم.\nوكذلك وقع في سند حديث ابن ماجه (٢): ثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت ابن أبي الحكم الغفاري قال: حدثتني جدتي، عن عم أبيها رافع بن عمرو الغفاري.\nوأخرج ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٣) في ترجمة رافع بن عمرو: أخبرنا عمر بن محمد بن المعمر بن طبرزد وغيره، قالوا: أنا أبو القاسم بن الحصين، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد البزار، أخبرنا أبو بكر الشافعي، أخبرنا محمد بن يحيى بن سليمان، أخبرنا عاصم بن علي، أخبرنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ابن أبي الحكم الغفاري، حدثني جدي، عن رافع بن عمرو الغفاري، قال: كنت وأنا غلام أرمي نخل الأنصار، الحديث، وقال: وهو أخو الحكم بن عمرو الغفاري، وليسا من غفار، وإنما هما من نعيلة أخي غفار، إلَّا أنهما نسبا إلى غفار، سكن البصرة.\n(قال: كنت غلامًا أرمي نخل الأنصار، فأتي بي النبي - ﷺ -)، وزاد في رواية \"أسد الغابة\": \"فقيل للنبي - ﷺ -: إن ها هنا غلامًا يرمي النخل، أو يرمي نخلنا فأتي\".\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (يا غلام)، وفي رواية ابن ماجه: وقال\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣١) رقم (٢٠٣٤٣).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (٢٢٩٩).\n(٣) \"أسد الغابة\" (٢/ ٤٢) رقم (١٥٩٠).","vol":"9","page":215},{"text":"لِمَ تَرْمِي النَّخْلَ\"؟ قَالَ (١): آكُلُ، قَالَ: \"فَلَا تَرْمِي النَّخْلَ وَكُلْ مِمَّا يَسْقُطُ (٢) فِي أَسْفَلِهَا\"، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ أَشْبعْ بَطْنَهُ\". [ت ١٢٨٨، جه ٢٢٩٩، حم ٥/ ٣١، ق ١/ ٢ - ٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>(٨٩) بَابٌ: فِيمَنْ قَالَ: لَا يَحْلُب</span>\n٢٦٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن (٣) ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ\n===\nابن كاسب: يا بني (لم ترمي النخل؟ قال: آكل)، وفي \"أسد الغابة\": قال: قلت: ...، (قال: فلا ترمي)، وفي \"أسد الغابة\": \"فلا ترم\" بحذف الياء، وهو الموافق للقواعد، وهكذا في رواية \"الترمذي\" و\"مسند أحمد\" بإسقاط الياء، وفي رواية ابن ماجه بالياء، كما في أبي داود (النخل) لأنه يسقط النِّيء والنضيج (وكل مما يسقط في أسفلها) وهذا محمول على ما عرف من الإذن فيما سقط في أسافلها عند البعض، وقال بعضهم: هو محمول على حالة الاضطرار (ثم مسح رأسه، فقال: اللَّهُم أشبع بطنه)، وفي رواية \"الترمذي\" (٤): \"وَكُلْ ما وقع، أشبعك الله وأرواك\".\n\n(٨٩) (بَابٌ: فِيمَنْ قَالَ: لَا يَحْلُبُ)\nماشية الغير بغير إذنه\n٢٦٢٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه، أيحب أحدكم\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) في نسخة: \"مما سقط\".\n(٣) زاد في نسخة: \"عبد الله\".\n(٤) \"سنن الترمذي\" (١٢٨٨).","vol":"9","page":216},{"text":"أَنَّ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فَتُكْسَرَ خزَانَتُهُ فَيُنْتَثَلَ (١) طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَواشِيهُمْ أَطْعِمَتَهُمْ (٢)، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ\". [خ ٢٤٣٥، م ١٧٢٦، جه ٢٣٠٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>(٩٠) بَابٌ: فِي الطَّاعَةِ</span>\n٢٦٢٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾\n===\nأن تؤتى مشربته) هو بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وضمها، الغرفة يوضع فيها المتاع (فتكسر خزانته) بالكسر ولا يفتح، موضع يخزن فيه المال ويحرز (فينتثل) بالثاء المثلثة، أي يستخرج (طعامه) معنى الكلام أيحب أحدكم أن يأتي السارق مشربته، فيكسر خزانته، ويستخرج طعامه، ويذهب به؟ فكما لا يحب ذلك، ينبغي أن لا يحب لغيره مثل ذلك (فإنما تخزن) أي تحرز (لهم) للناس (ضروع مواشيهم أطعمتهم) جمع طعام وهو اللبن، فهو طعام وشراب (فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلَّا بإذنه).\n\n(٩٠) (بَابٌ فِي الطَّاعَةِ)\n٢٦٢٤ - (حدثنا زهير بن حرب، نا حجاج قال: قال ابن جريج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾) (٣) أي: قرأ ابن جريج\n_________\n(١) في نسخة: \"فينتقل\".\n(٢) في نسخة: \"أطعماتهم\".\n(٣) قال العيني في تفسيره، أي: \"أولي الأمر\" أحد عشر قولًا ثم بسطها. (انظر: \"عمدة القاري\" ١٣/ ٥٣٧). (ش).","vol":"9","page":217},{"text":"عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ، أَخْبَرَنِيهُ يَعْلَى، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. [خ ٤٥٨٤، م ١٨٣٤، ت ١٦٧٢، ن ٤١٩٤، ك ٢/ ١١٤، حم ١/ ٣٣٧]\n===\nهذه الآية، فقال (عبد الله بن قيس بن عدي) هو عبد الله بن حذافة بن قيس ابن عدي بن سعيد بن سعد بن سهم القرشي السهمي أبو حذافة، من السابقين الأولين، يقال: شهد بدرًا، وفي \"صحيح البخاري\": عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) في عبد الله بن حذافة، بعثه النبي - ﷺ - في سرية، هكذا قال الحافظ في \"الإصابة\" (٢).\nوأما ما وقع في \"البخاري\" (٣) من حديث الأعمش، حدثني سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي - ﵁ - قال: \"بعث النبي - ﷺ - سرية، واستعمل عليها رجلًا من الأنصار\"، فوصفه بالأنصارية مخالف لما تقدم من كونه سهميًا قرشيًا، فحمله بعضهم على تعدد القصة، وإليه مال ابن القيم (٤)، وأما ابن الجوزي فقال: قوله: \"من الأنصار\" وهم من بعض الرواة، وإنما هو سهمي، وقد رواه شعبة عن زبيد اليامي، عن سعد بن عبيدة فقال: \"رجلًا\" ولم يقل من الأنصار، ولم يسمه، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٥).\nوقوله: \"عبد الله بن قيس\" مبتدأ، وقوله: (بعثه النبي - ﷺ - في سرية) خبره، وبعث هذه السرية كانت سنة تسع (أخبرنيه) وهذا قول ابن جريج (يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس).\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٥٩.\n(٢) \"الإصابة\" (٢/ ٢٨٨).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٧١٤٥).\n(٤) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٦٨).\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٥٩).","vol":"9","page":218},{"text":"٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن زُبَيْدٍ، عن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ، عن عَلِيٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وُيطِيعُوا، فَأَجَّجَ نَارًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْتَحِمُوا فِيهَا، فَأَبَى قَوْمٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنَ النَّارِ، وَأَرَادَ قَوْمٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"لَوْ دَخَلُوا (١) فِيهَا لَمْ يَزَالُوا فِيهَا\"،\n===\n٢٦٢٥ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن زبيد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي: أن رسول الله - ﷺ - بعث جيشًا وأمَّر عليهم رجلًا (٢) وأمرهم أن يسمعوا له) أي: لأميرهم (ويطيعوا) فأغضبهم في أمر، وفي بعض الروايات: \"كانت فيه دعابة\".\n(فأجَّج) أي أوقد (نارًا وأمرهم أن يقتحموا) أي: يدخلوا (فيها) لما أن رسول الله - ﷺ - أمركم بالسمع والطاعة لي (فأبى قوم أن يدخلوها، وقالوا: إنما فررنا من النار) أي: إنما فررنا من الكفر لأجل النار، فكيف ندخلها؟\n(وأراد قوم أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لو دخلوا فيها لم يزالوا فيها)، وفي رواية البخاري: \"ما خرجوا منها إلى يوم القيامة\". وفي رواية حفص: \"ما خرجوا منها أبدًا\"، يعني أن الدخول فيها معصية، والعاصي يستحق النار.\nويحتمل أن يكون المراد: لو دخلوها، مستحلِّين لما خرجوا منها أبدًا، وعلى هذا ففي العبارة نوع من أنواع البديع، وهو الاستخدام، لأن الضمير في قوله: \"لو دخلوها\" للنار التي أوقدوها، فالضمير في قوله: \"ما خرجوا منها أبدًا\" لنار الآخرة، لأنهم ارتكبوا ما نهوا عنه من قتل أنفسهم.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"لو دخلوها أو دخلوا فيها\".\n(٢) قال في \"التلقيح\" (ص ٤٩٧): هو عبد الله بن حذافة. (ش).","vol":"9","page":219},{"text":"وَقَالَ: \"لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ\". [خ ٧١٤٥، م ١٨٤٠، ن ٤٢٠٥، حم ١/ ٨٢]\n٢٦٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عن عَبْدِ اللَّهِ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ\". [خ ٧١٤٤، م ١٨٣٩، ت ١٧٠٧، ن ٤٢٠٦، جه ٢٨٦٤، حم ٢/ ١٧]\n٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، نَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عن بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ،\n===\nويحتمل - وهو الظاهر - أن الضمير للنار التي أوقدت لهم، أي: ظنوا أنهم إذا دخلوا بسبب طاعة أميرهم لا تضرهم، فأخبر النبي - ﷺ - أنهم لو دخلوا فيها لاحترقوا فماتوا فلم يخرجوا.\n(وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) أي: فيما يوافق الشرع لا في المعصية، وإلقاء النفس في النار بالقصد معصية، فلا طاعة فيها.\n٢٦٢٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن عبد الله) ابن عمرو، (عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: السمع والطاعة) للأمير (على المرء المسلم فيما أحب وكره) أي: واجب (ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) لأحد.\n٢٦٢٧ - (حدثنا يحيى بن معين، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا سليمان بن المغيرة، نا حميد بن هلال، عن بشر بن عاصم) الليثي، قال النسائي: ثقة، وهو أخو نصر بن عاصم، قلت: لم ينسبه النسائي إذ وثقه، وزعم ابن القطان أن مراده بذلك الثقفي، وأن الليثي مجهول الحال،","vol":"9","page":220},{"text":"عن عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ - مِنْ رَهْطِهِ - قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَرِيَّةً فَسَلَّحْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ سَيْفًا، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: لَوْ رَأَيْتَ مَا لَامَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -! قَالَ: \"أَعَجَزْتُمْ إِذْ بَعَثْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ، فَلَمْ يَمْضِ لأَمْرِي أَنْ تَجْعَلُوا مَكَانَهُ مَنْ يَمْضِي لأَمْرِي؟ \". [حم ٤/ ١١٠]\n===\nوذكر ابن حبان في \"الثقات\" الليثي، (عن عقبة بن مالك) الليثي، عداده في أهل البصرة، قلت: ذكر مسلم في \"الوحدان\" أنه تفرد بالرواية عنه بشر بن عاصم، وكذا قال الأزدي وأبو صالح المؤذن، صحابي له حديث واحد (من رهطه) أي من قبيلة بشر بن عاصم، وهذا يؤيد أن بشر بن عاصم ليثي.\n(قال: بعث النبي - ﷺ - سرية، فسلَّحت رجلًا منهم سيفًا) (١)، قال في \"القاموس\": وسلحته السيف: جعلته سلاحه، انتهى. وهي من باب التفعيل (فلما رجع) ذاك الرجل من السرية (قال) لي ذاك الرجل: (لو رأيت ما لامنا) من اللوم (رسول الله - ﷺ -)، وجزاء \"لو\" محذوف، أي: لو رأيت ما لامنا رسول الله - ﷺ - على عجزنا وتقصيرنا في ترك التأمير لرأيت أمرًا عجيبًا.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (أعجزتم إذ بعثت رجلًا منكم) أميرًا (فلم يمض لأمري أن) تعزلوه و(تجعلوا مكانه من يمضي لأمري؟).\nوالذي يجب التنبيه عليه ها هنا أن ما روى بشر بن عاصم عن عقبة بن مالك هما قصتان، إحداهما: ما رواه أبو داود وأحمد في \"مسنده\" (٢): \"لو رأيت ما لامنا رسول الله - ﷺ -\" الحديث. والقصة الثانية: ما أخرجه النسائي والبغوي وابن حبان (٣) وغيرهم بسندهم عن بشر بن عاصم عن عقبة بن مالك في قتل من قال: إني مسلم، وهاتان القصتان مختلفتان، فالأولى في عزل الأمير لما لم يمض لأمر رسول الله - ﷺ -، والثانية في قصة قتل المؤمن، فلا تعلق لإحداهما\n_________\n(١) وقال ابن رسلان: أي جعلته ذا سلاح بالسيف، فهو من باب تجهيز المغازي. (ش).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ١١٠).\n(٣) \"سنن النسائي الكبرى\" رقم (٨٥٩٣)، و\"صحيح ابن حبان\" (٥٩٧٢).","vol":"9","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-981>(٩١) بَابُ مَا يُؤْمَرُ مِن انْضِمَامِ الْعَسْكَرِ وَسَعَتِهِ</span>\n٢٦٢٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ وَيزِيدُ بْنُ قُبَيْسٍ - مِنْ أَهْلِ جَبَلَةَ سَاحِلِ حِمْصَ، وَهَذَا لَفْظُ يَزِيدَ - قَالَا، نَا الْوَلِيدُ (١)، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ مِشْكَمٍ\n===\nبالأخرى، وقد خفي ذلك على صاحب \"عون المعبود\" (٢)، فغلط في ذلك، وأدخل إحداهما في الأخرى.\nونبَّه الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" (٣) على ذلك، فإنه أخرج القصتين، ثم قال بعد تخريجهما: قلت: وهذا يرد على من زعم أنه ليس له إلَّا حديث واحد، ولعل منشأ غلط صاحب \"العون\" هذا القول، والله تعالى أعلم.\n\n(٩١) (بَابُ مَا يُؤْمَرُ مِن انْضِمَامِ الْعَسْكَرِ وَسَعَتِهِ)\nلفظ: \"وسعته\" ليس في أصل المكتوبة الأحمدية ولا القادرية، ولكن كتب بعض المصححين بين السطور، وليس في المصرية ولا الكانفورية\n٢٦٢٨ - (حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي ويزيد بن قبيس) مصغرًا (من أهل جبلة ساحل حمص)، قال السمعاني في \"الأنساب\" (٤): وأما الجبلي المعروف بهذه النسبة إلى جبلة، وهي بلدة من بلاد الشام قريبة من حمص مما يلي تلك السواحل فيما أظن (وهذا) أي المذكور (لفظ يزيد، قالا نا الوليد) بن هشام كما في نسخة.\n(عن عبد الله بن العلاء، أنه سمع مسلم بن مِشْكم) بكسر الميم وسكون\n_________\n(١) في نسخة: \"الوليد بن هشام\".\n(٢) انظر: \"عون المعبود\" (٧/ ٢٠٩).\n(٣) \"الإصابة\" (٢/ ٤٨٥).\n(٤) انظر: \"الأنساب\" (٢/ ١٩).","vol":"9","page":222},{"text":"أَبَا عُبَيْدِ الله يَقُولُ، حَدَّثَنَا أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: \"كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا - قَالَ عُمَرو: كَانَ النَّاسُ إِذَاَ نَزَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - مَنْزِلًا - تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ\"، فَلَمْ يَنْزِلْ\n===\nالمعجمة وفتح الكاف، الخزاعي المقرئ، أبو عبد الله الدمشقي، كاتب أبي الدرداء، قال أبو مسهر: لم يكن في حد العلماء، وكان ثقة، وقال العجلي: شامي ثقة من خيار التابعين، وقال دحيم ويعقوب بن سفيان: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وغفل ابن حزم، فقال في \"المحلى\": إنه مجهول، وهو رد عليه.\n(أبا عبيد الله) هكذا بالتصغير في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي، وفي \"الخلاصة\" (١). وأما في \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\" فأبو عبد الله مكبر، والصواب بالتصغير، فإن الدولابي صاحب \"الكنى\" (٢) قال في باب من كنيته أبو عبيد الله: أبو عبيد الله مسلم بن مشكم.\n(يقول: حدثنا أبو ثعلبة الخشني) بضم المعجمة الأولى، وفتح الشين المعجمة، بعدها نون، هذه النسبة إلى بطن من قضاعة، وهو خشين بن نمر بن دبرة، منهم أبو ثعلبة الخشني، صحابي مشهور بكنيته، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا (قال: كان الناس إذا نزلوا منزلًا، قال عمرو) بن عثمان: (كان الناس إذا نزل رسول الله - ﷺ - منزلًا) وكانوا معه (تفرقوا في الشعاب والأودية) فينزلون متفرقين.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم) أي: التفرق (من الشيطان) والاجتماع من الرحمن (فلم ينزل) وفي نسخة: \"فلم ينزلوا\"، ففي الأول الضمير إلى رسول الله - ﷺ -، وفي الثاني إلى الناس\n_________\n(١) انظر: \"الخلاصة\" (ص ٣٧٦).\n(٢) انظر: \"الكنى والأسماء\" (٢/ ٦٤).","vol":"9","page":223},{"text":"بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ\". [حم ٤/ ١٩٣، ق ٩/ ١٥٢، ك ٢/ ١١٥]\n٢٦٢٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عن أَسِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْخَثْعَمِيِّ، عن فَرْوَةَ بْنِ مُجَاهِدٍ اللَّخْمِيِّ، عن سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عن أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ - غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا، فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ \"أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ\n===\n(بعد ذلك منزلًا إلَّا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمَّهم) أي: لشملهم.\n٢٦٢٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا إسماعيل بن عياش، عن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة مكبرًا (ابن عبد الرحمن الخثعمي) الرملي، قال يعقوب بن سفيان: شامي ثقة، قال أبو زرعة: روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الجهاد، وقال أحمد بن صالح: من وجوه خثعم، من ثقات أهل الشام.\n(عن فروة بن مجاهد) أبو مجالد (اللخمي) مولاهم الفلسطيني الأعمى، قال البخاري: فروة بن مجالد كان يسكن \"كفر عنا\" ولم أجد ذكر \"كفر عنا\" في \"معجم البلدان\"، وكانوا لا يشكون أنه من الأبدال، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وكذا سمى أباه مجالدًا أبو حاتم، وقال: روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وقال ابن عبد البر في الصحابة: فروة بن مجالد مولى لخم، أكثرهم يجعل حديثه مرسلًا.\n(عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه) معاذ بن أنس (قال: غزوت مع نبي الله - ﷺ - غزوة كذا وكذا)، وهكذا في رواية أحمد في \"مسنده\" غير مسمى، (فضيق الناس المنازل، وقطعوا الطريق) أي: وسدوا الطريق فلم يبق للناس مجال أن يخرجوا من منازلهم، ويرجعوا إليها بسبب تضييق المنازل.\n(فبعث رسول الله - ﷺ - مناديًا ينادي في الناس: أن من ضيق منزلًا أو قطع)","vol":"9","page":224},{"text":"طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ\". [حم ٣/ ٤٤٠، ق ٩/ ١٥٢]\n٢٦٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا بَقِيَّةُ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن أَسِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن فَرْوَةَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عن سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ (١) - ﷺ -، بِمَعْنَاهُ. [ق ٩/ ١٥٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>(٩٢) بَابٌ: فِي كَرَاهِيَّةِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ</span>\n٢٦٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، نَا (٢) أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَّارِيُّ، عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ كَاتِبًا لَهُ\n===\nأي: سدَّ (طريقًا فلا جهاد له)، فاللازم على الجماعة النازلة في السفر أن يتخذوا طريقًا، وينزلوا بجانبيه لئلا يتضيق الناس في الخروج من المنازل والرجوع إليها.\n٢٦٣٠ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا بقية، عن الأوزاعي، عن أسيد بن عبد الرحمن، عن فروة بن مجاهد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه قال: غزونا مع نبي الله - ﷺ - بمعناه).\n\n(٩٢) (بَابٌ: فِي كَراهِيَةِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ)\n٢٦٣١ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى، نا أبو إسحاق الفزاري، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله) بن معمر التيمي، وكان أميرًا على حرب الخوارج (وكان) أي: سالم (كاتبًا له) ظاهر السياق يومئ إلى أن ضمير \"له\" يعود إلى عمر بن عبيد الله، ولكن قال الحافظ (٣): قوله: \"وكان كاتبًا له\"، أي: إن سالمًا كان كاتب عبد الله بن أبي أوفى.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤).","vol":"9","page":225},{"text":"قَالَ: كَتَبَ إَليْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى\n===\nوقال العيني (١): قوله: \"وكان كاتبه\"، أي كان سالم كاتب عبد الله بن أبي أوفى، وقد سها الكرماني سهوًا فاحشًا حيث قال: وكان سالم كاتب عمر بن عبيد الله، وليس كذلك، بل الصواب ما ذكرنا، انتهى.\nورد [القسطلاني] (٢) على الحافظ ابن حجر والعلامة العيني فقال: وكان أي سالم كاتبًا لعمر بن عبيد الله، وفي \"الفرع\": كان كاتبه، قاله الكرماني وتبعه البرماوي، وقد وقع التصريح بذلك في \"باب لا تتمنوا لقاء العدو\" من رواية يوسف بن موسى عن عاصم بن يوسف اليربوعي، عن أبي إسحاق الفزاري، قال فيها: حدثني سالم أبو النضر: \"كنت كاتبًا لعمر بن عبيد الله\"، فحينئذ قول الحافظ ابن حجر: قوله: وكان كاتبه، أي: أن سالمًا كان كاتب عبد الله بن أبي أوفى سهو، وتبعه فيه العلامة العيني، وزاد فقال: وسها الكرماني سهوًا فاحشًا حيث قال: وكان سالم كاتب عمر بن عبيد الله، وليس كذلك. بل الصواب ما ذكرنا أي من كونه كاتب عبد الله بن أبي أوفى، انتهى.\nقلت: لم أقف على مستندهما أن سالمًا كان كاتبًا لعبد الله بن أبي أوفى، فإن ثبت ذلك بسند فيمكن أن يجمع بينهما بأن سالمًا كان كاتبًا لعبد الله بن أبي أوفى أولًا، ولكن لم يرو عنه حديثًا، ثم صار كاتبًا لعمر بن عبيد الله، فروى عن عبد الله بن أبي أوفى مكاتبة أو وجادة، فلهذا قال الدارقطني: إنه لم يسمع أبو النضر من ابن أبي أوفى، أي لم يسمع هذا الحديث، أو لم يسمع حديثًا، لأنه لم يرو عنه شيئًا غير هذا الحديث الذي رواه بطريق المكاتبة، فعلى هذا يرتفع الاختلاف، والله تعالى أعلم.\n(قال) أي سالم: (كتب إليه) أي إلى عمر بن عبيد الله (عبد الله بن أبي أوفى)، قال الحافظ (٣): الضمير لعمر بن عبيد الله، قال الدارقطني في\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٢٧).\n(٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٤٧) ح (٢٨١٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤).","vol":"9","page":226},{"text":"حِينَ خَرَجَ إِلى الْحَرُوْرِيَّةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - (١) فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ قَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا (٢) اللَّهَ الْعَافِيَةَ،\n===\n\"التتبع\": أخرجا حديث موسى بن عقبة عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله قال: \"كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته\"، قال: وأبو النضر لم يسمع من ابن أبي أوفى، فهو حجة في رواية المكاتبة.\nوتعقب بأن شرط الرواية بالكتابة عند أهل الحديث أن تكون الرواية صادرة إلى المكتوب إليه، وابن أبي أوفى لم يكتب إلى سالم، إنما كتب إلى عمر بن عبيد الله، فعلى هذا تكون رواية سالم له عن عبد الله بن أبي أوفى من صورة الوجادة.\nويمكن أن يقال: الظاهر أنه من رواية سالم عن مولاه عمر بن عبيد الله بقراءته عليه - لأنه كان كاتبه - عن عبد الله بن أبي أوفى أنه كتب إليه، فيصير حينئذ من صور المكاتبة.\nوفيه تعقب على من صنف في رجال الصحيحين فإنهم لم يذكروا لعمر بن عبيد الله ترجمة، وقد ذكره ابن أبي حاتم، وذكر له رواية عن بعض التابعين ولم يذكر فيه جرحًا (حين خرج) أي عمر بن عبيد الله (إلي الحرورية) نسبة إلى حروراء بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدودة، قرية بظاهر الكوفة، وقيل: موضع على ميلين منها، نزل بها الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب، فنسبوا إليها.\n(أن رسول الله - ﷺ - في بعض أيامه) أي: غزواته (التي لقي فيها العدو قال) أي رسول الله - ﷺ -: (يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو) فإن هذا التمني إعجاب واعتماد منكم على أنفسكم (وسلوا الله العافية) فإنه الحافظ والناصر،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"غزا\".\n(٢) في نسخة: \"واسألوا\".","vol":"9","page":227},{"text":"فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ\". ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، مُجْرِيَ السَّحَابِ، وهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ\". [خ ٣٠٢٥، م ١٧٤٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>(٩٣) بَابُ مَا يُدْعَى عِنْدَ اللِّقَاءِ</span>\n٢٦٣٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، نَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ -\n===\nوعليه فليتوكل المتوكلون (فإذا لقيتموهم) أي الكفار (فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف).\nقال القسطلاني (٢): أي أن ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله، وهو من المجاز البليغ؛ لأن ظل الشيء لما كان ملازمًا له، ولا شك أن ثواب الجهاد الجنَّة، فكان ظلال السيوف المشهورة في الجهاد تحتها الجنَّة، أي: ملازمها استحقاق ذلك، وخص السيوف لأنها أعظم آلات القتال وأنفعها.\n(ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (اللَّهُمَّ منزل الكتاب) أي القرآن أو جنس الكتاب (مجري السحاب، وهازم الأحزاب) أي: جماعات الكفار، وإن كان هذا الغزو بعد الأحزاب، فالمراد بالأحزاب: التي اجتمعت على المدينة في غزوة الأحزاب (اهزمهم وانصرنا عليهم).\n\n(٩٣) (بَابُ مَا يُدْعى عِنْدَ اللِّقَاءِ)، أي: بعد لقاء العدو\n٢٦٣٢ - (حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبي) علي بن نصر (نا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٤٧).","vol":"9","page":228},{"text":"إِذَا غَزَا قَالَ: \"اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ\". [ت ٣٥٨٤، سي ٦٠٤، حم ٣/ ١٨٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>(٩٤) بَابٌ: فِي دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ</span>\n٢٦٣٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: \"كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عن دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْقِتَالِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَنَّ ذَلِكَ (١) كَانَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، وَقَدْ أَغَارَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - علَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ\n===\nإذا غزا قال: اللَّهُمَّ أنت عضدي) أجل العضد: هو ما بين الكتف والمرفق، والمراد ها هنا القوة والإعانة (ونصيري) أي: معيني (بك أحول) أي: أتحرك، وقيل: أحتال لدفع مكر الأعداء، وقيل: أدفع وأمنع من حال بينهما إذا منع أحدهما من الآخر (وبك أصول) أي: أسطو وأقهر، والصولة: الحملة والوثبة (وبك أقاتل) أي: بحولك وقوتك أقاتل.\n\n(٩٤) (بَابٌ: فِي دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ)، أي: إلى الإسلام\nهذه الترجمة مكررة، قد تقدم قبيل ذلك، ففي الأولى ذكر الدعوة إيجابًا، وههنا ذكرها نفيًا، إشارة إلى أن الدعوة على نوعين إذا علم أن الكفار بلغتهم الدعوة لا يجب أن يدعوا إلى الإسلام، ولكن يندب لهم الدعوة، وأما إذا لم يعلم فيجب أن يدعوا إلى الإسلام.\n٢٦٣٣ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا إسماعيل بن إبراهيم، أن ابن عون قال: كتبت إلى نافع) مولى ابن عمر (أسأله عن دعاء المشركين عند القتال) إلى الإسلام، (فكتب) نافع (إليَّ أن ذلك) أي: الدعاء (كان في أول الإسلام، وقد أغار نبي الله - ﷺ - بني المصطلق) بضم الميم وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إنما\".","vol":"9","page":229},{"text":"وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ\"، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ (١). [خ ٢٥٤١، م ١٧٣٠، حم ٢/ ٣١، السنن الكبرى للنسائي ٨٥٨٥]\n٢٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُغِيرُ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَانَ يَتَسَمَّعُ، فَإِذَا سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ\". [م ٣٨٢، ت ١٦١٨، دي ٢٤٤٥، حم ٣/ ١٣٢]\n٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا سُفْيَانُ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ\n===\nوكسر اللام بعدها قاف، لقب جذيمة بن سعد بن عمرو، بطن من خزاعة، وقد تسمى غزوة بني المصطلق غزوة المريسيع، وكان ذلك سنة ست من الهجرة، وفيها سقط عقد عائشة.\n(وهم) أي بنو المصطلق (غارون) أي: غافلون عن إغارة المسلمين (وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبق سبيهم) أي: ذراريهم (وأصاب يومئذ جويرية) تصغير جارية (بنت الحارث) من أمهات المؤمنين (حدثني بذلك عبد الله) بن عمر (وكان) عبد الله (في ذلك الجيش).\n٢٦٣٤ - (حدثني موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت، عن أنس: أن النبي - ﷺ - كان يغير) أي يريد الإغارة (عند صلاة الصبح) لأن ذلك وقت نوم وغفلة (وكان يتسمع) إلى صوت الأذان (فإذا سمع أذانًا أمسك) عن الإغارة عليهم، لأنه علم بذلك أنهم أو فيهم مسلمون (وإلَّا) أي إن لم يسمع الأذان (أغار) عليهم.\n٢٦٣٥ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن عبد الملك بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا حديث نبيل، رواه ابن عون عن نافع، لم يشركه فيه أحد\".","vol":"9","page":230},{"text":"نَوْفَلِ بْن مُسَاحِقٍ، عن ابْنِ عِصَامٍ الْمُزَنِيِّ، عن أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ فَقَالَ: \"إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا أَوْ سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا\". [ت ١٥٤٩، حم ٣/ ٤٤٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>(٩٥) بَابُ الْمَكْر فِي الْحَرْبِ</span>\n٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا سُفْيَانُ، عن عَمْرٍو، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"الْحَرْبُ خَدْعَةٌ\". [خ ٣٠٣٠، م ١٧٤٠، ت ١٦٧٥، حب ٤٧٦٣، حم ٣/ ٢٩٧]\n===\nنوفل بن مساحق) بن عبد الله بن مخرمة، أبو نوفل، المدني، العامري عامر قريش، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث في نهي السرية أن يقتلوا من وجدوا عندهم مسجدًا، (عن ابن عصام المزني، عن أبيه).\nقلت: قال علي بن المديني: إسناده مجهول، وابن عصام لم يعرف ولم ينسب، قال ابن عبد البر في ترجمة عصام: اسم أبيه عبد الرحمن، وسماه ابن سعد: عبد الله، وهو الصواب، ووقع لابن شاهين في \"الصحابة\" في رواية هذا الحديث: عن عبد الملك بن نوفل، عن عصام بن عبد الله المزني، عن أبيه، وكأنه انقلب على أحد رواته.\n(قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية) لم أقف على تعيينها (فقال: إذا رأيتم مسجدًا) أي: في ديار العدو (أو سمعتم موذنًا) يؤذن فيها (فلا تقتلوا أحدًا) أي: غِرة وغفلة، لئلا يؤدي إلى قتل المسلم.\n\n(٩٥) (بَابُ الْمَكْرِ فِي الْحَرْبِ)\nالمكر: حيلة يوقع به الآخر في الشر، وهو من الله تعالى تدبير خفي، وهو استدراجه بطول الصحة وظاهر النعمة.\n٢٦٣٦ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن عمرو، أنه سمع جابرًا، أن رسول الله - ﷺ - قال: الحرب خدعة)، يروى بضم خاء وفتحها مع سكون دال،","vol":"9","page":231},{"text":"٢٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا ابْنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى غَيْرَهَا، وَكَانَ يَقُولُ: \"الْحَرْبُ خَدْعَةٌ\" (١). [خ ٢٩٤٧، م ٢٧٦٩]\n===\nوبضمها مع فتح دال، فالأول معناه: ينقضي أمرها بخدعة، واحدة من الخداع، أي أن المقاتل إذا خدع مرة لم يكن لها إقالة، وهو أفصح الروايات وأصحها، ومعني الثاني: هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث: أن الحرب تخدع الرجال وتمنيهم، ولا تقي لهم كالضحكة لمن يكثر الضحك، روي أنه - ﷺ - قاله يوم الأحزاب لما بعث نعيم بن مسعود أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، يعني أن المماكرة في الحرب أنفع من المكاثرة، وظاهره إباحة الكذب فيها، لكن التعريض أولى \"مجمع\" (٢).\n٢٦٣٧ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا ابن ثور) هكذا في النسخة المصرية والقادرية ونسخة \"العون\" والمكتوبة الأحمدية، ولكن كتب بعض المصححين أو القراء على حاشيتها: أبو ثور، فجمع في النسخة المجتبائية لفظة \"الابن\" و\"أبو\"، وهو محمد بن ثور الصنعاني أبو عبد الله العابد، وتقدمت ترجمته في محله، فما وقع في النسخة الكانفورية: أبو ثور، فليس بصحيح.\n(عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد غزوة) في جهة من الجهات (وَرَّى) من التورية (غيرها) أي: غير تلك الجهة، أي: ستره، وكنى عنه، فأوهم أنه يريد غيره من الوراء، أي: ألقى البيان وراء ظهره لئلا ينتهي خبره إلى مقصده فيستعدوا للقائه (وكان يقول: الحرب خدعة).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: لم يجئ به إلَّا معمر - يريد قوله: \"الحرب خدعة\" - بهذا الإسناد، وإنما يروى من حديث عمرو بن دينار عن جابر، ومن حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة. [قلت: رواية جابر أخرجها البخاري في \"صحيحه\" (٧٠٣٠)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٧٣٩)، ورواية أبي هريرة أيضًا أخرجاها \"خ\" ٣٠٢٩) \" م \" (١٧٤٠).\n(٢) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٠).","vol":"9","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-986>(٩٦) بَابٌ: فِي الْبَيَاتِ</span>\n٢٦٣٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ وَأَبُو عَامِرٍ، عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، نَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَبَا بَكْرٍ، فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَبَيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ (١) وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَمِتْ أَمِتْ. قَالَ سَلَمَةُ: فَقَتَلْتُ بِيَدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبْعَةَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ\". [تقدَّم برقم ٢٥٩٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>(٩٧) بَابٌ: فِي لُزُومِ السَّاقَةِ</span>\n٢٦٣٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَوْكَرٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ،\n===\n\n(٩٦) (بَابٌ: فِي الْبَيَاتِ) (٢)\nوهو الهجوم على العدو بغتة ليلًا من غير أن يعلم، وفي الفارسية: \"شب خون\"\n٢٦٣٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الصمد وأبو عامر) العقدي، (عن عكرمة بن عمار، نا إياس بن سلمة، عن أبيه) سلمة بن الأكوع (قال: أمَّر) من التفعيل (رسول الله - ﷺ - أبا بكر) على جيش في سرية قبل نجد إلى بني فزارة، وقد تقدم ذكرها قريبًا (فغزونا ناسًا من المشركين) أي من بني فزارة (فبيَّتناهم) أي: هجمنا عليهم ليلًا (نقتلهم، وكان شعارنا) أي: علامتنا (تلك الليلة: أَمِتْ أَمِتْ. قال سلمة: فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أهل أبيات) أي: سبعة عشائر (من المشركين).\n\n(٩٧) (بَابٌ: فِي لُزُومِ السَّاقَةِ)، جمع سائق، وهم الذين يسوقون جيش الغزاة، ويكونون من ورائه يحفظونه\n٢٦٣٩ - (حدثنا الحسن بن شوكر، حدثني إسماعيل بن علية،\n_________\n(١) في نسخة: \"فنقتلهم\".\n(٢) ويجوز فيه قتل الذراري أيضًا إذا لم تعلم، كما سيأتي في \"باب في قتل النساء\". (ش).","vol":"9","page":233},{"text":"نَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ، فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وُيرْدِفُ، وَيَدْعُو لَهُمْ\". [ق ٥/ ٢٥٧، ك ٢/ ١١٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>(٩٨) بَابٌ: عَلَى مَا يُقَاتَلُ الْمُشْرِكُونَ</span>؟\n٢٦٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلَّا اللَّه، فَإِذَا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿\". [تقدَّم برقم ١٥٥٦]\n===\nنا الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، أن جابر بن عبد الله حدثهم قال: كان رسول الله - ﷺ - يتخلف) أي يمشي خلف الناس (في المسير فيزجي) أي يسوق (الضعيف، ويردف) خلفه من عَتَبَ أو عَيِيَ ظهره (ويدعو لهم) أي للذين معهم أو لجميع المسلمين.\n\n(٩٨) (بَابٌ: عَلَى مَا يُقَاتَلُ) ببناء المجهول (المُشْرِكُونَ؟)\n٢٦٤٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله) أي: حتى يسلموا (فإذا قالوها) أي: تلك الكلمة، وقبلوا الإسلام (منعوا مني دماءهم وأموالهم) لا يجوز التعرض لأموالهم ودمائهم (إلَّا بحقها) وهو الزنا بعد إحصان، وكفر بعد إسلام، وقتل نفس فيقتل بها، وحق المال زكاة السوائم والعشر وغيرها.\n(وحسابهم على الله ﷿) ومعنى قولهم: \"وحسابهم على الله\" أنهم إذا أسلموا في الظاهر يجري عليهم حكم الإسلام، وإن كانوا في الباطن على خلاف ذلك، فإذا كان باطنهم على خلاف ظاهرهم لا يتعرض لهم في الدنيا، ولكن يؤاخذ به في الآخرة، فيعاقبون عليه لأنهم منافقون، وإنما لم يذكر فيه","vol":"9","page":234},{"text":"٢٦٤١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا، وَأَنْ يَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَأَنْ يُصَلُّوا صَلَاتَنَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ\". [خ ٣٩٢، ن ٥٠٠٣، ت ٢٦٠٨، حم ٣/ ١٩٩]\n٢٦٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:\n===\nالجزية، لأن المراد بالناس في قوله: \"أقاتل الناس\": مشركو العرب، فلا يقبل منهم جزية.\n٢٦٤١ - (حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني) أبو بكر، قال أبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال مسلمة والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، (نا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا) أي: يولوا وجوههم في الصلاة إلى الكعبة (وأن يأكلوا ذبيحتنا) أي: يذبحوا بالتكبير فيأكلوا الذبيحة (وأن يصلوا صلاتنا) أي: الصلوات الخمسة.\n(فإذا فعلوا ذلك) أي: قبلوا ذلك وأسلموا وانقادوا لجميع الشرائع (حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلَّا بحقها) أي بحق الدماء والأموال (لهم) من الفيء والغنيمة في الدنيا، والأجر والثواب في الآخرة (ما للمسلمين) أي لجميع المسلمين (وعليهم) أي: ويلزم عليهم من العقوبة في الدنيا والآخرة (ما على المسلمين).\n٢٦٤٢ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال:","vol":"9","page":235},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ\" بِمَعْنَاهُ. [ت ٢٦٠٨، حم ٣/ ١٩٩، قط ١/ ٢٣٢، ق ٢/ ٣]\n٢٦٤٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي ظَبْيَانَ، نَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَرِيَّةً إِلى الْحُرَقَاتِ، فَنَذِرُوا بِنَا، فَهَرَبُوا، فَأَدْرَكْنَا رَجُلًا، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّه، فَضَرَبْنَاهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَذَكَرْتُهُ للنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ:\n===\nقال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل المشركين) من العرب (بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\n٢٦٤٣ - (حدثنا الحسن) بن علي (وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثيهما واحد (قالا: نا يعلي بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي ظبيان) حصين بن جندب بن الحارث بن وحشي بن مالك الجنبي الكوفي، قال ابن معين والعجلي وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: ثقة، (نا أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - سرية (١) إلى الحرقات) بضم الحاء وفتح الراء المهملتين ثم قاف، اسم لقبائل من جهينة، كذا في \"فتح الودود\"، وفي \"معجم البلدان\" (٢): بضمتين وقاف وآخره تاء فوقها نقطتان: موضع (٣).\n(فنذروا) أي علموا (بنا) أي بهجومنا (فهربوا، فأدركنا رجلًا) سمَّاه ابن هشام في \"سيرته\" (٤): مرداس بن نهيك (فلما غشيناه) أي: علونا عليه (قال: لا إله إلَّا الله، فضربناه) بالسيف (حتى قتلناه، فذكرته للنبي - ﷺ -، فقال)\n_________\n(١) في سنة ٨ هـ، تسمى سرية أسامة إلى الحرقات، وقيل: بعث غالب بن عبد الله إلى فدك، وقيل: هما اثنان، كذا في \"الوقائع والدهور\" للعبد الضعيف. (ش).\n(٢) \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٤٣).\n(٣) وفي \"فتح الباري\" (٧/ ٥١٧): \"الحرقات\" نسبة إلى رجل من جهينة اسمه: جهيش بن عامر، تسمى الحرقة: لأنه حرَّق قومًا بالقتل فبالغ في ذلك.\n(٤) انظر: \"سيرة ابن هشام\" (٤/ ٢٧١).","vol":"9","page":236},{"text":"\"مَنْ لَكَ بلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ \" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا مَخَافَةَ السِّلَاحِ، قَالَ: \"أَفَلَا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَهَا أَمْ لَا؟ مَنْ لَكَ بِلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ \"، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا (١) حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أُسْلِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. [خ ٤٢٦٩، م ٩٦، ق ٨/ ١٩]\n٢٦٤٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عن اللَّيْثِ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عَطَاءِ بْنِ يَزيدَ اللَّيْثِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، عن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ\n===\nالنبي - ﷺ -: (من لك) أي: من المنجي لك أو المُعين لك (بلا إله إلَّا الله يوم القيامة؟) أي إذا جاء لا إله إلَّا الله ممثلًا بصورة مخاصم ويخاصمك.\n(فقلت: يا رسول الله! إنما قالها) أي قال ذلك الرجل تلك الكلمة (مخافة السلاح، قال) النبي - ﷺ -: (أفلا) وفي رواية \"البخاري\" و\"مسلم\": \"فهلا\" (شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك) أي الخوف (قالها أم لا؟)، والحاصل أن الاطلاع على ما في قلبه غير ممكن، وإن كان بالشق عن القلب، فلما لم يمكن الاطلاع على الباطن، فكيف قتلته على ظنك الفاسد.\n(من لك بلا إله إلَّا الله يوم القيامة؟) كرره تهويلًا لشأن القتل بعد ظهور الإسلام (فما زال يقولها) تهويلًا وسدًا للباب على الآخرين (حتى وددت أني لم أسلم إلَّا يومئذ) أي: من شدة تهديده، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله.\n٢٦٤٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد بن الأسود (٢)، أنه أخبره، أنه قال: يا رسول الله! أرأيت) أخبرني (إن لقيت رجلًا من الكفار) في\n_________\n(١) في نسخة: \"يقول\".\n(٢) ذكرت الرواية في \"مجمع الزوائد\" بسياق آخر (٥/ ٦٠١). (ش).","vol":"9","page":237},{"text":"فَقَاتَلَنِي (١) فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ للَّهِ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَقْتُلْهُ\"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَطَعَ يَدِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ\". [خ ٦٨٦٥، م ٩٥، السنن الكبرى للنسائي ٨٥٩١]\n===\nمقاتلتهم (فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف) أي: فقطعها (ثم لاذ) فعل ماض من لاذ يلوذ، أي: عاذ واعتصم (مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟) أي تلك الكلمة، وهي: \"أسلمت لله\".\n(قال رسول الله - ﷺ -: لا تقتله)، قال القاري (٢): يستفاد من نهيه عن القتل والتعرض له ثانيًا بعد ما كرر أنه قطع إحدى يديه أن الحربي إذا جنى على مسلم، ثم أسلم لم يؤاخذ بالقصاص، إذ لو وجب لرخص في قطع إحدى يديه قصاصًا.\n(فقلت: يا رسول الله! انه قطع يدي، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تقتله، فإن قتلته) بعد ما تكلم بالإسلام (فإنه بمنزلتك) في عصمة الدم (قبل أن تقتله) أي قبل قتلك إياه (وأنت) في إباحة الدم (بمنزلته) أي بمنزلة ذلك الرجل (قبل أن (٣) يقول كلمته التي قال) وهي كلمة الإسلام.\nقال القاري (٤): قوله: \"فإنه بمنزلتك\" لأنه صار مسلمًا معصوم الدم قبل أن فعلت فعلتك التي أباحت دمك قصاصًا، والمعنى كما كنت قبل قتله مَحْقُونُ الدم بالإسلام، كذلك هو بعد الإسلام، وقوله: \"أنت بمنزلته\"، لأنك صرت\n_________\n(١) في نسخة: \"يقاتلني\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ١٠).\n(٣) وفي \"شرح الطحاوي\" للعيني: معناه أنك كنت كذلك قبل أن تقول الكلمة التي قالها، وذاك حين كنت بمكة بين المشركين تكتم إيمانك، فلعله أيضًا كتم إيمانه. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ١٠).","vol":"9","page":238},{"text":"(١)\n٢٦٤٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن إِسْمَاعِيلَ، عن قَيْسٍ، عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَرِيَّةً إِلى خَثْعَمٍ، فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِم الْقَتْلَ، قَالَ - أَي جَرِيْرٌ -: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: \"أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ\n===\nمباح الدم، كما هو مباح الدم قبل الإسلام، لكن السبب مختلف، لأن إباحة دم القاتل بحق القصاص، وإباحة دم الكافر بحق الإسلام.\n٢٦٤٥ - (حدثنا هناد بن السري، نا أبو معاوية، عن إسماعيل) بن أبي خالد، (عن قيس) بن أبي حازم، (عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله - ﷺ - سرية إلى خثعم)، قال في \"القاموس\": خثعم كجعفر: جبل، وأهله خثعميون، وابن أنمار: أبو قبيلة من مَعَدٍّ (فاعتصم ناس منهم) أي: من أهل خثعم (بالسجود) عن القتل بأنهم ظنوا أن المسلمين إذا رأونا ساجدين تيقنوا بإسلامنا فلا يقتلوننا، فلم يلتفت المسلمون إلى سجودهم.\n(فأسرع فيهم القتل) أي: فشا وشاع (قال -أي جرير-: فبلغ ذلك) أي خبر قتلهم (النبي - ﷺ - فأمر لهم) أي: لعصباتهم وورثتهم (بنصف العقل) (٢)، لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة، فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره، فسقط حصة جنايته (وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود\".\n(٢) وفي \"إزالة الخفاء\" (٣/ ١٢٢): أمر بنصف الدية استطابة لهم وزجرًا للمسلمين في ترك التثبت، والأوجه عندي أنه على طريق الصلح، يشهد له كتاب عمر إلى أبي عبيدة: احرص على الصلح إذا لم يستبن لك القضاء، انتهى، ووجه ابن الهمام في العتق بوجه آخر، فقال: سجودهم يحتمل كونه لله تعالى وكونه تعظيمًا لهم، كما هو معروف، فصار احتمالان، فجعل نصف العقل.","vol":"9","page":239},{"text":"الْمُشْرِكِينَ\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ؟ قَالَ: \"لَا تَرَايَا (١) نَارَاهُمَا\". [ت ١٦٠٤، ق ٩/ ١٤٢]\n===\nالمشركين) ولفظ أظهر مقحم.\n(قالوا: يا رسول الله! لم؟) أي: لم سقط نصف الدية، أو لم برئت من مسلم يقيم بين أظهر المشركين؟ (قال: لا ترايا) (٢) من باب التفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم، إذا رأى بعضهم بعضًا، وإسناد الترائي إلى النار مجاز، وأصله تتراءى، فحذف إحدى التائين تخفيفًا (ناراهما).\nقال الخطابي (٣): في معناه ثلاثة وجوه، قيل: معناه لا يستوي حكمهما، وقيل: معناه أن الله فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يرى نارهم، ويرون ناره إذا أوقدت، وقيل: معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يشبه به في هديه وشكله.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: لم يا رسول الله؟ الظاهر أنهم سألوا عن وجه التبري، ويمكن أن يكون السؤال عن وجه سقوط النصف من العقل، وأما وجوب الدية فكان ظاهرًا لأنهم مسلمون، وعلى كل من التوجيهين ينطبق الجواب، يعني إنما برئت، لأنهم خالفوا الواجب عليهم، حيث أمرتهم أن يكونوا من الكفار بحيث لا تتراءى ناراهما، أو إنما سقط النصف من دياتهم، لأنهم تسببوا لقتلهم، حيث أقاموا فيهم مع ما أمروا بالبعد عنهم، فكان قتلهم مضافًا إلى علتين:\nأولاهما: قلة حزم القاتلين حيث لم يتثبتوا أمرهم، والثانية: إقامتهم في مقام المشركين، ومن ها هنا تستنبط مسألة وهي أن الفارسين إذا تصادما وماتا، فعلى القاتل منهما للمقتول نصف الدية، لأنه إنما هلك بقلة حزمه وقلة حزم صاحبه، فسقط من ديته حصته.\n_________\n(١) في نسخة: \"لا تراءى\".\n(٢) وفي \"الفتاوى الحديثية\": هو علة للبراءة حذفت أداتها، انتهى. (ش).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٢٧٢).","vol":"9","page":240},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَهُشَيْمٌ (١) وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ وَجَمَاعَةٌ لَمْ يَذْكُرُوا جَرِيرًا.\n===\n(قال أبو داود: رواه معمر وهشيم وخالد الواسطي (٢) وجماعة لم يذكروا جريرًا) أي: رووه مرسلًا، وأخرجه الترمذي في \"باب ما جاء في الكراهية في المقام بين أظهر المشركين\" فأخرج حديث أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم مسندًا، ثم أخرج من حديث عبدة، عن إسماعيل بن أبي خالد مثل حديث أبي معاوية، وقال: لم يذكر فيه عن جرير، وهذا أصح، ثم قال: وأكثر أصحاب إسماعيل قالوا: عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم: أن رسول الله - ﷺ - بعث سرية، ولم يذكروا فيه عن جرير، وروى حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير مثل حديث أبي معاوية، وسمعت محمدًا يقول: الصحيح حديث قيس، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، انتهى.\nقلت: ولم أجد في السير ذكر هذه السرية سرية خثعم، إلَّا ما ذكره القسطلاني في \"المواهب\" (٣) والدياربكري في \"تاريخ الخميس\" (٤) بأنه أمَّر قطبة بن عامر بن حديدة على عشرين رجلًا، وبعثه إلى قبيلة خثعم بناحية بيشة [قريبًا] من تربة بضم التاء وفتح الراء من أعمال مكة سنة تسع، وأمره أن يشنوا الغارة عليهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعًا، وقتل قطبة من قتل، وساقوا الإبل والغنيمة إلى المدينة.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رواه هشيم ومعتمر\" [قلت: وفي \"تحفة الأشراف\" (٣٢٢٧) أيضًا: \"معتمر\"].\n(٢) رواية هشيم أخرجها أبو عبيد القاسم بن سلام في \"غريب الحديث\" (٣/ ٥٦). ورواية معتمر بن سليمان أخرجها سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢/ ٢٤٩) رقم (٢٦٣٦)، أما رواية خالد الواسطي فلم أجد فيما عندي من الكتب.\n(٣) انظر: \"المواهب اللدنية\" (١/ ٦١٨).\n(٤) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١٢٠).","vol":"9","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-989>(٩٩) بَابٌ: فِي التَوَلِّي يَوْم الزَّحْفِ</span>\n٢٦٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عن الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشْرَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ تَخْفِيفٌ (١) فَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ قَرَأَ أَبُو تَوْبَةَ إِلى قَوْلِهِ: (٢) ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾،\n===\n\n(٩٩) (بَابٌ: فِي التَّوَلِّي (٣) يَوْمَ الزَّحْفِ)\n٢٦٤٦ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا ابن المبارك، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾) أي: لا يجوز لهم أن يفروا من عشرة أمثالهم، ويجب عليهم أن يثبتوا لهم صابرين (فشق ذلك) وصعب (على المسلمين حين فرض الله عليهم أن لا يفر) مسلم (واحد من عشرة) كفار.\n(ثم إنه جاء) أي نزل (تخفيف) من ربهم (فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، قرأ أبو توبة إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾) وتمام الآية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: يعني بذلك علم الظهور، فإن العلم وإن كان حاصلًا له تعالى من قبل، لكنه لم يتعلق بالحادث\n_________\n(١) في نسخة: \"بتخفيف\".\n(٢) في نسخة: \"مائة\".\n(٣) قال الموفق: لا يجوز الفرار عن ضعفهم في قول عامة أهل العلم وإن خاف الهلاك، انظر: \"المغني\" (١٣/ ١٨٦). (ش).\n(٤) سورة الأنفال: الآية ٦٥ - ٦٦.","vol":"9","page":242},{"text":"قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ (١) نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ عَنْهُمْ\". [خ ٤٦٥٢]\n٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايا رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً، فَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ، فَلَمَّا بَرَزْنَا قُلْنَا: كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ، وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ،\n===\nما لم يحدث، فالحدوث إنما هو باعتبار التعلق، فإن تعلق الشيء بالشيء لا يمكن إلَّا وأن يوجد المتعلق، فالعلم بالمتعلق بالحادث بحيث حدوثه إنما يوجد بعد حدوثه، انتهى.\n(قال) ابن عباس: (فلما خفف الله عنهم من العدة) لمقاومة الكفار (نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم)، وإنما أخبر ابن عباس بهذا، لعله علم من نفسه، وكذلك علم من الصحابة من سماعهم.\n٢٦٤٧ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا يزيد بن أبي زياد، أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه، أن عبد الله بن عمر حدثه: أنه كان في سرية (٢) من سرايا رسول الله - ﷺ -، قال) ابن عمر: (فحاص الناس حيصة) أي: انهزموا انهزامًا (فكنت فيمن حاص، فلما برزنا)، وفي نسخة: \"فرغنا\" في المكتوبة بين السطور، وفي رواية: \"نفرنا إلى المدينة\".\n(قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا) أي: رجعنا (بالغضب)\n_________\n(١) في نسخة: \"العدد\".\n(٢) ولا يبعد أن تكون سرية مؤتة، فإن ابن عمر كان فيها، وقد وقع فيها بعض الانهزام، وقال المسلمون لما رجع أهل السرية: أنتم الفَرَّارون؛ قال - ﵇ -: \"بل العكَّارون\"، كما في \"الخميس\" (٢/ ٧٢)، وفي \"العون\" (٧/ ٢٢١): أخرجه الترمذي وابن ماجه. قلت: وأخرجه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٨). (ش).","vol":"9","page":243},{"text":"فَقُلْنَا: نَدْخُلُ الْمَدِينَةَ فَنَثْبُتُ فِيهَا لِنَذْهَبَ وَلَا يَرَانَا (١) أَحَدٌ، قَالَ: فَدَخَلْنَا فَقُلْنَا: لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَةٌ أَقَمْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَهَبْنَا، قَالَ: فَجَلَسْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ (٢)، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ: \"لَا بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ\"، قَالَ: فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ فَقَالَ: \"أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ\". [ت ١٧١٦، جه ٣٧٠٤، حم ٢/ ٧٠، ق ٩/ ٧٦]\n===\nأي بغضب من الله - ﷾ - (فقلنا: ندخل المدينة) ليلًا (فنثبت) وفي نسخة: \"فنبيت\" (فيها) أي في المدينة مختفين (لنذهب) اللام فيها لام كي، علة لقوله: ندخلها ليلًا، وتقديره: لنذهب إلى بيوتنا ليلًا، ثم نذهب إلى رسول الله - ﷺ -، أو يقال: لنذهب إلى رسول الله - ﷺ - ولا يرانا أحد، وقال بعض المدرسين: يحتمل أن يكون صيغة أمر، وما كتب بين السطور \"لنذهب إلى الغزو مرة ثانية\" فغير متبادر إلى الذهن بل هو بعيد.\n(ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا) أي أردنا دخول المدينة (فقلنا) أي فيما بيننا: (لو عرضنا أنفسنا على رسول الله - ﷺ -) لكان خيرًا، أو الجزاء (فإن كانت لنا توبة أقمنا) في المدينة (وإن كان غير ذلك ذهبنا) أي عنها إلى حيث شاء الله تعالى.\n(قال) ابن عمر: (فجلسنا) أي: مترصدين (لرسول الله - ﷺ - قبل صلاة الفجر، فلما خرج) رسول الله - ﷺ - (قمنا إليه) وفي رواية: فقال: \"من القوم\"؟ (فقلنا: نحن الفرارون، فأقبل) أي توجه (إلينا، فقال: لا،) أي: ليس أنتم الفرارون (بل أنتم العكارون) الكرارون العطافون على الكفار.\n(قال: فدنونا فقبَّلنا يده، فقال: أنا فئة المسلمين) أي: ملجأهم،\n_________\n(١) في نسخة: \"فلا يرانا\".\n(٢) في نسخة: \"الفارون\".","vol":"9","page":244},{"text":"٢٦٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمِصْرِيُّ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نَا دَاوُدُ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: \"نَزَلَتْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ \". [السنن الكبرى للنسائي ١١٢٠٣]\n===\nوهذا جواب عما ارتكز في قلوبهم من الشبهة بمخالفة الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، فظنوا أنهم فروا غير متحرفين للقتال وغير متحيزين إلى فئة، لأنه لم تكن لهم فئة هناك، فأزال - ﷺ - هذه الشبهة، وقال: \"وليتم أدباركم متحيزين إلى فئة، لأني أنا فئتكم، ففرحوا بذلك واطمأنت نفوسهم\".\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: فقال: \"لا بل أنتم العَكَّارون\"، لا يخلو الفرار يومئذ أن يكون جائزًا لهم أولا، وعلى الأول فظاهر أنهم لم يكونوا ممن فر فرارًا استحق الوعيد عليه، وعلى الثاني فتوجيه إخراجهم عنهم أنهم لما ندموا، وعلموا أعظم ما اقترفوا فيه، سقط عنهم ذنبهم، فلم يبق عليهم شيء، وعلى الوجهين فصح تسلية النبي - ﷺ - إياهم وإدخالهم في الاستثنائين المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، ولا يترتب عليهم الجزاء المترتب على ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، وهذا هو الوجه في إيراد المؤلف هذه الآية ها هنا.\n٢٦٤٨ - (حدثنا محمد بن هشام) بن شبيب بن أبي خيرة بكسر المعجمة وفتح التحتانية، السدوسي، أبو عبد الله البصري، نزيل مصر، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال فِي موضع آخر: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا حسن الحديث، (المصري نا بشر بن المفضل، نا داود) بن أبي هند، (عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: نزلت في يوم بدر: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾).\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية ١٦.","vol":"9","page":245},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n* * *\n===\nواختلف أهل العلم في حكم هذه الآية، هل هو خاص في أهل بدر؟\nفقال قوم: هو لأهل بدر خاصة، لأنهم لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله - ﷺ - مع عدوه وينهزموا عنه، فأما اليوم فلهم الانهزام، هكذا روي عن الحسن البصري والضحاك وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وروي عن يزيد بن حبيب بسند فيه ابن لهيعة قال: \"أوجب الله لمن فر يوم بدر النار\"، قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فلما كان يوم أحد بعد ذلك، قال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (١)، ثم كان حنين بعد ذلك بتسع سنين فقال: \"ثم وليتم مدبرين، ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء\".\nوقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولَّى الدبر عن العدو منهزمًا، روي ذلك عن ابن جرير الطبري (٢).\nوأولى التأويلين في هذا الباب بالصواب قول من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين إذا لقوا العدو أن لا يولوهم الدبر منهزمين إلَّا لتحرف لقتال أو التحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام. والحمد لله رب العالمين.\nوكتب على تمام حديث الباب على حاشية النسخة المكتوبة: هذا هو النصف الأول من السنن المجزء اثنين وثلاثين جزءًا بتجزئة الخطيب، وهذا النصف منه ستة عشر جزءًا، والله المعين الميسِّر.\n* * *\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ١٥٥.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" للطبري (٦/ ٢٠٢، ٢٠٣).","vol":"9","page":246},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nأَخْبَرَنَا الإمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ الْبَغدَادِيُّ قَالَ: أَنَا الإمَامُ الْقَاضِي أَبُو عَمْرٍو الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: أَنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو اللُّؤْلُؤِي، قَالَ: ثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قَالَ:\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n(أخبرنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي قال: أنا الإمام القاضي أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، قال: أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي قال: ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين - رحمه الله تعالى- قال:)\nهذا السند مذكور في النسخة القادرية والكانفورية ونسخة \"العون\"، وليس بمكتوب في النسخة المكتوبة الأحمدية ولا في المصرية، والظاهر أن ذكره في هذا المحل غير مناسب، بل المحل المناسب لذكره أول \"كتاب السنن\".","vol":"9","page":247},{"text":"(١٠٠) بَابٌ: فِي الأَسِيرِ (١) يُكْرَهُ عَلَى الْكُفْرِ\n٢٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنَا هُشَيْمٌ وَخَالِدٌ، عن إِسْمَاعِيلَ، عن قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عن خَبَّابٍ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً (٢) فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟\n===\n\n(١٠٠) (بَابٌ: فِي الأَسِيرِ)\nأي المسلم (يُكْرَهُ) بصيغة المجهول من الإكراه (عَلَى الْكُفْرِ) أي ما حكمه؟ هل تجري كلمة الكفر على اللسان أم لا؟\n٢٦٤٩ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا هشيم وخالد، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عن خباب) - بفتح المعجمة وتشديد الموحدة - ابن الأرت - بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية - كنيته أبو عبد الله، شهد بدرًا، وكان قينًا في الجاهلية، نزل الكوفة، ومات بها سنة ٣٧ هـ، وكان من المهاجرين الأولين.\nقال ابن سعد (٣): أصابه سَبْيٌ، فبيع بمكة، ثم حالف بني زهرة، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، وكان من المستضعفين الذين يُعَذَّبُون بمكة، وحكى الباوردي أنه أسلم سادس ستة، ذكر أن عمر بن الخطاب سأله عما لقي في ذات الله فكشف ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم، فقال: يا أمير المؤمنين! لقد أوقدت لي نار، فما أطفأها إلَّا شحمي، ذكره السهيلي (٤).\n(قال: أتينا رسول الله - ﷺ - وهو متوسد) أي: جاعل وسادة (بردة) وهي الشملة المخططة (في ظل الكعبة، فشكونا إليه) أي ما نلقى من مشركي مكة من العذاب (فقلنا: ألا تستنصر) أي من الله تعالى (لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟) أن ينجينا\n_________\n(١) في نسخة: \"المسلم\".\n(٢) في نسخة: \"بُرْدَهُ\".\n(٣) \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ١٦٤).\n(٤) انظر: \"الروض الأنف\" (٢/ ١٢٢).","vol":"9","page":248},{"text":"فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ: \"قَدْ كَانَ مَنْ (١) قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عن دِينِهِ، وُيمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عن دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ\n===\nمن أذى الكفار (فجلس) بترك التوسد (محمرًّا وجهه) من الغضب على استعجالهم، وقيل: من أثر النوم.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (قد كان من قبلكم) في الأمم الماضية (يؤخذ الرجل) المؤمن ظلمًا، فيكره على الكفر فيأبى (فيحفر له في الأرض) حفيرة فيدخل فيها (ثم يؤتى بالمنشار) وهو آلة من الحديد، له أسنان ينشر به العود (فيجعل) أي المنشار (على رأسه فيجعل) أي ذلك الرجل (فرقتين) أي: شقتين (ما يصرفه ذلك) أي التعذيب (عن دينه، ويمشي) بصيغة المجهول، أي: لحمه (بأمشاط الحديد ما دون) أي: ما سوى أو ما فوق (عظمه من) بيانية للفظ ما (لحم وعصب)، ولفظ \"البخاري\": \"ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه\".\nقال الحافظ: وللأكثر \"ما\" بدل \"من\" (ما يصرفه ذلك) التعذيب الشديد (عن دينه).\nقال الحافظ (٢): قال: هذه تسلية لهم، وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث: \"ولكنكم تستعجلون\".\n(والله ليتمن الله هذا الأمر) أي: الدين القيّم (حتى يسير الراكب ما بين صنعاء).\nقال في \"المعجم\" (٣): وصنعاء موضعان، أحدهما: باليمن وهي العظمى، وأخرى: قرية بالغوطة من دمشق. قال الحافظ في \"الفتح\" (٤): يحتمل أن يريد\n_________\n(١) في نسخة: \"من كان\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(٣) \"معجم البلدان\" (٣/ ٤٢٦).\n(٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٢٠).","vol":"9","page":249},{"text":"وَحَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّه وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ\" (١). [خ ٣٦١٢، سنن النسائي الكبرى ٨٥٩٣، حم ٥/ ١٠٩ - ١١٠]\n===\nصنعاء اليمن وبينها وبين حضرموت من اليمن أيضًا مسافة بعيدة نحو خمسة أيام، ويحتمل أن يريد صنعاء الشام، والمسافة بينهما أبعد بكثير، والأول أقرب (وحضرموت) - بالفتح ثم السكون وفتح الراء والميم- وهي ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة، تعرف بالأحقاف، وبها قبر هود ﵇، وبين حضرموت وصنعاء اثنان وسبعون فرسخًا، وقيل: مسيرة أحد عشر يومًا (ما يخاف إلَّا الله) أي: لا يخاف أحد من الناس (والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون).\nقال الحافظ (٢): قال ابن بطال: إنما لم يُجِب النبي - ﷺ - لسؤال خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (٤)؛ لأنه علم أنه قد سبق القدر بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها، كما جرت به عادة الله تعالى في أتباع الأنبياء، فصبروا على الشدة في ذات الله، ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الأجر، قال: فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة، لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبي - ﷺ -، انتهى.\nوقال ابن بطال: أجمعوا على أن من اكره على الكفر، واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة، وأما غير الكفر فإن أكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلًا، فالفعل أولى، وقال بعض المالكية: بل يأثم إن منع من أكل غيرها، فإنه يصير كالمضطر على أكل الميتة إذا خاف على نفسه الموت فلم يأكل.\n_________\n(١) في نسخة: \"تُعَجِّلُون\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(٣) سورة غافر: الآية ٦٠.\n(٤) سورة الأنعام: الآية ٤٣.","vol":"9","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-991>(١٠١) بَابٌ: فِي حُكْمِ الْجَاسُوسِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا</span>\n٢٦٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عن عَمْرٍو، حَدَّثَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ،\n===\nومذهب الحنفية في ذلك: أن الرجل إذا أكره على أكل الميتة وشرب الخمر ولحم الخنزير بحبس أو بضرب أو قيد لم يحل له، وإن أكره بقتل أو قطع عضو وسعه ذلك، لأن هذه الأشياء أبيحت عند الضرورة، ولا يسعه أن يصبر على ما توعّد به. فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم، لأنه لما أبيح كان بالامتناع معاونًا لغيره على إهلاك نفسه، فيأثم كما في حالة المخمصة إن مات ولم يأكل، وإن أكره على الكفر أو سبِّ الرسول بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه وسعه أن يظهر ما أمروه به وُيوَرِّي، فإن فعل ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه، فإن صبر حتى قتل ولم يُظهر الكفر كان مأجورًا.\nوإن أكره على إتلاف مال مسلم بقتل أو قطع عضو وسعه أن يفعل ذلك، ولصاحب المال أن يضمن المكره، وإن أكره بقتل على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثمًا، لأن قتل المسلم مما لا يستباح لضرورة ما. ملخص ما في \"الهداية\" (١).\n\n(١٠١) (بَابٌ: فِي حُكْمِ الْجَاسُوسِ (٢) إِذَا كَانَ مُسْلِمًا)\nوالجاسوس بالجيم: من يُفَتِّشُ بواطن الأمور لغيره\n٢٦٥٠ - (حدثنا مسدد قال: ثنا سفيان، عن عمرو، حدثه) أي: عمرو بن دينار (الحسن بن محمد بن علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، وأبوه يعرف بابن الحنفية، ثقة، فقيه، يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء،\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٢) وسيأتي حكمه في \"باب في الجاسوس المستأمن\"، وحكى العيني (١٠/ ٣٢٣) عن أبي حنيفة: يحبس ويوجع عقوبة ... إلخ، قلت: وبه صرَّح محمد في \"السير الكبير\". (ش).","vol":"9","page":251},{"text":"أَخْبَرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَكَانَ كَاتِبًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: \"انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا\n===\nوالمراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد (١) فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنَّة المتعلق بالإيمان، وهو أنه قال: نوالي أبا بكر وعمر - ﵄- لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة ولم تشك في أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله تعالى، فكان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونها مخطئة أو مصيبة، وكان يرى أنه يرجئ الأمر فيهما.\n(أخبره) أي الحسن بن محمد (عبيد الله بن أبي رافع، وكان كاتبًا لعلي بن أبي طالب قال: سمعت عليًّا يقول: بعثني رسول الله - ﷺ - أنا) هكذا في جميع الروايات، والظاهر والمطابق للقواعد النحوية: إياي، فكأنه استعار الضمير المرفوع للمنصوب (والزبير) بن العوام (والمقداد)، فإن قلت: قد وقع في \"البخاري\" (٢) في \"كتاب المغازي\"، في باب فضل من شهد بدرًا: قال: \"بعثني رسول الله - ﷺ - وأبا مرثد والزبير\" وأجاب عنه في \"الفتح\" (٣)، قال: يحتمل أن يكون الثلاثة [كانوا معه]، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكره الآخر، ولم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحدًا، وساق الخبر بالتثنية، قال: \"فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها ... \" إلخ، فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعًا له.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ) - بخائين معجمتين - موضع بين الحرمين بقرب حمراء الأسد من المدينة، وقيل: موضع باثني عشر ميلًا من المدينة، وقيل: بمهملة وجيم، وهو تصحيف (فإن بها\n_________\n(١) تحرَّف في الأصل بـ: \"محمد بن الحسن\"، والصواب ما أثبته من \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٢١).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٣٩٨٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٢٠).","vol":"9","page":252},{"text":"ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا\"، فَانْطَلَقْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: هَلُمِّي الْكِتَابَ، قَالَتْ (١): مَا عِنْدِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْتُ (٢): لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ (٣) الثِّيَابَ،\n===\nظعينة) (٤). قال في \"المجمع\" (٥): أصلها راحلة ترحل ويظعن عليها [أي:] يسار، وقيل للمرأة: ظعينة، لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وقيل: هي المرأة في الهودج، ثم قيل للمرأة وحدها والهودج وحده، وجمعه ظُعْن وظُعُن وظعائن وأظعان، من ظَعَن ظعنًا بالحركة وسكون: إذا سار.\nقال الحافظ (٦): ذكر ابن إسحاق أن اسمها سارة، والواقدي أن اسمها كنود، وفي رواية: أم سارة، وذكر الواقدي أن حاطبًا جعل لها عشرة دنانير، وقيل: دينارًا واحدًا، وقيل: إنها كانت مولاة العباس، ووقع في \"البخاري\" (٧) في رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي: \"فإن بها امرأة من المشركين\".\n(معها كتاب) من حاطب بن أبي بلتعة إلى مشركي مكة (فخذوه منها، فانطلقنا تتعادى) أي: تتسابق وتتسارع، من العدو (بنا خيلنا) أي: أفراسنا (حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة) أي: مدركيها وملاقيها (فقلنا: هلمي) أي هاتي (الكتاب، قالت: ما عندي من كتاب، فقلت: لتخرجن الكتاب) بكسر الجيم بصيغة المخاطبة (أو لنلقين الثياب) بصيغة المتكلم من الإلقاء، ويؤيده ما في \"البخاري\": \"أو لَنُجَرِّدَنَّكِ\"، وفي بعض النسخ بالتاء وكسر الياء.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالت\".\n(٢) في نسخة: \"قلت\".\n(٣) في نسخة: \"لتلقين\".\n(٤) وفي \"التلقيح\" (ص ٤٧٦): اسمها أم سارة، مولاة لقريش. (ش).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٩٣).\n(٦) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٥٢٠).\n(٧) \"صحيح البخاري\" (٣٩٨٣).","vol":"9","page":253},{"text":"قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَإِذَا هُوَ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُم بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -،\n===\n(قال: فأخرجته من عقاصها) هو بكسر المهملة، جمع عقيصة، وهي الشعر المضفور، والجمع بينه وبين رواية: \"فأخرجته من حُجزتها\" بضم الحاء وسكون الجيم وبالزاي، أي: معقد الإزار، أن عقيصتها كانت طويلة، بحيث تصل إلى حجزتها، فربطتها في عقيصتها وغرزته بحجزتها، أو يقال: إنها أخرجته أولًا من الحجزة وأخفته في العقيصة، ثم اضطرت إلى الإخراج منها أيضًا.\n(فأتينا به النبي - ﷺ -، فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة) واسم أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة من بني خالفة، بطن من لخم، كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد، وهو حليف لبني أسد بن عبد العُزّى، ثم للزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، شهد بدرًا والحديبية، ونزلت فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ...﴾ الآية (١)، أرسله رسول الله - ﷺ - إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست، فأحضره، وقال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبيًّا؟ قال: قلت: بلى، هو رسول الله - ﷺ -، قال: فما له لم يدعُ على قومه حيث أخرجوه من بلدته؟ قال: فقلت له: فعيسى بن مريم تشهد أنه رسول الله، فما له حيث أراد قومه صلبه لم يدعُ عليهم حتى رفعه الله، فقال: أحسنت، أنت حكيم، جاء من عند حكيم، وبعث معه هدية لرسول الله - ﷺ -، منها: مارية القبطية، وأختها سيرين، وجارية أخرى.\n(إلى ناس من المشركين) من كبرائهم ثلاثة، وهم: سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل - ﵃-، فإنهم أسلموا بعد ذلك، (يخبرهم ببعض أمر رسول الله - ﷺ -)، فقيل: إنه كتب فيه: \"أن رسول الله - ﷺ - قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل\"، وقيل: كتب فيه: \"أن رسول الله - ﷺ - قد آذن بالغزو ولا أراه إلَّا يريدكم، وقد أحببت أن تكون لي يد بكتابي إليكم\".\n_________\n(١) سورة الممتحنة: الآية ١.","vol":"9","page":254},{"text":"فَقَالَ: \"مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟ \"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَعْجَل عَلَيَّ، فَإِنِّي (١) كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَإِنَّ قُرَيْشًا لَهُمْ بِهَا قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي بِهَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بِي مِنْ كُفْرٍ وَلَا ارْتِدَادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"صَدَقَكُم\". فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ،\n===\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (ما هذا) أي الكتاب أو الفعل الذي صدر منه من الكتابة إلى قريش (يا حاطب؟ فقال) أي حاطب: (يا رسول الله! لا تعجل علي) أي: اسمع عذري، ولا تعجل بالعقوبة أو بالملامة قبل سماع عذري، (فإني كنت امرءًا ملصقًا في قريش) أي: حليفًا لهم (ولم أكن من أنفسها) لأنه كان من بني خالفة من لخم (وإن قريشًا) أي من أصحابك المهاجرين (لهم بها) أي بمكة (قرابات يحمون بها) أي: بالقرابات (أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك) أي النسب والقرابة (أن أتخذ) أي: أصطنع (فيهم يدًا) أي: إحسانًا ونعمة (يحمون) يحفظون (قرابتي) أي: أهل قرابتي (بها) أي بسبب اليد، (والله يا رسول الله ما كان بي من كفر ولا ارتداد) أي: ما فعلت ذلك كفرًا بعد إسلام، وقد علمت أن الله تعالى منزل بهم بأسه لا يغني عنهم كتابي شيئًا.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: صدقكم) أي في بيان العذر، وهو صادق فيه وقَبِلَ عذره (فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق).\nقال الحافظ (٢): إنما قال ذلك عمر مع تصديق رسول الله - ﷺ - لحاطب فيما اعتذر به لما كان عند عمر من القوة في الدين وبغض من ينسب إلى النفاق، وظن أن من خالف ما أمره به رسول الله - ﷺ - استحق القتل، لكنه لم يجزم\n_________\n(١) في نسخة: \"وإني\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٤).","vol":"9","page":255},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ\". [خ ٤٢٧٤، م ٢٤٩٤، ت ٣٣٠٥، حم ١/ ٧٩، ق ٩/ ١٤٦]\n===\nبذلك، فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه منافقًا، لكونه أبطن خلاف ما أظهر، وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأوّلًا أن لا ضرر فيه.\nقلت: وأجاب عنه الحلبي في \"السيرة\" (١): ويشكل قول عمر المذكور ودعاؤه عليه بقوله: قاتلك الله، إلَّا أن يقال: يجوز أن يكون قول عمر بذلك قبل قول رسول الله - ﷺ - بما ذكر، فوقع التقديم والتأخير في الكلام من الرواة.\n(فقال رسول الله - ﷺ -) في جواب عمر - ﵁ -: (قد شهد بدرًا، وما يدريك) أي: أي شيء يعلمك أنه مستحق للقتل، أو يقال: معناه الإنكار لما بعد هذه الكلمة، أي: لا تدري أنت أن الله تعالى اطَّلَع على أهل بدر، فقال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (لعل الله) ولفظ لعل وإن كان للترجي، ولكن قال العلماء: إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع، قاله الحافظ (٢) (اطلع (٣) على أهل بدر) بأنهم مَغْفُورٌ لهم، أو بأنهم لا يفعلون ما لا يغفر لهم (فقال) أي الله تعالى لهم: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ).\nقال الحافظ (٤): وقد استشكل قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، فإن ظاهره أنه للإباحة، وهو خلاف عقد الشرع، وأجيب بأنه إخبار عن الماضي، أي: كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقع بلفظ الماضي ولقال: فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن\n_________\n(١) \"السيرة الحلبية\" (٣/ ١٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٠٥).\n(٣) وفي \"إزالة الخفاء\" (١/ ٤٢٦): قوله في فضل أهل بدر: \"اعملوا ما شئتم\" ورد من مسند عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة - ﵃-. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٠٥ - ٣٠٦).","vol":"9","page":256},{"text":"٢٦٥١ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن حُصَيْنٍ، عن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ، عن عَلِيٍّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: \"انْطَلَقَ حَاطِبٌ فَكَتَبَ إِلى أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ سَارَ إِلَيْكُمْ\n===\nالاستدلال به في قصة حاطب؛ لأنه - ﷺ - خاطب به عمر منكرًا عليه ما قال في أمر حاطب، وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين، فدل على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، وقيل: إن صيغة الأمر في قوله: \"اعملوا\" للتشريف والتكريم، والمراد عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك، وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة، وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت، أي: كل ما عملتموه بعد هذه الواقعة من أي عمل كان فهو مغفور، وقيل: إن المراد: ذنوبهم تقع إذا وقعت مغفورة، وقيل: هي بشارة بعدم الوقوع منهم، ففيه نظر ظاهر لما أنه وقع لقدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر، ووقع لمسطح الكلام (١) في الإفك، واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها.\n٢٦٥١ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) بن عبد الله، (عن حصين) بن عبد الرحمن، (عن سعد بن عبيدة) مصغرًا، (عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بهذه القصة قال: انطلق حاطب)، وهذا الانطلاق إما أن يكون بالأرجل، أي: لما اطلع على عزم رسول الله - ﷺ - بغزو كفار قريش، مشى من مجلسه في بيته فكتب، أو يكون المراد من الانطلاق: الانطلاق المعنوي في الإرادة وتهيؤ أسباب الكتابة.\n(فكتب إلى أهل مكة أن محمدًا) - ﷺ - (قد سار إليكم) أي: عزم على السير\n_________\n(١) وجزم الحافظ في حديث الإفك أن الراجح أن الذنوب تقع منهم، لكنها مقرونة بالمغفرة تفضلًا لهم. [انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٤٨٠)]. (ش).","vol":"9","page":257},{"text":"وَقَالَ فِيهِ: قَالَتْ (١): مَا مَعِي كِتَابٌ، فَأَنَخْنَاهَا فَمَا وَجَدْنَا مَعَهَا كِتَابًا، فَقَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لأَقْتُلَنَّكِ أَوْ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ\" وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ٣٩٨٣، م ٢٤٩٤، وانظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>(١٠٢) بَابٌ: فِي الْجَاسُوسِ الذِّمِّيّ</span>\n٢٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَبَّبٍ أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَّالُ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عن أَبِي إِسْحَاقَ،\n===\nإليكم (وقال) أي: أبو عبد الرحمن السلمي أو وهب بن بقية (فيه) أي في حديثه: (قالت: ما معي كتاب، فأنخناها) (٢) أي: أنخنا بعيرها (فما وجدنا معها كتابًا، فقال علي: والذي يُحلف به لأقتلنك أو لتخرجن الكتاب، وساق) أي: وهب بن بقية (الحديث).\nوقد أخرج البخاري في \"صحيحه\" في \"باب فضل من شهد بدرًا\" من حديث إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: سمعت حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي - ﵁ - قال: بعثني رسول الله - ﷺ -، الحديث بأطول من هذا.\n\n(١٠٢) (بَابٌ: فِي الْجَاسُوسِ الذِّمِّي)\nأي: ما حكمه، هل يقتل أم لا؟\n٢٦٥٢ - (حدثنا محمد بن بشار قال: ثني محمد بن محبب) بموحدتين كمحمد، (أبو همام الدلال) البصري (قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن أبي إسحاق،\n_________\n(١) في نسخة: \"وقالت\".\n(٢) في نسخة: \"فانتحينا\"، قال السيوطي: بالحاء المهملة، أي: قصدناها، وفي نسخة: \"فانتجفنا\"، من النجف، أي: استخرجنا \"قاموس\" (ص ٧٨٩)، وفي نسخة: \"فانتجشنا\" من النجش؛ الإسراع، والبحث عن الشيء \"قاموس\" (ص ٥٦١). (ش).","vol":"9","page":258},{"text":"عن حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عن فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَكَانَ عَيْنًا لأَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ حَلِيفًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَمَرَّ بِحَلْقَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ،\n===\nعن حارثة بن مضرب) بتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة، العبدي الكوفي ثقة، وغلط من نقل عن ابن المديني أنه تركه، (عن فرات بن حيان) بن عطية بن عبد العزى، العجلي، حليف بني سهم، كان عينًا لأبي سفيان، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وكان من أهدى الناس بالطرق، سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، وهو صحابي قليل الحديث.\n(أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتله، وكان عينًا) (١) أي: جاسوسًا (لأبي سفيان) فِي حروبه، قال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وسمي الجاسوس عينًا، لأن عمله بعينه، أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، كأن جميع بدنه صار عينًا (وكان حليفًا لرجل من الأنصار) (٣)، وقال الحافظ في \"الإصابة\" (٤): وكان حليفًا لبني سهم، وهو حي من قريش، فكيف يكون حليفًا لرجل من الأنصار؟ قلت: لعله بعدما كان حليفًا لبني سهم حالف رجلًا من الأنصار، ولم أقف على تسميته.\nقال ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٥): بعث رسول الله - ﷺ - سرية مع زيد بن حارثة ليعترضوا عيرًا لقريش، وكان دليل قريش فرات بن حيان، فأصابوا العير، وأسروا فرات بن حيان، فأتوا به رسول الله - ﷺ -، فلم يقتله، فمر بحليف له من الأنصار، فقال: إني مسلم، إلى آخر القصة.\n(فمر بحلقة من الأنصار فقال: إني مسلم)، هكذا في جميع النسخ\n_________\n(١) كان ذلك في غزوة الخندق، كما في \"الفتح الرباني\" (١٤/ ١١٢).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٧٥).\n(٣) ولعله بهذه المناسبة أورده المصنف في هذا الباب. (ش).\n(٤) \"الإصابة\" (٣/ ١٩٥).\n(٥) \"أسد الغابة\" (٤/ ٥١).","vol":"9","page":259},{"text":"فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَقُولُ إِنِّي (١) مُسْلِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ مِنْكُمْ رِجَالًا نَكِلُهُم إِلى إِيمَانِهِمْ مِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّان\". [حم ٤/ ٣٣٦، ق ٨/ ٩٧]\n===\nالموجودة عندي لأبي داود، وهكذا في رواية أحمد في \"مسنده\": \"أن النبي - ﷺ - أمر بقتله، وكان عينًا لأبي سفيان وحليفًا، فمر بحلقة الأنصار، فقال: إني مسلم، قالوا: يا رسول الله! إنه يزعم أنه مسلم\"، الحديث.\nوقال في \"الاستيعاب\" (٢): \"إن رسول الله - ﷺ - أمر بقتله، وكان عينًا لأبي سفيان، فمر بحليف له من الأنصار، فقال: إني مسلم، فقال الأنصاري: يا رسول الله! إنه يقول: إني مسلم\". وقد تقدم ما في \"أسد الغابة\" (٣) من لفظ الحديث بأن فيه: \"فمر بحليف له من الأنصار فقال: إني مسلم\". وأخرجه الحافظ في \"الإصابة\" (٤) ولفظه: \"أتي النبي - ﷺ - بفرات بن حيان، وكان عينًا للمشركين، فأمر بقتله، فقال: إني مسلم\". ولم يذكر فيه كونه حليفًا لرجل من الأنصار.\n(فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! إنه يقول: إني مسلم، فقال رسول الله - ﷺ -: إن منكم رجالًا نكلهم) من وكل يكل (إلى إيمانهم) أي: نصرف أمرهم إلى إيمانهم، ونفوضه إليه، ونقبله منهم (منهم فرات بن حيان).\nومطابقة الحديث بالباب غير ظاهرة، لأن المصنف عقد الباب في الجاسوس الذمي، وفرات بن حيان لم يكن ذميًّا حين أسر، بل كان حربيًّا، لأنه كان جاسوسًا لأبي سفيان.\n_________\n(١) في نسخة: \"إنَّه\".\n(٢) \"الاستيعاب\" (٣/ ١٢٥٨).\n(٣) \"أسد الغابة\" (٤/ ٥١).\n(٤) \"الإصابة\" (٣/ ١٩٥).","vol":"9","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-993>(١٠٣) بَابٌ: فِي الْجَاسُوسِ الْمُسْتَأْمِن</span>\n٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عن ابْنِ سَلَمَةَ بْن الأَكْوَعِ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ثُمَّ انْسَلَّ،\n===\nوأما ما كتب صاحب \"العون\" (١): واعلم أن هذا الحديث وقع في \"منتقى الأخبار\" (٢) برواية أحمد ولفظه: \"أن النبي - ﷺ - أمر بقتله وكان ذميًّا، وكان عينًا لأبي سفيان، وحليفًا لرجل من الأنصار فمر، ... إلخ\"، فهذه العبارة هكذا وجدت في \"المنتقى\" فِي النسخة التي عليها شرح الشوكاني، وعزا الحديث إلى أحمد وأبي داود، فراجعت \"مسند أحمد\" (٣)، فلم أجد فيه: \"وكان ذميًّا\". وقد تقدم قريبًا، وكذلك ليس هذا اللفظ في \"أبي داود\"، مع أنه ترجم بحكم الجاسوس الذمي، فما أدري من أين هذا اللفظ لصاحب \"المنتقى\".\n\n(١٠٣) (بَابٌ: فِي الْجَاسُوسِ الْمُسْتَأْمِنِ) (٤)\n٢٦٥٣ - (حدثنا الحسن بن علي قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا أبو عميس، عن ابن سلمة بن الأكوع)، وسيأتي في السند الآتي أن اسمه إياس بن سلمة، (عن أبيه) سلمة بن الأكوع (قال: أتى النبي - ﷺ - عين) أي: جاسوس (من المشركين وهو) أي رسول الله - ﷺ - (في سفر) وسيأتي تعيين السفر في الحديث الآتي، (فجلس) أي: الجاسوس (عند أصحابه) أي: أصحاب رسول الله - ﷺ - (ثم انسلّ)\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٧/ ٢٢٥).\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٥/ ٧٤).\n(٣) انظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٣٦).\n(٤) وترجم البخاري (٣٠٥١) على حديث الباب \"باب الحربي إذا دخل بغير أمان\" وهو الأوجه، فإن استئمانه لم يعلم، ولعلَّ المصنف ترجم عليه بالمستأمن لما في هذه القصة: \"ثم جاء يتغدى مع القوم\" فكأنهم أَمَّنُوه، والله أعلم. (ش).","vol":"9","page":261},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"اطْلُبُوهُ، فَاقْتُلُوهُ\"، قَالَ: فَسَبَقْتُهُمْ إِلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ، وَأَخَذْتُ سَلَبَهُ، فَنَفَّلَنِي إِيَّاهُ\". [خ ٣٠٥١، م ١٧٥٤، سنن النسائي الكبرى ٨٨٤٤]\n٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ هَاشِمَ بْنَ الْقَاسِمِ وَهِشَامًا حَدَّثَاهُمْ، قَالَا: ثَنَا عِكْرِمَةُ قَالَ: ثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - هَوَازِنَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَتَضَحَّى، وَعَامَّتُنَا مُشَاةٌ وَفِينَا ضَعْفَةٌ\n===\nأي: خرج (فقال النبي - ﷺ -: اطلبوه، فاقتلوه، قال) أي سلمة: (فسبقتهم) أي أصحاب رسول الله - ﷺ - (إليه) أي إلى الجاسوس (فقتلته، وأخذت سلبه) والسلب محركًا: ما عليه من الثياب والسلاح، سمي به لأنه يسلب عنه، (فنفّلني) أي: أعطاني بطريق النفل، ولم يعط منه الغزاة شيئًا (إياه) أي: السلب، وهذا الحديث مختصر، والذي بعده مطول.\n٢٦٥٤ - (حدثنا هارون بن عبد الله، أن هاشم بن القاسم وهشامًا حدثاهم) أي: هارون بن عبد الله ومن كانوا معه في مجلس التحديث (قالا) أي هاشم وهشام: (ثنا عكرمة قال: ثني إياس بن سلمة قال: ثني أبي) أي سلمة بن الأكوع (قال: غزوت مع رسول الله - ﷺ - هوازن) وهي قبيلة كبيرة من العرب، فيها عدة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بمعجمة ثم مهملة ثم فاء مفتوحات، ابن قيس بن غيلان بن إلياس بن مضر، قاله الحافظ (١).\n(قال: فبينما نحن نتضحى) أي نتغدى، مأخوذ من الضحاء، وهو بعد امتداد النهار وفوق الضحى، بالضم والقصر (وعامتنا) أي: أكثرنا (مشاة) أي راجلين، ولفظ \"مسلم\": \"وبعضنا مشاة\" (وفينا ضعفة).\nقال النووي (٢): ضبطوه على وجهين: الصحيح المشهور، ورواية\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٤٥).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٣١٠).","vol":"9","page":262},{"text":"إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَانْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حِقْوِ (١) الْبَعِيرِ فَقَيَّدَ بِهِ جَمَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا رَأَى ضَعْفَتَهُمْ (٢) وَرِقَّةَ ظَهْرِهِمْ خَرَجَ يَعْدُو إِلى جَمَلِهِ، فَأَطْلَقَهُ ثُمَّ أَنَاخَهُ فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَرْكُضُهُ (٣) وَاتَّبَعَهُ (٤) رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ هِيَ أَمْثَلُ ظَهْرِ الْقَوْمِ (٥)، فَخَرَجْتُ أَعْدُو فَأَدْرَكْتُهُ وَرَأْسُ النَّاقَةِ عِنْدَ وَرِكِ\n===\nالأكثرين: بفتح الضاد وإسكان العين، أي: حالة ضعف وهزال، قال القاضي: وهذا الوجه هو الصواب، والثاني: بفتح العين، جمع ضعيف. وفي بعض النسخ: \"وفينا ضعف\" بحذف الهاء.\n(إذ جاء رجل) لم أقف على تسميته (على جمل أحمر، فانتزع) أي أخرج (طلقًا) بفتح الطاء واللام والقاف: وهو العقال من جلد (من حقو البعير) الحقو: الكشح والإزار ومعقده، كالحقوة والحقاء، ولفظ مسلم: \"ثم انتزع طلقًا من حِقبه وهو القتب\"، (فقيد به جملَه، ثم جاء يتغدَّى مع القوم، فلما رأى ضعفتهم ورِقَّةَ ظهرهم) بكسر الراء وتشديد القاف، أي: قلة مراكبهم (خرج يعدو) أي يشتدّ (إلى جمله، فأطلقه) أي: حَلَّ طلقه الذي قيد به الجمل (ثم أناخه فقعد عليه) أي: ركبه فأثاره.\n(ثم خرج يركضه) أي: يضربه برجله ليسرع في العدو (واتبعه رجل) لم أقف على تسميته (من أسلم) وهو اسم قبيلة (على ناقة ورقاء) أي في لونها سواد كالغبرة (هي أمثل ظهر القوم) أي أفضل مراكبهم (فخرجت أعدو) أي أشتد على رجلي (فأدركته) أي: لحقته (ورأس الناقة) الواو حالية، أي أدركته والحال أن رأس الناقة (عند ورك) بالفتح والكسر وككتف: ما فوق الفخذ، مؤنثة، جمعه أوراك\n_________\n(١) في نسخة: \"حقب\".\n(٢) في نسخة: \"ضعفهم\".\n(٣) في نسخة: \"يركض\".\n(٤) في نسخة: \"فاتبعه\".\n(٥) زاد في نسخة: \"قال\".","vol":"9","page":263},{"text":"الْجَمَلِ، وَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ بالأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَأَضْرِبُ رَأْسَهُ فَنَدَرَ، فَجِئْتُ بِرَاحِلَتِهِ وَمَا عَلَيْهَا أَقُودُهَا، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي النَّاسِ مُقْبِلًا، فَقَالَ (١): \"مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ \" فَقَالُوا: سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، فَقَالَ (٢): \"لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ\"،\n===\n\"قاموس\"، (الجمل، وكنت) أي: والحال أني كنت (عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل) أي: بزمامه (فأنخته، فلما وضع) أي: الجمل (ركبته بالأرض اخترطت سيفي) أي: سللته من الغمد (فأضرب). ولفظ \"مسلم\": \"فضربت\" (رأسه) أي: الرجل الجاسوس (فندر) بالنون، أي: سقط (فجئت براحلته وما عليها) أي: على الراحلة من الرحل والثياب (أقودها، فاستقبلني رسول الله - ﷺ - في الناس مقبلًا، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (من قتل الرجل؟ فقالوا: سلمة بن الأكوع، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (له) أي: لسلمة (سلبه) أي سلب المقتول (أجمع) أي كله.\nقال النووي (٣): وفيه قتل الجاسوس [الكافر] الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين، وأما الجاسوس المعاهد والذمي، فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضًا للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله، وقال جماهير العلماء: لا ينتقض (٤) عهده بذلك، قال أصحابنا: إلَّا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك.\nوأما الجاسوس المسلم، فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء - رحمهم الله تعالى-: يُعَزِّره الإمام بما يرى من\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"قال\".\n(٢) في نسخة بدله: \"قال\".\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٣١١).\n(٤) وبه قلنا إلَّا أن يبعث للعين، كما في \"الشامي\" (٦/ ٣٢٩). (ش).","vol":"9","page":264},{"text":"قَالَ هَارُونُ: هَذَا لَفْظُ هَاشِمٍ. [م ١٧٥٤، حم ٤/ ٤٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>(١٠٤) بَابٌ: فِي أَيِّ وَقْتٍ يُسْتَحَبُّ اللِّقَاءُ</span>؟\n٢٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ قَالَ:\n===\nضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله، وقال مالك رحمه الله تعالى: يجتهد فيه الإمام ولم يفسر الاجتهاد، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قال كبار أصحابه: يقتل، قال: واختلفوا في تركه بالتوبة، قال الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلَّا عزر.\nقال الحافظ (١): وفيه حجة لمن قال: إن السلب كله للقاتل، وأجاب من قال: لا يستحق ذلك إلَّا بقول الإمام أنه ليس في الحديث ما يدل على أحد (٢) الأمرين، بل هو محتمل لهما، لكن أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن ربيعة، عن أبي العميس بلفظ: \"قام رجل فأخبر النبي - ﷺ - أنه عين للمشركين فقال: من قتله فله سلبه، قال: فأدركته فقتلته، فنفلني سلبه\". فهذا يؤيد الاحتمال الثاني.\nقلت: والحديث لا مطابقة له بالباب، فإن هذا الجاسوس لم يكن مستأمنًا، بل هو حربي دخل دار الإسلام بغير أمان، وقد عقد البخاري \"باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان\"، وأخرج فيه هذا الحديث.\n(قال هارون: هذا لفظ هاشم).\n\n(١٠٤) (بَابٌ: فِي أَيِّ وَقْتٍ يُسْتَحَبُّ اللِّقَاءُ؟)\nأي: لقاء الكفار وقتالهم\n٢٦٥٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد قال:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٩).\n(٢) في الأصل: \"إحدى\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":265},{"text":"أَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ النُّعْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ مُقَرِّنٍ - قَالَ: \"شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - (١) إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ\". [ت ١٦١٣، حم ٥/ ٤٤٤، ق ٩/ ١٥٣، ك ٢/ ١١٦]\n===\nأنا أبو عمران الجوني، عن علقمة بن عبد الله) بن سنان بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف (المزني) البصري، اختلفوا في أنه هو أخو بكر بن عبد الله أو غيره، عن ابن المديني: ثقة، وكذا قال النسائي، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن معقل بن يسار، أن النعمان، يعني ابن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة.\n(قال: شهدت رسول الله - ﷺ -) أي: بعض مغازيه، كان (إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر)، ولفظ \"البخاري\": \"حتى تهب الأرواح\" جمع ريح، وأصله الواو قلبت ياء لانكسار ما قبلها، قال الحافظ: لأن الرياح تهب غالبًا بعد الزوال، فيحصل بها تبريد حدة السلاح والحرب وزيادة في النشاط، وقال: إن فائدة تأخير القتال لكون أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء، وهبوب الريح قد وقع النصر به في الأحزاب، فصار مظنة لذلك.\nوقد أخرج الترمذي (٢) حديث نعمان بن مقرن من وجه آخر عنه، لكن فيه انقطاع، لأن قتادة لم يدرك النعمان، قال: \"غزوت مع النبي - ﷺ -، فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك، حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس قاتل حتى العصر، ثم أمسك حتى يصلي العصر ثم يقاتل، وكان يقال عند ذلك تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صَلاتهم\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كان\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١٦١٣).","vol":"9","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>(١٠٥) بَابٌ: فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الصَّمْتِ عِنْدَ اللِّقَاء</span>\n٢٦٥٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا هِشَامٌ (١). (ح): وَثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا هِشَامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عن الْحَسَنِ، عن قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: \"كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الْقِتَالِ\" (٢). [ق ٩/ ١٥٣]\n===\n\n(١٠٥) (بَابٌ: فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الصَّمْتِ عِنْدَ اللِّقَاءِ)\nأي: قتال الكفار\n٢٦٥٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا هشام، ح: وثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا هشام، ثنا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد) بضم المهملة وتخفيف الموحدة، القيسي الضبعي، أبو عبد الله البصري، قدم المدينة في خلافة عمر، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: كان ثقة من كبار الصالحين، وقال النسائي وابن خراش: ثقة، وكانت له مناقب وحلم وعبادة، وذكره أبو مخنف فيمن قتله الحجاج ممن خرج مع ابن الأشعث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: كان أصحاب النبي - ﷺ - يكرهون الصوت) أي: رفع الصوت بالصراخ وكثرة اللغط (عند القتال)، فإنه قد تقدم في \"باب الرجل ينادي بالشعار\" أن الشعار ينادى به، قال الشوكاني (٣): فيه دليل على أن رفع الصوت حال القتال وكثرة اللغط والصراخ مكروه، ولعل وجه كراهتهم لذلك أن\n_________\n(١) زاد المزي في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٢٣٢) رقم (٩١٢٨) سندًا آخر للحديث فقال: \"وعن القواريري، عن عبد الرحمن، عن هشام، عن قتادة\"، وقال: حديث القواريري عن عبد الرحمن، عن هشام في رواية أبي الحسن ابن العبد وأبي بكر ابن داسه عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) في نسخة بدله: \"اللقاء\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٧١٤).","vol":"9","page":267},{"text":"٢٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عن هَمَّامٍ قَالَ: ثَنِي مَطَرٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ ذَلِكَ. [ق ٩/ ١٥٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>(١٠٦) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَتَرَجَّلُ عِنْدَ اللِّقَاء</span>\n٢٦٥٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ قَالَ: \"لَمَّا لَقِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ\n===\nالتصويت في ذلك الوقت ربما كان مشعرًا بالفزع والفشل، بخلاف الصمت فإنه دليل الثبات ورباط الجأش، واستثنى القاري (١) منه ذكر الله فقال: بغير ذكر الله، ولم يثبت لي أنهم يرفعون أصواتهم بذكر الله تعالى عند القتال.\n٢٦٥٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر قال: ثنا عبد الرحمن، عن همام قال: ثني مطر، عن قتادة، عن أبي بردة، عن أبيه) أي أبي موسى الأشعري (عن النبي - ﷺ - بمثل ذلك)، وهذا الحديث المرفوع الذي أشار إليه المصنف أنه مثل الحديث المتقدم، لم أجده بهذا السند في غير هذا الكتاب، نعم وجدت من حديث أبي موسى أن رسول الله - ﷺ - أنكر على الذين يرفعون أصواتهم عند الصعود والهبوط بالتكبير، وقال: \"أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا\" الحديث.\n\n(١٠٦) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَتَرَجَّلُ عِنْدَ اللِّقَاءِ)\nأي: ينزل من مركبه، ويقوم على الأرجل عند قتال الكفار\n٢٦٥٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما لقي النبي - ﷺ - المشركين يوم حنين) بمهملة ونونين، مصغر، واد إلى جنب ذي المجاز قريب [من] الطائف، بينه وبين مكة\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٩٦).","vol":"9","page":268},{"text":"فَانْكَشَفُوا نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ، فَتَرَجَّلَ\". [انظر: خ ٣٠٤٢، حم ٤/ ٢٨٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>(١٠٧) بَابٌ: فِي الْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ</span>\n٢٦٥٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَا: ثَنَا أَبَانُ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن ابْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: \"مِنَ الْغَيْرَةِ\n===\nبضعة عشر ميلًا من جهة عرفات، خرج النبي - ﷺ - إليه لستٍّ خَلَوْنَ من شوال (فانكشفوا) أي: انهزم أصحاب رسول الله - ﷺ - (نزل) أي رسول الله - ﷺ - (عن بغلته، فترجل) لأن هوازن كانت رماة، فخاف أن يتأخر قدم البغلة من وقع السهام، أو ليرى الكفار ثباته، وليجتمع إليه أشتاته، فإن الراجل أبعد من الفرار، لا سيما وقد ترجَّل بالاختيار.\n\n(١٠٧) (بَابٌ: فِي الْخُيَلاءِ فِي الْحَرْبِ)، أي: يجوز ذلك في الحرب\n٢٦٥٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، المعنى واحد) أي معنى حديثهما واحد (قالا: ثنا أبان قال: ثنا يحيى) بن أبي كثير، (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث، (عن ابن جابر بن عتيك)، وقد أخرج الإمام أحمد في \"مسنده\" من حديث الحجاج -يعني الصواف- وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، وكذا من حديث عفان، ثنا أبان، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث كلهم قالوا: عن ابن جابر بن عتيك، مبهمًا لم يسموه. قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": ابن جابر بن عتيك عن أبيه في المغيرة، إما أن يكون عبد الرحمن أو أخًا له.\n(عن جابر بن عتيك) بن قيس بن الأسود الأنصاري، يقال: إنه شهد بدرًا، ولم يثبت، وشهد ما بعدها، وكان معه راية بني معاوية عام الفتح.\n(أن نبي الله - ﷺ - كان يقول: من الغيرة)، وهي كراهة المشاركة في محبوب","vol":"9","page":269},{"text":"مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ ﷿ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ. وَإِنَّ مِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُحِبُّ اللَّهُ، فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ، فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ (١) عِنْدَ الْقِتَالِ (٢) وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ ﷿ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ\".\nقَالَ مُوسَى: \"وَالْفَخْرِ\" (٣). [ن ٢٥٥٨، حم ٥/ ٤٤٦]\n===\n(ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله) ومفعولا الفعلين محذوفان، أي: ما يحبها الله وما يبغضها، (فأما التي يحبها الله ﷿ فالغيرة في الريبة) أي: في محل الريبة وموضع التهم والشك بحيث يمكن اتهامه فيه، كما كانت زوجته أو أمته أو امرأة من محارمه تدخل على أجنبي أو يدخل أجنبي عليها، ويجري بينهما مزاح وانبساط، وأما إذا لم يكن كذلك فهو من ظن السوء الذي نهينا عنه.\n(وأما التي يبغضها الله، فالغيرة في غير ريبة) أي: في غير محلها (وإن من الخيلاء) وهو التكبر (ما يبغض الله، ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله، فاختيال الرجل نفسه عند القتال)، والاختيال عند القتال هو الدخول في المعركة بنشاط وقوة وإظهار الجلادة والتبختر فيه والاستهانة والاستخفاف بالعدو، ولإدخال الروع في قلبه.\n(واختياله عند الصدقة)، والاختيال فيها أن يعطيها بطيب نفسه وينبسط بها صورة، ولا يستكثر ولا يبالي بما أعطاها، فإنه إذا احتقر المبذول يكون أبعد من المن والأذى، (وأما التي يبغض الله ﷿ فاختياله في البغي) أي: في الظلم، بأن يختال بالظلم على الضعفاء وقتلهم، أو بأخذ المال منهم ظلمًا (قال موسى: والفخر) أي: يختال بالفخر في النسب ويحتقر\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بنفسه\".\n(٢) في نسخة: \"اللقاء\".\n(٣) ذكر المزي حديثًا في \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٢٤٨) رقم (١٠٥٥١)، نصه: \"حديث =","vol":"9","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-998>(١٠٨) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسْتأْسَر</span>\n٢٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - قَالَ: أَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو (١) بْنُ جَارِيَةَ الثَقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"بَعَثَ\n===\nالناس، ويقول: أنا أشرف نسبًا منهم، فإن الأنساب للتعارف، والأكرم عند الله هو الأتقى.\n\n(١٠٨) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ)، أي: المسلم (يُسْتَأْسَرُ)\nبصيغة المجهول، أي: يجعل نفسه أسيرًا بأيدي الكفار، والبخاري عقد الباب \"باب هل يستأسر الرجل، ومن لم يستأسر\"، أي: هل يسلم نفسه للأسر أم لا؟\n٢٦٦٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا إبراهيم -يعني ابن سعد- قال: أنا ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني عمرو بن جارية الثقفي) هو عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بفتح أوله، ابن جارية الثقفي المدني (حليف بني زهرة) له عند مسلم حديث أبي هريرة: \"لكل نبي دعوة\"، وعند الباقين حديثه في بعث عشرة عينًا، واختلفوا في تسميته، فسمَّاه بعضهم: عمرًا، وبعضهم: عمر، ثقة من الثالثة، وكان من أصحاب أبي هريرة.\n(عن أبي هريرة (٢)، عن النبي - ﷺ -، قال) أي أبو هريرة: (بعث\n_________\n= عن عمر: أنه رأى حلة سيراء تباع ... الحديث. أبو داود في الجهاد، عن الهيثم بن خالد الجهني ومحمد بن سليمان الأنباري؛ كلاهما عن عبد الله بن نمير، بتمامه\"، ثم قال: \"حديث أبي داود في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم. وعزا الحديث إلى مسلم (٢٠٦٨)، والنسائي (٩٥٦٩)، وتقدَّم هذا الحديث عند المصنف (١٠٦٩، ٤٠٣٧).\n(١) في نسخة: \"عمر\".\n(٢) وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (ص ١٩٤) بسياق آخر من رواية بريدة. (ش).","vol":"9","page":271},{"text":"النَّبِيُّ - ﷺ - عَشْرَةَ عَيْنًا، وَأَمَّرَ (١) عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ،\n===\nالنبي - ﷺ - عشرة) (٢)، أي: عشرة رجال (عينًا) (٣) أي: جاسوسًا، قال الحافظ (٤): وفي رواية أبي الأسود عن عروة: \"بعثهم عيونًا إلى مكة ليأتوه بخبر قريش\"، قال: وذكر ابن إسحاق: أنهم كانوا ستة، وسماهم، وهم: عاصم بن ثابت، ومرثد بن أبي مرثد، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وخالد بن البكير، وجَزَمَ ابن سعد بأنهم كانوا عشرة، وساق أسماء الستة المذكورين وزاد: معتب بن عبيد قال: وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه، وكذا سمى موسى بن عقبة السبعة المذكورين، لكن قال: معتب بن عوف.\nقلت: فلعل الثلاثة الآخرين كانوا أتباعًا لهم، فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. وهذا البعث هي سرية الرجيع، وهي سبب لغزوة بني لحيان.\n(وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت) (٥)، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، هكذا في \"الصحيح\"، وفي \"السيرة\": أن الأمير عليهم كان مرثد ابن أبي مرثد، وما في \"الصحيح\" أصح، وزاد البخاري في رواية: \"فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة\" - وهي على سبعة أميال من عسفان بين عسفان ومكة - ذَكَروا لِحَيٍّ من هذيل، يقال لهم: بنو لحيان بكسر اللام، وقيل: بفتحها وسكون المهملة، ولحيان هو ابن هذيل نفسه، وهذيل هو ابن مدركة بن إلياس بن مضر.\n_________\n(١) في نسخة: \"فأمّر\".\n(٢) وفي بعض الروايات: \"سرية عينا\"، بدل عشرة، فتأمل. (ش).\n(٣) قلت: لكن ذكر صاحب \"الخميس\" (١/ ٤٥٤) في سبب البعث أنه ﵊ جاءه بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله! إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا ... إلخ. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٨٠).\n(٥) قال صاحب \"الخميس\" (١/ ٤٥٤): هو أصح مما قيل: أمر عليهم مرثد بن أبي مرثد. (ش).","vol":"9","page":272},{"text":"فَنَفَرُوا (١) لَهُمْ هُذَيْلٌ بِقَرِيبٍ مِنْ مائَةِ رجُلٍ رامٍ، فَلَمَّا أَحَسَّ (٢) بِهِمْ عَاصِمٌ لَجَأُوا إِلى قَرْدَدٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُم الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُم أَحَدًا (٣)، فَقَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ\n===\n(فنفروا) قال العيني (٤): بتشديد الفاء، أي: استنجدوا لأجلهم، وفي رواية: \"فنفر إليهم\" بتخفيف الفاء، أي: خرج إليهم، أي: خرجوا ومشوا (لهم هذيل بقريب من مائة رجل رام).\nقال الحافظ (٥): في رواية شعيب في الجهاد: \"فنفروا لهم قريبًا من مئتي رجل\"، والجمع بينهما واضح بأن المائة الأخرى غير رماة، ولم أقف على اسم أحد منهم. زاد البخاري في روايته: \"فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلًا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزوَّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم\" (٦).\n(فلما أحس بهم) أي: رآهم (عاصم) وأصحابه (لجأوا إلى قردد) بقاف وراء ودالين، هي الموضع المرتفع والجبل، وفي رواية البخاري: \"إلى فَدْفَدٍ\"، وهي الرابية المشرفة، (فقالوا) أي هذيل (لهم)، أي: لعاصم وأصحابه: (انزلوا) عن القردد (فأعطوا) إيانا (بأيديكم) أي انقادوا لنا (ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا (٧)، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر)، زاد البخاري: \"اللَّهم أخبر عنا نبيك\"، وفي رواية الطيالسي عن إبراهيم بن سعد: \"فاستجاب الله لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم، فأخبر أصحابه بذلك يوم\n_________\n(١) في نسخة: \"فنفرت\".\n(٢) وفي نسخة: \"حَسَّ\".\n(٣) وفي نسخة: \"أن لا يُقْتَل منكم أحد\".\n(٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٧١).\n(٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٨١).\n(٦) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤٠٨٦).\n(٧) لكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، كذا في \"الخميس\" (١/ ٤٥٤). (ش).","vol":"9","page":273},{"text":"فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ، وَنَزَلَ (١) إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا استَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا.\nقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي بِهَؤُلَاءِ\n===\nأصيبوا\"، وفي رواية بريدة: \"فقال عاصم: اللَّهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحم لي لحمي\".\n(فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا في (٢) سبعة نفر) أي: في جملة سبعة، (ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق). قال الحافظ: وفي رواية أبي الأسود عن عروة: \"أنهم صعدوا في الجبل، فلم يقدروا عليهم، حتى أعطوهم العهد والميثاق\" (منهم خبيب) مصغرًا، ابن عدي، وكان هو قتل حارث بن عامر يوم بدر (وزيد بن الدثنة (٣) ورجل آخر) وهو عبد الله بن طارق.\n(فلما استمكنوا منهم) أي قدروا عليهم (أطلقوا) أي: حلوا (أوتار) جمع وتر (قسيهم) جمع قوس (فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر). قال الحافظ (٤): وهو يقتضي أن ذلك وقع منه أول ما أسروهم، لكن في رواية ابن إسحاق: فخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران، انتزع عبد الله بن طارق يده، وأخذ سيفه، فذكر قصة قتله، فيحتمل أنهم إنما ربطوهم بعد أن وصلوا إلى مر الظهران، وإلا فما في \"الصحيح\" أصح.\n(والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء) الذين اختاروا القتل، ولم يختاروا\n_________\n(١) في نسخة: \"ونزلوا\".\n(٢) وكان مع عاصم سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلًا من عظمائهم، ثم طاعنهم، حتى انكسر رمحه، ثم سلَّ سيفًا، فقتل واحدًا، حتى قتلوه بالنبل؛ كذا في \"الخميس\" (١/ ٤٥٥). (ش).\n(٣) واشتراه صفوان بن أمية بخمسين رأسًا ليقتله بأبيه؛ كذا في \"الخميس\" (١/ ٤٥٦). (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٨١).","vol":"9","page":274},{"text":"لأُسْوَةٌ، فَجَرُّوهُ (١)، فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، فَاسْتَعَارَ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا (٢) بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَحْسِبُونَ (٣) مَا بِي جَزَعًا لَزِدْتُ\". [خ ٣٩٨٩، حم ٢/ ٢٩٤]\n===\nالأسر (لأسوة) أي: اقتداء، بأني أختار أن أقتل معهم، (فجروه، فأبى أن يصحبهم فقتلوه)، وزاد البخاري في روايته: \"وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى (٤) خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم بدر\" (فلبث)، وفي رواية البخاري: \"فمكث\" (خبيب أسيرًا) أي: عندهم، حتى خرجت الأشهر الحرم (حتى أجمعوا) أي عزموا على (قتله، فاستعار) أي خبيب (موسى) وهي آلة الحلق (يستحدُّ بها) أي يحلق بها شعر العانة.\n(فلما خرجوا به) أي من الحرم إلى التنعيم (ليقتلوه، قال لهم خبيب: دعوني أركع) أي: أُصَلِّ (ركعتين (٥)، ثم قال: والله لولا أن تحسبون) أي تظنوا (ما بي) أي الذي متلبس بي (جزعًا) مفعول لتحسبوا، ولفظ البخاري: \"لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت\" (لزدت).\nقال الحافظ (٦): في رواية بريدة بن سفيان: \"لزدت سجدتين أخريين\"، وفي رواية البخاري بعد هذا في الحديث زيادة كثيرة، وفيه: أنه دعا\n_________\n(١) في نسخة: \"فجرروه\".\n(٢) في نسخة: \"أخرجوه\".\n(٣) في نسخة: \"تحسبوا\".\n(٤) بمائة من الإبل، وقيل: بأمة سوداء، وقيل: بأسيرين من هذيل كانا بمكة، كذا في الخميس (١/ ٤٥٦). (ش).\n(٥) يقال: هو أول من سن الصلاة عند القتل؛ ويشكل عليه ما في \"الخميس\" (١/ ٤٥٧) من فعل زيد بن الحارث ذلك. (ش).\n(٦) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٨٣).","vol":"9","page":275},{"text":"٢٦٦١ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْفٍ قَالَ: نَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. [خ ٣٠٤٥]\n===\n\"اللَّهم احصهم عددًا\"، وفي رواية إبراهيم: \"واقتلهم بددا\"، قال: فلم يحل الحول ومنهم أحد حي، وفي رواية أبي الأسود عن عروة ممن حضر ذلك أبو إهاب بن عزيز والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم السلمي وأمية بن عتبة بن همام، فجاء جبرئيل إلى النبي - ﷺ - فأخبره، فأخبر أصحابه بذلك.\nقال العيني (١): في نزول خبيب وصاحبيه جواز أن يستأسر الرجل، قال المهلب: إذا أراد أن يأخذ بالرخصة في إحياء نفسه فعل كفعل هؤلاء، وعن الحسن: لا بأس أن يستأسر الرجل إذا خاف أن يُغْلَب، وقال الثوري: أَكْره للأسير المسلم أن يُمَكِّن من نفسه إلَّا مجبورًا، وعن الأوزاعي: لا بأس للأسير المسلم أن يأبى أن يمكِّن من نفسه، بل يأخذ من الشدة والإباء من الأسر، والأنفة من أن يجري عليه مِلْكُ كافر كما فعل عاصم.\n٢٦٦١ - (حدثنا ابن عوف قال: نا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي، وهو حليف لبني زهرة، وكان) عمرو (من أصحاب أبي هريرة، فذكر) ابن عوف (الحديث)، وقد أخرج البخاري (٢) هذا الحديث من حديث أبي اليمان بهذا المسند مطولًا في \"باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر\".\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٧٤).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٣٠٤٥).","vol":"9","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-999>(١٠٩) بَابٌ: فِي الْكُمَنَاءِ</span>\n٢٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ قَالَ: ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ قَالَ: \"جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ - وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا- عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَقَالَ: \"إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ\n===\n\n(١٠٩) (بَابٌ: فِي الْكُمَنَاءِ)\nجمع كمين، من الكمون، وهو ضد البروز، من يختفي في الحرب للأعداء\n٢٦٦٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير قال: ثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء) أي: ابن عازب (يحدث قال: جعل رسول الله - ﷺ - على الرماة يوم أحد، وكانوا خمسين رجلًا) جملة معترضة بين الفعل ومفعوله، قال الحافظ (١): ووقع في \"الهدي\" أن الخمسين عدد الفرسان يومئذ وهو غلط بَيِّنٌ، وقد جزم موسى بن عقبة بأنه لم يكن معهم يوم أحد شيء من الخيل، ووقع عند الواقدي: كان معهم فرس لرسول الله - ﷺ - وفرس لأبي بردة، (عبد الله بن جبير) أي: أميرًا (وقال) لهم: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم)، والغرض منه شدة اهتمامه - ﷺ - بالثبات والقرار في هذا المحل المهتم بالشأن، يقول: لو انهزمنا وقتلنا وتخطفنا الطير بالفرض فلا تبرحوا أنتم من مكانكم هذا، وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم: أن النبي - ﷺ - أقامهم في موضع، ثم قال لهم: \"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا\".\n(وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا) من محلكم (حتى أرسل\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٥٠).","vol":"9","page":277},{"text":"إِلَيْكُمْ\"، قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يُسْنِدْنَ (١) عَلَى الْجَبَلِ.\nفَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ، أَيْ قَوْمِ، الْغَنِيمَةَ! ! ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُم رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِينَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَأَتَوْهُمْ\n===\nإليكم، قال) البراء: (فهزمهم) أي: الكفار (الله، قال) أي البراء: (فأنا والله رأيت النساء) أي: نساء الكفار فإنهم خرجوا معهم بالنساء لأجل الحفيظة والثبات.\nوسمى ابن إسحاق النساء المذكورات، وهن: هند بنت عتبة خرجت مع زوجها أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع زوجها صفوان بن أمية، وريطة بنت شيبة السهمية مع زوجها عمرو بن العاص، وسلافة بنت سعد مع زوجها طلحة بن أبي طلحة الحجبي، وخناس بنت مالك والدة مصعب بن عمير، وعمرة بنت علقمة بن كنانة، وقال غيره: كان النساء اللاتي خرجن مع المشركين يوم أحد خمس عشرة امرأة.\n(يسندن) بضم أوله وسكون المهملة بعدها نون مكسورة ودال مهملة، أي: يصعدن، يقال: أسند في الجبل يسند إذا صعد، ولفظ البخاري في رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق: \"يشتددن\"، أي: يسرعن المشي (على الجبل، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم، الغنيمة) بحذف ياء المتكلم، أي: احضروها، والنصب على الإغراء (ظهر) أي: غلب (أصحابكم) أي: المسلمون (فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله - ﷺ -؟) أي: لا تبرحوا من مكانكم.\n(قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فأتوهم) أي أصحاب\n_________\n(١) في نسخة: \"يشتددن\".","vol":"9","page":278},{"text":"فَصُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ\". [خ ٣٠٣٩، حم ٤/ ٢٩٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>(١١٠) بَابٌ: فِي الصُّفُوفِ</span>\n٢٦٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، عن حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ،\n===\nعبد الله بن جبير المسلمين الذين ظهروا على الكفار (فصرفت وجوههم) أي وجوه أصحاب رسول الله - ﷺ - عقوبة لعصيانهم أمر رسول الله - ﷺ -، قال الحافظ (١): أي تحيروا فلم يدروا أين يتوجهون (وأقبلوا منهزمين) فلم يبق مع رسول الله - ﷺ - غير اثني عشر رجلًا.\n\n(١١٠) (بَابٌ: فِي الصُّفُوفِ)\nأي: تعيينها عملًا بقوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٢)\n٢٦٦٣ - (حدثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو أحمد الزبيري قال: ثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل) هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري الأوسي، أبو سليمان المدني، المعروف بابن الغسيل، والغسيل جد أبيه حنظلة بن أبي عامر، غسلته الملائكة يوم أحد، لأنه استشهد وهو جنب، عن ابن معين: ثقة ليس به بأس، وعنه: صويلح، وقال أبو زرعة والنسائي والدارقطني: ثقة، وقال النسائي في موضع آخر: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بقوي، وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ ويهم كثيرًا، وقال الأزدي: ليس بالقوي عندهم.\n(عن حمزة بن أبي أسيد) مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي، أبو مالك المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٥١).\n(٢) سورة الصف: الآية ٤.","vol":"9","page":279},{"text":"عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ اصْطَفَفْنَا يَوْمَ بَدْرٍ: \"إِذَا أَكْثَبُوكُم (١) - يَعْنِي إِذَا غَشُوْكُمْ - فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ\". [خ ٣٩٨٥، حم ٣/ ٤٩٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>(١١١) بَابٌ: فِي سَلِّ السُّيُوفِ عِنْدَ اللِّقَاء</span>\n٢٦٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَجِيحٍ - وَلَيْسَ بِالْمَلْطِيِّ -، عن مَالِكِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ: \"إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ،\n===\n(عن أبيه) أبي أسيد: مالك بن ربيعة (قال: قال رسول الله - ﷺ - حين اصطففنا يوم بدر: إذا أكثبوكم) أي: قربوكم، من كثب، وأكثب: إذا قارب، والكثب القرب، والهمزة للتعدية، وقال البخاري: أكثبوكم، أي: أكثروكم، وهذا التفسير ليس بمعروف، والمعروف هو قاربوكم من الكتب بحركة المثلثة القرب (يعني إذا غشوكم، فارموهم بالنبل واستبقوا نبلكم) أي: لا ترموا عن بعد، فإنه يسقط في الأرض، فتذهب السهام، ولم يحصل نكاية.\n\n(١١١) (بَابٌ: فِي سَلِّ السُّيُوفِ عِنْدَ اللِّقَاءِ)\n٢٦٦٤ - (حدثنا محمد بن عيسى قال: ثنا إسحاق بن نجيح) أحد المجاهيل، روى له أبو داود هذا الحديث، قلت: جَوَّز الذهبي أن يكون هو الملطي، وليس به قطعًا، فقد وقع في سياق \"السنن\": ثنا إسحاق بن نجيح (وليس بالملطي) وقد فرق بينهما ابن الجوزي وقال: لا أعرف في هذا طعنًا، (عن مالك بن حمزة بن أبي أسيد) بالضم، (الساعدي) الأنصاري المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبيه) حمزة بن أبي أسيد، (عن جده) أبي أسيد (قال: قال النبي - ﷺ - يوم بدر: إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل،\n_________\n(١) في نسخة: \"كثبوكم\".","vol":"9","page":280},{"text":"وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ\". [خ ٢٩٠٠، حم ٣/ ٤٩٨ ق ٩/ ١٥٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>(١١٢) بَابٌ: فِي الْمُبَارَزَةِ</span>\n٢٦٦٥ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا (١) إِسْرَائِيلُ، عن أَبِيِ إِسْحَاقَ، عن حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: تَقَدَّمَ - يَعْنِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ - وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ، فَنَادَى (٢): مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ،\n===\nولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم) أي: يزدحموا ويهجموا عليكم.\n\n(١١٢) (بَابٌ: فِي الْمُبَارَزَةِ) (٣)\nأي: المبارزة، والبراز بكسر الباء: هو الخروج من الصف للقتال\n٢٦٦٥ - (حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا عثمان بن عمر، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: تقدم) أي: خرج من صفهم إلى المسلمين (يعني عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه) الوليد بن عتبة (وأخوه) شيبة بن ربيعة (فنادى) أي: كل واحد منهم المسلمين: (من يبارز؟) أي: من يخرج لقتالنا (فانتدب) أي: أجاب (له شباب) جمع شاب (من الأنصار)،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"فنادوا\".\n(٣) على جوازه إجماع، إلَّا ما روي عن الحسن أنه كرهه، وقال: لا أعرفه، ثم جوازه مقيد بإذن الإمام عند أحمد وإسحاق، ولا يقيد عند الجمهور، ثم معاونة المبارز جائزة إذا ضعف وعجز عن قرينه؛ وقال الأوزاعي: لا يعينونه، وهو إحدى الروايتين عن سحنون من المالكية، والأخرى له وهو قول أشهب: يدفع عنه ولا يقتل، فإن بارز ثلاثة ثلاثة فلا بأس عند المالكية أيضًا لحديث الباب، ولأنه كجماعة تلقى جماعة، ويجوز عند الجمهور مطلقًا، ملخصًا عن \"الأوجز\" (٩/ ٢١٤ - ٢١٥).\nوسكت عن المذاهب العيني، والقسطلاني، نعم ذكرها الموفق، وبسط في أحكامها. [انظر: \"المغني\" (١٣/ ٣٨)]. (ش).","vol":"9","page":281},{"text":"فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُم، إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ -: \"قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ\" فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ، فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ\". [حم ١/ ١١٧، ق ٣/ ٢٧٦، ك ٣/ ١٩٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>(١١٣) بَابٌ: فِي النَّهْيِ عن الْمُثْلَةِ</span>\n===\nوهم ثلاثة: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوذ ابنا عفراء (فقال) أي عتبة: (من أنتم؟) أي: من أي القبيلة أنتم؟ (فأخبروه) بأنّا من الأنصار (فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا) أي القتال مع (بني عمنا) من قريش.\n(فقال النبي - ﷺ -: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل) أي: توجه (حمزة إلى عتبة، وأقبلتُ) أي: توجهت (٢) (إلى شيبة) وأقبل عبيدة إلى الوليد (واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان) بالسيف، فضرب كل واحد منهما الآخر، (فأثخن) أي: أثقل بالجراح (كل واحد منهما صاحبه) أي: مقابله (ثم ملنا) أي بعد قتل كل واحد منا صاحبه (على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة).\n\n(١١٣) (بَابٌ: فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ)\nقال في \"المجمع\" (٣): يقال: مثلت بالحيوان مثلًا: إذا قطعت أطرافه وشوّهت به، ومثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه، والاسم المثلة بفتح ميم وضم ثاء، وقيل: بضم ميم كغرفة، وقيل: بفتح فسكون مصدر.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) والمشهور في السير أن عليًا للوليد، والروايات فيها مختلفة، كما في \"الفتح\" (٧/ ٢٩٧). (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٥٢).","vol":"9","page":282},{"text":"٢٦٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَا: ثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَنَا مُغِيرَةُ، عن شِبَاكٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن هُنَيِّ بْنِ نُوَيْرَةَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَعَفُّ النَّاسِ قِتْلَةً (١) أَهْلُ الإيمَانِ\". [جه ٢٦٨٢، حم ١/ ٣٩٣، ق ٨/ ٦١]\n===\n٢٦٦٦ - (حدثنا محمد بن عيسى وزياد بن أيوب قالا: ثنا هشيم قال: أنا مغيرة، عن شباك) بكسر أوله ثم موحدة خفيفة، ثم كاف، الضبي الكوفي الأعمى، قال أحمد: شيخ ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، قليل الحديث، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال عثمان بن أبي شيبة: شباك ثبت، وذكره الحافظ في \"علوم الحديث\" فيمن صح عنه أنه كان يدلس.\n(عن إبراهيم) أي النخعي، (عن هُنَي) بضم أوله وفتح النون مصغرًا (ابن نويرة) بنون مصغرًا، الضبي الكوفي، كان من العباد، قتله شبيب الخارجي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (قال: قال رسول الله - ﷺ -: أعف الناس). قال النووي: والعفاف والتعفف هو الكف عن محارم الله تعالى وخوارم المروءة (قتلة) بكسر القاف الهيئة وبفتحها المرة الواحدة (أهل الإيمان) فإنهم يقتلون بأمر الله تعالى، ولا يتجاوزون في القتل كما هو عادة غير أهل الإيمان، فإنهم يقتلون قتلة سوءٍ (٢)، ويمثلون ويعذبون كما وقع في أحد، وعذبوا المؤمنين المستضعفين بمكة عذابًا شديدًا، أو لأن المؤمنين جبلوا على الرحمة والشفقة على الخلق، فلما في قلوبهم من الرحمة لا يتعدون في القتلة ولا يمثلون، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء،\n_________\n(١) في نسخة: \"مثلة\".\n(٢) في الأصل: \"سور\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":283},{"text":"٢٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَن، عن الْهَيَّاجِ بْنِ عِمْرَانَ: \"أَنَّ عِمْرَانَ أَبَقَ لَهُ غُلَامٌ، فَجَعَلَ للَّهِ عَلَيْهِ لَئِنْ (١) قَدَرَ عَلَيْهِ لَيَقْطَعَنَّ يَدَهُ، فَأَرْسَلَنِي لأَسْأَلَ لَهُ، فَأَتَيْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (٢) - ﷺ - يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عن الْمُثْلَةِ، فَأَتَيْتُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عن الْمُثْلَةِ\". [دي ١٦٥٦، حم ٤/ ٤٢٨ - ٤٣٩]\n===\nفإذا قلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته\" (٣).\n٢٦٦٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ بن هشام قال: ثني أبي) هشام، (عن قتادة، عن الحسن، عن الهياج) بفتح أوله والتحتانية المشددة ثم جيم (ابن عمران) بن الفصيل بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة، التميمي البرجمي البصري، قال علي بن المديني: مجهول، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أن عمران) أبوه (أبق له غلام، فجعل لله عليه) نذرًا (لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني) أبي إلى أصحاب رسول الله - ﷺ - (لأسأل له) عن هذه المسألة، فإن النذر يوجب الفعل، وقطع اليد إفساد وإضرار شديد، (فأتيت سمرة بن جندب فسألته، فقال) أي سمرة: (كان رسول الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة، فأتيت عمران بن حصين فسألته) أيضًا عن هذه المسألة، (فقال: كان رسول الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة).\n_________\n(١) وفي نسخة بدله: \"إن\".\n(٢) وفي نسخة بدله: \"نبي الله\".\n(٣) أخرجه مسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، وابن ماجه (٣١٧٠).","vol":"9","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>(١١٤) بَابٌ: فِي قَتْلِ النِّسَاء</span>\n٢٦٦٨ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ وَقُتَيْبَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ -\n===\nقال في \"الدر المختار\" (١): ونهينا عن غدر وغلول وعن مثلة بعد الظفر بهم، وأما قبله فلا بأس بها. \"اختيار\"، قال الشامي: قال الزيلعي: وهذا حسن، ونظيره الإحراق بالنار، وقيد جوازها قبله في \"الفتح\"، بما إذا وقعت قتالًا كمبارز ضرب فقطع أذنه ثم ضرب ففقأ عينه، ثم ضرب فقطع يده وأنفه ونحو ذلك، انتهى. وهو ظاهر في أنه لو تمكن من كافر حال قيام الحرب ليس له أن يمثل به، بل يقتله، فمقتضى ما في \"الاختيار\" أن له ذلك كيف وقد علل بأنها (٢) أبلغ في كبتهم وأضرّ بهم \"نهر\".\n\"تنبيه\": ثبت في \"الصحيحين\" (٣) وغيرهما النهي عن المثلة، فإن كان متأخرًا عن قصة العرنيين فالنسخ ظاهر، وإن لم يدر فقد تعارض محرم ومبيح، فيقدم المحرم، ويتضمن الحكم بنسخ الآخر، وأما من جنى على جماعة بأن قطع أنف رجل، وأذني رجل، ويدي آخر، ورجلي آخر، وفقأ عيني آخر، فإنه يقتص منه لكل، لكن يستأني بكل قصاص إلى برء ما قبله، فهذه مثلة ضمنًا لا قصدًا، وإنما يظهر أثر النهي والنسخ فيمن مثل بشخص حتى قتله، فمقتضى النسخ أن يقتل به ابتداء ولا يمثل به، \"فتح\" (٤) ملخصًا، انتهى.\n\n(١١٤) (بَابٌ: فِي قَتْلِ النِّسَاءِ)\nأي: النهي عن ذلك\n٢٦٦٨ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب وقتيبة - يعني ابن سعيد -\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار\" (٦/ ٢١٢).\n(٢) في الأصل: \"أنه\" بدل \"بأنها\".\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥٥١٦)، و\"صحيح مسلم\" (١٩٥٧).\n(٤) انظر: \"فتح القدير\" (٥/ ٤٥٢).","vol":"9","page":285},{"text":"قَالَا: ثَنَا اللَّيْثُ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ: \"أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ (١) - ﷺ - مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ\". [خ ٣٠١٤، م ١٧٤٤، ت ١٥٦٩، جه ٢٨٤١، حم ٢/ ١٢٢، دي ٢٤٦٢، ق ٩/ ٧٧]\n٢٦٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ الْمُرَقَّعِ بْنِ صَيْفِيِّ\n===\nقالا: ثنا الليث، عن نافع، عن عبد الله) أي ابن عمر: (أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله - ﷺ -) لم أقف على تعيين هذا الغزو (مقتولة، فأنكر رسول الله - ﷺ - قتل النساء والصبيان).\nقال في \"الدر المختار\" (٢): ونهينا عن قتل امرأة وغير مكلف وشيخ فانٍ لا صياح ولا نسل له، فلا يقتل، ولا إذا ارتد، وأعمى، ومقعد، وزَمِنٌ، ومعتوه وراهب، وأهل كنائس لم يخالطوا الناس إلَّا أن يكون أحد ملكًا، أو ذا رأي أو مال في الحرب.\nقال الشامي في \"رد المحتار\": قال في \"الفتح\": استثناء من حكم عدم القتل، ولا خلاف في هذا لأحد، وصح أمره ﵊ بقتل دريد بن الصمة، وكان عمره مائة وعشرين عامًا أو أكثر، وقد عمي لما جيء به في جيش هوازن للرأي، وكذا يقتل من قاتل من كل من قلنا: إنه لا يقتل، كالمجنون والصبي والمرأة، إلَّا أن الصبي والمجنون يقتلان في حال قتالهما، أما غيرهما من النساء والرهبان وغيرهم، فإنهم يقتلون إذا قاتلوا بعد الأسر، والمرأة الملكة تقتل وإن لم تقاتل، وكذا الصبي الملك، لأن في قتل الملك كسر شوكتهم.\n٢٦٦٩ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: ثنا عمرو بن المرقع) بقاف ثقيلة مكسورة (ابن صيفي) بفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم فاء مكسورة\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (٦/ ٢١٣ - ٢١٤).","vol":"9","page":286},{"text":"ابْنِ رَبَاحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عن جَدِّهِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: \"انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ\"؟ فَجَاءَ فَقَالَ (١): عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: \"مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ\"، قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ\n===\n(ابن رباح) التميمي الأسيدي الكوفي، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التهذيب\": صيفي بن الربيع، ولعله نسبه إلى جده (قال: حدثني أبي) مرقع بن صيفي، ويقال: مرقع بن عبد الله بن صيفي بن رباح بن الربيع، التميمي الحنظلي الأسيدي الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن جده رباح) بمفتوحة (٢) وخفة موحدة وحاء مهملة، وضبط في \"الخلاصة\" نسبته: الأسيدي بضم الهمزة وتشديد التحتانية مصغرًا (ابن ربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة، أخو حنظلة الكاتب، ويقال: بالياء المثناة من تحت، قال الدارقطني: ليس في الصحابة أحد يقال له: رياح إلَّا هذا على اختلاف فيه، وقال البخاري: قال بعضهم: رباح بالموحدة ولم يثبت.\n(قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة) ولعلها غزوة الفتح (٣)، لأنه أخرج الطبراني في \"الأوسط\" (٤) من حديث ابن عمر قال: \"لما دخل رسول الله - ﷺ - مكة أتي بامرأة مقتولة، فقال: ما كانت هذه تقاتل، ونهى\".\n(فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا فقال: انظر علام اجتمع هؤلاء، فجاء) ذلك الرجل فنظر، فرجع إلى رسول الله - ﷺ - (فقال: على امرأة قتيل) أي: اجتمعوا عليها (فقال: ما كانت هذه لتقاتل، قال: وعلى المقدمة)\n_________\n(١) في نسخة بدله: فقال: \"امرأة قتيل\".\n(٢) وضبطه الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ١٤٩) بكسر الراء والتحتانية، وروى عن أخيه حنظلة أيضًا، بسطه الزيلعي (٣/ ٢٨٨). (ش).\n(٣) بل هي المتعين، لأن خالدًا أول مشاهده الفتح، كما في \"الفتح\" (٦/ ١٤٩). (ش).\n(٤) \"المعجم الأوسط\" (١/ ٢٠٩) رقم (٦٧٣).","vol":"9","page":287},{"text":"خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: «قُلْ لِخَالِدٍ: لَا تقْتُلُنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا». [جه ٢٨٤٢، حم ٣/ ٤٨٨]\n٢٦٧٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: ثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: ثَنَا حَجَّاجٌ\n===\nأي الأمير عليها (خالد بن الوليد، فبعث رجلًا، فقال: قل لخالد: لا تقتلن امرأة ولا عسيفًا) أي: أجيرًا على الخدمة وتابعًا.\nقال الحافظ (١): قال مالك والأوزاعي: لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان، أو تحصَّنوا بحصن أو سفينة، وجعلوا معهم النساء والصبيان، لم يجز رميهم ولا تحريقهم.\nوقال الشافعي والكوفيون: قالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها، وكذا الصبي المراهق، ويؤيده حديث رياح بن الربيع -وهو بكسر الراء والتحتانية- التميمي، أنه - ﷺ - رأى امرأة مقتولة فقال: \"ما كانت هذه لتقاتل\"، فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت، واتفق الجميع على منع القصد إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، وحكى الحازمي قولًا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي وهو غريب.\nوأما العسيف فلم أر له ذكرًا في كتب فقه الأحناف، إلَّا أن الإِمام محمدًا ذكره في \"السير الكبير\" (٢)، لكن لم يتعرض لحكمه بشيء، وقال علي القاري (٣) بعد قوله: ولا عسيفًا أي: أجيرًا وتابعًا للخدمة، ولعل علامته أن يكون بلا سلاح.\n٢٦٧٠ - (حدثنا سعيد بن منصور قال: ثنا هشيم قال: ثنا حجاج\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٨).\n(٢) انظر: \"السير الكبير\" (٤/ ١٤١٥).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٠٠).","vol":"9","page":288},{"text":"قَالَ: ثَنَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ\". [ت ١٥٨٣، حم ٥/ ٢٠، ق ٩/ ٩٢]\n٢٦٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"لَمْ تُقْتَلْ (١) مِنْ نِسَائِهِمْ - تَعْنِى (٢)\n===\nقال: ثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: اقتلوا شيوخ المشركين). قال القاري (٣): أراد ما يقابل الصبيان، وأما الشيخ الفاني فلا يقتل، إلَّإ إذا كان ذا رأي، قال أبو عبيد (٤): أراد بالشيوخ الرجال والشبان أهل الجلد منهم والقوة على القتال، ولم يرد الهرمى الذين إذا سُبُوا لم يُنْتَفَعْ بهم للخدمة.\n(واستبقوا شرخهم) بفتح فسكون، أي: صبيانهم، وهم الصغار الذين لم يدركوا، فأراد بالشرخ الشبان أهل الجَلَد الذين يصلحون للملك والخدمة، قال أبو بكر: الشرح أول الشباب، فهو واحد، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، يقال: رجل صوم، ورجلان صوم، ورجال صوم، وامرأة صوم، وامرأتان صوم، ونسوة صوم، وقيل: إن الشرخ جمعٌ كصاحب وصحب، وراكب وركب.\n٢٦٧١ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: ثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: لم تقتل من نسائهم- تعني\n_________\n(١) في نسخة: \"لم يقتل\".\n(٢) في نسخة: \"يعني بني قريظة\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٩٦).\n(٤) انظر: \"النهاية\" (٢/ ٤٥٧).","vol":"9","page":289},{"text":"بَنِى قُرَيْظَةَ - إِلَاّ امْرَأَةً، إِنَّهَا لَعِنْدِى تُحَدِّثُ تَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْتُلُ رِجَالَهُمْ بِالسُّوقِ (١) إِذْ هَتَفَ (٢) هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةُ؟ قَالَتْ: أَنَا، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ (٣): حَدَثٌ (٤) أَحْدَثْتُهُ،\n===\nبني قريظة- إلَّا امرأة، إنها) أي: المرأة من بني قريظة (لعندي تحدث تضحك ظهرًا وبطنًا) أي: تنقلب ظهرًا وبطنًا من شدة ضحكها مع أنها تتيقن القتل (ورسول الله - ﷺ - يقتل رجالهم) أي: يأمر بقتلهم (بالسوق، إذ هتف هاتف باسمها) أي نادى مناد باسم تلك المرأة.\nوفي \"تاريخ الخميس\" (٥)، قال الواقدي: وكان اسم تلك المرأة بنانة، امرأة الحكم القرظي، وكانت قتلت خلاد بن سويد، رمت عليه الرحى، فدعا بها رسول الله - ﷺ -، فضرب عنقها بخلاد بن سويد.\n(أين فلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟) أي: ما حالك تقتلين مع أن النساء لا تقتل (قالت: حدث أحدثتُه) كتب في الحاشية: قال الخطابي (٦): يقال: إن الحدث الذي أحدثته أنها شتمت النبي - ﷺ -، وبه قالت الحنفية: إن سابَّ نبي من الأنبياء يقتل.\nواختلفوا هل يقتل حدًّا فلا تقبل توبته مطلقًا، أو حكمه كالمرتد فتقبل توبته؟\nقال في \"الدر المختار\" (٧): وكل مسلم ارتد فتوبته مقبولة إلا الكافر بسبِّ نبي من الأنبياء، فإنه يقتل حدًّا، ولا تقبل توبته مطلقًا، وكذا لو أبغضه بالقلب\n_________\n(١) في نسخة: \"بالسيوف\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بها\".\n(٣) زاد في نسخة: \"من\".\n(٤) في نسخة بدله: \"حدثًا\".\n(٥) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٤٩٨).\n(٦) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٨١).\n(٧) (٤/ ٢٣١).","vol":"9","page":290},{"text":"قَالَتْ: فَانْطَلَقَ بِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا، قَالَتْ: فَمَا أَنْسَى عَجَبًا (١) مِنْهَا: أَنَّهَا تَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تُقْتَلُ\". [حم ٦/ ٢٧٧] ٢٦٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ -، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِىَّ -ﷺ- عَنِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: \"هُمْ مِنْهُمْ\"،\n===\n\"فتح\"، وفي فتاوى المصنف: ويجب إلحاق الاستهزاء والاستخفاف به لتعلق حقه أيضًا، وقد صرح في \"النتف\" و\"معين الحكام\" و\"شرح الطحاوي\" و\"حاوي الزاهدي\" وغيرها بأن حكمه كالمرتد، ولفظ \"النتف\": من سبَّ رسول الله - ﷺ - فإنه مرتد، فحكمه حكم المرتد، ويفعل به ما يفعل بالمرتد، انتهى. وهو ظاهر في قبول توبته كما مر عن \"الشفاء\"، انتهى. فليحفظ.\n(قالت: فانطُلِق بها، فضربت عنقها، قالت) عائشة -﵂ -: (فما أنسى عجبًا) أي: تعجبى (منها: أنها) أي المرأة (تضحك ظهرًا وبطنًا وقد علمت أنها تقتل).\n٢٦٧٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، يعني ابن عبد الله) بن عتبة، (عن ابن عباس، عن الصعب) بفتح الصاد، وسكون العين المهملتين (ابن جثامة) بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة: (أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن الدار) أي: المنزل، أي: أهل الدار (من المشركين يبيتون) أي: يصابون ليلًا (فيصاب) أي: فيقتل (من ذراريهم ونسائهم، فقال النبي - ﷺ -: هم) أي: الذراري والنساء (منهم) أي من رجال المشركين، أي حكمهم واحد في جواز القتل في ظلمة الليل من غير قصد.\n_________\n(١) في نسخة: \"عجبي\".","vol":"9","page":291},{"text":"وَكَانَ عَمْرٌو - يَعْنِى ابْنَ دِينَارٍ - يَقُولُ: هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ.\nقَالَ الزُّهْرِىُّ: ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ. [خ ٣٠١٢، م ١٧٤٥، ت ١٥٧٠، جه ٢٨٣٩، حم ٤/ ٣٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>(١١٥) بابٌ فِى كَرَاهِيَةِ حَرْقِ الْعَدُوِّ بِالنَّارِ</span>\n٢٦٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِىُّ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ قَالَ: ثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ الأَسْلَمِىُّ،\n===\n(وكان عمرو (١) - يعني ابن دينار- يقول: هم من آبائهم) أي: الذراري حكمهم حكم آبائهم، (قال الزهري: ثم نهى رسول الله - ﷺ - بعد ذلك عن قتل النساء والولدان)، وفي قول الزهري إيماء إلى أن حكم جواز قتل الذراري والنساء منسوخ (٢)، وليس كذلك، فإن في حديث صعب بن جثامة ليست إباحة قتل الذراري والنساء مطلقًا، بل هو مختص بحالة عدم القصد، فأما إذا لم يكن الوصول إلى الآباء إلَّا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم، فههنا حكمان مختلفان: حكم جواز القتل إذا كان بغير قصد، وحكم عدم جواز القتل إذا كان بالقصد.\n\n(١١٥) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ (٣) حَرْقِ الْعَدُوِّ بِالنَّارِ)\n٢٦٧٣ - (حدثنا سعيد بن منصور قال: ثنا مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد قال: ثني محمد بن حمزة) بن عمرو (الأسلمي)\n_________\n(١) قوله: \"وكان عمرو ... إلخ\"، هذه مقولة سفيان بن عيينة، فإنه كان يروي عن الزهري بدون الواسطة، وبواسطة عمرو، كما في \"الفتح\" (٦/ ١٤٨). (ش).\n(٢) وبه قال أبو عبيد: إن نساء المشركين وذراريهم يقتلون في أول الإِسلام، ثم نسخ، حكاه القاري في \"المرقاة\" (٨/ ٣٥٤) وقال: نهي عن ذلك في خيبر، وكذا حكاه ابن الهمام في آخر الجزية. (ش).\n(٣) وتقدَّم الحرق في بلاد العدو في \"باب في الحرق في بلاد العدو\". (ش).","vol":"9","page":292},{"text":"عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ، قَالَ فَخَرَجْتُ فِيهَا، وَقَالَ (١): \"إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأحْرِقُوهُ بِالنَّارِ\". فَوَلَّيْتُ، فَنَادَانِى، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُحْرِقُوهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ». [حم ٣/ ٤٩٤، ق ٩/ ٧٢]\n===\nذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: ضعفه ابن حزم، وعاب ذلك عليه القطب الحلبي، وقال: لم يضعفه قبله أحد، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، (عن أبيه) حمزة بن عمرو الأسلمي، (أن رسول الله - ﷺ - أمَّره على سرية) لم أجد ذكر هذه السرية في كتب السير، وفي \"مسند الإِمام أحمد\" (٢)، في أحاديث حمزة بن عمرو الأسلمي، أن رسول الله - ﷺ - بعثه ورهطًا معه سرية إلى رجل من عذرة فقال: \"إن قدرتم على فلان\"، الحديث.\n(قال: فخرجت فيها) أي في السرية (وقال: إن وجدتم فلانًا فأحرقوه بالنار، فوليت) أي: رجعت (فناداني، فرجعت إليه، فقال: إن وجدتم فلانًا فاقتلوه ولا تحرقوه، فإنه لا يعذب بالنار إلَّا رب النار).\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٣): وقد اختلف السلف في التحريق، فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقًا، سواء كان في سبب كفر أو في حال مقاتلة، أو في قصاص، وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما، قال المهلب: ليس هذا النهي على التحريم، بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل النبي - ﷺ - أعين العرنيين بالحديد كما تقدم، وقد أحرق أبو بكر [البغاة]، بالنار في حضرة الصحابة، وحرق خالد بن الوليد ناسًا من أهل الردة، وكذلك حرق علي كما تقدم في الحدود.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) (٣/ ٤٩٤).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٤).","vol":"9","page":293},{"text":"٢٦٧٤ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ وَقُتَيْبَةُ (١)، أَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ\n===\nوقد أخرج البخاري (٢) هذا الحديث من حديث أبي هريرة أنه قال: \"بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث، وقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار\" (٣)، انتهى.\nقال الحافظ (٤): ووقع في رواية ابن إسحاق: \"إن وجدتم هبار (٥) بن الأسود والرجل الذي سبق منه إلى زينب ما سبق فحرِّقوهما بالنار\"، يعني زينب بنت رسول الله - ﷺ -، وكان زوجها أبا العاص بن الربيع لما أسره الصحابة، ثم أطلقه النبي - ﷺ - من المدينة شرط عليه أن يجهز له ابنته زينب فجهزها، فتبعها هبّار بن الأسود ورفيقه، فنخسا بعيرها، فأسقطت ومرضت من ذلك.\nفكان إفراد هبّار بالذكر لكونه كان الأصل في ذلك والآخر كان تبعًا له، وسمى ابن السكن في روايته الرجل الآخر نافع بن عبد قيس (٦)، قلت: وقد أسلم هبار هذا، ففي رواية ابن أبي نجيح المذكورة: \"فلم تصبه السرية وأصابه الإِسلام فهاجر\"، فذكر قصة إسلامه، وعاش هبار هذا إلى خلافة معاويه، ولم أقف لرفيقه على ذكر في الصحابة، فلعله مات قبل أن يسلم.\n٢٦٧٤ - (حدثنا يزيد بن خالد وقتيبة، أن الليث بن سعد\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سعيد\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٣٠١٦).\n(٣) وحاصل ما يظهر من ملاحظة كتب الحنفية: أنه يجوز الاستعانة بالتحريق والمنجنيق وغير ذلك حتى يحصل الغلبة، فإذا حصل فلا يحرق بالنار إلا رب النار. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٠).\n(٥) بفتح الهاء وتشديد الموحدة، كذا في \"الأوجز\" (٧/ ٢٨٢). (ش).\n(٦) بهما جزم ابن الجوزي في \"التلقيح\" (ص ٥٠٨)؛ وكذا الحافظ في \"الإصابة\" (٣/ ٥٦٥) في ترجمة هبار. (ش).","vol":"9","page":294},{"text":"حَدَّثَهُمْ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى بَعْثٍ فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا» فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [خ ٣٠١٦، ت ١٥٧١، حم ٢/ ٣٠٧، ق ٩/ ٧١]\n٢٦٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ،عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِىِّ، عَنِ ابْنِ سَعْدٍ - قَالَ غَيْرُ أَبِى صَالِحٍ: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ، فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ،\n===\nحدثهم، عن بكير، عن سليمان بن يسار (١)، عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث) أميرهم حمزة بن عمرو الأسلمي كما تقدم (فقال: إن وجدشم فلانًا وفلانًا، فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم.\n٢٦٧٥ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى قال: أنا أبو إسحاق الفزاري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن ابن سعد، قال: غير أبي صالح) من مشايخي في موضع ابن سعد مبهمًا (عن الحسن بن سعد) مسمى، (عن عبد الرحمن بن عبد الله) بن مسعود (عن أبيه) عبد الله بن مسعود (قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر) لم أقف على تعيينه (فانطلق) رسول الله - ﷺ - (لحاجته) أي: لقضاء الحاجة (فرأينا حمرة) بضم الحاء المهملة وتشديد المفتوحة، وقد يخفف، طائر صغير كالعصفور (معها فرخان) أي: ولداها، (فأخذنا فرخيها، فجاءت العمرة، فجعلت تفرش) بفتح التاء وضم الراء، إذا بسط جناحيه، وفي نسخة: \"تعرش\"، في \"القاموس\" (٢): فرّش الطائرُ تفريشًا: رفرف على الشيء كتفرَّش.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سلمان بن يسار\" مكبرًا.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص ٥٥٦).","vol":"9","page":295},{"text":"فَجَاءَ النَّبِىُّ -ﷺ- فَقَالَ: «مَنْ فَجَّعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا»، وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا (١) فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟»، قُلْنَا: نَحْنُ، قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِى أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ». [ك ٤/ ٢٣٩]\n\n(١١٦) بَابُ (٢) الرَّجُلِ يُكْرِى دَابَّتَهُ عَلَى النِّصْفِ أَوِ السَّهْمِ\n٢٦٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِىُّ أَبُو النَّضْرِ\n===\n(فجاء النبي - ﷺ -) فرآها (فقال: من فجّع هذه) الحمرة (بولدها؟ ردوا ولدها إليها، ورأى) رسول الله - ﷺ - (قرية نمل) أي موضعها (قد حرقناها) أي القرية مع النمل، (فقال: من حرق هذه؟) أي القرية، (قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلَّا رب النار).\nقال في \"الدر المختار\" (٣): وفي\"المبتغى\": يكره إحراق جراد وقمل وعقرب، ولا بأس بإحراق حطب فيها نمل (٤).\n\n(١١٦) (بَابُ الرَّجُلِ يُكْرِي دَابَّتَهُ) في الغَزْو (عَلَى النِّصْفِ)\nأي: على نصف ما يحصل له، (أَوِ السَّهْمِ)، أي: سهمه في الغزو من الغنيمة\n٢٦٧٦ - (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن يزيد (الدمشقي أبو النضر) الفراديسي، مولى عمر بن عبد العزيز، روى عنه البخاري، وربما نسبه إلى جده، قال أبو زرعة: كان من الثقات البكائين، وقال أيضًا: كان أبو مسهر يوثقه، وقال إسحاق بن سيار النصيبي وأبو حاتم الرازي والدارقطني: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ في \"التقريب\" (٥): ضُعِّفَ من غير مستندٍ.\n_________\n(١) في نسخة: \"أحرقناها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"في\".\n(٣) (٦/ ٧٥٢).\n(٤) وسيأتي الكلام عليه في \"باب قتل الذر\". (ش).\n(٥) رقم الترجمة (٣٣٤).","vol":"9","page":296},{"text":"قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو زُرْعَةَ يَحْيَى بْنُ أَبِى عَمْرٍو السَّيْبَانِىُّ،عَنْ عَمْرٍو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: \" نَادَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَخَرَجْتُ إِلَى أَهْلِى، فَأَقْبَلْتُ وَقَدْ خَرَجَ أَوَّلُ صَحَابَةِ (١) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَطَفِقْتُ فِى (٢) الْمَدِينَةِ\n===\n(قال: ثنا محمد بن شعيب قال: أخبرني أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني) بفتح السين المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة، نسبة إلى سيبان، وهو بطن من حمير، قال محمد بن حبيب: كل شيء من العرب شيبان إلا في حمير، فإن فيها السيبان، والمشهور بهذه النسبة أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو هذا، وما كتب في المجتبائية والكانفورية والقادرية والمصرية من ثلاث نقاط على السيياني فغلط.\n(عن عمرو بن عبد الله) السيباني، أبو عبد الجبار، ويقال: أبو العجماء الحضرمي الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال الذهبي (٣): ما علمت روى عنه سوى يحيى، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وفرق الدولابي (٤) بين أبي العجماء الحضرمي، روى عن عمر، وعنه يحيى بن أبي عمرو، وبين أبي عبد الجبار عمرو بن عبد الله الراوي عن عوف بن مالك وغيره، فلم يذكر لأبي العجماء اسمًا، وكذا ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لا يعرف اسمه.\n(أنه) أي عمرو بن عبد الله (حدثه) أي أبا زرعة يحيى بن عمرو، (عن واثلة بن الأسقع قال: نادى رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك) ووقعت تلك الغزوة سنة تسع، فنادى رسول الله - ﷺ - بالتهيؤ إليها والبعث فيها، (فخرجت إلى أهلي) فلم أجد عندهم شيئًا أتهيأ به للغزو، (فأقبلت وقد) والحال أنه قد (خرج أول صحابة رسول الله - ﷺ -) إلى الغزو (فطفقت) أي: شرعت أدور (في المدينة\n_________\n(١) في نسخة: \"أصحاب\".\n(٢) في نسخة: \"بالمدينة\".\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٢٧١).\n(٤) انظر: \"الكنى والأسماء\" (٢/ ٢٩).","vol":"9","page":297},{"text":"أُنَادِى: أَلَا مَنْ يَحْمِلُ رَجُلًا لَهُ سَهْمُهُ، فَنَادَى (١) شَيْخٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ (٢): لَنَا سَهْمُهُ عَلَى أَنْ نَحْمِلَهُ عَقَبَةً وَطَعَامُهُ مَعَنَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى.\nقَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ خَيْرِ صَاحِبٍ حَتَّى أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَأَصَابَنِى قَلَائِصُ، فَسُقْتُهُنَّ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَخَرَجَ فَقَعَدَ عَلَى حَقِيبَةٍ مِنْ حَقَائِبِ إِبِلِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُقْهُنَّ مُدْبِرَاتٍ، ثُمَّ قَالَ سُقْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ، فَقَالَ: مَا أَرَى قَلَائِصَكَ إلَّا كِرَامًا، قَالَ (٣): إِنَّمَا هِىَ غَنِيمَتُكَ الَّتِى شَرَطْتُ لَكَ، قَالَ:\n===\nأنادي: ألا من يحمل رجلًا) عبر عن نفسه بالغيبة، أي: يحملني على دابته (له سهمه) أي: لمن يحمله سهمي الذي يحصل لي من الغنيمة في الغزو.\n(فنادى شيخ من الأنصار) لم أقف على تسميته (قال: لنا سهمه) أي سهم الرجل، والمراد سهمك بالخطاب، فكنى بالغيبة على وفق قوله، (على أن نحمله عقبة)، قال في \"القاموس\" (٤): العقبة بالضم النوبة، وقال: وأَعْقَبَ زيدٌ عمرًا: رَكِبا بالنوبة، فالمراد بقوله: نحمله عقبة، أي: نحمله على الدابة يركبها مرة وأركبها أخرى (وطعامه معنا؟ قلت: نعم، قال) أي الشيخ الأنصاري: (فسر) أمر من السير أي إلى الغزو (على بركة الله تعالى، قال: فخرجت مع خير صاحب) أي رفيق.\n(حتى أفاء الله علينا) أي: أعطانا الله من الفيء (فأصابني قلائص) جمع القَلوص، وهي الشوابُّ من الإبل، (فسقتهن حتى أتيته) أي الشيخ الأنصاري، (فخرج) أي: الأنصاري (فقعد على حقيبة من حقائب إبله) الحقيبة: هي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب، (ثم قال: سقهن مدبرات، ثم قال: سقهن مقبلات، فقال) الأنصاري: (ما أرى قلائصك إلا كرامًا، قال) أي واثلة: (إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال)\n_________\n(١) في نسخة: \"فإذا\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) في نسخة: \"قلت\".\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص ١٢١).","vol":"9","page":298},{"text":"خُذْ قَلَائِصَكَ يَا ابْنَ أَخِي، فَغَيْرَ سَهْمِكَ أَرَدْنَا\". [ق ٩/ ٢٨]\n===\nالأنصاري: (خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك) الذي هو هذا (أردنا) أي: الذي قبلنا من سهمك بقولنا: ولنا سهمه، لم نرد به السهم الدنيوي من الغنيمة، بل الذي أردنا هو غير ذلك، وهو السهم الأخروي من الأجر والثواب.\nفإن قلت: لم يقع في غزوة تبوك قتال، فلم يحصل له غنيمة، فكيف حصل لواثلة القلائص من الغنيمة أو الفيء؟\nقلت: صرح أهل السير بأن رسول الله - ﷺ - بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة، واستأسر خالد أكيدر، قال له خالد: هل لك أن نجيرك من القتل حتى آتي بك رسول الله - ﷺ - على أن تفتح لي دومة الجندل، قال: نعم لك ذلك، فلما صالح خالد أكيدر، وأكيدر في وثاق، ومصاد (١) أخو أكيدر في الحصين، أبى مصاد أن يفتح باب الحصين لما رأى أخاه من الوثاق، فطلب أكيدر من خالد أن يصالحه على شيء حتى يفتح له باب الحصين، وينطلق به وبأخيه إلى رسول الله - ﷺ -، فيحكم فيهما بما شاء، فرضي خالد بذلك، فصالحه أكيدر على ألفي بعير وثمانمائة فرس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح، ففعل خالد وخلَّى سبيله، ففتح له باب الحصين، فدخله، وحقن دمه ودم أخيه، وانطلق بهما إلى رسول الله - ﷺ -، والنبيﷺ - بالمدينة، فلما قدم بهما إلى رسول الله - ﷺ -، صالحه على إعطاء الجزية، وخلَّى سبيلهما، وكتب لهما كتاب أمان.\nفإن قلت: قال أهل السير: إن الذي صالح عليه خالد بن الوليد مصاد أخا أكيدر، هو ألفان من البعير، وكان الجيش ثلاثين ألفًا، فكيف حصل لواثلة قلائص؟\n_________\n(١) وفي \"السيرة الحلبية\": وأخته مصاد. (ش). [قلت: وفي \"السيرة الحلبية\" (٣/ ٢٢٦): \"أخيه مصاد\"، فليتأمل].","vol":"9","page":299},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: لعل سرية خالد التي بعث بها إلى أكيدر جعل لها رسول الله - ﷺ - مما يحصل لها من الغنيمة الثلث أو الربع، ولعل واثلة كان فيها، فأعطي منها ومن أصل الغنيمة، فحصل له قلائص.\nومناسبة الحديث بالباب في السهم ظاهرة، لأنه حمله على أن له سهمه، وأما المناسبة في النصف فإنه لما جاز الكراء على السهم، وهو مجهول على خطر، جاز الكراء على النصف، فإن النصف أيضًا مجهول، وليس فيه دليل على جوازه، لأنه - ﷺ - لم يأمر به ولم يُقرَّهما عليه.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: ثم إن ظاهر صنيع المؤلف أنه استنبط منه جواز الكراء بهذه الصفة مع أنه لا يصح، لأنها لم تكن إجارة، بل كانت عِدَة بمجازاة الحسنة بالحسنة، وذلك لأن الإجارة تتوقف صحتها على تعيين المعقود عليه والأجرة وغيرهما.\nونقل صاحب \"العون\" (١) عن الخطابي (٢): اختلف الناس في هذا، فقال أحمد بن حنبل فيمن يعطي فرسه على النصف مما يغنمه في غزاته: أرجو أن لا يكون به بأس، وقال الأوزاعي: ما أراه إلَّا جائزًا، وكان مالك بن أنس يكرهه، وفي مذهب الشافعي: لا يجوز أن يعطيه فرسًا على سهم من الغنيمة، فإن فعل فله أجر مثل ركوبه، انتهى.\nقلت: ليس في الحديث أن الأنصاري أعطى دابته لواثلة على السهم، بل حمله عقبة، أي: نوبة أو إردافًا، وعلى هذا لا تدخل هذه الصورة فيمن أعطى دابته لآخر على السهم.\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٧/ ٢٤١).\n(٢) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٨٤).","vol":"9","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>(١١٧) بابٌ: فِى الأَسِيرِ يُوثَّقُ</span>\n٢٦٧٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى (١) بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ (٢) بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «عَجِبَ رَبُّنَا تَعَالَى مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِى السَّلَاسِلِ». [خ ٣٠١٠، حم ٢/ ٣٠٢]\n٢٦٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِى الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ\n===\n\n(١١٧) (بابٌ: فِى الأَسِيرِ يُوثَّقُ)\n٢٦٧٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد -يعني ابن سلمة- قال: أنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: عجب) أي: رضي (ربنا تعالى من قوم يقادون) أي يُجَرُّون (إلى الجنة في السلاسل) أي: قوم كفار يؤخذون أسارى قهرًا في السلاسل والقيود، فيدخلون دار الإِسلام، ثم يرزقهم الله تعالى الإيمان، فيدخلون به الجنة، فأحل الدخول [في الإِسلام] محل دخول الجنة لإفضائه إليه (٣).\n٢٦٧٨ - (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر قال: ثنا عبد الوارث، ثنا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة) بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي المدني، رأى السائب بن يؤيد، قال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث كثيرة، ورواية وعلم بالسيرة وغير ذلك، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن مسلم بن\n_________\n(١) هذا الحديث رباعي.\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٠٥).","vol":"9","page":301},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ،\n===\nعبد الله) بن خبيب بمعجمة مصغرًا، الجهني، روى عن جندب بن مكيث، وعنه يعقوب، ثم ذكر الحافظ مسلم بن عبيد أبو نصيرة، ذكرهما الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، فيعلم من هذا أنهما راويان.\nولكن قال الحافظ في \"لسان الميزان\" (١): مسلم بن عبد الله بن خبيب الجهني بن عبد أبو نصيرة الواسطي، عن جندب بن مكيث، وعنه يعقوب بن عتبة الثقفي مجهول، ويعلم من هذا أنهما واحد، وقال في \"الخلاصة\" (٢): أبو نصيرة مصغرًا الواسطي، اسمه مسلم بن عبيد، عن أنس، وعنه الضحاك بن حمزة وهشيم، وثقه أحمد، فهو صريح في أنه غير مسلم بن عبد الله بن خبيب.\nقلت: والذي يظهر لي أنهما اثنان، فإن مسلم بن عبيد أبا نصيرة يروي عن أنس بن مالك وأبي عسيب مولى رسول الله - ﷺ - من الصحابة، وعن أبي رجاء العطاردي وميمون بن مهران والحسن البصري، وعن مولى لأبي بكر عن أبي بكر في الاستغفار، وعنه حشرج بن نباتة وسويد بن عبد العزيز وأبو الصباح الواسطي وأبو بكر بن شعيب بن الحبحاب ويزيد بن هارون ومحمد بن يزيد الواسطي وابن واقدي العمري.\nثم قال الحافظ عن أحمد: ثقة، وقال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الأزدي: ضعيف، وفرق الحاكم أبو أحمد في \"الكنى\"، وابن ماكولا بين الراوي عن مولى أبي بكر وبين الواسطي، وجعلهما واحدًا البخاري وأبو حاتم وابن طاهر وغيرهم، وقال البزار: أبو نصيرة عن مولى أبي بكر مجهولان، هكذا في \"تهذيب التهذيب\"، فيقتضي هذا أنهما اثنان، وما وقع في \"لسان الميزان\" ففيه ضبط وخلط (٣)، والعجب أن الحافظ لم يذكر\n_________\n(١) \"لسان الميزان\" (٩/ ١٧٠ - ١٧١).\n(٢) \"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال\" (ص ٤٦٠).\n(٣) كذا في \"لسان الميزان\" (٩/ ١٧١) المطبوع المحقق، وفيه تنبيه على ذلك أيضًا.","vol":"9","page":302},{"text":"عَنْ جُنْدُبِ بْنِ مَكِيثٍ، قَالَ: \"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بْنَ غَالِبٍ اللَّيْثِىَّ\n===\nمسلم بن عبد الله بن خبيب في \"التقريب\"، أو لعله سقط ذكره من الناسخ (١)، والله تعالى أعلم.\n(عن جندب بن مكيث) بوزن عظيم، آخره مثلثة، ابن جراد بن يربوع الجهني، عداده في أهل المدينة، قلت: وقال العسكري: في الصحابة جندب بن عبد الله بن مكيث، ونسبه، قال: وأهل الحديث ينسبونه إلى جده، وقال في \"القاموس\": مكيث كأمير والد جندب.\n(قال: بعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن غالب الليثي)، هكذا في جميع نسخ أبي داود بتقديم عبد الله، وكتب على حاشية النسخة القلمية: قال في \"الأطراف\": كذا فيه أي في أبي داود: عبد الله بن غالب، والصواب غالب بن عبد الله. وقال في \"أسد الغابة\" (٢): عبد الله بن غالب الليثي من كبار الصحابة، بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية سنة اثنين من الهجرة، أخرجه أبو عمر مختصرًا.\nوقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): عبد الله بن غالب الثقفي من كبار الصحابة، بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية سنة اثنتين من الهجرة، كذا ذكره أبو عمر مختصرًا، وأظنه انقلب، وسيأتي في الغين المعجمة.\nوقال أيضًا في حرف الغين (٤): غالب بن عبد الله الكناني الليثي، قال البخاري: له صحبة، وأخرجه أبو داود من طريق عبد الوارث، عن محمد بن إسحاق، لكن قال في روايته: عبد الله بن الغالب، والأول أثبت، قال أبو عمر: كان ذلك عند أهل السير سنة خمس.\n_________\n(١) قلت: توجد ترجمته برقم ٦٦٣٤ في النسخة المحققة \"للتقريب\" للشيخ محمد عوامة.\n(٢) \"أسد الغابة\" (٣/ ٢٥٧).\n(٣) \"الإصابة\" (٢/ ٣٤٩).\n(٤) انظر: \"الإصابة\" (٣/ ١٨١).","vol":"9","page":303},{"text":"فِى سَرِيَّةٍ، وَكُنْتُ فِيهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشُنُّوا الْغَارَةَ عَلَى بَنِى الْمُلَوِّحِ بِالْكَدِيدِ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْكَدِيدِ لَقِينَا الْحَارِثَ بْنَ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِىُّ فَأَخَذْنَاهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُ أُرِيدُ الإِسْلَامَ، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْنَا: إِنْ تَكُ (١) مُسْلِمًا لَمْ يَضُرُّكَ رِبَاطُنَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَإِنْ تَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ نَسْتَوْثِقْ مِنْكَ، فَشَدَدْنَاهُ وِثَاقًا\". [حم ٣/ ٤٦٧ مطوَّلًا]\n===\n(في سرية) وكانوا بضعة عشر رجلًا (وكنت فيهم، وأمرهم) أي: أهل السرية (أن يشنوا) (٢) أي: يفرقوا (الغارة على بني الملوح) بضم الميم وفتح اللام وتشديد الواو مكسورة ثم حاء مهملة (بالكديد) بفتح الكاف وكسر الدال المهملة، وهو موضع على اثنين وأربعين ميلًا من مكة بين عسفان وأمج، (فخرجنا) من المدينة (حتى إذا كنا بالكديد) ولفظ أحمد في \"مسنده\": \"حتى إذا كنا بقديد\"، وهكذا في \"السيرة الحلبية\" وغيرها من كتب السير.\n(لقينا الحارث بن البرصاء الليثي)، ذكره الحافظ في \"الإصابة\" (٣) في ترجمة الحارث بن مالك بن قيس الكناني الليثي، فقال: المعروف بابن البرصاء، وهي أمه، وقيل: أم أبيه، سكن مكة، ثم المدينة، (فأخذناه، فقال) أي الحارث: (إنما جئت أريد الإِسلام، وإنما خرجت إلى رسول الله - ﷺ -، فقلنا: إن تك مسلمًا لم يضرك رباطنا يومًا وليلة، وإن تكن غير ذلك نستوثق منك، فشددناه) أي: ربطناه (وثاقًا) أي ربطًا شديدًا، أخرج الإمام أحمد هذا الحديث في ترجمة جندب بن مكيث مطولًا ومفصلًا من شاء فليرجع إليه (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"إن تكن\".\n(٢) قال العيني في \"شرح الطحاوي\": الشن بالمعجمة: الصب المنقطع، والسن بالمهملة: الصب المتصل، والمعنى هاهنا أن يفرق الغارة عليهم من جميع جهاتهم. (ش).\n(٣) \"الإصابة\" (١/ ٢٨٨).\n(٤) انظر: \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٦٧).","vol":"9","page":304},{"text":"٢٦٧٩ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِىُّ وَقُتَيْبَةُ، قَالَ قُتَيْبَةُ: ثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: \"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ- خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِى حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»، قَالَ: عِنْدِى يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ،\n===\n٢٦٧٩ - (حدثنا عيسى بن حماد المصري وقتيبة، قال قتيبة: ثنا الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة يقول: بعث (٢) رسول الله - ﷺ - خيلًا) أي جيش الفرسان (قبل نجد) والنجد ما ارتفع من الأرض ويقابله تهامة، وهو سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، (فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة) بضم المثلثة (ابن أثال) بهمزة مضمومة ومثلثة خفيفة (سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله - ﷺ - فقال) رسول الله - ﷺ -: (ماذا عندك يا ثمامة؟) أي: ماذا في قلبك من الرغبة إلى الإِسلام أو النفرة عنه؟ وقال الحافظ (٣): ما الذي استقر في ظنك أن أفعل بك؟ فأجاب بأنه ظن خيرًا، فقال: عندي يا محمد خير، أي لأنك لست ممن يظلم، بل ممن يعفو ويحسن.\n(قال: عندي يا محمد خير) أي: الرغبة إلى الإِسلام (إن تقتل تقتل ذا دم). قال الحافظ: كذا بمهملة مخففة الميم، وللكشميهني \"ذم\" بمعجمة مثقل الميم، قال النووي (٤): معنى رواية الأكثر: \"إن تقتل تقتل ذا دم\"، أي: صاحب دم لدمه موقع يشتفي قاتله بقتله، ويدرك ثأره لرئاسته وعظمته، ويحتمل أن يكون المعنى أنه عليه دم، وهو مطلوب به، فلا لوم عليك بقتله، وأما الرواية\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٢) وذكره في \"الخميس\" (٢/ ٣) في سنة ست. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٨٨).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٣٣٢).","vol":"9","page":305},{"text":"وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»، فَأَعَادَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ،فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»،\n===\nبالمعجمة فمعناها: ذا ذمة، وثبت كذلك في رواية أبي داود، وضَعَّفها عياض بأنه يقلب المعنى، لأنه إذا كان ذا ذمة يمتنع قتله، قال النووي: يمكن تصحيحها بأن يحمل على الوجه الأول، والمراد بالذمة الحرمة في قومه، وأوجَه الجميع الوجه الثاني، لأنه مشاكل لقوله بعد ذلك: \"وإن تنعم تنعم على شاكر\"، وجميع ذلك تفصيل لقوله: \"عندي خير\".\n(وإن تنعم تنعم على شاكر) وفيه إشارة إلى رغبته إلى الإِسلام، (وإن كنت تريد المال) أي الفدية (فسل تعط منه ما شئت) لأني ذو ثروة من قومي، (فتركه رسول الله - ﷺ -) ليستقر الإِسلام في قلبه (حتى إذا كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ فأعاد مثل هذا الكلام) المتقدم، (فتركه رسول الله - ﷺ - حتى كان بعد الغد) اليوم الثالث (فذكر) الراوي (مثل هذا).\nالظاهر أنه من كلام أبي داود، معناه حتى إذا كان بعد الغد، قال الشيخ: قال له رسول الله - ﷺ - مثل الكلام المتقدم، ويحتمل أن يكون هذا الكلام من قول الصحابي قال: عندي ما قلت لك أولًا وثانيًا.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أطلقوا) أي: حلّوا (ثمامة).\nقال الحافظ (١): وفي رواية ابن إسحاق: \"قد عفوت لك يا ثمامة وأعتقك\"، وزاد ابن إسحاق في روايته: \"أنه لما كان في الأسر جمعوا ما كان في أهل النبي - ﷺ - من طعام ولبن، فلم يقع ذلك من ثمامة موقعًا، فلما أسلم جاءوه بالطعام، فلم يصب منه إلَّا قليلًا، فتعجبوا، قال النبي - ﷺ -: إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء\"، الحديث.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٨/ ٨٨).","vol":"9","page":306},{"text":"فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ فِيهِ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ\" وَسَاقَ (١) الْحَدِيثَ. [خ ٢٤٢٢، م ١٧٦٤، حم ٢/ ٤٥٢]\nقَالَ عِيسَى: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، وَقَالَ ذَا ذِمٍّ. (٢).\n٢٦٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِىُّ قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ - يَعْنِى ابْنَ الْفَضْلِ -، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ (٣) بْنُ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ\n===\n(فانطلق إلى نخل قريب من المسجد) فيه ماء، (فاغتسل فيه ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وساق) قتيبة (٤) (الحديث، قال عيسى: أخبرنا الليث، وقال: ذا ذم).\n٢٦٨٠ - (حدثنا محمد بن عمرو الرازي قال: ثنا سلمة- يعني ابن الفضل-، عن ابن إسحاق قال: ثني عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم (عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة).\nهكذا في جميع نسخ أبي داود بأن يحيى هذا ليس له هذه الرواية عن جده عبد الرحمن، ويؤيده أن الحافظ قال في \"التهذيب\": إنه يروي عن أم المؤمنين سودة، ثم يقويه أنه يقول في هذا الحديث: قال: تقول سودة، فيعلم من هذا أنه يروي عن سودة - ﵂ -، وأيضًا لم يذكر الحافظ عبد الرحمن هذا في رواة الستة في \"التقريب\" ولا في \"تهذيب التهذيب\"، ولكن زاد لفظ \"عن جده\" الحاكم أبو عبد الله في \"المستدرك\" (٥) والذهبي في \"تلخيصه\".\n_________\n(١) في نسخة: \"ساقا\".\n(٢) في نسخة: \"ذا دم\".\n(٣) في نسخة: \"عبد الله بن بكر\".\n(٤) أخرجه البخاري بطوله. (ش).\n(٥) انظر: \"المستدرك\" للحاكم (٣/ ٢٢).","vol":"9","page":307},{"text":"قَالَ: \"قُدِمَ بِالأُسَارَى حِينَ قُدِمَ بِهِمْ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ عِنْدَ آلِ عَفْرَاءَ فِى مُنَاخِهِمْ عَلَى عَوْفٍ وَمُعَوِّذٍ ابْنَىْ عَفْرَاءَ، قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ\n===\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (١) في ترجمة عبد الرحمن بن أسعد (٢) بن زرارة: وقع ذكره في حديث لابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى ابن عباد، عن عد الرحمن بن أسعد بن زرارة، قال: قدم بأسارى بدر وسودة بنت زمعة عندهم في مناخهم، وذكر الحديث بطوله، وكذا أخرجه ابن منده، وترجم له عبد الرحمن بن أسعد.\nوهذا الحديث قد أخرجه يونس بن بكير عن ابن إسحاق في \"المغازي\"، فقال: عن عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، وأخرجه أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق بهذا السند، فقال: عبد الرحمن بن سعد بغير ألف، وكذا أخرجه ابن هشام في \"مختصر السيرة\" عن ابن إسحاق.\nفإن كان الأول محفوظًا فلعبد الرحمن بن أسعد صحبة؛ لأن أباه مات في أول عام من الهجرة، كما تقدم في ترجمته، وإن كان المحفوظ الثاني فهو مرسل، لأن عبد الرحمن إنما يروي عن أبيه كما تقدم في ترجمة سعد بن زرارة، ولم يذكر عبد الرحمن بن سعد في الصحابة إلا أبو نعيم بهذا الحديث.\n(قال: قدم بالأسارى) أي: أسارى بدر، المدينة (حين قدم) أي: جيء (بهم، وسودة بنت زمعة) أم المؤمنين (عند آل عفراء في مناخهم) والمناخ مبرك الإبل، والمراد ها هنا محل قيامهم (على عوف ومعوذ ابني عفراء) وعفراء اسم أمهما (قال) يحيى: (وذلك) أي ذهاب سودة عند آل عفراء (قبل أن يضرب عليهن\n_________\n(١) انظر: \"الإصابة\" (٢/ ٣٨٢).\n(٢) وحكى ابن رسلان عن البخاري: الصواب فيه أسعد بزيادة الألف، وسعد بدون الألف وهم. (ش).","vol":"9","page":308},{"text":"الْحِجَابُ (١)، قَالَ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاللَّهِ إِنِّى لَعِنْدَهُمْ إِذْ أُتيْتُ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ الأُسَارَى قَدْ أُتِىَ بِهِمْ، فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِى وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِ، وَإِذَا أَبُو يَزِيدَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِى نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ\" ثُمَّ (٢) ذَكَرَ الْحَدِيثَ. [ك ٣/ ٤٢٤ ق ٩/ ٨٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُمَا قَتَلَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَكَانَا\n===\nالحجاب، قال) يحيى: (تقول سودة: والله إني لعندهم) أي: آل غفراء (إذ أتيت) بصيغة المجهول، أي: أتاني آتٍ (فقيل: هؤلاء الأسارى) (٣) أي: من قريش (قد أتي بهم، فرجعت إلى بيتي، ورسول الله - ﷺ - فيه) أي: في البيت (وإذا أبو يزيد سهيل (٤) بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل) أي: مشدود بحبل، (ثم ذكر الحديث).\nأخرج أبو عبد الله الحاكم في \"مستدركه\" (٥) والذهبي في \"تلخيصه\" هذا الحديث من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق، وزاد بعد يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن لفظ: \"عن جده\"، وبقية الحديث: \"فوالله ما ملكت حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أبا يزيد أعطيتم بأيديكم أن لا مِتُّم كرامًا، فما انتبهت إلَّا بقول رسول الله - ﷺ - من البيت: يا سودة! على الله وعلى رسوله، فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل أن قلت ما قلت\"، هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، قلت: ولم يذكر الحافظ رواية يحيى بن عبد الله عن جده، بل قال: روايته عن سودة.\n(قال أبو داود: وهما) أي: عوف ومعوذ (قتلا أبا جهل بن هشام، وكانا\n_________\n(١) في نسخة: \"بالحجاب\".\n(٢) في نسخة: \"و\".\n(٣) وكانت جملتهم سبعون، قاله ابن رسلان. (ش).\n(٤) خطيب الكفار. (ش).\n(٥) انظر: \"المستدرك\" مع \"تلخيص الذهبي\" (٣/ ٢٢).","vol":"9","page":309},{"text":"انْتَدَبَا لَهُ وَلَمْ يَعْرِفَاهُ، وَقُتِلَا يَوْمَ بَدْرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>(١١٨) بَابٌ: فِى الأَسِيرِ يُنَالُ مِنْهُ وَيُضْرَبُ وَيُقَرَّرُ</span>\n٢٦٨١ - حَدَّثَنَا (١) مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَدَبَ أَصْحَابَهُ،\n===\nانتدبا) أي: أجابا (له) أي: لقتله (ولم يعرفاه) وعَرَّفَهما إياه عبد الرحمن بن عوف، (وقتلا) أبا جهل (يوم بدر).\nقلت: اللذان قتلا أبا جهل هما معاذ ومعوذ ابنا عفراء، وفي بعض الروايات ذكر معاذ بن عمرو بن الجموح، ولم أر أحدًا ذكر عوفًا فيمن قتل أبا جهل إلَّا أبا داود وابن سعد، فإنه قال في \"طبقاته\" (٢): وقتل عوف بن الحارث يوم بدر شهيدًا، قتله أبو جهل بن هشام بعد أن ضربه عوف وأخوه معوذ ابنا الحارث، فأثبتاه. ولكن عوفًا شهد وقعة بدر مع إخوته، فمعاذ ومعوذ وعوف بنو الحارث، يقال لكل منهم: ابن عفراء، ثم إنها تزوجت بعد الحارث بكير بن ياليل الليثي، فولدت له أربعة: إياسًا وعاقلًا وخالدًا وعامرًا، وكلهم شهدوا بدرًا، وكذلك إخوتهم لأمهم بنو الحارث.\nفانتظم من هذا أن عفراء امرأة صحابية لها سبعة أولاد شهدوا كلهم بدرًا مع النبي - ﷺ -، ولكن قاتل أبي جهل الذين ذكروا في \"البخاري\" و\"مسلم\" هم ثلاثة: معاذ ومعوذ ابني عفراء، ومعاذ بن عمرو بن جموح، ولم أر لعوف ذكرًا وشركة في قتل أبي جهل.\n\n(١١٨) (بابٌ: فِى الأَسِيرِ يُنَالُ مِنْهُ)، أي: يُسب ويوبخ (وَيُضْرَبُ وَيُقَرَّرُ)، أي: يكره على الإقرار بشيء\n٢٦٨١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - ندب) أي: دعا (أصحابه) إلى الخروج إلى بدر\n_________\n(١) هذا الحديث رباعي. (ش).\n(٢) \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٣٧٥).","vol":"9","page":310},{"text":"فَانْطَلَقُوا (١) إِلَى بَدْرٍ، فَإِذَا هُمْ بِرَوَايَا قُرَيْشٍ فِيهَا عَبْدٌ أَسْوَدُ لِبَنِى الْحَجَّاجِ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (٢) -ﷺ- فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ: أَيْنَ أَبُو سُفْيَانَ؟ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا لِى بِشَىْءٍ مِنْ أَمْرِهِ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جَاءَتْ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَيَقُولُ: دَعُونِى دَعُونِى أُخْبِرْكُمْ، فَإِذَا تَرَكُوهُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا لِى بِأَبِى سُفْيَانَ مِنْ عِلْمٍ، وَلَكِنْ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ قَدْ أَقْبَلُوا، وَالنَّبِىُّ -ﷺ- يُصَلِّى وَهُوَ يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَتَضْرِبُونَهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَدَعُونَهُ إِذَا كَذَبَكُمْ،\n===\n(فانطلقوا إلى بدر، فإذا هم) ملاقون (بروايا) جمع راوية، وهي الإبل التي يستقى عليها (قريش) أي: كفارهم (فيها عبد أسود لبني الحجاج) سماه أهل السير: أسلم.\n(فأخذه أصحاب رسول الله - ﷺ -، فجعلوا يسألونه: أين أبو سفيان؟) رئيس عير قريش القادم من الشام مع العير (فيقول: والله ما لي بشيء من أمره علم، ولكن هذه قريش قد جاءت، فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف، فإذا قال لهم ذلك ضربوه) لأنهم يظنون أنه يكذب ويخفي خبر أبي سفيان، (فيقول) للخلاص من الضرب: (دعوني دعوني أخبركم، فإذا تركوه قال: والله ما لي بأبي سفيان من علم، ولكن هذه قريش قد أقبلت، فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف قد أقبلوا، والنبي - ﷺ - يصلي وهو يسمع ذلك) أي إخبار العبد بقدوم قريش، وضربهم إياه إذا قال بالإخبار بغير ذلك.\n(فلما انصرف) رسول الله - ﷺ - من الصلاة (قال: والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم، وتدعونه) من ودع يدع، أي: تتركونه (إذا كذبكم،\n_________\n(١) في نسخة: \"فانطلق\".\n(٢) في نسخة بدله: \"النبي\".","vol":"9","page":311},{"text":"هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ لِتَمْنَعَ أَبَا سُفْيَانَ». قَالَ أَنَسٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا»، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، «وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا»، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، «وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا»، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، فَقَالَ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا جَاوَزَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ\"، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأُخِذَ بِأَرْجُلِهِمْ، فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا (١) فِى قَلِيبِ بَدْرٍ\" [م ١٧٧٩، حم ٣/ ٢١٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>(١١٩) بابٌ: فِى الأَسِيرِ يُكْرَهُ عَلَى الإِسْلَامِ</span>\n٢٦٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِىٍّ الْمُقَدَّمِىُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِى السِّجِسْتَانِىَّ -. (ح) وَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ\n===\nهذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان) من تعرضكم له.\n(قال أنس: قال رسول الله - ﷺ -: هذا مصرع) أي مقتل (فلان) من كفار قريش (غدًا، ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان) منهم (غدًا، ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غدًا، ووضع يده على الأرض، فقال) أنس: (والذي نفسي بيده ما جاوز أحد منهم) أي من المصروعين من قريش (عن موضع يد رسول الله - ﷺ -، فأمر بهم رسول الله - ﷺ -، فأخذ بأرجلهم، فسحبوا) أي جُّروا على وجه الأرض (فألقوا في قليب بدر) والقليب: البئر التي لم تطو، والحديث من مراسيل الصحابي، فإن أنسًا - ﵁ - لم يشهد بدرًا.\n\n(١١٩) (بابٌ: فِى الأَسِيرِ يُكْرَهُ عَلَى الإِسْلَامِ)\nأي: هل يكره؟\n٢٦٨٢ - (حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي\nقال: ثنا أشعث بن عبد الله -يعني السجستاني-، ح: وثنا محمد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"وألقوا\".","vol":"9","page":312},{"text":"بَشَّارٍ (١)، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، وَهَذَا لَفْظُهُ (ح): وَثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ﴾. [السنن الكبرى للنسائي ١١٠٤٨]\n===\nبشار، ثنا ابن أبي عدي، وهذا لفظه، ح: وثنا الحسن بن علي، ثنا وهب بن جرير) ثلاثتهم يعني: أشعث بن عبد الله، وابن أبي عدي، ووهب بن جرير، (عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة) من الأوس والخزرج قبل الإِسلام (تكون مقلاتًا) وسيجيء تفسيره من المصنف (فتجعل على نفسها) أي تلزم عليها (إن عاش لها ولد أن تهوِّده) أي: تجعله يهوديًا.\n(فلما أجليت بنو النضير) عن أوطانهم (كان فيهم من أبناء الأنصار) من تهوَّدوا، (فقالوا) أي الأنصار: (لا ندع أبناءنا) الذين تهوَّدوا ونكرههم على الإِسلام، (فأنزل الله ﷿: ﴿لَا إِكْرَاهَ (٢) فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ (٣) أي: الهدى ﴿مِنَ الْغَىِّ﴾ أي الكفر، ووقع في رواية سعيد بن جبير عند ابن جرير في \"تفسيره\" (٤): فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم، قال: فأجلوهم معهم\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) وفي \"إزالة الخفاء\" عن العوارف للشيخ السهروردي عن وثيق الرومي قال: كنت مملوكًا لعمر؛ فكان يقول لي: أسلم أستعن بك على أمانة المسلمين، فإنه لا ينبغي أن أستعين عليها بمن ليس منهم، فأبيت، فقال عمر - ﵁ -: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾، فلما حضرته الوفاة أعتقني، وقال: اذهب حيث شئت، انتهى. (ش).\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٥٦.\n(٤) (٣/ ١٥).","vol":"9","page":313},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْمِقْلَاتُ الَّتِى لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ.\n\n(١٢٠) بابُ (١) قَتْلِ الأَسِيرِ وَلَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الإِسْلَامُ\n٢٦٨٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ\n===\n(قال أبو داود: المقلات التي لا يعيش لها ولد) من القلت بالتحريك: الهلاك، قَلِتَ كفرح، والمقلتة: المهلكة، والمقلات: ناقة تضع واحدًا ثم لا تحمل، وامرأة لا يعيش لها ولد \"قاموس\" (٢)، وفي \"المخصص\": أبو عبيد: المقلات التي لا يبقى لها ولد. ابن دريد: اقلتت فهي مقلت. صاحب \"العين\": هي التي لا يبقى لها إلا ولد واحد، انتهى.\nفالواجب أن يكتب بالتاء الطويلة لا بصورة الهاء، فالكتابة بصورة الهاء - كما في بعض النسخ - من خطأ النساخ.\n\n(١٢٠) (بابُ قَتْلِ الأَسِيرِ (٣) وَلَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الإِسْلَامُ)\n٢٦٨٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن المفضل، ثنا أسباط بن نصر) الهمداني، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر، قال حرب: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنه ضعَّفه، وقال أبو حاتم: سمعت أبا نعيم يضعفه، وقال: أحاديثه عامية، مسقط، مقلوب الأسانيد، وقال النسائي: ليس بالقوي، قلت: علق له البخاري حديثًا في الاستسقاء، وقد وصله الإِمام أحمد والبيهقي في \"السنن الكبير\"، وهو حديث منكر أوضحته في \"التغليق\" (٤).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"باب في الأسير يقتل، ولا يعرض عليه الإسلام\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص ١٥٨).\n(٣) قال الشعراني في \"ميزانه\" (٢/ ٢٤١): اتفقوا على أنه لو قتل أحد الأسير، وهو في أسره لا يجب على القاتل شيء إلَّا التعزير فقط، وقال الأوزاعي: الدية، انتهى.\nقلت: هذا في غير حق الإِمام، وأما الإِمام فاتفقوا على أنه يجوز له قتله، كما سيأتي. (ش).\n(٤) انظر: \"تغليق التعليق\" (٢/ ٣٩٠).","vol":"9","page":314},{"text":"قَالَ: زَعَمَ السُّدِّىُّ،\n===\nوقال البخاري في تاريخه \"الأوسط\": صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ثقة، وقال موسى بن هارون: لم يكن به بأس.\n(قال: زعم) أي: قال (السدي) بضم المهملة وتشديد اللام، هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة بفتح الكاف، أبو محمد القرشي مولاهم، الكوفي الأعور، وهو السدي الكبير، كان يقعد في سُدَّة باب الجامع فسمي السدي.\nقال في \"القاموس\": والسدة بالضم: باب الدار، جمعه سدد، وإسماعيل السدي لبيعه المقانع في سدة مسجد الكوفة، وهي ما يبقى من الطاق المسدود. قال أبو طالب عن أحمد: ثقة، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي قال: قال يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهدي، وذكر إبراهيم بن مهاجر، والسدي، فقال يحيى: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن وكره ما قال، قال عبد الله: سألت يحيى عنهما، فقال: متقاربان في الضعف.\nوقال الجوزجاني: هو كذَّاب شتَّام، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي في \"الكنى\": صالح، وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، صدوق لا بأس به، قلت: وقال حسين بن واقد: سمعت من السدي فأقمت، حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر، وقال الجوزجاني: حدثت عن معتمر عن ليث يعني ابن أبي سليم قال: كان بالكوفة كَذَّابَان، فمات أحدهما، السدي والكلبي، كذا قال، وليس أشد ضعفًا من السدي.\nوقال العجلي: ثقة، عالم بالتفسير، له رواية، وقال العقيلي: ضعيف، وكان يتناول الشيخين، وقال الساجي: صدوق، فيه نظر، وقال الحاكم في \"المدخل\" في باب الرواة الذين عيب على مسلم إخراج حديثهم: تعديل عبد الرحمن بن مهدي أقوى عند مسلم ممن جرحه بجرح غير مفسر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".","vol":"9","page":315},{"text":"عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ آمَنَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يعني النَّاسَ - إلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَسَمَّاهُمْ (٢)، وَابْنُ أَبِى سَرْحٍ (٣)، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ،\n===\n(عن مصعب بن سعد) بن أبي وقاص، الزهري أبو زرارة المدني، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال العجلي: تابعي ثقة، (عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله - ﷺ -) أي: أعطى الأمان من القتل (يعني الناس، إلَّا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم) أي الراوي (وابن أبي سرح) أي والد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فإنه أهدر دمه، (فذكر الحديث) أي أهل مكة، فقال: من ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فآمنهم كلهم إلَّا المستثنين منهم (٤).\nوهم:\n١ - عبد الله بن سعد بن أبي السرح، ذهب به عثمان بن عفان إلى رسول الله - ﷺ - فأسلم، ٢ - وابن خطل قتله أبو برزة، ٣ - وعكرمة بن أبي جهل، فإنه هرب من مكة، فذهبت امرأته خلفه، فأتت به رسول الله - ﷺ - فأسلم، ٤ - والحويرث بن نقيذ (٥) قتله علي، ٥ - ومقيس بن صبابة، قتله تميلة الليثي، ٦ - وهبار بن الأسود، وهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله - ﷺ - حين هاجرت، فنخس بها بعيرها، حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها، ثم أسلم. ٧ - وكعب بن زهير أسلم، ٨ - ووحشي بن حرب، أسلم، ٩ - وصفوان بن أمية، أهدر دمه، فهرب إلى جدة، فاستأمن له عمير بن وهب\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أمَّن\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فسماهم\".\n(٣) في نسخة: \"السرح\".\n(٤) جمع أسماءهم الحافظ. (ش).\n(٥) في الأصل \"نقيد\" بالدال المهملة، خطأ، والصواب: \"نقيذ\" بالذال المعجمة، كما في\n\"السيرة\" لابن هشام (٤/ ٥٨).","vol":"9","page":316},{"text":"قَالَ: وَأَمَّا ابْنُ أَبِى سَرْحٍ (١) فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ\n===\nالجمحي، فأمنه، فأعطاه عمامته أو رداءه علامة، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة، فرجع معه، حتى وقف على رسول الله - ﷺ -، فقال صفوان: هذا يزعم أنك أَمَّنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني في أمري بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر، فلما أعطاه رسول الله - ﷺ - مالًا كثيرًا، أسلم، ١٠ - وحارث بن طلاطلة، قتله علي بن أبي طالب، ١١ - وعبد الله بن الزبعري، كان يهجو أصحاب النبي - ﷺ -، ويحرض المشركين على قتالهم، فلما سمع هدر دمه هرب إلى نجران وسكنها، وبعد مدة وقع الإِسلام في قلبه، فأتى النبي - ﷺ - فأسلم.\nوأما النساء اللاتي أهدر النبي - ﷺ - دماءهن فهن:\n١ - هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، جاءت إلى النبي - ﷺ - متنكرة في النساء حين بايع النساء على الصفا، ٢ - وقريبة- بالقاف والموحدة مصغرًا-، ٣ - والفَرْتني- بالفاء المفتوحة والراء المهملة الساكنة والمثناة الفوقية والنون-، وهما قينتان لابن خطل مغنيتان، فقتلت قريبة، وأما فرتني فأسلمت، ٤ - ومولاة بني خطل، قتلت يوم الفتح، ٥ - ومولاة بني عبد المطلب، ولم أقف على تسميتها، ٦ - وأم سعد أرنب، قتلت، والله تعالى أعلم، هكذا ذكر أهل السير.\nوأما قوله في الحديث: إلَّا أربعة نفر وامرأتين فلا يخالف ما في السير، فإن ذكر العدد لا يقتضي نفي ما وراء، ويحتمل أن يكون ذكر العدد في وقت، فحفظه الراوي.\n(قال) أي سعد: (وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ) أي: اختفى (عند عثمان بن عفان) لأنه كان أخاه من الرضاعة، (فلما دعا رسول الله - ﷺ - الناس) أي أهل مكة (إلى البيعة) أي: بيعة الإسلام (جاء) أي عثمان (به)\n_________\n(١) في نسخة: \"السرح\".","vol":"9","page":317},{"text":"حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِى كَفَفْتُ يَدِى عَنْ بَيْعَتِهِ، فَيَقْتُلُهُ»، فَقَالُوا (١): مَا نَدْرِى يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِى نَفْسِكَ، أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِى لِنَبِىٍّ أَنْ تَكُونَ (٢) لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ». [ن ٤٠٦٧، ق ٩/ ٢١٢]\n===\nأي: بابن أبي السرح (حتى أوقفه على رسول الله - ﷺ -، فقال) أي عثمان: (يا نبي الله، بايع عبد الله) بن أبي السرح (فرفع) أي رسول الله - ﷺ - (رأسه فنظر إليه) أي عبد الله بن أبي السرح (ثلاثًا، كل ذلك يأبى) أي في كل مرة لم يلتفت إلى قول عثمان، وكف يده عن بيعته، ولم يبايعه، فكنى عنه بالإباء (فبايعه بعد ثلاث) أي بعد ثلاث مرات.\n(ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد) أي: العاقل المتفطن (يقوم إلى هذا) أي: عبد الله بن أبي السرح (حيث رآني كففت يدي عن بيعته، فيقتله) لأنه كان مهدر الدم.\nفإن قيل: كيف يجوز قتله، وقد أجاره عثمان - ﵁ -؟ وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"يجير عليهم أدناهم\".\nقلت: أولًا: لما أهدر دمه رسول الله - ﷺ - لا يمكن أن يجيره عثمان، وثانيًا: لو سلم أنه أجاره عثمان، لا ينفعه إجارته قبل أن يستأمن له رسول الله - ﷺ - لأنه كان مهدر الدم قبل ذلك في الحل والحرم.\n(فقالوا) أي أصحاب رسول الله - ﷺ -: (ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت) أي: أشرت (إلينا بعينك؟) أي بقتله (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)\n_________\n(١) في نسخة: \"قالوا\".\n(٢) في نسخة: \"يكون\".","vol":"9","page":318},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَخَا عُثْمَانَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَخَا عُثْمَانَ لأُمِّهِ، وَضَرَبَهُ عُثْمَانُ الْحَدَّ إِذْ شَرِبَ الْخَمْرَ.\n٢٦٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، أَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى جَدِّى،\n===\nأي: أن يضمر بقلبه ما لا يظهره للناس، فإذا كف لسانه وأومأ بعينه إلى خلافه فقد خان، وكان ظهور تلك الخيانة من قبل عينه، فسميت خائنة الأعين، فالخائنة إما بمعنى المصدر، وهي الخيانة، أو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الأعين الخائنة.\n(قال أبو داود: كان عبد الله) أي: ابن أبي السرح (أخا عثمان من الرضاعة، وكان الوليد بن عقبة) بن أبي معيط أبو وهب مصغرًا أسلم يوم الفتح، وبعثه رسول الله - ﷺ - على صدقات بني المصطلق، وولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة، ثم عزله، فلما قتل عثمان تحول إلى الرقة فنزلها، واعتزل عليًّا ومعاوية، وأبوه عقبة قتله النبي - ﷺ - ببدر صبرًا (أخا عثمان لأمه، وضربه عثمان الحد إذ شرب الخمر).\nوقصته مذكورة في \"صحيح مسلم\" (١)، والمصنف - ﵀ - ذكره استطرادًا، فإنه لما ذكر أخا الرضاع لعثمان بن عفان ذكر أخاه لأمه الوليد بن عقبة.\n٢٦٨٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، ثنا زيد بن حباب، أنا عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي) ويقال: اسمه عمر، وهو الصواب، ذكره ابن حبان فيمن اسمه عمر من \"كتاب الثقات\"، وذكره ابن أبي حاتم أيضًا فيمن اسمه عمر، قال أبو داود في \"كتاب التفرد\": الصواب عمر (قال: ثني جدي) أي عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي، أبو محمد المدني، كان ثقة في الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٧٠٧).","vol":"9","page":319},{"text":"عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «أَرْبَعَةٌ لَا أُؤْمِّنُهُمْ فِى حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ»، فَسَمَّاهُمْ. قَالَ: وَقَيْنَتَيْنِ كَانَتَا لِمِقْيَسٍ، فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا، وَأُفْلِتَت (١) الأُخْرَى فَأَسْلَمَتْ. [ق ٩/ ٢١٢، قط ٢/ ٣٠١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ أَفْهَمْ إِسْنَادَهُ مِنِ ابْنِ الْعَلَاءِ كَمَا أُحِبُّ.\n===\n(عن أبيه) أي: سعيد بن يربوع بن عنكثة بفتح المهملة وسكون النون وفتح الكاف بعدها مثلثة، ابن عامر بن مخزوم القرشي المخزومي صحابي، كان اسمه في الجاهلية الصرم أو أصرم، فسماه النبي - ﷺ - يوم الفتح سعيدًا، أسلم يوم الفتح، وشهد حنينًا، وهو أحد القرشيين الذين أمرهم عمر أن يجددوا أنصاب الحرم، مات وهو ابن مائة وعشرين سنة أو أزيد، له في السنن حديث واحد.\n(أن رسول الله - ﷺ - قال يوم فتح مكة: أربعة لا أؤمنهم) أي من القتل (في حل ولا حرم، فسماهم) أي رسول الله - ﷺ -، أو الراوي (قال: وقينتين) القينة: الأمة المغنية، والماشطة على مطلق الأَمة، تغنَّت أو لم تتغنَّ (كانتا لمقيس) بن صبابة، (فقتلت إحداهما، وأفلتت) قال في \"القاموس\" (٢): وأفلتني الشيءُ، وتَفَلَّتَ مني: انفلت، أي: هربت بغتة، ونجت من القتل (الأخرى فأسلمت).\nهذا الذي رواه أبو داود من أنهما كانتا لمقيس مخالف لما قال أهل السير، فإنهم قالوا: إن القينتين اللتين أهدر دمهما كانتا لابن خطل، فيمكن أن يكون كلاهما شركاء فيهما، أو كانتا أولًا في ملك أحدهما، ثم في ملك الآخر منهما، والله أعلم.\n(قال أبو داود: ولم أفهم إسناده من) شيخي (ابن العلاء كما أحب)، ولعله أقام له إسناد هذا الحديث بعض تلامذة الشيخ محمد بن العلاء.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"افتتلت\"، وفي نسخة: \"أقبلت\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص ١٥٨).","vol":"9","page":320},{"text":"٢٦٨٥ - حَدَّثَنَا (١) الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». [خ ٣٠٤٤، م ١٣٥٧، ت ١٦٩٣، ن ٢٨٦٧ جه ٢٨٠٥، حم ٣/ ١٠٩]\n===\n٢٦٨٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة عام الفتح) أي: غير محرم (وعلى رأسه المغفر) (٢) وهو القلنسوة من الحديد، لأنه أحلت له وأبيح له القتال فيه، (فلما نزعه) أي: وضعه عن الرأس (جاءه رجل) لم أقف على تسميته (٣) (فقال) أي الرجل: (ابن خطل) (٤) الذي أهدرت دمه (متعلق بأستار الكعبة) أي مستعيذ بها (فقال: اقتلوه).\n_________\n(١) هذا الحديث رباعي. (ش).\n(٢) أنكر على مالك في هذا الحديث قوله: وعليه المغفر، وإنه تفرَّد به، والمحفوظ العمامة، والصحيح أنها كانت فوق المغفر، وإن مالكًا لم يتفرد به، بل تابعه بضعة عشر نفرًا روَوه عن الزهري، كذا في \"الفتح\" مختصرًا، وبسطه [انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٦١).\nواختلف في الجمع بينه وبين ما ورد: \"وعليه عمامة سوداء\"، وراجع: \"جمع الوسائل\" (١/ ١٦٣) للقاري و\"شرح المناوي\" (١/ ١٦٣). (ش).\n(٣) كذا قال الحافظ (٤/ ٦٠)، وحكى عن الفاكهاني: أبو برزة الأسلمي، وبه جزم العيني. (ش).\n(٤) بفتح الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة، من بني غنم بن غالب، كان مسلمًا، فبعثه النبي - ﷺ - مصدِّقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان له مولى يخدمه، فنزل منزلًا، وأمر مولاه أن يذبح له تيسًا، ويصنع له طعامًا، ونام فاستيقظ ولم يصنع له، فعدا عليه فقتله، وارتد مشركًا، وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله - ﷺ -، فقتلهما معه، كذا في \"رجال جامع الأصول\" (١٣/ ٤٥٥)، و\"الفتح\" (٤/ ٦١)، و\"العيني\" (٧/ ٥٤١) ترجم له البخاري، لكنهم سكتوا عن قتل الصبر. (ش).","vol":"9","page":321},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ابْنُ خَطَلٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِىُّ قَتَلَهُ.\n\n(١٢١) بَابٌ (١): فِى قَتْلِ الأَسِيرِ صَبْرًا\n٢٦٨٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّقِّىُّ،\n===\nقال الحافظ (٢): واستدل بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة على أن الكعبة لا تعيذ من وجب عليه القتل، وإنه يجوز قتل من وجب عليه القتل في الحرم، وفي الاستدلال بذلك نظر، لأن المخالفين تمسكوا بأن ذلك إنما وقع في الساعة التي أحل للنبي - ﷺ - فيها القتال بمكة، وقد صرح بأن حرمتها عادت كما كانت، والساعة المذكورة وقع عند أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنها استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر.\nوأخرج عمر بن شبة في \"كتاب مكة\" من حديث السائب بن يزيد قال: رأيت رسول الله - ﷺ - استخرج من تحت أستار الكعبة عبد الله بن خطل، فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال: لا يُقْتَلَنَّ قرشي بعد هذا صبرًا، ورجاله ثقات إلَّا أن في أبي معشر مقالًا.\n(قال أبو داود: اسم ابن خطل عبد الله)، قال في \"تاريخ الخميس\" (٣): وكان اسمه عبد العزى، فغير النبي - ﷺ - اسمه، وسماه عبد الله، (وكان أبو برزة الأسلمي قتله)، قال في \"تاريخ الخميس\": في قاتله اختلاف، والصحيح أنه أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حريث المخزومي اشتركا في قتله، انتهى، وقيل: قاتله شريك بن عبدة العجلاني.\n\n(١٢١) (بابٌ: فِى قَتْلِ (٤) الأَسِيرِ صَبْرًا)\nأي: حبسًا، يقال للرجل إذا شدت يداه ورجلاه؛ ورجل يمسكه حتى يضرب عنقه: قُتِلَ صَبْرًا\n٢٦٨٦ - (حدثنا علي بن الحسين الرقي)، روى عن عبد الله بن جعفر\n_________\n(١) في نسخة: \"باب الأسير يقتل صبرًا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦).\n(٣) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ٩٠).\n(٤) ترجم به البخاري أيضًا. انظر: \"الفتح\" (٦/ ١٦٦)، لكن الشراح سكتوا عن قتل الصبر. (ش).","vol":"9","page":322},{"text":"ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّىُّ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ (١) بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَرَادَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ\n===\nالرقي، روى عنه أبو داود، قلت: ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (ثنا عبد الله بن جعفر) بن غيلان (الرقي) بفتح الراء وتشديد القاف، أبو عبد الرحمن القرشي مولاهم، قال أبو حاتم: ثقة، وعن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس قبل أن يتغير، وقال هلال بن العلاء: ذهب بصره سنة ٢١٦ هـ، وتغير سنة ٢١٨ هـ، ومات سنة ٢٢٠ هـ. قال ابن حبان في \"الثقات\": لم يكن اختلاطه فاحشًا ربما خالف، قلت: وثَّقه العجلي.\n(قال: أخبرني عبد الله بن عمرو)، هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية، وفي المصرية، ونسخة \"العون\"، وحاشيبة المجتبائية: عبيد الله بن عمرو مصغرًا، وهو الصواب، وهو عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم، أبو وهب الجزري الرقي، وهو الراوي عن ابن أبي أنيسة وغيره، وعنه عبد الله بن جعفر الرقي وغيره.\nقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة صدوق، لا أعرف له حديثًا منكرًا، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا كثير الحديث، وربما أخطأ، ولم يكن أحد ينازعه في الفتوى في دهره، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، كان راويًا لزيد بن أبي أنيسة، ووثقه العجلي وابن نمير.\n(عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم) أي النخعي (قال) أي إبراهيم: (أراد الضحاك بن قيس) بن خالد الفهري القرشي، أخو فاطمة بنت قيس، صحابي صغير، شهد فتح دمشق، وسكنها إلى حين وفاته، وشهد صفين مع معاوية، وغلب على دمشق، ودعا إلى بيعة ابن الزبير، ثم دعا إلى نفسه، وقتل بمرج راهط في قتاله لمروان بن الحكم سنة ٦٤ هـ، وكان مولده قبل وفاة النبي - ﷺ - بنحو ست سنين أو أقل.\n_________\n(١) في نسخة: \"عبيد الله\".","vol":"9","page":323},{"text":"أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَسْرُوقًا، فَقَالَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ (١): أَتَسْتَعْمِلُ رَجُلًا مِنْ بَقَايَا قَتَلَةِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ لَهُ مَسْرُوقٌ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - وَكَانَ فِى أَنْفُسِنَا مَوْثُوقَ الْحَدِيثِ - \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَمَّا أَرَادَ قَتْلَ أَبِيكَ قَالَ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ قَالَ: «النَّارُ»، قَالَ: فَقَدْ رَضِيتُ لَكَ مَا رَضِىَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ\". [ك ٢/ ١٢٤]\n===\n(أن يستعمل مسروقًا) أي: يجعله عاملًا (فقال له عمارة بن عقبة: أتستعمل رجلًا) الذي هو (من بقايا قتلة) جمع قاتل (عثمان؟ فقال له) أي لعمارة (مسروق: ثنا عبد الله بن مسعود- وكان في أنفسنا موثوق الحديث- أن النبي - ﷺ - لما أراد قتل أبيك) أي: عقبة بن أبي معيط (٢) (قال) أبوك عقبة: (من للصبية؟) جمع الصبي، وهو من لم يفطم بعد، أي: من يتكفلهم؟ (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (النار) أي: تتكفلهم النار (قال) أي مسروق: (فقد رضيت لك (٣) ما رضي لك رسول الله - ﷺ -).\nقال القاري (٤): يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون النار عبارة عن الضياع، يعني: إن صلحت النار أن تكون كافلة فهي هي، وثانيهما: أن الجواب من الأسلوب الحكيم، أي: لك النار، والمعنى اهتم بشأن نفسك، وما هيء لك من النار، ودع عنك أمر الصبية، فإن كافلهم هو الله الذي ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٥)، وهذا هو الوجه، ذكره الطيبي، والأظهر أن الأول هو الوجه، فإنه لو أريد هذا المعنى لقال: \"الله\" بدل \"النار\".\nقلت: ويؤيده أيضًا استدلال مسروق على عمارة بقوله: \"رضيت لك ما رضي رسول الله - ﷺ -\"، ولا دليل يدل على صرفه عن الظاهر، فإنه يحتمل أن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أخو الوليد بن عقبة\".\n(٢) وقد قتل صبرًا يوم بدر، كما بسط الروايات في ذلك السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٤). (ش).\n(٣) قال صاحب \"العون\" (٧/ ٣٥٠): كأن مسروقًا طعن عمارة في مقابلة طعنه إياه مكافأة له.\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٢٧).\n(٥) سورة هود: الآية ٦.","vol":"9","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>(١٢٢) بابٌ: فِى قَتْلِ الأَسِيرِ بِالنَّبْلِ</span>\n٢٦٨٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ،عَنِ ابْنِ تِعْلَى\n===\nيكون في عمارة بن عقبة مع إسلامه أمر يقتضي أن يستحق به النار، ولم أقف على ترجمته فيما عندي من الكتب (١).\n\n(١٢٢) (بابٌ: فِى قَتْلِ الأَسِيرِ بِالنَّبْلِ)\nقال في \"القاموس\": والنبل السهام بلا واحد أو نبلة، جمعه: أنبال ونبال ونبلان، والنبَّال صاحبه وصانعه كالنابل.\n٢٦٨٧ - (حدثنا سعيد بن منصور، ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن ابن تعلى)، وهو عبيد بن تعلي بكسر المثناة الفوقانية وإسكان المهملة، ثم لام مكسورة، هكذا ضبطه في \"الخلاصة\" (٢).\nوقال في \"القاسوس\": وعبيد بن يعلى (٣) تابعي، فكتب بالمثناة التحتانية، فحركها بالكسر وفتح اللام (٤)، وأما ما كتب في \"الخلاصة\" بكسر اللام فلم أره في غيره، الطائي الفلسطيني. قال الحافظ (٥): روى عن أبي أيوب الأنصاري في النهي عن صبر البهائم، وعنه بكير بن الأشج، وقيل: عن بكير، عن أبيه عنه، وهو الصحيح، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) قلت: هو عمارة بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي، أخو الوليد بن عقبة، قال أبو عمر: كان هو وأخوه الوليد من مسلمة الفتح. انظر: \"الإصابة\" (٤/ ٤٨١) رقم (٥٧٤٠) و\"أسد الغابة\" (٣/ ٣١٦) رقم (٣٨٢١).\n(٢) \"خلاصة تهذيب الكمال\" (ص ٢٥٤).\n(٣) وهكذا في \"الإصابة\" في ترجمة عبد الرحمن. (ش).\n(٤) قلت: وفي \"تهذيب الكمال\" رقم (٤٢٩٥): عبيد بن تِعْلَى، كتب بالمثناة الفوقانية وحركها بالكسر وفتح اللام.\n(٥) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٦٠)، و\"تقريب التهذيب\" (٦٤٨).","vol":"9","page":325},{"text":"قَالَ: \"غَزَوْنَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَأُتِىَ بِأَرْبَعَةِ أَعْلَاجٍ مِنَ الْعَدُوِّ فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا صَبْرًا\". [ق ٩/ ٧١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ لَنَا غَيْرُ سَعِيدٍ، عن ابْنِ وَهْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: بالنَّبْلِ صَبْرًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ فَقَالَ: \"سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَنْهَى عن قَتْلِ الصَّبْرِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ دَجَاجَةٌ مَا صَبَرْتُهَا،\n===\n(قال: غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد) القرشي المخزومي، أدرك النبي - ﷺ - ورآه، له ولأبيه صحبة، وكان من فرسان قريش وشجعانهم، له هدي حسن، وفضل وكرم، وكان معاوية يستعمله على غزو الروم، وله معهم وقائع، (فأُتي بأربعة أعلاج) جمع علج، وهو الرجل من كفار العجم (من العدو فأمر بهم فقتلوا صبرًا) أي: حبسًا.\n(قال أبو داود: قال لنا) من شيوخنا (غير (١) سعيد) بن منصور، (عن ابن وهب في هذا الحديث، قال: بالنبل صبرًا)، فزاد لفظ: \"بالنبل\" وبه يناسب الترجمة.\n(فبلغ ذلك) أي فعل عبد الرحمن (أبا أيوب الأنصاري فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن قتل الصبر، فوالذي نفسي بيده)، هذا قول أبي أيوب الأنصاري (لو كانت دجاجة ما صبرتها)، قلت: ويؤيد ذلك قوله - ﷺ -: \"إذا قتلتم\n_________\n(١) المراد بذلك شيخه أحمد بن صالح المصري، وأخرج الطبراني هذا الحديث بهذا الطريق في \"المعجم الكبير\" (٤/ ١٥٩) رقم (٤٠٠٢)، وأشار المزي والحافظ إلى أن أبا داود روى الحديث عن أحمد بن صالح عن ابن وهب، به. ثم ذكر الاختلاف بين رواية الطبراني ورواية أبي داود، فعند الطبراني: عن بكير بن الأشج عن أبيه عن عبيد بن تعلى، وعند أبي داود: عن بكير عن عبيد بإسقاط أبيه، فقال الحافظ: \"وقيل: عن بكير عن أبيه وهو الصحيح\"، وقال المزي بعد ذكر الرواية من طريق الطبراني: \"رواه - أي أبو داود - عن أحمد بن صالح، فوافقناه بعلوٍ، وليس عنده عن أبيه، والصحيح قول من قال: عن أبيه\". انظر: \"تهذيب الكمال\" رقم (٤٢٩٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٦٠).","vol":"9","page":326},{"text":"فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَأَعْتَقَ أَرْبَعَ رِقَابٍ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>(١٢٣) بابٌ: فِى الْمَنِّ عَلَى الأَسِيرِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ</span>\n٢٦٨٨ - حَدَّثَنَا (١) مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: أَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا\n===\nفأحسنوا القتلة\"، (فبلغ ذلك) أي قول أبي أيوب (عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فأعتق أربع رقاب) أي: في جنايته.\nقلت: أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) حديث أبي أيوب هذا بثلاث طرق:\nأولها: ثنا أبو عاصم، ثنا عبد الحميد بن جعفر، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن بكير، عن أبيه، عن عبيد بن تعلى، عن أبي أيوب قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن صبر الدابة\"، قال أبو أيوب: لو كانت لي دجاجة ما صبرتها.\nوثانيها: ثنا سريج، ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن أبي يعلى- ولعل هذا من غلط النساخ، والصواب ابن تعلى- قال: غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فساق مثل سياق أبي داود، وزاد: \"بالنبل\".\nوثالثها: ثنا عتاب، ثنا عبد الله، ثنا ابن لهيعة، ثنا بكير بن الأشج، أن أباه حدَّثه، أن عبيد بن تعلى أنه سمع أبا أيوب يقول: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن صبر الدابة\"، فثبت بهذه الأسانيد أن في سند أبي داود انقطاعًا.\n\n(١٢٣) (بابٌ: فِى الْمَنِّ عَلَى الأَسِيرِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ)\n٢٦٨٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد قال: أنا ثابت، عن أنس: أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا) أي: نزلوا عام الحديبية\n_________\n(١) هذا الحديث رباعي. (ش).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٤٢٢) رقم (٢٣٤٨٠ - ٢٣٤٨١ - ٢٣٤٨٢).","vol":"9","page":327},{"text":"عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ مِنْ جِبَالِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَلَمًا،\n===\n(على النبي - ﷺ - وأصحابه من جبال التنعيم) وهو موضع بين مكة وسرف، ومنه يحرم من أراد العمرة من أهل مكة، وهو الموضع الذي أمر رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر منه عائشة، وهو أدنى الحِل، لأنه ليس موضع في الحل أقرب إلى الحرم منه، وهو على ثلاثة أميال من مكة، وقيل: على أربعة أميال، وقيل: على فرسخين، وسميت بذلك لأن جبلًا عن يمينها يقال له: نعيم، وآخر عن شمالها يقال له: ناعم، والوادي نعمان.\n(عند صلاة الفجر ليقتلوهم) أي: ليقتل أهل مكة أصحاب رسول الله - ﷺ - (فأخذهم) أي ثمانين رجلًا (رسول الله - ﷺ - سلمًا). قال القاري (١): قال النووي (٢): ضبطوه بوجهين: بفتح السين واللام، وبإسكان اللام مع كسر السين وفتحها، قال الحميدي: معناه: الصلح.\nقال القاضي: هكذا ضبطه الأكثرون، قال: والرواية الأولى أظهر، أي: أسرهم، وجزم الخطابي (٣) على فتح اللام والسين، قال: والمراد به الاستسلام والإذعان كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ (٤)، أي: الانقياد، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع، قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقضية، فإنهم لم يؤخذوا صلحًا، وإنما أخذوا قهرًا، وأسلموا أنفسهم عجزًا، قال: وللوجه الآخر وجه، وهو أنه لما لم يجر معهم القتال، بل عجزوا عن دفعهم والنجاة منهم، فَرَضوا بالأسر، كأنهم قد صولحوا على ذلك.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥١٤).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٤٢٦).\n(٣) قال في \"المعالم\" (٢/ ٢٨٨): قوله: سلمًا يعني أسراء، يقال: رجل سلَم أي أسير، وقوم سلَم، الواحد والجماعة سواء، انتهى، وبسط في هامش أبي داود؛ أشار إلى القصة صاحب \"الجلالين\" أيضًا، وراجع كتب التفاسير. (ش).\n(٤) سورة النساء: الآية ٩٠.","vol":"9","page":328},{"text":"فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ\". [م ١٨٠٨، ت ٣٢٦٤، حم ٣/ ١٢٤]\n٢٦٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ،عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ لأُسَارَى بَدْرٍ: \"لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِىٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِى فِى هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ\". [خ ٣١٣٩، حم ٤/ ٨٠، ق ٦/ ٣١٩]\n===\n(فأعتقهم رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ أي: الحديبية (إلي آخر الآية) (١).\n٢٦٨٩ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - قال لأسارى) أي: في أسارى، جمع أسير (بدر) وهو موضع مشهور، وقيل: ماء، وقيل: بئر بين مكة والمدينة، أسفل وادي الصفراء، وبه كانت الوقعة المشهورة التي أظهر الله بها الإِسلام، وفرَّق بين الحق والباطل في شهر رمضان سنة اثنتين للهجرة، (لو كان مطعم بن عدي (٢) حيًّا، ثم كلمني في) خلاص (هؤلاء النتنى) بنونين مفتوحتين، بينهما مثناة فوقية ساكنة مقصور، جمع نتن أو نتين كزمن وزمنى، أو جريح وجرحى (لأطلقتهم له).\nقال في \"السيرة الحلبية\" (٣): جاء جبير بن مطعم وهو كافر يسأل النبي - ﷺ - في أسارى بدر، فقال له - ﷺ -: لو كان الشيخ أبوك حيًّا فأتانا فيهم لشفعناه، لأن المطعم كان أجار النبي - ﷺلما قدم من الطائف، وكان ممن سعى في نقض الصحيفة كما تقدم، فكان له يد عند رسول الله - ﷺ -، فأراد أن يكافئه بهذا، ويحتمل أنه أراد تطييب قلب ابنه جبير وتأليفه وترغيبه إلى الإسلام.\n_________\n(١) سورة الفتح: الآية ٢٤.\n(٢) ابن نوفل بن عبد مناف. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٣) (٢/ ٤٥١).","vol":"9","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): واستدل به على أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها إلَّا بعد القسمة، وبه قال المالكية والحنفية، وقال الشافعي: يملكون بنفس الغنيمة، والجواب عن حديث الباب أنه محمول على أنه كان يستطيب أنفس الغانمين، وليس في الحديث ما يمنع ذلك، فلا يصلح للاحتجاج به، واستبعد ابن المنير الحمل المذكور، فقال: إن طيب قلوب الغانمين بذلك من العقود الاختيارية، فيحتمل أن لا يذعن بعضهم، فكيف بتَّ القول بأنه يعطيه إياهم، مع أن الأمر موقوف على اختيار من يحتمل أن لا يسمح؟\nوقد اختلف السلف في المقاتل الأسير بأن الإمام بالخيار فيه، في أن يقتل أو يمنَّ عليه، أو يفادي أو يسترقّ، فقال الإِمام الشافعي - ﵀ -: هو مخير بين هذه الأمور يفعل ما يشاء، وروي عن الحسن البصري أنه كره قتل الأسير، وقال: منّ عليه أو فاداه، وكذلك قال عطاء، وروي عن ابن عمر أنه دفع إليه عظيم من عظماء إصطخر ليقتله، فأبى أن يقتله، تلا قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٢)، وكذا روي عن مجاهد وابن سيرين كراهة قتل الأسير.\nوقال الإِمام أبو حنيفة - ﵀ -: إن الإِمام مخيَّر في الأسير بين أن يقتله أو يسترقَّه، ولا يجوز له أن يمن عليه أو يفادي، فاتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير، لا نعلم بينهم خلافًا فيه، وإنما اختلفوا في فدائه، فقال أصحابنا الأحناف في ظاهر الرواية: لا يفادى الأسير بالمال، ولا يباع الصبي من أهل الحرب، ولا يفادون بأسرى المسلمين أيضًا.\nوقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين، وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي ومالك وأحمد إلَّا بالنساء، فأما المجيزون للفداء بأسرى المسلمين وبالمال، فإنهم احتجُّوا بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وظاهره يقتضي جوازه بالمال وبالمسلمين، وبأن النبي - ﷺ - فدى أسارى بدر بالمال.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٣).\n(٢) سورة محمد: الآية ٤.","vol":"9","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويحتجون للفداء بالمسلمين برواية عمران بن حصين قال: \"أسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي - ﷺ -، وأسر أصحاب النبي - ﷺ - رجلًا من بني عامر بن صعصعة، فمر به النبي - ﷺ - وهو موثق، فقال: علام أحبس؟ فقال: بجريرة حلفائك ثقيف\" الحديث، وفي آخره: \"ثم إن النبي - ﷺ - فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما\".\nولا خلاف أنه لا يفادى الآن على هذا الوجه، لأن المسلم لا يُرَدُّ إلى أهل الحرب، وقد كان النبي - ﷺ - شرط في صلح الحديبية لقريش أن من جاء منهم مسلمًا ردّه عليهم، ثم نُسِخَ ذلك، ونهى النبي - ﷺ - عن الإقامة بين أظهر المشركين وقال: \"أنا بريء من كل مسلم مع مشرك\"، وقال: \"من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذمة\".\nوأما ما في الآية من ذكر السنن أو الفداء، وما روي في أسارى بدر فإن ذلك منسوخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (١).\nوقد روينا ذلك عن السدي وابن جريج، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر﴾، إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فتضمنت الآيتان وجوب القتال للكفار حتى يسلموا ويؤدوا الجزية، والفداء بالمال أو بغيره ينافي ذلك، ولم يختلف أهل التفسير، ونقلة الآثار أن سورة براءة نزلت بعد سورة محمد، فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخًا للفداء المذكور في غيرها، وأيضًا استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ منهم، وهذا بعد الأخذ والأسر، لأن الضرب فوق الأعناق هو الإبانة من المفصل، ولا يقدر على ذلك حال القتال، ويقدر عليه بعد الأخذ والأسر.\nوأما النساء والذراري فيسبين ويسترقن، سواء كن من العرب أو من غير\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ٥.","vol":"9","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1014>(١٢٤) بابٌ: فِى فِدَاءِ الأَسِيرِ بِالْمَالِ</span>\n٢٦٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو نُوحٍ قَالَ: أَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: ثَنَا سِمَاكٌ الْحَنَفِىُّ قَالَ: ثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: ثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: \"لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ\n===\nالعرب، فرجال مشركي العرب والمرتدين فإنهم لا يسترقون عندنا بل يقتلون أو يسلمون، لأن النبي - ﷺ - استرق نساء هوازن وذراريهم، وهم من صميم العرب، وكذا الصحابة استرقوا نساء المرتدين من العرب وذراريهم، ويجوز أن يمن عليهم وتركهم أحرارًا بالذمة، وليس للإمام أن يمن على الأسير، فيتركه من غير ذمة لا يقتله ولا يقسمه.\nفإن قيل: إن رسول الله - ﷺ - منَّ على الزَّبِير من بنى باطا من بني قريظة، وكذا منّ على أهل خيبر.\nفالجواب أن رسول الله - ﷺ - منَّ على الزَّبير ولم يقتله، إما لأنه لم يثبت أنه ترك بالجزية أم بدونها، فاحتمل أنه تركه بالجزية وبعقد الذمة، وأما أهل خيبر فقد كانوا أهل الكتاب فتركهم، ومنَّ عليهم ليصيروا أَكَرَة (١) للمسلمين، ويجوز المنّ لذلك، لأن ذلك في معنى الجزية، فيكون تركًا بالجزية من حيث المعنى، كذا في كتب الأحناف (٢).\n\n(١٢٤) (بابٌ: فِى فِدَاءِ الأَسِيرِ بِالْمَالِ)\n٢٦٩٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا أبو نوح) وهو عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي، ويقال: الضبي، المعروف بقراد بضم القاف وتخفيف الراء، ثقة، (قال: أنا عكرمة بن عمار قال: ثنا سماك الحنفي قال: ثني ابن عباس قال: ثني عمر بن الخطاب قال) أي عمر: (لما كان يوم بدر)\n_________\n(١) قوله: \"أَكَرَة\" جمع أكَّار، أي: الحرَّاث.\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٩٣).","vol":"9","page":332},{"text":"فَأَخَذَ - يَعْنِى النَّبِىَّ - ﷺ- الْفِدَاءَ، أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأَرْضِ) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ (١) مِنَ الْفِدَاءِ\n===\nشاور رسول الله - ﷺ - أبا بكر وعمر في أسارى بدر، فقال: إن الله قد مكّنكم منهم، فقام عمر فقال: يا رسول الله! اضرب أعناقهم، فأعرض عنه - ﷺ -، ثم عاد فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله - ﷺ - نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء عفاءً عنهم.\n(فأخذ) أي: قبل واختار (يعني النبي - ﷺ -، الفداء، أنزل الله ﷿) جواب لما ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ أي: ما كان لنبي يحبس من عدوه الكفار أناسًا فيأخذ منهم الفدية ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يبالغ في قتلهم فيها ويقهرهم قسرًا (إلي قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء) ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وتمام الآية: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، والآية الثانية: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nقصته أن جبرائيل ﵇ نزل على النبي - ﷺ - في أسارى بدر فقال: إن شئتم أخذتم منهم الفداء ويستشهد منكم سبعون بعد ذلك، فنادى منادي النبي - ﷺ - في أصحابه فجاءوا، فقال: إن هذا جبرئيل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم وبين أن تفادوهم، ويستشهد في القابل منكم بعدتهم، فقالوا: بل نفاديهم فنتقوى به عليهم، وبدخل في القابل منا الجنة سبعون، فاختاروا الفدية إلا ابن الخطاب وسعد بن معاذ وعبد الله بن رواحة، فنزلت هذه الآية.\nقال عمر: فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله - ﷺ -، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال رسول الله - ﷺ -: أبكي للذي عُرض على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية ٦٧ - ٦٨.","vol":"9","page":333},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعُرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة، شجرة قريبة من رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ إلى آخر الآيات.\nوفيه إشكال وهو: أن التخيير يقتضي جواز كل واحد منهما، فكيف يجوز أن ينزل العذاب باختيار أحدهما.\nوالجواب عنه: أنهم خيروا بأن يختاروا من الأمرين باجتهادهم ما هو أحبّ في الحالة الموجودة عند الله تعالى، فأخطأوا بترك ما هو الأحب عنده تعالى رغبة في المال، فعوتبوا على ذلك، والأولى أن يقال: إن بعض الصحابة مالوا إلى ذلك رغبة في عرض الدنيا، فهم الذين عوتبوا بذلك خاصة دون غيرهم، يومئ إليه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (١).\nقال العلامة ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢): وقد تكلم الناس في أي الرأيين كان أصوب؟\nفرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث، ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه، وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب، ولتشبيه النبي - ﷺ - له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء، ولموافقة رسول الله - ﷺ - لأبي بكر أولًا، ولموافقة الله له آخرًا، حيث استقر الأمر على رأيه ولكمال نظر الصديق، فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرًا، وغلبة جانب الرحمة على جانب العقوبة.\nقالوا: وأما بكاء النبي - ﷺ -، فإنما كانت رحمة لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد بذلك رسول الله - ﷺ - ولا أبو بكر، وإن أراده بعض\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية ٦٨.\n(٢) (٣/ ١١١).","vol":"9","page":334},{"text":"ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ الْغَنَائِمَ\". [م ١٧٦٣، ت ٣٠٨١، حم ١/ ٣٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ اسْمِ أَبِى نُوحٍ فَقَالَ: أَىّ شئٍ تَصْنَعُ بِاسْمِهِ؟ اسْمُهُ اسْمٌ شَنِيعٌ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: اسْمُه قُرَادٌ، وَالصَّحِيحُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ.\n٢٦٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْعَيْشِىُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ\n===\nالصحابة، فالفتنة كانت تعم ولا تصيب من أراد ذلك خاصة، كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: لن نغلب اليوم من قلة، وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم، فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة، ثم استقر الأمر على النصرة والظفر.\n(ثم أحل الله لهم الغنائم) وكانت الغنائم قبل ذلك حرامًا على الأمم السابقة وعلى الأنبياء، وكان الله حرمها عليهم تحريمًا شديدًا، وكان قد سبق من الله في قضائه أن الغنائم له ولأمته حلال، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، وكانت تنزل نار من السماء فتأكلها، وكانت هذه علامة القبول، فأحلها الله تعالى بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\n(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن اسم أبي نوح) الذي اشتهر به (فقال) أي أحمد: (أي شيء تصنع باسمه) المشهور؟ (اسمه اسم شنيع) أي شديد القبح (قال أبو داود: اسمه قراد). قال في \"القاموس\": كغراب: دويبة كالقرد، وهو كبار الحلم (٢) (والصحيح) أن اسمه (عبد الرحمن بن غزوان) قلت: عبد الرحمن بن غزوان علم، وقراد لقبه، فلا منافاة بينهما، وهذه العبارة من قوله: \"قال أبو داود\" ليست بموجودة في النسخة المكتوبة الأحمدية.\n٢٦٩١ - (حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي، ثنا سفيان بن\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية ٦٩.\n(٢) قوله: الحَلَم، واحدة: حَلَمَةٌ، أي: القراد العظيم.","vol":"9","page":335},{"text":"حَبِيبٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِى الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- جَعَلَ فِدَاءَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعَمِائَةٍ\". [ك ٢/ ١٢٥، \"السنن الكبرى\" ٨٦٠٧]\n٢٦٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ\n===\nحبيب، ثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - جعل فداء أهل الجاهلية) أي: كفار مكة الذين أسروا (يوم بدر أربعمائة) أي: درهم.\nقال في \"السيرة الحلبية\" (١): وكان الفداء فيهم على قدر أموالهم، وكان من أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف درهم إلى ألفين إلى ألف، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن الكتابة، دفع إليه عشرة (٢) غلمان من غلمان المدينة يعلمهم الكتابة، فإذا تعلموا كان ذلك فداءه.\nوفي حديث ابن عباس عند ابن جرير في \"تفسيره\" (٣): وكان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، وأيضًا عنده عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: كان فداء أسارى بدر مائة أوقية، والأوقية أربعون درهمًا، ومن الدنانير ستة دنانير، وقد أخذ من المطلب بن أبي وداعة في فداء أبيه أربعة آلاف درهم، وقد كان - ﷺ - قال لأصحابه لما رأى أبا وداعة أسيرًا: إن له بمكة ابنًا كيِّسًا تاجرًا ذا مال، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه، أي: فكان أول أسير فدي.\n٢٦٩٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن\n_________\n(١) (٢/ ٤٥١).\n(٢) وكذا في \"الخميس\" (١/ ٣٩٥)، و\"مسند أحمد\" (١/ ٢٤٧). (ش).\n(٣) (١٠/ ٤٩).","vol":"9","page":336},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِى فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِى فِدَاءِ أَبِى الْعَاصِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِى الْعَاصِ.\nقَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَالَ: «إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِى لَهَا»، فَقَالُوا: نَعَمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ عَلَيْهِ، أَوْ وَعَدَهُ أَنْ يُخَلِّىَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: «كُونَا بِبَطْنِ يَأْجِجَ\n===\nعبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم) بمال (بعثت زينب) ابنة رسول الله - ﷺ - زوجة أبي العاص بن الربيع (في فداء) زوجها (أبي العاص بمال، وبعثت فيه) أي في المال (بقلادة لها) هي حلية تلبس في العنق (كانت) أي القلادة (عند خديجة أدخلتها) أي: أدخلت خديجة زينب (بها) أي بتلك القلادة (على أبي العاص) أي: زوجها.\n(قالت) أي عائشة: (فلما رآها) أي: القلادة (رسول الله - ﷺ - رق لها) أي: لان قلبه لها حيث تذكر غربتها، وتذكر عهد خديجة وصحبتها (رقة شديدة وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن رأيتم أن تطلقوا) أي: تفُكُّوا (لها) أي: لزينب (أسيرها) وهو زوجها أبو العاص (وتردوا عليها) المال (الذي لها) وهو المال الذي أرسلت في فداء زوجها فافعلوا (فقالوا: نعم) يا رسول الله، فأطلقوا وردوا عليها القلادة.\n(وكان رسول الله - ﷺ - أخذ) أي: عهد (عليه) أي أبي العاص (أو) للشك من الراوي (وعده أن يخلي سبيل زينب إليه) أي يرسلها إليه - ﷺ -، ولم يرد بتخلية السبيل الطلاق، وكان حكم المناكحة بين المسلمات والكفار بعد باقيًا.\n(وبعث رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار) لم أقف على تسميته (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (كونا) أي: أقيما (ببطن يأجج) بالهمزة وكسر","vol":"9","page":337},{"text":"حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا». [حم ٦/ ٢٧٦، ك ٣/ ٢٣، ق ٦/ ٣٢٢]\n٢٦٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ،ثَنَا عَمِّى - يَعْنِى سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ - قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ\n===\nالجيم، مكان من مكة على ثمانية أميال (حتى تمر بكما زينب فتصحباها) صيغة الخبر بمعنى الأمر، أي: اصحباها معكما (حتى تأتيا بها) بالمدينة.\nوقد كان كفار قريش سألوا أبا العاص أن يطلِّق زينب بنت رسول الله - ﷺ -، كما طلَّق ولدا أبي لهب بنتي النبي ﷺ رقية وأم كلثوم قبل الدخول بهما، وقالوا له: نزوجك أيَّ امرأة من قريش شئت، فأبى ذلك، وقال: والله لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بها امرأة من قريش، فشكر له رسول الله - ﷺ - ذلك، وأثنى عليه بذلك خيرًا.\nفلما أُسر يوم بدر أطلقه رسول الله - ﷺ -، ورد عليه فداءه، وشرط عليه أن يخلي سبيل زينب أن تهاجر إلى المدينة، فلما وصل أبو العاص بمكة أرسلها وكانت حاملًا، فخرج في طلبها هبَّار بن الأسود ورجل آخر، حتى أدركها بذي طوى، ونخس البعير، فوقعت وألقت حملها، ثم وصلت بطن يأجج عند زيد بن حارثة ورجل من الأنصار، فصحباها وأوصلاها إلى المدينة.\n٢٦٩٣ - (حدثنا أحمد بن أبي مريم) وهو أحمد بن سعد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم، الجمحي، أبو جعفر المصري، ابن أخي سعيد بن الحكم، قال في \"التقريب\": صدوق، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": قال النسائي: لا بأس به، وقال أبو عمر الكندي: كان من أهل العلم والرحلة والتصنيف، وكان لا يحدث إلا عن ثقة، (ثنا عمي -يعني سعيد بن الحكم- قال: أنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب). قال ابن شهاب: (وذكر عروة بن الزبير) فاعل لذكر، ولفظ \"ذكر\" عطف على قصة الحديبية.","vol":"9","page":338},{"text":"أَنَّ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَعِى مَنْ تَرَوْنَ،\n===\n(أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه) أي عروة بن الزبير، قوله: أن مروان إلى آخره مفعول لقوله: ذكر، يدل عليه قول البخاري في \"صحيحه\": حدثنا سعيد بن عفير، حدثني الليث بن سعد، حدثني عقيل، عن ابن شهاب \"ح\"، وحدثني إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، قال محمد بن شهاب: وزعم عروة بن الزبير: أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه (أن رسول الله - ﷺ - قال: حين جاءه وقد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم).\nقال الحافظ (١): هذه القصة مختصرة، وقد ساقها موسى بن عقبة في \"المغازي\" مطولة، ولفظه: ثم انصرف رسول الله - ﷺ - من الطائف في شوال إلى الجعرَّانة، وبها السبي يعني سبي هوازن، وقدم عليه - ﷺوقد هوازن مسلمين، فيهم تسعة نفرٍ من أشرافهم، فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله! إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، وهن مخازي الأقوام.\nفقال: سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم، فأي الأمرين أحب إليكم: آلسبي أم المال؟ قالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحبّ إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال: أما الذي لبني هاشم فلكم، وسوف أكلم لكم المسلمين، فكلّموهم وأظهروا إسلامكم، فلما صلى رسول الله - ﷺ - الهاجرة قاموا فتكلم خطباؤهم، فأبلغوا ورغبوا إلى المسلمين في رد سبيهم، ثم قام رسول الله - ﷺ - حين فرغوا فشفع لهم، وحضَّ المسلمين عليه، وقال: قد رددت الذي لبني هاشم عليهم، انتهى.\n(فقال لهم رسول الله - ﷺ -: معي من ترون) من العسكر، قال\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٣).","vol":"9","page":339},{"text":"وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَىَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِمَّا السَّبْىَ وَإِمَّا الْمَالَ»، فَقَالُوا: نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ! فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ جَاؤوا تَائِبِينَ، وَإِنِّى قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدّ إِلَيْهِمْ (١) سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِئُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ»،\n===\nالقسطلاني (٢): وحاصل هذا القول أن معي العسكر، ولهم حق في السبايا والمال التي أخذت منكم، فلا يمكن أن يرد إليكم كل السبي والمال، لأن فيه ضلال العمل وإضاعة الحق، بل يمكن أن يرد إليكم بعض ما أُخذ منكم، وما قال صاحب \"العون\" في شرحه (٣): \"معي من ترون من السبايا\" بعيد بل غلط.\n(وأحب الحديث إليّ أصدقه)، وهو أن يرد عليكم إحدى الطائفتين، (فاختاروا إما السبي وإما المال، فقالوا: نختار سبينا، فقام رسول الله - ﷺ -) أي: خطيبًا فيهم (فأثنى على الله) أي: بما هو أهله (ثم قال: أما بعد! فإن إخوانكم) لكونهم من العرب من هوازن ولإسلامهم (هؤلاء جاؤوا تائبين) عن الكفر، مسلمين.\n(وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب) أي: يعطيه بطيب نفس من غير عوض (ذلك) أي: رد السبي (فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه) أي: نصيبه من السبي (حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا) أي: يعطيه الله من طريق الفيء (فليفعل).\nحاصله: أن من أحب منكم أن لا يترك نصيبه من السبي إلَّا بعوض، فنحن نَعِدُه أن نعطيه من أول ما يفيء الله علينا، فعليه أن يترك نصيبه بذلك العوض.\n_________\n(١) في نسخة: \"عليهم\".\n(٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٩).\n(٣) \"عون المعبود\" (٧/ ٢٥٥).","vol":"9","page":340},{"text":"فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّا لَا نَدْرِى مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ»، فَرَجَعَ النَّاسُ وكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، فَأَخْبَرُوا (١) أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. [خ ٤٣١٩، حم ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧، \"السنن الكبرى\" ٨٨٧٦، ق ٦/ ٣٦٠]\n٢٦٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ،عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ\n===\n(فقال الناس: قد طيبنا ذلك لهم يا رسول الله، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا) وكلِّموا عرفاءكم، ولا نعلم ذلك الإذن المجهول (حتى يرفع إلينا عرفاؤكم) أي رؤساؤكم (أمركم، فرجع الناس وكلمهم عرفاؤهم، فأخبروا) أي: العرفاء رسول الله - ﷺ - (أنهم) أي: أكثرهم (قد طيبوا) أي: أعطوا ذلك بطيب النفس من غير عوض (وأذنوا) برد سباياهم.\nقال الحافظ (٢): في رواية موسى بن عقبة: \"فأعطى الناس ما بأيديهم إلا قليلًا من الناس سألوا الفداء\"، وفي رواية عمرو بن شعيب المذكورة: \"فقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -، وقالت الأنصار كذلك، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: من تمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء نصيبه، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم\".\n٢٦٩٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن محمد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"فأخبروه\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤).","vol":"9","page":341},{"text":"إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «رُدُّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَمَنْ تَمَسَكَ (١) بِشَىْءٍ مِنْ هَذَا الْفَىْءِ، فَإِنَّ لَهُ بِهِ عَلَيْنَا سِتَّ (٢) فَرَائِضَ مِنْ أَوَّلِ شَىْءٍ يُفِيئُهُ اللَّهُ عَلَيْنَا»، ثُمَّ دَنَا - يَعْنِى النَّبِىَّ -ﷺ- مِنْ بَعِيرٍ، فَأَخَذَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَيْسَ لِى مِنَ الْفَىْءِ شَىْءٌ وَلَا هَذَا»، وَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ (٣) «إلَّا الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ\n===\nإسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في هذه القصة (٤) أي: قصة وفد هوازن (قال) أي: جد شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص: (فقال رسول الله - ﷺ -: ردوا عليهم) أي على وفد هوازن (نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك بشيء من هذا الفيء) وأطلق الفيء على الغنيمة مجازًا.\nحاصله: فمن لم يعط بشيء من غير عوض (فإن له علينا به) أي: بهذا الشيء (ست فرائض) جمع فريضة، وهي البعير المأخوذ في الزكاة، ثم اتسع فيه حتى سمي البعير فريضة في غير الزكاة أيضًا، (من أول شيء يفيئه الله تعالى علينا) إن كان من الفيء ففي كله، وإن كان من الغنيمة ففي خُمسه.\n(ثم دنا) أي: قرب (يعني النبي - ﷺ -، من بعير، فأخذ وبرة) أي: شعرة (من سنامه) بفتح السين المهملة (ثم قال: أيها الناس! إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا) أي: ما أخذ من الوبرة (ورفع إصبعيه) اللتين فيهما الوبرة (إلَّا الخمس، والخمس مردود عليكم) أي: مصروف في مصالحكم من الخيل والسلاح وغير ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"مسك\".\n(٢) في نسخة: \"ستة فرائض\".\n(٣) في نسخة بدله: \"إصبعه\".\n(٤) ولفظ الجصاص: عن جده: ذكر غنائم هوازن، وقال: ثم دنا رسول الله - ﷺ - من بعير فأخذ وبرة، الحديث. [انظر: \"أحكام القرآن\" (٣/ ٥١)]. (ش).","vol":"9","page":342},{"text":"فَأَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ»، فَقَامَ رَجُلٌ فِى يَدِهِ كُبَّةٌ مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ: أَخَذْتُ هَذِهِ لأُصْلِحَ بِهَا بَرْذَعَةً لِى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَّا مَا كَانَ لِى وَلِبَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ»، فَقَالَ: أَمَّا إِذْا (١) بَلَغَتْ مَا أَرَى فَلَا أَرَبَ لِى فِيهَا، وَنَبَذَهَا. [ن ٣٦٨٨، حم ٢/ ١٨٤]\n===\nفإن قلت: هذا الحصر منقوض بسهم الصفي، وسهمه كسهم الغانمين، قال في \"شرح السير الكبير\": قد كان لرسول الله - ﷺ - ثلاث حظوظ في الغنائم: الصفي، وخُمس الخمس، وسهم كسهم أحد الغانمين.\nقلت: المراد من هذا الفيء هو الغنيمة التي حصلت من هوازن، ولم يأخذ منها رسول الله - ﷺ - إلا الخمس، ولم يصطف منها شيئًا، ولم يأخذ سهمه كسهم الغانمين، فلم يبق لرسول الله - ﷺ - فيه إلَّا الخمس فصح الحصر.\n(فأدوا) أي لما لم يكن في هذا الفيء لي، فأولى أن لا يكون لكم منه شيء غير حقكم، فمن يأخذ منكم بغير حقه فليدفعه (الخياط والمخيط) (٢) أي: إذا أخذتم الخياط والمخيط بغير حقه فأدوه، (فقام رجل في يده كبة) أي: قطعة ومجموعة (من شعر، فقال: أخذت هذه) قبل القسمة (لأصلح بها برذعة) بفتح الباء والدال المهملة، وقيل: المعجمة، وفي \"القاموس\": إهمال داله أكثر، وهي الحلس التي تحت رحل البعير (لي).\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب) أي: من حق فيها (فهو لك) أي: وأما ما كان من غير ما هو حق لي ولبني عبد المطلب فلا يحل لك حتى تستحله منهم (فقال) أي الرجل: (أما إذا بلغت) أي: هذه الكبة (ما أرى)، أي: من الضيق فيه (فلا أرب) أي لا حاجة الي فيها، ونبذها).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"إذ\".\n(٢) واستدل بذلك الموفق على مسألة خلافية، وهي أن اليسير مما أخذه الغانم هل يجوز أخذها أو يجب ردها؟ [انظر: \"المغني\" (١٣/ ١٣٢)]، وسيأتي في هامش \"باب حمل الطعام من أرض العدو\". (ش).","vol":"9","page":343},{"text":"(١٢٥) بابٌ: فِى الإِمَامِ يُقِيمُ عِنْدَ الظُّهُورِ عَلَى الْعَدُوِّ (١) بِعَرْصَتِهِمْ\n٢٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. (ح): وَثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا رَوْحٌ، قَالَا: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِى طَلْحَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا غَلَبَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثًا\". قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: \"إِذَا غَلَبَ قَوْمًا أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ (٢) بِعَرْصَتِهِمْ ثَلَاثًا\". [خ ٣٠٦٥، م ٢٨٧٥، ت ١٥٥١،حم ٤/ ٢٩، ق ٩/ ٦٢]\n===\n\n(١٢٥) (بابٌ: فِى الإِمَامِ يُقِيمُ عِنْدَ الظُّهُورِ)، أي: الغلبة (عَلَى الْعَدُوِّ بِعَرْصَتِهِمْ)\nقال في \"القاموس\": والعرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء، جمعه: عراص، وعرصات، وأعراص.\n٢٦٩٥ - (حدثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ بن معاذ، ح: وثنا هارون بن عبد الله، ثنا روح) بن عبادة (قالا) أي معاذ وروح: (ثنا سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا غلب على قوم أقام بالعرصة) أي: بعرصتهم (ثلاثًا) أي: ثلاثة أيام ولياليهن (قال ابن المثنى) أي لفظه: (إذا غلب قومًا أحب أن يقيم بعرصتهم) بفتح العين وسكون الراء (ثلاثًا).\nقال الحافظ (٣): قال المهلب: حكمة الإقامة لإراحة الظهر والأنفس، ولا يخفى أن محله إذا كان في أمن من عدو طارق، وقال ابن الجوزي: إنما كان يقيم ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام وقلة الاحتفال، فكأنه يقول: من كان فيه قوة منكم فليرجع إلينا، وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد أن تقع ضيافة الأرض التي وقعت فيها المعاصي بإيقاع الطاعة فيها بذكر الله وإظهار شعار المسلمين، وإذا كان ذلك في حكم الضيافة، ناسب أن يقيم عليها ثلاثًا لأن الضيافة ثلاثة.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عرصة العدو\".\n(٢) في نسخة بدله: \"يقع\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٢).","vol":"9","page":344},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَطْعَنُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَدِيمِ حَدِيثِ سَعِيدٍ؛ لأَنَّهُ تَغَيَّرَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَلَمْ يُخْرِجْ هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا بِآخَرَةِ (١).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: يُقَالُ: إِنَّ وَكِيعًا حَمَلَ عَنْهُ فِى تَغَيُّرِهِ.\n===\n(قال أبو داود: كان يحيى بن سعيد) القطان (يطعن في هذا الحديث، لأنه ليس من قديم حديث سعيد، لأنه) أي: سعيد بن أبي عروبة (تغير سنة خمس وأربعين) ومائة (ولم يُخرج) أي: سعيد (هذا الحديث إلَّا بآخره) أي في آخر عمره الذي اختلط فيه.\n(قال أبو داود: يقال: إن وكيعًا حمل عنه في) حال (تغيره).\nقلت: أخرجه البخاري (٢) في الجهاد في \"باب من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثًا\"، من طريق روح بن عبادة، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة، ثم قال: تابعه معاذ وعبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة.\nقال الحافظ (٣): وقد رواه شيبان عن قتادة، فلم يذكر أبا طلحة، أخرجه أحمد، ورواية سعيد أولى، وكذا أخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس بغير ذكر أبي طلحة.\nفمدار تضعيف القطان على اختلاط سعيد بن أبي عروبة، فروح ومعاذ بن معاذ وعبد الأعلى كلهم رووا عن سعيد هذا الحديث، ولم يثبت أنهم تحملوا عنه في حال الاختلاط، بل قال الآجري عن أبي داود: وسماع روح منه قبل الهزيمة، فلا يصح رد هذا الحديث بسبب اختلاط سعيد، وأما وكيع وإن كان تحمل في حال تغيره، فليس له دخل في هذا الحديث، وقد أورده البخاري ومسلم في \"صحيحيهما\"، فلا مطعن في هذا الحديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"بأخرة\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" رقم الحديث (٣٠٦٥).\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٠١).","vol":"9","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>(١٢٦) بابٌ: فِى التَّفْرِيقِ بَيْنَ السَّبْىِ</span>\n٢٦٩٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِى شَبِيبٍ، عَنْ عَلِىٍّ - ﵁ -: \"أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا، فَنَهَاهُ النَّبِىُّ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ وَرَدَّ الْبَيْعَ\".\n===\n\n(١٢٦) (بابٌ: فِى التَّفْرِيقِ بَيْنَ السَّبْىِ)\n٢٦٩٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن) بن أبي سلامة، أبو خالد الدالاني، (عن الحكم) بن عتيبة، (عن ميمون بن أبي شبيب) الربعي، أبو نصر الكوفي، قال علي بن المديني: خفي علينا أمره، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو داود: لم يدرك عائشة، وعن ابن معين: ضعيف، وقال ابن خراش: لم يسمع من عليٍّ.\n(عن علي - ﵁ -: أنه) أي: عليًّا (فرق بين جارية وولدها) بالبيع، (فنهاه النبي - ﷺ - عن ذلك) أي التفريق (ورد البيع).\nوأخرج الترمذي (١) في هذا الباب من حديث حماد بن سلمة عن الحجاج، عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي قال: \"وهب لي رسول الله - ﷺ - غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال لي رسول الله - ﷺ -: يا علي ما فعل غلامك؟ فأخبرته، فقال: رده، رده\"، هذا حديث حسن غريب، قال الترمذي (٢):\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١٢٨٤).\n(٢) قال الشوكاني (٣/ ٥٣٤): في أحاديث الباب دليل على تحريم التفريق بين الوالدة والولد وبين الأخوين، أما في الوالدة والولد فحكي الإجماع، واختلف في انعقاد البيع، فذهب الشافعي إلى أنه لا ينعقد، وقال أبو حنيفة - وهو قول الشافعي-: ينعقد، وأما بقية القرابة فذهب أبو حنيفة إلى أنه يحرم التفريق قياسًا، وقال الشافعي: لا يحرم ... إلخ. (ش).","vol":"9","page":346},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَمَيْمُونٌ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا، قُتِلَ بِالْجَمَاجِمِ. وَالْجَمَاجِمُ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ.\n===\nوقد كره بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم التفريق بين السبي في البيع، ورخص بعض أهل العلم في التفريق بين المولدات الذين ولدوا في أرض الإِسلام، والقول الأول أصح، وروي عن إبراهيم أنه فرق بين والدة وولدها في البيع، فقيل له في ذلك؟ فقال: إني قد استأذنتها في ذلك فرضيت.\nوقال في \"الهداية\" (١): ومن ملك مملوكين صغيرين، أحدهما ذو رحم محرم من الآخر، لم يفرق بينهما، وكذلك إن كان أحدهما كبيرًا، ثم قال: ثم المنع معلول بالقرابة المحرَّمة للنكاح، حتى لا يدخل فيه محرم غير قريب، ولا قريب غير محرم، ولا يدخل فيه الزوجان حتى جاز التفريق بينهما، ولو كان التفريق بحق مستحق لا بأس به، كدفع أحدهما بالجناية وبيعه بالدَّين ورده بالعيب، فإن فرق كره له ذلك وجاز العقد.\nوعن أبي يوسف أنه لا يجوز في قرابة الولادة، ويجوز في غيرها، وعنه أنه لا يجوز في جميع ذلك لما روينا، فإن الأمر بالإدراك والرد لا يكون إلَّا في البيع الفاسد. ولهما أن ركن البيع صدر من أهله في محله، وإنما الكراهة لمعنى مجاور، فشابه كراهة الاستيام، وإن كانا كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما لأنه ليس في معنى ما ورد به النص، وقد صح أنه فرَّق بين مارية وسيرين، وكانتا أمَتَين أختين.\n(قال أبو داود: وميمون لم يدرك (٢) عليًّا، قتل) أي: ميمون بن أبي شبيب (بالجماجم) أي: في الوقعة التي وقعت بدير الجماجم بين ابن الأشعث والحجاج، ودير الجماجم: موضع بقرب الكوفة (والجماجم) أي: وقعة دير الجماجم (سنة ثلاث وثمانين)، وليس هذا دليل على عدم إدراك ميمون بن شبيب\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٥٤).\n(٢) أي منقطع، وصححه الحاكم (٢/ ٥٥) وغيره كما في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٤٣). (ش).","vol":"9","page":347},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْحَرَّةُ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَقُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>(١٢٧) بابٌ: الرُّخْصَةِ فِى الْمُدْرِكِينَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُم </span>(١)\n٢٦٩٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا عِكْرِمَةُ قَالَ: ثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: ثَنِى أَبِى قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ أَبِى بَكْرٍ وَأَمَّرَهُ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَغَزَوْنَا فَزَارَةَ، فَشَنَنَّا الْغَارَةَ،\n===\nعلي بن أبي طالب - ﵁ -؛ لأن عليًّا - ﵁ - استشهد سنة أربعين، فلقاؤه علي بن أبي طالب - ﵁ - ممكن، إذا كان ولادته قبل الأربعين بسبع أو ثمان سنين، بل هو إخبار عن موته بالقتل في الجماجم فقط.\n(قال أبو داود: والحرة) وهو الموضع بظاهر المدينة فيها حجارة سود، والمراد هاهنا الوقعة التي وقعت بين عسكر يزيد وأهل المدينة، وكان أميرهم عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وكان أمير جيش يزيد (٢) مسلم بن عقبة المري، فنزل بظاهر المدينة بمكان يقال له: حرة واقم، وقصتها مشهورة (سنة ثلاث وستين، وقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين)، وما ذكر المصنف من الحرة وقتل ابن الزبير، فليس له تعلق بالحديث، ولكن ذكره استطرادًا.\n\n(١٢٧) (بابٌ: الرُّخْصَةِ فِى الْمُدْرِكِينَ)، أي: البالغين (يُفَرَّقُ بَيْنَهُم)\n٢٦٩٧ - (حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا عكرمة قال: ثني إياس بن سلمة قال: ثني أبي) سلمة بن الأكوع (قال: خرجنا مع أبي بكر) سرية (وأمَّره) أي: أبا بكر (علينا رسول الله - ﷺ -، فغزونا فزارة)، وفي \"القاموس\": بلا لام، أبو قبيلة من غطفان (فشننا) أي: صببنا وفرقنا (الغارة) عليهم، فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة.\n_________\n(١) في نسخة: \"بينهما\".\n(٢) في الأصل: زاد بعد \"يزيد\" لفظ \"بن\"، فهو تحريف.","vol":"9","page":348},{"text":"ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِ الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ، فَقَامُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ إِلَى أَبِى بَكْرٍ فِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ فَزَارَةَ، وَعَلَيْهَا قِشْعٌ مِنْ أَدَمٍ، مَعَهَا بِنْتٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ، فَنَفَّلَنِى أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا (١)، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ لِى: «يَا سَلَمَةُ! هَبْ لِىَ الْمَرْأَةَ (٢)»، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِى وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَسَكَتَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ لَقِيَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى السُّوقِ، فَقَالَ لِى: «يَا سَلَمَةُ! هَبْ لِىَ الْمَرْأَةَ، لِلَّهِ أَبُوكَ»،\n===\n(ثم نظرت إلى عنق من الناس) قال في \"القاموس\": العنق بالضم، وبضمتين، وكأمير وصُرَد: الجِيد، ويؤنث، وجمعه: أعناق، والجماعة من الناس (٣) (فيه الذرية والنساء) يهربون إلى الجبل ليصعدوه، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل (فرميت بسهم، فوقع بينهم وبين الجبل) فظنوا أنهم لو تقدموا إلى الجبل لهلكوا، (فقاموا فجئت بهم إلى أبي بكر فيهم امرأة من فزارة) سمَّاها بعضهم: أم قرفة (عليها قشع). قال في \"القاموس\": القشع، بالفتح: الفَرْوُ الخَلَقُ، القطعة منه: بهاء، وأيضًا قال فيه: والقشعة: بالفتح وبالكسر: القطعة من السحاب، والقطعة من الجلد اليابس، جمع المكسور: كعنب، والمفتوح: كجبال (من أدم) أي: جلد (معها بنت لها من أحسن العرب) أي: حسنًا وجمالًا (فنفَّلني) أي: أعطانىِ (أبو بكر بنتها، فقدمت المدينة) بها.\n(فلقيني رسول الله - ﷺ - فقال لي: يا سلمة! هبْ لي المرأة، فقلت: والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا) أي: لم أجامعها (فسكت) أي رسول الله - ﷺ - (حتى إذا كان من الفد لقيني رسول الله - ﷺ - في السوق، فقال لي: يا سلمة! هبْ لي المرأة، لله أبوك). قال في \"السيرة الحلبية\": أي أبوك لله خالصًا حيث أنجب بك وأتى بمثلك، يقال ذلك في مقام المدح والتعجب.\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنتها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"لله أبوك\".\n(٣) في الأصل: \"النساء\" بدل \"الناس\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":349},{"text":"فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، وَهِىَ لَكَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَفِى أَيْدِيهِمْ أَسْرَى، فَفَادَاهُمْ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ\". [م ١٧٥٥، جه ٢٨٤٦، حم ٤/ ٤٦، ٥١، ق ٩/ ١٢٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>(١٢٨) بابٌ: فِى الْمَالِ يُصِيبُهُ الْعَدُوُّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُدْرِكُهُ صَاحِبُهُ فِى الْغَنِيمَةِ </span>(١)\n٢٦٩٨ - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ سُهَيْلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ أَبِى زَائِدَةَ -، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ غُلَامًا\n===\n(فقلت: يا رسول الله، والله ما كشفت لها ثوبًا، وهي لك، فبعث بها إلى أهل مكة، وفي أيديهم) أي: أهل مكة (أسرى) من المسلمين (ففداهم) أي: أسرى المسلمين (بتلك المرأة)، وقد تقدم أن الفداء عندنا منسوخ.\nوأخرج مسلم هذا الحديث من طريق عكرمة بن عمار قال: حدثني إياس بن سلمة قال: حدثني أبي قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، الحديث بطوله، وسياقه أطول من سياق أبي داود.\n\n(١٢٨) (بَابٌ: فِى الْمَالِ يُصِيبُهُ (٢) الْعَدُوُّ) أي: الكفار (مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُدْرِكُهُ)، أي: المال (صَاحِبُهُ) المسلم فِى الْغَنِيمَةِ، فما حكمه، هل يأخذه أم لا؟\n٢٦٩٨ - (حدثنا صالح بن سهيل) النخعي أبو أحمد الكوفي، مولى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (ثنا يحيى، يعني ابن) زكريا بن (أبي زائدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن غلامًا) أي: عبدًا\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"في القسم\".\n(٢) اختلفوا في مسألة أصولية، وهي أن استيلاء الكفار على مال المسلم يكون سببًا لملكهم أم لا؟ وعن أحمد في ذلك روايتان، إحداهما: تكون سببًا للملك بالإحراز، وبه قالت الحنفية، وكذا المالكية، إلا أنهم لم يقيدوه بالإحراز، بل قالوا بمجرد الاستيلاء، ومستدل هذه الرواية حديث: \"هل ترك لنا عقيل من دار\" المذكور في \"باب التحصيب\"، والرواية =","vol":"9","page":350},{"text":"لاِبْنِ عُمَرَ أَبَقَ إِلَى الْعَدُوِّ فَظَهَرَ (١) عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يُقْسَمْ\" (٢). [خ ٣٠٦٧، ٣٠٦٨، جه ٢٨٤٧]\n٢٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، الْمَعْنَى، قَالَا: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ، فَأَخَذَهَا الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ (٣) عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ فِى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَبَقَ عَبْدٌ لَهُ، فَلَحِقَ بِأَرْضِ (٤) الرُّومِ، فَظَهَرَ\n===\n(لابن عمر ابن إلى العدو) أي: الكفار (فظهر عليه المسلمون، فرده رسول الله - ﷺ - إلى ابن عمر) أي: قبل القسمة (ولم يقسم) أي: لم يدخله في قسمة الغنيمة على الغزاة.\n٢٦٩٩ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري والحسن بن علي، المعنى، قالا: ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ذهب فرس له، فأخذها العدو) أي: الكفار، (فظهر عليهم) أي: الكفار (المسلمون) فأخذوا منهم فرس عبد الله بن عمر، (فرد عليه في زمن رسول الله - ﷺ -، وأبق عبد له) أي: لابن عمر (فلحق بأرض الروم) إلى النصارى، (فظهر\n_________\n= الثانية: وهو مذهب الشافعي أنه لا يكون سببًا لملكهم لحديث العضباء الآتي في \"باب النذر فيما لا يملك\"، والمرجح في الفروع الأول، فإذا غلب المسلمون على ما استولى عليه الكفار من أموال المسلمين يرد إلى صاحبه عند الشافعي قبل القسمة وبعدها لعدم ملكهم، إلا أن بعد القسمة يعطى صاحب النصيب من خمس المصالح لئلا يضيع نصيبه، وعندنا ومالك ورواية لأحمد: يرد على صاحبه قبل القسمة مجانًا، وبعدها بالقيمة، لحديث ابن عمرو وغيره المذكور في هذا الباب، والأخرى لأحمد: لا يرد أصلًا بعد القسمة، وأجمعوا على أنهم لا يملكون حرًّا، ويملكون ما سواه خلافًا للحنفية في المدبر والمكاتب، وأم الولد، واختلف الحنفية في العبد الآبق، فقال الإِمام: لا يملكونه، وقالا وبه قالت الثلاثة: يملكون كالقن المستولي، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ١٦٤). (ش).\n(١) في نسخة بدله: \"وظهر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وقال غيره: رده عليه خالد بن الوليد\".\n(٣) في نسخة بدله: \"وظهر\".\n(٤) في نسخة بدله: \"أرض الروم\".","vol":"9","page":351},{"text":"عَلَيْهِمُ (١) الْمُسْلِمُونَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ (٢) بَعْدَ النَّبِىِّ -ﷺ\". [انظر الحديث السابق]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>(١٢٩) بابٌ: فِى عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ يَلْحَقُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فَيُسْلِمُونَ</span>\n٢٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ قَالَ: ثَنِى مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ رِبْعِىِّ (٣) بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ قَالَ: خَرَجَ عِبْدَانٌ\n===\nعليهم المسلمون، فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي - ﷺ -) وكان أميرًا على المسلمين.\n\n(١٢٩) (بابٌ: فِى عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ يَلْحَقُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فَيُسْلِمُونَ)\nومذهب أبي حنيفة وأصحابه في ذلك ما قال في \"الهداية\" (٤): وإذا أسلم عبد لحربي، ثم خرج إلينا، أو ظهر على الدار، فهو حر، وكذلك إذا خرج عبيدهم إلى عسكر المسلمين، فهم أحرار، لما روي: \"أن عبيدًا من عبيد الطائف أسلموا، وخرجوا إلى رسول الله - ﷺ -، فقضى بعتقهم، وقال: هم عتقاء الله\".\n٢٧٠٠ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قال: ثني محمد- يعني ابن سلمة-، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن علي بن أبي طالب قال: خرج عِبدان) بكسر العين وضمها وسكون الباء، جمع عبد بمعنى المملوك، وجاء بكسر العين والباء وتشديد الدال، لكن قيل: الرواية في الحديث بالتخفيف، كذا في الحاشية عن \"فتح\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عليه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٤) (٢/ ١٥٢).","vol":"9","page":352},{"text":"إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَعْنِى يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - قَبْلَ الصُّلْحِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَوَالِيهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ (١)! وَاللَّهِ مَا خَرَجُوا إِلَيْكَ رَغْبَةً فِى دِينِكَ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا هَرَبًا مِنَ الرِّقِّ، فَقَالَ نَاسٌ: صَدَقُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، رُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ (٢)، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: «مَا أُرَاكُمْ تَنْتَهُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى هَذَا» وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُمْ وَقَالَ: «هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ ﷿». [ت ٣٧١٥، حم ١/ ١٥٥، ك ١/ ١٢٥ - ١٣٧]\n===\nالودود\" (إلي رسول الله - ﷺ -) أي: من مكة (يعني يوم الحديبية، قبل الصلح، فكتب إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (مواليهم، فقالوا: يا محمد! والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرق) ليخلصوا أنفسهم منه. (فقال أناس) من قريش: (صدقوا يا رسول الله، ردهم إليهم، فغضب رسول الله - ﷺ - وقال: ما أراكم تنتهون) عن مخالفة الشرع فيهم بالظن الفاسد بتصديق الكفار (يا معشر قريش! حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا، وأبى أن يردهم) أي: الأرقاء إلى مواليهم (وقال: هم عتقاء الله ﷿) فإنهم لما جاءوا إلى الإِمام مسلمين فارًا من الكفار صاروا عتقاء، فهم عتقاء الله ﷿؛ لأنهم عتقوا بغير إعتاق أحد من الناس.\nوهذا الحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣) في الجهاد (٤)، وذكره الزيلعي في \"نصب الراية\"، وقال: أخرجه الترمذي في المناقب، ولم أجده (٥).فيه، ولم أرَ أحدًا من شراح الحديث شرحه، ولم يذكر أحد من أهل السير هذه القصة في الحديبية (٦)، فأهل السير متفقون على أن هذه القصة وقعت في غزوة الطائف.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"والله يا محمد\".\n(٢) في نسخة بدله: \"إليه\".\n(٣) بسياق آخر وبهذا السياق، وذكره ابن الهمام في كتاب العتق. (ش).\n(٤) انظر: \"المستدرك\" (٢/ ١٢٥).\n(٥) قلت: أخرجه في مناقب علي كما في الحاشية [أخرجه الترمذي نحو ٣٧١٥]. (ش).\n(٦) قلت: ذكر صاحب \"محاسن الآثار\" (٢/ ١٩١) في مناقب علي، ذكر اختصاصه يوم =","vol":"9","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (١): قال الواقدي في غزوة الطائف من \"كتاب المغازي\": وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، فذكره إلى أن قال: ونادى منادي رسول الله - ﷺ - يومئذ: أيما عبد نزل من الحصين إلينا فهو حر، فنزل أبو بكرة، وكان عبدًا للحارث بن كلدة، نزل في بكرة من الحصن، فلذلك سمي بأبي بكرة، وردان عبد لعبد الله بن ربيعة الثقفي، والمنبعث عبد لعثمان بن عامر، والأزرق عبد لكلدة الثقفي، ويحنس النبَّال عبد ليسار بن مالك، وإبراهيم بن جابر عبد لخرشة الثقفي، ويسار عبد لعثمان بن عبد الله، ونافع عبد لغيلان بن سلمة، ومرزوق عبد لعثمان، كل هؤلاء أعتقهم رسول الله - ﷺ -، ودفع كل واحد منهم لرجل من المسلمين يمونه ويقرئه ويعلمه الشريعة، وكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص، فلما أسلمت ثقيف تكلموا في هؤلاء أن يردوا إلى الرق، فقال ﵇: \"أولئك عتقاء الله لا سبيل إليهم\".\nثم أخرج حديث أحمد وإسحاق بن راهويه في \"مسنديهما\"، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\"، والطبراني في \"معجمه\" عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن عبدين خرجا من الطائف فأسلما، فأعتقهما النبي - ﷺ -.\nثم ذكر حديثًا آخر، رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" في الجهاد عن أبي بكرة: أنه خرج إلى رسول الله - ﷺ -، وهو محاصر أهل الطائف بثلاثة وعشرين عبدًا، فأعتقهم رسول الله - ﷺ -، فهم الذين يقال لهم: عتقاء الله.\n_________\n= الحديبية بتهديد قريش ببعثه عليهم، عن علي - ﵁ - قال: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين فقالوا: يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، فارددهم إلينا، الحديث. أخرجه الترمذي في مناقب علي - ﵁ -[\"سنن الترمذي\" (٣٧١٥)]. (ش).\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٨١). وانظر: \"الطبقات الكبرى\" (٢/ ١٥٨).","vol":"9","page":354},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم ذكر حديثًا آخر عن \"مراسيل أبي داود\": عن عبد ربه بن الحكم: أن النبي - ﷺ - لما حاصر الطائف خرج إليه أرقاء من أرقائهم، فأسلموا، فأعتقهم رسول الله - ﷺ - فلما أسلم مواليهم بعد ذلك رد النبي - ﷺ - الولاء إليهم.\nثم أخرج حديثًا آخر عن البيهقي مرسلًا: عن عبد الله بن مكرم الثقفي، عن النبي - ﷺ - فيمن خرج إليهم من عبيد الطائف، ثم وقد أهل الطائف، فأسلموا، فقالوا: يا رسول الله! رد علينا رقيقنا الذين أتوك، فقال: لا، أولئك عتقاء الله، ورد على كل رجل ولاء عبده، انتهى كلامه.\nولقد تحيرت في هذه القصة (١) التي وقعت في حديث \"أبي داود\" و\"الترمذي\" و\"المستدرك\" في الحديبية، فالظاهر أن الذي ذكر أنها وقعت في الحديبية غلط من بعض الرواة بثلاثة أوجه:\nالأول: أن علماء السير متفقون على أن مجيء العبيد من الكفار إلى رسول الله - ﷺ - كان في غزوة أوطاس، ولم يذكره أحد في الحديبية.\nوالثاني: قوله: \"فقال ناس: صدقوا\" وإن كان على ظاهر السياق، ويحتمل أن يكون المراد من الناس الموجودين من الصحابة عند رسول الله - ﷺ -، ولكن لا يقبل الطبع السليم أن الصحابة (٢) الكبار - ﵃- يقولون عند رسول الله - ﷺ - هذا الكلام بالظن والتخمين من غير أن يستشيرهم، على أن جواب رسول الله - ﷺ - بقوله: \"ما أراكم تنتهون يا معشر\n_________\n(١) ولا يبعد أن تكون هذه هي المذكورة في \"باب السنن على الأسير بغير فداء\"، فالتبس على الراوي، فليفتش. (ش).\n(٢) قلت: لكن يشكل عليه أن في \"إزالة الخفاء\" نسب هذا القول إلى الشيخين - ﵄- فتأمل، إلا أن فيها صدقوا أنهم جيرانكم وحلفاؤك، فكان التصديق في ذلك الأمر خاصةً، والله تعالى أعلم. (ش).","vol":"9","page":355},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقريش\"، فإن الخطاب بلفظ: \"يا معشر قريش\" لم يصدر منه - ﷺ -، إلَّا لكفار قريش، وكذا هذا العتاب الشديد لا يصدر منه - ﷺ - لأصحابه على ما صدر منهم من الكلام بخطأ الاجتهاد.\nوقد وقع في قصة أسيد بن حضير وعباد بن بشر أنهما قالا عند رسول الله - ﷺ -: أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتغير وجه رسول الله - ﷺ -، فما عاتبهما - ﷺ -، وكذلك في صلح الحديبية وقع من عمر بن الخطاب - ﵁ - على كتاب الصلح: \"فلمَ نعطي الدنية في ديننا\"؟ ولم يعاتبه رسول الله - ﷺ -، وقال: \"أيها الرجل! إني رسول الله ولن أعصيه\".\nوالثالث: أن لفظة: \"يوم الحديبية\" ليس من علي بن أبي طالب، بل هو من بعض الرواة، لأن في لفظ رواية (١) أبي داود زاد لفظ: \"يعني\" قبل يوم الحديبية، فهذا يدل على أن لفظ الحديبية ليس في أصل الحديث (٢)، بل زاده بعض الرواة على ما فهم من لفظ شيخه.\nولو سلم أن هذه القصة وقعت في الحديبية أيضًا، فالمراد بقوله: \"ناس\" بعض الكفار من قريش الذين كانوا موجودين هناك لا الصحابة - رضي الله تعالى عنهم-، نعم، ما وقع من مثل هذه القصة في غزوة الطائف يمكن أن يحمل على أن بعض الطلقاء، أو بعض مؤلفة القلوب قالوا هذه الكلمة في حضرة رسول الله - ﷺ -، فما قال مولانا علي القاري في شرحه (٣): فقال ناس: أي جمع من الصحابة، وتبعه صاحب \"العون\" (٤)، فكأنهما لم يتنبها لذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) لكن لم يزد في الترمذي ولا الحاكم. [انظر: \"سنن الترمذي\" (٣٧١٥)، و\"المستدرك\" (٢/ ١٢٥)] (ش).\n(٢) في الأصل: \"السند\"، وهو تحريف.\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٣٠).\n(٤) \"عون المعبود\" (٧/ ٢٦٣).","vol":"9","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1020>(١٣٠) بابٌ: فِى إِبَاحَةِ الطَّعَامِ فِى أَرْضِ الْعَدُوِّ</span>\n٢٧٠١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ (١) الزُّبَيْرِىُّ، ثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ،عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِى زَمَانِ (٢) رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- طَعَامًا وَعَسَلًا، فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ\". [خ ٣١٥٤]\n٢٧٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَالْقَعْنَبِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ،\n===\n\n(١٣٠) (بابٌ: فِى إِبَاحَةِ الطَّعَامِ فِى أَرْضِ الْعَدُوِّ) (٣)\n٢٧٠١ - (حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، ثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن جيشًا غنموا في زمان رسول الله - ﷺ - طعامًا وعسلًا، فلم يؤخذ منهم الخمس)، ولعله لم يكن زائدًا على قدر الحاجة، فأكلوه هناك، ولم يبق (٤) مثله شيء حتى يؤخذ منه الخمس ويقسم الباقي.\nقال في \"الهداية\" (٥): ولا بأس بأن يعلف العسكر في دار الحرب، ويأكلوا مما وجدوه من الطعام، لقوله ﵇ في طعام خيبر: \"كلوها واعلفوها ولا تحملوها\"، ويستعملوا الحطب، ويدهنوا بالدهن، وُيوقِّحُوا به الدابة، ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح، كل ذلك بلا قسمة إذا احتاج إليه، ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئًا ولا يتموّلونه، وأما الثياب والمتاع فيكره الانتفاع بها قبل القسمة من غير حاجة.\n٢٧٠٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل والقعنبي قالا: ثنا سليمان) بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير\".\n(٢) في نسخة بدله: \"زمن\".\n(٣) إجماع، كما حكاه غير واحد من نقلة المذاهب، سواء كان بإذن الإِمام أو بدون إذنه، وقيده الزهري بالإذن، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ١٥٢). (ش).\n(٤) هكذا أوله الزيلعي على \"الكنز\" (٣/ ١٥٢). (ش).\n(٥) \"الهداية\" (٢/ ٣٨٦).","vol":"9","page":357},{"text":"عَنْ حُمَيْدٍ - يَعْنِى ابْنَ هِلَالٍ -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: \"دُلِّىَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَالْتَزَمْتُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: لَا أُعْطِى مِنْ هَذَا أَحَدًا الْيَوْمَ شَيْئًا، قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَبَسَّمُ إِلَىَّ\". [خ ٣١٥٥، م ١٧٧٢، حم ٤/ ٨٦ - ٥/ ٥٦، \"السنن الكبرى\" ٤٥٠٩]\n===\nالمغيرة، (عن حميد - يعني ابن هلال-، عن عبد الله بن مغفل قال: دلي) أي: رمي وألقي، وفي رواية \"البخاري\": \"فرمى إنسان بجراب\" (جراب) بكسر الجيم (من شحم) أي: مملوء من شحم (يوم خيبر، قال: فأتيته) أي: تقدمت إليه (فالتزمته) أي: أخذته أخذًا.\n(قال: ثم قلت: لا أعطي من هذا أحدًا اليوم شيئًا) أي لشدة حاجته إليه (قال) عبد الله بن مغفل: (فالتفت) أي: نظرت إلى أحد جوانبي (فإذا رسول الله - ﷺ - يتبسم إلى). قال الحافظ (١): زاد أبو داود الطيالسي في آخره: قال: \"هو لك\"، وكأنه عرف شدة حاجته إليه، فسوَّغ له الاستئثار به.\nقال القاري (٢): قال عياض: أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين، ما دام المسلمون في دار الحرب على قدر حاجتهم، ولم يشترط أحد من العلماء استئذان الإِمام إلا الزهري، وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه منه شيئًا إلى عمارة دار الإِسلام، فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم، ولا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب، ويجوز أن يركب دوابهم، ويلبس ثيابهم، ويستعمل سلاحهم في حال الحرب بغير الاستئذان، وشرطه الأوزاعي، وفيه دليل (٣) على جواز أكل شحوم ذبائح اليهود وإن كانت محرمة عليهم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٧).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٧٢ - ٥٧٣).\n(٣) والمسألة خلافية: منعها مالك وأحمد، واستدل الحافظ للجمهور بهذا الحديث كما في \"الفتح\" (٦/ ٢٥٧ - ٩/ ٦٣٦)، فقد قالا: إن الذي يباح من ذبائح أهل الكتاب ما يكون حلالًا لهم لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [سوة المائدة: الآية ٥]، والشحم ليس بطعامهم، وسيأتي الكلام عليه في هامش \"باب ذبائح أهل الكتاب\". (ش).","vol":"9","page":358},{"text":"(١٣١) بابٌ (١): فِى النَّهْىِ عَنِ النُّهْبَى إِذَا كَانَ فِى الطَّعَامِ قِلَّةٌ فِى أَرْضِ الْعَدُوِّ\n٢٧٠٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ حَازِمٍ -، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِى لُبَيْدٍ قَالَ: \"كُنَّا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ بِكَابُلَ،\n===\n\n(١٣١) (بابٌ: فِى النَّهْىِ عَنِ النُّهْبَى (٢) إِذَا كَانَ فِى الطَّعَامِ قِلَّة فِى أَرْضِ الْعَدُوِّ)\nحاصله: إذا كان في طعام قلة، واحتاج العسكر إلى الطعام، فلا يجوز لبعضهم أن ينهبوه ويبقى الباقون محرومين منه، فإذا كان كذلك فالإمام يقسمه بينهم.\n٢٧٠٣ - (حدثنا سليمان بن حرب، ثنا جرير -يعني ابن حازم-، عن يعلي بن حكيم، عن أبي لبيد) اسمه لِمازة- بكسر اللام وتخفيف المهملة وبالزاي- ابن زياد الأزدي الجهضمي البصري، قال ابن سعد: ثقة، وقال حرب عن أبيه: كان أبو لبيد صالح الحديث، وأثنى عليه ثناءً حسنًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل) بفتح الكاف وضم الباء الموحدة، وهي ناحية معروفة من بلاد الهند، قاله السمعاني في \"الأنساب\" (٣)، وقال في \"معجم البلدان\" (٤): وكابل اسم يشمل الناحية ومدينتها العظمى، واجتمعتُ برجل من عقلاء سجستان ممن دوَّخ البلاد وطرقها، فذكر لي بالمشاهدة أن كابل ولاية ذات مروج كبيرة بين هند\n_________\n(١) في نسخة: \"باب النهي عن النُّهبى في أرض العدو إذا كان في الطعام قلة\".\n(٢) النُّهْبي: أخذ مال الغنيمة قبل القسمة.\n(٣) \"الأنساب\" (٥/ ٥).\n(٤) \"معجم البلدان\" (٤/ ٤٢٦).","vol":"9","page":359},{"text":"فَأَصَابَ النَّاسُ غَنِيمَةً (١) فَانْتَهَبُوهَا، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَى عَنِ النُّهْبَى فَرَدُّوا مَا أَخَذُوا فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ\".\n٢٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِىُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى مُجَالِدٍ (٢)،\n===\nوغزنة، قال: ونسبتها إلى الهند أولى، فصحَّ عندي (٣)، وأما قول ابن الفقيه: إنه من ثغور طخارستان، فليس ببعيد من الصواب، ولعل طخارستان تكون في المثلثة الشرقية منها.\nقلت: وكابل (٤) الآن بلدة معروقة في شمال الهند، وهي مع مضافاتها تحت ولاية المسلمين، وفيها أمير ووال مستقل ليس تابعًا للنصارى ولا تحت حمايتهم، - بارك الله في دينه ودنياه وجعل آخرته خيرًا من أولاه -.\n(فأصاب الناس غنيمة، فانتهبوها، فقام) عبد الرحمن بن سمرة (خطيبًا، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النهبى) أي: أخذ مال الغنيمة قبل القسمة (فردوا ما أخذوا فقسمه) عبد الرحمن ذلك المال (بينهم)، وهذا المال الذي وقع فيه النهب إن كان طعامًا فلعل بعضًا منهم نهبوه وبعضهم بقوا محرومين، وإن كان غير الطعام فظاهر أنه لا يجوز أخذه قبل القسمة.\n٢٧٠٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو معاوية، ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد)، ذكره الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة عبد الله بن أبي المجالد. وقال: يقال: محمد بن أبي المجالد الكوفي،\n_________\n(١) في نسخة: \"غُنَيْمة\".\n(٢) في نسخة بدله: \"المجالد\".\n(٣) في الأصل: \"هندي\"، وهو تحريف.\n(٤) وكابل: هي عاصمة أفغانستان.","vol":"9","page":360},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى، قَالَ: \"قُلْتُ: هَلْ كُنْتُمْ تُخَمِّسُونَ - يَعْنِى الطَّعَامَ - فِى (١) عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ؟ فَقَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِئُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ\". [حم ٤/ ٣٥٤، ك ٢/ ١٢٦ - ١٣٣ - ١٣٤، ق ٩/ ٦٠]\n===\nمولى عبد الله بن أبي أوفى، قال البخاري عن علي بن المديني: له نحو عشرة أحاديث، وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: يخطئ فيه شعبة، فيقول: محمد بن أبي المجالد، وقال ابن حبان في \"الثقات\": عبد الله بن أبي المجالد، ختن مجاهد، قلت: قد سماه أيضًا محمدًا أبو إسحاق الشيباني، كذا عند البخاري وأبي داود، وأما شعبة فكان يشك في اسمه، ففي البخاري عن شعبة مرة عبد الله، ومرة محمد، ومرة عبد الله أو محمد، وكذلك أخرجه البخاري وأبو داود جميعًا عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن محمد أو عبد الله بن أبي المجالد، وكذا روى النسائي عن محمود، عن أبي داود، عن شعبة، عن عبد الله بن أبي المجالد قال وقال مرة: محمد.\n(عن عبد الله بن أبي أوفى، قال) محمد بن أبي المجالد: (قلت)\nلعبد الله بن أبي أوفى، وقال صاحب \"العون\" (٢): أي لبعض الصحابة: (هل كنتم تخمسون، يعني الطعام) يعني: هل تخرجون الخمس من الطعام (في عهد رسول الله - ﷺ -؟ فقال) عبد الله بن أبي أوفى: (أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل (٣) يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف) إلى رحله.\nوأخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (٤): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا هشيم، أنا الشيباني، عن محمد بن أبي المجالد قال: \"بعثني أهل\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"على\".\n(٢) \"عون المعبود\" (٧/ ٢٦٥).\n(٣) أي: في دار الحرب، كما تدل عليه الترجمة، وبه قالت الأربعة، لا بعد ما أحرز في دار الإِسلام. (ش).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٥٤).","vol":"9","page":361},{"text":"٢٧٠٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، ثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَاصِمٍ - يَعْنِى ابْنَ كُلَيْبٍ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى سَفَرٍ، فَأَصَابَ النَّاسَ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ، وَأَصَابُوا غَنَمًا فَانْتَهَبُوهَا،\n===\nالمسجد إلى ابن أبي أوفى، أسأله ما صنع رسول الله - ﷺ - في طعام خيبر؟ فأتيته فسألته عن ذلك، قال: وقلت: هل خمَّسه؟ قال: لا، كان أقل من ذلك، قال: وكان أهلنا إذا أراد منه شيئًا أخذ منه حاجته\".\nوهذا صريح في أن السائل محمد بن أبي المجالد سأله عن مولاه عبد الله بن أبي أوفى، وما أدري ما سنح لصاحب \"العون\" (١) أنه قال في تفسير قوله: \"قال: قلت أي لبعض الصحابة\" فأبهمه، وهاب أن يعين عبد الله بن أبي أوفى، ولم يظهر مرجع ضمير لفظ \"قال\".\nوليس لهذا الحديث مناسبة بالترجمة إلَّا أن يقال: إن النهي منوط بالأخذ نَهْبًا، وأما إذا لم يكن بطريق النهب، بل يأخذ ذو الحاجة منها على قدر حاجته، فهو ليس بداخل في النهي.\n٢٧٠٥ - (حدثنا هناد بن السري، ثنا أبو الأحوص، عن عاصم- يعني ابن كليب-، عن أبيه) كليب بن شهاب، (عن رجل من الأنصار) لم أقف على اسمه (٢)، والإبهام في الصحابي لا يقدح في الحديث (قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر) (٣) لم أقف على تعيينه، ولا أنه سفر غزو أو غيره (فأصاب الناس حاجة شديدة) أي جوع (وجهد) أي: مشقة (وأصابوا غنمًا) وهذا يدل على أن السفر كان للغزو (فانتهبوها) أي: أخذوها قبل القسمة، وطبخوها في القدور.\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٧/ ٢٦٥).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥٣٢).\n(٣) وحكى العيني أنها كانت في سنة ٨ هـ في قصة حنين. (ش).","vol":"9","page":362},{"text":"فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِى، إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْشِى عَلَى قَوْسِهِ، فَأَكْفَأَ قُدُورَنَا بِقَوْسِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّلُ اللَّحْمَ بِالتُّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ الْمَيْتَةِ»، أَوْ (١) إِنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ النُّهْبَةِ»، الشَّكُّ مِنْ هَنَّادٍ. [ق ٩/ ٦١]\n===\n(فإن قدورنا) جمع قِدر بكسر القاف، هي ظرف يطبخ فيه الطعام (لتغلي، إذ جاء رسول الله - ﷺ - يمشي) أي على رجليه متكأً (على قوسه، فأكفأ) أي: أكبَّ وصبَّ ما فيها (قُدُورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب) أي: يخلط اللحم بالرمل والتراب، (ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة، أو) للشك من الراوي (إن الميتة ليست بأحل من النهبة) أي المال المنهوب، أي كلتاهما سواء في الحرمة، ليس بينهما تفاوت فيها (الشك من هناد) أي الشك الواقع في هاتين الجملتين المتقدمتين من هناد شيخ المصنف.\nوقد نقل القاري (٢) في المسألة عن ابن الهمام كلامًا أذكره لتتميم الفائدة، قال: حاصل ما هنا أن الموجود إما ما يؤكل أَوْ لا، وما يؤكل إما ما يتداوى به كالهليلج أَوْ لا، فالثاني: ليس لهم استعماله إلا ما كان من السلاح والكراع كالفرس، فيجوز بشرط الحاجة، بأن مات فرسه أو انكسر سيفه.\nأما إن أراد أن يوفر سيفه وفرسه باستعماله ذلك فلا يجوز، ولو فعل أثم، ولا ضمان عليه لو أتلف نحو الحطب، فيستعمله ثم يرده إلى الغنيمة إذا انقضى الحرب، وكذا الثوب إذا ضره البرد يستعمله، ثم يرده إذا استغنى عنه، ولو تلف قبل الرد لا ضمان عليه، ولو احتاج الكل إلى الثياب والسلاح قسمها حينئذ.\n_________\n(١) في نسخة: \"و\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٧١).","vol":"9","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما ما يتداوى به فليس لأحد تناوله، وكذا الطيب والأدهان التي لا تؤكل كدهن البنفسج، لأنه ليس في محل الحاجة، بل الفضول، ولا شك أنه لو لتحقق بأحدهم مرض يحوجه إلى استعمالها، كان له ذلك كلبس الثوب، فالمعتبر حقيقة الحاجة.\nوأما ما يؤكل لا للتداوي سواء كان مهيئًا للأكل كاللحم المطبوخ والخبر والزيت والعسل والسكر والفاكهة اليابسة والرطبة والبصل والشعير والتين والأدهان المأكولة كالزيت، فلهم الأكل والادّهان بتلك الأدهان، لأن الادّهان انتفاع في البدن كالأكل، وكذا توقيح (١) الدابة وهو تصليب حافرها بالدهن، وكذا كل ما يكون غير مهيَّأ كالغنم فلهم ذبحها وأكلها، ويردون الجلد إلى الغنيمة.\nثم شرط في \"السير الصغير\" الحاجة إلى التناول من ذلك، وهو القياس، ولم يشترطها في \"السير الكبير\" (٢)، وهو الاستحسان، وبه قالت الأئمة الثلاثة، فيجوز لكل من الغني والفقير تناوله إلا التاجر والداخل لخدمة الجندي بأجر لا يحل لهم، ولو فعلوا لا ضمان عليهم، ويأخذ ما يكفيهم هو ومن معه من عبيده ونسائه وصبيانه الذين دخلوا معه.\nقلت: وفي الحديث إشكال من جهة أن رسول الله - ﷺ - أكفأ القدور ورمل اللحم بالتراب، وهو إضاعة المال، وإبطال لحق جميع الغانمين، ويمكن أن يجاب عنه بما حكى الشوكاني في \"النيل\" (٣) عن القرطبي، قال\n_________\n(١) وفي الأصل: \"ترقيح\"، وكذا في \"المرقاة\" وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه،\n(٢) انظر: \"السير الكبير\" (٣/ ١٠١٧).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٥٦).","vol":"9","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالقرطبي (١): المأمور بإكفائه إنما هو المرق عقوبة للذين تعجلوا، وأما نفس اللحم فلم يتلف، بل يحمل على أنه جمع، ورد إلى المغانم لأجل النهي عن إضاعة المال.\nثم فيه إشكال آخر وهو أن عند جمهور الأئمة (٢) الفقهاء يجوز ذبح الحيوانات عند تحقق الحاجة (٣)، وقد تحققت لقوله: \"فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد\".\nويمكن أن يجاب عنه: بأن رسول الله - ﷺ - أغلظ في ذلك على أنها أخذت بطريق النهب، فلا يتقدر بقدر الحاجة، أو يقال: إن في ذاك الوقت كان جميع الجيش محتاجًا إليها، وإذا كان الكل محتاجين لا يجوز لهم أتى يأخذوا منها إلَّا بعد قسمة الإِمام، كما نقل القاري عن ابن الهمام: ولو احتاج الكل إلى الثياب والسلاح قسمها حينئذ.\n_________\n(١) وكذا حكاه الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ١٨٨)، وذكر وجوهًا أُخر، وكذا العيني (١٠/ ٤٠٨)، والنووي (٧/ ١٤١)، ثم إن إباحة الطعام في أرض العدو غير مختص بالمهيأ للأكل كالطعام، بل يجوز ذبح الحيوان أيضًا، وكذا الإباحة غير مقيد بالحاجة عند الجمهور إلَّا ما حكي عن الشافعي من التقييد بالحاجة، لكن في فروعه التعميم، فيشكل يعد ذلك الحديث على الأربعة، فوجهوه بوجوه: منها: أنها كانت عقوية لتعجيلهم وعدم انتظارهم النبي - ﷺ -. ومنها: ما أشار إليه المصنف في الترجمة من القلة. ومنها: أنها كانت بطريق النهب والتعدي وعدم الاقتصار على قدر الحاجة. (ش).\n(٢) منهم الأئمة الأربع. (ش).\n(٣) بل بدونها إلا ما حكى الحافظ عن الشافعي، ومال إليه الخرقي من التقييد بالحاجة، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ١٥٥). (ش).","vol":"9","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1022>(١٣٢) بَابٌ: فِى حَمْلِ الطَّعَامِ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ</span>\n٢٧٠٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ حَرْشَفٍ الأَزْدِىَّ (١) حَدَّثَهُ، عَنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ،\n===\n\n(١٣٢) (بَابٌ: فِى حَمْلِ الطَّعَامِ (٢) مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ)\nأي: إلى دار الإِسلام\n٢٧٠٦ - (حدثنا سعيد بن منصور، ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن ابن حرشف) قال في \"التهذيب\": ابن حرشف (٣) (الأزدي) عن القاسم أبي عبد الرحمن، وعنه عمرو بن الحارث، كأنه تميم بن حرشف الذي روى عن قتادة وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، قال الشوكاني (٤): وفي إسناده أيضًا ابن حرشف وهو مجهول، وقال في \"الميزان\" (٥): ابن حرشف الأزدي عن القاسم بن عبد الرحمن لا يعرف، روى عنه عمرو بن الحارث (حدثه) أي عمرو بن الحارث.\n(عن القاسم مولى عبد الرحمن)، قال البخاري في \"التاريخ الصغير\" (٦):\nقصة القاسم بن عبد الرحمن وهو أبو عبد الرحمن الشامي، مولى عبد الرحمن بن\n_________\n(١) في نسخة: \"الأردني\".\n(٢) اعلم أن الأئمة الأربعة بعد ما اتفقوا على إباحة الطعام في أرض العدو كما تقدم، اختلفوا فيما فضل مما أخذ من اليسير، إذ لا خلاف في رد الكثير أيضًا، أما اليسير فعن أحمد روايتان: إحداهما: لا يرده في المغنم لحديث الباب، وبه قال مالك، وهو أحد قولي الشافعي، والثاني: من قوليه المرجح في فروعه، وهو رواية ثانية لأحمد، وبه قالت الحنفية: يرد القليل والكثير لحديث: \"أدُّوا الخياط والمخيط\". [انظر: \"أوجز المسالك\" (٩/ ١٥٩)]. (ش).\n(٣) كذا في \"تهذيب الكمال\" (٨٣١٦)، وفي بعض النسخ: \"ابن خرشف\" بالخاء المعجمة.\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٥٤).\n(٥) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٩١).\n(٦) (١/ ٢٥٣).","vol":"9","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيزيد بن معاوية القرشي الأموي، سمع عليًّا وابن مسعود وأبا أمامة، روى عنه العلاء بن الحارث، وكثير بن الحارث، وسليمان بن عبد الرحمن، ويحيى بن الحارث أحاديث متقاربة، وأما من يتكلم فيه مثل جعفر بن الزبير، وعلي بن يزيد، وبشر بن نمير ونحوهم في حديثهم مناكير واضطراب.\nقال أبو مسهر: حدثني صدقة بن خالد قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: ما رأيت أحدًا أفضل من القاسم أبي عبد الرحمن، كنا بالقسطنطينية، وكان الناس يرزقون رغيفين في كل يوم، وكان يتصدق برغيف، ويصوم ويفطر على رغيف. حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا محمد بن راشد، عن إبراهيم بن الحصين قال: كان القاسم من فقهاء دمشق.\nحدثني يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن عمرو، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، وكان أدرك أربعين من المهاجرين. حدثني يوسف بن يعقوب، ثنا معن، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، وكان أدرك أربعين بدريًا.\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (١): القاسم بن عبد الرحمن الشامي أبو عبد الرحمن الدمشقي، مولى آل أبي بن حرب الأموي، روى عن علي، وابن مسعود، وتميم الداري، وعدي بن حاتم، وعقبة بن عامر، ومعاوية، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وعمرو بن عبسة، وعنبسة بن أبي سفيان وغير واحد، وقيل: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أبي أمامة، روى عنه علي بن يزيد الألهاني، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو الغيث عطية بن سليمان وغيرهم، قال ابن سعد: له حديث كثير، قال بعض الشاميين: إنه أدرك أربعين بدريًّا، وقال الدوري عن ابن معين: ليس في الدنيا القاسم بن عبد الرحمن شامي غير هذا، وأطال الحافظ في ترجمته.\n_________\n(١) (٨/ ٣٢٢).","vol":"9","page":367},{"text":"عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"كُنَّا نَأْكُلُ الْجَزْرَ فِى الْغَزْوِ، وَلَا نَقْسِمُهُ، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا، وَأَخْرِجَتُنَا مِنْهُ مُمْلأةٌ\". [ق ٩/ ٦١]\n===\n(عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - قال: كنا نأكل الجزر)، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا. وفي لفظ \"المصابيح\" و\"المشكاة\": \"الجزور\" بزيادة الواو، وقال الشوكاني (١): الجزر، بفتح الجيم، جمع جزور: وهي الشاة التي تجزر، أي تذبح، كذا قيل، وفي \"غريب الجامع\": الجزر: جمع جزور، وهو الواحد من الإبل، يقع على الذكر والأنثى، وفي \"القاموس\" في مادة الجزر ما لفظه: الشاة السمينة، ثم قال: الجزور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، ثم قال: وما يذبح من الشاة، انتهى، وقد قيل: إن الجزر في الحديث - بضم الجيم والزاي - جمع جزور، وهو ما تقدم تفسيره، انتهى.\nقلت: ومعنى الجزور الذي في \"المصابيح\" واضح، قلت: ويحتمل أن يكون الجزر معربًا، وهو في الفارسية زردك، والهندية كَاجر، وهو الأقرب عندي، قال في \"القاموس\" في مادة الجزر: وأرومة تؤكل، معربة، وتكسر الجيم، وهو مُدِرٌّ باهي، محدِّرٌ للطمث، ووَضعُ ورقِه مدقوقًا على القُروح المتأكِّلة نافعٌ (٢).\nوفي \"لسان العرب\": الجِزَرُ والجَزَرُ: معروف، هذه الأرومة التي تؤكل، واحدتها جِزَرَةٌ وجَزَرَةٌ؛ قال ابن دريد: لا أحسبها عربية، وقال أبو حنيفة: أصله فارسي. الفراء: هو الجَزَرُ، والجِزَرُ للذي يؤكل، ولا يقال في الشاة إلا الجَزَرُ بالفتح.\n(في الغزو، ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأَخْرِجَتُنَا) بفتح الهمزة وسكون خاء معجمة جمع خرج، وهو وعاء من الحلس يحمل على الدابة بطرفيها، يوضع فيه المتاع، ويقال له: الجوالق (منه مملأة) من الإفعال\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٥٤).\n(٢) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص ٣٤١).","vol":"9","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1023>(١٣٣) بَابٌ: فِى بَيْعِ الطَّعَامِ إِذَا فَضَلَ عَنِ النَّاسِ فِى أَرْضِ الْعَدُوِّ</span>\n٢٧٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، ثَنَا (١) أَبُو عَبْدِ الْعَزِيزِ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الأُرْدُنِّ -،\n===\nأي: مملوءة، والمراد بالرحال: محل إقامتهم في الغزو، أو منازلهم في المدينة، فإن كان المراد: محل إقامتهم في الغزو فهو ظاهر، وأماإذا كان المراد: منازلهم في المدينة، فمحمول على أنهم يرجعون إليها معها بعد قسمة الإِمام، فيرجعون بقدر حصتهم.\nقال القاري (٢): والمراد من الرحال: منازلهم في سفر الغزو، قال ابن الهمام: فإذا خرج المسلمون من دار الحرب لم يجز أن يعلفوا من الغنيمة، ولا يأكلوا منها لأن الضرورة اندفعت، والإباحة التي كانت في دار الحرب إنما كانت باعتبارها، ولأن الحق قد تأكد حتى يورث نصيبه، ولا كذلك قبل الإخراج، ومن فضل معه طعام أو علف يرده إلى الغنيمة، إذا لم يكن قسم الغنيمة في دار الحرب بشرطه.\n\n(١٣٣) (بَابٌ: فِى بَيْعِ الطَّعَامِ إِذَا فَضَلَ عَنِ النَّاسِ) أي: حاجتهم (فِى أَرْضِ الْعَدُوِّ)\n٢٧٠٧ - (حدثنا محمد بن المصفى، ثنا محمد بن المبارك، عن يحيى بن حمزة، ثنا أبو عبد العزيز، شيخ من أهل الأردن) - بضم الهمزة والدال المهملة بينهما راء ساكنة ثم نون ثقيلة-، بلاد الغور قريبة من ساحل الشام، وبها نهر كبير- وقال في \"معجم البلدان\" (٣): هو اسم لبلد افتتحها شرحبيل بن حسنة عنوة.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: حدثني\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٨٩).\n(٣) \"معجم البدان\" (١/ ١٤٨).","vol":"9","page":369},{"text":"عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَىٍّ،عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: \"رَابَطْنَا مَدِينَةَ قِنَّسْرِينَ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، فَلَمَّا فَتَحَهَا أَصَابَ فِيهَا غَنَمًا وَبَقَرًا، فَقَسَمَ فِينَا طَائِفَةً مِنْهَا وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِى الْمَغْنَمِ، فَلَقِيتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ مُعَاذٌ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَيْبَرَ فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَائِفَةً وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِى الْمَغْنَمِ\". [ق ٩/ ٦٠]\n===\n(عن عبادة بن نسي) بضم النون مصغرًا، (عن عبد الرحمن بن غنم قال: رابطنا) الرباط والمرابطة: ربط الخيل في الثغر والمقام فيه لكف هجوم العدو ولإقامة الجهاد (مدينه قنسرين) بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده، وقد كسره قوم، ثم سين مهملة، فتحها أبو عبيدة بن الجراح - ﵁ - سنة ١٧ هـ بعد فراغه من اليرموك.\n(مع شرحبيل بن السمط) بن الأسود بن جبلة، الكندي، أبو يزيد، ويقال: أبو السمط الشامي، مختلف في صحبته، قال ابن سعد: جاهلي إسلامي، وفد إلى النبي - ﷺ -، وشهد القادسية، وافتتح حمص، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: له في \"البخاري\" ذكر في صلاة الخوف، وجزم البخاري في \"تاريخه\" بأن له صحبة، وذكره ابن حبان في \"الصحابة\" أيضًا، وقال: كان عاملًا على حمص، ومات بها، وقال الحاكم أبو أحمد: له صحبة، وذكره ابن السكن وابن الزبر في الصحابة، وذكر خليفة أنه كان عاملًا لمعاوية على حمص نحوًا من عشرين سنة.\n(فلما فتحها) أي: مدينة قنسرين (أصاب فيها غنمًا وبقرًا، فقسم) أي: شرحبيل بن السمط (فينا طائفة منها) على قدر ما نحتاج إليها (وجعل بقيتها في المغنم)، قال عبد الرحمن بن غنم: (فلقيت معاذ بن جبل فحدثته) أي قصة قسم الغنيمة التي قسم شرحبيل بن السمط (فقال معاذ: غزونا مع رسول الله - ﷺ - خيبر، فأصبنا فيها غنمًا، فقسم فينا رسول الله - ﷺ - طائفة، وجعل بقيتها في المغنم)، فكأن معاذ بن جبل حسَّن صنيع شرحبيل بن السمط.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ - في","vol":"9","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>(١٣٤) بَابٌ: فِى الرَّجُلِ يَنْتَفِعُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِشَىْ</span>ءٍ\n===\nمناسبة الحديث بالترجمة: ولما كان في القسمة معنى البيع؛ لأنها مبادلة حقيقة علم منها جواز البيع أيضًا، فصح الاستدلال بالرواية على ما تضمنته الترجمة من جواز البيع، والوجه في جواز البيع أن الإيتاء من مال الغنيمة لما كان لأجل الحاجة فكثيرًا ما توقف تسني الحاجة للغزاة على بيع ما أوتوا من الغنيمة إذا احتاجوا إلى غير ما آتاهم الإِمام، فإن الإِمام إذا لم يجد في مال الغنيمة طعامًا واحتاجوا إليه، لم يكن بد من تحصيله مبادلة بما أخذوه منها، انتهى.\nقلت: قال في \"الدر المختار\" (١): ولا تقسم غنيمة ثمة، إلَّا إذا قسم عن اجتهاد أو لحاجة الغزاة فتصح، ولم تبع الغنيمة قبلها لا للإمام ولا لغيره يعني للتمول، أما لو باع شيئًا بطعام جاز \"جوهرة\". قال الشامي: نص عبارتها: ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة لأنه لا ملك لأحد فيها قبل ذلك، وإنما أبيح لهم بالطعام والعلف للحاجة، ومن أبيح له تناول شيء لم يجز له بيعه، كمن أباح طعامًا لغيره، انتهى.\nفقوله: إنما أبيح لهم ... إلخ، جواب سؤال، تقديره: كيف لا يجوز البيع مع أنه يجوز لهم الانتفاع بالطعام والعلف كما يأتي؟ والجواب ظاهر، ولا يخفى أنه ليس المراد بيع شيء بطعام، وإن كان الظاهر أن الحكم كذلك، انتهى.\n\n(١٣٤) (بابٌ: فِى الرَّجُلِ يَنْتَفِعُ مِنَ الْغَنِيمَةِ)\nأي: من ماله (بشَىْءٍ)، أي: ما لم يحتج (٢) إليه\n_________\n(١) (٤/ ١٤١).\n(٢) هذا عند الحنفية، وأما عند المصنف فلا يجوز أخذ شيء غير المأكول والمشروب من الغنيمة، كما صرَّح به الموفق (١٣/ ١٢٩)، واستدل بحديث الباب، فعندهم الإباحة مختصة بالطعام والعلف؛ وعندنا يجوز غيرهما أيضًا من الثياب والسلاح والمراكب شرط الحاجة، ويرده بعد انقضاء الحاجة، وعند مالك فيه روايتان: إحداهما: يجوز كالطعام، والثانية: لا يجوز كالدراهم والدنانير، وعند الشافعي: يجوز في السلاح خاصة دون الثياب وغيرها، فيأخذها بالأجرة أو في سهمه، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ١٥٣). (ش).","vol":"9","page":371},{"text":"٢٧٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، الْمَعْنَى - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَنَا لِحَدِيثِهِ أَتْقَنُ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ،عَنْ أَبِى مَرْزُوقٍ مَوْلَى تُجَيْبٍ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِىِّ، عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِىِّ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ (١) الآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَىْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَىْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ». [حم ٤/ ١٠٨ - ١٠٩، دي ٢٤٨٨، ق ٩/ ٦٢]\n===\n٢٧٠٨ - (حدثنا سعيد بن منصور وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثيهما واحد (قال أبو داود: وأنا لحديثه) أي عثمان (أتقن) من حديث سعيد بن منصور (قالا: ثنا أبو معاوية (٢)، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تجيبٍ) كذا في الأصل منونًا، لأن التاء فيه أصلية فهو منصرف، ذكره صاحب \"القاموس\" في مادة \"ت ج أب\"، وتجيب: بطن من كندة. قال في \"تهذيب التهذيب\": أبو مرزوق التجيبي بضم المثناة وكسر الجيم، القتيري - وهو بطن من تجيب- مولاهم المصري، اسمه حبيب بن الشهيد، وقيل: ربيعة بن سليم، وقيل: إنهما اثنان، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال أبو عمرو الكندي: أبو مرزوق حبيب بن الشهيد، مولى عقبة بن بجرة، من بني قتيرة، كان فقيهًا بأَنْطَابُلُس، كان يفتي فيها، وهي برقة.\n(عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري، أن النبي - ﷺ - قال: من كان يؤمن باللهِ وباليوم الآخر فلا يركب دابة من فيءِ المسلمين) أي غنيمتهم (حتى إذا أعجفها) أي: أهزلها (ردها فيه، ومن كان يؤمن باللهِ وباليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيءِ المسلمين حتى إذا أخلقه) أي: أبلاه (رده فيه)، وهذا\n_________\n(١) في نسخة: \"واليوم\".\n(٢) وتقدَّم هذا الحديث برواية محمد بن سلمة عن أبي إسحاق في \"باب وطء السبايا\". (ش).","vol":"9","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1025>(١٣٥) بابٌ: فِى الرُّخْصَةِ فِى السِّلَاحِ يُقَاتَلُ بِهِ فِى الْمَعْرَكَةِ</span>\n٢٧٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنَ يُوسُفَ، قال أبو داود: هو إبراهيم بن يوسف بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِى إِسْحَاقَ السَّبِيعِىِّ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ السَّبِيعِىِّ قَالَ: ثَنِى أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"مَرَرْتُ فَإِذَا أَبُو جَهْلٍ صَرِيعٌ قَدْ ضُرِبَتْ رِجْلُهُ\n===\nمحمول على ما إذا لم يحتج إليه، وأما إذا احتاج إليه كما إذا هلك فوسه في المعركة، فأخذ فرس العدو يقاتل عليها، وكذلك الثياب إذا أضره البرد مثلًا يجوز لبسه، فإذا انقضت حاجته ردها في الغنيمة.\n\n(١٣٥) (بابٌ: فِى الرُّخْصَةِ فِى السِّلَاحِ يُقَاتَلُ بِهِ فِى الْمَعْرَكَةِ)\n٢٧٠٩ - (حدثنا محمد بن العلاء قال: أنا إبراهيم -يعني ابن يوسف، قال أبو داود: هو إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي-) الكوفي، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الجوزجاني: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: حسن الحديث، يكتب حديثه، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وليس بمنكر الحديث، يكتب حديثه، قلت: قرأت بخط الذهبي: إبراهيم لم يدرك جده أبا إسحاق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: ثقة، وقال ابن المديني: ليس كأقوى ما يكون، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: ضعيف.\n(عن أبيه) يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي، وقد ينسب إلى جده، قال عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة: لم يكن في ولد أبي إسحاق أحفظ منه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن حبان في \"الثقات\": مستقيم الحديث على قلته، وقال الدارقطني: ثقة، (عن أبي إسحاق السبيعي قال: ثني أبو عبيدة) بن عبد الله بن مسعود، (عن أبيه) عبد الله بن مسعود (قال: مررت فإذا أبو جهل صريع) أي: مصروع (قد ضربت) بصيغة المجهول (رجله)","vol":"9","page":373},{"text":"فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ! يَا أَبَا جَهْلٍ! قَدْ أَخْزَى اللَّهُ الأَخِرَ، قَالَ: وَلَا أَهَابُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَبْعَدُ (١) مِنْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ فَضَرَبْتُهُ بِسَيْفٍ غَيْرِ طَائِلٍ، فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا حَتَّى سَقَطَ سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ،فَضَرَبْتُهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ\". [حم ١/ ٤٠٣، ع ٥٢٦٣، ق ٩/ ٦٢، طب ٨٤٦٨]\n===\nأي: بالسيف (فقلت: يا عدو الله! يا أبا جهل! قد أخزى الله) أي: أذل (الأَخِر) بفتح الهمزة وكسر الخاء، أي: الأبعد للتأخر عن الخير.\n(قال) أي ابن مسعود: (ولا أهابه) أي: أبا جهل (عند ذلك) أي في ذلك الوقت لأنه كان صريعًا (فقال) أبو جهل: (أبعد (٢) من رجل قتله قومه؟) بتقدير الاستفهام، نقل في الحاشية عن الخطابي (٣): هكذا رواه أبو داود وهو غلط، وإنما الصحيح: \"هو أعمد من رجل\" بالميم بعد العين، وهي كلمة للعرب معناها كأنه يقول: هل زاد على رجل قتله قومه، يهوِّن على نفسه ما حل به من الهلاك.\nوقال في \"النهاية\" (٤): كذا جاء في أبي داود: \"أبعد\"، ومعناها: أنهى وأبلغ؛ لأن الشيء المتناهي في نوعه يقال: قد أبعد فيه، وهذا أمر بعيد، أي: لا يقطع مثله لعظمته، والمعنى أنك استعظمت شأني واستبعدت قتلي، فهل هو أبعد من رجل قتله قومه، والروايات الصحيحة: \"أعمد\" بالميم بمعنى أعجب، أي: أعجب من رجل قتله قومه، تقول: أنا أعمد من كذا، أي: أعجب منه.\n(فضربته بسيف غير طائل، فلم يغن) أي: لم ينفع (شيئًا حتى سقط سيفه) أي: أبي جهل (من يده، فضربته به) أي: بسيف أبي جهل (حتى برد) أي مات، وفيه الدلالة على الترجمة، فإن ابن مسعود استعمل في قتله سيف أبي جهل.\n_________\n(١) في نسخة: \"أعمد\".\n(٢) ولفظ مسلم: \"هل فوق\"، والظاهر عندي لا تحريف في أبي داود، فإن لفظ \"أبعد\" بمعنى \"فوق\" [انظر: \"صحيح مسلم\" (١٨٠٠)]. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٩٩).\n(٤) \"النهاية\" (١/ ١٤٠).","vol":"9","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1026>(١٣٦) بابٌ: فِى تَعْظِيمِ الْغُلُولِ</span>\n٢٧١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَبِشْرَ بْنَ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَاهُمْ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَبِى عَمْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- تُوُفِّىَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ\n===\nفإن قيل: لم تقع هذه القصة عند رسول الله - ﷺ - بمحضر منه ولا بعلمه وإذنه، فكيف يستدل به على الجواز؟ قلنا: لعل ابن مسعود حين أطلع رسول الله - ﷺ - على القصة لم ينكر عليه، فظهر بهذا أنه يجوز استعمال السلاح إذا احتاج إليه، إلَّا أنه يجب عليه أن يرده في الغنيمة بعد الفراغ منه.\n\n(١٣٦) (بَابٌ: فِى تَعْظِيمِ الْغُلُولِ)\nقال في \"القاموس\": غل غلولًا: خانَ كأغل، أو خَاصٌّ بالفيءِ\n٢٧١٠ - (حدثنا مسدد، أن يحيى بن سعيد) القطان (وبشر بن المفضل حدثاهم) أي: مسدد، أو من كانوا معه في مجلس التحديث، (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميته، لكن في رواية الإِمام أحمد (١): \"أن رجلًا من أشجع من أصحاب النبي - ﷺ -\" (توفي يوم خيبر) أي: في غزوة خيبر.\n(فذكروا ذلك) أي: موته والصلاة عليه، (لرسول الله - ﷺ -، فقال) رسول الله - ﷺ -: (صلُّوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك) أي: لإعراضه - ﷺ - عن الصلاة عليه، (فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن صاحبكم غل\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٩٢).","vol":"9","page":375},{"text":"فِى سَبِيلِ اللَّهِ»، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِى (١) دِرْهَمَيْنِ. [ن ٢٠٨٦، جه ٢٨٤٨، حم ٥/ ١٩٢، ك ٢/ ١٢٧، ق ٩/ ١٠١]\n٢٧١١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِىِّ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ خَيْبَرَ،\n===\nفي سبيل الله) أي: في مال حصل في الجهاد فلا أصلي عليه، فلهذا قالت الفقهاء: إذا مات الفاسق المصرُّ على الفسق يجوز أن لا يصلي عليه الأئمة الذين يُقتدى بهم، بل يأمرون الناس أن يصلوا عليه.\n(ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزًا من خرز يهود)، قال في \"القاموس\": والخرزة: محركة: الجوهر، وما ينظم، (لا يساوي درهمين) وإنما أضافها إلى يهود لأنها أخذت منهم، ولم يكن عند أهل المدينة، فاستدل بذلك أنه من الغلول.\n٢٧١١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ثور بن زيد الديلي، عن أبي الغيث مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة أنه قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام خيبر). ولفظ \"البخاري\" (٢): \"افتتحنا خيبر\"، فحكى الدارقطني عن موسى بن هارون قال: وَهِم ثورٌ في هذا الحديث، لأن أبا هريرة لم يخرج مع النبي ﷺ إلى خيبر، وإنما قدم بعد خروجهم من المدينة إلى خيبر، وقدم عليهم خيبر بعد أن فتحت، ويؤيده حديث عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة قال: أتيت النبي - ﷺ - بخيبر بعد ما افتتحوها، ولكن لا يشك أحد أن أبا هريرة حضر قسمة الغنائم.\nفالغرض من الحديث قصة مدعم في غلول الشملة، فرواية أبي إسحاق\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"يساوين\"، وفي نسخة بدله: \"تساوي\".\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤٢٣٤).","vol":"9","page":376},{"text":"فَلَمْ يَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا إلَّا الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ وَالأَمْوَالَ. قَالَ: فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوَ وَادِى الْقُرَى\n===\nالفزاري الذي في هذا الباب تسلم من هذا الاعتراض بأن يحمل قوله: \"افتتحنا\" أي: المسلمون، وقد تقدم نظير ذلك قريبًا، ملخص من \"الفتح\" (١).\nقلت: على مثل ذلك التأويل يحمل ما في حديث أبي داود من قوله: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ -\"، أي: خرج المسلمون.\n(فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا إلَّا الثياب والمتاع والأموال) (٢).\nقال الحافظ (٣): وقد نقل ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل الضبي قال: المال عند العرب: الصامت والناطق، فالصامت: الذهب والفضة والجوهر، والناطق: البعير والبقرة والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله، فالمراد: الصامت، وإذا قلت عن بدوي، فالمراد: الناطق.\nفاختلفت الرواية، وفي رواية مسلم: \"غنمنا المتاع، والطعام، والثياب\"، وعند رواة \"الموطأ\": \"إلَّا الأموال والثياب والمتاع\"، وعند يحيى بن يحيى الليثي وحده: \"إلَّا الأموال والثياب\" والمتاع (٤)، والأول هو المحفوظ، ومقتضاه أن الثياب والمتاع لا تسمى مالًا.\n(قال: فوجه) قال الزرقاني (٥): بفتح الواو، وقال الكرماني: ببناء المجهول، انتهى. قلت: فعلى الأولى بمعنى: توجه، أو وجَّه عسكره (رسول الله - ﷺ - نحو وادي القرى) وهو واد بين الشام والمدينة من أعمال المدينة، كثير القرى، فتحها النبي - ﷺ - سنة سبع عنوة، ثم صولحوا على\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٨٨).\n(٢) المراد به هاهنا: النعم كما ورد في روايات آخر، وفي \"المجمع\" (٤/ ٦٦٨): وأكثر إطلاق المال على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم، أي: عند العرب. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٨٩).\n(٤) قوله: والمتاع، سبق قلم، والظاهر حذفه كما في \"فتح الباري\".\n(٥) \"شرح الزرقانى\" (٣/ ٣٢).","vol":"9","page":377},{"text":"وَقَدْ أُهْدِىَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدٌ أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِوَادِى الْقُرَى، فَبَيْنَا (١) مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رسول الله -ﷺ-: «كَلَّا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِى أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ (٢) لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا»،\n===\nالجزية إلا أنها في وقتنا هذا كله خراب، كذا في \"المعجم\" (٣).\n(وقد أهدي) بصيغة المجهول (لرسول الله - ﷺ - عبد أسود يقال له: مدعم) (٤) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة، أهداه له رفاعة (٥) بن زيد أحد بني الضبيب (حتى إذا كانوا بوادي القرى، فبينا مدعم يحط) أي: يُنزل (رحل رسول الله - ﷺ - إذ جاءه) أي: مدعمًا (سهم) عائر لا يدرى من رمى به (فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة) لأنه استشهد في سبيل الله.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: كلا) حرف ردع (والذي) الواو للقسم (نفسي بيده) وهو الله ﷾ (إن الشملة) كساء يشتمل به ويلتف فيه، وقيل: إنما تسمى شملة إذا كان لها هدب (التي أخذها) أي: غلَّها (يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم) أي: أخذها قبل القسمة (لتشتعل عليه نارًا) يحتمل أن يكون ذلك حقيقة بأن تصير الشملة نفسها نارًا فيعذب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب النار.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فبينما\".\n(٢) في نسخة بدله: \"الغنائم\".\n(٣) \"معجم البلدان\" (٤/ ٣٣٨).\n(٤) فيه تصريح بأن القصة لمدعم، وكذا صرح باسمه في \"البخاري\" و\"الموطأ\"، فما قال عياض في \"شرح مسلم\" (١/ ٣٩٩): قيل: إنه كركرة ليس بصحيح، فإن له قصة أخرى، من \"الأوجز\" (٩/ ٣٠٣). (ش).\n(٥) وقد وفد عليه ﵊ قبل خيبر، وأسلم، فلا حجة فيه لمن استدل به على قبول هدية المشرك. (ش).","vol":"9","page":378},{"text":"فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ (١) جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ»، أَوْ قَالَ: «شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ». [خ ٦٧٠٧، م ١١٥، ن ٣٨٢٧]\n===\n(فلما سمعوا ذلك جاء رجل) لم أقف على تسميته (بشراك أو شراكين) بكسر المعجمة وتخفيف الراء، سير النعل على ظهر القدم (إلى رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: شراك من نار أو قال: شراكان من نار) (٢).\nوقد وقع عند أحمد (٣) وغيره من حديث عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل النبي - ﷺ - رجل، يقال له: كركرة، فمات، فقال النبي - ﷺ -: \"هو في النار في عباءة غلَّها\"، وكلام عياض (٤) يُشْعِرُ بأن قصته مع قصة مدعم متحدة، والذي يظهر من عدة أوجه تغايرهما، فإن قصة مدعم كانت بوادي القرى، ومات بسهم عائر، وغل شملة وأهداه رفاعة بن زيد، بخلاف كركرة فإنه أهداه هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكان نوبيًا أسود يمسك دابته - ﷺ - في القتال فأعتقه، أي: وغلَّ عباءة ولم يمت بسهم، بل ذكر البلاذري أنه مات في قتال أهل الرِدَّة بعده - ﷺ -، نعم روى مسلم (٥) عن عمر: \"لما كان يوم خيبر قالوا: فلان شهيد، فقال - ﷺ -: كلا إني رأيته في النار في بردة غلَّها أو عباءة\".\nفهذا يمكن تفسيره بكركرة بفتح الكافين وبكسرهما، قاله عياض، وقال النووي (٦): إنما اختلف في كافه الأولى، أما الثانية: فمكسورة اتفاقًا.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بذاك\"، وفي نسخة بدله: \"بذلك\".\n(٢) وفي الحديث حجة للجمهور من أن القليل أيضًا من الغلول لا يعفى، كما قالت به الأئمة الثلاثة، خلافًا لمالك، إذ قال: يعفى القليل، وفيه أيضًا حجة للجمهور منهم الأئمة الثلاثة أن لا يحرق متاع الغال خلافًا لأحمد، إذ قال به، كما في \"الأوجز\" (٩/ ٣٠٧ - ٣٠٨). (ش).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٢/ ١٦٠).\n(٤) انظر: \"إكمال المعلم\" (١/ ٣٩٩).\n(٥) \"صحيح مسلم\" (١١٤).\n(٦) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١/ ٤٠٧).","vol":"9","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>(١٣٧) بَابُ: فِى الْغُلُولِ إِذَا كَانَ يَسِيرًا يَتْرُكُهُ الإِمَامُ وَلَا يُحَرِّقُ رَحْلَهُ</span>\n٢٧١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: ثَنِى عَامِرٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ -، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً أَمَرَ بِلَالًا، فَنَادَى فِى النَّاسِ، فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيُخَمِّسُهُ وَيُقَسِمُهُ،\n===\n\n(١٣٧) (بَابٌ: فِى الْغُلُولِ إِذَا كَانَ يَسِيرًا يَتْرُكُهُ الإِمَامُ وَلَا يُحَرِّقُ (١) رَحْلَهُ)\n٢٧١٢ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى قال: أنا أبو إسحاق الفزاري، عن عبد الله بن شوذب) الخراساني، أبو عبد الرحمن البلخي، سكن البصرة، ثم بيت المقدس، قال أبو طالب عن أحمد: ابن شوذب كان من الثقات، وكذا قال سفيان، وقال ابن معين وابن عمار والنسائي: ثقة، وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد: لا أعلم به بأسًا، وقال مرة: لا أعلم إلَّا خيرًا، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ووثقه العجلي، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وأما أبو محمد بن الحزم فقال: إنه مجهول.\n(قال: ثني عامر -يعني ابن عبد الواحد-، عن ابن بريدة، عن عبد الله بن عمرو قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أصاب غنيمة، أمر بلالًا، فنادى في الناس) بإحضار الغنائم (فيجيئون بغنائمهم) عند رسول الله - ﷺ - (فيخمسه (٢) ويقسمه) أي ما بقي بعد التخميس على الغانمين، ففعل ذلك مرة.\n_________\n(١) وسيأتي بيان المذاهب وتوجيه حديث الباب في الباب الآتي. (ش).\n(٢) قال البجيرمي في \"حاشية الإقناع\" (٤/ ٢٦٥): هذا ما استقر عليه الإِسلام، وكانت في صدر الإِسلام أربعة أخماسها للنبي - ﷺ -، وكان يأخذ مع ذلك خمس الخمس، فجملة ما كان يأخذه أحد وعشرون، لكن هذا على سبيل الجواز، ولكن لم يقع منه - ﷺ -، بل كان يقسم الأربعة أخماس على الغانمين تأليفًا لهم، وأما خمس الخمس فكان يصرف منه على نفسه، وما فضل يصرفه في مصالح المسلمين، انتهى. =","vol":"9","page":380},{"text":"فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَقَالَ: «أَسَمِعْتَ بِلَالًا يُنَادِى (١) ثَلَاثًا؟ \". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِئَ بِهِ؟»، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «كُنْ أَنْتَ تَجِئُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ عَنْكَ». [حم ٢/ ٢١٣، ق ٩/ ١٠٢، ك ٢/ ١٢٧]\n===\n(فجاء رجل بعد ذلك) أي بعد التخميس والتقسيم (بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تجيء به) أي: بالزمام (فاعتذر إليه) أي: اعتذر ذلك الرجل إلى النبي - ﷺ - للتأخير عذرًا غير مسموع.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (كن أنت تجيء به يوم القيامة) على ما قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) (فلن أقبله عنك)، وهذا أيضًا من باب التغليظ والتشديد في باب الغلول، وقد اتفقت الأمة على أن الغلول كبيرة وحرام سواء قلَّ أو كثر.\nفإن قلت: لما لم يقبل رسول الله - ﷺ - ذلك الزمام ورده عليه، فماذا يفعل الغال بذلك إذا تاب وندم؟ .\nقلت: قال الشوكاني (٣): قال الثوري والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإِمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى ذلك ويقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه فليس له التصدق بمال غيره، قال: والواجب أن يدفع إلى الإِمام كالأموال الضائعة (٤).\n_________\n= واستدل له النووي بما سيأتي في باب في النفل من قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ثم تسخ بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ...﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. [انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٩٩)]. (ش).\n(١) في نسخة: \"نادى\".\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٦١.\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٦١).\n(٤) قال الموفق: إذا تاب قبل القسمة ردَّ ما أخذه في المقسم بلا خلاف، وإن تاب بعده =","vol":"9","page":381},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما قول الحنفية في ذلك فما قال في \"السير الكبير\" (١): ولو أن رجلًا غلَّ شيئًا من الغنائم، ثم ندم، فأتى به الإِمام بعد القسمة وتفرق الجيش، فللإمام في ذلك رأيٌ، إن شاء كذبه فيما قال، وقال: أنا لا أعرف صدقك، وقد التزمت وبالًا بزعمك، وأنت أبصر بما التزمته حتى توصل الحق إلى المستحق، وإن شاء أخذ ذلك منه، وجعل خمسه لمن سمَّى الله تعالى، لأنه وجد المال في يده، وصاحب المال مصدق شرعًا فيما يخبر به من حال ما في يده، وباعتبار صدقه خمسه لأرباب الخمس فيصرف إليهم، والباقي يكون بمنزلة اللقطة في يده إن طمع أن يقدر على أهله، فالحكم فيه ما ذكرنا، وإن لم يطمع في ذلك قسمه بين المساكين إن أحب، والَّا جعله موقوفًا في بيت المال، وكتب عليه أمره وشأنه.\nولو أن صاحب الغلول لم يأت به الإِمام، ولكنه تاب من الغلول، وهو في يده، فإن لم يطمع في أن يقدر على أهله، فالمستحب له أن يتصدق به هو، وإن طمع في ذلك فالحكم فيه ما هو الحكم في اللقطة في جميع ما ذكرنا.\nورفعه ذلك للإمام أحب إلى كما هو الحكم في اللقطة أيضًا، وبعد ما رفعه إليه فالإمام بالخيار في تصدقه إلَّا أنه ينبغي له أن لا يدع الخمس في يده، لأنه قد أقر أن خمس ما في يده لمن سمَّى الله تعالى في كتابه، وإقراره فيما في يده\n_________\n= فمقتضى المذهب أن يؤدي خمسه إلى الإِمام، ويتصدق بما بقي، وبه قال مالك والثوري وغيرهما، وقال الشافعي: لا أعرف للصدقة وجهًا، واستدل بذلك، والعجب من الموفق استدل على خلاف ذلك بآثار الصحابة. [انظر: \"المغني\" (١٣/ ١٧١)]. (ش).\n(١) قلت: لكنهم قالوا: ما فضل من الطعام والعلف وغيرهما إن أتى به قبل القسمة رده في المغنم، وبعد القسمة تصدقوا به إن كانوا أغنياء، وانتفعوا به إن كانوا محاويج، كذا في \"فتح القدير\" (٥/ ٤٧٩)، فما الفارق؟ وهكذا حكم صاحب \"السير\" (٢/ ٢٦٩) فيمن ملك أسيرًا ومعه مال إن تفرق الغانمون، وذلك لا يحتمل القسمة لقلته، فليتصدق به، ويظهر الفرق من كلامه في موضع آخر بين التخميس وغيره (٣/ ٢١). (ش).","vol":"9","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1028>(١٣٨) بَابٌ: فِى عُقُوبَةِ الْغَالِّ</span>\n٢٧١٣ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - قَالَ النُّفَيْلِىُّ: الأَنْدَرَاوَرْدِىُّ -، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَصَالِحٌ هَذَا أَبُو وَاقِدٍ -\n===\nصحيح في حقه، فينبغي له أن يأخذ الخمس منه، ويصرفه إلى المصارف، حتى لا يكون مضيعًا حق أرباب الخمس، انتهى.\nقلت: وقد بقي فيه الإشكال بعد، وهو أن المال الذي كان في الغلول، ورده رسول الله - ﷺ -، إما أنه قد علم وتيقن أنه من مال الغلول، وكان فيه حق الخمس وحق الغانمين، فرده عليه إضاعة لحقوقهم، وإما أنه لم يتيقن به على ما قاله الإِمام محمد في \"السير الكبير\"، فرده عليه كان على الخطأ، واتفقت الأمة على أنه - ﷺ - لا يُقَرُّ على الخطأ، فهذا إقرار على الخطأ، وهو لا يجوز، والله تعالى أعلم.\n\n(١٣٨) (بَابٌ: فِى عُقُوبَةِ الْغَالِّ)\n٢٧١٣ - (حدثنا النفيلي وسعيد بن منصور قالا: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال النفيلي) في صفة عبد العزيز: (الأندراوردي، عن صالح بن محمد بن زائدة، قال أبو داود: وصالح هذا أبو واقد) المدني الليثي الصغير، عن أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال ابن معين: ضعيف، وليس حديثه بذاك، وقال يعقوب بن شيبة: كان (١) علي بن المديني فيما بلغنا يضعفه، وقال العجلي: يكتب حديثه، وليس بالقوي. وقال البخاري: منكر الحديث، تركه سليمان بن حرب، روى عن سالم، عن أبيه، عن عمر رفعه: \"من وجدتموه قد غل فأحرقوا متاعه\"، لا يتابع عليه، وقد قال النبي - ﷺ -: \"صلوا على صاحبكم، ولم يحرق متاعه\"، وقال أبو داود: ولم يكن بالقوي (٢) في الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي، قلت: وهكذا تكلموا فيه.\n_________\n(١) في الأصل: \"قال\"، وهو تحريف.\n(٢) في الأصل: \"بالقول\" وهو تحريف.","vol":"9","page":383},{"text":"قَالَ: \"دَخَلْتُ مَعَ مَسْلَمَةَ أَرْضَ الرُّومِ فَأُتِىَ بِرَجُلٍ قَدْ غَلَّ فَسَأَلَ سَالِمًا (١) عَنْهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ». قَالَ: فَوَجَدْنَا فِى مَتَاعِهِ مُصْحَفًا، فَسَأَلَ سَالِمًا عَنْهُ؟ فَقَالَ: بِعْهُ، وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ\". [ت ١٤٦١، دي ٢٤٩٠، حم ١/ ٢٢، ق ٩/ ١٠٢، ك ٢/ ١٢٧]\n===\nوقال الشوكاني (٢): قال المنذري: تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقد قيل: إنه تفرد به، وقال البخاري: عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول، وهو باطل ليس بشيءٍ (٣)، وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد، قال: وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله - ﷺ -، والمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك، وصحح أبو داود وقفَه.\n(قال: دخلت مع مسلمة) وهو مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي، الأمير، أبو سعيد وأبو الأصبغ، وكان يلقب الجرادة الصفراء، وكان له آثار كثيرة في الحروب ومكانة في الروم، ولَّاه أخوه يزيد إمرة العراقين، ثم الأرمينية، ورَثاه الوليد بن عبد الملك لما مات (أرض الروم، فأتي برجل قد غلَّ فسأل) مسلمة (سالمًا) أي: سالم بن عبد الله بن عمر (عنه) أي- عن الغال، بماذا يعاقب؟ .\n(فقال: سمعت أبي يحدث، عن عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ - قال: إذا وجدتم الرجل قد غلَّ فأحرقوا متاعه (٤) واضربوه، قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا، فسأل سالمًا عنه؟) عن المصحف (فقال) سالم: (بعه، وتصدق بثمنه).\n_________\n(١) في نسخة: \"فسئل سالم\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٦١ - ٦٢).\n(٣) وقد صحَّح الحاكم إسناد الحديث في \"المستدرك\" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨)، ووافقه الذهبي، وهذا من تساهلهما، - وحمهما الله تعالى-.\n(٤) حديث التحريق ضعفه البخاري، وبسطه الحافظ (٦/ ١٨٧)، والعينى (١٠/ ٤٠٦)، وكذا في \"شرح السير\" (٢/ ٥٦). (ش).","vol":"9","page":384},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد ذهب إلى الأخذ بظاهر حديث الإحراق (١) أحمد في رواية، وهو قول مكحول (٢) والأوزاعي، وعن الحسن يحرق متاعه كله إلَّا الحيوان والمصحف (٣)، وقال الطحاوي: لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت العقوبة بالمال، قاله الشوكاني (٤).\nقال في \"شرح السير الكبير\" (٥): وإذا وجد الغلول في رحل رجل أوجِع ضربًا، ولم يبلغ به أربعين سوطًا، لأنه ارتكب جريمة ليس فيها حد مقدر، فيعزر عليها، ولا يبلغ بالتعزير شيئًا من الحد، ولا يُحرَقُ رحله بما صنع، ولا قطع عليه أيضًا؛ لأن له فيها نصيبًا، وهذا قول الجمهور من الفقهاء.\nفأما أهل الشام كانوا يقولون: يحرق رحل الغال، ويروون فيه حديثًا عن الحسن - ﵁ - قال: \"يؤخذ الغلول من رحله، ثم يحرق رحله إلَّا أن يكون فيه مصحف\"، وأصحاب الحسن يروون عنه موقوفًا، وقد ذكر الأوزاعي عن رجل، عن الحسن هذا الحديث مرفوعًا، ولكن الفقهاء لم يصححوا هذا الحديث، لأنه شاذٌّ يرويه مجهول لا يعرف، ثم هو مخالف للآثار المشهورة أن رسول الله - ﷺ - ألحق الوعيد بكل من ظهر منه غلول، ولم يشتغل بإحراق رحل أحد، فمن ذلك حديث مدعم، وحديث آخر: قيل لرسول الله - ﷺ -: استشهد فلان، فقال: \"كلا إني رأيته يجر إلى النار بعباءة قد غلها\"، فهذا كله دليل على عظم الوزر في الغلول، وإنه ليس فيه إحراق الرحل، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\n_________\n(١) وبه جزم الخرقي، ولم يذكر الموفق، ولا شارح \"الكبير\" غير هذه الرواية. (ش).\n(٢) وجماعة ذكرها الموفق بخلاف الأئمة الثلاثة. [انظر: \"المغني\" (١٣/ ١٧١)]. (ش).\n(٣) صرَّح باستثنائهما الموفق. [انظر: \"المغني\" (١٣/ ١٧٠)]. (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٦٢).\n(٥) انظر: \"السير الكبير\" (٤/ ١٢٠٦ إلى ١٢١٠).","vol":"9","page":385},{"text":"٢٧١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الأَنْطَاكِىُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: \"غَزَوْنَا مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ\n===\nوقال جابر - ﵁ -: ليس في الغلول قطع ولا نكال، وهذا تصريح بنفي إحراق الرحل، وكما لا يحرق رحل الغال لا يحرم سهمه من الغنيمة ولا من العطاء، لأنه لو سرق مالًا، لا نصيب له فيه، لا يحرم سهمه به، فإذا كان له فيه نصيب أولى.\nوالذين يقولون بإحراق رحله، يقولون: لا يحرق المصحف، ولا الحيوان، ولا السلاح، فيه يقاس سائر الأمتعة، فإن قالوا: لا يحرق الحيوان لمعنى المثلة، فينبغي لهم أن يذبحوه، ثم يحرقوه.\nوالدليل على ضعف هذا الحديث المروي فيه: أن الغلول فيما نرى ما كان في زمن من الأزمنة أكثر منه في زمان رسول الله - ﷺ -، لكثرة المنافقين والأعراب الذين يغزون معه، وهم كانوا أصحاب غلول، وأهل المغازي لم يَدَعوا شيئًا مما فعله رسول الله - ﷺ - في مغازيه إلَّا رووه، فلو كان أحرق رحلَ أحد لنقلوا ذلك مستفيضًا، وحيث لم يوجد ذلك، عرفنا أن الحديث لا أصل له.\nثم فيه إثبات حد بحديث شاذ، وإثبات ما يخالف الأصول، مما يثبت مع الشبهات بمثل حديث الشاذ لا يجوز، فكيف يثبت به ما يندرء بالشبهات؟ أرأيتم ثيابه التي عليه؟ أتحرق ويترك عريانًا لعله يموت من البرد؟ أرأيتم إن لم يكن له رحل؟ أيحرق متاعه الذي في بيته بالثَّغر، أو ما عنده من وديعة أو عارية لإنسان في رحله؟ أرأيتم رجلين أعار كل واحد منهما صاحبه متاعًا، ثم غلَّ كل واحد منهما، أيحرق ما عند كل واحد منهما من متاع صاحبه؟ أرأيتم قومًا مجتمعين في رجل، غل بعضهم، وعلم به أصحابه، ولم يخبروا بما صنع، أيحرق متاعه خاصة أو متاعهم بكتمانهم عليه؟\n٢٧١٤ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي قال: أنا أبو إسحاق، عن صالح بن محمد قال: غزونا مع الوليد بن هشام) بن","vol":"9","page":386},{"text":"وَمَعَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَغَلَّ رَجُلٌ مَتَاعًا، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِمَتَاعِهِ فَأُحْرِقَ، وَطِيفَ بِهِ، وَلَمْ يُعْطِهِ سَهْمَهُ\". [ق ٩/ ١٠٣، عب ٩٥١٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أَصَحُّ الْحَدِيثَيْنِ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ هِشَامٍ أَحَرَّقَ (١) رَحْلَ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ قَدْ غَلَّ وَضَرَبَهُ (٢).\n٢٧١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\nعبد الملك بن مروان (ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، فغل رجل متاعًا، فأمر الوليد بمتاعه) أي: غير المغلول به (فأحرق، وطيف به) أي: في الطرق والسكك تشهيرًا وتعزيرًا (ولم يعطه سهمه) (٣).\n(قال أبو داود: هذا) أي: الموقوف (أصح الحديثين) (٤) أي: المرفوع والموقوف (رواه غير واحد، أن الوليد بن هشام أحرق رحل زياد بن سعد) لم أقف على تعيينه وحاله (وكان قد غل، وضربه) أي: تعزيرًا.\n٢٧١٥ - (حدثنا محمد بن عوف، ثنا موسى بن أيوب قال: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه)\n_________\n(١) في نسخة: \"حرق\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وزياد شعر لقبه\"، وفي نسخة: \"قال أبو داود: شغر لقب زياد\".\n(٣) وقال الموفق: لا يحرم سهمه، وذكر أبو بكر فيه روايتين، الثانية: يحرم لهذا الحديث، ولنا أن سبب الاستحقاق باقٍ، ولا يثبت الحرمان في خبر، انتهى. [انظر: \"المغني\" (١٣/ ١٧١)]. (ش).\n(٤) قول أبي داود: أصح الحديثين، لا يعني صحة الحديث، بل أقلَّهما ضعفًا. انظر: \"النكت الظراف\" (٥/ ٣٥٦) (٦٧٦٣).","vol":"9","page":387},{"text":"عَنْ جَدِّهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ\". [ق ٩/ ١٠٢، ك ٢/ ١٣٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَ فِيهِ عَلِىُّ بْنُ بَحْرٍ عَنِ الْوَلِيدِ - وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ -: \"وَمَنَعُوهُ سَهْمَهُ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدَّثَنَا بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَوْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِىّ: مَنَعَ سَهْمَهُ.\n===\nأي: والد عمرو، وهو شعيب يروي (عن جده) أي: جد شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص (أن رسول الله - ﷺ - وأبا أبكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه).\n(قال أبو داود: وزاد فيه علي بن بحر) شيخ المصنف (عن الوليد) بن مسلم (ولم أسمعه) أي: ما زاد (منه) أي: من علي بن بحر: (ومنعوه سهمه).\n(قال أبو داود: حدثنا به الوليد بن عتبة وعبد الوهاب بن نجدة قالا: ثنا الوليد) أي: ابن مسلم، (عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، قوله) أي: قول عمرو بن شعيب، ولم يرفعه، (ولم يذكر عبد الوهاب بن نجدة الحوطي: منع سهمه).\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي (٢)، وفي إسناده زهير بن محمد، وهو الخراساني نزيل مكة، وقال البيهقي: يقال: هو غيره، وإنه مجهول، وقد رواه أبو داود أيضًا من وجه آخر، عن زهير موقوفًا، قال في \"الفتح\" (٣): وهو الراجح.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٦٢).\n(٢) انظر: \"المستدرك\" (٢/ ١٣١)، و\"السنن الكبرى\" (٩/ ١٠٢).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٧).","vol":"9","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1029>(١٣٩) بَابُ النَّهْىِ عَنِ السَّتْرِ عَلَى مَنْ غَلَّ</span>\n٢٧١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّان، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: ثَنِى خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ كَتَمَ غَالًّا فَإِنَّهُ مِثْلُهُ». [الكامل لابن عدي ١/ ٣٣٦، طب ٧٠٢٣]\n===\n\n(١٣٩) (بَابُ النَّهْىِ عَنِ السَّتْرِ عَلَى مَنْ غَلَّ)\n٢٧١٦ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، ثنا يحيى بن حسان، ثنا سليمان بن موسى أبو داود، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب قال: ثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة) بن جندب، (عن سمرة بن جندب قال: أما بعد! وكان رسول الله - ﷺ - يقول: من كتم غالًّا) أي: من ستر غلول غال، ولم يظهره عند الأمير (فإنه مثله) أي: مثل الغال في الإثم والعقوبة.\nوقد تقدم بهذا الإسناد في \"باب اتخاذ المساجد في الدور\"، وفيه أنه كتب إلى بنيه: أما بعد! فإن رسول الله - ﷺ - كان يأمرنا، الحديث، ثم ذكر بعده أحاديث بالعطف عليه، منها هذا الحديث.\nقاله في \"الميزان\" (١): قلت: فما ورد بهذا السند: أمر ﵊ ببناء المساجد (٢)، وحديث: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرج الزكاة من الذي نعده للبيع، وقال ﵊: \"من يكتم غالًّا فإنه مثله\"، ففي \"سنن أبي داود\" من ذلك ستة أحاديث بسند، وبكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم.\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٤٠٧).\n(٢) في الأصل: \"المسجد\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1030>(١٤٠) بَابٌ: فِى السَّلْبِ يُعْطَى الْقَاتِلُ</span>\n٢٧١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِى مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ أنه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى عَامِ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا (١) الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ،\n===\n\n(١٤٠) (بَابٌ: فِى السَّلَبِ) (٢) بمعنى المسلوب، وهو ما يكون مع المقتول من لباس وسلاح ودابة (يُعْطَى الْقَاتِلُ)\n٢٧١٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح) المدني، مولى أبي أيوب الأنصاري، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث، وقال ابن المديني والعجلي: ثقة، (عن أبي محمد مولى أبي قتادة) وهو نافع بن عباس، ويقال: ابن عياش الأقرع، ويقال: مولى عقيلة الغفارية، ويقال: إنهما اثنان، قال النسائي: ثقة، وقال ابن حبان في \"الثقات\": نافع مولى عقيلة بنت طالق الغفارية، وهو الذي يقال له: نافع مولى أبي قتادة، نسب إليه ولم يكن مولاه، وإنما نسب إليه للزومه.\n(عن أبي قتادة أنه قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في عام حنين) أي: في غزوتها (فلما التقينا) أي: الكفار (كانت للمسلمين جولة) أي: هزيمة في بعض الجيش لا فيما هم عند النبي - ﷺ - (قال) أبو قتادة: (فرأيت رجلًا من المشركين) لم أقف على تسميته (قد علا رجلًا من المسلمين) لم أقف على تسميته.\n_________\n(١) في نسخة: \"ولما\".\n(٢) ومن الغرائب أن كل كلمة من قوله - ﷺ -: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\" خلافية، كما بسط في تلخيص \"البذل\"، وفي \"الأوجز\" فيه ثمان عشرة بحثًا. [انظر: \"أوجز المسالك\" (٩/ ٢٠١)]. (ش).","vol":"9","page":390},{"text":"قَالَ: فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَىَّ فَضَمَّنِى ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِى (١)، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا\n===\n(قال) أبو قتادة: (فاستدرت) من الدور (له) أي: للمشرك (حتى أتيته من ورائه) أي: خلفه (فضربته بالسيف على حبل عاتقه) نقل في الحاشية: قال الخطابي (٢): هو وصلة ما بين العنق والكاهل، وقال في \"النهاية\": هو موضع الرداء من العنق، وقيل: ما بين العنق والمنكبين، وقيل: هو عرق أو عصب هناك.\n(فأقبل) أي: الرجل المشرك (علي فضمني ضمة) أي: غطني وأخذني (وجدت منها) أي: من الضمة (ريح الموت) أي: كدت أموت من شدة تلك الضمة (ثم أدركه الموت) فاسترخى (فأرسلني، فلحقت) أي: لقيت (عمر بن الخطاب، فقلت له: ما بال الناس؟) أي: انهزموا (قال) عمر: (أمر الله) بانهزامهم، فإنهم لما أعجبوا بكثرتهم، واعتمدوا على قوتهم، فجازاهم الله تعالى بانهزامهم بأمرٍ تكويني.\n(ثم إن الناس رجعوا) بعد إلانهزام بصوت العباس بن عبد المطلب، فإن رسول الله - ﷺ - جعل يقول للعباس وكان العباس رجلًا صيِّتًا: ناد، يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة! فجعل العباس ينادي: يا أصحاب السمرة، ففي رواية \"مسلم\": قال العباس: فوالله كانت عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك، فتراجعوا على رسول الله - ﷺ -، حتى إذا اجتمع عنده مائة، استقبلوا الناس فاقتتلوا، فنظر إلى قتالهم، فقال: الآن حَمِيَ الوَطِيسُ، ثم تناول حصيات من الأرض، ثم قال: \"شاهت الوجوه\"،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٢/ ٣٠١).","vol":"9","page":391},{"text":"وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ\"، قَالَ: فَقُمْتُ ثُمَّ قُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِى؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّانِيَةَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ». قَالَ: فَقُمْتُ ثُمَّ قُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِى؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟»، فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ:\n===\nفرمى بها في وجوه المشركين، فما كان إنسان منهم إلا وقد امتلأت عيناه من تلك القبضة من التراب، فولى المشركون الأدبار.\n(وجلس رسول الله - ﷺ -) لما وضعت الحرب أوزارها، وفرغ من قتال المشركين (فقال: من قتل قتيلًا (١) له عليه بينة فله سلبه، قال) أبو قتادة: (فقمت، ثم قلت (٢): من يشهد لي؟) بأني قتلت قتيلًا (ثم جلست، ثم قال) رسول الله - ﷺ - (ذلك) أي: الكلام المذكور المرة (الثانية (٣): من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه، قال) أبو قتادة: (فقمت) ثانيًا (ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم جلست) لأنه لم يشهد لي أحد.\n(ثم قال) رسول الله - ﷺ - (ذلك) أي: الكلام المذكور (الثالثة) أي المرة الثالثة (فقمت) ثالثًا (فقال رسول الله - ﷺ -: ما لك يا أبا قتادة؟ (٤) فاقتصصت عليه القصة) أي قصة قتل الرجل (فقال رجل من القوم) من أهل مكة من قريش، ولم أقف على تسميته، وذكر الواقدي: أن اسمه أسود بن خزاعي، وفيه نظر، لأن الرواية الصحيحة أن الذي أخذه قرشي، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٥).\n_________\n(١) قال أحمد: لا يقبل إلَّا ببينة، وحكي الإجماع عليه، وقال الأوزاعي: لا يحتاج إليها، وهو قول لمالك، وقال الدسوقي: إن قال الإِمام: له عليه بينة يحتاج إليها، وإلَّا ففيه قولان، وقال طائفة من أهل الحديث: يكفي شاهد ويمين، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ٢٠٥). (ش).\n(٢) جهارًا، أو في نفسي، \"الأوجز\" (٩/ ٢٢٦). (ش).\n(٣) في هذا الوقت، أو في وقت آخر. (ش).\n(٤) تقوم وتقعد. (ش).\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٣٧).","vol":"9","page":392},{"text":"صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِى، فَأَرْضِهِ مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا\n===\n(صدق يا رسول الله) أي: أبو قتادة، (وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه) من باب الإفعال، أي: أرض أبا قتادة (منه) أي من السلب بأن تعوضه شيئًا عن ذلك السلب (فقال أبو بكر الصديق (١): لاها الله إذًا) (٢)، قال الخطابي (٣): هكذا يروى، والصواب: \"لاها الله ذا\" بغير ألف قبل ذا، فمعناه في كلامهم: لا والله، يجعلون ها مكان واو القسم، ومعناه: لا والله لا يكون ذا.\nقال الحافظ (٤): وأما \"إذًا\" فثبتت في جميع الروايات المعتبرة والأصول المحققة من \"الصحيحين\" وغيرهما بكسر الألف ثم ذال معجمة منونة، ثم نقل عن الخطابي وغيره من أهل العربية أنه خطأ، والصواب: لفظ \"ذا\".\nثم قال بعد كلام طويل: والعجب ممن يعتني بشرح الحديث، ويقدم نقل بعض الأدباء على أئمة الحديث وجهابذته، وينسبون إليهم الخطأ والتصحيف، ولا أقول: إن جهابذة المحدثين أعدل وأتقن في النقل إذ يقتضي المشاركة بينهم (٥)، بل أقول: لا يجوز العدول عنهم في النقل إلى غيرهم.\n_________\n(١) وفي \"مسند أحمد\" (٣/ ١٩٠) نسب هذا القول إلى عمر - ﵁ -، فأما يرجح ما في الكتاب لأن أبا قتادة صاحب القصة، فهو أتقن، أو يوجه الجمع بأن عمر - ﵁- قاله تأييدًا لأبي بكر، كذا في \"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٩٣)، و\"الأوجز\" (٩/ ٢٢٨). (ش).\n(٢) قال الموفق: هو يمين إذا أراد به اليمين، وإلا فلا، وهو مذهب الشافعي، انتهى، وجزم به الدردير أنه يمين بحذف حرف القسم، وإقامة هاء التنبيه مقامه. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٢/ ٣٠١).\n(٤) وبسطه بما لا مزيد فيه (٨/ ٣٨ - ٣٩ - ٤٠). (ش).\n(٥) في الأصل: \"فيهم\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":393},{"text":"يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «صَدَقَ، فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ».\n===\nوالذي يظهر لي أن الرواية المشهورة صواب وليست بخطأ، وذلك أن هذا الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى (١)، والهاء هي التي عوض بها عن واو القسم، وذلك أن العرب تقول في القسم: \"آلله لأفعلن\" بمد الهمزة وقصرها، فكأنهم عوضوا عن الهمزة هاء، فقالوا: \"هاالله\" لتقارب مخرجيهما.\nوأما إذًا فهي بلا شك حرف جواب وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله - ﷺ - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: \"أينقص الرطب إذا جف؟ \" قالوا: نعم، قال: \"فلا إذًا\"، فلو قال: \"فلا والله إذًا\" لكان مساويًا لما وقع هنا، وهو قوله: \"لاها الله إذًا\" من كل وجه، لكنه لم يحتج هناك إلى القسم فتركه، فقد وضح تقدير الكلام ومناسبته واستقامته معنى ووضعًا من غير حاجة إلى تكلف بعيد يخرج عن البلاغة.\nثم أثبت وقوع مثل هذا الكلام في أحاديث مختلفة متعددة، ثم قال في آخره: وإنما أطلت في هذا الموضع لأنَّني منذ طلبت [الحديث] ووقفت على كلام الخطابي وقعت عندي منه نفرة للإقدام على تخطئة الروايات الثابتة، خصوصًا ما في \"الصحيحين\"، فما زلت أتطلب المخلص من ذلك إلى أن ظفرت بما ذكرته، فرأيت إثباته كله هنا، والله الموفق.\n(يعمد) أي: يقصد، بتقدير همزة الاستفهام للإنكار، ولفظ \"البخاري\": \"لا يعمد\" بحرف لا النافية (إلي أسد) أي إلى رجل كأنه أسد في الشجاعة (من أسد الله يقاتل عن الله) أي: عن دينه (وعن رسوله) فيأخذ حقه (فيعطيك سلبه؟) بغيرطيب من نفسه.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: صدق) أي أبو بكر (فأعطه) أي: أبا قتادة (إياه)\n_________\n(١) في الأصل: \"على الأخرى\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":394},{"text":"فَقَالَ (١) أَبُو قَتَادَةَ: فَأَعْطَانِيهِ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِى بَنِى سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِى الإِسْلَامِ. [خ ٤٣٢١، م ١٥٧١، ت ١٥٦٢، جه ٢٨٣٧، حم ٥/ ٢٩٥]\n===\nأي: السلب (فقال أبو قتادة: فأعطانيه) (٢) أي ذلك السلب (فبعت الدرع، فابتعت به) قال الحافظ (٣): ذكر الواقدي أن الذي اشتراه منه حاطب بن أبي بلتعة، وأن الثمن كان سبع أواقي (مخرفًا (٤» بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء، أي: بستانًا، وذكر الواقدي أن البستان المذكور يقا ل له: الوديين (في بني سلمة) بكسر اللام، هم بطن من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة (فإنه لأول مال تأثلته) أي: تملكته وجعلته أصل مالي (في الإِسلام).\nقال في \"بداية المجتهد\" (٥): وأما تنفيل الإِمام من الغنيمة لمن شاء، أعني أن يزيده على نصيبه، فإن العلماء اتفقوا على جواز ذلك، واختلفوا من أي شيء يكون النفل، وفي مقداره، وهل يجوز الوعد به قبل الحرب؟ وهل يجب السلب (٦) للقاتل أم ليس يجب إلَّا أن ينفله له الإِمام؟ فهذه أربع مسائل، هي قواعد هذا الفصل.\nأما المسألة الأولى: فإن قومًا قالوا: النفل يكون من خمس الواجب لبيت مال المسلمين، وبه قال مالك، وقال قوم: بل النفل إنما يكون من خمس\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) استدل بذلك من قال: لا يحتاج إلى البينة، وأجاب غيره بأن في هذا الحديث تصريحًا بقوله: له عليه بينة، فكيف بدونها؟ ولا حجة في هذا اللفظ على نفي البينة، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ١٩٥ - ١٩٦). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٠).\n(٤) قوله: \"المخْرفُ\" بفتح الميم، البستان، وبكسر الميم كمنبر: زنبيل صغير يُخترف فيه أطايب الرطب.\n(٥) \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٩٥).\n(٦) قال ابن القيم (٥/ ٦٦): السلب كله للقاتل، ولم يخمسه، ولم يجعله من الخمس. (ش).","vol":"9","page":395},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالخمس، وهو حظ الإِمام فقط، وهو الذي اختاره الشافعي، وقال قوم: بل النفل من جملة الغنيمة، وبه قال أحمد (١) وأبو عبيد، ومن هؤلاء من أجاز تنفيل جميع الغنيمة، والسبب في اختلافهم هو: هل بين الآيتين الواردتين في المغانم تعارض، أم هما على التخيير؟ أعني قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (٢)، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية (٣).\nفمن رأى أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ناسخة لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، قال: لا نفل إلَّا من الخمس أو من خص الخمس، ومن رأى أن الآيتين لا معارضة بينهما وأنهما على التخيير، أعني أن للإمام أن ينفل من رأس الغنيمة من شاء، وله أن لا ينفِّل بأن يعطي جميع أرباع الغنيمة للغانمين قال بجواز النفل من رأس الغنيمة.\nوأما المسألة الثانية: وهي ما مقدار ما للإمام أن ينفل من ذلك؟ عند الذين أجازوا النفل من رأس الغنيمة، فإن قومًا قالوا: لا يجوز أن ينفَّل أكثر من الثلث أوالربع على حديث حبيب بن مسلمة، وقال قوم: إن نفل الإِمام السرية جميع ما غنمت جاز مصيرًا إلى أن آية الأنفال غير منسوخة بل محكمة، وأنها على عمومها غير مخصصة، ومن رأى أنها مخصصة بهذا الأثر قال: لا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث أو الربع.\nوأما المسألة الثالثة: وهي هل يجوز الوعد بالتنفيل قبل الحرب أم ليس\n_________\n(١) ما حكي من مذهب الشافعي ومالك هو الصحيح في مذهبهما، والصحيح في مذهب أحمد أن النفل من أربعة أخماس، ومذهب الحنفية أن التنفيل قبل الإحراز من أصل الغنيمة ولا يخمس، لكن الإِمام إن قيَّد بقوله: لكم كذا بعد الخمس فهو بعد الخمس، وأما بعد الإحراز بدار الإِسلام فلا يصح إلَّا من الخمس، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ١٢٦). (ش).\n(٢) سورة الأنفال: الآية ٤١.\n(٣) سورة الأنفال: الآية ١.","vol":"9","page":396},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nيجوز ذلك؟ فإنهم اختلفوا فيه، فكره ذلك مالك، وأجازه جماعة، وجه قوله أن الغزو إنما يقصد به وجه الله العظيم، ولتكون كلمة الله هي العليا، وإذا وعد الإِمام بالنفل قبل الحرب خيف أن يسفك الغزاة دماءهم في حق غير الله، ووجه قول الجماعة ظاهر حديث حبيب بن مسلمة: أن النبي - ﷺ - كان ينفل في الغزو في البدء [الربع]، وفي القفول الثلث.\nوأما المسألة الرابعة: وهي هل يجب سلب المقتول للقاتل، أو ليس يجب إلا أن ينفله الإِمام؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك: لا يستحق القاتل سلب المقتول إلَّا أن ينفله له الإِمام على جهة الاجتهاد، وذلك بعد الحرب، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وجماعة من السلف: هو واجب للقاتل، قال ذلك الإِمام أو لم يقله، ومن هؤلاء من جعل السلب له على كل حال، ولم يشترط في ذلك شرطًا، ومنهم من قال: لا يكون له السلب إلا إذا قتله مقبلًا غير مدبر، وبه قال الشافعي، ومنهم من قال: إنما يكون السلب للقاتل إذا كان القتل قبل معمعة الحرب أو بعدها، وأما إن قتله في حين المعمعة فليس له سلب، وبه قال الأوزاعي، وقال قوم: إن استكثر الإِمام السلب جاز أن يخمسه.\nوسبب اختلافهم هو احتمال قوله ﵇ يوم حنين بعد ما برد القتال: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\"، أن يكون ذلك منه ﵊ على جهة النفل، أو على جهة الاستحقاق للقاتل، ومالك - ﵀ - قوي عنده أنه على جهة النفل من قِبَلِ أنه لم يثبت عنده أنه قال ذلك ﵊ ولا قضى به إلا أيام حنين، ولمعارضة آية الغنيمة له إن حمل ذلك على الاستحقاق، أعني قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (١)، فإنه لما نص في الآية علم أن الأربعة الأخماس واجبة للغانمين، كما أنه لما نص على الثلث للأم في المواريث علم أن الثلثين للأب.\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية ٤١.","vol":"9","page":397},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال أبو عمر: وهذا القول محفوظ عنه - ﷺ - في حنين وفي بدر، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: \"كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله - ﷺ -\".\nوخرج أبو داود (١) عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد: \"أن رسول الله - ﷺ - قضى بالسلب للقاتل\"، وخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك: أن البراء بن عازب حمل على مرزبان يوم الدارة، فطعن طعنة على قربوس سرجه، فبلغ سلبه ثلاثين ألفًا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا كثيرًا، ولا أراني إلا خمَّسته، قال: قال ابن سيرين: فحدثني أنس بن مالك أنه أول سلب خمس في الإِسلام، وبهذا تمسك من فرَّق بين السلب القليل والكثير.\nواختلفوا في السلب الواجب، ما هو؟ فقال قوم: له جميع ما وجد على المقتول، واستثنى قوم من ذلك الذهب والفضة، انتهى ملخصًا.\nوملخص ما في \"شرح السير الكبير\" (٢): أن لفظ الأنفال في عبارة الفقهاء ما يخص الإِمام به بعض الغانمين، فذلك الفعل يسمى تنفيلًا، وذلك المال يسمى نفلًا.\nولا خلاف أن التنفيل جائز قبل الإصابة للتحريض على القتال، فإنه مأمور بالتحريض، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (٣)، فهذا الخطاب لرسول الله - ﷺ - ولكل من قام مقامه، فإن الشجعان قلما يتخاطرون بأنفسهم إذا لم يخصوا بشيء من المصاب، فإذا خصهم الإِمام بذلك، فذلك يغريهم على المخاطرة بأرواحهم وإيقاع أنفسهم في حَلَبَة العدو.\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٢٧٢٢).\n(٢) انظر: \"شرح السير الكبير\" (٢/ ٥٩٤).\n(٣) سورة الأنفال: الآية ٦٥.","vol":"9","page":398},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولا يستحق القاتل السلب بدون تنفيل الإِمام عندنا، وعلى قول الشافعي - رحمة الله عليه-: من قتل مشركًا على وجه المبارزة وهو مقبل غير مدبر استحق سلبه، وإن لم يسبق التنفيل من الإِمام، لأن قول رسول الله - ﷺ -: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\" لنصب الشرع، ومثل هذا الكلام في لسان صاحب الشرع لبيان السبب، كقوله ﵇: \"من بدل دينه فاقتلوه\".\nولكنا نقول: لو قال رسول الله - ﷺ - هذه الكلمة بالمدينة بين يدي أصحابه، لم ينقل أنه قال هذا إلَّا بعد تحقق الحاجة إلى التحريض، فإن مالك بن أنس- رحمة الله عليه- قال: لم يبلغنا أن النبي - ﷺ - قال في شيء من مغازيه: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\" إلَّا في موضع يوم حنين، وذلك بعد ما انهزم المسلمون، ووقعت الحاجة إلى تحريضهم ليكروا، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١).\nوذكر محمد بن إبراهيم التيمي أنه قال ذلك يوم بدر وحنين أيضًا، وقد كانت الحاجة إلى التحريض يوم بدر معلومة، فعرفنا أنه إنما قال ذلك بطريق التنفيل للتحريض، لا بطريق نصب الشرع.\nوأيد ما قلنا ما ذكر عبد الله بن شقيق قال: كان النبي - ﷺ - محاصرًا وادي القرى، فأتاه رجل فقال: ما تقول في الغنائم؟ فقال: \"لله تعالى سهم، ولهؤلاء أربعة\"، قال: فالغنيمة يغنمها الرجل؟ قال: \"إن رميت في جنبك بسهم فلست بأحق به من أخيك المسلم\".\nفهذا دليل ظاهر على أن القاتل لا يستحق السلب بدون التنفيل، وعلى هذا القول اتفق أهل العراق والحجاز.\nوقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: لا نفل بعد إحراز الغنيمة، وهذا\n_________\n(١) سورة التوبة: الآية ٢٥.","vol":"9","page":399},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمذهب أهل العراق والحجاز، وأهل الشام يجوِّزون التنفيل بعد الإحراز، وممن قال به الأوزاعي- رحمة الله عليه-، وما قلنا دليل على فساد قولهم، لأن التنفيل للتحريض على القتال، وذلك قبل الإصابة لا بعدها، ولأن التنفيل لإثبات الاختصاص ابتداء، لا لإبطال حق ثابت للغانمين، أو لإبطال حق ثابت في الخمس لأربابها، وفي التنفيل بعد الإصابة إبطال الحق.\nثم استدل بحديث الحسن في الزمام: \"أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - زمامًا من شعر من المغنم، فقال: ويلك سألتني زمامًا من نار\" ... الحديث، وبحديث مجاهد: \"أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ - بكبَّةٍ من شعر من المغنم، فقال: هب لي هذه، فقال: أما نصيبي منها فلك\"، وبحديث أبي الأشعث الصنعاني قال: \"جاء رجل إلى النبي - ﷺ - ومعه زمام من شعر\" الحديث. ثم قال: ولو جاز التنفيل بعد الإصابة لما حرمه رسول الله - ﷺ - ذلك مع صدق حاجته.\nثم قال: والذي روي أن النبي - ﷺ - نفَّل بعد الإحراز، فإنما يُحمل على أنه أعطى ذلك من الخمس باعتبار أنه من المساكين، أو أعطى ذلك من سهم نفسه من الخمس، أو من الصفي الذي كان له، أو أعطى ذلك مما أفاء الله تعالى عليه لا بإيجاف الخيل والركاب، فقد كان الأمر فيها مفوضًا إلى رسول الله - ﷺ -، كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١).\nوذكر عن خالد بن الوليد وعوف بن مالك - ﵄- أنهما كانا لا يخمسان الأسلاب، وعن حبيب بن مسلمة ومكحول: \"أن السلب مغنم وفيه الخمس\"، وهكذا روي عن ابن عباس - ﵄-: وإنما نأخذ بقول هؤلاء لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢)، والسلب من الغنيمة،\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية ١.\n(٢) سورة الأنفال: الآية ٤١.","vol":"9","page":400},{"text":"٢٧١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ،عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَئِذٍ - يَعْنِى يَوْمَ حُنَيْنٍ -: «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ». فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ، وَلَقِىَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ وَمَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا مَعَكِ؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ وَاللَّهِ إِنْ دَنَا مِنِّى بَعْضُهُمْ أَبْعَجُ بِهِ بَطْنَهُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ\". [م ١٨٠٩، حم ٣/ ١١٤ - ١٢٣، دي ٢٤٨٤ (مختصرًا)]\n===\nوتأويل ما نقل عن خالد وعوف إذا تقدم التنفيل من الإِمام لقوله: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\". وعندنا في هذا الموضع لا يخمس السلب، وأما بدون التنفيل يخمس، انتهى ملخصًا (١).\n٢٧١٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ - يومئذ -يعني يوم حنين-: من قتل كافرًا فله سلبه، فقتل أبو طلحة (٢) يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم) وفيه أن السلب للقاتل وإن كثر المقتول (ولقي أبو طلحة أم سليم) زوجته (ومعها) الواو للحال (خنجر) قال في \"القاموس\": كجعفر: السكين، أو العظيمة منها، ويكسر خاؤه.\n(فقال: يا أم سليم، ما هذا معك؟) ولأي شيء أخذته (قالت: أردت والله إن دنا) أي: قرب (مني بعضهم) أي الكفار (أبعج به) أي: أشق به (بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله - ﷺ -).\n_________\n(١) انظر: \"شرح السير الكبير\" (٢/ ٦٠٣).\n(٢) ظاهره تعقيب القتل عن القول، واستدل بذلك على جوازه خلافًا لمالك، إذ كَرِهَ تقديم القول لئلا يفسد النيات، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ٢٢٣). (ش).","vol":"9","page":401},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَرَدْنَا بِهَذَا الْخِنْجَرَ، فَكَانَ (١) سِلَاحَ الْعَجَمِ يَوْمَئِذٍ الْخِنْجَرُ. (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>(١٤١) بَابٌ: فِى الإِمَامِ يَمْنَعُ الْقَاتِلَ السَّلَبَ إِنْ رَأَى، وَالْفَرَسُ وَالسِّلَاحُ مِنَ السَّلَبِ</span>\n===\n(قال أبو داود: هذا حديث حسن، قال أبو داود: أردنا بهذا الخنجر، فكان سلاح العجم يومئذ الخنجر).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: يعني بذلك أنه في معناه المعروف، وليس المراد به معنى آخر، ولا يستبعد كونه فيهم، لأن العجم كانت تستعمله فوصل إليهم، انتهى. وقال في \"العون\" (٣): \"أردنا بهذا\" أي الحديث: \"الخنجر\" مفعول أردنا، أي أردنا جواز (٤) استعمال الخنجر، والله أعلم.\n\n(١٤١) (بَابٌ: فِى الإِمَامِ يَمْنَعُ الْقَاتِلَ السَّلَبَ إِنْ رَأَى) أي: منع السلب عن القاتل، (وَالْفَرَسُ وَالسِّلَاحُ مِنَ السَّلَبِ)\nقال في \"الهداية\" (٥): والسلب ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه، وكذا ما كان على مركبه من السرج والالة، وكذا ما معه على الدابة من ماله في حقيبته وما على وسطه، وما عدا ذلك فليس بسلب.\nقال في \"فتح القدير\" (٦): وما على وسطه من ذهب وفضة، وما سوى ذلك\n_________\n(١) في نسخة: \"وكان\".\n(٢) في نسخة: \"الخناجر\".\n(٣) \"عون المعبود\" (٧/ ٢٧٧).\n(٤) واحتاج إلى ذلك للأمر بإلقاء قوس العجم في \"المشكاة\" [رقم الحديث (٣٨٩١)]. (ش).\n(٥) \"الهداية\" (٢/ ٣٩٢).\n(٦) \"فتح القدير\" (٥/ ٥٠٥).","vol":"9","page":402},{"text":"٢٧١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: ثَنِى صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ،\n===\nمما هو مع غلامه، أو على دابة أخرى فليس منه، بل حق الكل، والحقيبة: الرفادة في مؤخرة القتب، وكل شيء شددته في مؤخر رحلك أو قتبك فقد استحقبته، وللشافعي في المنطقة والطوق والسوار والخاتم وما في وسطه من النفقة وحقيبته قولان: أحدهما: ليس من السلب، وبه قال أحمد، والآخر: أنه من السلب، وهو قولنا، وعن أحمد في بردته روايتان.\n٢٧١٩ - (حدثنا (١) أحمد بن محمد بن حنبل، ثنا الوليد بن مسلم قال: ثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه) جبير بن نفير، (عن عوف بن مالك) بن أبي عوف (الأشجعي) الغطفاني، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمرو، شهد فتح مكة، ويقال: كان معه راية أشجع، ثم سكن دمشق، قال الواقدي: شهد خيبر، ونزل حمص، وذكر ابن سعد أنه - ﷺ - آخى بينه وبين أبي الدرداء.\n(قال: خرجت (٢) مع زيد بن حارثة) أمير الجيش (في غزوة موتة) بالضم ثم واو مهموزة ساكنة وتاء مثناة من فوقها، وبعضهم لا يهمزه، قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، وبها كانت تطبع السيوف، وإليها تنسب المشرفية من السيوف، بعث النبي - ﷺ - إليها جيشًا في سنة ثمان، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة،\n_________\n(١) في \"المغني\": رواه سعيد، حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان، فذكر الحديث بطوله. [انظر: \"المغني\" (١٣/ ٦٥)، و\"سنن سعيد بن منصور\" (٢٦٩٧، ٢/ ٢٥٩، ٢٦٠)]. (ش).\n(٢) ولفظ سعيد: غزونا إلى طرف الشام، وأُمِّر علينا خالد بن الوليد [انظر: \"المغني\" (١٣/ ٦٥)]. (ش).","vol":"9","page":403},{"text":"ورَافَقَنِى (١) مَدَدِىٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَزُورًا، فَسَأَلَهُ الْمَدَدِىُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقِ (٢)، وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذْهَبٌ وَسِلَاحٌ مُذْهَبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِىُّ يَفْرِى بِالْمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِىُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِىُّ فَعَرْقَبَ\n===\nوقال: \"إن أصيب زيد فجعفر، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة\"، فلقيتهم الروم في جمع عظيم، فقتلوا ثلاثتهم، فاجتمع المسلمون إلى خالد بن الوليد، فانحاز بهم حتى قدم المدينة.\n(ورافقني) أي: صار رفيقي (مددي) أي: من يخرج لمدد العسكر (٣) (من أهل اليمن، ليس معه) سلاح (غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورًا، فسأله) أي: الرجل (المددي طائفة) أي: قطعة (من جلده) أي: الجزور (فأعطاه إياه، فاتخذه) أي: اصطنع الجلد حتى صار بعد اليبس (كهيئة الدرق، ومضينا) أي: مشينا.\n(فلقينا جموع الروم، وفيهم) أي: في الروم (رجل على فرس له أشقر) أي: أحمر (عليه سرج مذهب) أي: مطلي بذهب (٤) (وسلاح مذهب، فجعل الرومي يفري بالمسلمين) أي: يبالغ في النكاية والقتل، وفي بعض النسخ: يغري بالغين المعجمة، أي: يهيج الكفرة على المسلمين ويحثهم على قتالهم.\n(فقعد له) أي لقتله (المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب\n_________\n(١) في نسخة: \"ووافقني\".\n(٢) في نسخة: \"الدرقة\".\n(٣) قال النووي (٦/ ٣١٠): هم الذين جاءوا لمدد عسكر مؤتة، ولفظ سعيد في \"سننه\": \"فانضم إلينا رجل من أمداد حمير\". [انظر: \"سنن سعيد بن منصور\" (٢/ ٢٦٠، ح ٢٦٩٧)]. (ش).\n(٤) وفي رواية سعيد محله: \"ومنطقة ملطخة وسيف مثل ذلك\" ... إلخ [انظر: \"سنن سعيد ابن منصور\" (٢/ ٢٦٠)]. (ش).","vol":"9","page":404},{"text":"فَرَسَهُ، فَخَرَّ، وَعَلَاهُ، فَقَتَلَهُ وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ ﷿ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَأَخَذَ مِنَ السَّلَبِ، قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟\n===\nفرسه) أي: قطع قوائمها (فخرَّ) الرومي عن فرسه (وعلاه، فقتله وحاز) أي جمع (فرسه وسلاحه، فلما فتح الله ﷿ للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ من السلب).\nوظاهر هذ اللفظ يدل على أن خالدًا أخذ منه بعضه وهو الخمس، لكن ذكر الزيلعي (١) هذا الحديث، وقال: واللفظ لأبي داود، ولفظه: \"فأخذ منه سلب الرومي\"، ولفظ \"مسلم\" (٢): قال: \"قتل رجل من حمير رجلًا من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد\"، وهذا يدل على أن خالد بن الوليد أخذ جميع السلب، ولم يعطه منه شيئًا.\nويؤيد الأول ما وقع في رواية الإِمام أحمد (٣) من طريق أبي المغيرة قال: ثنا صفوان: \"فلما فتح (٤) الله الفتح، أقبل يسأل السلب، وقد شهد له الناس بأنه قاتله، فأعطاه خالد بعض سلبه، وأمسك سائره، فلما رجع إلى رحل عوف ذكره، فقال له عوف: ارجع إليه فليعطك ما بقي، فرجع إليه فأبى عليه، فمشى عوف\"، الحديث.\n(قال عوف: فأتيته) أي خالدًا، (فقلت: يا خالد! أما علمت أن رسول الله - ﷺ - قضى بالسلب للقاتل؟\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٤٣٢).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٧٥٣).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٦/ ٢٦).\n(٤) ولفظ سعيد: \"فلما فتح الله الفتح، أقبل بسلب القتيل، وقد شهد له الناس أنه قاتله، فأعطاه خالد بعض سلبه وأمسك سائره\" [انظر: \"سنن سعيد بن منصور\" (٢/ ٢٦٠، خ ٢٦٩٧)]. (ش).","vol":"9","page":405},{"text":"قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّى اسْتَكْثَرْتُهُ. قُلْتُ (١): لَتَرُدَّنَّهُ إليْهِ أَوْ لأُعَرِّفَنَّكَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ (٢) عَلَيْهِ.\nقَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمَدَدِىِّ وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا خَالِدُ! مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَكْثَرْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا خَالِدُ، رُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ. قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ لَهُ: دُونَكَ (٣) يَا خَالِدُ، أَلَمْ أَفِ (٤) لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَمَا ذَلِكَ؟»، قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ (٥):\n===\nقال) خالد: (بلى) قضى رسول الله - ﷺ - ذلك (ولكني استكثرته) أي: زعمته كثيرًا (قلت: لتردنه إليه أو لأعرِّفنكها) أي: لأجازينك بها حتى تعرف سوء صنيعك عند رسول الله - ﷺ -، أي أشكوك (عند رسول الله - ﷺ -) فيجازيك بسوء فعلك، وتعرف قبح فعلتك.\n(فأبى أن يرد) السلب (عليه، قال عوت: فاجتمعنا عند رسول الله - ﷺ -، فقصصت عليه) أي على رسول الله - ﷺ - (قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله - ﷺ -: يا خالد! ما حملك على ما صنعت؟) من منع السلب عن المددي، (قال: يا رسول الله، استكثرته)، وكان فيه ضرر لبقية الغزاة.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: يا خالد، رد عليه ما أخذت منه) أي من الرجل، (قال عوف: فقلت له:) أي: لخالد: (دونك) أي خذ ما وعدتك (يا خالد، ألم أف لك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: وما ذاك؟ قال) عوف: (فأخبرته) أي: بالقصة التي جرت بيني وبين خالد، (قال) عوف: (فغضب رسول الله - ﷺ - وقال:\n_________\n(١) في نسخة: \"فقلت\".\n(٢) في نسخة: \"يرده عليه\"، وفي نسخة: \"يرده إليه\".\n(٣) في نسخة: \"دونكها\".\n(٤) في نسخة: \"أفي\".\n(٥) في نسخة بدله: \"فقال\".","vol":"9","page":406},{"text":"«يَا خَالِدُ، لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو (١) لِى أُمَرَائِى، لَكُمْ صِفْوَةُ أَمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ». [م ١٧٥٣، حم ٦/ ٢٦، ق ٦/ ٣١٠]\n٢٧٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: سَأَلْتُ ثَوْرًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِى عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ نَحْوَهُ. [حم ٦/ ٢٧، ق ٦/ ٣١٠]\n===\nيا خالد، لا ترد عليه) أي على المددي السلب (هل أنتم تاركو لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم) أي: خياره وما صفا منه (وعليهم) أي: على الأمراء (كدره).\nقال الزيلعي (٢) بعد تخريج هذا الحديث: واعتذر الخطابي عن هذا الحديث، وقال: إنما منع رسول الله - ﷺ - خالدًا في الثانية أن يرد على عوف سلبه، زجرًا لعوف، لئلا يتجرأ الناس على الأئمة، لأن خالدًا كان مجتهدًا في صنعه، لما رأى فيه من المصلحة، فأمضى ﵇ اجتهاده، واليسير من الضرر يحتمل الكثير من النفع، قال: ويشبه أن يكون ﵇ قد عوضه من الخمس الذي هو له، انتهى.\n٢٧٢٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، ثنا الوليد) أي ابن مسلم القرشي (قال: سألت ثورًا) بن يزيد (عن هذا الحديث، فحدثني عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عوت بن مالك الأشجعي نحوه)، وزاد في نسخة \"العون\" (٣)، وفي حاشية النسخة الكانفورية بين \"عن جبير بن نفير\" وبين قوله: \"عن عوف بن مالك الأشجعي\" لفظ: \"عن أبيه\"، وهو غلط شنيع من الكاتب، فإنه ليست هذه الزيادة في النسخة المصرية، ولا في رواية أحمد في \"مسنده\"، وليس لجبير رواية عن أبيه نفير، بل ليس نفير من الرواة.\n_________\n(١) في نسخة: \"تاركون\".\n(٢) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٤٣٢).\n(٣) انظر: \"عون المعبود\" (٧/ ٢٧٩).","vol":"9","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>(١٤٢) بَابٌ: فِى السَّلَبِ لَا يُخَمَّسُ</span>\n٢٧٢١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى بِالسَّلَبِ (١) لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ\". [م ١٧٥٣، حم ٦/ ٢٦، ق ٦/ ٣١٠]\n===\n\n(١٤٢) (بَابٌ: فِى السَّلَبِ لَا يُخَمَّسُ) (٢)\n٢٧٢١ - (حدثنا سعيد بن منصور، ثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد: أن رسول الله - ﷺ - قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب)، ولفظ الإِمام أحمد في \"مسنده\": \"أن رسول الله - ﷺ - لم يخمس السلب\"، ولم يذكر الجملة الأولى.\nقال في \"البدائع\" (٣): وأما حكم التنفيل فنوعان: أحدهما: اختصاص التنفيل بالمنفل حتى لا يشاركه غيره، وهل يثبت الملك فيه قبل الإحراز في دار الإِسلام؟ ففيه كلام نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، والثاني: أنه لا خمس في النفل؛ لأن الخمس إنما يجب في غنيمة مشتركة بين الغانمين، والنفل ما أخلصه الإِمام لصاحبه، وقطع شركة الأغيار عنه، فلا يجب فيه الخمس، ويشارك المنفَّل له الغزاة في أربعة أخماس ما أصابوا؛ لأن الإصابة أو الجهاد\n_________\n(١) في نسخة: \"في السلب\".\n(٢) به قال أحمد والشافعي في الصحيح المشهور، وعن مالك: يخير الإمام بين التخميس وتركه، وعندنا إن قال الإِمام: لك السلب بعد الخمس يخمس، وإلا لا، كذا في \"الأوجز\" و\"الفتح\" [انظر: \"أوجز المسالك\" (٩/ ٢٠٣ و٢٠٤)، و\"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٧)]. (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٨٧).","vol":"9","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1033>(١٤٣) بَابُ مَنْ أَجَازَ عَلَى جَرِيحٍ مُثْخَنٍ يُنَفَّلُ مِنْ سَلَبِهِ</span>\n٢٧٢٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ (١)، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: \"نَفَّلَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أَبِى جَهْلٍ، كَانَ (٢) قَتَلَهُ\".\n===\nحصل بقوة الكل، إلَّا أن الإِمام خص البعض ببعضها، وقطع حق الباقين عنه، فبقي حق الكل متعلقًا بما وراءه، فيشاركهم فيه.\n\n(٤٣) (بَابُ مَنْ أَجَازَ)، أي: أثبت قتله، وأسرع، وتمم عليه (عَلَى جَرِيحٍ مُثْخَنٍ) مبالغ في الجراحة (يُنَفَّلُ مِنْ سَلَبِهِ)، أي: بعض سلبه (٣)\n٢٧٢٢ - (حدثنا هارون بن عباد، ثنا وكيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: نفَّلني رسول الله - ﷺ - يوم بدر سيف أبي جهل) قال الراوي: (كان) عبد الله بن مسعود (قتله) أي: أبا جهل، يعني حزَّ رأسه (٤) وبه رمق، وإلَّا فقد قتله الأنصاريان، وهذا من كلام الراوي عنه، ويحتمل أن يكون من كلامه على التجريد أو الالتفات.\nفإن قلت: هذا معارض بما وقع في \"الصحيحين\" (٥): \"أن النبي - ﷺ - نظر في سيفي معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، وقال: كلاكما قتله\"،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الأزدي\".\n(٢) في نسخة: \"وَكَان\".\n(٣) وفي \"الأوجز\" (٩/ ٢٠٢): لا سلب له عند أحمد والشافعي، وعند مالك على رأي الإِمام، وعندنا إن كان الجرح الأول صيَّره بحيث لا يقاتل ولا يعينهم بالكلام، فالسلب للأول وإلَّا فللثاني. (ش).\n(٤) وهل يجوز أن يحزّ ويطاف به؟ قال السرخسي (١٠/ ١٣١): مكروه، وأباحه بعضهم لهذا الحديث. (ش)\n(٥) انظر: \"صحيح البخاري\" (٣١٤١) و\"صحيح مسلم\" (١٧٥٢).","vol":"9","page":409},{"text":"(١٤٤) بَابُ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ (١) لَا سَهْمَ لَهُ\n٢٧٢٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِىِّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَنَّ عَنْبَسَةَ بْنَ سَعِيدٍ\n===\nوأنه قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وأيضًا لما استحق الأنصاري السلب بقتله، فكيف أعطى رسول الله - ﷺ - سيف أبي جهل لعبد الله بن مسعود؟\nوالجواب عنه بأوجه، الأول: أن حديث أبي داود منقطع، فإن أبا عبيدة لم يلق أباه عبد الله بن مسعود.\nوالثاني: بما قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢): ووجه الدليل أن السلب لو كان للقاتل لقضى به بينهما، لأنه قال: \"كلاكما قتله\"، وكونه ﵇ دفعه إلى أحدهما دليل على أن الأمر فيه مفوَّض إلى الإِمام، قال البيهقي في \"المعرفة\": وهذا لا حجة لهم فيه، فإن غنيمة بدر كانت للنبي - ﷺ - بنص الكتاب يعطي منها من يشاء، وقد قسم لجماعة لم يشهدوا، ثم نزلت الآية في الغنيمة بعد بدر، وقضى ﵇ بالسلب للقاتل، واستقر الأمر على ذلك.\nوالثالث: يحتمل أن يكون - ﷺ - نفَّل سيف أبي جهل عبد الله بن مسعود برضا معاذ بن عمرو بن الجموح، والله تعالى أعلم.\n\n(١٤٤) (بَابُ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ)\nأي: بعد إحرازها في دار الإِسلام، أو قسمتها في دار الحرب، أو بيعه المغانم فيها خلافًا للشافعي (٣) - ﵀ - (لَا سَهْمَ لَهُ)\n٢٧٢٣ - (حدثنا سعيد بن منصور، ثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي) مصغرًا، (عن الزهري، أن عنبسة بن سعيد\n_________\n(١) في نسخة: \"القسمة\".\n(٢) \"نصب الراية\" (٣/ ٤٣٢).\n(٣) وكذا أحمد إذ قال: إن الغنيمة إذا أُحرزت، لم يكن فيها لمن جاءهم مددًا حظ، وإن جاء قبل الإحراز بدار الإِسلام، كذا في \"المغني\" (١٣/ ١٠٥). (ش).","vol":"9","page":410},{"text":"أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِخَيْبَرَ بَعْدَ أَنْ فَتَحَهَا، وَإِنَّ حُزُمَ خَيْلِهِمْ لِيفٌ، فَقَالَ أَبَانُ: اقْسِمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ (١) أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: لَا تَقْسِمْ لَهُمْ\n===\nأخبره، أنه سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص) بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن، قُتل أبوه يوم بدر كافرًا، ومات جده أبو أصيحة قبل بدر مشركًا، قبض النبي - ﷺ - وله تسع سنين، استعمله عثمان على الكوفة، ومعاوية على المدينة، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان، وكان أشبههم لهجة برسول الله - ﷺ -.\n(أن رسول الله - ﷺ - بعث أبان بن سعيد بن العاص) بن أمية بن عبد شمس، القرشي الأموي، له صحبة، وكان أبوه من أكابر قريش، وله أولاد نجباء، أسلم منهم قديمًا خالد وعمرو، وكانا ممن هاجرا إلى الحبشة، فأقاما بها، وشهد أبان بدرًا مشركًا، فقتل بها أخواه العاص وعبيدة على الشرك، ونجا هو، فبقي بمكة، حتى أجار عثمان زمن الحديبية، فأسلم أبان قبل أيام خيبر، وشهدها مع النبي - ﷺ -، فأرسله النبي - ﷺ - في سرية، ذكر ذلك الواقدي، ووافقه عليه أهل العلم بالأخبار، وخالفهم ابن إسحاق، فعدَّ أبان فيمن هاجر إلى الحبشة، ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان الكنانية، والله أعلم.\n(على سرية) (٢) أي أميرًا عليها (من المدينة قبل نجد، فقدم أبان بن سعيد وأصحابه) راجعين من نجد (على رسول الله - ﷺ - بخيبر بعد أن فتحها، وإن حزم خيلهم ليف) والحزم بضمتين جمع حزام، وهو ما يُشَدَّ به الوسط.\n(فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، فقال أبو هريرة: فقلت: لا تقسم لهم\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) قال الحافظ: لم أقف على هذه السرية. (ش).","vol":"9","page":411},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبَانُ: أَنْتَ بِهَا يَا وَبْرُ، تَحَدَّرُ عَلَيْنَا مِنْ رَأْسٍ ضَالٍ! فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «اجْلِسْ يَا أَبَانُ»، وَلَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. [خت ٤٢٣٨، ق ٢/ ٣٣٣، الطيالسي ٢٥٩١]\n٢٧٢٤ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِىُّ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، نَا الزُّهْرِىُّ، وَسَأَلَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَحَدَّثَنَاهُ (١) الزُّهْرِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَنْبَسَةَ بْنَ سَعِيدٍ الْقُرَشِىَّ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِخَيْبَرَ حِينَ افْتَتَحَهَا فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُسْهِمَ لِى،\n===\nيا رسول الله، فقال أبان: أنت بها) أي: أنت المتكلم بهذه الكلمة، أو أنت بهذه المثابة تتكلم بها (يا وبر) بفتح الواو وسكون الموحدة: دابة صغيرة كالسنور، وحشية، قال ذلك تحقيرًا لأبي هريرة (تحدر علينا) أي: تدلى علينا (من رأس ضال) وفي رواية: بالنون، وفسر البخاري الضال باللام، فقال: هو السدر البري، وأما الضأن بالنون، فقيل: هو رأس الجبل، وقيل: هو بغير همز، وهو جبل لدوس قوم أبي هريرة.\n(فقال النبي - ﷺ -: اجلس يا أبان، ولم يقسم لهم) أي: لأبان ومن معه (رسول الله - ﷺ -).\n٢٧٢٤ - (حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال: نا سفيان، نا الزهري، وسأله) أي: الزهري (إسماعيل بن أمية، فحدثناه الزهري أنه سمع عنبسة بن سعيد القرشي يحدث، عن أبي هريرة قال: قدمت المدينة ورسول الله - ﷺ - بخيبر حين افتتحها (٢)، فسألته) أي رسول الله - ﷺ - (أن يسهم لي،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فحدثنا الزهري\".\n(٢) ويوضح المراد ما في \"الفتح\" (٧/ ٤٨٩): أخرج أحمد والحاكم وغيرهما من طريق خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قدمت المدينة، والنبي - ﷺ - بخيبر، واستخلف سباع بن عرفطة، فذكر الحديث، وفيه فزوّدنا شيئًا، فأتينا خيبر وقد افتتحها النبي - ﷺ -، فكلم المسلمين، فأشركونا في سهامهم، انتهى. (ش).","vol":"9","page":412},{"text":"فَتَكَلَّمَ بَعْضُ وُلْدِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ: يَا عَجَبًا لِوَبْرٍ\n===\nفتكلم بعض ولد سعيد بن العاص) وهو أبان بن سعيد.\n(فقال) أبان: (لا تسهم له) أي: لأبي هريرة (يا رسول الله، قال) أبو هريرة: (فقلت: هذا) أي أبان بن سعيد (قاتل ابن قوقل) وهو النعمان بن قوقل بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عمرو بن عوف، ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق فيمن استشهد بأحد، وكان شهد بدرًا.\nوأخرج البغوي أن النعمان بن قوقل الأنصاري قال: أقسمت عليك يا رب، أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعرجتي في خضر الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لقد رأيته يطأ فيها وما به من عرج\"، ويقال: إن قوقلًا لقب، واسمه ثعلبة، أو مالك بن ثعلبة، وقد غاير أبو عمر بين النعمان بن قوقل والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وتعقبه ابن الأثير \"إصابة\".\nوقال في ترجمة النعمان بن مالك بن ثعلبة، قال أبو عمر: وشهد بدرًا وأحدًا، وقتل بها في قول الواقدي، وأما ابن القداح فقال: إن الذي شهد بدرًا وقتل بأحد هو النعمان الأعرج، وقد تعقب ابن الأثير هذا بأن النعمان الأعرج هو ابن قوقل، وأن مالك بن ثعلبة لقبه قوقل، وما قاله أبو عمر محتمل، وترجم البخاري النعمان بن قوقل، ثم قال: النعمان بن مالك، ولم يسق له شيئًا (١).\n(فقال سعيد بن العاص (٢): يا عجبًا لوبر) أي لرجل\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٥٣٤ - ٥٣٥).\n(٢) قال الحافظ في \"الإصابة\" (٣/ ٢٣٥): هذا يوهم أن سعيدًا حاج أبا هريرة بسب بعض ولده، وليس كذلك، بل الصواب: أبان بن سعيد بن العاص ... إلخ، والحديث أخرجه البخاري (٤٢٣٧) برواية علي بن عبد الله عن سفيان بهذا السند بلفظ: \"فقال: واعجبًا\" بدون فاعل قال. (ش).","vol":"9","page":413},{"text":"قَدْ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومٍ ضَالٍ، يُعَيِّرُنِى بِقَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَىَّ وَلَمْ يُهِنِّى عَلَى يَدَيْهِ\" (١). [خ ٤٢٣٧، \"مسند الحميدي\" ١١٠٩]\n===\nكالوبر (٢) (قد تدلى علينا)، وفي رواية: \"تحدر\"، وفي رواية: \"تدأدأ\"، أي: تهجم علينا بغتة (من قدوم) بفتح القاف للأكثر، أي طرف، ووقع في رواية الأصيلي بضم القاف (ضال، يعيرني) أي: يطعنني ويعيبني (بقتل امرئٍ مسلم أكرمه الله تعالى على يدي) بأن وصل مرتبة الشهادة (ولم يُهِنِّي على يديه) فإنه إن كان هو قتلني قتلت في حالة الكفر وأدخلت جهنم.\nقال الحافظ (٣): قيل: وقع في إحدى الطريقين ما يدخل في قسم المقلوب، فإن في رواية ابن عيينة: أن أبا هريرة السائل أن يقسم له، وأن أبان هو الذي أشار بمنعه، وفي رواية الزبيدي: أن أبان هو الذي سأل، وأن أبا هريرة هو الذي أشار لمنعه، وقد رجح الذهلي رواية الزبيدي، ويؤيد ذلك وقوع التصريح في روايته بقول النبي - ﷺ -: \"يا أبان اجلس ولم يقسم لهم\".\nويحتمل أن يجمع بينهما بأن يكون كل من أبان وأبي هريرة أشار أن لا يقسم للآخر، ويدل عليه أن أبا هريرة احتج على أبان بأنه قاتل ابن قوقل، وأبان احتج على أبي هريرة بأنه ليس ممن له في الحرب يد يستحق بها النفل، فلا يكون فيه قلب، وقد سلمت رواية السعيدي من هذا الاختلاف، فإنه لم يتعرض في حديثه لسؤال القسمة أصلًا، والله أعلم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هؤلاء كانوا نحو عشرة، فقتل منهم ستة، ورجع من بقي\".\n(٢) صيد كالأرنب لا ذَنَب له، يكون في النجد كثيرًا، وهو المراد بما جاء في قصة مسيلمة إذ قال: نزل علي سورة وبر، فقال: وبر وما وبر ... إلخ، بمقابلة سورة العصر، قاله قاضي القضاة ابن بليهد. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٩٢).","vol":"9","page":414},{"text":"٢٧٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: \"قَدِمْنَا فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا، أَوْ قَالَ: فَأَعْطَانَا مِنْهَا، وَمَا قَسَمَ لأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا مَنْ (١) شَهِدَ مَعَهُ إلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا: جَعْفَرٍ (٢) وَأَصْحَابُهُ،\n===\nفإن قلت: لم لم يقسم لهم الغنيمة ولم يشركهم فيها، وهم قد وصلوه بخيبر، والغنيمة هناك، ولم يحرزوها بالمدينة؟\nوقد قال في \"الهداية\" (٣): وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإِسلام، شاركوهم فيها خلافًا للشافعي - ﵀ - بعد انقضاء القتال.\nقلت: إن أبان وأصحابه لحقوا رسول الله - ﷺ - بخيبر بعد أن فتحها، فصارت خيبر دار الإسلام، فكانت الغنيمة في دار الإسلام، فلذلك لم يشاركوا في الغنيمة، ولم يبق لهم حق الشركة، وكذلك أبو هريرة فإنه لم يشركهم لهذا الوجه، وأما ما أعطى أبا موسى الأشعري وغيره من أصحاب السفينة فإنهم أيضًا لم يشركوهم في الغنيمة، ولكن رسول الله - ﷺ - أعطاهم من الخمس، ويمكن أن يكون أعطاهم من الغنيمة برضا الغانمين.\n٢٧٢٥ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو أسامة، حدثنا بُريد) مصغرًا، (عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قدمنا) من اليمن (فوافقنا رسول الله - ﷺ -) أي وصلنا إليه (حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، أو قال: فأعطانا منها) لفظ: \"أو\" للشك من الراوي، (وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها) أي: من غنائم خيبر (شيئًا إلَّا من شهد معه) غزوة خيبر (إلَّا) استثناء من الاستثناء (أصحاب سفينتنا) أي: من كانوا معه في السفينة، وهم: (جعفر وأصحابه،\n_________\n(١) في نسخة: \"بمن\" وفي نسخة: \"لمن\".\n(٢) في نسخة: \"جعفرًا\".\n(٣) \"الهداية\" (٢/ ٣٨٥).","vol":"9","page":415},{"text":"فَأَسْهَمَ لَهُمْ (١) مَعَهُمْ\". [خ ٤٢٣٣، م ٢٥٠٢، ت ١٥٥٩، حم ٤/ ٣٩٤، ق ٦/ ٣٣٣]\n٢٧٢٦ - حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ قَالَ: (٢) نَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ هَانِئِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ،\n===\nفأسهم لهم) أي: لأصحاب السفينة (معهم) أي مع من شهد معه غزوة خيبر.\nوقد تقدم أن رسول الله - ﷺ - لم يعط أبان وأصحابه وأبا هريرة (٣)، وأعطى هؤلاء، إما لأن أبان وأصحابه سألوه أن يسهم لهم من أصل الغنيمة كالغانمين، فلم يعطهم؛ لأنه لم يكن لهم حق في الغنيمة، وأما أهل السفينة فلم يعطهم رسول الله - ﷺ - من أصل الغنيمة، بل أعطاهم من الخمس، أو أعطاهم من الغنيمة برضا الغانمين، ويحتمل أن يكون أصحاب السفينة لحقوه بخيبر قبل الفتح التام، وقبل أن تصير دار الإسلام، فأشركوهم في الغنيمة.\n٢٧٢٦ - (حدثنا محبوب بن موسى أبو صالح قال: نا أبو إسحاق الفزاري، عن كليب بن وائل) بن هبار التيمي اليشكري المدني، ثم الكوفي، عن ابن معين: ثقة، وعنه وعن أبي داود: لا بأس به، وقال أبو زرعة: ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: ثقة، وقال العجلي: يكتب حديثه، (عن هانئ بن قيس) الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مستور، (عن حبيب بن أبي مليكة) النهدي نسبة إلى نهد بن زيد، ويقال: إنه أبو ثور، الحداني، الأزدي، قال أبو زرعة: ثقة، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في فضل عثمان، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) في نسخة: \"له\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) وما تقدَّم عن \"الفتح\" برواية أحمد وغيره عن أبي هريرة أنه قسم له، قال الحافظ: ويجمع بين هذا وبين حصر أبي موسى أن أبا موسى أراد أنه لم يسهم لأحد من غير استرضاء الغانمين إلا لأصحاب السفينة، وأما أبو هريرة وأصحابه فلم يعطهم إلا عن طيب خواطر المسلمين، انتهى. [انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٤٨٩)]. (ش).","vol":"9","page":416},{"text":"عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ - يَعْنِى يَوْمَ بَدْرٍ - فَقَالَ: «إِنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِى حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وَإِنِّى (١) أُبَايِعُ لَهُ»، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسَهْمٍ وَلَمْ يَضْرِبْ لأَحَدٍ غَابَ غَيْرُهُ. [ق ٩/ ١٧٤]\n===\n(عن ابن عمر قال: إن رسول الله - ﷺ - قام -يعني يوم بدر- فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله) أي تخلف في المدينة لتمريض رقية بنت رسول الله - ﷺ - زوجته، وكانت مريضة إذ ذاك، والمراد بحاجة الله: سبيله ورضاه وأمر دينه، والمراد بحاجة رسوله: خدمته وخدمة بنته.\n(وإني أبايع له) فضرب (٢) رسول الله - ﷺ - بيمينه على شماله، وقال: هذه يد عثمان (فضرب له) أي: قرر وعيَّن (رسول الله - ﷺ - بسهم) أي: كسهم الغازي (ولم يضرب لأحد غاب) عن بدر (٣) (غيره) أي غير عثمان.\nقال الطحاوي (٤): وكذلك كل من غاب عن وقعة المسلمين بأهل الحرب بشغل يشغله به الإِمام من أمور المسلمين، مثل أن يبعثه إلى جانب آخر من دار الحرب، لقتال قوم آخرين، فيصيب الإمام غنيمة بعد مفارقة ذلك الرجل إياه،\n_________\n(١) في نسخة: \"فأنا\".\n(٢) وفي هامش \"العون\" (٧/ ٢٨٣): أن في الحديث وهمًا من بعض الرواة، لأن قصة البيعة لم تكن في بدر، بل كانت في بيعة الرضوان في الحديبية، وفي بدر كان تخلفه لرقية فتأمل. (ش).\n(٣) ويشكل عليه أنهم صرحوا في ترجمة عاصم بن عدي: أنه ﵇ أسهم له ولم يشهد بدرًا، كما في \"الإصابة\" (٢/ ٢٣٧)، وكذا أسهم لأبي لبابة والحارث بن حاطب، كما في \"الإصابة\" (٤/ ١٦٧) في ترجمة أبي لبابة. وذكر صاحب \"الخميس\" (١/ ٣٩٨) ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار لم يحضروا، وأسهم لهم - ﷺ - وذكر أسماءهم، وسيأتي الجواب عنه في \"البذل\" من أنه محمول على عدم علم ابن عمر - ﵁ -، ويحتمل عندي أن إعطاءهم كان لشيء من مصالح الغزو، بخلاف عثمان، فإن قيامه بالمدينة على الظاهر لم يكن لمصلحة الغزو، وإن كان فيه أيضًا مصلحة خفية للغزو، فلا إشكال في تخصيص عثمان. (ش).\n(٤) \"شرخ معاني الآثار\" (٣/ ٢٤٤).","vol":"9","page":417},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأو يبعث برجل ممن معه من دار الحرب إلى دار الإِسلام، ليمده بالسلاح والرجال، فلا يعود ذلك الرجل إلى الإِمام حتى يغنم غنيمة، فهو شريك فيها، وهو كمن حضرها، وكذلك من أرادها فرده الإِمام عنها، وشغله بشيء من أمور المسلمين، فهو كمن حضرها.\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فإنما ذلك عندنا- والله أعلم- أن النبي - ﷺ - وجه أبان إلى نجد قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر، فتوجه أبان في ذلك، ثم حدث من خروج النبي - ﷺ - إلى خيبر ما حدث، فكان ما غاب فيه أبان من ذلك عن حضور خيبر، ليس هو شغلًا شغله النبي - ﷺ - به عن حضورها بعد إرادته إياه، فكان كمن حضرها، انتهى.\nثم إن ما وقع في هذا الحديث من قوله: \"ولم يضرب لأحد غاب غيره\" يخالف ما تقدم، من أن الزيلعي (١) نقل عن البيهقي فإنه قال في \"المعرفة\": فإن غنيمة بدر كانت للنبي - ﷺ - بنص الكتاب يعطي منها من يشاء، وقد قسم لجماعة لم يشهدوا.\nوقال في \"شرح السير الكبير\" (٢): وذكر أن رسول الله - ﷺ - أسهم لعثمان بن عفان - ﵁ - من غنائم بدر، وأسهم لطلحة بن عبيد الله ولسعيد بن زيد - ﵄-، وكان بعثهما نحو الشام يتجسسان أخبار عير قريش، وأسهم لخمسة من الأنصار، وقد كان ردهم إلى المدينة لخبر بلغه عن المنافقين.\nوفي تأويل ذلك وجوه: أحدها: أن المدينة يومئذ ما كان لها حكم دار الإِسلام بعد خروج رسول الله - ﷺ - وأصحابه منها، لكثرة اليهود والمنافقين بها، فكانوا جميعًا في دار الحرب مشغولين بما فيه منفعة للمسلمين، وبما فيه فراغ قلب رسول الله - ﷺ -، وقيل: إن غنائم بدر كان الأمر فيه مفوضًا إلى\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٤٣٢).\n(٢) \"شرح السير الكبير\" (٣/ ١٠٠٨).","vol":"9","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1035>(١٤٥) بَابٌ: فِى الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ يُحْذَيَانِ مِنَ الْغَنِيمَةِ</span>\n===\nرسول الله - ﷺ -، يعطي من يشاء، ويحرم من يشاء، كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١)، فلذا أسهم لهم رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nقلت: فعلى هذا ما وقع في رواية أبي داود من حصر الإعطاء لعثمان - ﵁ -، فمحمول على عدم علم ابن عمر - ﵄-.\n\n(١٤٥) (بَابٌ: فِى الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ يُحْذَيَانِ) (٢)، أي: يعطيان (مِنَ الْغَنِيمَةِ)\nقال في \"فتح القدير\" (٣): ثم الرضخ عندنا من الغنيمة قبل إخراج الخمس، وهو قول الشافعي وأحمد، وفي قول له وهو رواية عن أحمد: من أربعة الأخماس، وفي قول للشافعي: من خمس الخمس، وقال مالك: من الخمس (٤)\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية ١.\n(٢) عند الأئمة الثلاثة، خلافًا لمالك إذ قال: لا رضخ، كما بسطه في الحاشية. (ش).\n(٣) \"فتح القدير\" (٥/ ٤٩١).\n(٤) هذا مشكل، فإن الرضخ ليس عند مالك، وتوضيح ذلك أن لسهم الغنيمة سبع شرائط بعضها خلافية وبعضها اتفاقية، الإِسلام شرط عند الثلاثة، خلافًا للمرجح من قولي أحمد كما سيأتي، والبلوغ شرط عند الثلاثة، خلافًا للمرجح عند مالك: أنه يسهم له إذا أطاق القتال.\nوالعقل شرط إجماعًا، فلا يسهم لمجنون، وكذا المذكورة عند الأربعة، خلافًا لبعض السلف، وكذا الحرية عند الأربعة خلافًا لما في \"البدائع\" (٦/ ١٠٤) أنه يسهم للعبد المأذون.\nوالصحة أيضًا شرط في الجملة مع الاختلاف في المراد بها، أي: المراد منه الزَمِن ونحوه أو يعم، وشهود الوقعة كما تقدَّم في \"باب من جاء بعد الغنيمة\".\nثم من لا يسهم من المذكورين، هل يرضخ له؟ قالت الثلاثة: نعم، وقال مالك: لا، واختلف الأولون هل هو من أصل الغنيمة أو من أربعة أخماس؟ المرجح في متون الشافعي وأحمد: الثاني، وقالت الحنفية: بالأول، ملخص من \"الأوجز\" (٩/ ١٣٦ - ١٣٧). (ش).","vol":"9","page":419},{"text":"٢٧٢٧ - حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، نَا (١) أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ صَيْفِي، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: \"كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ كَذَا (٢) وَكَذَا، ذَكَرَ أَشْيَاءَ، وَعَنِ الْمَمْلُوكِ: أَلَهُ (٣) فِى الْفَىْءِ شَىْءٌ؟\n===\n٢٧٢٧ - (حدثنا محبوب بن موسى أبو صالح، نا أبو إسحاق الفزاري، عن زائدة، عن الأعمش، عن المختار بن صيفي) بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها فاء، الكوفي، روى عنه الأعمش فقط، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، حديثه عند مسلم بمتابعة قيس بن سعد، (عن يزيد بن هرمز) المدني، أبو عبد الله مولى بني ليث، وقيل: عفان، وقيل: آل أبي ذباب، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وعن الزهري: كان من الثقات، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة.\n(قال: كتب نجدة) بن عامر الحروري من رؤوس الخوارج، ذكر في \"الضعفاء\" للجوزجاني، \"ميزان\" (٤) (إلى ابن عباس يسأله كذا وكذا، ذكر أشياء) من المسائل، حذفها اختصارًا.\nوذكرها مسلم (٥) في حديثه: \"أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال، فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علمًا ما كتبت إليه\". كتب إليه نجدة: \"أما بعد! فأخبرني، هل كان رسول الله - ﷺ - يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهم بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يُتْمُ اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟\n(وعن المملوك: أله في الفيء شيء؟)، وهكذا في رواية سعيد المقبري\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عن كذا وعن أشياء\"، وفي نسخة: \"عن كذا وكذا\".\n(٣) في نسخة: \"الذي يغزو هل له\".\n(٤) انظر: \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٢٤٥).\n(٥) \"صحيح مسلم\" (١٨١٢).","vol":"9","page":420},{"text":"وَعَنِ النِّسَاءِ هَلْ كُنَّ يَخْرُجْنَ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ-؟ وَهَلْ لَهُنَّ نَصِيبٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ يَأْتِىَ (١) أُحْمُوقَةً مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ (٢)، أَمَّا الْمَمْلُوكُ فَكَانَ يُحْذَى، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَكُنَّ (٣) يُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيَسْقِينَ الْمَاءَ\". [م ١٨١٢، ت ١٥٥٦، ن ٤٤٣٥ - ٤٤٣٦، حم ١/ ٢٤٨، دي ٢٤٧٤]\n===\nعند مسلم، عن يزيد بن هرمز: \"يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم، هل يقسم لهما؟ \" (وعن النساء هل كن يخرجن مع النبي - ﷺ -) في الغزو؟ (وهل لهن نصيب؟) أي: في المغنم.\n(فقال ابن عباس: لولا أن يأتي أحموقة) أي: يفعل فعل الحمقى غير الفقهاء في الدين (ما كتبت إليه)، وفي رواية لمسلم: \"لولا أن أكتم علمًا ما كتبت إليه\"، وإنما كره ابن عباس خطابه وجوابه لبدعته، وهي كونه من الخوارج الذين يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ولكن لما سأله عن العلم لم يمكنه كتمه لئلا يكون مستحقًا لوعيد الكتم، فاضطر إلى جوابه، واعتذر بعذرين: أحدهما: في جانبه وهو لزوم كتمان العلم، والثاني: في جانب نجدة، وهو وقوعه في الفعل الذي يخالف الشرع لعدم علمه بحكم الشرع.\n(أما المملوك فكان يحذى) أي: يعطى من الغنيمة، وإنما يرضخ له إذا قاتل، وكذا الصبي، (وأما النساء فكن يداوين الجرحى ويسقين الماء)، وزاد مسلم في رواية له: \"ويحذين من الغنيمة، وأما السهم فلم يضرب لهن\".\nقال في \"الهداية\" (٤): ثم العبد إنما يرضخ له إذا قاتل؛ لأنه دخل لخدمة المولى، فصار كالتاجر، والمرأة يرضخ لها إذا كانت تداوي الجرحى، وتقوم على المرضى، لأنها عاجزة عن حقيقة القتال، فيقام هذا النوع من الإعانة مقام\n_________\n(١) في نسخة: \"تأتي\".\n(٢) في نسخة: \"إليك\".\n(٣) في نسخة: \"فقد كن\".\n(٤) \"الهداية\" (٢/ ٣٩٠).","vol":"9","page":421},{"text":"٢٧٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ - يَعْنِى الْوَهْبِىَّ - قَالَ: نَا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ وَالزُّهْرِىُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: \"كَتَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِىُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ النِّسَاءِ: هَلْ كُنَّ يَشْهَدْنَ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ وَهَلْ كَانَ يُضْرَبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟\nفَأَنَا كَتَبْتُ كِتَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى نَجْدَةَ: قَدْ كُنَّ يَحْضُرْنَ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَّا أَنْ يُضْرَبَ لَهُنَّ بِسَهْمٍ فَلَا، وَقَدْ كَانَ يُرْضَخُ لَهُنَّ\". [م ١٨١٢، ت ١٥٥٦، ن ٤١٣٣ - ٤١٣٤]\n===\nالقتال، بخلاف العبد لأنه قادر على حقيقة القتال، والذمي إنما يرضخ له إذا قاتل أو دل على الطريق، ولم يقاتل، لأن فيه منفعة للمسلمين، إلَّا أنه يزاد على السهم في الدلالة إذا كانت فيه منفعة عظيمة، ولا يبلغ به السهم إذا قاتل.\n٢٧٢٨ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا أحمد بن خالد- يعني الوهبي- قال: نا ابن إسحاق، عن أبي جعفر) محمد بن علي الباقر (والزهري، عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة الحروري) بفتح الحاء المهملة وضم الراء وكسر الراء الأخرى بينهما واو، وهذه النسبة إلى حروراء، وهو موضع بنواحي الكوفة على ميلين منها، نزل به جماعة، خالفوا عليًا - ﵁ - من الخوارج، يقال لهم: الحرورية، ينسبون إلى هذا الموضع لنزولهم به.\n(إلى ابن عباس يسأله عن النساء: هل كن يشهدن الحرب مع رسول الله - ﷺ -؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟) كما يضرب السهم للرجال، قال يزيد بن هرمز: (فأنا كتبت كتاب ابن عباس إلى نجدة) في جوابه، فإن ابن عباس - ﵁ - كف بصره (قد كن يحضرن الحرب مع رسول الله - ﷺ -، فأما أن يضرب لهن بسهم فلا، وقد كان يرضخ لهن).\nقال الشوكاني في \"النيل\" (١): وقد اختلف أهل العلم هل يسهم للنساء إذا\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"9","page":422},{"text":"٢٧٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ قَالَا: أَنَا زَيْدٌ- يَعْنِى ابْنُ الْحُبَابِ-، نَا رَافِعُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنِى (١) حَشْرَجُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِيهِ:\n===\nحضرن؟ فقال الترمذي: إنه لا يسهم لهن عند أكثر أهل العلم، قال: وهو [قول] سفيان الثوري والشافعي، وقال بعضهم: يسهم للمرأة والصبي، وهو قول الأوزاعي، وقال الخطابي (٢): إن الأوزاعي قال: يسهم لهن، قال: وأحسبه ذهب إلى حديث حشرج بن زياد، وإسناده ضعيف، لا تقوم به حجة.\nوقد حكي في \"البحر\" عن العترة والشافعية والحنفية: أنه لا يسهم للنساء والصبيان والذميين، وعن مالك (٣) أنه قال: لا أعلم العبد يعطى شيئًا، وعن الحسن بن صالح: أنه يسهم للعبد كالحر، وعن الزهري: أنه يسهم للذمي لا للعبد، والنساء والصبيان فيرضخ لهم.\n٢٧٢٩ - (حدثنا إبراهيم بن سعيد وغيره قالا: أنا زيد -يعني ابن الحباب- نا رافع بن سلمة بن زياد) بن أبي الجعد الأشجعي الغطفاني مولاهم، البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وجهل حاله ابن حزم وابن القطان.\n(قال: حدثني حشرج) بفتح ثم معجمة ساكنة ثم راء مفتوحة ثم جيم (ابن زياد) الأشجعي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال فيه: النخعي، وقال ابن حزم وابن القطان: إنه مجهول، وقال عبد الحق: لم يرو عنه إلا رافع، وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف، (عن جدته أم أبيه) قال في \"تهذيب التهذيب\" في المبهمات: حشرج بن زياد، عن جدته أم أبيه، هي أم زياد (٤) الأشجعية.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"جدي\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٢/ ٣٠٧).\n(٣) فإنه لم يقل بالرضخ، كما في \"الأوجز\" (٩/ ١٣٧). (ش).\n(٤) وذكر في ترجمتها في \"الإصابة\" هذا الحديث [انظر: \"الإصابة\" (٤/ ٤٣٥)]. (ش).","vol":"9","page":423},{"text":"أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَادِسَ سِتِّ نِسْوَةٍ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَبَعَثَ إِلَيْنَا، فَجِئْنَا، فَرَأَيْنَا فِيهِ الْغَضَبَ، فَقَالَ: «مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ وَبِإِذْنِ مَنْ خَرَجْتُنَّ»؟\nفَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَرَجْنَا نَغْزِلُ الشَّعَرَ، وَنُعِينُ بِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَعَنَا دَوَاءٌ للْجَرْحَى (١)، وَنُنَاوِلُ السِّهَامَ، وَنَسْقِى السَّوِيقَ، فَقَالَ: «قُمْنَ»، حَتَّى إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ أَسْهَمَ لَنَا كَمَا أَسْهَمَ لِلرِّجَالِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا جَدَّةُ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ (٢)؟ قَالَتْ: تَمْرًا. [ق ٦/ ٣٣٢]\n===\n(أنها خرجت مع رسول الله - ﷺ - في غزوة خيبر سادس ست نسوة، فبلغ رسول الله - ﷺ -) خبر مجيئنا (فبعث إلينا، فجئنا) عنده، (فرأينا فيه الغضب، فقال: مع من خرجتن؟)، وفي رواية أحمد في \"مسنده\": \"فقال: ما أخرجكن؟ \" (وبإذن من خرجتن؟ فقلنا: يا رسول الله، خرجنا نغزل الشعر، ونعين به في سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق، فقال: قمن، حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم (٣) للرجال، قال: فقلت لها: يا جدة، وما كان ذلك؟) ولفظ أحمد: \"ما أخرج لكن؟ \" (قالت: تمرًا).\nقال الشوكاني (٤): في إسناده رجل مجهول وهو حشرج، قاله الحافظ في \"التلخيص\" (٥). وقال الخطابي (٦): إسناده ضعيف، لا تقوم به حجة، وقال: فيحمل ما وقع في حديث حشرج، أن النبي - ﷺ - أسهم للنساء بخيبر على مجرد\n_________\n(١) في نسخة: \"الجرحى\".\n(٢) في نسخة: \"ذاك\".\n(٣) ولفظ أحمد: \"خرج لنا سهامًا كسهام الرجال\" [انظر: \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٧١)]. (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٣٩).\n(٥) انظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٢٢٢).\n(٦) \"معالم السنن\" (٢/ ٣٠٧).","vol":"9","page":424},{"text":"٢٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ الْمُفَضَّلِ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَيْرٌ مَوْلَى آبِى اللَّحْمِ قَالَ: \"شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِى، فَكَلَّمُوا فِىَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَرَ بِى (١)، فَقُلِّدْتُ سَيْفًا، فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ، فَأُخْبِرَ أَنِّى مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَنى (٢) بِشَىْءٍ مِنْ خُرْثِىِّ الْمَتَاعِ\" (٣). [ت ١٥٥٧، جه ٢٨٥٥، حم ٥/ ٢٢٣]\n٢٧٣١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،\n===\nالعطية، وكذا قال الحافظ ابن القيم: قولها: \"أسهم لنا كما أسهم للرجال\" تعني به: أنه أشرك بينهم في أصل العطاء لا في قدره، فأرادت أنه أعطانا مثل ما أعطى الرجال، لا أنه أعطاهن بقدره سواء.\nقلت: ويدل عليه قولها: \"أعطانا تمرًا\"، وهذا يدل أن ما أعطاهن هو التمر فقط لاغير.\n٢٧٣٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا بشر -يعني ابن المفضل-، عن محمد بن زيد قال: حدثني عمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا فيَّ رسول الله - ﷺ -، فأمر بي) يحمل السلاح وتقليد السيف لأتعلم المحاربة (فقلدت سيفًا، فإذا أنا أُجره) على الأرض بسبب قصر قامتي ولصغر شي (فأخبر) رسول الله - ﷺ - (أني مملوك، فأمرني بشيء من خرثي) هو بالضم؛ أثاث البيت كالقدر وغيرها (المتاع).\nوزافى في نسخة: \"قال أبو داود: معناه أنه لم يسهم له، وإنما لم يسهم له لصغره وكونه مملوكًا\".\n٢٧٣١ - (حدثنا سعيد بن منصور قال: ثنا أبو معاوية،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ني\".\n(٢) في نسخة: \"فأمرلي\"، والظاهر هو الصواب.\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: قال أبو عبيد: كان حرَّم اللحم على نفسه فسمي بآبي اللحم\".","vol":"9","page":425},{"text":"عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"كُنْتُ أَمِيحُ أَصْحَابِى الْمَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ\". [ق ٩/ ٣١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>(١٤٦) بَابٌ: فِى الْمُشْرِكِ يُسْهَمُ لَهُ</span>؟\n٢٧٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَا: نَا يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِيَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ يَحْيَى:\n===\nعن الأعمش، عن أبي سفيان) طلحة بن نافع، (عن جابر قال: كنت أميح) بمثناة تحتية وحاء مهملة، مضارع ماح ميحًا: إذا نزل في ماء قليل، فملأ الدلو بيده (أصحابي الماء يوم بدر).\n\n(١٤٦) (بَابٌ: فِى الْمُشْرِكِ يُسْهَمُ (١) لَهُ؟) بتقدير حرف الاستفهام، أي: هل يسهم له؟\n٢٧٣٢ - (حدثنا مسدد ويحيى بن معين قالا: نا يحيى) أي القطان، (عن مالك، عن الفضيل) بن أبي عبد الله، المدني، مولى المهري، بفتح الميم وسكون الهاء، قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عبد الله بن نيار) بكسر النون بعدها تحتانية خفيفة، ابن مكرم الأسلمي، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مدني، روى عنه مالك، (عن عروة، عن عائشة، قال يحيى) وإنما ذكر لفظ يحيى فقط، ولم يذكر لفظ مسدد، لأن لفظ مسدد مغاير للفظ يحيى، فاختار لفظ\n_________\n(١) ولا يسهم له عندنا كما في \"الهداية\" (٢/ ٣٩٠)، إذ قال: لما استعان ﵊ باليهود على اليهود لم يعطهم شيئًا من الغنيمة، يعني لم يسهم لهم، ولأن الجهاد عبادة، وأنه ليس من أهلها، انتهى. وكذا عند الشافعي ومالك، وعن أحمد في ذلك روايتان: المرجح أنه يسهم له إذا قاتل بإذن الإِمام، كما في \"الأوجز\" (٩/ ١٣٩). (ش).","vol":"9","page":426},{"text":"أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَحِقَ بِالنَّبِىِّ -ﷺ- يُقَاتِلَ مَعَهُ فَقَالَ: «ارْجِعْ»، ثُمَّ اتَّفَقَا - فَقَالَ: «إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ». [م ١٨١٧، ت ١٥٥٨، جه ٢٨٣٢، حم ٦/ ٦٧، ق ٩/ ٣٦ - ٣٧]\n===\nيحيى، ولعله ترك لفظ مسدد اختصارًا، ولم أجد حديث مسدد فيما عندي من الكتب.\n(إن رجلًا من المشركين) كان (١) يذكر منه جرأة ونجدة، لم أقف (٢) على تسميته حين خرج إلى بدر (لحق بالنبي - ﷺ -) بحرة الوبرة (يقاتل) أي: ليقاتل كما في نسخة، أي: يقاتل مشركي مكة (معه) أي مع رسول الله - ﷺ -، ففرح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله - ﷺ -: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له رسول الله - ﷺ -: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع، فلن أستعين بمشرك، قالت: ثم مضى حتى إذا كانت بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي - ﷺ - كما قال أول مرة، فقال: لا، قال: فارجع، فلن أستعين بمشرك، قال: ثم رجع (٣)، فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، فقال له: فانطلق.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (ارجع، ثم اتفقا) أي: مسدد ويحيى بن معين (فقالا: إنا لا نستعين بمشرك) (٤)، فلما رد رسول الله - ﷺ - الرجل، ولم يستعن به حتى يسلم، دل على أنه لا يجوز الاستعانة بالمشرك والكافر، فإذا لم يجز الاستعانة به وضح أنه لا يسهم له.\n_________\n(١) كما في رواية مسلم (١٨١٧). (ش).\n(٢) قال ابن رسلان: هو حبيب بن يسار، وقد أسلم وحسن إسلامه، ذكره الواقدي والبخاري في \"تاريخه الكبير\" (٢/ ٣٢٧)، كما نقله أبو زرعة. (ش).\n(٣) في الأصل: \"فارجع\" بدل \"ثم رجع\"، وهو تحريف.\n(٤) قال الموفق (١٣/ ٩٨): لا يستعان بمشرك، بهذا قال ابن المنذر وجماعة من أهل العلم، وعن أحمد ما يدل على الجواز، وكلام الخرقي يدل عليه، وهو مذهب الشافعي، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ١٣٩). (ش).","vol":"9","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>(١٤٧) بَابٌ: فِى سُهْمَانِ الْخَيْلِ</span>\n٢٧٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ،\n===\nقال الشوكاني (١): وإلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين ذهب جماعة من العلماء، وهو مروي عن الشافعي (٢)، وحكي في \"البحر\" عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه: أنها تجوز الاستعانة بالكفار والفساق حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه، واستدلوا باستعانته - ﷺ - بصفوان بن أمية يوم حنين، وبإخباره - ﷺ - بأنها ستقع من المسلمين مصالحة الروم، ويغزون جميعًا عددًا من وراء المسلمين.\nقال في \"البحر\": وتجوز الاستعانة بالمنافق إجماعًا لاستعانته - ﷺ - بابن أُبي وأصحابه، وتجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعًا، وعلى البغاة عندنا لاستعانة علي بالأشعث، ومما يدل على جواز الاستعانة بالمشركين أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم أحد، وهو مشرك، فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حملة لواء المشركين، حتى قال - ﷺ -: \"إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر\"، كما ثبت عند أهل السير، وخرجت خزاعة مع النبي - ﷺ - على قريش عام الفتح. انتهى ملخصًا.\n\n(١٤٧) (بَابٌ: فِى سُهْمَانِ الْخَيْلِ)\nأي: في قسمة الغنيمة على الفرسان والرجالة\n٢٧٣٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو معاوية، نا عبيد الله،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٨/ ٤٤)، باب استئذان الأبوين في الجهاد.\n(٢) يخالفه ما قال ابن رسلان، إذ قال: وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة به وإلَّا فيكره، فإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والجمهور، انتهى. وقال الشعراني في \"الميزان\" (٣/ ٢٨٣): قول مالك وأحمد لا يستعان بالمشركين على الإطلاق، وقال مالك: إلا أن يكونوا خدام المشركين مع قول أبي حنيفة بجوازه، وقول الشافعي بشرطين: قلة المسلمين، وحسن رأيهم، انتهى. (ش).","vol":"9","page":428},{"text":"عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ\". [خ ٢٨٦٣، م ١٧٦٢، ت ١٥٥٤، جه ٢٨٥٤، حم ٢/ ٢]\n===\nعن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له وسهمين لفرسه).\nواختلف العلماء في بيان مقدار الاستحقاق للمقاتل، فهو إما أن يكون راجلًا، وإما أن يكون فارسًا، فإن كان راجلًا، فله سهم واحد بالاتفاق، وإن كان فارسًا فله ولفرسه سهمان عند أبي حنيفة وزفر، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله- له ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وبه قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والثوري، وأبو عبيد، وابن جرير، وآخرون، ولم يقل بقول أبي حنيفة وزفر أحد إلا ما حكي ذلك عن علي وعمر وأبي موسى. قال الحافظ في \"الفتح\" (١): والثابت عن علي وعمر كالجمهور.\nواستدل الجمهور بهذا الحديث حديث ابن عمر وأمثاله الواردة في هذا المعنى، وأما الإِمام أبو حنيفة - ﵀ - استدل له بحديث مجمع بن جارية الآتي، وسيأتي شرحه بعد هذا.\nوأما الجواب من حديث ابن عمر أنه لم يبين فيه أنه تلك القسمة متى وقعت؟ هل وقعت قبل خيبر أو بعدها؟ فلما احتمل أن يكون قبل خيبر لا يكون فيه حجة، لأنه محتمل للنسخ، ومحتمل أن يكون قسمة الغنيمة في ذلك الوقت مفوضًا إلى رأي رسول الله - ﷺ -، يقسمها كيف يشاء، ويعطيها من يشاء، ويحتمل أن يكون أعطى السهم الواحد تنفيلًا، فلا حجة فيه.\nوقد أخرج البخاري هذا الحديث في \"صحيحه\" بموضعين (٢): أولهما:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٨).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٨٦٣ و٤٢٢٨).","vol":"9","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي الجهاد في \"باب سهام الفرس\"، ولفظه: \"أن رسول الله - ﷺ - جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا\"، ثم أخرج في المغازي عن ابن عمر - ﵁ - قال: \"قسم رسول الله - ﷺ - يوم خيبر للفرس سهمين، وللراجل سهمًا\"، فزاد في الثاني لفظ: \"يوم خيبر\".\nوالجواب عنه أن معنى قوله: \"للفرس سهمين\" أي: للفرس مع صاحبه سهمين، لأنه قابل به للراجل، أو يقال: إن كثيرًا ما يحذف في كتابة العربية الألف، فقوله: \"للفرس سهمين\"، كان أصله للفارس سهمين، فحذف الألف منه، لأنه يستدل بالمقابلة بأن المراد: الفارس لا الفرس، ثم لما فهم منه الراوي أن المراد بالفرس: الفرس، دون الفارس، ففسره إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن له فرس فله سهم.\nأورد البخاري هذا التفسير عن نافع في المغازي في \"الصحيح\"، فلما فهم نافع هذا المعنى، فرواه بالمعنى في محل آخر، كما رواه في الجهاد، فقال: \"جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا، وكما رواه أبو داود وابن ماجه: \"أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم\"، ولفظ ابن ماجه: \"أسهم للفارس ثلاثة أسهم\"، فهذه كلها روايات بالمعنى على ما فهمه الراوي. وكذلك لفظ مسلم: \"أنه قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهمًا\"، وكذلك لفظ الترمذي.\nوأما لفظ أبي داود: \"أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا له، وسهمين لفرسه\"، وكذلك لفظ ابن ماجه: \"أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان، وللرجل سهم\"، فهاتان الروايتان رواهما الراوي على ما فهم، وفهمه ليس بحجة.\nويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": حدثنا أبو أسامة وابن نمير قَالَا: ثنا عبيد الله، [عن نافع]، عن ابن عمر: \"أن رسول الله - ﷺ - جعل للفارس سهمين، وللراجل سهمًا\"، فهذه هي الرواية التي رواها البخاري وغيره بلفظ: الفرس، فرواها ابن أبي شيبة بلفظ: \"الفارس\"، فهذا يؤيد ما قدمنا من التأويل الثاني.","vol":"9","page":430},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم أخرجه عن نعيم بن حماد، ثنا ابن المبارك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: \"أنه أسهم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا\"، ثم أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، ثنا ابن وهب، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يسهم للخيل: للفارس سهمين، وللراجل سهمًا\"، ثم أخرجه عن حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: \"أن النبي - ﷺ - قسم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا\".\nقال الزيلعي (١): قلت: ورواه الدارقطني في أول كتابه \"المؤتلف والمختلف\": حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي ومحمد بن علي بن أبي روبة قالا: ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن عبد الرحمن بن أيمن، عن نافع، عن ابن عمر: \"أن النبي - ﷺ - كان يقسم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا\".\nوأنت تعلم أن ما وقع في هذه الروايات الصحاح من لفظ: الفارس، فالمراد: الفارس مع فرسه لهما سهمان، فوقع الاختلاف بين أصحاب عبيد الله بن عمر، فرواه أبو أسامة عند البخاري في الجهاد، وزائدة عند البخاري أيضًا في المغازي، وسليم بن أخضر عند مسلم والترمذي، وعبد الله بن نمير عند مسلم بلفظ: الفرس، ورواه أبو أسامة وابن نمير وابن المبارك وابن وهب وحماد بن سلمة كلهم عند ابن أبي شيبة بلفظ: الفارس.\nثم قال: وتابعه ابن أبي مريم وخالد بن عبد الرحمن، عن عبد الله ابن عمر العمري، ورواه القعنبي عن العمري بالشك في الفارس أو الفرس، فلا ينبغي أن يحمل ما وقع عند ابن أبي شيبة من الرواة العدول والثقات على الوهم، بل يجب أن يحمل على ما يصح به معنى الفارس والفرس، أي معنى\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٤١٨)، و\"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\" (٢/ ١٢٤).","vol":"9","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقوله: \"للفارس\"، أي أعطى له ولفرسه سهمين، وكذلك معنى الفرس، أي أعطى الفرس ولصاحبه سهمين، وأعطى الراجل سهمًا.\n(عجيبة): قال الشوكاني في \"النيل\" (١): وقد نقل عن أبي حنيفة - ﵁ - أنه احتج لما ذهب إليه، بأنه يكره أن تفضل البهيمة على المسلم، وهذه حجة ضعيفة وشبهة ساقطة، ونصبها في مقابلة السنَّة الصحيحة المشهورة مما لا يليق بعالم، وأيضًا السهام في الحقيقة كلها للرجل لا للبهيمة، وأيضًا قد فضلت الحنفية الدابة على الإنسان في بعض الأحكام، فقالوا: لو قتل كلبَ صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها، فإن قتل عبدًا مسلمًا لم يؤد فيه إلَّا دون عشرة آلاف درهم، انتهى.\nقلت: وقد أشار إلى هذا التشنيع الحافظ في \"الفتح\" (٢) قبل ذلك، ولكن بالغ الشوكاني في التشنيع على عادته، وخرج عن حد الأدب مع الأئمة.\nوأصل الاستدلال للحنفية هكذا: إن روايات الأخبار تعارضت في الباب، روي في (٣) بعضها أن ﵊ قسم للفارس سهمين، وفي بعضها أنه ﵊ قسم له ثلاثة أسهم، إلَّا أن رواية السهمين عاضدها القياس، وهو أن الرجل أصل في الجهاد، والفرس تابع له، لأنه آلة، ألا ترى أن فعل الجهاد يقوم بالرجل وحده؟ ولا يقوم بالفرس وحده، فكان الفرس تابعًا في باب الجهاد، ولا يجوز تفضيل التبع على الأصل في السهم، وأخبار الآحاد إذا تعارضت فالعمل بما عاضده القياس أولى، والله ﷾ أعلم.\nفانظر أين هذا الاستدلال؟ وأين ما مسخه الشوكاني؟ وأين فيه مقابلة الشبهة الساقطة بالسنَّة الصحيحة المشهورة؟ وهل يليق هذا الصنيع بعالم؟\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٤٣).\n(٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٨).\n(٣) في الأصل: \"عن بعضها\" خطأ.","vol":"9","page":432},{"text":"٢٧٣٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ (١) اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، نِا الْمَسْعُودِىُّ، حَدَّثَنِى أَبُو عَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَمَعَنَا فَرَسٌ، فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ مِنَّا سَهْمًا، وَأَعْطَى لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ\". [حم ٤/ ١٣٨، ق ٦/ ٣٢٦]\n٢٧٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ،\n===\nوأما المعارضة بقتل الكلب والعبد المسلم، فإنه يؤدي في الكلب أكثر من عشرة آلاف، وفي العبد المسلم لم يؤد فيه إلَّا دون عشرة آلاف درهم، فهو أعجب من ذلك كله، والفرق بين هذه المسألة ومسألة السهم واضح، غير خافٍ على من له أدنى ممارسة لعلم الشريعة، فإن قياس السهم على هذه المسألة وحكم الاتحاد قياس مع الفارق.\n٢٧٣٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن يزيد، نا المسعودي) وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، (حدثني أبو عمرة، عن أبيه قال: أتينا رسول الله - ﷺ - أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منَّا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين).\n٢٧٣٥ - (حدثنا مسدد، نا أمية بن خالد) بن الأسود بن هدبة، وقيل: ابن خالد- بن هدبة بن عتبة، الأسدي الثوباني، أبو عبد الله، البصري، أخو هدبة، وكان أكبر منه، قال أبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والعجلي: ثقة، وروى العقيلي في \"الضعفاء\" عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أمية بن خالد، فلم أره يحمده في الحديث، قال: إنما كان يحدث بحفظه، لا يخرج كتابًا، وما أبدى العقيلي فيه غير حديث واحد وصله وأرسله غيره، وذكر أبو العرب في \"الضعفاء\"، فلم يصنع شيئًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"عبيد الله\".","vol":"9","page":433},{"text":"نَا الْمَسْعُودِىُّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ أَبِى عَمْرَةَ، عَنْ أَبِى عَمْرَةَ بِمَعْنَاهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، زَادَ: فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ. [ق ٦/ ٣٢٦]\n===\n(نا المسعودي، عن رجل من آل أبي عمرة، عن أبي عمرة بمعناه، إلَّا أنه قال: ثلاثة نفر، زاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم).\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): أبو عمرة عن أبيه: أتينا النبي - ﷺ -، ونحن أربعة نفر، الحديث، وعنه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن رجل من آل أبي عمرة عن النبي - ﷺ -، ولم يقل عن أبيه، أخرجه أبو داود بالوجهين، وذكر صاحب \"الأطراف\" حديثه في ترجمة أبي عمرة الأنصاري، وهو بعيد جدًا.\nقلت: روى أبو عبد الله بن منده في \"معرفة الصحابة\" من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبيه، عن جده \"أنه جاء إلى النبي - ﷺ - ومعه أخ له يوم بدر أو يوم أحد، فأعطى الرجل سهمًا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين\"، والاختلاف على المسعودي، وكان قد اختلط، ورواية ابن منده هي من طريق يونس بن بكير عنه، ورواية أبي داود من طريق أمية بن خالد عنه، والثانية من رواية أبي عبد الرحمن المقرئ عنه، والظاهر من مجموع ذلك أن الحديث لأبي عمرة الأنصاري لا لغيره، والله أعلم.\nومن الجائز أن يكون عبد الله بن عبد الرحمن يكنى أبا عمرة، فتلتئم رواية أمية بن خالد مع رواية يونس بن بكير، إلا أن يونس يزيد عليه قوله: عن جده، وهو أصوب، والله أعلم.\nقال الشوكاني (٢): وحديث أبي عمرة في إسناده المسعودي وفيه مقال،\n_________\n(١) (١٢/ ١٨٧).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٤٢).","vol":"9","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1038>(١٤٨) بَابٌ: فِيمَنْ أَسْهَمَ لَهُ سَهْمٌ</span>\n٢٧٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَمِّعِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِىُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يَعْقُوبَ بْنَ المُجَمِّعِ يَذْكُرُ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمِّهِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِىِّ\n===\nوكذا قال الزيلعي (١)\n\n(١٤٨) (بَابٌ: فِيمَنْ أَسْهَمَ لَهُ سَهْمٌ)\nوفي المصرية \"سهمًا\"، وهو الأوضح، ومعناه أن هذا باب فيمن أعطى للخيل سهمًا واحدًا\n٢٧٣٦ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا مجمع) بضم ميم وفتح جيم وكسر ميم ثانية مشددة وبعين مهملة (ابن يعقوب بن مجمع بن يزيد الأنصاري) القبائي المدني، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سمعت أبي يعقوب بن المجمع) بن يزيد بن جارية بالجيم، الأنصاري المدني، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (يذكر عن عمه عبد الرحمن بن يزيد) بن جارية، بالجيم والتحتانية، (الأنصاري)، أبو محمد المدني، أخو عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه، ولد في عهد النبي - ﷺ -، قال الأعرج: ما رأيت أحدًا بعد الصحابة أفضل منه، قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة، وقال ابن خلفون: وثَّقَه العجلي وابن البرقي، وهو أجل من أن يقال فيه: ثقة.\n(عن عمه مجمع بن جارية) بن عامر بن مجمع (الأنصاري) الدوسي،\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٤١٤).","vol":"9","page":435},{"text":"قَالَ: وَكَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ - قَالَ: شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا إِذَا النَّاسُ يَهُزُّونَ الأَبَاعِرَ (١)، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: مَا لِلنَّاسِ (٢)؟ قَالُوا: أُوحِىَ إِلَى النبيِّ -ﷺ-، فَخَرَجْنَا مَعَ النَّاسِ نُوجِفُ، فَوَجَدْنَا النَّبِىَّ -ﷺ- وَاقِفًا عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ كُرَاعِ الْغَمِيمِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ قَرَأَ عَلَيْهِمْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾،\n===\nقال ابن إسحاق: كان مجمع بن جارية حدثًا، قد جمع القرآن، وكان أبوه جارية ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع يصلي بهم فيه، ثم إنه أحرق، يقال إن عمر بعثه إلى أهل الكوفة يعلمهم القرآن، فتعلم ابن مسعود، فعلمه القرآن، مات في إمارة معاوية.\n(قال) أي عبد الرحمن: (وكان) مجمع بن جارية (أحد القراء الذين قرؤوا القرآن، قال) أي مجمع: (شهدنا الحديبية مع رسول الله - ﷺ -، فلما انصرفنا) أي: رجعنا (عنها إذا الناس يهزون) أي: يحركون ويسرعون (الأباعر) جمع بعير، أي: رواحلهم، (فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟) أي: لِمَ يسرعون رواحلهم؟\n(قالوا: أوحي إلى النبي - ﷺ -) فيسرعون إليه ليسمعوه، (فخرجنا مع الناس نوجف) أي: نسرع (فوجدنا النبي - ﷺ - واقفًا على راحلته عند كراع الغميم) والكراع بالضم آخره عين مهملة، والغميم بالغين المفتوحة: موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة، وهو واد أمام عسفان ثمانية أميال.\n(فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٣)،\n_________\n(١) في نسخة: \"بالأباعر\".\n(٢) في نسخة: \"ما بال الناس\".\n(٣) سورة الفتح: الآية ١.","vol":"9","page":436},{"text":"فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَالَّذِى نَفْسُ (١) مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ»،\n===\nفقال رجل) قال الشيخ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢): فقال عمر: أَوَفَتْحٌ هو يا رسول الله؟ (يا رسول الله، أفتح هو؟ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (نعم) ثم أكده بالحلف؛ لأنه لم يكن على ظاهره فتحًا، بل ذلة وهزيمة، كما أشار إليه عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"لِمَ نعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا\"؟\n(والذي نفس محمد بيده إنه) أي الصلح في الحديبية على ما اشترطوا (لفتح) عظيم، وقد فسر قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣)، هو صلح الحديبية بقول الزهري، فما فتح في الإِسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس، كلَّم بعضهم بعضًا، والتقوا، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلَّم أحد في الإِسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، وقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإِسلام قبل ذلك أو أكثر، أو يقال: إن المراد من الفتح فتح مكة، فمعنى الكلام أن صلح الحديبية سبب لفتح مكة وذريعة إليه.\nثم أقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر، ففتحها حصنًا حصنًا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق، وأصاب منهم سبايا، منهم صفية بنت حيي بن أخطب، فاصطفاها لنفسه، وفتح الله عليه حصن صغب بن معاذ، وما بخيبر حصن أكثر طعامًا وودكًا منه، وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحًا الوطيح والسلالم، فحاصرهم رسول الله - ﷺ - بضع عشرة ليلة،\n_________\n(١) في نسخة: \"نفسي بيده\".\n(٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٩٦).\n(٣) سورة الفتح: الآية ٢٧.","vol":"9","page":437},{"text":"فَقُسِّمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ،\n===\nفلما أيقنوا بالهلاك سألوه أن يحقن دماءهم، ففعل، وكان رسول الله - ﷺ - قد حاز الأموال كلها الشق والنطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلَّا ما كان في ذينك الحصنين.\n(فقسمت خيبر) أي: أموالها (على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله - ﷺ -) على ستة وثلاثين سهمًا، حبس نصفها لنفسه ولزوجاته، ولما يعروه من النوائب ثمانية عشر سهمًا، وقسم النصف الباقية للغزاة (على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة).\nواختلفت الروايات في عدد أصحاب الحديبية، ففي رواية البراء عند البخاري (١): \"كنا أربع عشرة مائة\"، وفي حديث سالم عن جابر: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة، ثم أخرج البخاري بسنده عن قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة، فقال لي سعيد: حدثني جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النبي - ﷺ - يوم الحديبية، ثم أخرج البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمائة، وكانت أسلمُ ثُمُنَ المهاجرين.\nفما رواه سالم عن جابر وسعيد بن المسيب عنه أقرب إلى التحقيق من الروايات الباقية، لأنه أكده بقوله: \"الذين بايعوا النبي - ﷺ - يوم الحديبية\"، ثم تأيدت هذه الرواية برواية مجمع بن جارية الأنصاري، فإنه قال: وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، وأيضًا التنصيص بعدد لا ينفي الزيادة، فليس أقل العدد مخالفًا للزيادة، بل هو داخل فيها، لأن عند الأكثر زيادة علم فيعتبر به ويؤخذ.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤١٥٠، ٤١٥٢، ٤١٥٣، ٤١٥٥).","vol":"9","page":438},{"text":"فِيهِمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا\". [حم ٣/ ٤٢٠، ك ٢/ ١٣١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ أَبِى مُعَاوِيَةَ أَصَحُّ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَأَرَى الْوَهَمَ فِى حَدِيثِ مُجَمِّعٍ أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، وَكَانُوا مِائَتَىْ فَارِسٍ.\n===\n(فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس) مع فرسه (سهمين) سهمًا له وسهمًا لفرسه، (وأعطى الراجل سهمًا، قال أبو داود: وحديث أبي معاوية) المقدم في \"باب سهمان الخيل\" (أصح، والعمل عليه) أي عند الجمهور (وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال: ثلاث مائة فارس، وكانوا مائتي فارس).\nقلت: وفي قول أبي داود تضعيف للحديث، ولم يأت عليه بدليل، وذكر الزيلعي (١) أن ابن القطان قال في كتابه: وعلة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع، ولا يعرف، روى عنه غير ابنه، وابنه مجمع ثقة، فضعف ابن القطان هذا الحديث بجهالة يعقوب بن مجمع، لأنه لم يعرف بأنه روى عنه غير ابنه.\nقلت: لكن قال الحافظ (٢): روى عنه ابنه مجمع، وابن أخيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وعبد العزيز بن عبيد بن صهيب، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، فارتفع الجهالة، وتثبت التوثيق.\nثم إنه تكلم الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى- في مجمع بن يعقوب، قال في \"الخلاصة\" (٣): قال الشافعي - ﵀ -: شيخ لا يعرف، قال الحافظ: روى عنه يونس بن محمد المؤدب، ويحيى بن حسان، وإسماعيل بن أبي أويس، والقعنبي، وقتيبة، ومحمد بن عيسى بن الطباع، وغيرهم، فمن كان رواته بهذا العدد، فكيف يكون مجهولًا؟ ثم عن ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٤١٧).\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٩٥).\n(٣) \"خلاصة تهذيب الكمال\" (ص ٣٧٠).","vol":"9","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>(١٤٩) بَابٌ: فِى النَّفْلِ</span>\n===\nأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقد تقدم عن ابن القطان أنه قال في بيان علة يعقوب وابنه مجمع: ثقة، فوثقه ابن القطان نصًّا.\nوقال في \"الجوهر النقي\" (١): حديث مجمع بن جارية، وفي سنده مجمع بن يعقوب، فحكي عن الشافعي أنه قال: شيخ لا يعرف، قلت: هذا الحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" وقال: حديث كبير صحيح الإسناد، ومجمع بن يعقوب معروف، قال صاحب \"الكمال\": روى عنه القعنبي، ويحيى الوُحاظي، وإسماعيل بن أبي أويس، ويونس المؤدب، وأبو عامر العقدي، وغيرهم، وقال ابن سعد: توفي بالمدينة، وكان ثقة، وقال أبو حاتم وابن معين: ليس به بأس، وروى له أبو داود والنسائي، انتهى.\nومعلوم أن ابن معين إذا قال: ليس به بأس، فهو توثيق، انتهى، وكذا قال الحافظ شمس الدين الذهبي في \"تلخيصه\" (٢) بعد تخريج الحديث: صحيح.\n\n(١٤٩) (بابٌ: فِى النَّفْلِ) (٣)\nوالمراد بالنفل: الغنيمة (٤)، لأنها فضل من الله سبحانه وعطاؤه، ويذكر\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٢٥).\n(٢) انظر: \"المستدرك مع التلخيص\" (١/ ١٣١).\n(٣) اِعلم أنهم بعد ما اتفقوا على جواز تنفيل الإِمام اختلفوا في محله، هل هو من أصل الغنيمة أو من أربعة الأخماس أو من الخمس أو خمس الخمس؟ كما بسط الاختلاف فيه في \"الأوجز\"، والجملة أن محله خمس الخمس في الأصح من ثلاثة أقوال للشافعي، وخمس الغنيمة عند الإِمام مالك، وأربعة أخماسها عند الإِمام أحمد، إلا أن عند الشافعي وأحمد يستثنى من ذلك السلب، فإنه من أصل الغنيمة عندهما، بخلاف الإِمام مالك والحنفية، فلا فرق عندهما في السلب وغيره، ومذهب الحنفية في النفل: أنه إن قيَّده الإِمام بما بعد الخمس فقال مثلًا: \"من فعل كذا فله كذا بعد الخمس\" يكون محله أربعة الأخماس، وإن لم يقيده فمحله أصل الغنيمة، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ١٢١ - ١٢٢). (ش).\n(٤) ذكر المصنف في هذا الباب ما يتعلق بغنائم بدر، وهي التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأنفال ...﴾ إلخ ﴿الأنفال: ١]، فعبرها المصنف أيضًا بالنفل اتباعًا للقرآن.","vol":"9","page":440},{"text":"٢٧٣٧ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ قَالَ: أَنَا خَالِدٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنَ النَّفْلِ كَذَا وَكَذَا».\nقَالَ: فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ وَلَزِمَ الْمَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ، فَلَمْ يَبْرَحُوهَا، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالَتِ (١) الْمَشْيَخَةُ: كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ، لَوِ انْهَزَمْتُمْ فِئْتُمْ (٢) إِلَيْنَا، فَلَا تَذْهَبُوا بِالْمَغْنَمِ وَنَبْقَى، فَأَبَى الْفِتْيَانُ، فَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَنَا،\n===\nفي هذا الباب من حكمها غير ما ذكر في الأبواب المتقدمة، أو المراد من النفل ما يخصه الإِمام من السلب وغيره للتحريض.\n٢٧٣٧ - (حدثنا وهب بن بقية قال: أنا خالد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا)، أي قال مثلًا: من قتل قتيلًا فله سلبه (قال) أي: ابن عباس: (فتقدم الفتيان) للقتال (ولزم المشيخة الرايات، فلم يبرحوها) أي: لم يفارقوها.\n(فلما فتح الله عليهم، قالت المشيخة: كنا ردءًا) أي: عونًا وظهيرًا (لكم، لو انهزمتم فئتم) أي: رجعتم (إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم) أي كله (ونبقى) محرومين عنه، (فأبى الفتيان، فقالوا: جعله رسول الله - ﷺ - لنا) وهو ما روي عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال: \"من أتى مكان كذا وكذا فله كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا فله كذا وكذا، فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما فتح عليهم، جاؤوا يطلبون ما جعل لهم النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"لفئتم\".","vol":"9","page":441},{"text":"فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ والرسول﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، يَقُولُ: فَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا، فَأَطِيعُونِى فَإِنِّى أَعْلَمُ بِعَاقِبَةِ هَذَا مِنْكُمْ. [ك ٢/ ٢٢١، السنن الكبرى ١١١٩٧]\n٢٧٣٨ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا هُشَيْمٌ قَالَ: نَا (١) دَاوُدُ بْنُ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا\n===\n(فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢)، فذكر الله تعالى للتوطئة والتبرك، والمعنى أن قسمة الغنائم موكولة إلى رأيه - ﷺ - يقسمها كيف يشاء (إلي قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (٣) أي: الخروج. (يقول: فكان ذلك) أي الخروج (خيرا لهم، فكذلك) أي: قسم الغنائم (أيضًا، فأطيعوني) في قسم الغنيمة ولا تنازعوا فيها (فإني أعلم بعاقبة هذا منكم) فسلموا لله ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا أو يضعانها حيث أرادا.\n٢٧٣٨ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا هشيم قال: نا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال يوم بدر: من قتل قتيلًا\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) وأفاد مولانا الشيخ النانوتوي في مكاتيبه \"قاسم العلوم\": أن خلقة الناس للعبادة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ...﴾ الآية [الذاريات: ٥٦]، فمن لم يعبد فهم كالأنعام بل هم أضل، ويجوز للرجل التصرف والتغلب على الأنعام، فكذلك يجوز للمسلم التغلب عليهم، والأموال كلها في الحقيقة لله ﷿، فهي بمنزلة رجل غرس في أرض مالحة، ولما لم ينبت أخرج أشجاره وغرسها في أرض صالحة، كذلك الأموال تخرج من الكفار وتعطى المسلمين، انتهى. (ش).\n(٣) سورة الأنفال: الآية ١ - ٥.","vol":"9","page":442},{"text":"فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا»، ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ، وَحَدِيثُ خَالِدٍ أَتَمُّ. [ق ٦/ ٣١٦، ك ٢/ ٢٢١]\n٢٧٣٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ،\n===\nفله كذا وكدا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا) (١).\nوفي \"السير الكبير\" (٢): وذكر عن موسى بن سعد بن زيد قال: نادى منادي رسول الله - ﷺ - يوم بدر: من قتل قتيلًا فله سلبه، ومن أسر أسيرًا فهو له، فأعطى قاتل أبي جهل- لعنه الله- سلبه، وما أخذوا بغير قتال، قسمه بينهم عن فواق، يعني عن سواء.\nوهكذا ذكره ابن عباس - ﵄- قال: لما نزلت الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَكَارِهُونَ﴾ (٣) فقسمها بينهم بالسواء، وقد اتفقت الروايات [على] أنه أعطى كل قاتل سلب قتيله يومئذ على ما ذكر عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: أخذ علي - ﵁ - سلب الوليد بن عتبة، وأخذ حمزة - ﵁ - سلب عتبة، وأخذ عبيدة بن الحارث - ﵁ - سلب شيبة، فدفع إلى ورثته، وكان عبيدة قد جرح، فمات بذات أجذال (٤) في الصفراء قبل أن ينتهي إلى المدينة.\n(ثم ساق نحوه، وحديث خالد) المتقدم (أتم) من حديث هشيم هذا.\n٢٧٣٩ - (حدثنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال،\n_________\n(١) وفي \"حاشية شرح الإقناع\" (٤/ ٢٦٥): لا يجوز شرط، من غنم شيئًا فهو له، خلافًا للأئمة الثلاثة، وما نقل أنه - ﷺ - فعل كذا لم يثبت، وبفرض ثبوته فالغنيمة كانت له يتصرف فيها بما يراه. (ش).\n(٢) انظر: \"السير الكبير\" (٢/ ٥٩٨).\n(٣) سورة الأنفال: الآية ١.\n(٤) في الأصل: \"أجدال\" بالدال، والصواب: \"أجذال\" بالذال. و\"ذات أجذال\": هو البريد الخامس من المدينة لمن يريد بدرًا. انظر: \"معجم البلدان\" (١/ ١٠١)، و\"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٣٨).","vol":"9","page":443},{"text":"قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِىُّ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ أَبِى زَائِدَةَ قَالَ: نِا (١) دَاوُدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: \"فَقَسَّمَهَا (٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالسَّوَاءِ\"، وَحَدِيثُ خَالِدٍ أَتَمُّ. [انظر الحديث السابق]\n٢٧٤٠ - حَدَّثَنِا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، عَنْ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جِئْتُ إِلَى\n===\nقال: نا يزيد بن خالد بن موهب الهمداني قال: نا يحيى بن أبي زائدة قال) أي: يحيى بن أبي زائدة: (نا داود بهذا الحديث) المتقدم (بإسناده، قال) يحيى في حديثه، أو ابن عباس: (قسمها) أي: غنيمة بدر (رسول الله - ﷺ - بالسواء).\nمعناه أن الصحابة الذين كانوا معه في بدر لما تشاجروا في قسم الغنيمة، وكانوا ثلاث فرق، فانطلقت طائفة في أثر الذين انهزموا من الكفار يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على الغنائم يحوونها ويجمعونها، وأحدقت طائفة برسول الله - ﷺ - لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا لطلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله - ﷺ -: لستم بأحق منا، نحن أحدقنا برسول الله - ﷺ -، وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ والآية، فقسمه رسول الله - ﷺ - بين الفرق الثلاث على السواء، ولم يفضل بعضهم على بعض.\n(وحديث خالد أتم) من حديث يحيى بن أبي زائدة.\n٢٧٤٠ - (حدثنا هناد بن السري، عن أبي بكر) بن عياش، (عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه) أي: سعد بن أبي وقاص (قال: جئت إلى\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"فقسمها\".","vol":"9","page":444},{"text":"النَّبِى -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفٍ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَفَى صَدْرِى الْيَوْمَ مِنَ الْعَدُوِّ، فَهَبْ لِى هَذَا السَّيْفَ، قَالَ: \"إِنَّ هَذَا السَّيْفَ لَيْسَ لِى وَلَا لَكَ\"، فَذَهَبْتُ وَأَنَا أَقُولُ: يُعْطَاهُ الْيَوْمَ مَنْ لَمْ يُبْلِ بَلَائِى، فَبَيْنَا أَنَا إِذْ جَاءَنِى الرَّسُولُ فَقَالَ: أَجِبْ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ نَزَلَ فِىَّ شَىْءٌ بِكَلَامِى (١)، فَجِئْتُ، فَقَالَ لِى النَّبِىُّ -ﷺ-: \"إِنَّكَ سَأَلْتَنِى هَذَا السَّيْفَ، وَلَيْسَ هُوَ لِى وَلَا لَكَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُ لِى فَهُوَ لَكَ\" ثُمَّ قَرَأَ:\n===\nالنبي - ﷺ - يوم بدر بسيف) قبل نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٢)، وكان ذلك السيف لسعيد بن العاص، فقتله وأخذه، وكان يسمى ذا الكنيفة (فقلت: يا رسول الله! إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو) فجعلهم طعمة لسيوفنا (فهب لي هذا السيف) لأقاتل به في سبيل الله.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (إن هذا السيف ليس لي) فأعطيك (ولا لك) فتأخذه، لأنه لم ينزل علي فيه حكم. (فذهبت) أي: رجعت (وأنا أقول: يعطاه) أي: السيف (اليوم من لم يبل بلائي) أي: من لم يعمل مثل عملي في الحرب، ولم يختبر مثل اختباري من دخولي في غمار الحرب.\n(فبينا أنا) مشتغل في همي (إذ جاءني الرسول) لم أقف على تسميته (فقال) الرسول: (أحب) أي: يدعوك رسول الله - ﷺ - فأجب (فظننت) أي: خفت (أنه نزل فيَّ شيء) أي: من العتاب (بكلامي) الذي قلته: إنه يعطى اليوم من لم يبل بلائي (فجئت) رسول الله - ﷺ -.\n(فقال لي النبي - ﷺ -: إنك سألتني هذا السيف، وليس) أي: والحال أنه لم يكن (هو لي ولا لك، وإن الله قد جعله لي) فأنا أعطيكه (فهو لك، ثم قرأ:\n_________\n(١) في نسحة: \"من كلامي\".\n(٢) سورة الأنفال: الآية ١.","vol":"9","page":445},{"text":"﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ...﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ\". [ت ٣٠٧٩، حم ١/ ١٧٨، م ١٧٤٨، ق ٦/ ٢٩١، ك ٢/ ١٣٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قِرَاءَةُ (١) ابْنِ مَسْعُودٍ: يَسْأَلُونَكَ النَّفْلَ.\n===\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية (٢).\n(قال أبو داود: قراءة ابن مسعود: يسألونك النفل) قلت: ليس قراءة ابن مسعود بصيغة الواحد، وليس المراد أن الاختلاف في لفظ الواحد والجمع، بل الاختلاف الواقع بين القراءتين هو أن قراءة الجمهور بلفظ: \"عن\"، وقراءة ابن مسعود بغير لفظ: \"عن\"، فقراءته: يسألونك الأنفال، كما ذكره ابن جرير في \"تفسيره\" (٣): حدثنا ابن بشار قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، قال: كان أصحاب عبد الله يقرؤونها: \"يسألونك الأنفال\". وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: هي في قراءة ابن مسعود: \"يسألونك الأنفال\"، وهذا إشارة إلى الاختلاف في معنى الآية على القراءتين، فعلى قراءة الجمهور معنى الآية: يسألونك عن حكم الأنفال لمن هو؟ ومعناها على قراءة ابن مسعود: يسألك الناسُ الأنفال (٤)، كما سأل سعد السيف وغيرُه غيرَه.\nوأورد مسلم هذا الحديث في \"صحيحه\" (٥): حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا أبو عوانة، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: أخذ أبي من الخمس سيفًا، فزاد لفظ: \"من الخمس\"، وهو مشكل، فإن الخمس لم يكن يومئذ، بل نزل الخمس بعد ذلك بزمان، وهو قوله تعالى:\n_________\n(١) في نسخة: \"قرأه\".\n(٢) سورة الأنفال: الآية ١.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" (٦/ ١٧٤).\n(٤) في الأصل: \"يسئلوا الناس عنك الأنفال\"، وفيها تحريف.\n(٥) \"صحيح مسلم\" (١٧٤٨).","vol":"9","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١)، ولهذا قال بعض العلماء: إن هذه الآية ناسخة لتلك.\nوفيه إشكال آخر؛ وهو أن رسول الله - ﷺ - قال يوم بدر: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\"، وسعد بن أبي وقاص - ﵁ - قتل سعيد بن العاص، وأخذ سيفه، فكان هو أحق به، فكيف منعه رسول الله - ﷺ -؟ ثم لما كان لم ينزل حكم في الغنيمة، فكيف قال رسول الله - ﷺ -: (من قتل قتيلًا فله سلبه\"؟ فالسلب كان من جملة الغنيمة، ولم ينزل فيه حكم الله، فكيف جعله رسول الله - ﷺ - للقاتل؟ .\nويمكن أن يقال في الجواب عنه: إن الغنيمة كانت حرامًا على الأمم السابقة، بل كانت النار تأتيها فتأكلها، وكانت هذه علامة القبول، وظن رسول الله - ﷺ - أن دينه وشريعته مبناه على اليسر، والتشديدات التي كانت في الأمم السالفة لم تبق في أمته، فتحل الغنائم لأمته.\nثم قد أشير إليه في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (٢)، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (٣)، فحرض رسول الله - ﷺ - أصحابه في بدر بقوله: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\"، على معنى أن يكون له سلبه بحكم الله تعالى إن شاء الله تعالى، وينتظر نزول الحكم بذلك، وسعد بن أبي وقاص - ﵁ - سأله السيف قبل نزول الحكم في الغنيمة، فمنعه - ﷺ -، ثم نزل حكمه في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ...﴾ الآية، بأنه مفوض إلى رأيه - ﷺ - فجعله له، وكذلك كل من قتل قتيلًا أعطاه رسول الله - ﷺ - سلبه له، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية ٤١.\n(٢) سورة النساء: الآية ٨٤.\n(٣) سورة الأنفال: الآية ٦٥.","vol":"9","page":447},{"text":"(١٥٠) بَابٌ: فِى النَّفَلِ (١) للسَّرِيَّةِ تَخْرُجُ مِنَ الْعَسْكَرِ\n٢٧٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا (٢) ابْنُ مُسْلِمٍ. (ح): وَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْطَاكِىُّ قَالَ: نَا مُبَشِّرٌ. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِىُّ، أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ، الْمعْنَى، كُلُّهُمْ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِى حَمْزَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ، وَانْبَعَثَتْ سَرِيَّةٌ\n===\n\n(١٥٠) (بَابٌ: فِى النَّفَلِ (١) للسَّرِيَّةِ تَخْرُجُ مِنَ العَسْكَرِ)\nأي: إذا خرج العسكر لقتال العدو، فأرسل أمير العسكر سرية، أي: قطعة منه إلى جانب آخر فينفل لها\n٢٧٤١ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة (٣)، نا ابن مسلم) وهو الوليد (٤) بن مسلم، كما في نسخة، (ح: ونا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي قال: نا مبشر، ح: ونا محمد بن عوف الطائي، أن الحكم بن نافع، حدثهم) أي: حدث الحكم بن نافع محمد بن عوف ومن معه (المعنى) أي معنى حديث محمد بن عوف وحديث من معه من أصحاب الحكم بن نافع واحد، ويحتمل أن يكون المعنى: أن معنى حديث وليد بن مسلم وحديث مبشر وحديث الحكم بن نافع واحد، يروي (كلهم) أي: الوليد ومبشر والحكم بن نافع.\n(عن شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في جيش قِبل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جانب (نجد) وجهتها (وانبعثت سرية) بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية، هي التي تخرج بالليل، وهي قطعة من الجيش، تخرج منه، وتعود إليه، وهي من مائة إلى\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"نفل السرية\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الوليد\".\n(٣) بفتح النون وسكون الجيم. \"ابن رسلان\". (ش).\n(٤) القرشي الشامي كما أظن. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"9","page":448},{"text":"مِنَ الْجَيْشِ، فَكَانَ سُهْمَانُ الْجَيْشِ اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَ أَهْلَ السَّرِيَّةِ بَعِيرًا بَعِيرًا، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ\". [حم ٢/ ١٠]\n===\nخمسمائة، فما زاد على خمسمائة يقال له: منسر، بالنون والمهملة، فإن زاد على ثمان مائة سمي: جيشًا، وما بينهما يسمى: هبطة، فإن زاد على أربعة آلاف يسمى: جحفلًا، فإن زاد فجيش جرّار، والخميس: الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى: بعثًا، فالعشرة فما بعدها تسمى: حفيرة، والأربعون: عصبة، وإلى ثلاثمائة: مقنب بقاف ونون ثم موحدة، فإن زاد سمي: جمرة بالجيم، والكتيبة: ما اجتمع ولم ينتشر، قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\n(من الجيش) إلى خَضِرة، وهي أرض محارب بنجد على غطفان، في شعبان سنة ثمان قبل فتح مكة، وكان أميرَها أبو قتادة، وكانوا خمسة عشر رجلًا، وكان فيهم عبد الله بن عمر، وأمره أن يشُنَّ عليهم الغارة، فسار وكمن النهار، فهجم عليهم، فأحاط بهم، وقتل منهم رجالًا، فقتل من أشرف منهم، فغنموا إبلًا كثيرة وغنمًا، ذكر أهل السير أنها مائتا بعير وألفا شاة.\n(فكان سهمان) بضم السين وسكون الهاء، جمع سهم، أي نصيب كل واحد من (الجيش اثني عشر بعيرًا اثني عشر بعيرًا)، قال النووي (٢): وقد قيل: معناه (٣) سهمان جميع الغانمين اثنا عشر بعيرًا، وهذا غلط، فقد جاء في بعض روايات أبي داود وغيره: أن اثني عشر بعيرًا كانت سهمان كل واحد من الجيش والسرية، ونفل السرية سوى هذا بعيرًا بعيرًا.\n(ونفل أهل السرية بعيرًا بعيرًا) أي زائدًا على الاثني عشر بطريق التنفيل (فكانت سهمانهم) أي: أهل السرية (ثلاثة عشر ثلاثة عشر).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٦).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٣٠٠).\n(٣) أي: جميع أنصبائهم كانت اثنا عشر فقط، لا لكل واحد منهم، كذا في \"فتح الباري\" (٦/ ٣٠٠). (ش).","vol":"9","page":449},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الحافظ (١): واختلف الرواة في القسم والتنفيل، هل كانا جميعًا من أمير ذلك الجيش، أو من النبي - ﷺ -، أو أحدهما من أحدهما؟ فرواية ابن إسحاق صريحة أن التنفيل كان من الأمير، والقسم من النبي - ﷺ -، وظاهر رواية الليث، عن نافع عند مسلم أن ذلك صدر من أمير الجيش، وأن النبي - ﷺ - كان مقررًا لذلك ومجيزًا له، فتجتمع الروايتان، وفي الحديث: أن الجيش إذا انفرد منه قطعة، فغنموا شيئًا كانت الغنيمة للجميع.\nقال ابن عبد البر: لا يختلف الفقهاء في ذلك، أي: إذا خرج الجيش جميعه، ثم انفردت منه قطعة، انتهى. وليس المراد بالجيش: القاعد في بلاد الإِسلام، فإنه لا يشارك الجيش الخارج إلى بلاد العدو.\nثم اعلم أن أهل السير ذكروا أن الغنيمة كانت مائتي بعير وألفي شاة، وقال ابن عبد البر في روايته: إن ذلك الجيش كان أربعة آلاف، والسرية التي خرجت منه كانت خمسة عشر رجلًا، فكيف تقسم مئتا بعير على أربعة آلاف، حتى يكون نصيب كل واحد منهم اثنا عشر بعيرًا اثنا عشر بعيرًا؟\nوهذا غير ممكن، إلا أن يقال: إن هذا العدد من البعير والشاة كانت من غنيمة السرية، وأما ما غنم العسكر فهو زائد على هذه الغنيمة، فكل ما غنم العسكر وحده، والسرية وحدها، لما قسمت عليهم حصل لكل واحد منهم اثنا عشر بعيرًا، ونفل رجال السرية بعير بعير، ولم يذكر في الحديث عدد جميع ما غنمه العسكر والسرية.\nوهذا التأويل على تقدير أن يكون هذا الحديث محفوظًا، وإلَّا فالذي وقع في الروايات الصحيحة المعتبرة أن هذه القسمة كانت على السرية فقط، ولم يذكر أحد منهم خروج الجيش، وعلى هذه الروايات لا تحتاج إلى التأويل.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٠).","vol":"9","page":450},{"text":"٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ الدِّمَشْقِىّ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ -: حَدَّثْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قُلْتُ: وَكَذَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فَرْوَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَا يَعْدِلُ (١) مَنْ سَمَّيْتَ بِمَالِكٍ، هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ، يَعْنِى مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ. [انظر سابقه، وم ١٧٤٩]\n===\n٢٧٤٢ - (حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي قال: قال الوليد -يعني ابن مسلم-: حدثت ابن المبارك بهذا الحديث) أي: المتقدم (قلت: وكذا حدثنا ابن أبي فروة) أي: كما حدثنا شعيب بن أبي حمزة، كذلك حدثناه ابن أبي فروة، وهو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن الأسود، أبو سليمان الأموي، مولى آل عثمان، اتفق المحدثون على أنه متروك، (عن نافع قال: لا يعدل) أي: لا يساوي (من سميت) يعني شعيب بن أبي حمزة وابن أبي فروة (بمالك، هكذا أو نحوه، يعني مالك بن أنس).\nوقد وقع الخبط والخلط من صاحب \"العون\" (٢) في بيان مراد عبد الله بن المبارك - ﵀ -، والذي عندي في معناه ومراده: أن ابن المبارك أشار إلى اختلاف الواقع بين ما حدث الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع، وما حدث ابن أبي فروة عن نافع، وبين حديث مالك - ﵀ - عن نافع، فإن الذي حدثه مالك عن نافع هو المعتبر، وأما ما حدث به شعيب وابن أبي فروة وإن كان فيه المتابعة فغير معتبر.\nوالاختلاف الذي وقع بين حديثهما وبين حديث مالك أن في حديثهما ذكر بعث الجيش، ثم بعث السرية منه، وأن سهمان الجيش اثنا عشر بعيرًا اثنا عشر بعيرًا، يعني حصل لكل واحد من أشخاص الجيش والسرية اثنا عشر بعيرًا اثنا عشر بعيرًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"تعدل\".\n(٢) \"عون المعبود\" (٧/ ٢٩٧).","vol":"9","page":451},{"text":"٢٧٤٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، نَا عَبْدَةُ (١)، عْنِ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ، فَخَرَجْتُ مَعَهَا، فَأَصَبْنَا نَعَمًا كَثِيرًا، فَنَفَّلَنَا أَمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ، ثُمَّ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَسَّمَ بَيْنَنَا غَنِيمَتَنَا، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الْخُمُسِ،\n===\nوليس في حديث مالك ذكر بعث الجيش، ولا ذكر بعث السرية من الجيش، ولا ذكر السهمان للجيش، بل فيه بعث السرية وذكر السهمان لها فقط لا للجيش، ويؤيده أن عدد الجيش كانوا أربعة آلاف، فإذا كانت الاثنا عشر سهمان جميع الجيش يبلغ عدد الأبعرة زائدًا على ستين ألفًا، فلهذا رد ابن المبارك حديثهما، وقوى حديث مالك، لأنه أتقن وأحفظ وأثبت منهما.\nوقد تأيدت رواية مالك برواية الليث وعبيد الله وغيرهما، وقد صرح ابن سعد في \"الطبقات\" (٢): فكانت الإبل مائتي بعير، والغنم ألفي شاة، وسبوا سبيًا كثيرًا، وجمعوا الغنائم، فأخرجوا الخمس، فعزلوه وقسموا ما بقي على أهل السرية، فأصاب كل رجل منهم اثنا عشر بعيرًا، فعدل البعير بعشر من الغنم، انتهى.\n٢٧٤٣ - (حدثنا هناد، نا عبدة، عن محمد -يعني ابن إسحاق-، عن نافع، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله سرية إلى نجد، فخرجت معها) أي: مع السرية (فأصبنا نعمًا) أي: إبلًا (كثيرًا، فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكل إنسان) منا، (ثم قدمنا على رسول الله - ﷺ -) المدينة (فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيرًا بعد الخمس) يعني أخرج رسول الله - ﷺ - منها الخمس أولًا، ثم قسمها بين أهل السرية، فأصاب كل رجل منها اثنا عشر بعيرًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"يعني ابن سليمان الكلابي\".\n(٢) \"الطبقات الكبرى\" (٢/ ١٣٢).","vol":"9","page":452},{"text":"وَمَا حَاسَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالَّذِى أَعْطَانَا صَاحِبُنَا، وَلَا عَابَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا صَنَعَ، فَكَانَ لِكُلٍّ (١) مِنَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا بِنَفْلِهِ\". [ق ٦/ ٣١٢]\n٢٧٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَا: نَا اللَّيْثُ، الْمَعْنَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-\n===\n(وما حاسبنا رسول الله - ﷺ - بالذي أعطانا صاحبنا) أي: أميرنا، أي: بعيرًا بعيرًا لكل واحد منا، (ولا عاب) رسول الله - ﷺ - (عليه) أي على الأمير (ما صنع) أي: الأمير من تنفيله بعيرًا بعيرًا لكل واحد.\n(فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيرًا بنفله)، وهذا الحديث يدل على أن النفل الذي أعطى الأمير لكل واحد من أهل السرية كان قبل إخراج الخمس، ولم يغيره رسول الله - ﷺ -، بل قرره على ذلك.\nقال في \"شرح السير الكبير\" (٢): وذكر عن ابن عمر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - بعث بعثًا قِبل نجد، فغنموا إبلًا كثيرًا، فكانت سهامهم اثني عشر بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًا، وتأويل هذا أنهم نفلوا ذلك من الخمس لحاجتهم، أو نفلوا ذلك بينهم بالسوية، وقد كانوا رُجَّالًا (٣) كلهم أو فرسانًا كلهم، وعندنا مثل هذا التنفيل بعد الإصابة يجوز، لأنه في معنى القسمة، وإنما لا يجوز التنفيل بعد الإصابة إذا كان فيه تخصيص بعضهم.\n٢٧٤٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، ح: ونا عبد الله بن مسلمة وبزيد بن خالد بن موهب قالا: نا الليث، المعنى) أي: معنى حديث مالك وحديث الليث واحد، (عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"رجل\".\n(٢) \"شرح السير الكبير\" (٢/ ٦١٣، ٦١٤).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"شرح السير الكبير\": \"رَجَّالة\" بدل \"رُجَّالا\".","vol":"9","page":453},{"text":"بَعَثَ سَرِيَّةً، فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَىْ (١) عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا\". زَادَ ابْنُ مَوْهَبٍ: \"فَلَمْ يُغَيِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\". [خ ٣١٣٥، م ١٧٤٩]\n٢٧٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى سَرِيَّةٍ، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعِيرًا بَعِيرًا\". [خ ٤٣٣٨، م ١٧٤٩]\n===\nبعث سرية، فيها عبد الله بن عمر قبل نجد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا، ونفلوا) أي: نفلهم الأمير (بعيرًا بعيرًا، زاد ابن موهب: فلم يغيره رسول الله - ﷺ -).\nقال الحافظ (٢): قال ابن عبد البر (٣): اتفق جماعة رواة \"الموطأ\" (٤) على روايته بالشك، أي في قوله: اثني عشر بعيرًا، أو أحد عشر بعيرًا، إلَّا الوليد بن مسلم، فإنه رواه عن شعيب ومالك جميعًا فلم يشك، وكأنه حمل رواية مالك على رواية شعيب، قلت: وكذلك أخرج أبو داود، عن القعنبي، عن مالك والليث بغير شك، فكأنه حمل أيضًا رواية مالك على رواية الليث، قال ابن عبد البر: وقال سائر أصحاب نافع: \"اثني عشر بعيرًا\" بغير شك، لم يقع الشك فيه إلَّا من مالك.\n٢٧٤٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن عبد الله) بن عمر (قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله - ﷺ - بعيرًا بعيرًا).\nوقد تقدم في الحديث المتقدم أن رسول الله - ﷺ - قرر تنفيل الأمير لهم،\n_________\n(١) في نسخة: \"اثنا عشر\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٣٩).\n(٣) انظر: \"التمهيد\" (١٤/ ٣٥ - ٣٦).\n(٤) في الأصل: \"المولى\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":454},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ مثلهُ عن نافعٍ مِثْلَ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلَهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا، لَمْ يَذْكُرِ النَّبِىَّ -ﷺ-.\n٢٧٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى. (ح): وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِى يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنِى حُجَيْنٌ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ،\n===\nولم يغيره، فالتنفيل من رسول الله - ﷺ - الواقع في هذا الحديث أنه - ﷺ - لما قرره ولم يغيره، فكأنه تنفيل منه - ﷺ -.\n(قال أبو داود: رواه برد بن سنان مثله عن نافع مثل حديث عبيد الله) ولم أجد (١) حديث برد بن سنان عن نافع، (ورواه أيوب، عن نافع مثله، إلَّا أنه قال: ونُفِّلْنا)، قال القسطلاني (٢): بضم النون مبنيًا للمفعول (بعيرًا بعيرًا، لم يذكر النبي - ﷺ -)، وأخرج البخاري في \"صحيحه\" (٣) في باب السرية التي قبل نجد حديث أيوب عن نافع.\n٢٧٤٦ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدثني أبي) أي شعيب، (عن جدي) أي: الليث، (ح: وحدثنا حجاج بن أبي يعقوب قال: حدثني حجين) مصغرًا آخره نون، ابن المثنى اليمامي أبو عمر، نزيل بغداد، خراساني الأصل، قال محمد بن رافع وصالح بن محمد: ثقة، وقال أبو بكر الجارودي: ثقة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، مات ببغداد، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (نا الليث، عن عقيل) بن خالد.\n_________\n(١) قلت: أخرج روايته ابن حبان في \"صحيحه\" (١١/ ١٦٣) رقم (٤٨٣٢)، والطبراني في \"معجمه الكبير\" (١٢/ ٣٨٥) رقم (١٣٤٢٦).\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣٧٠).\n(٣) رقم (٤٣٣٨)، وأيضًا أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٥١)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٧٤٩).","vol":"9","page":455},{"text":"عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ (١) يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً النَّفْلَ سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ، وَالْخُمُسُ وَاجِبٌ فِى ذَلِكَ كُلِّهُ\". [خ ٣١٣٥، م ١٧٥٠، حم ٢/ ١٤٠]\n===\n(عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قد كان ينفل) إذا خرج الجيش للغزو (بعض من يبعث من السرايا) من بيانية لـ \"من\" (لأنفسهم خاصة النفل سوى قسم عامة الجيش) فينفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة، (والخمس واجب في ذلك كله)، وهذه الجملة لم يذكرها البخاري في \"صحيحه\" (٢)، والظاهر أنه من قول ابن عمر.\nقال في \"السير الكبير\": وصورة هذا التنفيل أن يقول: من قتل قتيلًا فله سلبه، ومن أسر أسيرًا فهو له، كما أمر به رسولﷺ - المنادي حين نادى يوم بدر ويوم حنين، أو يبعث سرية فيقول: لكم الثلث مما تصيبون بعد الخمس، أو يطلق بهذه الكلمة، فعند الإطلاق لهم ثلث المصاب قبل أن يخمس يختصون به، وهم شركاء الجيش فيما بقي بعد ما يرفع منه الخمس، وعند التقييد بهذه الزيادة يُخَمَّسُ ما أصابوا، ثم يكون لهم الثلث مما بقي يختصون به، وهم شركاء الجيش فيما بقي.\nوقال فيه في محل آخر: ولو أن الإِمام بعث سرية من دار الإِسلام، فنفل لهم الثلث بعد الخمس أو قبل الخمس كان هذا التنفيل باطلًا، لأن ما خص بعضهم بالتنفيل، ولا مقصود من هذا التنفيل سوى إبطال الخمس، وإبطال تفضيل الفارس على الراجل، وذلك لا يجوز، بخلاف ما إذا التقوا في دار الحرب، ففي التنفيل هناك معنى التخصيص لهم، لأن الجيش شركاء في الغنيمة، ففي التنفيل تخصيصهم ببعض المصاب، وذلك مستقيم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كان\".\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٣١٣٥).","vol":"9","page":456},{"text":"٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، نَا حُيَىٌّ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِى ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةَ (١) عَشَرَ،\n===\n٢٧٤٧ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا عبد الله بن وهب، نا حيي) بن عبد الله، (عن أبي عبد الرحمن الحبلي) بضم الحاء والباء الموحدة، (عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله - ﷺ - خرج يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر).\nووقع في رواية \"البخاري\" (٢) في المغازي: \"وكان المهاجرون نيفًا على ستين\"، قال الحافظ (٣): كذا في هذه الرواية، وسيأتي في آخر الكلام على هذه الغزوة أنهم كانوا ثمانين أو زيادة، انتهى. والأنصار نيفًا وأربعين ومائتين، ووقع في حديث \"مسلم\": \"أنها [ثلاثمائة و] تسعة عشر\"، وللبزار من حديث أبي موسى: \"ثلاثمائة وسبعة عشر\"، ولأحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس: \"كان أهل البدر ثلاثمائة وثلاثة عشر\"، وهو المشهور عند أهل المغازي.\nويقال عن ابن إسحاق: \"وأربعة عشر\"، وعند الطبراني والبيهقي من وجه آخر عن أبي أيوب الأنصاري قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - إلى بدر فقال لأصحابه: تعادوا، فوجدهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلًا، ثم قال - ﷺ - لهم: تعادُّوا، فتعادوا مرتين، فأقبل رجل على بكر له ضعيف، وهم يتعادون فتمت العدة ثلاثمائة وخمسة عشر\".\nوروى البيهقي أيضًا بإسناد حسن وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - يوم بدر، ومعه ثلاثمائة وخمسة عشر\"، وهذه الرواية لا تنافي التي قبلها، لاحتمال أن تكون الأولى لم يعد النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) في نسخة: \"وخمس عشرة\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٣٩٥٦).\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٩١).","vol":"9","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولا الرجل الذي أتى آخرًا، وأما الرواية التي فيها: \"وتسعة عشر\"، فيحتمل أنه ضم إليهم من استصغر، ولم يؤذن له في القتال يومئذ كالبراء وابن عمر، وكذلك أنس.\nوقد روى أحمد بسند صحيح عنه: أنه سئل: \"هل شهدت بدرًا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر\"، انتهى. وكأنه كان حينئذ في خدمة النبي - ﷺ -، وحكى السهيلي: أنه حضر مع المسلمين سبعون نفسًا من الجن، وكان المشركون ألفًا، وقيل: سبعمائة وخمسون، وكان معهم سبعمائة بعير ومائة فرس (١).\nومن هذا القبيل جابر بن عبد الله، فقد روى أبو داود بإسناد صحيح عنه قال: \"كنت أميح الماء لأصحابي يوم بدر\"، وإذا تحرر هذا الجمع فليعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال، وإنما شهده منهم ثلاثمائة وخمسة أو ستة، كما أخرجه ابن جرير.\nوسيأتي من حديث أنس أن ابن عمته حارثة بن سراقة خرج نظارًا، وهو غلام يوم بدر، فأصابه سهم فقتل، وعند ابن جرير من حديث ابن عباس: \"أن أهل بدر كانوا ثلاثمائة وستة رجال\"، وقد بين ذلك ابن سعد، فقال: \"إنهم كانوا ثلاثمائة وخمسة\"، وكأنه لم يعد فيهم رسول الله - ﷺ -.\nوبيَّن وجه الجمع بأن ثمانية أنفس عدوا في أهل بدر، ولم يشهدوها، وإنما ضرب لهم رسول الله - ﷺ - معهم بسهامهم؛ لكونهم تخلفوا لضرورات لهم، وهم: عثمان بن عفان تخلف لزوجته رقية بنت رسول الله - ﷺ - بإذنه، وكانت في مرض الموت، وطلحة وسعيد بن زيد بعثهما يتجسسان عير قريش، فهؤلاء من المهاجرين، وأبو لبابة رده من الروحاء، واستخلفه على المدينة، وعاصم بن عدي استخلفه على أهل العالية، والحارثة بن حاطب على بني عمرو بن عوف،\n_________\n(١) وقال الرازي في تفسير سورة \"والعاديات\": كان مع المسلمين فرسان للزبير والمقداد. (ش).","vol":"9","page":458},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمُ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمُ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ»، فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَانْقَلَبُوا حِينَ انْقَلَبُوا، وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ وَاكْتَسَوْا وَشَبِعُوا\". [ق ٩/ ٥٧، ك ٢/ ١٣٢ - ١٣٣]\n===\nوالحارث بن الصمة وقع، فكسر بالروحاء، فرده إلى المدينة، وخوات بن جبير، كذلك هؤلاء الذين ذكرهم ابن سعد، وذكر غيره: سعد بن مالك الساعدي والد سهل مات في الطريق.\nوممن اختلف فيه هل شهدها أورد لحاجة: سعد بن عبادة، وقع ذكره في \"مسلم\"، وصبيح مولى أحيحة، رجع لمرضه فيما قيل، وقيل: إن جعفر بن أبي طالب ممن ضرب له بسهم، نقله الحاكم، ملخص ما في \"الفتح\" (١).\n(فقال رسول الله - ﷺ -: اللَّهُمَّ إنهم حفاة) جمع حاف، قال في \"القاموس\": الحفا: رِقَّةُ القدم والخُفِّ والحافر، والاسم: الحُفْوَةُ بالضم والكسر، والحِفْيَة والحِفَايَةُ بكسرهما، أو هو المَشْيُ بغير خفٍّ ولا نعلِ، واحتفى: مشى حافيًا. والمراد ههنا: المشاة على أقدام بغير مركوب، (فاحملهم) أي أعطهم من الدواب ما تحملهم.\n(اللَّهُمَّ إنهم عراة) جمع عار (فاكسهم) أي: فأعطهم الكسوة، (اللهُمَّ إنهم جياع) جمع جائع (فأشبعهم) أي: فأعطهم الرزق بشبعهم (ففتح الله له يوم بدر، فانقلبوا) بعد الفتح عنه (حين انقلبوا، وما منهم رجل إلَّا وقد رجع) إلى المدينة (بجمل أو جملين واكتسوا) أي: حصل لهم الكسوة (وشبعوا) أي: رزقهم الله المال فشبعوا منه.\nوظاهر الحديث لا مطابقة له بالباب إلَّا أن يقال: إن المدينة كانت معسكر رسول الله - ﷺ -، فخرجت منها هذه السرية لإرادة أن تأخذ عير أبي سفيان،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٩١، و٢٩٢).","vol":"9","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1041>(١٥١) بَابٌ: فِيمَنْ قَالَ: الْخُمُسُ قَبْلَ النَّفَلِ</span>\n٢٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: نَا (١) سُفْيَانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ الشَّامِىِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جَارِيَةَ (٢) التَّمِيمِىِّ،\n===\nفخرجت العير سالمة، واتفق القتال بين هذه السرية وبين جيش كفار قريش الذين جاؤوا ليمنعوا عيرهم، فوقعت المقابلة بينهما بلا ميعاد، ففتح الله للمسلمين، وهزم كفار قريش، فغنم المسلمون أموالًا كثيرة، فقسم رسول الله - ﷺ - تلك الأموال على أهل السرية، ولم يعط منها شيئًا للذين كانوا في المدينة من العسكر.\n\n(١٥١) (بَابٌ: فِيمَنْ قَالَ: الْخُمُسُ قَبْلَ النَّفَلِ)\nأي: يخمس الغنيمة أولًا، ثم يعطى النفل لمن (٣) هو له\n٢٧٤٨ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر الشامي) الأزدي الدمشقي، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وكان أصغر من أخيه، ولكنه مقدم موته، وعن ابن عيينة: كان يزيد ثقة عابدًا عالمًا حافظًا، لا أعلم مكحولًا خلف مثله، إلا ما ذكره ابن جريج، عن سليمان بن موسى، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من خيار عباد الله تعالى، وقال الآجري عن أبي داود: يزيد وأخوه عبد الرحمن من ثقات الثقات.\n(عن مكحول، عن زياد بن جارية التميمي) (٤) الدمشقي، ويقال: يزيد، والصواب الأول، يقال: إن له صحبة، قال أبو حاتم: شيخ مجهول، وقال\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"ابن حارثة\".\n(٣) من أربعة أخماس، والمسألة خلافية مبسوطة في \"الأوجز\" (٩/ ١٢١)، وتقدَّم في هامش \"باب السلب يعطى القاتل\". (ش).\n(٤) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٤٢) رقم (٢٠١٣).","vol":"9","page":460},{"text":"عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِىِّ، أَنَّهُ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُنَفِّلُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ\". [جه ٢٨٥١، دي ٢٤٨٣، حم ٤/ ١٥٩]\n٢٧٤٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْجُشَمِىُّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ\n===\nالنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: من قال: يزيد بن جارية فقد وهم، قال في حاشية \"الخلاصة\": يريد أن الصواب فيه بالحاء المهملة والمثلثة، قتل في زمن الوليد بن عبد الملك لكونه أنكر تأخير الجمعة إلى العصر، قلت: ذكره ابن أبي عاصم وأبو نعيم الأصبهانيان في الصحابة، وساقا حديثه عن النبي - ﷺ -: \"من سأل وله ما يغنيه\"، الحديث، لكن جزم بكونه تابعيًا ابن حبان وغيره، وتوثيق النسائي له يدل على أنه عنده تابعي.\n(عن حبيب بن مسلمة) بن مالك بن وهب القرشي (الفهري) أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو مسلمة، ويقال: أبو سلمة المكي، نزيل الشام مختلف في صحبته، قال ابن سعد عن الواقدي: وحبيب يوم توفي رسول الله - ﷺ - ابن ثنتي عشرة سنة، والناس كانوا يسمونه حبيب الروم لمجاهدته الروم، وقال البخاري: له صحبة، وقال ابن سعد: لم يزل مع معاوية في حروبه، ووجهه إلى أرمينية واليًا، فمات بها، ولم يبلغ خمسين، وقال سعيد بن عبد العزيز: كان فاضلًا مجاب الدعوة.\n(أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - ينفل الثلث بعد الخمس)، معناه أنه يقول للسرية: لكم الثلث بعد الخمس، فيخرج الخمس من الغنيمة، ثم ينفل الثلث منها، ثم يقسم الباقي على الغانمين، أو يقال: معناه أنه - ﷺ - يخرج الخمس من الغنيمة، ثم ينفل مما بقي منها ثلث النفل، ثم يقسم الباقي بعد إخراج الثلث على الغزاة.\n٢٧٤٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي قال: نا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن","vol":"9","page":461},{"text":"الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنِ ابْنِ جَارِيَةَ (١)، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ، إِذَا قَفَلَ\". [جه ٢٨٥٣، حم ٤/ ١٦٠، ق ٦/ ٣١٤]\n٢٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ\n===\nالحارث، عن مكحول، عن ابن جارية، عن حبيب بن مسلمة: أن رسول الله - ﷺ - كان ينفل الربع) للسرية (بعد الخمس) أي عند الخروج للغزو (والثلث) أي: وكان ينفل الثلث للسرية (بعد الخمس إذا قفل) لأن وقت الخروج وقت نشاط وقوة، ووقت الرجوع وقت ضعف وجراحة، فيحتاج فيه إلى زيادة في التحريض.\nوهذا محمول عندنا على ما إذا وقع التنفيل من الإِمام مقيدًا، أي يقول: جعلت لكم الثلث أو الربع بعد الخمس، وأما إذا أطلق (٢) فهو قبل الخمس.\n٢٧٥٠ - (حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان) البهراني أبو عمرو، ويقال: أبو محمد الدمشقي المقرئ، وقع في \"الكامل\": الفهري، وهو تصحيف، إمام الجامع، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الوليد بن عتبة: ما بالعراق أقرأ منه، وقال أبو زرعة: ولا بالحجاز ولا بالشام ولا بمصر ولا بخراسان في زمنه عندي أقرأ منه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ابن حارثة\".\n(٢) وحكى ابن رسلان عن الخطابي: أنَّ الأمرين جائزان، قلت: وهذا مشكل، فإن النفل عند الشافعي لا يكون إلَّا من خمس الخمس، ولذا قالت الشافعية: إن قوله في الحديث: بعد الخمس، وهم، كما في \"المرقاة\" (٧/ ٥٧٨)، وأوَّلَه ابن رسلان بأن المراد ربع خمس الخمس وثلث خمس الخمس، ويظهر من حواشي \"الهداية\" (٢/ ٣٩٢) أن التنفيل قبل الإحراز من أربعة أخماس، وبعده لا يجوز إلا من الخمس، وبه قال أحمد، وقال مالك والشافعي: لا يجوز إلا من الخمس، ووقع الخلط في المذاهب في هذا الباب كثيرًا، والصحيح من المذاهب ما تقدَّم [في باب السلب]. (ش).","vol":"9","page":462},{"text":"وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيَّانِ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: \"كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لاِمْرَأَةٍ مِنْ بَنِى هُذَيْلٍ، فَأَعْتَقَتْنِى، فَمَا خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى! ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِجَازَ فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى! ثُمَّ أَتَيْتُ الْعِرَاقَ فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى! ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ فَغَرْبَلْتُهَا،\n===\n(ومحمود بن خالد الدمشقيان، المعني) أي: معنى حديثهما واحد (قالا: نا مروان بن محمد قال: نا يحيى بن حمزة) الحضرمي (قال: سمعت أبا وهب) عبيد الله بن عبيد الكلاعي (يقول: سمعت مكحولًا يقول: كنت عبدًا بمصر لامرأة من بني هذيل، فاعتقتني).\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": وقال ابن يونس: ذكر أنه من أهل مصر، ويقال: كان لرجل من هذيل من أهل مصر فأعتقه، فسكن الشام، ويقال: كان من أهل فارس، ويقال: كان اسم أبيه سهراب، وقال ابن سعد في \"الطبقات\": أخبرنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الله بن العلاء قال: سمعت مكحولًا يقول: كنت لعمرو بن سعيد بن العاص، فوهبني لرجل من هذيل بمصر فأنعم علي بها.\nوفي \"تذكرة الحفاظ\": ومكحول عالم أهل الشام، أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي الفقيه الحافظ، مولى امرأة من هذيل، وأصله من كابل، وقيل: هو من أولاد كسرى، قال ابن زرير: سمعت مكحولًا يقول: كنت عبدًا لسعيد بن العاص، فوهبني لامرأة بمصر.\n(فما خرجت من مصر وبها) أي: في أهلها (علم، إلَّا حويت عليه) أي: أخذته وجمعته (فيما أرى) أي: في ظني، (ثم أتيت الحجاز، فما خرجت منها وبها علم، إلَّا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم، إلَّا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها) أي: كشفت حال من بها، كأنه جعلهم في غربال، ففرق بين الجيد والرديء.","vol":"9","page":463},{"text":"كُلّ ذَلِكَ أَسْأَلُ عَنِ النَّفَلِ، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُنِى فِيهِ بِشَىْءٍ، حَتَّى أَتَيْتُ شَيْخًا يُقَالُ لَهُ: زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ (١) التَّمِيمِىُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِى النَّفْلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِىَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- نَفَّلَ الرُّبُعَ فِى الْبَدْأَةِ وَالثُّلُثَ فِى الرَّجْعَةِ\". [حم ٤/ ١٦٠، ق ٦/ ٣١٣، وانظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>(١٥٢) بَابٌ: في السَّرِيَّةِ تُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ</span>\n٢٧٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنِ\n===\n(كل ذلك) أي: من الكبير والصغير (أسأل) بحذف الضمير، أي أسأله (عن النفل، فلم أجد أحدًا يُخبرني فيه بشيء، حتى لقيت شيخًا يقال له: زياد بن جارية التميمي، فقلت له: هل سمعت في النفل شيئًا؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول: شهدت النبي - ﷺ - نفَّل الربع في البدأة) أي: في ابتداء الخروج للغزو (والثلث في الرجعة) أي: وقت رجوع (٢) العسكر.\nقلت: لعل مراد مكحول بقوله: \"فلم أجد أحدًا يخبرني فيه بشيء\": أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - كان ينفل الربع والثلث، فلم يفهم محمله، ثم أخبره زياد بن جارية بأن محمله أن الربع في البدأة، والثلث في الرجعة.\n\n(١٥٢) (بَابٌ: في السَّرِيَّةِ تُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ)\nأي: إذا خرج العسكر من دار الإِسلام إلى العدو، فخرجت السرية منه إلى جهة، فغنمت، فما غنمت تقسم عليها وعلى جميع العسكر، إلَّا ما ينفل لها الإِمام\n٢٧٥١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن أبي عدي، عن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ابن حارثة\".\n(٢) هذا هو المعروف في معناه عند شراح الحديث، وتعقبه الخطابى في \"معالم السنن\" (٢/ ٣١٣)، وقال: ليس بصحيح، بل البدأة: السفر ابتداءً، والرجعة: سفر السرية إلى الغزو مرة أخرى بعد الرجوع عن الأول. (ش).","vol":"9","page":464},{"text":"ابْنِ إِسْحَاقَ بِبَعْضِ هَذَا (ح): وَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (١) قَالَ: حَدَّثَنِى هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ جَمِيعًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ،\n===\nابن إسحاق ببعض هذا) أي: الحديث، (ح: ونا عبيد الله بن عمر قال: حدثني هشيم، عن يحيى بن سعيد جميعًا) أي ابن إسحاق ويحيى بن سعيد جميعًا يرويان (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) أي: جد شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص (قال: قال رسول الله - ﷺ -: المسلمون تتكافأ) أي: تتساوى (دماؤهم) في القصاص والديات، لا يفضل شريف على وضيع، وهذا بالإجماع.\n(يسعى بذمتهم) أي: عهدهم وأمانهم (أدناهم) أي: أقلهم وهو الواحد، وإنما فسر الأدنى ها هنا بالأقل احترازًا عن تفسير محمد، حيث فسره بالعبد، لأنه جعله من الدناءة، والعبد أدنى المسلمين (ويجير عليهم) أي على المسلمين (أقصاهم) أي: في المرتبة كالعبد المأذون في القتال، فالأدنى كالأعلى يعطي الأمان لمن شاء.\nقال في \"البدائع\" (٢): ومن شرائط الأمان: العقل والبلوغ، فلا يجوز أمان المجنون والصبي عند عامة العلماء، وعند محمد: البلوغ ليس بشرط، حتى إن الصبي المراهق الذي يعقل الإِسلام إذا أمن يصح أمانه، ومنها: الإِسلام، فلا يصح أمان الكافر، وإن كان يقاتل مع المسلمين.\nقلت: قال الحافظ: لكن قال الأوزاعي: إن غزا الذميُّ مع المسلمين فأمن أحدًا، فإن شاء الإِمام أمضاه، وإلا فليرده إلى مأمنه.\n_________\n(١) في نسخة: \"عبيد الله بن عمر بن ميسرة\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٧١).","vol":"9","page":465},{"text":"وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ،\n===\nوأما الحرية فليست بشرط لصحة الأمان، فيصح أمان العبد المأذون في القتال بالإجماع، وهل يصح أمان العبد المحجور عن القتال؟ اختلف فيه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: لا يصح، وقال محمد: يصح، وهو قول الشافعي رحمهما الله، وجه قول محمد والشافعي قوله - ﷺ - في الحديث: \"يسعى بذمتهم أدناهم\"، والذمة العهد، والأمان نوع عهد، والعبد المسلم أدنى المسلمين فيتناوله الحديث.\nوقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الحديث لا يتناول المحجور، لأن الأدنى إما أن يكون من الدناءة، وهي الخساسة، وإما أن يكون من الدنو، وهو القرب، والأول ليس بمراد، لأن الحديث يتناول المسلمين بقوله: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\"، ولا خساسة مع الإِسلام، والثاني لا يتناول المحجور، لأنه لا يكون في صف القتال، فلا يكون أقرب إلى الكفرة.\nقلت: قال الحافظ في \"الفتح\" (١): وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه، قاتل أو لم يقاتل، وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه، وإلَّا فلا، قلت: ولم يظهر لي فرق بين مدلولي الجملتين، وهو قوله: \"يسعى بذمتهم أدناهم\"، وقوله: \"يجير عليهم أقصاهم\"، والظاهر أنهما بمعنى واحد (٢).\n(وهم يد على من سواهم)، كأنه دليل على ما قبله، ولأن أخوة الإِسلام جمعتهم، وجعلتهم كَيَدِ واحدة، فإذا أعطى الأمان، يلزم الكل، ولا يسعهم التخاذل، بل يجب على كل واحد نصرة أخيه.\n(يرد مشدُّهم) أي: قويهم (على مضعفهم) وهو الضعيف باعتبار نفسه،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٤).\n(٢) قلت: وذكر في الحاشية عن الخطابي للجملة الثانية معنى آخر، ولفظه: أن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار إذا عقد للكافر عقدًا لم يكن لأحد منهم أن ينقضه وإن كان أقرب دارًا من المعقود له. (ش).","vol":"9","page":466},{"text":"وَمُتَسَرِّيهُمْ (١) عَلَى قَاعِدِهِمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِى عَهْدِهِ». [جه ٢٦٨٥، حم ٢/ ١٨٠، ق ٨/ ٢٩]\nوَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ إِسْحَاقَ الْقَوَدَ وَالتَّكَافئ (٢).\n٢٧٥٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَنَا هَاشِمُ بْنُ\n===\nأو باعتبار دوابه، فإذا كان الأقوياء والضعفاء في القتال، فحصل لهم الغنيمة، فيكونون كلهم شركاء فيها على السوية (ومتسريهم) أي: الخارج في السرية (على قاعدهم) أي في الجيش. قال التوربشتي: أراد بالقاعد الجيش النازل في في دار الحرب يبعثون سراياهم إلى العدو، فما غنمت يرد منه على القاعدين حصتهم.\n(لا يقتل مؤمن بكافر) أي: إذا قتل مسلم ذميًا يقتل به عندنا، وعند الشافعي (٣): لا يقتل المسلم بالذمي لقوله: \"لا يقتل مؤمن بكافر\"، وهذا نص في الباب، ولنا عمومات القصاص، وتفصيل الاستدلال في \"البدائع\" (٤) وغيره.\n(ولا ذو عهد في عهده) أي: إذا قتل الذمي كافرًا حربيًا فلا يقتل به، قال في \"البدائع\" (٥): ولا ذو عهد في عهده، عطف قوله: ولاذ وعهد في عهده على مؤمن، فكان معناه لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد به، ونحن به نقول، أو نحمله على هذا توفيقًا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض.\n(ولم يذكر ابن إسحاق القود) المذكور في قوله: \"لا يقتل مؤمن بكافر\" فلم يذكر ابن إسحاق هذه الجملة، (و) كذا لم يذكر (التكافئ) أي قوله: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\".\n٢٧٥٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: أنا هاشم بن\n_________\n(١) في نسخة: \"متسرعهم\".\n(٢) في نسخة بدله: \"والتكافؤ\".\n(٣) وبه قال الإمامان الباقيان، خلافًا لنا ومن معنا، كما في \"العيني\" (٢/ ٢٢٧).\n(٤) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٧٦).\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٧٩).","vol":"9","page":467},{"text":"الْقَاسِمِ، نَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَتَلَ رَاعِيَهَا، وَخَرَجَ\n===\nالقاسم، نا عكرمة، حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه) أي: سلمة بن الأكوع (قال) أي: سلمة: (أغار) أي: شن الغارة (عبد الرحمن بن عيينة) وهو رأس المشركين (على إبل رسول الله - ﷺ -) ويقال لهذه الغزوة: غزوة ذات قرد، وكذا غزوة الغابة، وذات القرد ماء على بريد من المدينة.\nواختلفوا (١) في أنها متى وقعت؟ فعند البخاري (٢) أنها وقعت قبل خيبر بثلاثة أيام، ومستنده في ذلك أن سلمة بن الأكوع قال في حديثه: \"فرجعنا من الغزو إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلَّا ثلاث ليال، حتى خرجنا إلى خيبر\"، وأجمع أهل السير أنها كانت قبل الحديبية سنة ست، قال القرطبي: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وهم بعض الرواة.\nقال الحافظ (٣): ما في \"الصحيح\" من التاريخ أصح مما ذكره أهل السير، وقال أهل السير في سببها: أنه كان لرسول الله - ﷺ - عشرون لقحة، وهي ذوات اللبن القريبة العهد بالولداة، ترعى بالغابة، فأغار عليهم عيينة بن حصن الفزاري في أربعين فارسًا، فاستاقوها، وقتلوا الراعي، وهو ابن أبي ذر، وكان معه أمه فسبوها، فركب رسول الله - ﷺ - في خمس مائة، وقيل: سبع مائة، وعقد للمقداد بن عمرو لواءً في رمحه، وقال له: امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك، فركب رسول الله - ﷺ - إليهم، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر.\n(فقتل) أي: عبد الرحمن بن عيينة (راعيها، وخرج) أي عبد الرحمن\n_________\n(١) وبسط الاختلاف فيه صاحب \"الخميس\" (٢/ ٥). (ش).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤١٩٤).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٤٦١).","vol":"9","page":468},{"text":"يَطْرُدُهَا هُوَ وَأُنَاسٌ مَعَهُ فِى خَيْلٍ، فَجَعَلْتُ وَجْهِى قِبَلَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ نَادَيْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: يَا صَبَاحَاهُ، ثُمَّ اتَّبَعْتُ الْقَوْمَ، فَجَعَلْتُ أَرْمِى وَأَعْقِرُهُمْ (١)، فَإِذَا رَجَعَ إِلَىَّ فَارِسٌ، جَلَسْتُ فِى أَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ النَّبِىِّ -ﷺ- إلَّا جَعَلْتُهُ (٢) وَرَاءَ ظَهْرِى،\n===\n(يطردها) أي: يدفع ويسوق اللقاح، (هو وأناس معه) أي: من غطفان (في خيل) أي: فوارس (فجعلتُ وجهي قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه)، هذه كلمة يقولها المستغيث، فكأن القائل: \"يا صباحاه\" يقول: قد غَشِينا العدو، زاد في رواية \"البخاري\" (٣): \"فأسمعت ما بين لابتي المدينة\".\n(ثم اتبعت القوم، فجعلت أرمي) أي: السهام (وأعقرهم) وأصل العقر قطع عراقيب الدواب، ثم اتُّسِع فيه حتى استعمل في القتل والهلاك، فمعنى أعقرهم أي: أجرحهم، ولفظ \"مسلم\" (٤): \"فأقبلت أرميهم بالنبل وأرتجز\"، وفيه: \"فألحق رجلًا منهم، فأصكه بسهم في رجله، فخلص السهم إلى كعبه\"، \"فما زلت أرميهم وأعقرهم، فإذا رجع فارس منهم، أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به\".\n(فإذا رجع إليَّ فارس) أي: من الكفار لقتلي (جلست في أصل شجرة) أي: للرمي للاختفاء، فإن الرمي في حالة الجلوس أمكن وأثبت في إصابة الغرض، ويؤيده لفظ \"مسلم\": \"فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به\".\n(حتى ما خلق الله شيئًا من ظهر النبي - ﷺ -) أي: من لقاحه (إلا جعلته وراء ظهري)، وهذا يدل أن سلمة بن الأكوع أخذ منهم جميع اللقاح، وأما أهل السير فقالوا: إن اللقاح كانوا عشرين، فأخذت من الكفار عشر، وأفلت الكفار\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"لهم\"، وفي نسخة: \"بهم\".\n(٢) في نسخة: \"إلَّا خلفته\".\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٤١٩٤).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٨٠٦).","vol":"9","page":469},{"text":"وَحَتَّى أَلْقَوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا وَثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا، ثُمَّ أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ مَدَدًا، فَقَالَ: لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ، فَقَامَ إِلَىَّ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ، فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمْ قُلْتُ: أَتَعْرِفُونِى (١)؟ قَالُوا: وَمَنْ (٢) أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالَّذِى كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْلُبُنِى رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكُنِى، وَلَا أَطْلُبُهُ فَيَفُوتَنِى، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى فَوَارِسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِىُّ، فَيَلْحَقُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ،\n===\nبالباقي (وحتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا وثلاثين بردة يستخفون منها) أي: يطلبون الخفة بإلقائها ليكونوا أخف وأسرع في الفرار.\n(ثم أتاهم) أي: الكفار، (عيينة) والد عبد الرحمن (مددًا) لهم (فقال) أي: عيينة لهم لما رآني: (ليقم إليه) أي: إلى سلمة بن الأكوع (نفر) أي: جماعة (منكم، فقام إليَّ أربعة) رجال (منهم، فصعدوا الجبل، فلما أسمعتهم) أي: فلما قربوا مني حتى قدرت على أن أسمعهم. (قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرَّم وجه محمد) - ﷺ - (لا يطلبني رجل منكم فيدركني) أي: لا يكون أن يطلبني رجل منكم فيدركني، (ولا أطلبه فيفوتني) أن لا يكون أن أطلبه فيفوتني، لأني كما رأيتموني شديد العدو (٣)، فتهدَّدهم فرجعوا.\n(فما برحت) أي عن هذا الحال (حتى نظرت إلى فوارس رسول الله - ﷺ - يتخللون الشجر) أي: يدخلون خلالها (أوَّلهم الأخرم) بالخاء المعجمة (الأسدي) والأخرم لقبه، واسمه محرز بن نضلة، (فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة) أتى بصيغة المضارع حكايته للحال الماضية، كأنه يحكي يوم ينظر إليها (ويعطف عليه) أي: يميل عليه (عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين) أي: طعن كل\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"تعرفونني\".\n(٢) في نسخة بدله: \"وما أنت\".\n(٣) قال في \"تاريخ الخميس\": كان يسبق الفرس العربي في العدو. (ش).","vol":"9","page":470},{"text":"فَعَقَرَ الأَخْرَمُ عَبْدَ (١) الرَّحْمَنِ، وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، فَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ، فَيَلْحَقُ (٢) أَبُو قَتَادَةَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعَقَرَ بِأَبِى قَتَادَةَ وَقَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَتَحَوَّلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ. ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِى حَلَيْتُهُمْ (٣) عَنْهُ ذُو قَرَدٍ، فَإِذَا نَبِىُّ (٤) اللَّهِ -ﷺ- فِى خَمْسِمِائَةٍ،\n===\nواحد منهما الآخر (فعقر الأخرم عبد الرحمن) أي: قتل فرسه بطعنته (وطعنه) أي: الأخرم (عبد الرحمن) فاعل لطعنه (فقتله) أي: الأخرم (فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر) أي عبد الرحمن (بأبي قتادة) أي: فرسه بطعنته (وقتله) أي عبد الرحمن (أبو قتادة، فتحول أبو قتادة على فرس الأخرم) الذي تحول عليه عبد الرحمن.\n(ثم جئت إلى رسول الله - ﷺ - وهو على الماء الذي حليتهم)، قال في \"المجمع\" (٥) في حلأ في مهموز اللام: حليتهم عنه بذي قرد، روي بياء وهو بدل من الهمزة بلا قياس، وذكر في حلي بالحاء المهملة آخره ياء تحتية: فحليتهم عنه، طردتهم، وهو بالتشديد غير مهموز رواية، [و] اللغة بالهمز، ولعلها قلبت همزه شذوذًا.\nوذكر في \"درجات مرقاة الصعود\": بحاء \"بالنهاية\"، كذا بحاء بلا همز كرميتهم، وأصله حلأتهم بهمز: رددتهم وطردتهم عنه، ومنعتهم من وروده، فقلب همزه ياء بلا قياس، إذ لا يقلب ياء إذا لم يكسر ما قبله، وفي النسخة المصرية بالجيم، ومعناه: نفيتهم وأبعدتهم.\n(عنه ذو قرد) بحذف المبتدأ، أو هو ذو قرد (فإذا نبي الله - ﷺ - في خمسمائة،\n_________\n(١) في نسخة: \"بعبد الرحمن\".\n(٢) في نسخة: \"فلحق\".\n(٣) في نسخة بدله: \"حلأتهم\".\n(٤) في نسخة: \"قال ونبي الله\".\n(٥) (١/ ٥٣٦).","vol":"9","page":471},{"text":"فَأَعْطَانِى سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ\". [م ١٨٠٦، حم ٤/ ٥١ - ٥٢]\n\n(١٥٣) بَابُ (١) النَّفَلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمِنْ أَوَّلِ مَغْنَمٍ\n===\nفأعطاني سهم الفارس والراجل) فسهم الفارس من الخمس أو خمس الخمس بطريق النفل، وسهم الراجل من أربعة أخماس الغنيمة، وقسم الباقي بعد الخمس على الجميع، مناسبة الحديث بترجمة الباب ظاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>(١٥٣) (بَابُ النَّفَلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمِنْ أَوَّلِ مَغْنَمٍ)</span>\nوإنما ذكر الذهب والفضة خاصة لاختلاف العلماء فيهما، قال في \"شرح السير الكبير\": والنفل في الأموال كلها من الذهب والفضة وغير ذلك إذا قال الإِمام: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\"، فقتل رجل قتيلًا، وكان معه دراهم أو دنانير أو فضة أو سيف أو سوار من ذهب أو منطقة من فضة أو ذهب فذلك كله له، وعلى قول أهل الشام: لا نفل في ذهب (٢) ولا فضة، وإنما النفل فيما يكون من الأمتعة، فأما في أعيان الأموال فلا، والذهب والفضة عين مال، فيكون حكم الغنيمة متقررًا فيهما.\nوقول المصنف: \"ومن أول مغنم\"، لعل المراد به: ما يحصل من الغنيمة قبل القتال إذا دخل عسكر الإِسلام دار الحرب، فحصلت لهم غنيمة من قبل أن يقاتلوا بقوة الجيش، فليس للإمام فيه أن ينفل منه كما في أول المسألة، وهو النفل بالذهب والفضة، فالظاهر أن ميل المصنف في المسألتين أن لا نفل فيهما.\nقلت: ولعل في هذا إشارة إلى قول الأوزاعي، قال الحافظ في \"الفتح\" (٣): وقال الأوزاعي لا ينفل من أول الغنيمة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في\".\n(٢) وتقدم في \"باب الإِمام يمنع القاتل السلب\" شيء من الاختلاف. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤١).","vol":"9","page":472},{"text":"٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِى الْجُوَيْرِيَةِ الْجَرْمِىِّ قَالَ: \"أَصَبْتُ بِأَرْضِ الرُّومِ جَرَّةً حَمْرَاءَ فِيهَا دَنَانِيرُ فِى إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِنْ بَنِى سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ: مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَانِى مِنْهَا مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ:\n===\nولا ينفل (١) ذهبًا ولا فضة، وخالف الجمهور، والله تعالى أعلم.\n٢٧٥٣ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى قال: أنا أبو إسحاق الفزاري، عن عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية الجرمي)، هو حطان بكسر أوله وتشديد الطاء، ابن خفاف بضم المعجمة وفائين الأولى خفيفة، مشهور بكنيته، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة (قال: أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية، وعلينا) أي: والأمير علينا (رجل من أصحاب النبي - ﷺ - من بنى سليم يقال له: معن بن يزيد) بن الأخنس بن حبيب السلمي، أبو يزيد المدني، له ولأبيه ولجده صحبة، نزل الكوفة، ثم مصر، ثم الشام، وقتل بمرج راهط مع الضحاك بن قيس، قلت: وذكر أبو عمر الشيباني أنه كان مع معاوية بعد صفين.\n(فأتيته) أي: معنًا (بها) أي: بالجرة (فقسمها بين المسلمين) أي: على السوية (وأعطاني منها) أي من دنانير الجرة (مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n_________\n(١) وأخرج في \"المدونة\": عن سليمان بن موسى: لا نفل في ذهب ولا فضة. وفي \"الأوجز\" (٩/ ١٩٥): قال سحنون: قال أصحابنا: لا نفل في العين، إنما هو الفرس وسرجه ولجامه ... إلخ. (ش).","vol":"9","page":473},{"text":"«لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ» لأَعْطَيْتُكَ، ثُمَّ أَخَذَ يَعْرِضُ عَلَىَّ مِنْ نَصِيبِهِ، فَأَبَيْتُ\". [حم ٣/ ٤٧٠، ق ٦/ ٣١٤]\n٢٧٥٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ،\n===\nلا نفل (١) إلَّا بعد الخمس لأعطيتك) أي: نفلًا (ثم أخذ) أي: جعل (يعرض) أي يقدم (علي من نصيبه، فأبيت) أي: من أخذ نصيبه، وزاد في رواية الإِمام أحمد: \"قلت: ما أنا أحق به منك\".\nقال القاري (٢): قال القاضي: ظاهر هذا الكلام يدل على أنه إنما لم ينفل أبا الجويرية من الدنانير التي وجدها لسماع قوله - ﷺ -: \"لا نفل إلَّا بعد الخمس\"، وأنه المانع لتنفيله، ووجهه أن ذلك يدل على أن النفل إنما يكون من الأخماس الأربعة التي هي للغانمين، كما دل عليه الحديث السابق، ولعل التي وجدها كانت في عداد الفيء، فلذلك لم يعط النفل منه.\nقال بعض الشراح من علمائنا: إن الراوي كان يرى النفل بعد التخميس، ورآه من الخمس، ويرى ذلك موكولًا إلى رأي الإِمام، ولما كان هو أميرًا على الجيش لم ير لنفسه أن يتصرف في الخمس دون الإِمام، وقيل: إن الحديث لم يرو على وجهه، ووقع السهو فيه من جهة الاستثناء، وإنما الصواب فيه: لا نفل بعد الخمس، أي: لا نفل بعد إحراز الغنيمة، ووجوب الخمس فيه، وهو الأشبه والأمثل، انتهى. وفيه ما لا يخفى.\n٢٧٥٤ - (حدثنا هناد، عن ابن المبارك)، هكذا في جميع النسخ\n_________\n(١) وقال الموفق (١٣/ ١٢٤): إن وجد في أرضهم ركازًا، فإن كان في موضع يقدر عليه بنفسه، فهو كما وجد في دار الإِسلام، فيه الخمس، وباقيه له، وإن قدر عليه بجماعة المسلمين فهو غنيمة، ونحوه قول مالك والأوزاعي، وقال الشافعي: إن وجده في مواتهم، فهو كما لو وجده في دار الإِسلام؛ ولنا ما روي عن أبي جويرية، فذكر حديث الباب، ولأنه مال مشترك ظهر عليه بقوة الجيش فكان غنيمة كالأموال الظاهرة. (ش).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٧٩).","vol":"9","page":474},{"text":"عَنْ أَبِى عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. [ق ٦/ ٣١٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>(١٥٤) بَابٌ: في الإمَامِ يَسْتَأْثِرُ بِشَيءٍ مِنَ الْفَيْءِ لِنَفْسِهِ</span>\n٢٧٥٥ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، نَا الْوَلِيدُ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ الأَسْوَدَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً\n===\nالموجودة عندنا، وفي حاشية النسخة المكتوبة: ولما ساق في \"الأطراف\" سنديه (١)، قال: قال أبو بكر الخطيب: في نسختين مرويتين عن أبي داود هذا الحديث عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن المبارك، عن أبي عوانة، عن عاصم بن كليب (٢)، انتهى.\nقلت: وسند الحديث عند أحمد في \"مسنده\" (٣): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عفان قال: ثنا أبو عوانة قال: ثنا عاصم بن كليب قال: حدثني أبو الجويرية قال: أصبت جرة حمراء، الحديث (عن أبي عوانة عن عاصم بن كليب، بإسناده ومعناه).\n\n(١٥٤) (بَابٌ: في الإمَامِ يَسْتَأْثِرُ)\nأي: يصطفي ويختار (بِشَيءٍ) كالسيف والجارية والفرس وغيرها (مِنَ الْفَيْءِ)، أَي: الغنيمة (لِنَفْسِهِ) قبل قسمتها\n٢٧٥٥ - (حدثنا الوليد بن عتبة، نا الوليد) يعني ابن مسلم (قال: نا عبد الله بن العلاء، أنه سمع أبا سلام الأسود) الحبشي، اسمه ممطور (قال: سمعت عمرو بن عبسة قال: صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - إلى بعير من المغنم) جعله إلى جانب القبلة سترة (فلما سلم أخذ وبرة) واحد الوبر، وهو صوف\n_________\n(١) في الأصل: \"سندتها وقال: قال\"، والظاهر: \"سنديه قال: قال\".\n(٢) انظر: \"تحفة الإشراف\" رقم (١١٤٨٤).\n(٣) (٣/ ٤٧٠).","vol":"9","page":475},{"text":"مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ قَالَ: \"وَلَا يَحِلُّ لِى مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا إلَّا الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ\". [ق ٦/ ٣٣٩]\n===\nالإبل (من جنب البعير، ثم قال: ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلَّا الخمس، والخمس مردود فيكم).\nوقد تقدم هذا الحديث من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ما فيه من الإشكال في \"باب فداء الأسير\"، وجوابه الذي ذكرته هناك لا يتمشى في هذا الحديث، لأن هذا الحديث وقع فيه: \"ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا\" بلفظ الجمع، فيشمل جميع الغنائم، ولا يختص بغنيمة دون غنيمة، فالجواب (١) عنه أن في هذا الحديث اختصارًا من الراوي، فحذف فيه بعض لفظه.\nوقد ذكر الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) هذا اللفظ، فروى بسنده عن أبي سلام عن المقدام بن معدي كرب الكندي: أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي، فتذاكروا حديث رسول الله - ﷺ -، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة! كلمات رسول الله - ﷺ - في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة- قال إسحاق يعني ابن عيسى في حديثه-: إن رسول الله - ﷺ - صلَّى بهم في غزوته إلى بعير من المقسم (٣)، فلما سلَّم، قام رسول الله - ﷺ - فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: \"إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر\"، الحديث.\n_________\n(١) ويمكن الجواب عنه بما أشار إليه المصنف بالترجمة من أن هذا الحكم باعتبار كونه إمامًا والصفي للنبوة. (ش).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣١٦).\n(٣) في الأصل: \"المغنم\"، وفي \"مسند أحمد\" بدله: \"المقسم\".","vol":"9","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1045>(١٥٥) بَابٌ: فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ</span>\n٢٧٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ\". [خ ٦١٧٨، م ١٧٣٥، ت ١٥٨١، حم ٦/ ١٢، ق ٩/ ١٥٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>(١٥٦) بَابٌ: في الإمَامِ يُسْتَجَنُّ بِهِ فِي الْعُهُودِ</span>\n٢٧٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ (١)، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ بِهِ\". [خ ٢٩٥٧، م ١٨٤١، ن ٤١٩٦]\n===\n\n(١٥٥) (بَابٌ: فِي الوَفَاءِ بِالعَهْدِ)\n٢٧٥٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الغادر يُنصب) أي: يقام ويرفع (له لواء يوم القيامة) فضيحة له وتشهيرًا (فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان).\n\n(١٥٦) (بَابٌ: فِي الإمَامِ يُسْتَجَنُّ)، أي: يتقى (به فِي الْعُهُودِ)، وكذا في القتال\n٢٧٥٧ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنما الإِمام جنة) أي: وقاية وعصمة وسترة يمنع العدو عن أذى المسلمين، ويكف أذى بعضهم عن بعضهم (يقاتل به) أي: بأمره ورأيه، ولفظ \"البخاري\" (٢):\n_________\n(١) في نسخة: \"عن أبيه\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٩٥٧).","vol":"9","page":477},{"text":"٢٧٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ أَبِى رَافِعٍ، أَنَّ أَبَا رَافِعٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: بَعَثَتْنِى قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- أُلْقِىَ فِى قَلْبِىَ الإِسْلَامُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّى وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّى لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ، وَلَكِنِ ارْجِعْ، فَإِنْ كَانَ فِى نَفْسِكَ الَّذِى فِى نَفْسِكَ الآنَ فَارْجِعْ\". قَالَ: فَذَهَبْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ-\n===\nوإنما الإِمام جنة يُقَاتَلُ من ورائه ويُتَّقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل، فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره فإن عليه منه\".\n٢٧٥٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو، عن بكير بن الأشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع، أن أبا رافع أخبره، قال) أي أبو رافع: (بعثتني قريش إلى رسول الله - ﷺ -)، ولعل هذا البعث وقع قبل بدر، لأنه أسلم قبل بدر (فلما رأيت رسول الله - ﷺ - ألقي) بصيغة المجهول، أي: أوقع (في قلبي الإِسلام، فقلت: يا رسول الله! إني والله لا أرجع إليهم) أي: إلى كفار قريش (أبدًا).\n(فقال رسول الله - ﷺ -: إني لا أخيس) بخاء معجمة ثم تحتية ثم سين مهملة، أي: لا أنقض (بالعهد)، قال الطيبي (٢): المراد بالعهد ها هنا العادة الجارية المتعارف بين الناس من أن الرسل لا يتعرض لهم بمكروه (ولا أحبس) بالحاء المهملة والباء الموحدة (البرد) بضم الموحدة والراء، جمع بريد وهو الرسول (ولكن ارجع) أي إلى قريش (فإن كان) هناك (في نفسك الذي في نفسك الآن) من الإِسلام (فارجع) أي: إلينا.\n(قال) أي أبو رافع: (فذهبت) أي: إلى قريش (ثم أتيت النبي - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٧).","vol":"9","page":478},{"text":"فَأَسْلَمْتُ، قَالَ بُكَيْرٌ: وَأَخْبَرَنِى أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ قِبْطِيًّا. [حم ٦/ ٨، ق ٩/ ١٤٥، ك ٣/ ٥٩٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا كَانَ فِى ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَالْيَوْمَ (١) فَلَا يَصْلُحُ.\n===\nفأسلمت) أي: أظهرت الإِسلام (قال بكير: وأخبرني) أي: الحسن بن علي (أن أبا رافع) جده (كان قبطيًا) أي: عبدًا قبطيًا للعباس بن عبد المطلب فأعتقه.\n(قال أبو داود: هذا كان في ذلك الزمان، واليوم لا يصلح)، والمراد بهذا الكلام أن من جاء من الكفار إلى الإِمام رسولًا فأسلم وأراد أن لا يرجع إلى الكفار لا يرده الإِمام إليهم، وأما أن رسول الله - ﷺ - لم يحبس أبا رافع فهو من المخصوص به - ﷺ -.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: وهذا كان في ذلك الزمان ... إلخ، وذلك لأنه - ﷺ - كان على الستيقان من عوده مسلمًا، وكان في توقفه ثمة من المفاسد ما لا يخفى، حيث كان سببًا لاشتهار أن النبي - ﷺ - يحبس الرسل، وإن لم يكن الحبس منه، ولو اشتهر ذلك لانسد باب المراسلات والمخاطبات التي توقف عليها أمر شيوع الإِسلام، ولا يجوز مثل ذلك في من بعده - ﷺ -.\nوقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"منتقى الأخبار\" (٢): معناه- والله أعلم- أنه كان في المرة التي شرط لهم فيها أن يرد من جاءه منهم مسلمًا، وحاصل هذا الكلام أن قصة أبي رافع هذه وقعت في زمان صلح الحديبية، وهذا عجيب من مثله، فإنه قد صرح العلماء وأهل السير أن إسلام أبي رافع كان قبل بدر، وقالوا: إنه شهد أحدًا وما بعدها، فكيف يمكن أن يكون وقوع هذه القصة في زمان صلح الحديبية، ولم يتنبه لذلك صاحب \"العون\" (٣)، فقال: والصحيح\n_________\n(١) في نسخة: \"فأما اليوم\".\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار\" (٥/ ١٠٢).\n(٣) \"عون المعبود\" (٧/ ٣١١).","vol":"9","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1047>(١٥٧) بَابٌ: فِي الإمَام يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ عَهْدٌ فيَسِيرُ نحْوَهُ </span>(١) (٢)\n٢٧٥٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى الْفَيْضِ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ - رَجُلٍ مِنْ حِمْيَرَ -\n===\nما قال الشيخ ابن تيمية في \"منتقى الأخبار\" ونقل عبارته (٣)، انتهى.\n\n(٥٧) (بَابٌ: فِي الإمَامِ يَكُونُ بَيْنَهُ (٤) وَبَيْنَ الْعَدُوِّ عَهْدٌ فَيَسِيرُ، أي: الإِمام (نَحْوَهُ) قبل مضي المدة ليقرب منهم، فيُغِيْرُ بعد المدة عليهم\n٢٧٥٩ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، نا شعبة، عن أبي الفيض) موسى بن أيوب، ويقال: ابن أبي أيوب المهري، بفتح الميم وسكون الهاء، الحمصي، من بني عقيل، لقيه شعبة بواسط، وعن ابن معين: أبو الفيض الذي روى عنه شعبة شامي من أبناء جند الحجاج، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: شامي ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال يعقوب بن سفيان: له أحاديث حسان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن سليم) مصغرًا (ابن عامر، رجل من حمير) الكلاعي الخبائري،\n_________\n(١) في نسخة: \"إليه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ليقرب عنهم فيغير بعد المدة عليهم\".\n(٣) قلت: أفاد مولانا الشيخ ظفر أحمد في \"إعلاء السنن\" (١٢/ ٤٧): أن أبا رافع اثنان كما في \"الإصابة\" (٤/ ٦٨) وغيره، فالذي أسلم قبل بدر غير هذا، والقصة وقعت في الصلح، فليفتش. (ش).\n(٤) وترجم صاحب المنتقى (٥/ ١٢١): \"باب ما جاء فيمن سار نحو العدو في آخر مدة الصلح بغتة\"، وذكر فيه حديث الباب، وقال الشوكاني (٥/ ١٢٢): الحديث أخرجه أحمد (٤/ ١١١)، والترمذي (١٥٨٠)، وصححه النسائي (٨٧٣٢). وقال: النبذ في اللغة: الطرح، والمراد هنا إخبار المشركين بأن الذمة انقضت، وإيذانهم بالحرب إن لم يسلموا أو يعطوا الجزية، ولم يذكر المذاهب، وكذا صاحب \"تحفة الأحوذي\" (٥/ ١٩٣) اكتفى على كلام القاري الآتي، وكذا لم يتعرض عنه ابن العربي في \"شرح الترمذي\". (ش).","vol":"9","page":480},{"text":"قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ غَزَاهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ، فَنَظَرُوا فَإِذَا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلَا يَشُدُّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِىَ أَمَدُهَا، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ\"،\n===\nبفتح المعجمة والموحدة الممدودة، نسبة إلى الخبائر، بطن من الكلاع، أبو يحيى الحمصي، قال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مشهور، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١): الكلاعي والخبائري لا يجتمعان، فلذا قال البخاري في ترجمة الكلاعي: ويقال: الخبائري، وتبعه غير واحد.\n(قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان) أي: معاوية (يسير نحو بلادهم) ليكون قريبًا منها، فإذا انقضى الأمد، يغزوهم دفعة (حتى إذا انقضى العهد) أي: زمانه (غزاهم، فجاء رجل على فرس) أي عربي (أو) للشك من الراوي (برذون) أي: فرس غير عربي (وهو يقول) أي: بأعلى صوته (الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدر) أي: ليكن وفاء، أو يجب عليكم وفاء.\n(فنظروا فإذا عمرو بن عبسة) أي: قائل ذاك الكلام (فأرسل إليه) أي: دعاه (معاوية) وهو أمير الجيش (فسأله) أي: معاويةُ عمرَو بن عبسة (فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من كان بينه وبين قوم) أي: من الكفار (عهد، فلا يشد عقدةً ولا يحلُّها) أراد به المبالغة عن عدم التغير، وإلَّا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد (حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء) أي: يعلمهم أن الصلح قد ارتفع، وأنه يريد أن يغزوهم، فيكون الفريقان في العلم على سواء.\n_________\n(١) (٤/ ١٦٧).","vol":"9","page":481},{"text":"فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ. [ت ١٥٨٠، حم ٤/ ١١١، ق ٩/ ٢٣١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>(١٥٨) بَابٌ: فِي الْوَفَاءِ لِلْمُعَاهدِ وَحُرْمَةِ ذِمَّتِهِ</span>\n٢٧٦٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\nقال القاري (١): وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك، لأنه إذا هادنهم إلى مدة، وهو مقيم في وطنه، فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة المضروبة، كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها، فإذا سار إليهم في أيام الهدنة، كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه، فعد ذلك عمرو بن عبسة غدرًا، وأما إن نقض أهل الهدنة بأن ظهرت منهم خيانة، فله أن يسير إليهم على غفلة منهم. (فرجع معاوية) أي: عن بلاد العدو مع جيشه.\n\n(١٥٨) (بَابٌ: فِي الْوَفَاءِ لِلْمُعَاهِدِ وَحُرْمَةِ ذِمَّتِهِ)\nوفي نسخة: \"دمه\"\n٢٧٦٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن عيينة) بتحتانيتين مصغرًا (ابن عبد الرحمن) بن جوشن الغطفاني الجوشنى، أبو مالك البصري، قال أحمد: ليس به بأس، صالح الحديث، وعن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال أبو حاتم: كان ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: ذكر وكيع أنه سمع منه سنة ١٤٨ هـ.\n(عن أبيه) عبد الرحمن بن جوشن، بفتح الجيم والمعجمة وسكون الواو بينهما وآخره نون، الغطفاني البصري، كان صهر أبي بكرة على ابنته، عن أحمد: ليس بالمشهور، وقال أبو زرعة: ثقة، قلت: قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: عيينة ثقة، وأبوه ثقة.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٣٦).","vol":"9","page":482},{"text":"عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا فِى غَيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ\". [ن ٤٧٤٧، حم ٥/ ٣٦ - ٣٨، دي ٢٥٠٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>(١٥٩) بَابٌ: فِي الرُّسُلِ</span>\n٢٧٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِىُّ، نَا سَلَمَةُ - يَعْنِى ابْنَ الْفَضْلِ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ مُسَيْلِمَةُ كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: وَقَدْ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ: سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِىِّ،\n===\n(عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قتل معاهدًا) سواء كان عهده مؤقتًا أو مؤبدًا (في غير كنهه)، قال في \"المجمع\" (١) في شرح هذا اللفظ: كنه الأمر: حقيقته، وقيل: وقته وقدره، وقيل: غايته، أي: من قتله في غير وقته، أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله.\n(حرم الله عليه الجنة) أي: دخولها مع السابقين الأولين، أو محمول على التهديد والتغليظ.\n\n(١٥٩) (بَابٌ: في الرُّسُلِ) جمع رسول، وهو المرسل من الكفار برسالة أو كتاب إلى إمام المسلمين\n٢٧٦١ - (حدثنا محمد بن عمرو الرازي، نا سلمة -يعني ابن الفضل-، عن محمد بن إسحاق قال: كان مسيلمة كتب إلى رسول الله - ﷺ -، قال) أي سلمة بن الفضل: (وقد حدثني محمد بن إسحاق، عن شيخ من أشجع) وهي قبيلة من غطفان (يقال له: سعد بن طارق، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي) له ولأبيه صحبة.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٥٠).","vol":"9","page":483},{"text":"عَنْ أَبِيهِ نُعَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ لَهُمَا حِينَ قَرَأ كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ: \"مَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ \"، قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ، قَالَ: \"أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا». [حم ٣/ ٤٨٧، ق ٩/ ٢١١]\n===\n(عن أبيه نعيم) بن مسعود الأشجعي (قال) نعيم بن مسعود: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لهما) أي: لرسولي مسيلمة الكذاب (حين قرأ) هكذا بصيغة الإفراد في المجتبائية والمصرية، وأما في الكانفورية، والقادرية، والمكتوبة القلمية، ونسخة \"العون\": فبالتثنية، وأما في رواية أحمد في \"مسنده\" فبالإفراد على صيغة المعلوم، وأما ما في \"العون\" (١) بأن فيه على صيغة المجهول، فلم أره فيه.\n(كتاب مسيلمة) الكذاب الذي تَنَبَّأَ، وكان صاحب نيرنجات (٢)، فتبعه خلق من بني حنيفة، ثم قتل في خلافة أبي بكر الصديق - ﵁ - (ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال) أي: مسيلمة، معناه إنا نصدقه في دعوى النبوة، ونقول: إنه رسول الله، وهذا كفر وارتداد منهما في حضرته - ﷺ -.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أما) حرف تنبيه (والله لولا أن الرسل لا تقتل) أي: العادة فاشية في الملوك أن الرسل لا تقتل عندهم (لضربت أعناقكما).\nوقد أخرج شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"مصنفه\" (٣) عن ابن مسعود، وعزاه إلى أحمد، قال: \"جاء ابن النوَّاحة -بفتح النون وتشديد الواو وبعد الألف مهملة- وابن أثال- بضم الهمزة وبعدها مثلثة- رسولا مسيلمة إلى النبي - ﷺ -، فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله؟ قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما، قال عبد الله: فمضت السنَّة أن الرسل لا تقتل\".\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٧/ ٣١٤).\n(٢) نيرنجات: واحدها: نيرنج: أخذٌ كالسحر وليس به.\n(٣) انظر: \"نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار\" (٥/ ٩٨)، ح (٣٤٦٣).","vol":"9","page":484},{"text":"٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا (١) سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا بَيْنِى وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ حِنَةٌ، وَإِنِّى مَرَرْتُ بِمَسْجِدٍ لِبَنِى حَنِيفَةَ، فَإِذَا هُمْ يُؤْمِنُونَ بِمُسَيْلِمَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ، فَجِئَ بِهِمْ فَاسْتَتَابَهُمْ غَيْرَ ابْنِ النَّوَّاحَةِ قَالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ فَأَنْتَ الْيَوْمَ لَسْتَ (٢) بِرَسُولٍ\"،\n===\nقال الشوكاني (٣): والحديثان يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإِمام أو سائر المسلمين، لأن الرسالة تقتضي جوابًا يصل على يد الرسول، فكان ذلك بمنزلة عقد العهد.\n٢٧٦٢ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب أنه) أي: حارثة بن مضرب (أتى عبد الله) بن مسعود، حين كان عبد الله واليًا على الكوفة (فقال: ما) نافية (بيني وبين أحد من العرب حنة) أي: عداوة، بحاء فنون، كعدة، أي: ضغن، وحقد، وحسد، واللغة الفصيحة: إِحنة بهمزة، كسدرة، قدم هذا الكلام قبل أداء المقصود، ليعتمد على كلامه ويسمع سماع قبول.\n(وإني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة) أي: بنبوته (فأرسل إليهم) أي: إلى أهل مسجد بني حنيفة (عبد الله) بن مسعود (فجيء بهم فاستتابهم) أي: طلب منهم التوبة عن هذا الارتداد فتابوا (غير ابن النواحة) فإنه لم يرجع إلى الإِسلام.\n(قال) عبد الله بن مسعود (له: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول) حين جئت عنده برساله مسيلمة، وكتابه: (لولا أنك رسول لضربت عنقك، فأنت اليوم لست برسول)\n_________\n(١) في نسخة: \"نا\".\n(٢) في نسخة: \"ليس\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٠٠).","vol":"9","page":485},{"text":"فَأَمَرَ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ فِى السُّوقِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى ابْنِ النَّوَّاحَةِ قَتِيلًا بِالسُّوقِ. [ق ٩/ ٢١١، ك ٣/ ٥٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>(١٦٠) بَابٌ: فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ</span>\n٢٧٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ\n===\nوارتددت؛ فأنت ليس بمحقون الدم (فأمر قرظة) بفتحتين وظاء معجمة (ابن كعب) الأنصاري الخزرجي، قال البخاري: له صحبة، شهد أحدًا وما بعدها، وكان ممن وجهه عمر إلى الكوفة يفقِّه الناس، وهو الذي قتل ابنَ النواحة صاحب مسيلمة في ولاية ابن مسعود بالكوفة، قاله الحافظ في \"الإصابة\" (١).\n(فضرب عنقه في السوق، ثم قال) أي قرظة أو عبد الله بن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق) أي: فلينظر إليه.\n\n(١٦٠) (بَابٌ: في أَمَانِ المَرْأَةِ)\nقال الشوكاني (٢): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلَّا شيئًا ذكره عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك، لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإِمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال في \"الفتح\" (٣): وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فقال: هو إلى الإِمام إن أجازه جاز، وإن ردَّه رد، انتهى.\n٢٧٦٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس\n_________\n(١) \"الإصابة\" (٣/ ٢٢٣).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٩٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٣).","vol":"9","page":486},{"text":"قَالَ: حَدَّثَتْنِى أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِى طَالِبٍ: أَنَّهَا أَجَارَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَتَتِ النَّبِىَّ -ﷺ-، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ (١): \"قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ وَآمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ». (٢). [خ ٣٥٧، م ٣٣٦، السنن الكبرى للنسائي ٨٦٨٥]\n٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ،عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَيَجُوزُ\". [السنن الكبرى للنسائي ٨٦٨٣، ق ٨/ ١٩٤]\n===\nقال: حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب: أنها أجارت رجلًا من المشركين) وهو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي (٣) (يوم الفتح) أي فتح مكة (فأتت النبي - ﷺ -، فذكرت ذلك له).\nفقال رسول الله - ﷺ - (قال: قد أجرنا من أجرت) بفتح الهمزة وقصرها من الإجارة بمعنى الإعاذة، أصله: أجورت، نقلت حركة الواو إلى الجيم فانقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين نحو أقمت، في \"القاموس\": أجاره: أنقذه وأعاذه، وجاره: خفره، فعلم منه أن الهمزة للسلب والإزالة (وآمنا) بمد الهمزة أي: أعطينا الأمان (من آمنت) أي من أعطيته الأمان.\n٢٧٦٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: إن) مخففة من الثقيلة، أي: إنها كانت المرأة لتجير) أي: لتعطي الأمان للكفار (على المؤمنين) أي: على منعهم من قتله، يقال: أجار فلان على فلان، إذا أعانه عليه ومنعه منه (فيجوز) أمانها وجوارها.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"أمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ\".\n(٣) كذا في الحاشية عن \"جامع الأصول\"، قلت: والمشهور في الروايات: أجرت فلان بن هبيرة الحديث، وتمامه في \"الأوجز\" (٣/ ٢٢٩). (ش).","vol":"9","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>(١٦١) بَابٌ: في صُلْحِ الْعَدُوّ</span>\n٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثَوْرٍ حَدَّثَهُمْ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِى بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَة مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِى الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْىَ وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\nقَالَ: وَسَارَ النَّبِىُّ -ﷺ- حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِى يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ خَلأَتِ الْقَصْوَى (١) مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: \"مَا خَلأَتْ\n===\n\n(١٦١) (بَابٌ: في صُلْحِ الْعَدُوِّ)\n٢٧٦٥ - (حدثنا محمد بن عبيد، أن محمد بن ثور حدثهم) أي: محمد بن عبيد، ومن كان معه في مجلس التحديث (عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة قال: خرج رسول الله - ﷺ -) من المدينة إلى مكة للعمرة (زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه)، وقد تقدم عددهم قريبًا في \"باب في النفل للسرية تخرج من العسكر\".\n(حتى إذا كانوا بذي الحليفة) وهو ميقات أهل المدينة للحج والعمرة (قلد الهدي، وأشعر، وأحرم بالعمرة، وساق) أي: الراوي (الحديث، قال: وسار النبي - ﷺ -) منزلًا منزلًا (حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها) أي: من الثنية قريبًا من مكة، (بركلت به راحلته) فلم تهبط.\n(فقال الناس: حل حل) كلمة زجر للبعير (خلأت) بالخاء المعجمة فلام، قال في \"المجمع\" (٢): الخلاء للنُّوق كالإلحاح للجمال، والحِران للدابة، أي: حرنت وتصعبت (القصوى مرتين، فقال النبي - ﷺ -: ما خلأت،\n_________\n(١) في نسخة: \"القصواء\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٨١).","vol":"9","page":488},{"text":"وَمَا ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ»، ثُمَّ قَالَ: \"وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِى الْيَوْمَ خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا\"، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ (١) بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ (٢) قَلِيلِ الْمَاءِ، فَجَاءَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِىُّ، ثُمَّ أَتَاهُ - يَعْنِى عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ -، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِىَّ -ﷺ-، فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ\n===\nوما ذلك لها بخُلق) أي: ليس بها عادة ذلك (ولكن حبسها حابس الفيل) وهو الله ﷾، فإنه لما جاء أبرهة بأفياله لهدم الكعبة، حبسه الله تعالى، وأهلكه كما حكى الله ﷾ عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (٣).\n(ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (والذي نفسي بيده) الواو للقسم (لا يسألوني اليوم خطة) أي: خصلة (يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) وقبلت لهم (ثم زجرها) أي: الناقة (فوثبت) أي: قامت بسرعة (فعدل) أي: مال (عنهم) أي: عن أهل مكة أن يهبط عليهم، بل ذهب إلى الحديبية.\n(حتى نزل بأقصى) أي: منتهى (الحديبية على ثمد) قال في \"القاموس\": الثمد، ويحرك، وككتاب: الماء القليل، والمراد ها هنا: البئر، أو الحفيرة بعلاقة أنه محل له (قليل الماء، فجاءه بديل) بالموحدة، والتصغير (ابن ورقاء الخزاعي) وكان هو وقومه ناصحي رسول الله - ﷺ -، لأن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة، فاستمروا على ذلك في الإِسلام.\n(ثم أتاه -يعني عروة بن مسعود-، فجعل يكلم النبي - ﷺ -، فكلما كلمه أخذ بلحيته) على عادة العرب، خصوصًا عند الملاطفة (والمغيرة بن شعبة)\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا نزل\".\n(٢) في نسخة: \"ثمل\".\n(٣) سورة الفيل: الآية ١.","vol":"9","page":489},{"text":"قَائِمٌ عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ-، وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَتِهِ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ: أَىْ غُدَرُ، أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِى غَدْرَتِكَ؟\nوَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَّا الإِسْلَامُ فَقَدْ قَبِلْنَا (١)، وَأَمَّا الْمَالُ فَإِنَّهُ مَالُ غَدْرٍ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ\"\n===\nابن أخي عروة (قائم على النبي - ﷺ -، ومعه) أي المغيرة (السيف، وعليه) أي على رأسه (المغفر، فضرب) أي المغيرة (يده) أي يد عروة بن مسعود (بنعل السيف) وهو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها.\n(وقال: أخر يدك عن لحيته) فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه، لكن كان النبي - ﷺ - يغضي لعروة عن ذلك استمالة له وتأليفًا، والمغيرة يمنعه إجلالًا للنبي - ﷺ - وتعظيمًا. (فرفع عروة رأسه، فقال) أي عروة: (من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة) ابن أخيك (قال: أي غدر) كعمر، معدول عن غادر، مبالغة في وصفه بالغدر (أولست أسعى في غدرتك؟) أي: في إطفاء شرِّك ببذل المال.\n(وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية) قبل إسلامه، وهم ثلاثة عشر نفرًا من ثقيف، خرجوا زائرين المقوقس بمصر، فأحسن إليهم وأعطاهم وقصر بالمغيرة، فحصلت له المغيرة منهم، فلما كانوا بالطريق شربوا الخمر، فلما سكروا وناموا وثب المغيرة فقتلهم، ولحق بالمدينة فأسلم.\n(فقتلهم وأخذ أموالهم) فتهايج الفريقان، فسعى عروة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفسًا (ثم جاء) مغيرة المدينة (فأسلم، فقال النبي - ﷺ -: أما الإِسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه مال غدر، لا حاجة لنا فيه)، قال الحافظ (٢):\n_________\n(١) في نسخة: \"قبلناه\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٤١).","vol":"9","page":490},{"text":"فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.\nفَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: \"أُكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ\"، وَقَصَّ (١) الْخَبَرَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إلَّا رَدَدْتَهُ\n===\nيستفاد (٢) منه أنه لا يحل أخذ أموال الكفار حال الأمن غدرًا، ولعل النبي - ﷺ - ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه، فيرد إليهم أموالهم.\nقلت: ومنه يستفاد أن سبب تحصيل المال إذا كان حرامًا يؤثر ذلك في المال، فيكون حرامًا، فإن أموال الكفار مباح الأصل غير محرم مع أنه إذا أخذ بالغدر يحرم، ولكن إذا أخذه بالمحاربة والمغالبة، أو أخذه برضا الكفار بعقد فاسد من غير أن يكون غدرًا فيجوز.\n(فذكر) المسور (الحديث) وحذفه بعض الرواة في رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سهيل بن عمرو، فقالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، قال: فقال النبي - ﷺ -: قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا، فلما رأى النبي - ﷺ - سهيلًا قال: \"قد سهل لكم من أمركم\"، فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، وفي رواية ابن إسحاق: فلما انتهى إلى النبي - ﷺ - جرى بينهما القول، حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامهم هذا، فدعا النبي - ﷺ - عليًا.\n(فقال النبي - ﷺ: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، وقص الخبر) وهو إنكاره بكتب الرسالة، وإنكاره على كَتب: الرحمن (فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلَّا رددته\n_________\n(١) في نسخة: \"عليه\".\n(٢) وهل يدخل فيه الأسير أيضًا؟ محل تفتيش، أخرج السيوطي في \"الدر المنثور\" (٨/ ١٩٧) حديثًا فيه قوله ﵊: \"هي حلال إذا شئنا خمسنا ... \" إلخ. (ش).","vol":"9","page":491},{"text":"إِلَيْنَا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ- لأَصْحَابِهِ: \"قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا\"، ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ مُهَاجِرَاتٌ، الآيَةَ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَرُدُّوهُنَّ (١)، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الصَّدَاقَ.\nثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ، رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ\n===\nإلينا (٢)، فأنكر المسلمون على هذا الشرط، فجاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فوقع الإصرار والإنكار في رده، لكن رده رسول الله - ﷺ -.\n(فلما فرغ) رسول الله - ﷺ - (من قضية الكتاب) أي إتمام الكتابة (قال النبي - ﷺ - لأصحابه: قوموا فانحروا) هداياكم (ثم احلقوا) رؤوسكم.\n(ثم جاء نسوة مؤمنات مهاجرات)، ولفظ \"البخاري\" (٣): \"ثم جاءه نسوة مؤمنات\"، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ (٤) (الآية)، فكان في سياق أبي داود سقط منه: فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ إلا لفظ \"مهاجرات\"، قال الحافظ (٥): ظاهره أنهن جئن إليه وهو بالحديبية، وليس كذلك، إنما جئن إليه بعد في أثناء المدة.\n(فنهاهم الله أن يردوهن) نسخًا لعموم الشرط، أو لأن الشرط كان مخصوصًا للرجال (وأمرهم) أي المسلمين (أن يردوا الصداق) الذي أعطاهن الكفار إليهم (ثم رجع) رسول الله - ﷺ - (إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش) وهو عتبة بن أسيد بن جارية بالجيم، الثقفي، حليف بن زهرة، وعرف بهذا أن قوله: رجل من قريش أي بالحلف، فإن أبا بصير كان ثقفيًا بالنسب.\n_________\n(١) في نسخة: \"يردونهن\".\n(٢) أباح أحمد هذا الشرط الآن أيضًا، كما جزم به في \"المغني\" (١٣/ ١٦١)، و\"الشرح الكبير\"، وقال الشافعي: لا يصح هذا الشرط إلا أن تكون له عشيرة تحميه، واستدلا بحديث الباب. وقالا: إن جاء العدو في طلبه لا يمنعه الإِمام عن أخذه، ولا يجبره على الرد، ويجوز أن يأمره بقتاله والفرار عنه. (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٢٧٣٢).\n(٤) سورة الممتحنة: الآية ١٠.\n(٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٤٨).","vol":"9","page":492},{"text":"- يَعْنِى فَأَرْسَلُوا فِى طَلَبِهِ -، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ نَزَلُوا، يَأْكُلُونَ (١) مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّى لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ، قَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو،\n===\n(يعني) زاد لفظ: يعني، لأن الراوي لم يحفظ لفظ الشيخ، فرواه بما هو في معنى لفظ الشيخ، ولكن في \"البخاري\" بغير لفظ: يعني.\n(فأرسلوا) كفار قريش (في طلبه) أي أبي بصير رجلين: خنيس بن جابر، ومولى له يقال له: كوثر (فدفعه) أي رسول الله - ﷺ - أبا بصير، (إلى الرجلين) وقال رسول الله - ﷺ -: \"إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت، وإنا لا نغدر، فالحق بقومك، فقال: أتردني على المشركين، يفتنوني عن ديني ويعذبونني، قال: اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك فرجًا ومخرجًا\"، وفي رواية أبي المليح: \"فقال له عمر: أنت رجل، وهو رجل، ومعك السيف\".\n(فخرجا به، حتى إذا بلغا ذا الحليفة، نزلوا، يأكون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين)، وفي رواية: \"للعامري\"، وفي رواية ابن سعد: \"لخنيس بن جابر\": (والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله) أي: أخرجه من غمده (الآخر، فقال) أي: الآخر: (أجل، قد جربت به، فقال أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمكنه منه) أي: أعطاه بيده، فأقدره عليه (فضربه) أي: ضرب أبو بصير خنيس بن جابر (حتى برد) أي: سكن ومات (وفرَّ الآخر) أي: مولى خنيس بن جابر (حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو) أي: يشتد هربًا خوفًا من أن يلحقه أبو بصير فيقتله.\n_________\n(١) في نسخة: \"ليأكلوا\".","vol":"9","page":493},{"text":"فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا»، فَقَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِى وَإِنِّى لَمَقْتُولٌ.\nفَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: قَدْ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، فَقَدْ (١) رَدَدْتَنِى إِلَيْهِمْ، ثُمَّ نَجَّانِى اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِىُّ (٢) -ﷺ-: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ»، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ،\n===\n(فقال النبي - ﷺ -) أي لما رآه: (لقد رأى هذا) أي: الرجل (ذعرًا) أي: خوفًا وفزعًا، (فقال) الرجل: (قُتل والله صاحبي، وإني لمقتول) أي: إن لم تردوه عني (فجاء أبو بصير، فقال: قد أوفى الله ذمتك) أي: فليس عليك منهم عتاب فيما صنعت أنا، وليس بيني وبينهم عهد ولا عقد (فقد رددتني إليهم، ثم نجاني الله منهم، فقال النبي - ﷺ -: ويل أمه) بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة، وهي كلمة ذم تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون ما فيها من معنى الذم (مِسْعَر حرب) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة، والنصب على التمييز أو الحال، ولأبي ذر: مسعر بالرفع، أي: هو مسعر حرب.\n(لو كان له أحد) أي: ينصره ويعاضده ويناصره، وفيه إشارة إلى أن رسول الله - ﷺ - لا ينصره، بل يرده إلى المشركين لأجل العهد، وفيه إشارة خفية إليه بالفرار ورمز إلى من بلغه ذلك من المسلمين المحبوسين بمكة أن يلحقوا به.\n(فلما سمع ذلك) أبو بصير من رسول الله - ﷺ - (عرف أنه سيرده إليهم، فخرج) أي: أبو بصير، (حتى أتى سيف البحر) بكسر المهملة وسكون التحتانية بعدها فاء، أي: ساحله، وعيَّن ابن إسحاق المكان فقال: حتى نزل العيص، وهو بكسر المهملة وسكون التحتانية بعدها مهملة، وكان طريق أهل مكة إذا قصدوا الشام، وهو يحاذي المدينة إلى جهة الساحل، قريب من بلاد بني سليم.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وقد\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"9","page":494},{"text":"وَيَنْفَلِتُ أَبُو جَنْدَلٍ (١)، فَلَحِقَ (٢) بِأَبِى بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ\" (٣). [خ ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، ن ٢٧٧١، ق ٩/ ١١٣، حم ٤/ ٣٢٩]\n٢٧٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ: \"أَنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلَى وَضْعِ\n===\n(وينفلت أبو جندل) بن سهيل بن عمرو من أبيه وأهله في سبعين راكبًا مسلمين (فلحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة) أي جماعة من المؤمنين الذين خرجوا من مكة، وزعم السهيلي (٤): أنهم بلغوا ثلاثمائة رجل، وكرهوا أن يقدموا المدينة في مدة الهدنة خشية أن يعادوا إلى المشركين، فما يسمعون بعيرًا خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - ﷺ - تناشده الله والرحم، إلا أرسل إليهم ودعاهم، فمن أتاه فهو آمن من الرد، فأرسل إليهم النبي - ﷺ - فقدموا عليه.\nوفي رواية: فكتب رسول الله - ﷺ - إلى أبي بصير، فقدم كتابه وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله - ﷺ - في يده، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا، وقدم أبو جندل ومن معه إلى المدينة، فلم يزل بها إلى أن خرج إلى الشام مجاهدًا، فاستشهد في خلافة عمر - ﵁ -.\n٢٧٦٦ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن إدريس قال: سمعت ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنهم) أي: المسلمين ومشركي مكة في الحديبية (اصطلحوا على وضع\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سهيل\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فيلحق\".\n(٣) الجزء الثامن عشر [أي: من تجزئة الخطيب].\n(٤) \"الروض الأنف\" (٧/ ٧٩).","vol":"9","page":495},{"text":"الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهِنَّ النَّاسُ، وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ\". [حم ٤/ ٣٢٣، خزيمة ٢٩٠٦]\n٢٧٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: مَالَ مَكْحُولٌ وَابْنُ أَبِى زَكَرِيَّا إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، وَمِلْتُ (١) مَعَهُمَ (٢)، فَحَدَّثَنَا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: قَالَ جُبَيْرٌ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ذِى مِخْبَرٍ\n===\nالحرب عشر سنين، يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة) بفتح مهملة وتحتية ساكنة فبموحدة، وعاء يجعل فيه أفضل الثياب، أي: بيننا صدر نقي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح.\n(مكفوفة) وهي المشرجة المشدودة، وقيل: معناه بيننا موادعة ومكافَّة عن الحرب، يجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافيين الذين يثق بعضهم إلى بعض.\n(وأنه لا إسلال ولا إغلال)، قال الخطابي (٣): أي: لا سرقة ولا خيانة، يقول: إن بعضنا يأمن بعضًا، فلا يتعرض له سرًا ولا جهرًا، وقيل: الإسلال سلُّ السيوف، والإغلال: لبس الدروع للحرب، وزيَّف أبو عبيد هذا القول، وقيل: الإسلال: الغارة الشهيرة، والإغلال: السرقة الخفية.\n٢٧٦٧ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عيسى بن يونس، نا الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: مال مكحول وابن أبي زكريا إلى خالد بن معدان، وملت) أي: توجهت إليه (معهم، فحدثنا) أي: خالد بن معدان (عن جبير بن نفير قال) خالد بن معدان: (قال جبير: انطلق بنا) أي: معنا (إلى ذي مخبر) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة، ويقال: ذو مخمر\n_________\n(١) في نسخة: \"فملت\".\n(٢) في نسخة: \"معهما\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٢/ ٣٣٦).","vol":"9","page":496},{"text":"- رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- فَأَتَيْنَاهُ، فَسَأَلَهُ جُبَيْرٌ عَنِ الْهُدْنَةِ، فَقَالَ (١): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، وَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ». [جه ٤٠٨٩، ك ٤/ ٤٢١]\n\n(١٦٢) بَابٌ: فِى الْعَدُوِّ يُؤْتَى (٢) عَلَى غِرَّةٍ وَيَتَشَبَّهُ بِهِمْ\n٢٧٦٨ - حَدَّثَنَا (٣) أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ\n===\nبالميم بدل الموحدة، الحبشي ابن أخي النجاشي، كان يخدم النبي - ﷺ -، ثم نزل الشام ومات به، وكان الأوزاعي لا يقوله إلَّا بالميم، قلت: وصححه كذلك ابن سعد، وأما الترمذي فصححه بالباء.\n(رجل من أصحاب النبي - ﷺ - فأتيناه، فسأله جبير عن الهدنة) أي: الصلح الذي يقع بين المسلمين والنصارى في آخر الزمان، (فقال) ذو مخبر: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ستصالحون الروم) ولفظ أحمد في \"مسنده\" (٤): \"سيصالحكم الروم\" (صلحًا آمنًا، وتغزون أنتم وهم) أي: الروم (عدوًا من ورائكم)، هكذا لفظ أبي داود، ولفظ أحمد: \"ثم تغزُوهم غزوًا فتنصرون، وتَسلمون، وتغنمون، ثم تنصرفون حتى تنزلون بمرج ذي تلول، فيرفع رجل من النصرانية صليبًا، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه، فيدقُّه، فعند ذلك يغدر الروم، ويجتمعون للملحمة\"، ويجيء هذا الحديث في كتاب الملاحم مطولًا.\n\n(١٦٢) (بَابٌ: فِي الْعَدُوِّ يُؤْتَى عَلَى غِرَّةٍ)\nأي: يأتيه المسلم ليقتله على غرة منه (وَيَتَشَبَّهُ بِهِمْ)، أي: يتشبه المسلم بالكفار كي يعلم العدو أنه منا، لا من المسلمين\n٢٧٦٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا سفيان، عن عمرو بن\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"يؤتوا\".\n(٣) هذا الحديث رباعي. (ش).\n(٤) انظر: \"مسند أحمد\" (٥/ ٤٠٩).","vol":"9","page":497},{"text":"دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟»، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَأْذَنْ لِى أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ: «نَعَمْ».\nفَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ\n===\nدينار، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: من) يقوم (لكعب بن الأشرف) اليهودي، قال ابن إسحاق وغيره: كان عربيًا من بني نبهان، وهم بطن من طيء، وكان أبوه أصاب دمًا في الجاهلية، فأتى المدينة، فحالف بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبًا، وكان طويلًا جسيمًا ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة، فنزل على ابن وداعة السهمي، فهجاه حسان، وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، فطردته، فرجع كعب إلى المدينة، وتشبب بنساء المسلمين، حتى آذاهم، وكان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله - ﷺ -، ويحرِّضُ عليه كفار قريش.\n(فإنه قد آذى الله ورسوله؟) وقيل في سبب قتله: أنه صنع طعامًا، وواطأ جماعة من اليهود أنه يدعو النبي - ﷺإلى الوليمة، فإذا حضر فتكوا به، ثم دعاه، فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه جبرئيل بما أضمروه بعد أن جالسه، فقام، فستره جبرئيل بجناحه، فلما فقدوه تفرقوا، فقال حينئذ: من ينتدب لقتل كعب؟\n(فقام محمد بن مسلمة، فقال: أنا يا رسول الله،) أنتدب لقتله (أتحب أن أقتله؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (نعم، قال) محمد بن مسلمة: (فأذن لي أن أقول شيئًا) في الحيلة لقتله من الشكوى، (قال) رسول الله - ﷺ -: (نعم، فأتاه) أي: محمد بن مسلمة كعبًا (فقال) أي محمد بن مسلمة: (إن هذا الرجل)","vol":"9","page":498},{"text":"قَدْ سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، وَقَدْ عَنَّانَا، قَالَ: وَأَيْضًا لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: اتَّبَعْنَاهُ (١) فَنَحْنُ نَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَىِّ شَىْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ. قَالَ: أَىَّ شَىْءٍ تَرْهَنُونِى؟ قَالَ (٢): وَمَا تُرِيدُ مِنَّا؟ فَقَالَ: نِسَاؤُكُمْ. قَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَارًا عَلَيْنَا، قَالَ: فَتَرْهَنُونِى أَوْلَادَكُمْ، قَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا، فَيُقَالُ: رُهِنْتَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟ قَالُوا: نَرْهَنُكَ اللأْمَةَ- يُرِيدُ السِّلَاحَ -قَالَ: نَعَمْ.\n===\nيعني النبي - ﷺ -، والتعبير بهذا اللفظ للإيهام بأنه قد ملَّ منه ويشكوه (قد سألَنا الصدقة، وقد عنَّانا) أي: أتعبنا، من العناء، وهذا أيضًا من التعريض الذي استأذن فيه، فأذن له.\n(قال) كعب: (وأيضًا لتملنه،) أي: وزيادة على ذلك تكون لكم منه ملالة (قال) محمد بن مسلمة: (اتبعناه، فنحن نكره أن ندعه) أي: نتركه (حتى ننظر إلى أي شيء يصير) أي: يعود (أمره، وقد أردنا أن تسلفنا وسفًا أو وسقين) والوسق ستون صاعًا.\n(قال) كعب: (أي شيء ترهنوني؟) أي: تدفعون إلى شيئًا يكون رهنًا (قال: وما تريد منا؟) أي: للرهن (فقال: نساؤكم، قالوا: سبحان الله، أنت أجمل العرب، نرهنك نساءَنا، فيكون ذلك عارًا علينا، قال: فترهنوني أولادكم، قالوا: سبحان الله، يُسَبُّ ابن أحدنا، فيقال: رُهنت) بصيغة الخطاب، وفي رواية \"البخاري\" (٣): \"رهن\" بصيغة الغائب (بوسق أو وسقين، قالوا) أي: محمد بن مسلمة ومن معه من المسلمين: (نرهنك اللأْمَة) بتشديد اللام وسكون الهمزة (يريد السلاح، قال: نعم) فواعده أن يأتيه من القابلة، فأتى.\n_________\n(١) في نسخة: \"فاتبعناه\".\n(٢) في نسخة بدله: \"قالوا\".\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٤٠٣٧).","vol":"9","page":499},{"text":"فَلَمَّا أَتَاهُ نَادَاهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُتَطَيِّبٌ يَنْضَحُ رَأْسُهُ، فَلَمَّا أَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ وَقَدْ كَانَ جَاءَ مَعَهُ بِنَفَرٍ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ فَذَكَرُوا لَهُ، قَالَ: عِنْدِى فُلَانَةُ، وَهِىَ أَعْطَرُ نِسَاءِ النَّاسِ، قَالَ: تَأْذَنُ لِى فَأَشَمَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِى رَأْسِهِ فَشَمَّهُ، قَالَ: أَعُودُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِى رَأْسِهِ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ فَضَرَبُوهُ\n===\n(فلما أتاه)، أي: محمد بن مسلمة كعبًا ليلًا (ناداه، فخرج إليه) أي: إلى محمد بن مسلمة (وهو متطيب ينضح رأسه) أي تفوح منه رائحة الطيب، والنضوح بالفتح: ضرب من الطيب تفوح رائحته، وأصل النضح: الرشح، فشبه به كثرة ما يفوح من طيبه بالرشح، وروي بخاء معجمة.\n(فلما أن جلس) أي محمد بن مسلمة (إليه) أي إلى كعب (وقد) الواو للحال، أي: والحال أن محمد بن مسلمة (كان جاء معه بنفر ثلاثة أو أربعة). قال الحافظ (١): ووقع في رواية الحميدي قال: \"فأتاه ومعه أبو نائلة، وعباد بن بشر، وأبو عبس بن جبر، والحارث بن معاذ\"، فعلى هذا فكانوا خمسة، ويؤيده قول عباد بن بشر من قصيدة في هذه القصة:\nفَشَدَّ بِسَيْفِهِ صَلَتًا عَلَيْهِ ... فَقَطَعَهُ أَبُوعَبْسِ بنِ جَبْرِ\nوَكَانَ اللهُ سَادِسَنا فَأَبْنَا ... بِأَنْعَمِ نِعْمَةٍ وَأَعَزِّ نَصْرِ\n(فذكروا له) أي: فوح الطيب (قال) كعب: (عندي فلانة، وهي أعطر نساء الناس) يعني امرأته (قال) محمد بن مسلمة: (تأذن لي فأشم؟) أي: ريح الطيب، بحذف حرف الاستفهام (قال: نعم، فأدخل) محمد بن مسلمة (يده في رأسه) أي: في شعر رأى (فشمه، قال) محمد بن مسلمة: (أعود؟) أي: أشم ثانيًا (قال: نعم، فأدخل يده في رأسه، فلما استمكن منه) وأخذه بقوة (قال: دونكم) أي: اقتلوه (فضربوه\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٩).","vol":"9","page":500},{"text":"حَتَّى قَتَلُوهُ\". [خ ٤٠٣٧، م ١٨٠١، سنن النسائي الكبرى ٨٦٤١، ق ٩/ ٨١]\n٢٧٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُزَابَةَ، نَا إِسْحَاقُ - يَعْنِى ابْنَ مَنْصُورٍ -، نَا أَسْبَاطٌ الْهَمْدَانِىُّ، عَنِ السُّدِّىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ». [حم ١/ ١٦٧، ك ٤/ ٣٥٢]\n===\nحتى قتلوه) ذكر ابن سعد أن قتله كان في الربيع الأول من السنة الثالثة.\n٢٧٦٩ - (حدثنا محمد بن حزابة) بضم المهملة ثم زاي وبعد الألف موحدة، المروزي، ثم البغدادي، أبو عبد الله الخياط العابد، قال الخطيب: كان ثقة، قلت: وذكر الشيرازي في \"الألقاب\": أنه يلقب حمدان، (نا إسحاق -يعني ابن منصور-، نا أسباط الهمداني، عن السدي) الكبير، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، (عن أبيه) وهو عبد الرحمن بن أبي كريمة، مولى قيس بن مخرمة.\n(عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: الإيمان قيَّد الفتك) بفتح فاء وسكون فوقية، هو أن يأتي صاحبه، وهو غار غافل، فيشد عليه فيقتله، والمراد أن الإيمان يمنع المؤمن أن يفتك. (لا يفتك مؤمن) أي: لا يليق بشأن المؤمن أن يفتك، والخبر في معنى النهي، ويجوز جزمه على النهي، وقال في \"الدرجات\": هو قتل المؤمن غيره غدرًا في حال غفلته.\nوما حكى صاحب \"العون\" (١) عن المنذري فقال: قال المنذري في إسناده: أسباط بن بكر الهمداني، وإسماعيل بن عياش السدي، فهذا غلط، فإن أسباط ليس هو ابن بكر، بل هو ابن نصر (٢)، وكذلك إسماعيل ليس هو ابن عياش، بل هو ابن عبد الرحمن بن أبي كريمة (٣).\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٧/ ٣٢٤).\n(٢) انظر: \"الكاشف\" (١/ ١٠٥).\n(٣) انظر: \"الكاشف\" (١/ ١٢٥).","vol":"9","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>(١٦٣) بَابٌ: فِي التَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ في الْمَسِيرِ</span>\n٢٧٧٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (١)، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ».\n[خ ٦٣٨٥، م ١٣٤٤، ت ٩٥٠، سي ٥٣٩، حم ٢/ ٥]\n===\n\n(١٦٣) (بَابٌ: فِي التَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ في الْمَسِيرِ)\n٢٧٧٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قفل) أي: إذا رجع (من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض) أي: إذا علاه (ثلاث تكبيرات، وبقول: لا إله إلَّا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون) أي: نحن راجعون من السفر إلى بلادنا (تائبون) عن المعاصي إلى ربنا (عابدون) لله ﷿ (ساجدون) له (لربنا حامدون) على نعمه وآلائه (صدق الله وعده) بإظهار الدين، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية (٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) (ونصر عبده) أراد به نفسه النفيسة.\n(وهزم الأحزاب) أي: القبائل المجتمعة من الكفار المختلفة، لحرب النبي - ﷺ - (وحده) لقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٤)، وكانوا اثني عشر\n_________\n(١) هذا الحديث رباعي. (ش).\n(٢) سورة الصف: الآية ٩.\n(٣) سورة الروم: الآية ٤٧.\n(٤) سورة آل عمران: الآية ١٢٦.","vol":"9","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1054>(١٦٤) بَابٌ: فِي الإذْنِ فِي الْقُفُولِ بَعْدَ النَّهْيِ</span>\n٢٧٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِىُّ، حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ الحُسَيْنِ (١)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآيَةَ، نَسَخَتْهَا الَّتِى فِى النُّورِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إِلَى (٢): قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ \".\n===\nألفًا، توجهوا من مكة إلى المدينة، واجتمعوا حولها سوى من انضم إليهم من اليهود، ومضى عليهم قريب من شهر، لم يقع بينهم حرب إلَّا الترامي بالنبل أو الحجارة، زعمًا منهم أن المؤمنين لم يطيقوا مقابلتهم، فلا بد أنهم يهربون، فأرسل الله عليهم ريحًا ليلة سَفَتِ التراب على وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقلعت أوتادهم، وأرسل الله ألفًا من الملائكة، فكبرت في معسكرهم، فهاجت الخيل، وقذف في قلوبهم الرعب فانهزموا، ونزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٣).\n\n(١٦٤) (بَابٌ: في الإذْن فِي الْقفُولِ بَعْدَ النَّهْي)\n٢٧٧١ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن الحسين، عن أبيه) الحسين، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (٤)، نسختها) الآية (التي في) سورة (النور: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥) إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).\nاختلفوا في تأويل هذه الآيات، فقال بعضهم، وهم عكرمة والحسن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"حسين\".\n(٢) في نسخة: \"إلى قوله\".\n(٣) سورة الأحزاب: الآية ٩.\n(٤) سورة التوبة: الآية ٤٤.\n(٥) سورة النور: الآية ٦٢.","vol":"9","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>(١٦٥) بَابٌ: في بَعْثَةِ الْبُشَرَاء </span>(١)\n٢٧٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا عِيسَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَلَا تُرِيحُنِى مِنْ ذِى الْخَلَصَةِ»، فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا، ثُمَّ بَعَثَ\n===\nالبصري: إن الآيتين اللتين في سورة التوبة: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ نسختها التي في سورة النور: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إِلَى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإن مقتضى آيات التوبة أن الاستئذان للرجوع كان منهيًا عنه، ثم نسخ ذلك الحكم، وأذن فيه في سورة النور.\nوقال بعضهم: لم يقع فيها نسخ، بل أخبر ﷾ في سورة التوبة: أن المؤمنين لا يتخلفون عن الجهاد في سبيل الله باستئذانهم بالمعاذير الكاذبة، وأما المنافقون فيستأذنون رسول الله - ﷺ - في التخلف عن الغزو للمعاذير الكاذبة، فليس فيه نهي عن الاستئذان بحاجة لا بد منها، ويدل على ذلك آية النور بأن المؤمنين إذا عرض لهم حاجة لا بد منها يستأذنون فيها، ولا يستأذنون من غير حاجة: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ لقضاء الحاجة ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ (٢).\n\n(١٦٥) (بَابٌ: فِي بَعْثَةِ الْبُشَرَاءِ)\nجمع بشير، وهو المخبر بخبر سار من الفتح وغيره\n٢٧٧٢ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا عيسى) بن يونس، (عن إسماعيل) بن أبي خالد، (عن قيس) بن أبي حازم، (عن جرير) بن عبد الله البجلي (قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: ألا تريحني من ذي الخلصة) بفتحات، بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم وبجيلة وغيرهم، (فأتاها فحرقها، ثم بعث\n_________\n(١) في نسخة: \"السرايا\".\n(٢) سورة النور: الآية ٦٢.","vol":"9","page":504},{"text":"رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- يُبَشِّرُهُ، يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ. [خ ٣٠٧٦، م ٢٤٧٦، السنن الكبرى للنسائي ٨٣٠٣، حم ٤/ ٣٦٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>(١٦٦) بَابٌ: فِى إِعْطَاءِ الْبَشِيرِ </span>(١)\n٢٧٧٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ (٢): \"كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ-\n===\nرجلًا من أحمس إلى النبي - ﷺ - يبشره) بهدمه وحرقه (يكنى أبا أرطاة).\nوقصتها: أن رسول الله لما فتح مكة، وأسلمت العرب، ووفدت عليه وفودها، قدم عليه جرير بن عبد الله مسلمًا، فقال: يا جرير! ألا تكفيني من ذي الخلصة؟ فقال: بلى، فوجهه الله حتى أتى بني أحمس من بني بجيلة، فسار بهم إليه، فقاتلته خثعم، وقتل مائتين من بني قحافة بن عامر بن خثعم، وظفر بهم، وهزمهم، وهدم بنيان ذي الخلصة، وأضرم فيه النار فاحترق. وهو على أربعة مراحل من مكة، وهو اليوم بيت قصار فيما أُخبرت، وقال المبرد: موضعه اليوم مسجد جامع لبلدة يقال لها: العبلات من أرض خثعم، وكانت ذو الخلصة مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج، \"معجم\" (٣).\n\n(١٦٦) (بَابٌ: في إِعْطَاءِ الْبَشِيرِ)\n٢٧٧٣ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك قال: كان النبي - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"البشراء\".\n(٢) في نسخة: \"يقول\".\n(٣) \"معجم البلدان\" (٢/ ٣٨٣).","vol":"9","page":505},{"text":"إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، وَقَصَّ ابْنُ السَّرْحِ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةِ حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَىَّ، تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِى قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَىَّ السَّلَامَ، ثُمَّ صَلَّيْتُ الصُّبْحَ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَسَمِعْتُ (١) صَارِخًا يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فَلَمَّا جَاءَنِى الَّذِى سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِى، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَىَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ،\n===\nإذا قدم من سفر بدأ بالمسجد) أي بدخوله، (فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس) أي: ليسلِّموا عليه ويصافحوه (وقص ابن السرح الحديث) وتمام الحديث في \"صحيح البخاري\" (٢) في حديث كعب بن مالك.\n(قال) كعب: (ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة) أيها بالرفع، وهو في موضع نصب على الاختصاص، أي: متخصصين بذلك دون بقية الناس لأجل تخلفهم عن غزوة تبوك (حتى إذا طال علي) وفي رواية \"البخاري\": \"حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس\" (تسوَّرت) أي: طلعت وعلوت (جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي) لكونهما من بني سلمة، وليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب. (فسلمت عليه، فوالله ما رد) أي أبو قتادة (علي السلام).\n(ثم صليت الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فسمعت صارخًا) ينادي بأعلى صوته على جبل سلع (يا كعب بن مالك أبشر، فلما جاءني الذي سمعت صوته يُبَشِّرُني، نزعت له ثوبَي فكسوتهما إياه)\n_________\n(١) في نسخة: \"سمعت\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٤٤١٨).","vol":"9","page":506},{"text":"فَانْطَلَقْتُ حَتَّى إِذَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ، فَقَامَ إِلَىَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِى وَهَنَّأَنِى\". [خ ٤٤١٨، م ٢٧٦٩، ن ٣٤٢٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>(١٦٧) بَابٌ: في سُجُودِ الشُّكْرِ</span>\n٢٧٧٤ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ بَكَّارِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى عَبْدُ الْعَزِيزِ،\n===\nأي: المبشر (١)، (فانطلقت، حتى إذا دخلت المسجد، فإذا رسول الله - ﷺ - جالس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول) أي: يسرع بين المشي والعدو (حتى صافحني وهنأني) أي قال لي: هنيئًا لك توبة الله عليك.\n\n(١٦٧) (بَابٌ: في سُجُودِ الشكْرِ)\n٢٧٧٤ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا أبو عاصم، عن أبي بكرة بكار بن عبد العزيز) بن أبي بكرة الثقفي، أبو بكرة البصري، وقيل: ابن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي بكرة، قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال إسحاق بن منصور عنه: صالح، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، قلت: وقال البزار: ليس به بأس، وقال مرة: ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم: ضعيف.\n(قال: أخبرني أبي عبد العزيز) بن أبي بكرة، واسمه نفيع بن الحارث الثقفي البصري، وقيل: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي بكرة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند الترمذي وابن ماجه حديث في سجدة، قلت: ليس هو ابن أبي بكرة لصلبه، وإنما نسب لجده في رواية ابن ماجه، وقال العجلي: بصري\n_________\n(١) هو سلمة بن الأكوع، كما في \"العيني\" (١٠/ ٤٠٩)، قال العيني: وما يعطى للبشير يسمى بُشارة بضم الباء، واستدل بهذه القصة على جواز الدعوة في السرور، كما في \"فتاوى مولانا عبد الحي اللكهنوي\" (٢/ ٨٦). (ش).","vol":"9","page":507},{"text":"عَنْ أَبِى بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-: \"أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ أَوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا (١) لِلَّهِ\". [ت ١٥٧٨، جه ١٣٩٤، قط ١/ ٤١٠، ق ٢/ ٣٧٠]\n===\nتابعي ثقة، وزعم ابن القطان أن حاله لا يعرف. (عن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ -: أنه كان إذا جاءه أمر سرور) أي: أمر سار (أو) للشك من الراوي (بشر به خرَّ ساجدًا شاكرًا لله) تعالى.\nقلت: قال في \"الدر المختار\" (٢): وسجدة الشكر مستحبة، به يفتى، قال الشامي في \"شرحه\": وهي لمن تجددت عنده نعمة ظاهرة، أو رزقه الله تعالى مالًا، أو ولدًا، أو اندفعت عنه نقمة ونحو ذلك، يستحب له أن يسجد لله تعالى شكرًا مستقبل القبلة، يحمد الله تعالى فيها ويسبحه (٣)، ثم يكبر فيرفع رأسه، كما في سجدة التلاوة.\nقوله: \"به يفتى\" هو قولهما، وأما عند الإِمام فنقل عنه في \"المحيط\": أنه قال: لا أراها واجبة، لأنها لو وجبت لوجبت في كل لحظة، لأن نعم الله تعالى على عبده متواترة، وفيه تكليف ما لا يطاق، ونقل في \"الذخيرة\" عن محمد عنه: أنه كان لا يراها شيئًا، وتكلم المتقدمون (٤) في معناه، فقيل: لا يراها سنَّة، وقيل: شكرًا تامًا، لأن تمامه بصلاة ركعتين، كما فعل ﵊ يوم الفتح، وقيل: أراد نفي الوجوب، وقيل: نفي المشروعية، وأن فعلها مكروه (٥) لا يثاب عليه، وتركه أولى، وعزاه في \"المصفى\" إلى الأكثرين.\nفإن كان مستند الأكثرين ثبوت الرواية عن الإِمام به فذاك، وإلَّا فكل من\n_________\n(١) في نسخة: \"شكرًا\".\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٥٩٧ - ٥٩٨).\n(٣) في الأصل: \"يسجد\" بدل \"يسبحه\"، وهو تحريف.\n(٤) في الأصل: \"المتكلمون\"، وهو تحريف.\n(٥) وفي \"الدسوقي\": وكره السجود شكرًا، وكذا الصلاة عند بشارة بمسرة، أو رفع مضرة، أو سجود لِزَلزلة، بخلاف الصلاة فلا تكره، وفي \"الأنوار\": يكره سجدة الشكر عند مالك دون ابن حبيب. [انظر: \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٤٩١)]. (ش).","vol":"9","page":508},{"text":"٢٧٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِى مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عُثْمَانَ -، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ،\n===\nعبارتيه السابقتين محتمل، والأظهر أنها مستحبة، كما نص عليها محمد، لأنها قد جاء فيها غير ما حديث، وفعلها أبو بكر وعمر وعلي، فلا يصح الجواب عن فعله - ﷺ - بالنسخ، كذا في \"الحلية\" وفي آخر \"شرح المنية\".\nوقد وردت فيه روايات كثيرة عنه ﵇، فلا يمنع عنه لما فيه من الخضوع، وعليه الفتوى، وفي فروع \"الأشباه\": سجدة الشكر جائزة عنده لا واجبة، وهو معنى ما روي عنه، أنها ليست مشروعة وجوبًا، وفيها من القاعدة الأولى، والمعتمد أن الخلاف في سنيتها لا في الجواز.\n٢٧٧٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل، (حدثني موسى بن يعقوب) الزمعي، (عن ابن عثمان- قال أبو داود: وهو يحيى بن الحسن بن عثمان-) نقل في حاشية \"تهذيب التهذيب\"، عن \"تهذيب الكمال\" (١): يحيى بن الحسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبو إبراهيم المدني، روى عن أشعث بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص، روى عنه موسى بن يعقوب الزمعي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ في \"التقريب\" (٢): مجهول الحال، وقال في \"الميزان\": يحيى بن الحسن الزهري مدني، لا يكاد يعرف حاله، تفرد عنه موسى بن يعقوب.\n(عن أشعث بن إسحاق بن سعد) بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك الزهري المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\". (عن عامر بن سعد، عن أبيه) سعد بن أبي وقاص (قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - من مكة نريد المدينة،\n_________\n(١) انظر: (٨/ ٢٥) رقم (٧٤٠٦).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (١٠٥٢).","vol":"9","page":509},{"text":"فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَرَاء نَزَلَ،\n===\nفلما كنا قريبًا من عَزْوَرَاء) بفتح العين وسكون الزاي، وفتح الواو، بعدها راء ممدودة، هكذا في المجتبائية، والقادرية، والكانفورية، ونسخة \"العون\"، وأما في المكتوبة القلمية في المتن بالقصر.\nوضبطه علي القاري (١) في نسخته من \"المشكاة\" بزايين، قال: مأخوذ من العزاز -بفتح العين- الأرض الصلبة، وقال: في نسخة: عزوراء بالراء المهملة، ونقل ميرك عن خط السيد أصيل الدين أن قوله: عزوزاء بفتح العين المهملة والزايين المعجمتين بينهما واو مفتوحة وبعد الزاي الثانية ألف ممدودة، والأشهر حذف الألف، هكذا صحح هذه اللفظة شراح \"المصابيح\"، وقالوا: هي موضع بين مكة والمدينة، والعزازة- بالفتح- الأرض الصلبة.\nوقال صاحب \"المغرب\"، والشيخ الجزري في \"تصحيح المصابيح\": عزوراء بفتح العين المهملة وزاي ساكنة، ثم واو وراء مهملة وألف، وضبط بعضهم بحذف الألف، وهي ثنية عند الجحفة خارج مكة.\nقال الشيخ: ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما ضبطه شراح \"المصابيح\" مما يخالف ذلك، فقد اضطربوا في تقييدها، ولم أر أحدًا منهم ضبطها على الصواب، والله أعلم، انتهى. ويوافقه ما في \"القاموس\".\nوذكر ياقوت في \"معجمه\" (٢): عَزْوَرُ: بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح الواو، ثنية الجحفة عليها الطريق بين مكة والمدينة، ثم ذكر عزوزاء بفتح أوله، وتكرير الزاي، قال العمراني: موضع بين مكة والمدينة، جاء في الأخبار ذكره والذي قبله أيضًا، وأنا أخشى أن يكون صحّف بالذي قبله، فلتبحث عنه.\n(نزل) قال الطيبي: نزول النبي - ﷺ - في هذا الموضع لم يكن لخاصية\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٦٠٣).\n(٢) \"معجم البلدان\" (٤/ ١١٩).","vol":"9","page":510},{"text":"ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللَّهَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَهِ (١)، فَدَعَا اللَّهَ تعالي سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا - فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا- ذَكَرَهُ أَحْمَدُ ثَلَاثًا -قَالَ: «إِنِّى سَأَلْتُ رَبِّى وَشَفَعْتُ لأُمَّتِى، فَأَعْطَانِى ثُلُثَ أُمَّتِى، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّى، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِى، فَسَأَلْتُ رَبِّى لأُمَّتِي، فَأَعْطَانِى ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّى شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِى، فَسَأَلْتُ رَبِّى لأُمَّتِي، فَأَعْطَانِى الثُّلُثَ الآخَرَ (٢)، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّى». [ق ٢/ ٣٧٠]\n===\nالبقعة، بل لوحي أوحي إليه في النهي أو الأمر، قال القاري (٣): والظاهر أن البقعة لا تخلو عن خصوصية، حيث اختصت بالدعاء لأمته من الخاص والعام.\n(ثم رفع يديه فدعا الله ساعة) أي: أولًا (ثم خرَّ ساجدًا) أي: وقع في السجود (فمكث) في السجدة (طويلًا، ثم قام) أي من السجدة (فرفع يده، فدعا الله تعالى ساعة) ثانيًا (ثم خر ساجدًا) ثانيًا (فمكث) في السجدة الثانية (طويلًا، ثم قام) من السجدة (فرفع يديه ساعة) ثالثًا (ثم خر ساجدًا، ذكره) أي: الدعاء برفع يديه والسجود شيخي (أحمد) بن صالح (ثلاثًا).\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (إني سألت ربي) أي: رحمته (وشفعت لأمتي) أي: لغفران ذنوبهم وإعلاء درجتهم، (فأعطاني ثلث أمتي) أي: مغفرة ثلثهم وهم السابقون (فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي) أي: مغفرة ذنوبهم (فأعطاني ثلث أمتي) وهم المقتصدون (فخررت ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي) سعة رحمته ومزيد مغفرته (لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر) بكسر الخاء، وقيل: بفتحها، وهم الظالمون لأنفسهم، (فخررت ساجدًا لربي) أي: شكرًا.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"يديه ساعة\".\n(٢) في نسخة: \"الآخر\"، بكسر الخاء.\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٠٤).","vol":"9","page":511},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَشْعَثُ بْنُ إِسْحَاقَ أَسْقَطَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حِينَ حَدَّثَنَا بِهِ، فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْهُ مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِىُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>(١٦٨) بَابٌ: في الطُّرُوقِ</span>\n٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا (١) حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: نَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَكْرَهُ أَنْ يَأْتِىَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا\". [خ ٥٢٤٣، م ٧١٥، حم ٣/ ٢٩٩]\n===\n(قال أبو داود: أشعث بن إسحاق أسقطه) شيخي (أحمد بن صالح حين حدثنا به) أي: لما حدثنا أحمد بن صالح بهذا الحديث، لم يذكر في سنده أشعث بن إسحاق، بل أسقطه، (فحدثني به عنه) أي: عن أحمد بن صالح (موسى بن سهل الرملي).\n\n(١٦٨) (بَابٌ: في الطُّرُوقِ)\nقال في \"القاموس\": الطرق: الضرب، أو بالمِطْرَقَةِ بالكسر، ثم قال: والإتيان بالليل كالطروق، قال في \"المجمع\" (٢): وكل آت بالليل طارق، قيل: أصله من الطرق وهو الدق، والآتي بالليل يحتاج إلى دق الباب\n٢٧٧٦ - (حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: نا شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - يكره أن يأتي الرجل أهله طروقًا) بضم الطاء، أي: ليلًا.\nقال الحافظ (٣): وفي طريق عاصم، عن الشعبي، عن جابر: \"إذا أطال\n_________\n(١) هذا الحديث رباعي. (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٤٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٠).","vol":"9","page":512},{"text":"٢٧٧٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَحْسَنَ مَا دَخَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ اللَّيْلِ».\n===\nأحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلًا\"، التقييد فيه بطول الغيبة، يشير إلى أن علة النهي إنما توجد حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والعلة في ذلك أنه ربما يجد أهله على غير أهبة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، أو يجدها على غير حالة مرضية، والستر مطلوب بالشرع.\nووقع في حديث محارب عن جابر: أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا، وعندها امرأة تمشطها، فظنها رجلًا، فأشار إليها بالسيف، فلما ذكر للنبي - ﷺ - نهى أن يُطْرِق الرجل أهله ليلًا.\n٢٧٧٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر أول الليل).\nهذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدم من الحديث، ووجه الجمع بينهما أن المراد بهذا الحديث: هو الدخول على أهله للجماع، لا المراد الإتيان طروقًا، وعلى هذا فوجه كونه أحسن الأوقات، لأنه إذا أتى أهله في أول الليل يكون مستريحًا، فإنه بسبب طول الغيبة لأجل السفر يكون كثير الشبق فيخف به.\nأو يقال: إن هذا الحديث محمول على أنه إذا أطلع أهله بقدومه قبل المجيء، والأول إذا لم يعلموا بقدومه، أو يقال: إن الكراهة محمولة على الدخول في أثناء الليل، وعدم الكراهة في الدخول أول الليل، أو الكراهة محمولة على التنزيه، وهذا على الجواز.","vol":"9","page":513},{"text":"٢٧٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا سَيَّارٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"كُنَّا مَعَ رسول الله -ﷺ- فِى سَفَرٍ، فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ قَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا، لِكَىْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ». [خ ٥٢٤٧، م ٧١٥، سنن النسائي الكبرى ٩١٤٤، حم ٣/ ٣٠٣]\n===\n٢٧٧٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، أنا سيار، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فلما ذهبنا لندخل)\nولفظ \"البخاري\" (١): \"فلما قدمنا ذهبنا لندخل\"، أي: لما قدمنا المدينة أردنا الذهاب لندخل على أزواجنا.\n(قال: أمهلوا حتى ندخل ليلًا، لكي تمتشط الشعثة) أي: شعثة الرأس (وتستحد) أي: تستعمل الحديد بحلق شعر العانة (المغيبة) التي غاب عنها زوجها، وأراد بالاستحداد أن تعالج شعر عانتها بما هو المعتاد من أمر النساء، يعنى من النتف (٢) والتَّنَوُّر، ولم يرد به استعمال الحديد، فإن ذلك غير مستحسن في أمرهن.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٢٤٧).\n(٢) وفي \"الشامي\" (٩/ ٦٧٠): السنة في حقها النتف، وفي \"المجمع\" (١/ ٤٧٢): أي تزيل شعرها باستعمال الحديد، والمراد إزالته كيف كان من العانة وحوالي فرجها، وقيل: شعر حلقة الدبر، فاستحب حلق جميع ما على السبيلين، وهو أفضل من القص والنورة والنتف \"طيبي\"، والمراد النتف لأنهن لا يرون استعمال الحديد ولا يحسن بهن \"نهاية\" [انظر: \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٢٤)].\nوفي \"المرقاة\" (٢/ ٨٥): قال ابن حجر: حلق العانة ولو للمرأة، كما اقتضاه إطلاق حديث الفطرة، بل حديث: \"تستحدّ المغيبة\" ظاهر فيه، لكن قيَّده كثيرون بالرجل، وقالوا: الأولى للمرأة النتف، لأنه أنظف لنفرة الحليل من بقايا أثر الحلق، ولأن شهوة المرأة أضعاف شهوة الرجل، والحلق يقويها، والنتف يضعفها، فأمر كل بما يناسبه. (ش).","vol":"9","page":514},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ الزُّهْرِىُّ: الطُّرُوقُ بَعْدَ الْعِشَاءِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>(١٦٩) بَابٌ: في التَلَقِّي</span>\n٢٧٧٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: \"لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَلَقِيتُهُ مَعَ الصِّبْيَانِ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ\". [خ ٣٠٨٣، ت ١٧١٨، حم ٣/ ٤٤٩، ق ٩/ ١٧٥]\n===\n(قال أبو داود: قال الزهري (٢): الطروق بعد العشاء) أي: الكراهة فيه بعد العشاء، وأما قبله فلا.\n\n(١٦٩) (بَابٌ: في التَّلَقِّي)\nأي: لقاء المسافرين القادمين من السفر خارج البلد\n٢٧٧٩ - (حدثنا ابن السرح، نا سفيان، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة من غزوة تبوك) بالفتح ثم الضم وواو ساكنة وكاف: موضع بين وادي القرى والشام، وقيل: بركة لأبناء سعد من بني عذرة، وبين تبوك والمدينة اثنتا عشرة مرحلة. (تلقاه الناس) من أهل المدينة (فلقيته مع الصبيان) لأنه كان إذ ذاك صبيًا.\n(على ثنية الوداع) بفتح الواو، وهو اسم من التوديع عند الرحيل، وهي ثنية مشرفة على المدينة يطأها من يريد مكة، واختلف في تسميتها بذلك فقيل: لأنها موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكة، وقيل: لأن النبي - ﷺ - ودع بها بعض من خلفه بالمدينة في آخر خرجاته، وقيل: في بعض سراياه المبعوثة عنه، وقيل: الوداع اسم واد بالمدينة، والصحيح أنه اسم قديم جاهلي سمي لتوديع المسافرين.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وبعد المغرب لا بأس به\".\n(٢) هذا التحليق موصول في رواية ابن العبد كما ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، رقم (١٩٤١٨): عن ابن بشار عن عبد الرحمن بن سفيان عن رجل بهذا.","vol":"9","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1060>(١٧٠) بَابٌ: فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ إِنْفَاذِ الزَّادِ فِى الْغَزْوِ إِذَا قَفَلَ</span>\n٢٧٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ فَتًى مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أُرِيدُ الْجِهَادَ، وَلَيْسَ لِي مَالٌ أَتَجَهَّزُ (١) بِهِ، قَالَ: «اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الأَنْصَارِىِّ، فَإِنَّهُ قَدْ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: ادْفَعْ إِلَىَّ مَا تَجَهَّزْتَ بِهِ»، فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا فُلَانَةُ! ادْفَعِى لَهُ مَا جَهَّزْتِنِى (٢) بِهِ، وَلَا تَحْبِسِى مِنْهُ شَيْئًا، فَوَاللَّهِ لَا تَحْبِسِينَ مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارِكَ لَكِ (٣) فِيهِ. [م ١٨٩٤، حم ٣/ ٢٠٧]\n===\n\n(١٧٠) (بَابٌ: فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ إِنْفَادِ الزَّادِ في الْغَزْوِ إِذَا قَفَلَ)\n٢٧٨٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن فتى من أسلم) لم أقف على تسميته (قال: يا رسول الله، إني أريد الجهاد، وليس لي مال أتجهز به) أي: للغزو. (قال) رسول الله - ﷺ -: (اذهب إلى فلان الأنصاري) لم أقف على تسميته (فإنه قد تجهز) للغزو (فمرض) أي: فمنعه المرض عن الخروج إلى الغزو (فقل له: إن رسول الله - ﷺ - يقرئك السلام، وقيل له: ادفع إلى ما تجهزت به) أي للغزو.\n(فأتاه، فقال له ذلك، فقال) أي الأنصاري: (لامرأته: يا فلانة! ادفعي إليه) أي: إلى الرجل الأسلمي (ما جهزتني به، ولا تحبسي منه شيئًا، فوالله لا تحبسين منه شيئًا فيبارك لك فيه).\nقال النووي (٤): وفي الحديث ما نوى الإنسان صرفه في جهة بر، فتعذرت\n_________\n(١) في نسخة: \"ما أتجهز به\".\n(٢) في نسخة: \"جهزتيني\".\n(٣) في نسخة: \"لنا\".\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٤٨).","vol":"9","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1061>(١٧١) بَابٌ: فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ</span>\n٢٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِىُّ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ وَعَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِمَا كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ لَا يَقْدِمُ مِنْ سَفَرٍ إلَّا نَهَارًا، قَالَ الْحَسَنُ: فِى الضُّحَى -، فَإِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَتَى الْمَسْجِدَ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ\" (١). [خ ٣٠٨٨، م ٢٧٦٩، ن ٧٣١]\n===\nعليه تلك الجهة، يستحب له بذله في جهة أخرى من البر، ولا يلزمه ذلك ما لم يلتزم بالنذر، انتهى.\nقلت: وفي هذا الكلام إشارة إلى مناسبة الحديث بالباب، فإن المسلم إذا جهز الزاد للغزو يستحب له أن يصرفه وينفده في سفر الغزو، ثم إن بقي منه شيء يستحب أن يصرفه في جهة بر أخرى.\n\n(١٧١) (بَابٌ: في الصَّلَاةِ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ)\n٢٧٨١ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي قالا: نا عبد الرزاق، أخبرني ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه عبد الله بن كعب وعمه عبيد الله بن كعب، عن أبيهما كعب بن مالك: أن النبي - ﷺ - كان لا يقدم من سفر إلَّا نهارًا، قال الحسن) أي ابن علي: (في الضحى، فإذا قدم من سفر أتى المسجد) أي: قبل أن يدخل بيته (فركع فيه ركعتين، ثم جلس فيه) أي: في المسجد للقاء المسلمين.\n_________\n(١) قال المزي في \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٥٥٨) رقم (١١١٣٢): حديث العسقلاني والخلال في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم. وهذا الحديث لم يذكره المنذري في \"مختصره\"، ولكنه هكذا موجود في النسخ المطبوعة.","vol":"9","page":517},{"text":"٢٧٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِىُّ، نَا يَعْقُوبُ، نَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ أَقْبَلَ مِنْ حَجَّتِهِ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ، ثُمَّ دَخَلَهُ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ\".\nقَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ كَذَلِكَ يَصْنَعُ.\n===\nقال في \"الدر المختار\" (١): ومن المندوبات ركعتا السفر والقدوم منه، قال الشامي: قوله: \"ركعتا السفر ... إلخ\" عن مقطم بن المقدام قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرًا\"، رواه الطبراني.\nوعن كعب بن مالك: \"كان رسول الله - ﷺ - لا يقدم من السفر إلَّا نهارًا في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد، فصلَّى فيه ركعتين، ثم جلس فيه\"، رواه مسلم (٢)، \"شرح المنية\". ومفاده اختصاص صلاة ركعتي السفر بالبيت، وركعتي القدوم منه بالمسجد، وبه صرح الشافعية.\n٢٧٨٢ - (حدثنا محمد بن منصور الطوسي، نا يعقوب) بن إبراهيم (نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق قال: حدثني نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - حين أقبل من حجته دخل المدينة، فأناخ) أي: ناقته (على باب مسجده، ثم دخله) أي: المسجد (فركع فيه ركعتين) لقدومه من السفر، (ثم انصرف إلى بيته، قال نافع: فكان ابن عمر كذلك) أي: مثل ما فعل رسول الله - ﷺ - (يصنع) أي: إذا جاء من السفر بدأ بالمسجد فيصلي ركعتين ثم ينصرف إلى بيته.\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٤٦٦).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٧١٦).","vol":"9","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1062>(١٧٢) بَابٌ: في كِرَاءِ الْمَقَاسِمِ</span>\n٢٧٨٣ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِىُّ، نَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، نَا الزَّمْعِىُّ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (١) بْنِ سُرَاقَةَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْقُسَامَةَ»،\n===\n\n(١٧٢) (بَابٌ: في كِرَاءِ الْمَقَاسِم) (٢)\nبضم الميم، وهو القسَّام، أو بفتح الميم، جمع مقسم، وهو القسمة\n٢٧٨٣ - (حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي، نا ابن أبي فديك، نا الزمعي) موسى بن يعقوب، (عن الزبير بن عثمان بن عبد الله بن سراقة) العدوي المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وله في \"السنن\" لأبي داود حديث واحد في الزجر عن التنقيص في القسمة.\nقلت: هكذا هو الصحيح: زبير بن عثمان بن عبد الله بن سراقة، وما في النسخة المكتوبة القلمية والكانفورية عن الزبير بن عثمان عن عبد الله بن سراقة، وما في المصرية عن الزبير بن عثمان عن عبد الله بن عبد الله بن سراقة فغير صحيح، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\": عبد الله بن عبد الله بن سراقة، صوابه الزبير بن عثمان بن عبد الله بن سراقة.\n(أن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أخبره، أن أبا سعيد الخدري أخبره أن رسول الله - ﷺ - قال: إياكم والقسامة) أي: اتقوها واحذروها، نقل في الحاشية عن \"فتح الودود\" والقُسامة- بالضم-: ما يأخذ القسَّام من رأس المال.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن عبد الله\".\n(٢) ولم ير ابن سيرين بأجر القسام بأسًا كما في \"الجامع الصحيح\" للإمام البخاري، وقال العيني: اختلفت الروايات عنه في ذلك ... إلخ، وقال الحافظ (٤/ ٤٥٤): كره مالك أجر القسام [انظر: \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٢٩)]. (ش).","vol":"9","page":519},{"text":"قَالَ: فَقُلْنَا: وَمَا الْقُسَامَةُ؟ قَالَ: «الشَّيْءُ يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْتَقِصُ مِنْهُ». [ق ٦/ ٣٥٦]\n٢٧٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْقَعْنَبِىُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ شَرِيكٍ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى نَمِرٍ -، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- نَحْوَهُ قَالَ: «الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَى الْفِئَامِ مِنَ النَّاسِ فَيَأْخُذُ مِنْ حَظِّ هَذَا وَ(١) حَظِّ هَذَا». [ق ٦/ ٣٥٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>(١٧٣) بَابٌ: في التِّجَارَةِ في الْغَزْوِ</span>\n٢٧٨٥ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلَّامٍ-،\n===\nقال الخطابي (٢): ليس في هذا تحريم أجرة القسام، وإنما هو في أمر من ولي أمر قوم عريفًا لهم أو نقيبًا، فإذا قسم بينهم سهامهم، أمسك منها لنفسه شيئًا نصيبًا، وأما إذا أخذ الأجرة بإذن المقسوم عليهم فلا يحرم، وهو مبين في الحديث الذي يليه.\n(قال) محمد بن عبد الرحمن أو أبو سعيد: (فقلنا: وما القسامة؟ قال: الشيء يكون) مشتركًا (بين الناس) فيقسمه بينهم (فينتقص منه) لنفسه شيئًا، وهو حرام بالاتفاق.\n٢٧٨٤ - (حدثنا عبد الله القعنبي، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد-، عن شريك -يعني ابن أبي نمر-، عن عطاء بن يسار، عن النبي - ﷺ - نحوه) وهذا مرسل (قال) عطاء: (الرجل يكون على الفِئام) أي: الجماعات (من الناس) وهو أميرهم أو عريفهم فيقسم بينهم (فيأخذ من حظ هذا وحظ هذا) أي: حصته.\n\n(١٧٣) (بَابٌ: فِي التِّجَارَةِ في الْغَزْوِ)\n٢٧٨٥ - (حدثنا الربيع بن نافع، نا معاوية -يعني ابن سلام-،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٢/ ٣٣٩).","vol":"9","page":520},{"text":"عَنْ زَيْدٍ - يَعْنِى ابْنَ سَلَّامٍ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ (١) بْنُ سَلْمَانَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا فَتَحْنَا خَيْبَرَ أَخْرَجُوا غَنَائِمَهُمْ مِنَ الْمَتَاعِ وَالسَّبْيِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ (٢) غَنَائِمَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ (٣) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ رَبِحْتُ رِبْحًا مَا رَبِحَ الْيَوْمَ مِثْلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْوَادِى، قَالَ: «وَيْحَكَ وَمَا رَبِحْتَ؟» قَالَ: مَا زِلْتُ أَبِيعُ وَأَبْتَاعُ حَتَّى رَبِحْتُ ثَلَاثَ مِئَةِ أُوقِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَنَا أُنَبِّئُكَ بِخَيْرِ رَجُلٍ (٤) رَبِحَ»، قَالَ: مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ». [ق ٦/ ٣٣٢]\n===\nعن زيد -يعني ابن سلام- أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن سلمان) هكذا في بعض النسخ مكبرًا، وفي النسخة المصرية وحاشية النسخة المجتبائية والقادرية والمكتوبة، وكذا في \"التقريب\": عبيد الله- مصغرًا-، ابن سلمان عن صحابي في فتح خيبر، وعنه أبو سلام، مجهول من الثالثة، وكذا في \"تهذيب التهذيب\".\n(أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - حدثه قال: لما فتحنا خيبر أخرجوا غنائمهم من) للبيان (المتاع والسبي، فجعل الناس يتبايعون غنائمهم، فجاء رجل) لم أقف على تسميته (فقال: يا رسول الله! لقد ربحت ربحًا ما ربح اليوم مثله) أي: مثل ذلك الربح (أحد من أهل هذا الوادي، قال: ويحك وما ربحت؟ قال: ما زلت أبيع وأبتاع) أي: أشتري (حتى ربحت ثلاث مئة أوقية، فقال رسول الله - ﷺ -: أنا أنبئك بخير رجل ربح، قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: ركعتين بعد الصلاة) المكتوبة، أي: من صلَّى ركعتين. ومناسبة الحديث بالباب ظاهرة.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عبيد الله\".\n(٢) في نسخة بدله: \"يبتاعون\".\n(٣) في نسخة: \"فجاء رجل حين صلَّى رسول الله - ﷺ -\".\n(٤) وفي نسخة: \"ربح رجل\".","vol":"9","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1064>(١٧٤) بَابٌ: فِي حَمْلِ السِّلَاحِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوّ </span>(١)\n٢٧٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا أَبِي، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ ذِى الْجَوْشَنِ - رَجُلٍ مِنَ الضِّبَابِ-،\n===\nقلت: وفيه إشارة إلى مسألة خلافية بين الأحناف والشوافع في بيع المغانم في دار الحرب قبل القسمة، فإنه يجوز ذلك عند الشوافع، وأما عند الأحناف فلا يجوز، والمراد بعدم الجواز: الكراهة، لا نفي ترتب أحكام البيع، لأنه مجتهد فيه، فإذا باع صح مع الكراهة.\nوميل المصنف إلى مذهب الشوافع، كما يدل عليه الحديث بظاهر لفظه، والجواب عنه أنه لا دليل في الحديث على أن التبايع وقع قبل القسمة، بل المراد أن فتح خيبر لما تم بعضها عنوة، وبعضها صلحًا دخل في دار الإِسلام، فأخرجوا غنائمهم، فقسمها بينهم، ثم تبايعوا بعد ذلك، أو يقال: إنهم كانوا محتاجين، فقسمها رسول الله - ﷺ - بينهم لشدة حاجتهم، ثم تبايعوا، والأصل في ذلك أن مدار الملك عند الشافعية على الاستيلاء وعند الحنفية على الملك.\n\n(١٧٤) (بَابٌ: في حَمْلِ السِّلَاحِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ)\nهل يجوز ذلك أم لا؟\n٢٧٨٦ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا أبي) أي يونس، (عن أبي إسحاق، عن ذي الجوشن، رجل من) بني (الضباب) أبو شمر، اختلف في اسمه قيل: اسمه أوس، وقيل: شرحبيل، وهو الأشهر، وقيل: عثمان، وذو الجوشن لقبه، لأنه دخل على كسرى، فأعطاه جوشنا، فلبسه، فكان أول عربي لبسه، وكان فارسًا شاعرًا، له حديث عند أبي داود من طريق أبي إسحاق عنه، ويقال: إنه لم يسمع منه، وإنما سمعه من ولده شمر، قال ابن عيينة: وكان ابن ذي الجوشن جارًا لأبي إسحاق لا أراه إلَّا سمعه، قلت:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إذا أخذ منه عوضًا كراعًا\".","vol":"9","page":522},{"text":"قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ بِابْنِ فَرَسٍ لِي يُقَالُ لَهَا: الْقَرْحَاءُ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّى قَدْ جِئْتُكَ بِابْنِ الْقَرْحَاءِ لِتَتَّخِذَهُ، قَالَ: «لَا حَاجَةَ لِى (١) فِيهِ، فَإِنْ (٢) شِئْتَ أَنْ أُقِيضَكَ بِهِ الْمُخْتَارَةَ مِنْ دُرُوعِ بَدْرٍ فَعَلْتُ»، قُلْتُ: مَا كُنْتُ أُقِيضُهُ الْيَوْمَ بِغُرَّةٍ قَالَ: «فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ». [حم ٣/ ٤٨٤، ق ٩/ ١٠٨]\n===\nقال البخاري في \"تاريخه\": وقال سفيان: كان ابنه جارًا لأبي إسحاق، ولا أراه إلَّا سمعه من ابن ذي الجوشن.\nقال البخاري وأبو حاتم: روى عنه أبو إسحاق مرسلًا، وقال أبو قاسم البغوي وابن عبد البر: وقيل: إن أبا إسحاق لم يسمع منه، وإنما سمع من ابنه شمر، وقال مسلم في \"الوحدان\": لم يرو عن ذي الجوشن إلا أبو إسحاق، وكذا قال غيره، والله أعلم.\n(قال: أتيت النبي - ﷺ -) أي: في حالة الشرك (بعد أن فرغ من أهل بدر بابن فرس لي يقال لها) أي للفرس: (القرحاء، فقلت: يا محمد) - ﷺ - (إني قد جئتك بابن القرحاء) أي: هدية إليك (لتتخذه، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (لا حاجة لي فيه) أي: في ابن القرحاء أن آخذه هدية (فإن شئت أن أقيضك) أي: أعوضك (به) أي: بابن القرحاء (المختارة) أي: النفيسة (من دروع بدر فعلت، قلت: ما كنت أقيضه) أي: أبدله (اليوم بغرة) أي: بفرس أو عبد أو أمة فكيف بدروع بدر؟ ولفظ أحمد في \"مسنده\": \"ما كنت أقيضه اليوم بعدة\"، معناه متاع خيار جيد.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (فلا حاجة لي فيه)، ثم في حديث أحمد (٣) زيادة بعد هذا: \"ثم قال: يا ذا الجوشن! ألا تسلم، فتكون من أول أهل هذا الأمر؟\n_________\n(١) في نسخة: \"لنا\".\n(٢) في نسخة: \"وإن\".\n(٣) \"مسند أحمد\" (٤/ ٦٨).","vol":"9","page":523},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفقلت: لا، قال: لِمَ؟ قلت: إني رأيت قومك ولعوا بك، قال: فكيف بلغك عن مصارعهم ببدر؟ قلت: قد بلغني، قال: فإنا نهدي لك، قلت: إن تغلب على الكعبة وتقطنها، قال: لعلك إن عشت ترى ذلك، ثم قال: يا بلال! خذ حقيبة الرجل، فزوده من العجوة، فلما أدبرت، قال: أما إنه من خير فرسان بني عامر، قال: فوالله إني بأهلي بالغور إذ أقبل راكب، فقلت: ما فعل الناس؟ قال: والله قد غلب محمد بالكعبة وقطنها، قلت: هبلتني أمي ولو أسلم يومئذ ثم أسأله الحيرة لأقطَعَنيها\".\nومناسبة الحديث بالباب بأن رسول الله - ﷺ - رضي بأن يعطي المختارة من دروع بدر بابن القرحاء، فيذهب بها إلى دار الحرب، فاستفيد منه جواز حمل السلاح إلى أرض العدو.\nوأما عندنا الحنفية فلا يجوز أن يحمل المسلم إلى أرض العدو من الكراع والسلاح والسبي والحديد، وهو المنقول عن إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز - ﵃-، وهذا لأنهم يتقوون بالكراع والسلاح على قتال المسلمين، وقد أمرنا بكسر شوكتهم، وقتل مقاتلتهم بدفع فتنة محاربتهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (١)، فعرفنا أنه لا رخصة في تقويتهم على محاربة المسلمين، وهذا السبي والحديد، وإن السبي إما أن يقاتل بنفسه، أو يكون منهم من يقاتل، وتقويتهم بالمقاتل فوق تقويتهم بآلة القتال والحديد المصنوع منه وغير المصنوع في كراهية الحمل إليهم سواء، لأنه أصل السلاح.\nوالحكم الثابت فيما يحصل من أصل يكون ثابتًا في الأصل، وإن لم يوجد فيه ذلك المعنى، ألا ترى أن المحرم إذا كسر بيض الصيد يلزمه الجزاء لما يلزمه بقتل الصيد، إلَّا أنه لا بأس بذلك في الطعام والثياب، ونحو ذلك لحديث ثمامة\n_________\n(١) سورة الأنفال: الآية ٣٩.","vol":"9","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1065>(١٧٥) بَابٌ: في الإقَامَةِ بِأَرْضِ الشِّرْكِ</span>\n٢٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَى يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ قَالَ: نَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: حَدَّثَنِى خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَمَّا بَعْدُ، قَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ».\nآخِرُ كِتَاب الْجِهَاد\n===\nابن أثال الحنفي؛ فإنه - ﷺ - أذن له أن يحمل إليهم طعامًا، والجواب عنه أن الحديث لما فيه من احتمال الانقطاع والإرسال ليس بحجة.\n\n(١٧٥) (بَابٌ: في الإقَامَةِ بِأَرْضِ الشِّرْكِ)\n٢٧٨٧ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان قال: أنا سليمان بن موسى) وكنيته (أبو داود قال: نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب قال: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب: أما بعد، قال رسول الله - ﷺ -: من جامع المشرك) أي: اجتمع معه في دار أو بلد، والأحسن أن يقال: معناه اجتمع معه، أي: اشترك في الرسوم والعادة والهيئة والزي، وأما قوله: (وسكن معه) علة له، أي: سكناه معه صار علة لتوافقه في الهيئة والزي والخصال (فإنه مثله) نقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": فإنه مثله، أي: يقارب أن يصير مثلًا له لتأثير الجوار والصحبة، ويحتمل أنه تغليظ.\nآخر كتاب الجهاد\n_________\n(١) في نسخة: \"فإن رسول الله - ﷺ - قال\".","vol":"9","page":525},{"text":"(١٠) (١) أَوَّلُ كِتَابِ الضَّحَايَا (٢)\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>(١٠) (أَوَّلُ كِتَابِ الضَّحَايَا) </span>(٣)\nنقل في الحاشية عن \"فتح الودود\" أربع لغات (٤): أضحية: بضم الهمزة وكسرها، وجمعها الأضاحي بتشديد الياء وتخفيفها، واللغة الثالثة: ضحية، وجمعها ضحايا، كعطية وعطايا، والرابعة: أضحاة بفتح الهمزة، والجمع أضحى، كأرطاة وأرطى، وبها سمي يوم الأضحى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بسم الله ... إلخ، باب ما جاء في إيجاب الأضاحي\".\n(٢) في نسخة: \"الأضاحي\".\n(٣) وبدؤها برؤيا إبراهيم المشارة في قوله عزَّ اسمه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ الآية [الصافات: ١٠٢]، واختلفوا جدًا في أن الذبيح إسماعيل أو إسحاق. ورجح في \"شرح مسلم الثبوت\" (٢/ ٢٦٤) الثاني باسطًا فيه، انتهى، ورجح ابن عابدين الأول، ونسبه إلى جمهور المحدثين، وقال: والقول بأنه إسحاق مردود بأكثر من عشرين وجهًا. (ش) [انظر: \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ٧٢)، وكتاب \"الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح\" للأستاذ حميد الدين الفراهي].\n(٤) وحكى ابن عابدين عن \"الشرنبلالية\": أن فيها ثماني لغات: أضحية: بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها، وضحية: بفتح الضاد وكسرها. وأضحاة: بفتح الهمزة وكسرها، وفي \"الدر المختار\" (٩/ ٤٥٢): الأضحية لغة: اسم لما يذبح أيام الأضحى من تسمية الشيء باسم وقته. (ش).","vol":"9","page":526},{"text":"٢٧٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ. (ح): وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ: نَا بِشْرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ عَامِرٍ أَبِى رَمْلَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مِخْنَفُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: وَنَحْنُ وُقُوفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَرَفَاتٍ، قَالَ: قال:\n===\n٢٧٨٨ - (حدثنا مسدد، نا يزيد) بن زريع، (ح: وحدثنا حميد بن مسعدة قال: نا بشر) بن المفضل، (عن عبد الله بن عون، عن عامر أبي رملة) عن مخنف بن سليم الغامدي، له عندهم حديث في ترجمة مخنف، وفي \"التقريب\": لا يعرف، وقال في \"الميزان\" (١): عامر أبو رملة شيخ لابن عون، فيه جهالة، قال عبد الحق: إسناده ضعيف، وصدَّقه ابن القطان لجهالة عامر.\n(قال: أنبأنا مخنف) بكسر أوله وبنون (ابن سليم) بن الحارث بن عوف الأزدي الغامدي، قال ابن سعد: أسلم وصحب النبي - ﷺ -، ونزل الكوفة بعد ذلك، استعمله علي بن أبي طالب على أصبهان، وكان معه راية الأزد يوم صفين، وكان ممن خرج مع سليمان بن صرد في وقعة عين الوردة، وقتل بها سنة أربع وستين.\n(قال) أي مخنف: (ونحن) الواو للحال قدّم على عامله وهو لفظ قال (وقوف) أي: واقفين (مع رسول الله - ﷺ - بعرفات، قال: قال) هكذا بتثنية لفظ \"قال\" في النسخة المكتوبة القلمية والمجتبائية والقادرية ونسخة \"العون\"، وأما في المصرية بوحدة لفظ قال، والظاهر أن لفظ \"قال\" مكرر في النسخ، والصواب ما في المصرية، ويؤيده ما أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\": قال: ثنا مخنف بن سليم قال: ونحن مع النبي - ﷺ - وهو واقف بعرفات فقال:\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٤٠٩٧).","vol":"9","page":527},{"text":"«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِى كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَةً وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هَذِهِ الَّتِى (١) يَقُولُ النَّاسُ: الرَّجَبِيَّةُ» (٢). [ت ١٥١٨، ن ٤٢٢٤، جه ٣١٢٥، حم ٤/ ٢١٥، ق ٩/ ٣١٣]\n===\n(يا أيها الناس، إن على أَهْلِ (٣) كُلِّ بيت) هكذا في المجتبائية والمصرية والكانفورية بتقديم لفظ \"أهل\" على لفظ \"كل\"، وأما في نسخة \"العون\" ففيها: \"على كل أهل بيت\"، وهكذا في القادرية، وكذا في رواية أحمد في \"مسنده\" (في كل عام أضحية وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول الناس: الرجبية) أي: الشاة التي يذبحونها في رجب.\nقال في \"النيل\" (٤): قال النووي: اتفق العلماء على تفسير العتيرة أنها ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب يسمونها الرجبية، وقال: أحاديث الباب يدل بعضها على وجوب العتيرة والفرع، وهو حديث مخنف وحديث نبيشة، وحديث عائشة، وحديث عمرو بن شعيب، وبعضها يدل على مجرد الجواز من غير وجوب، وهو حديث الحارث بن عمرو وأبي رزين، فيكون هذان الحديثان كالقرينة الصارفة للأحاديث المقتضية للوجوب إلى الندب.\nوقد اختلف في الجمع بين الأحاديث المذكورة والأحاديث الآتية القاضية بالمنع من الفرع والعتيرة، فقيل: إنه يجمع بينهما يحمل هذه الأحاديث على الندب، وحمل الأحاديث الآتية على عدم الوجوب، ذكر ذلك جماعة منهم الشافعي والبيهقي وغيرهما؛ فيكون المراد بقوله: لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة، وهذا لا بد منه مع عدم العلم بالتاريخ؛ لأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الأحاديث\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الذي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: والعتيرة منسوخة. هذا خبر منسوخ\".\n(٣) هذا مستدل للإمام مالك في أنها على كل أهل بيت رأس واحد شاة أو بقرة أو بدنة، وستأتي المذاهب. (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٥٠٨، و٥٠٩).","vol":"9","page":528},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمنسوخة بالأحاديث الآتية، وادَّعى القاضي عياض أن جماهير العلماء على ذلك، ولكنه لا يجوز الجزم به إلَّا بعد ثبوت أنها متأخرة، ولم يثبت.\nوالتضحية نوعان: واجب، وتطوُّع، والواجب منها أنواع: منها ما يجب على الغني والفقير، ومنها: ما يجب على الفقير دون الغني، ومنها: ما يجب على الغني دون الفقير.\nأما الذي يجب على الغني والفقير: فالمنذور به؛ لأن هذه قُرْبة لله ﷿ من جنسها إيجاب وهو هدي المتعة، والقِران، والإحصار. وقيل: هذه قربة كسائر القرب التي لله تعالى عَزَّ شأنه من جنسها إيجاب من الصلاة والصوم ونحوهما، والوجوب بسبب النذر يستوي فيه الفقير والغني.\nوأما الذي يجب على الفقير دون الغني، فالمشترى للأضحية إذا كان المشتري فقيرًا ينوي أن يضحي بها، وقال الشافعي: لا تجب وهو قول الزعفراني من أصحابنا، وإن كان غنيًا لا يجب عليه بالشراء شيئًا.\nوأما الذي يجب على الغني دون الفقير فما يجب من غير نذر ولا شراء للأضحية، بل شكرًا لنعمة الحياة وإحياءً لميراث الخليل ﵊، ومطية على الصراط، ومغفرة للذنوب، وتكفيرًا للخطايا على ما نطقت به الأحاديث، وهذا مذهب أبي حنيفة وزفر والحسن بن زياد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف.\nوروي عن أبي يوسف: أنها لا تجب (١)، وبه أخذ الشافعي. وحجة هذه الرواية ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم: الوتر، والضحى، والأضحى\" (٢).\n_________\n(١) الأضحية سنَّة مؤكدة عند مالك والشافعي وصاحبي أبي حنيفة، وواجبة عنده، كذا في \"البداية\" (١/ ٤٢٩). (ش).\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٣١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٦٨)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢١).","vol":"9","page":529},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوروي: \"ثلاث كتبت علي وهي لكم سنَّة\"، والسنَّة غير الواجب في العرف.\nوروي أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر - ﵄- كانا لا يضحيان السنة والسنتين، وروي عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: \"قد يروح علي ألف شاة ولا أضحي بواحدة مخافة أن يعتقد جاري أنها واجبة\".\nولنا قوله ﷿: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١)، قيل في التفسير: صل صلاة العيد وانحر البُدن بعدها، وقيل: صل الصبح بجمع وانحر بمنى، ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل، ومتى وجب على النبي ﵊ يجب على الأمة، لأنه قدوة لها.\nفإن قيل: قد قيل في بعض وجوه التأويل لقوله تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾، أي: ضع يديك على نحرك في الصلاة، وقيل: استقبل القبلة بنحرك في الصلاة.\nفالجواب أن الحمل على الأول أولى؛ لأنه حمل اللفظ على فائدة جديدة، والحمل على الثاني حمل على التكرار؛ لأن وضع اليد على النحر من أفعال الصلاة عندكم يتعلق به كمال الصلاة، واستقبال القبلة من شرائط الصلاة، لا وجود للصلاة شرعًا بدونه، فيدخل تحت الأمر بالصلاة، فكان الأمر بالصلاة أمرًا به، فيكون الحمل عليه تكرارًا، والحمل على ما قلنا يكون حملًا على فائدة جديدة، فكان أولى.\nوروي عن النبي ﵊ أنه قال: \"ضحوا فإنها سنَّة أبيكم إبراهيم ﵊\" (٢)، أمر ﵇ بالتضحية، والأمر المطلق يقتضي الوجوب في حق العمل.\n_________\n(١) سورة الكوثر: الآية ٢.\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٣١٢٧)، والبيهقي (٩/ ٢٦١).","vol":"9","page":530},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوروي عنه ﵇ أنه قال: \"على أهل كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة\" (١)، و\"على\" كلمة إيجاب، ثم نسخت العتيرة فثبتت الأضحاة.\nوروي عنه ﵊ أنه قال: \"من لم يضح فلا يقربن مصلَّانا\" (٢)، وهذا خرج مخرج الوعيد على تركها، ولا وعيد إلا بترك الواجب. وقال ﵊: \"من ذبح قبل الصلاة فليعد أضحيته، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله\" (٣)، أمر ﵇ بذبح الأضحية، وإعادتها إذا ذبحت قبل الصلاة، وكل ذلك دليل الوجوب.\nوأما الحديث: فنقول بموجبه: إن الأضحية (٤) ليست بمكتوبة علينا، ولكنها واجبة، وفرق ما بين الواجب والفرض كفرق ما بين السماء والأرض، وقوله: \"هي لكم سنَّة\" إن ثبت لا ينفي الوجوب، إذ السنَّة تنبئ عن السيرة أو الطريقة، وكل ذلك لا ينفي الوجوب.\nوأما حديث سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر - ﵄- فيحتمل أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين لعدم غناهما لما كان لا يفضل رزقهما الذي كان في بيت المال عن كفايتهما، والغناء شرط الوجوب في هذا النوع.\nوقول أبي مسعود - ﵁ - لا يصلح معارضًا للكتاب الكريم والسنَّة، مع أنه يحتمل أنه كان عليه دين، فخاف على جاره لو ضحَّى أن يعتقد وجوب الأضحية مع قيام الدين، ويحتمل أنه أراد بالوجوب الفرض،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي (٩/ ٣١٣).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٣١٢٣)، والحاكم (٣/ ٣٨٩، ٤/ ٢٣٢)، والبيهقي (٩/ ٢٦٠).\n(٣) أخرجه البيهقي (٩/ ٢٧٧).\n(٤) والأوجه عندي في الجواب عنه: أن الأضحية كتبت عليَّ مطلقًا بلا قيد اليسار وغيره بخلافكم إذ كتبت عليكم بشرط الغناء، فقد صرح في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣٩٥) أن الأضحية كانت واجبة عليه - ﷺ - بلا غناء أيضًا، ويؤيده أن الحافظ وغيره عدُّوها من الخصائص. (ش).","vol":"9","page":531},{"text":"٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِى عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١)، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «أُمِرْتُ بِيَوْمِ الأَضْحَى: عِيدًا (٢) جَعَلَهُ اللَّهُ ﷿ لِهَذِهِ الأُمَّةِ»\n===\nإذ هو الواجب المطلق، فخاف على جاره اعتقاد الفرضية لو ضحى، فصان اعتقاده بترك الأضحية، فلا يكون حجة مع الاحتمال، أو يحمل على ما قلنا توفيقًا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض.\nوما روى الدارقطني (٣) بإسناده عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: \"ثلاث كتبت علي وهي لكم تطوع\" الحديث، فهو ضعيف، غير صالح للاستدلال؛ لأنه أخرجه عن جابر الجعفي وهو ضعيف، وقيل: روي من طرق أخرى، وهو ضعيف على كل حال.\n٢٧٨٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: نا عبد الله بن يزيد قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني عياش بن عباس القتباني، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي - ﷺ - قال: أمرت بيوم الأضحى عيدًا) أي: بجعله (٤) عيدًا (جعله الله) عيدًا (لهذه الأمة)، فلما ذكر ﵊ أنه مأمور بجعل ذلك اليوم عيدًا،\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) في نسخة: \"عيدٌ\"، وفي نسخة: \"عيدٍ\".\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢١).\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٨) في ترجمة البخاري \"من قال: الأضحى يوم النحر\": يمكن أن يستدل بذلك لمن قال باختصاص النحر بيوم العاشر، وهو قول حميد وابن سيرين وداود، وعن سعيد بن جبير وأبي الشعثاء مثله إلَّا بمنى، فيجوز ثلاثة أيام، وبثلاثة أيام مطلقًا قال مالك وأحمد والحنفية، وزاد الشافعي اليوم الرابع، انتهى ملخصًا، وشيء من ذلك في \"الأوجز\" (١٠/ ٢٧٠، ٢٧١). (ش).","vol":"9","page":532},{"text":"قَالَ الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إلَّا مَنِيحةً أُنْثَى (١) أَفَأُضَحِّى بِهَا؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِكَ وَأَظْفَارِكَ، وَتَقُصُّ شَارِبَكَ، وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ، فَتِلْكَ تَمَامُ أُضْحِيَتِكَ (٢) عِنْدَ اللَّهِ». [ن ٤٣٦٥، حم ٢/ ١٦٩، ك ٢/ ٥٢٣]\n===\nوكان من أحكام ذلك اليوم حكم التضحية والأضاحي حسن قول الصحابي: \"أرأيت\" ... إلخ.\n(قال الرجل: أرأيت إن لم أجد إلَّا منيحة) قال في \"النهاية\" (٣): المنيحة أن يعطي الرجل الرجل ناقة أو شاة ينتفعُ بلبنها ويعيدها، وكذا إذا أعطى لينتفع بصوفها ووبرها زمانًا ثم يردها (أنثى) قيل: وصف منيحة بأنثى يدل على أنه قد يكون ذكرًا وإن كان فيها علامة التأنيث، كما يقال: حمامة أنثى وحمامة ذكر.\n(أفاضحي بها؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (لا)، ولعل المراد من المنيحة ها هنا ما يمنح بها، وإنما منعه؛ لأنه لم يكن عنده شيء سواها ينتفع بها (ولكن تأخذ من شعرك وأظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فتلك تمام أضحيتك عند الله) أي: أضحيتك تامة بنيتك الخالصة، ولك بذلك مثل ثواب الأضحية، وصيغة الخبر بمعنى الأمر.\nثم ظاهر الحديث وجوب الأضحية إلَّا على العاجز، ولذا قال جمع من السلف: تجب على المعسر، ويؤيده حديث: \"يا رسول الله - ﷺ -، أستدين وأضحي؟ قال: نعم، فإنه دين مقضي\" (٤)، قال ابن حجر: ضعيف مرسل.\nقلت: أما المرسل فهو حجة عند الجمهور، وأما كونه ضعيفًا لو صح فيصلح أن يكون مؤيدًا مع أنه يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال، والجمهور\n_________\n(١) في نسخة: \"ابني\".\n(٢) في نسخة: \"ضحيتك\".\n(٣) \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٣٦٤).\n(٤) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٢٨٣)، والبيهقي في \"سننه\" (٩/ ٢٦٢).","vol":"9","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1067>(١) بَابُ الأُضْحِيَةِ عن الْمَيِّتِ</span>\n٢٧٩٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ: نَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِى الْحَسْنَاءِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ حَنَشٍ\n===\nعلى أنه محمول على الاستحباب بطريق أبلغ، وقد قال أبو حنيفة: لا يجب إلَّا على من يملك نصابًا، والجمهور على أنه سنَّة مؤكدة، وقيل: سنَّة كفاية، قاله القاري (١).\n\n(١) (بَابُ الأُضْحِيَةِ عَنِ الْمَيِّتِ)\n٢٧٩٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا شريك) بن عبد الله النخعي، (عن أبي الحسناء) الكوفي، اسمه الحسن، ويقال: الحسين، قال في \"التقريب\": مجهول، وقال في \"الميزان\" (٢): حدث عنه شريك، لا يعرف، (عن الحكم) بن عتيبة.\n(عن حنش) بن المعتمر، ويقال: ابن ربيعة الكناني بكسر كاف وخفة نون أولى، نسبة إلى كنانة بن خزيمة، أبو المعتمر الكوفي، قال ابن المديني (٣): لا أعرفه، وقال أبو حاتم: هو عندي صالح، ليس أراهم يحتجون بحديثه، وقال أبو داود: ثقة، وقال البخاري: يتكلمون في حديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: لا يحتج به، وعند ابن المديني أن حنش بن المعتمر غير حنش بن ربيعة.\nقلت: وأما ابن حبان فقال: حنش بن المعتمر هو الذي يقال له: حنش بن ربيعة، والمعتمر كان جده، وكان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال العجلي: تابعي\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٨٢).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (١٠١٠٦).\n(٣) في الأصل: \"المديني\"، والظاهر \"ابن المديني\".","vol":"9","page":534},{"text":"قَالَ: \"رَأَيْتُ عَلِيًّا - ﵁ - يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَوْصَانِى أَنْ أُضَحِّىَ عَنْهُ، فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ\". [ت ١٤٩٥، حم ١/ ١٠٧، ق ٩/ ٢٨٨، ك ٤/ ٢٢٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>(٢) بَابُ الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ فِي الْعَشْرِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ</span>\n٢٧٩١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: نَا أَبِي قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: نَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ اللَّيْثِىُّ\n===\nثقة، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود وأبو العرب الصقلي في الضعفاء، وقال ابن حزم في \"المحلى\": ساقط مطرح، انتهى، وقال في \"ميزان الاعتدال\" (١): له عن علي: \"أمرني رسول الله - ﷺ - أن أضحي بكبشين وأنا أحب أن أفعله\"، تفرد به شريك عن أبي الحسناء عنه.\n(قال: رأيت عليًا - ﵁ - يضحي بكبشين، فقلت له: ما هذا؟) أي: لِمَ تضحي بكبشين؟ (فقال) علي: (إن رسول الله - ﷺ - أوصاني) أي: أمرني (إن أضحي عنه) بعد موته (٢) (فأنا أضحي عنه) بواحد، والثاني عن نفسي.\n\n(٢) (بَابُ الرَّجُلِ يَأْخُذُ)، أي: هل يأخذ؟ بتقدير الاستفهام (مِنْ شَعْرِهِ في الْعَشْرِ) يعني أوائل ذي الحجة (وَهوَ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ)\n٢٧٩١ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: نا أبي) معاذ (قال: نا محمد بن عمرو) بن علقمة (قال: نا عمرو بن مسلم الليثي) الجندعي المدني،\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٢٣٦٨).\n(٢) قال الدردير (٢/ ١٢٢): كره فعلها عن ميت إن لم يكن عينها قبل موته وإلَّا ندب للوارث إنفاذها. (ش).","vol":"9","page":535},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِى الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ (١) مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّىَ» (٢). [م ١٩٧٧، ت ١٥٢٣، ن ٤٣٦١، جه ٣١٤٩، ق ٩/ ٢٦٦، ك ٤/ ٢٢٠، حم ٦/ ٢٨٩]\n===\nوهو عمرو بن عمارة بن أكيمة، وقيل: عمر، روى عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة حديث: \"من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره\". قال ابن معين: ثقة، وفي رواية: لا بأس به.\n(قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت أم سلمة تقول: قال رسول الله - ﷺ -: من كان له ذبح) بكسر الذال، أي حيوان يريد ذبحه، أي: فعل بمعنى مفعول، كحمل بمعنى محمول، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٣) (يذبحه فإذا أهلَّ هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي).\nقال الشوكاني (٤): وقد اختلف العلماء (٥) في ذلك، فذهب سعيد بن المسيب، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وداود، وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه\n_________\n(١) في نسخة: \"فلا يأخذ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: اخْتَلَفُوا عَلَى مَالِكٍ وَعَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فِى عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُمَرُ، وَأَكْثَرُهُمْ قَالَ: عَمْرٌو، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِىُّ الْجُنْدَعِىُّ\".\n(٣) سورة الصافات: الآية ١٠٧.\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥).\n(٥) في حاشية \"الترمذي\" عن \"المرقاة\" (٣/ ٥١١): مكروه عند الشافعي ومالك، وحرام عند أحمد، ومباح عند الحنفية، وهو ظاهر \"شرح الطحاوي\" للعيني، واستدل بحديث عائشة الآتي في الشرح، وأجاب عن حديث أم سلمة: بأنه موقوف: وبأن حديث عائشة أصح منه، وبأن سعيد بن المسيب الراوي له قال: لا بأس بالاطلاء بالنورة، فهو دليل النسخ. (ش).","vol":"9","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1069>(٣) بَابٌ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الضَّحَايَا</span>\n٢٧٩٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو صَخْرٍ،\n===\nيحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره، حتى يضحي في وقت الأضحية، وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهية تنزيه، وليس بحرام، وقال أبو حنيفة: لا يكره، وقال مالك في رواية: لا يكره، وفي رواية: يكره، وفي رواية: يحرم في التطوع دون الواجب.\nواحتج من قال بالتحريم بحديث الباب؛ لأن النهي ظاهر في ذلك، واحتج الشافعي بحديث عائشة المتقدم: \"أن النبي - ﷺ - كان يبعثُ بهَدْيهِ ولا يحرمُ عليه شيء أحلَّه الله له حتى ينْحَرَ هدْيَه\" (١)، فجعل هذا الحديث مقتضيًا لحمل حديث الباب على كراهة التنزيه، انتهى. قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما في \"شرح المنية\" (٢).\nوما ورد في \"صحيح مسلم\" (٣): \"قال رسول الله - ﷺ -: إذا دخل العشر وأراد بعضكم أن يضحي فلا يأخذن شعرًا، ولا يَقْلِمَنَّ ظفرًا\"، فهذا محمول على الندب دون الوجوب بالإجماع، فنفي الوجوب لا ينافي الاستحباب فيكون مستحبًا، إلَّا أن يستلزم الزيادة على وقت إباحة التأخير، ونهايته ما دون الأربعين، فإنه لا يباح ترك قلم الأظفار ونحوه فوق الأربعين.\n\n(٣) (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الضَّحَايَا)\n٢٧٩٢ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني حيوة قال: حدثني أبو صخر) حميد بن زياد، وفي نسخة على حاشية المكتوبة،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٧٠٠)، ومسلم (١٣٢١).\n(٢) انظر: (ص ٥٦٦).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٩٧٧).","vol":"9","page":537},{"text":"عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِى سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِى سَوَادٍ وَيَبْرُكُ فِى سَوَادٍ، فَأُتِىَ بِهِ، فَضَحَّى بِهِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّى الْمُدْيَةَ»، ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» فَفَعَلَتْ، فَأَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ وَذَبَحَهُ (١)، وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ»، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ\". [م ١٩٦٣، حم ٦/ ٧٨، ق ٩/ ٢٦٧]\n===\nوفي متن المصرية: أبو صخرة بزيادة التاء، وهو جامع بن شداد، وها هنا غير صحيح، فإنه صرح الحافظ في تلامذة ابن قسيط أبو صخر حميد بن زياد.\n(عن ابن قسيط) هو يزيد بن عبد الله بن قسيط مصغرًا، ابن أسامة بن عمير الليثي، أبو عبد الله المدني الأعرج، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، قال ابن عبد البر: ويزيد قد احتج به مالك في مواضع من \"الموطأ\"، وهو ثقة من الثقات.\n(عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - أمر بكبش) ذكر النعجة (أقرن) أي: ذي قرنين حسنتين عظيمتين (يطأ) أي: يمشي (في سواد) أي: أسود القوائم (وينظر في سواد) أي: أسود حوالي العينين (وييرُكُ في سواد) أي: أسود الجنبين (فأتي به، فضحى به) أي: أراد التضحية (فقال: يا عائشة، هَلُمِّي) أي: هاتي (المدينة) أي: السكين، وإنما يقال لها: المدية لأنه يقطع بها مدى الحياة.\n(ثم قال: اشحذِيْها بحجر) أي: حديها بحجر (ففعلتْ، فأخذها) أي المدينة (وأخد الكبش، فأضجعه) على اليسار، وهو الظاهر؛ لأنه أيسر في الذبح (فذبحه، وقال: بسم الله، اللَّهُمَّ (٢) تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى به).\n_________\n(١) في نسخة: \"وذبحه\".\n(٢) وفي \"الهداية\" (٤/ ٣٤٨): يكره موصولها ولا بأس به مفصولًا، انتهى. (ش).","vol":"9","page":538},{"text":"٢٧٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَحَرَ سَبْعَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَضَحَّى بِالْمَدِينَةِ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ\". (١) [خ ١٦٢٦، م ١٩٦٦]\n===\nقال الشوكاني (٢): والحديث يدل على أنه يجوز للرجل أن يضحي عنه، وعن أتباعه، وأهله، وبه قال الجمهور، وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، والحديث يرد عليهم، انتهى.\nقلت: لم أر في كتب الحنفية كراهة التشريك في الثواب، بل لو أهدى ثواب عمله كله يجوز عندهم بلا كراهة، نعم، يكره عندهم التشريك في التسمية، بل يحرم.\nثم رأيت في \"البدائع\" (٣): فإن قيل: أليس أنه روي \"أن رسول الله - ﷺ - ضحى بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عمن لا يذبح من أمته\"، فكيف ضحى بشاة واحدة عن أمته ﵊؟ .\nفالجواب أنه ﵊ إنما فعل ذلك لأجل الثواب، وهو أنه جعل ثواب تضحيته بشاة واحدة لأمته لا للإجزاء وسقوط التعبد عنهم، انتهى.\n٢٧٩٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: أن النبي - ﷺ - نحر سبع بدنات بيده قيامًا)، والمراد بالبدنات: الإبل، سمي بها لعظمها وسمنها من البدانة، وتقع على الجمل والناقة، وقد تطلق على البقرة، والسُّنَّةُ في الإبل النحر قيامًا، وفي البقرة والكبش والشاة الذبح. (وضحى بالمدينة بكبشين أقرنين أملحين) وهو ما بياضه أكثر من سواده.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الأملح إذا كان الغالب عليه البياض\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٧٢).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٠٦).","vol":"9","page":539},{"text":"٢٧٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، يَذْبَحُ وَيُكَبِّرُ وَيُسَمِّي وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صَفْحَتِهِمَا\". [خ ٥٥٦٥، م ١٩٦٦، ت ١٤٩٤، ن ٤٣٨٧، جه ٣١٢٠، حم ٣/ ٩٩]\n٢٧٩٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ قَالَ: نَا عِيسَى قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى عَيَّاشٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ذَبَحَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْن أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مُوجَوءَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا، قَالَ: «إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِي\n===\n٢٧٩٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن أنس: أن النبي - ﷺ - ضحى بكبشين أقرنين أملحين يذبح ويكبر ويُسمي) أي يقول: بسم الله الله أكبر (ويضع رجله على صفحتهما) أي: صفحة وجههما.\n٢٧٩٥ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: نا عيسى قال: نا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عياش، عن جابر بن عبد الله قال: ذبح النبي - ﷺ - يوم الذبح) أي: يوم الأضحى (كبشين أقرنين أملحين موجوءين) (١) أي: خصيين، والوجيء أن ترض أنثيا الفحل رضًا شديدًا يُذهب شهوة الجماع، وقيل: منزوع الأنثيين.\n(فلما وجههما) نحو القبلة (قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفًا) أي: مائلًا عن جميع الأديان إلى دين الإِسلام (وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي) أي: سائر عباداتي\n_________\n(١) قال الحافظ (١٠/ ١٠): فيه جواز الخصّي. وقال ابن العربي: حديث أبي سعيد عند الترمذي: \"بكبش فحيل\" أي: تام الخلقة لم تقطع أنثياه أصح منه، ورد بأنه يحتمل الوقتين \"أوجز\" (١٧/ ٣١). (ش).","vol":"9","page":540},{"text":"وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ»، ثُمَّ ذَبَحَ. [جه ٣١٢١، حم ٣/ ٣٧٥، دي ١٩٤٦، خزيمة ٢٨٩٩]\n٢٧٩٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: نَا حَفْصٌ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُضَحِّي بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيلٍ،\n===\nأو تقربي بالذبح، قال الطيبي (١): جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) (ومحياي ومماتي) أي: ما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، أو حياتي وموتي (لله) أي: خالصة لوجهه (رب العالمين، لا شريك له، وبذلك) أي: بالتوحيد والإخلاص والعبودية (أمرت وأنا من المسلمين) أي: من جملة المنقادين لأمره وحكمه.\n(اللَّهُمَّ منك) أي: هذه الأضحية منحة واصلة إليَّ منك (ولك) أي: خالصة لك (عن محمد وأمته) العاجرين عن متابعته في سنَّة أضحيته، وهو يحتمل التخصيص بأهل زمانه، والتعميم المناسب لشمول إحسانه، ثم المشاركة إما محمولة على الثواب، وإما على الحقيقة، فيكون من خصوصية ذلك الجناب، والأظهر أن يكون أحدهما عن ذاته الشريفة والثاني عن أمته الضعيفة (بسم الله والله أكبر، ثم ذبح) أي: بعد التكبير أَمَرَّ السكين على حلقه.\n٢٧٩٦ - (حدثنا يحيى بن معين قال: نا حفص، عن جعفر، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: كان رسول الله - ﷺ - يضحي بكبش أقرن فحيل)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(٢) سورة الكوثر: الآية ٢.","vol":"9","page":541},{"text":"يَنْظُرُ فِى سَوَادٍ، وَيَأْكُلُ فِى سَوَادٍ، وَيَمْشِى فِى سَوَادٍ\". [ت ١٤٩٦، ن ٤٣٩٠، جه ٣١٢٨، ق ٩/ ٢٧٣، ك ٤/ ٢٢٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>(٤) بَابُ مَا يَجُوزُ في الضَّحَايَا مِنَ السِنِّ</span>\n٢٧٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ قَالَ: أَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: نَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، إلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ». [م ١٩٦٣، ن ٤٣٧٨، جه ٣١٤١، حم ٣/ ٣١٢، خزيمة ٢٩١٨]\n===\nوكان رسول الله - ﷺ - ضحى بالفحيل مرة وبالخصي أخرى (ينظر في سواد) أي: حوالي عينيه أسود (ويأكل في سواد) أي: فمه أسود (ويمشي في سواد) أي: قوائمه سود.\n\n(٤) (بَابُ مَا يَجُوزُ في الضَّحايَا مِنَ السِّنِّ)\n٢٧٩٧ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني قال: أنا زهير بن معاوية قال: نا أبو الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تذبحوا إلَّا مسنة) بضم الميم وكسر السين وبالنون المشدَّدة، وهو من الإبل ما استكمل خمس سنين وطعن في السادسة، ومن البقر ما استكمل سنتين وطعن في الثالثة، ومن الغنم ضأنًا كان أو معزًا ما استكمل سنة وطعن في الثانية، ولا يجوز الأضحية إلا من الإبل والبقر والغنم، والغنم صنفان: المعز والضأن، والجاموس نوع من البقر، فيجوز التضحية من جميع هذه الأقسام إذا كان مسنَّة وهو الثني.\n(إلَّا أن يعسر عليكم) أي: المسنَّة ولم تجدوها (فتذبحوا جذعة من الضأن) (١) وهو من الضأن ما تمت له ستة أشهر، كذا في \"الهداية\" (٢)، وفسَّره في\n_________\n(١) هذا من مستدلات الجمهور على خلاف المالكية أن الجذع من الضأن أفضل الأضاحي \"أوجز\" (١٠/ ٢٢٧). (ش).\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٩).","vol":"9","page":542},{"text":"٢٧٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صُدْرَانَ قَالَ: نَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ (١): نِا عُمَارَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طُعْمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ قَالَ: \"قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\n===\n\"شرح الملتقى\" (٢): \"شرعًا\" بما أتى عليه أكثر الحول عند الأكثر، وقيد بقوله: \"شرعًا\" لأنه في اللغة ما تمت له سنة، وقيد في الحديث بالضأن؛ لأنه لا يجوز الجذع من المعز وغيره بلا خلاف، وقيده الفقهاء بشرط أن يكون لو خلط بالثنايا لا يمكن التمييز من بعد، فلو صغير الجثة لا يجوز إلَّا أن يتم له سنة.\nقال النووي (٣): ومذهبنا ومذهب العلماء كافة أنه يجزئ سواء وجد غيره أم لا، وحكوا عن ابن عمر والزهري أنهما قالا: لا يجزئ، وقد يحتجّ لهما بظاهر الحديث. قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلَّا مسنَّة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، وأنها لا تجزئ بحال.\nوقد أجمعت الأمة على أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يُجَوِّزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من الاستحباب، والله أعلم.\n٢٧٩٨ - (حدثنا محمد بن صدران قال: نا عبد الأعلي بن عبد الأعلى قال: أنا محمد بن إسحاق قال: نا عمارة) بضم أوله والتخفيف وزيادة هاء (ابن عبد الله بن طعمة) بضم المهملة وسكون العين المهملة، المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود حديث واحد في الأضحية.\n(عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن خالد الجهني قال: قسم رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثني\".\n(٢) (٤/ ١٧١).\n(٣) شرح صحيح مسلم\" (٧/ ١٣٢).","vol":"9","page":543},{"text":"فِى أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَأَعْطَانِى عَتُودًا جَذَعًا،\n===\nفي أصحابه ضحايا) وهذا الإطلاق باعتبار ما يؤول إليه، ويحتمل أن يكون عينها للأضحية (فأعطاني عَتُودًا) هو الصغير من أولاد المعز إذا قوي ورعى، وأتى عليه حول، والجمع: أعْتِدَة وعتدان، وتدغم التاء في الدال، فيقال: عدان، وقال ابن بطال: العتود: الجذع من المعز ابن خمسة أشهر (جذعًا) والجذعة ما أكمل السنة، وهو قول الجمهور، وقيل: دونها.\nثم اختلف في تقديره، فقيل: ابن ستة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة، وحكى الترمذي عن وكيع: أنه ابن ستة أشهر، أو سبعة أشهر، وعن ابن الأعرابي: أن ابن الشابَّين يُجْذع لستة أشهر إلى سبعة، وابن الهرمين يجذع لثمانية إلى عشرة، والضأن أسرع إجذاعًا من المعز، وأما الجذع من المعز: فهو ما دخل في السنة الثانية، ومن البقر: ما أكمل الثالثة، ومن الإبل: ما دخل في الخامسة، قاله الحافظ (١).\nوقال في \"البدائع\" (٢): ذكر القدوري أن الفقهاء قالوا: الجذع من الغنم ابن ستة أشهر، والثني منه ابن سنة، والجذع من البقر ابن سنة، والثني ابن سنتين، والجذع من الإبل ابن أربع سنين، والثني منها ابن خمس.\nوذكر الزعفراني في الأضاحي: الجذع ابن ثمانية أشهر، أو تسعة أشهر، والثني من الشاة والمعز: ما تم له حول وطعن في الثانية، ومن البقر: ما تم له حولان وطعن في الثالثة، ومن الإبل: ما تم له خمس سنين وطعن في السادسة.\nقلت: وقد أخرج البخاري (٣) ومسلم وغيرهما هذا الحديث عن عقبة بن عامر - ﵁ -، وأخرج الإِمام أحمد (٤) هذا الحديث عن عقبة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥ - ١٦).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٠٦).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٥٥٤٧)، \"صحيح مسلم\" (١٩٦٥).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٥٦) و(٥/ ١٩٤).","vol":"9","page":544},{"text":"قَالَ: فَرَجَعْتُ بِهِ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ جَذَعٌ، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ»، فَضَحَّيْتُ بِهِ\". [حم ٥/ ١٩٤، ق ٩/ ٢٧٠]\n٢٧٩٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا الثَّوْرِىُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"كُنَّا مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- يُقَالُ لَهُ: مُجَاشِعٌ مِنْ بَنِى سُلَيْمٍ، فَعَزَّتِ الْغَنَمُ، فَأَمَرَ\n===\nابن عامر، وكذا عن زيد بن خالد الجهني، إلَّا أنه زاد في رواية زيد بن خالد: \"فأعطاني عَتُودًا جَذَعًا من المَعْز\"، فزاد لفظ: \"من المعز\"، فعلى قول من قال: إن العتود الحولي من أولاد المعز لا حرج في أضحيته، وأما على قول من يفسره بالصغير من أولاد المعز فالإجازة تكون مختصة له.\n(قال: فرجعت به إليه فقلت: إنه جذع، فقال: ضح به، فضحيت به).\n٢٧٩٩ - (حدثنا الحسن بن علي قال: أنا عبد الرزاق، أنا الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب (قال: كنا مع رجل من أصحاب النبي - ﷺ - يقال له: مجاشع من بني سليم) هو مجاشع بن مسعود بن ثعلبة السلمي، قال خليفة: قتل يوم الجمل قبل الوقعة، وكان مع عائشة، استخلفه المغيرة بن شعبة على البصرة في خلافة عمر - ﵁ -.\nوروى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه قال: حاضرنا تَوَّج - بفتح أوله وتشديد ثانيه وفتحه أيضًا وجيم، مدينة بفارس، قريبة من كَازرون، بينها وبين شيراز اثنان وثمانون فرسخًا، فُتحت في أيام عمر بن الخطاب، وأمير المسلمين مجاشع بن مسعود- وعلينا رجل من بني سليم يقال له: مجاشع بن مسعود، فذكر القصة، والإمام أحمد في \"مسنده\" (١) وصفه بكونه بهزيًا، ولم أقف على وجهه.\n(فعزَّت) أي: قلَّت (الغنم) أي: المُسِنَّات، منها (فأمر) مجاشع\n_________\n(١) انظر: (٣/ ٤٦٩).","vol":"9","page":545},{"text":"مُنَادِيًا فَنَادَى: إنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ - كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ الْجَذَعَ يُوَفِّى مِمَّا يُوَفِّى مِنْهُ الثَّنِّى». [جه ٣١٤٠، ن ٤٣٨٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ.\n٢٨٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: نَا مَنْصُورٌ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: \"مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ»، فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ،\n===\n(مناديًا فنادى) في الناس: (إن رسول الله - ﷺ - كان يقول: إن الجذع يُوَفِّي) أي: يجزئ ويؤدي الواجب بالوفاء (مما يوفي منه الثني)، والظاهر (١) أن الجذع هذا كان من الضأن (قال أبو داود: وهو مجاشع بن مسعود).\n٢٨٠٠ - (حدثنا مسدد قال: نا أبو الأحوص قال: نا منصور، عن الشعبي، عن البراء قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم النحر) أي: عاشر ذي الحجة (بعد الصلاة) أي: صلاة العيد (فقال: من صلَّى صلاتنا) أي: صلاة العيد (ونسك) أي: ضحى بعدها (نسكنا) أي: مثل أضحيتنا بعد الصلاة (فقد أصاب النسك) أي: في أداء الواجب أو السنَّة (ومن نسك) أي: ذبح أضحيته (قبل الصلاة) أي: صلاة العيد (فتلك شاة لحم) لا شاة نسك، فلا يجزئ عن أداء الواجب أو السنَّة.\n(فقام أبو بردة بن نيار) بكسر النون بعدها تحتانية خفيفة، البلوي، حليف الأنصار، صحابي اسمه هانئ، وقيل: الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن\n_________\n(١) به قال الجمهور، منهم الأئمة الأربعة، وقال الأوزاعي وعطاء بظاهر الحديث: إن الجذع من كل شيء يوفي، وخالفهما ابن عمر والزهري: أن الجذع لا يوفي مطلقًا، لحديث أبي بردة الآتي بأنه ﵊ قال: \"لا يوفي لأحد غيرك\"، ففي المسألة ثلاثة مذاهب، \"أوجز\" (١٠/ ٢١٧). (ش).","vol":"9","page":546},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، فَتَعَجَّلْتُ فَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِى وَجِيرَانِى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ»، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِى عَنَاقًا جَذَعَةً (١)، وَهِىَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَىْ لَحْمٍ، فَهَلْ تُجْزِئُ عَنِّى؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». [خ ٥٥٤٥، م ١٩٦١، ت ١٥٠٨، ن ٤٣٩٤]\n===\nهبيرة، خال البراء بن عازب، مشهور بكنيته، شهد بدرًا وما بعدها، مات في أول خلافة معاوية بعد أن شهد مع علي - ﵁ - حروبه كلها.\n(فقال: يا رسول الله، والله لقد نسكت) أي: ذبحت أضحيتي (قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فتعجَّلت) في ذبح أضحيتي (فأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله - ﷺ -: تلك شاة لحم) لا شاة نسك.\n(فقال) أبو بردة: (إن عندي عناقًا جذعة) وفي رواية: \"عناق لبن\"، إشارة إلى صغرها، أي: قريبة من الإرضاع، هي الأنثى من أولاد المعز دون السنة (وهي خير من شاتي لحم) باعتبار سمنها وطيب لحمها (فهل تجزئ) أي: تكفي وتوفي (عني؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (نعم، ولن تجزئ عن أحد بعدك) أي: غيرك في أداء الواجب أو السنَّة.\nقال في \"البدائع\" (٢): وأما الذي يرجع إلى وقت التضحية فهو أنها لا تجوز قبل دخول الوقت، لأن الوقت كما هو شرط الوجوب فهو شرط جواز إقامة الواجب، كوقت الصلاة، فلا يجوز لأحد أن يضحي قبل طلوع الفجر الثاني من اليوم الأول من أيام النحر، ويجوز بعد طلوعه، سواء كان من أهل العصر أو من أهل القرى، غير أن للجواز في حق أهل العصر شرطًا زائدًا، وهو أن يكون بعد صلاة العيد، لا يجوز تقديمها عليه عندنا.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عناقًا جذعًا\"، في نسخة: \"عناق جذعة\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢١١).","vol":"9","page":547},{"text":"٢٨٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا خَالِدٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ضَحَّى خَالٌ لِي- يُقَالُ لَهُ: أَبُو بُرْدَة - قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِى دَاجِنٌ\n===\nوقال الشافعي: إذا مضى من الوقت مقدار ما صلَّى فيه رسول الله - ﷺ - صلاة العيد جازت الأضحية وإن لم يصل الإِمام، والصحيح قولنا لحديث: \"من ذبح قبل الصلاة فليعد أضحيته\" (١)، وقال: \"أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح\" (٢)، وليس لأهل القرى صلاة العيد، فلا يثبت الترتيب في حقهم، وإن أخر الإِمام صلاة العيد فليس للرجل أن يذبح أضحيته حتى ينتصف النهار، فإن اشتغل الإِمام فلم يصل العيد، أو ترك ذلك متعمدًا حتى زالت الشمس فقد حل الذبح بغير صلاة في الأيام كلها.\n٢٨٠١ - (حدثنا مسدد، نا خالد) بن عبد الله، (عن مطرف) بن طريف، (عن عامر) الشعبي، (عن البراء بن عازب قال: ضحى خال لي- يقال له: أبو بردة- قبل الصلاة، فقال له رسول الله - ﷺ -: شاتك شاة لحم) (٣) أي: لا شاة نسك. (فقال) أبو بردة: (يا رسول الله) - ﷺ - (إن عندي داجن) والموافق لقواعد العربية داجنًا بالنصب، ولكن وقع في جميع نسخ \"أبي داود\" بالرفع،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٩/ ٢٧٧).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢/ ٢٠٤) رقم (١١٩١) بلفظ: \"أول نسكنا في هذا اليوم الصلاة ثم النحر ... إلخ\"، وانظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٢١٢)، و\"الدراية\" (٢/ ٢١٥).\n(٣) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٣): أشكل الإضافة؛ لأنها إما لفظية أو معنوية. الأولى: إضافة صفة إلى معمولها، كضارب الوجه. والثانية: إما بتقدير من، أو اللام، أو في، ولم يصح شيء من ذلك ها هنا. قال الفاكهي: والذي يظهر أن أبا بردة لما اعتقد أن شاته شاة أضحية أوقع ﵊ في الجواب موضع قوله: شاة غير أضحية. (ش).","vol":"9","page":548},{"text":"جَذَعَةً مِنَ الْمَعْزِ، فَقَالَ: «اذْبَحْهَا وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ». [خ ٥٥٥٦]\n===\nوأخرج البخاري (١) هذا الحديث بهذا السند وفيه: \"أن عندي داجنًا\" (جذعة من المعز) والداجن: الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم (فقال: اذبحها ولا تصلح لغيرك).\nقال الحافظ (٢): وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية، لكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث عقبة بن عامر كما تقدم قريبًا: \"ولا رخصة فيها لأحد بعدك\"، قال البيهقي (٣): إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان رخصة لعقبة كما رخص لأبي بردة.\nقلت: وفي هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم، فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، وأقرب ما يقال فيه: إن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا.\nوقد وقع في كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة، واستشكل الجمع وليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفي، إلَّا في قصة أبي بردة في \"الصحيحين\"، وفي قصة عقبة بن عامر في البيهقي، وأما ما عدا ذلك ففي قصة زيد بن خالد قال له: \"ضَحِّ به\"، وفي حديث عويمر بن أشقر: \"أمره النبي - ﷺ - أن يعيد أضحية أخرى\"، وفي حديث ابن عباس: \"أنه - ﷺ - أعطى سعد بن أبي وقاص جذعًا من المعز، فأمره أن يضحي\"، وليس فيه التصريح بالنفي لغيرهم.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٥٥٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٤ - ١٥).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٧٠).","vol":"9","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1071>(٥) بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الضَّحَايَا</span>\n٢٨٠٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزَ قَالَ: سَأَلْتُ (١) الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ: مَا لَا يَجُوزُ فِى الأَضَاحِى؟ فَقَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصَابِعِى أَقْصَرُ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَأَنَامِلِى أَقْصَرُ مِنْ أَنَامِلِهِ،\n===\nوالحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين حديثي أبي بردة وعقبة، لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزئ، واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك.\n\n(٥) (بَابُ مَا يُكْرَهُ (٢) مِنَ الضَّحَايَا)\n٢٨٠٢ - (حدثنا حفص بن عمر النمري قال: حدثنا شعبة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز قال: سألت البراء بن عازب: ما لا يجوز في الأضاحي) من الضحايا؟ (فقال: قام فينا رسول الله - ﷺ - وأصابعي أقصر (٣) من أصابعه) قال ذلك أدبًا، (وأناملي أقصر من أنامله،\n_________\n(١) في نسخة: \"سألنا\".\n(٢) وفي \"الدر المختار\" (٩/ ٤٦٧ - ٤٧٠): يضحي بالجماء، والخصي، والثولاء، أي: المجنونة إذا لم يمنعها من السوم والرعي، وإن منعها لا، والجرباء: السمينة لا المهزولة، لا بالعمياء، والعوراء، والعجفاء، أي: المهزولة التي لا مخ لها، والعرجاء التي لا تمشي إلى المنسك، والمريضة البَيِّنُ مرضها، ومقطوع أكثر الأذن، أو الذنب، أو العين، أو الألية؛ لأن للأكثر حكم الكل بقاءً وذهابًا وعليه الفتوى، ولا بالسكاء التي لا أذن لها خلقة، فلو لها أذن صغيرة أجزأت، ولا الجذاء، أي: مقطوعة رؤوس ضرعها أو يابستها، ولا الجدعاء: مقطوعة الأنف، ولا التي عولجت حتى انقطع لبنها، ولا التي لا ألية لها خلقة، ولا بالخنثى؛ لأن لحمها لا ينضج، ولا الجلالة، انتهى. ولا بالهتماء التي لا أسنان لها، ويكفي بقاء الأكثر، وقيل: ما تعتلف به، انتهى. (ش).\n(٣) ولفظ ابن ماجه: \"يدي أقصر من يده\"، انتهى \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"9","page":550},{"text":"فَقَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِى الأَضَاحِى: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلْعُهَا، وَالْكَبِيرُ الَّتِى لَا تُنْقِى»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّى أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِى السِّنِّ نَقْصٌ، قَالَ: «مَا كَرِهْتَ فَدَعْهُ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ» (١). [ت ١٤٩٧، ن ٤٣٦٩، جه ٣١٤٤، حم ٤/ ٢٨٤، ط ٢/ ١/ ٤٨٢، دي ١٩٤٩، ق ٥/ ٢٤٢]\n٢٨٠٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا. (ح): وَحَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بَرِّىٍّ، نَا عِيسَى، الْمَعْنَى، عَنْ ثَوْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو حُمَيْدٍ الرُّعَيْنِىُّ\n===\nفقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء بيِّنٌ عَوَرُها) بفتحتين، (والمريضة بيِّنٌ مرضها)، وهي التي لا تعتلف، (والعرجاء بيِّنٌ) أي: ظاهر (ظلْعُها) أي: عرجها وهو أن يمنعها المشي.\n(والكبير) هكذا في المجتبائية والكانفورية بالباء الموحدة، وفي القادرية والمصرية، والمكتوبة القلمية، ونسخة \"العون\" بالسين المهملة (التي لا تنقي من) الإنقاء، وهي المهزولة التي لا نقي لعظامها، يعني لا مخ لعظامها من العجف (قال) عبيد بن فيروز: (قلت) للبراء: (فإني أكره أن يكون في السن نقص، فقال) أي البراء: (ما كرهت) من الأضاحي (فَدَعْه، ولا تحرِّمْه على أحد) أي: لا تمنع أحدًا أن يضحي بها، فإن الشرع أباحها.\n٢٨٠٣ - (حدثني إبراهيم بن موسى الرازي قال: أخبرنا، ح: وحدثنا علي بن بحر، نا عيسى) بن يونس، (المعنى) أي: معنى حديث إبراهيم وعلي واحد، (عن ثور قال: حدثني أبو حميد الرعيني) بضم الراء وفتح عين مهملة وسكون ياء وبنون، قال في \"التقريب\": مجهول، وقا ل في \"الميزان\" (٢): لا يعرف.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ولا تنقي التي ليس لها مخ\".\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (١٠١٣٠).","vol":"9","page":551},{"text":"قَالَ: أَخْبَرَنِى يَزِيدُ ذُو مِصْرٍ قَالَ: \"أَتَيْتُ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِىَّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ، إِنِّى خَرَجْتُ أَلْتَمِسُ الضَّحَايَا فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا يُعْجِبُنِى غَيْرَ ثَرْمَاءَ، فَكَرِهْتُهَا، فَمَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: أَفَلَا جِئْتَنِى بِهَا، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَجُوزُ عَنْكَ وَلَا تَجُوزُ عَنِّى؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّكَ تَشُكُّ وَلَا أَشُكُّ، إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُصْفَرَةِ\n===\n(قال: أخبرني يزيد ذو مصر) - بكسرم الميم وسكون المهملة (١) - المقرائي -بفتح الميم وسكون القاف وفتح الراء بعدها همزة- الحمصي، كان من وجوه أهل الشام، روى عن عتبة بن عبد السلمي حديثًا في الضحايا، ولا يعرف له رواية (قال: أتيت عتبة بن عبد السلمي) وهو أبو الوليد، عداده في أهل حمص، كان يقال: اسمه عتلة، وقيل: نشبة، فغيره النبي - ﷺ -.\n(فقلت: يا أبا الوليد، إني خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئًا يعجبني غير ثرماء) التي سقطت أسنانها (فكرهتها) لكونها فيها هذا العيب (فما تقول؟ فقال: أفلا جئتني بها) أي: بالثرماء (قلت: سبحان الله! تجوز عنك ولا تجوز عني؟ قال: نعم، إنك تشُكُّ) فيها (ولا أشك، إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن المصفرة).\nقال في \"النهاية\" (٢): وفي رواية: \"المصفورة\"، قيل: هي المُستأصَلَة الأذن، سميت بذلك، لأن صِمَاخَيْها صَفِرَا من الأذُن أي: خَلَوَا، يقال: صَفِرَ الإناء إذا خلا، وأصفَرته إذا أخْليتَه، وإن رُوِيَتِ: \"المصَفَّرة\" بالتشديد فللتكثير، وقيل: هي المهزولة لخلوها من السمن، قال الأزهري: رواه شَمِرٌ بالغين، وفسره على ما في الحديث، ولا أعرفه، انتهى.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ٣٦).\n(٢) كذا ضبطه جماعة، وضبطه المنذري في حواشيه بضم الميم والضاد المعجمة، والصواب الأول، انتهى، \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"9","page":552},{"text":"وَالْمُسْتَأْصَلَةِ وَالْبَخْقَاءِ وَالْمُشَيَّعَةِ وَالْكَسْرَاءِ.\nفَالْمُصْفَرَةُ: الَّتِى تُسْتَأْصَلُ أُذُنُهَا حَتَّى يَبْدُوَ سِمَاخُهَا، وَالْمُسْتَأْصَلَةُ: قَرْنُهَا مِنْ أَصْلِهِ، وَالْبَخْقَاءُ: الَّتِى تَبْخَقُ عَيْنُهَا، وَالْمُشَيَّعَةُ: الَّتِى لَا تَتْبَعُ الْغَنَمَ عَجْفًا وَضَعْفًا،\n===\n(والمستأصلة) قال في \"النهاية\" (١): هي التي أُخِذَ قرْنُها من أصله، وقيل: من الأصل بمعنى الهلاك.\n(والبخقاء) بموحدة وخاء معجمة بعدها قاف، قال في \"القاموس\": والعينُ البَخْقاء والباخق والبَخيقُ، والبَخيقةُ: العوراء، وقيل: البخق أن يذهب البصر، والعين تبقى قائمة منفتحة.\n(والمشيعة) قال في \"القاموس\": نهى رسول الله - ﷺ - عن المشيعة في الأضاحي- بالفتح-: أي التي تحتاج إلى من يُشَيِّعها، أي: يتبعها الغنم لضَعْفها، وبالكسر، وهي التي تُشَيِّع الغنم، أي: تتبعها لعجفها.\n(والكسراء) أي: منكسرة الرجل التي لا تقدر على المشي.\n(فالمصفرة التي تُستأصل) أي: تقلع من الأصل (أذُنُها حتى يبدو سماخها، والمستأصلة) أي: استؤصل (قرنها من أصله) كتب في الحاشية المكتوبة القلمية: هكذا في أكثر النسخ الموجودة وقت القراءة، قلت: وفي بعض النسخ وهو نسخة \"العون\": التي استؤصل قرنها من أصله.\n(والبخقاء: التي تُبْخَقُ) أي: تذهب (عينها) بذهاب بصرها، والعين صحيحة الصورة قائمة في موضعها.\n(والمشيعة: التي لا تتبع الغنم عجفًا) أي: هزالًا (وضعفًا) بل تحتاج إلى من يتبعها الغنم، فهو يشيعها من ورائها، وتفسير المصنف يقتضي أن يكون اللفظ عنده بصيغة المفعول بفتح التحتانية.\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٥٢).","vol":"9","page":553},{"text":"وَالْكَسْرَاءُ: الْكَسِيرَةُ\". [حم ٤/ ١٨٥، ق ٩/ ٢٧٥، ك ٤/ ٢٥٠]\n٢٨٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ قَالَ: نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ - وَكَانَ رَجُلَ صِدْقٍ -، عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: \"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّىَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ،\n===\n(والكسراء: الكسيرة) أي: مكسورة الرجل، وفي النسخة على الحاشية: \"الكبيرة\".\n٢٨٠٤ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا زهير قال: نا أبو إسحاق، عن شريح بن نعمان) الصايدي- بالصاد المهملة- نسبة إلى صايد (١)، بطن من همدان، الكوفي، وقيل: إنه لم يسمع من علي، وإنما سمع من ابن أشوع عنه، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، وعن هبيرة بن يريم [قال: ما أقربهما]، قلت: يحتج بحديثهما؟ قال: لا، هما شبه المجهولين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له الأربعة حديثًا واحدًا في الأضحية، قلت: قال البخاري لما ذكر هذا الحديث: لم يثبت رفعه.\n(وكان رجل صدق، عن علي) - ﵁ - (قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف) أي: ننظر ونتأمل سلامتها من آفة (العين والأذن، ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة) بفتح الباء: التي قطع من قبل أذنها شيء، ثم ترك معلقًا من مقدمها، (ولا مدابرة) وهي التي قطع من دبرها، وترك معلقًا من مؤخرها.\n_________\n(١) في الأصل: \"الصائبي- بالصاد المهملة- نسبة إلى صائب\"، وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه.","vol":"9","page":554},{"text":"وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا شَرْقَاءَ\".\n===\n(ولا خرقاء) بالمد، أي مثقوبة الأذن ثقبًا مستديرًا (ولا شرقاء) (١) بالمد، أي: مشقوقة الأذن طولًا من الشرق، وهو الشق، وقيل: الشرقاء: ما قطع أذنها طولًا. والخرقاء: ما قطع أذنها عرضًا.\nقال المظهر: لا تجوز التضحية بشاة قطع بعض أذنها عند الشافعي، وعند أبي حنيفة يجوز إذا قطع أقل من النصف، ولا بأس بمكسورة القرن.\nقال الطحاوي: أخذ الشافعي بالحديث المذكور، وما قاله أبو حنيفة هو الوجه؛ لأنه يحصل به الجمع بين هذا الحديث وحديث قتادة، قال: سمعت ابن كليب، قال: سمعت عليًا يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن عضباء القرن والأذن، قال قتادة: فقلت لسعيد بن المسيب: ما عضباء الأذن؟ قال: إذا كان النصف أو أكثر من ذلك مقطوعًا. وأما قول ابن حجر: وعند أبي حنيفة يجزئ ما قطع دون نصف أذنه، وهو تحديد يحتاج لدليل، فهو إنما نشأ من قلة الاطلاع على أدلة المجتهدين، وإلَّا فالمجتهد أسير الدليل.\nفَإِذَا لَمْ تَرَ الهِلَالَ فَسَلِّمْ ... لأناسٍ لَهُ رَأَوه بِالأَبْصَارِ\nوحاصل المذهب: أنه لا يجوز مقطوع الأذن كلها أو أكثرها، ولا مقطوع النصف خلاف التي لا أذن لها خلقة، ولا مقطوع الذنب والأنف والألية، ويعتبر فيه ما يعتبر في الأذن، ولا التي يبس ضرعها، ولا الذاهبة ضوء إحدى العينين، ولا العجفاء التي لامخ لها، وهي الهزيلة، ولا العرجاء التي لا تذهب إلى المنسك، ولا المريضة التي لا تعتلف، ولا التي لا أسنان لها بحيث لا تعتلف، ولا الجلَّالة.\nوتجوز التي شقت أذنها طولًا، أو من قبل وجهها، وهي متدلية، أو من\n_________\n(١) وفي \"البدائع\" (٤/ ٢١٦): أن النهي في الشرقاء والمقابلة والمدابرة على الندب، وفي الخرقاء على الكثير على اختلاف الأقاويل في حد الكثير، انتهى، وقال الموفق (٥/ ٤٦٣): النهي فيه للتنزيه، ويحصل الإجزاء بها، ولا نعلم فيه خلافًا. (ش).","vol":"9","page":555},{"text":"قَالَ زُهَيْرٌ: فَقُلْتُ لأَبِى إِسْحَاقَ: أَذَكَرَ عَضْبَاءَ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَمَا الْمُقَابَلَةُ؟ قَالَ: يُقْطَعُ طَرَفُ الأُذُنِ، قُلْتُ: فَمَا الْمُدَابَرَةُ؟ قَالَ: يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الأُذُنِ. قُلْتُ: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟ قَالَ: تُشَقُّ الأُذُنُ. قُلْتُ: فَمَا الْخَرْقَاءُ؟ قَالَ: تُخْرَقُ أُذُنُهَا لِلسِّمَةِ (١). [ت ١٤٩٨، ن ٤٣٧٢، جه ٣١٤٢، حم ١/ ٨٠، ك ٤/ ٢٢٤، ق ٩/ ٢٧٥]\n٢٨٠٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا هِشَامُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جُرَىِّ بْنِ كُلَيْبٍ،\n===\nخلفها، فالنهي في الحديث محمول على التنزيه، مع أن الحديث موقوف على علي - ﵁ - كما قاله الدارقطني وغيره، ولم يبالوا بتصحيح الترمذي له.\nوقال ابن جماعة: ذهب الأربعة أن تجزئ الشرقاء، وهي التي شقت أذنها، والخرقاء، وهي المثقوبة الأذن من كيٍّ أو غيره، قاله القاري (٢).\n(قال زهير: فقلت لأبى إسحاق: أذكر) أي: شريح بن النعمان (عضباء؟) أي: مكسورة القرن (قال: لا، قلت: فما المقابلة؟ قال: يقطع طَرَفُ الأذن) أي: من مقدمها (فقلت: فما المدابرة؟ قال) أي: أبو إسحاق: (يقطع من مؤخر الأذن، قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق الأذن) أي: طولًا (قلت: فما الخرقاء؟ قال: تخرق أذنها) أي: طولًا أو مستديرة الثقب (للسمة) أي: العلامة التي تعرف بها.\n٢٨٠٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا هشام، عن قتادة، عن جُرَيٍّ بضم أوله مصغرًا (ابن كليب) السدوسي البصري، روى عنه قتادة، وكان يُثني عليه خيرًا، وقال همام عن قتادة: حدثني جريُّ بن كليب، وكان من الأزارقة، وقال ابن المديني: مجهول، ما روى عنه غير قتادة، وقال أبو حاتم: شيخ\n_________\n(١) في نسخة: \"السمة\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٥٧٠ - ٥٧١).","vol":"9","page":556},{"text":"عَنْ عَلِىٍّ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى أَنْ يُضَحَّى بِعَضْبَاءِ الأُذُنِ وَالْقَرْنِ\". [ت ١٥٠٤، ن ٤٣٧٧، جه ٣١٤٥، حم ١/ ٨٣، خزيمة ٢٩١٣، ق ٩/ ٢٧٥، ك ٤/ ٢٢٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: جُرَىٌّ سَدُوسِىٌّ بَصْرِىٌّ لَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُ إلَّا قَتَادَةُ.\n٢٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى قَالَ: نَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: \"قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: مَا الأَعْضَبُ؟ قَالَ: النِّصْفُ فَمَا فَوْقَهُ\". [ن ٤٣٧٧]\n===\nلا يحتج بحديثه، روى له الأربعة حديثًا واحدًا في النهي عن الأضحية بعضباء الأذن، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\" بروايته عن علي لكن جعله نهديًا، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.\n(عن علي: أن النبي - ﷺ - نهى أن يضحَّى بعضباء الأذن والقرن) أي: مقطوعة الأذن ومكسورة القرن، قال في \"النهاية\" (١): واستعمال العضب في القرن أكثر منه في الأذن، (قال أبو داود: جُرَيٌّ سدوسي بصري لم يحدث عنه إلَّا قتادة).\n٢٨٠٦ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى قال: نا هشام، عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما الأعضب؟ قال: النصف فما فوقه) أي: ما قطع النصف من أذنه أو ما زاد عن ذلك فهو الأعضب، وبهذا أخذ الحنفية.\nقال الشوكاني (٢): فيه دليل على أنها لا تجزئ التضحية بأعضب الأذن والقرن، وهو ما ذهب نصف أذنه أو قرنه، وذهمب أبو حنيفة والشافعي والجمهور إلى أنها تجزئ التضحية بمكسور القرن مطلقًا، وكرهه مالك إذا كان يدمي، وجعله عيبًا.\nوقال في \"البحر\": إن أعضب القرن المنهي عنه هو الذي كُسِرَ قرنه\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (٣/ ٢٥١).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٤٧٩).","vol":"9","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1072>(٦) بَابُ الْبَقَرِ وَالْجَزُورِ عن كَمْ تُجْزِئُ</span>؟\n٢٨٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ (١) حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: نَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"كُنَّا نَتَمَتَّعُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ نَشْتَرِكُ فِيهَا\" (٢). [م ١٣١٩، ن ٤٣٩٣، حم ٣/ ٣٠٤]\n===\nأو عضب من أصله حتى يُرَى الدماغ، لا دون ذلك فيكره فقط، ولا يعتبر الثلث فيه بخلاف الأذن.\nقلت: وكذا عند الحنفية، قال في \"البدائع\" (٣): وتجزئ الجماء، وهي التي لا قرن لها خلقة، وكذا مكسورة القرن تجزئ، فإن بلغ الكسر المشاش لا تجزيه، والمشاش رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين.\n\n(٦) (بَابُ الْبَقَرِ والْجَزُورِ) البعير ذكرًا أو أنثى، واللفظ مؤنث، (عَنْ كَمْ (٤) تُجْزِئُ) في الأضاحي؟\n٢٨٠٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا هشيم قال: نا عبد الملك، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: كنا نتمتع) في الحج (في عهد رسول الله - ﷺ -) فيجب علينا دم التمتع (نذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها) أي: في البقرة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد بن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"والجزور عن سبعة\".\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢١٦).\n(٤) اختلفت العلماء في ذلك في الفَصلين، الأول: لا يجوز الاشتراك عند مالك في ثمن الهدي والأضحية، ويجوز عند غيره، فعند إسحاق وغيره البعير عن عشرة، والبقر عن سبعة، وعند الأئمة الثلاثة كلاهما عن سبعة، والثاني: أن الأضحية الواحدة سواء الإبل والشاة تجزئ عن أهل بيت واحد عند مالك بشروط أن يضحي عنهم، ولا يأخذ عنهم ثمنًا، ويكونون في عياله تلزمه نفقتهم وجوبًا أو تبرعًا، وفي هذا الفصل يوافق أحمد مالكًا، \"أوجز\" (١٠/ ٢٥٨). (ش).","vol":"9","page":558},{"text":"٢٨٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ». [السنن الكبرى للنسائي ٤١٢١]\n===\n٢٨٠٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أنا حماد، عن قيس، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قال: البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة).\nقال الشوكاني (١): استدل به من قال: عَدْلُ البدنة سبع شياه، وهو قول الجمهور، وادَّعى الطحاوي وابن رشد أنه إجماع، ويجاب عنهما بأن الخلاف في ذلك مشهور، حكاه الترمذي في \"سننه\" (٢) عن إسحاق بن راهويه، وكذا في \"الفتح\"، وقال: هو إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب، وإليه ذهب ابن خزيمة، واحتج له في \"صحيحه\"، وقواه، واحتج له ابن حزم بحديث رافع المتقدم، واحتجوا بحديث ابن عباس الثاني المذكور في الباب، ويجاب عنه بأنه خارج عن محل النزاع، لأنه في الأضحية.\nفإن قالوا: يقاس الهدي عليها؟ قلنا: هو قياس فاسد إلاعتبار لمصادمته النصوص، واحتجوا أيضًا [بحديث رافع ويجاب عنه أيضًا] بمثل هذا الجواب، لأن ذلك التعديل كان في القسمة، وهي غير محل النزاع، ويؤيد كون البدنة عن سبعة فقط أمره - ﷺ - لمن لم يجد البدنة أن يشتري سبعًا فقط، ولو كانت تعدل عشرًا لأمره بإخراج عشر، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nوظاهر أحاديث الباب جواز الاشتراك في الهدي، وهو قول الجمهور من غير فرق أن يكون المشتركون مفترضين أو متطوعين، أو بعضهم مفترضًا وبعضهم متنفلًا أو مريدًا للحم، وقال أبو حنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكون كلهم متقربين، ومثله عن زفر بزيادة أن تكون أسبابهم واحدة، وعن داود وبعض\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٦١ - ٤٦٢)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢٧).\n(٢) \"سنن الترمذي\" كتاب الأضاحي، باب ما جاء في الاشتراك في الأضحية.","vol":"9","page":559},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمالكية: يجوز (١) في هدي التطوع دون الواجب، وعن مالك: لا يجوز مطلقًا، انتهى.\nقلت: روي عن ابن عباس - ﵁ - قال: \"كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فحضر الأضحى، فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة\"، فهذا الحديث يقتضي جواز اشتراك العشرة في البعير، ولكن يخالفه ما روي عن جابر قال: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منَّا في بدنة\". وروى البرقاني على شرط الصحيحين: قال لنا رسول الله - ﷺ -: \"اشتركوا في الإبل والبقر كل سبعة في بدنة\"، أخرجه شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"منتفى الأخبار\" (٢)، وفي رواية لمسلم (٣) قال: \"اشتركنا مع النبي - ﷺ - في الحج والعمرة كل سبعة منَّا في بدنة، فقال رجل لجابر: أيشترك في البقر ما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلَّا من البدن\".\nقال في \"البدائع\" (٤): ولا يجوز بقر واحد وبعير واحد أكثر من سبعة، ويجوز ذلك عن سبعة أو أقل من ذلك، وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك: يجزئ ذلك عن أهل بيت واحد وإن زادوا على سبعة، ولا يجزئ عن أهل بيتين وإن كانوا أقل من سبعة، والصحيح قول العامة لما روي عن رسول الله - ﷺ -: \"البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة\" (٥)، وعن جابر - ﵁ - قال: \"نحرنا مع رسول الله - ﷺ - البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة\" (٦) من غير فصل بين أهل بيت وبيتين.\nومن العلماء من فصل بين البعير والبقرة، فقال: البقرة لا تجوز عن أكثر\n_________\n(١) أي: في الاشتراك، \"ابن رسلان\". (ش).\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار\" (٣/ ٣٦٠).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٣١٨).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(٥) انظر الحديث الآتي.\n(٦) أخرجه مسلم (١٣١٨)، وأبو داود (٢٨٠٩)، والترمذي (٩٠٤)، وابن ماجه (٣١٣٢).","vol":"9","page":560},{"text":"٢٨٠٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: \"نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ\". [م ١٣١٨، ت ٩٠٤، جه ٣١٣٢، دي ١٩٥٦، ط ١/ ٤٨٦/ ٩، حم ٣/ ٢٩٣، ق ٥/ ٢٣٤، ك ٤/ ٢٣٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>(٧) بَابٌ: فِي الشَّاةِ يُضَحَّى بِهَا عن جَمَاعَةٍ</span>\n٢٨١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: نَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى الإِسْكَنْدَرَانِىَّ -، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ\n===\nمن سبعة، وأما البعير فإنه يجوز عن عشرة، ورووا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"البدنة تجزئ عن عشرة\" (١)، ونوع من القياس يؤيده، وهو أن الإبل أكثر قيمة من البقرة، ولهذا فضلت الإبل على البقرة في باب الزكاة والديات، فتفضل في الأضحية أيضًا.\nولنا أن الأخبار إذا اختلفت في الظاهر يجب الأخذ بالاحتياط، وذلك فيما قلنا؛ لأن جوازه عن سبعة ثابت بالاتفاق، وفي الزيادة اختلاف، فكان الأخذ بالمتفق عليه أخذًا بالمتيقن.\nوأما ما ذكروا من القياس، فقد ذكرنا أن الاشتراك في هذا الباب معدول به عن القياس، واستعمال القياس فيما هو معدول به عن القياس ليس من الفقه.\n٢٨٠٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكى، عن جابر بن عبد الله أنه قال: نحرنا مع رسول الله - ﷺ - بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة).\n\n(٧) (بَابٌ: في الشَّاةِ يُضَحَّى بِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ)\n٢٨١٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا يعقوب -يعني الإسكندراني-، عن عمرو) بن أبي عمرو، (عن المطلب) بن عبد الله بن حنطب، (عن جابر بن\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٩٠٥)، والنسائي (٤٣٩٢)، وابن ماجه (٣١٣١).","vol":"9","page":561},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الأَضْحَى بِالْمُصَلَّى (١)، فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ مِنْ مِنْبَرِهِ وَأُتِىَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ، وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا عَنِّى وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي». [ت ١٥٢١، حم ٣/ ٣٥٦، قط ٤/ ٢٨٥، ق ٩/ ٢٦٤، ك ٤/ ٢٢٩]\n===\nعبد الله قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - الأضحى في المصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره).\nوقد تقدم في صلاة العيد في \"باب الخطبة\" من حديث جابر: \"فلما فرغ نبي الله - ﷺ - نزل\"، من غير ذكر المنبر، وها هنا مقيد بأن النزول كان من منبر، وقد أجاب عنه الحافظ في \"الفتح\" (٢) بأنه - ﷺ - كان يخطب على مكان مرتفع لما يقتضيه قوله: \"نزل\"، وتقدم في \"باب الخروج إلى المصلَّى بغير منبر\" من حديث أبي سعيد: أن رسول الله - ﷺ - كان يخطب في المصلَّى على الأرض، فلعل الراوي ضمن النزول معنى الانتقال.\nقلت: وهذا التأويل يرده ما ورد في رواية جابر هذه بتصريح نزوله من المنبر، فيمكن أن يجاب عنه أن يراد من المنبر الأرض المرتفعة، وإلَّا فالجواب عنه مشكل، وأما حديث أبي سعيد فليس فيه تصريح بأنه - ﷺ - صلَّى صلاة العيد على الأرض، فإن كان هذا اللفظ محفوظًا فيلزم أن يقال: صلَّى على المنبر أحيانًا.\n(وأتي بكبش) وقد تقدم في رواية جابر وأنس: \"أنه ضحى بكبشين\"، فهذا لا ينفي أن يكون له كبش آخر ذبحه عن نفسه (فذبحه رسول الله - ﷺ - بيده، وقال: بسم الله والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي).\nقال في الحاشية عن \"فتح الودود\": واستدل (٣) به من قال: الشاة الواحدة\n_________\n(١) في نسخة: \"بالمصلى\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٧).\n(٣) وحكي عن مالك وأحمد والأوزاعي، كما في \"التعليق الممجد\" (٢/ ٦٢٤)، والترمذي (ص ٢٦٤). (ش).","vol":"9","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1074>(٨) بَابُ الإمَامِ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى</span>\n٢٨١١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- كَانَ يَذْبَحُ أُضْحِيَتَهُ بِالْمُصَلَّى،\n===\nإذا ضحى بها واحد من أهل بيت تأدى الشعار والسنَّة لجميعهم، وعلى هذا تكون التضحية سنَّة كفاية لأهل بيت، ومن لا يقول به يحمل الحديث على الاشتراك في الثواب، قيل: وهو الأوجه في الحديث عند الكل.\nوقال في \"البدائع\" (١): وأما قدر محل الواجب فلا يجوز الشاة والمعز إلا عن واحد، وإن كانت سمينة تساوي شاتين مما يجوز أن يُضَحَّى بهما، لأن القياس في الإبل والبقر أن لا يجوز فيهما الاشتراك، لأن القربة في هذا الباب إراقة الدم، وإنها لا تحتمل التجزئة، لأنها ذبح واحد، وإنما عرفنا جواز ذلك بالخبر، فبقي الأمر في الغنم على أصل القياس.\nفإن قيل: أليس أنه روي \"أن رسول الله - ﷺ - ضحى بكبشين أملحين، أحدهما عن نفسه والآخر عمن لا يضحي من أمته\"، فكيف ضحى بشاة واحدة عن أمته ﵊.\nفالجواب أنه ﵊ إنما فعل ذلك لأجل الثواب، وهو أنه جعل ثواب تضحيته بشاة واحدة لأمته، لا للإجزاء وسقوط التعبد عنهم.\n\n(٨) (بَابُ الإمَامِ يَذْبَحُ)، أي: أضحيته (بالْمُصَلَّى)\n٢٨١١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أن أبا أسامة) حماد بن أسامة (حدثهم، عن أسامة) بن زيد الليثي، (عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان يذبح أضحيته بالمصلَّى)، قال الشوكاني (٢): والحكمة في ذلك أن يكون\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٠٦).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٨٦).","vol":"9","page":563},{"text":"وَكَانَ (١) ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ\". [خ ٩٨٢، ن ٤٣٦٦، جه ٣١٦١، حم ٢/ ١٠٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>(٩) بَابُ حَبْسِ لُحُوم الأَضَاحِي</span>\n٢٨١٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى فِى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ادَّخِرُوا لثلاثَ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِىَ»، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ كَانَ\n===\nبمرأى من الفقراء، فيصيبون من لحم الأضحية (وكان ابن عمر يفعله).\n\n(٩) (بَابُ) النَّهْي عن (حَبْسِ لُحُومِ الأَضَاحِي) فوق ثلاث ونسخه\n٢٨١٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، قال) عبد الله بن أبي بكر: (قالت) عمرة: (سمعت عائشة تقول: دَفَّ ناس) أي: أقبلوا، والدف: سير سريع تقارب فيه الخطى (من أهل البادية) أي: من سكان البوادي (حضرة الأضحى) بفتح الحاء وضمها وكسرها والضاد ساكنة (في زمان رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - (٢): ادخروا لثلاث (٣) ليال (وتصدقوا بما بقي).\n(قالت) عائشة: (فلما كان بعد ذلك) أي: فلما جاء الأضحى بعد ذلك الأضحى الذي نهى فيه رسول الله - ﷺ - عن حبس اللحم فوق ثلاث ليال (قيل لرسول الله - ﷺ -) ولم أقف على اسم قائله: (يا رسول الله) - ﷺ - (لقد كان\n_________\n(١) في نسخة: \"فكان\".\n(٢) وفي \"الخميس\" (١/ ٥٠٣): أن النهي عن الادخار بعد الثلاث كان في سنة ٥ هـ، واستنبط الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢٥) بأمره - ﷺ - بالأكل والادِّخار في حجة الوداع أن النهي كان سنة تسع. (ش).\n(٣) من يوم النحر أو يوم الذبح قولان. (ش).","vol":"9","page":564},{"text":"النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدْكَ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الأَسْقِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَمَا ذَاكَ؟»، أَوْ كَمَا قَالَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَهَيْتَ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِى دَفَّتْ عَلَيْكُمْ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا». [م ١٩٧١، ن ٤٤٣١، حم ٦/ ٥١]\n===\nالناس ينتفعون من ضحاياهم) بأنواع الانتفاعات (ويجملون) يقال: جملت الشحم وأجملته إذا أذبته واسئخرجت دهنه، ويروى بحاء مهملة من ضرب ونصر والإفعال (منها الودك) أي الشحم.\n(ويتخذون منها) أي: من جلودها (الأسقية، فقال رسول الله - ﷺ -: وما ذاك؟ أو) للشك (٢) من الراوي (كما قال) كأن الراوي نسي اللفظ (قالوا: يا رسول الله نهيت) قبلُ في السنة الماضية (عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال رسول الله - ﷺ -: إنما نهيتكم) عن الادخار بعد ثلاث ليال (من أجل الدافة) أي: الجماعة المقبلة (التي دفت) أي: أقبلت (عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا) ما شئتم وإن كان فوق ثلاث ليال.\nقال الشوكاني (٣): قوله: \"إنما نهيتكم من أجل الدافة\"، فيه تصريح بالنسخ لتحريم أكل لحوم الأضاحي بعد الثلاث وادِّخارها، وإليه ذهب الجماهير من علماء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وحكى النووي (٤) عن علي وابن عمر - ﵄- أنهما قالا: يحرم الإمساك للحوم الأضاحي بعد ثلاث، وإنَّ حكم التحريم باقٍ، وحكاه الحازمي في \"الاعتبار\" (٥)\n_________\n(١) في نسخة: \"الثلاث\".\n(٢) وهكذا بالشك في \"الموطأ\"، وليس في \"مسلم\" هذا اللفظ. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٤٩٣).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ١٤٧).\n(٥) \"الاعتبار\" للحازمي (ص ٣٨٤).","vol":"9","page":565},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن علي والزبير وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، ولعلهم لم يعلموا بالناسخ، فمن عَلِمَ حجةٌ على من لم يعلم، وقد أجمع على جواز الأكل والادِّخار بعد الثلاث من بعد عصر المخالفين في ذلك.\nوقد استدل بصيغة الأمر بقوله: \"كلوا وتصدقوا\" ونحوه من قال بوجوب الأكل من الأضحية، وحكاه النووي عن بعض السلف وأبي الطيب بن سلمة من أصحاب الشافعي، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (١)، وَحَمَلَ الجمهورُ هذه الأوامر على الندب والإباحة لورودها بعد الحظر، وهو عند جماعة للإباحة، وحكى النووي عن الجمهور أنه للوجوب، والكلام في ذلك مبسوط في الأصول.\nوفيه دليل على وجوب التصدق من الأضحية، وبه قالت الشافعية إذا كانت أضحية تطوع، قالوا: والواجب ما يقع عليه اسم الإطعام والصدقة، ويستحب أن يكون بمعظمها، وقالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث [ويهدي الثلث]، وفي قول لهم: يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، ولهم وجه أنه لا يجب التصدق بشيء.\nقال في \"البدائع\" (٢): وأما الذي هو بعد الذبح فالمستحب لصاحب الأضحية أن يأكل من أضحيته، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾؛ ولأنه ضيف الله جل شأنه في هذه الأيام كغيره، فله أن يأكل من ضيافة الله عزَّ شأنه.\nوجملة الكلام فيه أن الدماء أنواع ثلاثة: نوع يجوز لصاحبه أن يأكل منه بالإجماع، ونوع لا يجوز له أن يأكل منه بالإجماع، ونوع اختلف فيه.\nفالأول: دم الأضحية نفلًا كان أو واجبًا، منذورًا كان أو واجبًا مبتدءًا.\n_________\n(١) سورة الحج، الآية ٢٨.\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٢٣ - ٢٢٥).","vol":"9","page":566},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالثاني: دم الإحصار وجزاء الصيد ودم الكفارة الواجبة بسبب الجناية على الإحرام كلبس المخيط، وحلق الرأس، والجماع بعد الوقوف بعرفة، وغير ذلك من الجنايات، ودم النذر بالذبح.\nوالثالث: دم المتعة والقران فعندنا يؤكل، وعند الشافعي لا يُؤكل، ثم كل دم يجوز له أن يأكل منه لا يجب عليه أن يتصدق به بعد الذبح، إذ لو وجب عليه التصدق لما جاز له أن يأكل منه، وكل دم لا يجوز له أن يأكل منه يجب عليه أن يتصدق به بعد الذبح، إذ لو لم يجب لأدى إلى التسييب.\nولو هلك اللحم بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين: أما في النوع الأول فظاهر، وأما في النوع الثاني فلأنه هلك عن غير صنعه فلا يكون مضمونًا عليه، وإن استهلكه بعد الذبح إن كان من النوع الثاني يغرم قيمته، لأنه أتلف مالًا متعينًا للتصدق به فيغرم قيمته ويتصدق بها، وإن كان من النوع الأول لا يغرم شيئًا.\nويستحب أن يأكل من أضحيته لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١)، ويطعم منه غيره. والأفضل أن يتصدق بالثلث، ويتخذ الثلث ضيافة لأقاربه وأصدقائه، ويدَّخر الثلث لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٢)، ولقوله عزَّ شأنه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وقول النبي - ﷺ -: \"كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي، فكلوا منها وادَّخروا\" (٣)، فثبت بمجموع الكتاب العزيز والسنَّة أن المستحب ما قلنا.\nوله أن يهبه منها جميعًا، ولو تصدق بالكل جاز، ولو حبس الكل لنفسه جاز، لأن القربة في الإراقة، وأما التصدق باللحم فتطوع، وله أن يدخر الكل\n_________\n(١) سورة الحج، الآية ٢٨.\n(٢) سورة الحج، الآية ٣٦.\n(٣) أخرجه البخاري (١٧١٩) ومسلم (١٩٧٢).","vol":"9","page":567},{"text":"٢٨١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّا (١) كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ لِكَىْ تَسَعَكُمْ، فَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالسَّعَةِ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَاتَّجِرُوا،\n===\nلنفسه فوق ثلاثة أيام، لأن النهي عن ذلك كان في ابتداء الإِسلام ثم نسخ، والتصدق أفضل إلَّا أن يكون الرجل ذا عيال وغيره موسع الحال، فإن الأفضل له حينئذ أن يضعه لعياله ويوسع به عليهم، لأن حاجته وحاجة عياله مقدمة على حاجة غيره، قال ﵊: \"ابدأ بنفسك ثم بغيرك\" (٢).\n٢٨١٣ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، ثنا خالد الحذاء، عن أبي المليح) الهذلي، (عن نبيشة) بنون مضمومة وباء موحدة مفتوحة وياء ساكنة، مصغرًا، ابن عبد الله بن عمرو بن عتاب الهذلي، وهو نبيشة الخير، صحابي قليل الحديث، له في مسلم حديث: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب\" (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنا كنا نهيناكم عن لحومها) (٣) أي: الأضاحي (إن تأكلوها فوق ثلاث) أي: وتدَّخروها (لكي تسعكم) أي: يصيب لحومها كلكم من ضحى ومن لم يضح.\n(فقد) كما في نسخة على الحاشية (جاء الله بالسعة) في الرزق (فكلوا وادَّخروا واتَّجِرُوا) من الأجر من باب الافتعال، أي: تصدقوا ابتغاء للأجر، وفي \"النهاية\" (٤): في حديث الأضاحي: \"كلوا وادخروا وائتجروا\"، أي: تصدقوا طالبين الأجر بذلك، ولا يجوز فيه اتجروا بالإدغام، لأن الهمزة\n_________\n(١) في نسخة: \"إنما\".\n(٢) أخرجه مسلم (٩٩٧)، والنسائي (٤٦٥٢).\n(٣) نهي تنزيه أو تحريم، قولان. \"أوجز\" (١٠/ ٢٣٩). (ش).\n(٤) \"النهاية\" (١/ ٢٥).","vol":"9","page":568},{"text":"أَلَا وَإِنَّ الأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ ﷿». [م ١١٤١، ن ٤٢٣٠، جه ٣١٦٠، حم ٥/ ٧٥ - ٧٦، دي ١٩٥٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>(١٠) بَابٌ: في الرِّفْقِ بِالذَّبِيحَةِ </span>(١)\n٢٨١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: خَصْلَتَانِ سَمِعْتُهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ، فإذا قلتم [فَأَحْسِنُوا، قَالَ: غَيْرُ مُسْلِمٍ يَقُولُ: فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ] (٢)،\n===\nلا تُدغم في التاء، وإنما هو من الأجر لا من التجارة (ألا وإن الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله ﷿).\nوكتب ها هنا في حاشية النسخة القلمية: \"أول كتاب الذبائح\"، وكتب في حاشية: \"كذا في نسخة\"، لكن جعل في \"الأطراف\" حديث هذا الباب وحديثي الباب الذي بعده من باب الأضاحي، وجعل أحاديث الذبائح حديث عكرمة عن ابن عباس.\n\n(١٠) (بَابٌ: فِي الرِّفْقِ بِالذَّبِيحَةِ)\n٢٨١٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس قال: خصلتان سمعتهما من رسول الله - ﷺ -: إن الله كتب الإحسان) أي: أمر بالإحسان، أمر استحباب متأكد (على كل شيء) لفظ \"على\" بمعنى في، وقيل: ضمن الإحسان معنى التفضل فَعُدِّيَ بعلى (فإذا قتلتم فأحسنوا) أي: هكذا قال مسلم بن إبراهيم شيخ المصنف (قال) المصنف: و(غير مسلم) من الشيوخ (يقول: فأحسنوا القتلة).\n_________\n(١) في نسخة: \"باب النهي أن تصبر البهائم، والرفق بالذبيحة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فأحسنوا، قال غير مسلم يقول: فأحسنوا القتلة\".","vol":"9","page":569},{"text":"وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». [م ١٩٥٥، ت ١٤٥٩، ن ٤٤٠٥، جه ٣١٧٠، دي ١٩٧٠، حم ٤/ ١٢٣]\n===\nفقد روى الإِمام أحمد (١) عن إسماعيل، عن خالد، وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، وعن هشيم عن خالد الحذاء، وعن محمد بن جعفر عن شعبة، عن خالد، ففي كل هذه الطرق: \"فأحسنوا القتلة\"، وهذا الحكم عام إلَّا ما فيه حكم بهيئة خاصة للقتل، كالصلب لقُطَّاع الطريق، والرجم لزانٍ محصنٍ.\n(وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحدَّ أحدكم شفرته)، وهذا أيضًا داخل في إحسان الذبح (وليرح (٢) ذبيحته) فلا يسلخ جلده حتى تبرد.\nقال الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٣): فأما العظم والسن والظفر فقد نهي أن يذكى بها، وجاء في هذا أحاديث وآثار، وكذلك القرن عندنا، والناب، قال: ولو أن رجلًا ذبح بسنه أو بظفره فهي ميتة لا تؤكل، وقال في \"الأصل\": إذا ذبح بسن نفسه أو ظفر نفسه فإنه قاتل وليس بذابح.\nقال أبو بكر: السنن والظفر المنهي عن الذبيحة بهما إذا كانا قائمتين في صاحبهما، وذلك لأن النبي - ﷺ - قال في الظفر: \"إنها مُدى الحبشة\"، وهم إنما يذبحون بالظفر القائم في موضعه غير المنزوع، وقال ابن عباس: ذلك الخنق.\nوأما إذا كانا منزوعين ففريا الأوداج فلا بأس، وإنما كرهه أصحابنا منها ما كان بمنزلة السكين الكالَّة، ولهذا المعنى كرهوا الذبح بالقرن والعظم، فكانت كراهتهم للذبح بسن منزوع أو عظم أو قرن أو نحو ذلك من جهة كلاله لِما يلحق البهيمة من الألم الذي لا يحتاج إليه في صحة الزكاة، انتهى ملخصًا.\n_________\n(١) انظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ١٢٣ - ١٢٤ - ١٢٥) رقم (١٧٠٨٤ و١٧٠٨٧ و١٧٠٩٩ و١٧١٠٩).\n(٢) بسط ابن حجر المكي في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٢١) في أن الرواية بالواو لا الفاء. (ش).\n(٣) (٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨).","vol":"9","page":570},{"text":"٢٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: \"دَخَلْتُ مَعَ أَنَسٍ عَلَى الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ، فَرَأَى (١) فِتْيَانًا أَوْ غِلْمَانًا قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، فَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ\" [خ ٥٥١٣، م ١٩٥٦، جه ٣١٨٦، ن ٤٤٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>(١١) بَابٌ: في الْمُسَافِرِ يُضحِّي</span>\n٢٨١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ، ثنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ، ثنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِح، عن أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن ثَوْبَانَ قَالَ: ضَحَّى رَسُول اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: \"يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَنَا لَحْمَ هَذ الشَّاةِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. [م ١٩٧٥، حم ٥/ ٢٧٧ - ٢٨١]\n===\n٢٨١٥ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة، عن هشام بن زيد قال: دخلت مع أنس) أي ابن مالك (على الحكم بن أيوب) وهو ابن عم الحجاج بن يوسف الأمير ونائبه على البصرة (فرأى فتيانًا أو) للشك من الراوي (غلمانًا، قد نصبوا دجاجة) ذات حياة (يرمونها) بالنبال (فقال أنس: نهى رسول الله - ﷺ - أن تصبر) أي: تحبس (البهائم) للقتل، أي: يجعل هدفًا يرمى إليه حتى يموت.\n\n(١١) (بَابٌ: فِي الْمُسَافِرِ يُضَحِّي)\n٢٨١٦ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا حماد بن خالد الخياط، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن ثوبان) مولى رسول الله - ﷺ - (قال: ضحى رسول الله - ﷺ -) أي: ذبح أضحيته في حجة الوداع (ثم قال: يا ثوبان، أصلح لنا لحم هذه الشاة، قال) ثوبان: (فما زلت أُطْعِمُه منها) أي: من الشاة في جميع سفره (حتى قدمنا المدينة).\nوشرط عندنا لوجوب الأضحية الإقامة فلا تجب على المسافر، وذكر في\n_________\n(١) في نسخة: \"فرأينا\".","vol":"9","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1078>(١٢) بَابٌ: في ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَاب</span>\n٢٨١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابتٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: ثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، فَنُسِخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾.\n===\n\"الأصل\": ولا تجب الأضحية على الحاج، وأراد بالحاج المسافر، فَأَمَّا أهل مكة فتجب عليهم الأضحية وإن حجوا، فأضحيته - ﷺ - محمولة عندنا على التطوع.\n\n(١٢) (بَابٌ: في ذَبَائِحِ (١) أَهْلِ الْكِتَابِ)\n٢٨١٧ - (حدثنا أحمد بن محمَّد بن ثابت المروزي قال: ثني علي بن حسين، عن أبيه) حسين، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) فنسخ) هذا الحكم (واستثنى من ذلك فقال) في سورة المائدة: (﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾) (٣)، فالمراد بالطعام ذبائح أهل الكتاب.\n_________\n(١) قال الحافظ (٩/ ٦٣٦ - ٦٣٧): ذهب الجمهور إلى جوازه، وعن أحمد ومالك تحريم ما حرم الله على أهل الكتاب كالشحوم، فإن الذي أباحه الله طعامهم، وليس الشحوم من طعامهم، وتعقب بأن ابن عباس فسر طعامهم بذبائحهم، والتذكية لا تقع على بعض أجزاء المذبوح دون بعض، فإذا كانت التذكية شائعة في جميعها دخل الشحم لا محالة، وأيضًا فإن الله حرم عليهم كل ذي ظفر، فيلزم على هذا القول أن اليهودي إذا ذبح ذا ظفر لا يحل لمسلم أكله، انتهى.\nواستدل الحافظ للجمهور بما تقدم من حديث جراب شحم خيبر، ولم ينسبه الموفق إلى أحمد، بل إلى مالك فقط، وحكى اختلاف أصحابهم فيه، وشرط الدردير (٢/ ١٠١) حرمته عليهم بشرعنا .. وقال أيضًا: أما صيد الكافر ولو كتابيًا لا يؤكل إن مات بجرحه، قال الموفق (١٣/ ٢٩٣): لا نعلم أحدًا حرم صيدهم إلا مالك أباح ذبائحهم وحرم صيدهم.\n(٢) سورة الأنعام: الآية ١١٨، ١٢١.\n(٣) سورة المائدة: الآية ٥.","vol":"9","page":572},{"text":"٢٨١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَنَا إِسرَائِيلُ، ثَنَا سِمَاكٌ،\n===\nقال ابن جرير في \"تفسيره\" (١): واختلف أهل العلم في هذه الآية هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة في ما عني بها (٢)، وعلى هذا قول عامة أهل العلم.\nوروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا به يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن البصري قالا: قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، فنسخ واستثنى من ذلك، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾.\nوالصواب من القول في ذلك عندنا أن هذه الآية محكمة فيما أنزلت لم ينسخ منها شيء، وأن طعام أهل الكتاب حلال، وذبائحهم ذكية، وذلك مما حرم الله على المؤمنين أكله بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ بمعزل، لأن الله حرم علينا بهذه الآية الميتة وما أُهِلَّ به للطواغيت، وذبائح أهل الكتاب ذكيةٌ سَموا (٣) عليها أو لم يسموا، لأنهم أهل توحيد وأصحاب كتب الله يدينون بأحكامها، يذبحون الذبائح بأديانهم، كما يذبح المسلم بدينه، سَمَّى الله تعالى على ذبيحته أو لم يُسَمِّه إلَّا أن يكون ترك من ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل، أو بعبادة شيء سوى الله، فيحرم حينئذٍ أكل ذبيحته سمى الله [عليها] أو لم يسمّ (٤).\n٢٨١٨ - (حدثنا محمَّد بن كثير قال: أنا إسرائيل، ثنا سماك،\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٢٧ - ٢٨)، سورة الأنعام: الآية ١٢١.\n(٢) في \"تفسير الطبري\" فيما عُنيت به، وهو الظاهر.\n(٣) في الأصل: \"سَمَّاه\"، وهو تحريف.\n(٤) وفي \"الهداية\" (٢/ ٣٤٧): إن المسلم والكتابي في ترك التسمية سواء، انتهى. حكاه الموفق (١٣/ ٢٥٨) عن أحمد وإسحاق والشافعي وأصحاب الرأي. (ش).","vol":"9","page":573},{"text":"عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاس في قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يَقُولُونَ: مَا ذَبَحَ الله (١) فَلَا تَأكُلُوهُ، وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ فَكُلُوهُ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. [جه ٣١٧٣، ن ٤٤٣٧]\n٢٨١٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن عَطَاءِ بْنِ السَّائِب، عن سَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: نأكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا، وَلَا نَأكُلُ مِمَّا قَتَلَ الله؟ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَي: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ\". [ت ٣٠٦٩، ق ٩/ ٢٤٠، طب ١٢٢٩٥]\n===\nعن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾) أي: ليُوَسْوِسُون ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله) أي: قتله الله وأماته (فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾).\n٢٨١٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عمران بن عيينة) بن أبي عمران الهلالي، أبو الحسن الكوفي، أخو سفيان، قال ابن معين وأبو زرعة: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، لأنه يأتي بالمناكير، وقال الآجُرِّي: سئل أبو داود عن إبراهيم وعمران ومحمد بن عيينة؟ فقال: كلهم صالح، وحديثهم قريب، وقال العقيلي: في حديثه وهم وخطأ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي - ﷺ - فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله تعالى) في جوابه: (﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) إلى آخر الآية)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعنون الميتة لِم لا تأكلونه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا ...﴾ الآية\"، هكذا في \"جامع الأصول\" (٢/ ١٣٥) رقم (٦٢٠) من رواية أبي داود. (ش).\n(٢) وستأتي المذاهب في التسمية في هامش \"باب الصيد\". (ش).","vol":"9","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1079>(١٣) بَابُ مَا جَاءَ في أَكْلِ مُعَاقَرَةِ الأَعْرَابِ</span>\n٢٨٢٠ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدةَ، عن عَوْفٍ، عن أَبِي ريحَانَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ (١) مُعَاقَرَةِ الأَعْرَابِ\". [ق ٩/ ٣١٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: غُنْدَرٌ أَوْقَفَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: اِسْمُ أَبِي رَيْحَانَةَ عَبْدُ الله بْنُ مَطَرٍ.\n===\nفأشار ﷾ إلى الفرق بين الميتة والذكية بأن الميتة هي التي ماتت بحتف نفسها، أو ماتت بذبح المشركين من عبدة الأوثان والمجوس والمرتدين، فإنها لم يذكر اسم الله عليها، وأما الذكية سواء سمي عليها أو لم يسم فهي التي ذكره اسم الله عليها حقيقة أو حكمًا فهي الحلال، فالمُحَلِّلُ في الحقيقة هو ذكر الله تعالى.\n\n(١٣) (بَابُ مَا جَاءَ في أَكْلِ مُعَاقَرَةِ الأعْرَابِ)\nوهو ما كان يتبارى الرجلان في الجود والسخاء، فيعقر هذا إبلًا وهذا إبلًا، حتى يُعْجِزَ أحدهما الآخر رياءً وسمعةً وتفاخرًا لا لوجه الله، كذا في \"المجمع\" (٢)\n٢٨٢٠ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: نا حماد بن مسعدة، عن عوف) بن أبي جميلة، (عن أبي ريحانة، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن معاقرة الأعراب) أي: ما تذبحه الأعراب رياءً وسمعةً ومفاخرةً، وكذلك كل طعام صنع رياءً ومفاخرةً، وكذا ما ذبح لقدوم أمير متقربًا إليه، لا يجوز أكله.\n(قال أبو داود: غندر) أي محمَّد بن جعفر (أوقفه على ابن عباس) ولم يرفعه. (قال أبو داود: اسم أبي ريحانة عبد الله بن مطر).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أكل\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٣٩).","vol":"9","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1080>(١٤) بَابُ الذَّبِيحَةِ بِالْمَرْوَةِ</span>\n٢٨٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: نَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، عن عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عن أَبِيه،\n===\n\n(١٤) (بَابُ الذَّبيحَةِ بِالْمَرْوَةِ)\nبفتح ميم وسكون راء: حجر أَبيض يجعل منه كالسكين. وقيل: هي التي يقدح منها النار\n٢٨٢١ - (حدثنا مسدد قال: نا أبو الأحوص قال: نا سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن أبيه) أي رفاعة بن رافع، وفي رواية البخاري من طريق أبي عوانة، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع، عن جده رافع بن خديج بحذف عن أبيه.\nقال الحافظ (١): كذا قال أكثر أصحاب سعيد بن مسروق عنه كما سيأتي في آخر \"كتاب الصيد والذبائح\"، وقال أبو الأحوص: \"عن سعيد عن عباية عن أبيه عن جده\"، وليس لرفاعة بن رافع ذكر في كتب الأقدمين ممن صنف في الرجال، نعم ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: إنه يكنى أبا خديج، وتابع أبا الأحوص على زيادته في الإسناد حسان بن إبراهيم الكرماني، عن سعيد بن مسروق، أخرجه البيهقي (٢) من طريقه، وكذا رواه ليث بن أبي سليم، عن عباية، عن أبيه، عن جده، قاله الدارقطني في \"العلل\"، قال: وكذا قال مبارك بن سعيد الثوري عن أبيه.\nقال الجياني: روى البخاري حديث رافع من طريق أبي الأحوص، فقال: عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رافع، عن أبيه، عن جده، هكذا عند أكثر الرواة، وسقط قوله: \"عن أبيه\" في رواية أبي علي بن السكن عند الفربري وحده، وأظنه من إصلاح ابن السكن، فإن ابن أبي شيبة أخرجه عن أبي الأحوص\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢٥).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٤٧).","vol":"9","page":576},{"text":"عن جَدِّهِ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَرِنْ أَو اِعْجِلْ،\n===\nبإثبات قوله: \"عن أبيه\"، ثم قال أبو بكر: لم يقل أحد في هذا السند عن أبيه غير أبي الأحوص.\nثم نقل الجياني عن عبد الغني بن سعيد حافظ مصر أنه قال: خرَّج البخاري هذا الحديث عن مسدد عن أبي الأحوص على الصواب، يعني بإسقاط \"عن أبيه\"، قال: وهو أصل يعمل به من بعد البخاري، إذا وقع في الحديث خطأ لا يُعَوَّل عليه، وإنما تكلم عبد الغني على ما وقع في رواية ابن السكن ظنًّا منه أنه من عمل البخاري، وليس كذلك لما بَينَّا أن الأكثر رووه عن البخاري بإثبات قوله: \"عن أبيه\".\n(عن جده رافع بن خديج قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، إنا نلقى العدو غدًا وليس معنا مُدى) جمع مدية وهي السكين، وحاصل هذا الكلام أن عندنا سيوفًا، فلو ذبحنا بها كلَّت السيوف، ولم تنفع في قتال العدو، فأي شيء نذبح به.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أَرِنْ أو) للشك من الراوي (اعجِلْ) أي: قال هذا اللفظ أو ذاك، أَرِنْ: من أران القوم إذا هلكت مواشيهم، بوزن أَغِثْ، أي: أهلكها ذبحًا بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر، أو من أرِن يأرَن إذا نشط وخفَّ، يقول: خِفَّ واعجل لئلا تقتلها خنقًا، فإن غير الحديد لا يمور في الذكاة مورًا، منه و\"ائْرَنْ\" بمعنى اعجِلْ، أو من رنوت النظر إلى الشيء إذا أدمته بمعنى أدِم الحزَّ ولا تفتر، أو أدِم النظر وراعِه بصرك لئلا تزل عن المذبح، ويكون بوزن إرم من رمى، واعجل بكسر همزة وفتح جيم، والصحيح أن أرن بمعنى اعجل، وإنه شك من الراوي، \"مجمع\" (٢).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أفنذبح يالمروة وشقة العصا\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٦٩).","vol":"9","page":577},{"text":"مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سنٌّ أَوْ ظُفُرٌ (١)، (٢) وَسَأُحَدِّثُكُمْ عن ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ،\n===\n(ما أنهر) أي: أجرى وأسأل بكثرة (الدم) شبه خروجُ الدم بجري الماء في النهر (وذكر اسم الله عليه) أي: حقيقة أو حكمًا كما في الناسي (فكلوا) أي: الذبيحة (ما لم يكن) أي: آلة الذبح (سن أو ظفر) (٣) أي: غير المنزوعين، فإنها لا تحل الذبيحة بهما، وأما المنزوعان فيكره ما ذبح بهما.\n(وسأحدثكم (٤) عن ذلك، أما السنن فعظم) والأوجه عندي أن يحمل هذا المنع على العلة التي منع رسول الله - ﷺ - لأجلها الاستطابة بالعظم، وهي كون العظم من زاد الجن، كما تقدم في أبواب الطهارة، فلعله - ﷺ - منع الذبح بالعظم أيضًا لما فيه من تنجيس زادهم فتدبر.\nقال الشوكاني (٥): قال ابن الصلاح في \"مشكل الوسيط\": ولى أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يُعقل، وكذا وقع في كلام [ابن]\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"سنًا أو ظفرًا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال رافع\".\n(٣) وفي \"شرح الإقناع\" (٤/ ٣٠٢): والنهي عن الذبح بالعظام قيل: تعبدي، وبه قال ابن الصلاح، ومال إليه ابن عبد السلام، وقال النووي (٧/ ١٣٩): للتنجس بالدم، وهو زاد الجن، ويشكل عليه حِلّ التذكية بالخبز إذا كان محددًا، وهو طعام الإنس وهم أفضل من الجن، إلى أن قال: ويفرق بين العظم والخبر المحدد بأنه يمكن غسله بخلاف العظم، فإنه يُرمى لنجاسته، وأما مدى الحبشة فإنهم كفار، ونهينا عن التشبه بهم، انتهى ملخصًا.\nقلت: ويمكن أن يقال في الفرق بين الخبز والعظم: إن العظم حق الغير، أي الجن، والخبر حق نفسه. (ش).\n(٤) جزم النووي بأنه من المرفوع وهو الظاهر، وجزم ابن القطان في كتاب \"الوهم والإيهام\" بأنه مدرج من قول رافع، واستدل برواية أبي داود عن أبي الأحوص إذ قال في روايته بعد: \"أو ظفر\": قال رافع: سأحدثكم ... إلخ، لكن ليس في شيء من \"سنن أبي داود\" هكذا فهو عجيب، قاله الحافظ (٩/ ٦٧٢). (ش).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢١٩).","vol":"9","page":578},{"text":"وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ\".\n===\nعبد السلام، وقال النووي (١): معنى الحديث لا تذبحوا بالعظام فإنها تنجس بالدم، وقد نهيتم عن تنجيسها، لأنها زاد إخوانكم من الجن، انتهى.\n(وأما الظفر فمدى الحبشة) قال في \"البدائع\" (٢): وجملة الكلام فيه: أن الآلة على ضربين: آلة تقطع وآلة تفسخ، والتي تقطع نوعان: حادة وكليلة، أما الحادة فيجوز الذبح بها حديدًا كانت أو غير حديد، والأصل في جواز الذبح بدون الحديد ما روي عن عديِّ بن حاتم - ﵁ - أنه قال: قلت: يا رسول الله أرأيتَ أحدَنا أصاب صَيْدًا وليس معه سكين أيذكِّي بمَرْوَةٍ أو بشِقَّةِ العصا؟ فقال ﵊: \"أنهرِ الدم بما شئتَ واذكر اسم الله تعالى\" (٣).\nوأما الكليلة فإن كانت تقطع يجوز لحصول معنى الذبح، لكنه يكره لما فيه من زيادة إيلام لا حاجة إليها، ولهذا أمر رسول الله - ﷺ - بتحديد الشفرة وإراحة الذبيحة، وكذلك إذا ذبح بظفر منزوع أو سن منزوع جاز الذبح بهما ويكره.\nوقال الشافعي (٤) - ﵀ -: لا يجوز لهذا الحديث، لأنه استثنى الظفر والسن من الإباحة، والاستثناء من الإباحة يكون حظرًا.\nولنا: أنه لما قطع الأوداج فقد وجد الذبح بهما فيجوز، كما لو ذبح بالمروة وليطة القصب، وأما الحديث فالمراد السن القائم والظفر القائم، لأن الحبشة إنما كانت تفعل ذلك لإظهار الجلادة، وذلك بالقائم لا بالمنزوع، والدليل عليه أنه روي في بعض الروايات إلا ما كان قرضًا بسن أو حزًا بظفر، والقرض إنما يكون بالسن القائم.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٥٨).\n(٣) يأتي تخريجه في المتن برقم (٢٨٢٤).\n(٤) انظر: \"الأم\" (٢/ ٢٣٦).","vol":"9","page":579},{"text":"وَتَقَدَّمَ بِهِ سَرْعَانٌ مِنَ النَّاسِ فَتَعَجَّلُوا فَأَصَابُوا مِنَ الْغَنَائِمِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في آخِرِ النَّاسِ، فَنَصَبُوا قُدُورًا، فَمَرَّ رَسُولُ الله - ﷺ - بِالْقُدُورِ فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ، وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ فَعَدَلَ بَعِيرًا (١) بِعَشْرِ شِيَاهٍ،\n===\nوأما الآلة التي تفسخ، فالظفر القائم والسن القائم، ولا يجوز الذبح بهما بالإجماع، ولو ذبح بهما كان ميتة للخبر الذي روينا، ولأن الظفر والسن إذا لم يكن منفصلًا، فالذابح يعتمد على الذبيح فيخنق وينفسخ فلا يحل أكله، حتى قالوا: لو أخذ غيره يده فأمَرَّ يده كما أمَرَّ السكين وهو ساكت يجوز ويحل أكله، انتهى.\n(وتقدم به) هكذا في المجتبائية والكانفورية والقادرية والمكتوبة القلمية ونسخة \"العون\"، وأما المصرية فليس فيها لفظ \"به\"، فإن كان هذا اللفظ محفوظًا فهو بمعنى عليه (سرعان من الناس) أي: أوائلهم والمستعجلون منهم (فتعجلوا فأصابوا من (٢) الغنائم، ورسول الله - ﷺ - في آخر الناس، فنصبوا قُدُورًا) أي: أقاموها على أثافي، (فمر رسول الله - ﷺ - بالقدور، فأمَرَ بها فأكفئت) أي: قلبت (وقسم بينهم) أي: الغنائم (فعدل بعيرًا بعشر شياه) جمع شاة.\nوقد أخرج البخاري من طريق أبي عوانة عن سعيد بن مسروق، ولفظه: \"كنا مع النبي - ﷺ - بذي الحليفة\"، زاد في رواية سفيان الثوري: \"من تهامة، فأصاب الناس جوع، فأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي - ﷺ - في أخريات الناس\"، الحديث.\nقال الحافظ (٣): وذو الحليفة هذا مكان غير ميقات المدينة،\n_________\n(١) في نسخة: \"فَعُدِلَ بعيرٌ\".\n(٢) وترجم عليه البخاري \"باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنمًا أو إبلًا بغير أمر أصحابه لم تؤكل\"، قال الحافظ في قصة جارية كعب: [وفيه] جواز أكل ما ذبح بغير إذن مالكه، وخالف فيه طاوس وعكرمة، وإليه ميل البخاري إذ ترجم بذلك ... إلخ، كذا في \"الفتح\" (٩/ ٦٣٣). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢٥ - ٦٢٦).","vol":"9","page":580},{"text":"ونَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إبلِ الْقَوْمِ\n===\nلأن الميقات في طريق المذاهب من المدينة، ومن الشام إلى مكة، وهذه بالقرب من ذات عرق بين الطائف ومكة، ووقع للقابسي أنه الميقات المشهور، وكذا ذكر النووي، قالوا: وكان ذلك عند رجوعهم من الطائف سنة ثمان.\nقال الحافظ: واختلف في هذا المكان في شيئين: أحدهما سبب الإراقة، والثاني: هل أتلف اللحم أم لا؟ فأما الأول فقال عياض: كانوا انتهوا إلى دار الإِسلام، والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة إلا بعد القسمة، وأن محل جواز ذلك قبل القسمة إنما هو ما داموا في دار الحرب، قال: ويحتمل أن سبب ذلك كونهم انتهبوها، ولم يأخذوها باعتدال وعلى قدر الحاجة، يدل لذلك ما أخرجه أبو داود من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار وفيه: \"ثم جعل يرمل اللحم بالتراب\"، ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة\"، وهذا يدل على أنه عاملهم من أجل استعجالهم بنقيض قصدهم كما عومل القاتل بمنع الميراث.\nوأما الثاني فقال النووي (١): المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع ورَدَّ إلى المغنم، ولا يظن أنه أمر بإتلافه مع أنه - ﷺ - نهى عن إضاعة المال، وهذا من مال الغانمين، وأيضًا فالجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة، فإن منهم من لم يطبخ ومنهم المستحقون للخمس، [فإن قيل:] لم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم، قلنا: ولم ينقل أنهم أحرقوه أو أتلفوه، فيجب تأويله على وفق القواعد إلى آخره.\nوأما تعديل عشر شياه بعيرًا محمول على أن هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك.\n(ونَدَّ بعيرٌ) أي: هرَبَ منافرًا (من إبل القوم) أي: من الإبل المقسومة\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ١٤١).","vol":"9","page":581},{"text":"وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ لِهَذه الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كأَوَابِدِ الْوَحْشِ، وَمَا (١) فَعَلَ مِنْهَا هَذَا فَافْعَلُوا بِهِ مِثْلَ هَذَا\". [خ ٢٤٨٨، م ١٩٦٨، ت ١٤٩١، ن ٤٤٠٣، جه ٣١٧٨، حم ٤/ ١٤٠]\n٢٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زِيَادٍ وَحَمَّادًا- الْمَعْنَى وَاحِد- حَدَّثَاهُمْ، عن عَاصِمٍ،\n===\n(ولم يكن ميم خيل) (٢) فيه تمهيد لعذرهم في تحصيله حيًا، فكأنه يقول: لو كان فيهم خيول لأخذوه حيًا، ولم يحتاجوا إلى قتله بسهم (فرماه رجل بسهم) ولم أقف على تسمية هذا الرامي (فحبسه الله) أي: أصابه السهم فوقف.\n(فقال النبي - ﷺ -: إن لهذه البهائم) وهذه \"اللام\" في معنى \"من\" التبعيضية (أَوَابِد (٣» جمع آبدة بالمد وكسر الموحدة، أي كريبة متوحشة (كأوابد الوحش، وما فعل منها) أي: من البهائم (هذا) أي: التنفر والتوحش (فافعلوا به مثل هذا) أي: الجرح والقتل.\nوالظاهر أن السهم أصاب المقتل، فمعنى حبسه أي قتله، ويحتمل أنه لم يصب المقتل فحينئذ معنى قوله: \"حبسه\" كفه عن الشُّرُودِ، فحينئذ ذبحوه بعد الأخذ، لأنه لم يبق حينئذ في حكم الصيد، فإن المتوحش إذا نَدَّ يكون في حكم الصيد، فإذا أُخذ وفيه الحياة المستقرة لم يبق في حكم الصيد، فلا يحل بالذكاة الاضطرارية، بل يلزم ذبحه وإلَّا حرم أكله.\n٢٨٢٢ - (حدثنا مسدد، أن عبد الواحد بن زياد وحمادًا، المعنى) أي: معنى حديثهما (واحد، حدثاهم) أي: مسددًا ومن كان معه (عن عاصم)\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فما\".\n(٢) وفي \"البخاري\" (٥٤٩٨): \"وكان في القوم خيل يسيرة، فطلبوه فأعياهم\".\n(٣) واستدل به الثلاثة على أن النعم إذا توحش صار في حكم الصيد، بخلاف مالك كما سيأتي. (ش).","vol":"9","page":582},{"text":"عن الشَّعْبيِّ، عن مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ- أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ - قَال: \"اِصَّدْتُ (١) أَرْنَبَيْنِ فَذَبَحْتُهُمَا بِمَرْوَةٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْهُمَا، فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا\". [ن ٤٣١٣، جه ٣١٧٥]\n٢٨٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: نَا يَعْقُوبُ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ: \"أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ أُحُدٍ، فَأَخَذَهَا الْمَوْتُ،\n===\nالأحول، (عن الشعبي، عن محمَّد بن صفوان، أو صفوان بن محمَّد) بالشك، وفي \"مسند أحمد\" (٢): محمَّد بن صفوان من غير شك، وقال الحافظ (٣): وأخرج أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم في \"صحيحهما\" من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عنه على الشك. قلت: ولم أر في \"مسند أحمد\" حرف الشك، بل فيه في رواية عاصم وداود بن أبي هند كليهما بغير شك، وهو أنصاري، من بني مالك بن أوس، وقيل فيه: صفوان بن محمَّد، والأول أصوب، ولا أعلم لمحمد بن صفوان غير هذا الحديث.\n(قال) محمَّد: (اصَّدْتُ) بالصاد المهملة المشددة، أي: اصطدتُ كما في نسخة أخرى (أرنبين فذبحتهما بمروة) أي: بحجر محدد، (فسألت رسول الله - ﷺ - عنهما) أي: عن حِلِّهما، (فأمرني بأكلهما) وهذا أمر أجمع عليه علماء الأمة.\n٢٨٢٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا يعقوب) بن عبد الرحمن الإسكندراني، (عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني حارثة) لم أقف على تسميته: (أنه كان يرعى لقحة)، أي: ناقة ذات در (بشعب من شعاب أُحُد، فأخذها الموت) (٤) أي: قربت من الموت\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"اصطدت\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٧١» رقم (١٥٨٥١ - ١٥٨٥٢).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣١).\n(٤) قال ابن رشد (١/ ٤٤٢): اختلفوا في تأثير الذكاة في المشرفة على الموت، فالجمهور =","vol":"9","page":583},{"text":"وَلَمْ يَجِدْ (١) شَيْئًا يَنْحَرُهَا بِهِ، فَأَخَذَ وَتدًا فَوَجَأَ بِهِ في لَبَّتِهَا حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهَا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا\". [ق ٩/ ٢٥٠]\n٢٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عن مُرِّيِّ بْنِ قَطَرِيٍّ، عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَحَدُنَا أَصَابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّةِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: (٢) \"أَمْرِرِ\n===\n(ولم يجد شيئًا)، أي: آلة (ينحرها به، فأخذ وتدًا) بالفتح وبالتحريك، وككَتِف: ما رُزَّ في الأرض أو الحائط من خشب، جمعه أوتاد، وهو محدد الطرف (فوجأ به) أي: أدخله (في لبتها) أي: منحرها (حتى أهريق دمها، ثم جاء) الرجل الحارثي (إلى النبي - ﷺ - فأخبره بذلك، فأمره بأكلها).\n٢٨٢٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن سماك بن حرب، عن مُرِّيٍّ) بضم أوله بلفظ النسب (ابن قَطَرِي) بفتحتين وكسر الراء مخففًا، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال الذهبي: لا يعرف، تفرد عنه سماك، (عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن أحدنا أصاب صيدًا) أي: تمكن منه (وليس معه سكين، أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أمرر) هكذا في النسخ بتكرار الراء، وهكذا في \"المشكاة\" عن أبي داود.\nقال في \"المجمع\" (٣): وفيه: \"اِمْرِ الدم بما شئت\"، أي: استخرجه وأجْرِه بما شئت، يريد الذبح، من مرى الضرع يمريه، ويروى \"أَمِرْ\" من مارَ يمور إذا جرى، وأماره غيره.\n_________\n= على أنها تؤثر، وهو المشهور عن مالك لهذا الحديث، وعنه لا تؤثر، وحكى اختلافهم فيه صاحب \"المغني\" (١٣/ ٣١٤). (ش).\n(١) في نسخة: \"فلم يجد\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٦٨).","vol":"9","page":584},{"text":"الدَّمَ بِمَا شِئْتَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ\" [ن ٤٣٠٤، جه ٣١٧٧، حم ٤/ ٢٥٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>(١٥) بَابُ مَا جَاءَ في ذَبِيحَةِ الْمُتَرَدّيَةِ</span>\n٢٨٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَبِي الْعُشَرَاءِ،\n===\nقال الخطابي (١): أصحاب الحديث يروونه مشدد الراء وهو غلط، وقد جاء في \"سنن أبي داود\" والنسائي: \"أمرر\" براءين، مظهرتين بمعنى: اجعل الدم يمر، أي: يذهب، وعليه فمن شدد يكون قد أدغم، فلا غلط.\n(الدم بما شئت، واذكر اسم الله).\n\n(١٥) (بَابُ مَا جَاءَ في ذَبِيحَةِ الْمُتَرَدِّيَةِ)\nأي: الساقطة من علو إلى أسفل\n٢٨٢٥ - (حدثنا أحمد بن يونس قال: نا حماد بن سلمة، عن أبي العشراء) الدارمي، قيل: اسمه يسار بن بكر بن مسعود، من بني دارم (٢) بن مالك بن تميم، قال الميموني: سألت أحمد عن حديث أبي العشراء [في الذكاة]، قال: هو عندي غلط، لا يعجبني ولا أذهب إليه إلَّا في موضع ضرورة، قال: ما أعرف أنه يروى عن أبي العشراء حديث غير هذا، يعني حديث الذكاة.\nوقال البخاري: في حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان ينزل الجفرة على طريق البصرة، قلت: قال أبو داود في موضع آخر: سمعه مني أحمد بن حنبل فاستحسنه جدًا، وقال ابن سعد: مجهول، وقال الحاكم أبو أحمد: اسمه سنان بن برز أو بلز، قال ابن حبان: اسمه عبد الله، وقيل: عامر، وقال الطبراني: اسمه بلال بن يسار.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨٠).\n(٢) في الأصل: \"دار\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":585},{"text":"عن أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: \"يَا رَسُولَ الله، أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلا مِنَ اللَّبَّةِ أَوِ الْحَلْقِ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَوْ طَعَنْتَ في فَخِذِهَا لأَجْزَأَ عَنْكَ\" (١). [ت ١٤٨١، ن ٤٤٠٨، جه ٣١٨٤، دي ١٩٧٢، حم ٤/ ٣٣٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَذَا لَا يَصْلُحُ إِلَّا في الْمُتَرَدِّيَةِ وَالْمُتَوَحِّشِ.\n===\n(عن أبيه) كتب الحافظ في مبهمات \"تهذيب التهذيب\" (٢): أبو العشراء الدارمي عن أبيه: هو أسامة بن مالك بن قهطم (أنه قال: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلَّا من اللبة أو الحلق؟)، ولفظ أحمد في \"مسنده\": \"إلا في الحلق أو اللبة\"، والظاهر أن \"أو\" للشك من الراوي، ويحتمل التنويع، وحاصل السؤال أنه سأل أن الذكاة منحصرة فيهما بأن يكون النحر في اللبة والذبح في الحلق.\n(قال) أي الراوي: (فقال رسول الله - ﷺ -: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك، قال أبو داود: لا يصلح هذا إلَّا في المتردية والمتوحش).\nوحاصل الجواب: أن الذكاة على نوعين: اختيارية واضطرارية، فالذكاة الاختيارية في الدواب المقبوضة في يد المذكي، فلا تجوز الذكاة فيها إلا في الحلق واللبة، وأما إذا لم تكن في اختيارها فيكفي لحلها الجرح في أيِّ موضع من جسمها.\nوالمستفاد من ظاهر الحديث أن في الذكاة يكفي الطعن في الفخذ سواء كانت البهيمة مستأنسة أو متوحشة، وهذا مخالف للروايات الصحيحة من الأحاديث، وكذا مخالف لإجماع الأمة، فلهذا أوَّله المصنف بالمتردية والمتوحشة، والذكاة الاضطرارية، وهذا صحيح إذا كان الموت مضافًا إلى الجرح، وأما إذا أخذ بعد الجرح حيًّا بحياة مستقرة، فتمكن من الذبح ولم يذبحه، أو كان هناك سبب آخر يحتمل أن يضاف الموت إليه فلا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وأبو العشراء اسمه عطارد بن بكر، ويقال: ابن قهطم، ويقال: عطارد بن مالك بن قهطم\".\n(٢) (١٢/ ٣٩٤).","vol":"9","page":586},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن شرط الحل في الذكاة الاضطرارية أن يكون الموت منسوبًا إلى الجرح، ولم يكن هناك سبب آخر للموت، فإنه إذا كان للموت هناك سببان يمكن أن يضاف إليهما لا يحل، فأما إذا كان الجرح بحيث لا يمكن أن يكون سببًا للموت، والأمر الثاني سبب للموت ظاهرًا لا يحل قطعًا، وها هنا الطعن في الفخذ ليس سببًا للموت قطعًا، والتردي في الماء، وكذا التردي من الجبل سببان للموت ظاهرًا فلا يحل، لأن الموت بالتردي من الجبل أو في الماء ليس سبب الحل، فحينئذ لا يفيد (١) تأويل المصنف لهذا الحديث.\nقال في \"البدائع\" (٢): ومنها أن يعلم أن تلف الصيد بإرسال أو رمى هو سبب الحل من حيث الظاهر، فإن شاركهما معنى أو سبب يحتمل حصول التلف به، والتلف به مما لا يفيد الحل لا يؤكل، إلا إذا كان ذلك المعنى مما لا يمكن الاحتراز عنه، لأنه إذا احتمل حصول التلف بما لا يثبت به الحل، فقد احتمل الحل والحرمة، فيرجح جانب الحرمة احتياطًا؛ لأنه إن أكل عسى أنه أكل الحرام فيأثم، وان لم يأكل فلا شيء عليه، والتحرز عن الضرر واجب عقلًا وشرعًا، والأصل فيه حديث وابصة \"الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ وبينهما أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلا ما لا يريبك\" (٣).\nوعلى هذا يخرج ما إذا رمى صيدًا وهو يطير فأصابه فسقط على جبل، ثم سقط منه على الأرض فمات أنه لا يؤكل، لأنه يحتمل أنه مات من الرمي،\n_________\n(١) وما حققه الشيخ وإن كان موافقًا للقواعد، لكن الجزئية مصرحة في كتب الفقه من \"الهداية\" وغيره، وكذا يستفاد من \"الكوكب الدري\" و\"العرف الشذي\"، فتأويل المصنف صحيح مفيد.\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٨٥).\n(٣) يأتي تخريجه في المتن برقم (٣٣٢٩).","vol":"9","page":587},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nويحتمل أنه مات بسقوطه عن الجبل، أو أصاب سهمه صيدًا فوقع في الماء فمات فيه لا يحل، لأنه يحتمل أنه مات بالرمي، ويحتمل أنه مات بهذه الأسباب الموجودة بعده، وقد روي عن رسول الله - ﷺ -: \"وإن وقع (١) في الماء فلا تأكله، فلعل الماء قتله\" (٢).\nولو أصابه السهم فوقع على الأرض فمات، فالقياس أن لا يؤكل بجواز موته بسبب وقوعه على الأرض، وفي الاستحسان: يؤكل، لأنه لا يمكن الاحتراز عن وقوع المرمي إليه على الأرض، فلو اعتبر هذا الاحتمال لوقع الناس في الحرج، انتهى.\nوحكى الشوكاني (٣) عن الخطابي (٤): قال: وضعفوا هذا الحديث، لأن رواته مجهولون، وأبو العشراء لا يدرى من أبوه، ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة. قال في \"التلخيص\" (٥): وقد تفرد حماد بن سلمة بالرواية عنه يعني أبا العشراء على الصحيح، وهو لا يعرف حاله.\nقلت: قال العيني في \"شرح الهداية\" (٦): وبقولنا قال الشافعي وأحمد والثوري (٧)، وقال مالك: لا يحل بذكاة الاضطرار في الوجهين، يعني في استئناس الصيد وتوحش النعم.\n_________\n(١) في الأصل: \"وضع\"، وهو تحريف.\n(٢) يأتي تخريجه في المتن برقم (٢٨٤٩ - ٢٨٥٠).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٢٠).\n(٤) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨٠).\n(٥) \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٣٣٢).\n(٦) \"البناية\" (١٠/ ٦٨١).\n(٧) وهكذا ذكر النووي (٧/ ١٤٠)، وحكى خلاف مالك في ذلك، وصرح به الدردير (١/ ١٠٩ - ١١٠)، وحجة الجمهور ما تقدم قريبًا من حديث: \"نَدّ بعير ... \" إلخ. (ش).","vol":"9","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1082>(١٦) بَابٌ: في الْمُبَالَغَةِ في الذَّبْحِ</span>\n٢٨٢٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَالْحَسَنُ بْنُ عِيسَى مَوْلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ، عن ابْنِ الْمُبَارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ - زَادَ ابْنُ عِيسَى: وَأَبِي هُرَيْرَةَ-\n===\n\n(١٦) (بابٌ: في الْمُبَالَغَةِ في الذَّبْحِ)\nحتى يقطع الحلقوم والمري والودجان\n٢٨٢٦ - (حدثنا هناد بن السَّرِيِّ والحسن بن عيسى مولى ابن المبارك) هو حسن بن عيسى بن ماسرجس الماسرجسي، بفتح الميم والسين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم وفي آخرها سين أخرى، هذه النسبة إلى ماسرجس (١)، وهو اسم لجد أبي علي الحسن بن عيسى بن ماسرجس النيسابوري الماسرجسي، من أهل نيسابور، أسلم على يدي عبد الله بن المبارك، أبو علي النيسابوري مولى ابن المبارك، قال الخطيب: كان دينًا ورعًا ثقة، ولم يزل من عقبه بنيسابور فقهاء ومحدثون، وقال الدارقطني: ثقة.\n(عن ابن المبارك، عن معمر، عن عمرو بن عبد الله) الأسوار اليماني، أبو الأسوار الصنعاني، يقال له: عمرو بن برق بفتح الموحدة، عن ابن معين: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: حديثه لا يتابع عليه الثقات، وحكى العقيلي عن أحمد أنه قال: له أشياء مناكير، وكان عند معمر: لا بأس به، وقال الأزدي: متروك الحديث.\n(عن عكرمة، عن ابن عباس، زاد ابن عيسى) الحسن شيخ المصنف: (وأبي هريرة) فروى عن ابن عباس وأبي هريرة، وأما هناد فروى عن ابن عباس\n_________\n(١) انظر: \"الأنساب\" (٥/ ١٦٨).","vol":"9","page":589},{"text":"قَالَا (١): \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ\". [حب ٥٨٥٨، حم ١/ ٢٨٩، ق ٩/ ٢٧٨، ك ٤/ ١١٣]\nزَادَ ابْنُ عِيسَى في حَدِيثِهِ: وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الْجِلْدُ، وَلَا تُفْرَى الأَوْدَاجُ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَمُوتَ\" (٢).\n===\nفقط (قالا) أي ابن عباس وأبو هريرة: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن شريطة الشيطان).\nقال في \"النهاية\" (٣): شريطة الشيطان، قيل: هي الذبيحة التي لا تقطع أوداجها، ويُستقصى ذبحُها، وهو من شَرْط الحجَّام، وكان أهل الجاهلية يقطعون بعض حلقها ويتركونها حتى تموت، وإنما أضافها إلى الشيطان لأنه هو الذي حملهم على ذلك، وَحَسَّنَ هذا الفعل لديهم، وسَوَّله لهم.\n(زاد ابن عيسى في حديثه: وهي التي تذبح فيقطع الجلد) أي: وبعض الحلقوم (ولا تُفرى) أي: لا تقطع (الأوداج (٤)، ثم يترك حتى يموت)، قال الشوكاني (٥): والتفسير ليس من الحديث، بل زيادة رواها الحسن بن عيسى أحد رواته.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة \"العون\" (٨/ ٢٤): \"قال أبو داود: وهذا يقال له: عمرو بَرق، نزل عكرمة على أبيه في اليمن، كان معمر إذا حدَّث عنه قال: عمرو بن عبد الله، وإذا حدَّث عنه أهل اليمن كان لا يسميه\".\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ٤٦٠)، وانظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٠٤).\n(٤) قال ابن رسلان: جمع ودج، وليس للحيوان غير ودجين، هما عرقان غليظان بكتفات ثغرة النحر يمينًا ويسارًا، قطعهما مستحب، وليس بواجب، وأوجب قطعهما مالك وأبو يوسف، وهي رواية عن أحمد، وقال أبو حنيفة: يعتبر قطع الحلقوم والمري واحد الودجين، ولا خلاف في أن الأكمل قطع الأربعة، انتهى. (ش).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٢٠).","vol":"9","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1083>(١٧) بَابُ مَا جَاءَ في ذَكَاةِ الْجَنِينِ</span>\n٢٨٢٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. (ح): وَحَدَّثنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا هُشَيْمٌ، عن مُجَالِدِ، عن أَبِي الْوَدَّاكِ، عن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عن الْجَنِينِ، فَقَالَ: \"كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ\"، وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ في بَطْنِهَا الْجَنِينَ، أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأكُلُهُ؟ قَالَ: \"كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ، فَإِنَ ذَكَاتَهُ ذَكَاة أُمِّهِ\". [ت ١٤٧٦، جه ٣١٩٩، حم ٣/ ٣١]\n٢٨٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، نَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَدَّاحُ الْمَكِّيُّ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ\". [دي ١٩٧٩]\n===\n\n(١٧) (بَابُ مَا جَاءَ في ذَكَاة الْجَنِينِ)\nوالجنين: هو الولد ما دام في بطن أمه\n٢٨٢٧ - (حدثنا القعنبي قال: أخبرنا ابن المبارك، ح: وحدثنا مسدد، قال: نا هشيم) كلاهما (عن مجالد، عن أبي الوداك) جبير بن نوف (عن أبي سعيد قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الجنين، فقال: كلوه إن شئتم، وقال مسدد: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه).\n٢٨٢٨ - (حدثنا محمَّد بن يحيى بن فارس قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال: نا عتاب بن بشير قال: نا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه).","vol":"9","page":591},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني (١): حديث أبي سعيد أخرجه أيضًا الدارقطني وابن حبان وصَحَّحه، وضَعَّفه عبد الحق، وقال: لا يحتج بأسانيده كلها، وذلك لأن في بعضها مجالدًا، ولكن أقل أحوال الحديث أن يكون حسنًا لغيره لكثرة طرقه، ومجالد ليس إلَّا في الطريق التي أخرجها الترمذي وأبو داود منها، وقد أخرجه أحمد من طريق ليس فيها ضعيف، والحاكم أخرجها من طريق فيها عطية عن أبي سعيد، وعطية فيه لين، وقد صحَّحه مع ابن حبان ابنُ دقيق العيد وحسَّنه الترمذي، وقال: وفي الباب عن علي وابن مسعود وأبي أيوب والبراء وابن عمر وابن عباس وكعب بن مالك، وزاد في \"التلخيص\" (٢): عن جابر وأبي أمامة وأبي الدرداء وأبي هريرة.\nأما حديث علي، فأخرجه الدارقطني بإسناد فيه الحارث الأعور وموسى بن عمر الكوفي (٣) وهما ضعيفان.\nوأما حديث ابن مسعود فأخرجه أيضًا الدارقطني بسند رجاله ثقات إلا أحمد بن الحجاج بن الصامت، فإنه ضعيف جدًا.\nوأما حديث أبي أيوب فأخرجه الحاكم، وفي إسناده محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف.\nوأما حديث البراء فأخرجه البيهقي (٤).\nوأما حديث ابن عمر فأخرجه الحاكم والطبراني في \"الأوسط\" وابن حبان\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(٢) \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٣٨٥).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"النيل\" أيضًا، والصواب: \"موسى بن عثمان الكندي\"، انظر: \"سنن الدارقطني\" (٤/ ٢٧٤)، و\"نصب الراية\" (٤/ ١٩١).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٣٥).","vol":"9","page":592},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي \"الضعفاء\" (١)، وفي إسناده محمَّد بن الحسن الواسطي، ضعفه ابن حبان، وفي بعض طرقه عنعنة محمَّد بن إسحاق، وفي بعضها أحمد بن عصام، وهو ضعيف، وهو في \"الموطأ\" موقوف (٢)، وهو أصح.\nوأما حديث ابن عباس فرواه الدارقطني (٣)، وفي إسناده موسى بن عثمان العبدي (٤)، وهو مجهول.\nوأما حديث كعب بن مالك، فأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٥)، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف.\nوأما حديث جابر، فأخرجه الدارمي وأبو داود، وفي إسناده عبيد الله بن أبي الزناد القدَّاح عن أبي الزبير، والقداح ضعيف، وله طرق أخر.\nوأما حديث أبي أمامة وأبي الدرداء، فأخرجهما الطبراني (٦) من طريق راشد بن سعد، وفيه ضعف وانقطاع.\nوأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الدارقطني، وفي إسناده عمر بن قيس وهو ضعيف.\nقال الإمام السرخسي في \"المبسوط\" (٧): واحتجوا، أي: المجوِّزون بقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ (٨)، قيل: الفرش الصغار من الأجنة، والحمولة الكبار، فقد مَنَّ الله تعالى على عباده بأكل ذلك لهم.\n_________\n(١) رواه الحاكم (٤/ ١١٤)، والطبراني في الأوسط (٧٨٥٦)، وابن حبان في \"الضعفاء\" (٢/ ٢٧٥).\n(٢) \"موطأ مالك\" (٢/ ٤٩٠).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٤/ ٢٧٥).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"النيل\" أيضًا، وفي \"سنن الدارقطني\": الكندي.\n(٥) \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٧٩) رقم (١٥٧).\n(٦) \"المعجم الكبير\" (٧٤٩٨).\n(٧) \"المبسوط\" (١٢/ ٩ - ١١).\n(٨) سورة الأنعام: الآية ١٤٢.","vol":"9","page":593},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوفي المشهور أن النبي - ﷺ - قال: \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\"، معناه ذكاة الأم نائبة عن ذكاة الجنين، كما يقال: لسان الوزير لسان الأمير، وبيع الوصي بيع اليتيم، وروي \"ذكاة أمه\" بالنصب، ومعناه بذكاة أمه، إلَّا أنه صار منصوبًا بنزع حرف الخفض منه، كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (١) أي: ببشر.\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: \"أن قومًا سألوا رسول الله - ﷺ - وقالوا: إنا لننحر الجزور\"، الحديث. والمعنى فيه أن الذكاة تنبني على التوسع حتى يكون في الإبل بالذبح في المذبح، فإذا نَدَّ فبالجرح في أي موضع أصابه، لأن ذلك وسع مثله، والذي في وسعه في الجنين ذبح الأم، لأنه ما دام مخبيًا في البطن لا يتأتى فيه فعل الذبح مقصودًا، وبعد الإخراج لا يبقى حيًا، فتجعل ذكاة الأم ذكاة له، لأن تأثير الذبح في الأم في زهوق الحياة عن الجنين فوق تأثير الجرح بحل رِجل الصيد، فالغالب هناك السلامة وهناك الهلاك، ثم اكتفى بذلك الفعل، لأنه وسع مثله، فهنا أولى.\nولأن الجنين في حكم جزء من أجزاء الأم حتى يتغذى بغذائها، وينمو بنمائها، ويقطع عنها بالمقراض كما في بيان الجزء من الجملة، ويتبعها في الأحكام تبعية الأجزاء، حتى لا يجوز استثناء في عنقها وبيعها كاستثناء يدها ورجلها، وثبوت الحل في التبع لوجود فعل الذكاة في الأصل.\nوالدليل عليه أنه يحل ذبح الشاة الحامل، ولو لم يحل الجنين بذبح الأم لَمَا حَلَّ ذبحها حاملًا لِمَا فيه من إتلاف الحيوان لا للمأكلة، ونهى رسول الله - ﷺ - عن ذلك.\nوقال الإِمام السرخسي في \"مبسوطه\" (٢): وأبو حنيفة - ﵀ - استدل بقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ (٣)، فإن أحسن أحواله أن يكون حيًا عند ذبح الأم،\n_________\n(١) سورة يوسف: الآية ٣١.\n(٢) (١٢/ ٦).\n(٣) سورة المائدة: الآية ٣.","vol":"9","page":594},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفيموت باحتباس نفسه، وهذا هو المنخنقة، وقال ﵊ لعدي بن حاتم - ﵁ -: \"إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك\" (١).\nفقد حرم الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الحياة، وذلك موجود في الجنين، فإنه لا يدرى أنه مات بذبح الأم أو باحتباس نفسه، وقد يتأتى الاحتراز عنه في الجملة، لأنه قد يتوهم انفصاله حيًا ليذبح.\nوعلل إبراهيم فقال: ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين، ومعنى هذا أن الجنين في حكم الحياة نفس على حدة مودعة في الأم، حتى ينفصل حيًا فيبقى، ولا يتوهم بقاء الجزء حيًا بعد الانفصال، وكذلك بعد موت الأم يتوهم انفصال الجنين حيًا ولا يتوهم بقاء حياة الجزء بعد موت الأصل، والذكاة تصرف في الحياة فإذا كان في حكم الحياة نفسًا على حدة، فيشترط فيه ذكاة على حدة، ولا نقول: يتغذى بغذاء الأم، بل يُبقيه الله تعالى في بطن الأم من غير غذاء، أو يوصل الله إليه الغذاء كيف شاء، ثم بعد الانفصال قد يتغذى أيضًا بغذاء الأم بواسطة اللبن، ولم يكن في حكم الجزء، ولما جعل في سائر الأحكام تبعًا لم يتصور تقرر ذلك الحكم في الأم دونه، حتى لا يتصور انفصاله حيًا بعد موت الأم، ولو انفصل حيًا ثم مات لم يحل عندهم، فعرفنا أنه ليس بتبع في هذا الحكم.\nوحقيقة المعنى فيه ما بينا أن المطلوب بالذكاة تسييل الدم لتمييز الطاهر من النجس، وبذبح الأم لا يحصل هذا المقصود في الجنين، أو المقصود تطييب اللحم بالنضج الذي يحصل بالتوقد والتلهيب، ولا يحصل ذلك في الجنين بذبح.\nوهذا الجواب عما قالوا: إن الذكاة تنبني على التوسع.\n_________\n(١) يأتي تخريجه في المتن برقم (٢٨٤٩ - ٢٨٥٠).","vol":"9","page":595},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلنا: نعم، ولكن لا يسقط بالعذر، [و] كما لو قتل الكلب الصيد غمًا أو اختناقًا، وهذا لأن المقصود لا يحصل بدون الجرح وإباحة ذبح الحامل، لأنه يتوهم أن ينفصل الجنين حيًا فيذبح، ولأن المقصود لحم الأم وذبح الحيوان لغرض صحيح حلال، كما لو ذبح ما ليس بمأكول لمقصود الجلد، والمراد بالحديث التشبيه لا النيابة، أي: ذكاة الجنين كذكاة أمه.\nألا ترى أنه ذكر الجنين أولًا، ولو كان المراد النيابة لذكر النائب أولًا دون المنوب عنه، كما قيل في الألفاظ التي استشهد بها، ومثل هذا يذكر للتشبيه، يقال: فلان شبه أبيه، وحظ فلان حظ أبيه، وقال القائل:\nوَعَيْنَاكِ عَيْنَاهَا وَجِيدُكِ جِيدُهَا ... سِوَى أَنَّ عظْمَ السَّاقِ مِنْكِ دَقِيقُ\nوالمراد التشبيه، ويصح هذا التأويل في الرواية بالنصب، فإن المنزوع حرف الكاف، قال الله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (١)، أي: كمر السحاب، ويحتمل الباء أيضًا، ولكن إن جعلنا المنزوع حرف الكاف لم يحل الجنين، وإن جعلناه حرف الباء يحل، ومتى اجتمع الموجب للحل والموجب للحرمة يغلب الموجب للحرمة.\nوالحديث مع القصة لا يكاد يصح، ولو ثبت فالمراد من قولهم: \"فيخرج من بطنها جنين ميت\"، أي: مشرف على الموت، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٢).\nومعنى قوله - ﷺ -: \"كلوه\"، أي: اذبحوه وكلوه.\nوالمراد بالفرش الصغار فلا يتناول الجنين، ولئن كان المراد به الجنين، ففيه بيان أن الجنين مأكول، وبه نقول، ولكن عند وجود الشرط فيه وهو أن ينفصل حيًا فيذبح فيحل به، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) سورة النمل: الآية ٨٨.\n(٢) سورة الزمر: الآية ٣٠.","vol":"9","page":596},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"البدائع\" (١): وعلى هذا يخرج الجنين إذا خرج بعد ذبح أمه إن خرج حيًا فذكي يحل، وإن مات قبل الذبح لا يؤكل بلا خلاف.\nقلت: ولكن حكى الشامي (٢) عن \"الكفاية\" (٣): إن تقاربت الولادة يكره ذبحها، وهذا الفرع لقول الإِمام: وإذا خرج حيًا ولم يكن من الوقت مقدار ما يقدر على ذبحه فمات يؤكل، وهو تفريع على قولهما، انتهى.\nوهذا يخالف عموم قول \"البدائع\": وإن مات قبل الذبح لا يؤكل بلا خلاف، وإن خرج ميتًا، فإن لم يكن كامل الخلق لا يؤكل أيضًا في قولهم جميعًا، لأنه بمعنى المضغة، وإن كان كامل الخلق اختلف فيه، قال أبو حنيفة ﵀: لا يؤكل، وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهما الله.\nوقال أبو يوسف ومحمد والشافعي - ﵏ -: لا بأس بأكله (٤)، واحتجوا بحديث \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\"، فيقتضي أنه يتذكى بذكاة أمه، ولأنه تبع لأمه حقيقة وحكمًا، والحكم في التبع يثبت بعلة الأصل.\nولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٥)، والجنين ميتة لأنه لا حياة فيه، والميتة ما لا حياة فيه، فيدخل تحت النص.\nفإن قيل: الميتة اسم لزوال (٦) الحياة، فيستدعي تقدم الحياة، وهذا لا يعلم في الجنين.\nفالجواب: أن تقدم الحياة ليس بشرط لإطلاق اسم الميت، قال الله تبارك\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(٢) \"رد المحتار\" (٩/ ٤٤١).\n(٣) وكذا في \"الفتاوى العالمكَيرية\" (٥/ ٢٨٧) ولم يرجحوا شيئًا. (ش).\n(٤) وبه قالت المالكية، كما في الدسوقي (٢/ ١١٤). (ش).\n(٥) سورة المائدة: الآية ٣.\n(٦) في الأصل: \"لزائل\"، وهو تحريف.","vol":"9","page":597},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوتعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (١)، على أنا إن سلمنا ذلك فلا بأس به، لأنه يحتمل أنه كان حيًا فمات بموت الأم، ويحتمل أنه لم يكن، فيحرم احتياطًا، ولأنه أصل في الحياة، فيكون له أصل في الذكاة.\nوالدليل على أنه أصل في الحياة أنه يتصور بقاؤه حيًا بعد ذبح الأم، ولو كان تبعًا للأم في الحياة لما تصور بقاؤه حيًا بعد زوال الحياة عن الأم، وإذا كان أصلًا في الحياة يكون أصلًا في الذكاة، لأن الذكاة تفويت الحياة، ولأنه إذا تصور بقاؤه حيًا بعد ذبح الأم لم يكن ذبح الأم سببًا لخروج الدم عنه، إذ لو كان لما تصور بقاؤه حيًا بعد ذبح الأم، إذ الحيوان الدموي لا يعيش بدون الدم عادة، فبقي الدم المسفوح فيه، ولهذا إذا جرح يسيل منه الدم، وأنه حرام لقوله ﷾: ﴿دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٢)، وقوله عزَّ شأنه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، ولا يمكن التمييز بين لحمه ودمه فيحرم اللحم أيضًا.\nوأما الحديث فقد روي بنصب الذكاة الثانية، معناه: كذكاة أمه، إذ التشبيه قد يكون بحرف التشبيه، وقد يكون بحذف حرف التشبيه، قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (٣)، وقال عزَّ شأنه: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (٤)، أي: كنظر المغشي عليه، وهذا حجة عليكم، لأن تشبيه ذكاة الجنين بذكاة أمه يقتضي استواءهما في الافتقار إلى الذكاة.\nورواية الرفع تحتمل التشبيه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٥)، أي: عرضها كعرض السموات والأرض، فيكون حجة عليكم.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٨.\n(٢) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.\n(٣) سورة النمل: الآية ٨٨.\n(٤) سورة محمد: الآية ٢٠.\n(٥) سورة آل عمران: الآية ١٣٣.","vol":"9","page":598},{"text":"(١٨) بَابُ (١) اللَّحْمِ لَا يُدْرَى أَذُكرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟\n٢٨٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نَا حَمَّادٌ (٢). (ح): وَحَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ وَمُحَاضِرٌ - الْمَعْنَى -،\n===\nويحتمل النيابة كما قالوا: فلا تكون حجة مع الاحتمال معه أنه من أخبار الآحاد، وَرَدَ فيما تعم فيه البلوى، وأنه دليل عدم الثبوت إذ لو كان ثابتًا لاشتهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>(١٨) (بَابُ اللَّحْمِ لَا يُدْرَى أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا</span>؟)\n٢٨٢٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، ح: وحدثنا القعنبي، عن مالك، ح: وحدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا سليمان بن حيان ومحاضِر) بكسر الضاد المعجمة، ابن المُوَرِّع بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة، الهمداني اليامي، ويقال: السلولي، ويقال: السكوني الكوفي.\nقال أحمد: سمعت منه أحاديث لم يكن من أصحاب الحديث كان مغفلًا جدًا. وقال أبو زرعة: صدوق صدوق، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يكتب حديثه، قال الآجري: وكان إمام الحي، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: روى عن الأعمش أحاديث صالحة مستقيمة، ولم أر في حديثه حديثًا منكرًا فأذكره، إذا روى عنه ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا ممتنعًا عن التحديث ثم حدث بعد، وقال ابن قانع: ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مشهور، وكان على رأي أهل الكوفة في النبيذ.\n(المعنى) أي: معنى حديث حماد ومالك وسليمان بن حيان ومحاضر واحد\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ما جاء في أكل\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ح وثنا القعنبي، ثنا ابن جريج\".","vol":"9","page":599},{"text":"عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْ حَمَّادٍ وَمَالِكٍ، عَنْ عَائِشَةَ - أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ قَوْمًا حَدِيثُو (١) عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَ (٢) بِلُحْمَانٍ، لَا نَدْرِى أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا (٣) أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا، أَنَأْكُلُ (٤) مِنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «سَمُّوا اللَّهَ وَكُلُوا». [خ ٢٠٥٧، ن ٤٤٣٦، جه ٣١٧٤، دي ١٩٧٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>(١٩) بَابٌ: في الْعَتِيرَة</span>\n٢٨٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (٥). (ح): وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ،\n===\n(عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ولم يذكرا عن حماد ومالك) أي موسى عن حماد والقعنبي عن مالك (عن عائشة) أي: روياه مرسلًا (٦)، ولم يذكرا أن عروة رواه موصولًا عن عائشة (أنهم) أي: الصحابة (قالوا: يا رسول الله! إن قومًا حديثو عهد بجاهلية) أي: قريب زمان إسلامهم، ولم يعلموا أحكام الشرع (يأتون بلحمان) جمع لحم (لا ندري أذكروا اسم الله عليها) عند الذبح (أم لم يذكروا، أنأكل منها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: سموا الله وكلوا) كأنه - ﷺ - أرشدهم بذلك إلى حمل حال المؤمن على الصلاح وحسن الظن به وإن كان جاهلًا (٧).\n\n(١٩) (بَابٌ: في الْعَتِيرة)\n٢٨٣٠ - (حدثنا مسدد، ح: وحدثنا نصر بن علي) كلاهما\n_________\n(١) في نسخة: \"حديث\".\n(٢) في نسخة: \"يأتونا\".\n(٣) في نسخة: \"عليه\".\n(٤) في نسخة: \"فنأكل\".\n(٥) زاد في نسخة: \"ثنا بشر بن المفضل\".\n(٦) ذكره البخاري (٥٥٠٧) موصولًا، وقال الدارقطني: المرسل أشبه بالصواب. \"أوجز\" (١٠/ ٩). (ش).\n(٧) ستأتي المذاهب في التسمية، واستدل بالحديث من ذهب إلى عدم وجوبها كالشافعية، والجمهور على ما حمل عليه الشيخ من حسن الظن. (ش).","vol":"9","page":600},{"text":"عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، الْمَعْنَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ قَالَ: قَالَ نُبَيْشَةُ: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِى الْجَاهِلِيَّةِ فِى رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «اذْبَحُوا لِلَّهِ فِى أَىِّ شَهْرٍ كَانَ، وَبَرُّوا (١) اللَّهَ وَأَطْعِمُوا». قَالَ: قال: إِنَّا كُنَّا نُفْرِعُ فَرَعًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فِى كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ تَغْذُوهُ مَاشِيَتُكَ حَتَّى إِذَا اسْتَحْمَلَ»، قَالَ نَصْرٌ: اسْتَحْمَلَ (٢) لِلْحَجِيجِ، ذَبَحْتَهُ فَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ، قَالَ خَالِدٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ.\n===\n(عن بشر بن المفضل، المعنى) أي: معنى حديثهما واحد، (قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح قال: قال نبيشة: نادى رجل) لم أقف على تسميته (رسول الله - ﷺ -) فقال: (إنا كنا نعتر عتيرة) أي: نذبح ذبيحة (في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا) نفعله أو نتركه في الإِسلام؟ (قال: اذبحوا لله في أي شهر كان) لا خصوصية لرجب في الذبح، فالذبح في جميع الشهور سواء، اذبحوا في أيِّها شئتم، (وبَرُّوا الله، وأطعموا) الفقراء والمساكين.\n(قال) نبيشة: (قال) الرجل: (إنا كنا نفرع فرعًا في الجاهلية، فما تأمرنا) في الإِسلام أن نفعله أو نتركه؟ (قال: في كل سائمة فرع تغذوه) أي: تعلفه وتعطيه الغذاء (ماشيتك حتى إذا استحمل) (٣) أي: قوي للحمل (قال نصر: استجمل للحجيج) أي: إذا صار جملًا وقدر على أن يحمل من أراد الحج، (ذبحتَه فتصدقت بلحمه، قال خالد) الحذاء: (وأحسبه) أي: أبا قلابة (قال: على ابنِ السبيل) فتيقن بقوله: فتصدقت بلحمه، ولكن وقع الشبهة في أن أبا قلابة قال: \"على ابن السبيل\" أو لم يقل، ولكن غلب الظن على أنه قاله أيضًا (فإن ذلك خير،\n_________\n(١) في نسخة: \"وبرُّوا لله\".\n(٢) في نسخة: \"استحمل\".\n(٣) إشارة إلى أن يتحمل السفر البعيد، وفيه إشارة إلى ذبح القوي الفتي. \"ابن رسلان\". (ش).","vol":"9","page":601},{"text":"قَالَ خَالِدٌ: قُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ: وَكَم السَّائِمَةُ؟ قَالَ: مِائَةٌ. [ن ٤٢٢٩، جه ٣١٦٧، حم ٥/ ٧٥ - ٧٦]\n٢٨٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (١) أَنَّ النَّبِيَّ (٢) - ﷺ - قَالَ: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ». [خ ٥٤٧٣، م ١٩٧٦، ت ١٥١٢، ن ٤٢٢٢، دي ١٩٦٤، جه ٣١٦٨، حم ٢/ ٢٢٩]\n٢٨٣٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ:\n===\nقال خالد: قلت لأبي قلابة: وكم السائمة) التي فيها الفرع؟ (قال: مائة).\nاختلف العلماء في معنى الفرع، فقال بعضهم: هو أول نتاج البهيمة كانوا يذبحونه ولا يملكونه رجاءَ البركة في الأم وكثرة نسلها، هكذا فسره أكثر أهل اللغة وجماعة من أهل العلم، منهم الشافعي وأصحابه، وقيل: هو أول النتاج للإبل، وهكذا جاء تفسيره في \"البخاري\" و\"مسلم\" و\"سنن أبي داود\" و\"الترمذي\"، فالقول الأول باعتبار أول نتاج الدابة على انفرادها، والثاني باعتبار نتاج الجميع وإن لم يكن أول ما تنتجه أمه، وقيل: هو أول النتاج لمن بلغت إبله مائة يذبحونه ويسمونه فرعًا، كذا في \"النيل\" (٣).\n٢٨٣١ - (حدثنا أحمد بن عبدة قال: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: لا فرع ولا عتيرة)، وفي لفظ أحمد: \"لا عتيرة في الإِسلام ولا فرع\"، وفي لفظ: \"أنه نهى عن الفرع والعتيرة\"، رواه أحمد والنسائي.\n٢٨٣٢ - (حدثنا الحسن بن علي قال: نا عبد الرزاق قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٥٠٨).","vol":"9","page":602},{"text":"أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: \"الْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ\" (١). [خ ٥٤٧٣، ق ٩/ ٣٢٣]\n٢٨٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ شَاةً شَاةٌ\". [حم ٦/ ١٥٨، ق ٩/ ٣١٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَرَعُ أَوَّلُ مَا تُنْتَجُ الإِبِلُ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ، ثُمَّ يَأْكُلُهُ وَيُلْقَي جِلْدَهُ عَلَى الشَّجَرِ. وَالْعَتِيرَةُ:\n===\nأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب (قال: الفرع أول النتاج، كان ينتج لهم فيذبحونه).\n٢٨٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: أمرنا رسول الله - ﷺ - من كل خمسين شاةً شاةٌ).\nقال الشوكاني (٢): وفي الباب عن عائشة عند أبي داود والحاكم والبيهقي، قال النووي (٣): بإسناد صحيح، قال: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - بالفَرعة من كل خمسين واحدة\"، وبهذا اللفظ يناسب الحديث الباب، ولعله - ﷺ - أمرها في أول الإِسلام بالفرعة أمر استحباب لما أذن فيه رسول الله - ﷺ -، ثم نهى عن ذلك.\n(قال أبو داود: قال بعضهم: الفَرَع أول ما تُنْتِج الإبل، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، ثم يأكله) أي: الذابح (ويلقي جلده على الشجر، والعتيرة:\n_________\n(١) في نسخة: \"فيذبحوه\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٥٠٨).\n(٣) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ١٥١)، و\"المجموع\" (٨/ ٤٢٦).","vol":"9","page":603},{"text":"فِى الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ رَجَبَ.\n===\nفي العشر الأول من رجب).\nوقد اختلفت الأحاديث الواردة في هذا الباب، فبعضها يدل على الوجوب، وهو حديث مخنف بن سليم، وحديث عائشة - ﵂ - هذا، وبعضها يدل على الإذن كما في حديث أبي رزين العقيلي، وحديث الحارث بن عمرو، وحديث نبيشة الهذلي، وبعضها على المنع كما في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر!\nفاختلفوا في الجمع بينها، فقيل: إنه يجمع بينها يحمل هذه الأحاديث على الندب، وحمل أحاديث النهي على عدم الوجوب، ذكر ذلك جماعة، منهم الشافعي والبيهقي وغيرهما، فيكون المراد بقوله: \"لا فرع ولا عتيرة\"، أي: لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة، وهذا لا بد منه مع عدم العلم بالتاريخ، لأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز، وذهب جمهور أهل العلم (١) [إلى] أن هذه الأحاديث التي تدل على جوازها منسوخة، وادعى القاضي عياض أن جماهير العلماء على ذلك، وبه جزم الحازمي.\nقلت: وتأويل المجوِّزين بأن معنى قوله - ﷺ -: \"لا فرع\"، أي: لا فرع واجب، يرده حديث: \"لا عتيرة في الإِسلام ولا فرع\"، وكذا لفظ أحمد: \"أنه نهى عن الفرع والعتيرة\"، فإنه يدل صريحًا على كونه منهيًا عنه، فبطل الاستدلال على الندب.\nوما قال الشوكاني (٢): إنه لا يجوز الجزم بالنسخ إلَّا بعد ثبوت أن أحاديث النهي متأخرة ولم يثبت، ففيه أنه قال ابن المنذر: كانت العرب تفعلهما، وفعلهما بعض أهل الإِسلام بالإذن، ثم نهى عنهما،\n_________\n(١) وعند الحنابلة: لا يسن ولا يكره، والمراد بالنفي نفي السنية، كما جزم في \"الروض المربع\" (ص ٢٦٦). (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٥٠٩).","vol":"9","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>(٢٠) بَابٌ: في الْعَقِيقَة</span>\n===\nوالنهي لا يكون إلَّا عن شيء كان يفعل، وما قال أحد: إنه نهى عنهما، ثم أذن في فعلهما، ثم نقل عن العلماء تركهما إلَّا ابن سيرين، قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\n\n(٢٠) (بَابٌ: فِي الْعَقِيقَةِ) (٢)\nقال القاري (٣): في \"المغرب\": العق الشق، ومنه عقيقة المولود وهي شعره، لأنه يقطع عنه يوم أسبوعه، وبها سميت الشاة التي تذبح عنه.\nقال الشامي (٤): يستحب لمن ولد له ولد أن يُسَمِّيَه يوم أسبوعه، ويحلق رأسه، ويتصدق عند الأئمة الثلاثة بزنة شعره فضة أو ذهبًا، ثم يعقُّ عند الحلق عقيقة إباحة على ما في \"الجامع المحبوبي\"، أو تطوُّعًا على ما في \"شرح الطحاوي\"، وهي شاة تصلح للأضحية تذبح للذكر والأنثى، سواء فرق لحمها نيًّا أو طبخه بحموضة أو بدونها مع كسر عظمها أو لا، واتخاذ دعوة أو لا، وبه قال مالك، وسنها الشافعي وأحمد سنَّة مؤكدة، شاتان عن الغلام، وشاة عن الجارية، \"غرر الأفكار\" ملخصًا، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٨).\n(٢) أنكر صاحب \"البدائع\" (٤/ ٢٠٣) سنيتها، وأجاب عما استدل به عليها، واستدل على مرامه بأن الأضحية ناسخة لكل دم قبلها؛ فلم يبق إلَّا الكراهة، وجزم صاحب \"العالمكَيرية\" (٥/ ٣٦٢) بالجواز، وأنكر السنية والوجوب، وظاهر كلام محمد في \"موطئه\" يدل على النسخ أيضًا، وتعقبه محشيه (٢/ ٦٥٧)، وبسط في الروايات والبحث في ذلك بما لا مزيد عليه؛ وذكر الشامي (٩/ ٤٨٥) الاستحباب. وقال البجيرمي (٤/ ٣٤١): سنة في حقنا، واجب في حقه ﵊، وفي \"الشرح الكبير\" (١١/ ١٢٠) الحنبلي: قال داود: واجب، وبسط في اختلاف المذاهب. وحكى ابن العربي في \"العارضة\" (٦/ ٣١٥) وجوبها عن الليث وغيره ورده. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٧٤٢).\n(٤) \"رد المحتار\" (٩/ ٤٨٥).","vol":"9","page":605},{"text":"٢٨٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ». [ن ٤٢١٦، حم ٦/ ٤٢٢، حب ١٠٦٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ قَالَ: مُكَافِئَتَانِ مُسْتَوِيَتَانِ أَوْ مُقَارِبَتَانِ.\n===\n٢٨٣٤ - (حدثنا مسدد قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن حبيبة بنت ميسرة) بن أبي خثيم، أم حبيب، من موالي بني فهر، روت عن أم كرز الكعبية، روى عنها مولاها عطاء بن أبي رباح، وروى عن أم حبيب بنت ميسرة عن أم كرز، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أم كرز الكعبية) الخزاعية المكية، لها صحبة (قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: عن الغلام شاتان مكافئتان) أي: متساويتان في السن (وعن الجارية شاة).\n(قال أبو داود سمعت أحمد قال: مكافئتان مستويتان أو متقاربتان).\nقال الخطابي (١): أي في السن، قال الحافظ (٢): قال داود بن قيس راويه عن عمرو: سألت زيد بن أسلم عن قوله: \"مكافئتان\"، فقال: متشابهتان تذبحان جميعًا، أي: لا يؤخر ذبح إحداهما عن الأخرى، وقال الزمخشري: ومعناه متعادلتان لما يجزئ في الزكاة وفي الأضحية، وأولى من ذلك كله ما وقع في رواية سعيد بن منصور في حديث أم كرز بلفظ \"شاتان مثلان\"، ووقع عند الترمذي (٣) في حديث آخر: \"قيل: ما مكافئتان؟ قال: المثلان\".\nقال الحافظ: وهذه الأحاديث حجة للجمهور في التفرقة بين الغلام والجارية، وعن مالك: هما سواء، فيعق عن كل واحد منهما شاة، واحتج له\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٢).\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: عند الطبراني، كما في \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٢).","vol":"9","page":606},{"text":"٢٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - يَقُولُ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا»، قَالَتْ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ،\n===\nبما جاء: \"أن النبي - ﷺ - عَقَّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا\" (٢)، ولا حجة فيه، فقد أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس بلفظ: \"كبشين كبشين\".\n٢٨٣٥ - (حدثنا مسدد قال: نا سفيان) بن عيينة، (عن عبيد الله بن أبي زيد) المكي، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الحديث، (عن أبيه) أبو يزيد المكي والد عبيد الله، حليف بني زهرة، مولى آل قارظ بن شيبة، يقال: له صحبة، ووثَّقه ابن حبان، (عن سباع) بكسر أوله ثم موحدة (ابن ثابت) حليف بني زهرة، قال: أدركت الجاهلية، وعدَّه البغوي وغيره في الصحابة، وابن حبان في ثقات التابعين.\n(عن أم كرز قالت: سمعت النبي - ﷺ - يقول: أقرُّوا الطير على مَكِناتها) بفتح الميم وكسر الكاف ويفتح، قال الطيبي (٣): جمع مَكِنة بكسر الكاف، وهي بيضة الضب، وفي نسخة بضمها، أي: أماكنها التي مكنها الله تعالى فيها، كان الرجل في الجاهلية إذا أراد حاجة أتى طيرًا في وكره، فنفره، فإن طار ذات اليمين مضى لحاجته، وإن طار ذات الشمال رجع، فنهوا عن ذلك، أي: لا تزجروها وأقروها على مواضعها فإنها لا تضر ولا تنفع.\n(قالت: وسمعته) أي: رسول الله - ﷺ - (يقول: عن الغلام شاتان) (٤)\n_________\n(١) وفي نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٢) يأتي تخريجه في المتن برقم (٢٨٤١).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٣٠)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٧٤٤).\n(٤) هذا أصل المسنون، ويكفي عنه شاة، لأنه ﵊ عق عن الحسنين كبشًا كبشًا، كذا في \"شرح الإقناع\" (٤/ ٣٤٥). وقال: يكفي سُبْعُ البقرة والبدنة، انتهى. =","vol":"9","page":607},{"text":"وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لَا يَضُرُّكُمْ أَذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا». [ن ٤٢١٧، ت ١٥١٦، جه ٣١٦٢، حم ٦/ ٤٢٢، دي ١٩٦٨، ق ٩/ ٣١١، حب ١٠٥٩، ك ٤/ ٢٣٧]\n٢٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ، عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ».\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ، وَحَدِيثُ سُفْيَانَ وَهَمٌ. [انظر الحديث السابق]\n٢٨٣٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ قَالَ: نَا هَمَّامٌ قَالَ: نَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ\n===\nأي: يذبح عن الصبي شاتان، (وعن الجارية) أي: البنت (شاة، لا يضركم أذكرانًا كنَّ أم إناثًا) أي: لا يضركم كون شياه العقيقة ذكرانًا أو إناثًا.\n٢٨٣٦ - (حدثنا مسدد قال: نا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز قالت: قال رسول الله - ﷺ -: عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاة).\n(قال أبو داود: هذا) أي: حديث حماد (هو الحديث) أي: هو الصواب، (وحديث سفيان وهم)، حاصله: أن سفيان روى عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن سباع، فزاد لفظ \"عن أبيه\"، وروى حماد بن زيد من غير زيادة \"عن أبيه\"، فأشار أبو داود إلى أن زيادة لفظ \"عن أبيه\" وهم.\n٢٨٣٧ - (حدثنا حفص بن عمر النمري قال: نا همام قال: نا قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: كل غلام\n_________\n= ولا يجزئ شرك في دم عند أحمد كما في \"الروض المربع\" (ص ٢٦٦)، فلا تجوز البقرة والبدنة إلَّا كاملة، انتهى. (ش).","vol":"9","page":608},{"text":"رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُدَمَّى»،\n===\nرهينة بعقيقته)، قال الحافظ (١): اختلف في معنى قوله: \"مرتهن بعقيقته\" (٢)، قال الخطابي: اختلف الناس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل قال: هذا في الشفاعة، يريد أنه إذا لم يعق عنه فمات طفلًا لم يشفع في أبويه، وقيل: معناه أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه المولود في لزومها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن، وقيل: المعنى أنه مرهون بأذى شعره، ولذلك جاء: \"فأميطوا عنه الأذى\".\n(تذبح عنه يوم السابع) ونقل الترمذي عن أهل العلم أنهم يستحبون أن تذبح العقيقة يوم السابع، فإن لم يتهيأ فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ عق عنه يوم إحدى وعشرين (٣).\n(ويحلق رأسه ويُدَمَّى) بلفظ المجهول من التدمية، أي: يلطخ رأسه بالدم، وقيل: الجمهور على المنع عنه، وقالوا: إنه من عمل الجاهلية، وما روي عن قتادة محمول عليه وهو منسوخ، والصحيح يسمى لا يدمى، وإليه أشار المصنف، وقيل: المراد (٤) بقوله: يدمى، أي: يختن.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٤).\n(٢) وبسطه القاري (٧/ ٧٤٥) أشد البسط، وكذا في فروع الشافعية. (ش).\n(٣) قال في \"الروض المربع\" (ص ٢٦٦): ولا تعتبر الأسابيع بعد ذلك، فيعق في أي يوم أراد، وفي \"نيل المآرب\" (١/ ٣١٦): يجوز قبل السابع، وفي \"شرح الإقناع\" (٤/ ٣٤٢): يدخل وقته من الولادة، ويسن يوم السابع، ويسقط بعد أكثر مدة النفاس، وفيما بينهما تردد، انتهى مختصرًا. قال الدردير (٢/ ٣٩٧): يسقط بخروج يوم السابع، وقال الدسوقي: قيل: في الأسبوع الثاني فالثالث، ولا يعق بعده، انتهى.\nوحكى الشوكاني (٣/ ٥٠٠) عن يحيى الإجماع على أنه لا يجزئ غير السابع، ورده، وأفاد الشيخ التهانوي ﵀ في تأليفه \"بهشتي زيور\" (٣/ ٤٢): ندب رعاية الأسبوع وإن طال الزمان، وصورته أن يعق متى عق قبل يوم الولادة بيوم مثلًا، وإذا ولد يوم الجمعة يعق يوم الخميس. (ش).\n(٤) كذا في \"المحلى\". (ش).","vol":"9","page":609},{"text":"فَكَانَ قَتَادَةُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الدَّمِ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهِ، قَالَ: إِذَا ذَبَحْتَ الْعَقِيقَةَ أَخَذْتَ مِنْهَا صُوفَةً وَاسْتَقْبَلْتَ بِهِ أَوْدَاجَهَا، ثُمَّ تُوضَعُ عَلَى يَافُوخِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَسِيلَ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الْخَيْطِ، ثُمَّ يُغْسَلُ رَأْسُهُ بَعْدُ وَيُحْلَقُ\". [ن ٤٢٢٠، دي ١٩٦٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا وَهَمٌ مِنْ هَمَّامٍ «وَيُدَمَّى» (١).\n٢٨٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: نَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى». [ن ٤٢٢٠، ت ١٥٢٢، جه ٣١٦٥، دي ١٩٦٩، حم ٥/ ٧، ق ٩/ ٢٩٩، ك ٤/ ٢٣٧]\n===\n(فكان قتادة إذا سئل عن الدم) أي: الواقع في الحديث بقوله: \"يدمى\" (كيف يصنع به، قال) قتادة: (إذا ذبحت العقيقة أخذت منها) أي: من الذبيحة (صوفة واستقبلت به أوداجها) أي: دم أوداجها و(ثم توضع) تلك الصوفة (على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق، قال أبو داود: هذا وهم من همام ويدمى)، وفي نسخة على الحاشية: \"وإنما قالوا: يسمى، فقال همام: يدمى، قال أبو داود: وليس يؤخذ بهذا\".\n٢٨٣٨ - (حدثنا ابن المثنى قال: نا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله - ﷺ - قال: كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه) من (٢) يوم الولادة (ويحلق ويسمى).\n_________\n(١) في نسخة: \"يُدْمَى\".\n(٢) ويحسب يوم الولادة عند الشافعي، كذا في \"شرح الإقناع\" (٤/ ٣٤٢)، لا عند مالك كما قال الدردير (٢/ ٣٩٧)، وقال ابن الماجشون وغيره: يعد كما في \"بداية المجتهد\" (١/ ٤٦٤). (ش).","vol":"9","page":610},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَيُسَمَّى أَصَحُّ. كَذَا قَالَ سَلَّامُ بْنُ أَبِى مُطِيعٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَإِيَاسُ بْنُ دَغْفَلٍ وَأَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ. (١).\n===\n(قال أبو داود: ويسمى (٢) أصح) من قوله: يدمى، (كذا قال سلام بن أبي مطيع (٣) عن قتادة، وإياس بن دغفل وأشعث عن الحسن).\nقال الحافظ (٤): واستشكل ما قاله أبو داود بما في بقية رواية همام عنده أنهم سألوا قتادة عن الدم كيف يصنع به؟ فقال: إذا ذبحت العقيقة إلى آخر كلامه، فيبعد مع هذا الضبط أن يقال: إن همامًا وهم عن قتادة في قوله: \"ويدمى\" إلَّا أن يقال: إن أصل الحديث \"ويسمى\"، وإن قتادة ذكر الدم حاكيًا عما كان أهل الجاهلية يصنعونه (٥).\nومن ثم قال ابن عبد البر: لا يحتمل همام في هذا الذي انفرد به، فإن كان حفظه فهو منسوخ.\nوقد ورد ما يدل على النسخ في عدة أحاديث: منها ما أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٦) عن عائشة قالت: كانوا في الجاهلية إذا عقّوا عن الصبي، خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي - ﷺ -: \"اجعلوا مكان الدم خلوقًا\"، زاد أبو الشيخ: \"ونهى أن يمس رأس المولود بدم\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال: ويسمى، ورواه أشعث، عن الحسن عن النبي - ﷺ - قال: ويسمى\".\n(٢) وقال ابن القيم: يدمَّى، لا يصح عند الثلاثة ... إلخ. [انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٢٧)]. (ش).\n(٣) أخرج روايته الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧/ ٢٠١) رقم (٦٨٢٩).\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٣ - ٥٩٤).\n(٥) استبعد الحافظ ابن حجر وقوع الوهم من همام في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٤٩٨) رقم (١٩٨٢)، وذلك أن بهزًا رواه عن قتادة بذكر الأمرين: التدمية والتسمية، ورواية بهز أخرجها أحمد (٥/ ٧) وفيها: \"يدمى ويسمى\".\n(٦) \"صحيح ابن حبان\" رقم (٥٣٠٨).","vol":"9","page":611},{"text":"٢٨٣٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: نَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى». [ت ١٥١٥، ن ٤٢١٤، جه ٣١٦٤، حم ٤/ ١٧، دي ١٩٦٧]\n===\nوأخرج ابن ماجه (١) من رواية أيوب بن موسى عن يزيد بن عبد الله المزني أن النبي - ﷺ - قال: \"يعق عن الغلام، ولا يمس رأسه بدم\"، وهذا مرسل، ولهذا كره الجمهور التدمية.\nومعنى قوله: \"يسمى\" أي يسمى المولود يوم سابعه، وحمل بعض (٢) المتأخرين قوله: \"يسمى\" على التسمية عند الذبح لما أخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال: \"يسمى على العقيقة كما يسمى على الأضحية بسم الله عقيقة فلان\" (٣).\n٢٨٣٩ - (حدثنا الحسن بن علي قال: نا عبد الرزاق قال: نا هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب) بنت صليع، (عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله - ﷺ -: مع الغلام عقيقة، فأهريقوا (٤) عنه دمًا) أي: ذبحوها عنه، (وأميطوا عنه الأذى) أي: أحلقوا رأسه وأزيلوا عنه شعر.\nوقال الكرماني (٥): أي: أميطوا أثر دم رحم، أو لا تلطخوا رأسه بدمها كالجاهلية، أو المراد جلدة الختان، وعن محمد بن سيرين: طلبنا معناه فلم نجد\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" رقم (٣١٦٦).\n(٢) كذا في \"المحلى على الموطأ\". (ش).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٥/ ١١٦).\n(٤) وظاهر \"شرح الإقناع\" (٤/ ٣٤١) أن اللفظ: \"أهريقوا عليه دمًا\"، واستدل به على عدم حرمة التدمية المذكورة، وبسط في فرع الشافعية على جواز التدمية. (ش).\n(٥) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٧٤).","vol":"9","page":612},{"text":"٢٨٤٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ قَالَ: نَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: نَا هِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: \"إِمَاطَةُ الأَذَى حَلْقُ الرَّأْسِ\". [ق ٩/ ٢٨٩]\n٢٨٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: نَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ - ﵄ - كَبْشًا كَبْشًا\". [ن ٤٢١٩، ق ٩/ ٢٩٩]\n===\nمن يعرفه، وأخرج البيهقي عن محمد قلت: معناه أزيلوا عنه كل ما احتمله، فلا يختص بواحد، كذا في \"الدرجات\" (١).\n٢٨٤٠ - (حدثنا يحيى بن خلف قال: نا عبد الأعلى قال: نا هشام، عن الحسن) البصري (أنه كان يقول: إماطة الأذى حلق الرأس).\n٢٨٤١ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال: نا عبد الوارث، قال: نا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - عق عن الحسن والحسين - ﵄ - كبشًا كبشًا).\nقال الحافظ (٢): أخرجه أبو داود ولا حجة فيه، فقد أخرج أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: \"كبشين كبشين\"، وأخرج أيضًا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله، وعلى تقدير ثبوت رواية أبي داود فليس في الحديث ما يرد به الأحاديث المتواردة في التنصيص على التثنية في الغلام، بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار، وهو كذلك، فإن العدد ليس شرطًا بل مستحب.\n_________\n(١) كذا في \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٦٨) [وانظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٢٢)]. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٢).","vol":"9","page":613},{"text":"٢٨٤٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ قَالَ: نَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ النَّبِىَّ - ﷺ - (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أُرَاهُ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الْعَقِيقَةِ، فَقَالَ: «لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ»، كَأَنَّهُ كَرِهَ الاِسْمَ وَقَالَ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ، عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ».\n===\n٢٨٤٢ - (حدثنا القعنبي قال: نا داود بن قيس، عن عمرو بن شعيب، أن النبي - ﷺ -، ح: وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبد الملك - يعني ابن عمرو -، عن داود، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، أراه) أي: أظنه يروي (عن جده قال: سئل النبي - ﷺ - عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق، كأنه كره الاسم).\nقال الشوكاني (١): قوله - ﷺ -: \"لا أحب العقوق\" بعد سؤاله عن العقيقة إشارة إلى كراهة اسم العقيقة، لما كانت هي والعقوق يرجعان إلى أصل واحد، ولهذا قال - ﷺ -: \"من أحب منكم أن ينسك\"، إرشادًا منه إلى مشروعية العقيقة إلى النسيكة، وما وقع منه - ﷺ - من قوله: \"مع الغلام عقيقته\" و\"كل غلام مرتهن بعقيقته\" و\"رهينة بعقيقته\"، فمن البيان للمخاطبين بما يعرفونه؛ لأن ذلك اللفظ هو المتعارف عند العرب، ويمكن الجمع بأنه - ﷺ - تكلم بذلك لبيان الجواز، وهو لا ينافي الكراهة التي أشعر بها قوله: \"لا أحب العقوق\".\n(وقال: من ولد له ولد فأحب أن ينسك) (٢) أي: يذبح (عنه فلينسك، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة).\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٥٠٣).\n(٢) استدل بذلك صاحب \"البدائع\" (٤/ ٢٠٥) على الجواز بدون السنية. (ش).","vol":"9","page":614},{"text":"وَسُئِلَ عَنِ الْفَرَعِ، قَالَ: «وَالْفَرَعُ حَقٌّ، وَإِنْ تَتْرُكُوهُ حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا شُغْزُبًا ابْنَ مَخَاضٍ، أَوِ ابْنَ لَبُونٍ فَتُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً أَوْ تَحْمِلَ عَلَيْهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ فَيَلْزَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ، وَتُكْفِئَ إِنَاءَكَ، وَتُوَلِّهَ نَاقَتَكَ». [ن ٤٢١٢]\n٢٨٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: نَا عَلِىُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: نَا أَبِى قَالَ: حَدَّثَنَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى بُرَيْدَةَ يَقُولُ: \"كُنَّا فِى الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً\n===\n(وسئل عن الفرع) بفتحتين (قال: والفرع حق) أي: ثابت، وهذا قبل أن ينسخ ذلك، (وأن تتركوه حتى يكون بكرًا) أي: شابًا من الإبل (شُغْزُبًا) قال في \"النهاية\" (١): في حديث الفرع \"تتركه حتى يكون شغزبًا\"، هكذا رواه أبو داود في \"السنن\"، قال الحربي: الذي عندي أنه زُخزُبًّا، وهو الذي اشتد لحمه وغَلُظَ، قال الخطابي (٢): ويحتمل أن يكون الزاي أبدلت شينًا والخاء غينًا فصحِّف، وهذا من غرائب الإبدال.\n(ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة) أي: امرأة لا زوج لها (أو تحمل عليه في سبيل الله) أي: في الجهاد أو الحج (خير من أن تذبحه) أي حين يولد (فيلزق لحمه بوبره) لقلة لحمه (وتكفئَ إناءَك) أي: تقلب محلبك؛ لأنها بعد فقدان الولد لا تدر اللبن (وتُوَلِّهَ) أي: تفجع (ناقتك) بفقدان ولدها، وتقدم الكلام على الفرع.\n٢٨٤٣ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت قال: نا علي بن الحسين قال: نا أبي قال: حدثني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة) بدل من أبي (يقول: كنا في الجاهلية) أي: في زمانها (إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٤٨٣).\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨٨).","vol":"9","page":615},{"text":"وَلَطَخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَنَلْطَخُهُ بِزَعْفَرَانٍ\". [ق ٩/ ٣٠٣، ك ٤/ ٢٣٨]\nآخِرُ الأَضَاحِي\n===\nولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإِسلام كنا) إذا ولد لأحدنا ولد (نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران).\nقال الحافظ (١): ولهذا الحديث كره الجمهور التدمية، ونقل ابن حزم استحباب التدمية عن ابن عمر وعطاء، ولم ينقل ابن المنذر استحبابها إلَّا عن الحسن وقتادة، بل عند ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن أنه كره التدمية.\nآخِرُ الأَضَاحِي\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٤).","vol":"9","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1087>(١١) أَوَّلُ الصَّيْدِ </span>(١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>(١) بَابُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَغَيْرِهِ</span>\n٢٨٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n===\n\n(١١) (أَوَّلُ الصَّيْدِ)\n(١) (بَابُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ (٢) لِلصَّيْدِ وَغَيْرِهِ)\nأي: الحراسة والزراعة\n٢٨٤٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"أوَّل كتاب الصيد\"، وفي نسخة: \"كتاب الصيد\".\n(٢) قلت: ولا يبعد أن يكون سبب نفور الملائكة عنه وبعدهم أنهم نظفاء الطبع وهو بطبعه غليظ، ففي \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤١٥): أن الجيفة عنده أحب من اللحم الغريض، يأكل العذرة، ويرجع في القيء، ومال هو بنفسه إلى أن السبب هو كثرة أكله النجاسات، مع أنه سمي بعضهم شيطانًا. وفي \"حجة الله البالغة\" (٢/ ١٨١): يحرم الكلب والسنور؛ لأنهما من السباع، ويأكلون الجيف، والكلب شيطان، انتهى. (ش).","vol":"9","page":617},{"text":"«مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». [م ١٥٧٥، ت ١٤٩٠، جه ٣٢٠٤، حم ٢/ ٢٦٧، ن ٤٢٨٩]\n===\nمن اتخذ) أي: اقتنى وأمسكه وربَّى (كلبًا إلَّا كلب ماشية) أي: غنم لحفظها (أو صيد) أي: للتصيد، أو لأخذ الصيد (أو زرع) أي: حراسة (انتقص من أجره كل يوم قيراط).\nوفي رواية مسلم عن طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: \"في كل يوم قيراطان\"، فأما زيادة الزرع فأنكرها ابن عمر، ففي مسلم: \"أن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعًا\"، ويقال: إن ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة، وأن سبب حفظه لهذه الزيادة دونه أنه كان صاحب زرع دونه، ومن كان مشتغلًا بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه.\nواختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين والقيراط، فقيل: الحكم الزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر، أو أنه - ﷺ - أخبر أولًا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول، ثم أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التنفير من ذلك، فسمعه الراوي الثاني.\nوقيل: ينزل على حالين: فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الإضرار باتخاذها، ونقص القيراط باعتبار قلته، وقيل: يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة، والقيراط بما عداها، وقيل: يلتحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى، ويختص القيراط بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التأذي وقلَّته، ويحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب، ففي ما لابسه آدمي قيراطان، وفي ما دونه قيراط.\nقال ابن عبد البر: ووجه الحديث عندي أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعًا لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفظ منها، فربما دخل عليه باتخاذها ما ينقص أجره من ذلك، ويروى أن المنصور سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذ الحديث فلم يعرفه، فقال المنصور: لأنه ينبح الضيف ويروِّع السائل","vol":"9","page":618},{"text":"٢٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَزِيدٌ قَالَ: نَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ». [ن ٤٢٨٠، ت ١٤٨٩، ١٤٨٦، جه ٣٢٠٥، حم ٤/ ٨٥]\n===\nوقيل: سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول (١) بيته، أو ما يلحق المارين من الأذى، أو لأن بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فربما يتنجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر، ملخص من \"الفتح\" (٢).\n٢٨٤٥ - (حدثنا مسدد قال: نا يزيد قال: نا يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله - ﷺ -: لولا أن الكلاب) أي: جنسها (أمة) أي: جماعة (من الأمم) فخلق كل جنس من المخلوقين لا يخلو عن حكمة ومصلحة، فلولا هذا (لأمرت بقتلها) كلها، (فاقتلوا منها الأسود البهيم).\nقال الخطابي (٣): معنى هذا الكلام، أنه - ﷺ - كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من الخلق، لأنه ما من خلق لله تعالى إلَّا وفيه نوع من الحكمة والمصلحة، يقول: إذا كان الأمر على هذا ولا سبيل إلى قتلهن فاقتلوا شرارهن، وهي السود البهم، وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بهن في الحراسة.\n_________\n(١) وفي \"شرح الإقناع\": سبب عدم دخولها أن إبليس لما بصق على ابن آدم حين كان ملقى على باب الجنة هبط جبريل وكشط من البزقة أول مرة، وألقاها، فخلق منها الكلب المعروف، وثاني كشطة خلق منها كلب الصيد، فهما مخلوقان من أثر بصقة إبليس، والملك النازل بالرحمة وإبليس لا يجتمعان، انتهى. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٦ - ٧) ح (٢٣٢٢).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨٩).","vol":"9","page":619},{"text":"٢٨٤٦ - حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ يَعْنِى بِالْكَلْبِ فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ». [م ١٥٧٢، حم ٣/ ٣٣٣]\n===\n٢٨٤٦ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر قال) جابر: (أمر نبي الله - ﷺ - بقتل الكلاب) أي: كلاب المدينة (حتى أن كانت المرأة تقدم) أي: تجيء (من البادية يعني بالكلب فنقتله، ثم نهانا عن قتلها) أي: عن قتل الكلاب بعمومها.\nقال الطيبي (٢): حتى هى غاية لمحذوف، أي: أمرنا بقتل الكلاب فقتلنا، ولم ندع في المدينة كلبًا إلَّا قتلناه، حتى نقتل كلب المرأة من أهل البادية.\n(وقال: عليكم بالأسود) البهيم الذي لا بياض فيه، وهي عن أحمد وإسحاق أنهما قالا: لا يحل صيد الكلب الأسود، وقال النووي (٣): أجمعوا على قتل العقور، واختلفوا فيما لا ضرر فيه، قال إمام الحرمين: أمر النبي - ﷺ - بقتلها كلها، ثم نسخ في ذلك إلَّا الأسود البهيم، ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع (٤) الكلاب، حيث لا ضرر فيها حتى الأسود البهيم، قال القاري (٥): وهو يحتاج إلى زيادة بيان وإفادة برهان.\n_________\n(١) قال المزي في \"تحفة الأشراف\" (٢/ ٤١٩) رقم (٢٨١٣) عن هذا الحديث: حديث أبي داود في رواية ابن العبد وابن داسة، ولم يذكره أبو القاسم، قلت: ولم يذكره المنذري في \"مختصره\".\n(٢) شرح الطيبي\" (٨/ ١٠٨).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٥٠٦).\n(٤) وأجمل صاحب \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤١٤) حكم قتلهم وبيعهم. (ش).\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٧٠٠).","vol":"9","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1089>(٢) بَابٌ: فِي الصَّيْدِ</span>\n٢٨٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: نَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - قُلْتُ: إِنِّى أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَتُمْسِكُ عَلَيَّ أَفَآكُلُ؟ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ». قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا».\n===\n\n(٢) (بَابٌ: في الصَّيْدِ)\nأي: في التصيد (٢) بالكلب المعلم والرمي بالقوس\n٢٨٤٧ - (حدثنا محمد بن عيسى قال: نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي - ﷺ - قلت: إني أرسل الكلاب المعلمة) ويُعْلَم كونها معلمة من تركها الأكل ثلاث مرات، فإنها إذا أرسلت فأخذت الصيد ولم تأكل، ثم أرسلها فلم تأكل، ثم أرسلها فلم تأكل فهي معلمة، (فتمسك عليَّ) أي: لا تأكل منها (آفآكل؟ قال: إذا أرسلت الكلاب المعلمة) على الصيد (وذكرت اسم الله) عليه فقتلن (فكل مما أمسكن عليك) أي: لا يأكلن منها، (قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها) أي: ليس من كلابك التي أرسلتها.\nوللحل في الذكاة الاضطرارية شرائط.\nمنها: أن لا يكون صيد الحرم، فإن كان لا يؤكل ويكون ميتة، سواء كان المذكي محرمًا أو حلالًا، سواء كان مولده الحرم أو دخل من الحل إليه، فإنه يضاف إلى الحرم في الحالين، فيكون صيد الحرم.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) كما تدل عليه الروايات الواردة في الباب، وإلا فظاهر الترجمة أنه أراد إثبات جواز التصيد كما ترجم به البخاري، وذكر ابن المنير هذا الغرض في ترجمته، كذا في \"الفتح\" (٩/ ٦١٣). (ش).","vol":"9","page":621},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومنها: أن يكون ما يصطاد به من الجوارح من ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير معلمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (١) الآية، ففي الآية الكريمة اعتبار الشرطين وهما الجرح والتعليم، لأن الجوارح هي التي تجرح.\nوحد التعليم في الكلب ومثله من ذي الناب أن يكون يمسك الصيد ولا يأكل منه، وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك ﵀: تعليمه أن يتبع الصيد إذا أرسل، ويجيب إذا دعي، وهو أحد قولي الشافعي، حتى لو أخذ صيدًا فأكل منه لا يؤكل عندنا، ويؤكل عنده.\nوأما تعليم ذي المخلب كالبازي، أو نحوه، فهو أن يجيب صاحبه إذا دعاه، ولا يشترط فيه الإمساك على صاحبه، حتى لو أخذ الصيد فأكل منه فلا بأس بأكل صيده بخلاف الكلب ونحوه.\nوالفرق من وجوه:\nأحدها: أن التعليم يكون بترك العادة والطبع، والبازي من عادته التوحش من الناس والتنفر منهم بطبعه، فألفه بالناس وإجابته صاحبه إذا دعاه يكفي دليلًا على تعلمه، بخلاف الكلب فإنه ألوف بطبعه، يألف بالناس ولا يتوحش منهم، فلا يكفي هذا القدر دليل التعلم في حقه، فلا بد من زيادة أمر وهو ترك الأكل.\nوالثاني: أن البازي إنما يعلم بالأكل فلا يحتمل أن يخرج بالأكل عن التعليم بخلاف الكلب.\nوالثالث: أن الكلب يمكن تعليمه بترك الأكل بالضرب لأن جثته تتحمل الضرب، والبازي لا، لأن جثته لا تتحمل.\nوقد روي عن سيدنا علي وابن عباس (٢) وسلمان الفارسي\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ٤.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨٥١٤) عن ابن عباس، وكذلك البيهقي (٩/ ٢٣٨) عنه وعن سلمان - ﵄ -.","vol":"9","page":622},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n- ﵃ -: أنهم قالوا: \"إذا أكل الصقر فكل، وإن أكل الكلب فلا تأكل\".\nومنها: الإرسال أو الزجر عند عدمه على وجه ينزجر بالزجر، لأن الإرسال في صيد الجوارح أصل ليكون القتل والجرح مضافًا إلى المرسل، إلَّا أن عند عدمه يقام الزجر مقام الانزجار (١)، فإذا لم يوجد فلا توجد الإضافة فلا يحل.\nومنها: بقاء الإرسال، فهو أن يكون أخذ الكلب أو البازي الصيد في حال فور الإرسال لا في حال انقطاعه، حتى لو أرسل الكلب أو البازي على صيد وسمى، فأخذ صيدًا أو قتله ثم أخذ آخر على فوره ذلك وقتله ثم وثم، يؤكل ذلك كله، لأن الإرسال لم ينقطع، فكان الثاني كالأول، وهذا كوقوع السهم بصيدين، فإن أرسل كلبه أو بازه بصيد، فعدل عن الصيد يمنة أو يسرة، وتشاغل بغير طلب الصيد وفتر عن سننه ذلك، ثم تبع صيدًا آخر، فأخذه وقتله، لا يؤكل إلَّا بإرسال مستأنف.\nومنها: أن يكون الإرسال والرمي على الصيد وإليه، حتى لو أرسل إلى غير صيد، أو رمى إلى غير صيد، فأصاب صيدًا لا يحل، لأن الإرسال إلى غير الصيد، والرمي إلى غيره لا يكون اصطيادًا، فلا يكون قتل الصيد وجرحه مضافًا إلى المرسل والرامي.\nومنها: أن لا يكون ذو الناب الذي يصطاد به من الجوارح محرم العين، فإن كان محرم العين وهو الخنزير فلا يؤكل صيده، لأنه محرم الانتفاع [به]، والاصطياد به انتفاع به، فكان حرامًا، فلا يتعلق به الحل.\nوأما ما سواه من ذي الناب من السباع، فقد قال أصحابنا جميعًا:\n_________\n(١) الظاهر بدله: مقام الإرسال.","vol":"9","page":623},{"text":"قُلْتُ: أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ\n===\nكل ذي مخلب وذي ناب علِّم فتعلم، فصيد به، كان صيده حلالًا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (١)، وقالوا في الأسد والذئب: إنه لا يجوز الصيد بهما لا لمعنى يرجع إلى ذاتهما، بل لعدم احتمال التعلم، حتى لو تصور تعليمهما يجوز به.\nومنها: أن يعلم أن تلف الصيد بإرسال أو رمي هو سبب الحل من حيث الظاهر، فإن شاركهما معنى أو سبب يحتمل حصول التلف به، والتلف به مما لا يفيد الحل لا يؤكل، إلَّا إذا كان ذلك المعنى مما لا يمكن الاحتراز عنه؛ لأنه إذا احتمل حصول التلف بما لا يثبت به الحل، فقد احتمل الحل والحرمة؛ فيرجح جانب الحرمة.\nومنها: أن يلحق المرسل أو الرامي الصيدَ أو من يقوم مقامه قبل التواري عن عينه، أو قبل انقطاع الطلب منه إذا لم يدرك ذبحه، فإن توارى عن عينه وقعد عن طلبه ثم وجده لم يؤكل، فأما إذا لم يتوار عنه، أو توارى لكنه لم يقعد عن الطلب حتى وجده، يؤكل استحسانًا، والقياس أن لا يؤكل (٢).\n(قلت: أرمي بالمعراض) (٣) بكسر الميم وسكون المهملة وآخره معجمة، سهم بلا ريش ولا نصل، قال في \"القاموس\": وكمحراب: سهم بلا ريش، رقيق الطرفين، غليظ الوسط، يصيب بعرضه دون حده، انتهى.\nوقيل: خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها، وقد لا يحدد، وقوَّى هذا الأخير النووي تبعًا لعياض. وقال القرطبي: إنه المشهور، وقال ابن التين:\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ٤.\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٨٠ - ١٨٧).\n(٣) في مصيده ثلاثة مذاهب: الإباحة مطلقًا، ولو قتل بثقله، به قال الأوزاعي وأهل الشام، والمنع مطلقًا، ولو قتل بعده كما روي عن ابن عمر، وبه قال الحسن، والتفريق بين ما صاده بحده وعرضه، وبه قال فقهاء الأمصار، منهم: الأئمة الأربعة، كذا في \"الأوجز\" (١٠/ ٦٣). (ش).","vol":"9","page":624},{"text":"فَأُصِيبُ أَفَآكُلُ؟ قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَأَصَابَ فَخَزَقَ فَكُلْ، وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ». [خ ٥٤٧٧، م ١٩٢٩، ت ١٤٦٥، ن ٤٢٦٣، جه ٣٢١٢، ٣٢١٤، حم ٤/ ٢٥٦]\n٢٨٤٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: أَخبرنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ،\n===\nالمعراض عصا في طرفها حديدة، يرمي الصائد بها الصيد، فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ (١).\n(فأصيب) الصيد به (أفآكل؟ قال: إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله فأصاب فخزق) بفتح الخاء المعجمة والزاي بعدها قاف، أي: نفذ يعني بحده، (فكل، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل) لأنه وقيذ وإن جرحه، والوقيذ هو الذي يقتل بغير محدد من عصا أو حجر أو غيرهما.\nقال القاري (٢): لا يحل ما قتله بالبندقة (٣) مطلقًا، لحديث المعراض، وقال مكحول والأوزاعي وغيرهما من فقهاء الشام: يحل ما قتل بالمعراض والبندقة.\n٢٨٤٨ - (حدثنا هناد بن السري قال: أخبرنا ابن فضيل، عن بيان، عن عامر) الشعبي، (عن عدي بن حاتم) الطائي، المعروف بالجود،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٦٠٠).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٦٧١).\n(٣) وفي \"الشرح الكبير\" (٢/ ٣٦٠) للدردير في شرائط صحة الذبح بسلاح محدد ولو حجر له حد؛ واحترز به عن نحو العصا والبندق أي البرام الذي يرمى بالقوس، وأما الرصاص فيؤكل به، لأنه أقوى من السلاح، كذا اعتمده بعضهم، قال الدسوقي: قوله: كذا اعتمده بعضهم، الحاصل أن الصيد ببندق الرصاص لم يوجد فيه نصٌّ للمتقدمين لحدوث الرمي به بحدوث البارود في وسط المائة الثامنة. واختلف فيه المتأخرون، فمنهم من قال بالمنع قياسًا على بندق الطين، ومنهم من قال بالجواز كجماعة من المالكية ذكرها، لما فيه من الإنهار والإجهاز ... إلخ. (ش).","vol":"9","page":625},{"text":"قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قُلْتُ: إِنَّا نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ، فَقَالَ لِي: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ وَإِنْ قَتَلَ (١) إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ». [خ ٥٤٨٣، م ١٩٢٩، جه ٣٢٠٨]\n٢٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّ النَّبِىَّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ سَهْمِكَ (٢) وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَوَجَدْتَهُ مِنَ الْغَدِ وَلَمْ تَجِدْهُ فِى مَاءٍ وَلَا فِيهِ أَثَرٌ غَيْرَ سَهْمِكَ\n===\nوكان هو أيضًا جوادًا، وكان إسلامه سنة الفتح، وشهد الفتوح بالعراق (قال: سألت رسول الله - ﷺ - قلت: إنا نصيد بهذه الكلاب) المعلمة، (فقال لي: إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله عليها، فكل مما أمسكن عليك، وإن) وصلية (قتل إلَّا أن يأكل (٣) الكلب) منه، فإنه إذا أكل فهو غير معلم، (فإن أكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه)، وقد أمر في القرآن بأكل مما أمسكن على صاحبه.\n٢٨٤٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، أن النبي - ﷺ - قال: إذا رميت سهمك، وذكرت اسم الله فوجدته من الغد، ولم تجده في ماء ولا فيه أثر غير سهمك)، وإنما شرط بهذين الشرطين، لأنه إذا وجد (٤) أحد الشرطين لم يعلم أن الموت مضاف إلى السهم، بل يحتمل أن يكون بالماء أو بسهم الغير، فوقع الشك في الحل\n_________\n(١) في نسخة: \"قتلت\"، وفي نسخة: \"قتلن\".\n(٢) في نسخة: \"بسهمك\".\n(٣) قال الجمهور: إذا قتل الكلب وأكل منه فهو حرام، وبه قال الحنفية، وهو أصح قولي أحمد وأصح قولي الشافعي، والثاني لهما: يجوز، وهو مذهب مالك لحديث أبي ثعلبة الآتي. \"أوجز\" (١٠/ ٨٨). (ش).\n(٤) كذا في الأصل، والظاهر بدله: فقد. (ش) .......","vol":"9","page":626},{"text":"فَكُلْ، وَإِذَا (١) اخْتَلَطَ بِكِلَابِكَ كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ، لَا تَدْرِى لَعَلَّهُ قَتَلَهُ الَّذِى لَيْسَ مِنْهَا». [خ ٥٤٨٤، م ١٩٢٩، ت ١٤٦٩، ن ٤٨١٠، جه ٣٢١٣، حم ٤/ ٢٥٧]\n===\nفلا يحل (فكل)، وقد علمت أن في حلها شرط آخر وهو أن لا يقعد عن الطلب.\nقال في \"البدائع\" (٢): وقد روي أن رجلًا أهدى إلى النبي - ﷺ - صيدًا، فقال له: \"من أين لك هذا؟ \"، قال: رميته بالأمس وكنت في طلبه حتى هجم علي الليل فقطعني عنه، ثم وجدته اليوم ومزراقي (٣) فيه، فقال ﵇: \"إنه غاب عنك ولا أدري لعل بعض الهوام أعانك عليه، لا حاجة لي فيه\" (٤). وروي عن ابن عباس - ﵁ - أنه سئل عن ذلك فقال: \"كل ما أصميت، ودع ما أنميت\" (٥)، قال أبو يوسف: الإصماء ما عاينه، والإنماء ما توارى عنه، وقال هشام عن محمد - ﵀ -: الإصماء ما لم يتوار عن بصرك، والإنماء ما توارى عن بصرك، إلَّا أنه أقيم الطلب مقام البصر للضرورة.\n(وإذا اختلط بكلابك كلب من غيرها) أي من غير تلك الكلاب المعلمة (فلا تأكل، لا تدري لعله) الصيد (قتله) الكلب (الذي ليس منها) أي: من الكلاب (٦) المعلمة.\nوهذا الحديث أصل عظيم في حل الصيد إذا وجد فيه سببان يضاف\n_________\n(١) في نسخة: \"فإذا\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٨٨).\n(٣) المزراق: الرمح الصغير. (ش).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨٤٥٦، ٨٤٦١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٤١، ٤/ ٢٤١).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨٤٥٥).\n(٦) والمسألة إجماعية عند الأئمة الأربعة \"أوجز\". (١٠/ ٦٦). (ش).","vol":"9","page":627},{"text":"٢٨٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قَالَ: نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِى زَائِدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِىَّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا وَقَعَتْ رَمِيَّتُكَ فِى مَاءٍ فَغَرِقَتْ فَمَاتَتْ (١) فَلَا تَأْكُلْ» (٢). [ن ٤٢٩٨، حم ٤/ ٣٧٨]\n===\nالموت إليهما، وكان أحد السببين مما لا يفيد الحل، فإذا كان كذلك بأن يكون موت الصيد يحتمل أن يضاف إلى سبب الحل، ويحتمل أن يضاف إلى السبب الذي لا يفيد الحل لا يحل، فحينئذ يغلب الحرمة.\n٢٨٥٠ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا أحمد بن حنبل قال: نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: أخبرني عاصم الأحول، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم أن النبي - ﷺ - قال: إذا وقعت رميتك) أي: صيدك الذي رميت إليه السهم (٣) (في ماء فغرقت فماتت فلا تأكل) لأنه وجد هنا سببان للموت، أحدهما: السهم، والثاني: الماء، والموت بوقوع الماء لا يفيد الحل، فاجتمع ها هنا سببان: أحدهما يفيد الحل، والثاني لا يفيده، فوقع الشك في الحل والحرمة، فترجح الحرمة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فغرق فمات\".\n(٢) ذكر المزي هذا الحديث في \"تحفة الأشراف\" (٩٨٦٢)، وقال بعد العزو إلى أبي داود: عن زياد بن أيوب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عنه، به مختصرًا أيضًا: \"إذا وقعت ... إلخ\"، كذا في رواية ابن العبد وابن داسة. وفي رواية أبي عمرو البصري، عن أبي داود: عن أحمد بن حنبل (٤/ ٣٧٨)، عن يحيى بن زكريا، ولم يذكر \"زياد بن أيوب\"، وفي رواية اللؤلؤي، عن أبي داود: عن محمد بن يحيى بن فارس، عن أحمد بن حنبل، ولم يذكر \"زياد بن أيوب\" أيضًا.\n(٣) إذا رمى الصيد فوقع في ماء يقتله مثله؛ لا يؤكل سواء كانت الجراحة موحية\nأو غير موحية، هذا هو المشهور عن أحمد، وبه قال الحنفية، وعن أحمد: إن كانت الجراحة موحية لا يضر وقوعه في الماء، وبه قال الشافعي ومالك. \"أوجز\" (١٠/ ٦٧). (ش).","vol":"9","page":628},{"text":"٢٨٥١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: نَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ. قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ». [ق ٩/ ٢٣٨، ت ١٤٦٧ (مختصرًا)]\n٢٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: نَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ\n===\n٢٨٥١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا عبد الله بن نمير قال: نا مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم أن النبي - ﷺ - قال: ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته) أي: إلى الصيد (وذكرت اسم الله، فكل مما أمسك عليك، قلت: وإن قتل؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (إذا قتله) أي: الصيد (ولم يأكل منه شيئًا فإنما أمسكه عليك)، وقد تقدم ما يتعلق بشرح هذا الحديث ببيان الفرق بين الكلب والبازي، وقد أشار إليه أبو داود في نسخة على الحاشية، قال أبو داود: والباز إذا أكل فلا بأس به، والكلب إذا أكل كره، وإن شرب الدم (١) فلا بأس.\n٢٨٥٢ - (حدثنا محمد بن عيسى قال: نا هشيم قال: أخبرنا داود بن عمرو) الأودي الدمشقي، عامل واسط، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه مقارب، وقال الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ، وعن أبي داود: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حزم: ضعفه أحمد، (عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس\n_________\n(١) وبه قال أحمد والشافعي وأصحاب الرأي، وكرهه الشعبي والنووي، لأنه في معنى الأكل، كذا في \"المغني\" (١٣/ ٢٦٤). (ش).","vol":"9","page":629},{"text":"الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِى ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - فِى صَيْدِ الْكَلْبِ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالىَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدَاكَ».\n٢٨٥٣ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ خُلَيْفٍ قَالَ: نَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى،\n===\nالخولاني، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال النبي - ﷺ - في صيد الكلب: إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله تعالى) عند الإرسال (فكل، وإن أكل منه).\nوهذا الحديث (٢) يخالف أحاديث عدي بن حاتم التي تقدمت، فإن في الأولى منها: \"فإن أكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه\"، وفي الثانية منها: \"قال: إذا قتله ولم يأكل منه شيئًا فإنما أمسكه عليك\"، والجواب عنه بما في الحاشية أوَّله الخطابي (٣) على أن المراد \"إن أكل منه\" فيما مضى من الزمان إذا لم يكن قد أكل في هذا الحال.\nقال الإِمام النووي في \"شرح مسلم\" (٤): قدموا حديث عدي بن حاتم أي السابق الذي فيه: \"فإن أكل فلا تأكل\"، على حديث أبي ثعلبة الذي فيه: \"قال: وإن أكل منه\"، لأنه أصح منه، ومنهم من تأول حديث أبي ثعلبة على إن أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر\n(وكل ما ردَّت عليك يدك).\n٢٨٥٣ - (حدثنا الحسين بن معاذ بن خُليف قال: نا عبد الأعلى\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وهو مستدل مالك كما تقدم، وقال الجمهور: حديث عدي أصح منه؛ لأنه في \"الصحيحين\"، وقال أحمد: يختلفون في حديث أبي ثعلبة عن هشيم، وعدي أضبط وحديثه أبين. (ش).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ٢٩١).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٨٨).","vol":"9","page":630},{"text":"قَالَ: نَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدُنَا يَرْمِى الصَّيْدَ فَيَقْتَفِي أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ أَيَأْكُلُ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِنْ شَاءَ» أَوْ قَالَ: «يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ». (١). [خت ٥٤٨٥، ق ٩/ ٢٤٢]\n٢٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَدِىُّ بْنُ حَاتِمٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -\n===\nقال: نا داود) ابن أبي هند، (عن عامر، عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله) - ﷺ - (أحدنا يرمي الصيد، فيقتفي أثره اليومين والثلاثة، ثم يجده ميتًا وفيه سهمه أيأكل؟ قال: نعم، إن شاء أو) للشك من الراوي (قال: يأكل إن شاء).\nقال القاري (٢): وإنما قيده بالمشيئة هنا وأطلقه هناك، وإن كان الأمر فيهما للإباحة إيماءً إلى الشبهة هنا، فإن في غيبته مدة مديدة احتمال أن يكون موت الصيد بسبب آخر غير معلوم لنا، والله تعالى أعلم، وقد قال علماؤنا: شرط الحل بالرمي التسمية والجرح، وأن لا يقعد عن طلبه إن غاب الصيد حال كونه متحاملًا سهمه، لما روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" والطبراني في \"معجمه\" عن أبي رزين عن النبي - ﷺ - في الصيد يتوارى عن صاحبه [قال:] \"لعل هَوام الأرض قتلته\"، وروى عبد الرزاق نحوه عن عائشة مرفوعًا (٣).\n٢٨٥٤ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي قال: قال عدي بن حاتم: سألت النبي - ﷺ -\n_________\n(١) زاد المزي (٩٨٥٩) في عزوه إلى أبي داود: \"عن ابن المثنى، عن عبد الوهاب عن داود، به\"، ثم قال: حديث ابن المثنى في رواية ابن العبد، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٦٦٩).\n(٣) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٩٦٧٨)، و\"المعجم الكبير\" (١٩/ ٢١٤) رقم (٤٧٨)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (٤/ ٤٦١) رقم (٨٤٦١).","vol":"9","page":631},{"text":"عَنِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ: «إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ»، فَقُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِى، قَالَ: «إِذَا سَمَّيْتَ فَكُلْ، وَإِلَّا فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ لِنَفْسِهِ». فَقَالَ: أُرْسِلُ كَلْبِى فَأَجِدُ عَلَيْهِ كَلْبًا آخَرَ، فَقَالَ: «لَا تَأْكُلْ، لأَنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ». [خ ٥٤٧٦، م ١٩٢٩، ت ١٤٧١، ن ٤٢٦٣، جه ٣٢١٤]\n٢٨٥٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَصِيدُ بِكَلْبِى الْمُعَلَّمِ وَبِكَلْبِي الَّذِى لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ؟ قَالَ: «مَا صِدْتَ (١)\n===\nعن المعراض، فقال: إذا أصاب بحده فكل، وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل، فإنه وقيذ) أي: موقوذ وهو المقتول بغير محدد (فقلت: أرسل كلبي) على الصيد فيأخذه فيقتله، (قال: إذا سميت فكل، وإلَّا) أي: وإن لم تسم (فلا تأكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك لنفسه، فقال: أرسل كلبي فأجد عليه كلبًا آخر) أي: شركه في قتله (فقال: لا تأكل؛ لأنك إنما سميت (٢) على كلبك) ولم تسم على الآخر.\n٢٨٥٥ - (حدثنا هناد بن السري، عن ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال: سمعت ربيعة بن يزيد الدمشقي يقول: أخبرني أبو إدريس الخولاني، قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: قلت: يا رسول الله) - ﷺ - (إني أصيد بكلبي المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم؟ قال: ما صدت\n_________\n(١) في نسخة: \"اصدت\".\n(٢) هذا نص في اعتبار التسمية للجواز، والمسألة خلافية شهيرة، واختلفت نقلة المذاهب لاختلاف روايات الأئمة في ذلك، والصحيح من مذاهبهم أن ترك التسمية عمدًا لا يجوز عندنا ومالك، ويجوز إن سها التسمية، فهي شرط عند الذكر لا السهو، ويجوز عند الشافعي مطلقًا في السهو والعمد، فهي سنة عنده، والصحيح في مذاهب أحمد أنه فرق بين الصيد والذبيحة ففيها معنا، وفي الصيد لا يجوز عنده مطلقًا في السهو والعمد، كذا في \"الأوجز\" (١٠/ ٦). (ش).","vol":"9","page":632},{"text":"بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ، وَمَا اصَّدْتَ (١) بِكَلْبِكَ الَّذِى لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ». [خ ٥٤٧٨، م ١٩٣٠، ن ٤٢٦٦، جه ٣٢٠٧، ت ١٥٦٠]\n٢٨٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: نَا بَقِيَّةُ، عَنِ الزُّبَيْدِىِّ قَالَ: نَا يُونُسُ بْنُ سَيْفٍ قَالَ: نَا أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىُّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ وَكَلْبُكَ». زَادَ عَنِ ابْنِ حَرْبٍ: «الْمُعَلَّمُ وَيَدُكَ، فَكُلْ ذَكِيًّا (٢) وَغَيْرَ ذَكِىٍّ». [حم ٤/ ١٩٥، جه ٣٢١١]\n===\nبكلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه وكل) إذا قتله، (وما اصّدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته) أي: ذبحته (فكل).\n٢٨٥٦ - (حدثنا محمد بن المصفى قال: نا محمد بن حرب، ح: وحدثنا محمد بن المصفى قال: نا بقية، عن الزبيدي قال: نا يونس بن سيف قال: نا أبو إدريس الخولاني قال: حدثني أبو ثعلبة الخشني قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: يا أبا ثعلبة، كل ما ردت عليك قوسك) أي: ما صدت بقوسك بإرسال السهم (وكلبك) أي: ما صدت بكلبك، (زاد) محمد بن المصفى (عن) شيخه (ابن حرب) بعد قوله: \"وكلبك\" (المعلم) أي: لفظ \"المعلم\"، وقال أي ابن المصفى عن ابن حرب: (ويدك) أي مكان قوله: قوسك، (فكل ذكيًا وغير ذكي).\nقال الخطابي (٣): يحتمل وجهين: أحدهما: أراد بالذكي ما أمسكه عليه حيًا، فأدركه قبل زهوق نفسه، فذكَّاه في الحلق واللبة، وغير الذكي ما زهقت نفسه قبل أن يدركه، والثاني: أن يكون أراد بالذكي\n_________\n(١) في نسخة: \"صدت\".\n(٢) في نسخة: \"ذكي\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٩٣) .............","vol":"9","page":633},{"text":"٢٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرِ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: نَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى كِلَابًا مُكَلَّبَةً، فَأَفْتِنِى فِى صَيْدِهَا، فَقَالَ النَّبِىُّ - ﷺ - «إِنْ (١) كَانَ لَكَ كِلَابٌ مُكَلَّبَةٌ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ». قَالَ: ذَكِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: فَإِنْ (٢) أَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: «وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ»\n===\nما جرحه الكلب بسنِّه أو البازي بمخلبه فسال دمه، وغير الذكي ما لم يجرحه، انتهى.\nقلت: وقد تقدم من مذهبنا أن الصيد إذا أخذه الكلب ولم يجرحه بل مات غمًا وخنقًا فإنه لا يحل.\n٢٨٥٧ - (حدثنا محمد بن المنهال الضرير قال: نا يزيد بن زريع قال: نا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيًا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إن لي كلابًا مكلَّبة) أي: معلمة (فأَفْتِني في صيدها) في حلها وحرمتها، (فقال النبي - ﷺ -: إن كان لك كلابًا مكلبة فكل مما أمسكن عليك، قال: ذكيًا) كان (أو غير ذكي، قال: فإن كل منه؟ قال: وإن أكل منه).\nاختلفت النسخ في هذه العبارة، وهذه الموجودة في المجتبائية والمكتوبة القلمية، وأما في القادرية: \"فكل مما أمسكن عليك، قال: ذكيًا أو غير ذكي؟ قال: نعم، قال: فإن أكل منه؟، قال: وإن أكل منه\"، كذا في الكانفورية. وهكذا في نسخة \"العون\"، وفي النسخة المصرية: \"فكل مما أمسكن عليك، قال: وإن أكل\"، ولم يذكر فيه \"ذكيًا أو غير ذكي\"، ولا \"فإن أكل منه\".\nومعنى الكلام على النسخة المجتبائية والقلمية: فكل مما أمسكن عليك،\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢) في نسخة: \"وإن\".","vol":"9","page":634},{"text":"قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنِي فِى قَوْسِي، قَالَ: «كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ، قَالَ: ذَكِيًّا (١) وَ(٢) غَيْرَ ذَكِىٍّ»، قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّى؟ قَالَ: «وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ يَصِلَّ\n===\nقال رسول الله - ﷺ -: ذكيًا، أي: إذا أخذته حيًا لذبحته، أو غير ذكي، إذا أدركته قد مات، ومعناه على النسخة القادرية: فكل مما أمسكن، قال أبو ثعلبة: ذكيًا أو غير ذكي، أي: آكل في الحالين؟ قال رسول الله - ﷺ -: نعم، قال أبو ثعلبة: فإن أكل، أي: الكلب منه، أي: من الصيد فآكل؟ قال: وإن أكل منه، أي: من الصيد، أي: يجوز أكله، وقد تقدم ما يتعلق بهذا.\n(قال) أبو ثعلبة: (يا رسول الله، أفتني في قوسي) أي: إذا صدت به بإرسال السهم (قال: كُل ما ردت عليك قوسك، قال) رسول الله - ﷺ -: (ذكيًا وغير ذكي) ويحتمل أن يكون مرجع الضمير أبو ثعلبة (قال) أي أبو ثعلبة: (وإن) وصلية (تغيب عني؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (وإن تغيب عنك ما لم يَصِلِّ) (٣) بفتح حرف المضارعة وكسر حرف الصاد المهملة، وتشديد اللام، أي: يتغير. في \"القاموس\": صلَّ اللحم صُلولًا: أَنْتَنَ، كَأَصلَّ.\nقال الإِمام النووي في \"شرح مسلم\" (٤): هذا النهي عن أكله للنتن محمول على التنزيه لا على التحريم، وكذا سائر اللحوم والأطعمة المنتنة يكره أكلها ولا يحرم إلَّا أن يخاف منها الضرر خوفًا معتمدًا، وقال بعض أصحابنا: يحرم اللحم المنتن، وهو ضعيف، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"ذكي\".\n(٢) في نسخة: \"أو\".\n(٣) ولفظ مسلم: \"ما لم ينتن\"، وحمله الشافعية على كراهة التنزيه والمالكية على التحريم، واستدلت الشافعية بحديث العنبر، وقد أكله الصحابة نصف شهر، واللحم لا يبقى بلا نتن في هذه المدة لا سيما في الحجاز. وقال الحافظ (٩/ ٦١٩): يحتمل أنهم ملَّحوه وقَدَّدُوه. (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٩١).","vol":"9","page":635},{"text":"أَوْ تَجِدَ فِيهِ أَثَر (١) غَيْرَ سَهْمِكَ»، قَالَ: أَفْتِنِى فِى آنِيَةِ الْمَجُوسِ إِذَا اضْطُرِرْنَا إِلَيْهَا، قَالَ: «اغْسِلْهَا وَكُلْ فِيهَا». [ن ٤٢٩٦، حم ٢/ ١٨٤]\n===\n(أو تجد فيه أثر غير سهمك، قال: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها) أي: إلى استعمالها، (قال: اغسلها) أي: آنية المجوس، (وكل فيها).\nقال النووي (٢): وفي رواية أبي داود: \"قال: إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله - ﷺ -: إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربهوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء، وكلوا واشربوا\".\nقد يقال: هذا الحديث مخالف لما يقول الفقهاء، فإنهم يقولون: إنه يجوز استعمال أواني المشركين إذا غسلت، ولا كراهة فيها بعد الغسل، سواء وجد غيرها أم لا.\nوهذا الحديث يقتضي كراهة استعمالها إن وجد غيرها، ولا يكفي غسلها فى نفي الكراهة، وإنما يغسلها ويستعملها (٣) إذا لم يجد غيرها.\nوالجواب أن المراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير ويشربون الخمر كما صرح به في رواية أبي داود، وإنما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار، وكونها معتادة للنجاسة، كما يكره الأكل في المحجمة المغسولة، وأما الفقهاء فمرادهم مطلق آنية الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات، فهذه يكره استعمالها قبل غسلها، فإذا غسل فلا كراهة فيها؛ لأنها طاهرة، وليس فيها استقذار، ولم يريدوا نفي الكراهة عن آنيتهم المستعملة في الخنزير وغيره من النجاسات.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"أثرًا\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٩٠).\n(٣) في الأصل: \"لا يستعملها\"، وهو خطأ، والصواب: يستعملها، كما في \"شرح النووي\".","vol":"9","page":636},{"text":"(٣) بَابٌ (١): إِذَا قُطِعَ مِنَ الصَّيْد قِطْعَة\n٢٨٥٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى وَاقِدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِىَ حَيَّةٌ فَهِىَ مَيْتَةٌ». [ت ١٤٨٠، دى ٢٠١٨، حم ٥/ ٢١٨، قط ٤/ ٢٩٢، ق ١/ ٢٣، ٩/ ٢٤٥، ك ٤/ ٢٣٩]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>(٣) (بَابٌ: إِذَا قُطِعَ مِنَ الصَّيْدِ قِطْعَةً)</span>\nأي: وهو حي، هل تحل تلك القطعة أم لا؟\n٢٨٥٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا هاشم بن القاسم قال: نا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد قال: قال النبيِّ - ﷺ -: ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة) (٢).\nأخرجه الترمذي (٣) أطول منه، ولفظه: عن أبي واقد الليثى قال: قدم النبي - ﷺ - المدينة، وهم يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغّنم، فقال: \"ما يقطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة\"، أي: في حكم الميتة بأن أكلها حرام كحرمة أكل الميتة.\nقال في \"البدائع\" (٤): وعلى هذا يخرج إذا قطع من ألية الشاة قطعة، أو من فخذها أنه لا يحل المُبان، وإن ذبحت الشاة بعد ذلك؛ لأن حكم الذكاة لم يثبت في الجزء المُبان وقت الإبانة لانعدام ذكاة الشاة لكونها حية وقت\n_________\n(١) في نسخة: \"في صيد قطع منه قطعة\".\n(٢) واستثنى الوالد المرحوم في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣٩٠) من هذا الحديث ما قطع من الحي الذي هو ميت حكمًا، وهو بقطع ما لا يمكن حياته بدونه، فهو ليس بميتة، وتفصيله في \"الهداية\" (٢/ ٤٠٩). (ش).\n(٣) \"سنن الترمذي\" رقم الحديث (١٤٨٠).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٦٣).","vol":"9","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1091>(٤) بَابٌ: في اتِّبَاعِ الصَّيْد</span>\n٢٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو مُوسَى،\n===\nالإبانة، وحال فوات الحياة كان الجزء منفصلًا، وحكم الذكاة لا يظهر في الجزء المنفصل، وكذلك إذا قطع ذلك من صيد لم يؤكل المقطوع، وإن مات الصيد بعد ذلك لما قلنا.\nوقال الشافعي - ﵀ -: يؤكل إذا مات الصيد، وإن قطع فتعلق العضو بجلده لا يؤكل، لأن ذلك القدر من التعلق لا يعتبر، فكان وجوده والعدم بمنزلة واحدة، وإن كان متعلقًا باللحم يؤكل الكل؛ لأن العضو المتعلق باللحم من جملة الحيوان، وذكاة الحيوان تكون لما اتصل به، ولو ضرب صيدًا بسيف فقطعه نصفين يؤكل النصفان عندنا جميعًا، وهو قول إبراهيم النخعي؛ لأنه وجد قطع الأوداج لكونها متصلة من القلب بالدماغ فأشبه الذبح فيؤكل الكل، وإن قطع أقل من النصف فمات، فإن كان مما يلي العجز لا يؤكل المبان عندنا، وقال الشافعي: يؤكل، وإن كان مما يلي الرأس يؤكل الكل لوجود قطع الأوداج، انتهى.\n\n(٤) (بَابٌ: في اتِّبُاع الصَّيْدِ)\nيحتمل معنيين: أحدهما: اقتفاء الصيد إذا جرح وغاب فيقتفي أثره، والثاني: المراد بالصيد التصيد، أي: يشتغل في التصيد، وينهمك فيه، والظاهر أنه المراد\n٢٨٥٩ - (حدثنا مسدد قال: يحيى، عن سفيان) الثوري (قال: حدثني أبو موسى) شيخ يماني، روى عن وهب، عن ابن عباس حديث: \"من اتبع الصيد غفل\"، وعنه سفيان الثوري، مجهول، قاله ابن القطان، ذكر المزي في ترجمة أبي موسى إسرائيل بن موسى البصري، أنه روى عن ابن منبه، وعنه الثوري، ولم يلحق البصري وهب بنَ منبه، وإنما هذا آخر، وقد فرق بينهما ابن حبان في \"الثقات\" وابن الجارود في \"الكنى\" وجماعة .......","vol":"9","page":638},{"text":"عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَقَالَ مَرَّةً سُفْيَانُ: وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ». [ت ٢٢٥٦، ن ٤٣٠٩، حم ١/ ٣٥٧]\n... (١)\n===\n(عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، وقال مرة سفيان) فاعل لقال، والقائل هو يحيى: (ولا أعلمه إلَّا عن النبي - ﷺ -) أي: قال سفيان مرة بلفظ يدل على التردد في الرفع، (قال: من سكن البادية جفا) (٢) أي: غلظ طبعه لقلة مخالطة الناس، وعدم تحمل مشاقهم وللبعد عن الحكومة، (ومن اتبع الصيد غفل) لأنه إذا استولى عليه رغبة اتباع الصيد وحبه يغفل عن الصلاة وغيرها، (ومن أتى السلطان افتتن) بصيغة المبني للمفعول، أي: في دنياه ودينه.\nقال في \"مرقاة الصعود\" (٣): قال فضيل بن عياض: كنا نتعلم اجتناب السلطان كما نتعلم السورة من القرآن، رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤)، والأحاديث والآثار في النهي عن مجيء العلماء إلى السلطان كثيرة جمعتها في مؤلف يسمى: \"ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين\" (٥).\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٢٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَكَمِ النَّخَعِيُّ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، بِمَعْنَى مُسَدَّدٍ قَالَ: «وَمَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ افْتُتِنَ». وزَادَ: «وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطَانِ دُنُوًّا إلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا». [حم ٢/ ٤٤٠]\n[ذكر المزي هذا الحديث في: \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ٥١٧) رقم (١٥٤٩٥) وقال: هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم].\n(٢) لا ينافي ما في سكون البادية من الخير أيام الفتنة لاختلاف الجهتين، فهذا لقساوة القلب والجهل بالعلوم وغيرها، كذا في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٨٠). (ش).\n(٣) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٢٢).\n(٤) \"شعب الإيمان\" (٩٤١٧).\n(٥) قد نظمه شمس الدين الغزي. انظر: \"خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر\" (٤/ ١٩٣).","vol":"9","page":639},{"text":"(١)\n٢٨٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -: «إِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَأَدْرَكْتَهُ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَسَهْمُكَ فِيهِ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ». [م ١٩٣١، حم ٤/ ١٩٤]\n===\n٢٨٦١ - (حدثنا يحيى بن معين قال: نا حماد بن خالد الخياط، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه) جبير بن نفير، (عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي - ﷺ -: إذا رميت الصيد) أي: بسهم (فأدركته) ميتًا (بعد ثلاث (٢) ليال وسهمك فيه فكل ما لم ينتن)، وقد تقدم أن فيه شرطًا آخر، وهو أن لا يقعد عن طلبه ولم يعنه في قتله شيء آخر من الهوام وغيره.\nقال القاري (٣): قال علماؤنا: وهذا على طريق الاستحباب، وإلَّا فالنتن لا أثر له في الحرمة، قال ابن الملك: وقد روي أنه ﵇ أكل متغير الريح. وقال النووي (٤): النهي عن أكل النتن محمول على التنزيه لا التحريم، انتهى.\nومناسبة الحديث بالباب بأن هذا الحديث يدل على اتباع الصيد إذا رماه بسهم فجرح وغاب عنه، فالنهي محمول على المعنى الثاني المتقدم في ترجمة الباب.\nكتب في حاشية المكتوبة: حديث يحيى بن معين يوجد في بعض الأصول في \"باب اتخاذ الكلب للصيد وغيره\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في الصيد\".\n(٢) والحديث يخالف المالكية إذ قالوا: لا يجوز بعد مضي الليلة كما جزم به الدردير. [انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٠٦)]. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٦٧٣).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٩١).","vol":"9","page":640},{"text":"تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد التاسع ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد العاشر، وأوله: \"أول كتاب الوصايا\"\nوصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.","vol":"9","page":641},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء العاشِر\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"10","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"10","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (١٠)","vol":"10","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"10","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>(١٢) أَوَّلُ كِتَابِ الْوَصَايَا</span>\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(١٢) أَوَّلُ كِتَابِ الْوَصَايَا\nالوصايا: جمع وصية، كالهدايا.\nوتطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصى به من مال وغيره من عهد ونحوه، فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم.\nوفي الشرع: عهدٌ خاصٌّ مضاف إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التبرع.\nقال الأزهري: الوصية من وصيت الشيء بالتخفيف أوصيه إذا وصلته، وسميت وصية لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وصية بالتشديد، ووصاة بالتخفيف بغير همز.\nوتطلق شرعًا أيضًا بما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات، كذا في \"الفتح\" (١).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥٥).","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1093>(١) بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الْوَصِيَّةِ</span>\n٢٨٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِى نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». [خ ٢٧٣٨، م ١٦٢٧، ت ٢١١٨، ٩٧٤، ن ٣٦١٥، جه ٢٦٩٩، حم ٢/ ٥٠]\n===\n\n(١) (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الْوَصِيَّةِ)\nأي: ما يلزم على المرء إذا كان له شيء يوصي فيه\nوفي نسخة: \"ما يؤمر\" بصيغة المجهول، أي: يؤمر من الشرع، وهو الأوضح.\n٢٨٦٢ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا يحيى، عن عبد الله) هكذا مكبرًا في المجتبائية والمصرية والقادرية، وفي النسخة المكتوبة القلمية ونسخة \"العون\" والكانفورية: \"عبيد الله\" مصغرًا، وهو الصواب؛ لأنه أخرج مسلم في \"صحيحه\" (١) هذا الحديث من طريق يحيى، وهو ابن سعيد القطان، عن عبيد الله.\n(قال: حدثني نافع، عن عبد الله (٢) - يعني ابن عمر -، عن رسول الله - ﷺ - قال: ما) نافية بمعنى ليس (حق امرئ مسلم) صفة أولى لامرئ، والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فوصية الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، ونظروا إلى أن الوصية كالإعتاق، وهو يصح من الذمي والحربي (له شيء) صفة ثانية لامرئ، أي: له مال (يوصى فيه) صفة لشيء، أي: يريد أن يوصي فيه (يبيت ليلتين) صفة ثالثة لامرئ، وفي رواية: \"يبيت ليلة أو ليلتين\"، وفي رواية مسلم والنسائي: \"يبيت ثلاث ليال\"، وهذا يدل على أنه للتقريب لا للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا (إلَّا ووصيته مكتوبة عنده).\n_________\n(١) رقم الحديث (١٦٢٧).\n(٢) في الأصل: \"عبيد الله\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":6},{"text":"٢٨٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:\n===\nواستدل (١) بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصية، وبه قال الزهري وأبو مجلز وعطاء وطلحة بن مصرف في آخرين، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود، واختاره أبو عوانة الإسفراييني وابن جرير وآخرون، ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الإجماع سوى من شذ، كذا قال.\nوأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله: \"ما حق امرئ\" المراد به الحزم والاحتياط؛ لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشافعي.\nوقال غيره: والحق لغةً الشيء الثابت، ويطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعمُّ من أن يكون واجبًا أو مندوبًا فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقترن هذا الحق بما يدل على الندب، وهو تفويض الوصية إلى إرادة الموصي حيث قال: \"له شيء يريد أن يوصي فيه\"، فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته (٢).\nقلت: لكن يجب لمن عليه حق من الناس أو من الله تعالى، كالذي عليه دين، أو عنده وديعة، أو حق لأحد، أو عليه حج أو زكاة، فحينئذ يجب أن يوصي فيه.\n٢٨٦٣ - (حدثنا مسدد ومحمد بن العلاء قالا: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت:\n_________\n(١) وهكذا في \"المغني\" (٨/ ٣٨٩). (ش).\n(٢) وقال ابن الملك: جعله حقا للمسلم لا عليه، ولو وجبت لكانت عليه، كذا في \"المرقاة\" (٦/ ٢٥١)، وفي \"المظاهر على المشكاة\" (٣/ ٦٣٨) أنها نسخت بالميراث. (ش).","vol":"10","page":7},{"text":"\"مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَاةً\n===\nما ترك رسول الله - ﷺ - دينارًا ولا درهمًا) أما الدراهم والدنانير فقال في \"السيرة الحلبية\" (١): كانت عنده - ﷺ - سبعة دنانير أو ستة، فأمر عائشة - ﵂ - أن تتصدق بها بعد أن وضعها - ﷺ - في كفه، وقال: \"ما ظن محمد بربه أن لو لقي الله وهذه عنده، فتصدقت بها\"، وفي رواية: \"أمرها بإرسالها إلى علي - كرم الله وجهه - ليتصدق بها، فبعثت بها إليه، فتصدق بها بعد أن وضعها في كفه\".\n(ولا بعيرًا ولا شاة)، وأما البعير والشاة فقال القاري في شرحه على \"المشكاة\" (٢): وأما ما حكى بعض أهل السير أن رسول الله - ﷺ - كان له إبل كثيرة، وكان له عشرون ناقة يحفظونها في نواحي المدينة، ويأتون بألبانها في كل ليلة، وكان له سبع شياه يشربون ألبانها، وكان له سبع معز يشربون من ألبانها، فلا يصلح للمعارضة لهذا الحديث الصحيح، ولو صح لحمل على أنها كانت من إبل الصدقة، وكان أصحاب الفقراء من أهل الصفة وغيرهم [يشربون من ألبانها].\nوأما الأرض التي كانت له - ﷺ - بخيبر وفدك فقد سَبَّلَها رسول الله - ﷺ - في حياته وجعلها صدقة للمسلمين، كما وقع في رواية البخاري (٣) عن عمرو بن الحارث أخي جويرية قال: \"ما ترك رسول الله - ﷺ - عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقة\".\nقلت: وحديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم (٤): أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة\"، وكذلك حديث أبي بكر عندهما (٥): قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) (٣/ ٤٧١).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ٣٢٦).\n(٣) \"صحيح البخاري\" رقم الحديث (٢٥٨٨).\n(٤) \"صحيح البخاري\" رقم (٢٦٢٤)، و\"صحيح مسلم\" (١٧٦٠).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٢٩٢٦)، و\"صحيح مسلم\" (١٥٥٧).","vol":"10","page":8},{"text":"وَلَا أَوْصَى بِشَىْءٍ\". [م ١٦٣٥، ن ٣٦٢١، جه ٢٦٩٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>(٢) بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يَجُوزُ لِلْمُوصِي في مَالِهِ</span>\n٢٨٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِى خَلَفٍ قَالَا: نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرِضَ مَرَضًا (١) أَشْفَى فِيه، فَعَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،\n===\n\"لا نورث، ما تركنا صدقة\"، تدلان على أن ما ترك رسول الله - ﷺ - في نفسه وملكه شيئًا إلَّا جعل جميعها صدقة، فصح قول عائشة - ﵂ -: \"ما ترك رسول الله - ﷺ - دينارًا ولا درهمًا ولا بعيرًا ولا شاة\"، أي: لم يترك في ملكه بل جعل كلها صدقة.\n(ولا أوصى بشيء) من المال والخلافة، وأما الأحاديث الصحيحة في وصيته - ﷺ - بكتاب الله ووصيته لأهل البيت، وإخراج اليهود من جزيرة العرب، وإجازة الوفد، فليست مرادة بقولها: [ولا] أوصى، قاله القاري.\n\n(٢) (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يَجُوزُ لِلمُوصِي في مَالِهِ)\n٢٨٦٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خلف قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن عامر بن سعد) بن أبي وقاص، (عن أبيه) سعد (قال) سعد: (مرض) (٢) أي: سعد، عبَّر نفسه بالغيبة (مرضًا أشفى فيه) أي: قرب فيه من الموت (فعاده رسول الله - ﷺ -) من العيادة، (فقال: يا رسول الله،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال ابن أبي خلف: بمكة، ثم اتفقا\".\n(٢) في \"المشكاة\" من الحديث المتفق عليه: \"مرضت عام الفتح\"، قال القاري (٦/ ٢٥٢): وفي هامش نسخة ميرك شاه: صوابه: \"عام حجة الوداع\". وجمع صاحب \"تنقيح الرواة\"، من قال فيه: حجة الوداع ورجحه أيضًا، وقال: ليس في \"الصحيحين\" إلَّا هذا، وأما غزوة الفتح فهو في رواية للترمذي، والحافظ (٥/ ٣٦٣)، والعيني (١٠/ ١٢)، قالا: إن الفتح وهم، ثم جمعا بينهما باحتمال التعدد. (ش).","vol":"10","page":9},{"text":"إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُنِى إلَّا ابْنَتِى أَفَأَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَبِالشَّطْرِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَالثُّلُثِ (١)؟\n===\nإن لي مالًا كثيرًا، وليس يرثني) أي: من أصحاب الفرائض، أو ليس يرثني ممن أخاف عليه الضياع (إلَّا ابنتي).\nقال الحافظ (٢): وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أن اسمها عائشة، فإن كان محفوظًا فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث عنده في الباب الذي يليه، لكن لم يذكر أحد من النَّسَّابين لسعد بنتًا تسمى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم \"الكبرى\" والظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة لتقدم تزويج سعد أمَّها، انتهى.\nوليس المراد أنه لا وارث له غير ابنته، بل كان له عصبة كثيرة (٣).\nقلت: والأحسن أن يقال: ليس لي من ولدي إلَّا ابنتي، لأنه لم يكن له يومئذ إلَّا ابنة واحدة (٤)، وإنما عبَّر - ﷺ - بالورثة؛ لأنه - ﷺ - اطلع على أن سعدًا سيعيش ويأتيه الأولاد غير البنت المذكورة، فكان كذلك، وولد له بعد ذلك أربعة (٥) بنين، أو يقال: إن رسول الله - ﷺ - إنما عبر بالورثة؛ لأنه كان له من الورثة من ولد أخيه عتبة بن أبي وقاص غيرها، فأطلق لفظ الورثة باعتبار ابنته وأبناء أخيه.\n(أفأتصدق بالثلثين) من مالي؟ (قال: لا، قال: فبالشطر؟) أي: أتصدق بنصف مالي؟ (قال: لا، قال) أي سعد: (فالثلث؟) بالجر، أي: أفأتصدق بثلث مالي؟\n_________\n(١) في نسخة: \"فبالثلث\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨).\n(٣) وبه جزم أبو الطيب في \"شرح الترمذي\". (ش).\n(٤) كما هو مصرح في رواية البخاري. (ش).\n(٥) وذكر في \"القسطلاني\" تسعة بنين وثنتي عشرة بنتًا. [انظر: \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٥١)]. (ش).","vol":"10","page":10},{"text":"قَالَ: \"الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا (١) حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى في امْرَأَتِكَ\".\nقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي؟ قَالَ: \"إِنَّكَ إِنْ تُخَلَّفْ بَعْدِي، فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ لَا تَزْدَادُ بِهِ إِلَّا رِفْعَة وَدَرَجَةً،\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (الثلث) أي تصدق الثلث، (والثلث كثير) أي باعتبار ما دونه، قال ابن الملك: فيه بيان أن الإيصاء بالثلث جائز له، وأن النقص منه أولى، (إنك) استئناف (إن) بفتح الهمزة على التعليل وبكسرها على الشرطية، قال القرطبي: لا معنى للشرط ها هنا؛ لأنه يصير لا جواب له، وتعقب بأنه لا مانع من تقديره (تترك ورثتك أغنياء) أي: مستغنين عن الناس (خير من أن تدعهم عالة) جمع عائل وهو الفقير، والفعل منه عال يعيل إذا افتقر (يتكففون الناس) أي: يسألون بأكفهم، أو سأل ما يكف عنه الجوع، أو سأل كفًّا كفًّا من طعام.\n(وإنك لن تنفق نفقة) تبتغي فيها وجه الله، أي: رضاه (إلَّا أجرت) بصيغة المجهول (فيها) أي: أعطيت الأجر من الله تعالى في تلك النفقة (حتى اللقمة) بالنصب عطفًا على نفقة، ويجوز الرفع على أنه مبتدأ (ترفعها) هكذا في المكتوبة القلمية والمصرية بالراء، وتؤيده رواية \"البخاري\" و\"المشكاة\"، وفي المجتبائية والقادرية والكانفورية بالدال المهملة، ولعله تصحيف من بعض النساخ (إلى في امرأتك)، والمعنى أن المنفق لابتغاء رضاه تعالى يؤجر، وإن كان محل الإنفاق محل الشهوة وحظ النفس؛ لأن الأعمال بالنيات.\n(قلت: يا رسول الله، أتخلف عن هجرتي؟) أي: أتأخر عن ثوابها بأن أموت بمكة (قال) رسول الله - ﷺ -: (إنك إن تُخَلَّفْ بعدي) أي: تعيش وتبقى بعد موتي (فتعمل عملًا) من الجهاد والصدقة، (تريد به وجه الله لا تزداد به) أي بذلك العمل (إلَّا رفعة ودرجة) عند الله تعالى.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بها\".","vol":"10","page":11},{"text":"لَعَلَّكَ أَنْ (١) تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ\"، ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ،\n===\n(لعلك أن تُخَلَّفَ) فتعيش بعدي، (حتى ينتفع بك أقوام) في دينهم ودنياهم بأن أسلموا وفازوا بالنعيم المقيم (ويُضَرَّ بك آخرون) وهم الكفار في دينهم ودنياهم، فإنهم قتلوا وصاروا إلى جهنم، وسبيت نساؤهم وأولادهم، وغنمت أموالهم وديارهم، وهذا الحديث من المعجزات، لأن سعدًا - ﵁ - عاش بعد النبي - ﷺ - حتى فتح العراق وغيره، وولي العراق فاهتدى على يديه خلائق، وتضرر خلائق بإقامة الحق فيهم من الكفار ونحوهم.\nقال القاضي (٢): قيل: لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه (٣) بمكة وموته بها إذا كان لضرورة، وإنما كان يحبطه ما كان بالاختيار، وإنما خاف سعد إشفاقًا من موته بمكة لكونه هاجر منها فتركها لله تعالى، فخشي أن يقدح ذلك في هجرته أو في ثوابه عليها، أو خشي بقاءه بمكة بعد انصراف النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة وتخلفه عنهم بسبب المرض، وكانوا يكرهون الرجوع فيما تركوه لله تعالى، وعليه تدل هذه الرواية: \"يا رسول الله، أتخلف عن هجرتي\".\nوقال قوم: موت المهاجر بمكة محبط هجرته كيفما كان، وقيل: لم تفرض الهجرة إلَّا على أهل مكة خاصة.\n(ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (اللَّهُمَّ أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم) قال القاضي: استدل به بعضهم على أن بقاء المهاجر بمكة كيف كان قادح في هجرته، قال: ولا دليل فيه عندي، لأنه يحتمل أنه دعا لهم دعاءً عاما، ومعنى \"أمض لأصحابي هجرتهم\" أي: أتممها ولا تبطلها، ولا تردهم على أعقابهم بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"لن\".\n(٢) \"إكمال المعلم\" (٥/ ٣٦٦). وانظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٩١).\n(٣) في الأصل: \"لبقائه\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":12},{"text":"لَكِنَّ الْبَائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ\"، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. [خ ١٢٩٥، م ١٦٢٨، ت ٢١١٦، ن ٣٦٢٧، جه ٢٧٠٨، دي ٣١٩٥، حم ١/ ١٧٢]\n===\n(لكن البائس) وهو الذي عليه أثر البؤس، وهو القلة والفقر (سعد بن خولة).\nواختلفوا في قصة سعد بن خولة فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات بها، قاله عيسى بن دينار، وذكر البخاري أنه هاجر وشهد بدرًا، ثم انصرف إلى مكة ومات بها.\nوقال ابن هشام: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرًا وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع سنة عشر، وقيل: توفي بها سنة سبع في الهدنة، خرج مُخْتارًا (١) من المدينة إلى مكة.\nفعلى هذا وعلى قول عيسى بن دينار سبب بؤسه سقوط هجرته لرجوعه مختارًا وموته بها، وعلى قول الآخرين سبب بؤسه موته بمكة على أي حال كان، وإن لم يكن باختياره لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه الذي هجره لله تعالى.\nقال القاضي (٢): وقد روي في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - خلف مع سعد بن أبي وقاص رجلًا، وقال له: إن توفي بمكة فلا تدفنه بها، وسعد بن خولة هذا هو زوج سبيعة الأسلمية.\n(يرثي له رسول الله - ﷺ -) قال العلماء: هذا من كلام الراوي، وليس من كلام النبي - ﷺ -، واختلفوا في قائل هذا الكلام من هو؟ فقيل: سعد بن أبي وقاص، وقد جاء مفسرًا في بعض الروايات، قال القاضي: وأكثر ما جاء أنه من كلام الزهري، ومعناه يتوجع له ويرق عليه لكونه مات بمكة (أن مات بمكة).\n_________\n(١) وفي \"شرح صحيح مسلم\" للنووي: مجتازًا.\n(٢) \"إكمال المعلم\" (٥/ ٣٦٨).","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1095>(٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَّةِ الإضْرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ</span>\n٢٨٦٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: نَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، عن أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنٍ جَرِيرٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ (١) - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ\n===\n(٣) (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَّةِ الإضْرَارِ)\nأي: إضرار الورثة (فِي الْوَصِيَّةِ)\n٢٨٦٥ - (حدثنا مسدد قال: نا عبد الواحد بن زياد قال: نا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة قال: قال رجل) قال الحافظ (٢): لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون أبا ذر (لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟) أي: أعظم أجرًا.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أن تصدق) بتشديد الصاد وأصله تتصدق فأدغمت إحدى التائين (وأنت صحيح حريص) على المال (تأمُل) أي: تطمع (البقاء، وتخشى الفقر)، قال ابن بطال وغيره: لما كان الشح غالبًا في الصحة، فالسماح فيه بالصدقة أصدق في النية وأعظم للأجر، بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير (٣) المال لغيره، (ولا تمهل) بالإسكان على أنه نهي، وبالرفع على أنه خبر، ويجوز النصب (حتى إذا بلغت) النفس (الحلقوم) أي: قاربت بلوغه، إذ لو بلغت حقيقة لم يصح شيء من تصرفاته.\n_________\n(١) في نسخة: \"للنبي\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٥).\n(٣) في الأصل: \"مصدر\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":14},{"text":"قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ\". [خ ٢٧٤٨، م ١٠٣٢، ن ٣٦١١، حم ٢/ ٢٣١]\n٢٨٦٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن شُرَحْبِيل، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمائَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ\". [حب ٣٣٣٤]\n٢٨٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ\n===\n(قلت: لفلان كذا) من المال (ولفلان كذا) من المال، (وقد كان) المال (لفلان) أي: الوارث، قال الخطابي (١): فلان الأول والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله وإن شاء أجازه.\nقال الحافظ (٢): قال بعض السلف عن بعض أهل الترف: يعصون الله في أموالهم مرتين: يبخلون بها وهي في أيديهم يعني في الحياة، ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم يعني بعد الموت.\n٢٨٦٦ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا ابن أبي فديك قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن شرحبيل، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: لأن يتصدق المرء في حياته) وصحته (بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته)، وقد تقدم وجهه في الحديث المار.\nوأما مناسبة الحديثين بالباب بأن التصدق عند الموت بحكم الوصية لا يجوز أن يزيد على الثلث، وأما إذا كان التصدق بنية الإضرار بالورثة فلا يجوز ذلك أيضًا، وإن كان أقل من الثلث.\n٢٨٦٧ - (حدثنا عبدة بن عبد الله قال: أخبرنا عبد الصمد\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ٨٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٤).","vol":"10","page":15},{"text":"قَالَ: نَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُدَّانِيُّ قَالَ: نَا الأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ و(١) الْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ\".\nقَالَ (٢): وَقَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ هَهُنَا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) \". [ت ٢١١٧، جه ٢٧٠٤، حم ٢/ ٢٧٨، ق ٦/ ٢٧١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا - يَعْنِي الأَشْعَثَ بْنَ جَابرٍ - جَدُّ نَصْرِ بْنِ عَلِيًّ.\n===\nقال: نا نصر بن علي الحداني) الجهضمي، وهو الكبير، (قال: نا الأشعث بن جابر) وهو أشعث بن عبد الله بن جابر، وقد ينسب إلى جده (قال: حدثني شهر بن حوشب، أن أبا هريرة حدثه، أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الرجل ليعمل والمرأة) أي: تعمل (بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضاران) من المضارَّة، وهي إيصال الضرر بالحرمان بما يعد في الشرع نقصانًا إلى بعض من يستحق، لولا هذه الوصية، (في الوصية، فتجب لهما النار، قال: وقرأ عليَّ أبو هريرة من ها هنا) أي من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حتى بلغ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، قال أبو داود: هذا - يعني الأشعث بن جابر - جد نصر بن علي) أي: جده لأمه، قاله الحافظ (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"أو\".\n(٢) في نسخة بدله: \"وقال: قرأ\".\n(٣) سورة النساء: الآية ١٢ - ١٣.\n(٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤٢٩).","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1096>(٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّخُولِ في الْوَصَايَا</span>\n٢٨٦٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ الْمُقْرِئ قَالَ: نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عن عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ\" (١). [م ١٨٢٥، ن ٣٦٦٧]\n===\n\n(٤) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّخُولِ (٢) فِي الْوَصَايَا)\nأي: لا ينبغي أن يكون وصيًا؛ لأنه باعتبار أن يتعلق به حقوق الناس يكون في الخطر من الحيف في أداء الحقوق\n٢٨٦٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو عبد الرحمن المقرئ قال: نا سعيد بن أبي أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن سالم بن أبي سالم الجيشاني) المصري، واسم أبي سالم سفيان بن هانئ، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد: \"يا أبا ذر، لا تأمرن\"، الحديث، (عن أبيه) أبي سالم، (عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا) أي: غير قادر على تحصيل مصالح الإمارة ودرء مفاسدها.\n(وإني أحب لك ما أحب لنفسي) أي: من السلامة عن الوقوع في المحذور، قيل: تقديره أي لو كان حالي كحالك في الضعف، (فلا تأمَّرَنّ على اثنين) أي: لا تكن أميرًا على رجلين (ولا تولين مال يتيم) أي: لا تصر متوليًا لمال اليتيم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: تفرد به أهل مصر\".\n(٢) لا بأس بالدخول في الوصية، لأن الصحابة كان يوصي بعضهم إلى بعض، وقياس مذهب أحمد أن ترك الدخول فيه أولى، والبسط في \"المغني\" (٨/ ٣٨٩). (ش).","vol":"10","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1097>(٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي نَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِين</span>\n٢٨٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِن تَرَكَ خَيرًا\n===\nكتب في الحاشية عن \"مرقاة الصعود\" (١): قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: كان رسول الله - ﷺ - متوليًا، وكان سيد الولاة وحاكمًا لجميع المسلمين، فكيف قال له: \"إني أحب لك ما أحب لنفسي\"، وفي ذلك إشكال من وجهين: أن الإِمام أفضل من غيره، والثاني: أنه كان ينبغي أن يؤثر ﵇ ما هو أحبُّ إليه.\nقال: والجواب: أن معنى ذلك أحبُّ لنفسي لو كان حالي كحالك في الضعف، لأن للولاية شرطين: العلم بحقائقها، والقدرة على تحصيل مصالحها ودرء مفاسدها، وقد نبه على هذين الشرطين يوسف ﵇ بقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، فإذا فقد الشرطان حرمت الولاية.\n(٥) (بَابُ مَا جَاءَ فِي نَسْخِ الْوَصِيَّةِ (٣) لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبينَ)\n٢٨٦٩ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا\n_________\n(١) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٢٣).\n(٢) سورة يوسف: الآية ٥٥.\n(٣) راجع: \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٢٢٧). (ش).","vol":"10","page":18},{"text":"الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، فَكَانَت الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ\". [ق ٢/ ٥١١، دي ٣٢٦٣]\n===\nالْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فكانت الوصية كذلك)، أي: كان حكم الوصية فرضًا للورثة (حتى نسختها آية الميراث).\nقلت: اختلف الناس في الوصية المذكورة في الآية، هل كانت واجبة أم لا؟ فقال قائلون: إنها لم تكن واجبة، وإنما كانت ندبًا وإرشادًا، وقال آخرون: قد كانت فرضًا ثم نسخت.\nواختلف الموجبون، فمنهم من قال: هذه الآية صارت منسوخة، ومنهم من قال: إنها ما صارت منسوخة، وهذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني.\nواختلف القائلون بمنسوخيتها في الناسخ، ماذا هو؟ فقال بعضهم: صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه، وبعضهم قال: إنها المنسوخة بقوله ﵊: \"ألا لا وصية لوارث\".\nواختلفوا أيضًا على قولين، فمنهم من قال: إنها صارت منسوخة في حق من يرث، وفي حق من لا يرث وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، ومنهم من قال: إنها منسوخة في من يرث ثابتة في من لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وغيرهم، فعند هؤلاء أن هذه الآية بقيت دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثًا، ملخص من \"الكبير\" (٢).\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٠.\n(٢) \"التفسير الكبير\" للرازي (٢/ ٢٣٤).","vol":"10","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1098>(٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ</span>\n٢٨٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب بْنُ نَجْدةَ قالَ: نَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عن شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمَعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ (١): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّه قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ\". [ت ٢١٢٠، جه ٢٧١٣، حم ٥/ ٢٦٧]\n===\n\n(٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ)\n٢٨٧٠ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة قال: نا ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه) إشارة إلى آية المواريث، لأنه ﷾ عين حقوق الورثة؛ (فلا وصية لوارث)، وكانت الوصية قبل نزول الآية واجبة للأقربين بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية (٢)، ثم نسخت بآية المواريث، واعترض عليه بأن آية المواريث لا تنافي الوصية بأن يعطى أحد شيئًا بالوصية، ويعطى بالميراث، فلا يستحيل اجتماع الميراث والوصية.\nقلنا: هذا الحديث في حيز التواتر لاستفاضته وشهرته في الأمة، وتلقي الفقهاء إياه بالقبول واستعمالهم له، وجائز عندنا نسخ القرآن بمثله.\nوقال الشافعي ﵀: يحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية، ويحتمل أن تكون ثابتة معها، فلما روي عن النبي - ﷺ - هذا الحديث استدللنا على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والأقربين.\n_________\n(١) في نسخة: \"يقول\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٠.","vol":"10","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1099>(٧) بَابُ مُخَالَطَةِ الْيَتِيمِ فِي الطَّعَامِ</span>\n٢٨٧١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا جَرِيرٌ، عن عَطَاءٍ (١)، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وَ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضَلُ مِنْ طَعَامِهِ (٢) فيَحْبِسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ\n===\n\n(٧) (بَابُ مُخَالَطَةِ الْيَتِيمِ فِي الطَّعَامِ)، أي: هل يجوز؟\n٢٨٧١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٤) الآية، انطلق) بعد سماع الآية من مجلس رسول الله - ﷺ - (من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل) أي: يبقى (من طعامه) بعد أكله (فيحبس له حتى يأكله) أي: اليتيم الطعام (أو يفسد) إذا لم يأكله.\n(فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ أي: وما يلقونه من الحرج في شأنهم، فإن آكلوهم يأثموا، وإن عزلوا مالهم من أموالهم وصنعوا لهم طعامًا وحدهم فحرج (﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ﴾) في أموالهم بتنميتها ومداخلتكم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن سعد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٣) سورة الأنعام: الآية ١٥٢.\n(٤) سورة النساء: الآية ١٠.","vol":"10","page":21},{"text":"خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِ\". [ن ٣٦٦٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>(٨) بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا لِوَلِيّ الْيَتِيمِ أَنْ يَنَالَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ</span>\n٢٨٧٢ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: نَا حُسَيْنٌ - يَعْنِي الْمُعَلِّمَ -، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ (١) - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ لَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَلِيَ يَتِيمٌ، قَالَ: \"فَكُلْ (٢) مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَادِرٍ (٣)\n===\n(﴿خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾) أي: تخلطوا نفقتهم بنفقتكم (﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾) (٤) أي: فهم إخوانكم في الدين، ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه فلكم ذلك، والله يعلم المفسد بأموالهم لمخالطته من المصلح لهم، فيجازي كلًّا منهم، (فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه).\n\n(٨) (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا)، أي: يجوز (لِوَليِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَنَالَ مِنْ مَالِ الْيَتيمِ)\n٢٨٧٢ - (حدثنا حميد بن مسعدة، أن خالد بن الحارث حدثهم) أي: حميدًا وغيره (قال: نا حسين - يعني المعلم -، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: إني فقير ليس لي شيء، ولي يتيم) أي: غني (قال: فكل من (٥) مال يتيمك غير مسرف) أي: غير مجاوز عن الحاجة (ولا مبادر) أي: متعجل مخافة أن يكبر، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"كل\".\n(٣) في نسخة: \"مباذر\".\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٢٠.\n(٥) والحديث يخالف الحنفية كما في \"الأوجز\" (١٦/ ٤٤٥ - ٤٥٠). (ش).","vol":"10","page":22},{"text":"وَلَا مُتَأَثِّلٍ». [ن ٣٦٦٨، جه ٢٧١٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>(٩) بَابُ مَا جَاءَ مَتَى يَنْقَطِع الْيُتْم</span>؟\n٢٨٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عن أَبِيهِ، عن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رُقَيْشٍ،\n===\nفَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) (ولا متأثل) أي: غير جامع مالًا لنفسه بأن يتجر فيه، فإذا بلغ أعطاه رأس ماله وأخذ الربح لنفسه.\n\n(٩) (بَابُ مَا جَاءَ مَتَى يَنْقَطِعُ الْيُتْمُ؟) بالضم\n٢٨٧٣ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا يحيى بن محمد) بن عبد الله بن مهران (المديني) الجاري (قال: نا عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم) المدني، أبو شاكر، مولى ابن جدعان، ذكره ابن شاهين في \"الثقات\"، وقال: قال أحمد بن صالح: ثقة من أهل المدينة، وقال الأزدي: لا يكتب حديثه، وقال ابن القطان: مجهول الحال.\n(عن أبيه) خالد بن سعيد بن أبي مريم التيمي المدني، مولى ابن جدعان، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن المديني: لا نعرفه، وجهله ابن القطان.\n(عن سعيد بن عبد الرحمن) بن يزيد (بن رقيش) مصغرًا، ابن رياب الأسدي المدني، من حلفاء بني عبد شمس، روى عن خاله عبد الله ابن أبي أحمد، قال أبو زرعة: شيخ مدني ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٦.","vol":"10","page":23},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ شُيُوخًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَمِنْ خَالِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَفِظْتُ عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ\". [ق ٦/ ٥٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>(١٠) بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ</span>\n٢٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيْدَ،\n===\n(أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف و) سمع (من خاله عبد الله بن أبي أحمد) بن جحش بن رياب الأسدي، ولد في حياة رسول الله - ﷺ -، وهو من كبار التابعين، روى له أبو داود حديثًا واحدًا عن علي، قال الطبراني: لا يروي إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صالح، ولا نحفظ لعبد الله حديثًا مسندًا غير هذا، وقال ابن سعد: له رؤية، وقال أبو نعيم: له ولأبيه صحبة، وذكره جماعة في الصحابة باعتبار رؤيته، وقال العسكري: حديثه مرسل.\n(قال: قال علي بن أبي طالب: حفظت عن رسول الله - ﷺ -: لا يتم بعد احتلام) أي: بعد بلوغ، أي: إذا بلغ الرجل أو المرأة انقطع يتمه، (ولا صُمات) بضم الصاد، أي: السكوت وترك التكلم (يوم إلى الليل) قيل: كان الصمات من عبادة أهل الجاهلية، فنهُوا عن ذلك، وأُمِرُوا بالنطق والذكر بالخير.\n\n(١٠) (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ في أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ)\nأي: بغير حق\n٢٨٧٤ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني قال: نا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن ثور بن يزيد).\nهكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا: \"ابن يزيد\" بزيادة الياء التحتانية قبل الزاي، وكتب في حاشية النسخة القلمية: كذا في أصول صحيحة: \"ثور بن يزيد\"، وفي بعضها: \"ثور بن زيد\"، وهو الذي في \"الأطراف\"،","vol":"10","page":24},{"text":"عن أَبِي الْغَيْثِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"اجْتَنِبُوا\nالسَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ\"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: \"الشِّرْكُ بِاللَّهِ،\n===\nوهو المعروف بالرواية عن أبي الغيث، والمأثور (١) \"ابن يزيد\"، انتهى.\nقلت: ما وقع في نسخ أبي داود من \"ثور بن يزيد\" بزيادة الياء التحتانية فهو غلط من النساخ، فإن البخاري أخرج هذا الحديث في مواضع من كتابه، وقال: عن ثور بن زيد، وقد صرح في باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٢) الآية، بأنه ثور بن زيد مدني؛ فقال: حدثني عبد العزيز ابن عبد الله قال: حدثني سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد المدني، عن أبي الغيث، والمدني ليس إلَّا ثور بن زيد، وأما ثور بن يزيد فهو حمصي.\nوقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" هذا الحديث من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، فأما ثور بن زيد هو الديلي مولاهم، المدني، روى عن سالم أبي الغيث، وعنه سليمان بن بلال.\nوأما ثور بن يزيد بن زياد فهو الكلاعي، ويقال: الرحبي، أبو خالد، الحمصي، ولم يذكر روايته عن أبي الغيث، ولا ذكر أنه روى عنه سليمان بن بلال.\n(عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: اجتنبوا السبع (٣) الموبقات) أي: الأفعال المهلكات التي توقع فاعلها في الهلكة، والمراد بها الكبائر، (قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله) وهو أكبر\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: \"أما ثور بن يزيد\"، وتمامه أن يقال: \"وأما ثور بن يزيد الحمصى: فإنه متأخر الطبقة عن ثور بن زيد قليلًا، ولا يروي عن أبي الغيث\". هكذا في التعليق على \"سنن أبي داود\" للشيخ محمد عوامة (٣/ ٣٩٧).\n(٢) سورة النساء: الآية ١٠.\n(٣) واختلف في تفسير الكبائر على أقوال بسطت في \"الدر المنثور\" (٢/ ٥٥)، و\"فتح الباري\" (١٢/ ١٨٢)، وفي باب الكبائر من \"مظاهر حق\"، ولابن نجيم رسالة مستقلة في ذلك، و\"كتاب الزواجر\" لابن حجر المكي. (ش).","vol":"10","page":25},{"text":"وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ\" (١). [خ ٢٧٦٦، م ٨٩، ن ٣٦٧١]\n===\nالكبائر، (والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلَّا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم) بغير حق، (والتولي يوم الزحف) أي: الجهاد ولقاء العدو إلَّا متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة، (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).\nواختلفوا في حد الكبيرة، فقيل: الكبيرة هي الموجبة للحد، وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنَّة، وقيل: الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو لعن، وقيل: كل ذنب أدخل صاحبه النار.\nومن أحسن التعاريف قول القرطبي في \"المفهم\": كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنَّة أو إجماع أنه كبيرة، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحد، أو شدد النكير عليه فهو كبيرة.\nقلت: وقال ابن عطاء في \"حِكَمِه\": لا كبيرة إذا واجهك فضله، ولا صغيرة إذا قابلك عدله.\nوقال الحليمي في \"المنهاج\": ما من ذنب إلَّا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تضم إليها، وتنقلب الكبيرة فاحشة كذلك، إلَّا الكفر بالله، فإنه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة، ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش وأفحش.\nثم ذكر الحليمي أمثلة لما قال، فالثاني كقتل النفس بغير حق فإنه كبيرة، فإن قتل أصلًا أو فرعًا، أو ذا رحم، أو بالحرم، أو بالشهر الحرام فهو فاحشة، والزنا كبيرة، فإن كان بحليلة الجار، أو بذات رحم، أو في شهر رمضان، أو في الحرم فهو فاحشة، وشرب الخمر كبيرة، فإن كان في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أبو الغيث سالم مولى ابن مطيع\".","vol":"10","page":26},{"text":"٢٨٧٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوْزَجَانِيُّ قَالَ: نَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: نَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ، نَا عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عن أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ - وَكَانَ (١) لَهُ صُحْبَةٌ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ\n===\nشهر رمضان نهارًا، أو في الحرم، أو جاهر به فهو فاحشة. والأول كالمفاخذة مع الأجنبية صغيرة؛ فإن كان مع امرأة الأب، أو حليلة الابن، أو ذات رحم فكبيرة، والسرقة ما دون النصاب صغيرة، فإن كان المسروق منه لا يملك غيره وأفضى به عدمه إلى الضعف فهو كبيرة، وأطال في أمثلة ذلك، ملخص من \"الفتح\" (٢).\nوأما الجواب عن الحكمة في الاقتصار على السبع، فقيل: إن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل: اعلم أولًا بالمذكورات، ثم اعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، وقيل: إن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك.\n٢٨٧٥ - (حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال: نا معاذ بن هانئ قال: نا حرب بن شداد قال: نا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سِنان) حجازي مكي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في الكتابين أي أبي داود والنسائي هذا الحديث الواحد، قلت: وقال العقيلي: قال البخاري: في حديثه نظر، وقال في \"التقريب\": مقبول.\n(نا عبيد بن عمير، عن أبيه) عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث الليثي الجندعي الكوفي، صحابي، روى عنه ابنه عبيد وحده، له عندهم حديثان، ذكر العسكري أنه شهد الفتح، وذكر البغوي أنه شهد حجة الوداع (أنه) أي: عميرًا (حدثه) أي: عبيدًا (وكان له) أي: لعمير (صحبة، أن رجلًا سأله)\n_________\n(١) في نسخة: \"وكانت\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٨٤).","vol":"10","page":27},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: \"هُنَّ تِسْعٌ (١) \" فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. زَادَ: \"وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا\". [ن ٤٠١٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>(١١) بَابُ مَا جَاءَ فِي الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ</span>\n٢٨٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن خَبَّابٍ قَالَ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا نَمِرَةٌ،\n===\nأي النبي - ﷺ - (فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال) النبي - ﷺ -: (هن) أي: الكبائر (تسع (٢)، فذكر معناه) أي معنى حديث أبي هريرة المتقدم.\n(زاد) أي إبراهيم بن يعقوب أو عبيد: (وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام) أي: هتك حرمته بالقتل فيه، والاصطياد وقطع الشجر ونحو ذلك (قبلتكم) وهو الذي يستقبل ويتوجه إليه (أحياء) أي: في زمان الحياة في الصلاة (وأمواتًا) بتحويل وجه الميت إليها.\n\n(١١) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ (٣) المالِ)\nفيقدم الكفن وما في معناه من التجهيز على الدَّيْن وعلى الوصية وعلى الميراث\n٢٨٧٦ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب) بن الأرت (قال) خباب: (مصعب بن عمير) مبتدأ (قتل يوم أحد) خبره (ولم يكن له) أي: من المال (إلَّا نمرة) قصيرة\n_________\n(١) في نسخة: \"سبع\".\n(٢) هكذا في \"جمع الفوائد\" ح (٨٠٩٤) عن رزين، ولفظ النسائي \"سبع\"، وبالتسع ذكره الزيلعي (٢/ ٢٥٢)، وكذا الحافظ في \"الدراية\" (١/ ٢٢٩). (ش).\n(٣) قال الأبي في \"شرح مسلم\" (٣/ ٣٤٤): به قال الجمهور إلا ما قيل عن طاوس: إنه من الثلث إن قلّ المال، وبعض السلف: إنه من الثلث مطلقًا. (ش).","vol":"10","page":28},{"text":"كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا (١) رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذْخِرِ\". [خ ١٢٧٦، م ٩٤٠، ت ٣٨٥٣، ن ١٩٠٣، حم ٥/ ١٠٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>(١٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ ثُمَّ يُوصَى لَهُ بِهَا أَوْ يَرِثُهَا</span>\n٢٨٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ بُرَيْدةَ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَتْ (٢): كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَليدة.\n===\n(كنا إذا غطينا رأسه) بها (خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله - ﷺ -: غطوا بها) أي: بالنمرة (رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر) وهو نبت طيب الرائحة.\n\n(١٢) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ) من رجل (ثُمَّ يُوصَى لَه)، أي: للواهب (بِهَا)، أي: يوصيه الموهوب له (أَوْ يَرِثُهَا) أي: يرث الواهب بهبته\n٢٨٧٧ - (حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير قال: نا عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة: أن امرأة) لم أقف على تسميتها (أتت رسول الله - ﷺ - وقالت: كنت تصدقت) قبل ذلك (على أمي بوليدة) أي: بتمليكها لها هبة أو صدقة (وأنها) أي: أمي (ماتت وتركت تلك الوليدة) أي: ميراثًا، فهل آخذها وتعود في ملكي ولا يكون هذا رجوعًا في الصدقة؟\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بها\".\n(٢) في نسخة: \"فقالت\".","vol":"10","page":29},{"text":"قَالَ: \"قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ\".\nقَالَتْ: وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَيُجْزِئُ أَوْ يَقْضِي عَنْهَا أَنْ أَصُومَ عَنْهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قَالَتْ: وَإِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ، أَفَيُجْزِئُ أَوْ تَقْضِي (١) عَنْهَا أَنْ أَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". [م ١١٤٩، ت ٩٢٩، حم ٥/ ٣٥١]\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (قد وجب أجرك) أي: بصلتها (ورجعت) أي: الوليدة (إليك في الميراث) أي: صارت الجارية ملكًا لك بالإرث، وعادت إليك بالوجه الحلال، والمعنى: أن ليس هذا من باب العود في الصدقة، قال ابن الملك: أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق بصدقة على قريبه ثم ورثها حلت له، وقيل: يجب صرفها إلى فقير، لأنها صارت حقًّا لله تعالى.\n(قالت: وإنها) أي: أمي (ماتت وعليها صوم شهر، أفيجزئ) أي: يكفي، وفي المكتوبة القلمية: \"أفيَجْزِي\" وهو بمعنى يقضي (أو) للشك من الراوي (يقضي) أي: يؤدي (عنها أن أصوم عنها؟ قال: نعم) أي: أدِّي الصوم عنها بالكفارة.\nقال الطيبي (٢): جَوَّز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان عليه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة بهذا، ولم يُجَوِّز مالك والشافعي وأبو حنيفة - ﵏ -، بل يطعم عنه وليه لكل يوم صاعًا من شعير، أو نصف صاع من بر عند أبي حنيفة، وكذا لكل صلاة، وقيل: لصلوات كل يوم.\n(قالت: وإنها لم تحج، أفيجزئ) مهموز اللام (أو تقضي عنها أن أحج عنها؟ قال: نعم) حجي عنها، أي: سواء وجب عليها أم لا، أوصت به أم لا، قال ابن الملك: يجوز أن يحج أحد من الميت بالاتفاق.\n_________\n(١) وفي بعض النسخ: \"يقضي\"، وهو الظاهر. (ش).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٢٨).","vol":"10","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1105>(١٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُوقِفُ الْوَقْفَ</span>\n٢٨٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن ابْنِ عَوْنٍ، عن نَافِعٍ، عن ابْن عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ:\n===\n\n(١٣) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُوقِفُ الْوَقْفَ)\nأي: يوقف ماله وقفًا، أو يوقف ماله الذي سيكون موقوفًا\n٢٨٧٨ - (حدثنا مسدد قال: نا يزيد بن زريع، ح: وحدثنا مسدد قال: نا بشر بن المفضل، ح: وحدثنا مسدد قال: نا يحيى) ثلاثتهم (عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: أصاب عمر) - ﵁ - (أرضًا بخيبر) اسمها ثمغ، وكانت ليهود بني حارثة (فأتى النبي - ﷺ - فقال: أصبتُ أرضًا، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه).\nكان له مائة رأس فاشترى بها مائة سهم من خيبر من أهلها، فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر، وأن مقدارها كان مقدار مائة سهم من السهام التي قسمها النبي - ﷺ - بين من شهد خيبر، وهذه المائة سهم غير المائة سهم التي كانت لعمر بن الخطاب بخيبر التي حصلها من جزئه من الغنيمة وغيره، وذكر عمر بن شبة بإسناد ضعيف، عن محمد بن كعب، أن قصة عمر هذه كانت في سنة سبع من الهجرة، قاله الحافظ (١)، فتذكير الضمير في \"منه\" بتأويل الأرض بالمال.\n(فكيف تأمرني به؟) أي: في التصدق به (قال) رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٠).","vol":"10","page":31},{"text":"\"إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا\"، فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوْهَبُ، وَلَا يُورَثُ، لِلْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ. وَزَادَ عن بِشْرٍ: والضَّيْفِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا (١) أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وُيطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.\n===\n(إن شئت حَبَّست أصلها وتصدقت بها) أي: بمنفعتها، وبَيَّن ذلك ما في رواية عبيد الله بن عمر: \"احبس أصلها وسبِّل ثمرتها\"، وفي رواية يحيى بن سعيد: \"تصدق بثمره وحبس أصله\".\n(فتصدق بها) أي: بمنفعتها (عمر، أنه) أي: بشرط أنه (لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث) أي: لا يقع عليها التملك بسبب من أسباب الملك، وظاهر الكلام يدل أن الشرط من كلام عمر - ﵁ -، ولكن وقع في رواية يحيى بن سعيد، عن نافع عند البيهقي: \"تصدق بثمره، وحبس أصله، لا يباع ولا يورث\"، وكذا في حديث صخر بن جويرية، عن نافع بلفظ: \"فقال النبي - ﷺ -: تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره\"، وهذا صريح في أن الشرط من كلام النبي - ﷺ -.\n(للفقراء والقربى) يحتمل أن يكون هم من ذكر في الخمس، ويحتمل أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا الثاني جزم القرطبي (والرقاب) أي: في فكِّها، أي: يشترى بها العبيد ليعتق (وفي سبيل الله وابن السبيل، وزاد) مسدد (عن بشر: والضيف) وهو من نزل بقوم يريد القِرَى.\n(ثم اتفقوا) أي: شيوخ مسدد: (لا جناح على من وليها) أي المتولي (أن يأكل منها بالمعروف) أي القدر الذي جرت به العادة، وقيل: القدر الذي يدفع به الشهوة، وقيل: المراد أن يأخذ منه قدر عمله (ويطعم صديقًا غير متمول) أي: غير متحصل مالًا (فيه) أي: غير متخذ منها مالًا أي ملكًا، والمراد أنه لا يتملك شيئًا من رقابها.\n_________\n(١) في نسخة: \"يليها\".","vol":"10","page":32},{"text":"زَادَ عن بِشْرٍ قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ (١): \"غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا\". [خ ٢٧٣٧، م ١٦٣٢، ت ١٣٧٥، ن ٣٥٩٧، جه ٢٣٩٦، حم ٢/ ١٢]\n===\n(زاد) مسدد (عن بشر قال) ابن عون: (وقال محمد) بن سيرين: (غير متأثل مالًا)، بيَّن ذلك الدارقطني (٢) من طريق أبي أسامة، عن ابن عون قال: ذكرت حديث نافع لابن سيرين فذكره، زاد سليم: قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه: \"غير متأثل مالًا\"، والمتأثل بمثناة ثم مثلثة مشددة بينهما همزة هو المتخذ، والتأثل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شيء أصله، قال الشاعر (٣):\nوقد يُدْرِكُ المَجْدَ المؤثَّلَ أَمْثَالِي\nوأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلى الأكابر من آل عمر، فكأنه كان أولًا شرط أن النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثم عيَّن عند وصيته لحفصة، وقد بَيَّن ذلك عمر بن شبَّة عن أبي غسان المدني، قال: هذه نسخة صدقة عمر، أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفًا حرفًا:\n\"هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ: أنه إلى حفصة ما عاشت، تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها، ثم قال: والمائة وسق الذي أطعمني النبي - ﷺ - فإنها مع ثمغ على سننه الذي أمرت به، وإن شاء ولي ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل، وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هو ابن سيرين\".\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٤/ ١٨٩).\n(٣) هو امرؤ القيس الملك الضلّيل، وتمام البيت:\nولكنما أَسْعَى لِمَجْد مُؤَثلِ ... وقد يُدْرِكُ المَجْدَ المؤَثَّلَ أمثالي\nانظر: \"ديوان امرئ القيس\" (ص ٣٩).","vol":"10","page":33},{"text":"٢٨٧٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَني اللَّيْثُ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن صَدَقَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: نَسَخَهَا لِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ فِي ثَمْغٍ،\n===\nوكذا أخرج أبو داود في روايته نحو هذا، وذكرا جميعًا كتابًا آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزيادة: \"وصِرْمة بن الأكوع والعد الذي فيه صدقة كذلك\".\nوهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته، لأن معيقيبًا كان كاتبه زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أنه وقفه في زمن النبي - ﷺ - باللفظ، وتولى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصية، فكتب حينئذ الكتاب، ويحتمل أن يكون آخر وقفيته، ولم يقع منه قبل ذلك إلَّا استشارته في كيفيته.\nوقد روى الطحاوي وابن عبد البر من طريق مالك، عن ابن شهاب قال: قال عمر: \"لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله - ﷺ - لرددتها\"، فهذا يشعر بالاحتمال الثاني، وأنه لم ينجز الوقف إلَّا عند وصيته.\n٢٨٧٩ - (حدثنا سليمان بن داود المهري قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني الليث، عن يحيى بن سعيد، عن صدقة عمر بن الخطاب، قال) يحيى بن سعيد: (نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب) العدوي المدني، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري قصة صدقة عمر، قال: يحيى نسخها لي عبد الحميد، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما كتب عبد الله عمر، قال في \"التقريب\": مجهول.\n(بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما كتب عبد الله عمر) بدل من عبد الله (في ثمغ) كتب في الحاشية عن \"فتح الودود\": بفتح المثلثة","vol":"10","page":34},{"text":"فَقَصَّ مِنْ خَبَرهِ نَحْوَ حَدِيثِ نَافِع، قَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا، فَمَا عَفَا عَنْهُ (١) مِنْ ثَمَرِهِ، فَهُوَ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ قَالَ: وَسَاق القِصَّةَ، قَالَ: وَإِنْ شَاءَ وَليُّ ثَمْغٍ اشْتَرَى مِنْ ثَمَرِهِ رَقِيقًا لِعَمَلِهِ (٢)، وَكَتَبَ مُعَيْقِيبٌ، وَشَهِدَ عَبْد اللَّهِ بْنُ الأَرْقَمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ حَدَثَ بِهِ (٣)\n===\nوسكون الميم وغين المعجمة: مال بالمدينة معروف، وقال في \"معجم البلدان\" (٤): بالفتح ثم السكون والغين معجمة: موضع مال لعمر بن الخطاب، وقيده بعض المغاربة بالتحريك.\n(فقص) أي يحيى (من خبره نحو حديث نافع، قال: غير مثأثل مالًا، فما عفا) أي: فضل وزاد وبقي من أكل المتولي وصرفه إلى مصارفها (عنه من ثمره) أي: ثمر الوقف (فهو للسائل والمحروم) وهو المُحارَف بفتح الراء، المحدود (٥) الذي إذا طلب فلا يرزق، أو يكون لا يسعى في الكسب، أو الممنوع من الرزق، أو الفقير المتعفف الذي لا يسأل ولا يعلم بحاجته فيتصدق عليه، وهذان زائدان على ما تقدم من المصارف.\n(قال) أي: الراوي: (وساق) أي: يحيى بن سعيد (القصة قال) أي: يحيى بن سعيد وفي الكتاب: (وإن شاء وليُّ ثمغ اشترى من ثمره) أي: ثمغ (رقيقًا) أي: عبيدًا (لعمله، وكتب) أي: الكتاب (معيقيب) مولى عمر، (وشهد عبد الله بن الأرقم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المومنين، إن حدث به\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"منه\".\n(٢) في نسخة: \"بعمله\".\n(٣) في نسخة: \"بي\".\n(٤) \"معجم البلدان\" (٢/ ٨٤).\n(٥) في الأصل: \"الممدود\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":35},{"text":"حَدَثٌ، أَنَّ ثَمْغًا وَصِرْمَةَ ابْنَ الأَكْوَعِ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ، وَالْمِائَةَ سَهْمٍ الَّذِي (١) بِخَيْبَرَ، وَرَقِيقَهَ الَّذِي فِيهِ، وَالْمِائَة الَّتِي أَطْعَمَهُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - بِالْوَادِي تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْي مِنْ أَهْلِهَا، أَلنْ لَا يُبَاعَ وَلَا يُشْتَرَى، يُنْفِقُهُ حَيْثُ رَأَى مِنَ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذِي الْقُرْبَى، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ وَليَهُ إِنْ أَكَلَ أَوْ آكَلَ أَو اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْهُ. [انظر سابقه]\n===\nحدث) أي: موت (أن ثمغًا وصِرمة ابن الأكوع).\nقال في \"النهاية\" (٢): وفي حديث وصية عمر: \"إن تُوُفِّيتُ وفي يدي صرمة ابن الأكوع فَسُنَّتُها سنَّة ثمغ\"، الصرمة ههنا القطعة الخفيفة من النخل، وقيل من الإبل.\n(والعبد الذي فيه، والمائة سهم الذي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد - ﷺ - بالوادي تليه) أي المال (٣) الذي ذكر (حفصة) بنت عمر زوج النبي - ﷺ - (ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع) ذلك المال (ولا يشترى) به شيء (ينفقه) أي: المتولي (حيث رأى من السائل والمحروم وذي القربى، ولا حرج على من وليه) أي: ذاك المال (إن أكل أو آكل) أي: أطعم غيره (أو اشترى رقيقًا منه) أي: ليعتق أو ليعمل فيه.\n_________\n(١) في نسخة: \"التي\".\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٢٦).\n(٣) اختلف الحنفية في لزوم الوقف، فعند الإِمام كما في \"البحر الرائق\" (٥/ ٢٠٦): لا يلزم إلا بالقضاء، وعندهما بدونه، ثم عند أبي يوسف يكفي بمجرد القول، وعند محمد لا بدَّ من الإحراز والتولية لغيره، واستدل له بذلك أن عمر - ﵁ - ولاه حفصة، وأجيب عن أبي يوسف أن ذلك ليس للتكميل، بل لشغل عمر - ﵁ -.\nقلت: ويؤيده ما تقدَّم قريبًا من رواية ابن أبي شيبة أن عمر - ﵁ - تولى ذلك أولًا لنفسه، ثم ولاها آخرًا. (ش).","vol":"10","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1106>(١٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ</span>\n٢٨٨٠ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ (١) قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن سُلَيْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ -، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أرَاهُ عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ\". [م ١٦٣١، ت ١٣٧٦، ن ٣٦٥١، حم ٢/ ٣٧٢، خزيمة ٢٤٩٤]\n===\n\n(١٤) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ)\n٢٨٨٠ - (حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال: نا ابن وهب، عن سليمان - يعني ابن بلال -، عن العلاء بن عبد الرحمن، أراه عن أبيه)، وقد أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، من غير شك، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلَّا من ثلاثة أشياء: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).\nقال النووي (٢): إن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له، إلَّا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف.\nقال: وفيه أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، [وكذلك الصدقة]، وهما مجمع عليهما، وكذلك قضاء الدين، وأما الحج فيجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه، وهذا داخل في قضاء الدين إن كان حجًّا واجبًا، وإن كان تطوعًا وصَّى به فهو من باب الوصايا، وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت\n_________\n(١) ذكر المزي هذا الحديث في \"تحفة الأشراف\" (١٤٢٠٦) بهذا الطريق، وذكر قبله (١٣٩٧٥) بطريق آخر: \"عن يحيى بن أيوب، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، به\". وقال: حديث أبي داود في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"10","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالصلاة عنه ونحوهما، فمذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق (١) الميت، انتهى.\nوقال النووي أيضًا في \"شرح مقدمة مسلم\" (٢): قوله: ليس في الصدقة اختلاف، معناه أن هذا الحديث لا يحتج به، ولكن من أراد بر والديه فليتصدق عنهما، فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين، وهذا هو الصواب، وأما ما حكاه القاضي أبو الحسن الماوردي الشافعي عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب، فهو مذهب باطل قطعًا، وخطأٌ بَيِّنٌ مخالف لنصوص الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة، فلا التفات إليه ولا تعريج عليه.\nوأما الصلاة والصوم، فمذهب الشافعي وجماهير العلماء أنه لا يصل ثوابهما إلى الميت إلَّا إذا كان الصوم واجبًا على الميت، فقضاه عنه وليه أو من أذن عنه الولي، فإن فيه قولين للشافعي، أشهرهما عنه أنه لا يصح، وأصحهما عند محققي متأخري أصحابه أنه يصح.\nوأما قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، وقال بعض أصحابه: يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات من الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك، ومال الشيخ أبو سعد عبد الله بن محمد ابن هبة الله (٣) بن أبي عصرون من أصحابنا المتأخرين في كتابه \"الانتصار\" إلى اختيار هذا.\nوقال الإِمام أبو محمد البغوي من أصحابنا: لا يبعد أن يطعم من كل صلاة مُدٌّ من طعام، وكل هذه المذاهب ضعيفة، ودليلهم القياس على الصدقة\n_________\n(١) وذكر الدردير في مذهبهم تفصيلًا. [انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٠)]. (ش).\n(٢) (١/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(٣) في الأصل: \"عبد الله\"، وهو تحريف، والصواب: هبة الله، كما في \"شرح مقدمة مسلم\"، و\"سير أعلام النبلاء\" (٢١/ ١٢٥).","vol":"10","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحج فإنها تصل بالإجماع، ودليل الشافعي وموافقيه (١) قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٢)، وقول النبي - ﷺ -: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله\" ... الحديث، انتهى.\nقلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قال صاحب \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣): صرح علماؤنا في باب الحج عن الغير، بأن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صومًا أو صدقة أو غيرها، كذا في \"الهداية\"، بل في زكاة \"التاتارخانية\" عن \"المحيط\": الأفضل لمن يتصدق نفلًا أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات؛ لأنه يصل إليهم ولا ينقص من أجره شيء، وهو مذهب أهل السنَّة والجماعة، لكن استثنى مالك والشافعي العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة، فلا يصل ثوابها إلى الميت عندهما، بخلاف غيرها كالصدقة والحج، وخالف المعتزلة في الكل، وتمامه في \"فتح القدير\" (٤).\nوفي \"البحر\" (٥): من صام أو صلَّى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء جاز، ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنَّة والجماعة، كذا في \"البدائع\" (٦)، ثم قال: وبهذا علم أنه لا فرق بين أن يكون المجعول له ميتًا أو حيًّا، والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي به عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه، ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره، لإطلاق كلامهم (٧)، وأنه لا فرق بين الفرض والنفل.\nوأما الاستدلال على نفي حصول الثواب للأحياء والأموات من الغير،\n_________\n(١) قال العيني: اختلفوا في معناه على ثمانية أقوال، وذكر الشيخ التهانوي في تأليفه في \"بهشتي كَوهر\" (ص ١٧٠) في إيصال ثواب العبادات البدنية الروايات الكثيرة. (ش).\n(٢) سورة النجم: الآية ٣٩.\n(٣) \"رد المحتار\" (٣/ ١٥١ - ١٥٢).\n(٤) \"فتح القدير\" (٣/ ٦٥).\n(٥) \"البحر الرائق\" (٣/ ٦٣).\n(٦) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٥٤).\n(٧) كذا في الأصل، وفي \"البحر\" كلامه، وهو الظاهر.","vol":"10","page":39},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوصدقته وصلاته وصومه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١).\nفالجواب عنه أولًا أنه روي عن ابن عباس عدم إثابة (٢) الإنسان بسعي غيره وفعله منسوخ الحكم في هذه الشريعة، فالحصر المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٣)، فإنه يدل على أن الذريات يدخلون الجنة بعمل آبائهم.\nوقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا أي ما عملوا وسعى لهم غيرهم، لما روي: أن امرأة رفعت صبيًّا له ﵇، فقالت: ألهذا حج؟ قال: \"نعم، ولك أجر\"، وقال رجل: يا رسول الله، إن أمي افتلتت، وأظنها لو تكلمت لتصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: \"نعم\".\nوقال الشيخ تقي الدين أبو العباس: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلَّا بعمله فقد خرق الإجماع، فإن الأمة قد أجمعوا على أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير.\nوأيضًا أنه ﵊ يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الإخراج من النار، وهو انتفاع بسعي الغير، وكذا كل نبي وصالح له شفاعة، وذلك انتفاع بعمل الغير، وأيضًا الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير.\nوأيضًا أنه تعالى يخرج طائفة من النار ممن لم يعمل خيرًا قط بمحض رحمته، وهذا انتفاع من غير سعيهم.\nوأيضًا أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض\n_________\n(١) سورة النجم: الآية ٣٩.\n(٢) في الأصل: \"إصابة\"، وهو تحريف، والصواب: \"إثابة\". انظر: \"حاشية شيخ زاده\" (٨/ ٢٤).\n(٣) سورة الطور: الآية ٢١.","vol":"10","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1107>(١٥) بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ مَاتَ عن غَيْرِ وَصِيَّة يُتَصَدَّقُ عَنْهُ</span>؟\n٢٨٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً\n===\nعمل الغير، وكذلك الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق عنه بنص السنَّة والإجماع، وهو من عمل غيره، وأنه يسقط الحج المفروض عن الميت بحج وليه عنه بنص السنَّة، وكذا تبرأ ذمة الإنسان من ديون الخلق إذا قضاها عنه قاض، وذلك انتفاع بعمل الغير، وكذلك الصلاة والدعاء له فيها ينتفع بها الميت، وهي من عمل الغير، ونظائر ذلك كثيرة لا تحصى، كذا في \"شيخ زاده\" (١).\n(١٥) (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ مَاتَ عَنْ غيرِ وَصِيَّةٍ)، أي: ولم يوص أَ (يُتَصَدَّقُ عَنْهُ؟) بحذف حرف الاستفهام، أي: أينفعه التصدق عنه؟\n٢٨٨١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن هشام) بن عروة، (عن أبيه) عروة، (عن عائشة) - ﵂ - (أن امرأة).\nأخرج البخاري هذا الحديث في الجنائز من طريق محمد بن جعفر، قال: أخبرني هشام، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إن أمي افتلتت نفسها، الحديث.\nوأخرج في الوصايا أيضًا من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إن أمي افتلتت، ففيهما أن السائل هو الرجل، قال الحافظ (٢): هو سعد بن عبادة، واسم أمه عمرة.\nثم قال الحافظ (٣) في الوصايا في \"باب ما يستحب لمن توفي فجأة\": أورد فيه حديث عائشة \"أن رجلًا قال: إن أمي افتلتت نفسها\"، وحديث\n_________\n(١) (٨/ ٢٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٥).\n(٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٩).","vol":"10","page":41},{"text":"قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَصَدَّقَتْ وَأَعْطَتْ، أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"نَعَمْ، فَتَصَدَّقِي عَنْهَا\". [خ ١٣٨٨، م ١٠٠٤، ن ٣٦٤٩، جه ٢٧١٧]\n٢٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: نَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قَالَ: فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا، وَإِنّي أُشْهِدُكَ أَنّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا\". [خ ٢٧٧٠، ت ٦٦٩، ن ٣٦٥٥، حم ١/ ٣٣٣، ك ١/ ٤٢٠]\n===\nابن عباس \"أن سعد بن عبادة قال: إني أمي ماتت\"، وكأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة، انتهى.\nقلت: فلعل (١) ما وقع في رواية أبي داود بلفظ \"إن امرأة\" خلاف ما في رواية البخاري، غير محفوظ.\n(قالت: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها) أي: ماتت بغتة وفجأة (ولولا ذلك) أي: موتها فجأة (لتصدقت وأعطت، أفيجزئ أن أتصدق عنها؟ فقال النبي - ﷺ -: نعم، فتصدقي عنها)، وهذا ظاهر في أن الصدقة يصل ثوابها إلى الميت، ولولا ذلك لم يأمرها - ﷺ - بالتصدق عنها.\n٢٨٨٢ - (حدثنا أحمد بن منيع، نا روح بن عبادة قال: نا زكريا بن إسحاق قال: أَنَا عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا) هو سعد بن عبادة (قال: يا رسول الله، إن أمه) واسمها عمرة (توفِّيَت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، قال: فإن لي مخرفًا) أي: بستانًا (وإني أُشْهِدك أني قد تصدقت به) أي: بالمخرف (عنها) أي: عن أمي.\n_________\n(١) وقال العيني على البخاري: وإن القضايا متعددة [انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٠٥)]. (ش).","vol":"10","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1108>(١٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصِيَّةِ الْحَرْبِيّ يُسْلِمُ وَليُّه أَيَلْزَمُهُ أَنْ يُنْفِذَهَا</span>؟\n٢٨٨٣ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: نَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -\n===\n\n(١٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصِيَّةِ الْحَرْبِيِّ) أي: الكافر (يُسْلِمُ وَليُّه) فيوصي الحربي الكافر إليه (أَيَلْزَمُه) أي: المسلم (أَنْ يُنْفِذَهَا؟) أي: يمضيها؟\n٢٨٨٣ - (حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي) أي: الوليد بن مزيد (قال: نا الأوزاعي قال: حدثني حسان بن عطية، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (١): أن العاص بن وائل أوصى) إلى ابنيه (أن يعتق عنه مائة رقبة) وكان العاص كافرًا، (فأعتق ابنه هشام) أي: هشام بن العاص منها (خمسين رقبة) على حسب وصية أبيه، وهشام هو هشام بن العاص بن وائل السهمي، قال ابن حبان: كان يكنى أبا العاص، فكناه النبي - ﷺ - أبا مطيع، وقال ابن سعد: أمه أم حرملة بنت هشام بن المغيرة، كان قديم الإِسلام، هاجر إلى الحبشة، واستشهد بأجنادين أو اليرموك.\n(فأراد ابنه) الآخر وهو (عمرو) بن العاص (أن يعتق عنه الخمسين الباقية، فقال:) لا أعتق (حتى أسأل رسول الله - ﷺ -، فأتى) عمرو (النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) قال القاري (٦/ ٢٥٨): عمرو بن العاص، انتهى فتأمل، فإن المشهور في تفسيره عبد الله بن عمرو. (ش).","vol":"10","page":43},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبِي أَوْصَى بِعِتْق مائَةِ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَأعْتِقُ عَنْهُ؟\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ، بَلَغَهُ ذَلِكَ\". [ق ٦/ ٢٧٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>(١٧) بَابُ مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يموتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَة وَفَاء يُسْتَنْظَرُ غُرَمَاؤُهُ وَيُرْفَق بِالْوَارِثِ</span>\n٢٨٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّ شُعَيْبَ بْنَ إِسْحَاقَ\n===\nفقال: يا رسول الله، إن أبي) العاص بن وائل (أوصى بعتق مائة رقبة، وإن هشامًا) أخي (أعتق عنه خمسين) رقبة (وبقيت عليه) أي: على أبي (خمسون رقبة، أفاعتق عنه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إنه) أي: العاص بن وائل (لو كان مسلمًا فأعتقتم (١) عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه، بلغه ذلك (٢»، فأما إنه إذا لم يسلم فلا ينفعه تصدقكم، ولا عتقكم (٣).\n\n(١٧) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وَعَلَيْه دَيْنٌ وَلَه) أي للرجل الميت (وَفَاءٌ)، أي: مال يفي بالدين (يُسْتَنْظَرُ)، أي: يستمهل بتقدير همزة الاستفهام، ويحتمل الخبر (غُرَمَاؤه وَيُرْفَقُ بِالْوَارِثِ)\n٢٨٨٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، أن شعيب بن إسحاق\n_________\n(١) فيه جواز العتق عن الميت، وفي \"الهداية\" (٢/ ٥٢٧): لا يجوز. (ش).\n(٢) فيه وصول الثواب إلى الميت، ولفظ أحمد (٢/ ١٨١) رقم (٦٧٠١): \"فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك\"، والبسط في \"النيل\" (٤/ ١٠٧). (ش).\n(٣) وهل ينتفع بأعماله البررة في حياته، مختلف فيه، والجملة أنه ينتفع بأن يعطى ثوابه في الدنيا، والبسط في العيني (١١/ ٥٩٣)، والشامي (٢/ ١٩٦)، انتهى. (ش).","vol":"10","page":44},{"text":"حَدَّثَهُمْ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن وَهْب بْنِ كَيْسَانَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: \"أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابرٌ فَأَبَى، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَشْفعَ لَهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُنْظِرَهُ فَأَبَى\" وَسَاقَ الْحَدِيثَ (١). [خ ٢٣٩٦، جه ٢٤٣٤، ن ٣٦٣٦]\n===\nحدثهم، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله أنه) أي: جابرًا (أخبره) أي: وهب بن كيسان (أن أباه) أي والد جابر، وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي، معدود في أهل العقبة وبدر، وكان من النقباء، واستشهد بأحد.\n(توفي وترك عليه ثلاثين وسقًا) أي: دينًا (لرجل من يهود) وحديث البخاري وغيره يدل على كثرة الغرماء، فوحدة الغريم ها هنا محمول على أن ثلاثين وسقًا كان لغريم واحد، وأما الغرماء الآخر فلهم عليه غير ذلك، (فاستنظره جابر) أي: بعد أن طلب من أصحاب الدين أن يضعوا بعضًا فأبوا، فاستنظر ذلك الغريم (فأبى) من الإمهال.\n(فكلم جابر رسول الله - ﷺ - أن يشفع له إليه) أي إلى اليهودي، (فجاء رسول الله - ﷺ -) اليهودي (فكلم) أي رسول الله - ﷺ - (اليهودي ليأخذ ثمر نخله) كله (بالذي) أي: بعوض الذي (له عليه) أي على جابر، (فأبى عليه) أن يأخذ ثمر نخله (وكلمه رسول الله - ﷺ - أن ينظره) أي: يمهله ويؤخر تقاضاه (فأبى، وساق الحديث)، والحديث بتمامه مذكور في البخاري ومسلم وغيرهما.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"آخر كتاب الوصايا\".","vol":"10","page":45},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>(١٣) أَوَّلُ كِتَابِ الْفَرَائِضِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>(١) بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ</span>\n٢٨٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ:\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(١٣) (أَوَّلُ كِتَابِ الفَرَائِضِ)\n(١) (بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ)\nجمع فريضة كحديقة وحدائق، وهي بمعنى مفروضة، مأخوذة من الفرض، وهو القطع، يقال: فرضت لفلان كذا، أي: قطعت له شيئًا من المال، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (١)، أي: مقدرًا ومعلومًا، أو مقطوعًا عن غيرهم.\nوقال في \"فتح الودود\": المراد بالفريضة كل حكم من أحكام الفرائض يحصل به العدل في القسمة بين الورثة، وقيل: المراد بالفريضة كل ما يجب العمل به، وبالعادلة المساوية لما يؤخذ بالقرآن والسنَّة في وجوب العمل، فهذا إشارة إلى الإجماع والقياس، وكلام المصنف مبني على المعنى الأول.\n٢٨٨٥ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال:\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٧.","vol":"10","page":46},{"text":"أَخْبَرَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زِيَادٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رَافِع التَّنُوخِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ\". [جه ٥٤، ق ٦/ ٢٠٨، ك ٤/ ٣٣٢، قط ٤/ ٦٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>(٢) بَابٌ: في الْكَلَالَةِ</span>\n===\nأخبرنا ابن وهب قال: حدثني عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة)، والمراد به كتاب الله تعالى، وبإحكامها ثبوتها وأن لا تكون منسوخة، (أو سنَّة قائمة) أي: ثابتة إسنادًا بأن تكون صحيح النسبة إلى رسول الله - ﷺ -.\n(أو فريضة عادلة) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من العدل في القسمة، فيكون عبارة عن السهام والأنصباء المذكورة في الكتاب والسنَّة، والآخر: أن تكون هذه الفريضة تعدل مما أخذ من الكتاب والسنَّة إذا كانت في معنى ما أخذ منها نصًّا، وقد اختلف الصحابة في مسائل من الفرائض، وتناظروا فيها، وتحروا تعديلها، فاعتبروها بالنصوص.\n\n(٢) (بَابٌ: فِي الْكَلالَةِ)\nوقد أخرج أبو داود في \"المراسيل\" (٢): عن أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: جاء رجل فقال: يا رسول الله، ما الكلالة؟ قال: \"من لم يترك ولدًا ولا والدًا فورثته كلالة\".\nوقد اختلف في تفسير الكلالة، والجمهور على أنه من لا ولد له ولا والد،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ثنا\".\n(٢) (ص ١٩٤).","vol":"10","page":47},{"text":"٢٨٨٦ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: \"مَرِضْتُ فَأَتَانِي النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُنِي هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مَاشِيَيْنِ، وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَلَمْ أُكَلِّمْهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّهُ (٢) عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي وَلي أَخَوَاتٌ؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. [خ ٥٦٥١، م ١٦١٦، ت ٢٠٩٧، جه ٢٧٢٨، حم ٣/ ٢٩٨]\n===\nواختلف في بنت وأخت، هل ترث الأخت مع البنت؟ وكذا في الجد هل يتنزل منزلة الأب، فلا ترث معه الإخوة؟\nقال السهيلي (٣): الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس، لأن الكلالة وارثة تكلَّلت العصبة، أي: أحاطت بالميت من الطرفين، وهي مصدر كالقرابة، وسمي أقرباء الميت كلالة بالمصدر كما يقال: هم قرابة أي ذوو قرابة، وإن عنيت المصدر قلت: ورثوه عن كلالة، وتطلق الكلالة على الورثة مجازًا، قال: ولا يصح قول من قال: الكلالة المال ولا الميت إلَّا على إرادة تفسيره من غير نظر إلى حقيقة اللفظ.\n٢٨٨٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان قال: سمعت ابن المنكدر أنه سمع جابرًا يقول: مرضت، فأتاني النبي - ﷺ - يعودني) من العيادة (هو وأبو بكر ماشيين، وقد أُغْمِي عليَّ فلم أكلمه، فتوضأ وصَبَّه) أي: ماء (٤) الوضوء (عليَّ، فأَفَقْتُ) من الغشي (فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي ولي أخوات؟ قال) جابر: (فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾) (٥).\n_________\n(١) هذا الحديث رباعي. (ش).\n(٢) في نسخة: \"فَصَبَّه\".\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦).\n(٤) جزم الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٠١) بأن المراد الغسالة لا الفضالة. (ش).\n(٥) سورة النساء: الآية ١٧٦.","vol":"10","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد اختلفت الرواية عن ابن المنكدر عن جابر، فروى سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، عن جابر، وفيها: \"حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخر السورة، قال ابن المنكدر: قال جابر: إنما أنزلت هذه الآية فيَّ\".\nوقد أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج قال: ثني محمد بن المنكدر عن جابر، وفيه: \"فقلت: يا رسول الله، وكيف أصنع في مالي؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) الآية\"، وكذلك الحديث الآتي عن أبي الزبير عن جابر يدل على أن قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ هي المراد من قوله: \"فنزلت آية الميراث\" في حديث جابر، لكن أشار البخاري في \"صحيحه\" بأن المراد ما وقع في حديث جابر من قوله: \"حتى نزلت آية الميراث\" هو قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.\nوقد أخرج الترمذي (٢) من طريق يحيى بن آدم عن ابن عيينة: حتى نزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.\nقال الحافظ (٣): وقد أشكل ذلك قديمًا، قال ابن العربي بعد أن ذكر الروايتين في إحداهما فنزلت \"يستفتونك\"، وفي أخرى آية المواريث: هذا تعارض، لم يتفق بيانه إلى الآن، ثم أشار إلى ترجيح آية المواريث، وتوهيم (٤) يستفتونك.\nوالأظهر أن يقال: إن كلًّا من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١١.\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣٠١٥).\n(٣) وقد ذكره الحافظ في كتاب الفرائض، وبسطه في التفسير. [انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٤، ٨/ ٢٤٣)]. (ش).\n(٤) في الأصل: \"توهين\"، وهو تحريف، والتصويب من \"الفتح\" (١٢/ ٤).","vol":"10","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1113>(٣) بَابُ مَنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أَخَوَات</span>\n٢٨٨٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: نَا هِشَامٌ - يَعْنِي الدَّسْتَوَائِيَّ -، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: اشْتَكَيْتُ وَعِنْدِي سَبْعُ أَخَوَاتٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَنَفَخَ في وَجْهِي فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أُوْصِي لأَخَوَاتِي بِالثُّلثَيْنِ (١)؟\n===\nذلك، لكن الآية الأولى لما كان فيها الكلالة خاصة بميراث الإخوة من الأم كما كان ابن مسعود يقرأ: \"وله أخ أو أخت من أم\"، وكذا قرأ سعد بن أبي وقاص، أخرجه البيهقي بسند صحيح استفتوا عن ميراث غيرهم من الإخوة، فنزلت الأخيرة، فيصح أن كلًّا من الآيتين نزل في قصة جابر، لكن المتعلق به من الآية الأولى ما يتعلق بالكلالة، وأما سبب نزول أولها، فورد من حديث جابر أيضًا في قصة ابنتي سعد بن الربيع، ومنع عمهما أن يرثا من أبيهما، فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، فقال للعم: أعط لابنتي سعد الثلثين.\n\n(٣) (بَابُ مَنْ) أي: المورث (كَانَ لَيْسَ لَهُ) أي: لم يكن للمورث (وَلَدٌ) من البنين والبنات (وَلَهُ) أي: المورث (أَخَوَاتٌ) من أب وأم أو أب في حكمه في قسمة الميراث والوصية\n٢٨٨٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا كثير بن هشام قال: نا هشام - يعني الدستوائي -، عن أبي الزبير، عن جابر قال: اشتكيتُ) أي مرضت (وعندي سَبْعُ أخواتٍ) أي: لي (فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ -) يعودني وكنت مغشيًا علي، (فنفخ في وجهي) ولفظ رواية أحمد في \"مسنده\": \"ونضح\"، وهو أوفق بالروايات الآخر (فأفقتُ) من الغشي.\n(فقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟)، هكذا في جميع\n_________\n(١) في نسخة: \"بالثلث\".","vol":"10","page":50},{"text":"قَالَ: \"أَحْسِنْ\"، قُلْتُ: الشَّطْرَ؟ قَالَ: \"أَحْسِنْ\"، ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَنِي فَقَالَ: \"يَا جَابِرُ، لَا أُرَاكَ مَيِّتًا مِنْ وَجَعِكَ هَذَا؟ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فَبَيَّنَ الَّذِي لأَخَوَاتِكَ، فَجَعَلَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ\".\nقَالَ: وَكَانَ جَابِر يَقُولُ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. [حم ٣/ ٣٧٢، ق ٦/ ٢٣١]\n===\nالنسخ الموجودة عندي، وهكذا لفظ رواية أحمد في \"مسنده\" وهو مشكل، وفيه توجيهان: أحدهما: ما عزاه في الحاشية إلى مولانا محمد إسحاق - ﵀ -: ألا أوصي أي من المال الذي يكون بعد موتي لأخواتي.\nوالتوجيه الثاني: أن يقال: إن اللام في قوله: \"لأخواتي\" للتعليل، فعلى هذا معنى الكلام: ألا أُوصِي للفقراء بالثلثين لأجل أخواتي.\nويمكن أن يحمل هذا الكلام على ظاهره، ويكون معنى الكلام على هذا أن يقال: ألا أُوصي لأخواتي بالثلثين، قال رسول الله - ﷺ -: أحسن إلى الإخوة أو العصبات، ولكن هذا التوجيه موقوف على أن يكون لجابر أخ أو عصبة غيره.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أحسن) أي: إلى الأخوات، ولعل الحكم بمنع الزيادة في الوصية على الثلث لم ينزل بعد (قلت: الشطر؟) أي: أوصي بالشطر (قال) رسول الله - ﷺ -: (أحسن) أي: إلى الأخوات (ثم خرج وتَرَكَني، فقال) عند خروجه: (يا جابر، لا أُراك) أي: لا أظنك (ميتًا من وجعك) أي: مرضك (هذا؟ وإن الله قد أنزل) في القرآن (فبَيَّن الذي لأخواتك) وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (١) الآية، (فجعل لهن الثلثين، قال: وكان جابر يقول: أنزلت فيَّ هذه الآية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١٧٦.","vol":"10","page":51},{"text":"٢٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قَالَ: \"آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الْكَلَالَةِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. [خ ٦٧٤٤، م ١٦١٨]\n٢٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا أَبَانُ قَالَ: نَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَسَّانَ، عن الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: \"أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَرَّثَ أُخْتًا وَابْنَةً، فَجَعَلَ (١) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ، وَنَبِيُّ اللَّهِ (٢) - ﷺ - يوْمَئِذِ حَيٌّ\". [خ ٦٧٣٤، دي ٢٨٨٠]\n===\n٢٨٨٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت في الكلالة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾).\nقلت: لا إشكال فيه، فإن هذه الآية آخر آية نزلت في الكلالة، وأولها ما في آية الفرائض من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ (٣) الآية، فلا يخالفه أن آخر آية نزلت آية الربا.\n٢٨٨٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: نا قتادة قال: حدثني أبو حسان) الأعرج، (عن الأسود بن يزيد: أن معاذ بن جبل وَرَّث) من التوريث (أختًا وابنة، فجعل لكلِّ واحدة منهما النصف، وهو) أي: معاذ بن جبل (باليمن، ونبيُّ الله - ﷺ - يومئذٍ حيٌّ).\nقال الحافظ (٤): إن الأعمش روى الحديث أولًا بإثبات قوله: \"على عهد رسول الله - ﷺ -\"، فيكون مرفوعًا على الراجح في المسألة، ومرةً بدونها فيكون موقوفًا، انتهى، فتوريث الأخت مع البنت النصف بطريق التعصيب.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"جعل\".\n(٢) في نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٣) سورة النساء: الآية ١٢.\n(٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥).","vol":"10","page":52},{"text":"٢٨٩٠ - (١) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عن جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى جِئْنَا امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فِي الأَسْوَافِ (٢)، فَجَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِابْنَتَيْنِ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ بِنْتَا (٣) ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ اسْتَفَاءَ (٤) عَمُّهُمَا مَالَهُمَا وَمِيرَاثَهُمَا كُلَّهُ وَلَمْ (٥) يَدَعْ لَهُمَا مَالًا إلَّا أَخَذَهُ، فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟\n===\n٢٨٩٠ - (حدثنا مسدد قال: نا بشر بن المفضل قال: نا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - حتى جئنا امرأةً من الأنصار) لم أقف (٦) على تسميتها (في الأسواف)، قال في \"القاموس\": موضع بالمدينة، وقال في \"معجم البلدان\" (٧): هو اسم حرم المدينة، وقيل: موضع بعينه بناحية البقيع، وهو موضع صدقة زيد بن ثابت الأنصاري، وهو من حرم المدينة.\n(فجاءت المرأة بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس) وسيجيء من المصنف أن قوله: \"ثابت بن قيس\" خطأ (قتل معك يوم أُحُدٍ وقد استفاء) أي: استرجع (عَمُّهما مالَهُما) من أبيهما (وميراثَهُمَا كلَّه، ولم يَدَع لهما مالًا إلَّا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب ميراث الصلب\".\n(٢) في نسخة: \"الأسواق\".\n(٣) في نسخة: \"ابنتا\".\n(٤) في نسخة: \"اشتفَّ\".\n(٥) في نسخة: \"فلم\".\n(٦) أخرج السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٤٥) عن جماعة من المخرجين عن جابر - ﵁ -: قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله - ﷺ -، فذكر حديث الباب، وأورد أيضًا: أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع حين استشهد بأحد، انتهى، وفي \"الإصابة\" (٤/ ٣٥٥): عمرة بنت حزام، وقيل: بنت حزم، زوج سعد بن الرببع، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٩١): وكانت له امرأتان، إحداهما هذه، والثانية لم تسم. (ش).\n(٧) (١/ ١٩١).","vol":"10","page":53},{"text":"فَوَاللَّهِ لَا تُنْكَحَانِ أَبَدًا إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ.\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ\". وَقَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيَة. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ادْعُوا لِي الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا\"، فَقَالَ لِعَمِّهِمَا: \"أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ،\n===\nفوالله لا تُنْكَحان أبدًا) أي: لا يرغب فيهما أحدٌ (إلَّا ولهما مال).\n(فقال رسول الله - ﷺ -: يقضي اللهُ في ذلك، وقال: نزلت سورة النساء) أي: آية الفرائض ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: ادعوا لِيَ المرأةَ وصاحِبَها) الذي ادَّعت عليه، يعني أخا زوجها (فقال لعمِّهما: أعطهما الثلثين) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، فنصَّ على نصيب ما فوق الابنتين وعلى الواحدة، ولم ينص على فرض الابنتين؛ لأن في فحوى الآية دلالة على بيان فرضهما، وذلك لأنه قد أوجب للبنت الواحدة مع الابن الثلث، وإذا كان لها مع الذكر الثلث كانت بأخذ الثلث مع الأنثى أولى.\nوأيضًا لما قال الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فلو ترك ابنًا وبنتًا كان للابن سهمان ثلثا المال، وهو حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن نصيب الابنتين الثلثان؛ لأن الله تعالى جعل نصيب الابن مثل البنتين وهو الثلثان، ويدل على أن للبنتين الثلثين أن الله تعالى أجرى الإخوة والأخوات مجرى البنات، وأجرى الأخت الواحدة مجرى البنت الواحدة، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢).\nفجعل حظ الأختين كحظ ما فوقهما وهو الثلثان، كما جعل حظ الأخت كحظ البنت، وأوجب لهم إذا كانوا ذكورًا وإناثًا للذكر مثل حظ الأنثيين،\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١١.\n(٢) سورة النساء: الآية ١٧٦.","vol":"10","page":54},{"text":"وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِي فَلَكَ\". [ت ٢٠٩٢، جه ٢٧٢٠، حم ٣/ ٣٥٢، قط ٤/ ٧٨، ق ٦/ ٢١٦، ك ٤/ ٣٣٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَخْطَأَ بِشْرٌ فِيهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ.\n===\nفوجب أن تكون الابنتان كالأختين في استحقاق الثلثين لمساواتهما في إيجاب المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم يكن غيرهم، كما في مساواة الأخت للبنت إذا لم يكن غيرها في استحقاق النصف بالتسمية.\nوأيضًا البنتان أولى بذلك إذ كانتا أقرب إلى الميت من الأختين، وإذا كانت الأخت بمنزلة البنت، فكذلك البنتان في استحقاق الثلثين، ويدل على ذلك حديث جابر في قصة المرأة التي أعطى النبي - ﷺ - فيها البنتين الثلثين والمرأةَ الثُّمُنَ والعَمَّ ما بقي، ولم يخالف في ذلك أحد شيئًا، روي عن ابن عباس أنه جعل للبنتين النصف كنصيب الواحدة، وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (١) أن ذكر فوق ها هنا صلة للكلام كقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ (٢)، انتهى.\n(وأعط أمهما الثمن) لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (وما بقي فلك)، وهذا الحكم ليس بمذكور في الآية نصًّا، وسيجيء في الرواية: \"فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر\".\n(قال أبو داود: أخطأ بشر فيه) أي في الحديث بأنه قال: ابنتا ثابت بن قيس قُتِلَ معك يَوْمَ أحُدٍ، (إنما هما ابنتا سعد بن الربيع) بن عمرو بن أبي الزبير الأنصاري الخزرجي، أحد نقباء الأنصار، آخى النبي - ﷺ - بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، فأراد أن يقاسمه المال بالنصف وزوجتيه كذلك، واتفقوا على أنه استشهد بأحُدٍ.\n(وثابت بن قيس) بن شماس (٣) (قتل يوم اليمامة) في خلافة أبي بكر\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١١ - ١٢.\n(٢) سورة الأنفال: الآية ١٢.\n(٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (١/ ٢٦٣) رقم (٥٦٩).","vol":"10","page":55},{"text":"٢٨٩١ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: \"أَنَّ امْرَأَةَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ سَعْدًا هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَتَيْنِ\" وَسَاقَ نَحْوَهُ. [انظر الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا هُوَ أَصَحُّ.\n٢٨٩٢ - حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ قَالَ: نَا أَبُو بَكْرٍ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، قَالَ: فَمَا (١) الْكَلَالَةُ؟ قَالَ: \"تُجْزِئُكَ آيَةُ الصَّيْفِ\"\n===\nالصديق - رضي الله تعالى عنه - وقع القتال بين جيوش المسلمين ومسيلمة الكذاب، فاستشهد فيها ثابتٌ، وكان أمير جيش المسلمين خالد بن الوليد.\n٢٨٩١ - (حدثنا ابن السرح قال: نا ابن وهب قال: أخبرني داود بن قيس وغيره من أهل العلم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله: أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعدًا هلك) أي: استشهد يَوْمَ أُحُدٍ (وترك ابنتين، وساق نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.\n(قال أبو داود: هذا هو أصح) مما قال بشر.\n٢٨٩٢ - (حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: نا أبو بكر) بن عياش، (عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: جاء رجل) وهو عمر بن الخطاب (٢) (إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٣) قال) أي: الرجل: (فما الكلالة؟ قال: تجزئك آية الصيف).\n_________\n(١) في نسخة: \"فلم\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٩٣ - ٩٤).\n(٣) سورة النساء: الآية ١٧٦.","vol":"10","page":56},{"text":"فَقُلْتُ لأَبِي إِسْحَاقَ: هُوَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَلَدًا (١) وَلَا وَالِدًا، قَالَ: كَذَاكَ. [ت ٣٠٤٢، حم ٤/ ٢٩٣، ق ٦/ ٢٢٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>(٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الصُّلْبِ</span>\n٢٨٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ: نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي قَيْسٍ الأَوْدِيِّ، عن هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الأَوْدِيَّ قَالَ: \"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ\n===\nقال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء، وهي الآية التي في أول سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي الآية التي في آخر سورة النساء (٢)، وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين له المراد بالكلالة المذكورة فيها، وإنما لم يبينها اعتمادًا وتفويضًا إلى اجتهاد علماء الأمة واستنباطها.\nقال أبو بكر: (قلت لأبي إسحاق، هو) أي: الكلالة وتذكيرها باعتبار المورث (من مات ولم يدع ولدًا ولا والدًا، قال) أبو إسحاق: (كذاك) أي: أصبت في بيان معنى الكلالة.\n\n(٤) (بَابُ مَا جَاءَ فِي) بيان (مِيرَاثِ الصُّلْبِ)، أي: أولاد الصلب\n٢٨٩٣ - (حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم، أبو محمد الكوفي، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال: نا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى أبي موسى الأشعري) وهو الأمير (٣)\n_________\n(١) في نسخة: \"ولا ولد ولدٍ، كذلك ظنوا أنه كذلك\".\n(٢) كما هو مصرح في \"صحيح مسلم\" رقم (١٦١٧)، و\"سنن ابن ماجه\" رقم (٢٧٢٦).\n(٣) وكأن القصة في زمن عثمان - ﵁ -، كذا في \"الفتح\" (١٢/ ١٨). (ش).","vol":"10","page":57},{"text":"وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَسَأَلَهُمَا عن ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ لأَبٍ وَأُمٍّ، فَقَالَا: لاِبْنَتِهِ (١) النِّصْفُ وَلِلأُخْتِ مِنَ الأَب وَالأُمِّ النِّصْفُ، وَلمْ يُوَرِّثَا بِنْتَ (٢) الاِبْنِ شَيْئًا، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا، فَأَتَاهُ الرَّجُلُ، فَسَأَلَهُ، وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، وَلَكِنَّي (٣) سَأَقْضي فيهَا (٤) بِقَضَاءِ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -:\n===\nعلى الكوفة بعد عزل عبد الله بن مسعود (وسلمان بن ربيعة) الباهلي (٥) مختلف في صحبته، وكان على قضاء الكوفة (فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت لأب وأم) أي: رجل مات وترك ابنة، وابنة ابن، وأختًا، فكيف يقسم التركة.\n(فقالا: لابنته النصف) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (وللأخت من الأب والأم النصف) لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ذكر (٦)، ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (ولم يُوَرِّثا بنت الابن شيئًا) وقالا: (وائت ابن مسعود) فاسأله (فإنه سيتابعنا) أي: يوافقنا، (فأتاه) أي ابن مسعود (الرجل، فسأله وأخبره بقولهما): إنه سيتابعنا.\n(فقال) أي ابن مسعود: (لقد ضللت إذًا) أي: إذا تابعتهما في هذه الفتوى بعد أن سمعت قضاء رسول الله - ﷺ - بخلاف فتواهما، نعم هما معذوران لعدم علمهما بذلك (وما أنا من المهتدين) فلا أقضي بما قالا، (ولكني سأقضي (٧) فيها) أي هذه المسألة (بقضاء رسول الله - ﷺ -).\n_________\n(١) في نسخة: \"للابنة\".\n(٢) في نسخة: \"ابنة\".\n(٣) في نسخة: \"لكن\".\n(٤) في نسخة: \"فيهما\".\n(٥) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٤٦) رقم (٢١٤٨).\n(٦) فحمل نفي الولد على الذكر، كذا في \"المرقاة\" (٦/ ٢٤٤). (ش).\n(٧) ولا خلاف بين الفقهاء في فتوى ابن مسعود، كذا في \"الفتح\" (١٢/ ١٨). (ش).","vol":"10","page":58},{"text":"لاِبْنَتِهِ (١) النِّصْفُ، وَلاِبْنَةِ الاِبْنِ سَهْمٌ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ\". [خ ٦٧٣٦، ت ٢٠٩٣، جه ٢٧٢١، حم ١/ ٣٨٩، قط ٤/ ٨٠، ق ٦/ ٢٢٩، ك ٤/ ٣٣٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>(٥) بَابٌ: فِي الْجَدَّةِ</span>\n٢٨٩٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عن قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيبٍ، أَنَّهُ قَال: \"جَاءَتِ الْجَدَّةُ\n===\nوهي (لابنته النصف، ولابنة الابن سهم) أي السدس، كما هو مصرح في لفظ البخاري، وإنما أبهم السدس وعبره بالسهم لدلالة قوله: \"تكملة الثلثين\". (تكملة الثلثين) معناه أن حق البنات الثلثان، وقد أخذت البنت الواحدة النصف لقوة القرابة، فبقي سدس من حق البنات، فتأخذه بنات الابن واحدة كانت أو متعددة، (وما بقي فللأخت من الأب والأم) أو من الأب؛ لأنها صارت عصبة مع البنت، وأما في رواية البخاري فليس فيه لفظ: \"من الأب والأم\".\n\n(٥) (بَابٌ فِي الْجَدَّة)\nأي: أم الأب وأم الأم\n٢٨٩٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة) بفتح المعجمتين بينهما راء مفتوحة، القرشي العامري المدني، روى عن قبيصة بن ذؤيب حديث \"جاءت الجدة إلى أبي بكر\"، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال البخاري: هو ابن أخت أروى التي خاصمت سعيد بن زيد في الأرض فدعا عليها.\n(عن قبيصة) مكبرًا (ابن ذُؤَيْبٍ) مصغرًا (أنه قال: جاءت الجدة (٢)\n_________\n(١) في نسخة: \"للابنة\".\n(٢) قال القاري: أي أم الأم كما في رواية [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٤٥)]. (ش).","vol":"10","page":59},{"text":"إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁ - تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ (١) شَيْء، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ - شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ -﵁ -. ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ:\n===\nإلى أبي بكر الصديق - ﵁ - تسأله ميراثها) (٢) من ابن ابنها أو (٣) ابن بنتها مات (فقال) أبو بكر: (مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنَّة نبي الله - ﷺ - شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس) هل لهم علم بذلك من رسول الله - ﷺ -؟ (فسأل الناس) أي: الصحابة (فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله - ﷺ - أعطاها) أي: الجدة (السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك) فقال المغيرة: معي محمد بن مسلمة (فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأَنْفَذَه) أي: أمضى حكم السدس (لها) أي للجدة (أبو بكر - ﵁ -).\n(ثم جاءت الجدة (٤) الأخرى) أي: إن كانت الأولى من جهة الأب، فهذه من جهة الأم، وإن كانت تلك من جهة الأم، فهذه من جهة الأب (إلى عمر بن الخطاب) - ﵁ - في زمان خلافته (تسأله ميراثها، فقال) أي عمر:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من\".\n(٢) قال القاري: أعطيني ميراث ولد ابنتي، كما في رواية [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٤٥)]. (ش).\n(٣) هكذا بالشك رواه الترمذي برقم (٢١٠١). (ش).\n(٤) ولفظ الترمذي: \"الجدة الأخرى التي تخالفها\". قال القاري (٦/ ٢٤٦): وفي رواية: إن أم الأب جاءت إلى عمر - ﵁ -، وقالت: أنا أولى بالميراث من أم الأم إذ لو ماتت لم يرثها ولد ولدها، ولو من ورثني ولد ولدي، ولفظ ابن ماجه (٢٧٢٤) في التي عند عمر - ﵁ -: \"من قبل الأب ... إلخ\". (ش).","vol":"10","page":60},{"text":"مَا لَكِ في كِتَابِ اللَّهِ (١) شَيْءٌ وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بهِ إلَّا لِغَيْرِكِ (٢) وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَكِنْ (٣) هُوَ ذَلِكَ (٤) السُّدُسُ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيَّتُكُمَا (٥) مَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا\". [ت ٢١٠١، جه ٢٧٢٤، ق ٦/ ٢٣٤، حم ٤/ ٢٢٥، ك ٤/ ٣٣٨]\n٢٨٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: نَا عُبَيْدُ اللَّهِ (٦) الْعَتَكِيُّ، عن ابْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ:\n===\n(ما لك في كتاب الله شئ، وما كان القضاء الذي قضى به) وهو الذي قضى به أبو بكر (إلَّا لغيرك) وهي الجدة الأولى (وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو) أي: فرض الجدة (ذلك السدس) أي الواحد الذي قضى به أبو بكر، (فإن اجتمعتما فيه) أي: السدس (فهو) أي: السدس (بينكما، وأيتكما) ما زائدة (خلت) (٧) أي: انفردت (به) (٨) أي بالسدس (فهو لها).\n٢٨٩٥ - (حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة قال: أخبرني أبي) عبد العزيز (قال: نا عبيد الله العتكي، عن ابن بريدة، عن أبيه)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بغيرك\".\n(٣) في نسخة بدله: \"لكنه\".\n(٤) في نسخة: \"ذاك\".\n(٥) في نسخة: \"أيكما\".\n(٦) زاد في نسخة: \"أبو المنيب\".\n(٧) وفي \"السراجي\" (ص ١٩): للجدة السدس لأم كانت أو لأب، واحدة كانت أو أكثر إذا كن ثابتات متحاذيات في الدرجة، ويسقطن كلهن بالأم والأبويات أيضًا بالأب، وكذلك بالجد إلا أم الأب، انتهى، يعني أنها لا تسقط مع الجد؛ لأنه ليس أقرب منها، بل هي زوجته متساويان، انتهى. (ش).\n(٨) وهذا كله إجماع بين الأئمة الأربعة، قاله ابن رشد [انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٣٥٠)]. (ش).","vol":"10","page":61},{"text":"\"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إِذَا لَمْ يكُنْ دُونَهَا أُمٌّ\" [السنن الكبرى للنسائي ٦٣٣٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>(٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّ</span>\n٢٨٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عن قتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ قَالَ: \"لَكَ السُّدُسُ\"، فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ: \"لَكَ سُدُسٌ آخَر\"، فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ: \"إِنَّ السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ\".\n===\nبريدة (أن النبي - ﷺ - جعل للجدة السدس) سواء كانت من أب أو أم (إذا لم تكن دونها) أي: الجدة (أم)، أما إذا كانت الأم (١) موجودة فلا شيء للجدة.\n\n(٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدّ)\nأي: أبو الأب دون أب الأم، فإنه ليس من أصحاب الفرائض ولا العصبات، وإنما هو من ذوي الأرحام\n٢٨٩٦ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين أن رجلًا) لم أقف على تسميته (أتى النبي - ﷺ - فقال: إن ابن ابني مات) ولم يترك أبًا (فما لي من ميراثه؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (لك السدس) أي: الفرض (فلما أدبر دعاه، فقال) رسول الله - ﷺ -: (لك سدس آخر، فلما أدبر دعاه، فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن السدس الآخر طعمة)\n_________\n(١) قال الشعراني (٣/ ١٦٢): قال الأئمة الثلاثة: الجدة أم الأب لا ترث مع وجود الأب الذي هو ابنها شيئًا، وقال أحمد: ترث معه السدس إن كانت وحدها، أو تشارك الأم [فيه] إن كانت موجودة، انتهى، وكذا قال ابن رشد (٢/ ٣٥١)، وتقدَّم كلام السراجي. (ش).","vol":"10","page":62},{"text":"قَالَ قَتَادَةُ: فَلَا يَدْرُونَ مَعَ أَيِّ شَيْءٍ وَرَّثَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: أَقَلُّ شَيءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدُسَ\". [ت ٢٠٩٩، حم ٤/ ٤٢٨، قط ٤/ ٨٤، ق ٦/ ٢٤٤]\n٢٨٩٧ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن يُونُسَ، عن الْحَسَنِ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: \"أَيُّكُمْ يَعْلَمُ مَا وَرَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْجَدَّ؟ قَالَ (١) مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَا، وَرَّثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - السُّدُسَ، قَالَ: مَعَ مَنْ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: لَا دَريتَ، فَمَا تُغْنِي إِذًا\". [السنن الكبرى للنسائي ٦٣٣٥، جه ٢٧٢٢]\n===\nأي: زيادة على الحق المقدر ومستحقة للتعصيب، وإنما لم يضم السدس الآخر إلى الأول لئلا يتوهم (٢) أن الكل فريضة.\n(قال قتادة: فلا يدرون) أي: الصحابة (مع أيِّ شيء) من الورثة (وَرَّثه) أي السدس، وصورة المسألة: أن رجلًا مات، وخلَّف بنتين وهذا السائل الجد، فللبنتين الثلثان، فبقي الثلث، فدفع أولًا إليه السدس بالفرض، ثم دفع سدسًا آخر للتعصيب (قال قتادة: أقل شيء ورث الجد السدس).\n٢٨٩٧ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن الحسن: أن عمر) - ﵁ - (قال) للصحابة - ﵃ -: (أيُّكم يعلم ما وَرَّثَ رسولُ الله - ﷺ - الجد؟ قال معقل بن يسار: أنا) أي أعلم ذلك (ورثه) أي: الجد (رسول الله - ﷺ - السُّدُسَ، قال) عمر - ﵁ -: (مع من؟) أي: الورثة (قال: لا أدري، قال: لا دَرَيْتَ، فما تُغْني) أي: تنفع (إذًا)\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) لا يوهم نسخ السدس بالثلث، ولم يعط أولًا بالتفصيل المذكور، لأن هذا الطريق أوقع في النفس. \"إرشاد الرضي\". (ش).","vol":"10","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1117>(٧) بَابٌ: فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَة</span>\n٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ - وَهَذَا حَدِيثُ مَخْلَدٍ وَهُوَ أَشْبَعُ - قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَر، عن ابْنِ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَقْسِمُ الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى ذَكَرٍ\". [خ ٦٧٣٢، م ١٦١٥، ت ٢٠٩٨، جه ٢٧٤٠، حم ١/ ٢٩٢]\n===\nأي (١): إذا لم تعلم أن رسول الله - ﷺ - ورَّثه السدس مع الورثة فما ينفع قولك.\n\n(٧) (بَابٌ: فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ)\nقال في \"القاموس\": هو كل من لم يكن له فَرِيْضةٌ مُسَمَّاةٌ فهو عصبة، إن بَقِيَ شَيْءٌ بعد الفرض أخذ - وإلَّا لا-، وقال في \"السراجية\" (٢): هو كل ذكر لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى، وهذا التعريف مختص بالعصبة بنفسه\n٢٨٩٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، ومخلد بن خالد- وهذا حديثُ مَخْلَدٍ وهو أشبع-) أي: أتم (قالا: نا عبد الرزاق، نا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: أقْسِمُ المالَ بين أهل الفرائض) وهم الذين لهم سهام مقدرة في كتاب الله (على كتاب الله، فما تركتِ الفرائض) أي: ما بقي من أهل الفرائض من المال (فلأولى) أي: لأقرب إلى الميت (ذكر) (٣).\n_________\n(١) فإن الجد يسقط مع الابن، كما في \"السراجي\" (ص ١٠)، انتهى. (ش).\n(٢) (ص ٢١).\n(٣) وفي \"الصحيحين\": \"لأولى رجل ذكر\"، بسط القاري (٦/ ٢٢٩) وجه زيادة الذكر مع الرجل فليرجع إليه، انتهى، من أنه تأكيد، أو نفي الخنثى، أو ليعم الصغير، أو بيان لسبب الاستحقاق ... إلخ، وأطال الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ١٣) أشد البسط، وفي \"إرشاد الرضي\": أن استثناء الخنثى ليس يصحيح؛ لأنه داخل في نوع منها لا محالة. (ش).","vol":"10","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1118>(٨) بَابٌ: فِي مِيرَاثِ ذَوِي الأَرْحَامِ</span>\n٢٨٩٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن بُدَيْلٍ، عن عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عنٍ أَبِي عَامِرٍ (١)، عن الْمِقْدَامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيَّ\" - وَرُبَّمَا قَالَ: \"إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ\" -\n===\nوهذا مختص بالعصبات بأنفسهم، وأما العصبات بالغير فهو الابنة مع الابن، وكذلك بنات الابن، وكذلك الأخوات الأعْيَانِيَّة والعَلَّاتية مع الإخوة، وأما العصبة مع الغير فكل أنثى تفسير عصبة مع أنثى أخرى، كالأخوات مع البنت لقوله ﵇: \"اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة\".\n\n(٨) (بَابٌ: فِي مِيرَاثِ ذَوِي الأرْحَامِ)\nوهم الأقارب الذين ليسوا ذوي سهم ولا هم عصبة\n٢٨٩٩ - (حدثنا حفص بن عمر قال: نا شبعة، عن بديل، عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر) الهوزني، (عن المقدام) بن معدي كرب (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من ترك كَلًّا (٢)، والمراد به العيال والدَّيْن (فإليَّ)، أي: فموكول إليَّ، أنا أرعاهم وأحفظهم (وربما قال: إلى الله وإلى رسوله).\nوليس هذا اللفظ أي: \"ربما قال: إلى الله وإلى رسوله\" إلَّا في رواية حفص بن عمر عن شعبة عند أبي داود، ورواية محمد بن جعفر عن شعبة عند ابن ماجه وأحمد في \"مسنده\"، ورواية عفان عن شعبة عند أحمد في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الهوزني عبد الله بن لُحَيٍّ\".\n(٢) لا يشكل عليه تركه - ﵊ - الصلاة على المديون، راجع: \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٢٢٢) (ش).","vol":"10","page":65},{"text":"\"وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأنا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ لَهُ (١) وَأَرِثُهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، يَعْقِلُ عَنْهُ وَيرِثُهُ\". [جه ٢٧٣٨، حم ٤/ ١٣١]\n٢٩٠٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ فِي آخَرِينَ، قَالُوا: نَا حَمَّادٌ، عن بُدَيْلٍ (٢)، عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ، عن الْمِقْدَامِ الْكِنْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَنَا أَوْلَى بُكُلّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ،\n===\n\"مسنده\" (٣)، وليس في رواية أبي كامل (٤)، ثنا حماد بن زيد قال: ثنا بديل، ولا في رواية حماد بن خالد، ثنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد.\n(ومن ترك مالًا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل له) أي: أَدِي عنه (وَأَرِثُهُ) إذ لم يكن له وارثٌ من الأقارب، ووراثته - ﷺ - إيَّاهم باعتبار بيت المال (٥)، فإن الإنسان إذا مات ولم يدع وارثًا من أهل القرابة لا من أهل الفروض والعصبات، ولا من السبب، ولا من ذوي الأرحام فماله لبيت المال.\n(والخال وارث من لا وارث له) من ذوي الفروض والعصبات (يَعْقِلُ عنه وَيرِثُهُ).\n٢٩٠٠ - (حدثنا سليمان بن حرب في آخرين، قالوا: نا حماد) بن زيد (عن بديل، عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام الكندي قال: قال رسول الله - ﷺ -: أنا أولى) أي: أقرب وأحق (بكل مؤمن من نفسه) كما قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٦)، ومعنى الأولوية النصرة والتولية، أي: أتولى أمورهم بعد وفاتهم،\n_________\n(١) في نسخة: \"عنه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني ابن ميسرة\".\n(٣) انظر: مسند أحمد (٤/ ١٣١) رقم (١٧١٤٤ و١٧١٧٣)، وابن ماجة (٢٧٣٨).\n(٤) انظر: مسند أحمد (٤/ ١٣٣) رقم (١٧١٦٨ و١٧١٧٢).\n(٥) وإلَّا فالأنبياء لا يرثون ولا يُوَرِّثُون. (ش).\n(٦) سورة الأحزاب: الآية ٦.","vol":"10","page":66},{"text":"فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، أَرِثُ مَالَهُ وَأَفُكُّ عَانَهُ، وَالْخَالُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، يَرِثُ مَالَهُ وَيَفُكُّ عَانَهُ\". [ن ٦٣٥٤، جه ٢٦٣٤، ٢٧٣٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الضَّيْعَةُ مَعْنَاهُ عِيَالٌ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ عن رَاشِدٍ (١) عن ابْنِ عَائِذٍ عن الْمِقْدَامِ. وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عن رَاشِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ.\n===\nوأنصرهم فوق ما كان منهم لو عاشوا، وقيل: معناه أحق بالمؤمنين به من أنفسهم أن يحكم فيهم بما يشاء من حكم فيجوز ذلك عليهم.\n(فمن ترك دينًا أو ضيعة)، والمراد بالضيعة ما يحتمل الضياع كالعيال والمال (٢) (فإليَّ) أي: حفظه (ومن ترك مالًا فلورثته (٣)، وأنا مولى من لا مولى له) أي: وارث من لا وارث له (أرث ماله) بإدخاله في بيت مال المسلمين (وأَفُكُّ عانَه) أي: أحلُّ أسره، أي: أَدِي عنه ما يتعلق بذمته، أو يلزمه لسبب الجنايات، (والخال مولى من لا مولى له) أي: وارث من لا وارث له (يرث ماله، ويفكُّ عانه).\n(قال أبو داود: الضيعة معناه عيال، قال أبو داود: رواه الزبيدي، عن راشد، عن ابن عائذ، عن المقدام، ورواه معاوية بن صالح، عن راشد قال: سمعت المقدام).\nحاصل هذا الكلام أنه اختلف فيه الرواة، فروى الزبيدي [عن راشد]، عن ابن عائذ، عن المقدام، فزاد ابنَ عائذٍ بين راشد والمقدام، ورواه معاوية بن\n_________\n(١) في نسخة: \"راشد بن سعد\".\n(٢) يجب حذفه والاقتصار على \"كالعيال\". (ش).\n(٣) أي بعد أداء الدين وغيره. (ش).","vol":"10","page":67},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nصالح، عن راشد قال: سمعت المقدام، فرواه من غير واسطة، بل بالسماع عن المقدام، والرواية المتقدمة عن أبي داود فهو أيضًا روى فيها راشد بن سعد بواسطة أبي عامر عن المقدام، وكذا رواية حماد بن زيد، فيمكن أن راشدًا سمعه من المقدام بعد ما سمعه بواسطة أبي عامر وابن عائذ.\nأما حديث معاوية بن صالح، فأخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١)، ولكن ليس فيه تصريح سماع راشد عن المقدام، بل في إحدى روايتيه: معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن المقدام، وفي أخرى معاوية بن صالح قال: سمعت راشد بن سعد يحدث عن المقدام.\nوأما حديث ابن عائذ فلم أجده فيما عندي من الكتب (٢)، وأما ابن عائذ فهو عبد الرحمن بن عائذ الثمالي، ويقال: الكندي، ويقال: اليحصبي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبيد الله الحمصي، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الأزدي: ضعيف.\nثم اعلم أن في توريث ذوي الأرحام اختلافًا بين الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم، فمن قال بتوريثهم من الصحابة - ﵃ -: علي، وابن مسعود، وابن عباس في أشهر الروايات عنه، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو عبيدة بن الجراح، ومن قال بأنهم لا يرثون: زيدُ بن ثابت وابنُ عباس في رواية عنه.\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٣٣)، وأيضًا أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٦٤١٩)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٧/ ١٧٣) رقم (٢٧٥٠)، وفي \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٩٨)، من طريق أسد بن موسى قال: حدثني معاوية بن صالح، حدثني واشد بن سعد، أنه سمع المقدام بن معدي كرب، فذكره، انتهى. ففيه تصريح سماع راشد بن سعد.\n(٢) أخرج روايته الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٢٦٥) رقم (٦٢٧)، وفي \"مسند الشاميين\" (٣/ ٩١) رقم (١٨٥٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٣/ ٤٠٠) رقم (٦٠٣٦).","vol":"10","page":68},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومنهم من روى ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان، ولكن هذا غير صحيح، فإنه حكي أن المعتضد سأل أبا حازم القاضي عن هذه المسألة، فقال: أجمع أصحاب رسول الله - ﷺ - غير زيد بن ثابت على توريث ذوي الأرحام، ولا يعتد بقوله بمقابلة إجماعهم، وقال المعتضد: أليس يروى ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان - ﵃-، فقال: كلا، وقد كذب من روى ذلك عنهم، وأمر المعتضد برد ما كان في بيت المال، مما أخذ من تركة من كان ورثه من ذوي الأرحام، وقد صدق أبو حازم فيما قال.\nوقد روي عن أبي بكر أنه قال: لا أتأسَّفُ على شيء كتأسفي على أني لم أسأل رسول الله - ﷺ - عن ثلاث: عن هذا الأمر أهو فينا فنتمسَّك به، أم في غيرنا فنسلم إليه؟ وعن الأنصار هل لهم من هذا الأمر شيء؟ وعن توريث ذوي الأرحام؟ فإني لم أسمع فيه عن رسول الله - ﷺ - شيئًا، ولكن ورَّثتهم برأيي.\nوأما الاختلاف بين التابعين فمن قال بتوريثهم: شريح، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وممن قال: إنهم لا يرثون: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير.\nوأما الفقهاء فممن قال بتوريثهم: أبو حنيفة (١) وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، وعيسى بن أبان، وأهل التنزيل، وهم علقمة، والشعبي، ومسروق، ونعيم بن حماد، وأبو نعيم، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وشريك، والحسن بن زياد، وإنما سُمُّوا أهل التنزيل لأنهم ينزلون المدلى بمنزلة المدلى به في الاستحقاق، وممن قال: لا يرثون: سفيان الثوري ومالك والشافعي (٢).\nأما من نفى توريثهم استدل بآيات المواريث بأن الله سبحانه لم يذكر لذوي الأرحام شيئًا، وما كان ربك نسيًّا، وأيضًا توريثهم زيادة على كتاب الله، وذلك\n_________\n(١) وكذا قال أحمد، وكذا في \"الميزان\" للشعراني (٣/ ١٥٨). (ش).\n(٢) وداود والأوزاعي، كذا في \"الميزان\" (٣/ ١٥٨). (ش).","vol":"10","page":69},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nلا يثبت بخبر الواحد والقياس، وسئل رسول الله - ﷺ - عن ميراث العمة والخالة، قال: \"نزل جبرائيل ﵇، وأخبرني أن لا ميراث للعمة والخالة\"، وروي أنه خرج إلى قباء يستخير الله تعالى في ميراث العمة والخالة، فنزل عليه الوحي أن لا ميراث لهما، قال أبو داود في \"المراسيل\" (١): معناه لا سهم لهما، ولكن يُوَرثُون للرَّحِمِ.\nومن قال بتوريثهم استدل بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢)، معناه بعضهم أولى بالوراثة من بعض، وقد بينا أن هذا إثبات الاستحقاق بالوصف العام، وأنه لا منافاة بين الاستحقاق بالوصف العام والاستحقاق بالوصف الخاص، ففي حق من ينعدم فيه الوصف الخاص يثبت الاستحقاق بالوصف العام، فلا يكون ذلك زيادة على كتاب الله.\nوقال النبي - ﷺ -: \"الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له\"، وأيضًا روي: \"الخال وارث من لا وارث له، يرثه ويعقل عنه\" (٣)، ولما مَات الثابت بن الدحداح (٤)، قال رسول الله - ﷺ - لقيس بن عاصم المنقري: \"هل تعرفون له فيكم شيئًا؟ فقال: إنه كان فينا ميتًا، ولا نعرف له فينا إلَّا ابن أخت، فجعل رسول الله - ﷺ - ميراثه لابن أخته\" (٥)، وتأويل ما روي من نفي ميراث العمة والخالة في حال وجود صاحب فرض أو عصبة.\n_________\n(١) (ص ١٩١).\n(٢) سورة الأنفال: الآية ٧٥.\n(٣) تقدَّم تخريجه في المتن برقم (٢٨٩٩).\n(٤) تحرَّف في الأصل: \"الدحداح\" إلى \"الأصرام\".\n(٥) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٦/ ٢١٥) وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ٨١)، والهيثمي في \"مسند الحارث\" (١/ ٥٣٤)، والحافظ ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٨/ ٥٢)، وابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (٤/ ١٦٤٥) وعندهم: الرجل الذي سأل عنه النبي - ﷺ - هو \"عاصم بن عدي\"، وأما قيس بن عاصم المنقري فذكره القاري في \"المرقاة\" (٦/ ٢٥١)، لعله وهم، والله أعلم.","vol":"10","page":70},{"text":"٢٩٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاش، عن يَزِيدَ بْنِ حُجْرٍ، عن صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَفُكُّ عُنِيَّهُ وَنَرِثُ (١) مَالَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ\n===\n٢٩٠١ - (حدثنا عبد السلام بن عتيق الدمشقي قال: نا محمد بن المبارك قال: نا إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن حجر) الشامي، روى عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، وعنه إسماعيل بن عياش، لم يحكم عليه في \"التهذيب\" بشيءٍ، وقال في \"التقريب\": مجهول، وكذا في \"الميزان\" و\"الخلاصة\" (٢).\n(عن صالح بن يحيى بن المقدام) بن معدي كرب الكندي الشامي، روى عنه جده، قال البخاري: فيه نظر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، وقال ابن حزم: هو وأبوه مجهولان، وفي حديثه في تحريم لحوم الخيل دليل الضعف؛ لأن خالد بن الوليد لم يسلم بلا خلاف إلَّا بعد خيبر، وقال هذا في ذاك الحديث: وهذا يوم خيبر.\n(عن أبيه) يحيى بن المقدام بن معدي كرب الكندي الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مستور، وقال في \"الميزان\" (٣): لا يعرف إلَّا برواية ولده صالح، عنه (عن جده) مقدام بن معدي كرب (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أنا وارث من لا وارث له، أفُكُّ عُنِيَّه) بضم عين وكسر نون وشدة ياء تحتانية، أي: أحل أسيره (ونرث ماله، والخال وارث من\n_________\n(١) في نسخة: \"عانِيَه وأرث\".\n(٢) انظر: \"الخلاصة\" (ص ٤٣١)، و\"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٤٢٠).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٤١٠).","vol":"10","page":71},{"text":"لَا وَارِثَ لَهُ، يَفُكُّ عُنِيَّهُ (١) وَيَرِثُ مَالَهُ\". [جه ٢٦٣٤، ك ٤/ ٣٤٤، ن ٦٣٥٤]\n٢٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى قَالَ: نَا شُعْبَةُ، الْمَعْنَى. (ح): وَثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن سُفْيَانَ جَمِيعًا، عن ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عن مُجَاهِدِ بْنِ وَرْدَانَ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ مَوْلًى لِلنَّبِيَّ - ﷺ - مَاتَ وَتَرَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَدَعْ وَلَدًا وَلَا حَمِيمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ\". [ت ٢١٠٥، جه ٢٧٣٣، حم ٦/ ١٣٧، ق ٦/ ٢٤٣]\n===\nلا وارث له، يفكُّ عُنِيَّه ويرث ماله)، وهذا الحكم إذا لم يكن للميت وارث من ذوي الفرض والعصبات.\n٢٩٠٢ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى قال: نا شعبة، المعنى) هذا اللفظ في جميع النسخ إلَّا المصرية، والصواب أن يذكر بعد قوله: \"عن سفيان\" في التحويل الآتي، أو يحذف كما في المصرية، (ح: وثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع بن الجراح، عن سفيان جميعًا) أي كلاهما شعبة وسفيان يرويان جميعًا (عن ابن الأصبهاني) عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني.\n(عن مجاهد بن وردان) المدني، قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال شعبة: حدثنا ابن الأصبهاني، عن مجاهد بن وردان، قال: وأثنى عليه خيرًا، (عن عروة، عن عائشة: أن مولى) أي: عتيقًا (للنبي - ﷺ -) لم أقف على اسمه (مات وترك شيئًا) أي: من المال (ولم يدع) أي: لم يترك (ولدًا ولا حميمًا) أي: قريبًا من جهة النسب، (فقال رسول الله - ﷺ -: أعطوا ميراثه رجلًا من أهل قريته).\n_________\n(١) في نسخة: \"عانَيه\".","vol":"10","page":72},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: وإنما كان ذلك منَّة منه لكونه - ﷺ - وارثه للعتاقة، وما روي من قوله: \"لا نرث ولا نورث\"، فزيادة \"لا نرث\" فيه غلط من الرواة (١)، والصحيح الاكتفاء بقوله: \"لا نورث\"، وذلك لأنه - ﷺ - ورث من أبيه، وإنما أمر بالتصدق لأهل أرضه لكونهم أقرب إليه، فكان ذلك أقر لقلب الميت، انتهى.\nقال في \"السيرة الحلبية\" (٢): وترك عبد الله خمسةَ أجمال (٣) وقطعةً من غنم، فوَرِثَ ذلك رسول الله - ﷺ - من أبيه، انتهى، أي: فهو - ﷺ - يرث (٤) ولا يورث، قال رسول الله - ﷺ -: \"نحن معاشر (٥) الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\"، ودعوى بعضهم أنه - ﷺ - لم يرث بناته اللاتي مُتْنَ في حياته، فعلى تقدير صحته جاز أن يكون - ﷺ - ترك أخذ ميراثه تعففًا.\nوقال القاري (٦): قال القاضي - ﵀ -: إنما أمر أن يعطي رجلًا من قريته تصدقًا منه أو ترفعًا، أو لأنه كان لبيت المال، ومصرفه مصالح المسلمين وسدُّ حاجاتهم، فوضعه فيهم لما رأى من المصلحة، فإن الأنبياء كما لا يُوْرَث\n_________\n(١) وبه جزم الشيخ في \"الكوكب\" (٢/ ٣٩) و(٢/ ٥٣)، وينظر: \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٥٤٣ - ٥٤٦).\n(٢) (١/ ٨٥).\n(٣) في الأصل: \"رجال\"، وهو تحريف، والتصويب من \"السيرة الحلبية\".\n(٤) وبذلك جزم الشافعية، كما صرح به في \"شرح الإقناع\" (٣/ ٢٤٩) وهو المرجح عند المالكية كما في \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢١٤)، قال ابن عابدين في \"رسائله\" (٢/ ٢٠٠): اضطرب فيه كلام أئمتنا، ففي \"الأشباه والنظائر\": لا يرثون، وظاهر ابن الكمال أنهم يرثون، قلت: وجزم في \"مفيد الوارثين\" بأنهم لا يرثون، وأجاب بما ورد، وبه جزم صاحب \"المظاهر\" وإليه يشير تعليل العيني (١٦/ ٧). (ش).\n(٥) وقيل: الحكم خاص به - ﷺ -، ولفظ الجمع مجاز، وسيأتي الكلام عليه في هامش \"باب صفايا رسول الله - ﷺ -\". (ش).\n(٦) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٣٩).","vol":"10","page":73},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ سُفْيَان أَتَمُّ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ أَرْضِهِ؟ \"، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: \"فَأَعْطُوهُ مِيرَاثَهُ\".\n٢٩٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: نَا الْمُحَارِبِيُّ، عن جِبْرِيلَ بْنِ أَحْمَرَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِيرَاثَ رَجُلٍ مِنَ الأَزْدِ، وَلَسْتُ أَجِدُ أَزْدِيًّا أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، قَالَ: \"فَاذْهَبْ فَالْتَمِسْ أزْدِيًّا حَوْلًا\"\n===\nعنهم لا يَرثون عن غيرهم، وقال بعض الشراح: الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يَرِثُون ولا يُوْرَث عنهم لارتفاع قدرهم عن التلبس بالدنيا الدنيَّة، وانقطاع أسبابهم عنها، وقوله في الحديث الذي تقدم: \"أنا مولى من لا مولى له أرث ماله\"، فإنه لم يرد به حقيقة الميراث، وإنما أراد أن الأمر فيه إليّ في التصدق به، أو صرفه في مصالح المسلمين، أو تمليك غيره.\n(قال أبو داود: وحديث سفيان أتم) من حديث شعبة، (وقال مسدد: قال) يحيى: (فقال النبي - ﷺ -: ها هنا) بحذف حرف الاستفهام (أحد من أهل أرضه؟ قالوا: نعم. قال: فأعطوه ميراثه).\n٢٩٠٣ - (حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي قال: نا المحاربي) عبد الرحمن بن محمد، (عن جبريل بن أحمر) أبو بكر الجملي بفتح الجيم والميم، الكوفي، ويقال: البصري، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال النسائي: ليس بالقوي، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حزم: لا تقوم به حجة.\n(عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة (قال: أتى رسول الله - ﷺ - رجل) لم أقف على تسميته (فقال: إن عندي ميراث رجل من الأزد، ولست أجد أزديًّا) أي: مسلمًا، أو ذا قرابة قريبة من الميت (أدفعه) أي: الميراث (إليه) أي: الأزدي (قال) رسول الله - ﷺ -: (فاذهب فالتمس أزديًّا حولًا).","vol":"10","page":74},{"text":"قَالَ: فَأَتَاهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَجِدْ أزْدِيًّا أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ. قَالَ: \"فَانْطَلِق فَانْظُرْ أَوَّلَ خُزَاعِيٍّ تَلْقَاهُ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ\"، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: \"عَلَيَّ الرَّجُلَ\"، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: \"انْظُرْ كُبْرَ خُزَاعَةَ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ\". [حم ٥/ ٣٤٧، ق ٦/ ٢٤٣]\n===\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: ولما كان حكم هذا الميراث الذي لم يعلم وارثه حكم اللقطة أَحَبَّ أن يتصدق على من هو أقرب إلى الميت نسبًا، ليكون أحب إليه، إلَّا أنه أمر بأن يعطيه أكبر خزاعة؛ لأن أكبرهم يكون أقرب إليه عصوبة، انتهى.\nقلت: وإنما لم يدخله في بيت المال لأنه لم يكن في ذلك الوقت بيت المال منتظمًا.\n(قال) بريدة: (فأتاه بعد الحول، فقال: يا رسول الله، لم أجد أزديًا) أي: مسلمًا (أدفعه إليه، قال: فانطلق فانظر أول خزاعي تلقاه فادفعه إليه، فلما وَلَّى قال: عَلَيَّ) أي: رُدُّوا (الرجل، فلما جاءه قال: انظر كُبْرَ) بضم الكاف وسكون الموحدة، أي: أكبر (خزاعة، فادفعه إليه) والمراد بالأكبر أقرب القوم إلى الجد الأعلى الذي ينسبون إليه، أو المراد السهم.\nقال أبو جعفر الطحاوي (١): فتأملنا هذا الحديث فوجدنا ما أمر به رسول الله - ﷺ - فيه الذي سأله عمَّن سأله عنه فيه من ابتغاء أَزديٍّ حولًا، قد أمر في ذلك كمثل ما أمر به في اللُّقَطَة، وفي ابتغاء صاحبها حولًا، ثم تُصْرَفُ فيما يجب صرفها فيه بعد الحول، فجعل مثل [ذلك] ما أمر به السائل له في الحديث الذي روينا من طلب أزدي حولًا، ومن رَدِّ ذلك الميراث إن لم يجده حتى يمضيَ الحولُ إلى الأكبرِ من خُزاعة؛ لأنهم من الأزد، وإنما انخزعوا (٢) منهم لمَّا خرجوا من اليمن، فساروا فحالفوا بمكة من حالفوه بها، وصاروا بذلك\n_________\n(١) انظر: \"شرح مشكل الآثار\" (٦/ ١٩٢).\n(٢) في الأصل: \"خرجوا\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":75},{"text":"٢٩٠٤ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَسْوَدَ الْعِجْلِيُّ،\n===\nحُلفاء بني هاشم، فقال قائل: فكيف يجوز أن يكون ما في هذا الحديث كما ذكر فيه من عدم (١) الذي كان ذلك الميراث عنده وجود أزدي يستحقه حتى يطلبه من خزاعة، والأنصار مع رسول الله - ﷺ - وهم [من] الأزد، وهم من أقرب الناس إلى ذلك المتوفى من خزاعة، لأنها لما انخزعت سُمِّيَتْ بذلك وهي من بطنٍ بعينه من الأزد [ومن سواها من الأزد] ليس من ذلك البطن، فَنُسِبَت هي إلى ما نُسِبَت إليه، وبانت بذلك من الأزد، وبقي من سواها من بطون الأزد على ما كانوا عليه قبل ذلك من النسبة إلى الأزد.\nفكان جوابنا له في ذلك: هذا يحتمل أن يكون بمكة قبل أن يُهَاجِرَ رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، ومما يُقَرِّب أن ذلك كذلك في القلوب أن الذي روى هذا الحديث عن النبي - ﷺ - هو بريدة بن الحصيب، وهو رجل من أسلم، وأسلم من خزاعة، وإسلام خزاعة كان والنبي - ﷺ - بمكة، فكان ما أمر به رسول الله - ﷺ - الذي سأله [عما سأله] عنه في حديثه، وجواب النبي - ﷺ - إياه بما أجاب به فيه، ولا أنصارَ حينئذٍ ولا أحد أقعدُ [حينئذٍ] بالأزد الذين منهم ذلك المتوفى إلَّا خزاعة، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن ذلك المتوفى ممن قد كان أَسْلَمَ، فَرَدَّ رسولُ الله - ﷺ - ميراثه إلى الأقعد من مُسلمي خزاعة، انتهى.\n٢٩٠٤ - (حدثنا الحسين بن الأسود) هو الحسين بن علي بن الأسود (العِجْلي) بمهملة مكسورة وسكون جيم، أبو عبد الله الكوفي، نزيل بغداد، وقال أحمد: لا أعرفه، وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وسئل عنه؟ فقال: صدوق، وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديثه لا يتابع عليها، وقال الأزدي: ضعيف جدًا يتكلمون في حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ.\n_________\n(١) في الأصل: \"عند رجل\" بدل قوله: \"من عدم\"، وهو تحريف، والتصحيح من \"مشكل الآثار\" (٦/ ١٩٢).","vol":"10","page":76},{"text":"نَا يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ آدَمَ - قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عن جِبْرِيلَ بْن أَحْمَرَ أَبِي بَكْرٍ، عن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِمِيرَاثِهِ، فَقَالَ: \"الْتَمِسُوا لَهُ وَارِثًا أَوْ ذَا رَحِمٍ\"، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ وَارِثًا وَلَا ذَا رَحِمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَعْطُوهُ الْكَبيرَ (١) مِنْ خُزَاعَةَ\".\nقَالَ يَحْيَى: قَدْ سَمِعْتُهُ (٢) مَرَّةً يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: \"انْظُرُوا أَكْبَرَ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ\". [ق ٦/ ٢٤٣]\n===\nوقال الآجري عن أبي داود: لا ألتفت إلى حكاية أراها أوهامًا، انتهى. وهذا مما يدل على أن أبا داود لم يرو عنه فإنه لا يروي إلَّا عن ثقة عنده، والحديث الذي في \"السنن\" في كتاب اللباس: حدثنا يزيد بن خالد الرملي وحسين بن علي الكوفي قالا: نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، فذكره، فإما أن يكون أخرجه معتمدًا على رواية يزيد، وإما أن يكون هو الآتي وهو الأشبه، انتهى ما في \"تهذيب التهذيب\" (٣).\nوقال الحافظ في \"التقريب\": لم يثبت أن أبا داود روى عنه، انتهى.\nقلت: وهذا السند يدفع هذا القول؛ فإن فيه رواية أبي داود عنه وحده، ولعل الحافظ لم يتنبه لهذه الرواية.\n(نا يحيى - يعني ابن آدم - قال: حدثنا شريك، عن جبريل بن أحمر أبي بكر، عن ابن بريدة، عن أبيه) بريدة (قال) بريدة: (مات رجل من خزاعة فأتي النبي - ﷺ - بميراثه، فقال) رسول الله - ﷺ -: (التمسوا له وارثًا أو ذا رحم، فلم يجدوا له وارثًا ولا ذا رحم، فقال رسول الله - ﷺ -: أعطوه) أي: الميراث (الكبير من خزاعة، قال يحيى) أي ابن آدم: (قد سمعته) أي: شريكًا (مرة يقول في هذا الحديث: انظروا كبر رجل من خزاعة).\n_________\n(١) في نسخة: \"الكُبْر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني شريكًا\".\n(٣) (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤).","vol":"10","page":77},{"text":"٢٩٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن عَوْسَجَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا غُلَامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟ \"،\n===\nقال الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١): حديث محمد بن موسى الأنصاري، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وعباد بن العوام أولى مما رواه شريك؛ لأن ثلاثة أولى بالحفظ من واحد، ولاستحالة بعض ما في حديث شريك مما ذكر فيه من قول النبي - ﷺ -: \"اطلبوا له ذا رحم\"، وهذا لا يجوز في العرب؛ لأن العرب لا تُوَرِّثُ بالأرحام وإنما توَرِّثُ بالعصبات إلَّا حيث ورَّث (٢) الله تعالى ذوي الفرائض المسماة منهم، لأنه إذا لم توجد عصبات من أفخاذهم وُجدت من الأفخاذ التي تتلو أفخاذهم كما يفعل (٣) [فيهم] في عقول جناياتهم [تحمل] أفخاذُهم الذين يحملون أروش الجنايات، فإن قَصُرَ عددهم عن احتمال أروشها ردَّ ذلك إلى من يلونهم من الأفخاذ.\nوكذلك كان أبو يوسف يقول في التوارث بالأرحام التي ليست عصبات: إنما يكون في العجم لا في العرب، فاستحال بذاك ما في حديث شريك مما أضافه إلى النبي - ﷺ - من طلب ذي الرحم ليدفع إليه ميراث الأزدي (٤) الذي نسبه شريك فيه إلى خزاعة.\n٢٩٠٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس (٥): أن رجلًا مات ولم يدع) أي: لم يترك (وارثًا إلَّا غلامًا) أي: عبدًا (له كان أعتقه، فقال رسول الله - ﷺ -: هل له أحد؟\n_________\n(١) (٦/ ١٩٥).\n(٢) في الأصل: \"حَدَّث\"، وهو تحريف، والتصحيح من \"مشكل الآثار\".\n(٣) في الأصل: \"يعقل\"، وهو تحريف، والتصويب من \"مشكل الآثار\".\n(٤) في الأصل: \"الأسدي\"، وهو تحريف.\n(٥) بسط الشوكاني الكلام على ضعف الحديث. [انظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٣١)]. (ش).","vol":"10","page":78},{"text":"قَالُوا: لَا، إِلَّا غُلَامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ميرَاثَهُ لَهُ. [ت ٢١٠٦، جه ٢٧٤١، حم ١/ ١٢٢، ق ٦/ ٢٤٢، ك ٤/ ٣٤٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>(٩) بَابُ مِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَة</span>\n٢٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي (١) عُمَرُ بْنُ رُوبَةَ التَّغْلِبِيُّ، عن عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّصْرِيِّ،\n===\nقالوا: لا، إلَّا غلامًا له كان أعتقه)، وهذا من باب الصرف بطريق التصدق، لا أن العبد المعتق يرث من مولا (٢) (فجعل رسول الله - ﷺ - ميراثه له).\n\n(٩) (بَابُ مِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ)\n٢٩٠٦ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، نا محمد بن حرب، حدثني عمر بن روبة) بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة (التغلبي) الحمصي، أخو مروان، قال دُحيم: شيخ من شيوخ حمص، لا أعلمه إلَّا ثقة، وقال البخاري: فيه نظر، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عدي: إنما أنكروا أحاديثه عن عبد الواحد النصري، روى له الأربعة حديثًا واحدًا عن النصري عن واثلة حديث: \"تحوز المرأة ثلاث مواريث\"، قلت: قال ابن حزم: عمر مجهول.\n(عن عبد الواحد بن عبد الله) بن كعب بن عمير (النصري) بالنون، أبو بسر بضم الموحدة وسكون المهملة، الدمشقي، ويقال: الحمصي، ثقة، ولي حمص، وولي المدينة، محمود الإمارة، وقال الواقدي: ولي المدينة ومكة وطائف، فكان يذهب مذاهب الخير، ولا يقطع أمرًا إلَّا استشار فيه قاسمًا وسالمَ بنَ عبد الله.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: نا\".\n(٢) وقال شريح وطاوس: يرث العتيق من المعتق كعكسه، كذا في \"المرقاة\" (٦/ ٢٤٨). (ش).","vol":"10","page":79},{"text":"عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلَاثَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْه\" (١). [ت ٢١١٥، جه ٢٧٤٢، حم ٣/ ٤٩٠، قط ٤/ ٨٩، ق ٦/ ٢٤٠، ك ٤/ ٣٤٠، \"السنن الكبرى\" للنسائي ٦٣٦٠]\n٢٩٠٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، وَمُوسَى بْنُ عَامِرٍ،\n===\n(عن واثلة بن الأسقع، عن النبي - ﷺ - قال: المرأة تحرز) (٢) وفي نسخة: تحوز (ثلاث مواريث، عتيقها) فترث (٣) ميراثه بولاء العتاقة (ولقيطها) (٤)، إطلاق الوراثة عليه مجاز؛ لأن ميراث اللقيط لبيت المال، إلَّا أن يكون الملتقط فقيرًا فيترك له الإِمام تصدقًا عليه ومجازاةً له على ما تحمل في حفظه وتربيته (وولدها الذي لَاعَنَتْ عليه)، فالولد الذي نفاه الرجل باللعان، فلا خلاف أن أحدهما لا يرث الآخر؛ لأن التوارث بسبب النسب، وقد انتفى النسب، وأما نسبه من جهة الأم فثابت ويتوارثان.\n٢٩٠٧ - (حدثنا محمود بن خالد وموسى بن عامر) بن عمارة بن خريم بالمعجمة، مصغرًا، أبو عامر بن أبي الهيذام، الدمشقي، قال ابن عدي: سمعت عبدان، عن أبي داود: حديث ابن أبي الهيذام، عن الوليد، عن الأوزاعي يشبه حديث هقل، وكان أبو داود لا يحدث عنه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى عنه أبو داود في \"السنن\" حديثًا أو حديثين.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عنه\".\n(٢) والتخصيص لأن المرأة لا تحرز سائر الميراث عن غير هذه الثلاثة، بل تأخذ بعض المال من الميراث كما لا يخفى، كذا في \"الإرشاد الرضي\" وتقدم شيء منه. (ش).\n(٣) قال القاري: اتفق عليه أهل العلم، انتهى. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٣٨)]. (ش).\n(٤) وبه قال إسحاق، والعامة على أنه منسوخٍ بقوله: \"لا ولاء إلَّا ولاء العتاقة\"، كذا في \"المرقاة\" (٦/ ٢٣٨)، وقال القاري أيضًا: الحديث ليس بثابت عند أهل النقل. (ش).","vol":"10","page":80},{"text":"قَالَا: نَا الْوَلِيدُ، نَا (١) ابْنُ جَابِرٍ، نَا مَكْحُولٌ قَالَ: \"جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لأُمِّهِ وَلوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا\". [ق ٦/ ٢٥٩]\n٢٩٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَامِرٍ، نَا الْوَلِيدُ، أَخْبَرَنِي عِيسَى أَبُو مُحَمَّدٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِي - ﷺ - مِثْلَهُ. [ق ٦/ ٢٥٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>(١٠) بَابٌ: هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِر</span>؟\n٢٩٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَلِيِّ بْنِ\n===\n(قالا: نا الوليد) بن مسلم، (نا ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: (نا مكحول قال: جعل رسول الله - ﷺ - ميراث ابن الملاعنة لأمه (٢) ولورثتها) أي الأم (من بعدها) أي: بعد موتها، وهذا حديث مرسل، ولم يخرجه المصنف في \"مراسيله\".\n٢٩٠٨ - (حدثنا موسى بن عامر، نا الوليد) أي: ابن مسلم، (أخبرني عيسى) بن موسى (أبو محمد) ويقال: أبو موسى، (عن العلاء بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - مثله).\n\n(١٠) (بَابٌ: هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ؟)\n٢٩٠٩ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن علي بن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أنا\".\n(٢) قال الشعراني (٣/ ١٦٢): قال أبو حنيفة: إن ابن الملاعنة تستحق أمه جميع ماله بالفرض والعصوبة مع قول مالك والشافعي: إن الأم تأخذ الثلث بالفرض والباقي لبيت المال، وقال أحمد في إحدى روايتيه: إن عصبته عصبة أمه، فإذا خلف أمًا وخالًا فللأم الثلث والباقي للخال، والرواية الثانية له: أنها عصبة، فيكون المال كله لها تعصيبًا، انتهى. (ش).","vol":"10","page":81},{"text":"حُسَيْنٍ، عن عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عن أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: \"لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ\". [خ ٤٢٨٢ - ٤٢٨٣، م ١٦١٤، ت ٢١٠٧، جه ٢٧٢٩، حم ٥/ ٢٠٠، دي ٢٩٩٧]\n٢٩١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عن عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عن أُسَامَةَ بْنِ\n===\nحسين) زين العابدين، (عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي - ﷺ -: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم).\nقال في \"الحاشية\": أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وأما المسلم من الكافر ففيه خلاف، فالجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أنه لا يرث (١) أيضًا، وذهب معاذ بن جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، ومسروق، وغيرهم إلى أنه يرث من الكافر، واستدلوا بقوله - ﷺ -: \"الإِسلام يعلو ولا يعلى\" (٢)، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، والمراد من علو الإِسلام فضل الإِسلام على غيره.\n٢٩١٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن\n_________\n(١) وهو متفق عند الأئمة الأربعة، كذا في \"الميزان\" للشعراني (٣/ ١٦٠)، وحكي في \"مظاهر حق\" خلاف مالك فتأمل، ويأباه ظاهر \"الشرح الكبير\" (٤/ ٤١٦)، لكن اختلفوا في إرث المسلم عند المرتد كما في \"المرقاة\" (٦/ ٢٣١)، قال الشعراني (٣/ ١٥٩): قال أبو حنيفة: مال المرتد يكون لورثته المسلمين سواء اكتسبه في الردة أو في الإِسلام، وقال مالك والشافعي وأحمد: إن ماله فيء لبيت المال، وكذا قال ابن رشد (٢/ ٢٥٣).\nقلت: وما نسب إلى الإِمام هو مذهب الصاحبين، وأما مذهب الإِمام فهو أن ما اكتسبه في الإِسلام فهو للمسلمين، والمكتسب في الردة فيءٌ، كما في هامش \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٠٤). (ش).\n(٢) أخرجه البخاري موقوفًا في الجنائز، ٨٠ - \"باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلَّى عليه؟ \".","vol":"10","page":82},{"text":"زيدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ (١) غَدًا في حَجَّتِهِ؟ قَالَ: \"وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا\"؟ ثُمَّ قَالَ: \"نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ\" يَعْنِي الْمُحَصَّبَ، وَذَاكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُؤْوُوهُمْ. [خ ٤٢٨٢، م ١٣٥١، جه ٢٧٣٠]\nقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَالْخَيْفُ الْوَادِي.\n===\nزيد قال: قلت يا رسول الله، أين) أي: في أيِّ دارك (تنزل غدًا في حجته؟) متعلق بقوله، أي: قلت له في زمن حجته، وفي رواية محمد بن [أبي] حفصة - عند \"البخاري\" - عن الزهري أنه قال زمن الفتح: \"يا رسول الله، أين تنزل غدًا\".\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (وهل ترك لنا عقيل) أي: ابن أبي طالب (منزلًا) فإنه باع ما حصل له من تركة أبي طالب من المنازل، (ثم قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قَاسَمَتْ) أي: حَالَفَتْ (قريش على الكفر، يعني) بخيف بني كنانة (المحصب) وهو اسم موضع بقرب مكة وراء المعلى فيما بين مكة ومنى، (وذاك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا يُنَاكِحُوهُم ولا يُبايِعُوهُم ولايُؤْوُوهُم) وهذا هو المراد بقوله ﵇ في الحديث: \"على الكفر\" (قال الزهري: والخيف الوادى).\nوقصة التحالف أن كفار قريش وبني كنانة اجتمع رأيهم على قتل رسول الله - ﷺ -، فأبى قومه، فعند ذلك اجتمع رأيهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب وإخراجهم من مكة إلى شِعْب أبي طالب والتضييق عليهم، وأن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يقبلوا منهم صلحًا حتى يُسَلِّموا رسول الله - ﷺ - للقتل، ووقع ذلك الاجتماع والمشاورة في خيف بني كنانة، وهو المحصب بأعلى مكة عند المقابر، ووافقهم فيها بنو كنانة، فبلغ ذلك أبا طالب، فَجَمَعَ\n_________\n(١) في نسخة: \"ننزل\".","vol":"10","page":83},{"text":"٢٩١١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن حَبِيبٍ الْمُعَلِّم، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى\". [جه ٢٧٣١، حم ٢/ ١٧٨]\n===\nبني هاشم وبني المطلب، وأدخلوا رسول الله - ﷺ - شعبهم، فأجابوه على ذلك حتى كفارهم، فَعَلُوا ذلك حميةً على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك كتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، وكتبوا في صحيفة بخط منصور ابن عكرمة بن هشام فَشَلَّتْ يده، وعَلَّقُوا الصحيفة في جوف - الكعبة هلالَ المحرم سَنَة سبع من النبوة.\nوانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، ودخلوا معه شعبه، إلَّا أبا لهب فكان مع قريش، وأقاموا على ذلك سنتين حتى جهدوا، وكان لا يصل إليهم شيء إلَّا سرًا، وكانوا لا يخرجون إلَّا من موسم إلى موسم، ثم قام رجال في نقض الصحيفة، فأخبر رسولُ الله - ﷺ - أن الأَرَضَة أَكَلَتْ جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلَّا اسم الله تعالى، فأخبرهم أبو طالب بذلك، فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال ﵇ (١).\n٢٩١١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يتوارث أهل ملتين شَتَّى) جمع شتيت كمريض ومرضى، والمراد بالملَّتين الإِسلام والكفر، فإن الإِسلام ملة، والكفر ملة، فالمسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم، وأما الملل الكفرية كاليهود والنصارى والمجوس، فيتوارثون (٢) بعضهم من بعض.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٩).\n(٢) هذا عندنا والشافعي، وقال أحمد ومالك: لا يرث بعضهم بعضًا، كذا في \"الميزان\" (٢/ ١٦٠)، و\"البداية\" (٢/ ٢٥٣)، وحكى القاري (٦/ ٢٣٣) مذهب الشافعي بخلافه، فتأمل، والصواب ما حكي عن النووي، وقال الحافظ (١٢/ ٥١): هو الأصح؛ =","vol":"10","page":84},{"text":"٢٩١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن عَمْرٍو (١) الْوَاسِطِيَّ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدة: أَنَّ أَخَوَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ يَهُودِيٌّ وَمُسْلِمٌ، فَوَرَّثَ الْمُسْلِمَ مِنْهُمَا، وَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَهُ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الإسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ\"، فَوَرَّثَ الْمُسْلِمَ. [حم ٥/ ٢٣٦، ق ٦/ ٢٠٥، ك ٤/ ٣٤٥]\n٢٩١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن شُعْبَةَ، عن عَمْرِو بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدة، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عن أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ،\n===\n٢٩١٢ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن عمرو الواسطي، نا عبد الله بن بريدة: أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر) أحدهما (يهودي و) الآخر (مسلم) أي: مات أبوهما يهوديًا، فحاز ابنه اليهودي ماله، فنازعه المسلم (فَوَرَّثَ) أي: يحيى بن يعمر (المُسْلِمَ منهما) أي: جعل المسلم وارثًا (وقال) في الاستدلال عليه: (حدثني أبو الأسود) الديلي (أن رجلًا حَدَّثه أن معاذًا قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الإِسلام يزيد ولا ينقص، فَوَرَّث) أي معاذ (المسلم).\nوقد تقدم أن هذا اجتهاد من معاذ بن جبل، والمراد فضل الإِسلام على الأديان كلها، وليس فيه دليل على توريث المسلم الكافر، والحديث المتقدم صريح في أن المسلم لا يرث الكافر، فيعمل على الصريح.\n٢٩١٣ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي\n_________\n= والصواب في مذهب مالك أن أهل الكتابين مذهبان مستقلان فلا يتوارثان، وأهل الشرك والوثن، وغيرهم كلهم ملة واحدة، كذا في \"الدسوقي\" (٤/ ٤٨٦)، وأما عند الحنابلة فكل ملة مستقلة، كما في \"نيل المآرب\" (١/ ٨٨). (ش).\n(١) في نسخة: \"عمرو بن أبي حكيم\".","vol":"10","page":85},{"text":"أَنَّ مُعَاذًا أُتِيَ بِمِيرَاثِ يَهُودِيٍّ وَارِثُهُ مُسْلِمٌ، بِمَعْنَاهُ عن النَّبِيِّ - ﷺ -. [حم ٥/ ٢٣٠، ق ٦/ ٢٩٤، ك ٤/ ٣٤٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>(١١) بَابٌ: فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ</span>\n٢٩١٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، نَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن أَبِي الشَّعْثَاءِ، عنَ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ -: \"كُلُّ قَسْم قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ لَه، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الإسْلَامُ فَإِنَّه عَلَى قَسْمِ الإسْلَامِ\". [جه ٢٤٨٥]\n===\nأن معاذًا أُتِيَ بميراث يَهُوْدِيٍّ وارِثُه مُسْلِمٌ بمعناه عن النبي - ﷺ -) بأن معاذًا وَرَّث المسلمَ من اليهودي بقوله - ﷺ -: \"الإِسلام يزيد ولا ينقص\".\n\n(١١) (بَابٌ: فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ)\nأي: لم تقسم بعد\nوصورة المسألة: مات مسلم وله ولدان مسلم وكافر، فأسلم الكافر قبل قسمة المال، فهذا لا يرث المسلم.\nوالصورة الثانية: كافر وله ولدان مثلًا مسلم وكافر، فأسلم الولد الكافر قبل قسمة الميراث، فإنه يرث الكافر، لأن الجمهور على أن الميراث يستحق بالموت؛ لأن وقت الموت هو وقت انتقال الملك.\n٢٩١٤ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، نا موسى بن داود، نا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال النبي - ﷺ -: كلُّ قَسْمٍ قسِمَ في الجاهلية فهو على ما قُسِمَ له) أي: لا ينقض في الإِسلام تلك القسمة، كما أن أنكحة الجاهلية تبقى على حالها (وكلُّ قَسْمٍ أدركه الإِسلام، فإنه على قَسْمِ الإِسلام)، فإذا مات مسلم وله\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\".","vol":"10","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1122>(١٢) بَابٌ: فِي الْوَلَاءِ</span>\n٢٩١٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، (١) قَالَ مَالِكٌ: عَرَضَ عَلَيَّ نَافِعٌ (٢)، عن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - ﵂ - أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ (٣) لِرَسولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ\". [خ ٦٧٥٧، م ١٥٠٤، ن ٢٦١٤، ط ٢/ ٧٨١]\n===\nولدان مسلم وكافر، فأسلم الكافر قبل القسمة فلا يرث، وإن كان المورث كافرًا فأسلم الولد الكافر قبل القسمة، فهو يرث (٤).\n\n(١٢) (بَابٌ: فِي الْوَلَاءِ)\n٢٩١٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال مالك: عَرَضَ عَلَيَّ نافعٌ، عن ابن عمر: أن عائشة أم المومنين - ﵂ - أرادت أن تشتريَ جاريةً) أي: بريرة (تعتقها، فقال أهلها: نَبِيْعُكِهَا على أن ولاءَهَا لنا)، فإنها إذا كان الولاء لنا نرثها إذا ماتت، (فذكرت عائشة) - ﵂ - الرسول الله - ﷺ - فقال: لا يمنعك ذلك) أي: اشتراطهم الولاء لهم (٥) (فإن الولاء لمن أعتق).\nويشكل بأن رسول الله - ﷺ - كيف أذن بالاشتراط في البيع، وقد نهى عن ذلك، والشرط على خلاف مقتضى العقد!؟\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: قُرَئ على مالك وأنا حاضر\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عن نافع\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ذاك\".\n(٤) والبسط في \"الأوجز\" (١٤/ ٥٠٢)، و\"اللامع\" (٣/ ٣٧٧). (ش).\n(٥) قال الحافظ (١٢/ ٤٨): قال ابن بطال: هو يقتضي أن الولاء لكل معتق ذكرًا كان أو أنثى، وهو مجمع عليه، وأما جَرُّ الولاء فقال الأبهري: ليس بين الفقهاء اختلاف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أولاد من أعتقن، إلَّا ما جاء عن مسروق أنه قال: لا يختص المذكور بالولاء ... إلخ. (ش).","vol":"10","page":87},{"text":"٢٩١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ وَوَليَ النِّعْمَةَ\". [خ ٦٧٥٤، م ١٠٧٥، ١٥٠٤، ت ٢١٢٥، ن ٣٤٥٣]\n٢٩١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عن عَمْرِو بْنِ شعَيْبٍ، عن أَبِيهِ،\n===\nوالجواب عنه: أنه يمكن أن يكون هذا قبل النهي عن الشرط، ولو سُلِّمَ أنها وقعت بعد النهي، فالإذن فيه كان للردع عنه والإبطال، فإنه - ﷺ - خطب بعدها، وقال: \"ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فمن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل\" (١)، فهذا أوقع في القلوب.\n٢٩١٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: الولاء) أي: ولاء الموالي (لمن أعطى الثَّمَن) أي: اشتراها (وَوَليَ النعمةَ) أي: نعمة العتق، وإنما ذكر الاشتراء مع أن الاشتراء ليس سببًا للولاء، لأنه سبب الملك، فإذا أعتق في الملك يثبت الولاء للمعتق.\nولما وقع هذا الكلام في قصة بريرة ذكر هذا إشارة إلى أن بدون الملك لا يحصل الولاء، فإن البائع إذا باع خرج من ملكه، وانقطع حق الولاء له، والمشتري لما ملكه بالشراء استحق الولاء.\n٢٩١٧ - (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، قال: نا عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤)، والترمذي (٣١٢٤)، والنسائي (٤٦٥٥)، وابن ماجه (٢٥٢١).","vol":"10","page":88},{"text":"عن جَدِّهِ: أَنَّ رِئَابَ بْنَ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ، فَمَاتَتْ أُمُّهُمْ فَوَرِثُوهَا رِبَاعَهَا وَوَلَاءَ مَوَاليهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (١) عَصَبَةَ بَنِيهَا، فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى الشَّام فَمَاتُوا، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (٢)، وَمَاتَ مَوْلًى لَهَا، وَتَرَكَ مَالًا لَهُ، فَخَاصَمَهُ إِخْوَتُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، فَقَالَ عُمَرُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ أَوِ الْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ\"،\n===\nعن جده: أن رئاب بن حذيفة تزوج امرأة، فولدت له ثلاثة غلمة، فماتت أمهم، فورثوها رباعَها) بكسر الراء، أي: دورها (وولاءَ مواليها، وكان عمرو بن العاص عَصَبَةَ بنيها، فأخرجهم) أي: أخرج عمرو بن العاص الغلمة (إلى الشام فماتوا) في الشام.\n(فَقَدِمَ عمرو بنُ العاص) من الشام (ومات مولًى لها) أي: لأم الغلمان (وترك مالًا له، فخاصَمَه) أي: عمرو بنَ العاص (إخوتُها) أي: أم الغلمان (إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: قال رسول الله - ﷺ -: ما أحرز (٣) الولد أو الوالد) من الميراث (فهو لعصبته من كان)، أي: إذا مات عتيق الأب أو عتيق الأم بعد موتهما، وللأب والأم ابن يَرِثُ الابنُ ولاء ذلك العتيق، وهذا مخصوص بالعصبة، ولا ترث النساء الولاء إلَّا ممن أعتقنه أو أعتق من أعتقنه، فلما ماتت\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) في نسخة: \"العاصي\".\n(٣) ظاهر ما في \"موطأ محمد\" (ص ٣٥٦) أن الحديث يخالف الحنفية فليسأل، قال الموفق (٩/ ٢٤٥): حديث عمرو بن شعيب هذا غلط ... إلخ، وبه قال شريح، وهو رواية مرجوحة لأحمد، والراجح عنهما وبه قالت الثلاثة: إن الولاء لعصبة المعتق. والبسط في \"الأوجز\" (١٢/ ٢٤)، وأوَّل الشيخ الجنجوهي رواية أبي داود وأجاد، راجع: \"تذكرة الرشيد\" (١/ ١٠٧).\nقلت: وقد تكلم المصنف على هذا الحديث في بعض النسخ وهي نسخة الهامش. (ش).","vol":"10","page":89},{"text":"قَالَ: فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَزيدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرَجُلٍ آخَرَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عَبْدُ الْمَلِكِ، اخْتَصَمُوا إِلَى هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَو إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامٍ، فَرَفَعَهُمْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: هَذَا مِنَ الْقَضَاءِ الَّذِي مَا كُنْتُ أَرَاهُ. قَالَ: فَقَضَى لَنَا بِكِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَنَحْنُ فِيهِ إِلَى السَّاعَةِ (١). [جه ٢٧٣٢، حم ١/ ٢٧]\n===\nأم الغلمة، وَرِثَ بنوها ولاءَ مواليها، فلما ماتوا ترث عصبتهم ولاءَ موالي أمهم، فلهذا وَرِثَ عمرو بنُ العاص ولاءَ مولى أم الغلمة.\n(قال) عبد الله بن عمرو: (فكتب) أي عمر - ﵁ - (له) أي: لعمرو بن العاص (كتابًا فيه شهادةُ عبدِ الرحمن بن عوفٍ وزيدِ بنِ ثابتٍ ورجلٍ آخر، فلما استُخْلِفَ عبدُ الملك) بن مروان (اختصموا) أي: إخوة المرأة (إلى هشام بن إسماعيل، أو) للشك من الراوي (إلى إسماعيل بن هشام) والصواب هشام بن إسماعيل كما في رواية ابن ماجه، وهو أمير المدينة، (فرفعهم) أي: رفع هشام بن إسماعيل قصتهم (إلى عبد الملك، فقال) عبد الملك: (هذا) أي: قضاء عمر (من القضاء الذي ما) زائدة، ويحتمل أن تكون نافية، ومعناه حينئذ لم يكن رأيي قبل ذلك القضاء على وفق ذلك القضاء، ولكني لما رأيت ذلك القضاء تركت رأيي وقضيت على وفق ذلك القضاء (كنت أراه، قال: فَقَضَى لنا) عبد الملك (بكتاب عمر بن الخطاب، فنحن فيه إلى الساعة).\nوقد أخرج ابن ماجه هذا الحديث في \"سننه\" (٢) مطولًا، ولفظه \"قال: تزوج رئاب بن حذيفة بن سعيد بن سهم أُمَّ وائل بنت معمر الجمحية، فولدت له\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حدثنا أبو داود قال: ثنا أبو سلمة قال: ثنا حماد، عن حميد قال: الناس يتهمون عمرو بن شعيب في هذا الحديث، قال أبو داود: وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان خلاف هذا الحديث، إلَّا أنه روي عن علي بن أبي طالب بمثل هذا\".\n[ذكره المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٠٥٨١) ثم قال: حديث أبي سلمة في رواية أبي عيسى الرملي عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم].\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (٢٧٣٢).","vol":"10","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1123>(١٣) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُل</span>\n٢٩١٨ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهِبٍ الرَّمْلِيُّ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَا: نَا يَحْيَى - قَالَ أَبُودَاوُدَ: هُوَ ابْنُ حَمْزَةَ -، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَوْهِب يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ - قَالَ هِشَامٌ: عن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَالَ يَزِيدُ -: إِنَّ تَمِيمًا\n===\nثلاثة، فتوفيت أمهم، فورثها بنوها رباعها، وولاء مواليها، فخرج بهم عمرو بن العاص إلى الشام، فماتوا في طاعون عمواس، فورثهم عمرو، وكان عصبتهم، فلما رجع عمرو بن العاص جاء بنو معمر يخاصمونه في ولاء أختهم إلى عمر، فقال عمر - ﵁ -: أقضي بينكم بما سمعت من رسول الله - ﷺ -، سمعته يقول: \"ما أحرز الولد أو الوالد فهو لعصبته من كان\"، قال: فقضى لنا به، وكتب لنا به كتابًا فيه شهادةُ عبدِ الرحمن بن عوف وزيدِ بن ثابت وآخر، حتى إذا استُخْلِفَ عبد الملك بن مروان تُوُفِّيَ مولَى لها، وترك ألفي دينار، فبلغني أن ذلك القضاء قد غُيِّرَ، فخاصموا إلى هشام بن إسماعيل، فرفعنا إلى عبد الملك فأتيناه بكتاب عمر، فقال: إن كنت لأرى أن هذا من القضاء الذي لا يشك فيه، وما كنت أرى أن أمر أهل المدينة بلغ هذا أن يشكُّوا في هذا القضاء، فقضى لنا فيه، فلم نزل فيه بعد\".\n\n(١٣) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ)\n٢٩١٨ - (حدثنا يريد بن خالد بن موهب الرملي وهشام بن عمار قالا: نا يحيى - قال أبو داود: هو ابنُ حمزة -، عن عبد العزيز بن عمر قال: سمعت عبد الله بن موهب يُحَدِّثُ عُمَرَ بنَ عبد العزيز، عن قبيصة بن ذؤيب، قال هشام) أي: ابن عمار شيخ المصنف: (عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله، وقال يزيد: إن تميمًا).\nفحاصل هذا الاختلاف الواقع بين حديث شيخي أبي داود يزيد بن خالد","vol":"10","page":91},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهشام بن عمار، أن هشامًا قال: عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري، فهو من مرويات تميم الداري، وأما يزيد، فإنه قال: عن قبيصة بن ذؤيب أن تميمًا قال: يا رسول الله، فعلى هذا يزيد بن خالد لا يروي عن تميم، بل يروي قصة سؤال تميم عن رسول الله - ﷺ -، ولم يذكر الذي روى عنه، فعلى هذا رواية يزيد بن خالد مرسلة، هذا حاصل مرأد المصنف في بيان الاختلاف.\nوأما الاختلاف في هذه الرواية بوجوه أخر: فأول الاختلاف في عبد الله بن موهب، قال الترمذي: قال بعضهم: عبد الله بن وهب، انتهى. قلت: والصواب عبد الله بن موهب، قال الحافظ في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\" (١): عبد الله بن وهب، عن تميم الداري، صوابه: عبد الله بن موهب.\nوالثاني: أن عبد الله بن موهب هل يروي عن تميم الداري بغير واسطة أم بواسطة قبيصة بن ذؤيب، فروى يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز بن عمر، وزاد فيه \"عن قبيصة بن ذؤيب\"، كذا قال الترمذي، وروى وكيع عند أحمد والترمذي وابن ماجه عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وإسحاق بن يوسف الأزرق عنه عند أحمد، وأبو نعيم عنه عند أحمد أيضًا، ولم يذكروا قبيصة بن ذؤيب بين عبد الله بن موهب وتميم الداري.\nوالثالث: أن في رواية وكيع عند أحمد وابن ماجه، وفي رواية أبي نعيم عند أحمد والدارمي تصريح السماع بأنهما قالا: عن عبد الله بن موهب قال: سمعت تميم الداري، ولم يذكر الترمذي السماع، بل قال: عن عبد الله بن موهب عن تميم الداري.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم،\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٧٥)، و\"تقريب التهذيب\" (ص ٥٥٦).\n(٢) (٦/ ٤٧).","vol":"10","page":92},{"text":"قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السُّنَةُ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: \"هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ\". [ت ٢١١٢، جه ٢٧٥٢، حم ٤/ ١٠٢، قط ٤/ ١٨١، ق ١٠/ ٢٩٦]\n===\nثنا عبد العزيز بن عمر، وهو ثقة، عن عبد الله بن موهب، وهو همدانى ثقة، سمعت تميمًا الداري يعني حديث الكافر يسلم على يدي المسلم لمن ولاؤه؟ قال: وهذا خطأ، ابن موهب لم يلحق تميمًا، وهكذا رواه غير واحد عن عبد العزيز، ورواه يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز، عن عبد الله بن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن تميم الداري، قال أبو زرعة الدمشقي: نرى - والله أعلم - أن عبد العزيز حدث يحيى بن حمزة من كتابه، وحدثهم بالعراق من حفظه، وهذا حديث حسن متصل، لم أر أحدًا من أهل العلم يدفعه، وقال البخاري: قال بعضهم: عن عبد الله بن موهب سمع تميمًا الداري ولا يصح، انتهى.\n(قال: يا رسول الله، ما السُّنَّة) أي: ما حكم الشرع (في الرجل) الكافر (يُسْلِمُ على يدي الرجل من المسلمين؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (هو) أي الرجل المسلم (أولى الناس بمحياه) أي: الرجل الكافر الذي أسلم في حياته (ومماته) أي: هو أولى الناس بمماته، يعني يصير مولى له.\nقال المظهر (١): فعند أبي حنيفة والشافعي ومالك (٢) والثوري: لا يصير مولى، ويصير مولى عند عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب وعمرو بن الليث لهذا الحديث، ودليل الشافعي وأتباعه قوله ﵇: \"الولاء لمن أعتق\"، وحديث تميم الداري يحتمل أنه كان في بدء الإِسلام؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالإِسلام والنصرة، ثم نسخ ذلك، ويحتمل أن يكون قوله ﵊:\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٤٨).\n(٢) وأحمد كما في \"العيني\" (١٦/ ٣٩)، قال الموفق (٩/ ٣٦١): اختلفت الرواية عن أحمد في المرأة تسلم على يد رجل، فقال في موضع: لا يكون لها وليًّا ولا يزوِّج، وفي رواية أخرى: يزوجها، وهو قول إسحاق لحديث الباب إلَّا أنه ضعيف. (ش).","vol":"10","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n\"هو أولى الناس بمحياه ومماته\"، يعني بالنصرة في حال الحياة، وبالصلاة بعد الموت، فلا يكون حجة.\nقلت: وهذا إذا كان إسلام الرجل على يدي مسلم فقط، وأما إذا اقترن معه المعاقدة والمحالفة فعند ذلك يكون المولى أولى بالميراث عند عدم الأقارب عندنا الحنفية، كما سيأتي في حديث ابن عباس (١).\nوقال الشوكاني: قال الترمذي: لا نعرفه إلَّا من حديث (٢) عبد الله بن موهب - ويقال: ابن (٣) وهب - عن تميم الداري، وقد أدخل بعضهم سن عبد الله بن موهب وتميم الداري قبيصةَ بنَ ذؤيب، وهو عندي ليس بمتصل، وقال الشافعي في هذا الحديث: ليس بثابت، إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن وهب عن تميم الداري، وابن وهب ليس بالمعروف عندنا، ولا نعلمه لقي تميمًا، ومثل هذا لا يثبت عندنا ولا عندك من قبل أنه مجهول، ولا أعلمه متصلًا.\nوقال الخطابي (٤): ضعَّف أحمد بن حنبل حديث تميم الداري هذا، وقال: عبد العزيز راويه ليس من أهل الحفظ والإتقان، وقال البخاري في \"الصحيح\" (٥): واختلفوا في صحة هذا الخبر، وقال أبو مسهر: عبد العزيز بن عمر ضعيف الحديث، وقد احتج بعبد العزيز المذكور البخاري في \"صحيحه\"، وأخرج له هو ومسلم، وقال يحيى بن معين: عبد العزيز بن عمر ثقة، وقال ابن عمار: ثقة، ليس بين الناس فيه اختلاف.\n_________\n(١) وفي \"حواشي الشريفية\": أن في بعض طرق حديث تميم: أن الرجل يسلم على يدي ويواليني الحديث، فالقيد ملحوظ في الروايات المطلقة أيضًا. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٣١).\n(٣) وبسط العيني الكلام على صحة الحديث [انظر: \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٠)]. (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٠٤).\n(٥) قاله البخاري قبل الحديث (٦٧٥٨).","vol":"10","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1124>(١٤) بَابٌ: فِي بَيْعِ الْوَلَاءِ</span>\n٢٩١٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ - عن بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ\". [خ ٦٧٥٦، م ١٥٠٦، ت ١٢٣٦، جه ٢٧٤٧، حم ٢/ ٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>(١٥) بَابٌ: فِي الْمَوْلُودِ يَسْتَهِلُّ ثُمَّ يَمُوت</span>\n٢٩٢٠ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُعَاذٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ -، عن يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قُسَيْطٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وُرِّثَ\". [ق ٦/ ٢٥٧]\n===\n\n(١٤) (بَابٌ: فِي بَيْعِ الْوَلَاءِ)\n٢٩١٩ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن عبد الله (٢) بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الولاء وعن هبته)، وكانت العرب في الجاهلية تبيع ولاء مواليها، وتأخذ عليها المال، فنهى رسول الله - ﷺ - عن ذلك؛ لأنه ليس بمال، بل هو حق من الحقوق، فلا يرد عليه البيع؛ لأن البيع يستدعي كون المبيع مالًا.\n\n(١٥) (بَابٌ: فِي الْمَولُودِ يَسْتَهِلُّ)\nأي: يرفع صوته بالبكاء، فإن الاستهلال والإهلال رفع الصوت، والمراد به ما يعلم به حياته، (ثُمَّ يَمُوتُ)\n٢٩٢٠ - (حدثنا حسين بن معاذ، نا عبد الأعلى، نا محمد - يعني ابن إسحاق -، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة - ﵁ -: عن النبي - ﷺ - قال: إذا استهل) إذا صاح (المولود وُرِّثَ) من التوريث،\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) هذا الحديث مما تفرد به ابن دينار، وهو صحيح، كذا في \"الفتح\" (١٢/ ٤٤)، و\"الأوجز\" (١١/ ٦٧٣). (ش).","vol":"10","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1126>(١٦) بَابُ نَسْخِ مِيرَاثِ الْعَقْدِ بِمِيرَاثِ الرَّحِمِ</span>\n٢٩٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ (١) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)، كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ، فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ الأَنْفَالُ (٢): ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. [ق ٦/ ٢٦٢]\n===\nأي: يجعل (٣) وارثًا لمن مات قبله، وقيد الاستهلال باعتبار أنه الغالب في القرينة على الحياة، وإلَّا فأي أمارة (٤) على الحياة وجدت يورث ذلك المولود من مورثه الذي مات قبله.\n\n(١٦) (بَابُ نَسْخِ مِيرَاثِ الْعَقْدِ)، العقد: هو المحالفة والموالاة (بمِيرَاث الرَّحِمِ)\n٢٩٢١ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت قال: حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: والذين عاقدت (٥) أيمانكم) وفي قراءة: عقدت (فآتوهم نصيبهم، كان الرجل يحالف الرجل) أي: يعاقده ويواليه (ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ (٦) ذلك الأنفال) أي: آية الأنفال ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٧).\n_________\n(١) في نسخة: \"عقدت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فقال\".\n(٣) به قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أحمد ومالك: لا يرث ولا يورث، وإن تحرَّك أو تنفس؛ إلا أن يرضع، كذا قال الشعراني (٣/ ١٦٣). (ش).\n(٤) به قلنا والشافعي، وقال قوم: لا بد من الاستهلال، كذا قال القاري (٦/ ٢٣٤)، (ش).\n(٥) واستدل بها صاحب \"الهداية\" (٢/ ١٧٠) على ولاء الموالاة. (ش).\n(٦) وفي \"حواشي الشريفية\": لا حجة في الآية على النسخ، وخبر الواحد لا ينسخ الآية. (ش).\n(٧) سورة الأنفال: الآية ٧٥.","vol":"10","page":96},{"text":"٢٩٢٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي إدْرِيس بْنُ يَزِيدَ، نَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:\n===\nواختلفوا في هذه المسألة، فقال قائلون: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وقال آخرون: ليس بمنسوخ من الأصل، ولكنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فنسخ ميراثهم في حال وجود القرابات، وهو باقٍ لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي كان عليه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر، فقالوا: من أسلم على يدي رجل (١) ووالاه وعاقده، ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له.\nوقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: ميراثه لبيت المال، فالآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده على الوجه الذي ذهب إليه أصحابنا؛ لأنه كان حكمًا ثابتًا في أول الإسلام، وحكم الله به في نص التنزيل قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، فجحل ذوي الأرحام أولى من المعاقدين الموالي، فمتى فقدت ذوو الأرحام وجب ميراثهم بقضية الآية، فليس في القرآن ولا في السنَّة ما يوجب نسخها، فهي ثابتة الحكم مستعملة على ما تقتضيه من إثبات الميراث عند فقد ذوي الأرحام.\nوقد تقدم الحديث عن النبي - ﷺ - بثبوت هذا الحكم، عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله، ما السنَّة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: \"هو أولى الناس بمحياه ومماته\"، فهذا يقتضي أن يكون أولى الناس بميراثه، إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث.\n٢٩٢٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا أبو أسامة، حدثني إدريس بن يزيد، نا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى:\n_________\n(١) وكذلك إذا عاقد رجل مجهول النسب برجل آخر، وقال له: أنت مولاي ترثني، فقبله الآخر، يصير مولى الموالاة له، كذا في \"الشريفية\". (ش).","vol":"10","page":97},{"text":"﴿وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ (١) أَيْمَانُكُم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ تُوَرَّثُ الأَنْصَارَ دُونَ ذِي (٢) رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ (٣) - ﷺ - بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾، قَالَ: نَسَخَتْهَا: ﴿وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمُانكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ، وَيُوْصِي لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ\". [خ ٤٥٨٠، ق ٦/ ٢٦٢]\n٢٩٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى، الْمَعْنَى، قَالَ أَحْمَدُ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عن دَاوُدَ بْنِ\n===\n﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهم﴾ قال) ابن عباس: (كان) في ابتداء الإِسلام (المهاجرون حين قدموا المدينة تورث الأنصار) أي: تجعل ورثة للأنصار (دون ذي رَحِمِهِ) أي: مقدمًا على ذوي الأرحام (للأخوة التي آخى رسول الله - ﷺ - بينهم) أي: بين المهاجرين والأنصار.\n(فلما نزلت هذه الآية) وهي قوله تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾) أي: ورثة ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ الآية (قال) ابن عباس: (نسختها) أي نسخت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ هذه الآية المتقدمة، فعلى كونها منسوخة معناها ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهم﴾ (٤) أي: أعطوهم نصيبهم (من النصر والنصيحة والرِّفادة) أي: الإعانة (ويوصي له، وقد ذهب الميراث) وقد تقدم البحث فيه (٥).\n٢٩٢٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، وعبد العزيز بن يحيى، المعنى، قال أحمد: نا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن\n_________\n(١) في نسخة: \"عقدت\".\n(٢) في نسخة: \"ذوي\".\n(٣) في نسخة: \"النبي\".\n(٤) سورة النساء: الآية ٣٣.\n(٥) فإرث مولى الموالاة عند الجمهور منسوخ رأسًا وأصلًا، وعندنا المنسوخ كونه أولى من ذي الرحم. (ش).","vol":"10","page":98},{"text":"الْحُصَيْنِ قَالَ: \"كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ الرَّبِيع، وَكَانَتْ يَتِيمَةً في حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ فَقَرَأْتُ: ﴿وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَقَالَتْ: لَا تَقْرَأْ: ﴿وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِنَّمَا نَزَلَتْ (١) فِي أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمنِ حِينَ أَبَى الإسْلَامَ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يُوَرِّثَهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَمَرَ نَبِيّ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ.\nزَادَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَمَا أَسْلَمَ حَتَّى حَمَلَ عَلَى الإسْلَامِ بِالسَّيْفِ\" (٢). [ق ٦/ ٢٠٤]\n===\nالحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع، وكانت يتيمة في حجر أبي بكر). قال في \"التقريب\" (٣): أم سعد [بنت سعد] بن الربيع صحابية، أوصى بها أبوها إلى أبي بكر الصديق، فكانت في حجره، ويقال: إن اسمها جميلة، قلت: ولعلها في رواية أبي داود نسبت إلى جدها.\nوقال في \"تهذيب التهذيب\" (٤): أم سعد بنت سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير، ويقال: أم سعد بنت الربيع الأنصارية، عن أبي بكر الصديق - ﵁ - في مناقب سعد بن الربيع، ويقال: اسمها جميلة.\n(فقرأت ﴿وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقالت: لا تقرأ ﴿وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبَى الإِسلامَ، فَحَلَفَ أبو بكر أن لا يُوَرِّثه، فلما أَسْلَمَ أَمَرَ نبي الله - ﷺ - أن يُوْتِيَه نَصِيْبَه).\n(زاد عبد العزيز: فما) نافية (أسلم) أي: عبد الرحمن بن أبي بكر (حتى حَمَلَ) بصيغة المعلوم (على الإِسلام بالسيف) أي: دافع الإِسلام وقاتل أهل الإِسلام بالسيف، فإنه شهد بدرًا مع المشركين، وكان إسلامه قبيل فتح مكة.\n_________\n(١) في نسخة: \"أنزلت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: من قال: ﴿عَقَدت﴾ جعله حلفًا، ومن قال: ﴿عَاقَدَتْ﴾ جعله حالفًا، قال: والصواب حديث طلحة ﴿عاقدت﴾.\n(٣) (ص ١٣٨١).\n(٤) (١٢/ ٤٧٠).","vol":"10","page":99},{"text":"٢٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾،\n===\nوضبطه صاحب \"العون\" (١) ببناء المجهول، وهو مع بعده يمكن أن يكون معناه أنه لما رأى غلبة الإِسلام في المقاتلة، حتى قتل صناديد كفار قريش في بدر، وكذا في غيره من المواطن، فكأنه أكره على الإِسلام بالسيف.\nوأما قول أم سعد: لا تقرأ ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى آخره، معناه أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بأنه حَلَفَ أن لا يورِّث ابنه عبد الرحمن؛ لأنه كان لم يسلم، فلا يصح أن يقرأ ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ﴾ من باب المفاعلة، بل الصواب على هذا التقدير ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ﴾، فإنه وقع الحلف من أبي بكر بنفي توريث عبد الرحمن، ولعلها لم تبلغها قراءة عاقدت من باب المفاعلة، فأنكرتها لكونها مخالفة لما نزلت من القصة.\nونظيره ما روي عن عائشة - ﵂ - أنها أنكرت في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (٢)، وقالت: معاذ الله، كيف يظن أن الرسل ظنوا أنهم قد كُذِبُوا في ما وُعِدَ لهم من الله سبحانه، وقالت: والقراءة فيه: \"وظَنُّوا أنهم قد كذِّبوا\" (٣) من باب التفعيل.\n٢٩٢٤ - (حدثنا أحمد بن محمد، نا علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ و﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾)، إشارة إلى آيتين من سورة الأنفال، وتمام نظم الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٨/ ٩٩).\n(٢) سورة يوسف: الآية ١١٠.\n(٣) أخرجه البخاري نحوه (٣٣٨٩).","vol":"10","page":100},{"text":"فَكَانَ الأَعْرَابِيُّ لَا يَرِثُ الْمُهَاجِرَ، وَلَا يَرِثُهُ الْمُهَاجِرُ، فَنَسَخَتْهَا، قَالَ (١): ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. [ق ٦/ ٢٦٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>(١٧) بَابٌ: فِي الْحِلْفِ</span>\n٢٩٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عن زَكَرِيَّا، عن سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أبِيهِ، عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا حِلْفَ في الإسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً\". [م ٢٥٣٠، حم ٤/ ٨٣، ن ٦٤١٨]\n===\nحَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٢).\n(فكان الأعرابي لا يرث المهاجر) ولو كان عصبة له أو من ذوي الفروض، (ولا يرثه المهاجر، فنسختها، قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾) (٣).\n\n(١٧) (بَابٌ: فِي الْحِلْفِ)، أي: المحالفة التي كانت في الجاهلية\n٢٩٢٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر وابن نمير وأبو أسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا حِلف) بكسر حاء مهملة وسكون لام (في الإِسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإِسلام إلَّا شِدَّةً).\nفالحلف الذي نفاه - ﷺ - هو الذي كان في الجاهلية على الفتن والقتالات والغارات والظلم والبغي، كما تحالفوا بإخراج النبي - ﷺ - وبني هاشم في خيف بني كنانة، وكتبوا له كتابًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\"،\n(٢) سورة الأنفال: الآية ٧٢.\n(٣) سورة الأنفال: الآية ٧٥ - ١٠١.","vol":"10","page":101},{"text":"٢٩٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِنَا، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا حِلْفَ فِي الإسْلَامِ\"، فَقَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِنَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. [خ ٧٣٤٠، م ٢٥٢٩، حم ٣/ ١١١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>(١٨) بَابٌ: فِي الْمَرْأَةِ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا</span>\n٢٩٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ،\n===\nوأما ما كان منه على نصر المظلوم، وصلة الأرحام، وحلف المطيبين (١) وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه: \"لم يزده الإِسلام إلَّا شدة\"، يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، ويمكن أن يقال: معنى قوله: \"لا حلف في الإِسلام\"، أي: لا ضرورة في الإِسلام إلى إحداث الحلف، فإن الإِسلام يقتضي ويوجب التعاون والتعاضد، فلا حاجة إلى الحلف، وأيما حِلْفٍ كان في الجاهلية على هذه الأمور الحقة فلم يزده الإِسلام إلَّا قُوَّةً وشِدَّةً.\n٢٩٢٦ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن عاصم الأحول قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حالف) أي: آخى (رسول الله - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار في دارنا، فقيل له) أي: لأنس: (أليس قال رسول الله - ﷺ -: لا حلف في الإِسلام، فقال) أنس: (حالف رسول الله - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثًا) أي: قال هذا القول مرتين أو ثلاثًا، ووجه الجمع بينهما تقدم في الحديث المتقدم.\n\n(١٨) (بَابٌ: فِي الْمَرْأَةِ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا)\n٢٩٢٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا سفيان، عن الزهري،\n_________\n(١) انظر: \"السيرة الحلبية\" (١/ ٢١).","vol":"10","page":102},{"text":"عن سَعِيدٍ قَالَ: \"كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب يَقُولُ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، حَتَّى قَاَلَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ: كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ وَرِّثْ (١) امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوُجِهَا، فرَجَعَ عُمَرُ\n===\nعن سعيد قال) أي سعيد: كان عمر بن الخطاب يقول: الدية للعاقلة) أي: لعصبات المقتول والذين يعقلون عنه إذا جنى، (ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، حتى قال له الضحاك بن سفيان) الكلابي، أبو سعيد، قال الواقدي: كان على صدقات قومه، وكان من الشجعان، يعد بمائة فارس، وبعثه النبي - ﷺ - على سرية، وقال ابن سعد: كان ينزل نجدًا، وكان واليًا على من أسلم هناك من قومه، ولما رجع النبي - ﷺ - من الجعرانة بعثه على بني كلاب يجمع صدقاتهم، كان سَيَّافًا لرسول الله - ﷺ - قائمًا على رأسه متوشحًا بسيفه.\n(كتب إليَّ رسولُ الله - ﷺ - أن وَرِّثْ امرأة أشيم) كأحمر (الضبابي) بكسر المعجمة بعدها موحدة وبعد الألف [موحدة] أخرى، قتل في عهد النبي - ﷺ - مسلمًا خطأ، فأمر رسول الله - ﷺ - الضحاك بن سفيان أن يورِّث امرأته من ديته (٢) (من دية زوجها، فرجع عمر) عمَّا يقول من عدم توريثها من دية زوجها، وإنما يقول عمر بذلك على ظاهر القياس، فإن الدية لا تجب إلَّا بعد القتل، والميراث لا يجرى إلَّا في المال الذي يكون مملوكًا له عند الموت، فلما بلغه النص رجع عن رأيه.\nوقيل: إنه شهد له بذلك زرارة بن جزي لما قال له عمر: لتأتيني على هذا\n_________\n(١) في نسخة: \"أُوَرِّثَ\".\n(٢) وفيه أن الدية تجب أولًا للمقتول، ثم تنتقل منه إلى ورثته كسائر أملاكه، وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي عن علي أنه كان لا يورث الإخوة من الأم، ولا الزوج ولا المرأة، حكاه القاري عن \"شرح السنَّة\" [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٤٧)]. (ش).","vol":"10","page":103},{"text":"قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدٍ، وَقَالَ فِيهِ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الأَعْرَابِ\". [ت ١٤١٥، جه ٢٦٤٢، حم ٣/ ٤٥٢]\nآخِر كِتَاب الْفَرَائِض\n===\nبما أعرف، فنشد الناس في الموسم: هل أحد يعرف ذلك من رسول الله - ﷺ -؟ قال: قيل: رجل يقال له: زرارة بن جزي، فحدثه عن النبي - ﷺ - بذلك.\n(قال أحمد بن صالح: نا عبد الرزاق بهذا الحديث عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، وقال فيه) أي في الحديث: (كان النبي - ﷺ - استعمله) أي: جعل الضحاك بن سفيان عاملًا (على الأعراب).\nآخِرُ كِتَابِ الفَرَائِضِ","vol":"10","page":104},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>(١٤) أَوَّلُ كتَابِ الْخَرَاجِ وَالْفَيْء والإمَارَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>(١) بَابُ مَا يَلْزَمُ الإمَامُ مِنْ حَقّ الرَّعِيَّةِ</span>\n٢٩٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(١٤) (أَوَّلُ كتَابِ الْخَرَاجِ وَالْفَيْءِ وَالإمَارَةِ)\nوالمناسبة بين الكتابين أنهما من باب الولاية\n\n(١) (بَابُ مَا يَلْزَمُ الإمَامَ مِنْ حقِّ الرَّعِيَّةِ)\n٢٩٢٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: ألا كلكم راع) أي حافِظٌ مُؤْتَمَنٌ على ما يليه، يأمر بالنصيحة، ويُحَذِّرهم أن يخونوا فيما وُكِّلَ إليهم أو يضيِّعوه (وكلكم مسؤول عن رعيته) فعيلة بمعنى مفعول، ودخلت التاء لغلبة الاسمية (فالأمير الذي على الناس","vol":"10","page":105},{"text":"رَاعٍ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ\". [خ ٥٢٠٠، م ١٨٢٩، ت ١٧٠٥، حم ٢/ ٥، ق ٧/ ٢٩١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>(٢) بَابُ مَا جَاءَ في طَلَبِ الإمَارَةِ</span>\n٢٩٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، نَا هُشَيْمٌ،\n===\nراعٍ عليهم، وهو) أي الأمير (مسؤول عنهم) في الآخرة، هل نصحهم وأدّى حقهم؟ (والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو) أي الرجل (مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بَعْلِها وَوَلَدِه) وماله (وهي مسؤولة عنهم، والعبد راعٍ على مال سيده، وهو مسؤول عنه).\nفالرعاية: حفظ الشيء وحسن التعهد، وقد استوى هؤلاء في الاسم، ولكن معانيهم مختلفة، أما رعاية الإِمام فولاية أمور الرعية والحياطة من ورائهم، وإقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله فالقيام عليهم بالحق (١) والنفقة، وحسن العشرة، ورعاية المرأة في زوجها فحسن التدبير في أمر بيته، والتعهد بخدمة أضيافه، ورعاية الخادم فحفظ ما في يده من مال سيده والقيام بشغله (٢).\n(فكلكم) الفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إذا كان الأمر كذلك فكلكم (راع وكلكم مسؤول عن رعيته).\n\n(٢) (بَابُ مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الإمَارَةِ)، بكسر الهمزة\n٢٩٢٩ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز) بزايين معجمتين، (نا هشيم،\n_________\n(١) قوله: \"بالحق والنفقة\" كذا في الأصل، وفي \"المرقاة\" (٧/ ٢٦٤)، و\"شرح السنَّة\" (٥/ ٣١١): \"بالحق في النفقة\" وهو الظاهر.\n(٢) انظر: \"شرح السنة\" (٥/ ٣١١)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٢٦٤).","vol":"10","page":106},{"text":"أَنَا يُونُسُ وَمَنْصُورٌ، عن الْحَسَنِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ -: \"يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ فِيهَا إِلَى نَفْسِكَ، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أعِنْتَ عَلَيْهَا\". [خ ٧١٤٦، م ١٦٥٢، ت ١٥٢٩، ن ٥٣٨٤، حم ٥/ ٦١]\n٢٩٣٠ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، نَا (٢) خَالِدٌ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عن أَخِيهِ، عن بِشْرِ بْنِ قُرَّةَ الْكَلْبِيِّ (٣)،\n===\nأنا يونس ومنصور، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة قال) عبد الرحمن: (قال لي رسول الله - ﷺ -: يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسال الإمارة) أي لا تطلب الحكومةَ والولايةَ لا من الخلق ولا من الخالق (فإنك إن أُعْطِيْتَها عن مسألة) أي إعطاءً صادرًا عن سؤالٍ منك (وُكِلْتَ فيها إلى نفسك) أي فُوِّضْتَ أنت في أمور الخلافة إلى نفسك، ولم تكن الإعانة فيها من الله تعالى، لأنك استقللت في طلبها (وإن أُعْطِيْتَها عن غير مسألة) معتقدًا أن لا حول ولا قوة إلا بالله (أُعِنْتَ عليها) من الله ﷾ بالتوفيق والتثبيت.\n٢٩٣٠ - (حدثنا وهب بن بقية، نا خالد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أخيه) قال الحافظ في مبهمات \"تهذيبه\" (٤): إسماعيل بن أبي خالد، عن أخيه، عن أبي موسى في الولاية، إخوته أربعة: أشعث وسعيد وخالد ونعمان.\n(عن بشر بن قرة الكلبي) وقيل: قرة بن بشر، عن أبي بردة، عن أبيه في طلب العمل، وعنه إسماعيل بن أبي خالد، أو عن أخيه عنه، ذكره ابن حبان في\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة بدله: \"أنا\".\n(٣) في نسخة بدله: \"الكندي\".\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٦٣).","vol":"10","page":107},{"text":"عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: \"انْطَلَقْتُ مَعَ رَجُلَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَتَشَهَّدَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ قَالَ: جِئْنَا لِتَسْتَعِينَ بِنَا عَلَى عَمَلِكَ، فَقَالَ (١) الآخَرُ مِثْلَ قَوْلِ صَاحِبِهِ، فَقَالَ: \"إِنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدَنَا مَنْ طَلَبَهُ\"، فَاعْتَذَرَ أَبُو مُوسَى إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ لِمَا جَاءَا لَهُ، فَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِمَا عَلَى شَيْءٍ حَتَّى مَاتَ\". [حم ٤/ ٣٩٣ - ٤١١]\n===\n\"الثقات\" في بشر، وحكى البخاري في \"التاريخ\" فيه الوجهين عن إسماعيل بن أبي خالد، وقال ابن القطان: مجهول الحال.\n(عن أبي بردة، عن أبي موسى - ﵁ - قال: انطلقت مع رجلين) أي من قومي من الأشعريين، قال الحافظ (٢): لم أقف على اسمهما، وعند \"مسلم\" من طريق بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة: رجلان من بني عمي.\n(إلى النبي - ﷺ - فَتَشَهَّدَ) أي خطب (أحدهما) ولعله خطب ليعلم أنه جريءٌ قؤول، فيستحسن رسول الله - ﷺ - إمارته (ثم قال: جئنا لتستعين بنا على عملك، فقال الآخر مثل قول صاحبه) أي مِن طلب الإمارة.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (إِنَّ أَخْوَنَكم) أي أشدكم خيانة (عندنا من طلبه) أي العمل، وهو طلب الإمارة (فاعتذر أبو موسى إلى النبي - ﷺ -، وقال) أي أبو موسى: (لم أعلم لما جاءا) أي الرجلان (له، فلم يستعن) رسول الله - ﷺ - (بهما على شيء) من أعماله (حتى مات) ثم بعث أبا موسى إلى اليمن، ثم أتبعه معاذَ بنَ جبل، ووصَّاهما بقوله: \"يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا\".\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٣).","vol":"10","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1132>(٣) بَابٌ: فِي الضَّرِيرِ يُوَلَّى</span>\n٢٩٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيًّ، نَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ\". [تقدَّم في كتاب الصلاة برقم ٥٩٣]\n===\n\n(٣) (بَابٌ: فَي الضَّرِيْرِ يُوَلّى)\nأي الأعمى يُجْعَلُ واليًا على أمرٍ من أمور المسلمين\n٢٩٣١ - (حدثنا محمد بن عبد الله المُخَرِّمِيُّ، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا عمران القطان، عن قتادة، عن أنس: أن النبي - ﷺ - استخلف ابنَ أُمِّ مَكتومٍ) وكان أعمى (على المدينة مرتين).\nقال الخطابي (١): إنما ولاه على الصلاة (٢) دون القضايا والأحكام، وفعل ذلك إكرامًا له فيما عاتبه الله إليه في أمره.\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): وكان النبي - ﷺ - يستخلفه على المدينة في عامة غزواته، يصلي بالناس، ثم قال: قال ابن عبد البر: روى جماعة من أهل العلم بالنسب والسير أن النبي - ﷺ - استخلف ابنَ أُمِّ مكتوم ثلاث عشرة مرة: في الأبواء، وبواط، وذي العشيرة، وغزوته في طلب كرز بن جابر، وغزوة السويق، وغطفان، وفي غزوة أحد، وحمراء الأسد، ونجران، وذات الرقاع، وفي خروجه في حجة الوداع، وفي خروجه إلى بدر، ثم استخلف أبا لبابة لمّا\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ٣).\n(٢) قال الموفق في شرائط الإمارة (١٤/ ١٢): يشترط كمال الخلقة فيكون متكلمًا بصيرًا، وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز أن يكون أعمى، لأن شعيبًا ﵇ كان أعمى ... إلخ، وفي \"الهداية\" (٢/ ١٠١ و١٢١): يشترط فيه شرائط الشهادة، وقال في الشهادة: لا تقبل شهادة الأعمى. (ش).\n(٣) (٢/ ٥١٦).","vol":"10","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1133>(٤) بَابٌ: فِي اتِّخَاذِ الْوَزِيِرِ</span>\n٢٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَامِرٍ الْمُرِّيُّ (١)، نَا الْوَليدُ، نَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن الْقَاسِمِ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ: إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ\n===\nرَدَّه من الطريق، قال: وأما رواية قتادة عن أنس: \"أن النبي - ﷺ - استخلف ابن أم مكتوم مرتين\" فلم يبلغه ما بلغ غيره.\n\n(٤) (بَابٌ: فِي اتِّخَاذِ الْوَزِيرِ)\nقال في \"المجمع\" (٢): الوزير من يؤازر الأمير فيحمل عنه ما حُمِّلَه من الأثقال، ومن يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، فهو ملجأ له ومَفزع\n٢٩٣٢ - (حدثنا موسى بن عامر المري) بضم الميم وكسر الراء، وفي نسخة على الحاشية: \"المدني\" وهو غير صحيح، قال السمعاني في ذكر نسبة المري (٣): وأبو عامر موسى بن عامر، وكتب في نسخ \"التقريب\" بالموحدة (٤)، وهو أيضًا تصحيف، وفي \"الخلاصة\" (٥): المزني بالزاء والنون وهو أيضًا تصحيف.\n(نا الوليد، نا زهير بن محمد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أراد الله بالأمير خيرًا جَعَلَ له وزيرَ صدقٍ) بإضافة الموصوف إلى الصفة، أي وزيرًا صادقًا في الأقوال والأفعال ناصحًا (إن نَسِيَ) أي الأمير (ذَكَّرَه) أي الوزير (وإن ذَكَرَ) الأمير شيئًا\n_________\n(١) في نسخة: \"المدني\".\n(٢) (٥/ ٤٧).\n(٣) \"الأنساب\" (٥/ ٢٧٠).\n(٤) يعني \"البري\".\n(٥) (ص ٣٩١).","vol":"10","page":110},{"text":"أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ\". [ن ٤٢٠٥، حم ٦/ ٧٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>(٥) بَابٌ: فِي الْعِرَافَة</span>\n٢٩٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ، عن صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ، عن جَدِّهِ الْمِقْدَام بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبِهِ، ثُمَّ قَالَ (١):\n===\n(أَعَانَه) أي الأميرَ الوزيرُ (وإذا أراد الله به غير ذلك) أي لم يرد بالأمير خيرًا (جعل له وزير سوء، إن نَسِيَ لم يُذَكِّره، وإن ذَكَرَ لم يُعِنْه).\n\n(٥) (بَابٌ: فِي الْعِرَافَةِ)\nوالعِرافة - بالكسر -: عمل العريف، والعريف هو القيِّم بأمر القبيلة أو الجماعة من الناس، يلي أمورهم، ويعرف أحوالهم، ويتعرف الأمير أحوالهم منه\n٢٩٣٣ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا محمد بن حرب، عن أبي سلمة سليمان بن سُليم) مصغرًا، الكناني الكلبي الحمصي، ويقال: الدمشقي، أبو سلمة القاضي بحمص، قال ابن معين، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، ويحيى بن صاعد، والدارقطني: ثقة، وكذا عن أبي داود وغيره، وقال النسائي: ليس به بأس، (عن يحيى بن جابر) الطائي، أبو عمرو، الحمصي القاضي، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن جده المقدام بن معدي كرب: أن رسول الله - ﷺ - ضرب على منكبيه) محبة له وتنبيهًا عن الغفلة (ثم قال)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"له\".","vol":"10","page":111},{"text":"\"أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ إِنْ مُتَّ وَلَمْ تَكُنْ أميرًا وَلَا كَاتِبًا وَلَا عَرِيفًا\". [حم ٤/ ١٢٣، ق ٦/ ٣٦١]\n٢٩٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نَا غَالِبٌ الْقَطَّانُ، عن رَجُلٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَنْهَلٍ مِنَ الْمَنَاهِلِ، فَلَمَّا بَلَغَهُم الإسْلَامُ جَعَلَ صَاحِبُ الْمَاءِ لِقَوْمِهِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا، فَأَسْلَمُوا وَقَسَمَ الإبِلَ بَيْنَهُمْ، وَبَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ: ائْتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَإِنَّهُ جَعَلَ لِقَوْمِهِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا، فَأَسْلَمُوا وَقَسَمَ الإبِلَ بَيْنَهُمُ، وَبَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا مِنْهُمْ، أَفَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَمْ هُمْ؟\n===\nأي رسول الله - ﷺ -: (أفلحت يا قُديم) مصغر مقدام بحذف الزوائد (إن مُتَّ) بصيغة الخطاب (ولم تكن أميرًا) أي على الناس (ولا كاتبًا) للأمير (ولا عريفًا) للقوم، هو نهي في حقه أن يكون أميرًا ورئيسًا في حياته وجميع عمره.\n٢٩٣٤ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا غالب القطان، عن رجل) من بني نمير، (عن أبيه، عن جده) ولم يسم ذلك الرجل ولا أبوه ولا جده (أنهم) أي جده ومن كانوا معه من قومه (كانوا) مقيمين (على منهل) وهو كل ماء يكون على الطريق (من المناهل، فلما بلغهم الإِسلام جعل صاحب الماء) وهو جده (لقومه مائة من الإبل على) شرط (أن يسلموا، فأسلموا) أي قَبِلوا الإِسلام (وقسم الإبل بينهم، وبدا) من البُدُوِّ، أي ظهر (له) أي لصاحب الماء (أن يرتجعها) أي الإبل (منهم).\n(فأرسل ابنه إلى النبي - ﷺ -، فقال له ائتِ النبي - ﷺ - فقل له: إن أبي يُقرئك السلام و) يقول: (إنه) أي أبي (جعل لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا، فأسلموا وقسم الإبل بينهم، وبدا له) أي ظَهَرَ (أن يرتجعها منهم، أفهو) أي أبي (أَحَقُّ بها) أي بالإبل (أم هم) الذين أسلموا فهم أحق بها من أبي؟","vol":"10","page":112},{"text":"فَإِنْ قَالَ لَكَ نَعَمْ، أَوْ لَا، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَهُوَ عَرِيفُ الْمَاءِ، وَإِنَّهُ (١) يَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي الْعِرَافَةَ بَعْدَهُ.\nفَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: \"وَعَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ\"، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي جَعَلَ لِقَوْمِهِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا، فَأَسْلَمُوا، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا مِنْهُمْ أَفَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَمْ هُمْ؟ فَقَالَ: \"إِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُسْلِمَهَا لَهُمْ فَلْيُسْلِمْهَا، وَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَهُمْ إِسْلَامُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُوتِلُوا عَلَى الإسْلَامِ\".\nوَقَالَ (٢): إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَهُوَ عَرِيفُ الْمَاءِ، وَإِنَّهُ يَسْأَلُكَ أَنْ\n===\n(فإن قال لك نعم) أي أبوك أحقّ بها (أَوْ لَا) أي ليس أبوك أحقّ بها منهم (فقل له) أي لرسول الله - ﷺ -: (إن أبي شيخ كبير وهو عريف الماء، وإنه) أي أبي (يسألك أن تجعل لي العرافةَ بعده) أي بعد موت أبي.\n(فأتاه) أي أتى ابنُه إلى النبي - ﷺ - (فقال: إن أبي يقرئك السلامَ، فقال) رسول الله - ﷺ -: (وعليك وعلى أبيك السلام، فقال) أي الابن: (إن أبي جعل لقومه مائةً من الإبل على أن يسلموا، فأسلموا، وحَسُنَ إسلامُهم، ثم بدا له أن يرتجعها منهم، أفهو) أي أبي (أحق بها) أي منهم (أم هم) أحق بها؟\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن بدا له أن يُسْلِمَها لهم فَلْيُسْلِمْها، وإن بدا له أن يرتجعها) أي منهم (فهو أحق بها منهم، فإن أسلموا فلهم إسلامهم) ولا شيء لهم عليه غير ذلك (وإن لم يسلموا قُوتِلُوا على الإِسلام) حتى يُسلموا.\n(وقال) أي الابن: (إن أبي شيخ كبير وهو عريف الماء، وإنه يسألك أن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فإنه\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فقال\".","vol":"10","page":113},{"text":"تَجْعَلَ لِي الْعِرَافَةَ بَعْدَهُ، فَقَالَ: \"إِنَّ الْعِرَافَةَ حَقٌّ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ الْعُرَفَاءِ، وَلَكِنَّ الْعُرَفَاءَ فِي النَّارِ\". [ق ٦/ ٣٦١، \"السنن الكبرى\" ١٠٢٠٥، وهو عند المصنف أيضًا (٥٢٣١)]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>(٦) بَابٌ: فِي اتِّخَاذِ الْكَاتِبِ</span>\n٢٩٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عن يَزِيدَ بْنِ كَعْبٍ، عن عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عن أَبِي الْجَوْزَاءِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"السِّجِلُّ كَاتِبٌ كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -\".\n===\nتجعل لي العرافة بعده) أي بعد موته (فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن العِرافة حق) أي مصلحة تدعو إليه الضرورة (ولا بد للناس من العرفاء) لينتظم مصالح القوم، ويتعرف أحوالهم في ترتيب البعوث والأجناد والعطايا والسهمان (ولكن العرفاء في النار) أي على خطر من الوقوع في المهالك والعذاب لتعذر القيام بشرائط ذلك، فعليهم أن يراعوا الحق والصواب.\n\n(٦) (بَابٌ: فِي اتِّخَاذِ الْكَاتِبِ) لِلأَمِيرِ\n٢٩٣٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا نوح بن قيس) بن رباح الأزدي الحداني، ويقال: الطاحي، أبو روح (١) البصري، قال أحمد وابن معين وأبو داود: ثقة، بلغني عن يحيى أنه ضعفه، وقال مرة: يتشيَّع، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال العجلي: بصري ثقة (عن يزيد بن كعب) العوذي بفتح المهملة وسكون الواو، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: السِّجِلُّ كاتِبٌ كان للنبي - ﷺ -).\nقال ابن جرير في \"تفسيره\" (٢): واختلف أهل التأويل في معنى السجل\n_________\n(١) في الأصل: \"أبو روم\"، وهو تحريف، والصواب ما أثبته.\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٧/ ١١٧).","vol":"10","page":114},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالذي ذكره الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ (١)، فقال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة، وهو مروي عن ابن عمر - ﵁ -، وقال آخرون: السجل رجل كان يكتب لرسول الله - ﷺ -، وهو مروي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وقال آخرون: بل هو الصحيفة التي يكتب فيها، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس.\nوأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: السجل في هذا الموضع الصحيفة، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا يعرف لنبينا - ﷺ - كاتب كان اسمه السجل، ولا في الملائكة مَلَك ذلك اسمه، فإن قال قائل: وكيف تطوى الصحيفة بالكتاب إن كان السجل صحيفة؟ قيل: ليس المعنى كذلك، وإنما معناه ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ على ما فيه من الكتاب، انتهى.\nقلت: المشاهير من كُتَّابه - ﷺ - كانوا ستة وعشرين كاتبًا:\n١ - عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، وهو أوّل من كتب له - ﷺ - من قريش بمكة، ثم ارتد، ثم لما كان يوم الفتح أمر - ﷺ - بقتله، وفرّ إلى عثمان فغيّبه، فجاء به ثم أسلم، وحسن إسلامه، ٢ - وأبو بكر، ٣ - وعمر، ٤ - وعثمان، ٥ - وعلي، ٦ - وعامر بن فهيرة، ٧ - وعبد الله بن الأرقم، ٨ - وأبي بن كعب، وهو أول من كتب له من الأنصار بالمدينة، وكان في أغلب أحواله يكتب الوحي، ٩ - وثابت بن قيس بن شماس، ١٠ - وزيد بن ثابت، ١١ - ومعاوية بن أبي سفيان، ١٢ - وأخوه يزيد، ١٣ - والمغيرة بن شعبة، ١٤ - والزبير بن العوام، ١٥ - وخالد بن الوليد، ١٦ - والعلاء بن الحضرمي، ١٧ - وعمرو بن العاص، ١٨ - وعبد الله بن رواحة، ١٩ - ومحمد بن مسلمة، ٢٠ - وعبد الله بن عبد الله بن أُبي ابن سلول، وغيرهم (٢).\n_________\n(١) سورة الأنبياء: الآية ١٠٤.\n(٢) انظر: \"السيرة الحلبية\" (٣/ ٤٢٢).","vol":"10","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1136>(٧) بَابٌ: فِي السِّعَايَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ</span>\n٢٩٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَسْبَاطِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عن رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ كَالغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ\". [ت ٦٤٥، جه ١٨٠٩، خزيمة ٢٣٣٤، حم ٤/ ١٤٣]\n٢٩٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ شِمَاسَةَ، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولَ: \"لَا يَدْخُل الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ\". [حم ٤/ ١٤٣، ق ٧/ ١٦]\n===\n\n(٧) (بَابٌ: فِي السِّعَايَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ)\nوهي العمل والسعي فيها بحق\n٢٩٣٦ - (حدثنا محمد بن إبراهيم الأسباطي، نا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: العامل على الصدقة بالحق) أي على وفق الصدق، وبالإخلاص والاحتساب فأجره (كالغازي في سبيل الله) أي في الجهاد (حتى يرجع إلى بيته) لأن نومه ونَبْهَهُ في هذا عبادة.\n٢٩٣٧ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يدخل الجنة صاحب مكس).\nقال في \"النهاية\" (١): المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٣٤٩).","vol":"10","page":116},{"text":"٢٩٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ، عن ابْنِ مَغْرَاءَ، عن ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: \"الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ، يَعْنِي صَاحِب الْمَكْسِ\". [ق ٧/ ١٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>(٨) بَابٌ: فِي الْخَلِيفَةِ يَسْتَخْلِفُ</span>\n٢٩٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سفْيَانَ وَسَلَمَةُ قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ:\n===\nالعَشَّار، لأن الغالب فيه الظلم، فالأمير يستحق النار بأمره بذلك، والعَشَّار يستحق النار بإعانته في ذلك.\nقال في \"القاموس\": مَكَسَ في البيع يَمْكِسُ: إذا جَبَى مالًا، والمَكْس: النَّقْصُ، والظلم، ودراهم كانت تُؤْخَذُ من بائعي السِّلَع في الأسواق في الجاهيلة، أو درهم كان يأخذه المصَدِّقُ بعد فراغِه من الصدقة.\nقال في \"الحاشية\": الماكس من العمال من ينقص من حقوق المساكين لا يعطيها كاملًا بتمامها، وأما من يأخذ الصدقة والعشر بحق ففيه أجر، وهو مثاب.\n٢٩٣٨ - (حدثنا محمد بن عبد الله) بن أبي حماد الطرسوسي (القطان) روى عنه أبو داود والنسائي، لكنه خارج \"السنن\"، قال أبو داود: وكان أحمد يكرمه (عن ابن مغراء) أبي زبير عبد الرحمن بن مغراء، (عن ابن إسحاق قال) في تفسير صاحب المكس: (الذي يَعْشُرُ الناس، يعني صاحب المكس).\n\n(٨) (بَابٌ: فِي الْخَلِيفَةِ يَسْتَخْلِفُ)\nأي هل يستخلف؟\n٢٩٣٩ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان وسلمة قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال:","vol":"10","page":117},{"text":"قَالَ عُمَرُ: إِني إِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وأَبَا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَحَدًا وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ\". [خ ٧٢١٨، م ١٨٢٣، ت ٢٢٢٥، حم ١/ ٤٣، ق ٨/ ١٤٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>(٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ</span>\n٢٩٤٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نُبَايعُ النَّبِيِّ (١) - ﷺ - علَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ\n===\nقال عمر) لما قرب موته: (إني إن لا أستخلف) فهو خير (فإن رسول الله - ﷺ - لم يستخلف، وإن أستخلف) فهذا أيضًا ليس ببعيد من الخير (فإن أبا بكر قد استَخْلَفَ) وقصة استخلاف أبي بكر: أن أبا بكر - ﵁ - لما قرب وفاته كتب كتابًا، كتب فيه استخلاف عمر - ﵁ -، وَأَمَرَ الناس أن يبايعوا بمن فيه فبايعه الناس.\n(قال) ابن عمر - ﵁ -: (فوالله ما هو إلَّا أن ذكر) عمر - ﵁ - (رسول الله - ﷺ - وأبا بكر، فَعَلِمْتُ أنه لا يَعْدِلُ) أي لا يساوي (برسول الله - ﷺ - أحدًا، وأنه غير مستخلف) وقصة استخلافه - ﵁ - أنه لم يستخلف على اسم أحد معين، وإنما جعل الخلافة شورى بين ستة من العشرة المبشرة، فعلى أيِّهم يحصل الاتفاق فهو الخليفة، فشاوروا فرجحوا عثمان - ﵁ (٢) -.\n\n(٩) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ)\n٢٩٤٠ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر) - ﵄ - (قال: كنا نبايع النبي - ﷺ - على السمع والطاعة)\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) انظر: \"المطالب العالية\" (١٧/ ٦٢٤).","vol":"10","page":118},{"text":"وَيُلَقِّنَّا (١) \"فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ\" (٢). [خ ٧٢٠٢، م ١٨٦٧، ت ١٥٩٣، ن ٤١٨٧، حم ٢/ ٩، ق ٨/ ١٤٥]\n٢٩٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح، نَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ: \"أَنَّ عَائِشَة - ﵂ - أَخْبَرَتْهُ عَنْ بَيْعَةِ رَسُولِ اللهِ (٣) - ﷺ - النِّسَاءَ قَالَتْ: مَا مَسَّ النَّبِيُّ (٤) - ﷺ - بِيَدهِ (٥) امْرَأَةً قَطُّ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذَ\n===\nأي على أن نسمع أوامرَه ونواهيَه، ونطيعه في ذلك في العسر واليسر والمنشط والمكره (وَيُلَقِّنَّا) بتشديد النون بإدغام النون، أي يزيد على سبيل التلقين لفظ (فيما استطعتم) فنقول: فيما استطعنا، وهذا من كمال شفقته ورأفته على الأمة.\n٢٩٤١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب) قال: (حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن عروة: أن عائشة - ﵂ - أخبرته) أي عروة (عن بيعة رسول الله - ﷺ - النساء قالت: ما مس النبي - ﷺ - بيده (٦» يد (امرأة) أجنبية (قط) ولا يبايع (إلَّا أن يأخذ) أي يعاهد باللسان (عليها) أي على المرأة (فإذا أخذ)\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"يُلَقِّنُنَا\".\n(٢) في نسخة بدله: \"استطعتَ\".\n(٣) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٤) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٥) في نسخة: \"بيد امرأة\".\n(٦) يشكل عليه ما في \"الدر المنثور\" (٨/ ١٤١): عن الحاكم من قصة بيعة هند بنت عتبة، وفيها: \"فكفّ يدَه وكَفَّتْ يدها\"، وفي \"الدر المنثور\" أيضًا عن عمر أنه مدَّ يَدَه من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، ويمكن أن يجاب أنه كان في الابتداء لما فيه عن الشعبي: \"أنه - ﷺ - كان يبايع النساء، ووضع على يده ثوبًا، فلما كان بعد كان يُخْبِرُ النساء فيقرأ عليهن هذه الآية\"، أو يقال: إن المراد ببسط اليد غمسه في الماء، كما فيه (٨/ ١٤٣): عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: كان رسول الله - ﷺ - إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، فغمس يده فيه، ثم يغمسن أيديهن، فكانت هذه بيعته. (ش).","vol":"10","page":119},{"text":"عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ (١) قَالَ: \"اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ\". [خ ٧٢١٤، م ١٨٦٦]\n٢٩٤٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، نَا أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، عن جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"هُوَ صَغِيرٌ\"، فَمَسَحَ رَأْسَهُ. [خ ٧٢١٠، حم ٤/ ٢٣٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>(١٠) بَابٌ: فِي أَرْزَاقِ الْعُمَّالِ</span>\n٢٩٤٣ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْرَمَ أَبُو طَالِبٍ، نَا (٢) أَبُو عَاصِم، عن عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، عن حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةً، عن\n===\nأي العهد (عليها فَأَعْطَتْه) أي قبلته (قال: اذهبي فقد بايعتُكِ) أي كلامًا.\n٢٩٤٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا عبد الله بن يزيد قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، نا أبو عقيل) مكبرًا (زهرة بن معبد، عن جده عبد الله بن هشام) بدل من جده (قال) أبو عقيل: (وكان) أي عبد الله بن هشام (قد أَدْرَكَ النَّبِيَّ - ﷺ -) وهو صغير (وذَهَبَتْ به أمُّه زينبُ بنتُ حميدٍ إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله) - ﷺ - (بايعه، فقال رسول الله - ﷺ -: هو صغير) أي غير مكلف ليس له عهد (فمسح) رسول الله - ﷺ - (رأسَه) أي ودعا له.\n\n(١٠) (بَابٌ: فِي أَرْزَاقِ الْعُمَّالِ)\nأي ما يعطي لهم الأميرُ من بيت المال ويعيِّن لهم\n٢٩٤٣ - (حدثنا زيدُ بنُ أخرم أبو طالب، نا أبو عاصم، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن\n_________\n(١) في نسخة: \"وأعطته\".\n(٢) في نسخة بدله: \"أنا\".","vol":"10","page":120},{"text":"أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ (١) رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ\". [خزيمة ٢٣٦٩، ق ٦/ ٣٥٥]\n٢٩٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا لَيْثٌ، عن بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن ابْنِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: \"اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، قَالَ (٢): خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَعَمَّلَنِي\". [تقدَّم برقم ١٦٤٧]\n٢٩٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ، نَا الْمُعَافَى، نَا الأَوْزَاعِيُّ، عن الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ كَانَ لنَا عَامِلًا\n===\nأبيه، عن النبي - ﷺ - قال: من استعملناه على عمل) أي نجعله عاملًا على عمل من أعمال الإمارة (فَرَزَقْنَاه رزقًا) فهو له حلال (فما أخذ بعد ذلك) أي زيادة على ما رزقناه (فهو غلول) أي خيانة وحرام.\n٢٩٤٤ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا ليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن ابن الساعدي قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغتُ أمَرَ لي بِعُمالةٍ، فقلت: إنما عَمِلْتُ لِلَّهِ، قال: خذ ما أُعْطِيْتَ، فإني قد عَمِلْتُ على عهد رسول الله - ﷺ - فَعَمَّلَنِي)، وهذا الحديث مكرر تقدم في الزكاة أطول من ها هنا.\n٢٩٤٥ - (حدثنا موسى بن مروان الرقِّي، نا المعافى، نا الأوزاعي، عن الحارث بن يزيد، عن جبير بن نفير، عن المستورد بن شداد قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: من كان لنا عاملًا\n_________\n(١) في نسخة: \"ورزقناه\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".","vol":"10","page":121},{"text":"فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا\". قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أُخْبِرْتُ\n===\nفليكتسب) من مال بيت المال (زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب) منه (خادمًا، وإن لم يكن له مسكن) أي دار يسكن فيه (فليكتسب مسكنًا).\n(قال: قال أبو بكر: أخبرت) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي، ولم أدر أبا بكر هذا من هو؟ وليس في السند أحد يكنى بأبي بكر، وأما ما قال فيه صاحب \"العون\" (١): يشبه أن يكون أبا بكر الصديق - ﵁ - فلا يليق أن يلتفت إليه.\nوعندي يمكن أن يقال: إن المراد بأبي بكر هو يحيى بن إسحاق شيخ الإِمام أحمد، فإنه يروي هذا الحديث عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد وعبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير، وإحدى كنيتيه أبو بكر، فعلى هذا معنى الكلام، قال أبو داود: قال شيخي موسى بن مروان: قال أبو بكر - أي يحيى بن إسحاق -: أخبرت.\nوقد أخرج الإِمام أحمد (٢) هذا الحديث من طريق ابن لهيعة بطرق مختلفة، وذكر فيه: \"فمن أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غال أو سارق\"، ولم يذكر فيه قوله: \"قال أبو بكر: أخبرت\".\nثم فيه إشكال من وجه آخر، وهو أن أبا داود المصنف ساق هذا السند عن الحارث بن يزيد، عن جبير بن نفير، عن المستورد بن شدّاد، وأما في سند الإِمام أحمد في \"مسنده\" ففي إحدى رواياته: عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت المستورد بن شداد، وفي الثانية منها: \"قال: ثنا الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عبد الرحمن بن جبير أنه كان في مجلس فيه المستورد بن شداد وعمرو بن غيلان بن سلمة، فسمع المستورد\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٨/ ١١٥).\n(٢) انظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ٢٢٩).","vol":"10","page":122},{"text":"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ\". [خزيمة ٢٣٧٠]\n===\nيقول\"، وفي الثالثة منها: \"عن الحارث بن يزيد وعبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير، فذكر الحديث\"، وفي الرابعة منها: \"ثنا عبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير قال: كنت في مجلس فيه مستورد بن شداد وعمرو بن غيلان، فسمعت المستورد يقول\".\nففي جميع أسانيد الإِمام أحمد عبد الرحمن بن جبير، والظاهر أنه المصري الفقيه الفرضي المؤذن العامري، لا عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي.\nقال الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (١): إنه يروي عن عمرو بن غيلان بن سمرة الثقفي، والمستورد بن شداد الفهري، وكذلك يروي عنه عبد الله بن هبيرة، وأما جبير بن نفير ففي روايته عن المستورد بن شداد خلف، قال الحافظ في ترجمة المستورد بن شداد (٢): روى عنه جبير بن نفير بخلف فيه.\nفالظن الغالب عندي أن ما وقع في رواية أبي داود من ذكر جبير بن نفير غير محفوظ، والصواب (٣) ما في رواية الإِمام أحمد ﵀.\n(أن النبي - ﷺ - قال: من اتخذ غير ذلك فهو غال أو) للشك من الراوي (سارق).\n_________\n(١) (٦/ ١٥٤).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٠٦).\n(٣) قلت: قد ذهب إليه المزي، فقال في \"تحفة الأشراف\" (١١٢٦٠) بعد ذكر هذا الحديث: رواه جعفر بن محمد الفريابي عن موسى بن مروان، فقال: \"عن عبد الرحمن بن جبير\"، بدل \"جبير بن نفير\" وهو أشبه بالصواب. انتهى، وكذا قال الحافظ ابن حجر في \"النكت\" أيضًا، أما رواية جعفر بن محمد الفريابي فأخرجها الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ٧٢٧).","vol":"10","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1140>(١١) بَابٌ: فِي هَدَايَا الْعُمَّال</span>\n٢٩٤٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، لَفْظُهُ، قَالَا: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ (١). - قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: ابْنُ الأُتْبِيَّةِ - عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي،\n===\n\n(١١) (بَابٌ: فِي هَدَايَا الْعُمَّالِ) (٢)\nأي ما يُهْدَى إلى العمال من الرعية\n٢٩٤٦ - (حدثنا ابن السرح وابن أبي خلف، لفظه) أي لفظ الحديث لفظ ابن أبي خلف (قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن أبي حميد الساعدي: أن النبي - ﷺ - استعمل رجلًا) أي جعله عاملًا (من الأزد) وفي رواية البخاري: \"من بني أسد\" (يقال له: ابنُ اللُّتْبِيَّة، قال ابن السرح: ابن الأُتْبِيَّة) بضم الهمزة وسكون التاء المثناة الفوقانية وكسر الباء. الموحدة وتشديد الياء التحتانية، قال في \"القاموس\": وبنو لتب بالضم حَيٌّ، منهم عبد الله بن اللُّتْبِيَّة، انتهى. قال الحافظ (٣): اسمه عبد الله، واللتبية أمه لم نقف على تسميتها.\n(على الصدقة) متعلق باسْتَعْمَلَ (فجاء) أي راجعًا بعد الفراغ من العمل، وجاء بمال (فقال) لرسول الله - ﷺ -، وأشار إلى نوع من المال: (هذا لكم) أي مال الصدقة لبيت المال (وهذا) أشار إلى النوع الآخر من المال (أُهْدِيَ لِي) أي من الرعية.\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن لتبية\".\n(٢) قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٠/ ١٢٥): الهدية إليه - ﷺ - يكون ملكًا له، وإلى غيره من الأمراء فيء، وأتى ببحث طويل، وبهذا جزم في \"شرح السير الكبير\" (٤/ ١٢٣٩). (ش).\n(٣) فتح الباري\" (١٣/ ١٦٥).","vol":"10","page":124},{"text":"فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: \"مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَلَّا (١) جَلَسَ في بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ أَبِيهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ (٢) أَمْ لَا؟\nلَا يَأْتِي أَحَدٌ مِنْكُمْ (٣) بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا فَلَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً فَلَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ\"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ\". [خ ٦٧٧٢، م ١٨٣٢، دي ١٦٦٩، حم ٥/ ٤٢٣]\n===\n(فقام النبي - ﷺ - على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال العامل نبعثه) على العمل (فيجيء) بالمال (فيقول: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لِي، ألَّا جَلَسَ في بيت أُمِّه أو) حرف التنويع، ويحتمل الشك، وفي حديث البخاري بالواو، بيت (أبيه، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى له أم لا؟)، وظاهر أنه إذا جلس في بيت أمه وأبيه لا يُهْدَى له قطعًا ويقينًا، فهذا الذي أهدي له هو للحكومة، وهو الرشوة.\n(لا يأتي أَحَدٌ منكم بشيءٍ من ذلك) وفي رواية عبد الله بن محمد: \"لا يأخذ أحدٌ منها شيئًا\"، وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: \"لا ينال أحد منكم منها شيئًا\" (إلَّا جاء به يوم القيامة، إن كان) المأخوذ بغير حقه (بعيرًا فله رغاء) وهو صوت البعير (أو) كان الذي غله (بقرة فلها خوار) بضم الخاء المعجمة، صوتُ البقر (أو) كان (شاة) يجيء بها (تيعر) وهو صوت الشاة الشديد (ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرة) أي بياض (إِبْطَيْه، ثم قال: اللَّهم هل بلغت، اللَّهم هل بلغت).\nقال الحافظ (٤): وفي الحديث محاسبة المؤتمن، ومنع العمال ممن له\n_________\n(١) في نسخة: \"هلَّا\".\n(٢) في نسخة: \"إليه\".\n(٣) في نسخة: \"أحدكم\".\n(٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦٧).","vol":"10","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1141>(١٢) بَابٌ: فِي غُلُولِ الصَّدَقَةِ</span>\n٢٩٤٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن أَبِي الْجَهْمِ، عن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ (١) - ﷺ - سَاعِيًا ثُمَّ قَالَ: \"انْطَلِقْ أَبَا مَسْعُودٍ لَا أُلْفِيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِيءُ وَعَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَهُ رُغَاءٌ قَدْ غَلَلْتَهُ\"، قَالَ: إِذًا لَا أَنْطَلِقُ، قَالَ: \"إِذًا لَا أُكْرِهُكَ\". [مجمع الزوائد ٣/ ٣٦٥، طب ١٧/ ٢٤٧]\n===\nعليه حكم، ومحل ذلك إذا لم يأذن له الإِمام في ذلك لما في حديث معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن فقال: \"لا تصيبن شيئًا بغير إذني، فإنه غلول\".\n\n(١٢) (بَابٌ: فِي غُلُولِ الصَّدَقَةِ)\nأي من مالها\n٢٩٤٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن مطرف، عن أبي الجهم) هو سليمان بن الجهم بن أبي الجهم الأنصاري الحارثي الجوزجاني، مولى البراء بن عازب، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، ونقل ابن خلفون عن ابن عمير توثيقه.\n(عن أبي مسعود الأنصاري قال: بعثني النبي - ﷺ - ساعيًا) أي عاملًا على الصدقة (ثم قال: انْطَلِقْ أبا مسعودٍ لا أُلْفِيَنَّكَ) أي لا أجدنّك (يومَ القيامة تجيء وعلى ظهرك بعيرٌ من إبل الصدقة له رغاء قد غَلَلْتَه) أي أخذتَه بغير حق (قال: إذًا لا أَنْطَلِقُ) أي على العمل لما فيه من احتمال الوقوع في الخطر، فأنكر ذلك تورعًا (قال رسول الله - ﷺ -: إذًا لا أُكرِهُكَ).\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"10","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1142>(١٣) بَابٌ: فِيمَا يَلْزَمُ الإمَامَ مِنْ أَمْرِ الرَّعِيَّةِ </span>(١)\n٢٩٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدِّمَشْقِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمَرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا مَرْيَمَ الأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلَان - وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ - فَقُلْتُ: حَدِيثًا سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ وَلَّاهُ اللَّه ﷿ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ (٢) الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ\"، قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. [ت ١٣٣٣، ق ١٠/ ١٠١، ك ٤/ ٩٣]\n===\n\n(١٣) (بَابٌ: فِيمَا يَلْزَمُ الإمَامَ مِنْ أَمْرِ الرَّعِيَّةِ)\nمن الحفظ ودفع المظالم فيما بينهم\n٢٩٤٨ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، نا يحيى بن حمزة قال: حدثني ابن أبي مريم، أن القاسم بن مخيمرة أخبره، أن أبا مريم الأزدي) له صحبة (أخبره قال: دخلت على معاوية قال) معاوية: (ما أَنْعَمَنَا بك) صيغة تعجبٍ، والمقصود إظهار الفرح والسرور (أبا فلان) أي أبا مريم (وهي كلمة تقولها العرب، فقلت: حديثًا سمعتُه) فجئت (أُخْبِرُك به، سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: من ولّاه الله ﷿ شيئًا من أمر المسلمين) أي جعله خليفةً وإمامًا أو أميرًا (فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهم وخَلَّتِهم وفَقْرِهم) كما هو عادة الأمراء والسلاطين بحيث لا يصل إليهم المظلوم وأصحاب الحاجات والفقر (احْتَجَبَ اللهُ تعالى عنه دُوْنَ حَاجَتِه وخَلَّتِه وفَقْرِه) أي لا يقضي حَاجَتَه ولا يدفع فَقْرَه (قال) أي أبو مريم: (فجعل) معاوية (رجلًا على حوائج الناس).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والحَجَبَة عنهم\".\n(٢) في نسخة بدله: \"أمور المسلمين\".","vol":"10","page":127},{"text":"٢٩٤٩ - حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا (١) أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا أُوتيكُمْ مِنْ شَيءٍ وَمَا أَمْنَعُكُمُوهُ، إِنْ أَنَا إِلَّا خَازِنٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ\". [مسند إسحاق بن راهويه: ٤٨٦، مسند الشاميين: ٢٣٩٤]\n٢٩٥٠ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عن مَالِكِ بْنِ أَوْس بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: \"ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب يَوْمًا الْفَيْءَ فَقَالَ: مَا أَنَا بِأحَقَّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ، وَمَا أَحَدٌ مِنَّا أَحَقَّ (٢) بِهِ مِنْ أَحَدٍ، أَلَا إِنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا\n===\n٢٩٤٩ - (حدثنا سلمة بن شبيب، نا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن مُنَبِّهٍ قال: هذا) وأشار على الصحيفة (ما حدثنا أبو هريرة) منها (قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما أُوْتيْكم من شيءٍ وَمَا أَمْنَعُكُمُوه) ما نافية في الموضعين، أي لا أعطيكم ولا أمنعكم بميل نفسي وشهوتها (إن أنا إلَّا خازنٌ أَضَعُ حيث أُمِرْتُ).\nقال في \"الحاشية\": اعلم أنهم حملوا الإعطاءَ والمنعَ على إعطاء الدول ومنعها، وقد يحمل على تبليغ الوحي والعلم والأحكام، يعني أن الله تعالى يُعْطِي كل أحد منهم من العلم والفهم على ما تعلقت به إرادتُه.\n٢٩٥٠ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان قال: ذكر عمر بن الخطاب) - ﵁ - (يومًا الفَيءَ، فقال: ما أنا بأحَقَّ بهذا الفيء منكم) أي لست أولى به منكم، (يومًا أحدٌ منا أحق به من أحدٍ) بل كلهم في الاستحقاق في هذا المال سواء (ألَا إنّا على منازلنا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"به\".\n(٢) في نسخة: \"بأحق\".","vol":"10","page":128},{"text":"مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿، وَقَسْمِ رَسُولِهِ (١): فَالرَّجُلُ (٢) وَقِدَمُهُ، وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ، وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ\".\n===\nمن كتاب الله ﷿) أي مراتبنا المبينة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآيات الثلاث (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (٤) الآية، وغيرهما من الآيات الدالّة على تفاوت منازل المسلمين.\n(وقسم رسوله) - ﷺ - أي ومن قسمه مما يسلكه من مراعاة التمييز بين أهل بدر، وأصحاب بيعة الرضوان، وذوي المشاهد الذين شهدوا الحروب، وبين المعيل وغيره (فالرجلُ وقِدَمُه) بكسر القاف، أي تقدمه في الإِسلام، معناه: فالرجل يقسم له ويراعى قِدَمُه في الإِسلام (والرجل وبلاؤه) أي ابتلاؤه في الحرب، والمراد مشقته وسعيه (والرجلُ وعيالُه) أي ممن يَمُونُه فيراعى ذلك له (والرجلُ وحاجتُه) أي مقدار حاجته.\nقال القاري (٥): قال التوربشتي: كان رأي عمر - ﵁ - أن الفيء لا يخمس، وأن جملته لعامة المسلمين يصرف في مصالحهم لا مزية لأحد منهم على آخر في أصل الاستحقاق، وإنما التفاوت في التفاضل بحسب اختلاف المراتب والمنازل، وذلك إنما بتنصيص الله تعالى على استحقاقهم كالمذكورين في الآية، خُصوصًا منهم من كان من المهاجرين والأنصار لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ أو بتقديم الرسول - ﷺ - وتفضيله إما لسبق إسلامه، وإما بحسن بلائه، وإما لشدة احتياجه وكثرة عياله.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وفي نسخة: \"والرجل\".\n(٣) سورة الحشر: الآية ٨.\n(٤) سورة التوبة: الآية ١٠٠.\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٦٦٠).","vol":"10","page":129},{"text":"(١٤) (١) بَابٌ: في قَسْمِ الْفَيْء\n٢٩٥١ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، أَخْبَرَني (٢) أَبِي، نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عن زيدِ بْنِ أَسْلَمَ: \"أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: حَاجَتَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ؟ فَقَالَ: عَطَاءُ الْمُحَرَّرِينَ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَوَّلَ مَا جَاءَهُ شَيْءٌ بَدَأَ بِالْمُحَرَّرِينَ\". [ق ٦/ ٣٤٩]\n===\n\n(١٤) (بَابٌ: فِي قَسْمِ (٣) الْفَيْءِ)\n٢٩٥١ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، أخبرني أبي، نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم: أن عبد الله بن عمر دخل على معاوية) في عهد خلافته (فقال) معاوية: (حاجتَك يا أبا عبد الرحمن؟) أي أظهرها ما جاء بك؟ (فقال) ابن عمر: حاجتي (عطاء المُحَرَّرين) بأن يقدموا (فإني رأيت رسول الله - ﷺ - أول ما جاءه شيءٌ بدأ بالمُحَرَّرِين) أي المعتقين، وذلك أنهم قوم لا ديوان لهم، وإنما يدخلون في جملة مواليهم، وقال بعض الشراح: أي بدأ في أوَّلِ وقت مجيء الفيء بإعطائه نصيب المكاتبين، قال ابن الملك: وقيل: أي المنفردين لطاعة الله خلوصًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كتاب الفيء\".\n(٢) في نسخة: \"نا\".\n(٣) لا يخمس الفيءُ عند الجمهور خلافًا للشافعي، كما في \"الجوهر النقي\" (٢/ ٥٦)، واختلف قول الشافعي في قسم الفيء كما في \"الجمل\" (٤/ ٣١٣)، و\"البيضاوي\" (٢/ ١٠٥٨) وغيره في تفسير سورة الحشر، وأجمل الكلام عليه ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٤٠٣)، وفي \"شرح الإقناع\" (٣/ ٢٧٢): يصرف خمس الفيء على من يصرف عليه خمس الغنيمة، ويعطى أربعة أخماسه للمقاتِلة، أي المرتزقة للقتال، خلافًا للأئمة الثلاثة إذ قالوا: لا يخمس الفيء بل جميعه لمصالح المسلمين ... إلخ. (ش).","vol":"10","page":130},{"text":"٢٩٥٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الْقَاسِم بْنِ عَبَّاسٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ - ﵂ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِظَبْيَةٍ فِيهَا خَرَزٌ فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ (١) وَالأَمَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ أَبِي - ﵁ - يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ\".\n٢٩٥٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، جَمِيعًا، عن صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ،\n===\n٢٩٥٢ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا عيسى، نا ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن دينار) وفي نسخة: عبد الله بن نيار (٢) (عن عروة، عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - أُتِيَ بظبية) هي الجراب الصغير، وقيل: هي شبه الخريطة والكيس (فيها خَرَزٌ) بالخاء المعجمة والراء المهملة المفتوحتين والزاي، وخرزات الملك جواهر تاجه (فقسمها للحرة والأمة) خص النساء، لأن الخرز من شأن النساء، لا أنه حق النساء خاصة، ولهذا كان أبو بكر يقسمها للحر والعبد.\n(قالت عائشة) - ﵂ -: (كان أبي - ﵁ - يَقْسِمُ لِلحُرِّ والعَبْدِ) وقيل: معناه كان أبي يقسم الفيء ولا خصوص للخرز.\n٢٩٥٣ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الله بن المبارك، ح: وحدثنا ابن المصفى قال: حدثنا أبو المغيرة جميعًا) أي كلاهما: عبد الله بن المبارك وأبو المغيرة يرويان (عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير،\n_________\n(١) في نسخة: \"للحر\".\n(٢) وهو الظاهر كما في \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٣٠٨) رقم (٣٦٠٩).","vol":"10","page":131},{"text":"عن أَبِيهِ، عن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ - كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ، فَأَعْطَى الآهِلَ حَظَّيْنِ، وَأَعْطَى الْعَزَبَ (٢) حَظًّا\".\nزَادَ ابْنُ الْمُصَفَّى: \"فَدُعِينَا وَكُنْتُ أُدْعَى قَبْلَ عَمَّارٍ فَدُعِيت فَأَعْطَانِي حَظَّيْنِ وَكَانَ لِي أَهْلٌ، ثُمَّ دُعِيَ بَعْدِي عَمَّارُ (٣) بْنُ يَاسِرٍ فَأُعْطِيَ حَظًّا وَاحِدًا\". [حم ٦/ ٢٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>(١٥) بَابٌ: فِي أَرْزَاقِ الذُّرِّيَّةِ</span>\n٢٩٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عن جَعْفَرٍ (٤)، عن أَبِيهِ، عن جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ\n===\nعن أبيه) جبير بن نفير، (عن عوف بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أتاه الفيء قَسَمَه في يومه) أي لايؤخره لِغَدٍ (فأعطى الآهِلَ) أي المتأهل (حظين، وأعطى العَزَبَ) وهو من لا زوجة له (حَظًّا) أي واحدًا.\n(زاد ابن المصفى: فَدُعِينا) أي قاله عوف بن مالك (وكنت أُدْعَى قبل عَمَّارٍ فَدُعِيْتُ فأعطاني حَظّين وكان لي أهل) أي زوجة (ثم دُعِيَ بعدي عمارُ بنُ ياسرٍ فأُعْطِيَ حظًّا واحدًا) لأنه لم يكن له زوجة.\n\n(١٥) (بَابٌ: فِي أَرْزَاقِ الذُّرِّيَّةِ)\n٢٩٥٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي أحق بهم وأقرب إليهم، وقيل: معنى الأولوية النصرة والتولية، أي أتولى\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"الأعزب\".\n(٣) في نسخة: \"بعمار\".\n(٤) في نسخة: \"جعفر بن محمد\".","vol":"10","page":132},{"text":"مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ\". [م ٨٦٧، جه ٤٥، ن ١٩٦٢]\n٢٩٥٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عن أَبِي حَازِم، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا\". [خ ٦٧٦٣، م ١٨٦٨، ت ٢٠٩٠، حم ٢/ ٢٨٧]\n٢٩٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: \"أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ فَأَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ دَيْنًا فَإِلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ\". [ن ١٩٦٢]\n===\nأمورَهم بعد وفاتهم، وأنصرُهم فوق ما كان منهم لو عاشوا (من تَرَكَ مالًا فلأهله) أي ورثته (ومن تَرَك دينًا أو ضياعًا) وهي الذرية (فإليّ) أي إليّ حفظه (وعلي) أي على ذمتي وأنا أؤديه.\n٢٩٥٥ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من ترك مالًا فلوَرَثَتِه، ومن ترك كَلًّا) أي ثقلًا (فَإِلَيْنَا).\n٢٩٥٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ - كان يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) (فأيما رجل مات وترك دينًا فإليّ) أي أداؤه إذا لم يترك وفاء (ومن ترك مالًا فلورثته).\n_________\n(١) سورة الأحزاب: الآية ٦.","vol":"10","page":133},{"text":"(١٦) بَابٌ: مَتَى يُفْرَضُ (١) لِلرَّجُلِ فِي الْمُقَاتِلَةِ؟\n٢٩٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى، نَا (٢) عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عُرِضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ، وَعُرِضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَهُ\". [خ ٤٠٩٧، م ١٨٦٨، ت ١٧١١، - جه ٢٥٤٣، ن ٣٤٣١، حم ٢/ ١٧]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>(١٦) (بَابٌ: مَتَى يُفْرَضُ لِلرَّجُلِ فِي الْمُقَاتِلَةِ</span>؟)\n٢٩٥٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى، نا عبيد الله قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - عُرِضَه) بصيغة المجهول، قال في \"المجمع\" (٣): عرضه يوم أحد من عَرَضَ الأمير الجندي: اختبر حالهم، أي عرض ابن عمر على النبي - ﷺ - (يوم أحد) لِيَقْبله في المُقَاتِلَة، وهو (ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْهُ) من أجاز يجيز، أي لم يقبله (وعُرِضَه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه) فعلم منه أن الصبي (٤) إذ بلغ خمس عشرة سنة دخل في زمرة المقاتلة، وكان من البالغين، وإلَّا عُدَّ من الذرية، وهذا إذا لم يحتلم، وأما إذا احتلم قبل ذلك حكم ببلوغه من الاحتلام.\n_________\n(١) في نسخة: \"يعرض الرجل\".\n(٢) في نسخة: \"عن\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٧٠).\n(٤) وسيأتي أنه الحد بين الصغير والكبير عند أبي يوسف ومحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة: حد البلوغ ثماني عشرة سنة، قال الحموي: هو جنينٌ ما دام في بطن أمه، فإذا انفصل ذكرًا فهو صبي إلى البلوغ، فغلام إلى تسع عشرة، فشاب إلى أربع وثلاثين، فكهل إلى إحدى وخمسين، فشيخ إلى آخر عمره، كذا في اللغة، وفي الشرع يسمى غلامًا إلى البلوغ، وبعده شابًا وفتى إلى ثلثين، فكهل إلى خمسين، فشيخ؛ وتمامه في أيمان \"البزازية\" (٤/ ٣٤٨). (ش).","vol":"10","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1146>(١٧) بَابٌ: فِي كَرَاهِيَةِ الافْتِرَاضِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ</span>\n٢٩٥٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْحَوَارِي، نَا سُلَيْمُ بْنُ مُطَيْرٍ، شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ وَادِي الْقُرَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُطَيْرٌ أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالسُّوَيْدَاءِ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَدْ جَاءَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ دَوَاءً أَوْ حُضَضًا،\n===\n\n(١٧) (بَابٌ: فِي كَرَاهِيَةِ الافْترَاضِ)\nأي أخذ الفرض (فِي آخِرِ الزَّمَانِ)\n٢٩٥٨ - (حدثنا ابن أبي الحواري) هكذا بغير تسمية \"أحمد\" في المجتبائية والقادرية، ونسخة \"العون\"، وأما في النسخة المكتوبة والمصرية والكانفورية ففيها: \"أحمد بن أبي الحواري\"، وهو أحمد بن عبد الله بن ميمون بن العباس بن الحارث التغلبي بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام، أبو الحسن بن أبي الحواري بفتح المهملة والواو الخفيفة وكسر الراء، الدمشقي الغطفاني، ثقة زاهد كوفي الأصل، (نا سُليم) مصغرًا (ابن مطير شيخٌ من أهل وادي القُرَى). قال أبو حاتم: أعرابي محله الصدق، وذكره ابن حبان في \"الضعفاء\" فقال: منكر الحديث على قلة روايته.\n(قال: حدثني أبي مطير) مصغرًا، ابن سليم الوادي، مجهول الحال (أنه) أي مطيرًا (خرج حاجًّا حتى إذا كان بالسويداء). قال في \"معجم البلدان\" (١): تصغير سوداء، موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام، والسويداء: بلدة مشهورة في ديار مضر بالضاد المعجمة، قرب حَرَّان بينها وبين بلاد الروم، فيها خيرات كثيرة، وأهلها نصارى أرمن في الغالب، والسويداء أيضًا قرية بحوران بنواحي دمشق.\n(إذا أنا برجل) لم يعرف اسمه (قد جاء كأنه يطلب) أي يبغي (دواء أو حُضضًا) قال في \"القاموس\": الحُضَضُ كزُفَرَ وعُنُقٍ: العربىّ منه عصارةُ\n_________\n(١) (٣/ ٢٨٦).","vol":"10","page":135},{"text":"وَقَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ، فَقَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوا الْعَطَاءَ مَا كَانَ عَطَاءً، فَإِذَا تَجَاحَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمُلْكِ وَكَانَ عَنْ دِينِ أَحَدِكُمْ فَدَعُوهُ\" (٢). [ق ٦/ ٣٥٩]\n٢٩٥٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا سُلَيْمُ بْنُ مُطَيْرٍ، مِنْ أَهْلِ وَادِي الْقُرَى، عن أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ (٣) قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَمَرَ النَّاسَ وَنَهَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ\n===\nالخَولان، والهنديُّ عصارةُ الفِيْلَزَهْرَجِ، وكلاهما نافع للأَوْرام الرخْوَةِ، والقُروح، والنُّفَّاخات، والرَّمَد، والجذام، والبواسير، ولَسْعِ الهَوامّ، وعَضَّةُ الكلب، طلاءً وشربًا كلَّ يوم نصفَ مثقالٍ بماء، ويُغَزّرُ الشَّعَرَ.\n(وقال) أي الرجل: (أخبرني من سمع رسول الله - ﷺ -) وهو ذو الزوائد كما سيأتي في الحديث الآتي (في حجة الوداع وهو يَعِظُ الناسَ ويأمُرُهم وينهاهم، فقال: يا أيها الناس خذوا العطاء ما) أي ما دام (كان عطاءً، فإذا تجاحَفَتْ) أي تنازعت وتقاتلت (قريشٌ على الملك) أي الحكومة والسلطنة (وكان) أي العطاء (عن دين أحدِكم) أي في مقابلة دينه وعوضه (فدعوه) أي لا تأخذوه.\n٢٩٥٩ - (حدثنا هشام بن عمار، نا سليم بن مطير من أهل وادي القرى، عن أبيه أنه) أي مطيرًا (حدثه) (٤) أي سليمًا (قال) مطير: (سمعت رجلًا يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع أَمَرَ الناسَ ونهاهم، ثم قال: اللَّهم\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْن الْمُبَارَكُ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يَسَارِ عَنْ سُلَيم بنِ مُطَيْرٍ\".\n(٣) في نسخة: \"حدثهم\".\n(٤) قال المزي بعد ذكر هذا الحديث: ورأيت في نسخة في حديث هشام، عن سليم، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يقول، وهو الصواب. انظر: \"تحفة الأشراف\" رقم (٣٥٤٦).","vol":"10","page":136},{"text":"هَلْ بَلَّغْتُ؟ \"، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: \"إِذَا تَجَاحَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمُلْكِ فِيمَا بَيْنَهَا وَعَادَ (١) الْعَطَاءُ رُشًا فَدَعُوهُ\"، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ذُو الزَّوَائِدِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. [ق ٦/ ٣٥٩، طب ٤/ ٢٣٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>(١٨) بَابٌ: فِي تَدْوِينِ الْعَطَاءِ</span>\n٢٩٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ -، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ جَيْشًا مِنَ الأَنْصَارِ كَانُوا بِأَرْضِ فَارِسَ مَعَ أَمِيرِهِمْ، وَكَانَ عُمَرُ يُعَقِّبُ الْجُيُوشَ فِي كُلِّ عَامٍ،\n===\nهل) أي قد (بَلَّغْتُ؟ قالوا) أي الناس: (اللَّهم نعم، ثم قال: إذا تجاحَفَتْ) أي تقاتلت (قريشٌ على الملك فيما بينها وعاد) أي صار العطاء (رُشًا) جمع رِشوة (فدعوه. فقيل: من هذا؟ قالوا: هذا ذو الزوائد صاحب رسول الله - ﷺ -) وهو صحابي جهني لم يسم، سكن المدينة، روى مطير عنه من غير واسطة رجل، وروى عنه بواسطة رجل.\n\n(١٨) (بَابٌ: فِي تَدْوِينِ الْعَطَاءِ)\nقال في \"القاموس\": والديوان، ويفتح: مُجتمع الصُّحُفِ، والكتابُ يُكْتَبُ فيه أهلُ الجيش وأهلُ العطية، وأول من وضعه عمر - ﵁ -، جمعه دَوَاوِين ودَيَاوِين\n٢٩٦٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا إبراهيم - يعني ابن سعد -، أخبرنا ابنُ شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري: أن جيشًا من الأنصار كانوا بأرض فارس مَعَ أميرهم، وكان عمر) - ﵁ - (يُعَقِّبُ الجُيُوشَ) أي يبعث الجيوش (في كلِّ عامٍ) يقيمون على الثغر في محل\n_________\n(١) في نسخة: \"أو كان\".","vol":"10","page":137},{"text":"فَشُغِلَ عَنْهُمْ عُمَرُ، فَلَمَّا مَرَّ الأَجَلُ قَفَلَ أَهْلُ ذَلِكَ الثَّغْرِ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ وَتَوَاعَدَهُمْ (١) وَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا عُمَرُ، إِنَّكَ غَفَلْتَ عَنَّا وَتَرَكْتَ فِينَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (٢) - ﷺ - مِنْ إِعْقَابِ بَعْضِ الْغَزِيَّةِ بَعْضًا. [ق ٩/ ٢٩]\n٢٩٦١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ، نَا الْوَليدُ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِي فِيمَا حَدَّثَهُ ابْنٌ لِعَدِيٍّ مِنْ (٣) عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ:\n===\nالمقيمين، فيقيمون هناك، وينصرف أولئك، فإنه إذا طال عليهم الغربة والغيبة تأذوا بذلك وأضرّ بأهليهم (فشغل عنهم عمر) - ﵁ - فلم يُعَقِّبْ.\n(فلما مَرَّ الأجل) ولم يبعث الجيوش (قَفَلَ) أي رَجَعَ (أهل ذلك الثغر) أي الحد الفاصل بين المسلمين والكفار بغير إذن من أمير المؤمنين عمر - ﵁ - (فاشتد) أي أغلظ عمر (عليهم وتواعدهم) أي يردهم (وهم أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا عمر، إنك غَفَلْتَ عَنّا، وَتَرَكْتَ فينا الذي أَمَرَ به رسولُ الله - ﷺ - من) بيان لما أمر به رسول الله - ﷺ - (إعقاب) أي إرسال (بعض الغَزِيَّة) أي الجماعة الغازية (بعضًا).\nومناسبة الحديث بالباب أن الذي شغل عمر - ﵁ - عنهم من إعقاب الجيوش أنه كان مشغولًا في تدوين العطاء.\n٢٩٦١ - (حدثنا محمود بن خالد، نا محمد بن عائذ، نا الوليد، نا عيسى بن يونس، حدثني) أي قال عيسى بن يونس: حدثني (فيما حدثه) وضمير المفعول يرجع إلى لفظ ما (ابن) فاعل لحدث (لعدي من عدي الكندي)\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وأوعدهم\"، وفي نسخة: \"وواعدهم\".\n(٢) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٣) في نسخة بدله: \"ابن\".","vol":"10","page":138},{"text":"\"أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ: أَنَّ مَنْ سَأَلَ عَنْ مَوَاضِعِ الْفَيْءِ فَهُوَ مَا حَكَمَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -، فَرَآهُ الْمُؤْمِنُونَ عَدْلًا مُوَافِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ\"، فَرَضَ الأَعْطِيَةَ (١)، وَعَقَدَ لأَهْلِ الأَدْيَانِ ذِمَّةً بِمَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجِزْيَةِ، لَمْ يَضْرِبْ فِيهَا بِخُمُسٍ وَلَا مَغْنَمٍ\". [ق ٦/ ٢٩٥]\n٢٩٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عن غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عن أَبِي ذَرًّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ\". [جه ١٠٨، حم ٥/ ١٦٥، ش ٦/ ٣٥٣]\n===\nقال فِي \"التقريب\" (٢): ابن عدي بن عدي الكندي، شيخ لعيسى بن يونس، لم يسم، ولا يعرف حاله.\n(أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن من سأل عن مواضع الفيء) أي مواضع قسمه (فهو ما حكم فيه عمر بن الخطاب - ﵁ -، فرآه المؤمنون عدلًا موافقًا لقول النبي - ﷺ -: جعل الله الحق على لسان عمر) - ﵁ - (وقَلبِهِ) فجعل لا ينطق إلَّا بالحق ولا يعقل إلَّا الحق (فَرَضَ) أي قَرَّرَ (الأعطيةَ) أي العطايا (وَعَقَدَ لأهل الأديان ذِمّة بما فرضَ عليهم) بصيغة المجهول أو المعلوم (من الجزية، لم يَضْرِبْ فيها) أي في الجزية (بخُمُسٍ ولا مَغنَمٍ) أي لم يخرج منه الخمس ولم يقسم أربعة أخماسها للغانمين.\n٢٩٦٢ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن غضيف بن الحارث، عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الله تعالى وضع الحق على لسان عمر) - ﵁ - (يقول) أي ينطق (به) أي بالحق.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"للمسلمين\".\n(٢) (ص ١٢٥٣).","vol":"10","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1148>(١٩) بَابٌ: فِي صَفَايَا رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الأَمْوَالِ</span>\n٢٩٦٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسَ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: \"أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ فَجِئْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رِمَالِهِ، فَقَالَ حِينَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ: يَا مَالُ، إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ وَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِشَيءٍ فَاقْسِمْ (١) فِيهِمْ.\n===\n\n(١٩) (بَابٌ: في صَفَايَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، الصفايا: جمع صفي، وهي الأموال والأراضي التي أفاء الله على رسوله مما لم يُوجف المسلمون عليها بخيلٍ ولا ركابٍ (مِنَ الأَمْوَالِ)\n٢٩٦٣ - (حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس المعنى، قالا: نا بشر بن عمر الزهراني قال: حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان) بفتح المهملتين والمثلثة، ابن سعد بن يربوع النصري، أبو سعيد المدني، مختلف في صحبته، ذكره ابن سعد في طبقة من أدرك النبي - ﷺ - ورآه ولم يحفظ عنه شيئًا، قال: ويقولون: إنه ركب الخيل في الجاهلية، قال: وكان قديمًا، ولكن تأخر إسلامه، وقال البخاري: وقال بعضهم: له صحبة ولا تصح، وقال ابن خراش: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: أرسل إليَّ عُمَرُ) أي داعيًا (حين تَعَالَى النهارُ) أي ارتفعتِ الشمسُ (فجئتُه فوجدتُه جالسًا على سرير مُفْضِيًا إلي رِمَاله) أي قاعدٌ عليه من غير فراش، ورمال الحصير ظلوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب النسيج (فقال حين دخلت عليه: يا مال) بالترخيم (إنه قَدْ دَفَّ) أي أَقْبَلَ (أهلُ أبياتٍ من قومِكَ وإني قد أمرتُ فيهم بشيء) يعطون ويقسم بينهم (فَاقْسِمْ فيهم،\n_________\n(١) في نسخة: \"فاقسمه\".","vol":"10","page":140},{"text":"قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ غَيْرِي بِذَلِكَ، فَقَالَ: خُذْهُ، فَجَاءَهُ يَرْفَأُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَهُ يَرْفَأُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! هَلْ لَكَ فِي الْعَبَّاسِ وَعَلِيًّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، قَالَ (١) الْعَبَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! اقْضِ بَيْني وَبَيْنَ هَذَا - يَعْنِي عَلِيًّا - فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! اقْضِ (٢) بَيْنَهُمَا وَأَرِحْهُمَا\n===\nقلت: لو أَمَرْتَ غيري بذلك) وعفوت عني منه لكان خيرًا (فقال) عمر - ﵁ -: (خذه) أي المال.\n(فجاءه) عمر - ﵁ - (يرفأُ) (٣) وهو اسم حاجب عصر، قال في \"القاموس\": يَرْفَأُ كيمنع: مولى عمر - ﵁ - (فقال) أي يرفأ: (يا أمير المؤمنين، هل لك) أي رغبة (في) دخول (عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوم وسعد بن أبي وقاص) عليك؟ (قال) عمر - ﵁ -: (نعم، فَأَذِنَ لهم فدخلوا).\n(ثم) بعد زمان يسير (جاءه) أي عمر - ﵁ - (يرفأ، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك) رغبة (في) دخول (العباس وعلي؟ قال: نعم، فَأَذِنَ لهم) أي للعباس وعلي (فدخلوا، قال العباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا - يعني عليًّا - فقال بعضهم) أي من عثمان وأصحابه: (أَجَلْ، يا أميرَ المومنين، اقض بينهما وأَرِحْهُمَا) أي أَرحْ أحدهما من الآخر فإنهما يتنازعان.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"فاقض\".\n(٣) أدرك الجاهلية، ولا يعرف له صحبة، كذا في \"الأوجز\" (٣/ ٢٥٤)، وفي الحديث إتخاذ الحاجب للإمام، وسيأتي في هامش \"باب الصبر عند المصيبة\". (ش).","vol":"10","page":141},{"text":"- قَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُمَا قَدَّمَا أُولَئِكَ النَّفَرَ لِذَلِكَ -. فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: اتَّئِدَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا\n===\n(قال مالك بن أوس: خُيِّلَ إِلَيَّ أنهما) أي العباس وعليًّا (قَدَّمَا أولئك النَّفَرَ) أي بَعَثَهم مقدمًا (لذلك) ليكلموا في شفاعتهما وإراحة أحدهما من الآخر.\n(فقال عمر - ﵁ -: اِتَّئِدا) أي لا تعجلا (ثم أقبل) أي عمر (على أولئك الرَّهْط) أي عثمان وأصحابه (فقال: أنشدكم) أي أسألكم بالحلف (بالله الذي بإذنه تقوم السماءُ والأرضُ، هل تعلمون أن رسول الله - ﷺ - قال: لا نورث) (١) أي: لا يرثنا (٢) أحد ولا يجري الميراث فيما تركناه (ما تركنا) من\n_________\n(١) لبقاء ملكه ﵊، أو لكونها صدقة، قولان للعلماء، كما في \"المواهب\" (١/ ٤١٩)، و\"شرحه\" (٥/ ٣٣١)، والحديث يؤيد الأول، وفي حكمته أقوال أخر، كذا في \"شرح الشمائل\" (٢/ ٢٢٧)، و\"الكوكب\" (٣/ ١٠٣)، وبسط الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٢١٨) طرق الحديث، وتقدم في \"باب ذوي الأرحام\" اختلاف العلماء في ذلك، وفي \"المسوى على الموطأ\" (٢/ ٤٨٧): الحديث روي عن عشرة من الصحابة خلافًا لمن زعم تفرد أبي بكر - ﵁ - قلت: وفي \"تفسير روح المعاني\" (١٩/ ٢٢٥) أنه موجود في \"الكافي\" للكليني، وزيادة \"لا نرث\" لا يصح كما تقدم. (ش).\n(٢) يشكل عليه ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ...﴾ الآية [النمل: ١٦] وغيرها من الآيات. راجع: \"مختلف الحديث\" (ص ٣٦١)، وذكر الرازي في \"أحكام القرآن\" نظائر لما ورد فيه لفظ الإرث ولم يُرد فيها ميراث المال، والحكم عام لجميع الأنبياء عند الجمهور خلافًا للحسن إذ قال: مخصوص به - ﷺ -، كذا قال العيني (١٠/ ٤٢٢)، ومال الرازي في \"تفسيره\" (٣/ ٥١٤) إلى التخصيص، وإليه يظهر ميل الحافظ، لكن جزم في \"التلخيص\" (٣/ ٢١٩) بالعموم، وكذا النووي (٦/ ٣٢٣)، وعزا في \"شرح الشمائل\" (٢/ ٢٢٧) العموم إلى الجمهور. (ش).","vol":"10","page":142},{"text":"صَدَقَةٌ؟ \"، قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيًّ وَالْعَبَّاسِ ﵄ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟ \"، فَقَالَا: نَعَمْ، قَالَ: فَإنَّ اللَّهَ خَصَّ رَسُولَهُ - ﷺ - بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخُصَّ بِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ الَلَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوَكَانَ (١) اللَّهُ تَعَالَى أَفَاءَ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - بَنِي النَّضِير، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْخُذُ مِنْهَا\n===\nالمال فهو (صدقة (٢)؟ قالوا: نعم، ثم أَقْبَلَ على علي والعباس - ﵄ -، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماءُ والأرضُ، هل تعلمان أن رسول الله - ﷺ - قال: لا نورث ما تركنا صدقة؟ فقالا) أي العباس وعلي: (نعم).\n(قال) عمر - ﵁ -: (فإن الله خَصَّ رسولَه - ﷺ - بخاصَّة لم يخصّ بها أحدًا من الناس) أي لم يدخل في خصوصيته الناس (فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣). وكان الله تعالى أفاء على رسوله - ﷺ -) أي أعطاه الله فيئًا (بني النضير، فوالله ما استأثَرَ بها عليكم) أي ما رجح بها أحدًا عليكم (ولا أخَذَها دونكم) أي لم يأخذها خاصةً لنفسه من غير أن يعطيكم منها (وكان رسول الله - ﷺ - يأخذ منها) أي من أموال\n_________\n(١) في نسخة: \"فكان\".\n(٢) بالرفع على ما ضبط، وأوَّله الرافضة بالنصب، وما نافية، أي لم نورث ما تركناه على سبيل الصدقة، وهو مع كونه ظاهر البطلان يأباه ما ورد: \"ما تركناه فهو صدقة\"، كذا قال العيني (١٠/ ٤٢٣). (ش).\n(٣) سورة الحشر: الآية ٦.","vol":"10","page":143},{"text":"نَفَقَةَ سَنَةٍ، أَوْ نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً وَيَجْعَلُ (١) مَا بَقِي أُسْوَةَ الْمَالِ.\nثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَعَلِيًّ - ﵄ - فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنا وَليُّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ - ﵁ -، تَطْلُبُ أَنْتَ مِيرَاثَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا نُورَثُ،\n===\nبني النضير (نفقة سنةٍ، أو) للشك من الراوي، قال: (نفقته ونفقة أهله سنةً، ويجعلُ ما بقي) من النفقة (أُسوةَ المال) أي مال الغنيمة كما يجعله في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، كذلك يجعل ما يبقى من النفقة من مال بني النضير وغيره.\n(ثم أقبل على أولئك الرهط فقال) عمر - ﵁ -: (أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماءُ والأرضُ هل تعلمون ذلك؟) أن رسول الله - ﷺ - كان يصرف في هذا المال كما ذكرت (قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس وعلي - ﵄ -، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماءُ والأرضُ هل تعلمان ذلك؟) كما يعلمون (قالا: نعم).\n(فلما تُوُفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - قال أبو بكر: أنا وليُّ رسول الله - ﷺ -) أي خليفته (فجئتَ أنتَ) يخاطب العباس (وهذا) أي علي - ﵁ - (إلي أبي بكر - ﵁ - تطلبُ أنتَ ميراثَك من ابن أخيك، ويطلبُ هذا ميراثَ امرأته) فاطمة - ﵂ - (من أبيها، فقال أبو بكر) لكما: (قال رسول الله - ﷺ -: لا نورث،\n_________\n(١) في نسخة: \"فجعل\".","vol":"10","page":144},{"text":"مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ\"، واللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ (١) بَارٌّ رَاشِدٌ تَابعٌ لِلْحَقِّ، فَوَليَهَا أَبُو بَكْرٍ.\nفَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ: أَنَا وَليُّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَوَليُّ أَبِي بَكْرٍ، فَوَليتُهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلِيهَا، فَجِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا، وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، فَسَأَلْتُمَانِيهَا فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَلِيَاهَا بِالَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَلِيهَا، فَأَخَذْتُمَاهَا مِنِّي عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي لأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ\". [خ ٣٠٩٤، م ١٧٥٧، ت ١٦١٠، ن ٤١٤٨، حم ١/ ٢٥، ق ٦/ ٢٩٧]\n===\nما تركنا صدقة، والله يعلم أنه) أي أبا بكر (صادِقٌ بارٌّ راشِدٌ تابِعٌ للحق، فَوَليَها) أي تولى أمر تلك الأموال (أبو بكر) أي في حياته ولم يعطكما إياها.\n(فلما تُوُفِّيَ أبو بكر قلتُ: أنا وليُّ رسولِ الله - ﷺ - ووليُّ أبي بكر) أي خليفتهما (فَوَلِيتُها ما شاء الله) أي إلى زمانٍ شاء الله تعالى (أن ألِيَها، فجئتَ أنتَ وهذا، وأنتما جميع) أي مجتمعان (وأمرُكما واحدٌ) أي ليس بينكما اختلاف تطلبان ذلك المال (فسألتُمانِيها، فقلت: إن شئتُما أن أدفَعَها إليكما على أَنَّ عليكما عَهْدَ الله) أي ميثاقه (أن تَلِيَاها) أي تتولاها (بالذي كان رسول الله - ﷺ - يَلِيْها) أي بالطريق الذي يتصرف فيها، أي تتصرفان فيها بحيث كونكما متوليين لا مالكين فقبلتماها (فأخذتماها مني على ذلك) أي العهد والميثاق (ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك) بأن أقسمها بينكما (والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة) أي القيامة (فإن عجزتما عنها فَرُدَّاها إليَّ).\nوزاد في نسخة: قال أبو داود: وإنما سألاه أن يكون يُصَيِّرُه بينهما نصفين، لا أنهما جهلًا أن النبي - ﷺ - قال: \"لا نورث، ما تَرَكْنَا صدقة\"، فإنهما\n_________\n(١) في نسخة: \"لَصادق\".","vol":"10","page":145},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكانا لا يطلبان إلَّا الصواب، فقال عمر - ﵁ -: لا أوقع عليه اسم القَسَم، أَدَعُه على ما هو عليه.\nوفي الحديث أبحاث:\nأولها: أن العباس وعليًّا - ﵄ - يعلمان أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا نورث\"، فكيف جاءا إلى أبي بكر يطلبانِ الميراث؟ وإن سلِّم أنهما خفي عليهما هذا الحديث، فكيف جاءا إلى عمر وقد أَقَرّا عنده بهذا الحديث؟\nوثانيها: ما وقع في رواية \"مسلم\" من كلام العباس - ﵁ - في علي بأنه قال: اقضِ بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن، وكلام عمر - ﵁ -: رأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم أنه لصادق بارٌّ راشِدٌ تابعٌ للحق، وكذلك قول عمر - ﵁ -: فرأيتماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا.\nوالجواب عن الأول: أن عباسًا وعليًّا - ﵄ - لعلهما في أول الأمر حين طَلَبَا الميراث من أبي بكر لم يطّلعا على الحديث، أو علماه ولكن ذَهَلا عنه، ثم لما نَبَّههُما أبو بكر عَلِمَا بذلك، ثم لما عَلِمَا الحديث من أبي بكر لم يطلبا الميراث من عمر - ﵁ - بل طلبا منه أن يُعطيهما بطريق التولية، فأعطاهما عمر على ذلك، وأكّد عليهما العهد والميثاق بذلك، ثم لما وقع النزاع بينهما جاءا إلى عمر ثانيًا وطلبا منه أن تكون تلك الأموال على ذلك العهد والميثاق ولكن تقسم بينهما، فيكون كل واحد منهما على نصفه متوليًا كما كانا متوليين قبل القسمة، ولكن عمر - ﵁ - لم يرض بذلك، ولم يُجز أن يقع اسم القسمة عليه، فيظن أنه كان ميراثًا نصفه للعم والنصف الآخر لزوج البنت حصة البنت.\nوالدليل على ذلك أن بعد هذه القصة لم يطلب أحدٌ من الورثة من أولاد علي - ﵁ - ومن أولاد العباس - ﵁ - الميراث، وكذلك","vol":"10","page":146},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلي - ﵁ - في زمان خلافته لم يقسمه بين الورثة، فيستدل بذلك أنهما علما وتيقَّنا (١) بما قال أبو بكر وعمر - ﵄- أن النبي - ﷺ - لا يجري فيما تركه الميراث.\nقال النووي (٢): فيه إشكال مع إعلام أبي بكر لهم قبل هذا الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \"لا نورث\"، وجوابه: أن كل واحد إنما طلب القيام وحده على ذلك، ويحتج هذا بقربه بالعمومة، وذلك لقرب امرأته بالبنوة، وليس المراد أنهما طلبا بعد ما علمًا منع النبي - ﷺ -، ومنعهما منه أبو بكر، وبَيَّنَ لهما دليل المنع واعتَرَفَا له بذلك.\nوالجواب عن الثاني: ما حكاه النووي (٣) عن القاضي عياض، قال المازري: هذا اللفظ الذي وقع لا يليق ظاهره بالعباس، وحَاشَ لعلي - ﵁ - أن يكون فيه هذه الأوصاف، فإنا مأمورون بحسن الظنِّ بالصحابة - ﵃ - ونفي كل رذيلة عنهم، وإذا انسدّت طرق تأويلها نسبنا الكذب إلى الرواة، قال: وقد حمل هذا المعنى بعض الناس على أن أزال هذا اللفظ من نسخته، ولعله حمل الوهم على رواته.\nقال المازري: وإذا كان هذا اللفظ لا بد من إثباته، ولم نضِفِ الوهم إلى رواته، فأجود ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه؛ لأنه بمنزلة ابنه، وقال ما لا يعتقده وما يعلم براءة ابن أخيه منه، ولعله قصد بذلك ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه، وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن قصد، وأن عليًّا كان لا يراها (٤) موجبة لذلك في\n_________\n(١) في الأصل: \"علموا وتيقنوا\"، وهو تحريف.\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٣١٩).\n(٣) المصدر السابق (٦/ ٣١٧ - ٣١٨).\n(٤) لا يراها إلا موجبة ... إلخ، كذا في النووي (٦/ ٣١٧). (ش).","vol":"10","page":147},{"text":"٢٩٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ بِهَذهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: \"وَهُمَا - يَعْنِي عَلِيًّا وَالْعَبَّاسَ - يَخْتَصِمَانَ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ\" [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُوقَعَ عَلَيْهِ (١) اسْمُ قَسْمٍ.\n===\nاعتقاده، ولا بد من هذا التأويل، لأن هذه القضية جرت في مجلس فيه عمر - ﵁ - وهو الخليفة، وعثمان وسعد وزبير وعبد الرحمن - ﵃ -، ولم ينكر أحد منهم هذا الكلام مع تشددهم في إنكار المنكر، وما ذلك إلَّا لأنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر.\nقال المازري: وكذلك قول عمر - ﵁ -: \"فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا\"، وكذلك ذكر عن نفسه أنهما رأياه كذلك، وتأويل هذا على نحو ما سبق، وهو أن المراد أنكما تعتقدان أن الواجب أن نفعل في هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر، فنحن على مقتضى رأيكما لو أتينا ما أتينا، ونحن معتقدان ما تعتقدانه لكنا بهذه الأوصاف، أو يكون معناه: أن الإِمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف ويتهم في قضاياه، فكأن مخالفتكما لنا تشعر من رآها أنكما تعتقدان ذلك فينا، والله أعلم.\n٢٩٦٤ - (حدثنا محمد بن عبيد قال: نا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بهذه القصة، قال: وهما - يعني عليًّا والعباس - يختصمان فيما أفاء الله على رسوله - ﷺ - من أموال بني النضير).\n(قال أبو داود: أراد) عمر - ﵁ - أي يترك القضاء فيها (أن لا يُوقع عليه اسم قَسمٍ) لئلا يظن لذلك مع تطاول الأزمان أنها ميراث،\n_________\n(١) في نسخة: \"عليها\"، وفي نسخة: \"عليهم\".","vol":"10","page":148},{"text":"٢٩٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، الْمَعْنَى، أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، عن عُمَرَ قَالَ: \"كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَالِصًا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ.\nقَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ، فَمَا بَقِيَ جَعَلَ في الْكُرَاعِ وَعُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدة: في الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ\". [خ ٢٩٠٤، م ١٧٥٧، ت ١٧١٩، ن ٤١٤٠، حم ١/ ٢٥، ق ٦/ ٢٥٩]\n٢٩٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَا أَيُّوبُ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ - ﵁ -:\n===\nوأنهما ورثاه، لا سِيَّما وقسمة الميراث بين البنت والعم نصفان، فيلتبس ذلك، ويظن أنهم تملَّكوا ذلك (١).\n٢٩٦٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وأحمد بن عبدة، المعنى، أن سفيان بن عيينة أخبرهم، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله بما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركابٍ كانت لرسول الله - ﷺ - خالصًا) لم يكن فيه حق للغزاة (يُنْفِقُ على أهل بيته، قال ابن عبدة: ينفق على أهله قُوتَ سَنَةٍ، فما بَقِيَ) من القوت (جعل في الكراع) أي الخيل (وعُدَّةً) أي الاستعداد (في سبيل الله، قال ابن عبدة: في الكراع والسلاح).\n٢٩٦٦ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل بن إبراهيم، أنا أيوب، عن الزهري، قال: قال عمر - ﵁ -:\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٣١٨).","vol":"10","page":149},{"text":"﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: هَذهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَاصَّةً: قُرَى عُرَيْنَةَ: فَدَكَ وَكَذَا وَكَذَا ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، و﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١). فَاسْتَوْعَبَتْ هَذ الآيَةُ النَّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ. قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: حَظٌّ، إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ. [ن ٤١٤٨]\n===\n﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآية (قال الزهري: قال عمر) - ﵁ -: (هذه لرسول الله - ﷺ - خاصة قُرى عرينة (٢): فَدَكَ وكذا وكذا) فكانت هذه الأموال خاصة لرسول الله - ﷺ - لم يجعل فيه لأحد غيره نصيبًا (﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾) الآية.\nولما مضت الآية التي قبلها وذكر فيها المال الذي خص الله به رسوله - ﷺ - لم يجعل لأحد معه شيئًا أتبعها هذه الآية الثانية، وذكر فيها المال الذي جعله الله لأصناف شَتَّى معه شيئًا، فعلم بذلك أن المال الذي جعله لأصناف شَتَّى من خلقه غير المال الذي جعله للنبي - ﷺ - خاصة.\n(و﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾) الآية، وهم المهاجرون (﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾) الآية، والمراد بهم الأنصار (﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾) وهم المسلمون الذين يأتون بعد (فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يَبْقَ أحدٌ من المسلمين إلَّا له فيها حق).\n(قال أيوب: أو قال) الزهري: (حظ) وقع الشك في لفظ الحق والحظ (إلَّا بعضَ من تملكون من أَرِقَّائِكم) أي: عبيدكم، فإن لهم ليس فيها حق.\n_________\n(١) سورة الحشر: الآية ٧، ٩، ١٠.\n(٢) قال المجد: العرين كأمير: مَأْوَى الأَسَدِ والضَّبُع والذئْب والحية، كالعَرِينَةِ، جمعه ككُتُب، وهشِيمُ العِضَاهِ، وجماعةُ الشجرِ، واللَّحْمُ، وبَطْنٌ، وفناءُ الدار. (ش).","vol":"10","page":150},{"text":"٢٩٦٧ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. (ح): وَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ. (ح): وَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيًّ قَالَ: أَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، وَهَذَا لَفْظ حَدِيثِهِ، كُلُّهُمْ، عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: \"كَانَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ وَخَيْبَرُ وَفَدَكُ، فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حُبْسًا لِنَوَائِبِهِ، وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حُبْسًا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ\n===\nفالحاصل أن عمر - ﵁ - ذكر ههنا خمس آيات، أولاها: ما ذكر فيها من الأموال التي هي خاصة برسول الله - ﷺ -، وفي الثانية منها: ما أشرك فيها لرسول الله - ﷺ - من أصناف شَتَّى من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وفي الثالثة منها: ما ذكر فيها ما للمهاجرين، وفي الرابعة منها: ما ذكر فيها ما للأنصار، وفي الخامسة منها: ما ذكر للمسلمين الذين يجيئون من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، فاستوعبت هذه الآيات الناس المسلمين كافة إلا المملوكين من العبيد.\n٢٩٦٧ - (حدثنا هشام بن عمار، نا حاتم بن إسماعيل، ح: ونا سليمان بن داود المهري قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني عبد العزيز بن محمد، ح: ونا نصر بن علي قال: أنا صفوان بن عيسى، وهذا لفظ حديثه) أي صفوان (كلُّهم) أي حاتم بن إسماعيل، وعبد العزيز بن محمد، وصفوان بن عيسى يحدثون (عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان قال: كان فيما احتج به عمر) - ﵁ - (أنه) أي عمر - ﵁ - (قال: كانت لرسول الله - ﷺ - ثَلَاثُ صَفَايَا) أي الأموال الخالصة (بَنُو النَّضِيْر وخَيْبَرُ) أي بعض خيبر (وفَدَكُ).\n(فأما بنو النَّضِيْر) أي أموالها (فكانت حُبسا) أي محبوسة (لنوائبه) أي ما ينوبه من الحوائج (وأما فدك فكانت حُبسا) أي محبوسة (لأَبْنَاءِ السبيلِ، وأما خيبر) أي نصفه الذي حبسه لنفسه، فإنه قد تقدم في \"باب من أسهم له","vol":"10","page":151},{"text":"فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجُزْءًا لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ فَمَا فَضَلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ\". [ق ٧/ ٥٩، \"مسند أبي عوانة\" ٦٦٧٤]\n===\nسهمًا) أن أراضي خيبر قَسَمَها النبي - ﷺ - نصفَه بين الغزاة، وحَبَسَ نصفه لنفسه، فَقَسَمَها على ستة وثلاثين سهمًا؛ ثمانيةَ عَشَرَ منها للغزاة، وحَبَسَ ثمانيةَ عَشَرَ سهمًا، وسيأتي في \"باب ما جاء في أرض حكم خيبر\".\n(فَجَزَّأَها رسولُ الله - ﷺ - ثلاثَةَ أجزاء: جزئين بين المسلمين، وجزءًا لنفقة أهله، فما فَضَلَ عن نفقة أهله جَعَلَه بين فقراء المهاجرين) إذا كان لهم حاجة، وإلَّا ففي الكراع والسلاح.\nواختلفت الروايات في تجزئة خيبر وقسمته، فقد تقدم في \"باب من أسهم له سهم\" من حديث مجمع بن جارية، ففيه: \"فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فَقَسَمَها رسولُ الله - ﷺ - على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمس مائة، فيهم ثلاث مائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا\".\nوفي هذا الحديث: \"وأما خيبر فَجَزأَها رسول الله - ﷺ - ثلاثة أجزاء: جزئين بين المسلمين، وجزءًا لنفقة أهله، فما فَضَلَ عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين\".\nوسيجيء في \"باب ما جاء في حكم أرض خيبر\" من حديث ابن عمر، وفيه: \"وكان التمر يقسم على السهمين من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله - ﷺ - الخمس، وكان رسول الله - ﷺ - أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق تمرًا، وعشرين وسقًا من شعير.\nوأيضًا وقع في هذا الباب من حديث سهل بن أبي حثمة قال: \"قسم رسول الله - ﷺ - خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين، قَسَمَها بينهم على ثمانية عشر سهمًا\".\nوأيضًا وقع في حديث بشير بن يسار ولفظه: \"لما أفاء الله عليه خيبر،","vol":"10","page":152},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقَسَمَها ستة وثلاثين سهمًا جمعًا، فعزل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهمًا، يجمع كل سهم مائة، والنبي - ﷺ - معهم، له سهمٌ كسهم أحدهم، وعزل رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر سهمًا وهو الشطر لنوائبه وما ينزل من أمر المسلمين\".\nفعندي في وجه الجمع بينها أن النبي - ﷺ - قَسَمَ خيبر تمامَها على ستة وثلاثين سهمًا، فجعل للغزاة وهم أهل الحديبية منها ثمانية عشر سهمًا، كما هو مصرح في حديث بشير بن يسار، وأما ما وقع في حديث مجمع بن جارية أنه قَسَمَها على ثمانية عشر سهمًا، فالمراد به، النصف الذي كان للغزاة لا الكل.\nوأما ما وقع في حديث ابن عمر بأنه - ﷺ - يأخذ الخمس ويُطْعِمُ كلَّ امرأة من أزواجه من الخمس، فالمراد به خمس النصف الذي عزله رسولُ الله - ﷺ - لنوائبه، فهو منقسم على خمسة أصناف، وهم المذكورون في هذه الآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١)، فهم خمسة أصناف، لأن ذكر اسمه ﷾ للتبرك وللتوطئة والتمهيد.\nوأما ما وقع في رواية أوس بن الحدثان أنه - ﷺ - جَزَّأَها ثلاثة أجزاء:\nجزئين بين المسلمين، وجزءًا لنفقة أهله، فلعل وجهه أن الآية صرحت بظاهر اللفظ ستة أصناف: لله، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فالمراد بالجزئين الذين جعلهما للمسلمين أربعة أصناف، وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الأربعة الأصناف، فهم ثلثان من ثلاثة أجزاء، وبقي بظاهر اللفظ صنفان: لله وللرسول، فهما جزء واحد من ثلاثة أجزاء، فهذه القسمة لنصف خيبر الذي عَزَلَه رسول الله - ﷺ - لنوائبه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) سورة الحشر: الآية ٧.","vol":"10","page":153},{"text":"٢٩٦٨ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن عُقَيلِ بْنِ خَالِدٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالْمَدِينَةِ وَفَدَكَ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ\"،\n===\n٢٩٦٨ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، نا الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة) - ﵂ - (زوج النبي - ﷺ - أنها) أي عائشة (أخبرته) أي عروة (أن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - أرسلت إلى أبي بكر الصديق) - ﵁ - (تسأل ميراثها من رسول الله - ﷺ - مما أفاء الله عليه بالمدينةِ وفَدَكَ وما بَقِيَ من خمُسِ خَيْبَرَ، فقال أبو بكر: إن رسول الله - ﷺ - قال: لا نورث).\nكتب في الحاشية: ووجه هذا أن الله تعالى لما بعثه إلى عباده، ووعده على التبليغ لدينه الجنة، وأمره أن لا يأخذ عليه أجرًا، أراد ﵇ أن لا ينسب إليه من متاع الدنيا شيء يكون عند الناس في معنى الأجر، فلم يجعل له شيء منها، ولذلك حرم الميراث على أهله لئلا يُظَنّ به أنه جمع المال لورثته كما حرّم عليهم الصدقات.\n(ما تركنا صدقة)، وأما الحكمة في أن متروك الأنبياء صدقات، فلعلها أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يَتَمَنّى موته فيهلك، أو لأنهم كالآباء لأمتهم فمالهم لكل أولادهم، يعني للمصالح العامة، وهو معنى الصدقة.\n(إنما يأكُلُ آلُ محمدٍ من هذا المال) أي من المال الذي أفاء الله عليه","vol":"10","page":154},{"text":"وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عن حَالِهَا الَّتِي (١) كَانَتْ عَلَيْهَا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَلأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا. [خ ٣٠٩٢، م ١٧٥٩، ن ٤١٤١]\n٢٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، نَا أَبِي، نَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: وَفَاطِمَةُ حِينَئِذٍ تَطْلُبُ صَدَقَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكَ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ في هَذَا الْمَالِ\" - يَعْنِي مَالَ اللَّهِ - \"لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَأْكَلِ\". [خ ٣٧١٢، حب ٤٨٢٣، ق ٦/ ٣٠٠]\n===\n(وإنّي واللهِ لا أُغَيِّرُ شيئًا من صدقة رسول الله - ﷺ - عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله - ﷺ -، فلأَعْمَلَنَّ فيها بما عَمِلَ به رسولُ الله - ﷺ -، فَأَبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا) أي بطريق الميراث ولا بغيره.\n٢٩٦٩ - (حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي، نا أبي) أي عثمان، (نا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي - ﷺ - أخبرته بهذا الحديث، قال) الزهري: (وفاطمة حينئذ تطلب صدقة رسول الله - ﷺ - التي بالمدينة وفدك وما بَقِيَ من خُمُس خيبرَ) أي بقدر حصتها من الميراث.\n(قالت عائشة: فقال أبو بكر: إن رسول الله - ﷺ - قال: لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة) فلا يقسم بالميراث (وإنما يَأْكُلُ آلُ محمد) - ﷺ - (في هذا المال - يعني مال الله - ليس لهم أن يزيدوا على المَأْكَلِ)، والمراد به الحاجة من الأكل واللبس، فلا يتملك ذلك المال، ولا يقسم بين الورثة.\n_________\n(١) في نسخة: \"الذي\".","vol":"10","page":155},{"text":"٢٩٧٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ -، حَدَّثَنِي أَبِي، عن صَالِحٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ فِيهِ: \"فَأَبَى (١) أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ.\nفَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيًّ وَعَباسٍ، فَغَلَبَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهَا. وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ، قَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانتَا لِحُقُوقِهِ التِي تَعْرُوهُ وَنَوائِبِهِ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ. قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ\". [خ ٣٠٩٣، م ١٧٥٩، ق ٦/ ٣٠٠، حم ١/ ٦]\n===\n٢٩٧٠ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، حدثني يعقوب - يعني ابن إبراهيم بن سعد -، حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عروة، أن عائشة أخبرته بهذا الحديث، قال) أي الزهري (فيه) أي الحديث: (فَأَبَى أبو بكر عليها) أي على فاطمة (ذلك) أن يعطيها بالميراث (وقال) أبو بكر: (لستُ تاركًا شيئًا كان رسول الله - ﷺ - يَعْمَلُ به) في هذه الأموال (إلَّا عَمِلْتُ به) فيها (إِنِّي أَخْشَى إن تركتُ شيئًا من أمره) أي أمر رسول الله - ﷺ - (أن أَزِيغَ) أي أميل عن الحق وأضل.\n(فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس) في زمان خلافته بطريق التولية لا بطريق الميراث والتمليك (فَغَلَبَهُ) أي عباسًا (عليٌّ عليها) أي صدقة المدينة (وأما خيبرُ وفدكُ فَأَمْسَكَهُمَا عمر) في يده، ولم يعطهما أحدًا و(قال: هما صدقةُ رسولِ الله - ﷺ - كانتا لحقوقه التي تَعْرُوه) أي تعرضه (ونوائِبه، وأمرهما إلى من وَلِيَ الأمرَ) وهو الخليفة (قال) الزهري: (فهما على ذلك إلى اليوم).\n_________\n(١) في نسخة: \"وَأَبَى\".","vol":"10","page":156},{"text":"٢٩٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا ابْنُ ثَوْرٍ (١)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَهْلَ فَدَكَ وَقُرًى قَدْ سَمَّاهَا لَا أَحفَظُهَا وَهُوَ مُحَاصِرٌ قَوْمًا آخَرِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ بِالصُّلْحِ، قَالَ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتَالٍ.\nقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - خالِصًا لَمْ يَفْتَحُوهَا عَنْوَةً، افْتَتَحُوهَا عَلَى صُلْحٍ، فَقَسَمَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - بيْنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ مِنْهَا شَيْئًا، إِلَّا رَجُلَيْنِ كَانَتْ بِهِمَا حَاجَةٌ. [ق ٦/ ٢٩٦]\n===\n٢٩٧١ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري في) معنى (قوله) تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (٢) قال) أي الزهري: (صالح النبي - ﷺ - أهلَ فَدَكَ وقُرًى) أي عرينة (قد سمّاها) أي شيخي (لا أَحْفَظُها) أي أسماء القرى (وهو) أي رسول الله - ﷺ - (مُحَاصِرٌ قومًا آخَرِينَ) وهم أهل خيبر (فَأَرْسَلُوا) أي أهلُ فدك وقرى (إليه بالصلح) لأنه أدخل الله سبحانه في قلوبهم الرعب والخوف.\n(قال) أي تعالى: (﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يقول) أي يعني به (بغير قتال، قال الزهري: وكانت بنو النضير) أي أموالها (للنبي - ﷺ - خالصًا لم يَفْتَحُوها) أي لم يفتح المسلمون إيّاها (عنوةً) أي قهرًا وغلبةً وقتالًا، بل (افتتحوها على صُلْحٍ، فَقَسَمَهَا النبيُّ - ﷺ - بين المهاجرين، لم يعط الأنصار منها شيئًا، إلَّا رجلين) أي من الأنصار، لم أقف (٣) على تسميتهما (كانت بهما حاجةٌ).\nقال النووي (٤): قال القاضي عياض في تفسير صدقات النبي - ﷺ - المذكورة في هذه الأحاديث قال: صارت إليه بثلاثة حقوق:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أبو ثور\".\n(٢) سورة الحشر: الآية ٣.\n(٣) ستأتي تسميتهما في \"باب خبر النضير\" (ص ٢١٧). (ش).\n(٤) \"شرح النووي\" (٦/ ٣٢٥).","vol":"10","page":157},{"text":"٢٩٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَا جَرِيرٌ، عن الْمُغِيرَةَ قَالَ: جَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ\n===\nأحدها: ما وهب له - ﷺ -، وذلك وصية مخيريق (١) اليهودي له عند إسلامه يوم أحد، وكانت سبع حوائط في بني النضير، وما أعطاه الأنصار من أرضهم وهو ما لا يبلغه الماء، وكان هذا ملكًا له - ﷺ -.\nالثاني: حقه من الفيء من أرض بني النضير حين إجلائهم (٢) كانت له خاصةً، لأنها لم يُوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب، وأما منقولات أموال بني النضير فحملوا منها ما حملته الإبل غير السلاح كما صالحهم، ثم قَسَمَ - ﷺ - الباقي بين المسلمين، وكانت الأرض لنفسه، ويخرجها في نوائب المسلمين، وكذلك نصف أرض فَدَكَ، صَالَحَ أهلُها بعد فتح خيبر على نصف أرضها، وكان خالصًا له، وكذلك ثلث أرض وادي القرى، أخذه في الصلح حين صالح أهلها اليهود، وكذلك حصنان من حصون خيبر، وهما الوطيح والسلالم، أخذهما صلحًا.\nالثالث: سهمه من خُمس خيبر، وما افتتح فيها عنوةً، فكانت هذه كلها ملكًا لرسول الله خاصةً لا حَقَّ فيها لأحدٍ غيره، لكنَه - ﷺ - كان لا يستأثر بها بل يُنفقها على أهله والمسلمين، وللمصالح العامة، وكل هذه الصدقات محرمات التملك بعده، والله تعالى أعلم.\n٢٩٧٢ - (حدثنا عبد الله بن الجراح، نا جرير) بن حازم، (عن المغيرة) بن حكيم الصنعاني الأبناوي، وثّقه ابن معين والنسائي والعجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في \"مسلم\" حديث عن أم كلثوم عن عائشة، وله في \"البخاري\" في موضع واحدٍ معلقٌ.\n(قال: جَمَعَ عُمَر بنُ عبدِ العزيز بني مروانَ حين استُخْلِفَ) أي جُعل خليفة\n_________\n(١) ذكر الواقدي أنه أسلم واستشهد بأحد، وكان أوصى بأمواله للنبي - ﷺ -، وهي سبع حوائط، انظر: \"الإصابة\" (٦/ ٥٧) رقم (٧٨٥٥).\n(٢) وفي \"شرح النووي\": \"أجلاهم\".","vol":"10","page":158},{"text":"فَقَالَ: \"إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَتْ لَهُ فَدَكُ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا، وَيعُودُ مِنْهَا (١) عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمٍ، وُيزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا (٢) لَهَا، فَأَبَى، فَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمَّا أَنْ وَليَ أَبُو بَكْرٍ عَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَيَاتِهِ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمَّا أَنْ وَليَ عُمَرُ عَمِلَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا عَمِلَا، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ أَقْطَعَهَا مَرْوَانُ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ عُمَرُ- يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -: فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ\n===\n(فقال: إن رسولَ الله - ﷺ - كانت له فدكُ، فكان ينفق منها، ويَعُوْدُ) أي يحسن\nوينفع (منها على صغير بني هاشم، ويُزَوِّجُ منها أَيِّمَهُمْ، وإن فاطمة) أي ابنته (سَأَلَتْه أَنْ يَجْعَلَها) أي فدك (لها) أي لفاطمة (فأبى) أي (٣) مَنَعَهَا وَلَمْ يُعْطِها (فكانت) أي فدك (كذلك) في تصرف رسول الله - ﷺ - (في حياة رسول الله - ﷺ - حتى مضى لسبيله) أي تُوُفِّي.\n(فلما أن وَلِيَ) أي استخلف (أبو بكر عَمِلَ فيها) أي في فدك (بما عَمِلَ النبي - ﷺ - في حياته) من الإنفاق على صغير بني هاشم وأَيّمِهِمْ (حتى مضى لسبيله) أي تُوُفِّي.\n(فلما أن ولى عمرُ عَمِلَ فيها) أي في فدك (بمثل ما عَمِلَا) أي رسول الله - ﷺ - وأبو بكر (حتى مضى لسبيله) أي تُوُفِّيَ (ثم أقطعها) أي جعلها قطيعةً لنفسه (مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز) وضع الاسم الظاهر موضع لفظ \"لي\" لِيشعر أنه غير راضٍ به.\n(قال عمر - يعني ابن عبد العزيز -: فرأيت أمرًا) وهو فدك (مَنَعَه\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فيها\".\n(٢) في نسخة: \"يجعله\".\n(٣) وقد ورد أيضًا من حديث المغيرة كما حكاه المناوي في \"شرح الشمائل\" (٢/ ٢٢٥) عن \"مختصر تهذيب الآثار\" لابن جرير. (ش).","vol":"10","page":159},{"text":"النَّبِيُّ (١) - ﷺ - فاطِمَةَ لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ، يَعْنِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -\". [ق ٦/ ٣٠١]\n٢٩٧٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، عن الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عن أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً فَهِيَ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ\". [حم ١/ ٤، ق ٦/ ٣٠٣]\n٢٩٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عن أَبِي الزِّنَادَ،\n===\nالنبيُّ - ﷺ - فاطمة ليس لي بحقًّ) أي أن أحبسه لنفسي (وإني أشهدكم أني قد رَدَدْتُها) أي فدك (على ما كانت) أي على الحال التي كانت في حياة رسول الله - ﷺ -، تصرف مداخلها على ما كانت تصرف، (يعني على عهد رسول الله - ﷺ -).\n(قال أبو داود: وَليَ عمرُ بنُ عبد العزيز الخلافةَ، وغلَّتُه أربعون ألف دينار، وَتُوُفِّيَ وَغَلَّتُه أربعمائة دينار، ولو بَقِيَ لكان أقلَّ) (٢).\n٢٩٧٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن الفضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل) عامر بن واثلة الليثي (قال: جاءت فاطمة) ابنة رسول الله - ﷺ - (إلى أبو بكر) حين استُخْلِفَ (تطلب ميراثَها من) أبيها (النبيِّ - ﷺ -، قال) أي أبو الطفيل: (فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله إذا أطعم نبيًّا طُعْمَةً) أي أعطاه فيئًا (فهي للذي يقوم من بعده) أي مقامه، يتصرف فيها متوليًا ويصرفها في ما يصرف فيه النبي - ﷺ -.\n٢٩٧٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٢) هذه العبارة وردت في نسخة.","vol":"10","page":160},{"text":"عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ (١) - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَقْتَسِمُ (٢) وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ\" (٣). [خ ٣٠٩٦، م ١٧٦٠، الشمائل ٤٠٣، حم ٢/ ٤٦٣]\n٢٩٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، نَا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَجُلٍ فَأَعْجَبَنِي، فَقُلْتُ: اكْتبهُ لِي، فَأَتَى بِهِ مَكْتُوبًا مُزَبَّرًا: دَخَلَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ عَلَى عُمَرَ وَعِنْدَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ، وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ،\n===\nعن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: لا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دينارًا) وذكر الدينار ليس للتخصيص بل من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وكذلك حكم الدرهم (ما تركت بعد نفقة نسائي) قال ابن عيينة: أزواج النبي - ﷺ - في حكم المعتدات إذ لا يجوز أن ينكحن، فلهذا وجبت النفقة لهن فيما تركه رسول الله - ﷺ - (ومُؤْنَةِ عاملي) والمراد بالعامل الخليفة (فهو صدقة).\n٢٩٧٥ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتَري قال: سمعت حديثًا من رجل) قال الحافظ في المبهمات من الكنى (٤): أبو البختري الطائي قال: سمعت من رجل حديثًا فأعجبني، فقلت له: اكتبه، هو مشهور من رواية مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر (فأعجبني فقلت: اُكْتُبْه لي، فَأَتَى به مَكْتُويًا مُزَبَّرًا) (٥). أي مُتْقنًا، وهو (دخل العباسُ وعليٌّ، على عمر، وعنده طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، وهما) أي العباس وعلي (يختصمان) أي يتنازعان.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"تَقْتَسِمُ\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: مؤنة عاملي، يعني أكرة الأرض\".\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٩٢).\n(٥) في نسخة: مُذَبَرًا، بالذال المعجمة، كلاهما بمعنًى، انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٣١).","vol":"10","page":161},{"text":"فَقَالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمنِ وَسَعْدٍ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"كُلُّ مَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - صدَقَةٌ إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ وَكَسَاهُمْ، إِنَّا لَا نُورَثُ؟ \"، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَكَانَ (١) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَهْلِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَوَلِيهَا أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، فَكَانَ يَصْنَعُ الَّذِي كَان يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ. [ق ٦/ ٢٩٩، \"مسند الطيالسي\": ١/ ١٢]\n٢٩٧٦ - حَدَّثَنَا (٢) الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ\n===\n(فقال عمر لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد: ألم تعلموا أن رسول الله - ﷺ - قال: كل مال النبيِّ - ﷺ - صدقة إلَّا ما أطعمه أهلَه وكساهم، إنا لا نُوْرَثُ؟) بصيغة المجهول (قالوا) أي كلهم: (بلى، قال) أي عمر: (فكان رسول الله - ﷺ - بنفق من ماله على أهله) أي أزواجه نفقتهم (ويتصدق بفضله) أي بما بَقِيَ بعد الإنفاق على أهله (ثم تُوُفيَ رسولُ الله - ﷺ -، فَوَليَها أبو بكر سنتين) وأشهرًا (فكان) أي أبو بكر (يصنع) فيما تركه رسول الله - ﷺ - (الذي كان يصنع) فيه (رسول الله - ﷺ -، ثُمَّ ذكر) أي أبو البختري (شيئًا من حديث مالك بن أوس).\n٢٩٧٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: إِنَّ أَزْوَاجَ النبيِّ - ﷺ - حين تُوُفيَ رسولُ الله - ﷺ -) أي بعد وفاته (أَرَدْنَ أن يَبْعَثْنَ عثمانَ بنَ عفان إلى أبي بكر الصدِّيق) لأنه خليفته\n_________\n(١) في نسخة: \"وكان\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".","vol":"10","page":162},{"text":"فَيَسْأَلْنَهُ ثُمُنَهُنَّ مِنْ (١) رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا نُوْرَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ\"؟ ! [خ ٤٠٣٤، م ١٧٥٨، \"السنن الكبرى\" ٦٣١١، \"الشمائل\" ٤٠٢، حم ٦/ ١٤٥]\n٢٩٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عن ابْنِ شِهَاب بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، قُلْتُ: أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ؟ أَلَمْ تَسْمَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا نُوْرَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّمَا هَذَا الْمَالُ لآلِ مُحَمَّدٍ لِنَائِبَتِهِمْ وَلضَيْفَتِهِمْ، فَإِذَا مُتُّ فَهُوَ إِلَى مَنْ لِىَ الأَمْرَ مِنْ بَعْدِي؟ \".\n===\n(فَيَسْأَلْنَه ثُمُنَهُنَّ من رسول الله - ﷺ -) أي مما تركه من الأموال، والظاهر أنهن نسين قول رسول الله - ﷺ -: \"لا نُوْرَثَ، ما تركنا فهو صدقة\"، فذكرتهن عائشة - ﵂ - (فقالت لهن عائشة: أليس قد قال رسول الله - ﷺ -: لا نورث، ما تركنا فهو صدقة) فَأَحْجَمْنَ عنه.\n٢٩٧٧ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا إبراهيم بن حمزة، نا حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب بإسناده نحوه، قلت) أي قالت عائشة: قلت لهن: (ألا تَتَّقينَ اللهَ؟ ألم تَسْمَعْنَ رسولَ الله - ﷺ - يقول: لا نُوْرَثُ، ما تركنا فهو صدقة، وإنما هذا المال لآل محمد لنائبتِهم) أي لما ينوب لهم من الحاجات والمهمات (ولِضيْفتهم) (٢) أي لضيونهم (فإذا مُتُّ فهو إلى من وَلِيَ الأمرَ من بعدي؟) وهو الخليفة.\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) قوله: \"لضيفتهم\" كذا في النسخة الهندية بصيغة المؤنث، وهو تحريف، والصواب: \"لضيفهم\" كما في النسخ المصرية والمطبوعة.","vol":"10","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1149>(٢٠) بَابٌ: فِي بَيَانِ مَوَاضِع قَسْمِ الْخُمُسِ وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى</span>\n٢٩٧٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عن يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمسَيَّب قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: أَنَّهُ جَاءَ هُوَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُكَلِّمَانِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِيمَا قَسَمَ مِنَ الْخُمُسِ بَيْنَ (١) بَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَسَمْتَ لإخْوَانِنَا (٢) بَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَمْ تُعْطِنَا شَيْئًا، وَقَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ مِنْكَ وَاحِدَةٌ،\n===\n\n(٢٠) (بَابٌ فِي بَيَانِ مَوَاضِعِ (٣) قَسْمِ الْخُمُسِ وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى)\nعطفَ على الخمس\n٢٩٧٨ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري قال) أي الزهري: (أخبرني سعيد بن المسيب قال) أي سعيد: (أخبرني جبير بن مطعم: أنه) أي جبير بن مطعم (جاء هو وعثمان بن عفان يكلِّمان رسولَ الله - ﷺ - فيما قَسَمَ من الخُمُسِ بين بني هاشم وبني المطلب) ولم يُعْطِ بني نوفل ولا لبني عبد شمس.\n(فقلت: يا رسول الله - ﷺ -، قَسَمْتَ لإخواننا بني المطلب ولم تُعْطِنَا شيئًا، وقرابتُنا وقرابتُهم منك واحدة)، فإن عثمان من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم\n_________\n(١) في نسخة: \"في بني هاشم\".\n(٢) في نسخة: \"لإخوتنا\".\n(٣) ذكر الحافظ (٦/ ٢٣٩) فيه ستة مذاهب، وذكر ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٣٩٠) أكثر منها، وفي \"المغني\" (٩/ ٢٨٧): يقسم على خمسة، وبه قال الشافعي، وقيل: على ستة، فسهمه تعالى لأهل الحاجة، وقيل: للكعبة، وقال أهل الرأي: على ثلاثة، وقال مالك: على رأي الإِمام. (ش).","vol":"10","page":164},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيءٌ وَاحِدٌ\".\nقَالَ جُبَيْرٌ: وَلَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ (١) مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسِ، كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِب، قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -\n===\nمن بني نوفل، وعبد شمس ونوفل أخوان لهاشم بن عبد مناف، كما أن المطلب (٢) أيضًا أخو هاشم بن عبد مناف.\nوفي رواية: \"فقلنا: يا رسول الله - ﷺ -، هؤلاء بنو هاشم لا نُنكِرُ فضلَهم للموضع الذي وضعك به الله منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتَهم وتركتَنا\".\n(فقال النبي - ﷺ -: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) أي لم يتفرقا لا في جاهلية ولا في إسلام، وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل فإنهما افترقا من بني هاشم، وذلك أن كفار قريش لما تَحَالفوا على بني هاشم، وكَتَبُوا الكتاب أن لا يُنَاكِحُوْهُم ولا يُبَايِعُوْهُم، دَخَلَ بنو المطلب مع بني هاشم، وخرج بنو عبد شمس وبنو نوفل، فدخلوا مع كفار قريش في حلفهم، وفارقوا بني هاشم.\n(قال جبير: ولم يَقْسِمْ) أي رسول الله - ﷺ - (لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من ذلك الخمس، كما قَسَمَ لبني هاشم وبني المطلب، قال) أي الزهري، قال الحافظ (٣): وهذه الزيادة بَيَّنَ الذهلي في \"جمع حديث الزهري\" أنها مدرجة من كلام الزهري (وكان أبو بكر يَقْسِمُ الخُمُسَ نحوَ قسمِ رسولِ الله - ﷺ -، غَيْرَ أنه لم يكن يُعْطِي قربى) أي أهل قرابة (رسولِ الله - ﷺ -) ولعله لا يُعطيهم لأنه رآهم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"شيئًا\".\n(٢) بل المطلب أخو هاشم لأبيه فقط، وهما لأبيه وأمه، فهما أقرب، كذا في \"الشامي\" (٦/ ٢٣٨). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٦).","vol":"10","page":165},{"text":"مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْطِيهِمْ. قَالَ: فَكَانَ (١) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعْطِيهِمْ مِنْهُ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ. [خ ٣١٤٠، جه ٢٨٨١، ن ٤١٣٦]\n٢٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عن سعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: نَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِم: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ مِنَ الخُمُسِ شَيْئًا، كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا كَانَ يُعْطِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَانَ عُمَرُ يُعْطِيهِمْ وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنْهُ\". [انظر سابقه]\n===\nأغنياء في وقته، ورأى غيرهم أحوج إليه منهم (ما كان النبي - ﷺ - يُعْطِيهم، قال) أي الزهري: (فكان عمر بن الخطاب يُعْطِيهم منه) وكذا يُعطيهم (عثمانُ بَعْدَه) أي بعد عمر بن الخطاب.\nوهذا الحديث يخالفه فيما يأتي قريبًا من حديث عليٍّ يقول: اجتمعتُ أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة، الحديث، وسيبحث فيه هناك.\n٢٩٧٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عثمان بن عمر قال: أخبرني يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: نا جبير بن مطعم: أن رسول الله - ﷺ - لم يَقْسِمْ لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من الخمس شيئًا، كما قَسَمَ لبني هاشم وبني المطلب، قال) أي الزهري (٢): (وكان أبو بكر يَقْسِمُ الخُمُسَ نحو قسمِ رسول الله - ﷺ -، غير أنه لم يكن يُعْطِي قُرْبى رسولِ الله - ﷺ -، كما كان يُعْطِيهم رسولُ الله - ﷺ -، وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده) وهو عثمان (منه) أي من الخمس.\n_________\n(١) في نسخة: \"وكان\".\n(٢) هذه الزيادة مدرجة من كلام الزهري، كذا في \"الفتح\" (٦/ ٢٤٦). (ش).","vol":"10","page":166},{"text":"٢٩٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا هُشَيْمٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ (١) وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِب، وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّاَنَ حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ (٢) - ﷺ -، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ (٣) فَضْلَهُمْ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ، فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا، وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ؟\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنّا وَبَني (٤) الْمُطَلِّبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيءٌ وَاحِدٌ\"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ﵇. [ن ٤١٣٧، حم ٤/ ٨١]\n===\n٢٩٨٠ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر وَضَعَ رسول الله - ﷺ - سَهْمَ ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، وترك بني نوفل وبني عبد شمس، فانطلفتُ أنا وعثمانُ بنُ عفان حتى أتينا النبي - ﷺ -، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا نُنْكِرُ فَضْلَهم للموضع الذي وَضَعَك الله به منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أَعْطَيْتَهم وتَرَكْتَنا، وقرابتنا) أي منك (واحدة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إنا وبني المطلب لا نَفْتَرِقُ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ) بل نحن متحدان في الجاهلية والإِسلام (وإنما نحن وهم) أي بنو المطلب (شيء واحدٌ، وشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعه ﵇) أي أدْخَلَ إحدى أصابعِ يَدِه في الأخرى، أي متداخل بعضهم في البعض.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"حنين\".\n(٢) في نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٣) في نسخة: \"لا ينكر\".\n(٤) في نسخة: \"بنو\".","vol":"10","page":167},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومذهب الحنفية في ذلك ما قَال في \"الهداية\" (١): أما الخمس فيقسم على ثلاثة أسهم: سَهْمٌ لليتامى، وسَهْمٌ للمساكين، وسَهْمٌ لابن السبيل، يدخل فقراء ذوي القربى فيهم، ويقدّمون على غيرهم؛ لأن غيرهم من الفقراء يتمكنون من أخذ الصدقات، وذوو القربى لا تحل لهم، وهذه الثلاثة مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق، حتى لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز كما في الصدقات.\nوقال الشافعي - ﵀ -: لذوي القربى خمس الخمس يستوي فيه غَنِيُّهم وفقيرُهم، وبقول الشافعي قال أحمد، وعند مالك الأمر مفوض إلى رأي الإِمام إن شاء قسم بينهم، وإن شاء أعطى بعضهم دون بعضهم، وإن شاء أعطى غيرهم إن كان أمر غيرهم أهم من أمرهم.\nويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم من القرابات، ونحن نوافقه على أن القرابة المرادة هنا تخص بني هاشم وبني المطلب، فالخلاف في دخول الغنيِّ من ذوي القربى وعدمه، وقال المزني والثوري: يستوي فيه الذكرُ والأنثى، ويدفع للقاصي والداني.\nله إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ بلا فصل بين الغنيِّ والفقير، بخلاف اليتامى فإنهم يشترطون فيهم الفقر مع تحقق الإطلاق كقولنا.\nولنا: أن الخلفاء الراشدين قسموه على ثلاثة أسهم على نحو ما قلنا، وكفى بهم قدوةً، ثم إنه لم ينكر عليهم ذلك أحد مع علم جميع الصحابة بذلك وتوافرهم، فكان إجماعًا منهم على ذلك، وبه تَبَيَّنَ أن ليس المراد من (٢) ذوي القربى قرابة الرسول ﵊، إذ لا يُظَنُّ بهم مخالفة كتاب الله\n_________\n(١) (١/ ٣٩٠).\n(٢) بل قرابة النصرة في زمان هجر قريش إياهم، كما بسطه في هامش الزيلعي. [انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٤٢٥)]. (ش).","vol":"10","page":168},{"text":"٢٩٨١ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ،\n===\nتعالى، ومخالفة رسوله ﵊ في فعله ومنع الحق عن المستحق، وكذا لا يُظَنُّ بمن حضرهم من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - السكوت عَمَّا لا يحلّ مع ما وَصَفَهم الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوكذا ظاهر الآية الشريفة يدل عليه؛ لأن اسم \"وذوي القربى\" يتناول عموم القرابات، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (١)، لم يفهم منه قرابة الرسول - ﷺ - خاصة، وكذا قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) لم ينصرف إلى قرابة رسول الله - ﷺ -.\nوما روي أنه قسم ﵊ الخُمُسَ على خمسة أسهم، فأعطى ذا القربى سهمًا، فنعم، لكن الكلام في أنه أعطاهم خاصة لفقرهم وحاجتهم أو لقرابتهم، وقد عَلِمْنَا بقسمة الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم - أنه أعطاهم لحاجتهم وفقرهم لا لقرابتهم.\nوالدليل عليه: أنه ﵊ كان يشدد في أمر الغنائم فتناول من وبر بعير، وقال: \"لا يحل لي من غنائمكم شيء إلا الخُمُس، وهو مردود فيكم، ردوا الخيط والمخيط، فإن الغلول عار وشنار على صاحبه يوم القيامة\" (٣)، لم يخص ﵊ القرابة بشيء من الخمس، [بل] وَعَمَّ المسلمين جميعًا بقوله: \"والخمس مردود فيكم\"، فَدَلَّ أن سبيلهم سبيل سائر فقراء المسلمين يعطى من يحتاج منهم كفايته، كذا في \"فتح القدير\" (٤) و\"البدائع\" (٥).\n٢٩٨١ - (حدثنا حسين بن عليًّ العِجْلِي) وهو حسين بن علي بن الأسود\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٧.\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٠.\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٢٧)، والنسائي مختصرًا (٤١٣٩)، وأبو داود (٢٦٩٤).\n(٤) (٥/ ٤٩٣).\n(٥) (٦/ ١٠٣).","vol":"10","page":169},{"text":"نَا وَكِيعٌ، عن الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عن السُّدِّيِّ فِي ذِي الْقُرْبَى، قَالَ: \"هُمْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ\".\n٢٩٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، أَنَا يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَنَا يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ: \"أنَّ نَجْدةَ الْحَرُورِيَّ حِينَ حَجَّ\n===\nالعجلي، بكسر مهملة وسكون جيم، نسبة إلى عِجْل بن لُجَيْم (١)، أبو عبد الله الكوفي، نزيل بغداد، قال أحمد: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديثه لا يتابع عليها، وقال الأزدي: ضعيف جدًّا، يتكلمون في حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، وفي \"التقريب\": لم يثبت أن أبا داود روى عنه.\n(نا وكيع، عن الحسن بن صالح، عن السدي) الكبير، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة (في ذي القُربى) الواقع في الأنفال في مصارف الخمس (قال) أي السدي: (هم بنو عبد المطلب) هكذا في جميع النسخ الموجودة من القلمية المكتوبة والنسخ المطبوعة، وكذا في نسخة \"العون\" (٢)، ولكن في النسخة المصرية: \"هم بنو المطلب\" أي لا بنو نوفل وبنو عبد شمس.\nوأما على ما في النسخ من قوله: \"بنو عبد المطلب\" إن كان محفوظًا فليس المراد حصرهم فيهم، بل المقصود أنهم من ذوي القربى، كما أن من بني هاشم غيرهم وبني المطلب من ذوي القربى، والفرق بين بني المطلب وبين بني عبد المطلب ظاهر غير خفي.\n٢٩٨٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، أنا يونس، عن ابن شهاب قال: أنا يزيد بن هُرْمُز: أَنَّ نَجْد (٣) الحروريَّ) أي رئيس الخوارج (حين حَجَّ\n_________\n(١) في الأصل: \"نجين\"، وهو تحريف.\n(٢) \"عون المعبود\" (٨/ ١٤٢).\n(٣) بفتح النون وسكون الجيم، كذا في \"عون المعبود\" (٨/ ١٤٣)، و\"رجال جامع =","vol":"10","page":170},{"text":"فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْم ذِي الْقُرْبَى، وَيَقُولُ (١): لِمَنْ تَرَاهُ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِقُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَسَمَهُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَرَضَ (٢) عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَرْضًا رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقِّنَا، فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ وَأَبَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ\". [ن ٤١٣٣، ت ١٥٥٦، م ١٨١٢، حم ١/ ٢٤٨]\n===\nفي) زمن (فتنةِ ابنِ الزبير أَرْسَلَ) أحدًا (إلى ابن عباس يَسْألُه) أي يسأل نَجْدَةُ ابنَ عباسٍ (عن سَهْمِ ذي القُرْبى) لأنه كثر فيه الأقوال والاختلاف (ويقول) أي نجدة: (لمن تراه؟) أي سهم ذوي القربى في رأيك لمن يعطاه؟\n(قال ابن عباس: لِقُرْبَى رسولِ الله - ﷺ -، قسمه لهم رسولُ الله - ﷺ -) ولكن لم يعلم أنه - ﷺ - قسم لهم لقرابتهم أو لفقرهم وحاجتهم (وقد كان عمر عَرَضَ علينا من ذلك) أي حَظَّنا من الخُمُسِ (عَرْضًا رأيناه دون حقِّنا (٣)، فردَدْناه عليه وأبينا أن نقبلَه).\nولعل هذا مبني على أن عمر رآهم مصارف، وظنَّ ابنُ عباس أنهم أهل استحقاق فيه، أفترى بعمر ينقص حقهم أولًا ثم إذا نقص فردوه، أَفَيُظَنّ به أنه يحرمهم منه أصلًا، فلم يكن إلا أنه رآهم مصارف، ورأى استغناءهم عنه فلم يرده عليهم ثانيًا، وقد صرح علي - ﵁ - بالمراد حيث قال: \"بنا عَنْهُ العامَ غِنًى\"، فعلم أن المدار هو الاحتياج إلَّا أن ابن عباس خالفهم، ولا يضرنا خلافه فيما أجمعت عليه الخلفاء الراشدون بأسرهم، ولم ينقل عن\n_________\n= الأصول\" (١٥/ ٤٢٧)، وبسط ترجمته في \"لسان الميزان\" (٢/ ٨٨٣)، وذكر هذا الحديث، وهو مختصر، وذكره مسلم (١٨١٢) مفصلًا. (ش).\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) في نسخة: \"عرضه\".\n(٣) وتفصيل ما يعطيه عمر - ﵁ - في رواية النسائي (٤١٣٣)، والطحاوي (٣/ ٢٣٨) من نكاح الأيم وقضاء الغارم وغيرهما، لا عموم الاعطاء، وهو - ﵁ - يسأل العموم. (ش).","vol":"10","page":171},{"text":"٢٩٨٣ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ (١) الرَّازِيُّ، عن مُطَرِّفٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: \"وَلَّانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خُمُسَ الْخُمُس، فَوَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَحَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ وَحَيَاةَ عُمَرَ، فَأُتِيَ بِمَالٍ فَدَعَانِي فَقَالَ: خُذْهُ، فَقُلْتُ: لَا أُرِيدُهُ، فَقَالَ (٢): خُذْهُ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ، قُلْتُ: قَدْ اسْتَغْنينَا عَنْهُ، فَجَعَلَهُ في بَيْتِ الْمَالِ\". [ق ٦/ ٣٤٣]\n===\nأحد من الصحابة أنه خالفهم، أو أنكر عليهم صنيعهم، فعلم بذلك أن عمر - رضي الله تعالى عنه - لا يعطي ذوي القربى من الخمس بطريق الاستحقاق، وإنما يعطيهم لحاجتهم.\n٢٩٨٣ - (حدثنا عباس بن عبد العظيم، نا يحيى بن أبي بكير، نا أبو جعفر الرازي، عن مطرف، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عليًّا يقول: وَلَّاني رسولُ الله - ﷺ - خُمُس الْخُمُسِ، فوضعتُه مواضعه) أي قسمتُه في مصارفه (حياةَ رسول الله - ﷺ - وحياة أبي بكر وحياة عمر، فَأُتِيَ بمال) أي في آخر عمره (فدعاني، فقال: خذه) واقسمه بين مصارفه (فقلت: لا أريده) أي أن أتولّى أَمْرَ القسمةِ (فقال: خذه فأنتم أَحَقُّ به، قلت: قد استغنينا عنه، فجعله) أي الخمس (في بيت المال).\nوهذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدم من حديث جبير بن مطعم: \"وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله - ﷺ -، غير أنه لم يكن يعطي قُربى رسول الله - ﷺ -، وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده\".\nقال ابن الهمام (٣): قال الحافظ المنذري (٤): في حديث جبير بن مطعم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) \"فتح القدير\" (٥/ ٤٩٦).\n(٤) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٢٢١).","vol":"10","page":172},{"text":"٢٩٨٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا ابْنُ نُمَيْرٍ، نَا هَاشَمُ بْنُ الْبَرِيدِ، نَا حُسَيْنُ بْنُ مَيْمُونٍ،\n===\nأن أبا بكر لم يقسمْ لذوي القربى، وفي حديث علي أنه قسم لهم، وحديث جبير صحيح، وحديث علي لا يصح.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: \"خذوه فأنتم أَحَقُّ به\" إنما كان المراد بذلك أنتم أحَقُّ به من غيرِكم إذا احتجتم إليه لا مطلقًا، إذ لو كان لهم الأحقية استغناءً وفقرًا لم يكن يجوز لعلي - رضي الله تعالى عنه - أن يَرُدّه عن قومه أجمعين، إذا كان الاختيار له في ردِّه عن نفسه أو عن أهل بيته، مع أنه كيف ساغ لعمر - رضي الله تعالى عنه - أن يضعه في بيت المال لإنكار عليًّ عن أخذه، أفلم يكن تعلق به استحقاق جميع بني هاشم وبني المطلب؟\nفهذا ظاهر في أن عليًّا لما كان زعيم قومه وكفيلهم في أمورهم، وكان يقسمه هو لهم بنفسه، فكان أعلم بأحوالهم من عمر، فلمّا عرضه عمر عليه ليقسمه وبَيَّن له أنكم أَحَقُّ به، لأنكم أولى من الغير إذا احتاج واحتجتم، ثم ردّه عليه عليٌّ وبَيَّنَ أن لهم غنية منه العامَ، وَضَعه في بيت المال، أفترى أحقيتهم سقطت بإنكار عليًّ، ولا يمكن سقوطها إلَّا إذا أديرت الأحقية على الاحتياج، وأما إذا أخذت أحقيتهم به مطلقًا فلا يمكن بعده توجيه فعل عمر ولا علي - ﵄ -.\n٢٩٨٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن نمير، نا هاشم بن البريد) بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها تحتانية، أبو علي الكوفي، عن أحمد: لا بأس به، وعن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة إلَّا أنه يترفض، وقال الجوزجاني: كان غاليًا في سوء مذهبه، وقال الدارقطني: مأمون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا حسين بن ميمون) الخِنْدِفي بكسر الخاء المعجمة وسكون النون بعدها دال مهملة مكسورة ثم فاء، قال ابن المديني: ليس بمعروف قلّ من روى عنه،","vol":"10","page":173},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: \"اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالْعَبَّاسُ وَفَاطِمَةُ وَزيدُ بْنُ حَارِثَةَ عِنْدَ النَّبِي - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُوَلِّيَنِي حَقَّنَا مِنْ هَذَا الْخُمُسِ فِي كِتَاب اللَّهِ ﷿ فَأَقْسِمَهُ (١) حَيَاتَكَ كَيْلَا يُنَازِعُنِي أَحَدٌ بَعْدَكَ، فَافْعَلْ، قَاَلَ: فَفَعَلَ ذَلِكَ.\nقَالَ: فَقَسَمْتُهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ وَلَّانِيهِ (٢) أَبُو بَكْرٍ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ آخِرُ سَنَةٍ مِنْ سِنِي (٣) عُمَرَ فَإِنَّهُ أَتَاهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَعَزَلَ حَقَّنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: بِنَا عَنْهُ الْعَامَ غِنًى، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ\n===\nوقال أبو زرعة: شيخ، وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، قلت: وقال البخاري: لا يتابع عليه، ذكر ذلك في التاريخ\" (٤)، وذكره في \"الضعفاء\".\n(عن عبد الله بن عبد الله) الرازي، قاضي الرَّي، (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عليًّا يقول: اجتمعتُ أنا والعباسُ وفاطمةُ وزيدُ بنُ حارثة عند النبيِّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، إن رأيتَ أن تُوَلِّيَنِي حقَّنا من هذا الخُمُس في كتاب الله ﷿ فأقسمه) بصيغة المتكلم (حياتَك) أي في حياتك (كيلا ينازعني أحد بعدك فافعَلْ، قال) أي علي: (فَفَعَلَ) أي رسول الله - ﷺ - (ذلك) أي ولاني قسمةَ الخُمُس بين مستحقيه.\n(قال) أي علي: (فقسمتُه حياةَ رسول الله - ﷺ -، ثم ولّانيه أبو بكر) فقسمتُه كذلك (حتى إذا كانت آخر سنة من سِنِيْ عمر فإنه أتاه مال كثير، فَعَزَلَ حقَّنا، ثُمَّ أَرْسلَ إليَّ) أي دعاني للقسمة (فقلت: بنا عَنْهُ العامَ غِنًى، وبالمسلمين إليه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ولَّاني\".\n(٣) في نسخة: \"سنين\".\n(٤) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٨٥).","vol":"10","page":174},{"text":"حَاجَةٌ، فَارْدُدْهُ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَدْعُنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ بَعْدَ عُمَرَ.\nفَلَقِيتُ الْعَبَّاسَ بَعْدَ مَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! حَرَّمْتَنَا الْغَدَاةَ شَيْئًا لَا يُرَدُّ عَلَيْنَا أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا دَاهِيًا\". [ق ٦/ ٣٤٣، ش ٣٣٤٤٩]\n٢٩٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، نَا يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ\n===\nحاجةٌ، فَارْدُدْه عليهم، فردّه عليهم، ثم لم يَدْعُني إليه أحدٌ بعد عمر، فلقيت العباس بعد ما خرجتُ من عند عمر) فذكرت له القصة (فقال) أي العباس: (يا علي حَرَّمْتَنَا الغداةَ) أي جعلتنا اليوم محرومين (شيئًا لا يُرَدُّ علينا أبدًا، وكان رجلًا داهِيًا) أي فطنًا ذا رأي في الأمور.\nقال في \"نصب الراية\" (١): قال المنذري: وحسين بن ميمون، قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه وليس بالقوي، وقال ابن عدي، ليس بمعروف، وذكر له البخاري في \"تاريخه\" (٢) هذا الحديث، وقال: لم يتابع عليه، قال المنذري (٣): وفي حديث جبير بن مطعم أن أبا بكر لم يقسم لذوي القربى، وفي حديث علي أنه قسم لهم، وحديث جبير صحيح، وحديث علي لا يصح.\n٢٩٨٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، نا يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب) بن هاشم، صحابي سكن الشام، وقال أبو القاسم الطبراني: الصواب في اسمه المطلب (أخبره أن أباه\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٤٢٨).\n(٢) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٨٥).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٢٢١).","vol":"10","page":175},{"text":"رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ وَعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِب قَالَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْن رَبِيعَةَ وَللْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: ائْتِيَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُولَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغْنَا مِنَ السِّنِّ مَا تَرَى وَأَحْبَبْنَا أَنْ نَتَزَوَّجَ، وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبَوَيْنَا مَا يُصْدِقَانِ عَنَّا، فَاسْتَعْمِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَلْنُؤَدِّ إِلَيْكَ مَا يُؤَدِّي الْعُمَّالُ، وَلْنُصِبْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَرْفَقٍ.\nقَالَ: فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَ لَنَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لا وَاللَّهِ (١) لَا يَسْتَعْمِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ: هَذَا مِنْ أَمْرِكَ،\n===\nربيعة بن الحارث) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم النبي - ﷺ - (وعباس بن عبد المطلب قالا) أي ربيعة بن الحارث وعباس بن عبد المطلب العبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن عباس: ائتيا رسولَ الله - ﷺ - فقولا له: يا رسول الله، قد بَلَغْنا من السنِّ ما ترى) أي بَلَغْنا مبلغَ الرجال وبَلَغْنا النكاح (وَأَحْبَبْنَا أن نتزوَّج، وأنت يا رسول الله أبرُّ الناس وأوصلُهم) أي للرحم (وليس عند أبوَيْنا ما يُصْدِقان عَنّا) أي يؤديان المهر عَنّا إذا تزوَّجْنا (فاستَعْمِلْنا) أي اجعلنا عاملين (يا رسولَ الله على الصدقاتِ، فَلْنُوءَدِّ إليك) أي من مالِ الصدقات مثل (ما يُوءَدِّي العُمَّالُ) أي إليك (وَلْنُصِبْ) أي نحصل (ما كان فيها) أي في الصدقات (من مَرْفَقٍ) وهي العُمالة.\n(قال) أي عبد المطلب بن ربيعة: (فأتى إلينا عليُّ بنُ أبي طالب ونحن) الواو للحال (على تلك الحال) أي يتكلم أَبوَانَا في أمرنا (فقال) أي عليٌّ (لنا: إن رسولَ الله - ﷺ - لا) أي لا تفعلوا (والله لا يَسْتَعْمِلُ) أي لا يجعل عاملًا (أحدًا منكم على الصدقة، فقال له ربيعة: هذا من أمرك) يحتمل أن يكون بتقدير حرف\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: لا والله لا نستعمل منكم أحدًا\".","vol":"10","page":176},{"text":"قَدْ نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمْ نَحْسُدْكَ عَلَيْهِ، فَأَلْقَى عَلِيٌّ رِدَاءَهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا أَبُو حَسَنٍ (١) الْقَرْمُ، وَاللَّهِ لَا أَرِيمُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْكُمَا ابْنَاكُمَا (٢) بِحَوْرٍ (٣) مَا بَعَثْتُمَا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -.\nقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ حَتَّى نُوَافِقَ صَلَاةَ الظُّهْرِ قَدْ قَامَتْ، فَصلَّيْنَا مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ أَسْرَعْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ إِلَى بَابِ حُجْرَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - وهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زينَبَ بنْتِ جَحْشٍ، فَقُمْنَا بِالْبَاب (٤) حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَخَذَ بِأُذُنِي وَأُذُنِ الْفَضْلِ\n===\nالاستفهام للإنكار، ويحتمل التحقيق، أي هذا من حسدك، كما يؤيده حديث الطبراني (٥)، ويؤيده لفظ \"مسلم\": \"فقال: والله ما تَصْنَعُ هذا إلَّا نَفَاسَةً منك علينا\" (قَدْ نِلْتَ صِهْرَ رسولِ الله - ﷺ -) أي صِرتَ خَتَنَه (فلم نَحْسُدْك عليه، فَأَلْقَى عليٌّ رداءَه، ثم اضطجعَ عليه، فقال) أي عليٌّ: (أنا أبو حَسَنٍ القَرْمُ) وهو في الأصل فحل الإبل، ومنه قيل للرئيس: قرم، والمراد أنه مقدم في الرأي، والمعرفة، وتجارب الأمور، فهو فيهم بمنزلة القَرْم من الإبل (والله لا أَرِيْمُ) أي لا أبرحُ من هذا المحل (حتى يَرْجِعَ إليكُما ابناكما بِحَوْرٍ) أي بجواب (ما بَعَثْتُما به إلى النبي - ﷺ -) لئلا تظنوا بي أني تكلمت في أمركما رسولَ الله - ﷺ - على خلاف ما بعثتما.\n(قال عبد المطلب: فانطلقت أنا والفضل حتى نُوافِقَ) أي وافقنا رسولَ الله - ﷺ - (صلاةَ الظهر قد قامت، فَصَلَّيْنَا مع الناس، ثم أسرعتُ أنا والفضل إلى باب حُجْرَةِ النبيِّ - ﷺ -، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش) أي يوم نَوْبتها (فقمنا بالباب حتى أتَى رسولُ الله - ﷺ -، فَأَخَذَ بأُذُني وأُذُن الْفَضْلِ) أي شفقةً ورحمةً.\n_________\n(١) في نسخة: \"أبو حسين\".\n(٢) في نسخة: \"أبناؤكما\".\n(٣) في نسخة بدله: \"بجواب\".\n(٤) في نسخة: \"عند الباب\".\n(٥) \"المعجم الكبير\" (٥/ ٥٤) رقم (٤٥٦٦).","vol":"10","page":177},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ\"، ثُمَّ دَخَلَ فَأَذِنَ لِي وَللْفَضْلِ فَدَخَلْنَا فَتَوَاكَلْنَا الْكَلَامَ قَلِيلًا، ثمَّ كَلَّمْتُهُ أَو كَلَّمَهُ الْفَضْلُ - قَدْ شَكَّ في ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ -، قَالَ: كَلَّمَهُ بِالَّذِي أَمَرَنَا بِهِ أَبَوَانَا.\nفَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَاعَةً وَرَفَعَ بَصَرَهُ قِبَلَ سَقْفِ الْبَيْتِ حَتَّى طَالَ عَلَيْنَا أَنَّهُ لَا يُرْجِعُ إِلَيْنَا شَيْئًا، حَتَّى رَأَيْنَا زينَبَ تُلَمِّعُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَاب بِيَدِهَا، تُرِيدُ أَنْ لَا تَعْجَلَا (١) وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - في أَمْرِنَا، ثُمَّ خَفَّضَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ - رَأْسَهُ، فَقَالَ لَنَا: \"إِنَّ هَذ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لآلِ مُحَمَّدٍ،\n===\n(ثم قال: أَخْرِجَا ما تُصَرِّرَانِ) أي أظْهِرَا ما تجمعان وتكتمان في صدورِكما (ثمَّ دَخَلَ) أي الحجرة (فَأَذِنَ لي وللْفَضْلِ) أي بالدخول (فَدَخَلْنا) عليه (فَتَوَاكَلْنَا الكلامَ) قال في \"المجمع\": أي اتكل كل واحد منهما على الآخر، انتهى، أي أراد كلُّ واحد منا أن يبدأ الآخر الكلام (قليلًا) أي زمانًا قليلًا (ثم كلَّمْته أو كَلَّمه الفضلُ، قد شك في ذلك عبد الله) وهذا قول الزهري (قال) أي عبد المطلب بن ربيعة كلّمتُه أو (كلّمه) الفضل (بالذي) أي بالكلام الذي (أمرنا به أبوانا).\n(فسكت رسول الله - ﷺ - ساعة ورفع بصرَه قِبَلَ سَقْفِ البيت حتى طال علينا) وظَنَنَّا (أنه) أي رسول الله - ﷺ - (لا يُرْجِعُ إلينا شيئًا) أي من الجواب (حتى رَأَيْنَا زينبَ) أم المؤمنين (تُلَمِّعُ) أي تشير (من وراء الحجاب بيدِها، تريد) أي بإشارتها (أن لا تَعْجَلَا وإن رسول الله - ﷺ -) مشغول (في أمرنا، ثم خَفَّضَ رسولُ الله - ﷺ - رأسَه، فقال لنا: إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تَحِلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ) والمراد لبني هاشم.\n_________\n(١) في نسخة: \"نعجل أو\".","vol":"10","page":178},{"text":"ادْعُوَا (١) لِي نَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ\"، فَدُعِيَ لَهُ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَالَ: \"يَا نَوْفَلُ، أَنْكِحْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ\" (٢)، فَأَنْكَحَنِي نَوْفَلُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"ادْعُوا لي مَحْمِيَّةَ بْنَ جَزْءٍ\"، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَني زُبَيْدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الأَخْمَاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِمَحْمِيَّةَ: \"أَنكِحِ الْفَضْلَ\" فَأَنْكَحَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"قُمْ فَأَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا\" لَمْ يُسَمِّه لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ. [م ١٠٧٢، ن ٢٦٠٩، حم ٤/ ١٦٦، خزيمة ٢٣٤٢]\n===\n(اُدْعُوَا لي نوفلَ بنَ الحارث) بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، أُسِرَ يومَ بدر كافرًا، وفداه عمُّه العباس، وشهد فتح مكة، وحنينًا، والطائف (فَدُعِيَ له نوفلُ بن الحارث، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (يا نوفل، أنكِحْ عبدَ المطلب) أي ابنتك (فَأَنْكَحَنِي نوفل، ثم قال النبي - ﷺ -: اُدْعُوا لي مَحْمِيِّةَ بنَ جَزْء) بن عبد يغوث الزبيدي، وكان صحابيًّا قديم الإِسلام (وهو رجل من بني زبيد) بضم الزاي وفتح الباء المنقوطة بواحدة بعدها ياء معجمة بنقطتين من تحتها وفي آخرها دال مهملة، وفي رواية لمسلم: \"وهو رجل من بني أسد\"، قال النووي (٣): قال القاضي: كذا وقع، والمحفوظ أنه من بني زبيد لا من بني أسدٍ.\n(كان رسول الله - ﷺ - استعمله على الأخماس، فقال رسول الله - ﷺ - لمحميَّةَ: أَنْكِحِ الفضلَ) أي ابنتك (فَأَنْكَحَه، ثم قال رسول الله - ﷺ -) لمحميَّةَ: (قُمْ فَأَصْدِقْ) أي أَعْطِ الصداقَ (عنهما) أي عن عبد المطلب بن ربيعة والفضل بن عباس زوجتيهما (من الخُمُس كذا وكذا) قال الزهري: (لم يُسَمِّه) أي الصداق (لي عبدُ الله بن الحارث).\n_________\n(١) في نسخة: \"ادعُوْا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن ربيعة\".\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ١٩٣).","vol":"10","page":179},{"text":"٢٩٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَني عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيًّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ قَالَ: \"كَانَ (١) لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ،\n===\n٢٩٨٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة بن خالد، نا يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عليُّ بنُ حسين) زين العابدين، (أن حسين بن علي) بن أبي طالب، (أخبره أن عليَّ بنَ أبي طالب قال: كان لي شَارِفٌ) أي ناقةٌ مُسِنَةٌ (من نصيبي من المغنم يوم بَدْرٍ، وكان رسولُ الله - ﷺ - أعطاني شارفًا) أي ناقةً مُسِنَّةً (من الْخُمُسِ يومئذٍ) أي يوم بدرٍ.\nقال الحافظ (٢): قال ابن بطال: ظاهره أن الخمس شرع يوم بدر، ولم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن (٣) يوم بدر، وقد ذكر إسماعيل القاضي في غزوة بني قريظة قال: قيل: إنه أول يوم فرض فيه الخمس، قال: وقيل: نزل بعد ذلك، قال: ولم يأت ما فيه بيانٌ شافٍ، وإنما جاء صريحًا في غنائم حنين، قال ابن بطال: وإذا كان كذلك فيحتاج قول علي - ﵁ - إلى تأويل، ثم حكى الحافظ تأويله، ثم ردَّ ذلك التأويل.\nثم قال: إن الأنفال التي فيها التصريح بفرض الخمس نزل غالبها (٤) في قصة بدر، وقد جزم الداودي الشارح بأن آية الخمس نزلت يوم بدر، وقال السبكي: نزلت الأنفال في بدر وغنائمها.\n_________\n(١) في نسخة: \"كانت\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩٩).\n(٣) وبه جزم العيني وأوله بأن المراد الخمس الذي عزله في سرية عبد الله بن جحش قبل بدر [انظر: \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٢٠)]. (ش).\n(٤) في الأصل: \"غالبًا\"، وهو تحريف، والتصويب من \"الفتح\".","vol":"10","page":180},{"text":"فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِي بفَاطِمَةَ بِنْتِ (١) رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - واعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِي بِإِذْخِرَ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ فَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي.\nفَبَيْنَا أنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنَ الأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ، وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ\n===\n(فلما أَرَدْتُ أَن أَبْتَنِي بفاطمةَ بنتِ رسولِ الله - ﷺ -) أي أدخل بها، والبناء الدخول بالزوجة، وأصله أنهم كانوا من أراد ذلك بُنيتْ له قبة فخلا فيها بأهله.\nواختلف في وقت دخول علي بفاطمة، وهذا الحديث يشعر بأنه كان عقب وقعة بدر، ولعله كان في شوال سنة اثنتين، فإن وقعة بدر كان في رمضان منها، وقيل: تزوجها في السنة الأولى، ونقل ابن الجوزي أنه كان في صفر سنة اثنتين، وقيل: في رجب، وقيل: في ذي الحجة، وقيل: تأخر دخوله بها إلى سنة ثلاث، وفيه بُعد.\n(وَاعَدْتُ رجلًا صَوّاغًا) قال الحافظ (٢): لم أقف على اسمه (من بني قينقاع) قبيلة من اليهود (أن يرتحلَ معي فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرَ، أردت أن أبيعَه من الصوّاغين فأستعين به) أي بما يَحْصَلُ من بيع الإذخر (في وليمة عرسي) بكسر العين المهملة وسكون الراء، أي في وليمة زوجتي، أو بالضم وبضمتين وهو النكاح، قال في القاموس: والعِرس بالكسر: امرأة الرجل، وبالضم وبضمتين: النكاح.\n(فبينا أنا أجمع لشارفَيَّ) بفتح الفاء، صيغة التثنية، مضافة إلى ياء المتكلم (متاعًا من الأقتاب) جمع قتب، وهو الرحل الصغير، وهو للجمل كالإكاف لغيره (والغرائر) جمع غِرارة بكسر غين معجمة ورائين، وهي الجوالق للتبن وغيره (والحبال) بكسر الحاء المهملة جمع حبل (وشَارِفايَ مناخان) وفي رواية\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنة\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠٠).","vol":"10","page":181},{"text":"إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ، أَقْبَلْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فَإِذَا بِشَارِفَيَّ قَدِ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا، وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ، فَقُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قَالُوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ في شَرْبٍ مِنَ الأَنْصَارِ، غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا:\nأَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ (١) النِّواء\n===\nالأكثر: مناختان، فالتذكير باعتبار لفظ الشارف، والتأنيث باعتبار كونهما ناقتين (إلى جنب حجرة رجل من الأنصار) لم أقف على اسمه.\n(أَقْبَلْتُ حين جَمَعْتُ ما جَمَعْتُ) أي من الأقتاب والغرائر والحبال (فإذا) أي فإذا أنا ملاقٍ (بشَارِفيَّ قد اجْتُبَّتْ) أي قطعت (أسنمتُهما) جمع سِنام (وبُقِرَتْ) أي شقّت (خواصرُهما) جمع خاصرة (وأُخِذ من أكبادِهما، فلم أملك عَيْنَيَّ حين رأيتُ ذلك المنظر) أي رأيت منظرًا أفزعني، فجرى دمعي وبكيت، وإنما غلبه البكاء لظنه تأخّر الابتناء بزوجته بسبب فوات ما يستعان به عليه، أو لخشية أن ينسب في حقها التقصير، لا لمجرد فوات الناقتين من حيث أنهما من متاع.\n(فقلت: من فعل هذا؟ قالوا: فَعَلَه حمزةُ بنُ عبد المطلب، وهو) أي حمزة (في هذا البيت في شَرْبٍ) أي جماعة شاربي الخمر (من الأنصار) وهي إذ ذاك لم تحرم (غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ) أي أمة مغنية (وأصحابَه) عطف على الضمير المنصوب (فقالت في غنائها):\n(أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ).\nحمز مُرَخَّم حمزة، والشُّرُف بضمتين جمع شارف، وهي المسنة من النوق، والنوَاء بالكسر والمد: السِّمَان، جمع ناوية، وتمامه: \"وَهُنَّ مُعَقَّلاتٌ\n_________\n(١) في نسخة: \"ذا الشرف\".","vol":"10","page":182},{"text":"فَوَثَبَ إِلَى السَّيْفِ فَاجْتَبَّ (١) أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، فَأَخَذَ (٢) مِنْ أَكْبَادِهِمَا.\nقَالَ عَلِيٌّ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَعِنْدَهُ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ (٣)، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا لَكَ؟ \"، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْتُ\n===\nبِالْفَنَاءِ\" (٤)، حكى المرزباني في \"معجم الشعراء\" (٥) أن هذا الشعر لعبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي المدني، وبقيته:\nضع السكين في اللَّبَّات منها ... وضَرِّجْهُنَّ حمزةُ بالدماء\nوعَجِّلْ من أطايبها لشَرْبٍ ... قديدًا من طبيخ أو شواء\n(فوثب) أي قام حمزة مسرعًا (إلي السيف فَاجْتَبَّ) أي قطع (أَسْنِمَتَهُمَا وبَقَرَ) أي شَق (خواصرَهُما، فأخذ من أكبادِهما) ولعله ذبحهما أولًا، ثم فعل ما فعل.\nقال الحافظ (٦): وفي الحديث حل تذكية الغاصب؛ لأن الظاهر أنه ما بَقَر خواصرَهما وجبّ أسنمتهما إلَّا بعد التذكية المعتبرة، ويمكن أن يكون فعله هذا في غلبة السكر، ولم يثبت في حديث أنهم أكلوا ذلك، ولو أكلوا فيمكن أن يكون أكلهم في حالة السكر.\n(قال علي: فانطلقتُ حتى أدخلَ) أي دخلتُ (على رسولِ الله - ﷺ - وعنده زيدُ بنُ حارثة، فعرف رسول الله - ﷺ - الذي لقيتُ) مما عدا حمزة على ناقَتَيَّ (فقال رسولُ الله - ﷺ -: ما لك؟ قال) علي: (فقلتُ: يا رسولَ الله، ما رأيتُ\n_________\n(١) في نسخة: \"فَأجَبَّ\".\n(٢) في نسخة: \"وأخذ\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٤) في الأصل: \"بالفضاء\"، وهو تحريف.\n(٥) في الأصل: \"مجمع الشعراء\"، وهو تحريف، والتصحيح من \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠١).\n(٦) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠٢).","vol":"10","page":183},{"text":"كَالْيَوْمِ، عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ، فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتِ وَمَعَهُ شَرْبٌ.\nفَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - برِدَائِهِ فَارْتَدَاهُ (١)، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ (٢) الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمْزَةُ ثَمِلٌ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ (٣)، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لأَبِي؟\n===\nكاليومِ) في الشدة عليَّ (عدا حمزةُ على ناقَتَيَّ، فاجْتَبَّ أسنِمَتَهما، وبَقَرَ خواصرَهما، وها) حرف تنبيه (هو ذا في بيت ومعه شَرْبٌ).\n(فدعا رسولُ الله - ﷺ - بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي واتبعتُه أنا وزيدُ بنُ حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فَأُذِنَ له، فإذا هم شَرْبٌ، فطفق) أي شرع (رسول الله - ﷺ - يَلُوْمُ حمزةَ فِيما فَعَلَ) وفي رواية ابن جريج: \"فدخل على حمزة فتغيظ عليه\" (فإذا حمزة ثَمِلٌ) أي سكران، قال في \"القاموس\": الثَّمَلُ محركةً: السكر، ثَمِلَ كَفَرِحَ فهو ثَمِلٌ (مُحْمَرَّةٌ عيناه) من شدة السكر.\n(فنظر حمزة إلى رسول الله - ﷺ -) أي إلى رجليه (ثم صَعَّدَ) أي رفع (النظرَ فنظر إلى ركبتيه، ثم صَعَّد النظرَ فَنَظَرَ إلى سرته، ثم صَعَّدَ النظرَ فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟) قيل: أراد (٤) أن أباه عبد المطلب جد\n_________\n(١) في نسخة: \"فارتدى به\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إلى\".\n(٣) في نسخة بدله: \"ركبته\".\n(٤) وبحث القاضي عياض في \"الشفاء\" (٢/ ٩٧٣ - ٩٧٤) أن من قال في حقه شيئًا غير قاصد للسب كالسكران يقل أيضًا، ثم قال: ولا يعترض على هذا بحديث حمزة هذا، لأن الخمر كانت حينئذِ غير محرَّمة، فلم يكن في جناياتها إثم، واقتصر القاري في \"شرحه\" على هذا الجواب. (ش).","vol":"10","page":184},{"text":"فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أنَّهُ ثَمِلَ (١) فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى عَقِبَيْهِ (٢) الْقَهْقَرَى، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا (٣) مَعَهُ\". [خ ٣٠٩١، م ١٩٧٩]\n٢٩٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عُقْبَةَ الْحَضْرَمِيُّ، عن الْفَضْلِ بْنِ الْحَسَنِ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أُمَّ الْحَكَمِ أَوْ ضُبَاعَةَ ابْنَتَي الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ\n===\nالنبي - ﷺ - ولعليٍّ أيضًا، والجد يُدعى سيدًا، وحاصله أن حمزة أراد الافتخار عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب منهم.\n(فعرف رسول الله - ﷺ - أنه ثَمِلَ فَنَكَصَ رسولُ الله - ﷺ - على عَقِبَيْه القَهْقَرَى) خشية أن يزداد غضبه فينتقل من القول إلى الفعل، قال الحافظ (٤): روى ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش أن النبي - ﷺ - أغرم حمزة ثمن الناقتين (فَخَرَجَ وخَرَجْنَا معه).\n٢٩٨٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، حدثني عياش بن عقبة) بن كليب (الحضرمي) أبو عقبة المصري، يقال: إنه عم عبد الله بن لهيعة، قال الدارقطني: والمصريون ينكرون ذلك، قال النسائي والدارقطني: ليس به بأس، وقال النسائي في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن الفضل بن الحسن) بن عمرو بن أمية (الضمري) المدني، نزيل مصر، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الذكر بعد الصلاة، قلت: قال العجلي: مصري تابعي ثقة.\n(أن أم الحكم أو) للشك من الراوي (ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب) قال في \"التقريب\": أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية، ويقال:\n_________\n(١) في نسخة: \"قد ثَمِلَ\".\n(٢) في نسخة: \"عقبه\".\n(٣) في نسخة: \"فخرجنا\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠٢).","vol":"10","page":185},{"text":"حَدَّثَتْهُ (١) عَنْ إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَبْيًا، فَذَهَبْتُ أَنَا وَأُخْتِي وَفَاطِمَةُ بِنْتُ (٢) رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَسَأَلْنَاهُ أَنْ يَأَمُرَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنَ السَّبْيِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"سَبَقَكُنَّ يَتَامَى بَدْرٍ،\n===\nأم حكيم، يقال: اسمها صفية، وقيل: هي عاتكة، وقيل: هي ضباعة المتقدمة، صحابية لها حديث، وضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي - ﷺ - لها صحبة، فأم الحكم على القولين الأولين هي أخت ضباعة، فالاختلاف على هذين القولين اختلاف وشك في أن راوية الحديث أم الحكم أو ضباعة، وإليه يشير قول المصنف: \"ابنتي الزبير\" بصيغة التثنية، وأما على القول الثالث بأن تكون أم الحكم هي ضباعة فليس الشك إلَّا في اسمها.\n(حدثته عن إحداهما) فما قال صاحب \"العون\" (٣) في شرح قوله: \"أن أم الحكم أو ضباعة إلى آخره\": شك من الراوي في أن أم الحكم بنت الزبير حدثت الفضلَ بنَ الحسن، عن ضباعة بنت الزبير أو أن ضباعة حدثته عن أم الحكم، غلطٌ محضٌ، فإن إحداهما ليس لها رواية عن الأخرى، ولا يثبت في موضع أن إحداهما روت عن الأخرى.\n(أنها قالت: أصاب رسول الله - ﷺ - سَبْيًا، فذهبت أنا وأختي) لم أقف على تعيينها (وفاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، فشكونا إليه ما نحن فيه) من المحن والمشاقِّ في خدمة البيت (وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السَّبْي) ليَكْفِيْنا المؤنة (فقال رسول الله - ﷺ - سبقكُنَّ يتامى بدرٍ) وهذا إما باعتبار الاستحقاق بأنّ استحقاقَ يتامى بدر سبقكُنّ فيعطون، أو باعتبار الإعطاء بأن يتامى بدر أعطوا قبلكن، فلم يبق لكُنَّ من السبي ما تعطين.\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثه\". قلت: هذه النسخة أصح، والمقصود أن الفضل حدّث عياشًا عن إحداهما أي أم الحكم أو ضباعة. والله أعلم.\n(٢) في نسخة: \"ابنة\".\n(٣) \"عون المعبود\" (٨/ ١٤٨).","vol":"10","page":186},{"text":"وَلَكِنْ سَأَدُلُّكُنَّ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُنَّ مِنْ ذَلِكَ: تُكَبِّرْنَ اللَّه عَلَى إِثْرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبيرَةً، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ\".\nقَالَ عَيَّاشٌ: وَهُمَا ابْنَتَا عَمِّ النَّبِيِّ - ﷺ -.\n٢٩٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، عن سَعِيدٍ - يَعْنِي الْجُرَيرِيَّ -، عن أَبِي الْوَرْدِ،\n===\n(ولكن سأدلّكنّ على ما هو خير لكنّ من ذلك) أي من النبي (تُكَبِّرْنَ الله على إثر) بكسر فسكون، ويجوز فتحها، أي عقب (كل صلاة ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، وثلاثًا وثلاثين تسبيحة، وثلاثًا وثلاثين تحميدة، ولا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) (١) مرة واحدة.\n(قال عياش) بن عقبة: (وهما) أي أم الحكم وضباعة (ابنتا عم النبي - ﷺ -) لأنهما بنتا الزبير بن عبد المطلب، ورسول الله - ﷺ - ابن عبد الله بن عبد المطلب.\n٢٩٨٨ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا عبد الأعلى، عن سعيد - يعني الجريري -، عن أبي الوَرْد) بن ثمامة بن حزن، القشيري البصري، روى عنه أبو مسعود سعيد بن إياس الجريري، قال الدارقطني: ما حدث عنه غيره كذا قال، وقد حدث عنه أيضًا شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبي، وقال ابن سعد: وكان معروفًا قليل الحديث، قلت: وقد تقدم في ترجمة أبي محمد الحضرمي ما يدل على أن أبا الورد روى عنه راوٍ يسمى عبد الله بن ربيعة\n_________\n(١) قال الكرماني: فإن قلت: لا شك أن للتسبيح ونحوه ثوابًا عظيمًا، لكن كيف يكون خيرًا بالنسبة إلى مطلوبها، وهو الاستخدام؟ قلت: لعل الله يعطي المُسَبِّح قوة يقدر على الخدمة أكثر مما يقدر الخادم عليه، أو يسهل الأمور عليه بحيث يكون فعل ذلك بنفسه أسهل عليه من أمر الخادم بذلك، أو يقع التسبيح بالآخرة موقع خادم بالآخرة، والآخرة خير وأبقى. انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٢٧).","vol":"10","page":187},{"text":"عن ابْنِ أَعْبُدَ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: أَلَا أُحَدِّثُكَ عَنِّي وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ (١) رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَانَتْ\n===\nأو عبد ربه بن ربيعة، لكن قال فيه: عن أبي الورد بن أبي بردة، وهو وهم، فإن الحديث واحد.\n(عن ابن أَعْبُدَ) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا بالعين المهملة والباء الموحدة، وقال ابن الأثير في \"جامع الأصول\" (٢): هكذا جاء في حديث علي - ﵁ - في \"كتاب الصحبة\"؛ قال له: \"ألا أحدثك عني وعن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -\" أَعْبُد بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وضم الباء الموحدة.\nوقال في \"الخلاصة\" (٣): علي بن أغيد - بإسكان المعجمة وفتح التحتانية - عن علي، وعنه ثمامة أبو الورد.\nوقال في \"الميزان\" (٤): ابن أعبد عن علي - ﵁ - قال ابن المديني: لا يعرف، قلت: اسمه علي بن التيمة الليثي (٥)، روى له أبو داود والنسائي في مسند علي هذا الحديث ولم يسمياه.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٦): قلت: له حديث آخر في \"مسند أحمد\" في زيادة ابنه عبد الله في شكر الطعام، ولم أعرف من سماه عليًّا.\nقلت: وما قال في \"الخلاصة\": وعنه ثمامة أبو الورد، يعلم منه أن أبا الورد اسمه ثمامة، ولم أَرَ هذا لغيره، بل قالوا: إن اسم أبيه ثمامة، والله تعالى أعلم.\n(قال: قال لي علي) - ﵁ -: (ألا أُحَدِّثُك عني وعن فاطمة) - ﵂ - (بنتِ رسولِ الله - ﷺ -، وكانت) أي فاطمة\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنة\".\n(٢) \"رجال جامع الأصول\" (١٣/ ١٢٦).\n(٣) \"الخلاصة\" (ص ٢٧١).\n(٤) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٩٠).\n(٥) وفي \"الميزان\": علي الليثي.\n(٦) (٧/ ٢٨٣).","vol":"10","page":188},{"text":"مِنْ أَحَبِّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ؟ قُلْتُ: بَلَى.\nقَالَ: إِنَّهَا جَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَ فِي يَدِهَا، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَ في نَحْرِهَا، وَكَنَسَتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - خَدَمٌ، فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِهِ (١) خَادِمًا، فَأَتَتْهُ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ حُدَّاثًا، فَرَجَعَتْ، فَأَتَاهَا مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: \"مَا كَانَ (٢) حَاجَتُكِ؟ \"، فَسَكَتَتْ، فَقُلْتُ: أَنَا أُحَدِّثُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ (٣) فِي يَدِهَا، وَحَمَلَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا، فَلَمَّا أَنْ جَاءَكَ الْخَدَمُ أَمَرْتُهَا أَنْ تَأْتِيَكَ فَتَسْتَخْدِمَكَ خَادِمًا\n===\n(من أحبِّ أهلِه إليه؟) أي إلى رسولِ الله - ﷺ - (قلت: بلى) أي حَدِّثْنِي.\n(قال) علي: (إنها جَرَّتْ بالرَّحَى) أي أدَارَتِ الرَّحَى (حتى أَثَّر) أي الجر (في يدها، واستَقَتْ بالقِرْبَة) أي جاءت بماءٍ في القِربة حاملة لها (حتى أَثَّر في نَحرِها) أي صدرها (وكنَسَتِ البيتَ حتى اغْبَرَّتْ ثيابُها، فأتى النبيَّ - ﷺ -) مفعول لأَتَى (خَدَمٌ) أي سَبْيٌ، فاعله.\n(فقلت: لو أتيتِ أباكِ فسألته خادمًا فأتته، فوجدت عنده حُدَّاثًا) أي رجالًا يتحدثون فلم تكلمه حياء من الناس (فَرَجَعَتْ) إلى بيتها (فأتاها) أي رسول الله - ﷺ - فاطمة (من الغد، فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما كان حَاجَتُكِ؟ فَسَكَتَتْ) من الحياء.\n(فقلت: أنا أُحَدِّثُك يا رسول الله) بحاجتها التي ذهبت بها إليك (جَرَّتْ بالرَّحَى حتى أَثَّرَتْ في يدها، وحَمَلَتْ بالقربة حتى أَثَّرَتْ في نحرها، فلما أن جاءك الخَدَمُ أَمَرْتُها أن تَأْتِيَكَ فَتَسْتَخْدِمَك) أي تطلب منك (خادمًا) يطلق على\n_________\n(١) في نسخة: \"فسألتيه\".\n(٢) في نسخة: \"كانت\".\n(٣) في نسخة: \"أَثر\".","vol":"10","page":189},{"text":"يَقِيهَا (١) حَرَّ مَا هِي فِيهِ. قَالَ: \"اتَّقِي اللَّهَ يَا فَاطِمَةُ، وَأَدِّي فَرِيضَةَ رَبِّكِ، وَاعْمَلِي عَمَلَ أَهْلِكِ، فَإِذَا (٢) أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ، فَسَبِّحِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرِي أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ مِئَةٌ فَهِيَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ\"، قَالَتْ: رَضِيت عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ (٣). [خ ٦٣١٨، م ٢٧٢٧]\n===\nالجارية والغلام (يَقِيها) أي يحفظها (حَرَّ) أي شدة (ما هي فيه) من الكلفة في خدمة البيت.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (اتَّقِي الله يا فاطمة، وأَدِّي فريضةَ ربِّك، واعمَلي عَمَلَ أهلِك، فإذا أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ، فَسَبِّحِي ثلاثًا وثلاثين، واحْمَدِي ثلاثًا وثلاثين، وكَبِّرِي أربعًا وثلاثين، فتلك مائة فَهِيَ خيرٌ لك من خادم، قالت: رضيت عن الله وعن رسوله).\nقال أبو جعفر الطحاوي (٤): ذهب قوم إلى أن ذوي قرابة رسول الله - ﷺ - لا سهم لهم من الخمس معلوم، ولا حظ لهم منه خلاف حظ غيرهم، وإنما جعل الله لهم ما جعل من ذلك بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٥)، وبقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٦) بحال فقرهم وحاجتهم، فأدخلهم مع الفقراء والمساكين، فكما (٧) يخرج الفقير واليتيم والمسكين من ذلك، لخروجهم من المعنى الذي به استحقوا ما استحقوا من ذلك، فكذلك ذوو قرابة رسول الله - ﷺ - المضمومون معهم، إنما كانوا ضموا معهم لفقرهم، فإذا استغنوا خرجوا من ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"تقيها\".\n(٢) في نسخة: \"وإذا\".\n(٣) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٤) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٥) سورة الأنفال: الآية ٤١.\n(٦) سورة الحشر: الآية ٧.\n(٧) في الأصل: \"فكان\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":190},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقالوا: لو كان لقرابة رسول الله - ﷺ - في ذلك حظ لكانت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - منهم، إذ كانت أقربهم إليه نسبًا، وأمسهم به رحمًا، فلم يجعل لها حظًّا في السَّبْي الذي ذكرنا، ولم يُخدِمْها منه خادمًا، ولكنه وَكَلَها إلى ذكر الله ﷿، لأن ما تأخذ من ذلك، إنما حكمها فيه حكم المساكين فيما تأخذ من الصدقة، فرأى أن تَرْكَها ذلك والإقبالَ على ذكر الله ﷿ وتسبيحه وتهليله خيرٌ لها من ذلك وأفضل.\nوقد قَسَمَ أبو بكر وعمر - ﵄ - بعد وفاة رسولِ الله - ﷺ - جميع الخُمُسِ، فلم يَرَيَا لقرابة رسول الله - ﷺ - في ذلك حقًّا خلاف حق سائر المسلمين.\nفثبت بذلك أن هذا هو الحكم عندهما، وثبت - إذ لم ينكره عليهما أحدٌ من أصحاب رسولِ الله - ﷺ - ولم يخالفهما فيه - أن ذلك كان رأيهم فيه أيضًا.\nوإذا ثبت الإجماع في ذلك من أبي بكر وعمر ومن جميع أصحاب رسول الله - ﷺ - ثبت القول به، ووجب العمل به، وترك خلافه، ثم هذا علي - ﵁ - لما صار الأمر إليه حمل الناس على ذلك أيضًا.\nوذكروا في ذلك ما قد حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا يوسف بن عدي قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر فقلت: رأيت عليَّ بنَ أبي طالب حيث وَليَ العراقَ، وما ولي من أمور الناس، كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال: سلك [به]- والله - سبيل أبي بكر وعمر، قلت: وكيف؟ وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: إنه - والله - ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره - والله - أن يدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر.\nفهذا علي بن أبي طالب - ﵁ - قد أجراه على ما كان أبو بكر وعمر - ﵄ - أجرياه عليه؛ لأنه رأى ذلك عدلًا، ولو كان رأيه خلاف ذلك مع علمه ودينه وفضله إِذَنْ لَرَدَّه إلى ما رأى.","vol":"10","page":191},{"text":"٢٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: \"وَلَمْ يُخْدِمْهَا\" [انظر سابقه]\n٢٩٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْقُرَشِيُّ - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ - يَعْنِي ابْنَ عِيسَى -: كُنَّا نَقُولُ إِنَّهُ مِنَ الأَبْدَالِ قَبْلَ أَنْ نَسْمَعَ أَنَّ الأَبْدَالَ مِنَ الْمَوَالِي - قَالَ: حَدَّثَنِي الدَّخِيلُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ نُوحٍ بْنِ مُجَّاعَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ سِرَاجِ بْنِ مُجَّاعَةَ، عن أَبِيهِ،\n===\n٢٩٨٩ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين بهذه القصة، قال) علي بن حسين: (ولم يُخْدِمْها (١) أي ولم يُعْطِها خادمًا.\n٢٩٩٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا عَنْبَسَةُ بنُ عبد الواحد القرشي - قال أبو جعفر يعني ابن عيسى: كنا نقول: إنه) أي عنبسة بن عبد الواحد (من الأبدال قَبْلَ أن نسمع أن الأبدال (٢) من الموالي -) فلما سمعنا أن الأبدال تكون من الموالي رَجَعْنَا من هذا القول (قال: حدثني الدَّخيل) بفتح أوله وكسر المعجمة (ابن إياس بن نوح بن مُجَّاعَة) بن مرارة الحنفي اليمامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\": مستور.\n(عن هلال بن سِرَاجِ بن مُجَّاعة) وهو ابن عم والد دخيل، وسِرَاج بكسر المهملة وآخره جيم، وَفَدَ على عمر بنِ عبد العزيز في خلافته، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث.\n(عن أبيه) سراج بكسر أوله والتخفيف، وآخره جيم، ابن مجاعة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا.\n_________\n(١) احتج بذلك الطحاوي (٣/ ٢٣٣) لقوم على أنه لاحق لذوي القربى مطلقًا، وأجاب عنه بوجوه، والأوجه عندي في الجواب أنه لم يجب الاستيعاب عندنا. (ش).\n(٢) وبيانهم في هامش \"باب في ذكر المهدي\". (ش).","vol":"10","page":192},{"text":"عن جَدِّهِ مُجَّاعَةَ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَطْلُبُ دِيَةَ أَخِيهِ قَتَلَتْهُ بَنُو سَدُوسٍ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَوْ كُنْتُ جَاعِلًا لِمُشْرِكٍ دِيَةً جَعَلْتُ (١) لأَخِيكَ، وَلَكِنْ (٢) سَأُعْطِيكَ مِنْهُ عُقْبَى\"، فَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ مِنْ أَوَّلِ خُمُسٍ يَخْرُجُ مِنْ مُشْرِكِي بَنِي ذُهْلٍ، فَأَخَذ طَائِفَةً مِنْهَا، وَأَسْلَمَتْ بَنُو ذُهْلٍ، فَطَلَبَهَا بَعْدُ مُجَّاعَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَأَتَاهُ بِكِتَابِ\n===\n(عن جدِّه مُجَّاعَة) بضم أوله وتشديد الجيم، ابن مرارة بتخفيف الراء، الحنفي اليمامي، صحابي له حديث، كان رئيسًا في بني حنيفة، وكان قد أتى النبيَّ - ﷺ - يطلب دية أخيه، وهلالُ بنُ سراج ابنُ ابنه، وَفَدَ على عمر بن عبد العزيز بكتاب النبيِّ - ﷺ -، فقبّله ومَسَحَ به وجهه.\n(أَنه أَتَى النبيَّ - ﷺ - يَطْلُبُ دِيَةَ أخيه، قتلته بنو سَدُوسٍ من بني ذُهْلٍ) ولعله يطلب دية أخيه من بيت المال (فقال النبيُّ - ﷺ -: لو كنتُ جاعلًا لمشرِكٍ ديةً جَعَلْتُ لأخِيك) فلم يرض رسولُ الله - ﷺ - بإعطاءٍ من الدية من بيت المال؛ لأن أخاه كان مشركًا (ولكن سأُعْطِيْكَ منه) أي من أخيك (عُقْبى) أي عوضًا، ولعل هذا كان لتأليف قلبه وقومه؛ لأنه كان رئيسَ قومِه فيميلوا إلى الإِسلام، والظاهر أنه كان إذ ذاك مسلمًا.\n(فَكَتَبَ له النبيُّ - ﷺ - بمائةٍ من الإبل من أول خُمُسٍ يَخْرُجُ من مشركي بني ذُهْلٍ) أي غزاهم المسلمون، فغنموا أموالهم، فَخَرَّج منه الخُمُسَ، فَأَعْطَاهُ منه مائةَ إبلٍ عقبى من أخيه.\n(فَأَخَذَ طائفةً منها) أي من الإبل، أي غزاهم المسلمون وغنموا أموالهم، فخرج منه الخمس، فأعطاه طائفة من الإبل لم تبلغ مائة، وبقيت طائفة منها.\n(وأسْلَمَتْ بنو ذُهْلٍ) فلم يتمكن المسلمون أن يأخذوا شيئًا من أموالهم (فَطَلَبَها) أي بقية الإبل (بعدُ مُجَّاعةُ إلى أبي بكر) في زمان خلافته (وأتاه بكتاب\n_________\n(١) في نسخة: \"جعلتها\".\n(٢) في نسخة: \"ولكني\".","vol":"10","page":193},{"text":"النَّبِيِّ - ﷺ -، فَكَتَبَ لَهُ أَبُو بَكرٍ بَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ صَاعٍ مِنْ صَدَقَةِ الْيَمَامَةِ: أَرْبَعَةِ آلَافٍ بُرًّا (١)، وَأَرْبَعَةِ آلَافٍ شَعِيرًا (٢)، وَأَرْبَعَةِ آلَافٍ تَمْرًا (٣)، وَكَانَ فِي كِتَاب النَّبِيِّ (٤) - ﷺ - لِمُجَّاعَةَ: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم! هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ - ﷺ - لِمُجَّاعَةَ بْنِ مُرَارَةَ مِنْ بَنِي سُلْمَى، إِنِّي أَعْطَيْتُهُ (٥) مِائَةً مِنَ الإبِلِ مِنْ أَوَّلِ خُمُسٍ يَخْرُجُ مِنْ مُشْرِكِي بَني ذُهْلٍ، عُقْبَةً مِنْ أَخِيهِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>(٢١) بَابُ مَا جَاءَ فِي سَهْمِ الصَّفِيِّ</span>\n===\nالنبيِّ - ﷺ -، فكتب له أبو بكر باثْنَيْ عَشَرَ ألفِ صاعٍ من صدقة اليمامة: أربعة آلاف بُرًّا، وأربعة آلاف شعيرًا، وأربعة آلاف تمرًا) ولعله كان اثنا عشر ألف صاع وفاءَ قيمةِ طائفةٍ من الإبل التي بقيت لمجّاعة، مما كتب له رسول الله - ﷺ -.\n(وكان في كتاب النبي - ﷺ - لمجاعة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتابٌ من محمد النبي - ﷺ - لمجاعة بن مرارة من بني سُلمى، إني أعطيتُه مائةً من الإبل من أول خمس يخرج من مشركي بني ذُهْلٍ عقبةً) أي عوضًا (من أخيه) الذي قتلته بَنُو سَدُوسٍ من بني ذُهْلٍ.\n\n(٢١) (بَابُ مَا جَاءَ فِي سَهْمِ الصَّفِيِّ) (٦)\nوهو شيء يختاره ويصطفيه رسول الله - ﷺ - من الغنيمة، والفرق بين الصفي المذكور في هذا الباب وبين ما تقدم في \"باب في صفايا رسول الله - ﷺ -\" أن هذا\n_________\n(١) في نسخة: \"بر\".\n(٢) في نسخة: \"شعير\".\n(٣) في نسخة: \"تمر\".\n(٤) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٥) في نسخة: \"أعطيه\".\n(٦) وذهب الجمهور إلى إثباته أولًا، وسقوطه بوفاته -﵊ -، إلَّا أبا ثور فإنه قال: إن كان ثابتًا فهو للإمام بعده، فجمع التردد أولًا، ومخالفة الإجماع في إبقائه بعد موته، كذا في \"المغني\" (٩/ ٢٩١). (ش).","vol":"10","page":194},{"text":"٢٩٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أنَا سُفْيَانُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: \"كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - سَهْمٌ يُدْعَى الصَّفِيَّ، إِنْ شَاءَ عَبْدًا (١)، وَإِنْ شَاءَ أَمَةً (٢)، وَإِنْ شَاءَ فَرَسًا (٣)، يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْخُمُسِ\".\n٢٩٩٢ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ وَأَزْهَرُ\n===\nما يصطفيه من الغنيمة بعد القتال، وأما الذي تقدم قبل فهو الذي أفاء الله على رسوله - ﷺ -، لم يُوجِفْ عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركابٍ، فلما كانت هذه الأموال خاصة برسول الله - ﷺ - سميت الصفيَّ، والله تعالى أعلم.\n٢٩٩١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن مطرف، عن عامر الشعبي قال: كان للنبي - ﷺ - سَهْمٌ) أي في الغنيمة (يُدْعَى الصَّفِيَّ، إن شاء عبدًا، وإن شاء أمةً، وإن شاء فرسًا) أو سيفًا (يختاره قبل الخمسِ (٤» أي قبل إخراجه، وهذا السهم مختص بالنبي - ﷺ - ليس لأحد بعده من الخلفاء والأئمة.\n٢٩٩٢ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو عاصم وأزهر) هو أزهر بن سعد السمان، أبو بكر الباهلي البصري، قال ابن سعد: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن قانع: ثقة مأمون، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى: ثقة، وقال العقيلي في \"الضعفاء\": له حديث منكر عن ابن عون، وساق له حديث فاطمة في التسبيح، وصله أزهر، وخالفه غيره فأرسله، وحكى العقيلي وأبو العرب الصقلي في \"الضعفاء\": أن الإِمام أحمد قال: ابن أبي عدي أحبّ إليّ من أزهر. قلت: ليس هذا بجرح يوجب إدخاله في الضعفاء.\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد\".\n(٢) في نسخة: \"أمة\".\n(٣) في نسخة: \"فرس\".\n(٤) وبذلك قلنا كما في \"الشامي\" (٦/ ٢٤٠)، وسيأتي عن \"السير الكبير\" (٢/ ٦٠٨)، وبه جزم الموفق، وحكاه عن أكثر أهل العلم، وقال: أنكره قوم لحديث أبي داود: ليس لي من الفيء إلَّا الخمس ... إلخ، ولنا هذه الأحاديث. [انظر: \"المغني\" (٩/ ٢٩١)]. (ش).","vol":"10","page":195},{"text":"قَالَا: نَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عن سَهْمِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالصَّفِيِّ، قَالَ: كَانَ يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْم مَعَ الْمُسْلِمِينَ وإِنْ لَمْ يَشْهَدْ، وَالصَّفِيُّ يُؤْخَذُ لَهُ رَأْسٌ مِنَ الْخُمُسِ قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ\". [ن ٤١٤٥، ق ٦/ ٣٠٤]\n===\n(قالا: نا ابن عون قال: سألت محمدًا) أي ابن سيرين (عن سَهْمِ النبيِّ - ﷺ - والصفيِّ، قال) أي أحمد بن سيرين: (كان يضرب له بسهم) في الغنيمة (مع المسلمين) الغانمين (وإن لم يشهد) أي رسول الله - ﷺ - القتال (والصفيُّ يؤخذ له رأس من الخمس قبل كلِّ شيءٍ).\nوالحديثان رجالهما ثقات لكنهما مرسلان، لأن الشعبي وابن سيرين لم يدركا النبيَّ - ﷺ -، وهذا مخالف لما تقدم في حديث الشعبي، فإنه يدل على أن الصفيَّ كان من جملة الغنيمة قبل القسمة، وهذا يدل على أنه كان من الخمس لا من جملة الغنيمة.\nومذهبنا في ذلك ما قال شمس الأئمة السرخسي في \"شرح السير الكبير\" (١): فقد كان لرسول الله - ﷺ - ثلاث حظوظ في الغنائم: الصفيُّ، وخُمُسُ الخمس، وسَهْمٌ كَسَهْم أحد الغانمين، ومعنى الصفيّ أنه كان يصطفي لنفسه شيئًا قبل القسمة من سيف أو دِرْع أو جارية أو نحو ذلك، وقد كان هذا لوليِّ الجيش في الجاهلية مع حظوظ أخر، وفيه يقول القائل:\nلَكَ الْمِرْبَاعُ (٢) مِنْهَا وَالصَّفَايَا ... وَحُكْمُكَ (٣) وَالنَّشِيطَةُ (٤) وَالْفُضُولُ (٥)\n_________\n(١) (٢/ ٦٠٨).\n(٢) المِرباع: ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية، فردَّه الإِسلام خمسًا. انظر: \"القاموس\" و\"المعجم الوسيط\".\n(٣) في الأصل: \"حملك\"، وهو تحريف، والصواب: \"حكمك\" كما في \"شرح السير الكبير\"، و\"لسان العرب\" (٨/ ١٠١).\nوالحكم: ما يحكم به الرئيس عليهم في الغنيمة فيأخذه.\n(٤) النشيطة في الغنيمة: ما أصاب الرئيس قبل أن يصير إلى بَيضةِ القوم \"القاموس\".\n(٥) الفُضول: ما عُجِزَ أن يُقسمَ لقلَّته وخُصَّ به. \"لسان العرب\".","vol":"10","page":196},{"text":"٢٩٩٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، نَا عُمَرُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ -، عن سَعِيدٍ - يَعْنِي ابْنَ بَشِيرٍ -، عن قَتَادَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا غَزَا كَانَ لَهُ سَهْمٌ صَافٍ (١) يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ، وَكَانَ إِذَا لَمْ يَغْزُ بِنَفْسِهِ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ (٢) وَلَمْ يُخَيَّرْ\". [ق ٦/ ٣٠٤]\n===\nفانتسخ ذلك كله سوى الصفي، فإنه كان لرسول الله - ﷺ - ولم يبق بعد موته بالاتفاق، حتى إنه ليس للإمام الصفي بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، وإنما الخلاف في سهمه من الخمس أنه هل بقي للخلفاء بعده؟ وقد بينا ذلك في \"السير الصغير\".\n٢٩٩٣ - (حدثنا محمود بن خالد السلمي، نا عمر - يعني ابن عبد الواحد -، عن سعيد - يعني ابن بشير -، عن قتادة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا غزا كان له سَهْمٌ صَافٍ يأخذه من حيث شاء، فكانت صفية من ذلك السهم، وكان إذا لم يغز بنفسه) أي لم يشهد القتال مع الجيش (ضرب له بسهمه ولم يُخَيّر) أي لم يخير في أن يصطفي من الغنيمة شيئًا، فحاصله أنه - ﷺ - إذا لم يكن يغزو بنفسه لا يكون له اختيار سهم الصفي، وهذا الحكم باعتبار ظاهر هذا القيد.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ما يخالف ذلك، وهو: قوله: \"إذا غزا كان له سهم صاف ... إلخ\"، المراد بالسهم ها هنا هو الصفي، لأنه حظ من الغنيمة وسهم، وقوله: \"إذا غزا\" ليس قيدًا حتى لا يكون الصفي إذا لم يغز، بل كان له الصفي غزا أو لم يغز، إلَّا أن يقتسم أهل السرية غنيمة قبل أن يأتوا بها المدينة بإجازة منه - ﷺ -، فكان لا يؤخذ منها الصفي، لا لأنه - ﷺ - لم يستحقه، بل لعدم بقاء محله لوقوع القسمة، انتهى.\nقلت: وهذا لم أره من أحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين صرح بذلك، لكنه يؤيده ما كتب رسول الله - ﷺ - إلى بني زهير بن أُقَيْش: \"إنكم إن\n_________\n(١) في نسخة: \"صافي\".\n(٢) في نسخة: \"بسهم\".","vol":"10","page":197},{"text":"٢٩٩٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيًّ، نَا (١) أَبُو أَحْمَدَ، أَنَا سُفْيَانُ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَفِيِّ\". [ق ٦/ ٣٠٤]\n===\nشهدتم أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخُمُسَ من المغنم، وَسَهْمَ النبي - ﷺ -، وسَهْمَ الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله\" (٢)، وهذا صريح في أن سهم الصفي مستحق لرسول الله - ﷺ - سواء شهد القتال أو لم يشهد، على أن الحديث ضعيف، لأن عمر بن عبد الواحد (٣) ضعفه علماء الرجال.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): قال سعيد بن عبد العزيز: كان حاطب الليل، وقال عمرو بن علي ومحمد بن المثنى: حدث عنه ابن مهدي ثم تركه، وكذا قال أبو داود عن أحمد، وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يضعف أمره، وقال الدوري وغيره عن ابن معين: ليس بشيء، وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ضعيف، وقال علي بن المديني: كان ضعيفًا، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات، وقال البخاري: يتكلمون في حفظه وهو محتمل، وقال النسائي: ضعيف، وقال الآجُريُّ عن أبي داود: ضعيف، وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه، وعن عمرو بن دينار: ما ليس يعرف عن حديثه، والله تعالى أعلم.\n٢٩٩٤ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، أنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت صفيةُ من الصفيِّ) أي من سهمه الصفي،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) سيأتي تخريجه في المتن برقم (٢٩٩٩).\n(٣) كذا في الأصل، وهو سبق قلم، والصواب: سعيد بن بشير، لأن كلام الحافظ الآتي في سعيد بن بشير لا في عمر بن عبد الواحد.\n(٤) (٤/ ٩ - ١٠).","vol":"10","page":198},{"text":"٢٩٩٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الزُّهْرِيُّ، عن عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْحِصْنَ، ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّة بِنْتِ حُيَيًّ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا، وَكَانَتْ عَرُوسًا، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتى بَلَغْنَا سُدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا\". [خ ٢٢٣٥، م ١٣٦٥، ق ٦/ ٣٠٤]\n===\nاصطفاها رسول الله - ﷺ - من الغنيمة قبل القسمة، ولكن يخالفه الحديث الآتي أن رسول الله - ﷺ - اشتراها بسبعة أرؤس، وسيأتي جوابه هناك إن شاء الله تعالى.\n٢٩٩٥ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري) حليف زهرة، القاري، (عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك قال) أنس: (قدمنا خيبر، فلما فَتَحَ الله تعالى الحِصْنَ). قال الحافظ (١): وعند ابن إسحاق أن صفية سُبيت من حصن القموص، وهو حصن بني أبي الحقيق، وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق.\n(ذُكر له جمال صفية بنت حُيَي، وقد قُتِلَ زَوجُهَا) وكانت تحت سلَّام بن مشكم القرظي، ثم فارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضيري، فقتل عنها يوم خيبر، ذكر ذلك ابن سعد، قاله الحافظ.\n(وكانت عروسًا، فاصطفاها رسول الله - ﷺ - لنفسه، فَخَرَجَ بها حتى بَلَغْنَا سدّ) بفتح المهملة وضمها (الصهباء) اسم موضع بينه وبين خيبر روحة، وقال الحافظ (٢): وهي على بريد من خيبر، قاله ابن سعد وغيره. (حلَّت (٣) فبنى بها).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٦٩).\n(٢) المصدر السابق (٧/ ٤٨٠).\n(٣) قوله: \"حلت\"، أي: خرجت من عدتها.","vol":"10","page":199},{"text":"٢٩٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -\". [خ ٢٢٢٨، م ١٣٦٥، جه ١٩٥٧]\n٢٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، نَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ، عن أَنَسٍ قَالَ: \"وَقَعَ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ،\n===\n٢٩٩٦ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: صارَتْ صفيةُ لدحيةَ الكلبي) لأنه - ﷺ - خَيَّرَ دحية أن يختار من السَّبْي ما شاء فتخيّرها (ثم صارت لرسول الله - ﷺ -) لأنه اصطفاها بعد، قيل: إن صفية كان اسمها قبل أن تسبى زينب، فلما صارت من الصفي سُميت صفية.\n٢٩٩٧ - (حدثنا محمد بن خلاد الباهلي، نا بَهْز بن أسد، نا حماد، أنا ثابت، عن أنس قال: وقع في سهم دحية جاريةٌ جميلةٌ) وهي صفية (فاشتراها رسول الله - ﷺ - بسبعة أرؤس).\nقال الحافظ (١): فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا نصيبه الذي اختاره دحية لنفسه، وذلك أنه سأل النبيَّ - ﷺ - أن يعطيَه جارية فَأَذِنَ له أن يأخذ جاريةً، فأخذ صفية، فلما قيل للنبي - ﷺ -: إنها بنت ملك من ملوكهم، ظَهَرَ له أنها ليست ممن تُوهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السَّبْي مثل صفية في نفاستها، فلو خَصَّه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المَصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاص النبي - ﷺ - بها، فإن في ذلك رِضَى الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها، فلم تطب نفسه، فأعطاه من جملة النبي زيادة على ذلك.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٧٠).","vol":"10","page":200},{"text":"ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْم تُصَنِّعُهَا وَتُهَيِّئُهَا\". قَالَ حَمَّادٌ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: \"وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا: صَفِيَّةٌ ابْنَةُ حُيَيًّ\". [م ١٣٦٥]\n٢٩٩٨ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. (ح): وَحَدَّثنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، قَالَ: نَا ابْنُ عُليَّةَ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: جُمِعٍ السَّبْيُ - يَعْنِي بِخَيْبَرَ - فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْي، قَالَ: \"اذْهَبْ وَخُذْ جَارِيَةً\"، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ ابْنَةَ حُيَيًّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النّبِيِّ (١) - ﷺ - فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ - قَالَ يَعْقُوبُ: صَفِيَّةَ ابْنَةَ حُيَيٍّ (٢) - سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ (٣)\n===\n(ثُمَّ دَفَعَها إلى أم سليم تُصَنِّعُها) أي تُزَيِّنُها (وتُهَيِّئُها) أي لرسول الله - ﷺ - (قال حماد: وأحسبه) أي ثابتًا (قال: وتعتدُّ في بيتها) أي بيت أم سليم (صفيةُ ابنةُ حُيَيًّ) فاعل لتعتد.\n٢٩٩٨ - (حدثنا داود بن معاذ، حدثنا عبد الوارث، ح: وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، المعنى) أي معنى حديث عبد الوارث ويعقوب واحدٌ (قال) كل واحد منهما، وفي نسخة: قالا: (نا ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: جُمِعَ السَّبْيُ - يعني بخيبر - فَجَاء دحيةُ فقال: يا رسول الله، أَعْطِنِي جاريةً من السَّبْيِ، قال) رسول الله - ﷺ -: (اذهب فَخُذْ جاريةً) فذهب (٤) (فَأَخذ صفيةَ ابنةَ حُيَيًّ) بضم الحاء المهملة وفتح المثناة التحتانية.\n(فجاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أَعْطَيْتَ دحيةَ - قال يعقوب: صَفِيّةَ ابنةَ حُيَي - سيدةَ قُريظةَ\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ثم اتفقا\".\n(٣) في نسخة: \"بني قريظة\".\n(٤) ذكر العيني في الحديث إشكالين: إعطاؤه - ﵊ - قبل القسمة ثم إرجاعه، وأجاب عنهما بأجوبة. [انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٣٠٣)]. (ش).","vol":"10","page":201},{"text":"وَالنَّضِيرِ؟ مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ، قَالَ: ادْعُوهُ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: \"خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا\"، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. [خ ٣٧١، م ١٣٦٥، ن ٣٣٨٠]\n٢٩٩٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا قُرَّةُ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا بِالْمِرْبَدِ\n===\nوالنضير؟ ما تصلح إلَّا لك).\nوالفرق بين حديث يعقوب وبين حديث عبد الوارث، أن يعقوب قال: أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قُريظةَ والنضير، لا تصلح إلَّا لك، وأما عبد الوارث فلم يذكر اسمها، بل قال: يا رسول الله أعطيت دحية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلَّا لك.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (اُدْعُوه) أي دحية (بها) أي بصفية، فجاء (فلما نظر إليها) أي إلى صفية (النبي - ﷺ - قال له) أي لدحية: (خُذْ جاريةً من السَّبْي غيرَها) كأنه خاف عليهما الفتنة من ذلك فاستردها (وأن النبي - ﷺ - أعتقهاَ وتزوَّجها).\n٢٩٩٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا قرة قال: سمعت يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمِرْبَد) قال في \"معجم البلدان\" (١): ومربد النعم: موضع على ميلين من المدينة، وفيه تَيَمَّمَ ابنُ عُمَرَ (٢)، ومربد البصرة: من أشهر محالها، وكان يكون سوق الإبل فيه قديمًا، ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس، وبه كانت مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء، وهو الآن بائن عن البصرة بينهما نحو ثلاثة أميال، وكان ما بين ذلك كله عامرًا وهو الآن خراب، فصار المربد كالبلدة المفردة في وسط البرية، انتهى.\n_________\n(١) (٥/ ٩٨).\n(٢) في الأصل: \"تميم بن عمر\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":202},{"text":"فَجَاءَ رَجُلٌ أَشْعَثُ الرَّأْسِ بِيَدهِ قِطْعَةُ أَدِيمٍ أَحْمَرَ، فَقُلْنَا: كَأَنَّكَ مِن أَهْلِ الْبَادِيَةِ؟ قَالَ: أَجَلْ، قُلْنَا: نَاوِلْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ الأَدِيمَ الَّتِي فِي يَدِكَ، فَنَاوَلنَاهَا، فَقَرَأْنَا مَا فِيهَا (١)، فَإِذَا فِيهَا: \"مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشَ، إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا (٢) رَسُولُ اللَّهِ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَدَّيْتُمُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ، وَسَهْمَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَسَهْمَ الصَّفِيَّ أَنْتُمْ (٣) آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ\"، فَقُلْنَا: مَنْ كَتَبَ لَكَ هَذا الْكِتَابَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. [ق ٧/ ٥٨، ن ٤١٤٦]\n===\nقلت: والظاهر أن المراد هنا بالمربد مربد البصرة.\n(فجاء رجل أشعثُ الرأس بيده قطعةُ أديم أحمر) واسم الرجل النَّمِرُ كَكَتِف، ويقال بالفتح وبالكسر، شاعر مخضرم لحق النبي - ﷺ - \"قاموس\"، كان شاعرًا فصيحًا وَفَدَ على النبي - ﷺ -، ونزل البصرةَ، وكان جوادًا، وعُمِّرَ طويلًا، يقال: عاش مائتي سنة.\n(فقلنا: كأنك من أهل البادية؟ قال: أجل، قلنا) له: (نَاوِلْنَا هذه القطعة الأديم التي في يدك، فَنَاوَلَناها، فَقَرَأْنَا ما فيها، فإذا فيها) أي في قطعة الأديم: (من محمد رسول الله - ﷺ - إلى بني زهير بن أُقَيْش، إنّكم إن شهدتم أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأدّيتم الخمس من المغنم، وَسَهْمَ النبي - ﷺ -، وَسَهْمَ الصَّفِيِّ، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله، فقلنا: من كتب لك هذا الكتاب؟ قال) الرجل: كتب لي ذلك الكتاب (رسول الله - ﷺ -)\n_________\n(١) في نسخة: \"فقرأناها\".\n(٢) في نسخة: \"أنا محمد\".\n(٣) في نسخة: \"فأنتم\".","vol":"10","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1151>(٢٢) بَابٌ: كَيْفَ كَانَ إِخْرَاجُ الْيَهُودِ مِنَ الْمَدِينَةِ</span>؟\n٣٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسَ، أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِع حَدَّثَهُمْ، قَالَ: أَنَا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن أَبِيهِ، وَكَانَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الًّذِينَ تِيبَ عَلَيْهمْ:\n===\n\n(٢٢) (بَابٌ: كَيْفَ كَانَ إِخْرَاجُ الْيَهُودِ مِنَ الْمَدِينَةِ؟)\n٣٠٠٠ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، أن الحكم بن نافع حدثهم) أي محمد بن يحيى وغيره (قال: أنا شعيب، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، وكان أحدَ الثلاثة الذين تيب عليهم) ظاهر هذا الكلام أن ضمير \"كان\" يرجع إلى عبد الله بن كعب، وهذا غير صحيح، لأنه لم يكن هو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، بل هو أبوه كعب بن مالك، فيمكن توجيهه بأن يقال: إن هذا حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك (١)، وليس هو من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وذكر عبد الله فيه وهم.\nويؤيده ما قال الحافظ (٢) في كتاب التفسير من البخاري في شرح \"باب قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ \": ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبيَّ - ﷺ - وأصحابه من الشعر.\nوالتوجيه الثاني: أنه نقل صاحب \"العون\" (٣) عن المنذري قوله: \"عن أبيه\" فيه نظر، فإن أباه عبد الله بن كعب ليست له صحبة، ولا هو أحد الثلاثة الذين\n_________\n(١) قلت: كذا حكى المزي في \"تحفة الأشراف\" رقم (١١١٥٢) إسناد أبي داود بلفظ: \" ... عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، به\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣١).\n(٣) \"عون المعبود\" (٨/ ١٦٠).","vol":"10","page":204},{"text":"\"وَكَانَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ يَهْجُو النَّبِيَّ - ﷺ - وُيحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَهْلُهَا أَخْلَاطٌ: مِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ، وَالْيَهُودَ، وَكَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ، فَأَمَرَ (١) اللَّهُ ﷿ نَبِيَّهُ - ﷺ -\n===\nتيب عليهم، ويكون الحديث على هذا مرسلًا، ويحتمل أن يكون أراد بأبيه جده وهو كعب بن مالك، وقد سمع عبد الرحمن من جده كعب بن مالك، فيكون الحديث على هذا مسندًا.\nقلت: ويمكن أن يقال: تقدير هذه العبارة: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه عبدا الله بن كعب قال - أي عبد الله -: وكان أبي - أي كعب بن مالك - أحدَ الثلاثة الذين تيب عليهم، فعلى هذا أيضًا حديث مرسل.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢) في \"باب قتل كعب بن الأشرف\": وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن كعب بن الأشرف كان شاعرًا، ولم يذكر فيه: \"وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم\"، وهو من حديث عبد الله.\n(وكان كعب بن الأشرَف) اليهودي من بني قينقاع (يَهْجُو النبيَّ - ﷺ -) في شعره (ويُحَرِّضُ عليه) أي يُغري على رسول الله - ﷺ - (كفارَ قريش) للقتال (وكان النبيُّ - ﷺ - حين قَدِمَ المدينة) أي مهاجرًا (وأهلُها) أي أهل المدينة وساكنوها (أخلاط) جملة حالية خبرٌ لكان، والمعنى أنواع مختلفة.\n(منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود، وكانوا) أي اليهود (يُؤْذُون النبيَّ - ﷺ - وأصحابَه) في أشعارهم (فَأَمَرَ الله ﷿ نبيَّه - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"وكان الله يأمر نبيه بالصبر\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٧).","vol":"10","page":205},{"text":"بِالصَّبْرِ وَالْعَفْوِ، فَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآيَة.\nفَلَمَّا أَبَى كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ أَنْ يَنْزعَ عن أَذَى النَّبِيِّ - ﷺ -، أَمَرَ النَّبَيُّ - ﷺ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أَنْ يَبْعَثَ رَهْطًا يَقْتُلُونَهُ، فَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِ، فَلَمَّا قتلُوهُ فَزِعَتِ الْيَهُودُ وَالْمُشْرِكُونَ، فَغَدَوْا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: طُرِقَ صَاحِبُنَا فَقُتِلَ، فَذَكَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - الَّذِي كَانَ يَقُولُ، وَدَعَاهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا يَنْتَهُونَ إِلَى مَا فِيهِ، فَكَتَبَ (١)\n===\nبالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية)، وتمام الآية: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور﴾ (٢).\n(فلما أبَي كعبُ بن الأشرف أن يَنْزِعَ) أي من أن يرتدع (عن أذى النبيِّ - ﷺ -، أمر النبيُّ - ﷺ - سعدَ بنَ معاذ أن يَبْعَثَ رهطًا) أي جماعة (يقتلونه، فبعث) سعدُ بنُ معاذ (محمدَ بنَ مسلمةَ) ونفرًا من الأوس، وهم: عباد بن بشر، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبير.\n(وذكر) أي كعب (قصة قتله) قال ابن سعد: إن قتله كان في ربيع الأول من السنة الثالثة (فلما قتلوه فَزِعت) أي خافت (اليهود والمشركون، فَغَدوا) أي حضروا في أول النهار (على النبيِّ - ﷺ - فقالوا: طُرِقَ صاحِبُنا) أي دخل عليه ناس ليلًا (فقُتل، فذكر لهم النبيُّ - ﷺ - الذي كان يقول) من هجوه - ﷺ - وايذائه أصحابَه (ودعاهم النبيُّ - ﷺ - إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا) فيه عهد (ينتهون إلى ما فيه) ولا يتجاوزون عنه (فكتب\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وكتب\".\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٨٦.","vol":"10","page":206},{"text":"النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمينَ عَامَّةً صَحِيفَةً\". [ق ٩/ ١٨٣]\n٣٠٠١ - حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الإيَامِيُّ، نَا يُونُسُ - يَعْنِي\n===\nالنبيُّ - ﷺ - (١) بينه وبينهم وبين المسلمين عامةً صحيفةً) وكان هذا الكتاب مع علي - ﵁ - بعدُ، قاله ابن سعد (٢).\nواختلفت الروايات في قتل كعب بن الأشرف، أن رسول الله - ﷺ - هل قال أولًا لسعد بن معاذ: ابعَثْ رهطًا يقتلونه، كما في هذه الرواية، أو قال: \"مَنْ لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسولَه، فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله، أتحب أن تقتله؟ قال: نعم\" كما في رواية جابر عند البخاري (٣). وفي رواية عروة: أن رسول الله - ﷺ - قال لمحمد بن مسلمة: \"إن كنت فاعلًا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ\".\nووجه الجمع بينهما أن يقال: إن رسول الله - ﷺ - قال أولًا: \"من لكعب بن الأشرف؟ \" فقام محمد بن مسلمة، فأحب رسول الله - ﷺ - أن يكون هو في رهط، فقال لسعد بن معاذ: \"ابعث رهطًا\"، وقال لمحمد بن مسلمة: \"لا تعجل حتى تشاور سعدًا\"، فأرسل معه سعد رهطًا.\nوهذا القدر المذكور من هذا الحديث لا مناسبة له بالباب، إلَّا أن يقال: إن هذا مقدمة إخراج اليهود من المدينة بأنهم نقضوا العهد وقاتلوا، فأخرجوا من المدينة.\n٣٠٠١ - (حَدَّثَنَا مصرف، بن عمرو الإيامي، نا يونس - يعني\n_________\n(١) هكذا ذكره ابن سعد والزرقاني في \"شرح المواهب\" (٢/ ٣٦٨)، وزيني دحلان على حاشية \"السيرة الحلبية\"، وكذا في \"مغازي الواقدي\"، ولم يذكرها غيرهم، والذي ذكروها من المذكورين لم يذكروا الكتابة مفصلًا، وذكر ابن هشام وغيره العهد مع اليهود في السنة الأولى بعد خمسة أشهر من الهجرة. (ش).\n(٢) انظر \"طبقات ابن سعد\" (٢/ ٣٣).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٤٠٣٧) وفيه: أتُحِبُّ أن أقتله؟ .","vol":"10","page":207},{"text":"ابْنَ بُكَيرٍ - قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عن سَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ (١) وَعِكْرِمَة، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ الْيَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَالَ: \"يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا\"، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَارًا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، قَرَأَ مُصَرِّفٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِبَدْرٍ ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. [ق ٩/ ١٨٣]\n===\nابن بكير - قال: نا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد) الأنصاري (مولى زيد بن ثابت) المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الذهبي: لا يعرف، وقال في \"التقريب\": مجهول.\n(عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس قال: لما أصاب رسولُ الله - ﷺ - قريشًا يوم بدر) أي كَبَتَهم وقُتِلَ صناديدُهم (وقَدِمَ المدينةَ جَمَعَ اليهودَ في سوق بني قينقاع، فقال: يا معشر يهود، أسلموا) أي ادخلوا في دين الإِسلام طائعين (قبل أن يصيبَكم مثل ما أصاب قريشًا، قالوا: يا محمد، لا يَغُرَّنَّك من نفسك) أي لا يوقعك في الغرور (أنك قتلتَ نفرًا من قريش كانوا أغمارًا) جمع غُمر بالضم، وهو الجاهل الذي لم يجرِّب الأمور (لا يعرفُون القتال، إنك لو قاتلتَنا لعرفتَ أنا نحن الناس) أي الشجعانَ العارفون بتدبير القتال (وأنك لم تلق مثلَنا) أي لعرفت أنك لن تلق مثلنا في الشجاعة والثبات في القتال (فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من يهود بني إسرائيل ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ قرأ مصرف إلى قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ببدر، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ (٢».\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٢.","vol":"10","page":208},{"text":"٣٠٠٢ - حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو، نَا يُونُسُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لِزَيْدِ بْنِ ثَابتٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي بِنْتُ (١) مُحَيّصَةَ، عن أَبِيهَا مُحَيِّصَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ\"، فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ عَلَى شُبَيْبَةَ (٢) - رَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ يَهُودَ كَانَ يُلَابِسُهُمْ -، فَقَتَلَهُ، وَكَانَ حُوَيِّصَةُ إِذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ مُحَيِّصَةَ، فَلمَّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيِّصَةُ يَضْرُبهُ وَيَقُولُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ في بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ. [الدلائل للبيهقي ٣/ ٢٠٠]\n٣٠٠٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن سَعِيدِ بْنِ\n===\n٣٠٠٢ - (حدثنا مصرف بن، عمرو، نا يونس، قال ابن إسحاق: حدَّثني مولًى لزيد بن ثابت قال: حدثتني بنتُ مُحَيِّصَةَ) لم أقف على اسمها (عن أبيها محيصة) بن مسعود (أن رسول الله - ﷺ - قال: من ظَفِرْتُم به من رجال يهود فاقْتُلُوه، فَوَثَبَ محيِّصة على شُبَيْبة) بالتصغير، وهو (رجل من تجار يهود كان يُلابسهم) أي يخالطهم (فقتله).\n(وكان حويصة) بن مسعود أخو محيصة (٣) (إذ ذاك لم يسلم، وكان أسنّ من محيِّصة، فلما قتله) أي فلما قتل محيصةُ شبيبةَ (جعل حويصة يضربه) أي يضرب أخاه محيصة على قتله (ويقول: أَيْ عَدُوَّ الله، أما والله لَرُبَّ شَحْمٍ في بطنِك من ماله) أي يوبخه على قتل محسنِه، ولكن أمر رسول الله - ﷺ - أرفع من ذلك وأعلى.\n٣٠٠٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن سعيد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنة\".\n(٢) في نسخة: \"سُنَيْنَة\"، وفي نسخة: \"سُيَيْنَة\".\n(٣) وهما الأخوان اللذان جاء ذكرهما في حديث القسامة. (ش).","vol":"10","page":209},{"text":"أَبِي سَعِيدٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: \"انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ\"، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: \"يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا\"، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا\"، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِم، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ذَلِكَ أُرِيدُ\"، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ: \"اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ للَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ شَيْئًا (١) بِمَالِهِ\n===\nأبي سعيد، عن أبيه) أبي سعيد، (عن أبي هريرة أنه قال: بينا نحن (٢) في المسجد إذ خرج إلينا رسولُ الله - ﷺ -، فقال: انطَلِقُوا إلى يهودَ، فخرجنا معه حتى جئناهم) أي يهود، (فقام رسول الله - ﷺ - فناداهم) أي يهود فاجتمعوا، (فقال: يا معشرَ يهودَ أَسْلِمُوا) أي ادخلوا في الإِسلام (تَسْلَموا) من القتل والذلّ.\n(فقالوا: قد بَلَّغْتَ يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ذلك) أي التبليغ وإتمام الحجة واعترافكم به (أريدُ، ثم قالها الثالثة) لفظ البخاري (٣) في \"باب في بيع المكره ونحوه\": \"ثم قال الثالثة فقال: اعلموا\" (اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليَكم) من الإجلاء (من هذه الأرض، فمن وَجَدَ منكم شيئًا بماله).\nقال الحافظ (٤): الباء متعلقة بشيء محذوف، أو ضمن وجد معنى نحل\n_________\n(١) في نسخة: \"بماله شيئًا\".\n(٢) هذا مشكل جدًا، فإن إخراجهم كان قبل إسلام أبي هريرة، وأوله الحافظ بوجوه، كما سيأتي في كلام الشيخ، والبسط في \"الأوجز\" (١٥/ ٦٤١ - ٦٤٢). (ش).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٦٩٤٤).\n(٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١٨).","vol":"10","page":210},{"text":"فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ للَّهِ وَلرَسُولِهِ\" (١). [خ ٣١٦٧، م ١٧٦٥، حم ٢/ ٤٥١]\n===\nفعداه بالباء، أو وجد من الوجدان والباء سببية، أي فمن وجد بماله شيئًا من المحبة. وقال الكرماني: الباء ها هنا للمقابلة، فجعل وجد بمعنى الوجدان.\nقال القاري (٢): \"فمن وجد منكم بماله\"، أي من ماله، فالباء بمعنى \"من\"، كقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ﴾ (٣)، \"شيئًا\" أي مما لا يتيسر له نقله كالعقار والأشجار، وقيل: الباء بمعنى \"في\"، وقيل: الباء للبدلية كما في قوله: بعت هذا بهذا، والمعنى من صادف عوض ماله الذي لا يمكنه حمله.\n(فليبعه، وإلَّا) أي وإن لم تجدوا شيئًا (فاعلموا أنما الأرض لله ولرسوله).\nواستشكل هذا الحديث بأن فيه أبو هريرة شامل في هذه القصة، وأبو هريرة أسلم بعد خيبر، وإجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير قبل مجيء أبي هريرة، قال الحافظ (٤): والظاهر أنهم بقايا من اليهود تأخّروا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم؛ لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة، وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر، وقد أقرّ النبيُّ - ﷺ - يهودَ خيبرَ على أن يعملوا في الأرض، واستمروا إلى أن أجلاهم عمر - ﵁ -.\nويحتمل- والله أعلم - أن يكون النبيُّ - ﷺ - بعد أن فتح ما بقي من خيبر هَمَّ بإجلاء من بقي ممن صالح من اليهود، ثم سألوه أن يبقيهم ليعملوا في الأرض فبقاهم، أو كان قد بقي بالمدينة من اليهود المذكورين طائفة استمروا فيها معتمدين على الرضاء بإبقائهم للعمل في أرض خيبر، ثم منعهم النبي - ﷺ - من سكنى المدينة أصلًا، والله أعلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"ورسوله\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٦٤٨).\n(٣) سورة الإنسان: الآية ٦.\n(٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧١).","vol":"10","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1152>(٢٣) بَابٌ: فِي خَبَرِ النَّضِيرِ</span>\n٣٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا (١) مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الأوْثَانَ مِنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَئِذٍ بالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آويتُمْ صَاحِبَنَا وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ أوْ لَتُخْرِجُنَّهُ أَوْ لنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بَأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ (٢) مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ.\nفَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ،\n===\n\n(٢٣) (بَابٌ: فِي خَبَرِ النَّضِيرِ)\n٣٠٠٤ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميته (أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أُبَيٍّ) أي عبد الله رأس المنافقين (ومن كان يعبد معه) أي مع ابن أُبَيٍّ (الأوثان من الأوس والخزرج) قبيلتان من الأنصار (ورسول الله - ﷺ - يومئذ بالمدينة قبل وقعةِ بدرٍ: إنكم) تفسير لقوله: كتبوا (آويتُم صاحِبَنا) يعنون النبيَّ - ﷺ -، أي أنزلتموه في منازلكم (وإنا نُقسِم بالله لتُقَاتِلُنَّه) أي رسول الله - ﷺ - (أو لتُخْرِجُنّه) أي من أرضكم (أَو لنَسِيرَنَّ إليكم بأجمعنا) أي بجميع المقاتلين منّا (حتى نَقْتُلَ مُقاتِلَتَكم ونستبيح نساءَكم) أي نجعلهن مباحة لنا فنسبيهن.\n(فلما بلغ ذلك عبدَ الله بن أُبيّ ومن كان معه من عبدةِ الأوثان،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"نقاتل\".","vol":"10","page":212},{"text":"اجْتَمَعُوا (١) لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ (٢) - ﷺ - لقِيَهُمْ، فَقَالَ: \"لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمْ الْمَبَالِغَ مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تكيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ\".\nفَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - تَفَرَّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَتْ (٣) كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُنَّ صَاحِبَنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا (٤)، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا\n===\nاجتمعُوا لقتال رسول الله - ﷺ -، فلما بَلَغَ ذلك) أي خبر وعيد قريش وتهديدهم واجتماعهم على قتاله (النبيَّ - ﷺ - لَقِيَهم) أي عبد الله بن أُبَيٍّ ومن كان معه من عبدةِ الأوثان (فقال) رسول الله - ﷺ -: (لقد بَلَغَ وعيدُ قريشٍ) أي تهديدهم (منكم المَبَالِغَ) أي منتهى الغايات (ما كانت) أي قريش (تكيدُكم) أي تضرُّكم بوعيدِهم وتهديدِهم (بأكثرَ مما تريدون أن تَكِيْدُوا) أي تضروا (به) أي بما تريدون (أنفسكم) حاصله: أنكم تريدون أن تقاتلوا المسلمين وفيهم أبناؤكم وإخوانكم فتقاتلونهم، وهذا أَضَرُّ لكم من أن تقاتلكم قريش، فَبَيَّنَه بقوله: (تريدون أن تقاتلوا أبناءَكم واخوانكم) فإنهم مسلمون فيقاتلونكم.\n(فلما سمعوا ذلك من النبيِّ - ﷺ -) وعلموا أن قتالهم مع المسلمين أضرّ لهم (تفرقوا، فَبَلَغَ ذلك كفارَ قريش، فَكَتَبَتْ كفارُ قريش بعد وقعةِ بدرٍ إلى اليهود: إنكم أهلُ الحَلْقَةِ) قال في \"المجمع\" (٥): هو بسكون اللام: السلاح عامًا، وقيل: الدروع خاصة (والحصُون) أي القلاع (وإنكم لتُقَاتلُنّ صاحِبَنا) أي رسولَ الله - ﷺ -، لأنه من قريش (أو لنفعلَنّ كذا، ولا يَحُولُ بيننا\n_________\n(١) في نسخة: \"أجمعوا\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) في نسخة: \"فكتب\".\n(٤) في نسخة: \"كذا وكذا\".\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٤٢).","vol":"10","page":213},{"text":"وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَيْءٌ وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ.\nفَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمْ النَّبِيَّ - ﷺ - أَجْمَعَتْ (١) بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -: اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ، وَلْيَخْرُجْ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا حَتَّى نَلْتَقِي بِمَكَانِ (٢) الْمَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا (٣) مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ،\n===\nوبين خَدَمِ) بفتحتين جمعُ خَدَمة بفتحتين، وهي الخلخال (نسائكم شيءٌ) أي نسبيهُنَّ ونُجَامِعُهُنَّ، (وهي) الخدم (الخلاخيل، فلما بلغ كتابُهم) أي خبر كتابهم إلى يهود (النبيَّ - ﷺ -) أي في قتاله، وهذا الذي شرحنا فهو على ما في جميع النسخ الموجودة عندنا من \"أبي داود\".\nوأخرج السيوطي في تفسيره \"الدر المنثور\" (٤) في تفسير سورة الحشر فقال: وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر والبيهقي في \"الدلائل\" عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وفيه: \"فلما بلغ كتابهم اليهود اجتمعت بنو النضير بالغدر\"، وهذا السياق أقرب إلى الفهم مما في نسخ أبي داود.\n(أَجْمَعَتْ) أي عزمت (بنو النضير بالغدر) أي أجمعوا على الغدر معه - ﷺ - وقتله (فأرسلوا إلى النبيِّ - ﷺ -: اخرُجْ إلينا في (٥) ثلاثين رجلًا من أصحابك، وليخرجْ منا ثلاثون حبرًا) أي عالمًا (حتى نلتقي) أي نحن وأنتم (بمكان المنْصَفِ) أي الوسط (فيسمعوا منك) أي كلامك، (فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنّا بك).\n_________\n(١) في نسخة: \"اجتمعت\".\n(٢) في نسخة: \"مكان\".\n(٣) في نسخة: \"فيستمعوا\".\n(٤) (٨/ ٩٣).\n(٥) وفي رواية الزرقاني على \"المواهب\" (٢/ ٥١٠): اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا ... إلخ، لكن ظهر مما ذكره الشيخ في \"البذل\" من رواية \"الدر المنثور\" أن في رواية أبي داود، وكذا في رواية الزرقاني اختصارًا. (ش).","vol":"10","page":214},{"text":"فَقَصَّ خَبَرَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بالْكَتَائِبِ فَحَصَرَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: \"إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَا تَأْمَنُونَ عِنْدِي إَّلا بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِّي (١) عَلَيْهِ\"، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا، فَقَاتَلَهُمْ\n===\n(فَقَصَّ) أي الراوي، ولعله الزهري (خَبَرَهم) أي قصة اليهود مع رسول الله - ﷺ -، وهو ما أخرجه السيوطي (٢) في هذا الحديث في هذا الموضع بلفظ: \"فخرج النبي - ﷺ - في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرًا من اليهود، حتى إذا برزوا في براز من الأرض، قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلًا من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا: كيف نفهم ونحن ستون رجلًا، اخرج في ثلاثة من أصحابك، ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنّا كلنا وصدقناك، فخرج النبيّ - ﷺ - في ثلاثة من أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود، واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله - ﷺ -، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها، وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله - ﷺ -، فأَقْبَلَ أخوها سريعًا حتى أَدْرَكَ النبيَّ - ﷺ -، فسارَّه بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع النبيُّ - ﷺ -، فلما كان الغد غدا إليهم\" (٣)، الحديث.\nوهذه هي القصة التي حذفها الراوي، وغفل صاحب \"العون\" (٤) فقال: أي أخبر النبي - ﷺ - الناس بخبرهم.\n(فلما كان الغد غدا عليهم رسولُ الله - ﷺ - بالكتائب) جمع كتيبة، وهي الجيوش المجتمعة (فَحَصَرَهم، فقال) أي رسول الله - ﷺ - (لهم) أي ليهود: (إنَّكم والله لا تأمنون) أي لا تكونون أمناء عندي، أو لا نكون منكم في أمن (عندي إلَّا بعهدٍ تعاهدونّي عليه، فأبوا أن يُعْطُوه عهدًا، فقاتلهم) أي قاتل رسولُ الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"تعاهدونني\".\n(٢) \"الدر المنثور\" (٨/ ٩٣).\n(٣) وفي \"الدر المنثور\": \"غدا عليهم\".\n(٤) \"عون المعبود\" (٨/ ١٦٤).","vol":"10","page":215},{"text":"يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ غَدَا الْغَدُ عَلَى (١) بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْكَتَائِبِ، وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ فَعَاهَدُوهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ.\nوَغَدَا عَلَى بَنِي النَّضِيرِ بِالْكَتَائِب، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ، فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ وَاحْتَمَلُوا (٢) مَا أَقَلَّتِ الإبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا، فَكَانَ (٣) نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا، فَقَالَ اللّةُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ - ﷺ - أكْثَرَهَا لِلْمُهَاجُرِينَ، وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ، وَقَسَمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ\n===\nاليهودَ (يومَهم ذلك، ثم غدا) أي سار (الغد) أي في أول نهار الغد (على بني قريظة) وهي قبيلة من اليهود (بالكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم) أي بني قريظة (إلى أن يعاهدوه فعاهدوه) أي عاهد بنو قريظة رسول الله - ﷺ -.\n(فانصرف) أي رجع (عنهم، وغدا) أي سار (على بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا) من الحصين (على الجلاء) وهو الخروج من الوطن (فجلتْ بنو النضير) أي خرجت من المدينة إلى بلاد الشام (واحتملُوا ما أَقَلَّت) أي حملت (الإبل من أمتعتهم وأبوابِ بيوتهم وخَشَبِها) أي خشب البيوت (فكان نخل بني النضير لرسول الله - ﷺ - خاصة أعطاه الله إياها وخَصَّه) أي وخص الله سبحانه رسولَ الله - ﷺ - (بها) أي بنخل بني النضير (فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (٤)، يقول: بغير قتالٍ، فأعطى النبيُّ - ﷺ - أكثرَها للمهاجرين وقَسَمَها بينهم، وقَسَمَ منها لرجلين من الأنصار).\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى\".\n(٢) في نسخة: \"واحتملت\".\n(٣) في نسخة: \"وكان\".\n(٤) سورة الحشر: الآية ٦.","vol":"10","page":216},{"text":"كَانَا لِذَوِي (١) حَاجَةٍ، لَمْ يُقْسِمْ لأَحَدٍ مِنَ الأَنْصَارِ غَيْرِهِمَا، وَبَقِي مِنْها صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ ﵂\". [عب ٥/ ٣٥٨/ ٩٧٣٣، الدلائل للبيهقي ٣/ ١٧٩]\n===\nقال في \"التفسير الكبير\" (٢): ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة.\n(كانا لذوي حاجة، لم يقسم لأحدٍ من الأنصار غيرَهما، وبقي منها صدقةُ رسول الله - ﷺ -) وإنما عبرها بالصدقة لقوله - ﷺ -: \"لا نورث ما تركناه صدقة\" (التي في أيدي بني فاطمة - ﵂ -).\nقال الرازي في \"التفسير الكبير\": ثم ها هنا سؤال، وهو أن أموال بني النضير أخذت بعد القتال، لأنهم حوصروا أيامًا، قاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنيمة لا من جملة الفيء، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون ها هنا وجهين:\nالأول: أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير، لأنهم أوجفوا عليهم بالخيل والركاب، وحاصرهم رسول الله - ﷺ - والمسلمون بل هو في فدك، وذلك لأن أهل فدك انجلوا عنه، فصارت تلك القرى والأموال في يد الرسول ﵇ من غير حرب، فكان ﵊ يأخذ من غلة فدك نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل الباقي في السلاح والكراع.\nوالقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في بني النضير وقراهم، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشيًا، ولم يركب إلا رسول الله - ﷺ - وكان راكب جمل، فلما كانت المقاتلةُ قليلةً والخيلُ والركابُ غيرَ حاصل،\n_________\n(١) في نسخة: \"ذوي\".\n(٢) (١٠/ ٥٠٦).","vol":"10","page":217},{"text":"٣٠٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ يَهُودَ النَّضِيرِ (١) وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا\n===\nأجراه الله تعالى مجرى ما لم يحصل فيه المقاتلة أصلًا، فخص رسول الله - ﷺ - بتلك الأموال، انتهى.\nوقال أبو بكر الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢): قد انتظم ذلك معنيين: أحدهما: مصالحة أهل الحرب على الجلاء عن ديارهم من غير سَبْيٍ، ولا استرقاق، ولا دخول في الذمة، ولا أخذ جزية، وهذا الحكم منسوخ عندنا إذ كان بالمسلمين قوة على قتالهم على الإِسلام أو أداء الجزية، وذلك لأن الله تعالى أمر بقتال الكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤)، فغير جائز إذا كان بالمسلمين قوة على قتالهم وإدخالهم في الذمة أو الإِسلام أن يجلوهم، ولكنه لو عجز المسلمون عن مقاومتهم في إدخالهم في الإِسلام أو الذمة جاز لهم مصالحتهم على الجلاء عن بلادهم.\nوالمعنى الثاني: جواز مصالحة أهل الحرب على مجهول من المال؛ لأن النبي - ﷺ - صالحهم على أراضيهم وعلى الحلقة، وترك لهم ما أقلَّت الإبل، وذلك مجهول.\n٣٠٠٥ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق، أنا ابن جربج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أن يهود النضير وقريظة حاربوا\n_________\n(١) في نسخة: \"بني النضير\".\n(٢) (٣/ ٤٢٨).\n(٣) سورة التوبة: الآية ٢٩.\n(٤) سورة التوبة: الآية ٥.","vol":"10","page":218},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَآمنَهُمْ (١) وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ\". [خ ٤٠٢٨، م ١٧٦٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>(٢٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي حُكْمِ أَرْضِ خَيْبَر</span>\n٣٠٠٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زيدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، نَا أَبِي،\n===\nرسولَ الله - ﷺ -، فَأَجْلَى رسولُ الله - ﷺ - بني النضير وَأَقَرَّ قريظة) في منازلهم (ومَنَّ عليهم) ولم يأخذ منهم شيئًا (حتى حَارَبَتْ) أي إلى أن حاربته - ﷺ - (قريظةُ بعد ذلك) فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصارُ، وقذف اللهُ في قلوبِهم الرعب، فنزلوا على حكمه - ﷺ -.\n(فَقَتَلَ رجالَهم، وقَسَمَ نساءَهم وأموالهم وأولادَهم بين المسلمين) بعد أن أخرج الخمس، وكانت الخيل ستة وثلاثين (إلَّا بعضَهم) أي بعض قريظة (لَحِقُوا برسول الله - ﷺ - فآمنهم) بمد الهمزة وتخفيف الميم، أي جعلهم آمنين، ولأبي ذر في البخاري: \"فَأَمَّنهم\" بتشديد الميم والقصر (وأسلموا، وأَجْلَى رسولُ الله - ﷺ - يهودَ المدينة كلَّهم: بني قينقاع) بقافين مفتوحتين بينهما تحتية ساكنة فنون مضمومة، وتكسر وتفتح، وبعد الألف عين مهملة (وهم قوم عبد الله بن سلام، ويهودَ بني حارثة) بالنصب عطفًا على يهود المدينة (و) أجلى (كلّ يهوديٍّ كان بالمدينة).\n\n(٢٤) (بَابُ مَا جَاءَ فِي حُكْمِ أَرْضِ خَيْبَرَ)\n٣٠٠٦ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي،\n_________\n(١) في نسخة: \"وآمنهم\".","vol":"10","page":219},{"text":"نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَحْسِبُهُ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ، فَغَلَبَ عَلَى الأَرْضِ وَالنَّخْلِ، وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى قَصْرِهِمْ، فَصَالَحُوهُ (١) عَلَى أَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الصَّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ وَالْحَلْقَةَ، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئَا، فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَقَدْ كَانَ قُتِلَ قَبْلَ خَيْبَرَ، كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ يَوْمَ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ فِيهِ حُلِيُّهُمْ. وَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِسَعْيَةَ: \"أَيْنَ مَسْكُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ؟ \"، قَالَ: أَذْهَبَتْهُ الْحُرُوبُ وَالنَّفَقَاتُ، فَوَجَدُوا الْمَسْكَ، فَقَتَلَ\n===\nنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر قال) أي عبيد الله بن عمر: (أحسبه) أي الحديث (عن نافع، عن ابن عمر: أن النبيَّ - ﷺ - قاتل أهلَ خيبرَ، فَغَلَبَ على الأرض والنخل وألجأهم) أي اضطرّهم (إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله - ﷺ - الصفراءَ) أي الذهب (والبيضاءَ) أي الفضة (والحلقة) أي السلاح (ولهم ما حملت ركابهم) أي جمالهم (على) أي على شرط (أن لا يكتموا ولا يُغَيِّبُوا شيئًا) من الذهب والفضة، (فإن فعلوا فلا ذمةَ لهم ولا عهدَ).\n(فغيبوا مَسْكًا) بفتح الميم وسكون السين: الجلد، والمراد ها هنا جلد كان فيه ذخيرة من صامت وحلي قُوِّمَتْ بعشرة آلاف دينار (لِحُيَيِّ بنِ أَخْطَبَ، وقد كان) أي حيي (قُتِلَ قبلَ خيبر) فيمن قتل من بني قريظة (وكان) حيي (احتمله) أي المسك (معه يوم بني النضير حين أجليت النضير فيه) أي في المسك (حُلِيُّهم).\n(وقال) ابن عمر - ﵁ -: (قال النبي - ﷺ - لسعية) اسم رجل من اليهود: (أين مَسْكُ حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ؟ قال) سعية: (أذهَبَتْه) أي أنفدت وأعدمته (الحروبُ والنفقاتُ، فوجدوا) أي أصحاب رسول الله - ﷺ - (المَسْكَ، فقتل)\n_________\n(١) في نسخة: \"فصالحوا\".","vol":"10","page":220},{"text":"ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَسبَى نِسَاءهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، دَعْنَا نَعْمَلْ فِي هَذِهِ الأَرْضِ، وَلَنَا الشَّطْرُ - مَا بَدَا لَكَ - وَلَكُم الشَّطْرُ،\n===\nرسول الله - ﷺ - (ابن أبي الحقيق، وسَبَى نساءهم وذراريَّهم، وأراد أن يُجليَهُم) أي يخرجهم من أوطانهم (فقالوا: يا محمد، دَعْنا نعمل في هذه الأرض، ولنا الشطر ما بدا لك) أي نعمل فيها إلى مدة بَدَا لك أن نعمل فيها (ولكم الشطر) فقبله رسول الله - ﷺ -.\nواختلف العلماء في كراء الأرض بالشطر والثلث والربع، فأجاز ذلك علي وابن مسعود وسعد والزبير وأسامة وابن عمر ومعاذ وخباب، وهو قول ابن المسيب وطاوس وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد، وهؤلاء أجازوا المزارعة والمساقاة.\nوكرهت ذلك طائفة، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعكرمة والنخعي، وهو قول مالك وأبي حنيفة والليث والشافعي وأبي ثور، ويجوز عندهم المساقاة، ومنعها أبو حنيفة وزفر، فقالا: لا تجوز المزارعة والمساقاة بوجه من الوجوه.\nواستدل أبو حنيفة وزفر بحديث النهي عن المخابرة، وأجابا عن معاملة النبي - ﷺ - أهلَ خيبر بأنه لم يكن بطريق المزارعة والمساقاة، بل كانت بطريق الخراج على وجه المن عليهم والصلح، لأنه - ﷺ - مَلَكَه غنيمة، ولأنه - ﷺ - لم يبين لهم المدة، ولو كانت المزارعة لَبَيَّنها، لأن المزارعة لا تجوز عند من يجيزها إلَّا ببيان المدة.\nوقال أبو بكر الرازي: ما يدل على أن ما شرط عليهم من نصف التمر والزرع كان على وجه الجزية أنه لم يرد في شيء من الأخبار أنه - ﷺ - أخذ منهم الجزية إلى أن مات، ولا أبو بكر إلى أن مات، ولا عمر إلى أن أجلاهم، ولو لم يكن ذلك جزية لأَخَذَ منهم حين نزلت آية الجزية.","vol":"10","page":221},{"text":"وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعْطِي كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ\". [الدلائل للبيهقي ٤/ ٢٢٩]\n٣٠٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبِي، عن ابْن إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ نُخْرِجَهُمْ (١) إِذَا شِئْنَا، وَمَنْ (٢) كَانَ لَهُ مَالٌ فَلْيَلْحَقْ بِهِ، فَإِنِّي مُخْرِجٌ يَهُودَ، فَأَخْرَجَهُمْ\". [خ ٢٧٣٠، حم ١/ ١٥]\n٣٠٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ اللَّيْثِيُّ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: \"لَمَّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ سَأَلَتْ يَهُودُ\n===\n(وكان رسول الله - ﷺ - يُعطي كلَّ امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر، وعشرين وسقًا من شعير) أي من خمس خيبر، كما سيأتي في الحديث الآتي.\n٣٠٠٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن عمر) بن الخطاب - ﵁ - (قال) في زمان خلافته: (يا أيها الناس، إن رسول الله - ﷺ - كان عَامَلَ يهود خيبر على أن نخرجهم) من أرض خيبر (إذا شئنا، ومن كان له مال) أي بستان أو زرع بخيبر في أيدي اليهود (فليلحق به) أي فَلْيَأْخُذْه منهم ويحفظه (فإني مُخْرِجٌ يهودَ، فأخرجَهم).\n٣٠٠٨ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: لما افتتحت خيبر سألَتْ يهودُ\n_________\n(١) في نسخة: \"يخرجهم إذا شاء\".\n(٢) في نسخة: \"فمن\".","vol":"10","page":222},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يُقِرَّهُمْ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى النِّصْفِ مِمَّا خَرَجَ مِنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ فِيهَا مَا شِئْنَا\" فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ (١) التَّمْرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ، وَيَأْخُذُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْخُمُسَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَطْعَمَ كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِ مِنَ الْخُمُسِ مِائَةَ وَسْقٍ تَمْرًا (٢)\n===\nرسولَ الله - ﷺ - أن يُقِرَّهم على أن يعملوا) في أرض خيبر (على النصف مما خرج منها) أي من أرض خيبر من التمر والزرع (فقال رسول الله - ﷺ -: أقرُّكم على ذلك) أي على النصف (فيها) أي في أرض خيبر (ما شئنا) أي إلى ما شئنا، فنخرجكم منها إذا شئنا (فكانوا على ذلك) في حياة رسول الله - ﷺ - وفي خلافة أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - حتى أجلاهم عمر في خلافته.\n(وكان التمر) الذي يخرج من أرض خيبر (يُقْسَمُ على السُّهْمَان (٣) من نِصْفِ خَيْبَرَ، ويأخذ رسولُ الله - ﷺ - الخمس، وكان رسول الله - ﷺ - أطعم كلَّ امرأة من أزواجه من الخمس) أي من خمس خيبر (مائة وسق تمرًا) وهذا مخالف لما تقدم في حديث عبيد الله بن عمر: \"أنه - ﷺ - يعطي كلّ امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر\". قال في \"فتح الودود\": لعل بعضهم قال بالتخمين والتقريب، فحصل منه الخلاف في التعبير، وإلا فالحديث من صحابي واحد، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يقال: إن رسول الله - ﷺ - أعطاهن ثمانين وسقًا، ثم رآه لا يكفيهن فجعله مائة وسق، ويمكن أن يقال في وجه الجمع: إن ما يخرج من خمس خيبر قد يكون كثيرًا، وقد يكون قليلًا، فإذا كان كثيرًا يخرج خمسه\n_________\n(١) في نسخة: \"فكان\".\n(٢) في نسخة: \"وسق تمر\".\n(٣) وتقدم وجه الجمع فيما اختلف من الروايات في قسمة خيبر، واستدل الطحاوي وابن القيم بأنه ﵊ قسم بعض خيبر ولم يقسم بعضه، فللإمام أن يقسم الأرض المغنومة أو لا يقسمها [انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٤٦)، و\"زاد المعاد\" (٣/ ٣٥٢)]. (ش).","vol":"10","page":223},{"text":"وَعِشْرِينَ وَسْقًا (١) مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمَّا أَرَادَ عُمَرُ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ أَرْسَلَ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُنَّ (٢): مَنْ أَحَبَّ مِنْكُنَّ (٣) أَنْ أُقْسِمَ لَهَا (٤) نَخْلًا بِخَرْصِهَا مِئَةَ وَسْقٍ، فَيَكُونُ لَهَا أَصْلُهَا وَأَرْضُهَا وَمَاؤُهَا، وَمِنَ الزَّرْع مَزْرَعَةَ خَرْصٍ عِشْرِينَ وَسْقًا فَعَلْنَا، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ نَعْزِلَ الَّذِي لَهَا فِي الخُمُسِ كَمَا هُوَ فَعَلْنَا\". [م ١٥٥١، ق ٦/ ١١٤]\n===\nكثيرًا، فيعطي منه أزواجه مائة وسن، وإذا كان قليلًا فيخرج خمسه قليلًا، فيعطي منه أزواجه ثمانين وسقًا، والله أعلم.\n(وعشرين وسقًا من شعير، فلما أراد عمر) - ﵁ - (إخراجَ اليهود) من أرض خيبر (أَرْسَلَ إلى أزواج النبيِّ - ﷺ -، فقال لهن: مَنْ أَحَبَّ منكنّ أن أُقْسِمَ لها تخلًا بخرصها مائة وسق، فيكون لها أصلُها) أي أصل النخل (وأرضُها وماؤها، ومن الزرع مزرعة خرص عشرين وسقًا فَعَلْنا) أي أعطيناها لها (ومن أحبَّ أن نَعْزِلَ الذي لها في الخُمُس) وهو مائة وسق (٥) تمرًا، وعشرون وسقًا من شعير (كما هو) أي من غير أن يكون لها الأرض والماء (فَعَلْنا) فاختار بعضهن الأرض، وبعضهن الأوساق، وكانت عائشة - ﵂ - ممن اختارت الأرض.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وسق\".\n(٢) في نسخة بدله: \"لهم\".\n(٣) في نسخة: \"منكم\".\n(٤) في نسخة: \"لهم\".\n(٥) الوسق ستون صاعًا، والصاع ٥، ٣ سير بالهندية، فالوسق ٢١٠ سير، العشرون منه ٤٢٠٠ سير = ١٥ مَنْ، والتمر على ثمانين وسقًا ٦٠ مَنْ، وعلى مائة وسق ٧٥ مَنْ. (ش).\nقلت: والصاع: يساوي ٣٦٤٠ غرامًا عند الحنفية، وعند المالكية ٣٢ و١٧٢٠ غرامًا، وعند الحنابلة والشافعية - على قول النووي -: ١٧٢٨ غرامًا، وعند الشافعية - على قول الرافعي-: ٢ و١٧٤٧ غرامًا، على ما حرَّره الشيخ عوامة في تعليقه لـ \"سنن داود\" (٣/ ١٦٤).","vol":"10","page":224},{"text":"٣٠٠٩ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ. (ح): وَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - غَزَا خَيْبَرَ فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ\". [خ ٣٧١، ١٣٦٥، \"السنن الكبرى\" ٦٥٩٩]\n٣٠١٠ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ، نَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، نَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عن سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: \"قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ: نِصْفًا (١) لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفًا (٢) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا\". [ق ٦/ ٣١٧]\n===\n٣٠٠٩ - (حدثنا داود بن معاذ، نا عبد الوارث، ح: ونا يعقوب بن إبراهيم وزياد بن أيوب، أن إسماعيل بن إبراهيم حدَّثهم) أي يعقوب بن إبراهيم وزياد بن أيوب وغيرهما، كلاهما يعني عبد الوارث وإسماعيل بن إبراهيم رَوَيا (عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - غزا خيبر فأصبناها) أي خيبر (عنوة) أي قهرًا وغلبة (فَجُمِعَ السَّبْيُ) ومن السَّبْي صفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين زوجة رسول الله - ﷺ -، وهبها أولًا لدحية، ثم اصطفاها لنفسه.\n٣٠١٠ - (حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، نا أسد بن موسى، نا يحيى بن زكريا، حدثني سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة قال: قَسَمَ رسولُ الله - ﷺ - خيبرَ) أي كلها (نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين، قَسَمَها بينهم على ثمانية عشر سهمًا)، وقد تقدم بيانه.\n_________\n(١) في نسخة: \"نصف\".\n(٢) في نسخة: \"نصف\".","vol":"10","page":225},{"text":"٣٠١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، نَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِي سُلَيْمَانَ-، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: \"لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثينَ سَهْمًا جَمَعَ كُلُّ سَهْمٍ مِئَةَ سَهْمٍ، فَعَزَل نِصفَهَا لِنَوَائِبِهِ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ: الْوُطَيحَةَ وَالْكُتَيْبَةَ وَمَا أُجِيزَ (١) مَعَهُمَا، وَعَزَلَ نِصْفَ الآخَرِ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: الشَّقَّ وَالنَّطَاةَ وَمَا أُجِيزَ (٢) مَعَهُمَا، وَكَانَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيمَا أُجِيزَ (٣) مَعَهُمَا\". [ق ٦/ ٣١٧]\n===\n٣٠١١ - (حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، نا أبو خالد، يعني سليمان) بن حيان، (عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار قال: لما أفاء الله على نبيه - ﷺ - خيبرَ قَسَمَها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع) أي اشتمل كلُّ سَهْمٍ مائةَ سهم، فَعَزَل نصفَها لنوائبه، وما ينزلُ به) أي من الوفود والحاجات، وهو (الوطيحَة) مصغرة (والكتيبة) (٤) مصغرة، وهما اسمان لبعض قرى خيبر (وما أجيز) أي أُلحق وجمع (معهما) من توابعهما، (وَعَزَلَ نصفَ الآخر) كذا بالإضافة في النسخة المجتبائية والمكتوبة القلمية والقادرية ونسخة \"العون\" والكانفورية، وأما في المصرية ففيها: \"وعزل النصف الآخر\" مُحلًى بلام التعريف (فَقَسَمَه بين المسلمين: الشّقَّ والنطاة (٥) وما أجيز معهما) من توابعهما من أرض خيبر (وكان سهم رسول الله - ﷺ - فيما أجيز معهما) أي مع الشق والنطاة، وكان هذا القسم بعد إخراج الخمس منها.\n_________\n(١) في نسخة: \"أُحيز\".\n(٢) في نسخة: \"أُحيز\".\n(٣) في نسخة: \"أُحيز\".\n(٤) ضبطهما ياقوت الحموي مكبّرًا حيث قال: الوَطِيح: بفتح أوَّله وكسر ثانيه ثم ياء وحاء مهملة، حصن من حصون خيبر، وفي \"كتاب الأموال\" لأبي عبيد: الوطيحة بالحاء، والكَتِيبة: بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة وباء موحدة، حصن من حصون خيبر، \"معجم البلدان\" (٥/ ٣٧٩، ٤/ ٤٣٧)، ووافقه ابنُ الأثير في \"النهاية\" (٥/ ٢٠٣) في الوَطِيح، وخَالَفَه في الكتيبة حيث قال (٤/ ١٤٩): الكُتَيْبَة مصغَّرة: اسم لبعض قرى خيبر.\n(٥) الشق: بكسر أوله ويروى بالفتح: حصن من حصون خيبر.\nالنطاة: بالفتح وآخره تاء: حصن بخيبر، قال بعض الشعراء: =","vol":"10","page":226},{"text":"٣٠١٢ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الأَسْوَدِ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ آدَمَ حَدَّثَهُمْ، عن أَبِي شِهَاب، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالوا، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: \"فَكَانَ النِّصْفُ سِهَامَ (١) الْمُسْلِمِينَ\n===\n٣٠١٢ - (حدثنا حسين بن علي بن الأسود، أن يحيى بن آدم حدّثهم، عن أبي شهاب) وهو عبد ربِّه بن نافع الكناني، أبو شهاب الحفاظ الكوفي، نزيل المدائن، وهو أبو شهاب الأصغر، قال علي عن يحيى: لم يكن بالحافظ، وعن أحمد: كان كوفيًّا، ما علمت إلَّا خيرًا، وقال ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، وكان رجلًا صالحًا لم يكن بالمتين، وقد تكلموا، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العجلي: لا بأس به، وقال مرة: ثقة، وقال ابن خراش: صدوق، وقال الساجي: صدوق يهم في حديثه، وكذا قال الأزدي، وقال ابن نمير: ثقة صدوق، وقال البزار: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.\n(عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، أنه سمع نفرًا من أصحاب النبي - ﷺ - قالوا، فذكر هذا الحديث).\nأخرج أبو داود هذا الحديث أولًا مرسلًا، ثم أشار بهذا السند أن الحديث ليس بمرسل، وإنما ترك ذكر الصحابي، لأنهم جماعة حدث عنهم بشير بن يسار.\n(قال) أي بشير بن يسار: (فكان النصفُ) أي من خيبر (سهامَ المسلمين\n_________\n= رُمِيَتْ نطاةُ من الرسول بفيلق\nشهباء ذات مناكب وفقار\nصَحِبَتْ بنو عمرو بن زرعة غدوة\nوالشّق أظلم ليله بنهار\nقاله الحموي في \"معجم البلدان\" (٣/ ٣٥٥، ٥/ ٢٩١).\n(١) في نسخة: \"سهامًا بين ... \" إلخ.","vol":"10","page":227},{"text":"وَسَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَعَزَلَ النِّصْفَ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا يَنُوبُهُ مِنَ الأُمُورِ وَالنَّوَائِبِ\". [ق ٦/ ٣١٧]\n٣٠١٣ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى الأَنْصَارِ، عن رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثينَ سَهْمًا، جَمَعَ كُلُّ سَهْمٍ مِئةَ سَهْمٍ، فكان لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَللْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَزَلَ النِّصفَ الْبَاقِي لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ وَالأُمُورِ وَنَوَائِبِ النَّاسِ\". [ق ٦/ ٣١٧]\n٣٠١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، نَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ -، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ (١) قَسَمَهَا\n===\nوسهمَ رسول الله - ﷺ -) أي في ذلك النصف، (وَعَزَلَ النصفَ للمسلمين) أي (لما يَنوبُه من الأمور والنوائب).\n٣٠١٣ - (حدثنا حسين بن علي، نا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار مولى الأنصار، عن رجال من أصحاب النبي - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - لما ظَهَرَ) أي غلب (على خيبرَ قَسَمَها على ستة وثلاثين سهمًا، جَمَعَ كل سَهْمٍ) منها (مئةَ سَهْمٍ، فكان لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصفَ الباقي لمن نزل به من الوُفودِ والأُمُورِ ونوائبِ الناس).\n٣٠١٤ - (حدثنا محمد بن مسكين اليَمَاميُّ، نا يحيى بن حسان، نا سليمان - يعني ابن بلال -، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: أن رسول الله - ﷺ - لما أفاء الله عليه خيبرَ قَسَمَها\n_________\n(١) في نسخة: \"الخيبر\".","vol":"10","page":228},{"text":"سِتَّةً وَثَلَاثينَ سَهْمًا جَمْعًا (١)، فَعَزَلَ لِلْمُسْلِمِينَ الشَّطْرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، يَجْمَعُ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةً النَّبِيُّ - ﷺ - مَعَهُمْ، لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِ أَحَدِهِمْ، وَعَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَهُوَ الشَّطْرُ لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ (٢) ذَلِكَ الْوَطِيحَ (٣) وَالْكُتَيْبَةَ وَالسُّلَالِمَ (٤) وَتَوَابِعَهَا، فَلَمَّا صَارَتِ الأَمْوَالُ بِيَدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُمَّالٌ يَكْفُونَهُمْ عَمَلَهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْيَهُودَ فَعَامَلَهُمْ\". [ق ٦/ ١٧]\n٣٠١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَمِّعِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَعْقُوبَ بْنَ مُجَمِّعٍ يَذْكُرُ\n===\nستة وثلاثين سهمًا جمعًا) أي كلها تمامًا، (فَعَزَلَ للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهمًا، يَجْمَعُ كلُّ سهمٍ مائة النبيُّ - ﷺ - معهم) أي مع المسلمين، (له) أي للنبيِّ - ﷺ - (سَهْمٌ) أي في ذلك النصف (كسهمِ أحدِهم، وعَزَلَ رسول الله - ﷺ - ثمانيةَ عَشَرَ سهمًا، وهو الشطر) أي النصف (لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين، وكان ذلك) أي الشطر الثاني الذي لنوائبه (الوطيح والكتيبة والسُّلالم) بضم السين وبفتحها: حصن من حصون خيبر، ويقال له أيضًا: السُّلاليم بالياء (وتوابعها، فلما صارت الأموال بيد النبيِّ - ﷺ - والمسلمين لم يكن لهم عُمَّالٌ يَكْفُونَهم عَمَلَها، فدعا رسولُ الله - ﷺ - اليهودَ فَعَامَلَهم) أي أعطاهم أرض خيبر على نصف ما يخرج منها.\n٣٠١٥ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا مُجَمِّعُ بنُ يعقوب بنِ مُجَمِّعِ بنِ يزيد الأنصاري قال: سمعت أبي يعقوبَ بنَ مجمّع يذكر\n_________\n(١) في نسخة: \"جُمَعَ\".\n(٢) في نسخة: \"فكان\".\n(٣) في نسخة: \"الوطيحة\".\n(٤) في نسخة: \"السُّلاليم\".","vol":"10","page":229},{"text":"لِي، عن عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيِّ، عن عَمِّهِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيّ - وَكَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الّذِينَ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ - قَالَ: \"قُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ، فِيهِمْ ثَلَاثُ مِئَةِ فَارِسٍ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا\". [حم ٣/ ٤٢٠]\n٣٠١٦ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، نَا يَحْيَى- يَعْنِي\n===\nلي، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري) بدل عن عمه، (عن عمه مجمّع بن جارية الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن - قال) مجمع بن جارية: (قُسمت خيبر) أي نصفها (على أهل الحديبية، فَقَسَمَها) أي نصفَها (رسولُ الله - ﷺ - على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمس مئة، فيهم ثلاث مئة فارس، فأعطى الفارسَ سهمين) فأعطى الفوارس ستة أسهم من ثمانية عشر، (وأعطى الراجلَ سهمًا) وكان بَقيَ اثنا عشر سهمًا، والرجَّالة ألف ومائتان، [لكل مئة] منهم سهم واحد.\nقال القاري (١): والمعنى أعطى لكل مائة من الفوارس سهمين، فيكون لكل مائة من الرجالة سهم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، ويؤيده ما روي عن ابن عمر أيضًا أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"للراجل سهم، وللفارس سهمان\"؛ لأن الرجالة على هذه الرواية تكون ألفًا ومائتين، ولهم اثني عشر سهمًا، لكل مائة سهم، وللفرسان ستة أسهم، لكل مائة سهمان، فالمجموع ثمانية عشر سهمًا.\nوأما على قول من قال: للفارس ثلاثة أسهم، فمشكل، لأن سهام الفرسان تسعة، وسهام الرجالة اثنا عشر، فالمجموع واحد وعشرون.\n٣٠١٦ - (حدثنا حسين بن علي العجلي، نا يحيى - يعني\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٧٦).","vol":"10","page":230},{"text":"ابْنَ آدَمَ -، نَا ابْنُ أَبِي زَائِدةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن الزُّهْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَبَعْضِ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالُوا: \"بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَتَحَصَّنُوا (١)، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ وُيسَيِّرَهُمْ، فَفَعَلَ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ فَدَكَ، فَنَزُلوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَاصَّةً، لأَنَّهُ لَمْ يُوْجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ\". [ق ٦/ ٣١٧]\n===\nابن آدم -، نا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر وبعض ولد محمد بن مسلمة قالُوا: بقيتْ بقيةٌ من) حصون (أهلِ خيبر) أي فتح بعض حصون خيبر وغلب على أهلها، وبقيت بقية منها (فَتَحَصَّنُوا) أي دخل أهلُها في الحصن، فَحاصَرَهُم رسولُ الله - ﷺ -، فاضطرُّوا وعجزوا عن القتال، (فَسَأَلُوا رسولَ الله - ﷺ - أن يَحْقِن دماءهم) أي لا يقتلهم (ويُسَيِّرَهُم) أي يُخرجهم من ديارهم، ويُجليهم، (ففعل) أي رسولُ الله - ﷺ - إجلاءهم (فَسَمِعَ بذلك أهل فَدَكَ، فَنَزَلوا على مثل ذلك، فكانت) أي فدك (لرسول الله - ﷺ - خاصة؛ لأنه لم يُوجف) المسلمون، الإيجاف: سرعة السير (عليها بخيل ولا ركابٍ).\nقال في \"تاريخ الخميس\" (٢): وفي \"الاكتفاء\": لما افتتح رسول الله - ﷺ - من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، وانتهوا إلى حصنيهم الوَطيح والسُّلالم، وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحًا، فحاصرهم رسولُ الله - ﷺ - بضع عشرة ليلة في حصنيهم الوَطِيحِ والسُّلالمِ، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوا أن يُسَيِّرَهُم وَيحْقِنَ لهم دماءهم، فَفَعَلَ، فلما سمع أهلُ فَدَكَ قد صنعوا ما صنعوا بَعَثُوا إلى رسولِ الله - ﷺ - أن يُسَيِّرَهم ويحقن لهم دماءهم، وأن يخلوا له الأموال، ففعل، وفي رواية: فكان خيبر فيئًا للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله - ﷺ -، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيلٍ ولا ركابٍ.\n_________\n(١) في نسخة: \"تحصنوا\".\n(٢) (٢/ ٥٠ - ٥١).","vol":"10","page":231},{"text":"٣٠١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن جُوَيْرِيَةَ، عن مَالِكٍ، عن الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شَاهِدٌ: أَخْبَرَكُمْ ابْنُ وَهْب قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عن ابْنِ شِهَابٍ: \"أَنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا صُلْحًا (١)،\n===\n٣٠١٧ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الله بن محمد) بن أسماء بن عبيد بن مخارق الضبعي، أبو عبد الرحمن البصري، روى عن عمه جويرية (٢) بن أسماء، ومهدي بن ميمون، قال أبو زرعة: لا بأس به، شيخ صالح، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال ابن وارة: قيل لي: إنه أفضل أهل البصرة، فذكرته لابن المديني فعظم شأنه، وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي: لم أر بالبصرة أفضل منه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن قانع: ثقة.\n(عن) عمه (جويرية) تصغير جارية، ابن أسماء بن عبيد بن مخارق، ويقال: مخراق، الضبعي، أبو مخارق، ويقال: أبو أسماء البصري، روى عن مالك بن أنس، وهو من أقرانه، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أحمد: ثقة، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان صاحب علم كثير، (عن مالك، عن الزهري، أن سعيدَ بنَ المسيب أَخْبَرَه: أن رسول الله - ﷺ - افتتح بعض خيبر عنوةً).\n(قال أبو داود: وقُرِئَ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد) ثم بين ما قرأ القارئ: (أَخْبَرَكم) الخطاب للحارث بن مسكين، وضمير الجمع للتعظيم (ابن وهب قال) ابن وهب: (حدثني مالك، عن ابن شهاب: أن خَيْبَرَ كان بعضُها) أي فتح بعضها (عنوةً وبعضها) أي وكان فتح بعضها (صلحًا)، ولعل\n_________\n(١) في نسخة: \"صلح\".\n(٢) في الأصل: \"جوهرية\"، وهو تحريف. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٥).","vol":"10","page":232},{"text":"وَالْكُتَيْبَةُ أَكْثَرُهَا عَنْوَةً وَفِيهَا صُلْحٌ. قُلْتُ (١) لِمَالِكٍ: وَمَا الْكُتَيْبَةُ؟ قَالَ: أَرْضُ خَيْبَرَ (٢) وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَذْقٍ\". [ق ٦/ ٣١٧ - ٣١٨]\n٣٠١٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْح، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (٣)، عن ابْنِ شِهَابِ قَالَ: \"بَلَغَنِي أَن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ، وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى الْجَلَاءِ بَعْدَ الْقِتَالِ\". [ق ٦/ ٣١٧ - ٣١٨]\n===\nالمراد (٤) بالصلح ما صالحوه على أن يخرجهم ويحقن دماءهم، وليس هذا بالصلح الاصطلاحي بل هو أيضًا فتح عنوةً، (والكُتَيْبة أَكْثرُها عنوة وفيها صلح) أي في بعضها وقع الصلح.\n(قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال) مالك: هي (أرض خيبر، وهي أربعون ألف عَذْق) بالفتح: النخلة، وبالكسر: العُرْجُون بما فيه من الشماريخ، ويجمع على عذاق، ومنه حديث (٥) أنس: فرد رسول الله - ﷺ - إلى أمّي (٦) عذاقها، أي نخلاتها.\n٣٠١٨ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: بلغني أن رسولَ الله - ﷺ - افْتَتَحَ خيبرَ عنوةً بعد القتال، ونزل من نزل من أهلها) أي أهل خيبر (على الجَلاء) أي الخروج من الوطن (بعد القتال) فافتتح خيبر رسول الله - ﷺ - كلَّها عنوة بعد القتال، ونزولهم على الجلاء ليس يمنع أن يكون فتحها عنوةً.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقلت\".\n(٢) في نسخة: \"من خيبر\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ابن يزيد بذلك\".\n(٤) وبذلك جزم ابن القيم في \"الهدي\" (٣/ ٣٢٥)، وتبعه ابن الهمام في \"الفتح\" (٥/ ٤٥٧). (ش).\n(٥) أخرجه البخاري (٢٦٣٠)، و\"مسلم\" (١٧٧١).\n(٦) في الأصل: \"على الحي\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":233},{"text":"٣٠١٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْح، نَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عن ابْنِ شِهَاب قَالَ: \"خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَيْبَرَ، ثمَّ قَسَمَ سَائِرَهَا عَلَى مَنْ شَهِدَهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ\".\n٣٠٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عن مَالِكٍ، عن زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن أَبِيهِ، عن عُمَرَ قَالَ: \"لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خيْبَرَ\" (خ ٣١٢٥، حم ١/ ٤٠]\n===\n٣٠١٩ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: خَمَّس رسولُ الله - ﷺ - خيبرَ) أي غنائِمَها، (ثم قَسَمَ سائِرَها) أي نصف باقيها بعد الخُمُسِ (على مَنْ شَهِدَها ومَن غاب عنها من أهلِ الحديبية).\nقال في \"تاريخ الخميس\" (٢): وقسمتْ خيبرُ على أهل الحديبية من شهد خيبر لا من غاب عنها، إلَّا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فَقَسَمَ له رسول الله - ﷺ - كَسَهْمِ من حضرها، انتهى.\nثم إن رسول الله - ﷺ - شَرَّكَ في مقاسم خيبرَ مَنْ قَدِمَ عليه بخيبر من نفر الأشعريين مع مهاجرة الحبشة، فرأى النبي - ﷺ - أن لا يخيب مسيرَهم ولا يبطل سفرَهم، فشركهم فيها، فسأل أصحابه ذلك، فطابوا به نفسًا.\n٣٠٢٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر) - ﵁ - (قال: لولا آخِرُ المسلمين) أي لولا أترك المسلمين الذين بعدنا فقراء (ما فَتَحْتُ قريةً إلَّا قسمتُها كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر)، وعُلم بهذا أن رسول الله - ﷺ - قَسَمَ خيبرَ على المسلمين.\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) (٢/ ٥٥).","vol":"10","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1154>(٢٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي خَبَرِ مَكَّة</span>\n٣٠٢١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَن ابْن عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بأبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَأَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ،\n===\nواختلف الأئمة في البلاد التي يفتحها المسلمون، فقال أبو حنيفة - ﵀ -: الإِمام مُخيّر بين أن يقسمَها بين المسلمين أو يُوقفَها لنوائب المسلمين.\nوقال الشافعي - ﵀ -: تقسم الأرض كلها كما قَسَمَ رسولُ الله - ﷺ - خيبرَ.\nوقال مالك - ﵀ -: يُوقفها الإِمام كما فعل عمر - ﵁ -، لأن فعل عمر - ﵁ - كان بمحضر من الصحابة - ﵃-، فلم ينكر عليه أحد، فصار إجماعًا، والله أعلم.\n\n(٢٥) (بَابُ مَا جَاءَ فِي خَبَرِ مَكَّة)\nأي فتحها\n٣٠٢١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن آدم، نا ابن إدريس) أي عبد الله، (عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - عام الفتح) أي فتح مكة (جاءَه العباسُ بنُ عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب (١)، فَأَسْلَمَ) أي صار مسلمًا (بمرِّ الظَّهْرَان) موضع بقرب مكة (٢).\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤١١).\n(٢) هو المعروف الآن باسم وادي فاطمة، أو الجُمُوم، قبل الدخول على مكة من جهة المدينة بقُرابة ثلاثين كيلو مترًا.","vol":"10","page":235},{"text":"فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ، فَلَوْ جَعَلْتَ لَهُ شَيْئًا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ (١) بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ\". [ق ٩/ ١١٨]\n٣٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، نَا سَلَمَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ -، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عن بَعْضِ أَهْلِهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ النَّبِيُّ (٢) - ﷺ - بِمَرِّ (٣) الظَّهْرَانِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَكَّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ، إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ، فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -،\n===\n(فقال له) أي لرسول الله - ﷺ - (العباس: يا رسولَ الله! إن أبا سفيان رَجُلٌ يُحِبُّ هذا الفخر) لأنه سيد قريش (فلو جعلتَ له شيئًا؟) يفتخر به كان سببًا لقوة إسلامه (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (نعم، مَنْ دَخَلَ دار أبي سفيان فهو آمِنٌ، ومَنْ أَغْلَقَ) أي سَدَّ عليه (بَابَه فهو آمِنٌ).\n٣٠٢٢ - (حدثنا محمد بن عمرو الرازي، نا سلمة - يعني ابن الفضل -، عن محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله) قال في \"التقريب\" (٤): العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس عن بعض أهله، يحتمل أن يكون عكرمة أو أبوه عبد الله أو أخوه إبراهيم بن معبد، (عن ابن عباس قال: لما نَزَلَ النبيُّ - ﷺ - بمرِّ الظَّهْرَان) أي مع الجيوش زمنَ فتحِ مكةَ.\n(قال العباس: قلت) أي في نفسي: (والله لئن دَخَلَ رسولُ الله - ﷺ - مكةَ عنوةً قبل أن يأتوه فيستأمِنُوه، إِنَّه لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ، فَجَلَسْتُ على بغلةِ رسولِ الله - ﷺ -،\n_________\n(١) في نسخة: \"غلق\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) في نسخة: \"مَرَّ\".\n(٤) (ص ١٣٢٤).","vol":"10","page":236},{"text":"فَقُلْتُ: لَعَلِّي أَجِدُ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي أَهْلَ مَكَّةَ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِيَخْرُجُوا (١) إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ، فَإِنِّي لأَسِيرُ إِذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ.\nفَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي، قَالَ (٢): أَبُو الْفَضْلِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مَا لَكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟ قُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَالنَّاسُ، قَالَ: فَمَا الْحِيلَةُ؟ قَالَ: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَسْلَمَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، قَالَ: \"نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ،\n===\nفقلت) في نفسي: (لَعَلِّي أَجِدُ ذا حاجةٍ) خرج لحاجته فَأُخْبِره بخبرِ رسولِ الله - ﷺ - فـ (يأتي أهلَ مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله - ﷺ -) أي مع الجيوش (ليخرجوا إليه فيستأمنوه) أي يطلبوا منه الأمان، (فإني لأسيرُ إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء) أي سمعت صوتهما (فقلتُ: يا أبا حنظلة) كنية أبي سفيان (فَعَرَفَ صوتي، قال: أبو الفضل؟) بحذف الاستفهام، أي أنت أبو الفضل؟ وهو كنية العباس (قلت: نعم، قال: ما لَكَ فداك أبي وأمي؟ قلت: هذا رسول الله - ﷺ - والناس) أي الجيوش داخلون مكة (قال: فما الحيلة؟ قال: فركب) أي أبو سفيان (خَلْفِي وَرَجَعَ صاحبُه) أي بديل بن ورقاء إلى مكة.\n(فلما أَصْبَحَ غَدَوْتُ به على رسول الله - ﷺ -، فأسلم) أي دَخَلَ في الإِسلام، (قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ يُحِبُّ هذا الفخرَ، فَاجْعَلْ له شيئًا) يسرّ به ويفتخر (قال) رسول الله - ﷺ -: (نعم، مَنْ دَخَلَ دار أبي سفيان فهو آمِنٌ (٣)،\n_________\n(١) في نسخة: \"فيخرجوا\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) في \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ١٢٠)، و\"تهذيبه\" لابن حجر (٤/ ٤١١) عن ثابت البناني أنه قال: إنما قال النبي - ﷺ - ذلك لأنه كان إذا أُوذي بمكة دخل دار أبي سفيان.","vol":"10","page":237},{"text":"وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ\". قَالَ: فتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ. [ق ٩/ ١١٨ - ١١٩]\n٣٠٢٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، نَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ-،\n===\nومن أغلق عليه دارَه) وسدّ عليه بابَه (فهو آمن، ومَنْ دَخَلَ المسجدَ) الحرامَ (فهو آمن). وفي رواية: \"وَمَنْ أَلْقَى السلاحَ فهو آمن\" (قال) أي ابن عباس: (فتفرَّق الناس إلى دُوْرِهم وإلى المسجد).\nواستدل بهذا الحديث على أن مكة فُتحت صلحًا، واختلف العلماء فقال الشافعي (١): فُتِحَتْ صلحًا، وانفرد بهذا القول. وقال الجماهير (٢) من العلماء: فُتِحَتْ عنوةً، وليس في هذا الحديث دليل على أنها فُتِحَتْ صلحًا؛ لأنه لم يثبت أن أحدًا من أهل مكة استأمن رسول الله - ﷺ - لأهل مكة.\n٣٠٢٣ - (حدثنا الحسن بن الصباح، نا إسماعيل، يعني ابن عبد الكريم) بن معقل بكسر القاف، ابن مُنَبِّه، أبو هشام، ووهم من قال: أبو هاشم، الصنعاني، روى عن ابن عمه إبراهيم بن عقيل، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن معين: ثقة، رجل صدق، والصحيفة التي يرويها عن وهب، عن جابر ليست بشيء، إنما هو كتاب وقع إليهم، ولم يسمع وهب من جابر شيئًا.\nقال المِزِّي: وروى ابن خزيمة في \"صحيحه\" عن الذهلي عنه، عن إبراهيم بن عقيل، عن وهب قال: هذا ما سألت جابر بن عبد الله، فذكر حديثًا، قال: فهذا إسناد صحيح، وفيه رد على من قال: إنه لم يسمع من جابر،\n_________\n(١) بسطه صاحب \"تحفة المحتاج\" (٤/ ١٥٨)، وأجاب عن مستدلات غيره مفصلًا. (ش).\n(٢) كما جزم به ابن القيم (٣/ ٤٢٩) ومنهم المالكية، كما بسط الباجي (٤/ ٤٤٠)، وسيأتي في \"باب في إيقاف أرض السواد وأرض العنوة\" حكم الأرض المفتوحة عنوةً. (ش).","vol":"10","page":238},{"text":"نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مَعْقِلٍ، عن أَبِيهِ (١)، عن وَهْبٍ (٢) قَالَ: \"سَأَلْتُ جَابِرًا: هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا\". [ق ٩/ ١٢١]\n===\nوصحيفة همام عن أبي هريرة مشهورة، ووفاته قبل وفاة جابر، فكيف يستنكر سماعه منه؟ وكانا جميعًا في بلد واحد.\nقلت: أما إمكان السماع فلا ريب فيه، ولكن هذا في همام، فأما أخوه وهب الذي وقع فيه البحث، فلا ملازمة بينهما، فلا يحسن الاعتراض على ابن معين بذلك الإسناد، فإن الظاهر أن ابن معين كان يغلّطُ إسماعيلَ في هذه اللفظة \"عن وهب سألت جابرًا\"، والصواب عنده عن جابر، والله أعلم، وأما قول ابن القطان الفاسي: إن إسماعيل لا يعرف، فمردود عليه، وقال مسلمة بن قاسم: جائز الحديث (٣).\n(نا إبراهيم بن عقيل بن معقل) بن منبِّه الصنعاني، روى عنه ابن عمه إسماعيل بن عبد الكريم، قال ابن معين: لم يكن به بأس، وقال العجلي: ثقة، وذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين قال: إبراهيم ثقة، وأبوه ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) عقيل بفتح أوله مكبّرًا، روى عن عَمَّيه همام ووهب، وعنه ابنه إبراهيم وابن أخيه يوسف بن عبد الصمد بن معقل، قال أحمد: عقيل من ثقاتهم، وقال عبد الصمد: ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن وهب) بن منبه (قال: سألت جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا).\nقال الشيخ ابن القيم في \"الهدي\" (٤): فإذا كانت مكة قد فتحت عنوة فهل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عقيل بن معقل\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن منبه\".\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣١٥ - ٣١٦).\n(٤) \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٣٩).","vol":"10","page":239},{"text":"٣٠٢٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، نَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاح الأَنْصَارِيِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ سَرَّحَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَخَالِدَ بْنَ الْوَليدِ عَلَى الْخَيْلِ،\n===\nيضرب الخراج على مزارعها كسائر أرض العنوة، وهل يجوز لكم أن تفعلوا ذلك أم لا؟ قيل: في هذه المسألة قولان:\nأحدهما: المنصوص المنصور الذي لا يجوز القولُ بغيره أنه لا خراج على مزارعِها وإن فتحت (١) عنوةً، فإنها أجلُّ وأعظمُ من أن يُضرَبَ عليها الخراج، لا سيّما والخراجُ هو جزية الأرض، وهو على الأرض كالجزية على الرؤوس، وحَرَمُ الرَّبِّ أجلُّ قدرًا وأكبرُ من أن تضرب عليه جزية، ومكة بفتحها عادتْ إلى ما وصفها الله عليه من كونها حرمًا آمنًا يشترِكُ فيها أهلُ الإسلام، إذ هو موضع مناسِكهم ومتعبدهم وقبلةُ أهل الأرض.\nوالثاني - وهو قول بعض أصحاب أحمد - ﵀ -: أن على مزارعِها الخراج، كما هو على مزارعِ غيرِها من أرض العنوة، وهو فاسد مخالف لنص أحمد - ﵀ - ومذهبه، ولفعل رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين من بعده - ﵃ -، فلا التفات إليه، والله أعلم.\n٣٠٢٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا سلام بن مسكين، نا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن أبي هريرة: أن النبيَّ - ﷺ - لما دخل مكة) أي أراد دخولَ مكة (سَرَّحَ الزبيرَ بنَ العوام وأبا عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد على الْخَيْلِ).\n_________\n(١) وبه قال في \"البدائع\" (٦/ ٨٤)، وبسط الكلام على المسألة الزيلعي في تخريج \"الهداية\" (٣/ ٤٣٨)، والحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٤٥١)، وهل يجوز بيع بيوت مكة؟ مسألة خلافية ذكرت في هامش \"اللامع\" (٢/ ١٩٧) تحت ترجمة البخاري \"باب توريث دور مكة\"، وقال الشامي (٩/ ٥٦٣) يجوز بيع بيوت مكة ... إلخ. (ش).","vol":"10","page":240},{"text":"وَقَالَ: \"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! اهْتِفْ بِالأَنْصَارِ\"، قَالَ: \"اسْلُكُوا هَذَا (١) الطَّرِيقَ، فَلَا يُشْرِفَنَّ لَكُمْ أَحَدٌ\n===\nقال في \"الخميس\" (٢): لما خرج أبو سفيان وحكيم من عنده - ﷺ - راجعَين إلى مكة، بَعَثَ في أثرهما الزبيرَ بنَ العوام، وأعطاه الراية، وأَمَّرَه على خيل المهاجرين والأنصار، وأَمَرَه أن يسيرَ من طريق كداء وأن يركز رايته بأعلى الحجون، وقال له: لا تبرح من حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك، وجعل أبا عبيدة بن الجراح على الحسر والبياذق، فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون.\nوأمر خالد بن الوليد - وكان على المجنبة اليمنى - أن يدخل في من أسلم من قضاعة وبني سليم وأسلم وغفار وجهينة ومزينة وسائر القبائل، فدخل من الليط أسفل مكة، وبها بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناة والأحابيش الذين استنفرتهم واستنصرتهم قريش وأمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة، وأمر النبيُّ - ﷺ - خالدًا أن يركز رايته عند منتهى البيوت وأدناها.\nوقال النبي - ﷺ - لخالدٍ والزبير: لا تقاتلوا إلَّا من قاتلكم، ولم يكن بأعلى مكة من مكة من قبل الزبير قتال، وأما خالد بن الوليد فدخل من اللِيط أسفل مكة، فلقيه قريش وبنو بكر والأحابيش فقاتلوه، فقتل منهم قريبًا من عشرين رجلًا، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله - ﷺ -، ودخل رسول الله - ﷺ - من أواخر المهاجرين حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبة.\n(وقال) رسول الله - ﷺ -: (يا أبا هريرة، اهتِفْ بالأنصار) أي نادِهم وادعُهُم لي، فناداهم فاجتمعوا (قال) رسول الله - ﷺ - لهم: (اسْلُكوا هذا الطريق، فلا يُشْرِفَنّ لكم أحدٌ) أي لا يطلع عليكم أحدٌ من أتباع قريش للقتال ممن قدمهم\n_________\n(١) في نسخة: \"هذه\".\n(٢) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ٨١ - ٨٢).","vol":"10","page":241},{"text":"إلَّا أَنمْتُمُوهُ\"، فَنَادَى مُنَادي (١): لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ دَخَلَ دَارًا (٢) فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ\"، وَعَمَدَ (٣) صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ فَدَخَلُوا الْكَعْبَةَ فَغَصَّ (٤) بِهِمْ، وَطَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَام، ثُمّ أَخَذَ بِجَنبتَي الْبَابِ، فَخَرَجُوا فَبَايَعُوا النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى الإسْلَامِ\" (٥). [م ١٧٨٠، ق ٩/ ١١٨، قط ٣/ ٥٩، حم ٢/ ٥٣٨]\n===\nقريش (إلَّا أَنَمْتُمُوه) أي قَتَلْتُمُوه (فنادى منادي: لا قُرَيْشَ بعد اليوم) لأنه - ﷺ - دخل مكة عنوةً، وأباح قتل من أشرف لهم.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: من دخل دارًا) أي دار أبي سفيان (فهو آمن، ومَنْ أَلْقَى السلاح فهو آمن (٦)، وعَمَدَ صناديدُ) أي رؤساء (قريش) وأشرافهم (فدخلوا الكعبة، فَغَصّ بهم) أي امتلأ البيت منهم (وطاف النبيُّ - ﷺ -) الكعبة (وصلّى خلف المقام) ركعتين (ثم أخذ بِجَنبَتي الباب) أي عضادتيه (فخرجوا) أي رؤساء قريش (فبايعوا النبيَّ - ﷺ - على الإِسلام).\nقال في \"الخميس\" (٧): فلما قضى رسول الله - ﷺ - طوافه قال: يا معشر قريش، ماذا ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فأعتقهم رسول الله - ﷺ -، وقد كان الله أمكنه من\n_________\n(١) في نسخة: \"منادٍ\".\n(٢) في نسخة: \"دار أبي سفيان\".\n(٣) في نسخة: \"فعمد\".\n(٤) في نسخة: \"فغضب\".\n(٥) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبلَ يسأله رجل قال: مكةُ فتح عنوة؟ قال: أيش يَضُرك ما كانت؟ قال: فصلُح؟ قال: لا\". [قلت: هذا من أدب الإِمام أحمد لم يرض أن يقال: فتحت مكة بالسيف].\n(٦) وتقدَّم بيان من هدر النبي - ﷺ - دماءهم في الجهاد \"باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإِسلام\". (ش).\n(٧) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"10","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1155>(٢٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي خَبَرِ الطَّائِفِ</span>\n٣٠٢٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، نَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ -، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ عَقِيلِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عن أَبِيهِ، عن وَهْبٍ قَالَ: سَأَلَتُ جَابرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ؟ قَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أنْ (١) لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: \"سَيَتَصَدَّقُونَ (٢) وُيجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا\". [حم ٣/ ٣٤١]\n===\nرقابهم عنوةً، فلذلك يسمى أهل مكة طلقاء، أي الذين أطلقوا فلم يسترقّوا ولم يؤسروا، والطليق: هو الأسير إذا أطلق.\n\n(٢٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِي خَبَرِ الطَّائِفِ)، أي قصة فتحها\n٣٠٢٥ - (حدثنا الحسن بن الصباح، نا إسماعيل - يعني ابن عبد الكريم -، حدثني إبراهيم - يعني ابن عقيل بن مُنَبِّه -) وتقدم في الحديث المتقدم أنه إبراهيم بن عقيل بن معقل، وها هنا إبراهيم بن عقيل بن منبه، فهذا في الحقيقة ليس فيه اختلاف، فإن في الحديث المتقدم نسب عقيل إلى أبيه معقل، وفي هذا الحديث نسب إلى جده منبه، فإنه عقيل بن معقل بن منبه.\n(عن أبيه) عقيل، (عن وهب قال: سألت جابرًا عن شأن) أي حال (ثقيف إذ بايعت؟) أي النبيَّ - ﷺ - على الإِسلام (قال) جابر: (اشترطتْ) أي ثقيف (على النبيِّ - ﷺ - أن لا صدقة) أي الزكاة والعشر (عليها، ولا جهادَ) فقبله رسول الله - ﷺ -، فإن الصدقة غير واجبة إلَّا بعد الحول، وكذلك الجهاد لا يفرض إلَّا عند هجوم العدوِّ، (وأنه) أي جابرًا (سمع النبيَّ - ﷺ - بعد ذلك يقول: سَيَتَصَدَّقُون ويُجَاهِدُون إذا أسْلَمُوا).\n_________\n(١) في نسخة: \"أنه\".\n(٢) في نسخة: \"سيصدقون\".","vol":"10","page":243},{"text":"٣٠٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ - يَعْنِي ابْنَ مَنْجُوفٍ -، نَا أَبُو دَاوُدَ، عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عن حُمَيْدٍ، عن الْحَسَنِ، عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ ليَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعَشَّرُوا وَلَا يُجَبُّوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا وَلَا تُعَشَّرُوا، وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ\". [حم ٤/ ٢١٨، خزيمة ٢/ ٢٥٨]\n===\n٣٠٢٦ - (حدثنا أحمد بن علي بن سويد - يعني ابن منجوف -، نا أبو داود) الطيالسي، (عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف لما قَدِمُوا) أي المدينة (على رسول الله - ﷺ - أَنْزَلَهم المسجد) أي أضيافًا (ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا عليه) أي على رسول الله - ﷺ - (أن لا يُحْشَرُوا) على صيغة المجهول، أي لا يندبوا إلى الغزو، ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل: لا يحشرون إلى عامل الزكاة، بل يأخذ صدقاتهم في أماكنهم (ولا يُعَشَّرُوا) أي لا يؤخذ عشر أموالهم، وقيل: أرادوا الصدقةَ الواجبةَ، وفَسَّحَ لهم في تركها، لأنها تجب بتمام الحول، وقال جابر: علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا \"مجمع\" (١).\n(ولا يُجَبُّوا) من التجبية (٢)، وهذا على بناء الفاعل، وهو مثل لا يصلوا وزنًا ومعنًى، وأصل التجبية أن يقوم مقام الراكع، أرادوا أن لا يصلوا (فقال رسول الله - ﷺ -: لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع).\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٩٧).\n(٢) وذكر صاحب \"المجمع\" (١/ ٣٢٠) في مادة الجبو، وقال: أصل التجبية أن يقوم قيام الراكع، وقيل: أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، وقيل: السجود، وأرادوا أن لا يصلوا، والأول أنسب لقوله: \"لا خير ... \"إلخ، وأريد به الصلاة مجازًا. (ش).","vol":"10","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1156>(٢٧) بَابُ مَا جَاءَ فِي حُكْمِ أَرْضِ الْيَمَنِ</span>\n٣٠٢٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن أَبِي أُسَامَةَ، عن مُجَالِدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَتْ لِي هَمْدَانُ: هَلْ أَنْتَ آتٍ هَذَا الرَّجُلَ وَمُرْتَادٌ (١) لَنَا، فَإِنْ رَضِيتَ لَنَا شَيْئًا قَبِلْنَاهُ، وَإِنْ كَرِهْتَ شَيْئًا كَرِهْنَاهُ، قُلْتُ: نَعَمْ،\n===\nقال الخطابي (٢): يشبه أن يكون النبيّ - ﷺ - إنما سَمَحَ لهم بالجهاد والصدقة، لأنهما لم يكونا واجبين في العاجل، لأن الصدقة إنما تجب بعد تمام الحول، والجهاد إنما يجب بحضور العدوِّ، وأما الصلاة فهي واجبة في كل يوم وليلة، فلم يجز أن يشترطوا تركها.\n\n(٢٧) (بَابُ مَا جَاءَ فِي حُكْمِ أَرْضِ الْيَمَنِ)\n٣٠٢٧ - (حدثنا هناد بن السري، عن أبي أسامة، عن مجالد، عن الشعبي، عن عامر بن شهر) الهمداني، أبو الكنود بفتح الكاف، ويقال: البكيلي بالموحدة وكسر الكاف الخفيفة، ويقال: الناعظي بالنون والمهملة والظاء المعجمة، وناعظ وبكيل من همدان، له صحبة، عداده في أهل الكوفة، وكان من عُمّال النبيّ - ﷺ - على اليمن، روى له أبو داود من حديث الشعبي عنه، وإسناده إلى الشعبي لا بأس به.\n(قال: خرج رسول الله - ﷺ -) أي ادَّعَى النبوة وأَظْهَرَها (فقالت لي همدان) أي قبيلتي: (هل أنت آتٍ هذا الرجلَ ومرتادٌ لنا؟) قال في \"المجمع\" (٣): هو طالب الكلأ، ثم نقل إلى كل متطلب أمرًا، أي طالب لنا الخير والحق.\n(فإن رضيتَ لنا شيئًا قبِلناه، وإن كرهتَ شيئًا كَرِهْناه، قلت: نعم،\n_________\n(١) في نسخة: \"مرتادًا\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٤ - ٣٥).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٩٦).","vol":"10","page":245},{"text":"فَجِئْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَرَضِيتُ أَمْرَهُ، وَأَسْلَمَ قَوْمِي، وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هَذَا الْكِتَابَ إِلَى عُمَيْر ذِي مَرَّان. قَالَ: وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ مُرَارَةَ الرَّهَاوِيَّ إِلَى الْيَمَنِ جَمِيعًا، فَأسْلَمَ عَكٌّ ذُو (١) خَيْوَان، قَالَ: فَقِيلَ لِعَكٍّ: انْطَلِقْ إِلَى رَسولِ اللَّهِ - ﷺ - فخُذْ مِنْهُ الأَمَانَ عَلَى قَرْيَتِكَ وَمَالِكَ، فَقَدِمَ فَكَتَبَ\n===\nفجئتُ حتى قدِمتُ على رسولِ الله - ﷺ -، فرضِيتُ أَمْرَه، وأَسْلَمَ قومي) أي همدان (وكتب رسول الله - ﷺ - هذا الكتاب إلى عمير ذي مران) بن أفلح بن شراحيل بن ربيعة، وهو ناعظ بن مرثد الهمداني الناعظي، جد مجالد بن سعيد المحدث المشهور، كان مسلمًا في عهد النبي - ﷺ - وكاتبه، فأخرج الطبراني (٢) من طريق مجالد بن سعيد بن عمير ذي مران، عن أبيه، عن جده عمير قال: جاءنا كتاب النبيِّ - ﷺ -: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله - ﷺ - إلى عمير ذي مران ومن أسلم من همدان، أما بعد! سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد! فإنه بلغنا إسلامكم لما قدمنا من أرض الروم، فأبشروا، فإن الله قد هداكم\"، الحديث، كذا في \"الإصابة\" (٣).\n(قال) عامر بن شهر: (وبعث) رسول الله - ﷺ - (مالكَ بنَ مرارة الرَّهاوي) منسوب إلى رهاء بن مُنَبِّه، من بني سهم، سكن الشام، وهي قبيلة من مذحج، وكان في كِتاب النبيِّ - ﷺ -: وأن مالك بن مرارة الرهاوي قد حفظ الغيب، وأدّى الأمانة، وبلَّغ الرسالة، فآمرك به خيرًا (إلى اليمن جميعًا) أي إلى جميع أهل اليمن (فأَسْلَمَ عكٌّ ذو خَيْوَان) عَك بفتح مهملة، اسمُ رجلٍ ذو خيوان الهمداني اليماني.\n(قال: فقيل لعَكٍّ: انطلِقْ إلى رسولِ الله - ﷺ -، فَخُذْ منه الأمانَ على قريتك ومالك، فقدم) إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن مالكَ بنَ مرارة قدم علينا يدعو إلى الإِسلام فأسلمنا، ولي أرض فيها ورقيق، فاكتب لي كتابًا (فكتب\n_________\n(١) في نسخة: \"ذي\".\n(٢) \"المعجم الكبير\" (١٧/ ٥٠) رقم (١٠٧).\n(٣) (٢/ ٢٤٢).","vol":"10","page":246},{"text":"لَهُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِعَكّ ذِي خَيْوَانَ، إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي أَرْضِهِ وَمَالِهِ وَرَقِيقِهِ فَلَهُ الأَمَانُ وَذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ\".\n٣٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرَشِيُّ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: نَا فَرَجُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ،\n===\nله رسول الله - ﷺ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله - ﷺ - لعَكّ ذي خيوان، إنْ كانَ صادقًا في أرضه وماله ورقيقه، فله الأمان وذِمّة الله وذِمَّة محمد رسول الله - ﷺ -، وكتب) ذلك الكتاب (خالد بن سعيد بن العاص).\nوهذا الحديث يدل على أن أرض اليمن عشرية، لأنه أسلم أهل اليمن، فكان لهم أرض فيملكهم، وفي مثلها العشر.\n٣٠٢٨ - (حدثنا محمد بن أحمد القرشي) ذكر الحافظ في \"تهذيبه\" (١) أولًا محمد بن أحمد بن يزيد بن عبد الله بن يزيد القرشي الجمحي أبا يونس المدني المفتي، ثم ذكر محمد بن أحمد بن أنس القرشي أبا عبد الله، ويقال: أبو علي النيسابوري، ثم قال: فيحتمل أن شيخ أبي داود هذا أو المدني المتقدم، والأشبه أنه المدني، ويحتمل أن يكون هو ابن مدُّويه، فإن أبا بكر بن أبي داود روى عنه، وكانت رحلته مع أبيه.\n(وهارون بن عبد الله، أن عبد الله بن الزبير) الحميدي (حدَّثهم قال) أي عبد الله بن الزبير: (نا فَرَجُ بنُ سعيد) بن علقمة بن سعيد بن أبيض بن حَمّال السبائي بمفتوحة، المأربي بمفتوحة وسكون همز وكسر راء وبموحدة، نسبة إلى مأرب مدينة باليمن، روى عن عَمَّي أبيه جبير وثابت ابني سعيد، قال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (حدثني عمي) فيه تجوُّز، فإنه عمُّ أبيه كما هو ظاهر (ثابت بن سعيد) بن أبيض بن حمَّال بالمهملة وتشديد الميم، المأربي\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٤ - ٢٥).","vol":"10","page":247},{"text":"عن أَبِيهِ سَعِيدٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبْيَضَ -، عن جَدِّهِ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ: \"أَنَّهُ كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي الصَّدَقَةِ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ: \"يَا أَخَا سَبَإٍ، لَا بُدَّ مِنَ صَدَقَةٍ\"، فَقَالَ: إِنَّمَا زَرَعْنَا الْقُطْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ تبَدَّدَتْ سَبَأ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ بِمَأْرِبَ، فَصَالَحَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - عَلَى سَبْعِينَ حُلَّةٍ مِنْ قِيمَةِ وَفَاءِ بَزِّ الْمَعَافِرِ\n===\nاليمامي، روى عن أبيه، وعنه ابن أخيه فرج بن سعيد بن علقمة بن سعيد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج له النسائي في \"السنن الكبرى\"، وقرأت بخط الذهبي في \"الميزان\" (٢): ولا يعرف.\n(عن أبيه سعيد - يعني ابنَ أَبْيَضَ -، عن جده) أي جد ثابت (أَبْيَضَ بن حمال: أنه) أي أبيض بن حمال (كَلَّمَ رسولَ الله - ﷺ - في الصدقة) بأن يسقط عنهم (حين وَفَدَ عليه) أي وَرَدَ عليه وافدًا (فقال) رسول الله - ﷺ -: (يا أخا سَبَإٍ، لا بد من صدقة) أي من العشر والزكاة؛ لأنه حق الله، وقد فرض على المسلمين (فقال) أبيض: (إنما زَرَعْنا القطنَ يا رسول الله، وقد تَبَدَّدَتْ) أي تفرقت (سبأ، ولم يبق منهم) أي من أهل سبأ (إلَّا قليل بمأرب).\nقال في \"معجم البلدان\" (٣): وهي بلاد الأزد باليمن، قال السُّهَيلي: مأرب: اسم قصر كان لهم، وقيل: اسم لكل ملك كان يلي سبأ، كما أن تُبَّعًا اسم لكل من ولي اليمن والشحر وحضرموت.\n(فصالح) إليه (النبيَّ - ﷺ - على سبعين حلة) هما بردان يمانيان منسوجتان بخطوط حمر مع سود، ولا تسمى حلة إلَّا أن تكونا ثوبين من جنس واحد (من قيمة وفاء بَزّ المعافر) هو برود باليمن منسوبة إلى معافر، قبيلة- \"مجمع\" (٤) -.\n_________\n(١) في نسخة: \"نبي الله\".\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٣٦٤). وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٥).\n(٣) (٥/ ٣٤).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٢٩).","vol":"10","page":248},{"text":"كُلَّ سَنَةٍ عَمَّنْ بَقِيَ مِنْ سَبَإٍ بِمَأْرِبَ، فَلَمْ يَزَالُوا يُؤَدُّونَهَا حَتَّى قُبِضَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -، وَإِنَّ الْعُمَّالَ انْتَقَضُوا عَلَيْهِم بَعْدَ قَبْضِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيمَا صَالَحَ أَبْيَضُ بْنُ حَمَّالٍ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْحُلَلِ السَّبْعِينَ، فَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَا وَضَعَهُ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - حتَّى مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ انْتَقَضَ ذَلِكَ وَصَارَتْ عَلَى الصَّدَقَةِ\".\n===\nوقال في \"القاموس\": ومعافر بلدة، وأبو حي من همدان، لا ينصرف، وإلى أحدهما تنسب الثياب المعافرية، ولا تضم الميم.\n(كل سنة) أي ما يساوي قيمة بَزِّ المعافر (عمن بَقِيَ من سبإ بمأرب، فلم يزالوا يؤدونها حتى قبض رسول الله - ﷺ -، وإن العمال انتقضوا عليهم) أي ذلك العهد والصلح (بعد قَبْضِ رسول الله - ﷺ - فيما صَالَحَ أبيضُ بنُ حَمّالٍ رسولَ الله - ﷺ - في الحلل السبعين، فردّ ذلك أبو بكر على ما وضعه رسول الله - ﷺ -) وهو سبعون حلة (حتى مات أبو بكر، فلما مات أبو بكر انتقض ذلك) العهد (وصارت على الصدقة).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"من قيمة وفاء بزّ المعافر\" (١) بيان لمقدار قيمة الحلة، حتى لا يلزم المصالحة على مجهول، وحاصله: أن تكون كل حلة تساوي قيمتها قيمة بز المعافر، وبز المعافر كانت معلومة عندهم، وكان ذلك صلحًا يجوز للإمام ذلك، أو كانت خصوصية منه - ﷺ - حيث نقص من حقوق الصدقة، ثم إن أبا بكر رأى مثل رأيه - ﷺ - حيث أَقَرَّهم على ما كانوا عليه، ثم إن عمر - ﵁ - أَتَمّ عليهم الزكاة والصدقات مثل الأقوام الآخر، حيث ارتفعت علة التخفيف عنده، والحاصل: أن المذكور إن كان هو الصلح عن الزكاة، وهو الظاهر من السباق والسياق، فهو من خصوصياته - ﷺ -، وإن كان من غيرها من العشر وغيره، فهو صلح، يجوز العمل عليه بعد لغيره، انتهى.\n_________\n(١) \"بزّ المعافر\": البزّ: الثياب، والمعافر: قبيلة يمنية، تنسب إليها الثياب، لصنعها إياها.","vol":"10","page":249},{"text":"(٢٨) بَابٌ: فِي إِخْرَاجِ الْيَهُودِ (١) مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ\n٣٠٢٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ منْصُورٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَوْصَى بِثَلَاثَةٍ (٢)، فَقَالَ: \"أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>(٢٨) (بَابٌ: فِي إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)</span>\nقال الشامي (٣): قوله: \"أرض العرب\"، في \"مختصر تقويم البلدان\": جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن. فأما تهامة: فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد: فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأما الحجاز: فهو جبل يقبل من اليمن حتى يصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وأما العروض: فهو اليمامة إلى البحرين.\nوإنما سُمِّيَ الحجاز حجازًا، لأنه حجز بين نجد واليمامة. نظم بعضهم حدها طولًا وعرضًا بقوله:\nجَزِيرَةُ هَذِه الأعْرَابِ حُدَّت ... بِحَدٍّ عَلْمُه لِلحَشْرِ باقِ\nفأَمَّا الطّولُ عِنْدَ مُحَقِّقِيهِ ... فَمِنْ عَدَنٍ إلى رَبْوِ العِرَاقِ\nوسَاحِلِ جُدّة إن سِرْتَ عَرْضًا ... إِلَى أَرْضِ الشَّاَمِ بِالاتِّفَاقِ\n٣٠٢٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبيَّ - ﷺ - أَوْصَى) عند وفاته (بثلاثةٍ) أي بثلاثة أمور (فقال: أخرِجُوا المشركين) أي اليهود والنصارى، وهما مشركو أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وكذا المجوس وغيرهم من المشركين (من جزيرةِ العرب) قيل: المراد بها مكة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والنصارى\".\n(٢) في نسخة: \"بثلاث\".\n(٣) \"رد المحتار\" (٦/ ٢٨٩).","vol":"10","page":250},{"text":"وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا (١) كُنْتُ أُجِيزُهُمْ\".\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَسَكَتَ عن الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: فَأُنْسِيتُهَا (٢) [خ ٣٠٥٣، م ١٦٣٧، حم ١/ ٢٢٢ - ٤/ ٢٧١، ن ٥٨٥٢]\n===\nوالمدينة، ونقل الطيبي أن الشافعي - ﵁ - خص هذا الحكم بالحجاز، وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وحواليها دون اليمن وغيره.\nوأما مذهب الحنفية في ذلك فهو ما ذكر في \"البدائع\" (٣): وأما أرض العرب فلا يترك فيها كنيسة ولا بيعة، ولا يباع فيها الخمر ولا الخنزير، مصرًا كان أو قرية، أو ماء من مياه العرب، ويمنع المشركون أن يتخذوا أرض العرب سكنًا ووطنًا، كذا ذكره محمد - ﵀ - تفضيلًا لأرض العرب على غيرها، وتطهيرًا لها عن الدين الباطل، قال ﵊: \"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب\" (٤).\n(وأَجِيْزُوا الوَفْدَ) أي أعطوهم الجائزة وهي العطية (بنحو ما كنت أجيزهم، قال ابن عباس: وسكت عن الثالثة) ظاهر هذا الكلام أن معناه: قال ابن عباس: إنه ﵊ سكت عن الثالثة (أو قال: فَأُنْسِيْتُها) أي قال ابن عباس: ذكر رسول الله - ﷺ - الثالثة فأنسيتها، وهكذا شرحه صاحب \"العون\" (٥) وهو غير صواب، بل الصواب في معناه: قال سعيد: ابن عباس ذكر أمرين، وسكت ابن عباس عن الثالثة، أو قال أي ذكر ابن عباس الثالثة فأنسيتها.\n_________\n(١) في نسخة: \"مما\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وقال الحميدي عن سفيان: قال سليمان: لا أدري أذَكَرَ سعيد الثالثةَ فنسيتُها، أو سكت عنها\". [انظر هذه الجملة في: \"مسند الحميدي\" (٥٢٦)].\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٨٥).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\"، كتاب الجامع، باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٩٨٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١١٥).\n(٥) \"عون المعبود\" (٨/ ١٩١).","vol":"10","page":251},{"text":"٣٠٣٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو عَاصِمٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَا: أَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَنَا (١) أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا\". [م ١٧٦٧، ت ١٦٠٧، حم ١/ ٢٩، ق ٩/ ٢٠٧، ك ٤/ ٢٧٤]\n===\nقال الحافظ (٢): قوله: \"وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها\"، يحتمل أن يكون القائل ذلك هو سعيد بن جبير، ثم وجدت عند الإسماعيلي التصريح بأن قائل ذلك هو ابن عيينة، وفي \"مسند الحميدي\" ومن طريقه أبو نعيم في \"المستخرج\": قال سفيان: قال سليمان - أي ابن أبي مسلم -: لا أدري أذكر سعيد بن جبير الثالثة، فنسيتها أو سكت عنها، وهذا هو الأرجح.\nقال الداودي: الثالثة: الوصية بالقرآن، وبه جزم ابن التين، وقال المهلب: بل هو تجهيز جيش أسامة، وقوّاه ابن بطال بأن الصحابة لما اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة، قال لهم أبو بكر: إن النبيَّ - ﷺ - عهد بذلك عند موته.\nوقال عياض: يحتمل أن تكون [هي] قوله: \"ولا تتخذوا قبري وثنًا\"، فإنها ثبتت في \"الموطأ\" مقرونة بالأمر بإخراج اليهود، ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله: \"الصلاة وما ملكت أيمانكم\".\n٣٠٣٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو عاصم وعبد الرزاق قالا: أنا ابن جريج، أنا أبو الزبير، أنه سَمِعَ جابر بن عبد الله يقول: أخبرني عمر بن الخطاب، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أتركُ فيها إلَّا مسلمًا) ولم يتفق لرسول الله - ﷺ - ذلك، ثم أخرج عمر - ﵁ - اليهودَ من خيبرَ إلى الشام، وعرفت مذهب الحنفية في ذلك فيما تقدم.\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرني\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٣٥).","vol":"10","page":252},{"text":"٣٠٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (١)، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ، عن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ، وَالأَوَّلُ أَتَمُّ. [ت ١٦٠٦، حم ١/ ٣٢]\n٣٠٣٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، نَا جَرِيرٌ، عن قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ\". [ت ٦٣٣، حم ١/ ٢٢٣]\n٣٠٣٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عُمَرُ - يَعْني ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ -\n===\n٣٠٣١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو أحمد محمد بن عبد الله) الزبيري، (نا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر) - ﵁ - (قال: قال رسول الله - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (والأول) أي الحديث الأول وهو حديث أبي عاصم وعبد الرزاق (أَتَمُّ).\n٣٠٣٢ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تكونُ قبلتان في بلد واحد).\nنقل في الحاشية عن \"الفتح\" (٢): الظاهر أنه نفي بمعنى النهي، والمراد نَهَى المؤمِنَ عن الإقامة بأرض الكفر، أو نَهَى الحُكَّام عن أن يمكّنوا أهلَ الذمة من إظهار شعار الكفر في بلاد المسلمين، وقيل: المراد إخراج أهل الكتاب من أرض العرب فقط، وهو بعيد لا يناسبه عموم البلد.\n٣٠٣٣ - (حدثنا محمود بن خالد، نا عمر - يعني ابن عبد الواحد -،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الزبيري\".\n(٢) أي: \"فتح الودود\".","vol":"10","page":253},{"text":"قَالَ: قَالَ سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -: \"جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ الْوَادِي إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ إِلَى تُخُومِ الْعِرَاقِ إِلَى الْبَحْرِ\". [ق ٩/ ٢٠٨ - ٢٠٩]\n٣٠٣٤ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينَ وَأَنَا شَاهِدٌ: أَخْبَرَكَ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عُمَرُ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ،\n===\nقال: قال سعيد - يعني ابن عبد العزيز -: جزيرة العرب ما بينَ الوادي) أي وادي القرى (إلي أَقْصَى اليَمَنِ) أي منتهاها (إلى تُخُوم (١) العراقِ) أي حدودِهِ (إلي البحر).\n٣٠٣٤ - (قال أبو داود: قُرِئَ على الحارث بن مِسْكين وأنا شاهد: أَخْبَرَك أشهب بن عبد العزيز) بن داود بن إبراهيم القيسي، أبو عمرو الفقيه المصري، قيل: اسمه مسكين، وأشهب لقبه، قال ابن يونس: أحد فقهاء مصر وذوي رأيها، وقال ابن عبد البر: كان فقيهًا حسن الرأي والنظر، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان فقيهًا على مذهب مالك ذَابًّا عنه.\n(قال: قال مالك: عُمَرُ) - ﵁ - (أَجْلَى أهلَ نَجران) قال في \"معجم البلدان\" (٢): ونجران في عدة مواضع، منها: نجران في مخاليف اليمن من ناحية مكة.\nقال أبو عبيد في \"كتاب الأموال\" (٣): حدثني يزيد، عن حجاج، عن ابن الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لأخرجَنّ اليهود والنصارى\n_________\n(١) التخوم: حدود البلد، انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ١٧١).\n(٢) (٥/ ٢٦٦).\n(٣) (ص ١٢٨).","vol":"10","page":254},{"text":"وَلَمْ يُجْلوا (١) مِنَ تَيْمَاءَ، لأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بِلَادِ الْعَرَب، فَأَمَّا (٢) الْوَادِي فَإِنِّي أَرَى أَنَّمَا لَمْ يُجْلَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْيَهُودِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ: نَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: \"وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ\". [ق ٩/ ٢٠٨ - ٢٠٩]\n===\nمن جزيرة العرب، حتى لا أدع فيها إلَّا مسلمًا\" قال: فأخرجهم عمر - ﵁ -، قال: وإنما أجاز عمر - ﵁ - إخراج أهل نجران، وهم أهل صلح بحديث روي عن النبي - ﷺ - فيهم خاصة: عن أبي عبيدة بن الجراح - ﵁ - عن النبيَّ - ﷺ -، أنه كان آخرُ ما تكلم به أنه قال: \"أخرجوا اليهود من الحجاز، وأخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب\".\nونجران أيضًا موضع على يومين من الكوفة فيما بينها وبين قاسط على الطريق، يقال: إن نصارى نجران لما أخرجوا سكنوا هذا الموضع، وسَمّى باسم بلدهم.\n(ولم يجلوا) أي أهلها (من تيماء، لأنها ليست من بلاد العرب، فأما الوادي) أي وادي القرى (فإني أَرَى أنّما لم يُجْلَ مَنْ فيها من اليهود: أنهم لم يَروها من أرض العرب).\n(حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب قال: قال مالك: وقد أجلى عمر) - ﵁ - (يهود نجران وفَدَكَ).\nوكتب في نسخة ها هنا: آخر كتاب الفيء، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أول كتاب الخراج.\n_________\n(١) في نسخة: \"ولم يجل\".\n(٢) في نسخة: \"وأما\".","vol":"10","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1158>(٢٩) بَابٌ: فِي إِيقَافِ أَرْضِ السَّوَاد وَأَرْضِ الْعَنْوَة</span>\n===\n\n(٢٩) (بَابٌ: فِي إِيقَافِ أَرْضِ السَّوَادِ (١) وَأَرْضِ الْعَنْوَةِ) (٢)\nأي ترك قسمتها بين الغانمين، وإبقاؤها لمصالح المسلمين، وما ينوب الإِمام من النوائب والحاجات\n_________\n(١) ويُراد به رستاق من رساتيق العراق وضياعها التي افتتحها المسلمون على عهد عمر - ﵁ -، سُمَّيت سوادًا لخضرتها بالنخل والزرع ... إلخ، كذا في \"عون المعبود\" (٨/ ١٩٤)، وبسط الترجمة والحديث أشد البسط، وحَكَى عن ابن المنذر أن الأرض المفتوحة للغانمين، وعمر - ﵁ - استطاب قلوبهم في ذلك، وعند مالك وقف، وقال ابن القيم: جمهور الصحابة والتابعين والأئمة على أن الأرض ليست داخلة في الغنيمة، والإمام بالخيار إن شاء يقسم وإن شاء يبقي ... إلخ.\nقلت: وكذلك عند الحنفية، قال في \"الهداية\" (١/ ٣٨٤): إذا افتتح الإِمام بلادًا عنوةً فهو بالخيار، إن شاء قسمها بين المسلمين كما فعل ﵊ بخيبر، وإن شاء أقرَّ أهله، ووَضَعَ عليهم الجزيةَ وعلى أراضيهم الخراجَ، كما فعل عمر - ﵁ - بسواد العراق بموافقة من الصحابة، وفي العقار خلاف الشافعي ... إلخ.\nقلت: ويرد تأويل الشافعية بالاستطابة ما في \"البخاري\" (٣٠٥٩): \"وايْمُ الله إنَهم ليرون أني قد ظلمتهم ... \" الحديث، فإنه لو استطابهم كيف يقولون بظلمه؟ . (ش).\n(٢) وفي \"البدائع\" (٦/ ٩٢): الأراضي التي فُتِحَتْ عنوةً فمن الإِمام على أهلها، فيضع عليها الخراج. وأرض السواد كلها خراجية؛ لأن عمر - ﵁ - ضرب عليها الخراج بمحضر من الصحابة، إلى آخر ما قال.\nقال العيني (١٠/ ٤٥٦): قد اختلف العلماء في حكم الأرض، فقال أبو عبيد: وجدنا الآثار عن رسول الله - ﷺ - والخلفاء بعده، قد جاءت في افتتاح الأرض ثلاثة أحكام: أرض أسلم أهلها عليها فهي لهم ملك، وهي أرض عشر لا شيء فيها غيره، وأرضٌ افْتُتِحَتْ صلحًا على خراج معلوم، فهم على ما صولحوا عليه، لا يلزمهم أكثر منه، وأرض أُخذت عنوةً، هي التي اختلف فيها المسلمون إلى آخر ما بسط الاختلاف.\nوقال القسطلاني (٧/ ٤١): والذي تقرر أن مذهب الحنفية والحنابلة أن الإِمام مخيَّر فيما فتح عنوةً بين قسمة أرضه كالمنقولات ووقفها، ومذهب الشافعية القسمة لمن حضر، وعن المالكية أنها تصير وقفًا بنفس الظهور، انتهى.\nوحكى الموفق (٤/ ١٨٩) فيه ثلاث روايات: الأولى: ما تقدَّم عن القسطلاني ورجحها، والثانية: أنها تصيرُ وقفًا بنفس الاستيلاء، والثالثة: أن الواجب قسمتها. =","vol":"10","page":256},{"text":"٣٠٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ (١) بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنَعَتِ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا (٢)، ثُمَّ عُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ\".- قَالَهَا زُهَيْرٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ. [م ٢٨٩٦، ق ٩/ ١٣٧]\n===\n٣٠٣٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: منعت العراق قفيزها ودرهمها) أي ستمنع، وإنما أتى بصيغة الماضي للدلالة على تحقق وقوعها. والقفيز: مكيال كبير لأهل العراق يسع ثمانية مكاكيَّ (ومنعت الشام مديها) المدي كقفل: مكيال لهم يسع خمسة عشر مكوكًا (ودينارها، ومنعت مصر إِرْدَبَّها) وهو مكيال لأهل مصر يسع أربعة وعشرين صاعًا، والهمزة زائدة مكسورة (ودينارها، ثم عدتم من حيث بدأتم، قالها زهير ثلاث مرات، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه (٣».\n_________\n= وقال: هو قول مالك وأبي ثور ... إلخ. ونسبته إلى مالك يخالف القسطلاني، ويخالف الباجي أيضًا، فإنه بسط ذلك فارجع إليه (٤/ ٤٣٩)، وبسط أيضًا الموفق، وابن القيم (١/ ٣٢٥)، والشيخ ولي الله في \"إزالة الخفاء\" (٢/ ١٢٩).\nوكذا بسط ابن الهمام في \"باب العشر والخراج\" (٤/ ٣٥٩) الأراضي التي فتحت عنوةً وصلحًا، والنووي في \"شرح المنهاج\" (٤/ ١٥٧). (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"بن عبد الله\".\n(٢) في نسخة: \"تبرها\".\n(٣) واستدل الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٠٢ - ١٠٣) بهذا الحديث على أن أرض الخراج لا يكره للمسلم أن يملكها، وهي ليست بصغار، وقال: فيه حجة من وجهين: الأول: أنه لم يكره لهم ملك أرض الخراج التي عليها قفيز ودرهم، ولو كان ذلك مكروهًا لذكره. والثاني: أنه أخبر عن منعهم لحق الله المفترض عليهم بالإِسلام، وهو معنى قوله: \"عدتم كما بدأتم\"، يعني في منع حق الله تعالى، فدل على أنه كسائر =","vol":"10","page":257},{"text":"٣٠٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنبَّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا (١) أبُو هُرَيْرَةَ عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا وَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ (٢)، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ\". [م ١٧٥٦، حم ٢/ ٣١٧]\n===\nقال الخطابي (٣): معنى الحديث أن ذلك كائن لا محالة، وأن هذه البلاد تفتح للمسلمين، ويوضع عليها الخراج (٤) شيئًا مقدرًا بالمكائيل والأوزان، وأنه سيمنع في آخر الزمان، وقد ظهر أول الأمر كذلك في زمن عمر - ﵁ - على ما قال رسول الله - ﷺ -.\n٣٠٣٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا) إشارة إلى الكتاب الذي في يده (ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ -) فذكر أحاديث، منه: (وقال رسول الله - ﷺ -: أيّما قريةٍ) أي أهلها (أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيّما قريةٍ) أي أهلها (عَصَتِ الله ورسوله فإنّ خُمُسَها لله ورسوله، ثم هي لكم).\nقال النووي (٥): قال القاضي: يحتمل أن يكون المراد بالأولى الفيء الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، بل جلا عنه أهله أو صالحوا عليه، فيكون سهمهم فيها، أي حقهم من العطايا كما يصرف\n_________\n= حقوق الله تعالى اللازمة، مثل الزكاة والكفارات لا على وجه الصغار، وأيضًا لم يختلفوا أن الإِسلام يسقط جزية الرؤوس، ولا يسقط عن الأرض، فلو كان صغارًا لأسقطه الإِسلام. (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"به\".\n(٢) في نسخة: \"للرسول\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٥).\n(٤) وبه قال الجمهور، وأبطل ابن حزم حمله على الخراج. (ش).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٣١٥ - ٣١٦).","vol":"10","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1159>(٣٠) بَابٌ: في أَخْذِ الْجِزيةِ</span>\n٣٠٣٧ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فَأَخَذُوه (١)، فَأَتَوْهُ بِهِ، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ\". [ق ٩/ ١٨٦]\n===\nالفيء، ويكون المراد بالثانية وما أخذ عنوة، فيكون غنيمة يخرج منه الخمس، وباقيه للغانمين.\n\n(٣٠) (بابٌ: في أَخْذِ الْجِزْيَةِ)\n٣٠٣٧ - (حدثنا العباس بن عبد العظيم، نا سهل بن محمد، نا يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس بن مالك، وعن عثمان بن أبي سليمان) عطف على قوله: عن عاصم، فيروي محمد بن إسحاق هذا الحديث بطريقين، أحدهما مسند، وهو طريق عاصم عن أنس، والثاني مرسل، وهو طريق عثمان.\n(أن النبيَّ - ﷺ - بَعَثَ خالدَ بنَ الوليد إلى أكيدر (٢» بضم همزة وفتح كاف وسكون تحتية وكسر قال مهملة ثم راء، اسم ملك (دومة) بضم الدال وقد تفتح، من بلاد الشام، قريب من تبوك (فأخذوه) أي الصحابة (فأتوه به) إلى رسول الله - ﷺ - (فحَقَنَ له دمه، وصالحه على الجزية).\nوقصته: أن رسول الله - ﷺ - بَعَثَ خالدَ بنَ الوليد من تبوك في أربعة وعشرين فارسًا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل، وكان أكيدر ملكهم،\n_________\n(١) في نسخة: \"فأخذه\".\n(٢) ابن عبد الملك الكندي، اسم ملك دومة، وكان نصرانيًّا، وكان خالد على الأعراب، وعلى المهاجرين أبو بكر، كذا في \"المرقاة\" (٧/ ٦١١). (ش).","vol":"10","page":259},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكان نصرانيًّا، ودومة الجندل حصن وقرى بين الشام والمدينة، فقال خالد بن الوليد: كيف لي به وسط بلاد كلب، وإنما أنا في أناس يسير، فقال رسول الله - ﷺ -: ستلقاه يصيد الوحش.\nفلما بلغ خالدٌ قريبًا من حصنه بمنظر العين، وكانت ليلة مقمرة، والوقت صيفًا، وكان أكيدر على سطح في الحصين، ومعه امرأته الرباب الكندية، أَقْبَلَتِ البقر تحُكّ بقرونها بابَ الحصين، وأشرفت امرأته على باب الحصين، فرأت البقرة، فأبصرها أكيدر، وكان يضمر له الخيل شهرًا، فلما أبصرها نزل، فأمر بفرسه، فأسرج، وركب معه نفر من أهل بيته ومعه أخوه حسان، فلحقهم خالد وخيله، فاستأسر أكيدر وامتنع حسان، فقاتل حتى قتل، وهرب من كان معه، فدخلوا الحصين، وكان - ﷺ - قال لخالد: \"إن ظفرت بأكيدر لا تقتله وآت به إليَّ، فإن أَبَى فاقتله\"، فطاوعه أكيدر.\nوقال له خالد: هل لك أن أُجِيْرَك من القتل حتى آتيَ بك رسولَ الله - ﷺ - على أن تفتحَ لي دومةَ الجندل؟ قال: نعم، لك ذلك، فلما صالح خالدٌ أكيدرَ، وأكيدر في وثاق، ومصاد أخو أكيدر في الحصين، أبى مصاد أن يفتح باب الحصين لما رأى أخاه في الوثاق، فطلب أكيدر من خالد أن يصالحه على شيء حتى يفتح له باب الحصين، وينطلق به وبأخيه إلى رسول الله - ﷺ -، فيحكم فيهما بما شاء، فَرَضِيَ خالدٌ بذلك، فصالحه أكيدر على ألفي بعير، وثمانمائة فرس، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، ففعل خالد، وخَلّى سبيله، ففتح له باب الحصين فدخله، وحقن دمه ودم أخيه، وانطلق بهما إلى رسول الله - ﷺ -، والنبي - ﷺ - بالمدينة، فلما قدم بهما إلى رسول الله - ﷺ -، صالحه على إعطاء الجزية، وخَلّى سبيلهما، وكتب (١) لهما كتاب أمان.\n_________\n(١) قال القاري (٧/ ٦١١): ثم أسلم وحسن إسلامه. (ش).","vol":"10","page":260},{"text":"٣٠٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِى مُحْتَلِمًا - دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِي (١) ثِيَابٌ (٢) تَكُونُ بِالْيَمَنِ\". [تقدم في الحديث رقم ١٥٧٦، ١٥٧٧]\n٣٠٣٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن معاذ، أن النبيَّ - ﷺ - لما وَجَّهَه) أي معاذًا (إلى اليمن) أميرًا (أمره أن يأخذ من كل حالم (٣)، يعني محتلمًا) وهو البالغ (دينارًا أو عدله (٤» أي مثله (من المعافري) (٥) وهي (ثيابٌ تكون باليمن) وهذا تفسير المعافري، وكان أخذ دينارًا وعدله من المعافري بطريق الجزية من نصارى اليمن.\nواختلف فيه الحنفية والشافعية، فعند الحنفية الجزية على ضربين: جزية توضع بالتراضي والصلح، فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق، كما صالح رسولُ الله - ﷺ - أهلَ نجران على ألف ومائتي حلة، ولأن الموجب هو التراضي، فلا يجوز التعدي إلى غير ما وقع عليه الاتفاق.\nوجزية يبتدئ الإِمام وضعها إذا غلب على الكفار وأقرّهم على أملاكهم، فيضع على الغني ظاهر الغنى في كل سنة ثمانية وأربعين درهمًا، يأخذ منهم في كل شهر أربعة دراهم، وعلى وسط الحال أربعة وعشرين درهمًا في كل شهر درهمين، وعلى الفقير المعتمل اثني عشر درهمًا.\n_________\n(١) في نسخة \"المعافر\".\n(٢) في نسخة: \"ثيابًا\".\n(٣) زاد الجصاص (٣/ ٩٧) في مثل هذا الحديث لفظ: وحالمة، وحمله على جزية الصلح، فتأمل. (ش).\n(٤) وفيه حجة لمن قال بجواز أخذ القيمة في الجزية، كما في \"الأوجز\" (٤/ ٢١٧) عن \"شرح الإقناع\" (٤/ ٢٧٨). (ش).\n(٥) قال ابن الهمام: المعافري ثوب منسوب إلى معافر بن مرة، ثم صار اسمًا للثوب بلا نسبة، وفي \"الجمهرة\" لابن دريد: المعافر بفتح الميم موضع باليمن ينسب إليه الثياب المعافرية. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٦٠٧).","vol":"10","page":261},{"text":"٣٠٣٩ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِثْلَهُ. [ق ٩/ ١٨٧]\n٣٠٤٠ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، حَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ هَانِئٍ أَبُو نَعِيمٍ النَّخَعِيُّ، نَا شَرِيكٌ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عن زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ،\n===\nوقال الشافعي - ﵀ -: يضع على كل حالم دينارًا أو ما يعدل الدينار، الغني والفقير في ذلك سواء، لقوله ﵇ لمعاذٍ: \"خذ من كل حالم دينارًا أو عدله معافر\"، من غير فصل بين غني وفقير.\nومذهبنا منقول عن عمر وعثمان وعلي، ولم ينكر عليه أحد من المهاجرين والأنصار، وما رواه محمول على أنه كان ذلك صلحًا.\n٣٠٣٩ - (حدثنا النفيلي، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن معاذ، عن النبي - ﷺ - مثله).\n٣٠٤٠ - (حدثنا العباس بن عبد العظيم، حدثني عبد الرحمن بن هانئ) بن سعيد الكوفي (أبو نعيم النخعي) الصغير، ابن بنت إبراهيم النخعي، عن أحمد: ليس بشيء، وقال يحيى بن معين: بالكوفة كَذَّابانِ أبو نعيم النخعي وأبو نعيم ضرار بن صرد، وقال أبو داود والنسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، وقال البخاري: فيه نظر، وهو في الأصل صدوق، وقال العجلي: ثقة، وقال العقيلي: ضعفه أبو نعيم الفضل بن دكين، وقال ابن عدي: عامةُ ما لَه لا يُتَابع له عليه الثقات.\n(نا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن زياد بن حدير) بمهملات مصغرًا، الأسدي، أبو المغيرة، قال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا لعَلِيِّ في نصارى [بني] تغلب، وقال: منكر، وكان أميرًا على الكوفة.","vol":"10","page":262},{"text":"قَالَ (١) عَليٌّ: \"لَئِنْ بَقِيتُ لِنَصَارَى بَنِى تَغْلِبَ لأَقْتُلَنَّ الْمُقَاتِلَةَ وَلأَسْبِيَنَّ الذُّرِّيَّةَ، فَإِنِّى كَتَبْتُ الْكِتَابَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِىِّ -ﷺ- (٢) أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَبْنَاءَهُمْ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثُ مُنْكَرٌ، وَبَلَغَنِي عن أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ إِنْكَارًا شَدِيدًا. وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ شِبْهُ الْمَتْرُوكِ، وَأَنْكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ هَانِئٍ.\nقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَلَمْ يَقْرَأهُ أَبُو دَاوُدَ في الْعَرْضَةِ الثَّانيَةِ.\n٣٠٤١ - حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْيَامِيُّ، نَا يُونُسُ- يَعْنِي\n===\n(قال علي) أي ابن أبي طالب: (لَئِنْ بَقِيتُ لِنَصَارَى بَنِى تَغْلِبَ لأَقْتُلَنَّ الْمُقَاتِلَةَ وَلأَسْبِيَنَّ الذُّرِّيَّةَ) لأنهم نقضوا العهد (فَإِنِّى كَتَبْتُ الْكِتَابَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِىِّ -ﷺ- عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَبْنَاءَهُمْ) فنصَّروهم.\n(قال أبو داود: هذا حديث منكر (٣)، وبلغني عن أحمد) أي ابن حنبل (أنه كان ينكر هذا الحديث إنكارًا شديدًا (٤)، وهو عند بعض الناس شِبْهُ المتروك، وأنكروا هذا الحديث على عبد الرحمن بن هانئ، قال أبو علي) وهو اللؤلؤي تلميذ أبي داود: (ولم يقرأه) أي هذا الحديث (أبو داود في العرضة الثانية) أي لمّا عَرَضَ أبو داود كتابه \"السنن\" على الناس مرة ثانية لم يقرأ هذا الحديث فيها.\n٣٠٤١ - (حدثنا مصرف بن عمرو اليامي، نا يونس- يعني\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: قال علي: \".\n(٢) زاد في نسخة: \"على\".\n(٣) أي: رفعه، وقد بسط صاحب \"العون\" (٨/ ٢٠١) الآثار في أن القصة لعمر - ﵁ -[انظر: \" تهذيب الآثار\" لابن جرير الطبري (٤/ ٢٢٤)]. (ش).\n(٤) انظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" (٣/ ٣٨٦) رقم (٥٦٩١).","vol":"10","page":263},{"text":"ابْنَ بُكَيْرٍ -، نَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانيُّ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقُرَشِيِّ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَىْ حُلَّةٍ: النِّصْفُ فِى صَفَرٍ، والنصف (١) فِى رَجَبٍ، يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَارِيَةِ ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ يَغْزُونَ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا (٢) عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ أَوْ غَدْر (٣)، عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ لَهُمْ بَيْعَةٌ، وَلَا يُخْرَجُ لَهُمْ قَسٌّ، وَلَا يُفْتَنُوا (٤) عَنْ دِينِهِمْ، مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا، أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا\" (٥). [ق ٩/ ١٨٧]\nقَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَقَدْ أَكَلُوا الرِّبَا.\n===\nابن بكير-، نا أَسْبَاطُ بنُ نَصْر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي، عن ابن عباس قال: صَالَحَ رسول الله - ﷺ - أَهْلَ نجران) أي نصاراهم (على ألفي حلة) في السنة (النصفُ في صفر، والنصفُ في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين من كلِّ صنفٍ من أصناف السلاح) من السيوف والرماح والقسي، وغير ذلك (يَغْزون بها) فيعطونها عارية.\n(وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ) بعد الفراغ من الغزوِ (إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ) أي حرب (ذات غدر) أي المعاهدون من أهل اليمن إذا غدروا، فعليهم أن يعطوا ذلك السلاح وغيرها عاريةً (على أن لا تُهْدَمَ لهم بيعةٌ، ولا يُخْرَجُ لهم قَسٌّ) وهو رئيس النصارى في العلم والدين (ولا يُفْتَنُوا عن دينهم ما لمِ يُحدِثوا حَدَثًا، أو يأكُلُوا الربا، قال إسماعيل) بن عبد الرحمن: (فقد أكَلُوا الربا) وقد نقضوا العهد.\n_________\n(١) في نسخة: \"والبقية\".\n(٢) في نسخة: \"يردونها\".\n(٣) في نسخة: \"غدرة\"، وفي نسخة: \"الغدرة\".\n(٤) في نسخة: \"لا يفتنون\".\n(٥) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: إذا نقضوا بَعْضَ ما اشترَطَ عليهم فقد أَحْدَثُوا\".","vol":"10","page":264},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد ذكر الشيخ ابن القيم (١) في \"هديه\" قصة قدوم وقد نجران على رسول الله - ﷺ - مفصلًا، وهي طويلة لا يناسب هذا المختصر، ولكن أنقل الكتاب الذي كتب لهم رسولُ الله - ﷺ -: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما كَتَبَ محمدٌ رسولُ الله - ﷺ - لنجرانَ، إذ كان عليهم حُكمه في كل ثمرة، وفي كل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فَأَفْضَلَ عليهم، وتَرَكَ ذلك كلَّه على ألفي حُلة، في كل رجب ألفُ حُلَّةٍ، وفي كل صَفَر ألفُ حُلَّة، وكل حُلَّة أوقية، ما زادت على الخراج أو نقصت على الأواقي، فبحساب، وما قَضَوْا من دروع أو خيل أو ركاب أو عرض أُخِذَ منهم بحساب، وعلى نجران مثواة رسلي ومتعتهم بها عشرين فدونه، ولا يُحبس رسولٌ فوق شهر، وعليهم عاريةٌ ثلاثين درعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا، إذا كان كَيْدٌ باليمن ومغدرة، وما هَلَكَ مما أعارُوا رسولي من دروع أو خيلٍ أو ركاب فهو ضمانٌ على رسولي حتى يُؤَدِّيَه إليهم، ولنجرانَ وحسبها جوارُ الله وذمةُ محمد النبيّ على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وتبعهم، وأن لا يُغَيِّروا مما كانوا عليه، ولا يُغَيَّر حقٌّ من حقوقهم ولا ملَّتهم، ولا يُغَيَّرُ أسقُفٌّ من أسقُفِّيَّتِه، ولا [راهب من رهبانيته، ولا وافه] عن وَفَهِيَّتِهِ (٢).\nوكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم ريبة ولا دمُ جاهلية، ولا يُحْشَرُونَ، ولا يُعَشّرُون، ولا يطأ أرضَهم جيشٌ، ومن سأل منهم حقًّا فبينهم النّصفُ غيرَ ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل الربَا من ذي قبل، فذمتي منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوارُ الله وذمةُ محمد النبيّ رسول الله - ﷺ - حتى يأتي الله بأمره ما نَصَحُوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم\".\nشهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة بن شعبة.\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (٣/ ٦٣٤).\n(٢) في \"النهاية\" (٥/ ٢١١) الوافه: القَيِّم على البيت الذي فيه صليب النصارى بلغة أهل الجزيرة، وبعضهم يرويه بالقاف، والصواب الفاء.","vol":"10","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1160>(٣١) بابٌ: في أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ</span>\n٣٠٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عِمْرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ لَمَّا مَاتَ نَبِيُّهُمْ كَتَبَ لَهُمْ إِبْلِيسُ الْمَجُوسِيَّةَ\". [ق ٩/ ١٩٢]\n===\n\n(٣١) (بَابٌ: في أَخْذِ (١) الْجزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ)\nوهم عبدة النار، فإنهم قائلون بالنور والظلمة، ويدَّعون أن الخير من فعل النور، والشر من الظلمة، وبهذا يعبدون النار\n٣٠٤٢ - (حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، نا محمد بن بلال) الكندي، أبو عبد الله البصري التمار، روى عنه البخاري في \"الأدب\"، وروى هو وأبو داود وابن ماجه عن أحمد بن سنان عنه، قال الآجري عن أبي داود: ما سمعت إلا خيرًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عدي: هو يغرب عن عمران، وله عن غير عمران أحاديث غرائب، وليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به، قلت: وذكره العقيلي في \"الضعفاء\"، وقال: يهم في حديثه كثيرًا، وقال الذهبي: غلط في حديثه كما يغلط الناس.\n(عن عِمْرَان الْقَطَّان، عَنْ أَبِى جَمْرَة) بالجيم والراء، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ لَمَّا مَاتَ نَبِيُّهُمْ كَتَبَ لَهُمْ إِبْلِيسُ الْمَجُوسِيَّةَ).\nولعل غرض (٢) المصنف بإيراده أن المجوس كانوا في بدء أمرهم مؤمنين\n_________\n(١) قال في \"الهداية\" (١/ ٤٠١): توضع الجزية على أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم، وفيه خلاف الشافعي، هو يقول: إن القتال واجب، ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب ولا المرتدين ... إلخ، وحاصل المذاهب كما في \"الأوجز\" (٦/ ١٩٣) أنها تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس فقط عند الشافعية وأحمد، وعن كل مشرك عند مالك، وكذلك عن الحنفية إلا مشركي العرب، فلا يؤخذ منهم عندنا إلا الإِسلام أو السيف، انتهى. (ش).\n(٢) وأثبت الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٣/ ٩٣): أنهم ليسوا بأهل الكتاب، واستدل بذلك على مذهبه أخذ الجزية من المشركين واستئنى وَثَنِيِّي العرب بروايات أخر، -","vol":"10","page":266},{"text":"٣٠٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ بَجَالَةَ يُحَدِّثُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ وَأَبَا الشَّعْثَاءِ، قَالَ: \"كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ\n===\nبِنَبِيِّهم، ثم بعد موت نبيهم كتب لهم إبليسُ عبادة النار، فهم من أهل الكتاب كما أن اليهود والنصارى في بدء أمرهم مؤمنين بنبيِّهم، ثم كتب إبليس بعد موت نبيّهم عبادة نبيّهم، فصاروا مشركين، فلهذا أوجب عليهم الجزية كما أوجب على اليهود والنصارى.\n٣٠٤٣ - (حَدَّثَنَا مُسَدَّد، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ بَجَالَةَ) بفتح الموحدة بعدها جيم، ابن عبدة بفتحتين، التميمي العنبري البصري، كاتب جزء بن معاوية، قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال مجاهد بن موسى: مكي ثقة، وحكى الربيع عن الشافعي أنه قال: بجالة مجهول، رواه البيهقي في \"المعرفة \"، وذكر في \"السنن الكبير\" ذلك فقال: ذكر في الحدود أنه مجهول ليس بالمشهور، ولا يعرف أن جزء بن معاوية كان من عمال عمر، وذكره في كتاب الجزية فقال: حديث بجالة متصل ثابت لأنه أدرك عمر، وكان رجلًا في زمانه، وكاتبًا لِعُماله، قال البيهقي: فكأنه وقف على حاله بعد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (١).\n(يُحَدِّثُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ وَأَبَا الشَّعْثَاءِ، قَالَ) أي بجالة: (كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) بفتح الجيم وسكون الزاء بعدها همزة، هكذا يقوله المحدثون، وضبطه أهل النسب بكسر الزاي بعدها تحتانية ساكنة ثم همزة، ومن قاله بلفظ التصغير فقد صحف، وهو ابن معاوية بن حصن بن عبادة التميمي السعدي، عم الأحنف بن قيس، وهو معدود في الصحابة، وكان\n_________\n= فتأمل، ولعل المصنف بوَّب بجزية المجوس مستقلًّا، لأن هذا الباب مستدل من قال بعموم الجزية كالحنفية والمالكية، فإنهم ليسوا بأهل كتاب، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ١٩٤)، واستدلوا أيضًا بما تقدم في \"باب في دعاء المشركين\". (ش).\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤١٧ - ٤١٨).","vol":"10","page":267},{"text":"عَمِّ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، إِذْ جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِى مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ، وَانْهَوْهُمْ عَنِ الزَّمْزَمَةِ، فَقَتَلْنَا فِى يَوْمٍ ثَلَاثَةَ (١) سَوَاحِرَ، وَفَرَّقْنَا بَيْنَ كُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمَجُوسِ وَحَرِيمِهِ فِى كِتَابِ اللَّهِ تعالي، وَصَنَعَ طَعَامًا كَثِيرًا، فَدَعَاهُمْ، فَعَرَضَ السَّيْفَ عَلَى فَخِذِهِ، فَأَكَلُوا وَلَمْ يُزَمْزِمُوا، وَأَلْقَوْا وِقْرَ بَغْلٍ أَوْ بَغْلَتَيْنِ (٢) مِنَ الْوَرِقِ. وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَهَا\n===\nعامل عمر على الأهواز، ووقع في رواية الترمذي أنه كان على مناذر، قلت: هي من قرى الأهواز.\n(عم الأحنف بن قيس، إذ جاءنا كتابُ عمر قبل موته بسنة) وكان ذلك سنة اثنين وعشرين، لأن عمر قُتِلَ سنةَ ثلاث وعشرين (اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ، وفرِّقُوا بين كل ذي محرَمٍ من المجوس) فإنهم كانوا يستحلّون نكاح المحارم، (وانهُوهُم عن الزَّمْزَمَة) قال بجالة: (فقتلنا في يوم ثَلَاثَةَ سواحِرَ، وفرَّقْنا بين كل رجل من المجوس وحريمِه في كتاب الله تعالى).\nقال الحافظ (٣): قال الخطابي: أراد عمر بالتفرقة بين المحارم عن المجوس منعهم من إظهار ذلك، وإفشاء عقودهم به.\n(وصَنَعَ) أي جزء بن معاوية (طعامًا كثيرًا فَدَعَاهم) أي المجوس (فَعَرَضَ السيفَ على فخذه) أي وَضَعَ على فخذه السيف عرضًا تخويفًا لهم (فَأَكَلُوا) أي من الطعام (وَلَمْ يُزَمْزِمُوا) وكانوا يُزَمْزِمُون بكلام خفي عند أكلهم (وَأَلْقَوا وِقْرَ) أي حمل (بغل أو بغلتين من الوَرِقِ) أي الفضة (ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبدُ الرحمن بنُ عوف أن رسولَ الله - ﷺ - أخذها\n_________\n(١) في نسخة: \"ثلاث\".\n(٢) في نسخة: \"بغلين\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٦١).","vol":"10","page":268},{"text":"مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ\". [خ ٣١٥٦، ت ١٥٨٦، ق ٩/ ١٨٩، حم ١/ ١٩٠]\n===\nمن مجوس هَجَرَ) (١).\nقال في \"معجم البلدان\" (٢): قال ابن الحائك: الهَجَر بلغة حمير والعرب العاربة: القرية، فمنها: هجر البحرين، وهجر نجران، [وهجر جازان]، وهجر حصنة من مخلاف مازن، وهجر: مدينة وهي قاعدة البحرين، وقيل: ناحية البحرين كلها هجر، وهو الصواب، وقد فتحت في أيام النبي - ﷺ - سنة ثمان أو عشر على يد العلاء بن الحضرمي.\nقال الحافظ (٣): قلت: إن كان هذا من جملة كتاب عمر فهو متصل، وتكون فيه رواية عمر عن عبد الرحمن بن عوف، وبذلك وقع التصريح في رواية الترمذي، لكن أصحاب الأطراف ذكروا هذا الحديث في ترجمة بجالة بن عبدة عن عبد الرحمن بن عوف، وليس بجيد.\nوأما وجه عدم أخذ الجزية من المجوس لعمر - ﵁ - قبل شهادة عبد الرحمن بن عوف، فإنه استدل بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤)، فإن مفهومها أن غير أهل الكتاب من اليهود والنصارى لا يشاركهم، ثم لَمّا أَخْبَرَه عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله - ﷺ - أَخَذَ الجزيةَ من مجوس، عَلِمَ أن مفهوم الآية غير معتبر، فكب إلى عُمَّاله أن يأخذوا الجزية عن المجوس، ويسنّوا بهم سنة أهل الكتاب.\n_________\n(١) بسط القاري (٧/ ٦٠٥) الكلام على ضبطه وتحقيقه والاختلاف في أنه منصرف أَوْ لَا، وحكى عن \"القاموس\": مذكر منصرف وقد يؤنث ويمنع. (لش).\n(٢) (٥/ ٣٩٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦١).\n(٤) سورة التوبة: الآية ٢٩.","vol":"10","page":269},{"text":"٣٠٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِىُّ،\n===\nقال الحافظ (١): وفي \"الموطأ\": عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر قال: لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\"، وهذا منقطع مع ثقة رجاله، قال أبو عمر: هذا من الكلام العام الذي أريد به الخاص؛ لأن المراد سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية، لا في تحريم نسائهم وأكل ذبائحهم.\nوقد روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي: \"كان المجوس أهل كتاب يقرؤونه، وعلم يدرسونه، فشرب أميرُهم الخمر، فوقع على أخته، فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم، وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته، فأطاعوه، وقتل من خالفه\".\nوروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبزى: \"لما هزم المسلمون أهلَ فَارِسَ قال عمر: اجتمعوا، فقال: إن المجوس ليسوا أهل كتاب، فنضع عليهم الجزية، ولا من عبدة الأوثان فنُجري عليهم أحكامهم، فقال علي: بل هم أهل الكتاب، فذكر نحوه، فهذا حجة لمن قال: [كان] لهم كتاب.\nوأما قول ابن بطال: لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه ولما استثنى حال ذبائحهم نكاح نسائهم؟ فالجواب: أن الاستثناء وقع تبعًا للأثر الوارد في ذلك؛ لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم بخلاف النكاح فإنه مما يحتاط له، وقال ابن المنذر: ليس تحريم نسائهم وذبائحهم متفقاَ عليه، ولكن الأكثر من أهل العلم عليه.\n٣٠٤٤ - (حدثنا محمد بن مسكين) بن نميلة بالنون، مصغرًا، أبو الحسن (اليمامي) نزيل بغداد، قال البخاري: ثقة مأمون، وقال الآجري عن أبي داود: كان ثقة رحمه الله تعالى، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة: لا بأس به، وقال الخطيب: كان ثقة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٦١).","vol":"10","page":270},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ قُشَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَسْبَذِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُمْ مَجُوسُ أَهْلِ هَجَرَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَكَثَ عِنْدَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَسَأَلْتُهُ (١): مَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: شَرٌّ، قُلْتُ: مَهْ، قَالَ: الإِسْلَامُ أَوِ الْقَتْلُ\". [ق ٩/ ١٩٠]\nقَالَ: وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: قَبِلَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِ\n===\n(نا يحيى بن حسان، نا هشيم، أنا داود بن أبي هند، عن قشير) مصغرًا (بن عمرو) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: مجهول الحال، (عن بجالة بن عبدة، عن ابن عباس قال: جاء رجل من الأسبذيين).\nقال في \"القاموس\": وأسبذ كأحمد: بلدة بهَجَرَ، والأسابذة: ناس من الفرس، ولا تجتمع السين والذَّال في كلمة عربية، قال في \"المجمع\" (٢): هم قوم من المجوس، والواحد أسبذي (٣).\n(من أهل البحرين، وهم مجوس أهل هجر، إلى رسول الله - ﷺ -، فمكث عنده، ثم خرج، فسألته: ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شر، قلت: مه) أي اكفُفْ واسكتْ عن هذا الكلام، فإنه لا يمكن أن يكون قضاء رسول الله - ﷺ - شرًا، أو يقال: إنه مُخَفَّفُ مَا هُوَ.\n(قال: الإِسلام أو القتل) أي قضى فينا رسول الله - ﷺ - أن نسلم وإلا نقتل (قال) أي ابن عباس: (وقال عبد الرحمن بن عوف: قَبِلَ) أي رسولُ الله - ﷺ - (منهم) أي من مجوس هَجَرَ (الجزية، قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول\n_________\n(١) في نسخة: \"فسأله\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٠).\n(٣) قال في \"النهاية\": هم ملوك عمان بالبحرين، الكلمة فارسية، معناها عبدة الفَرَس؛ لأنهم كانوا يعبدون فرسًا فيما قيل، واسم الفرس بالفارسية: أَسب.","vol":"10","page":271},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَتَرَكُوا مَا سَمِعْتُ أَنَا مِنَ الأَسْبَذِىِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>(٣٢) بابٌ: في التَّشْدِيدِ في جِبَايَةِ الْجِزْيَةِ</span>\n٣٠٤٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ (١) وَجَدَ رَجُلًا وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ القبَطِ\n===\nعبد الرحمن، وتركوا ما سمعت أنا من الأسبذي)، ولعل وجهه أن في سنده مجوسيًا لا يقبل قوله.\n\n(٣٢) (بابٌ: في التَّشْدِيدِ في جِبَايَةِ الْجزْيَةِ)\nوالجباية استخراج الأموال من مظانها\n٣٠٤٥ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: أن هشام بن حكيم) بن حزام (وجد رجلًا وهو على حِمْصَ) أي أمير عليه، وفي رواية مسلم في حديث جرير قال: \"وأميرهم يومئذٍ عمير بن سعد على فلسطين\"، قال النووي (٢): هو عمير بن سعد بن عمير الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف، ولاه عمر بن الخطاب - ﵁ - حمص.\n(يُشَمِّسُ نَاسًا) أي ألقاهم في الشمس تهديدًا أو تعذيبًا (من القِبْطِ) ولفظ رواية مسلم: \"عن هشام بن حكيم بن حزام قال: مَرَّ بالشام على أناس وقد أُقِيْمُوا في الشمس وصُبَّ على رؤوسهم الزيتُ، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذَّبون في الخراج\"، وفي أخرى له: \"مر هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشام، وقد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية\"، وفي أخرى له: \"أن هشام بن حكيم وجد رجلًا، وهو على حمص،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن حزام\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٨/ ٤١٥).","vol":"10","page":272},{"text":"فِى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ مَا هَذَا؟ (١) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا». [م ٢٦١٣، حم ٣/ ٤٠٤، \"السنن الكبرى\" للنسائي ٨٧٧١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>(٣٣) بَابٌ: في تَعْشِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَة </span>(٢)\n٣٠٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، نَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ،\n===\nيشمس ناسًا من النبط\"، والنبط فلاح العجم، فالظاهر أن ما وقع في رواية أبي داود من القبط بالقاف والموحدة تصحيف، فإن القبط هم أهل مصر لم يكونوا في الشام وحمص.\n(في أداء الجزية) وهي الخراج لأنه جزية الأرض (فقال) أي هشام بن حكيم: (ما هذا؟) أي التعذيب، قيل: يعذبون في الخراج، قال: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله ﷿ يُعَذِّبُ الذين يُعَذِّبُون الناسَ في الدنيا) وهذا محمول على التعذيب بغير حق، فلا يدخل فيه التعذيب بحق، كالقصاص والحدود والتعزير ونحو ذلك، وزاد في رواية مسلم: \"فأمرهم فَخُلُّوا\"، قال النووي: ضبطوه بالخاء المعجمة والمهملة، والمعجمة أشهر وأحسن.\n\n(٣٣) (بابٌ: في تَعْشِيرِ (٣) أَهْلِ الذِّمَّةِ)\nأي أخذ العشر من أموالهم التجارية (إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَةِ)\n٣٠٤٦ - (حدثنا مسدد، نا أبو الأحوص، نا عطاء بن السائب،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إني\".\n(٢) في نسخة: \"بالتجارات\".\n(٣) وفي \"الأوجز\" (٦/ ٢٣٣): يؤخذ عند أبي حنيفة وأحمد بشرط الحول والنصاب نصف العشر، وعند مالك العشر بدون الحول والنصاب، ولا يؤخذ من جلبهم إلى المدينة شيء، وعند الشافعي لا يؤخذ شيء إلا أن يأتوا الحجاز، فلا يؤذن لهم إلَّا بشرط شيء من المعاوضة كالعشر. (ش).","vol":"10","page":273},{"text":"عن حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ،\n===\nعن حرب بن عبيد الله) بن عمير الثقفي، عن جده رجل من بني تغلب، وعنه عطاء بن السائب على اختلاف عنه وفيه كثير، قال ابن أبي حاتم: وكان أشبههما ما روى الثوري عن عطاء يعني عن حرب عن النبي - ﷺ - مرسلًا، ولا يشتغل برواية الباقين، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: مشهور، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، فقال: حرب بن عبيد الله عن خال له، وعنه عطاء بن السائب، ثم قال: حرب بن هلال الثقفي عن أبي أمية بن يعلى الثقفي، وعنه عطاء بن السائب، انتهى، وهما واحد، والحديث عند أحمد من طريق عطاء بن السائب عن حرب بن هلال عن أبي أمية، قلت: أعشر قومي؟، وهو المخرج عند أبي داود بعينه كما في الأصل، وقال الحافظ في المبهمات (١): حرب بن عبيد الله عن جده، اسمه عمير.\nقال القاري (٢): قال المؤلف في فصل التابعين: هو حرب بن عبيد الله الثقفي، مختلف في اسم أبيه وفي حديثه، فروى حديثه عطاء بن السائب، وقد اختلف عنه، فرواه سفيان بن عيينة عن عطاء عن حرب عن خال له عن النبي - ﷺ -، وقال ابن الأحوص: عن عطاء عن حرب عن جده أبي أمه عن أبيه، وقال غيره: عن عطاء عن حرب بن هلال الثقفي عن أبي أمامة، وجاء في رواية أبي داود: وعن حرب بن عبيد الله عن جده أبي أمه، وهو الأشهر.\n(عن جده أبي أمه) أي الجد الفاسد، قال في \"تهذيب التهذيب\" (٣) في ترجمة عمير، فقال: عمير الثقفي جد حرب بن عبيد الله، روى عن النبيِّ - ﷺ -، روى عنه حفيدُه حرب من رواية عطاء بن السائب. واختلف فيه على عطاء، ولم يقع مسمًّى عند أبي داود، ولكن جزم المصنف بأن اسم جد حرب عمير، ولم يذكره مع ذلك في الأسماء.\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٦٥)، وانظر: (٢/ ٢٢٥).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٦١١).\n(٣) (٨/ ١٥٢).","vol":"10","page":274},{"text":"عن أبِيهِ\n===\nوقال في \"أسد الغابة\" (١): عبيد الله أبو حرب الثقفي، وقيل: حربُ بن عبيد الله. روى عطاء بن السائب عن حرب بن عبيد الله، عن أبيه- وكان من الوفد على النبيِّ - ﷺ - قال: \"قلت: يا رسول الله: عَلِّمْنِي الإِسلام فعلَّمه، ثم قال: قد علمتُه، فكيف الصدقة؟ وكيف العشور؟ قال: العشور على اليهود والنصارى، وليس على أهل الإِسلام، إنما عليهم الصدقة\"، والمصرح في رواية أبي داود أن حربًا يروي عن جده الفاسد أبي أمه، والحاصل أن فيه خبطًا، وخلطًا، واختلافا شديدًا.\n(عن أبيه) قال الحافظ (٢) في ترجمة عبيد الله الثقفي: عبيد الله الثقفي والد حرب، ذكره ابن السكن والباوردي وغيرهما في الصحابة، وأخرجوا له من طريق أبي حمزة السكري، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله الثقفي أخبره أن أبانا- وفي نسخة: أباه- أخبره أنه وَفَدَ على رسول الله - ﷺ - فسأله عن الصدقة، الحديث. وفيه: \"إنما العشور على اليهود والنصارى\".\nوقال غيره: عن عطاء بن السائب، عن حرب، عن جده أبي أمية، أخرجه أبو داود، ومن رواية عبد السلام بن حرب عن عطاء بن السائب، ومن طريق أبي الأحوص عن عطاء فقال: عن حرب، عن جده أبي أمية، عن أبيه، فإن كان الضمير في قوله: \"عن أبيه\" يعود على جده فقد زاد في السند رجلًا، وإن كان يعود على حرب فهو موافق لرواية السكري.\nورواه الثوري عن عطاء عن حرب مرسلًا لم يذكر فوقه أحدًا، وقال مرة: عن عطاء، عن رجل من بكر بن وائل، عن خاله قال: قلت: يا رسول الله، أعشر قومي؟ فذكر الحديث، أخرجهما أبو داود، الأولَ من رواية وكيع عن الثوري، والثاني من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري.\n_________\n(١) (٣/ ٤١٨).\n(٢) \"الإصابة\" (٢/ ٤٣٤).","vol":"10","page":275},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ». [حم ٣/ ٤٧٤، ق ٩/ ١٩٩]\n===\nورواه جرير عن عطاء فقال: عن حرب بن هلال عن جده أبي أمية التغلبي، رويناه في جزء هلال الحفار، والاضطراب فيه من عطاء بن السائب، فإنه اختلط، والثوري سمع منه قبل الاختلاط، فهو مقدم على غيره.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنما العُشُور) بضمتين جمع عشر (على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور).\nقال القاري (١): قال ابن الملك: أراد به عُشْرَ مال التجارة لا عُشْرَ الصدقات في غلات أراضيهم.\nقال الخطابي (٢): لا يؤخذ من المسلم شيء من ذلك دون عشر الصدقات، وأما اليهود والنصارى فالذي يلزمهم من العشور هو ما صولحوا عليه وقت العقد، فإن لم يصالحوا على شيء فلا عشور عليهم، ولا يلزمهم شيء أكثر من الجزية.\nفأما عشور أراضيهم وغلاتهم فلا تؤخذ منهم عند الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن أخذوا منا عشورًا في بلادهم إذا ترددنا إليهم في التجارات أخذنا منهم، وإن لم يأخذوا لم نأخذ، انتهى، وتبعه ابن الملك.\nلكن المقرر في المذهب في مال التجارة أن العُشْر يؤخذ من مال الحربي، ونصف العُشر من الذمي، وربع العشر من المسلم بشروط ذكرت في كتاب الزكاة، نعم، يعامل الكفار بما يعامل المسلمين إذا كان بخلاف ذلك.\nوفي \"شرح السنَّة\" (٣): إذا دخل أهلُ الحرب بلادَ الإِسلام تجارًا، فإن\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٦١٢).\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٤٠).\n(٣) (١١/ ١٧٩).","vol":"10","page":276},{"text":"٣٠٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِىُّ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ قَالَ: «خَرَاجٌ» (١) مَكَانَ «الْعُشُورُ». [ق ٩/ ٢١١]\n٣٠٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، عنْ خَالِهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُعَشِّرُ قَوْمِى؟ قَالَ: «إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى». [حم ٤/ ٣٢٢، ق ٩/ ١٩٩]\n===\nدخلوا بغير أمان ولا رسالة (٢) غنِموا، وإن دخلوا بأمان، وشرطه أن يؤخذ منهم عشر أو أقل أو أكثر أخذ المشروط، وإذا طافوا في بلاد الإِسلام فلا يؤخذ منهم في السنة إلَّا مَرَّة.\n٣٠٤٧ - (حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، نا وكيع، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن النبي - ﷺ - بمعناه، قال: \"خراج\" مكان \"العشور\").\n٣٠٤٨ - (حدثنا محمد بن بشار، نا عبد الرحمن) بن مهدي، (نا سفيان، عن عطاء، عن رجل من بكر بن وائل، عن خاله قال) أي الخال: (قلت: يا رسول الله، أعشر قومي؟ قال؟ إنما العشور على اليهود والنصارى).\nقال الحافظ في \"تعجيل المنفعة\" (٣) في ترجمة أبي أمية التغلبي: أبو أمية التغلبي جد حرب بن هلال، روى عن النبي - ﷺ -: \"ليس على المسلمين عشور\"، واختلف في اسمه على عطاء بن السائب، فقال: جرير بن عبد الحميد عنه عن حرب، هكذا قال- قلت: وفي \"مسند أحمد\" (٤): جرير\n_________\n(١) في نسخة: \"الخراج\".\n(٢) في الأصل: \"أصالة\"، وهو تحريف.\n(٣) (٢/ ٤٠٩).\n(٤) (٥/ ٤١٠).","vol":"10","page":277},{"text":"٣٠٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِىِّ، عَنْ جَدِّهِ - رَجُلٍ مِنْ بَنِى تَغْلِبَ - قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ-\n===\nعن عطاء بن السائب عن حرب بن هلال الثقفي عن أبي أمية رجل من بني (١) تغلب-.\nوقيل: حرب عن خاله رجل من بني بكر بن وائل، ولم يسمه، قلت: ولم أر هذا السياق في ما عندي من الكتب، ويمكن أن يكون وقع فيه التقدم والتأخر، وتكون العبارة: عن رجل من بني بكر بن وائل \"حرب\" عن خاله، وهكذا في أبي داود برواية عبد الرحمن عن سفيان عن عطاء، وقيل: عن عطاء عن حرب مرسلًا، قلت: وهو مخرَّج في أبي داود برواية وكيع عن سفيان عن عطاء عن حرب.\nوقيل: عن عطاء عن حرب بن عبيد الله الثقفي عن جده أبي أمية، رواه الثوري، قلت: لم أره فيما عندي من الكتب، نعم وقع في رواية أبي داود من رواية أبي الأحوص: نا عطاء بن السائب عن حرب بن عبيد الله عن جده أبي أمه، قلت: ولعل فيه تصحيفًا، والصواب: أبي أمية، ثم زاد فيه: عن أبيه، قلت: وقع في \"مسند أحمد\" من رواية جرير عن عطاء بن السائب، عن حرب بن هلال الثقفي عن أبي أمية رجل من بني تغلب، قال الحافظ (٢): رواه الثوري، وعلى هذا فأمية مصحفة من جده، واستمر صحابي هذا الحديث على إبهامه، قلت: لم أر من رواية الثوري بهذا اللفظ فيما عندي من الكتب، والله أعلم.\n٣٠٤٩ - (حدثنا محمد بن إبراهيم البزاز، نا أبو نعيم، نا عبد السلام) بن حرب، (عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله بن عمير الثقفي، عن جده- رجل من بني تغلب- قال: أتيت النبي - ﷺ -\n_________\n(١) وفي \"المسند\": من تَغْلِب، وكلاهما صحيح كما يدل عليه الحديث الآتي.\n(٢) \"تعجيل المنفعة\" (٢/ ٤١٠).","vol":"10","page":278},{"text":"فَأَسْلَمْتُ، وَعَلَّمَنِي الإسْلَامَ، وَعَلَّمَنِي كَيْفَ آخُذُ الصَّدَقَةَ مِنْ قَوْمِي مِمَّنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقلْت: يَا رَسولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا عَلَّمْتَنِي قَدْ حَفِظْتُ (١) إِلَّا الصَّدَقَةَ، أَفَأُعَشِّرُهُمْ؟ قَالَ: \"لَا، إِنَّمَا الْعُشْرُ (٢) عَلَى النَّصَارَى وَالْيَهُودِ\". [٩/ ١٩٩]\n٣٠٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ، نَا أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ عُمَيْرٍ أَبَا الأَحْوَصِ\n===\nفأسلمت، وعلَّمني الإِسلام، وعَلَّمني كيف آخذ الصدقة من قومي ممن أسلم، ثم رجعت إليه، فقلت: يا رسول الله، كل ما عَلَّمْتَني قد حفظت إلَّا الصدقة أفأعشرهم؟ قال: لا، إنما العشر على النصارى واليهود).\n٣٠٥٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا أشعث بن شعبة) المصيصي، أبو أحمد، أصله خراساني، قال أبو زرعة: لين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وفي \"سؤالات الأحمري\" عن أبي داود: أشعث بن شعبة ثقة، وقال الأزدي: ضعيف، وقال في \"التقريب\" (٣): هو مقبول.\n(نا أرطأة بن المنذر) بن الأسود بن ثابت الألهاني، أبو عدي الحمصي قال أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: ثقة حافظ فقيه، وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لدحيم: من الثبت؟ قال: صفوان وبحير وحريز وأرطاة، وقال أبو حاتم: لا بأس به.\n(قال سمعت حكيم) بفتح المهملة مكبرًا (ابن عمير) مصغرًا (أبا الأحوص) هو حكيم بن عمير بن الأحوص العنسي، ويقال: الهمداني، أبو الأحوص الحمصي، قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن عساكر: بلغني أن محمد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"حفظته\".\n(٢) في نسخة: \"العشور\".\n(٣) (ص ١٤٩).","vol":"10","page":279},{"text":"يُحَدِّثُ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِىِّ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- خَيْبَرَ وَمَعَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ رَجُلًا مَارِدًا مُنْكَرًا، فَأَقْبَلَ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا حُمُرَنَا، وَتَأْكُلُوا ثَمَرَنَا، وَتَضْرِبُوا نِسَاءَنَا؟ فَغَضِبَ، يَعْنِى النَّبِىَّ -ﷺ-، وَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ! ارْكَبْ فَرَسَكَ، ثُمَّ نَادِ (١): أَلَا إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِمُؤْمِنٍ، وَأَنِ اجْتَمِعُوا لِلصَّلَاةِ».\nقَالَ: فَاجْتَمَعُوا، ثُمَّ صَلَّى بِهِم النَّبِيُّ - ﷺ -، ثُمَّ قَامَ\n_________\nعوف سئل عن الأحوص بن حكيم، فقال: ضعيف الحديث، وأبوه شيخ صالح، وقال ابن سعد: كان معروفًا قليل الحديث.\n(يحدث عن العرباض بن سارية السلمي قال: نَزَلْنَا مع النبيِّ - ﷺ - خيبرَ، ومعه مَن معه من أصحابه)، والظاهر أن هذه القصة وقعت بعد فتح خيبر حين أقرهم رسول الله - ﷺ -، وصالحهم على النصف.\n(وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ) أي رئيسهم من اليهود (رجلًا ماردًا) أي عاتيًا (منكرًا) أي داهيًا فطنًا (فأقبل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد، ألكم) أي أيحل لكم (أن تذبحوا حُمُرَنا، وتأكلوا ثَمَرَنا، وتضربوا نساءَنا؟) ولعل في قوله: \"أن تذبحوا حمرنا\" إشارةً إلى ما فعل بعض أصحابه عند الفتح من ذبح الحمر، والمراد بأكل الثمر أكلهم زائدًا على ما تقرر عليهم من نصف خيبر، وعلم النبي - ﷺ - صدق قوله (فَغَضِبَ يعني النبي ﵇، وقال: يا ابن عوف) والظاهر أنه عبد الرحمن بن عوف (اركبْ فرسَك، ثم نَادِ: أَلَا إن الجنة) أي دخولها الأولى (لا تحلّ إلَّا لمومن) كامل الإيمان (وأن اجتمعوا للصلاة) بصيغة الأمر.\n(قال: فاجتمعوا، ثم صلَّى بهم النبي - ﷺ -، ثم) أي بعد الفراغ من الصلاة (قام)\n_________\n(١) في نسخة: \"نادى\".","vol":"10","page":280},{"text":"فَقَالَ: «أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ قَدْ يَظُنّ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إلَّا مَا فِى هَذَا الْقُرْآنِ؟ ! أَلَا وَإِنِّى وَاللَّهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ، إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ. وَأَنَّ اللَّهَ تعالي لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بِإِذْنٍ (١)، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ، إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِى عَلَيْهِمْ». [ق ٩/ ٢٠٤]\n٣٠٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالٍ، عن رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، عن رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَعَلَّكُمْ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا فَتَظْهَرُونَ (٢) عَلَيْهِمْ فَيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ\". قَالَ سَعِيدٌ في حَدِيثِهِ:\n===\nخطيبًا (فقال) في خطبته: (أيحسبُ أحدُكم) حال كونه (متكئًا على أريكته) أي سريره (قد يظن: أن الله لم يحرِّم شيئًا إلَّا ما في هذا القرآن؟ ! ألا وإني والله قد وَعَظْتُ وأمرتُ ونهيتُ عن أشياء، إنها) أي الأشياء التي أمرتُ بها أو نهيتُ عنها (لمثل القرآن) أي لمثل ما في القرآن في العدد (أو أكثر، وإن الله تعالى لم يحلّ لكم أن تدخلوا بيوتَ أهل الكتاب إلَّا بإذن، ولا ضَرْبَ نسائهم) أي ولم يحل لكم ضربهن (ولا أكلَ ثمارهم إذا أعطَوكم الذي عليهم) أي من الخراج.\n٣٠٥١ - (حدثنا مسدد وسعيد بن منصور قالا: نا أبو عوانة، عن منصور، عن هلال، عن رجل من ثقيف، عن رجل من جهينة) لم أقف على تسميتهما، لكن أولهما تابعي يضر جهالته، والثاني صحابي، (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لعلكم) ولعل هذا ليس للترجي بل للتحقيق (تقاتلون قومًا فتظهرون) أي تغلبون (عليهم فيتقونكم بأموالهم دونَ أنفسِهم وأبنائهم) أي يجعلون أموالهم وقاية لأنفسهم وأبنائهم، و(قال سعيد في حديثه:\n_________\n(١) في نسخة: \"بإذنهم\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فتظهروا\".","vol":"10","page":281},{"text":"فَيُصَالِحُونَكُمْ عَلَى صُلْحٍ»، ثُمَّ اتَّفَقَا: «فَلَا تُصِيبُوا مِنْهُمْ شَيْئًا فَوْقَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَكُمْ».\n[ق ٩/ ٢٠٤، عب ١٩٢٧٢]\n٣٠٥٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، أَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى أَبُو صَخْرٍ الْمَدِينِىُّ (٢) أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ: فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [ق ٩/ ٢٠٥]\n===\nفَيُصَالِحُونكُم على صُلْح) أي على إعطاء مال بالصلح (ثم اتفقا) أي مسدد وسعيد: (فلا تَصِيْبوا) أي لا تأخذوا (منهم شيئًا فَوْقَ ذلك، فإنه) أي الأخذ منهم فوق ذلك (لا يصلُحُ) أي لا يحلّ (لكم).\n٣٠٥٢ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، حدثني أبو صَخْرٍ المديني، أن صفوان بن سليم أخْبَرَه، عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله - ﷺ -، عن آبائهم دِنْيَةً) قال في الحاشية: قال السيوطي (٣): بكسر الدال المهملة، وسكون النون، وفتح المثناة التحتية، أعربه النحاة مصدرًا في موضع الحال، والمعنى لاصقي النسب، (عن رسول الله - ﷺ - قال: أَلَا مَنْ ظَلَمَ معاهِدًا) أي ذميًا (أو انْتَقَصَه) أي نقصه من حقه (أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ، فأنا حجيجُه) أي خصيمه (يوم القيامة).\n_________\n(١) في نسخة: \"نا\".\n(٢) في نسخة: \"المدني\".\n(٣) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٢٩).","vol":"10","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1163>(٣٤) بَابٌ: في الذِّمِّيِّ يُسْلِمُ في بَعْضِ السَّنَةِ هَلْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ</span>؟\n٣٠٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ». [ت ٦٣٣، حم ١/ ٢٢٣، قط ٤/ ١٥٦، ق ٩/ ١٩٩]\n٣٠٥٤ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: \"سُئِلَ سُفْيَانُ عن تَفْسِيرِ هَذَا فَقَالَ: إِذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ\".\n===\n\n(٣٤) (بَابٌ: في الذِّمَّي يُسْلِمُ في بَعْضِ السَّنَةِ هَلْ عَلَيْهِ جِزْيَة؟)\nلهذه السنة أو لجزء هذه السنة\n٣٠٥٣ - (حدثنا عبد الله بن الجراح، عن جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليس على مسلم (١) جزية).\n٣٠٥٤ - (حدثنا محمد بن كثير قال: سئل سفيان (٢) عن تفسير هذا، فقال: إذا أسلم) أي الكافر (فلا جزيةَ عليه) أي سقط عنه، قال في \"الهداية\" (٣): ومن أسلم وعليه جزية سقطت (٤)، وكذا إذا مات كافرًا خلافًا للشافعي فيهما.\nله: أنها وجبت بدلًا عن العصمة أو عن السكنى، وقد وصل إليه المعوَّض، فلا يسقط عنه العوض بهذا العارض كما في الأجرة والصلح عن دم العمد.\nولنا قوله ﵇: \"ليس على مسلم جزية\"، ولأنها وجبت عقوبةً على\n_________\n(١) واستدل في \"الأوجز\" (٦/ ٢١٨) بالآية والرواية والآثار والمعقول، فأرجع إليه. (ش).\n(٢) سفيان: هو الثوري، قاله المنذري، رقم (٢٩٣٢).\n(٣) (١/ ٤٠٣).\n(٤) وبه قال مالك وأحمد، كذا في \"الأوجز\" (٦/ ٢١٨). (ش).","vol":"10","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1164>(٣٥) بابٌ: في الإمَامِ يَقْبَلُ هَدَايَا الْمُشْرِكِين</span>\n٣٠٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلَّامٍ -، عَنْ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سلَّام قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِىُّ قَالَ: لَقِيتُ بِلَالًا مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِحَلَبَ، فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ حَدِّثْنِى كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: مَا كَانَ لَهُ شَىْءٌ، كُنْتُ أَنَا الَّذِى أَلِى ذَلِكَ (١)\n===\nالكفر، ولهذا تسمى جزيةً، وهي والجزاء واحدٌ، وعقوبة الكفر تسقط بالإِسلام، ولا تقام بعد الموت، ولأن شرع العقوبة في الدنيا لا يكون إلَّا لدفع الشر، وقد اندفع بالموت والإِسلام، ولأنها وجبت بدلًا عن النصرة في حقنا، وقد قدر عليها بنفسه بعد الإِسلام، والعصمة تثبت بكونه آدميًا، والذمي يسكن ملك نفسه، فلا معنى لإيجاب بدل العصمة والسكنى، وإن مات عند تمام السنَّة لم يؤخذ منه في قولهم جميعًا، وكذلك إن مات في بعض السنة، والله أعلم.\n\n(٣٥) (بابٌ: في الإمَامِ يَقْبَلُ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ) (٢)\n٣٠٥٥ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا معاوية - يعني ابن سلام- عن) أخيه (زيد) بن سلام بن أبي سلام ممطور الحبشي الدمشقي، قال النسائي وأبو زرعة والدارقطني: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: شامي لا بأس به.\n(أنه سمع) جده (أبا سلام قال: حدثني عبد الله) بن لحي (الهوزني قال: لقيت بلالًا مؤذن رسول الله - ﷺ - بحلب) كورة بالشام (فقلت: يا بلال، حدثني كيف كانت نفقة رسول الله - ﷺ -؟ قال) بلال: (ما كان له) أي لرسول الله - ﷺ - (شيء) من المال، كنت أنا الذي أَلِي) من الولاية، أي أتولى (ذلك) أي النفقة\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) بسط ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٠/ ١٢٣) الكلام على هذا الباب. (ش).","vol":"10","page":284},{"text":"مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ تعالى حتى (١) تُوُفِّىَ - ﷺ -، وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ (٢) مُسْلِمًا (٣) فَرَآهُ عَارِيًا، يَأْمُرُنِى فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِى لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ، حَتَّى اعْتَرَضَنِي (٤) رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: يَا بِلَالُ، إِنَّ عِنْدِى سَعَةً فَلَا تَسْتَقْرِضْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا مِنِّي، فَفَعَلْتُ.\nفَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ تَوَضَّأْتُ ثُمَّ قُمْتُ لأُؤَذِّنَ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا الْمُشْرِكُ قَدْ أَقْبَلَ فِى عِصَابَةٍ مِنَ التُّجَّارِ، فَلَمَّا أَنْ رَآنِي، قَالَ: يَا حَبَشِىُّ! قُلْتُ: يَا لَبَّاهُ، فَتَجَهَّمَنِى وَقَالَ لِى قَوْلًا غَلِيظًا، وَقَالَ لِي: أَتَدْرِى كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَرِيبٌ، قَالَ: إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعٌ،\n===\n(مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ تعالى حتى تُوُفِّىَ) بصيغة المجهول (- ﷺ -، وكان إذا أتاه) أي رجل (مسلمًا فرآه عاريًا) ليس عليه ثوب (يأمرني، فأنطلق فأستقرض، فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني) أي عَرَضَ لي (رجل من المشركين فقال: يا بلال، إن عندي سعة) أي في المال (فلا تستقرض من أحد إلَّا مني، ففعلت) أي استقرضت منه عند الحاجة.\n(فَلَمَّا أن كان ذات يوم) ولفظ ذات مقحم (توضأت، ثم قمت لأؤذِّن بالصلاة، فإذا المشرك قد أَقْبَلَ في عصابة) أي جماعة (من التجار، فلما أن رآني قال: يا حبشي، قلت: يا لبَّاه، فَتَجَهَّمَنِي) أي تلقاني بالغلظة (وقال لي قولًا غليظًا، وقال لي: أتدري كم بينك (٥) وبين الشهر؟) أي شروعه أو تمامه (قال: قلت: قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع) أي أربع ليال، فإذا جاء الشهر\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى أن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الإنسان\".\n(٣) في نسخة: \"مسلم\".\n(٤) في نسخة: \"اعترض لي\".\n(٥) ولفظ \"الكنز\": \"كم بيني وبين الشهر\". (ش).","vol":"10","page":285},{"text":"فَآخُذُكَ بِالَّذِى عَلَيْكَ، فَأَرُدُّكَ (١) تَرْعَى الْغَنَمَ، كَمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَخَذَ فِى نَفْسِى مَا يَأْخُذُ فِى أَنْفُسِ النَّاسِ، حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لِى، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِى أَنْتَ، وَأُمِّى إِنَّ الْمُشْرِكَ الَّذِى كُنْتُ أَتَدَيَّنُ مِنْهُ قَالَ لِى كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا تَقْضِى عَنِّي، وَلَا عِنْدِي، وَهُوَ فَاضِحِي، فَأْذَنْ لِي أَنْ آبِقَ (٢) إِلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ الأَحْيَاءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يَرْزُقَ اللَّهُ رَسُولَهُ -ﷺ- مَا يَقْضِى عَنِّي.\nفَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا أَتَيْتُ مَنْزِلِى فَجَعَلْتُ\n===\nولم تؤدِّ ما عليك (فآخذك بالذي عليك) (٣) من المال (فأردّك) أي عبدًا (تَرْعَى الغَنَمَ كما كنتَ قَبْلَ ذلك).\n(فَأَخَذَ في نفسي) من الهمِّ (ما يأخذ في أنفسِ الناس، حتى إذا صليتُ العَتَمَةَ) أي العشاء (رجع رسولُ الله - ﷺ - إلى أهله، فأستأذنت عليه، فأذِنَ لي، قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي) أي أنت مفدّى بهما (إن المشرك الذي كنتُ أَتَدَيَّنُ) أي أستدين وأستقرض (منه قال لي كذا وكذا وليس عندك ما تَقْضِي عني، ولا عندي) ما أقضي به (وهو فاضِحِي، فَأْذَنْ لي أن آبِقَ إلى بعض هؤلاء الأحياء) جمع حي وهي القبيلة (الذين قد أَسْلَموا، حتى يرزق الله تعالى رسوله - ﷺ - ما يقضي عني) من الدَّين.\n(فخرجت) أي من بيتِ رسولِ الله - ﷺ - (حتى إذا أتيتُ منزلي، فجعلتُ\n_________\n(١) في نسخة: \"وأردك\".\n(٢) في نسخة: \"فآبق\".\n(٣) زاد في \"الكنز\": فإني لم أعطك الذي أعطيتُك من كرامتك، ولا كرامة صاحبك علي، ولكن أعطيتك لأتخذك لي عبدًا فأردُّك ... إلخ. \"كنز العمال\" (١٨٦١٥). (ش).","vol":"10","page":286},{"text":"سَيْفِى وَجِرَابِى وَنَعْلِي وَمِجَنِّى عِنْدَ رَأْسِي، حَتَّى إِذَا انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الأَوَّلِ أَرَدْتُ أَنْ أَنْطَلِقَ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو: يَا بِلَالُ، أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ مُنَاخَاتٌ عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنَّ، فَاسْتَأْذَنْتُ، فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَبْشِرْ، فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِقَضَائِكَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَمْ تَرَ الرَّكَائِبَ الْمُنَاخَاتِ الأَرْبَعَ؟ \"، فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: «إِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ، فَإِنَّ (١) عَلَيْهِنَّ كِسْوَةً (٢)\n===\nسيفي وجِرَابي) وهو وعاء من الجلد يدخل فيه السيف مع غمده، وهو بكسر جيم، والعامة تفتحه، وقيل بهما (ونعلي ومِجَنِّي) أي ترسي (عند رأسي (٣)، حتى إذا انشقّ عمودُ الصبح الأول) وهو الفجر الكاذب (أردتُ أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى) أي يَعْدُو على رجليه (يدعو: يا بلال، أَجِبْ رسولَ الله - ﷺ -) أي يدعوكَ رسولُ الله - ﷺ - (فانطلقتُ) إليه (حتى أتيتُه) أي رسول الله - ﷺ - (فإذا أربعُ رَكائِبَ) جمع ركوبة.\nقال في \"المجمع\" (٤): الركب: بضم [راء و]، كاف جمع ركاب، وهي الرواحل من الإبل، وقيل: جمع ركوب، وهو ما يركب من كل دابة، والركوبة أخص منه.\n(مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت، فقال لي رسول الله - ﷺ -: أبشر، فقد جاءك الله تعالى بقضائك) أي بما تقضي به دينك (ثم قال: ألم ترَ الركائب المناخات الأربع؟ فقلت: بلى، فقال: إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة\n_________\n(١) في نسخة: \"وإن\".\n(٢) في نسخة: \"كسوة وطعام\".\n(٣) استقبلت بوجهي الأفق، فكلما نمتُ ساعةً انتبهتُ، فإذا رأيتُ عليَّ ليلًا نمتُ حتى ينشقّ عمود ... إلخ. \"كنز\". (ش).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٧١).","vol":"10","page":287},{"text":"وَطَعَامًا أَهْدَاهُنَّ إِلَيَّ عَظِيمُ فَدَكَ، فَاقْبِضْهُنَّ وَاقْضِ دَيْنَكَ\"، فَفَعَلْتُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.\nثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قاعِدٌ في الْمَسْجِدِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: \"مَا فَعَلَ مَا قِبَلُكَ؟ \" قُلْتُ: قَدْ قَضَى اللَّه تَعَالَى كُلَّ شَيءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمْ يَبْقَ شَئءٌ. قَالَ: \"أَفَضَلَ شَيءٌ؟ \"، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: \"انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهُ (١)، فَإِنِّي لَسْتُ بِدَاخِلٍ\n===\nوطعامًا أهداهنّ إليَّ عظيم (٢) فدك، فاقبضهنّ، واقض دينك، ففعلت، فذكر الحديث) قلت: لم أجد هذا الحديث (٣) بتمامه في غير أبي داود (٤).\n(ثم انطلقتُ إلى المسجد) بعد ما قضيتُ ديني (فإذا رسولُ الله - ﷺ - قاعدٌ في المسجد، فسلمتُ عليه، فقال: ما فعل) الذي (ما قبلك؟) أي من الدين (قلتُ: قد قضى اللهُ تعالى كلَّ شيء كان على رسول الله - ﷺ -) من الدين (فلم يبقَ شيءٌ) أي منه.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أَفَضَلَ) أي هل بَقِيَ (شيء) مما كان على الركائب؟ (قلت: نعم، قال) رسول الله - ﷺ -: (انظُر) أي في المصارف وأنفقه فيها (أن تُريحني) لإراحتي (منه، فإني لستُ بداخل\n_________\n(١) في نسخة: \"منها\".\n(٢) والهديَّة إليه - ﷺ - مِلك له، وإلى أمير الجيش فيء للمسلمين، كذا في \"شرح السير\" (٤/ ١٢٣٨)، وبه قال ابن عبد البر كما تقدم. (ش).\n(٣) زاد في \"كنز العمال\" (١٨٦١٥): حططتُ عنهن أحمالهن ثم علفتُهن، ثم قمتُ إلى تأذيني صلاةَ الصبح، حتى إذا صلَّى رسول الله - ﷺ - خرجتُ إلى البقيع، فجعلت أصبعى في أذنيَّ، فناديتُ، فقلت: من كان يطلبُ رسول الله - ﷺ - بدينٍ فليحضر، فما زلتُ أبيعُ وأقضي حتى لم يبق على رسولِ الله - ﷺ - دينٌ في الأرضِ، حتى فَضَلَ في يديَّ أوقيتان أو أوقيةٌ ونصف، ثم انطلقتُ إلى المسجد وقد ذهب عامة النهار، وإذا رسول الله - ﷺ - قاعدٌ في المسجد وحدَه، فسلمتُ عليه، فقال: ما فعل ما قبلك؟ ... إلخ. (ش).\n(٤) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٦٣٥١)، والطبراني في \"الكبير\" (١١١٩).","vol":"10","page":288},{"text":"عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِي حَتَّى تُرِيحَنِي مِنْهُ\"، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله - ﷺ - الْعَتَمَةَ دَعَانِي فَقَالَ: \"مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلُكَ؟ \"، قَالَ: قُلْتُ: هُوَ مَعِي لَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ، فبَاتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في الْمَسْجِدِ، وَقَصَّ الْحَدِيثَ.\nحَتَّى إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ- يَعْنِي مِنَ الْغَدِ- دَعَانِي قَالَ: \"مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلُكَ؟ \"، قَالَ قُلْتُ: قَدْ أَرَاحَكَ اللهُ مِنْهُ يَا رَسُولَ الله، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ الله شَفَقًا مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَزْوَاجَهُ فَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ، حَتَّى أَتَى مَبِيتَهُ. فَهَذَا الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ. [ق ٩/ ٢١٥، حب ٦٣٥١، طب ١١١٩]\n٣٠٥٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا مُعَاوِيةُ\n===\nعلى أحد من أهلي حتى تُريحني منه) أي تفرغ قلبي منه بأن تنفقه على مصارفه.\n(فلما صلى رسول الله - ﷺ - العتمة دعاني فقال: ما فعل الذي قبلك) من المال؟ (قال) بلال: (قلت: هو معي) أي عندي (لم يأتنا أحد، فبات رسولُ الله - ﷺ - في المسجد) ولم يدخل (١) على أهله، (وقَصَّ الحديث حتى إذا صلى العتمة -يعني من الغد- دعاني قال: ما فعل الذي قبلك؟ قال: قلت: قد أراحك الله منه يا رسولَ الله) يعني أنفقتُه في مصارفه (فَكَبَّرَ وحَمِدَ الله شفقًا) أي خوفًا (من أن يدركه الموتُ وعنده ذلك) أي المال (ثم اتَّبَعْتُه حتى إذا جاء أزواجَه فَسَلَّمَ على امرأة امرأة) أي كل واحد من النسوة (حتى أتى مَبيتَه، فهذا الذي سألتني عنه)، فهذا الحديث يدل على جواز قبول هدية الكافر.\n٣٠٥٦ - (حدثنا محمود بن خالد، نا مروان بن محمد، نا معاوية\n_________\n(١) ولفظ \"الكنز\": فبات في المسجد حتى أصبح، فظلَّ اليوم الثاني حتى كان في آخر النهار جاء راكبان، فانطلقتُ بهما فأطعمتُهما وكسوتُهما، حتى إذا صلَّى العتمة ... إلخ. (ش).","vol":"10","page":289},{"text":"بِمَعْنَى إِسْنَادِ أَبِي تَوْبَةَ وَحَدِيثِهِ، قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ: \"مَا يَقْضِي عَنِّي\": فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَاغْتَمَزْتُهَا\" [انظر سابقه]\n٣٠٥٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا عِمْرَانُ، عن قَتَادَةَ، عن يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عن عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: أَهْدَيْتُ للنَّبِيِّ - ﷺ - ناقَةً، فَقَالَ: \"أَسْلَمْتَ؟ \"، قُلْتُ (١): لَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنِّي نُهِيتُ عن زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ\". [ت ١٥٧٧، ق ٩/ ٢١٦، طب ١٧/ ٩٩٩]\n===\nبمعنى إسناد أبي توبة وحديثه، قال عند قوله: \"ما يقضي عني\": فَسَكَتَ عني رسولُ الله - ﷺ - فاغتمزتُها) أي ما ارتضيت تلك الحالة وأنكرتها.\n٣٠٥٧ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا أبو داود، نا عمران، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار قال: أهديتُ للنبي - ﷺ - ناقةً، فقال) رسول الله - ﷺ -: (أسلمتَ؟) بتقدير حرف الاستفهام (قلت: لا، فقال النبي - ﷺ -: إني نُهِيتُ عن زَبْدِ (٢) المشركين) الزبد: بفتح الزاي وسكون الموحدة بعدها دال: العطاء والرفد.\nقال في الحاشية: قال \"الخطابي\" (٣): يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخًا، لأنه ﵊ قَبِلَ هدية غير واحد من المشركين، أهدى المقوقس مارية والبغلة، وأهدى له أكيدر دومة، فقبل منهما، وقيل: إنما رد هديته ليغيظه بردها فيحمله ذلك على الإِسلام، وقيل: ردها، لأن للهدية موضعًا من القلب، وروي: \"تهادوا تحابوا\"، ولا يجوز عليه - ﷺ - أن يميل بقلبه إلى مشرك، فردها قطعًا لسبب الميل، وليس ذلك لقبول هدية مقوقس وأكيدر\n_________\n(١) في نسخة: \"فقلت\".\n(٢) ذكر العيني (٩/ ٤٣٦) له وجوهًا، وقال في \"شرح السير\" (٤/ ١٢٣٧): قال ذلك لما ظهر منهم مجاوزة الحد في طلب العوض، انتهى. (ش).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٤١)، و\"عمدة القاري\" (٩/ ٤٣٦).","vol":"10","page":290},{"text":"(٣٦) (١) بَابٌ: في إِقْطَاعِ الأَرَضِين\n٣٠٥٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، نَا (٢) شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ\". [ت ١٣٨١، دي ٢٦٠٩، حم ٦/ ٣٩٩، ق ٦/ ١٤٤]\n===\nونحوهما، لأنهما أهل كتاب، وليسوا بمشركين، وقد أبيح له طعام أهل الكتاب ونكاحهم، وذلك خلاف حكم أهل الشرك.\nوقال البيهقي في \"سننه\" (٣): يحتمل رده حرمةً وتنزيهًا، فيحمله ذلك على الإِسلام، والإخبار في قبول هداياهم أصحّ وأكثر، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>(٣٦) (بَابٌ: في إِقْطَاعِ الارَضِينَ)</span>\nأي إعطاء الإِمام طائفة من الأرض مفرزة\n٣٠٥٨ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، نا شعبة، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه) وائل بن حجر: (أن النبي - ﷺ - أقطعه) أي أعطاه (أرضًا بحضرموت) اسم بلد باليمن، اسمان جعلا اسمًا واحدًا، فهو غير منصرف بالعلمية والتركيب، وهو بفتح الحاء المهملة والراء والميم وسكون الضاد المعجمة، وفي \"القاموس\": بضم الميم بلدة وقبيلة. وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان، وقال له: أعطها إياه.\nوقال القاري (٤): والظاهر أن المراد من معاوية هو ابن الحكم السلمي، أو ابن جاهمة السلمي، وأما معاوية بن أبي سفيان فهو وأبوه من مسلمة الفتح، ثم من المؤلفة قلوبهم، فهو غير ملائم للمرام، وإن كان مطلق هذا الاسم ينصرف إليه في كل مقام، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة قبل ذكر الباب: \"كتاب القطائع\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢١٦).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٧٣).","vol":"10","page":291},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولكن قال الحافظ في \"الإصابة\" (١) في ترجمة وائل بن حجر: قال ابن حبان: كان بقية أولاد الملوك بحضرموت، وبشّر به النبي - ﷺ - قبل موته، وأقطعه أرضًا وبعث معه معاوية، فقال له: أردفني، فقال: لست من أرداف الملوك، فلما استخلف معاوية، قصده فتلقاه وأكرمه، فقال وائل: فوددت لو كنت حملته بين يدي، انتهى. وفي هذا تصريح بأنه معاوية بن أبي سفيان.\nوأما مذهمب الحنفية في الإقطاع فهو ما قال في \"البدائع\" (٢): الأراضي في الأصل نوعان: أرض مملوكة، وأرض مباحة غير مملوكة، والمملوكة نوعان: عامرة، وخراب، والمباحة نوعان أيضًا: نوع هو من مرافق البلدة محتطبًا لهم ومرعى لمواشيهم، ونوع ليس من مرافقها وهو المسمى بالموات.\nوأما الأراضي المملوكة العامرة، فليس لأحد أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها؛ لأن عصمة الملك تمنع من ذلك، وأما أرض الموات وهي أرض خارج البلد لم تكن ملكًا لأحد ولا حقًّا له خاصًّا؛ فلا يكون داخل البلد موات أصلًا، وكذا ما كان خارج البلدة من مرافقها محتطبًا بها لأهلها أو مرعى لهم، لا يكون مواتًا حتى لا يملك الإِمام إقطاعها.\nفالإمام يملك إقطاع الموات من مصالح المسلمين لما يرجع ذلك إلى عمارة البلاد والتصرف فيما يتعلق بمصالح المسلمين للإمام، ككري الأنهار العظام وإصلاح قناطرها ونحوه، ولو أقطع الإِمام الموات إنسانًا، فتركه ولم يعمره، لا يتعرض له إلى ثلاث، فإذا مضى ثلاث سنين فقد عاد مواتًا كما كان، وله أن يقطعه غيره لقوله ﵊: \"ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق\" (٣) ملحص ما في \"البدائع\".\n_________\n(١) (٦/ ٤٦٦) رقم (٩١٢٠).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٨١).\n(٣) عَزاه الزيلعي إلى الطبراني. انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٢٩٠).","vol":"10","page":292},{"text":"٣٠٥٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ بِإِسْنادِهِ مِثْلَهُ.\n٣٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عن فِطْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عن عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: خَطَّ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - دارًا بِالْمَدِينَةِ بِقَوْسٍ (١) وَقَالَ: \"أَزِيدُكَ، أَزِيدُكَ\".\n===\n٣٠٥٩ - (حدثنا حفص بن عمر، نا جامع بن مطر) الحبطي بمهملة وموحدة مفتوحتين وبطاء مهملة، البصري، قال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الآجري عن أبي داود: [ثقة]، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن علقمة بن وائل بإسناده مثله) أي الحديث المتقدم.\n٣٠٦٠ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن فطر قال: حدثني أبي) هو خليفة القرشي المخزومي الكوفي، مولى عمرو بن حريث، روى عن مولاه، وعنه ابنه فطر، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا عن مولاه، قال: \"خط لي رسول الله - ﷺ - دارًا بالمدينة\"، قلت: قال الذهبي: هذا حديث منكر، لأن عمرو (٢) بن حريث يصغر عن ذلك، مات النبي - ﷺ - وهو ابن عشر سنين أو نحوها، وهذا الكلام تلقفه الذهبي من أبي الحسن بن القطان، فإنه ضعّف هذا الحديثَ بها لما تعقبه على عبد الحق، وأعله بأن خليفة مجهول الحال. قلت: وفيه نكارة من وجه آخر، وهو أنه - ﷺ - لا يجوز له أن يقطع أرضًا بالمدينة؛ لأنها مملوكة لأهلها لا يجوز فيها التصرف بشيء.\n(عن عمرو بن حريث قال: خطّ لي رسول الله - ﷺ - دارًا بالمدينة بقوس) جعل هذا آلة الخط (وقال: أزيدك أزيدك) (٣)، [قال في الحاشية]: قال في\n_________\n(١) في نسخة: \"بقوسه\".\n(٢) وكذا أشكل الحافظ على الحديث في ترجمة عمرو ... إلخ [انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ١٨)]. (ش).\n(٣) الحديث سكت عنه المنذري، قلت: وسكت عنه صاحب \"العون\" أيضًا. (ش).","vol":"10","page":293},{"text":"٣٠٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن غَيْرِ وَاحِدٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - أقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ المُزَنِيّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ،\n===\n\"فتح الودود\": قوله: \"أزيدك \" يحتمل أنه استفهام، أي أيكفيك هذا القدر أم أزيدك فيه؟ ويحتمل أنه خبر بمعنى قد زدتك، أي فلا تطلب الزيادة، انتهى. وعزا إلى مولانا محمد إسحاق - ﵀ -: ويحتمل أن يكون معناه أني أزيدك بعد هذا، وأما الآن فخذ هذا القدر، انتهى.\n٣٠٦١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد). قال الزرقاني (٢): مرسل عند جميع الرواة، ووصله البزار من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن ربيعة، عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه، وأبو داود من طريق ثور بن يزيد الديلي، عن ابن عباس.\n(أن رسول الله - ﷺ - أقطع بلال بن الحارث) بن عاصم بن سعيد (المزني) من أهل المدينة، وكان صاحب لواء مزينة يوم فتح مكة، وكان يسكن وراء المدينة ثم تحول إلى البصرة، (معادن القبلية) نسبة إلى قَبَل بفتح القاف والباء، هذا هو المحفوظ في الحديث، وفي \"كتاب الأمكنة\": القِلَبية بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة ثم باء، وفي \"معجم البلدان\" (٣): بالتحريك، الناحية، كأنه نسبة إلى قَبَل بالتحريك، وهو من نواحي الفرع بالمدينة.\nقال العمراني: أخبرني جار الله، عن علي الشريف قال: القبلية سراة فيما بين المدينة وينبغ، ما سأل منها إلى ينبع سمي بالغور، وما سال منها إلى أودية المدينة سمي بالقبلية، وفيها جبال وأودية.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) شرح الموطأ\" للزرقاني (٢/ ١٠٠).\n(٣) (٤/ ٣٠٧).","vol":"10","page":294},{"text":"وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرُعِ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ\". [ط ١/ ٢٤٨/ ٨، ق ٤/ ١٥٢]\n===\n(وهي من ناحية الفرع) بضم الفاء والراء، كما جزم به السهيلي والعياض في \"المشارق\" (١)، وقال في كتابه \"التنبيهات\": هكذا قيّده الناس، وحكى عبد الحق عن الأحول إسكان الراء ولم يذكره غيره، فاقتصار \"النهاية\" والنووي في \"تهذيبه\" على الإسكان مرجوح.\nقال في \"الروض\" (٢): بضمتين ناحية بالمدينة، وفيها عينان يقال لهما: الربض والنجف، يسقيان عشرين ألف نخلة، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلَّا الزكاة.\nقال في \"معجم البلدان\" (٣): والفرع قرية من نواحي الربذة (٤) عن يسار السقياء، بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة، وقيل: أربع ليال، بهما منبر ونخل ومياه كثيرة، وبين الفرع والمريسيع ساعة من نهار وهي كالكورة، وفيها عدة قرى ومنابر ومساجد لرسول الله - ﷺ -، قال ابن الفقيه: فأما أعراض المدينة فأضخمها الفرع، وبه منزل الوالي، وبه مسجد صلى به النبي - ﷺ -، وقال السهيلي: هو بضمتين.\n(فتلك (٥) المعادن لا يؤخذ منها إلَّا الزكاة إلى اليوم). قال مالك: أرى\n_________\n(١) انظر: \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٩٨).\n(٢) \"الروض الأنف\" (٣/ ٢٢٣).\n(٣) (٤/ ٢٥٢).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"معجم البلدان\": \"المدينة\" بدل: \"الربذة\".\n(٥) هذه الزيادة متكلم فيها، كما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٨١)، وقال الشافعي: الثابت فيه الإقطاع فقط لا الزكاة، وقال محمد: والمعروف قوله ﵊: \"في الركاز الخمس\"، ومع انقطاعه ليس فيه أن النبي - ﷺ - أمره به، ويحتمل أنه - ﷺ - لم يأخذ بأكثر مع ربع العشر لاحتياجه، كذا في \"البدائع\" (٢/ ١٩٤).\nقلت: أو الزكاة يطلق على الخمس أيضًا، أو المراد أخذ الزكاة بعد حوَلان الحول بعد أخذ الخمس في الحال، والبسط في \"الأوجز\" (٥/ ٥٥٥). (ش).","vol":"10","page":295},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالله أن لا يؤخذ من المعادن مما يخرج منها شيء حتى يبلغ ما يخرج منها قدر عشرين دينارًا عينًا، أو قدر مائتي درهم فضة، وبهذا قال جماعة. وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: المعدن كالركاز وفيه الخمس يؤخذ من قليله وكثيره.\nقلت: قال في \"البدائع\" (١): وأما المعدن فالخارج منه في الأصل نوعان: مستسجد ومائع، والمستسجد منه نوعان أيضًا: نوع يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية، كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس ونحو ذلك، ونوع لا يذوب بالإذابة كالياقوت والبلور والعقيق والزمرد والفيروزج والكحل والمغرة والزرنيخ والجص والنورة ونحوها. والمائع نوع آخر كالنفط والقار ونحو ذلك.\nوكل ذلك لا يخلو إما أن وجده في دار الإِسلام أو في دار الحرب في أرض مملوكة أو غير مملوكة، فإن وجد في دار الإِسلام في أرض غير مملوكة، فالموجود مما يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية يجب فيه الخمس، سواء كان ذلك من الذهب والفضة أو غيرهما مما يذوب بالإذابة، وسواء كان قليلًا أو كثيرًا، فأربعة أخماسه للواجد كائنًا من كان إلا الحربي المستأمن فإنه يسترد منه الكل، إلَّا إذا قاطعه الإِمام، فإن له أن يفي بشرطه، وهذا قول أصحابنا - ﵏-.\nوقال الشافعي - ﵀ -: في معادن الذهب والفضة ربع العشر، كما في الزكاة، حتى شرط فيه النصاب، فلم يوجب فيما دون المائتين، وشرط بعض أصحابه الحول أيضًا، وأما غير الذهب والفضة فلا خمس فيه.\nوأما عندنا فالواجب خمس الغنيمة في الكل، لا يشترط في شيء منه شرائط الزكاة، ويجوز دفعه إلى الوالدين والمولودين الفقراء، كما في الغنائم، ويجوز للواجد أن يصرف إلى نفسه إذا كان محتاجًا، ولا تغنيه الأربعة الأخماس.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٩٣).","vol":"10","page":296},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nاحتج الشافعي بما روي: \"أن رسول الله - ﷺ - أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية وكان يأخذ منها ربع العشر\"، ولأنها من نماء الأرض وريعها، وكان ينبغي أن يجب فيه العشر، إلا أنه اكتفى بربع العشر لكثرة المؤنة في استخراجها.\nولنا ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"وفي الركاز الخمس\"، وهو اسم للمعدن حقيقة، وإنما يطلق على الكنز مجازًا لدلائل:\nأحدها: أنه مأخوذ من الركز وهو الإثبات، وما في المعدن هو المثبت في الأرض لا الكنز، لأنه وضع مجاورًا للأرض.\nوالثاني: أن رسول الله - ﷺ - سئل عما يوجد من الكنز العادي؟ فقال: \"فيه وفي الركاز الخمس\"، عطف الركاز على الكنز، والشيء لا يعطف على نفسه هو الأصل، فدل أن المراد منه المعدن.\nوالثالث: ما روي أن النبي - ﷺ - لما قال: \"المعدن جبار، والقليب جبار، وفي الركاز الخمس\"، قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ فقال: \"هو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق السموات والأرض\"، فدل على أنه اسم للمعدن حقيقة، فقد أوجب النبي - ﷺ - الخمس في المعدن من غير فصل بين الذهب والفضة وغيرهما، فدل أن الواجب هو الخمس في الكل.\nولأن المعادن كانت في أيدي الكفرة، وقد زالت أيديهم، ولم تثبت يد المسلمين على هذه المواضع؛ لأنهم لم يقصدوا الاستيلاء على الجبال والمفاوز، فبقي ما تحتها على ملك الكفرة، وقد استولى عليه على طريق القهر بقوة نفسه فيجب فيه الخمس، ويكون أربعة أخماسه له كما في الكنز، ولا حجة له في حديث بلال بن الحارث، لأنه يحتمل أنه إنما لم يأخذ منه ما زاد على ربع العشر لما علم من حاجته، وذلك جائز عندنا على ما نذكره فيحمل عليه عملًا بالدليلين.","vol":"10","page":297},{"text":"٣٠٦٢ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْعَبَّاسُ: نَا حُسَيْنُ (١) بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَنَا أَبُو أُويسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ:\n===\n٣٠٦٢ - (حدثنا العباس بن محمد بن حاتم) بن واقد الدوري، أبو الفضل البغدادي، مولى بني هاشم، خوارزمي الأصل، قال ابن أبي حاتم: صدوق، قال: وقال أبي: صدوق، قال النسائي: ثقة، وقال مسلمة: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الخليلي في \"الإرشاد\": متفق عليه، يعني على عدالته، وإلا فالشيخان لم يخرج له واحد منهما.\n(وغيره، قال العباس: نا حسين بن محمد) بن بهرام التميمي (قال: أنا أبو أويس) وهو عبد الله بن عبد الله (قال: حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف) بن زيد بن ملحة، اليشكري (المزني) قال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء، وقال الدوري عن ابن معين: لجده صحبة، وهو ضعيف الحديث، وقال مرة: ليس بشيء، وقال الآجري: سئل أبو داود عنه؟ فقال: كان أحد الكذابين، سمعت محمد بن الوزير المصري يقول: سمعت الشافعي وذكر كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف فقال: ذاك أحد الكذابين، أو أحد أركان الكذب، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، ليس بقوي، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: روى عن أبيه، عن جده نسخة موضوعة، لا يحل ذكرها في الكتب، لا الرواية عنه إلا على جهة التعجب، وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه.\n(عن أبيه) عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن جده) عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة، بكسر أوله وسكون اللام ومهملة، المزني أبو عبد الله أحد البكائين، صحابي قديم\n_________\n(١) في نسخة: \"الحسين\".","vol":"10","page":298},{"text":"\"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا\".\nوَقَالَ غَيْرُ الْعَبَّاس (١): \"جَلسَهَا وَغَوْرَهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ، وَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ، أَعْطَاهُ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا\".\nوَقَالَ غَيْرُهُ: \"جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ\".\n===\nالإِسلام، مات في ولاية معاوية - ﵁ -، قال الواقدي: استعمله النبي - ﷺ - على حرم المدينة.\n(أنّ النبي - ﷺ - أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية جلسيّها وغوريّها) نقل في الحاشية عن \"الفتح\": بفتح الجيم وسكون اللام، نسبة إلى جلس بمعنى المرتفع، وقوله: \"غوريها\" بفتح الغين وسكون الواو نسبة إلى غور، والمراد أعطاها ما ارتفع منها وما خفض، والأقرب ترك النسبة.\n(وقال غير العباس: جلسها) بفتح الجيم يريد نجدها، ويقال لنجد: جلس، قال الأصمعي: كل مرتفع جلس (وغورها) بفتح غين معجمة، ما انخفض، يريد أنه أقطعه إياها ووهادها (وحيث يصلح الزرع من قدس) بقاف فدال كقفل: جبل معروف، أو مكان مرتفع يصلح للزراعة.\n(ولم يعطه حق مسلم، وكتب له النبي - ﷺ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أعطى محمد رسول الله - ﷺ - بلال بن الحارث المزني، أعطاه معادن القبلية جلسيها وغوريها، وقال غيره: جلسها وكورها، وحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم).\n_________\n(١) في نسخة: \"غيره\".","vol":"10","page":299},{"text":"قَالَ أَبُو أُويسٍ: وَحَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَى بَنِي الدَّيْلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنَانَةَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. [حم ١/ ٣٠٦، ك ٣/ ٥١٧]\n٣٠٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحُنينيَّ قَالَ: \"قَرأتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ يَعْنِي كِتَابَ قَطِيعَةِ النَّبِيِّ - ﷺ-\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ عن حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَنَا أَبُو أُويسٍ قَالَ:\n===\n(قال أبو أويس: وحدثني ثور بن زيد مولى بني الديل بن بكر بن كنانة، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله) وإنما أتى بهذا السند؛ لأن كثير بن عبد الله الذي في السند الأول كان شديد الضعف، فقوى الحديث بإيراد هذا السند.\n٣٠٦٣ - (حدثنا محمد بن النضر) بن مساور بن مهران المروزي، قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره الدارقطني في شيوخ البخاري، وذكره ابن عساكر في شيوخ مسلم (قال: سمعت الحُنَيْنِي) وهو إسحاق بن إبراهيم الحنيني بمهملة ونونين مصغرًا، أبو يعقوب المدني، روى عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال أبو حاتم: رأيت أحمد بن صالح لا يرضاه، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: ضعيف، ومع ضعفه يكتب حديثه، وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان يخطئ، وقال عبد الله بن يوسف التنيسي: كان مالك يعظمه ويكرمه، وقال البزار: كف بصره فاضطرب حديثه.\n(قال: قرأته غير مرة يعني كتاب قطيعة النبي - ﷺ -) والقطيعة: هي قطعة أرض يقطعها الإِمام لأحد.\n(قال أبو داود: حدثنا غير واحد) هكذا في النسخة المكتوبة القلمية والقادرية والمجتبائية والكانفورية بغير واو العطف، وأما في النسخة المصرية ونسخة \"العون\" فبواو العطف للتحويل، وهو الصواب (عن حسين بن محمد، قال: أنا أبو أويس قال) هكذا بلفظ \"قال\" في النسخة المكتوبة القلمية","vol":"10","page":300},{"text":"حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ حَارِثٍ الْمُزَنيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّهَا وغَوْرِيَّهَا- قَالَ ابْنُ النَّضْرِ: وَجَرْسَهَا وَذَاتَ النُّصُبِ- ثُمَّ اتَّفَقَا: وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ، وَلَمْ يُعْطِ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ حَقَّ مُسْلِمٍ، وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ -: \"هَذَا مَا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ،\n===\nوالمجتبائية والقادرية ونسخة \"العون\"، والأولى حذفه، كما في النسخة المصرية وتقديره: \"قالا\" بصيغة التثنية، والضمير يعود إلى الحنيني وأبي أويس فإنهما يرويان عن كثير بن عبد الله.\n(حدثني كثير بن عبد الله، عن أبيه) عبد الله، (عن جده) عمرو بن عوف: (أن النبي - ﷺ - أقطع بلال بن حارث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها) وهذا يخالف ما تقدم في حديث العباس بن محمد أن \"جلسيها وغوريها\" على لفظ النسبة كان مختصًّا بحديث عباس بن محمد بن حاتم، وأما غير العباس فقالوا: \"جلسها وغورها\" بغير نسبة، وفي هذا الحديث روي عن غير واحد بصيغة النسبة، والله أعلم.\n(قال ابن النضر) أي محمد بن النضر شيخ المصنف، بدل \"جلسيها\" وغوريها\": (وجرسها (٢) وذات النصب). قال في \"القاموس\": وذات النُّصُب بالضم: موضع قرب المدينة، وقال في \"المجمع\": ذات النصب، موضع على أربعة برد من المدينة (ثم اتفقا) أي ابن النضر وغيره: (وحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعط) أي رسول الله - ﷺ - (بلال بن الحارث حق مسلم، وكتب له رسول الله - ﷺ - هذا ما أعطى رسول الله - ﷺ - بلال بن الحارث المزني،\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) سكت عنه صاحب \"المجمع\" و\"القاموس\" و\"الصراح\"، يعني لم يذكروا هذا الحديث ولا معنى يناسب المقام، وكذا سكت عنه الشيخ في \"البذل\"، وفي الهامش عن \"فتح الودود\": نوع من الأرض. [وفي \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٤٨): أرض خصبة جرسة: الجرسة التي تُصَوِّتُ إذا حُركت وقُلبت]. (ش).","vol":"10","page":301},{"text":"أَعْطَاهُ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ\".\nقَالَ أَبُو أُوَيْسٍ: وَحَدَّثَني ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ.\nزَادَ ابْنُ النَّضْرِ: وَكَتَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. [ق ٦/ ١٤٥]\n٣٠٦٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، الْمَعْنَى وَاحِد، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيَّ (١)\n===\nأعطاه معادن القبلية جلسها وغورها، وحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم) أي ما سبق إليه يد مسلم.\n(قال أبو أويس: وحدثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - مثله)، وهذه العبارة مكررة، وقد تقدمت في الحديث السابق (زاد ابن النضر) أي على حديث غيره: (وكتب) أي ذلك الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لبلال بن الحارث (أبيّ بن كعب).\n٣٠٦٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي ومحمد بن المتوكل العسقلاني، المعنى واحد، أن محمد بن يحيى بن قيس) السبائي (المأربي) أبو عمرو اليماني، قال الدارقطني: ثقة، وأبوه كذلك، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عدي: محمد بن يحيى أحاديثه مظلمة منكرة، أما السبائي فنسبة إلى سبأ بفتح أوله وثانيه وهمز آخره وقصره.\nقال في \"معجم البلدان\" (٢): أرض باليمن مدينتها مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، وسميت هذه الأرض بهذا الاسم، لأنها كانت منازل ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.\n_________\n(١) في نسخة: \"مازني\".\n(٢) (٣/ ١٨١).","vol":"10","page":302},{"text":"حَدَّثَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عن ثُمَامَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ، عن سُمَيِّ بْنِ قَيْسٍ، عن شُمَيْرٍ - قَالَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ: ابْنِ عَبْدِ الْمَدَانِ- عن أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ:\n===\nوأما مأرب قال في \"معجم البلدان\" (١): بهمزة ساكنة، وكسر الراء، والباء الموحدة، وهي بلاد الأزد باليمن، قال السهيلي: مأرب اسم قصر كان لهم، وقيل: اسم لكل ملك كان يلي سبأ، كما أن تُبَّعًا سم لكل من ولي اليمن والشحر وحضرموت.\n(حدثهم، قال) أي محمد بن يحيى: (أخبرني أبي) يحيى بن قيس السبائي اليماني، قال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود والترمذي حديثًا واحدًا، قلت: وروى له النسائي حديثين، وقد أشرت إلى ذلك في ترجمة ابنه وغيره، وروى له النسائي من روايته عن أبيض بن حمال نفسه، وهو معضل؛ لأنه لم يدركه، بل بينه وبينه ثلاثة.\n(عن ثمامة بن شراحيل) اليماني، قال الدارقطني: لا بأس به، شيخ مقل، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن سمي) مصغرًا (ابن قيس) اليماني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان الفاسي: لا نعرف حاله، (عن شُمَيرٍ، قال ابن المتوكل) أي محمد بن المتوكل، شيخ المصنف: شمير (بن عبد المدان) غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف بين لفظ شيخيه قتيبة بن سعيد ومحمد بن المتوكل، بأن قتيبة بن سعيد قال: عن شمير، ولم يذكر اسم أبيه، وأما ابن المتوكل فقال: عن شمير بن عبد المدان، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": شمير بن عبد المدان اليماني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: قيل: إنه شمير بن حمل، روى له أبو داود والترمذي حديثًا واحدًا.\n(عن أبيض بن حمال) بالحاء المهملة، ابن مرثد بن ذي لحيان بضم اللام، المأربي السبائي، روى حديثه أبو داود والترمذي والنسائي في \"الكبرى\"\n_________\n(١) (٥/ ٣٤).","vol":"10","page":303},{"text":"\"أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ\".\n- قَالَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ: الَّذِي بِمَأرِبَ- فَقَطَعَهُ لَهُ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمَجْلِسِ: أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ، قَالَ: فَانْتَزَعَ مِنْهُ،\n===\nوابن ماجه، وكان بوجهه خرازة وهي القوبا، فالتقمت أنفه، فمسح النبي - ﷺ - على وجهه، فلم يمر ذلك اليوم وفيه أثر، روى الطبراني: أنه وفد على أبي بكر لما انتقض عليه عمال اليمن، فأقره أبو بكر على ما صالح عليه النبي - ﷺ - من الصدقة، ثم انتقض ذلك بعد أبي بكر، وصار إلى الصدقة.\n(أنه وفد إلى رسول الله - ﷺ -) قال في \"الحاشية\" قال السبكي: وفد عليه بالمدينة، وقيل: بل لقيه في حجة الوداع (فاستقطعه الملح) أي طلب منه إقطاع معدن الملح لنفسه (قال ابن المتوكل: الذي بمأرب، فقطعه له، فلما أن ولّى قال رجل من المجلس)، قال السبكي: هو الأقرع بن حابس التميمي، وقيل: إنه عباس بن مرداس (أتدري) أي يا رسول الله (ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العِدّ) بكسر العين وتشديد الدال: وهو الكثير الدائم الذي لا ينقطع، ولا يحتاج إلى عمل، والعِدّ: المهيأ، قلت: والحاصل أنه الماء المهيَّأ لكونه ملحًا إذا يبس، فلا يحتاج في كونه ملحًا إلى عمل وسعي.\n(قال) أي الراوي: (فانتزع) أي رسول الله - ﷺ - (منه) أي من أبيض بن حمال، وإنما أقطعه أولًا ظنًّا بأن القطيعة معدن يحصل منه الملح بعملٍ وَكدٍّ، ثم لما تبين أنه مثل العد، رجع عنه.\nقال القاري (١): ومن ذلك علم أن إقطاع المعادن إنما يجوز إذا كانت باطنة لا ينال منها شيء إلا بتعب ومؤنة، كالملح والنفط والفيروزج والكبريت ونحوها، وما كانت ظاهرة يحصل المقصود منها من غير كد وصنعة، لا يجوز\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٧٤).","vol":"10","page":304},{"text":"قَال: وَسَأَلَهُ (١) عَمَّا يُحْمَى مِنَ الأَرَاكِ؟ قَالَ: \"مَا لَمْ تَنَلْهُ خِفَافٌ\". وَقَالىَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ: \"أَخْفَافُ الإبِلِ\". [ت ١٣٨٠، حب ٤٤٩٩، قط ٤/ ٢٢١، ق ٦/ ١٤٩، جه ٢٤٧٥، السنن الكبرى ٥٧٦٨]\n٣٠٦٥ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَال: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ:\n===\nإقطاعها، بل الناس فيها شركاء، كالكلأ ومياه الأودية، وأن الحاكم إذا حكم، ثم ظهر أن الحق في خلافه، ينقض حكمه، ويرجع عنه (٢).\n(قال) أي الراوي: (وسأله) أي الرجل النبي - ﷺ - (عما يُحمى من الأراك؟) أي الأرض التي فيها الأراك فيحمى له، قال المظهر: المراد من الحِمى ها هنا الإحياء إذا يحمي المتعارف، لا يجوز لأحَدٍ أن يخصه (قال) أي النبي - ﷺ -: (ما لم تنله) أي لم تصله (خفاف، وقال ابن المتوكل: أخفاف الإبل) ومعناه: ما كان بمعزل عن المرعى والعمارات، فإن ما قرب من العمارات لا يجوز إحياؤها لاحتياج البلد إليه لمرعى مواشيهم، وإليه أشار بقوله: \"ما لم تنله أخفاف الإبل\"، أي ليكن الإحياء في موضع بعيد لا تصله إليه الإبل السارحة.\n٣٠٦٥ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: قال محمد بن الحسن المخزومي) وهو محمد بن الحسن بن زبالة، بفتح أوله والموحدة، يقال لجده: أبو الحسن، مخزومي مدني، قال معاوية بن صالح: قال لي ابن معين: محمد بن الحسن الزبالي والله ما هو بثقة، وقال هاشم بن مرثد عن ابن معين: كذاب، خبيث، لم يكن بثقة، ولا مأمون، يسرق، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال أحمد بن صالح المصري: كتبت عنه مائة ألف حديث، ثم تبين لي أنه كان يضع\n_________\n(١) في نسخة: \"وسألته\".\n(٢) قلت: وفي \"الدر المختار\" (٥/ ٣٠٨): ليس للإمام أن يقطع المعادن الظاهرة كالملح والكحل، فلو أقطعها لم يكن لإقطاعها حكم ... إلخ. (ش).","vol":"10","page":305},{"text":"\"مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الإبِلِ\". يَعْنِي أَنَّ الإبِلَ تَأْكُلُ مُنْتَهَى رُؤُوسِهَا (١)، وُيحْمَى مَا فَوْقَهُ.\n٣٠٦٦ - حَدَّثَنا محمدُ بْنُ أَحَمْدَ الْقُرَشِيُّ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، نَا فَرَجُ بْنُ\n===\nالحديث، فتركت حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، روى أبو داود عن هارون عنه قوله في تفسير حديث أبيض بن حمال: \"ما لم تنله أخفاف الإبل\".\nقلت: فلم يخرج له أبو داود شيئًا، وكيف يخرج له، وقد صرح بكذبه، ثم إن تفسيره الذي ذكره أبو داود قد رواه الطبراني (٢) بعد أن روى الحديث من طريق هارون عنه بسنده فيه إلى أبيض، ثم عقبه بتفسيره، فلو كان أبو داود يقصد الإخراج له، لأخرج حديثه كما صنع الطبراني، وقال مسلم بن الحجاج: محمد بن زبالة غير ثقة.\n(ما لم تنله أخفاف الإبل، يعني أن الإبل تأكل منتهى رؤوسها ويُحمى ما فوقه). قال في \"المجمع\" (٣): معناه أن الإبل تأكل ما تصل إليه أفواهها (٤)؛ لأنها إنما تصل إليه بمشيها على أخفافها، فيحمى ما فوق ذلك. وقيل: أراد أنه يحيى من الأراك ما بَعُد عن العمارة، ولم تبلغه الإبل السارحة إذا أرسلت في المرعى، ويشبه أن تكون هذه الأراكة التى سأل عنها يوم إحياء الأرض وحظر عليها قائمة فيها، فملك الأرض بالإحياء، ولم يملك الأراكة، فأما الأراك إذا نبت في ملك رجل، فإنه يحميه ويمنع غيره منه، ويحتمل أن يريد أنه لا يحمى منه شيء، إذ لا شيء إلا ويناله الأخفاف.\n٣٠٦٦ - (حدثنا محمد بن أحمد القرشي، نا عبد الله بن الزبير، نا فرج بن\n_________\n(١) في نسخة: \"منها برؤوسها\".\n(٢) \"المعجم الكبير\" (١/ ٢٧٨).\n(٣) (١/ ٥٨٩).\n(٤) في الأصل: \"أخفافها\" وهو تحريف.","vol":"10","page":306},{"text":"سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن أَبْيَضَ بْن حَمَّالٍ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عنْ حِمَى الأَرَاكِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا حِمَى في الأَرَاكِ\". فَقَالَ: أَرَاكَةٌ في حِظَارِي، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"لَا حِمَى في الأَرَاكِ\"، قَالَ فَرَجٌ: يَعْنِي بِحِظَارِي الأَرْضَ الَّتِي فِيهَا الزَّرْعُ الْمُحَاطُ عَلَيْهَا (١). [دي ٢٦١١]\n٣٠٦٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب أَبُو حَفْصٍ قَالَ: نَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نَا أَبَانُ- قَالَ عُمَرُ: وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ -،\n===\nسعيد قال: حدثني عمي) فيه تجوّز كما تقدَّم قريبًا (ثابت بن سعيد، عن أبيه) سعيد بن أبيض (عن جده، عن أبيض) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي بزيادة \"عن\"، والظاهر أنه غلط من الناسخ، أو يقال: إن \"عن أبيض\" بدل عن جده بإعادة لفظ \"عن\"، فإن ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال يروي عن أبيه سعيد، وأبوه سعيد يروي عن جد ثابت وهو أبيض (بن حمال: أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن حمى الأراك، فقال رسول الله - ﷺ -: لا حمى في الأراك) لأنها مرعى دواب الناس.\n(فقال: أراكة في حظاري) بفتح الحاء وتكسر، أراد الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها كالحظيرة، وكانت تلك الأراك قائمة في أرض أحياها يوم أحياها، فلم يملكها وملك الأرض، فأما الأراك إذا نبت في ملك رجل، فإنه يحميه ويمنع غيره، نقله في الحاشية عن \"الفتح\" (فقال النبي - ﷺ -: لا حمى في الأراك، قال فرج: يعني) أي أبيض بلفظ (بحظاري الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها) أي بالأراك.\n٣٠٦٧ - (حدثنا عمر بن الخطاب أبو حفص قال: نا الفريابي قال: نا أبان- قال عمر: وهو ابن عبد الله بن أبي حازم-) بن صخر بن العيلة\n_________\n(١) في نسخة: \"عليه\".","vol":"10","page":307},{"text":"قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ صَخْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - غَزَا ثَقِيفًا، فَلَمَّا أَنْ سَمِعَ ذَلِكَ صَخْرٌ رَكِبَ في خَيْلٍ يُمِدُّ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَوَجَدَ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - قَدِ انْصَرَفَ وَلَمْ يَفْتَحْ،\n===\nبفتح العين، وقيل: ابن أبي حازم صخر بن العيلة، البجلي، الأحمسي، الكوفي، روى عن عمه عثمان، قال أحمد: صدوق صالح، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: كان ممن فحش خطؤه، وانفرد بالمناكير، وقال أحمد أيضًا والعجلي وابن نمير: ثقة، وقال النسائي في \"الجرح والتعديل\": ليس بالقوي، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\"، وأخرج له ابن خزيمة والحاكم في \"صحيحيهما\".\n(قال: حدثني) عمي (عثمان بن أبي حازم) بن صخر بن العيلة البجلي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: سيأتي في الكنى عن أبي حاتم الرازي أن صخر بن العيلة يكنى أبا حازم، فعلى هذا يكون لوالد صخر صحبة ورواية، وليس كذلك، فيحتمل أن يكون صخر جد عثمان لأمه، وأما أبوه فليس هو ابن صخر، بل أبو حازم آخر لا يعرف.\n(عن أبيه) أبي حازم بن صخر بن العيلة، أبو العيلة، ويقال: أبو حازم، صخر بن العيلة الأحمسي، قال أبو حاتم: أبو حازم البجلي اسمه صخر بن العيلة، قلت: صخر بن العيلة صحابي تقدم، ويحتمل أن يكون أيضًا أبا حازم، وأما صاحب الترجمة فهو ابنه، وقال ابن القطان: إنه لا يعرف حاله.\n(عن جده صخر) بن العيلة، بفتح المهملة وسكؤن المثناة التحتية، ابن عبد الله بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن أسلم بن أحمس الأحمسي، له صحبة، قال ابن عبد البر: يقال: إن عيلة أمه (إن رسول الله - ﷺ - غزا ثفيفًا، فلما أن سمع ذلك) أي غزو رسول الله - ﷺ - (صخر ركب في خيل) أي في جماعة من ركاب الخيل (يمد) من باب الإفعال، أي يعين (النبي - ﷺ -، فوجد نبي الله في قد انصرف) أي رجع (ولم يفتح) أي ثقيفًا.","vol":"10","page":308},{"text":"فَجَعَلَ صَخْر حِينَئِذٍ (١) عَهْدَ اللهِ وَذِمَّتَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَ هَذَا الْقَصْرَ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ (٢) رَسُولِ الله - ﷺ -.\nفَلَمْ يُفَارِقْهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَخْر: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ ثَقِيفًا قَدْ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا مُقْبِلٌ إِلَيْهِمْ وَهُمْ في خَيْلٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالصَّلَاةِ جَامِعَةً، فَدَعَا لأَحْمَسَ عَشْرَ دَعَوَاتٍ: \"اللَّهُمَّ بَارِكْ لأَحْمَسَ في خَيْلِهَا وَرِجَالِهَا\".\nوَأَتَاهُ (٣) الْقَوْمُ، فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ صَخْرًا أَخَذَ عَمَّتِي وَدَخَلَتْ (٤) فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ،\n===\n(فجعل صخر حينئذ عهدَ الله وذمته أن لا يفارق هذا القصر) ويغزوه (حتى ينزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فلم يفارقهم) بل ما زال يقاتلهم (حتى نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -) أي قبلوا أن لرسول الله - ﷺ - أن يحكم فيهم ما يشاء.\n(فكتب إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (صخر: أما بعد، فإن ثقيفًا قد نزلت على حكمك يا رسول الله، وأنا مقبل إليهم وهم في خيل، فأمر رسول الله - ﷺ - بالصلاة جامعة) أي احضروا الصلاة حال كونها جامعة (فدعا لأحمس) أي لقبيلة صخر (عشر دعوات: اللهم بارك لأحمس في خيلها) أي ركابها (ورجالها) جمع راجل، وهو من يمشي على رجليه، وليس له ظهر يركبها، وهذا أحد الدعوات العشر ولم يذكر باقيها، ويحتمل أن يكون المعنى كرر هذا الدعاء عشر مرات.\n(وأتاه) أي رسول الله - ﷺ - (القوم) أي ثقيف (فتكلم المغيرة بن شعبة) الثقفي (فقال: يا نبي الله، إن صخرًا أخذ) أي سَبَى (عمتي) والحال أنها (دخلت فيما دخل فيه المسلمون) أي من الإِسلام، يعني قبل الأخذ\n_________\n(١) في نسخة: \"يومئذٍ\".\n(٢) في نسخة: \"عهد\".\n(٣) في نسخة: \"فأتاه\".\n(٤) في نسخة: \"دخلتُ\".","vol":"10","page":309},{"text":"فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"يَا صَخْرُ، إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَادْفَعْ إِلَى الْمُغِيرَةِ عَمَّتَهُ\"، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ.\nوَسَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ (١) - ﷺ - ماءً لِبَنِي سُلَيْم قَدْ هَرَبُوا عَنِ الإسْلَامِ\nوَتَرَكوا ذَلِكَ الْمَاءَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَنزلْنِيهِ أَنَا وَقَوْمِي، قَالَ: \"نَعَمْ\"، فَأَنْزَلَهُ وَأَسْلَمَ (٢) - يَعْنِي السُّلَمِيِّينَ (٣) -، فَأَتَوْا صَخْرًا، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ الْمَاءَ، فَأَبَى، فَأَتَوُا النَّبِيَّ فَقَالُوا: يَا نَبِي اللَّهِ، أَسْلَمْنَا وَأَتَيْنَا صَخْرًا لِيَدْفَعَ إِلَيْنَا مَاءَنَا فَأَبَى عَلَيْنَا، فَدَعَاهُ فَقَالَ: \"يَا صَخْرُ، إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، فَادْفَعْ إِلَى الْقَوْمِ مَاءَهُمْ\"،\n===\n(فدعاه) أي دعا (رسول الله - ﷺ -) صخرًا (فقال: يا صخر، إن القوم إذا أسلموا أحرزوا) أي حفظوا (دماءهم وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته) لأنها لا يجوز سبيها وقد أسلمت (فدفعها) أي فدفع صخر عمته (إليه) أي إلى المغيرة بن شعبة.\n(وسأل) صخر (نبي الله - ﷺ - ماء لبني سليم قد هربوا عن الإِسلام وتركوا ذلك الماء، فقال) صخر: (يا نبي الله، أنزلنيه) أي ذلك الماء (أنا) الضمير المرفوع مستعار للضمير المنصوب (وقومي، قال) رسول الله - ﷺ -: (نعم، فأنزله، وأسلم -يعني السُّلَميين-، فأتوا صخرًا فسألوه أن يدفع إليهم الماء، فأبى) صخر.\n(فأتوا النبي - ﷺ - فقالوا: يا نبي الله، أسلمنا وأتينا صخرًا ليدفع إلينا ماءنا، فأبى علينا، فدعاه) أي دعا رسول الله - ﷺ - صخرًا (فقال: يا صخر، إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إلى القوم ماءهم)،\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"فأسلم\".\n(٣) في نسخة: \"السلميون\".","vol":"10","page":310},{"text":"قَالَ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَتَغَيَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ حُمْرَةً، حَيَاءً مِنْ أَخْذِهِ الْجَارِيَةَ وَأَخْذِهِ الْمَاءَ.\n٣٠٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي سَبْرَةُ بْنُ\n===\nوهذا مشكل (١)، فإن القوم إذا هربوا من الإِسلام عن قريتهم، واستولى عليها المسلمون، وفتحوها عنوة يملكونها، ثم إذا أسلم القوم لا يرد إليهم قريتهم، فكيف أمره - ﷺ - بدفع الماء إليهم، وقال: \"إذا أسلموا أحرزوا أموالهم\".\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم جوابه من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم\"، وذلك حق لا ريب فيه، إلا أن المعتبر من الإِسلام في حرز الأموال والأنفس ما كان قبل وقوع الرق، ولم يكن ها هنا كذلك، إلَّا أن النبي - ﷺ - ذكره في غير محله، وأراد به المعنى الأعم من الإِسلام قبل وقوع الرق عليه وبعده، ليكون ذلك سببًا لفكاك رقها، وكذلك في قوله الآتي حيث أتى السلميون، انتهى.\nقلت: أما ما وقع في قصة عمة مغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ - نزعها منه، فإنه يمكن أن تكون عمة مغيرة أسلمت قبل الأخذ.\nوأما ما ورد في ماء لبني سليم فإنه مشكل بأن يوجه أنهم أسلموا قبل استيلاء المسلمين على الماء، فيمكن أن يوجه بأنه - ﷺ - أمر برده إلى السلميين تطييبًا لقلوبهم، وأتى بكلام ذي جهتين، كما في قصة ذي النسعة عند مسلم، ولفظه: \"إن قتل فهو مثله\" (قال: نعم يا نبي الله، فرأيت وجه رسول الله - ﷺ - يتغير عند ذلك حمرة، حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء) أي منه.\n٣٠٦٨ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، حدثني سبرة بن\n_________\n(١) واستدل الحافظ (٦/ ١٧٥) بهذا الحديث للجمهور بأنهم إذا أسلموا ولهم مال وأرضون فهي لهم، كما ترجم به البخاري، قلت: ولا حجة فيه للجمهور، فإن الماء أخذ قبل إسلامهم.","vol":"10","page":311},{"text":"عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ (١) الْجُهَنِيُّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَزَلَ في مَوْضِع الْمَسْجِدِ تَحْتَ دَوْمَةٍ، فَأَقَامَ ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى تبوكَ، وَإِنَّ جُهَيْنَةَ لَحِقوهُ بِالرَّحْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: \"مَنْ أَهْلُ ذِي الْمَرْوَةِ؟ \" فَقَالُوا: بَنُو رِفَاعَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَالَ: \"قَدْ أَقْطَعْتُهَا لِبَنِي رِفَاعَةَ\"، فَاقْتَسَمُوهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَمْسَكَ فَعَمِلَ. ثُمَّ سَأَلْتُ أَبَاهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَني بَبَعْضِهِ وَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ كُلِّهِ. [ق ٦/ ١٤٩]\n٣٠٦٩ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ آدم-،\n===\nعبد العزيز بن الربيع الجهني)، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في أبي داود حديث واحد في الإقامة ثلاثًا عند الخروج إلى تبوك، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، (عن أبيه) عبد العزيز بن الربيع، (عن جده: أن النبي - ﷺ - نزل في موضع المسجد) أي في موضع بني فيه المسجد هناك بعد ذلك، ولم يكن المسجد حين نزل (تحت دومة) بفتح الدال، واحدة دوم، وهي ضخام الشجر، وقيل: شجرة المقل (فأقام ثلاثًا) أي ثلاث ليال (ثم خرج إلى تبوك، وإن جهينة لحقوه بالرحبة) أي الأرض الواسعة.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ - (لهم: من) استفهامية (أهل ذوي المروة؟) وهي قرية بوادي القرى، وقيل: بين خشب ووادي القرى (فقالوا:) هم (بنو رفاعة من جهينة، فقال) رسول الله - ﷺ - (قد أقطعتها لبني رفاعة فاقتسموها، فمنهم من باع) أي حظه منها، (ومنهم من أمسك فعمل. ثم سألت) وهذا قول ابن وهب سألت (أباه) أي أبا سبرة (عبد العزيز) بعد ما حدثني سبرة هذا الحديث، فلقيت أباه بعد ذلك، فسألته (عن هذا الحديث، فحدثني ببعضه ولم يحدثني به كله).\n٣٠٦٩ - (حدثنا حسين بن علي، نا يحيى - يعني ابن آدم-،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سبرة\".","vol":"10","page":312},{"text":"نَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عن هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ (١) أَبِي بَكْرٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَقطَعَ الزُّبَيْرَ نَخْلًا\". [ق ٦/ ١٤٦]\n٣٠٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ إِلسْمَاعِيلَ- الْمَعْنَى وَاحِدٌ- قَالَا: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتَايَ صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ\n===\nنا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر: أن رسول الله - ﷺ - أقطع الزبير) بن العوام (نخلًا) (٢).\nقال القاري (٣): وفي \"شرح السنَّة\": الإقطاع نوعان بحسب محله: إقطاع تملك، وهو الذي تملك فيه بالإحياء كما مرّ، وإقطاع إرفاق، وهو الذي لا يمكن تملك ذلك المحل بحال، كإقطاع الإِمام مقعدًا من مقاعد السوق أحدًا ليقعد للمعاملة ونحوها، وكان إقطاع الزبير من القسم الأول، قال المظهر: النخل مال ظاهر العين حاضر النفع كالمعادن الظاهرة، فيشبه أن يكون إنما أعطاه ذلك من الخمس الذي سهمه ﵇، أو أن يكون من الموات الذي لم يملكه أحد فيتملك بالإحياء.\n٣٠٧٠ - (حدثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل - المعنى واحد -، قالا: نا عبد الله بن حسان) التميمي أبو الجنيد (العنبري) يلقب عتريس، قال في \"التقريب\": مقبول (قال: حدثتني جدتاي صفية) بنت عليبة، روت عن جدها حرملة بن عبد الله العنبري، عن جدة أبيها قيلة بنت مخرمة، وعنها عبد الله بن حسان العنبري، وهي جدته، قلت: ذكرها ابن حبان في \"الثقات\" (ودُحيبة) مصغرًا بنت عليبة العنبرية، روت عن جدها حرملة بن عبد الله العنبري، وعن\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنة\".\n(٢) وكان من أموال بني النضير كما هو مصرح في رواية البخاري، قال الحافظ (٦/ ٢٥٤): وبهذا ارتفع إشكال الخطابي: كيف أقطع أرض المدينة ... إلخ. (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٧٢).","vol":"10","page":313},{"text":"ابْنَتَا عُلَيْبَةَ- وَكَانَتَا رَبِيبَتَي قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ، وَكَانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِمَا- أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا قَالَتْ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَتْ: تَقَدَّمَ صَاحِبِي - تَعْنِي حُرَيْثَ بْنَ حَسَّانَ وَافِدَ بَكْرِ بْن وَائِلٍ- فَبَايَعَهُ عَلَى الإسْلَامِ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي تمِيمٍ بِالدَّهْنَاءِ:\n===\nجدة أبيها قيلة بنت مخرمة، وعنها عبد الله بن حسان العنبري، وهي جدته، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، لكنه ذكرها في الذال المعجمة (ابنتا عليبة، وكانتا) أي صفية ودحيبة (ربيبني قيلة بنت مخرمة، وكانت) أي قيلة (جدة أبيهما أنها) أي قيلة (أخبرتهما) أي صفية ودحيبة.\n(قالت) قيلة: (قدمنا على رسول الله - ﷺ -)، قال الحافظ في \"الإصابة\" (١): إن قدوم الحارث بن حسان كان أيام بعث رسول الله - ﷺ - عمرو بن العاص في غزوة السلاسل (قالت: تقدم صاحبي) أي رفيقي (تعني حريث بن حسان وافد بكر بن وائل) وهو الحارث بن حسان، ويقال: ابن يزيد البكري الذهلي، ويقال: اسمه حريث، ولعله تصغير، ووقع في بعض طرق حديثه: أنه وفد على رسول الله - ﷺ -، قاله الحافظ في \"الإصابة\".\n(فبايعه) أي رسول الله - ﷺ - (على الإِسلام عليه وعلى قومه) أي على إسلام نفسه وإسلام قومه، (ثم قال) أي حريث بن حسان: (يا رسول الله، اكتب بيننا وبين بني تميم بالدهناء).\nقال في \"معجم البلدان\" (٢): قال أبو منصور: الدهناء من ديار بني تميم معروفة، تقصر وتمد، قال: وهي سبعة أجبل من الرمل في عرضها، بين كل جبلين شقيقة، وطولها من حزن ينسوعة إلى رمل يبرين، وهي من أكثر بلاد الله كلأً مع قلة أعذاءٍ ومياه، وإذا أخصبت الدهناء ربّعت العرب جمعًا لسعتها وكثرة\n_________\n(١) (١/ ٦٦٥).\n(٢) (٢/ ٤٩٣).","vol":"10","page":314},{"text":"أَنْ لَا يُجَاوِزَهَا إِلَيْنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا مُسَافِرٌ أَوْ مُجَاوِرٌ، فَقَالَ: «اكْتُبْ لَهُ يَا غُلَامُ بِالدَّهْنَاءِ»، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قَدْ أَمَرَ لَهُ بِهَا شُخِصَ بِى وَهِىَ وَطَنِى وَدَارِى، فَقُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْكَ السَّوِيَّةَ مِنَ الأَرْضِ إِذْ سَأَلَكَ، إِنَّمَا هَذِهِ الدَّهْنَاءُ عِنْدَكَ مُقَيَّدُ الْجَمَلِ، وَمَرْعَى الْغَنَمِ، وَنِسَاءُ بَنِى تَمِيمٍ وَأَبْنَاؤُهَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَمْسِكْ يَا غُلَامُ،\n===\nشجرها، وهي عذاة مكرمة نزهة، من سكنها لا يعرف الحمى لطيب تربتها وهوائها، هذا آخر كلامه.\n(أن لا يجاوزها إلينا منهم أحد إلَّا مسافر أو مجاوز) أي لا يسكن فيها متوطنًا (فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (اكتب له) أي لحريث بن حسان (يا غلام) ولم أقف على تسميته (٢) (بالدهناء، فلما رأيته قد أمر له بها) أي بالدهناء (شُخص بي) على بناء المجهول، يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه: \"قد شخص\"، كأنه رفع من الأرض تعلقه وانزعاجه (وهي وطني وداري) جملة حالية.\n(فقلت: يا رسول الله، إنه لم يسألك السوية من الأرض إذ سألك)، كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: أي مكانًا يستوي فيه استحقاق بكر وتميم، أو لم يطلبك ما يكون في طلبه سوية وعدل، وإنما طلب ما في إعطائه جائرة على تميم ومضرّة بهم (إنما هذه الدهناء عندك) أي أنها ليس على بعد منك حتى يشتبه حالها، وإنما هي قريبة منك، فتفحص من أمرها حتى يتبين لك الصدق والكذب (مقيد الجمل) أي مرعى الجمل، فهو لا يبرح منه كأنه مقيد هناك (ومرعى الغنم، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك) أي على قريب منه، أو المعنى: ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك في الحاجة إليه والتعويل عليه.\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ - للكاتب: (أمسك) عن الكتابة (يا غلام،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"له\".\n(٢) في حاشية بعض النسخ \"هو زيد بن ثابت - ﵁ -\".","vol":"10","page":315},{"text":"صَدَقَتِ الْمِسْكِينَةُ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، يَسَعُهُمُ (١) الْمَاءُ وَالشَّجَرُ، وَيَتَعَاوَنُونِ (٢) عَلَى الْفَتَّانِ». [ق ٦/ ١٥٠]\n٣٠٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ (٣)، حَدَّثَتْنِى أُمُّ جَنُوبٍ بِنْتُ نُمَيْلَةَ، عَنْ أُمِّهَا سُوَيْدَةَ بِنْتِ جَابِرٍ، عَنْ أُمِّهَا عَقِيلَةَ بِنْتِ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ، عَنْ أَبِيهَا أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- فَبَايَعْتُهُ، فَقَالَ: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَاءٍ (٤) لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ\n===\nصدقت المسكينة) أي قيلة، (المسلم أخو المسلم، يسعهم الماء والشجر) أمرهم بحسن المجاورة ونهاهم عن سوء المشاركة (ويتعاونون على الفتان) جمع فاتن، أي ينبغي لهم إذا فتن بعضهم أن يعاونوه برفع الفتنة عنهم.\nوفي نسخة: \"سئل أبو داود عن الفتان فقال: الشيطان\".\n٣٠٧١ - (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الحميد بن عبد الواحد) الغنوي بصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (حدثتني أم جنوب بنت نميلة) لا يعرف حالها، من السابعة، كذا في \"التقريب\"، (عن أمها سويدة بنت جابر)، قال في \"التقريب\": لا تعرف، (عن أمها عقيلة بنت أسمر بن مضرس) لا يعرف حالها.\n(عن أبيها أسمر بن مضرس) الطائي، من أعراب البصرة، له حديث واحد عن النبي - ﷺ - فيه: \"من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له\"، وهو حديث عزيز لا نعرف له غيره، قال ابن عبد البر: هو أخو عروة بن مضرس، قال ابن منده في \"معرفة الصحابة\": هو أسمر بن أبيض بن مضرس.\n(قال: أتيت النبي - ﷺ - فبايعته، فقال: من سبق إلى ماء لم يسبقه إليه مسلم\n_________\n(١) في نسخة: \"يسعهما\".\n(٢) في نسخة: \"يتعاونان\".\n(٣) في نسخة: \"عبد الله\".\n(٤) في نسخة: \"ما\".","vol":"10","page":316},{"text":"فَهُوَ لَهُ». قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ يَتَعَادَوْنَ يَتَخَاطَّونَ. [ق ٦/ ١٤٢]\n٣٠٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى فَرَسَهُ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ (١)، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ». [حم ٢/ ١٥٦، ق ٦/ ١٤٤]\n===\nفهو له، قال) أي أسمر بن مضرس: (فخرج الناس يتعادون) أي يسرعون في العدو (يتخاطون) أي كل منهم يسبق صاحبه في الخط وإعلام ما له بعلامة.\n٣٠٧٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا حماد بن خالد، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - أقطع الزبير حضر فرسه) أي قدر عَدْوه (فأجرى فرسه، حتى قام) أي من عدوه الذي كان في أول وهلة منه (ثم رمى بسوطه، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أعطوه من حيث بلغ السوط) فكان له مقدار مجموع حضر الفرس ورمي السوط.\nقال القاري (٢): قال النووي - ﵀ -: هذا دليل لجواز إقطاع الإِمام الأرض المملوكة لبيت المال، لا يملكها أحد إلَّا بإقطاع الإِمام، ثم تارة يقطع رقبتها، ويملكها الإنسان بما رأى فيه مصلحة، فيجوز تمليكها كما يملك ما يعطيه من الدراهم والدنانير وغيرها، وتارة يقطعه منفعتها، فيستحق بها الانتفاع مدة الاقتطاع.\nوأما الموات فيجوز لكل أحد إحياؤه، ولا يفتقر إلى إذن الإِمام، هذا مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقد سبق في كلام البغوي والمظهر: أن إقطاع الزبير إنما يحمل على الموات، فهو دليل لأبي حنيفة - ﵀ -، والأحاديث المطلقة محمولة عليه.\n_________\n(١) في نسخة: \"سوطه\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٧٢).","vol":"10","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1166>(٣٧) بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ</span>\n٣٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا عَبْدُ الْوَهَّاب، نَا أَيُّوبُ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن سَعِيدِ بْنِ زيدٍ، عن النبي - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ،\n===\n\n(٣٧) (بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ)\nقال في \"القاموس\": المُوَاتُ كغراب: الموت، وكسحاب: ما لا روح فيه، وأرض لا مالك لها، أو أرض لم تحيى بعد، انتهى. وفي اصطلاح الفقهاء: أرض مباحة غير مملوكة لأحد خارج البلدة، لا يتعلق بها مرافق أهل البلدة\n٣٠٧٣ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عبد الوهاب، نا أيوب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي - ﷺ - قال: من أحيا أرضًا ميتة) أي غير مملوكة لمسلم، ولم يتعلق لمصلحة بلدة أو قرية، بأن يكون مركض دوابهم أو مرعى لهم (فهي له) أي صارت تلك الأرض مملوكة له، لكن إذن الإِمام شرط له عند أبي حنيفة - ﵀ -، وخالفه صاحباه والشافعي وأحمد محتجين بإطلاق الحديث.\nوقال الشوكاني (١): وعن مالك: يحتاج إلى إذن الإِمام فيما قرب مما لأهل القرية إليه حاجة من مرعى ونحوه.\nقال القاري (٢): وفيه أن قوله - ﷺ -: \"ليس للمرء إلَّا ما طابت به نفس إمامه\"، يدل على اشتراط الإذن، فيحمل المطلق عليه؛ لأنهما في حادثة واحدة.\nوقال في \"البدائع\" (٣): وأما بيان ما يثبت به الملك في الموات\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٤٥).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٣٣).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٨٤).","vol":"10","page":318},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوما لا يثبت، فالملك في الموات يثبت بالإحياء بإذن الإِمام عند أبي حنيفة - ﵀ -، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله- يثبت بنفس الإحياء، وإذن الإِمام ليس بشرط، وجه قولهما قوله ﵊: \"من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم فيه حق\"، أثبت الملك للمحيي من غير شريطة إذن الإِمام، ولأنه مباح استولى عليه فيملكه بدون إذن الإِمام، كما لو أخذ صيدًا أو هشَّ كلأ.\nوقوله ﵊: \"وليس لعرق ظالم فيه حق\"، روي منونًا ومضافًا، فالمنون هو أن تنبت عروق أشجار إنسان في أرض غيره بغير إذنه، فلصاحب الأرض قلعها حشيشًا.\nولأبي حنيفة -عليه الرحمة- ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه\"، فإذا لم يأذن فلم تطب نفسه به، فلا يكون له، ولأن الموات غنيمة، فلا بد للاختصاص به من إذن الإِمام كسائر الغنائم، والدليل عليه أن \"غنيمة\" اسم لما أصيب من أهل الحرب بإيجاف الخيل والركاب، والموات كذلك، لأن الأرض كلها كانت تحت أيدي أهل الحرب، استولى عليه المسلمون عنوة وقهرًا، فكانت كلها غنائم، فلا يختص بعض المسلمين بشيء منها من غير إذن الإِمام كسائر الغنائم، بخلاف الصيد والحطب والحشيش، لأنها لم تكن في يد أهل الحرب، فجاز أن تملك بنفس الاستيلاء وإثبات اليد عليها.\nوأما الحديث فيحتمل أنه يصير مقيدًا به شرعًا، ويحتمل أنه إذن جماعة بإحياء الموات بذلك النظم، ونحن نقول بموجبه، فلا يكون حجة مع الاحتمال، نظير قوله ﵊: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\"، حتى لم يصح الاحتجاج به في إيجاب السلب للقاتل على ما ذكر في \"كتاب السير\"، أو يحمل ذلك على حال الإذن توفيقًا بين الدلائل، انتهى.","vol":"10","page":319},{"text":"وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ\". [ت ١٣٧٨، ق ٦/ ١٤٢]\n٣٠٧٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِىَ لَهُ». وَذَكَرَ مِثْلَهُ، قَالَ: فَلَقَدْ خَبَّرَنِى الَّذِى حَدَّثَنِى هَذَا الْحَدِيثَ؛\n===\n(وليس لعرق ظالم حق) قال الحافظ (١): في رواية الأكثر بتنوين عرق، وظالم نعت له، وهو راجع إلى صاحب العرق، أي ليس لذي عرق ظالم، أو إلى العرق، أي ليس لعرق ذي ظلم، ويروى بالإضافة، ويكون الظالم صاحب العرق، فيكون المراد بالعرق الأرض، وبالأول جزم مالك والشافعي والأزهري وابن فارس وغيرهم، وبالغ الخطابي فغلّط رواية الإضافة، قال ربيعة: العرق الظالم يكون ظاهرًا ويكون باطنًا، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار أو استخرجه من المعادن، والظاهر ما بناه أو غرسه، وقال غيره: الظالم من غرس أو زرع أو بني أو حفر في أرض غيره بغير حق ولا شبهة.\n٣٠٧٤ - (حدثنا هناد بن السري، نا عبدة، عن محمد -يعني ابن إسحاق-، عن يحيى بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عروة المدني، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال أبو حاتم: يقال: كان أعلم من أخيه هشام بن عروة، وقال النسائي: ثقة، وقال الزبير: كان من أشراف بني عروة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: من أحيا أرضًا) هكذا في المكتوبة القلمية والمجتبائية والقادرية والكانفورية بحذف لفظ \"ميتة\"، وفي المصرية بزيادتها (فهي له، وذكر) يحيى بن عروة (مثله) أي مثل حديث هشام بن عروة (قال) عروة: (فلقد خبرني الذي حدثني هذا الحديث) ولم يذكر اسم الراوي،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩).","vol":"10","page":320},{"text":"أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِى أَرْضِ الآخَرِ، فَقَضَى لِصَاحِبِ الأَرْضِ بِأَرْضِهِ، وَأَمَرَ لِصَاحِبِ (١) النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا. قَالَ: فَلَقَدْ (٢) رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُؤُوسِ - وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ - حَتَّى أُخْرِجَتْ مِنْهَا. [ق ٦/ ١٤٢، السنن الكبرى ٥٧٦٠]\n٣٠٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِىُّ نَا وَهْبٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ مَكَانَ\n===\nقال الحافظ في مبهمات \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\": عروة بن الزبير فيمن أحيا أرضًا ميتة قال: حدثني الذي حدثني يقال: هو سعيد بن زيد.\n(أن رجلين اختصما إلى رسول الله - ﷺ -، غرس أحدهما نخلًا في أرض الآخر (٣)، فقضى) رسول الله - ﷺ - (لصاحب الأرض بأرضه، وأمر لصاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال) الذي حدث عروة: (فلقد رأيتها) أي النخل (وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس) جمع فأس (وإنها لنخل عم) بضم عين مهملة وتشديد ميم (٤).\nقال الخطابي: أي طوال، والواحد عميم، وقال في \"النهاية\": أي تامة في طولها، وانعطافها، وواحدها عميمة، وأصلها عمم، فسكن وأدغم، وقيل: كأنها في طولها والتفافها عمي الأرض (حتى أخرجت منها) أي من الأرض.\n٣٠٧٥ - (حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، نا وهب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بإسناده ومعناه، إلَّا أنه قال عند قوله مكان\n_________\n(١) في نسخة: \"صاحب\".\n(٢) في نسخة: \"ولقد\".\n(٣) وسيأتي حكم من زرع أرض غيره في \"باب: في زرع الأرض بغير إذن صاحبها\". راجع: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٦٧). (ش).\n(٤) قال البيهقي (٦/ ١٤٢): قال بعضهم: العم الذي ليس بقصير ولا طويل، وقال بعضهم العم: القديم، وقال بعضهم: الطويل، وقال بعضهم: الشباب. (ش).","vol":"10","page":321},{"text":"الَّذِى حَدَّثَنِى هَذَا\"، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ-، وَأَكْثَرُ (١) ظَنِّى أَنَّهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ: فَأَنَا رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَضْرِبُ فِى أُصُولِ النَّخْلِ. [انظر سابقه]\n٣٠٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الآمُلِىُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: \"أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى أَنَّ الأَرْضَ أَرْضُ اللَّهِ، وَالْعِبَادَ عِبَادُ اللَّهِ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِها (٢)، جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَوَاتِ عَنْهُ\". [ق ٦/ ١٤٢]\n٣٠٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أَحَاطَ\n===\n\"الذي حدثني هذا\"، فقال: رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري: فأنا رأيت الرجل) أي صاحب النخل (يضرب) بالفؤوس (في أصول النخل) يقطعها ليخرجها من أرض صاحب الأرض.\n٣٠٧٦ - (حدثنا أحمد بن عبدة الآملي، نا عبد الله بن عثمان، نا عبد الله بن المبارك، أنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عروة قال أشهد أن رسول الله - ﷺ - قضى أن الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، ومن أحيا مواتًا فهو أحق بها، جاءنا بهذا) أي بقضاء رسول الله - ﷺ - (عن النبي - ﷺ - الذين جاءوا بالصلوات عنه) أي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\n٣٠٧٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن بشر، نا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال: من أحاط) أي أدار\n_________\n(١) في نسخة: \"وأكبر\".\n(٢) في نسخة: \"به\".","vol":"10","page":322},{"text":"حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ (١) لَهُ\". [حم ٥/ ٢١، ق ٦/ ١٤٢]\n٣٠٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكٌ، قَالَ هِشَامٌ: الْعِرْقُ الظَّالِمُ: أَنْ يَغْرِسَ (٢) الرَّجُلُ في\n===\n(حائطًا) أي جدارًا (على أرض) أي حول أرض موات (فهي له) أي ملك له.\nقال في الحاشية: ظاهر الحديث يدل على أن الإحاطة كافية للتملك، وإليه ذهب أحمد في أشهر الروايات عنه، لكن يشترط أن يكون الحائط منيعًا مما يجري العادة بمثله، وأكثر العلماء على أن التملك إنما هو بالإحياء، والتحجير ليس من الإحياء في شيء، والحديث محمول على كون الإحياء للسكون.\nقال القاري (٣): قال النووي - ﵀ -: إذا أراد زريبة للدواب، أو حظيرة يجفف فيها الثمار، أو يجمع فيها الحطب والحشيش، اشترط التحويط، ولا يكفي نصب سعف وأحجار من غير بناء، انتهى.\nقلت: قال في \"البدائع\" (٤): ولو حجر الأرض الموات لا يملكها بالإجماع؛ لأن الموات يملك بالإحياء؛ لأنه عبارة عن وضع أحجار أو خط حولها، يريد أن يحجر غيره عن الاستيلاء عليها وشيء من ذلك ليس بإحياء، فلا يملكها، لكن صار أحق بها من غيره، حتى لم يكن لغيره أن يزعجه، ولأنه سبقت يده إليه، والسبق من أسباب الترجيح في الجملة، قال النبي - ﷺ -: \"مني مناخ من سبق\".\n٣٠٧٨ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني مالك، قال هشام: العرق الظالم: أن يغرس الرجل في\n_________\n(١) في نسخة: \"فهو\".\n(٢) في نسخة: \"يغترس\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٧٢).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٨٤).","vol":"10","page":323},{"text":"أَرْضِ غَيْرِهِ فَيَسْتَحِقُّهَا بِذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ: كُلُّ مَا أُخِذَ وَاحْتُفِرَ وَغُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ. [ط ٢/ ٧٤٣/ ٢٦]\n٣٠٧٩ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى (١)، عَنِ الْعَبَّاسِ السَّاعِدِىِّ - يَعْنِى ابْنَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -، عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَبُوكًا (٢)، فَلَمَّا أَتَى وَادِىَ الْقُرَى\n===\nأرض غيره فيستحقها) أي يريد أن يستحق تلك الأرض (بذلك) أي بغرسه (قال مالك: والعرق الظالم: كل ما أخذ واحتفر وغرس بغير حق).\nقال الزرقاني (٣): فظاهر هذا أن الرواية بالتنوين، وبه جزم في \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٤)، فقال: واختار مالك والشافعي تنوين عرق، قال القاضي عياض: أصل العرق الظالم في الغرس يغرسه في الأرض غير ربها ليستوجبها به، وكذلك ما أشبهه من بناء أو استنباط ماء أو استخراج معدن، سميت عرقًا لشبهها في الإحياء بعرق الغرس.\n٣٠٧٩ - (حدثنا سهل بن بكار، نا وهيب بن خالد، عن عمرو بن يحيى، عن العباس الساعدي - يعني ابن سهل بن سعد- عن أبي حميد الساعدي قال: غزوت مع رسول الله - ﷺ - تبوكًا، فلما أتى وادي القرى) واد بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القرى، والنسبة إليه وادي، فتحها النبي - ﷺ - سنة (٥) سبع عنوة، فلما فرغ من خيبر توجه إلى وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإِسلام\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المازني\".\n(٢) في نسخة: \"تبوك\".\n(٣) \"شرح الموطأ\" للزرقاني (٤/ ٢٩).\n(٤) انظر: (٤/ ١٤).\n(٥) يشكل عليه أن ظاهر الحديث أنه بعد تبوك، فتأمل. والجواب عنه: أن هذا الإتيان كان بعد تبوك، وكان فتحه قبل ذلك. (ش).","vol":"10","page":324},{"text":"إِذَا امْرَأَةٌ فِى حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأَصْحَابِهِ: «اخْرُصُوا»، فَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «أَحْصِى (١) مَا يَخْرُجُ مِنْهَا»، فَأَتَيْنَا تَبُوكَ (٢)، فَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدَةً، وَكَتَبَ لَهُ يَعْنِي بِبَحْرِهِ،\n===\nفامتنعوا عنه فقاتلوه، ففتحها عنوة، وغنم أموالها، وأصاب المسلمون منهم أثاثًا ومتاعًا، فخمَّس رسول الله - ﷺ - ذلك، وترك الأرض والنخل في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر.\n(إذا امرأة) قال الحافظ (٣): لم أقف على اسمها في شيء من الطرق (في حديقة لها) والحديقة الروضة ذات الشجر، جمعه حدائق، أو البستان من النخل والشجر، أو كل ما أحاط به البناء، أوالقطعة من النخل (فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: اخرصوا). قال في \"القاموس\": الخرص الحزر والتخمين وكل قول بالظن (فخرص رسول الله - ﷺ - عشرة أوسق) أي يخرج من ثمار الحديقة عشرة أوسق.\n(فقال) رسول الله - ﷺ - (للمرأة: أحصي ما يخرج منها) أي احفظي عدد كيلها (فأتينا تبوك، فأهدى ملك أيلة) مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام، وهو يوحنة بن رؤبة (إلى رسول الله - ﷺ - بغلة بيضاء) واسمها دلدل، قاله الحافظ (٤). (وكساه) أي كسا رسول الله - ﷺ - ملك أيلة (بردة، وكتب) رسول الله - ﷺ (له) أي لملك أيلة (يعني ببحره) (٥) أي بأرضه وبلده، أو المراد بأهل بحرهم، لأنهم كانوا سكانًا بساحل البحر، أي أقره عليهم بما التزموه من الجزية.\n_________\n(١) في نسخة: \"أخرصي\".\n(٢) في نسخة: \"تبوكًا\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٤٥).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٤٥).\n(٥) قال العيني (٩/ ٤٣٩): أي ببلدهم وحكومة أرضهم، هو الظاهر، لا البحر ضد البر كما توهم. (ش).","vol":"10","page":325},{"text":"قَالَ: فَلَمَّا أَتَيْنَا وَادِىَ الْقُرَى، قَالَ لِلْمَرْأَةِ: \"كَمْ كَانَ فِى حَدِيقَتِكِ؟ \"، قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّى مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِى فَلْيَتَعَجَّلْ». [خ ٣٧٩١، م ١٣٩٢]\n٣٠٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا الأَعْمَشُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ كُلْثُومٍ، عَنْ زَيْنَبَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَفْلِى رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعِنْدَهُ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَنِسَاءٌ مِنَ\n===\n(قال) أبو حميد: (فلما أتينا وادي القرى) أي راجعين عن تبوك (قال) رسول الله - ﷺ - (للمرأة: كم كان في حديقتك؟) أي من التمر (قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله - ﷺ -) أي وفق خرصه - ﷺ - (فقال رسول الله - ﷺ -: إني متعجل إلى المدينة، فمن أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل).\nوفي رواية: \"حتى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غراب لأنها أقرب إلى المدينة، وترك الأخرى\"، واستفيد منه بيان قوله: \"إني متعجل إلى المدينة، فمن أحب فليتعجل\"، أي إني سألك الطريق القريبة، فمن أراد فليأت معي، يعني ممن له اقتدار على ذلك دون بقية الجيش، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى-: والترجمة إنما هي في قوله: \"وكتب له ببحره\" أي قريته، وباقي الرواية مسرودة استطرادًا.\n٣٠٨٠ - (حدثنا عبد الواحد بن غياث، نا عبد الواحد بن زياد، نا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن كلثوم) وهو كلثوم بن علقمة بن ناجية بن المصطلق، يقال: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، (عن زينب) أم المؤمنين، (أنها كانت تفلي رأس رسول الله - ﷺ -) أي تفتش في رأسه القمل (وعنده امرأة عثمان بن عفان ونساء من\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".","vol":"10","page":326},{"text":"الْمُهَاجِرَاتِ، وَهُنَّ يَشْتَكِينَ مَنَازِلَهُنَّ: أَنَّهَا تَضِيقُ عَلَيْهِنَّ وَيُخْرَجْنَ مِنْهَا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تُوَرَّثَ (١) دُورَ الْمُهَاجِرِينَ النِّسَاءُ، فَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَوَرِثَتْهُ امْرَأَتُهُ دَارًا بِالْمَدِينَةِ. [حم ٦/ ٣٦٣، ق ٦/ ١٥٦]\n===\nالمهاجرات، وهن يشتكين منازلهن: أنها تضيق عليهن) أي بتضييق الورثة عليهن (وبخرجن منها) أي إذا مات أزواجهن.\n(فأمر رسول الله - ﷺ - أن تورث دور المهاجرين النساء) كتب في الحاشية: قال الخطابي: هذه خصوصية لهن؛ لأنهن في المدينة غرائب لا عشيرة لهن، فجاز لهن الدور، لما رأى من المصلحة في ذلك.\nوقد قلت في ذلك ملغزًا:\nسَلِّمْ عَلَى مُفْتِي الأَنَامِ وَقُلْ لَهُ ... هَذَا سُؤَالٌ في الْفَرَائِضِ مُبْهَمُ\nقَوْمٌ إِذَا مَاتُوا تَحُوزُ دِيَارَهُم ... زَوْجَاتُهُم وَلغَيْرِهَا لَا تُقْسَمُ\nوَبَقِيةُ الْمَالِ الَّذِي قَدْ خَلَفُوا ... يَجْرِي عَلَى حُكْمِ التَّوَارُثِ مِنْهُمُ\nوجوابه قلت:\nهُمُ الْمُهَاجِرُونَ ذَاكَ بِطَيْبَةَ ... صَلى عَلَى ذِيها الْكَرِيمُ المُعَلمُ\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: ومعنى قوله: \"أن تورث دور المهاجرين النساء\": الأمر بتوريث منافع الدور إلى انقضاء أيام العدة لا توريث الدور أجمع، أو المعنى أن يجعلوا لهن الدور عند اقتسام التركة، فإنهن أكثر ما تحتجن إلى دور ليسكن فيها، فأمران تفرز الدور في أنصبائهن، وتجعل البساتين والدواب وسائر ما تركه المورث في نصيب بقية الورثة عوضًا عما أخذته من الدور، وما اختاره في الحاشية لم يذهب إليه أحد من الفقهاء، انتهى.\n(فمات عبد الله بن مسعود) سنة اثنتين وثلاثين أو التي بعدها في المدينة (فورثته امرأته دارًا بالمدينة)، وهذا أيضًا يحمل على الاحتمالين المتقدمين في كلام مولانا محمد يحيى - ﵀ -.\n_________\n(١) في نسخة: \"يورث\".","vol":"10","page":327},{"text":"(٣٨) بَابُ مَا جَاءَ (١) في الدُّخُولِ في أَرْضِ الْخَرَاجِ\n٣٠٨١ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بلَالٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى- يَعْنِي ابْنَ سُمَيْعٍ- قَالَ: نَا زيدُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الله، عن مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ عَقَدَ الْجِزْيَةَ في عُنُقِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\". [ق ٩/ ١٣٩]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>(٣٨) (بَابُ مَا جَاءَ في الدُّخُولِ في أَرْضِ الْخَرَاجِ) </span>(٢)\nأي: اشتراء أرض الخراج أو أخذ مائها\n٣٠٨١ - (حدثنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال، أنا محمد بن عيسى، يعني ابن سميع) وهو محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع بالصغير، مولى معاوية، أبو سفيان الدمشقي، قال عثمان الدارمي عن دحيم: ليس من أهل الحديث، وهو قدري، وقال أبو حاتم: شيخ دمشقي، يكتب حديثه، ولا يحتج به، قال في \"التقريب\": صدوق، يخطئ، ويدلس، ورمي بالقدر.\n(قال: نا زيد بن واقد، حدثني أبو عبد الله) الأشعري الشامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو زرعة الدمشقي: لم أجد أحدًا سماه، (عن معاذ) بن جبل (أنه قال: من عقد الجزية) أي جزية الأرض وهي الخراج (في عنقه) بشراء أرض الخراج أو بأخذ مائها (فقد برئ مما عليه رسول الله - ﷺ -).\nكتب في الحاشية عن \"فتح الودود\": إذا اشترى أرضًا خراجية من كافر لزمه خراجها، والخراج قسم من الجزية، فصار كأنه عقد الجزية في عنقه، ولا شك أن التزام الجزية ليس من طريق السنة، فلعل ذلك هو المعنى بالبراءة، قلت: هو محمول على التشديد والتغليظ.\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في الدخول ... إلخ\".\n(٢) بسط صاحب \"العون\" أنواع الأراضي الخراجية (٨/ ٢٣٤). (ش).","vol":"10","page":328},{"text":"٣٠٨٢ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَني عُمَارَةُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ، حَدَّثَني سِنَان بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنِي شَبِيبُ بْنُ نُعَيْمٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا فَقَدْ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ، وَمَنْ نَزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ في عُنُقِهِ فَقَدْ وَلَّى الإسْلَامَ ظَهْرَهُ\". قَالَ (١): فَسَمِعَ مِنِّي خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ هَذَا الحَدِيثَ فَقَالَ لِي: أَشبِيبٌ حَدَّثَكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا قَدِمْتَ فَسَلْهُ فَلْيَكْتُبْ إِلَيَّ بِالْحَدِيثِ (٢)، قَالَ:\n===\n٣٠٨٢ - (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، نا بقية، حدثني عمارة بن أبي الشعثاء) من شيوخ بقية، مجهول، (حدثني سنان بن قيس) شامي، قال ابن حبان في \"الثقات\": سيار بن قيس، وقد قيل: سنان بن قيس، روى له أبو داود حديثًا واحدًا، وهو هذا، (حدثني شبيب) بوزن طويل (ابن نعيم) أبو روح، ويقال: ابن أبي روح، الوحاظي الحمصي، ثقة، (حدثني يزيد بن خمير) هو يزيد بن خمير اليزني الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: ذكره ابن شاهين في \"الصحابة\"، وقال: مات في خلافة معاوية.\n(حدثني أبو الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أخذ أرضًا بجزيتها) أي بخراجها (فقد استقال) أي أبطل (هجرته) وهذا على سبيل التغليظ والتشديد (ومن نزع صغار كافر من عنقه، فجعله في عنقه، فقد ولى الإِسلام ظهره).\n(قال) سنان بن قيس: (فسمع مني خالد بن معدان هذا الحديث، فقال لي) أي خالد بن معدان: (أشبيب حدثك) هذا الحديث؟ (فقلت: نعم، قال: فإذا قدمت) أي عليه (فسله، فليكتب إليّ بالحديث، قال) سنان: فقدمت عليه،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"سنان بن قيس\".\n(٢) في نسخة: \"بهذا الحديث\".","vol":"10","page":329},{"text":"فَكَتَبَ لَهُ، (١) فَلَمَّا قَدِمْتُ سَأَلَنِي خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ الْقِرْطَاسَ، فَأَعْطَيْتُهُ (٢). فَلَمَّا قَرَأَهُ تَرَكَ مَا في يَدَيْهِ (٣) مِنَ الأَرْضِ (٤) حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ. [ق ٩/ ١٣٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ الْيَزَنِيُّ، لَيْسَ هُوَ صَاحِبَ شُعْبَةَ.\n===\nفسألته أن يكتب الحديث لخالد (فكتب) ـه (له، فلما قدمت) أي إلى خالد (سألني خالد بن معدان القرطاس) أي الكتاب (فأعطيته، فلما قرأه ترك ما في يديه من الأرض) أي من أرض الخراج (حين سمع ذلك) أي الحديث.\nقلت: وعند الحنفية يجوز شراء أرض الخراج، قال في \"الهداية\" (٥): ويجوز أن يشتري المسلم أرض الخراج من الذمي، ويؤخذ منه الخراج، وقد صح أن الصحابة - ﵃- اشتروا أراضي الخراج، وكانوا يؤدون خراجها، فدل على جواز الشراء وأخذ الخراج وأدائه للمسلم من غير كراهة، انتهى.\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٦): قلت: قال البيهقي في كتاب \"المعرفة\": قال أبو يوسف: القول ما قال أبو حنيفة، إنه كان لابن مسعود وخباب بن الأرت وحسين بن علي ولشريح أرض الخراج، قلت: والجواب عن الحديث أن الحديث غير محتج به لأن في سنده مجهولًا.\n(قال أبو داود: هذا يزيد بن خمير اليزني، ليس هو صاحب شعبة) حاصل هذا الكلام أن يزيد بن خمير المذكور ها هنا الذي يروي عن أبي الدرداء\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إياه\".\n(٣) في نسخة: \"يده\".\n(٤) في نسخة: \"الأرضين\".\n(٥) (٢/ ١٥٨).\n(٦) (٣/ ٤٤١).","vol":"10","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1168>(٣٩) بَابٌ: في الأَرْضِ يَحْمِيهَا الإمَامُ أَوِ الرَّجُلُ</span>\n٣٠٨٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ».\n===\nهو اليزني، وأما يزيد بن خمير تلميذ شعبة، هو رجل آخر، وهو يزيد بن خمير بن يزيد الرحبي الهمداني أبو عمر الحمصي الذبابي.\n\n(٣٩) (بابٌ: في الأرْضِ يَحْمِيهَا الإمَامُ أَوِ الرَّجُلُ)\n٣٠٨٣ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة، الليثي (أن رسول الله - ﷺ - قال: لا حمى) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم المفتوحة بمعنى المحمى، وهو مكان يحمى من الناس والماشية ليكثر كلأه، قاله للقاري (١)، قلت: ويمكن أن يكون في معنى المصدر (إلَّا لله ولرسوله) أي لا ينبغي لأحد أن يفعل ذلك إلَّا بإذن من الله ورسوله، فكان النبي - ﷺ - يحمي لخيل الجهاد وإبل الصدقة.\nقال القاضي: كانت رؤساء الأحياء في الجاهلية يحمون المكان الخصيب لخيلهم وإبلهم وسائر مواشيهم، فأبطله - ﷺ -، ومنعه أن يحمي إلَّا لله ولرسوله.\nوفي \"شرح السنة\": كان ذلك جائزًا لرسول الله - ﷺ - لخاصة نفسه، لكنه لم يفعله، وإنما حمى النقيع لمصالح المسلمين، وللخيل المعدة في سبيل الله، قال الشافعي: وإنما لم يجز في بلد لم يكن واسعًا، فتضيق على أهل المواشي، ولا يجوز لأحد من الأئمة بعده - ﷺ - أن يحمي لخاصة نفسه، واختلفوا في أنه هل يحمى للمصالح، منهم من لم يُجَوِّز للحديث، ومنهم من جَوَّزه على نحو\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٦٨).","vol":"10","page":331},{"text":"قَالَ ابْنُ شهَابٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ. [خ ٢٣٧٠، حم ٤/ ٧١، ق ٧/ ٥٩، قط ٤/ ٢٣٨، السنن الكبرى: ٥٧٧٥]\n٣٠٨٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله،\n===\nما حمى رسول الله - ﷺ - لمصالح المسلمين حيث لا يتبين ضرره، قال ابن الملك: المعنى لا حمى لأحد على الوجه الخاص، بل على الوجه الذي حماه لمصالح المسلمين.\nقال الشوكاني (١): وقد ظن بعضهم أن بين الأحاديث القاضية بالمنع من الحمى والأحاديث القاضية بجواز الإحياء معارضة، ومنشأ هذا الظن عدم الفرق بينهما، وهو فاسد، فإن الحمى أخص من الإحياء مطلقًا، قال ابن الجوزي: ليس بين الحديثين معارضة، فالحمى المنهي عنه ما يحمى من الموات الكثيرة العشب لنفسه خاصة كفعل الجاهلية، والإحياء المباح ما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة فافترقا.\n(قال ابن شهاب: وبلغني أن رسول الله - ﷺ - حمى النقيع) (٢) هو بالنون: موضع على عشرين فرسخًا من المدينة، وقدره ميل في ثمانية أميال، وأصل النقيع: كل موضع يستنقع، أي يجتمع فيه الماء، وهذا النقيع المذكور في هذا الحديث غير نقيع الخضمات الذي جمع فيه أسعد بن زرارة بالمدينة (٣).\n٣٠٨٤ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٥٣).\n(٢) وفيه لغة ضعيفة بالباء، وهو ليس بحرم، ولا بحرم صيده، ولكن لا تتلف الشجرة وحشيشه، ويضمنان بالقيمة، كذا في \"المناسك\" للنووي (ص ٤٩٤). (ش).\n(٣) انظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ٣٠١).","vol":"10","page":332},{"text":"عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ: \"لَا حِمَى إِلَّا للهِ ﷿\". [حم ٤/ ٧١، ك ٢/ ٦١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>(٤٠) بَابُ مَا جَاءَ في الرِّكَازِ وَمَا فِيهِ</span>\n٣٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «فِى الرِّكَازِ الْخُمُسُ» (١) [خ ١٤٩٩، م ١٧١٠، ت ١٣٧٧، ن ٢٤٩٥، جه ٢٥٠٩، حم ٢/ ٢٣٩]\n===\nعن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة، أن النبي - ﷺ - حمى النقيع وقال: لا حمى إلا لله ﷿) وإنما أعاد الحديث بهذا السند؛ لأن في هذا الحديث قوله: \"إن النبي - ﷺ -\" موصول، وبالسند الأول منقطع.\n\n(٤٠) (بَابُ مَا جَاءَ في الرِّكَازِ وَمَا فِيهِ) من المال، والركاز بكسر الراء قيل: هو الكنز الجاهلي المدفون في الأرض، وقيل يشمل المعدن أيضًا\n٣٠٨٥ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة سمعا أبا هريرة يحدث، أن النبي - ﷺ - قال: في الركاز الخمس) (٢)،\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٣٠٨٦ - حَدّثَنَا يَحْيَى بنُ أيوبَ، نا عباد بن العوام، عن هشام، عن الحسن: \"مَالُ الرِّكَازِ الكَنْزُ الْعَادِي\" [ق ٤/ ١٥٥]. قلت: ذكر المزي هذا الحديث في \"الأطراف\" (١٨٥٥٥) ونسبه إلى: يحيى بن معين، عن عباد، عن عشام، عن الحسن، ثم قال: هو في رواية ابن داسة. وقال في الحاشية: \"في نسخة: يحيى بن يحيى، وهو خطأ\".\n(٢) ها هنا خمسة أبحاث ذكرت في \"الأوجز\" (٥/ ٥٧٠). الأول: في الخمس إجماع، إلا ما روي عن الحسن: أنه في أرض الحرب، وفي الإِسلام الزكاة. الثاني: الفرق بين المعدن والركاز، فعندنا الركاز يشمل المعدن أي المخلوق لله تعالى، والكنز أي المدفون، وعند الجمهور الركاز خاص بمعنى الكنز. الثالث: ثم لم يشترط النصاب =","vol":"10","page":333},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهذا قطعة من حديث طويل، ولفظه: \"العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس\".\nواختلفوا في معنى الركاز، فقال مالك والشافعي: الركاز دفن الجاهلية، وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: إن المعدن ركاز أيضًا، واحتج الأولون بما وقع في الحديث من التفرقة بينهما بالعطف، فإنه جعل المعدن جبارًا، وجعل في الركاز الخمس، فدل هذا العطف بأن الركاز غير المعدن.\nقلت: هذا الاحتجاج غير صحيح، فإن المراد بالمعدن حفرته، فإنه إذا وقع فيها إنسان فلا ضمان فيه، والمراد بالركاز المال الذي في المعدن بأن المال المستخرج منها فيه الخمس، فعلى هذا دلالة العطف صحيحة، لأن مدلول أحدهما غير مدلول الآخر، فلا حجة فيه لأحد.\nقال في \"البدائع\" (١): أما المستخرج من الأرض نوعان: أحدهما يسمى كنزًا، وهو المال الذي دفنه بنو آدم في الأرض، والثاني يسمى معدنًا، وهو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض، والركاز اسم يقع على كل واحد منهما إلا أن حقيقته للمعدن واستعماله للكنز مجازًا.\nقال الزيلعي (٢): واستدل لنا الشيخ في \"الإمام\" بحديث أخرجه البيهقي في \"المعرفة\" (٣): عن حبان بن علي، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الركاز الذهب الذي ينبت بالأرض\".\n_________\n= إلا في قول جديد للشافعي. الرابع: ولا عبرة بالحول إجماعًا، وما حكى ابن العربي خلاف الشافعي شاذُّ. الخامس: والمراد منه النقدان عندهما، وكل شيء عند أحمد وإسحاق، والجامد المنطبع عندنا، خمسة أبحاث كما في \"الأوجز\". (ش).\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٩٠).\n(٢) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٨٠).\n(٣) \"معرفة السنن والآثار\" (٣/ ٣٠٨) رقم (٢٣٧٩).","vol":"10","page":334},{"text":"٣٠٨٧ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ، نا الزَّمْعِيُّ، عن عَمَّتِهِ قُرَيْبَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عن أُمِّهَا كَرِيمَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ، عن ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب بْنِ هَاشِمٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا قَالَتْ: ذَهَبَ الْمِقْدَادُ لِحَاجَتِهِ بِبَقِيعِ (١) الْخَبْجَبةِ\n===\nقال البيهقي: وروي عن أبي يوسف - ﵀ - عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"في الركاز الخمس\"، وما الركاز يا رسول الله؟ قال: \"الذي خلقه في الأرض يوم خلقت\". وسكت الشيخ عن علة الحديث، وهو عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، قال ابن حبان في \"كتاب الضعفاء\": كان يقلب الأخبار ويهم في الآثار.\n٣٠٨٧ - (حدثنا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك، نا الزمعي) هو موسى بن يعقوب بن عبد الله الزمعي، (عن عمته قريبة بنت عبد الله بن وهب) بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى الأسدية، قال في \"التقريب\": مقبول، (عن أمها كريمة بنت المقداد) بن الأسود الكندية، روت عن أمها ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، وعنها زوجها عبد الله بن وهب بن زمعة، وابنتها قريبة بنت عبد الله، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم أنها أخبرتها) أي روت ضباعة كريمة (قالت) ضباعة: (ذهب المقداد) أي زوجها (لحاجته) أي لقضائها (ببقيع (٢) الخبجبة) بفتح أوله وسكون ثانيه، ثم جيم، ثم باء أخرى، بقيع الخبجبة: موضع جاء ذكره في \"سنن أبي داود\"، والخبجبة: شجر يعرف بها، هكذا في \"معجم البلدان\" (٣). وقال في \"القاموس\" في مادة\n_________\n(١) في نسخة: \"بقيع\".\n(٢) وقع في متن الأصل وشرحه: \"نقيع\"، وهو تحريف، والصواب: \"بقيع\".\n(٣) (١/ ٤٧٤).","vol":"10","page":335},{"text":"فَإِذَا جُرَذٌ يُخْرِجُ مِنْ جُحْرٍ دِينَارًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُخْرِجُ دِينَارًا دِينَارًا، حَتَّى أَخْرَجَ سَبْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا، ثُمَّ أَخْرَجَ خِرْقَةً حَمْرَاءَ - يَعْنِي فِيهَا دِينَارٌ- فَكَانَتْ (١) ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَهَبَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ، وَقَالَ لَهُ: خُذْ صَدَقَتَهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"هَلْ هَوَيْتَ إِلَى الْجُحْرِ؟ \"، قَالَ (٢): لَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"بَارَكَ اللهُ لَكَ فَيهَا\". [جه ٢٥٠٨]\n===\nالخبب: الخَبْخَبَةُ: شجر، ومنه بقيع الخبخبة؛ لأنه كان مَنْبِتَها، أو هو بجيمين. وقال في \"مجمع البحار\" (٣): بقيع الخبخبة بفتح خاءين وسكون باء أولى: موضع بناحية المدينة.\n(فإذا جرذ) وهو الفأر الذكر الكبير (يخرج من جحر) بالجيم والحاء (دينارًا، ثم لم يزل يخرج دينارًا دينارًا) أي دينارًا واحدًا بعد آخر (حتى أخرج سبعة عشر ينارًا، ثم أخرج خرقة حمراء - يعني فيها دينار- فكانت ثمانية عشر دينارًا، فذهب) أي المقداد (بها) أي بالدنانير (إلى النبي - ﷺ - فأخبره) بالقصة (وقال له: خذ صدقتها، فقال له النبي - ﷺ -: هل هويت) أي ملت (إلى الجحر) فأخذت منها الدينار؟ قال الخطابي: يدل على أنه لو أخذها من الجحر لكان ركازًا يجب فيها الخمس (قال: لا، فقال له رسول الله - ﷺ -: بارك الله لك فيها).\nقال في \"الدرجات\" (٤): لا يدل على أنه جعلها له في الحال، ولكنه محمول على بيان الأمر في اللقطة التي إذا عرّفت سنة، ولم تُعرف كانت لآخذها (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"فصارت\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) (٢/ ٥).\n(٤) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٣١).\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"الدرجات\": ولم تعرف أنها لمن أخذها.","vol":"10","page":336},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى-: قوله: \"بارك الله فيها ... إلخ\"، وكان ذلك لقطة إلَّا أن تعريفها كان قريبًا من المتعذر، فإن الفأرة لا يعلم من أين أخذت، والتعريف يتعذر في الأمكنة كلها، فكان الإنفاق على المقداد كإنفاق الفقير لقطة على نفسه بعد تعريفها، وكان المقداد محتاجًا إليها، فرخصه فيها، وإنما برّكه لما علم من قناعته حيث اكتفى بما تيسر، ولم يتبع حرصه في تفتيش المزيد عليه وأما المقداد فإنما لم يهو إلى الجحر لما علم أن إخراج الفأرة هذه الخرقة قال على أنه لم يبق من ماله بقية.\nبقي ها هنا شيء، وهو أن بعض الناظرين وجه السؤال عن الإهواء إلى الجحر بأنه لو هوى إلى الأرض لكان ذلك ركازًا، ولوجب فيه الخمس (١)، ولا يفهم لذلك التوجيه وجه، فإن الأمر لم يكن إلى إهوائه إلى الأرض مع أنه قد بين ما وقع من القضية، مع أن المقداد لو أخذه من الجحر لكان في وجود الخرقة دليل على أنه ليس بقديم، إذ لو كان كذلك لما بقيت الخرقة ساعة، ولا يجب الخمس إلا في العادي الذي لا يعرف صاحبه، أو في ما هو مخلوق خلقة، فلم يكن ذلك السؤال إلا لما قلنا من أنه سبر بذلك غور قناعته.\nولعل الوجه فيه: أن الكنز ما يخرجه الإنسان مما كان مدفونًا، واللقطة ما وجده منبوذًا على وجه الأرض، ولكل منهما أحكام خاصة، فلو أنه أخرجه بيده لكان ذلك كنزًا بخلاف ما إذا أخرجته الفأرة، انتهى كلامه.\n_________\n(١) قلت: فقد قال بذلك ابن العربي في \"العارضة\" (٣/ ١٤٠) إذ قال: وهذا الحديث يحتمل تأويلين: أحدهما أنه - ﷺ - أعطاه الكل؛ لأنه ركاز، فالأربعة الأخماس حقه والخمس الواجب فلأنه مصرف له لفقره. والثاني: أنه ﵊ قال له: هل هويت؟ المعنى أنه لو حاوله بعمد يقضى إليه لكان ركازًا، وإذا لم يعتمد به كانت لقطة قد علم عدم مالكها شرعًا. انتهى. (ش).","vol":"10","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1170>(٤١) بَابُ نَبْشِ الْقُبُورِ الْعَادِيَّةِ </span>(١)\n٣٠٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا أَبِى قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِى بُجَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «هَذَا قَبْرُ أَبِى رِغَالٍ،\n===\n\n(٤١) (بَابُ نَبْشِ الْقُبُورِ (٢) الْعَادِيَّةِ)\nأي القديمة لأهل الجاهلية\n٣٠٨٨ - (حدثنا يحيى بن معين، نا وهب بن جرير، نا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير) بضم الموحدة بعدها جيم مصغرًا (ابن أبي بجير) روى له أبو داود حديثًا وحدًا في قصة أبي رغال، وقال يحيى بن معين: لم أسمع أحدًا يحدث عنه غير إسماعيل، قلت: وكذا قال النسائي، وأما ابن المديني فقال: بجير بن سالم أبو عبيد، روى عنه إسماعيل بن أمية وروح بن القاسم حديث أبي رغال، وهو من أهل الطائف مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وجهله ابن القطان.\n(قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا) معه (بقبر، فقال رسول الله - ﷺ -: هذا قبر أبي رغال).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يكون فيها المال\".\n(٢) يكره حفر قبر الجاهلية عند المالكية، كما في \"الشرح الكبير\" (١/ ٤٩٠)، والعجب أن صاحب \"المنهل\" لم يذكر فيه خلاف مالك، بل ذكر خلاف الأوزاعي، ولا بأس به عندنا كما في \"الشامي\" (٣/ ٢٤٦)، وفي \"المراقي\" (ص ٥٠٥): لا يجوز تحويلها ولا ينبش ولو كان ذميًا، وإن طال الزمان، أما أهل الحرب فلا بأس بنبشهم إن احتيج إليه ... إلخ.\nقلت: وقد نبشت لبناء المسجد كما تقدم في \"البذل\" (٣/ ١٧٠). (ش).","vol":"10","page":338},{"text":"وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِى أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ، فَدُفِنَ فِيهِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ، إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ (١) مَعَهُ». فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ. [ق ٤/ ١٥٦، عب ١١/ ٤٥٤ / ٢٠٩٨٩]\n* * *\n===\nنقل في الحاشية عن \"جامع الأصول\" (٢): بكسر راء وخفة غين معجمة، وهو جاهلي من بقايا ثمود، ثم كان عاملًا لصالح النبي - ﷺ -، فأرسله إلى قوم من ثمود، فأحل لهم الحرام، وقيل: كان دليل الحبشة حين جاؤوا لهدم الكعبة، قيل: إنه أول من أخذ العشر، يُضرب به المثل في الظلم والشؤم، وهو الذي يرجم الحاج قبره إلى الآن، قال جرير:\nإِذَا مَاتَ الْفَرَزْدَقُ فَارْجُمُوهُ ... كما تَرْمُونَ قَبْرَ أَبِي رِغَالِ\n(وكان) أي أبو رغال (بهذا الحرم يدفع) كونه في الحرم (عنه) أي عن أبي رغال العقوبة (فلما خرج) من الحرم (أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه وآية) أي علامة (ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب) أي قطعة من ذهب كالغصن (إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه) أي الغصن (معه) أي مع أبي رغال (فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن).\n* * *\n_________\n(١) \"وجدتموه\".\n(٢) (١٤/ ٨٦).","vol":"10","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1171>(١٥) أَوَّلُ كتَابِ الْجَنَائِزِ</span>\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)\n\n(١٥) (أَوَّلُ كتَابِ الْجَنَائِزِ) (٢)\nالجنائز: جمع جنازة، والجنازة بفتح الجيم اسم للميت المحمول، وبكسرها اسم للنعش الذي يُحمَل عليه الميت، ويقال عكس ذلك، حكاه صاحب \"المطالع\"، واشتقاقه من جنز إذا ستر، ذكره ابن الفارس وغيره، ومضارعه يجنِز بكسر النون، وقال الجوهري: الجنازة واحد الجنائز، والعامة تقول الجنازة بالفتح، والمعنى للميت على السرير، فإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش، والجنائز بفتح الجيم لا غير، قاله النووي والحافظ (٣) وغيرهما.\nوالمناسبة بين كتاب الجنائز والكتاب الذي قبله وهو كتاب الخراج والفيء والإمارة بعيدة، ولكن يمكن أن يقال: إن المصنف لما ذكر في آخر الكتاب \"باب نبش القبور العادية\" ناسب أن يذكر بعده كتاب الجنائز.\n_________\n(١) شُرعَ تسويدُ \"البذل\" من ها هنا في البلدة الطاهرة المدينة المنورة ١٣ محرم، سنة ١٣٤٥ هـ يوم السبت. (ش).\n(٢) شرعت سنة ١ هـ، فمن مات بمكة لم يُصَلَّ عليه، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٣٨٨). (ش).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٨٩)، و\"فتح الباري\" (٣/ ١٠٩).","vol":"10","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1172>(١) بَابُ الأَمْرَاضِ الْمُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ</span>\n٣٠٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَنْظُورٍ، عن عَمِّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي،\n===\nأو يقال: إن المصنف ذكر كتاب الجهاد، ثم ذكر كتاب الضحايا، ثم الوصايا، ثم كتاب الفرائض، وهذه الكتب لها تعلق بالموت، فذكر كتاب الجنائز بعدها، ولكن وجه إدخال كتاب الخراج والفيء والإمارة بينهما لِما كان له تعلق بالجهاد، فذكر الجنائز ها هنا بمناسبة الجهاد والضحايا والفرائض لا لمجرد الخراج والفيء والإمارة.\n\n(١) (بَابُ الأمْرَاضِ المُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ)\nأي جعل الله ﷾ الأمراضَ كفارةً لذنوب المؤمن الصغائر إذا عَلِمَ أنها رحمة من الله ﷾، وصبر، ولم يظهر الجزع والفزع، ولم يظهر الشكوى\n٣٠٨٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني رجل من أهل الشام يقال له: أبو منظور) قال في \"الخلاصة\" (١): \"د\" أبو منظور عن عمه، وعنه ابن إسحاق، مجهول، وفي \"التقريب\": أبو منظور الشامي مجهول. (عن عمه) ولم أرَ له ترجمة في كتب الرجال الموجودة عندي.\n(قال) أبو منظور: (حدثني عمي) وهذا بيان لقوله أولًا: عن عمه، وظاهر هذا الكلام (٢) يوهم أن ضمير \"قال\" يعود إلى عم أبي منظور، فعلى هذا حاصل\n_________\n(١) \"الخلاصة\" للخزرجي (ص ٤٦١).\n(٢) وبهذا جزم ها هنا صاحب \"المنهل\" (٨/ ٢١٦) ووافق الشيخ، لكن قال في آخر الحديث: فيه مجاهيل. (ش).","vol":"10","page":341},{"text":"عن عَامِرٍ الرَّامِ (١) أَخِي الْخَضِرِ.- قَالَ النُّفَيْلِيُّ: هُوَ الْخُضْرُ، وَلَكِنْ كَذَا قَالَ! - قَالَ: إِنِّي لَبِبِلَادِنَا إِذْ رُفِعَتْ لَنَا رَايَاتٌ وَأَلْوِيَةٌ،\n===\nالمعنى أن أبا منظور يروي عن عمه، وقال عم أبي منظور: حدثني عمي- يعني عم أبي منظور- يروي عن عمه، ولكن هذا غير صحيح؛ فإن الحافظ - ﵀ - قال في ترجمة عامر الرام: قاله محمد بن إسحاق، عن رجل من أهل الشام يقال له: أبو منظور، عن عمه، عن عامرًا (٢) به.\n(عن عامر الرام) قال الحافظ في \"التهذيب\": عامر الرام، وقيل: الرامي، أخو الخضر بن محارب، عداده في الصحابة، روى عن النبي - ﷺ -: \"إن المؤمن إذا ابتلي، ثم عافاه الله كان كفارة لذنوبه\"، الحديث.\nوقال في \"الإصابة\" (٣): عامر الرامي، أخو الخضر، بضم الخاء وسكون الضاد بمعجمتين، المحاربي، من ولد مالك بن مطرف بن خلف بن محارب، وكان يقال لولد مالك: الخضر، لأنه كان شديد الأدمة، وكان عامر راميًا حسن الرمي، فلذلك قيل له: الرامي، وكان شاعرًا (أخي الخضر) بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة.\n(قال النفيلي) أي عبد الله بن محمد شيخ المصنف: (هو) أي لفظ الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، صوابه (الخضر) بضم الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة، أي هذا هو الصواب (ولكن كذا) أي بفتح الخاء وكسر الضاد (قال) أي الراوي، وهو محمد بن سلمة.\nحاصله: أن الصواب والمشهور في هذا اللفظ هو الخضر بضم الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة، ولكن قال شيخي محمد بن سلمة بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة، وهو غير صحيح أو غير مشهور.\n(قال) أي عامر: (إني لببلادنا إذ رُفِعَت لنا) أي ظهرت لنا (رايات وَأَلْوِية،\n_________\n(١) في نسخة: \"الرامي\".\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٨٤).\n(٣) \"الإصابة\" (٤٤٣٨).","vol":"10","page":342},{"text":"فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا (١): هَذَا لِوَاءُ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ كِسَاءٌ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَاُبهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَذَكَرَ رَسُولُ - ﷺ - الأَسْقَامَ، فَقَالَ: \"إِنَ الْمُؤمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ ثُمَّ أَعْفَاهُ اللَّه مِنْهُا (٢) كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ؟ \".\nفَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ حَوْلَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَسْقَامُ؟\n===\nفقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لواء رسول الله - ﷺ -، فأتيته، وهو تحت شجرة، قد بُسِطَ له كساء، وهو جالس عليه) أي على الكساء (وقد اجتمع عليه) وفي المصرية: \"إليه\" (أصحابه، فجلست إليهم، فذكر رسول الله - ﷺ - الأسقامَ) أي الأمراض، (فقال: (إن المؤمن إذا أصابه السقم) أي المرض (ثم أعفاه الله منه) قال في \"القاموس\" (٣): وأعفاه من الأمر: بَرَّأَه. (كان) أي المرض (كفارةً لما مضى) أي تقدم (من ذنويه) أي الصغائر، ويحتمل أن يقال: إن شأن المؤمن في المرض أن يقبلَ إلى الله تعالى ويتوبَ مما صدر عنه، فحينئذ يكون المرض كفارة للصغائر والكبائر (وموعظة له فيما يستقبل)، أي في الزمان المستقبَل.\n(وإن المنافق إذا مرض، ثم أُعْفِيَ كان كالبعير عَقَلَه) قال في \"القاموس\" (٤): عقل البعيرَ: شَدَّ وظيفَه إلى ذراعه، كَعَقَّلَه واعتقله. (أهلُه ثم أرسلوه، فلم يَدْرِ لِمَ عقلوه، ولم يَدْرِ لِمَ أرسلوه؟ فقال رجل) لم أقف على تسميته (ممن حوله: يا رسول الله! وما الأسقام؟\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالوا\".\n(٢) في نسخة: \"عنه\".\n(٣) \"ترتيب القاموس المحيط\" (٣/ ٢٦٧).\n(٤) المصدر السابق (٣/ ٢٧٧).","vol":"10","page":343},{"text":"وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا\".\nفَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ وَفِي يَدِهِ شَيءٌ قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ أَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَمَرَرْتُ بِغَيْضَةِ شَجَرٍ فَسَمِعْتُ فِيهَا أَصْوَاتَ فِرَاخِ طَائِرٍ، فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ في كِسَائِي، فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ فَاسْتَدَارَتْ عَلَى رَأسِي، فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ مَعَهُنَّ، فَلَفَفْتُهُنَّ بِكِسَائِي فَهُنَّ أُولَاءِ مَعِي، قَالَ: \"ضَعْهُنَّ عَنْكَ\"، فَوَضَعْتُهُنَّ، وَأَبَتْ أُمُّهُنَّ إِلَّا لُزُومَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لأَصْحَابِهِ: \"أَتَعْجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الأَفْرَاخِ فِرَاخَهَا؟ \"، قَالُوا (١): نَعَمْ\n===\nوالله ما مرضت قط، فقال النبي - ﷺ -: قم عنا فلستَ منا) أي من أهل صحبتنا وقربنا، لأنك لم تبتل بالمصيبة والبلية، وشأن المؤمن الكامل أن يبتلى، وتصيبه البلايا حتى يطهره الله في الدنيا.\n(فبينا نحن عنده) أي عند رسول الله - ﷺ - (إذ أقبل رجل عليه كساء، وفي يده شيء قد التف) أي لف الكساءَ (عليه) أي على الشيء (فقال) الرجل: (يا رسول الله! إني لَمَّا رأيتُكَ أقبلت إليك، فمررتُ بغيضة شجر) قال في \"القاموس\": والغَيْضَة بالفتح: الأَجَمَة، ومجتمع الشجر في مغيض. (فسمعت فيها) أي الغيضة (أصوات فراخ طائر) والفراخ بكسر الفاء، جمع فرخ، وهو ولد الطائر (فأخذتهن، فوضعتهن في كسائي، فجاءت أمهن، فاستدارت على رأسي، فكشفت لها) أي لأم الفراخ (عنهن) أي عن فراخها (فوقعت عليهن معهن) أي الفراخ (فَلَفَقْتُهن) أي الأمَّ وفراخَها (بكسائي، فهن أولاء معي).\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (ضعهن عنك) أي على الأرض (فوضعتهن، وأبت أمهن إلَّا لزومهن، فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: أَتعجبون لِرُحْم) قال في \"الدرجات\": كقفل (أمِّ الأفراخِ فراخَها؟) أي لرحمة أمهن لهن (قالوا: نعم،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالوا\".","vol":"10","page":344},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمَّ الأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا، ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذتَهُنَّ وَأمُّهُنَّ مَعَهُنَّ\"، فَرَجَعَ بِهِنَّ.\n... (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>(٢) [بَابٌ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ] </span>(٢)\n٣٠٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ، الْمعنى،\n===\nيا رسول الله، قال) رسول الله - ﷺ -: (فوالذي بعثني بالحق لله أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتَهن وأُمُّهن معهن، فرجع بهنّ)، وإنما أمر رسول الله - ﷺ - بأن يرجع بهن حتى يضعهن من حيث أخذهن رحمة منه على الخلق وشفقة عليها لئلا تضيع الأفراخ وتتألم أُمّهن.\n\n(٢) (بَابٌ: إِذَا كان الرَّجُلُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَيَشْغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ)، فهل يكتب له أجر عمله؟ وهذه الترجمة ليست موجودة في النسخة المصرية\n٣٠٩١ - (حدثنا محمد بن عيسى ومسدد، المعنى) أي معنى حديثهما\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٣٠٩٠ - حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ النفَيْلِيُّ وَإبرَاهِيْمُ بنُ مَهْدَيٍّ الْمِصِّيصِيُّ، المَعنَى، قَالا: نَا أَبُو الْمَلِيحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ خَالِدٍ- قَالَ أبُو دَاوُدَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ بنُ مَهْدِيٍّ: السَّلميُّ- عَن أَبِيهِ عَنْ جَدِّه، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مِن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِن اللهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ اِبْتَلَاهُ اللهُ في جَسَد أَوْ في مَالِهِ أَوْ في وَلَده\". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ: \"ثُمّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ\"، ثُم اتَّفَقَا: \"حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ ﵎\". [ق ٣/ ٣٧٤].\nقلت: قال المزي في \"الأطراف\" (١٥٥٦٢) بعد إيراده: هذا الحديث في رواية ابن العبد وابن داسه، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) هذا الباب زاد في نسخة.","vol":"10","page":345},{"text":"قَالَا: نَا هُشَيْمٌ، عن الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ السَّكْسَكِيِّ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى (١) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - (٢) غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ يَقُولُ: \"إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ (٣) مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ كُتِبَ (٤) لَهُ كَصَالِحِ مَا كان يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ\". [خ ٢٩٩٦، حم ٤/ ٤١٠ - ٤١٨]\n===\nواحد (قالا: نا هشيم، عن العوّام) بتشديد الواو (ابن حوشب) بن يزيد بن الحارث الشيباني الربعي، أبو عيسى الواسطي، أسلم جده على يد عليّ، فوهب له جارية، فولدت له حوشب، فكان على شرطته، عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، ليس به بأس.\n(عن إبراهيم بن عبد الرحمن) بن إسماعيل (السكسكي) بفتح المهملتين، وسكون الكاف الأولى، نسبة إلى السكاسك بطن من كندة، أبو إسماعيل الكوفي، مولى صُخَير بضم المهملة وفتح المعجمة مصغرًا، قال أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال القطان: كان شعبة يضعِّف، كان يقول: لا يحسن يتكلم، وقال النسائي: ليس بذاك القوي، يُكتَب حديثه، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\" (٥).\n(عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: سمعت النبي - ﷺ - غير مرة ولا مرتين) أي بل أكثر منها (يقول: إذا كان العبد يعمل عملًا صالحًا فشغله عنه) أي عن العمل الصالح (مرض أو سفر كُتِبَ له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح) يتعلق بالمرض (مقيم) وهو يتعلق بالسفر.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الأشعري\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) في نسخة: \"عن ذلك\".\n(٤) في نسخة: \"كتب الله\".\n(٥) انظر: \"الضعفاء الكبير\" (١/ ٥٧) رقم (٥٠).","vol":"10","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1174>(٣) بَابُ عِيَادَةِ النِّسَاء</span>\n٣٠٩٢ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَارٍ، عن أَبِي عَوَانَةَ (١)، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن أُمِّ الْعَلَاءِ\n===\n\n(٣) (بابُ عِيَادَةِ النِّسَاء)، أي عيادة الرجالِ النساءَ، وليس في النسخة المصرية هذه الترجمة أيضًا\n٣٠٩٢ - (حدثنا سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير) بن سويد بن حارثة القرشي، قال في \"التقريب\" (٢): يقال له: الفرسي بفتح الفاء والراء ثم مهملة، نسبة إلى فرس له سابق، المعروف بالقبطي، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر، عن أحمد: عبد الملك مضطرب الحديث جدًّا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها، وعن ابن معين: مخلط، وقال العجلي: تغير حفظه قبل موته، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكان مدلَّسًا، وقال ابن نمير: كان ثقة ثبتًا، وقال ابن البرقي عن ابن معين: ثقة، إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين.\nواختُلِفَ في ضبط القرشي، قيل: بالقاف والمعجمة نسبة إلى قريش، ويدل عليه قول ابن سعد أنه حليف بني عدي بن كعب، وعليه مشى المؤلف بقوله القرشي، وأما أبو حاتم ويعقوب بن سفيان (٣) وغير واحد فضبطوه بالفاء والمهملة لنسبته إلى فرسه، حتى خَطَّأ ابن الأثير من قال غير ذلك، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران لما أسلفنا.\n(عن أم العلاء) ذكر الحافظ أولًا في \"الإصابة\" (٤): أم العلاء عمة حزام بن حكيم (٥) الأنصارية، قال ابن السكن: عادها النبي - ﷺ -، وخَرَّج حديثها عن أهل\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: نا أبو عوانة\".\n(٢) انظر: \"تقريب التهذيب\" (٤٢٢٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤١١، ٤١٢).\n(٣) في الأصل: \"سفيان\" بالصاد، وهو تحريف.\n(٤) انظر: \"الإصابة\" (١٤٢٣ - ١٤٢٤).\n(٥) في الأصل: \"حكيم بن حزام\"، وهو تحريف، والصواب: \"حزام بن حكيم\".","vol":"10","page":347},{"text":"قَالَتْ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَنَا مَرِيضَةٌ، فَقَالَ: \"أَبْشِرِي (١) يَا أُمَّ الْعَلَاءِ، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ\".\n٣٠٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى. (ح): وَنَا ابْنُ بَشَّارٍ (٢): نَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو\n===\nالشام، ثم خَرَّج هو وابن منده من طريق الزبيدي عن يونس بن سيف (٣) أن حزام بن حكيم أخبره عن عمته أمِّ العلاء: \"أن رسول الله - ﷺ - عادها من حمى، فرآها تضور من شدة الحمى\"، الحديث. قال ابن السكن: لم أجد لها غير هذا الحديث.\nثم ذكر أم العلاء ثانيًا وكتب: قال ابن السكن: روى عنها عبد الملك بن عمير، وليست التي قبلها، ثم أخرج من طريق أبي عوانة عن عبد الملك: أن امرأة يقال لها: أم العلاء حدثته قالت: \"عادني رسول الله - ﷺ - وأنا مريضة الحديث\".\nقلت: وهكذا أخرجه أبو داود من رواية أبي عوانة، وذهب غيره إلى أنهما واحدة لاتفاق الحديثين، وإن اختلف مخرجهما، لكن يقوي ما قاله ابن السكن: أن عمة حزام بن حكيم قيل فيها: إنها أنصارية، وهذه جاء في سياق حديثها عن عبد الملك بن عمير عن أم العلاء امرأة منهم، وعبد الملك لخمي، فتكون هذه لخمية، والتي قبلها أنصارية، فقوي التعدد.\n(قالت: عادني رسول الله - ﷺ - وأنا مريضة، فقال: أبشري يا أم العلاء، فإن مرضَ المسلم يُذهِبُ الله به خطاياه، كما تذهب النارُ خبثَ الذهب والفضة).\n٣٠٩٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، ح: ونا) محمد (بن بشار، نا عثمان بن عمرو) بن ساج القرشي، أبو ساج الجزري، مولى بني أمية، وقد يُنسَبُ إلى\n_________\n(١) في نسخة: \"البشرى\".\n(٢) في نسخة: \"محمد بن بشار\".\n(٣) في الأصل: \"يوسف بن سيف\"، وهو تحريف، والصواب: \"يونس بن سيف\".","vol":"10","page":348},{"text":"- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُه (١) -، عن أَبِى عَامِرٍ الْخَزَّازِ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأَعْلَمُ أَشَدَّ آيةٍ في كِتَابِ (٢) اللَّهِ ﷿،\n===\nجده، وقول المصنف: \"وقد يُنْسَبُ إلى جده\" يوهم الجزمَ بأنه عثمان بن ساج الراوي عن خصيف ومقسم وغيرهما، وقد تردد فيه بعد ذلك، وقد أكثر التخريجَ الفاكهى في \"كتاب مكة\" عَن عثمان بن ساج من غير ذكر عمرو بينهما، وأما النسائي والعقيلي وغيرهما فما زادوا في نسب عثمان بن عمرو شيئًا، إلَّا أنهم قالوا: إنه حراني، ولا يسمي أحد منهم [جده].\nفيدل مجموع ذلك على المغايرة بينهما، قال العقيلي: عثمان بن عمرو الحراني لا يُتابَع في حديثه، وقال الأزدي: يتكلمون في حديثه، وقال أبو حاتم: عثمان والوليد ابنا عمرو بن ساج يُكتَب حديثُهما ولا يُحتَجُّ بهما، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال أبو داود: وهذا لفظه) أي لفظ ابن بشار، (عن أبي عامر الخزاز) بمعجمات، صالح بن رستم المزني مولاهم، البصري، عن ابن معين: ضعيف، وعن يحيى: لا شيء، وعن أحمد: صالح الحديث، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يُكتَب حديثُه ولا يُحتَج به، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال الطيالسي: حدثنا أبو عامر الخزاز، وكان ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال ابن عدي: عزيز الحديث، وقال أبو بكر البزار ومحمد بن وضاح: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٣).\n(عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله! إني لأعلم أشد) أي أخوف وأشق (آية في كتاب الله ﷿) أي عليَّ أو على المسلمين\n_________\n(١) في نسخة: \"لفظ ابن بشار\".\n(٢) في نسخة: \"القرآن\".\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٩١).","vol":"10","page":349},{"text":"قَالَ: «أَيَّةُ آيَةٍ يَا عَائِشَةُ؟»، قَالَتْ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ المسلم (١) تُصِيبُهُ النَّكْبَةُ أَوِ الشَّوْكَةُ فَيُكَافَأُ بِأَسْوَء عَمَلِهِ، وَمَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ!»، قَالَتْ (٢): أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قَالَ: «ذَاكُمُ (٣) الْعَرْضُ، يَا عَائِشَةُ! مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ». [خ ١٠٣، م ٢٨٧٦ مختصرًا]\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أية آية يا عائشة؟ قالت: قول الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾) (٤).\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (أما علمتِ يا عائشة أن المسلم) وفي المصرية: \"المؤمن\" (تصيبه النكبة) قال في \"القاموس\": النكبة بالفتح: المصيبة، (أو) للشك من الراوي (الشوكة) تصيب المؤمنَ فيذكر الله تعالى ويصبر عليها (فيكافأ باسوأ عمله) من الصغائر (ومن حوسب عُذِّب، قالت: أليس يقول الله) ﷿ (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾) (٥) فهذه الآية تدل على أن من يحاسب حسابًا يسيرًا لا يُعَذَّب، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، فكيف يصح: من حُوْسِبَ عُذِّبَ.\n(قال) رسول الله - ﷺ - (ذاكم) أي الحساب اليسير (العرض) أي عرض الذنوب على الله ﷾، وهو ليس بحساب في الحقيقة (يا عائشة! من نوقش الحسَاب) أي استُقْصِيَ فيه ولم يُسَامَحْ (عُذِّب) وحاصل الجواب أن المراد من الحساب في قوله: \"من حوسب\" هو المناقشة في الحساب والمطالبة بكل من الجليل والحقير، لا مطلق الحساب الشامل للعرض. وهذا الحديث لا مناسبة له بباب \"عيادة النساء\" بل له مناسبة بالباب الذي قبله.\n_________\n(١) في نسخة: \"المؤمن\".\n(٢) في نسخة: \"قلت\".\n(٣) في نسخة: \"ذلكم\".\n(٤) سورة النساء: الآية ١٢٣.\n(٥) سورة الانشقاق: الآية ٨.","vol":"10","page":350},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ بَشَّارٍ قَالَ: نَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>(٤) بَابٌ: في الْعِيَادَةِ</span>\n٣٠٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَعُودُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ فِيهِ الْمَوْتَ، قَالَ: \"قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ\"،\n===\n(قال أبو داود: وهذا لفظ ابن بشار قال: نا ابن أبي مليكة)، وأما لفظ مسدد فلعله: عن ابن أبي مليكة. فإن قلت: هذا مخالف لما تقدم: \"وهذا لفظه عن أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة \"، فإنه يدل على أن لفظ ابن بشار بلفظ عن ابن أبي مليكة، وهذا يدل على أن لفظ ابن بشار هو: حدثنا ابن أبي مليكة، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله في السند: \"وهذا لفظه\" المراد به أن لفظ متن الحديث لفظ ابن بشار، وما قال بعد تمام الحديث: \"هذا لفظ ابن بشار\" هو لفظه في السند قوله: \"حدثنا ابن أبي مليكة\".\n\n(٤) (بابٌ: في الْعِيَادَةِ) (١)\n٣٠٩٤ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: خرج رسول الله - ﷺ - يعود عبد الله بن أُبَيّ) المنافق (في مرضه الذي مات فيه، فلما دخل عليه عرف فيه الموت) أي علاماتها وآثارها.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (قد كنت أنهاك) أي أزجرك (عن حب يهود)\n_________\n(١) وبسط العيني الروايات الدالة على عيادة المريض بأشد البسط [انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ١٢ - ١٣)]. (ش).","vol":"10","page":351},{"text":"قَالَ: فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فَمَهْ؟ فَلَمَّا مَاتَ أَتَاهُ ابْنُهُ (١) فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ (٢)، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَدْ مَاتَ، فَأَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، فَنَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَمِيصَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. [حم ٥/ ٢٠١، ك ١/ ٣٤١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>(٥) بَابٌ: في عِيَادَةِ الذِّمِّيِّ</span>\n٣٠٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ- يَعْنِي ابْنَ زيدٍ -، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ: أَنَّ غُلَامًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ\n===\nوَحُبُّهم حملك على النفاق، فحينئذ تموت على النفاق، ولا ينجيك الإِسلام اللساني من عذاب الله. (قال) عبد الله: (فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فَمَهْ؟) أي فبغضهم لم ينفعه من الموت، ومنشأ هذا الجواب أن عبد الله لم يفهم ما قال له رسول الله - ﷺ -.\n(فلما مات أتاه) أي رسول الله - ﷺ - (ابنُه) عبد الله بن أبيّ، وكان مؤمنًا (فقال: يا نبي الله! إن عبد الله بن أبي قد مات؛ فأعطني قميصَك اُكَفِّنْه فيه، فنزع رسول الله - ﷺ - قميصَه فأعطاه) أي القميصَ (إياه) أي عبدَ الله بن عبد الله، وإنما أعطاه القميص تطييبًا لقلب عبد الله بن عبد الله، وقد علم - ﷺ - أن القميص لا ينفعه مع نفاقه، وقيل: أعطاه قميصًا بعوض ما أعطى القميصَ عباسًا، فأحب رسول الله - ﷺ - أن يكافئه في الدنيا.\n\n(٥) (بَابٌ: في عِيَادَةِ الذِّمِّيِّ) (٣)، هل يجوز؟\n٣٠٩٥ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد -يعني ابن زيد-، عن ثابت، عن أنس: أن غلامًا) قيل: اسمه عبد القدوس (من اليهود، كان مرض)،\n_________\n(١) في نسخة: \"أتى ابنه\".\n(٢) في نسخة: \"رسولَ الله\".\n(٣) ويجوز عيادة الذمي عندنا بالإجماع، كذا في \"الشامي\" (٩/ ٥٥٦)، وعن أحمد فيه روايتان، كذا في \"الشرح الكبير\" (٢/ ٤١٠). (ش).","vol":"10","page":352},{"text":"فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأسِهِ (١)، فَقَالَ لَهُ: \"أَسْلِمْ\"، فَنَظَرَ إِلَى أَبيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ (٢): أَطِع أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَقَامَ الَنَّبِيُّ - ﷺ - وَهُوَ يَقُولُ: \"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذهُ بِي مِنَ النَّارِ\". [خ ٥٦٥٧، حم ٣/ ٢٨٠، ق ٣/ ٣٢٣]\n===\nوفي رواية البخاري: \"كان يخدم النبي - ﷺ - فمرض\".\n(فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، فقعد) رسول الله (عند رأسه) أي رأسِ الغلام (فقال له) أي للغلام: (أَسْلِمْ) والظاهر أنه كان عاقلًا (فنظر) أي الغلام (إلى أبيه، وهو عند رأسه) أي كان أبوه عند رأس الغلام (فقال له أبوه: أَطِعْ أبا القاسم) - ﷺ - (فأسلم، فقام النبي - ﷺ - وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي) أي بسببي (من النار).\nوهذا الحديث يدل على أن إيمان الصبيان معتبر صحيح، ولو لم يسلموا عُذِّبوا. قال الحافظ (٣): وفي الحديث جواز استخدامِ المشرك، وعيادتِه إذا مرض، وفيه حسنُ العهد، واستخدامُ الصغير، وعرضُ الإِسلام على الصبي، ولولا صحته منه ما عرضه عليه، وفي قوله: \"أنقذه بي من النار\" دلالة على أنه صح إسلامه، وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يُعَذَّب، انتهى.\nقلت: ومسألة أطفال المشركين خلافية لاختلاف الأدلة الواردة فيها، ولهذا توقف فيه إمام الأئمة الإِمام الأعظم - رحمه الله تعالى-، وفصَّله الحافظ في \"فتح الباري\" في \"باب أولاد المشركين\" (٤).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فعرض عليه الإسلام\".\n(٢) في نسخة: \"أبواه\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢١).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٢٤٦ - ٢٥٠).","vol":"10","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1177>(٦) بَابُ الْمَشْيِ في الْعِيَادَةِ</span>\n٣٠٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عن سُفْيَانَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلًا (١) وَلَا بِرْذَوْنًا\". [خ ٥٦٦٤، ت ٣٨٥١، حم ٣/ ٣٧٣، السنن الكبرى ٧٥٠١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>(٧) بَابٌ: في فَضْلِ الْعِيَادَةِ </span>(٢)\n٣٠٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، نَا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحِ بْنِ خُلَيْدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ\n===\n\n(٦) (بابُ الْمَشْيِ)، أي على الأرجل (في الْعِيَادَةِ)\n٣٠٩٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: كان النبي - ﷺ - يعودني ليس براكب (٣) بغلًا ولا برذونًا) بكسر موحدة وفتح معجمة: الدابة لغة، وخصه العرف بنوع من الخيل، وهو التركي من الخيل خلاف الأعراب، والبراذين جمعه، \"مجمع\" (٤).\n\n(٧) (بابُّ: في فَضْلِ الْعِيَادَةِ) على وضوء\n٣٠٩٧ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا الربيع بن روح بن خليد) الحضرمي، أبو روح اللاحوني الحمصي، قال أبو حاتم: كان ثقة خيارًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (نا محمد بن خالد) بن محمد، ويقال: ابن موسى\n_________\n(١) في نسخة: \"براكب بغل ولا برذون\".\n(٢) زاد في نسخة: \"على وضوء\".\n(٣) ما ترجم به المصنف عليه حمل الجمهور الحديث، وأيده القاري في \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٣١) برواية البخاري: \"مرضت، فأتاني النبي - ﷺ - وأبو بكر، وهما ماشيان ... \"\nالحديث، وحمله بعضهم على أنه كان راكبًا على غير البغل والبرذون. (ش).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٧٠).","vol":"10","page":354},{"text":"قَالَ: نَا الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَم الْوَاسِطِيُّ، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ (١) خَرِيفًا\".\nقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، وَمَا الْخَرِيفُ؟ قَالَ: الْعَامُ (٢).\n٣٠٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ،\n===\nالوهبي، أبو يحيى بن أبي مخلد الحمصي، عن أبي داود: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: ثقة.\n(قال: نا الفضل بن دلهم الواسطي، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: من توضأ فأحسن الوضوء) أي أتى به كاملًا مسبغًا (وعاد أخاه المسلم محتسبًا) أي طالبًا للأجر والثواب (بُوْعد) صيغة مجهول من المباعدة (من جهنم مسيرة سبعين خريفًا). قال ثابت: (قلت: يا أبا حمزة) كنية لأنس بن مالك (وما الخريف؟ قال: العام).\n(قال أبو داود: والذي تفرد به البصريون منه العيادةَ وهو متوضئ) أي لم يروه إلا البصريون، وهم أنس بن مالك وثابت البناني وفضل بن دلهم، والنسخة المصرية والمكتوبة الأحمدية والمكتوبة المدنية خالية عن هذه العبارة.\n٣٠٩٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن الحكم) بن عتبة (٣)،\n_________\n(١) في نسخة: \"ستين\".\n(٢) زاد في نسخة على الحاشية: قال أبو داود: واسطي ضعيف، وهو منكر وليس صاحبه برضا، كان قصارًا بواسط. هذا في رواية أبي الحسن ابن العبد.\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: عتيبة، ولم يذكر الحافظ في \"التهذيب\" راويًا اسمه الحكم بن عتبة، وكذلك ذكر المزي هذا الحديث في ترجمة الحكم بن عتيبة من تلاميذ عبد الرحمن بن أبي ليلى. [انظر: \"التحفة\" رقم (١٠٢١١)]، وكذا في \"مسند أحمد\" رقم (٦١٢).","vol":"10","page":355},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيف في الْجَنَّةِ\". [حم ١/ ١٢١، ق ٣/ ٣٨١]\n٣٠٩٩ - حَدَّثنا من عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: نَا الأَعْمَشُ، عن الْحَكَمِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَرِيفَ. [جه ١٤٤٢، حم ١/ ٨١، ك ١/ ٣٤٩، ق ٣/ ٣٨٠]\n===\n(عن عبد الله بن نافع) الكوفي، أبو جعفر، مولى بني هاشم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووقع في رواية ابن جرير: \"وكان غلامًا للحسن بن علي - ﵄-\"، ذكر الحافظ في \"التهذيب\" (١) روايته عن الحسن بن علي وأبي موسى الأشعري، ولم يذكر روايته عن علي - ﵁ -.\n(عن علي) - ﵁ - (قال: ما من رجل يعود مريضًا ممسيًا) أي وقت المساء، وهو من الزوال إلى الغروب (إلَّا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف). قال في \"المجمع\" (٢): أي مخروف (في) ثمار (الجنة، ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف ملك، يستغفرون له حتى يمسي، وكان له خريف في الجنة)، والحديث موقوف على علي - ﵁ -.\n٣٠٩٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية قال: نا الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي) - ﵁ -، (عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (ولم يذكر الخريفَ).\nحاصله: أن الحديث المرفوع اقتصر فيه على ذكر خروج الملائكة سبعين ألفًا حتى يصبح، ولم يذكر فيه: \"وكان له خريف في الجنة\".\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٥٢).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٤).","vol":"10","page":356},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَنْصُورٌ عن الْحَكَمِ أَبِي حَفْص، كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ.\n===\n(قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَنْصُورٌ عن الْحَكَمِ أَبِي حَفْص، كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ) أي موقوفًا، والذي عندي في معنى هذا الكلام أن شعبة ومنصورًا رويا عن الحكم موقوفًا على علي - ﵁ -، وروى الأعمش عن الحكم مرفوعًا، فالموقوف محفوظ، وقال صاحب \"العون\" (١) في معنى هذا الكلام: ورواه منصور عن الحكم، أي بذكر الخريف كما رواه شعبة.\nقلت: وهذا بعيد؛ فإن الأهم عند المحدثين أن يتكلموا في السند، ولم أجد رواية منصور عن الحكم فيما عندي من كتب الحديث، وقد رواه أحمد الإِمام في \"مسنده\" بأسانيد مختلفة، أكثرها مرفوعًا، وبعضها موقوفًا.\nفروى عن عبد الله بن يزيد، ثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الله بن نافع قال: عاد أبو موسى الأشعري الحسنَ بن علي - ﵄-، فقال له علي - ﵁ -: أعائدًا جئت أم زائرًا؟ فقال أبو موسى: بل جئت عائدًا، فقال علي - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من عاد مريضًا\" (٢)، الحديث، وهو مرفوع.\nثم أخرج من حديث محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الله بن نافع قال: عاد أبو موسى الأشعري الحسنَ بن علي بن أبي طالب - ﵄-، فقال له علي - ﵁ -: عائدًا جئت أم زائرًا؟ قال: لا، بل جئت عائدًا، قال علي - ﵁ -: \"أما إنه ما من مسلم يعود مريضًا إلا خرج معه سبعون ألف ملك\"، الحديث، وهذا موقوف.\nوأخرج (٣) مرفوعًا من حديث أبي معاوية، ثنا الأعمش، عن الحكم بن\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٨/ ٢٥١).\n(٢) \"مسند أحمد\" (١/ ١٢١) رقم (٩٧٤، ٩٧٥، ٦١٢).\n(٣) \"مسند أحمد\" (١/ ٨١) رقم (٦١٢).","vol":"10","page":357},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: جاء أبو موسى إلى الحسن بن علي يعوده، فقال له علي - ﵁ -: عائدًا جئت أم شامتًا؟ قال: لا، بل عائدًا، فقال له علي - ﵁ -: إن كنتَ جئتَ عائدًا فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا عاد الرجل أخاه المسلمَ مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غَمَرَتْه الرحمةُ، فإن كان غدوةً صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساءً صلَّى عليه ألف ملك حتى يصبح\"، وفيه ذكر الخريف على خلاف حديث أبي داود.\nوقد أخرج (١) في قصة أخرى في عيادة عمرو بن حُرَيث حسنَ بن علي - ﵄-، فقال علي - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - نحو هذا الحديث.\nوقد أخرج (٢) من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا سعيد بن سلمة -يعني ابن أبي الحسام-، ثنا مسلم بن أبي مريم، عن رجلى من الأنصار، عن علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"من عاد مريضًا مشى في خِراف الجنة\"، وهذان الحديثان مرفوعان.\nوقد أخرج الترمذي (٣) من حديث عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من أتى أخاه المسلم عائدًا مشى في خرافة الجنة حتى يجلس\"، الحديث، وهذا فيه ذكر الخرافة على خلاف رواية أبي داود.\nوزاد على حاشية النسخة المكتوبة القلمية:\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (١/ ١١٨) رقم (٩٥٥).\n(٢) \"مسند أحمد\" (١/ ١٣٨) رقم (١١٦٦).\n(٣) لم أجده في \"سنن الترمذي\" بهذا السند، نعم أخرجه ابن ماجه بهذا السند واللفظ (١٤٤٢).","vol":"10","page":358},{"text":"٣١٠٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن الْحَكَمِ، عن أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ - قَالَ: وَكَانَ نَافِعٌ غُلَامَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ- قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يَعُودُهُ.\nوَسَاقَ مَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُسْنِدَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ عن النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>(٨) بَابٌ: في الْعِيَادَةِ مِرَارًا</span>\n٣١٠١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"لَمَّا أُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ\n===\n٣١٠٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن أبي جعفر عبد الله بن نافع- قال: وكان نافع غلام الحسن بن علي- قال: جاء أبو موسى إلى الحسن بن علي يعوده، وساق معنى حديث شعبة. قال أبو داود: أُسند هذا عن علي، عن النبي - ﷺ - من غير وجه صحيح) وكتب بعد إيراد هذا الحديث: أورده في \"الأطراف\" (١)، ثم قال: حديث عثمان عن جرير في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره، ولم يذكره أبو القاسم.\n\n(٨) (بَابٌ: في الْعِيَادَةِ مِرَارًا)\n٣١٠١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما أصيب سعدُ بنُ معاذ يوم الخندق رماه رجل)، وفي رواية البخاري: \"رماه رجل من قريش يقال له: حِبّان بن العرقة\"، وهو اسم أمه، وهو حبان بن قيس من بني معيص بن عامر بن لؤي.\n_________\n(١) انظر: \"تحفة الأشراف\" رقم (١٠٢١١).","vol":"10","page":359},{"text":"في الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَيْمَةً في الْمَسْجِدِ ليَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ\". [خ ٤١٢٢، م ١٧٦٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>(٩) بَابُ الْعِيَادَةِ مِنْ الرَّمَدِ</span>\n٣١٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِيهِ، عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: \"عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنَيَّ\". [ق ٣/ ٣٨١]\n===\n(في الأكحل) بفتح الهمزة والمهملة، وبينهما كاف ساكنة، وهو عرق في وسط الذراع، قال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال: إن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل، وفي الظهر الأبهر، وفي الفخذ النَّساء، وإذا قطع لم يرقأ الدم.\n(فضرب عليه رسول الله - ﷺ - خيمة في المسجد ليعوده من قريب)، والحديث طويل اقتصر المصنف منه على قدر الترجمة، وتمامه في \"مغازي البخاري\" (١).\n\n(٩) (بَابُ الْعِيَادَةِ مِنَ الرَّمَدِ)\n٣١٠٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا حجاج بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله - ﷺ - من وجع كان بعيني).\nقال القاري (٢): قال في \"الأزهار\": وفيه بيان استحباب العيادة وإن لم يكن المرض مخوفًا كالصداع ووجع الضرس، وأن ذلك عيادة، حتى يحوز بذلك أجر العيادة، ويحنث به خلافًا للشيعة. أقول: وروي عن بعض الحنفية أن العيادة في الرمد ووجع الضرس خلاف السنَّة، والحديث يرده،\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" رقم (٤١٢٢).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٩، ٣٠).","vol":"10","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1181>(١٠) بَابُ الْخُرُوجِ مِنَ الطَّاعُون</span>\n٣١٠٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شَهَابٍ،\n===\nولا أعلم من أين تيسر لهم الجزم بأنه خلاف السنَّة مع أن السنَّة خلافه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وقد ترجم عليه أبو داود في \"سننه\" فقال: \"باب العيادة من الرمد\"، ثم أسند الحديث والله الهادي.\nأقول: يُحْمَلُ [قوله]: \"خلاف السنَّة\" على السنَّة المؤكدة، ولا يرد الحديث؛ إذ ليس فيه تصريح منه بأنه عيادة، بل يحتمل أن يكون زيارة، وإنما قال الصحابي على زعم أنه عيادة، أو على أنه مشابه بالعيادة فأطلقه مجازًا.\nقال في \"شرعة الإِسلام\": ومن السنَّة المؤكدة أن يعود أخاه فيما اعتراه، أي أصابه من المرض إلَّا في ثلاثة أمراض: صاحب الرمد، والضرس، والدمل، قال الشارح: وبتقييدنا السنَّةَ بالمؤكدة يندفع ما يُتَوَهَّم من المخالفة بين ما ذكر المصنف وبين ما ذكر في \"المصابيح\" من أن زيد بن أرقم قال: عادني النبي - ﷺ - من وجع كان بعيني، فإنه محمول على أنه من السنن غير المؤكدة (١)، وخلاصة الكلام أنه لا يلزم فيها العيادة، لا أنه منهي عنها، انتهى.\n\n(١٠) (بَابُ الْخُرُوجِ) (٢) من بلده (مِنَ الطَّاعُون)\n٣١٠٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب،\n_________\n(١) قال القسطلاني: سواء عندنا الرمد وغيره ... إلخ. [انظر: \"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٤٢)]. (ش).\n(٢) بسط الكلام عليه الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ١٣٨)، وحفق صاحب \"مجالس الأبرار\" (ص ٣٧٠): أنه لا يجوز الدعاء لرفعه؛ لأنه لدعوة نبينا ﵊ إذ قال: \"اللهم اجعل هلاك أمتي بالطعن والطاعون\". [انظر: \"المستدرك\" رقم (٢٤٦٢)]، وفي الطاعون تصانيف مستقلة، منها رسالة اسمها: \"ما أورد الساعون في أخبار الطاعون\" لعبد الهادي، ذكر فيها بداية هذا المرض وتواريخ الأمراض الشديدة.","vol":"10","page":361},{"text":"عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنٍ بنِ زيدِ بْنِ الْخَطَّاب، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نوْفَلٍ، عن عَبْدِ الَلَّةِ بْنِ عَبَّاسٍ (١) قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا سمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تُقْدِمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ\n===\nعن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب) العدوي، أبو عمر المدني، استعمله عمر بن عبد العزيز على الكوفة، وقيل: عداده في أهل الجزيرة، قال العجلي والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال أبو بكر بن أبي داود: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس قال: قال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا سمعتم به) أي بالطاعون (بأرض) أي وقع بأرض (فلا تقدموا عليه) بضم التاء من الإقدام، وفي بعض النسخ بفتح التاء والدال، والمحفوظ ضم التاء (وإذا وقع بأرض\n_________\n= وحكى فيه عن الأسلاف أن المطعون شهيد وإن كان فاسقًا، وحكى عن تاج الدين السبكي أن الفرار منه سبب لقصر العمر، واستنبطه من قوله عز اسمه: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦]، وأيده بالتجربة، وذكر الآثار عن الصحابة في دعائهم بالموت بالطاعون، وحكى مذهب الأئمة الثلاثة حرمة الفرار عنه، وعن مالك الكراهة، انتهى.\nووجه عدم دخولها المدينةَ المنورةَ أن الطاعون أثر وخزة الجن الكفرة، وهم ممنوعون عن دخول المدينة المنورة، وذكر الأدوية والأدعية له، فارجع إلى الأصل فإنها رسالة مفيدة في ذلك.\nوهل يجوز له القنوت؟ قال صاحب \"الأشباه والنظائر\" (٣/ ٢٤٠): نعم، وصاحب \"المجالس\": لا، وهل يؤذن له؟ مقتضى ما في \"الأوجز\" (١٥/ ٦٨٤): نعم، وفي \"الفتاوى الرشيدية\" (ص ١٦٧): لا يسن ولم يثبت. (ش).\n(١) زاد في نسخة: أن عمر بن الخطاب جاء إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا عليه. فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علمًا.","vol":"10","page":362},{"text":"وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ- يَعْيي الطَّاعُونَ-\". [خ ٥٧٣٠، م ٢٢١٨]\n===\nوأنتم بها) أي بالأرض (فلا تخرجوا فرارًا (١) منه - يعني الطاعون-).\nقال الطيبي (٢): فيه أنه لو خرج لحاجة فلا بأس به، وقال بعضهم: الطاعون لما كان عذابًا نهى عن الإقدام، فإنه تهوُّر وإقدام على الخطر، والعقل يمنعه، ونهى عن الفرار أيضًا، فإن الثبات فيه تسليم لما لم يسبق منه اختيار فيه، ويحتمل أنه كره ذلك لما فيه من تضييع المرضى والموتى لو تحول الأصحاء عنهم، وقال القاضي: في الحديث النهي عن استقبال النبلاء فإنه تهور، وعن الفرار فإنه فرار عن القدر، ولا ينفعه، قال الخطابي (٣): أحد الأمرين تأديب وتعليم، والآخر تفويض وتسليم، انتهى، قاله القاري.\nوقد أخرج البخاري عن عائشة - ﵂ - قالت: \"سألت رسول الله - ﷺ - عن الطاعون، فأخبرني: أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله ﷿ جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعونُ، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلَّا كان له مثل أجر شهيد\" (٤).\nوأخرج الشيخان (٥)، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الطاعون رجز أُرْسِلَ على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه\".\n_________\n(١) وفي \"الدر المختار\" (٦/ ٧٥٧): إن عَلِمَ أن كل شيء بقدر الله تعالى، فلا بأس بأن يدخل ويخرج، وإلا فيكره، وعليه حمل الحديث. وفي \"مجالس الأبرار\": اختلفوا فيه على أقوال: منها أنه تعبدي لا يعقل؛ لأن الفرار من المهالك مأمور به، ويقال: قلما فرَّ أحد من الطاعون فسَلِمَ، وهو مجرب، ويستنبط من قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ﴾ [الأحزاب: ١٦]. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٨)، وانظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٠٢).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٢٩٩).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٣٤٧٤، ٣٤٧٣).\n(٥) \"صحيح مسلم\" (٢٢١٨).","vol":"10","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1182>(١١) بَابُ الدُّعَاءِ لِلمَرِيضِ بِالشِّفَاءِ عِنْدَ العِيَادَةِ</span>\n٣١٠٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا الْجُعَيْدُ، عن عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهَا قَالَ: \"اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ، فَجَاءَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُنِي، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ\". [خ ٥٦٥٩، حم ١/ ١٧١، ق ٣/ ٣٨١]\n===\nوالطاعون قيل: الوباء والمرض العام الذي يُفْسِد الهواءَ، فتفسد به الأمزجة والأبدان، وقال النووي (١): الطاعون قروح تخرج في الجسد، فتكون في المرافق أو الآباط أو الأيدي أو الأصابع أو سائر البدن، ويكون معه ورم وأم شديد، وتخرج تلك القروح مع لهيب، ويسود مع حواليه أو يخضرّ أو يحمرّ حمرة شديدة بنفسجية كُدْرَة، يحصل منها خفقان القلب والقيء.\n\n(١١) (بَابُ الدعَاءِ لِلْمَرِيضِ بِالشِّفَاءِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ)\n٣١٠٤ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا مكي بن إبراهيم، نا الجعيد)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": الجعد بن عبد الرحمن بن أوس، ويقال: أويس الكندي، ويقال: التميمي، وقد يُنْسَبُ إلى جده، ويقال له: الجعيد أيضًا، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن المديني: لم يرو عنه مالك، قال الساجي: أحسبه لصغره.\n(عن عائشة بنت سعد) بن أبي وقاص (إن أباها قال: اشتكيت بمكة، فجاءني رسول الله - ﷺ - يعودني، ووضع يده على جبهتي، ثم مسح صدري وبطني، ثم قال: اللهم اشْفِ سعدًا، وأتمم له هجرته)، وكان سعد ممن هاجر إلى المدينة، فكره رسول الله - ﷺ - أن يموت في موضع هاجر منها، فيكون نقصانًا\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٤٦٦).","vol":"10","page":364},{"text":"٣١٠٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِير قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِي\". [خ ٥٣٧٣، حم ٤/ ٣٩٤، ق ٣/ ٣٧٩]\nقَالَ سُفْيَانُ: وَالْعَافي: الأَسِيرُ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>(١٢) بَابُ الدُّعَاءِ لِلمَرِيضِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ</span>\n٣١٠٦ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ يَحْيَى، نَا شُعْبَةُ، نَا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ،\n===\nفي الهجرة، فاستجاب الله دعاء رسوله فشفاه، ثم مات بعد ذلك بسنين، سنة خمس وخمسين في المدينة بعد ما فتح العراق، وبني الكوفة.\n٣١٠٥ - (حدثنا ابن كثير قال: أنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: أطعموا الجائع) وهو سنة إن لم يصل حَدَ الاضطرار، وفرض على الكفاية إن وصل إن لم يتعين. (وعودوا (٢) المريض). قال ابن بطال (٣): يحتمل أن يكون الأمر للوجوب على الكفاية، ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة، وجزم الداودي بالأول، وقال الجمهور: هي في الأصل للندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض (وفكّوا العاني، قال سفيان: والعاني الأسير) أي المسلم المحبوس عند الكفار، وكذا المحبوس ظلمًا، فيجب على المسلمين إنقاذه بالفدية.\n\n(١٢) (بَابُ الدُّعَاء لِلْمَرِيضِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ)\n٣١٠٦ - (حدثنا الربيع بن يحيى، نا شعبة، نا يزيد أبو خالد) بن\n_________\n(١) قال المزي بعد إيراده رقم (٩٠٠١): هو في رواية ابن العبد وابن داسه.\n(٢) وبإطلاقه يرد على من قال: العيادة بعد ثلاث، كما حكاه العيني عن بعضهم، والجمهور على الأول. [انظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٤٥)]. (ش).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٢، ١١٣).","vol":"10","page":365},{"text":"عن الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرو، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ الله الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ اللَّه مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ\". [ت ٢٠٨٣، سي ١٠٤٨، حم ١/ ٢٣٩، ك ١/ ٣٤٢]\n٣١٠٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، نَا ابْنُ وَهْب، عن حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن (١) الْحُبُلِيِّ، عن ابْنِ (٢) عَمْرٍو قَال: قَالَ\n===\nعبد الرحمن الدالاني الأسدي الكوفي، (عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: من عاد مريضًا لم يحضر أجلُه) أي موته (فقال عنده سبع مرار: أسأل الله العظيمَ ربَّ العرش العظيم أن يشفيك، إلَّا عافاه الله من ذلك المرض).\nكتب على حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية: كأن ذكر كلمة \"إلا\" مبني على أن التقدير: فلم يقل ذلك، عافاه الله، أو أن كلمة \"من\" للاستفهامِ الإنكاري، فيرجع إلى معنى النفي، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٤).\n٣١٠٧ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا ابن وهب، عن حُيَي) بضم أوله وياءين المنقوطتين من تحت الأولى مفتوحة (ابن عبد الله) بن شريح المعافري الحبلّي، أبو عبد الله المصري، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بالقوي، قال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن الحبلّي) أبي عبد الرحمن، (عن ابن عمرو قال: قال\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبي عبد الرحمن\".\n(٢) في نسخة: \"عبد الله بن عمرو\".\n(٣) سورة الرحمن: الآية ٦٠.\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٥٥.","vol":"10","page":366},{"text":"النبي - ﷺ -: \"إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، يَنْكَأ لَكَ عَدُوًّا، أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جَنَازَةٍ\" (١) [حم ٢/ ١٧٢، ك ١/ ٣٤٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>(١٣) بَابُ كَرَاهِيَّةِ تَمَنِّي الْمَوْت</span>\n٣١٠٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ\n===\nالنبي - ﷺ -: إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقل: اللهم اشْفِ عبدَك ينكأ) أي يجرح (لك) أي لمرضاتك (عدوًا، أو يمشي لك إلى جنازة) ذكر فعلين، أحدهما من أعالي الأفعال وهو نكاية العدو، والمراد به الجهاد، والثاني من أدانيها، وهو المشي إلى الجنازة، وهو على الاستحباب بالكفاية.\nقال في \"القاموس\" (٢) في الناقص اليائي: نكى العدوِّ، وفيه، نكايةً: قَتَلَ، وَجَرَحَ، والقَرْحَةَ: نَكَأَهَا، وقال في المهموز: نَكَأ القَرْحَةَ، كمنع: قَشَرَهَا قبل أن تَبْرَأَ فَنَدِيَتْ، وَالعَدُوَّ: نَكَأَهم.\nوقال في \"المجمع\" (٣): أو ينكي لك عدوًا، من نكيت في العدو أنكي، إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، وقد يهمز لغة [فيه]، يقال: نكأت القرحة إذا قشرتها، ينكأ بالجزم جوابًا للأمر، وبالرفع استئنافًا، وجمع بينهما، فإن الأول: كدح في العقاب على عدو الله، والثاني: سعي في إيصال الرحمة إلى ولي الله، وصوب القاضي غير المهموز؛ لأن المهموز من نكأت القرحة، وليس هذا موضعه إلا على تجوز.\n\n(١٣) (بابُ كَرَاهِيَّةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ)\n٣١٠٨ - (حدثنا بشر بن هلال، ثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وقال ابن السرح: إلى صلاة\".\n(٢) \"ترتيب القاموس المحيط\" (٤/ ٤٤١، ٤٣٤).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٨٠٨).","vol":"10","page":367},{"text":"صُهَيْبٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَدْعُوَنَّ أَحَدُكُم بالْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لي، وَتَوَفَّني إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لي\". [خ ٦٣٥١، م ٢٦٨٠، ت ٩٧١، ن ١٨٢٠، جه ٤٢٦٥، حم ٣/ ١٠١]\n٣١٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو دَاوُدَ (١)، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ\n===\nصهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يدعوَنّ أحدكم بالموت لِضُرّ) (٢) بضم المعجمة، أي لمرض، أو فاقة، أو محنة من عدو، أو نحو ذلك من مشاق الدنيا (نزل به)، وأما إذا خاف ضررًا في دينه فلا كراهية فيه لمفهوم هذا الحديث، وقد فعل هذا كثيرون من السلف (٣) عند خوف الفتنة في أديانهم، وإنما نهى عن الدعاء بالموت لأنه يدل على الجزع في البلاء وعدم الرضاء بالقضاء.\n(ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة) أي مدة بقائها (خيرًا لي) أي من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة خالية عن الفتنة والمحنة (وتوفني) أي أمتني (إذا كانت الوفاة خيرًا لي) أي من الحياة بأن يكون الأمر عكس ما تقدم.\n٣١٠٩ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو داود، نا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن النبي - ﷺ - قال: لا يتمنين أحدكم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني الطيالسيّ\".\n(٢) فلا يرد عليه من تمناه للقاء الحبيب المحبب كقوله ﵊: \"اللَّهمَّ ألحقني بالرفيق الأعلى\"، [أخرجه البخاري برقم (٤٤٤٠)]، ومثله ما حكى النووي في \"تهذيبه\" (١/ ٢/ ١٠٠) من تمني معاذ بن جبل، وقوله: \"مرحبًا بالموت\"، وكذا من تمناه، كما في \"الأوجز\" (٤/ ٦٠٩) - (ش).\n(٣) وحكاه الحافظ (١٠/ ١٢٨) عن عمر وعبس الغفاري وعمر بن عبد العزيز - ﵃- وغيرهم، واستنبط أن التمني للفتن في الدين محمود.","vol":"10","page":368},{"text":"الْمَوْتَ\" فَذَكَرَ مِثْلَهُ. [انظر مَا قبله]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>(١٤) بابٌ: في الْفَجْأةِ</span>\n٣١١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، نَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، أَوْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عن عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ- رَجُلٌ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ مَرَّةً: عن النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ مَرَّةً: عن عُبَيْدِ، قَالً: \"مَوْتُ الْفُجَاءَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ\". [حم ٣/ ٤٢٤، ق ٣/ ٣٧٨]\n===\nالموتَ، فذكر مثله) أي مثل الحديث المتقدم.\n\n(١٤) (بابٌ: في مَوْتِ الْفَجْأَةِ)\nبضم الفاء والمد، أو بفتح الفاء وإسكان الجيم بلا مد، أي: الموت بغتة\n٣١١٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، عن منصور، عن تميم بن سلمة) السلمي الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وله أحاديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (أو سعد بن عبيدة) مصغرًا، السلمي، أبو ضمرة الكوفي، وكان ختن عبيد بن خالد على ابنته، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج، ثم تركه، يُكتَبُ حديثه، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: تابعي، ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، و\"أو\" للشك من شعبة.\n(عن عبيد بن خالد السلمي) البهزي، أبو عبد الله الكوفي (رجل من أصحاب النبي - ﷺ -) روى له أبو داود حديثين، والنسائي أحدَهما (قال) مسدد (مرة: عن النبي - ﷺ -، ثم قال مرة: عن عبيد) أي رفعه مرة وأوقفه أخرى.\n(قال: موت الفجاءة) أي بغتة بلا سبب ظاهر (أخذة أسفٍ) بفتح السين وكسرها، فبالفتح معناه: أخذة غضب، وبالكسر معناه: أخذة غضبان، فمعنى الكلام موت الفجاءة أثر غضبه تعالى حيث لم يتركه للتوبة وإعداد زاد الآخرة،","vol":"10","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1186>(١٥) بابٌ: في فَضْلِ مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُون</span>\n٣١١١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتيكٍ، عن عَتيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتيكٍ - وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو أُمِّهِ- أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَ عَمَّهُ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ، فَصَاحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: \"غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ\"، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ،\n===\nولم يمرضه ليكفِّر ذنوبه، ولذلك تعوذ - ﷺ - من موت الفجاءة، ولكن جاء أنه في حق الكافر كذلك، وفي حق المؤمنين رحمة؛ لأن المؤمن غالبًا مستعد لحلوله، فيريحه من نصب الدنيا (١).\n\n(١٥) (بابٌ: في فَضْلِ مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُون)\n٣١١١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن عتيك) مكبرًا (ابن الحارث بن عتيك (الأنصاري المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (وهو) أي عتيك بن الحارث (جد عبد الله بن عبد الله، أبو أمه) أي جده الفاسد (أنه) أي عتيك بن الحارث (أخبره) أي عبد الله بن عبد الله (أن عمه) أي عم عتيك بن الحارث وهو (جابر بن عتيك أخبره: أن رسول الله - ﷺ - جاء يعود عبدَ الله بن ثابت) بن قيس الأنصاري، مات في عهد النبي - ﷺ - (فوجده قد غُلِب) أي غشي عليه (فصاح به رسولُ الله - ﷺ - فلم يجبه، فاسترجع رسولُ الله - ﷺ -) أي قال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾\n(وقال: غُلِبْنا عليك) أي صرنا مغلوبين لأمر الله تعالى وقضائه وقدره بموتك (يا أبا الربيع! فصاح النسوة) بالبكاء (وبكين،\n_________\n(١) وقد ذكر صاحب \"تفريح الأذكياء في تاريخ الأنبياء\": وورد أيضًا: \"موت الفجأة راحة المؤمن\"، - وقد توفي فجأةً إبراهيمُ وداودُ وسليمانُ ﵈، انتهى. (ش).","vol":"10","page":370},{"text":"فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ (٢) فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ\". قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الْمَوْتُ\"، قَالَتِ ابْنَتُهُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ تكُون شَهِيدًا فَإِنَّكَ قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الله ﷿ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ \"، قَالُوا: الْقَتْلَ في سَبِيلِ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ في سبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ،\n===\nفجعل ابنُ عتيك يُسْكِتُهنَّ) أي يمنعهن من البكاء.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: دعهن) لأن بكاءهن لم يبلغ حدَّ النياحة (فإذا وجب) أي مات (فلا تبكِيَنَّ باكية، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت، قالت ابنته) ولم أقف على تسميتها: (الله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدًا فإنك قد كنتَ قضيتَ) أي أعددت وأتممت (جهازك) أي أسباب جهازك.\n(قال رسول الله - ﷺ -: إن الله ﷿ قد أوقع أجره) أي أعطاه أجره (على قدر نيته) فإنه لما قضى جهازه ونوى الجهاد في سبيل الله والقتل فيه، فأعطاه الله ثواب الشهادة، ثم قال رسول الله - ﷺ -: (وما تعدون الشهادة؟) أي أيّ شيء تعدون سببَ الشهادة (قالوا: القتل) بالنصب، أي نعد الشهادةَ القتلَ (في سبيل الله)، أو بالرفع، أي هو القتل في سبيل الله.\n(قال رسول الله - ﷺ -: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله (٣): المطعون) أي الذي مات في الطاعون (٤) (شهيد) أي أحدها، وثانيها\n_________\n(١) في نسخة: \"يسكنهن\".\n(٢) في نسخة: \"وجبت\".\n(٣) وقد ورد في الحديث أكثر من خمسين، بسطت في \"الأوجز\" [انظر: (٤/ ٥٤٢، ٥٤٨)]. (ش).\n(٤) قيل ما الطاعون؟ قال: \"وخز أعدائكم من الجن\" [انظر: \"الأوجز\" (١٥/ ٦٦٩)]. (ش).","vol":"10","page":371},{"text":"وَالْغَرِقُ (١) شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ (٢) شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ\" (٣). (٤) [ن ١٨٤٦، جه ٢٨٠٣، ط ١/ ٢٣٣/ ٣٦، حم ٥/ ٤٤٦]\n===\n(الغرق) بكسر الراء، أي الغريق (شهيد، وصاحب ذات (٥) الجنب شهيد، والمبطون) أي الذي مات في مرض استطلاق البطن (شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم) أي الحائط المنهدم ونحوه (شهيد، والمرأة تموت بجُمع شهيد) وفي النسخة المصرية \"شهيدة\" بالتاء.\nوكتب على حاشية القلمية الأحمدية: قال الخطابي (٦): هو أن تموت وفي بطنها ولد، زاد في \"النهاية\" (٧): وقيل: أو تموت بكرًا (٨)، قال: والجُمْع بضم: بمعنى المجموع، كالذُّخْر بمعنى المَذْخُور، وكسر الكسائي الجيمَ، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غيرَ منفصل عنها، من حَملٍ أو بكارةٍ، انتهى، قال النووي (٩): ضم جيمه أشهر الثلاثة.\n_________\n(١) في نسخة: \"الغريق\".\n(٢) في نسخة: \"الحرق\".\n(٣) في نسخة: \"شهيدة\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الجمع: أن يكون ولدها معها\".\n(٥) مرض معروف. وهي قروح في الجنب تنفجر إلى داخل. [انظر: \"المرقاة\" (٤/ ٣٩)]. (ش).\n(٦) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٣٠١).\n(٧) \"النهاية\" (١/ ٢٩٦).\n(٨) وقيل: أو تموت بسبب الولد، وقيل: تموت بمزدلفة، وهو خطأ ظاهر، كما في \"الأوجز\" (٤/ ٥٤٤). (ش).\n(٩) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٧٢).","vol":"10","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1187>(١٦) بَابُ الْمَرِيضِ يُؤْخَذُ مِنْ أَظْفَارِهِ وَعَانَتِهِ</span>\n٣١١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَا ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ،\n===\n\n(١٦) (بابُ الْمَرِيضِ يُؤْخَذُ)، وعلى حاشية النسختين القلميتين: يتعاهد (مِنْ أَظْفَارِهِ وَعَانَتِهِ)\n٣١١٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا إبراهيم بن سعد، أنا ابن شهاب، أخبرني عمر بن جارية الثقفي حليف بني زهرة)، هكذا في جميع النسخ الموجودة المصرية والكانفورية والنسختين المكتوبتين: \"عمر\" بغير الواو، وفي كتب الرجال من \"التقريب\" (١)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢)، و\"الخلاصة\" (٣)، و\"الجمع بين رجال الصحيحين\": \"عمرو\"، ووقع في \"البخاري\" في \"باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان\": عن الزهري، عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي بالواو.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): قوله: عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي: هكذا يقول معمر، ووافقه شعيب وآخرون، وإبراهيم بن سعد يقول: عن الزهري، عن عمر بضم العين، عن معن (٥) بن عيسى عنه، وكذا قال الطيالسي عن إبراهيم، وبذلك جزم الذهلي في \"الزهريات\"، لكن وقع في غزوة بدر عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد: \"عمرو\" بفتح العين، وأخرجه أبو داود عن موسى المذكور، فقال: عمر، وكذا قال ابن أخي الزهري ويونس\n_________\n(١) \"التقريب\" رقم (٥٠٧٤).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤١).\n(٣) \"الخلاصة\" للخزرجي (ص ٢٨٩).\n(٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٨٠).\n(٥) في الأصل: \"معان\"، وهو تحريف، والصواب: \"معن بن عيسى\"، كما في \"فتح الباري\".","vol":"10","page":373},{"text":"وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِيِ هُرَيْرَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"ابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نوْفَلٍ خُبَيْبًا،\n===\nمن رواية الليث عنه، عن الزهري، عن عمر، قال البخاري في \"تاريخه\": \"عمرو\" أصح، وقد ذكرت ما فيه في غزوة بدر، انتهى.\nوقال (١) في غزوة بدر: قوله: أخبرني عمرو بن جارية بالجيم، وفي رواية الكشميهني: عمرو بن أبي أسيد بن جارية، وكذا للأصيلي، ونسب إلى جده، بل هو جد أبيه؛ لأنه ابن أسيد بن العلاء بن جارية، ووقع في غزوة الرجيع: عمرو بن أبي سفيان، وهي كنية أبيه أسيد، وأسيد بفتح الهمزة للجميع، وأكثر أصحاب الزهري [قالوا]: فيه: \"عمرو\" بفتح العين، وقال بعضهم: \"عمر\" بضم العين، وكذا وقع في الجهاد في \"باب هل يستأسر الرجل\" للأكثر: عمرو، أما النسفي وأبو زيد المروزي فلم يسمياه، فقالا: ابن أسيد، وقال ابن السكن: في رواية: \"عمير\" بالتصغير، والراجح \"عمرو\" بفتح العين (٢).\n(وكان من أصحاب أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: ابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبًا)، وقصته (٣) أن رسول الله - ﷺ - بعث عشرة عينًا، فيهم خبيب بعد وقعة بدر، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحيّ من هذيل، يقال لهم: بنو لحيان، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلجأ عاصم وأصحابه إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فرموهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا، فنزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم، فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣١٠).\n(٢) وانظر أيضًا: \"تحفة الأشراف\" رقم (١٤٢٧١).\n(٣) تقدمت هذه القصة في \"باب الرجل يستأسر\".","vol":"10","page":374},{"text":"وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَلَسَ خُبيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا لِقَتْلِهِ (١)، فَاسْتَعَارَ مِنَ ابْنَةِ (٢) الْحَارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَتْهُ فَوَجَدَتْهُ مُخْلِيًا وَهُوَ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَي بِيَده، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا فِيهَا، فَقَالَ: أَتَخْشِينَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ (٣) ذَلِكَ\". [خ ٤٠٨٦، سنن النسائي الكبرى ٨٨٣٩، حم ٢/ ٢٩٤]\n===\n(وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فجلس) هكذا في النسختين المكتوبتين، وفي النسخة المصرية: \"فلبث\" (خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا) أي عزموا (لقتله، فاستعار) خبيب (من ابنة الحارث) قال الحافظ (٤): ووقع في \"الأطراف\" (٥): لخلف: أن اسمها زينب بنت الحارث (موسى) وهي آلة الحلق (يستحدّ بها) أي يحلق شعر عانته (فأعارته).\n(فدرج) أي ذهب إليه (بُنَيّ) تصغير ابن، قال الحافظ: ذكر الزبير بن بكار أن هذا الصبي هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي المحدث، وهو من أقران الزهري. (لها) أي لابنة الحارث (وهي غافلة حتى أتته) أي خبيبًا (فوجدته مخليًا) متفردًا (وهو) أي الابن (على فخذه) أي على فخذ خبيب (والموسى بيده، ففزعت فزعة) أي خافت خوفًا (عرفها) أي عرف خبيب الفزعةَ (فيها) أي في ابنة الحارث.\n(فقال) خبيب: (أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك).\n_________\n(١) في نسخة: \"قتله\".\n(٢) في نسخة: \"بنت\".\n(٣) في نسخة: \"أفعل\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٨٢).\n(٥) انظر: \"تحفة الأشراف\" رقم (١٤٢٧١).","vol":"10","page":375},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا (١) - يَعْيي لِقَتْلِهِ- اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>(١٧) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ عِنْدَ الْمَوْت</span>\n٣١١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي سُفْيَانَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ\n===\nقال الحافظ: وعند أبي الأسود عن عروة: فأخذ خبيب بيد الغلام، فقال: هل أمكن الله منكم؟ فقالت: ما هذا ظني بك، فرمى لها الموسى، وقال: إنما كنت مازحًا.\n(قال أبو داود: روى هذه القصة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عياض) بن عمرو بن عبد القاري الحجازي، روى عن ابنة الحارث قصة خبيب، ذكره العجلي في \"الثقات\"، وقال مالك: تابعي ثقة (أن ابنة الحارث أخبرته، أنهم) أي بنو الحارث بن عمرو (حين اجتمعوا يعني لقتله) أي خبيب (استعار منها موسى يستحدّ بها، فأعارته) وهذا تقوية لما وقع في حديث أبي هريرة من قصة استعارة موسى منها، وإعطائها إياه.\nومناسبة الحديث بالترجمة بأن المحبوس للقتل كالمريض، وكما استعار خبيب موسى للاستحداد، وهو محبوس للقتل، فكذلك المريض له أن يفعل ذلك.\n\n(١٧) (بَابُ مَا يُسْتَحَب مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ عِنْدَ الْمَوْتِ)\n٣١١٣ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن أبي سفيان) طلحة بن نافع (عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول\n_________\n(١) في نسخة: \"أجمعوا\".","vol":"10","page":376},{"text":"قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ، قَالَ: \"لَا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ\". [م ٢٨٧٧، جه ٤١٦٧، حم ٣/ ٣٢٥]\n===\nقبل موته بثلاث) أي بثلاث ليال (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (لا يموت أحدكم) أي لا يبلغ أحدُكم الموتَ (إلَّا) في حالة (وهو يحسن الظنَّ بالله) تعالى (١).\nقال الخطابي (٢): إنما يحسن بالله ظَنَّه من حسن عمله، فكأنه قال: أَحْسِنوا أعمالَكم يَحْسُنْ ظنُّكم بالله تعالى، إذ من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون أيضًا حسن الظن بالله من جهة الرجاء وتأميلِ عفوه ﷿. وقال الرافعي بـ \"تاريخ قزوين\" (٣): يجوز أنه ترغيب في توبة، وخروج عن مظالم، فإنه إن فعله حسن ظنه ورجا رحمته.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\" (٤): معنى تحسينه بالله أن يظن أنه تعالى يرحمه، ويرجوه، ويتدبر الآيات، والأحاديث الواردة في كرمه تعالى وعفوِه ورحمتِه وما وعده لأهل توحيده، وما يسره لهم من رحمته يوم القيامة، كما قال الله تعالى في الحديث الصحيح (٥): \"أنا عند ظن عبدي بي\"، هذا هو الصواب في معناه، وقاله جمهورهم، وشذّ الخطابي فذكر معه تأويلًا آخر: إن معناه: أحسِنوا أعمالَكم، وهو تأويل باطل نبهت عليه لئلا يغتر به، قاله في \"الدرجات\" (٦).\n_________\n(١) وفي معناه: \"من أحب لقاء الله\"، وقد أجاد في \"العَرف الشذي\" (ص ٣٥٥) في معناه. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٣٠١).\n(٣) انظر: \"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ١٣٨).\n(٤) \"المجموع\" (٥/ ١٠٨).\n(٥) أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٣٢).","vol":"10","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1189>(١٨) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَطْهِيرِ ثيَابِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ</span>\n٣١١٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن ابْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بثِيَابٍ جُدَدٍ فَلَبِسَهَا، ثُمّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْمَيِّتُ (١) يُبْعَثُ في ثِيَابِهِ الّتِي يَمُوتُ فِيهَا\". [ق ٣/ ٣٨٤، ك ١/ ٣٤٠]\n===\n\n(١٨) (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَطْهِيرِ ثِيَابِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ)\n٣١١٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا ابن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، أنه لما حضره الموت دعا بثياب جُدَدٍ) جمع جديد (فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي يموت فيها).\nقال الشيخ في \"اللمعات\" (٢): ظاهره أن أبا سعيد إنما لبس ثيابًا جددًا امتثالًا لظاهر هذا الحديث بأن المراد ظاهره، وهو أن البعث يكون في الثياب، واستشكل بأنه قد ورد في الحديث الصحيح: \" يُحْشَرُ الناسُ حفاة عراة\"، فأجاب بعضم: بأن البعث غير الحشر، وكأنه أراد أن البعث هو إخراج الموتى من القبر، والحشر نشرهم في عرصات القيامة، فيحتمل أن يكون البعث في الثياب، والحشر عراة (٣)، وهذا الكلام بعيد في غاية البعد.\nوقال المحققون من أهل الحديث: إن الثياب في قوله - ﷺ -: \"الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي يموت فيها\"، كناية عن الأعمال التي يموت فيها، وقد ورد أن\n_________\n(١) في نسخة: \"إن الميت\".\n(٢) \"أشعة اللمعات\" (١/ ٧١٨) بالفارسية، طبعة باكستان.\n(٣) به جمع الخطابي (١/ ٣٠٢)، كذا في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٥٧)، وأجاب عنه العيني بوجوه. \"عمدة القاري\" (١١/ ٥٤)، وخصَّه في \"الفتاوى الحديثية\" بالشهيد. [انظر: \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٤٤)]. (ش).","vol":"10","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1190>(١٩) بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَيِّتِ مِنَ الْكَلَامِ</span>\n٣١١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن الأَعْمَشِ، أَبِي وَائِلِ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ\"، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُولِي: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَأَعْقِبْنَا (١) عُقْبَى صَالِحَةً\"، قَالَتْ: فَأَعْقَبَنِي الله تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا - ﷺ -\" [م ٩١٩، ت ٩٧٧، ن ١٨٢٥، جه ١٤٤٧، ١٥٩٨، حم ٦/ ٣٢٢]\n===\nالعبد يُبْعَثُ على ما مات عليه من عمل صالح أو سيء، والعرب يكني بالثياب عن الأعمال لملابسة الرجل بها ملابسة الثياب، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ (٢)، أي أعمالك فأصلح، انتهى. قال الهروي (٣): وليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشيء؛ لأن المرء إنما يكفن به بعد موته.\n\n(١٩) (بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَيِّتِ مِنَ الْكَلَامِ)\n٣١١٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أم سلمة) أم المؤمنين (قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يُوءَمِّنُونَ) أي يقولون: آمين (على ما تقولون) من خير أو شر فيستجاب.\n(فلما مات أبو سلمة) وهو زوج أم سلمة قبل النبي - ﷺ - (قلت: يا رسول الله! ما أقول؟ قال: قولي: اللهم اغفر له وأعقبنا) أي أَبْدِلْنا وَعَوِّضْنا (عقبى) أي بدلًا وعوضًا (صالحة، قالت:) قلت ذلك (فأعقبني الله تعالى) أي أبدلني الله ﷿ (محمدًا - ﷺ -) بأنه - ﷺ - تزوجها.\n_________\n(١) في نسخة: \"وأعقبني\".\n(٢) سورة المدثر: الآية ٤.\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٤، ١٢٥).","vol":"10","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1191>(٢٠) بابٌ: في التَّلْقِين</span>\n٣١١٦ - حَدَّثَنَا مالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ، نَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ، عن كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِله إِلَّا الله دَخَلَ الجَنَّةَ\". [حم ٥/ ٢٤٧، ك ١/ ٣٥١]\n٣١١٧ - حدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرٌ، نَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، نَا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَوْلَ لَا إِله إِلَّا الله\" [م ٩١٦، ن ١٨٢٦، جه ١٤٤٥، ت ٩٧٦، حم ٣/ ٣، ق ٣/ ٣٨٣]\n===\n\n(٢٠) (بابٌ: في التَّلْقِينِ)\nوالتلقين: هو ذكر كلمة التوحيد عند من حضره الموت\n٣١١٦ - (حدثنا مالك بن عبد الواحد المسمعي) بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، بينهما مهملة ساكنة، أبو غسان البصري، قال ابن قانع: ثقة ثبت، وقال ابن حبان في \"الثقات\": يُغْرِبُ، (نا الضحاك بن مخلد، نا عبد الحميد بن جعفر قال: حدثني صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - ﷺ -: من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة). ولأجل هذا الحديث يُسْتَحَب أن يذكر هذه الكلمة عند من حضره الموت، وكذلك الحديث الآتي.\n٣١١٧ - (حدثنا مسدد، نا بشر، نا عمارة بن غزية، نا يحيى بن عمارة قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لَقِّنُوا موتاكم (١) والمراد بالموتى: من حضره الموت على المجاز (قولَ لا إله إلَّا الله) أي ذكروا\n_________\n(١) وفي \"الدر المختار\": يلقن ندبًا، وقيل: وجوبًا بذكر الشهادتين عنده من غير أمره بها، ولا يلقن بعد تلحيده وإن فعل لا ينهى عنه، وفي \"الجوهرة\": أنه مشروع عند أهل السنَّة ... إلخ، كذا في \"الشامي\" (٣/ ٧٨)، وفي \"المرقاة\" (٤/ ٨٣). (ش).","vol":"10","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمن حضره الموتُ منكم بكلمة التوحيد أو بكلمة الشهادة، بأن تتلفظوا بها أو بهما عنده، لا أن تأمروه بها.\nقال الطيبي (١): أي من قرب منكم من الموت، سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا، وعليه يُحْمَل قولُه ﵊: \"اقرؤوا على موتاكم يس\" (٢).\nقيل: ويمكن الأمر بقراءة [يس] بعد الموت. قال زين العرب: وكذا التلقين يمكن حملُه على ما بعد الدفن، فإن إطلاق التلقين عليه أحق من المُحْتَضَر؛ لأنه في المحتضر لا يخلو عن المجاز بخلاف ما بعد الدفن، لا بأس بإطلاق كليهما، نقله ميرك.\nوقوله: إطلاق التلقين ... إلخ، فيه أن التلقين المتعارف غير معروف (٣) في السلف، بل هو أمر حادث، فلا يُحْمَلُ عليه قولُه ﵊، مع أن التلقين اللغوي حقيقة في المحتضَر، مجاز في الميت، ولأن الأول أقرب إلى السماع وأوجب إلى الانتفاع، وقد قال ابن حبان وغيره في الحديث المذكور: إنه أراد به من حضره الموت، وكذلك قال في قوله - ﷺ -: \"اقرأوا على موتاكم يس\"، أراد به من حضره الموت لا أن الميت يُقْرَأ عليه، كذا ذكر السيوطي في \"شرح الصدور\".\nوأخرج البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤): عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -\nقال: \"افتحوا على صبيانكم أوَّل كلمة بلا إله إلا الله، ولَقِّنوهم عند الموت لا إله إلَّا الله؛ فإنه من كان أول كلامه لا إله إلَّا الله، ثم عاش ألف سنة ما سُئِلَ عن ذنب واحد\"، أخرجه الحاكم في \"تاريخه\" والبيهقي في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٣٧).\n(٢) سيأتي عند المصنف برقم (٣١٢١).\n(٣) لكنه وارد في الروايات العديدة. \"منتخب كنز العمال\" [انظر: \"منتخب كنز العمال\" (٦/ ٢٢٤ وما بعدها و٢٦٩)]. (ش).\n(٤) \"شعب الإيمان\" (٨٦٤٩).","vol":"10","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1192>(٢١) بَابُ تَغْمِيضِ الْمَيِّت</span>\n٣١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْيي الْفَزَارِيَّ -، عن خَالِدٍ (١)، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤيبِ، عن أمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، فَصَيَّحَ (٢) نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ\n===\n\"شعب الإيمان\" عن ابن عباس، وقال البيهقي: غريب، كذا في \"جمع الجوامع\" للسيوطي، ثم الجمهور على أنه يندب هذا التلقين، وظاهر الحديث يقتضي وجوبَه، وذهب إليه جمع، بل نقل بعض المالكية الاتفاقَ عليه، انتهى. قاله القاري (٣).\n\n(٢١) (باب تَغْمِيضِ الْمَيِّتِ)\n٣١١٨ - (حدثنا عبد الملك بن حبيب أبو مروان، نا أبو إسحاق- يعني الفزاري-، عن خالد) الحذاء، (عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة) عند موته (وقد شَقَّ بصرُه فأغمضه) وفيه دليل على استحباب إغماض الميت، وأجمع المسلمون على ذلك، قالوا: والحكمة (٤) فيه أن لا يقبح لمنظره لو ترك إغماضه (فَصَيَّحَ) بتشديد الياء المفتوحة من باب التفعيل (٥)، ولم أجده في كتب اللغة، والظاهر ما في رواية مسلم: \"فَضَجَّ\" (ناس من أهله) أي أبي سلمة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحذَّاء\".\n(٢) في نسخة: \"فصاح\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٨٣، ٨٤).\n(٤) وعلَّله الطيبي (٣/ ٣٣٨) بأنه إذا قُبِضَ تبعه النظر، فلا فائدة في انفتاحه، قال ابن العربي: التغميض سنة، ولا أعلم له تأويلًا أرضاه، وكذا التسجية، ثم ذكروا الاختلاف في التوجيه إلى القبلة، كذا في \"الإكمال\" (٣/ ٣٦١). (ش).\n(٥) وفي \"تاج العروس\" (٦/ ٥٦٠): صَاحَ يصيح وصَيَّحَ: صوَّت بأقصى الطاقة، يكون ذلك في الناس وغيرهم.","vol":"10","page":382},{"text":"فَقَالَ: \"لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ\"، ثُمَّ قَالَ: \"اللهُمَّ اغْفِرْ لأبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في الْمَهْدِيِّينَ (١)، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ فِيِ الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ وَنوِّرْ لَهُ فِيهِ\" (٢). [م ٩٢٠، جه ١٤٥٤، حم ٦/ ٢٩٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>(٢٢) بَابٌ: في الاسْتِرْجَاعِ</span>\n٣١١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ،\n===\n(فقال) - ﷺ -: (لا تدعوا على أنفسكم إلَّا بخير) أي لا تدعوا بالويل والثبور على عادة الجاهلية (فإن الملائكة يُوءَمِّنون) أي يقولون: آمين (على ما تقولون) أي تدعون من خير أو شر.\n(ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجتَه في المهديين، واخلفه) أي كن له خليفة (في عقبه) أي خلفه وورائه (في الغابرين) أي الباقين من أقاربه (واغفر لنا وله ربَّ العالمين، اللهم أفسح له في قبره، وَنوِّرْ له فيه).\n\n(٢٢) (بَابٌ: في الاسْتِرْجَاعِ)\nأي القول بإنا لله وإنا إليه راجعون\n٣١١٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت،\n_________\n(١) في نسخة: \"المقربين\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قَالَ أَبُودَاوُدَ: لمْ يُسْنِدْ هَذَا إِلا ابُو إِسْحَاقَ، قَالَ ابُو دَاوُدَ: وَتَغْمِيضُ المَيِّتِ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوح، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النعمانِ المُقْرِئَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَيْسَرَةَ رَجُلًا عَابِدًا يَقُولَ: غَمضتُ جَعْفَرًا المعلِّمِ- وَكَانَ رَجُلًا عَابِدًا - في حَالَةِ الْمَوْتِ، فَرَأَيْتُهُ في مَنَامِي لَيْلَةَ مَاتَ يَقُولُ: أَعْظَمُ مَا كَان عَليَّ تَغْمِيضُكَ لِي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ\". [قال المزي بعد إيراده في \"الأطراف\" (١٩٦٠١): هو في رواية أبي سعيد ابن الأعرابي].","vol":"10","page":383},{"text":"عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا أَصَابَتْ (١) أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِى فَأجِرْنِى فِيهَا، وَأَبْدِلْ لِى خَيْرًا مِنْهَا». [سي ١٠٧١، حم ٦/ ٣١٧، وانظر: م ٩١٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>(٢٣) بابٌ: في الْمَيِّتِ يُسَجَّى</span>\n٣١٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُجِّيَ في ثَوْب حِبَرَةٍ\". [خ ٥٨١٤، م ٩٤٢، السنن الكبرى ٧١١٣]\n===\nعن ابن عمر بن أبي سلمة (٢)، عن أبيه) أي عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، (عن أم سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أصابت أحدَكم مصيبة) أي حقيرة أو جليلة (فليقل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ) أي من عندك أحتسب (مصيبتي) أي أطلب ثواب مصيبتي (فَأْجرْني) بالمد والقصر، آجره يوجره: أثابه وأعطاه أجرًا، وكذا أَجَرَه كنصر، أمر الأول آجرني كأكرمني، والثاني كانصرني (٣) (فيها) أي في المصيبة (وأبدل لي بها) أي بالمصيبة (خيرًا منها).\n\n(٢٣) (بَابٌ: في الْمَيِّتِ يُسَجَّى)، أي يُغَطَّى\n٣١٢٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - سُجِّيَ) أي غُطِّيَ بعد وفاته (في ثوب حِبَرَةٍ). قال في \"المجمع\" (٤): والحبير من البرود ما كان مُوَشّيًا\n_________\n(١) في نسخة: \"أصاب\".\n(٢) في متن الأصل: \"عمر بن أبي سلمة\"، وفي الشرح: \"ابن أبي سلمة\"، وكلاهما تحريف، والصواب: \"ابن عمر بن أبي سلمة\"، قيل: اسمه محمد. انظر: \"التقريب\" (٨٤٨٣).\n(٣) بسطه القاري في \"المرقاة\" (٤/ ٨٥).\n(٤) \"مجمع بحَار الأنوار\" (١/ ٤٢٥).","vol":"10","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1195>(٢٤) بَابُ الْقِرَاءَة عِنْدَ الْمَيِّتِ</span>\n٣١٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ الْمَرْوَزِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عن أَبِي عُثْمَانَ - وَلَيْسَ بالنَّهْدِيِّ -، عَنْ أَبيهِ، عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ -: \"إِقْرَأُوا ﴿يس﴾ عَلَى (٢) مَوْتَاكُمْ\" (٣) [جه ١٤٤٨، سي ١٠٧٤، حم ٥/ ٢٦، ق ٣/ ٣٨٣]\n===\nمخططًا، يقال: بُردٌ حبيرٌ وبردٌ حِبَرَةٌ بوزن عِنَبَةٍ على الوقف والإضافة، وهو برد يمان، والجمع حِبَرٌ وحبرات.\n\n(٢٤) (بابُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمَيِّتِ)\n٣١٢١ - (حدثنا محمد بن العلاء ومحمد بن مكي المروزي، المعنى، قالا: نا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، وليس بالنهدي)، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): أبو عثمان، وليس بالنهدي، روى عن معقل بن يسار، وقيل: عن أبيه، عن معقل، قال ابن المديني: لم يَرْوِ عنه غيرُه وهو مجهول، وقال الآجري عن أبي داود: هو ابن عثمان السَكَنِي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله - ﷺ -: اقرأوا ﴿يس﴾ على موتاكم) أي الذين حضرهم الموتُ، ولعل الحكمة في قراءتها أن يستأنس المحتضَرُ بما فيها من ذكر الله ﷿، وأحوالِ القيامة والبعث، قال التوربشتي: يحتمل أن يكون المراد بالميت الذي حضره الموت، فكأنه صار\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة \"عند\".\n(٣) زاد في حاشية نسخة \"وهذا لفظ ابن العلاء\".\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٦٣).","vol":"10","page":385},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفي حكم الأموات، أو أن يراد: من قضى نحبه، وهو في بيته أو دون مدفنه (١).\nقال الإِمام في \"التفسير الكبير\" (٢): الأمر بقراءة ﴿يس﴾ على من شارف الموتَ مع ورود قوله ﵊: \"لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس\"، إيذان بأن اللسان حينئذ ضعيف القوة وساقط البنية (٣)، لكن القلب أقبل على الله ﷿ بكليَّته، فيقرأ عليه ما يزداد قوة قلبه ويشتد (٤) تصديقه بالأصول.\nقال الطيبي (٥): السر في ذلك- والعلم عند الله- أن السورة الكريمة إلى خاتمتها مشحونة بتقرير أمهات الأصول، وجميع المسائل المعتبرة التي أوردها العلماء في مصنفاتهم [من النبوة] وكيفيةِ الدعوة، وأحوالِ الأمم، وإثباتِ القدر، وأن أفعال العباد مستندة إلى الله تعالى، وإثباتِ التوحيد، ونفي الضدّ والندّ، وأماراتِ الساعة، وبيانِ الإعادة والحشر، وحضورِ العرصات والحساب والجزاء والمرجع والمآب، فحقها أن تُقْرَأَ عليه في تلك الساعة.\nوقد أخرج ابن أبي الدنيا والديلمي، عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من ميِّتٍ يَقْرَأُ عند رأسه سورة ﴿يس﴾ إلَّا هَوَّنَ الله عليه\" (٦)، وفي رواية صحيحة أيضًا: \" ﴿يس﴾ قلب القرآن، لا يقرأها عبد يريد الدارَ الآخرةَ إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، فاقرأوها على موتاكم\" (٧).\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٨٩).\n(٢) \"التفسير الكبير\" للإمام الرازي (٩/ ٣١١).\n(٣) وفي \"المرقاة\": \"المنية\".\n(٤) وفي \"المرقاة\" \"يستمد\".\n(٥) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٤٠).\n(٦) أخرجه الديلمي في \"فردوسه\" (٤/ ٣٢) رقم (٦٠٩٩).\n(٧) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٦)، وأبو داود (٣١٢١)، وابن ماجه (١٤٤٨)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١٠٧٤)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٠٠٢) مختصرًا.","vol":"10","page":386},{"text":"(٢٥) بَابُ (١) الْجُلُوسِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ\n٣١٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"لَما قُتِلَ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ في وَجْهِهِ الْحُزْنُ\"\n===\nقال ابن حبان: المراد به من حضره الموت، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي الدنيا وابن مردويه: \"ما من ميت يُقْرَأُ عنده ﴿يس﴾ إلَّا هَوَّن الله عليه\"، وخالفه بعض محققي المتأخرين، فأخذ بظاهر الخبر، فقال: بل يقرأ عليه بعد موته وهو مسجَّى، وذهب بعض إلى أنه يقرأ عليه عند القبر (٢)، ويؤيده خبر ابن عدي وغيره: \"من زار قبرَ والديه أو أحدَهما في كل جمعة فقرأ عندهما يس، غُفِرَ له بعدد كل حرف منها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>(٢٥) (بَابُ الْجُلُوسِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ)</span>، أي الجلوس في المصيبة\n٣١٢٢ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سليمان بن كثير) كلاهما أخوان (عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: لما قُتِلَ زيد بن حارثة وجعفر) بن أبي طالب (وعبد الله بن رواحة) أي في غزوة مؤتة (جلس رسول الله - ﷺ - في المسجد يُعْرَفُ) ببناء المجهول (في وجهه الحزنُ).\n_________\n(١) وفي نسخة بدله: \"باب الجلوس في المسجد وقت التعزية\".\n(٢) ويؤيده أيضًا ما قال ابن عابدين (٣/ ١٥١): وَرَدَ: \"من دخل المقابرَ فقرأ سورة ﴿يس﴾ خَفَّفَ الله عنهم يومئذٍ، وكان له بعدد من كان فيها حسنات\"، ثم بسط الكلام على إهداء الثواب للميت، ولا يَصِلُ في المشهور عن المالكية، كذا في \"الشرح الكبير\" (١/ ٦٧١). وذكر بعض المستدلات القاري في \"المرقاة\" (٤/ ١٩٨، ١٩٩)، وسيأتي في \"البذل\" أيضًا إهداء ثواب الصلاة، وَيصِلُ ثوابُ الطاعة ولو بدنية عند الحنابلة، كذا في \"الروض المربع\" (١/ ١١٨) (ش).","vol":"10","page":387},{"text":"وَذَكَرَ الْقِصَّةَ (١). (٢) [خ ١٢٩٩، م ٩٣٥، ن ١٨٤٧]\n\n(٢٦) بَابُ (٣) التَّعْزِيَةِ\n===\nقال الطيبي: كأنه كظم الحزنَ كظمًا، فظهر منه ما لا بد للجبلَّة البشرية منه، انتهى. وفيه من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يُفْرِط في الحزن حتى يقع في المحظور من اللطم والشقّ والنوح وغيرها، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به - ﷺ - في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخايل (٤) الحزن، ويؤذن بأن المصيبة عظيمة، نقله الحافظ (٥) عن الزين بن المنير.\nوأما جلوسه في المسجد، فلعله كان حسب العادة الشريفة (٦)، وليس المراد أن جلوسه كان لأجل أن يأتيه الناس فيعزُّوه. (وذكر القصة) وذكره البخاري مفصلًا في: \"باب من جلس عند المصيبة يُعْرَف فيه الحزنُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1197>(٢٦) (بابُ التَّعْزِيَةِ)</span>\nقال في \"المجمع\" (٧): من عزَّى مصابًا، أي حمله على العزاء، وهو\n_________\n(١) في نسخة: \"قصة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: قوله: \"جلس في المسجد\"، أغرب به سليمان بن كثير ليس يقوله غيره\".\n(٣) في نسخة بدله: \"باب تعزية النساء، وكراهية بلوغهن إلى القبور\".\n(٤) في الأصل: \"حمائل\"، وهو تحريف.\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٧).\n(٦) هكذا في الحاشية عن \"فتح الودود\"، ولعل ذلك لِمَا صرَّح أهلُ الفروع أن الجلوس في المسجد للمصيبة مكروه، صرح به الشامي (٣/ ١٤٩) وغيره. وفي \"البحر\" (٢/ ٢٠٧): حكى عن الفقيه أبي الليث جوازه لهذا الحديث، وبسط الكلام عليه في \"المنهل\" (٨/ ٢٦٨). (ش).\n(٧) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٩٦).","vol":"10","page":388},{"text":"٣١٢٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: نَا الْمُفَضَّلُ، عن رَبيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيِّ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحُبُلِي، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَبَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - (١) - يَعْنِي مَيِّتًا-، فَلَمَّا فَرَغْنَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَانْصَرَفْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا حَاذَى بَابَهُ وَقَفَ، فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ مُقْبِلَةٍ. قَالَ: أَظُنُّهُ عَرَفَهَا، فَلَمَّا ذَهَبَتْ إِذَا هِيَ فَاطِمَةُ،\n===\nبالمد: الصبر، أي بأن يحمله عليه بوعد الأجر بأن يقول: أعظم الله أجرَك، فيسهِّل عليه المصيبة.\n٣١٢٣ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، نا المفضل، عن ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا) أي دفنّا في القبر (مع رسول الله) أي مع كوننا مع رسول الله (- ﷺ - يعني ميتًا) تفسير لمفعول \"قبرنا\"، وإنما زاد لفظ \"يعني\" لأن الشيخ لم يذكر المفعول، فزاد راويه إشارة إلى أن الشيخ لم يذكر المفعول، ولكن مراده ذلك.\n(فلما فرغنا) أي من الدفن (انصرف) أي رجع (رسول الله - ﷺ - وانصرفنا معه، فلما حاذى) أي رسول الله - ﷺ - (بابَه) أي باب بيته (وقف، فإذا نحن) راءون (بامرأةٍ مقبلةٍ، قال) عبد الله بن عمرو بن العاص: (أظنه) أي رسول الله - ﷺ - (عرفها) أي عرف رسول الله - ﷺ - إياها، وفي رواية النسائي في هذا اللفظ ثلاث نسخ: [الأولى:]، \"لا تظن\" أي المرأة أنه عرفها، والثانية: \"لا يظن\" ببناء المجهول، والثالثة: \"لا نظن\" بصيغة المتكلم مع الغير.\n(فلما ذهبت) أي المرأة المقبلة (إذا هي فاطمة)، وفي رواية النسائي:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يومًا\".","vol":"10","page":389},{"text":"فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا أَخْرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ؟ \"، قَالَتْ: أَتَيْتُ يَا رَسُولَ الله أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ (١)، فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتهُمْ أَوْ عَزَّيْتُهُمْ بِهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُم الْكُدَى؟ \"، قَالَتْ (٢): مَعَاذَ الله، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِيهَا مَا تَذْكُرُ. قَالَ: \"لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى\"، فَذَكَرَ تَشْدِيدًا في ذَلِكَ،\n===\n\"فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة\" (فقال لها رسول الله - ﷺ -: ما أخرجكِ يا فاطمة من بيتك؟) أي لِمَ خرجتِ من بيتِكِ؟\n(قالت: أتيت يا رسول الله أهلَ هذا البيت) وفي النسائي: \"أهل هذا الميت\" (فرحَّمتُ إليهم ميتَهم) أي دعوت لرحمة الميت، (أو) للشك من الراوي (عزّيتهم به) من التعزية، أي أمرتهم بالصبر به، نحو: أعظم الله أجركم، وفي رواية النسائي: \"فترحمت إليهم وعزيتهم بميتهم\".\n(فقال لها رسول الله - ﷺ -: فلعلكِ بلغتِ معهم الكدى؟) مقصورة (قالت: معاذ الله) زاد في رواية النسائي: \"أن أكون بلغتها\" (وقد سمعتك تذكر فيها) أي في الكدى وبلوغها من الوعيد، (ما تذكر، قال: لو بلغتِ معهم الكدى، فذكر تشديدًا في ذلك)، وفي رواية النسائي: \"فقال لها: لو بلغتها معهم ما رأيتِ الجنةَ حتى يراها جد أبيك\" (٣).\nقال السندي (٤) ظاهر السوق يفيد أن المراد: ما رأيتِ أبدًا كما لم يرها\n_________\n(١) في نسخة: \"الميت\".\n(٢) في نسخة: \"فقالت\".\n(٣) قال السخاوي في \"بذل المجهود في ختم السنن لأبي داود\" (ص ١١٠): ومن وفور أدبه [أي الإِمام أبي داود] أنه لم يذكر الكلام الآخر، بل أشار إليه بقوله: فذكر تشديدًا في ذلك.\n(٤) انظر: \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (٤/ ٢٧، ٢٨، ٢٩).","vol":"10","page":390},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفلان، وأن هذه الغاية من قبيل: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (١) (٢)، ومعلوم أن المعصية غير الشرك لا تؤدي إلى ذلك، فإما أن يُحْمَلَ على التغليظ في حقها، أو يُحْمَلَ على أنه علم في حقها أنها لو ارتكبت تلك المعصية لأفضَتْ بها إلى معصية تكون مؤدِّية إلى ما ذكر.\nوالسيوطي مشربه (٣) القول بنجاة عبد المطلب، فقال لذلك: أقول: لا دلالة في هذا الحديث على ما توهمه المتوهمون؛ لأنه لو مشت امرأة مع جنازة إلى المقابر لم يكن ذلك كفرًا موجبًا للخلود في النار كما هو واضح، وغاية ما في ذلك أن يكون من جملة الكبائر التي يُعَذَّبُ بها صاحبُها، ثم يكون آخر أمره إلى الجنة.\nوأهل السنَّة يؤوِّلون ما ورد من الحديث في أهل الكبائر من أنهم لا يدخلون الجنة، بأن المراد: لا يدخلونها مع السابقين الذين يدخلونها أولًا بغير عذاب، فغاية ما يدل عليه الحديث المذكور هو أنها لو بلغت معهم الكدى لم تر الجنة مع السابقين، بل يتقدم ذلك عذابٌ أو شدةٌ أو ما شاء الله تعالى من أنواع المشاقِّ، ثم يَؤوْلُ أمرُها إلى دخول الجنة فطعًا، ويكون عبد المطلب كذلك لا يرى الجنة مع السابقين، بل يتقدم ذلك الامتحان وحده، أو مع مشاق أُخَر، ويكون معنى الحديث: لم تري الجنة حتى يجيء الوقتُ الذي يرى فيه عبد المطلب فترينها حينئذ، فتكون رؤيتك (٤) لها متأخرة عن رؤية غيرك مع السابقين.\nهذا مدلول الحديث على قواعد أهل السنَّة، لا معنى له غير ذلك على\n_________\n(١) سورة الأعراف: الآية ٤٠.\n(٢) قال صاحب \"المنهل\" (٨/ ٢٦٦): هذا على القول بأن أهل الفترة غير ناجين، وأما على القول بنجاتهم فيكون المعنى: أن عبد المطلب لا يدخل الجنة مع السابقين. (ش).\n(٣) في الأصل: \"مشمر\"، وهو تحريف.\n(٤) في الأصل: \"رؤيته\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":391},{"text":"فَسَأَلْتُ رَبِيعَةَ عَنْ الْكُدَي فَقَالَ: الْقُبُورُ فِيمَا أَحْسَبُ\". [ن ١٨٨٠، حم ٢/ ١٦٨، ق ٤/ ٧٧، ك ١/ ٣٧٤]\n\n(٢٧) بَابُ الصَّبْر عِنْدَ (١) الْمُصِيبَةِ\n٣١٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَى، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ (٢) قَالَ: أَتَى نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا،\n===\nقواعدهم، والذي سمعت من شيخ الإِسلام شرف الدين المناوي: وقد سئل عن عبد المطلب؟ فقال: هو من أهل الفترة الذين (٣) لم تبلغهم الدعوة، وحكمهم في المذهب معروف، انتهى كلام السيوطي.\nقال المفضل: (فسألت ربيعة عن الكدى، فقال: القبور فيما أحسب) قال السيوطي (٤): قال في \"النهاية\" (٥): أراد المقابر؛ وذلك لأن مقابرهم كانت في مواضعَ صلبةٍ، هي جمع كُدْيَةٍ، وتروى بالراء جمع كُرْيَة، من كريت الأرض أو كروتها، إذا حفرتَها كالحفرة من حفرت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>(٢٧) (بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الْمُصِيْبَةِ)</span>\n٣١٢٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عثمان بن عمر، نا شعبة، عن ثابت، عن أنس قال: أتى) أي مرّ (نبيّ الله - ﷺ - على امرأة). قال الحافظ (٦): لم أقف على اسمها ولا اسم صاحب القبر، وفي رواية مسلم ما يشعر بأنه ولدها. (تبكي على صبي لها) وهذا يدل على أن الصبي كان ابنًا لها.\n_________\n(١) في نسخة: \"على\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن مالك\".\n(٣) في الأصل: \"الذي\"، والصواب بضمير الجمع، كما في \"حاشية السندي\".\n(٤) \"شرح السيوطي على سنن النسائي\" (٤/ ٢٧).\n(٥) (٤/ ١٥٦).\n(٦) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٩).","vol":"10","page":392},{"text":"فَقَالَ لَهَا: \"اتَّقِي الله وَاصْبِرِي\"، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي أَنْتَ بِمُصِيبَتِي؟ فَقِيلَ لَهَا: هَذَا النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَتَتْهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ،\n===\n(فقال) رسول الله - ﷺ - (لها) أي للمرأة: (اتقي الله) أي خافي عقابَه، أو مخالَفَتَه بترك النياحة، والظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نوح وغيره، ولهذا أمرها بالتقوى، ويؤيده أن في مرسل يحيى بن كثير: \"فسمع منها ما يكره\" (واصبري، فقالت) جاهلة بمن يخاطبها، وظانّة أنه من آحاد الناس: (وما تبالي أنتَ بمصيبتي؟) لأنكَ لَمْ تُصِبْ أنتَ بمصيبتي.\n(فقيل لها) قال الحافظ (١): في رواية \"الأحكام\": \"فمر بها رجل، فقال لها: إنه رسول الله - ﷺ -، فقالت: ما عرفته\"، وفي رواية أبي يعلى المذكورة: \"فقال: هل تعرفينه؟ قالت: لا\". وللطبراني في \"الأوسط\" من طريق عطية، عن أنس: \"أن الذي سألها هو الفضل بن عباس\"، وزاد مسلم في رواية له: \"فأخذها مثلُ الموت\"، أي من شدة الكرب الذي أصابها لَمّا عرفت أنه - ﷺ - خجلًا منه ومهابة.\n(هذا النبي - ﷺ -) أي هذا الذي تخاطبينه هو رسول الله - ﷺ -، فندمت على ما جاوبت به النبي - ﷺ - (فأتته) أي معتذرة (فلم تجد على بابه بَوَّابِيْنَ) كما هو عادة (٢) الملوك والجبابرة (فقالت) لرسول الله - ﷺ -: (يا رسول الله! لم أعرفك) أي فلا تأخذ عليّ.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٩).\n(٢) قال المهلب: لم يكن له ﵊ بَوَّاب راتب، فلا يرد ما تقدم في \"المناقب\" من حديث أبي موسى: أنه كان بوَّابًا للنبي ﵊، فالجمع بأنه إذا لم يكن انفرد بشيء أو في شغل من أهله رفع الحجاب بينه وبين الناس، وقال الطبري: دلَّ حديث عمر - ﵁ - حيث استأذن له الغلام الأسود يعني في قصة الإيلاء أنه ﵊ كان في وقت الخلوة اتخذ بَوَّابًا، قال الحافظ: ويمكن سبب استئذانه ها هنا أنه خشي على نفسه ... إلخ.\nقلت: ولا يرد أيضًا أن قيس بن سعد كان بمنزلة الشرطة له ﵊، لأنه =","vol":"10","page":393},{"text":"فَقَالَ: \"إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُوْلَى\"، أَوْ \"عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ\" (١). [خ ١٢٨٣، م ٩٢٣، ن ١٨٦٩، ت ٩٨٧، جه ١٥٩٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>(٢٨) بَابٌ: في الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ</span>\n٣١٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ\n===\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (إنما الصبر) أي الكامل المرضي المثابُ عليه (عند الصدمة) أي الحملة (الأولى) وابتداءِ المصيبة، وأولِ لحوق المشقة، وإلا فكل أحد يصبر بعدها، قال الطيبي (٢): إذ هناك سَورة المصيبة فيثاب على الصبر، وبعدها تنكسر السورة، ويتسلى المصاب بعض التسلي، فيصير للصبر طبعًا، فلا يثاب عليه، انتهى. أما إذا لم يَصِرْ الصبر طبعًا، ثم تَذكَّر المصيبة، ثم صبر ولو طال العهد فيثاب، ولكن الدرجة الأعلى عند الصدمة الأولى (أو) للشك من الراوي (عند أول صدمه).\n\n(٢٨) (بَابٌ: في الْبُكَاء عَلَى الْمَيِّتِ)\n٣١٢٥ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن عاصم الأحول،\n_________\n= كان في وقت خاص كما بسطه الحافظ، وقال أيضًا: قال الشافعي وغيره: لا ينبغي للإمام أن يتخذ حاجبًا، وقال آخرون: لا بأس، وقيل: يستحب لأن عمر - ﵁ - كان له حاجب يقال له: يرفأ، كما يدل عليه حديث الفيء المتقدم في \"باب صفايا رسول الله - ﷺ -\"، وبسط في وظائف الحاجب وغيرها. [انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٢، ١٣٣)]. (ش).\n(١) زاد في نسخة: حَدّثَنَا مُحمَّد بْنُ المُصَفَّى، حَدّثَنَا بقِية، عن إِسْمَاعِيل بْنِ عَياشٍ، عن عَاصِمِ بْنِ رَجَاء بْن حَيْوَة، عن أَبِي عِمْرَان، عن أَبي سَلَّامِ الحَبَشِىِّ، عن ابْنِ غَنَمٍ، عن أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: \"الصَّبْرُ رِضَى\"\nقال المزي بعد إيراد هذا الحديث في \"الأطراف\" (٩٠١٦): \"هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢١٢)، وانظر أيضًا: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٩٧).","vol":"10","page":394},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، عن أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ: أَنَّ ابْنَةً (١) لِرَسُولِ الله - ﷺ - أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ- وَأَنَا مَعَهُ وَسَعْدٌ، وَأَحْسَبُ أُبَيًّا (٢) - أَن ابْنِي أَوْ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَ فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ، فَقَالَ (٣): \"قُلْ للَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ إِلَى أَجَلٍ\"، فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَأَتَاهَا، فَوُضِعَ الصَبِيُّ\n===\nقال: سمعت أبا عثمان، عن أسامة بن زيد: أن ابنة لرسول الله - ﷺ -) هي زينب (٤) زوجة أبي العاص (أرسلت إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - رسولًا (وأنا معه وسعد) بن عبادة (وأحسب) أي أظن (أُبَيًّا) أنه معه، وفي رواية البخاري ومسلم: \"ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال\" (أن ابني أو) للشك من الراوي (ابنتي قد حُضِرَ فاشهَدْنا) أي اُحْضُرْنا.\n(فأرسل) رسول الله - ﷺ - (يقرئ السلام فقال) للرسول: (قل) لزينب: (لله ما أخذ وما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل) أي وقت معين، (فأرسلت) ثانيًا رسولها (تُقسم عليه) أي أن يأتيها (فأتاها) أي رسول الله - ﷺ - ابنتَه (فوضع الصبي\n_________\n(١) في نسخة: \"بنتًا\".\n(٢) في نسخة: \"أُبى\".\n(٣) في نسخة: \"وقال\".\n(٤) هذا مشكل، فإن لها ولدين، أحدهما: ابن مات بعد أمه، اسمه علي، وقد ناهز الاحتلام، والثانية: بنتٌ، وهي أمامة زوجة علي﵁- بعد فاطمة، كما في رسالتي \"حكايات الصحابة\"، والظاهر أن القصة لعبد الله بن رقية كما يظهر من \"شرح الزرقاني على المواهب\" (٤/ ٣٢٣)، يشكل عليه أيضًا أنه توفي بعد أمه، فالظاهر عندي: أن لفظ الابن مجاز، والداعية أم كلثوم، والمتوفى عبد الله ابن أختها وربيبها، فتأمل. وهذا على ما حكى الزرقاني من موته، وفي \"الإصابة\" (٤/ ٢٩٧): مات قبل أمه، فيكون المراد رقية بلا شك، وفي \"المنهل\" (٨/ ٢٧٦): أنها زينب، وهي أمامة بنت أبي العاص، فتأمل، وهو مختار الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٥٦) وتخلص عن الإشكال بأنها أشرفت على الموت، لكن الله عافاها إذ ذاك، ولم يرضَ به العيني (٦/ ١٠٠)، ويأبى عنه لفظ \"الشمائل\" رقم (٣٢٦) بلفظ: \"ماتت وهي بين يديه\". (ش).","vol":"10","page":395},{"text":"في حِجْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ونَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا؟ قَالَ: \"إِنَّهَا رَحْمَةٌ (١) يَضَعُهَا اللهُ في قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادهِ الرُّحَمَاءَ\". [خ ١٢٨٤، م ٩٢٣، ن ١٨٦٨، جه ١٥٨٨]\n٣١٢٦ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِي، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"وُلدَ لى اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي: إِبْرَاهِيمَ\" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.\nقَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -،\n===\nفي حجر رسول الله - ﷺ -، ونفسه) أي روحه (تقعقع) أي تضطرب وتتحرك ولا تثبت على حالة واحدة، أو المعنى: تُصَوِّتُ كما يُصوِّتُ في حالة الغرغرة.\n(ففاضت عينا رسول الله - ﷺ -) (فقال له سعد) بن عبادة: (ما هذا) أي البكاء؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (إنها) أي الدمعة (رحمة) من الله ﷾ (يضعها الله في قلوب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) قال ميرك (٢): ظن سعد أن جميع أنواع البكاء حرام، وأنه ﵊ نسي، فأعلمه ﵇ أن مجرد البكاء ليس بحرام، وإنما المحرم النوح والندب وشق الجيوب وضرب الخدود.\n٣١٢٦ - (حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: وُلدَ لي اليلةَ غلام، فسميته باسم أبي: إبراهيم) بدل من أبي، (فذكر الحديث) (٣).\n(قال أنس: لقد رأيته يكيد) أي يجود (بنفسه بين يدي رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) زاد في نسخة \"و\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٠٥).\n(٣) أخرجه مسلم وفيه أنه ﵇ دفعه (أي المولود) إلى أم سيف امرأة قين. (ش).","vol":"10","page":396},{"text":"فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، إِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ\". [خ ١٣٠٣، م ٣١٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1200>(٢٩) بابٌ: في النَّوْحِ</span>\n٣١٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن أَيُّوبَ،\n===\nفَدَمَعَتْ) أي سألت بالدمع (عينا رسول الله - ﷺ -، فقال: تدمع العين، ويحزن القلب) لأنهما ليسا باختيار العبد (ولا نقول إلَّا ما يرضى ربنا) وهو فاعله، وفي نسخة بضم الياء وكسر الضاد المعجمة من باب الإفعال، وربنا مفعوله، فعلى الأول يقدر لفظ \"به\" أي ما يرضى به ربنا (إنا بك) أي بفراقك (يا إبراهيم لمحزونون) أي طبعًا وشرعًا، وفيه إشارة إلى أن من لم يحزن فمن قساوة قلبه، ومن لم يدمع فمن قلة رحمته، فهذا الحال أكمل عند أرباب الكمال من حال من مات له ولد من المشايخ فضحك، فإن العدل أن يعطى كل ذي حق حقَّه (١).\n\n(٢٩) (بابٌ: في النَّوْح)\n٣١٢٧ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن أيوب،\n_________\n(١) هكذا قال القاري (٤/ ٢٠٣)، وظاهره أنه مال إلى استحباب البكاء، والأوجه عندي أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، فإن الضحك وأمثاله إن كان من قساوة القلب فمذموم، لكنه إن كان من إظهار كمال الرضا بالقضاء فلا بعد في أن يكون أفضل، وفعله - ﷺ - تعليمًا لتحزن القلب، فإن الحزن القلبي لا يظهر على الناس بدون الظاهر، فيكون أفضل في حقه - ﷺ - للتعليم، يؤيده قصة أم سليم إذ تزينت لزوجها وتعرضت له حتى وقع بها، وهو أكبر من الضحك، ذكر قصتها العيني (٦/ ١٣٦)، واستدل بها على فضلها، وجواز الأخذ بالشدة وترك الرخص، ويؤيده أيضًا ما حكي عن عائشة - ﵂ -: \"أنه - ﷺ - لا تدمع عينه على أحد\"، ويؤيده أيضًا أن فقهاء الحنفية كلهم قالوا: لا بأس بالبكاء، ولفلظ لا بأس يدل على الجواز لا على الاستحباب، وكذا قال في \"المصفى\": (١/ ٢٠٣): إن البكاء ليس بممنوع، ولم يقل إنه مندوب. (ش).","vol":"10","page":397},{"text":"عَنْ حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: \"إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ\". [خ ٧٢١٥، م ٩٣٦]\n٣١٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنا (١) مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الَنَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ\". [حم ٤/ ٦٥، ق ٤/ ٦٣]\n٣١٢٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن عَبْدةَ وأَبِي مُعَاوِيَةَ،\n===\nعن حفصة، عن أم عطية قالت: إن رسول الله - ﷺ - نهانا عن النياحة).\n٣١٢٨ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أنا محمد بن ربيعة، عن محمد بن الحسن بن عطية، عن أبيه) الحسن بن عطية، (عن جده) عطية بن سعد، (عن أبي سعيد الخدري قال: لعن رسول الله - ﷺ - النائحة).\nقال القاري (٢): يقال: ناحت المرأة على الميت إذا ندبته، أي بكت عليه وعدّدت محاسنَه، وقيل: النوح بكاء مع صوت، والمراد بها التي تنوح على الميت، أو على ما فاتها من متاع الدنيا، فإنه ممنوع منه في الحديث، وأما التي تنوح على معصيتها، فذلك نوع من العبادة، وخص النائحة لأن النوح يكون من النساء غالبًا، ويحتمل أن تكون التاء للمبالغة، فيكون المراد من يكثر منه ذلك، فأما ماوقع ذلك منه أحيانًا فلا يخلّ بعدالته كما في الكذب ونحوه، فلا يكون محل اللعن المشعر بأنه من الكبائر إلَّا أن يُحْمَلَ على التغليظ والزجر.\n(والمستمعةَ) أي التي تقصد السماع ويعجبها، كما أن المستمع والمغتاب شريكان في الوزر، والمستمع والقارئ مشتركان في الأجر.\n٣١٢٩ - (حدثنا هناد بن السري، عن عبدة وأبي معاوية،\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢١٦).","vol":"10","page":398},{"text":"الْمَعْنَى، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعَائَشَةَ فَقَالَتْ: وَهِلَ- تَعْنِي ابْنَ عُمَرَ- إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: \"إِنَّ صَاحِبَ هَذَا (٢) لَيُعَذَّبُ وَأَهْلُهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ\"، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.\nقَالَ عَنْ أَبِي مُعَاوَيَةَ: عَلَى قَبْرِ يَهُودِيِّ \". [خ ٣٩٧٨، م ٩٢٧، ن ١٨٥٠، ١٨٥٦]\n===\nالمعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الميت لَيُعَذَّبُ (٣) ببكاء أهله عليه) أي إذا أوصى بالبكاء في حياته، أو كان يرضى به ويحبه.\n(فَذُكِرَ ذلك) أي حديثُ ابن عمر (لعائشة فقالت: وَهِل) أي غلط (تعني ابنَ عمر)، وفي رواية الشيخين البخاري ومسلم: \"أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ\" (إنما مر النبي - ﷺ - على قبر فقال: إن صاحب هذا) القبر (لَيُعَذَّبُ) أي بكفره (وأهله يبكون عليه، ثم قرأت) عائشة في الاستدلال على دعواها ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤» بأن بكاءهم هو معصية منهم، فكيف يُعَذَّبُ الميت بفعلهم؟ لأنه مخالف لهذه الآية.\n(قال) هناد (عن أبي معاوية: على قبر يهودي)، وفي رواية البخاري ومسلم: \"إنما مر النبي - ﷺ - على يهودية يبكى عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لَتُعَذَّبُ في قبرها\".\nقال القاري (٥): إن هذا الاعتراض وارد لو لم يسمع الحديث إلَّا في هذا\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"القبر\".\n(٣) قال ابن قتيبة في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٢٩٥): يخالف القرآن بوجهين. (ش).\n(٤) سورة الأنعام: الآية ١٦٤.\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٢٤، ٢٢٥).","vol":"10","page":399},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمورد، وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة عنه، وعن غيره غير (١) مقيدة بل مطلقة، دخل هذا الخصوص تحت ذلك العموم، فلا منافاة ولا معارضة، فيكون اعتراضها بحسب اجتهادها.\nقال ميرك نقلًا عن \"التصحيح\": اختلفوا في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، فقيل: إذا أوصى الميت بذلك، فيعذَّب بسببه بقدر وصيته، وقيل: هذا القول في حق ميت خاص كان يهوديًّا كما قالت عائشة - ﵂ -، وقيل: إنهم كانوا يذكرون في بكائهم ونوحهم من أخباره، ومن جملتها ما يكون مذمومًا شرعًا، فالمعنى (٢) أنه يُعَذَّب بما وقع في البكاء من الألفاظ.\nقال: وعندي والله أعلم أن يكون المراد بالعذاب هو الألم الذي يحصل للميت إذا سمعهم (٣) يبكون، أو بلغه ذلك؛ فإنه يحصل له تألم بذلك، وأقول: لا شك في تأذي الأرواح بما تتأذى به الأشباح، وهو محمل حسن، وتأويل مستحسن، لولا أنه يعكر عليه ما ثبت في الحديث المتفق عليه من تَقْيِيدِ (٤) العذاب بقوله: \"يوم القيامة\" مع أنه لا منع من الجمع بين هذا وبين ما تقدم من الرواية، انتهى (٥).\n_________\n(١) سقطت كلمة: \"غير\" في الأصل.\n(٢) تحرَّف في الأصل: بـ \"في المعنى\".\n(٣) فإنهم يتأذون بما يصيب الحي كما في \"الأوجز\" (٤/ ٥٥٩)، وقد يؤيده ما ورد أن أعمال الحي تُعْرَضُ على الأموات، وورد في ذلك روايات، كما في \"إحياء العلوم\" (٤/ ٤٢٢). (ش).\n(٤) في الأصل: \"تقيد\"، بدل: \"تقييد\".\n(٥) قلت: والحاصل أن للعلماء في المسألة ثلاثة عشر قولًا بسطت في \"الأوجز\"، الأول: على ظاهره، وبه قال عمر - ﵁ - وابنه، الثاني: من ردها مطلقًا لمخالفة الآية كعائشة وأبي هريرة - ﵄-، وحكي عن الشافعي، الثالث: يُعَذَّبُ حالَ بكائهم، فالباء للحال، والعذاب للذنوب، وروي عن عائشة، الرابع: خاص بالكافر، والآية للمؤمن، روي أيضًا عن عائشة، الخامس: خاص بمن كان النوح من =","vol":"10","page":400},{"text":"٣١٣٠ - حدَّثَنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ ثَقِيلٌ، فَذَهَبَتْ امْرَأتُهُ لِتَبْكِيَ أَوْ تَهُمَّ بِهِ، فَقَالَ لَهَا أَبُو مُوسَى: أَمَا سَمِعْتِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَسَكَتَتْ، قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو مُوسَى قَالَ يَزِيدُ: لَقِيتُ الْمَرْأَةَ فَقُلْتُ لَهَا: مَا قَوْلُ أَبِي مُوسَى لَكِ:\n===\n٣١٣٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس) كوفي، قال علي بن المديني: نظرت فإذا قَل رجل من الأئمة إلا قد حَذَث عن رجل لم يروِ عنه غيرُه، فقال له رجل: فإبراهيم النخعي ممن روى عن المجهولين؟ قال: روى عن يزيد بن أوس، عن علقمة، فمن يزيد بن أوس لا نعلم أحدًا روى عنه غير إبراهيم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (١).\n(قال: دخلت على أبي موسى وهو ثقيل) أي مريض (فذهبت امرأته لتبكي أو تهمَّ به) أي تقصد بالبكاء (فقال لها أبو موسى: أما سمعت ما قال رسول الله - ﷺ -، قالت: بلى) أي سمعته (قال: فسكتت) أي امتنعت عن البكاء.\n(قال) إبراهيم: (فلما مات أبو موسى قال يزيد: لقيت المرأة، فقلت لها: ما قول أبي موسى لكِ) أي أخبريني بقول أبي موسى لكِ، وفي المصرية:\n_________\n= سنته، وإليه مال البخاري، السادس: فيمن أوصى به، وهو قول الجمهور، السابع: فيمن لم يوص بتركه، فالوصية بالترك واجبة، وبه قال داود وطائفة، الثامن: التعذيب بالصفات التي يبكون بها، وهي مذمومة شرعًا، كقولهم: مرمِّل النسوان، ميتم الأولاد، وهو قول ابن حزم، التاسع: المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة، حين يقول الباكي: \"واجبلاه\" ونحوه من الألفاظ، فيقول الملك للميت: \"أنت كذا، أنت كذا\"، العاشر، الآية في القيامة، والحديث في البرزخ، الحادي عشر: المراد بالعذاب تألم الميت على البكاء لمعصيته كما يتألم على كل معاصيه. الثاني عشر: مثله يعني تألمه لكن بسبب تألم الحي، الثالث عشر: اللام لمعهود معين، انتهى، ملخصًا من \"الأوجز\" (٤/ ٥٥٤ - ٥٥٩). (ش).\n(١) راجع: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣١٥).","vol":"10","page":401},{"text":"أَمَا سَمِعْتِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ سَكَتِّ؟ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ، وَمَنْ سَلَقَ، وَمَنْ خَرَقَ\" (١). [ن ١٨٦٧، حم ٤/ ٤٠٤]\n٣١٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، نَا الْحَجَّاجُ عَامِلُ عُمَرَ (٢) بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الرَّبْذَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ، عن امْرَأَةٍ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ قَالَتْ: \"كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الْمَعْرُوفِ الَّذِي أَخَذَ (٣) عَلَيْنَا أَنْ لَا نَعْصِيَهُ فِيهِ:\n===\n\"فقلت لها: ما قول أبي موسى لكِ\" بزيادة لفظ \"ما\"، (أما سمعت ما قال رسول الله - ﷺ -) لك، بيان لقول أبي موسى (ثم سكت) بعد سماع ذلك؟ (قالت) ذكرني أبو موسى قول رسول الله - ﷺ - وهو: (قال رسول الله - ﷺ -: ليس منا من حلق) أي الشعرَ في المصيبة، كما هو عادة الكفار من الهنود، (ومن سلَقَ) أي صاح ورفع الصوتَ، (ومن خَرَقَ) أي ثيابَه، وكان ذلك من صنيع الجاهلية.\n٣١٣١ - (حدثنا مسدد، نا حميد بن الأسود، نا الحجاج عامل عمر بن عبد العزيز على الربذة) هو حجاج بن صفوان بن أبي يزيد المدني، وثَّقه أحمد، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الأزدي وحده: ضعيف.\n(قال: حدثني أسيد بن أبي أسيد، عن امرأة من المبايِعاتِ) لم أقف على اسمها، قال الحافظ في بيان المبهمات من النسوة: أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات، لم أقف على اسمها، وهي صحابية، لها حديث (٤).\n(قالت: كان فيما أخذ علينا رسولُ الله - ﷺ -) من العهد (في المعروف الذي أخذ علينا) من العهد (أن لا نَعْصِيَه فيه)، وهو المذكور في قوله تعالى:\n_________\n(١) في نسخة: \"خزق\".\n(٢) في نسخة: \"لعمر\".\n(٣) في نسخة: \"أخذه\".\n(٤) انظر: \"تقريب التهذيب\" رقم (٨٨٩١).","vol":"10","page":402},{"text":"أَنْ لَا نَخْمِشَ وَجْهًا، وَلَا نَدْعُوَ ويلًا، وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا، وَلَا نَنْشُرَ شَعْرًا\". [ق ٤/ ٦٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>(٣٠) بَابُ صُنْعَةِ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّت</span>\n٣١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ\" (١). [ن ٩٩٨، جه ١٦١٠، حم ١/ ٢٠٥، قط ٢/ ٧٩، ق ٤/ ٦١، ك ١/ ٣٧٢]\n===\n﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (٢) (أن لا نخمشَ) أي لا نخدش (وجهًا)، ولا ندعُوَ ويلًا، ولا نشق جيبًا، ولا ننشر شعرًا) أي عند المصيبة، وكل ذلك كان يفعله أهل الجاهلية، وأكثر ما يفعله النساء فَنُهِيْنَ عن ذلك.\n\n(٣٠) (بابُ صُنْعَةِ الطَّعَامِ لأهْلِ الْمَيِّتِ)\n٣١٣٢ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، حدثني جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله - ﷺ -) أي لأهله لما أتى خبر شهادة جعفر: (اصنعوا) أي هَيِّئوا (لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم) بفتح الياء والغين، وقيل: بضم الأول وكسر الثالث، والمعنى جاءهم ما يمنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم، والمراد طعام يشبعهم يومَهم وليلَتهم؛ فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم.\nوقيل: يُحْمَلُ لهم طعام إلى ثلاثة أيام مدةَ التعزية، ثم إذا صنع لهم ما ذكر، سنّ أن يلحّ عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء، أو لفرط جزع، واصطناعه من بعيد أو قريب للنائحات شديد التحريم؛ لأنه إعانة على\n_________\n(١) في نسخة: \"شغلهم\".\n(٢) سورة الممتحنة: الآية ١٢.","vol":"10","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1202>(٣١) بَابٌ: في الشَّهِيدِ يُغَسَّل</span>\n٣١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى. (ح): وَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ في صَدْرِهِ، أَوْ في حَلْقِهِ، فَمَاتَ، فَأُدْرج في ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ.\n===\nالمعصية، واصطناع أهل الميت (١) لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة، بل صح عن جرير - ﵁ -: كنا نعده من النياحة، وهو ظاهر في التحريم.\nقال الغزالي: \"ويكره الأكل منه\". قلت: وهذا إذا لم يكن من مال اليتيم أو الغائب، وإلا فهو حرام بلا خلاف، انتهى، قاله القاري (٢).\nقال ابن الهمام (٣): ويُسْتَحَبُ لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومَهم وليلَتهم لقوله - ﷺ -: \"اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم\". وقال: يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت؛ لأنه مشروع في السرور لا في الشرور، وهذه بدعة مستقبحة.\n\n(٣١) (بابُّ: في الشَّهِيدِ يُغَسَّلُ)\nأي هل يُغْسَلُ؟\n٣١٣٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا معن بن عيسى، ح: ونا عبيد الله بن عمر الجشمي، نا عبد الرحمن بن مهدي) كلاهما، أي معن وعبد الرحمن رويا (عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: رُمِيَ رجل) لم أقف على تسميته (بسهم في صدره أو في حلقه فمات، فَأُدْرج في ثيابه كما هو) يحتمل معنيين، أولهما أن يقال: فَأُدْرجَ، أي أُدْخِلَ في القبر حال كونه في ثيابه، وثانيهما\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المرقاة\": \"أهل البيت له\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٢٢).\n(٣) \"فتح القدير\" (٢/ ١٥١).","vol":"10","page":404},{"text":"قَالَ: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ -\". [ق ٤/ ١٤، حم ٣/ ٣٦٧]\n٣١٣٤ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ (١) نَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عن عَطَاءِ بْن السَّائِب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثيَابِهِمْ\" (٢). [جه ١٥١٥، حم ١/ ٢٤٧]\n٣١٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ. (ح): وَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَنسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ (٣):\n===\nمعناه: فَدُفِنَ مدرَجًا في ثيابه، وإنما احتيج إلى التأويل لأن الثياب لم يُنْزَعْ عنه حتى يقال: أدرج في ثيابه، والله تعالى أعلم. (قال) جابر: (ونحن مع رسول الله - ﷺ -) ولم أقف على أن هذه القصة متى وقعت، وفي أي غزوة وقعت.\n٣١٣٤ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله - ﷺ -) أي أصحابَه (بقتلى أحد)، الباء بمعنى \"في\" (أن يُنْزَعَ عنهم الحديدُ) أي السلاح والدروع (والجلودُ) مثل الفرو (وأن يُدْفَنُوا بدمائهم وثيابهم) وهذا ظاهر في أنهم لم يُغْسَلوا.\n٣١٣٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، ح: ونا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، وهذا لفظه) أي لفظ سليمان، (قال) ابن وهب: (أخبرني أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب أخبره، أن أنس بن مالك حدثهم)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وعيسى بن يونس قالا\". [قلت: ذكر المزي في \"الأطراف\" (٥٥٧٠) هذه الزيادة، ونسبها إلى ابن العبد فقط].\n(٢) زاد في نسخة: \"هذا لفظ زياد\".\n(٣) في نسخة: \"حدثه\".","vol":"10","page":405},{"text":"\"أَنَّ شَهُدَاءَ أُحُد لَمْ يُغْسَلُوا، وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ\". [ق ٤/ ١٠]\n===\nأي ابنَ شهاب وغيرَهم من التلامذة: (أن شهداء أحد لم يُغْسَلُوا، وَدُفِنُوا بدمائهم، ولم يُصَلَّ عليهم).\nقال الترمذي (١): قال بعضهم: يُصَلى على الشهيد، وهو قول الكوفيين (٢) وإسحاق، وقال بعضهم: لا يُصَلَّى عليه، وهو قول المدنيين (٣) والشافعي وأحمد، وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والمزني والحسن البصري وابن المسيب.\nقال في \"البدائع\" (٤): وأما حكم الشهادة في الدنيا فنقول: إن الشهيد كسائر الموتى في أحكام الدنيا، وإنما يخالفهم في حكمين: أحدهما: أنه لا يُغْسَلُ عند عامة العلماء، وقال الحسن البصري: يُغْسَلُ؛ لأن الغسل كرامة لبني آدم، والشهيد يستحق الكرامة، إنما لم تُغْسَل شهداءُ أحد تخفيفًا على الأحياء لكون أكثرهم كانوا مجروحين، فلم يقدروا على غسلهم.\nولنا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال في شهداء أحد: \"زَمِّلُوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يُبْعَثُون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريحَ المسك\" (٥)، وفي رواية: \"زَمِّلوهم بدمائهم، ولا تغسلوهم\" (٦)، الحديث.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٥٤) رقم (١٠٣٦).\n(٢) قال العيني (٧/ ٢١٠): ذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق في رواية إلى أن الشهيد لا يصلى عليه كما لا يُغْسَلُ، وذهب الثوري والحنفية وأحمد في رواية وجماعة عَدَّها إلى أنه يُصَلَّى ... إلخ. (ش).\n(٣) منهم مالك، فقد صرَّح في \"الشرح الكبير\" (١/ ٦٧٥) عدمَ الغسل، وأنه والصلاة متلازمان. (ش).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٧١ - ٧٤).\n(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٤٣١)، والبيهقي (٤/ ١٠، ١١) بنحوه، والنسائي (٣١٤٨).\n(٦) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٤٣١).","vol":"10","page":406},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفالنبي - ﷺ - لم يأمر بالغسل، وبَيَّن المعنى، وهو أنهم يُبْعَثُون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا، فلا يُزَال عنهم الدمُ بالغسل ليكون شاهدًا لهم يوم القيامة، وبه تَبَيَّنَ أن ترك غسل الشهيد من باب الكرامة، وأن الشهادة جُعِلَتْ مانعة عن حلول نجاسة الموت.\nوما ذكر من تعذر الغسل غير سديد؛ لما بينا أن النبي - ﷺ - أمر بأن يزملوهم بدمائهم فبين المعنى، ولأن ترك الغسل لو كان للتعذر لأَمَرَ أن يُيَمَّمُوْا، كما لو تعذر غسل الميت في زماننا لعدم الماء.\nوالثاني: أنه يكفَنُ في ثيابه غير أنه يُنْزَعُ (١) عنه الجلد، والسلاح، والفرو، والحشو، والخف، والمنطقة، والقلنسوة، وعند الشافعي: لا يُنْزَعُ عنه شيء مما ذكرنا لقوله ﵇: \"زَمِّلوهم بثيابهم\".\nولنا ما روي عن علي - ﵁ - أنه قال: \"تُنْزَعُ عنه العمامةُ والخفان والقلنسوة\"، وهذا لأن ما يُتْرَكُ يُتْرَك ليكون كفنًا، والكفن يُلْبَسُ للستر، وهذه الأشياء تُلْبَسُ إما للتجمل والزينة، أو لدفع البرد، أو لدفع معرة السلاح، ولا حاجة للميت إلى شيء من ذلك، فلم يكن شيء من ذلك كفنًا، وبه تبين أن المراد من قوله - ﷺ -: \"زملوهم بثيابهم\"؛ الثياب التي يُكْفَنُ بها وتُلْبَسُ للستر.\nوقال الشافعي (٢) - ﵀ -: إنه لا يُصَلَّى عليه كما لا يُغْسَلُ، واحتج بما روي عن جابر: \"أن النبي - ﷺ - ما صلى على أَحَد من شهداء\n_________\n(١) واختلف فيما ينزع عنه كثيرًا، بسط في \"الأوجز\" (٩/ ٣٧١). (ش).\n(٢) وبه قال مالك وأحمد في رواية، وفي الأخرى له: يُصَلَّى عليه، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ٣٦٨)، ومستدل الحنفية سيأتي في \"باب الصلاة على القبر بعد حين\"، وتقدَّم في \"باب في الرجل يموت بسلاحه\" ما هو حجة على الشافعية، وذكر بعضها العيني (٦/ ٢١٠)، والزيلعي (٢/ ٣٠٧)، وبسط الشوكاني أيضًا الدلائل، ورجَّح الصلاة. [انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٣٦)]. (ش).","vol":"10","page":407},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأُحُد\" (١)، ولأن الصلاة على الميت شفاعة له ودعاء لتمحيص ذنوبه، والشهيد قد تطهَّر عن دنس الذنوب لقول النبي - ﷺ - \"السيف محَّاء للذنوب\" (٢)، فاستغنى عن ذلك كما استغنى عن الغسل، ولأن الله تعالى وصف الشهداء بأنهم أحياء (٣)، والصلاة على الميت لا على الحي.\nولنا ما روي: \"أن النبي - ﷺ - صلى على شهداء أحد صلاةَ الجِنازة، أو صلاته على الميت\" (٤)، حتى روي: \"أنه ﵇ صلى على حمزة سبعين صلاة\".\nوما روي عن جابر - ﵁ - فغير صحيح، وقيل: إنه كان يومئذ مشغولًا، فإنه قُتِلَ أبوه وأخوه وخاله، فرجع إلى المدينة ليدبِّرَ كيف يحملهم إلى المدينة؟ فلم يكن حاضرًا حين صلَّى النبي - ﷺ -، فلهذا روى ما روى، ومن شاهد النبي - ﷺ - قد روى أنه صلى عليهم، ثم سمع جابر منادي رسول الله - ﷺ - أن تُدْفَنَ القتلى في مصارعهم، فرجع فدفنهم فيها، ولأن الصلاة على الميت لإظهار كرامته، ولهذا اختص بها المسلمون دون الكفرة، والشهيد أولى بالكرامة، وما ذكر من حصول الطهارة بالشهادة فالعبد وإن جل قدره لا يستغني عن الدعاء.\nألا ترى أنهم صلوا على رسول الله - ﷺ -، ولا شك أن درجته كانت فوق درجة الشهداء، وإنما وصفهم بالحياة في حق أحكام الآخرة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٥)، فأما في حق أحكام الدنيا فالشهيد ميت يُقسَم مالُه، وتنكح امرأته بعد انقضاء العدة، فوجوب الصلاة عليه من أحكام الدنيا، فكان ميتًا فيه فيصلى عليه، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٤٣) بنحوه.\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٥) في حديث طويل من حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁.\n(٣) انظر: سورة آل عمران: الآية ١٦٩.\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" رقم (١٣٤٤).\n(٥) سورة آل عمران: الآية ١٦٩.","vol":"10","page":408},{"text":"٣١٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا زَيْدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحُبَابِ (١) -، وَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو صَفْوَانَ - يَعْنِي الْمَروَانِيَّ-، عن أُسَامَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، الْمَعْنِى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِلَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: \"لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ في نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأكُلَهُ الْعَافِيَةُ\n===\n٣١٣٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا زيد -يعني ابن الحباب-) ح: (ونا قتيبة بن سعيد، نا أبو صفوان - يعني المرواني -) هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي الدمشقي، قال ابن معين وعلي بن المديني وأبو مسلم المستملي: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: من الثقات.\n(عن أسامة، عن الزهري، عن أنس بن مالك، المعنى) وكان الأنسب أن يقول هذا اللفظ قبل قوله: عن أسامة، فإن زيد بن الحباب وأبا صفوان يرويان عن أسامة باتحاد المعنى (أن رسول الله - ﷺ - مَرَّ على) حمزة (وقد مُثِلَ) هو بضم الميم وكسر الثاء المثلثة بالتخفيف، يقال: مثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه.\n(فقال رسول الله) - ﷺ -: (لولا أن تجد) أي تحزن (صفية) أخت حمزة (في نفسها لتركته) أي غير مدفون (حتى تأكله العافية) (٢) قال\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المروزي\".\n(٢) قلت: لكن يشكل عليه أن التدفين من حقوق الميت، سواء يجد فيه حي أم لا؟ فالأوجه عندي في معنى الحديث ما قال أبو الطيب في شرح الترمذي بعد بيان المعنى المشهور من تمام الأجر لصرف كل البدن في سبيله تعالى أو لبيان أنه ليس عليه فيما فعلوا من المثلة تعذيب حتى أن دفنه وتركه سواء، انتهى. (ش).","vol":"10","page":409},{"text":"حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا\"، وَقَلَّتِ الثِّيَابُ وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى، فَكَانَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلاثَةُ يُكَفَّنُونَ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ\".\nزاَدَ قُتَيْبَةُ: ثُمَّ يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ (١) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَسْأَلُ: \"أَيُّهُمْ أَكْثَرُ قُرآنًا؟ \" فَيُقَدِّمَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. [ت ١٠١٦، حم ٣/ ١٢٨، قط ٤/ ١١٦، ق ٤/ ١٠، ك ١/ ٣٦٥]\n٣١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ (٢) الْعَنْبَرِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ:\n===\nالخطابي (٣): العافية السباع والطير التي تقع على الجيف وتأكلها، ويُجْمَعُ على العوافي. (حتى يُحْشَرَ) حمزة يوم القيامة (من بطونها) أي العوافي، (وقلَّت الثياب وكثرت القتلى، فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفَّنُون في الثوب الواحد) يحتمل أن يكون المراد أن يُقْطَعَ الثوب الواحد بينهم، ويحتمل أن يكون محمولًا على الضرورة (٤).\n(زاد قتيبة: ثم يُدْفَنُون في قبر واحد (٥)، فكان رسول الله - ﷺ - يسأل: أيهم أكثر قرآنًا؟) أي أيهم أكثر حفظًا للقرآن؟ (فيقدمه إلى القبلة).\n٣١٣٧ - (حدثنا عباس العنبري، نا عثمان بن عمر قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"وكان\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن عبد العظيم\".\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ٣٠٤).\n(٤) قال ابن عابدين (٣/ ١٣٨): يجوز للضرورة، وُيجْعَلُ بينهما تراب أو لبن ليصير كقبرين ... إلخ، وبسط المذاهب العيني (٦/ ٢١٢)، والقسطلاني (٣/ ٤٨٦)، وجزم بجوازه الزرقاني على \"الموطأ\" [انظر: \"شرح الزرقاني\" (٣/ ١٥٣)]. (ش).\n(٥) قال القاري (٤/ ١٥٢): لا يلزم منه تلاقي بشرتهما؛ إذ يمكن حيلولتهما بنحو إذخر مع احتمال أن الثوب كان طويلًا فَأدْرِجا فيه، قال الطيبي (٣/ ٣٧٠): أي في قبر واحد لا في ثوب واحد؛ إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تلاقي بشرتهما، وقال الخطابي (١/ ٣٠٥): يجوز دفن ميِّتين فصاعدًا في ثوب واحد للضرورة كفي قبر، ثم الأظهر أن قوله: \"في ثوب واحد\" حال أي حال كون كل واحد منهما في ثوب واحد، اننهى. وحكى العيني (٦/ ٢١٢) عن ابن تيمية: يقسم لكل واحد من هذا الثوب وإلا فلا يصح يسأل أيهم أكثر قرآنا ... إلخ. (ش).","vol":"10","page":410},{"text":"نَا أُسَامَةُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِحَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ\".\n٣١٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، وَيَقُولُ: \"أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ \"، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، فَقَالَ (١): \"أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"،\n===\nنا أسامة، عن الزهري، عن أنس) - ﵁ -: (أن النبي - ﷺ - مر بحمزة) وهو شهيد (وقد مثل به، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره (٢).\nقال الشوكاني (٣): وأعلَّه البخاري والترمذي والدارقطني بأنه غَلِطَ فيه أسامة بن زيد، فرواه عن الزهري، عن أنس، ورجَّحوا رواية الليث (٤) عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر.\n٣١٣٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب، أن الليث حدثهم، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله أخبره: أن رسول الله - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد) أي في قبر واحد (ويقول: أيهما كثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له) أي رسول الله - ﷺ - (إلى أحدهما) بأن هذا أكثر أخذًا للقرآن (قدَّمه) أي إلى القبلة (في اللحد، فقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) بأنهم بذلوا مهجهم في مرضاة الله تعالى وإعزاز\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) وفي \"التقرير\": إلى مثله، فإنه صلَّى عليه سبعين مرة، انتهى. (ش).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٩٥).\n(٤) قال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع الليث على ذلك، وذكر له الحافظ (٣/ ٢١٠) متابعًا، وبسطه. (ش).","vol":"10","page":411},{"text":"وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُم (١). [خ ١٣٤٧، ت ١٠٣٦، ن ١٩٥٥، جه ١٥١٤، ق ٤/ ٣٤]\n٣١٣٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، عن اللَّيْثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: \"يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتلَى أُحُدٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ\". [خ ٤٠٧٩، وانظر مَا قبله]\n\n(٣٢) بَابٌ: في سَتْرِ (٣) الْمَيِّتِ عِنْدَ غَسْلِهِ\n٣١٤٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نَا حَجَّاجٌ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَال: أُخْبِرْتُ عَنِ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ،\n===\nدينه (وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يُغَسِّلْهم) وليس فيه ذكر الصلاة، وهذا هو الحديث الذي أشار البخاري والترمذي وغيرهما أنه الحديث، وما روى أسامة بن زيد عن الزهري عن أنس، فغلط فيه.\n٣١٣٩ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، عن الليث بهذا الحديث بمعناه، قال: يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد) فزاد لفظ: \"في ثوب واحد\".\n\n(٣٢) (بابٌ: في سَتْرِ (٤) الْمَيِّتِ عِنْدَ غَسْلِهِ)\n٣١٤٠ - (حدثنا علي بن سهل الرملي، نا حجاج، عن ابن جريج قال: أُخْبِرْت، عن ابن حبيب بن أبي ثابت) هكذا في النسخة الكانفورية والنسختين المكتوبتين بزيادة لفظ \"ابن\" على حبيب، ولكن خط على لفظ \"ابن\" في النسخة\n_________\n(١) في نسخة: \"لم يغسلوا\".\n(٢) في نسخة: \"حدثنا\".\n(٣) وقع في متن الأصل وشرحه: \"سترة\"، وهو تحريف، والصواب: \"سَتْر\".\n(٤) أي: ستره وهو في هذا كالحي بلا خلاف، كذا في \"التقرير\". (ش).","vol":"10","page":412},{"text":"عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلَا تَنْظُرْ (١) إِلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيتٍ\". [جه ١٤٦٠، حم ١/ ١٤٦، ق ٣/ ٣٨٨، ك ٤/ ١٨٠]\n===\nالمكتوبة المدنية، والظاهر أن لفظ \"ابن\" ليس بصحيح؛ فإن هذا الحديث (٢) أخرجه ابن ماجه (٣) في \"الجنائز\"، وليس فيه لفظ \"ابن\": حدثنا بشر بن آدم، ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي - ﵁ -.\nوأخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٤)، ليس فيه لفظ \"ابن\"، ولفظه: حدثنا عبد الله، ثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثني يزيد أبو خالد البَيْسَرِي القرشي، ثنا ابن جريج، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن أبي ضمرة، عن علي - ﵁ -.\nوأخرجه أيضًا الطحاوي (٥)، ولفظه قال: فمما روي عنه في ذلك ما حدثنا ابن أبي عمران قال: ثنا القواريري قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي - ﵁ -، ولم يقل فيه عن ابن حبيب بن أبي ثابت.\n(عن عاصم بن ضمرة، عن علي أن النبي - ﷺ - قال: لا تبرز) أي لا تظهر (فخذك) عند أحد (ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميّت) فدل هذا الحديث على أن الميت في حكم ستر العورة كالحي.\n_________\n(١) في نسخة: \"لا تنظرن\".\n(٢) وأوجه من ذلك كله أن المصنف أيضًا بنفسه سَيُعِيد الحديث في \"باب النهي عن التعري\" على الصواب، وحكم هناك المصنف على الحديث بالنكارة. (ش).\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" رقم (١٤٦٠).\n(٤) (١/ ١٤٦).\n(٥) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٧٤).","vol":"10","page":413},{"text":"٣١٤١ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: \"لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّه عَلَيْهِم النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقَنُهُ (١) في صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ (٢) الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنِ اغْسِلُوا (٣) النَّبِيَّ - ﷺ - وَعَلَيْهِ ثِيَابهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وَيَدْلُكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ.\n===\n٣١٤١ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال: سمعت عائشة) - ﵂ - (تقول: لما أرادوا غسل النبي - ﷺ -) بعد وفاته (قالوا: والله ما ندري أنجرِّد رسولَ الله - ﷺ - من ثيابه كما نجرد موتانا)، ولعل المراد بالتجريد تجريد الميت (٤) بما سوى الإزار (أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم) أي الصحابة (النومَ حتى ما منهم رجل إلَّا وذقنه) مُنحن (في صدره، ثم كلَّمهم مكلِّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسِلُوا النبي - ﷺ - وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله - ﷺ - فغسلوه وعليه قميصه (٥)، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم) أي لا بأيديهم.\n_________\n(١) في نسخة: \"إلا ذقنه\".\n(٢) في نسخة: \"ثم كلمهم من ناحية\".\n(٣) في نسخة: \"غسلوا\".\n(٤) ولعل وجه الاشتباه على الصحابة أنه - ﷺ - كان لا يتجرد في حياته، كذا في \"التقرير\". (ش).\n(٥) وبه ندب الشافعي الغسل في القميص، وعندنا ومالك وهو المشهور عن أحمد أن الندب أن يجرد، والحديث على الخصوصية كما هو ظاهر سياقه، \"الأوجز\" (٤/ ٣٩٠، ٣٩١). (ش).","vol":"10","page":414},{"text":"وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُه\". [جه ١٤٦٤، حم ٦/ ٢٦٧، ق ٣/ ٣٨٧]\n===\nويُستَدَلُّ بهذا الحديث أن الميت إذا غُسِلَ يجب أن لا يمس عورته إلَّا بلف الثوب على يده.\n(وكانت عائشة) - ﵂ - (تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت) (١) أي لو علمت أولًا ما علمت آخرًا، ولعلها علمت آخرًا أن تعلق النكاح من أزواجه - ﷺ - لم ينقطع؛ لأن رسول الله - ﷺ - حي، ولهذا لم يجز لهن النكاح من أحد بعده - ﷺ -، أو علمت أن ما دامت العدة باقية فتعلق نكاح الزوج بالزوجة باق (ما غسله إلَّا نساؤه).\nقال الشوكاني (٢): قوله: \"لو استقبلت من أمري\"، قيل: فيه أيضًا متمسك لمذهب الجمهور، ولكنه لا يدل على عدم جواز غسل الجنس لجنسه [مع وجود الزوجة] ولا على أنها أولى من الرجال؛ لأنه قول صحابية، ولا حجة فيه، وقد تولى غسلَه - ﷺ - علي والفضل بن عباس، وأسامة بن زيد يناول الماء، والعباس واقف، ولم ينقل إلينا أن أحدًا من الصحابة أنكر ذلك، فكان إجماعًا منهم.\nوروى البزار (٣) من طريق يزيد بن بلال قال: قال علي - ﵁ -: \"أوصى النبي - ﷺ - أن لا يغسِّلَه أحد غيري\"، وروى ابن المنذر (٤) عن أبي بكر - ﵁ -: \"أنه أمرهم أن يغسِّل النبيَّ - ﷺ - بنو أبيه، وخرج من عندهم\".\n_________\n(١) قلت: ويحتمل أن يكون المراد: لو علمت أولًا ما علمت آخرًا من أن بعض الناس يستدلون من عدم غسل الأزواج أنه لا يجوز للمرأة أن تغسل الزوج، ويمكن أن يكون إشارة إلى طعن بعض الناس في الأزواج لأجل تركهن غسله ﵇ ونسبتهن إلى التقصير في حقه - ﷺ - مثل مقالتهم في شأن أبي بكر أنه شغل عن تجهيزه وتكفينه ﵇ لأجل الاهتمام بأمر الخلافة. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٧٦، ٦٧٧).\n(٣) \"مسند البزار\" رقم (٩٢٥).\n(٤) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٢٤٨).","vol":"10","page":415},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد روت عائشة - ﵂ - قالت: رجع إليَّ رسول الله - ﷺ - من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأقول: وَارَأساه؛ قال - ﷺ -: \"بل أنا وارأساه! ما ضَرَّكِ لو مُتّ قبلي فغسَّلتكِ وكفّنتكِ، ثم صليت عليكِ ودفنتكِ\" (١).\nقال الشوكاني (٢): فيه دليل أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت، وهي تغسله قياسًا وبغسل أسماء لأبي بكر، وعلي لفاطمة، ولم يقع لسائر الصحابة إنكار على ذلك (٣) على علي وأسماء - ﵄-، وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعية والأوزاعي وإسحاق والجمهور، وقال أحمد: لا تغسله لبطلان النكاح، ويجوز العكس عنده كالجمهور، وقال أبو حنيفة وأصحابه والشعبي والثوري: لا يجوز أن يغسلها لمثل ما ذكرها أحمد، ويجوز العكس عندهم كالجمهور، قالوا: لأنه لا عدة عليه بخلافها.\nوالجواب عن حديث عائشة - ﵂ - بأنه محمول على الغسل تسببًا، فمعنى قوله: \"غسَّلتُكِ\" قمت بأسباب غسلكِ حملناه على هذا صيانة لمنصب النبوة عما يورث شبهة نفرة الطباع عنه وتوفيقًا بين الدلائل على أنه يحتمل أنه كان مخصوصًا بأنه لا ينقطع نكاحه بعد الموت بقوله: \"كل سبب ونسب ينقطع بالموت إلَّا سببي ونسبي\" (٤).\nوأما حديث علي - ﵁ - فقد روي أن فاطمة - ﵂ - غسلتها أم أيمن، ولو ثبت أن عليًّا - ﵁ - غسلها، فقد أنكر عليه ابن مسعود حتى قال علي - ﵁ -: أما علمتَ أن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١٤٦٥)، وأحمد (٦/ ٢٢٨)، والبيهقي (٣/ ٣٩٦)، والدارقطني (٢/ ٧٤).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٧٦).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"النيل\": \"إنكار عَلَى عَلِيٍّ وأسماء ... \" إلخ.\n(٤) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٢٢)، والبيهقي في \"السنن\" (٧/ ٦٤ - ١١٤).","vol":"10","page":416},{"text":"٣١٤٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ (١)، عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، الْمَعْنَى، عَنْ أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ: \"اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ\n===\n\"إن فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة\" (٢)، فدعواه الخصوصية دليل على أنه كان معروفًا بينهم أن الرجل لا يغسِّل زوجتَه.\n\n(٣٣) (بابٌ: كَيْفَ غسْلُ الْمَيِّتِ؟) (٣)\n٣١٤٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: وحدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، كلاهما أي مالك وحماد بن زيد يرويان (عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله - ﷺ - حين توفيت ابنته) زينب (٤) (فقال: اغسلنها (٥) ثلاثًا أو خمسًا (٦) أو أكثر من\n_________\n(١) وفي النسخة المصرية ذكر حديث القعنبي في \"باب كيف غسلُ الميت؟ \" فالمناسبة ظاهرة. [قلت: ذكر المؤلف \"باب كيف غسل الميت\" في المتن قبل حديث أحمد بن عبدة، وفي الشرح قبل حديث القعنبي، فالتزمنا منهجه في ذلك].\n(٢) لم أعثر على من أخرجه.\n(٣) اختلف في علة الغسل، فقيل: تعبدي، وقيل: للتطهير للحديث أو النجاسة، وقيل: للتنظيف، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٣٨٩)، وقيل: دفعًا لاحتمال أن يكون عليه شيء من الحدث.\n(٤) وبسط ذكرها في \"الخميس\" (١/ ٢٧٣، ٢٧٤، و٢/ ١١٨)، وبسط الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٢٨) الكلام على مسمى البنت هذه، وكذا في \"الأوجز\" (٤/ ٣٩٣)، والأكثر على أنها زينب، وقيل: أم كلثوم، ومال أبو الطيب في \"شرح الترمذي\" إلى الجمع بينهما. (ش).\n(٥) قال الزرقاني (٢/ ٥٠، ٥١): أمر لأم عطية ومن معها، ووقفتُ على ثلاث منها، ثم ذكر كلام الحافظ في \"الفتح\"، والظاهر أنه وَهَم؛ لأن كلام الحافظ ظاهره في قصة أم كلثوم، وهذه قصة زينب، فتأمل، واستدل بالأمر على الوجوب، واتفقت الأربعة على أنه فرض كفاية، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٣٩٤، ٣٩٥). (ش).\n(٦) الجمهور على ندب الثلاث، وقال بعضهم بوجوبه، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٣٩٥). (ش).","vol":"10","page":417},{"text":"ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي\"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: \"أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ\". [خ ١٢٥٤، م ٩٣٩، ت ٩٩٠، جه ١٤٥٨، ن ١٨٨١، حم ٥/ ٨٤]\nقَالَ: (١) عَنْ مَالِك: تَعْني إِزَارَهُ، وَلَمْ يَقُلْ مُسَدَّدٌ: \"دَخَلَ عَلَيْنَا\".\n===\nذلكِ) بكسر كاف خطاب لأم عطية (إن رأيتنَّ ذلك) أي إن وقعت الضرورة في رأيكن إلى كثرة دفعات الغسل، فاغسلنها خمسًا أو أكثر من ذلك (بماء وسدر (٢)، واجعلن في الآخرة) أي المرة الآخرة (٣) (كافورًا أو) للشك من الراوي (شيئًا من كافور، فإذا فرغتن) عن المحسل (فآذنني) أي أخبرنني بالفراغ عن الغسل.\n(فلما فرغنا) من غسلها (آذنّاه) أي أخبرنا رسول الله - ﷺ - منه بذلك (فأعطانا حَقْوَه) أي إزاره، والأصل فيه معقد الإزار، ويسمى به الإزار للمجاورة، وهو بفتح حاء، وقد تكسر، فقاف ساكنة.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أشعرنها إياه) أي اجعلن هذا الحقو تحت الأكفان بحيث يلاصق بشرتها؛ ليصل إليها البركة (٤).\n(قال) القعنبي: (عن مالك: تعني) أي أم عطية بالحقو (إزاره، ولم يقل مسدد: دخل علينا).\n_________\n(١) في نسخة: قال أبو داود: قال مالك.\n(٢) وهل الغسلات كلها بماء السدر أو مرتين فقط كما رجحه ابن الهمام (٢/ ١١١) لرواية أبي داود الآتية قريبًا، أو الواحدة فقط كما اختاره شيخ الإِسلام وصاحب \"البدائع\" (٢/ ٣٧) مختلف فيها؟ كما في \"الشامي\" (٣/ ٨٨) و\"الكبيري\" (ص ٥٣٥)، و\"البحر الرائق\" (٢/ ١٨٦). (ش).\n(٣) فيه حجة لجواز التطهر بماء مقيد، وأَوَّله مُتَّبِعوا الأئمة الثلاثة بتوجيهات، بسطه في \"الأوجز\" (٤/ ٣٩٩، ٤٠٠). (ش).\n(٤) فيه الاستبراك بآثار الصالحين، ويؤيده أيضًا حديث البخاري في استعداد الكفن، \"الأوجز\" (٤/ ٤٠٣). (ش).","vol":"10","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1204>(٣٣) بَابٌ: كَيْفَ غَسْلُ الْمَيِّتِ</span>؟\n٣١٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ وأَبُو كَامِلٍ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: نَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ حَفْصَةَ أُخْتِهِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: \"مَشَّطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ\". [خ ١٢٥٤، م ٩٣٩، ت ٩٩٠، جه ١٤٥٩، ن ١٨٨٣، حم ٦/ ٤٠٧]\n٣١٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا هِشَامٌ، عن حَفْصةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: \"وَضَفَرْنَا رَأسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا: مُقَدَّمَ رَأْسِهَا وَقَرْنَيْهَا\". [خ ١٢٦٢، م ٩٣٨]\n===\n٣١٤٣ - (حدثنا أحمد بن عبدة وأبو كامل، أن يزيد بن زريع حدثهم قال: نا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن حفصة أخته) أي أخت محمد بن سيرين، (عن أم عطية قالت: مشطناها) أي فرقنا شعر رأسها بالمشط (ثلاثة قرون).\n٣١٤٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عبد الأعلى، نا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: وضفرنا رأسها) أي رأس بنت رسول الله - ﷺ - (ثلاثة قرون) أي ثلاث ضفائر، جعلنا قرنيها ضفيرتين وناصيتها ضفيرة (ثم ألقيناها) أي القرون الثلاثة (خلفها) أي على ظهر (مقدم رأسها) بيان للقرون الثلاثة، أي أحد القرون مقدم رأسها وهو ناصيتها (وقرنيها) أي الضفيرتين من جانبي رأسها.\nقلت (١): وعندنا (٢) الحنفية: يُسْدَلُ شعرُها بين ثدييها من الجانبين جميعًا تحت الخمار، ولا يُسْدَل شعرها خلف ظهرها، وعند الشافعي: يسدل خلف ظهرها، ولنا أن ضفرها ومشطها وإلقاءها خلف ظهرها من باب الزينة،\n_________\n(١) قال الأُبي في \"شرح مسلم\" (٣/ ٣٤١): فيه مشط الرأس وضفره، وبه قال الشافعي وأحمد وابن حبيب، ولم يعرف ابن القاسم الضفر، وقال الأوزاعي والكوفيون: لا يجب مشطه بل يرسل ... إلخ. [انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٨)]. (ش).\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤١).","vol":"10","page":419},{"text":"٣١٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ، نَا خَالِدٌ، عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ لَهُنَّ في غُسْلِ ابْنَتِهِ: \"إِبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا\". [خ ١٢٥٥، م ٩٣٨، ت ٩٩٠، جه ١٤٥٩، ن ١٨٨٤]\n===\nوهذه ليست بحال الزينة، ولا حجة في حديث أم عطية لأن ذلك كان فعلها، وليس في الحديث أن النبي - ﷺ - علم ذلك.\n٣١٤٥ - (حدثنا أبو كامل، نا إسماعيل، نا خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية: أن رسول الله - ﷺ - قال لهن) أي للنساء الغاسلات (في غسل ابنته: ابدأْنَ بميامنها) أي بغسل ميامنها يعني أعضاء اليمين منها قبل المياسر، (ومواضع الوضوء منها)، أي وابدأن بغسل مواضع الوضوء قبل غسل باقي الأعضاء.\nقال الحافظ (١): ليس بين الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معًا، قال الزين بن المنير: قوله: \"ابدأن بميامنها\" أي في الغسلات التي لَا وُضوء (٢) فيها، انتهى. قلت: لا حاجة إلى تفسير قوله: \"بميامنها\" بقوله: \"التي لا وضوء فيها\"، بل ظاهر الكلام معناه: ابدأن بميامنها في غسل أعضاء الوضوء، والأعضاء التي لا وضوء فيها.\nثم قال الحافظ: \"ومواضع الوضوء منها\"، أي في الغسلة المتصلة بالوضوء، فكأن المصنف أشار بذلك إلى مخالفة أبي قلابة في قوله: \"يبدأ بالرأس ثم باللحية\"، قال: والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل، انتهى.\nوالمراد بأعضاء الوضوء في غسلها هي الأعضاء التي ذُكِرَت في كتاب الله تعالى، فلهذا لم يدخل المضمضة والاستنشاق ولا مسح الرأس؛ لأنه ليس\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣١).\n(٢) في الأصل: \"التي للوضوء\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":420},{"text":"٣١٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. [خ ١٢٥٥، م ٩٣٩، ن ٢٠٠٨، جه ١٤٥٨، حم ٥/ ٨٥]\n===\nيُغْسَل كما هو مذهب الحنفية، والعجب من صاحب \"العون\" (١) فإنه قال: وفي هذا رد على من لم يقل باستحباب البداءة بالميامن وهم الحنفية.\nوتبع صاحبُ العون في هذا الشوكانيَّ فإنه قال في \"النيل\" (٢) قبل ذلك: وفي هذا رد على من لم يقل باستحباب البداءة بالميامن، وهم الحنفية. وهذا غلط منهما وافتراء على الحنفية ووقاحة عظيمة، فإن الكتب المعتبرة للحنفية كـ \"الهداية\" و\"البدائع\" وغيرهما متفقة طافحة بهذه المسألة، ومتفقة على استحباب البداءة بالميامن.\nقال في \"البدائع\" (٣): ثم يُوَضَّأُ وضوءَه للصلاة؛ لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال للاتي غسلن ابنته: \"ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها\"، ولأن هذا سنة الاغتسال في حالة الحياة، فكذا بعد الممات، ثم يضجعه على شقه الأيسر لتحصل البداءة بجانبه الأيمن، إذ السنَّة هي البداءة بالميامن على ما مر، انتهى.\nوقال في \"الهداية\" (٤): ثم يضجع على شقه الأيسر، فيغسل بالماء والسدر، حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، ثم يضجع على شقه الأيمن فيغسل، حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، لأن السنَّة هو البداءة بالميامن.\n٣١٤٦ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، عن أيوب، عن محمد) بن سيرين، (عن أم عطية بمعنى حديث مالك)، وهذا الكلام ذكره توطئة وتمهيدًا\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٨/ ٤٢٠).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٨٢).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٦، ٢٧).\n(٤) \"الهداية\" (١/ ٨٨، ٨٩).","vol":"10","page":421},{"text":"(١) زَادَ في حَدِيثِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِنَحْوِ هَذَا، وَزَادَتْ فِيهِ: \"أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنَّ رَأَيْتُنَّ (٢) ذَلِكَ\".\n===\nلما بعده، وإلا فقد تقدم في أول الباب من حديث مالك: وقال حماد بن زيد، وقال فيه: المعنى، فلو لم يُحْمَلْ على التوطئة لكان تكرارًا محضًا.\n(وزاد) أي أيوب (في حديث حفصة عن أم عطية بنحو هذا) أي بنحو هذا الكلام الذي ذكره في حديث محمد بن سيرين عن أم عطية (وزادت) أي قال أيوب: زادت حفصة (فيه) أي في هذا الحديث: (أو سبعًا أو كثر من ذلك إن رأيتن ذلك).\nحاصل هذا الكلام أن غرض المصنف بهذا الكلام بيان الفرق بين حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، وبين حديث أيوب عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية بأن حديث أيوب عن ابن سيرين: \"اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك\"، فذكر الإكثار فيه قبل الخمس (٣)، ولم يذكر السبع.\nوأما في حديث حفصة بنت سيرين، عن أم عطية فذكر بعد الخمس سبعًا، ثم ذكر: أو أكثر من ذلك.\nويدل عليه صنيع النسائي في \"المجتبى\" (٤)، فإنه عقد \"غسل الميت أكثر من سبعة\"، وأخرج فيه أولًا حديث أيوب، عن محمد، عن أم عطية، قال: أخبرنا قتيبة، حدثنا حماد، ثنا أيوب، [عن محمد] (٥)، عن أم عطية، وفيه فقال: \"اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) في نسخة بدله: \"رأيتنه\".\n(٣) الصواب بدله: بعد الخمس. (ش).\n(٤) \"سنن النسائي\" (١٨٨٧، ١٨٨٨، ١٨٨٩).\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط في الأصل فزدناه من \"سنن النسائي\".","vol":"10","page":422},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم أخرج حديث أيوب، عن حفصة، عن أم عطية، قال: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية نحوه، غير أنه قال: \"ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك\"، ثم قوى حديث حفصة بسند آخر، فقال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا بشر، عن سلمة بن علقمة، عن محمد، عن بعض إخوته، عن أم عطية قالت: \"توفيت ابنة لرسول الله - ﷺ -، فأمرنا بغسلها، فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك\".\nوالعجب من الحافظ فإنه مع سعة نظره قال في \"الفتح\" (١): ولم أرَ في شيء من الروايات بعد قوله: \"سبعًا\" التعبيرَ بـ \"أكثر من ذلك\" إلا في رواية لأبي داود، وأما ما في سواها (٢) فإما \"أو سبعًا\" وإما \"أو أكثر من ذلك\"، فإن الحديث (٣) الذي أخرجه النسائي من حديث إسماعيل بن مسعود فيه التعبير \"بأكثر من ذلك\" بعد قوله: \"أو سبعًا\"، فلعله غفل عن هذا الحديث.\nثم أقول: إن ما قال صاحب \"العون\" في شرح هذا الكلام فهو خبط فيه خبط عشواء وركب متن عمياء.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٩).\n(٢) ولذا قال الإِمام أحمد: إن قوله \"سبعًا\" تفسير لقوله: أو أكثر، فكره الزيادة على السبع، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بأكثر من سبع. [انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٩)]، وتوضيح مسالكهم كما في فروعهم عن الحنابلة: يكره الاقتصار على مرة واحدة وإن لم يخرج منه شيء، ويغسل حتى ينقى وترًا ندبًا، ولو جاوز السبع، ويجب إلى السبع لو خرج منه شيء، فلو خرج بعد السبع لا يعاد الغسل. [انظر: \"الروض المربع\" (١/ ١١٠)]، وفي \"روضة المحتاجين\": أقله مرة واحدة، والسنة ثلاث، فإن لم ينظف زيد، فإن حصل التنظيف بشفع سن الإيتار، وفي \"الشرح الكبير\" (١/ ٦٤٧، ٦٥٩): سن الإيتار إلى السبع لا بعده، فالتنظيف ولو حصل بشفع، وفي \"الشامي\" (٣/ ٨٩): الواجب مرة، والمسنون ثلاث، وإن نقص أو زاد جاز، وينبغي أن يكون وترًا، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٣٩٥). (ش).\n(٣) قلت: بل هو موجود في رواية البخاري رقم (١٢٥٩) أيضًا، \"الأوجز\" (٤/ ٣٩٧). (ش).","vol":"10","page":423},{"text":"٣١٤٧ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا هَمَّامٌ، نَا قَتَادَةُ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ كَانَ يَأحُذُ الْغُسْلَ مِنْ (١) أُمِّ عَطِيَّةَ: يَغْسِلُ بِالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ، وَالثَّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ. [ق ٣/ ٣٨٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>(٣٤) بَابٌ: في الْكَفَنِ</span>\n٣١٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ في كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبَيُّ - ﷺ - أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ\n===\n٣١٤٧ - (حدثنا هدبة بن خالد، نا همام، نا قتادة، عن محمد بن سيرين، أنه كان يأخذ الغسل) أي يتعلم غسل الميت (من أم عطية: يغسل بالسدر) أي بالماء الذي تغلى فيه أوراق السدر (مرتين، والثالثةَ بالماء والكافور) أي بالماء الذي يلقى فيه الكافور.\n\n(٣٤) (بَابٌ: في الْكَفَنِ)\n٣١٤٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن النبي - ﷺ - أنه خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قُبِضَ) أي مات (فَكُفِّنَ في كفنٍ غيرِ طائل). قال في \"المجمع\" (٢): أي غير رفيع ولا نفيس، وأصله النفع والفائدة. وقال النووي (٣): أي حقير غير كامل الستر (وقُبِرَ) أي دُفِنَ (ليلًا، فزجر النبي - ﷺ - أن يُقْبَرَ الرجل بالليل حتى يصلى عليه).\nقال النووي: وأما النهي عن القبر ليلًا فقيل: سببه أن الدفن نهارًا يحضره\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عن\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٧٥).\n(٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ١٤).","vol":"10","page":424},{"text":"إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفْنَهُ\". [م ٩٤٣، ن ١٨٩٥، حم ٣/ ٢٩٥]\n٣١٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،\n===\nكثيرون من الناس ويصلون عليه، ولا يحضرون في الليل (١) إلَّا أفراد، وقيل: لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن، فلا يبين في الليل.\nوقد اختلف العلماء في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلَّا لضرورة، وهذا الحديث مما يستدل له به.\nوقال جماهير العلماء من السلف والخلف: لا يكره، واستدلوا بأن أبا بكر الصديق - ﵁ - وجماعة من السلف دفنوا ليلًا، وبحديث المرأة السوداء، والرجل الذي كان يَقُمُّ مسجدًا، فتوفي في الليل فدفنوه ليلًا، وسألهم النبي - ﷺ - عنه، فقالوا: توفي ليلًا فدفناه في الليل، فقال: \"ألا آذنتموني؟ \"، قالوا: كانت ظلمة، ولم ينكر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث أن النهي كان لترك الصلاة، ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل، أو لقلة المصلين، أو عن إساءة الكفن، أو عن المجموع.\n(إلَّا أن يضطر الإنسان إلى ذلك) أي في حالة الضرورة (وقال النبي - ﷺ -: إذا كفن أحدُكم أخاه فليحسن كفنه) (٢)، وفي الحديث (٣) الأمر بإحسان الكفنِ، قال العلماء: وليس المراد بإحسانه السرف فيه والمغالاة ونفاسته، وإنما المراد نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه، وكونه من جنس لباسه في الحياة غالبًا، لا أفخر منه ولا أحقر.\n٣١٤٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم،\n_________\n(١) وقيل: شفقة على الدافنين. \"الأوجز\" (٤/ ٤٥٢). (ش).\n(٢) قال السيوطي في \"شرح الترمذي\" (٢/ ٢٢٧): المشهور في الرواية فتح الفاء، وحكى بعضهم سكونها على المصدر. (ش).\n(٣) راجع: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ١٥).","vol":"10","page":425},{"text":"نَا الأَوْزَاعِيُّ، نَا الزُّهْرِيُّ، عَنِ الْقَاسِم بْن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"أُدْرج رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في ثَوْبٍ حِبَرَةٍ ثمَّ أخِّرَ عَنْهُ\". [خ ٥٨١٤، م ٩٤٢، حم ٦/ ١٦١، السنن الكبرى: ٧١١٨]\n٣١٥٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاح الْبَزَّارُ، نَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ-، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْنُ عَقِيْلِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\nنا الأوزاعي، نا الزهري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: أُدْرجَ) أي أُدْخِلَ (رسول الله - ﷺ - في ثوب حبرة) (١) على الوصف أو الإضافة (ثم أُخِّرَ عنه). قال المنذري (٢): وسيأتي في حديث عائشة - ﵂ - بعد هذا ما يوضحه.\n٣١٥٠ - (حدثنا الحسن بن الصباح البزار، نا إسماعيل، يعني ابن عبد الكريم) بن معقل بميم مفتوحة، وسكون مهملة، وكسر قاف، ابن منبه، ووهم من قال: أبو هاشم الصنعاني، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن معين: ثقة رجل صدق، والصحيفة التي يرويها عن وهب، عن جابر ليست بشيء، إنما هو كتاب وقع إليهم، [ولم يسمع وهب] من جابر شيئًا.\n(حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل) بن منبه الصنعاني، قال ابن معين: لم يكن به بأس، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين قال: إبراهيم ثقة وأبوه ثقة، (عن أبيه) عقيل بن معقل بن منبه اليماني، قال أحمد: عقيل من ثقاتهم، وقال عبد الصمد: ثقة، وقال ابن معين: ثقة،\n_________\n(١) قال الحافظ (٣/ ١٣٥): استدل به الحنفية على استحباب الحبرة، وفي \"الدر المختار\" (٣/ ١٠٠): لا بأس بالكفن في برد، وقال ابن عابدين: أشار إلى أن خلافه أولى، وهو البياض من القطن. (ش).\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٣٠١).","vol":"10","page":426},{"text":"عَنْ وَهْبٍ - يَعْنِي ابْنَ مُنَبِّهٍ -، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا تُوُفِّيَ أَحَدُكُمْ فَوَجَدَ شَيْئًا فَلْيُكَفِّنْ في ثَوْبٍ حِبَرَةٍ\". [ق ٣/ ٤٠٣]\n٣١٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن هِشَام قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: \"كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ\". [خ ١٢٦٤، م ٩٤١، ن ١٨٩٧، جه ١٤٦٩، ت ٩٩٦، حم ٦/ ٤٠]\n===\nوذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن وهب - يعني ابن منبه-، عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا توفي أحدكم فوجد) أهلُه (شيئًا) أي من الوسع والمال (فليكفن في ثوب حبرة).\n٣١٥١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن هشام) أي ابن عروة (قال أخبرني أبي) عروة (قال: أخبرتني عائشة قالت: كُفِّنَ رسول الله - ﷺ - في ثلاثة أثواب يمانية بيض) جمع أبيض (ليس فيها قميص ولا عمامة) (١).\nقال في \"البدائع\" (٢) وأما الكلام في كمية الكفن فنقول: أكثر ما يُكَفَّنُ فيه الرجل ثلاثة أثواب: إزار، رداء، وقميص، وهذا عندنا.\nوقال الشافعي: لا يسن القميص في الكفن، وإنما الكفن ثلاث لفائف،\n_________\n(١) قال القسطلاني (٣/ ٣٨٥): يحتمل نفي وجودهما بالكلية، وبه قال الشافعي، ويحتمل نفيهما في المعدود، وبه قال المالكية، كذا في \"حاشية البخاري\" (١/ ١٦٩).\nقلت: وبالأول قال الحنفية، إلا أنهم استحسنوا القميص بعدة روايات بسطت في \"الأوجز\" (٤/ ٤١٤، ٤١٥)؛ وأوَّلوا رواية عائشة - ﵂ - بأن المنفي قميص معروف مع الكمين والدخاريص، والمثبت على هيئة القميص. (ش).\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٦، ٣٧).","vol":"10","page":427},{"text":"٣١٥٢ - حَدَّثَنَا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا حَفْصٌ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. زَادَ: \"مِنْ كُرْسُفٍ\"، قَالَ (١): فَذكِرَ لِعَائِشَةَ قَوْلَهُمْ: \"في ثَوْبَيْنِ وَبُرْدِ حِبَرَةٍ\"، فَقَالَتْ: \"قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ، وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ وَلَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ\". [م ٩٤١، ت ٩٩٦، ن ١٨٩٧، جه ١٤٦٩، حم ٦/ ٤٥ - ١١٨]\n٣١٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا:\n===\nواحتج بما روي عن عائشة - ﵂ -: \"أن النبي - ﷺ - كُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة\" (٢).\nولنا ما روي عن عبد الله بن مغفل - ﵁ - أنه قال: \"كفنوني في قميصي، فإن رسول الله - ﷺ - كُفِّنَ في قميصه الذي توفي فيه\" (٣). وهكذا روي عن ابن عباس: \"أنه ﵇ كُفِّنَ في ثلاثة أثواب، أحدها القميص الذي توفي فيه\" (٤).\nوالأخذ برواية ابن عباس أولى من الأخذ بحديث عائشة؛ لأن ابن عباس حضر تكفينَ رسول الله - ﷺ - ودفَنه، وعائشة - ﵂ - ما حضرت ذلك، على أن معنى قولها: \"ليس فيها قميص\" أي لم يتخذ قميصًا جديدًا.\n٣١٥٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا حفص، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) - ﵂ - (مثله، زاد: مِنْ كرسفٍ، قال: فَذُكِرَ لعائشة قولهم: في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتي بالبرد، ولكنهم) أي الصحابة (ردّوه ولم يكفنوه) أي رسولَ الله - ﷺ - (فيه).\n٣١٥٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة قالا:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبو داود\".\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٢٣)، والبخاري في \"صحيحه\" (١٢٦٤) ومسلم في \"صحيحه\" (٩٤١)، وأبو داود (٣١٥١)، والنسائي (٤/ ٣٦)، وابن ماجه (١٤٦٩).\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٠)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (٦١٧٨).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٠٠).","vol":"10","page":428},{"text":"نَا (١) ابْنُ إدْرِيس، عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي زِيَادٍ -، عن مِقْسَمٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ نَجْرَانِيَّةٍ: الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ، وَقَمِيصُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ\". [جه ١٤٧١، حم ١/ ٢٢٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ عُثْمَانُ: في ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، وَقَمِيصِهِ الَذِي مَاتَ فِيهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>(٣٥) بَابُ كَرَاهِيَّةِ الْمُغَالَاةِ في الْكَفَنِ</span>\n٣١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ، نَا عَمْرُو بْنُ هَاشَمٍ أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عن عَلِيٍّ بْنِ\n===\nنا ابن إدريس، عن يزيد -يعني ابن أبي زياد (٢) -، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كُفِّن رسول الله - ﷺ - في ثلاثة أثواب نجرانية) نسبة إلى نجران، وهي بلدة باليمن (الحلة) مرفوع بتقدير المبتدأ (ثوبان) بدل من الحلة، أو يقال: الحلة بالجر على البدلية من ثلاثة أثواب، وثوبان خبر مبتدأ مقدر، وكذلك قوله: (وقميصه) يحتمل الرفع والجر (الذي مات فيه).\n(قال أبو داود: قال عثمان) بن أبي شيبة: (في ثلاثة أثواب: حلة حمراء وقميصه الذي مات فيه).\n\n(٣٥) (بَابُ كَرَاهِيَّةِ الْمُغَالاةِ في الْكَفَنِ)\n٣١٥٤ - (حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، نا عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن علي بن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أنا\".\n(٢) قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٢٥٤) رقم (٧٤٥): تفرَّد بهذا الحديث وهو من ضعيف حديثه، وقال الزيلعي: أما الحلة فاشتبهت على الناس [نقله في \"نصب الراية\" (٢/ ٢٦١) من قول عائشة - ﵂ - في \"مسند إسحاق بن راهويه\"]. (ش).","vol":"10","page":429},{"text":"أَبِي طَالِبٍ- كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- قَالَ: لَا تُغَالَى (١) في كَفَنٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا تُغَالُوْا في الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُهُ سَلْبًا سَرِيعًا\". [ق ٣/ ٤٠٣]\n٣١٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن خَبَّابٍ قَالَ: إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ\n===\nأبي طالب- كرَّم الله وجهه- قال) علي: (لا تغالى) بصيغة المجهول من المغالاة (في كفن) أي لا تبالغ في زيادة قيمته (٢)، ولا تجاوز عن الحد فيه، وأصل الغلاء الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء، يقال: غاليت وغلوت فيه: إذا جاوزت فيه الحد.\n(فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تغالوا في الكفن) أي لا تجاوزوا الحد فيه بارتفاع قيمته (فإنه) أي الكفن (يسلبه) أي أن الكفن يُسْلَبُ عن الميت، فلفظ يسلب ببناء المجهول.\nونقل في حاشية القلمية الأحمدية عن \"فتح الودود\": على بناء المفعول، ونائب الفاعل ضمير الميت (سلبًا سريعًا)، وحاصله أن الكفن في الأرض يبلى سريعًا ويضيع (٣)، ففي مغالاة الكفن إضاعة المال.\n٣١٥٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب قال: إن مصعب بن عمير) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار العبدري، أحد السابقين إلى الإِسلام، أسلم قديمًا والنبي - ﷺ - في دار الأرقم،\n_________\n(١) في نسخة: \"لا تغالوا\".\n(٢) وتقدم في \"باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت\": أن أبا سعيد الخدري لبس ثيابًا جددًا. [انظر: رقم الحديث (٣١١٤)]. (ش).\n(٣) وقال النووي في \"الأسماء واللغات\" (٣/ ١٥١): يفسر تفسيرين: أحدهما هذا، والثاني أن النباش يقصده إذا كان غاليًا فيسلبه سريعًا. (ش).","vol":"10","page":430},{"text":"قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلا نَمِرَةٌ، كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ (١) رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ (٢) مِنَ الإذْخِرِ\". [خ ١٢٧٦، م ٩٤٠، ت ٣٨٥٣، ن ١٩٠٣، حم ٥/ ١٠٩، ق ٣/ ٤٠١]\n٣١٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عن حَاتِمِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ،\n===\nوكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، فعلمه عثمان بن طلحة، فأعلم أهله فأوثقوه، فلم يزل محبوسًا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، ثم شهد أحدًا ومعه اللواء فاستُشْهِدَ.\n(قُتِلَ يوم أحد ولم يكن له إلَّا نمرة) أي برد قصير (٣) من صوف (٤). (كنا إذا غطينا بها رأسَه خرجت رجلاه) منها، (وإذا غطينا) بها (رجليه خرج رأسُه) منها، (فقال رسول الله - ﷺ -: غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر).\n٣١٥٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب، حدثني هشام بن سعد، عن حاتم بن أبي نصر) القِنَّسْريني بكسر أوله، وتشديد النون المفتوحة،\n_________\n(١) في نسخة: \"خرجتا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"شيئًا\".\n(٣) اختلفوا في فرض الكفن، وظاهر ما في \"الشامي\" (٣/ ٩٨) ما يعم البدن عندنا، وما يستر العورة عند الشافعي، قال ابن عابدين: ظاهره أن ما دون ذلك بمنزلة العدم، ولا يسقط به الفرض عن المكلفين ... إلخ. ثم استدل بحديث الباب على أنه ﵊ جعل الإذخر بدل الثوب لما لم يوجد، لكن بسط العيني (٦/ ٨٤) مذهب الحنفية أن حكم الميت كالحي، فالعورة ما بين السرة إلى الركبة ... إلخ. (ش).\n(٤) انظر: \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣).","vol":"10","page":431},{"text":"عن عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عن أَبِيهِ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ، وَخَيْرُ الأُضْحِيَةِ الْكَبْشُ الأَقْرَنُ\". [جه ١٤٧٣، ق ٣/ ٤٠٣]\n===\nوسكون المهملة، نسبة إلى قنسرين بلد عند حلب، له عند أبي داود وابن ماجه حديث واحد في الجنائز في الكفن، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان الفاسي: لم يروِ عنه غير هشام بن سعد، فهو مجهول، (عن عبادة بن نسي، عن أبيه) نسي مصغرًا، الكندي الشامي، قال في \"تهذيب التهذيب\" (١): ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\" (٢)، و\"الخلاصة\" (٣): مجهول.\n(عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله - ﷺ - قال: خير الكفن الحلة) نقل في حاشية المكتوبة الأحمدية عن \"فتح الودود\": ولعل المراد أنها من خير الكفن، والمطلوب بيان وفائها في التكفين. قلت: فالحاصل أن الحلة وهي الإزار والرداء خير من ثوب واحد، والثلاثة الكمال فيه.\nقال القاري (٤): اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن من برود اليمن لهذا الحديث، والأصح أن الأبيض أفضل لحديث عائشة وحديث ابن عباس.\n(وخير الأضحية الكبش الأقرن)، ولعل وجه الفضيلة لعظم جثته وسمنه في الغالب، أو حسن صورته وكونه مرغوبًا فيه ومحبوبًا عند أهله.\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤٢٥).\n(٢) \"تقريب التقريب\" رقم (٧١٥٨).\n(٣) \"الخلاصة\" للخزرجي (ص ٤٠٦).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٦).","vol":"10","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1207>(٣٦) بابٌ: في كَفَنِ الْمَرْأَةِ</span>\n٣١٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبِي، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ حَكِيم الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ يُقَال لَهُ دَاوُدُ- قَد وَلَّدَتْهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ -\n===\n\n(٣٦) (بَابٌ: في كَفَنِ الْمَرْأَةِ) (١)\n٣١٥٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي) أي إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني نوح بن حكيم الثقفي) المقرئ، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الذهبي في \"الميزان\" (٢): لا يعرف، وفي \"التقريب\" (٣): مجهول، وفي \"الخلاصة\" (٤): وثقه ابن حبان.\n(وكان قارئًا للقرآن، عن رجل من بني عروة بن مسعود يقال له داود - قد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي - ﷺ -).\nقال في \"تهذيب التهذيب\" (٥): هو داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود\n_________\n(١) بسط العيني (٦/ ٦٠) الأقوال في ذلك وقال: قال ابن المنذر: كل من يُحْفَظُ عنه يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب ... إلخ، وقال الشافعي: تكفن في ثلاثة لفائف وإزار وخمار، وفي القديم: قميص ولفافتان، وهو الأصح، واختاره المزني، وقال أحمد: تكفن في قميص ومئزر ولفافة ومقنعة وخامسة تُشدّ بها فخذاها، انتهى.\nوالمندوب لها عند المالكية سبع: أزرة، وقميص، وخمار، وأربع لفالف، كذا في \"الشرح الكبير\" (١/ ٦٦٢)، وعندنا: يسن لها درع وإزار وخمار ولفافة وخرقة تربط بها ثدياها إلى الفخذين، وكفاية: ثوبان وخمار، وضرورة ما يوجد، انتهى. (ش).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٩١٣٢).\n(٣) \"تقريب التهذيب\" (٧٢٥٣).\n(٤) \"الخلاصة\" (ص ٤٠٤).\n(٥) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٨٩).","vol":"10","page":433},{"text":"أَنَّ لَيْلَى بنْتَ قَانِفٍ (١) الثَّقَفِيَّةَ قَالَتْ: \"كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ (٢) رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْحِقَاءَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ في الثَّوْب الآخرِ، قَالَتْ: وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَالِس عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا، يُنَاوِلُنَاهَا (٣) ثَوْبًا ثَوْبًا\". [حم ٦/ ٣٨٠، ق ٤/ ٦]\n===\nالثقفي الطائفي ثم المكي، قال البخاري: ويقال: داود بن عاصم، قال أبو زرعة وأبو داود والنسائي: ثقة، ولعل معنى قوله: \"ولدته\" من التوليد، أي رَبَّته.\n(أن ليلى بنت قانف) بقاف، ثم ألف، ثم نون مكسورة، ثم فاء (الثقفية) صحابية، وكانت فيمن غَسَّلَ أمَّ كلثوم بنتَ النبي - ﷺ - بعد موتها (قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة (٤) رسول الله - ﷺ - عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله - ﷺ - الحقاء).\nقال في \"القاموس\" (٥): الحَقْو: الكشحُ والإزارُ، ويُكْسَرُ، أو مَعْقِدُه كالحقوة والحقاء، جمع: أَحْقٍ وأَحْقاءٌ وَحِقِيٌّ وحقاءٌ، انتهى. فعلم أن الحقاء مفرد وجمع.\n(ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أُدْرِجَتْ بعد) ذلك (في الثوب الآخر) فصارت لها في الكفن خمسة ثياب (قالت) ليلى: (ورسول الله - ﷺ - جالس عند الباب معه كفنها، يناولناها ثوبًا ثوبًا).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"قائف\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بنت\".\n(٣) في نسخة: \"يناولناه\".\n(٤) وتوفيت ﵂ سنة ٩ هـ، كما في \"الخميس\" (١/ ٢٧٦). (ش).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص ١١٧٣).","vol":"10","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1208>(٣٧) بَابٌ: في الْمِسْكِ لِلمَيِّتِ</span>\n٣١٥٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا الْمُسْتَمِرُّ بْنُ الرَّيَّانِ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَطْيَبُ طِيبِكُمْ الْمِسْكُ\". [م ٢٢٥٢، ت ٩٩١، ن ١٩٠٥، حم ٣/ ٣١، ك ١/ ٣٦١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>(٣٨) بَابُ تَعْجِيلِ الْجَنَازَةِ </span>(١)\n٣١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤَاسِيُّ\n===\n\n(٣٧) (بابٌ: في الْمِسْكِ (٢) لِلْمَيِّتِ)\n٣١٥٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا مستمر بن الريان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: أطيب طيبكم المسك)، فيستدل بإطلاق الحديث جواز استعمال المسك للميت.\n\n(٣٨) (بابُ تَعْجيلِ الْجَنَازَةِ)، أي التعجيل في تجهيزها\n٣١٥٩ - (حدثنا عبد الرحيم بن مطرف) بن أنيس (الرُّؤَاسِيّ) بضم الراء\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وكراهية حبسها\".\n(٢) قال أبو عمر: أجاز الأكثر المسك في الحنوط، وكرهه قوم، والحجة: \"أطيب الطيب المسك\"، كذا في الزرقاني (٢/ ٨)، وقال العيني (٦/ ٥٦، ٥٧): أجازه أكثر العلماء، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وكرهه عطاء والحسن ومجاهد، وقالوا: إنه ميتة ... إلخ.\nوقال الأبي (٧/ ٤٦٩): استعمال المسك وطهارته، ذكر بعضهم الإجماع عليه، ولبعض السلف فيه خلاف. وفي \"إزالة الخفاء\" (٢/ ٩٨): قال عمر - ﵁ -: لا تحنطوني بمسك، قال الشيخ: لعله كره لأن فيه دليلي الإباحة والحرمة، لكن فيه أيضًا أنه - ﵁ - كان يتطيب بمسك، وأوصى في غسله أن لا يطيب به، وكان الحسن يكرهه للميت لا للحي، انتهى. فالظاهر أن كراهته ليست للدم أو الميتة، ففيهما الحي والميت سيّان، بل لأمر آخر يفرق بين الحي والميت. (ش).","vol":"10","page":435},{"text":"أَبُو سُفْيَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنابٍ قَالَا: نَا عِيسَى- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ-، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَلَوِيِّ، عن عَزْرَةَ (١) - وقَالَ عَبْدُ الرَّحِيم: عُرْوَة- بْن سَعِيدٍ الأَنْصَارِيّ، عن أَبِيهِ، عَنْ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ، فَقَالَ:\n===\n(أبو سفيان) الكوفي ثم السروجي، ابن عم وكيع، قال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال أبو علي الجياني: كان ينزل سروجَ قرية من قرى الثغر (وأحمد بن جناب قالا: نا عيسى، قال أبو داود: وهو) أي عيسى (ابن يونس، عن سعيد بن عثمان البلوي) المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في \"الجنائز\"، روى عن عروة أو عزرة بن سعيد.\n(عن عزرة- وقال عبد الرحيم: عروة- بن سعيد). قال الحافظ: عروة، ويقال: عزرة بن سعيد الأنصاري عن أبيه، وعنه سعيد بن عثمان البلوي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا، تقدم في حصين بن وحوح على الشك في اسمه، حاصله: أن عبد الرحيم بن مطرف وأحمد بن جناب شيخي المصنف اختلفا في لفظ عزرة وعروة، فقال أحمد: عزرة بعين مهملة، ثم زاي مفتوحة، ثم راء مفتوحة، وقال عبد الرحيم: عروة بعين مهملة مضمومة، ثم راء ساكنة، ثم واو مفتوحة.\n(الأنصاري، عن أبيه) سعيد الأنصاري، روى عن حصين بن وحوح، وعنه ابنه عروة أو عزرة، مجهول، (عن الحصين (٢) بن وحوح) بفتح أوله ومهملتين الأولى ساكنة، الأنصاري الأوسي المدني، صحابي، له حديث واحد في ذكر طلحة بن البراء.\n(أن طلحة بن البراء) البلوي (مرض، فأتاه النبيُّ - ﷺ - يعوده، فقال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، كذا قال العيني (٦/ ١٥٦). (ش).","vol":"10","page":436},{"text":"\"إِنِّي لَا أُرَى طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ (١) أَهْلِهِ\". [ق ٣/ ٣٨٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>(٣٩) بَابٌ: في الْغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ</span>\n٣١٦٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نَا زَكَرِيَّا، نَا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ، عن طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَنَزِيِّ،\n===\nإني لا أرى طلحة إلَّا قد حدث فيه (٢) الموت) أي آثار الموت ومقدماته (فآذنوني به) أي إذا مات فأخبروني (٣) بموته (وعجِّلوا) بتجهيزه وتكفينه (فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحْبَسَ بين ظهراني أهله) أي بين أهله.\nقال الطيبي (٤): إن المؤمن عزيز مكرم، فإذا استحال جيفة ونتنًا استقذرته النفوس، وتنفر عنه الطبائع، فينبغي أن يسرع فيما يواريه، فذكر الجيفة ها هنا كذكر السوءة في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ (٥)، قال ميرك: وليس في قوله: \"جيفة مسلم\" دليل على نجاسته، ولفظ \"ظهراني\" مقحم.\n\n(٣٩) (بَابٌ: في الْغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الميِّتِ)\n٣١٦٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر، نا زكريا، نا مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العنزي،\n_________\n(١) في نسخة: \"ظَهْرَيْ\".\n(٢) حتى توفي ﵁ ولم يبلغ النبي - ﷺ - إلى بني سالم، كذا في العيني (٦/ ٣٥). (ش).\n(٣) لكنهم لم يخبروه - ﷺ - لموته ليلًا فصلَّى على قبره، كذا في \"الفتح\" (٣/ ١١٨)، والبسط في \"الإصابة\" (٢/ ٢١٨) رقم (٤٢٥٨). (ش).\n(٤) انظر: \"شرح الطيبي على المشكاة\" (٣/ ٣٤١)، و\"مرقاة المفاتيح\" للقاري (٤/ ٩١، ٩٢).\n(٥) سورة المائدة: الآية ٣١.","vol":"10","page":437},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيوْم الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الْحِجَامَةِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ\". [تقدَّم برقم ٣٤٨]\n٣١٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ\". [ق ١/ ٣٠٣، وانظر: ت ٩٩٣، جه ١٤٦٣، حم ٢/ ٢٧٢]\n===\nعن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته: أن النبي - ﷺ - كان يغتسل من أربع: من الجنابة، وبوم الجمعة، ومن الحجامة، و) من (غسيل الميت).\n٣١٦١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك، حدثني ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: من غَسَّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ).\nقال الخطابي (١): قلت: لا أعلم أحدًا (٢) من الفقهاء يوجب الاغتسالَ من غسل الميت، ولا الوضوءَ من حمله، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب، وقد يحتمل أن يكون المعنى أن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نضح من رشاش الغَسول (٣)، وربما كان على بدن الميت نجاسة، فإذا\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٣٠٧).\n(٢) رد عليه الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٣٥)، وذكر جماعة قالت به، وزعم أن الأمر بذلك يتعلق بالميت لأن الغاسل إذا علم أنه سيغسل لم يتحفظ بشيء مما يصيبه، فيبالغ في غسله وتنظيفه، وفي الدسوقي (١/ ٤١٦): قيل: تعبدي، وقيل: معلَّل بما تقدم.\nقال أحمد: أرجو أن لا يجب، وعن مالك روايتان: الوجوب والاستحباب، وعن الشافعي كذلك: الوجوب، ولا غسل عليه، ويندب عندنا خروجًا عن الخلاف، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٤٠٧، ٤٠٨). (ش).\n(٣) في الأصل: \"المغسول\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":438},{"text":"٣١٦٢ - حَدثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بمَعْنَاهُ. [ق ١/ ٣٠١، وانظر مَا قبله]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مَنْسُوخٌ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَسُئِلَ عَنْ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَقَالَ: يُجْزِئهُ الْوُضُوءُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَدْخَلَ أَبُو صَالِحٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَي هَذَا\n===\nأصابه نضحه، وهو لا يعلم مكانه كان عليه غسل جميع البدن؛ ليكون الماء قد أتى على الموضع الذي أصابه النجس من بدنه، وقد قيل في معنى قوله: فليتوضأ (١) أي ليكن على وضوء ليتهيأ له الصلاة على الميت، والله أعلم. وفي إسناد الحديث مقال (٢).\n٣١٦٢ - (حدثنا حامد بن يحيى، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة) يقال: إسحاق بن عبد الله المدني والد عمر، قال ابن معين والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". (عن أبي هريرة) - ﵁ - (عن النبي - ﷺ - بمعناه).\n(قال أبو داود: هذا منسوخ، سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن الغسل من غسل الميت فقال) أحمد: (يجزئه الوضوء) فدل قوله: \"يجزئه الوضوء\" على أنه لم يثبت عنده الغسل.\n(قال أبو داود: أدخل (٣) أبو صالح بينه وبين أبى هريرة في هذا\n_________\n(١) وفي \"نور الأنوار\" (ص ١٧٨) قال: خبر الفقيه يُتْرَكُ به القياس خلافًا لمالك فقال: إن القياس مقدم على خبر الواحد لما روي أن ابن عباس قال له: \"أيلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة؟ \". (ش).\n(٢) ردَّه صاحب \"التعليق الممجد\" بالبسط (٢/ ١٠٠ - ١٠٢). (ش).\n(٣) قال في \"التقرير\": وإلا فأبو صالح أكثر ما يروي عن أبي هريرة بلا واسطة. (ش).","vol":"10","page":439},{"text":"الْحَدِيثِ- يَعْنِي إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ- قَالَ: وَحَدِيثُ مُصْعَبٍ (١) فِيهِ خِصَالٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>(٤٠) بَابٌ: في تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ</span>\n٣١٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عن الْقَاسِمِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُقَبِّلُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونِ وَهُوَ مَيِّتٌ، حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ\". [ت ٩٨٩، جه ١٤٥٦، حم ٦/ ٤٣، ق ٣/ ٣٦١، ك ١/ ٣٦١]\n===\nالحديث -يعني إسحاق مولى زائدة - قال: وحديث مصعب فيه خصال ليس العمل عليه) أي على بعض منها، وفي حاشية الكانفورية: في رواية ابن داسة: حديث مصعب ضعيف (٢).\n\n(٤٠) (بَابٌ: في تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ)\n٣١٦٣ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يقبِّل عثمانَ بنَ مظعون وهو ميت) وهو أخ رضاعيٌّ لرسول الله - ﷺ -، هاجر هجرتين، وشهد بدرًا، وهو من مات من المهاجرين بالمدينة في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة، وَدُفِنَ بالبقيع، وكان من فضلاء الصحابة، وهو أول من دُفِنَ بالبقيع (حتى رأيتُ الدموعَ تسيل) أي من عينيه - ﷺ -.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ضعيف\".\n(٢) وبسط الكلام على صحة الحديث وضعفه في \"التعليق الممجد\" (٢/ ١٠٠ - ١٠٢). (ش).","vol":"10","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1212>(٤١) بَابٌ: في الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ</span>\n٣١٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، نَا أَبُو نُعَيمٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله- أَوْ (١) سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ- قَالَ: رَأَى نَاسٌ نَارًا في الْمَقْبَرَةِ، فَأَتُوهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الْقَبْرِ، وإذَا هُوَ يَقُولُ: \"نَاولُونِي صَاحِبَكُمْ\"، فَإِذَا (٢) هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ\". [ق ٤/ ٣١، ك ١/ ٣٦٨]\n===\n\n(٤١) (بَابٌ: في الدَّفَنِ بِاللَّيْلِ) (٣)\n٣١٦٤ - (حدثنا مجمد بن حاتم بن بزيع، نا أبو نعيم، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني جابر بن عبد الله أو) شك من الراوي قال: (سمعت جابر بن عبد الله قال: رأى ناس نارًا في المقبرة، فأتوها، فإذا رسول الله - ﷺ - في القبر) أي نازل (وإذا هو) أي رسول الله - ﷺ - (يقول: ناولوني) أي أعطوني (صاحبكم) حتى أدفنه (فإذا هو) أي الميت (الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر) وكتب في حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية: اسمه عبد الله (٤)، وقد تقدم الكلام في مسألة الدفن بالليل قريبًا (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"أو قال\".\n(٢) في نسخة بدله: \"وإذا\".\n(٣) ويجوز الدفن بالليل، به قالت الأئمة الثلاثة، وهو الأصح من روايتي أحمد، وما تقدم من النهي مؤول، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٤٥٠، ٤٥١). (ش).\n(٤) وحكى أبو الطيب في \"شرح الترمذي\" صاحب القصة في حديث ابن عباس: \"عبد الله ذو البجادين\"، فهل هو ذاك؟ ليفتش، وقد أخرج الترمذي برقم (١٠٥٧) نحو ذاك من حديث ابن عباس، ويظهر من \"المستدرك\" للحاكم (١/ ٣٦٨) أن القصة وقعت لمتعدد، وذكر الحافظ في \"الإصابة\" برقم (٤٨٠٤) في ترجمة ذي البجادين: أن ﵊ نزل في قبور خمسة. (ش).\n(٥) انظر: رقم الصفحة (٤٢٥).","vol":"10","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1213>(٤٢) بَابٌ: في الْمَيِّتِ يُحْمَلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ </span>(١)\n٣١٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن الأَسْوَد بْنِ قَيْسٍ، عن نُبيْحٍ، عَنْ جَابِرٍ (٢) قَالَ: كُنَّا حَمَلْنَا الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ لِنَدْفِنَهُمْ، فَجَاءَ مُنَادِي النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \"إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأمُرُكُمْ أَنْ تَدْفِنُوا الْقَتْلَى في مَضَاجِعِهِمْ، فَرَدَدْنَاهُمْ\". [ت ١٧١٧، ن ٢٠٠٤، جه ١٥١٦، حم ٣/ ٢٩٧، ق ٤/ ٥٧]\n===\n\n(٤٢) (بابٌ: في الْمَيِّتِ يُحْمَلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ) (٣)\n٣١٦٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن نبيح) مصغرًا، (عن جابر قال: كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم) في البقيع (فجاء منادي النبي - ﷺ - فقال) أي المنادي: (إن رسول الله - ﷺ - يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم) أي مقاتلهم (فرددناهم).\nوالمعنى لا تُنْقَلُ (٤) الشهداءُ من مقتلهم، بل ادفنوهم حيث قُتِلُوا، وكذا من مات في موضع لا يُنْقَلُ إلى بلد آخر، قاله بعض علمائنا.\nوقال في \"الأزهار\": الأمر في قوله - ﷺ -: \"ردوا القتلى\" للوجوب، وذلك أن نقل الميت من موضع يغلب فيه التغيُّر حرام، وكان ذلك زجرًا عن القيامِ بذلك والإقدامِ عليه، وهذا أظهر دليل وأقوى حجة في تحريم النقل، وهو الصحيح، نقله السيد، والظاهر أن نهي النقل مختص بالشهداء؛ لأنه نُقِلَ ابن أبي وقاص من قصره إلى المدينة بحضور\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وكراهة ذلك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بن عبد الله الأنصاري\".\n(٣) لم أره عند الحنابلة، ويجوز النقل عند الشافعي قبل الدفن وبعده لضرورة، مثل الجوار بمكة والمدينة والصلحاء، وكذا عند مالك بشرط عدم الانتهاك وعدم الانفجار، وعندنا يجوز قبله ميلًا أو ميلين، لا بعده مطلقًا، \"الأوجز\" (٤/ ٥١٣ - ٥١٤). (ش).\n(٤) وفي \"المرقاة\" (٤/ ١٨٣): \"لا تنقلوا\".","vol":"10","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nجماعة من الصحابة، ولم ينكروا، والأظهر أن يُحْمَلَ النهي على نقلهم بعد دفنهم لغير عذر.\nقال المظهر: فيه دلالة على أن الميت لا يُنْقَلُ من الموضع الذي مات فيه، قال الأشرف: هذا كان في الابتداء، أي ابتداءِ أُحدٍ، وأما بعده فلا؛ لِمَا روي أن جابرًا جاء بأبيه عبدِ الله الذي قُتِلَ بأُحد بعد ستة أشهر إلى البقيع، ودفنه بها.\nقال الطيبي (١): الظاهر إن دعت الضرورة إلى النقل نُقِلَ، وإلَّا فلا؛ لما روينا عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن صعصعة أنه بلغه: أن عمرو بنَ الجموح وعبدَ الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حضر (٢) السيل قبرَهما، وكانا في قبر واحد، فَحُفِرَ عنهما، فَوُجِدَا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، فكان أحدهما قد جُرِحَ، ويده على جرحه، فَدُفِنَ وهو كذلك، فأُمِيْطَت يدُه عن جرحه، ثم أُرْسِلَتْ فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين الحفر عنهما ست وأربعون سنة.\nقلت: وهذا القول هو القول؛ لأنه لا يظن بجابر أنه ينقل بعد النهي عن أن ينقل (٣).\nقال ابن الهمام (٤): ولا يُنْبَشُ بعد إهالة التراب لمدة طويلة ولا قصيرة إلَّا لعذر. قال في \"التجنيس\": والعذر أن يظهر أن الأرض مغصوبة، أو يأخذها شفيع، أو سقط فيه ثوب أو درهم لأحد، واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دُفِنَ ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر، فأرادت نقله: أنه لا يسعها ذلك، فتجويز شواذ بعض المتأخرين لا يُلْتَفَتُ إليه، ولم نعلم خلافًا بين المشايخ في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي على المشكاة\" (٣/ ٣٨٣)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٨٤).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"الطيبي\"، و\"المرقاة\": كانا قد حفر السيلُ قبرهما، وكان قبرهما مما يلي السيل، وكانا في قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ... إلخ.\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٨٣).\n(٤) \"فتح القدير\" (٢/ ١٤٩).","vol":"10","page":443},{"text":"(٤٣) بَابٌ: في الصَّفِّ (١) عَلَى الْجَنَازَةِ\n٣١٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن مَرْثَدٍ الْيَزَنِيِّ، عن مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا مِنْ مَيِّتٍ (٢) يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ\"\n===\nأنه لا ينبش، وقد دفن بلا غسل أو بلا صلاة، فلم يبيحوه، أما إذا رأوا نقله قبل الدفن أو تسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين؛ لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>(٤٣) (بَابٌ: في الصَّفِّ عَلَى الْجَنَازَةِ)</span>\n٣١٦٦ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد) بن عبد الله (اليزني، عن مالك بن هبيرة) (٣) بن خالد بن مسلم السكونى (٤)، ويقال: الكندي، يكنى أبا سعيد، عداده في أهل مصر، قال البخاري في \"التاريخ\" (٥) له صحبة.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة (٦) صفوف من المسلمين إلَّا أوجب) أي ذلك الفعل على الله المغفرةَ وعدًا منه تعالى وفضلًا، وقد جاء في رواية (٧): \"إلا غفر الله له\". والتعبير بالإيجاب\n_________\n(١) في نسخة: \"الصفوف\".\n(٢) في نسخة: \"مسلم\".\n(٣) وفي \"المغني\" (٣/ ٤٢٠): حمصي، له صحبة، وقال: أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. (ش).\n(٤) نسبةً إلى \"السكون\"، وهو اسم لرجل من أجداده. انظر: الإصابة\" (٧٦٩٩).\n(٥) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٣٠٢/ ١/ ٤).\n(٦) وقد ورد في ذلك مائة من المسلمين وأربعون، وجمع بينهما الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٢٤٧) يحمل أربعين على آخر الزمان. (ش).\n(٧) وذلك في رواية البيهقي (٤/ ٣٠).","vol":"10","page":444},{"text":"قَالَ: فَكَانَ (١) مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ (٢) أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِلْحَدِيثِ. [ت ١٠٢٨، جه ١٤٩٠، حم ٤/ ٧٩، ق ٤/ ٣٠، ك ١/ ٣٦٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>(٤٤) بَابُ اتِّباع النِّسَاءِ الْجَنَازَةَ</span>\n٣١٦٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: \"نُهِينَا أَنْ نَتْبَعَ الْجَنَائِزَ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا\". [خ ١٢٧٨، م ٩٢٨، جه ١٥٧٧، حم ٦/ ٤٠٨]\n===\nنظرًا لكون وعد الله لا يخلف، فهو واجب لغيره صحيح زيادة للتطميع في حسن الرجاء، فلا ينافي أنه يجب على كل أحد أن يعتقد أنه لا يجب على الله شيء.\n(قال) مرثد: (فكان مالك إذا استقلّ أهلَ الجنازة) أي عَدَّهم قليلًا (جزَّأهم) أي قَسَّمهم (ثلاثة صفوف للحديث).\n\n(٤٤) (بَابُ اتباع النِّسَاءِ الْجَنَازَةَ)\n٣١٦٧ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية قالت: نُهِيْنَا أن نتبع الجنائز ولم يُعْزَمْ علينا).\nقال النووي (٣): معناه: نهانا رسول الله - ﷺ - عن ذلك نهيَ كراهة تنزيه، لا نهي عزيمة تحريم، ومذهب أصحابنا أنه يكره، وليس بحرام لهذا الحديث. قال القاضي (٤): قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة، وأجازه مالك (٥)، وكرهه للشابة.\n_________\n(١) في نسخة: \"وكان\".\n(٢) في نسخة: \"استقبل\".\n(٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ٥).\n(٤) راجع: \"الإكمال\" (٣/ ٣٨٢).\n(٥) اختلفت الرواية عن مالك، \"الأوجز\" (٤/ ٤٨٠). (ش).","vol":"10","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1216>(٤٥) بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ </span>(١)\n٣١٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صالحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ قَالَ: \"مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْهَا\n===\nقال في \"الدر المختار\" (٢): ويكره خروجهن تحريمًا (٣). قال الشامي: لقوله ﵊: \"ارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات\"، رواه ابن ماجه (٤) بسند ضعيف، لكن يعضده المعنى الحادث باختلاف الزمان الذي أشارت إليه عائشة - ﵂ - بقولها: \"لو أن رسول الله - ﷺ - رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل\" (٥)، وهذا في نساء زمانها، فما ظنك بنساء زماننا. وأما ما في \"الصحيحين\" عن أم عطية: \"نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا\"، أي أنه نهي تنزيه، فينبغي أن يختص بذلك الزمن حيث [كَانَ] يباح لهن الخروج إلى المساجد والأعياد.\n\n(٤٥) (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) وتشييعها، أي المشي معها\n٣١٦٨ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن سميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة) - ﵁ - (يرويه) عن رسول الله - ﷺ - (قال: من تبع جنازة فصلى عليها) (٦) فرجع، ولم يَمْشِ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وتشييعها\".\n(٢) \"رد المحتار\" (٣/ ١٣٧).\n(٣) قلت: لكن العيني (٦/ ٨٧) رجَّح الكراهة التنزيهية، وعزاها إلى جمهور العلماء فتأمل، وكذا قال القسطلاني (٣/ ٣٩٣)، وقال: ما روي ما يدل على التحريم ضعيف ... إلخ. (ش).\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (١٥٧٨)، و\"سنن البيهقي\" (٤/ ٧٧) من حديث علي ﵁.\n(٥) أخرجه البخاري (٨٦٩)، ومسلم (٤٤٥).\n(٦) واستدل البخاري بإطلاق لفظ الصلاة على وجوب الطهارة، كما بسطه العيني (٦/ ١٧٠)، واستدل عليه أيضًا بقوله: \"لا صلاة بغير طهور\" كما تقدَّم في \"البذل\". [انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٤٨)]. (ش).","vol":"10","page":446},{"text":"فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ\". [خ ١٣٢٣، م ٩٤٥، ت ١٠٤٠، ن ١٩٩٦، جه ١٥٣٩، حم ٢/ ٤٧٠]\n٣١٦٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُسَيْنٍ الْهَرَوِيُّ قَالَا: نَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ - وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ - أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ،\n===\nمعها (١) إلى القبر حتى يُدْفَنَ (فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها) أي من دفنها (فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد).\n٣١٦٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله وعبد الرحمن بن حسين) الحنفي، أبو الحسين (الهروي)، روى عنه أبو داود حديثًا واحدًا في اتباع الجنازة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"التقريب\" (٢): مقبول.\n(قالا: نا المقرئ) أي أبو عبد الرحمن، (حدثنا حيوة، حدثني أبو صخر -وهو حميد بن زياد- أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه، أن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص حدثه، عن أبيه) أي عامر بن سعد بن أبي وقاص، (أنه كان عند ابن عمر بن الخطاب إذ طلع خباب صاحب المقصورة) وهو خباب مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، أبو مسلم، أدرك الجاهلية، واختُلِفَ في صحبته، روى مسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص عن خباب صاحب المقصورة، عن عائشة وأبي هريرة في اتباع الجنائز.\n_________\n(١) وقال الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٣٠٢): إن هذا الأجر مع المشي لا لمجرد الصلاة ... إلخ. (ش).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" رقم (٣٨٦٩).","vol":"10","page":447},{"text":"فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا\"، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ\" (١). [م ٩٤٥]\n٣١٧٠ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاع السَّكُونِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عن شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي نمِرٍ، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٢) - ﷺ - يقُولُ: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا\n===\nقال في \"القاموس\" (٣): والمقصورة: الدار الواسعة المحصَّنة، أو هي أصغر من الدار، كالقُصارة بالضم، ولا يدخلها إلا صاحبها.\n(فقال: يا عبد الله بن عمر! ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها، فذكر معنى حديث سفيان، فأرسل ابن عمر) أي خبابًا (إلى عائشة) يسأل عن قول أبي هريرة تحقيقًا وتثبيتًا للرواية لا شكًّا في رواية أبي هريرة، زاد في رواية \"مسلم\": \"ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت\" (فقالت) عائشة: (صدق أبو هريرة).\n٣١٧٠ - (حدثنا الوليد بن شجاع السكوني، نا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا\n_________\n(١) قال المزي في \"الأطراف\" (١٢٣٠١) بعد إيراد هذا الحديث: أبو داود في الجنائز عن هارون بن عبد الله وحسين بن عبد الله الهروي ... إلخ، ثم قال: كذا وقع في سماعنا، ووقع في عدة أصول \"عبد الرحمن بن حسين الهروي\" بدل \"حسين بن عبد الله الهروي\"، وهو الصواب.\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) \"ترتيب القاموس المحيط\" (٣/ ٦٣٠).","vol":"10","page":448},{"text":"لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ\". [م ٩٤٨، جه ١٤٨٩، حم ١/ ٢٧٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>(٤٦) بَابٌ: في اتِّباع الْمَيِّتِ بِالنَّارِ</span>\n٣١٧١ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ. (ح): وَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَا: نَا حَرْبٌ- يَعْنِي ابْنَ شَدَّادٍ -، نَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي بَابُ بْنُ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، عَنْ أَبِيهِ\n===\nلا يشركون بالله شيئًا) أي المسلمون، فيصلون عليه، ويدعون له (إلَّا شُفِّعوا) أي قُبِلَ شفاعتهم (فيه) أي في ذلك الميت.\nووقع في رواية: \"يبلغون مائة كلهم يشفعون له\" (١)، وقد تقدم حديث \"ثلاث صفوف\" فليس فيها اختلاف، فلا يلزم من قبول شفاعة عدمُ قبول ما دون ذلك، وحينئذ كل الأحاديث معمول به، وتحصل الشفاعة بأقل الأمور، والله تعالى أعلم.\n\n(٤٦) (بَابٌ: في اتِّباعِ الْمَيِّتِ بِالنَّارِ)\n٣١٧١ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا عبد الصمد، ح: ونا ابن المثنى، نا أبو داود، قالا) أي عبد الصمد وأبو داود: (نا حرب- يعني ابن شداد-، نا يحيى، حدثني باب بن عمير) الحنفي، الشامي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الجنائز، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ليس هو جد عمرو بن عبيد، وقال الدارقطني: لا أدريه من هو؟ وقال في \"التقريب\" (٢): مقبول.\n(حدثني رجل من أهل المدينة، عن أبيه) كلاهما مجهولان،\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (رقم ٢٦٤) عن عائشة ﵂.\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٦٣٨).","vol":"10","page":449},{"text":"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تُتْبَعُ الْجَنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ\". [حم ٢/ ٥٣٢]\n===\nقاله المنذري (١)، (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: لا تُتْبَعُ الجنازة بصوت) (٢) كتب على حاشية القلمية عن \"فتح الودود\": والمراد بالصوت إما البكاء، أو مطلق الصوت، فيشمل رفع الصوت بلا إله إلَّا الله ونحوه خلف الجنازة، انتهى. قلت: وكذلك يشمل صوت الطبل والبوق، كما يفعله عبدة الأصنام من أهل الهند.\n(ولا نار) قال في \"البدائع\" (٣): ولا تتبع الجنازة بنار إلى قبره، يعني الإجمار في قبره؛ لما روي أن النبي - ﷺ - خرج في جنازة، فرأى امرأة في يدها (٤) مجمر، فصاح عليها وطردها حتى توارت بالآكام، وروي عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: \"لا تحملوا معي مجمرًا\" (٥)، ولأنها آلة العذاب فلا تتبع معه تفاؤلًا.\nقال إبراهيم النخعي: أكره أن يكون آخر زاده من الدنيا نارًا، ولأن هذا فعل أهل الكتاب فيكره التشبه بهم.\n_________\n(١) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٣١١).\n(٢) قلت: أو المراد مطلق الكلام، ففي الشامي (٩/ ٦٥٦): يكره الكلام خلف الجنازة، وقال أيضًا: أما رفع الصوت عند الجنائز فيحتمل أن المراد منه النوح أو الدعاء للميت بعد ما افتتح الناس الصلاة، أو الإفراط في مدحه كعادة الجاهلية، وأما أصل الثناء فغير مكروه.\n(٣) (٢/ ٤٥).\n(٤) لا بأس به عند الشافعية، كما في \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٤٣)، لكن أنكره في \"تحفة المحتاج\" (ص ٣٣٧). (ش).\n(٥) أخرجه أحمد (٢/ ٥٢٧) بنحوه.","vol":"10","page":450},{"text":"(١) زَادَ هَارُونُ: \"وَلَا يُمْشَى بَيْنَ يَدَيْهَا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>(٤٧) بَابُ الْقِيَامِ لِلجَنَازَةِ</span>\n٣١٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ، عن عَامِرِ بْن رَبِيعَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوْضَعَ\". [خ ١٣٠٧، م ٩٥٨، ت ١٠٤٢، ن ١٩١٦، جه ١٥٤٢، حم ٣/ ٤٤٥]\n٣١٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سُهَيْلُ بْنُ\n===\n(زاد هارون: ولا يُمْشى بين يديها) أي قدام الجنازة، وسيجيء الكلام فيه في \"باب المشي أمام الجنازة\".\n\n(٤٧) (بابُ الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ)\n٣١٧٢ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة) وهو من الصحابة من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر - ﵁ -، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، قال ابن سعد: كان قد حالف الخطاب فتبناه، فكان يقال: عامر بن الخطاب.\n(يبلغ به النبيَّ - ﷺ -: إذا رأيتم جنازة فقوموا لها) أي لهول الموت لا تعظيمًا للميت (حتى تخلفكم) أي يتجاوز عنكم إن كنتم في طريقها إلى محل الصلاة، أو محل الدفن (أو تُوْضَعَ) أي في المحل الذي أنتم فيه فتوضَعُ للصلاة أو للدفن.\n٣١٧٣ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا سهيل بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: يعني يمشي قدَّام الجنازة لأهل المصيبة الذين يشقون ثيابهم\".","vol":"10","page":451},{"text":"أَبِي صَالِحٍ، عن ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا تَبِعْتُمُ الْجَنَازة فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوْضَعَ\". [خ ١٣١٠، م ٩٥٩، ت ١٠٤٣، ن ١٩١٤، حم ٣/ ٢٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثوْرِيُّ، عَنْ سُهَيْل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ: حَتَّى تُوْضَعَ بِالأَرْضِ، وَرَوَاهُ أبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ سُهَيْلٍ (١) قَالَ: حَتَّى تُوضَعَ في اللَّحْدِ.\n(٢) وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.\n===\nأبي صالح، عن ابن أبي سعيد الخدري) عبد الرحمن، (عن أبيه) أبي سعيد (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى تُوْضَعَ) على الأرض.\n(قال أبو داود: روى الثوري (٣) (٤) هذا الحديث عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال فيه: حتى توضع بالأرض، ورواه أبو معاوية (٥)، عن سهيل قال: حتى توضع في اللحد، وسفيان أحفظ من أبي معاوية)، ومناسبته بالباب أن ترجمة الباب كانت شاملة لمن كان قاعدًا في طريقها ولمن كان ماشيًا معها، فهذا الحديث في حق من كان يمشي معها.\nقال في \"البدائع\" (٦): ويكره لمتبعى الجنازة أن يقعدوا قبل وضع الجنازة؛\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن أبيه، عن أبي هريرة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) وذكر هذا الاختلاف ابن القيم في \"الهدي\" (١/ ٥١٨). (ش).\n(٤) أخرج روايته البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٦).\n(٥) أخرج روايته ابن حبان في \"صحيحه\" (٧/ ٣٧٣) رقم (٣١٠٥ و٣١٠٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٥٦)، وذكر هاتين الروايتين البيهقي في \"السنن الصغرى\" (٢/ ١٧) رقم (١٠٦١)، وقال: \"والأول أصح\" أي حديث الثوري.\n(٦) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٦).","vol":"10","page":452},{"text":"٣١٧٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، نَا الْوَلِيدُ، نَا أَبُو عَمْرٍو، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذ مَرَّتْ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا، فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِلَ إِذْ (١) هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: \"إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةً (٢) فَقُومُوا\". [خ ١٣١١، م ٩٦٠، ن ١٩٢٢]\n===\nلأنهم أتباع الجنازة، والتبع لا يقعد قبل قعود الأصل، ولأنهم إنما حضروا تعظيمًا للميت، وليس من التعظيم الجلوس قبل الوضع.\nأما بعد الوضع فلا بأس بذلك لما روي عن عبادة بن الصامت - ﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - كان لا يجلس حتى يوضَعَ الميت في اللحد، وكان قائمًا مع أصحابه على رأس قبر، فقال يهودي: هكذا نفعل بموتانا، فجلس - ﷺ -، وقال لأصحابه: خالفوهم\" (٣).\n٣١٧٤ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا الوليد، نا أبو عمرو، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد الله بن مقسم قال: حدثني جابر قال: كنا مع النبي - ﷺ - إذ مرت بنا جنازة، فقام) رسول الله - ﷺ - (لها، فلما ذهبنا لِنَحْمِلَ إذ هي جنازة يهودي، فقلنا: يا رسول الله! إنما هي جنازة يهودي (٤) فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن الموت فزع) أي ذو فزع، (فإذا رأيتم جنازة فقوموا).\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢) في نسخة: \"الجنازة\".\n(٣) أخرجه الترمذي (١٠٢٠).\n(٤) وقد ورد بلفظ: \"إنما هي من الأرض\" [انظر: \"صحيح البخاري\" (١٣١٢)]، أي من أهل الذمّة المقَرِّين بأرضهم على أداء الجزية، وقيل: الأرض كناية عن السفالة، قال تعالي: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] (ش).","vol":"10","page":453},{"text":"٣١٧٥ - حَدَّثَثَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ في الْجَنَازَةِ (١) ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ\". [م ٩٦٢، ت ١٠٤٤، ن ١٩٢٣، جه ١٥٤٤، حم ١/ ٨٢]\n٣١٧٦ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ الْمَدَائنيُّ، نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الأَسْبَاطِ الْحَارِثِيُّ،\n===\n٣١٧٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاري) الأشهلي، أبو عبد الله المدني، وثقه أبو زرعة وابن سعد، وذكره بن حبان في \"الثقات\"، (عن نافع بن جبير بن مطعم، عن مسعود بن الحكم، عن علي بن أبي طالب: أن النبي - ﷺ - قام في الجنازة، ثم قعد بعد) أي ترك القيام لها، فالقيام للجنازة منسوخ، وعليه الجمهور (٢).\n٣١٧٦ - (حدثنا هشام بن بهرام المدائني) أبو محمد، قال ابن وارة والخطيب: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حبان: كان مستقيم الحديث، (نا حاتم بن إسماعيل، أنا أبو الأسباط) بشر بن رافع (الحارثي) النجراني إمامها ومفتيها قال أحمد: ليس بشيء، ضعيف في الحديث، وقال البخاري: لا يتابَعُ في حديثه، وقال الترمذي: يُضَعَّف في الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، لا نرى له حديثًا قائمًا، وقال الحاكم أبو أحمد: بشر بن رافع الحارثي واليماني ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عدي: وبشر بن رافع هو أبو الأسباط الحارثي، وهو مقارب الحديث، لا بأس بأخباره، ولم أجد له حديثًا منكرًا، قال: وعند البخاري أن\n_________\n(١) في نسخة: \"الجنائز\".\n(٢) بسطه النووي في \"شرحه\" على \"صحيح مسلم\" (٤/ ٣٤).","vol":"10","page":454},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِى أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ قَال: كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يَقُومُ في الْجَنَازَةِ حَتَّى تُوْضَعَ في اللَّحْدِ (١)، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَالَ: \"اجْلِسُوا خَالِفُوهُمْ\". [ت ١٠٢٠، جه ١٥٤٥، ق ٤/ ٢٨]\n===\nبشر بن رافع هذا هو أبو الأسباط الحارثي، وعند ابن معين: أن أبا الأسباط شيخ كوفي، وعند النسائي: أن بشر بن رافع غير أبي الأسباط (٢).\n(عن عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أبي أمية) الأزدي الدوسي، قال البخاري: فيه نظر، لا يُتابَعُ على حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". (عن أبيه) سليمان بن جنادة بن أبي اْمية الأزدي الدوسي، قال أبو حاتم (٣): منكر الحديث، وقال البخاري: هو حديث منكر، ولم يتابَع في هذا، قال ابن عدي: لم ينكر عليه البخاري غير هذا الحديث، يروي عن أبيه، عن عبادة بن الصامت في القيام للجنازة.\n(عن جده) جنادة بن أبي أمية الأزدي، ثم الزهراني، ويقال: الدوسي، أبو عبد الله الشامي، مختَلَف في صحبته، قال أبو يونس: كان من الصحابة، شهد فتح مصر، وولي البحرين لمعاوية، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة من كبار التابعين، قلت (٤): هما اثنان: أحدهما صحابي، والآخر تابعي، وقد بينت ذلك بأدلة في \"معرفة الصحابة (٥) \".\n(عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله - ﷺ - يقوم في الجنازة حتى توضَعَ في اللحد، فمر به حبر) أي عالم (من اليهود فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي - ﷺ -، وقال: اجلسوا خالفوهم).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) راجع: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٤٩).\n(٣) راجع: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٧٧).\n(٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١١٦).\n(٥) يعني به كتابه \"الإصابة\" (١٢٠١).","vol":"10","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1219>(٤٨) بَابٌ: الرُّكُوبِ في الْجَنَازَةِ</span>\n٣١٧٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،\n===\nقال الشوكاني (١): واختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون: أن القيام للجنازة لم ينسخ، والقعود منه - ﷺ - كما في حديث علي (٢) - إنما هو لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فله أجر، وكذا قال ابن حزم: إن قعوده - ﷺ - بعد أمره بالقيام- يدل على أن الأمر بالندب، ولا يجوز أن يكون نسخًا.\nقال النووي (٣): والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي وصاحب \"المهذب\" من الشافعية، وممن ذهب إلى استحباب القيام: ابن عمر، وابن مسعود، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إن القيام منسوخ يحديث علي - ﵁ -، قال الشافعي: إما أن يكوق القيام منسوخًا، أو يكون لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه ﵇ تركه بعد فعلِه، والحجة في الآخِرِ من أمره، والقعود أحبّ إليّ، انتهى (٤).\n\n(٤٨) (بابٌ:) في (الرُّكُوبِ في الْجَنَازَةِ)\n٣١٧٧ - (حدثنا يحيى بَن موسى البلخي، أنا عبد الرزاق،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٣).\n(٢) يعني به حديث علي الذي تقدَّم عند أبي داود برقم (٣١٧٦).\n(٣» شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ٣٤).\n(٤) قلت: اختلط كلام الشوكاني؛ لأن هناك قيامين: الأول قيام من مرت به الجنازة، وهو منسوخ عند الأئمة الأريعة، وما حكى أهل الشروح عن الإِمام أحمد: أنه ليس بمنسوخ عنده، تأباه كتب فروعه. [انظر: \"المغني\" ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤)]، نعم يندب عند اين حزم وغيره، والثاني: قيام المشيِّع، فيكره الجلوس عندنا وأحمد قبل وضعها عن أعناق الرجال كما في فروعهم. [انظر: \"المغني\" (٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤)]، واختلف أهل فروع الشافعية، والراجح هو القيام، ويجوز القعود عند المالكية، والبسط في \"الأوجز\" (٤/ ٥٢٠)، (ش).","vol":"10","page":456},{"text":"أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، عن ثَوْبَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أُتِيَ بِدَابَّةٍ وَهُوَ مَعَ الْجَنَازَةِ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَ (١)، فَلَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ، فَقِيلَ لَهُ؟ فَقَالَ: \"إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي، فَلَمْ أَكُنْ لأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ\". [ق ٤/ ٢٣، ك ١/ ٣٥٥]\n٣١٧٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،\n===\nأنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن ثوبان: أن رسول الله - ﷺ - أُتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركب، فلما انصرف) أي رجع من دفنها (أتي بدابة فركب، فقيل له) أي سئل عنه: أنك لم تركب في المشي مع الجنازة وركبتَ في الانصراف عنها؟ (فقال: إن الملائكة كانت تمشي، فلم أكن لأرْكَبَ وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبتُ).\nقال الشوكاني (٢): في حديث ثوبان عند ابن ماجه (٣): \"ألا تستحيون؟ ! إن ملائكة الله على أقدامهم\"، فيه كراهة الركوب لمن كان متبعًا للجنازة، ويعارضه حديث المغيرة (٤) من إذنه للراكب أن يمشي خلف الجنازة، ويمكن الجمع بأن قوله - ﷺ -: \"الراكب خلفها\" لا يدل على عدم الكراهة، وإنما يدل على الجواز، فيكون الركوب جائزًا مع الكراهة، أو بأن إنكاره - ﷺ - على من ركب، وَتَرْكه للركوب إنما كان لأجل مشي الملائكة، ومشيهم مع الجنازة التي مشى معها رسول الله - ﷺ - لا يستلزم مشيهم مع كل جنازة، لإمكان أن يكون ذلك منهم تبركًا به - ﷺ -، فيكون الركوب على هذا جائزًا غير مكروه.\n٣١٧٨ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، حدثنا شعبة،\n_________\n(١) في نسخة: \"يركبها\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٩).\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" (١٤٨٠).\n(٤) سيأتي عند المصنف برقم (٣١٨٠).","vol":"10","page":457},{"text":"عَنْ سِمَاكٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: \"صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحٍ وَنَحْنُ شُهُودٌ، ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ فَعُقِلَ حَتَّى رَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ وَنحْنُ نَسْعَى حَوْلَهُ - ﷺ -\". [م ٩٦٥، ت ١٠١٣، حم ٥/ ٩٠ - ٩٥، ق ٤/ ٢٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>(٤٩) بَابُ الْمَشْي أَمَامَ الْجَنَازَةِ</span>\n٣١٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ،\n===\nعن سماك، سمع جابر بن سمرة قال: صلى النبي - ﷺ - على ابن الدحداح) بدالين مهملتين وحاء بينهما، ويقال: أبو الدحداحة، قال ابن عبد البر: لا يُعْرَفُ اسمه (١). (ونحن شهود، ثم أتي بفرس فَعُقِلَ) أي حُبِس وَكُفَّ (حتى ركبه، فجعل يتوقص به) أي يَثبُ به (ونحن نسعى) أي نشتد (حوله - ﷺ -).\n\n(٤٩) (بَابُ الْمَشْيِ أَمَامَ الْجَنَازَةِ) (٢)\n٣١٧٩ - (حدثنا القعنبي، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم،\n_________\n(١) وقال أيضًا: وقد قيل: إن أبا الدحداح هذا اسمه ثابت بن الدحداح، ويقال: الدحداحة، وقد ذكرناه في باب اسمه \"باب الثاء\". [انظر: \"الاستيعاب\" المطبوع بذيل \"الإصابة\" (٤/ ٦١)] وصنيع الحافظ يرجح أن اسم ابن الدحداح- أو أبو الدحداحة- هو ثابت بن الدحداح، حيث إن الحديث نفسه أخرجه الطبراني عن جابر بن سمرة أنه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في جنازة ثابت بن الدحداح، الحديث. [انظر: \"الإصابة\" رقم (٧٧٨)].\n(٢) فيه خمسة مذاهب، الأول: المشي أمامها أفضل مطلقًا ولو للراكب، وبه قال الشافعي، والثاني: أمامها أفضل للماشي وخلفها للراكب، وبه قال أحمد ومالك، والثالث: خلفها أفضل مطلقًا، وبه قالت الحنفية، والرابع: التخيير بلا ترجيح، وبه قال الثوري، الخامس: إن كان مع الجنازة نساء، فالأفضل أمامها وإلا فخلفها، \"الأوجز\" (٤/ ٤٢٣). (ش).","vol":"10","page":458},{"text":"عن أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - وَأَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ\" [ت ١٠٠٧، ن ١٩٤٤، جه ١٤٨٣، حم ٢/ ٨]\n===\nعن أبيه قال: رأيت النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة).\nقال في \"البدائع\" (٢): وأما كيفية التشييع، فالمشي خلف الجنازة أفضل عندنا، وقال الشافعي: المشي أمامها أفضل، واحتج بما روى الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر: \"أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة\"، وهذا حكايته عادة، وكانت عادتهم اختيار الأفضل، ولأنهم شفعاء الميت، والشفيع أبدًا يتقدم، ولأنه أحوط للصلاة لما فيه من التحرز عن احتمال الفوت.\nولنا: ما روي عن ابن مسعود موقوفًا عليه ومرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، ليس معها من تقدمها\" (٣). وروي عنه: \"أنه ﵇ كان يمشي خلف جنازة سعد بن معاذ\" (٤)، وروى معمر، عن طاوس، عن أبيه قال: \"ما مشى رسول الله - ﷺ - حتى مات، إلا خلف الجنازة\" (٥)، وعن ابن مسعود: \"فضل المشي خلف الجنازة على المشي أمامها كفضل المكتوبة على النافلة\" (٦).\nولأن المشي خلفها أقرب إلى الاتعاظ؛ لأنه يعاين الجنازةَ فيتعظ، فكان أفضل.\n_________\n(١) في نسخة. \"رسول الله\".\n(٢) (٢/ ٤٤، ٤٥).\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ٤١٩) رقم (٣٩٧٨) و(١/ ٤٣٢) رقم (٤١١١) عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا في الموضعين.\n(٤) لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث.\n(٥) ذكره ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (٤/ ٢٥)، وعزاه إلى عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦٢٦٢)، وقال: هذا سند صحيح على شرط الجماعة.\n(٦) لم أجده من كلام ابن مسعود، أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٨٢) من كلام علي ﵁.","vol":"10","page":459},{"text":"٣١٨٠ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن يُونُسَ،\n===\nوالمروي عن النبي - ﷺ - لبيانِ الجواز، وتسهيلِ الأمر على الناس عند الازدحام، وهو تأويل فعل أبي بكر وعمر - ﵄-، والدليل (١) عليه ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢) أنه قال: \"بينا أنا أمشي مع عليّ خلف الجنازة وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، فقلت لعلي - ﵁ -: ما بال أبي بكر وعمر يمشيان أمام الجنازة؟ فقال؟ إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي في أمامها، إلَّا أنهما يسهلان بالناس\"، ومعناه أن الناس يتحرزون عن المشي أمامها [تعظيمًا لهما] (٣) فلو اختارا المشي خلف الجنازة لضاق الطريق على مُشَيِّعِيها.\nوأما قوله: \"إن الناس شفعاء الميت فينبغي أن يتقدموا\"؛ فيشكل هذا بحالة الصلاة، فإن حالة الصلاة حالة الشفاعة، ومع ذلك لا يتقدمون الميت، بل الميت قدامهم، وقوله: \"هذا أحوط للصلاة\"؛ قلنا: عندنا إنما يكون المشي خلقها أفضل إذا كان بقرب منها بحيث يشاهدها، وفي مثل هذا لا تفوت الصلاة، ولو مشى قدامها كان واسعًا؛ لأن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر - رضي الله كنهما- فعلوا ذلك في الجملة على ما ذكرنا، غير أنه يكره أن يتقدم الكل عليها؛ لأن فيها إبطال متبوعية الجنازة من كل وجه.\n٣١٨٠ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس،\n_________\n(١) قلت: وتقدم النهي عن المشي أمامها من حديث أبي هريرة ﵁. [انظر: رقم ٣١٧١]. (ش).\n(٢) كذا في الأصل وهو خطأ، وفي \"البدائع\" (٢/ ٤٥): عبد الرحمن بن أندى، وهو خطأ أيضًا والصواب: عبد الرحمن بن أبزى كما في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٨٣)، و\"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٥).\n(٣) في \"البدائع\" (٢١/ ٤٥): تعظيمًا لها، وهو خطأ.","vol":"10","page":460},{"text":"عن زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن أَبِيهِ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- قَالَ: وَأَحْسَبُ أَنَّ أَهْلَ زِيَادٍ أَخْبَرُوني أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيب (١) مِنْهَا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وُيدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ\". [ت ١٠٣١، ن ١٩٤٢، جه ١٤٨١، حم ٤/ ٢٤٧]\n===\nعن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، قال) يونس: (وأحسب) أي أظن (أن أهل زياد أخبروني أنه) أي زيادًا (رفعه إلى النبي - ﷺ -) حاصل كلام يونس أن زيادًا حدثني بهذا الحديث ولم يرفعه (٢)، ولكن أهل زياد الذين حدثهم زياد بهذا الحديث أخبروني أنه رفعه.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها قريب)، هكذا بالرفع في النسخة المكتوبة الأحمدية والكانفورية والنسخة المكتوبة المدنية، وفي النسخة المصرية وحاشية النسخة القلمية المدنية: قريبًا بالنصب، وتأويل الرفع بتقدير المبتدأ، أي وهو قريب (منها، والسقط) (٣) بكسر السين أكثر من الضم، والفتح: أي الولد الساقط عن بطن أمه، والمراد به الذي يستهل (يصلَّى عليه ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة).\nقال الشوكاني (٤): (٥) ومحل الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر ولم يستهل، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يصلى عليه، وهو الحق؛ لأن الاستهلال يدل على وجود الحياة قبل خروج السقط، كما يدل على\n_________\n(١) في نسخة: \"قريبًا\".\n(٢) وبسط الشوكاني (٢/ ٦٩٨) في رفعه ووقفه. (ش).\n(٣) ولفظ الترمذي (١٠٣١): \"والطفل\".\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٧٠٠).\n(٥) وسيأتي اختلاف الأئمة في ذلك في هامش \"باب في الصلاة على الطفل\" (ص ١٤٥). (ش).","vol":"10","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1221>(٥٠) بَابُ الإسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ</span>\n٣١٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: \"أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ\n===\nوجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل، وأنه لا يكتفى بمجرد العلم بحياته في البطن فقط.\nقال القاري (١): نقل ميرك عن \"الأزهار\": أنه ليس المراد به الاقتصار على ذلك، بل يجب له ويستحب لهما بقوله: اللهم اجعله شفيعًا لأبويه (٢) وسلفًا وذُخرًا وعظة واعتبارًا، وَثَقِّلْ به موازينَهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، انتهى. ويستحب عندنا بعد التكبير الأولى أن يقرأ: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلخ، وبعد الثانية: الصلاة على النبي - ﷺ - كما في التشهد، وبعد الثالثة: اللهم اغفر لحينا .... إلى آخره، وإن كان صغيرًا: اللهم اجعله لنا فرطًا، واجعله لنا ذخرًا، واجعله لنا شافعًا مشفعًا.\n\n(٥٠) (بَابُ الإسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ)\nأي في تجهيزها وتكفينها وفي المشي معها\n٣١٨١ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة يبلغ به النبيَّ - ﷺ - قال: أسرعوا بالجنازة (٣)\n_________\n(١) وبسط في الروايات في الصلاة على السقط. [انظر: \"المرقاة\" (٤/ ١٥٥، ١٥٦)]. (ش).\n(٢) ومقتضاه أن يكون شافعًا لأبويه، واختُلِفَ فيه، كذا في \"الشامي\" (٢/ ١١٤، ١٣١). (ش).\n(٣) قال السندي على البخاري: ظاهره الأمر للحملة بالإسراع، ويحتمل الأمر بالإسراع في التجهيز، قال النووي (٤/ ١٦): الأول هو المتعين؛ لقوله: \"فشر تضعونه عن رقابكم\"، ويمكن تصحيحه على المعنى الثاني بأن يجعل الوضع كنايةً عن ترك التلبس به، انتهى.\nقلت: لكن مراد المصنف هو الأمر بالإسراع في المشي لا غير، إذ تقدم قريبًا \"باب =","vol":"10","page":462},{"text":"فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ\". [خ ١٣١٥، م ٩٤٤، ت ١٠١٥، جه ١٤٧٧، حم ٢/ ٢٤٠، ن ١٩١٠]\n===\nفإن تك صالحة فخير) أي فله خير (تقدمونها) أي الجنازة (إليه) أي إلى الخير (وإن تك سوى ذلك) أي غير خير (فشر) أي فهو شر (تضعونه) أي الشر (عن رقابكم).\nقال الشوكاني (١): قال ابن قدامة (٢): هذا الأمر للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه، والمراد بالإسراع: شدة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السلف، وهو قول الحنفية. قال صاحب \"الهداية\" (٣): ويمشون بها مسرعين دون الخبب. وفي \"المبسوط\" (٤): ليس فيها شيء موقت، غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة.\nوعن الجمهور المراد بالإسراع: ما فوق سجية المشي المعتاد. قال في \"الفتح\" (٥): والحاصل أنه يستحب الإسراع بها، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيِّع؛ لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة.\nوقيل: المعنى: الإسراع بتجهيزها، قال القرطبي: والأول أظهر. وقال النووي (٦): الثاني باطل مردود بقوله في الحديث: \"تضعونه عن رقابكم\".\n_________\n= التعجيل بالجنازة\"، فإن أريد ها هنا الإسراع في التجهيز يكون تكرار الترجمة بلا فائدة، وأيضًا سياق الروايات في الباب نص في المشي. (ش).\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٦).\n(٢) انظر: \"المغني\" (٣/ ٣٩٤، ٣٩٥).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٩١).\n(٤) \"المبسوط\" للسرخسي (٢/ ٥٧).\n(٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٤).\n(٦) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ١٦).","vol":"10","page":463},{"text":"٣١٨٢ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا شُعْبَةُ، عن عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِيهِ: \"أَنَّهُ كَانَ في جَنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ،\n===\nوقد قوى الحافظ الثاني بما أخرجه الطبراني بأسناد حسن عن ابن عمر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا مات أحدكم فلا تحبِسوه، وأسرعوا به إلى قبره\"، وبما أخرجه أيضًا أبو داود من حديث الحصين بن وحوح مرفوعًا: \" لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله\"، الحديث.\nقال الحافظ: فيه استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يتحقق أنه مات، أما مثل المطعون، والمفلوج، والمسبوت، فينبغي أن لا يسرع في تجهيزهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم، نبه على ذلك ابن بزيزة، ويؤخذ من الحديث ترك صحبة [أهل] البطالة وغير الصالحين (١).\n٣١٨٢ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن عيينة بن عبد الرحمن) بن جوشن الغطفاني الجوشني، أبو مالك البصري، قال أحمد: ليس به بأس، صالح الحديث، وقال الدوري عن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، قال أبو حاتم: صدوق، قال: وكان ثقة، وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) عبد الرحمن بن جوشن بفتح الجيم والمعجمة، وسكون الواو بينهما، آخره نون، الغطفاني البصري، كان صهر أبي بكرة على ابنته، قال أحمد: ليس بالمشهور، وقال أبو زرعة: ثقة، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجبي: عيينة ثقة، وأبوه ثقة.\n(أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص) الثقفي الطائفي، أبو عبد الله، صحابي شهير، نزيل البصرة، أسلم في وقد ثقيف، فاستعمله النبي - ﷺ - على الطائف، وأقرّه أبو بكر، ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين، ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية.\n_________\n(١) بسطه العيني. [انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ١٥٦)]. (ش).","vol":"10","page":464},{"text":"وَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا، فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ فَرَفَعَ سَوْطَهُ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺنَرْمُلُ رَمَلًا\". [ن ١٩١٣، حم ٥/ ٣٦]\n٣١٨٣ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. (ح): وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، نَا عِيسَى- يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ-، عن عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَا: في جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَقَالَ: \"فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بَغْلَتَهُ وَأَهْوَى بِالسَّوْطِ\". [ن ١٩١٢، حم ٥/ ٣٨]\n٣١٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَحْيَى الْمُجَبِّرِ- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ- عن أَبِي مَاجِدَةَ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا نَبِيّنا - ﷺ - عَنِ الْمَشْي مَعَ الْجَنَازَةِ، فَقَالَ: \"مَا دُونَ\n===\n(وكنا نمشي مشيًا خفيفًا، فلحقنا أبو بكرة فرفع) علينا (سوطه) لأجل التنبيه على المشي الخفيف (فقال: لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - نرمل رملًا) أي نسرع في المشي إسراعًا.\n٣١٨٣ - (حدثنا حميد بن مسعدة، نا خالد بن الحارث. ح: ونا إبراهيم، نا عيسى -يعني ابن يونس-، عن عيينة) بن عبد الرحمن (بهذا الحديث، قالا) أي خالد بن الحارث وعيسى بن يونس: (في جنازة عبد الرحمن بن سمرة، وقال) عبد الرحمن بن جوشن) (١): (فحمل عليهم بغلته وأهوى) أي أمال عليهم (بالسوط) ليضربهم تهديدًا على ترك السنة في المشي.\n٣١٨٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن يحيى المُجَبِّر (٢) - قال أبو داود: وهو يحيى بن عبد الله التيمي- عن أبي ماجدة (٣)، عن ابن مسعود قال: سألنا نبيَّنا - ﷺ - عن المشي مع الجنازة، فقال: ما دون\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب بدله: عيينة بن عبد الرحمن، انتهى- (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (١/ ٥٦) رقم (٧٤٥٤).\n(٣) كذا في نسخ أبي داود، وصححه والدي في كتابه بحذف التاء، وفي الترمذي بحذف التاء وضعفه جدًا؛ وفي التهذيب (١٢/ ٢١٦، ٢١٧): أبو ماجد، ويقال: أبو ماجدة، روى =","vol":"10","page":465},{"text":"الْخَبَبِ، إِنْ يَكُنْ خَيْرًا نُعَجِّلْ إِلَيْهِ (١)، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَبُعدًا لأَهْلِ النَّارِ، وَالْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَا تَتْبَعُ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا\" (٢). [ت ١١١، جه ١٤٨٤، حم ١/ ٣٧٨، ق ٤/ ٢٢]\n\n(٥١) بَابُ الإمَامِ يُصَلِّي (٣) عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ\n٣١٨٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سِمَاكٌ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: مَرِضَ رَجُلٌ، فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَجَاءَ جَارُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَهُ قَدْ مَاتَ، قَالَ: \"وَمَا يُدْرِيكَ؟ \"، قَالَ:\n===\nالخبب، إن يكن) الميت (خيرًا نعجِّل إليه، وإن يكن غير ذلك فبعدًا لأهل النار) دعاء عليه (والجنازة متبوعة ولا تَتْبع، ليس معها من تقدمها) أي بعيدًا منها، وهذا الحديث ضعّفه البخاري وغيره من المحدثين، وقد تقدم الكلام عليه قريبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>(٥١) (بَابُ الإمَامِ يُصَلِّي عَلَى مَنْ قتَلَ نَفْسَهُ)</span>\n٣١٨٥ - (حدثنا ابن نفيل، ثنا زهير، ثنا سماك، حدثني جابر بن سمرة قال: مرض رجل) لم أقف على تسميته (فصيح عليه) أي بكى عليه أهلُه بالصوت (فجاء جاره إلى رسول الله - ﷺ -) لم أقف على تسمية الجار أيضًا (فقال: إنه قد مات) وإنما أخبر بموته لما سمع الصياح فاستدل على موته.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (وما يدريك؟) أي بما علمتَ موته؟ (قال) الجار:\n_________\n= حديث السير بالجنازة، ثم تكلم عليه، وذكرهما في \"التقريب\" (ص ٦٧٠) فليرا جع. (ش). [وذكر الحافظ في \"التقريب\" رقم (٨٣٣٤، ٨٣٣٥) أنهما اثنان، وقال: وهم من خلط بينهما].\n(١) في نسخة: يُعَجَّل إليه.\n(٢) في نسخة: \"قال أبو داود: هو ضعيف، هو يحيى بن عبد الله، وهو يحيى الجابر.\nقال أبو داود: هذا كوفي، وأبو ماجدة بصري.\nقال أبو داود: أبو ماجدة هذا لا يُعْرَف\".\n(٣) في نسخة: \"لا يصلي\".","vol":"10","page":466},{"text":"أَنَا رَأَيْتُهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ\"، قَالَ: فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَجَاءَ إِلَي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ\"، قَالَ: فَرَجَعَ فَصيح عَلَيْهِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبِرْهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اللهُمَّ الْعَنْهُ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ فَرَآه قَدْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ (١) - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، قَالَ: \"وَمَا يُدْرِيكَ؟ \"، قَالَ: رَأَيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمِشَاقِصَ مَعَهُ، قَالَ: \"أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"إِذًا لَا أُصَلِّي عَلَيْهِ\". [م ٩٧٨، ت ١٠٦٨، ن ١٩٦٤، حم ٥/ ٩١، جه ١٥٢٦]\n===\n(أنا رأيته) أي علمته (قال رسول الله - ﷺ -: إنه لم يمت، قال) جابر: (فرجع) أي الجار (فصيح عليه) أي الرجل ثانيًا (فجاء) أي الجار (إلى رسول الله - ﷺ - فقال) أي الجار: (إنه قد مات، فقال النبي - ﷺ -: إنه لم يمت، قال) جابر: (فرجع) أي الجار (فصيح عليه) أي على الرجل المريض ثالثًا (فقالت امرأته) أي امرأة المريض لجارها: (انطلق إلى رسول الله - ﷺ - فَأَخْبِرْه) أي بموته (فقال الرجل) أي الجار: (اللَّهم العنه، قال) جابر: (ثم انطلق الرجل) الجار إلى المريض (فرآه) أي الرجل المريض (قد نحر نفسَه بمشقص) أي بنصل سهم عريض (معه، فانطلق) أي الجار (إلى النبي - ﷺ - فأخبره أنه) أي المريض (قد مات، قال) رسول الله - ﷺ -: (وما يدريك؟) أي بما علمت أنه مات؟ (قال) أي الجار: (رأيته ينحر نفسَه بمشاقص معه).\n(قال) رسول الله - ﷺ - تحقيقًا للأمر: (أأنت رأيته) أنه ينحر نفسه؟ (قال) الجار: (نعم، قال) رسول الله - ﷺ - (إذًا) يعني: إذا نحر نفسه (إلا أصلي عليه).\nقال الخطابي (٢): وتركُ النبي - ﷺ - الصلاةَ عليه معناه العقوبةُ له، والردعُ\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٣٠٩).","vol":"10","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1223>(٥٢) بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قتلَتْهُ الْحُدُودُ</span>\n٣١٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِي بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَني نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، عن أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَنْهَ عن الصَّلَاةِ عَلَيْهِ\". [ق ٤/ ١٩]\n===\nلغيره عن مثل فعله. وقد اختلف (١) الناس في هذا، فكان عمر بن عبد العزيز لا يرى الصلاة على من قتل نفسه، وكذلك قال الأوزاعي، وقال أكثر الفقهاء: يُصَلَّى عليه.\nقلت: إنما ترك الصلاةَ عليه رسولُ الله - ﷺ - ينفسه الشريفة، ولم ينه الناسَ عنها، فبهذا ينبغي أن لا يصليَ عليه كبار الأئمة والمقتدون من الناس، وأما غيرهم فيصلون عليه لئلا يضيع الفرضى الكفائي، ويؤيد ذلك ما عند النسائي بلفظ: \"أما أنا فلا أصلي عليه\"، ويدل على الصلاة على الفاسق حديث: \"صلوا على من قال: لا إله إلا الله\" (٢).\n\n(٥٢) (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قتَلَتْهُ الْحُدُودُ)\n٣١٨٦ - (حدثنا أبو كامل، نا أبو عوانة، عن أبي بشر قال: حدثني نفر من أهل البصرة، عن أبي برزة الأسلمي: أن رسول الله - ﷺ - لم يصل (٣) على ماعز بن مالك) فإنه رُجِمَ (ولم ينه عن الصلاة عليه).\nقال الخطابي (٤): قلت: كان الزهري يقول: يصلى على الذي يقاد منه في حد، ولا يصلى على من قُتِلَ في رجم، وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه أمر أن يصلى على شراحة وقد رجمها، وهو قول أكثر الفقهاء.\n_________\n(١) وسيأتي شيء من ذلك في الباب الآتي، والبسط في \"الأوجز\" (٤/ ٤٩٤). (ش).\n(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٦) من حديث ابن عمر ﵁.\n(٣) وجمع الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٣٧٨) بين هذا الحديث وبين صلاته ﵊ على المرجومة الجهنية بأنها أتت للحد، وطلبته بنفسها، فدل على توبتها، وهذا ﵁ قال: \"غرَّني قومي\"، فلم تتحقق توبته ... إلخ (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (١١/ ٣٠٩).","vol":"10","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1224>(٥٣) بَابٌ: في الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ</span>\n٣١٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسَ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ\n===\nوقال الشافعي: لا تترك الصلاةُ على أحد من أهل القبلة برًّا كان أو فاجرًا، وقال أبو حنيفة وأصحايه والأوزاعي: يُغسَل المرجوم ويُصَلّى عليه، وقال مالك: من قتله الإِمام في حد من الحدود فلا يصلي عليه الإِمام، ويصلي عليه أهله إن شاءوا أو غيرهم، وقال أحمد بن حنبل: لا يصلي الإِمام على قاتل نفس ولا غالٍّ، وقال أبو حنيفة: من قُتِلَ من المحاربين أو صُلِبَ لم يُصَلَّ عليه، وكذلك الفئة الباغية لا يُصَلَّى على قتلاهم، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أن تارك الصلاة إذا قُتِلَ لم يُصَلَّ عليه، ويُصَلَّى على من سواه ممن قُتِلَ في حد أو قصاص.\n\n(٥٣) (بابٌ: في الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ) (١)\n٣١٨٧ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا يعقوب بن\n_________\n(١) اختلفوا في الصلاة عليه، وحاصل ما في \"البناية\" (٣/ ٢٧٢)، و\"شرح النقاية\": عن ابن عمر: يصلى عليه وإن لم يستهل، ويه قال ابن سيرين وغيره، وقال ابن حزم في \"المحلى\" (٣/ ٣٨٥): يستحب أن يصلى عليه استهل أو لا، ولا يجب؛ مستدلًا بحديث عائشة: \"أنه ﵊ لم يُصَلِّ على ولده إبراهيم، وهو ابن ثمانية عشر شهرًا\"، وقال أحمد وداود: يصلى عليه إذا تم له أربعة أشهر، وهو قول قديم للشافعي، وفي الجديد لا يصلى عليه حتى يستهل، وبه قالت الحنفية، وقال مالك: لا يصلى حتى يطول ذلك قتتحقق حياته، انتهى مختصرًا.\nوفي \"الروض المربع\" (١/ ١١١): السقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه، وإن لم يستهل، انتهى. وفي \"الشرح الكثير\" للدردير (١/ ٦٧٢): يكره لغسيل سقط، وهو من لم يستهل صارخًا، ولو وُلدَ بعد تمام أمد الحمل، وكره تحنيطه وصلاة عليه.\nقال الدسوقىِ: قوله: \"هو من لم يستهل\"، أي: ولو تحرك، أو عطس، أو بال، أو رضع قليلًا.\nوفي \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٣٤): عمم الاستهلال بأي نوع كان من أنواع الحياة. قال الأبي (٣/ ١٠٧): وعن بعض السلف: لا يصلى على الولد الصغير لحديث الباب، والصلاة عليه أثبت، وعلَّل تركَ الصلاة بعلل ضعيفة، فقيل: لشغله بصلاة الكسوف، وقيل: لا يصلى على نبي، وجاء: لو عاش لكان نبيًا، وذكر الاختلاف ابن القيم في \"الهدي\". [انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٥١٣)]. (ش).","vol":"10","page":469},{"text":"إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، نَا أَبِي، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ رَسولُ اللهِ - ﷺ -\". [حم ٦/ ٢٦٧]\n٣١٨٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عن وَائِلِ بْنِ دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ البهيَّ قَالَ: \"لَمَّا مَاتَ\n===\nإبراهيم بن سعد، نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: مات إبراهيم ابن النبي - ﷺ - وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصل عليه رسول الله - ﷺ -).\nقال الخطابي (١): كان بعض أهل العلم يتأول على أنه إنما ترك الصلاةَ عليه لأنه قد استغنى بنبوة رسول الله - ﷺ - عن قربة الصلاة، كما استغنى الشهداء بقربة الشهادة عن الصلاة عليهم، وقد روى عطاء مرسلًا: أن النبي - ﷺ - صلى على ابنه إبراهيم، وهذا أولى الأمرين (٢) وإن كان حديث عائشة - ﵂ - أحسن اتصالًا، وقد روي: أن الشمس قد خُسِفَتْ يوم وفاة إبراهيم، فصلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخسوف فاشتغل بها عن الصلاة، انتهى. وقيل (٣): المعنى أنه ﵇ لم يصل بنفسه وصلى غيره، وقيل: إنه لم يصل عليه بجماعة.\n٣١٨٨ - (حدثنا هناد بن السري، نا محمد بن عبيد، عن وائل بن داود قال: سمعت البَهِيَّ) عبدَ الله بنَ يسار مولى المصعب بن الزبير (قال: لما مات\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٣١١، ٣١٢).\n(٢) ويؤيده ما تقدم: \"والطفل يُصَلَّى عليه\" برقم (٣١٨٠). (ش).\n(٣) انظر: \"الإكمال\" للأبي مع شرحه \"مكمل الإكمال\" للحسيني (٣/ ٣٩٨).","vol":"10","page":470},{"text":"إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ - ﷺ - صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الْمَقَاعِدِ\". [ق ٤/ ٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَرَأتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيِّ (١): حَدَّثَكُمْ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عن عَطَاءٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ لَيْلَةً\" [المراسيل ٤٣١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>(٥٤) بَابُ الصَّلَاة عَلَى الْجَنَازَةِ في الْمَسْجِدِ</span>\n٣١٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ،\n===\nإبراهيم ابن النبي - ﷺ - صلَّى عليه رسول الله - ﷺ - في المقاعد) بفتح الميم: دكاكين عند دار عثمان، وقيل: درج، وقيل: موضع بقرب المسجد اتخذ للقعود فيه للحوائج والوضوء، كذا في \"المجمع\" (٢).\n(قال أبو داود (٣): قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثكم ابن المبارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن عطاء، عن النبي - ﷺ -: صلى على ابنه إبراهيم وهو (٤) ابن سبعين ليلة).\n\n(٥٤) (بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ في الْمَسْجِدِ)\n٣١٨٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا فليح بن سليمان،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قيل له\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٠٦).\n(٣) لعل الغرض منه تقوية رواية الصلاة. (ش).\n(٤) وفي الرواية السابقة: هو ابن ثمانية عشر شهرًا، ولم يتعرض لهذا الاختلاف صاحب \"العون\" (٨/ ٣٣١)، وذكر في \"الإصابة\" (١/ ١٠٤) رقم (٣٩٨) عدة روايات في عمره من ستة عشر شهرًا إلى ثمانية عشر، ولم يذكر رواية سبعين ليلة، ولم يتعرض له، وقال: وُلدَ في ذي الحجة سنة ٨ هـ، وتوفي يوم الثلاثاء ١٠ ربيع الأول سنة ١٠ هـ، وهكذا ذكره صاحب \"الخميس\" (٢/ ١٤٦)، وذكر أيضًا رواية أبي داود هذه، ولم يتعرض لجوابه، وفي \"الفتح\" (٣/ ١٧٤): اتفقوا على أنه وُلدَ في ذي الحجة سنة ٨ هـ، ولم يذكر رواية أبي داود هذه، نعم ذكرها العيني (٦/ ١٤١)، لكنه لم يجب عنها. (ش).","vol":"10","page":471},{"text":"عن صَالِحِ بْنِ عَجْلَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّادٍ، عن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"واللَّه مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى سُهَيْلِ بْنِ الْبَيْضَاءِ (١) إِلَّا في الْمَسْجِدِ\". [م ٩٧٣، ت ١٠٣٣، ن ١٩٦٧، جه ١٥١٨، حم ٦/ ٧٩]\n٣١٩٠ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن الضَّحَّاكِ- يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ-، عن أَبِي النَّضْرِ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"وَاللَّه لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ في الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ\". [م ٩٧٣]\n===\nعن صالح بن عجلان ومحمد بن عبد الله بن عباد، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: والله ما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن البيضاء) القريشي، وبيضاء أمه، واسمها دعد (٢)، واسم أبيه وهب بن ربيعة، وذكر ابن إسحاق أنه شهد بدرًا، وهذا يدل على أنه مات في حياته - ﷺ -، وأرَّخ ابن سعد وفاته سنة تسع (إلَّا في المسجد) (٣).\n٣١٩٠ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا ابن أبي فديك، عن الضحاك - يعني ابن عثمان-، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة) -﵂ - (قالت: والله لقد صلى رسول الله على ابني بيضاء في المسجد: سهيلٍ وأخيه)، وأسم أخيه سهل بن بيضاء، وقال أبو نعيم: اسم أخي سهيل صفوان، ومن سماه سهلًا فقد وَهِمَ، كذا قال.\n_________\n(١) في نسخة يدله: \"بيضاء\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٤).\n(٣) هذا مختصر، وتمامه في \"مسلم\" (٩٧٣)، وفيه إنكار الصحابة عليها، وهذا أحد الأجوبة عنه، وقيل: كان الميت خارجًا، وهو جائز بالاتفاق، وقيل: لبيان الجواز، وقيل: أمر خاص لا عموم لها، وقيل: الكراهة بلا عذر، ومن الأعذار المطر واعتكاف الولي ونحوه ممن له حق المتقدم. [انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٩)]. (ش).","vol":"10","page":472},{"text":"٣١٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنِي صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَ في الْمَسْجِدِ فَلَا شَئء لَهُ\" (١). [جه ١٥١٧، حم ٢/ ٤٥٥، ق ٤/ ٥٢]\n===\n٣١٩١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي ذئب، حدثني صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من صلى على جنازة في المسجد (٢) فلا شيء له) (٣).\nفالحديثان الأولان من الباب يدلان على جواز صلاة الجنازة في المسجد، وهو قول الجمهور لهذين الحديثين، ولكن ما وقع في مسلم أنه لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت عائشة - ﵂ -: ادخلوا به المسجدَ حتى أصلي عليه، فأُنكِرَ ذلك عليها، فأجابت بهذا الحديث.\nوفيه أولًا: أنها واقعة حالٍ لا عموم لها، ويمكن أن يكون ذلك لضرورة كونها معتكفة، ويوم مطر، على أن إنكار الصحابة والتابعين عليها دليل على أن الأمر ثبت خلافها.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه بكراهة الصلاة على الميت في المسجد، قال في \"الدر المختار\" (٤): وكُرِهَ تحريمًا، وقيل: تنزيهًا في مسجد جماعة هو -أي الميت- فيه وحده أو مع القوم، واخْتلِفَ في الخارجة عن المسجد وحده، أو مع بعض\n_________\n(١) في نسخة: \"عليه\".\n(٢) بسط في \"البحر الرائق\" (٢/ ٢٠١) الكلام على الظرفية، وأشكل بأنهم يقولون بالكراهة مطلقًا، وللظرفية ثلاث صور. (ش).\n(٣) تكلموا في أن الصواب هناك نسخة \"لا شيء له\" أو نسخة \"لا شيء عليه\"، كما في \"العرف الشذي\" (ص ٢٥١)، وصوَّب الاْولَ، فلا يصح ما أجابه النووي (٤/ ٤٦) بلفظ: \"عليه\"، وأجاب أيضًا بالضعف والتأويل، والحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٤٥٥) بلفظ: \"فلا شيء له\" (ش).\n(٤) انظر: \"رد المحتار\" (٣/ ١٢٦).","vol":"10","page":473},{"text":"(٥٥) بَابُ الدَّفْنِ عِنْدَ طُلُوع الشَّمْسِ وَ(١) غُرُوبِهَا\n٣١٩٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، نَا مُوسَى بْنُ\n===\nالقوم، والمختار الكراهة (٢) مطلقًا، \"خلاصة\". بناء على أن المسجد بني للمكتوبة وتوابعها كنافلة وذكر وتدريس علم، انتهى. واستدلوا بالحديث الثالث (٣) من الباب؛ فإن ظاهره يدل على الكراهة.\nوقد حقق ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٤): أن الكراهة تنزيهية، ومرجعها خلاف الأولى، ووافقه تلميذه العلامة قاسم (٥). وقال الإِمام الطحاوي (٦): النهيُ عنها وكراهتُها قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف، وحقق أن الجواز كان ثم نُسِخَ، وتبعه في \"البحر\"، وانتصر له أيضًا سيدي عبد الغني في رسالة سماها \"نزهة الواجد\".\nقال الشامي: ولكن يشكل بصلاة الناس على أبي بكر وعمر - ﵄- في المسجد بمحضر من الصحابة من غير إنكار منهم على ذلك، ويمكن أن يحمل أيضًا على ضرورة، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>(٥٥) (بابُ الدَّفَنِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغرُوبِهَا)</span>\n٣١٩٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، نا موسى بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عند\".\n(٢) وكذلك عند المالكية، كذا في \"الدسوقي\" (١/ ٦٧٢). (ش).\n(٣) قال الذهبي في \"الميزان\" (٣٠٤/ ٢) رقم (٣٨٣٣): قال ابن حبان: هذا الحديث باطل، وصححه ابن القيم في \"الهدي\" (١/ ٥٠١)، والبسط في \"العيني\". [راجع: \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٧، ٢٨)]. (ش).\n(٤) راجع: \"فتح القدير\" (٢/ ١٣٢).\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"رد المحتار\" (٣/ ١٤٨): وافقه تلميذه العلامة ابن أمير حاج، وخالفه تلميذه الثاني الحافظ الزيني قاسم، فليتأمل.\n(٦) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٩٣).","vol":"10","page":474},{"text":"عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يحدِّث أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: \"ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ (١)، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ، أَوْ كَمَا قَالَ\". [م ٨٢٥، ت ١٠٣٠، ن ٥٦٠، جه ١٥١٩، حم ٤/ ١٥٢، ق ٢/ ٤٥٤]\n===\nعلي بن رباح قال: سمعت أبي يحدث أنه سمع عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات) أي أوقات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن) أي في تلك الساعات الثلاث (أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل) أي تزول عن نصف النهار (وحين تضيف) بحذف إحدى التاءين (الشمس للغروب حتى تغرب، أو كما قال).\nقال الخطابي (٢): واختلف الناس في جواز الصلاةِ على الجنازة والدفنِ في هذه الساعات الثلاث، فذهب أكثر أهل العلم إلى كراهية الصلاة على الجنائز في الأوقات التي تكره الصلاة فيها، وروي عن ابن عمر - ﵁ -، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي، وكذلك قال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.\nوكان الشافعي (٣) - ﵀ - يرى الصلاةَ على الجنائز أية ساعة شاء من ليل أو نهار، وكذلك الدفنَ أي وقت كان من ليل أو نهار.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"تَضِيفُ\".\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٣١٣).\n(٣) لكونها ذات سبب، وعند مالك: يكره في الإسفار والاصفرار، ويمنع في الثلاثة المشهورة إلا في حالة الخوف عليها فيجوز، وعند أحمد: لا يجوز في الأوقات الثلاثة، وكذلك عندنا إلَّا إذا حضر فيها، \"الأوجز\" (٤/ ٤٧١، ٤٧٢). (ش).","vol":"10","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1227>(٥٦) بابٌ إِذَا حَضَرَ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنسَاءٍ مَنْ يُقَدَّم</span>؟\n٣١٩٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهِبٍ الرَّمْلِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن ابْن جُرَيْجٍ، عن يَحْيَى بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمًّارٌ مَوْلَى الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ: \"أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةَ أُمّ كُلْثُومٍ وَابْنِهَا،\n===\nقلت: قول الجماعة أولى لموافقة الحديث، انتهى. فالمراد من قوله: \"نقبر\"، الصلاةُ عليه للملازمة بينهما، ولأن الدفن غير مكروه (١).\n\n(٥٦) (باب إِذَا حَضَرَ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنسَاءٍ، مَنْ يُقَدَّم؟)\nأي إلى الإِمام\n٣١٩٣ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، حدثنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن يحيى بن صبيح قال: حدثني عمار مولى الحارث بن نوفل: أنه شهد جنازةَ أمِ كلثوم) بنت علي بن أبي طالب من فاطمة - ﵂ - زوجة عمر بن الخطاب - ﵁ - (وابنِها) زيد بن عمر، ماتت أم كلثوم وولدها في يوم واحد، أصيب زيد في حرب كانت بين بني عدي، فخرج ليصلح بينهم، فشجَّه رجل، وهو لا يعرفه في الظلمة، فعاش أيامًا، وكانت أمه مريضة فماتا في يوم واحد.\n_________\n(١) قال البيهقي في \"المعرفة\" (٣/ ٤٤٣): ونهيه ﵊ عن القبر لا يتناول الصلاة، وهو عند كثير من أهل العلم محمول على كراهية الدفن في تلك الساعات، وعليه حمله النووي (٣/ ٣٧٦)، انتهى قال الزيلعي: حمله أبو داود على الدفن الحقيقي، كما يدل عليه تبويبه، وحمله الترمذي على الصلاة وبوَّب عليه \"ما جاء في كراهية صلاة الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها\"، وقد جاء بتصريح الصلاة فيه، رواه الإِمام أبو حفص عمر بن شاهين في \"كتاب الجنائز\" من حديث خارجة بن الصعب، عن ليث بن سعد، عن موسى بن علي به، قال: نهانا رسول الله - ﷺ - أن نصلي على موتانا عند ثلاث: عند طلوع الشمس، إلى آخره، كذا في \"نصب الراية\" (١/ ٢٥٠). قلت: وعلى الظاهر حمله ابن القيم (١/ ٥٢١)، وهو مذهب أحمد بن حنبل، كذا في \"المغني\" (٢/ ٥١٨)، و\"الروض المربع\" (١/ ٧٦). (ش).","vol":"10","page":476},{"text":"فجُعِلَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الإمَامَ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، وَفِي الْقَوْمِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالوا: هَذ السُّنَّةُ\". [ن ١٩٧٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>(٥٧) بابٌ: أَيْنَ يَقُومُ الإمَام مِنَ الْمَيِّتْ إِذَا صَلَّى عَلَيْهِ</span>؟\n٣١٩٤ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ في سِكَّةِ الْمِرْبَدِ،\n===\n(فجُعِل الغلامُ مما يلي) أي يتصل (١) (الإِمام، فأنكرتُ ذلك) أي علمت ذلك في نفسي منكرًا (وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة) فسألتهم (فقالوا: هذه السنة) أي في وضع الجنائز يوضَعُ الرجال مما يلي الإِمام، ثم النساء.\n\n(٥٧) (بابٌ: أَيْنَ يَقُومُ (٢) الإمَامُ مِنَ الْمَيِّتِ إِذَا صَلَّى عَلَيْهِ؟)\n٣١٩٤ - (حدثنا داود بن معاذ، نا عبد الوارث، عن نافع أبي غالب) ويقال: رافع (قال: كنت في سِكة المربد) نقل في حاشية المكتوبة الأحمدية عن \"فتح الودود\": سكة المربد، بكسر ميم وفتح موحدة، هو موضع بالبصرة. وقال في \"المجمع\" (٣): المربد هو الموضع الذي تُحْبَسُ فيه الإبل والغنم، وبه سميت مربد المدينة والبصرة.\n_________\n(١) هكذا قال الجمهور، وقيل بالعكس، وبه قال بعض الصحابة والتابعين، وقال قوم: يصلي على الرجال على حدة، وعلى النساء على حدة، والبسط في \"الأوجز\" (٤/ ٨٨، ٨٩). وقال الشوكاني (٢/ ٦٩٤): استدلَّ بالصلاة عليه - ﷺ - من قدم النساء على الصبيان ... إلخ. (ش).\n(٢) بسط المذاهب فيه العيني (٦/ ١٨٧). (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٧٧).","vol":"10","page":477},{"text":"فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ وَمَعَهَا نَاسٌ كَثِيرٌ، قَالُوا: جَنَازَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ (١)، فَتَبِعْتُهَا، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ كِسَاءٌ رَقِيقٌ عَلَى بُرَيْذِينَةٍ (٢)، عَلَى رَأسِهِ خِرْقَةٌ تَقِيهِ مِنَ الشَّمْسِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا الدِّهْقَانُ؟\n===\n(فمرت جنازة معها ناس كثير، قالوا) أي الناس: (جنازة عبد الله بن عمر) كذا في النسخة الكانفورية والقلمية الأحمدية، وأما في النسخة المكتوبة المدنية والنسخة المصرية ونسخة الخطابي (٣): \"عمير\"، وليس المراد بعبد الله بن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، ولم أجد ترجمة عبد الله بن عمير هذا في شيء من الكتب (٤)، ولم أقف على أن القصة التي وقعت في الحديث أين وقعت؟\nوظاهر لفظ الحديث يدل على أنها وقعت في البصرة؛ فإن أنس بن مالك - ﵁ - أقام في البصرة، وما مات عبد الله بن عمر بالبصرة، بل مات في مكة، ودُفِنَ بذي طوى، والله أعلم.\n(فتبعتها، فإذا أنا) ملاقِ (برجل عليه كساء رقيق على بريذينة) تصغير برذون، وهو الفرس غير العربي، و(على رأسه خرقة تَقِيْه من الشمس، فقلت: من هذا الدِّهقان؟) أي رئيس القرية، قال في \"المجمع\" (٥): هو بكسر الدالِ وضمِّها: رئيس القرية، ومقدم التُنّاء (٦)، وأصحاب الزراعة، وهو معرب.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عمر\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بريذينته\".\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٣١٣).\n(٤) قال في المنهل (٩/ ٢٩): ابن عمير هذا لعله أبو محمد مولى أم الفضل، أو ابنها عبد الله بن عباس، انتهى. وقد صرَح ابن سعد في \"طبقاته\" (٧/ ١٢): أنه عبد الله بن عمير الليثي، وهو من أصحاب رسول الله - ﷺ - كما في الإصابة (٦٦٤٠)، و\"أسد الغابة\" (٣١٠٥).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٢٠).\n(٦) التُّنَّاء: واحده \"التانئ\": المقيم ببلده والملازم له.","vol":"10","page":478},{"text":"قَالُوا: هَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَلَمَّا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ قَامَ أَنَسٌ، فَصَلَّى عَلَيْهَا وَأَنَا خَلْفَهُ لَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَقَامَ عِنْدَ رَأسِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ لَمْ يُطِلْ وَلَمْ يُسْرِعْ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقْعُدُ، فَقَالُوا (١): يَا أَبَا حَمْزَةَ، الْمَرْأَةُ الأَنْصَارِيَّةُ، فقَرَّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أَخْضَرُ، فَقَامَ عِنْدَ عَجِيْزَتِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلَاتِهِ عَلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ جَلَسَ.\nفَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ (٢) كَصَلَاتِكَ: يُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَيَقُومُ عِنْدَ رأسِ الرَّجُلِ وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.\n===\n(قالوا: هذا أنس بن مالك (٣)، فلما وُضِعَتِ الجنازة قام أنس، فصلى عليها وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه) أي الميت (فكبر أربع تكبيرات لم يُطِلْ ولم يُسْرعْ، ثم ذهب يقعد، فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية) (٤) أي هذه جنازتها فَصَلِّ (فقرَّبوها) أي إلى أنس (وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلى عليها نحو صلاته على الرجل) أي بأربع تكبيرات (ثم جلس).\n(فقال العلاء بن زياد) بن مطر العدوي: (يا أبا حمزة) كنية أنس بن مالك (هكذا) بتقدير همزة الاستفهام (كان رسول الله - ﷺ - يصلي على الجنازة كلصلاتك: يكبر عليها) أي على الجنازة رجلًا كان أو امرأة (أربعًا، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال) أنس بن مالك: (نعم).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"قالوا\".\n(٢) في نسخة: \"الجنائز\".\n(٣) يفتش وجه تقديمه وترتيب الأحق بالصلاة في \"الأوجز\" (٤/ ٤٨٦، ٤٨٧). (ش).\n(٤) وفي رواية الترمذي: القرشية، ولعلها كانت قرشية، وحالفت بالأنصار، كذا قال الزيلعي. [انظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٢٧٥)]. (ش).","vol":"10","page":479},{"text":"قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْتُ مَعَهُ حُنَيْنًا، فَخَرَجَ الْمُشْرِكُون فَحَمَلُوا عَلَيْنَا حَتَّى رَأَيْنَا خَيْلَنَا وَرَاءَ ظُهُورِنَا، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَيْنَا فَيَدُقُّنَا وَيَحْطِمُنَا، فَهَزَمَهُم اللَّه، وَجَعَلَ يُجَاءُ بِهِمْ فَيُبَايِعُونَهُ عَلَى الإسْلَامِ، وَقَالَ (١) رَجُلٌ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ عَلَيَّ نَذْرًا (٢) إِنْ جَاءَ اللَّه بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مُنْذُ الْيَوْم يَحْطِمُنَا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَجِيءَ بِالرَّجُلِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُبْتُ إِلَى اللَّهِ! فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (٣) لَا يُبَايِعُهُ ليَفِيَ الآخَرُ (٤) بِنَذْرِهِ.\n===\n(قال) العلاء بن زياد: (يا أبا حمزة، غزوتَ) بتقدير الاستفهام (مع رسول الله - ﷺ -؟ قال) أنس: (نعم، غزوت معه حنينًا، فخرج المشركون فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا) أي تنهزم (وراء ظهورنا، وفي القوم) يعني الكفار (رجل يحمل علينا فيدقُّنا ويحَطمنا) أي يضربنا ويكسرنا (فهزمهم الله، وجعل) أي رسول الله - ﷺ - (يجاء بهم) أي عنده (فيبايعونه على الإِسلام، فقال رجل) لم أقف على تسميته (من أصحاب النبي - ﷺ -: إن عليَّ نذرًا إن جاء الله بالرجل الذي كان منذ اليوم) أي من ابتداء اليوم (يحطمنا لأضربن عنقَه، فسكت رسول الله - ﷺ -) على سماع نذره (وجيء بالرجل) الذي هو كان يحطم المسلمين.\n(فلما رأى) أي ذلك الرجل (رسولَ الله - ﷺ - قال: يا رسول الله! تبتُ إلى الله) أي عن الكفر (فأمسك رسول الله - ﷺ - لا يبايعه لِيَفِي الآخر بنذره) وإنما كفّ رسول الله - ﷺ - يده عن قبول بيعته مع أَنَّه أظهر الإِسلام وقال: تبت إلى الله؛\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"نذر\".\n(٣) زاد في نسخة: \"عنه\".\n(٤) في نسخة: \"الرجل\".","vol":"10","page":480},{"text":"قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّى لِرَسُولِ الله - ﷺ - لِيَأمُرَهُ بِقَتْلِهِ، وَجَعَلَ يَهَابُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يَقْتُلَهُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أنَّهُ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا بَايَعَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَذْرِي! قَالَ: \"إِنِّي لَمْ أُمْسِكْ عَنْهُ مُنْذُ الْيَوْم إِلَّا لِتُوفِيَ (١» بِنَذْرِكَ\"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَوْمَضْتَ إِلَيَّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُوْمِضَ\".\n===\nلأن إسلام الرجل كان موقوفًا على قبول رسول الله - ﷺ - إسلامَه وعلى قبول بيعته، كما وقع في قصة إسلام عبد الله بن أبي السرح حين جاء به عثمان - ﵁ -.\n(قال: فجعل الرجل يتصدى) أي يتعرض (لرسول الله - ﷺ - ليأمره بقتله) أي يأذن له فيه (وجعل) أي الرجل (يهاب رسولَ الله - ﷺ - أن يقتله) أي يهاب من قتله بعد إسلامه فيكون سببًا لغضبه (فلما رأى رسول الله - ﷺ - أنه) أي الرجل الناذر (لا يصنع شيئًا) من قتله (بايعه).\n(فقال الرجل) الناذر: (يا رسول الله نذري!) أي ضاع نذري (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إني لم أُمْسِكْ عنه) أي لم أكف يدي عن بيعته (منذ) ابتداء (اليوم إلَّا لتوفِيَ بنذرك، فقال: يا رسول الله، ألا أَوْمَضْتَ إليَّ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إنه ليس لنبي أن يُوْمِضَ).\nقال الخطابي (٢): الإيماض: الرمزُ بالعين والإيماءُ بها، ومنه: وميض البرق، وهو لمعانه. وأما قوله: \"ليس لنبي أن يومض\" فإن معناه أنه لا يجوز له فيما بينه وبين ربه أن يضمرَ شيئًا ويُظْهِرَ خلافَه؛ لأن الله ﷿ إنما بعثه لإظهار الدين وإعلانِ الحق، فلا يجوز له ستره وكتمانه لأن ذلك خداع، ولا يحل له أن يؤمِّن رجلًا في الظاهر، ويخفره في الباطن.\nوفي الحديث دليل على أن الإِمام بالخيار بين قتل الرجال البالغين من\n_________\n(١) في نسخة: \"لتفي\".\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٣١٤، ٣١٥).","vol":"10","page":481},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأسارى وبين حقن دمائهم ما لم يسلموا، فإذا أسلموا فلا سبيل عليهم.\nوقد اختلف الناس في موقف الإِمام من الجنازة، فقال أحمد بن حنبل: يقوم من المرأة بحذاء وسطها، ومن الرجل بحذاء (١) صدره، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقوم من الرجل والمرأة بحذاء صدره.\nوأما التكبير فقد روي عن النبي - ﷺ - خمس وأربع، وكان آخر ما كان يكبر أربعًا، وكان علي - ﵁ - يكبر على أهل بيت أو على (٢) أهلِ بدرٍ ست تكبيرات، وسائرِ الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا، وكان ابن عباس - ﵁ - يرى التكبير على الجنازة ثلاثًا، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (٣): وأما كيفية الصلاة على الجنازة فينبغي أن يقوم الإِمام عند الصلاة بحذاء الصدر من المرأة والرجل، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: في الرجل يقوم بحذاء وسطه، ومن المرأة بحذاء صدرها. ولا نص عن الشافعي في كيفية القيام، وأصحابه يقولون: يقوم بحذاء رأس الرجل، وبحذاء عجز المرأة لحديث أنس بن مالك.\nولكنا نقول: هذا معارض بما روى سمرة بن جندب: \"أن رسول الله - ﷺ - صلى على أم قلابة ماتت في نفاسها، فقام وسطَها\" (٤)، وهذا موافق لمذهبنا لِمَا ذكرنا أنه يقوم بحذاء صدر كل واحد منهما؛ لأن الصدر وسط البدن، أو نُؤَوِّل\n_________\n(١) قال الدردير (١/ ٦٦٤): يندب قيامه في وسط الرجل، وعند منكبي المرأة. (ش).\n(٢) صورة كتابة هذا اللفظ في الخطابي مشكوك، ويحتمل أن يكون \"أهل بيت\" أو \"أهل بدر\" وفي النيل\" (٤/ ٩٨) وغيره: \"أهل بدر\".\n[قلت: وفي \"المعالم\" (٣/ ٨٢) المطبوع أيضًا: \"أهل بدر\"]، ولكن في \"البدائع\" (٢/ ٥٠، ٥١): والرافضة زعمت أن عليًا كان يكبر على أهل بيته خمس تكبيرات، وعلى سائر الناس أربعًا، وهذا افتراء منهم عليه؛ فإنه - ﵁ - روي عنه: كبَّر على فاطمة - ﵂ - أربعًا، (هذه الحاشية من المؤلف).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٩، ٥٠).\n(٤) أخرجه البخاري (١٣٣٢)، ومسلم (٩٦٤).","vol":"10","page":482},{"text":"قَالَ أَبُو غَالِبٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ صَنيع (١) أنسٍ في (٢) قِيَامِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا، فَحَدَّثُونِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَان لأنهُ لم تَكُن النُّعُوشُ، فَكَانَ الإمَامُ يَقُومُ حِيَالَ عَجِيزَتِهَا يَسْتُرُهَا مِنَ الْقَوْمِ (٣). [ت ١٠٣٤، جه ١٤٩٤، ق ٤/ ٣٣، حم ٣/ ١١٨]\n٣١٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نَا حُسَيْن الْمُعَلِّمُ، نَا عَبْدُ الله بْنُ بُرَيْدة، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: \"صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ في نِفَاسِهَا،\n===\nفنقول: يحتمل أنه وقف بحذاء الوسط إلا أنه مال في أحد الموضعين إلى الرأس، وفي الآخر إلى العجز، فظن الراوي أنه فرق بين الأمرين.\n(قال أبو غالب: فسألت) الناسَ (عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش) في ذلك الزمان على النساء (فكان الإِمام يقوم حيالَ عجيزتها يسترها من القوم)، وهذا الكلام يدل على أن قيام الإِمام حيال عجيزة المرأة على خلاف الأصل للتستر فقط، والأصل في القيام هو موضع آخر، وهو وسطها، وهو الصدر، ولما كان الصدر والرأس قريبين، فإذا قام الإِمام حيال صدر الميت يمكن أن يظن من هو بعيد من الإِمام أنه قام حذاء الرأس، وكثيرًا ما نشاهد ذلك.\n٣١٩٥ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، حدثنا حسين المعلم، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن سمرة بن جندب قال: صليت وراء رسول الله - ﷺ - على امرأة) أم كعب الأنصارية (ماتت في نفاسها) أي في\n_________\n(١) في نسخة: \"صنع\".\n(٢) في نسخة: \"عن\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: قول النبي - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله\" (صحيح البخاري ٣٩٢). نُسِخَ من هذا الحديث الوفاءُ بالنذر في قتله، بقوله: إني قد تبت\".","vol":"10","page":483},{"text":"فَقَامَ عَليْهَا لِلصَّلَاةِ (١) وَسَطَهَا\". [خ ١٣٣١، م ٩٦٤، ت ١٠٣٥، ن ١٩٧٦، جه ١٤٩٣، حم ٥/ ١٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>(٥٨) بَابُ التكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ </span>(٢)\n٣١٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: نَا ابْنُ إدْرِيس قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، عن الشَّعْبِيِّ: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - مرَّ بِقَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَفُّوا عَلَيْهِ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا\"، فَقُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَال: \"الثِّقَةُ مَنْ شَهِدَهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ\" (٣). [خ ١٣٣٦، م ٩٥٤، ت ١٠٣٧، م ٢١٥٠، جه ١٥٣٠، حم ١/ ٢٢٤]\n===\nالولادة (٤) (فقام) أي رسول الله - ﷺ - (عليها للصلاة وسطَها).\n\n(٥٨) (بَابُ التكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ)\n٣١٩٦ - (حدثنا محمد بن العلاء قال: نا ابن إدريس قال: سمعت أبا إسحاق، عن الشعبي: أن رسول الله - ﷺ - مر بقبرٍ رطبٍ) (٥) أي جديد (فصفوا) أي رسول الله - ﷺ - وأصحابه (عليه، وكبر عليه أربعًا، فقلت للشعبي: من حدثك؟ قال: الثقة) أي حدثني الثقة (من شهده) أي ذلك المحلَ (عبدُ الله بن عباس) - ﵁ - بدل من \"الثقة\"، أو خبر مبتدأ محذوف.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في\".\n(٢) في نسخة: \"الجنائز\".\n(٣) قال المزي في \"الأطراف\" (٥٧٦٦) بعد إيراده وعزوه إلى الستة: \"وحديث أبي داود في رواية أبي بكر بن داسة عنه، ولم يذكره أبو القاسم\".\n(٤) فيه حجة للجمهور أن الشهيد بغير المعترك من أنواع الشهادة يُصلَّى عليه، ولا نعلم فيه خلافًا إلا ما روي عن الحسن: لا يصلى على نفساء؛ لأنها شهيدة، وللجمهور حديث الباب، كذا في \"المغني\" (٣/ ٤٧٦). (ش).\n(٥) وصاحب القبر: طلحة بن البراء بن عمير، كذا في \"العيني\" (٦/ ٣٥)، وكذا في \"الفتح\" (٣/ ١١٨). (ش).","vol":"10","page":484},{"text":"٣١٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن (١) شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: \"كَانَ زَيْدٌ - يَعْنِي ابْنَ أَرْقَمَ- يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُكَبِّرُهَا\". [م ٩٥٧، ت ١٠٢٣، ن ١٩٨٢، جه ١٥٠٥، حم ٤/ ٣٦٧، ق ٤/ ٣٦]\n===\nهذا الحديث يشتمل على مسألتين: أولاهما الصلاة على القبر، والثانية في عدد التكبير على الجنازة أنه أربع، فالمسألة الأولى ستأتي فيما بعد في \"باب الصلاة على القبر\"، وأما الثانية فهي مُتَّفَق عليها بين الأئمة الأربعة.\nقال الشوكاني (٢): قال القاضي عياض: اختلف الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع، قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع لما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يُلْتَفَتُ إليه، وقال: لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار خمَّس إلا ابن أبي ليلى.\n٣١٩٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، ح: ونا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: كان زيد -يعني ابنَ أرقم- يكبر على جنائزنا أربعًا) يعني كان ذلك عادة له (وأنه كبر على جنازة خمسًا) ولعله زاد الخامس سهوًا (فسألته) عن زيادة الخامسة (فقال: كان رسول الله - ﷺ - يكبرها) يعني كان رسول الله - ﷺ - كبر في الأول خمسًا، ثم اقتصر على الأربع، فلو زيد الخامسة لا حرج فيه؛ لأنه قد صلى بها رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) في نسخة: \"ثنا\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٧١٥).","vol":"10","page":485},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأنا لِحَدِيثِ ابْنِ الْمُثنَّى أَتْقَنُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>(٥٩) بَابُ مَا يُقْرَأ عَلَى الْجَنَازَةِ</span>\n٣١٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أنا سُفْيَانُ، عن سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازة فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: إِنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ. [خ ١٣٣٥، ت ١٠٢٧، ن ١٩٨٧، ق ٤/ ٣٨، ك ١/ ٣٥٨]\n===\nومذهبنا إن كبر الإِمام خمسًا لا يتابعه المقتدي في الخامسة، وعند زفر يتابعه، وجه قوله أن هذا مجتَهَد فيه، فيتابع المقتدي إمامه كما في تكبيرات العيدين. ولنا أن هذا عمل بالمنسوخ لأن ما زاد على أربع تكبيرات ثبت انتساخُه فظهر خطأه فيه بيقين، فلا يتابعه (١).\n(قال أبو داود: وأنا لحديث ابن المثنى أتقن).\n\n(٥٩) (بَاب مَا يُقْرَأُ عَلَى الْجَنَازَةِ)\n٣١٩٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت مع ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: إنها من السنَّة).\nواختلف العلماء في قراءة الفاتحة على الجنازة، فذهب الشافعي إلى قراءتها في التكبيرة الأولى، وقال ابن حزم: يقرأها في كل تكبيرة، وذهب الإِمام أبو حنيفة ومالك إلى أنها ليست فيها قراءة، وقال مالك: قراءة الفاتحة ليست معمولًا بها في بلدنا، وقال الطحاوي: ولعل من قرأ الفاتحة من الصحابة كان على وجه الدعاء لا على وجه القراءة، وقال ابن الهمام: لا يقرأ الفاتحة إلا بنية الثناء، ولم تثبت القراءة عن رسول الله - ﷺ -، كذا قال القاري (٢).\n_________\n(١) راجع: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٥١، ٥٢).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤١).","vol":"10","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1231>(٦٠) بَابُ الدُّعَاءِ لِلمَيِّتِ</span>\n٣١٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: \"إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ\". [جه ١٤٩٧، ق ٤/ ٤٠]\n٣٢٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، نَا أَبُو الْجُلَاسِ عُقْبَةُ بْنُ سَيَّارٍ (١) حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ شَمَّاخٍ\n===\n\n(٦٠) (بَابُ الدُّعَاء لِلْمَيِّتِ)\n٣١٩٩ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثني محمد- يعني ابن سلمة-، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة) - ﵁ - (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا صليتم على الميت) صلاة الجنازة (فأخلصوا له) أي للميت (الدعاءَ) أي ادعوا له بالإخلاص التام.\n٣٢٠٠ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، نا عبد الوارث، نا أبو الجلاس عقبة بن سيار) بمهملة، ثم تحتانية ثقيلة، ويقال: ابن سنان، أبو الجلاس الشامي، نزل البصرة، قال أحمد: أرجو أن يكون ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(حدثني علي بن شماخ) هكذا في جميع نسخ أبي داود، و\"التقريب\" (٢)، و\"الخلاصة\" (٣)، وفي \"تهذيب\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أو ابن سنان\".\n(٢) انظر: \"تقريب التهذيب\" رقم (٤٧٨٠).\n(٣) را جع: \"الخلاصة\" للخزرجي (ص ٢٧٤).","vol":"10","page":487},{"text":"قَالَ: شَهِدْتُ مَرْوَانَ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُوِلَ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ (١)؟ قَالَ: أَمَعَ الَّذِي قُلْتَ؟ قَالَ: نعَمْ- قَالَ: كَلَامٌ كَانَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ (٢) - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: \"اللهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا لِلإسْلَام (٣)، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، جِئْنَا (٤)\n===\nالتهذيب\" (٥): ابن شماس بالسين المهملة في آخره، السلمي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره البخاري في \"التاريخ\" (٦)، وكان سعيد بن العاص بعثه إلى المدينة.\n(قال: شهدت مروانَ سأل أبا هريرة: كيف سمعت رسول الله - ﷺ - يصلي على الجنازة (٧)؟ قال: أمع الذي قلت؟) يحتمل التكلمَ والخطابَ، يعني أتسأل عن صلاته - ﷺ - على الجنازة مع ما قلتُ لك، أو قلتَ لي؟\n(قال) مروان: (نعم، قال) علي بن شماخ: (كلام كان بينهما قبل ذلك) أي أشار أبو هريرة بقوله: \"مع الذي قلت\" إلى الكلام الذي كان جرى بينهما قبل ذلك (قال أبو هريرة) - ﵁ -، يصلي على الجنازة بهذا الدعاء (اللهم أنتَ ربها، وأنتَ خلقتها، وأنتَ هديتها للإسلام، وأنت قبضتَ روحَها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الجنائز\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ذاك\".\n(٣) في نسخة: \"إلى الإِسلام\".\n(٤) في نسخة: \"جئناك\".\n(٥) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٣٢).\n(٦) \"التاريخ الكبير\" رقم (٢٤٠٢).\n(٧) وفي \"التقرير\": قد وقع بينهما جدال فقال: أتسألني المسألة بعد ما قلت ما قلت؟ قال: نعم، فإن المسائل لا تُتْرَكُ لأجل هذا. (ش).","vol":"10","page":488},{"text":"شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ\" (١). (٢) [حم ٢/ ٣٤٥]\n٣٢٠١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ، نَا شُعَيْبٌ- يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ-، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِيرٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - علَى جَنَازَةٍ فَقَالَ: \"اللهُمَّ اغْفِرْ لِحَيّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإسْلَامِ\n===\nشفعاءَ) لها (فاغفر له).\n٣٢٠١ - (حدثنا موسى بن مروان الرقي، نا شعيب -يعني ابن إسحاق-، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة فقال: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا (٣) وكبيرنا، وذَكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان) أي التصديق القلبي، (ومن توفيته منا فتوفه على الإِسلام) أي على الانقياد.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"لها\".\n(٢) وزاد في نسخة: \"قال أبو داود: أخطأ شعبة في اسم علي بن شماخ، قال فيه: عثمان بن شماس. قال أبو داود: وسمعت أحمد بن إبراهيم الموصلي يحدث عن أحمد بن حنبل قال: ما أعلم أني جلست من حماد بن زيد مجلسًا إلا نهى فيه عن عبد الوارث وجعفر بن سليمان\".\n(٣) لرفع الدرجات، أو الصغير الشاب، والكبير الشيخ، كذا في \"المرقاة\" (٤/ ١٦١)، أشكل عليه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٤٣١) رقم (٩٧٤)، ثم أجاب بأنه في معنى قوله تعالى للنبي - ﷺ -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ ...﴾ الآية [الفتح: ٢]، أي إن كان له ذنب بعد الكبر ... إلخ.\nقلت: لكن ورد في دعاء أبي هريرة - ﵁ - على الصغير: اللهم أعذه من عذاب القبر. \"الأوجز\" (٤/ ٤٦٦)، و\"المرقاة\" (٤/ ١٦١، ١٦٢). (ش).","vol":"10","page":489},{"text":"اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ\". [ت ١٠٢٤، جه ١٤٩٨، حم ٢/ ٣٦٨]\n٣٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، نَا الْوَلِيدُ. (ح): وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنا الْوَليدُ- وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَتَمُّ- قَالَ: نَا مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، عن يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَة بْنِ حَلْبَسٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"اللهُمَّ إِنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ في ذِمَّتِكَ فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ\"، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ: \"في ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ،\n===\nوفي رواية الترمذي وغيره: \"فَأَحْيِهِ على الإِسلام، وتوفَّه على الإيمان\"، وهو الظاهر المناسب؛ لأن الإِسلام هو التمسك والانقياد بالأركان الظاهرية، وهذا لا يتأتى إلَّا في حالة الحياة، وأما الإيمان فهو التصديق الباطني، وهو المطلوب عند الوفاة، فتخصيص الأول بالحياة والثاني بالوفاة هو الوجه.\n\n(اللهم لا تحرمنا أجرَه، ولا تُضِلَّنا بعده).\n٣٢٠٢ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الوليد، ح: ونا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا الوليد- وحديث عبد الرحمن أتم-، قال: نا مروان بن جناح) الأموي مولاهم الدمشقي، قال دُحيم وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: هو أحب إلى من أخيه روح، وهما شيخان، يُكتَبُ حديثُهما، ولا يُحْتَجُ بهما، وقال الدارقطني: لا بأس به، شامي أصله كوفي، وقال أبو علي النيسابوري: مروان ثقة، وروح في أمره نظر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن واثلة بن الأسقع قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - على رجل من المسلمين فسمعته) أي رسول الله - ﷺ - (يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك فَقِهِ) أمر من وقى يقي (فتنة القبر، قال عبد الرحمن: في ذمتك وحبل جوارك) قيل: عطف تفسيري، وقيل: الحبل: العهد، أي في كنف حفظك وعهدك وعهد طاعتك، وقيل: في سبيل قربك،","vol":"10","page":490},{"text":"فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَاب النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقِّ (١)، اللهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكً أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ\".\nقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ: عن مَرْوَانَ بْنِ جَنَاحٍ. [جه ١٤٩٩، حم ٣/ ٤٩١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>(٦١) بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ</span>\n٣٢٠٣ - حَدَّثَنَا سلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَبِي رَافِعٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ\n===\nوهو الإيمان، والأظهر أن المعنى أنه متعلق ومتمسك بالقرآن كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢).\n(فَقِه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم فاغفر له وارحمه (٣)، إنك أنت الغفور الرحيم. قال عبد الرحمن: عن مروان بن جناح) بصيغة \"عن\".\n\n(٦١) (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ) (٤)\n٣٢٠٣ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة) - ﵁ -: (أن امرأة سوداء (٥)\n_________\n(١) في نسخة: \"والحمد\".\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٠٣.\n(٣) ووقع عند مسلم (٩٦٣) من حديث عوف بن مالك، وفيه: \"وأبدله زوجًا خيرًا من زوجه\"، وفيه بحث أن الزوجة للآخر من أزواج الدنيا أو لأحسنهم خلقًا، كذا في \"الشامي\" (٣/ ١١٠)، و\"البستان\" (ص ٢٤٨) للفقيه أبي الليث السمرقندي، و\"تحفة المنهاج\" (١/ ٣٢١) لابن حجر المكي، وسكت عنه في \"فتح الملهم\" (٢/ ٥٠٣)، وانظر: \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٧٠) لابن حجر. (ش).\n(٤) رويت من عشرة أوجه، راجع \"الأوجز\" (٤/ ٤٥٣). (ش).\n(٥) قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٥٥٣): إن الشك من ثابت، والصواب: امرأة اسمها =","vol":"10","page":491},{"text":"أَوْ رَجُلًا كَانَ يَقُمَّ الْمَسْجِدَ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ: مَاتَ، فَقَالَ: \"أَلَا آذَنْتُمُونِي بِهِ\"، قَالَ: \"دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ\"، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. [خ ١٣٣٧، م ٩٥٦، جه ١٥٢٧]\n===\nأو رجلًا كان يَقمُّ المسجد) أي يكنسه، قال في \"القاموس\" (١): وقمَّ البيتَ: كَنَسَه، وقُمامة بالضم: الكُناسة. (ففقده النبي - ﷺ - فسأل عنه، فقيل: مات، فقال) رسول الله - ﷺ -: (ألا) حرف تحضيض (آذنتموني به) أي بموته، وفي رواية البخاري في جواب هذا الاستفهام: \"فقالوا: إنه كان كذا وكذا قصته، قال: فحقروا شأنه\".\n(قال) أي رسول الله - ﷺ -: (دلّوني على قبره، فدلّوه فصلى عليه) وهذه المسألة من المسائل المختلف فيها، فقال بمشروعيته الجمهور، ومنعه النخعي ومالك (٢) وأبو حنيفة، وعنهم: إن دُفِنَ قبل أن يصلى عليه شُرع وإلَّا فلا.\nووقع في \"الأوسط\" للطبراني [عن إسماعيل بن زكريا، عن الشيباني: أنه صلى عليه بعد دفنه بليلتين]، وعند الدارقطني من طريق هريم بن سفيان فقال: \"بعد موته بثلاث\"، وفي رواية: \"فقال: بعد شهر\"، وهذه روايات شاذة، والطرق الصحيحة تدل على أنه صلَّى عليه في صبيحة دفنه، وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت عند ابن حبان بعد قوله: \"فصلى عليه\": ثم قال: \"إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينورها عليهم بصلاتي\" (٣)،\n_________\n= خرقاء، وكنيتها أم محجن ... إلخ، وقال أيضًا (٣/ ١١٨): إن المذكور في حديث ابن عباس بلفظ: \"مات إنسان كان - ﷺ - يعوده وهو طلحة بن البراء\"، ووهم من قال بالأول لتغاير القصتين، وكذا قال العيني (٦/ ٣٥). (ش).\n(١) \"ترتيب القاموس المحيط\" (٣/ ٦٩٣).\n(٢) في المشهور عنه. (ش).\n(٣) وقال العيني: إن الزيادة مدرجة من ثابت، وبسطه ... إلخ [انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٠٦) رقم (٤٥٨)]. (ش).","vol":"10","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1233>(٦٢) باب الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ يَمُوتُ في بِلَادِ الشّرْكِ</span>\n٣٢٠٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ: قَرَأَتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ في الْيَوْمِ الًّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكبَّرَ أَرْبَعَ تكبيراتٍ\". [خ ١٣٣٣، م ٩٥١، ت ١٠٢٢، ن ١٩٧٢، جه ١٥٣٤، حم ٢/ ٢٣٠]\n===\nوفيه دلالة على أن ذلك من خصائصه - ﷺ - (١)، انتهى، قاله الحافظ (٢).\n\n(٦٢) (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ يَمُوتُ (٣) في بِلَادِ الشِّرْكِ)\n٣٢٠٤ - (حدثنا القعنبي قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - نعى للناس) أي أخبرهم بموت (النجاشي (٤» بفتح النون وتخفيف الجيم، بعده الألف، وبعدها شين معجمة، ثم ياء الثقيلة كياء النسب، وهو لقب لملك الحبشة، واسمه أصحمة (في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى) وليس المراد بالمصلى مصلى العيدين بل يمكن أن يكون المراد بالمصلى موضعًا مُعَدًّا للجنائز ببقيع الغرقد. (فصف بهم وكبر أربع تكبيرات).\nقال الحافظ (٥): واستدل به على مشروعية الصلاة على الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعي، وأحمد، وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم يأت\n_________\n(١) وقيل: إنه ﵊ كان أولى بالمؤمنين، وقيل: لما أمر النبي - ﷺ - فصار كالنذر. \"أوجز\" (٤/ ٤٥٦). (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٥).\n(٣) به أشار المصنف إلى وحه الصلاة على النجاشي غائبًا، كذا في \"الفتح\" (٣/ ١٨٨).\n(٤) وتوفي سنة ٩ هـ كما في \"الخميس\" (٢/ ١٣٩)، و\"التلقيح\" (ص ٤١). (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٨).","vol":"10","page":493},{"text":"٣٢٠٥ - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، نَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْني ابْنَ جَعْفَرٍ-، عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:\n===\nعن أحد من الصحابة منعُه، وعن الحنفية والمالكية: لا يشرع ذلك، وعن بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميت أو ما قرب منه، لا ما إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البر. وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، فلو كان بلد الميت مستدبر القبلة مثلًا لم يجز.\nوقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشي بأمور: منها: أنه كان بأرض لم يصلِّ عليه بها أحد، فتعينت الصلاة عليه لذلك، ومن ثم قال الخطابي (١): لا يصلى على الغائب إلَّا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، واستحسنه الروياني من الشافعية.\nومن ذلك قول بعضهم: كُشِفَ له - ﷺ - عنه حتى رآه، فتكون صلاته عليه كصلاة الإِمام على ميت رآه ولم يره المأموم، ولا خلاف في جوازها، وكأن مستند قائل ذلك ما ذكره الواقدي (٢) في \"أسبابه\" بغير إسناد عن ابن عباس - ﵁ - قال: \"كُشِفَ للنبي - ﷺ - عن سرير النجاشي، حتى رآه وصلى عليه\"، ولابن حبان من حديث عمران بن حصين: \"فقام، وصفوا خلفه، وهم لا يظنون إلَّا أن جنازته بين يديه\"، ولأبي عوانة: \"فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا\".\nومن الاعتذار أن ذلك خاص بالنجاشي؛ لأنه لم يثبت أنه - ﷺ - صلى على ميتٍ غائبٍ غيره.\n٣٢٠٥ - (حدثنا عباد بن موسى، نا إسماعيل -يعني ابن جعفر-، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه قال:\n_________\n(١) راجع: \"معالم السنن\" (١/ ٣١٠، ٣١١).\n(٢) قلت: كذا في \"الفتح\" (٣/ ١٨٨)، وفي \"عمدة القاري\" (٦/ ١٦٤): \"الواحدي\" وهو الصواب.","vol":"10","page":494},{"text":"\"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ نَنْطَلِقَ إِلَى أَرْض النَّجَاشِيِّ، فَذَكَرَ حَدِيثَهُ. قَالَ (١) النَّجَاشِيُّ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ\". [ق ٤/ ٥٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>(٦٣) بَابٌ في جَمْعِ الْمَوْتَى في قَبْرٍ، وَالْقَبْرُ يُعْلَمُ</span>\n٣٢٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا سَعِيدُ بْنُ سَالِم. (ح): وَنَا يَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا حَاتِمٌ- يَعْني ابْنَ إِسْمَاعِيل- بِمَعْنَاه، عن كَثيرِ بْنِ زيدٍ الْمَدَنيِّ، عن الْمُطَّلِبِ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتهِ فَدُفِنَ،\n===\nأمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننطلق إلى أرض النجاشي، فذكر حديثه) أي قصة إرساله ﵇ إلى الحبشة، (قال النجاشي: أشهد أنه رسول الله - ﷺ -، وأنه الذي بَشَّر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه)، والغرض بإيراد هذا الحديث أن النجاشي أسلم، ولذلك صلى رسول الله - ﷺ - على جنازته.\n\n(٦٣) (بابٌ: في جَمْع الْمَوْتَى في قَبْرٍ) واحد (وَالْقَبْرُ يُعْلَم)، أيَ يجعل له علامة\n٣٢٠٦ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا سعيد بن سالم، ح: ونا يحيى بن الفضل السجستاني، نا حاتم -يعني ابن إسماعيل- بمعناه) أي بعنى حديث عبد الوهاب، (عن كثير بن زيد المدني، عن المطلب) بن عبد الله بن [المطلب بن] حَنْطَب، وهو من الطبقة الرابعة من التابعين الذين جُلُّ رواياتِهم من كبار التابعين.\n(قال: لما مات عثمان بن مظعون أُخْرِجَ بجنازته) إلى البقيع (فدُفِن) بها\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".","vol":"10","page":495},{"text":"فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا أَنْ يَأتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ (١)، فَقَامَ إِلَيْهَا (٢) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وحَسَرَ (٣) عن ذِرَاعَيْهِ، - قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا- ثُمَّ حَمَلَهَا (٤) فَوَضَعَهَا (٥) عِنْدَ رَأسِهِ (٦) وَقَالَ: \"أَتَعَلَّمُ بِهَا (٧) قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي\". [ق ٣/ ٤١٢]\n===\n(فأمر النبي - ﷺ - رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع) أي الرجل (حمله، فقام إليها) أي إلى الصخرة (رسول الله - ﷺ - وَحَسَرَ) أي كشف الثوبَ (عن ذراعيه).\n(قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك) أي حمل الحجر (عن رسول الله - ﷺ -، قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حين حسر) أي كشف الثوب (عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: أتعلم بها) أي بهذه الصخرة (قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي).\nقال المنذري (٨): في إسناده كثير بن زيد، مولى الأسلمين، مدني، كنيته أبو محمد، وقد تكلم فيه غير واحد.\n_________\n(١) في نسخة: \"حملها\".\n(٢) في نسخة: \"إليه\".\n(٣) في نسخة: \"فحسر\".\n(٤) في نسخة: \"حمله\".\n(٥) في نسخة: \"فوضعه\".\n(٦) في نسخة: \"تحت رأسه\".\n(٧) في نسخة: \"بهذا\".\n(٨) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٣٣٥).","vol":"10","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1235>(٦٤) بَابٌ: في الْحَفَّارِ يَجِدُ الْعَظْمَ، هَلْ يَتَنكَّبُ ذَلِكَ الْمَكَان</span>؟\n٣٢٠٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن سَعْدٍ - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ -، عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا\". [١٦١٦، حم ٦/ ٥٨]\n===\n\n(٦٤) (بَابٌ: في الْحَفَّار) من يحفر القبر (يَجِدُ الْعَظمَ) أي عظم ميت، (هَلْ يَتَنكَّبُ) أي يتجنب (ذَلِكَ الْمَكَان؟)\n٣٢٠٧ - (حدثنا القعنبي، نا عبد العزيز بن محمد، عن سعد - يعني ابن سعيد-، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة) - ﵂ -: (أن رسول الله - ﷺ - قال: كسرُ عظم الميت) أي في الإثم، (ككسره حيًّا) (١).\nقال الطيبي (٢): فيه إشارة إلى أنه لا يهان الميت كما لا يهان الحي، وقال ابن الملك: وإلى أن الميت يتألم. قال ابن حجر: من لوازمه أنه يستلذ بما يستلذ به الحي.\nقال في \"الدرجات\" (٣): روينا في جزء بحديث ابن منيع عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - حتى إذا جئنا القبر إذا هو لم يفرغ، فجلس النبي - ﷺ - على شفير القبر، وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظمًا ساقًا أو عضدًا، فذهب ليكسرها، فقال النبي - ﷺ -: (لا تكسرها، فإن كسرك إياه ميتًا ككسرك إياه حيًّا، ولكن دُسّه بجانب القبر\" فاستفدنا منه سبب الحديث، انتهى.\n_________\n(١) استدل الموفق بهذا الحديث على مسألة خلافية، وهي أن المرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد حي، هل يشق بطنها؟ فقال أحمد: لا، وحكي ذلك عن مالك وإسحاق، وقال الشافعي: نعم ... إلخ. [\"المغني\" (٣/ ٤٩٧)]. (ش).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٨٧)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٩٥).\n(٣) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٣٣).","vol":"10","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1236>(٦٥) بَابٌ: في اللَّحْدِ</span>\n٣٢٠٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَكَّامُ بْنُ سَلمٍ، عن عَلِيٍّ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عن أَبِيهِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا\" (١). [ت ١٠٤٥، ن ٢٠٠٩، جه ١٥٥٤، ق ٣/ ٤٠٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>(٦٦) بَابٌ: كمْ يدخلُ الْقَبْر</span>؟\n٣٢٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ\n===\n\n(٦٥) (بابٌ في اللَّحْدِ)\n٣٢٠٨ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا حكام بن سلم، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبيه) عبد الأعلى، (عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس - ﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: اللحد لنا، والشق لغيرنا).\nقال (٢) زين العرب تبعًا للتوربشتي: أي اللحد آثر وأولى لنا، والشق آثر وأولى (٣) لغيرنا، أي هو اختيار من كان قبلنا من أهل الإيمان، وفي ذلك بيان فضيلة اللحد، وليس فيه نهي عن الشق؛ لأن أبا عبيدة مع جلالة قدره في الدين والأمانة كان يصنعه، ولأنه لو كان منهيًا لما قالت الصحابة: أيهما جاء أولًا عمل عمله، ولأنه قد يضطر إليه لرخاوة الأرض.\n\n(٦٦) (بَابٌ: كَمْ يدخُلُ الْقَبْرَ؟)\nأي من الرجال الذين يدفنون الميت\n٣٢٠٩ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا إسماعيل بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هذا علي بن عبد الأعلى الثعلبي\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٨٠، ١٨١).\n(٣) وإليه مال الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٧/ ٢٦٠) رقم (٢٨٣١). (ش).","vol":"10","page":498},{"text":"أَبي خَالِدٍ، عن عَامِرٍ قَالَ: \"غَسَّلَ رَسُولَ الله (١) - ﷺ - عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَأسَامَةُ بْنُ زيدٍ، وَهُمْ أَدْخَلُوهُ قَبْرَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُرَحَّبٌ، أَوْ ابْنُ أَبِي مُرَحَّبٍ، أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا مَعَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ (٢) قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّمَا يَلِي الرَّجُلَ أَهْلُهُ\". [ق ٤/ ٥٣]\n٣٢١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن أَبِي (٣) مُرَحَّبٍ: \"أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ\n===\nأبي خالد، عن عامر) الشعبي (قال: غسَّل رسولَ الله - ﷺ - علي والفضل) بن عباس (وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه قبره).\n(قال) الشعبي: (وحدثني مرحب، أو ابن أبي مرحب). قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): مرحب، أو أبو مرحب، أو ابن أبي مرحب، ويقال اسم أبي مرحب: سويد بن قيس، له حديث واحد: \"أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي - ﷺ -\"، قال ابن عبد البر: ثقة في الكوفيين، ولا يوجد أن ابن عوف كان مع الذين دخلوا قبر النبي - ﷺ - إلَّا من هذا الوجه. قال في \"التقريب\" (٥): مختلف في صحبته.\n(أنهم أدخلوا معهم عبدَ الرحمن بن عوف، فلما فرغ) علي من دفنه - ﷺ - (قال علي: إنما يلي الرجلَ) أي يتولى دفنَه (أهلُه) كأنه اعتذار منه للصحابة في عدم تشريكهم في الدفن.\n٣٢١٠ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن أبي مرحب: أن عبد الرحمن بن\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"فلما فرغ علي قال\".\n(٣) في نسخة: \"ابن\".\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٨٤، ٨٥).\n(٥) \"تقريب التهذيب\" رقم (٦٥٩٥).","vol":"10","page":499},{"text":"عَوْفٍ نَزَلَ في قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أَرْبَعَةً\". [ق ٤/ ٥٣]\n\n(٦٧) بابٌ (١): كَيْفَ يُدْخَلُ الْمَيِّتُ قَبْرَهُ؟\n٣٢١١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: \"أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَي الْقَبْرِ وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ\". [ق ٤/ ٥٤]\n===\nعوف نزل في قبر النبي - ﷺ -، قال: كأني أنظر إليهم أربعة) وهم: علي، والفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، والرابع عبد الرحمن بن عوف - ﵃-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1238>(٦٧) (بابٌ: كيْفَ يُدْخَلُ الْمَيِّتُ قَبْرَهُ</span>؟)\n٣٢١١ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعية، عن أبي إسحاق قال: أوصى الحارث) الأعور (أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رِجْلي القبر وقال: هذا من السنَّة) (٢).\nوروى الطبراني (٣)، عن أبي إسحاق أيضًا: أن عبد الله بن يزيد صلى على الحارث الأعور، وفيه: \"ثم لم يدعهم يمدون ثوبًا على القبر، وقال: هكذا السنة\". وقد رواه ابن أبي شيبة (٤) من طريق الثوري، عن أبي إسحاق بلفظ: \"شهدتُ جنازة الحارث، فمدوا على قبره ثوبًا، فجذبه عبد الله بن يزيد،\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في الميت يُدْخَلُ من قِبَل رجليه\".\n(٢) وفي \"التقرير\": لعله - ﷺ - فعله في الضيق.\nوبسط الكلام على ذلك مولانا عبد الحي اللكهنوي في رسالة مستقلة: \"كشف الستر عن إدخال الميت في القبر\" [انظر: (ص ٩، ١٠)] (ش).\n(٣) أورده الحافظ في \"تلخيصه\" رقم (٧٨٥).\n(٤) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٣٢٦).","vol":"10","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1239>(٦٨) بَابٌ: كَيْفَ يَجْلِسُ عِنْدَ الْقَبْرِ</span>؟\n٣٢١٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عن زَاذَانَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْتهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمْ (١) يُلْحَدْ بَعْدُ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - مسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ\". [حم ٤/ ٢٨٨ - ٢٨٧]\n===\nوقال: \"إنما هو رجل\". ورواه البيهقي (٢) بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق: \"أنه حضر جنازة الأعور، فأمر عبد الله بن يزيد أن يبسطوا عليه ثوبًا\".\nقال الحافظ (٣): لعل الحديث كان فيه: \"فأمر أن لا يبسطوا\"، فسقطت \"لا\"، أو كان فيه: \"فأبى\" بدل \"فأمر\"، قاله الشوكاني (٤).\nونقل على حاشية المكتوبة الأحمدية عن \"فتح الودود\": وعن أصحابنا الحنفية أنه يُدخَل الميتُ القبرَ من قِبَل القبلة، والخلاف في الأفضل، ودليلهم ما رواه الترمذي (٥) عن ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - دخل قبرًا ليلًا، فأُسْرِجَ له، فأخذه من قِبَل القبلة\"، انتهى.\n\n(٦٨) (بابٌ: كَيْفَ يَجْلِسُ عِنْدَ الْقَبْرِ؟)\n٣٢١٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار) لم أقف على تسميته (فانتهينا إلى القبر ولم يلحد) أي لم يكمل اللحد بعد (فجلس النبي - ﷺ - مستقبل القبلة، وجلسنا معه)،\n_________\n(١) في نسخة: \"لما\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٤).\n(٣) انظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٣٠٠).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٠).\n(٥) \"سنن الترمذي\" (١٠٥٧).","vol":"10","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1240>(٦٩) بَابٌ: في الدُّعَاء لِلمَيِّتِ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ</span>\n٣٢١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَنَا. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الصِّدِّيقِ، عن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ في الْقَبْرِ قَالَ: \"بِسْمِ اللهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ\" - ﷺ -، هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. [حم ٣/ ٢٧، ك ١/ ٣٦٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>(٧٠) بَابُ الرَّجُلُ يَمُوتُ لَهُ قَرَابَةٌ مُشْرِكٌ </span>(١)\n٣٢١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي\n===\nوفي رواية النسائي (٢): وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير.\n\n(٦٩) (بابٌ: في الدُّعَاء لِلْمَيِّتِ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ)\n٣٢١٣ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أنا، ح: وحدثنا مسلم بن إبراهيم، نا همام) هكذا في الكانفورية والنسخة الأحمدية والمدنية، وأما في نسخة مكتوبة حصلت لنا في المدينة المنورة- على صاحبها ألف صلاة وتحية -: حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، ح: ونا مسلم بن إبراهيم، نا همام. حاصل السند على النسخ أن محمد بن كثير، ومسلم بن إبراهيم يرويان عن همام، ولكن اختُلِفَ في لفظ التحديث، فقال محمد بن كثير بلفظ: أنا، ومسلم بن إبراهيم بلفظ: نا.\n(عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان إذا وضع الميتَ في القبر قال: بسم الله وعلى سنَّة رسول الله - ﷺ -، هذا لفظ مسلم).\n\n(٧٠) (بابُ الرَّجُلِ يَمُوتُ لَهُ قَرَابَةٌ مُشْرِكٌ)\nأي الرجل المسلم يموت له ذو قرابة مشرك كيف يفعل؟\n٣٢١٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني\n_________\n(١) في نسخة: \"والد مشرك\".\n(٢) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٢١٢٨).","vol":"10","page":502},{"text":"أَبُو إِسْحَاقَ، عن نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ، قَالَ، \"اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ، ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأتِيَنِي\"، فَذَهَبْتُ فَوَاريتُهُ، وَجِئْتُهُ، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ، وَدَعَا (١) لِي. [ن ١٩٠، حم ١/ ٩٧]\n===\nأبو إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي قال:) لما مات أبي أبو طالب (قلت للنبي - ﷺ -: إن عمك الشيخَ الضالَّ) أي أبا طالب (قد مات، قال: اذهب فَوارِ أباك) أي ادفنه (ثم لا تحدثن) أي لا تفعلن (شيئًا حتى تأتيني، فذهبتُ فواريتُه) أي دفنته (وجئته) ﵇ (فأمرني) بالاغتسال (فاغتسلت ودعا لي) (٢).\nنقل عن \"فتح الودود\": يحتمل أن يخص ذلك بالكافر، وهذا الحديث دليل على أن أبا طالب مات كافرًا، ولهذا لم يصلِّ عليه النبي - ﷺ -، ولا أمر عليًّا - ﵁ - أن يصلي عليه.\n_________\n(١) في نسخة: \"فدعا\".\n(٢) وذكر الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٥٠٦) في هذا الحديث زيادة: \"أنه مات مشركًا\"، وأخرج البخاري (٣٨٨٣) عن العباس أنه قال للنبي - ﷺ -: \"ما أغنيت عن عمك، فو الله كان يحوطك ويغضب لك، قال: هو في ضحضاح من نار ... \" الحديث. قال: الحافظ (٧/ ١٩٤): فيه ما يدل على ضعف ما روي عن عباس: \"أنه أصغى إليه وهو يحرك شفتيه ... إلخ\".\nوقال أيضًا (٧/ ١٩٥): وقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض، أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلامه ولا يثبت من ذلك شيء، وقد بسط في \"الإصابة\" (٤/ ١١٦، ١١٧) في رد ما روي في إسلامه، ذكر هذا الحديث صاحب \"الخميس\" (١/ ٢٩٩، ٣٠٠)، وبسط الكلام على إسلامه، وقلت: نعم الثابت بمجموع ما تقدم وما ورد في هذا الباب أنه يُخفَّف عنه العذاب، وأنكر بعضهم التخفيفَ عن الكافر لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ...﴾ [البقرة: ٨٦]، ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. وقال الحافظ: إن تفاوتهم في العذاب معلوم من الكتاب والسنَّة ... إلخ، وبسط شيئًا منه في موضع آخر (١١/ ٤٣٠)، وأجمله في عتق أبي لهب ثويبةَ. (ش).","vol":"10","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1242>(٧١) بَابٌ: في تَعْمِيقِ الْقَبْرِ</span>\n٣٢١٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُمْ، عن حُمَيْدٍ - يَعْنِي ابْنَ هِلَالٍ -، عن هِشَام بْنِ عَامِرٍ قَالَ: جَاءَتِ الأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالوا: أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ، فَكَيْفَ تَأَمُرُنَا؟ قَالَ: \"احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ في الْقَبْرِ\"، قِيلَ: فَأَيُّهُمْ يُقَدَّمُ (٢)؟ قَالَ: \"أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا\".\n===\n\n(٧١) (بابُ: في تَعْمِيقِ الْقَبْرِ)\n٣٢١٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، أن سليمان بن المغيرة حدثهم، عن حميد -يعني ابن هلال-، عن هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله - ﷺ - يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح) أي جرح (وجهد) بفتح الجيم، أي المشقة والتعب، (فكيف تأمرنا) أي في حفر القبور؟\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (احفروا، وأوسعوا) أي القبر (واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر) أي قبر واحد، فأمرهم بحفر القبر الذي يسع رجلين أو ثلاثة، وفي الرواية الآتية: \"وأعمقوا\" أي احفروا القبر عميقًا، فهذا يدل على أنه لا بد من تعميق القبر؛ فإنه - ﷺ - أمرهم بتعميقه مع حالة الشدة والجروح والمشقة والتعب للأنصار، ولهذا قالت الحنفية أن يعمق إلى الصدر وإلَّا فإلى السرة، وأمرهم أن يجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر واحد، وهذا من باب التسهيل عليهم للضرورة، فلو لم يكن ضرورة يكره أن يدفن اثنان في قبر واحد.\n(قيل) لرسول الله - ﷺ -: (فأيهم يقدَّم) إلى القبلة؟ (قال: أكثرهم قرآنًا).\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"نقدم\".","vol":"10","page":504},{"text":"قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَئِذٍ عَامِرٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ قَالَ: وَاحِدٌ. [ت ١٧١٣، ن ٢٠١٥، جه ١٥٦٠، حم ٤/ ٢٠]\n٣٢١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ- يَعْنِي الأَنْطَاكِيَّ-، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْنِي الْفَزَارِيَّ-، عن الثَّوْرِي، عن أَيُّوبَ، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زَادَ فِيهِ: \"وَأَعْمِقُوا\" [انظر مَا قبله]\n٣٢١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا جَرِيرٌ، نَا حُمَيْدٌ - يَعْنِي ابْنَ هِلَالٍ -، عن سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ بِهَذَا (١). [انظر سابقه]\n===\n(قال) أي هشام ت (أصيب) أي قُتِلَ (أبي يومئذ) أي يوم أحد (عامر بين اثنين، أو قال: واحد) فَدُفِنَ معهما في قبر واحد.\nولفظ النسائي (٢): عن هشام بن عامر قال: \"شكونا إلى رسول الله - ﷺ - يوم أحد، فقلنا: يا رسول الله! الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال رسول الله - ﷺ -: احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، قالوا: فمن نقدِّم يا رسول الله؟ قال: قدِّموا أكثَرَهم قرآنًا، قال: فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد\".\n٣٢١٦ - (حدثنا أبو صالح -يعني الأنطاكي-، أنا أبو إسحاق- يعني الفزاري-، عن الثوري، عن أيوب، عن حميد بن هلال بإسناده ومعناه، زاد فيه: وأعمقوا).\n٣٢١٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا جرير، نا حميد- يعني ابن هلال-، عن سعد بن هشام بن عامر بهذا) أي بالحديث المتقدم.\n_________\n(١) في نسخة: \"بهذا الحديث\".\n(٢) \"سنن النسائي\" رقم (٢٠١٥).","vol":"10","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1243>(٧٢) بَابٌ: في تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ </span>(١)\n٣٢١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، نَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن أَبِي هَيَّاج الأَسَدِيِّ قَالَ: \"بَعَثَنِي عَلِيٌّ قَالَ لِي: أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَنْ لَا أَدع (٢) قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتُهُ وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتُهُ\". [م ٩٦٩، ت ١٠٤٩، ن ٢٠٣١، حم ١/ ٨٩، ك ١/ ٩٦]\n===\n\n(٧٢) (بَابٌ: في تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ) (٣)\n٣٢١٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، نا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي هياج) بمفتوحة وشدة مثناة تحت وبجيم (الأسدي) حيان بن حصين الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: تابعي ثقة، أخرج له أبو داود حديثًا واحدًا. (قال) أبو الهياج: (بعثني علي) بن أبي طالب (قال لي: أبعثكَ على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -: أن لا أدع قبرًا مشرفًا) (٤) أي مرتفعًا (إلَّا سويته).\nقال في \"المجمع\" (٥): الجمهور على أن الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم، ولا ما يعرف به القبر كي يحترم، وإنما هو ارتفاع كثير تفعله الجاهلية؛ فإن التسنيم صفة قبره - ﷺ -.\n(ولا تمثالًا) أي صورة ذي روح، (إلَّا طمسته) أي محوته.\n_________\n(١) في نسخة: \"القبور\".\n(٢) في نسخة: \"تدع\".\n(٣) الأفضل عند الشافعية تسطيح القبر لروايات الباب، وعند الجمهور التسنيم، لرواية البخاري (١٣٩٠)، كذا في \"النيل\" (٣/ ٣١)، وحكى العيني (٦/ ٣٠٨، ٣٠٩) عن الثلاثة غير الشافعي أفضليةَ التسنيم. (ش).\n(٤) قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٣٠٨): استدل به الشافعي على التسطيح. (ش).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٥٧، ١٥٨).","vol":"10","page":506},{"text":"٣٢١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: \"كُنَّا عِنْد (١) فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِرُوذِسَ (٢) مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَتُوفِّيَ صَاحِبٌ لنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا\". [م ٩٦٨، ن ٢٠٣٠، حم ٦/ ١٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رُوذِسَ (٣) جَزِيرَةٌ في الْبَحْرِ.\n٣٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ هَانِئٍ، عن الْقَاسمِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ\n===\n٣٢١٩ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: نا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث، أن أبا علي الهمداني حدثه قال: كنا عند فضالة بن عبيد) بن ناقذ، بقاف وذال معجمة، ابن قيس، أبو محمد الأنصاري، شهد أحدًا وما بعدها، وولاه معاوية الغزو وقضاء دمشق، واستخلفه على دمشق لما غاب عنها (بروذس) بضم الراء وكسر الذال (من أرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فَسُوِّيَ) أي جُعِلَ غير مرتفع ولا لاصقة بالأرض (ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يأمر بتسويتها. قال أبو داود: روذس جزيرة في البحر) (٤).\n٣٢٢٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك، أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم قال: دخلت على عائشة\n_________\n(١) في نسخة: \"مع\".\n(٢) في نسخة: \"برودس\"، وفي نسخة: \"بردوس\" بتقديم الدال. وقال في \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٠٥) وقيَّدناه في كتاب أبي داود من طريق أبي عيسى الرملي بالذال المعجمة، والسين المهملة، وفي مسلم و\"شرحه\" للنووي بالدال المهملة المكسورة، وضم الراء.\n(٣) في نسخة: \"رودس\".\n(٤) هي جزيرة للروم تجاه الإسكندرية على ليلة منها، غزاها معاوية - ﵁ -، \"قاموس\".","vol":"10","page":507},{"text":"فَقُلْتُ: يَا أُمَّهْ، اكْشِفِي لي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ -﵄-، فَكَشَفَتْ لِي (١) عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا وَاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ.\nقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: يُقَالُ (٢):\n===\nفقلت: يا أُمَّه! اكشفي لي عن قبر (٣) رسول الله - ﷺ - وصاحبيه) - ﵄- (فكشفت لي عن ثلاثة قبورٍ لا مشرفةٍ) أي مرتفعة (ولا لاطئةٍ) أي لاصقة (٤) بالارص (مبطوحة) أي مفروشة (ببطحاء العرصة) أي برمل بطحاء العرصة، والعرصة هي موضع.\nقال الطيبي (٥): العرصة جمعها عرصات، وهي كل موضع واسع لا بناء فيه، والبطحاء مسيل واسِع فيه دقاق الحصى، والمراد بها ها هنا الحصاء لإضافتها إلى العرصة. (الحمراءِ) صفة لبطحاء أو العرصة، معناه ألقي فيها، وفرش عليها وحواليها برملها.\n(قال أبو علي) اللؤلؤي تلميذ المصنف: (يقال) في كيفية القبور:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"له\".\n(٢) في نسخة بدله: \"يقال قبر النبي\".\n(٣) قلت: وهل يمكن الاستدلال بذلك على أفضلية الأرض من السماء، إذ اختاره الله تعالى لحبيبه، والمسألة مختلفة، وفي \"الشرح الكبير\" للمالكية (٢/ ١٧٣): الأكثر على أن السماء أفضل. وقال القاري في \"شرح المناسك\" صرَّح التاج الفاكهي بتفضيل الأرض على السماء لحلوله - ﷺ - بها، وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، وقال النووي: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض، فينبغي أن يستثنى منها مواضع ضم أعضاء الأنبياء، ورجَّح فضل السماء ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٤٨)، وبسط الكلام أيضًا في \"هامش اللامع\" (٧/ ٣٣٧، ٣٣٨) من كتاب بدء الخلق، انتهى. (ش).\n(٤) ورد في بعض طرقه: \"مسطحة\"، قال الحافظ في \"الدراية\" (١/ ٢٤٢): يعارضه ما روي بطرق أنها كانت مسنمة، ثم ذكر الطرق ثم قال: وجمع بينهما الحاكم بأنها كانت أولًا كذلك، ثم سنمت لما سقط الجدار. (ش).\n(٥) \"شرح الطيبي على المشكاة\" (٣/ ٣٨٦).","vol":"10","page":508},{"text":"إِنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - مُقَدَّمٌ، وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَعُمَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلَيْ (١) رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. [ق ٤/ ٣]\n===\n(إن رسول الله - ﷺ -) أي قبره (مقدم) أي إلى جهة القبلة (وأبو بكر) أي قبره (عند رأسه) أي خلف رأس رسول الله - ﷺ - (وعمر) أي قبر عمر - ﵁ - (عند رجليه) أي عند رجلي رسول الله - ﷺ - (رأسه عند) أي وراء (رجلي رسول الله - ﷺ -) فكان رأسُه مقابلًا لرجل أبي بكر - ﵁ -، وهذه إحدى صور القبور الثلاثة التي في الحجرة الشريفة (٢).\nوقد ذكر الإِمام السمهودي (٣) في صفة القبور الشريفة اختلافًا، وذكر هذه الصورة فقال: الثانية: روى أبو داود والحاكم (٤) من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: دخلت على عائشة - ﵂ - فقلت: يا أمَّه! اكشفي لي عن قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبورٍ، لا مشرفةٍ ولا لاطِئة مَبطوحةٍ ببطحاء (٥) العَرصة الحمراء، زاد الحاكم: فرأيت رسول الله - ﷺ - مقدمًا وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي - ﷺ -، وعمر رأسه عند رجل (٦) النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) في نسخة: \"رجل\".\n(٢) [وصفته في إحدى الصور هكذا]:\nالنبي ﷺ\nأبو بكر ﵁\nعمر ﵁ (ش)\n(٣) انظر: \"وفاء الوفا\" (٢/ ٣١٠، ٣١١).\n(٤) انظر: \"المستدرك\" (١/ ٣٦٩، ٣٧٠).\n(٥) في الأصل: \"ببطحة\"، وهو تحريف.\n(٦) كذا في الأصل، وفي \"وفاء الوفا\": رجلي، بصيغة التثنية، وكذا في \"الفتح\" (٣/ ٢٥٧) أيضًا.","vol":"10","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1244>(٧٣) بَابُ الاسْتِغْفَار عِنْدَ الْقَبْرِ لِلْمَيِّتِ في وَقْتِ الانْصِرَافِ</span>\n٣٢٢١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيْرِ بْنِ ريسَانَ، عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ\n===\nقال ابن عساكر: وهذه صفته (١):\nرسول الله ﷺ\nعمر ﵁\nأبو بكر ﵁\nوفيها اختلاف كثير بسطها الإِمام نور الدين الشافعي السمهودي في \"وفاء الوفا\" (٢)، من شاء فلينظر إليها (٣).\nوهذه العبارة موجودة في النسخة الكانفورية والمصرية والثلاثة النسخ المكتوبة.\n\n(٧٣) (باب الاسْتِغْفَارِ عِنْدَ الْقَبْرِ لِلْمَيِّتِ في وَقْتِ الانْصِرَافِ)\nأي: الرجوع عن دفنه\n٣٢٢١ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا هشام، عن عبد الله بن بحير بن رشمان، عن هانئ مولى عثمان) أبو سعيد البربري الدمشقي، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان أعمى.\n_________\n(١) وصفته في إحدى الصور هكذا:\nالنبي ﷺ\nأبو بكر ﵁\nعمر ﵁\n(٢) راجع: \"وفاء الوفا\" (٢/ ٣٠٩ - ٣١٤).\n(٣) وانظر أيضًا: \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٦، ٢٥٧).","vol":"10","page":510},{"text":"عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: \"اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ (١) فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ\". [ك ١/ ٣٧٠]\nقَال أَبُو دَاوُدَ: بَحِيْرُ بْنُ رَيْسَانَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>(٧٤) بَابُ كَرَاهِيَةِ الذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ</span>\n٣٢٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسى الْبَلْخِىُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا عَقْرَ في الإسْلَامِ\".\nقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ- يَعْنِي بِبَقَرَةٍ أَوْ بِشيْءٍ - (٢). [ق ٤/ ٥٧، حم ٣/ ١٩٧]\n===\n(عن عثمان بن عفان قال: كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له بالتثبيت) أي يثبت الله في الجواب عن سؤال الملكين (فإنه الآن يُسْأل) أي عن الرب، والدين، وعن رسول الله - ﷺ -.\n(قال أبو داود: بحير بن ريسان) والد عبد الله.\n\n(٧٤) (بَابُ كَرَاهِيَةِ الذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ)\n٣٢٢٢ - (حدثنا يحيى بن موسى البلخي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا عقر في الإِسلام، قال عبد الرزاق: كانوا) في الجاهلية (يعقرون عند القبر) أي يذبحون (يعني ببقرة أو بشيء).\nقال الخطابي (٣): كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل\n_________\n(١) في نسخة: \"بالتثبت\".\n(٢) في نسخة: \"بقرة أو شيئًا\".\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ٣١٥، ٣١٦).","vol":"10","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1246>(٧٥) بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ حِينٍ</span>\n٣٢٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَبِي الْخَيْرِ، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ\". [خ ١٣٤٤، م ٢٢٩٦، ن ١٩٥٤، حم ٤/ ١٤٩]\n٣٢٢٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى بْنُ آدمَ،\n===\nالجواد، يقولون: نجازيه على فعله؛ لأنه كان يعقرها في حياته، ويطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره لتأكلها السباع والطير، فيكون [مطعمًا] بعد مماته كما كان مطعمًا في حياته، وقال [الشاعر]:\nعَقَرْتُ عَلَى قَبْرِ النَّجَاشِي نَاقَتِي ... بِأَبْيَضَ عَضْبٍ أَخْلَصتْهُ صَيَاقِلُه\nعَلَى قَبْرِ مَنْ لَوْ أَنَّنِي مُتُّ قَبْلَه ... لَهَانَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِي رَوَاحِلُه\nومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في القيامة راكبًا، ومن لم يعقر عنده حشر راجلًا، وكان هذا على مذهب من يرى البعث منهم بعد الموت.\n\n(٧٥) (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ حِيْنٍ)\n٣٢٢٣ - (حدثنا قتيبة بن سعد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر: أن رسول الله - ﷺ - خرج (١) يومًا فصلى على أهل أُحد صلاته على الميت ثم انصرف).\n٣٢٢٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يحيى بن آدم،\n_________\n(١) لم يذكر في الروايات إلى أين خرج، وفي \"العرف الشذي\" (ص ٣٧٩): الظاهر عندي خرج إلى المسجد ... إلخ، قلت: ولا مانع من محل الشهداء عند أُحد، فإنه أيضًا قريب. (ش).","vol":"10","page":512},{"text":"نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: \"إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ\" [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1247>(٧٦) بابٌ: في الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ</span>\n٣٢٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ،\n===\nنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب بهذا الحديث، قال: إن النبي - ﷺ - صلى على قتلى (١) أحد بعد ثمان سنين (٢) كالمودع للأحياء والأموات).\nقال الطحاوي (٣): معنى صلاته - ﷺ - لا يخلو من ثلاثة معان: إما أن تكون ناسخًا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم، أو يكون من سنتهم أن لا يصلى عليهم إلا بعد هذه المدة، أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنها واجبة، وأيها كان فقد ثبتت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء، انتهى.\nقلت: وقوله في الحديث: \"مثل صلاته على الميت\"، يردّ تأويلهم يكون الصلاة بمعنى الدعاء، وهو ظاهر.\n\n(٧٦) (بُابٌ: في الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ)\n٣٢٢٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا ابن جريج،\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": يلزم على الشافعي الصلاة على الشهيد. (ش).\n(٢) قال الزرقاني في \"شرح المواهب\" (٢/ ٤٥١): إن المراد دعاء صلاة الميت للإجماع على أنه لا يصلى بعد ثمان، وفيه تجوز لأن أُحدًا كان في شوال إجماعًا، وهذا في ربيع الأول ... إلخ.\nقال العيني (٦/ ٢١٤): أجاب عنه السرخسي. [\"المبسوط\" (٢/ ٥٠، ٥١)، وغيره أنه محمول على الدعاء، وليس بسديد لرواية الطحاوي بلفظ: \"صلاته على الميت\"؛ بل الجواب السديد أن أجسادهم لم تبل، وفي هامش الطحاوي: لا يضرنا فإنه يجوز عندنا ما لم يتفسخ، وكذا في \"الكبيري\" (ص ٥٤٦)، وأجاد الكلام. (ش).\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥٠٤).","vol":"10","page":513},{"text":"أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: \"سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى أَنْ يُقْعَدَ عَلَى الْقَبْرِ،\n===\nأخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى أن يُقْعَدَ على القبر). قال القاري (١): بالبناء للمفعول، قيل: للتغوط (٢) وللحدث، وقيل: للإحداد، وهو أن يلازم القبر ولا يرجع عنه، وقيل: مطلقًا؛ لأن فيه استخفافًا بحق أخيه المسلم وحرمته.\nوقال الطيبي (٣): المراد من القعود هو الجلوس كما هو الظاهر، وقد نهى عنه لما فيه من الاستخفاف بحق أخيه المسلم، وحمله جماعة على قضاء الحاجة، ونسبوه إلى زيد بن ثابت.\nوالأول هو الصحيح؛ لما أخرجه الطبراني والحاكم عن عمارة بن حزم قال: رآني رسول الله - ﷺ - جالسًا على قبر فقال: \"يا صاحب القبر! أنزل عن القبر، لا تؤذي صاحب القبر، ولا يؤذيك\". وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن مسعود أنه سئل عن الوطء على القبر قال: \"كما أكره أذى المؤمن في حياته، فإني أكره أذاه بعد موته\".\nقال ابن الهمام (٤): وكره الجلوس على القبر ووطؤه، فحينئذ فما يصنعه الناس ممن دفنت أقاربه، ثم دفنت حواليه خلق من وطء تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه، ويكره النومُ عند القبر وقضاءُ الحاجة، بل أولى، ويكره كل ما لم يعهد من السنَّة، والمعهود منها ليس إلَّا زيارتها والدعاء عندها قائمًا، كما كان يفعل رسول الله - ﷺ - في الخروج إلى البقيع، ويقول: السلام\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٧٨).\n(٢) ويكره الجلوس مطلقًا عند الشافعي وأحمد، وما في بعض الشروح عن أحمد من الإباحة تأباه كتبه، ويجوز عند مالك، والنهي عنده على التغوط، وعندنا: يكره تنزيهًا الجلوسُ، وتحريمًا التغوطُ. \"أوجز\" (٤/ ٥٣٠، ٥٣١). (ش).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي على المشكاة\" (٣/ ٣٨١).\n(٤) \"فتح القدير\" (٢/ ١٥٠).","vol":"10","page":514},{"text":"وَأَنْ يُقَصَّصَ وُيبْنَى (١) عَلَيْهِ\". [م ٩٧٠، ن ٢٠٢٨، ت ١٠٥٢، جه ١٥٦٢، حم ٣/ ٢٩٥]\n٣٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. [ن ٢٠٢٧، جه ١٥٦٣، حم ٣/ ٢٩٥]\n(٢) قَالَ عُثْمَانُ: \"أَوْ يُزَادُ عَلَيْهِ\" وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: \"أَوْ أَنْ (٣) يُكْتَبَ عَلَيْهِ\" وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ في حَدِيثِهِ: \"أَوْ يُزَادُ عَلَيْهِ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: خَفِيَ عَلَيَّ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ حَرْفُ: \"وَأَنْ\" (٤).\n===\nعليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لي ولكم العافية، انتهى. (وأن يقصَّص) (٥) أي يجصَّص (ويبنى (٦) عليه).\n٣٢٢٦ - (حدثنا مسدد وعثمان بن أبي شيبة قالا: نا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، وعن أبي الزبير، عن جابر بهذا الحديث).\nقال أبو داود: (قال عثمان: أو يزاد عليه. وزاد سليمان بن موسى: أو أن يكتب عليه. ولم يذكر مسدد في حديثه) لفظ: (أو يزاد عليه. قال أبو داود: خفي علي من حديث مسدد حرف: وأن).\n_________\n(١) في نسخة: \"وأن يبنى عليه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) في نسخة بدله: \"وأن\".\n(٤) في نسخة: \"أو أن\".\n(٥) وفي \"الشرح الكبير\" (١/ ٦٧٣، ٦٧٤) للمالكية: يكره تطيين القبر من فوق أو تحت؛ لما ورد: \"إذا طين القبر لم يسمع صاحبه الأذانَ ولا الدعاءَ، ولا يعلم من يزوره\"، انتهى. وفي \"الدر المختار\" (٣/ ١٤٤): لا يكره في المختار. (ش).\n(٦) وفي \"هامش الشرح الكبير\" (١/ ٦٧٤): أن السيوطي أفتى بعدم هدم مشاهد الصالحين. (ش).","vol":"10","page":515},{"text":"٣٢٢٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"قَاتَلَ اللَّه الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ\". [خ ٤٣٧، م ٥٢٩، ن ٢٠٤٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>(٧٧) بَابٌ: في كرَاهِيَةِ الْقُعُود عَلَى الْقَبْرِ</span>\n٣٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا خَالِدٌ، نَا سُهَيْلٌ (١)، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ\n===\nقال القاري (٢): قال في \"الأزهار\": والنهي عن تجصيص القبور للكراهة، وهو يتناول البناء بذلك، والنهيُ عن البناء للكراهة إن كان في ملكه، وللحرمة في المقبرة المسبلة، ويجب الهدم وإن كان مسجدًا، وقال التوربشتي: يحتمل وجهين: البناء على القبر بالحجارة وما يجري مجراها، والآخر أن يُضْرَبَ عليها خباء ونحوه، وكلاهما منهي عدم الفائدة فيه.\n٣٢٢٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: قاتل الله اليهودَ) أي أهلكهم وقتلهم (اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ) (٣) أي كانوا يبنون على قبور الأنبياء مساجدَ، ويصلون إليها، فلعنهم رسول الله - ﷺ - على ذلك؛ لأنه يشابه عبادةَ الأصنام.\n\n(٧٧) (بابٌ: في كَرَاهِيَةِ الْفعُودِ عَلَى الْقَبْرِ)\n٣٢٢٨ - (حدثنا مسدد، نا خالد، نا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لأن يجلس أحدكم على جمرة\n_________\n(١) في نسخة زاد: \"ابن أبي صالح\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٧٧).\n(٣) قال ابن تيمية في \"منهاج السنَّة\" (١/ ٤٧٤) بعد أن ذكر روايات الباب: يدخل فيه المشاهد كلها. (ش).","vol":"10","page":516},{"text":"فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ حَتَّى تَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ\". [م ٩٧١، ن ٢٠٤٤، جه ١٥٦٦، حم ٢/ ٣١١]\n٣٢٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنَا عِيسَى، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ- يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ -، عن بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَع يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا\". [م ٩٧٢، ت ١٠٥٠، حم ٤/ ١٣٥، ك ٣/ ٢٢٠، ن ٧٦٠، ق ٢/ ٤٣٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>(٧٨) بَابُ الْمَشْي بَيْنَ الْقُبُورِ في النَّعْلِ</span>\n٣٢٣٠ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ،\n===\nفتحرق ثيابه حتى تخلص) الجمرةُ (إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر). وظاهر الحديث يدل على النهي عن القعود مطلقًا، سواء كان للتغوط أو لغيره (١).\n٣٢٢٩ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى، نا عبد الرحمن -يعني ابن يزيد بن جابر-، عن بسر بن عبيد الله قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها) أي لا تُهينوا الميتَ بالجلوس على قبره، ولا تعظِّموه تعظيمًا بليغًا بالصلاة إليها، وكلاهما منهيان.\n\n(٧٨) (بَابُ الْمَشْي بَيْنَ الْقُبُورِ في النَّعْلِ)\n٣٢٣٠ - (حدثنا سهل بن بكار، نا الأسود بن شيبان) السدوسي البصري، أبو شيبان، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال\n_________\n(١) وقيده الطحاوي بالأول، وعزاه إلى أئمتنا الثلاثة. [راجع: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥١٧)]. (ش).","vol":"10","page":517},{"text":"عن خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ السَّدُوسِيِّ، عن بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عن بَشِيرٍ مَوْلَى رَسُول الله - ﷺ - وَكَانَ اسْمُهُ في الْجَاهِلِيَّةِ زَحْمُ بْنُ مَعْبَدٍ، فَهَاجَرَ إِلَى رَسُول اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: \"مَا اسْمُكَ؟ \"، فقَالَ: زَحْمٌ، قَالَ: \"بَلْ أَنْتَ بَشِير\"- قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي (١) رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: \"لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا (٢) كثِيرًا\"، ثَلَاثًا، ثُمَّ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ فَقَال: \"لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤلَاءِ خَيْرًا\n===\nالعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وعن أحمد: ثقة، كذا قال النسائي في \"التمييز\"، وقال محمد بن عوف: كان من عباد الله الصالحين، كان يحج على ناقة له، ولا يتزود شيئًا، يشرب من لبنها حتى يرجع، ويرسلها ترعى.\n(عن خالد بن شمير) بشين معجمة (٣) مصغرًا (السدوسي) البصري، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: بصري ثقة، (عن بشير بن نهيك، عن بشير مولى رسول الله - ﷺ -) ولم أرَ لغير أبي داود أنه قال له: هو مولى رسول الله - ﷺ -، وهو بشير بن الخصاصية، والخصاصية أمه، أو إحدى جداته، واسم أبيه معبد.\n(وكان اسمه في الجاهلية زحم (٤) بالزاء والحاء المهملة (ابن معبد، فهاجر إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: ما اسمك؟ فقال: زحم، قال: بل أنت بشير، قال) أي بشير: (بينما أنا أماشي) أي بينما أنا أمشي مع (رسول الله - ﷺ - مر بقبور المشركين، فقال: لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا) أي فاتهم خير كثير، ولم يدركوه بسبب أنهم ماتوا قبل ذلك (ثلاثًا) أي قالها ثلاث مرات.\n(ثم مر بقبور المسلمين فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لقد أدرك هؤلاء خيرًا\n_________\n(١) في نسخة: \"أمشي مع\".\n(٢) في نسخة: \"خير كثير\".\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: \"بسين مهملة\".\n(٤) بفتح الزاء وسكون الحاء. (ش).","vol":"10","page":518},{"text":"كَثِيرًا\"، ثُمَّ (١) حَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَظْرَةٌ، فَإِذَا رَجُلٌ يَمْشِي في الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ، فَقَالَ: \"يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، ويحَكَ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ\"، فَنَظَرَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا\". [ن ٢٠٤٨، جه ١٥٦٨، حم ١/ ٣٧٣، ق ٤/ ٨٠]\n٣٢٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ\n===\n(كثيرًا) فإنهم أسلموا، (ثم حانت) أي وقعت وفاجأت (من رسول الله - ﷺ - نظرة، فإذا رجل) لم أقف على تسميته (يمشي في القبور عليه) أي في رجليه (نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين) (٢) أي النعلين اللتين أُزِيْلَتْ شعر جلدهما (ويحك، أَلْقِ سبتيتيك، فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله - ﷺ - خلعهما فرمى بهما).\nنقل في حاشية المكتوبة عن \"فتح الودود\": وأمره بالخلع احترامًا للمقابر عن المشي بينهما بهما، أو لقذر بهما، أو لاختياله في المشي، قيل: وفي الحديث كراهة المشي بالنعال بين القبور.\nقلت: لا يتم ذلك إلا على بعض الوجوه المذكورة.\n٣٢٣١ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا عبد الوهاب\n_________\n(١) في نسخة: \"وحانت\".\n(٢) قال العيني (٦/ ٢٠٢): ذهب أهل الظاهر إلى كراهة ذلك، وبه قال يزيد بن زريع وأحمد بن حنبل، وقال ابن حزم في \"المحلى\" (٣/ ٣٥٩): لا يحل لأحد أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيتين، وهما اللذان لا شعر عليهما، فإن كان فيها شعر جاز ذلك، وإن كان في أحدهما شعر والآخر بلا شعر جاز المشي، وفي \"المغني\" (٣/ ٥١٤، ٥١٥): يخلع النعال إذا دخل المقابر، وهذا مستحب، وقال الجمهور من العلماء بجواز ذلك، وهو قول الحسن وابن سيرين والنخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وجماهير الفقهاء من التابعين، كذا في \"المغني\" (٣/ ٥١٤)، وفي \"المنهل\" (٩/ ٨٧): يكره المشي بالنعل في المقابر مطلقًا عند أحمد وصاحب \"الحاوي\" من الشافعية، ويسن الخلع إذا دخلها إلا لضرورة النجاسة والشوك، وقال ابن حزم: لا يحل المشي بالسبتيتين خاصة، وفي \"التقرير\": الحاصل منها الجواز مع ترك الأولى، وما قيل بتخصيص السبتيتين تعسف. (ش).","vol":"10","page":519},{"text":"- يَعْنِي ابْنَ عَطَاءٍ -، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَاُبهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ\". [خ ١٣٧٤، م ٢٨٧٠، ن ٢٠٥٠ - ٢٠٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>(٧٩) بابٌ: في تَحْوِيلِ الميِّتِ مِنْ مَوْضِعِهِ لِلأَمْرِ يَحْدُثُ</span>\n٣٢٣٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي مَسْلَمَةَ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن جَابرٍ قَالَ: \"دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَكَانَ في نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ (١) حَاجَةٌ، فَأخْرَجْتُهُ\n===\n-يعني ابن عطاء-، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - أنه قال: إن العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولى عنه أصحابه) أي بعد الفراغ من الدفن (إنه ليسمع قرع نعالهم).\nقال الخطابي (٢): وخبر أنس يدل على جواز لبس النعل لزائر القبور وللماشي بحضرتها وبين ظهرانيها، فأما خبر السبتيتين فيشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيهما من الخيلاء، وذلك أن النعال السبتية من لباس أهل الترفه والتنعم، فأحب رسول الله - ﷺ - أن يكون دخول المقابر على زي التواضع ولباس أهل الخشوع.\n\n(٧٩) (بَابٌ: في تَحْوِيلِ الْمَيِّتِ (٣) مِنْ مَوْضِعِهِ لِلأمْرِ يَحْدُثُ)\n٣٢٣٢ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن جابر قال: دُفِنَ مع أبي رجل) أي في قبر واحد (فكان في نفسي من ذلك حاجة) أي إلى إخراج أبي من ذلك القبر (فأخرجته\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٣١٧).\n(٣) وفي \"الشامي\" (٣/ ١٤٦): نقل الميت بعد الدفن مكروه، وقبله لا، وذكر الحافظ الاختلافَ. (ش).","vol":"10","page":520},{"text":"بَعْدَ سِتَةِ أَشْهُرٍ فَمَا أَنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئًا إِلا شُعَيْرَاتٍ كُنَ في لِحْيَتِهِ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ\". [ق ٤/ ٥٨]\n===\nبعد ستة أشهر، فما أنكرت منه) أي من أبي (شيئًا) أي ما وجدت من جسد أبي شيئًا منكرًا متغيرًا (إلَّا شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض) أي تغيرت تلك الشعيرات بسبب لصوقها بالأرض.\nقال الحافظ (١): وهذا يخالف في الظاهر ما وقع في \"الموطأ\" عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيلُ قبرَهما، وكانا في قبر واحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فَوُجِدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة، وقد جمع بينهما ابن عبد البر بتعدد القصة، وفيه نظر، لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر واحد بعد ستة أشهر، وفي حديث \"الموطأ\" أنهما وجدا في قبر واحد بعد ستة وأربعين سنة، فإما أن المراد بكونهما في قبر واحد قربُ المجاورة، أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد، انتهى.\nقال العيني (٢): قلت: فيه ما لا يخفى، والأوجه (٣) أن يقال: المنقول عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة بلاغ، فلا يقاوم المروي عن جابر - رضي الله تعالى عنه -.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٦).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٢٩).\n(٣) والأوجه عندي كما في \"وفاء الوفا\": أن حفر قبر والد جابر وقع ثلاث مرات، الأول: بعد ستة أشهر؛ لأنه لم تطب نفسه. والثاني: حين إجراء معاوية العين بعد أربعين سنة من أُحدٍ في السنة الثانية من خلافة معاوية.\nوالثالث: حين حفر السيل بعد ستة وأربعين سنة، كما في \"الموطأ\". \"الأوجز\" (٩/ ٤٩٠). (ش).","vol":"10","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1251>(٨٠) بَابٌ: في الثَّناءِ عَلَى الْمَيِّتِ</span>\n٣٢٣٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن إِبْراهِيمَ بْنِ عَامِرٍ، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: \"وَجَبَتْ\"، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا شَرًّا، فَقَالَ: \"وَجَبَتْ\"،\n===\n\n(٨٠) (بابٌ: في الثنًاءِ عَلَى الْمَيِّتِ)\n٣٢٣٣ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن إبراهيم بن عامر، عن عامر بن سعد، عن أبي هريرة قال: مروا على رسول الله - ﷺ - بجنازة فاثنوا عليها خيرًا، فقال: وجبت) (١) أي الجنة أو المغفرة (ثم مروا بأخرى) أي بالجنازة الأخرى (فاثنوا شرًّا، فقال: وجبت) أي النار أو العقوبة.\nقال النووي (٢): كيف مكنوا من الثناء بالشر مع الحديث الصحيح في \"البخاري\" في النهي عن سب الأموات؟ قلت: النهي إما في حق غير المنافقين والكفار، وغير المتظاهر فسقَه وبدعتَه، وأما هؤلاء فلا يحرم سبهم تحذيرًا من طريقتهم.\nقال القاري (٣): وفي الفاسق والمبتدع الميتين ولو كانا متظاهرين بحث؛ لأن جواز ذمهما حال حياتهما لكي ينزجرا أو يحترز الناس عنهما، وأما بعد موتهما فلا فائدة فيه مع احتمال أنهما ماتا على التوبة، ولهذا امتنع الجمهور من لعن نحو يزيد والحجاج وخصوص المبتدعة بأعيانهم، هذا مع أنه ليس في الحديث ما يدل على سبهم، فالأولى أن يعارض بقوله ﵊:\n_________\n(١) وقال الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٨/ ٣٥٨): سبب ذلك أن من أثنوا عليه خيرًا فكأنه سبحانه ستر عليه، ومن يستر عليه لا يُعَذَّب ... إلخ.\nقلت: يؤيده حديث النجوى. (ش).\n(٢) انظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ٢٤).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٩، ١٥٠).","vol":"10","page":522},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ شَهِيدٌ\" (١) [ن ١٩٣٣، حم ٢/ ٤٦٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>(٨١) بَابٌ: في زِيَارَةِ الْقُبُورِ</span>\n٣٢٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ\n===\n\"لا تذكروا هَلْكاكم إلا بخير\"، ويدفع بحمل المذمومين على الكفار والمنافقين، قال ابن الملك: ويحتمل أن يكون قبل ورود النهي.\n(ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (إن بعضكم على بعض شهيد)، وفي رواية البخاري ومسلم: \"أنتم شهداء الله في الأرض\" (٢). وفي رواية: \"المؤمنون شهداء الله في الأرض\" (٣).\nقال القاري (٤): قوله: أنتم: أي الصحابة، أو أيها المؤمنون، وهذا كالتزكية من رسول الله - ﷺ - لأمته، وإظهار عدالتهم بعد أداء شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغي أن يكون لها أثر ونفع في حقه.\nويؤيده ما روي أنه ﵊ قال حين أثنوا على جنازة: \"جاء جبريل فقال: يا محمد! إن صاحبكم ليس كما يقولون، إنه كان يعلن كذا، ويسر كذا، ولكن الله صدقهم فيما يقولون، وغفر له ما لا يعلمون\".\n\n(٨١) (بَابٌ: في زِيارة الْقُبُورِ) (٥)\n٣٢٣٤ - (حدثنا محمد بن سليَمان الأنباري، نا محمد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"شهداء\".\n(٢) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩) عن أنس ﵁.\n(٣) أخرجه البخاري (٢٦٤٢).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٥٠، ١٥١).\n(٥) قال القاري (٤/ ١٩٦): ورد أن الموتى يعلمون أحوال الأحياء وما نزل بهم من شدة ورخاء، وورد أنهم يفتخرون با لزيارات، ويألمون بانقطاعها ... إلخ.\nوبسط في \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٥٠) نداؤهم كل ليلة، وأشد المعرفة من عشية الخميس إلى صباح السبت، ولا تحديد عند مالك، كما في \"الشرح الكبير\" (١/ ٤٢٢)، وبسط العيني الكلامَ عليها، وذكر المستدلات بالتفصيل. (ش).","vol":"10","page":523},{"text":"عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عن أَبِي حَازِمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَبْرَ أُمِّهِ، فبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اسْتَأذَنْتُ رَبِّي تَعَالَى عَلَى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يأذَنْ (١) لِي، فَاسْتَأذَنْتُ (٢) أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ\". [م ٩٧٦، ن ٢٠٣٤، جه ١٥٧٢، حم ٢/ ٤٤١]\n===\nعبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله - ﷺ - قبرَ أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنتُ ربي تعالى على أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنتُ) ربي (أن أزور (٣) قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكّر بالموت).\nقال النووي (٤): قوله: استأذنت ربي ... إلخ: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورِهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٥). وفيه النهي عن الاستغفار (٦) للكفار، انتهى.\nوقد بالغ السيوطي في إثبات إيمان أبوي رسول الله - ﷺ -، قال القاري (٧): ثم الجمهور على أن والديه - ﷺ - ماتا (٨) كافرين، وهذا الحديث أصح ما روي في حقهما.\n_________\n(١) في نسخة: \"فلم يؤذن\".\n(٢) في نسخة: \"فاستأذنته\".\n(٣) أنكر الماوردي جواز زيارة قبر الكافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، كذا في \"عمدة القاري\" (٦/ ٩٤).\n(٤) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ٥٣).\n(٥) سورة لقمان: الآية ١٥.\n(٦) وقيَّده الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٦/ ٢٨١) بما بعد الموت، وأثبت جوازه في حياتهم. (ش).\n(٧) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٥١).\n(٨) وفي رواية مسلم (٢٠٣): \"إن أبي وأباك في النار\"، و[نحوه] في رواية ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (ص ٢١٠) ح (٥٩٥)، وسيأتي في \"باب ذراري المشركين\". (ش).","vol":"10","page":524},{"text":"٣٢٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا مُعَرِّفُ بْنُ وَاصِلٍ، عن مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عن ابْنِ بُرَيْدةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\nوأما قول ابن حجر: وحديث إحيائهما حتى آمنا به ثم توفيا؛ حديث صحيح، وممن صححه الإِمام القرطبي والحافظ ابن ناصر الدين، فعلى تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه، ومنعوا جوازه لأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعًا، كما يدل عليه الكتاب والسنَّة، وبأن الإيمان المطلوب من المكلف إنما هو الإيمان الغيبي، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (١).\nوهذا الحديث الصحيح صريح أيضًا في رد ما تشبث به بعضهم بانهماكانا من أهل الفترة (٢)، ولا عذاب عليهم، مع اختلاف في المسألة. وقد صنف السيوطي رسائل ثلاثة (٣) في نجاة والديه - ﷺ -، وذكر الأدلة من الجانبين، فعليك بها إن أردت بسطها، انتهى.\n٣٢٣٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية ٢٨.\n(٢) واختلف في أهل الفترة، فقالت الأشعرية: من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا، وقالت الماتريدية: إن مات قبل مضي مدة يمكنه فيها التأمل، ولم يعتقد إيمانًا ولا كفرًا، فلا عقاب عليه، بخلاف ما إذا اعتقد كفرًا، أو مات بعد المدة غير معتقد شيئًا، كذا في \"الشامي\" (٤/ ٣٤٧)، وذكر صاحب \"اليواقيت والجواهر\" (٢/ ٥١): أهل الفترة أنواعًا كثيرة، وحكى صاحب \"فيض الباري\" (١/ ١٠٢) عن الشيخ الأكبر: أن أهل الفترة يخرجهم الله تعالى من جهنم بنفسه بعد شفاعة الأنبياء وغيرهم. (ش).\n(٣) وفي \"وشي الديباج\" (ص ١٣٠): صنفت سبعة رسائل في ذلك، وتكلم على حديث الباب بأنه لم يوجد في بعض نسخ مسلم، ولو صحَّ فهو منسوخ، وتكلَّم على المسألة في مبدأ ترجمة \"سرور المحزون\". وقال: مذهب القدماء الكفر والمتأخرين إسلامهما، والأحوط التوقف، وبسط في الدلائل، وأجمل الكلام عليه في \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٣٠)، وبسط عليه \"الشامي\" (٤/ ٣٤٧) بأشد البسط، ومن رسائل السيوطي: \"مسالك الحنفاء في والدي المصطفى\". (ش).","vol":"10","page":525},{"text":"\"نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ في زِيَارَيهَا تَذْكِرَةً\". [م ٩٧٧، ن ٢٠٣٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1253>(٨٢) بابٌ: في زِيَارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ</span>\n٣٢٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ\". [ت ٣٢٠، ن ٢٠٤٣، جه ١٥٧٥، حم ١/ ٢٢٩، ق ٤/ ٧٨، ك ١/ ٣٧٤]\n===\nنهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن في زيارتها) أي القبور (تذكرة) للموت والآخرة.\nقال الشوكاني (١): وفيه مشروعيةُ زيارة القبور، ونسخُ النهي عن الزيارة، وقد حكى الحازمي (٢) والعبدري اتفاقَ أهل العلم على أن زيارة القبور للرجال جائزة (٣)، وذهب ابن حزم إلى أن زيارة القبور واجبة، ولو مرة واحدة في العمر؛ لورود الأمر به.\n\n(٨٢) (بابٌ: في زِيارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ)\n٣٢٣٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن محمد بن جحادة قال: سمعت أبا صالح يحدث، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجدَ والسرجَ) (٤).\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٦٢).\n(٢) والنووي. (ش).\n(٣) قال الحافظ (٣/ ١٤٨): كذا أطلقوه، وفيه نظر؛ لما روي عن بعض التابعين الكراهة ... إلخ. (ش).\n(٤) ولفظ ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣/ ٣٤٤): والمتخذات عليها المساجد والسرج، انتهى. وفي \"العرف الشذي\" (ص ١٦١): السراج على الميت لإفادة الزائرين أبَاحَه العلماء. قلت: ويؤيده ما تقدَّم في: \"باب في الدفن بالليل\"، وما في \"جمع الفوائد\" رقم (٢٦٠٧): من السراج عند الدفن. (ش).","vol":"10","page":526},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الترمذي (١): قد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي - ﷺ - في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء- قال القاري (٢): وهذا هو الظاهر- وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، انتهى.\nقال القاري: هذا المبحث موقوف على التاريخ، وإلا فظاهر هذا الحديث العموم؛ لأن الخطاب في: \"نهيتكم\" كما أنه عام للرجال والنساء على وجه التغليب أو أصالة الرجال؛ فكذلك الحكم في: \"فزوروها\"، مع أن ما قيل من أن الرخصة عامة لهن، واللعن قبل الرخصة مبني على الاحتمال أيضًا، قال ابن الملك: وأما اتباع الجنازة فلا رخصة لهن فيه، انتهى.\nقلت: وفي رواية عائشة - ﵂ - عند مسلم (٣) قالت: \"كيف أقول يا رسول الله؟ تعني في زيارة القبور، قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون\"، دليل على أن النساء أذن لهن في زيارة القبور.\nوكذلك ما أخرجه البخاري (٤): \"أن النبي - ﷺ - مر بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري، الحديث\". ولم ينكر عليها الزيارة.\nوكذلك ما رواه الحاكم (٥): \"أن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده\".\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٣٧٢).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٤٨).\n(٣) أخرجه مسلم (٩٧٤) في حديث طويل.\n(٤) أخرجه البخاري (١٢٥٢)، ومسلم (٩٢٦)، من حديث أنس ﵁.\n(٥) \"المستدرك\" (١/ ٣٧٧).","vol":"10","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1254>(٨٣) بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا مَرَّ بِالْقبور</span>\n٣٢٣٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لَاحِقُونَ\" (١). [م ٢٤٩، ن ١٥٠، جه ٤٣٠٦، ط ١/ ٢٨/ ٢٨، حم ٢/ ٣٠٠]\n===\nفالصواب الذي ينبغي الاعتماد عليه هو جواز الزيارة للنساء إذا كان الأمن من تضييع حق الزوجة والتبرج والجزع والفزع ونحو ذلك من الفتن؛ لأن الزيارة عُلِّلَ بتذكر الموت، ويحتاج إليه الرجال والنساء، فلا مانع من الإذن لهن.\nوأما اتخاذ المساجد، فلما كانت اليهود والنصارى يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ويصلون إليها فَلُعِنوا على ذلك، وأما من اتخذ في جوار صالح لقصد التبرك لا للتعظيم ولا للتوجه إليه فلا يدخل في ذلك الوعيد، وقال جماعة بالكراهة مطلقًا.\n\n(٨٣) (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا مَرَّ بِالْقُبُورِ)\n٣٢٣٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة) - ﵁ - (أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار) أي أهل دار (قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).\n_________\n(١) زاد في نسخة بعد ذلك ثلاثة أحاديث:\n١ - حَدّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَل، حَدّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشامٍ، حَدّثَنَا سُفْيَانُ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ، وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرحْمن، زَادَ: \"إِنَهُمْ فَرَطُنَا، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبغٌ، نَسْأَلُ اللهَ لنَا وَلَكُمْ العَافِيةَ\". [م ٩٧٥، ن ٢١٦٧، جه ١٥٤٧].\n٢ - حَدّثَنَا محمدُ بْنُ الصَّبَّاح البَّزَّاز، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عن عَاصِم بْنِ عَبْد اللهِ، عن عَبْدِ اللهِ بْن عَامِرٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَاتَّبَعْتُهُ، فَأَتَى البَقِيعَ فَقَالَ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مُؤْمِنِين، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَإِنَا بِكُمْ لَاحِقُون، اللهُم لَا تَحْرِمْنَا أُجُورَهُمْ، وَلَا تَفْتِنا بَعْدَهمْ \" [جه ١٥٤٦]. =","vol":"10","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1255>(٨٤) بَابٌ: كيْفَ يُصْنعُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ</span>؟\n٣٢٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، فَمَاتَ\n===\nقال الخطابي (١): وأما قوله: \"إنا إن شاء (٢) الله بكم لاحقون\"، فقد قيل: ليس ذلك على معنى الاستثناء الذي يدخل الكلام للشك والارتياب، ولكنه عادة المتكلم يحسن بذلك كلامَه ويزيّنه، وقيل: إنه دخل المقبرة، ومعه قوم مؤمنون متحققون بالإيمان، وآخرون يظن بهم النفاق، فكان الاستثناء منصرفًا إليهم دون المؤمنين، فمعناه اللحوق بهم في الإيمان، وقيل: إن الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت لا في نفس الموت.\n\n(٨٤) (بَابٌ: كَيْفَ يُصْنَعُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ؟)\n٣٢٣٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، حدثني عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتي النبي - ﷺ - برجل)، قال الحافظ (٣): لم أقف على تسميته (وقصته راحلته (٤) فمات)، الوقص: كسر العنق، قال الخطابي (٥): يريد أنها صرعته، فدقّت عنقه، وأصل الوقص: الدقّ أو الكسر.\n_________\n= ٣ - حَدَّثَنَا القَعْنَبِى وَقُتَيْبَةُ قَالَا: حَدّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن شَرِيكٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي نَمِرٍ -، عن عَطَاءٍ، عن عَائِشَةَ في هَذ القِصَّهِ، زَادَ: \"اللهم اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ\" [م ٩٧٤، ن ٢١٦٦].\nقلت: ذكر المزي هذه الأحاديث في \"تحفة الأشراف\" رقم (١٩٣٠، ١٦٢٢٦، ١٧٣٩٦) من رواية ابن العبد، ولم يذكرها أبو القاسم في روايته.\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٣١٨).\n(٢) فيه أقوال بسطت في \"الأوجز\" (١/ ٤٠١، ٤٠٢). (ش).\n(٣) ومن سماه واقدًا وهم، إلى آخر ما بسط في \"الفتح\" (٤/ ٥٥). (ش).\n(٤) عند الصخرات. (ش).\n(٥) \"معالم السنن\" (١/ ٣١٨).","vol":"10","page":529},{"text":"وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ: \"كَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ، فَإِنَّ اللَّه يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي\". [خ ١٢٦٨، م ١٢٠٦، ت ٩٥١، ن ١٩٠٤، جه ٣٠٨٤، حم ٢/ ١٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: في هَذَا الْحَدِيثِ خَمْسُ سُنَنٍ: \"كَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ\"، أَي: يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ في ثَوْبَيْنِ، \"وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ\"، أَي: أَنَّ في الْغَسْلَاتِ كُلِّهَا سِدْرًا، \"وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ\"، \"وَلَا تُقَرِّ ٢ بوهُ طِيبًا\"، \"وَكَانَ الْكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ\".\n===\n(وهو محرم، فقال) رسول الله - ﷺ -: (كفنوه في ثوبيه) أي ثوب الإحرام (واغسلوه بماء وسدر (١)، ولا تخمروا) أي لاتستروا (رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي) أي يقول: لبيك اللهم لبيك.\n(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس (٢) سنن)، أولها: (كفوه في ثوبيه، أي يكفَّن الميتُ في ثوبين) يعني يجوز الاقتصار على ذلك، والثانية: (واغسلوه بماء وسدر، أي أن في الغسلات كلها سدرًا)، والثالثة: (لا تخمروا رأسه)، والرابعة: (ولا تقرِّبوه طيبًا)، والخامسة: (كان الكفن من جميع المال).\n_________\n(١) قال العيني (٦/ ٧١): فيه غسله بالسدر، وهذا يدل على أنه خرج من الإحرام، وعكس صاحب \"التوضيح\" فقال: غسله بالسدر يدل على أنه جائز للمحرم، وفيه رد على مالك وأبي حنيفة وآخرين حيث منعوه. قال العيني: ظاهر الحديث يرد كلامه؛ لأن الأصل عدم جواز غسل المحرم بالدر، فلولا أنه خرج عن الإحرام ما أمر بغسله بالسدر، انتهى. وكذا استدل به ابن القيم أيضًا على أنه يجوز للمحرم الاغتسال بالسدر، وقال: عَلل من منعه بثلاثة وجوه، ولا تصح. اهـ. [\"زاد المعاد\" (٢/ ٢٤٠)].\nقلت: لا يرد على الشافعية، لما في \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٧١): لا يكره غسل يديه ورأسه بخطمي ونحو كسدر ... إلخ. (ش).\n(٢) وقال ابن القيم: فيه اثنا عشر حكمًا. [راجع: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٣٨)]. (ش).","vol":"10","page":530},{"text":"٣٢٣٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن عَمْرٍو وَأَيُّوبَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وقَالَ: \"وَكَفّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ\" [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَ أَيُّوبُ: \"ثَوْبَيْهِ\"، وَقَالَ عَمْرٌو: \"ثَوْبَيْنِ\"، وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: قَالَ أَيُّوبُ: \"في ثَوْبَيْنِ\"، وَقَالَ عَمْرٌو: \"في ثَوْبَيْهِ\". زَادَ سُلَيْمَانُ وَحْدَهُ: \"وَلَا تُحَنِّطُوهُ\".\n٣٢٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ: \"في ثَوْبَيْنِ\". [خ ١٢٦٥ وانظر سابقه]\n٣٢٤١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنصُورٍ، عن الْحَكَم، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُه فَقَتَلَتْهُ،\n===\n٣٢٣٩ - (حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عبيد، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا حماد، عن عمرو وأيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، وقال: كفِّنوه في ثوبين).\n(قال أبو داود: قال سليمان: قال أيوب: ثوبيه) أي بدل: ثوبين (وقال عمرو: ثوبين، وقال ابن عبيد: قال أيوب: في ثوبين، وقال عمرو: في ثوبيه) أي على عكس ما قال سليمان (زاد سليمان وحده: ولا تحنطوه).\n٣٢٤٠ - (حدثنا مسدد، نا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه بمعنى) أي حديث (سليمان: في ثوبين).\n٣٢٤١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: وقصت برجل محرم ناقته فقتلته،","vol":"10","page":531},{"text":"فَأُتِيَ بِهِ رَسُول اللَّهِ - ﷺفقَالَ: \"اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأسَهُ، وَلَا تُقَرّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ\". [خ ١٨٣٩، م ١٢٠٥، ن ٢٧١٣]\n===\nفأتي به رسول الله - ﷺ -: اغسلوه، وكفنوه، ولا تغطوا رأسه (١)، ولا تقربوه طيبًا؛ فإنه يُبْعَثُ يُهِلُّ).\nقال العيني (٢): احتج به الشافعية (٣)، وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر في أن المحرم على إحرامه بعد الموت، ولهذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وهو قول عثمان وعلي وابن عباس وعطاء والثوري.\nوذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يُصْنَعُ به ما يُصْنَعُ بالحلال، وهو مروي عن عائشة وابن عمر وطاوس؛ لأنها عبادة شُرِعَتْ فبطلت بالموت، كالصلاة والصيام. وقال (٤) - ﷺ -: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله\"، وإحرامه من عمله، ولأن الإحرام لو بقي لطيف به وكملت مناسكه.\nوأجابوا عن الحديث بأنه ليس عامًا بلفظه؛ لأنه في شخص معين، ولأنه لم يقل: يبعث يوم القيامة ملبيًا لأنه محرم (٥)، فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلَّا بدليل، وقال: \"اغسلوه بسدر\"، والمحرم لا يجوز غسله بسدر.\n_________\n(١) زاد العيني (٦/ ٧٠) برواية مسلم: \"ولا وجهه\"، واستدل به على خلاف الشافعية في أن المحرم لا يغطى وجهه، فنأمل، وذكر ابن القيم فيه ثلاثة مذاهب. [راجع: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٤٤)]. (ش).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٧٠، ٧١).\n(٣) قال ابن العربي في \"شرح الترمذي\" (٤/ ١٧٥): عجبًا للشافعي في قوله القديم: يبقى حكم الإحرام بعد الموت ولا يبقى حكم الإِسلام من الطهارة فيتنجس بالموت. (ش).\n(٤) قال الزيلعي (٣/ ١٥٩): رواه مسلم (١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والنسائي (٣٦٥١) في \"الوصايا\" (١٣٧٦)، والترمذي في \"الأحكام\". (ش).\n(٥) يعني تحقق قبول الحج، فلا يجزم لغيره هل يقوم ملبيًا أم لا؟ كما حكاه الحافظ عن المالكية. [انظر: \"الفتح\" (٤/ ٥٤)]. (ش).","vol":"10","page":532},{"text":"آخر كتاب الجنائز\n===\nوذكر الطرطوشي في \"كتاب الحج\": أن أبا الشعثاء روى عن ابن عباس: \"لا تخمروا رأسَه، وخمّروا وجهه\"، وقد روى عبد الوراق، عن ابن جريج، عن عطاء أن رسول الله - ﷺ - قال: \"خمِّروا وجوههم\"، ورواه الدارقطني بإسناده، عن عطاء، عن ابن عباس يرفعه، وحكم ابن القطان بصحته، ولفظه: \"وخمروا وجوه موتاكم\".\nوفي \"الموطأ\": \"أن عبد الله بن عمر لمّا مات ابنه واقد وهو محرم، كفَّنه وخمَّر وجهه ورأسه، وقال: لولا أنا محرمون لحنَّطناك يا واقد\".\nوفي \"المصنف\" (١) بأسانيد جياد: عن عطاء [قال:] وسئل عن المحرم يغطى رأسه إذا مات؟ قيل: غطى ابن عمر وكشف غيره. وقال طاوس: يغيب رأس المحرم إذا مات. وقال الحسن: إذا مات المحرم فهو حلال. ومن حديث مجالد، عن عامر: إذا مات المحرم ذهب إحرامه. ومن حديث إبراهيم عن عائشة - ﵂ -: إذا مات المحرم ذهب إحرام صاحبكم. وقاله عكرمة بسند جيد.\nوحكى ابن حزم أنه صح عن عائشة - ﵂ - تحنيطُ الميت المحرم إذا مات، وتطييبُه، وتخميرُ رأسه، وعن جابر، عن أبي جعفر قال: المحرم يغطى رأسه، ولا يكشف، انتهى.\nآخر كتاب الجنائز\n_________\n(١) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٣/ ٣٠٣)، باب في المحرم يموت يغطى رأسه.","vol":"10","page":533},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>(١٦) أوَّلُ كتاب الأيمان والنذور</span>\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(١٦) (أَوَّلُ كِتَابِ الأَيْمَانِ وَالنُّذُور)\nنسخ أبي داود في \"كتاب الأيمان والنذور\" مختلفة تراجم وأحاديث، تقديمًا وتأخيرًا، حذفًا وإثباتًا، فليعلم ذلك.\nقال الحافظ (١): الأيمان بفتح الهمزة، جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فسمي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسمي المحلوف عليه يمينًا لتلبسه بها، ويُجْمَعُ اليمين أيضًا على أيمن، كرغيف وأرغف.\nوعُرِّفَتْ شرعًا بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى، وهذا أخصر التعاريف وأقربها.\nوالنذور جمع نذر، وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرَّفه الراغب (٢) أنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥١٦).\n(٢) انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" (ص ٧٩٧)، مادة (ن، ذ، ر).","vol":"10","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1257>(١) بَابُ التَّغْلِيظِ في الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ</span>\n٣٢٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأ بِوَجْهِهِ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\". [حم ٤/ ٤٣٦، ك ٤/ ٢٩٤]\n===\nوأما مناسبته بكتاب الجنائز فهو كما أن في الموت سلب الاختيار من الله تعالى، كذلك في اليمين سلب الاختيار من الله تعالى في الفعل أو الترك.\n\n(١) (بَابُ التَّغْلِيظِ في الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ)، أي الكاذبة\n٣٢٤٢ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز قال: نا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين قال: قال النبي - ﷺ -: من حلف على يمين مصبورة كاذبًا) قال في \"المجمع\" (١): وفيه: \"من حلف على يمين مصبورة كاذبًا\"، وروي: \"على يمين صبر\"، أي أُلزم بها، وحبس عليها، فكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، والمصبور هو صاحبها فوصفت بوصفه، وأضيفت إليه مجازًا، فالحلف هو اليمين، فخالف بين اللفظين تأكيدًا، ولو حلف بغير إحلاف لم يكن صبرًا، انتهى.\nقلت: ويمكن أن تكون اليمين على معناها، ويكون تقدير العبارة: من حلف إحلاف يمين مصبورة كاذبًا.\n(فليتبوأ بوجهه مقعده من النار) يعني يُكَبُّ على وجهه في النار، والكذب في نفسه ذنب كبير، والحلف عليه زيادة في كونه كبيرًا؛ لأن فيه توهين (٢) اسمه ﷾، هذا الحديث مذكور في النسخة المصرية في آخر \"باب التغليظ في اليمين الفاجرة\".\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٨٩).\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر بدله: \"إهانة\".","vol":"10","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1258>(٢) بَابٌ: فِيمَنْ حَلَفَ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا</span>\n٣٢٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: نَا الأَعْمَشُ، عن شَقِيقٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين هوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان\".\nفَقَالَ الأَشْعَثُ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ\n===\n\n(٢) (بَابٌ: فِيمَنْ حَلَفَ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا)\nليست هذه الترجمة في النسخة المصرية، والأحاديث المذكورة داخلة فيها تحت: \"باب التغليظ في الأيمان الفاجرة\"\n٣٢٤٣ - (حدثنا محمد بن عيسى وهناد بن السري، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا أبو معاوية قال: نا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله) أي ابن مسعود (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حلف على يمين هو) أي الحالف (فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم) أي يأخذه لنفسه متملكًا، مجمع (١).\n(لقي الله) ﷿ (وهو عليه غضبان) نقل مولانا فخر الحسن - ﵀ - في حاشيته: قال مولانا الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي: إنما لم يقل \"كاذب\"؛ لأن الكذب عدم مطابقة الواقع، وربما لا يكون الخبر مطابقًا للواقع، ويعتقد الحالف أنه مطابق له فيحلف عليه، ولا يستحق الوعيد؛ لأن معرفة الواقع ليس في وسعه، ولا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها، فأورد لفظ: \"فاجر\" إشعارًا بأن الوعيد على من حلف على يمين كاذبة مع اعتقاد كونها كاذبة؛ لأن الفجور إنما يتحقق به.\n(فقال الأشعث) بن قيس الكندي: (فيَّ والله كان ذلك) أي ورد ذلك (كان بيني وبين رجل من اليهود\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٠٠).","vol":"10","page":536},{"text":"أَرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ \" قُلْتُ: لَا، قَالَ لِلْيَهُودي: \"احْلِفْ\"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذًا يَحْلِفُ وَيَذهَبُ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [خ ٢٣٥٦، م ١٣٨، ت ١٢٦٩، \"السنن الكبرى\" للنسائي ١٠٩٤٥، ١٠٩٩٦، جه ٢٣٢٣، حم ١/ ٣٧٧]\n٣٢٤٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: نَا الْفِرْيَابِيُّ،\n===\nأرض فجحدني، فقدمته إلى النبي - ﷺ -) للخصومة (فقال لي النبي - ﷺ -: ألك بينة؟) أي شاهدان يشهدان بحقك (قلت: لا، قال) أي رسول الله - ﷺ - (لليهودي: احلف) أي على إنكارك (قلت: يا رسول الله! إذًا) أي إذا رجع اليمين إليه (يحلف) لأنه يهودي فاجر لا يبالي (ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١) إلى آخر الآية).\nقال ابن بطال (٢): بهذه الآية والحديث احتج الجمهور في أن اليمين الغموس لا كفارة فيها؛ لأنه ﵊ ذكر في هذه اليمين المقصود بها الحنث والعصيان والعقوبة والإثم، ولم يذكر فيها كفارة، ولو كانت لذكرت، كما ذكرت في اليمين المعقودة فقال: \"فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير\".\nقال ابن المنذر: لا نعلم سنَّة تدل على قول من أوجب فيها الكفارة، بل هي دالة على قول (٣) من لم يوجبها.\n٣٢٤٤ - (حدثنا محمود بن خالد قال: نا الفريابي) هو محمد بن\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ٧٧.\n(٢) راجع: \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٢١).\n(٣) وفي الحاشية عن العيني (١٥/ ٧٢١): كل هذا حجة على الشافعية، انتهى.\nقلت: والجملة أن الله تعالى لا يؤاخذ باللغو في الأيمان إجماعًا للنص. واختلفوا في تفسيره، فقال مالك وأبو حنيفة: إنه يمين على الماضي. وقال الشافعي: هو ما يجري على اللسان بدون القصد، كذا في \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٠٨، ٤٠٩). (ش).","vol":"10","page":537},{"text":"قَالَ: نَا الْحَارِثُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي كُرْدُوسٌ، عن الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوتَ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبي (١) - ﷺ - في أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا، وَهِيَ في يَد، قَالَ: \"هَلَ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ \"، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ، والله مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ، فَتَهَيَّأ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَقْتَطِعُ أَحَدٌ مَالًا بِيَمِينٍ إِلَّا لَقِيَ الله وَهُوَ أَجْذَمُ\"، فَقَالَ الْكنْدِيُّ: هِيَ أَرْضُهُ. [حم ٥/ ٢١٢، ق ١/ ١٨٠]\n===\nيوسف بن واقد، نزيل قيسارية من ساحل الشام (قال: نا الحارث بن سليمان) الكندي الكوفي، قال أحمد: لم يكن به بأس، وقال ابن معين: ثقة، أخرج أبو داود والنسائي [حديثًا واحدًا] وهو: \"لا يقتطع رجل مالًا إلا لقي الله أجذم\"، وفيه قصة من حديث الأشعث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: حدثني كردوس) بكاف ودال مهملة مضمومتين، ابن العباس الثعلبي بمثلثة، ويقال: ابن هانئ الثعلبي، ويقال: ابن عمرو الغطفاني، ويقال: إنهم ثلاثة، وقال في \"التقريب\": وهو مقبول.\n(عن الأشعث بن قيس: أن رجلًا من كندة) اسم قبيلة (ورجل من حضرموت) بلدة باليمن (اختصما إلى النبي - ﷺ - في أرض من اليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا، وهي في يده، قال) رسول الله - ﷺ -: (هل لك بينة؟) أي شهادة شاهدين (قال: لا، ولكن أُحَلِّفه، والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه) وهذا بيان الحلف (فتهيأ) أي استعد (الكندي لليمين، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يقتطع أحد مالًا) أي لأحد (بيمين كاذبة (إلَّا لقي الله وهو أجذم) أي مقطوع الأطراف، أو صاحب الجذام (فقال الكندي: هي أرضه) يعني قبلتُ دعوى المدعي.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"10","page":538},{"text":"٣٢٤٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عن سِمَاكٍ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، عن أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوتَ وَرَجُلٌ مِنْ كنْدة رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ الْحَضْرمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ (١) لأِبي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي، في يَدِي، أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. قَالَ: فَقَال النَّبِيُّ - ﷺ - لِلْحَضْرَمِيِّ: \"أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَلَكَ يَمِينُهُ\"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ\"، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ لَهُ،\n===\n٣٢٤٥ - (حدثنا هناد بن السري قال: نا أبو الأحوص، عن سماك، عن علفمة بن وائل بن حجر الحضرمي، عن أبيه قال) أي وائل: (جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله - ﷺ -، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا) أي الكندي (غلبني على أرض لأبي، فقال الكندي: هي أرضي، في يدي، أزرعها ليس له فيها حق، قال) وائل: (فقال النبي - ﷺ - للحضرمي: ألك بينة؟ قال) أي الحضرمي: (لا) أي ليس لي بينة، (قال) رسول الله - ﷺ -: (فلك يمينه، قال: يا رسول الله! إنه فاجر، لا يبالي ما حلف عليه، ليس يتورّع) أي يتجنب (من شيء) أي من المعاصي (فقال رسول الله: ليس لك منه إلَّا ذاك) أي ليس لك منه إلَّا اليمين (فانطلق) أي الكندي (ليحلف له) على المنبر.\nقال الخطابي (٢): فيه دليل على أن اليمين إنما كانت في عهد رسول الله - ﷺ - عند المنبر، ولولا ذلك لم يكن لانطلاقه عن رسول الله - ﷺ - وإدباره عنه معنى، ويشهد لذلك قول رسول الله - ﷺ -: \"من حلف عند منبري ولو على سواك أخضر، تبوأ مقعده من النار\"، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كانت\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٤٣).","vol":"10","page":539},{"text":"فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ ليأكُلهُ ظَالِمًا (١) لَيَلْقَيَنَ اللَّه وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ\". [م ١٣٩، ت ١٣٤٠، حم ٤/ ٣١٧، سنن النسائي الكبرى ٥٩٥٨]\n===\n(فلما أدبر) أي ذاهبًا إلى المنبر يحلف له (قال رسول الله - ﷺ -: أما لئن حلف على مال ليأكله ظالمًا ليلقين الله وهو) أي الله ﷾ (عنه معرض) ووقع في رواية البخاري (٢): \"قال فيَّ أنزلت (٣)، كان لي بئر في أرض ابن عم لي\".\nقال الحافظ (٤): كذا للأكثر أن الخصومة كانت في بئر يدعيها الأشعث في أرض لخصمه، وفي رواية أبي معاوية: \"كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني\"، ويُجْمَعُ بأن المراد أرض البئر لا جميع الأرض التي هي أرض البئر، والبئر من جملتها، ولا منافاة بين قوله: \"ابن عم لي\" وبين قوله: \"من اليهود\"؛ لأن جماعة من اليمن كانوا تَهَوَّدوا، فجاء الإِسلام وهم على ذلك، وقد تقدم أن اسم ابن عمه المذكور الخفشيش بن معدان بن معدي كرب، وقيل: إنه لقب، واسمه: جرير، والمعروف أنه اسم، وكنيته أبو الخير.\nوأخرج الطبراني من طريق الشعبي، عن الأشعث قال: \"خاصم رجل من الحضرميين رجلًا منا إلى النبي - ﷺ - في أرض له، فقال النبي - ﷺ - للحضرمي: جئ بشهودك، وإلا حلف لك\"، وهذا يخالف السياق الذي في الصحيح، فإن كان ثابتًا حمل على تعدد (٥) القصة.\nوقد أخرج أحمد والنسائي من حديث عدي بن عميرة الكندي قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"ظلمًا\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٣٥٦).\n(٣) أي هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ...﴾ الآية [البقرة: ١٧٤].\n(٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٦٠) خ (٦٦٧٧).\n(٥) وجمع بينها في \"التقرير\" باحتمال التجوز. (ش).","vol":"10","page":540},{"text":"(٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْظِيمِ الْيَمِينِ عِنْدَ (١) مِنْبَرِ النَّبِيِّ - ﷺ -\n٣٢٤٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: نَا هَاشَمُ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نِسْطَاسٍ\n===\n\"خاصم رجل من كندة يقال له: امرؤ القيس بن عامر الكندي رجلًا من حضرموت في أرض\"، فذكر نحو قصة الأشعث.\nووقع في رواية أبي داود من طريق كردوس عن الأشعث: \"أن رجلًا من كندة ورجلًا من حضرموت اختصما إلى النبي - ﷺ - قصة تشبه قصة الباب إلَّا أن بينهما اختلافًا في السياق، وأظنها قصة أخرى، فإن مسلمًا أخرج من طريق علقمة بن وائل عن أبيه قال: \"جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله - ﷺ -، فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي\"، وإنما جَوَّزتُ التعدد لأن الحضرمي يغاير الكندي، فإن المدعي هو الأشعث الكندي جزمًا، والمدعي في حديث وائل هو الحضرمي فافترقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>(٣) (بابُ مَا جَاءَ فِي تَعْظِيم الْيَمِين عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ - ﷺ </span>-) (٢)\n٣٢٤٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن عمير قال نا هاشم بن هاشم قال: أخبرني عبد الله بن نسطاس) بكسر النون ومهملة، المدني مولى كندة، روى عن جابر بن عبد الله حديث الحلف على المنبر، وثّقه النسائي وقال مسلم: هو مولى آل كثير بن الصلت، وكذا قال أبو داود.\n_________\n(١) في نسخة: \"على\".\n(٢) قال في \"التقرير\": يعظم الحلف عند المواضع المتبركة، وفي \"الهداية\" (٢/ ١٥٩): لا تعظيم بالمكان عندنا، والتغليظ بالزمان والمكان عند الشافعي ومالك، لا الحنفية، وروايتان لأحمد. \"الأوجز\" (١٣/ ٦٢٤)، وفي \"الدر المختار\" (٨/ ٣٠٥): لا يستحب التغليظ بزمان ولا مكان، وظاهره أنه مباح، وحكى ابن عابدين عن \"البحر\" عن \"المحيط\": لا يجوز (ش).","vol":"10","page":541},{"text":"مِنْ آل كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَال - ﷺ - رَسُول اللهِ - ﷺ - \"لا يحْلفُ أحدٌ عندَ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ، إِلَّا تبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ\". [جه ٢٣٢٥، ط ٢/ ٧٢٧/ ١٠، حم ٣/ ٣٤٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>(٤) بَابُ الْيَمِينِ بِغَيْرِ الله</span>\n٣٢٤٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَال: نَا عَبْدُ الرَّزَّاق قَال: أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُول اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ وَقَال (١) في حَلْفِهِ: وَالَّلَاتِ، فَلْيَقُلْ: لَا إِله إِلَّا اللهُ،\n===\n(من آل كثير بن الصلت أنه سمع جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة) أي كاذبة (ولو على سواك أخضر، إلَّا تبوأ مقعدَه من النار، أو) للشك من الراوي قال: (وجبت له النار) أي قال هذا أو ذاك.\n\n(٤) (بَابُ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللهِ (٢»\nوفي النسخة المصرية: باب اليمين بالأنداد\n٣٢٤٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق قال: أنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حلف) أي أراد الحلف (وقال في حلفه: واللاتِ، فليقل: لا إله إلَّا الله)، يحتمل أن يكون معناه أن الحلف باللات سبق على لسانه، ولم يرد تعظيمَه فيلتداركه بكلمة التوحيد؛\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فقال\".\n(٢) أجمعوا على أنه لا يجوز، وهل يحرم أو يكره؟ مختلف فيه، كذا في \"النيل\" (٥/ ٣١٥). (ش).","vol":"10","page":542},{"text":"وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ\". [خ ٦٦٥٠، م ١٦٤٧، ت ١٥٤٥، جه ٢٠٩٦، ن ٣٧٧٥، حم ٢/ ٣٠٩]\n٣٢٤٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا عَوْفٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّه إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ\". [ن ٣٧٦٩، ق ١٠/ ٢٩]\n===\nلأنه صورة (١) الكفر، وإلَّا فإن كان على قصد التعظيم فهو كفر وارتداد يجب العود عنه بتجديد الإيمان.\n(ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق بشيء) أي من دعا صاحبه إلى القمار، وهو حرام لتحصيل المال، فينبغي أن يتدارك بالتصدق وإخراج المال عن ملكه لله تعالى، وهذا الأمر للندب.\n٣٢٤٨ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ولا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلَّا بالله، ولا تحلفوا بالله إلَّا وأنتم صادقون) وكتب عليه في حاشية المكتوبة: هذا الحديث أورده المزي (٢)، وعزاه إلى أبي داود والنسائي، ثم قال: حديث أبي داود في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم.\n_________\n(١) وقال الموفق (١٣/ ٤٣٨): لأنه سيئة، وهذه حسنة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال ﵊: \"إذا عملتَ سيئة فأَتْبِعْها حسنة تمحها\". [أخرجه أحمد (٥/ ١٧٧)]، ولأنه فعل شيئًا يشبه الشرك فناسب نفي الشرك. قال الحافظ: في \"الفتح\" (١١/ ٥٣٦): لا ينعقد بذلك عند الجمهور ... الخ. (ش).\n(٢) انظر: \"تحفة الأشراف\" رقم (١٤٤٨٣).","vol":"10","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1261>(٥) [بَابٌ: في كَرَاهِيَةِ الْحَلْفِ بِالآبَاءِ]</span>\n٣٢٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن عُمَرَ بْنِ الْخَظَابِ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَدْرَكَهُ وَهُوَ في رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ: \"إِنَ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّه أَوْ ليَسْكُت\". [خ ٦٦٤٦، م ١٦٤٦، ن ٣٧٦٧، جه ٢٠٩٤]\n٣٢٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الزَزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ، عن عُمَرَ -﵁- قَالَ:\n===\n\n(٥) (بَابٌ: في كَرَاهِيَةِ الْحَلفِ بِالآبَاءِ)\nهذه الترجمة مذكورة في النسخة المصرية وإحدى النسختين المدنيتين والكانفورية والمجتبائية، وأما في النسخة الأحمدية وإحدى النسختين المدنيتين فعلى الحاشية بطريق النسخة\n٣٢٤٩ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، عن عبيد الله (١) بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله - ﷺ - أدركه) أي عمر (وهو في ركب) أي جماعة الركبان (وهو يحلف بأبيه) أي سبق على لسانه على عادة العرب في الجاهلية (فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت) قال محمد في \"الموطأ\" (٢): وبهذا نأخذ، لا ينبغي لأحد أن يحلف بأبيه، فمن كان حالفًا فليحلف بالله، ثم ليبرر أو ليصمت.\n٣٢٥٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر (٣)، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر - ﵁ - قال:\n_________\n(١) جزم الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٥٣١) أن رواية عبيد الله المصغر بدون واسطة عمر، فالحديث من مسند ابن عمر، ورواية عبد الله المكبر من مسند عمر، وبسط الاختلاف في ذلك. (ش).\n(٢) انظر: \"الموطأ\" مع \"التعليق الممجد\" رقم (٧٥٣).\n(٣) جزم البخاري أن رواية معمر بدون واسطة عمر - ﵁ -. (ش).","vol":"10","page":544},{"text":"\"سَمِعَنِي رَسُول اللهِ - ﷺ -، نَحْوَ مَعْنَاهُ إِلَى \"بِآبائِكُمْ\". زَادَ: قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّه مَا حَلَفْتُ بِهَذَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا. [خ ٦٦٤٧، وانظر سابقه]\n٣٢٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَال: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قالَ: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَحْلِفُ: لَا وَالْكَعْبَةِ، فَقَال لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ\". [ن ١٥٣٥، حم ٢/ ٣٤، ق ١٠/ ٢٩، ك ١/ ١٨]\n٣٢٥٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، عن أَبِي سهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عن أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ- يَعْنِي في حَدِيثِ قِصَّةِ الأَعْرَابِيِّ-\n===\nسمعني رسول الله - ﷺ -، نحو معناه) أي معنى الحديث المتقدم (إلى بآبائكم) أي إلى قوله: بآبائكم، (زاد: قال عمر: فوالله ما حلفت بهذا ذاكرًا) من نفسي (ولا آثرًا) أي ناقلًا وحاكيًا عن كلام غيري.\n٣٢٥١ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن إدريس قال: سمعت الحسين بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة (١) قال: سمع ابن عمر رجلًا يحلف: لا والكعبة، فقال له ابن عمر: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من حلف بغير الله فقد أشرك) أي فقد أشرك غير الله به في التعظيم، فإن كان جرى على لسانه عادة من غير نية التعظيم، فقد أشرك صورة، ومن نوى التعظيم، فقد أشرك شركًا جليًا\n٣٢٥٢ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا إسماعيل بن جعفر المدني، عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر) الأصبحي، أبو سهيل، التيمي المدني، ثقة، قال الواقدي: كان يؤخذ عنه القراءة بالمدينة، (عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله - يعني في حديث قصة الأعرابي-\n_________\n(١) وقع في الأصل: \"سعيد بن أبي عبيدة\" بدل \"سعد بن عبيدة\"، وهو خطأ، والتصويب من \"تحفة الأشراف\" (٥/ ١٨٨) رقم (٧٠٤٥).","vol":"10","page":545},{"text":"قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ\". [تقدم برقم ٣٩١]\n===\nقال النبي - ﷺ - أفلح وأبيه إن صدق، دخل الجنة وأبيه إن صدق).\nقال الحافظ (١): فإن قيل: ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ أجيب بأن ذلك كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف، كما جرى على لسانهم عقرى، حلقى، وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرب كأنه قال: ورب أبيه، وقيل: هو خاص ويحتاج إلى دليل.\nوحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنه قال: هو تصحيف، وإنما كان: والله، فقصرت اللامان، واستنكر القرطبي هذا، وقال: إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة، وغفل القرافي فادعى أن الرواية بلفظ: \"أبيه\" لم تصح؛ لأنها ليست في \"الموطأ\" وكأنه لم يرتض الجواب، فعدل إلى رد الخبر، وهو صحيح لا مرية فيه، وأقوى الأجوبة الأولان، انتهى.\nهذه الأحاديث الثلاثة حديث أحمد بن حنبل، وحديث محمد بن العلاء، وحديث سليمان بن داود العتكي، كلها ليست في النسخة المصرية والنسختين المكتوبتين الأحمدية وإحدى المدنيتين، لكن فيهما على الحاشية موجودة، وكُتِبَ عليها هذه العبارة: عزا في \"الأطراف\" حديث أحمد بن حنبل إلى أبي داود ثم قال (٢): هو في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم، وعزا حديث سليمان بن داود (٣) إليه، ولم ينبه على أنه من رواية أحد، وأما حديث محمد بن العلاء (٤)، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٠٧).\n(٢) انظر: \"تحفة الأشراف\" رقم (١٠٥١٨).\n(٣) راجع المصدر السابق ح (٥٠٠٩).\n(٤) وعزا المزي في \"الأطراف\" ح (٧٠٤٥) حديث محمد بن العلاء إلى ابن العبد وغيره، ثم قال: ولم يذكره أبو القاسم، قلت: وذكره المنذري في \"مختصره\" (٣١٢١) وما قال صاحب \"العون\" (٣٢٣٥): لم يذكره المنذري، فهو سهو.","vol":"10","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1262>(٦) بَابٌ: في كَرَاهِيَةِ الْحَلْفِ بِالأَمَانَةِ</span>\n٣٢٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الطَّائيُّ، عن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا\". [حم ٥/ ٣٥٢، ق ١٠/ ٣٠]\n===\nهكذا في حاشية النسختين الأحمدية والمدنية، هذه العبارة إلى ها هنا ناقصة، وأما في النسخة المكتوبة المدنية الأخرى التي على حاشيتها المنذري (١) فهذه الأحاديث الثلاثة داخلة فيها في المتن، وكتب في آخر الثلاثة على الحاشية: هذا في نسخة عن \"ب\" و\"س\" يعني من حديث أحمد بن حنبل إلى ههنا، وليس هو في الخطيب أيضًا.\n\n(٦) (بَابٌ: في كَرَاهِيَةِ الْحَلْفِ بـ) لفظ (الأمَانَةِ) (٢)\n٣٢٥٣ - (حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، نا الوليد بن ثعلبة الطائي) ويقال: العبدي البصري، قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن ابن بريدة، عن أبيه) بريدة (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حلف بالأمانة فليس منا).\nقال الخطابي (٣): هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أموره، وفرض من فروضه، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين\n_________\n(١) وكذا في \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري (٤/ ٣٥٧، ٣٥٨)، وقال في \"عون المعبود\" ح (٣٢٣٦): ليس هذا الحديث- حديث سليمان- في نسخة المنذري.\n(٢) لا يختلف المذهب أن الحلف بأمانة الله يمين، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا تنعقد بها اليمين، إلَّا أن ينوي الحلف بصفة الله، إلى أن قال بعد البسط فيه: ويكره الحلف به لهذا الحديث، انتهى. \"المغني\" (١٣/ ٤٧٠، ٤٧٢). (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٤٦).","vol":"10","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1263>(٧) بَابُ الْمَعَارِيضِ في الأَيْمَان</span>\n===\nأسماء الله تعالى وصفاته، وقال أصحاب الرأي: وإذا قال: \"وأمانة الله\" كان يمينًا، ولزمته الكفارة فيها، وقال الشافعي: لا يكون ذلك يمينًا، ولا تلزمه فيها الكفارة.\nقلت: اختلفت الروايات في اليمين بقوله: وأمانة الله، قال في \"البدائع\" (١): لو قال: وأمانة الله، ذكر في \"الأصل\": أنه يكون يمينًا، وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف: أنه لا يكون يمينًا، وذكر الطحاوي عن أصحابنا: أنه ليس بيمين.\nوجه ما ذكره الطحاوي أن أمانة الله فرائضه التي تعبَّد عباده بها من الصلاة والصوم وغير ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ (٢)، الآية، فكان حلفًا بغير اسم الله ﷿ فلا يكون يمينًا.\nوجه ما ذكره في \"الأصل\" أن الأمانة المضافة إلى الله تعالى عند القسم يراد بها صفته، ألا ترى أن الأمين من أسماء الله، وأنه مشتق من الأمانة، فكان المراد بها عند الإِطلاق خصوصًا في موضع القسم صفة الله.\n\n(٧) (بَابُ الْمَعَارِيضِ في الأيْمَان)\nقال في \"المجمع\" (٣): المعاريض جمع معراض من التعريض: خلاف التصريح من القول، يقال: عرفته في معراض كلامه ومعرض كلامه، انتهى.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٢).\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٧٢.\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٦٥).","vol":"10","page":548},{"text":"٣٢٥٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنَا. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا هُشَيْمٌ، عن عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدّقُكَ عَلَيْهَا صَاحِبُكَ\". [م ١٦٥٣، ت ١٣٥٤، جه ٢١٢٠، حم ٢/ ٢٢٨]\nقَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُمَا وَاحِدٌ، عَبَّادُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ وَعَبْدُ الله بْنُ أَبِي صَالِحٍ.\n===\n٣٢٥٤ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا، ح: ونا مسدد قال: نا هشيم، عن عباد بن أبي صالح) وهو عبد الله بن أبي صالح، قال علي بن المديني: ليس بشيء، وقال ابن معين: ثقة، له في الكتب حديث واحد: \"يمينك على ما يصدقك به صاحبك\"، قال البخاري: منكر الحديث، وقال الساجي وتبعه الأزدي: ثقة، إلَّا أنه روى عن أبيه ما لم يتابَعْ عليه.\n(عن أبيه) أبي صالح السمان، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: يمينك على ما يصدِّقك عليها صاحبك) أي خصمك ومدعيك، أي لا يُعْتَبر فيه المعاريض والتورية، فالعبرة في اليمين لنية المستحلف إذا كان على الحق، وإلَّا فالعبرة لنية الحالف فله تورية، قال في \"النهاية\" (١): أي يجب عليك أن تحلف له على ما يصدِّقكَ به إذا حلفت له.\n(قال مسدد: قال: أخبرني عبد الله بن أبي صالح. قال أبو داود: هما واحد، عباد بن أبي صالح وعبد الله بن أبي صالح).\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٣٠٢).","vol":"10","page":549},{"text":"٣٢٥٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّد النَّاقِدُ، نَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: نَا إِسْرَائِيلُ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عن جَدَّتِهِ، عن أَبِيهَا سُوَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَأخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا، وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي، قَالَ: \"صَدَقْتَ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلم\". [جه ٢١١٩، ق ٦/ ١٥٠، حم ٤/ ٧٩]\n===\n٣٢٥٥ - (حدثنا عمرو بن محمد الناقد، نا أبو أحمد الزبيري قال: نا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى) الجعفي مولاهم، الكوفي، قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح يُكْتَبُ حديثه، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي في \"التمييز\": ثقة.\n(عن جدته) أي جدة إبراهيم، لم أرَ اسمها ولا ترجمتها فيما عندي من كتب الرجال، (عن أبيها سويد بن حنظلة) قال أبو عمرو: لا أعلم له غير هذا الحديث، وقال الأزدي: ما روى عنه إلَّا ابنته، قال ابن عبد البر: لا أعلم له نسبًا.\n(قال: خرجنا نريد رسول الله - ﷺ -، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم) أي تأثموا (أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا رسول الله - ﷺ - فأخبرته أن القوم تحرَّجوا أن يحلفوا) على خلاف الواقع (وحلفت أنه أخي) والحال أنه ليس بأخي من النسب (قال) رسول الله - ﷺ -: (صدقت، المسلم أخو المسلم).\nوفي الحديث دليل على أن في المعاريض مندوحة من الكذب.","vol":"10","page":550},{"text":"(٨) بَابُ مَا جَاءَ في الْحَلْفِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ مِلَّةِ (١) غَيْرِ الإسْلَامِ\n٣٢٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَة الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو قِلَابَةَ، أَنَّ ثَابتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ- أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تحْتَ الشَّجَرَةِ-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ مِلَّةِ الإسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1264>(٨) (بَابُ مَا جَاءَ في الْحَلْفِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ مِلَّةِ غَيْرِ الإسْلَامِ)</span>\nهكذا في النسخة الكانفورية والمجتبائية والنسخة المكتوبة الأحمدية وإحدى النسختين المدنيتين على حاشيتها، وأما في النسخة المدنية الثانية ونسخة \"العون\" (٢): \"باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإِسلام\"؛ فترجمة النسخ الأولى غير ظاهرة (٣) المعنى، وأما الثانية فمعناها واضح\n٣٢٥٦ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا معاوية بن سلام، نا يحيى بن أبي كثير قال: أخبرني أبو قلابة، أن ثابت بن الضحاك أخبره- أنه بايع رسولَ الله - ﷺ - تحت الشجرة-، أن رسول الله - ﷺ - قال: من حلف بملة غير ملة الإِسلام كاذبًا (٤) فهو كما قال) أي كإن فعل كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإِسلام.\nقال القاضي: ظاهره أنه يختلّ بهذا الحلف إسلامه، ويصير كما قال، ويحتمل أن يعلق ذلك بالحنث؛ لما روى بريدة أنه - ﷺ - قال: \"من قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"بملة\".\n(٢) انظر: \"عون المعبود\" (٩/ ٦٠).\n(٣) بل هي فاسدة المعنى، إذ البراءة من غير الإِسلام مطلوب، والممنوع إنما هو البراءة عن الإِسلام كما في ثاني حديثي الباب، فالترجمة مشتملة على جزئين، الأول: الحلف بالبراءة عن الإِسلام، والثاني: الحلف بملة غير الإِسلام مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنا يهودي، كما في الحديث الأول من الباب، والله أعلم. (ش).\n(٤) أبدع العيني (٦/ ٢٦٢) في معنى الحديث، فقال: حال من ضمير حلف، أي كاذبًا في تعظيم تلك الملة، لا كاذبًا في حلفه، فتأمل. (ش).","vol":"10","page":551},{"text":"وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ\". [خ ٦٦٥٢، م ١١٠، ت ١٥٤٣، ن ٣٧٧٠، جه ٢٠٩٨، حم ٤/ ٣٣]\n===\nإني بريء من الإِسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا، فلن يرجع إلى الإِسلام سالمًا\"، ولعل المراد به التهديد، والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنه صار يهوديًّا أو بريئًا من الإِسلام، فكأنه قال: فهو مستحق للعقوبة كاليهودي، نظيره قوله ﵇: \"من ترك الصلاة فقد كفر\".\nوهذا النوع من الكلام هل يسمى في عُرف الشرع يمينًا؟ وهل تتعلق الكفارة بالحنث فيه؟ فذهب النخعي والأوزاعي والثوري وأصحاب أبي حنيفة - ﵃- وأحمد (١) وإسحاق إلى أنه يمين تجب الكفارة بالحنث فيها. وقال مالك والشافعي وأبو عبيد: إنه ليس بيمين، ولا كفارة فيه، لكن القائل به آثم صدق فيه أو كذب.\nقال صاحب \"الهداية\" (٢): لو قال: إن فعلت كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو كافر، يكون يمينًا، فإذا فعله لزمه كفارة يمين، قياسًا على تحريم المباح، فإنه يمين بالنص، قال الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣).\n(ومن قتل نفسه بشيء) أي من آلة القتل (عُذِّب به) أي عُوْقِب بمثله، أو به حقيقة (يوم القيامة، وليس على رجلٍ نذرٌ) أي لا يلزمه (فيما لا يملكه) قال ابن الملك: كأن يقول: إن شفى الله مريضي ففلان حر، وهو ليس في ملكه، وقال الطيبي (٤): لو نذر عتق عبد لا يملكه، أو التضحي بشاة غيره أو نحو ذلك، لم يلزمه الوفاء به، وإن دخل ذلك في ملكه.\n_________\n(١) على إحدى الروايتين وهو مختار عامة كتب فروعه، واختار الموفق (١٣/ ٤٣٧) الرواية الثانية، وهي موافقة للشافعي ومالك. (ش).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٣١٩).\n(٣) سورة التحريم: الآيتان ١، ٢.\n(٤) \"شرح الطيبي على المشكاة\" (٧/ ٢٢).","vol":"10","page":552},{"text":"٣٢٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا زيدُ بْنُ الْحُبَابِ، نَا حُسَيْنٌ - يَعْنِي ابْنَ وَاقِدٍ -، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإسْلَامِ سَالِمًا\". [ن ٣٧٧٢، جه ٢١٠٠، حم ٥/ ٣٥٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>(٩) بَابُ الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَتَأَدَّمَ</span>\n٣٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عِيسَى، نَا يَحْيَى بْنُ الْعَلَاءِ،\n===\n٣٢٥٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا زيد (١) بن الحباب، نا حسين- يعني ابن واقد-، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حلف فقال: إني بريء من الإِسلام) أي إن كذبت (فإن كان كاذبًا فهو كما قال) أي بريء من الإِسلام؛ لأنه رضي ببراءته من الإِسلام (وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإِسلام سالمًا) لأن فيه نوع استخفاف بالإِسلام، وميل إلى الكفر.\nكتب في حاشية المكتوبة الأحمدية بعد هذين الحديثين: حديث أبي توبة عزاه في \"الأطراف\" (٢) إلى أبي داود، ثم قال: هو في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم. وحديث أحمد بن حنبل عزاه إليه أيضًا، ثم قال (٣): ليس في الرواية، ولم يذكره أبو القاسم.\n\n(٩) (بَابُ الرَّجلِ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَتَأَدَّم)\nأي لا يأكل الإدام\n٣٢٥٨ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا يحيى بن العلاء) البجلي، أبو سلمة،\n_________\n(١) وقع في النسخة الهندية: \"يزيد\"، بدل: \"زيد\"، وهو تحريف.\n(٢) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٢٠٦٢).\n(٣) راجع المصدر السابق (١٩٥٩).","vol":"10","page":553},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عن يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَضَعَ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ فَقَالَ: \"هَذِهِ إِدامُ هَذِهَ\". [تم ١٩٣، بَابُ مَا جاءَ في صفةِ إحرامِ رسول الله - ﷺ -]\n===\nويقال: أبو عمرو الرازي، وقال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث، عن ابن معين: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، قال عمرو بن علي والنسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال الجوزجاني: غير مقنع، وقال في موضع آخر: شيخ واهٍ، وقال في \"التقريب\" (١): رمي بالوضع.\n(عن محمد بن يحيى بن حبان) هكذا في النسخة المصرية، وفي النسخة المجتبائية: محمد بن يحيى، وزاد على الحاشية بطريق النسخة: ابن حبان، وفي النسخة المكتوبة الأحمدية: محمد بن يحيى، وكذا في الكانفورية، وفي إحدى النسختين المكتوبتين المدنيتين: محمد بن يحيى، وفي أخراها: محمد بن يحيى بن حبان.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): محمد بن يحيى، عن يوسف بن عبد الله بن سلام: \"رأيت النبي - ﷺ - وضع تمرة على كسرة قال: هذه إدام هذه\"، وعنه يحيى بن العلاء الرازي، واختُلِفَ عليه، فقال حفص بن غياث وعبد الغفار بن الحكم عن يحيى بن العلاء: عن محمد بن أبي يحيى، وهو الصواب وهو الأسلمي المذكور بعد هذا، ثم ذكر بعد ذلك ترجمة محمد بن أبي يحيى الأسلمي.\n(عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت النبي - ﷺ - وضع تمرة على كسرة) أي قطعة خبز (فقال: هذه) أي التمرة (إدام هذه) أي كسرة الخبز.\n_________\n(١) انظر: \"تقريب التهذيب\" (٧٦١٨).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٥٢٢).","vol":"10","page":554},{"text":"٣٢٥٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: نَا أَبِي، عن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عن يَزِيدَ الأَعْوَرِ، عن يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ (١) مِثْلَهُ. [ق ١٠/ ٦٣]\n===\n٣٢٥٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا عمر بن حفص قال: نا أبي، عن محمد بن أبي يحيى) الأسلمي، أبو عبد الله المدني، واسم أبي يحيى سمعان، قال العجلي: مدني ثقة، وعن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: تكلم فيه يحيى القطان، وقال ابن شاهين: فيه لين، وقال الخليلي: ثقة.\n(عن يزيد الأعور) هو ابن أبي أمية، يقال: إنه ابن أخي عثمان بن أبي العاص الثقفي، قال في \"التقريب\" (٢): مجهول، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٣): أشار ابن حبان إلى ضعف حديثه، (عن يوسف بن عبد الله بن سلام مثله).\nقال في \"البدائع\" (٤): ولو حلف لا يأكل إدامًا، فالإدام كل ما يُصْطَبَغُ به مع الخبز عادة، كاللبن، والزيت، والمرق، والخل، والعسل، ونحو ذلك، وما لا يُصْطَبَغ به فليس بإدام مثل اللحم، والشواء، والجبن، والبيض، وهذا قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف.\nوقال محمد -وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف -: أن كل ما يُؤْكَل بالخبز فهو إدام، مثل اللحم، والشواء، والبيض، والجبن، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أن الجوز اليابس إدام.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: رأيت النبي - ﷺ - فذكر\".\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٧٦٩٠).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣١٥).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٩٢).","vol":"10","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1266>(١٠) بَابُ الاسْتِثْنَاءِ في الْيَمِينِ</span>\n٣٢٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدِ اسْتَثْنَى\". [ت ١٥٣١، جه ٢١٠٥، ن ٣٧٩٣، حم ٢/ ٦، ق ٧/ ٣٦٠، ك ٤/ ٣٠٣]\n٣٢٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، قَالَا: نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فإِنْ شَاءَ رَجَعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ غَيْرَ حِنْثٍ\". [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>(١١) بَابُ مَا جَاءَ فِي يَمِينِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا كانَتْ</span>\n٣٢٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ،\n===\n\n(١٠) (بَابُ الاسْتِثْنَاء في الْيَمِينِ)\n٣٢٦٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر يبلغ به النبي - ﷺ - قال: من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنى) أي فلا حنث فيه، وبهذا نأخذ.\n٣٢٦١ - (حدثنا محمد بن عيسى ومسدد، وهذا حديثه) أي مسدد (قالا: نا عبد الوارث، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حلف فاستثنى) أي موصولًا (فإن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حنث) أعربه في النسخة المكتوبة بفتح الحاء وكسر النون، أي حانث، وسيأتي الكلام على الاستثناء المتصل في \"باب الحالف يستثني بعد ما يتكلم\".\n\n(١١) (بَابُ مَا جَاءَ فِي يَمِينِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا كَانَتْ)\n٣٢٦٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا ابن المبارك،","vol":"10","page":556},{"text":"عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن سَالِمٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَحْلِفُ بِهَذَا الْيَمِينِ: \"لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ\". [خ ٦٦٢٨، ت ١٥٤٠، ن ٣٧٦١، حم ٢/ ٢٥، جه ٢٠٩٢]\n٣٢٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عن عَاصِمِ بْنِ شُمَيْخٍ، عن أَبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا اجْتَهَدَ في الْيَمِينِ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ\". [حم ٣/ ٣٣، ق ١٠/ ٢٦]\n===\nعن موسى بن عقبة، عن سالم (١)، عن ابن عمر قال: أكثر ما كان رسول الله - ﷺ - يحلف بهذا اليمين: لا ومقلب القلوب) وهو صفة من صفات الله سبحانه وتعالي.\n٣٢٦٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا عكرمة بن عمار، عن عاصم بن شميخ) بضم المعجمة الأولى مصغرًا، الغيلاني، أبو الفرجل، وفي \"التقريب\": أبو الفرنجل اليماني (٢)، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال أبو بكر البزار: ليس بالمعروف، (عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نفس أبي القاسم بيده) (٣).\n_________\n(١) ذكر المزي هذا الحديث في \"تحفة الأشراف\" برقم (٧٠٢٤) \"عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر\" ولم يعزه إلى أبي داود، وذكر الحديث برقم (٨٥٠٣) \"عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، وعزاه إلى أبي داود، ثم قال: هذا الحديث في رواية ابن العبد وابن داسة، ولم يذكره أبو القاسم\".\nقلت: وموسى بن عقبة يروي عن كليهما.\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"التقريب\" (٣٠٦٢): أبو الفرجل اليمامي، وهو الصواب، وفي \"الخلاصة\" (ص ١٨٢): أبو الفرنجل اليمامي، فليتأمل.\n(٣) قال المزي في \"الأطراف\" (٤٠٨٦) بعد إيراده: لم يذكره أبو القاسم، وهو في رواية ابن العبد وابن داسة.","vol":"10","page":557},{"text":"٣٢٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ حُبَابٍ، أَخْبَرَنِي محمَّدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ الله - ﷺ - إِذَا حَلَفَ يَقُولُ: \"لَا وَأَسْتَغْفِرُ الله\". [ن ٤٧٧٦، جه ٢٠٩٣، حم ٢/ ٢٨٨]\n٣٢٦٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْجُذَامِيُّ،\n===\n٣٢٦٤ - (حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة) بكسر الراء وسكون الزاي، (أخبرني زيد بن الحباب، أخبرني محمد بن هلال، حدثني أبي، أنه سمع أبا هريرة يقول: كان يمين رسول الله - ﷺ - إذا حلف يقول: لا وأستغفر الله) (١)، هذا بظاهره ليس بيمين، بل صورته صورة اليمين، ويمكن أن يقال: إن الواو للقسم، والمقسم به محذوف، أي لا والله، ثم ابتدأ بالكلام: أستغفر الله.\n٣٢٦٥ - (حدثنا الحسن بن علي، نا إبراهيم بن حمزة، نا إبراهيم بن المغيرة الجذامي) هكذا في النسخة المكتوبة الهندية، وحاشية النسخة المكتوبة الأحمدية، وإحدى النسختين المكتوبتين المدنيتين، وفي النسخة المدنية المكتوبة الأخرى التي على حاشيتها المنذري، ففيها: نا إبراهيم بن حمزة، ثنا عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، ثنا عبد الرحمن بن عياش السمعي، وهو الصواب، وما في النسخ الهندية المطبوعة والمكتوبة من إبراهيم بن المغيرة الجذامي غلط، ليس في الرواة أحد.\nوأما عبد الرحمن بن المغيرة، هو عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حكيم بن حزام الأسدي الحزامي، أبو القاسم المدني، روى عن\n_________\n(١) قال المزي (١٤٨٠٢): حديث أبي داود في رواية ابن العبد وابن داسة، ولم يذكره أبو القاسم، وقال في \"عون المعبود\" (٩/ ٦٦): هذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكره المنذري. قلت: بل ذكره المنذري في \"مختصره\" (٣/ ٢٠٦).","vol":"10","page":558},{"text":"نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَيَّاشٍ السَّمَعِيُّ الأَنْصَارِيُّ، عن دَلْهَمِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيِّ، عن أَبِيهِ، عن عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ دَلْهَمٌ: وَحَدَّثَنِيهِ أَيْضًا الأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ: أَنَّ لَقِيطَ بْنَ عَاصِمٍ خَرَجِ وَافِدًا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ لَقِيطٌ: فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَذكَرَ حَدِيثًا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَعَمْرُ إِلهِكَ\". [حم ٤/ ١٣]\n===\nعبد الرحمن بن عياش السمعي وغيرهم، وروى عنه إبراهيم بن حمزة وغيره، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وعن الدارقطني: صدوق.\n(نا عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري، عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن منتفق العقيلي) حجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال في \"الميزان\" (١): لا يُعْرَف.\n(عن أبيه) الأسود بن عبد الله (عن عمه (٢) لقيط بن عامر. قال دلهم: وحدثنيه أيضًا الأسود بن عبد الله) يعني أبي، (عن عاصم بن لقيط: أن لقيط بن عاصم)، قلت: لم أجد لقيط بن عاصم في الكتب الموجودة عندي، فلعله هو لقيط بن عامر (٣)، وهو لقيط بن صبرة، والله أعلم.\n(خرج وافدًا لي النبي - ﷺ -) في وفد بني المنتفق (قال لقيط: فقدمنا على رسول الله - ﷺ -، فذكر حديثًا) تقدم حديثه مطولًا في \"باب الاستثناء\"، وليس فيه ذكر القسم (فيه) أي في الحديث (فقال النبي - ﷺ -: لعمر إلهك).\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" رقم (٢٦٧٨).\n(٢) كذا في الأصل: دلهم عن أبيه عن عمه، وصوبه المزي في \"الأطراف\": دلهم عن أبيه، عن جده، عن عمه.\n(٣) ولذلك ذكره المزي في \"مسند لقيط بن عامر\" في \"الأطراف\"، ولم يترجم لقيط بن عاصم.","vol":"10","page":559},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"البدائع\" (١): ولو قال: \"لعمر الله لا أفعل كذا\" كان يمينًا (٢)؛ لأن هذا حلف ببقاء الله، وهو لا يستعمل إلَّا في الصفة، وكذا الحلف به متعارف، قال الله ﷿: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣). وقال طرفة:\nلَعَمْرُكَ إِن الْمَوْتَ مَا أَخْطَأَ الْفَتَى ... لَكَ الطِّوَلُ المُرْجَى، وَتَبَناهُ بِالْيَدِ (٤)\nكتب في حاشية النسخة القلمية: هذه النسخة من الأحاديث الخمسة (٥) رمز عليها في \"الأطراف\" علامة أبي داود إلَّا حديث النفيلي، فإنه لم يرمز عليه علامة أبي داود (٦)، وقال في كل من الأول والثالث والرابع: هو في رواية ابن العبد وابن داسه، ولم يذكره أبو القاسم.\nوقال في الخامس: هكذا وجدت هذا الحديث في: \"باب لغو اليمين\" في نسخة ابن كُرْدُوْس بخطه، من رواية أبي سعيد ابن الأعرابي، وفي أوله: \"حدثنا أبو داود، حدثنا الحسن بن علي\"، وأخشى أن يكون من زيادات ابن الأعرابي؛ فإني لم أجده في باقي الروايات، ولم يذكره أبو القاسم، والله أعلم (٧).\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٣).\n(٢) وبه قالت المالكية، وقال الشافعي وإسحاق: لا يكون يمينًا إلا بالنية، وعن أحمد كالمذهبين، كذا في \"النيل\" (٥/ ٣١٩). (ش).\n(٣) سورة الحجر: الآية ٧٢.\n(٤) في الأصل: \"لكالطول المرخى وثنياه\"، والتصويب من \"البدائع\".\n(٥) الأحاديث الخمسة: أي رقم (٣٢٦١، ٣٢٦٢، ٣٢٦٣، ٣٢٦٤، ٣٢٦٥).\n(٦) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٧٠٢٤).\n(٧) قال المزي في \"الأطراف\" ح (١١١٧٧): أخرجه أبو داود في الأيمان والنذور، عن الحسن بن علي، عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد الملك بن عياش السمعي الأنصاري، عن دلهم، عن أبيه، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر، قال دلهم: وحدثنيه أبي أيضًا الأسود بن عبد الله، عن عاصم بن لقيط: أن لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى النبي - ﷺ -، قال لقيط ... فذكره. ثم قال المزي في ختام كلامه: وقد وقع فيه وهم في غير موضع رواه غير واحد عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، =","vol":"10","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1268>(١٢) بَابُ الْحِنْثِ إِذَا كَانَ خَيْرًا</span>\n٣٢٦٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، نَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عن أَبي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنِّي وَاللَّه إِنْ شَاءَ اللَّه لَا أَحلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِثْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ (١) يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ\"، أَوْ قَالَ: \"إِلَّا أَتَيْتُ (٢) الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ يَمِيني\". [خ ٦٦٢٣، حم ١٦٤٩، جه ٢١٠٧، ن ٣٧٨٠]\n٣٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، نَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَنْصُورٌ، عن الْحَسَنِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -:\n===\n\n(١٢) (بَابُ الْحِنْثِ إِذَا كَانَ خَيْرًا)\n٣٢٦٦ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، نا غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال: إني والله إن شاء الله) ذِكرُ التعليق بالمشيئة ها هنا ليس إلا للتبرك (لا أحلف على يمين فأرى غيرها) أي غير المحلوف عليه (خيرًا منها ألَّا كفرتُ يميني، وأتيت الذي هو خير، أو) للشك من الراوي (قال: إلَّا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني) (٣).\n٣٢٦٧ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا هشيم قال: أخبرنا يونس ومنصور، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي النبي - ﷺ -:\n_________\n= عن عبد الرحمن بن عياش السمعي، عن دلهم، عن أبيه، عن جده، عن عمه لقيط بن عامر، وعن دلهم عن أبيه عن عاصم بن لقيط، عن لقيط، وتابعه إبراهيم بن المنذر الحزامي عن عبد الرحمن بن المغيرة، انتهى كلام المزي.\n(١) زاد في نسخة: \"عن\".\n(٢) في نسخة: \"لأتيت\".\n(٣) قلت: ذكره المنذري في \"مختصره\" (٣/ ٢٠٦\" ولم يصب صاحب \"العون\" (٩/ ٩٥) في قوله: هذا الحديث لم يذكره المنذري.","vol":"10","page":561},{"text":"\"يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ سَمُرَةَ! إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ يَمِينَكَ\". [خ ٦٦٢٢، م ١٦٥٢، ت ١٥٢٩، ن ٣٧٨٢، حم ٥/ ٦١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يُرَخِّصُ فِيهَا الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ.\n٣٢٦٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: نَا سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ، نَحْوَهُ، قَالَ: \"فَكَفِّرْ عن يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ\". [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَحَادِيثُ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ\n===\nيا عبد الرحمن بن سمرة! إذا حلفتَ على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فأتِ الذي هو خير وَكَفِّر يمينك، قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يرخِّص فيها) أي في اليمين (الكفارةَ قبل الحنث).\n٣٢٦٨ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا عبد الأعلى قال: نا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الرحمن نحوه، قال) قتادة: (فكفر عن يمينك، ثم أثبت الذي هو خير) بتقديم الكفارة على إتيان الخير، على عكس رواية يونس ومنصور، فإن في حديثهما إتيان الخير مقدم على الكفارة.\n(قال أبو داود (١): أحاديث أبي موسى الأشعري (٢) وعدي بن حاتم (٣)\n_________\n(١) قال أبو داود: والأحاديث كلها عن النبي - ﷺ -: \"وليكفر عن يمينه\"، إلَّا ما لا يعبأ به، هكذا حكاه غير واحد عنه، منهم الشوكاني في \"النيل\" (٥/ ٣٢٦)، لكن كلام الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٦١٧) يدل على أن الكلام لا يتعلق بهذا المحل، بل هو متعلق بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الآتي في باب \"الحالف يستثني بعد ما يتكلم\"، والغرض منه الإشارة إلى ضعف ذلك الحديث، وإثبات التكفير به. (ش).\n(٢) أخرج روايته المصنف (٣٢٦٦).\n(٣) أخرج روايته أحمد (٤/ ٢٥٦)، ومسلم (١٦٥١)، والنسائي (٧/ ١٠)، وابن ماجه (٢١٠٨).","vol":"10","page":562},{"text":"وَأَبِي هُرَيْرَةَ (١) في هَذَا الْحَدِيثِ رُوِيَ عن كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ في بَعْضِ الرِّوَايَةِ: الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ: الْحِنْثُ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ.\n===\nوأبي هريرة) (٢) وابن حريث (في هذا الحديث روي عن كل واحد منهم في بعض الرواية: الكفارة قبل الحنث، وفي بعض الرواية: الحنث قبل الكفارة).\nوفي النسخة المكتوبة المدنية التي عليها المنذري: قال أبو داود: أحاديث أبي موسى الأشعري، وعدي بن حاتم، وأبي هريرة، وابن حريث، روي حديث كل واحد منهم ما دل على الحنث قبل الكفارة، وبعضها ما دل على الكفارة قبل الحنث، وأكثرها قالوا: فليكفر يمينه، وليأت الذي هو خير، في هذا الحديث روي عن كل واحد منهم في بعض الرواية: الكفارة قبل الحنث، وفي بعض الرواية: الحنث قبل الكفارة.\nقال القاري (٣): وفيه ندب الحنث إذا كان خيرًا، كما إذا حلف: لا يكلم والده أو ولده، فإن فيه قطع الرحم. وفي \"شرح السنَّة\": اختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث، فذهب أكثر الصحابة وغيرهم إلى جوازه، وإليه ذهب الشافعي ومالك (٤) وأحمد، إلا أن الشافعي - ﵀ - يقول: إن كفَّر بالصوم قبل الحنث فلا يجوز، وإنما يجوز العتق، أو الإطعام، أو الكسوة، كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وابن حريث\".\n(٢) أخرج روايته مالك (٢/ ١٥٣) رقم (٢٣٤٥)، ومن طريقه أحمد (٢/ ٣٦١)، ومسلم (١٦٥٠)، والترمذي (١٥٣٠)، وابن حبان (٤٣٤٩)، والبيهقي (١٠/ ٥٣).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٥٨٤).\n(٤) عن مالك في ذلك روايتان، إلَّا أن المرجح عندهم هو ذاك، ثم استحب الثلاثة تقديم الحنث خروجًا من الخلاف، وقيده الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنهما أن يكون الحنث برًا، أما إذا كان معصية فلا يجوز التكفير قبل الحنث؛ لأن الرخصة لا تتناول المعصية، كذا في \"الأوجز\" (٩/ ٦٢٣، ٦٢٤). (ش).","vol":"10","page":563},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال في \"البدائع\" (١): ثم وقت وجوب الكفارة في اليمين المعقودة على المستقبل هو وقت وجود الحنث، فلا يجب إلَّا بعد الحنث عند عامة العلماء، وقال قوم: وقته وقت وجود اليمين، فتجب الكفارة بعقد اليمين من غير حنث.\nواحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٢)، وقوله ﷿: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٣)، وقوله ﷿: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ (٤) أي كفارة ما عقدتم من الأيمان، لأن الإضافة تستدعي مضافًا إليه سابقًا، ولم يَسبق غير ذلك العقد، فيُصْرَفُ إليه، وكذا في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾، أضاف الكفارة إلى اليمين، وعلى ذلك تُنْسَب الكفارة إلى اليمين، فيقال: كفارة اليمين، والإضافة تدل على السببية في الأصل، وبما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير\"، والاستدلال بالحديث من وجهين:\nأحدهما: أنه أمر بالتكفير بعد اليمين قبل الحنث، ومطلق الأمر يُحْمَل على الوجوب.\nوالثاني: أنه قال ﵊: \"فليكفر عن يمينه\" أضاف التكفير إلى اليمين، فكذا في الرواية الأخرى: \"فليأت الذي هو خير، وليكفر يمينه\"، أمر بتكفير اليمين لا بتكفير الحنث، فدل على أن الكفارة لليمين، ولأن الله تعالى نهى عن الوعد إلَّا بالاستثناء بقوله ﷿: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥).\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٣٢ - ٣٤).\n(٢) سورة المائدة: الآية ٨٩.\n(٣) سورة المائدة: الآية ٨٩.\n(٤) سورة المائدة: الآية ٨٩.\n(٥) سورة الكهف: الآية ٢٣.","vol":"10","page":564},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومعلوم أن ذلك النهي في اليمين أوكد وأشد ممن حلف على شيء بلا ثنيا، فقد صار عاصيًا بإتيان ما نُهي عنه، فتجب الكفارة لدفع ذلك الإثم عنه.\nولنا: أن الواجب كفارة، والكفارة تكون للسيئات، إذ من البعيد تكفير الحسنات، فالسيئات تكفر بالحسنات، قال الله ﷾: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)، وعقد اليمين مشروع قد أقسم رسول الله - ﷺ - في غير موضع، وكذا الرسل المتقدمة عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى خبرًا عن إبراهيم ﵊ أنه قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٢)، وقال خبرًا عن أولاد يعقوب عليهم الصلاة والسلام أنهم قالوا: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٣).\nوكذا أيوب ﵊ كان حلف أن يضرب امرأته فأمره الله سبحانه بالوفاء بقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٤)، والأنبياء ﵈ معصومون عن الكبائر (٥) والمعاصي، فدل أن نفس اليمين ليس بذنب.\n_________\n(١) سورة هود: الآية ١١٤.\n(٢) سورة الأنبياء: الآية ٥٧.\n(٣) سورة يوسف: الآية ٨٥.\n(٤) سورة ص: الآية ٢٤.\n(٥) وفيه أن الكفارة إذا كانت للكبيرة فكيف قوله ﵇: \"إلَّا كفرتُ عن يميني\"؟ فهو اختيار منه ﵊ الكبيرةَ سواء كانت يمينًا أو حنثًا، فتأمل.\nكذا في هامش الشيخ، قلت: يمكن أن يجاب عنه بأن الحكم يختلف باختلاف الجهات، فحاصل ما في \"البذل\" أن وجوب الكفارة يقتضي سبق السيئة والذنب، والسيئة إنما هي الحنث لا اليمين، إذ في الحنث هتك حرمة الإثم، لكن الحنث قد يكون خيرًا من جهة أخرى، وهي ما إذا كان المحلوف عليه خلاف الأولى أو غير جائز، فحينئذٍ الحنث أولى، فاختياره - ﷺ - الحنث بهذه الحيثية مع أن كلامه - ﷺ -: \"لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها ... إلخ\"، ليس إلَّا على سبيل الفرض أو تعليمًا للأمة، والله أعلم. (ع).","vol":"10","page":565},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا حلفتم فاحلفوا بالله أيضًا\" (١)، وقال: \"ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليذر\" (٢)، أمر - ﷺ - باليمين بالله تعالى، فدل أن نفس اليمين ليس بذنب، فلا يجب التكفير لها، وإنما يجب للحنث لأنه هو المأثم في الحقيقة، ومعنى الذنب فيه أنه عاهد الله تعالى أن يفعل كذا، فالحنث يخرج مخرج نقض العهد منه، فيأثم بالنقض لا بالعهد، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٣).\nولأن عقد اليمين يخرج مخرج التعظيم والتبجيل لله تعالى، وجعله مفزعًا إليه، ومأمنًا عنه، فيمتنع أن تجب بالكفارة محوًا له وسترًا، وتبين بطلانُ قولهم: إن الحالف يصير عاصيًا بترك الاستثناء في اليمين؛ لأن الأنبياء- صلوات الله عليهم أجمعين- تركوا الاستثناء في اليمين، ولم يجز وصفهم بالمعصية، فدل أن ترك الاستثناء في اليمين ليس بحرام، وإن كان تركه في مطلق الوعد منهيًّا عنه، وذلك- والله ﷿ أعلم- لوجهين:\nأحدهما: أن الوعد إضافة الفعل إلى نفسه بأن يقول: أفعل غدًا كذا، وكل فعل يفعله تحت مشيئة الله تعالى، فإن فِعْله لا يتحقق لأحد إلَّا بعد تحقيق الله تعالى منه، ولا يتحقق منه الاكتساب لذلك إلَّا بإقراره (٤)، فيندب أي (٥) قرآن الاستثناء بالوعد ليوفق على ذلك، ويعصم عن الترك، وفي اليمين يذكر الاستثناء (٦) بالله تعالى على طريق التعظيم، وقد استغاث بالله تعالى وإليه فزع، فليتحقق التعظيم الذي يحصل به الاستثناء وزيادة، فلا معنى للاستثناء.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا.\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٤٨) من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁.\n(٣) سورة النحل: الآية ٩١.\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"البدائع\" (٣/ ٣٣): \"بإقداره\".\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"البدائع\" (٣/ ٣٣): \"فيندب إلى\".\n(٦) كذا في الأصل، وفي \"البدائع\" (٣/ ٣٣): \"الاستشهاد\".","vol":"10","page":566},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالثاني: أن اليمين شرعت لتأكيد المحلوف عليه خصوصًا في البيعة، وقران الاستثناء في مثل ذلك يبطل المعنى الذي وُضِعَ له العقد بخلاف الوعد المطلق.\nوأما الآية الكريمة فتأويلها من وجهين: أحدهما: أي يؤاخذكم الله بمحافظة ما عقدتم من الأيمان والوفاء بها، كقوله ﷿: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (١)، فإن تركتم ذلك فكفارته كذا، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٢) فتركتم المحافظة، ألا ترى أنه قال ﷿: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٣)، والمحافظة تكون بالبر.\nوالثاني: أن يكون على إضمار الحنث، أي ولكن يؤاخذكم بحنثكم فيما عقدتم، وكذا في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، أي إذا حلفتم وحنثتم، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤)، معناه: فحلق، ففدية من صيام، وقوله ﷿: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٥)، معناه فتحلل، وقوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦) أي فأفطر فعدة من أيام أخر، لأن ظاهر الملفوظ وهو القدر الذي هو سبب التخفيف لا يصلح سببًا للوجوب، فصار استعمال الرخصة مضمرًا فيه، كذلك ههنا لا تصلح اليمين التي هي تعظيم الرب ﷻ سببًا لوجوب التكفير، فيجب إضمار ما هو صالح وهو الحنث، وأما إضافة\n_________\n(١) سورة النحل الآية ٩١.\n(٢) سورة المائدة: الآية ٨٩.\n(٣) سورة المائدة: الآية ٨٩.\n(٤) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(٥) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(٦) سورة البقرة: الآية ١٨٤.","vol":"10","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1269>(١٣) بَابٌ: في الْقَسَمِ هَلْ يَكُونُ يَمِينًا</span>؟\n٣٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْسَمَ عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -ﷺ-: «لَا تُقْسِمْ». [خ ٧٠٤٦، م ٢٢٦٩، ت ٢٢٩٣، جه ٣٩١٨]\n===\nالكفارة إلى اليمين، فليست للوجوب بها، كإضافة كفارة الفطر إلى الصيام، وإضافة الدم إلى الحج، والسجود إلى السهو، وإن لم يكن ما أضيف إليه سببًا كذا هذا.\nوأما الحديث فقد روي بروايات، روي: \"فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه\" (١)، وروي: \"فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير\" (٢)، وروي: \"فليأت الذي هو خير، ثم ليكفِّر يمينه\" (٣)، وهو على الروايات كلها حجة عليهم لا لهم؛ لأن الكفارة لو كانت واجبة بنفس اليمين لقال ﵊: من حلف على يمين فليكفِّر، من غير التعرض لما وقع عليه اليمين أنه ماذا، ولما لزم الحنث إذا كان خيرًا ثم بالتكفير، فلما خصّ اليمين على ما كان الحنث خيرًا من البر بالنقض والكفارة عُلِمَ أنها تختص بالحنث دون اليمين نفسها، وأنها لا تجب بعقد اليمين دون الحنث، انتهى.\n\n(١٣) (بَابٌ: في الْقَسَمِ هَلْ يَكُونُ يَمِينًا؟)\n٣٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵁ - (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) ﵁ (أَقْسَمَ عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ- أي فى قصة تعبير الرؤيا (فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -ﷺ-: لَا تُقْسِمْ).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٢٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٢).\n(٣) أخرجه مسلم (١٦٥٠).","vol":"10","page":568},{"text":"٣٢٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - قَالَ ابْنُ يَحْيَى: كَتَبْتُهُ مِنْ كِتَابِهِ - قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّى أَرَى اللَّيْلَةَ، فَذَكَرَ رُؤْيَا، فَعَبَّرَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «أَصَبْتَ بَعْضًا (١) وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا»، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِى أَنْتَ لَتُحَدِّثَنِّيِّ مَا الَّذِى أَخْطَأْتُ، فَقَالَ له النَّبِىُّ -ﷺ-: «لَا تُقْسِمْ». [انظر سابقه]\n٣٢٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (٢) قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ\n===\n٣٢٧٠ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق، قال) محمد (بن يحيى: كتبته) أي هذا الحديث (من كتابه) أي كتاب عبد الرزاق، (قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: كان أبو هريرة يحدث أن رجلًا أتى رسولَ الله - ﷺ - فقال: إني أرى الليلة، فذكر رؤيا، فعبَّرها أبو بكر) أي بعد أن استأذن رسولَ الله - ﷺ - في التعبير فأذن له، فعَبَّر، ثم سأل رسولَ الله - ﷺ -: هل أصبتُ فيه أم أخطأت؟\n(فقال النبي - ﷺ -: أصبتَ (٣) بعضًا وأخطأتَ بعضًا. فقال) أبو بكر: (أقسمت عليك يا رسول الله بأبي أنت) أي مفدى بأبي أنت (لتحدثني ما الذي أخطأتُ، فقال له النبي - ﷺ -: لا تقسم).\n٣٢٧١ - (حدثنا محمد بن يحيى قال: أنا محمد بن كثير، نا سليمان بن\n_________\n(١) في نسخة: \"بعضها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن فارس\".\n(٣) وبسط في \"المجمع\" (٢/ ٦٢) شيئًا من تفصيل الخطأ والصواب، والحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٤٣٥)، وسيأتي ذكر الرؤيا مبسوطًا. (ش).","vol":"10","page":569},{"text":"كَثِيرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ (١)، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا، لَمْ يَذْكُرِ الْقَسَمَ. زَادَ فيهِ: \"وَلَمْ يُخْبِرْهُ\". [دي ٢١٥٦]\n===\nكثير، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - بهذا، لم يذكر\nالقسم، زاد فيه) أي في الحديث: (ولم يخبره) أي قال الخطابي في \"شرحه\" (٢): فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يمينا بمجرده حتى يقول: أقسمت بالله، وذلك أن النبي - ﷺ - قد أمر بإبرار المقسم، فلو كان قوله: \"أقسمت\" يمينًا لأشبه أن يبره، وإلى هذا ذهب مالك (٣) والشافعي.\nوقد يستدل به من يرى القسم يمينًا على وجه آخر، فيقول: لولا أنه يمين ما كان النبي - ﷺ - يقول: لا تقسم، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وأصحابه، انتهى.\nقال في \"البدائع\" (٤): ولو قال: أقسم بالله، أو أحلف بالله، أو أشهد بالله، أو أعزم بالله كان يمينًا عندنا، وعند الشافعي - ﵀ - لا يكون يمينًا إلَّا إذا نوى اليمين؛ لأنه يحتمل الحال، ويحتمل الاستقبال؛ فلا بد من النية.\nولنا أن صيغة \"أفعل\" للحال حقيقة، وللاستقبال بقرينة السين وسوف، وهو الصحيح، فكان هذا إخبارًا عن حلفه بالله للحال، وهذا إذا ظهر المقسم به، فإن لم يظهر بأن قال: أقسم، أو أحلف كان يمينًا في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا يكون يمينًا. وجه قوله: أنه إذا لم يذكر المحلوف به فيحتمل أنه أراد به الحلف بالله، ويحتمل أنه أراد به الحلف بغير الله فلا يُجْعَلُ حلفًا مع الشك.\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن عبد الله\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٤٨).\n(٣) لا يصح ذِكرُ مالك مع الشافعي؛ لأن في المسألة ثلاثة مذاهب: يمين كما قلنا، وليس بيمين كما قال الشافعي، وتفصيل كما قال مالك: فإن أراد واحد القسم بالله يكون يمينًا، وإلَّا لا، كذا في \"بداية المجتهد\" (١/ ٤١٢)، و\"النيل\" (٥/ ٣١٩). (ش).\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٤).","vol":"10","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1270>(١٤) بَابٌ: في الْحَلْفِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا</span>\n٣٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ قَالَ: أَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عن أَبِي يَحْيَى،\n===\nولنا أن القسم لما لم يجز إلا بالله ﷿ كان الإخبار عنه إخبارًا عما لا يجوز بدونه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١)، ونحو ذلك، ولأن العرب تعارفت الحلفَ على هذا الوجه، قال الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ (٢)، ولم يقل: بالله، وقال تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٣)، فالله سبحانه سمَّاه يمينًا بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ (٥). ولم يذكر بالله، ثم سماه قسمًا، والقسم لا يكون إلَّا بالله.\n\n(١٤) (بَابٌ: في الْحَلْفِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا)\n٣٢٧٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد قال: أنا عطاء بن السائب، عن أبي يحيى) هو زياد المكي، ويقال: الكوفي، الأعرج، مولى قيس بن مخرمة، ويقال: مولى الأنصار، قال ابن معين: هو مكي، ليس به بأس، ثقة، وقال أبو داود: وأبو يحيى اسمه زياد، كوفي ثقة، وقال البخاري في \"التاريخ\" (٦): قال عبدان، عن أبي حمزة، عن عطاء: عن أبي يحيى زياد الأنصاري، عن ابن عباس: اختصم رجلان، الحديث. وقال ابن أبي حاتم (٧): قيل لأبي: إن أبا زرعة قال: أبو يحيى زياد مولى\n_________\n(١) سورة يوسف: الآية ٨٢.\n(٢) سورة التوبة: الآية ٩٦.\n(٣) سورة المنافقين: الآية ١.\n(٤) سورة المنافقين: الآية ٢.\n(٥) سورة ن: الآية ١٧.\n(٦) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١/ ٣٧٨) رقم (١٢٧١).\n(٧) انظر: \"الجرح والتعديل\" (١/ ٢/ ٥٥٠) رقم (٢٤٨١).","vol":"10","page":571},{"text":"عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَأَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - الطَّالِبَ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَاسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"بَلَى، قَدْ فَعَلْتَ وَلَكِنْ (١) غُفِرَ لَكَ بِإِخْلَاصِ قَوْلِ لَا إِله إِلَّا الله\". [حم ١/ ٢٥٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: يُرَادُ من هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَأمُرْهُ بِالْكَفَّارَةِ.\n===\nابن عفراء ثقة، فقال: يُرْوى عنه، وقال ابن حبان في \"الثقات\": زياد أبو يحيى من أهل مكة، وخرَّج له أبو داود والنسائي الحديث الذي ذكره البخاري: جاء رجلان، الحديث.\n(عن ابن عباس (٢): أن رجلين اختصما إلى النبي - ﷺ -، فسأل النبي - ﷺ - الطالبَ) أي المدعي (البينةَ، فلم تكن له بينة، فاستحلف المطلوبَ) أي المدعى عليه (فحلف) أي المطلوب (بالله الذي لا إله إلَّا هو) أي ما فعلتُ الذي يدعيه المدعي.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: بلى، قد فعلت) ما حلفت على عدم فعله (ولكن غُفِرَ لك) أي الذنب الذي كان بالحلف كاذبًا (بإخلاص قول لا إله إلَّا الله).\n(قال أبو داود: يراد من هذا الحديث أنه) ﵇ (لم يأمره بالكفارة) لكون اليمين يمين الغموس، واليمين الغموس ليس فيه كفارة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قد\".\n(٢) وبسط الكلام على الحديث في \"اللآلئ المصنوعة\" (٢/ ٢٣٨)، وذكر له الشواهد في \"مجمع الزوائد\" ح (٦٩٤٦)، وذكر بمعناه من حديث أنس في \"لسان الميزان\" رقم (٥٣١٦)، وقال: منكر، قلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٦٨) من حديث ابن عمر - ﵁ -. (ش).","vol":"10","page":572},{"text":"(١٥) بَابٌ (١): كَمِ الصَّاعُ في الْكَفَّارَةِ\n٣٢٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: قَرَأتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ\n===\nفإن قيل: اليمين الكاذبة كبيرة، والكبيرة لا تغفر (٢) إلَّا بالتوبة (٣)، فكيف غفر له بكلمة التوحيد فإنه عبادة، وفي العبادات يغفر السيئات الصغائر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤)؟\nفيمكن أن يجاب عنه بأنه لما أخلص في قوله: \"لا إله إلا الله\"، فكان ندم على ما فعل، فتكون الندامة توبة، ويمكن أن يجاب بأنه كان قبل قوله: \"لا إله إلا الله\" لم يؤمن بالإخلاص، وحين حلف أخلص بالتوحيد، فصار كأنه جدد الإيمان، فهدم تجديد الإيمان ما كان قبل ذلك من المعاصي.\n\n(١٥) (بَابٌ كَمِ الصَّاعُ (٥) في الْكَفَّارَةِ)\n٣٢٧٣ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على أنس بن\n_________\n(١) في نسخة: \"باب ما جاء ... إلخ\".\n(٢) فيه نظر لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، قلت: هذه الحاشية عن مولانا أسعد الله - رحمه الله تعالى- والجواب أن في عبارة \"البذل\" اختصارًا، والأوضح هكذا: أن الكبيرة لا تغفر بالحسنة مثل الصغيرة فإنها تغفر بالحسنة، وأما الكبيرة فإنها لا تغفر بالحسنة فحسب، بل لا بدَّ من أحد الأمرين إما التوبة، وإما مشيئة الله تعالى وفضله. (ع).\n(٣) ينبغي أن يزاد: أو بمشيئة الله تعالي لقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولم أقله من عند نفسي بل يوجد كذلك في كلامهم. (ع).\n(٤) سورة هود: الآية ١١٤.\n(٥) كان حق المصنف أن يذكر الصيام في الكفارة أيضًا، فإن المسألة خلافية، فكان الوجه أن يذكر مستدلات الأئمة فيها، سيما مختاره، وذهب الحنفية والحنابلة إلى وجوب التتابع فيه، خلافًا للشافعية والمالكية إذ استحباه، وأباحا التفرقَ، والبسط في \"الأوجز\" (٩/ ٦٧٠). (ش).","vol":"10","page":573},{"text":"عِيَاضٍ قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، عن أُمِّ حَبِيبٍ بِنْتِ ذُؤيبِ بْنِ قَيْسٍ الْمُزَنِيَّةِ- وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَخٍ لِصَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال ابْنُ حَرْمَلَةَ: فوَهَبَتْ لَنَا أُمُّ حَبِيبٍ صَاعًا، حَدَّثَتْنَا عن ابْنِ أَخِي صَفِيَّةَ، عن صَفِيَّةَ أَنَّهُ صَاعُ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَال أَنَسٌ: فَجَرَّبْتُهُ (١) فَوَجَدْتُهُ مُدَّيْنِ وَنصْفًا بِمُدِّ هِشَامٍ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>(١٦) بَابٌ: في الرَّقْبَةِ الْمُؤْمِنَةِ</span>\n٣٢٧٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ،\n===\nعياض قال: حدثني عبد الرحمن بن حرملة، عن أم حبيب بنت ذؤيب بن قيس المزنية) ويقال لها: أم حبيبة (وكانت تحت رجل منهم من أسلم، ثم كانت تحت ابن أخ لصفيةَ زوج النبي - ﷺ -، قال ابن حرملة: فوهبت لنا أم حبيب صاعًا، حدثتنا عن ابن أخي صفية، عن صفية أنه صاع النبي - ﷺ -. قال أنس) بن عياض: (فجربته فوجدته مُدَّين ونصفًا بمُد هشام) بن عبد الملك، وقد تقدم الكلام في الصالح في \"باب ما يجزئ من الماء في الوضوء\".\n\n(١٦) (بَابٌ: في الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ)\n٣٢٧٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن الحجاج الصواف،\n_________\n(١) في نسخة: \"حزرته\"، بتقديم الزاي المعجمة، أي خمنته.\n(٢) زاد في نسخة:\n٣٢٧٤ - حَدَّثنَا محمدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ أَبُو عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ عِنْدَنَا مَكُوكٌ يُقَالُ لَهُ: مَكُوكُ خَالِدٍ وَكَانَ كَيْلَجَتَيْنِ بِكَيْلَجَةِ هَارُونَ\".\nقَالَ مُحَمَّدٌ: صَاعُ خَالِدٍ صَاعُ هِشامٍ، يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ.\n٣٢٧٥ - حَدّثَنَا محمدُ بْنُ مُحَمًدِ بْنِ خَلَّادٍ أَبُو عُمَرَ، نَا مُسَدَّدٌ، عن أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: \"لَمَّا وُليَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ أَضْعَفَ الصَّاعَ فَصَارَ الصَّاعُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ قَتَلَهُ الزَّنْجُ صَبْرًا، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَمَدَّ أَبُو دَاوُدَ يَدَهُ وَجَعَلَ بُطُونَ كفَّيْهِ إِلَى الأَرْضِ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ في النَوْمِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ الله بِكَ؟ فَقَالَ: أَدْخَلَنِي الْجَنَةَ، قُلْتُ: فَلَمْ يَضُرَّكَ الْوَقْفُ.","vol":"10","page":574},{"text":"حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسولَ اللهِ! جَارِيَةٌ لِي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: \"ائْتِنِي بِهَا\". قَالَ: فَجِئْتُ بِهَا. قَالَ: \"أَيْنَ الله؟ \"، قَالَتْ: في السَّمَاءِ. قَالَ: \"فَمَنْ (١) أَنَا؟ \"، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. قَالَ: \"أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ\". [م ٥٣٧، ن ١٢١٨، حم ٥/ ٤٤٨]\n٣٢٧٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنِ الشَّرِيدِ: \"أَنَّ أُمَّهُ أَوْصَتْهُ أَنْ يُعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أُمِّى أَوْصَتْ أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً\n===\nحدثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله! جارية لي صَكَكْتُها صكة) أي لطمتها لطمة (فَعَظَّم ذلك عليَّ رسولُ الله - ﷺ -) أي عد تلك اللطمة أمرًا عظيمًا عليَّ.\n(فقلت: أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، قال: فجئت بها، قال) رسول الله - ﷺ -: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال) رسول الله - ﷺ -: (فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله - ﷺ -، قال) رسول الله - ﷺ -: (أَعْتِقْها فإنها مؤمنة)، وأما قولها \"في السماء\" في جواب سؤاله ﵇: أين الله؟ فليس المراد به المحل والمكان، بل المراد به العلو والرفعة في المرتبة.\n٣٢٧٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن الشريد) بن سويد: (أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبةً مؤمنةً، فأتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إن أمي أوصت أن أعتق عنها رقبةً مؤمنةً،\n_________\n(١) في نسخة: \"من\".","vol":"10","page":575},{"text":"وَعِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ نُوبِيَّةٌ\" (١) فَذَكَرَ نَحْوَهُ. [ن ٣٦٥٣، دي ٢٣٤٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَرْسَلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّرِيدَ (٢).\n\n(١٧) (٣) بَابُ كَرَاهِيَةِ النَّذْرِ\n٣٢٧٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.\n===\nوعندي جارية سوداء نُوْبية). قال في \"القاموس\": بالضم، بلاد واسعة بالسودان بجنوب الصعيد، منها بلال الحبشي (فذكر نحوه) أخرجه النسائي (٤) من حديث موسى بن سعيد قال: ثنا هشام بن عبد الملك قال: ثنا حماد بن سلمة بهذا السند، ولفظه: \"وقال لها النبي - ﷺ -: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله - ﷺ -، قال: فأعتقها فإنها مؤمنة\"\n(قال أبو داود: خالد بن عبد الله أرسله، ولم يذكر الشريد). قلت: ولم أجد حديثَ خالد بن عبد الله المرسلَ فيما عندي من الكتب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1273>(١٧) (بَابُ كَرَاهِيَةِ النَّذْرِ)</span>\n٣٢٧٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير بن عبد الحميد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أفأعتقها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ادعوا بها لي، فدعوا بها فجاءت، فقال لها النبي - ﷺ -: من ربك؟ قالت: الله، قال: فمن أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة\".\n(٢) زاد في نسخة:\n٣٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنِى الْمَسْعُودِىُّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ -ﷺ- بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللَّهُ؟»، فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ بِإصْبُعِهَا، فَقَالَ لَهَا: «فَمَنْ أَنَا؟»، فَأَشَارَتْ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- وَإِلَى السَّمَاءِ، يَعْنِى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». [٧/ ٣٨٨].\nرمز في \"الأطراف\" (١٣٥٨١) عليه علامة أبي داود فقط، ثم قال: لم يذكره أبو القاسم.\n(٣) زاد في نسخة: \"أول النذور\".\n(٤) \"سنن النسائي\" ح (٣٦٥٣).","vol":"10","page":576},{"text":"(ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن مَنْصُورٍ (١)، عن عَبْدِ اللهِ بْن مُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - يَنْهَى عن النَّذْرِ، وَيَقُولُ: \"إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ\" (٢). [خ ٦٦٩٣، م ١٦٣٩، ن ٣٨٠١، جه ٢١٢٢]\n===\nح: وحدثنا مسدد (٣)، ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن عبد الله بن مرة الهمداني، عن عبد الله بن عمرٍ، قال: أخذ) أي شَرَعَ (رسول الله - ﷺ - ينهى عن النذر، ويقول: إنه لا يرد شيئًا، وإنما يُسْتَخْرَجُ به من البخيل).\nفالنذر (٤) على اعتقاد أنه يرد عن قدر الله شيئًا منهي عنه، وكان عادة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن المعتمر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال مسدد: قال رسول الله - ﷺ -: إن النذر لا يرد شيئًا\".\nوزاد في نسخة:\n٣٢٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، وَأَنَا شَاهِدٌ: أَخْبَرَكُمُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ - قَالَ: لَا يَأْتِى ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ الْقَدَرَ بِشَىْءٍ لَمْ أَكُنْ قَدَّرْتُهُ لَهُ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ الْقَدَرَ قَدَّرْتُهُ، لكن يُسْتَخْرَجُ به مِنَ الْبَخِيلِ، يُؤْتَى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتَى مِنْ قَبْلُ [خ ٦٦٩٤، م ١٦٤٠، ت ١٥٣٨، ن ٣٨٠٤، جه ٢١٢٣، حم ٢/ ٢٣٥]- نسخة، كذا وجد في نسخ، والله أعلم.\nقلت: هذا الحديث لم يذكره المزي في \"الأطراف\"، واستدركه الحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\" رقم (١٣٨٥٧) ونسبه إلى رواية ابن العبد.\n(٣) قال المزي في \"التحفة\" (٧٢٨٧): حديث مسدد في رواية ابن العبد وابن داسة، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٤) اختُلِفَ في النذر هل هو مندوب أو مكروه؟ ذهب بعضهم إلى الثاني لحديث الباب، والجمهور على الأول، ثم اختلفوا في توجيه الحديث، فقال بعضهم بما أفاده الشيخ، وقال بعضهم: إنه محمول على المعلق، وقيل غير ذلك، كما في \"إعانة الطالبين\" (٢/ ٣٤٣) من فروع الشافعية. وفي \"الأوجز\" (٩/ ٥١١): والنذر مندوب عندنا ومالك لروايات النهي، ومحملها عندنا نذر اللجاج. (ش).","vol":"10","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1274>(١٨) بَابُ النَّذْرِ في الْمَعْصِيَةِ</span>\n٣٢٨١ - حَدَّثَنَا (١) الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الأَيْلِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِىَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ». [خ ٦٦٩٦، ت ١٥٢٦، جه ٢١٢٦، ط ٢/ ٤٧٦/ ٨، حم ٦/ ٣٦]\n٣٢٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيبٌ، نَا أَيُّوبُ، عن عكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِم في الشَّمْسِ، فَيُسْأَلُ (٢) عَنْهُ، فَقَالُوا:\n===\nالناس ينذرون لجلب المنافع ودفع المضار، وذلك فعل البخلاء فنهوا عنه، وأما إذا نذر بالإخلاص في النية وعبادة الله تعالى كما نذر عمر بن الخطاب - ﵁ - باعتكاف ليلة في المسجد الحرام، فهو ليس بمنهي عنه.\n\n(١٨) (بَابُ النَّذْرِ في الْمَعْصِيَةِ) (٣)\n٣٢٨١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: قال رسول الله - ﷺ -: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه).\n٣٢٨٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بينما النبي - ﷺ - يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فيسأل) رسول الله - ﷺ - (عنه) أي عن سبب قيامه في الشمس (٤) (فقالوا:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".\n(٢) في نسخة: \"فسأل\".\n(٣) لا يحل الإتيان به إجماعًا، ثم فيه كفارة يمين عندنا الحنفية، وهو رواية لأحمد، وبه قال بعض الشافعية، وقال الباقون: لا كفارة فيه. (ش).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩٠).","vol":"10","page":578},{"text":"هَذَا أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ، وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلمَ، وَيَصُومَ، قَالَ: \"مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ\". [خ ٦٧٠٤، جه ٢١٣٦]\n===\nهذا أبو إسرائيل) الأنصاري، أو القرشي العامري، وقال أبو عمر: قيل: اسمه جسير بتحتانية ومهملة مصغرًا.\nوأورده ابن السكن والباوردي في حرف القاف في \"قشير\"، وذكره البغوي أيضًا من طريق محمد بن كريب عن كريب، عن ابن عباس قال: نذر أبو إسرائيل قشير أن يقوم، فذكره الحديث. وأخرجه الخطيب في \"المبهمات\" من طريق جرير بن حازم، عن أيوب، عن مجاهد، عن ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة، فنظر إلى رجل من قريش من بني عامر بن لُؤَي يقال له: أبو إسرائيل، فذكره. قال عبد الغني في \"المبهمات\": وليس في الصحابة من يكنى أبا إسرائيل غيره.\n(نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، قال) رسول الله - ﷺ -: (مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه).\nقال الخطابي (١): قد تضمن نذره نوعين من طاعة ومعصية، فأمره - ﷺ - بالوفاء بما كان منهما طاعة، وهو الصوم، وأن يترك ما ليس بطاعة من القيامِ في الشمس، وتركِ الكلام، وتركِ الاستظلال بالظل؛ وذلك لأن هذه الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه، وليس في شيء منها قربة إلى الله تعالى، وقد وُضِعَتْ عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم.\nفأما المشي إلى بيت الله، فالنذر فيه لازم، [لأن ذلك من المقدور عليه، ولم يزل الناس يحجون مشاة كما يحجون ركبانًا، وقال سبحانه: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾]؛ فأما إذا تجاوز المشي والرحلة\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٥٨).","vol":"10","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>(١٩) بَابُ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ كفَّارَةً إِذَا كَانَ في مَعْصِيَةٍ</span>\n٣٢٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ - قَالَ: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (١). [ن ١٥٢٤، ن ٣٨٣٥، جه ٢١٢٥، حم ٦/ ٢٤٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ شَبُّويَه قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ،\n===\nإلى أن يبلغ به الحفا والوجا، وما أشبه ذلك، فإنه خروج إلى المشقة التي تتعب الأبدان، وربما أتلفتها، فتخرج حينئذ عن أن تكون قربة، وتنقلب النذور فيها معصية فلا يلزم الوفاء، ولا تجب الكفارة فيها، انتهى.\n\n(١٩) (بَابُ مَنْ رَائ عَلَيْهِ كَفَّارَةً إِذَا كَانَ في مَعْصِيَةٍ)\n٣٢٨٣ - (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر، نا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة) - ﵂ - (أن النبي - ﷺ - قال: لا نذر في معصية) وليس معناه أنه لا ينعقد، بل معناه أنه ليس فيه وفاء، ويدل على ذلك قوله: (وكفارته كفارة يمين).\nقال في \"فتح الودود\": ليس معناه أنه لا ينعقد أصلًا؛ إذ لا يناسب ذلك قوله: وكفارته ... إلخ، بل معناه: ليس فيه وفاء، وهذا هو صريح في بعض الروايات الصحيحة فإن فيها: \"لا وفاء لنذر في معصية\" (٢)، انتهى.\n(قال أبو داود: سمعت أحمد بن شبّويه قال: قال ابن المبارك) أي عبد الله\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٣٢٨٤ - حدثنا ابن السرح قال: أنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب بمعناه وإسناده. [ذكره المزي في \"الأطراف\" (١٧٧٧٠)، وجعله من رواية ابن العبد وابن داسه].\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٤١) من حديث عمران بن حصين ﵁.","vol":"10","page":580},{"text":"يَعْنِي في هَذَا الْحَدِيثِ، حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: أَفْسَدُوا عَلَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، قِيلَ لَهُ: وَصَحَّ إِفْسَادُهُ عِنْدَكَ؟ وَهَلْ رَوَاهُ غَيْرُ ابْنُ أَبِي أُويسٍ (١)؟\n===\n(يعني في هذا الحديث) المتقدم (حديثِ أبى سلمة) بالجر بدل من \"هذا الحديث\"، وإنما زاد لفظ \"يعني\" لأن أحمد بن شبويه ما حفظ لفظ ابن المبارك، فزاد لفظ \"يعني\".\nمعناه أن قول ابن المبارك لم أحفظه، ولكن كان مراده الكلام في هذا الحديث، كأنه قال: إن ابن المبارك قال في هذا الحديث من التكلم في ضعفه، وليس فيه ضعف إلا من جهة أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة (فدل ذلك) أي قول ابن المبارك من التكلم في الحديث، والظاهر أن هذا من كلام أبي داود (على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة) لأنه لا سبيل للضعف في هذا الحديث إلَّا بهذا الوجه.\n(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث) فإن الحديث مروي بسندين: أحدهما عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -، والثاني حديث الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، فلا ندري أن حديث الزهري عن أبي سلمة مدلس أو صحيح.\n(قيل له) أي لأحمد بن حنبل: (وصح) بتقدير حرف الاستفهام، أي: وهل صح (إفساده عندك؟ وهل رواه غير ابن أبي أويس؟) وجواب هذين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال: لا، لكن رواه أيوب عن ابن أبي أويس هكذا، وكان أيوب أمثل من ابن أبي أويس\".","vol":"10","page":581},{"text":"قَالَ: أَيُّوبُ، كَانَ أَمْثَلَ مِنْهُ- يَعْنِي أَيُّوبَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ - وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوبُ.\n===\nالسؤالين غير مذكور في النسخ الموجودة عندي، لكن زاد في حاشية النسخة المجتبائية ما يدل على الجواب: قال: لا، معناه لم يصح إفساده عندي بل هو محتمل، ولا رواه غير ابن أبي أويس، لكن رواه أيوب عن ابن أبي أويس هكذا، وكان أيوب أمثل من ابن أبي أويس.\n(قال) أحمد بن حنبل: (أيوب) أي رواه أيوب عن ابن أبي أويس (كان) بتقدير العطف، أي وكان أيوب (أمثل) أي أوثق (منه) أي من ابن أبي أويس (يعني) أي يريد من أيوب (أيوبَ بنَ سليمان بن بلال، وقد رواه أيوب) عنه، فإن ابن أبي أويس مختلف فيه، فوثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحاكم عن الدارقطني: حجة، وقال النسائي: ضعيف، وأما أيوب بن سليمان بن بلال فمجمع على ثقاهته عنده، فإذا روى الثقة عن الثقة المختلَف فيه يقوى احتمال الفساد.\nوحاصل هذا الكلام: أن القائل اعترض على الإِمام أحمد - ﵀ - بأنك قلت: أفسدوا علينا هذا الحديث، كيف يصح قولك، وقد رواه الثقة وهو يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة؟ والذي خالفه هو حديث أبي بكر بن أبي أويس وهو مختلف فيه، لم يروِ غيره، فكيف يقاوم حديثَ يونس عن ابن شهاب؟ فيسقط حديث أبي بكر بن أبي أويس، فليس فيه احتمال التدليس من الزهري مطلقًا.\nفأجاب عنه الإِمام أحمد - ﵁ - بأن أبا بكر بن أبي أويس وإن كان مختلفًا فيه، لكن روى عنه أيوب بن سليمان، وهو أوثق منه وأقوى، فتأيد حديث ابن أبي أويس برواية أيوب، فبقي احتمال الفساد.\nوأنت خبير بأن جواب الإِمام غير صحيح على قاعدة المحدثين، فإن رواية أيوب بن سليمان لا يدفع ضعف أبي بكر بن أبي أويس، فإنه تلميذه، فلا يقاوم حديثَ يونس عن الزهري، فلا يثبت احتمال التدليس على أن","vol":"10","page":582},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالنسائي (١) روى حديث يونس بسند هارون بن موسى المدني (٢) قال: ثنا أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب قال: ثنا أبو سلمة، عن عائشة - ﵂ -، فروى بلفظ الحديث، وهو يدل على سماع ابن شهاب من أبي سلمة قطعًا، فكيف يجوز أن يقال: إن الزهري دلَّس فيه؟ فلم يبق بهذا السند شائبة التدليس في سند يونس عن الزهري.\nومع هذا الزهري مُتَّفَق على جلالته وإتقانه في الحديث، فلو سُلِّم أنه دلس عن سليمان بن أرقم، وهو مُجْمَعٌ على ضعفه، فإن أسقطه من السند ظانًّا أنه ثقة، فهذا يعود بالنقض على علمه بأن من هو متفق ومجمع على ضعفه فيظنه ثقة.\nوأما إن علم أنه ضعيف فأسقطه، فهذا التدليس من أسوأ التدليسات، فيعود ثقاهة الزهري بالنقض، وهو بريء عند المحدثين من الأمرين.\nقال السندي في \"حاشية النسائي\" (٣): قوله: \"وكفارته كفارة يمين\"، معناه أنه ينعقد يمينًا يجب فيه الحنث، وهذا مذهب أبي حنيفة، ولا يخفى أن حديث: \"ومن نذر أن يعصي الله\" وأمثالَه لا ينفي ذلك، فلا حجة للمخالف فيه، نعم هم يضعِّفون حديث: \"وكفارته كفارة اليمين\"، ويقولون: إن في سنده سليمان بن أرقم وهو ضعيف، وأنت خبير بأن الحديث قد سبق عن عقبة بن عامر وعن (٤) عمران بن حصين، وحديثُ عائشة في بعض إسناده: عن الزهري، عن أبي سلمة، وفي بعضها: حدثنا أبو سلمة، وهذا يُثْبِتُ سماعَ الزهري عن\n_________\n(١) (٧/ ٢٧) ح (٣٨٣٨).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"سنن النسائي\": \"الفَروِيّ\".\n(٣) انظر: حاشية السندي على \"سنن النسائي\" (٧/ ٢٦، ٢٧).\n(٤) كذا في الأصل، والصواب: \"وسيجيء عن عمران بن حصين\"، كما في \"حاشية السندي\".","vol":"10","page":583},{"text":"٣٢٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِىُّ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِى كَثِيرٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». [ق ١٠/ ٨٠، ت ١٥٢٥، حم ٤/ ٤٣٩ - ٤٤٣]\nقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِىُّ: إِنَّمَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ عَلِىِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، أَرَادَ أَنَّ\n===\nأبي سلمة، وفي بعضها: عن سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير حدثه أنه سمع أبا سلمة.\nوهذا الاختلاف يمكن دفعه بإثبات سماع الزهري مرة عن سليمان، عن يحيى، عن أبي سلمة، ومرة عن أبي سلمة نفسه، وعند ذلك لا قطع بضعفه، سيما حديث عقبة وعمران يؤيد الثبوت.\n٣٢٨٥ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، نا أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن ابن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم، أن يحيى بن أبي كثير أخبره، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين).\n(قال أحمد بن محمد المروزي: إنما الحديث حديث علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين، عن النبي - ﷺ -) أي كان الحديث في الأصل ما رواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير بسنده عن عمران بن حصين مرفوعًا.\n(أراد) أي المروزي بهذا الكلام (أن) أصل الحديث ما رواه علي بن","vol":"10","page":584},{"text":"سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ وَهِمَ فِيهِ، وَحَمَلَهُ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَأَرْسَلَهُ عن أَبِي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ (١).\n٣٢٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (٢) قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زَحْرٍ،\n===\nالمبارك ولكن وَهِم فيه (سليمان بن أرقم) وهو متفق على ضعفه (وهم فيه) أي في الحديث بأنه كان الحديث من رواية محمد بن الزبير عن أبيه، عن عمران، فوهم فيه، وجعله من حديث أبي سلمة عن عائشة (وحمله) أي الحديث الذي وهم فيه سليمان بن أرقم (عنه) أي سليمان بن أرقم (الزهريُّ، وأرسله) أي أسقط عنه سليمانَ بن أرقم بضعفه تدليسًا، وجعله (عن أبي سلمة عن عائشة).\n٣٢٨٦ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى بن سعيد قال: أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أخبرني عبيد الله بن زَحْر) بفتح الزاي، وسكون المهملة، الضمري مولاهم، الإفريقي وُلِدَ بإفريقية، ودخل العراق في طلب العلم، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وقال: كان أيما رجل، وعن أحمد: أنه ضعيف، وعن ابن معين: ليس بشيء، ومرة قال: كل حديثه عندي ضعيف، وعن ابن المديني: منكر الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أحمد يعني ابنَ صالح يقول: عبيد الله بن زحر ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به صدوق، وقال الحاكم: لين الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الخطيب: كان رجلًا صالحًا، وفي حديثه لين، ونقل الترمذي في \"العلل\" (٣) عن البخاري: أنه ثقة، وقال البخاري في \"التاريخ\": مقارب الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: روى بقية، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن الزبير بإسناد علي بن المبارك مثله\". [قلت: وأخرج النسائي عن عمرو بن عثمان، عن بقية، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين مرفوعًا: \"لا نذر في معصية، وكفارتها كفارة يمين\"، راجع: \"سنن النسائي\"، رقم (٣٨٤١)].\n(٢) زاد في نسخة: \"القطان\".\n(٣) في الأصل: \"العالي\"، وهو تحريف.","vol":"10","page":585},{"text":"أنَّ أَبَا سَعِيدٍ (١) أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِىَّ -ﷺ- عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَقَالَ: «مُرُوهَا (٢) فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». (٣). [ت ١٥٤٤، ن ٣٨١٤، جه ٢١٣٤، حم ٣/ ١٤٣، ق ١٠/ ٨٠]\n===\n(أن أبا سعيد) الرعيني جعثل بضم الجيم والمثلثة بينهما مهملة ساكنة، ابن هاعان بتقديم الهاء على العين المهملة، ابن عمرو القتباني المصري، له عندهم حديث واحد في النذر، حسَّنه الترمذي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أخبره، أن عبد الله بن مالك) بن أبي الأسحم بمهملتين، أبو تميم الجيشاني بجيم مفتوحة وياء ساكنة بعدها معجمة، الرعيني المصري، أصله من اليمن، ولد هو وأخوه سيف في حياة النبي - ﷺ -، وهاجر زمن عمر، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة.\n(أخبره أن عقبة بن عامر أخبره: أنه) أي عقبة (سأل النبيَّ - ﷺ - عن أخت له) أي لعقبة، اسمها أم حبان (نَذَرَتْ أن تحج حافية) أي بغير نعل في الرجلين (غير مختَمِرة) أي بلا خمار على رأسها.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (مروها فلتختمر ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام) وهذا الحديث يؤيد حديث الزهري عن أبي سلمة، فإن رسول الله - ﷺ - أمرها بالكفارة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني الرعيني\".\n(٢) في نسخة: \"مرها\".\n(٣) زاد في نسخة:\n٣٢٨٧ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عَبْدُ الرزَّاقِ، اَنَا ابْنُ جُرَيْج قَالَ: كَتَبَ إِليَّ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زَحْرٍ مَوْلَى لِبَنِي ضَمْرَةَ- وَكَان أيما رَجُلٍ - أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيَّ أَخْبَرَنَا بِإِسْنَادِ يَحْيَى وَمَعنَاهُ.\n[قلت: قال المزي بعد إيراده في \"الأطراف\" (٩٩٣٠): حديث مخلد بن خالد في رواية أبي الحسن بن العبد وابن داسه، ولم يذكره أبو القاسم].","vol":"10","page":586},{"text":"٣٢٨٨ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قال: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِى حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِى أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَأَمَرَتْنِى أَنْ أَسْتَفْتِىَ لَهَا النبي -ﷺ-، فَاسْتَفْتَيْتُ (١) النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: «لِتَمْشِ (٢) وَلْتَرْكَبْ». [خ ١٨٦٦، م ١٦٤٤، ن ٣٨١٤]\n===\nفي نذرها نذر المعصية، فإن شهدت بلا خمار كان معصية، فهو حجة للحنفية.\n٣٢٨٨ - (حدثنا مخلد بن خالد قال: نا عبد الرزاق قال: نا ابن جريج قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، أن يزيد بن أبي حبيب أخبره أن أبا الخير حدثه، عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال: نَذَرَتْ أختي أن تمشي إلى بيت (٣) الله، فأمرتني أن أستفتي لها النبيَّ - ﷺ -، فاستفيت النبيَّ - ﷺ - فقال: لِتَمْشِ ولتركَب) أي إذا قدرت على المشي تمشي، وإذا عجزت عن المشي، تركب، ولم يذكر لها الكفارة ولا الهدي، وعدم ذكر الكفارةِ والهديِ غير مستلزم عدمهما.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أختك\".\n(٣) من نذر الحج ماشيًا يجب عليه المشي، وفيه أبحاث، وهي: الألفاظ التي توجب المشي والتي لا توجبه، وابتداء المشي وانتهاؤه زمانًا ومكانًا وغير ذلك، والمقصود هاهنا من نذر المشي ثم ركب فعند أحمد القادر على المشي أساء دون العاجز، وعليه كفارة يمين بكل حال، والرواية الأخرى له: عليه دم، وهو قول الشافعي في الحالين: القدرة والعجز، والدم الشاةُ على الأصح، وقول آخر: إنه بدنة، وعند مالك: يجب قضاء ما ركب في سنة أخرى، فيمشي ما ركب، ويركب ما مشى إذا كان المشي كثيرًا، وكان في المناسك، وهي من خروج مكة إلى رجوع مني، ومع ذلك يجب الهدي أيضًا، وهذا إذا كان قريب البلدة كالمدني، أو متوسطها كالمصري، وإن كان بعيد البلدة كالإفريقي، فعليه الهدي فقط، وكذا إذا كان الركوب قليلًا في غير المناسك؛ وعندنا الحنفية إذا ركب في أكثر الطريق بعذر أو بلا عذر، فعليه دم شاة، وفي الأقل أو المساواة بقدر ذلك من قيمة الشاة. \"الأوجز\" (٩/ ٥٤٢ - ٥٤٨). (ش).","vol":"10","page":587},{"text":"٣٢٨٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنْ نَذْرِهَا، مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ». [ق ١٠/ ٧٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ نَحْوَهُ. وَخَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- نَحْوَهُ.\n٣٢٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: نَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: نَا هَمَّامٌ قَالَ: نَا قتَادَةُ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ نذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ\n===\n٣٢٨٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا هشام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄-: أن النبي - ﷺ - لما بلغه أن أختَ عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن الله لغني عن نذرها، مرها فلتركب).\n(قال أبو داود: رواه سعيد بن أبي عروبة) (١) عن قتادة، عن عكرمة (نحوه) أي نحو حديث هشام من غير ذكر الهدي (وخالد) (٢) أي رواه خالد أي الحذاء مرسلًا (عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - نحوه) أي مثل حديث قتادة عن عكرمة، فرواية سعيد بن أبي عروة متابعة لهشام، ورواية خالد عن عكرمة متابعة لقتادة.\n٣٢٩٠ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: نا أبو الوليد قال: نا همام قال: نا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي\n_________\n(١) انظر: رقم الحديث (٣٢٩١) في الهامش.\n(٢) أخرج روايته الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٣٤١) رقم (١١٩٤٩).","vol":"10","page":588},{"text":"إِلَى الْبَيْتِ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيًا\" (١). [حم ١/ ٣١١، دي ٢٣٣٥]\n٣٢٩٢ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِى يَعْقُوبَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ قال: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُخْتِى نَذَرَتْ - يَعْنِي أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً -، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا،\n===\nإلى البيت، فأمرها النبي - ﷺ - أن تركب وتهدي هديًا).\n٣٢٩٢ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب قال: نا أبو النضر قال: نا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد القرشي التيمي (مولى آل طلحة) كوفي، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الترمذي وأبو علي الطوسي ويعقوب بن سفيان: ثقة.\n(عن كريب، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إن أختي نذرت -يعني أن تحج ماشية-، فقال النبي - ﷺ -: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا) أي لا يصنع بمشقتها وتعبها، أي لا حاجة لله تعالى به؛ فإنه منزه من النفع والضرر\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٣٢٩١ - حدثنا محمد بن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن أخت عقبة بن عامر، بمعنى هشام، لم يذكر الهدي، وقال فيه: مر أختك فلتركب. قال أبو داود: رواه خالد عن عكرمة بمعنى هشام.\nقال في \"الأطراف\" (٦١٩٧): حديث ابن أبي عدي في رواية أبي الحسن بن العيد ولم يذكره أبو القاسم.","vol":"10","page":589},{"text":"فَلْتَحُجَّ رَاكِبَةً، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا». (١) [حم ١/ ٣١٠، خزيمة ٣٠٤٧]\n٣٢٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِىَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ\" (٢). [خ ٦٧٠١، م ١٦٤٢، ت ١٥٣٧، ن ٣٨٥٢، حم ٣/ ٦]\n===\n(فلتحج راكبة، ولتكفر يمينها) أي نذرها بالهدي.\n٣٢٩٥ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن حميد الطويل، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يهادى) بصيغة المجهول، أي يمشي (بين ابنيه) أي معتمدًا عليهما من جانبيه اليمين والشمال من ضعف به (فسأل) رسول الله - ﷺ - (عنه) أي عن حاله. (فقالوا: نذر أن يمشي، فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسَه) أي إن عذب هذا نفسَه لا يصل إلى الله سبحانه نفعُه (وأمره أن يركب).\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٣٢٩٣ - حدثنا شعيب بن أيوب، نا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال للنبي - ﷺ -: إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال: \"إن الله لا يصنع بمشي أختك إلى البيت شيئًا\".\n٣٢٩٤ - حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله السلمي، ثنا أبي، ثنا إبراهيم- يعني ابن طهمان-، عن مطر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشيًا، وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبي - ﷺ -: \"إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة هديًا\". قال في \"الأطراف\" (٦٢١٧): هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: رواه عمرو بن أبي عمر، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحوه.\n٣٢٩٦ - حدثنا يحيى بن معين، نا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني سليمان الأحول، أن طاوسًا أخبر عن ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - مر وهو يطوف بالكعبة بِإِنْسَان =","vol":"10","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1276>(٢٠) بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّي في بَيْتِ الْمَقْدِسِ</span>\n٣٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ قَالَ:\n===\nقلت: اختلفت الروايات في قصة أخت عقبة بن عامر، ففي إحدى أحاديث عقبة أنها نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فاشتمل نذرها أمرين: أحدهما: عبادة لا تطيقها، والثاني: معصية، وهو عدم تغطية الرأس، فأمرها بالركوب لعدم إطاقتها المشيَ حافية، وهذا باعتبار نذرها الحجَ حافية، ثم أمرها بصوم ثلاثة أيام، وهذا الحكم راجع إلى نذرها من غير خمار، وهو كانت معصية، فلم ينعقد النذر بها وصار يمينًا، فأمرها بالصوم ثلاثة أيام لكفارة اليمين، فإن اليمين بالمعصية انعقدت، ولم يجز وفاؤها؛ لأنه - ﷺ - قال: \"ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\"، فوجب الحنث، ولزمت كفارة اليمين عليها.\nوأما في الباقية من الروايات فليس فيها ذكر عدم الاختمار، فلم يشمل الحديث لنذر المعصية، ولكن فيها ذكر لنذر الطاعة، وهو المشي (١) إلى بيت الله، فانعقد النذر، فوجب الوفاء إن أطاقت، فإذا لم تُطِقْ (٢)، وجب عليها الهدي بأن تحج راكبة، فوجوب الهدي عليها لنقصانه عما التزم عليه.\n\n(٢٠) (بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يصَلِّيَ في بَيْتِ الْمَقْدِسِ)\n٣٢٩٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال:\n_________\n= يقوده بحزام في أنفه، فقطعه النبي - ﷺ - بيده، وأمره أن يقوده بيده\". [خ ١٦٢٠، ن ٤٧٥٢].\nقال في \"الأطراف\" (٥٧٠٤): حديث أبي داود في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم.\n(١) ففي \"الدر المختار\" (٥/ ٦٤٤): يجب حج أو عمرة ماشيًا من بلده في قوله: عليَّ المشيُ إلى بيت الله ... إلخ. (ش).\n(٢) وعليه حمل الترمذي إذ بَوَّب: \"من حلف يمشي ولا يستطيع\" [انظر: \"سنن الترمذي\" (٤/ ١١١)]. (ش).","vol":"10","page":591},{"text":"أنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ (١): يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّىَ في بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: «صَلِّ هَا هُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ (٢): «صَلِّ هَا هُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «شَأْنَكَ إِذًا» (٣). (٤) [حم ٣/ ٣٦٣، دي ٢٣٣٩]\n===\nأنا حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا) لم أقف على تسميته (٥) (قام) أي للسؤال (يوم الفتح فقال: يا رسول الله! إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس) بفتح ميم وكسر القال، وهو مسجد الأقصى (ركعتين، قال) رسول الله - ﷺ -: (صل ها هنا) أي في المسجد الحرام بمكة؛ فإنه أفضل مع كونه أسهل (ثم أعاد) أي الرجل (عليه) أي على رسول الله - ﷺ - السؤال (فقال) رسول الله - ﷺ -: (صل ها هنا) وكان الأمر أمر استحباب (ثم أعاد عليه فقال: شأنك) أي الزم شأنك (إذًا) أي إذا أبيت أن تصلي ها هنا فافعل ما نذرتَ من صلاتك ببيت المقدس.\nقال في \"البدائع\" (٦): وإن كان الشرط مقيدًا بمكان بأن قال: لله علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا، أو أتصدق على فقراء بلد كذا، يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر - ﵀ - لا يجوز إلَّا في المكان المشروط (٧).\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"إذن\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: روي نحوه، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ -\" (١).\n(٥) هو الشريد بن سويد الثقفي، كما في \"التلقيح\" (ص ٦٤٨)، وفي \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٢/ ٣١١): رشيد بن سويد. (ش).\n(٦) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٤٥).\n(٧) وفي \"مراقي الفلاح\" (ص ٤٥٨، ٤٥٩): وأَلْغَيْنا تعيين الزمان، والمكان، والدرهم، والفقير، فيجزيه صوم رجب عن نذره صومَ شعبان، وتجزيه صلاة بمصر وقد نذر أداءَها بمكة =","vol":"10","page":592},{"text":"٣٢٩٨ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِىُّ، الْمَعْنَى، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَ حَفْصَ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَمْرًا (١) - وَقَالَ عَبَّاسٌ: ابْنَ حَنَّةَ أَخْبَرَاهُ،\n===\n٣٢٩٨ - (حدثنا مخلد بن خالد قال: نا أبو عاصم، ح: وثنا عباس العنبري، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قال: نا روح، عن ابن جريج) أي كلاهما أبو عاصم وروح يرويان عن ابن جريج (قال: أخبرني يوسف بن الحكم بن أبي سفيان) ويقال: يوسف بن أبي الحكم، عداده في أهل الطائف، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (أنه سمع حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا مقرونًا بعمرو بن حية في نذر الصلاة ببيت المقدس (وعمَر (٢)، وقال عباس) العنبري شيخ المصنف: (ابن حَنَّة) معنى هذا الكلام أن مخلد بن خالد شيخ المصنف قال: وعمر، ولم ينسبه إلى أبيه، وأما عباس العنبري فذكر أباه فنسبه إلى أبيه، وذكر أن اسمه حَنَّة بفتح الحاء المهملة والنون المشددة المفتوحة، ويقال (٣): ابن حية بالتحتانية المثناة المشددة، ويقال: عُمَر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الذهبي: معدود في التابعين، لا يُعْرَفُ.\n(أخبراه) أي حفصُ بن عمر وعمرُ بن حنة يوسفَ بنَ الحكم،\n_________\n= أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى؛ لأن الصحة باعتبار القربة لا المكان؛ لأن الصلاة تعظيم بجميع البدن، وفي هذا المعنى الأمكنة كلها سواء وإن تفاوت الفضل ... إلخ.\nوفي \"الدر المختار\" (٥/ ٥١٨): لم يلزم الناذر ما ليس من جنسه فرض، كدخول مسجد، ولو مسجد الرسول - ﷺ - أو الأقصى ... إلخ. وقول للشافعي والآخر له، وبه قال أحمد ومالك: يتعين المساجد الثلاثة بالنذور لا غيرها. \"الأوجز\" (٩/ ٥٢٦، ٢٥٧). (ش).\n(١) وفي نسخة: \"عَمرًا\"، قال عباس: عمر بن حنة، بنون صوابه عمرو يأتي عمرو بن حنة بالنون الثقيلة، انتهى.\n(٢) معطوف على قوله: حفص، أي: سمع يوسف من حفص بن عمر، ومن عمر بن حنة.\n(٣) راجع: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٥).","vol":"10","page":593},{"text":"عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ -ﷺ - بِهَذَا الْخَبَرِ. زَادَ: فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ -: «وَالَّذِى بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ هَا هُنَا لأَجْزَأَ عَنْكَ صَلَاةً في بَيْتِ الْمَقْدِسِ». [حم ٥/ ٣٧٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الأَنْصَارِىُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَالَ (١): جَعْفَرُ بْنُ عُمَر، وَقَالَ: عَمْرُو بْنُ حَيَّةَ، وَقَالَ (٢): أَخْبَرَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ -.\n===\n(عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري، أبو حفص المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود حديث واحد تقدم في ترجمة ابنه حفص، (عن رجال من أصحاب النبي - ﷺ - بهذا الخبر) المتقدم، عن أنس بن مالك (٣).\n(زاد) عباس العنبري: (فقال النبي - ﷺ -: والذي بعث محمدًا بالحق لو صليت) أي الركعتين المنذورتين (ها هنا) أي في المسجد الحرام (لأجزأ) أي لكفى (عنك صلاة) أي من صلاة (في بيت المقدس) أي الذي نذرت.\n(قال أبو داود: رواه الأنصاري) أي محمد بن عبد الله بن المثنى، (عن ابن جريج فقال: جعفر بن عُمَر) يعني بدل: حفص بن عمر، فصحَّف لفظَ حفص، وجعله جعفر (وقال) الأنصاري: (عمرو بن حيَّة) (٤) بفتح العين المهملة وسكون الميم بدل: عمر بضم العين وميم مفتوحة، وبياء مثناة تحت بدل نون، اختُلِفَ في تسميته، فقال بعضهم: حنة بالنون، وقال بعضهم: حية بالتحتانية.\n(وقال) الأنصاري: (أخبراه عن عبد الرحمن بن عوف، وعن رجال من أصحاب النبي - ﷺ -)، فأسقط لفظ: \"عمر بن عبد الرحمن\"، وروى عن عبد الرحمن بن عوف، وجعله من مسندات عبد الرحمن بن عوف، ووجهه أن\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) في نسخة: \"قالا\".\n(٣) كذا في الأصل، والصواب بدله: \"جابر بن عبد الله\". (ش).\n(٤) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٤٠٦) رقم (٤٩٤٣).","vol":"10","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1277>(٢١) بَابُ قَضَاءِ النَّذْرِ عَنِ الْمَيِّتِ</span>\n٣٢٩٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ - قَالَ: إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: «اقْضِهِ عَنْهَا». [خ ٢٧٦١، م ١٦٣٨، ت ١٥٤٦، ن ٣٨١٨، جه ٢١٣٢، حم ١/ ٣٢٩]\n===\nالأنصاري كانت ذهبت كتبه، فكان بعد ذلك يحدث من كتب غلامه أبي حكيم، فكان هذه المخالفة من ذلك.\n\n(٢١) (بَابُ قَضَاءِ النَّذْرِ عَنِ الْمَيِّتِ)\n٣٢٩٩ - (حدثنا القعنبي قال: قرأت على مَالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس (١): أن سعد بن عبادة استفتى رسولَ الله - ﷺ - قال: إن أمي ماتت وعليها نذر (٢) لم تقضه (٣)، فقال رسول الله - ﷺ -: اقضه عنها) وهذا محمول (٤) عندنا على الاستحباب لا على\n_________\n(١) ابن عباس لم يدرك القصةَ، فالحديث مرسل صحابي، كذا في \"الفتح\" (٥/ ٣٩٠)، و\"الأوجز\" (٩/ ٥١٧). (ش).\n(٢) اختلفوا في تعيين نذرها، فقيل: كان مبهمًا، كقوله: لله علي نذر، وقيل: كان صومًا، وقيل: كان عتقًا، وقيل: كان صدقة؛ لآثار وردت في ذلك، لكن ليس في شيء من الآثار التصريحُ بنذرها أيها كان، \"أوجز\" (٩/ ٥١٩)، عن \"الفتح\" (١١/ ٥٨٥). (ش).\n(٣) لعدم مجيء وقته، أو وجبت لكن لم يتفق لها لعارض. (ش).\n(٤) وكذلك عند الأربعة خلافًا للظاهرية، والجملة أن قضاء النذر على الوارث واجب مطلقًا عند الظاهرية، ولا يجب عند الأربعة إلًا في نذر مالي في تركته بشرط الوصية والثلث عندنا ومالك، ولا تشترط الوصية عند الشافعي وأحمد، وأما نذر الطاعات البدنية فلا يصح النيابة في الصلاة إجماعًا للأربعة إلا في قول لأحمد، وفي الصوم يصح عند أحمد واحد قولي الشافعي، والثاني وبه قلنا ومالك: يصح الإطعام لا الصيام، ويصح النيابة في الحج وكلِّ نذر مالي عند الأربعة ندبًا في غير التركة، ووجوبًا في التركة مع =","vol":"10","page":595},{"text":"٣٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قال: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتِ الْبَحْرَ، فَنَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا (١) الله أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَنَجَّاهَا الله فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ، فَجَاءَتِ ابْنَتُهَا (٢) أَوْ أُخْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا. [ن ٣٨١٦، حم ١/ ٣٣٨، خزيمة ٢٠٥٤]\n٣٣٠١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ قَالَ: نَا عَبْدُ الله بْنُ عَطَاءٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ\n===\nالوجوب؛ لأن النذر إما أن يكون عبادة بدنية، أو يكون عبادة مالية، فإن كان النذر بالعبادة البدنية لا يجوز قضاء الورثة عنها للنهي عنه، فإن النسائي أخرج في \"سننه الكبرى\" (٣) عن ابن عباس: \"لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد\"، وعن ابن عمر نحوه. وإذا كانت مالية ولم يُوْصِ، فكذلك لا يجب على الورثة وفاؤه، وأما إذا أوصى الميت بوفاء نذره، فيجب على الورثة وفاؤه من ثُلُث ماله.\n٣٣٠٠ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نَجَّاها الله أن تصوم شهرًا، فنجاها فلم تصم) أي صوم النذر (حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله - ﷺ - فأمرها أن تصوم عنها) وقد مر البحث فيه في الصيام.\n٣٣٠١ - (حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير قال: نا عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة: أن امرأة\n_________\n= الخلاف في الثلث والوصية، وعلى هذا التقرير كله ينزل حديث أم سعد هذا، ويحتمل أن يكون نذرًا مبهمًا فكفارته كفارة يمين. \"الأوجز\" (٩/ ٥٢٢). (ش).\n(١) في نسخة: \"إن الله نجاها\".\n(٢) في نسخة: \"بنتها\".\n(٣) \"السنن الكبرى\" للنسائي (٢٩١٨).","vol":"10","page":596},{"text":"النَّبِيَّ (١) - ﷺ - فَقَالَتْ: كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّى بِوَلِيدَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ. قَالَ: «قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ في الْمِيرَاثِ». قَالَتْ: وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرٍو. [م ١١٤٩، ت ٦٦٧، جه ١٧٥٩ - ٢٣٩٤، حم ٥/ ٣٥١]\n\n(٢٢) (٢) بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِن وَفَاءِ النَّذْرِ\n===\nأتت النبي - ﷺ - فقالت: كنت تصدقتُ على أمي بوليدة) أي أمة (وإنها) أي الأم (ماتت، وتركت تلك الوليدة) ميراثًا.\n(قال: قد وجب) أي ثبت (أجرُكِ) في تصدقكِ على أمكِ (ورجعت) الوليدة (إليكِ في الميراث، قالت: وإنها ماتت وعليها صوم شهر، فذكر) أي أحمد بن يونس (نحو حديثِ عمرو) بن عون المتقدمِ بأن رسول الله - ﷺ - أمرها بأن تقضي صوم أمها، وهذا الحديث قد مر في \"باب ما جاء في الرجل يهب الهبة، ثم يوصى له أو يرثها\"، فهو بسنده ومتنه مكرر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1278>(٢٢) (بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ وَفَاءِ النَّذْرِ)</span>\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّه).\n٣٣٠٢ - حدثنا مسدد، نا يحيى قال: سمعت الأعمش، ح وحدثنا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، عن الأعمش، المعنى، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: إنه كان على أمها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: \"لو كان على أمكِ دين أكنت قاضيته؟ \"، قالت: نعم، قال: \"فدين الله أحق أن يُقْضى\". [خ ١٩٥٣، م ١١٤٨، ت ٧١٦، ن ٢٩١٤، جه ١٧٥٨]. [قال المزي في \"التحفة\" (٥٦١٢): حديث مسدد في رواية ابن العبد، ولم يذكره أبو القاسم].\n٣٣٠٣ - حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - قال: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\". [خ ١٩٥٢، م ١١٤٧، ن ٢٩١٩]. [حديث أحمد بن صالح تقدَّم في \"الصوم\" مع هذه الترجمة، ونبَّه في حاشية \"الأطراف\" (١٦٣٨٢) بخطه - ﵀ - أنه في الأيمان والنذور، في رواية ابن العبد].\n(٣) قلت: وتقدم أيضًا في: باب من تصدق بصدقة ورثها. (ش).","vol":"10","page":597},{"text":"٣٣٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: \"أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ. قَالَ: «أَوْفِى بِنَذْرِكِ»، قَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانٍ كَذَا وَكَذَا مَكَانٌ\n===\n٣٣٠٤ - (حدثنا مسدد، قال: نا الحارث بن عبيد أبو قدامة، عن عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن امرأة) لم أقف على تسميتها (أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أضرب على رأسك) وفي رواية الترمذي (١): بين يديك (بالدف) بضم الدال المهملة وتشديد الفاء، وهو أشهر وأفصح، وروي بالفتح أيضًا. (قال: أوفي بنذركِ).\nقال الخطابي (٢): ضرب الدف ليس مما يُعَدُّ في باب الطاعات التي يتعلق بها النذور، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة من بعض غزواته، وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين، صار فعلُه كفعل القرب التي هي من نوافل الطاعات، ولهذا أبيح صوت الدف، واستحب في النكاح لما فيه من الإشاعة (٣) بذكره والخروج به عن معنى السفاح الذي هو إسرار به عن الناس، والله أعلم.\nومما يشبه (٤) هذا المعنى في قول النبي - ﷺ - لحسّان حين استنشده وقال له: \"كأنما ينضح به وجوه القوم النبل\"، وكذلك استنشاده عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وغيرهما.\n(قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان) أي أشارت إلى\n_________\n(١) لكنها برواية بريدة. [انظر: \"سنن الترمذي\"، رقم (٣٦٩٠)]. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٦٠).\n(٣) في الأصل: \"الإنشاء\"، والتصويب من \"المعالم\".\n(٤) وفي الأصل: \"منه يشير\"، بدل: \"مما يشبه\"، والتصويب من \"المعالم\".","vol":"10","page":598},{"text":"كَانَ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ - قَالَ: «لِصَنَمٍ؟»، قَالَتْ: لَا، قَالَ: «لِوَثَنٍ؟»، قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكِ». [ق ١٠/ ٧٧]\n٣٣٠٥ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ قال: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قال: حدثني يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النبيِّ (١) -ﷺ - أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ،\n===\nمكان (كان يذبح فيه أهل الجاهلية، قال) رسول الله - ﷺ -: (لصنم؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي نذرتِ أن تذبحي لصنم؟ (قالت. لا) أي لم أنذر الذبح لصنم (قال) رسول الله - ﷺ -: (لوثن؟ قالت: لا).\nقال في \"المجمع\" (٢): الوثن: هو كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي، والصنم: الصورة بلا جثة، وقيل: هما سواء، وقد يُطْلَقُ الوثن على غير الصورة (٣). (قال: أوفي بنذركِ).\n٣٣٠٥ - (حدثنا داود بن رشيد قال: نا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو قلابة قال: حدثني ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل) لعله كردم (٤) بن سفيان بن أبان، أو كردم بن قيس بن أبي السائب (على عهد النبي - ﷺ - أن ينحر إبلًا ببوانة). قال في \"الدرجات\" (٥): بضم موحدة وواو فنون، كغرابة، وُيفْتَح: مصبة من وراء ينبع، انتهى. وقال في \"معجم البلدان\" (٦): بالضم، وتخفيف الواو: هضبة من وراء ينبع قريب من ساحل البحر.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٦).\n(٣) وهذا يخالف ما سيأتي عن هشام. (ش).\n(٤) صححه الحافظ في \"التلخيص\" (٤/ ١٨٠)، وقال: لعل الرجل كردم. (ش).\n(٥) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٣٤).\n(٦) \"معجم البلدان\" (١/ ٥٠٥).","vol":"10","page":599},{"text":"فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ -: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ النبيُّ (١) -ﷺ -: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (٢). [ق ١٠/ ٨٣]\n===\n(فأتى النبي - ﷺ - فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال النبي - ﷺ -: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعْبَدُ؟ قالوا) أي الصحابة: (لا) أي لم يكن فيها وثن من أوثان الجاهلية (قال) رسول الله - ﷺ -: (هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال النبي - ﷺ -: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم).\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة:\n٣٣٠٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مِقْسَمٍ الثَّقَفِىُّ، مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي سَارَّةُ بِنْتُ مِقْسَمٍ الثَّقَفِىُّ أَنَّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ قَالَتْ: \"خَرَجْتُ مَعَ أَبِى في حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ -، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ -، وَسَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ: رَسُولُ اللهِ -ﷺ -، فَجَعَلْتُ أُبِدُّهُ بَصَرِي، فَدَنَا إِلَيْهِ أَبِى وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ مَعَهُ دِرَّةٌ كَدِرَّةِ الْكُتَّابِ، فَسَمِعْتُ الأَعْرَابَ وَالنَّاسَ يَقُولُونَ: الطَّبْطَبِيَّةَ الطَّبْطَبِيَّةَ، فَدَنَا إِلَيْهِ أَبِي فَأَخَذَ بِقَدَمِهِ - قَالَتْ: فَأَقَرَّ لَهُ وَوَقَفَ فَاسْتَمَعَ مِنْهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ ذَكَرٌ أَنْ أَنْحَرَ عَلَى رَأْسِ بُوَانَةَ في عَقَبَةٍ مِنَ الثَّنَايَا عِدَّةً مِنَ الْغَنَمِ - قَالَ: لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهَا قَالَتْ خَمْسِين -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: «هَلْ بِهَا مِنَ الأَوْثَانِ شَىْءٌ؟»، قَالَ: لَا. قَالَ: «فَأَوْفِ بِمَا نَذَرْتَ بِهِ لِلَّهِ». قَالَتْ: فَجَمَعَهَا فَجَعَلَ يَذْبَحُهَا، فَانْفَلَتَتْ مِنْهَا شَاةٌ، فَطَلَبَهَا وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمَّ أَوْفِ عَنِّي نَذْرِى فَظَفِرَهَا فَذَبَحَهَا\". [جه ٢١٣١، حم ٦/ ٣٦٦]. [قلت: تقدَّم طرف من الحديث في النكاح (٢١٠٣)، وعزاه المزي (١٨٠٩١) إليه ولم يذكر هذا الموضع].\n٣٣٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَمِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهَا نَحْوَهُ مُخْتَصَرٌ شَىْءٌ مِنْهُ، قَالَ: «هَلْ بِهَا وَثَنٌ أَوْ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ؟»، قَالَ: لَا. قُلْتُ: إِنَّ امرأتي هَذِهِ عَلَيْهَا نَذْرٌ وَمَشْىٌ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا، وَرُبَّمَا قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: أَنَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». [حم ٣/ ٤١٩، ٤/ ٦٤، ٥/ ٣٧٦].","vol":"10","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1279>(٢٣) بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ</span>\n٣٣٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ، قَالَ: فَأُسِرَ فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ -، وَهُوَ في وَثَاقٍ، وَالنَّبِىُّ -ﷺ - عَلَى حِمَارٍ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عَلَامَ تَأْخُذُنِي وَتَأْخُذُ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ (١) قَالَ: «نَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفٍ»، قَالَ: وَكَانَ ثَقِيفٌ\n===\n\n(٢٣) (بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ)\n٣٣٠٨ - (حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى قالا: نا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: كانت العضباء) وهي اسم لناقة رسول الله - ﷺ -، قيل: ولم تكن مقطوعة الأذن ولكنها كانت صغيرتهما فسميت بذلك (لرجل من بني عقيل) لم أقف على تسميته (وكانت) العضباء (من سوابق) نوق (الحاج، قال) عمران: (فَأُسِرَ) الرجل العقيلي مع العضباء (فأتي) بصيغة المجهول، ونائب الفاعل ضميره إلى الرجل (النبيَّ - ﷺ -) وهذا مفعوله، ويحتمل أن يكون لفظ \"أتى\" بصيغة المعلوم، ولفظ النبي - ﷺ - فاعله، ويحتمل أن يكون أتي بصيغة المجهول، والنبي - ﷺ - فاعله (٢) ولفظ به مقدر، أي فأتي به النبيُّ - ﷺ -.\n(وهو) أي العقيلي (في وثاق) أي مشدّد في وثاق (والنبي - ﷺ - على حمار) أي راكب (عليه) أي على الحمار (قطيفة، فقال) الرجل العقيلي: (يا محمد! علام تأخذني وتأخذ سابقة الحاج؟) أي العضباء (قال) رسول الله - ﷺ -: (نأخذك بجريرة) أي بجناية وجرم (حلفائِك ثقيفٍ، قال) عمران بن حصين: (وكان ثقيف\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"زاد ابن عيسى: فقال رسول الله - ﷺ - إعظامًا لذاك، ثم اتفقا\".\n(٢) الظاهر بدله: نائب فاعله. (ش).","vol":"10","page":601},{"text":"قَدْ أَسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ -.\nقَالَ: وَقَدْ قَالَ فِيمَا قَالَ: وَأَنَا مُسْلِمٌ، أَوْ قَالَ: وَقَدْ أَسْلَمْتُ، فَلَمَّا مَضَى (١)، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: فَهِمْتُ هَذَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى: \"نَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ - رَحِيمًا رَفِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ. قَالَ: «لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ».\n===\nقد أسروا رجلين من أصحاب النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميتهما، فأسر أصحاب رسول الله - ﷺ - رجلًا من بني عقيل من حلفاء ثقيفٍ ليفادى برجلين من أصحابه، وكانا، أي ثقيف وبنو عقيل من أهل الحرب.\n(قال) أي عمران بن حصين: (وقد قال) أي الرجل العقيلي (فيما) أي في الكلام الذي (قال: وأنا مسلم، أو) للشك من الراوي (قال) أي العقيلي: (وقد أسلمت، فلما مضى) رسول الله - ﷺ - (قال أبو داود: فهمت هذا) أي من قوله: فلما مضى (من محمد بن عيسى) أي لم أفهم هذا الكلام من سليمان بن حرب، ولكن فهمت من محمد بن عيسى (ناداه) أي نادى العقيلي رسولَ الله - ﷺ - (يا محمد! يا محمد).\n(قال) أي عمران بن حصين: (وكان النبي - ﷺ - رحيمًا) كما قال الله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) (رفيقًا) بالفاء من الرفق، هكذا في نسخ أبي داود، وفي رواية مسلم: \"رقيقًا\" من الرقة وهو اللين (فرجع إليه فقال: ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال) رسول الله - ﷺ -: (لو قلتَها) أي هذه الكلمة (وأنت) أي والحال أنت (تملك أمرك) والمراد قبل الأسر (أفلحتَ كل الفلاح)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"النبي - ﷺ -، قال ابن عيسى: ثم ناداه\".\n(٢) سورة التوبة: الآية ١٢٨.\n(٣) سورة الأنبياء: الآية ١٠٧.","vol":"10","page":602},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّى جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، إِنِّى ظَمْآنٌ فَاسْقِنِي، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «هَذِهِ حَاجَتُكَ»، أَوْ قَالَ: «هَذِهِ حَاجَتُهُ». قَالَ: فَفُودِيَ الرَّجُلُ بَعْدُ بِالرَّجُلَيْنِ، قَالَ: وَحَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَضْبَاءَ لِرَحْلِهِ، قَالَ: فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَذَهَبُوا (١) بِالْعَضْبَاءِ،\n===\nأي الفلاح التام بأن تكون حرًّا مسلمًا، فإنه إذا أسلم بعده كان عبدًا، هكذا نقل عن \"فتح الودود\".\nوقال النووي (٢): معناه: لو قلت كلمة الإِسلام قبل الأسر حين كنتَ مالكَ أمرك أفلحتَ كل الفلاح؛ لأنه لا يجوز أسرُك (٣) فكنت فزت بالإِسلام وبالسلامة من الأسر ومن اغتنام مالك، وأما إذا أسلمت بعد الأسر فيسقط الخيار في قتلك، ويبقى الاختيار بين الاسترقاق والمن والفداء.\nوإلى ههنا تم ما فهمه من محمد بن عيسى، ثم يقول أبو داود:\n(قال أبو داود: ثم رجعت إلى حديث سليمان، قال) العقيلي: (يا محمد، إني جائع فأطعمني، إني ظمآن فاسقني، قال) عمران بن حصين: (فقال النبي - ﷺ -: هذه حاجتك، أو قال: هذه حاجته) أي فاقضوها (قال: ففودي الرجل) العقيلي (بعدُ بالرجلين) المسلمين الذين كانا في أسر ثقيف.\n(قال) عمران: (وحبس رسول الله - ﷺ - العضباءَ لرحله) أي لركوبه (قال) أي عمران: (فأغار المشركون على سرح المدينة) أي سرح أهل المدينة، وهي الإبل السائمة خارجها (فذهبوا) أي المشركون (بالعضباء،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فيما ذهبوا\".\n(٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٦/ ١١٢).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"شرح النووي\": لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت ... إلخ.","vol":"10","page":603},{"text":"فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهَا، وَأَسَرُوا امْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَكَانُوا إِذَا كَانَ اللَّيْلُ يُرِيحُونَ إِبِلَهُمْ فِى أَفْنِيَتِهِمْ، قَالَ: فَنُوِّمُوا لَيْلَةً، وَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَجَعَلَتْ لَا تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَعِيرٍ إلَّا رَغَا، حَتَّى أَتَتْ عَلَى الْعَضْبَاءِ، قَالَ: فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ (١)، قَالَ: فَرَكِبَتْهَا، ثُمَّ جَعَلَتْ لِلَّهِ عَلَيْهَا إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ لَتَنْحَرَنَّهَا، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ عُرِفَتِ النَّاقَةُ نَاقَةُ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأُخْبِرَ النَّبىُّ -ﷺ- بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجِئَ بِهَا وَأُخْبِرَ بِنَذْرِهَا، فَقَالَ: «بِئْسَ مَا جَزَتهَا» أَوْ «جَزَيتهَا إِنِ اللَّه أَنْجَاهَا عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا،\n===\nفلما ذهبوا بها، وأسروا امرأة من المسلمين) وهي امرأة أبي ذر (قال) عمران: (فكانوا إذا كان الليل يريحون) أي ينيخون (إبلهم في أفنيتهم) من خوف إغارة المسلمين.\n(قال) عمران: (فنوموا) بصيغة المجهول من التفعيل أي ألقي عليهم النوم (ليلة وقامت المرأة) وأرادت أن تهرب على إبل منها (فجعلت لا تضع يدها على بعير) لتركبه (إلَّا رغا) أي صات، فتتركها لخوف أن ينتبه أحد من المشركين (حتى أتت على العضباء، قال) عمران: (فأتت على ناقة ذلول) أي مطيعة مُذَلَّلَة (مجرسة) أي مجربة في الركوب والسير (قال) عمران: (فركبتها). ولفظ مسلم: فقعدت في عجزها، ثم زجرتها فانطلقت (ثم جعلت لله عليها) نذرًا (إن نجاها الله) من أيدي المشركين (لتنحرنها). وفي لفظ مسلم: \"ونذروا بهما وطلبوها فأعجزتهم\".\n(قال) عمران: (فلما قدمت المدينة عُرِفَت الناقةُ ناقةُ النبي - ﷺ -، فأُخْبِرَ النبي - ﷺ - بذلك) أي بقدومها المدينة على ناقة النبي - ﷺ - (فأرسل) النبي - ﷺ - (إليها فجيء بها) أي بالمرأة (وأخبِرَ) أي النبي - ﷺ - (بنذرها، فقال: بئس ما جَزَتْها أو) شك من الراوي (جزيتِها إن) حرف الشرط (الله أنجاها عليها) أي أنجاها الله (لتنحرنها)\n_________\n(١) زاد في نسخة: قال ابن عيسى: \"فلم ترغ، ثم اتفقا\".","vol":"10","page":604},{"text":"لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدمَ\". [م ١٦٤١، ت ١٥٢٧، ن ٣٨١٢، جه ٢١٢٤، حم ٤/ ٤٣٠، دي ٢٣٣٧]\n===\nيعني أن الناقة لما صارت سببًا لنجاتها، فجزاؤها بنحرها جزاء الحسنة بالإساءة (لا وفاء لنذر في معصية الله) وكان هذا النذر في معصية الله؛ لأن جزاءها بالنحر كانت معصية، لأنها نذرت التصرف في غير ملكها (ولا فيما لا يملك ابن آدم)، وهذه الناقة (١) لم تكن في ملكها فصار النذر فيما لا تملكها.\nقال النووي (٢): واستشكل المازري وقال: كيف يُرَدّ المسلم إلى دار الكفر؟ وأجاب عنه النووي: ليس في هذا الحديث أنه حين أسلم وفادى به رجع إلى دار الكفر، ولو ثبت رجوعه إلى دارهم -وهو قادر على إظهار دينه لقوة شوكة عشيرته أو نحو ذلك لم يحرم- فلا إشكال.\nقلت: وظاهر الحديث يدل على أنه - ﷺ - لم يقبل إسلامَه، وعلم بالوحي أن قوله هذا ليس من صميم قلبه، بل هو للنجاة من الأسر، أما لو وقع مثل هذا الأمر بعد رسول الله - ﷺ - فأسلم أحد لا يجوز إرجاعه إلى دار الكفر؛ لأنه زمان انقطاع الوحي، فلا يُعْمَلُ إلَّا على ظاهر الحال.\nوقال النووي (٣): وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه: أن الكفار إذا غنموا مالًا للمسلم لا يملكونه، وقال أبو حنيفة وآخرون: يملكونه إذا حازوه إلى دار الحرب.\nوالجواب عنه عن الحنفية أنه لا خلاف في أن الكفار إذا دخلوا دار\n_________\n(١) هذا عند الشافعي، ولذا استدل به على مسألة أصولية خلافية من أن الكافر إذا استولى على مال المسلم هل يملكه؟ والجمهور على خلافه كما تقدم. (ش).\n(٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٦/ ١١٢).\n(٣) المصدر السابق (٦/ ١١٣).","vol":"10","page":605},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْمَرأَةُ هَذهِ (١) امْرأَةُ أَبِي ذَرٍّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>(٢٤) بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ</span>\n٣٣٠٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَابْنُ السَّرْحِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قال: أَخْبَرَنِى يُونُسُ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ (٢)، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ،\n===\nالإِسلام، واستولوا على أموال المسلمين ولم يحرزوها بدارهم: أنهم لا يملكونها، حتى لو ظهر عليهم المسلمون وأخذوا ما في أيديهم لا يصير ملكًا لهم، وعليهم ردها إلى أهلها بغير شيء، وههنا في محل النزاع كذلك؛ لأن الحديث يدل على أنهم لم يحرزوها (٣) بدارهم، فإنهم كانوا في الطريق، وكانوا يريحون إبلهم في أفنيتهم خائفين من المسلمين، فلم يثبت إحرازهم، فلهذا لم يملكوها.\n(قال أبو داود: والمرأة هذه امرأة أبي ذر).\n\n(٢٤) (بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ) كله\n٣٣٠٩ - (حدثنا سليمان بن داود وابن السرح قالا: نا ابن وهب قال: أخبرني يونس قال: قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن كعب، وكان قائدَ كعب من بنيه) يعني لما عمي كعب، وكان عبد الله من بين بنيه يقوده إلى حيث شاء (عن كعب بن مالك،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"حين عمي\".\n(٣) وهذا بخلاف ما قاله الطحاوي أنها كانت في دار الحرب، وأجاب بأنها حينئذٍ كانت في دار الحرب، ونذرت فيه قبل الإحراز بدار الإِسلام، فلم يتحقق لها ملكه [انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٦٣)].","vol":"10","page":606},{"text":"قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ فَقُلْتُ: إِنِّى أُمْسِكُ سَهْمِىَ الَّذِى بِخَيْبَرَ. [خ ٢٧٥٧، م ٢٧٦٩]\n٣٣١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِى الزُّهْرِىُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ فِى قِصَّتِهِ\n===\nقلت: يا رسول الله! إن من توبتي) أي من كمالها (أن أَنْخَلِعَ من مالي) كله (١) (صدقة إلى الله وإلى رسوله) متعلق بقوله: \"أنخلع\"، ويمكن أن يتعلق بتوبتي، كما تقتضيه الرواية الآتية، أي أخرج إلى الله ورسوله صدقة للفقراء وأهل القربى.\n(قال رسول الله - ﷺ -: أمسك عليك بعضَ مالك، فهو خير لك) وإنما أمره بإمساك بعض ماله، ولم يأمر أبا بكر - ﵁ - لما تصدق بماله كله لأجل الفرق بين مرتبة أبي بكر ومرتبة كعب بن مالك.\n(قال) كعب: (فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر)، وهذا الحديث لا يناسب الباب بظاهره، فإن كعبًا لم يكن له نذر بالتصدق بجميع المال، ولكن المناسبة بالباب أن يقال: إن الرجل إذا نذر أن يتصدق بجميع ماله، فالمناسب له أن يمسك بعضَ ماله؛ لينفق على نفسه وعياله، ثم إذا وجد مالًا يتصدق بما أمسكه.\n٣٣١٠ - (حدثنا محمد بن يحيى قال: نا الحسن بن الربيع قال: حدثنا ابن إدريس قال: قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه) عبد الله، (عن جده) كعب (في قصته) أي قصة\n_________\n(١) استدل بذلك الموفق: من نذر التصدق بجميع ماله أجزأه التصدق بالثلث، وبه قال مالك، وقال الشافعي: يلزمه الكل في التبرر دون اللجاج، وقال الحنفية: يلزمه تصدق المال الزكوي كله. [راجع: \"المغني\" (١٣/ ٦٢٩)]. (ش).","vol":"10","page":607},{"text":"قَالَ: \"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى إِلَى اللَّهِ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَدَقَةً. قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَنِصْفَهُ. قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَثُلُثَهُ. قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَإِنِّى سَأُمْسِكُ سَهْمِى مِنْ خَيْبَرَ\" (١). [ق ٤/ ١٨١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1281>(٢٥) بَابُ نَذْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإسْلَام</span>\n===\nتَخَلُّفِهِ (قال) كعب: (قلت: يا رسول الله! إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله وإلى رسوله صدقة، قال) رسول الله - ﷺ -: (لا) أي لا تخرج من مالك كله (قلت: فنصفه، قال: لا) أي لا تخرج من نصفه (قلت: فثلثه، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (نعم. قلت: فإني سأمسك سهمي من خيبر).\n\n(٢٥) (بَابُ نَذْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَدْرَكَ الأسْلامَ)\nيعني إذا نذر رجل في الجاهلية نذر طاعة، ثم أسلم، فهل يلزم عليه وفاؤه؟\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٣٣١١ - حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال لرسول الله - ﷺ - حين تيب عليه: إني أنخلع من مالي، فذكر نحوه إلى: خيرٌ لك.\n٣٣١٢ - حدثني عبيد الله بن عمر، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي - ﷺ -، أو أبو لبابة، أو من شاء الله: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فبها الذنب، وأن أنخلع من مالي صدقة، قال: \"يجزئ عنك الثلث\".\n٣٣١٣ - حدثنا محمد بن المتوكل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، أخبرني ابن كعب بن مالك قال: كان أبو لبابة، فذكر معناه، والقصة لأبي لبابة.\nقال أبو داود: رواه يونس، عن ابن شهاب، عن بعض بني السائب بن أبي لبابة، ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن حسين بن السائب بن أبي لبابة مثله.\n[ذكر المزي في \"الأطراف\" حديث أحمد بن صالح، رقم (١١١٣٥) وحديث عبيد الله بن عمر مرتين، رقم (١١١٣٥ - ١٢١٤٩)، وحديث محمد بن المتوكل، رقم (١٢١٤٩)، وجعل الأحاديث الثلاثة من رواية ابن العبد].","vol":"10","page":608},{"text":"٣٣١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنِى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى نَذَرْتُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْلَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ». [خ ٦٦٩٧، م ١٦٥٦، ت ١٥٣٩، ن ٣٨٢٠، جه ١٧٧٢، ٢١٢٩، حم ١/ ٣٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1282>(٢٦) بَابُ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ</span>\n٣٣١٥ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الأَزْدِيُّ قَالَ: نَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِي\n===\n٣٣١٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر) - ﵁ - (أنه قال: يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية) (١) أي قبل الإِسلام (أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة) وفي بعض الروايات: \"يومًا\" (فقال له النبي - ﷺ -: أَوْف بنذرك) وقد تقدم الحديث في \"باب الاعتكاف\".\n\n(٢٦) (بَابُ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لم يُسَمِّه)\n٣٣١٥ - (حدثنا هارون بن عباد الأزدي قال: نا أبو بكر- يعني\n_________\n(١) وفي \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٤١): اعترض عليه بأن من شرط الناذر الإِسلام، وأجيب بأنه يحتمل أنه لم يكن شرطًا إذ ذاك، أو المعنى: أوف بمثل نذرك، انتهى. وأوله جماعة بالندب في الإيفاء، كما قاله العيني (١٥/ ٧٤٢)، وعند الحنابلة يصح نذر الكافر كما قال في \"تنقيح المقنع\"، ولفظه في القسطلاني (٤/ ٢٨٦)، وقال ابن رسلان في الصوم: الصحيح من مذهب الشافعي لا يصح نذر الكافر، واختلفوا في الجواب، فقال ابن العربي في \"القبس\" (٢/ ٦٥٩): لما أسلم وأراد أن يكون مثله في الإِسلام ونواه وإن لم يتلفظ به، وفيه نظر؛ فإن عمر - ﵁ - أخبر بمجرد نذره في الجاهلية، وليس فيه ما يدل على نيته في الإِسلام، وأوله ابن دقيق العيد بأنه أمر أن يأتي باعتكاف يشبه نذره، فأطلق عليه النذر تشبيهًا، انتهى. (ش).","vol":"10","page":609},{"text":"ابْنَ عَيَّاشٍ -، عَنْ مُحَمَّدٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنِى كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» (١). [م ١٦٤٥، ن ٣٨٣٢، ت ١٥٢٨، حم ٤/ ١٤٤]\n٣٣١٦ - حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ، قال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى - يعني ابْنُ أَيُّوبَ - قال: حَدَّثَنِى كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِمَاسَةَ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ. [حم ٤/ ١٤٦، ق ١٠/ ٦٧، وانظر سابقه]\n===\nابن عياش-، عن محمد مولى المغيرة قال: حدثني كعب بن علقمة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: كفارة النذر كفارة اليمين) يعني إذا قال: لله علي نذر، ولم يسمه، فكفارته كفارة يمين، وفي لفظ الترمذي تصريح بهذا، ففيه كفارة النذر إذا لم يسم، وهذا محمول عند الشوافع على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلًا: إن كلمت زيدًا فلِلَّه عليَّ حجة أو غيرها، وحمله أحمد وبعض أصحاب الشافعي على نذر المعصية، وحمله مالك على النذر المطلق، وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة اليمين.\n٣٣١٦ - (حدثنا محمد بن عوف، أن سعيد بن الحكم حدثهم، قال: أخبرنا يحيى - يعني ابن أيوب - قال: حدثني كعب بن علقمة، أنه سمع ابن شماسة) عبد الرحمن بن شماسة المهري، (عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ - مثلَه) أي مثل الحديث المتقدم.\n_________\n(١) زاد في نسخهَ: \"قال أبو داود: رواه عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن ابن شماسة، عن عقبة\" (أخرجه النسائي برقم ٣٨٣٢).\n(٢) زاد في نسخة: \"أبو الوليد\".","vol":"10","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1283>(٢٧) بَابُ لَغْوِ الْيَمِينِ</span>\n٣٣١٧ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قال: حَدَّثَنَا حَسَّانُ - يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ - قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى الصَّائِغَ -، عَنْ عَطَاءٍ فِى اللَّغْوِ فِى الْيَمِينِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِى بَيْتِهِ: كَلَّا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ». [خ ٦٦٦٣، ق ١٠/ ٤٨]\n===\n\n(٢٧) (بَابُ لَغْوِ الْيَمِينِ)\n٣٣١٧ - (حدثنا حميد بن مسعدة قال: نا حسان - يعني ابن إبراهيم - قال: حدثنا إبراهيم -يعني الصائغ-، عن عطاء في اللغو في اليمين قال) عطاء: (قالت عائشة: إن رسول الله - ﷺ - قال: هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله) يعني الذي وقع في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) ما المراد به؟ فروي عن عائشة - ﵂ - أن المراد باللغو في اليمين هو ما يقع في كلام الرجل: \"لا والله\"، \"بلى والله\".\nقال في \"البدائع\" (٢): وأما يمين اللغو فقد اختُلِفَ في تفسيرها، قال أصحابنا: هي اليمين الكاذبة خطأً أو غلطًا في الماضي، أو في الحال على الظن أن المخبَرَ به كما أخبر، وهو بخلافه في النفي أو في الإثبات، نحو قوله: والله ما كلمت زيدًا، وفي ظنه أنه لم يكلمه، ثم تبين بخلافه.\nوقال الشافعي: يمين اللغو هي اليمين التي لا يقصدها الحالف، وهو ما يجري على ألسن الناس في كلامهم من غير قصد اليمين، من قولهم: لا والله، بلى والله، سواء كان في الماضي أو الحال أو المستقبل.\nوأما عندنا فلا لغو في المستقبل، بل اليمين على أمر في المستقبل يمين\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٥.\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٧).","vol":"10","page":611},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمعقودة، وفيه الكفارة إذا حنث، قصد اليمين أو لم يقصُد، وإنما اللغو في الماضي والحال فقط.\nوما ذكر محمد عن أبي حنيفة - ﵀ - أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم: لا والله، بلى والله، فذاك محمول عندنا على الماضي أو الحال، وعنده ذلك لغو فيرجع.\nحاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في يمين لا يقصدها الحالف في المستقبل، عندنا ليس بلغو، وفيها الكفارة، وعنده لغو، لا كفارة فيها.\nوقال بعضهم: يمين اللغو: هي اليمين على المعاصي، نحو أن يقول: والله لا أصلي، أو لا أصوم.\nوجه قول الشافعي: ما روي عن عائشة - ﵂ - موقوفًا: أنها سئلت عن يمين اللغو فقالت: هي أن يقول الرجل في كلامه: لا والله، بلى والله. ومرفوعًا: عن عطاء أنه سئل عن يمين اللغو، فقال: قالت عائشة - ﵂ -: إن رسول الله - ﷺ - قال: هو كلام الرجل في بيته (١). فثبت موقوفًا ومرفوعًا أن تفسير يمين اللغو ما قلنا من غير فصل بين الماضي والمستقبل، فكان لغوًا على كل حال إذا لم يقصده الحالف.\nولنا قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٢)، قابل يمين اللغو باليمين المعقودة، وفرق بينهما بالمؤاخذة ونفيها، فيجب أن تكون يمين اللغو غير اليمين المعقودة تحقيقًا للمقابلة، واليمين في المستقبل يمين معقودة سواء وجد القصد أو لا، ولأن اللغو في اللغة اسم للشيء الذي لا حقيقة له، قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ (٣)، أي باطلًا،\n_________\n(١) أي كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله.\n(٢) سورة المائدة: الآية ٨٩.\n(٣) سورة الواقعة: الآية ٢٥.","vol":"10","page":612},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ (١): إِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ (٢) قَتَلَهُ أَبُو مُسْلِمٍ بِفَرَنْدَسَ،\n===\nوذلك فيما قلنا، وهو الحلف بما لا حقيقة له، بل على ظن من الحالف أن الأمر كما حلف عليه، والحقيقة بخلافه، وكذا ما يجري على اللسان من غير قصد، لكن في الماضي أو الحال، فهو مما لا حقيقة له فكان لغوًا، فلا حكم له، فلا يكون يمينًا معقودة لأن لها حكمًا.\nألا ترى أن المؤاخذة فيها ثابتة، وفيها الكفارة بالنص، فدل على أن المراد باللغو ما قلنا، وهكذا روي عن ابن عباس - ﵄- في تفسير يمين اللغو: هي أن يحلف الرجل على اليمين الكاذبة، وهو يرى أنه صادق، وتبين أن المراد من قولِ عائشة - ﵂ - وقولِ رسول الله - ﷺ -: أن يمين اللغو ما يجري في كلام الناس: \"لا والله، بلى والله\" في الماضي، لا في المستقبل، والدليل عليه أنها فسرتها بالماضي.\nوروي عن مطر، عن رجل قال: دخلت أنا وابن عمر - ﵄- على عائشة، فسألتها عن يمين اللغو فقالت: \"قول الرجل: فعلنا والله كذا، وصنعنا والله كذا\" (٣)، فتُحمَل تلك الرواية على هذا توفيقًا بين الروايتين، إذ المجمل محمول على المفسر، انتهى.\n(قال أبو داود: إبراهيم الصائغ قتله أبو مسلم بفرندس) (٤)، ولم أقف على\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وكان\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رجلًا صالحًا\".\n(٣) ويؤيده ما أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (١٠/ ٤٩) عن عطاء أنه قال: أتينا عائشةَ أنا وعبيد بن عمير، وفي آخره: فسألناها عن أشياء، وسألنا عن هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ فقلنا لها: ما اللغو؟ فقالت: هو أحاديث الناس: فعلنا والله، صنعنا والله.\n(٤) وفي نسخة \"عون المعبود\": عَرَنْدَس بالعين المهملة المفتوحة، ونقل عن أهل اللغة أن العرندس: الأسد العظيم، وأن النون والسين زائدتان. [انظر: \"عون المعبود\" (٩/ ١١٣)].","vol":"10","page":613},{"text":"قَالَ: وَكَانَ إِذَا رَفَعَ الْمِطْرَقَةَ فَسَمِعَ (١) النِّدَاءَ سَيَّبَهَا.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ دَاوُدُ بْنُ أَبِى الْفُرَاتِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ مَوْقُوفًا (٢) عَلَى عَائِشَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى سلمة (٣)\n===\nأن فرندس ما هو؟ بلدة أو جزيرة، ولعل وجه قتله أن إبراهيم كان من الأمَّارين بالمعروف، فلعله أمره فقتله، وكان أبو مسلم مبيرًا مثل حجاج بن يوسف.\n(قال) أبو داود: (وكان) إبراهيم الصائغ (إذا رفع المِطْرَقة) وهي آلة الحديد يُضْرَب بها الحديد ونحوه (فسمع النداء) أي أذان الصلاة (سَيَّبها) أي ترك ضرب المطرقة، وهذا مدح له بإقبالِهِ على الصلاة، وتركِ ما يكون مشغولًا فيه من العمل.\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث داودُ بنُ أبي الفرات) عمرو بن الفرات الكندي، أبو عمرو المروزي، قدم البصرة، قال ابن معين وأبو داود: ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر أبو الوليد الباجي في \"رجال البخاري\" عن ابن المبارك: أنه ثقة، وقال العجلي: ثقة، وقال الدارقطني: ليس به بأس.\n(عن إبراهيم الصائغ موقوفًا على عائشة، وكذلك رواه) أي الحديثَ (الزهري وعبد الملك بن أبي سلمة) (٤)، هكذا في النسخة المجتبائية والكانفورية والنسخة المكتوبة الأحمدية، وأما في النسختين المكتوبتين المدنيتين، ونسخة \"العون\" (٥)، وحاشية النسخة المجتبائية ففيها: عبد الملك بن أبي سليمان، وهو\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فيسمع\".\n(٢) في نسخة بدله: \"موقوف\".\n(٣) في نسخة: \"سليمان\".\n(٤) هكذا في \"نصب الراية\" (٣/ ٢٩٣). (ش).\n(٥) انظر: \"عون المعبود\" (٩/ ١١٤).","vol":"10","page":614},{"text":"وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، وَكُلُّهُمْ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>(٢٨) بَابٌ: فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى طَعَامٍ لَا يَأكلُهُ</span>\n٣٣١٨ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، أَوْ عَنْ أَبِى السَّلِيلِ عَنْهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ قَالَ: نَزَلَ بِنَا أَضْيَافٌ لَنَا (٢)،\n===\nالصواب؛ لأن عبد الملك بن أبي سلمة ليس أحدًا في \"تهذيب التهذيب\" وفي \"الخلاصة\" و\"التقريب\".\n(ومالك بن مغول، كلهم، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا).\nحاصل الكلام أن حسان بن إبراهيم رواه مرفوعًا، وروى داود بن أبي الفرات عن إبراهيم الصائغ موقوفًا على عائشة، ويقول: الوقف رواية الزهري، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومالك بن مغول، عن عطاء، عن عائشة، فترجح الوقفُ على الرفع.\n\n(٢٨) (بابٌ: فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى طَعَامٍ لا يأكله)\n٣٣١٨ - (حدثنا مؤمل بن هشام قال: حدثنا إسماعيل، عن الجريري، عن أبي عثمان، أو عن أبي السليل) ضريب (عنه) لعله شك من مؤمل بن هشام أو شيخه إسماعيل، وقد أخرجه البخاري (٣) في \"الأدب\" في: باب ما يكره من الجزع والغضب عند الضيف، ومسلم في: \"كتاب الأطعمة\"، بسند الجريري عن أبي عثمان، وكذا أبو داود، وذكر هذا السند في الحديث الآتي، ولم يذكروا واسطة أبي السليل.\n(عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: نزل بنا أضياف لنا)\n_________\n(١) في نسخة: \"موقوف\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٦١٤٠)، و\"صحيح مسلم\" (٢٠٥٧).","vol":"10","page":615},{"text":"وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَتَحَدَّثُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا أَرْجِعَنَّ إِلَيْكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ ضِيَافَةِ هَؤُلَاءِ وَمِنْ قِرَاهُمْ، فَأَتَاهُمْ بِقِرَاهُمْ، فَقَالُوا: لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى يَأْتِىَ أَبُو بَكْرٍ.\nفَجَاءَ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَضْيَافُكُمْ؟ أَفَرَغْتُمْ مِنْ قِرَاهُمْ؟ قَالُوا: لَا، قُلْتُ: قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ فَأَبَوْا، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى يَجِئَ، فَقَالُوا: صَدَقَ، قَدْ أَتَانَا بِهِ فَأَبَيْنَا حَتَّى تَجِئَ، قَالَ: فَمَا مَنَعَكُمْ قَالُوا: مَكَانُكَ، قَالَ: فوَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ! قَالَ: فَقَالُوا: وَنَحْنُ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ فِى الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ قَطُّ، قَالَ:\n===\nوهم ثلاثة رجال من أصحاب الصفة (وكان أبو بكر) - ﵁ - (يتحدث عند رسول الله - ﷺ - بالليل، فقال) أبو بكر لي: (لا أرجعن إليك حتى تفرغ من ضيافة هؤلاء) الأضياف (ومن قراهم) أي أفرغ من قرى الأضياف قبل مجيئي ولا تنتظرني (فأتاهم) أي عبد الرحمن (بقراهم) أي بضيافتهم (فقالوا) أي الأضياف: (لا نطعمه حتى يأتي أبو بكر، فجاء) أبو بكر - ﵁ - حين ذهب إلى الليل ما شاء الله (فقال: ما فعل أضيافكم؟) أي رجعوا بعد ما فرغوا من القرى أو لم يفرغوا (أفرغتم من قراهم؟ قالوا) أي أهل البيت (لا) أي لم نفرغ من قراهم.\n(قلت: قد أتيتهم بقراهم فأبوا) أي امتنعوا عن الأكل (قالوا: والله لا نطعمه حتى يجيء) أي أبو بكر (فقالوا) أي الأضياف: (صدق) عبد الرحمن (قد أتانا به) أي القرى (فأبينا حتى تجيء، قال) أي أبو بكر: (فما منعكم؟ قالوا: مكانك) أي احترامًا لمنزلتك.\n(قال) أبو بكر: (فوالله لا أطعمه) أي الطعام (الليلة، قال) عبد الرحمن: (فقالوا) أي الأضياف: (ونحن) والله (لا نطعمه حتى تطعمه، قال) أبو بكر: (ما رأيت في الشر كالليلة) أي كالشر في هذه الليلة (قط، قال) أبو بكر:","vol":"10","page":616},{"text":"قَرِّبُوا طَعَامَكُمْ، قَالَ: فَقُرِّبَ طَعَامُهُمْ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَطَعِمَ وَطَعِمُوا.\nفَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَصْبَحَ، فَغَدَا عَلَى النَّبِيِّ (١) -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِى صَنَعَ وَصَنَعُوا، قَالَ: «بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ». [خ ٦١٤١، م ٢٠٥٧]\n٣٣١٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قال: حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ وَعَبْدُ الأَعْلَى، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَهُ زَادَ عَنْ سَالِمٍ فِى حَدِيثِهِ قَالَ: \"وَلَمْ يَبْلُغْنِى كَفَّارَة\". [انظر سابقه]\n===\n(قربوا طعامكم، قال) عبد الرحمن: (فقرب) بصيغة المجهول (طعامهم) أي الأضياف (فقال) أبو بكر: (بسم الله فطعم) أبو بكر (وطعموا) أي الأضياف.\n(فأخبرت أنه) أي أبو بكر (أصبح، فغدا) بالطعام (على النبي - ﷺ -، فأخبره) أي رسول الله - ﷺ - (بالذي صنع) أي أبو بكر نفسه (وصنعوا) أي الأضياف من الحلف، وأنهم بروا وأنا حنثت، وأخبر بالبركة التي صارت في الطعام (قال) رسول الله - ﷺ -: (بل أنت أبرهم) لأنك حلفت على يمين، ثم رأيت غيرها خيرًا منها فحنثت، وهذا الحنث أحسن من البر (وأصدقهم).\n٣٣١٩ - (حدثنا ابن المثنى قال: نا سالم بن نوح وعبد الأعلى، عن الجريري، عن أبي عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بهذا الحديث نحوه. زاد) أي ابن المثنى (عن سالم في حديثه قال: ولم يبلغني كفارة) أي لم يبلغني أن أبا بكر - ﵁ - لما حنث في يمينه، وأخبر رسول الله - ﷺ - بحنثه، هل أوجب كفارة الحنث على أبي بكر، وهل أعطى أبو بكر كفارة يمينه أم لا؟ قلت: وعدم الذكر لا يستلزم عدمَه، فوجوب الكفارة واضح، نعم يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل مشروعية الكفارة في الأيمان.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\".","vol":"10","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1285>(٢٩) بَابُ الْيَمِينِ في قَطِيعَةِ الرَّحِمِ</span>\n٣٣٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قال: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ، فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِى عَنِ الْقِسْمَةِ، فَكُلُّ مَالي فِى رِتَاجِ الْكَعْبَةِ،\n===\n\n(٢٩) (بَابُ الْيَمِينِ في قَطِيعَةِ الرَّحِمِ)\nهذا تخصيص بعد تعميم؛ لأنه عقد قبل ذلك: \"باب النذر في المعصية، وقطيعة الرحم من المعصية\"\n٣٣٢٠ - (حدثنا محمد بن المنهال قال: نا يزيد بن زريع قال: نا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحِبَه القسمةَ) أي قسمة الميراث بينهما (فقال) الأخ الآخر: (إن عدت تسألني عن القسمة، فكل مالي في رتاج (١) الكعبة) والرتاج: الباب، والمراد نفس الكعبة؛ لأنه إنما أراد أن ماله هدي إلى الكعبة.\n_________\n(١) والنذر برتاج الكعبة صحيح عندنا كما في \"الموطأ\" [انظر: \"التعليق الممجد\" (٣/ ١٧٦)] للإمام محمد، لا عند مالك كما في \"المدونة\" (٣/ ١٧٨)، وهذا النوع من النذر اليمين نذرًا للجاج والغضب، ولأحمد فيه روايتان، أشهرهما وهو الصحيح من المذهب: أنه مخير بين إتيان المنذور والكفارة، والثانية: تعيين الكفارة، وللشافعية فيه خمسة أقوال مبسوطة في \"شرح المهذب\" (٨/ ٣٥٩)، أصحها التخيير، وعند مالك يصح النذر، ويأتي بالمنذور، وهو المشهور عن الحنفية، لكن الصحيح أن عند الحنفية تفصيلًا: إن كان الشرط مما يقصد وجوده، كإن شفى الله مريضي ... إلخ يأتي المنذور، وإن كان مما لا يطلب، كإن كلمت زيدًا، فهو مخيَّر بين النذر والكفارة. \"الأوجز\".\nوهذا التفصيل هو مذهب أحمد والشافعي في المرجح منهما إلا أنهما سميا: نذر ما يراد كونه بنذر المجازاة، وحكى نقلة المذاهب الإجماع على الوفاء به.\"الأوجز\" (٩/ ٥٥٦ - ٥٥٨). (ش).","vol":"10","page":618},{"text":"فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَكَلِّمْ أَخَاكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يَمِينَ عَلَيْكَ، وَلَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَلا فِى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَفِيمَا لَا تَمْلِكُ» (١). [ق ١٠/ ٦٦، ك ٤/ ٣٠]\n\n(٣٠) بَابُ (٢) الْحَالِفِ يَسْتَثْني بَعْدَ مَا يَتَكَلَّمُ\n===\n(فقال له عمر) - ﵁ -: (إن الكعبة غنية عن مالك، كفَّر عن يمينك، وكلِّم أخاك) بأن يعود في القسمة (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>(٣٠) (بَابُ الْحَالِفِ يَسْتَثْنِي بَعْدَ مَا يَتَكَلَّمُ)</span>\nقال ابن أمير الحاج في \"التقرير والتحبير على تحرير ابن الهمام\": يشترط في الاستثناء الاتصال بالمستثنى منه لفظًا عند جماهير العلماء إلَّا لتنفس، أو سُعال، أو أخذ فم ونحوه كعطاس وجشاء، وعن ابن عباس - ﵄- جواز الفصل بشهر وسنة مطلقًا، وحمل ما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- من جواز الفصل على ما إذا كان الاستثناء منويًا حال التكلم، فيكون متصلًا قصدًا، متأخرًا لفظًا، ويدين الناوي له فيما بينه وبين الله تعالى في صحة دعوى نية الاستثناء.\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٣٣٢١ - \"حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، أنا مغيرة بن عبد الرحمن، حدثني أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله، ولا يمين في قطيعة الرحم\" [جه ٢٠٤٧]. [قال المزي: حديث أحمد بن عبدة في رواية ابن العبد، ولم يذكره أبو القاسم، انظر: \"تحفة الأشراف\" (٨٧٣٦)].\n(٢) في نسخة: \"باب الاستثناء في اليمين بعد السكوت\".","vol":"10","page":619},{"text":"٣٣٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ - يعني بْنُ سَعِيدٍ - قال: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا»، ثُمَّ قَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ». [ق ١٠/ ٤٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.\n===\nقال الغزالي: نُقِلَ عن ابن عباس - ﵄- جواز تأخير الاستثناء، ولعله لا يصح النقل عنه؛ إذ لا يليق ذلك بمنصبه، وإن صحّ فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولًا، ثم أظهر نيته بعده، فيدين فيما بينه وبين الله تعالى فيما نواه.\nلنا: لو جاز تأخير الاستثناء لم يعين تعالى لبر أيوب ﵇ أخذَ الضغث، ولم يقل - ﷺ -: \"فليكفر\" مقتصرًا إذ لم يتعين مخلصًا، وأيضًا لم يجزم بطلاق وعتاق وكذب وصدق ولا عقد.\nودفع أبو حنيفة عتب المنصور في مخالفة جده ابن عباس - ﵄- في جواز الفصل بلزوم عدم لزوم عقد البيعة فقال: هذا يرجع عليك، أفترضى لمن يبايعك بالأيمان أن يخرج من عندك فيستثني، فاستحسنه، وقيل: إن الذي أغراه به محمد بن إسحاق صاحب \"المغازي\"، وأنه لما أجابه الإِمام بذلك قال: نِعْمَ مَا قلت، وغضب على ابن إسحاق، وأخرجه من عنده، انتهى.\n٣٣٢٢ - (حدثنا قتيبة -يعني ابن سعيد- قال: نا شريك، عن سماك، عن عكرمة، أن رسول الله - ﷺ - قال: لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، ثم قال: إن شاء الله) فرواه مرسلًا.\n(قال أبو داود: وقد أسند هذا الحديثَ غير واحد، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس) - ﵁ -.","vol":"10","page":620},{"text":"٣٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: «وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا»، ثُمَّ قَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ». ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا»، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ فِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ شَرِيكٍ: \"ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ\". [ق ١٠/ ٤٨]\n٣٣٢٤ - حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ\n===\n٣٣٢٣ - (حدثنا محمد بن العلاء قال: أخبرنا ابن بشر، عن مسعر، عن سماك، عن عكرمة يرفعه) فذكره مرسلًا (قال: والله لأغزون قريشًا، ثم قال: إن شاء الله، ثم قال: والله لأغزون قريشًا إن شاء الله تعالى، ثم قال: والله لأغزون قريشًا، ثم سكت، ثم قال: إن شاء الله).\nفروى هذا الحديث مسعر أيضًا مرسلًا.\n(قال أبو داود: زاد فيه الوليد بن مسلم، عن شريك: ثم لم يغزهم) وقوله: \"ثم لم يغزهم\" بظاهره غير صحيح؛ لأن رسول الله - ﷺ - غزا قريشًا في زمن فتح مكة، والظاهر أن قوله - ﷺ -: \"لأغزون قريشًا\" كان قبل فتح مكة، ولم يكن فيه للغزو وقت معين، فكيف يقال: إنهم لم يغزهم؟ وهذا الحديث ذكره الزيلعي في \"نصب الراية\" (١) مرسلًا ومسندًا، ورجح بعض المحدثين إرسالَه.\n٣٣٢٤ - (حدثنا المنذر بن الوليد) بن عبد الرحمن بن حبيب العبدي الجارودي، أبو العباس، ويقال: أبو الحسن البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال: نا عبد الله بن أبي بكر\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٣٠٣).","vol":"10","page":621},{"text":"قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِى قَطِيعَةِ رَحِمٍ (١)؛ وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَدَعْهَا، وَلْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَتُهَا». [ن ٣٧٩٢، حم ٢/ ٢١٢]\n===\nقال: حَدَّثَنَا عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليَدَعْها، وليأتِ الذي هو خير فإن تركها كفارتها) (٢).\nنقل في حاشية المكتوبة الأحمدية، عن مولانا محمد إسحاق: قوله: \"فإن تركها كفارتها\"، أي كفارة ارتكاب يمين على الشر، يعني إثم ارتكابها يرتفع عن تركها، أما لزوم كفارة الحنث فهو أمر آخر لازم عليه، انتهى.\nونقل عن \"فتح الودود\": قوله: \"فإن تركها كفارة\" ظاهره أنه لا حاجة إلى الكفارة، لكن المشهور بين العلماء الموجود في غالب الحديث هو الكفارة، فيمكن أن يقال: في الكلام طيٌّ، والتقدير: فليكفِّر، فإن تركها موجب كفارتها.\nهذا الحديث ليس في نسخة \"العون\" ولا في المصرية، ولكن موجود في المجتبائية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية والمكتوبتين المدنيتين، وكتب عن المنذري في حاشية إحدى النسختين: وأخرجه النسائي، وقد تقدم الكلام في\n_________\n(١) في نسخة: \"الرحم\".\n(٢) قال الحافظ في \"الفتح\": أشار أبو داود إلى ضعفه، فقال: الأحاديث كلها \"فليكفر عن يمينه إلا شيئًا لا يعبأ به\"، انتهى. ثم ذكر الحافظ الكلام عليه. [راجع: \"فتح الباري\" (١١/ ٦١٧)]. (ش).","vol":"10","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1287>(٣١) بابُ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ</span>\n٣٣٢٥ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِىُّ، عَنِ ابْنِ أَبِى فُدَيْكٍ قَالَ: حَدَّثَنِى طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى الأَنْصَارِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِى مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ» [جه ٢١٢٨،ق ١٠/ ٤٥،قط ٤/ ١٦٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ورَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ\n===\nالاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب، وذكر أبو بكر البيهقي أن حديث عمرو هذا لم يثبت، وأن حديث أبي هريرة: \"فليأت الذي هو خير فهو كفارة له\" لم يثبت.\n\n(٣١) (بَابُ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ)\n٣٣٢٥ - (حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي، عن ابن أبي فديك قال: حدثني طلحة بن يحيى الأنصاري، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن كريب، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: من نذر نذرًا) مطلقًا (لم يسمه) أي لم يعينه فقال: عليَّ نذر لو فعلت كذا، فإذا حنث (فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية) والحنث فيه لازم (فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا أطاقه فَلْيَفِ به) أي إذا كان في غير معصية.\n(قال أبو داود: وروى هذا الحديث وكيع وغيره، عن عبد الله بن","vol":"10","page":623},{"text":"سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْهِنْدِ أَوْقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.\n\nآخِرُ كِتَابِ الأَيْمَانِ وَالنُّذُور\n===\nسعيد بن أبي الهند أوقفوه على ابن عباس)، وأسنده طلحة بن يحيى الأنصاري فقط، فترجح وقفه على إسناده.\nقال الشوكاني (١): وإسناده حسن، فيها طلحة بن يحيى وهو مختَلَف فيه، وقال أبو داود: أوقفوه على ابن عباس.\n\nآخِرُ كِتَابِ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ\n_________\n(١) \" نيل الأوطار\" (٥/ ٣٣٣).","vol":"10","page":624},{"text":"تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد العاشر ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الحادي عشر، وأوله: \"كتاب البيوع\"\nوصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.","vol":"10","page":625},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء الْحَادِي عشر\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"11","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"11","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (١١)","vol":"11","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"11","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>(١٧) أَولُّ كِتَابِ الْبُيُوعِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>(١) بَابٌ: في التجَارَةِ يُخَالِطُهَا الْحَلِفُ وَاللَّغْو </span>(١)\n٣٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(١٧) (أَوَّلُ كِتَابِ الْبُيُوعِ)\nقال الحافظ (٢): والبيوع جمع بيع، وجُمِعَ لاختلاف أنواعه، والبيع نقلُ ملكٍ إلى الغير بثمن، والشراء قبوله، ويُطْلَقُ كل منهما على الآخر. وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبًا، وصاحبه قد لا يبذله، ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج.\n\n(١) (بابٌ: في التِّجَارَةِ يُخَالِطُهَا الْحَلِفُ وَاللَّغْوُ)\n٣٣٢٦ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والكذب\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٧).","vol":"11","page":5},{"text":"أَبِى وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى غَرَزَةَ قَالَ: كُنَّا فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ، فَمَرَّ بِنَا النبيُّ (١) - ﷺ- فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ (٢) التُّجَّارِ، إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ». [ت ١٢٠٨، ن ٣٧٩٩، جه ٢١٤٥، حم ٤/ ٦، ك ٢/ ٦]\n===\nأبي وائل، عن قيس بن أبي غرزة) بفتح المعجمة والراء ثم الزاي المنقوطة، ابن عمير بن وهب الغفاري، وقيل: الجهني أو البجلي، صحابي نزل الكوفة، له فرد حديث. (قال: كنا في عهد رسول الله - ﷺ - نُسَمَّى السماسرة) جمع سمسار.\nقال الخطابي (٣): السمسار أعجمي، وكان كثير ممن يعالج البيع والشراء فيهم عجمًا، فتلقَّنوا بهذا الاسم عنهم، فغيَّره (٤) النبي - ﷺ - إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله: \"فسمَّانا باسم هو أحسن منه\"، وقد تدعو العربُ التاجرَ أيضًا الرقاحي، والترقيح في كلامهم إصلاح المعيشة، انتهى.\nقال في \"القاموس\" (٥): السمسار بكسر: المتوسط بين البائع والمشتري، جمعه سماسرة، ومالك الشيء، وقَيِّمُه، والسفير بين المحبَّين.\n(فمر بنا النبي - ﷺ -، فسمَّانا باسم هو أحسن منه، فقال: يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغوُ) أي ما لا يعنيه، ولا طائل تحته، وما لا ينفعه في دينه ودنياه (والحلفُ، فشوبوه) أي اخلطوه، يعني البيع أو المال الذي في البيع (بالصدقة).\nقال الخطابي (٦): وقد احتج بهذا الحديث بعض أهل الظاهر ممن لا يرى الزكاة من أموال التجارة، وزعم أنه لو كان يجب فيها صدقة كما يجب في\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله.\n(٢) في نسخة: \"معاشر\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٥٣).\n(٤) وفي \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٧٨): لم يرتض ﵊ بهذا الاسم؛ لما فيه من إيهام الفحش. (ش).\n(٥) \"ترتيب القاموس المحيط\" (٢/ ٦١١، ٦١٢).\n(٦) \"معالم السنن\" (٣/ ٥٣، ٥٤).","vol":"11","page":6},{"text":"٣٣٢٧ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْبَسْطَامِىُّ وَحَامِدُ بْنُ يَحْيَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِىُّ، قَالُوا، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِى رَاشِدٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ وَعَاصِمٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى غَرَزَةَ بِمَعْنَاهُ قَالَ: «يَحْضُرُهُ الْكَذِبُ وَالْحَلِفُ»، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّهْرِىُّ: «اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ». [ن ٣٧٩٧]\n===\nسائر الأموال الظاهرة لأَمرهم النبي - ﷺ - بها، ولم يقتصر على قوله: \"فشوبوه بالصدقة\".\nقال الشيخ (١) - رحمه الله تعالى-: وليس فيما ذكروه دليل على ما ادَّعوه؛ لأنه إنما أمرهم في هذا الحديث بشيء من الصدقة غير معلوم المقدار في تضاعيف الأيام، ومَرَّ الأوقات، لتكون كفارة عن اللغو والحلف. وأما الصدقة المقدرة التي هي ربع العشر الواجبة عند تمام الحول، فقد وقع البيان فيها من غير هذه الجهة، وقد روى سمرة بن جندب: أن رسول الله - ﷺ - كان يأمرهم أن يخرجوا (٢) الصدقة عن الأموال التي يُعِدُّونها للبيع، وقد ذكره أبو داود في كتاب (٣) الزكاة، ثم هو عمل الأمة وإجماع أهل العلم، فلا يعدُّ قول هؤلاء معهم خلافًا.\n٣٣٢٧ - (حدثنا الحسين بن عيسى البسطامي وحامد بن يحيى وعبد الله بن محمد الزهري، قالوا: نا سفيان، عن جامع بن أبي راشد) الكاهلي الصيرفي الكوفي، عن أحمد: شيخ ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال العجلي: ثقة ثبت صالح، وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة. (وعبد الملك بن أعين وعاصم، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غرزة بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (قال: يحضره الكذبُ والحلفُ، وقال عبد الله الزهري) شيخ المصنف: (اللغوُ والكذبُ).\n_________\n(١) أي الإِمام الخطابي.\n(٢) في الأصل: \"يخرج\"، والتصويب من \"المعالم\".\n(٣) راجع: \"سنن أبي داود\" (١٥٦٢).","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1290>(٢) بَابٌ: في اسْتِخْرَاجِ الْمَعَادِنِ</span>\n٣٣٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِى ابْنَ أَبِى عَمْرٍو -، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَقْضِيَنِى أَوْ تَأْتِيَنِى بِحَمِيلٍ، قال: فَتَحَمَّلَ بِهَا النَّبِىُّ -ﷺ- فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -ﷺ-: «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ؟»، قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ، قَالَ: «لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، وَلَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ»\n===\n\n(٢) (بَابٌ: في اسْتِخْرَاجِ المَعَادِن)\nأي في استخراج الذهب والفضة\n٣٣٢٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا عبد العزيز- يعني ابن محمد-، عن عمرو -يعني ابن أبي عمرو-، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلًا) لم أقف على تسميته (لزم غريمًا له) ولم أقف على تسمية الغريم أيضًا (بعشرة دنانير) التىِ كانت عليه (فقال) الرجل الدائن: (والله ما أفارقك حتى تقضيني) أي تؤديني (أو تأتيني بحميل) أي كفيل (١).\n(قال) ابن عباس: (فتحَمَّل) أْي تكفل (بها النبي - ﷺ -، فأتاه بقدر ما وعده) أي وعد رسول الله - ﷺ - إياه، يعني جاء عند رسول الله - ﷺ - على قدر الأيام التي وعد رسول الله - ﷺ -، كما هو مصرح في رواية ابن ماجه: فقال له النبي - ﷺ -: \"كم تستنظره\"؟ فقال: شهرًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فأنا أحمل له\"، فجاءه في الوقت الذي قال النبي - ﷺ -.\n(فقال له النبي - ﷺ -: من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيها، ليس (٢) فيها خير) قيل: إن المأخوذ من المعدن لم يخمس.\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (١/ ٤٤٢).\n(٢) وفي \"التقرير\": لما كان هذا أحد طرق الاكتساب أورده فيه، واستدل عليه بقول =","vol":"11","page":8},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الخطابي (١): يشبه أن يكون ذلك لسبب علمه فيه خاصة، لا من جهة أن الذهب المستخرج من المعدن لا يباح تموُّلُه وتملُّكُه، فإن عامة الذهب والورق مُسْتَخْرَج من المعادن، وقد أقطع رسول الله - ﷺ - بلالَ بنَ الحارث المعادنَ القبلية، فكانوا يؤدون عنها الحق، وهو عمل المسلمين، وعليه أمر الناس إلى اليوم.\nوقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن أصحاب المعادن يبيعون ترابها ممن يعالجه، فيحصل ما فيه من ذهب وفضة، وهو غرر لا يدرى هل يوجد فيه شيء منهما أم لا، وقد كره بيع تراب المعادن جماعة من العلماء منهم عطاء، والشعبي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.\nوفيه وجه آخر: وهو أن معنى قوله: \"لا حاجة لنا فيها، ليس فيها خير\" أي ليس فيها رواج، ولا لحاجتنا فيها نجاح، وذلك لأن الذي كان تحمَّلَه عنه دنانير مضروبة، والذي (٢) جاء به غير مضروب، وليس بحضرته من يضربه دنانير، وإنما تحمل إليهم الدنانير من بلاد الروم، وأول من وَضَعَ السكةَ في الإِسلامَ وَضَرَبَ الدنانير عبدُ الملك بن مروان.\n_________\n= الرجل: \"من معدن\"، فلم ينكر عليه النبي - ﷺ - استخراجه من المعدن، فكان تقرير الجواز الاكتساب منه، ومعنى قوله - ﷺ - أي لا خير في أخذه لنا؛ وذلك لأنه - ﷺ - تفضَّل عليه بفاضلة عليه، فأحبّ أن يتمّها، وذلك شأنه - ﷺ -، وأما ما كتبه الناظرون أنه علم فيه شبهة بطريق من طرق العلم، وأن المعنى لا خيرَ في مالك هذا، ففيه أنه لو كان كذلك لما صح إيراد المؤلف هذا الحديث في هذا الياب حيث لم يثبت ما أراد إثباته، وأما إنه أراد إثبات أنه لا يجوز الاكتساب منه، فاتّهام محض على المؤلف؛ إذ كيف يجوز له أن يذهب إلى ما لم يذهب إليه أحد من السلف والخلف. (ش).\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ٥٤، ٥٥).\n(٢) ثبت أنه - ﷺ - قبل ذهب المعدن وأنفقه في بدل كتابة سلمان الفارسي ﵁، كما في \"جمع الفوائد\" (٣/ ٢٦٠)، رقم (٨٨٧١). (ش).","vol":"11","page":9},{"text":"فَقَضَاهَا عَنْهُ رَسُولُ الله - ﷺ -. [جه ٢٤٠٦، ك ٢/ ١٠ - ١١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>(٣) بَابٌ: في اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ</span>\n٣٣٢٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عن (١) ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ (٢) - وَلَا أَسْمَعُ\n===\nوقد يحتمل ذلك أيضًا وجهًا آخر: وهو أن يكون إنما كرهه لما يقع فيه من الشبهة، ويدخله من الغرر عند استخراجهم إياه من المعدن، وذلك أنهم إنما استخرجوه بالعشر، أو الخمس، أو الثلث مما يصيبونه، وهو غرر، لا يُدرى هل يصيب العامل فيه شيئًا [أم لا]؟ فكان ذلك بمنزلة العقد على رد الآبق أو البعير الشارد؛ لأنه لا يدري هل يظفر بهما أم لا؟\nوفيه أيضًا نوع من الخطر والتغرير بالأنفس؛ لأن المعدن ربما انهار على من يعمل فيه، فكره من أجل ذلك معالجته واستخراجَ ما فيه، انتهى.\n(فقضاها عنه رسول الله - ﷺ -) تبرعًا.\nومناسبة ترجمة الباب بكتاب البيوع بأن ما يستخرج من المعادن وهو الذهب والفضة، وهو الثمن الذي يعقد به البيع، فإن في الحديث بيان المستخرج من المعدن وهو الذهب والفضة، وكذا مناسبة الحديث بالبيوع بأن في الدين عند أدائه مبادلة المال بالمال بالتراضي، وهذا هو البيع، والله تعالى أعلم.\n\n(٣) (بابٌ: في اجْتِنَابِ الشبُهَاتِ)\nخصوصًا في الشبهات التي تقع في البيوع والمعاوضات\n٣٣٢٩ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا أبو شهاب، عن ابن عون، عن الشعبي قال: سمعت النعمانَ بنَ بشير، ولا أسمع\n_________\n(١) في نسخة: \"ثنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يقول\".","vol":"11","page":10},{"text":"أَحَدًا بَعْدَهُ - يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» (١). وَأَحْيَانًا يَقُولُ: «مُشْتَبِهَةٌ» «وَسَأَضْرِبُ فِى ذَلِكَ مَثَلًا، إِنَّ اللَّهَ حَمَى حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ محارمه (٢)، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْعَي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُخَالِطَهُ، وَإِنَّهُ مَنْ يُخَالِطِ الرِّيبَةَ يُوشِكْ أَنْ يَجْسُرَ» (٣)، [خ ٢٠٥١، م ١٥٩٩، ت ١٢٠٥، ن ٤٤٥٣، جه ٣٩٨٤، حم ٤/ ٢٦٩]\n٣٣٣٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عن (٤) زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: «وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ (٥) لا يَعْلَمُهَا\n===\nأحدًا بعده) أي لا حاجة إلى السماع من أحد بعده؛ لأنه الصادقُ المعتمدُ عليه.\n(يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الحلال بَيِّن، وأن الحرام بيِّن، وبينهما أمور متشابهات، وأحيانًا يقول) هذا قول التلميذ، أي: أحيانًا يقول شيخي: (مشتبهة، وسأضرب في ذلك (٦) مثلًا، إن الله حَمَى حِمًى، وإن حمى الله محارمه، وإنه من يرعى حول الحمى يوشك أن يخالطه) أي الحمى، وإنه من يخالط الريبة) أي المشتبهات (يوشك أن يجسُر) على الحرام.\n٣٣٣٠ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى، عن زكريا، عن عامر الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول) فروى (بهذا الحديث) المتقدم (قال: وبينهما مشبهات لا يعلمها\n_________\n(١) في نسخة: \"شبهات\"، وفي نسخة: \"مشتبهات\".\n(٢) في نسخة: \"ما حرَّمه\"، وفي نسخة: \"ما حرَّم الله\".\n(٣) في نسخة بدله: \"يخسر\".\n(٤) في نسخة بدله: \"حدثنا\".\n(٥) في نسخة بدله: \"مشتبهات\".\n(٦) ضرب لهم ذلك؛ لأنهم أعرف بهذا الأمر لكثرة ما وقع مثل هذا عندهم. (ش).","vol":"11","page":11},{"text":"كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ دِينَهُ وَعِرْضَهُ، وَمَنْ وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِى الْحَرَامِ». [خ ٥٢، م ١٥٩٩، وانظر سابقه]\n===\nكثير من الناس، فمن اتقى الشبهات) أي ما فيه الشبهات (استبرأ) أي طلب البراءة وطَهَّر (دينه وعِرْضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) (١).\nقال الخطابي (٢): هذ الحديث أصل في الورع، وفيما يلزم الإنسانَ اجتنابُه من الشبه والريب، ومعنى قوله: \"وبينهما أمور مشتبهات\"، أي إنها تشتبه على بعض الناس دون بعض، وليس إنها في ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها في جملة أصول الشريعة، فإن الله تعالى لم يترك شيئًا يجب له فيه حكم إلَّا وقد جعل فيه بيانًا، ونصب عليه دليلًا، ولكن البيان ضربان: بيان جلي يعرفه عامة الناس كافة، وبيان خفي لا يعرفه إلَّا الخاص من العلماء الذين عنوا بعلم الأصول، واستدركوا معاني النصوص، وعرفوا طرقَ القياسِ والاستنباطِ، وردَّ الشيء إلى المثل والنظير.\nودليل صحة ما قلناه، وأن هذه الأمور ليست في أنفسها مشتبهة: قولُه: \"لا يعرفها كثير من الناس\"، وقد عقل ببيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها وإن كانوا قليلي العدد، فإذا صار معلومًا عند بعضهم فليس بمشتبه في نفسه، ولكن الواجب على كل من اشتبه عليه أن يتوقف، ويستبرئ الشكَ، ولا يُقدِم إلَّا على بصيرة، فإنه إن أقدم على الشيء قبل التثبت والتبين لم يأمن أن يقع في المحرَّم عليه، وذلك معنى الحمى وضربِه المثلَ به.\nوقوله: \"الحلال بيِّن والحرام بيَّن\"، أصل كبير في كثير من الأمور والأحكام إذا وقعت فيها الشبهة أو عرض فيها الشك، ومهما كان ذلك فإن\n_________\n(١) بسط العيني (١/ ٤٣٧) الكلام على الحديث بما لا مزيد عليه، وسيأتي في \"باب ما لم يذكر تحريمه\": \"ما سكت عنه فهو عفو\". (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٥٦ - ٥٨).","vol":"11","page":12},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالواجب أن ينظر، فإن كان للشيء أصلٌ في التحليل والتحريم فإنه يتمسك به ولا يفارقه باعتراض الشك، حتى يزيله عنه بيقين العلم.\nفالمثال في الحلال والحرام الزوجة للرجل، والجارية تكون عنده يتسرَّى بها ويطؤها، فيشك هل طلق تلك أو أعتق هذه، فهما عنده على أصل التحليل، حتى يتيقن وقوع طلاق أو عتق. وكذلك الماء يكون عنده، وأصله الطهارة، فيشك هل وقع فيه نجاسة أم لا؟ فهو على أصل الطهارة، حتى يتيقن أن قد حَلَّته نجاسة. وكالرجل يتطهر للصلاة، ثم يشك في الحدث، فإنه يصلي ما لم يعلم الحدث يقينًا، وعلى هذه الأمثلة.\nوأما الشيء إذا كان أصله الحظر، وإنما يُسْتَباح على شرائط وعلى هيئة معلومة، كالفروج لا تحل إلَّا بعد نكاح أو ملك يمين، وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة، فإنه مهما شك في وجود تلك الشرائط وحصولها يقينًا على الصفة التي جعلت علمًا للتحليل كان باقيًا على أجل الحظر والتحريم.\nوعلى هذا المثال لو اختلطت امرأة بنساء أجنبيات، أو اختلطت مذكاة بميتات ولم يميزها بعينها، لزمه أن يجتنبها كلها ولا يقربها، وهذان قسمان حكمهما الوجوب واللزوم.\nوههنا قسم ثالث، وهو أن يوجد الشيء ولا يُعْرَف له أصل متقدم في التحليل ولا في التحريم، وقد استوى وجه الإمكان فيه حلًا وحرمة، فإن الورع فيما هذا سبيله الترك والاجتناب، وهو غير واجب عليه وجوب النوع الأول، وهذا كما روي عن رسول الله أنه مر بتمرة ملقاة في الطريق فقال: \"لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها\"، وقُدَّمَ له الضَّبُّ فلم يأكله، وقال: \"إن أمة مُسِخَتْ فلا أدري لعله منها\"، أو كما قال. ثم إن خالد بن الوليد أكله بحضرته فلم ينكره.","vol":"11","page":13},{"text":"٣٣٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ\n===\nويدخل في هذا الباب معاملة من كان في ماله شبهة أو خالطه رِبًا (١)، فإن الاختيار تركها إلى غيرها، وليس بمحرم عليه ذلك ما لم يتيقن أن عينه حرام، أو مخرجه من حرام، وقد رهن رسول الله - ﷺ - درعه من يهودي على أصْوُع من شعير أخذها لقُوت أهله، ومعلوم أنهم يربون في تجارتهم، ويستحلون أثمان الخمور، ووصفهم الله تعالى بأنهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٢)، فعلى هذه الوجوه الثلاثة يجري الأمر فيما ذكرته لك.\nوقوله: \"من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\" [أصل في باب \"الجرح والتعديل\" وفيه دلالة على أن من لم يتوق الشبهات في كسبه ومعاشه فقد عرض دينه وعرضه] (٣) للطعن، وأهدفهما للقول، وقوله: \"وقع في الشبهات وقع في الحرام\" يريد أنه إذا اعتادها، واستمر عليها أدَّته إلى الوقوع في الحرام بأن يتجاسر عليه فيواقعه، يقول: فليتق الشبهة ليسلم من الوقوع في الحرام، انتهى.\n٣٣٣١ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا هشيم، نا عباد بن راشد) التميمي مولاهم، البصري البزار آخره راء مهملة، ابن أخت داود بن أبي هند، ويقال: ابن خالته، عن أحمد: شيخ ثقة، صدوق صالح، وعن ابن معين: حديثه ليس بالقوي، لكن يكتب، وقال الدورقي عن ابن معين: ضعيف، وقال البخاري: روى عنه عبد الرحمن وتركه يحيى القطان، وقال أبو داود: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وأنكر على البخاري ذكرَه في \"الضعفاء\"، وقال: يحول (٤)، روى له البخاري مقرونًا بغيره،\n_________\n(١) في الأصل: \"رِيَاءٌ\"، وهو تحريف، والتصويب من \"المعالم\".\n(٢) سورة المائدة: الآية ٤٢.\n(٣) سقطت هذه العبارة في الأصل، وقد زدتها من \"المعالم\" (٣/ ٥٨).\n(٤) كذا في \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٩٢)، والصواب ما في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٧٩): \"وقال: يُحَوَّل من هناك\". وكذا في \"تهذيب الكمال\" رقم (٣٠٦٥).","vol":"11","page":14},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ أَبِي خَيْرَةَ يَقُولُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-. (ح): وَحَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ دَاوُدَ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى هِنْدٍ - وَهَذَا لَفْظُهُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى خَيْرَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إلَّا أَكَلَ الرِّبَا، فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ»، قال ابن عيسي: \"أصابه من غباره\". [ن ٤٤٥٥، جه ٢٢٧٨، حم ٢/ ٤٩٤]\n===\nقلت: قال: العجلي وأبو بكر: ثقة، وقال الساجي: صدوق، وقال فيه أحمد: ثقة ورفع أمره.\n(قال: سمعت سعيد بن أبي خيرة) بفتح المعجمة بعدها تحتانية ساكنة، البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد في ذكر الربا. (يقول: نا الحسن منذ أربعين سنة، عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -، ح: وحدثنا وهب بن بقية، نا خالد، عن داود -يعني ابن أبي هند- وهذا لفظه، عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن).\n(عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلَّا كل الربا) بصيغة الفاعل، أو الماضي، فهو كناية عن انتشاره في الناس بحيث إنه يأكله كل أحد لفساد عقود الناس ومعاملاتهم (فإن لم يأكله أصابه من بخاره، قال ابن عيسى: أصابه من غباره) أي يصل إليه أثره بأن يكون شاهدًا في عقد الربا أو آكلًا من ضيافة آكله أو هديته، والمعنى أنه لو فرض أن أحدًا سلِم من حقيقته لم يسلم من آثاره وإن قَلَّت جدًا، انتهى (١).\nقلت: وفي هذا الزمان كذلك، فإن جميع أنواع التجارات في أيدي الكفار، وعقودهم كلها فاسدة، فهي في حكم الربا، فلم يسلم منه أحد.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٦٠).","vol":"11","page":15},{"text":"٣٣٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى جَنَازَةٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِى الْحَافِرَ: «أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ»، فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِىَ امْرَأَةٍ، فَجَاءَ وَجِئَ (١)\n===\n٣٣٣٢ - (حدثنا محمد بن العلاء، أَنا ابن إدريس، أنا عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب، (عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة، فرأيت رسول الله - ﷺ - وهو على القبر يوصي) أي يأمر (الحافر: أَوْسِعْ من قِبَل رجليه، أَوْسِع مِن قِبَل رأسه، فلما رجع) رسول الله - ﷺ - من المقبرة (استقبله داعي امرأة) هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي من المكتوبة والمطبوعة، وفي نسخة \"مشكاة المصابيح\" (٢): \"داعي امرأته\"، وفي \"شرح القاري\" (٣): أي زوجة المتوفى.\nفعلى نسخة \"المشكاة\" و\"شرحه\" إشكال من جهة أن فقهاءنا صرَّحوا بأنه لا تحل الضيافة من أهل الميت (٤)؛ لأنها شرعت في السرور لا في الشرور، وقبول الضيافة من رسول الله - ﷺ - يدل على جوازها، فيمكن أن يجاب عنها لو كان ما في نسخة \"المصابيح\" صحيحًا: أن هذه القصة وقعت قبل النهي عنها، ويمكن أن يحمل على بيان الجواز، فإنها من أهل الميت ليست بمحرمة بل مكروهة، فلعله فعله رسول الله - ﷺ - لبيان الجواز.\n(فجاء) رسول الله - ﷺ - في بيت المرأة (فجيء) أي رسول الله - ﷺ - وأصحابه\n_________\n(١) في نسخة: \"وجيء\".\n(٢) \"مشكاة المصابيح\" ح (٥٩٤٢).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ٢٧٨).\n(٤) يشكل عليه ما في \"البخاري\" (٥٤١٧): أن عائشة - ﵂ - إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النساء، ثم تفرقن إلَّا أهلها وخاصتها؛ أمرت ببرمة من تلبينة فَطُبِخَتْ، ثم صُنِعَ ثريد فصُبَّت التلبينةُ عليه، ثم قالت: كلن منها ... الحديث. (ش).","vol":"11","page":16},{"text":"بِالطَّعَامِ (١) فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ فَأَكَلُوا، فَنَظَرَ (٢) آبَاؤُنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَلُوكُ لُقْمَةً فِى فَمِهِ (٣) ثُمَّ قَالَ: «أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا»، فَأَرْسَلَتِ (٤) الْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ (٥) يَشْتَرِى لِى شَاةً، فَلَمْ أَجِدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِى قَدِ اشْتَرَى\n===\n(بالطعام، فوضع) رسول الله - ﷺ - (يده) في الطعام ليأكله (ثم وضع القوم) أيديهم فيه (فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله - ﷺ -) وإنما قال: \"نظر آباؤنا\"؛ لأن هذا الرجل لعله لم يكن مع رسول الله - ﷺ - في الذين دخلوا في البيت للأكل، أو كان فيهم ولكن لم يكن قريبًا منه - ﷺ - حتى ينظر هذه الكيفية (يلوك) أي يمضغ (لقمة في فمه) ولا يبتلعها.\n(ثم قال: أجد) أي في هذا الطعام (لحم شاة أُخِذَتْ بغير إذن أهلها) والظاهر أنه ﵇ لم يبتلعها بل رماها من فيه (فأرسلت المرأة (٦» وقالت: (يا رسول الله! إني أرسلت إلى النقيع) اختلفت نسخ أبي داود، ففي بعضها بالباء، وفي بعضها بالنون، قال الخطابي (٧): أخطأ من قال بالموحدة، وهو بالنون: موضع في المدينة يباع فيها الغنم، أي رسولًا.\n(يشتري لي شاة، فلم أجد، فأرسلتُ إلى جار لي قد اشترى\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فوضع بين يديه\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فنظرت\"؛ وفي نسخة: \"ففطن\".\n(٣) في نسخة بدله: \"فيه\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قالت\".\n(٥) في نسخة بدله: \"النقيع\".\n(٦) قال الشوكاني (٥/ ٢١٧): ذبيحة المرأة تجوز عند الجمهور، وعن مالك نقل محمد بن عبد الحكم الكراهة، وفي \"المدونة\": الجواز، وفي وجه للشافعي: يكره ذبح المرأة الأضحيةَ، ويجوز ما ذبح بغير إذن مالكه، وخالف فيه طاووس وعكرمة وإسحاق وأهل الظاهر والبخاري لهذا الحديث، كذا في \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٢)، واستدلَّ الحافظ بهذا الحديث على جواز أكل ما ذُبِحَ بغير إذن صاحبه. [راجع: \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٣)]. (ش).\n(٧) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ٢٧٩).","vol":"11","page":17},{"text":"شَاةً أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَىَّ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «أَطْعِمِيهِ الأُسَارَى». [ق ٥/ ٣٣٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1292>(٤) بَابٌ: في آكِلِ الرِّبَا وَمُؤْكلِهِ</span>\n٣٣٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- آكِلَ الرِّبَا\n===\nشاة) وقلت له: (أن أرسل إليَّ بها) أي بالشاة (بثمنها) أي أنا أعطيك ثمنها (فلم يوجد) أي الجار في بيته (فأرسلتُ إلى امرأته) أي امرأة الجار (فأرسَلَتْ) أي امرأةُ الجار (إليَّ بها) أي بالشاة، فظهر أن شراءها غير صحيح؛ لأن إذن جارها ورضاه غير صحيح، وهو يقارب بيع الفضولي المتوقف على إجازة صاحبه، وعلى كل فالشبهة قوية، والمباشرة غير مرضية.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أطعميه) أي أطعمي هذا الطعام (الأسارى) جمع أسير، والغالب أنه فقير، وقال الطيبي (١): وهم كفار، وذلك أنه لما لم يوجد صاحب الشاة ليستحلوا منه، وكان الطعام في صدد الفساد، ولم يكن بد من إطعام هؤلاء فأمر بإطعامهم، وقد لزمها قيمة الشاة بإتلافها، ووقع هذا تصدقًا عنها.\n\n(٤) (بابٌ: في آكلِ الرِّبَا)\nأي آخذه سواء أكله بعد ذلك أم لا؟ (وَمُؤكلِهِ)، أي معطيه\n٣٣٣٣ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا سماك، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: لعن رسول الله - ﷺ - آكلَ الربا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٦٣)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ٢٨٠).","vol":"11","page":18},{"text":"وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ (١) وَكَاتِبَهُ\". [ت ١٢٠٦، جه ٢٢٧٧، حم ١/ ٣٩٤، ق ٥/ ٢٩١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>(٥) بَابٌ: في وَضْعِ الرِّبَا</span>\n٣٣٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ مِنْ دَمِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُ مِنْهَا دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، كَانَ\n===\nوموكلُه وشاهدَه) أي الذي يكتب الشهادة (٢) (وكاتبه) قال النووي (٣): فيه تصريح بتحريم كتابة [المبايعة بين] المترابيين (٤) بأجر كان أو بغير أجر، والشهادة عليهما، وتحريم الإعانة على الباطل.\n\n(٥) (بابٌ: في وَضْعِ الرِّبَا)\nأي إسقاطه\n٣٣٣٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو الأحوص، نا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع يقول: ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع) أي ساقط، لا يطالب به صاحبه (لكم رؤوس أموالكم، لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون) وفي رواية: \"أول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله\" (ألا وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع) أي ساقط لا يطالب به أحد صاحبه (وأول دم أضع منها) أي من الدماء (دم الحارث بن عبد المطلب، كان\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"شاهديه\".\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر بدله: الذي يشهد عليه. (ش).\n(٣) \"صحيح مسلم\" بشرح النووي (٦/ ٣٠).\n(٤) في الأصل: \"المتراضيين\"، وهو تحريف، والتصويب من \"شرح النووي\".","vol":"11","page":19},{"text":"مُسْتَرْضَعًا فِى بَنِى لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ (١). [سنن النسائي الكبرى ١١١٤٩، ت ٣٠٨٧، جه ٣٠٥٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>(٦) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ الْيَمِينِ في الْبَيْعِ</span>\n٣٣٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ لي ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ\n===\nمسترضَعًا في بني ليث فقتلته هذيل).\nقال الخطابي (٢): هكذا روى أبو داود، وإنما هو في سائر الروايات: \"دم ربيعة بن الحارث\"، وقال أبو عبيدة: أخبرني ابن الكلبي: أن ربيعة بن الحارث لم يُقتَلْ، وقد عاش بعد رسول الله - ﷺ - إلى زمن عمر - ﵁ -، وإنما قُتِلَ ابن له صغير في الجاهلية، فأهدر النبي - ﷺ - فيما أهدر، وإنما نَسَبَ الدمَ إليه لأنه ولي الدم، انتهى. وقد تقدم البحث فيه مفصلًا في \"كتاب الحج\" في \"باب صفة حجة النبي - ﷺ -\".\n\n(٦) (بابٌ: في كرَاهِيَّةِ الْيَمِينِ في الْبَيْعِ)\nفإن كانت كاذبة فكراهة تحريم، وإلَّا فكراهة تنزيه\n٣٣٣٥ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، ح: ونا أحمد بن صالح، نا عنبسة، عن يونس، عن ابن شهاب قال: قال لي ابن المسيب: إن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الحلف مَنْفَقة) بفتح الميم والفاء،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\": \"اللَّهمَّ هل بلَّغت؟ \" قالوا: نعم ثلاث مرات، قال: \"اللَّهمَّ اشهد\" ثلاث مرات.\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٥٩).","vol":"11","page":20},{"text":"لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ»، قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: «لِلْكَسْبِ»، وَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-. [خ ٢٠٨٧، م ١٦٠٦، ن ٤٤٦١]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>(٧) بَابٌ: في الرُّجْحَانِ في الْوَزْنِ، وَالْوَزْنُ بِالأَجْرِ</span>\n٣٣٣٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، نَا (١) سُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: \"جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَفَةُ (٢) الْعَبْدِىُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ،\n===\nبينهما نون ساكنة، مفعلة من النفاق بفتح النون، وهو الرواج ضد الكساد (للسلعة) بكسر السين المتاع.\n(مُمْحِقة) بالمهملة والقاف وزنَ الأول، وحكى عياض (٣) ضمَّ أوله وكسرَ الحاء، والمحق النقص والإبطال، ولأحمد: اليمين الكاذبة، وهما في الأصول مصدران مزيدان بمعنى النفاق والمحق (للبركة، وقال ابن السرح: للكسب) أي ممحقة للكسب.\n(وقال) ابن السرح: (عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -) فروى بصيغة \"عن\"، لا بالسماع.\n\n(٧) (بابٌ: في الرُّجْحَان في الْوَزَنِ، وَالوَزَنُ بِالأجْرِ)\n٣٣٣٦ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا سفيان، عن سماك بن حرب، نَا سويد بن قيس قال: جلبت) أي أتيت (أنا ومخرفة العبدي) صحابي (بزًا من هجر) وهي مدينة وقاعدة البحرين، قال أبو الحسن الماوردي: الذي\n_________\n(١) في نسخة: \"أخبرني\"، وفي نسخة: \"حدَّثني\".\n(٢) في نسخة: \"مخرمة\".\n(٣) راجع: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٠).","vol":"11","page":21},{"text":"فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْشِي، فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ (١)، فَبِعْنَاهُ، وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «زِنْ وَأَرْجِحْ». [ن ١٣٠٥، ن ٤٥٩٢، جه ٢٢٢٠، حم ٤/ ٣٥٢، دي ٢٥٨٥]\n٣٣٣٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى قَرِيبٌ، قَالَا، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِى صَفْوَانَ بْنِ\n===\nجاء في الحديث ذكر القلال الهجرية، قيل: إنها كانت تجلب من هجر إلى المدينة، ثم انقطع ذلك فعدمت، وقيل: هجر قرية قرب المدينة، وقيل: بل عُملت بالمدينة مثل قلال هجر.\n(فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله - ﷺ - يمشي) على الأقدام (فساوَمَنا بسراويل (٢)، فبعناه، وَثَمَّ رجل يَزِنُ) الثمن (بالأجر، فقال له رسول الله - ﷺ -: زِن) الثمنَ (وأَرْجِحْ) أي في الوزن، حتى لا يكون عليَّ من حق البائع شيء.\n٣٣٣٧ - (حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم، المعنى) أي معنى حديثهما (قريب، قالا: نا شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي صفوان بن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"سراويل\".\n(٢) شراؤه - ﷺ - للسراويل ثابت بلا مرية، وحكى القاري في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٧٥) الاختلافَ، ورجح البيجوري في \"شرح الشمائل\" عدمَ ثبوت اللبس، ورواية \"جمع الفوائد\" (٥٧٥٣) كأنها صريحة في اللبس، وحكم عليه صاحب \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٣٥) بالضعف، وفي \"الجواهر المضيئة\" (١/ ٦٣): عن أبي حنيفة: لم يصح عندي أنه - ﷺ - لبس السراويل، انتهى.\nقلت: وقد ورد الأمر بلبسه كما في \"كنز العمال\" من حديث علي: \"ويرحم الله المتسرولات\" بطرق. [انظر: رقم الحديث (٤١٢٤٤ - ٤١٨٣٨)].\nومال ابن القيم إلى اللبس. [راجع: \"الهدي\" (١/ ١٣٩)]، وقال ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢١٤): إنه سبق قلم؛ وكذا قال القسطلاني في \"المواهب\" (٦/ ٣٤٠ - ٣٤٤). (ش).","vol":"11","page":22},{"text":"عُمَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْ: يَزِنُ بِالأَجْرِ (١). [ن ٤٥٩٣،جه ٢٢٢١، حم ٤/ ٣٥٢، ق ٦/ ٣٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ قَيْسٌ كَمَا قَالَ سُفْيَانُ (٢)، وَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ.\n===\nعميرة قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بمكة قبل أن يهاجر بهذا الحديث) أي روى بهذا الحديث المتقدم (ولم يذكر: يزن بالأجر).\n(قال أبو داود: رواه قيس) بن الربيع (٣) (كما قال سفيان، والقول قول سفيان) حاصل هذا الكلام أن سفيان روى هذا الحديث، وسمى الصحابي سويدَ بن قيس، وروى شعبة هذا الحديث وسماه أبا صفوان بن عميرة، فرجح أبو داود رواية سفيان على قول شعبة.\nقال المنذري (٤): وأخرجه النسائي وابن ماجه [ووقع في حديث النسائي وابن ماجه]: سمعت مالكًا أبا صفوان. وقال النسائي: حديث سفيان أشبه بالصواب، يعني الحديثَ الأول الذي فيه سويد بن قيس. وقال أبو داود: القول قول سفيان. وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي: أبو صفوان، مالك بن عميرة، ويقال: سويد بن قيس، باع من النبي - ﷺ - فأرجح له، وقال أبو عمر النمري: أبو صفوان، مالك بن عميرة، ويقال: سويد بن قيس، وذكر له هذا الحديث، وهذا يدل على أنه عندهما رجل واحد، كنيته أبو صفوان، واختُلِفَ في اسمه (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"بأجر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) وصل روايته الطيالسي في \"مسنده\" رقم (١١٩٢) ومن طريقه البيهقي في \"سننه\" (٦/ ٣٣).\n(٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ١٢).\n(٥) وقال الشوكاني: حديث مالك بن عميرة رجال إسناده رجال الصحيح، ويشهد لصحته حديث سويد ... إلخ، وظاهره أنه جعلهما حديثين. [انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ٥٨٥)]. (ش).","vol":"11","page":23},{"text":"٣٣٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى رِزْمَةَ قال: سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ لِشُعْبَةَ: خَالَفَكَ سُفْيَانُ، فقَالَ (١): دَمَغْتَنِى.\nوَبَلَغَنِى عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ: كُلُّ مَنْ خَالَفَ سُفْيَانَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ. [انظر سابقه]\n٣٣٣٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، عن (٢) شُعْبَةَ قَالَ: كَانَ سُفْيَانُ أَحْفَظَ مِنِّي. [ق ٦/ ٣٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>(٨) بَابٌ: في قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ</span>\n٣٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،\n===\n٣٣٣٨ - (حدثنا ابن أبي رزمة، قال: سمعت أبي يقول: قال رجل لشعبة: خالفك سفيان) أي في هذا الحديث، بأنك سميت الصحابي \"أبا صفوان بن عميرة\"، وسمَّاه سفيان \"سويد بن قيس\"، أو في غير هذا الحديث (فقال) شعبة: (دمغتني) أي شججت رأسي (وبلغني عن يحيى بن معين قال: كل من خالف سفيان فالقول قول سفيان) (٣).\n٣٣٣٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، عن شعبة قال) أي شعبة: كان سفيان أحفظ مني)، وإنما حكى المصنف هذه الأقوال ليثبت أن ما اختلف فيه سفيان وشعبة من اسم الصحابي فالراجح فيه قولُ سفيان.\n\n(٨) (بابٌ: في قَوْلِ النبِيِّ - ﷺ -: الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ)\n٣٣٤٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن دكين، نا سفيان،\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"قال: قال شعبة\".\n(٣) انظر: \"تاريخ ابن معين\" (٢/ ٢١١) رقم (١٧٧١).","vol":"11","page":24},{"text":"عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ». [ن ٢٥٢٠]\n===\nعن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة).\nقال الخطابي (١): هذا حديث قد تكلم فيه بعض الناس، وتخبط في تأويله، فزعم أَن النبي - ﷺ - أَراد بهذا القول تعديلَ الموازين والأرطال والمكاييل، وجعل عيارها أوزانَ أهل مكة، ومكاييلَ أهل المدينة؛ ليكون عند التنازع حكمًا بين الناس يُحمَلُون عليها إذا تداعوا، فادعى بعضهم وزنًا أومكيالًا أكثر، وادعى الخصم أن الذي يلزمه (٢) هو الأصغر منهما دون الأكبر، وهذا تأويل خارج عمَّا عليه أقاويل أكثر الفقهاء.\nوذلك أن من أقر لرجل بمكيلة بر، أو يعشرة أرطال من تمر أو غيره، واختلفا في قدر المكيلة والرطل، فإنهما يُحْمَلان على عرف البلدة وعادة الناس في المكان الذي هو به، ولا يكلَّف أن يعطى برطل مكة، ولا بمكيال المدينة.\nفقوله: \"الوزن وزن أهل مكة\"، يريد وزن الذهب والفضة دون سائر الأوزان، ومعناه أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة في النقود وزن أهل مكة، وهي دراهم الإِسلام المعادلة (٣) منها: العشرة بسبعة مثاقيل، فإذا ملك رجل منها مائتي درهم وجبت الزكاة، وذلك لأن الدراهم مختلفة الأوزان في بعض البلدان والأماكن، فمنها البغلي، ومنها الطبري، ومنها الخوارزمي، وأنواع غيرها، فالبغلي: ثمانية دوانيق، والطبري: أربعة دوانيق، والدرهم الوازن الذي هو من دراهم الإِسلام الجائزة بينهم في عامة البلدان: ستة دوانيق، وهو نقد أهل مكة ووزنهم الجائز بينهم.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ٦٠ - ٦٤).\n(٢) في الأصل: \"يدعي\"، وهو تحريف، والتصويب من \"المعالم\".\n(٣) في الأصل: \"المعدلة\"، وهو تحريف.","vol":"11","page":25},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ الْفِريَابِيُّ\n===\nوكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عدًّا وقت مقدم رسول الله - ﷺ - إياها، والدليل على صحة ذلك أن عائشة - ﵂ - قالت فيما روي عنها من قصة بريرة: \"إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، فعلت\" تريد الدراهم التي هي ثمنها، فأرشدهم رسول الله - ﷺ - إلى الوزن فيها، وجعل العيار وزن أهل مكة، دون ما يتفاوت وزنه في سائر البلدان.\nوأما قوله: \"والمكيال مكيال أهل المدينة\": فإنما هو الصاع الذي يتعلق به وجوب الكفارات، ويجب إخراج صدقة الفطر به، ويكون تقدير النفقات وما في معناها بعياره.\nوللناس صِيعان مختلفة، فصاع أهل الحجاز: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وصاع أهل البيت - فيما يذكره زعماء أهل الشيعة-: تسعة (١) أرطال وثلث، وينسبونه إلى جعفر بن محمد - ﵁ -، وصاع أهل العراق: ثمانية أرطال، وهو صاع الحجاج الذي سعر به على أهل الأسواق، ولما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق (٢) ضاعف الصاع، فبلغ ستة عشر رطلًا.\nفإذا جاء باب المعاملات حملنا العراقي على الصاع المتعارف المشهور عند أهل بلاده، والحجازي على الصاع المعروف بالحجاز، وكذلك كل بلد على عُرف أهله، وإذا جاءت الشريعة وأحكامها فهو صاع أهل المدينة، فهو معنى الحديث ووجهه عندي، والله أعلم.\n(قال أبو داود: وكذا) أي كما رواه دكين عن سفيان كذلك (رواه الفريابي\n_________\n(١) في الأصل: \"سبعة\"، وهو تحريف، والتصويب من \"المعالم\".\n(٢) في الأصل: \"الأسواق\".","vol":"11","page":26},{"text":"وَأَبُو أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَافَقَهُمَا فِى الْمَتْنِ، وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَكَانَ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ فقَالَ: «وَزْنُ الْمَدِينَةِ وَمِكْيَالُ مَكَّةَ».\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَاخْتُلِفَ فِى الْمَتْنِ فِى حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- فِى هَذَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>(٩) بَابٌ: في التَّشْدِيدِ في الدَّينِ</span>\n٣٣٤١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عن\n===\nوأبو أحمد (١)، عن سفيان، وافقهما) أي وافق ابنُ دكينٍ الفريابيَّ وأبا أحمد (في المتن) دون الإسناد.\n(وقال أبو أحمد: عن ابن عباس، مكان ابن عمر) فجعله من مسندات ابن عباس (ورواه الوليد بن مسلم، عن حنظلة فقال: وزن المدينة، ومكيال مكة) فخالف الوليدُ سفيانَ والفريابيَّ وأبا أحمد في متن الحديث.\n(قال أبو داود: واختُلِفَ في المتن في حديث مالك بن دينار، عن عطاء، عن النبي - ﷺ - في هذا) الباب، وهذا حديث مرسل، وحاصله أن في هذا الحديث اختلفت الرواة على مالك بن دينار في متن الحديث، فروى بعضهم عن مالك بن دينار مثل رواية سفيان، وروى بعضهم مثل رواية الوليد بن مسلم عن (٢) حنظلة.\n\n(٩) (بَابٌ: في التَّشْدِيدِ في الدَّيْنِ)\n٣٣٤١ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا أبو الأحوص، عن\n_________\n(١) أخرج رواية الفريابي الطحاوي في \"مشكله\" (٣/ ٢٨٨) رقم (١٢٥٢)، ورواية أبي أحمد أخرجها ابن حبان في \"صحيحه\" (٨/ ٧٧) رقم (٣٢٨٣).\n(٢) في الأصل: \"بن\"، وهو تحريف.","vol":"11","page":27},{"text":"سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ سَمْعَانَ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِى فُلَانٍ؟». فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: «هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِى فُلَانٍ؟»، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: «هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِى فُلَانٍ؟»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنَا (١) يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ -ﷺ-: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِى فِى الْمَرَّتَيْنِ الأُولَيْنِ (٢)، إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكُمْ إلَّا خَيْرًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ».\n===\nسعيد بن مسروق، عن الشعبي، عن سمعان) بن مشنج بفتح المعجمة والنون الثقيلة، آخره جيم، ويقال: ابن مُشَمْرِج، العمري، ويقال: العبدي الكوفي، قال البخاري: لا نعرف لسمعان سماعًا من سمرة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن ماكولا: ثقة، ليس له غير حديث واحد، روى له أبو داود والنسائي، وقال العجلي: كوفي، ثقة، تابعي.\n(عن سمرة، قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: ههنا أحد من بني فلان؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: ههنا أحد من بني فلان؟ فلم يجبه أحد، ثم قال) ثالثًا: (ههنا أحد من بني فلان؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله!).\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (ما منعك أن تجيبني في المرتين الأولين، إني لم أُنوَّه) قال في \"فتح الودود\": بصيغة المضارع للمتكلم، من نَوَّهْتُه تنويهًا: إذا رفعته، والمعنى لا أرفع لكم ولا أذكر لكم إلَّا خيرًا. قلت: يحتمل أن يكون: أَنْوِ بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الواو من: نوى ينوي بصيغة المتكلم، فزيد فيه هاء السكت، أي لم أنو في دعائي لكم (بكم إلَّا خيرًا، إن صاحبكم مأسور) أي محبوس (بدَينه).\n_________\n(١) في نسخة: \"مرتين\".\n(٢) في نسخة: \"الأوليين\".","vol":"11","page":28},{"text":"فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أُدِّي عَنْهُ حَتَّى مَا بَقِيَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ. [ن ٤٦٨٥، حم ٥/ ٢٠]\n٣٣٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَريَّ يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ (٢) بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِى نَهَى اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَدَعُ لَهُ قَضَاءً». [حم ٤/ ٣٩٢]\n===\nقال سمرة: (فلقد رأيته) أي الرجل (أُدِّي عنه) أي أُدِّي الدينُ عن الرجل الميت (حتى ما بقي أحد يطلبه بشيء) وزاد في نسخة \"العون\" (٣) والنسخة المدنية التي عليها المنذري: \"قال أبو داود: سمعان وهو ابن مشنج\".\n٣٣٤٢ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، حدثني سعيد بن أبي أيوب أنه سمع أبا عبد الله القرشي) جليس جعفر بن ربيعة، ويقال: أبو عبيد بالتصغير، المصري، قال في \"التقريب\" (٤): مقبول.\n(يقول: سمعت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري يقول عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ - قال: إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها) أي يلقى اللهَ سبحانه بالذنوب (عبدٌ بعدَ الكبائر التي نهى الله عنها: أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاءً).\nقال الطيبي (٥): فإن قلت: قد سبق أن حقوق الله مبناها على المساهلة،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"عبده\".\n(٣) انظر: \"عون المعبود\" (٩/ ١٣٧).\n(٤) انظر: \"التقريب\" (٨٢١٠).\n(٥) \"شرح الطيبي على المشكاة\" (٦/ ١١٧)، وانظر أيضًا: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٣٠).","vol":"11","page":29},{"text":"٣٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأُتِىَ بِمَيِّتٍ فَقَالَ: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِىُّ: هُمَا عَلَىَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-،\n===\nوليس كذلك حقوق الآدميين في قوله: \"يُغْفَرُ كلُّ ذنب الشهيد إلَّا الدَّين\" (١)، وههنا جعله دون الكبائر؟ قلت: قد وَجَّهْناه أنه على سبيل المبالغة تحذيرًا وتوقيًا عن الدَّين، وهذا مجري على ظاهره.\nفإن قلت: إن نفس الدين ليس بمعصية، بل هو مندوب إليه فضلًا أن يكون من الذنوب، قال الطيبي: يريد أن نفس الدين ليس بمنهي عنه، بل هو مندوب إليه، وإنما هو لسبب عارض من تضييع حقوق الناس بخلاف الكبائر، فإنها منهية لذاتها. قال العزيزي: هذا محمول على ما إذا قصر في الوفاء، أو استدان لمعصية.\n٣٣٤٣ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأتي بميت، فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران، قال) رسول الله - ﷺ -: (صلُّوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة الأنصاري: هما) أي الديناران (عليَّ) أي أنا أتكفل بهما (يا رسول الله، فصلَّى عليه رسول الله - ﷺ -).\nتمسك به أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد في أنه تصح الكفالة عن ميت لم يترك مالًا، وعليه دَين، فإنه لو لم تصح الكفالة لما صلَّى النبي - ﷺ - عليه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٨٨٦).","vol":"11","page":30},{"text":"فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ (١) -ﷺ- قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ». [حم ٣/ ٢٩٦، ن ١٩٦٢]\n٣٣٤٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،\n===\nوقال أبو حنيفة: لا تصح الكفالة عن ميت مفلس، لأن الكفالة عن الميت المفلس كفالة بدين ساقط، والكفالة بالدين الساقط باطلة. والحديث يحتمل أن يكون إقرارًا بكفالة سابقة، فإن لفظ الإقرار والإنشاء في الكفالة سواء، ولا عموم لحكاية الفعل، ويحتمل أن يكون وعدًا (٢) لا كفالة، وكان امتناعه - ﷺ - عن الصلاة عليه ليظهر له طريق قضاء ما عليه، فلما ظهر صلَّى عليه - ﷺ -، قاله القاري (٣).\n(فلما فتح الله على رسوله - ﷺ -) أي الفتوح، وجاءت الأموال في بيت المال (قال) رسول الله - ﷺ -: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤) (فمن ترك دينًا فعليَّ قضاؤه) أي إذا لم يترك وفاء، وأما إذا ترك وفاء ويمطل الورثة في القضاء عليه فعلى أداؤه من التركة إذا رفع الأمر إليَّ.\n(ومن ترك مالًا فلورثته) وهذا دفع وهم، عسى أن يتوهم أحد من قوله - ﷺ -: \"أنا أولى بكل مؤمن من نفسه\" بأنه إذا مات فكما عليه - ﷺ - قضاء دينه، كذلك إذا ترك مالًا يكون له - ﷺ -، فدفع ذلك بأن التركة تعود إلى الورثة، وليس لرسول الله - ﷺ - منه شيء.\n٣٣٤٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٢) في الأصل: \"عمدًا\"، وهو تحريف، والتصويب من \"المرقاة\".\n(٣) مرقاة المفاتيح (٦/ ١٢٢)، والبسط في شروح \"مسلم الثبوت\" [انظر: \"فواتح الرحموت\" (١/ ١٤٥)]. (ش).\n(٤) سورة الأحزاب: الآية ٦.","vol":"11","page":31},{"text":"عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ رَفَعَهُ (١)، قَالَ عُثْمَانُ: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- مِثْلَهُ، قَالَ: اشْتَرَى مِنْ عِيرٍ تَبِيعًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ، فَأُرْبِحَ فِيهِ فَبَاعَهُ، فَتَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ عَلَى أَرَامِلِ بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَالَ: لَا أَشْتَرِى بَعْدَهَا شَيْئًا إلَّا وَعِنْدِى ثَمَنُهُ. [حم ١/ ٢٣٥، ك ٢/ ٢٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>(١٠) بَابٌ: في الْمَطْلِ</span>\n٣٣٤٥ - حَدَّثَنَا (٢) الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِىِّ ظُلْمٌ،\n===\nعن شريك، عن سماك، عن عكرمة رفعه) أي إلى النبي - ﷺ - (قال عثمان: ونا وكيع، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - مثله، قال: اشترى) رسول الله - ﷺ - (من عير بيعًا) وفي نسخة: \"تبيعًا\".\n(وليس عنده ثمنه، فأربح فيه فباعه)، الظاهر أَن فيه تقديمًا وتأخيرًا، أي فباعه، فأربح فيه، ويمكن أن يكون معناه: فأربح فيه، أي رأى فيما اشترى ربحًا فباعه، ويحتمل أَن يكون بصيغة المجهول، ولعله باعه لأنه لم يكن عنده ثمنه (فتصدق بالربح على أرامل) جمع أرملة وهي امرأة لا زوج لها (بني عبد المطلب، وقال: لا أشتري بعدها شيئًا إلَّا وعندي ثمنه).\n\n(١٠) (بابٌ: في الْمَطْلِ)\nأي التسويف والتأخير في أداء الدين\n٣٣٤٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: مطل الغني) أي القادر على أداء الدين (ظلم،\n_________\n(١) في نسخة: \"يرفعه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".","vol":"11","page":32},{"text":"وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ». [خ ٢٢٨٧، م ١٥٦٤، ت ١٣٠٨، ن ٤٦٨٨، جه ٢٤٠٣، حم ٢/ ٢٤٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1299>(١١) بَابٌ: في حُسْنِ الْقَضَاءِ</span>\n٣٣٤٦ - حَدَّثَنَا (١) الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ\n===\nوإذا أُتْبعَ) بصيغة المجهول.\nقال الخطابي (٢): قوله: \"مطل الغني ظلم\" دلالة أنه إذا لم يكن غنيًا يجد بالقضية لم يكن ظالمًا، وإذا لم يكن ظالمًا لم يجز حبسه، وقوله: \"إذا أتبع\" يريد إذا أحيل، وأصحاب الحديث يقولون: إذا اتُّبع بتشديد التاء، وهو غلط، وصوابه إذا أُتْبع ساكنة التاء على وزن أفعل، ومعناه: إذا أحيل أحدكم، وفيه دليل على أن الحق يتحول به إلى المحال عليه، ويسقط عن المحيل، ولا يكون عليه للمحتال سبيل عند موت المحال عليه وإفلاسه، وذلك لأنه قد اشترط عليه الملأ، والحوالة قد تصح حكمًا على غير المليء، فكان فائدة الشرط ما قلت، والله أعلم.\n(أحدكم على مليء) (٣) أي غني (فليتبع) أي إذا أحيل أحدكم من الدائنين على غني فليقبل الحوالة، وليتبع المحتال عليه في أخذ دينه.\n\n(١١) (بَابٌ: في حُسْنِ الْقَضَاء)\n٣٣٤٦ - (حدثنا القعبني، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٦٥، ٦٦).\n(٣) قال ابن الأثير في \"النهاية\" (٤/ ٣٥٢): هو بالهمز: الثقة، وقد أولع الناس فيه بترك الهمز وتشديد الياء.","vol":"11","page":33},{"text":"يَسَارٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ قَالَ: اسْتَسْلَفَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَكْرًا، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَنِى أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقُلْتُ: لَمْ أَجِدْ فِى الإِبِلِ إلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًّا، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خِيَارَ (٢) النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً». [م ١٦٠٠، ت ١٣١٨، م ٤٦١٧، ٢٢٨٥، حم ٦/ ٣٩٠، خزيمة ٢٣٣٢]\n٣٣٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مُحَارِبِ (٣) قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ لِى عَلَى النَّبِىِّ -ﷺ- دَيْنٌ فَقَضَانِى وَزَادَنِى. [خ ٤٤٣، م ٧١٥، ن ٤٥٩١، حم ٣/ ٢٩٩، دي ٢٥٨٧]\n===\nيسار، عن أبي رافع قال: استسلف) أي استقرض (رسول الله - ﷺ - بكرًا) هو الفتي من الإبل، بمنزلة الغلام من المذكور، والقلوص بمنزلة الجارية من الإناث (فجاءته إبل من الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل بَكْرَه، فقلت: لم أجد في الإبل إلَّا جملًا خيارًا رباعيًا) وهو من الإبل الذي أتت عليه ست سنين، ودخلت في السنة السابعة (فقال النبي - ﷺ -: أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم (٤) قضاءً).\n٣٣٤٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى، عن مسعر، عن محارب) بن دثار (قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كان لي على النبي - ﷺ - دين فقضاني) أي أدَّاني (وزادني).\n_________\n(١) في نسخة: \"استسلفت لرسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"خير\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ابن دثار\".\n(٤) وأشكل عليه أن الزيادة من إبل الصدقة كيف ساغ له - ﷺ -؟ وأجيب بأن الرجل أيضًا من أهل الضرورة، ولهم حق في بيت المال، كذا في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣٤٠).\nقلت: ثم رأيته أجاب بذلك العيني في \"شرح الطحاوي\" وسيأتي في \"البذل\" أيضًا. (ش).","vol":"11","page":34},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال القاري (١): وفي \"شرح السنَّة\": فيه من الفقه جواز استسلاف الإِمام للفقراء إذا رأى بهم خلة وحاجة، ثم يؤديه من مال الصدقة، وفيه دليل على جواز استقراض الحيوان وثبوته في الذمة، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي (٢)، وفيه دليل أيضًا على أن من استقرض شيئًا يردُّ مثلَ ما اقترض، سواء كان ذلك من ذوات القيم أو من ذوات الأمثال؛ لأن الحيوان من ذوات القيم، وأمر النبي - ﷺ - برد المثل، وفيه دليل على من استقرض شيئًا فرد أحسنَ أو أكثرَ منه من غير شرط كان محسنًا، ويحل ذلك للمقرض.\nوقال النووي (٣): يجوز للمقرض أخذ الزيادة، سواء زاد في الصفة أو في العدد، ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهي عنها، وحجة أصحابنا عموم قوله - ﷺ -: \"فإن خير الناس أحسنهم قضاء\".\nوفي الحديث إشكال، وهو أن يقال: كيف قضى من إبل الصدقة أجودَ من الذي يستحقه الغريم مع أن الناظر في الصدقات لا يجوز تبرُّعُه منها؟ والجواب: أنه - ﷺ - اقترض لنفسه، ثم اشترى في القضاء من إبل الصدقة بعيرًا وأداه، ويدل عليه حديث أبي هريرة: \"اشتروا له بعيرًا، فأعطوه إياه\" (٤)، وقيل: إن المقترض كان بعض المحتاجين اقترض لنفسه، فأعطاه من الصدقة حين جاءت، وأمره بالقضاء.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١١٧).\n(٢) وفي \"الدر المختار\": صح القرض في مثلي، لا في غيره من القيميات، كحيوان، وحطب، وكل متفاوت؛ لتعذر رَدَّ المثل.\nقال ابن عابدين: قوله \"مثلي\" كالمكيل والموزون والمعدود المتقارب ... إلخ. [انظر: \"رد المحتار\" (٧/ ٣٨٨)]. (ش).\n(٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٦/ ٤٢، ٤٣).\n(٤) أخرجه مسلم (١٦٠١).","vol":"11","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال: وفيه جواز (١) إقراض الحيوانات كلها، وهو مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء من الخلف والسلف، إلَّا الجارية لمن يملك وطأها.\nومذهب أبي حنيفة: أنه لا يجوز، والأحاديث ترد عليه، ولا يُقْبَلُ دعوى النسخ بغير دليل (٢).\nقال أكمل الدين: قيل: فيه جوازُ استقراض الحيوان، وثبوتُه في الذمة، وهو قول الأكثر، وفيه نظر؛ لجواز أن يكون ذلك أداء بقيمة ما اشترى به البعير، إذ ليس في الحديث ما يدل على كونه قرضًا، انتهى.\nقلت: والدليل لأبي حنيفة هو ما رواه الأئمة، عن ابن عباس - ﵄-: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة\"، وعن جابر - ﵁ -: \"أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يرى بأسًا ببيع الحيوان بالحيوان، اثنين بواحد، ويكرهه نسيئة\"، وعن ابن عمر - ﵄-: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة\"، وكذا عن سمرة، عن النبي - ﷺ - مثله، رواها الطحاوي في \"معاني الآثار\" (٣).\nقال أبو جعفر: فكان هذا ناسخًا لما رويناه عن رسول الله - ﷺ - من إجازة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فدخل في ذلك أيضًا استقراض الحيوان، فقال أهل المقالة الأولى: هذا لا يلزمنا؛ لأنا قد رأينا الحنطة لا يباع بعضها ببعض نسيئة، وقرضها جائز، فكذلك الحيوان، فكان من حجتنا على أهل هذه المقالة\n_________\n(١) قال النووي: فيه ثلاثة مذاهب للعلماء، الأول: مذهب الجمهور أنه يجوز قرض جميع الحيوان إلا الجارية لمن يملك وطأها فإنه لا يجوز، ويجوز إقراضها لمن لا يملك وطأها كمحارمها، والمرأة، والثاني: مذهب المزني وابن جرير وداود وغيره أنه يجوز قرض الجارية أيضًا، والثالث: مذهب الحنفية أنه لا يجوز قرض شيء من الحيوان، ودعوى النسخ باطل، انتهى. \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٦/ ٤٢، ٤٣). (ش).\n(٢) قلت: ودليل النسخ في \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٤/ ٦٠). (ش).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٦٠ - ٦٢).","vol":"11","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأن نهيَ النبي - ﷺ - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، يحتمل أن يكون ذلك لعدم الوقوف منه على المثل، ويحتمل أن يكون من قِبَل ما قال أهل المقالة الأولى في الحنطة بالحنطة في البيع والقرض.\nفإن كان إنما نهى عن ذلك من طريق عدم وجود المثل، ثبت ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وإن كان من قبل أنهما نوع واحد لا يجوز بيع بعضه ببعضه نسيئة، لم يكن في ذلك حجة لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى، فاعتبرنا ذلك، فرأينا الأشياء المكيلات والموزونات لا يجوز بيع بعضها ببعض نسيئة، ولا بأس بقرضها، ورأينا ما كان من غيرها، مثل الثياب وما أشبهها، فلا بأس ببيع بعضها ببعض وإن كانت متفاضلة.\nوبيع بعضها ببعض نسيئة فيه اختلاف الناس، فمنهم من يقول: ما كان منها من نوع واحد فلا يصلح بيع بعضه ببعضه نسيئة، وما كان منها من نوعين مختلفين فلا بأس ببيع بعضه ببعضه نسيئة، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد - رحمة الله عليهم أجمعين -.\nومنهم من يقول: لا بأس ببيع بعضها ببعض يدًا بيد ونسيئة، وسواء عنده كانت من نوع واحد أو من نوعين.\nفهذه أحكام الأشياء المكيلات والموزونات والمعدودات غير الحيوان على ما فسرنا، فكان غير المكيل والموزون لا بأس ببيعه بما هو من خلاف نوعه نسيئة، وإن كان المبيع والمبتاع ثيابًا كلها، وكان الحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة وإن اختلفت أجناسه، لا يجوز بيع عبد ببعير، ولا ببقرة، ولا بشاة نسيئة.\nولو كان النهي من النبي - ﷺ - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إنما كان لاتفاق النوعين، لجاز بيع العبد بالبقرة نسيئة؛ لأنها من غير نوعه، كما جاز بيع ثوب الكتان بثوب القطن الموصوف نسيئة، فلما بطل ذلك في نوعه، وفي غير","vol":"11","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1300>(١٢) بَابٌ: في الصَّرْفِ</span>\n٣٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (١)، عَنْ مَالِكٍ، وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الذَّهَبُ بالفضَّة (٢) رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ،\n===\nنوعه، ثبت أن النهي في ذلك إنما كان لعدم وجود مثله، ولأنه غير موقوف عليه، وإذا كان إنما بطل بيع بعضه ببعض نسيئة؛ لأنه غير موقوف عليه؛ بطل قرضه أيضًا؛ لأنه غير موقوف عليه، انتهى.\n\n(١٢) (بابٌ: في الصَّرْفِ)\nأي بيع الذهب والفضة بعضها ببعض\n٣٣٤٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس، عن عمر) - ﵁ - (قال: قال رسول الله - ﷺ -: الذهب بالفضة ربًا إلَّا هاء وهاء) بالمد والقصر بمعنى خُذْ، والمد أفصح وأشهر (٣)، ويقال بالكسر، ذكره النووي (٤)، وقال السيوطي ﵀: أصله هاك، أي خُذْ، فحذف الكاف وعوض منها المد والهمزة، معناه: مقبوضين ومأخوذين في المجلس (٥) قبل التفرق، بأن يقول أحدهما: خذ هذا، ويقول الآخر: مثله، وفي \"الفائق\": هاء صوت بمعنى خذ، ومنه قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٦).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"القعنبي\".\n(٢) في نسخة: \"بالورق\"، وفي نسخة: \"بالذهب\".\n(٣) انظر: \"مختصر المنذري مع المعالم\" (٣/ ٢٣٧).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ١٨).\n(٥) بذلك قالت الحنفية والشافعية والجمهور، واستدل المالكية بالحديث على اشتراط التقابض عقب العقد، حتى لو آخره عن العقد وقبض في المجلس لا يصح عندهم، ومذهبنا صحة القبض في المجلس، وإن تأخر عن العقد يومًا أو أيامًا أو أكثر ما لم يتفرقا، وبه قال أبو حنيفة وآخرون، وليس في هذا الحديث حجة لأصحاب مالك، انتهى. كذا قال النووي (٦/ ١٨). (ش).\n(٦) سورة الطلاق: الآية ١٩.","vol":"11","page":38},{"text":"وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ». [خ ٢١٣٤، م ١٥٨٦، ت ١٢٤٣، ن ٤٥٥٨، جه ٢٢٥٩، حم ١/ ٢٤]\n٣٣٤٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْخَلِيلِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَكِّىِّ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا،\n===\nقال الطيبي (١): فإذن محله النصب على الحال، والمستثنى منه مقدر، يعني بيع الذهب بالفضة ربًا في جميع الحالات إلا حال الحضور والتقابض، فكني عن التقابض بـ \"هاء وهاء\"؛ لأنه لازمه.\n(والبر بالبر ربًا إلَّا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلَّا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلَّا هاء وهاء).\n٣٣٤٩ - (حدثنا الحسن بن علي، نا بشر بن عمر، نا همام، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن مسلم المكي) هو مسلم بن يسار الأموي المكي، أبو عبد الله الفقيه، مولى بني أمية، وقيل: مولى طلحة، وقيل: مولى مزينة، ويقال له: مسلم سُكّرة، ومسلم المصبح، عن أحمد: ثقة، وقال أبو داود عن ابن معين: رجل صالح قديم، وقال العجلي: تابعي ثقة، وعن أبي داود: كان يقال: مسلم المصبح؛ لأنه كان يسرج المسجد، قال ابن سعيد: قالوا: كان ثقة عابدًا فاضلًا ورعًا.\n(عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله - ﷺ - قال: الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها) أي سواء، يحرم التفاوت بينهما، والتبر: الذهب الخالص والفضة قبل أن يضربا، وإذا ضربا كانا عينًا.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٤٨).","vol":"11","page":39},{"text":"وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْىٌ بِمُدْىٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا (١) نَسِيئَةً فَلَا». [م ١٥٨٧، ت ١٢٤٠، ن ٤٥٦٠، جه ٢٢٥٤، حم ٥/ ٣١٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِىُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ بِإِسْنَادِهِ.\n===\n(والبر بالبر مُديٌ بمُدْي) قال الخطابي (٢): والمدي: مكيال معروف ببلاد الشام وبلاد مصر، به يتعاملون، وأحسبه خمسة عشر مكوكًا، والمكوك: صاع ونصف. (والشعير بالشعير مدي بمدي، والتمر بالتمر مدي بمدي، والملح بالملح مدي بمدي، فمن زاد أو ازداد فقد أربى) فقد دخل في الربا.\n(ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرُهما يدًا بيد) أي إذا كان العوضان متقابضين في المجلس (وأما نسيئة فلا) أي فلا يجوز ذلك (ولا بأس ببيع البر (٣) بالشعير والشعيرُ أكثرُهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا).\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث سعيد بن أبي عروبة (٤) وهشام الدستوائي (٥)، عن قتادة، عن مسلم بن يسار) من غير ذكر أبي الخليل بينهما (بإسناده) أي بإسناد قتادة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فأما\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٦٨).\n(٣) فيه خلاف مالك، فإن البر والشعير عنده جنس واحد، كما في \"البداية\" (٢/ ١٣٦)، وحكاه الترمذي وبسطه النووي (٦/ ١٩). (ش).\n(٤) أخرج روايته النسائي في \"سننه\" (٤٥٦٣)، والبيهقي في \"سننه\" (٥/ ٢٧٦).\n(٥) لم أقف على روايته بنحو رواية سعيد بن أبي عروبة.","vol":"11","page":40},{"text":"٣٣٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، بِهَذَا الْخَبَرِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَزَادَ (١): قَالَ: \"فَإِذَا اخْتَلَفَ (٢) هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوه كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ\". [انظر الحديث السابق]\n===\n٣٣٥٠ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، نا سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، عن النبي - ﷺ -، بهذا الخبر) أي الحديث المتقدم (يزيد وبنقص، زاد) أبو قلابة: (قال: فإذا اختلف هذه الأصناف) أي الأنواع (فبيعوه كيف شئتم) أي بالزيادة والنقص (إذا كان يدًا بيد).\nقال الخطابي (٣): وهو قول عامة المسلمين إلَّا ما روي عن أسامة بن زيد وابن عباس في جواز بيع الدرهم بالدرهمين، وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عنه.\nقال الخطابي: وجَوَّز أهل العراق بيع البر بالشعير من غير تقابض، وصاروا إلى أن القبض إنما يجب في الصرف دون ما سواه، وقد جمعت بينهما السنة فلا معنى للتفريق بينهما. وجملته أن الجنس الواحد مما فيه الربا لا يجوز فيه التفاضل نسيئًا ولا نقدًا، وأن الجنس لا يجوز فيه التفاضل نسيئًا ويجوز نقدًا، انتهى.\nقلت: جمعت السنة بين الذهب والفضة وبين غيرهما من الأموال الربوية، كالبر والشعير والتمر والملح إذا كانت مختلفي الجنس ومختلفي النوع؛ بأن بيعها يجوز بالتفاضل، ولا يجوز إذا كان نسيئة، وهذان الأمران اتفقت عليهما الأمة.\n_________\n(١) في نسخة: \"وزاد\".\n(٢) في نسخة: \"اختلفت\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٦٩).","vol":"11","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1301>(١٣) بَابٌ: في حِلْيَةِ السَّيْفِ تُباَعُ بِالدَّرَاهِمِ </span>(١)\n٣٣٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالُوا، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قال: حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ أَبِى عِمْرَانَ،\n===\nوأما شرط التقابض في الذهب والفضة، فثبت في غير هذا الحديث؛ لأن هذا الحديث لا يدل عليه، وغير الذهب والفضة لم يثبت فيه التقابض في المجلس، فبقي على الجواز، فبهذا قال أهل العراق: إنه لا يجوز بيعها نسيئة فيجب تعينها، وأما إذا تعينت فلا يجب تقابضها في المجلس، والدليل عليه حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، فإن فيه: \"ولا بأس ببيع البر بالشعير- والشعيرُ أكثرُهما - يدًا بيد، وأما نسيئة فلا\"، فأثبت فيه أولًا شرط الجواز كونه يدًا بيد، ثم نفى الجواز إذا كان نسيئة.\nفعلم بذلك أنه ليس المراد من كونه يدًا بيد التقابض في المجلس، بل المراد أنه لا يكون نسيئة، أي واجبًا في الذمة من غير تعيين، فأما إذا تعين ولم يقبضه فلا يكون نسيئة، فيجوز البيع بخلاف الذهب والفضة، فإنهما لا يجوز بيعهما إلَّا في التقابض في المجلس، كما تدل عليه الدلائل.\n\n(١٣) (بابٌ: في حِلْيَةِ السَّيْفِ تُباعُ بِالدَّرَاهِم)\nأي تباع حلية السيف مع السيف بالدراهم\n٣٣٥١ - (حدثنا محمد بن عيسى وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع، قالوا: أنا ابن المبارك، ح: ونا ابن العلاء، أنا ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد قال: حدثني خالد بن أبي عمران) التجيبي، بالضم وكسر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والقلادة فيها الذهب والفضة\".","vol":"11","page":42},{"text":"عَنْ حَنَشٍ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: \"أُتِىَ النَّبِىُّ -ﷺ- عَامَ خَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ مَنِيعٍ: فِيهَا خَرَزٌ مُعَلَّقَةٌ (١) بِذَهَبٍ - ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ»، فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا»، قَالَ: فَرَدَّهُ حَتَّى مُيِّزَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: أَرَدْتُ التِّجَارَةَ.\n===\nالجيم، مولاهم، أبو عمر التونسي، قاضي إفريقية، قال ابن حبان: واسم أبي عمران زيد، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وكان لا يدلس، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان فقيه أهل المغرب، ومفتي أهل مصر والمغرب، وكان يقال: إنه مستجاب الدعوة، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن حنش، عن فضالة بن عبيد قال: أُتي النبي - ﷺ - عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز) قال في \"القاموس\": والخَرَزَةُ- محركة-: الجَوهرُ، وهو يُنْظَمُ، وخَرَزَاتُ المَلِكِ: جواهِرُ تَاجِه (قال أبو بكر وابن منيع: فيها خرز مغلقة بذهب، ابتاعها) أي اشتراها (رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، فقال النبي - ﷺ -: لا) أي لا يجوز بيعه (حتى يتميز بينه) أي بين الذهب (وبينه) أي بين الخرز؛ لأنه لا يعلم أن الذهب الذي في القلادة هو مساوٍ لتسعة دنانير أو أكثر منه أو أقل، فإذا كان مساويًا أو أكثر يلزم فيه الربا.\n(فقال) المشتري: (إنما أردت الحجارة) أي مقصودي من الشراء الحجارة، وهي ليس من أموال الربا، والذهب إنما هو بالتبع (فقال النبي - ﷺ -: لا) أي لا يجوز (حتى يتميز بينهما، قال: فرده) أي البيع على البائع (حتى ميز بينهما. وقال ابن عيسى: أردت التجارة) أي أردت بهذا البيع التجارة ليحصل به النفع.\n_________\n(١) في نسخة: \"مُعَلَّقَةٌ\"، وفي نسخة: \"مُغَلَّفَةٌ\".","vol":"11","page":43},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ في كِتَابِهِ (١) \"الْحِجَارَةُ\" (٢). [م ١٥٩١، ت ١٢٥٥، حم ٦/ ٢١، ن ٤٥٧٣ - ٤٥٧٤]\n٣٣٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى شُجَاعٍ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِى عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِىِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَىْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَىْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ» [انظر الحديث السابق]\n===\n(قال أبو داود:) و(كان في كتابه الحجارة) حاصله أن محمد بن عيسى شيخ المصنف كان في كتابه: \"أردت الحجارة\"، فخالف في لفظه المكتوب، وقال: \"التجارة\".\n٣٣٥٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن أبي شجاع سعيد بن يزيد، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: لا تباع حتى تفصل) (٣) ليسلم البيع عن الربا.\n_________\n(١) في نسخة: \"كتابنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وكان في كتاب ابن عيسى الحجارة فغيره فقال: التجارة\".\n(٣) قال النووي (٦/ ٢٢): بذلك قال الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة والثوري: يجوز بيعه بأكثر مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله ولا بدونه، وقال مالك وأصحابه وآخرون: يجوز بيع السيف المحلى بذهب وغيره مما هو في معناه، فيجوز بيعه بالذهب إذا كان الذهب في المبيع تابعًا لغيره، وقدَّروه بالثلث فما دونه ... إلخ، هي مسألة مشهورة في كتب الشافعي وغيره بمسألة \"مدِّ عجْوة\"؛ وصورتها: باع عجوة ودرهمًا بمدي عجوة أو بدرهمين، لا يجوز لهذا الحديث ... إلخ. (ش).","vol":"11","page":44},{"text":"٣٣٥٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنِ الْجُلَاحِ أَبِى كَثِيرٍ قال: حَدَّثَنِى حَنَشٌ الصَّنْعَانِىُّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ خَيْبَرَ، نُبَايِعُ الْيَهُودَ الأُوقِيَّةَ (١) مِنَ الذَّهَبِ بِالدِّينَارِ- قَالَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ: بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، ثُمَّ اتَّفَقَا-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ». [انظر سابقه]\n===\nوهذا الحديث مخالف لما تقدم من حديث ابن المبارك، فإنه وقع فيه الشراء بتسعة دنانير أو بسبعة، وههنا باثني عشر دينارًا، فوجه الجمع يمكن أن يقال: إن الأول مشكوك فيه، والثاني متيقن، أو يقال: إن الثاني الذي وقع فيه العقد آخرًا بعد الفصل، وأما الأول فيكون هو الثمن قبل العقد.\n٣٣٥٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن أبي جعفر، عن الجلاح أبي كثير قال: حدثني حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - يوم خيبر نبايع اليهود الوقية).\nقال في \"القاموس\" (٢): الأُوْقِيَّة- بالضم-: سبعةُ مثاقيل، كالوُقِيَّة بالضم وفتح المثناةِ التحتيةِ مشددةً، وأربعون درهمًا، جمعه: أواقِيٌّ وأواقٍ ووَقايا.\n(من الذهب بالدينار- قال غير قتيبة: بالدينارين والثلاثة ثم اتفقا-، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلَّا وزنًا بوزن) أي سواء في الوزن.\n_________\n(١) في نسخة: \"الأوقية\".\n(٢) \"ترتيب القاموس المحيط\" (٤/ ٦٤٨).","vol":"11","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1302>(١٤) بابٌ: فِى اقْتِضَاءِ الذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ</span>\n٣٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَا، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِى هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رُوَيْدَكَ\n===\n\n(١٤) (بابٌ: في اقْتِضَاءِ الذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ) (١)\n٣٣٥٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن محبوب، المعنى واحد، قالا: نا حماد، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل) أي أتجر في الإبل فيشتمل البيع والشراء (بالبقيع) بالباء الموحدة، وفي نسخة: \"بالنقيع\" بالنون (فأبيع) الإبل (بالدنانير وآخذ الدراهم) أي بعوض الدنانير (وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير) بعوض الدراهم (آخذ هذه) أي الدراهم (من هذه) أي من الدنانير (وأعطي) بصيغة المعلوم أي في صورة الشراء، ويحتمل أن يكون بصيغة المجهول فيكون المعنى أنا أطلب وآخذ هذه من هذه، أو هو يعطيني هذه من هذه (هذه) أي الدنانير (من هذه) أي الدراهم.\n(فأتيت رسول الله - ﷺ - وهو في بيت حفصة) - ﵂ - (فقلت: يا رسول الله، رويدك) أي أمهل وتأن وهو من أسماء الأفعال بمعنى الأمر\n_________\n(١) قال الموفق (٦/ ١٠٧، ١٠٨): يجوز هذا في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه ابن عباس وأبو سلمة وابن شبرمة، وروي ذلك عن ابن مسعود؛ لأن التقابض شرطٌ، وقد تَخَلَّفَ، ولنا حديث الباب. وقال أحمد: إنما يَقضِيه بسعر يومها، لم يختلفوا فيه إلَّا ما قال أصحاب الرأي: إنه يقضيه مكانها ذهبًا على التراضي؛ لأنه بيع في الحال، فجاز ما تراضَيَا عليه إذا اختَلَف الجنس، ولنا حديث الباب: \"لا بأس أن تأخذها بسِعر يومها\". (ش).","vol":"11","page":46},{"text":"أَسْأَلُكَ: إِنِّى أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، وآخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِى هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَىْءٌ». [ن ١٢٤٢، ن ٤٥٨٢، جه ٢٢٦٢، حم ٢/ ٣٣، ق ٥/ ٢٨٤، ك ٢/ ٤٤]\n٣٣٥٥ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ،\n===\n(أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع) بالموحدة، وفي نسخة بالنون (فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وآخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله - ﷺ -: لا بأس أن تأخذها) بدل (١) الدراهم الدنانير أو بالعكس (بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء) غير مقبوض، أي بشرط التقابض في المجلس.\nقال الخطابي (٢): واشترط أن لا يفترقا وبينهما شيء؛ لأن اقتضاء الدراهم من الدنانير صرف، وعقد الصرف لا يصح إلَّا بالتقابض، وقد اختلف الناس في اقتضاء الدراهم من الدنانير، فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، ومنع من ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة، وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلَّا بسعر يومه، ولا يعتبر غيره السعر (٣)، ولم يبالوا كان ذلك بأغلى أو أرخص من سعر اليوم، انتهى.\n٣٣٥٥ - (حدثنا حسين بن الأسود، نا عبيد الله، أنا إسرائيل،\n_________\n(١) وفي هامش أبي داود عن \"فتح الودود\": أي بشرط التقابض في المجلس والتقييد بسعر اليوم على طريق الاستحباب. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٧٤).\n(٣) قلت: حكى الشوكاني (٣/ ٥٢٨) تقييده عن أحمد، وإليه يشير كلام الترمذي إذ ذكر فيمن قال بالحديث: أحمد لا الشافعي، وبه جزم الموفق (٦/ ١٠٧). (ش).","vol":"11","page":47},{"text":"عَنْ سِمَاكٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَالأَوَّلُ أَتَمُّ، لَمْ يَذْكُرْ: «بِسِعْرِ يَوْمِهَا». [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1303>(١٥) بَابٌ: في بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً</span>\n٣٣٥٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً\". [ت ١٢٣٧، ن ٤٦٢٠، جه ٢٢٧٠، دي ٢٥٦٤، حم ٥/ ١٢، ق ٥/ ٢٨٨]\n===\nعن سماك بإسناده ومعناه، والأول أتم لم يذكر: بسعر يومها).\n\n(١٥) (بابٌ: في بَيْعِ الْحَيَوَان بِالْحَيَوان نَسِيئَةً)\n٣٣٥٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة).\nقال الشوكاني (١): ذهب (٢) الجمهور إلى جواز البيع بالحيوان نسيئةً متفاضلًا مطلقًا، وشرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع من ذلك مطلقًا مع النسيئة أحمدُ بن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين والهادوية.\nوتمسك الأولون بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وما ورد في معناه من الآثار، وأجابوا عن حديث سمرة (٣) بما فيه من المقال. وقال الشافعي: المراد به: النسيئة من الطرفين؛ لأن اللفظ يحتمل ذلك كما يحتمل النسيئة من طرف، وإذا كانت النسيئة من الطرفين فهي بيع الكالئ بالكالئ، وهو لا يصح عند الجميع.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٥٨٥، ٥٨٦).\n(٢) وقال ابن القيم: للعلماء فيه ثلاثة مسالك ... إلخ. [انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٩)]. (ش).\n(٣) وذكر تصحيحه ابن الهمام في \"كتاب السلم\". [انظر: \"فتح القدير\" (٧/ ٧٤)]. (ش).","vol":"11","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1304>(١٦) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ </span>(١)\n٣٣٥٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،\n===\nواحتج المانعون بحديث سمرة وجابر بن سمرة وابن عباس وما في معناها من الآثار. وأجابوا عن حديث ابن عمر: بأنه منسوخ (٢)، ولا يخفى أن النسخ لا يثبت إلَّا بعد تقرر تأخر الناسخ، ولم ينقل ذلك، فلم يبق ههنا إلا الطلب لِطريق الجمع إن أمكن ذلك، أو المصير إلى التعارض.\nقيل: وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي، ولكنه متوقف على صحة إطلاق النسيئة على بيع المعدوم بالمعدوم، فإن ثبت ذلك في لغة العرب أو في اصطلاح الشرع فذاك، وإلا فلا شك أن أحاديث النهي وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال، لكنها ثبتت من طرق ثلاثة من الصحابة: سمرة وجابر بن سمرة وابن عباس، وبعضها يقوي بعضًا، فهي أرجح من حديث واحد غير خالٍ عن المقال وهو حديث عبد الله بن عمرو، ولا سيما وقد صحح الترمذي وابن الجارود حديث سمرة، فإن ذلك مرجح آخر.\nوأيضًا قد تقرر في الأصول: أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة، وهذا أيضًا مرجح ثالث. وأما الآثار الواردة عن الصحابة فلا حجة فيها، وعلى فرض ذلك فهي مختلفة كما عرفت.\n\n(١٦) (بَابٌ: في الرُّخْصَةِ) (٣)\nأي في بيع الحيوان بالحيوان\n٣٣٥٧ - (حدثنا حفص بن عمر، نا حماد بن سلمة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في ذلك\".\n(٢) كما ذكره الطحاوي احتمالًا. \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٦٠). (ش).\n(٣) وجمع بينهما ابن قتيبة في \"التأويل\" (٤١١، ٤١٢). (ش).","vol":"11","page":49},{"text":"عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنَ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَرِيشٍ،\n===\nعن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جبير) عن أبي سفيان، وعنه يزيد بن أبي حبيب، وفي إسناد حديثه اختلاف، وفي \"الثقات\" لابن حبان: مسلم بن الطرشي (١)، روى عن ابن عمر، وعنه يعلى (٢) بن عطاء، فيحتمل أن يكون هو هذا، قلت: قال الذهبي (٣): لا يُدرى من هو؟ وقيل: تفرد عنه يزيد.\n(عن أبي سفيان) أبو سفيان عن عمرو بن حريش أبي محمد الزبيدي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، \"أن النبي - ﷺ - أمره أن يجهز جيشًا\" الحديث، وعنه مسلم بن جبير، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة مشهور، قلت: قال الذهبي (٤): لا يعرف.\n(عن عمرو بن حريش) في \"الخلاصة\" (٥): بفتح المهملة الأولى وآخره معجمة، وفي \"التقريب\": بضم أوله، وفي \"المغني\" (٦): بكسر راء وآخره شين معجمة، الزبيدي، أبو محمد، وعنه أبو سفيان غير منسوب، وقيل: عن أبي سفيان، عن مسلم بن جبير عنه، وقيل: عن سفيان بن جبير مولى ثقيف،\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٢٤)، مسلم بن الحرشي، وفي \"الثقات\" (٥/ ٣٩٣)، مسلم بن جبير الجرشي بالجيم المضمومة، وكذا وقع في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ١٨١)، و\"تعجيل المنفعة\" (٢/ ٢٥٤)، وقد وقع في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٥٨)، و\"تهذيب الكمال\" رقم (٦٥١١)، ومسلم بن جبير الحرشي بالحاء المهملة.\n(٢) في الأصل وفي \"التهذيب\": \"معلى\"، وهو خطأ. انظر: \"كتاب الثقات\" (٥/ ٣٩٣).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ١٠٢).\n(٤) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٣١).\n(٥) \"الخلاصة\" (ص ٢٨٨).\n(٦) \"المغني\" (ص ٧٥).","vol":"11","page":50},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتِ الإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِى (١) قِلَاصِ (٢) الصَّدَقَةِ فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ. [حم ٢/ ١٧١]\n===\nقال ابن معين: هذا حديث مشهور، وقد تقدم أن ابن حبان جعل عمرو بن حريش هو عمرو بن حُبَيش.\n(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص، (أن رسول الله - ﷺ - أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل) فبقي بعض الجيش ليس عندهم مركوب، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - بأن الإبل قد نفدت، وقد بقيت بقية من الناس لا ظهر لهم (فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة) بكسر القاف، جمع قُلُص، بضمتين، جمع قلوص، وهي الناقة الشابة (فكان) أي عبد الله (يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) يعني إذا جاء إبل الصدقة يؤديها، فلما جاء إبل الصدقة أداها رسول الله - ﷺ -.\nقال الخطابي (٣): في إسناد حديث عبد الله بن عمرو أيضًا مقال، وقد أثبت أحمد حديث سمرة.\nقلت: وما أشار إليه الخطابي من المقال هو لأجل محمد بن إسحاق، وأيضًا مسلم بن جبير، قال الذهبي: لا يُدرى من هو، وأبو سفيان، قال الذهبي: لا يعرف، وعمرو بن حريش، قال في \"التقريب\": مجهول الحال (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"على\".\n(٢) في نسخة: \"قلائص\"، هي جمع قَلوص، وهي النافة الفتيَّة.\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٧٥).\n(٤) وبسط ابن الهمام في \"السلم\" الكلام على تضعيف الحديث، وأثبت الاضطراب فيه، وقال: عمرو بن حريش مجهول الحال، ومسلم بن جبير لم أجد له ذكرًا في غير هذا الحديث، وأبو سفيان فيه نظر. [انظر: \"فتح القدير\" (٧/ ٧٣ - ٧٤)]. (ش).","vol":"11","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1305>(١٧) بَابٌ: في ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ</span>\n٣٣٥٨ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْهَمْدَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ. [م ١٦٠٢، ت ١٢٣٩، ن ٤٦٢١، حم ٣/ ٣٤٩، جه ٢٨٦٩، ق ٥/ ٢٨٧]\n\n(١٨) بَابٌ: في التَّمْرِ (١) بِالتَّمْرِ\n٣٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ\n===\n\n(١٧) (بَابٌ: في ذلِكَ) أي في جواز بيع الحيوان بالحيوان (إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ)\n٣٣٥٨ - (حدثنا يزيد بن خالد الهمداني وقتيبة بن سعيد الثقفي، أن الليث حدثهم، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي - ﷺ - اشترى عبدًا بعبدين) أي يدًا بيد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>(١٨) (بابٌ: في التَّمْرِ بِالتَّمْرِ)</span>\n٣٣٥٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش) هو زيد بن عياش الزرقي، ويقال: المخزومي، ويقال: من بني زهرة المدني، روى له الأربعة حديثًا واحدًا في النهي عن بيع التمر بالرطب، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وصحح الترمذي وابن خزيمة وابن حبان حديثه المذكور، وقال فيه الدارقطني: ثقة، وقال ابن عبد البر: وأما زيد فقيل: إنه مجهول، وقد قيل: إنه أبو عياش الزرقي، وقال الطحاوي: قيل فيه:\n_________\n(١) في نسخة: \"الثمر\".\n(٢) وفي \"شرح المسند\": لم يختلف العلماء في جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا إذا كان يدًا بيد، كذا في \"التعليق الممجد\" (٣/ ٢٦٤)، ثم اعلم أن في علة الربا عشرة مذاهب، كما في هامش \"البخاري\". (ش).","vol":"11","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبو عياش الزرقي، وهو محال؛ لأن أبا عياش الزرقي من جملة الصحابة لم يدركه ابن يزيد.\nقلت: وقد فرق أبو أحمد الحاكم بين زيد أبي عياش الزرقي الصحابي وبين زيد أبي عياش الزرقي التابعي، وأما البخاري فلم يذكر التابعي جملة، بل قال: زيد أبو عياش هو زيد بن الصامت من صغار الصحابة، وقال الحاكم في \"المستدرك\" (١): هذا حديث صحيح لإجماع أئمة أهل النقل على إمامة مالك، وأنه محكم في كل ما يرويه، وإذا لم يوجد في روايته إلَّا الصحيح خصوصًا في حديث أهل المدينة، إلَّا أن قال: والشيخان لم يخرجاه لما خشيا من جهالة زيد بن عياش، وقال أبو حنيفة: مجهول، وتعقبه الخطابي، وكذا قال ابن حزم: إنه مجهول، انتهى كلام الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢).\nوقال الخطابي (٣): وقد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقاص، وقال: زيد أبو عياش راويه ضعيف، ومثل هذا الحديث على أصل الشافعي لا يحتج به، قال الخطابي: وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عياش هذا مولى لبني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في \"الموطأ\"، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك، وعادته معلوم، انتهى.\nقلت: وتعقب الخطابي متعقب بأن زيدًا أبا عياش قال فيه بعض المحدثين: إنه ثقة، وصحح بعضهم حديثه، وليس هذا الحكم إلَّا على تقليد مالك، وظنهم أن مالكًا - ﵁ - لا يرويه إلَّا عن ثقة، وأنت تعلم أنه لا يكفي فيه التقليد، ولا يحكم به في ذلك الأمر، وأن مالكًا لم يلاقه ولم يره، وكذلك مثل البخاري لم يذكره.\n_________\n(١) (٢/ ٣٩).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٢٣، ٤٢٤).\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٧٨).","vol":"11","page":53},{"text":"أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عن الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ،\n===\nوقول الخطابي: إنه معروف من بني زهرة ليس بصحيح، فإنه مختلف فيه أنه زرقي أو مخزومي أو من بني زهرة. فهذا يدل على أنه مجهول، لا سيما وقد تابع أبا حنيفة ابنُ حزم، فقال: إنه مجهول.\nوالأصل أنه وقع الاختلاف في جرح زيد بن عياش وتعديله بين أبي حنيفة ومالك - رحمهما الله-، فرواية مالك تقتضي تعديله ضمنًا وتبعًا، وثبت الجرح عن أبي حنيفة صراحة، فلا يقاوم تعديل مالك بجرح أبي حنيفة، خصوصًا لم يخالف الإِمام في زمانه أحد، فلا عبرة بمن بعدهما في ذلك، والله أعلم.\n(أخبره، أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء) أي عن بيع الحنطة (١) البيضاء (بالسلت) (٢) هو كقفل: حب بين الحنطة والشعير لا قشر له كقشر الشعير، فهو كالحنطة في مَلاسته وكالشعير في طبعه وبرودته.\nوقال في \"المجمع\" (٣): السُّلت: ضرب من الشعير أبيض لا قشر له، وقيل: هو نوع من الحنطة، والأول أصح؛ لأن البيضاء هي الحنطة، وهو بضم سين وسكون لام، انتهى.\nوقال الخطابي (٤): البيضاء: نوع من البر أبيض اللون، وفيه رخاوة، ويكون ببلاد مصر، والسلت: نوع من غير البر، وهو أدق حبًا منه، وقال بعضهم: البيضاء: هو الرطب من السلت، والأول أعرف، إلَّا أن هذا القول أليق بمعنى الحديث، انتهى.\n_________\n(١) وفسره في \"التعليق الممجد\" (٣/ ١٩٥) بالشعير، وقال: العَرَب يطلق البيضاء على الشعير، والسمراء على الحنطة، انتهى. وفي \"العرف الشذي\" (ص ٤٢٨) يجوز بيع السلت بالحنطة؛ لأنهما نوعان، خلافًا لمالك، انتهى. (ش).\n(٢) بضم السين وسكون اللام، كذا في \"المجمع\" (٣/ ٩٩). (ش).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٩٩).\n(٤) \"معالم السنن\" (٣/ ٧٦).","vol":"11","page":54},{"text":"فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْبَيْضَاءُ، قال: فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُسْأَلُ (١) عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ. [ن ١٢٢٥، ن ٤٥٤٥، ٤٥٤٦، جه ٢٢٦٤، ط ٢/ ٦٢٤/ ٢٢، ك ٢/ ٣٨، حم ١/ ١٧٥]\n===\n(فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، قال) أبو عياش: (فنهاه) أي نهى سعد أبا عياش (عن ذلك) أي بيع البيضاء بالسلت (وقال) أي سعد: (سمعت رسول الله - ﷺ - يسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله - ﷺ -: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهاه عن ذلك) أي عن شراء التمر بالرطب.\nأما بيع البيضاء بالسلت فما قال فيه سعد - ﵁ - من النهي عنه إن كان محمولًا على البيع يدًا بيد، فقوله محمول على الورع والاحتياط؛ بأن مشابهته بالحنطة أوقعت الشبهة فيه، فنهاه عنه احتياطًا، ولكن الحكم فيه أنهما نوعان مختلفان، فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا إذا كان يدًا بيد، كما يجوز بيع الحنطة بالشعير متفاضلًا إذا كان يدًا بيد.\nوأما إذا حمل على النسيئة فذاك لا يجوز، لما تقدم من حديث عبادة بن الصامت: \"ولا بأس ببيع البر بالشعير- والشعير أكثرُهما- يدًا بيد، وأما نسيئة فلا\".\nوأما شراء الرطب بالتمر فهو مختلف فيه إذا كان يدًا بيد، قال في \"البدائع\" (٢): وبيع التمر بالرطب، والرطب بالرطب، أو بالتمر، والمنقع بالمنقع، والعنب بالزبيب اليابس، واليابس بالمنقع، والمنقع بالمنقع، متساويًا في الكيل، فهل يجوز؟ .\n_________\n(١) في نسخة: \"سئل\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٠٨ - ٤١٠).","vol":"11","page":55},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال أبو حنيفة: كل ذلك جائز، وقال أبو يوسف: كله جائز إلَّا بيع التمر بالرطب، وقال محمد: كله فاسد إلَّا بيع الرطب بالرطب، والعنب بالعنب، وقال الشافعي (١): كله باطل.\nفأبو حنيفة يعتبر المساواة في الحال عند العقد، ولا يلتفت إلى النقصان في المآل، ومحمد يعتبرها حالًاومآلًا، واعتبار أبي يوسف مثل اعتبار أبي حنيفة إلَّا في الرطب بالتمر، فإنه يفسده بالنص.\nوأصل الشافعي - ﵀ - ما ذكرنا في مسألة علة الربا، أن حرمة بيع المطعوم بجنسه هي الأصل، والتساوي في المعيار الشرعي مع اليد مخلص، إلَّا أنه يعتبر التساوي ها هنا في المعيار الشرعي في أعدل الأحوال، وهي حالة الجفاف.\nواحتج أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله- بما روي عن سعد بن\n_________\n(١) وبه قال الأئمة الباقية، كما في \"المغني\" (٦/ ٦٧) وفي حاشية \"الموطأ\" للإمام محمد، [انظر: \"التعليق الممجد\" (٣/ ٩٦ - ١٩٧)]، قال محمد بعد حديث الباب: وبهذا نأخذ، لا خير في أن يشتري الرجل قَفِيز رطب بقفيز تمرٍ؛ لأن الرُّطب ينقُصُ إذا جفَّ، فيصير أقل من قفيز، فلذلك فسد البيع فيه.\nوالحاصل: أن البيع لا يجوز فيه عنده وعندهم، وعند الإِمام جائز؛ لأنهما إما نجس واحد، فيجوز مثله بمثل، أو جنسان، فيجوز كيف شاؤوا؛ وأجاب عن الحديث صاحب \"الهداية\" (٣/ ٦٤) بأن مداره على زيد بن عياش، وهو مجهول، وأجيب أيضًا بأن الحديث محمول على النسيئة، كما يدل عليه الحديث الآتي عند أبي داود.\nوبسطه الوالد في تقرير الترمذي بأن قوله: \"أينقص ... \" إلخ، إشارة إلى علة الحرمة؛ وبما في هامش \"الهداية\" عن \"المبسوط\": أن الحديث إن صح محمول على مال اليتيم إشفاقًا عليه ... إلخ.\nقلت: ويؤيده أن الشامي (٧/ ٤١٣) صرَّح بأنه لا يجوز بيع الرديء بالجيد في مال اليتيم، وفي \"البحر\" (٦/ ١٤٤): لو صحَّ الحديث فهو مخالف للروايات الشهيرة: \"التمر بالتمر مثلًا بمثل، وإذا اختلف فكيف شئتم\". (ش).","vol":"11","page":56},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبي وقاص - ﵁ -: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الرُّطَب بالتمر\"، وقال ﵇: \"إنَّه ينقُصُ إذا جَفَّ\" (١). بين ﵇ الحكَم وعلته، وهي النقصان عند الجفاف، فمحمد - ﵀ - عدَّى هذا الحكم إلى حيث تعدت العلة، وأبو يوسف - ﵀ - قصره على محل النص؛ لكونه حكمًا ثبت على خلاف القياس.\nولأبي حنيفة - ﵀ - الكتاب الكريم والسنَّة المشهورة؛ أما الكتاب: فعمومات البيع من نحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢)، وقوله عزَّ شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣)، فظاهر النصوص يقتضي جواز كل بيع إلَّا ما خص بدليل، وقد خص البيع متفاضلًا على المعيار الشرعي، فبقي البيع متساويًا على ظاهر العموم.\nوأما السنَّة المشهورة: فحديث أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت - ﵄- حيث جَوَّز رسول الله - ﷺ - بيعَ الحِنْطة بالحنطة، والشعير بالشعيرِ، والتمر بالتمر، مثلًا بمثلٍ عامًا مطلقًا من غير تخصيص وتقييد، ولا شك أن اسم الحنطة والشعير يقع على كل جنس الحنطة والشعير على اختلاف أنواعهما وأوصافهما، وكذلك اسم التمر يقع على الرطب والبسر؛ لأنه اسم لثمر النخل لغة، فيدخل فيه الرطب واليابس والمذنب والبسر والمنقع.\nوروي أن عامل خيبر أهدى إلى رسول الله - ﷺ - تمرًا جنيبًا، فقال ﵊: \"أو كلُّ تمر خيبرَ هكذا\" (٤)؟ وكان أهدى إليه رطبًا، فقد أطلق ﵊ اسم التمر على الرطب.\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٦٢٤).\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٧٥.\n(٣) سورة النساء: الآية ٢٩.\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\"ح (٢٢٠٢)، و\"صحيح مسلم\" ح (١٥٩٣).","vol":"11","page":57},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ نَحْوَ (١) مَالِكٍ.\n٣٣٦٠ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سلَّام -، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ،\n===\nوروي \"أنه نهى ﵊ عن بيع التمْر حتى يَزْهُوَ أي يحمر أو يصفر\" (٢)، وروي \"حتى يحمارُّ أو يصفارُّ\" (٣)، والإحمرار والإصفرار من أوصاف البسر، فقد أطلق ﵊ اسم التمر على البسر، فيدخل تحت النص.\nوأما الحديث فمداره على زيد بن عياش، وهو ضعيف عند النقلة، فلا يقبل في معارضة الكتاب والسنَّة المشهورة، ولهذا لم يقبله أبو حنيفة في المعارضة بالحديث المشهور، مع أنه كان من صيارفة الحديث، وكان من مذهبه تقديم الخبر، وإن كان في حد الآحاد على القياس، بعد أن كان راويه عدلًا ظاهر العدالة، أو يأوِّله، فيحمله على بيع التمر بالرطب نسيئة، أو تمرًا من مال اليتيم توفيقًا بين الدلائل صيانةً لها عن التناقض، والله ﷾ أعلم.\n(قال أبو داود:) و(رواه إسماعيل بن أمية نحو مالك) أخرجه النسائي (٤).\n٣٣٦٠ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، نا معاوية - يعني ابن سلام - عن يحيى بن أبي كثير، أخبرنا عبد الله) بن زيد، (أن أبا عياش أخبره،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حديث\".\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٥)، ومسلم في \"صحيحه\" برقم (١٥٣٥)، وأبو داود في \"سننه\" برقم (٣٣٦٨).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" ح (٢١٩٧) و\"صحيح مسلم\" ح (١٥٥٥).\n(٤) \"سنن النسائي\" (٧/ ٢٦٩) رقم (٤٥٤٦)، وأيضًا أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨/ ٣٢) رقم (١٤١٨٦)، وأحمد في \"مسنده\" (١/ ١٧٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٨)، والبيهقي في \"سننه\" (٥/ ٢٩٤).","vol":"11","page":58},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ يَقُولُ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً\". [ق ٥/ ٢٩٤، ك ٢/ ٣٩] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ أَبِى أَنَسٍ عَنْ مَوْلًى لِبَنِى مَخْزُومٍ عَنْ سَعْدٍ نَحْوَهُ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1307>(١٩) بَابٌ: في الْمُزَابَنَةِ</span>\n٣٣٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ،\n===\nأنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الرطب بالتمر نسيئة).\n(قال أبو داود: رواه عمران بن أبي أنس (٢) عن مولى لبني مخزوم) وهو زيد بن عياش أبو عياش (عن سعد نحوه).\n\n(١٩) (بَابٌ: في الْمُزَابَنَةِ)\nقال القاري (٣): في \"شرح السنَّة\": المزابنة بيع التمر على الشجر بجنسه موضوعًا على الأرض، من الزبن، وهو الدفع؛ لأن أحد المتابعين إذا وقف على غبن فيما اشتراه أراد فسخ العقد، وأراد الآخر إمضاءه، وتزابنا، أي تدافعا، وكل واحد يدفع صاحبه عن حقه لما يزداد منه، وخص بيع التمر على رؤوس النخل بجنسه بهذا الاسم؛ لأن المساواة بينهما شرط، وما على الشجر لا يحصر بكيل ولا وزن، وإنما يكون مقدرًا بالخرص وهو حدس (٤) وظن لا يؤمن فيه من التفاوت.\n٣٣٦١ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن أبي زائدة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن النبي - ﷺ -\".\n(٢) أخرج روايته الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٣)، ومن طريقه البيهقي في \"سننه\" (٥/ ٢٩٥).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٦٩).\n(٤) قوله: \"حدس\" تحرَّف في الأصل بـ \"حدث\".","vol":"11","page":59},{"text":"عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَعَنْ بَيْعِ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا. [خ ٢١٧١، م ١٥٤٢، ن ٤٥٣٤، جه ٢٢٦٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1308>(٢٠) بَابٌ: في بَيْعِ الْعَرَايَا</span>\n٣٣٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- رَخَّصَ فِى بَيْعِ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ. [ن ٤٥٣٧، حم ٥/ ١٨١]\n===\nعن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄-: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الثمر) إذا كان على النخل (بالتمر) الموضوع على الأرض (كيلًا) أي بمكيل موضوع على الأرض، فإن ما على النخل لا يمكن أن يكال (وعن بيع العنب) إذا كان على الكرم (بالزبيب) أي الموضوع على الأرض (كيلًا) أي بكيل الزبيب (وعن بيع الزرع بالحنطة كيلًا) وهذه المسألة متفق عليها بين الأئمة.\n\n(٢٠) (بَابٌ: في بَيْعِ الْعَرَايَا)\n٣٣٦٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - رخص في بيع العرايا) أي في بيع ثمر العرايا؛ لأن العرايا هي النخل (بالتمر والرطب) أي بيع التمر (١) بالرطب.\n_________\n(١) بل الظاهر في معناه بيع العرية بالتمر والرطب، واستدل بذلك من أجاز بيعها بالرطب، وأنكره الجمهور، فقالوا: لا يجوز بيعها إلَّا بالتمر، ولا يجوز بالرطب، كما بسطه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٢/ ٤٤، ٤٥، ٥١ - ٥٣)، وتكلم عن الروايات الواردة فيها لفظ الرطب وضعفها. (ش).","vol":"11","page":60},{"text":"٣٣٦٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ (١) وَرَخَّصَ فِى الْعَرَايَا (٢) أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا: يَأْكُلُهَا (٣) أَهْلُهَا رُطَبًا\". [خ ٢١٩١، م ١٥٤٠، ت ٣٠٣، ن ٤٥٤٢، ق ٥/ ٣٠٩]\n===\n٣٣٦٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمر) الموجود على النخل (بالتمر، ورخص في العرايا أن تباع بخرصها: يأكلها) أي ثمر العرايا (أهلها رطبًا).\nقال القاري (٤): قال النووي: العرية أن يخرص الخارص نخلات فيقول: هذا الرطب إذا يبس يحصل منه ثلاثة أوسق من التمر مثلًا، فيبيعه لغيره بثلاثة أوسق تمرًا، ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشتري التمر، ويسلم البائِع النخل، وهذا فيما دون خمسة أوسق، ولا يجوز فيما زاد عليه، وفي جوازه في خمسة أوسق قولان للشافعي، أصحهما يجوز؛ لأن الأصل تحريم بيع التمر بالرطب، وجاء في العرايا رخصة، والأصح جوازه للفقراء والأغنياء، و[أنه لا يجوز] في غير الرطب والعنب من الثمار، وفي قول ضعيف أنه مختص بالفقراء، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (٥): وتفسير العرية عندنا ما ذكره مالك بن أنس في \"الموطأ\"، وهو: أن يكون لرجل نخيل، فيعطي رجلًا منها ثمرة نخلة أو نخلتين يلقطهما لعياله، ثم يثقل عليه دُخولُه حائطه، فيسأله أن يتجاوز له عنها على أن\n_________\n(١) في نسخة: \"بيع التمر بالتمر\".\n(٢) في نسخة: \"العرية\".\n(٣) في نسخة: \"فيأكلها\".\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٧٢)، وانظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٤٥٣).\n(٥) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٢٠).","vol":"11","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1309>(٢١) بَابٌ: في مِقْدَارِ الْعَرِيَّةِ</span>\n٣٣٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ مَوْلَى ابْنِ أَبِى أَحْمَدَ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ لَنَا (١) الْقَعْنَبِىُّ فِيمَا قَرَأَ عَلَى مَالِكٍ: عَنْ أَبِى سُفْيَانَ (٢)،\n===\nيعطيه بمكيلتها تمرًا عند صِرام النخل، وذلك ما لا بأس به عندنا؛ لأنه لا بيع هناك، بل التمر كله لصاحب النخل، [فإن شاء سَلَّم له ثمر النخل]، وإن شاء أعطاه بمكيلتها من التمر، إلَّا أنه سماه الراوي [بيعًا]، لتصوره بصور البيع، لا أن يكون بيعًا حقيقة، بل هو عطية.\nألا ترى أنه لم يملكه المعرى له لانعدام القبض، فكيف يجعل بيعًا؟ ولأنه لو جعل بيعًا لكان بيع التمر بالتمر إلى أجل، وأنه لا يجوز بلا خلاف، دل على أن العرية المرخص فيها ليست ببيع حقيقة، بل هي عطية، ولأن العرية هي العطية لغةً، قال حسان بن ثابت - ﵁ -:\nلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَبِيَّةٍ ... وَلَكِنْ عَرَايَا في السِّنِين الجَوَائِحِ\nانتهى. قلت: تفسير مالك حكاه الإِمام محمد في \"موطئه\" (٣).\n\n(٢١) (بَابٌ: في مِقْدَارِ الْعَرِيَّةِ)\n٣٣٦٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا مالك، عن داود بن الحصين، عن مولى ابن أبي أحمد) هو أبو سفيان، قيل: اسمه وهب، وقيل: قزمان، ثقةٌ (قال أبو داود: وقال لنا القعنبي فيما قرأ) وفي نسخة فيما قرأت (على مالك: عن أبي سفيان) بدل قوله: عن مولى ابن أبي أحمد.\nحاصله يقول أبو داود: أن عبد الله بن مسلمة حدثنا حين حدثنا هذا\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) انظر: \"التعليق الممجد\" (٣/ ١٨١ - ١٨٧).","vol":"11","page":62},{"text":"وَاسْمُهُ قُزْمَانُ مَوْلَى ابْنِ أَبِى أَحْمَدَ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَخَّصَ فِى بَيْعِ الْعَرَايَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ\" شَكَّ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ. [خ ٢١٩٠، م ١٥٤١، ت ١٣٠١، ن ٤٥٤١، حم ٢/ ٢٣٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>(٢٢) بَابُ تَفْسِيرِ الْعَرَايَا</span>\n٣٣٦٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ،\n===\nالحديث، عن مالك قال: عن داود بن الحصين، عن مولى ابن أبي أحمد، قال أبو داود: وقال لنا شيخنا القعنبي، وهو عبد الله بن مسلمة فيما قرأت على مالك، كان فيه: عن أبي سفيان، ولم يكن فيه مولى ابن أبي أحمد، ولكنهما واحد.\nقال أبو داود: (واسمه قزمان مولى ابن أبي أحمد) انتهى قول أبي داود.\n(عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - رخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق، شك داود بن الحصين) قال أبو داود: حديث جابر (٢) إلى أربعة أوسق (٣).\n\n(٢٢) (بَابٌ: في تَفْسِيرِ الْعَرَايَا)\n٣٣٦٥ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، نا ابن وهب،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) ذكره ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٢/ ٥٣، ٥٤) وبه استدل من قال: لا يجوز في خمسة أوسق بل فيما دونها. (ش).\n(٣) أخرج رواية جابر أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٦٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١١/ ٣٨١) رقم (٥٠٠٨).","vol":"11","page":63},{"text":"أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: \"الْعَرِيَّةُ: الرَّجُلُ (١) يُعْرِى الرَّجُلَ النَّخْلَةَ، أَوِ الرَّجُلُ يَسْتَثْنِى مِنْ مَالِهِ النَّخْلَةَ وَ(٢) الاِثْنَتَيْنِ يَأْكُلُهَا (٣) فَيَبِيعُهَا بِتَمْرٍ. [ق ٥/ ٣١٠]\n٣٣٦٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: \"الْعَرَايَا: أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ الرَّجُل (٤) النَّخَلَاتِ، فَيَشُقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا فَيَبِيعَهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا\". [ق ٥/ ٣١٠]\n===\nأخبرني عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد الأنصاري أنه قال: العرية: الرجل يعري) أي يعطي (الرجل) ثمر (النخلة، أو الرجل يستثني من ماله النخلة والاثنتين يأكلها) أي المعرى له (فيبيعها) أي المعرى له النخلة (بتمر)، وهذا التفسير ليس بمخالف مذهب أبي حنيفة - ﵀ - إن كان معنى قوله: \"يبيعها\" أي يبيع المعرى له من المعري بتمر، وإن قدر من غير المعرى له (٥) يكون مخالفًا.\n٣٣٦٦ - (حدثنا هناد بن السري، عن عبدة، عن ابن إسحاق قال: العرايا: أن يهب الرجل الرجل النخلات) أي ثمرتها (فيشق عليه) أي على الواهب (أن يقوم عليها) أي يقوم الموهوب له على ثمرات النخيل (فيبيعها) أي يبدلها ويعوضها (بمثل خرصها) أي تمرًا، وهذا التفسير أيضًا موافق لما فسر به أبو حنيفة - ﵀ -.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أن\".\n(٢) في نسخة: \"أو\" بدل \"و\".\n(٣) في نسخة: \"ليأكلها\".\n(٤) في نسخة: \"للرجل\".\n(٥) كذا في الأصل، والصواب: \"من غير المُعْرِي\". (ع).","vol":"11","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1311>(٢٣) بَابٌ: في بَيْعِ الثمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا</span>\n٣٣٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ\". [خ ٢١٩٤، م ١٥٣٤، ت ١٢٢٧، ن ٤٥١٩، جه ٢٢١٤]\n٣٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ\n===\n\n(٢٣) (بابٌ: في بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ (١) صَلاحُهَا)\n٣٣٦٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو) أي يظهر (صلاحها) ويمكن الانتفاع بها (نهى البائع) عن البيع كيلا يكون آخذ مال المشتري بلا مقابلة شيء، (و) نهى (المشتري) عن الشراء كيلا يتلف ثمنه بتقدير تلف الثمار.\n٣٣٦٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع النخل) أي ثمرتها\n_________\n(١) وفي الباب تفاصيل بسطت في هامش \"الموطأ\" للإمام محمد. [انظر: \"التعليق الممجد\" (١٣/ ٨٨، ١٨٩)]، وما ذكر فيه من المتفقات حكى فيها بعض الخلاف ابن رشد في \"البداية\" (٢/ ١٤٩ - ١٥٣)، والدردير (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٧)، وإجمالها كما في \"البحر\" (٥/ ٣٠٠) وغيره: أن بيع الثمر قبل الظهور لا يجوز اتفاقًا لانعدام المبيع، وبعد بدو الصلاح بشرط القطع صحيح اتفاقًا، وبشرط الترك لا يجوز إجماعًا، وأما مطلقًا أي بدون شرط القطع أو الترك ففيه خلاف، عند الأئمة الثلاثة لا يجوز لروايات الباب، وعندنا يجوز، والجواب عن الروايات: أنها محمولة على ما قبل الظهور، وبأنها محمولة على ما إذا اشترط الترك، وبأنهم أيضًا تركوا الروايات، فأجازوا البيع قبل البدو بشرط القطع، فهي متروكة الظاهر إجماعًا ... إلخ. (ش).","vol":"11","page":65},{"text":"حَتَّى تَزْهُوَ، وَعَنِ (١) السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِىَ. [م ١٥٣٥، ت ١٢٢٦، ن ٤٥٥١، حم ٢/ ٥، ق ٥/ ٢٩٩]\n٣٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عَنْ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الْغَنَائِمِ\n===\n(حتى تزهو) فالنخل يذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (٢) و﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٣).\nقال الخطابي (٤): هكذا، والصواب في العربية تُزهي من أزهى النخل احمرَّ واصفرَّ، وذلك علامة الصلاح فيه، وخلاصه من الآفة، وفيه أنه قد جاء في اللغة: زهت النخل وأزْهت، وفي \"القاموس\": زها النخل: طال، كأزْهى، والبسر: تلوَّن، كأزْهى وزهَّى.\n(وعن السنبل) أي نهى عن بيع السنبل (حتى يبيض) بتشديد المعجمة، أي يشتد حبه (ويأمن العاهة) أي الآفة، والجملة من باب عطف التفسير، قال ابن الملك: فيه جواز بيع الحب في سنبله، وبه قلنا تشبيهًا بالجوز واللوز يباعان في قشرهما (نهى البائع والمشتري).\n٣٣٦٩ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، نا شعبة، عن يزيد بن خمير، عن مولى لقريش) قال المنذري (٥): فيه رجل مجهول، انتهى. ولم أقف أن مولى لقريش من هو، لم أجده في كتب الرجال، (عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الغنائم) جمع غنيمة، وهي المال الذي حصل في الحرب\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بيع\".\n(٢) سورة الحاقة: الآية ٧.\n(٣) سورة القمر: الآية ٢٠.\n(٤) \"معالم السنن\" (٣/ ٨٣).\n(٥) \"مختصر المنذري\" (٣/ ٢٥٣).","vol":"11","page":66},{"text":"حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُحْرَزَ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ (١)، وَأَنْ يُصَلِّىَ الرَّجُلُ بِغَيْرِ حِزَامٍ\". [حم ٢/ ٣٨٧، ق ٢/ ٢٤٠]\n٣٣٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ قال: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ، قِيلَ: وَمَا تُشَقِّحُ؟ قَالَ: \"تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا\". [خ ٢١٩٦، م ١٥٣٦]\n===\nمن الكفار (حتى تقسم) فإن الغنائم قبل القسمة غير مملوكة للغانمين، وإنما لهم حق فيها (وعن بيع النخل) أي ثمرتها (حتى يحرز) أي يحفظ (من كل عارض) أي عاهة وآفة (وأن يصلي الرجل بغير حزام) أي من غير شد الحزام على وسطه؛ لأنه يخاف كشف العورة.\n٣٣٧٠ - (حدثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي، نا يحيى بن سعيد، عن سليم بن حيان قال: نا سعيد بن ميناء) بكسر الميم ومد النون (٢)، المكي، ويقال: المدني، أبو الوليد، مولى البختري ابن أبي ذباب، قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي في \"الجرح والتعديل\": ثقة.\n(قال: سمعت جار بن عبد الله يقول: نهى رسول الله - ﷺ - أن تباع الثمرة حتى تُشْقِحَ، قيل) لجابر: (وما تشقح؟) أي وما معنى هذا؟ (قال: تحمارُّ وتصفارُّ) الواو بمعنى أو، أي (٣) بعضها تحمارُّ وبعضها تصفارُّ (ويؤكل منها) أي يكون قابل الأكل.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عاهة\".\n(٢) وفي \"الإكمال\" (٧/ ٣٠٧) بكسر الميم وبعد الياء نون يمد ويقصر، فمن مدَّه كتبه بالألف، ومن قصره كتبه بالياء.\n(٣) قوله: \"أي\" كذا في الأصل، والصواب بدله: \"أو المراد\". (ش).","vol":"11","page":67},{"text":"٣٣٧١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ. [ت ١٢٢٨، جه ٢٢١٧، حم ٣/ ٢٢١، قط ٣/ ٤٧، ق ٥/ ٣٠١، ك ٢/ ١٩]\n٣٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِى يُونُسُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الزِّنَادِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ (١) قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَمَا ذُكِرَ فِى ذَلِكَ، فَقَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ: قَدْ أَصَابَ الثَّمَرَ (٢) الدُّمَانُ،\n===\n٣٣٧١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو الوليد، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد) فالعنب أول ما يكون أخضر، ثم يميل إلى السواد، ويكون قابلًا للأكل.\n٣٣٧٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة بن خالد، حدثني يونس قال: سألت أبا الزناد عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وما ذكر في ذلك) من الأحاديث (فقال) أبو الزناد: (كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة، عن زبد بن ثابت قال: كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جد الناس) أي قطع الناس المشترون الأثمار (وحضر تقاضيهم) أي من البائعين.\n(قال المبتاع) أي المشتري: (قد أصاب الثمر الدُّمان) بالضم، قال\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"التمر\".\n(٢) في نسخة بدله: \"التمر\".","vol":"11","page":68},{"text":"وَأَصَابَهُ قُشَامٌ، وَأَصَابَهُ مُرَاضٌ، عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا، فَلَمَّا كَثُرَتْ خُصُومَتُهُمْ عِنْدَ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا: «فَإِمَّا لَا فَلَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَةَ (١) حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُه» (٢)، لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ. [خت ٢١٩٣]\n٣٣٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،\n===\nالخطابي (٣): هو بالضم؛ لأن ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم كالسُّعال والزُّكام، قال في \"المجمع\" (٤): الدَّمَان بالفتح والخفة: فساد الثمر وعفنه قبل إدراكه حتى يسود من الدمن، وهو السرقين، ويقال: الدمال باللام بمعناه، وعند الخطابي بالضم، وكأنه أشبه كالسعال والنُّحاز والزكام من الأدواء، والقُشام والمُراض وهما بالضم من آفات الثمرة.\n(وأصابه قُشام) وهو بالضم: أن ينتقص ثمره قبل أن يصير بلحًا (وأصابه مراض) بالضم: داء يقع في الثمرة فتهلك (عاهات) بتقدير المبتدأ أي هي (يحتجون بها) ويمتنعون بها عن أداء ثمن الثمر (فلما كثرت خصومتهم عند النبي - ﷺ -، قال رسول الله - ﷺ - كالمشورة (٥) يشير بها: فإما لا) إن شرطية وما زائدة، أي لا تتركون هذا البيع (٦) (فلا تبتاعوا الثمرة حتى يبدو صلاحه) ويأمن عن العاهة، فلا تقع الخصومة (لكثرة خصومتهم واختلافهم) أي أمر بذلك لهذا.\n٣٣٧٣ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، نا سفيان،\n_________\n(١) في نسخة: \"تتبايعوا التمر\".\n(٢) في نسخة: \"صلاحها\".\n(٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٩٧).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٠٣).\n(٥) قال الباجي (٦/ ١٤٦): الذي روي عن ابن عمر التحريم فلا ينافي تأويل زيد، ويحتمل أنه قال أوّلا كالمشورة ثم حرمه ... إلخ. (ش).\n(٦) كذا في الأصل، والصواب بدله: \"إن لم تتركوا الخصومة\". (ش).","vol":"11","page":69},{"text":"عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا يُبَاعُ إلَّا بِالدَّنَانيرِ أَوْ بِالدِّراهِمِ (١) إلَّا الْعَرَايَا. [خ ٢١٨٩، حم ٣/ ٣٦٠، جه ٢٢١٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>(٢٤) بَابٌ: في بَيْعِ السِّنِينِ</span>\n٣٣٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَوَضَعَ الْجَوَائِحَ (٢). [م ١٥٥٤، ن ٤٥٢٩، جه ٢٢١٨، حم ٣/ ٣٠٩]\n===\nعن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع التمر حتى يبدو صلاحه، ولا يباع إلَّا بالدنانير أو بالدراهم إلَّا العرايا) وقد تقدم بيان العرايا قريبًا.\n\n(٢٤) (بَابٌ: في بَيْعِ السِّنينَ)\n٣٣٧٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: نا سفيان، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع السنين) بكسر السين، جمع السَّنة، بفتحها، وهي بيع المعاومة، والمراد بيع ما تحمله هذه الشجرة مثلًا سنة فأكثر، وهذا البيع باطل؛ لأنه بيع ما لم يخلق فهو بيع المعدوم (ووضع الجوائح) وفي رواية \"مسلم\" (٣): \"وأمر بوضع الجوائح\" بفتح الجيم، جمع جائحة، وهي الآفة المستأصلة تصيب الثمار ونحوها بعد الزهو فتهلكها، بأن يترك البائع ثمن ما تلف.\n_________\n(١) في نسخة: \"بالدينار أو الدرهم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: لم يصح عن النبي - ﷺ - في الثلث شيء، وهو رأي أهل المدينة\".\n(٣) ورواه الشافعي عن سفيان بسنده بلفظ: \"ولم يوضع الجوائح\"، كذا في \"الدرجات\" (ص ١٣٧). (ش).","vol":"11","page":70},{"text":"٣٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْمُعَاوَمَةِ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: بَيْعِ السِّنِينَ. [م ١٥٣٦، ت ١٣١٣، ٢٢٦٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1313>(٢٥) بَابٌ: في بَيْعِ الْغَرَرِ</span>\n٣٣٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِى شَيْبَةَ قَالَا:\n===\nقال ابن الملك: وهذا أمر ندب (١) عند الأكثرين؛ لأن ما أصاب المبيع بعد القبض فهو في ضمان المشتري، خلافًا لمالك، قال الطحاوي: هذا في الأراضي الخراجية، وحكمها إلى الإِمام لوضع الجوائح لما فيه من مصالح المسلمين ببقاء العمارة (٢).\n٣٣٧٥ - (حدثنا مسدد، نا حماد، عن أيوب، عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - نهى عن المعاومة) وهي مفاعلة من العام، كالمسانهة من السنَّة، والمشاهرة من الشهر (وقال أحدهما) يعني من أبي الزبير وسعيد بن ميناء: (بيع السنين) يعني اختلف أبو الزبير وسعيد بن ميناء فقال أحدهما: \"المعاومة\"، وقال الآخر: \"بيع السنين\"، ومعناهما واحد.\n\n(٢٥) (بَابٌ: في بَيْعِ الْغَرَرِ)\nأي البيع الذي يكون فيه غرر البائع أو المشتري، فيدخل فيه بيوع كثيرة من كل مجهول، وبيع الآبق، وغير مقدور التسليم، فهذا أصل كبير في البيوع\n٣٣٧٦ - (حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا:\n_________\n(١) وفي \"الدرجات\" (ص ١٣٧): أمر ندب عند الأكثر، وقال أحمد وجماعة من المحدثين: أمر وجوب ولازم أن يوضع قدر ما هلك. (ش).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٦٥).","vol":"11","page":71},{"text":"نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (١)، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. زَادَ عُثْمَانُ: وَالْحَصَاةِ. [م ١٥١٣، ت ١٢٣٠، ن ٤٥١٨، جه ٢١٩٤، حم ٢/ ٢٥٠، ق ٥/ ٣٣٨، قط ٥/ ١٣ - ١٦]\n٣٣٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَهَذَا لَفْظُهُ، قَالَا، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، أَنَّ النَّبِىَّ (٢) -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ،\n===\nنا ابن إدريس، عن عبيد الله، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الغرر) أي عن البيع الذي فيه الغرر (٣).\n(زاد عثمان: والحصاة) أي وعن بيع الحصاة، وهو أن يقول أحد العاقدين: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع، وقيل ذلك في الخيار، فهذا يتضمن إثبات الخيار إلى أجل مجهول، أو هو أن يرمي حصاة في قطيع غنم، فأيّ شاة أصابتها كانت مبيعة، وهو يتضمن جهالة المبيع.\n٣٣٧٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن عمرو بن السرح، وهذا لفظه، قالا: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي - ﷺ - نهى عن بيعتين) بفتح الموحدة، أي نوعين من البيع (وعن لبستين) بكسر اللام، أي وعن نوعين من اللبس.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن أبي الزياد\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) وقال الدردير (٤/ ٩٠): وهو بيع قدر من الأرض مبدؤه من الرامي بالحصاة إلى منتهاها، أو بيع يلزم بوقوعها من يد أحدهما، أي متى سقطت لزم البيع، أو بيع يلزم على ما تقع عليه الحصاة من الثياب بلا قصد من الرامي بشيء معين للجهل لمعين المبيع، أو هو بيع يلزم بعدد ما يقع من الحصاة، بأن يقول له: ارم بالحصاة، فما خرج كان لي بعدده دنانير أو دراهم ... إلخ. (ش).","vol":"11","page":72},{"text":"أَمَّا الْبَيْعَتَانِ فَالْمُلَامَسَةُ وَالْمُنَابَذَةُ، وَأَمَّا اللِّبْسَتَانِ فَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِىَ الرَّجُلُ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ أَوْ (١) لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَىْءٌ. [خ ٦٢٨٤، م ١٥١٢، ن ٤٥١٢، جه ٢١٧٠، حم ٣/ ٦]\n٣٣٧٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ،\n===\nو(أما البيعتان فالملامسة) وهي لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلبه إلَّا بذلك، أي لا يلمسه إلَّا لسبب البيع من غير أن يجري بينهما إيجاب وقبول في اللفظ، قاله القاري (٢).\n(والمنابذة) أي ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض، قال القاري: ونقل عن \"الفتح\": فالملامسة أن تجعل اللمس نفس العقد أو قاطعًا للخيار، والمنابذة أن تجعل نبذ المبيع كذلك.\n(وأما اللبستان فاشتمال الصمَّاء) بفتح مهملة وتشديد ميم ممدودة، أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه، ليس عليه ثوب (وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه، أو ليس على فرجه منه شيء) مما يستره.\n٣٣٧٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - بهذا الحديث) المتقدم.\n_________\n(١) في نسخة: \"و\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٨١).","vol":"11","page":73},{"text":"زَادَ: فَاشْتِمَالُ (١) الصَّمَّاءِ: يَشْتَمِلَ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَضَعُ طَرَفَىِ (٢) الثَّوْبِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ وَيُبْرِزُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ (٣) وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولَ: إِذَا نَبَذْتُ (٤) هَذَا الثَّوْبَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَالْمُلَامَسَةُ: أَنْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ وَلَا يَنْشُرُهُ وَلَا يُقَلِّبُهُ، فَإِذَا مَسَّهُ وَجَبَ الْبَيْعُ. [انظر سابقه]\n٣٣٧٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا. [خ ٢١٤٤، م ١٥١٢، ن ٤٥١٥]\n٣٣٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ،\n===\n(زاد) أي عبد الرزاق: (فاشتمال الصماء: يشتمل في ثوب واحد يضع طرفي الثوب على عاتقه الأيسر ويبرز) أي يظهر (شقه) أي جانبه (الأيمن، والمنابذة أن يقول: إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع) من غير إيجاب وقبول ولا تراضٍ (والملامسة: أن يمسَّه بيده ولا ينشره ولا يقلبه، فإذا مسه وجب البيع) رضي أم لا.\n٣٣٧٩ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، نا يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، أن أبا سعيد الخدري قال: نهى رسول الله - ﷺ -، بمعنى حديث سفيان وعبد الرزاق جميعًا).\n٣٣٨٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع،\n_________\n(١) في نسخة: \"واشتمال\".\n(٢) في نسخة: \"طرف\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٤) زاد في نسخة: \"إليك\".","vol":"11","page":74},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ. [خ ٢١٤٣، م ١٥١٤، ت ١٢٢٩، ن ٤٦٢٣، حم ١/ ٥٦]\n٣٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- نَحْوَهُ، قَالَ (١): وحَبَلُ الْحَبَلَةِ: أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ بَطْنَهَا ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِى نُتِجَتْ. [خ ٣٨٤٣، م ١٥١٤/ ٥، حم ٢/ ١٥، وانظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1314>(٢٦) بَابٌ: في بَيْعِ الْمُضْطَرِّ</span>\n===\nعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع حبل الحبلة) سيجيء معناه في الحديث الآتي.\n٣٣٨١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - نحوه، قال) عبيد الله: (وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة بطنها ثم تحمل التي نتجت) أي جنين الناقة إذا حملت، فإما يبيع حملها وجنينها، وإما المراد أن يؤجل الثمن إلى إنتاجها.\n\n(٢٦) (بَابٌ: في بَيْعِ الْمُضْطَرِّ)\nقال الخطابي (٢): بيع المضطر يكون من وجهين: أحدهما: أن يكون مضطرًا إلى العقد من طريق الإكراه عليه، فهذا فاسد لا ينعقد، والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه، أو مؤنة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوَكْس من أجل الضرورة، فهذا سبيله في حق الدين. والمروءة أن لا يباع على هذا الوجه، وأن لا يُفْتات عليه بماله، ولكن يُعان ويُقرض ويُستمهل له إلى الميسرة، حتى يكون في ذلك بلاغ، فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جاز في الحكم ولا يفسخ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبو داود\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٨٧).","vol":"11","page":75},{"text":"٣٣٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا صَالِحُ أَبُو عَامِرٍ\n===\nوفي إسناد الحديث رجل مجهول، لا يُدرى من هو؟ إلَّا أن عامة أهل العلم قد كرهوا هذا البيع لهذا الوجه، انتهى.\nوقال في \"الدر المختار\" (١): وفي \"النتف\": بيع المضطر وشراؤه فاسد. قال الشامي: هو أن يضطر الرجل إلى طعام أو شراب أو غيرها ولا يبيعه البائع إلَّا بأكثر من ثمنها بكثير، وكذلك في الشراء منه، كذا في \"المنح\".\nوفيه لف ونشر غير مرتب؛ لأن قوله: \"وكذا في الشراء منه\" مثال لبيع المضطر، أي بأن اضطر إلى بيع شيء من ماله، ولم يرض المشتري إلَّا بشرائه بدون ثمن المثل بغبن فاحش. ومثاله: لو ألزمه القاضي ببيع ماله لإيفاء دينه، أو ألزم الذمي ببيع مصحف أو عبد مسلم ونحو ذلك، انتهى.\n٣٣٨٢ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا هشيم، أنا صالح بن عامر) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): صالح بن عامر، عن شيخ من تميم، عن علي في النهي عن بيع الغرر، وعنه هشيم، كذا قاله محمد بن عيسى بن الطباع عنه، قال المزي: والصواب عن صالح عن عامر، فصالح هو ابن حي، أو ابن رستم بن عامر الخزاز، وعامر هو الشعبي.\nقلت: بل الصواب ثنا هشيم، ثنا صالح أبو عامر، ثنا شيخ من بني تميم، ويؤيد هذا أن أحمد بن حنبل قال في \"مسنده\" (٣): ثنا هشيم، ثنا أبو عامر، ثنا شيخ من بني تميم، وقال سعيد بن منصور في \"السنن\": ثنا هشيم، ثنا صالح بن رستم، عن شيخ من بني تميم، فليس في الإسناد والحالة هذه إلَّا إبدال \"أبو\" بـ \"ابن\" حسب، ولا مدخل للشعبي فيه بوجه من الوجوه.\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار\" (٧/ ٢٤٧).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٩٥).\n(٣) \"مسند أحمد\" (١/ ١١٦).","vol":"11","page":76},{"text":"- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - قال: نَا شَيْخٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ، أَوْ قَالَ قَالَ عَلِىٌّ (١)، قَالَ ابْنُ عِيسَى: هَكَذَا حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: سَيَأْتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِى يَدَيْهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وَيُبَايَعُ الْمُضْطَرُّونَ (٢)، وَقَدْ نَهَى النَّبِىُّ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ، وَبَيْعِ الْغَرَرِ، وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ. [حم ١/ ١١٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>(٢٧) بَابٌ: في الشِّرْكَةِ</span>\n٣٣٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِصِّيصِىُّ (٣) نًا مُحَمَّدُ بْنُ\n===\n(قال أبو داود: كذا قال محمد) أي ابن عيسى، أشار أبو داود إلى أن شيخه محمد بن عيسى قال: \"صالح بن عامر\"، وليس كذلك (قال) صالح: (نا شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي بن أبي طالب، أو قال علي، قال ابن عيسى: هكذا) بالشك (حدثنا هشيم، قال) علي: (سيأتي على الناس زمان عضوض) أي يعض فيه الناس بعضهم بعضًا (يعض الموسر على ما فيه يديه) بخلًا (ولم يؤمر بذلك) أي من الله سبحانه، بل أمر بالجود.\n(قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٤)، ويبايع المضطرون، وقد نهى النبي - ﷺ - عن بيع المضطر) على المعنيين المذكورين (وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك).\n\n(٢٧) (بابٌ: في الشِّرْكَةِ)\nأي شركة الرجلين في مال فيبيعان\n٣٣٨٣ - (حدثنا محمد بن سليمان المصيصي، نا محمد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن أبي طالب\".\n(٢) في نسخة: \"المضطر\".\n(٣) زاد في نسخة: \"لوين\".\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٣٧.","vol":"11","page":77},{"text":"الزِّبْرِقَانِ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ (١) قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ، أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمْ\" (٢). [ق ٦/ ٧٨، ك ٢/ ٥٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1316>(٢٨) بَابٌ: في الْمُضَارِبِ يُخَالِفُ</span>\n٣٣٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن شَبِيبِ بْنِ غَرْقَد قالَ:\n===\nالزبرقان) بكسر زاي وسكون موحدة وكسر راء وبقاف، أبو همام الأهوازي، قال ابن المديني: ثقة، وقال أبو زرعة: صالح وسط، وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ. قلت: وقال ابن شاهين في \"الثقات\": لم يكن صاحب حديث، ولكن لا بأس به، وقال البُرقاني (٣) عن الدارقطني: ثقة.\n(عن أبي حيان التيمي) يحيى (٤) بن سعيد بن حيان، (عن أبيه) سعيد بن حيان، (عن أبي هريرة رفعه) إلى النبي - ﷺ - (قال) أي النبي - ﷺ -: (إن الله تعالى يقول: أنا ثالث الشريكين) أي بالمعاونة وإعطاء البركة فيه (ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهم) فلا أُعينهم، ولا يحصل في مالهم البركة.\n\n(٢٨) (بَابٌ: في الْمُضَارِبِ يُخَالِفُ)\nأي ما شرط عليه رب المال\n٣٣٨٤ - (حدثنا مسدد، نا سفيان (٥)، عن شبيب بن غرقدة قال:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"يرفعه\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بينهما\".\n(٣) في الأصل: \"الزرقاني\"، وهو تحريف، والصواب: \"البرقاني\"، كما في \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١٦٦).\n(٤) تكلم عليه في \"الدرجات\" (ص ١٣٧). (ش).\n(٥) ابن عيينة. (ش).","vol":"11","page":78},{"text":"حَدَّثَنِى الْحَىُّ، عَنْ عُرْوَةَ (١) قَالَ: أَعْطَاهُ النَّبِىُّ -ﷺ- دِينَارًا يَشْتَرِى بِهِ أُضْحِيَةً أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ (٢)، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا (٣) بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِى بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. [خ ٣٦٤٢، ت ١٢٥٨، جه ٢٤٠٢، حم ٤/ ٣٧٥]\n===\nحدثني الحي) وقال (٤) أحمد في \"مسنده\": \"عن شبيب، أنه سمع الحي يخبرون، عن عروة البارقي\"، فمعنى الحي هو القبيلة، (عن عروة) يعني ابن أبي الجعد البارقي، وفي نسخة: ابن الجعد البارقي (قال) عروة: (أعطاه (٥) النبي - ﷺ - دينارًا يشتري به أضحية أو شاة، فاشترى) بالدينار (شاتين، فباع (٦) إحداهما بدينار فأتاه) أي رسول الله - ﷺ - (بشاة (٧) ودينار، فدعا له (٨) بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه)، هذا إما بطريق المبالغة في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن جعد البارقي\".\n(٢) زاد في نسخة بدله: \"ثنتين\".\n(٣) في نسخة: \"أحدهما\".\n(٤) وكذا قال البخاري. (ش).\n(٥) فيه جواز التوكيل بالبيع والشراء. (ش).\n(٦) يشكل على الحنفية إذ قالوا: إن المتطوع يجب مشتراه، لأجل ذلك استدل بهذا الحديث السرخسي في \"المبسوط\" (٢/ ١٧٣) على أن من وجب في ماله الزكاة فباعه، يجوز البيع عندنا، ولم يجز في قدر الزكاة عند الشافعي، إذ هو مشغول بحق الفقراء، فلا يجوز بيعه، ولنا حديث حكيم بن حزام: فإنه - ﷺ - جوَّز بيع الأضحية بعد ما وجب حق الله تعالى فيها، انتهى مختصرًا. ويمكن أن يجاب أن هذه الأضحية كانت واجبة عليه - ﷺ -، وهي لا تتعين بالشراء. ثم رأيت بهذا أجاب الشيخ الكَنكَوهي في \"الكوكب\" (٢/ ٣٠٨). (ش).\n(٧) قيل: فيه حجة للصاحبين فيما إذا وكل رجلًا أن يشتري له رطلًا من اللحم بدرهم، فاشترى به رطلين، فقالا: كلا الرطلين للموكل، وقال الإِمام: الرطل بنصف درهم له، وأجيب بأنه في الحقيقة مؤيد للإمام، إذا أتى بشاة بنصف دينار، انتهى. وبسط الكلام على الحديث ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٩/ ١٠٧). (ش).\n(٨) وفيه بيع الفضولي، كما بسطه الوالد في \"تقريره\"، وفيه خلاف الشافعي كما في \"الهداية\" (٣/ ٦٨)، وذكر ابن الهمام (٧/ ٥٠، ٥١): مالكًا وأحمد مع الحنفية، =","vol":"11","page":79},{"text":"٣٣٨٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، نَا أَبُو الْمُنْذِرِ، نا سَعِيدُ بْنُ\n===\nحصول ربحه ببركة دعائه - ﷺ -، أو محمول على الحقيقة، فإن بعض أنواع التراب يباع.\nومناسبة الحديث بالباب غير ظاهر، إلَّا أن يقال (١): إن المضارب وكيل لرب المال، فإذا خالف إلى خير جاز، كما أن عروة كان وكيلًا لرسول الله - ﷺ -\". فخالف إلى خير، فأجازه رسول الله - ﷺ -.\nقال الخطابي (٢): اختلف العلماء في المضارب إذا خالف رب المال، فروي [عن] ابن عمر - ﵁ - أنه قال: الربح لرب المال، وعن أبي قلابة ونافع: أنه ضامن والربح لرب المال، وبه قال أحمد وإسحاق، وكذلك الحكم عند أحمد في من استوح مالًا فاتَجر فيه بإذن صاحبه أن الربح لرب المال، وقال أصحاب الرأي: الربح للمضارب، ويتصدق به، والوضيعة عليه، وهو ضامن لرأس المال في الوجهين جميعًا.\nوقال الأوزاعي: إن خالف وربح، فالربح له في القضاء، وهو يتصدق به في الورع والفتيا، ولا يصلح لواحد منهما. وقال الشافعي: إذا خالف المضارب نُظِرَ، فإن اشترى السلعة التي لم يرض بها بعين المال، فالبيع باطل، وإن اشتراها بغير العين فالسلعة للمشتري، وهو ضامن للمال، انتهى.\n٣٣٨٥ - (حدثنا الحسن بن صباح، نا أبو المنذر، نا سعيد بن\n_________\n= واستدل لهم بحديث الباب، وللشافعي بقوله - ﷺ -: \"لا تبع ما ليس عندك\"، وسيأتي قريبًا. وقال ابن رشد (٢/ ١٢٩): يجوز عند مالك بيعه وشراؤه معًا، وعند الشافعي لا يجوز معًا، وعند الحنفية يجوز البيع لا الشراء، ثم بسط الدلائل، وبسط الكلام على المسألة في \"المغني\" (٦/ ٢٩٥، ٢٩٦). (ش).\n(١) فإن المضارب إذا خالف يكون متصرفًا في مال الغير على خلاف حكمه، وهذا أيضًا تصرف في ماله - ﷺ - بدون إذنه، فظهرت المناسبة، ولذا استدل به أحمد على المضارب يخالف، كما في \"المغني\" (٧/ ١٦٢، ١٦٣). (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٩١).","vol":"11","page":80},{"text":"زَيْدٍ - هُوَ أَخُو حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ -، نا الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ، عَنْ أَبِى لَبِيدٍ، حَدَّثَنِى عُرْوَةُ الْبَارِقِىُّ، بِهَذَا الْخَبَرِ، وَلَفْظُهُ مُخْتَلِفٌ. [ت ١٢٥٨، قط ٣/ ١٠]\n٣٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ، أَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى أَبُو حُصَيْنٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِى لَهُ\n===\nزيد - أخو حماد بن زيد -، نا الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد، حدثني عروة البارقي، بهذا الخبر) (١) المتقدم (ولفظه مختلف) فيه.\nوقد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (٢)، ولفظه: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا أبو كامل، نا سعيد بن زيد، نا الزبير بن الخِرّيت، ثنا أبو لبيد، عن عروة بن أبي الجعد البارقي قال: عرض للنبي - ﷺ - جلبٌ، فأعطاني دينارًا وقال: \"أي عروة، أثبت الجلب فاشتر لنا شاة\"، فأتيت الجلب فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار، فجئت أسوقهما، أو قال: أقودهما، فلقيني رجل، فساومني، فأبيعه شاة بدينار، فجئتُ بالدينار، وجئتُ بالشاة، فقلت: يا رسول الله، هذه ديناركم، وهذه شاتكم، قال: \"وصنعت كيف\"؟ قال: فحدثته الحديث، فقال: \"اللهم بارك له في صفقة يمينه\"، فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة، فأربح أربعين ألفًا قبل أن أصل إلى أهلي، وكان يشتري الجواري ويبيع.\n٣٣٨٦ - (حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنا سفيان، حدثني أبو حصين، عن شيخ من أهل المدينة) لم يعرف من هو؟ (عن حكيم بن حزام: أن رسول الله - ﷺ - بعث معه بدينار يشتري) أي: حكيم (له) أي: لرسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": هي قصة أخرى. (ش).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٧٦).","vol":"11","page":81},{"text":"أُضْحِيَةً، فَاشْتَرَاهَا بِدِينَارٍ، وَبَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ، فَرَجَعَ فَاشْتَرَى لَهُ أُضْحِيَةً بِدِينَارٍ وَجَاءَ بِدِينَارٍ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- فَتَصَدَّقَ بِهِ النَّبِىُّ -ﷺ-، وَدَعَا لَهُ أَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِى تِجَارَتِهِ. [ت ١٢٥٧، ق ٦/ ١١٢]\n===\n(أضحيةً، فاشتراها بدينار، وباعها بدينارين، فرجع فاشترى (١) أضحيةً بدينار، وجاء بدينار إلى النبي - ﷺ -، فتصدق به النبي - ﷺ -).\nوإنما تصدق به النبي - ﷺ -؛ لأنه حصل له ذلك الدينار في ربح في دينار أخرجه بنية التصدق لله تعالى، فما زاد له به ينبغي أن يكون سبيله التصدق، ولم يتصدق به لكراهة في العقد؛ لأنه لو كان ذلك لأنكر - ﷺ - على حكيم بن حزام.\n(ودعا له أن يبارك له في تجارته).\nقال الخطابي (٢): هذا الحديث بما يحتج به أهل الرأي؛ لأنهم يجيزون بيع مال زيد لعمرو بغير إذن منه، وتوكيل فيه، ويقف على إجازة المالك، فإن أجاز صح، إلَّا أنهم لم يجيزوا الشراء بغير إذنه، وأجاز مالك الشراء والبيع معًا، وكان الشافعي لا يجيز شيئًا من ذلك؛ لأنه غرر لا يدرى هل يجيزه أم لا؟ وكذلك لا يجيز النكاح الموقوف على رضا المنكوحة أو إجازة الولي، غير أن الخبرين معًا غير متصلين؛ لأن في أحدهما وهو رواية حكيم بن حزام رجلًا مجهولًا لا يدرى من هو؟ وفي خبر عروة بأن الحي حدثوه، وما كان هذا سبيله من الرواية لم تقم به الحجة، انتهى.\nقلت: الخطابي وغيره إنما ضعف حديث عروة؛ لأن شبيب بن غرقدة يروي عن الحي، ولم يتعرض لحديث أبي لبيد، فإنه ثابت حجة؛ لأن المنذري قال: وقد أخرج الترمذي حديث شراء الشاة من رواية أبي لبيد لمازة بن زَبَّار عن عروة، وهو من هذا الطريق حسن.\n_________\n(١) فيه جواز شراء الفضولي، واشترطوا فيه أن يضيفه إلى من اشترى له، كذا في \"الكوكب\" (٢/ ٣٠٧). (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٩٠).","vol":"11","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1317>(٢٩) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَتَّجِرُ في مَالِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ</span>\n٣٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، نَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ، أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ صَاحِبِ فَرْقِ الأَرُزِّ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ\"، قَالُوا: وَمَنْ صَاحِبُ الأَرُزِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَذَكَرَ\n===\nوأما الكلام في حديث حكيم بن حزام بأن فيه يروي أبو حصين عن شيخ من أهل المدينة وهو مجهول.\nقلت: أخرج الترمذي (١) من حديث حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام. قلت: لم يقم دليل على أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من حكيم بن حزام، ولا مانع من السماع، ولو سلم فالمرسل عندنا حجة.\n\n(٢٩) (بَابٌ: في الرَّجُل يَتَّجرُ في مَالِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)\n٣٣٨٧ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو أسامة، نا عمر بن حمزة) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني، عن أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: ضعيف، وعن ابن معين: هو أضعف من عمر بن محمد بن زيد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان ممن يخطئ، وأخرج الحاكم حديثه في \"المستدرك\"، وقال: أحاديثه كلها مستقيمة.\n(أخبرنا سالم بن عبد الله عن أبيه) عبد الله بن عمر (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق) بسكون الراء وتحريكه، مكيال أهل المدينة ستة عشر رطلًا (الأرز فليكن مثله، قالوا) أي الصحابة: (ومن صاحب الأرز يا رسول الله؟ فذكر\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣/ ٥٥٨).","vol":"11","page":83},{"text":"حَدِيثَ الْغَارِ حِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْجَبَلُ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ: اذْكُرُوا أَحْسَنَ عَمَلِكُمْ، قَالَ: \"وَقَالَ الثَّالِثُ: \"اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّى اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ عَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُهُ لَهُ حَتَّى جَمَعْتُ لَهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَلَقِيَنِى، فَقَالَ: أَعْطِنِى حَقِّى، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا (١) فَخُذْهَا فَذَهَبَ فَاسْتَاقَهَا\". [خ ٢٣٣٣، م ٢٧٤٣]\n===\nحديث الغار، حين سقط عليهم الجبل) وهم ثلاثة رجال أووا إلى الغار، فسقطت على فم الغار صخرة سدت طريق خروجهم منه.\n(فقال كل واحد منهم: اذكروا أحسن عملكم) أي: ادعوا الله بتوسل أحسن أعمالكم، لعله يفرج عنكم، فدعا الرجلان، وذكرا في دعائه ما هو من أحاسن أعمالهما، فزالت الصخرة وكُشِفَ عن فم الغار بحيث لم يقدروا أن يخرجوا منه.\n(قال: وقال الثالث: اللهُمَّ إنك تعلم أني استأجرت أجيرًا بفرق أرز، فلما أمسيت) وأتم الأجير عمله (عرضت عليه حقه) وهو فرق أرز (فأبى أن يأخذه) ونازع (وذهب) تاركًا عندي (فثمَّرته) أي: زدته وكثرته بالزراعة (له حتى جمعت له) به (بقرًا ورعاءها) يعني عبيدًا يرعونها (فلقيني، فقال: أعطني حقي، فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها) جمع: راع (فخذها، فذهب فاستقاها).\nهذا الحديث بظاهره غير مناسب للباب؛ لأن حقه، الذي كان فرق الأرز على ذمة المستأجر دينًا لم يأخذه، وتركه عند المستأجر، فلم يملكه، وبقي في ملك المستأجر، فالذي فعل فيه من التثمير تصرف في مال نفسه لا في مال الغير، ولكن هو أعطاه إياها على سبيل التصدق بالخير.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رعاتها\".","vol":"11","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1318>(٣٠) بَابٌ: في الشِّرْكَةِ عَلَى غَيْرِ رَأْسِ مَالٍ</span>\n===\n\n(٣٠) (بَابٌ: في الشِّرْكةِ عَلَى غَيْرِ رَأْسِ مَالٍ)\nقال الشوكاني (١): استدل بحديث أبي عبيدة على جواز شركة الأبدان، كما ذكره المصنف، وهي أن يشترك العاملان فيما يعملانه، فيوكل كل واحد منهما صاحبه أن يتقبل ويعمل عنه في قدر معلوم بما استؤجر عليه ويعينان الصنعة، وقد ذهب إلى صحتها مالك بشرط اتحاذ الصنعة، وإلى صحتها ذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه.\nوقال الشافعي: كلها باطلة؛ لأن كل واحد منهما متميز ببدنه ومنافعه، وهذا كما لو اشتركا في ماشيتهما ليكون الدَّر والنسل بينهما، فلا يصح.\nوأجابت الشافعية عن هذا الحديث: بأن غنائم بدر كانت لرسول الله - ﷺ - يدفعها لمن يشاء، وهذ الحديث حجة على أبي حنيفة وغيره ممن قال: إن الوكالة في المباحات لا تصح، انتهى.\nقلت: وهذا الكلام يوهم بأن الشوكاني ظن أن هذه الشركة من أفراد الشركة الجائزة عند الحنفية، وجزئية من جزئياتها، وكل من الشركة في الأبدان والشركة في تملك المباحات واحد عندهم، وكل واحد من الشريكين وكيل من الآخر، وهذا غلط وغفلة من الشوكاني.\nوما أشار إليه بقوله: \"كما ذكره المصنف\" بأن المصنف صاحب \"المنتقى\" شيخ الإِسلام ابن تيمية قال بذلك، وهو أيضًا غير صحيح، فإنه قال: فهو حجة في شركة الأبدان أي عند قائلها، وتملك المباحات عند القائل بها، فإن عند الحنفية- كثرهم الله تعالى- فرقًا بين شركة الأبدان- التي تسمى شركة الصنائع وشركة التقبل- وبين شركة في تملك المباحات، فإن الشركة في الأبدان جائزة عندهم، والشركة في تملك المباحات لا تجوز، وصاحب \"المنتقى\" أشار في كلامه إلى ذلك، وخلطه الشوكاني ولم يفرق بينهما.\n_________\n(١) \"نبل الأوطار\" (٣/ ٦٥٥).","vol":"11","page":85},{"text":"٣٣٨٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا يَحْيَى، نَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ\n===\nوهذه الشركة التي اشترك فيها عبد الله بن مسعود، وعمار، وسعد، من الشركة في تملك المباحات، وهو لا يجوز عندهم لا من شركة الأبدان كما هو واضح من كتبهم، وتفصيله أن الشركة بغير المال على نوعين:\nأحدهما: شركة الأبدان، وتسمى شركة الصنائع، وكذا شركة التقبل، كالخياطين والصبَّاغين يشتركان على أن يتقبلا الأعمال، ويكون الكسب بينهما.\nوالثاني: شركة في المباحات كالاحتطاب والاصطياد، والاشتراك في أخذ كل شيء مباح، وكذا نقل الطين وبيعه من أرض مباحة أو الجص أو الملح أو الثلج أو الكحل أو المعدن أو الكنوز الجاهلية، فالأول جائز عندنا، والثاني فاسد، فالذي حصل من المال المباح لأحدهما فهو له دون صاحبه، وكل ذلك جائز عند مالك وأحمد.\nقال ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١): ويؤيده ما رواه أبو داود عن ابن مسعود قال: \"اشتركنا أنا وعمار وسعد يوم بدر، فلم أجئ أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين، فأشرك بينهم النبي - ﷺ -\".\nأجيب: بأن الغنيمة مقسومة بين الغانمين بحكم الله تعالى، فيمتنع أن يشترك هؤلاء بشيء منها بخصوصهم، وفعله - ﷺ - إنما هو تنفيل قبل القسمة، أو أنه كان قدر ما يخصهم. وعلى قول بعض الشافعية: إن غنائم بدر كان للنبي - ﷺ - يتصرف فيها كيف يشاء ظاهر.\n٣٣٨٨ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا يحيى، نا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال (٢): اشتركت أنا وعمار\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٦/ ١٧٨).\n(٢) الحديث أخرجه النسائي (٤٦٩٧) وابن ماجه (٢٢٨٨)، وخلط المحشون في نقل المذاهب. (ش).","vol":"11","page":86},{"text":"وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ: فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَىْءٍ. [ن ٤٦٩٧، جه ٢٢٨٨، ق ٦/ ٧٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>(٣١) بَابٌ: في الْمُزَارَعَةِ</span>\n٣٣٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ بَأْسًا حَتَّى سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ: يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْهَا، فَذَكَرْتُهُ لِطَاوُسٍ فَقَالَ: قَالَ لِى ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَلَكِنْ قَالَ: \"لِيَمْنَحَ (١) أَحَدُكُمْ أَرْضَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا\". [٢٣٣٠، م ١٥٤٧، ن ٣٨٧٣، جه ٢٤٥٣، ٢٤٥٧]\n===\nوسعد) أي: عقدنا الشركة فيما بيننا (فيما) أي: في مال (نُصيبُ يوم بدر) يعني ما نحصل من المال في هذا الغزو يكون مشتركًا بيننا على السواء (قال) عبد ال له: (فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء) والحديث منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله شيئًا.\n(٣١) (بَابٌ: فِي الْمُزَارَعَةِ)\n٣٣٨٩ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن عمرو بن دينار قال) أي عمرو بن دينار: (سمعت ابن عمر) - ﵁ - (يقول: ما كنا نرى بالمزارعة) أي: عقدها بإعطاء الأرض على ثلث ما يخرج منها أو الربع مثلًا (بأسًا، حتى سمعت رافعَ بن خديج يقول: إن رسول الله - ﷺ - نهى عنها).\nقال عمرو بن دينار: (فذكرته لطاوس) أي: هذا الحديث، حديث رافع بن خديج (فقال) طاوس: (قال لي ابن عباس: إن رسول الله - ﷺ - لم ينه عنها) أي: عن المزارعة (ولكن قال: ليمنح) أي: ليعطي (أحدكم أرضه) لآخر من المسلمين (خير من أن يأخذ عليها خراجًا) أي: كراء (معلومًا).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"لأن يمنح\".","vol":"11","page":87},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشوكاني (١): واعلم أنه قد وقع لجماعة - لا سيما من المتأخرين - اختباط في نقل المذاهب في المسألة، حتى أفضى ذلك أن بعضهم يروي عن العالم الواحد الأمرين المتناقضين، وبعضهم يروي قولًا لعالم، وآخر يروي عنه نقيضه، ولا جرم في المسألة باعتبار اختلاف المذاهب فيها، وتعين راجحها من مرجوحها من المعضلات، انتهى.\nقلت: ولهذا العقد صور مختلفة:\nأحدها: أن يكون هذا العقد على دراهم أو دنانير مسماة.\nوالثاني: أن يكون على طعام مسمَّى، مثلًا على حنطة أو شعير مسمى، سواء كان من جنس ما يزرع في الأرض أو غيره، أو بجزء مسمى من الخارج من الأرض.\nوالثالث: أن يكون بحصَّة من الخارج من الثلث والربع.\nوالرابع: أن يكون العقد على قسمة الخارج من الأرض بأن يكون ما على السواقي والماذيانات فلربَّ الأرض، وما كان في غيرها من الأرض فهو للزارع.\nقال الشوكاني (٢): قال طاوس وطائفة قليلة: لا يجوز كراء الأرض مطلقًا؛ لا بجزء من الثمر والطعام، ولا بذهب ولا فضة، ولا بغير ذلك، وذهب إليه ابن حزم وقوَّاه، واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك، انتهى.\nقلت: وأما قول طاوس الواقع في هذا الحديث فهو يخالف ما نقل الشوكاني عنه من عدم الجواز مطلقًا، فإنه يدل على أن المزارعة كيف ما كانت يجوز عنده.\nثم قال: وقال الشافعي وأبو حنيفة والعترة والكثيرون: إنه يجوز كراء\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٦٦٥).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٦٦٤، ٦٦٥).","vol":"11","page":88},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأرض بكل ما يجوز أن يكون ثمنًا في المبيعات من الذهب والفضة والعروض، وبالطعام سواء كان من جنس ما يزرع في الأرض أو غيره لا بجزء من الخارج منها.\nوقد أطلق ابن المنذر: أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، ونقل ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه، وتمسكوا بما سيأتي من النهي عن المزارعة بجزء من الخارج، وأجابوا عن أحاديث الباب: بأن خيبر فتحت عنوة، فكان أهلها عبيدًا له - ﷺ -، فما أخذه من الخارج منها فهو له، وما تركه فهو له، وروى الحازمي هذا المذهب عن ابن عمر وابن عباس ورافع بن خديج وأسيد بن حضير (١) وأبي هريرة ونافع، قال: وإليه ذهب مالك، والشافعي، ومن الكوفيين أبو حنيفة (٢)، انتهى.\nوقال مالك: إنه يجوز كراء الأرض بغير الطعام والتمر؛ لئلا يصير من بيع الطعام بالطعام، وحمل النهي على ذلك. قال ابن المنذر: ينبغي أن يحمل ما قال مالك على ما إذا كان المكرى به من الطعام جزءٍ مما يخرج منها، فأما إذا اكتراها بطعام معلوم في ذمة المكتري، أو بطعام حاضر يقبضه المالك، فلا مانع من الجواز.\nوقال أحمد بن حنبل: يجوز إجارة الأرض بجزء خارج منها إذا كان البذر من رب الأرض، وأما المذهب الثالث فذكر له صاحب \"المنتقى\" والبخاري وغيرهما من أصحاب \"السنن\" معاملة أهل خيبر وآثارًا كثيرة في إثبات تلك المزارعة.\nقال الشوكاني: وقد ساق البخاري في \"صحيحه\" عن السلف غير هذه\n_________\n(١) كذا في الأصل، وكذا في \"الاعتبار\" (ص ١٣٤)، وفي \"نيل الأوطار\": \"أسيد بن ظهير\"، وكلاهما صحابيان. (ش).\n(٢) وهكذا حكى عنهم المذاهب العيني [انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٧٢٣)]. (ش).","vol":"11","page":89},{"text":"٣٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا ابْنُ عُلَيَّةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، الْمَعْنَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ،\n===\nالآثار، ولعله أراد بذكرها الإشارة إلى أن الصحابة لم ينقل عنهم الخلاف في الجواز، خصوصًا أهل المدينة، وقد تمسك بالأحاديث المذكورة في الباب جماعة من السلف.\nقال الحازمي: روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى والزهري، ومن أهل الرأي: أبو يوسف القاضي (١) ومحمد بن الحسن، فقالوا: تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر والزرع، قالوا: ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعتين، فتساقيه على النخل وتزارعه على الأرض كما جرى في خيبر، ويجوز العقد على كل واحد منها منفردة.\nوأجابوا عن الأحاديث القاضية بالنهي عن المزارعة: بأنها محمولة على التنزيه، وقيل: إنها محمولة على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها معينة، انتهى.\nوأما الرابع فلم يُجَوِّزها أحد.\n٣٣٩٠ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن علية، ح: وحدَّثنا مسدد، نا بشر، المعنى) أي: معنى حديثهما واحد، كلاهما (عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار) بن ياسر العنسي أخو سلمة بن محمد، وقيل: هما واحد، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: منكر الحديث ولا يسمى، وقال في موضع آخر: صحيح الحديث، وقال في موضع آخر: [اسمه، سلمة، وقد قال البخاري في ترجمة سلمة: أراه أخا أبي عبيدة، وذكر الحاكم:\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": منع الإِمام المزارعة لاختلاف الروايات، والترجيح للمحرم. وقال صاحباه: روايات النهي محمولة على ما قارن به الشرط الفاسد. (ش).","vol":"11","page":90},{"text":"عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِى الْوَلِيدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: \"يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ\" - قَالَ مُسَدَّدٌ: \"مِنَ الأَنْصَارِ\" ثُمَّ اتَّفَقَا - قَدِ اقْتَتَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ\"، زَادَ مُسَدَّدٌ: فَسَمِعَ قَوْلَهُ: \"لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ\". [ن ٣٩٢٧، جه ٢٤٦١، حم ٥/ ١٨٢]\n٣٣٩١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَبِيبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ،\n===\nأبو أحمد أبا عبيدة فيمن لا يعرف اسمه، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: أبو عبيدة هذا ثقة، وأخوه سلمة لم يرو عنه إلَّا علي بن زيد، ولا يعرف حاله.\n(عن الوليد بن أبي الوليد) عثمان القرشي، مولى عمر (١)، وقيل: مولى عثمان، أبو عثمان المدني، وقيل: الوليد بن الوليد وهو وهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: ربما خالف على قلة روايته، (عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج) لأنه حدث بما لم يفهم.\n(أنا واللهِ أعلمُ بالحديث منه، إنما أتاه رجلان، قال مسدد: من الأنصار) لم أقف على تسميتهما (ثم اتفقا) أي: مسدد وأبو بكر (قد اقتتلا) أي: تنازعا (فقال رسول الله - ﷺ -: إن كان هذا شأنكم) أي: من المنازعة والاقتتال (فلا تكروا المزارع) أي: لا تكروا الأرضين (زاد مسدد: فسمع قوله: لا تكروا المزارع) فرواه على قدر ما سمع، ولم يسمع تمام القصة فلم يروها.\n٣٣٩١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، أنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن سعيد بن المسيب،\n_________\n(١) كذا في الأصل و\"التهذيب\"، والصواب: \"مولى عمر\"، انظر: \"تهذيب الكمال\" (٧٣٤٠)، و\"التقريب\" (٧٤٦٤).","vol":"11","page":91},{"text":"عَنْ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا نُكْرِى الأَرْضَ بِمَا عَلَى السَّوَاقِى مِنَ الزَّرْعِ وَمَا سَعِدَ بِالْمَاءِ مِنْهَا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَنَا أَنْ نُكْرِيَهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. [ن ٣٨٩٤]\n٣٣٩٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ، أَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ. (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا لَيْثٌ، كِلَاهُمَا عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّفْظُ لِلأَوْزَاعِىِّ، حَدَّثَنِى حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ الأَنْصَارِىُّ قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ،\n===\nعن سعد) أي: ابن أبي وقاص (قال: كنا نكري الأرض) أي: نعطي الأرض على الكراء (بما) أي: بشيء ينبت (على السواقي) أي: على أطراف الجداول (من الزرع، وما سَعِد) أي: جرى (بالماء منها) أي: من السواقي، يريد أنا نجعل ما جرى عليه الماء من الزرع بلا طلب لصاحب الزرع.\n(فنهانا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة)، وهذه الصورة من المزارعة أن يكري الأرض بما على الجداول والسواقي لا يجوز عند أحد من الأئمة، وكذلك الكراء على الذهب والفضة المسمى جائز عند جمهور العلماء.\n٣٣٩٢ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى، نا الأوزاعي، ح: وحدثنا قتيبة بن سعيد، نا ليث، كلاهما) أي: الأوزاعي والليث (عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واللفظ للأوزاعي، قال: حدثني حنظلة بن قيس) بن عمرو (الأنصاري) الزرقي المدني، قال ابن سعد عن الواقدي: كان ثقة قليل الحديث، وحكي عن الزهري قال: ما رأيت من الأنصار أحزم ولا أجود رأيًا من حنظلة بن قيس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: رأى عمر وعثمان.\n(قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق) المسمى","vol":"11","page":92},{"text":"فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا (١)، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ فَأَمَّا شَىْءٌ مَضْمُونٌ مَعْلُومٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَحَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ أَتَمُّ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ رَافِعٍ. [خ ٢٣٢٧، م ١٥٤٧، ن ٣٨٩٩، جه ٢٤٥٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَنْظَلَةَ نَحْوَهُ.\n===\n(فقال: لا بأس بها، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله - ﷺ - بما على الماذيانات) (٢) بالذال المعجمة المكسورة: مسايل المياه، وقيل: ما ينبت على حافتي مسيل الماء (وأقبال) جمع قبل، بالضم: رأس الجبل، أي: رؤوس (الجداول) وأوائلها (وأشياء) أي: وعلى أشياء معينة من الزرع يجعلونها لأنفسهم (من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلَّا هذا، فلذلك) أي: لما وقع في النزاع في صورة هلاك بعضها (زجر) أي: نهى (عنه) - ﷺ - (فأما شيء) أي: الكراء على شيء (مضمون معلوم فلا بأس به).\nوحديث أبي رافع هذا لا يدل على جواز المزارعة المختلفة فيهما، ولا على عدم جوازه بل هو ساكت عنهما (وحديث إبراهيم) بن موسى الرازي (أتم، وقال قتيبة: عن حنظلة عن رافع) يعني روى قتيبة عن حنظلة عن رافع معنعنة (قال أبو داود: رواية يحيى بن سعيد (٣) عن حنظلة نحوه) أي نحو رواية ربيعة.\n_________\n(١) في نسخة: \"بهما\".\n(٢) قوله: \"الماذيانات\" جمع الماذيان، وهو أصغر من النهر وأعظم من الجدول، فارسي معرب، وقيل: ما يجتمع فيه ماء السيل ثم تسقى منه الأرض. [انظر: \"المغرب\" (٢/ ٢٦٢)].\n(٣) أخرج روايته البخاري في \"صحيحه\" (٢٣٣٢، ٢٧٢٢)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٥٤٧)، والنسائي في \"سننه\" (٢٩٠٢)، وابن ماجه في \"سننه\" (٢٤٥٨).","vol":"11","page":93},{"text":"٣٣٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ فَقُلْتُ: أَبِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ (١) وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.\n===\n٣٣٩٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس: أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض، فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن كراء الأرض، فقلت:) هذا قول حنظلة (أبالذهب والورِق؟ فقال) أي رافع بن خديج: (أما بالذهب والورق فلا بأس به)، وفي رواية للبخاري: \"أما الذهب والورق فلم يكن يومئذ\"، وفي رواية لهما: \"فأما الورق فلم ينهنا\".\nقال الشوكاني (٢): لا منافاة بين الروايتين؛ لأن عدم النهي عن الورِق لا يستلزم وجوده، ولا وجودَ المعاملة به، وفي رواية عند البخاري كما عند أبي داود: \"قال: ليس بها بأس بالدينار والدرهم\".\nقال في \"الفتح\" يحتمل أن يكون رافع قال ذلك باجتهاده، ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه، أو علم أن النهي عن كري الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيء مجهول ونحو ذلك، فاستنبط من ذلك جواز الكراء بالذهب والفضة، ويرجح كونه مرفوعًا بما أخرجه أبو داود والنسائي (٣) بإسناد صحيح عنه، قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة والمزابنة، وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل مُنِحَ أرضًا، ورجل اكترى أرضًا بذهب أو فضّةً\".\nلكن بيَّن النسائي من وجه آخر: أن المرفوع منه النهي عن المحاقلة\n_________\n(١) في نسخة: \"أما الذهب\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٦٦٦).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (٣٤٠٠)، و\"سنن النسائي\" (٣٨٩٠).","vol":"11","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1320>(٣٢) بَابٌ: في التَّشْدِيدِ في ذَلِكَ</span>\n٣٣٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى قَالَ: حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قال: أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِى أَرْضَهُ (١) حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ الأَنْصَارِىَّ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ يَا ابْنَ خَدِيجٍ، مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى كِرَاءِ الأَرْضِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ عَمَّىَّ\n===\nوالمزابنة، وأن بقيته مدرج من كلام سعيد بن المسيب، وقد أخرج أبو داود والنسائي ما هو أظهر على الدلالة في الرفع من هذا، وهو حديث سعد بن أبي وقاص، وفيه: \"وقال: أكروا بالذهب والفضة\" (٢).\n\n(٣٢) (بَابٌ: في التَّشْدِيدِ في ذلِكَ)\nأي: في عقد المزارعة\n٣٣٩٤ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله: أن ابن عمر كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري حدث أن رسول الله - ﷺ - كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد الله) بن عمر، أي: لقى عبد الله بن عمر رافع بن خديج (فقال: يا ابن خديج، ماذا تحدث عن رسول الله - ﷺ - في كراء الأرض؟ فقال رافع لعبد الله بن عمر: سمعت عمَّيَّ).\nنقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": أحدهما ظهير والآخر مظهر بضم الميم وفتح الظاء وتشديد الهاء المكسورة، وقيل: مهير.\n_________\n(١) في نسخة: \"أرضيه\".\n(٢) أخرجه النسائي (٣٨٩٤).","vol":"11","page":95},{"text":"- وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا - يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى، ثُمَّ خَشِىَ عَبْدُ اللَّهِ، أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَحْدَثَ فِى ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ. [خ ٢٣٤٣ - ٢٣٤٤، ٢٣٤٥، م ١٥٤٧ - ١٥٥١، ن ٣٩٠٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ (١) وَكَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَمَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ رَافِعٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ\n===\n(وكانا قد شهدا بدرًا، يحدثان أهل الدار أن رسول الله - ﷺ - نهى عن كراء الأرض، قال عبد الله: والله لقد كنت أعلم في عهد رسول الله - ﷺ - أن الأرض تكرى) ولا ينكر عليه (ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله - ﷺ - أحدث في ذلك) أي: في المزارعة (شيئًا) من النهي (لم يكن) عبد الله (علمه، فترك) عبد الله (كراء الأرض) أي: ما كان يعامله على الثلث والربع.\n(قال أبو داود (٢): رواه أيوب وعبيد الله وكثير بن الفرقد ومالك عن نافع، عن رافع، عن النبي - ﷺ -، ورواه الأوزاعي (٣) عن حفص بن\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) قلت: ذكر المصنف طرق هذا الحديث وشواهده، فأخرج رواية أيوب عن نافع البخاري في \"صحيحه\" (٢٣٤٣ - ٢٣٤٤)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٥٤٧)، والنسائي في \"سننه\" (٧/ ٤٦)، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ٦ - ٦٤).\nورواية عبيد الله بن عمر عن نافع، أخرجها مسلم في \"صحيحه\" (١٥٤٧)، والنسائي في \"سننه\" (٧/ ٤٧)، وابن ماجه في \"سننه\" (٢٤٥٣)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٦٥). ورواية كثير بن فرقد، أخرجها النسائي في \"سننه\" (٧/ ٤٦)، والطبرانى في \"الكبير\" (٤/ ٢٥٤) رقم (٤٣٠٦).\nأما رواية مالك عن نافع فلم أقف على من أخرجها.\n(٣) أخرج روايته النسائي في \"سننه\" (٧/ ٤٧)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٢٥٦) رقم (٤٣١٦).","vol":"11","page":96},{"text":"عِنَانٍ (١)، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ رَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَى رَافِعًا قَالَ: سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ \"نَعَمْ\".\nوَكَذَا (٢) قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِى النَّجَاشِىِّ، عَنْ رَافِعِ (٣) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ - ﷺ -، وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ أَبِى النَّجَاشِىِّ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ - (٤).\n===\nعِنان) بكسر العين المهملة ونونين بينهما ألف، الحنفي اليماني، قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، أخرج له النسائي حديثًا واحدًا في النهي عن كراء الأرض، (عن نافع، عن رافع) بن خديج (قال: سمعت رسول الله - ﷺ -).\n(وكذلك روى زيد بن أبي أنيسة (٥)، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر أنه) أي: ابن عمر (أتى رافعًا) فسأله (قال) ابن عمر: (سمعت) بالخطاب بتقدير الاستفهام (رسول الله - ﷺ -؟ قال) رافع: (نعم).\n(وكذا رواه عكرمة بن عمار (٦)، عن أبي النجاشي) عطاء بن صهيب، (عن رافع) بن خديج (قال: سمعت النبي - ﷺ -، ورواه الأوزاعي (٧)، عن أبي النجاشي، عن رافع بن خديج، عن عمه ظهير بن رافع، عن النبي - ﷺ -).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحنفي\".\n(٢) في نسخة: \"كذلك\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ابن خديج\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أبو النجاشي عطاء بن صهيب\".\n(٥) أخرج روايته مسلم في \"صحيحه\" (١٥٤٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٢٥٦) رقم (٤٣١٧).\n(٦) أخرج روايته مسلم في \"صحيحه\" (١٥٤٨)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٦/ ١٣٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٠٦)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٢٨٠) رقم (٤٤٢٤).\n(٧) أخرج روايته البخاري في \"صحيحه\" (٢٣٣٩)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٥٤٨)، والنسائي في \"سننه\" (٧/ ٤٩)، وابن ماجه في \"سننه\" (٢٤٥٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١١/ ٥٩٧) رقم (٥١٩١).","vol":"11","page":97},{"text":"٣٣٩٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، نَا سَعِيدٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا،\n===\n٣٣٩٥ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا خالد بن الحارث، نا سعيد) بن أبي عروبة، (عن يعلي بن حكيم، عن سليمان بن يسار، أن رافع بن خديج قال: كنا نخابر).\nقال الشوكاني (١): المخابرة: مشتق من الخبير، وهو الأكَّار: وهو الزَّرَّاع، والفلاح: الحرَّاث، وإلى هذا الاشتقاق ذهب أبو عبيد والأكثرون من أهل اللغة والفقه، وقال آخرون: هي مشتقة من الخَبَار - بفتح المعجمة وتخفيف الموحدة -، وهي الأرض الرخوة. وقيل: من الخبُر - بضم الخاء - وهو النصيب من سمك أو لحم، وقال ابن الأعرابي: هي مشتقة من خيبر؛ لأن أول هذه المعاملة فيها.\nوفسر أصحاب الشافعي المخابرة بأنها العمل على الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من صاحب العمل، وقيل: إن المساقاة والمزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وإلى هذا يشير كلام الشافعي في \"الأم\" (٢)، وإليه يشير كلام البخاري.\nوقال في \"القاموس\": المزارعة: المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ويكون البذر من مالكها، وقال: المخابرة: أن يزرع على النصف ونحوه، انتهى.\n(على عهد رسول الله - ﷺ -، فذكر أن بعض عمومته أتاه) أي: رافعًا (فقال) أي بعض العمومة: (نهى رسول الله - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا) وهو المخابرة\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٦٦٣).\n(٢) انظر: (٤/ ٢٨٢).","vol":"11","page":98},{"text":"وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا وَأَنْفَعُ، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ ليُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكَارِيهَا (١) بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبُعٍ، وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى\". [م ١٥٤٨، ن ٣٨٩٧، ٢٤٦٥]\n٣٣٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: كَتَبَ إِلَىَّ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ أَنِّى سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، بِمَعْنَى إِسْنَادِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَحَدِيثِهِ. [انظر سابقه]\n===\n(وطواعية الله ورسوله أنفعُ لنا وأنفعُ) كرره تأكيدًا؛ لأنه نافع في الدنيا والآخرة، وأما المخابرة فنفعها كان مختصًا بالدنيا.\n(قال) أي رافع: (قلنا: وما ذاك؟) أي: الذي نهى عنه - ﷺ - أي شيء هو؟ (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من كانت له أرض فليزرعها) بنفسه (أو ليزرعها أخاه) أي: يعطيها أخاه للزراعة من غير أن يأخذ عليها أجرًا (ولا يكاريها) أي: لا يعطيها أحدًا على الكراء (بثلث ولا بربع) أي: بثلث ما يخرج منها ولا بربعها (ولا بطعام مسمى).\nوهذا مشكل، إلَّا أن يقال: إن الطعام المسمى الذي نهى عنها هو بعض ما يخرج منها، أو المراد هو الطعام الذي ينبت على أقبال الجداول وأطراف الماذيانات، ويحتمل أن يكون النهي محمولًا على التنزيه، أي الأولى والأنسب أن لا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمَّى، بل يعطيها على الزراعة من غير أجر.\n٣٣٩٦ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد، عن أيوب قال: كتب إليَّ يعلي بن حكيم، أني سمعت سليمان بن يسار، بمعنى إسناد عبيد الله وحديثه).\n_________\n(١) في نسخة: \"يكارها\".","vol":"11","page":99},{"text":"٣٣٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، نَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَنَا أَبُو رَافِعٍ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَمْرٍ كَانَ يَرْفَقُ بِنَا، وَطَاعَةُ (١) اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ أَرْفَقُ بِنَا، نَهَانَا أَنْ يَزْرَعَ أَحَدُنَا إلَّا أَرْضًا يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، أَوْ مَنِيحَةً يَمْنَحُهَا رَجُلٌ. [حم ٣/ ٤٦٥]\n===\n٣٣٩٧ - (حدثنا أبو بكر بن أبو شيبة، نا وكيع، نا عمر بن ذر) بن عبد الله ابن زرارة الهمداني، المهري - بضم الميم -، أبو ذر الكوفي، قال البخاري عن علي: [له] نحو ثلاثين حديثًا، وقال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان: قال جدي: عمر بن ذر ثقة في الحديث، ليس ينبغي أن يترك حديثه برأي أخطأ فيه، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي والدارقطني، وقال العجلي: كان ثقة بليغًا، وكان يرى الإرجاء، وقال أبو داود: كان رأسًا في الإرجاء، وكان قد ذهب بصره، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، وكان مرجئًا، لا يحتج بحديثه، هو مثل يونس بن أبي إسحاق في الثقات، كان مرجئًا وهو ثقة، وكذا قال يعقوب بن سفيان.\n(عن مجاهد، عن ابن رافع بن خديج) لم أقف على تسميته (عن أبيه) رافع بن خديج (قال) رافع: (جاءنا أبو رافع) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): \"أبو رافع\" في حديث مجاهد، عن ابن رافع بن خديج، عن أبيه قال: جاءنا أبو رافع من عند النبي - ﷺ -، الحديث في المزارعة، يحتمل أن يكون أحد عليه الذين أحدهما ظهير بن رافع، والثاني مظهر، أوله ميم.\n(من عند رسول الله - ﷺ -، فقال: نهانا رسول الله - ﷺ - عن أمر كان يرفق) أي: ينفع (بنا، وطاعة الله وطاعة رسوله) - ﷺ - (أرفق) أي: أنفع منه (بنا، نهانا أن يزرع أحدنا إلَّا أرضًا يملك رقبتها، أو منيحة يمنحها رجل) أي: إياه، وهذا النهي كان على التنزيه لا على التحريم.\n_________\n(١) في نسخة: \"وطاعة الله ورسوله\".\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٩٣).","vol":"11","page":100},{"text":"٣٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ قَالَ: جَاءَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَكُمْ نَافِعًا، وَطَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْفَعُ لَكُمْ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَاكُمْ عَنِ الْحَقْلِ، وَقَالَ: \"مَنِ اسْتَغْنَى عَنْ أَرْضِهِ فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ أَوْ لِيَدَعْ\". [ن ٣٨٦٤، جه ٢٤٦٠، حم ٣/ ٤٦٤]\n===\n٣٣٩٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، أن أسيدَ) مصغرًا (ابن ظهير) مصغرًا، ابن رافع الأنصاري الأوسي، أخو عباد بن بشر لأمه، قيل: إنه ابن أخي رافع بن خديج، وقيل: ابن عمه، له ولأبيه صحبة، قال ابن حبان: قيل: له صحبةٌ، ولا يصح عندي؛ لأن إسناد خبره فيه اضطرابٌ، هكذا قال في ثقات التابعين، وذكر قبل ذلك أسيد بن ظهير في الصحابة، ولم يتردد، والذي روى عنه أبو الأبرد، فقد صحح الترمذي أنه أسيد بن ظهير صاحب الترجمة وصحح حديثه.\n(قال: جاءنا رافع بن خديج فقال: إن رسول الله - ﷺ - ينهاكم عن أمر كان لكم نافعًا، وطاعة الله وطاعة رسول الله - ﷺ - أنفع لكم، إن رسول الله - ﷺ - ينهاكم عن الحقل) أي: كراء المزارع (وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (من استغنى عن أرضه) فلا يزرعها (فليمنحها أخاه) من غير أن يأخذ عليها أجرًا (أو ليدعْ) أي: ليتركها معطلةً.\nقال الشوكاني (١): وهذه الرواية والتي سلفت في حديث جابر يدلان على جواز ترك الأرض بدون زراعة، وقد جمع بين الرواية الماضية بالنهي عن ذلك وبين ما ههنا يحمل النهي عن الإضاعة على إضاعة عين المال، أو المنفعة التي لا يخلفها منفعة، والأرض إذا تركت بغير زرع لم تتعطل منفعتها، فإنها قد تنبت من الحطب والحشيش وسائر الكلاء ما ينفع في الشرعي وغيره.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٦٧١).","vol":"11","page":101},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَمُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهَلٍ عَنْ مَنْصُورٍ.\nقَالَ شُعْبَةُ: أُسَيْدُ ابْنُ أَخِى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.\n٣٣٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِىُّ قَالَ: \"بَعَثَنِى عَمِّى أَنَا وَغُلَامًا لَهُ إلي\n===\nوعلى تقدير أن لا يحصل ذلك فقد يكون التأخير للزرع عن الأرض إصلاحًا لها، فتخلف في السنة التي تليها ما لعله فات في سنَّة الترك، وهذا كله إن حمل النهي على عمومه، فأما لو حمل على ما كان مألوفًا لهم من الكراء بجزء بما يخرج منها، ولا سيما إذا كان غير معلوم، فلا يستلزم ذلك تعطيل الانتفاع بها في الزراعة، بل يكريها بالذهب أو الفضة كما تقرر ذلك، انتهى.\n(قال أبو داود: وهكذا رواه شعبة ومفضل بن مهلهل) (١) السعدي أبو عبد الرحمن الكوفي، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وكان من أقران الثوري، وهو أحب إلى من أخيه الفضل، وقال العجلي: كان ثقةَ ثبتًا، صاحب سنَّة وفضل وفقه، ثبتًا في الحديث، (عن منصور، قال شعبة: أسيد ابنُ أخي رافع بن خديج) وقيل: ابن عم رافع بن خديج كما تقدم.\n٣٣٩٩ - (حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى، نا أبو جعفر الخطمي) هو عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وثقه ابن نمير والعجلي، وقال الطبراني في \"الأوسط\": ثقة (قال: بعثني عمي أنا) ضمير مرفوع استعير للمنصوب (وكلامًا) عطف عليه (له إلى\n_________\n(١) قلت: أشار المصنف إلى متابعة شعبة ومفضل بن مهلهل لسفيان الثوري في روايته عن منصور، أما رواية شعبة فأخرجها أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٦٤)، والنسائي (٧/ ٣٣)، ورواية مفضل بن مهلهل أخرجها النسائي في \"سننه\" (٧/ ٣٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٢٦٤) رقم (٤٣٦٢).","vol":"11","page":102},{"text":"إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: قُلْنَا (١) لَهُ: شَىْءٌ بَلَغَنَا عَنْكَ فِى الْمُزَارَعَةِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا حَتَّى بَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ (٢)، فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ رَافِعٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى بَنِى حَارِثَةَ، فَرَأَى زَرْعًا فِى أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَقَالَ: \"مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ\"، قَالُوا: لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، قَالَ \"أَلَيْسَ أَرْضُ ظُهَيْرٍ؟ \"، قَالُوا: بَلَى وَلَكِنَّهُ زَرْعُ فُلَانٍ، قَالَ: \"فَخُذُوا زَرْعَكُمْ وَرُدُّوا عَلَيْهِ النَّفَقَةَ\"، قَالَ رَافِعٌ: فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا وَرَدَدْنَا إِلَيْهِ النَّفَقَةَ،\n===\nسعيد بن المسيب، قال) أبو جعفر: (قلنا له) أي لسعيد بن المسيب: (شيء) فاعل لفعل مقدر، أي: أقدمنا إليه شيء (بلغنا عنك في المزارعة) من النهي عن المزارعة.\n(قال) أي سعيد: (كان ابن عمر لا يرى بها بأسًا حتى بلغه عن رافع بن خديج حديث، فأتاه فأخبره) أي: عبد الله بن عمر (رافع أن رسول الله - ﷺ - أتى بني حارثة، فرأى زرعًا في أرض ظهير، فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما أحسنَ زرع ظهيرٍ، قالوا) أي الناس: (ليس لظهير، قال) رسول الله - ﷺ -: (أليس أرض ظهير؟ قالوا: بلى) الأرض أرض ظهير (ولكنه زرع فلان) لم يسم (قال) رسول الله - ﷺ -: (فخذوا زرعكم، وردوا عليه النفقة (٣)، قال رافع: فأخذنا زرعنا ورددنا إليه) أي: إلى الزارع (النفقة).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: فيه إشكال؛ لأن الحنفية يقولون: إن الزرع لصاحب البذر، ولآخر أجر المثل، وههنا أمر بالزرع لصاحب الأرض، إلَّا أن يتكلف بأنه ثبت عنده أن البذر إنما كان لصاحب الأرض.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقلنا\".\n(٢) في نسخة: \"في حديث\".\n(٣) وهل يمكن الخطاب لصاحب البذر، والمراد بالنفقة كراء الأرض، فليتأمل. (ش).","vol":"11","page":103},{"text":"قَالَ سَعِيدٌ: أَفْقِرْ أَخَاكَ، أَوْ أَكْرِهِ بِالدَّرَاهِمِ. [ن ٣٨٨٩]\n٣٤٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، نَا طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَقَالَ: \"إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا\n===\n(قال سعيد: أفقر أخاك) قال في \"المجمع\" (١): أي أعره أرضك للزراعة، قال الخطابي (٢): وأصل الإفقار من إعارة الظهر، يقال: أفقرت الرجل بعيري، إذا أعرته ظهر الركوب (أو أكره بالدراهم) وكذا بالدنانير.\n٣٤٠٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو الأحوص، نا طارق بن عبد الرحمن) البجلي الأحمسي الكوفي، عن أحمد: ليس بذلك، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: طارق بن عبد الرحمن ليس عندي بأقوى من أبي حرملة، وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\"، وذكره ابن البرقي في باب من احتمل حديثه، فقال فيه: وأهل الحديث يخالفون يحيى بن سعيد فيه ويوثقونه، وقال الدارقطني ويعقوب بن سفيان: ثقة، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير.\n(عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة) وهي بيع الزرع بالحنطة (والمزابنة) وهي بيع الرطب الذي على الشجر بالتمر.\n(وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح) بصيغة المجهول، أي: أعطي عارية (أرضًا،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ١٦٦).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٩٦).","vol":"11","page":104},{"text":"فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ، وَرَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ\". [ن ٣٨٩٠، جه ٢٢٦٧]\n٣٤٠١ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِىِّ، قُلْتُ لَهُ، حَدَّثَكُمُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدٍ أَبِى شُجَاعٍ قَالَ: حَدَّثَنِى عُثْمَانُ بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: إِنِّى لَيَتِيمٌ فِى حِجْرِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَجَاءَهُ أَخِى عِمْرَانُ بْنُ سَهْلٍ، فَقَالَ: أَكْرَيْنَا أَرْضَنَا فُلَانَةَ بِمِائَتَىْ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: دَعْهُ، فَإِنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ. [ن ٣٩٢٦]\n===\nفهو يزرع ما منح، ورجل استكرى أرضًا بذهب أو فضة)، وهذا الحديث يدل على أن كراء الأرض بالثلث والربع لا يجوز.\n٣٤٠١ - (قال أبو داود: وقرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني، قلت له: حدثكم) بحذف الاستفهام (ابن المبارك، عن سعيد) بن يزيد (أبي شجاع) كنية سعيد (قال) سعيد: (حدثني عثمان بن سهل بن رافع بن خديج) قال المنذري (١): وأخرجه النسائي وقال: عيسى بن سهل بن رافع، وهو الصواب، انتهى، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ترجمة عثمان بن سهل بن رافع بن خديج الحارثي المدني: يقال: إن اسمه عيسى وهو الصواب، وقال في ترجمة عيسى بن سهل: ويقال: عثمان بن سهل وهو وهم.\n(قال: إني ليتيم في حجر رافع بن خديج، وحججت معه، فجاءه أخي عمران بن سهل، فقال) عمران لرافع: (أكرينا أرضنا فلانة بمائتي درهم، فقال) أي رافع: (دعه، فإن النبي - ﷺ - نهى عن كراء الأرض) أي: مطلقًا، بل ينبغي أن يعطي الأرض لأخيه من غير أجر.\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٦٣).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٢٠).","vol":"11","page":105},{"text":"٣٤٠٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، نَا بُكَيْرٌ - يَعْنِى ابْنَ عَامِرٍ -، عَنِ ابْنِ أَبِى نُعْمٍ (١) قَالَ: حَدَّثَنِى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: أَنَّهُ زَرَعَ أَرْضًا فَمَرَّ بِهِ النَّبِىُّ -ﷺ- وَهُوَ يَسْقِيهَا فَسَأَلَهُ: \"لِمَنِ الزَّرْعُ؟ وَلِمَنِ الأَرْضُ؟ \"، فَقَالَ: زَرْعِى بِبَذْرِى وَعَمَلِى، لِىَ الشَّطْرُ وَلِبَنِى فُلَانٍ الشَّطْرُ، فَقَالَ: \"أَرْبَيْتُمَا، فَرُدَّ الأَرْضَ عَلَى أَهْلِهَا، وَخُذْ نَفَقَتَكَ\". [ق ٦/ ١٣٣]\n===\n٣٤٠٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا الفضل بن دكين، نا بكير - يعني ابن عمر -، عن ابن أبي نعم) وهو عبد الرحمن (قال: حدثني رافع بن خديج: أنه زرع أرضًا، فمر به النبي - ﷺ - وهو يسقيها، فسأله: لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟ فقال: زرعي ببذري وعملي) والأرض (٢) لبني فلان (لي الشطر) أي: النصف (ولبني فلان الشطر، فقال) رسول الله - ﷺ -: (أربيتما) أي: أتيتما بالربا بالعقد الفاسد، وهذا يقتضي أن العقد الفاسد ملحق بالربا (فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك).\nقال في \"فتح الودود\": وقيل: إن حديث رافع مضطرب، فيجب تركه، والرجوع إلى حديث خيبر، وقد جاء أنه - ﷺ - عامل بأهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع، وهو يدل على جواز المزارعة، وبه قال أحمد والصاحبان من علمائنا الحنفية، وكثير من العلماء أخذوا بالمنع مطلقًا، أو فيما إذا لم تكن المزارعة تبعًا للمساقاة، انتهى.\nقلت: وأجاب المانعون أن معاملة رسول الله - ﷺ - أهل خيبر لم تكن\n_________\n(١) في نسخة: \"نعيم\".\n(٢) الظاهر أن المراء الأرض مع البقر فإنه لا يجوز، قال في \"الهداية\" (٤/ ٣٣٨): إن كانت الأرض لواحد والبقر والعمل والبذر لواحد جازت؛ لأنه كراء الأرض، وإن كانت الأرض والبقر والبذر لواحد والعمل من الآخر جازت؛ لأنه كراء الرجل، وإن كانت الأرض والبقر لواحد والبذر والعمل لآخر فهي باطلة. (ش).","vol":"11","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1321>(٣٣) بَابٌ: في زَرْعِ الأَرْضِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا</span>\n٣٤٠٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ زَرَعَ فِى أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَىْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ\". [ت ١٣٦٦، جه ٢٤٦٦، حم ٣/ ٤٦٥]\n===\nمزراعة، بل هو خراج مقاسمة ضربها عليهم رسول الله - ﷺ -، والدليل عليه أنه لم يعين له المدة، والمزارعة إذا لم يعين لها المدة فهي فاسدة عندكم أيضًا.\n\n(٣٣) (بَابٌ: في زَرْعِ الأرْضِ بِغَيْرِ إِذْن صَاحِبِها)\n٣٤٠٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا شريك) بن عبد الله، (عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -: من زرع (١) في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء وله نفقته).\nقال المنذري (٢): وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي إسحاق إلَّا من هذا الوجه، من حديث شريك ابن عبد الله، قال: وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث حسن، وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلَّا من رواية شريك.\nوقال الخطابي (٣): هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث، وحدثني الحسن بن يحيى، عن موسى بن هارون الحمال: أنه أنكر هذا الحديث ويضعفه، ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك، ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق، وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئًا، وضعفه البخاري، وقال: تفرد بذلك شريك عن أبي إسحاق، وشريك يهم كثيرًا أو أحيانًا.\n_________\n(١) وتقدم في الخراج \"باب إحياء الموات\" حكم من غرس نخلًا في أرض غيره. (ش).\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٦٥).\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٩٦، ٩٧).","vol":"11","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1322>(٣٤) بَابٌ: في الْمُخَابَرَةِ</span>\n٣٤٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ حَمَّادًا وَعَبْدَ الْوَارِثِ حَدَّثَاهُمْ كُلُّهُمْ،\n===\nوقال الخطابي أيضًا: وحكى ابن المنذر عن أبي داود (١) قال: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن حديث رافع بن خديج؟ فقال: عن رافع ألوان، ولكن أبا إسحاق زاد فيه: \"زرع بغير إذنه\"، وليس غيره يذكر هذا الحرف.\nويشبه أن يكون معناه - لو صح وثبت - على العقوبة والحرمان للغاصب، والزرع في قول عامة الفقهاء لصاحب البذر؛ لأنه تولَّد من عين ماله وتكوَّن منه، وعلى الزارع كراء الأرض، غير أن أحمد بن حنبل كان يقول: إذا كان قائمًا فهو لصاحب الأرض، فأما إذا كان حصيدًا فإنما يكون له الأجرة.\nقلت: لما حسنن الترمذي الحديث، وكذا نقل عن البخاري تحسينه، فتضعيفه غير سديد، وعلى هذا معنى الحديث على ما سمعت من شيخي - رضي الله تعالى عنه - فمعنى قوله: \"ليس له من الزرع (٢) شيء\"، أي: لا يحل له من الزرع شيء؛ لأنه حصل له بطريق غصب الأرض.\n\n(٣٤) (بابٌ: في الْمُخَابَرَةِ)\nقيل: هي المزارعة (٣) على نصيب معين كالثلث والربع\n٣٤٠٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا إسماعيل، ح: ونا مسدد، أن حمادًا وعبد الوارث حدثاهم) أي: مسددًا وغيره (كلهم) يعني إسماعيل وحمادًا\n_________\n(١) في الأصل: \"أبي ذر\"، وهو تحريف.\n(٢) وفصله في التقرير بأن الأرض نوعين. (ش).\n(٣) وقيل: بينهما فرق، كما بسطه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١٢)، وميل البخاري إلى الأوَّل. (ش).","vol":"11","page":108},{"text":"عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، قَالَ: عَنْ حَمَّادٍ وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ثُمَّ اتَّفَقُوا: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَابَرَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ، قَالَ عَنْ حَمَّادٍ: وَقَالَ: أَحَدُهُمَا وَالْمُعَاوَمَةِ، وَقَالَ الآخَرُ: بَيْعِ السِّنِينَ، ثُمَّ اتَّفَقُوا، وَعَنِ الثُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِى الْعَرَايَا. [م ١٥٣٦، ت ١٣١٣، ن ٤٦٣٤، جه ٢٢٦٦، حم ٣/ ٣١٣]\n٣٤٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ السَّيَّارِىُّ أَبُو حَفْص، نَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ\n===\nوعبد الوارث (عن أيوب، عن أبي الزبير، قال) مسدد: (عن حماد وسعيد بن ميناء) أي: زاد مع أبي الزبير \"سعيد بن ميناء\"، فمسدد وحده يروي هذا الحديث عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء، وأما إسماعيل وعبد الوارث، فإنهما لا يذكران مع أبي الزبير \"سعيد بن ميناء\" (ثم اتفقوا) أي: ثلاثتهم (عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المزابنة والمحاقلة والمخابرة والمعاومة) وقد مر تفسيرها.\n(قال) مسدد (عن حماد: وقال أحدهما) أي: من أبي الزبير وسعيد بن ميناء: (والمعاومة، وقال الآخر) منهما: (بيع السنين) ولم يحفظ حماد في لفظ \"المعاومة\" و\"بيع السنين\" من أبي الزبير وسعيد بن ميناء أيهما قال هذا أو ذاك (ثم اتفقوا، وعن الثنيا) أي: الاستثناء المجهول (ورخص في العرايا) وقد تقدم البحث في العرايا.\n٣٤٠٥ - (حدثنا عمر بن يزيد السياري) بفتح المهملة والتحتانية الثقيلة (أبو حفص) الصفار البصري، نزيل الثغر، قال محمد بن عبد الرحيم البزار: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مستقيم الحديث، وقال الدارقطني: لا بأس به، (نا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله","vol":"11","page":109},{"text":"قَالَ: \"نَهَى (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَعَنِ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ يُعْلَمَ\" (٢). [م ١٥٣٦، ت ١٢٩٠، ن ٣٨٨٠]\n٣٤٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا ابْنُ رَجَاءٍ - يَعْنِى الْمَكِّىّ - قَالَ: ابْنُ خُثَيْمٍ حَدَّثَنِى، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ لَمْ يَذَرِ الْمُخَابَرَةَ فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ\" [ق ٦/ ١٢٨، ك ٢/ ٢٨٦]\n٣٤٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ\n===\nقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المزابنة والمحاقلة وعن الثنيا) بضم المثلثة أي: عن الاستثناء (إلَّا أن يعلم) أي: إلَّا أن يكون الاستثناء شيئًا معلومًا، فإنه إذا تيقن ببقاء باقية بعد الاستثناء فلا كراهة فيه.\n٣٤٠٦ - (حدثنا يحيى بن معين، نا ابن رجاء - يعني المكي -) وهو عبد الله بن رجاء غير عبد الله بن رجاء البصري (قال) ابن رجاء: (ابن خثيم) مصغرًا هو عبد الله بن عثمان مبتدأ (حدثني) خبره، (عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من لم يذر المخابرة) أي: المزارعة (فليوذن بحرب من الله ورسوله) فإن المخابرة لما كان عقدًا فاسدًا وهو في حكم الربا، وقد قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣).\n٣٤٠٧ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عمر بن أيوب، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن زيد بن ثابت\n_________\n(١) في نسخة: \"نهانا\".\n(٢) في نسخة: \"تعلم\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٧٨ - ٢٧٩.","vol":"11","page":110},{"text":"قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُخَابَرَةِ. قُلْتُ: وَمَا الْمُخَابَرَةُ؟ قَالَ: أَنْ تَأْخُذَ الأَرْضَ بِنِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ. [حم ٥/ ١٨٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>(٣٥) بَابٌ: في الْمُسَاقَاةِ</span>\n٣٤٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. [خ ٢٣٢٨، م ١٥٥١، ت ١٣٨٣، جه ٢٤٦٧، حم ٢/ ١٧]\n٣٤٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ\n===\nقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المخابرة، قلت) هذا مقولة ثابت بن الحجاج أي لزيد بن ثابت: (وما المخابرة؟ قال) زيد بن ثابت: (إن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع) (١).\nوهذان الحديثان حديث جابر بن عبد الله وحديث زيد بن ثابت يدلان على منع المزارعة على النصف والثلث.\n\n(٣٥) (بَابٌ: في الْمُسَاقَاةِ)\nوهي معاقدة دفع الأشجار والكروم إلى من يقوم بإصلاحها على أن يكون له سهم معلوم من ثمرها، وهي كالمزارعة عند الحنفية حكمًا وخلافًا\n٣٤٠٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر) أي: بنصف (ما يخرج من ثمر أو زرع) فمعاقدة الثمر هي المساقاة، ومعاقدة الزرع هي المخابرة.\n٣٤٠٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن محمد بن\n_________\n(١) قال في \"التقرير\": يمكن أن يكون تفسيرًا لمطلق المخابرة، أو يكون مذهبه تعميم النهي. (ش).","vol":"11","page":111},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ غَنَجٍ -، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَطْرَ ثَمَرَتِهَا. [م ١٥٥١، ن ٣٩٣٠]\n٣٤١٠ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّىُّ، نَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيْبَرَ، وَاشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ الأَرْضَ وَكُلَّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ، قَالَ أَهْلُ خَيْبَرَ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِالأَرْضِ مِنْكُمْ، فَأَعْطِنَاهَا (١) عَلَى أَنَّ لَكُمْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ، وَلَنَا نِصْفٌ، فَزَعَمَ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ حِينَ يُصْرَمُ النَّخْلُ بَعَثَ\n===\nعبد الرحمن - يعني ابن غنج - عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها) أي: بعد ما ملكها قهرًا (على أن يعتملوها) أي: يعملوا ويسعوا فيها (من أموالهم، وأن لرسول الله - ﷺ - شطر ثمرتها) وكذلك شطر زرعها.\n٣٤١٠ - (حدثنا أيوب بن محمد الرقي، نا عمر بن أيوب، نا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن مقسم، عن ابن عباس) - ﵁ - (قال: افتتح رسول الله - ﷺ - خيبر، واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء) أي: الذهب والفضة.\n(وقال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم) أي: بالزراعة في الأرض (فأعطناها) أي الأرض (على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف، فزعم) أي ابن عباس (أنه) أي رسول الله - ﷺ - (أعطاهم على ذلك) أي: على أن ما يخرج منها يؤدون إلى رسول الله - ﷺ - نصفها.\n(فلما كان حين يصرم النخل) أي وقت صرام النخل وقطع ثمرتها (بعث\n_________\n(١) في نسخة: \"فأعطاناها\".","vol":"11","page":112},{"text":"إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَحَزَرَ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ، وَهُوَ الَّذِى يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْخَرْصَ، فَقَالَ: فِى ذِهْ كَذَا وَكَذَا، قَالُوا: أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، قَالَ: فَأَنَا (١) أَلِى حَزْرَ (٢) النَّخْلِ وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِى قُلْتُ، قَالُوا: هَذَا الْحَقُّ وَبِهِ (٣) تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، قَدْ رَضِينَا أَنْ نَأْخُذَهُ بِالَّذِى قُلْتَ. [جه ١٨٢٠]\n٣٤١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِىُّ، نَا زَيْدُ بْنُ أَبِى الزَّرْقَاءِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ فَحَزَرَ،\n===\nإليهم عبد الله بن رواحة، فحزر) الحزر بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة: الخرص والتخمين (عليهم النخل، وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص، فقال) عبد الله بن رواحة لليهود: (في ذه) أي: في هذه النخلات (كذا وكذا) أي: مكيلات من التمر.\n(قالوا) أي اليهود: (أكثرت علينا يا ابن رواحة، قال) أي عبد الله ابن رواحة لهم: (فأنا ألي) بصيغة المتكلم من ولى يلي (حزر النخل) أي: أنا أتولى النخل المحروزة على هذا الحزر (وأعطيكم نصف الذي قلت، قالوا) أي اليهود: (هذا الحق) أي: هذا الذي قلت لنا هو الحق والإنصاف (وبه) وفي نسخة: \"والذي به\" (تقوم السماء والأرض) معناه على الأول: به يعني وبالحق تقوم السماء والأرض، وعلى الثانية يمكن الباء للقسم، فمعناه: أقسم بالذي به تقوم السماء والأرض بأن الذي قلت هو الحق (قد رضينا أن نأخذه) أي: النخل (بالذي) أي: بالحزر الذي (قلت).\n٣٤١١ - (حدثنا علي بن سهل الرملي، ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن جعفر بن برقان، بإسناده ومعناه، قال: فحرز) أي: بتقدم الراء المهملة على\n_________\n(١) في نسخة: \"فإني\".\n(٢) في نسخة: \"فأنا إليَّ حَزرُ\".\n(٣) في نسخة: \"والذي به\".","vol":"11","page":113},{"text":"وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ: \"وَكُلَّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ\": يَعْنِى الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لَهُ. [انظر سابقه]\n٣٤١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ، نَا كَثِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ هِشَامٍ -، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، نَا مَيْمُونٌ، عَنْ مِقْسَمٍ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- حِينَ افْتَتَحَ (١) خَيْبَرَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ زَيْدٍ، قَالَ: فَحَزَرَ النَّخْلَ، وَقَالَ:\n===\nالزاي المعجمة، قال في \"المجمع\" (٢): وفي لغة حزر، وفيه: ما يوزن، قال: حتى يحزر، المراد من الوزن الحزر بزاي فراء، وهو الخرص والتقدير، والخرص والأكل، والوزن كلها كنايات عن ظهور صلاحهما، وروي براء فزاي.\nقال النووي: حتى يحزر، أي: يخرص، وفي بعضها بتقديم راء وهو مصحف، وإنما فسر \"يوزن\" به؛ لأن الحزر طريق إلى معرفة قدره كالوزن، انتهى.\nفخالف زيد بن أبي الزرقاء عمر بن أيوب بأن عمر قال هذا اللفظ بتقديم الزاي على الراء، وأما زيد بن أبي الزرقاء فقال بتقدم الراء على الزاي (وقال عند قوله: كل صفراء وبيضاء: يعني الذهب والفضة له) فزاد تفسير صفراء وبيضاء، ولم يذكر هذا التفسير عمر بن أيوب.\n٣٤١٢ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا كثير - يعني ابن هشام -، عن جعفر بن برقان، نا ميمون، عن مقسم، أن النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر، فذكر نحو حديث زيد) بن أبي الزرقاء (قال: فحزر النخل) أي: بتقديم الزاي على الراء مثل لفظ عمر بن أيوب (وقال) كثير بن هشام\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فتح\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٨٧).","vol":"11","page":114},{"text":"فَأَنَا أَلِى جُذَاذَ (١) النَّخْلِ، وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِى قُلْتُ. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>(٣٦) بَابٌ: في الْخَرْصِ</span>\n٣٤١٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أُخْبِرْتُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- يَبْعَثُ (٢) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ\n===\nفي روايته: (فأنا ألي جذاذ (٣) النخل) أي: قطع ثمرتها بدل قوله: أنا ألي حزر النخل (وأعطيكم نصف الذي قلت) فخالف في لفظ \"الحزر\"، وقال بدله: \"جذاذ\".\n\n(٣٦) (بَابٌ: في الْخَرَصِ) (٤)\n٣٤١٣ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرت عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة، فيخرص النخل) أي: ثمرتها (حين يطيب) النخل\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"جزاز\"، وفي نسخة: \"جذاذ\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بعث\".\n(٣) وقال ابن رشد في \"البداية\" (٢/ ٢٤٥) ناقلًا عن الحنفية في إنكارهم جواز المساقاة: واستدلوا على مخالفته للأصول بما روي في حديث ابن رواحة أنه كان يقول عند الخرص: \"إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي\"، وهذا حرام بإجماع، انتهى.\nوفي \"التعليق الممجد\" (٣/ ٣١٠): قال ابن عبد البر: الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء؛ لأنهما شريكان، لا يقتسمان إلَّا بما يجوز بيع الثمار بعضها ببعض. (ش).\n(٤) في \"التقرير\": اختلفوا في جوازه ومنعه لاختلافهم في المزارعة، فالإمام لما ذهب إلى أن معاملته - ﷺ - بأهل خيبر لم تكن مخابرة، بل كان عليهم خراج، جوز الخرص في الخراج والجزية، ولم يجوز في المزارعة والمساقاة، والآخرون لما ذهبوا إلى أنها كانت مزارعة، جوزوا الخرص في المزارعة. (ش).","vol":"11","page":115},{"text":"قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ: يَأْخُذُونَهُ بِذَلِكَ الْخَرْصِ أَوْ يَدْفَعُونَهُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْخَرْصِ، لِكَىْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ. [حم ٦/ ١٦٣، ق ٤/ ١٢٣]\n٣٤١٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى خَلَفٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: \"أَفَاءَ (١) اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ خَيْبَرَ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا كَانُوا،\n===\n(قبل أن يوكل منه، ثم يخير اليهود) في أنهم (يأخذونه) أي: النخل (بذلك الخرص) فيدفعون نصف الخرص إلى رسول الله - ﷺ - (أم يدفعونه) أي: يدفع اليهود النخل (إليهم) أي: إلى المسلمين (بذلك الخرص) فيدفعون أي أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى اليهود النصف، ويفعل ذلك (لكي تحصى) أي: تعين (الزكاة قبل أن توكل الثمار وتفرق).\n٣٤١٤ - (حدثنا ابن أبي خلف، نا محمد بن سابق) التميمي مولاهم، أبو جعفر، ويقال: أبو سعيد البزار الكوفي، أصله من فارس، ثم سكن بغداد، روى له البخاري والباقون سوى ابن ماجه، قال العجلي: كوفي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: كان شيخًا صدوقًا ثقةً، وليس ممن يوصف بالضبط للحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به.\n(عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: أفاء الله على رسوله خيبر) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (٢) الآية (فأقرهم رسول الله - ﷺ - كما كانوا) يعني لم يُجلهم عنها\n_________\n(١) في نسخة: \"لما أفاء\".\n(٢) سورة الحشر: الآية ٧.","vol":"11","page":116},{"text":"وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ. [حم ٣/ ٣٦٧]\n٣٤١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَا، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنى أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: خَرَصَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ وَسْقٍ، وَزَعَمَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمُ ابْنُ رَوَاحَةَ أَخَذُوا الثَّمَرَ وَعَلَيْهِمْ عِشْرُونَ أَلْفَ وَسْقٍ.\n* * *\n===\n(وجعلها) أي: خيبر (بينه وبينهم) بأن ما يخرج من أرضها فالنصف لرسول الله - ﷺ - والنصف الآخر لهم (فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم).\n٣٤١٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا: أنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير) المكي، (أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: خرصها) أي: نخل خيبر (ابن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم) أي: جابر (إن اليهود لما خيرهم ابن رواحة) في الخرص أن يأخذوا النخل ويؤدوا نصف خرصه إلى رسول الله - ﷺ -، أو يأخذ أصحاب رسول الله - ﷺ - النخل ويأخذ اليهود منهم نصف الخرص (أخذوا الثمر) كلها (وعليهم) أي: جعلوا عليهم (عشرون ألف وسق).\n* * *","vol":"11","page":117},{"text":"كتَابُ الإجَارَةِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>(٣٧) بَابٌ: في كَسْبِ الْمُعَلِّم</span>\n٣٤١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ وَحُمَيْدُ بْنُ\n===\n\n(كِتَابُ الإجَارَةِ) (١)\nهكذا في أكثر النسخ، وليس في بعضها ههنا هذا اللفظ، بل فيها \"باب في كسب المعلم\" فقط\nقال القاري (٢): بالكسر، وحكي ضمها، وهي لغة: الإثابة، يقال: آجرته بالمد وبغير المد إذا أثبته، وفي \"المغرب\": الإجارة تمليك المنافع بعوض شرعًا، وفي اللغة: اسم للأجرة وهي كراء الأجير، وقد أَجَره إذا أعطاه أجرته.\n\n(٣٧) (بابٌ: في كَسْبِ الْمُعَلِّمِ) (٣)\nأي: معلم القرآن\n٣٤١٦ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع وحميد بن\n_________\n(١) قال ابن رشد في \"البداية\" (٢/ ٢١): هي مستثناة من بيوع الغرر المجهول، ولذا خالف فيها الأصم وابن علية، وذلك أن أجل التعامل على عين معروفة ثابتة في عين ثابتة معروفة، والإجارة عين ثابتة في مقابلة حركات وأفعال غير ثابتة ولا مقدرة، ولذا اختلف الفقهاء متى تجب الأجرة على المستأجر، انتهى. (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٧٦).\n(٣) وأجاد مولانا النانوتوي في بعض مكاتيبه \"قاسم العلوم\" (ص ٤) رقم (٨)، فقال: ليس العلة في المنع أنه ليس بعمل، بل الأصل أن العبادات كلها حق الله تعالى وطالب بعض حقوقه، فجعله فرضًا، وترك بعضها على نشاط العبد إن شاء أدى وإلَّا فلا، ولما صارت العبادات حقًا لله تعالى، فلا يجوز بيع حق الغير، فكذلك هذا، وبسط الاختلاف في \"المغني\" (٨/ ١٤٠، ١٤١)، و\"الشامي\" (٩/ ٧٦، ٧٧). (ش).","vol":"11","page":118},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِىُّ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَىٍّ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَ، فَأَهْدَى إِلَىَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا، فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِى عَنَهَا (١) فِى سَبِيلِ اللَّهِ، لآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَلأَسْأَلَنَّهُ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أَهْدَى إِلَىَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِى عَنْهَا (٢) فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: \"إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا\". [جه ٢١٥٧، حم ٥/ ٣١٥]\n===\nعبد الرحمن الرؤاسي) بضم الراء وبالهمزة مخففة: قبيلة، (عن مغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة) الكندي الشامي، عن عبادة بن الصامت، قال: \"علمت ناسًا من أهل الصفة القرآن\" الحديث، قال ابن المديني: لا أحفظ عنه غير هذا الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: إنه شامي معروف، ونقل الذهبي في \"الميزان\" (٣) عن ابن المديني: أنه قال: لا يعرف.\n(عن عبادة بن الصامت قال: علمت ناسًا من أهل الصفة القرآن والكتاب) أي: الكتابة (فأهدى إلى رجل منهم قوسًا، فقلت) أي في نفسي: (ليست بمال) أي: لم يعهد في العرف عد القوس من الأجرة، فأخذها لا يضر (وأرمي عليها في سبيل الله، لآتين رسول الله - ﷺ - فلأسالنه) أي: عن القوس (فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إلى قوسًا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال) أي: عظيم (وأرمي عنها في سبيل الله تعالى، قال: إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها).\nقال الخطابي (٤): اختلف الناس في معنى هذا الحديث وتأويله، فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره، فرأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عنها\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عليها\".\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٩٨٠).\n(٤) \"معالم السنن\" (٣/ ٩٩، ١٠٠).","vol":"11","page":119},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالقرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة (١) وإسحاق بن راهويه.\nوقال طائفة: لا بأس به ما لم يشترط، وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي، وأباح ذلك آخرون، وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور، واحتجوا بحديث سهل بن سعد \"أن النبي - ﷺ - قال للرجل الذي خطب المرأة، ولم يجد لها مهرًا: زوجتكها على ما معك من القرآن\"، وقد ذكره أبو داود في موضعه من الكتاب.\nفأوَّلوا حديث عبادة على أنه أمر كان تبرع به، ونوى الاحتساب فيه، ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره النبي - ﷺ - إبطال أجره، وتوعده عليه، وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من ردَّ ضالَّة لرجل، أو استخرج له متاعًا قد غرق في بحر تبرعًا وحسبة، فليس له أن يأخذ عليه أجرًا، ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة، كان ذلك جائزًا، وأهل الصفة قوم فقراء، كانوا يعيشون بصدقة الناس، فأخذ (٢) المال من تحت أيديهم مكروه، ودفعه إليهم مستحب.\nوقال بعض العلماء: أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات، فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به، حل له أخذ الأجرة عليه؛ لأن فرض ذلك لا يتعين عليه، وإذا كان في حال، أو موضع لا يقوم به غيره، لم يحل له أخذ الأجرة، وعلى هذا يؤول (٣) اختلاف الأخبار فيه، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: إن كنت تحب أن تطوق ... إلخ، ولعل المعلم والمتعلم اشترطا بينهما أجرة، أو كان ذلك منويًا لهما، فلم يرض به النبي - ﷺ - لصحابته، وإن لم تكن النية محرمة، ويمكن أن يراد بطوق النار حطيطة منزلة عما كانت مقدرة له، فإن إطلاق النار على الأمور\n_________\n(١) وبسط العيني في مستدلات الحنفية [انظر: \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٢٦)].\n(٢) هكذا في الأصل، وفي \"معالم السنن\": \"فَأَخْذُ الرجل المال منهم مكروه\".\n(٣) هكذا في الأصل، وفي \"معالم السنن\": \"تأوَّل\".","vol":"11","page":120},{"text":"٣٤١٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَا، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِى عُبَادَةُ بْنُ نُسَىٍّ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِى أُمَيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ، وَالأَوَّلُ أَتَمُّ، فَقُلْتُ: مَا تَرَى فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟\n===\nالمتعبة غير قليل، وأي تعب أكثر من أن يبقى رجل مأسورًا عن الفضيلة التي كانت.\nثم إن ظاهر إيراد المؤلف بابين لذلك حيث جَوَّز للقرآن أجرة إذا كانت على سبيل المعالجة به، وحَرَّم حيث كانت على التعليم مشعر بأن الأجرة إنما جازت في الأوَّل؛ لكونه بما لا يجب القيام به على المكلف، ولا كذلك التعليم، فإنها قربة، وهو واجب أيضًا، هان كان على الكفاية، وهذا هو المذهب عندنا، فلا يتمشى حديث الرقية بالفاتحة حجة على الأحناف في منعهم الأجرة على التعليم، وهذا الكلام إنما هو في أجل المذهب، وأما المتأخرون فقد أفتوا بقول الشافعي للضرورة.\n٣٤١٧ - (حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد قالا: نا بقية، حدثني بشر بن عبد الله بن يسار) السلمي الشامي الحمصي، كان من حَرس عمر بن عبد العزيز، له عند أبي داود حديث واحد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج له الحاكم في \"المستدرك\".\n(قال عمرو) أي: ابن عثمان شيخ المصنف: (وحدثني عبادة بن نسي) في أكثر نسخ أبي داود من المطبوعة والمكتوبة الواو موجودة قبل حدثني، وفي المكتوبة المدنية التي عليها المنذري ليس عليها الواو، فأما على النسخة الأولى فالواو للعطف على المقدر، أي يقول بشر بن عبد الله: حدثني عبادة كذا وكذا، وحدثني عبادة أيضًا هذا، وفي الصورة الثانية التي ليس فيه الواو فمعناه ظاهر، لا حاجة إلى التقدير، وذكر ههنا قول عمرو، ولم يذكر قول كثير، ولعل رواية كثير ليس بلفظ التحديث بل هو بلفظ عن.\n(عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت نحو هذا الخبر) المتقدم (والأول) أي: الحديث الأول (أتم) ولفظه: (فقلت: فما ترى فيها يا رسول الله؟","vol":"11","page":121},{"text":"فَقَالَ: \"جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا\". أَوْ \"تَعَلَّقْتَهَا\". [حم ٥/ ٣٢٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>(٣٨) بَابٌ: في كَسْبِ الأَطِبَّاءِ</span>\n٣٤١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ أَبِى الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِ النبيَّ (١) -ﷺ- انْطَلَقُوا فِى سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، فَنَزَلُوا بِحَىٍّ مِنْ (٢) الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، قَالَ: فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ، فَشَفَوْا لَهُ بِكُلِّ شَىْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ شَىْءٌ،\n===\nفقال) رسول الله - ﷺ -: (جمرة بين كتفيك تقلدتها) في عنقك (أو) للشك (تعلقتها) في موضع \"تقلدتها\".\n\n(٣٨) (بَابٌ: في كَسْبِ الأطِبَّاءِ)\n٣٤١٨ - (حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري: أن رهطًا) أي: جماعة (من أصحاب النبي - ﷺ - انطلقوا في سفرة سافروها، فنزلوا بحي) أي: قبيلة (من العرب، فاستضافوهم) أي: طلبوا منهم الضيافة (فأبوا أن يضيفوهم) أي: منعوهم من الضيافة (قال) أبو سعيد: (فلُدغ سيدُ ذلك الحي) قال في \"المجمع\" (٣): واللدغ لذوات السموم من حية أو عقرب، وأكثر استعماله فيمن لدغته العقرب، والسليم فيمن لسعته الحية. (فشفوا له) أي: طلبوا الشفاء (٤) (له بكل شيء لا ينفعه شيء) يعني عالجوه بكل ما يستشفى به، والعرب تضع الشفاء موضع العلاج.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أحياء\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٩٠، ٤٩١).\n(٤) أي: عالجوه، والعرب يضع الشفاء موضع العلاج، كذا في \"الدرجات\" (ص ١٣٧)، واستدل بذلك المالكية على جواز الإجارة على منفعة مظنونة، ومنها مشارطة الطبيب على البرء، ومنعه الحنفية، وللشافعي قولان، كذا في \"البداية\" (٢/ ١٧٧). (ش).","vol":"11","page":122},{"text":"فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ (١) هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا بِكُمْ، لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَىْءٌ يَنْفَعُ صَاحِبَكُمْ.\nفَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ (٢)، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ؟ - يَعْنِى رُقْيَةً - فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنِّى لأَرْقِى، وَلَكِنِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَأَبَيْتُمْ أَنْ تُضَيِّفُونَا، مَا أَنَا بِرَاقٍ حَتَّى تَجْعَلُوا لِى جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَأَتَاهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَيَتْفُلُ (٣)، حَتَّى بَرِأ كَأَنَّمَا أُنْشِطَ (٤) مِنْ عِقَالٍ، قَالَ: فَأَوْفَاهُمْ (٥) جُعْلَهُ (٦) الَّذِى صَالَحُوهُ عَلَيْهِ،\n===\n(فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا بكم) وهم الصحابة (لعل أن يكون عند بعضهم شيء ينفع صاحبكم) فجاء إليهم (فقال بعضهم: إن سيدنا لدغ، فهل عند أحد منكم؟ يعني رقية، فقال رجل (٧) من القوم: إني لأرقي) أي: وعندي رقية (ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا، ما أنا براقٍ) أي: لسيدكم (حتى تجعلوا لي جعلًا) أي: أجرًا (فجعلوا له قطيعًا من الشاء) (٨).\n(فأتاه) أي: أتى ذلك الرجل الصحابي سيد الحي (فقرأ عليه بأم الكتاب) أي سورة الفاتحة (ويتفل) على الملدوغ (حتى بَرَأ) أي: عُوْفي (كأنما أنشط من عقال) أي: حُلَّ من وثاق (قال: فأوفاهم) أي: أداهم (جعله) أي: أجرهم (الذي صالحوه عليه) وهو قطيع الشاء، قيل: وكان عدد النساء ثلاثين، وعدد الرهط ثلاثين.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إلى\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فشفينا له بكل شيء، لا ينفعُه شيء\".\n(٣) في نسخة: \"تفل\".\n(٤) في نسخة: \"نَشِطَ\".\n(٥) في نسخة: \"فأوفوه\".\n(٦) في نسخة: \"جعلهم\".\n(٧) هو أبو سعيد، كما سيأتي في \"باب الرقى\". (ش).\n(٨) ثلاثون شاة، كما سيأتي في \"باب كيف الرقى؟ \". (ش).","vol":"11","page":123},{"text":"فَقَالُوا: اقْتَسِمُوا، فَقَالَ الَّذِى رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِىَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَنَسْتَأْمِرَهُ (١)، فَغَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرُوا (٢) لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ أَحْسَنْتُمْ، وَاضْرِبُوا لِى مَعَكُمْ بِسَهْمٍ\". [خ ٢٢٧٦، م ٢٢٠١، ت ٢٠٦٤، جه ٢١٥٦، حم ٢/ ٣ - ٤٤]\n===\n(فقالوا: اقتسموا) أي: فيما بينهم. وفي رواية للبخاري (٣): \"فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا\"، ولعل بعضهم قالوا بالاقتسام بينهم، وبعضهم كرهوا ذلك (فقال الذي رَقِيَ: لا تفعلوا) شيئًا من الاقتسام والرد على سيد الحي (حتى نأتي رسول الله - ﷺ - فنستأمره) أي: نستفتيه.\n(فغدوا على رسول الله - ﷺ -، فذكروا له) ذلك (فقال رسول الله - ﷺ -: من أين علمتم أنها رقية؟ أحسنتم، واضربوا لي معكم بسهم)، وقال هذا القول تطييبًا لقلوبهم، ولبيان أنه حلال طيب.\nقال الخطابي (٤): ومن هذا بيان جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ولو كان ذلك محرمًا لأمرهم النبي - ﷺ - برد القطيع، فلما صوَّب فعلهم، وقال لهم: \"أحسنتم\"، ورضي الأجرة التي أخذها لنفسه، فقال: \"اضربوا لي معكم بسهم\" ثبت أنه طِلْق مباح، انتهى.\nوقال المانعون: إن التطبب بالقرآن وأخذَ الأجرة عليه حلال، وأما قراءة القرآن وأخذُ الأجرة على تعليمه غير جائز، لأنه عبادة وأخذ الأجرة على العبادة لا يجوز.\nوحجة المانعين حديث عبادة المتقدم، وحديث: \"اقرأوا القرآن ولا تأكلوا\n_________\n(١) في نسخة: \"فنسأله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ذلك\".\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٥٧٣٧).\n(٤) \"معالم السنن\" (٣/ ١٠١).","vol":"11","page":124},{"text":"٣٤١٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، بِهَذَا الْحَدِيثِ. [انظر سابقه]\n٣٤٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِى، نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ،\n===\nبه\" (١)، رواه أحمد وإسحاق وابن أبي شيبة من رواية هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي راشد الجراني (٢)، عن عبد الرحمن بن شبل، وحديث عثمان بن أبي العاص: \"وأن اتخِذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا\" (٣).\n٣٤١٩ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، أنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أخيه معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ -، بهذا الحديث) المتقدم.\n٣٤٢٠ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن خارجة بن أبي الصلت) اختلفت النسخ فيه، ففي بعضها: \"خارجة بن الصلت\"، وفي بعضها: \"خارجة بن أبي الصلت\"، وفي \"التهذيب\" (٤)، و\"التقريب\" (٥)، و\"الخلاصة\" (٦) و\"الكاشف\" (٧): \"خارجة بن الصلت\"، فالظاهر أن لفظ أبي غلط من النساخ، قال في \"التهذيب\": خارجة بن\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٢٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٤٠٠).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"مسند أحمد\": \"الحُبْرَاني\" (٣/ ٤٢٨).\n(٣) أخرجه الترمذي في \"سننه\" رقم (٢٠٩)، وابن ماجه في \"سننه\" رقم (٧١٤).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٧٥).\n(٥) \"تقريب التهذيب\" (ص ٢٨٣).\n(٦) \"الخلاصة\" (ص ٩٩).\n(٧) \"الكاشف\" (١/ ٢٦٥).","vol":"11","page":125},{"text":"عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ، فَأَتَوْهُ بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ فِى الْقُيُودِ، فَرَقَاهُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، وكُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ، ثُمَّ تَفَلَ، فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَأَعْطُوهُ شَيْئًا، فَأَتَى النَّبِىَّ -ﷺ-، فَذَكَرَهُ لَهُ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: \"كُلْ، فَلَعَمْرِى لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ\". [سي ١٠٣٢، ك ١/ ٥٥٩، حم ٥/ ٢١٥]\n===\nالصلت البرجمي الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقد قال ابن أبي خيثمة: إذا روى الشعبي عن رجل، وسمَّاه فهو ثقة، يحتج بحديثه.\n(عن عمه) قال في \"التقريب\" (١): خارجة بن الصلت عن عمه في الرقى، قيل: اسمه علاقة بن صحار، وقيل: عبد الله بن عِثْيَر، وهكذا في \"تهذيب التهذيب\" (٢) (أنه مر بقوم فأتوه، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل) يعنون النبي - ﷺ - (بخيبرٍ، فارق لنا هذا الرجل، فأتوه برجل معتوه) أي: مجنون مشدود (في القيود، فرقاه بأم القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشية، وكلما ختمها، جَمَعَ بزاقه، ثم تَفَلَ) على المعتوه، (فكأنما أُنشِطَ من عقال) أي برئ من المجنون، وصار كامل العقل.\n(فأعطوه شيئًا فأتى) أي: عم خارجة إلى (النبيَّ - ﷺ -، فذكره له، فقال رسول الله - ﷺ -: كُلْ) ما اْعطيت من الأجرة على التطبب بالفاتحة (فلعمري) أي: لعمري قسمي، فإما أن يقدر خالق عمري، أو يقال: إنه مخصوص بالنبي - ﷺ -، لقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ (٣)، فإن الله سبحانه أقسم بعمره (لمن أكل برقيةِ باطلٍ) فأكل الناس بالباطل (لقد أكلت برقيةِ حق) فيحل لك ما أعطيت عليها.\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص ٧٦٣).\n(٢) (٨/ ١٩٦).\n(٣) سورة الحجر: الآية ٧٢.","vol":"11","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1327>(٣٩) بَابٌ: في كَسْبِ الْحَجَّامِ</span>\n٣٤٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ قَارِظٍ -، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ،\n===\n\n(٣٩) (بَابٌ: في كَسْبِ الْحَجَّامِ)\n٣٤٢١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، عن يحيى، عن إبراهيم بن عبد الله -يعني ابن قارظ-، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، أن رسول الله - ﷺ - قال: كسب الحجام خبيث).\nقال الخطابي (١): نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن محيصة، عن أبيه: \"أنه استأذن النبي - ﷺ - في إجارة الحجام، فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى أمره: أن اعلفه ناضحك أو رقيقك\".\nقال الشيخ: حديث محيصة يدل على أن أجرة الحجام ليس بحرام وأن خبثها من قِبَل دناءة مخرجها، وقال ابن عباس: احتجم رسول الله - ﷺ -، وأعطى الحجام أجره، ولو علمه حرامًا لم يعطه.\nقال الشيخ: وقوله: \" [اعلفه] ناضحك أو رقيقك\" يدل على صحة ما قلناه، وذلك لأنه لا يجوز له أن يطعم رقيقه إلَّا من مال قد ثبت له ملكه، وإذا ثبت له ملكه، فقد ثبت أنه مباح، وإنما وجهه: التنزيه عن الكسب الدنيء، والترغيب في تطهير الطعم، والإرشاد فيها إلى ما هو أطيب وأحسن، وبعض الكسب أعلى وأفضل، وبعضه أدنى وأوكح.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٠٢، ١٠٣).","vol":"11","page":127},{"text":"وَمَهْرُ الكلبِ خَبِيثٌ،\n===\nوقد ذهب بعض (١) أهل العلم إلى أن كسب الحجام إن كان حرًا فهو محرم، واحتج بهذا الحديث وبقوله: \"إنه خبيث\"، قال: وإن كان عبدًا فيعلفه ناضحه، وينفقه على دوابه. قال الشيخ: وهذا القائل لم يذهب في التفريق بينهما مذهبًا تبين له (٢) معنى صحيح، وكل شيء حل من المال للعبيد حل للأحرار، والعبد لا ملك له، ويده يد لسيده، وكسبه كسبه، وإنما وجه الحديث ما ذكرته لك، وأن الخبيث معناه الدنيء، كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٣) أي: الدون.\n(وثمن الكلب خبيث) قال القاري (٤): استدل به الشافعي - ﵀ - على أن بيع الكلب معلمًا كان أو غيره غير جائز، وجوَّزه أبو حنيفة، وأجاب عن الحديث بأن لفظ الخبيث لا يدل على الحرمة لما في الخبر: \"وكسب الحجام خبيث\" مع أنه ليس بحرام اتفاقًا، فقوله: \"خبيث\" أي ليس بطيب، فهو مكروه وليس بحرام (٥)، وإطلاق الحديث عليه باعتبار حصوله بأدنى المكاسب.\n_________\n(١) وفي \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٧٧): قال أحمد: يجوز أجره للعبد لا للحر، وجمع ابن العربي: بأن النهي على فعل مجهول (٢/ ١٧٧)، والإباحة لفعل معلوم، وذكر ابن الجوزي: أن أجر الحجّام إنما كره؛ لأنه من الأشياء التي يجب للمسلم على المسلم إعانته عند الاحتياج، فما كان ينبغي أن يأخذ على ذلك أجرًا، انتهى.\nوحكى الشوكاني (٣/ ٦٧٦) تحريم كسب الحجام مطلقًا عن بعض أصحاب الحديث، وعن الجمهور الجواز، انتهى.\nقلت: وسيأتي التفريق بين الحر والعبد. (ش).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"ليس له\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٦).\n(٥) وقال أبو الطيب في \"شرح الترمذي\": إنه محمول على غير المأذون، أو على زمن يؤمر بقتلها، وبسطه، وصرح في \"الهداية\" (٣/ ٢٣٨) جوازه مطلقًا، وحكي عن أبي يوسف عدم جواز العقور، وكذا في \"الشامي\" (٩/ ٧٢)، وسيأتي المذاهب في \"باب أثمان الكلب\". (ش).","vol":"11","page":128},{"text":"وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ\". [م ١٥٦٨، ت ١٢٧٥، ن ٤٢٩٤، حم ٣/ ٤٦٤]\n٣٤٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِى إِجَارَةِ الْحَجَّامِ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى أَمَرَهُ \"أَنِ\n===\n(ومهر البغي) بتشديد الياء، أو هو فعول في الأصل بمعنى الفاعلة، من بغت المرأة بغاء بالكسر إذا زنت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (١) والمعنى مهر الزانية (خبيث) أي: حرام إجماعًا؛ لأنها تأخذه عوضًا عن الزناء المحرم، ووسيلة الحرام حرام، وسمَّاه مهرًا مجازًا لأنه في مقابلة البضع، انتهى.\nقلت: وما وقع في بعض حواشي \"شرح الوقاية\": أن أجرة الزانية حلال، فمعناه أن أجرة الزانية التي ليست بعوض الزناء، بل هو عوض الخدمة مثل طبخ الطعام وغيره حلال لا الأجرة على الزناء (٢)، فإن عندنا مصرح ومتفق عليه أن كل أجرة تكون على فعل المعصية تكون حرامًا.\n٣٤٢٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن محيصة) حرام بن سعد بن محيصة بن مسعود بن كعب الأنصاري أبو سعد، ويقال: أبو سعيد المدني، وقد ينسب إلى جده، روى عن الزهري عن اختلاف فيه، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) باعتبار أنه ينسب إلى جده، فالمراد بالأب الجد وهو محيصة (أنه استأذن رسول الله - ﷺ - في إجارة الحجام) ولفظ مالك في \"الموطأ\" (٣): \"أجرة الحجام\"، وهو الأوضح (فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى أمره: أَن\n_________\n(١) سورة النور: الآية ٣٣.\n(٢) وبسطه كل البسط الوالد المرحوم في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٣٩). (ش).\n(٣) قلت: بل فيه \"إجارة الحجام\"، انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٩٧٤).","vol":"11","page":129},{"text":"اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَكَ\". [ت ١٢٧٧، جه ٢١٦٦، حم ٥/ ٤٣٥، ق ٩/ ٣٣٧]\n٣٤٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ-يعني ابْنُ زُرَيْعٍ-، نَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ\". [خ ٢٢٧٩]\n٣٤٢٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (١) قال: \"حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ،\n===\nاعْلفه ناضحك) أي: الجمل الذي يسقى عليه الماء (ورقيقك) وقد مر (٢) حكمه قبل.\n٣٤٢٣ - (حدثنا مسدد، نا يزيد -يعني ابن زريع-، نا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله - ﷺ - وأعطى الحجام أجره، ولو علمه خبيثًا) أي: حرامًا (لم يعطه) أي: الأجر.\n٣٤٢٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: حجم أبو طيبة (٣» الحجام مولى الأنصار، من بني حارثة، وقيل: من بني بياضة، قال العسكري: قيل: اسمه نافع، ولا يصح ولا يعرف اسمه (رسول الله - ﷺ -، فأمر له بصاع من تمر) أجرة الحجامة (٤)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٢) قال القاري في \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٧٧): ذهب به أحمد إلى الفرق بين الحر والعبد، فكره للحر الاحتراف بها، وحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، وجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب، وأباح للعبد مطلقًا. (ش).\n(٣) بسط الاختلاف في اسمه القاري في \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٧٥، ١٧٦)، وقد حجمه أبو هند أيضًا كما تقدم. (ش).\n(٤) وترجم عليه البخاري: \"من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون\"، وأدخل فيه هذا الحديث، فكأنه أشار إلى أن هذه الأجرة كانت معروفة. [انظر: \"صحيح البخاري\" رقم الحديث (٢٢١٠)]. (ش).","vol":"11","page":130},{"text":"وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ\". [خ ٢٢٨١، م ١٥٧٧، ت ١٢٧٨، حم ٣/ ١٠٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>(٤٠) بَابٌ: في كسْبِ الإمَاءِ</span>\n٣٤٢٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ\". [خ ٢٢٨٣، حم ٢/ ٢٨٧]\n٣٤٢٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ،\n===\n(وأمر أهله) أي: مواليه (أن يخففوا عنه من خراجه) أي الذي وضعوه عليه.\n\n(٤٠) (بَابٌ: في كَسْبِ الإمَاءِ)\n٣٤٢٥ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن محمد بن جحادة قال: سمعت أبا حازم) أنه (سمع أبا هريرة، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن كسب الإماء) أي: ما يكتسب من المال على الزناء.\nقال الخطابي (١): كانت لأهل مكة ولأهل المدينة إماء عليهن ضرائب، يخدمن [الناس، ويخبزن، ويسقين الماء، ويصنعن غير ذلك من الصناعات، ويؤدين الضريبة إلى ساداتهن، والإماء إذا دخلن تلك المداخل وتبذَّلن ذلك] التبذل، وهن مخارجات، وعليهن ضرائب لم يؤمن أن يكون منهن، أو من بعضهن الفجور، وأن يكسبن بالسفاح، فأمر - ﷺ - بالتنزه عن كسبهن، ومتى لم يكن لعملهن وجه معلوم يكتسبن به، فهو أبلغ في النهي، وأشد في الكراهة، وقد جاءت الرخصة في كسب الأمة إذا كان في يدها عمل، نحو الخبز والغزل والنفش، وهو نتف الصوف أو ندفه.\n٣٤٢٦ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هاشم بن القاسم،\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٠٣، ١٠٤).","vol":"11","page":131},{"text":"حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنِى طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ قَالَ: \"جَاءَ رَافِعُ بْنُ رِفَاعَةَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ فَقَالَ: لَقَدْ نَهَانَا نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- الْيَوْمَ، فَذَكَرَ أَشْيَاءَ، وَنَهَانَا (١) عَنْ كَسْبِ الأَمَةِ إلَّا مَا عَمِلَتْ بِيَدِهَا (٢)، وَقَالَ هَكَذَا بِأَصَابِعِهِ نَحْوَ الْخَبْزِ وَالْغَزْلِ وَالنَّفْشِ\". [حم ٤/ ٣٤١]\n===\nنا عكرمة، حدثني طارق بن عبد الرحمن القرشي قال: جاء رافع بن رفاعة) قال الحافظ في \"الإصابة\" (٣): رافع بن رفاعة الأنصاري، روى حديثه أحمد وأبو داود من طريق عكرمة بن عمار، عن طارق بن عبد الرحمن قال: جاء رافع بن رفاعة إلى مجلس الأنصار، الحديث، قال أبو عمر: رافع بن رفاعة بن مالك بن عجلان لا تصح له صحبته، والحديث غلط، قلت: لم أره في الحديث منسوبًا، فلم يتعين كونه رافع بن رفاعة بن مالك، فإنه تابعي، لا صحبة له، بل يحتمل أن يكون غيره، وأما كون الإسناد غلطًا، فلم يوضحه، وقد أخرجه ابن منده من وجه آخر عن عكرمة، فقال: عن رفاعة بن رافع، والله أعلم.\n(إلى مجلس الأنصار فقال: لقد نهانا نبي الله - ﷺ - اليوم، فذكر) (٤) أي: رافع (أشياء و) قال: (نهانا عن كسب الأمة إلَّا ما عملت بيدها، وقال) أي أشار رسول الله - ﷺ -: (هكذا بأصابعه نحو الخبز) بفتح الخاء وسكون الباء (والغزل) أي: غزل الصوف والقطن وغيرها (والنفش) وهو نتف الصوف والقطن وندفه.\n_________\n(١) في نسخة: \"نهى\".\n(٢) في نسخة: \"بيديها\".\n(٣) \"الإصابة\" رقم (٢٥٢٨)، وتكلم عليه في \"التهذيب\" (٣/ ٢٣٠) بنوع آخر. (ش).\n(٤) وفي \"الإصابة\" رقم (٢٥٢٨): روى أحمد وأبو داود عن طارق قال: جاء رافع بن رفاعة إلى مجلس الأنصار، فقال: \"لقد نهانا النبي - ﷺ - اليوم عن شيء كان يرفق بنا، نهانا عن كراء الأرض، وعن كسب الحجام، وعن كسب الأمة إلَّا ما عملت بيدها نحو الخبز والغزل\". (ش).","vol":"11","page":132},{"text":"٣٤٢٧ - حَدَّثَنِا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ هُرَيْرٍ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ - هُوَ ابْنُ خَدِيجٍ - قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ كَسْبِ الأَمَةِ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هُوَ\". [ق ٦/ ١٢٧، ك ٢/ ٤٢]\n. . . (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>(٤١) بَابٌ: في عَسْبِ الْفَحْلِ</span>\n===\n٣٤٢٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك، عن عبيد الله- يعني ابن هريرة-) مصغرًا، ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، روى عن أبيه، عن جده في النهي عن كسب الأمة، قال البخاري: حديثه ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبيه) هريرة مصغرًا، ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري المدني، عن ابن معين: ثقة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الأزدي: يتكلمون في حديثه.\n(عن جده رافع- هو ابن خديج- قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو) أي: المال الذي اكتسبته أمن الحلال هو أم من الحرام؟\n\n(٤١) (بابٌ: في عَسْبِ الْفَحْلِ) (٢)\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n\nبابٌ في حُلوان الكَاهِنُ\n٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. [خ ٢٢٣٧، م ١٥٦٧، ت ١٢٧٦، ن ٤٢٩٢، جه ٢١٥٩، دي ٢٥٧١، حم ٤/ ١١٨].\n(٢) قال الشوكاني (٣/ ٥١٥): أحاديث الباب تدل على أن بيع ماء الفحل وإجارته حرام؛ لأنه غير متقوم به، وإليه ذهب الجمهور، وفي وجه للشافعية والحنابلة، وهو مروي عن مالك: أنها تجوز الإجارة للضراب مدة معلومة ... إلخ. (ش).","vol":"11","page":133},{"text":"٣٤٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ\". [خ ٢٢٨٤، ت ١٢٧٣، ن ٤٦٧١، حم ٢/ ٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>(٤٢) بَابٌ: في الصَّائِغِ</span>\n===\n٣٤٢٩ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا إسماعيل، عن علي بن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن عسب الفحل) بفتح العين وسكون السين المهملتين: هو أجرة تؤخذ على ضراب الفحل.\nقال الخطابي (١): عسب الفحل: الكراء الذي يؤخذ على ضرابه، وهو لا يحل، وفيه غرر؛ لأن الفحل قد يضرب وقد لا يضرب، وقد تلقح الأنثى وقد لا تلقح، فهو أمر مظنون، والغرر فيه موجود. وقد اختلف في ذلك أهل العلم، فروي عن جماعة من الصحابة - ﵃- تحريمه، وهو قول أكثر الفقهاء.\nوقال مالك: لا بأس به إذا استأجروه ينزونه مدة [معلومة]، وإنما يبطل [إذا شرطوا] أن ينزوه حتى تعلق الرَّمْكَة، شَبَّهَه بعض أصحابه بأجرة الرضاع، وإبار النخل، وزعم أنه [من] المصلحة، ولو منعنا منه لانقطع النسل.\nقال الشيخ: وهذا كله فاسد لمنع السنَّة منه، وإنما هو من باب المعروف، فعلى الناس أن لا يتمانعوا عنه، فأما أخذ الأجرة عليه فمحرم.\n\n(٤٢) (بابٌ: في الصَّائغٍ)\nقال في القاموس: صاغ الشيء، أي هيأه على مثال مستقيم فانصاغ، وهو صَوَّاغ وصائغ وصَيَّاغ والصياغة- بالكسر-: حرفته.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٠٥)، وفيه: \"عسب الفحل الذكر ... \" إلخ.","vol":"11","page":134},{"text":"٣٤٣٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ (١)، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى مَاجِدَةَ قَالَ: قَطَعْتُ مِنْ أُذُنِ غُلَامٍ، أَوْ قُطِعَ مِنْ أُذُنِى، فَقَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ حَاجًّا، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَرَفَعَنَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا قَدْ بَلَغَ الْقِصَاصَ، ادْعُوا (٢) لِى حَجَّامًا لِيَقْتَصَّ مِنْهُ، فَلَمَّا دُعِيَ الْحَجَّامُ قَالَ:\n===\n٣٤٣٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، نا محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي ماجدة) السهمي (٣)، أو ابن ماجدة، قيل: اسمه علي، عن عمر حديث: \"إني وهبت لخالتي غلامًا\" الحديث، وعنه العلاء بن عبد الرحمن، هكذا وقع في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره عن أبي داود، وفي رواية اللؤلؤي عن أبي داود: ابن ماجدة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: علي بن ماجدة السهمي عن عمر مرسل، وعنه القاسم بن نافع، وروى محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن رجل من بني سهم، عن أبي ماجدة، عن عمر - ﵁ -، فيحتمل أن يكون كنية علي بن ماجدة أبا ماجدة، فتكون الروايتان صحيحتين، والله تعالى أعلم.\n(قال: قطعت من أُذن كلام، أو) للشك من الراوي، قال: (قطع من أذني، فقدم علينا أبو بكر حاجًا، فاجتمعنا إليه) وادعينا عنده على القاطع (فرفعنا) أي: رفع أبو بكر إيانا (إلى عمر بن الخطاب) أي: رفع أبو بكر قصتنا إلى عمر بن الخطاب ليقضي فيها.\n(فقال عمر: إن هذا) أي: القطع (قد بلغ القصاص، ادعوا لي حجامًا ليقتص منه) أي: من القاطع (فلما دُعي الحجامُ قال) أي عمر:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سلمة\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ادع\".\n(٣) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٢٤٦٠).","vol":"11","page":135},{"text":"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنِّى وَهَبْتُ لِخَالَتِى غُلَامًا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَارَكَ لَهَا فِيهِ، فَقُلْتُ لَهَا: لَا تُسَلِّمِيهِ حَجَّامًا وَلَا صَائِغًا وَلَا قَصَّابًا\" (١). [ق ٦/ ١٢٨]\n٣٤٣١ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قال: حَدَّثَنَي الْعَلَاءُ بْنُ\n===\n(سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إني وهبت لخالتي) فاختة (٢) بنت عمرو (غلامًا، وأنا أرجو أن يبارك لها فيه) أي في الغلام، (فقلت لها) أي لخالتي: (لا تسلميه حجامًا ولا صائغًا ولا قصابًا).\nقال في \"النهاية\" (٣): أي لا تعطيه لمن يُعلمه إحدى هذه الصنائع، وإنما كره الحجام والقصاب لأجل النجاسة التي يباشرانها مع تعذر الاحتراز، وأما الصائغ فَلِمَا يدخُل صنعته من الغشِّ، ولأنه يصُوغ الذهب والفضة، وربما كان منه آنية أو حَلْي للرجال وهو حرام، أو لكثرة الوعْد والكَذِب في كلامه.\n٣٤٣١ - (حدثنا الفضل بن يعقوب) بن موسى الرخامي بضم الراء بعدها خاء معجمة، أبو العباس البغدادي، قال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن أبي حاتم: كان صدوقًا ثقة، وقال الدارقطني: ثقة حافظ، وقال الخطيب: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني العلاء بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: روى عبد الأعلى، عن ابن إسحاق\"، [قال: ابن ماجدة رجل من بني سهم، عن عمر بن الخطاب].\n(٢) صرَّح بها في \"الدرجات\" (ص ١٣٨)، وكذا سماها في \"نهاية الأرب\" برواية \"كنز العمال\" رقم (٩٤١٧)، عن جابر بلفظ: \"وهبت خالتي فاختة بنت عمرو غلامًا، فأمرتها أن لا تجعله جازرًا ولا صائغًا ولا حجامًا. (ش).\n(٣) \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٣٩٤).","vol":"11","page":136},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحُرَقِيُّ، عن ابن مَاجِدَةَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَهْمٍ (١) -، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ بِمَعْنَاهُ. [ق ٦/ ١٢٨]\n٣٤٣٢ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، نَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ أبْي (٢) مَاجِدَةَ السَّهْمِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- نَحْوَهُ. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>(٤٣) بَابٌ: في الْعَبْدِ يُبَاعُ وَلَهُ مَالٌ</span>\n٣٤٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ\n===\nعبد الرحمن الحرقي، عن أبي ماجدة - رجل من بني سهم-، عن عمر ابن الخطاب قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول) فروى عبد الأعلى (بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\n٣٤٣٢ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا سلمة بن الفضل، نا ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي ماجدة السهمي، عن عمر بن الخطاب عن النبي - ﷺ - نحوه) أي: نحو الحديث المتقدم.\n\n(٤٣) (بَابٌ: في العَبْدِ يُبَاعُ)\nأي: يبيعه مولاه (وَلَهُ مَالٌ)، أي: وعنده مال\n٣٤٣٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: من باع عبدًا وله مال) والإضافة مجازية، كإضافة\n_________\n(١) قوله: \"عن ابن ماجدة، رجل من بني سهم\"، كذا في الأصل، وفي النسخة الهندية ونسخة \"العون\" أيضًا، ولكن في النسخة المصرية و\"تحفة الأشراف\" رقم (١٠٦١٣): \"عن رجل من بني سهم عن ابن ماجدة\"، وهو الظاهر.\n(٢) في نسخة بدله: \"ابن\".","vol":"11","page":137},{"text":"فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ (١) الْمُبْتَاعُ،\n===\nالسرج إلى الفرس (فماله) أي: فالمال الذي عنده (للبائع إلَّا أن يشترطه المبتاع) أي: يشتريه المشتري مع المال الذي عليه أو عنده، فيجعله مبيعًا مع العبد ويكون الثمن بمقابلتهما.\nقال الخطابي (٢): في هذا الحديث من الفقه أن العبد لا يملك مالًا بحال، وذلك أنه جعله في أرفع أحواله وأقواها في إضافة الملك إليه مملوكًا عليه ماله ومنتزعًا من يده، فدل ذلك على عدم الامتلاك أصلًا، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي والشافعي. وقال مالك (٣): العبد يملك إذا ملَّكه صاحبه، وكذا قال أهل الظاهر.\nوفائدة الخلاف والموضع الذين يتبين أثره فيه مسألتان: إحداهما: هل له أن يتسرى أم لا؟ فمن جعل له ملكًا أباح له ذلك، ومن لم يره يملك لم يبح له الوطء بملك اليمين.\nوالمسألة الأخرى: أن يكون في يده نصاب من الماشية فيمر عليه الحول، [ثم يبيعه سيده]، ولم يشترط المبتاع ماله، فإذا عاد إلى السيد هل تلزمه فيه الزكاة أم لا؟ فمن لم يُثبت له ملكًا أوجب زكاته على سيده، ومن جعل للعبد ملكًا أسقط الزكاة عنه؛ لأن ملكه ناقص، كملك المكاتب، ويستأنف السيد به الحول.\nوممن أخذ بظاهر الحديث في أن ماله للبائع، إلَّا أن يشترطه المبتاع مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وروي عن الحسن والنخعي أنهما قالا فيمن باع وليدة قد زُيِّنت: أن ما عليها للمشتري إلَّا أن يشترط الذي باعها ما عليها.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"يشترط\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٠٦، ١٠٧).\n(٣) وهو قول قديم للشافعي، كذا قال النووي في شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٤٥٥). (ش).","vol":"11","page":138},{"text":"وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا (١) فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ\". [خ ٢٣٧٩، م ١٥٤٣، ت ١٢٤٤، ن ٤٦٣٦، جه ٢٢١١، حم ٢/ ٩]\n===\nقال الشيخ: ولا يجوز على مذهب الشافعي أن يكون ماله الذي يشترطه المبتاع إلَّا (٢) معلومًا، فإن كان مجهولًا لم يجز، انتهى.\n(ومن باع نخلًا مؤبرًا) والتأبير: هو التلقيح، وهو أن يؤخذ طلع فِحال النخل، فيؤخذ شعب، فيودع في أول ما ينشق الطلع، فيكون لقاحًا بإذن الله ﷿ (فالثمرة للبائع إلَّا أن يشترط المبتاع) أي: المشتري بدخول الثمرة والنخل في البيع، وليس المراد أن يشترط في العقد بأن يجعل النخل مبيعًا، ويجعل له ثمنًا معلومًا، ولا يدخل الثمرة في المبيع، ولا يجعل بمقابلته ثمنًا، بل يأخذه بالشرط، فإنه حينئذ يدخل في قوله ﵇: \"نهى عن بيع وشرط\".\nوقد اختلف الناس في هذا، فقال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل: الثمرة تبع للنخلة ما لم تؤبر، فإذا أبر لم يدخل في البيع إلَّا أن يشرط، قولًا بظاهر الحديث. وقال أصحاب الرأي: الثمر للبائع، أبو أو لم يؤبر، إلَّا إذا اشترطها المبتاع كالزرع، وقال ابن أبي ليلى: الثمر للمشتري، أبر أو لم يؤبر، اشترط أو لم يشترط؛ لأن الثمر من النخل انتهى. قاله الخطابي (٣).\nوقال ابن الهمام \"في شرح الهداية\" (٤) ما حاصله: ولا فرق بين المؤبرة وغير المؤبرة في كونهما للبائع إلَّا بالشرط، وعند الشافعي ومالك وأحمد يشترط\n_________\n(١) في نسخة: \"فثمرته\".\n(٢) وبه قالت الحنفية خلافًا للمالكية والحنابلة والظاهرية لإطلاق الحديث، كما في حاشية \"الموطأ\" للإمام محمد، والبسط في \"المغني\" (٦/ ٢٥٧، ٢٥٨) [وانظر: \"التعليق الممجد\" (٣/ ٢٥٣)]. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ١٠٨).\n(٤) \"فتح القدير\" (٦/ ٢٦١).","vol":"11","page":139},{"text":"٣٤٣٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِقِصَّةِ الْعَبْدِ.\nوَعَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِقِصَّةِ النَّخْلِ. [انظر سابقه]\n===\nفي ثمر النخل التأبير، فإن لم تكن أبرت فهو للمشتري، وإن أبرت فهو للبائع، وحاصله الاستدلال بمفهوم الصفة، فمن قال به يلزمه.\nوأهل المذهب ينفون حجيته، والذي يلزمهم من الوجه القياس على الزرع، وهو المذكور في الكتاب بقوله: إنه متصل للقطع لا للبقاء، فصار كالزرع، وهو قياس صحيح، وهم يقدمون القياس على المفهوم إذا تعارضا، وحينئذ فيجب أن يحمل الإبار على الإثمار؛ لأنهم لا يؤخرون عنه، فكان الإبار علامة الإثمار، فعلق به الحكم بقوله: \"نخلًا مؤبرًا\" يعني مثمرًا، وما نقل عن ابن أبي ليلى من أن الثمرة مطلقًا للمشتري بعيد، إذ يضاد الأحاديث المشهورة.\n٣٤٣٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن (١) رسول الله - ﷺ - بقصة العبد) فقط، وليس فيه ذكر النخل.\n(وعن نافع، عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - بقصة النخل).\nوفي نسخة: قال أبو داود: واختلف (٢) الزهري ونافع في أربعة أحاديث، هذا أحدها (٣).\n_________\n(١) هكذا في النسخ التي بأيدينا من أبي داود في قصة العبد أيضًا مرفوعًا، وحكى الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٥١) عن أبي داود، عن عمر في العبد موقوفًا، وأخرج البيهقي (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٧) عدة روايات عن نافع أيضًا مرفوعًا، فتأمل. انتهى. (ش).\n(٢) قلت: المشهور على الألسن اختلف سالم ونافع وهو الأوجه؛ لأن الزهري أدون من نافع، وبيان الأربعة عند الزرقاني (٣/ ٢٥٣)، وفي \"الأوجز\" (١٢/ ٣١٢)، فسالم رفع الأربعة، ونافع وقف الأربعة. (ش).\n(٣) انظر: \"تغليق التعليق على سنن الإِمام أبي داود\" (ص ٨١٨).","vol":"11","page":140},{"text":"٣٤٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، حَدَّثَنِى مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالمَالُ (١) لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ\". [حم ٣/ ٣٠١، ق ٥/ ٣٢٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1332>(٤٤) بَابٌ: في التَلَقِّي</span>\n٣٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَبِعْ (٢) بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ،\n===\n٣٤٣٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني سلمة بن كهيل، حدثني من سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله - ﷺ -: من باع عبدًا وله مال فالمال للبائع، إلَّا أن يشترط المبتاع) وفي إسناده رجل مجهول، وليس فيه إلَّا ذكر العبد.\n\n(٤٤) (بابٌ: في التَّلَقِّي)\nأي: تلقي الركبان الذين يجلبون البضائع\n٣٤٣٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يبع) بصيغة النهي، وفي نسخة: \"لا يبيع\" بصيغة المضارع (بعضكم على بيع بعض).\nقال الخطابي (٣): قوله: \"لا يبيع بعضكم على بيع بعض\" هو أن يكون المتبايعان قد تواجبا الصفقة، وهما في المجلس، ثم تفرقا (٤) بعد،\n_________\n(١) في نسخة: \"فماله\".\n(٢) في نسخة بدله: \"لا يبيع\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ١٠٨).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"لم يتفرقا\"، وهو الظاهر.","vol":"11","page":141},{"text":"وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا الأَسْوَاقَ\". [خ ٢١٦٥، م ١٥١٧، ن ٤٤٩٩، جه ٢١٧٩]\n===\nوخيارهما باق، فيجيء الرجل، فيعرض عليه مثل سلعته، أو أجود منها بمثل الثمن، أو أرخص منه، فيندم المشتري، فيفسخ البيع، فيلحق البائع منه الضرر، فأما ما دام البائعان يتساومان ويترادَّان السلعة ولم يتواجباها بعد، فإنه لا يضيق في ذلك، وقد باع رسول الله - ﷺ - الحلس والقدح ممن يزيد، انتهى.\nوقد وقع في \"الهداية\" (١): \"ونهى رسول الله - ﷺ - عن السوم على سوم أخيه\"، لأن في ذلك إيحاشًا وإضرارًا، وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمن في المساومة، فأما إذا لم يركن أحدهما إلى الآخر فهو بيع من يزيد، ولا بأس به.\n(ولا تلقوا السلع) بكسر المهملة وفتح اللام: جمع سلعة: وهي متاع التجارة (حتى يُهبط) بصيغة المجهول (بها الأسواق) والمراد ها هنا المتاع المجلوب الذي يأتي به الركبان إلى البلدة ليبيعوا فيها، وفي استقبالها تضييق على أهل السوق وغدر بالجالبين عادة، فلا ينبغي.\nقال الخطابي (٢): وقد كره التلقي جماعة من العلماء، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، ولا أعلم أحدًا منهم أفسد البيع، غير أن الشافعي - ﵀ - أثبت الخيار للبائع قولًا بظاهر الحديث، وأحسبه بمذهب أحمد، ولم يكره أبو حنيفة التلقي، ولا جعل لصاحب السلعة الخيار إذا قدم السوق، وكان أبو سعيد الإصطخري يقول: إنما يكون له الخيار إذا كان المتلقي قد ابتاعه بأقل من الثمن، فإذا ابتاعه بثمن مثله فلا خيار له، قال الشيخ: وهذا قول قد يَخْرُجُ على ما في الفقه.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٥٣).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٠٩)، وفيه: \"قد خرج على معاني الفقه\".","vol":"11","page":142},{"text":"٣٤٣٧ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو الرَّقِّيَّ -، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ، فَإِنْ تَلَقَّاهُ مُتَلَقٍّ مُشْتَرٍ فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ إِذَا وَرَدَتِ السُّوقَ. [م ١٥١٩، ت ١٢٢١، جه ٢١٧٨، ن ٤٥٠١، حم ٢/ ٢٨٤]\n===\nقال في \"الهداية\" (١): \"ونهى عن تلقي الجلب\"، وهذا إذا كان يضرُّ بأهل البلد، فإن كان لا يضر (٢) فلا بأس به، إلَّا إذا لبَّس السعر على الواردين، فحينئذ يكره لما فيه من الغرر والضرر.\nقال ابن الهمام (٣): وللتلقي صورتان: إحداهما: أن يتلقاهم المشترون الطعام منهم في سنة حاجة ليبيعوه من أهل البلد بزيادة، وثانيتهما: أن يشتري منهم بأرخص من سعر البلد، وهم لا يعلمون بالسعر، ولا خلاف عند الشافعي أنه إذا خرج إليهم لذلك أنه يعصي، أما لو لم يقصد ذلك بل اتفق أن خرج فرآهم فاشترى، ففي معصيته قولان: أظهرهما عندهم يعصي، والوجه لا يعصي إذا لم يلبِّس، وعندنا محمل النهي إذا كان يضر بأهل البلد أو لبَّس، أما إذا لم يضر ولم يلبِّس فلا بأس.\n٣٤٣٧ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، نا عبيد الله، يعني ابن عمرو الرقي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - نهى عن تلقي الجلب) بفتح اللام، أي: المجلوب الذي جاء من بلد للتجارة (فإن تلقاه متلق مشتر) بغبن فاحش (فاشتراه) أي: المجلوب (فصاحب السلعة بالخيار) إذا غرَّه المشتري (إذا وردت السوق).\n_________\n(١) (٣/ ٥٣)، وكذا في \"الدر المختار\" [انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥٧١)]. (ش).\n(٢) وهذا يدل على أن المنع منه لحق أهل البلد، وبه قال مالك، وقال الشافعي: لحق الجالب، كذا في \"العارضة\" (٥/ ٢٢٧). (ش).\n(٣) \"فتح القدير\" (٦/ ٤٣٧، ٤٣٨).","vol":"11","page":143},{"text":"(١) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ: أَنْ يَقُولَ: إِنَّ عِنْدِى خَيْرًا (٢) مِنْهُ بِعَشْرَةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>(٤٥) بَابٌ: في النَّهْيِ عن النَّجْشِ</span>\n٣٤٣٨ - حَدّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا سُفْيَانُ،\n===\nقال القاري (٣): أي فهو بالخيار في الاسترداد، وفيه دليل على صحة البيع، إذ الفاسد لا خيار فيه، قال ابن حجر: أما إذا كان سعره أعلى أو كسعر البلد، ففيه وجهان: في وجه يثبت الخيار لإطلاق الحديث، والأصح لا خيار له لعدم الغبن.\n(قال أبو داود: قال سفيان: لا يبع بعضكم على بيع بعض) معناه: (أن يقول: إن عندي خيرًا منه بعشرة).\n\n(٤٥) (بَابٌ: في النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ)\nقال في \"المجمع\" (٤): هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروِّجها، أو يزيد في الثمن، ولا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وقال النووي (٥): النجْش بسكون جيم: أن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره.\nقال في \"البدائع\" (٦): كراهة النجش إذا كان المشتري يطلب السلعة من صاحبها بمثل ثمنها، فأما إذا كان يطلبها بأقل من ثمنها، فنجش رجل سلعة حتى تبلغ إلى ثمنها، فهذا ليس بمكروه، وإن كان الناجش لا يريد شراءها.\n٣٤٣٨ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا سفيان،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو علي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"بأقل مما يعطيك\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٧٩).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٨٢).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٤٢٠).\n(٦) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٨١).","vol":"11","page":144},{"text":"عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-\" لَا تَنَاجَشُوا\". [خ ٢١٤٠، م ١٤١٣، ١٥١٥، ت ١٣٠٤، ن ٤٥٠٦، جه ٢١٧٤، حم ٢/ ٤٢٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>(٤٦) بَابٌ: في النَّهْي أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ</span>\n٣٤٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا أبْو ثَوْرٍ (١)، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، فَقُلْتُ: مَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. [خ ٢١٥٨، م ١٥٢١، ن ٤٥٠٠، جه ٢١٧٧]\n===\nعن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تناجشوا).\n\n(٤٦) (بَابٌ: في النَّهْيِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ)\n٣٤٣٩ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا أبو ثور، عن معمر، عن ابن طاوس) عبد الله، (عن أبيه، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبيع حاضر لباد، فقلت) أي: لابن عباس: (ما يبيع حاضر لباد؟) أي: ما معنى هذا الكلام؟ (قال) ابن عباس: (لا يكون له) أي: للبادي (سمسارًا) بكسر السين المهملة، أي: دلالًا.\nقال الخطابي (٢): ومعنى هذا النهي أن يتربص له بسلعة لأن يبيعه بسعر اليوم، وذلك أن البدوي إذا جلب سلعة إلى السوق، وهو غريب غير مقيم باعها بسعر يومه، فيأخذ الناس فيها رفقًا ونفعة، فإذا أجاره (٣) الحضري، وقال: أنا أتربص لك وأبيعها، حرم الناس ذلك النفع وفاتهم (٤) ذلك الرفق.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ابن ثور\"، وفي نسخة: \"محمد بن ثور\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١١٠، ١١١).\n(٣) وفي الأصل: \"لجاره الحضري\"، وفي \"معالم السنن\" (٣/ ١١٠): \"جاءه الحضري\".\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"فوَّتهم\".","vol":"11","page":145},{"text":"٣٤٤٠ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الزِّبْرِقَانَ أَبَا هَمَّامٍ، حَدَّثَهُمْ - قَالَ زُهَيْرٌ: وَكَانَ ثِقَةً -، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَبِعُ (١) حَاضِرٌ لِبَادٍ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ\". [م ١٥٢٣، ن ٤٤٩٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ، نَا أَبُو هِلَالٍ، نَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَهِىَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَا يَبِيعُ لَهُ شَيْئًا، وَلَا يَبْتَاعُ لَهُ شَيْئًا. [خ ٢١٢٦، م ١٥٢٣، ن ٦٠٨٥]\n===\nوقد قيل: إنما يحرم ذلك عليه إذا كان في بلد ضيق الرقعة، إذا باع الجالب متاعه اتسع أهلها وارتفقوا به، فإذا لم يبعه يتبين به أثر الضيق عليهم، وخيف منه غلاء السعر فيهم، فأما إذا كان البلد واسعًا لا يتضيق به الناس، ولا يتبين بذلك عليهم أثره، فلا بأس به.\nوقال: كره بيع الحاضر للبادي أكثر أهل العلم، وكان مجاهد يقول: لا بأس به في هذا الزمان، وإنما كان النهي وقع عنه في زمن رسول الله - ﷺ -، وكان الحسن البصري يقول: لا يبيع للبدوي ولا يشتري له، وذهب بعضهم إلى أن النهي عنه بمعنى الإرشاد دون الإيجاب.\n٣٤٤٠ - (حدثنا زهير بن حرب، أن محمد بن الزبرقان أبا همام حدثهم - قال زهير: وكان ثقةً-، عن يونس، عن الحسن، عن أنس بن مالك، أن النبي - ﷺ - قال: لا يبع حاضر لباد، وإن كان) أي: البادي (أخاه أو أباه).\n(قال أبو داود: سمعت حفص بن عمر يقول: نا أبو هلال، نا محمد) أي: ابن سيرين، (عن أنس بن مالك قال) أي أنس: (كان يقال: لا يبيع حاضر لباد، وهي كلمة جامعة) أي: للبيع والشراء (لا يبيع له) أي: للبادي (شيئًا، ولا يبتاع له) أي: ولا يشتري له (شيئًا).\n_________\n(١) في نسخة: \"لا يبيع\".","vol":"11","page":146},{"text":"٣٤٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ الْمَكِّىِّ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا حَدَّثَهُ: أَنَّهُ قَدِمَ بِحَلُوبَةٍ (١) لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَزَلَ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَكِنِ اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ فَانْظُرْ مَنْ يُبَايِعُكَ، فَشَاوِرْنِى حَتَّى آمُرَكَ أَوْ أَنْهَاكَ. [حم ١/ ١٦٣]\n٣٤٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"لَا يَبِعْ (٢) حَاضِرٌ\n===\n٣٤٤١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن سالم المكي) وليس بالخياط، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في بيع الحاضر للبادي، قال المزي (٣): خلطه صاحب \"الكمال\" بسالم الخياط، وهو وهم، وأما هذا فيحتمل أن يكون سالم بن شوال (أن أعرابيًا) لم أقف على تسميته وهو صحابي.\n(حدثه: أنه قدم بحلوبة له) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا بالحاء المهملة، أي: ناقة تحلب، ولأبي موسى المديني بالجيم، وهي ما تجلب من كل ما يباع، والمراد هي الناقة التي تجلب للبيع (على عهد رسول الله - ﷺ -، فنزل على طلحة بن عبيد الله) وكأنه أراد من طلحة أن يبيعها له.\n(فقال) طلحة بن عبيد الله: (إن النبي - ﷺ - نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إلى السوق، فانظر من يبايعك فشاورني) في تعيين الثمن (حتى آمرك) إن كان بمثل الثمن (وأنهاك) إن كان بغير مثل الثمن.\n٣٤٤٢٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يبع حاضر\n_________\n(١) في نسخة: \"بجلوبة\".\n(٢) في نسخة: \"يبيع\".\n(٣) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ١٠٢) رقم (٢١٤٦).","vol":"11","page":147},{"text":"لِبَادٍ، وَذَرُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ\". [م ١٥٢٢، ت ١٢٢٣، جه ٢١٧٦، حم ٣/ ٣٠٧، ن ٤٤٩٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>(٤٧) بَابُ مَنِ اشْترَى مُصَرَّاة فَكَرِهَهَا</span>\n٣٤٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلَا يَبِيعْ (١) بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تُصَرُّوا\n===\nلباد، وذروا) أي: دعوا واتركوا (الناس يرزق الله) تعالي (بعضهم من بعض).\n\n(٤٧) (بابُ مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَكَرِهَهَا)\nقال الشوكاني (٢): قال الإِمام الشافعي - ﵀ -: التصرية: ربط أخلاف الشاة أو الناقة، وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها، وأصل التصرية: حبس الماء، يقال منه: صريت الماء إذا حبسته، قال أبو عبيدة وأكثر أهل اللغة: التصرية: حبس اللبن في الضرع (٣) حتى يجتمع.\n٣٤٤٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تصروا) (٤) - بضم أوله وفتح الصاد المهملة وضم الراء المشددة- من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته، وظن بعضهم أنه من صررت، فقيَّده بفتح أوله وضم ثانيه. قال في \"الفتح\" (٥): والأول أصح،\n_________\n(١) في نسخة: \"لا يبع\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٥٩٦).\n(٣) في الأصل: \"اللغة\"، وهو خطأ.\n(٤) وجمع ابن قتيبة في \"مختلف الحديث\" (ص ٢٦٨، ٢٦٩) بينه وبين \"الخراج بالضمان\". (ش).\n(٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٢).","vol":"11","page":148},{"text":"الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ\". [خ ٢١٥٠، م ١٥١٥، ن ٦٠٧٩]\n===\nقال: لأنه لو كان من صررت يقال: مصرورة أو مصررة لا مصرَّاة، على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب، ثم قال: وضبطه بعضهم بضم أوله وفتح ثانيه بغير واو على البناء للمجهول، والمشهور الأول.\n(الإبل والغنم) وإنما اقتصر على ذكرهما دون البقر؛ لأن غالب مواشيهم كانت من الإبل والغنم، والحكم واحد خلافًا لداود (فمن ابتاعها بعد ذلك) أي: بعد التصرية (فهو بخير النظرين) أي: فهو مخير بين الرأيين يختار أيهما أنظر له.\n(بعد أن يحلبها) ظاهره أن الخيار لا يثبت إلَّا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار على الفور لو لم يحلب، لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبًا إلَّا بعد الحلب جعل قيدًا في ثبوت الخيار (فإن رضيها) أي: المصراة (أمسكها) عنده (وإن سخطها) ولم يرض بها (ردها) إلى البائع (١) (وصاعًا من تمر).\nوقد استدل بالتنصيص على الصاع من التمر على أنه لا يجوز رد اللبن، ولو كان باقيًا على صفته لم يتغير لذهاب طراوته واختلاطه بما تجدد عند المشتري، انتهى.\nقلت: وتعقب بأن المشتري لو حلب المصراة بعد ختم الإيجاب والقبول على الفور، وعلم بكونها مصراة، فحينئذ لم يذهب طراوته، ولم يختلط بما تجدد عند المشتري، فحينئذ يلزم البائع قبوله عند المستدل.\n_________\n(١) بذلك قالت الأئمة الثلاثة، وهو رواية عن أبي يوسف، وعندنا لا يرد بذلك، صرَّح به الشامي (٧/ ٢٢٤)، ورجح الرجوع بالنقصان على المختار، كذا رجح ابن الهمام. \"فتح القدير\" (٥/ ١٨٤)، وصاحب \"البحر\" (٦/ ٤٧). (ش).","vol":"11","page":149},{"text":"٣٤٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ وَحَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ\". [م ١٥٢٤، ت ١٢٥٢، ن ٤٤٨٩، جه ٢٢٣٩، حم ٢/ ٢٤٨]\n٣٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْلَدٍ التَّمِيمِيُّ، نَا الْمَكِّيُّ\n===\n٣٤٤٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب وهشام وحبيب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: من اشترى شاة مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام).\nفيه دليل على امتداد الخيار هذا المقدار، فتقيد بهذه الرواية الروايات القاضية بأن الخيار بعد الحلب على الفور، كما في قوله: \"بعد أن يحلبها\"، وإلى هذا ذهب الشافعي، وذهب بعض الشافعية إلى أن الخيار على الفور، وحملوا رواية الثلاث على ما إذا لم يعلم أنها مصراة قبل الثلاث.\nقالوا: وإنما وقع التنصيص عليها؛ لأن الغالب أنه لا يعلم بالتصرية فيما دونها، واختلفوا في ابتداء (١) الثلاث، فقيل: من وقت بيان التصرية، وإليه ذهبت الحنابلة، وقيل: من حين العقد، وبه قالت الشافعية، وقيل: من وقت التفرق (إن شاء ردها وصاعًا من طعام لا سمراء) أي: لا يكون حنطة.\n٣٤٤٥ - (حدثنا عبد الله بن مخلد) - بسكون المعجمة- ابن خالد بن عبد الله (التميمي) (٢) أبو محمد، ويقال: أبو بكر النيسابوري النحوي، لم يتعرض أحد من أهل الرجال لجرحه وتعديله، لا في \"التقريب\"، ولا في \"تهذيب التهذيب\"، ولا في \"الخلاصة\"، ولا في \"الكاشف\"، (نا المكي\n_________\n(١) وقريب منه ما قال في \"الفتح\" (٤/ ٣٦٢). (ش).\n(٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٢٨٢) رقم (٣٥٤٥).","vol":"11","page":150},{"text":"- يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً احْتَلَبَهَا (١)، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِى حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ\". [خ ٢١٥١، م ١٥٢٤]\n٣٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، نَا صَدَقَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً\n===\n- يعني ابن إبراهيم -، نا ابن جريج، حدثني زياد) بن سعد بن عبد الرَّحمن\nالخرساني (أن ثابتًا) ابن عياض الأحنف (مولى عبد الرحمن بن زيد) بن\nالخطاب (أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: من اشترى غنمًا\nمصراة، احتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر)، ظاهره أن صاع التمر في مقابل المصراة، سواء (٢) كانت واحدة أو أكثر، لقوله: \"من اشترى غنمًا\"؛ لأن الغنم اسم جنس، ثم قال: \"وفي حلبتها صاع من تمر\"، ونقل ابن عبد البر (٣)، عمَّن استعمل الحديث، وابن بطال عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشافعية، والحنابلة وعن أكثر المالكية: يردُّ عن كل واحدة صاعًا، وقال المازري: من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة، قاله العيني (٤).\n٣٤٤٦ - (حدثنا أبو كامل، نا عبد الواحد، نا صدقة بن سعيد، عن جميع بن عمير التيمي قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ -: من ابتاع محفلة) أي: مصراة، والتحفيل: هو التجميع. قال أبو عبيد: سميت\n_________\n(١) في نسخة: \"فاحتلبها\".\n(٢) هو المرجح عند المالكية، كما في \"الشرح الكبير\" (٣/ ١١٦). (ش).\n(٣) تحرف في الأصل: \"ابن عبد البر\" بـ \"ابن عبد الرحمن\".\n(٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٥٤).","vol":"11","page":151},{"text":"فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ، أَوْ: مِثْلَىْ لَبَنِهَا قَمْحًا\". [جه ٢٢٤٠]\n===\nبذلك لكون اللبن يكثر في ضرعها، وكل شيء كثرته فقد حفلته، تقول: ضرع حافل، أي: عظيم، واحتفل القوم إذا كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل (فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها مثل، أو) للشك من الراوي (مثلي لبنها) الذي كان وقت العقد في الضرع (قمحًا) أي: حنطة.\nقال الحافظ (١): وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلًا أو كثيرًا، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا.\nقال العيني (٢): قلت: أبو حنيفة غير منفرد بترك العمل بحديث المصراة، بل مذهب الكوفيين وابن أبي ليلى ومالك في رواية مثل مذهب أبي حنيفة.\nوقال العيني أيضًا: وأقوى الوجوه في ترك العمل بها مخالفتها للأصول من ثمانية أوجه: أحدها: أنه أوجب الرد من غير عيب ولا شرط.\nقلت: وهذا إشارة إلى الحديث المتفق عليه بطريق القاعدة الكلية التي اتفقت عليه الأمة، بأن المتبايعين بالخيار بين الرد والقبول ما لم يتفرقا، سواء كان التفرق بالأبدان عند من يقول به، أو تفرق بالكلام عند القائل به، فإذا تفرقا لم يكن لأحد منهما الخيار، إلَّا إذا اشترط الخيار أحدهما، فيكون الخيار له إلى ثلاثة أيام.\nالثاني: أنه قدر الخيار بثلاثة أيام، وإنما يتقيد بالثلاث خيار الشرط. يعني أن الخيار بالثلاثة مقيد بخيار الشرط بهذا الحديث، وههنا ليس بشرط.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٤).\n(٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٤٨ - ٤٥١).","vol":"11","page":152},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالثالث: أنه أوجب الرد بعد ذهاب جزء من المبيع.\nالرابع: أنه أوجب البدل مع قيام المبدل.\nالخامس: أنه قدره بالتمر أو بالطعام، والمتلفات إنما تضمن بأمثالها أو بقيمتها بالنقد.\nحاصله: أن الله ﷾ قال في كتابه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢)، وهذه الآيات تحكم بأن ضمان المتلفات والعدوانات في المثليات وذوات القيم بالمثل. وفي هذا الحديث حكم بخلاف ذلك.\nالسادس: أن اللبن من ذوات الأمثال، فجعل ضمانه في هذا الخبر بالقيمة.\nالسابع: أنه يؤدي إلى الربا فيما إذا باعها بصاع تمر.\nالثامن: أنه يؤدي إلى الجمع بين العوض والمعوض.\nوقال هذا القائل أيضًا: لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل، فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر - ﵁ - وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه، وأبو يعلى من حديث أنس، والبيهقي في \"الخلافيات\" من طريق عمرو بن عوف المزني، وأخرجه أحمد من رواية رجل من الصحابة لم يسم، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل.\nقلت: أما حديث ابن عمر - ﵁ - فرواه أبو داود من رواية جميع بن عمير التيمي. قال الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقال البخاري: فيه نظر، وذكره ابن حبان في \"الضعفاء\"، وقال: كان رافضيًا يضع الحديث،\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٩٤.\n(٢) سورة النحل: الآية ١٢٦.","vol":"11","page":153},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقال ابن نمير: كان من أكذب الناس، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال أبو حاتم: كوفي صالح الحديث، من عنق الشيعة.\nوأما حديث أنس - ﵁ - فأخرجه أبو يعلى، وفي سنده إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف، وأخرجه [البيهقي] أيضًا من رواية إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أنس بن مالك، والمحفوظ أنه مرسل. وأما حديث رجل من الصحابة، فأخرجه أحمد عن النبي - ﷺ -.\nثم إن هذا القائل قد تصدى للجواب عما قالت الحنفية في هذا الموضع، قال: فما قالوا إن هذا -يعني حديث المصراة- خبر واحد لا يفيد إلَّا الظن، وهو مخالف لقياس الأصول المقطوع به، فلا يلزم العمل به.\nثم قال: وتعقب بأن التوقف في خبر الواحد إنما هو في مخالفة الأصول، لا في مخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما خالف قياس الأصول بأن الأصول: الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس، والكتاب والسنَّة في الحقيقة هما الأصل، والآخران مردودان إليهما، فالسنَّة أصل، والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ ! بل الحديث الصحيح أصل بنفسه.\nقلت: قوله: وهو مخالف لقياس الأصول، لم يقل به الحنفية كذا، وكيف ينقل عنهم ما لم يقولوا أو قالوا؟ ! فينقل عنهم بخلاف ما أرادوا منه لعدم التروي وعدم إدراك التحقيق فيه، فكيف يقال: هو مخالف لقياس الأصول، والحال أن القياس أصل من الأصول، لأن الحنفية عدوا القياس أصلًا رابعًا على ما في كتبهم المشهورة، فيكون معنى ما نقلوا [من] هذا، وهو مخالف لأصل الأصول وهو كلام فاسد؟ ! .\nوقوله: والقياس فرع، كلام فاسد أيضًا؛ لأنه عد أصلًا رابعًا، فكيف يقول: إنه فرع حتى يترتب عليه قوله؟ ! فكيف يرد الأصل بالفرع؟ ! ثم إنه نقل عن ابن السمعاني من قوله: متى ثبت الخبر صار أصلًا من الأصول، ولا يحتاج","vol":"11","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nإلى عرضه على أصل آخر؛ لأنه إن وافقه فذاك، وإن خالفه لم يجز رد أحدهما؛ لأنه رد للخبر، وهو مردود باتفاق؟ انتهى.\nقلت: ثم نقل عن ابن السمعاني من قوله: والأولى عندي في هذه المسألة تسليم الأقيسة، لكنها ليست لازمة؛ لأن السنَّة الثابتة مقدمة عليها، وعلى تقدير التنزل فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول؛ لأن الذي ادعوه عليه من المخالفة بينوها بأوجه:\nأحدها: أن المعلوم من الأصول أن ضمان المثليات بالمثل، والمتقومات بالقيمة، وههنا إن كان اللبن مثليًا فليضمن اللبن، وإن كان متقومًا فليضمن بأحد النقدين، وقد وقع هنا مضمونًا بالتمر، فخالف الأصل، والجواب منع الحصر، فإن الحر يضمن في ديته بالإبل، وليس مثلًا له ولا قيمة، [و] أيضًا فضمان المثل بالمثل ليس مطردًا، فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت المماثلة، كمن أتلف شاةً لبونًا، كان عليه قيمتها، ولا يجعل بإزاء لبنها لبنًا آخر لتعذر المماثلة، انتهى.\nقلت: قوله: فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول إلى آخره، غير مسلم؛ لأن مخالفته للقاعدة الأصلية ظاهرة، وهي أن ضمان المثل بالمثل، وضمان المتقوم بالقيمة، وهذه القاعدة مطردة في بابها، وضمان المثل بالقيمة عند التعذر خارج عن باب القاعدة المذكورة، فلا يرد عليه الاعتراض بذلك؛ لأن باب التعذر مستثنى عنها، والتعذر تارة يكون بالاستحالة كما في ضمان الحر بالإبل، وتارة يكون بالعلم كتعذر المماثلة في ضمان لبن الشاة اللبون.\nوأيضًا في مسألة الشاة اللبون، اللبن جزء من أجزائها فيدخل في ضمان الكل، ودفع الصالح من التمر أو غيره مع اللبن في المصراة إنما كان في وقت العقوبة بالأموال في المعاصي (١).\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"عمدة القاري\": \"بالمعاصي\".","vol":"11","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوذلك لأن النبي - ﷺ - نص على أن بيع المحفلات خِلابة، والخلابة حرام، فكان من فعل هذا وباع صار مخالفًا لما أمر به رسول الله - ﷺ -، وداخلًا فيما نهى عنه، فكانت عقوبته في ذلك أن يجعل اللبن المحلوب في الأيام الثلاثة للمشتري بصاع من تمر، ولعله يساوي آصعًا كثيرة، ثم نسخت العقوبات بالأموال في المعاصي (١)، وردت الأشياء إلى ما ذكرناه من القاعدة الأصلية.\nثم ذكر ابن السمعاني عن الحنفية أنهم قالوا: إن القواعد تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان بقدر التالف، وذلك مختلف، وقد قدر ههنا بمقدار واحد وهو الصاع، فخرج عن القياس، والجواب: منع التعميم في المضمونات، كالموضحة، فأرشها مقدر مع اختلافها بالكبر والصغر، والغرة مقدرة في الجنين في اختلافه، انتهى.\nقلت: لا نسلم منع التعميم في بابه كما ذكرنا، وما مثل به على وجه الإيراد على القاعدة غير وارد؛ لأنا قلنا: إن الذي يفعل من ذلك عند التعذر خارج من باب القاعدة، غير داخل فيها حتى يمنع اطراد القاعدة.\nثم ذكر عنهم أيضًا: أن اللبن التالف إن كان موجودًا عند العقد، فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد، فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه، وإن كان مختلطًا فما كان منه موجودًا عند العقد، وما كان حادثًا لم يجب ضمانه.\nوالجواب أن يقال: إنما يمتنع الرد بالنقص، إذا لم يكن لاستعلام العيب وإلَّا فلا يمتنع، وههنا كذلك، قلت: الذي قالوه كلام واضح صحيح، والجواب الذي أجابه ليس بشيء، فهل يرضى أحد أن يرد هذا\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"عمدة القاري\": \"بالمعاصي\".","vol":"11","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالكلام بمثل هذا الجواب؟ وليس العجب منه، وإنما العجب من الذي ينقله في تأليفه ويرضى به.\nثم ذكر عنهم فيما قالوا: بأنه خالف الأصول في جعل الخيار [فيه] ثلاثًا، مع أن خيار العيب لا يقدر بالثلاث، وكذا خيار المجلس عند من يقول به، وخيار الرؤية عند من يُثبته، ثم أجاب: بأن حكم المصراة انفرد بأصله عن مماثله، فلا تستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره، انتهى.\nقلت: لانفراده بأصله عن مماثله، قلنا: إنه منسوخ كما ذكرنا فيما مضى، ثم ذكر عنهم أنهم قالوا: إنه يلزم من الأخذ به الجمع بين العوض والمعوض، ثم أجاب: بأن التمر عوض عن اللبن لا عن الشاة. قلت: ليس دفع التمر الإجزاء لما ارتكب من العصيان حين كانت العقوبة بالأموال في المعاصي.\nثم ذكر عنهم بأنه مخالف لقاعدة الربا فيما إذا اشترى شاة بصاع، فإذا استرد معها صاعًا، فقد استرجع الصالح الذي هو الثمن، فيكون قد باع شاة وصاعًا بصاع، والجواب: أن الربا إنما يعتبر في العقود، لا في الفسوخ، بدليل أنهما لو تبايعا ذهبًا بفضة لم يجز أن يتفرقا قبل القبض، فلو تقابلها (١) في هذا العقد (٢) بعينه جاز التفرق قبل القبض، انتهى.\nقلت: ذكره هذه المسألة تأكيدًا لما قاله من الجواب لا يفيده؛ لأن بالإقالة صار العقد كأنه لم يكن، وعاد كل شيء إلى أصله، فلا يحتاج إلى أن يقال: جاز التفرق قبل القبض.\nثم ذكر عنهم بأنهم قالوا: يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللبن موجودًا، والأعيان لا تضمن بالبدل إلَّا مع فواتها كالمغصوب.\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٥٠): \"تقابلا\"، لعلهما تصحيف، والظاهر بدله: \"تقايلا\".\n(٢) في الأصل: \"القبض\"، وفي \"عمدة القاري\": \"العقد\".","vol":"11","page":157},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالجواب: أن اللبن وإن كان موجودًا، لكنه تعذر رده لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وتعذر تمييزه، فأشبه الآبق بعد الغصب، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه لتعذر الرد، انتهى.\nقلت: لما تعذر رد اللبن لاختلاطه باللبن الحادث صار حكمه حكم العدم، فيضمن بالبدل، كالعين المغصوبة إذا هلكت عند الغاصب، وتشبيهه بالعبد الآبق غير صحيح؛ لأنه إذا تعذر رده صار في حكم الهالك، فتعين القيمة.\nثم نقل عنهم بأنه يلزم منه إثبات الرد بغير عيب ولا شرط، ثم أجاب: بأنه لما رأى ضرعًا مملوءًا لبنًا، ظن أنه عادة لها، فكان البائع شرط له ذلك، فتبين له الأمر بخلافه، فثبت له الرد لفقد الشرط المعنوي، انتهى.\nقلت: البيع بمثل هذا الشرط فاسد إن كان لفظيًا، فبالمعنوي بالأولى، ولا يصح من الشروط إلَّا شرط الخيار بالنص الوارد فيه، وأما العيب فإذا ظهر فإنه يرده، ولا يحتاج فيه إلى الشرط، انتهى كلام العيني\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"باب من اشترى شاة مُصَرَّاة\" ... إلخ. الروايات المذكورة فيه مخصوصة عندنا بمواردها في ذلك، لمخالفتها النصوص الآخر، والقواعد الكلية، وكلمة من ليس نصًا في العموم الجنسي أو النوعي، فكثيرًا ما يستعمل في الشخصية، فقد ثبت في موضعه أن الموصول كثيرًا ما يستعمل للعهد، وإن كان استعماله للعموم أيضًا، واستعمال ألفاظ الشرط في الموصولات شائع، والشافعي - ﵀ - إن كان مقرًا بأنها مخالف الكليات إلَّا أنه ذهب إلى [أن] العموم فيها نوعي، فلا يختص بما ورد فيه، بل يعلى الحكم في مثله من الجزئيات الواردة بعده - ﷺ -، ونحن لما قلنا بشخصيتها قصرناها على تلك الجزئيات الواقفة في وقته فقط.","vol":"11","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1336>(٤٨) بَابٌ: في النَّهْيِ عن الْحُكْرَةِ</span>\n٣٤٤٧ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، نَا خَالِدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِى مَعْمَرٍ أَحَدِ بَنِي عَدِىِّ بْنِ كَعْبٍ\n===\n\n(٤٨) (بَابٌ: في النَّهْي عَنِ الْحُكْرَةِ) (١)\nقال في \"المجمع\" (٢): أصل الَحكر: الجمع والإمساك\n٣٤٤٧ - (حدثنا وهب بن بقية، نا خالد، عن عمرو بن يحيى، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن المسيب، عن معمر بن أبي معمر أحد بني عدي بن كعب) هو معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج (٣) بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي، وقيل: غير ذلك في نسبه، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، هاجر إلى الحبشة ثم رجع إلى مكة فأقام بها، ثم هاجر إلى المدينة بعد ذلك، قال ابن عبد البر: كان من شيوخ بني عدي، قلت: وجاء أنه حلق رأس رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع.\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": النهي عن الحكرة مختصة بما إذا نوى الإضرار بأهل البلد، وأحب غلاء الثمن ليربح، أو احتكر عند الاحتياج، وأما غيره فلا، وعلى غير المنهي يحمل فعل من احتكر منهم. انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (٩/ ٥٧١): يكره في بلد يضر بأهله، وعند الحنابلة يحرم بثلاثة شروط، كذا في \"المغني\" (٦/ ٣١٦، ٣١٧)، وقال النووي في \"شرح مسلم\" (٦/ ٤٩): الاحتكار عند أصحابنا في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء ولا يبيعه، بل يدَّخر ليغلو ثمنه، أما إذا جاءه من قرية، أو اشتراه وقت الرخص وادَّخره، فلا تحريم، أما غير الأقوات، فلا تحريم فيه بكل حال. انتهى. (ش).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٣٢).\n(٣) هكذا في الأصل، وفي \"تهذيب التهذيب\": \"بن عويج بن عدي بن كعب ... \" إلخ (١٠/ ٢٤٦).","vol":"11","page":159},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: \"لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ\"، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ، قَالَ: وَمَعْمَرٌ كَانَ يَحْتَكِرُ. [م ١٦٠٥، ت ١٢٦٧، جه ٢١٥٤، حم ٣/ ٤٥٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ: مَا الْحُكْرَةُ؟ قَالَ: مَا فِيهِ عَيْشُ النَّاسِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: الْمُحْتَكِرُ مَنْ يَعْتَرِضُ السُّوقَ.\n===\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحتكر إلَّا خاطئ) أي: المذنب العاصي، وهو اسم فاعل من خطئ بكسر العين وهمز اللام، خطأ بفتح العين وبكسر الفاء وسكون العين: إذا أثم في فعله، قال أبو عبيدة: وقال: سمعت الأزهري خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد.\nقال محمد بن عمرو: (فقلت لسعيد) بن المسيب: (فإنك تحتكر، قال) سعيد لمحمد بن عمرو: (ومعمر) أي: شيخي في هذا الحديث (كان يحتكر) وهما كانا يحتكران النَّوى والخَبَط، كما يأتي في الحديث الآتي.\nحاصله: أن الحكرة المطلقة في الحديث المراد به الخاص منه، وهو حكرة الطعام.\n(قال أبو داود: سألت أحمد ما الحكمة؟ قال: ما فيه عيش الناس) وهو الطعام والقوت (قال أبو داود: قال الأوزاعي: المحتكر من يعترض السوق) يريد أن يشتري الطعام والقوت منه ليحبسه، ويريد أن يبيعه وقت الغلاء، فأما إذا جلب من بلدة أخرى وحبسه، فليس بمحتكر.\nقال الخطابي (١): قوله: ومعمر كان يحتكر، يدل على أن المحظور منه نوع دون نوع، ولا يجوز على سعيد بن المسيب في فضله وعلمه أن يروي\n_________\n(١) معالم السنن\" (٣/ ١١٦، ١١٧).","vol":"11","page":160},{"text":"٣٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَيَّاضٍ، نَا أَبِى. (ح): وَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا يَحْيَى بْنُ الْفَيَّاضِ، نَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَيْسَ في التَّمْرِ حُكْرَةٌ.\nقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: قَالَ:\n===\nعن النبي - ﷺ - حديثًا، ثم يخالفه كفاحًا، وهو على الصحابي أقل جوازًا وأبعد إمكانًا.\nوقد اختلف الناس في الاحتكار، فكرهه مالك والثوري في الطعام وغيره من السلع، وكان مالك يمنع من احتكار الكتان والصوف والزيت وكل شيء أضرَّ بأهل السوق إلَّا أنه قال: ليست الفواكه من الحكرة.\nوقال أحمد بن حنبل: ليس الاحتكار إلَّا في الطعام خاصة، لأنه قوت الناس، قال: وإنما يكون الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور، وفرق بينهما وبين بغداد والبصرة، وقال: إن السفن يخترقها (١)، وقال أحمد: إذا أدخل الطعام في ضيعته، فحبسه فليست بحكرة، وقال الحسن والأوزاعي: من جلب طعامًا من بلد فحبسه ينتظر زيادة السعر فليس بمحتكر، وإنما المحتكر من اعترض سوق المسلمين.\n٣٤٤٨ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فياض، نا أبي) يحيى بن الفياض بفتح الفاء وتشديد التحتانية، الزِّمَّاني بكسر زاي وتشديد الميم، أبو بكر البصري، روى له أبو داود حديثًا عن همام، عن قتادة، وقال عقبة: هذا باطل، قال في \"التقريب\" (٢): ليِّن الحديث.\n(ح: ونا ابن المثنى، نا يحيى بن الفياض، نا همام) بن يحيى (عن قتادة قال: ليس في التمر حكرة، قال ابن المثنى: قال)\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"تخترقها\"، وفيه أيضًا: \"دخل\"، بدل: \"أدخل\".\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٧٦٧٤).","vol":"11","page":161},{"text":"عَنِ الْحَسَنِ، فَقُلْنَا لَهُ: لَا تَقُلْ عَنِ الْحَسَنِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَنَا بَاطِلٌ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَحْتَكِرُ النَّوَى وَالْخَبَطَ وَالْبِزْرَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يُونُسَ قَالُ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ، عَنْ كَبْسِ الْقَتِّ فَقَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الْحُكْرَةَ، وَسَأَلْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ فَقَالَ: اكْبِسْهُ.\n===\nأي: زاد يحيى بن فياض مع قوله: عن قتادة لفظ (عن الحسن، فقلنا له) أي: ليحيى بن الفياض: (لا تقل عن الحسن) كأنه ليس فيه \"عن الحسن\"، وهذا القول أي: \"ليس في التمرة حكرة\" ليس من قوله، فذكر الحسن فيه غلط منك.\n(قال أبو داود: هذا الحديث عندنا باطل، قال أبو داود: وكان سعيد بن المسيب كان يحتكر النوى والخبط) محركة: ورق ينفض بالمخابط، ويجفف، ويطحن ويخلط بدقيق أو غيره وُيوْخف بالماء، فتُوجَره الإبل (والبزْر) كل حب يبزر للنبات، جمعه بزور.\n(قال أبو داود: سمعت أحمد بن يونس (١) قال: سألت سفيان عن كَبْس القَتِّ) وهي الرطبة من علف الدواب (قال) سفيان: كانوا يكرهون الحكرة) فكبس القت أيضًا داخل في الحكرة المنهي عنها (وسألت أبا بكر بن عياش فقال) أي أبو بكر: (اكبِسه) أي: احبسه واحتكره، وإنما أباح ذلك؛ لأن الحكرة لعلها تكون عنده مخصوصة بالقوت.\n_________\n(١) في الأصل: \"أحمد بن حنبل\"، وهو تحريف.","vol":"11","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1337>(٤٩) بَابٌ: في كَسْرِ الدَّرَاهِمِ</span>\n٣٤٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا مُعْتَمِرٌ، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ فَضَاءٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ - أَنْ تُكْسَرَ سِكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إلَّا مِنْ بَأْسٍ\" (١). [جه ٢٢٦٣، حم ٣/ ٤١٩]\n===\n\n(٤٩) (بَابٌ: في كَسْرِ الدَّرَاهِمِ)\n٣٤٤٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا معتمر قال: سمعت محمد بن فضاء) بفض الفاء والمعجمة مع المد، ابن خالد الأزدي الجهضمي، أبو بحر البصري، قال ابن معين: ضعيف الحديث ليس بشيء، قال ابن الجنيد: قلت لابن معين: محمد بن فضاء كان يعبر الرؤيا، قال: نعم، وحديثه مثل تعبيره، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: واهي الحديث، وقال البخاري: سمعت سليمان بن حرب يضعفه، ويقول: كان يبيع الشراب، وقال الساجي: منكر الحديث.\n(يحدث عن أبيه) فضاء بن خالد الجَهْضَمي الأزدي البصري، له في الكتب حديثان تقدما في عبد الله بن سنان، قال في \"التقريب\": مجهول، (عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه) عبد الله بن سنان بن نبيشة بن سلمة بن سلمان، والد علقمة بن عبد الله المزني، عداده في الصحابة، قال محمد بن سعد: نزل البصرة، وله بها عقب، وهو أحد البكائين الذين نزل فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (٢) الآية.\n(قال) عبد الله: (نهى رسول الله - ﷺ - أن تكسر سِكَّةُ المسلمين الجائزة) أي: الرابحة (بينهم إلَّا من بأس).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وكانت الدراهم إذ ذاك إذا كُسرت لم تَجُزْ\".\n(٢) سورة التوبة: الآية ٩٢.","vol":"11","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1338>(٥٠) بَابٌ: في التَّسْعِيرِ</span>\n٣٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ حَدَّثَهُمْ قال: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَعِّرْ، فَقَالَ: \"بَلْ أَدْعُو\"، ثُمَّ جَاءَ (١) رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَعِّرْ، فَقَالَ \"بَلِ الله يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَإِنِّى لأَرْجُو أَنْ\n===\nنقل (٢) في \"الحاشية\" عن \"فتح الودود\": قيل: أراد الدرهم والدنانير المضروبة يسمى كل واحد منهما سكة؛ لأنه طبع بسكة الحديد، أي: لا تكسر إلًا من أمر يقتضي كسرها كردائتها، أو لشك في صحة نقدها، وإنما كره ذلك لما فيهما من اسم الله تعالى، أو لأن فيه إضاعة المال، وقيل: إنما نهى [عن كسرها على] أن تعاد تبرًا، وأما للمنفعة فلا، وقيل: كان بعضهم يقص أطرافها حين كانت المعاملة عددًا لا وزنًا، فنهوا عن ذلك.\n\n(٥٠) (بابٌ: في التَّسْعِيرِ)\n٣٤٥٠ - (حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي، أن سليمان بن بلال حدثهم، قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب، (عن أبي هريرة: أن رجلًا) لم أقف على تسميته (جاء) (٣) إلى رسول الله - ﷺ - (فقال: يا رسول الله، سعِّر، فقال: بل أدعو) أي: أدعوا الله ﷿ أن يرخص الأسعار (ثم جاء رجل) آخر، ولم أقف على تسميته (فقال: يا رسول الله، سعِّر، فقال) رسول الله - ﷺ -: (بل الله يخفض) السعر (ويرفع، وإني لأرجو أن\n_________\n(١) في نسخة: \"جاءه\".\n(٢) وفي \"التقرير\": الصحيح من معانيه أنه إن كسره أصلًا ففيه إضاعة المال؛ لأن المسكوك يروج ما لا يروج غيره، على أنه لا يفتقر فيه إلى الوزن، وإن كسره بحيث لا يعلم فهو غرر. (ش).\n(٣) وكان في سنة ٨ هـ، كذا في \"التلقيح\" (ص ٤٦). (ش).","vol":"11","page":164},{"text":"أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ لأَحَدٍ عِنْدِى مَظْلَمَةٌ\". [حم ٢/ ٣٣٧، ق ٦/ ٢٩]\n٣٤٥١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا عَفَّانُ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، نَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ (١). وَقَتَادَةُ وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ (٢) قَالَ: قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا، قَالَ (٣)، رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: \"إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّى لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ وَلَا مَالٍ\". [ت ١٣١٤، جه ٢٢٠٠، حم ٣/ ١٥٦]\n===\nألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة).\nقال الإِمام محمد - ﵀ - في \"الموطأ\" (٤): وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يسعر على المسلمين، فيقال لهم: بيعوا كذا وكذا بكذا وكذا، وُيجْبرُوا على ذلك، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا (٥).\n٣٤٥١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عفان، نا حماد بن سلمة، نا ثابت، عن أنس، وقتادة وحميد) عطف على ثابت، (عن أنس قال: قال الناس: يا رسول الله، غلا السعر فسعِّر لنا، قال رسول الله - ﷺ -: إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني) يوم القيامة (بمظلمة في دم ولا مال).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن مالك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن مالك\".\n(٣) في نسخة: \"فقال\".\n(٤) انظر: \"التعليق الممجد\" (٣/ ٢٤٩).\n(٥) وفي \"الهداية\" (٤/ ٣٧٧، ٣٧٨): لا ينبغي للقاضي أن يُسَعِّر إلَّا أن يتعدون أي أرباب الطعام، فلا بأس بذلك ... إلخ، وهكذا في \"الدر المختار\" وزاد فيه: قال مالك: على الوالي التسعير عام الغلاء. [انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥٧٣)]. (ش).","vol":"11","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1339>(٥١) بَابٌ: في النَّهْيِ عن الْغِشِّ</span>\n٣٤٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ - مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا، فَسَأَلَهُ: \"كَيْفَ تَبِيعُ؟ \"، فَأَخْبَرَهُ، فَأُوحِىَ إِلَيْهِ: أَنْ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ\". [م ١٠٢، ت ١٣١٥، جه ٢٢٢٤، حم ٢/ ٢٤٢، ق ٥/ ٣٢٠، ك ٢/ ٨ - ٩]\n===\n\n(٥١) (بَابٌ: في النَّهْي عَنِ الْغِشِّ)\nقال في \"القاموس\": غشه: لم يَمْحَضْهَ النصح، أو أظهر له خلاف ما أضمره، كغششه، والغش بالكسر: الاسم منه\n٣٤٥٢ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة، عن العلاء) بن عبد الرحمن، (عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - مر برجل يبيع طعامًا فسأله كيف تبيع؟ فأخره) أي: أخبر الرجل رسول الله - ﷺ - بكيفية بيعه (فأوحيَ إليه: أن أدخل يدك فيه) أي: في صبرة الطعام (فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول) من باطن الصبرة، فسأله رسول الله - ﷺ - ما هذا؟ فقال: أصابته بلَّة السماء (فقال رسول الله - ﷺ -:) لم لا جعلته فوق الصبرة؟ ثم قال: (ليس منا مَن غش).\nقال الخطابي (١): \"ليس منا\"، معناه: ليس سيرتنا ومذهبنا، يريد أن من غش أخاه، وترك مناصحته، فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي، وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن دين الإِسلام، وليس هذا التأويل بصحيح، وإنما وجهه كما ذكرت لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا منك وإليك، يريد بذلك المتابعة والموافقة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١١٨).\n(٢) سورة إبراهيم: الآية ٣٦.","vol":"11","page":166},{"text":"٣٤٥٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَلِىٍّ، عَنْ يَحْيَى قَالَ: كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ هَذَا التَّفْسِيرَ: لَيْسَ مِنَّا: لَيْسَ مِثْلَنَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1340>(٥٢) بَابٌ: في خِيَارِ الْمُتبايِعَينِ</span>\n٣٤٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ،عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ\". [خ ٢١١١، م ١٥٣١، ت ١٢٤٥، ن ٤٤٦٥، جه ٢١٨١، حم ١/ ٥٦]\n===\n٣٤٥٣ - (حدثنا الحسن بن الصباح، عن علي) بن المديني، (عن يحيى) القطان (قال: كان سفيان (١) يكره هذا التفسير: ليس منا: ليس مثلنا) معناه: أن اللفظ الواقع في الحديث: \"ليس منا من غش\" من يفسره بقوله: ليس مثلنا ومتابعنا، يكرهه سفيان، ويقول: هذا التفسير على خلاف إرادة رسول الله - ﷺ -؛ لأنه - ﷺ - غرضه بهذا القول التحذير والردع، فلا يناسب أن يخفف الأمر على الناس في الردع والإخافة، وليس معناه: أنه لا يجوز هذا التفسير.\n\n(٥٢) (بابٌ: في خِيَارِ الْمُتبَايِعَيْنِ)\n٣٤٥٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار (٢) على صاحبه ما لم يفترقا) وفي نسخة: \"يتفرقا\" (إلَّا بيع الخيار) أي: البيع بشرط الخيار، فإن الخيار فيه لا يقتصر على التفرق، بل يمتد بعد التفرق إلى مدة الشرط.\n_________\n(١) الظاهر ابن عيينة، وبه جزم النووي (١/ ٣٨٥) إذ حكى الإنكار عنه، وجزم الترمذي (٤/ ٣٢٢)، وكذا العيني (٦/ ١٢٠)، الإنكار عن الثوري، وأطلق الحافظ (١٣/ ٢٤)، ولا يبعد الجمع. (ش).\n(٢) والأوجه عندي في معناه: أن كل واحد منهما بالخيار في الرد والقبول إلى آخر المجلس، فإن تم المجلس فلم يبق الإيجاب، بل ينبغي أن يجدد الإيجاب كما في \"الشامي\"، ويؤيده لفظ البيع [انظر: \"رد المحتار\" (٧/ ٤٥)]. (ش).","vol":"11","page":167},{"text":"٣٤٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ، قَالَ: \"أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ\". [خ ٢١٠٩، وانظر سابقه]\n===\nقال النووي (١): أما قوله - ﷺ -: \"إلَّا بيع الخيار\" فقيه ثلاثة أقوال، ذكرها أصحابنا وغيرهم من العلماء، أصحها (٢): التخير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس، وتقديره: يثبت لهم (٣) الخيار ما لم يتفرقا إلَّا أن يتخايرا في المجلس، ويختارا إمضاء البيع، فيلزم البيع بنفس التخاير، ولا يدوم إلى المفارقة.\nوالقول الثاني: أن معناه: إلَّا بيعًا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها، فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة، بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة.\nوالثالث: معناه: إلَّا بيعًا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس فيلزم البيع بنفس البيع، ولا يكون فيه خيار، وهذا تأويل من يصحح البيع على هذا الوجه، والأصح عند أصحابنا بطلانه بهذا الشرط.\n٣٤٥٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمعناه، قال) أيوب في حديثه: (أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر) لفظ \"أو\" بمعنى \"إلَّا أن\".\nقال العيني (٤): قال الخطابي: هذا أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس، وهو مبطل لكل تأويل يخالف (٥) لظاهر الأحاديث. قلت: قوله: أوضح شيء في ثبوت خيارالمجلس فيما إذا أوجب أحد المتعاقدين، والآخر مخير، إن شاء قبله وإن شاء رده، وأما إذا حصل الإيجاب والقبول في الطرفين فقد تم العقد،\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٤٣٦).\n(٢) هكذا في الأصل، وفي \"شرح مسلم\": \"وأصحها أن المراد التخيير ... \" إلخ.\n(٣) هكذا في الأصل، وفي \"شرح مسلم\": \"لهما\".\n(٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٨٧، ٣٨٨).\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"عمدة القاري\": مخالف.","vol":"11","page":168},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفلا خيار بعد ذلك إلّاِ بشرط شرط فيه، أو خيار العيب، والدليل عليه حديث سمرة - ﵁ - أخرجه النسائي، ولفظه: \"أن النبي - ﷺ - قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، ويأخذ كل واحد منهما من البيع ما هوى، ويتخيران ثلاث مرات\".\nقال الطحاوي: قوله في هذا الحديث: \"ويأخذ كل منهما ما هوى\"، يدل على أن الخيار الذي للمتبايعين إنما هو قبل انعقاد البيع بينهما، فيكون العقد بينه وبين صاحبه فيما يرضاه منه لا فيما سواه مما لا يرضاه، إذ لا خلاف بين القائلين في هذا الباب بأن الافتراق المذكور في هذا الحديث هو بعد البيع بالأبدان أنه ليس للمبتاع أن يأخذ ما رضي به من المبيع ويترك بقيته، وإنما له عنده أن يأخذه كله أو يدعه كله.\nقلت: فدل هذا أن التفرق بالقول لا بالأبدان، وقول الخطابي: هو مبطل لكل تأويل، غير مسلم؛ لأن التأويلين إذا تقابلا وقف الحديث، ويعمل بالقياس، وهو أن تقاسَ العقودُ من البيع ونحوها التي تكون بالمنافع كالإجارات، على ما كان يملك به من الإبضاع، كالأنكحة، فكما لا تشترط فيه الفرقة بالأبدان بعد العقد، فكذا لا تشترط في عقود البيع، والجامع كون كل منهما عقدًا يتم بالإيجاب والقبول.\nوقال مالك: ليس لفرقتهما حد معلوم، ولا وقت معلوم، وهذه جهالة وقف البيع عليها، فيكون كبيع الملامسة والمنابذة، وكبيع بخيار إلى أجل مجهول، وما كان كذلك فهو فاسد قطعًا، انتهى.\nقلت: وهذا الكلام في الحديث يحتمل معنيين:\nأحدهما: معناه يخير أحدهما صاحبه، يعني يقول: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار إلَّا أن يخير أحدهما صاحبه فيقول له: اختر البيع، فيختار البيع، فحينئذ يسقط الخيار، ولا يمتد إلى آخر المجلس. والثاني: معناه أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، أي: أدخل الخيار في البيع إن شئت، فيدخل الخيار في البيع، فيكون الخيار ممتدًا إلى مدة الشرط.","vol":"11","page":169},{"text":"٣٤٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ\". [ت ١٢٤٧، ن ٤٤٨٣، حم ٢/ ١٨٣]\n===\n٣٤٥٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلَّا أن تكون صفقة خيار) أي: عقدا فيه خيار الشرط، فحينئذ إذا كان فيه خيار الشرط لا يكون الخيار مقصورًا إلى التفرق، بل يمتد إلى مدة الشرط، وهذا المعنى ظاهر من جملة المعاني الثلاثة التي ذكرها النووي (٢)؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير كثير لا يدل عليه الدليل، ولا يحتاج أن يقال: إن الخيار بمعنى التخيير.\n(ولا يحل له) أي: لأحدهما من البائع والمشتري (٣) (أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله) أي: لخوف طلب الإقالة، وهذا القول يؤيد أن البيع قد تم بالإيجاب والقبول، وما بقي بعد العقد خيار؛ لأن الاستقالة يدل على ذلك، فإن في صورة الخيار لا يحتاج أحد منهم إلى الاستقالة؛ لأنه في صورة الخيار متفرد كل واحد منهما بالفسخ.\n_________\n(١) في نسخة: \"العاصي\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٤٣٦، ٤٣٧).\n(٣) وهو واجب عند الشافعية، مستحب عندنا، كذا في \"العرف الشذي\" (ص ٣٩٣)، ويؤيد الحنفية في لزوم البيع قبل الافتراق ما في \"البخاري\" (٢٢٠١) من قوله ﵊: \"بع التمر بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا\"، وأيضًا من مذهب ابن عمر: الهالك عند البائع قبل القبض يهلك من مال المشتري، وفي \"البخاري\": \"بع الجمْع بالدراهم ... \" إلخ. (ش).","vol":"11","page":170},{"text":"٣٤٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادٌ،عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى الْوَضِئِ (١)، قَالَ: غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا، فَنَزَلْنَا (٢) مَنْزِلًا، فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا بِغُلَامٍ، ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَنا مِنَ الْغَدِ حَضَرَ الرَّحِيلُ، قَامَ (٣) إِلَى فَرَسِهِ\n===\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): قال ابن العربي: ظاهر الزيادة مخالف لأول الحديث في الظاهر، فإن تأولوا الاستقالة فيه على الفسخ، تأولنا الخيار فيه على الاستقالة، وإذا تعارض التأويلان فزع إلى الترجيح، والقياس في جانبنا فيرجح، وتعقب بأن حمل الاستقالة على الفسخ أوضح من حمل الخيار على الاستقالة، انتهى. قلت: وهذه دعوى لا يثبتها دليل.\n٣٤٥٧ - (حدثنا مسدد، نا حماد، عن جميل بن مرة) الشيباني البصري، قال النسائي: ثقة، وعن يحيى بن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن خراش: في حديثه نكرة، (عن أبي الوضيء) عباد بن نسيب بالنون والسين والموحدة، مصغر، القيسي، وأبو الوضيء بفتح الواو وكسر المعجمة، السحتني -بفتح أوله والفوقانية بينهما مهملة ساكنة آخره نون- نسبة إلى سحتن، لقب جشم بن عوف بن جَذيمة، وقيل: اسمه عبد الله، والأول أشهر، وهو مشهور بكنيته، كان على شرطة علي بن أبي طالب، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال) أبو الوضيء: (غزونا غزوة لنا، فنزلنا منزلًا (٥)، فباع صاحب لنا فرسًا) من رجل (بغلام) أي: بعوض عبد (ثم أقاما بقية يومهما وليليتهما، فلما أصبحنا من الغد حضر الرحيل، قام) الرجل المشتري (إلي فرسه\n_________\n(١) في نسخة: \"الوضيّ\".\n(٢) في نسخة: \"ونزلنا\".\n(٣) في نسخة: \"فقام\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣١).\n(٥) وفي \"العرف الشذي\" (ص ٣٩٢): عن البيهقي أن القصة كانت في السفينة. (ش).","vol":"11","page":171},{"text":"يُسْرِجُهُ (١) فَنَدِمَ (٢)، فَأَتَى الرَّجُلَ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ، فَأَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَبُو بَرْزَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَتَيَا أَبَا بَرْزَةَ فِى نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَقَالَا لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِىَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا\" (٣). [جه ٢١٨٢، حم ٤/ ٤٢٥]\nقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَ جَمِيلٌ أَنَّهُ قَالَ: مَا أُرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا.\n===\nيسرجه، فندم) أي: البائع (فأتى) أي: البائع (الرجل) (١) المشتري (وأخذه بالبيع) أي: بفسخ البيع (فأبى الرجل) المشتري (أن يدفعه) أي: الفرس (إليه) أي: إلى البائع.\n(فقال) البائع: (بيني وبينك أبو برزة) الأسلمي (صاحب النبي - ﷺ -) حكمًا، ما يقضي بيننا نرضى به (فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر، فقالا له هذه القصة، فقال: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله - ﷺ -؟ قال رسول الله - ﷺ - البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).\n(قال هشام بن حسان) ولعل هذا قول حماد: (حديث جميل أنه) أي: أبا برزة (قال: ما أراكما افترقتما) لأنكما في عسكر واحد في منزل واحد.\nوهذا الحديث لا يضرنا ولا يفيد القائلين بالافتراق بالأبدان، فإنهم لا يقولون بذلك، وهذا فهم من أبي برزة واجتهاد منه؛ لأنه فهم من الافتراق افتراقًا كليًا، حتى لا يكون أحدهما مع الآخر في عسكر واحد، أو في بلد واحد، وإلَّا فلا بد أنهما افترقا بالأبدان من المجلس لقضاء حوائجهما وصليا، ولم يَعُدَّ أبو برزة هذا افتراقًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"ليسرجه\".\n(٢) في نسخة: \"وندم\".\n(٣) في نسخة: \"يفترقا\".","vol":"11","page":172},{"text":"٣٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْجَرْجَرَائِيُّ (١) قَالَ: مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ أَخْبَرَنَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: كَانَ أَبُو زُرْعَةَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا خَيَّرَهُ، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: خَيِّرْنِي، فيَقُولُ (٢): سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَفْتَرِقَنَّ (٣) اثْنَانِ إلَّا عَنْ تَرَاضٍ\". [ت ١٢٤٨، حم ٢/ ٥٣٦، ق ٥/ ٢٧١]\n٣٤٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قال: نَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا\n===\n٣٤٥٨ - (حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي قال) محمد بن حاتم (مروان الفزاري) مبتدأ (أخبرنا) خبره، (عن يحيى بن أيوب قال: كان أبو زرعة إذا بايع رجلًا خيَّره، قال: ثم يقول) للرجل: (خيَّرني، فيقول) أي أبو زرعة: (سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا يفترقن اثنان) أي: البائع والمشتري (إلَّا عن تراض) وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)، فإنه لا ينبغي أن يكون بعد البيع في قلبهما ندامة على البيع، وكراهة له، فإنه يُنبئ عن عدم التراضي.\n٣٤٥٩ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: نا شعبة، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن حكيم بن حزام، أن رسول الله - ﷺ - قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإن صدقا) في أوصاف المبيع وقيمته (وبيَّنا) أي عيب المبيع وما يجب بيانه (بورك لهما في بيعهما، وإن كتما)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وكان من الثقات\".\n(٢) في نسخة: \"ويقول\" \"فيقول\".\n(٣) في نسخة: \"لا يفترق\".\n(٤) سورة النساء: الآية ٢٩.","vol":"11","page":173},{"text":"وَكَذَبَا مُحِقَتِ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْعِهِمَا\". [خ ٢٠٧٩، م ١٥٣٢، ت ١٢٤٦، ن ٤٤٥٧، حم ٣/ ٤٠٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَحَمَّادٌ، وَأَمَّا هَمَّامٌ فَقَالَ: \"حَتَّى يَتَفَرَّقَا (١) أَوْ يَخْتَارَا\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.\n===\nأي: عيب المبيع (وكذبا محقت) أي: محيت وبطلت (البركة من بيعهما).\n(قال أبو داود: وكذلك رواه سعيد بن أبي عروبة (٢) وحماد (٣)، وأما همام (٤) فقال: حتى يتفرقا أو يختارا ثلاث مرات)، فزاد همام في الحديث لفظ: \"أو يختارا ثلاث مرات\"، ولم يذكر هذا اللفظ شعبة وسعيد بن أبي عروبة وحماد.\nواختلفت الأئمة (٥) في ذلك، فقال الإِمام الشافعي - ﵀ -: إن البيع لا يكون بينهما بعد الإيجاب والقبول إلَّا بالتخيير من كل واحد منهما للآخر، إذا اختارا البيع لزم البيع، وقبل ذلك ما داما في المجلس كل واحد منهما مخير في الفسخ. وعند الحنفية إذا تبايعا وتم الإيجاب والقبول من\n_________\n(١) في نسخة: \"يفترقا\".\n(٢) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٠٢ - ٤٣٤)، والدارمي في \"سننه\" (٢٥٥٠)، والنسائي في \"سننه\" (٧/ ٢٤٧)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١١/ ٢٦٨) رقم (٤٩٠٤)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧/ ١٢٤).\n(٣) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٠٢)، والطبراني في \"معجمه الكبير\" (٣/ ٢٢٣) رقم (٣١١٧).\n(٤) أخرج روايته البخاري في \"صحيحه\" (٢١١٤)، والطيالسي في \"مسنده\" (١٣١٦)، والطحاوي في \"معانيه\" (٤/ ١٣)، وفي \"مشكله\" (٥٢٦٢)، والبيهقي في \"سننه\" (٥/ ٢٦٩).\n(٥) وبسط المذاهب في حاشية \"الموطأ\" للإمام محمد. [انظر: \"التعليق الممجد\" (٣/ ٢٣٢)]. (ش).","vol":"11","page":174},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالجانبين، لزم البيع، ولا يبقى الخيار لهما في الفسخ، إلَّا في صورة خيار الشرط والعيب. واحتج الشافعية بهذه الأحاديث، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن الأحاديث الواردة في الباب يحتمل تفرق الأبدان، ويحتمل تفرق الأقوال، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١) فمع احتمال المخالف لا يبقى الاستدلال.\nوأما ترجيحهم بفعل ابن عمر وبفعل أبي بَرزة فلعلهما لا يرجحان؛ لأن فعلهما مبني على مجرد رأيهما وفهمهما، والحجة في قول رسول الله - ﷺ -، لا في فهم الصحابي، خصوصًا إذا كان بين فهم الصحابيين اختلاف، وخصوصًا إذا كان فهم الصحابي مخالفًا لظاهر النص.\nوأما حجة أصحابنا الحنفية، فهو ظاهر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). أباح الله ﷾ الأكل بالتجارة عن تراض مطلقًا عن قيد التفرق عن مكان العقد، وعنده إذا فسخ أحدهم العقد في المجلس لا يباح الأكل، فكان ظاهر النص حجة عليه، وأما الأحاديث الواردة في هذا الباب فقد تقدم أن يقال: يمكن أن تحمل على التفرق بالأقوال.\nويؤيد الحنفية ما رواه البخاري (٣) عن ابن عمر - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - اشترى من عمر بكرًا صعبًا، فوهبه رسول الله - ﷺ - لابن عمر بعد الشراء قبل أن يتفرقا، فلو لم يكن التصرف حلالًا قبل التفرق، ولم يتم البيع، كيف وهب رسول الله - ﷺ - البكر لابن عمر؟ ! فثبت بذلك أن التصرف في المبيع بعد العقد، وإن لم يخير أحدهم الآخر جائز.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١٣٠.\n(٢) سورة النساء: الآية ٢٩.\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢١١٥).","vol":"11","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1341>(٥٣) بَابٌ: في فَضْلِ الإقَالَةِ</span>\n٣٤٦٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا حَفْصٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ\". [جه ٢١٩٩، حم ٢/ ٢٥٢، ق ٦/ ٢٧، ك ٢/ ٤٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>(٥٤) بَابٌ: فِيمَنْ بَاعَ بَيْعَتينِ في بَيْعَةٍ</span>\n٣٤٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله (١) -ﷺ-: \"مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا\". [ق ٥/ ٣٤٣، ك ٢/ ٤٥]\n===\n\n(٥٣) (بَابٌ: في فَضْلِ الإقَالَةِ)\nقال في \"القاموس\": وقلته البيع بالكسر وأقلته: فسخته، واستقاله: طلب إليه أن يقيله\n٣٤٦٠ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أقال مسلمًا أقاله الله عثرته) يوم القيامة، معناه: تبايع رجلان، فندم واحد منهما، فاستقال الآخر، فقبل الآخر، وأقال البيعة، يعني قبل فسخها، محا الله سبحانه ذنوبه، والعثرة: الزلة.\n\n(٥٤) (بالٌ: فِيمَنْ بَاعَ بَيْعَتينِ في بَيْعَةٍ)\n٣٤٦١ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: من باع بيعتين في بيعة فله) أي: للبائع (أوكسهما) أي: أنقص الثمنين (أو الربا).\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"11","page":176},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الخطابي (١): لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث، أو صحح البيع بأوكس الثمنين إلَّا شيئًا يحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد، وذلك لما تتضمنه هذه العقدة من الغرر والجهل، وإنما المشهور من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن بيعتين في بيعة\"، فأما رواية يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو على الوجه الذي ذكره أبو داود، فيشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه، كأنه أسلفه في قفيز بُر إلى شهر دينارًا، فلما حلَّ الأجل وطالبه بالبر، قال له: يعني القفيز الذي لك [علَّي] بقفيزين إلى شهرين، فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول، فصار بيعتين في بيعة، فيردان إلى أوكسهما، وهو الأصل، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتقابضا الأول كانا مُربيين.\nقال الخطابي: ونقيس (٢) ما نهي عنه من بيعتين في بيعة على وجهين: أحدهما أن يقول: بعتك هذا الثوب نقدًا بعشرة، ونسيئةً بخمسة عشر، فهذا لا يجوز؛ لأنه لا يدري أيهما الثمن الذي يختاره منهما، فيقع به العقد، وإذا جهل الثمن بطل البيع.\nوالوجه الآخر: أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرين دينارًا على أن تبيعني جاريتك بعشرة دنانير، فهذا أيضًا فاسد؛ لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارًا وشرط عليه أن يبيع جاريته بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه، فإذا لم يلزمه ذلك سقط بعض الثمن، وإذ! سقط بعضه صار الباقي مجهولًا.\nومن هذا الباب أن يقول: بعتك هذا الثوب بدينار (٣) على أن تعطيني بها دراهم صرف عشرين أو ثلاثين بدينار.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٢٢، ١٢٣).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"معالم السنن\": \"وتفسير ... \" إلخ،\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"بدينارين\".","vol":"11","page":177},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما إذا باعه شيئين بثمن واحد، كدار وثوب أو عبد وثوب فهذا جائز، وليس من باب البيعتين في البيعة الواحدة، وإنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين بثمن معلوم، وعقد البيعتين في بيعة واحدة على الوجهين الذين ذكرناهما عند أكثر الفقهاء فاسد.\nوحكي عن طاوس أنه قال: لا بأس أن يقول له: بعتك هذا الثوب بنقد بعشرة، وإلى شهر بخمسة عشر، فيذهب به إلى أحدهما، وقال الحكم وحماد: لا بأس به ما لم يفترقا، وقال الأوزاعي: لا بأس بذلك، ولكن لا يفارقه حتى يُبَاتَّه بأحد البيعين (١)، فقيل له: إنه ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين؟ فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين.\nقال الشيخ: هذا ما لا شك في فساده، أما إذا باتَّه بأحد العقدين في مجلس العقد فهو صحيح، لا خلف فيه، وما سواه لغو لا اعتبار به.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"من باع بيعتين\" إلى آخره ظاهره مخالف للمذاهب كلها، إلَّا أن يقال في معناه: إن من باع شيئًا على أنه بخمسة إن كان ناجزًا، أو بعشرة إن كان نسيئة، ثم افترقا من غير أن يتعين أحدهما، فهذا البيع فاسد؛ لكونهما افترقا قبل تعين الثمن؛ ولأنه - ﷺ - نهى عن بيعتين في بيعة، وكان الحكم فيه الفسخ، إلَّا أن المشتري استهلك المبيع، أو أكله فلا يجب فيه إلَّا المثل أو القيمة، وهو أوكس عادة من الثمن المتعين بينهما في البيعتين معًا، فصار المعنى أن من باع بيعتين كذلك، ثم لم يبق المبيع حتى يفسخ البيع، فله أن يأخذ القيمة أو المثل، ولا يأخذ الثمن؛ لأنه لو أخذ الثمن كان إبقاءً للبيع، وهو مأمور بفسخه، وأما إذا أخذ الثمن ولم يفسخ البيع، فقد أربى؛ لكونه عقد عقدًا فاسدًا، والعقود الفاسدة كلها داخلة في حكم الربا، انتهى.\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"حتى يباته بأحد المعنيين\" (٣/ ١٢٣).","vol":"11","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1343>(٥٥) بَابٌ: في النَّهْيِ عن الْعِينَةِ</span>\n٣٤٦٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ. (ح): وَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِىُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْبُرُلُّسِىُّ، أنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ إِسْحَاقَ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ سُلَيْمَانُ (١): عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِىِّ -\n===\n\n(٥٥) (بَابٌ: في النَّهْي عَنِ الْعِينَةِ)\nهو أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الأول، وهو مكروه، فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل، وقبضها، ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن، فهو أيضًا عينة، وهو أهون من الأولى، وجائز عند بعض، سميت بها لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأن العين هو المال الحاضر من النقد، \"مجمع\" (٢)\n٣٤٦٢ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، ح: ونا جعفر بن مسافر التنيسي، نا عبد الله بن يحيى البرلسي، أنا حيوة بن شريح، عن إسحاق أبي عبد الرحمن) بن أسيد بالفتح، الأنصاري، ويقال: أبو محمد المروزي، نزيل مصر، قال أبو حاتم: شيخ ليس بالمشهور، وقال أبو أحمد بن عدي: مجهول، وقال ابن حبان في \"الثقات\": يخطئ، وقال الحاكم أبو أحمد في \"الكنى\": مجهول، وحكي أن الأزدي قال فيه: منكر الحديث، تركوه.\n(قال سليمان: عن أبي عبد الرحمن الخراساني) يعني لم يذكر سليمان اسم أبي عبد الرحمن، وهو إسحاق، وذكره جعفر بن مسافر، وذكر سليمان في صفته: \"الخراساني\"، ولم يذكره جعفر بن مسافر.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن داود أبو الربيع\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٧٢٣).","vol":"11","page":179},{"text":"أَنَّ عَطَاءً الْخُرَاسَانِىَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ\" [ق ٥/ ٣١٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الإخْبَارُ لِجَعْفَرٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ.\n\n(٥٦) (١) بَابٌ: في السَّلَفِ\n٣٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ،\n===\n(أن عطاء الخراساني حدثه، أن نافعًا حدثه، عن ابن عمر قال: سمعت رسول - ﷺ - يقول: إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر) يريد به اشتغالهم بالزرع عن الجهاد (ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه) أي: الذل (حتى ترجعوا إلى دينكم) أي: اعملوا على شريعة الإِسلام، وجاهدوا في سبيل الله.\nقال في \"الدر المختار\" (٢): وبيع العينة مكروه مذموم شرعًا؛ لما فيه من الإعراض عن مبرة الإقراض، وقال الشامي: قال محمد: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم، اخترعه أكلة الربا.\n(قال أبو داود: الأخبار) أي: ألفاظ الحديث (لجعفر) بن مسافر (وهذا) أي: لفظ هذا الحديث (لفظه) أي: لفظ جعفر بن مسافر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>(٥٦) (بابٌ: في السَّلَفِ)</span>، أي: السلم\n٣٤٦٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا سفيان، عن ابن أبي نجيح،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كتاب السلم\".\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (٧/ ٥٤٢ - ٦١٣).","vol":"11","page":180},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ (١) عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺالمدينة وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِى التَّمْرِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَسْلَفَ فِى تَمْرٍ (٣) فَلْيُسْلِفْ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ\". [خ ٢٢٤٠، م ١٦٠٤، ت ١٣١١، ن ٤٦١٦، جه ٢٢٨٠، حم ١/ ٢١٧]\n===\nعن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله - ﷺ -: المدينة) أي: مهاجرًا (وهم) أي: أهل المدينة (يسلفون) أي: يسلمون (في التمر) وفي النسخة: \"الثمر\"، وهو أنسب لما بعده، وهو قوله: \"في كيل معلوم ووزن معلوم\" (السنة والسنتين والثلاثة، فقال رسول الله - ﷺ -: من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم).\nوالمراد أن يكون معلوم القدر، فيشمل الذرع والعدد، ويشترط أن يكون الكيل والوزن والذرع يؤمن عليه فقده عن أيدي الناس، فإن كان لا يؤمن فالسلم فاسد.\n(إلى أجل معلوم) اختلف الأئمة في السلم الحالّ، فأجازه الإِمام الشافعي - ﵀ -، ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون، وقال المجوِّزون: ليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل، بل معناه: إن كان أجل فليكن معلومًا، وعندنا لا بد أن يكون السلم مؤجلًا، وحجتنا هذا الحديث، فإنه - ﷺ - أوجب مراعاة الأجل في السلم، كما أوجب مراعاة القدر فيه، فيدل على كونه شرطًا فيه كالقدر.\nولأنه عقد لم يشرع إلَّا، رخصة، لكونه بيع ما ليس عند الإنسان، والرخصة في عرف الشرع: اسم لما يغير عن الأمر الأصلي، لعارض عذر إلى تخفيف ويسر، فالترخيص في السلم: هو تغيير الحكم الأصلي، وهو حرمة بيع ما ليس\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله بن عباس\".\n(٢) في نسخة: \"الثلاث\".\n(٣) في نسخة: \"ثمر\".","vol":"11","page":181},{"text":"٣٤٦٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ. (ح): وَنَا ابْنُ كَثِيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى مُحَمَّدٌ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُجَالِدٍ قَالَ: اخْتَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبُو بُرْدَةَ فِى السَّلَفِ، فَبَعَثُونِى إِلَى ابْنِ أَبِى أَوْفَى، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: إِنْ كُنَّا نُسْلِفُ (١) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ فِى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ\n===\nعند الإنسان إلى الحل بعارض عذر العدم ضرورة الإفلاس، فحالة الوجود والقدرة لا يلحقها اسم قدرة الرخصة، فيبقى الحكم فيها على العزيمة الأصلية، ملخص من \"البدائع\" (٢).\n٣٤٦٤ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، ح: ونا ابن كثير، أنا شعبة، أخبرني محمد أو عبد الله بن مجالد) هكذا في جميع النسخ لأبي داود الموجودة عندي من المكتوبة والمطبوعة بترك لفظ \"أبي\"، وذكر \"محمد\" أو \"عبد الله بن مجالد\"، والذي عندي أن ترك لفظ \"أبي\" والاقتصار بذكر \"محمد\" أو \"عبد الله بن مجالد\" غلط من النساخ.\nقال البخاري (٣): أخرج حديث حفص بن عمر (٤)، حدثه حفص بن عمر، حدثنا شعبة قال: أخبرني محمد أبو عبد الله بن أبي المجالد قال: اختلف عبد الله بن شداد وأبو بردة في السلف، الحديث، فظهر بهذا أن لفظ \"أبي\" ثابت فيه، وإسقاطه خطأ.\n(قال: اختلف عبد الله بن شداد) بن الهاد الليثي (وأبو بردة) بن موسى الأشعري (في السلف) أي: السلم في شيء ليس عندهم، هل يجوز أم لا؟ (فبعثوني إلى ابن أبي أوفى، فسألته، فقال: إن) مخففة من الثقيلة (كنا نسلف على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والتمر والزبيب،\n_________\n(١) في نسخة: \"لنسلف\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٤٨).\n(٣) كذا في الأصل: \"قال البخاري\"، والظاهر: \"فإن البخاري\".\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" رقم الحديث (٢٢٤٢ - ٢٢٤٣).","vol":"11","page":182},{"text":"زَادَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِلَى قَوْمٍ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ اتَّفَقَا (١): وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبْزَى فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ\". [خ ٢٢٤٢ - ٢٢٤٣، ن ٤٦١٥، حم ٤/ ٣٥٤، جه ٢٢٨٢]\n٣٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى وَابْنُ مَهْدِىٍّ قَالَا، نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى الْمُجَالِدِ،وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (٢): عَنِ ابْنِ أَبِى الْمُجَالِدِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: عِنْدَ قَوْمٍ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ. [انظر سابقه]\n===\nزاد ابن كثير: إلى قوم ما هو عندهم) ولم يزده حفص بن عمر (ثم اتفقا) أي: حفص وابن كثير (وسألت ابن أبزى) أي: عبد الرحمن وهو صحابي صغير، وكان على خراسان لعلي - ﵁ - (فقال مثل ذلك).\n٣٤٦٥ - (حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى وابن مهدي، قالا: نا شعبة، عن عبد الله بن أبي مجالد) هكذا في جميع النسخ الموجودة بذكر \"أبي\"، إلَّا في المجتبائية، سقط فيها لفظ \"أبي\"، والصواب ذكره، كما في النسائي (٣) في رواية يحيى بذكر لفظ \"أبي\"، وكذا في ابن ماجه.\n(وقال عبد الرحمن: عن ابن أبي المجالد) هكذا في جميع النسخ المكتوبة، وبعض المطبوعة: \"عن ابن أبي المجالد\"، وفي الكانفورية: \"عن ابن المجالد\"، وفي المصريتين: \"أبي المجالد\"، وكلاهما خطأ، والصواب: ابن أبي المجالد، والفرق بين لفظ يحيى وابن مهدي: أن يحيى ذكر اسمه عبد الله، وعبد الرحمن ذكره مبهمًا (بهذا الحديث، قال) أي ابن أبي أوفى: (عند قوم) أي: نسلف عند قوم (ما هو) أي: المسلم فيه (عندهم) أي: في وقت عقد السلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"عبد الرحمن بن مهدي\".\n(٣) \"سنن النسائي\" (٤٦١٤)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢٢٨٢).","vol":"11","page":183},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالصَّوَابُ ابْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ، وَشُعْبَةُ أَخْطَأَ فِيهِ.\n===\n(قال أبو داود: والصواب: ابن أبي مجالد) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي من المكتوبة والمطبوعة، والصواب: ابن أبي المجالد مبهمًا من غير ذكر اسمه، والذي يقع في قلبي من تتبع كلام الحافظ أن هذه العبارة خطأ، أخطأ فيه النساخ بترك اسم عبد الله، بل العبارة الصحيحة هكذا: والصواب: عبد الله بن أبي المجالد، فإنه قال الحافظ في، \"الفتح\" (١): وجزم أبو داود بأن أسمه عبد الله، وهذا الجزم لا يوجد في كلام أبي داود، إلَّا بأن يكون هذا اللفظ في هذه العبارة، لأن في جميع العبارة لا يوجد الجزم من أبي داود بأن اسمه عبد الله.\n(وشعبة أخطأ فيه) اختلفت الروايات عن شعبة، ففي رواية أبي الوليد عند البخاري: حدثنا شعبة، عن ابن أبي المجالد مبهمًا، من غير ذكر محمد أو عبد الله، وفي رواية وكيع عنده: عن شعبة، عن محمد بن أبي المجالد بتعيين اسمه بمحمد، وفي رواية حفص بن عمر عند البخاري، وكذا من رواية ابن كثير عند أبي داود: أخبرني محمد أو عبد الله بن أبي المجالد على الشك.\nوأخرج البخاري (٢) من غير طريق شعبة: حدثني عبد الواحد، حدثنا الشيباني، حدثنا محمد بن أبي المجالد، وكذا: حدثنا خالد بن عبد الله، عن الشيباني وهو أبو إسحاق، عن محمد بن أبي المجالد.\nوأخرج أبو داود: رواية يحيى وعبد الرحمن بن مهدي قالا: نا شعبة، عن عبد الله بن أبي المجالد، وقال عبد الرحمن أي ابن مهدي: عن ابن أبي المجالد، فروى يحيى القطان، عن شعبة بتعيين اسم عبد الله، وروى عبد الرحمن، عن شعبة، عن ابن أبي المجالد بإيهام الاسم.\nوأخرج النسائي من رواية أبى داود الطيالسي، قال: أخبرنا شعبة قال:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٠).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٢٤٤، ٢٢٤٥).","vol":"11","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثنا ابن أبي المجالد، أي: مبهمًا، وقال مرة: عبد الله بتعيين اسمه عبد الله، وقال مرة: محمد يعني بتعيين اسم محمد، والنسائي لم يخرج رواية الشك.\nوأخرج الإِمام أحمد من حديث محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، ومن حديث حجاج حدثني شعبة قال: سمعت عبد الله بن أبي المجالد بتعيين اسم عبد الله، ثم بعد تخريج الروايات المختلفة في ابن أبي المجالد قال أبو داود: والصواب ابن أبي المجالد، وشعبة أخطأ فيه.\nواختلفوا في بيان الخطأ، فكتب في حاشية المكتوبة الأحمدية بذكر لفظ \"عبد الله\"، وكتب أيضًا بعض المحشين: أي أخطأ في متن الحديث في قوله: \"إلى قوم ما هو عندهم\"، وينبغي أن يقول: ما كنا نسألهم.\nوقال صاحب \"العون\" (١): وشعبة أخطأ فيه، أي بذكر لفظ عبد الله بن مجالد، وإنما هو عبد الله بن أبي المجالد، وهذا خطأ من صاحب \"العون\"، فإنه قد تقدم أن سقوط لفظ \"أبي\" ليس هو من شعبة، بل هو من غلط النساخ، ولم يتنبه له؛ لأنه لم يوفق من الله ﷾.\nوأما قول بعض المحشين: \"إنه أخطأ في المتن\"، فهذا أيضًا غلط؛ لأن قول أبي داود: \"والصواب: ابن أبي المجالد\" يدل على أن الخطأ في اسمه، لا في متن الحديث، والذي عندي أن تخطئة أبي داود شعبة، هو أن شعبة قال مره لبعض تلامذته: عن محمد بن أبي المجالد، فتسميته بمحمد عنده خطأ.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قوله: \"عن ابن أبي المجالد\"، كذا أبهمه أبو الوليد عن شعبة، وسماه غيره عنه محمد بن أبي المجالد، ومنهم من أورده (٣) على الشك: محمد أو عبد الله، وذكر البخاري\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٩/ ٢٥٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٠).\n(٣) في الأصل: \"رووه\".","vol":"11","page":185},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالروايات الثلاث، وأورده النسائي من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة، عن عبد الله، وقال مرة: \"محمد\"، وقد أخرجه البخاري في الباب الذي يليه من رواية عبد الواحد بن زياد وجماعة، عن أبي إسحاق الشيباني فقال: \"عن محمد بن أبي المجالد\"، ولم يشك في اسمه، وكذلك ذكره البخاري في \"تاريخه\" في المحمدين، وجزم أبو داود بأن اسمه عبد الله، انتهى.\nوهذا يدل على أن ذكر عبد الله عند أبي داود ليس بخطأ، بل هو- بقول الحافظ- جازم، بأن اسمه عبد الله، فكيف يكون ذكره خطأ، وكلام الحافظ يقتضي أن أبا داود لما جزم يكون اسمه عبد الله بن أبي المجالد، فتسميته بمحمد بن أبي المجالد خطأ.\nوقد صرح في \"تهذيب التهذيب\" (١): وقال الآجري عن أبي داود: يخطئ فيه شعبة، فيقول: محمد بن أبي المجالد، ففي هذا تصريح بأن التخطئة في تسميته محمدًا، وقال في \"تهذيب الكمال\" (٢) في ترجمة محمد بن أبي المجالد: قال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: شعبة يحدث عن محمد بن أبي المجالد، والصواب: عبد الله بن أبي المجالد، شعبة يخطئ فيه، انتهى.\nفظهر بعبارة \"التهذيب\" و\"تهذيب التهذيب\" أن الخطأ في تبديل اسم عبد الله بمحمد.\nقلت: تخطئة أبي داود لشعبة خلاف الصواب؛ لأن الحافظ رد عليه في تخطئته في \"تهذيب التهذيب\" (٣) فقال: قلت: قد سماه محمدًا أبو إسحاق الشيباني، كذا عند البخاري وأبي داود، فكان يشك في اسمه، ففي \"البخاري\"\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٨٨).\n(٢) \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٣٦٥).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٨٩).","vol":"11","page":186},{"text":"٣٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى غَنِيَّةَ، حَدَّثَنِى أَبُو إِسْحَاقَ،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى\n===\nعن شعبة: مرة عبد الله، ومرة محمد، ومرة عبد الله أومحمد، وكذلك أخرج البخاري وأبو داود جميعًا عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن محمد أو عبد الله بن أبي المجالد، وكذا روى النسائي، عن محمود، عن أبي داود [عن شعبة] (١)، عن عبد الله بن أبي المجالد قال، وقال مرة: محمد، انتهى.\nقلت: فعلم برواية أبي إسحاق الشيباني أن تسميته محمدًا ليس بخطأ، فإن وكيعًا في روايته عن شعبة عند البخاري سماه محمدًا، وفي رواية أبي إسحاق الشيباني سماه محمدًا، فلا يكون تسميته محمدًا خطأ، والله تعالى أعلم. وإنما أطنبنا في هذا المقام الكلام؛ لأنه من مزالّ الأقدام، كم من معتنٍ لحل هذا الكتاب أخطأ فيه.\n٣٤٦٦ - (حدثنا محمد بن المصفى، نا أبو المغيرة) الخولاني، (نا عبد الملك بن أبي غَنِيَّة) بفتح المعجمة وكسر النون وتشديد التحتانية، منسوب إلى جده، وهو عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، الخزاعي الكوفي، أصله أصبهاني، قال أحمد عن يحيى: عبد الملك ثقة، هو وأبوه متقاربان في الحديث، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: ثقة.\n(حدثني أبو إسحاق) أي: الشيباني، (عن عبد الله بن أبي أوفى) هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي من المطبوعة والمكتوبة، والذي يظهر من البخاري في \"صحيحه\"، ومن كلام الحافظ (٢): أن في العبارة خطأ من النساخ وسقوط، والصواب: حدثني أبو إسحاق، حدثنا محمد بن أبي المجالد،\n_________\n(١) سقط في الأصل، وقد زدته من \"التهذيب\" (٥/ ٣٨٩).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٠ - ٤٣١).","vol":"11","page":187},{"text":"الأَسْلَمِىِّ قَالَ: \"غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الشَّامَ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِى الْبُرِّ وَالزَّيْتِ سِعْرًا مَعْلُومًا وَأَجَلًا مَعْلُومًا، فَقِيلَ لَهُ: مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ؟\n===\nعن عبد الله بن أبي أوفى، وكذلك في \"البخاري\" من حديث عبد الواحد وخالد بن عبد الله وسفيان الثوري، عن الشيباني، عن محمد بن أبي المجالد.\n(الأسلمي قال: غزونا مع رسول الله - ﷺ - الشام)، والظاهر أن هذا الغزو غزوة تبوك، فإنها وقعت في نواحي الشام (فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام) جمع نبيط، وصم قوم معروفون، كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقَين، قاله الجوهري (١)، وأصلهم قوم عن العرب دخلوا في العجم، واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، ويقال لهم: النَبَط- بفتحتين- والنبيط: بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية، وإنما سموا بذلك لمعرفتهم بأنباط الماء، أي: استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة.\nوقيل: هم نصارى الشام، وهم عرب دخلوا في الروم، ونزلوا بوادي الشام، ويدل على هذا قوله: من أنباط الشام.\nوقيل: هم طائفتان: طائفة اختلطت بالعجم، ونزلوا البطائح، وطائفة اختلطت بالروم ونزلت الشام.\n(فنسلفهم) من باب الإفعال، وقد تشدد اللام مع فتح السين، أي: نسلم إليهم (في البر) أي: الحنطة (والزيت) وفي نسخة: \"الزبيب\" (سعرًا معلومًا وأجلًا معلومًا، فقيل له) أي: لعبد الله بن أبي أوفى: (ممن له ذلك؟) ولفظ البخاري (٢): \"قلت: إلى من كان أصله عنده؟ \". وفي رواية: \"قلت: أكان لهم زرع أو لم يكن لهم زرع؟ \"، فهذا يرشدك إلى تقدير الاستفهام في لفظ أبي داود، أي: أَتُسلمون من الذي له ذلك، أي: الأشياء المسلم فيها موجودة عنده.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٣/ ١١٦٢).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٤٤٢٢، ٢٢٤٥، ٢٢٥٤، ٢٢٥٥).","vol":"11","page":188},{"text":"قَالَ (١): مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>(٥٧) بَابٌ: في السَّلَمِ في ثَمْرَةٍ بِعَيْنهَا</span>\n٣٤٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ نَجْرَانِىٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا أَسْلَفَ رَجُلًا فِى نَخْلٍ، فَلَمْ تُخْرِجْ تِلْكَ السَّنَةَ شَيْئًا، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"بِمَا (٢) تَسْتَحِلُّ مَالَهُ، أُرْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ\"\n===\n(قال: ما كنا نسألهم) عن ذلك، أي: عندكم هذه الأشياء المسلم فيها موجودة أم لا؟ وكأنه استفاد الحكم من عدم الاستفسار وتقرير النبي - ﷺ - على ذلك على جواز السلم في ما ليس موجودًا في وقت السلم، إذا أمكن وجوده وقت حلول السلم، وهو قول الجمهور، ولا يضر انقطاعه قبل المحل أو بعده عندهم، وقال أبو حنيفة: لا يصح فيما ينقطع قبله.\n\n(٥٧) (بَابٌ: في السَّلَمِ في ثَمَرَةٍ بِعَيْنِهَا)\n٣٤٦٧ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل نجراني، عن ابن عمر أن رجلًا) لم أقف على تسميته (أسلف) أي: أسلم (رجلًا في نخل) أي: في ثمرة نخل معين (فلم تُخرِج) أي: تلك النخلة (تلك السنة شيئًا) من الثمرة (فاختصما إلى النبي - ﷺ - فقال) رسول الله - ﷺ - لرب السلم: (بما تستحل ماله)؛ لأن السلم كان فاسدًا (أُرْددْ عليه ماله).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: وإنما أمره برد ماله؛ لأن العقد كان فاسدًا واجب الفسخ، ولم يحصل للمسلم إليه شيء حتى يؤديه إلى رب السلم، فلم يبق إلَّا رد رأس المال.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"بم\".","vol":"11","page":189},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"لَا تُسْلِفُوا فِى النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ\". [جه ٢٢٨٤، ق ٦/ ٢٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>(٥٨) بَابُ السَّلَفِ لا يُحَوَّلُ</span>\n٣٤٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا أَبُو بَدْرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ خَيْثَمَةَ، عَنْ سَعْدٍ - يَعْنِى الطَّائِىَّ -، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَسْلَفَ فِى شَىْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ\". [جه ٢٢٨٣، ق ٦/ ٣٠]\n===\n(ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (لا تُسلفوا في النخل)، نقل في \"الحاشية\" عن مولانا محمد إسحاق الدهلوي: أي لا تبيعوا ثمر النخل (حتى يبدو صلاحه) كأنه حكم آخر غير حكم السلم، ويحتمل أن يكون معناه: لا تسلموا في ثمر النخل حتى يبدو صلاحه، أي: في السلم، وفيه إشارة إلى أن يكون المسلم فيه موجودًا من حين العقد إلى وقت حلول الأجل.\n\n(٥٨) (بَابُ السَّلَفِ لَا يُحَوَّلُ)\n٣٤٦٨ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا أبو بدر، عن زياد بن خيثمة، عن سعد) أبي مجاهد (يعني الطائي) الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وعن أحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال وكيع: ثنا سعدان الجهني، عن سعد أبي المجاهد الطائي، وكان ثقة، (عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره) أي: لا يبدله قبل القبض بغيره.\nقال الخطابي (١): إذا أسلفه (٢) دينارًا في قفيز حنطة إلى شهر، فحل\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٢٥).\n(٢) هكذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"إذا أسلف\".","vol":"11","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1347>(٥٩) بَابٌ: في وَضْعِ الْجَائِحَةِ</span>\n٣٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ\"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ\". [م ١٥٥٦، ن ٤٥٣٠، جه ٢٣٥٦، ت ٦٥٥، حم ٣/ ٣٦]\n===\nالأجل فأعوزه البر، فإن أبا حنيفة ذهب إلى أنه لا يجوز له أن يبيعه عرضًا (١) بالدينار، ولكن يرجع برأس المال إليه قولًا بعموم الخبر وظاهره، وعند الشافعي: يجوز له أن يشتري منه صاعًا (٢) بالدينار إذا تقايلا (٣) وقبضه قبل التفرق، لئلا يكون دينًا بدين، فأما قبل الإقالة فلا يجوز، وهو معنى النهي عن صرف السلف إلى غيره، انتهى.\n\n(٥٩) (بَابٌ: في وَضْعِ الْجَائِحَةِ)\n٣٤٦٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن بكير، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - ﷺ - في ثمار ابتاعها) يعني ابتاع ثمارًا، فأصابتها جائحة فتلفت (فكثر دينه، فقال رسول الله - ﷺ - للصحابة: (تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك) أي: الصدقة (وفاء دينه، فقال رسول الله - ﷺ -) لأهل الثمار الدائنين: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلَّا ذلك).\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"عوضًا\".\n(٢) هكذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"عرضًا\".\n(٣) هكذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"إذا تقايلا السلم\".","vol":"11","page":191},{"text":"٣٤٧٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِىُّ قَالَا، أنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، الْمَعْنَى، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّىَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ تَمْرًا (١) فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ \". [م ١٥٥٤، ن ٤٥٢٨، جه ٢٢١٩]\n===\nقال الخطابي (٢): قد تقدم الكلام في بيان اختلاف الناس، فأما هذا الحديث فليس في وضع الجائحة، وقد يحتمل أن يكون أصيب في تلك الثمار بعدما أخذها (٣) وأواها الجرين، فطرقها لص، أوجرفها سيل، أو باعها فافتات الغريم بحقه، وكل هذه الوجوه قد يَصح رجوع إضافة المصيبة فيها إلى الثمار التي كان ابتاعها، وإذا كان كذلك لم يجب الحكم بذهاب حق رب المال.\nوليس في الحديث أنه أمر أرباب الأموال أن يضعوا عنه من أثمان الثمار ثلثًا أو أكثر أو أقل، إنما أمر الناس أن يعينوه ليقضي حقوقهم، فلما أُبدع (٤) بهم أمرهم بالكف عنه إلى الميسرة، وهذا حكم كل مفلس أحاط به الدين وليس له مال.\n٣٤٧٠ - (حدثنا سليمان بن داود المهري وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: أنا ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج، ح: ونا محمد بن معمر، نا أبو عاصم، عن ابن جريج، المعنى) أي: معنى حديئهما واحد، (أن أبا الزبير المكي أخبره، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - قال: إن بعت من أخيك تمرًا فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟).\n_________\n(١) في نسخة: \"تمرة\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٢٦).\n(٣) هكذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"جذها\".\n(٤) أُبدع به: لم يكن عند ظنه به في أمر وثق به في كفايته وإصلاحه. \"المعجم الوسيط\" (١/ ٤٣).","vol":"11","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1348>(٦٠) بَابٌ: في تَفْسِيرِ الْجَائِحَةِ</span>\n٣٤٧١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: الْجَوَائِحُ: كُلُّ ظَاهِرٍ مُفْسِدٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ بَرْدٍ (١) أَوْ جَرَادٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ حَرِيقٍ. [ق ٥/ ٣٠٦]\n٣٤٧٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، أَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا جَائِحَةَ\n===\nنقل في \"الحاشية\" عن \"فتح الودود\": ظاهره وضع الجائحة مطلقًا، ومن لا يقول به يقول: محمول على ما إذا كان تلف قبل التسليم، فيكون في ضمان البائع، فلا يحل له أن يأخذ شيئًا من الثمن بلا خلاف، وإن حمل على ما بعد التسليم يحمل على التهديد، أي: لا يحل لك في الورع والتقوى أن تأخذ الثمن إذا تلف الثمار.\n\n(٦٠) (بَابٌ: في تَفْسِيرِ الْجَائِحَةِ)\n٣٤٧١ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني عثمان بن الحكم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: الجوائح: كل ظاهر) أي: غالب (مفسد من مطر أو برد أو جراد أو ريح أو حريق).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"كل ظاهر\" إنما قيد بكونه ظاهرًا؛ لأن الحكم متيقن به، وأما في غير الظاهر فيحتمل الكذب، فصار الأول حكم القضاء، والثاني حكم الديانة؛ إلَّا أن يثبت العارض الخفي ببينة فيقبل.\n٣٤٧٢ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني عثمان بن الحكم، عن يحيى بن سعيد أنه قال: لا جائحة) أي: لا يوضع شيء\n_________\n(١) البَرَدُ: حَبُّ الغمام، انظر: \"الصحاح\" (ص ٨٣).","vol":"11","page":193},{"text":"فِيمَا أُصِيبَ دُونَ ثُلُثِ رَأْسِ الْمَالِ، قَالَ يَحْيَى: وَذَلِكَ فِى سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>(٦١) بَابٌ: في مَنْعِ الْمَاءِ</span>\n٣٤٧٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبَي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ\". [خ ٢٣٥٣، م ١٥٦٦، ت ١٢٧٢، جه ٢٤٧٨، حم ٢/ ٢٤٤]\n===\nمن الثمن بدعوى الجائحة (فيما أصيب دون ثلث رأس المال، قال يحيى: وذلك) أي: الحكم (في سنَّة المسلمين) أي: طريق المسلمين في زمانه كذلك شائع فيهم.\n\n(٦١) (بَابٌ: في مَنْعِ الْمَاءِ)\n٣٤٧٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يُمنع فضلُ الماء ليمنع به الكلأ).\nقال الخطابي (١): هذا في الرجل يحفر البئر في الأرض الموات، فيملكها بالإحياء وحول البئر، وقربها (٢) موات فيه كلأ، ولا يمكن الناس أن يرعوه إلَّا بأن يبذل لهم ماءه، ولا يمنعهم أن يسقوا ماشيتهم منه، فأمره - ﷺ - أن لا يمنع فضل مائه إياهم؛ لأنه إذا فعل ذلك، وحال بينه وبينهم، فقد منع الكلأ، لأنه لا يمكن رعيه والمقام فيه مع منعه الماء، وإلى هذا ذهب في معنى (٣) الحديث\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٢٧، ١٢٨).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"أو بقربها\".\n(٣) قلت: لكن يشكل ذلك على الحنفية إذ قالوا: إن ماء البئر لا يتملك بالحفر، كما صرح به في\"البدائع\" (٥/ ٢٧٥)، و\"الهداية\" (٤/ ٣٨٨)؛ إلَّا أنه قال: إذا كان البئر في أرضه، فله المنع عن الدخول في أرضه. قلت: لكن العادة أن الماء لا يمنع منه في =","vol":"11","page":194},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nمالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد، وهو معنى قول الشافعي، والنهي في هذا عندهم على التحريم.\nوقال غيرهم: ليس النهي فيه على التحريم، لكنه من باب المعروف، فإن شح رجل على ماله (١) لم ينتزع من يده، والماء في هذا كغيره من ضروب الأموال لا يصح (٢) إلَّا بطيبة نفسه.\nوذهب قوم إلى أنه لا يجوز له منع الماء، ولكن يجب له القيمة على أصحاب المواشي، وشبهوه بمن يضطر إلى طعام رجل، فإن له أكله، وعليه أداء قيمته، ولو لزمه بذل الماء بلا قيمة للزمه بذل الكلأ إذا كان في أرضه بلا قيمة، وللزمه كذلك أن لا يمنع الماء زرع غيره إذا كان قربه زرع لرجل لا يَحيا إلَّا به.\nقال الخطابي أيضًا: وأما الماء إذا جمعه صاحبه وهو في صِهريج أو بِرْكة ونحوه، فإن له أن يمنعه، وهو شيء قد حازه على سبيل الاختصاص، لا يشركه فيه غيره، وهو مخالف لماء البئر، ولا يكون له فضل في الغالب، كفضل ماء الآبار، والحديث في منع الفضل دون الأصل، معناه: ما فضل عن حاجته وحاجة عياله ومواشيه وزرعه، والله أعلم.\n_________\n= البئر لتزايد الماء فيه كل حين، كلما يؤخذ منه الماء ينبع بعد ذلك مثلها، بخلاف الكلأ، فإنه لا ينبت كل حين، فيكون المعنى لا يمنع عن الدخول في أرضه للماء ليمنع به الكلأ.\nوأوَّله شيخنا الكَنكَوهي في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣١٩) بتوجيه آخر، فقال: المنوع من الماء فضله لا كله، بخلاف الكلأ، يعني صاحب البئر مقدم في الماء، فإن فضل عن حاجته لا يمنعه غيره، لكن إن لم يفضل فله المنع، وعلى هذا فمعنى الحديث لا يقل: إن الماء ليس بفاضل عني ليمنع به الكلأ، وفي \"هامش البخاري\" عن العيني (٩/ ٥٦): قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى. (ش).\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"مائه\".\n(٢) وفي \"المعالم\": \"لا يحل\".","vol":"11","page":195},{"text":"٣٤٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، نَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ فَضْلَ مَاءٍ عِنْدَهُ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ\" - يَعْنِى كَاذِبًا - \"وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَفَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ\". [خ ٢٣٥٨، م ١٠٨، ن ٤٤٦٢، جه ٢٢٠٧، ت ١٥٩٥، حم ٢/ ٢٥٣]\n٣٤٧٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ (١)، قَالَ:\n===\n٣٤٧٤ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: رجل منع ابن السبيل فضلَ ماء عنده) أي: إذا كان عند رجل فضل ماء في الطريق، ومر عليه المسافر، وهو مضطر إلى الماء، فلا يحل له أن يمنع فضل الماء منه، فإن كان في ملكه يلزم عليه أن يعطيه بالقيمة، وإن كان مباحًا فالواجب عليه أن لا يمنعه، ولا يأخذ القيمة.\n(ورجل حلف على سلعة) أي: مال (بعد العصر، يعني كاذبًا) يعني حلف: أني اشتريته بكذا وكذا، وهو كاذب فيه، أو يقول: أعطيت كذا وكذا من الثمن، وهو كاذب.\n(ورجل بايع إمامًا) أي: إمام العامة على إطاعته (فإن أعطاه) مالًا (وفي له) أي: إن أعطى الإِمام له المال وفي له في البيعة وأطاعه (وإن لم يعطه لم يف له) أي: لا يطيعه.\n٣٤٧٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، بإسناده ومعناه، قال) جرير في حديثه بعد قوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾:\n_________\n(١) في نسخة: \"بمعناه\".","vol":"11","page":196},{"text":"﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وَقَالَ في السِّلْعَةِ: \"بِاللَّه لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ الآخَرُ وَأَخَذَهَا\" (١).\n٣٤٧٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا كَهْمَسٌ، عن سَيَّارِ بْنِ مَنْظُورٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ -، عن أَبِيهِ، عن امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: بُهَيْسَةُ، عَنْ أَبِيهَا، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ أَبِى النَّبِىَّ -ﷺ-، فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُ وَيَلْتَزِمُ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، مَا الشَّىْءُ الَّذِى لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ \"الْمَاءُ\"، قَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، مَا الشَّىْءُ الَّذِى لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ \"الْمِلْحُ\"\n===\n(﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، وقال) جرير (في السلعة: بالله لقد أعطى) بصيغة المجهول أو المعلوم (بها) أي: بعوض السلعة (كذا وكذا) من الثمن (فصدقه الآخر وأخذها) معتمدًا على حلفه الكاذب.\n٣٤٧٦ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا كهمس، عن سيار بن منظور- رجل من بني فزارة -، عن أبيه) منظور بن سيار الفزاري، (عن امرأة يقال لها: بُهيسة) بالمهملة مصغرًا، روى يسار بن منظور عن أبيه عنها. قلت: قال ابن حبان: لها صحبة، وقال ابن القطان: قال عبد الحق: مجهولة، وهي كذلك، (عن (٣) أبيها قالت: استأذن أبي النبي - ﷺ -) أن يدخل بينه وبين قميصه، فأذن له (فدخل بينه وبين قميصه، فجعل يقبل ويلتزم) حبًا وشوقًا وتبركًا.\n(ثم قال: يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء) أي: إذا لم يكن في الأواني والصهاريج والحياض، وأما إذا كان فيها، فهو مملوك له يحل منعه، ثم (قال) أي: والد بهيسة ثانيًا: (يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (الملح).\n_________\n(١) في نسخة: \"فأخذها\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ١٧٤.\n(٣) قال ابن الأثير في \"أسد الغابة\" رقم (٤٠٥٤): عمير أبو بهيسة، قال أبو عمر: زيادة الملح في هذا الحديث ليس بصحيح. (ش).","vol":"11","page":197},{"text":"قَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، مَا الشَّىْءُ الَّذِى لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: \"أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ\". [تقدَّم برقم ١٦٦٩]\n٣٤٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْجَعْدِ اللُّؤْلُؤِىُّ، نَا (١) حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ حَبَّانَ بْنِ زَيْدٍ الشَّرْعَبِىِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَرْنٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا حَرِيزُ بْنُ\n===\nقال الخطابي (٢): معناه: إذا كان في معدنه في الأرض، أو جبل غير مملوك، فإن أحدًا لا يمنع من أخذه، وأما إذا صار في حيز ملكه فهو أولى به، وله منعه وبيعه والتصرف فيه كسائر أملاكه.\nثم (قال) ثالثًا: (يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير خير لك)، لعله قال - ﷺ - ذلك بتبديل الأصول لقطع سلسلة السؤال.\n٣٤٧٧ - (حدثنا علي بن الجعد) بن عبيد الجوهري (اللؤلؤي) أبو الحسن البغدادي، مولى بني هاشم، قال ابن معين: ثقة صدوق، وقال أبو زرعة: كان صدوقًا في الحديث، وقال أبو حاتم: كان متقنًا صدوقًا، وقال صالح بن محمد: ثقة، وقال النسائي: صدوق، وقال الدارقطني: ثقة مأمون، وقال ابن قانع: ثقة ثبت.\n(نا حربز) بفتح حاء مهملة وكسر راء آخره زاء (ابن عثمان، عن حبان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة (ابن زيد الشرعبي) بفتح المعجمة ثم راء ساكنة ثم عين مفتوحة ثم موحدة مكسورة، نسبة إلى شرعب، قبيلة من حِمْيَر، أبو خداش بكسر المعجمة، الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقد تقدم أن أبا داود قال: شيوخ حريز كلهم ثقات.\n(عن رجل من قرن، ح: وحدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا حريز بن\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٢٩).","vol":"11","page":198},{"text":"عُثْمَانَ، نَا أَبُو خِدَاشٍ (١) وَهَذَا لَفْظُ عَلِىٍّ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- ثَلَاثًا أَسْمَعُهُ يَقُولُ: \"الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِى ثَلَاثٍ: فِى الْمَاءِ وَالْكَلإِ وَالنَّارِ\". [حم ٥/ ٣٦٤، ق ٦/ ١٥٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>(٦٢) بَابٌ: في بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ</span>\n٣٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، نَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nعثمان، نا أبو خداش، وهذا لفظ علي، عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي - ﷺ - قال: غزوت مع النبي - ﷺ - ثلاثًا، أسمعه يقول: المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار)، أما الماء والكلأ فقد تقدم، وأما النار فليس (٢) فيه الشركة إلَّا في الضوء، وتحصيل الشعلة واللهيب، وأما الفحم الموقدة، وكذا الروثة المشتعلة، فليس عليه أن يعطيها وجوبًا، وليس لأحد أن يأخذ منه من غير رضاه.\n\n(٦٢) (بَابٌ: في بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ)\n٣٤٧٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، عن إياس بن عبد) أبو عوف المزني، قال البخاري وابن حبان: له صحبة، روى له أصحاب \"السنن\"، وأحمد حديثًا في بيع الماء، قال البغوي وابن السكن: لم يرو غيره، وهو جد عبد الله بن الوليد بن عبد الله بن معقل بن مقرن لأمه، وقال الأزدي وابن عبد البر: تفرد بالرواية عنه عبد الرحمن بن مطعم (أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"خراش\".\n(٢) صرح بذلك في \"البدائع\" (٥/ ٢٨١). (ش).","vol":"11","page":199},{"text":"نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ. [ت ١٢٧١، ن ٤٦٦١، جه ٢٤٧٦، حم ٣/ ٤١٧، دي ٢٦١٢، ق ٦/ ١٥، ك ٢/ ٦١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>(٦٣) بَابٌ في ثَمَنِ السنَّورِ</span>\n٣٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ. (ح): وَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ قَالَا: ثنَا عِيسَى- وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَخْبَرَنَا- عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي سُفْيَانَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عن ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ. [ت ١٢٧٩، ق ٦/ ١١، ك ٢/ ٣٤، قط ٣/ ٧٢]\n===\nنهى عن بيع فضل الماء) وقد تقدم ما يتعلق بهذا الحديث قريبًا.\n\n(٦٣) (بَابٌ: في ثَمَنِ السِّنَّوْرِ) (١)\n٣٤٧٩ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، ح: ونا الربيع بن نافع أبو توبة وعلي بن بحر قالا) أي: الربيع بن نافع وعلي بن بحر: (ثنا عيسى) بلفظ التحديث (وقال إبراهيم: أخبرنا) أي: بلفظ الإخبار، (عن الأعمش) أي: روى عيسى عن الأعمش، (عن أبي سفيان) طلحة بن نافع، (عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب والسنور).\nهذا الحديث أخرجه الترمذي ثم قال (٢): هذا حديث في إسناده اضطراب، وقد رُوي هذا الحديث عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في هذا الحديث،\nأما النهي عن ثمن الكلب فيجيء بحثه في الباب الآتي. وأما النهي عن\n_________\n(١) وحكى الشوكاني (٣/ ٥١٣) جوازه عن الجمهور، والحرمة عن أصحاب الحديث. وقال ابن رشد (٢/ ١٢٧): النهي ثابت لكن الجمهور على الجواز. (ش).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٥٧٧).","vol":"11","page":200},{"text":"٣٤٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا عُمَرُ بْنُ زيدٍ الصَّنْعَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْهِرَّةِ. [ت ١٢٨٠، جه ٣٢٥٠، ق ٦/ ١١، قط ٣/ ٧٣]\n===\nثمن السنور، فقال الخطابي (١): النهي عن بيع السنور متأول على أنه إنما كره من أجل أحد معنيين: إما أنه كالوحشي الذي لا يملك قياده، ولا يكاد يصحح (٢) التسليم فيه، وذلك لأنه ينتاب الناس في دورهم، ويطوف عليهم فيها، ثم ينقطع عنهم، وليس كالدواب التي تربط على الدواري (٣)، ولا كالطير التي تحبس في الأقفاص، وقد يتوحش بعد الأنوسة، ويتأبد حتى لا يقرب ولا يقدر عليه، وإن صاد المشتري له إلى أن يحبسه في بيته أو يشده في خيط أو سلسلة لم ينتفع به.\nوالمعنى الآخر: أن يكون إنما نهى عن بيعه؛ لئلا يتمانع الناس وليتعاوروا ما يكون منه في دورهم، ويرتفقوا به ما أقام عندهم، ولا يتنازعوا إذا انتقل عنهم إلى غيرهم تنازع الملَّاك في النفيس من الأعلاق، وقيل: إنما نهى عن بيع الوحشي منه دون الإنسي.\nوممن أجاز بيع السنور ابن عباس، وإليه ذهب الحسن البصري وابن سيرين والحكم وحماد، وبه قال مالك بن أنس وسفيان الثوري وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وكره بيعه أبو هريرة وجابر وطاوس ومجاهد.\n٣٤٨٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا عمر بن زيد الصنعاني) قال ابن حبان: يتفرد بالمناكير عن المشاهير حتى خرج عن حد الاحتجاج به، له عندهم حديث واحد في النهي عن أكل ثمن الهر، قال البخاري في \"تاريخه\" بعد أن أخرج له حديث المذكور: فيه نظر، قال أبو نعيم: لا شيء، (أنه سمع أبا الزبير، عن جابر: أن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن الهرة).\n_________\n(١) \"معالم \"السنن\" (٣/ ١٣٠).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"لا يصح التسليم\".\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\" بدله: \"الأوادي\"، أي: المذاود التي توجع إليها وتؤود.","vol":"11","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1352>(٦٤) بَابٌ: في أَثْمَانِ الْكِلَابِ</span>\n٣٤٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي مَسْعُودٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنَّهُ نَهَى عن ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. [خ ٢٢٨٢، م ١٥٦٧، ت ١٢٧٦، ن ٤٦٦٦، جه ٢١٥٩، حم ٤/ ١١٨]\n===\nقال المنذري (١): أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: غريب، وقال النسائي: هذا منكر، انتهى. وفي إسناده عمر بن زيد الصنعاني، قال ابن حبان: يتفرد بالمناكير عن المشاهير، حتى خرج عن حد الاحتجاج به.\nوقال الخطابي (٢): وقد تكلم بعض العلماء في إسناد هذا الحديث، وقد زعم أنه غير ثابت عن النبي - ﷺ -، وقال أبو عمر بن عبد البر: حديث \"بيع السنور\" لا يثبت رفعه، هذا آخر كلامه، وقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٣) من حديث معقل وهو ابن عبد الله الجزري عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنور، قال: زجر النبي - ﷺ - عن ذلك.\n\n(٦٤) (بَابٌ: في أَثْمَانِ الْكِلَابِ وَحَلْوَانِ الْكَاهِنِ)\n٣٤٨١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا سفيان، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي مسعود، عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي) أي: أجرة الزانية، (وحُلوان الكاهن (٤» - بضم الحاء المهملة وسكون اللام-: ما يعطاه على كهانته، قال الهروي: أصله من الحلاوة،\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ١٢٥).\n(٢) \"معالم السنن مع مختصر المنذري\" (٣/ ٣١٥).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٥٦٩).\n(٤) اختلف في الكاهن: هل هو الساحر أو غيره؟ بسطه الشامي (٦/ ٣٦٨)، وبسط الكلام على حكمه من القتل وغيره، وسيأتي في \"باب في الكهان\" من كتاب الطب. (ش).","vol":"11","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nشبه المعطى بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلًا بلا كلفة ومشقة، والكاهن هو الذي يتعاطى الأخبار عن الكائنات في المستقبل، ويدعي معرفة الأسرار.\nقال الخطابي (١): وقد اختلف الناس في جواز بيع الكلب، فروي عن أبي هريرة أنه قال: من السحت، وروي تحريمه عن الحسن والحكم وحماد، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أصحاب الرأي: بيع الكلب جائز.\nوقال قوم (٢): ما أبيح اقتناؤه من الكلاب فبيعه جائز، وما حرم بيعه (٣) منها فبيعه محرم، يحكى ذلك عن عطاء والنخعي، وقد حكينا عن مالك أنه كان يحرم ثمن الكلب، ويوجب فيه القيمة لصاحبه على من أتلفه، وذلك لأنه أبطل عليه منفعته، وشبهوه بأم الولد، لا يحل ثمنها، وفيه (٤) القيمة على من أتلفها.\nوقال القاري (٥): النهي محمول عندنا على ما كان في زمنه - ﷺ - حين أمر بقتله، وكان الانتفاع به يومئذ محرمًا، ثم رخص في الانتفاع به، حتى روي أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهمًا، وقضى في كل ماشية بكبش، ذكره ابن الملك.\nوقال الطيبي: الجمهور على أنه لا يصح بيعه، وأن لا قيمة على متلفه، سواء كان معلمًا أو لا، وسواء كان يجوز اقتناؤه أم لا، وأجاز أبو حنيفة بيع\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٢).\n(٢) حكاه ابن رشد (٢/ ١٢٦، ١٢٧) عن مالك، وتقدم بعض المذاهب في \"باب كسب الحجام\". (ش).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"وما حرم اقتناؤه\".\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"وفيها القيمة\" ... إلخ.\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٦، ١٧).","vol":"11","page":203},{"text":"٣٤٨٢ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، ثنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو -، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَإِنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلأْ كَفَّهُ تُرَابًا. [حم ١/ ٢٧٨، ق ٦/ ٦]\n٣٤٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، أَنَّ أَبَاهُ قَال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ. [خ ٢٠٨٣، حم ٤/ ٣٠٨]\n===\nالكلب الذي فيه منفعة، وأوجب القيمة على متلفه، وعن مالك - ﵀ - روايات، الأولى: لا يجوز البيع وتجب القيمة، والثانية: كقول أبي حنيفة - ﵀ -، والثالثة: كقول الجمهور.\n٣٤٨٢ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، ثنا عبيد الله - يعني ابن عمرو-، عن عبد الكريم، عن قيس بن حبتر) بمهملة وموحدة ومثناة، وزن جعفر، التميمي، ويقال: الربعي الكوفي، سكن الجزيرة، قال أبو زرعة والنسائي: ثقة، روى له أبو داود حديثين: أحدهما: في الأسقية، والآخر: في النهي عن ثمن الخمر وغيره، قال ابن حزم: مجهول، وهو نهشلي من بني تميم، (عن عبد الله بن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب، وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كله ترابًا).\nقال الخطابي (١): ومعنى التراب ها هنا الحرمان والخيبة، كما يقال: ليس في كفه إلَّا التراب، وكقوله - ﷺ -: \"وللعاهر الحجر\"، يريد الخيبة إذ لاحظ له في الولد، وقد سبق البحث في المسألة قريبًا.\n٣٤٨٣ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، أخبرني عون بن أبو جحيفة، أن أباه قال: إن رسول الله - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب).\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣١).","vol":"11","page":204},{"text":"٣٤٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا (١) ابْنُ وَهْبٍ قال: حَدَّثَنِى مَعْرُوفُ بْنُ سُوَيْدٍ الْجُذَامِىُّ،أَنَّ (٢) عَلَىَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِىَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَلَا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَلَا مَهْرُ الْبَغِىِّ\". [ن ٤٢٩٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>(٦٥) بَابٌ: في ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ</span>\n٣٤٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، عن (٣) مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عن عَبْدِ الْوَهَّاب بْنِ بُخْتٍ، عن أَبِي الزنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الَلَّه - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الله حَرَّمَ الْخَمْرَ\n===\n٣٤٨٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب قال: حدثني معروف بن سويد الجذامي) أبو سلمة المصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (أن علي بن رباح اللخمي حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي).\n\n(٦٥) (بَابٌ: في ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ)\n٣٤٨٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، عن عبد الوهاب بن بخت) - بضم الموحدة وسكون المعجمة بعدها مثناة- الأموي، مولى آل مروان أبو عبيدة، ويقال: أبو بكر المكي، سكن الشام ثم المدينة، قال ابن معين: قد سمع منه مالك، وكان ثقة، وقال أبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح لا بأس به، (عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله حرم الخمر\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"عن\".\n(٣) في نسخة: \"حدثنا\".","vol":"11","page":205},{"text":"وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ\". [قط ٣/ ٧، حلية ٨/ ٣٢٧]\n٣٤٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: \"إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ\"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ\n===\nوثمنها، وحرم الميتة (١) وثمنها، وحرم الخنزير (٢) وثمنه).\nقال الخطابي (٣): فيه دليل على فساد بيع السرقين، وبيع كل نجس العين، وفيه دليل على أن بيع شعر الخنزير لا يجوز، واختلفوا في جواز الانتفاع به، فكره طائفة ذلك، وممن منع منه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق، ورخص فيه الحسن والأوزاعي وأصحابنا (٤) وأصحاب الرأي.\n٣٤٨٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (٥)، فقيل: يا رسول الله، أرأيت (٦) شحوم\n_________\n(١) واختلف من أجزائها ما لا يدخلها الموت، كالظفر والسن، فيجوز عندنا ومالك، خلافًا للشافعي وأحمد، كذا في \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٦٩). (ش).\n(٢) قال النووي (٦/ ١١): أجمع المسلمون على منع بيع كل واحد منهما. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٣).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\" (٣/ ١٣٣): \"ومالك\".\n(٥) قال النووي (٦/ ١١): العلة فيه عدم الانتفاع، فإن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع، ففيه خلاف لأصحابنا ... إلخ. وقال القسطلاني (٥/ ٢٢١): فلو كسرت جاز بيعها عند الشافعية وبعض الحنفية. انتهى. (ش).\n(٦) وكذلك لا يجوز بيعه عندنا، صرَح به الشامي. [انظر: \"ردّ المحتار\" (٧/ ٢٦٦)]. (ش).","vol":"11","page":206},{"text":"الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: \"لَا هُوَ حَرَامٌ\"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ ذَلِكَ: \"قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ تعالي لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ\". [خ ٢٢٣٦، م ١٥٨١، ت ١٢٩٧، ن ٤٦٦٩، جه ٢١٦٧، حم ٣/ ٣٢٤]\n٣٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ، لَمْ يَقُلْ \"هُوَ حَرَامٌ\". [حم ٣/ ٣٢٦]\n===\nالميتة، فإنه يُطلى بها السفنُ، ويُدهَن بها الجلودُ، ويستصبح) أي: يوقدون المصابيح (بها الناس) فهي يحتاج إليها؟\n(فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لا) أي: لا يجوز استعمالها (١) (هو حرام) أي: استعمالها (ثم قال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: قاتل الله اليهود) أي: أهلكهم، (إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها) أي: أكل شحومها (أجملوه) أي: أذابوه حتى يصير ودكًا، فيزول عنه اسم الشحم (ثم باعوه فأكلوا ثمنه).\nقال الخطابي (٢): وفي هذا بطلان كل حيلة يحتال بها للتوصل إلى محرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغيير هيئته وتبديل اسمه، وفيه دليل على جواز الاستصباح بزيت نجس، وأن بيعه لا يجوز.\n٣٤٨٧ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب قال: كتب الي عطاء عن جابر نحوه، ولم يقل هو حرام) يعني اقتصر على لفظ \"لا\"، ولم يقل: \"هو حرام\".\n_________\n(١) عند الجمهور، وقال النووي (٦/ ١٠): الصحيح عندنا جواز الانتفاع بغير البيع ... إلخ. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٣).","vol":"11","page":207},{"text":"٣٤٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ بِشْرَ بْنَ الْمُفَضَّلِ وَخَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَاهُمُ، الْمَعْنَى، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ (١)، - قَالَ مُسَدَّدٌ (٢) فِى حَدِيثِه: خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بَرَكَةَ أَبِى الْوَلِيدِ، ثُمَّ اتَّفَقَا -، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ، قَالَ: فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَضَحِكَ فَقَالَ: \"لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ\"، ثَلَاثًا، \"إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ (٣) اللَّهَ تعالي إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَىْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ\"، وَلَمْ يَقُلْ فِى حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٤): \"رَأَيْتُ\"، وَقَالَ \"قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ\" [حم ١/ ٢٤٧، ق ٦/ ١٣، قط ٣/ ٧]\n===\n٣٤٨٨ - (حدثنا مسدد، أن بشر بن المفضل وخالد بن عبد الله حدثاهم، المعنى) أي: معنى حديثهما واحد، (عن خالد الحذاء، قال مسدد في حديثه: خالد بن عبد الله، عن بركة أبي الوليد)، وكان في حديث بشر بن المفضل \"عن بركة\" فقط. (ثم اتفقا، عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله - ﷺ - جالسًا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: لعن الله اليهود، ثلاثًا، إن الله تعالى حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء) أي: لأجل (٥) نجاسة ذاتها (حرم عليهم ثمنه) وأما إذا حرم لأجل الضرر فيه لم يحرم الثمن.\n(ولم يقل) مسدد (في حديث خالد بن عبد الله: رأيت)، لعل المراد تمام العبارة: أي رأيت رسول الله - ﷺ -، لا لفظ \"رأيت\" فقط (وقال) مسدد في حديث خالد بن عبد الله: (قاتل الله اليهود)، وكان في حديث بشر: \"لعن الله اليهود\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن بركة\".\n(٢) في نسخة: \"قال مسدد: قال في حديث\".\n(٣) في نسخة: \"فإن\".\n(٤) زاد في نسخة: \"الطحان\".\n(٥) وبذلك جزم ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٦٢) من أن المراد حرمة العين، ويشكل عليه ما في \"البخاري\" (٢٢٢١) في \"إهاب الميتة\": \"إنما حرُم أكلُها\". (ش).","vol":"11","page":208},{"text":"٣٤٨٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ وَوَكِيعٌ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجَعْفَرِىِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ بَيَانٍ التَّغْلِبِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ\". [قط ٢/ ١٥٥، ق ٦/ ١٢]\n٣٤٩٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتِ الآيَاتُ الأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا\n===\n٣٤٨٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن إدريس ووكيع، عن طعمة ابن عمرو الجعفري) العامري الكوفي، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به، وذكره ابن حبان، في \"الثقات\"، (عن عمر بن بيان التغلبي) الكوفي، قال أبو حاتم: معروف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: من باع الخمر فليشقص الخنازير).\nقال الخطابي (١): معناه: فليستحل أكلها، والتشقيص يكون على وجهين: أحدهما: أن يذبح بالمشقص، وهو نصل عريض، والوجه الآخر: أن يجعلها أشقاصًا وأعضاء بعد ذبحها، كما تفصل أعضاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل، ومعنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه، يقول: من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنزير، فإنهما في الحرمة والإثم سواء، أي: إذا كنت لا تستحل أكل الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر (٢).\n٣٤٩٠ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات الأواخر من سورة البقرة) أي: التي فيها حرمة الربا (خرج رسول الله - ﷺ - فقرأهن) أي: آيات البقرة (علينا،\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٤).\n(٢) في الأصل: \"الخنزير\"، والتصحيح من \"المعالم\".","vol":"11","page":209},{"text":"وَقَالَ: \"حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِى الْخَمْرِ\". [خ ٤٥٤١، م ١٥٨٠، ن ٤٦٦٥، جه ٣٣٨٢، حم ٦/ ٤٦]\n٣٤٩١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: الآيَاتُ الأَوَاخِرُ فِى الرِّبَا. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>(٦٦) بَابٌ: في بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى</span>\n٣٤٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ (١)\n===\nوقال: حرمت التجارة في الخمر).\nقال النووي (٢): قال القاضي وغيره: تحريم الخمر هو في سورة المائدة، وهي نزلت قبل آية الربا بمدة طويلة، فإن آية الربا آخر ما نزل، أو من آخر ما نزل، فيحتمل أن يكون هذا النهي عن التجارة متأخرًا عن تحريمها، ويحتمل أنه أخبر بتحريم التجارة حين حرمت الخمر، ثم أخبر به مرة أخرى بعد نزول آية الربا توكيدًا ومبالغةً في إشاعته، ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغه تحريم التجارة فيها قبل ذلك.\n٣٤٩١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن الأعمش، بإسناده) أي: بإسناد الحديث المتقدم (ومعناه) أي: معنى الحديث المتقدم (قال: الآيات الأواخر في الربا).\n\n(٦٦) (بابٌ: في بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى)، أي: يقبض\n٣٤٩٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: من ابتاع) أي: اشترى (طعامًا فلا يبعه\n_________\n(١) في نسخة: \"فلا يبيعه\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٨).","vol":"11","page":210},{"text":"حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ\". [خ ٢١٢٦، م ١٥٢٦، ن ٤٥٩٥، جه ٢٢٢٦، حم ١/ ٥٦]\n٣٤٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: \"كُنَّا فِى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى ابْتَعْنَاهُ فِيهِ، إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ - يَعْنِي (١) - جِزَافًا. [م ١٥٢٧، ن ٤٦٠٥، وانظر: خ ٢١٢٣]\n===\nحتى يستوفيه) أي: يقبضه.\nقال الخطابي (٢): أجمع أهل العلم على أن الطعام لا يجوز بيعه قبل القبض، واختلفوا فيما عداه من الأشياء، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما عدا الطعام بمنزلة الطعام إلَّا الدور والأراضي، فإن بيعها قبل قبضها جائز، وقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الطعام وغير الطعام من السلع والدور والعقار سواء، لا يجوز بيع شيء منها حتى يقبض، وهو قول ابن عباس، وقال مالك بن أنس: ما عدا المأكول والمشروب جائز أن يباع قبل أن يقبض، وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق: يجوز بيع كل شيء منها خلا المكيل والموزون، روي ذلك عن ابن المسيب والحسن البصري والحكم وحماد، انتهى.\n٣٤٩٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: كنا في زمان رسول الله - ﷺ - نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه) أي: اشترينا الطعام (فيه) أي: في المكان (إلي مكان سواه قبل أن نبيعه يعني جزافًا).\nقال الخطابي (٣): القبوض تختلف في الأشياء حسب اختلافها في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"نشتريه\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٥).\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٦، ١٣٧).","vol":"11","page":211},{"text":"٣٤٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، نَا يَحْيَى، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي\n===\nأنفسها، فمنها: ما يكون بأن يوضع المبيع في يد صاحبه، ومنها: ما يكون بالتخلية بينه وبين المشتري، ومنها: ما يكون بالنقل من موضعه، ومنها: ما يكون بأن يكتال وذلك فيما بيع من المكيل كيلًا.\nفأما ما يباع منه جُزافًا صُبرة مصبوبة (١) على الأرض، فالقبض أن ينقل ويحول من مكانه، فإن ابتاع طعامًا كيلًا، ثم أراد أن يبيعه بالكيل الأول لم يجز حتى يكيله على المشتري ثانيًا، وذلك لما روي عن النبي - ﷺ -: \"أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري\".\nوممن قال: إنه لا يجوز بيعه بالكيل الأول حتى يكال ثانيًا أبو حنيفة وصاحباه، والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الحسن البصري وابن سيرين والشعبي، وقال مالك: إذا باعه نسيئةً فهو المكروه، وأما إذا باعه نقدًا فلا بأس أن يبيعه بالكيل الأول، وروي عن عطاء: أنه أجاز بيعة نسيئة كان أو نقدًا، انتهى.\nقلت: وإنما قيَّده بكونه جُزافًا؛ لأن البيع إذا كان كيلًا أو وزنًا، فكاله البائع أو وزنه بمحضر من المشتري، أو وكيله، أو اكتاله المشتري بمحضر من البائع، أو وكيله لا يحتاج إلى النقلة، بل الكيل والاكتيال كافٍ للقبض، فيجوز للمشتري بيعه من غير أن ينقله إلى مكان آخر، فقوله: \"جُزافًا\" قيد لقوله: \"نبتاع الطعام\"، أو لقوله: \"ابتعناه فيه\".\n٣٤٩٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى، عن عبد الله (٢) قال: أخبرني\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\" (٣/ ١٣٦): \"مصمومة\".\n(٢) كذا في الأصل، وكذا في أكثر النسخ المطبوعة لـ \"سنن أبي داود\"، وهو خطأ، والصواب: \"عبيد الله\" كما في \"صحيح البخاري\" (٢١٦٧)، و\"مسند أحمد\" (٢/ ١٥)، و\"تحفة الأشراف\" رقم (٨١٥٤).","vol":"11","page":212},{"text":"نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ (١) الطَّعَامَ جِزَافًا بِأَعْلَى السُّوقِ، فَنَهَى رَسولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعُوهُ (٢) حَتَّى يَنْقُلُوهُ. [خ ٢١٦٧، م ١٥٢٧، ن ٤٦٠٦]\n٣٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، نَا عَمْرٌو، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عُبَيْدٍ الْمَدِينِىِّ، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. [ن ٤٦٠٤]\n٣٤٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِى شَيْبَةَ قَالَا، نَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ (٣) حَتَّى يَكْتَالَهُ\". زَادَ أَبُو بَكْرٍ بَكْرٍ:\n===\nنافع، عن ابن عمر قال: كانوا يبتاعون الطعام جزافًا) بدون قيل ووزن (بأعلى السوق، فنهى رسول الله - ﷺ - أن يبيعوه) أي: الطعام (حتى ينقلوه).\n٣٤٩٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، نا عمرو) بن الحارث، (عن المنذر بن عبيد المديني)، وفي \"تهذيب التهذيب\" (٤): المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: مجهول الحال، (أن القاسم بن محمد حدثه، أن عبد الله بن عمر حدثه: أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يبيع أحد طعامًاا شتراه بكيل) يعني اشتراه مكايلة (حتى يستوفيه) أي: يقبضه.\n٣٤٩٦ - (حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: نا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله) أي: يأخذه بالكيل (زاد أبو بكر\n_________\n(١) في نسخة: \"يتبايعون\".\n(٢) في نسخة: \"أن يبيعونه حتى ينقلونه\".\n(٣) في نسخة: \"فلا يبيعه\".\n(٤) \"تهذيب \"التهذيب\" (١٠/ ٣٠٢).","vol":"11","page":213},{"text":"قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يبتاعون (١) بِالذَّهَبِ وَالطَّعَامُ مُرَجًّى. [خ ٢١٣٥، م ١٥٢٥، ت ١٢٩١، ن ٤٥٩٧، جه ٢٢٢٧، حم ١/ ٢١٥]\n٣٤٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا، نَا حَمَّادٌ،\n===\nقال) أي طاوس: (قلت لابن عباس: لم؟) أي: لم لا يبيعه حتى يكتاله (قال) ابن عباس: (ألا ترى أنهم يبتاعون بالذهب والطعام مرجًّى).\nقال الخطابي (٢): قوله: \"والطعام مرجى\" أي: مؤجل، وكل شيء أخَّرته فقد أرجيته، يقال: أرجأت الشيء ورَجَّيته، أي: أخَّرته، وقد يتكلم به مهموزًا وغير مهموز.\nوليس هذا من باب الطعام الحاضر، ولكنه من باب السلف، وذلك مثل أن يشتري منه طعامًا بدينار إلى أجل، فيبيعه قبل أن يقبضه منه بدينارين، وهو غير جائز؛ لأن في التقدير بيع ذهب بذهب، والطعام مؤجل غائب غير حاضر، وإنما صار ذلك بيع ذهب بذهب على معناه، لأن المتسلف (٣) إذا باع الطعام الذي لم يقبضه، وأخذ منه ذهبًا، فإن البيع لا يصح فيه إذا كان الطعام الذي باعه منه مرجًى مضمونًا على غيره، وإنما يقابل الذهبان في النقدية (٤)، فكأنه باعه الدينار الذي أسلفه في الطعام بديناين، وهو فاسد من وجهين: أحدهما: لأنه دينار بدينارين، والآخر: لأنه ناجز بغائب في بيع سبيله سبيل المضاربة (٥).\n٣٤٩٧ - (حدثنا مسدد وسليمان بن حرب قالا: نا حماد)\n_________\n(١) في نسخة: \"يتبايعون\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٧، ١٣٨).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"المسلف\".\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"التقدير\".\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"المصارفة\".","vol":"11","page":214},{"text":"وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ - وَهَذَا لَفْظُ مُسَدَّدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ- \"إِذَا اشْتَرَى أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ (٢) حَتَّى يَقْبِضَهُ\".\nقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: \"حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ\"، زَادَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ أَنَّ كُلَّ شَىْءٍ مِثْلُ الطَّعَامِ. [انظر سابقه]\n٣٤٩٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّاسَ يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اشْتَرَوُا الطَّعَامَ جُزَافًا أَنْ يَبِيعُوهُ (٣) حَتَّى يُبْلِغَهُ إِلَى رَحْلِهِ. [خ ٢١٣١، م ١٥٢٧، ن ٤٦٠٨]\n===\n\"ح\": (ونا مسدد، نا أبو عوانة، وهذا) أي: المذكور (لفظ مسدد) لا لفظ سليمان بن حرب، (عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا اشترى أحدكم طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه، قال سليمان بن حرب: حتى يستوفيه، زاد مسدد: قال: وقال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثل الطعام) في عدم جواز بيعه قبل القبض، وهذا من اجتهاده.\n٣٤٩٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: رأيت الناس يضربون على عهد رسول الله - ﷺ -) قال في \"مرقاة الصعود\": هذا أصل في ضرب المحتسب أهل السوق إذا خالفوا الحكم الشرعي في مبايعاتهم (إذا اشتروا الطعام جزافًا) أي: مجهول القدر من الكيل والوزن (أن يبيعوه حتى يبلغه إلى رحله) وإنما قيد بتبليغه إلى رحله تأكيدًا وتحقيقًا للقبض، وإلا فلا يلزم تبليغه إلى الرحل، بل انتقال من مكان إلى آخر كاف في ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"فلا يبيعه\".\n(٣) في نسخة: \"لا يبيعه\".","vol":"11","page":215},{"text":"٣٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِىُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِىُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ابْتَعْتُ زَيْتًا فِى السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ (١)\nلَقِيَنِى رَجُلٌ فَأَعْطَانِى بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِى بِذِرَاعِى، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ (٢) حَيْثُ تُبْتَاعُ، حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ. [قط ٣/ ١٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>(٦٧) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَقُولُ عِنْدَ البَيْعِ: \"لَا خِلَابَة</span>\"\n===\n٣٤٩٩ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا أحمد بن خالد الوهبي، نا محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن عبيد بن حنين، عن ابن عمر قال: ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبته) أي: البيع (لقيني رجل، فأعطاني به) أي: بالزيت (ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده) أي: أقطع له البيع وأعقده؛ لأن الضرب على اليد كناية عن عقد البيع؛ لأنهم كانوا إذا يعقدون البيع يضربون أيديهم على أيدي المشترين\n(فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت فإذا زيد بن ثابت، فقال) أي زيد: (لا تبعه حيث) أي. في مكانه (ابتعته حتى تحوزه) أي: تحرزه (إلى رحلك، فإن رسول الله - ﷺ - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار) أي: بعد الشراء (إلي رحالهم).\n\n(٦٧) (بابٌ: في الرَّجُلِ (٣) يقول عِنْدَ الْبَيْعِ: \"لَا خِلَابَةَ\")\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لنفسي\".\n(٢) في نسخة: \"السامة\".\n(٣) وفي قصته خلافيتان: إحداهما الخيار بالغبن، والثانية: الحجر على السفيه، كما ستأتيان، إلَّا أن بعض الروايات يتضمن واحدة دون الأخرى. انتهى. (ش).","vol":"11","page":216},{"text":"٣٥٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ يُخْدَعُ فِى الْبَيْعِ (١)، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ\"،\n===\n٣٥٠٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رجلًا) وهو حبان (٢) بن منقذ (ذكر لرسول الله - ﷺ - أنه يُخدع في البيع، فقال له رسول الله - ﷺ -: إذا بايعت فقل: لا خلابة) بكسر المعجمة وتخفيف اللام، أي: لا خديعة.\nذهب الشافعية والحنفية إلى أن الغبن غير لازم فلا خيار للمغبون، سواء قَلَّ الغبن أو كثر، وأجابوا عن الحديث: بأنها واقعة وحكاية حال. قال ابن العربي (٣): إنه كله مخصوص بصاحبه لا يتعدى إلى غيره.\nقال الخطابي (٤): واختلف الناس في تأويل هذا الحديث، فقال بعضهم: إنه خاص في أمر حبان بن منقذ، وأن النبي - ﷺ - جعل هذا القول شرطًا له في بيوعه، فيكون له الرد به إذا تبين الغبن في صفقته، فكان سبيله سبيل من باع أو اشترى على شرط الخيار، وقال غيره: الخبر على عمومه في حبان وغيره.\nوقال مالك في بيع المغابنة: إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة كان له فيه الخيار. وقال أحمد في بيع المسترسل: يكره غبنه، وعلى صاحب السلعة أن يستقصي له، وقد حكي عنه أنه قال: إذا بايعه فقال: \"لا خلابة\"، فله الرد،\n_________\n(١) في نسخة: \"البيوع\".\n(٢) بسط الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٥٢، ٥٣): الكلام على اسمه، وأن القصة له أو لأبيه. (ش).\n(٣) \"عارضة الأحوذي\" (٦/ ٨)، وبه يرى محمد في \"موطئه\" (٣/ ٢٤٨)، وقال ابن رشد في \"مقدماته\" (٣/ ٢٢٤): يحتمل هذا، ويحتمل أن يكون في الحديث خيار ثلاثة أيام. (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٨، ١٣٩).","vol":"11","page":217},{"text":"فَكَانَ (١) الرَّجُلُ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِلَابَةَ. [خ ٢١١٧، م ١٥٣٣، ن ٤٤٨٤]\n٣٥٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُزْدِىُّ (٢) وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْكَلْبِىُّ أَبُو ثَوْرٍ، الْمَعْنَى، قَالَا نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - قَالَ مُحَمَّدٌ: عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ - قال، أَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَبْتَاعُ وَفِى عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، فَأَتَى أَهْلُهُ نَبِىَّ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا: يَا نَبِىَّ اللَّهِ (٣)، احْجُرْ عَلَى فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَبْتَاعُ\n===\nوقال أبو ثور: البيع إذا غبن في أحد البيعين (٤) غبنًا لا يتغابن الناس فيهما بينهم بمثله [فهو] فاسد، كان المتبايعان جائزي (٥) الأمر أو محجورًا عليهما، وقال أكثر الفقهاء: إذا تصادر المتبايعان عن رضًى، وكانا عاقلين غير محجورين، فغبن أحدهما لا يرجع فيه.\n(فكان الرجل إذا بايع يقول: لا خلابة).\n٣٥٠١ - (حدثنا محمد بن عبد الله الأزدي وإبراهيم بن خالد الكلبي أبو ثور المعنى) أي: معنى حديثهما واحد، (قالا: نا عبد الوهاب، قال محمد) بن عبد الله شيخ المصنف: (عبد الوهاب بن عطاء) أي: زاد بعد قوله: عبد الوهاب: لفظ \"ابن عطاء\" ولم يزده إبراهيم بن خالد (قال: أنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن رجلًا) وهو حبان (٦) بن منقذ (على عهد رسول الله - ﷺ - كان يبتاع) أي: يَتَّجر (وفي عقدته ضعف) أي: كان ضعيف العقل، فيخدع في بيوعه.\n(فأتى أهلُه نبي الله - ﷺ -، فقالوا: يا نبي الله! احجر على فلان فإنه يبتاع\n_________\n(١) في نسخة: \"وَكَانَ\".\n(٢) في نسخة: \"الأرزي\".\n(٣) في نسخة: \"يا رسول الله\".\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"المتبايعين\".\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"خابري\".\n(٦) أو منقذ بسطه في \"التعليق الممجد\" (٣/ ٢٤٧)، ورجح ابن الهمام (٦/ ٢٧٨) أن القصة لحبان. (ش).","vol":"11","page":218},{"text":"وَفِى عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، فَدَعَاهُ النَّبِىُّ -ﷺ- فَنَهَاهُ عَنِ الْبَيْعِ، فَقَالَ: يَا رسول اللَّهِ، إِنِّى لَا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ، فَقَالَ (١) -ﷺ-: \"إِنْ كُنْتَ غَيْرَ تَارِكٍ الْبَيْعَ، فَقُلْ: هَاءَ وَهَاءَ وَلَا خِلَابَةَ\". قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَنْ سَعِيدٍ. [ت ١٢٥٠، ن ٤٤٨٥، جه ٢٣٥٤، حم ٣/ ٢١٧، ق ٦/ ٦٢، ك ٤/ ١٠١]\n===\nوفي عقدته ضعف) فيفسد ماله (فدعاه النبي - ﷺ - فنهاه عن البيع) بطريق المشورة (فقال: يا رسول الله! إني لا أصبر عن البيع، فقال - ﷺ -) أي له: (إن كنت غير تارك البيع فقل: هاء وهاء ولا خلابة) أي: لا خديعة، فيكون لك خيارًا في الرد إذا كنت مغبونًا (قال أبو ثور: عن سعيد) أي: بطريق عن، وأما محمد بن عبد الله فقال: أنا سعيد.\nقال الخطابي (٢): ويستدل (٣) بهذا الحديث من يرى أن الكبير لا يحجر عليه، قال: ولو كان على الحجر سبيل لحجر عليه النبي - ﷺ - ولأمره أن لا يبايع، ولم يقتصر على قوله: \"لا خلابة\". قال الشيخ: والحجر على الكبير إذا كان سفيهًا مفسدًا لماله واجب كهو على الصغير، وهذا الحديث إنما جاء في قصة حبان بن منقذ، ولم يذكر صفة سفهٍ ولا إتلافًا لماله، وإنما جاء \"أنه كان يخدع بالبيع\"، وليس كل من غبن في شيء يجب أن يحجر عليه، وللحجر حد، فإذا لم يبلغ ذلك الحد لم يستحق الحجر.\nقلت: وعند الحنفية في المسألة اختلاف بين الإِمام وصاحبيه. فعند أبي حنيفة: الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة ما لها رابع: المجنون، والصّبا، والرق، وهو قول زفر، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وعامة أهل المعلم - رحمهم تعالي -: والسفه، والتبذير، ومطل الغني، وركوب الدين، وخوف ضياع المال بالتجارة، والتلجئة، والإقرار لغير الغرماء من أسباب الحجر أيضًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٨).\n(٣) كما استدل به في \"منتقى النيل\" (٣/ ٥٥٩)، وأجاب عنه من لم يقل به: بأنه ﵊ لم يحجر عليه. (ش).","vol":"11","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1356>(٦٨) بَابٌ: في الْعُرْبَانِ</span>\n٣٥٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ،\n===\nفيجري عندهم في السفيه المفسد للمال بالصرف إلى الوجوه الباطلة، وفي المبذر الذي يُسرف في النفقة ويغبن في التجارات، وفيمن يمتنع عن قضاء الدين مع القدرة عليه إذا ظهر مطله عند القاضي وطلب الغرماء عند (١) القاضي أن يبيع عليه ماله ويقضي به دينه، وفيمن ركبته الديون وله مال، فخاف الغرماء ضياع أمواله بالتجارة، فرفعوا الأمر إلى القاضي، وطلبوا منه أن يحجر عليه، أو خافوا أن يلجئ أمواله، فطلبوا من القاضي أن يحجره عن الإقرار إلَّا للغرماء، فيجري الحجر في هذه المواضع عندهم، وعنده لا يجري، قاله في \"البدائع\" (٢). وقال في \"الدر المختار\" (٣): وبقولهما يفتى.\n\n(٦٨) (بابٌ: في الْعُرْبَانِ)\nبضم العين المهملة وسكون الراء، ويقال فيه: عربون بالضم أيضًا، سمي بذلك؛ لأن فيه إعرابًا لعقد البيع، أي: إصلاحًا وإزالة فساد لئلا يملكه غيره باشترائه\n٣٥٠٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: قرأت على مالك بن أنس أنه بلغه (٤)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع العربان).\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"البدائع\" (٦/ ١٧٢): \"من القاضي\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ١٧٢).\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٢١٥).\n(٤) بسط الكلام عليه في \"الأوجز\" (١٢/ ٢٨٩، ٢٩٠)، و\"المغني\" (٦/ ٣٣١، ٣٣٢). (ش).","vol":"11","page":220},{"text":"قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ فِيمَا نُرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَشْتَرِىَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوْ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ ثُمَّ يَقُولُ: أُعْطِيكَ (١) دِينَارًا عَلَى أَنِّى إِنْ تَرَكْتُ السِّلْعَةَ أَوِ الْكِرَاءَ فَمَا أَعْطَيْتُكَ لَكَ. [جه ٢١٩٢، ط ٢/ ٦٠٩/ ١]\n===\n(قال مالك: وذلك) أي: بيع العربان (فيما نرى- والله أعلم-: أن يشتري الرجل العبد أو يتكارى الدابة) أي: يأخذ الدابة على الكراء (ثم يقول: أعطيك دينارا على أني إن تركت السلعة أو الكراء فما أعطيتك لك) أي: فهو لك.\nقال الخطابي (٢): وقد اختلف الناس في جواز هذا البيع، فأبطله مالك والشافعي للخبر، ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر، ويدخل ذلك في أكل المال بالباطل، وأبطله أصحاب الرأي أيضًا، وقد روي عن ابن عمر: أنه أجاز هذا البيع، وروي ذلك أيضًا عن عمر ومال أْحمد بن حنبل إلى القول بإجازته وضعف الحديث فيه؛ لأنه منقطع، وكان رواية مالك فيه عن بلاغ.\nقال الزرقاني (٣): ومن قال: حديث منقطع أو ضعيف لا يلتفت إليه، ولا يصح كونه منقطعًا بحال إذ هو ما سقط منه الراوي قبل الصحابي، أو ما لم يتصل، وهذا متصل غير أن فيه راويًا مبهمًا.\nوما وقع في تفسير العربان في \"الموطأ\" هو أوضح مما وقع في أبي داود، وتفسير ذلك فيما نرى والله أعلم: أن يشتري الرجل العبد أو الوليدة، أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشترى منه أو تكارى منه: أعطيك دينارًا أو درهمًا، أو أكثر من ذلك أو أقل على أني إن أخذت السلعة، أو ركبت ما تكاريت منك، فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة، أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك، لك (٤) بغير شيء.\nقلت: وُيردُّ العربان إذا ترك العقد على كل حال بالاتفاق.\n_________\n(١) في نسخة: \"أعطيتك\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٩).\n(٣) \"شرح الزرقاني\" (٣/ ٢٥٠، ٢٥١).\n(٤) غدا في الأصل، وفي \"شرح الزرقاني\": \"فما أعطيتك، لك باطل بغير شيء\".","vol":"11","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1357>(٦٩) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَبِيعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ</span>\n٣٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِي بِشْرٍ، عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عن حَكِيمِ بْنِ حِزَام قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِى الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِى، أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فَقَالَ: \"لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ\". [ت ١٢٣٢، ن ٤٦١٣، جه ٢١٨٧، حم ٣/ ٤٠٢، ق ٥/ ٢٦٧]\n===\n\n(٦٩) (بابٌ: في الرَّجُلِ يَبيعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ)\n٣٥٠٣ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيريد مني البيع) أي: بيع شيء (ليس عندي) وفي نسخة الخطابي بالواو، أي: \"وليس عندي\"، وقال القاري (١): في \"شرح السنَّة\": وبعض نسخ \"المصابيح\" بالواو، وهو أوضح، والبيع بمعنى المبيع.\n(أفابتاعه له من السوق؟) قال ابن الملك: هذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يشتري له من أحد متاعًا، فيكون دلَّالًا، وهذا يصح. والثاني: أن يبيع من أحد متاعًا لا يملكه، ثم يشتريه من مالكه ويدفعه إليه، وهذا باطل؛ لأنه باع ما ليس في ملكه وقت البيع، ومعناه: أفأشتريه له من السوق.\n(فقال: لا تبع ما ليس عندك) قال القاري (٢): قال في \"شرح السنَّة\": هذا في بيوع الأعيان دون بيوع الصفات، فلذا قيل: السلم في شيء موصوف عام الوجود عند المحل المشروط يجوز، وإن لم يكن في ملكه حال العقد، وفي معنى ما ليس عنده في الفساد: بيع العبد الآبق وبيع المبيع قبل القبض.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٨٨).\n(٢) انظر: المصدر السابق.","vol":"11","page":222},{"text":"٣٥٠٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِيهِ، حَتَّى ذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ\n===\nوفي معناه: مال غيره بغير إذنه؛ لأنه لا يدري هل يجيز مالكه أم لا؟ وبه قال الشافعي، وقال جماعة: يكون العقد موقوفًا على إجازة المالك، وهو قول مالك وأصحاب أبي حنيفة وأحمد.\n٣٥٠٤ - (حدثنا زهير بن حرب، نا إسماعيل، عن أيوب) قال: (حدثني عمرو بن شعيب، حدثني أبي) أي: شعيب، (عن أبيه) أي: محمد، قال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت هارون بن معروف يقول: لم يسمع عمرو عن أبيه شيئًا، إنما وجده في كتاب أبيه، قال ابن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: أليس قد سمع من أبيه؟ قال: بلى، قلت: إنهم ينكرون ذلك، فقال: قال أيوب: حدثني عمرو، فذكر أبًا عن أب إلى جده قد سمع من أبيه، ولكنهم قالوا حين مات عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: إنما هو كتاب.\nقلت: يشير ابن معين بذلك إلى حديث إسماعيل بن علية، عن أيوب، حدثني عمرو بن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه، عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو، فذكر حديث: \"لا يحل سلف وبيع\"، أخرجه أبو داود والترمذي من رواية ابن علية عن أيوب، وروى النسائي من حديث ابن طاوس عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن أبيه محمد بن عبد الله بن عمرو. قال مرة: عن أبيه، وقال مرة: عن جده، في النهي عن لحوم الحمر الأهلية، ولم يأت التصريح بذكر محمد بن عبد الله بن عمرو في حديث إلَّا في هذين الحديثين فيما وقفت عليه، وذلك نادر لا تعويل عليه، انتهى بقدر الحاجة.\n(عن أبيه) أي: عبد الله بن عمرو بن العاص (حتى ذكر عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل سلف) - بفتحتين-: القرض (وبيع) أي: لا يحل بيع بشرط قرض، بأن يقول: بعتك هذا العبد على أن تسلفني","vol":"11","page":223},{"text":"وَلَا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ،\n===\nألفًا، وقيل: هو أن تقرضه ثم تبيع منه شيئًا بأكثر من قيمته، فإنه حرام؛ لأنه قرض جرَّ نفعًا، أو المراد السلم، بأن سلف إليه في شيء فيقول: إن لم يتهيأ عندك فهو بيع عليك.\n(ولا شرطان في بيع) مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب نقدًا بدينار ونسيئة بدينارين، وهذا عند من لم يجوز الشرط في البيع أصلًا كالجمهور، وأما من يجوز الشرط الواحد دون اثنين يقول: هو أن يقول: أبيعك هذا الثوب وعليَّ خياطته وقصارته، وفرَّق أحمد بن حنبل - ﵀ - بين شرط واحد وبين شرطين اثنين، فقال: إذ اشترى منه ثوبًا واشترط قصارته صح البيع، وإن شرط عليه مع القصارة الخياطة فسد البيع.\nقال الشيخ (١): ولا فرق بين أن يشترط عليه شيئًا واحدًا أو اثنين؛ لأن العلة في ذلك كله واحد، وذلك لأنه إذا قال: بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تقصره، فإن العشرة التي هي الثمن تنقسم على الثوب وعلى أجرة القصارة، فلا يدري حينئذ كم حصة الثوب من حصة الإجارة؟ وإذا كان الثمن مجهولًا بطل البيع، وكذلك هذا في شرطين أو أكثر، وكل عقد جمع تجارة وإجارة فسبيله في الفساد هذا السبيل.\nوالشروط على ضروب: فمنها: ما يناقض البيوع ويفسدها، ومنها: ما يلائمها ولا يفسدها، وقد روي: \"المسلمون على شروطهم\" (٢)، وثبت عنه أنه ﵇ قال: \"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل\" (٣)، فعلم أن بعض الشروط يصح وبعضها يبطل.\n(ولا ربح ما لم تضمن) أي: لا يحل ربح شيء لم يدخل في ضمانه،\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ١٤١ و١٤٢).\n(٢) أخرجه الحاكم في \"مستدركه\" رقم (٢٣٠٩)، وأبو داود في \"سننه\" (٣٥٩٤).\n(٣) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٤٢٧٢)، وابن ماجه في \"سننه\" (٢٥٢١).","vol":"11","page":224},{"text":"وَلَا بَيْعُ (١) مَا لَيْسَ عِنْدَكَ\". [ت ١٦٣٤، ن ٤٦١١، جه ٢١٨٨، حم ٢/ ١٧٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>(٧٠) بَابٌ: في شَرْطٍ في بَيْعٍ </span>(٢)\n٣٥٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ زَكَرِيَّا، نَا عَامِرٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بِعْتُهُ - يَعْنِى بَعِيرَهُ - مِنَ النَّبِىِّ -ﷺ-، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، قَالَ فِى آخِرِهِ: تُرَانِى إِنَّمَا مَاكَسْتُكَ لأَذْهَبَ بِجَمَلِكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَثَمَنَهُ فَهُمَا لَكَ\". [خ ٢٠٩٧، م ٧١٥، ت ١٢٥٣، ن ٤٦٣٧، جه ٢٢٠٥، حم ٣/ ٢٩٩]\n===\nوهو ربح مبيع اشتراه فباعه قبل أن ينتقل عن ضمان البائع الأول إلى ضمانه بالقبض (ولا بيع ما ليس عندك).\n\n(٧٠) (بابٌ: في شَرْطٍ)، أي: شرط واحد (في بَيعٍ)\n٣٥٠٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى بن سعيد، عن زكريا، نا عامر، عن جابر بن عبد الله قال: بعته - يعني بعيره - من النبي - ﷺ -، واشترطت حُملانَه إلى أهلي) يعني بعت البعير من النبي - ﷺ -، واشترطت عليه أن أركب وأحمل عليه إلى المدينة، فقيل النبي - ﷺ - ذلك.\n(قال) الراوي (في آخره) أي. في آخر الحديث: (تُراني) بتقدير حرف الاستفهام، أي: أتظنني (إنما ماكستُك) أْي: عاقدتك، والمماكسة: المناقصة في العقد (لأذهب بجملك؟ خذ جملك وثمنه فهما لك).\nقال الخطابي (٣): فأما حديث جابر وقوله: \"وشرطت حملانه إلى أهلي\" فنقول في تخريجه والتوفيق بينه وبين الحديث ما يزول مع الخلاف على معاني\n_________\n(١) في نسخة. \"تبع\".\n(٢) في نسخة: \"البيع\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ١٤٣ - ١٤٦).","vol":"11","page":225},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nما قلناه إن شاء الله تعالى، وذلك أنه قد اختلفت الرواية فيه، فروى شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن جابر: \"أن النبي - ﷺ - أعاره ظهر الجمل إلى المدينة\". ولفظ الرواية قال: \"بعت النبي - ﷺ - جملًا، فأفقرني ظهره إلى المدينة\".\nقال الشيخ: والإفقار إنما هو من كلام العرب إعارة الظهر لركوب، فدل هذا على أنه لم يكن عقد بشرط في نفس البيع، ويحتمل أن يكون ذلك عِدَة منه - ﷺ -، والعقد إذا تجرد عن الشروط لم يضره ما يتعقبه بعد ذلك من هذه الأمور.\nويشبه أن يكون إنما رواه بنفس الشرط (١)؛ لأنه إذا وعده الإفقار والإعارة كان ذلك منه أمرًا لا شك في الوفاء به، فحل محل الشروط على هذا المعنى، على أن قصة جابر- إذا تأملتها - علمت أن النبي - ﷺ - لم يستوف فيها أحكام البيوع: من القبض، والتسليم، وغيرهما، وإنما أراد أن ينفعه، ويهب له، فاتخذ بيع الجمل مدفعة (٢) إلى ذلك، ومن أجل ذلك جرى الأمر فيها على المساهلة، ألا ترى أنه قد دفع إليه ثمنه الذي سماه، ورد إليه الجمل؟ يدل على ذلك قوله: \"أتراني إنما ماكستك لأخذ جملك؟ \".\nوقد اختلف الناس فيمن اشترى دابةً واشترط فيها حُمْلانًا للبائع، فقال أصحاب الرأي: البيع باطل، وإليه ذهب الشافعي، وقال الأوزاعي وأحمد (٣) وإسحاق: البيع جائز، والشرط ثابت على ظاهر حديث جابر بن عبد الله، وفرق مالك بن أنس بين المكان القريب والبعيد، فقال: إن اشترط مكانًا قريبًا فهو جائز، وإن كان بعيدًا فهو مكروه.\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"إنما رواه من رواه بلفظ الشرط\".\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"ذريعة\".\n(٣) وفرق أحمد بن حنبل بين شرط واحد وشرطين، كما تقدم في الحديث السابق، وأجاد العيني الكلام على الشروط. [انظر: \"عمدة القاري\" (٨/ ٣١٩)]. (ش).","vol":"11","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1359>(٧١) بَابٌ: في عُهْدَةِ الرَّقِيقِ</span>\n٣٥٠٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبَانُ، عن قَتَادةَ،\n===\nوحكى الخطابي ههنا قصة بسنده عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة، فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى (١) وابن شُبْرمة (٢)، فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعًا وشرط شرطًا، فقال: البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز.\nفقلت: سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع وشرط\"، البيع باطل والشرط باطل، فأتيت ابن أبي ليلى [فأخبرته] فقال: ما أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: \"أمرني رسول الله - ﷺ - أن أشتري بريرة فأعتقها، وقال: - يعني- اشترطي الولاء لأهلها\"، البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: \"بعت النبي - ﷺ - ناقةً أو جملًا، وشرط لي حملانه إلى المدينة\"، البيع جائز والشرط جائز.\nقال الشيخ: هذه الأحاديث كلها متفقة على معاني ما قدمناه من البيان من ترتيب الشرائط، و[ما] لخصناه من وجوهها في مواضعها.\n\n(٧١) (بَابٌ: في عُهْدَةِ الرَّقِيقِ)\n٣٥٠٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا أبان، عن قتادة،\n_________\n(١) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (م ١٤٨). انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٥٩٩٧).\n(٢) هو: عبد الله بن شبْرمة (م ١٤٤). انظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٣٣١٦).","vol":"11","page":227},{"text":"عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ\". [حم ٤/ ١٥٢، جه ٢٢٤٤، ق ٥/ ٣٢٣، ك ٢/ ٢١]\n٣٥٠٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، نَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. زَادَ: إِنْ وَجَدَ دَاءً في ثَلَاثِ\n===\nعن الحسن، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله - ﷺ - قال: عهدة الرقيق ثلاثة أيام).\nقال الخطابي (١): معنى \"عهدة الرقيق\" أن يشتري العبد أو الجارية ولا يشترط البائع البراءة من العيب، فما أصاب المشتري به من عيب في الأيام الثلاثة فهو من مال البائع، فيرد يلا بينة، فإن وجد به عيبًا بعد الثلاث لم يرد إلَّا بيينة، وهذا فسره قتادة.\nقال الشيخ: وإلى هذا ذهب مالك بن أنس، وقال: هذا إذا لم يشترط البراءة من العيب، قال: وعهدة السنة من المجنون والجذام والبرص، فإذا مضت السنة فقد برئ البائع من العهدة كلها، قال: ولا عهدة إلَّا في الرقيق خاصة، قال: وهذا قول أهل المدينة وابن المسيب والزهري، أعني عهدة السنة في كل داء عضال.\nوكان الشافعي لا يعتبر الثلاث والسنة في شيء منها، وينظر إلى العيب فإن كان يحدث مثله في مثل تلك المدة التي اشتراه فيها إلى وقت الخصومة، فالقول قول البائع مع يمينه، وإن كان لا يمكن حدوثه في تلك المدة رده على البائع، وضعف أحمد بن حنبل عهدة الثلاث (٢)، وقال: لا يثبت في العهدة حديث. وقالوا: لم يسمح الحسن، من عقبهّ بن عامر شيئًا، والحديث مشكوك فيه، فمرة قال: عن سمرة، ومرة قال: عن عقبة.\n٣٥٠٧ - (حدثنا هارون بن عبد الله، حدثني عبد الصمد، نا همام، عن قتادة، بإسناده ومعناه، زاد) همام: (إن وجد داء في ثلاث\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٤٦ و١٤٧)\n(٢) وفي \"موطأ الإِمام محمد\": لسنا نعرف عهدة الثلاث ولا السنة. [انظر: \"التعليق الممجد\" (٣/ ٢٥٧)]. (ش).","vol":"11","page":228},{"text":"لَيَالِي (١) رَدَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ وَجَدَ دَاءً بَعْدَ الثَّلَاثِ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ هَذَا الدَّاءُ. [ق ٥/ ٣٢٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ.\n\n(٧٢) بَابٌ: فِيمَن اشْتَرَى عَبْدًا فَاسْتَعْمَلَهُ ثُمَّ وَجَدَ (٢) بِهِ عَيْبًا\n٣٥٠٨ - حَدَّثَتَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا بْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ،\n===\nليالي رَدَّ بغير بينة، وإن وجد داء بعد الثلاث كُلِّف البينة أنه اشتراه وبه هذا الداء، قال أبو داود: هذا التفسير من كلام قتادة).\n\n(٧٢) (بابٌ: فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَاسْتَعْمَلَهُ) وفي نسخة الخطابي: \"فاستغله\" (ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا) ورده على البائع، فالغلة لمن هي؟\n٣٥٠٨ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف) بضم المعجمة وفائين الأولى خفيفة، ابن إيماء بن رحضة الغفاري، لأبيه وجده صحبة، روى عن عروة، عن عائشة حديث \"الخراج بالضمان\"، وعنه ابن أبي ذئب، قال أبو حاتم: لم يرو عنه غيره، وليس هذا إسناد تقوم بمثله الحجة، وقال ابن عدي: لا يعرف له غير هذا الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قد روى حديثه المذكور الهيثم بن جميل، عن يزيد بن عياض، عن مخلد، وقال البخاري: فيه نظر، انتهى، وفي سماع ابن أبي ذئب منه عندي ينظر، وتابعه على هذا الحديث مسلم بن خالد الزنجي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وقال الوضاح (٣): مخلد مدني ثقة.\n_________\n(١) في نسخة: \"الليالي\".\n(٢) في نسخة: \"رأى\".\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٧٥): \"وقال ابن وضاح\".","vol":"11","page":229},{"text":"عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ\". [ت ١٢٨٥، ن ٤٤٩٠، جه ٢٢٤٢، حم ٦/ ٤٩، ق ٥/ ٣٢١، ك ٢/ ١٥]\n٣٥٠٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نا الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَ أُنَاسٍ شَرِكَةٌ فِى عَبْدٍ فَاقْتَوَيْتُهُ وَبَعْضُنَا غَائِبٌ، فَأَغَلَّ عَلَىَّ غَلَّةً،فَخَاصَمَنِى فِى نَصِيبِهِ إِلَى بَعْضِ الْقُضَاةِ، فَأَمَرَنِى أَنْ أَرُدَّ الْغَلَّةَ، فَأَتَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَحَدَّثْتُهُ، فَأَتَاهُ عُرْوَةُ فَحَدَّثَهُ\n===\n(عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: الخراج) (١) بالفتح (بالضمان) أريد به ما يخرج من غلة العين المشتراة عبدًا كان أو غيره، وذلك بأن يشتريه فيستغله زمانًا، ثم يعثر منه على عيب كان فيه عند البائع، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو تلف في يده لكان في ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، والباء في قوله: \"بالضمان\" متعلقة بمحذوف، تقديره: الخراج مستحق بالضمان، أي: بسببه، أي: ضمان الأصل سبب لملك خراجه.\n٣٥٠٩ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن مخلد بن خفاف الغفاري قال: كان بيني وبين أناس شركة في عبد فاقتويته) أي: استخدمته (وبعضنا) أي: بعض شركاء العبد (غائب، فأغل علي غلة (٢)، فخاصمني) أي: الشريك الغائب (في نصيبه) أي: في حصته (إلى بعض القضاة، فأمرني) أي: القاضي (أن أرد الغلة) أي: إلى ذلك الشريك بقدر حصته من الغلة (فأتيت عروة بن الزبير فحدثته، فأتاه) أي: القاضي (فحدثه\n_________\n(١) وذكر تخريج الحديث الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٥٤، ٥٥)، وتكلم عليه الترمذي (١٢٨٦)، والشوكاني (٣/ ٥٩٥)، وصاحب \"العون\" (٩/ ٣٠٣، ٣٠٤)، والمسأله إجماعية لهذا الحديث، كما في \"الأوجز\" (١٢/ ٣٥٥). (ش).\n(٢) ألف درهم، كذا في \"البيهقي\" (٥/ ٣٢١). (ش).","vol":"11","page":230},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ\". [انظر سابقه]\n٣٥١٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْوَانَ، نَا أَبِي، نَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ غُلَامًا فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يُقِيمَ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَخَاصَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِ اسْتَغَلَّ (١) غُلَامِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ\". [حم ٦/ ٨٠، جه ٢٢٤٣، حب ٤٩٢٧، قط ٣/ ٥٣، ك ٢/ ١٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا إِسْنَاد لَيْسَ بِذَلِكَ (٢).\n===\nعن عائشة، عن رسول الله - ﷺ - قال: الخراج بالضمان).\n٣٥١٠ - (حدثنا إبراهيم بن مروان، نا أبي، نا مسلم بن خالد الزنجي، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به) (٣) أي: بالغلام (عيبًا، فخاصمه إلى النبي - ﷺ -، فرده) أي: رد رسول الله - ﷺ - الغلام (عليه) أي: على البائع (فقال الرجل) البائع: (يا رسول الله - ﷺ - قد استغل غلامي، فقال رسول الله - ﷺ -: الخراج بالضمان، قال أبو داود: هذا إسناد ليس بذلك).\nقال المنذري (٤): يشير إلى ما أشار إليه البخاري من تضعيف مسلم بن\n_________\n(١) في نسخة: \"استعمل\".\n(٢) في نسخة: \"بذاك\".\n(٣) وفي \"الهداية\" (٣/ ٣٨): إذا وجد المشتري بالمبيع عيبًا فهو بالخيار، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ردَّه، وليس له أن يمسكه ويأخذ النقصان؛ لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن، وإذا حدث عند المشتري عيب، واطلع على عيب كان عند البائع فله أن يرجع بالنقصان، ولا يرد إلَّا أن يرضى البائع أن يأخذه بعيبه. (ش).\n(٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ١٦١).","vol":"11","page":231},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nخالد الزنجي، وقد أخرج هذا [الحديث] الترمذي في \"جامعه\" (١) من حديث عمر بن علي المقدَّمي عن هشام بن عروة [مختصرًا] \"أن النبي - ﷺ - قضى أَن الحراج بالضمان\"، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث هشام بن عروة، وقال أيضًا: استغرب محمد بن إسماعيل - يعني البخاري- هذا الحديث من حديث عمر بن علي، قلته: تراه تدليسًا؟ قال: لا.\nوحكى البيهقي عن الترمذي: أنه ذكره لمحمد بن إسماعيل البخاري، فكأنه أعجبه، هذا آخر كلامه.\nوعمر بن علي: هو أبو حفص بن علي المقدَّمي البصري، وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، ورواه عن عمر بن علي أبو سلمة يحيى بن خلف الجوباري (٢)، وهو ممن يروي عنه مسلم في \"صحيحه\" وهذا إسناد جيد، ولهدا صححه الترمذي، وهو غريب، كما أشار إليه البخاري والترمذي، والله تعالى أعلم.\nقال الخطابي (٣): واختلف (٤) أهل العلم في هذا، فقال الشافعي: ما حدث في ملك المشترى من غلة ونتاج ماشيته وولد أمة، فكل ذلك سواء، لا يرد منه شيء، ويرد المبيع إذا لم يكن ناقصًا عما أخذه.\nوقال أصحاب الرأي: إن كان ماشية فحلبها، أو نخلًا أو شجرة فأكل من\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٥٨٢) رقم (١٢٨٦).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المختصر\": \"الجويباري\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ١٤٨).\n(٤) وحكى الموفق (٦/ ٢٢٦، ٢٢٧) في المسألة إجماع الأئمة الأربعة، واستدل بحديث الباب، فتأمل، وهو الصحيح لما في \"الأوجز\" (١٢/ ٣٥٢ - ٣٥٦) من النقول على ذلك، فلا خلاف بينهم في الغلة أنها للمشتري، وإنما الخلاف في الولد والصوف والثمرة وغير ذلك، وأشتبه في \"البذل\" للتحريف في كلام الخطابي. (ش).","vol":"11","page":232},{"text":"(٧٣) بَابٌ: إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، وَالْمَبِيعُ (١) قَائِمٌ\n٣٥١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، أنَا أَبِي، عَنْ أَبِى عُمَيْسٍ قال: أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ\n===\nثمرتها، لم يجز له أن يرد العيب، ويرجع في الأرش، وقالوا في الدار والدابة والعبد: الغلة له ويرد بالعيب.\nوقال مالك في أصواف الماشية وشعورها: إنها للمشتري، ويرد الماشية إلى البائع، فأما أولادها فإنه يردها مع الأمهات.\nواختلفوا في المبيع إذا كان (٢) جارية، فوطئها المشتري ثم وجد بها عيبًا، فقال أصحاب الرأي: تلزمه ويرجع على البائع بأرش العيب، وكذلك قال الثوري وإسحاق بن راهويه، وقال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها [مهر] مثلها، وقال مالك: إن كانت ثيبًا ردها ولا يرد معها شيئًا، وإن كانت بكرًا [فعليه ما نقص من ثمنها، وقال الشافعى: إن كانت ثيبًا ردّها، ولا شيء عليه، وإن كانت بكرًا] لم يجز به ردها، ويرجع بما نقصها العيب من أصل الثمن، وقاس (٣) أصحاب الرأي المغصوب (٤) على البيوع، من أجل أن ضمانها على الغاصب، ولم يجعلوا [عليه] رد الغلة واحتجوا بالحديث عمومه.\n\n(٧٣) (بَابٌ: إذَا اخْتَلَفَ البِيِّعَان) في المبيع أو الثمن (وَالمَبِيعُ قَائمٌ) ما حكمه؟\n٣٥١١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عمر بن حفص بن غياث، أنا أبي، عن أبي عميس) عتبة بن عبد الله (قال: أخبرني عبد الرحمن بن\n_________\n(١) فى نسخة: \"البيع\".\n(٢) وفي \"الدر المختار\" (٧/ ٢١٥): اشتراها فوطئها، أو قبلها أومسها بشهوة، ثم وجد بها عيبًا لم يردها عندنا، خلافًا للشافعى وأحمد، والبسط في \"الأوجز\" (١٢/ ٣٤٢ - ٣٤٤). (ش).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\" بدله: \"قال\".\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\" بدله: \"الغصوب\".","vol":"11","page":233},{"text":"قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: اشْتَرَى الأَشْعَثُ رَقِيقًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِ فِى ثَمَنِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذْتُهُمْ بِعَشْرَةِ آلَافٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاخْتَرْ رَجُلًا يَكُونُ بَيْنِى وَبَيْنَكَ، قَالَ الأَشْعَثُ: أَنْتَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِكَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ\n===\nقيس بن محمد بن الأشعث) بن قيس الكندي الكوفي، هكذا نسبه في \"سنن أبي داود\"، وكذا ذكره ابن أبي حاتم، وهو الصواب، ووقع عند يعقوب بن سفيان: عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث، وعند النسائي: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، قيل: إن الحجاج قتله.\n(عن أبيه) قيس بن محمد بن أشعث الكندي الكوفي، روى عن جده الأشعث وأبيه محمد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الهيثم بن عدي: كان ضرير البصر، وكان يتنسك.\n(عن جده) محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أبو القاسم الكوفي، أمه أخت أبي بكر الصديق، قتله المختار، وذكر أبو زكريا الأزدي: أن أبا الزبير ولَّاه الموصل، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود حديث.\n(قال: اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخمس من عبد الله) بن مسعود (بعشرين ألفًا، فأرسل عبد الله إليه) رجلًا (في ثمنهم) أي: في تقاضي ثمنهم وطلبه (فقال) أي: الأشعث: (إنما أخذتهم بعشرة آلاف) فاختلف الأشعث وعبد الله بن مسعود في الثمن، فقال عبد الله: بعشرين، وقال الأشعث: بعشرة آلاف.\n(فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك) حكمًا يحكم بيننا (فقال الأشعث: أنت) الحكم (بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا اختلف البيعان) أي: البائع والمشتري في الثمن أو البيع","vol":"11","page":234},{"text":"وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَتَارَكَانِ\". [ن ٤٦٤٨، حم ١/ ٤٦٦]\n٣٥١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عن الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ بَاعَ مِنَ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ رَقِيقًا، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَالْكَلَامُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. [ت ١٢٧٠، جه ٢١٨٦، حم ١/ ٤٦٦، ق ٥/ ٣٣٢]\n===\n(وليس بينهما بينة) أي: لأحدهما (فهو ما يقول رب السلعة) أي: فالقول قول رب السلعة (أو يتتاركان) البيع.\n٣٥١٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا هشيم، أنا ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن ابن مسعود باع من الأشعث بن قيس رقيقًا، فذكر معناه) أي: معنى الحديث المتقدم (والكلام يزيد وبنقص) أي: يزيد في أحد الحديثين وينقص من الآخر.\nقال الخطابي (١): قوله: \"أو يتتاركان\" معناه، أو يتفاسخان العقد.\nواختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقال مالك والشافعي: يقال للبائع: احلف بالله ما بعت سلعتك إلَّا بما قلت، فإن حلف البائع قيل للمشتري: إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع، وإما أن تحلف ما اشتريتها إلَّا بما قلت، فإن حلف برئ منها، وردت السلعة إلى البائع، وسواء عند الشافعي كانت السلعة قائمة أو تالفة، فإنهما يتحالفان ويترادان، وكذلك قاله محمد بن الحسن. ومعنى \"يترادان\"، أي: قيمة السلعة عند الاستهلاك.\nوقال النخعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف: القول قول المشتري مع يمينه بعد الاستهلاك، وقول مالك قريب من قولهم بعد الاستهلاك في أشهر الروايتين عنه، انتهى.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٥٠).","vol":"11","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1362>(٧٤) بَابٌ: في الشُّفْعَةِ</span>\n٣٥١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\n===\nقلت: وتفصيل مذهب الحنفية ما ذكر في \"الهداية\" (١): وإذا اختلف المتبايعان في البيع، فادَّعى أحدهما ثمنًا، وادَّعى البائع أكثر منه، أو اعترف البائع بقدر من المبيع، وادَّعى المشتري أكثر منه، وأقام أحدهم بينة، قضى له بها، وإن أقام كل واحد منهما بينة، كانت البينة المثبتة للزيادة أولى.\nولو كان الاختلاف في الثمن والمبيع جميعًا، فبينة البائع أولى في الثمن، وبينة المشتري أولى في المبيع، وإن لم يكن لكل واحد منهما بينة قيل للمشتري: إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع، وإلَّا فسخنا البيع، وقيل للبائع: إما أن تسلم ما ادعاه المشتري من المبيع وإلا فسخنا البيع، فإن لم يتراضيا استحلف الحاكم كل واحد، منهما على دعوى الآخر، ويبتدئ بيمين المشتري.\nوإن كان بيع عين بعين أو ثمن بثمن بدأ القاضي بيمين أيهما شاء، فإن حلفا فسخ القاضي البيع بينهما، وإن نكل أحدهما عن اليمين لزمه دعوى الآخر.\nوإن اختلفا في الأجل أو في شرط الخيار أو في استيفاء بعض الثمن، فلا تحالف بينهما، والقول قول من ينكر الخيار والأجل مع يمينه، فإن هلك المبيع ثم اختلفا، لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، والقول قول المشتري، وقال محمد: يتحالفان، ويفسخ البيع على قيمة الهالك، وهو قول الشافعي.\n\n(٧٤) (بابٌ: في الشُّفْعَةِ)\n٣٥٩٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جاير قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ١٦١،١٦٠).","vol":"11","page":236},{"text":"\"الشُّفْعَةُ فِى كُلِّ شِرْكٍ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ بَاعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ\". [م ١٦٠٨، ن ٤٦٤٦، حم ٣/ ٣١٦]\n٣٥١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ،\n===\nالشفعة في كل شرك) بكسر أوله وسكون الراء، هو الاسم عن الشركة، والمراد منه: الشيء المشترك.\n(ربعة) قاله الخطابي (١): \"الربع والربعة\" [المنزل] الذي يربع به الإنسان ويتوطنه، يقال: هذا ربع وهذه ربعة بالهاء، كما قالوا: دار ودارة، وفي هذا الحديث إثبات الشفعة في الشركة، وهو اتفاق من أهل العلم، وفيه دليل على أن الشفعة لا تجب إلَّا في الأرض والعقار (٢) دون غيرها من العروض والأمتعة والحيوان، ونحوها، انتهى.\n(أو حائط) وهو البستان، كذا في \"مرقاة الصعود\" (لا يصلح) أي: لا يجوز للبائع (أن يبيع حتى يؤذن) أىِ (٣): يعلم (شريكه (٤)، فإن باع) ولم يؤذن شريكه (فهو) أي: الشريك (أحق به) من غيره (حتى يؤذنه) قلت: والشركة عام، سواء كان الشركة في نفس المبيع، أو في حق من حقوق المييع، كالطريق والشرب والمسيل.\n٣٥١٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا معمر،\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٥٢).\n(٢) وبذلك قال الجمهور، قال القاضي: وشذَّ بعض الناس، فَأثبت الشفعةَ في العروض، وهي رواية عن عطاء، وتثبت في كل شيء حتى الثياب، وعن أحمد رواية: أنها تثبت في الحيوان، كذا قال النووي (٦/ ٥١) (ش).\n(٣) قال النووي (٦/ ٥٢): واختلفوا في ما لو أعلم الشريك، فَأذِن بالبيع فباع، ثم أراد الشفعه، فقالت الثلاثة وغيرهم: له أن يأخذ، وقال الثوري وطائفة من أهل الحديث: لا، وعن أحمد روايتان، انتهى. (ش).\n(٤) ولو كان ذميًا لعموم الحديث عند الثلاثة، خلافًا لأحمد، كذا قال النووي (٦/ ٥٢). (ش).","vol":"11","page":237},{"text":"عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"إِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الشُّفْعَةَ فِى كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ (١)، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ\". [خ ٢٢٥٧، ت ١٣٧٠، جه ٢٤٩٩، حم ٣/ ٢٩٦]\n===\nعن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله قال: إنما جعل رسول الله - ﷺ - الشفعة في كل مال) أي: من غير المنقول (لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة).\nقال الخطابي (٢): هذا الحديث أبين في الدلالة على نفي الشفعة لغير الشريك من الحديث الأول، وكلمة \"إنما\" يعمل تَرْكِيبُها (٣)، وهي مثبتةً للشيء نافية لما سواه، فثبت أنه لا شفعة في المقسوم.\nوأما قوله: \"فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق\"، فقد يحتج بكل لفظة منها قوم، أما اللفظة الأولى ففيها حجة لمن لم ير الشفعة في المقسوم، وأما اللفظة الأخرى فقد يحتج بها من يُثبت الشفعة بالطريق وإن كان المبيع مقسومًا، انتهى.\nقلت: وهذا الحديث حجة للشافعي، فإنهم قالوا: إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فليس فيه حق شفعة لأحد.\nوقالت الحنفية: معنى قوله: \"فلا شفعة\" أي: لا شفعة للشركة، فإن الشفعة عندهم تثبت بثلاثة أمور: أحدها: الشركة في نفس المبيع، والثاني: الشركة في حق المبيع، والثالث: الشركة للجوار، فأما إذا قسمت وحدت وصرفت الطرق، فلم تبق الشركة في نفس المبيع، ولا شركة في حق المبيع، فلم يبق حق الشفعة بالأمر الأول ولا بالثاني، وأما حق الشفعة بالأمر الثالث، فبقي وهو ثابت بالحديث الآخر كما سيجيء.\n_________\n(١) في نسخة: \"في كل ما لم يقسم\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٥٢، ١٥٣).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\" بدله: \"بِرُكْنَيْها\".","vol":"11","page":238},{"text":"٣٥١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (١)، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَوْ عَنْهُمَا جَمِيعًا، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قُسِمَتِ (٢) الأَرْضُ وَحُدَّتْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا\". [ن ٤٧٠٤،جه ٢٤٩٧]\n٣٥١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، سَمِعَ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ،\n===\nفعلى هذا معنى قوله: \"إذا وقعت الحدود وصُرفت الطرق فلا شفعة\" أي: للشركة، يعني ضاع حق الشفعة باعتبار الشركة في نفس المبيع وفي حقه.\nوقوله: \"إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة\"، هذا من قول جابر، لا من رسول الله - ﷺ -، ولكن أخرج الطحاوي (٣): حدثنا أحمد بن داود، أنا يعقوب بن حميد، ثنا ابن أبي داود، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا حُدَّت الطرق فلا شفعة\"، فهذا يدل على أن هذا من كلام رسول الله - ﷺ -.\n٣٥١٥ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا الحسن بن الربيع، نا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أبي سلمة، أو عن سعيد بن المسيب، أو عنهما جميعًا، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها) أي: للشركة في نفس المبيع.\n٣٥١٦ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، سمع عمرو بن الشريد) بن سويد الثقفي، أبو الوليد الطائفي، روى عن\n_________\n(١) في نسخة: \"عن ابن شهاب\".\n(٢) في نسخة: \"اقتسمت\".\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٢٢).","vol":"11","page":239},{"text":"سَمِعَ أَبَا رَافِعٍ، سَمِعَ النَّبِىَّ -ﷺ-: يَقُولُ \"الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ\". [خ ٢٢٥٨، ن ٤٧٠٢، جه ٢٤٩٨]\n===\nأبيه وأبي رافع، قال العجلي: حجازي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (سمع أبا رافع، سمع النبي - ﷺ - يقول: الجار أحق بسقبه).\nقال الخطابي (١): السقب: القرب، يقال ذلك بالسين والصاد جميعًا، وقد يحتج بهذا من يرى الشفعة بالجوار وإن كان مقاسمًا، إلَّا أن هذا اللفظ مبهم يحتاج إلى بيان، وليس في الحديث ذكر الشفعة، ويحتمل أن يكون أراد أنه أحق بالبر والمعونة وما في معناهما.\nوقد يحتمل أن يجمع بين الخبرين، فيقال: إن الجار أحق بسقبه إذا كان شريكًا، فيكون معنى الخبرين على الوفاق دون الاختلاف، وأسهم الجار قد يقع على الشريك؛ لأنه قد يجاور شريكه، ويساكنه في الدار المشتركة بينهما، كالمرأة تسمى جارة لهذا المعنى.\nوقد تكلم أهل الحديث في إسناد هذا الحديث واضطراب الرواة فيه، ققال بعضهم: عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع، وقال بعضهم: عن أبيه، عن أبي رافع، وأرسله بعضهم، وقال فيه قتادة: عن عمرو بن شعيب، عن الشريد، والأحاديث التي جاءت في أن \"لا شفعة إلَّا للشريك\" أسانيدها خيار (٢)، ليس في شيء منها اضطراب، انتهى.\nقلت: أخرج الطحاوي (٣): حدثنا أبو بشر الرقي قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الجار أحق بشفعة جاره، فإن كان غائبًا انتظر، إذا كان طريقهما واحدًا\".\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٥٤).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\" بدله: \"جياد\".\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٢٠ - ١٢٤).","vol":"11","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكذلك: حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال: ثنا سعيد بن منصور قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك بسنده مثله، وكذلك: حدثنا أحمد بن داود، ثنا إسماعيل بن سالم، ثنا هشيم، أنا عبد الملك بسنده مثله، ففي هذا الحديث إيجاب الشفعة في المبيع الذي لا شرك فيه بالشرك في الطريق.\nوأما الشفعة للجوار فثبت بما حدثنا ابن أبي داود، ثنا علي بن بحر القطان وأحمد بن جناب قالا: ثنا عيسى بن يونس قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"جار الدار أحق بالدار\".\nوبسند آخر: عند الطحاوي، عن قتادة، عن أنس عن سمرة بن جندب، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"جار الدار أحق بشفعة الدار\".\nوبسند آخر: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا عفان، ثنا همام، ثنا قتادة، فذكر بإسناده مثله.\nوبسند آخر: حدثنا إبراهيم بن مرزوق وأحمد بن داود قالا: ثنا أبو الوليد قال: ثنا شعبة، عن قتادة، فذكر بإسناده مثله.\nوكذا: حدثنا إيراهيم بن مرزوق، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، ثنا حميد وقتادة، عن الحسن، عن النبي - ﷺ - مثله، ولم يذكر سمرة.\nوكذلك حدثنا ابن أبي عمران قال: ثنا أحمد بن جناب، ح: وحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا علي بن بحر وأحمد بن جناب قالا: ثنا عيسى بن يونس عن شعبة، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - مثله.\nوحدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان هو الثوري، عن منصور، عن الحكم، عمن سمع عليًا وعبد الله يقولان: \"قضى رسول الله - ﷺ - بالجوار\".\nوحدثنا أحمد بن داود قال: أخبرنا محمد بن كثير قال: ثنا سفيان، عن أبي حيان، عن أبيه، عن عمرو بن حريث مثله، ففي هذه الآثار وجود الشفعة للجوار.","vol":"11","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفإن قال قائل: قد يجوز أن يكون الجار شريكًا، فإنه قد يقال للشريك: جار، قيل له: ليس في الحديث ما يدل على شيء مما ذكرت، ولكنه قد روي عن أبي رافع ما قد دل على أن ذلك الجار هو الذي لا شركة له.\nحدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد قال: أتاني المسور بن مخرمة، فوضع يده على أحد منكبي، فقال: انطلق بنا إلى سعد، فأتينا سعد بن أبي وقاص في داره، فجاء أبو رافع، فقال للمسور: ألا تأمر هذا؟ يعني سعدًا أن يشتري مني بيتين في داري، فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعمائة في دينار مقطعة أو منجمة، فقال: سبحان الله، لقد أُعطِيتُ بها خمسة مائة دينار نقدًا، ولولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"الجار أحق بسقبه\" ما بعتك، فدل ما ذكر أن ذلك الجار الذي عناه رسول الله - ﷺ - هو الجار الذي تعرفه العامة، ومن أعطاك أن الشريك يقال له: جار، وأين وجدت هذا في لغات العرب؟\nفإن قال: لأني قد رأيت المرأة تسمى جارة زوجها، قيل له: صدقت، قد سميت المرأة جارة زوجها، ليس لأن لحمها مخالط للحمه، ولا دمها مخالط لدمه، ولكن لقربها منه، فكذلك الجار سمي جارًا لقربه من جاره، لا لمخالطته إياه فيما جاوره به.\nثم قد روي عن رسول الله - ﷺ - أيضًا من إيجابه الشفعة بالجوار، وتفسير ذلك الجوار ما قد حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه الشريد بن سويد قال: قلت: يا رسول الله، أرض ليس لأحد فيها قسم، ولا شرك إلَّا الجوار، بيعت، قال: \"الجار أحق بسقبه\"، فكان قول رسول الله - ﷺ -: \"الجار أحق بسقبه\" جوابًا لسؤال الشريد إياه عن أرض منفردة لا حق لأحد فيها، ولا طريق، فدل ما ذكرنا أن الجار الملازق يجب له الشفعة بحق جواره.","vol":"11","page":242},{"text":"٣٥١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- (١): \"جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ أَوِ الأَرْضِ\". [ت ١٣٦٨، حم ٥/ ٨، ق ٦/ ١٠٦]\n٣٥١٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ: يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا\". [ت ١٣٦٩، جه ٢٤٩٤، حم ٣/ ٣٠٣، ق ٦/ ١٠٦]\n===\n٣٥١٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال: جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض)، وقال الترمذي (٢): هذا حديث حسن صحيح، ولفظ \"أو\" يحتمل أن يكون للتنويع، ويحتمل الشك من الراوي.\n٣٥١٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، أنا عبد الملك) بن أبي سليمان، (عن عطاء) بن أبي رباح، (عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: الجار أحق بشفعة جاره: ينتظر بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا).\nوقال الترمذي (٣): هذا حديث حسن، وأما عبد الملك بن أبي سليمان فهو أحد الأئمة، وكان شعبة يعجب من حفظه، وقال ابن المبارك عن سفيان: حفاظ الناس: إسماعيل بن أبي خالد وعبد الملك بن أبي سليمان، وعن الثوري: عبد الملك ميزان، وقال الحسن بن حبان: سئل يحيى بن معين، عن حديث عطاء، عن جابر في الشفعة؟ فقال: هو حديث لم يحدث به أحد إلَّا عبد الملك، وقد أنكره الناس عليه، ولكن عبد الملك ثقة صدوق،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٦٥٠).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٦٥٢).","vol":"11","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1363>(٧٥) بَابٌ: في الرَّجُلِ يُفَلَّسُ فيجِدُ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ </span>(١)\n٣٥١٩ - حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ.\n===\nلا يرد على مثله، وقال ابن عمار الموصلي: ثقة حجة، وقاله العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وعن سفيان: عبد الملك بن أبي سليمان ثقة متقن فقيه، وقال النسائي: ثقة.\nوقال الترمذي: ثقة مأمون، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة، وقال: قد كان حدث شعبة عنه ثم تركه، ويقال: إنه تركه لحديث الشفعة الذي تفرد به، وذكره (٢) ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ربما أخطأ، وكان من خيار أهل الكوفة وحفاظهم، والغالب على من يحفظ ويحدث أن يهم، وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت صحت عنه السنَّة بأوهام يهم فيها، والأولى فيه قبول ما يروي بتثبت، وترك ما صح أنه وهم فيه ما لم يفحش، فمن غلب خطؤه على صوابه استحق الترك (٣).\nواختلف العلماء في الشفعة، فمذهب الأوزاعي والليث ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: أن لا شفعة إلَّا لشريك لم يقاسم، ولا تجب الشفعة بالجوار، وقال النخعي وشريح القاضي والثوري وعمرو بن حريث والحسن ابن حيي وقتادة والحسن البصري وحماد بن سليمان وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد - ﵏- تجب الشفعة في الأراضي والرباع والحوائط، للشريك الذي لم يقاسم، ثم للشريك الذي قاسم، وقد بقي حق طريقه أو مشربه، ثم من بعدهما للجار الملاصق.\n\n(٧٥) (بابٌ: في الرَّجُلِ يُفَلَّسُ فيجدُ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنهِ) عِنْده\n٣٥١٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عنده\".\n(٢) في الأصل: \"قال\" بدل: \"ذكره\"، وهو تحريف.\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٨).","vol":"11","page":244},{"text":"(ح): ونا النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، الْمَعْنَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ\". [خ ٢٤٠٢، م ١٥٥٩، ت ١٢٦٢، ن ٤٦٧٦، جه ٢٣٥٨، حم ٢/ ٢٢٨]\n===\n\"ح\": ونا النفيلي، نا زهير، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي يكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: أيما رجل أفلس فأدرك الرجل متاعه بعينه فهو أحق به من غيره).\nقاله الخطابي (١): وهذه سنَّة النبي - ﷺ -، قد قال بها كثير من أهل العلم، وقد قضى بها عثمان بن عفان - ﵁-، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب - كرم الله وحهه-، ولا يعلم لهما مخالف في الصحابة، وهو قول عروة بن الزبير، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي (٢) وأحمد بن حنبل وإسحاق.\nوقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وابن شبرمة: هو أسوة الغرماء، وقال بعض من يحتج بقولهم: هذا مخالف للأصول الثابتة ومعانيها، والمبتاع قد ملك السلعة، فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه، وتأوَّلوا الخبر على الودائع، والبيوع الفاسدة، وعلى المقبوض على سوم الشراء ونحوها.\nقال الشيخ: والحديث إذا صح وثبت عن رسول الله - ﷺ - فليس (٣) إلَّا التسليم له، ومعتبر في نفسه، فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة له، أو يُتَذَرَّعَ إلى إبطاله بعدم النظير له، وقلة الاشتباه في نوعه؛ فهذه\n_________\n(١) \"معالم \"السنن\" (٣/ ١٥٧ و١٥٨).\n(٢) وفي \"الهداية\" (٣/ ٢٨٤): قال الشافعي: يحجر القاضي على المشتري بطلبه، ثم للبائع خيار الفسخ ... إلخ. (ش).\n(٣) لكنهم تركوا هذا الأصل فيما سيأتي قريبًا في \"باب الرهن\". (ش).","vol":"11","page":245},{"text":"٣٥٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِى ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِى بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِى فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ». [ط ٢/ ٦٧٨/٨٧، ق ٦/ ٤٦]\n===\nأحكام خاصة وردت بها أحاديث، فصارت أصولًا، كحديث الجنين، وحديث القسامة، والمصراة.\nوروى أصحاب الرأي حديث النبيذ، وحديث القهقهة، وهما مع ضعف سنديهما مخالفان للأصول.\nثم أطال الكلام في تعديد الجزئيات، ثم قال: ولم يستنكر شيء من هذه الأمور ولم يعبأ بمخالفتها بسائر الأصول، وكذلك الحكم في المفلس.\n٣٥٢٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله - ﷺ - قال: أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه) أي: اشتراه (ولم يقبض (١) الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به، وإن مات (٢) المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء).\n_________\n(١) اختلف فيه القائلون بظاهر هذا الحديث، فقال أحمد: إن قبض شيئًا من الثمن فلا حق له في الرجوع، وهو قول الشافعي القديم، وقال في الجديد: له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن، وقال مالك: هو غير إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء صار مع الغرماء ولم يرجع، انتهى. (ش).\n(٢) أيما رجل باع فأفلس المشتري بعد قبض المبيع، أو مات، فالبائع أسوة الغرماء عند الحنفية في كلتا الصورتين، والبائع أحق به في كلتيهما عند الشافعي، وفرق مالك وأحمد في الحي والميت، ففي الحي هما مع الشافعي، وفي الميت معنا، كما بسطه في \"التعليق الممجد\" (٣/ ٢٤٤، ٢٤٥) ومجمل هذه الأحاديث عندنا إذا لم يقبضه المشتري، سواء أفلس أو مات، كما حمله عليه محمد في \"موطئه\". (ش).","vol":"11","page":246},{"text":"٣٥٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ (١)، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ - يَعْنِي الْخَبَايِرِيَّ (٢) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ -، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ (٣)، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ - نَحْوَهُ، قَالَ: «فَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا (٤) شَيْئًا فَمَا بَقِىَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَأَيُّمَا امْرِئٍ\n===\nوهذا حديث مرسل، ذهب مالك إلى حمله ما في هذا الحديث، وقال: إن كان قبض البائع شيئًا من ثمن السلعة فهو أسوة للغرماء، وقال الشافعي: لا فرق بين أن يكون قبض شيئًا أو لم يقبضه في أنه إذا وجد عين ماله كان أحق به. وقال مالك: إذا مات المبتاع فوجد البائع عين سلعته لم يكن أحق بها، وعند الشافعي: إذا مات المبتاع مفلسًا، والسلعة قائمة، فلصاحبها الرجوع فيها، وقد روي عن أبي هريرة من غير هذا الطريق: أنه ﵇ قال: \"من أفلس، أو مات فوجد رجل متاعه بعينه، فهو أحق به\"، انتهى. وهذا إشارة إلى حديث عمر بن خلدة.\n٣٥٢١ - (حدثنا محمد بن عوف، نا عبد الله بن عبد الجبار، يعني الخبايري) - بمعجمة وموحدة وبعد الألف تحتانية-، أبو القاسم الحمصي، لقبه زبريق، قال أبو حاتم: ليس به بأس، صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن وضاح: لقيته بحمص، وهو ثقة.\n(نا إسماعيل -يعني ابن عياش-، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - نحوه، قال: فإن كان) أي: المشتري (قضاه) أي: البائع (من ثمنها شيئًا فما بقي فهو أسوة الغرماء، وأيما امرئ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الطائي\".\n(٢) في نسخة: \"الخبائزي\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هو محمد بن الوليد أبو هذيل الحمصي\".\n(٤) في نسخة: \"ثمنه\".","vol":"11","page":247},{"text":"هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ، اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ». [جه ٢٣٥٩، ق ٦/ ٤٦، قط ٣/ ٣٠]\n٣٥٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ وَهْبٍ -، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؛ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. زَادَ: «وَإِنْ كان قد قَضَى مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا» (١).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ مَالِكٍ أَصَحُّ.\n٣٥٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو دَاوُدَ (٢)، نَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ أَبِى الْمُعْتَمِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ\n_________\nهلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئًا) أي: أدى من قيمته شيئًا (أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء).\n٣٥٢٢ - (حدثنا سليمان بن داود، نا عبد الله -يعني ابن وهب-، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال:) أخبرني (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن رسول الله - ﷺ -، فذكر معنى حديث مالك، زاد: \"وإن كان قد قضى من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرماء فيها).\n(قال أبو داود: حديث مالك) وهو الحديث المرسل (أصح) من حديث الزبيدي الذي هو المسند.\n٣٥٢٣ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو داود، نا ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر) بن عمرو المدني، (عن عمر بن خلدة قال: أتينا أبا هريرة\n_________\n(١) في نسخة: \"قال أبو بكر: وقضى رسول الله - ﷺ - أنه من توفي، وعنده سلعة رجل بعينها لم يقض من ثمنها شيئًا، فصاحب السلعة أسوة الغرماء\". (ش).\n(٢) زاد في نسخه: \"الطيالسي\".","vol":"11","page":248},{"text":"فِى صَاحِبٍ لَنَا أَفْلَسَ، فَقَالَ: لأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ». (١). [جه ٢٣٦٠، ق ٦/ ٤٦، قط ٣/ ٢٩]\n===\nفي صاحب لنا أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله - ﷺ -: \"من (٢) أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به\")، وهذا قضاء أبي هريرة فيمن مات فوجد رجل متاعه بعينه فالبائع أحق به، فخالف لما تقدم من روايته أنه أسوة للغرماء.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم عن تقرير شيخه - رحمه الله تعالى-: قوله: \"أيما رجل باع متاعًا\" إدارة الأمر على قبض الثمن مشعرة بأن المراد بكون المبيع بعينه ليس هو البقاء على صورته، وذلك لأنها لا تتبدل صورته، ما كانت البائع كل ثمنه، بل المراد ببقائه بعينه بقاؤه بحيث تبقى إضافته على ما كانت، فإن تبدلت صفته وإضافته لم يبق البائع إلَّا أسوة للغرماء؛ لأنه لم يجد متاعه بعينه، وإن لم تتبدل إضافته مطلقًا، وكانت على ما كانت كان البائع أحق به من غيره.\nولما كانت صفقة البيع تمامها بالقبض أو باقتضاء شيء من الثمن أدير الحكم على القبض أو اقتضاء شيء من الثمن، فنقول: إن الذي اشترى شيئًا من أحد ولم يقبضه حتى أفلس المشتري، فإنه لا يكون أحق به من غيره.\nوكذلك إذا اشترى وجل شيئًا لم يؤد شيئًا من ثمنه ولم يقبضه أيضًا، فظاهر أنه يعد فهي ضمان البائع ولم تتبدل إضافته؛ لأن العقد هو القبض حقيقة لتوقف تمامه عليه، فإن البيع ما لم يقبض المشتري المبيع على شرف السقوط والانفساخ بهلاك المبيع، فالتبدل فهي الإضافة وإن كان متحققًا فيه قبل القبض\n_________\n١١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: من يأخذ بهذا أبو المعتمر من هو؟ أي: لا نعرفه\".\n(٢) هذا مستدل الشافعي في عدم الفرق بين الإفلاس والموت، وأجاب عنه الجمهور بالضعف، كما في \"التعليق الممجد\" (٣/ ٢٤٥) (ش).","vol":"11","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1364>(٧٦) بَابٌ: فِيمَنْ أَحْيَا حَسِيرًا</span>\n٣٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ (ح): وَحَدَّثَنَا\n===\nفي الجملة إلا أنه غير معتد به، ولأجل عدم الاعتداد به إن هلك المبيع قبل القبض كان الثمن ساقطًا.\nومما يؤيد أن المراد بالتبدل وعدم التبدل هو تبدل الإضافة لا تبدل صورته، وما ورد في الرواية الآتية من قوله: \"أيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه فهو أسوة للغرماء\"، فإنه سوَّى البائع بسائر الغرماء، إذا كان البيع تامًا، فإنه يتم بهلاك أحد المتعاقدين، ولو كان المدار كونه بعينه صورة لما تبدل الحكم بهلاك المشتري لكون المبيع بعينه لا تبدل في صورته.\nوأما على ما اخترنا من أن المراد تبدل الإضافة، فتبدل الحكم بهلاك المشتري ظاهر؛ لأن البيع قبل القبض لما كان على شرف السقوط اقتصر إتمامه إلى مرجح من اقتضاء الثمن، أو هلاك المشتري، وإذا وجد شيء منهما علم تبدل الإضافة يقينًا، ولا كذلك قبله، فافهم فإنه دقيق (١).\nثم إن هذا التوجيه محتاج إليه حيث وجد لفظ البيع صراحة، وأما حيث أطلق فهو محمول على العارية والغصب والأمانة وغيرها مما لا يوجب تبدلًا في الإضافة، انتهى.\n\n(٧٦) (بَابٌ: فِيمَنْ أَحْيَا حَسِيرًا)\nأي: عاجزًا عن المشي\n٣٥٢٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: وحدثنا\n_________\n(١) قلت: ويرد عليهم أيضًا عندي ما صرح به الموفق (٦/ ٥٣١) من أن المرتهن أحق بثمن الرهن عندهم، وعلى هذا فلو أفلس أحد وقد وجد أحد ماله المبيع عند المرتهن فإنهم قالوا: إن المرتهن أحق به، وعلى هذا فقد خالفوا عموم حديث الباب، فتأمل. (ش).","vol":"11","page":250},{"text":"مُوسَى، نَا أَبَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَقَالَ عَنْ أَبَانَ: إِنَّ عَامِرًا الشَّعْبِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا أَنْ يَعْلِفُوهَا فَسَيَّبُوهَا فَأَخَذَهَا فَأَحْيَاهَا فَهِىَ لَهُ». [ق ٦/ ١٩٨، قط ٣/ ٦٨]\n(١) فِى حَدِيثِ أَبَانَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَقُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالَ: عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-.\n===\nموسى، نا أبان، عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري) البصري، قال ابن معين: لا أعرفه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن الشعبي، وقال) أي: موسى بن إسماعيل (عن أبان) بسنده: (إن عامرًا الشعبي حدثه، أن رسول الله - ﷺ - قال: من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها) أي: عجزوا عن أن يطعموها العلف (فسيبوها) أي: تركوها لتذهب حيث شاءت (فأخذها فأحياها) بإطعام العلف (فهي له).\nوقال موسى بن إسماعيل: (في حديث أبان: قال عبيد الله: فقلت) للشعبي: (عمن) يعني الحديث مرسل، فعمن تروي من الصحابة؟ (قال) الشعبي: (عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -).\nقال الخطابي (٢): وهذا الحديث مرسل، وذهب أكثر الفقهاء إلى أن ملكها لم يزل عن صاحبها بالعجز عنها وسبيلها سبيل اللقطة، فإن جاء بها وجب على واجدها ردُّ ذلك عليه، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: هي لمن أحياها إذا كان صاحبها تركها بمهلكة، واحتج إسحاق بحديث الشعبي هذا، وقال عبد الله بن الحسن قاضي البصرة: فيها وفي النواة التي يلقيها من يأكل التمر إن قال صاحبها: لم أُبِحها للناس، فالقول قوله، ويستحلف أنه لم يُبحها للناس، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٦٠).","vol":"11","page":251},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثُ حَمَّادٍ، وَهُوَ أَبْيَنُ وَأَتَمُّ.\n٣٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ حَمَّادٍ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ -، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمُهْلِكٍ (١) فَأَحْيَاهَا رَجُلٌ فَهِىَ لِمَنْ أَحْيَاهَا». [ق ٦/ ١٩٨]\n===\nقلت: قوله \"هذا حديث مرسل\" عجيب من مثله، فإن المرسل هو الحديث- الذي قال التابعي فيه: قال رسول الله - ﷺ -، ولم يذكر الصحابي، فأما هذا الحديث فقد ذكر فيه روايهّ عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - فهو مسند، وإبهام أسمائهم لا يجعله مرسلًا.\nقلت: وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، فهذا يدل على أن الملك لا يحصل إلا بتمليك عن المالك بسبب من أسباب الملك، فهنا إذا وجد سبب الملك من المالك وجد الملك، بأن يقصد أن من شاءها وأخذها ملكها يملك، وإن لم يقصد ذلك ولم يسيبها لأجل ذلك لم يَزُل ملكُ المالك عنها، وكان هو أولى به ممن أحياها، والله تعالى أعلم.\n(قال أبو داود: هذا حديث حماد، وهو أبين وأتم) من حديث أبان.\n٣٥٢٥ - (حدثنا محمد بن عبيد، عن حماد -يعني ابن زيد-، عن خالد الحذاء، عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن، عن الشعبي يرفع الحديث إلى النبي - ﷺ - أنه قال: من ترك دابة بمهلك) أي: موضع الهلاك فأخذها (فأحياها رجل فهي لمن أحياها).\n_________\n(١) في نسخة: \"بمهلكة\".\n(٢) سورة النساء: الآية ٢٩.","vol":"11","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1365>(٧٧) بَاب: في الرَّهْنِ</span>\n٣٥٢٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: «لَبَنُ الدَّرِّ يُحْلَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَالظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِى يَرْكَبُ وَيَحْلِبُ النَّفَقَةُ». [خ ٢٥١٢، ١٢٥٤، جه ٢٤٤٠، حم ٢/ ٢٢٨، ق ٦/ ٣٨، قط ٣/ ٣٤]\n===\n\n(٧٧) (بَابٌ: في الرَّهْنِ)\nبفتح الراء: وهو شيء يتوثَّق به في القرض أو الدين\n٣٥٢٦ - (حدثنا هناد، عن ابن المبارك، عن زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة) -﵁ -، (عن النبي - ﷺ - قال: لَبَنُ الدَّرِّ) أي: ذات الدر (يحلب بنففته إذا كان مرهونًا، والظهر يركب ينققته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يحلب وبركب النفقة).\nقال الخطابي (١): هذا كلام مبهم، ليس في نفس اللفظ منه بيان من يركب ويحلب: من الراهن، أو المرتهن، أو العدل الموضوع على يده الرهن.\nوقد اختلف أهل العلم في تأويله، فقال أحمد بن حنبل: للمرتهن أن ينتفع بالوهن بالحلب والركوب بقدر النفقة، وكذلك قال إسحاق، وقال أحمد: \"ليس له أن ينتفع بشيء منه غيرهما.\nقال أبو ثور: إذا كان البراهن يُنْفق عليه لم ينتفع به المرتهن، وإن كان الراهن لا ينفق عليه، وتركه في يد المرتهن، فأنفق عليه، فله ركوبه واستخدامه، قال: وذلك لقوله: \"وعلى الذي يحلب ويركب النفقة\".\nوقال الشافعي: منفعة الرهن للراهن ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٦١، ١٦٢).","vol":"11","page":253},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبشيء من الرهن خلا الاحتفاظ به للوثيقة فيه، وعلى هذا تأويل (١) قوله: \"الرهن مركوب ومحلوب\" يرى أنه منصرف إلى الراهن الذي هو مالك الرقبة، وقد روي نحو من هذا عن الشعبي وابن سيرين. وفي قوله: \"الرهن محلوب ومركوب\" دليل على أنه إن أعار الرهن أو أكراه من صاحبه لم يفسخ الرهن، انتهى.\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): وقد قيل: إن فاعل الركوب والشرب لم يتعين، فيكون الحديث مجملًا. وأجيب: بأنه لا إجمال، بل المراد: المرتهن، لقرينة أن انتفاع الراهن بالعين المرهونة لأجل كونه مالكًا، والمراد ها هنا الانتفاع في مقابلة النفقة، وذلك يختص بالمرتهن، كما وقع التصريح بذلك في الرواية الأخرى، ويؤيده ما وقع عند حماد بن سلمة في \"جامعه\" بلفظ: \"إذا ارْتَهَنَ شاةً شرِبَ المرتهنُ من لبنِها بقدر عَلفِها؛ فإن استفْضلَ من اللبَن بعد ثمن العَلَفِ فهو ربا\"، ففيه دليل على أنه يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بما يحتاج إليه، ولو لم يأذن المالك، وبه قال أحمد وإسحاق والليث والحسن وغيرهم.\nوقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، بل الفوائد للراهن والمؤن عليه.\nوالحديث ورد على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. والثاني: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة.\nقال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء تردُّه أصولٌ مجمَع\n_________\n(١) قال ابن رشد (٢/ ٢٧٦): لم يرد به أن يركبه الراهن؛ لأنه منافٍ للرهن، فإن من شرطه القبض، ولا يصح أيضًا أن يكون معناه أن المرتهن يركبه ويحلبه، فلم يبقَ إلَّا أن يكون المعنى أجرة ظهره لربه وعليه نفقته. (ش).\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٦١٩، ٦٢٠).","vol":"11","page":254},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ عِنْدَنَا صحِيحٌ (١).\n===\nعليها، وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر عند البخاري وغيره بلفظ: \"لا تُحْلَب ماشِيَةُ امْرِئٍ بغير إذْنه\"، انتهى.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وأجاب الطحاوي عن الحديث: بأنه محمول على أنه كان قبل تحريم الربا، ولما (٣) حرم الربا حرم أشكاله من بيع اللبن في الضرع، وقرض كل منفعة تَجُرُّ ربا، قال: فارتفع بتحريم الربا ما أبيح في هذا للمرتهن، انتهى.\nواحتج الموفق في \"المغني\" (٤): بأن نفقة الحيوان واجبة، وللمرتهن فيه حق، وقد أمكن استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة عن المالك فيما وجب عليه، واستيفاء ذلك من منافعه فجاز ذلك، كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه، والنيابة عنه في الإنفاق عليها، انتهى كلام الحافظ.\n(قال أبو داود: هو عندنا صحيح).\nحاصله: أن الحديث ورد على خلاف القياس، كما أشار إليه ابن عبد البر، فقال أبو داود: إن هذا الحديث وإن وقع خلاف الأصول، لكنه باعتبار السند\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٣٥٢٧ - حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زُرعةَ بن عمرو بن جريرٍ، أنَّ عمر بن الخطاب قال: قال النبي - ﷺ -: \"إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياءَ ولا شهداءَ، يَغْبِطُهُمْ الأنبياءُ والشهداءُ يوم القيامة لمكانهم من الله\"، قالوا: يا رسول الله! تُخْبِرُنَا مَنْ هُم؟ قال: \"هُمْ قومٌ تحابَّوا برَوحِ الله ﷿ على غيرِ أرحامٍ بينهم، ولا أموالٍ يَتَعَاطَونَها، فوالله إنَّ وجوهَهُم لنور، وإنَّهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناسُ، ولا يحزنون إذا حزن الناسُ\"، ثم قرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [يونس: ٦٢].\n[قلت: قال المزي بعد إيراده في \"تحفة الأشراف\" (١٠٦٦١): لم يذكره أبو القاسم، وهو في رواية أبي بكر بن داسة].\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٤، ١٤٥).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\": \"فيما حرم الربا\".\n(٤) (٦/ ٥١٢).","vol":"11","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1366>(٧٨) بَابُ الرَّجُلِ يَأْكلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ</span>\n٣٥٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ (١): فِى حِجْرِى يَتِيمٌ أَفَآكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ». [ت ١٣٥٨، ن ٤٤٤٩، جه ٢٢٩٠، دي ٢٥٣٧، حم ٦/ ٣١، ق ٧/ ٤٧٩، ك ٢/ ٤٦]\n===\nصحيح، وههنا على الحاشية حديث ليس له تعلق بالرهن، ولا بكتاب البيوع، فنكتبها على حاشية الأصل ولا نذكرها في الشرح.\n\n(٧٨) (بَابُ الرَّجُلِ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ) (٢)\nأي: إذا احتاج الرجل\n٣٥٢٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عمارة بن عمير، عن عمته) لم أقف على تسميتها وحالها (أنها) أي: عمتها (سألت عائشة: في حجري يتيم) ولعل اليتيم ابنه أو ابن ابنه (أفآكل من ماله) أي: عند الحاجه؟\n(فقالت) عائشة: (قال رسول الله - ﷺ -: إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه) وخير \"إن\" هو من كسبه بتقدير المبتدأ، يعني المال الذي من كسبه (وولده من كسبه) فيطيب له الأكل من مال ولده، وقَيَّده الفقهاء بالحاجة، أي: إذا احتاج إليه، وأما إذا لم يحتج فلا يجوز له الأكل إلَّا بإذنه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فقالت\".\n(٢) يجوز عند أحمد مطلقًا، سواء احتاج أم لا، بشرطين: أحدهما: لا يُحْجِفُ ماله، الثانى: يأخذه لنفسه ولا يعطيه غيره، واستدل بهذه الروايات، وخالفه الأئمة الثلاثة، وقالوا: لا يجوز إلَّا أن يحتاج، فيأخذ بقدر حاجته، غدا في \"المغني\" (٨/ ٢٧٢). (ش).","vol":"11","page":256},{"text":"٣٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِهِ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ». [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَمَّادُ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ زَادَ فِيهِ: «إِذَا احْتَجْتُمْ» وَهُوَ مُنْكَرٌ.\n===\n٣٥٢٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة، المعنى، قالا: نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن عمارة بن عمير، عن أمه) ولم يذكر في \"تهذيب التهذيب\" روايته إلا عن عمته، ولم يذكر عن أمه، (عن عائشة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه) لأنه ولد بالنكاح (فكلوا من أموالهم).\n(قال أبو داود: وحماد بن أبي سليمان (١) زاد فيه: إذا احتجتم، وهو منكر) لأنه مخالف للثقات.\nقلت: في هذا عدول عن اصطلاح المحدثين، فإن المنكر من الزيادة هو ما يخالف الضعيف فيها الثقات، وههنا أولًا ليس بمخالفة، فإن الزيادة ما لم تكن منافية لرواية من هو أوثق منه ممن لم يذكر تلك الزيادة، فمثل هذه الزيادة الغير المنافية تقبل؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي يتفرد به الثقة، ولو سُلِّم على سبيل الفرض منافاته، فغاية ما فيه أنها تكون شاذًا لا منكرًا.\nقال الحافظ في \"شرح النخبة\" (٢): وزيادة راويهما أي الحسن والصحيح مقبولة ما لم تقعْ منافية لرواية من هو أوثق منه ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن\n_________\n(١) أخرج روايته البيهقي في \"سنته\" (٧/ ٤٨٠).\n(٢) \"شرح شرح نخبة الفكر\" لملا علي القاري (ص ٣١٥ - ٣١٧).","vol":"11","page":257},{"text":"٣٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِيَ مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ (١)\n===\nالزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تُقبل مطلقًا؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي يتفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيرُه، وإما أن تكون منافية، بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى، فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارِضِها فيُقبل الراجح ويرد المرجوح، انتهى.\nوعبد الملك (٢) بن أبي سليمان ثقة حافظ، ميزان في العلم، أحد الأئمة، لم يتكلم فيه إلا شعبة لتفرده بحديث: الشفعة للجار.\n٣٥٣٠ - (حدثنا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلًا) لم أقف على تسميته (أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إن لي مالًا وولدًا، وإن والدي يحتاج) هكذا في جميع النسخ الموجودة لأبي داود عندي، بتقديم الحاء على الجيم، وكذا في \"المشكاة\" (٣) برواية أبي داود وابن ماجه، والذي يظهر من كلام الخطابي أنه ضبطه بتقديم الجيم على الحاء.\nقال الخطابي (٤): قوله: \"يجتاح مالي\" معناه: يستأصله ويأتي عليه،\n_________\n(١) في نسخة: \"يجتاح\". وفي نسخة: \"يَجِيحُ\".\n(٢) قلت: لعل المصنف - ﵀ - أراد بيان حال حماد بن أبي سليمان، فإنه هو المتفرد بهذه الزيادة المذكورة في الكتاب، فسبق خاطره إلى عبد الملك بن أبي سليمان فكتب ما كتب، أما ترجمة حماد بن أبي سليمان فانظر \"البذل\" (١/ ٦٤٤).\n(٣) \"مشكاة المصابيح\" رقم (٣٣٥٤). وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٥٢١).\n(٤) \"معالم السنن\" (٣/ ١٦٥، ١٦٦).","vol":"11","page":258},{"text":"مَالِي، قَالَ: \"أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ\". [جه ٢٢٩٢، حم ٢/ ١٧٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1367>(٧٩) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَجِدُ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ</span>\n٣٥٣١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ السَّائِبِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَتَّبِعُ الْبَيِّعُ مَنْ بَاعَهُ». [ن ٤٦٨١، حم ٥/ ١٣]\n===\nوالعرب تقول: جاحهم الزمان واجتاحهم: إذا أتى على أموالهم، ومنه: الجائحة، وهي الآفة التي تصيب المال فتهلكه، ويشبه أن يكون مما ذكر السائل من اجتياح والده ماله إنما هو بسبب النفقة إلى آخر الكلام. وفي النسخ الموجودة لا يحتاج إلى هذا التأويل، ثم قال الخطابي في آخره: فلا أعلم أحدًا ذهب إليه من الفقهاء.\n(مالي، قال: أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم) (١).\n\n(٧٩) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَجِدُ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ)\n٣٥٣١ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا هشيم، عن موسى بن السائب، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: من وجد عين ماله عند رجل فهو) أي المالك (أحق به) وإن تداولته الأيدي (وبتبع البيِّعُ) أي المشتري بثمنه (من باعه) فيأخذ ثمنه من بائعه لا من المالك.\n_________\n(١) وذكر ابن الهمام في الحدود (٥/ ٢٤٣) الحديث من رواية جابر، وذكر فيه قصة وأشعارًا عجيبة فارجع إليه. انتهى، وقد وردت الرواية عن جماعة من الصحابة، ذكرها في \"الدراية\" (٢/ ١٠٢)، واستدل بها من قال: لا حد على من زنى بجارية ابنه. (ش).","vol":"11","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1368>(٨٠) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ تَحْت يَدِهِ</span>\n٣٥٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ هِنْدًا أُمَّ مُعَاوِيَةَ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِى مَا يَكْفِينِى وَبَنِيَّ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا؟ قَالَ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَبَنِيكِ بِالْمَعْرُوفِ». [خ ٥٣٦٤، م ١٧١٤، ن ٥٤٢٠، جه ٢٢٩٣]\n===\nوبظاهر هذا الباب يفهم التكرار، وليس بمكرر في الحقيقة؛ لأن هذا الباب محمول على مال السرقة والغصب والوديعة، والباب الأول كان محمله في البيع، فلا تكرار.\n\n(٨٠) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ)\nمرجع الضمير غير مذكور في اللفظ، أي من تحت يد الآخر، يعني إذا كان لشخص حق على رجل، ولا يؤدي الحق، فيأخذ من ماله بغير إذنه.\n٣٥٣٢ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا هشام بن عروة، وعن عروة، عن عائشة، أن هندًا) أي زوجة أبي سفيان بنت عتبة (أم معاوية جاءت رسول الله - ﷺ -: إن أبا سفيان) أي زوجي (رجل شحيح) أي بخيل في أداء الحقوق (وإنه لا يعطيني) من المال (ما يكفيني وبَنيَّ، فهل عليَّ من جُناح أن آخذ من ماله شيئًا) بغير إذنه؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف) والمراد بالمعروف القدر (١) الذي عرف بالعادة أنه يكفيها.\nقال الحافظ (٢): واستدل (٣) بهذا الحديث على جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك، وهو أحد\n_________\n(١) وذكر العيني (١٤/ ٣٧٦) الاختلاف في المقدار. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٩).\n(٣) وسيأتي في كلام الخطابي أيضًا. (ش).","vol":"11","page":260},{"text":"٣٥٣٣ - حَدَّثَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِقِى عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ». [خ ٣٨٢٥، م ١٧١٤، سنن النسائي الكبرى ٩٠٩٠]\n٣٥٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل، أَنْ يَزِيدَ بْنَ زُريعٍ حَدَّثَهُمْ، نَا حُمَيْدٌ\n===\nالمواضع التي تباح فيه الغيبة، واستدل به على أن من له عند غيره حق، وهو عاجز عن استيفائه، جاز له أن يأخذ من ماله بقدر حقه بغير الإذن، وهو قول الشافعي وجماعة، وتسمى مسألة الظفر (١)، والراجح عندهم لا يأخذ غير جنس حقه إلَّا إذا تعذر جنس حقه، وعن أبي حنيفة: المنع، وعنه: يأخذ جنس حقه، ولا يأخذ من غير جنس حقه، إلَّا أحد النقدين بدل الآخر، وعن مالك: ثلاث روايات، كهذه الآراء، وعن أحمد: المنع مطلقًا، انتهى.\nقلت: وهذا الحكم ليس بقضاء على الغائب بل هو إفتاء من رسول الله - ﷺ - على سؤالها، فلا يستدل به على جواز القضاء على الغائب.\n٣٥٣٣ - (حدثنا خشيش بن أصرم، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت هند إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل ممسك، فهل عليَّ من حرجٍ أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه؟ فقال النبي - ﷺ -: لا حرج عليك أن تنفقي عليهم) أي على عيال أبي سفيان من ماله بغير إذنه (بالمعروف).\n٣٥٣٤ - (حدثنا أبو كامل، أن يزيد بن زريع حدثهم، نا حميد\n_________\n(١) وذكرها العيني (٩/ ٢١٢) في \"المظالم\"، وقال ابن عابدين: إن الفتوى اليوم على قولهما والشافعي، وذكرها في \"المغني\". [انظر: \"رد المحتار\" (٦/ ٢٥٢) و\"المغني\" (١٤/ ٣٣٩)]. (ش).","vol":"11","page":261},{"text":"- يَعْنِي الطَّوِيلَ-، عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ الْمَكيِّ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ لِفُلَانٍ نَفَقَةَ أَيْتَامٍ كَانَ وَليَّهُمْ، فَغَالَطُوهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَدَّاهَا إِلَيْهِمْ فَأَدْرَكْتُ لَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ مِثْلَهَا (١)، قَالَ: قُلْتُ: اقْبِضْ الأَلْفَ الَّذِي ذهَبُوا بهِ مِنْكَ. قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"أَدِّ الأَمانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ\". [حم ٣/ ٤١٤، ق ١/ ٢٧١]\n===\n-يعني الطويل-، عن يوسف بن ماهك المكى قال: كنت أكتب لفلان) لم أقف على تسميته، أي كنت كاتبًا له أكتب (نفقة أيتام كان) أي الفلان (وليهم) أي صار متوليًا لأمرهم، فلما بلغ الأيتام وحاسبوه أموالهم (فغالطوه بألف درهم) فأخذوا منه (فأداها) أي ألف درهم (إليهم) أي إلى الأيتام.\nقال يوسف بن ماهك: (فأدركت لهم) أي للأيتام (من مالهم) أي مال الأيتام، وتقدير العبارة: من مالهم مالًا لهم (مثلها) يعني ألف درهم (قال) أي يوسف: (قلت) لذلك الفلان: (اقبض الألف الذي ذهبوا به منك) بالمغالطة في الحساب (قال) أي الفلان: إلا) أي لا آخذ لأني (حدثني أبي أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك (٢)، ولا تخن من خانك).\nقال الخطابي (٣): هذا الحديث يعد مخالفًا في الظاهر حديث هند، وليس بينهما في الحقيقة خلاف، وذلك لأن الخائن هو الذي يأخذ ما ليس له أخذه ظلمًا أو عدوانًا، فأما من كان مأذونًا له في أخذ حقه من مال\n_________\n(١) في نسخة: \"مثليها\".\n(٢) وفي \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣١٥): له معنيان، أي من عامل بك بالأمانة حين وضعتَ عنده أمانتك، أو المعنى: من اعتقدك أمينًا حين وضع لديك أمانة. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ١٦٨).","vol":"11","page":262},{"text":"٣٥٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَأَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا، نَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، عن شَرِيكٍ - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: وَقَيْسٍ -، عن أَبِي حُصَيْنٍ، عن أَبي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ\". [ت ١٢٦٤، ق ١٠/ ٢٧١، ك ٢/ ٤٦، قط ٣/ ٣٥]\n===\nخصمه واستدراك ظلامته منه فليس بخائن، ومعناه \"لا تخن من خانك\"، بأن تقابله بخيانة مثل خيانته، وهذا لم يخنه؛ لأنه مقتض حقًا لنفسه، والأول كان مقتضيًا حقًا لغيره.\nوكان مالك بن أنس يقول: إذا أودع رجل رجلًا ألف درهم فجحده الألف، ثم أودعه الجاحد ألفًا لم يجز له أن يجحده، قال ابن القاسم صاحبه: أظنه ذهب إلى هذا الحديث، وقال أصحاب الرأي: يسعه أن يأخذ ألفًا قصاصًا عن حقه، ولو كان بدله حنطة أو شعيرًا لم يجز له ذلك، لأن هذا بيع، وأما إذا كان مثله فهو قصاص (١)، وقال الشافعي: يسعه أن يأخذ عن حقه في الوجهين جميعًا، واحتج بخبر هند، انتهى. قال المنذري (٢): فيه رواية مجهول.\n٣٥٣٥ - (حدثنا محمد بن العلاء وأحمد بن إبراهيم قالا: نا طلق بن غنام، عن شريك) القاضي (قال ابن العلاء) شيخ المصنف: (وقيس) بن الربيع عطف على شريك، حاصله أن شيخي المصنف محمد بن العلاء وأحمد بن إبراهيم اختلفا، فقال محمد بن العلاء: نا طلق بن غنام، عن شريك وقيس، وقال أحمد بن إبراهيم: نا طلق بن غنام عن شريك فقط، ولم يذكر قيسًا، (عن أبي حصين) بفتح المهملة، عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، (عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).\n_________\n(١) في الأصل: \"قضاء\"، وهو تحريف، والتصحيح من \"المعالم\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ١٨٥).","vol":"11","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1369>(٨١) بَابٌ: في قَبُولِ الْهَدَايَا</span>\n٣٥٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ بَحْرٍ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤَاسِيُّ قَالَا، نَا عِيسَى - وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِى إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ -، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. [خ ٢٥٨٥، ت ١٩٥٣، حم ٦/ ٩٠، ق ٦/ ١٨٠]\n٣٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، نَا سَلَمَةُ - يَعْنِى ابْنَ الْفَضْلِ -، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَأيْمُ اللَّهِ لَا أَقْبَلُ بَعْدَ يَوْمِى هَذَا مِنْ أَحَدٍ\n===\n\n(٨١) (بَابٌ: في قَبُولِ الْهَدَايَا)\n٣٥٣٦ - (حدثنا علي بن بحر وعبد الرحيم بن مطرف الرؤاسي قالا: نا عيسى- هو ابن يونس بن إسحاق السبيعي-، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يقبل الهدية وُيثِيبُ عليها).\nقال الخطابي (١): قبول النبي - ﷺ - الهدية نوع من الكرامة، وباب من حسن الخلق، ويتألف به القلوب، وكان أكل الهدية شعارًا له وأمارة من أماراته، ووصف في الكتب المقدمة: بأنه يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، وكان إذا قبل الهدية أثاب عليها؛ لئلا يكون لأحد عليه يدٌ، ولا يلزمه لأحد منة.\n٣٥٣٧ - (حدثنا محمد بن عمرو الرازي، نا سلمة -يعني ابن الفضل-، حدثني محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: وأيم الله لا أقبل بعد يومي هذا من أحد\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٦٨، ١٦٩).","vol":"11","page":264},{"text":"هَدِيَّةً، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُهَاجِرِيًّا قُرَشِيًّا (١)، أَوْ أَنْصَارِيًّا، أَوْ فَى دَوسِيًّا، أَوْ ثَقَفِيًّا\". [ت ٣٩٤٥، حم ٢/ ٢٩٢، ق ٦/ ١٨٠، ك ٢/ ٦٢]\n===\nهدية، إلَّا أن يكون مهاجريًّا قرشيًّا، أو أنصاريًّا، أو دوسيًّا، أو ثقفيًّا).\nوفي قوله: \"أيم الله\" دلالة على الترجمة، حيث يدل على أنه كان يقبلها، وأن عدم القبول كان لعارض، وأيضًا فيه دلالة على أن له أن يرد هدية خاف منها فتنة أوكانت فيها مذلة له.\nقال الخطابي (٢): ومنعهم من أمر الناس (٣) في الهدية على وجوهٍ، وجعلهم في ذلك ثلاث طبقات، فقال: هبة الرجل لمن هو دونه كالخادم ونحوه إكرامٌ له وإلطافٌ، وذلك غير مقتضٍ ثوابًا، وهبة الصغير للكبير طلبُ رِفْدٍ ومنفعةٍ، والثواب فيهما واجب، وأما هبة النظير لنظيره فالغالب فيها معنى التودد والتقرب، وقد قيل أيضًا: إن فيها ثوابًا، وأما إذا وهب هبةً واشترط فيها الثواب فهو لازم.\nوقد ذهب بعض العلماء في ذلك إلى أنها عقد من عقود المعاوضات، وقال: يجب أن يكون العوض معلومًا، وأثبت فيها شرائط المبايعات من وجوه الخيارات الثلاث والرد بها ونحوها (٤)، انتهى.\nوإنما قال ذلك في الحديث، لما أهدى له أعرابي فأثابه فلم يرض، وهو ما أخرج أحمد (٥) عن أبي هريرة: أن أعرابيًا أهدى إلى رسول الله - ﷺ - بكرةً، وعَوَّضَ منها ست بكراتٍ، فتسخطه، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: \"إن فلانًا أهدى إلى ناقةً ... \" الحديث.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أو قرشيًا\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٦٩).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\" (٣/ ١٦٩): \"ومنهم من حمل أمر الناس\".\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"والرد بالعيب ونحوه\".\n(٥) \"مسند أحمد\" (٢/ ٢٩٢).","vol":"11","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1370>(٨٢) بَابُ الرُّجُوعِ في الْهِبَةِ</span>\n٣٥٣٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبَانُ وَهَمَّامٌ وَشُعْبَةُ قَالُوا: نَا قَتَادَةُ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْعَائِدُ في هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ في قَيْئِهِ\". [خ ٢٦٢١، م ١٦٢٢، ن ٣٦٩٦، جه ٢٣٨٥، ت ١٢٩٨، حم ١/ ٢١٧]\nقَالَ هَمَّامٌ: وَقَالَ قتَادَةُ: وَلَا نَعْلَمُ الْقَيءَ إِلَّا حَرَامًا.\n===\n\n(٨٢) (بَابُ الرُّجُوعِ في الْهِبَةِ) (١)\n٣٥٣٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا أبان وهمام وشعبة قالوا: نا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: العائد في هبته كالعائد في قيئه) أي الذي يعود في هبته ويرجعه من الموهوب له، فهو كالذي يقيء ثم يأكل قيئه.\n(قال همام: وقال قتادة: ولا نعلم القيء إلَّا حرامًا) قيل: هو تحريم، وقيل: تشنيع وتقبيح، والذي يؤيد أن المراد تقبيحه (٢) هو ما وقع في الروايات من التشبيه بالكلب، يقيء فيعود بقيئه، وليس يحكم عليه بالحرمة، فهو محض تقبيح وتشنيع.\n_________\n(١) ولا يجوز الرجوع عند الإِمام في سبعة مواطن، جمعها قولهم: \"دمع خزقه\" والمراد بالدال: زيادة زادها الموهوب له، وبالميم: موت أحدهما، وبالعين: العوض، وبالخاء: الخروج عن ملك الموهوب له، وبالزاء: إلى الزوجية، لا يرد أحد الزوجين عن الآخر، وبالقاف: القرابة، وبالهاء: هلاك الموهوب، كذا في \"مظاهر حق\" (٣/ ٦٠٠، ٦٠١). (ش).\n(٢) قلت: وقد أخذ الجمهور هذا التوجيه في قصة في فرس عمر إذا تصدق به، ثم سأل عن شرائه، فقال ﵊: \"لا تشترِ ولا تَعُدْ في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه\"، وقال الحافظ (٣/ ٣٥٣): يحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصةً لكون القيء مما يستقذر، وهو قول الأكثر. (ش).","vol":"11","page":266},{"text":"٣٥٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ- يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ -، نَا حُسَيْنُ، الْمُعَلِّمُ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَحِلّ لرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ (١) ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ، فَإِذَا شَبعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ في قَيْئِهِ\". [ت ١٢٩٩، ن ٣٦٩٠، جه ٢٣٧٧، حم ١/ ٢٣٧، ق ٦/ ١٧٩، ك ٢/ ٤٦]\n===\n٣٥٣٩ - (حدثنا مسدد، نا يزيد -يعني ابن زريع-، نا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها، إلَّا الوالد (٢) فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه).\nقال الطحاوي (٣): قوله: \"لا يحل\" لا يستلزم التحريم، وهو كقوله: \"لا تحل الصدقة لغني\"، وإنما معناه: \"لا تحل له\" من حيث يحل لغيره من ذوي الحاجات والزمانة، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة.\nقال: وقوله: \"كالعائد في قيئه\"، وإن اقتضى التحريم لكون القيء حرامًا؛ لكن الزيادة في الرواية الأخرى، وهي قوله: \"كالكلب\" يدل على عدم التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد، فالقيء ليس حرامًا عليه، والمراد التنزيه عن فعل يشبه\n_________\n(١) في نسخة: \"عطية\".\n(٢) لا رجوع عندنا بهبة ذي رحم محرم، للرواية المصرحة بذلك، ذكرها الزيلعي (٤/ ١٢٤، ١٢٥)، والحافظ في \"الدراية\" (٢/ ١٨٤)، وصححها الحاكم (٢/ ٤٦، ٤٧)، والجواب عن حديث الباب كما أفاده الوالد في تقرير \"الترمذي\": أن الاستثناء منقطع؛ لأن أخذ الوالد ليس برجوع في الحقيقة، إنما هو تملك من الأب لهذا الشيء كسائر أملاك الابن، لا لكونه هبة، بل لكونه ملك ولده، وقد رخص له الشارع أن يتملك أملاك ابنه عند فاقته إليها ... إلخ. (ش).\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٧٨، ٧٩، ٨٢).","vol":"11","page":267},{"text":"٣٥٤٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيدٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْب حَدَّثَهُ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَثَلُ الَّذِي يَسْتَرِدُّ مَا وَهَبَ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ فيَأكُلُ قَيْئَهُ، فَإِذَا اسْتَرَدَّ الْوَاهِبُ فَلْيُوَقَّفْ فَلْيُعَرَّفْ بِمَا اسْتَرَدَّ ثُمَّ ليَدْفَعْ إِلَيْهِ مَا وَهَبَ\". [حم ٢/ ٧٧٥، ق ٦/ ١٨١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>(٨٣) بَابٌ: في الْهَدِيَّةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ</span>\n٣٥٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ،\n===\nفعل الكلب، وقد روي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الواهب أحق (١) بهبته ما لم يثب\".\n٣٥٤٠ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أنا أسامة بن زيد، أن عمرو بن شعيب حدثه، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو) بن العاص (عن رسول الله - ﷺ - قال: مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب يقيء فيأكل قيئه، فإذا استرد الواهب) أي طلب ردها (فليوقف فليعرف بما استرد، ثم ليدفع إليه ما وهب)، وهذا يدل على أن للواهب حق الرجوع (٢) في هبته مع الكراهة في ذلك، وهو مذهب الحنفية.\n\n(٨٣) (بَابٌ في الْهَدِيَّةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ)\n٣٥٤١ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب،\n_________\n(١) قال الزيلعي (٤/ ١٢٥، ١٢٦): روي هذا من حديث أبي هريرة وابن عباس وابن عمر، ثم ذكر طرقها.\nقلت: ويؤيده أيضًا ما تقدم \"فهو أحق بها منهم\" في \"باب العرافة\" وأيضًا في \"باب المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة\" في إرجاع السبي لوفد هوازن، وفي \"باب الإِمام يمنع القاتل السلب\" من رجوع خالد، وتقريره ﵊، وفي \"باب الرخصة في المدركين يفرق بينهم\" من إرجاع الجارية عن سلمة بن الأكوع. انتهى. (ش).\n(٢) بشرط التراضي أو قضاء القاضي، كما في \"الكفاية\"، وغيره في الفروع. (ش).","vol":"11","page":268},{"text":"عَنْ عُمَرَ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِى عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لأَخِيهِ (١) شَفَاعَةً (٢) فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا». [حم ٥/ ٢٦١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1372>(٨٤) بَابٌ: في الرَّجُلِ يُفَضِّلُ بَعْضَ وُلْدِهِ في النُّحْلِ</span>\n٣٥٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا هُشَيْمٌ، نَا سَيَّارٌ وَأَنَا مُغِيرَةُ وَنَا دَاوُدُ، عن الشَّعْبِيِّ؛ وَأَنَا مُجَالِدٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، عن الشَّعْبِيِّ،\n===\nعن عمرو بن مالك، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا).\nنقل في \"الحاشية\" عن \"فتح الودود\": وذلك لأن الشفاعة الحسنة مندوب إليها، وقد تكون واجبة، فأخذ الهدية عليها يضيع أجرها، كما أن الربا يضيع الحلال.\n\n(٨٤) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يُفَضِّلُ بَعْضَ وُلْدِهِ في النُّحْلِ)\nأي: العطية هل يجوز؟\n٣٥٤٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، نا سيار وأنا مغيرة ونا داود، عن الشعبي، وأنا مجالد وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي) كتب في \"الحاشية\" عبارة \"الأطراف\" (٣): وفي البيوع: عن ابن حنبل، عن هشيم، عن سيار\n_________\n(١) في نسخة: \"لأحد\".\n(٢) في نسخة: \"بشفاعة\".\n(٣) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٢٥٠) رقم (١١٦٢٥).","vol":"11","page":269},{"text":"عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَنْحَلَنِي (١) أَبِي نُحْلًا- قَالَ (٢): إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمِ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: نَحَلَهُ غُلَامًا لَهُ- قَالَ: فَقَالَتْ لَهُ أُمِّي عَمْرَةُ بنْتُ رَوَاحَةَ: إِئتِ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَشْهِدْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺفَذَكَرَ ذَلِكَ (٣) لَهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي النُّعْمَانَ نُحْلًا وَإِنَّ عَمْرَةَ سَأَلَتْنِيِ أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ: \"أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟ \" قَالَ: قُلْتُ: نعَمْ، قَالَ: \"فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِئْلَ مَا أَعْطَيْتَ\n===\nأبي الحكم ومغيرة وداود بن أبي هند ومجالد بن سعيد وإسماعيل بن سالم؛ خمستهم عن الشعبي، انتهى، فهشيم يروي عن الخمسة، والخمسة يروون عن الشعبي.\nوفي نسخة \"أبي داود\" الذي عليه المنذري زاد بعد قوله: أنا سَيَّار لفظ ح وأنا مغيرة، ثم زاد: ح وأنا داود، عن الشعبي، ومجالد وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي، وليس هذا بغلط، بل يمكن تصحيحه، وهو ظاهر.\n(عن النعمان بن بشير قال: أنحلني) أي أعطاني (أبي نحلًا) أي عطية (قال إسماعيل بن سالم من بين القوم) أي الخمسة الذين روى عنهم هشيم: (نحله غلامًا له، قال) أي النعمان بن بشير: (فقالت له) أي لأبي (أمي عمرة بنت رواحة: ائت رسول الله - ﷺ - فأشهده) على تلك العطية، (فأتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك) أي العطية (له) أي لرسول الله - ﷺ -.\n(قال) النعمان: (فقال) أبي (له) أي لرسول الله - ﷺ -: (إني نحلت ابني النعمان نُحلًا وإن عمرة) أي زوجتي أم النعمان (سألتني أن أشهدك على ذلك، قال) أي النعمان: (فقال) رسول الله - ﷺ -: (ألك ولدٌ سواه؟) أي سوى النعمان (قال) أبي: (قلت: نعم) لي ولد سواه، (قال: فكلهم أعطيتَ مثل ما أعطيتَ\n_________\n(١) في نسخة: \"نحلني\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) في نسخة: \"ذاك\".","vol":"11","page":270},{"text":"النُّعْمَانَ؟ \" قَالَ (١): لَا. قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ: \"هَذَا جَوْرٌ\"، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: \"هَذَا تَلْجِئَةٌ، فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي\".\nقَالَ مُغِيرَةُ في حَدِيثِهِ: \"أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ في الْبِرِّ وَاللُّطْفِ سَوَاءً؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي\".\nوَذَكَرَ مُجَالِدٌ في حَدِيثِهِ: \"إِنَّ لَهُمْ عَلَيكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، كَمَا أَنَّ لَكَ عَلَيْهِئم مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَبَرُّوكَ\". [خ ٢٦٥٠، م ١٦٢٣، ن ٣٦٧٢، جه ٢٣٧٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: في حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: \"أَكُلُّ بَنِيكَ\"\n===\nالنعمان؟ قال) أي والد النعمان: (لا، قال: فقال بعض هؤلاء المحدثين) أي الخمسة المذكورين: قال رسول الله - ﷺ -: (هذا جور) أي إعطاؤك النعمان ولم تعط غيره ميل عن الحق.\n(وقال بعضهم): قال رسول الله - ﷺ -: (هذا تلجئة) وهي تفعلة من الإلجاء، كأنه قد ألجأك أن تأتي أمرًا باطنه خلاف ظاهره، وأحوجك إلى أن تفعل فعلًا تكرهه (فأشهدْ) من باب الإفعال (على هذا غيري) يعني لا يليق بي أن أشهد على هذا الفعل المكروه.\n(قال مغيرة في حديثه: أليس يسرك أن يكونوا لك في البر واللُّطف سواء؟ قال: نعم) فزاد مغيرة من بينهم هذا اللفظ (قال: \"فأشهد على هذا غيري\"، وذكر مجالد في حديثه: إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبرُّوك)، وهذه الزيادة في حديث مجالد خاصة.\n(قال أبو داود: في حديث الزهري: قال بعضهم: أكُلُّ بنيكَ،\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".","vol":"11","page":271},{"text":"وَقَالَ بَعْضُهُمْ: \"وَلَدَكَ\"، وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ عن الشَّعْبِيِّ فِيهِ: \"أَلَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟ \"، وَقَالَ أَبُو الضُّحَى، عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشَيْرٍ: \"أَلَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟ \".\n٣٥٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: \"أَعْطَاهُ أَبُوهُ غُلَامًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا هَذَا الْغُلَامُ؟ \" قَالَ: غُلَامِي (١) أَعْطَانِيهِ أَبِي، قَالَ: \"فَكُلَّ (٢) إِخْوَتِكَ أَعْطَى كَمَا أَعْطَاكَ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَارْدُدْهُ\". [م ١٦٢٣، ن ٣٦٧٧]\n٣٥٤٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن حَاجِبِ بْنِ\n===\nوقال بعضهم: ولدكَ) في موضع \"بنيك\" (وقال ابن أبي خالد) (٣) هو إسماعيل (عن الشعبي فيه: \"ألك بنون سواه؟ \"، وقال أبو الضحى (٤) عن النعمان بن بشير: ألك ولد غيره؟).\n٣٥٤٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: حدثني النعمان بن بشير قال: أعطاه أبوه غلامًا، فقال له رسول الله - ﷺ - ما هذا الغلام؟) أي ومن أين لك هذا؟ (قال: غلامي أعطانيه أبي، قال: فكل) بحذف حرف الاستفهام (إخوتك أعطى كما أعطاك؟ قال) النعمان: قلت: (لا) أي لم يعطهم (قال: فاردده).\n٣٥٤٤ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد) بن زيد، (عن حاجب بن\n_________\n(١) في نسخة: \"غلام\".\n(٢) في نسخة: \"أفكل\".\n(٣) أخرج روايته مسلم في \"صحيحه\" (١٦٢٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٥١٠٦).\n(٤) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٢٦٨ - ٢٧٦)، والنسائي في \"سننه\" (٦/ ٢٦١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١١/ ٤٩٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٨٦).","vol":"11","page":272},{"text":"الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّب، عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ، اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ\". [ن ٣٦٨٧، حم ٤/ ٢٧٥]\n٣٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِي غُلَامَكَ وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ -ﷺ - فَأَتَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ\n===\nالمفضل بن المهلب) بن أبي صفرة، كان عامل عمر بن عبد العزيز على عمان، عن ابن معين: ثقة، أخرجا له حديثًا واحدًا في \"النحل\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبيه) مفضل بن مهلب بن أبي صفرة الأزدي، أبو غسان البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله - ﷺ -: اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم).\nقال النووي (١): فيه استحباب التسوية بين الأولاد في الهبة، فلو وهب بعضهم دون بعض، فذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة: أنه مكروه، وليس بحرام، والهبة صحيحة، وقال أحمد والثوري وإسحاق: هو حرام، واحتجوا بقوله ﵇: \"لا أشهد على جور\"، واحتج الأولون بما جاء في رواية: \"فأشهد على هذا غيري\"، ولو كان حرامًا أو باطلًا لما قال هذا، وبقوله: \"فارجعه\"، ولو لم يكن نافذًا لما احتاج إلى الرجوع، وأما معنى الجور فليس فيه أنه حرام، لأنه ميل عن الاستواء والاعتدال، وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور، سواء كان مكروهًا أو حرامًا.\n٣٥٤٥ - (حدثنا محمد بن رافع، نا يحيى بن آدم، نا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قالت امرأة بشير: انْحَل ابني غلامك، وأشهد لي رسول الله - ﷺ -، فأتى) بشير (رسول الله - ﷺ - فقال: إن ابنة فلان) أي زوجته،\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٧٧).","vol":"11","page":273},{"text":"سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامًا (١)، فَقَالَتْ (٢) لِي: أَشْهِدْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: \"لَهُ إِخْوَةٌ؟ \" فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَكُلَّهُمْ (٣) أَعْطَيْتَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وَإِنّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى الْحَقِّ\" (٤). (٥) [م ١٦٢٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>(٨٥) بَابٌ: في عَطِيَّةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا</span>\n٣٥٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدِ وَحَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ،\n===\nوهي ابنة رواحة (سألتني أن أنحل ابنها غلامًا، فقالت لي: أشهد رسول الله - ﷺ -، فقال) رسول الله - ﷺ -: (له) بحذف الاستفهام، أي ألَه يعني لابنها (إخوة؟ فقال) أي بشير: (نعم، قال: فكلهم) بتقدير حرف الاستفهام (أعطيت ما أعطيته؟) أي من للغلام (قال: لا، قال) رسول الله - ﷺ -: (فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلَّا على الحق)\n\n(٨٥) (بَابٌ: في عَطِيَّةِ الْمَرْأَةِ) أي: من مالها (بِغَيْرِ إذْن زَوْجِهَا)\n٣٥٤٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن داود بن أبي هند وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده\n_________\n(١) في نسخة: \"غلامي\".\n(٢) في نسخة: \"وقالت\".\n(٣) في نسخة: \"أكلهم\".\n(٤) في نسخة: \"على حق\".\n(٥) زاد في نسخة:\nحَدَّثَنَا أَحْمَدَ بْنُ يُونُس، حَذَثَنا زُهَيْر، حَدّثَنَا عَبْدُ اللهَ بْنُ عَطَاءٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عن أَبِي بُرَيْدَةَ، أن امْرَأَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: \"كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةِ، وإنها مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الوَلِيدَةِ\"، قَالَ: وَذَكَرَ الحَدِيث. [تقدَّم (١٦٥٦، ٢٨٧٧، ٣٣٠١)، ولم يذكره المزي (١٩٨٠) هذا الموضع].","vol":"11","page":274},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَجُوزُ لاِمْرَأَةٍ أَمْرٌ في مَالِهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا\". [ن ٣٧٥٦، حم ٢/ ٢٢١، ق ٦/ ٦٠، ك ٢/ ٤٧]\n٣٥٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا خَالِدٌ- يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ-، نَا حُسَيْنٌ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: \"لَا يَجُوزُ لاِمْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا\". [ن ٢٥٤٠، جه ٢٣٨٨، حم ٢/ ١٨٤]\n===\nأن رسول الله - ﷺ - قال: لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها)\nقال الخطابي (١): عند أكثر العلماء هذا على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزوج بذلك، إلا أن مالك (٢) بن أنس قال: يرد ما فعلت من ذلك حتى يأذن الزوج، قال الشيخ: وقد يحتمل أن يكون ذلك في غير الرشيدة، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال للنساء: \"تصدقن، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم، وبلال يتلقاها بكسائه\"، وهذه عطية بغير إذن الزوج.\n٣٥٤٧ - (حدثنا أبو كامل، نا خالد -يعني ابن الحارث-، نا حسين، عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تجوز لامرأة عطية إلَّا بإذن زوجها)\nوفي هذا الحديث إن كان المراد من العطية من مال زوجها فحكمه ظاهر، وأما إذا كان المراد من العطية من مالها، فهو محمول على الأدب والاختيار والمشاورة مع الزوج.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ١٧٤).\n(٢) حتى لو نذرت بأكثر من ثلث مالها لا يصح نذرها، بسطه الباجي في \"المنتقى\"، وعن أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: مع مالك، والأخرى: مع الشافعي والحنفية والجمهور، كذا في \"المغني\" (٦/ ٦٠٢). (ش).","vol":"11","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1374>(٨٦) بَابٌ: في الْعُمْرَى</span>\n٣٥٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن النَّضْرِ بْنِ أَنسٍ، عن بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْعُمْرَى جَائِزَةٌ\" (خ ٢٦٢٦، م ١٦٢٦، ن ٣٧٥٩]\n===\n\n(٨٦) (بَابٌ: في الْعُمْرَى) (١)\n٣٥٤٨ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: العمرى جائزة) (٢).\nقال الخطابي (٣): العمرى أن يقول الرجل لصاحبه: أعمرتك هذه الدار، ومعناه: جعلتها لك مدة عمرك، فهذا إذا اتصل به القبض كان تمليكًا لرقبته، وإذا ملكها في حال حياته، وجاز له التصرف فيها، ملكها بعده وارثه الذي يرث أملاكه، وهذا قول الشافعي وقول أصحاب الرأي، وحكي عن مالك أنه قال: العمرى تمليك المنفعة دون الرقبة، فإن جعلها عمرى له فهي له مدة عمره، ولا تورث، وإن جعلها له ولعقبه بعده كانت منفعته ميراثًا لأهله.\n_________\n(١) كانوا يفعلونه في الجاهلية فأبطله الشارع. \"مرقاة\" (٦/ ٢٠٤). (ش).\n(٢) وقال ابن بطال: لا خلاف بينهم أن العمرى إذا قبضها المعمر لا رجوع فيها، كذا في \"الحاشية\"، عن \"الخير البخاري\"، قال القاري (٦/ ٢٠١): قال النووي: له ثلاثة أوجه: الأول: أعمرتك ولعقبك، فلا خلاف في أنه للمعمر له، والثاني: مطلقة، فالأصح عنده وعند الحنفية أنه مثل الأول، والثالث: بقيد الرجوع بعد موت المعمر له، فالأصح عندنا وعند الحنفية أن الشرط باطل، وقال مالك: هي في جميع الأحوال تمليك المنافع، وقال أحمد: يصح في جميع الصور، وفي \"الروض المربع\" (٢/ ٤٩٢): ولا تصح معلقة ولا مؤقتة إلَّا نحو: جعلتها لك عمرك أو حياتك، فتصح وتكون لموهوب له ولورثته. انتهى. وأصرح منه ما في \"نيل المآرب\" (٢/ ٢٩). (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ١٧٤، ١٧٥).","vol":"11","page":276},{"text":"٣٥٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ (١)، نَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ. [ت ١٣٤٩، حم ٥/ ٨، ق ٦/ ١٧٤]\n٣٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: \"الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ\". [خ ٢٦٢٥، م ١٦٢٥، ن ٣٧٥٠، ت ١٣٥٠، جه ٢٣٨٠]\n٣٥٥١ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي الأَوْزَاعِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أعْمِرَ\n===\nقال الشيخ: في قوله - ﷺ -: \"فهي له ولعقبه\" بيان وقوع الملك في الرقبة والمنفعة معًا، ويؤكد ذلك حديثه الآخر من طريق مالك نفسه، وقد رواه أبو داود في هذا الباب، ولفظه: \"أيُّما رجلٍ أُعْمِرَ عمرى لَهُ ولِعَقِبِه فإنها للذي يُعطاها\"؛ لأنه أعطي عطاءً وقعت فيه المواريث، قال الشيخ: لا عذر لمالك بعد هذا، والله أعلم.\n٣٥٤٩ - (حدثنا أبو الوليد، نا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة عن النبي - ﷺمثله) أي مثل الحديث المتقدم.\n٣٥٥٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر، أن النبي - ﷺكان يقول: العمرى لمن وهبت له) أي ثبت بها ملك الرقبة للموهوب له إذا قبضها.\n٣٥٥١ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا محمد بن شعيب، أخبرني الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن جابر، أن النبي - ﷺ - قال: من أُعمر)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الطيالسي\".","vol":"11","page":277},{"text":"عُمْرَى فَهِيَ لَهُ وَلعَقِبِهِ (١)، يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ مِنْ عَقِبِهِ\". [ن ٣٧٤٠]\n٣٥٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، نَا الْوَلِيدُ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ وَعُرْوَةَ، عن جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن جَابِرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>(٨٧) بَابُ مَنْ قَالَ فِيهِ: وَلِعَقِبِهِ</span>\n٣٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا، نَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، نَا مَالِكٌ - يَعْنِي ابْنَ أَنَسٍ -، عن ابْنِ شِهَابٍ،\n===\nبصيغة المجهول، أي من أعطي بطريق العمرى (عمرى فهي له) أي لمن أعطي (ولعقبه) أي من يرث بعده (يرثها من يرثه من عقبه) لأنها إذا دخلت في ملك المعمر له، يجري فيه الإرث، فيرثها بعده من يرثه من الورثة.\n٣٥٥٢ - (حدثنا أحمد بن أبي الحواري، نا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة وعروة، عن جابر، عن النبي - ﷺ - بمعناه، قال أبو داود: وهكذا) أي كما روى الأوزاعي عن الزهري (رواه الليث (٢) بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر).\n\n(٨٧) (بَابُ مَنْ قَالَ فِبهِ: وَلعَقِبِهِ)\n٣٥٥٣ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ومحمد بن المثنى قالا: نا بشر بن عمر، نا مالك -يعني ابن أنس-، عن ابن شهاب،\n_________\n(١) في نسخة: \"ويرثها\".\n(٢) أخرج روايته مسلم رقم (١٦٢٥)، وابن ماجه (٢٣٨٠)، والنسائي (٦/ ٢٧٥) رقم (٣٧٤٤)، والطحاوي (٤/ ٩٣)، والبيهقي في \"سننه\" (٦/ ١٧٢).","vol":"11","page":278},{"text":"عن أَبِي سَلَمَةَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا، لأنَهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ\". [م ١٦٢٥، ت ١٣٥٠، ن ٣٧٤٥، جه ٢٣٨٠، حم ٣/ ٣٠٢]\n٣٥٥٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، نَا يَعْقُوبَ، نَا أَبِي، عَنْ صَالِح، عن ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. [ن ٣٧٤٨، ق ٦/ ١٧٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُقَيلٌ، عن ابْنِ شِهَابٍ، وَيزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ،\n===\nعن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - قال: أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يُعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها)، هذا آخر المرفوع (لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث) مدرج من قول أبي سلمة، بيَّن ذلك ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر عن النبي - ﷺ -: \"أنه قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهي له بتلة (١)، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا، قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث\"، رواه مسلم (٢).\n٣٥٥٤ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، نا يعقوب) بن إبراهيم (نا أبي) إبراهيم بن سعد (عن صالح، عن ابن شهاب بإسناده ومعناه).\n(قال أبو داود: وكذلك رواه عقيل (٣) عن ابن شهاب، ويزيد بن أبي حبيب) (٤) عطف على عقيل\n_________\n(١) قوله: \"بتلة\" أي: عطية ماضية غير راجعة إلى الواهب.\n(٢) \"صحيح مسلم\" رقم (١٦٢٥).\n(٣) لم أقف على من أخرج روايته.\n(٤) أخرج روايته النسائي في \"سننه\" (٦/ ٢٧٦) رقم (٣٧٤٩)، وأبو عوانة في \"مسنده\" (٣/ ٤٦٣) رقم (٥٧٠١)، والبيهقي في (سننه\" (٦/ ١٧٢).","vol":"11","page":279},{"text":"عن ابْنِ شِهَابٍ (١)، وَاخْتُلِفَ عَلَى الأَوْزَاعِيِّ، عن ابْنِ شِهَابٍ في لَفْظِهِ وَرَوَاهُ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِثْلَ ذَلِكَ.\n===\n(عن ابن شهاب، واختلف على الأوزاعي (٢) عن ابن شهاب في لفظه، ورواه فليح بن سليمان مثل ذلك)، هكذا في جميع النسخ الموجودة من المطبوعة والمكتوبة إلَّا في المصرية، فإن فيها: \"مثل حديث مالك\".\nوعندي حاصل كلام أبي داود في هذا المقام: إشارة إلى أن رواية الزهري اختلف فيها، فمالك بن أنس رواه عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر، ولفظه قال: \"أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه\"، ثم أشار إلى ذلك بتقوية حديث مالك برواية صالح عن ابن شهاب بإسناده ومعناه، كان في هذه الرواية أيضًا، كما في رواية مالك: \"أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه\".\nوكذلك في رواية عقيل، عن ابن شهاب، وكذلك رواية يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، فهاتان الروايتان موافقتان للفظ مالك، وصالح عن ابن شهاب، فإنهم كلهم قالوا: \"عمرى له ولعقبه\".\nثم أشار إلى خلافه فقال: اختلف على الأوزاعي عن ابن شهاب في لفظ هذا الحديث، فإن الأوزاعي خالف مالكًا وصالحًا وعقيلًا ويزيد في لفظ الحديث، ففي رواية محمد بن شعيب عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن جابر، ولفظه: \"من أعمر عمرى فهي له ولعقبه\".\nوكذلك رواه الوليد عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة وعروة، عن جابر كما تقدم، فخالفهم الأوزاعي، فإنه قال في حديثه: \"من أعمر عمرى له\"، سواء قال فيه: \"ولعقبه\" أو لم يقل، ففي كلا الصورتين يكون له ولعقبه، ثم قواه برواية الليث عن الزهري، عن جابر، فإنه روى كما قال الأوزاعي.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بإسناده\".\n(٢) أخرج روايته المصنف برقم (٣٥٥٢)، والنسائي (٦/ ٢٧٥)، وابن حبان (١/ ٥٣٦) رقم (٥١٣٥)، والبيهقي (٦/ ١٧٣).","vol":"11","page":280},{"text":"٣٥٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَقُولَ: \"هِيَ لَكَ وَلعَقِبِكَ\"، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبَهَا. [م ١٦٢٥، حم ٣/ ٢٩٤، ق ٦/ ١٧٢]\n===\nقلت: أخرج مسلم رواية الليث عن الزهري: حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح قالا: أنا الليث ح، وقال: حدثنا قتيبة قال: نا ليث، عن ابن شهاب، واختلف لفظ ليث في هذا الحديث، ففي رواية ابن رمح وقتيبة: \"من أعمر رجلًا عمرى له ولعقبه، فقد قطع قوله حقه\"، الحديث، ففي هذه الرواية زيادة قوله: \"ولعقبه\".\nثم قال مسلم: غير أن يحيى قال في أول حديثه: \"أيما رجل أعمر عمرى فهي له ولعقبه\"، فلم يزد فيه: \"أعمر عمرى له ولعقبه\"، فاختلفت رواية الليث.\nوأما رواية فليح بن سليمان فلم أجده (١) فيما عندي من كتب الحديث، بل هو موافق لروية مالك، أو موافق لرواية الأوزاعي.\n٣٥٥٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله قال: إنما العمرى التي أجازها رسول الله - ﷺ - أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها).\nقال في \"فتح الودود\" (٢): وقالوا: هذا اجتهاد من جابر بن عبد الله، ولعله أخذ من مفهوم: \"أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه\"، ولا حجة في الاجتهاد، فلا يخص به الأحاديث المطلقة.\n_________\n(١) أخرج روايته البيهقي بنحو رواية مالك، انظر: \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٧٢).\n(٢) كذا أجاب عنه القاري (٦/ ٢٠٣)، وفي \"تنقيح الرواة على المشكاة\": قال الحافظ: انظر (٥/ ٢٣٩): \"فأما إذا قال ... \" إلخ، هي قول أبي سلمة. (ش).","vol":"11","page":281},{"text":"٣٥٥٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ، عن جَابرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعمِرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ\". [ن ٣٧٣١]\n٣٥٥٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، نَا سُفْيَانُ، عن حَبِيبٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي ثَابِتٍ -، عن حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عن طَارِقٍ الْمَكِّيِّ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ أَعْطَاهَا ابْنُهَا حَدِيقَةً مِنْ نَخْلٍ (١) فَمَاتَتْ، فَقَالَ ابْنُهَا: إِنَّمَا أَعْطَيْتُهَا (٢) حَيَاتَهَا وَلَهُ إِخْوَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\n٣٥٥٦ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، أن النبي - ﷺ - قال: لا ترقِبوا) بضم التاء وسكون الراء وكسر القاف من الرقبى (ولا تُعمِروا، فمن أرقب شيئًا أو أعمره فهو لورثته).\n٣٥٥٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا معاوية بن هشام، نا سفيان، عن حبيب- يعني ابن أبي ثابت-، عن حميد الأعرج، عن طارق) بن عمرو (المكي) الأموي مولاهم، قال الواقدي: ولاه عبد الملك بن مروان المدينة، فلما قتل مصعب بن الزبير دعا إلى طاعة عبد الملك (٣) وكان واليًا لعبد الله بن الزبير، قال أبو زرعة: ثقة.\n(عن جابر بن عبد الله قال: قضى رسول الله - ﷺ - في امرأة من الأنصار) لم أقف على تسميتها (أعطاها ابنها) ولم أقف على تسمية ابنها أيضًا (حديقة) أي بستانًا (من نخل، فماتت، فقال ابنها) المعطي: (إنما أعطيتها حياتها) أي إلى حياتها فقط، فأنا أحق بها بعد موتها (وله إخوة، فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"نخيل\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إياها\".\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"تهذيب التهذيب\": \"دعا إلى طاعة عبد الملك وأخرج طلحة بن عبد الله بن عوف وكان واليًا لعبد الله بن الزبير\". (٥/ ٥، ٦).","vol":"11","page":282},{"text":"\"هِيَ لَهَا حَيَاتَهَا وَمَوْتَهَا\". قَالَ: كُنْتُ تَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَيْهَا. قَالَ: \"ذَلِكَ (١) أَبْعَدُ لَكَ\". [ق ٦/ ١٧٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1376>(٨٨) بَابٌ: في الرُّقْبَى</span>\n٣٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا هُشَيْمٌ، نَا دَاوُدُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا\". [ت ١٣٥١، ن ٣٧٣٩، جه ٢٣٨٣، حم ٣/ ٣٠٣، ق ٦/ ١٧٥]\n===\nهي لها حياتها وموتها) أي بعد موتها لورثتها (قال) أي ابنها المعطي: كنت تصدقت بها عليها) وظن أن في صورة الصدقة لعلها ترجع إليه (قال) رسول الله - ﷺ -: (ذلك أبعد لك) يعني إذا كنت تصدقت عليها فالرجوع في الصدقة أبعد من الرجوع في الهبة.\n\n(٨٨) (بَابٌ: في الرُّقْبى) (٢)\n٣٥٥٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، نا داود، عن أبي الزبير، عن جابر) بن عبد الله - ﵁ - (قال: قال رسول الله - ﷺ -: العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها).\nقال في \"الهداية\" (٣): والرقبى باطلة عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله-، وقال أبو يوسف - ﵀ -: جائزة؛ لأن قوله: داري لك تمليك، وقوله: رقبى شرط فاسد كالعمرى؛ ولهما أنه ﵊ أجاز العمرى وردَ الرقبى؛ ولأن معنى الرقبى عندهما إن متُّ قبلك فهو لك، واللفظ من المراقبة، كأنه يراقب موته، وهذا تعليق التمليك بالخطر فبطل؛\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك.\n(٢) قال الحافظ (٥/ ٢٤٠): هي كالعمرى عند الجمهور، وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد:\nباطل، وأبو يوسف مع الجمهور، وكذا قال العيني (٩/ ٤٥٢). (ش).\n(٣) \"الهداية\" (٣/ ٢٢٨).","vol":"11","page":283},{"text":"٣٥٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحمدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَعْقِلٍ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن طَاوُسٍ، عن حُجْرٍ (١)، عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ اُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِمُعْمَرِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ، وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ سَبِيلُهُ\" (٢). [ن ٣٧٢٣، حم ٥/ ١٨٩، جه ٢٣٨١]\n===\nفإذا لم تصح تكون عارية (٣) عندهما؛ لأنه يتضمن إطلاق الانتفاع به.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀-: قد اختلف فيه أئمتنا الثلاثة، فمن جوزها أراد بالرقبى الهبة، بشرط أن ترجع إلى الواهب لو مات الموهوب له قبله، ومن أبطلها فسرها بتعليق التمليك على الموت السابق من أيهما كان بقوله: \"إن مِتَّ قبلي فهو لي، وإن متُّ قبلك فهو لك\"، وهو باطل لا محالة؛ لأن تعليق التمليك على شرط هو على خطر الوجود قمار، فكان الخلاف لفظيًا مبنيًا على اختلاف تفسير الرقبى وهي مفسرة بهما معًا، انتهى.\n٣٥٥٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: قرأت على معقل) بن عبيد الجزري، (عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن حجر) بن قيس الهمداني الحجري المدني (٤)، ويقال: الحجوري -بفتح الحاء المهملة وضم الجيم وراء-، نسبة إلى حجور بطن من همدان، قال العجلي: تابعي ثقة، وكان من خيار التابعين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - ﷺ - من أعمر شيئًا فهو لمعمره) أي لمن أعطيه (محياه ومماته) أي في الحياة له وبعد الممات لورثته (ولا ترقبوا) شيئًا (فمن أرقب شيئًا فهو سبيله) ولفظ النسائي أوضح، ففيه عن ابن عباس:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المدري\".\n(٢) في نسخة: \"في سبيله\".\n(٣) في الأصل: \"جارية\"، وهو تحريف.\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"التهذيب\" (٢/ ٢١٥): \"الهمداني المدري اليمني\".","vol":"11","page":284},{"text":"٣٥٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى، عن عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عن مُجَاهِدٍ قَالَ: الْعُمْرَى أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: هُوَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَلوَرَثَتِهِ، وَالرُّقْبَى هُوَ أَنْ يَقُولَ الإنْسَانُ: هُوَ لِلآخِرِ مِنِّي وَمِنْكَ. [ق ٦/ ١٧٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1377>(٨٩) بَابٌ: في تَضْمِينِ الْعَارِيَة</span>\n٣٥٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n===\n\"فمن أرقب شيئًا فهو سبيل الميراث\"، وفي لفظ له \"لا ترقبوا أموالكم فمن أرقب شيئًا فهو لمن أرقبه\".\n٣٥٦٠ - (حدثنا عبد الله بن الجراح، عن عبيد الله بن موسى، عن عثمان بن الأسود) بن موسى بن باذان (١) المكي، مولى بني جمح، قال يحيى القطان: كان ثقةً ثبتًا، وقال أحمد وابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير.\n(عن مجاهد قال: العمرى أن يقول الرجل للرجل: هو لك ما عشت، فإذا قال ذلك فهو له ولورثته، والرقبى هو أن يقول الإنسان: هو للآخر: مني ومنك) يعني: إن مِتُّ قبلك فهو لكَ، وإن مِتَ قبلي فهو لي؛ فعلى هذا التفسير هو تعليق للتمليك بشرط هو على خطر الوجود فيبطل التمليك.\n\n(٨٩) (بَابٌ: في تَضْمِينِ الْعَارِيَةِ)\n٣٥٦١ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا بحيى، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - يقال:\n_________\n(١) في الأصل: \"بازان\" بالزاء، وهو تحريف.","vol":"11","page":285},{"text":"\"عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ\"، ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ نَسِيَ فَقَالَ: هُوَ أَمِينُكَ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. [ت ١٢٦٦، جه ٢٤٠٠، حم ٥/ ١٣، ق ٦/ ٩٠، ك ٢/ ٤٧]\n٣٥٦٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا شَرِيكٌ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عن أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، عن أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرُعًا (١) يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟\n===\nعلى اليد ما أخذتْ حتى تؤدي) أي ما أخذ رجل بيده من رجل آخر استعارةً، فاللازم على يد المستعير أن يرده (ثم إن الحسن نسي فقال: هو أميتك، لا ضمان عليه) هذا كلام قتادة.\nوحاصله: أن الحسن روى أولًا عن سمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"على اليد ما أخذتْ حتى تُؤَدي\"، وهذا الكلام يدل عند قتادة أن رد العارية واجب إذا كان موجودًا، وإذا هلك يجب عليه ضمانه؛ فعلى هذا ظن أن الحسن نسي الحديث، فقال بعد ذلك: هو أي المستعير أمين لا ضمان عليه، فقال بذلك؛ لأنه نسي الحديث، ولو لم ينس لما خالف.\nولا يخفى عليك أن قول قتادة هذا على حسب ظنه، وإلَّا فلا مخالفةَ بين كلام الحسن هذا وبين قول النبي - ﷺ -، فإن الحديث لا يدل على أن المستعار إذا هلك يلزم عليه الضمان، بل معنى الحديث أن ما أخذه المستعير واجب عليه رده وأداؤه، ولا ذكر فيه للضمان، فلا يخالف قول الحسن حديثه.\n٣٥٦٢ - (حدثنا الحسن بن محمد وسلمة بن شبيب قالا: نا يزيد بن هارون، نا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - استعار منه) أي من صفوان (أدْرُعًا) جمع درع، وهي الَّلأْمة (يوم حنين، فقال) صفوان: (أغصب يا محمد؟) وإنما قال ذلك؛\n_________\n(١) في نسخة: \"أدراعًا\".","vol":"11","page":286},{"text":"فَقَالَ: \"لَا، بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ\". [حم ٦/ ٤٥٦، ق ٦/ ٨٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذِهِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بِبَغْدَادَ، وَفِي رِوَايَتِهِ بِوَاسطٍ تَغَيُّرٌ عَلَى غَيْرِ هَذَا.\n٣٥٦٣ - حَدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ رُفَيْعٍ، عن أُنَاسٍ مِنْ آلِ عَبْدِ الله بْنِ صَفْوَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"يَا صَفْوَانُ، هَلْ عِنْدَكَ مِنْ سِلَاحٍ؟ \"، قَالَ: عَارِيَةً أَمْ غَصْبًا؟\n===\nلأنه لم يُسلم بعد (فقال) رسول الله - ﷺ -: (لا) أي ليس هذا بطريق الغضب (بل عارية مضمونةٌ) يعني لو ضاع منها نُغرم لك، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان لم يُسْلِمْ بعد، فلا يتنفر قلبه عن الإِسلام وتطمئن نفسه إليه.\nوزيادة قوله: \"مضمونة\" يدل على أن هذه العارية مختصة بالضمان (١) لوجهٍ خاصٍ، ولا يدل على أنه في جميع العواري إن هلك يجب الضمان، بل دلالته على أن المستعير لو أحب أدى ضمانه، ولو لم يؤده لا يجبر عليه.\n(قال أبو داود:) و(هذه رواية يزيد ببغداد، وفي روايته بواسط) اسم بلدة (تغير على غير هذا) ولم أقف على روايته بواسط حتى يعلم حال التغير.\n٣٥٦٣ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان، أن رسول الله - ﷺ - قال: يا صفوان (٢)، هل عندك من سلاح؟ قال: عاريةً أم غصبًا) أي هل تأخذ عاريةً أم تأخذ غصبًا؟\n_________\n(١) صرَّح بذلك في فروع الحنفية في الجعل في الجهاد: بأنه عند الحاجة يتوسل إلى الجهاد إذا لم يكن بالمسلمين قوة بالاستعارة من أهل الذمة بشرط الضمان لهم، كذا في \"فتح القدير\" (٥/ ٤٢٧). (ش).\n(٢) لعلَّه - ﷺ - طلب منه؛ لأنه كان إذ ذاك بمكة، وخرج منها إلى حنين، كما في \"الخميس\" (٢/ ١٠٠). (ش).","vol":"11","page":287},{"text":"قَالَ: \"لَا، بَلْ عَارِيَةً\"، فَأَعَارَهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إِلَى الأَرْبَعِينَ دِرْعًا (١)، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حنَيْنًا، فَلَمَّا هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ جُمِعَتْ دُرُوعُ صَفْوَانَ، فَفَقَدَ مِنْهَا أَدْرَاعًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لصَفْوَانَ: \"إِنَّا قَدْ فَقَدْنَا مِنْ أَدْرَاعِكَ أَدْرَاعًا (٢)، فَهَلْ نَغْرِمُ لَكَ؟ \"، قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأَنَّ في قَلْبِي الْيَوْمَ مَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. [ق ٦/ ٨٩ - ٩٠]\n٣٥٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، عن عَطَاءٍ، عن نَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ قَالَ: \"اسْتَعَارَ النَّبِيُّ - ﷺ -\"\n===\n(قال: لا) أي لا نأخذها غصبًا، (بل) نأخذ (عارية، فأعاره ما بين (٣) الثلاثين إلى الأربعين درعًا، وغزا رسول الله - ﷺ - حُنَيْنًا، فلما هزم المشركون جُمِعتْ دُروعُ صفوان فَفَقَد منها أدْراعًا، فقال النبي - ﷺلصفوان: إنا قد فقدنا من أدراعك أدراعًا فهل نغرم لك)؟\nوهذا يدل على أن الأدراع لم تكن مضمونة؛ لأنها لو كانت مضمونة ما سأل رسول الله - ﷺ - بقوله: \"هل نغرم لك\"؟ بل كان واجبًا عليه أن يضمنها.\n(قال: لا) أي لا تغرم لي (يا رسول الله؛ لأن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ)؛ لأنه كان لم يسلم إذا ذاك، ثم أسلم بعد.\nوفي نسخة على \"الحاشية\": قال أبو داود: وكان أعاره قبل أن يسلم، ثم أسلم. قال المنذري (٤): هذا مرسل.\n٣٥٦٤ - (حدثنا مسدد، ثنا أبو الأحوص، نا عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء، عن ناس من آل صفوان قال: استعار النبي - ﷺ -) من صفوان\n_________\n(١) في نسخة: \"أدراعًا\".\n(٢) في نسخة: \"أدرعًا\".\n(٣) قال الزرقاني (٣/ ١٥٧): أعطاه مائة درع، ويقال: أعطاه أربعمائة بما يصلحها. (ش).\n(٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ١٩٩).","vol":"11","page":288},{"text":"فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\n٣٥٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، نَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عن شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِم قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنّ اللَّه قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَلَا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شَيْئا مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا\"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: \"ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا\"، ثُمَّ قَالَ: \"الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ،\n===\n(فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم، قال المنذري (١): وفيه أيضًا الإرسال والجهاله.\n٣٥٦٥ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، نا ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) أي أظهر لكل ذي حق ما هو له من النصيب، فلا وصية لوارث، فلا أوصي لوارث، فلا يجوز ذلك (٢).\n(ولا تنفق المرأة شيئًا من بيتها) أي مال زوجها (إلَّا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله! ولا الطعام؟) بتقدير الاستفهام، أي هل لا يجوز أن تنفق الطعام أيضًا من بيت زوجها؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (ذلك) أي الطعام (أفضل أموالنا) فلا تنفقه بدون إذنه.\n(ثم قال) أي رسول الله - ﷺ -: (العارية مؤداة) أي وجب رد عينها (والمنحة) هي ما يمنحه الرجل صاحبه من أرض يزرعها مدةً ثم يردها، أو شاة يشرب درها ثم يردها، أو شجرة يأكل ثمرتها (مردودة) وجملتها أنها\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق.\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر بدله: \"فلو أوصى لوارث لا يجوز ذلك\".","vol":"11","page":289},{"text":"وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ (١)، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ\". [ت ٢١٢٠، جه ٢٧١٣، حم ٥/ ٢٦٧، ق ٦/ ٨٨]\n٣٥٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ (٢)، نَا حَيَّانُ بْنُ هِلَالٍ، نَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن عَطَاءِ بْن أَبِي رَبَاحٍ، عن صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذا أَتَتْكَ رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا\". قَالَ: قُلْتُ (٣): يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَارِيَةً مَضْمُونَةً أَوْ عَارِيَةً مُؤَدَّاةً؟ قَالَ: \"بَلْ مُؤَدَّاةً\". [حم ٤/ ٢٢٢، قط ٣/ ١٥٩ - ١٦٠] سنن النسائي الكبرى ٥٧٧٦]\n===\nتمليك المنفعة دون الرقبة، وهي في معنى العواري، وحكمها في الضمان كالعارية (والدين مقضي) أي يجب على المديون أن يقضي (والزعيم) أي الكفيل (غارم) يجب عليه الغرامة إذا لم يؤد الأصيل.\n٣٥٦٦ - (حدثنا إبراهيم بن المستمر) الهذلي الناجي العروقي، وفي \"الخلاصة\" (٤): العصفري، أبو إسحاق البصري، قال النسائي: صدوق، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أغرب، (نا حبان بن هلال، نا همام، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أتتك رُسُلي فأعطهم ثلاثين درعًا وثلاثين بعيرًا، قال) صفوان: (قلت: يا رسول الله! أعارية مضمونة) يعني إذا هلك يجب ضمانه (أو عارية مؤداة؟) أي يجب أداؤه إذا كان موجودًا، وإذا هلك لا ضمان فيه (قال) رسول الله - ﷺ -: (بل مؤداة) وهذا ظاهر في أن العارية إذا هلكت بغير تعدٍّ لا يجب ضمانه.\n_________\n(١) في نسخة: \"يقضى\".\n(٢) زاد في نسخة: \"العصفري\".\n(٣) في نسخة: \"فقلت\".\n(٤) \"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال\" (٢٢).","vol":"11","page":290},{"text":"(٩٠) بَابٌ: فِيمَنْ أَفْسَدَ شَيْئًا يُغْرَمُ (١) مِثْلُهُ\n٣٥٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا خَالِدٌ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ\n===\nقال الخطابي (٢) (٣): وقد اختلف الناس في تضمين العارية، فروي عن علي وابن مسعود - ﵄- سقوط الضمان منها، وقال شريح والحسن وإبراهيم: لا ضمان فيها، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه، وروي عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما قالا: هي مضمونة، وبه قال عطاء والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال مالك: ما ظهر هلاكه كالحيوان ونحوه [فهو] غير مضمون، وما خفي هلاكه كثوب ونحوه فهو مضمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1378>(٩٠) (بَابٌ: فِيمَنْ أَفْسَدَ شَيْئًا يُغْرَمُ مِثْلُهُ)</span>\n٣٥٦٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، ح: وحدثنا محمد بن المثنى، نا خالد، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - كان عند بعض نسائه) هي عائشة كما سيجيء (فأرسلت إحدى أمهات المومنين) وهي صفية كما سيأتي، وقيل: حفصة، وقيل: أم سلمة، ويحتمل التعدد (٤).\nوقال المنذري (٥): أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، والتي كان رسول الله - ﷺ - في بيتها [هي] عائشة بنت أبي بكر الصديق - ﵄-،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"يضمن\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٧٧).\n(٣) وفي \"الحاشية\" عن \"اللمعات\": تمسك بقوله: \"العارية مضمونة\" من قال به، كالشافعي وأحمد، ومن قال: إنه غير مضمونة، كأبي حنيفة، قال: المراد به مردودة، وذكر الضمان للمبالغة. (ش).\n(٤) فقد جزم الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١٢٤، ١٢٥) بتعدد القصة. (ش).\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٢٠١).","vol":"11","page":291},{"text":"مَعَ خَادِمٍ (١) بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، قَالَ: فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ.\nقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: فَأَخَذَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى، فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ وَيَقُولُ: \"غَارَتْ أُمُّكُمْ\". زَادَ ابْنُ الْمُثنى: \"كُلُوا\"، فَأَكَلُوا حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتَهَا الَّتِي في بَيْتِهَا، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى لَفْظِ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ قَالَ: \"كُلُوا\"، وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ في بَيْتِهِ\". [خ ٥٢٢٥، ن ٣٩٥٥، ت ١٣٥٩، جه ٢٣٣٤، دي ٢٥٩٨، حم ٣/ ٢٦٣]\n===\nوالتي أرسلت إلى النبي - ﷺ - هي زينب بنت جحش، وقيل: أم سلمة، وقيل: صفية بنت حيي- رضوان الله عليهن-.\n(مع خادم بقصعة) قال في \"القاموس\": القصعة: الصحفة، جمعه قصعات محركة، وكعنب وجبال، وأعظمُ القِصاع: الجفْنَةُ، ثم الصَّحْفَةُ، ثم المِئْكَلَة (٢)، ثم الصُّحَيْفَةُ (فيها طعام، قال) أنس: (فضربت) عائشة (بيدها) أي بيد خادمة، فسقطت (فكسرت القصعة).\n(قال ابن المثنى: فأخذ النبي - ﷺ - الكسرتين، فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيه الطعام، ويقول) رسول الله - ﷺ -: (غارت أمكم) اعتذار من جانب عائشة - ﵂ -، بأنها صدرت منها ذلك بطريق العادة في الضرائر.\n(زاد ابن المثنى: كلوا، فأكلوا حتى جاءت) أي عائشة (قصعتها التي في بيتها) أي بيت عائشة (ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد، قال: كلوا، وحبس الرسول) أي الخادمة (والقصعةَ) المكسورة (حتى فرغوا) أي من الأكل (فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول، وحبس المكسورة في بيته).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"خادمها قصعة\".\n(٢) في الأصل: \"المشكلة\"، وهو تحريف. انظر: \"القاموس المحيط\" مادة ص ح ف.","vol":"11","page":292},{"text":"٣٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي فُلَيْتٌ الْعَامِرِيُّ، عن جَسْرَةَ بِنْتِ فَى جَاجَةَ قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ صَانِعًا طَعَامًا مِثْلَ صَفِيَّةَ، صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - طَعَامًا، فَبَعَثَتْ بِهِ،\n===\nقال الخطابي (١): يشبه أن يكون هذا من باب المعونة والإصلاح، دون بت الحكم بوجوب المثل، فإن القصعة والطعام المصنوع ليس لهما مثل معلوم، ثم إن هذا طعام وإناء حملا من بيت صفية، وما كان من بيوت أزواجه من طعام ونحوه، فإن الظاهر منه والغالب عليه أنه ملك رسول الله - ﷺ -، وللمرء أن يحكم في ملكه، وفيما تحت يده مما يجري مجرى الملك بما يراه أرفق، وإلى الصلاح أقرب، وليس هذا من باب ما يحمله الناس في حكم الحكَّام في أبواب الحقوق والأموال.\nوفي إسناد الحديث مقال، ولا أعلم أحدًا (٢) من الفقهاء ذهب إلى أنه يجب في غير المكيل والموزون مثل، إلَّا أن داود يحكى عنه: أنه أوجب في الحيوان المثل، وأوجب في العبد العبد، وفي العصفور العصفور، وشبه بجزاء الصيد، انتهى.\nوفي الحديث دلالة على أن الغاصب ومن في حكمه يملك المغصوب من أداء الضمان، فإن القصعة كانت منتفعة بها فلم يردها على مالكها، وأيضًا فإن الكلية التي بَيَّنها مشعرة بذلك، وهو قوله: إناء مثل إناء، كتب ذلك مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -.\n٣٥٦٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني فُليت العامري، عن جسرة بنت دجاجة قالت: قالت عائشة) ﵂: (ما رأيت صانعًا طعامًا مثل صفية) أم المؤمنين زوج النبي - ﷺ - (صنعت لرسول الله - ﷺ - طعامًا، فبعثت به)\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١٣/ ٧٧، ١٧٨).\n(٢) هذا مشكل، واختلفوا في نقل المذاهب في ذلك جدًا كما في \"العيني\" (٩/ ٢٥٣، ٢٥٤)، و\"الفتح\" (٥/ ١٢٥، ١٢٦)، مذهب الحنفية والشافعية أن في المثلي كالمكيل =","vol":"11","page":293},{"text":"فَأَخَذَنِي أفْكَلٌ كسَرْتُ الإنَاءَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْتُ؟ قَالَ: \"إِنَاءٌ مِثْلُ إِنَاءٍ، وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ\". [ن ٣٩٥٧، حم ١٦/ ١٤٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>(٩١) بَابُ الْمَوَاشِي تُفْسِدُ زَرْعَ قَوْمٍ</span>\n٣٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، عن أَبِيهِ: أَن نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ\n===\nفي نوبتي (فأخذني أفكل) أي رعدة من الغضب (فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله! ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام).\n\n(٩١) (بَابُ الْمَوَاشِي تُفْسِدُ (١) زَرْعَ قَوْمٍ)\n٣٥٦٩ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه (٢): أن ناقة للبراء بن\n_________\n= والموزون والعددي المتقارب يجب المثل وإلَّا فالقيمة.\nثم اختلفوا في الحديث هل هو مخالف لهم أو موافق؟ وعامتهم على الأول، ولذا أوله الخطابي، كما ترى، وإليه ميل البيهقي، كما حكاه عنه الحافظ، وإليه مال العيني، وحكيا عن ابن التين: أن الحديث حجة لهم، وإليه مال ابن رشد (٢/ ٣١٧)، وإليه مال شيخنا الكَنكوهي في تقرير \"الترمذي\"، وهو الأوجه عندي، نعم الفرق بيننا وبين الشافعي: أن الحيوان قيمي عندنا مثلي عنده، ويشكل عليه أن الحديث على تصريح أهل فروعنا يخالفنا، كما في \"البحر\" (٨/ ١٢٥)، والزيلعي على \"الكنز\"، لكن القاعدة التي ذكرها صاحب \"الدر المختار\" (٩/ ٢٧٠): أن كل ما يوجد له مثل في الأسواق مثلي، يؤيد الشيخ وقاطع للنزاع. (ش).\n(١) قال ابن رشد في \"البداية\" (٢/ ٣٢٣): اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال. (ش).\n(٢) في سنده اختلاف كثير، وروي عن أبي داود الإنكار على لفظ أبيه، كما في \"الأوجز\" (١٤/ ١٤٥). (ش).","vol":"11","page":294},{"text":"عَازِب دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْهُ (١) عَلَيْهِمْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ﷺ - عَلَى أهْلِ الأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ. [حم ٥/ ٤٣٦، ق ٨/ ٢٧٩]\n٣٥٧٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا الْفِرْيَابِيُّ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الأَنْصَارِيِّ، عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قَالَ: كَانَتْ لَهُ (٢) نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ، فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَكُلِّمَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِيهَا، فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ. [جه ٢٣٣٢، حم ٤/ ٢٩٥]\n===\nعازب دخلت حائط رجل) لم أقف على تسميته (فأفسدته عليهم، فقضى رسول الله - ﷺ - على أهل الأموال) أي البساتين (حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل).\n٣٥٧٥ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيصة الأنصاري، عن البراء بن عازب قال: كانت له ناقة ضارية) أي: معتاد برعي زرع الناس (فدخلت حائطًا فأفسدت فيه) أي: الزرع (فكلم رسول الله - ﷺ - فيها) أي: في أمرها (فقضى) رسول الله - ﷺ - (أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل) يعني فعليهم غرامتها.\n_________\n(١) في نسخة: \"فأفسدت\".\n(٢) في نسخة: \"لنا\".","vol":"11","page":295},{"text":"آخِرُ كِتَابِ الْبُيُوعِ\n===\nقال الخطابي (١): ويشبه أن يكون إنما فرق (٢) بين الليل والنهار في هذه؛ لأن العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار، ويوكلونها الحفاظ والنواطير (٣)؛ ومن عادة أصحاب المواشي أن يسرحوها بالنهار ويردوها مع الليل إلى المراح، فمن خالف هذه العادة كان به خارجًا عن رسوم الحفظ إلى حدود التقصير والتضييع، فكان كمن ألقى متاعه في طريق شارع، أو تركه في غير موضع حرز، فلا يكون على أحد قطع (٤).\nوقال أصحاب الرأي: لا فرق بين الأمرين، ولم يجعلوا على أصحاب المواشي غرمًا، واحتجوا بقوله ﵇: \"العجماء جبار\".\n\nآخِرُ كِتَابِ الْبُيُوعِ\n_________\n(١) \" معالم \"السنن\" (٣/ ١٧٨، ١٧٩).\n(٢) والتفريق بين الليل والنهار مذهب المالكية، كما قال الدردير. [انظر: \"الشرح \"الكبير\" (٤/ ٣٥٨)]. (ش).\n(٣) في الأصل: في النواظير\"، والظاهر ما أثبته من \"المعالم\".\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"على آخذه قطع\".","vol":"11","page":296},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1380>(١٨) أَوَّلُ كِتَابِ القَضَاءِ </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>(١) بَابٌ: في طَلَبِ الْقَضَاءِ</span>\n٣٥٧١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(١٨) (أَوَّلُ كتَابِ الْقَضَاءِ) (٢)\n(١) (بَابٌ: في طَلَبِ الْقَضَاءِ) (٣)\n٣٥٧١ - (حدثنا نصر بن علي، نا فضيل بن سليمان، حدثنا\n_________\n(١) في نسخة: \"الأقضية\".\n(٢) ينظر الفرق بينه وبين ما تقدم من كتاب الإمارة، والظاهر أن المراد بالأول: أحكام السلطان، وبالثاني: أحكام القاضي مأمور السلطان. (ش).\n(٣) هذا محمل الروايات المحذرة عند المصنف، ويحتمل أن يكون محمله من لا يتحمله، وقد ورد قوله - ﷺ -: \"يا أبا ذر! إني أراك ضعيفًا فلا تأمرن على اثنين ... \" الحديث، تقدَّم في أوائل كتاب الوصايا: وكان الشعبي يلعب بالشطرنج ويرى الفيل مع الصبيان لئلا يولى قاضيًا \"السير الكبير\".\nوكان الإمامان أبو حنيفة ومالك يُضربان عليه. (ش).","vol":"11","page":297},{"text":"عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرو، عن سعيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ\". [ت ١٣٢٥، جه ٢٣٠٨، حم ٢/ ٢٣٠]\n٣٥٧٢ - حَدَّثَنَا نَصرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عن عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَخْنَسِيِّ، عن الْمَقْبُرِيِّ وَالأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدَ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ\". [جه ٢٣٠٨، حم ٢/ ٣٦٥]\n===\nعمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: من ولي القضاء) أي جعل متوليًا لها (فقد ذبح بغير سكين) (١).\n٣٥٧٢ - (حدثنا نصر بن علي، أنا بشر بن عمر، عن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن المقبري والأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: من جعل قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكين).\nقال الخطابي (٢): معنى هذا الكلام: التحذير من طلب القضاء والحرص عليه. يقول: من تصدى للقضاء فقد تعرض للذبح، فليحذره، وليتوقه.\nوقوله: \"بغير سكين\" يحتمل وجهين من التأويل:\nأحدهما: أن الذبح إنما يكون في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين، فعدل به - ﷺ - عن ظاهر العرف (٣)، وصرفه عن كثير العادة (٤) إلى غيرها ليعلم أن الذي أراده بهذا القول إنما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه.\n_________\n(١) وفي \"معين الحكام\": أن الحديث ذكره أكثرهم في معرض التحذير، وقال بعضهم: هو في موضع المدح، كأنه ذبيح الحق. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٥٩، ١٦٠).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"عن غير ظاهر العرف\".\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"عن سنن العادة\".","vol":"11","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1382>(٢) بَابٌ: في الْقَاضِي يُخْطِئ</span>\n٣٥٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ السَّمْتِيُّ، نَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عن أَبِي هَاشِمٍ،\n===\nوالوجه الآخر: أن الذبح الذي يقع به إزهاق النفس، وإراحة الذبيحة، وخلاصها من طول الألم، وشدة العذاب إنما يكون بالسكين؛ لأنه يمر في حلق المذبوح ويمضي في مذابحه فيجهز عليه، وإذا ذبح بغير سكين كان ذبحه خنقًا وتعذيبًا، فضرب المثل بذلك ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع فيه، وأشد في التوقي منه.\n\n(٢) (بَابٌ: في الْقَاضِي يُخْطِئُ) (١)\n٣٥٧٣ - (حدثنا محمد بن حسان) بن خالد الضبِّي (السمتي) بمثناة، أبو جعفر البغدادي، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وكذا روى الأزهري عن الدارقطني، وقال الدارقطني: محمد بن حسان ثقة، يحدث عن الضعفاء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عنه؟ فقال: ما لي به ذاك الحبر، وتكلم بكلام كأنه رأى الكتابة عنه.\n(نا خلف بن خليفة) بن صاعد الأشجعي مولاهم، أبو أحمد، كان بالكوفة، ثم انتقل إلى واسط، فسكنها مدة، ثم تحول إلى بغداد، فأقام بها إلى حين وفاته، قال أحمد: قد رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومائة قد حمل، وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: صدوق، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال العجلي: ثقة.\n(عن أبي هاشم) الرُّمَّاني بضم الراء، وكان نزل قصر رمان، الواسطي، اسمه يحيى بن دينار، وقيل: ابن الأسود، وقيل: ابن أبي الأسود، وقيل:\n_________\n(١) اختلف في اختلاف المجتهدين أن الحق واحد أو متعدد كما تقدم. (ش).","vol":"11","page":299},{"text":"عن ابْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ في الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ في النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي في الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَق فَجَارَ في الْحُكْمِ فَهُوَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ في النَّارِ\" (١). [ن ٥٩٢٢، ت ١٣٢٢، جه ٢٣١٥]\n٣٥٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن رَجَاءٍ الأَنْصَارِيِّ،\n===\nابن نافع، قال أحمد وابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: كان فقيهًا صدوقاَ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عبد البر: لم يختلفوا في أن اسمه يحيى وأجمعوا على أنه ثقة.\n(عن ابن بريدة) أي عبد الله، (عن أبيه) أي بريدة، (عن النبي - ﷺ - قال: القضاة ثلاثة) أي على ثلاثة أنواع (واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف (٢) الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم) أي ظلم فيه (فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار).\n٣٥٧٤ - (حدثنا محمد بن العلاء ومحمد بن المثنى قالا: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن رجاء الأنصاري) الكوفي، روى له أبو داود حديث التسرع إلى الحكم، وابن ماجه حديثًا عن معاذ في سؤال ثلاث، قال: فأعطاني اثنين ومنعني واحدة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا أصح شيء فيه، يعني حديث ابن بريدة القضاة\nثلاثة\".\n(٢) استدل بذلك الشاه ولي الله في \"إزالة الخفاء\" (١/ ٤٨) في شرائط الخلافة: أن يكون مجتهدًا، ثم قال: ولا يكون مجتهدًا حتى يتعلم العلوم الخمسة: علم القرآن قراءةً وتفسيرًا، وعلم السنَّة بأسانيدها صحةً وضعفًا، وعلم أقاويل السلف لئلا يخرج عن الإجماع، والعلوم الآلية من العربية وغيرها، وعلم طرق الاستنباط ووجوه التطبيق، ولا يجب أن يكون مجتهدًا مستقلًا كأبي حنيفة والشافعي، بل يكفي أن يكون مجتهدًا منتسبًا يعرف تحقيق السلف ومستدلاتهم. (ش).","vol":"11","page":300},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن بِشْرٍ (١) الأَزْرَقِ قَالَ: \"دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ أَبْوَاب كِنْدَةَ- وَأَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ جَالِسٌ في حَلْقَةٍ - فَقَالَا: أَلَا رَجُلٌ يُنَفِّذُ بَيْنَنَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْحَلْقَةِ: أَنَا، فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ كَفًّا مِنْ حَصًى فَرَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ: مَهْ، إِنَّهُ كَانَ يُكْرَهُ التَّسَرُّعُ إِلَى الْحُكْمِ\".\n٣٥٧٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - قَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ\n===\n(عن عبد الرحمن بن بشر الأزرق) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند مسلم (٢) في \"العزل\"، وعند النسائي هذا، وآخر في كيفية الصلاة على النبي - ﷺ -، وعند أبي داود في \"كراهة التسرع في الحكم\"، قال ابن سعد: كان قليل الحديث.\n(قال: دخل رجلان من أبواب كندة)، ولعلها كانت من أبواب الكوفة (وأبو مسعود الأنصاري) البدري (جالس في حلقةٍ، فقالا: ألا رجل يُنَفِّذُ) أي يقضي ويُمضى حكمه (بيننا؟ فقال رجل من الحلقة:) لم أقف على تسميته (أنا) أي أنا أقضي بينكما (فأخذ أبو مسعود كفًا من حصًى فرماه به) أي الرجل (وقال: مه) أي اكفف (إنه كان يكره) بصيغة المجهول (التسرع إلى الحكم) أي كان التسرع إلى القضاء مكروهًا عند أصحاب رسول الله - ﷺ -.\n٣٥٧٥ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة قال: نا عبد العزيز- يعني ابن محمد- قال: أخبرني يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الأنصاري\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٤٣٧)، و\"سنن النسائي\" (٣٣٢٧)، (١٢٨٦)، و\"سنن أبي داود\" (٣٥٧٧).","vol":"11","page":301},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ\"، فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ. [خ ٧٣٥٢، م ١٧١٦، ت ١٣٢٦، ن ٥٣٩٦، جه ٢٣١٤، حم ٤/ ٢٠٤]\n===\nقال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا حكم الحاكم) أي أراد الحكم (فاجتهد (١) فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر، فحدثت به أبا بكر بن حزم)، وهذا قول يزيد بن عبد الله بن الهاد، كما هو مصرح في رواية ابن ماجه (فقال) أبو بكر بن حزم: (هكذا) أي مثل ما حدث أبو قيس عن عمرو بن العاص (حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة).\nقال الخطابي (٢): قوله: \"إذا حكم فاجتهد فاخطأ فله أجر\"، إنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن الاجتهاد عبادة، ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعًا لآلة الاجتهاد، عارفًا بالأصول، عالمًا بوجوه القياس.\nفأما من لم يكن محلَّا للاجتهاد، فهو متكلف لا يعذر في الخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الذنب، يدل على صحة ذلك حديثه عن ابن بريدة عن أبيه، وهذا إنما هو في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة، دون الأصول التي هي أركان الشريعة، وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه، ولا يدخل فيه التأويل، فأما من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ، وكان حكمه في ذلك مردودًا.\n_________\n(١) وأورد عليه بأن فعله الاجتهاد، وهو لا يختلف، فكيف اختلاف الأجر، وأجاب عنه ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٧٠، ١٧١). (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٦٠).","vol":"11","page":302},{"text":"٣٥٧٦ - حَدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، نَا (١) إِسْرَائيلُ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، عن بِلَالٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إِلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ الله مَلَكًا يُسَدِّدُهُ\" (٢). [ت ١٣٢٣، جه ٢٣٠٩]\n٣٥٧٧ - حَدّثَنَا عَبَّاسُ الْعَنْبَرِيُّ، نَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، نَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ نَجْدَةَ، عن جَدِّهِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، وَهُوَ أَبُو كَثِيرٍ\n===\n٣٥٧٦ - (حدثنا محمد بن كثير، نا إسرائيل، نا عبد الأعلى، عن بلال، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من طلب القضاء واستعان عليه) أي طلب الإعانة من الناس على حصول القضاء (وَكِّل إليه) أي فُوِّض إليه، ولم يكن له إعانة من الله ﷾، ولم يوفق، (ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه) أي على حصول القضاء من الناس (أنزل الله ملكًا يسدده) أي يرشده طريق الحق والصواب والعدل.\n٣٥٧٧ - (حدثنا عباس العنبري، نا عمر بن يونس، نا ملازم بن عمرو، حدثني موسى بن نجدة) الحنفي اليمامي، قال في \"التقريب\" (٣): مجهول، روى عن جده أبي كثير يزيد بن عبد الرحمن السحيمي اليمامي، عن أبي هريرة حديث: \"من قُلِّد القضاء وغلب عدله جوره فله الجنة\" الحديث، (عن جده يزيد بن عبد الرحمن، وهو أبو كثير) السحيمي الغُبَري اليمامي الأعمى، قال أبو حاتم وأبو داود، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وقال وكيع: عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن بلال بن أبي موسى، عن أنس، عن النبي - ﷺ -؛ وقال أبو عوانة: عن عبد الأعلى، عن بلال بن مرداس الفزاري، عن خيثمة المصري، عن أنس\".\n(٣) \"تقريب التهذيب\" (٧٠٦٩).","vol":"11","page":303},{"text":"قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ\".\n٣٥٧٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي يَحْيَى الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنِي زيدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ، نَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن أَبِيهِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾؛ هَؤُلَاءِ الآيَاتُ الثَّلَاثُ نَزَلَتْ في يَهُودَ خَاصَّهً في قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. [حم ١/ ٢٤٦]\n===\n(قال: حدثني أبو هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار) يعني طلب القضاء وإن كان مكروهًا؛ لكن لما قلد وتحرى الصواب، وغلب عدله جوره استحق الجنة، ولما لم يتحرَّ الصواب وجار على المسلمين وأضاع حقوق الناس استحق النار.\n٣٥٧٨ - (حدثنا إبراهيم بن حمزة بن أبي يحيى الرملي، حدثني زيد بن أبي الزرقاء، نا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (١)، هؤلاء الآيات الثلاث نزلت في يهود خاصة)، ليس المراد أن حكمها لا يشتمل غيرهم، بل المراد بيان شأن النزول مع كون الحكم عامًا؛ لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد، ويحتمل أن يقال: إنه ليس معناه أن المسلم بالجور يصير كافرًا (في قريظة والنضير).\n_________\n(١) سورة المائدة: الآيات ٤٤ - ٤٧.","vol":"11","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1383>(٣) بَابٌ: في طَلَبِ الْقَضَاءِ وَالتَّسَرُّعِ إِلَيْهِ</span>\n٣٥٧٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَال، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَنْ نَسْتَعْمِلَ، أَوْ لَا نَسْتَعْمِلُ، عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ\". [خ ٦٩٢٣، م ١٨٢٤، ن ٤، حم ٤/ ٤٠٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1384>(٤) بَابٌ: في كَرَاهِيَةِ الرِّشْوَةِ</span>\n٣٥٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي\". [ت ١٣٣٧، جه ٢٣١٣، حم ٢/ ١٦٤]\n===\n\n(٣) (بَابٌ: في طَلَبِ الْقَضَاءِ، وَالتَّسَرُّعِ إلَيْهِ)\n٣٥٧٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، نا قرة بن خالد، نا حميد بن هلال، حدثني أبو بردة قال: قال أبو موسى: قال النبي - ﷺ -: لن نستعمل) أي لا نجعل عاملًا (أو لا نستعمل على عملنا) أي من القضاء والإمارة (من أراده) أي من طلبه، وفي الحديث قصة طويلة اختصره المصنف على قدر الحاجة (١).\n\n(٤) (بَابٌ: في كَرَاهِيَةِ الرِّشْوَةِ)\n٣٥٨٠ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرصن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي) أي معطي الرشوة (والمرتشي) أي آخذها.\n_________\n(١) انظر: رقم الحديث (٤٣٥٤).","vol":"11","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1385>(٥) بَابٌ: في هَدَايَا الْعُمَّالِ</span>\n٣٥٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، نَا يَحْيَى، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ عُمَيْرَةَ الْكِنْدِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عُمِّلَ مِنْكُمْ لَنَا عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غُلٌّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ أَسْوَدُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: \"وَمَا ذَلِكَ؟ \"، قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: \"وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ (١)،\n===\nقال الخطابي (٢): الراشي: المعطي، والمرتشي: الآخذ، وإنما يلحقهما العقوبة معًا إذا استويا في القصد والإرادة، ورشا المعطي لينال به باطلًا، ويتوصل به إلى الظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلمًا، فإنه غير داخل في هذا الوعيد.\n\n(٥) (بَابٌ: في هَدَايَا الْعُمَّالِ)\n٣٥٨١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: حدثني قيس قال: حدثني عدي بن عميرة الكندي، أن رسول الله - ﷺ - قال: يا أيها الناس من عُمِّل منكم لنا على عمل فكتمنا منه مخيطًا) - بالكسر- الإبرة (فما فوقه) في المقدار أو في الحقارة (فهو غل) أي غلول، أو طوق في عنقه (يأتي به يوم القيامة، فقام رجل من الأنصار أسود) لم أقف على تسميته (كأني انظر إليه، فقال: يا رسول الله! اقبل عني عملك، قال: وما ذلك؟) أي لم تقول: اقبل عني عملك، وما سببه؟\n(قال) الرجل: (سمعتك تقول كذا وكذا، قال: وأنا أقول ذلك،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٦١).","vol":"11","page":306},{"text":"مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَأْتِ (١) بِقَلِيلِهِ وَكَثيرِهِ، فَمَا أُوْتيَ مِنْهُ أَخَذَ (٢) وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى\". [م ١٨٣٣، حم ٤/ ١٩٢، خزيمة ٢٣٣٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>(٦) بَابٌ: كيْفَ الْقَضَاء</span>\n٣٥٨٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: نَا (٣) شَرِيكٌ، عن سِمَاكٍ، عن حَنَشٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: \"إِنَّ الله سَيَهْدِي قَلْبَكَ وُيثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ، فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى\n===\nمن استعملناه على عمل فليأت بقليله وكثيره، فما أوتي منه) أي بطريق العمالة (أَخَذَ، وما نُهي عنه انتهى).\n\n(٦) (بَابٌ: كَيْفَ الْقَضَاءُ)\n٣٥٨٢ - (حدثنا عمرو بن عون قال: نا شريك، عن سماك، عن حنش، عن علي قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله! ترسلني) أي قاضيًا (وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء) فكيف أقضي؟ (فقال) رسول الله - ﷺ -: (إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك) أي للقضاء بالحق (فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر) أي المدعي (٤) عليه (كما سمعت من الأول) أي من المدعي (فإنه أحرى)\n_________\n(١) في نسخة: \"فليأتني\".\n(٢) في نسخة: \"أخذه\".\n(٣) في نسخة: \"أنا\".\n(٤) استدل بذلك الحنفية أنه لا يجوز القضاء على غائب، كما في \"الهداية\" (٣/ ١٠٥). (ش).","vol":"11","page":307},{"text":"أَنْ يَتَبَيَّنَ (١) لَكَ الْقَضَاءُ\". قَالَ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا أَوْ مَا (٢) شَكَكْتُ في قَضَاءِ بَعْدُ. [ت ١٣٣١، ق ١٠/ ١٤٠، حم ١/ ٨٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>(٧) بَابٌ: في قَضَاءِ الْقَاضِي إِذَا أَخْطَأَ</span>\n٣٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن هِشَامِ بْنِ\n===\nأي أليق (أن يتبين لك القضاء) أي وجه القضاء (قال) علي: (فما زلتُ قاضيًا أو ما شككت (٣) في قضاء بعد).\nقال الخطابي (٤): فيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب، وذلك أنه إذا منعه أن يقضي لأحد الخصمين، وهما حاضران، حتى يسمع كلام الآخر، فدل ذلك على أنه في الغائب الذي لم يحضره ولم يسمع قوله أولى بالمنع، وذلك لإمكان أن يكون معه حجة تبطل دعوى الحاضر، ويدحض حجته.\nوممن ذهب إلى أن الحاكم لا يقضي على الغائب: شريح، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي حنيفة وابن أبي ليلى، وقال مالك والشافعي: القضاء على الغائب جائز، وكان أبو عبيد يرى القضاء على الغائب إذا تيقن الحاكم أن فراوه واستخفاءه إنما هو فرار عن الحق ومعاندة للخصم.\n\n(٧) (بَابٌ: في قَضَاءِ الْقَاضِي إِذَا أَخْطَأَ)\n٣٥٨٣ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن هشام بن\n_________\n(١) في نسخة: \"تبين\".\n(٢) في نسخة: \"وما\".\n(٣) قال ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٨٤): يشكل عليه اختلاف قضائه في أمهات الأولاد، وقضائه في الجد. انتهى. (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٦٢).","vol":"11","page":308},{"text":"عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ (١)، عن زينَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ (٢)، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا (٣) أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا (٤) فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعَ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ\". [خ ٢٤٥٨، م ١٧١٣، ت ١٣٣٩، ن ٥٤١٦، جه ٢٣١٧]\n===\nعروة، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ) أي في دعاويكم (ولعل بعضكم أن يكون ألحن) أي أفصح وأبين (بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع منه) ومن الآخر، فأرجح الألحن (فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ منه) أي من حق أخيه (شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار) لأن مآله إليها.\nوفيه أن البشر لا يعلم الغيب، إلا أن يعلمه الله تعالى، وأنه يحكم بالظاهر، وحكمه - ﷺ - في مثل هذه لا يكون إلا صحيحًا؛ لأنه لا يحكم إلَّا بالبينة، كما هو مقتضى البينة وإن كانت خطأ، وفيه أن حكم الحاكم لا ينفذ باطنًا، ولا يُحل حرامًا خلافًا للحنفية.\nقلت: اختلف (٥) الفقهاء في نفاذ حكم الحاكم ظاهرًا وباطنًا أو في الظاهر فقط، فقال الجمهور بنفاذه ظاهرًا، وقال أبو حنيفة: إن حكم الحاكم إذا كان مبنيًا على دليلٍ شرعي في العقود والفسوخ ينفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا، سواء كان في الفروج أو في الأموال، مثلًا: إذا ادعى زيد على عمرو أنه باع مني هذا\n_________\n(١) في نسخة: \"أبيه\".\n(٢) في نسخة: \"أبي سلمة\".\n(٣) في نسخة: \"ما\".\n(٤) في نسخة: \"بشيء\".\n(٥) انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٦١، ٤٦٢).","vol":"11","page":309},{"text":"٣٥٨٤ - حَدَّثَنَا الرَّبيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عن أُمّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: \"أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ في مَوَارِيثَ لَهُمَا، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَة إِلَّا دَعْوَاهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَذَكَرَ مِثْلَهُ (١).\n===\nالفرس أو الدار بكذا، وأشهد عليه شاهِدَي زور أنه باع منه، وحكم الحاكم بذلك؛ فإنه ينعقد بينهما البيع، ويجب عليه الثمن، ويجوز للمشتري التصرف في المشتراة.\nوكذلك إذا ادَّعى رجل على امرأة خالية عن موانع النكاح نكاحًا، وأثبته بالبينة، وحكم به الحاكم، فإنه ينفذ (٢) قضاؤه ظاهرًا وباطنًا، ويجوز للزوج وطؤها والمقام معها، ولا يخالف هذا الحكم الحديث الوارد فيه، فإن الحديث يقتضي: \"من قضيت له من حق أخيه شيئًا\"، وفي العقود والفسوخ لا يقضي بحق أخيه شيئًا بل يحكم بالعقد أو الفسخ الذي هو حق الحاكم؛ نعم! إذا قضى القاضي في غير صورة العقد والفسخ لا ينفذ حكمه إلا ظاهرًا، وأما في الباطن عند الله تعالى، فلا ينفذ حكمه؛ لأنه حكم بحق أخيه، وهو ليس تحت القضاء.\n٣٥٨٤ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، نا ابن المبارك عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: أتى رسول الله - ﷺ - رجلان يختصمان في مواريث لهما، لم تكن لهما بينة إلَّا دعواهما، فقال النبي - ﷺ -، فذكر مثله) أي مثل الحديث المتقدم،\n_________\n(١) في نسخة: \"نحوه\".\n(٢) استدل له على هامش تقرير \"الترمذي\" نقلًا عن ابن همام في \"فتح القدير\" (٧/ ٣٠٨) بأثر علي - ﵁ -: \"شاهداك زوجاك\"، وبدلالة الإجماع على أن من اشترى جارية ثم ادعى فسخ بيعها كذبًا وبرهن فقضي به حلَّ للبائع وطؤها واستخدامها مع علمه بكذب دعوى المشتري ... إلخ، واستدل لهم في \"البداية\" (٢/ ٤٦٢): بأن في اللعان أحدهما كاذب لا محالة، وهو موجب للتفريق. (ش).","vol":"11","page":310},{"text":"فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلُّ واحد مِنْهُمَا: حَقِّي لَكَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَمَّا إِذَ (١) فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا (٢) وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ استَهِمَا ثُمَّ تَحَالَّا\" (٣). [حم ٦/ ٣٢٠]\n٣٥٨٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنَا عِيسَى، نَا أُسَامَةُ، عن عَبْدِ الله بْنِ رَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: \"يَخْتَصِمَانِ في مَوَارِيثَ وَأَشْيَاءَ قَدْ دُرِسَتْ، فَقَالَ: \"إِنِّي إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ (٤) بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهِ\". [ق ١٠/ ٢٦٠، قط ٤/ ٢٣٩]\n===\n(فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لك، فقال لهما النبي - ﷺ -: أما إذ فعلتما ما فعلتما فاقْتسِما) أي المال بينكما (وتوخَّيا الحق) أي فيأخذ كل منكما بقدر حقه، ويقصد الحق في القسمة (ثم اسْتهما) أي اقترعا (ثم تحالَّا) وفي نسخة: \"تَحَلَّلا\" أي يعفو أحدكما الآخر ما لعله وصل إليه من حقه.\nقال القاري (٥): هذا من طريق الورع والتقوى، لا من باب الحكم والفتوى، وأن البراءة المجهولة عند الحنفية تصح، وهو محمول على سبيل الاحتياط.\n٣٥٨٥ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى، نا أسامة) بن زيد، (عن عبد الله بن رافع قال: سمعت أم سلمة، عن النبي - ﷺ -، بهذا الحديث) المتقدم (قال: يختصمان في مواريث وأشياء قد دُرِسَتْ) أي مُحِيَتْ (فقال: إني إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم يُنزَل عليَّ فيه) من الله ﷾.\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢) في نسخة: \"فاستقيما\".\n(٣) في نسخة: \"تحللا\".\n(٤) في نسخة: \"برأي\".\n(٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٣٣٧).","vol":"11","page":311},{"text":"٣٥٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ قَالَ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عن يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عن ابْنِ شهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الرَّأيَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُصِيبًا، لأَنَّ الله كَانَ يُرِيَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَّا الظَّنُّ وَالتكلُّفُ\". [ق ١٠/ ١١٧]\n٣٥٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، أَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ الشَّامِيُّ، وَلَا إِخَالُنِي رَأَيْتُ شَامِيًّا أَفْضَلَ مِنْهُ، يَعْنِي حَرِيزَ بْنَ عُثْمَانَ.\n===\n٣٥٨٦ - (حدثنا سليمان بن داود المهري قال: أنا ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: يا أيها الناس! إن الرأي إنما كان من رسول الله - ﷺ - مصيبًا؛ لأن الله) ﷿ (كان يُريه) الحق، فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١)، (وإنما هو منا الظن والتكلف) أي في استخراج الحكم، فيحتمل أن يكون الظن خطأ، قال المنذري (٢): هذا منقطع؛ لأن الزهري لم يدرك عمر.\n٣٥٨٧ - (حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، أنا معاذ بن معاذ قال: أخبرني أبو عثمان الشامي، ولا إِخَالُني) أي لا أظنني (رأيت شاميًا أفضل منه، يعني حريز بن عثمان).\nهكذا في جميع النسخ الموجودة عندي من المكتوبة والمطبوعة إلا في المصرية، فإن هذا السند لم يذكر فيها، وذكر في جميع ما سواها، ولم أقف لأي وجه ذكر هذا السند، فإن الظاهر أنه ليس له تعلق بما قبله ولا بما بعده، فليحرر.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ١٠٥.\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٢١١).","vol":"11","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1388>(٨) بَابٌ: كيْفَ يَجْلِسُ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيّ الْقَاضِي</span>\n٣٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابتٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: \"قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِّ الْحَكَمِ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>(٩) بَابُ الْقَاضِي يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَان</span>\n٣٥٨٩ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي بَكَرَةَ، عن أَبِيهِ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابْنِهِ\n===\n\n(٨) (بَابٌ: كَيْفَ يَجْلِسُ الْخَصْمَان بَيْنَ يَدَي الْقَاضِي)\nلفظ \"كيف\" في ترجمة الباب زائد لا حاجة إليه؛ لأن الحديث لا يدل على كيفية الجلوس، بل يدل على قعودهما بين يدي الحاكم\n٣٥٨٨ - (حدثنا أحمد بن منيع، نا عبد الله بن المبارك، نا مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير قال: قضى رسول الله - ﷺ -: أن الخصمين) أي المدعي والمدَّعى عليه (يقعدان بين يدي الحَكَم) أي الحاكم كما في نسخة.\n\n(٩) (بَابُ الْقَاضِي يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ)\n٣٥٨٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير قال: نا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه) أبي بكرة، (أنه كتب إلى ابنه) كتب في \"الحاشية\" قوله: \"كتب إلى ابنه\" كذا وقع ها هنا غير مسمى، ووقع في \"أطراف المزي\" (٢): \"إلى ابنه عبيد الله\"،\n_________\n(١) في نسخة: \"الحاكم\".\n(٢) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٢٧٩) رقم (١١٦٧٦).","vol":"11","page":313},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَقْضِي الْحَكَمُ (١) بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ\". [خ ٧١٥٨، م ١٧٠٧، ت ١٣٣٤، ن ٥٤٢١، جه ٢٣١٦، حم ٥/ ٣٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1390>(١٠) بَابُ الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ</span>\n٣٥٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (٢) الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ، عن أَبيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، فَنُسِخَتْ، قَالَ:\n===\nكان بسجستان بلاد بين كرمان وهند (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان) (٣) وذلك لأن الغضب يغير الطباع، ويفسد الرأي، ويطير العقل، وكذا الجوع والعطش ونحو ذلك.\n\n(١٠) (بَابُ الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ)\n٣٥٩٠ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزى، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أي اليهود والنصارى من أهل الذمة يطلبون منك الحكم فيما بينهم ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٤) فأنت مخير بين الحكم بينهم أو الإعراض عنهم (فنسخت) أي: آية التخيير حكمًا، ونزلت (قال) الله تعالى:\n_________\n(١) في نسخة: \"الحاكم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن شبوية\".\n(٣) فلو حكم صح بالكراهة عند الجمهور، خلافًا لبعض الحنابلة، كما بسطه الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ١٣٨). (ش).\n(٤) سورة المائدة: الآية ٤٢.","vol":"11","page":314},{"text":"﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. [ق ٨/ ٢٤٩]\n٣٥٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَمَّا نَزَلَتْ هَذ الآيَةُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآيَةَ\".\nقَالَ: كَانَ بَنُو النَّضِيرِ إِذَا قَتَلُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ أَدَّوُا نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِذَا قَتَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ أَدَّوْا إلَيْهِمْ الدِّيَةَ كَامِلَةً، فَسَوَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَهُمْ (١). [ن ٤٧٤٧، حم ١/ ٣٦٣]\n===\n(﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾) (٢) أي: عليك (٣).\n٣٥٩١ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾) وقوله تعالى: (﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾) أي: العادلين، (قال) ابن عباس: كان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة أدوا نصف الدية، هاذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا إليهم الدية كاملةً) لأنه كان لبني النضير فضل على بني قريظة في الجاهلية، (فسوَّى رسول الله - ﷺ - بينهم) وهذا هو الحكم بينهم بالقسط، كما أمر الله تعالى نبيه - ﷺ -.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"آخر الجزء الثاني والعشرين من أجزاء الخطيب، وأحمد الله رب العالمين، ويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث والعشرون: باب اجتهاد الرأي، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\".\n(٢) سورة المائدة: الآية ٤٨.\n(٣) وفي المسألة ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: التخيير، وبه قال مالك، والثاني: يحكم بينهم إذا ترافعوا إلى الإِمام، وبه قال الحنفية، وللشافعي قولان مثلهما، والثالث: يجب على الإِمام وإن لم ترافعوا، كذا في \"البداية\" (٢/ ٤٧٢)، ويشكل عليه ما سيأتي في \"باب رجم اليهوديين\". (ش).","vol":"11","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1391>(١١) بَابُ اجْتِهَادِ الرَّأْي في الْقَضَاءِ</span>\n٣٥٩٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، عن شُعْبَةَ، عنْ أَبِي عَوْنٍ، عن الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عن أُناسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: \"كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ \" قَالَ: أَقْضِي بِكِتَاب اللَّهِ، قَالَ: \"فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في كِتَابِ اللَّهِ؟ \"، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ولَا في كِتَابِ اللَّهِ؟ \"، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأيِي (١)،\n===\n\n(١١) (بابُ اجْتِهَادِ الرَّأْي في الْقَضَاءِ)\n٣٥٩٢ - (حدثنا حفص بن عمر، عن شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة) الثقفي، روى عن أُناس من حمص من أصحاب معاذ، عن معاذ في الاجتهاد، وعنه أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي، ولا يعرف إلا بهذا، قال البخاري: لا يصح ولا يعرف، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل، وذكره العقيلي وابن أبي داود وأبو العرب في الضعَفاء، وقال ابن عدي: هو معروف بهذا الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل: أن رسول الله - ﷺ - لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال) معاذ: (أقضي بكتاب الله، قال) رسول الله - ﷺ -: (فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال) معاذ: (فبسنَّة رسول الله - ﷺ -) أي أقضي بها (قال) رسول الله - ﷺ -: (فإن لم تجد في سنَّة رسول الله - ﷺ - في كتاب الله؟ قال) معاذ: (أجتهد رأيي).\n_________\n(١) في نسخة: \"برأيي\".","vol":"11","page":316},{"text":"وَلَا آلو (١)، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَدْرَهُ فَقَالَ (٢): \"الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ\". [ت ١٣٢٧، حم ٥/ ٢٣٦]\n٣٥٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَوْنٍ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو، عن نَاسِ مِنْ أَصْحَاب مُعَاذٍ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ بِمَعْنَاهُ (٣). [ت ١٣٢٨، حم ٥/ ٢٣٠]\n===\nقال الخطابي (٤): \"أجتهد رأيي\" يريد الاجتهاد في رد القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنَّة، ولم يرد الرأي الذي يسنح له من قِبل نفسه، أو يخطر بباله من غير أصل من كتاب أو سنَّة، وفي هذا إثبات القياس، وإيجاب الحكم به.\n(ولا آلو) أي لا أقصر في الاجتهاد، ولا أترك بلوغ وسع فيه (فضرب رسول الله - ﷺ - صدره فقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله - ﷺ - لما يُرضِي رسولَ الله) - ﷺ -، أي لما يرضى به رسول الله - ﷺ -.\n٣٥٩٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة قال: حدثني أبو عون، عن الحارث بن عمرو، عن ناس من أصحاب معاذ، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله - ﷺ - لما بعثه إلى اليمن بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\nنقل في \"الحاشية\" عن \"مرقاة الصعود\" (٥): هذا الحديث أورده الجوزقاني في \"الموضوعات\"، وقال: هذا حديث باطل، رواه جماعة عن شعبة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"وقال\".\n(٣) في نسخة: \"فذكر معناه\".\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٦٥).\n(٥) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٤٥).","vol":"11","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1392>(١٢) بَابٌ: في الصُّلْحِ</span>\n٣٥٩٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الدِّمَشْقِيُّ،\n===\nوقد تصفحت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه فلم أجد له طريقًا غير هذا، والحارث بن عمرو هذا مجهول، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يُعرفون، ومثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه في أصل من أصول الشريعة.\nفإن قيل: إن الفقهاء قاطبة أوردوه في كتبهم، واعتمدوا عليه، قيل: هذه طريقة، والخلف قلد فيه السلف، فإن أظهروا طريقًا غير هذا مما يثبت عند أهل النقل، رجعنا إلى قولهم، وهذا مما لا يمكنهم البتة، انتهى.\nوالحديث أخرجه الترمذي وقال: لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل، وقال الحافظ جمال الدين المزي (١): الحارث بن عمرو لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقال البخاري: لا يصح حديثه ولا يعرف، وقال الذهبي في \"الميزان\" (٢): تفرد أبو عون محمد بن عبد الله الثقفي عن الحارث.\nقلت: لكن الحديث له شواهد موقوفة عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وقد أخرجها البيهقي في \"سننه\" (٣) عقب تخريجه لهذا الحديث تقوية له.\n\n(١٢) (بَابٌ: في الصلْح)\n٣٥٩٤ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، ح: ونا أحمد بن عبد الواحد الدمشقي،\n_________\n(١) \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٢٦٦) رقم (١٠٣٤).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (١٦٣٥).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١١٤، ١١٥).","vol":"11","page":318},{"text":"نَا مَرْوَانُ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ أَوْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - شَكَّ الشَّيْخُ (١) -، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زيدٍ، عن الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ\".\nزَادَ أَحْمَدُ: \"إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ (٢) حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا\".\n===\nنا مروان -يعني ابن محمد-، نا سليمان بن بلال أو عبد العزيز بن محمد- شك الشيخ-)، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي من المكتوبة والمطبوعة، إلا في النسخة المكتوبة التي في \"معالم السنن\" للخطابي، فإنه ليس فيه التحويل، ولفظه: \"باب في الصلح\"، قال أبو داود: نا سليمان بن داود قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني سليمان بن بلال أو عبد العزيز الشك من ابن داود، وهذا الكلام يشعر بأن الشاك شيخ أبي داود لا أبو داود، وهو سليمان بن داود المهري، أما على نسخ أبي داود، فالظاهر أن الشاك هو أحمد بن عبد الواحد الدمشقي.\n(عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - الصلح جائز بين المسلمين، زاد أحمد: إلَّا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: فقال الشافعي - ﵀ -: لا يجوز الصلح بالأموال مع الإنكار، وذلك لأن من صالح عن ماله على شيء منه يبقى الباقي الذي أسقطه صاحب الحق في يد الآخر وهو حرام عليه.\nوالجواب: أنه لم يبق حرامًا بعد إسقاط صاحب الحق حقه، والمراد بالحرام والحلال ما كانت حرمته أو حلته مؤبدةً بالشرع، أو كان الحرام حرامًا ولو بعد الصلح، أو كان الحلال حلالًا بعده، ولزم بالصلح\n_________\n(١) في نسخة: \"شك من أبي داود\".\n(٢) في نسخة بدله: \"أحلَّ حرامًا وحرَّم حلالًا\".","vol":"11","page":319},{"text":"زَادَ سلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ\". [ت ١٣٥٢، جه ٢٣٥٣، [حم ٢/ ٣٦٦، قط ٣/ ٢٧، ك ٢/ ٤٩، ف ٦/ ٦٤، حب ٥٠٥١]\n===\nتحريمه، وها هنا ليس كذلك؛ لأن الحرمة ليست إلَّا لإتلاف حق أخيه، فلما أذنه فيه لم تيبق حرامًا.\nقال الشوكاني (١): ظاهر هذه العبارة العموم، فيشمل كل صلح إلا ما استثني، ومن ادَّعى عدم جواز صلح زائد على ما استثناه الشارع في هذا الحديث، فعليه الدليل، وإلى العموم ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والجمهور.\nوحكي في \"البحر\" عن العترة والشافعي وابن أبي ليلى: أنه لا يصح الصلح من الإنكار، والصلح الذي يحرم الحلال، كمصالحة الزوجة للزوج على أن لا يطلقها، أو لا يتزوج عليها، أو لا يبيت عند ضرتها، والذي يحلل الحرام، كأن يصالحه على وطء أمة لا يحل له وطؤها، أو أكل مال لا يحل له أو نحو ذلك.\n(زاد سليمان بن داود: قال رسول الله - ﷺ -: المسلمون على شروطهم) زاد الترمذي والحاكم: \"إلَّا شرطًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالًا\". وزاد البيهقي (٢): ما وافق الحق منها؛ لقوله - ﷺ -: \"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل\"، والشرط الذي يحل الحرام: كأن يشرط نصرة الظالم أو الباغي أو غزو المسلمين، والذي يحرِّم الحلال: كأن يشرط أن لا يطأ زوجته أو أمته أو نحو ذلك.\nوالحديث أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وهو ضعيف جدًا، قال فيه الشافعي وأبو داود: وهو ركن من أركان الكذب، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: له عن أبيه، عن جده نسخة موضوعة، وتركه أحمد.\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٦٤٤).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٦/ ٧٩).","vol":"11","page":320},{"text":"٣٥٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخبَرَهُ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا (١) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ في بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا\n===\nوقد نوقش الترمذي في تصحيح حديثه، قال الذهبي: أما الترمذي فروى هذا من حديثه وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه، واعتذره الحافظ، فقال: وكأنه اعتبر بكثرة طرقه، وذلك لأنه رواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة.\nقال الحاكم: على شرطهما، وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي، وأخرجه - أيضًا- الحاكم من حديث أنس، وأخرجه أيضًا من حديث عائشة، وكذلك الدارقطني، وأخرجه أحمد من حديث سليمان بن بلال، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة عن عطاء مرسلًا، وأخرجه البيهقي موقوفًا على عمر، كتبه إلى أبي موسى.\nولا يخفى أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسنًا، قاله الشوكاني (٢).\n٣٥٩٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك، أن كعب بن مالك أخبره) أي أخبر عبد الله (أنه) أي كعب بن مالك (تقاضى ابن أبي حدرد) أي اقتضى بالعنف (دينًا كان له) أي لكعب بن مالك (عليه) أي على ابن أبي حدرد (في عهد رسول الله - ﷺ -) وهما (في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها) أي الأصوات (رسول الله - ﷺ - وهو في بيته، فخرج إليهما) أي: أراد الخروج\n_________\n(١) في نسخة: \"سمعهما\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٦٤٣).","vol":"11","page":321},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: \"يَا كَعْبُ\"، فَقَالَ: لبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ لَهُ (١) بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"قُمْ فَاقْضِهِ\". [خ ٤٥٧، م ١٥٥٨، ن ٥٤٢٩، جه ٢٤٢٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1393>(١٣) بَابٌ: في الشَّهَادَاتِ</span>\n٣٥٩٦ - حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ السَّرْحِ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا، أَنَا ابْنُ وَهْب قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ،\n===\n(رسول الله - ﷺ - حتى كشف سجْف) (٣) أي ستر (حجرته، ونادى كعب بن مالك فقال: يا كعب، فقال) كعب: (لبيك يا رسول الله، فأشار) أي رسول الله - ﷺ - (له) أي لكعب (بيده) الشريفة (أن ضع الشطر من دَينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله) أي وضعت عنه نصف الدين (قال النبي - ﷺ -: قم فاقضه).\nقال الخطابي (٤): في هذا من الفقه أن للقاضي أن يصلح بين الخصمين، وفيه أن الصلح إذا كان على وجه الحط فإنه يجب نقدًا.\n\n(١٣) (بَابٌ: في الشَّهَادَاتِ)\n٣٥٩٦ - (حدثنا ابن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، أن أباه) أي أبا بكر (أخبره) أي أخبر أبو بكر (أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان)\n_________\n(١) في نسخة: \"إليه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أحمد\".\n(٣) وفي \"النهاية\": \"السِجْفُ\" بكسر السين وفتحها (٢/ ٣٤٣).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٦٧).","vol":"11","page":322},{"text":"أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ أَوْ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا\". شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَيَّتُهُمَا قَالَ. [م ١٧١٩، ت ٢٢٩٥، جه ٢٣٦٤، حم ٤/ ١١٥، ط ٢/ ٢٤٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَالِك: الَّذِي يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا الَّذِي هِيَ لَهُ، قَالَ الْهَمْدَانِيُّ: وَيرْفَعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ، قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: أَوْ يَأْتِي بِهَا الإمَامَ، وَالإخْبَارُ في حَدِيثِ الْهَمْدَانِيِّ. قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: ابْنَ أَبِي عَمْرَةَ، لَمْ يَقُلْ عَبْدَ الرَّحْمنِ.\n===\nالأموي، المعروف بالمطرف لحسنه وجماله، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (أخبره أن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أخبره، أن زيد بن خالد الجهني أخبره، أن رسول الله - ﷺ -: ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته) أي يؤدي شهادته (أو) للشك من الراوي (يخبر) بدل يأتي (بشهادته قبل أن يسألها، شك عبد الله بن أبي بكر أيتهما) أي آية اللفظين. (قال) أبوه.\n(قال أبو داود: قال مالك: الذي يخبر بشهادته، ولا يعلم بها) أي بالشهادة (الذي هي له، قال الهمداني: ويرفعها) أي الشهادة (إلى السلطان، قال ابن السرح: أو يأتي بها الإمامَ) أي الحكام، (والإخبار في حديث الهمداني. قال ابن السرح: ابن أبي عمرة، لم يقل عبد الرحمن).\nقال الخطابي (١): أما الشهادة في الحق يدعيه الرجل قبل صاحبه، فيخبر بها الشاهد قبل أن يسألها، فإنه لا قرار لها، ولا يجب تنجيز الحكم بها، حتى يستشهده صاحب الحق، فيقيمها عند الحاكم؛ وإنما هذا في الشهادة تكون\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٦٧).","vol":"11","page":323},{"text":"(١٤) بَابٌ: في الرَّجُلِ (١) يُعِينُ عَلَى خُصُومَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَمْرَهَا\n٣٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، عن يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: جَلَسْنَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَجَلَسَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّه، وَمَنْ خَاصَمَ في بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ في سَخَطِ الله حَتَّى يَنْزعَ (٢)،\n===\nعند الرجل، ولا يعلم بها صاحب الحق، فيخبره بها ولا يكتمه إياها، وقيل: هذا في الأمانة والوديعة تكون لليتيم، لا يعلم مكانها غيره، فيخبره بما يعلمه من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>(١٤) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يُعِينُ عَلَى خُصُومَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَمْرَهَا)</span>\n٣٥٩٧ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا عمارة بن غزية، عن يحيى بن راشد) بن مسلم، ويقال: ابن كنانة الليثي، أبو حاتم، الدمشقي الطويل، قال أبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (قال: جلسنا لعبد الله بن عمر) أي في انتظار خروجه من البيت (فخرج إلينا فجلس، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله) يعني رجل وجب عليه حد من حدود الله، فشفع في رفع حد عند رجل آخر، فقبل شفاعته، ورفع الحد عنه بشفاعته (فقد ضادَّ الله) أي حاربه وسعى في ضد ما أمر الله به.\n(ومن خاصم في باطل وهو يعلمه) أي خصومته في أمر باطل (لم يزل في سخط الله حتى ينزع) أي يرجع ويتوب عنه.\n_________\n(١) في نسخة: \"فيمن يعين\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عنه\".","vol":"11","page":324},{"text":"وَمَنْ قَالَ في مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّه رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ\". [حم ٢/ ٧٠، ق ٦/ ٨٢]\n٣٥٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نَا عُمَرُ بْنُ يُونُس، نَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعُمَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بمَعْنَاهُ، قَالَ: \"وَمَنْ أَعَانَ عَلى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ\". [جه ٢٣٢٠، حم ٢/ ٨٢، ق ٦/ ٨٢]\n===\n(ومن قال في مؤمن) أي تكلم في مؤمن بمذمته (ما ليس فيه) أي افترى عليه، وليس في ذلك الوصف المذموم (أسكنه الله ردغة (١) الخبال) أي التواب المخلوط بعصارة أهل النار (حتى يخرج مما قال) أي يرجع ويتوب عنه.\n٣٥٩٨ - (حدثنا علي بن الحسين بن إبراهيم، نا عمر بن يونس، نا عاصم بن محمد بن زيد العمري قال: حدثني المثنى بن يزيد) البصري، قلت: قال الذهبي (٢): تفرد عنه عاصم بن محمد، وقال في \"التقريب\": مجهول (عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمعناه، قال: ومن أعان على خصومة بظلم) أي أعان ظالمًا في خصومته (فقد باء) أي رجع (بغضب من الله).\n_________\n(١) قال ابن الأثير في \"النهاية\" جاء تفسيرها في الحديث: \"أنها عصارة أهل النار\"، والرَّدْغَةُ بسكون الدال وفتحها: طينٌ ووحلٌ كثير، وتجمع على رَدَغ ورِدَاغ (٢/ ٢١٥)، والخَبالُ في الأصل: الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول (٢/ ٨).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٤٣٦).","vol":"11","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1395>(١٥) بَابٌ: في شَهَادَة الزُّور</span>\n٣٥٩٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ- يَعْنِي الْعُصْفُرِيَّ-، عن أَبيهِ، عن حَبِيب بْنِ النُّعْمَانِ الأَسْدِيِّ، عن خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ: \"عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالإشْرَاكِ بِاللَّهِ\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (١)، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾. [ت ٢٢٩٩، جه ٢٣٧٢، حم ٤/ ٣٢١]\n===\n\n(١٥) (بَابٌ: في شَهَادَةِ الزُّورِ)\n٣٥٩٩ - (حدثثا يحيى بن موسى البلخي، نا محمد بن عبيد، حدثني سفيان -يعني العصفري-) وهو سفيان بن زياد، أبو الورقاء الأحمري، ويقال: الأسدي الكوفي، روى عن أبيه زياد على خلاف فيه، قال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة.\n(عن أبيه) زياد، (عن حبيب بن النعمان الأسدي، عن خريم بن فاتك قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح) أي بالناس (فلما انصرف قام قائمًا) أي قام قيامًا أو بقي قائمًا (فقال: عدلت) أي سويت وجعلت عدلًا (شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات) أي قالها ثلاث مرات (ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾) أي من عبادتها وإشراكها بالله (﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾) (٢).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وأنت تعلم ما في الزور من القول من المراتب المتفاوتة،\n_________\n(١) في نسخة: \"مرار\".\n(٢) سورة الحج: الآية ٣٠، ٣١.","vol":"11","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1396>(١٦) بَابُ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ</span>\n٣٦٠٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ردَّ شَهَادَةَ الْخَائِنِ وَالْخَائِنَةِ وَذِيَ الْغِمْرِ عَلَى أَخِيهِ،\n===\nوأن الإشراك بالله نوع منها، فإنه زور من القول، وعلى هذا فلا استبعاد في معادلته بالشرك، والظاهر في الآية هو هذا المعنى لقوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.\n\n(١٦) (بَابُ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ)\n٣٦٠٠ - (حدثنا حفص بن عمر، نا محمد بن راشد، نا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله - ﷺ - رد شهادة الخائن والخائنة).\nقال في \"فتح الودود\": قال أبو عبيد: لا نراه خصَّ (١) به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه، فإنه قد سمى ذلك كله أمانة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (٢)، فمن ضيَّع شيئًا مما أمر الله به، أو ركب شيئًا مما نهى الله عنه، فليس ينبغي أن يكون عدلًا، ويحتمل أن يراد به الخيانة في أمانات الناس، أو الأعم الشامل للخيانة في أحكام الله تعالى وغيرها.\n(وذي الغمر) بكسر الغين المعجمة: الحقد والعداوة (٣) (على أخيه،\n_________\n(١) في الأصل: \"حض\"، وهو تحريف.\n(٢) سورة الأنفال: الآية ٢٧.\n(٣) قال ابن رشد (٢/ ٤٦٤): ومن ذلك اختلافهم في شهادة العدو على عدوه، فقال مالك والشافعي: لا تقبل، وقال أبو حنيفة: تقبل ... إلخ، وفي \"الكنز\" (ص ٢٩١): والعدو إن كانت عداوته دنيويةً (أي لا تقبل)، قال في البحر (٧/ ٨٥، ٨٦): هذا هو المصرح في غالب كتب أصحابنا، والمشهور على ألسنة فقهائنا، ونقل في \"القنية\": أن العداوة =","vol":"11","page":327},{"text":"وَرَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لأَهْلِ الْبَيْتِ وَأَجَازَهَا لِغَيْرِهِمْ\". [جه ٢٣٦٦، حم ٢/ ١٨١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْغِمْرُ: الْحِقْدُ (١) وَالشَّحْنَاءُ (٢).\n٣٦٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ طَارِقٍ الرَّازِيُّ (٣)، نَا زيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: نَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى بِإِسْنَادِهِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ\n===\nورد شهادة القانع لأهل البيت) هو: الخادم والتابع، وقيل: المنقطع إلى القوم يخدمهم، كالأجير والوكيل، ترد شهادته لتهمة، يعني إذا شهد القانع على أهل البيت لأهل بيته يرد، أما إذا شهد عليهم أو شهدها لغيرهم جاز (وأجازها) أي شهادته (لغيرهم) أي لغير أهل البيت.\n(قال أبو داود: الغمر: الحقد والشحناء) والحاصل في جميع ذلك: أن المتهم لا تقبل شهادته كائنًا من كان.\n٣٦٠١ - (حدثنا محمد بن خلف بن طارق الرازي، نا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي قال: نا سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى بإسناده) المتقدم (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تجوز شهادة خائن\n_________\n= بسبب الدنيا لا تمنع ما لم يفسق بسببها، أو يجلب منفعة، أو يدفع بها عن نفسه مضرة، وهو الصحيح وعليه الاعتماد، ثم بسط الكلام عليه، وأجاب عن الحديث: بأن الوارد فيه الحقد، فيحمل على غير عدل؛ لأن الحقد فسق ... إلخ، وإلى هذا الاختلاف أشار صاحب \"الدر المختار\" (٨/ ١٩٩)، ولم يذكر المسألة صاحب \"الهداية\" ولا ابن الهمام وصاحب \"البدائع\"، ولم يذكر الزيلعي على \"الكنز\" الاختلاف، بل اكتفى على قول \"الكنز\"، وقريب منه ما في \"الوقاية\" إذ قال: يعتبر الشهادة بالعداوة الدينية، ولم يذكر الخلاف فيه شارح \"الوقاية\" (٣/ ٢٥٩). (ش).\n(١) في نسخة: \"الإحنة\"، وفي نسخة: \"الحِنَّة\".\n(٢) زاد في نسخة: والقانع: الأجير التابع مثل الأجير الخاص.\n(٣) في نسخة: \"الداري\".","vol":"11","page":328},{"text":"وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ\". [ق ١٠/ ٢٠١، حم ٢/ ٢٠٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>(١٧) بَابُ شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى أَهْلِ الأَمْصَارِ</span>\n٣٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَنَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عن ابْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ\". [جه ٢٣٦٧، ق ١٠/ ٢٥٠، قط ٤/ ٢١٩]\n===\nولا خائنة، ولا زان ولا زانية) أي: المحدودة (١) في الزناء (ولا ذي غمر) أي: حقد (على أخيه).\n\n(١٧) (بَابُ شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى أَهْلِ الأَمْصَارِ)\n٣٦٠٢ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد، عن ابن الهاد، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) نقل عن \"مرقاة الصعود\" (٢): أخذ به مالك، وقال البيهقي في \"سننه\": هذا يحتمل أن يكون ورد في الشهادة على الأسعار، وفيما يعتبر أن يكون الشاهد فيه من أهل الخبرة الباطنة.\nوقال الخطابي (٣): يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البادية لما فيهم من\n_________\n(١) وهذا مستدل الحنفية، وضعفه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٢٥٧)، وبسط والدي في \"اللامع\" (٧/ ٦٠، ٦١) مستدل الحنفية بالآية الشريفة. (ش).\n(٢) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٤٦).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٧٠)","vol":"11","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1398>(١٨) بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الرِّضَاعِ</span>\n٣٦٠٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَحَدَّثَنِيهِ صَاحِبٌ لِي عَنْهُ، وَأَنَا لِحَدِيثِ صَاحِبِي أَحْفَظُ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ أمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْنَا جَمِيعًا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -\n===\nالجفاء (١) بالدين، والجهالة بأحكام الشريعة؛ ولأنهم في الأغلب لا يضبطون الشهادة على وجهها، ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يحيلها وتغييرها (٢) عن جهتها. وقال عامة أهل العلم: شهادة البدوي إذا كان عدلًا يقيم الشهادة على وجهها جائزة.\n\n(١٨) (بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الرِّضَاعِ)\n٣٦٠٣ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: حدثني عقبة بن الحارث وحدثنيه صاحب لي عنه) واسمه عبيد بن أبي مريم كما سيأتي في الحديث الآتي، يعني يقول ابن أبي مليكة: حصل لي هذا الحديث بطريقين: أحدهما: حدثني عقبة بن الحارث من غير واسطة، والثاني: حدثني هذا الحديث صاحب لي عن عقبة بن الحارث.\n(وأنا لحديث صاحبي أحفظ) من حديث عقبة، (قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فدخلت علينا امرأة سوداء، فزعمت) أي قالت: (إنها) أي المرأة السوداء (٣) (أرضعتنا) يعني عقبة وزوجته (جميعًا، فأتيت النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) به جزم صاحب \"المجمع\" وقال: قال به مالك خلافًا للناس، قلت: يجوز عند الأربعة، خلافًا لأحد قولي مالك، وقولي أحمد، كذا في \"المغني\" (١٤/ ١٤٩، ١٥٠). (ش).\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: \"وُيغَيِّرُها\". انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ١٧٠)\n(٣) في الأصل: \"امرأة سوداء\" ..","vol":"11","page":330},{"text":"فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا لَكَاذِبَةٌ، قَالَ: \"وَمَا يُدْرِيكَ وَقَدْ قَالَتْ مَا قَالَتْ؟ دَعْهَا عَنْكَ\". [خ ٨٨، ت ١١٥١، ن ٣٣٣٠، حم ٤/ ٧]\n٣٦٠٤ - حَدّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نَا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَصْرِيُّ. (ح): وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، كِلَاهُمَا، عن أَيُّوبَ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن عُبَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عن عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ، وَلَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.\n===\nفذكرت ذلك له، فأعرض عني، فقلت: يا رسول الله، إنها لكاذبة، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (وما يدريك) أي شيء أعلمك أنها كاذبة (وقد) الواو للحال، أي: والحال أنها (قالت ما قالت؟ دعها عنك).\n٣٦٠٤ - (حدثنا أحمد بن أبو شعيب الحراني، نا الحارث بن عمير البصري، ح: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل بن علية، كلاهما، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد بن أبي مريم، عن عقبة بن الحارث، وقد سمعته من عقبة، ولكني لحديث عبيد أحفظ، فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم.\nقال الخطابي (١): قوله: \"وما يدريك\" تعليق منه القول في أمرها، وقوله: \"دعها عنك\" إشارة منه بالكف عنها بطريق الورع لا من طريق الحكم، وليس في هذا دلالة على وجوب قبول قول المرأة الواحدة في هذا، وفيما لا يطلع عليه الرجال من أمر النساء؛ لأن من شرط الشهادة من كان من رجل أو امرأة أن يكون عدلًا؛ لأن سبيل الشهادات أن تقام عند الأئمة\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٧٠، ١٧١).","vol":"11","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالحكام، وإنما هذه امرأة جاءته فأخبرته بأمر هو من فعلها، وهو مكذب لها، ولم يكن هذا القول منها شهادة عند النبي - ﷺ -، فتكون سببًا للحكم، والاحتجاج به في إجازة شهادة المرأة الواحدة في هذا وفيما أشبهه من هذا الباب.\nوقد اختلف الناس في عدد من تقبل شهادته (١) في الرضاع من النساء، فروي عن ابن عباس أنه قال: شهادة المرأة الواحدة جائزة في الرضاع إذا كانت مرضعة، ويستحلف مع شهادتها، وكذلك قال الحسن البصري، وبه قال أحمد بن حنبل، واشترط اليمين، وقال أصحاب الرأي: شهادة المرأة تقبل فيما لا يطلع عليه الرجال.\nوروي عن علي بن أبي طالب: أنه أجاز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال، وقد روي عن الشعبي والنخعي، وقال عطاء وقتادة: لا يجوز في ذلك أقل من أربع نسوة، وإليه ذهب الشافعي، وقال مالك: تجوز شهادة امرأتين، وهو قول ابن أبي ليلى، وابن شبرمة.\nوزاد في نسخة على \"الحاشية\": قال أبو داود: نظر حماد بن زيد إلى الحارث بن عمير فقال: هذا من ثقات أصحاب أيوب.\n_________\n(١) قال الموفق (١٤/ ١٣٤، ١٣٥): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في قبول شهادة النساء المنفردات في الجملة، والذي تقبل فيه خمسة أشياء: الولادة، والاستهلال، والرضاع، والعيوب التي تحت الثياب، كالرَّتْقِ والبَكارَة وغيرهما [وانقضاء العدّة].\nوعن أبي حنيفة: لا تُقبل شهادتهن منفردات في الرضاع، ولنا: هذا الحديث، ثم في كل موضع تقبل فيه تكفي واحدة لهذا الحديث، وعند أحمد رواية أخرى: لا بدَّ من اثنتين، وبه قال الشافعي ومالك ... إلخ، وفي \"الدر المختار\" (٤/ ٤٠٩): والرضاع حجته حجة المال، وهي شهادة عدلين أو عدل وعدلتين، لكن لا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي، وحكى اختلاف الأقوال في ذلك؛ وفي \"فيض الباري\" (١/ ١٨٦): الحديث مشكل علينا. وأجاب عنه: بحمله على التقوى والديانة دون القضاء، وبسط في ذلك. (ش).","vol":"11","page":332},{"text":"(١٩) بَابُ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْوَصِيَّةِ (١) في السَّفَرِ\n٣٦٠٥ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا زَكَرِيَّا، عن الشَّعْبِيِّ: \"أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَاءَ هَذِهِ، وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ، فَأَتيَا أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ، فَأَخْبَرَاهُ، وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ في عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ بِاللَّهِ مَا خَانَا وَلَا كَذِبَا وَلَا بَدَّلَا وَلَا كَتَمَا وَلَا غَيَّرَا، وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ، فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا\". [ق ١٠/ ١٦٥]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>(١٩) (بَابُ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْوَصِيَّةِ في السَّفَرِ)</span>\n٣٦٠٥ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا هشيم، أنا زكريا، عن الشعبي: أَن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء) بفتح أوله، وضم ثانيه، وبعد الواو قاف أخرى، وألف ممدودة والمقصورة، مدينة بين إربل وبغداد معروفة، وقال في \"القاموس\": بلدة بين بغداد وإربل، ويقال: دقوقا، ويمد.\n(هذه، ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما) أي الرجلان من أهل الكتاب (الكوفة، فأتيا أبا موسى الأشعري) وكان عاملًا عليها (فأخبراه) بموت رجل من المسلمين ووصيته (وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله - ﷺ -)، وهذه إشارة إلى قصة عدي بن بدَّاء، وتميم الداري، كما سيأتي في الرواية الآتية.\n(فأحلفهما بعد العصر) وإنما خص هذا الوقت للشهادة لتعظيم الإثم على من حلف كاذبًا، لشهود ملائكة الليل والنهار في ذلك الوقت، ولكونه وقت ارتفاع الأعمال (بالله ما خَانَا) أي في تركة المتوفى (ولا كَذِبا ولا بَدَّلا ولا كَتَما ولا غَيَّرا، وإنها لَوَصيةُ الرجل) الميت (وترِكتُه، فأمضى) أي أبو موسى (شهادتهما).\n_________\n(١) في نسخة: \"في الوصية\".","vol":"11","page":333},{"text":"٣٦٠٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى بْنُ آدم، نَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ،\n===\nقال الخطابي (١): في هذا دليل على أن شهادة أهل الذمة مقبولة في وصية المسلم في السفر خاصة، وممن روي عنه أنه قبلها في مثل هذه الحالة: شريح، والنخعي، وهو قول الأوزاعي.\nوقال أحمد بن حنبل: لا تقبل شهادتهم إلا في مثل هذا الموضوع (٢) للضرورة، وقال الشافعي: لا تقبل شهادة الذمي بوجه، لا على مسلم، ولا على كافر، وهو قول مالك، وقال أحمد بن حنبل: لا تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض.\nوقال أصحاب الرأي: شهادة بعضهم على بعضهم جائزة، والكفر كله ملة واحدة، وقال آخرون: شهادة اليهودي على اليهودي جائزة، ولا تجوز على النصراني والمجوسي؛ لأنها ملل مختلفة، ولا تجوز شهادة أهل ملة على ملة أخرى، وهذا قول الشعبي، وابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهويه، وحكي ذلك عن الزهري قال: وذلك للعداوة التي ذكرها الله سبحانه بين هذه الفرق، انتهى (٣).\n٣٦٠٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يحيى بن آدم، نا ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم) الطويل الكوفي، عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له البخاري وأبو داود والترمذي حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس في قصة تميم الداري، وعدي بن بدَّاء، وقال البجيري عن البخاري: لا أعرف محمد بن أبي القاسم كما أشتهي، انتهى.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٧١، ١٧٢).\n(٢) كذا في الأصل، وفي، \"المعالم\": \"هذا الموضع\".\n(٣) ونحو ذلك حكى المذاهب العيني (١٠/ ٦٩ - ٧١)، والحافظ (٥/ ٤١١ - ٤١٣). (ش).","vol":"11","page":334},{"text":"عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن أَبيهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْم مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءَ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا (١) مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا (٢) بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا\n===\n(عن عبد الملك بن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: عزيز الحديث ثقة، روى له البخاري في الشواهد، وأبو داود والترمذي حديثًا واحدًا في قصة تميم الداري، وعدي بن بدَّاء.\n(عن أبيه) سعيد بن جبير، (عن ابن عباس (٣) قال: خرج رجل من بني سهم) اسمه بديل (٤) بن أبي مريم، مولى بني سهم، وكان مسلمًا (مع تميم الداري وعدي بن بداء) وكانا نصرانيين إذ ذاك (فمات السهمي) أي قرب موته وظهر آثاره (بأرض ليس فيها مسلم) فأوصى إليهما بماله وتركته أن يبلغا إلى أهله، وكان في تركته جام من فضة مُخَوَّصًا بالذهب، وهو عظم تجارته.\n(فلما قدما) أي تميم وعدي (بتركته فقدوا) أي أهل السهمي (جام فضة مُخَوَّصًا بالذهب) أي فيها خطوط كالخوص من صفائح الذهب، (فأحلفهما\n_________\n(١) في نسخة: \"بها\".\n(٢) في نسخة: \"مخوص\".\n(٣) والحديث، أخرجه البخاري والترمذي والسيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٢١) هكذا، وللترمذي (٣٠٥٩) سياق آخر أيضًا يخالفه، وللسيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٢١، ٢٢٢) سياق ثالث برواية ابن جرير عن عكرمة يخالفهما، وذكرت الثالثة في هامش \"الكوكب\" (٤/ ١٣٢، ١٣٣)، ولم أتحقق الجمع بينها مع التفحص الكثير في \"الفتح\" و\"العيني\" و\"النيل\"، وكتب التفسير كـ \"الجمل\" و\"البيضاوي\" و\"الخازن\" و\"البحر المحيط\" و\"التفسير المظهري\" و\"الكشاف\" و\"أحكام القرآن\"، وكتب الرجال كـ \"الإصابة\" و\"أسد الغابة\" و\"الاستيعاب\". (ش).\n(٤) واختلف في ضبط اسمه على الأقوال بسطها الحافظ (٥/ ٤١١). (ش).","vol":"11","page":335},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْليَاءِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبنَا (١)، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآيَةَ\". [ت ٣٠٦٠، خ ٢٧٨٠]\n===\nرسول الله - ﷺ -) أن الجام لم يكن فيها فحلفا (ثم وُجِدَ الجامُ بمكة، فقالوا) الذين وجد الجام عندهم: (اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي) وهما عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة (فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما) أي من شهادة تميم وعدي (وأن الجام لصاحبنا) أي لبديل بن أبي مريم (قال: فنزلت فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٢) الآية).\nوتمام القصة (٣) عند الترمذي، قال تميم: ولما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي، فلما أتينا أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفُقد الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، ولا دفع إلينا غيره.\nقال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبي - ﷺ - المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله - ﷺ - فسألهما البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٤)، فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي، وفي تفسير هذه الآية كلام طويل، واختلاف بين العلماء، مذكور في كتب التفسير.\n_________\n(١) في نسخة: \"لصاحبهما\"، وفي أخرى: \"لصاحبهم\".\n(٢) سورة المائدة: الآية ١٠٦.\n(٣) ذكر القصة صاحب \"الخميس\" (٢/ ١٤٦) في السنة العاشرة. (ش).\n(٤) سورة المائدة: الآية ١٠٨.","vol":"11","page":336},{"text":"(٢٠) بَابٌ: إِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ صِدْقَ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ لهُ أَنْ يَقْضِيَ (١) بِهِ\n===\nقال الخطابي (٢): في هذا حجة لمن رأى رد اليمين على الذمي (٣)، والآية محكمة، لم تنسخ في قول عائشة، والحسن البصري، وعمرو بن شرحبيل، وقالوا: المائدة آخر ما نزل من القرآن لم ينسخ منها شيء. وتأول من ذهب إلى خلاف هذا القول: الآية على الوصية دون الشهادة؛ لأن نزول الآية إنما كان في الوصية، وتميم الداري وصاحبه عدي بن بدَّاء إنما كانا وصيين، لا شاهدين، والشهود لا يحلفون، وقد حلفهما رسول الله - ﷺ -، وإنما عبر بالشهادة عن الأمانة التي يحملها، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ (٤) أي أمانة الله.\nوقالوا: معنى قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير قبيلتكم، وذلك أن الغالب في الوصية أن الموصي يشهده أقرباؤه، وعشيرته، دون الأجانب والأباعد، ومنهم من زعم أن الآية منسوخة، والقول الأول أصح، انتهى.\n\n(٢٠) (بَابٌ: إِذَا عَلِمَ (٥) الْحَاكِمُ صِدْقَ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ)\n_________\n(١) في نسخة: \"يحكم\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٧٢، ١٧٣).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"على المدعي\".\n(٤) سورة المائدة: الآية ١٠٦.\n(٥) قال الخطابي: هذا ليس بشهادة، بل حكم الحاكم بعلمه ... إلخ، كذا في \"الفتح\" (١٣/ ١٦٠ - ١٦٢).\nقلت: إثبات الترجمه بالحديث مشكل، فإنه ﵊ لم يكن قاضيًا إذ ذاك، بل بمنزلة المدعي. أما مسألة القضاء بعلم القاضي: اختلف في القضاء بعلم القاضي على أقوال كثيرة، واختلفت فيه أقوال الأئمة أيضًا، كما بسطها الحافظ، والجملة ما ذكر العيني (١٦/ ٤٠٥)، فقال: قال الشافعي: يجوز ذلك في حقوق الناس سواء علم ذلك قبل القضاء أو بعده، وقال أبو حنيفة: ما علمه قبل القضاء في حقوق الناس لا يحكم فيه، وقال مالك في المشهور عنه وأحمد وإسحاق: لا يقضي بعلمه أصلًا، سواء علم قبل القضاء أو بعده ... إلخ. وفي \"البدائع\" [انظر: (٥/ ٤٤٥، ٤٤٦)]: =","vol":"11","page":337},{"text":"٣٦٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِع حَدَّثَهُمْ، قَالَ، أَنَا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَن عَمَّهُ حَدَّثَهُ وَهُوَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - ليَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمَشْيَ، وَأَبْطَأَ الأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الأَعْرَابِيَّ، فَيُسَاوِمُونَهُ (١) بِالْفَرَسِ، وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ابْتَاعَهُ، فَنَادَى الأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -،\n===\nوليس هذا إلا للنبي - ﷺ -: بأن يجعل شهادة (٢) الواحد كشهادة رجلين، كما جعل لخزيمة، ولا يجوز لغيره أن يحكم على شهادة الواحد من الخلفاء الراشدين - ﵃-، فكيف لغيرهم؟ !\n٣٦٠٧ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، أن الحكم بن نافع حدثهم، قال: أنا شعيب، عن الزهري، عن عمارة بن خزيمة، أن عمه) قال الحافظ في المبهمات: ذكر ابن منده أن اسم عمه عمارة بن ثابت (حدثه وهو من أصحاب النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي - ﷺ -) أي طلب منه أن يتبعه (ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله - ﷺ - المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي - ﷺ - ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله - ﷺ -) حين زاد بعض الناس في الثمن.\n_________\n= لا يجوز القضاء في الحدود بلا خلاف بين أصحابنا، وفي غيرها يجوز عندهما مطلقًا، وعند الإِمام إذا علم في مكان القضاء وزمانه، لا قبله وخارج بلد القضاء. وفي \"الشامي\" (٨/ ١١٩): المعتمد في زماننا عدم القضاء بعلمه مطلقًا، وبسطه في \"المغني\" (١٤/ ٣١ - ٣٣). (ش).\n(١) في نسخة: \"فساومونه\".\n(٢) وبسط الكلام عليه الزرقاني في \"المواهب\" (٧/ ٣٤٦)، وذكر نظائره مما خص النبي - ﷺ - بعضها بأحكام مخصوصة دون بعض. (ش).","vol":"11","page":338},{"text":"فَقَالَ: إِنْ كنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسَ وَإِلَّا بِعْتُهُ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: \"أَوَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ \"، قَالَ الأَعْرَابِيُّ: لَا، والله مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ (١) النَّبِيُّ - ﷺ -: \"بَلَى قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ\"، فَطَفِقَ الأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هُلُمَّ شَهِيدًا، فَقَالَ خُزَيْمَةُ (٢)، أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِىُّ - ﷺ - عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: \"بِمَ تَشْهَدُ؟ \"، فَقَالَ (٣): بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. [ن ٤٦٦١]\n===\n(فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس) فاشتره (وإلَّا بعته، فقام النبي - ﷺ - حين سمع نداء الأعرابي، فقال: أو ليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا، والله ما بعتكه، فقال النبي - ﷺ -: بل قد ابتعته منك، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا) على أن بعته منك، (فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته (٤) أي بايعت الفرس من رسول الله - ﷺ - (فأقبل النبي - ﷺ - على خزيمة، فقال: بم تشهد) أنه قد بايعني؟ ولم تكن حاضرًا عند البيع (فقال) خزيمة: (بتصديقك يا رسول الله) أي بتصديق الله تعالى إياك في تبليغ الرسالة (فجعل النبي - ﷺ - شهادة خزيمة بشهادة رجلين).\nقال المنذري (٥): وأخرجه النسائي.\nوهذا الأعرابي (٦) هو ابن الحارث، وقيل: سواء (٧) بن قيس المحاربي،\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن ثابت\".\n(٣) في نسخة: \"قال\".\n(٤) وذكر في \"الشفاء\": فرد النبي - ﷺ - الفرس على الرجل، وقال: \"اللَّهمَّ إن كان كاذبًا، فلا تبارك له فيها\"، فأصبحت شاصية رجلها، أي: رافعة. (ش).\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٢٢٤).\n(٦) وفي \"التلقيح\" (ص ٤٧٥): قيل: اسمه سواء بن الحارث، وقيل: سواء بن قيس. (ش).\n(٧) وفي \"الفتح\" (٨/ ٥١٩): أنه سواد بن الحارث، وبه جزم الدميري في \"حياة الحيوان\" (٢/ ٢٨٧). (ش). قلت: وما في \"الفتح\": (أنه سواد بن الحارث\" وهو تحريف، والصواب: \"سواء بن الحارث\"، انظر: \"الإصابة\" (٣/ ١٧٩).","vol":"11","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1401>(٢١) بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ</span>\n٣٦٠٨ - حَدّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَّ زيدَ بْنَ الْحُبَابِ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نَا سَيْفٌ الْمَكِّيُّ- قَالَ عُثْمَان: سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ-،\n===\nذكره غير واحد في الصحابة، وقيل: إنه جحد البيع بأمر بعض المنافقين، وقيل: إن هذا الفرس هو المرتجز المذكور في أفراس رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الإصابة\" (١): روى الطبراني وابن شاهين من طرق، عن زيد بن الحباب، عن محمد بن زرارة بن خزيمة بن ثابت، حدثني عمارة بن خزيمة، عن أبيه: \"أن النبي - ﷺ - اشترى فرسًا من سواء بن الحارث، فجحده\" الحديث، وأخرجه ابن شاهين، فقال: عن سواء بن قيس، وأظنه وهمًا.\n\n(٢١) (بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ (٢) وَالشَّاهِدِ)\n٣٦٠٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي، أن زيد بن الحباب حدثهم، قال: نا سيف المكي- قال عثمان: سيف بن سليمان-) ويقال ابن أبي سليمان المخزومي مولاهم، أبو سليمان المكي، قال أحمد: ثقة، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: كان عندنا ثبتًا، ممن يصدق ويحفظ، وقال أبو زرعة الدمشقي: ثبت، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة يرمى بالقدر، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن عدي: حديثه ليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: توفي بمكة سنة ٥٥ هـ، وكان ثقة كثير الحديث، وقال الساجي: أجمعوا على أنه ثقة صدوق غير أنه اتهم بالقدر، وقال العجلي وأبو بكر البزار: ثقة.\n_________\n(١) (٣/ ١٧٩).\n(٢) قال ابن رشد (٢/ ٤٦٧، ٤٦٨): به قالت الثلاثة، وقال الحنفية: لا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ ...﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولحديث الأشعث: \"شاهداك أو يمينه\". (ش).","vol":"11","page":340},{"text":"عن قَيْس بْنِ سَعْدٍ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ\". [م ١٧١٢، سنن النسائي الكبرى ٦٠١١، جه ٢٣٧٠، حم ١/ ٢٤٨]\n===\n(عن قيس ابن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - قضى بيمين (١) وشاهد) قال في \"فتح الودود\": والجمهور (٢) على أن معناه: أنه كان للمدعي شاهد واحد، فحلف على مدعاه بدلًا عن الشاهد الآخر فقضى له بهما، ولعل تأويله عند من لا يقول به، أنه قضى بيمين المدعى عليه مع وجود شاهد واحد للمدعي، لعدم تمام الحهجة بذلك، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"بيمين وشاهد\" هما للجنس، والمعنى قضى بهذا أحيانًا، وبذاك أحيانًا، إذا لم يوجد شاهد للمدعي، والحاجة إلى ذلك التأويل للجمع بقوله الكلي: \"البينة على المدعي\" ... الخ، وهو مشتهر، بل قريب من المتواتر، انتهى.\nوقال في \"البدائع\" (٣): ولنا الحديث المشهور، والمعقول، ووجه الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أن النبي - ﷺ - أوجب اليمين على المدعى عليه، ولو جعلت حجة المدعي لا تبقى واجبة على المدعى عليه وهو خلاف النص. والثاني: أنه ﵊ جعل كل جنس اليمين حجة المدعى عليه؛ لأنه ﵊ ذكر اليمين بلام التعريف، فيقتضي استغراق كل الجنس، فلو جعلت حجة المدعي لا يكون كل جنس اليمين حجة المدعى عليه، بل يكون من الأيمان ما ليس بحجة له وهو يمين المدعي، وهذا خلاف النص.\n_________\n(١) قال محمد: بلغنا خلاف ذلك، انتهى. قلت: وأبطله البخاري بوجوه، وفي \"الدر المختار\" (٥/ ٥٤٩): حديث الشاهد واليمين ضعيف، رده ابن معين، بل أنكره الراوي، كذا في \"العيني\". انظر: \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٤٤). (ش).\n(٢) منهم الأئمة الثلاثة، كما في \"الترمذي\" (١٣٤٥)، و\"التعليق الممجد\" (٣/ ٣٣٨). (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٣٣٧، ٣٣٨).","vol":"11","page":341},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما الحديث فقد طعن فيه يحيى بن معين، وقال: لم يصح عن رسول الله - ﷺ - القضاء بشاهد ويمين، وكذا روي عن الزهري لما سئل عن اليمين مع الشاهد، قال: بدعة، وروي أول من قضى بهما معاوية - ﵁ -.\nوكذا ذكر ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: كان القضاء الأول أن لا يقبل إلَّا شاهدان، وأول من قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان، مع ما أنه ورد مورد الآحاد، ومخالفًا للمشهور فلا يقبل، وقد روي عن بعض الصحابة: أنه قضى بشاهد ويمين في الأمان (١).\nوعندنا يجوز القضاء في بعض أحكام الأمان بشاهد واحد إذا كان عدلًا بأن شهد أنه أمن هذا الكافر، تقبل شهادته حتى لا يقتل، ولكن يسترق، واليمين من باب ما يحتاط فيه، فيحمل على هذا، توفيقًا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض.\nوبهذا يتبين بطلان مذهب الشافعي - ﵀ - في رده اليمين إلى المدعي عند نكول المدعى عليه؛ لأن النبي ﵊ ما جعل اليمين حجة إلَّا في جانب المدعى عليه، فالرد إلى المدعي يكون وضع الشيء في غير موضعه، وهذا حد الظلم، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الدراية\" (٢): أخرجه مسلم من طريق قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، لكن ذكره الترمذي في \"العلل\" عن البخاري: أن عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس، انتهى.\n_________\n(١) وهذا أوجه الأجوبة عندي أن قوله ﵊ هذا حكايته حال لا عموم لها، فيحتمل الخصيصة بأمان كما قال، ويحتمل الخصيصة لرجل كالخصيصة لخزيمة بجعل شهادته شهادة اثنين، أو خصيصة لواقعة، كما سيأتي من قصة بني العنبر، فأجمل الراوي الحكم، وترك القصة، وقوله ﵊: \"شاهداك أو يمينه\". \"والبينة للمدعي\" ضوابط معروفة. (ش)\n(٢) \"الدراية\" (٢/ ١٧٥).","vol":"11","page":342},{"text":"٣٦٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: نَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ سَلَمَةُ في حَدِيثِهِ: قَالَ عَمْرٌو: في الْحُقُوقِ. [ق ١٠/ ١٦٨]\n٣٦١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ قَالَ: نَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَاهِدِ\". [ت ١٣٤٣، جه ٢٣٦٨، ق ١٠/ ١٦٨]\n===\n٣٦٠٩ - (حدثنا محمد بن يحيى وسلمة بن شبيب قالا: نا عبد الرزاق قال: نا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، بإسناده ومعناه، قال سلمة بن شبيب في حديثه: قال عمرو) أي ابن دينار: هذا (في الحقوق) أي لا في الحدود.\n٣٦١٠ - (حدثنا أحمد بن أبي بكر) واسمه القاسم بن الحارث بن زرارة (أبو مصعب الزهري) المدني، روى عن مالك \"الموطأ\"، قال أبو زرعة وأبو حاتم: صدوق، قال صاحب \"الميزان\" (٢): ما أدري ما معنى قول أبي خيثمة لابنه: لا تَكْتُبْ عن أبي مصعب، واكتُبْ عَمَّن شِئْتَ، انتهى. ويحتمل أن يكون مراد أبي خيثمة دخوله في القضاء، أو إكثاره من الفتوى بالرأي، وقال الحاكم: كان فقيهًا متقشفًا عالمًا بمذاهب أهل المدينة، وكذا ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: نا الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد).\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٨٤) رقم (٣٠٣).","vol":"11","page":343},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَنِي (١) الرَبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤِذِّنُ في هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: فَذكَرْتُ ذَلِكَ لِسُهَيْلٍ، فَقَالَ: أَخْبَرَني رَبِيعَةُ- وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ- أَنِّي حَدَّثْتُهُ إِيَّاهُ وَلَا أَحْفَظُهُ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَتْ (٢) سُهَيْلًا عِلَّةٌ أَذْهَبَتْ بَعْضَ عَقْلِهِ وَنَسِيَ بَعْضَ حَدِيثِهِ، فَكَانَ سُهَيْلٌ بَعْدُ يُحَدِّثُهُ عن رَبِيعَةَ عَنْهُ عن أَبِيهِ.\n٣٦١١ - حَدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الإسْكَنْدَرَانِيُّ، نَا زِيَادٌ- يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ-، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عن رَبِيعَةَ، بِإِسْنَادِ أَبِي مُصْعَبٍ وَمَعْنَاهُ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَلَقِيتُ سُهَيْلًا فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَا أَعْرِفُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ رَبِيعَةَ أَخْبَرَنِي بِهِ عَنْكَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ رَبِيعَةُ أَخْبَرَكَ عَني فَحَدِّثْ بِهِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِّي. [انظر سابقه]\n===\n(قال أبو داود: وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في هذا الحديث، قال: أنا الشافعي، عن عبد العزيز) الدراوردي (قال: فذكرت ذلك) الحديث (لسهيل) بأن ربيعة حدثنيه عنك (فقال) سهيل: (أخبرني ربيعة -وهو عندي ثقة-، أني حدثته إياه) أي هذا الحديث (ولا أحفظه) أي لا أحفظ أني حدثته هذا الحديث.\n(قال عبد العزيز: وقد كان أصابت سهيلًا علة) أي مرض (أذهبت) أي أزالت (بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة، عنه) أي عن سهيل نفسه (عن أبيه) أي أبي صالح.\n٣٦١١ - (حدثنا محمد بن داود الإسكندراني، نا زياد -يعني ابن يونس-، حدثني سليمان بن بلال، عن ربيعة، بإسناده أبي مصعب ومعناه، قال سليمان: فلقيت سهيلًا فسألته عن هذا الحديث، فقال: ما أعرفه، فقلت له) أي لسهيل:\n(إن ربيعة أخبرني به) أي بهذا الحديث (عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني) فإنه عندي ثقة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فزادني\".\n(٢) في نسخة: \"أصاب سهيل علة\".","vol":"11","page":344},{"text":"٣٦١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، نَا عَمَّارُ بْنُ شُعَيْثٍ بنِ عَبْدِ (١) اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْب الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّيَ الزُّبَيْبَ يَقُولُ: \"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ (٢) - ﷺ - جَيْشًا إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ، فَأَخَذُوهُمْ بِرُكْبَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ، فَاسْتَاقُوهمْ إِلَى نَبِيِّ الله - ﷺ -، فَرَكِبْتُ، فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَتَانَا جُنْدُكَ فَأَخَذُونَا، وَقَدْ كُنَّا أَسْلَمْنَا وَخَضْرَمْنَا آَذَانَ النَّعَمِ.\nفَلَمَّا قَدِمَ بَلْعَنْبَرُ قَالَ لِي نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: \"هَلْ لَكُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى\n===\n٣٦١٢ - (حدثنا أحمد بن عبدة، نا عمار بن شعيث) آخره مثلثة (ابن عبد الله بن الزبيب) بن ثعلبة التميمي (العنبري) البصري، قال في \"التقريب\": مقبول، (حدثني أبي) شعيث بن عبيد الله بن الزبيب، - بزاي وموحدتين مصغرًا- التميمي العنبري، كان ينزل بالطيب من طريق مكة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا، وذكره ابن عدي، وقال: له نحو خمسة أحاديث، وساق له حديثين منكرين، ثم قال: أرجو أن يكون صدوقًا.\n(قال: سمعت جدي الزبيب) بن ثعلبة (يقول: بعث رسول الله - ﷺ - جيشًا إلى بني العنبر، فأخذوهم) أي أخذ الجيش بني العنبر (برُكْبَةٍ) - بضم الراء وسكون الكاف وفتح الموحدة-، موضع بين عرفة وذات عرق، (من نَاحيةِ الطائف، فاستاقُوهم إلى نبي الله - ﷺ -، فركبتُ، فسَبَقْتُهم إلى النبي - ﷺ -، فقلت: السَّلام عليك يا نبيَّ الله ورحمة الله وبركاته، أتانا جُنْدُك فأخذُونا، وقد) الواو للحال (كنا أسلمنا) أي قبلنا الإِسلام ودخلنا فيه (وخَضْرمْنا) أي قطعنا (آذانَ النَّعَمِ) أي أطراف آذانها، وكان ذلك في الأموال علامة بين من أسلم ومن لم يسلم.\n(فلما قدم بَلْعنبرُ) أي بنو العنبر (قال لي نبي الله - ﷺ -: هل لكم بيِّنةٌ على\n_________\n(١) في نسخة: \"عبيد الله\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".","vol":"11","page":345},{"text":"أَنَّكُمْ أَسْلَمْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذُوا (١) في هَذ الأَيَّامِ؟ \"، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: \"مَنْ بَيِّنَتُكَ؟ \" قَالَ (٢): سَمُرَةُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ وَرَجُلٌ آخَرُ سَمَّاهُ لَهُ، فَشَهِدَ الرَّجُلُ وَأَبَى سَمُرَةُ أَنْ يَشْهَدَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -: \"قَدْ أَبَى أَنْ يَشْهَدَ لَكَ فَتَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِكَ الآخَرِ؟ \"، فَقُلْتُ (٣): نَعَمْ، فَاسْتَحْلَفَنِي، فَحَلَفْتُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَخَضْرَمْنَا آذَانَ النَّعَمِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -: \"اذْهَبُوا، فَقَاسِمُوهُمْ أَنْصَافَ الأَمْوَالِ، وَلَا تَمَسُّوا ذَرَارَّيهمْ، لَوْلَا أَنَّ الله تَعَالَى لَا يُحِبُّ ضَلَالَةَ الْعَمَلِ\n===\nأنكم أسلمتم قبل أن تأخذوا) هكذا في النسخة المجتبائية والمكتوبة الأحمدية، وأما في المكتوبة المدنية والمكتوبة التي عليها المنذري (٤)، والمصرية، والكانفورية، وكذا في نسخة الخطابي (٥)، والعون (٦): \"تؤخذوا\" بصيغة المجهول، وهو أوضح، بل الظاهر أنه غلط الناسخ في كتابة \"تأخذوا\" (في هذه الأيام؟ قلت: نعم، قال: من بينتك؟ قال: سمرة رجل من بني العنبر ورجل آخر سماه له) أي لرسول الله - ﷺ - (فشهد الرجل) بأنا قد أسلمنا قبل ذلك (وأبى سمرة أن يشهد، فقال النبي - ﷺ -: قد أبى أن يشهد لك فتحلف) بحذف حرف الاستفهام، أي أفتحلف (مع شاهدك الآخر؟ فقلت؟ نعم، فاستحلفني، فحلفت بالله لقد أسلمنا بالله يوم كذا وكذا، وخضرمنا آذان النعم).\n(فقال نبي الله - ﷺ -: اذهبوا) خطاب لأصحابه (فقاسموهم أنصاف الأموال) أي خذوا النصف من أموالهم، وردوا إليهم النصف (ولا تمسوا ذراريهم) أي ذريتهم وأولادهم (لولا أن الله تعالى لا يحب ضلالة العمل)\n_________\n(١) في نسخة: \"تؤخذوا\".\n(٢) في نسخة: \"قلت\".\n(٣) في نسخة: \"قلت\".\n(٤) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٢٢٨).\n(٥) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ١٧٥).\n(٦) انظر: \"عون المعبود\" (١٠/ ٢٧)، وفيه: \"قبل أن خذوا [تَأخَذُوا] \".","vol":"11","page":346},{"text":"مَا رَزَيْنَاكُمْ (١) عِقَالًا\".\nقَالَ الزُّبَيْبُ: فَدَعَتْنِي أُمِّي فَقَالَتْ: هَذَا الرَّجُلُ أَخَذَ زِرْبِيَّتِي، فَانْصَرَفْتُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ - يَعْنِي فَأَخْبَرْتُهُ- فَقَالَ لِي: \"احْبِسْهُ\"، فَأَخَذْتُ بِتَلْبِيبِهِ، وَقُمْتُ مَعَهُ مَكَانَنَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - قَائِمَيْنِ، فَقَالَ: \"مَا تُرِيدُ بِأَسِيرِكَ؟ \" فَأَرْسَلْتُهُ مِنْ يَدِي، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ لِلرَّجُلِ: \"رُدَّ عَلَى هَذَا زِرْبِيَّةَ أُمِّهِ الَّتِي أَخَذْتَ مِنْهَا\" (٢)، قَالَ (٣): يَا نَبِيَّ الله، إِنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ يَدِي، قَالَ: فَاخْتَلَعَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - سَيْفَ الرَّجُلِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَالَ (٤) لِلرَّجُلِ: \"اذْهَبْ، فِزْدْهُ آصُعًا\n===\nأي ضياعه وبطلانه (ما رزيناكم) (٥) أي ما نقصناكم (عقالًا) أي حبلًا.\n(قال الزبيب: فدعتني أمي، فقالت: هذا الرجل) أشار إلى رجل من الجيش (أخذ زربيتي (٦» أي بساطًا لي ذو خمل (فانصرفت إلى نبي الله - ﷺ - يعني فأخبرته-) بأخذ الرجل زربية أمي (فقال لي: احبسه) أي ذلك الرجل من الجيش (فأخذت بتلبيبه) أي بالثوب في عنقه، مجموعًا عند صدره (وقمت معه مكاننا، ثم نظر إلينا نبي الله - ﷺ - قائمين، فقال: ما تريد بأسيرك؟ فأرسلته من يدي، فقام نبي الله - ﷺ -، فقال للرجل: رد على هذا زربية أمه التي أخذت منها).\n(قال) الرجل: (يا نبي الله - ﷺ -! إنها خرجت من يدي، قال: فاختلع نبي الله - ﷺ - سيف الرجل فأعطانيه، فقال للرجل) الجندي: (اذهب، فزده آصعًا\n_________\n(١) في نسخة: \"زرينا\".\n(٢) في نسخة: \"أخذتها\".\n(٣) في نسخة: \"فقال\".\n(٤) في نسخة: \"وقال\".\n(٥) قال ابن الأثير في \"النهاية\" (٢/ ٢١٨): جاء في بعض الروايات هكذا غير مهموز، والأصل: الهمز، وهو من التخفيف الشَّاذّ.\n(٦) في \"النهاية\": الزَّربية: تُكسر زايُها وتفتح وتضمُّ، وجمعها زَرَابيّ (٢/ ٣٠٠).","vol":"11","page":347},{"text":"مِنْ طَعَامٍ\"، قَالَ: فَزَادَنِي آصُعًا مِنْ شَعِيرٍ. [ق ١٠/ ١٧١]\n===\nمن طعام، قال: فزادني آصعًا من شعير).\nقال في \"فتح الودود\": قوله - ﷺ -: \"اذهبوا فقاسموهم\"، يدل على أنه جعل اليمين مع الشاهد سببًا للصلح، والأخذ بالوسط بين المدعي والمدعى عليه، لا أنه قضى بالدعوى بهما، انتهى.\nقال الخطابي (١): وفي هذا الحديث استعمال اليمين مع الشاهد في غير الأموال، إلا أن إسناده ليس بذاك، وقد يحتمل أيضًا أن يكون اليمين قصد بها ها هنا المال؛ لأن الإسلام يعصم المال كما يحقن الدم.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"فتحلف مع شاهدك الآخر\"، هذا هو الذي احتجوا به على مرامهم، وهو الحكم على الشاهد مع اليمين، ولا يثبت به شيء؛ لأن ذلك الحلف منه لم يكن لإثبات الحكم، بل ليعلم صدقه في دعواه، وجزمه في ما ادَّعاه، فلو نكل عنه لعلم كذبه من صدقه.\nوأما الحكم فلم يثبت بيمينه أيضًا مع الشاهد؛ لأن نصاب الشهادة لم يتم، ويمين المدعي لا يفيد، ولم يكنْ ثَمَّ مُدَّعَى عليه حتى يحلف؛ لأن العسكر كانوا مأمورين من جهته - ﷺ -، فلم يكن ذلك إلَّا عرض حالهم، لا إثباتًا لدعوى الإسلام على أحد، وإنما فهم هؤلاء أنه كان ادعاء للأموال على أهل العسكر، وكان العسكر منكرًا استحقاق هؤلاء إياها لكونهم أسلموا بعد الأسر.\nومما يدل على ما اخترناه أن النبي - ﷺ - لم يحكم لهم، إلَّا بنصف المال، ولولا أن المدعى لا يثبت بشاهد ويمين، لما فعل ذلك؛ لأنه لم يكن على تقدير ثبوت إسلامهم أن يأخذ شيئًا من أموالهم.\nوأيضًا أن قوله ﵇: \"إن الله لا يحب ضلالة العمل\"، أقوى حجة\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٧٦).","vol":"11","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعلى أنهم في أخذ أموال هؤلاء لم يكونوا على باطل لا يشكر على عمله، ولا يؤت له جُعْلٌ على عمله كائنًا ما كان، كالسارق والغاصب، ومن كان مثلهم، فلو كان أخذ الجيش من هذا القبيل، كما قلتم، لما كان أخذهم أموالهم أقل من الغصب لثبوت إسلامهم على حسب زعمكم.\nونحن نقول: إن إسلامهم لم يثبته يمينهم؛ لأن يمين المدعي لا يفيد، وذلك لو سُلِّمَ أنه كان دعوى منهم، ولم يتم نصاب الشهادة أيضًا، فلم يبق ثبوت الإسلام إلَّا في حَيِّز الخفاء، غير أنه - ﷺ - أحب أن لا يخيبهم، فرد عليهم نصف أموالهم، كما رد على هوازن كلها، وكان ذلك لإذن أهل العسكر لذلك.\nوأما قصة الزربية، فلا حجة فيها، على أن بني العنبر كانوا ملكوا أموالهم، بل الذي فعله النبي - ﷺ - من أمر الزربية بأخذ صاحبه، إنما كان لأنه خالف عِدَةَ النبي - ﷺ - حيث أخذ بعد المناصفة والتقسيم من حق العجوز.\nثم إن القاضي يجوز له أن يأخذ من مال المديون للدائن بقدر حقه الذي عليه، ولو من غير جنس حقه، كما يظهر من إيتاء النبي - ﷺ - سيفه له، بعد ما ثبت له حق في الزربية، وهذا ما اختاره الشافعي والمتأخرون من أصحابنا.\nوأما المتقدمون منهم فلم يجوزوا له أن يقتضي لصاحب الحق إلَّا من عين حقه، وأثبت بعضهم الحكم في العروض أيضًا دون العقارات، وسوَّى بعضهم بين النقدين فحسب.\nوأيضًا: ففي الرواية دلالة على أن الغاصب يملك المغصوب بعد أداء الضمان، ولولا ذلك، لنادى رسول الله - ﷺ - أن يؤتى بالزربية أينما كانت؛ لأنها لم تكن إلَّا في العسكر، كما هو الظاهر، وكان الانتفاع بها حرامًا عندكم، فكيف يمكن أن يكون النبي - ﷺ - اكتفى بإيجاب الضمان عليه، ولم يعزم عليه الإتيان بها؟ ! .\nوأيضًا: ففيه إشارة إلى نفاذ تصرفات الغاصب فيه بعد أداء الضمان","vol":"11","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1402>(٢٢) بَابُ الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيَانِ شَيْئًا وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَة</span>\n٣٦١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، نَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: \"أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا أَوْ دَابَّةً إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُمَا\". [ن ٥٤٣٩، جه ٢٣٣٠ حم ٤/ ٤٠٢، ق ١٠/ ٥٧]\n٣٦١٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى بْنُ آدم، نَا عَبْدُ الرَّحِيم بْنُ سُلَيْمَانَ، عن سَعِيدٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\n٣٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ (١)،\n===\nمستندًا؛ لأن أخذ الزربية لم يخرجها عن ملكه، إلا بإحدى طرق التمليك، كالبيع والهبة ونحوهما، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٢٢) (بَابُ الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيَان شَيْئًا وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ)\n٣٦١٣ - (حدثنا محمد بن منهال الضرير، نا يزيد بن زريع، نا ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده أبي موسى الأشعري: أن رجلين ادعيا بعيرًا أو دابةً) شك من الراوي (إلى النبي - ﷺ - ليست لواحد منهما بينة)، ولعل البعير كان في أيديهما، أو في يد غيرهما، وهو لا يدعي فيه شيئًا (فجعله النبي - ﷺ - بينهما) أي قضى أن البعير بينهما أنصافًا.\n٣٦١٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يحيى بن آدم، نا عبد الرحيم بن سليمان، عن سعيد، بإسناده ومعناه) أي بإسناد الحديث المتقدم ومعناه.\n٣٦١٥ - (حدثنا محمد بن بشار، نا حجاج بن منهال،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"المنهال\".","vol":"11","page":350},{"text":"نَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، بِمَعْنَى إِسْنَادِهِ: \"أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شاهِدَيْنِ، فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ\" [انظر سابقه]\n===\nنا همام، عن قتادة، بمعنى إسناده: أن رجلين ادعيا بعيرًا على عهد النبي - ﷺ -، فبعث كل واحد منهما شاهدين، فقسمه النبي - ﷺ - بينهما نصفين).\nقال الخطابي (١): هذا مروي في الإسناد الأول، إلَّا أن في الحديث المتقدم: أنه لم يكن لواحد منهما بينة، وفي هذا أن كل واحد منهما قد جاء بشاهدين، فاحتمل أن يكون القصة واحدة، إلَّا أن الشهادات لما تعارضت تهاترت، فصاركمن لا بينة له، وحكم لهما بالشيء نصفين بينهما (٢)، لاستوائهما في اليد.\nويحتمل أن يكون البعير في يد غيرهما، فلما أقام كل واحد منهما شاهدين على دعواه، نزع الشيء من يد المدعى عليه ودفع إليهما.\nواختلف العلماء في الشيء يكون في يدي الرجل، فيتداعاه اثنان، ويقيم كل واحد منهما بينة، فقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة صارت له، وكان الشافعي يقول به قديمًا، ثم قال في الجديد، فيه قولان: أحدهما: يقضى به بينهما نصفين، وبه قال أصحاب الرأي وسفيان الثوري. والقول الآخر: يقرع بينهما، وأيهما خرج سهمه حلف: لقد شهد شهوده بحق، ثم يقضى له به.\nوقال مالك: لا أحكم به لواحد منهما إذا كان في يد غيرهما، وحكي عنه أنه قال: هو لأعدلهما شهودًا وأشهرهما بالصلاح، وقال الأوزاعي: يؤخذ بأكثر البينتين عددًا، وحكي عن الشعبي أنه قال: هو بينهما على حصص الشهود، انتهى.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٧٦، ١٧٧).\n(٢) في الأصل: \"لهما\"، وهو تحريف.","vol":"11","page":351},{"text":"٣٦١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، نَا ابنُ أَبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن خِلَاسٍ، عن أَبِي رَافِعٍ، عن أَبِي هُرَيْرَة: أَنًّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في مَتَاعٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ، أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا\". [جه ٢٣٤٦، سنن النسائي الكبرى ٥٩٩٩، حم ٢/ ٤٨٩، ق ١٠/ ٢٥٥]\n===\n٣٦١٦ - (حدثنا محمد بن منهال، نا يزيد بن زريع، نا ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي - ﷺ - ليس لواحد منهما بينة، فقال النبي - ﷺ -: استهما (١) على اليمين ما كان) أيّ يمين كان محبوبًا بقلبه أو مكروهًا (أحبا ذلك أو كرها).\nقال الخطابي (٢): معنى الاستهام ها هنا: الاقتراع، يريد أنهما يقترعان، فأيهما خرجت له القرعة حلف، وأخذ ما ادَّعاه، وروي ما يشبه هذا عن علي ابن أبي طالب.\nقال حنش بن المعتمر: أُتي علىٌّ - ﵁ - ببَغْلٍ وُجد في السوق يُباع، فقال رجل: هذا بغلي، ولم أبعْ، ولم أهبْ، ونزع على ما قال بخمسة يشهدون قال: وجاء آخر يدَّعيه يزعمُ أنه بغله، وجاء بشاهدين، قال: فقال علي - ﵁ -: إن فيه قضاءً وصلحًا، وسوف أبيِّن لكم ذلك كله، أما صلحه أن يباع البغل فيُقسم الثمن على سبعة أسهم، لهذا خمسة، ولهذا اثنان، وإن لم يصطلحا إلَّا القضاء، فإنه يحلف أحد الخصمين أنه بغله، ما باعه ولا وهبه، فإن تشاححتما فأيُّكما يحلف أقرعتُ بينكما على الحلف، فأيُّكما قُرعَ حلف، قال: فقضى بهذا، وأنا شاهد (٣)، انتهى.\n_________\n(١) وهذا من مستدلات القائلين بالقرعة في الأحكام، وتقدم الكلام عليه في \"باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد\". (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٧٧، ١٧٨).\n(٣) انظر: \"تهذيب الحافظ ابن القيم\" (٣/ ٣٩٦).","vol":"11","page":352},{"text":"٣٦١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَحْمَدُ، نَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنبهٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا كَرِهَ الاثْنَانِ الْيَمِينَ، أَوْ اسْتَحَبَّاهَا فَلْيَسْتَهِمَا (١) عَلَيْهَا\".\nقَالَ سَلَمَةُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَقَالَ: \"إِذَا أُكْرِهَ الاثْنَانِ عَلَى الْيَمِينِ\". [خ ٢٦٧٤، حم ٢/ ٣١٧، ق ١٠/ ٢٥٥]\n٣٦١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، بِإِسْنَادِ ابْنِ مِنْهَالٍ مِثْلَهُ (٢)، قَالَ (٣): \"في دَابَّةٍ، وَلَيْسَ (٤) لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا\n===\n٣٦١٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل وسلمة بن شبيب قالا: حدثنا عبد الرزاق، قال أحمد: نا معمر) وسيجيء قول سلمة بن شبيب، (عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إذا كره الاثنان اليمين، أو استحباها فليستهما عليها) أي على اليمين.\n(قال سلمة: قال: أخبرنا معمر) أي بلفظ الإخبار، وأما أحمد بن حنبل فقال بلفظ التحديث (وقال: إذا أكره الاثنان على اليمين) وليس المراد بالإكراه: الإكراه حقيقة؛ لأن المدعى عليه لا يكره على اليمين، بل المراد بالإكراه: الكراهة، كما تقدم في الحديث.\n٣٦١٨ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عروبة، بإسناد ابن منهال مثله، قال: في دابة وليس لهما بينة، فأمرهما\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فيستهما\".\n(٢) في نسخة: \"بمثله\".\n(٣) في نسخة: \"وقال\".\n(٤) في نسخة: \"ليست\".","vol":"11","page":353},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ\". [جه ٢٣٢٩، سنن النسائي الكبرى ٥٩٩٩، حم ٢/ ٤٨٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>(٢٣) بَابُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ</span>\n٣٦١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ: نَا نَافِعُ بْن عُمَرَ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: \"كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (١) - ﷺ - قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ\". [خ ٢٦٦٨، م ١٧١١، ن ٢٤٥٢، ت ١٣٤٢، جه ٢٣٢١، حم ١/ ٣٥٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>(٢٤) بَابٌ: كَيْفَ الْيَمِين</span>؟\n٣٦٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، نَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ،\n===\nرسول الله - ﷺ - أن يستهما على اليمين)، وهذا إسناد للحديث المتقدم في أوائل الباب.\n\n(٢٣) (بَابُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعى عَلَيْهِ)\n٣٦١٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: نا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: كتب إلى ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قضى باليمين على المدعى عليه).\nوفيه دلالة لمذهب الشافعي (٢) على أن اليمين تتوجه على كل من ادُّعي عليه حق، سواء كان بينه وبين المدعي اختلاط أم لا، وشرط مالك في توجه اليمين، أن يكون بينهما خلطة، لئلا يتبذل السفهاء أهل الفضل، ولا أصل لهذا الشرط في كتاب الله، ولا سنَّة رسوله - ﷺ -.\n\n(٢٤) (بَابٌ: كيْفَ الْيَمِينُ؟)\n٣٦٢٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو الأحوص، نا عطاء بن السائب،\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) قاله النووي (٦/ ٢٤٤)، وبسطه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٢٨٢، ٢٨٣).","vol":"11","page":354},{"text":"عن أَبِي يَحْيَى، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ - قَالَ- يَعْنِي لِرَجُلٍ حَلَّفَهُ-: \"احْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ مَا لَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ\" - يَعْني الْمُدَّعِي (٢) - (٣). [ق ١٠/ ١٨٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>(٢٥) بَابٌ: إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذِمِّيًّا أَيَحْلِفُ</span>؟\n٣٦٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَا الأَعْمَشُ، عن شَقِيقٍ، عن الأَشْعَثِ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ \" قُلْتُ: لَا، قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: \"احْلِفْ\"،\n===\nعن أبي يحيى، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: -يعني لرجل حلّفه-، احلف بالله الذي لا إله إلَّا هو) وهذا تغليظ اليمين بذكر بعض (٤) الصفات (ماله) أي للمدعي (عندك شيء، يعني) بالضمير في له (المدعي).\n\n(٢٥) (بَابٌ: إِذَا كَانَ المُدَّعى عَلَيْهِ ذِمِّيًا (٥) أَيَحْلِفُ؟)\n٣٦٢١ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن شقيق، عن الأشعث قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدَّمته إلى النبي - ﷺ -، فقال لي النبي - ﷺ -: ألك بينة؟ قلت: لا، قال لليهودي: احلف،\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"للمدعي\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أبو يحيى اسمه زياد، كوفي ثقة\".\n(٤) وبه قال الشافعي كما في هامش البخاري، وعندنا هذا على رأي القاضي كما في \"الهداية\" (٣/ ١٥٨). (ش).\n(٥) قال الحافظ (١١/ ٥٦٣): المسلم والذمي لا يفترق الحكم في الأمر فيهما في اليمين الغموس والوعيد عليهما وفي أخذ حقهما باطلًا، وفي \"تكملة فتح القدير\" (٦/ ١٧٤): أن الحر والعبد والكافر والمسلم والرجل والمرأة في اليمين سواء، وقال القسطلاني: فيه دليل على أن الكافر يستحلف في الخصومات كالمسلم. انتهى. (ش).","vol":"11","page":355},{"text":"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا يَحْلِفُ وَيَذْهَبُ بِمَالِي.\nفَأَنْزَلَ اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [خ ٢٤١٦، م ١٣٨، ت ١٢٦٩، جه ٢٣٢٢، حم ١/ ٢٥٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>(٢٦) بَابُ الرَّجُلِ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ فِيمَا غَابَ عَنْهُ</span>\n٣٦٢٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا الْفِرْيَابِيُّ، نَا الْحَارِثُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي كُرْدُوسٌ، عن الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوتَ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - في أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا، وَهِيَ في يَدِهِ، قَالَ (١): \"هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ \"، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ والله مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي، اغْتَصَبَنِيهَا\n===\nقلت: يا رسول الله! إذًا يحلف وبذهب بمالي (٢) أي أرضي. (فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٣) إلى آخر الآية).\n\n(٢٦) (بَابُ الرَّجُلِ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ فِيمَا غَابَ عَنْهُ)\n٣٦٢٢ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الفريابي، نا الحارث بن سليمان، حدثني كردوس، عن الأشعث بن قيس: أن رجلًا من كندة ورجلًا من حضرموت اختصما إلى النبي - ﷺ - في أرض من اليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا، وهي في يده، قال: هل لك بينة؟ قال: لا، ولكن أحلفه، والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) قيل: الاستدلال بما في بعض طرقه: \"ليس لك إلَّا ذلك\".\"عون المعبود\" (٩/ ٢٦٣)، وتقدَّم شرح الحديث. (ش).\n(٣) سورة آل عمران: الآية ٧٧.","vol":"11","page":356},{"text":"أَبُوهُ، فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ- يَعْني لِلْيَمِينِ- (١). [م ٢٢٣، ت ١٣٤٠]\n٣٦٢٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عن سِمَاكٍ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، عن أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي في يَدِي أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ (٢) فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِلْحَضْرَمِيِّ: \"أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَلَكَ يَمِينُهُ\"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ فَاجرٌ، لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ (٣)، لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيءٍ، فَقَالَ: \"لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إَلَّا ذَلِكَ\" (٤). [تقدَّم تخريجه في الحديث السابق]\n===\nأبوه، فتهيأ الكندي، يعني لليمين) وساق الحديث.\n٣٦٢٣ - (حدثنا هناد بن السري، نا أبو الأحوص، عن سماك، عن علفمة بن وائل بن حجر الحضرمي، عن أبيه) وائل بن حجر (قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله - ﷺ -، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي - ﷺ - للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، قال: يا رسول الله! إنه فاجر، ليس يبالي ما حلف، ليس يتورع من شيء، فقال: ليس لك منه إلَّا ذلك).\nهذا الحديث والذي قبله تقدما بسنديهما ومتنيهما في مبدأ أبواب الأيمان والنذور، فارجع إليه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وساق الحديث\".\n(٢) في نسخة: \"لك\".\n(٣) في نسخة: \"بما حلف\"، وفي أخرى: \"ما حلف عليه\".\n(٤) في نسخة: \"ذاك\".","vol":"11","page":357},{"text":"(٢٧) بَابُ الذِّمِّيِّ (١) كيْفَ يُسْتَحْلَفُ؟\n٣٦٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (٢)، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيُّ قَالَ: نَا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَعْنِي لِلْيَهُودِ-: \"أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ في التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ \" (٣). [حم ٢/ ٢٧٩]\n٣٦٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الأَصْبَغِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1407>(٢٧) (بَابُ الذِّمِّي كَيْفَ يُسْتَحْلَفُ</span>؟)\n٣٦٢٤ - (حدثنا محمد بن يحيى، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري قال: نا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: -يعني لليهود-: أنشدكم بالله) أي أسألكم بالحلف (٤) بالله (الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون) لفظ \"ما\" استفهامية، أو نافية، بتقدير حرف الاستفهام (في التوراة على من زنى؟) وهذا يدل على استحلاف اليهود بالله وبصفته بإنزال التوراة على موسى، فلا يحلف إلَّا بالله تعالى.\n٣٦٢٥ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، حدثني محمد -يعني ابن سلمة-، عن ابن إسحاق، عن الزهري، بهذا\n_________\n(١) في نسخة: \"كيف يحلف الذمي؟ \".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن فارس\".\n(٣) في نسخة: \"وساق الحديث في قصة الرجم\".\n(٤) وهكذا يستحلف عند الحنفية، كما في \"الهداية\" (٣/ ١٥٨، ١٥٩) وسائر الفروع. (ش).","vol":"11","page":358},{"text":"الْحَدِيثِ وَبِإِسْنَادِهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ مِمَّنَ كَانَ يَتَّبعُ (١) الْعِلْمَ وَيَعِيهِ، وَسَاقَ (٢) الْحَدِيثَ.\n٣٦٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا سعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن عِكْرمَةَ، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ- يَعْنِي لاِبْنِ صُورِيَا-: \"أُذَكِّركُمْ بِاللَّهِ الَّذِي نَجَّاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَأَقْطَعَكُمُ الْبَحْرَ، وَظَلّلَ عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَتَجِدُونَ في كِتَابِكُمُ الرَجْمَ؟ \"\nقَالَ: ذَكَّرْتَنِي بِعَظِيمٍ، وَلَا يَسَعُنِي (٣) أَنْ أَكْذِبَكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\n===\nالحديث وبإسناده، قال: حدثني رجل من مزينة ممن كان يتبع العلم ويعيه) أي يتبع العلم ويحفظه (وساق الحديث) المتقدم.\n٣٦٢٦ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، نا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، أن النبي - ﷺ - قال له -يعني لابن صوريا-) اليهودي ومن معه: (أذكركم بالله الذي نجَّاكم من آل فرعون، وأقطعكم البحر) أي فلق لكم (وظَلَّل عليكم الغمام) أي في التيه (وأنزل عليكم المن والسلوى، وأنزل عليكم التوراة على موسى، أتجدون في كتابكم) أي التوراة (الرجم) على من زنى؟\n(قال) أي ابن صوريا: (ذكَّرْتَنِي بعظيم) أي حلفتني بقسم عظيم، (ولا يسعني أن أكذبك، وساق الحديث).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) في نسخة: \"يحدث سعيد بن المسيب، وساق الحديث بمعناه\".\n(٣) في نسخة: \"ولا ينبغي\".","vol":"11","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1408>(٢٨) بَابُ الرَّجُلِ يُحَلَّفُ عَلَى حَقِّهِ</span>\n٣٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْد ومُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَا، نَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عن بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عن سَيْفٍ، عن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَيعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ\".\n\n(٢٩) بَابٌ (١): في الدَّيْنِ هَلْ يُحْبَسُ بِهِ؟\n===\n\n(٢٨) (بَابُ الرَّجُلِ يُحَلَّفُ عَلَى حَقِّهِ)\n٣٦٢٧ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة وموسى بن مروان الرقي قالا: نا بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن سيف) الشامي، عن عوف بن مالك: أن النبي - ﷺ - قضى بين رجلين، الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: تابعي شامي ثقة.\n(عن عوف بن مالك أنه حدثهم، أن النبي - ﷺ - قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه) أي الذي قضى عليه (لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي - ﷺ -: إن الله تعالى يلوم) أي لا يرضى (على العجز) أي عن الاستيثاق في المعاملات (ولكن عليك بالكيس) بفتح الكاف، وسكون الياء، التيقظ في الأمور، فإذا استوثقت واستعملت الكيس (فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1409>(٢٩) (بَابٌ: في الدَّيْنِ هَلْ يُحْبَسُ بِهِ</span>؟) (٢)\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في الحبس في الدين وغيره\".\n(٢) واختلف الأئمة في الحبس، كما ذكره صاحب \"العون\" (١٠/ ٤١)، وأنكره ابن حزم في \"المحلى\" (٨/ ١٦٩) أشد الإنكار. (ش).","vol":"11","page":360},{"text":"٣٦٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عن وَبْرِ بْنِ أَبِي دُلَيْلَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، عن عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عن أَبِيهِ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ\". [ن ٤٦٨٩، جه ٢٤٢٧، حم ٤/ ٢٢٢]\nقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يُحِلُّ عِرْضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ، وَعُقُوبَتَهُ: يُحْبَسُ لَهُ (١).\n٣٦٢٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، نَا النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، نَا (٢) هِرْمَاسُ بْنُ حَبِيبٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ-، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ\n===\n٣٦٢٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عبد الله بن المبارك، عن وبر بن أبي دليلة) مصغرًا، واسمه مسلم الطائفي، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر الطبراني أن النعمان بن عبد السلام روى حديثه عن الثوري بفتح الدال، والصواب ضمها.\n(عن محمد بن ميمون، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ - قال: ليَّ الواجد) بفتح اللام وتشديد الياء، أي مطله، والواجد: الغني القادر على قضاء دينه، (يحل عرضه وعقوبته، قال ابن المبارك): معنى قوله: (يحل عرضه) أي (يغلظ له) في القول، ويقال: أنت مطلتني (وعقوبته: يحبس له) أي لأجل المطل.\n٣٦٢٩ - (حدثنا معاذ بن أسد، نا النضر بن شميل، نا هرماس) بكسر أوله، ومهملتين (ابن حبيب، رجل من أهل البادية) التميمي العنبري، روى عن أبيه عن جده، قال أحمد وابن معين: لا نعرفه، وقال أبو حاتم: شيخ أعرابي لم يرو عنه غير النضر، ولا يعرف أبوه ولا جده، (عن أبيه) حبيب التميمي، قال أبو حاتم في الهرماس: لا يعرف أبوه ولا جده، (عن جده) قال الحافظ في \"المبهمات\": اسم والد حبيب: ثعلبة، حكاه ابن منده.\n_________\n(١) في نسخة: \"عليه\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".","vol":"11","page":361},{"text":"قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِغَرِيم لِي، فَقَالَ لِي: \"الْزَمْهُ\"، ثُمَّ قَالَ لِي: \"يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ، مَا تُرِيدُ أَن تَفْعَلَ بِأَسِيرِكَ؟ \". [جه ٢٤٢٨]\n٣٦٣٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَبَسَ رَجُلًا في تُهْمَةٍ\". [ت ١٤١٧، ن ٤٨٩٠، حم ٥/ ٢]\n٣٦٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ وَمُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ، عن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّ أَخَاهُ أَوْ عَمَّهُ، وَقَالَ مُؤَمَّلٌ:\n===\n(قال أتيت النبي - ﷺ - بغريم لي، فقال لي: الزمه، ثم قال لي: يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك؟).\n٣٦٣٠ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده) وهو معاوية بن حيدة: (أن النبي - ﷺ - حبس رجلًا في تهمة).\nقال الخطابي (١): في هذا دليل على أن الحبس على ضربين: حبس عقوبة، وحبس استظهار، فالعقوبة لا تكون إلَّا في واجب، وأما ما كان في تهمة، فإنما يستظهر بذلك، ليستكشف به عما وراءه، وروي: \"أنه حبس رجلًا في تهمة ساعة من نهار، ثم خلى عنه\" (٢).\n٣٦٣١ - (حدثنا محمد بن قدامة ومؤمل بن هشام، قال ابن قدامة (٣): حدثني إسماعيل، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده) معاوية، (قال ابن قدامة: إن أخاه أو عمه) أي أخا جد بهز بن حكيم أو عمه، (وقال مؤمل:\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٧٩).\n(٢) في \"المعالم\": \"ثم خلى سبيله\".\n(٣) هكذا في نسخة \"العون\"، وفي نسخة عوامة (٤/ ٢٣٢): حدثنا محمد بن قدامة ومؤمِّل بن هشام، قال مؤمِّل: حدَّثني إسماعيل ... إلخ.","vol":"11","page":362},{"text":"إِنَّهُ قَامَ إِلَى النَّبىِّ - ﷺ - وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: جِيرَانِي بمَا أُخِذُوا! فَأَعْرَضَ عَنْهُ، مَرَّتَيْنِ، ثمَّ ذَكَرَ شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"خَلُّوا لَهُ عَنْ جِيرَانِهِ\"- لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمَّلٌ: وَهُوَ يَخْطُبُ. [حم ٥/ ٤]\n===\nإنه) أي معاوية، فالفرق بين لفظ ابن قدامة ومؤمل: أن ابن قدامة يروي عن معاوية، أنه ذكر أخاه أو عمه، بأن أحدهما قام إلى النبي - ﷺ -، وأما مؤمل ففي حديثه: أن معاوية قال: إنه أي معاوية بنفسه (قام إلى النبي - ﷺ - وهو يخطب، فقال) أي معاوية- وهذا على رواية مؤمل-، أو أخوه أو عمه- وهذا على رواية ابن قدامة-: (جيراني بما أخذوا، فأعرض) أي رسول الله - ﷺ - (عنه مرتين، ثم ذكر شيئًا) أي معاوية، أو أخوه، أو عمه شيئًا، وهو مذكور في رواية أحمد في \"مسنده\".\n(فقال النبي - ﷺ -: خلوا له) أي لمعاوية (عن جيرانه) اتركوا جيرانه، وأخرجوهم من الحبس، (لم يذكر مؤمل: وهو يخطب).\nوقد أخرج الإِمام أحمد (١) من طريق إسماعيل بن علية، عن بهز بن حكيم، ومن طريق معمر، عن بهز. ولفظ حديث إسماعيل: \"أن أباه أو عمه قام إلى النبي - ﷺ -، فقال: جيراني بم أُخذوا؟ فأعرض عنه، ثم قال: أخبرني بِمَ أُخذوا؟ فأعرَض عنه، فقال: لئن قلت ذلك، إنهم ليزعُمون أنك تَنهَى عن الغَيِّ، وتَسْتَخْلي به! فقال النبي - ﷺ -: ما قال؟ فقام أخوه أو ابنُ أخيه، فقال: يا رسول الله! إنه قال، فقال: لقد قُلتُموها- أو قائلكم-؟ ولئن كنت أفعل ذلك، وإنه لعليَّ، وما هو عليكم، خَلُّوا له عن جيرانه\".\nثم أخرج ثانيًا (٢) من طريق إسماعيل، أنا بهز بن حكيم، ولفظه: \"أن أخاه أو عمه قام إلى النبي - ﷺ - فقال: جِيرانِي بم أُخذوا؟ فأعرض عنه، ثم قال:\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٤).","vol":"11","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1410>(٣٠) بَابٌ: في الْوَكَالَةِ</span>\n٣٦٣٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نَا- عَمِّي، نَا أَبِي، عن ابْنِ إِسْحَاق، عن أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى\n===\nجيراني بم أُخذوا؟ فأعرض عنه، ثم قال: جيراني بم أخذوا؟ فأعرض عنه، فقال: لَئنْ قلت ذلك، لقد زعم الناس أن محمدًا - ﷺ - يَنهَى عن الغيِّ، وَيسْتَخْلي به! فقال النبي - ﷺ -: ما قال؟ فقام أخوه، أو ابن أخيه، فقال: يا رسول الله! إنَّه، فقال: أما لقد قلتموها- أو قال قائلُكم -؟ ولئن كنتُ أفعل ذلك إنه لَعَليَّ، وما هو عليكم، خلُّوا له عن جيرانه\".\nوأما لفظ (١) معمر عن بهز، عن أبيه، عن جده قال: \"أخذ النبي - ﷺ - نَاسًا من قومي في تُهْمةٍ فحبَسهم، فجاء رجلٌ من قومي إلى النبي - ﷺ - وهو يخطب، فقال: يا محمد! عَلامَ تحبس جيراني (٢)؟ فَصمَتَ النبيُّ - ﷺ - عنه، فقال: إن نَاسًا ليقولون: إنك تَنهَى عن الشَّرِّ، وتَسْتَخْلِي به! فقال النبي - ﷺ -: ما يقول؟ قال: فجعلتُ أعرِض بينهما بالكلام مخافة أن يسمعَها، فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدًا، فلم يزل النبي - ﷺ - به حتى فَهمَها، فقال: \"قد قالوها- أو قائلها منهم-؟ والله لو فعلت لكان عليَّ وما كان عليهم، خَلُّوا له عن جيرانه\".\n\n(٣٠) (بَابٌ: في الْوَكَالَةِ)\n٣٦٣٢ - (حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، نا عمي، نا أبي، عن ابن إسحاق، عن أبي نعيم وهب بن كيسان) بدل من أبي نعيم، (عن جابر بن عبد الله، أنه) أي أبا نعيم (سمعه) أي جابرًا (يحدث قال: أردت الخروج إلى\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢).\n(٢) كذا في الأصل، وفي النسخ المحققة لنسخة \"مسند أحمد\": \"جيرتي\".","vol":"11","page":364},{"text":"خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ (١) الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ: \"إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ\". [ق ٦/ ٨٠]\n\n(٣١) بَابٌ (٢): في (٣) الْقَضَاءِ\n٣٦٣٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عن (٤) قَتَادَةَ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ الْعَدَوِيِّ،\n===\nخيبر، فأتيت النبي - ﷺ -، فسلمت عليه، وقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي، فخذ منه خمسة عشر وسقًا) من التمر، أو الشعير، (فإن ابتغى) أي الوكيل (منك آية) أي علام على أن رسول الله - ﷺ - قال لك ذلك (فضع (٥) يدك على ترقوته) -بفتح التاء، وسكون الراء، وضم القاف-: مقدم الحلق في أعلى الصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>(٣١) (بَابٌ: في الْقَضَاءِ)</span>\n٣٦٣٣ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن بشير) مصغرًا (ابن كعب) بن أبي الحميري (العدوي) ويقال: العامري،\n_________\n(١) في نسخة: \"أريد\".\n(٢) في نسخة: \"أبواب من القضاء\".\n(٣) في نسخة: \"من\".\n(٤) في نسخة: \"أنا\".\n(٥) يشكل ذلك على ما في \"الدر المختار\" (٥/ ٥٤١) عن \"الأشباه والنظائر\" (ص ٢٩٧): قال لمديونه: من جاءك بعلامة كذا، أو من أخذ أصبعك، أو قال لك كذا فادفعه إليه لم يصح؛ لأنه توكيل المجهول فلا يبرأ بالدفع إليه، انتهى.\nقلت: وجوابه ظاهر، وهو أن مسألة \"الأشباه\" في الدين وهذا ليس منه، بل هو من قبيل العطاء والهبة كما لا يخفى.","vol":"11","page":365},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا تَدَارَأْتُمْ في طَرِيقٍ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ (١) أَذْرُعٍ\". [م ١٦١٣، ت ١٣٥٦، جه ٢٣٣٨، حم ٢/ ٤٧٤]\n٣٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَابْنُ خَلَفٍ قَالَا، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً (٢) في جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ\"،\n===\nأبو أيوب، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن سعد [في الطبقة الثانية] من أهل البصرة، وقال: كان ثقة إن شاء الله، وهذا هو الذي قال لعمران بن حصين لما حدث عن النبي - ﷺ - بحديث: \"الحياء خير كله\"، فقال بشير بن كعب: إن في الحكمة مكتوبًا منه ضعف، ومنه وقار، فغضب عمران عليه، أخرج ذلك البخاري ومسلم، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وعن الدارقطني: ثقة.\n(عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إذا تدارأتم في طريق) أي اختلفتم فيه (فاجعلوه سبعة أذرع) يعني إذا كان طريقًا بين أرض قوم أرادوا عمارتها، فإن اتفقوا على شيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره جعل سبعة أذرع، هذا مراد الحديث. وأما إذا وجد طريق مسلوك، وهو أكثر من سبعة أذرع، فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه، لكن له عمارة ما حواليه من الموات، فتملكه بالإحياء بحيث لا يضر المارين.\nقال الخطابي (٣): ويشبه أن يكون هذا على معنى الإرفاق والإصلاح دون الحصر والتحديد.\n٣٦٣٤ - (حدثنا مسدد وابن أبي خلف قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه)، قال الأعرج: فلما سمع الناس هذا الحديث\n_________\n(١) في نسخة: \"سبع\".\n(٢) في نسخة: \"خشبه\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٠)، وفيه: الاستصلاح.","vol":"11","page":366},{"text":"فَنَكَّسُوا، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُمْ قَدْ أَعْرَضْتُمْ لأُلْقِيَنَّهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. [خ ٢٤٦٣، م ١٦٠٩، ت ١٣٥٣، جه ٢٣٥٣، حم ٢/ ٢٤٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا حَدِيثُ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، وَهُوَ أَتَمُّ.\n٣٦٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن يَحْيَى (١)، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن لُؤْلُؤَةَ، عن أَبِي صِرْمَةَ- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ في هَذَا الْحَدِيثِ: عن أَبِي صِرْمَةَ صَاحِبِ\n===\nعن أبي هريرة (فنكسوا) أي أمالوا الرؤوس على أذقانهم (فقال) أبو هريرة: (ما لي أراكم قد أعرضتم) أي عن هذا الحديث (لألقينها) أي لألزمن تلك المقالة (بين أكتافكم).\nقال الخطابي (٢): عامة الفقهاء يذهبون في تأويله إلى أنه ليس بإيجاب يحمل عليه الناس من جهة الحكم، وإنما هو من باب المعروف وحسن الجوار، إلا أحمد (٣) بن حنبل، فإنه يرده (٤) على الوجوب، قال: على الحكام أن يقضوا به ويمضوه عليه إن أضيع (٥) منه.\n(قال أبو داود: هذا حديث ابن أبي خلف، وهو أتم).\n٣٦٣٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن لؤلؤة) مولاة الأنصار، قال في \"التقريب\": مقبولة، (عن أبي صرمة، قال أبو داود: قال غير قتيبة في هذا الحديث: عن أبي صرمة صاحب\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن سعيد\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٠).\n(٣) ويشير إليه ما حكاه الترمذي عن مالك، وفي \"بداية المجتهد\" (٢/ ٣١٥): قال أبو حنيفة ومالك: لا يقضى بها، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثوري وداود وجماعة من أهل الحديث يقضى بذلك. (ش).\n(٤) في \"المعالم\": \"فإنه رآه\".\n(٥) في \"المعالم\": \"إن امتنع\".","vol":"11","page":367},{"text":"النَّبيِّ - ﷺ - عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ (١) اللَّه عَلَيْهِ\". [ت ١٩٤٠، جه ٢٣٤٢، حم ٣/ ٤٥٣]\n٣٦٣٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، نَا حَمَّادٌ، نَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يُحَدّثُ، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْلٍ في حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ، قَالَ: فَكَانَ سَمُرَةُ يدخلُ إِلَى نَخْلِهِ، فَيَتَأَذَّى وَيشُقُّ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ، فَأَبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُنَاقِلَهُ، فَأَبَى،\n===\nالنبي - ﷺ -) فزاد لفظ: صاحب النبي - ﷺ - (عن النبي - ﷺ - أنه قال: من ضار) أي من قصد الإضرار بأحد من الناس بغير حق (أضر الله به) أي يجازيه على إضراره أو يوقع الإضرار به في الدنيا (ومن سياق) أي أوقع المشقة على أحد أو خالف (سياق الله عليه).\n٣٦٣٦ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا حماد، نا واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي) الباقر (يحدث، عن سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخل) بالعين المهملة.\nقال الخطابي (٢): هكذا هو في رواية أبي داود، وإنما هو عضيد من نخل، يريد نخلًا لم تَبسُق ولم تطل، قال الأصمعي: إذا صار للنخلة جذع يتناول منه المتناول فتلك النخلة العضيد، وجمعه: عضدان.\n(في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله، فيتأذى به) أي بدخول سمرة (ويشق عليه) أي على الأنصاري (فطلب إليه) أي إلى سمرة (أن يبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يناقله) أي يبادله بنخل آخر (فأبى).\n_________\n(١) في نسخة: \"شقّ\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨١).","vol":"11","page":368},{"text":"فَأَتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ (١)، فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَبِيعَهُ، فَأبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُنَاقِلَهُ، فَأَبَى، قَالَ: \"فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا وَكَذَا\" أَمْرًا (٢) رَغَّبَهُ فِيهِ، فَأَبَى، فَقَالَ: \"أَنْتَ مُضَارٌّ\"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلأَنْصَارِيِّ: \"اذْهَبَ فَاقْلَعْ نَخْلَهُ\". [ق ٦/ ١٥٧]\n٣٦٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا اللَّيْثُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا خَاصَمَ الزُّبَيْرَ في شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ،\n===\nقال: (فأتى) أي الأنصاري (النبي - ﷺ -، فذكر له ذلك، فطلب إليه النبي - ﷺ -) بطريق الشفاعة (أن يبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، قال: فهبه له ولك كذا وكذا أمرًا) أي ذكر أمرًا (رغبه فيه) من رغائب الآخرة أو الدنيا (فأبى، فقال) رسول الله - ﷺ - لسمرة: (أنت مضار) أي تريد إضرار الناس، ومن يريد إضرار الناس جاز دفع الضرر (فقال رسول الله - ﷺ - للأنصاري: اذهب فاقلع نخله) من أرضك.\n٣٦٣٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا الليث، عن الزهري، عن عروة، أن عبد الله بن الزبير حدثه: أن رجلًا (٣) خاصم الزبير في شراج الحرة) هي مجاري الماء التي يسيل منها، واحدها شرح وشرجة (التي يسقون بها) النخل (فقال الأنصاري: سرِّح الماء يمر) أي لا تمسكة، بل أرسله يجري، (فأبى عليه الزبير) لأن أرضه كان بجانب العلو، وكان أحق بالماء، وكان أرض الأنصاري في جانب السفل.\n_________\n(١) في نسخة: \"ذلك له\".\n(٢) في نسخة: \"أمر\".\n(٣) اختلف في اسمه على أقوال، ذكرها النووي في \"لغاته\" (٢/ ٣١٢). (ش).","vol":"11","page":369},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - لِلزُّبَيْرِ: \"اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ\". قَالَ: فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: \"اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ\"، فَقَالَ (٢) الزُّبَيْرُ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسَبُ هَذ الآيَةَ نَزَلَتْ في\n===\n(فقال النبي - ﷺ - للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل) الماء (إلي جارك، قال) ابن الزبير: (فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله! أن كان) أي قضيت له بسبب أنه كان (ابن عمتك؟ فتلوَّن) أي تغير (وجه رسول الله - ﷺ - ثم قال: اسق ثم احبس الماء حتى يرجع) أي الماء (إلى الجدر) بفتح الجيم وكسرها، وسكون الدال المهملة.\nقال في \"المجمع\" (٣): هو هنا المسنَّاة، وهو ما رفع حول المزرعة، كالجدار، أمره - ﷺ - أولًا بالمسامحة والإيثار بأن يبقي شيئًا يسيرًا ثم يرسله إلى جاره، فلما قال الأنصاري ما قال وجهل موضع حقه، أمره بأن يأخذ تمام حقه ويستوفيه (٤)، فإنه أصلح له وبالزجر أبلغ، وقول الأنصاري ما قال، زلة من الشيطان بالغضب إن كان مسلمًا، ويحتمل أنه كان منافقًا (٥)، وقيل له الأنصاري لاتحاد القبيلة.\n(فقال الزبير: فوالله إني لأحسب هذه الآية نزلت في\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٢٩).\n(٤) قال الحافظ في\"الفتح\" (٥/ ٣٨): قال العلماء: الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك، يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغني الأعلى ... إلخ، وفي \"المرقاة\" (٦/ ١٨٨): وفي الحديث أن مياه الأودية والسيول التي لا يملك منابعها أو مجاريها على الإباحة، وإن من سبق إلى شيء منها كان أحق به ... إلخ. (ش).\n(٥) قلت: هذا مشكل، فإن الأنصاري كما صرح به النووي [انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٣١٢)]، عن البخاري: كان بدريًا، وهم مؤمنون مغفورون بالروايات الكثيرة، وما قيل: إنه منافق ردَّه القاري (٦/ ١٨٧)، والبسط في \"الفتح\" (٥/ ٣٥). (ش).","vol":"11","page":370},{"text":"ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآيَةَ. [خ ٢٣٥٩، م ٢٣٥٧، ت ١٣٦٣، ن ٥٤١٦، حم ٤/ ٤]\n٣٦٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَلِيدِ - يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ -، عن أَبِي مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عن أَبِيهِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ: \"أَنَّهُ سَمِعَ كُبَرَاءَهُمْ يَذْكُرُونَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ لَهْ سَهْم في بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَاصَمَ إِلِى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في مَهْزُورٍ - يَعْنِي السَّيْلَ الَّذِي يَقْتَسِمُونَ مَاءَهُ-، فقَضَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ - أَنَّ الْمَاءَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ لَا يَحْبِسُ الأَعْلَى عَلَى الأَسْفَلِ\". [جه ٢٤٨١، ق ٦/ ١٥٤]\n٣٦٣٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدة، نَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْحَارِثِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَضَى فِي السَّيْلِ الْمَهْزُورِ (١)\n===\nذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (٢) الآية)، وهذه الآية تشير إلى أن الأنصاري كان مسلمًا ولكن احتمله الغضب، فقال ما قال.\n٣٦٣٨ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو أسامة، عن الوليد -يعني ابن كثير-، عن أبي مالك بن ثعلبة، عن أبيه ثعلبة بن مالك: أنه سمع كبراءهم يذكرون: أن رجلًا من قريش كان له سهم في بني قريظة، فخاصم إلى رسول الله - ﷺ - في مهزور) اسم واد لبني قريظة (يعني السيل الذي يقتسمون ماءه، فقضى بينهم رسول الله - ﷺ - أن الماء إلى الكعبين لا يحبس الأعلى على الأسفل) بعد ما يبلغ الماء إلى الكعبين.\n٣٦٣٩ - (حدثنا أحمد بن عبدة، نا المغيرة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله - ﷺ - قضى في السيل المهزور) وفي نسخة على \"الحاشية\":\n_________\n(١) في نسخة: \"سيل مهزور\".\n(٢) سورة النساء: الآية ٦٥.","vol":"11","page":371},{"text":"أَنْ يُمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسِلَ الأَعْلَى عَلَى الأَسْفَلِ\". [جه ٢٤٨٢، ق ٦/ ١٥٤]\n٣٦٤٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن أَبِي طُوَالَةَ وَعَمْرِو بْن يَحْيَى، عن أَبِيهِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: اخْتَصَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلَانِ في حَرِيم نَخْلَةٍ - في حَدِيثِ أَحَدِهِمَا: فَأَمَرَ بِهَا فَذُرِعَتْ فَوُجِدَتْ سَبْعَةَ (١) أذرُعٍ، وَفِي حَدِيثِ الآخَرِ: فَوُجِدَتْ خَمْسَةَ (٢) أَذْرُعٍ -، فَقَضَى بِذَلِكَ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرِيدِهَا فَذُرِعَتْ. [ق ٦/ ١٥٥]\n\nآخِرُ كِتَابِ الأَقْضِيَةِ\n===\nسيل مهزور وهو الأقيس (أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل).\n٣٦٤٥ - (حدثنا محمود بن خالد، أن محمد بن عثمان حدثهم، قال: نا عبد العزيز بن محمد، عن أبي طوالة وعمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: اختصم إلى رسول الله - ﷺ - رجلان في حريم نخلة) وكان في أرض الموات، وأما في الملك فلا يمنع أين أراد الغرس (في حديث أحدهما: فأمر بها) أي بالنخلة (فذرعت، فوجدت سبعة أذرع) جريدة النخل، ليعلم مقدار ما أحاط به النخلة من الأرض، فيمنع الغارس من الغرس فيه، لئلا تختلط ثمارهما إذا سقطت، ولئلا يتضرر كل نخلة بالأخرى، (وفي حديث الآخر) أي من أبي طوالة وعمرو بن يحيى: (فوجدت خمسة أذرع، فقضى بذلك، قال عبد العزيز: فأمر بجريدة من جريدها فذرعت).\n\nآخِرُ كِتَابِ الأَقْضِيَةِ\n_________\n(١) في نسخة: \"سبع\".\n(٢) في نسخة: \"خمس\".","vol":"11","page":372},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>(١٩) أَوَّلُ كتَابِ الْعِلْمِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>(١) بَابٌ: في فَضْلِ الْعِلْمِ </span>(١)\n٣٦٤١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ يُحَدِّثُ، عن دَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عن كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ (٢)، جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ - ﷺ -\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(١٩) (أَوَّلُ كِتَابِ الْعِلْمِ)\n\n(١) (بَابٌ: في فَضْلِ الْعِلْمِ)\n٣٦٤١ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا عبد الله بن داود قال: سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة يحدث، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس قال: كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل) لم أقف على تسميته، (فقال: يا أبا الدرداء، جئتك من مدينة الرسول - ﷺ -) أي من سفر بعيد،\n_________\n(١) في نسخة: \"باب الحث على طلب العلم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إني\".","vol":"11","page":373},{"text":"لِحَدِيثٍ بَلَغَني أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -، مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ.\nقَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ (١) اللَّه بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنّةِ، وإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ (٢) أَجْنِحَتَهَا رِضًا (٣) لِطَالِبِ الْعِلْمِ،\n===\nومسافة طويلة الحديث) أي بسبب حديث (بلغني أنك تحدثه عن رسول الله - ﷺ -، ما جئت لحاجة) أخرى غير هذه الحاجة.\n(قال) أبو الدرداء: (فإني سمعت رسول الله - ﷺ -) (٤) يحتمل أن يكون هذا الحديث الذي ذكره أبو الدرداء هو المطلوب للرجل، أو غيره، وذكر ذلك تبشيرًا له (يقول: من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا) أي من القرآن والسنَّة (سلك الله به طريقًا من طرق الجنة) لأنه سبب دخول الجنة (وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم).\nقال الخطابي (٥): يتأوَّل على وجوهٍ، أحدها: أن يكون وضعها الأجنحة بمعنى التواضع والخشوع تعظيمًا لحقه، وتوقيرًا لعلمه، كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ (٦)، وقيل: وضع الجناح معناه [الكف] عن الطيران للنزول عنده، كقوله - ﷺ -: \"ما من قوم يذكرون الله تعالى إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة\"، وقيل: [معناه] بسط الجناح، وفرشها لطالب العلم لتحمله عليها، فتبلِّغُه حيث يؤمه ويقصده من البقاع في طلبه، ومعناه: المعونة وتيسير السعي له في طلب العلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"سلك به طريق\".\n(٢) في نسخة: \"تضع\".\n(٣) في نسخة: \"رضًى\".\n(٤) وقد أخرج الترمذي نحو هذه القصة برواية أبي الدرداء أيضًا رقم (٢٦٨٢). (ش).\n(٥) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٣).\n(٦) سورة الإسراء: الآية ٢٤.","vol":"11","page":374},{"text":"وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ (١) لَه مَنْ في السَّمَوَاتِ (٢) وَالأَرْضِ وَالْحِيتَانُ في جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْل الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ،\n===\n(وإن العالم ليستغفر له من في السموات والأرض والحيتان في جوف الماء).\nقال الخطابي (٣): قال بعض العلماء: إن الله سبحانه قد قيَّض للحيتان وغيرها من أنواع الحيوان بالعلم على ألسنة العلماء أنواعًا من المنافع، والمصالح، والإرفاق، فهم الذين بينوا الحكم فيما يحل ويحرم منها، وأرشدوا إلى المصلحة في بابها، وأوصوا بالإحسان إليها، ونفي الضرر عنها، فألهمها الاستغفار للعلماء مجازاة على حسن صنيعهم بها وشفقتهم عليها.\n(وإن فضل العالم) أي الغالب عليه العلم، وهو الذي يقوم بنشر العلم بعد أدائه ما توجه إليه من الفرائض والسنن المؤكدة (على العابد) أي الغالب عليه العبادة، وهو الذي يصرف أوقاته بالنوافل مع كونه عالمًا بما تصح به العبادة (كفضل القمر ليلة البدر) أي ليلة الرابع عشر (على سائر الكواكب).\nقال القاضي: شبَّه العالم بالبدر والعابد بالكواكب؛ لأن كمال العبادة ونورها لا يتعدى من العابد، ونور العالم يتعدى إلى غيره فيستضيء بنوره المتلقي عن النبي - ﷺ -، كالقمر يتلقى نوره من نور الشمس، من خالقها ﷿.\n(وإن العلماء ورثة الأنبياء) وإنما لم يقل: ورثة الرسل ليشمل الكل، قاله ابن الملك، يعني فإن البعض ورثة الرسل كأصحاب المذاهب، والباقون ورثة الأنبياء على اختلاف مراتبهم.\n_________\n(١) في نسخة: \"يستغفر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ومن في\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٣).","vol":"11","page":375},{"text":"وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا (١) الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ\". [ت ٢٦٨٢، جه ٢٢٣، دي ٣٤٧، حم ٥/ ١٩٦]\n٣٦٤٢ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيُّ، نَا الْوَلِيدُ قَالَ: لَقِيتُ شُعَيْب (٢) بْنَ شَيْبَةَ\n===\n(وإن الأنبياء لم يورثوا) من التوريث (دينارًا ولا درهمًا) أي شيئًا من الدنيا، لئلا يتوهم أنهم كانوا يطلبون شيئًا منها يورث عنهم.\nولا يرد الاعتراض بأنه ﵊ كانت له صفايا بني النضير وفدك وخيبر إلى أن مات وخلفها، وكان لشعيب ﵊ أغنام كثيرة، وكان أيوب وإبراهيم ﵉ ذوي نعمة كثيرة؛ لأن المراد ما ورثت أولادهم وأزواجهم شيئًا من ذلك، بل بقي بعدهم معدًا لنوائب المسلمين.\nوإنما (ورَّثوا العلم، فمن أخذه) أي العلم (أخذ بحظ وافر) أي نصيب تام؛ لأنه لا أعلى من ميراث النبوة.\n٣٦٤٢ - (حدثنا محمد بن الزبير الدمشفي، نا الوليد قال: لقيت شعيب بن شيبة) وفي نسخة: شبيب بن شيبة، قال في \"التقريب\" (٣): شامي مجهول، وقيل: الصواب شعيب (٤) بن رزيق، روى عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي الدرداء في فضل العلم، قاله محمد بن الوزير الدمشقي عن الوليد عن شبيب، وقال عمرو بن عثمان: عن الوليد عن شعيب بن رزيق عن عثمان، وهو أشبه بالصواب.\n_________\n(١) في نسخة: \"ولكن ورثوا\".\n(٢) في نسخة: \"شبيب بن شيبة\".\n(٣) \"تقريب التهذيب\" (٢٧٥٦).\n(٤) هكذا في \"التهذيب\" (٤/ ٣٥٣).","vol":"11","page":376},{"text":"فَحَدَّثَنِي بِهِ، عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ، بِمَعْنَاهُ، يَعْنِي عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر سابقه]\n٣٦٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زَائِدَةُ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقًا (١) يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا إِلَّا سَهَّلَ اللَّه لَهُ بِهِ طَرِيقًا (٢) إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ (٣) يُسْرعْ بِهِ نَسَبُهُ\". [م ٢٦٩٩، ت ٢٦٤٦، جه ٢٢٥، حم ٢/ ٤٠٧]\n===\n(فحدثني به) أي بالحديث المتقدم، (عن عثمان بن أبي سودة) المقدسي، وكان أبوه مولى لعبد الله بن عمر، وأمه مولى لعبادة بن الصامت، روى عنه أخوه زيادة وشبيب بن شيبة وغيرهما، قال مروان بن محمد: عثمان وزياد ثقتان وثبتان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثقه أيضًا يعقوب بن سفيان، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، (عن أبي الدرداء، بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، (يعني عن النبي - ﷺ -) مرفوعًا.\n٣٦٤٣ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما من رجل يسلك (٤) طريقًا يطلب فيه) أي في سلوك الطريق (علمًا إلَّا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، ومن أبطأ به عمله) أي أخَّره عمله عن البلوغ إلى الجنه أو إلى الدرجات العالية (لم يسرع به نسبه) أي لم يبلغه علو النسب، ولم ينفعه في الآخرة شرف النسب، كما ورد: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم بل إلى أعمالكم\" (٥).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) في نسخة: \"طريق الجنة\".\n(٣) في نسخة: \"بَطُؤَ به عمله لَا يُسرع\".\n(٤) وفي \"الشامي\" (١/ ١٢١): مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة، وله الخروج لطلبه بدون إذن الوالدين لو ملتحيًا، أما الأمرد فلا. (ش).\n(٥) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٥٦٤)، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ٥٣٩).","vol":"11","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1414>(٢) بَابُ رِوَايَة حَدِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ</span>\n٣٦٤٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي نَمْلَةَ الأَنْصَارِيُّ، عن أَبِيهِ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ - وَعِنْدَهُ رَجُل مِنَ الْيَهُودِ مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تتكَلَّمُ هَذ الْجَنَازَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"اللَّه أَعْلَمُ\". قَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّهَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ\n===\n\n(٢) (بُابُ رِوَايَةِ حَدِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ)\n٣٦٤٤ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني ابن أبي نملة) هو نملة بن أبي نملة (الأنصاري) المدني لم يقع مسمى عند أبي داود، وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج حديثه في \"صحيحه\"، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة.\n(عن أبيه) أبي نملة، اسمه عمار بن معاذ بن زرارة بن عمر الأنصاري الظفري، شهد بدرًا مع أبيه، وشهد أحدًا وما بعدها (أنه بينما هو جالس عند رسول الله - ﷺ - وعنده) أي عند رسول الله - ﷺ - (رجل من اليهود مر بجنازة، فقال) أي اليهودي: (يا محمد! هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي - ﷺ -: الله أعلم) إنما توقف النبي - ﷺ - لأنه لم يودع إليه في ذلك بعد.\n(قال اليهودي: إنها تتكلم)، ولعله قال ذلك لما رأى في كتابه أن الميت يتكلم، (فقال رسول الله - ﷺ -: ما حدثكم (١) أهل الكتاب فلا تصدقوهم\n_________\n(١) فيه دليل على عدم التحديث عنهم، وأصرح منه ما في \"المشكاة\" (١/ ٣٩١) برواية البخاري (٧٣٦٢)، عن أبي هريرة مرفوعًا نحو هذا، وفيها أيضًا عن جابر في قصة قراءة عمر التوراة غضبه - ﷺ -، والنهي عنه، وفي \"المجمع\" (١/ ٢١٤) حديث: لا تُعَلِّموا أبكار أولادكم كتب النصارى، وهو أثر عمر كما في \"الفائق\" ويخالفهما ما في =","vol":"11","page":378},{"text":"وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (١)، فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ\". [حم ٤/ ١٣٦]\n٣٦٤٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادَ، عن أَبِيهِ، عن خَارِجَةَ بْن زيدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ زيدُ بْنُ ثَابتٍ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: \"إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي\" فَتَعَلَّمْتُهُ، فَلَمْ يَمُرَّ بِي إِلَّا نِصْفَ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ، فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ. [خ ٧١٩٥، ت ٢٧١٥، حم ٥/ ١٨٦]\n===\nولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدقوه، وإن كان حقًا لم تكذبوه).\n٣٦٤٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت قال: قال زيد بن ثابت: أمرني رسول الله - ﷺ - فتعلمت له كتاب يهود، وقال) أي رسول الله ﷺ: (إني والله ما آمن يهود على كتابي) أي لم يطمئن رسول الله - ﷺ - على أن يكون كاتبه من اليهود، لئلا يلبس عليه في الكتاب، ويخون فيه، فيكتب ما لم يقله، أو لم يكتب ما يقوله، فأمر زيد بن ثابت بتعلمه (فتعلمته، فلم يمر بي إلَّا نصف شهر حتى حذقته) أي عرفته وأتقنته (فكنت أكتب له إذا كتب) يعني يملي رسول الله ﷺ فأكتب له، (وأقرأ له إذا كتب إليه) أي من اليهود.\n_________\n= \"البخاري\" (٣٤٦١): \"حَدِّثُوا عن بَنِي إسرائيلَ وَلَا حَرَجَ\"، قال الحافظ (٦/ ٤٩٩) رقم (٣٤٦١): كان النهي قبل استقرار الشرع، ثم حَصَل التوسُّعُ ... إلخ، ويؤيده ما في \"البذل\" في \"باب في رجم اليهوديين\" سؤاله ﵊ عنهم عن حكم الرجم في التوراة. قال ابن كثير في تفسيره (١/ ٥): كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتبهم، فكان يحدث عنه، وقال أيضًا: ما فيه على ثلاثة أنواع، الثالث: مسكوت عنه في شرعنا، فيجوز لنا حكايته، وقال القاري في \"المرقاة\" (١/ ٤٤٧): لا حرج في نقل الأعاجيب عنهم. (ش).\n(١) في نسخة: \"رسوله\".","vol":"11","page":379},{"text":"(٣) كِتَابَةُ (١) الْعِلْمِ\n٣٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عن الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَئٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بشَرٌ يَتَكَلَّمُ في الْغَضَب وَالرِّضَا؟ ! فَأَمْسَكْتُ عن الْكِتَابِ (٢)، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ (٣) اللَّهِ - ﷺ -، فَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: \"اُكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ\". [دي ٤٨٨، حم ٢/ ١٦٢]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>(٣) (كِتَابَةُ الْعِلْمِ) </span>(٤)\n٣٦٤٦ - (حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: نا يحيى، عن عبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله) بن أبي مغيث، (عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - ﷺ - أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه) والهمزة للاستفهام الإنكاري (ورسول الله - ﷺ - بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ ! فأمسكتُ عن الكتاب) أي الكتابة (فذكرتُ ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال) رسول الله - ﷺ -: (اكتب) كل ما تسمع مني (فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه) أي من الفم واللسان (إلَّا حق) يستنبط منه المسائل وأحكام الشريعة.\n_________\n(١) في نسخة: \"كتاب العلم\"، وفي نسخة: \"باب في كتاب العلم\".\n(٢) في نسخة: \"الكتابة\".\n(٣) في نسخة: \"لرسول\".\n(٤) وجمع بين أحاديث كتابة العلم ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ٣٤٥، ٣٤٦). (ش).","vol":"11","page":380},{"text":"٣٦٤٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ، نَا (١) كَثِيرُ بْنُ زيدٍ، عن الْمُطلِبِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ حَنْطَبٍ قَالَ: \"دَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَهُ عن حَدِيثٍ، فَأَمَرَ إِنْسَانًا يَكتُبُهُ (٢)، فَقَالَ زَيْدٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَنَا أَنْ لَا نَكْتُبَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ فَمَحَاهُ\" (٣). [حم ٥/ ١٨٢]\n===\n٣٦٤٧ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، نا كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله) أي معاوية زيد بن ثابت (عن حديث) من حديث رسول الله - ﷺ - حدثه زيد بن ثابت عنه (فأمر) معاوية (إنسانًا يكتبه) أي بكتابته (فقال له) أي معاوية (زيد: إن رسول الله - ﷺ - أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه فمحاه).\n_________\n(١) في نسخة: \"ثني\".\n(٢) في نسخة: \"كتبه\".\n(٣) زاد في نسخة هناك ثلاثة أحاديث:\n٣٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عن الْحَذَّاءِ، عن أَبِي المُتَوَكلِ النَّاجِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: \"مَا كُنا نَكْتُبُ غَيْرَ التَشَهُّدِ وَالْقُرْآنِ\"، [قال المزي بعد إيراده في \"الأطراف\" (٤٢٥١): هو في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم].\n٣٦٤٩ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّل قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ. (ح)، وَحَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ يْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِى، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيْرِ قَالَ: أَخْيَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: لَما فُتِحَتْ مَكَةُ قَامَ النَّبيُّ - ﷺ -؟، فَذَكَرَ الْخُطْبَةَ، خطْبَةَ النَّبيِّ - ﷺ -، قَالَ: فَقَامَ رَجُل مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اكْتُبُوا لِي، فَقَالَ: \"اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ\". [خ ٢٤٣٤، م ١٣٥٥، ت ١٤٠٥، ن ٥٨٥٥، جه ٢٦٢٤، حم ٢/ ٢٣٨].\n٣٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ سَهْل الرَّمْلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: \"قُلْتُ لأَبي عَمْرٍو: مَا يَكْتُبُوهُ؟ قَالَ: الْخُطْبَةُ التي سَمِعَهَا يَوْمَئذٍ مِنْهُ\".\n[قلت: عزاه المزي في \"الأطراف\" (١٥٣٨٣) إلى أبي داود بهذه الأسانيد إلَّا سند العباس بن الوليد، ثم قال: وحديث المؤمل بن الفضل ليس في الرواية، وكذلك حديث علي بن سهل الرملي، وهما في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره، ولم يذكره أبو القاسم].","vol":"11","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1416>(٤) بَابُ التَّشْدِيدِ في الْكِذْبِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ </span>-\n٣٦٥١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ، أَنَا خَالِدٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا خَالِدٌ، الْمَعْنَى، عن بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ - قَالَ مُسَدَّدٌ: أَبُو بِشْرٍ -، عن وَبْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ،\n===\nقال الخطابي (١): يمكن أن يكون النهي مقدمًا، وآخر الأمرين الإباحة، ويمكن أنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط به فيشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب محظورًا، وتقييد العلم بالخط منهيًا عنه، فلا، وقد أمر رسول الله - ﷺ - أمته بالتبليغ، وقال: \"ليبلغ الشاهد الغائب\"، فإذا لم يقيدوا ما سمعه منه يعذر التبليغ (٢)، ولم يؤمن ذهاب العلم، وأن يسقط أكثر الحديث، فلا يبلغ آخر القرون من الأمة، والنسيان من طبع أكثر البشر، والحفظ غير مأمون عليه الغلط.\nوقد قال - ﷺ - لرجل شكا إليه سوء الحفظ، فقال: \"اسْتَعِنْ بيَمِيْنكَ\"، وقال: \"اكتبوها لأبي شاه\"، يريد خطبته التي خطبها فاستكتبها، وقد كتب رسول الله - ﷺ - كتبًا في الصدقات، والمعاقل، والديات، أو كتبت عنه، فعمل بها الأمة، وتناقلها الرواة، ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف، فدل ذلك على جواز كتابة الحديث والعلم، والله تعالى أعلم.\n\n(٤) (بَابُ التَّشْدِيدِ في الْكِذْبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)\n٣٦٥١ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا خالد، ح: وحدثنا مسدد، نا خالد، المعنى، عن بيان بن بشر- قال مسدد: أبو بشر-) يعني لم يذكر اسمه، بل ذكر كنيته، (عن وَبْرَة بن عبد الرحمن، عن عامر بن عبد الله بن الزبير،\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٤، ١٨٥).\n(٢) كذا في الأصل، وفي، \"المعالم\": \"فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ\".","vol":"11","page":382},{"text":"عن أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُحَدِّثَ عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا يُحَدِّثُ عَنْهُ أَصحَابُكَ؟ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُ وَجْهٌ وَمَنْزِلَةٌ، وَلَكِنّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\". [خ ١٠٧، دي ٢٣٧، حم ١/ ١٦٥، جه ٣٦]\n\n(٥) بَابُ الْكَلَامِ في كِتَابِ اللهِ بِلَا (١) عِلْمٍ\n٣٦٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُقْرِئ، نَا سُهَيْلُ بْنُ مِهْرَانَ (٢)،\n===\nعن أبيه قال) أي عبد الله بن الزبير: (قلت للزبير: ما يمنعك أن تحدث عن رسول الله - ﷺ - كما يحدث عنه أصحابك) من أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ (قال) الزبير: (أما والله لقد كان لي منه وجه ومنزلة) أي وجاهة، وقرب قرابة، فكثر بذلك مجالستي معه، فليس سبب ذلك قلة السماع، بل سببه خوف الوقوع في الكذب عليه، (ولكني سمعته يقول: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).\n\n(٥) (بَابُ الْكَلَامِ في كِتَابِ اللهِ)، أي تَفْسِيرهِ (بِلَا عِلْمٍ)\n٣٦٥٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى، ثنا يعقوب بن إسحاق المقرئ، نا سهيل بن مهران) هو سهيل بن أبي حزم، واسمه مهران، ويقال: عبد الله القطعي، أبو بكر البصري، عن أحمد: روى أحاديث منكرة، وعن ابن معين: صالح، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، يتكلمون فيه، وقال مرة: ليس بالقوي عنهم، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، وأخوه حزم أتقن منه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وسئل ابن معين عن سهيل أخي حزم، فقال: ضعيف، ووثقه العجلي.\n_________\n(١) في نسخة: \"بغير\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أخو حزم القطعي\".","vol":"11","page":383},{"text":"نَا أَبُو عِمْرَانَ، عن جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَد أَخْطَأَ\" (١). [ت ٢٩٥٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1418>(٦) بَابُ تَكْرِيرِ الْحَدِيثِ</span>\n٣٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَنا (٢) شُعْبَةُ، عن أَبِي عَقِيلٍ\n===\n(نا أبو عمران، عن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال في كتاب الله برأيه) أي بمجرد رأيه (فأصاب) أي بلغ الصواب (فقد أخطأ) (٣).\nقال البيهقي (٤): إن صح أراد به- والله أعلم- الرأي الذي يغلب على القلب من غير دليل قام عليه، وأما الذي يشده ببرهان فالقول به جائز، وأما قوله: \"فقد أخطأ\" معناه: أخطأ طريق الحق، فإن من يجترئ على ذلك، لا يؤمن عليه أن يقع في الخطأ، فلا ينبغي له الاجتراء على ذلك، حتى يرجع فيها في بيان اللغة إلى أهل اللغة، وكذلك في بيان أسباب النزول وغيرها، حتى يرجع إلى ما روي في ذلك عن الصحابة ﵃.\n\n(٦) (بَابُ تَكْرِيرِ الْحَدِيثِ)\n٣٦٥٣ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن أبي عقيل) بفتح\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال في القرآن بغير علم فليتَبَؤَأ مقعدَه من النَار\". [قال المزي بعد إيراده في \"الأطراف\" (٥٥٤٣): حديث أبي داود في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم].\n(٢) في نسخة: \"نا\".\n(٣) وبسط القاري (١/ ٤٩١، ٤٩٢) في مراد الحديث أشدَ البسط، وفرق بين التأويل، وهو كل ما يتعلق بالاستنباط، وبين التفسير، وهو كل ما يتعلق بالنقل، فأباح الأول دون الثاني، وجعل التفسير خمسة عشر علمًا. وحَمَلَه في \"المجمع\" على وجهين: أن يكون له غرض فيؤول إليه، أو يفسر بظاهر العربية من غير استظهار لغَرائبه، كما بسطه في هامش \"الكوكب\" (٤/ ٥٦). (ش).\n(٤) انظر: \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤٢٣).","vol":"11","page":384},{"text":"هَاشِمِ بْنِ بِلَالٍ، عن سَابِقِ بْنِ نَاجِيَةَ، عن أَبِي سَلَّامٍ، عن رَجُلٍ خَدَمَ النَّبِيَّ - ﷺ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺكَانَ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثًا أَعَادَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ\". [خ ٩٥، ت ٣٦٤٠، ك ٤/ ٢٧٣، حم ٣/ ٢١٣]\n===\nالعين المهملة (هاشم بن بلال) ويقال: ابن سلام الدمشقي، قاضي واسط، والد سهل بن هاشم البيروتي، يقال: إنه من ولد أبي سلام الحبشي، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: الذي روى عنه شعبة وسفيان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (عن سابق بن ناجية) بنون وكسر جيم وخفة مثناة تحت، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي سلام) خادم النبي - ﷺ - ومولاه، ذكره خليفة في \"الصحابة\"، وروى ابن ماجه عن سابق بن ناجية، عن أبي سلام خادم النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من مسلم يقول حين يُمْسِي ويُصْبِحْ: رَضِيْتُ باللهِ رَبًّا\" الحديث، وروى أبو داود حديثه والنسائي من حديث سابق، عن أبي سلام، عن رجل خدم النبي - ﷺ -، وهو الصواب، وأبو سلام هو الأسود ممطور.\n(عن رجل خدم النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - كان إذا حدث حديثًا أعاده ثلاث مرات) محمول على الحديث المهتم بشأنه فيكرر؛ حتى يفهم ذلك الحديث فهمًا راسخًا في النفس.\nقال الخطابي (١): إعادة الكلام ثلاثًا، إما لأن من الحاضرين من يقصر فهمه عن وعيه فيكرره ليفهم، وإما أن يكون القول فيه بعض الإشكال، فيتظاهر بالبيان، انتهى.\nقلت: ويحتمل أن يكون التكرار لأجل سهولة الحفظ.\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ١٦١).","vol":"11","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1419>(٧) بَابٌ: في سَرْدِ الْحَدِيثِ</span>\n٣٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ قَالَ: \"جَلَسَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فَجَعَلَ يَقُولُ: اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، مرَّتَيْنِ (١)، فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا قَالَتْ: أَلَّا تَعْجَبُ إِلَى هَذَا وَحَدِيثِهِ! إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَيُحَدِّثُ الْحَدِيثَ لَوْ شَاءَ الْعَادُّ أَنْ يُحْصِيَهُ أَحْصاهُ\". [خ ٣٥٦٧، م ٢٤٩٣]\n٣٦٥٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنّ\n===\n\n(٧) (بَابٌ: في سَرْدِ الْحَدِيثِ)\nأي تتابعه وتواليه والاستعجال فيه\n٣٦٥٤ - (حدثنا محمد بن منصور الطوسي، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة قال: جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة عائشة، وهي تصلي، فجعل يقول: اسمعي يا ربة الحجرة، مرتين،) ولعل أبا هريرة يخاطب عائشة للتصديق بحديثه (فلما قضت صلاتها) وكان أبو هريرة قد فرغ من التحديث، وقام (قالت) عائشة: (ألا تعجب) خطاب لعروة أو المخاطب دون مخاطب (إلى هذا) أي أبي هريرة (وحديثه!) بأنه يسرد الحديث سردًا (إن) مخففة من الثقيلة (كان رسول الله - ﷺ - ليحدث الحديث) بالتأني والترسل (لو شاء العادُّ أن يحصيه أحصاه) أي عد كلماته بالحصى، والمراد: المبالغة في الترسل والتأني.\n٣٦٥٥ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"نا\".","vol":"11","page":386},{"text":"عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: \"أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ (١) حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامِ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَّدْتُ عَلَيْهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ سَرْدَكُمْ\" (٢). [م ٢٤٩٣، ت ٣٦٣٩، حم ٦/ ١١٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>(٨) بَابُ التَّوَقِّي فِي الْفُتْيَا</span>\n٣٦٥٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، نَا عِيسَى، عَنْ الأَوْزَاعِيِّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، عن الصَّنَابِحِيِّ، عن مُعَاوِيَةَ: \"أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عن الْغَلُوطَاتِ\". [٥/ ٤٣٥]\n===\nعائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: ألا يُعْجِبك أبو هريرة؟ جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث) أي الأحاديث (عن رسول الله - ﷺ - يُسمعني ذلك، وكنت أسبِّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه) أي تحديثه بالاستعجال والسرد (إن رسول الله - ﷺ -) بتقدير حرف الجر (لم يكن يسرد الحديث) أي لم يكن يستعجل فيه (سردكم) أي مثل استعجالكم.\n\n(٨) (بَابُ التَّوَقِّي)، أي الاحتياط (في الْفُتْيَا)\n٣٦٥٦ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، نا عيسى، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد) البجلي مولاهم، الدمشقي الكاتب، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، له عند أبي داود في \"النهي عن الأغلوطاتِ\" حديث معاوية، وقال الساجي: ضعفه أهل الشام، (عن الصنابحي) عبد الرحمن بن عسيلة، (عن معاوية: أن النبي - ﷺ - نهى عن الغُلُوطاتِ).\n_________\n(١) في نسخة: \"جنب\".\n(٢) في نسخة: \"كسردكم\".","vol":"11","page":387},{"text":"٣٦٥٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ الْمُقْرِئ، نَا سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ-، عن بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عن مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَبِي عُثْمَانَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ أُفْتِي (١) \" (٢). وَحَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ\n===\nقال الخطابي (٣): وقد روي أيضًا \"أنه نَهَى عن الأُغْلوطات\". قال الأوزاعي: وهي شِرار المسائل، والأغلوطات: واحدها: أغلوطة، ووزنها أُفْعُولَة، من الغلط، كالأُحْمُوقَة مِنَ الحُمقِ، والأُسْطُورَة من السطر. وأما الغَلُوطَات فواحدتها: غَلُوطة، اسم مبني من الغلط، كالحَلُوبة والرَّكُبة في الحلب والرَّكُوب، والمعنى أنه نهى أن يُعرضَ للعلماء بصِعابِ المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزِلُّوا فيها، ويُسْتَسْقَطُ رأيُهم فيها، وفيه كراهية التعمُّق والتكلف بما لا حاجة للإنسان إليه من المسألة لوجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: \"نَهَى عن الغَلُوطَةِ\" هي الأحاجي والألغاز، والنهي حيث أْراد تَبْكِيْتَ أحدٍ وتَذْلِيله، ولا ضَيْرَ فيه إذا كان لتَدْريب (٤) التلامذة.\n٣٦٥٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو عبد الرحمن المقرئ، نا سعيد -يعني ابن أبي أيوب-، عن بكر بن عمرو، عن مسلم بن يسار أبي عثمان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أفتي) وسيجيء تمام الحديث بعده (وحدثنا سليمان بن داود، نا ابن وهب، حدثني يحيى بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بغير علم كان إثمه على من أفتاه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ح\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٦).\n(٤) كما أثبته البخاري (٦٢) بقوله: \"باب طرح الإِمام المسألة\"، قال الحافظ (١/ ١٤٦): والنهي الوارد في أبي داود محمول على ما لا نفع فيه أو خرج على سبيل التعنت. (ش).","vol":"11","page":388},{"text":"أَيُّوبَ، عن بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عن عَمْرِو بْنِ أَبِي نُعَيْمَةَ، عن أَبِي عُثْمَانَ الطُّنْبُذِيِّ رَضِيعِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْم كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ\" زَادَ سُلَيْمَانُ (١) الْمَهْرِيُّ في حَدِيثِهِ: \"وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ في غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ\" وَهَذَا لَفْظُ سُلَيْمَانَ. [جه ٥٣، حم ٢/ ٣٢١]\n===\nأيوب، عن بكر بن عمرو، عن عمرو بن أبي نعيمة) المعافري -بفتح الميم والمهملة وبالفاء المكسورة - المصري، قال الدارقطني: مصري مجهول يترك، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحاكم: كان من الأئمة، وقال ابن القطان: مجهول الحال.\n(عن أبي عثمان الطنبذي) قال في \"القاموس\": ظنْئذُ كَقُنْفُذٍ، بلدة بمصر، منها مسلم بنُ يسارٍ (رضيع عبد الملك بن مروان قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: من أُفتي) بصيغة المجهول (بغير علم) أي من أفتاه رجل جاهل بغير علم (كان إثمه على من أفتاه) أي إن عمل على فتوى الجاهل فليس الإثمُ على العامِيْ الذي اسْتفتى من الجاهل الذي كان بصورة العلماء، ولكن الإثمَ فيه على المفتي.\n(زاد سليمان المهري في حديثه: ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) مثلًا استشار رجل من رجل آخر، فأشار له بأمر يخالف الرشد، فقد خانه؛ لأنه كان أمينًا في الاستشارة، فلما أشار إليه بأمر يعلم الرشد في غيره، فقد خان في الأمانة، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"المستشار مؤتمن\" (وهذا لفظ سليمان) ولم يذكر لفظ الحسن بن علي.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن داود\".","vol":"11","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1421>(٩) بَابُ كَرَاهِيَةِ مَنْعِ الْعِلْمِ</span>\n٣٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ، عن عَطَاءٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ سُئِلَ عن عِلْمٍ (١) فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". [ن ٢٦٤٩، جه ٢٦١، حم ٢/ ٢٦٣]\n===\n\n(٩) (بَابُ كَرَاهِيَةِ مَنْعِ الْعِلْمِ)\n٣٦٥٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا علي بن الحكم، عن عطاء، عن أبي هريرة (٢) قال: قال رسول الله - ﷺ -: من سئل عن علم).\nقال الخطابي: وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فرضُه، كمن رأى كافرًا يريد الإِسلام، ويقول: علِّمونِي ما الإِسلامُ؟ وما الدِّينُ؟ وكمن رأى رجلًا حديث العهد بالإِسلام ولا يُحْسِنُ الصلاةَ، وقد حضر وقتها، يقول: علِّمونِي كيف أصلِّي؟ وكمن جاء مُسْتَفتيًا في حلال أو حرام يقول: أَفتُوني وأرْشِدُوني، فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يمنعوا الجواب عما سئلوا عنه من العلم، فمن فعل ذلك كان آثمًا مستحقًا للعقوبة، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة للناس إلى معرفتها (٣)، والله أعلم.\n(فكَتَمَه، أَلجمه اللهُ بِلِجَامٍ من نار يوم القيامة)، قال الخطابي (٤): الممسك عن الكلام مُمَثَّلٌ بمن ألجم نفسه، والمعنى: أن المُلْجِمَ لسانَه عن قول الحق\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعلمه\".\n(٢) قال القاري (١/ ٤٨٢): تكلم بعضهم على الحديث بأنه ضعيف، بل موضوع، وفي \"المقاصد الحسنة\" (ص ٤١٢) رقم (١١٣٥): حسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم. (ش).\n(٣) وقيل: المراد علم الشهادة، كذا في \"المرقاة\" (١/ ٤٨٢)، وقيده في \"الكوكب\" (٣/ ٣٦٠) بأن لا مفسدةَ في الإظهار. (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٥).","vol":"11","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1422>(١٠) بَابُ فَضْلِ نَشْرِ الْعِلْمِ</span>\n٣٦٥٩ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ قَالَا، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (١) بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"تَسْمَعُونَ (٢)، وُيسْمَعُ مِنْكُمْ، وُيسْمَعُ مِمَّنْ يَسْمَعُ (٣) مِنْكُمْ\". [حم ١/ ٣٢١، ق ١٠/ ٢٥٠، ك ١/ ٩٥]\n٣٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي عَمْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،\n===\nوالإخبار عن العلم والإظهار له يُعاقَب في الآخرة بلِجَامٍ مِنْ نارٍ، وخرج هذا على معنى مشاكلة العقوبة الذنب، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ﴾ (٤) الآية.\n\n(١٠) (بابُ فَضْلِ نَشْرِ الْعِلْمِ)\n٣٦٥٩ - (حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: تَسْمعون) أي أنتم تسمعون العلم منِّي (ويُسمع) ببناء المجهول ويحتمل المعلوم (منكم، ويُسمع) على الاحتمالين (ممن يسمع منكم) وهلُّمَ جَرَّا، فعليكم أن تحفظوا العلمَ منِّي، وتبلغوه إلى مَنْ بعدَكم، ويبلغ من بعدكم إلى من بعدهم، حتى يكون نشر العلم.\n٣٦٦٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، حدثني عمر بن سليمان من وَلَدِ عمر بن الخطاب) ابن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، وقيل:\n_________\n(١) في نسخة: \"عبيد الله\".\n(٢) في نسخة بدله: \"تسمعون ويستمع منكم ويستمع\".\n(٣) في نسخة: \"سمع\".\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٧٥.","vol":"11","page":391},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبَانَ، عن أَبِيهِ، عن زيدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ (١)، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ\". [ت ٢٦٥٦، جه ٢٣٠، دي ٢٣٥، حم ٥/ ١٨٣]\n===\nاسمه عمرو، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديثان، كما تقدم في عبد الرحمن بن أبان.\n(عن عبد الرحمن بن أبان) بن عثمان بن عفان الأموي المدني، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الواقدي: كان قليل الحديث، وذكره ابن أبي خيثمة عن مصعب: أنه كان من الخيار، وكان يصلي فَخَرَّ ساجدًا فمات.\n(عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: نضَّر الله) يروى بالتشديد والتخقيف، دعاء له بالنَّضارة، وهي النِّعمة والبَهْجَةُ وبَريقُ الوُجُوه وطراوتُه (امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلِّغَهُ) إلى غيره (فرُبَّ حاملِ فقهٍ) فقيه، ولكن يبلغ الفقه (إلى من هو أفْقَهُ منه) فيستنبظ منه الأحكامَ ما لم يقدِرْ أن يستنبطَ منه حامل فقه.\n(ورُبَّ حامل فقه ليس بفقيهٍ) فإذا بلغه إلى الفقيه، أو إلى من هو أفْقَهُ منه، يستنبط منه الأحكامَ وينفع به الناس.\nقال الخطابي (٢): قوله: \"رُبَّ حامِلِ فقهٍ\"، دليل على كراهية اختصار الحديث لمن ليس بِمُتَنَاهٍ في الفقه؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط والاستدراك لمعاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه وجوبُ التفقُّه، والحثُّ على استنباط معاني الحديث، واستخراج المكْنُون من سِرِّه.\n_________\n(١) في نسخة: \"يؤديه\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٧).","vol":"11","page":392},{"text":"٣٦٦١ - حَدَّثَنَا سعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم، عن أَبِيهِ، عن سَهْلٍ - يَعْنِي ابْنَ سَعدٍ-، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"وَاللَّهِ (١) لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ\". [خ ٢٩٤٢، م ٢٤٠٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1423>(١١) بَابُ الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل</span>\n٣٦٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"حَدِّثُوا عن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ\". [خ ٣٤٦١، ت ٢٦٦٩، حم ٢/ ٤٧٤]\n===\n٣٦٦١ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل -يعني ابن سعد-، عن النبي - ﷺ - قال: والله لأن يهدي اللهُ بهُداك) أي بسبب هدايتك (رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم) أي لو دَلَلْتَ أحدًا على الإِسلام أو العلم، فحصل له الإِسلام أو العلم بهدايتك له، فما حصل لك به من الأجر والثواب، خير لك من حصول النعم.\n\n(١١) (بَابٌ الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إِسْرَائيلَ)\nرواية عن بني إسرائيل، أو عن قصص بني إسرائيل، وأخبارهم، فالحديث الأول مناسب للأول، والثاني مناسب للاحتمال الثاني\n٣٦٦٢ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثني علي بن مسهر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: حَدِّثوا عن (٢) بني إسرائيلَ ولا حَرَجَ) نهى رسول الله - ﷺ - عن التحديث عن\n_________\n(١) في نسخة بدل: \"يهدي بهديك، ورجل واحد\".\n(٢) وفي \"الدر المختار\" (٩/ ٦٦٧) عن ابن حجر: هذا الحديث يفيد حل سماع الأعاجيب والغرائب من كل ما لا يتيقن كذبه لقصد الفرحة لا الحجة. (ش).","vol":"11","page":393},{"text":"٣٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُعَاذٌ (١)، نَا أَبِي، عن قتَادَةَ، عن أَبِي حَسَّانَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: \"كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - يُحَدِّثُنَا عن بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يُصْبِحَ (٢)، مَا يَقُومُ (٣) إِلَّا إِلَى عُظْمِ صَلَاةٍ\" (٤). [حم ٤/ ٤٣٧، خزيمة ١٣٤٢]\n===\nبني إسرائيل في أول الإِسلام، ثم لما استقر أمرُ الشرع، وتثبت أصحاب رسول الله - ﷺ - في الرواية، وعلموا أن بني إسرائيل قد حَرَّفُوا كتابَهم، وخلطوا في دينهم ما ليس منه، رخص رسول الله - ﷺ - في التحديث عنهم؛ لأن في تحديثهم ما كان موافقًا لشريعة الإِسلام يُقبَل، وما لا فلا يُقبَل، فلا حرج في التحديث عنهم.\nقال الخطابي (٥): ليس معناه: إباحة الكذب في أخبار بني إسرائيل، ورفع الحرج عمن نُقِل عنهم الكذبُ، ولكن معناه: الرخصةُ في الحديث عنهم على معنى البلاغ، وإن لم يتحقق صحةُ ذلك بنقل الإسناد؛ وذلك لأنه أمر قد يتعذر في أخبارهم لبُعْدِ المسافةِ وطولِ المدة ووقوع الفَتْرَة بين زماني النبوة.\n٣٦٦٣ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا معاذ، نا أبي، عن قتادة، عن أبي حسان، عن عبد الله بن عمرو قال: كان نبي الله - ﷺ - يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يُصبحَ، ما يقومُ إلَّا إلى عُظْمِ صلاة).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قولَه: \"يحدثنا عن بني إسرائيل\" إن كان جلوسه قبل التهجد، فالمراد بعظم الصلاة\n_________\n(١) في نسخة: \"ثني\".\n(٢) في نسخة: \"نصبح\".\n(٣) في نسخة: \"نقوم\".\n(٤) في نسخة: \"صلاته\".\n(٥) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٧).","vol":"11","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1424>(١٢) بَابٌ: في طَلَبِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ اللهِ</span>\n٣٦٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، نَا فُلَيْح، عن أَبِي طُوَالَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مَعْمَرٍ (١)، عن سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"- يَعْنِي رِيحَهَا-. [جه ٢٥٢، حم ٢/ ٣٣٨]\n===\nالتهجد، وإن كان بعده فهي صلاة الفجر، ولم يثبت أنه - ﷺ - ذكرهم ليلة (٢) كاملة، حتى يحمل الجلوس على كونه من أول الليل، والمقصود بإيراد الرواية غُلُوُّه فيه وإطالتُه أحاديثهم إذا تضمنت مواعظ ومسائل، انتهى.\n\n(١٢) (بَابٌ: في طَلَبِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ اللهِ)\nوالمراد من العلم: العلم المديني\n٣٦٦٤ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سريج بن النعمان، نا فليح، عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: منْ تعلَّمَ علمًا مما يُبتغى به وجهُ الله) وهو العلم بالشرائع والأحكام (لا يَتَعَلَّمُهُ إلَّا ليُصِيبَ به عرضًا) أي متاعًا (من الدنيا لم يجدْ عَرْفَ الجنة) -بفتح عين مهملة وسكون راء-: الرائحة، مبالغة في تحريم الجنة؛ لأن من لم يجد ريح الشيء لا يتناوله قطعًا، وهذا محمول على أنه يستحق أن لا يدخل أولًا، ثم أمره إلى الله تعالى كأمر أصحاب الذنوب كلهم إذا مات على الإيمان (يوم القيامة، يعني) بلفظ العَرْفِ (ريحها).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الأنصاري\".\n(٢) لكن تقدم ذكره - ﷺ - ما لقي من قومه قريش من بعد صلاة العشاء حتى يُراوحَ من طول القيام غير أنه ليس فيه إلى الصبح، فتأمل. (ش).","vol":"11","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1425>(١٣) بَابٌ: في الْقَصَص</span>\n٣٦٦٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، أَنا أَبُو مِسْهَرٍ، نَا (١) عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ الْخَوَّاصُ، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيبَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّيْبَانِيِّ، عن عَوْفِ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ\n===\n\n(١٣) (بَابٌ: في الْقَصَصِ) (٢)\nوالمراد بالقصص: التذكير، لا القصة والتواريخ؛ وذلك لأن الواعظ يُسمَّى قاصًّا، فالقصص: - بفتحتين- بمعنى البيان، كما في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٣)\n٣٦٦٥ - (حدثنا محمود بن خالد، نا أبو مسهر، نا عبَّاد بن عبَّاد) الرملي الأرسوفي- بضم الهمزة وسكون المهملة الأولى في آخره فاء- أبو عتبة (الخَوَّاص) كان من فضلاء أهل الشام وعبادهم، وكتب إليه سفيان الثوري الرسالة المشهورة في الوصايا والحكم، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة، رجلٌ صالحٌ، وقال أبو حاتم: من العباد، وقال يعقوب بن سفيان: من الزهَّاد، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الضعفاء\"، وقال: كان ممن غلب عليه التَقَشُّفُ والعبادةُ حتى غفل عن الحفظ، والضبط، فكان يأتي بالشيء على حسب التوهم حتى كثُرتِ المناكيرُ في روايته، فاستحق الترك، قاله في \"تهذيب التهذيب\" (٤)، وقال في التقريب (٥) رادًا على ابن حبان: أفحش ابن حبان فقال: يستحق الترك.\n(عن يحيى بن أبي عمرو السيباني) بفتح المهملة، (عن عمرو بن عبد الله السيباني) بالمهملة، (عن عوت بن مالك الأشجعي قال: سمعت\n_________\n(١) في نسخة: \"ثني\".\n(٢) انظر: \"المدخل\" لابن أمير الحاجّ (٢/ ٢٣٦، ٢٣٧). (ش).\n(٣) سورة يوسف: الآية ٣.\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٩٧).\n(٥) \"تقريب التهذيب\" (٣١٥١).","vol":"11","page":396},{"text":"رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَوْ مُخْتَالٌ\". [حم ٦/ ٢٧]\n٣٦٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ بَشِيرٍ الْمُزَنِيِّ،\n===\nرسول الله - ﷺ - يقول: لا يَقُصُّ إلَّا أميرٌ أو مأمُورٌ أو مُخْتَالٌ) أي مُتكبّرٌ.\nقال الخطابي (١) (٢): بلغني عن (٣) شريح أنه كان يقول: هذا في الخطبة، وكان الأمراء يَتْلُون الخُطَبَ فَيَعِظُون النَّاسَ، ويُذَكِّرُونهم فيها. وأما المأْمُور: فهو أن يقومه (٤) الإمامُ خَطيبًا، فيَعِظُ الناسَ ويقُصُّ عليهم. وأما المُخْتَالُ: فهو الذي نَصَبَ نفسَه من غير أن يُؤمرَ به، ويقُصُّ على الناس طلبًا للرئاسة، فهو يرائي بذلك ويختال.\nوقد قيل: إن المتكلِّمين على الناس ثلاثةُ أصنافٍ: مُذَكِّرٌ، وواعظٌ، وقَاصٌّ.\nفالمذَكِّرُ الذي يذكِّرُ الناس آلاء الله ونعماءه، فيبعثهم على الشكر له، والواعظُ يخوِّفُهم باللهِ وينذرهم عقوبته، فيردعهم به عن المعاصي، والقاص هو الذي يروي لهم أخبار الماضيين، ويروي عليهم القصص، فلا بأس (٥) أن يزيد فيها أو ينقص، والمذكِّرُ والواعظُ مأمونٌ عليهما هذا المعنى، والله أعلم، انتهى.\n٣٦٦٦ - (حدثنا مسدد، نا جعفر بن سليمان، عن المعلَّى بن زياد، عن العلاء بن بشير المزني) المصري، قال المعلَّى بن زياد: كان ما علِمتُه شجاعًا عند اللِّقاء، بكَّاءً عند الذكر؛ قال ابن المديني: مجهول، لم يرو عنه غير المعلى، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٨).\n(٢) وأجاد في \"التقرير\" حيث كتب: والقاصُّ المخلصُ مأمور من الله تعالى.\nقلت: قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. (ش).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"عن ابن سريج\" (٤/ ١٨٨).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"أن يقيمه\"، وهو الظاهر.\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"فلا يؤمن\".","vol":"11","page":397},{"text":"عن أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَلَسْتُ في عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ بَعْضَهُم لَيَسْتَتِرُ (١) بِبَعْضٍ (٢) مِنَ الْعُرْيِ، وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا؛ إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَامَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَكَتَ الْقَارِئُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: \"مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ \" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ قَارِئٌ لَنَا يَقْرأُ عَلَيْنَا، فَكُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.\nفَقَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: \"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَهُمْ\"\n===\n(عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: جلست في عِصَابةٍ من ضُعَفَاء المهاجرين) أي فقرائهم (وإن بعضَهم لَيَسْتَتِرُ ببعض من العُرْي) - بضم العين وسكون الراء -أي من كان ثوبه أقل من ثوب صاحبه كان يجلس خلف صاحبه تَسَتُّرًا به، والمراد العُرْي مما عَدَا العَوْرَةَ، فالتَسَتُّر لمكان المروءة لا تسمح بانكشاف ما يعتاد كشفه (وقارئٌ يَقرأ) أي القرآن (علينا إذ جاء رسول الله - ﷺ - فقام علينا، فلما قام رسول الله - ﷺ - سكت القارئُ، فَسَلَّم)، وفيه: أن قارئ القرآنِ وسامِعِيْهم لا يُسَلَّم عليهم، نعم إذا سكت القارئُ يُسَلَّمُ.\n(ثم قال: ما كنتم تصنعون؟) إنما سألهم مع علمه بهم، ليجيبهم بما أجابهم مرتبًا على حالهم وكمالهم (قلنا: يا رسول الله! إنه كان قارئٌ لنا يقرأ علينا) القرآن، (فكنا نَسْتَمِعُ إلى كتاب الله تعالى، فقال رسول الله - ﷺ -: الحمدُ لله الذي جعل من أمتي من أمِرْتُ أن أَصْبِرَ نفسي معهم) أي أحبس نفسي معهم، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (٣) الآية.\n_________\n(١) في نسخة: \"يستتر\".\n(٢) في نسخة: \"من بعض\".\n(٣) سورة الكهف: الآية ٢٨.","vol":"11","page":398},{"text":"قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَتَحَلَّقُوا، وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَرَفَ مِنْهُمْ أَحَدًا غَيْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صعاليكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَذَلكَ (١) خَمْسُمائَةِ سَنَةٍ\". [حم ٣/ ٦٣ - ٩٦]\n٣٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ- يَعْنِي ابْنَ مُطَهَّرٍ (٢) -، نَا (٣) مُوسَى بْنُ خَلَفٍ الْعَمِّيُّ، عن قَتَادَةَ، عن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّه تَعَالَى مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلأَنْ أَقْعُدَ\n===\n(قال) أبو سعيد: (فجلس رسول الله - ﷺ - وَسْطَنَا) فينا (لِيَعْدِلَ) أي ليسوِّيَ (بنفسه) الشريفة (فينا) تواضعًا، (ثم قال) أي أشار (بيده هكذا، فَتَحَلَّقُوا وَبَرَزَتْ وُجوهُهم له، قال) أبو سعيد: (فما رأيت رسول الله في عَرَفَ منهم أحدًا غيري) ولعله كان ذاك لظلمة الليل، وأما أبو سعيد فلعله كان قريبًا منه (فقال رسول الله - ﷺ -: أَبْشِرُوا يا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك) أي نصف يوم (خمسمائة سنة).\n٣٦٦٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عبد السلام -يعني ابن مطهر-، نا موسى بن خلف العَمِّي، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: لأَنْ أَقْعُدَ مع قومٍ يذكُرون الله تعالى من صلاةِ الغداةِ) أي الفجر (حتى تطلُعَ الشمس أحبُّ إليَّ من أنْ أُعْتِقُ أربعةً من وَلَدِ إسماعيل، ولأَنْ أَقْعُدَ\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أبو ظفر\".\n(٣) في نسخة: \"ثني\".","vol":"11","page":399},{"text":"مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ الله مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى (١) أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً\". [ق ٨/ ٣٨]\n٣٦٦٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عن الأَعْمَش، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عُبَيْدةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اقْرَأْ عَلَيَّ سُورَةَ النِّسَاءِ\". قَالَ: قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ (٢)؟ قَالَ: \"إِنّي (٣) أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي\" (٤)، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآيَةَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا عَيْنَاهُ تَهْمُلَانِ. [خ ٥٥٤٩، م ٨٠٠، ت ٣٠٢٥]\n\nآخِرُ كِتَابِ الْعِلْمِ\n===\nمع قوم يذكرون الله) تعالى (من صلاة العصر إلى أن تغرُب الشمسُ أحبُّ إليَّ من أن أُعتق أربعةً) أي من الرقاب.\n٣٦٦٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله) أي ابن مسعود (قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: اقْرَأْ علىَّ سورةَ النِّساءِ، قال) أي عبد الله: (قلتُ: أقَرأُ) بتقدير الاستفهام (عليك وعليك أَنْزِلُ؟ ! قال: إني أحبُّ أن أسمعَه من غيري، فقرأتُ عليه) أي سورةَ النساءِ الطولى (حتى إذا انتهيتُ إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية (٥)، فَرَفَعْتُ رأسي) إلى رسول الله - ﷺ - (فإذا عَيْنَاهُ تَهْمُلَانَ) أي تفيضان بالدمع وتسيلان.\n\nآخِرُ كِتَابِ العِلْمِ\n_________\n(١) في نسخة: \"حتى\".\n(٢) في نسخة: \"أنزلت\".\n(٣) في نسخة: \"فإني\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٥) سورة النساء: الآية ٤١.","vol":"11","page":400},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>(٢٠) أَوَّلُ كتَابِ الأَشْرِبَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>(١) بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ</span>\n٣٦٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٢٠) (أَوَّلُ كِتَابِ الأشْرِبَةِ)\n(١) (بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ) (١)\n٣٦٦٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا إسماعيل بن إبراهيم،\n_________\n(١) في \"الخميس\" (٢/ ٢٦) نزل تحريمه سنة ٦ هـ، وفي \"التلقيح\" (ص ٤٤) سنة ٣ هـ بعد أُحد، وخلاصة مذهب الحنفية أن الأشربة ثلاثة أقسام: الخمر حرام مطلقًا، وله عشرة أحكام.\nالثاني: الأشربة الأربعة، العصير، وهو نوعان: الباذق، والمنصف، ونقيع التمر، وهو السكر، ونقيع الزبيب حرام قليلها وكثيرها، لكن حرمتها ظنية، والثالث: باقي الأشربة حلال عند الشيخين ما لم يسكر، حرام عند محمد والثلاثة قليلها وكثيرها، وبه يفتى.\nويحد على السكر من كلها على الصحيح، ويحد على قطرة من الخمر، هذا خلاصة ما في حاشية \"الكوكب الدري\" (٣/ ٢٩، ٣٠)، وقال ابن عابدين: قال الإِمام =","vol":"11","page":401},{"text":"نَا أَبُو حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ، عن ابْن عُمَرَ، عن عُمَرَ قَالَ: \"نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الْعِنَب، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ،\n===\nنا أبو حيان قال: حدثني الشعبي، عن ابن عمر، عن عمر قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل) أي أيام نزول تحريم الخمر كانت الخمر من خمسة أشياء (وهي من خمسة أشياء) الواو للحال، أي كانت تصنع من خمسة أشياء (من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر) في حكمها كل (ما خامر العقل) فهو حرام.\nوأما الخمر في اللغة فقال في \"القاموس\": الخمر: ما أسكر من عصير العنب، أو عام، انتهى. فلأهل اللغة فيها قولان: أحدهما أنها مختصة بعصر العنب الذي بلغ حد الإسكار، فالإنكار عليه لا يليق بشأن أهل العلم، وأما ما وراء ذلك فأسماؤها كثيرة.\nقال في \"البدائع\" (١) في بيان أسماء الأشربة المعروفة المسكرة فقال: أما أسماؤها: فالخمر والسكر والفضيخ ونقيع الزبيب والطلاء والباذق والمنصف والمثلث والجمهوري، وقد يسمى أبو السقيا والخليطان والمزر والجعة والبتع، انتهى.\nفاختلاف أسمائها يدل على أن الخمر نوع واحد، وهو اسم للنيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وبلغ حد الإسكار، وأما نبيذ الحنطة والشعير إذا صار مسكرًا فهو الجعة، وأما نبيذ العسل إذا أسكر، فهو البتع، وأما ماء الرطب إذا غلا واشتد وأسكر فاسمه السُّكر، وأما النبي من ماء البسر إذا أسكر، فهو الفضيخ.\n_________\n= أبو حنيفة: لا أفتي بحرمة النبيذ ولو أعطيت الدنيا، لأن فيه تفسيق بعض الصحابة، ولا أشربها ولو أعطيت الدنيا، لأنه لا حاجة إليه، فللَّه در فتواه وتقواه. [انظر: \"رد المحتار\" (١٠/ ٣٣)]. (ش).\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٧٦).","vol":"11","page":402},{"text":"وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ (١) إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي (٢) إِلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا\". [خ ٥٥٨٨، م ٣٠٣٢، ت ١٨٧٣، ن ٥٥٧٨]\n٣٦٧٥ - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَّلِيُّ قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ -، عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن عَمْرٍو، عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب قَالَ: \"لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ عُمَرُ: اللهُمَّ بَيِّنْ لَنَا في الخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً (٣)، فَنَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي في\n===\n(وثلاث وددت أن النبي - ﷺ - لم يفارقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهدًا) أي بَيَّن فيها بيانًا (ننتهي إليه: الجد) أي سهم الجد مع الإخوة (والكلالة، وأبواب من أبواب الربا).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): أما الجد فالمراد قدر ما يرث، لأن الصحابة اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، فسيأتي في كتاب الفرائض عن عمر أنه قضى فيه بقضايا مختلفة، وأما الكلالة بفتح الكاف وتخفيف اللام فسيأتي بيانها أيضًا في كتاب الفرائض، وأما أبواب الربا فلعله يشير إلى ربا الفضل، لأن ربا النسيئة متفق عليه بين الصحابة، وسياق عمر يدل على أنه كان عنده نص في بعض أبواب الربا دون بعض، فلهذا تمنى معرفة البقية.\n٣٦٧٠ - (حدثنا عباد بن موسى الختلي قال: نا إسماعيل -يعني ابن جعفر-، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو) بن شرحبيل، (عن عمر بن الخطاب قال: لما نزل تحريم الخمر) أي ابتدأ نزول مقدمات التحريم (قال عمر: اللَّهُمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شفاء) أي شافيًا كما في نسخة، (فنزلت الآية التي في)\n_________\n(١) في نسخة: \"عهد\".\n(٢) في نسخة: \"ينتهي\".\n(٣) في نسخة: \"شافيًا\".\n(٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٠).","vol":"11","page":403},{"text":"الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيَةُ (١)، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لنَا في الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً (٢)، فَنَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي في النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُنَادِي: أَلَا لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا في الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، قَالَ (٣) عُمَرُ: انتهَيْنَا\". [ت ٣٠٤٩، ن ٥٥٤٠، حم ١/ ٥٣]\n===\nسورة (البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية) (٤) وهو يقتضي أن يحرم (فدعي عمر، فقرئت عليه، قال: اللهُمَّ بين لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت الآية في) سورة (النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٥)، فكان منادي رسول الله - ﷺ - إذا أقيمت الصلاة) أي إذا قربت إقامة الصلاة (ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه)، وكان في هذه الآية تحريم الخمر والسكر في حالة مخصوصة، وهي حالة الصلاة ومناجاة الرب، وأما ما عداها فكانت على الإباحة الأصلية.\n(فقال عمر: اللهُمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت هذه الآية) من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ إلى قوله: (﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٦)، فقال عمر: انتهينا).\nنقل في الحاشية عن الطيبي: وفي الآيتين سبعة دلائل على تحريم الخمر: أحدها قوله: رجس، والرجس هو النجس، وكل نجس حرام، والثاني قوله:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"شافيًا\".\n(٣) في نسخة: \"فقال\".\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢١٩.\n(٥) سورة النساء: الآية ٤٣.\n(٦) سورة المائدة: الآية ٩١.","vol":"11","page":404},{"text":"٣٦٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ قَالَ: نَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ، عن عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: \"أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ دَعَاهُ وَعَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ، فَسَقَاهُمَا قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، فَأَمَّهُمْ عَلِيٌّ في الْمَغْرِبِ وَقَرَأَ (١): ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فَخَلَط فِيهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. [ت ٣٠٢٦]\n===\nمن عمل الشيطان، وما هو من عمله حرام، والثالث قوله: فاجتنبوه، وما أمر الله تعالى باجتنابه فهو حرام، والرابع قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وما علق رجاء الفلاح باجتنابه فالإتيان به حرام، والخامس قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين فهو حرام، والسادس: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾، وما يصد به الشيطان المسلمين عن ذكر الله وعن الصلاة فهو حرام، والسابع قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، معناه: وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه فالإتيان به حرام.\n٣٦٧١ - (حدثنا مسدد، قال: نا يحيى، عن سفيان قال: نا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب: أن رجلًا من الأنصار) لم أقف على تسميته (دعاه) أي عليًا (وعبد الرحمن بن عوف) عطف على ضمير دعاه (فسقاهما) أي الخمر (قبل أن تحرم الخمر) فجاء وقت صلاة المغرب (فأمهم) أي صار إمامًا لهم (علي في) صلاة (المغرب، وقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فخلط فيها) أي قرأ في حالة السكر: \"قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون\"، كما في رواية الترمذي (٢).\n(فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ بأن يزول عنكم السكر وتفيقوا، فحرم بهذه الآية في وقت مخصوص وهو وقت الصلاة.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقرأ\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣٠٢٦).","vol":"11","page":405},{"text":"٣٦٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، نَسَخَتْهُمَا (١) الَّتِي في الْمَائِدَةِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ الآيةُ. [ق ٨/ ٢٨٥]\n٣٦٧٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ (٢)، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: \"كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ حَيْثُ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ في مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ،\n===\n٣٦٧٢ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال: نا علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال) أي في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٣) و) الآية الثانية: (﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٤) نسختهما) الآية (التي في) سورة (المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ (٥) الآية).\nفالآية الأولى تدل على أن حرمة الخمر مختصة بوقت الصلاة، وأما في غير وقتها فلا تحرم، والآية الثانية تدل على أن فيها منافع للناس، فهو يقتضي جوازها، فالآية الثالثة نسختها وحرمت بها الخمر مطلقًا مؤبدة.\n٣٦٧٣ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد) بن زيد، (عن ثابت، عن أنس) بن مالك (قال) أي أنس: (كنت ساقي القوم حيث) أي حين (حرمت الخمر في منزل أبي طلحة) متعلق بقوله: كنت ساقي القوم\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"نسختها الآية\".\n(٢) في نسخة: \"حماد بن زيد\".\n(٣) سورة النساء: الآية ٤٣.\n(٤) سورة النساء: الآية ٢١٩.\n(٥) سورة المائدة: الآية ٩٠.","vol":"11","page":406},{"text":"وَمَا شَرَابُنَا يَوْمَئِذٍ إِلَّا الْفَضِيخُ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، وَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْنَا: هَذَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -\". [خ ٢٤٦٤، م ١٩٨٠]\n\n(٢) بَابُ الْعَصِيرِ (١) لِلْخَمْرِ\n٣٦٧٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ، عن أَبِي عَلْقَمَةَ مَوْلَاهُمْ\n===\n(وما شرابنا يومئذ إلَّا الفضيخ) وهو شراب البسر (فدخل علينا رجل فقال) أي الرجل: (إن الخمر قد حرمت، ونادى منادي رسول الله - ﷺ -) ألا إن الخمر قد حرمت (فقلنا: هذا منادي رسول الله - ﷺ -).\nقال في \"فتح الودود\": ومراد أنس أن الفضيخ هو محل نزول الآية، فتناول الآية له أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1428>(٢) (بَابُ الْعَصِيرِ لِلْخَمْرِ)</span>\nأي اتخاذ العصير لها\n٣٦٧٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع بن الجراح، عن عبد العزيز بن عمر، عن أبي علقمة مولاهم).\nقال في \"تهذيب التهذيب\" (٢): أبو علقمة مولى بني أمية عن ابن عمر في لعن الخمر وشاربها، الحديث، وعنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، كذا في رواية اللؤلؤي، والصواب: عن أبي طعمة، كذا في رواية أبي عمرو البصري، وأبي الحسن بن عبد وغير واحد عن أبي داود عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع عن عبد العزيز، وكذا هو عند ابن ماجه (٣).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"في العنب يعصر للخمر\".\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٧٤).\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" (٣٣٨٠).","vol":"11","page":407},{"text":"وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ، أَنَّهُمَا سَمِعَا ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَعَنَ اللَّه الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ\" (١). [جه ٣٣٨٠، حم ٢/ ٢٥]\n===\nوقال في ترجمة أبي طعمة (٢): بضم أوله وسكون المهملة، الأموي، مولى عمر بن عبد العزيز، اسمه هلال، شامي، سكن مصر، قال ابن عمار الموصلي: أبو طعمة ثقة، وقال أبو أحمد الحاكم: رماه مكحول بالكذب، قلت: لم يكذبه مكحول التكذيب الاصطلاحي، وإنما روى الوليد بن مسلم، عن أبي جابر، أن أبا طعمة حدث مكحولًا بشيء وقال: ذروه يكذب، هذا محتمل أن يكون مكحولط طعن فيه على من فوق أبي طعمة.\n(وعبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لعن الله الخمر)، قال في \"فتح الودود\": لعن كل شيء على حسبه، فلعن الخمر تحريم تناولها وتبعيدها والحكم بنجاستها (وشاربها، وساقيها) أي الذي يسقي الخمر لآخر، (وبائعها (٣)، ومبتاعها) أي مشتريها، (وعاصرها) أي الذي يعصر الأعناب ليتخذها خمرًا، (ومعتصرها) أي العاصر لنفسه، (وحاملها (٤)، والمحمولة إليه).\n_________\n(١) زاد في نسخة: سئل أبو داود عن اسم أبي الأحوص الذي روى عن عبد الله فقال: عوف بن مالك، أو مالك بن عوف\".\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٣٧).\n(٣) ولو وكل ذميًا بيع خمر مسلم صح عند الإِمام، وقالا: لا يصح وهو الأظهر، كذا في \"الدر المختار\" (٦/ ٣٨٥). (ش).\n(٤) وفي تقارير الترمذي للشيخ الكَنكَوهي: أن المراد الحامل للشرب، فالأجير الحمال الذي لا يدخل فيه، فتأمل، وبه جزم صاحب \"الدر المختار\" (٩/ ٥٦٢)، وذكر صاحب \"الهداية\" (٤/ ٣٧٨) الخلاف فيه بين الإِمام وصاحبيه، وجعل المذكور قول الإمام. (ش).","vol":"11","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1429>(٣) بَابُ مَاجَاءَ فِي الْخَمْرِ تُخَلَّلُ</span>\n٣٦٧٥ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن السُّدِّيِّ، عن أَبِي هُبَيْرَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ رَسُولَ الله - ﷺ - عن أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، قَالَ: \"أَهْرِقْهَا\"، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: \"لَا\". [م ١٩٨٣، ت ١٢٩٤]\n===\n\n(٣) (بَابُ مَاجَاءَ فِي الْخَمْرِ تُخَلَّلُ) أم لا؟\n٣٦٧٥ - (حدثنا زهير بن حرب قال: نا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن أبي هبيرة، عن أنس بن مالك، أن أبا طلحة سأل رسول الله - ﷺ - عن أيتام ورثوا خمرًا، قال: أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: لا).\nوبظاهر هذا الحديث قال أحمد (١)، وقال الشافعي - ﵀ - لا يجوز التخليل من صاحب الخمر (٢) بعلاج من خل أو ملح أو غيرهما، ولا يحل النحل وإن خللها بالنقل من موضع إلى موضع، أي إلى موضع الشمس.\nفللشافعي - ﵀ - قولان؛ أصحهما تطهيره، وعند أبي حنيفة - ﵀ -: إن الخمر إذا تخللت بنفسها، أو خللها صاحبها بعلاج من خل أو ملح أو غيرهما فالتخليل جائز، والخل حلال، وعن مالك ثلاث روايات؛ أصحها عنه: أن التخليل حرام، فلو خللها عصى وطهرت.\nوأما الجواب من قوله - ﷺ -: لا، أن الخمر كانت نفوسهم ألفت بالخمر، وكل مألوف تميل إليه النفس، فخشي النبي - ﷺ - من دواخل الشيطان، فنهاهم عن اقترانها بالكلية نهي تنزيه؛ لئلا يتَّخذوا التخليل وسيلة إليها، وأما بعد طول عهد التحريم فما بقي السبب، ولا يخشى هذه الدواخل، ويؤيده خبر: \"نعم الإدام الخل\".\n_________\n(١) كذا في \"المغني\" (١٢/ ٥١٧). (ش).\n(٢) في الأصل: \"الخل\"، وهو تحريف، والتصويب من \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٧٩).","vol":"11","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1430>(٤) بَابُ الْخَمْر مِمَّا هِيَ </span>(١)؟\n٣٦٧٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: نَا إِسْرَائيلُ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْبُرِّ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا\". [ت ١٨٧٢، سنن النسائي ٦٧٨٧، جه ٣٣٧٩، حم ٤/ ٢٦٧]\n===\n\n(٤) (بَابُ الْخَمْرِ مِمَّا هِيَ؟)\n٣٦٧٦ - (حدثنا الحسن بن علي قال: نا يحيى بن آدم قال: نا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن من العنب (٢) خمرًا، وإن من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وإن من البُر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا) فإذا بلغ نبيذ هذه الأشياء حد الإسكار يصير خمرًا، ويكون حكمه حكم الخمر.\nوالفرق بين أحكام هذه الأشربة عندنا، أما الخمر فيتعلق بها أحكام، منها: أنه يحرم شرب قليلها وكثيرها، لأنها محرمة العين، ومنها: أنه يُكفَّر مستحلُّها، لأن حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به.\nومنها: أنه يُحَدُّ شاربها قليلًا أو كثيرًا لإجماع الصحابة على ذلك، ولو شرب خمرًا ممزوجًا بالماء، إن كانت الغلبة للخمر يجب الحد، وإن غلب الماء عليها حتى زال طعمها وريحها لا يجب، إلَّا أنه يحرم شرب الماء الممزوج\n_________\n(١) في نسخة: \"هو\".\n(٢) قال في \"الإرشاد الرضي\": الحديث بظاهره يخالف الحنفية، لكن في الحقيقة يؤيد لهم، فإن الخمر لو تناول هذه الأشياء لغةً واستعمالًا لما احتاج ﵊ إلى تفسيره بذلك العنوان، فإنه تعالى لما حرم الخمر في القرآن لكان عمومها متناولًا لهذه الأشياء عندهم، وهم أهل اللسان. (ش).","vol":"11","page":410},{"text":"٣٦٧٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: نَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: قَرَاتُ عَلَى الْفُضَيْلِ، عن أَبِي حَرِيزٍ، أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بِشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"إِنَّ الْخَمْرَ مِنَ الْعَصِيرِ،\n===\nبالخمر للنجاسة. ومنها: أن حد شرب الخمر والسكر مقدر بثمانين جلدة في الأحرار لإجماع الصحابة.\nومنها: أنه يحرم على المسلم تمليكها وتملكها بسائر أسباب الملك، وأنها محرمة الانتفاع على المسلم. ومنها: أنه لا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم، وإن كانت لذمي يضمن عندنا خلافًا للشافعي - ﵀ -. ومنها: أنها نجسة غليظة حتى لو أصاب ثوبًا أكثر من قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة.\nوأما السكر والفضيخ ونقيع الزبيب، فيحرم شرب قليلها وكثيرها، ولكن لا يكفر مستحلها، ولكن يضلل، لأن حرمتها دون حرمة الخمر لثبوتها بدليل غير مقطوع [به] من أخبار الآحاد وآثار الصحابة - ﵃-، ولا يحد بشرب القليل منها، لأن الحد إنما يجب بشرب القليل من الخمر، ولم يوجد بسكر، لأن حرمة السكر من كل شراب كحرمة الخمر لثبوتها بدليل مقطوع به، وهو نص الآية، فكانت حرمة السكر من كل شراب ثابتة بنص الكتاب كحرمة الخمر.\nويجوز بيعها عند أبي حنيفة مع الكراهة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز أصلًا، ومنها حكم نجاستها، فعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: أنها لو أصابت ثوبًا أكثر من قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة، وروي أنها لا تمنع أصلًا، لأن نجاسة الخمر ثبتت بالشرع، فيختص باسم الخمر، وعن أبي يوسف - ﵀ - أنه اعتبر فيه الكثير الفاحش.\n٣٦٧٧ - (حدثنا مالك بن عبد الواحد قال: نا معتمر قال: قرأت على الفضيل) بن ميسرة، (عن أبي حريز، أن عامرًا حدثه، أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الخمر من العصير) أي من عصير الأعناب،","vol":"11","page":411},{"text":"وَالزَّبِيب، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالذُّرَةِ، وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عن كُلِّ مُسْكِرٍ\". [ق ٨/ ٢٨٩، حب ٥٣٩٨]\n٣٦٧٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عن أَبِي كَثِيرٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ\" (١). [م ١٩٨٥، ت ١٨٧٥، ن ٥٥٧٢، جه ٣٣٧٨، حم ٢/ ٢٧٩]\n\n(٥) بَابُ (٢) مَا جَاءَ فِي السُّكْرِ\n٣٦٧٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى فِي آخَرِينَ\n===\n(والزبيب) وهو الأعناب اليابسة، (والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة) (٣) بضم المعجمة وتخفيف الراء: حب معروف، (واني أنهاكم عن كل مسكر).\n٣٦٧٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: حدثني يحيى، عن أبي كثير، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة) ليس المراد الحصر في الشجرتين، بل المراد الغالب منهما، ومعظم الخمر ما يتخذ منه إنما هو النخلة والعنبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>(٥) (بَابُ مَا جَاءَ فِي السّكْرِ)</span>\nأي في المسكر\n٣٦٧٩ - (حدثنا سليمان بن داود ومحمد بن عيسى في آخرين) من\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: اسم أبي كثير الغبري يزيد بن عبد الرحمن بن غفيلة السحيمي، فقال بعضهم: أذينة، والصواب: غفيلة\".\n(٢) في نسخة بدله: \"باب النهي عن المسكر\".\n(٣) ضبطه صاحب \"المحيط الأعظم\" بضم المعجمة وتشديد المهملة المفتوحة وسكون المثناة الفوقية، وقال: اسمه في الهندية \"جوار\". انتهى، وضبطه في \"المجمع\" (٢/ ٢٣٨) بضم معجمة وخفة راء، وقال: هاؤه عوض عن واو، كما في \"الأوجز\" (٦/ ١٣٢). (ش).","vol":"11","page":412},{"text":"قَالُوا، نَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زيدٍ -، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا في الآخِرَةِ\". [م ٢٠٠٣، ت ١٨٦١، ن ٥٥٨٥، حم ٢/ ١٦]\n٣٦٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ\n===\nالرواة (قالوا: نا حماد -يعني ابن زيد- عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: كل مسكر) من الأشربة وغيرها إذا بلغ حد الإسكار (خمر) أي في حكم الخمر، وهو حرمتها، ثم بينه.\n(وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها) أي يداومها ولم يتب منها (لم يشربها في الآخرة) وهو كناية عن عدم دخول الجنة، أما إذا كان مستحلًّا فظاهر أنه يكفر، وأما إذا لم يكن مستحلًّا فيتأول أنه لا يشربها في الجنة، ولا يدخلها في الأولين.\n٣٦٨٠ - (حدثنا محمد بن رافع النيسابوري قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر الصنعاني) أبو إسحاق اليماني، وليس هو ابن كيسان، فإنه متأخر عنه، روى عن النعمان بن أبي شيبة، أخرج له أبو داود حديثًا واحدًا في الأشربة من رواية طاؤس عن ابن عباس (قال: سمعت النعمان) (٢) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي من المكتوبة والمطبوعة إلَّا في نسخة \"العون\" (٣) والكانفورية، فإن فيهما: النعمان بن بشير، وكذا بين السطور في النسخة المجتبائية بطريق النسخة: ابن بشير، وهو غلط، بل هو النعمان بن أبي شيبة عبيد الصنعاني، أو الجندي بفتح الجيم والنون، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، مأمون،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ثنا\".\n(٢) وفي نسخة من رواية ابن العبد: \"سمعت التعمان يعني ابن المنذر\".\n(٣) \"عون المعبود\" (١٠/ ٨٦).","vol":"11","page":413},{"text":"يَقُولُ: عن طَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"كُل مُخَمَّرٍ خَمْرٌ، وَكُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا بُخِسَتْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ\"، قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ\". [ق ٨/ ٢٨٨]\n===\nكيِّس كيِّس، وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الذهلي: النعمان بن أبي شيبة من ثقات أهل اليمن.\n(يقول: عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: كل مخمر) بكسر الميم الثانية أي مغطي العقل، ويحتمل الفتح، أي ما يجعل خمرًا مسكرًا (خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرًا) أي مرة واحدة (بخست) أي نقصت (صلاته أربعين صباحًا) أي لم تثمر البركات، وإن سقط الفرض عن ذمته، (فإن تاب) أي من شرب الخمر (تاب الله عليه) أي رجع بالمغفرة عليه.\n(فإن عاد الرابعة كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال) لا لأن التوبة لا تقبل منه، بل لأنه لا يوفق للتوبة (قيل؟ وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: صديد أهل النار) والصديد هو ماء يسيل من الجرح، (ومن سقاه) أي المسكر (صغيرًا) أي صبيًا (لا يعرف حلاله من حرامه، كان حقًا على الله أن يسقيه) أي ساقي الصغير (من طينة الخبال).\nقلت: أباح الإِمام الشافعي - ﵀ - إلباس الحرير للصبيان الغير المكلفين من المذكور، وحرمه الإِمام أبو حنيفة - ﵀ -، وهذا الحديث يؤيد الحنفية، بأن ما لا يجوز استعماله للبالغين، يحرم على البالغين المكلفين استعماله لغير المكلفين، فسقي الصغار ما يحرم على الكبار حرام لهذا الحديث.","vol":"11","page":414},{"text":"٣٦٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ -، عن دَاوُدَ بْن بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ\". [ت ١٨٦٥، جه ٣٣٩٣، حم ٣/ ٣٤٣]\n===\n٣٦٨١ - (حدثنا قتيبة، نا إسماعيل - يعني ابن جعفر -، عن داود بن بكر بن أبي الفرات، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما أسكر كثيره فقليله حرام).\nقلت: إن كان ما أسكر خمرًا فقليله حرام لكونه خمرًا، وهي نجسة العين، وأما ما عدا الخمر فحرمة القليل مبنية على أن قليله داع إلى الكثير، أو إذا شرب للتلهي (١) والمعصية.\nقال في \"الهداية\" (٢): وعصير العنب إذا طبخ، حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه حلال وإن اشتد، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد ومالك والشافعي - ﵏-: حرام، وهذا الخلاف فيما إذا قصد به التقوي، أما إذا قصد به التلهي فلا يحل بالاتفاق، وعن محمد مثل قولهما، وعنه: أنه كره ذلك، وعنه: أنه توقف فيه، لهم في إثبات الحرمة قوله ﵇: \"كل مسكر خمر\"، وقوله ﵇: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\"، ويروى عنه ﵇: \"ما أسكر الجرة منه فالجرعة منه حرام\"، انتهى.\nقال في \"البدائع\" (٣): وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله- احتجا بحديث رسول الله - ﷺ - وآثار الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم-، أما الحديث فما ذكره الطحاوي - ﵀ - في \"شرح الآثار\" (٤):\n_________\n(١) وعليه حمله الطحاوي وبسطه. [انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢١٤)]. (ش).\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٣٩٧).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٨٤).\n(٤) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢١٩).","vol":"11","page":415},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nعن عبد الله بن عمر - ﵄-: \"أن النبي - ﷺ - أتي بنبيذ فشمه، فقطب وجهه لشدته، ثم دعا بماء فصبه عليه وشرب منه\".\nوأما الآثار فمنها: ما روي عن عمر - ﵁ - أنه كان يشرب النبيذ الشديد، ويقول: إنا لننحر الجزور، وإن العتق منها لآل عمر، ولا يقطعه إلَّا النبيذ الشديد.\nومنها: ما روينا عنه أنه كتب إلى عمار بن ياسر - ﵁ -: أني أتيت بشراب من الشام، طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، يبقى حلاله، ويذهب حرامه، وريح جنونه، فَمُر مَنْ قِبَلَكَ فليتوسعوا من أشربتهم، نص على الحل ونبه على المعنى، وهو زوال الشدة المسكرة بقوله: ويذهب ريح جنونه، وندب إلى الشرب بقوله: فليتوسعوا من أشربتهم.\nومنها: ما روي عن سيدنا علي - ﵁ - أنه أضاف قومًا فسقاهم، فسكر بعضهم، فحده، فقال الرجل: تسقيني ثم تحدني، فقال علي - ﵁ -: إنما أحدك للسكر، وروي هذا المذهب عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر - ﵄- أنه قال حين سئل عن النبيذ: اشرب الواحد والاثنين والثلاثة، فإذا خفت السكر فدع.\nفإذا ثبت الإحلال من هؤلاء الصحابة الكرام - ﵃- فالقول بالتحريم يرجع إلى تفسيقهم وأنه بدعة، ولهذا عد أبو حنيفة - ﵀ - إحلال المثلث من شرائط مذهب السنَّة والجماعة، فقال في بيانها: أن يفضِّل الشيخين، ويحب الختنين، وأن يرى المسح على الخفين، وأن لا يحرم نبيذ الخمر؛ لما أن في القول بتحريمه تفسيق كبار الصحابة - ﵃- والكف عن تفسيقهم، والإمساك عن الطعن فيهم من شرائط السنَّة والجماعة.\nوأما ما ورد من الأخبار ففيها طعن، ثم بها تأويل، ثم قول بموجبها،","vol":"11","page":416},{"text":"٣٦٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\n===\nأما الطعن: فإن يحيى بن معين - ﵀ - قد ردها، وقال: لا تصح عن النبي ﵊، وهو من نقلة الأحاديث، فطعنه يكون جرحًا في الحديثين.\nوأما التأويل: فهو أنها محمول على الشرب للتلهي توفيقًا بين الدلائل صيانة لها عن التعارض، وأما القول بالموجب فهو: أن المسكر عندنا حرام، وهو القدح الأخير، لأن المسكر ما يحصل به الإسكار، وأنه يحصل بالقدر الآخير، وهو حرام قليله وكثيره، وهذا قول بموجب الأحاديث إن ثبتت بحمد الله تعالى.\nوأما قولهم: إن هذه الأشربة خصر لوجود معنى الخمر فيها، وهو صفة مخامرة العقل، قلنا: اسم الخمر للنيء من ماء العنب إذا صار مسكرًا حقيقة، ولسائر الأشرية مجاز؛ لأن معنى الإسكار والمخامرة فيه كامل، وفي غيره من الأشربة ناقص، فكان ضيقة له مجازًا لغيره.\nوهذا لأنه لو كان حقيقة لغيره لكان الأمر لا يخلو لأحد وجهين: إما أن يكون اسمًا مشتركًا، أو يكون اسمًا عامًا لا سبيل إلى الأول؛ لأن شرط الاشتراك اختلاف المعنى، فالاسم المشترك ما يقع على مسميات مختلفة الحدود والحقائق، كاسم العين ونحوها، وههنا ما اختلف ولا سبيل إلى الثاني، لأن من شرط العموم أن تكون أفراد العموم متساوية في قبول المعنى الذي وضع له اللفظ لا متفاوتة، ولم يوجد التساوي ها هنا، وإذا لم يكن بطريق الحقيقة تعين أنه بطريق المجاز، فلا يتناولها مطلق اسم الخمر، والله ﷾ أعلم (١).\n٣٦٨٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: سئل رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٨٤، ٢٨٥).","vol":"11","page":417},{"text":"عن الْبِتْعِ، فَقَالَ: \"كُلُّ شرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ\". [خ ٢٤٢، م ٢٠٠١، ت ١٨٦٣، ن ٥٥٩٣، جه ٣٣٨٦، حم ٦/ ٣٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَرَأْتُ عَلَى يَزِيدَ بْن عَبْدِ رَبِّهِ الْجُرْجُسِيِّ، حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ. زَادَ: وَالْبِتْعُ نَبِيذ الْعَسَلِ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرُبونَهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: لَا إِله إِلَّا اللَّه (١)، مَا كَانَ أَثْبَتَهُ، مَا كَانَ فِيهِمْ مِثْلُهُ!، - يَعْنِي في أَهْلِ حِمْصٍ، يَعْنِي الْجُرْجُسِيَّ.\n٣٦٨٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ (٢)، نَا عَبْدَةُ، عن مُحَمَّدٍ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ-، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ الله الْيَزَنِي،\n===\nعن البتع) وهو نبيذ العسل إذا اشتد وأسكر (فقال: كل شراب أسكر فهو حرام، قال أبو داود: قرأت) أي هذا الحديث (على يزيد بن عبد ربه الجرجسي).\nغرض أبي داود أن هذا الحديث حصل لي بطريقين: أحدهما: بتحديث القعنبي، والثاني: بالقراءة على يزيد بن عبد ربه (حدثكم محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، بهذا الحديث بإسناده، زاد) أي الزبيدي: (والبتع نبيذ العسل، قال) ابن شهاب: كان أهل اليمن يشربونه، قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا إله إلَّا الله، ما كان أثبته) يقول على سبيل التعجب (ما) نافية كان فيهم مثله، يعني في أهل حمص، يعني الجرجسي) يعني لم يكن في أهل حمص مثل الجرجسي.\n٣٦٨٣ - (حدثنا هناد، نا عبدة، عن محمد -يعني ابن إسحاق-، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ما كان أكيس يزيد الجرجسي\".\n(٢) في نسخة: \"هناد بن السري\".","vol":"11","page":418},{"text":"عن دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ نُعَالِجُ فِيهَا عَمَلًا شَدِيدًا، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ هَذَا الْقَمْحِ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا. قَالَ: \"هَلْ يُسْكِرُ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَاجْتَنِبُوهُ\" (١). قُلْتُ: فَإِنَ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكيهِ، قَالَ: \"فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَقَاتِلُوهُمْ\". [حم ٤/ ٢٣٢، ق ٨/ ٢٩٢]\n٣٦٨٤ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِي مُوسَى قَالَ: \"سَأَلْتُ النَّبِيِّ - ﷺ -\n===\nعن ديلم الحميري) الجيشاني، [بفتح الجيم] بعدها تحتانية ساكنة [ثم معجمة مفتوحة] نسبة إلى جيشان قبيلة من اليمن، له صحبة سكن مصر، روى عن النبي - ﷺ - في الأشربة.\n(قال: سألت النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض باردة نعالج فيها عملًا شديدًا) أي شاقًا (وإنا نتخذ شرابًا من هذا القمح) أي الحنطة (نتقوى به على أعمالنا) فإنا إذا شربناه وسكرنا، فلا يشق علينا العمل الشاق لأجل السكر (وعلى برد بلادنا) فإنه يدفع البرد ويدفؤنا.\n(قال) - ﷺ -: (هل يسكر؟ قلت: نعم، قال) ﵇: لو كان يسكر (فاجتنبوه، قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتلوهم) أمر بقتالهم؛ لأن شربهم بلغ حد السكر وهو حرام بالاتفاق، فإذا لم يتركوا شرب السكر يستحقون القتال.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"فقاتلوهم\" لا لحرمته القطعية، بل للتعزير على بَغاوة الإِمام، حيث لم ينتهوا لنهيه عن ارتكاب المحرم.\n٣٦٨٤ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: سألت النبي - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".","vol":"11","page":419},{"text":"عن شَرَابٍ مِنَ الْعَسَلِ، فَقَالَ: \"ذَاكَ الْبِتْعُ\". قُلْتُ: وُينْتَبَذُ (١) مِنَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، فالَ (٢): \"ذَلِكَ الْمِزْرُ\"، ثُمَّ قَالَ: \"أَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ\".\n٣٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبي حَبِيبٍ، عن الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (٣): أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - نَهَى عن الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ وَالْغُبَيْرَاءِ،\n===\nعن شراب من العسل، فقال: ذاك البتع) أي يسمى ذاك بالبتع (قلت: وينتبذ من الشعير والذرة، قال) - ﷺ -: (ذلك المزر) أي يسمى ذلك المزر (ثم قال: أخبر قومك أن كل مسكر حرام).\n٣٦٨٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الوليد بن عبدة، عن عبد الله بن عمر) وفي النسخة المجتبائية: ابن عمرو بفتح العين وسكون الميم، أورده المزي (٤) في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، ثم قال: هكذا رواه أبو الحسن بن العبد، وأبو عمرو البصري، وغير واحد، عن أبي داود، وهو الصواب، ووقع في رواية اللؤلؤي: عن عبد الله بن عمر، وهو وهم.\n(أن نبي الله - ﷺ - نهى عن الخمر) أي عن شربهما (والميسر) أي القمار (والكوبة) بالضم هي النرد والطبل أو البربط (والغبيراء) وهي ضرب من الشراب، يتخذه الحبشة من الذرة، وتسمى السَّكْرَكة بفتح السين وسكون الكاف الأولى وفتح الراء والكاف الثانية وبالهاء، وقال ثعلب: هي خمرة تعمل من\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وينتبذون\"، وفي نسخة: \"وينبذون\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) في نسخة: \"عبد الله بن عمر\".\n(٤) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٦/ ١٤٠) رقم (٨٩٤٢).","vol":"11","page":420},{"text":"وَقَالَ: \"كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ\" (١). [حم ٢/ ١٥٨، ق ١٠/ ٢٢١]\n٣٦٨٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: نَا أَبُو شِهَابٍ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ، عن الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ، عن الْحَكَمِ بْنِ عُتيْبَةَ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ\". [حم ٦/ ٣٠٩، ق ٨/ ٢٩٦]\n٣٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُوَسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَا، نَا مَهْدِيٌّ - يَعْنِي ابْنَ مَيْمُونٍ - قَالَ: نَا أَبُو عُثْمَانَ- قَالَ مُوسَى: عَمْرُو بْنُ\n===\nالغبيراء، وهو التمر المعروف (وقال: كل مسكر حرام).\n٣٦٨٦ - (حدثنا سعيد بن منصور قال: أنا أبو شهاب عبد ربه بن نافع، عن الحسن بن عمرو الفقيمي) بضم القاء وفتح القاف، نسبة إلى فقيم، بطن من تميم، التميمي الكوفي، قال أحمد وابن معين والنسائي: ثقة، زاد ابن أبي مريم عن ابن معين: حجة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح، وقال ابن المديني: ثقة صدوق، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال الحاكم عن الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في: الثقات\".\n(عن الحكم بن عتيبة، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله - ﷺ - عن كل مسكر ومُفْتر)، قال الخطابي - ﵀ - (٢): المفتر كل شراب يورث الفتوو والخِدر في الأطراف، وهو مقدمة السكر، نهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر.\n٣٦٨٧ - (حدثنا مسدد وموسى بن إسماعيل قالا: نا مهدي -يعني ابن ميمون- قال: نا أبو عثمان- قال موسى: عمرو بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: قال ابن سلام أبو عبيد: الغبيراء: السُّكُرْكَةُ تُعمل من الذرة، شراب يعمله الحبشة\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٦٧).","vol":"11","page":421},{"text":"سَلْم (١) الأَنْصَارِيُّ-، عن الْقَاسِمِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ\". [ت ١٨٦٦، حم ٦/ ٧١، حب ٥٣٨٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1432>(٦) بَابٌ: في الدَّاذِيِّ </span>(٢)\n٣٦٨٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا زيدُ بْنُ الْحُبَابِ\n===\nسلم-) يعني ذكره مسدد بكنيته، وهو أبو عثمان، وذكره موسى باسم علمه، وهو عمرو بن سلم (الأنصاري) المدني، ثم الخراساني، قاضي مرو، اسمه عمرو بن سالم، وقيل: سلم، وقيل: ابن سليم، وقيل: ابن سعد، وقيل: اسمه كنيته، قال الحاكم أبو أحمد: هو معروف بكنيته، قال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: هذا قاضي مرو، ثقة، اسمه عمرو بن سالم، قلت: اسمه عمر، قال: عمرو، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقيل: اسمه عمر بضم المهملة وفتح الميم، وكذا قال النسائي والدولالي، وحكى البخاري، وتبعه ابن حبان في \"الثقات\" فيه الخلاف.\n(عن القاسم، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق) وهو ستة عشر رطلًا (فملء الكف منه حرام).\n\n(٦) (بَابٌ: في الدَّاذِيِّ)\nقال في \"المجمع\": هو حب يطرح في النبيذ فيشتد حتى يسكر، قال في \"القاموس\": الدَّاذِيُّ: شراب الفُسَّاق، ونَبْذُ الدِّينباذ: موضع باليمن كثير الجوز.\n٣٦٨٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا زيد بن الحباب\n_________\n(١) في نسخة: \"سالم\"، وفي نسخة: \"سلمة\".\n(٢) في نسخة: \"الباذق\".","vol":"11","page":422},{"text":"قَالَ: نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عن حَاتِمِ بْنِ حُرَيْثٍ، عن مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ غَنْمٍ فَتَذَاكَرْنَا الطِّلَاءَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا\" (١). [جه ٤٠٢٠، حم ٥/ ٣٤٢، ق ٨/ ٢٩٥]\n===\nقال: نا معاوية بن صالح، عن حاتم بن حريث) الطائي المَحْرِي بفتح الميم وسكون المهملة، الحمصي، كذا في \"التقريب\" (٢)، وفي \"الخلاصة\" (٣) المحرزي بفتح الميم والراء بينهما مهملة ساكنة آخره زاي، الحمصي، قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عثمان الدارمي: ثقة، وقال ابن عدي: لِعِزَّةِ حديثه لم يعرفه يحيى بن معين، وأرجو أنه لا بأس به.\n(عن مالك بن أبي مريم) الحكمي بفتحتين، الشامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حزم: لا يدرى من هو، وقال الذهبي: لا يعرف.\n(قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطلاء) بكسر الطاء والمد: ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه (فقال: حدثني أبو مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) فيه دلالة على الترجمة، حيث حرم عليهم المسكر وإن تبدَّل اسمه، والداذي داخل فيه أيضًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٣٦٨٩ - قال أبو داود: حدثنا شيخ من أهل واسط، قال: حدثنا أبو منصور الحارث بن منصور قال: سمعت سفيان الثوري، وسئل عن الداذي؟ فقال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تستحل أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها\"، ثم قال سفيان الثوري: الداذي شراب الفاسقين. [لم يذكره المزي في \"تحفة الأشراف\"].\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (ص ٢٠٧).\n(٣) \"الخلاصة\" (ص ٦٦).","vol":"11","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1433>(٧) بَابٌ: فِي الأَوْعِيَةِ</span>\n٣٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: نَا مَنْصُورُ بْنُ حَيَّانَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: \"نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ\". [م ١٩٩٧، ن ٥٦٤٣]\n٣٦٩١ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا جَرِيرٌ، عن يَعْلَى- يَعْنِي ابْنَ حَكِيمٍ -، عن سَعِيدِ بْنٍ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: \"حَرَّمَ رَسُولُ الله - ﷺ - نَبيذَ الْجَرِّ، فَخَرَجْتُ فَزِعًا مِنْ قَوْلِهِ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - نَبِيذَ الْجَرِّ، فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَمَا (١) تَسْمَعُ مَا يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ؟ قالَ:\n===\n\n(٧) (بَابٌ: في الأَوْعِيَةِ)\nجمع وعاء، وهى: الظروف\n٣٦٩٠ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوأحد بن زياد قال: نا منصور بن حيان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر وابن عباس قالا: نشهد أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الدباء) أي عن ظرف يعمل منه (والحنتم) أي الجرة الخضراء (والمزفت) أي المطلى بالزفت وهو القير (والنقير) أي المنقور من الخشب.\nوكان ذلك في أول الإِسلام خوفًا من أن يكون مسكرًا ولا يعلم به، فلما طال الزمان وعلم حرمته واشتهرت، أبيح الانتباذ في كل وعاء كما سيجيء.\n٣٦٩١ - (حدثنا موسي بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، المعنى، قالا: نا جرير، عن يعلى -يعني ابن حكيم-، عن سعيد بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: حرم رسول الله - ﷺ - نبيذ الجر، فخرجت فزعًا من قوله: حرم رسول الله - ﷺ - نبيذ الجر، فدخلت على ابن عباس فقلت: أما تسمع ما يقول ابن عمر؟ قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"ألا\".","vol":"11","page":424},{"text":"وَمَا ذَاكَ؟ (١) قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - نَبِيذَ الْجَرِّ، قَالَ: صَدَقَ، حَرَّمَ رَسُولُ الله - ﷺ - نَبِيذَ الْجَرِّ، قُلْتُ: مَا الْجَرُّ؟ قَالَ: كُلُّ شَيءٍ يُصْنَعُ مِنْ مَدَرٍ\". [م ١٩٩٧، ن ٥٦١٩، حم ٢/ ١١٢]\n٣٦٩٢ - (٢) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَا، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عن أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ: عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا حَدِيثُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: \"قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ\n===\nوما ذاك؟) قلت: (قال: حرَّم رسول الله - ﷺ - نبيذ الجر، قال) ابن عباس: (صدق) ابن عمر، (حرم رسول الله - ﷺ - نبيذ الجر) أي ما ينبذ في الجرار، ولعل المراد من الجرار المدهونة.\n(قلت: ما الجر؟ قال: كل شيء يصنع من مدر) وكان النهي عنه لكون الاشتداد يسرع في نبيذ الجر لانسداد مساماته، ولا كذلك نبيذ الأسقية، مع أن نبيذ الأسقية يعلم اشتداده بانتقاخ السقاء لكونها موكاة، ولا يشعر بذلك إذا كانت جرة، لأنه لا يمكن انتفاخها، وإنما كان هذا أيضًا في ابتداء الأمر، ثم رخص في الانتباذ في كل ظرف، إلَّا أن من لم يبلغه الرخصة دام على التحريم كابن عمر وابن عباس، كتبه مولانا محمد يحيى الموحوم من إفادة شيخه - ﵀ -.\n٣٦٩٢ - (حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عبيد قالا: نا حماد، ح: وحدثنا مسدد قال: نا عباد بن عباد) كلاهما، (عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس يقول، وقال مسدد: عن ابن عباس) بلفظ عن (وهذا حديث سليمان، قال: قدم وفد عبد القيس) الوفد جمع وافد، وهو الذي أتى إلى الأمير برسالة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قلت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب حديث وفد عبد القيس\".","vol":"11","page":425},{"text":"عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا هَذَا الْحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَيْسَ (١) نَخْلُصُ (٢) إِلَيْكَ إِلّا في شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِشَيءٍ نَأْخُذُ بِهِ (٣) وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، قَالَ: \"آمُرُكْمْ بِأَرْبَع وَأَنْهَاكُمْ عن أَرْبَعٍ: الإيمَانُ بِاللَّهِ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلِاَّ اللَّهُ\" وَعَقَد بِيَدِهِ وَاحِدَةً، وَقَالَ مُسَدَّدٌ: الإيمَانُ بِاللَّهِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: \"شَهَادَةِ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإيتاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا الْخُمُسَ\n===\nمن قوم، وعبد القيس أبو قبيلة عظيمة، وكانت تنزل البحرين وحوالي القطيف، وكانت وفادتهم سنة ثمان، فتوجه منهم أربعة عشر راكبًا، وقيل: أربعون.\n(على رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله! إنا هذا الحي من ربيعة قد حال بيننا وبينك كفار مضر، وليس نخلص) أي نصل (إليك إلا في شهر حرام) وإنما قالوا ذلك اعتذارًا عن عدم الإتيان إليه ﵇ في غير هذا الوقت، لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضًا، ويكفون في أشهر الحرم تعظيمًا لها، فلا يأمن بعضهم بعضًا في المسالك إلا فيها، وكان هذا التعظيم في أول الإِسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤).\n(فَمُرنا بشيء) من الأحكام والشرائع (نأخذ به) أي نعمل به (وندعوا إليه من ورائنا) من قومنا (قال: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع) أي آمركم بـ (الإيمان بالله)، وهو (شهادة أن لا إله إلَّا الله، وعقد بيده واحدة، وقال مسدد: الإيمان بالله، ثم فسرها لهم لله)، وهو (شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله - ﷺ -) وثانيها: (إقام الصلاة) وثالثها: (إيتاء الزكاة) ورابعها: (أن تؤدوا الخمس\n_________\n(١) في نسخة: \"لَسْنَا\".\n(٢) في نسخة: \"لا نخلص\".\n(٣) في نسخة: \"نأخذه\".\n(٤) سورة التوبة: الآية ٥.","vol":"11","page":426},{"text":"مِمَّا غَنِمْتُمْ. وَأَنْهَاكُمْ عن الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّتِ، وَالْمُقَيَّرِ\". وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: النَّقِيرِ مَكَانَ الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ مسَدَّدٌ: وَالنَّقِيرُ، وَالْمُقَيَّرُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُزَفَّتَ. [خ ٥٣، م ١٧، ت ٢٦١١، ن ٥٠٣١، حم ١/ ٢٢٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَيْعِيُّ (١).\n٣٦٩٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن نُوحِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: \"أَنْهَاكُمْ عن النَّقِيرِ وَالْمُقَيَّرِ وَالْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ\n===\nمما غنمتم، وأنهاكم عن: الدباء، والحنتم، والمزفت، والمقير) والمزفت والمقير واحد، ولعله من وهم بعض الرواة.\n(وقال ابن عبيد) شيخ المصنف: (النقير مكان المقير) والنقير منقور من أجل النخلة (وقال مسدد: والنقير والمقير، ولم يذكر المزفت).\nوزاد في رواية \"البخاري\" و\"مسلم\": \"صيام رمضان\"، فعلى هذا ذكر إعطاء الخمس من المغنم من باب زيادة الإفادة، ولم يذكر الحج، لأن وفادة عبد القيس كانت عام الفتح، ونزلت فريضة الحج سنة تسع على الأشهر.\n(قال أبو داود: وأبو جمرة نصر بن عمران الضبيعي).\n٣٦٩٣ - (حدثنا وهب بن بقية، عن نوح بن قيس قال: نا عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن النقير والمقير والحنتم والدباء) (٢) القرع اليابس وهو اليقطين.\n_________\n(١) في نسخة: \"الضبعي\".\n(٢) ذهب مالك إلى بقاء الكراهة للنبيذ في هذه الأوعية، صرح به في \"الشرح الكبير\" (٢/ ٣٨٣). (ش).","vol":"11","page":427},{"text":"وَالْمَزَادَةِ الْمَجْبُوبَةِ، وَلَكِنِ اشْرَبْ فِي سِقَائِكَ وَأَوْكِهِ\". [م ١٩٩٢، ن ٥٦٦٢، حم ٣/ ٤٩١]\n٣٦٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنَا أَبَانُ قَالَ: نَا قَتَادَةُ، عن عِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ في قِصَّةِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالُوا: فِيمَا نَشْرَبُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"عَلَيْكُمْ بِأَسْقِيَةِ الأَدَمِ التي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا\". [حم ١/ ٣٦١]\n٣٦٩٥ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن عَوْفٍ، عن أَبِي الْقُمُوصِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ\n===\n(والمزادة المجبوبة) قال في \"المجمع\": المزادة: - بفتح ميم وزاء- الراوية أو القربة (١) الكبيرة، والمجبوبة: ما قطع رأسها، وليس بها عزلاء في أسفلها، أي مصب الماء من أسفل الراوية يتنفس منها الشراب.\n(ولكن اشرب في سقائك) أي انتبذ في سقائك ثم اشربها (وأوكه) يعني: إذا انتبذت فيها فاشدد فم السقاء بالوكاء، لأنها إذا أوكيت يعلم حال الاشتداد بالانتفاخ.\n٣٦٩٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا أبان قال: نا قتادة، عن عكرمة وسعيد بن المسيب، عن ابن عباس) -﵁- (في قصة وقد عبد القيس، قالوا: فيما نشرب يا نبي الله؟ فقال النبي - ﷺ -: عليكم بأسقية الأدم) أي جلود الحيوان (التي يلاث) أي يريط (على أفواهها) ففيها فانتبذوا واشربوا منها، فإنها لأجل مساماتها لا يسرع إليها الفساد، ويعلم بالانتفاخ اشتداد النبيذ فيها.\n٣٦٩٥ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن عوف) الأعرابي، (عن أبي القموص) بفتح قاف وضم ميم وبصاد مهملة (زيد بن علي) العبدي،\n_________\n(١) وفي هامش \"أبي داود\" له معان أخر. (ش).","vol":"11","page":428},{"text":"قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ مِنَ الْوَفْدِ الَّذِينَ وَفَدُوا إِلَى (١) رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ- يَحْسِبُ عَوْفٌ أَنَ اسْمَهُ قَيْسُ بْنُ النُّعْمَانِ- فَقَالَ: \"لَا تَشْرُبوا في نَقِيرٍ، وَلَا مُزَفَّتٍ، وَلَا دُبَّاءٍ، وَلَا حَنْتَمٍ، وَاشْربُوا في الْجَلَدِ الْمُوْكَإِ عَلَيْهِ، فَإِنِ اشْتَدَّ فَاكْسِرُوهُ بِالْمَاءِ، فَإِنْ أَعْيَاكُمْ فَأَهْرِيقُوهُ\". [ق ٨/ ٣٠٢]\n===\nويقال: الجومي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وروى له أبو داود حديثًا واحدًا، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة.\n(قال: حدثني رجل كان من (٢) الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله - ﷺ - من عبد القيس، يحسب) أي يظن (عوف أن اسمه) أي اسم رجل من الوفد (قيس بن النعمان، فقال) رسول الله - ﷺ -: (لا تشربوا) النبيذ (في نقير، ولا مزفت، ولا دباء، ولا حنتم، واشربوا في الجلد الموكإ) من باب الإفعال (عليه، فإن اشتد) (٣) أي النبيذ في الجلد أيضًا (فاكسروه بالماء) أي اكسروا اشتداده بتخليط الماء به.\n(فإن أعياكم) أي أعجزكم اشتداده، فلا يصلح بتخليط الماء (فأهريقوه) فإنه بلغ قليله أيضًا حد الإسكار.\n_________\n(١) في نسخة: \"على\".\n(٢) كانوا أربعة عشر راكبًا، كبيرهم الأشج، ذكر أسماءهم العيني. [انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ٤٥٠)]. (ش).\n(٣) قال العيني في شرح \"البخاري\" (٧/ ٢١٥): في رواية الطبري بسنده إلى ابن عباس قال: لما طاف ﵊ أتى العباس وهو في سقايته، فقال: أسقونى، قال العباس: إن هذا قد مرت، يعني قد مرس، أفلا أسقيك بما في بيوتنا؟ قال: لا، ولكن اسقوني ما يشرب الناس، فأتى به، فذاقه، فقطب، ثم دعا بماء فكسره، ثم قال: إذا اشتد نبيذكم فاكسروه بالماء، وتقطيبه عنه إنما كان لحموضته فقط، وكسره بالماء ليهون عليه شربه، ومثل ذلك يحمل على ما روي عن عمر وعلي - ﵄- فيه لا غير. انتهى. (ش).","vol":"11","page":429},{"text":"٣٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: نَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: نَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي (١) عَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ حَبْتَرٍ النَّهْشَلِيُّ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فِيمَا نشْرَبُ؟ قَالَ: \"لَا تَشْربُوا في الدُبَّاءِ، وَلَا في الْمُزَفَّتِ، وَلَا في النَّقِيرِ، وَانْتَبِذُوا في الأَسْقِيَةِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اشْتَدَّ في الأَسْقِيَةِ؟ قَالَ: \"فَصُبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ لَهُمْ في الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: \"أَهْرِيقُوهُ\"\n===\n٣٦٩٦ - (حدثنا محمد بن بشار قال: نا أبو أحمد قال: نا سفيان قال: حدثني علي بن بذيمة قال: حدثني قيس بن حبتر النهشلي، عن ابن عباس قال: إن وفد عبد القيس قالوا: يا رسول الله! فيما نشرب؟) أي النبيذ (قال: لا تشربوا) أي لا تنتبذوا فتشربوا (في الدباء، ولا في المزفت، ولا في النقير، وانتبذوا في الأسقية، قالوا: يا رسول الله! فإن اشتد في الأسقية؟ قال: فصبوا عليه الماء، قالوا: يا رسول الله) فإن زادت شدته؟ (فقال لهم) رسول الله - ﷺ - (في) المرة (الثالثة أو الرابعة: أهريقوه) يعني سألوا أولًا عن اشتداد النبيذ، فأمرهم بصب الماء عليه، ثم [سألوا] عن زيادة الاشتداد، فأمرهم بزيادة صب الماء، ثم سألوا عن زيادة الاشتداد ثالثًا، فأمرهم بازدياد صب الماء أو الإهراق، أو أمرهم بالإهراق في المرة الرابعة.\nأخرج هذ الحديث الطحاوي - ﵀ - في \"معاني الآثار\" (٢): حدثنا أبو بكرة، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، عن قيس بن حبتر قال: سألت ابن عباس عن الجر الأخضر والجر الأحمر، فقال: إن أول من سأل النبيَ - ﷺ - عن ذلك وفد عبد القيس، فقال: لا تشربوا في الدباء، ولا في المزفت، ولا في النقير، واشربوا في الأسقية، فقالوا: يا رسول الله، فإن اشتد\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٢١).","vol":"11","page":430},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ أَوْ حُرِّمَ (١) الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْكُوبَةُ\"، قَالَ: \"وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ\". [حم ١/ ٢٧٤، ق ٨/ ٣٠٣]\nقَالَ سُفْيَانُ: فَسَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ بَذِيمَةَ عن الْكُوبَةِ، قَالَ: الطَّبْلُ.\n٣٦٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ\n===\nفي الأسقية؟ قال: صبوا عليه من الماء، فقال لهم في الثالثة أو الرابعة، فأهريقوه، قال الطحاوي: ففي هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - أباح لهم أن يشربوا من نبيذ الأسقية وإن اشتد.\n(ثم قال: إن الله حرم علي أو حرم الخمر والميسر) أي القمار (والكوبة) أي الطبل (قال: وكل مسكر حرام، قال سفيان: فسألت علي بن بذيمة عن الكوبة، قال: الطبل).\nقلت: وفي الحديث حجتان للإمام أبي حنيفة - ﵀ - بوجهين: أولهما: أن رسول الله - ﷺ - أباح لهم من النبيذ ما اشتد، وأمرهم بإصلاحها بصب الماء عليها، وهذا يدل على أن المحرم منها قدر ما يبلغ حد الإسكار، وما لم يبلغ ذلك الحد بل يكون قليلًا حل شربها.\nوأما الثاني: ففيه تفريق بين الخمر وكل مسكر سواه، فإن الخمر نجسة حرام منه قليلها وكثيرها، وأما سائر المسكرات فحرمتها منوطة ببلوغها حد الإسكار، وأما قبل الإسكار فحلال.\nوإلى هذا أشار مولانا محمد يحيى المرحوم في تقريره: قوله: \"فإن اشتد فاكسروه بالماء\" فيه حجة للإمام حيث فرق بين الخمر وغيرها من المسكرات، فلو كانت سائر المسكرات مشتركًا لها في الحكم لما جاز الكسر بالماء، فإن النجس لا يطهر بصب الماء، فعلم أنها ليست بنجسة، وإن حرمتها لعارض السكر لا لِعينها بخلاف الخمر، انتهى.\n٣٦٩٧ - (حدثنا مسدد قال: نا عبد الواحد قال: نا إسماعيل بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"علي\".","vol":"11","page":431},{"text":"سُمَيْعٍ قَالَ، نَا مَالِكُ بْنُ عُمَيْرٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: \"نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْجِعَةِ\". [ن ٥١٧٠، حم ١/ ١٩٩]\n٣٦٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا مُعَرَّفُ بْنُ وَاصِلٍ، عن مُحَارِب بْنِ دَثَارٍ، عن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"نَهَيْتُكمْ عَنْ ثَلَاثٍ، وَأَنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ:\n===\nسميع) الحنفي، أبو محمد الكلوفي، بياع السابري، قال القطان: لم يكن به بأس في الحديث، وقال أحمد: ثقة، وتركه زائدة لمذهبه وهو بدعة الخوارج، وقال مرة: صالح، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة مأمون، وقال ابن أبي مريم عنه: ثقة، وقال أبو نعيم: إسماعيل بيهسي جاور المسجد أريعين سنة، لم ير في جمعه ولا جماعة، والبيهسية طائفة من الخوارج ينسبونه إلى أبي بيهس، وهو رأس فرقة من الخوارج من الصفرية، وهو موافق لهم في وجوب الخروج على أئمة الجور، وكل من لا يعتقد معتقدهم عندهم كافر، ولكن خالفهم بأنه يقول: صاحبه الكبيرة لا يكفر إلَّا إذا رفع إلى الإمام، فأقيم عليه الحد، فإنه حينئذ يحكم بكفره.\n(قال: نا مالك بن عمير) الحنفي الكوفي، أدرك الجاهلية، ذكركل يعقوب بن سفيان في الصحابة، وقال ابن أبيِ حاتم عن أبي زرعة: روايته عن علي مرسلة، وقال أبن القطان: حاله مجهولة، وهو مخضرم.\n(عن علي قال: نهانا رسول الله - ﷺ - عن الدباء والحنتم والنقير) أي عن الانتباذ فيما (و) عن (الجعة) بكسر الجيم وفتح العين المهملة المخففة، قال أبو عبيد: هي النبيذ المتخذ من الشعير.\n٣٦٩٨ - (حدثنا أحمد بن يونس، ثنا معرِّف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن)، فهذا الحديث يشمل المنسوخ والناسخ، وأن الأمر بعد النهي","vol":"11","page":432},{"text":"نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ في زِيَارَيهَا تَذْكِرَةً، وَنَهَيْتُكُمْ عن الأَشْرِبَةِ أَنْ لَا تَشْرَبُوا (١) إِلَّا في ظُرُوفِ الأَدَم، فَاشْرَبُوا في كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لحُومِ الأَضَاحِي أَنْ تَأكُلُوهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَكُلُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِهَا في أَسْفَارِكُمْ\". [م ٩٧٧، ن ٥٦٥٢، جه ٣٤٠٥، حم ٥/ ٣٥٠]\n٣٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الأَوْعِيَةِ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا، قَالَ: \"فَلَا إِذًا\" (٢). [خ ٥٥٩٢، ت ١٨٧٠، ن ٥٦٥٦]\n===\nللإباحة (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن في زيارتها تذكرة) عظه وتذكيرًا للموت وأهواله القيامة والحشر.\n(ونهيتكم عن الأشربة أن لا تشربوا إلَّا في ظروف الأدم) أي الجلد، (فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرًا) أي ما بلغ حد الإسكار، (ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن) أي من أتى (تأكلوها بعد ثلاث) أي ثلاث ليال، (فكلوا واستمتعوا بها في أسفاركم).\n٣٦٩٩ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: لما نهى رسول الله - ﷺ - عن الأوعية قال) جابر: (قالت الأنصار: إنه لا بد لنا) أي اعتذروا بأنهم يشق عليهم الانتباذ في الأسقية، ولا بد لهم من الإطلاق في الانتباذ في الأوعية، وكان تحريم الأوعية للاحتياط وسدًا للذريعة. (قال) رسول الله - ﷺ - (فلا) أي لا نهي عنها (إذًا).\n_________\n(١) في نسخة: \"أن تشربوا\".\n(٢) في نسخة: \"إذن\".","vol":"11","page":433},{"text":"٣٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: نَا شَرِيكٌ، عن زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ، عن أَبِي عِيَاضٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - الأَوْعِيَةَ: الدُّبَّاءَ، وَالْحَنْتَمَ، وَالْمُزَفَّتَ، وَالنَّقِيرَ، فَقَالَ أَعْرَابِيُّ: إِنَّهُ لَا ظُرُوفَ لَنَا، فَقَالَ: \"اشْرَبُوا مَا حَلَّ\". [خ ٥٥٩٣، م ٢٠٠٠، حم ٢/ ٢١١]\n٣٧٠١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ- يَعْنِي ابْنَ عَلِيٍّ- قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ آدم\n===\n٣٧٠٠ - (حدثنا محمد بن جعفر بن زياد قال: نا شريك، عن زياد بن فياض) بمفتوحة وشدة مثناة تحتية وإعجام ضاد، الخزاعي، أبو الحسن الكوفي، قال ابن معين والنسائي وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة، وقال ابن خلفون: وثقه ابن نمير وعلي بن المديني وغيرهما.\n(عن أبي عياض) عمرو بن الأسود العنسي- بمفتوحة وسكون نون وبسين مهملة- منسوب إلى عنس بن مذحج، ويقال: همداني، أبو عياض، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي، ويقال: الحمصي، سكن داريا، قال ضمرة بن حبيب: مر عمرو بن الأسود على عمر بن الخطاب فقال: من سره أن ينظر إلى هدي محمد - ﷺ - فلينظر إلى هدي هذا، كان من عبَّاد أهل الشام وزهَّادهم، وكان يقسم على الله فيبره، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات، وليس بصحابي.\n(عن عبد الله بن عمرو قال: ذكر النبي - ﷺ - الأوعية) أي الظروف التي ينتبذ فيها بالنهي عنها: (الدباء، والحنتم، والمزفت، والنقير، فقال أعرابي) لم أقف على تسميته: (إنه لا ظروف لنا، فقال: اشربوا ما حل) أيِّ في أي ظرف كان، ولا تشربوا ما حرم، وهو المسكر.\n٣٧٠١ - (حدثنا الحسن -يعني ابن علي- قال: نا يحيى بن آدم","vol":"11","page":434},{"text":"قَالَ: نَا شَرِيكٌ، بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: \"اجْتَنِبُوا مَا أَسْكَرَ\". [انظر تخريج الحديث السابق]\n٣٧٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ قَالَ: نَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"كَانَ يُنْتَبَذُ (١) لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في سِقَاءٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً نُبِذَ لَهُ في تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ\". [م ١٩٩٩، ن ٥٦٤٧، جه ٣٤٠٠، حم ٣/ ٣٢٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>(٨) بَابٌ: في الْخَلِيطَيْنِ</span>\n٣٧٠٣ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: نَا اللَّيْثُ، عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عن رَسُولِ اللَّهِ كل: \"أَنَّهُ نَهَى أَنْ\n===\nقال: نا شريك، بإسناده) المتقدم، (قال: اجتنبوا ما أسكر) أي يبلغ درجة الإسكار.\n٣٧٠٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا زهير قال: نا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: كان ينتبذ لرسول الله - ﷺ - في سقاء) أي في قربة من الجلد (فإذا لم يجدوا سقاء نبذ له في تور من حجارة) بفتح التاء، إناء من حجارة أو نحاس أو خشب، ويقال: إنه لا يقال له تور إلَّا إذا كان صغيرًا، وقيل: هو قدح كبير كالقِدر، وقيل: مثل الطست، وقيل: كالإجَّانة، وهي بكسر الهمزة وتشديد الجيم بعد الألف نون، قال في \"القاموس\": التور: إناء يشرب فيه.\n\n(٨) (بَابٌ: في الْخَلِيطَيْنِ)\n٣٧٠٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا الليث، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ -: أنه نهى أن\n_________\n(١) في نسخة: \"ينبذ\".","vol":"11","page":435},{"text":"يُنْتَبَذَ (١) الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَنْ يُنْتَبَذَ (٢) الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا\". [خ ٥٦٠٢، م ١٩٨٦، ت ١٨٧٧، ن ٥٥٦٠، جه ٣٣٩٥]\n٣٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عن أَبِيهِ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ خَلِيطِ\n===\nينتبذ الزبيب والتمر جميعًا، ونهى أن ينتبذ البسر) قال في \"القاموس\": البُسْرُ: التمر قبل إرطابِه، والبُسْرَةُ واحدتها (والرطب جميعًا).\nقال الخطابي (٣): وقد ذهب غير واحد عن أهل العلم إلى تحريم الخليطين، وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكرًا قولًا بظاهر الحديث، ولم يجعلوه معلولًا بالإسكار، وإليه ذهب عطاء وطاوس، وبه قال مالك (٤) وأحمد بن حنبل وإسحاق وعامه أهل الحديث، وهو غالب مذهب الشافعي، وقالوا: عن شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فيه فهو آثم عن جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة فآثم عن وجهين: أْحدهما: شرب الخليطين، والآخر: شرب المسكر.\nورخص فيه سفيان الثوري وأصحاب الرأىِ، وقال الليث بن سعد: إنما جاءت الكراهة (٥) أن ينتبذا جميعًا، لأن أحدهما يشتد بصاحبه.\n٣٧٠٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان قال: حدثني يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) أبي قتادة: (أنه) أي أبا قتادة (نهى عن خليط\n_________\n(١) في نسخة: \"ينبذ\".\n(٢) في نسخة: \"ينبذ\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٦٩).\n(٤) عند مالك مكروه ليس بحرام، كما في \"الشرح الكبير\" (٢/ ٣٨٣). (ش).\n(٥) وحمله صاحب \"الهداية\" (٤/ ٣٩٦) على الابتداء وحالة العسرة، فالنهي عن الجمع للإيثار بالآخر على صاحبه؛ لئلا يشبع هو بنوعين وجاره جائع، وبسط الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ١٦٧) في حكم الخليطين، والمذاهب والعلة فيه. (ش).","vol":"11","page":436},{"text":"الزَّبِيب وَالتَمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وَقَالَ. \"انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ\". قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي قَتَادَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، بِهَذَا الْحَدِيثِ. [خ ٥٦٠٢، م ١٩٨٨، جه ٣٣٩٧، ن ٥٥٦١]\n٣٧٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ قَالَا، نَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عن رَجُلٍ - قَالَ حَفْصٌ: مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (١) - ﷺ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"نَهَى عَنْ الْبَلَحِ وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ\". [ن ٥٥٤٧، حم ٤/ ٣١٤]\n===\nالزبيب والتمر، وعن خليط البسر والتمر، وعن خليط الزهو) هو البسر الملون (والرطب، وقال: انتبذوا كل واحدة على حدة) أي من غير خلط أحدهما بالآخر (قال) يحيى: (وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي قتادة، عن النبي - ﷺ -، بهذا الحديث).\nغرض المصنف بإعادة السند أن الحديث الأول عن أبي قتادة كان موقوفًا عليه من قوله، وأعاد السند، فأثبت بهذا السند رفعه.\n٣٧٠٥ - (حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر النمري قالا: نا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن رجل- قال حفص) شيخ المصنف: (من أصحاب النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ -، قال) الرجل الصحابي: (نهى) أي رسول الله - ﷺ - (عن) الجمع بين (البلح) وهو أول ما يرطب من البسر (والتمر، و) الجمع بين (الزبيب والتمر) أي الجمع بين الاثنين منها.\nكتب في الحاشية: واعترض البعض على قوال أبي حنيفة أنه قال: لا بأس به إذا لم يبلغ حد الإسكار، إذ كل واجد منهما يحل منفردًا، فلا يكره مجتمعًا، فقالوا: هذا قياس في مقابلة النص مع وجود الفارق، فهو\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"11","page":437},{"text":"٣٧٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن \"ثَابِتِ بْنِ عُمَارَةَ (١)، حَدَّثَتْنِي رَيْطَةُ، عن كَبْشَةَ بنْتِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَتْ: \"سَأَلْتُ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - ينْهَى عَنْهُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنْهَانَا أَنْ نَعْجُمَ النَّوَى طَبْخًا،\n===\nفاسد، كمن قاس على تزويج إحدى الأختين منفردة تزويجهما مجتمعتين، انتهي.\nوفيه أن ما ذكره مبني على الغفلة من التفرقة بين المسائل القياسية وبين الرجوع في معرفة أحوال الأشياء إلى ما هو الأصل فيها، وأن مقصود من قال: إذا يحل كل واحد منفردًا فلا يحرم مجتمعًا: أن الاجتماع بين الحلالين ليس من أسباب الحكم بالكراهة إذا لم يعتبر معه أمر آخر، فلا بد من ملاحظة ذلك الأمر، كما يلاحظ في جمع الأختين أنه سبب لقطيعة الرحم، وهذا طريقة مسلوكة بين الفقهاء الذين وفقهم الله تعالى بفضله فَهْمَ الحكم والعلل للأحكام، فلا ينبغي أن يجترئ غيرهم عليهم.\n٣٧٠٦ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن ثابت بن عمارة) قال: (حدثتني ريطة) بنت حريث، عن كبشة بنت أبي مريم، وعنها ثابت بن عمارة، قال في \"التقريب\": لا تعرف، (عن كبشة بنت أبي مريم) عن أم سلمة في خلط الزبيب والتمر، وعنها ريطة بنت حريث، قال في \"التقريب\": لا تعرف حالها (قالت: سألت أم سلمة - ﵂ -: ما كان النبي - ﷺ - ينهى عنه؟ قالت) أي أم سلمة: (كان ينهانا أن نعجم) أي ننضج (النوى طبخًا) وهو أن يبالغ في نضجه حتى يتفتت وتفسد قوتها التي تصلح منها للغنم.\nقال الخطابي (٢): يريد أن يبلغ به النضخ إذا طبخنا التمر، يقال: عجمت النوى أعجمه عجمًا، إذا لكته في فيك، وكذلك إذا أنت طبخته أو نضجته،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٧٠).","vol":"11","page":438},{"text":"أَوْ نَخْلِطَ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ\". [حم ٦/ ٢٩٢، ق ٨/ ٣٠٧]\n٣٧٠٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عن مِسْعَرٍ، عن مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُنْبَذُ لَهُ زَبِيبٌ فَيُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ تَمْرٌ فَيُلْقَى فيهِ زَبِيبٌ\". [ق ٨/ ٣٠٨]\n٣٧٠٨ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ، نَا أَبُو بَحْرٍ قَالَ: نَا عَتَّابُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحِمَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي صَفِيَّةُ بنْتُ عَطِيَّةَ قَالَتْ: \"دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْس عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلْنَاهَا عن التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، فَقَالَتْ: كُنْتُ آخُذُ قبْضَةً مِنْ تَمْرٍ وَقُبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ،\n===\nويشبه أن يكون إنما كره ذلك من أجل أنه يفسد طعم التمر، أو لأنه علف الدواجن، فيذهب قوته إذا نضج.\n(أو نخلط الزبيب والتمر) فننبذهما مخلوطين.\n٣٧٠٧ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن مسعر، عن موسى بن عبد الله، عن امرأة من بني أسد، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - كان ينبذ له زبيب فَيُلْقَى فيه تمرٌ، أو) ينبذ (تمر فَيُلْقَى فيه زبيب).\n٣٧٠٨ - (حدثنا زياد بن يحيى الحساني، نا أبو بحر قال: نا عتاب بن عبد العزيز الحماني) بكسر المهملة وتشديد الميم، البصري، روى عن جدته صفية بنت عطية، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا من رواية صفية، عن عائشة في التمر والزبيب.\n(قال: حدثتني صفية بنت عطية) روت عن عائشة، وعنها عتاب بن عبد العزيز وهي جدته، قال في \"التقريب\": لا تعرف. (قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة، فسألناها عن التمر والزبيب) أي الخلط بينهما في الانتباذ (فقالت) عائشة: (كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب،","vol":"11","page":439},{"text":"فَأُلْقِيهِ في إِنَاءٍ، فَأَمْرُسُهُ ثُمّ أَسْقِيهِ النَّبِيَّ - ﷺ -\". [ق ٨/ ٣٠٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1435>(٩) بَابٌ: في نَبِيذِ الْبُسْرِ</span>\n٣٧٠٩ - حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن جَابِرِ بْنِ زيدٍ وَعِكْرِمَةَ، أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ الْبُسْرَ وَحْدَهُ وَيَأْخُذَانِ ذَلِكَ عن ابْنِ عَبَّاسِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْمُزَّاءَ الّذِي (١) نُهِيَتْ عَنْهُ عَبْدُ الْقَيْسِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَا الْمُزَّاءُ؟ قَالَ: النَّبِيذُ في الْحَنْتَمِ وَالْمُزَّفَتِ.\n===\nفألقيه في إناء) أَي في ماء (فَأَمْرُسُه) أي أدلكه بأصابعي (ثم أسقيه النبي - ﷺ -).\nقال الخطأبي (٢): قولها: أمرسه، تريد بذلك أنها تدلكه بأصبعها في الماء، والمرس والمرث بمعنى واحد، وفيه حجة لمن رأى الانتباذ بالخليطين.\n\n(٩) (بَابٌ: في نَبِيذِ الْبُسْرِ)\n٣٧٠٩ - (حدثنا محمد بن بشار، نا معاذ بن هشام قال: حدثنا أبي) أي هشام) عن قتادة، عن جابر بن زيد وعكرمة، أنهما كانا يكرهان البسر وحده) أي انتباذ البسر وحده (ويأخذان ذلك عن ابن عباس) -﵁ - (وقال ابن عباس: أخشى أن يكون) أي نبيذ البسر وحده (المُزَّاءَ الذي نهيت عنه عبد القيس، فقلت لقتادة: ما المُزَّاء؟ قال: النبيذ في الحنتم والمزفت).\nقال الخطابي (٣): قد فسر قتادة المزاء، وأخبر أنه النبيذ قى الحنتم والمزفت، وذكره أبو عبيد [فقال:] ومن الأشربة المسكرة شراب يقال لها: المزاء، ولم يفسره بأكثر من هذا، وأنشد فيه الأخطل:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"التي\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٧٠).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٧١).","vol":"11","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1436>(١٠) بَابٌ: في صِفَةِ النَّبِيذِ</span>\n٣٧١٠ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحمدٍ قَالَ: نَا ضَمْرَةُ، عن السَّيْبَانِيِّ (١)، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عن أَبِيهِ\n===\nبِئْسَ الصُّحَاةُ! وَبِئْسَ الشَّرْب شَرْبُهُمْ! ... إِذَا جَرَتْ فِيهِمُ المُزَّاءُ وَالسَّكَرُ\nقلت: تفسير قتادة للمزاء، هو خلاف ما فهم ابن عباس من معناه، فخشي أن يدخل المزاء فيه، فعلى تفسير قتادة لا يدخل نبيذ البسر وحده في المزاء المنهي عنه.\n\n(١٠) (بَابٌ في صِفَةِ النَّبِيذِ)\n٣٧١٠ - (حدثنا عيسى بن محمد) بن النحاس أبو عمير (قال: نا ضمرة) ابن ربيعة الفلسطيني، أبو عبد الله الرملي، وهو دمشقي الأصل، عن أحمد: رجل صالح الحديث من الثقات المأمونين، لم يكن بالشام رجل يشبهه، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا خيرًا، لم يكن هناك أفضل منه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الساجي- صدوق يهم، عنده مناكير، وقال العجلي: ثقة.\n(عن السيباني) وفي النسخ المكتوية والكانفورية بالشين المنقوطة، والصواب: بالمهملة؛ لأنه هو يحيى بن أبي عمرو السيباني، ضبطه في \"التقريب\" (٢) بفتح المهملة ومسكون التحتانية بعدها موحدة، زاد في \"الخلاصة\" (٣): وسيبان بطن من حمير، وهو ابن عم الأوزاعي.\n(عن عبد الله) بن فيروز (الديلمي، عن أبيه) أي فيرور، وهو يماني، ويقال: الحمير لنزوله بها، وفد على رسول الله - ﷺ -، ثم رجع إلى اليمن.\n_________\n(١) في نسخة: \"الشيباني\".\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (ص ١٠٦٣).\n(٣) انظر: \"خلاصة تهذيب الكمال\" (ص ٤٢٦).","vol":"11","page":441},{"text":"قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ (١) - ﷺ -، فقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَلِمْتَ مَنْ نَحْنُ، وَمِنْ أَيْنَ نَحْنُ، فَإِلَى (٢) مَنْ نَحْنُ قَالَ: \"إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ\"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا أَعْنَابًا مَا نَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: \"زَبِّبُوهَا\"، قُلْنَا: مَا نَصْنَعُ بالزَّبِيبِ؟ قَالَ: \"انْبِذُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ وَاشْرَبُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ، وَانْبِذُوهُ (٣) عَلَى عَشَائِكُمْ وَاشْرَبُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ، وَانْبِذُوهُ (٤) في الشِّنَانِ، وَلَا تُنْبِذُوهُ في الْقُلَلِ، فَإِنَهُ إِذَا تَأَخَّرَ عن عَصْرِهِ صَارَ خَلًّا\". [ن ٥٧٣٥، دي ٢١١٢، حم ٤/ ٢٣٢]\n===\n(قال: أتينا النبي - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله! قد علمت من نحن، ومن أين نحن، فإلي من نحن؟) أي من ولينا (قال: إلى الله وإلى رسوله).\nأخرج الإِمام أحمد هذا الحديث من طريق الأوزاعي، عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن أبيه: أنهم أسلموا، وكان فيمن أسلم، فبعثوا وفدهم إلى رسول الله - ﷺ - ببيعتهم وإسلامهم، فقبل ذلك رسول الله - ﷺ - منهم، فقالوا: يا رسول الله نحن من قد عرفت، وجئنا من حيث قد علمت، وأسلمنا فمن ولينا؟ قال: الله ورسوله، قالوا: حسبنا رضينا.\n(فقلنا: يا رسول الله! إن لنا أعنابًا ما) استفهامية (نصنع بها؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (زَبِّبُوها) أي اجعلوها زبيبًا (قلنا: ما نصنع بالزبيب؟ قال: انبذوه) أي حطوه في الماء، فاجعلوه نبيذًا (على غدائكم واشربوه) إذا صار حلوًا (على عشائكم، وانبذوه على عشائكم واشربوه على غدائكم، وانبذوه) أي الزبيب (في الشنان) أي في القرب البالية والجلود الرقيقة (ولا تنبذوه) من باب الإفعال، أو من المجرد من ضرب يضرب (في القلل) جمع قلة، وهي الجرار الكبار (فإنه إذا تأخر عن عصره) أي وقته (صار خلًا).\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"وإلى\".\n(٣) في نسخة: \"انتبذوه\".\n(٤) في نسخة: \"انتبذوه\".","vol":"11","page":442},{"text":"٣٧١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّاب بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، عن يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن الْحَسَنِ، عن أمِّهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي سِقَاءٍ يُوكَأُ أَعْلَاهُ، وَلَهُ عَزْلَاءُ، يُنْبَذُ (١) غُدْوَةً فَيَشْرُبهُ عِشَاءً، وُينْبَذُ (٢) عِشَاءً فَيَشْرُبهُ غُدْوَةً\". [م ٢٠٠٥، ت ١٨٧١، حم ٦/ ١٤٦]\n٣٧١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ شَبِيبَ بْنَ عَبْدِالْمَلِكِ\n===\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلًّا\" علة للأمر بالنبذ في الشنان دون القلال، وهو أن المنبوذ في الأسقية إذا تأخر عن العصر والوقت المعلوم صار خلًّا، ولا ضير فيه، وأما المنبوذ في القلال فيصير بتأخره عن الوقت خمرًا، وهذا يكون إضاعة له، ويمكن أن يكون علة للنهي عن النبذ في القلال، فإن المنبوذ فيها يصير خلَّا، وهذا خلاف المقصود، والمقصود شربه نبيذًا.\n٣٧١١ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثني عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أمه) اسمها خيرة مولاة أم سلمة، (عن عائشة قالت: كان ينبذ لرسول الله - ﷺ - في سقاء يوكأ) أي يشدد بربط (أعلاه، وله عزلاء) أي فمه الأسفل (ينبذ غدوة فيشربه عشاء، وينبذ عشاء فيشربه غدوة).\n٣٧١٢ - (حدثنا مسدد قال: نا المعتمر قال: سمعت شبيب بن عبد الملك) التيمي البصري، روى عن مقاتل بن حيان وغيره، وعنه معتمر بن سليمان، قال\n_________\n(١) في نسخة: \"ينتبذه\".\n(٢) في نسخة: \"ينتبذه\".","vol":"11","page":443},{"text":"يُحَدِّثُ، عن مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي عَمْرَةُ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - غُدْوَةً، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ (١) فَتَعَشَّى شَرِبَ عَلَى عَشَائِهِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيءٌ صَبَبْتُهُ أَوْ فَرَّغْتُهُ، ثُمَّ تَنْبِذُ لَهُ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ تَغَدَّى فَشَرِبَ عَلَى غَدَائِهِ،\n===\nأبو حاتم: شيخ بصري، رقع إلى خراسان، وسمع التفسير من مقاتل، وليس به بأس، صالح الحديث، لا أعلم أحدًا حدث عنه غير معتمر، وقال أبو زرعة: صدوق، ذكره ابن حيان في كتاب \"الثقات\"، قلت: قال الذهبي (٢): لا يعرف، ومعتمر بن سليمان أكبر منه.\n(يحدث عن مقاتل بن حيان) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي من المطبوعة والمكتوبة بلفظ \"عن\"، أي يحدث عن مقاتل، وكتب في حاشية المكتوبة القلمية: قوله: يحدث عن مقاتل، قال في \"الأطراف\" (٣): هكذا رواه أبو بكر بن داسه وأبو عمر وأحمد بن علي البصري وغير واحد عن أبي داود [و] في رواية أبي الحسن بن العبد: عن أبي داود، عن مسدد، عن معتمر قال: سمعت شبيب بن عبد الملك يحدث مقاتل بن حيان عن عمته عمرة، وسقط من روايته لفظ: \"عن\" وذلك وهم لا شك فيه.\n(قال: حدثتني عمتي عمرة، عن عائشة: أنها كانت تنبذ لرسول الله - ﷺ -) أي تبل له التمر في الماء (غدوة) أىِ في أول النهار (فإذا كان من العشي) وهو من بعد الزوال إلى الغروب (فتعشى) أي أكل العشاء (شرب على عشائه، فإن فضل) يعني (شيء) من النبيذ (صببته أو فرغته) في إناء ليشرب غيره - ﷺ - (ثم تنبذ بالليل، فإذا أصبح) رسول الله - ﷺ - (تغدَّى) أي أكل غداءه (فشرب على غدائه) أي على أكله في الغداء.\n_________\n(١) في نسخة: (العشاء).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٢٦٣).\n(٣) \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٤٣٢).","vol":"11","page":444},{"text":"قَالَتْ: نَغْسِلُ السِّقَاءَ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، فَقَالَ لهَا أَبِي (١): مَرَّتَيْنِ في يَوْمٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ\". [حم ٦/ ١٢٤، ق ٨/ ٣٠٠]\n٣٧١٣ - حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي عُمَرَ يَحْيَى الْبَهْرَانِيِّ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ يُنْبَذُ للنَّبِيِّ - ﷺ - الزَّبِيبُ، فَيَشْربُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى الْخَدَمُ أَوْ يُهْرَاقُ\". [م ٢٠٠٤، ن ٥٧٣٨، جه ٣٣٩٩، حم ١/ ٢٢٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَمَعْنَى يُسْقَى الْخَدَمُ: يُبَادَرُ بِهِ الْفَسَادُ.\n===\n(قالت) عائشة: (نغسل السقاء غدوة وعشية) أي أول النهار وآخره لزيادة النظافة (فقال لها) أي لعمرة (أبي) أي حيان: (مرتين في يوم واحد؟) بتقدير الاستفهام للتعجب (قالت) عمرة: (نعم).\n٣٧١٣ - (حدثنا مخلد بن خالد قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمر يحيى) بن عبيد (البهراني، عن ابن عباس قال: كان ينبذ للنبي - ﷺ - الزبيب، فيشربه اليوم والغد وبعد الغد) أي إلى ثلاثة أيام (إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فَيُسْقَى الخَدَم) قبل بلوغه حد الإسكار (أو يهراق) أي إن بلغ الإسكار، ولعل هذا في الشتاء وأيام البرد، وأما الذي تقدم عن عائشة - ﵂- من الشرب في اليوم الوأحد فقط فهو في أيام الصيف الحارة.\n(قال أبو داود: ومعنى يُسْقى الخَدَمُ: يبادر به الفساد) أي يسقى الخدم قبل أن يفسد ويسكر.\n_________\n(١) في نسخة: \"عمتي\".","vol":"11","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1437>(١١) بَابٌ: في شَرَابِ الْعَسَلِ</span>\n٣٧١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا حَجَّاجُ بْنُ\nمُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج، عن عَطَاءٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قَالَ:\nسَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - تُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنا وَحَفْصَةُ أَيّتُنَا مَا دَخَلَ\nعَلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَلْتَقُلْ: إِنّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُنَّ، فَقَالَتْ ذَلِكَ (١) لَهُ، فَقَالَ: \"بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ\"، فَنَزَلَتْ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي﴾ إِلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وَحَفْصَةَ\n===\n\n(١١) (بَابٌ: في شَرَابِ الْعَسَلِ)\n٣٧١٤ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: عن عطاء، أنه سمع عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة زوج النبي - ﷺ - تخبر أن النبي - ﷺ - كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلًا (٢)، فتواصيت أنا وحفصة) أي أوصت إحدانا الأخرى وتعاهدنا (أَيّتنَا ما) زائدة (دخل عليها النبي - ﷺ - فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير) هو صمغٌ يتولَّد من العرفط، ريحه كريهة، ويقال له: مغاثير بالثاء المثلثة، وكان رسول الله - ﷺ - يكره أن يوجد منه ريح كريهة.\n(فدخل على إحداهن) أي من عائشة وحفصة (فقالت) إحداهن (ذلك) الكلام الموصى به (له) أي لرسول الله - ﷺ - (فقال: بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له) أي لا أشربه بعد اليوم وقد أقسم على ذلك (فنزلت: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) لعائشة وحفصة)\n_________\n(١) في نسخة: \"له ذلك\".\n(٢) وبسط العيني في فوائد العسل أشد البسط. [انظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٧١)]. (ش).\n(٣) سورة التحريم: الآية ١.","vol":"11","page":446},{"text":"﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: \"بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا\". [خ ٤٩١٢، م ١٤٧٤، ن ٣٤٢١]\n٣٧١٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن هِشَام، عن أبيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالعَسَلَ، فذكر بَعْضَ هَذَا الْخَبَرِ، وَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوْجَدَ (١) مِنْهُ الرِّيحُ\".\nوَفِي الْحَدِيثِ: قَالَتْ سَوْدَةُ: بَلْ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، قَالَ: \"بَلْ شَرِبْتُ عسلًا سَقَتْنِي حَفْصَةُ\"،\n===\nأي الخطاب في هذه الآية لعائشة وحفصة (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٢) لقوله: بل شربت عسلًا) أي تفسير لفظ الحديث في التنزيل هو قوله - ﷺ - لأزواجه: بل شربت عسلًا، وإسراره قوله لها: \"لا تخبري بذلك أحدًا\".\n٣٧١٥ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه) عروة، (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يحب الحلواء (٣) والعسل، فذكر بعض هذا الخبر) المتقدم (وكان رسول الله - ﷺ - يشتد عليه أن يوجد منه الريح، وفي الحديث: قالت سودة: بل أكلت مغافير، قال: بل شربت عسلًا سقتني حفصة) وهذا غلط من أحد الرواة، وإنما كانت سقته زينب، كما ذكره المؤلف في الرواية المتقدمة.\n_________\n(١) في نسخة: \"توجد\".\n(٢) سورة التحريم: الآية ٣.\n(٣) قال الحافظ: في \"فقه اللغة\" للثعالبي: أن حلوى النبي - ﷺ - التي كان يحبها هي المجيع بالجيم وزن عظيم، وهو تمر يعجن بلبن، قال الحافظ: وقد روي أنه ﵇ كان يحب الزبد والتمر، وفيه رد على من زعم أن المراد بالحلوى أنه ﵊ كان يشرب كل يوم قدح عسل يمزج بالماء، وأما الحلوى المصنوعة فما كان يعرفها. وقيل: المراد بالحلوى: الفالوذج لا المعقودة على النار. انتهى. [انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥٧)]. (ش).","vol":"11","page":447},{"text":"فَقُلْتُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ (١) (٢)، نَبْتٌ مِنْ نَبْتِ النَّحْلِ (٣). [خ ٥٥٩٩، م ١٤٧٤، ت ١٨٣١، جه ٣٣٢٣، حم ٦/ ٥٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1438>(١٢) بَابٌ: في النَّبِيذِ إِذَا غَلَى</span>\n٣٧١٦ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: نَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: نَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عن خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ في دُبَّاء، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ، فَقَالَ: \"اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِط، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ (٤) الآخِرِ\". [ن ٥٦١٠، جه ٣٤٠٩]\n===\n(فقلت: جرست) أكلت (نَحْلُهُ العُرْفُطَ) وهو من شجر العضاه، ثم فسره أبو داود أنه (نبت من نبت النحل) أى تأكل النحل، فيتوالد من أكله العسل الذي فيه رائحة كريهة.\n\n(١٢) (بَابٌ: في النَّبِيذِ إِذَا غَلَى)\n٣٧١٦ - (حدثنا هشام بن عمار قال: نا صدقة بن خالد قال: نا زيد بن واقد، عن خالد بن عبد الله بن حسين، عن أبي هريرة قال: علمت أن رسول الله - ﷺ - كان يصوم، فتحينت فطره) أي طلبت حين فطره ووقته (بنبيذ صنعته في دباء، ثم أتيته به، فإذا هو ينش) بكسر النون وتشديد المعجمة، أي يغلي (فقال) رسول الله - ﷺ -: (اضرب بهذا) النبيذ (الحائط، فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر).\n_________\n(١) في نسخة: \"العرفطة\".\n(٢) ذأد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: المغافير: مقلة، وهي صمغة، وجرست- رعت، والعرفط: شجر ينبت من نبت النحل.\n(٤) في نسخة بدله: \"ولا باليوم الآخر\".","vol":"11","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1439>(١٣) بَابٌ: في الشُّرْبِ قَائِمًا</span>\n٣٧١٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا\". [م ٢٠٢٤، ت ١٨٧٩، جه ٣٤٢٤، حم ٣/ ١١٨]\n٣٧١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عن النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ: \"أَنَّ عَلِيًّا دَعَا بِمَاءٍ فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَفْعَلُ مِثْلَ مَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُهُ\" (١). [خ ٥٦١٥، ن ١٣٠، حم ١/ ٧٨، حب ١٠٥٧، خزيمة ٢٠٢]\n===\n\n(١٣) (بَابٌ: في الشُّرْبِ قَائِمًا)\n٣٧١٧ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا هشام، عن قتادة، عن أنس: أن النبي - ﷺ - نهى أن يشرب الرجل قائمًا).\n٣٧١٨ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن مسعر بن كدام، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة: أن عليًا دعا بماء فشربه وهو قائم، ثم قال: إن رجالًا يكره أحدهم أن يفعل هذا) أي الشرب قائمًا (وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل مثل ما رأيتموني فعلته) أي يشرب قائمًا.\nقال البيهقي في \"سننه\" (٢): النهي عن الشرب قائمًا، إما أن يكون نهي تنزيه أو تحريم، ثم صار منسوخًا (٣)\n_________\n(١) في نسخة: \"أفعله\"، وفي نسخة: \"أفعل\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٨٢).\n(٣) قال ابن القيم (٤/ ٢٢٩): صح عنه النهي، وصح عنه الشرب قائمًا، فقال قوم: هذا ناسخ للنهي، وقال قوم: بل مبين أن النهي ليس للتحريم، وقال قوم: لا تعارض بينهما، فإنما شرب قائمًا للحاجة ... إلخ، وبسطه في \"الشامي\" (١/ ٢٧٦) و\"السعاية\" (١/ ١٨٨) و\"الفتح\" (١٠/ ٨٢) و\"الأوجز\" (١٦/ ٣٢٤، ٣٢٥). (ش).","vol":"11","page":449},{"text":"(١٤) بَابُ (١) الشَّرَابِ مِنْ في السِّقَاءِءِ\n٣٧١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ قَالَ، أَنَا قَتَادَةُ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن الشُرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ، وَعَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ وَالْمُجَثَّمَةِ\". [خ ٥٦٢٩، ت ١٨٢٥، ن ٤٤٤٨، جه ٢٤٢١، حم ١/ ٢٤١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْجَلَّالَةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ.\n===\nلحديث (٢) إنه شرب من زمزم قائمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1440>(١٤) (بَابُ الشَّرَابِ مِنْ في السِّقَاءِ)</span>\n٣٧١٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، أنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الشرب من في السقاء) وإنما كره (٣) ذلك من أجل ما يخاف من أذى، عساه أن يكون فيه لا يراه الشارب حتى يدخله جوفه، فاستحب له أن يشربه في إناء ظاهر يبصره، قاله الخطابي (٤).\n(وعن ركوب الجلالة) وكذا عن أكلها، هو من الحيوان ما تأكل العذرة، والجلة البعر أو العذرة، وهذا إذا كان غالب علفها منها، حتى ظهر أثرها على لحمها ولبنها وعرقها، فيحرم أكلها وركوبها إلَّا بعد أن حبست أيامًا\n(والمجثمة) وهي المصبورة؛ لأنها قد جثمت على الموت، أي حبست عليه بأن توثق وترمى حتى تموت.\n(قال أبو داود: الجلالة التي تأكل العذرة).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"باب في الشرب\".\n(٢) وقد أخرج البيهقي عدة روايات في شرب زمزم قائمًا. [\"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٨٢)]. (ش).\n(٣) أو لاحتمال سقوط الماء الكثير، أو كراهة من يشرب منه بعده، أو نتنها، كما سيأتي في الباب الآتي. (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٧٣).","vol":"11","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1441>(١٥) بَابٌ: في اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ</span>\n٣٧٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ\". [خ ٥٦٢٥، م ٢٠٢٣، ت ١٨٩٠، جه ٣٤١٨، حم ٣/ ٦]\n٣٧٢١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: نَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عن عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ\n===\n\n(١٥) (بَابٌ: في اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ)\n٣٧٢٠ - (حدثنا مسدد قال: نا سفيان، عن الزهري، أنه سمع عبيد الله بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن اختناث الأسقية).\nقال الخطابي (١): هو أن تثنى رؤوسها وتعطفها ثم تشرب منها، قال في \"النهاية\" (٢): خَنَثت السِّقَاء إذا ثَنَيْتَ فمه إلى خارج وشربتَ منه، وإنما نهى عنه لنتنها، فإدامة الشرب هكذا يغير ريحها، وقيل: لئلا يترشش الماء على الثياب لسعة فم السقاء.\n٣٧٢١ - (حدثنا نصر بن علي قال: أخبرنا عبد الأعلى قال: نا عبيد الله بن عمر، عن عيسى بن عبد الله) بن أنيس بالتصغير الأنصاري، وليس بالجهني، حجازي، وقال الآجري عن أبي داود في حديث عبد الأعلى، عن عبيد الله بن عمر عن أبيه في الشرب من الإداوة: هذا لا يعرف [عن] عبيد الله، والصحيح عن عبد الله بن عمر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقلت: قد رواه القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن عيسى، لكن لم يقل عن أبيه أرسله، أخرجه مسدد في \"مسنده\" عن يحيى.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٧٣).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٨٢).","vol":"11","page":451},{"text":"رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، عن أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دعَا بِإِدَاوَةٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: \"اخْنِثْ فَمَ الإدَاوَةِ\" ثُمَّ شَرِبَ (١) مِنْ فِيهَا. [ت ١٨٩١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1442>(١٦) بَابٌ: في الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدْحِ </span>(٢)\n٣٧٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتبةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ،\n===\n(رجل من الأنصار، عن أبيه) عبد الله بن أنيس: (أن النبي - ﷺ - بإداوة يوم أحد، فقال: اخْنِثْ فم الإداوة) أي اقلب فمها إلى الخارج (ثم شرب من فيها).\nقال الخطابي: يحتمل أن يكون النهي خاصًا بالسقاء الكبير دون الإداوة ونحوها، ويحتمل أن يكون أباحه للضرورة والحاجة إليه في الوقت، وإنما النهي عنه أن يتخذ الإنسان دأبًا وعادة، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي أن النهي أولًا كان للتنزيه شفقة، وهذا للإباحة.\n\n(١٦) (بَابٌ: في الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدْحِ)\n٣٧٢٢ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الشرب من ثلمة القدح) أي عن فرجة منه.\n_________\n(١) في نسخة: \"اشرب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"والنفخ في الشراب\".","vol":"11","page":452},{"text":"وَأَنْ يُنْفَخَ في الشَّرَابِ\" (١). [حم ٣/ ٨٠، حب ٥٣١٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>(١٧) بَابٌ: في الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضِّةِ</span>\n٣٧٢٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ\n===\nقال في \"المجمع\" (٢): لأنه لا يتماسك (٣) عليها فم الشارب، وربما انصبَّ الماء على ثوبه وبدنه، وقيل: لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء، وورد أنه مقعد الشيطان، ولعله أراد به عدم النظافة.\n(وأن ينفخ في الشراب) لما يخاف من خروج شيء من فمه.\n\n(١٧) (بَابٌ: في الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ (٤) وَالفِضَّةِ)\n٣٧٢٣ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمدائن) قال في \"القاموس\": المدائن: مدينة كسرى قرب بغداد، سمِّيت لكبرها، وقال في \"معجم البلدان\" (٥): ولم أر أحدًا ذكر لِمَ سميت بالجمع، والذي عندي فيه أن هذا الموضع كان مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانية وغيرهم، فكان كل واحد منهم إذا ملك بني لنفسه مدينة إلى جنب التي قبلها، وسماها باسم، فأولها المدينة العتيقة التي لزاب، كما ذكرنا،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أحمد بن حزم قال: ثنا أبو سعيد بن الأعرابي بلغني عن أبي داود قال: قرة بن عبد الرحمن بن حيويل بن كاسر المد، وكاسر المد: كان كسر المد على سلطان فسمي به\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٠١).\n(٣) وذكر في \"الهدي\" للمنع عن الشرب من الثلمة وجوهًا عديدة. [انظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٣٤)]. (ش).\n(٤) بسط الحافظ الاختلاف وعلة المنع في ذلك و[صاحب] \"المغني\" مختصرًا.\n[انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٤)، و\"المغني\" (١٢/ ٥١٩)]. (ش).\n(٥) \"معجم البلدان\" (٥/ ٧٤، ٧٥).","vol":"11","page":453},{"text":"فَاسْتَسْقَى، فَأَتَاهُ دِهْقَان بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بهِ، وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ به إِلَّا أَنِّي قَدْ نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وعن الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ\n===\nثم مدينة الإسكندر، ثم الطيسفون من مدائنها، ثم اسفانبر، ثم مدينة يقال لها: رومية، فسميت المدائن لذلك، والله أعلم.\nوكان فتح المدائن كلها على يد سعد بن أبي وقاص في صفر سنة ١٦ هـ في أيام عمر بن الخطاب - ﵁ -، وأما في وقتنا هذا فالمسمى بهذا الاسم: بليدة شبيهة بالقرية، بينها وبين بغداد ستة فراسخ، وأهلها فلاحون يزرعون ويحصدون، والغالب على أهلها التشيع على مذهب الإمامية، انتهى.\nاستعمله عمر - ﵁ - على المدائن، فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان - ﵁ - وبعد بيعة علي - ﵁ - بأربعين يومًا، شهد حذيفة فتوح العراق، وله بها آثار شهيرة.\n(فاستسقى) أي حذيفة (فأتاه دهقان) قال في \"القاموس\": بالكسر والضم: القوي على التصرف مع حدة، والتاجر، وزعيم فلاحي العجم، ورئيس الإقليم، معرب، جمعه دهاقنة ودهاقين.\n(بإناء من فضة) فيه ماء (فرماه) (١) أي رمى حذيفة الدهقان (به) أي بذلك الإناء (فقال) حذيفة: (إني لم أرمه به إلا أني قد نهيته) عن أن يأتيني الماء في إناء الفضة، (فلم ينته) ذكره اعتذارًا عما فعله عند الحاضرين، (وإن رسول الله - ﷺ - نهى عن الحرير والديباج) قسم من الحرير رقيق، (وعن الشرب في آنية الذهب\n_________\n(١) فسره العيني: فرمى القدح بالشراب أو رمى الشراب بالقدح، لكن يؤيد ما أفاده الشيخ ما في \"الفتح\" من اختلاف الروايات، ففي رواية: فرمى به في وجهه، وفي أخرى: ما يألو أن يصيب به وجهه. [انظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٢٩)، و\"فتح الباري\" (١٠/ ٩٥)]. (ش).","vol":"11","page":454},{"text":"وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ: \"هِيَ لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَلَكُمْ في الآخِرَةِ\". [خ ٥٦٣٢، م ٢٠٦٧، ت ١٨٧٨، ن ٥٣٠١، جه ٣٣١٤، حم ٥/ ٣٨٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1444>(١٨) بَابٌ: في الْكَرْعِ</span>\n٣٧٢٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَيْحٌ، عن سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَرَجُل مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَحَوِّلُ الْمَاءَ في حَائِطِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذ اللَّيْلَةَ في شَنٍّ وَإِلَّا كَرَعْنَا؟ \"، قَالَ: بَلَى (١) عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ في شَنٍّ. [خ ٥٦٢١، جه ٣٤٣٢، حم ٣/ ٣٢٨]\n===\nوالفضة وقال) رسول الله - ﷺ -: (هي) أي هذه الأشياء (لهم) أي للكفار (في الدنيا، ولكم) أي للمسلمين (في الآخرة).\n\n(١٨) (بَابٌ: في الْكَرْعِ)\nوهو السقي بالفم من غير واسطة اليد والإناء\n٣٧٢٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا يونس بن محمد قال: حدثني فليح، عن سعيد بن الحارث، عن جابر بن عبد الله قال: دخل النبي - ﷺ - ورجل من أصحابه) أي معه (على رجل من الأنصار) في بستانه (وهو يحول الماء في حائطه، فقال رسول الله - ﷺ -: إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شن) فجئ به نشربه؛ لأنه يكون أبرد (وإلَّا) أي إن لم يكن ماء بات في شن (كرعنا؟) أي نشربه من الدلو أو من السواقي بالكرع (قال: بلى عندي ماء بات في شن).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بل\".","vol":"11","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1445>(١٩) بَابٌ: في السَّاقِي مَتَى يَشْرَب</span>؟\n٣٧٢٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي الْمُخْتَارِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا\". [ت ١٨٩٤، حم ٥/ ٢٩٨، ق ٧/ ٢٨٦]\n٣٧٢٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وعن يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، وعن يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الأَعْرَابِيَّ وَقَالَ: \"الأَيْمَنُ فَالأَيْمَنُ\". [خ ٥٦١٩، م ٢٠٢٩، ت ١٨٩٣، جه ٣٤٢٥، حم ٣/ ١١٠]\n===\n\n(١٩) (بَابٌ: في السَّاقِي مَتَى يَشْرَبُ؟)\n٣٧٢٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن أبي المختار، عن عبد الله بن أبي أوفى، أن النبي - ﷺ - قال: ساقي القوم آخرهم شربًا) وهذا من باب الأدب والاستحباب، فإنه إن قدم عليهم نفسه يكون ذلك علامة على شدة حرصه، فأما إن فعل ذلك فأخذ قدر نصيبه أولًا فلا بأس فيه، لأنه ليس بإيجاب.\n٣٧٢٦ - (حدثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي (١)، وعن يساره أبو بكر، فشرب، ثم أعطى) أي اللبن (الأعرابي) وقدمه على أبي بكر - ﵁ - (وقال: الأيمن فالأيمن) بالرفع أو النصب، بتقدير المبتدأ أو الخبر، أو بتقدير الفعل.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: إنما أورد هذا الحديث في هذا الباب ليعلم أن محمل الرواية الأولى وهي قوله: \"ساقي القوم آخرهم شربًا\" ما إذا كان\n_________\n(١) فسره بعضهم بخالد بن الوليد لرواية ابن عباس عند الترمذي، ولا يصح، لأنها قصة أخرى في دار ميمونة، وهذه في دار أنس، كذا في \"الفتح\" (١٠/ ٧٦). (ش).","vol":"11","page":456},{"text":"٣٧٢٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن أَبِي عِصَامٍ، عن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: \"هُوَ أَهْنَأ وَأَمْرَأُ وَأَبْرَأُ\". [م ٢٠٢٨، ت ١٨٨٤، حم ٤/ ١١٨]\n===\nالساقي شريكًا لهم، ويكون الشيء مشتركًا بينهم أجمعين، فأما إذا كان من خالص حق الساقي بأن أهدي له أو كان ملكه، فأحب أن يسقيهم فلا، كما فعله - ﷺ - ههنا.\n٣٧٢٧ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام) الدستوائي، (عن أبي عصام المزني) البصري، روى عن أنس في التنفس في الإناء، وعنه شعبة وهشام الدستوائي وعبد الوارث بن سعيد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال السليمان: يقال: اسمه ثمامة، وقال البخاري في \"التاريخ\" (١): خالد بن عبيد، روى عن أبي عصام وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، ورد ذلك عليه أبو زرعة وأبو حاتم فقالا: أبو عصام (٢) هو خالد بن عبيد فاختلفوا في اسمه، فقال بعضهم: اسمه ثمامة، وفرق بعضهم وجعلهما اثنين، وقال اللالكائي: وجعله ابن عدي والذي روى عنه شعبة وهشام واحدًا، ومَيَّزَ أبو أحمد يعني الحاكم بينهما وكأنه الصواب، لأن الطبقة الذي روى عنه شعبة وهشام أعلى من الطبقة الذي روى عنه ابن المبارك وأبو تميلة، وقد تقدم في ترجمة خالد بن عبيد ما يوضح أنهما اثنان.\n(عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - كان إذا شرب تنفس ثلاثًا) أي تنفس في حالة الشرب بإبانة الإناء عن فمه، ولم يشرب مرة واحدة.\n(وقال: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ) قال في \"النهاية\" (٣): يقال: هَنَأَني الطعام وَمَرَأَني إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيبًا، قال: وقوله: أبرأ، أي يُبرئه\n_________\n(١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٦١) رقم (٥٥٤) وفيه: عبد الله بن عبد الرحمن بن أسيد، وكذا في \"تهذيب الكمال\" رقم الترجمة (٨١١٠).\n(٢) في الأصل، وفي \"تهذيب التهذيب\": \"أبو عاصم\"، وهو تحريف.\n(٣) \"النهاية\" (٤/ ٣١٣).","vol":"11","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1446>(٢٠) بَابٌ: في النَّفْخِ في الشَّرَابِ </span>(١)\n٣٧٢٨ - حَدَّثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن عَبْدِ الْكَرِيمِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُتَنَفَّسَ في الإنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ\". [ت ١٨٨٨، جه ٣٤٢٨، دي ٢١٣٨، حم ١/ ٢٢٠]\n٣٧٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن يَزِيدَ بْنِ\n===\nمن ألم العطش، أو أراد أن لا يكون منه مرض، وقال عطاء الدين صاحب \"الطب النبوي\": قوله: أمرأ، أي أسرع انحدارًا من المريء وأعلى المعدة، وقيل: إنه يمري البدن ويُنَمِّيه.\n\n(٢٥) (بَابٌ: في النَّفْخِ في الشَّرَابِ)\n٣٧٢٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا ابن عيينة، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يتنفس في الإناء) أي إذا شرب لا يتنفس فيه من غير إبانة الإناء من فيه (أو ينفخ فيه).\nقال الخطابي (٢): قد يحتمل أن يكون النهي عن ذلك من أجل ما يخاف أن يبرز من ريقه ورطوبة فمه فيقع في الماء، وقد يكون النكهة من بعض من يشرب متغيرة، فتعلق الرائحة بالماء برقته ولطفه، فيكون الأحسن في الدأب أن يتنفس بعد إبانة الإناء (٣) من فمه، وأن لا يتنفس فيه؛ لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين: فإن كان من حرارة الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذاء يبصره فيه، فليمطه بأصبع أو خلال أو نحوه، ولا حاجة إلى النفخ فيه بحال.\n٣٧٢٩ - (حدثنا حفص بن عمر قال: نا شعبة، عن يزيد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والتنفس فيه\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٧٥).\n(٣) في الأصل: \"الماء\"، وهو تحريف.","vol":"11","page":458},{"text":"خُمَيْرٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ - مِنْ بَنِي سُلَيْم- قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى أَبِي، فَنَزَلَ عَلَيْهِ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ طَعَامًا، فذَكَرَ حَيْسًا أَتَاهُ بِهِ، ثُمَّ أَتَاهُ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، فَنَاوَلَ (١) مَنْ عَلَى (٢) يَمِينِهِ، فَأَكَلَ (٣) تَمْرًا فَجَعَلَ يُلْقِيِ النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إِصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، فَلَمَّا قَامَ قَامَ أَبِي فَأَخَذ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّه لِي، فَقَالَ: \"اللهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ\". [م ٢٠٤٢، ت ٣٥٧٦، حم ٤/ ١٨٨]\n===\nخمير، عن عبد الله بن بسر) رجل (من بني سليم) صحابي (قال: جاء رسول الله - ﷺ - إلى أبي، فنزل عليه، فقدم إليه طعامًا، فذكر حيسا) طعامًا يتخذ من التمر والأقط والسمن وغيرها (أتاه به، ثم أتاه بشراب (٤) فشرب) كما هو عادته - ﷺ - بالتنفس ثلاثًا، كأنه لم ينفخ في الشراب، وبهذا يظهر المناسبة بالباب.\n(فناول) أي أعطى (من على يمينه، فأكل تمرًا فجعل يلقي النوى على) جانب (ظهر إصبعه السبابة والوسطى) قال في \"فتح الودود\": ولم يلقه في إناء التمر لئلا يختلط بالتمر، وقيل: كان يجمعه على ظهر الإصبعين ثم يرمي به، وعلله الترمذي بأنه قد يخالطه الريق ورطوبة الفم، فإذا خالطه ما في الطبق عافته النفس (٥).\n(فلما قام) رسول الله - ﷺ - (قام أبي فأخذ بلجام دابته، فقال) أبي لرسول الله - ﷺ -: (ادع الله لي، فقال: اللَّهُمَّ بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم).\n_________\n(١) في نسخة: \"وناول\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عن\".\n(٣) في نسخة: \"وأكل\".\n(٤) هذا نص في شربه ﵊ على الطعام، ويؤيده أيضًا ما تقدَّم من شرب النبيذ على الغذاء والعشاء، ويخالفه ما قال ابن القيم: لم يكن من هديه أن يشرب على طعامه فيفسده. انتهى. [انظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٢٤)]. (ش).\n(٥) ولذا ذكر الحديث في الباب، فإنه إذا عافه في الطبق ففي الماء أولى. (ش).","vol":"11","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1447>(٢١) بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا شَرِبَ اللَّبَنَ</span>\n٣٧٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زيدٍ -. (ح): وَحَدَّثنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عن عَلِيِّ بْنِ زيدٍ، عن عُمَرَ بْنِ حَرْمَلَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَجَاؤُوا بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنِ عَلَى ثُمَامَتَيْنِ، فَتَبَزَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ خَالِدٌ: إِخَالُكَ تَقْذُرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟\n===\n\n(٢١) (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا شَرِبَ اللَّبَنَ)\n٣٧٣٠ - (حدثنا مسدد قال: نا حماد -يعني ابن زيد-. ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد -يعني ابن سلمة-) كلاهما، (عن علي بن زيد، عن عمر بن حرملة) ويقال: ابن أبي حرملة، ويقال: عمرو البصري، روى عن ابن عباس حديث الضب، قال أبو زرعة: لا أعرفه إلا في هذا الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: وصحح أنه عمر بضم العين، وتبع في ذلك البخاري.\n(عن ابن عباس قال: كنت في بيت) خالتي (ميمونة) زوج النبي - ﷺ - (فدخل رسول الله - ﷺ - ومعه خالد بن الوليد) وكانت ميمونة خالته أيضًا (فجاؤوا) أي بعض الناس (بضبين مشويين على ثمامتين) أي عودين (فتبزَّق رسول الله - ﷺ -).\nكتب مولانا محمد يحيى - ﵀ - عن تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"فتبزق\" ولم يكن ذلك إلا لأن المرء إذا كره شيئًا دفع طبعه ماء إلى فمه، وذلك إذا اشتدت الكراهة والعيافة أدى ذلك إلى القيء، وليس ابتلاعه بعد ذلك مما يقبله الطبع، فكان تبزُّقه لذلك لا لأجل العيب إلى الطعام، حتى ينافي ما ورد من شأنه - ﷺ - كان لا يعيب طعامًا.\n(فقال خالد: إخالك تقذره) أي تكرهه (يا رسول الله؟","vol":"11","page":460},{"text":"فَقَالَ (١): \"أَجَلْ\"، ثُمَّ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِلَبَنٍ فَشَرِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَإِذَا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ بَارِكْ لنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيءٌ يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنُ\". [ت ٣٤٥٥، حم ١/ ٢٢٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لَفْظُ مُسَدَّدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1448>(٢٢) بَابٌ: في إِيكَاءِ الآنِيَةِ </span>(٢)\n٣٧٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عن جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"أَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ،\n===\nفقال: أجل، ثم أتي رسول الله - ﷺ - بلبن فشرب، فقال رسول الله - ﷺ -: إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: اللهُمَّ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه، وإذا سقي لبنًا، فليقل: اللهُمَّ بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ) أي يكفي (من الطعام والشراب إلَّا اللبن) كأنه في تلك الفضيلة يفوق على اللحم، وإن كان اللحم له فواضل أخرى حتى صار سيدًا.\n(قال أبو داود: هذا لفظ مسدد) أي لا لفظ موسى.\n\n(٢٢) (بَابٌ: في إِيكَاءِ الآنِيَةِ)\nأي ربط رأسها ولا يدعها مكشوفة\n٣٧٣١ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا يحيى، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: أغلق بابك واذكر اسم الله)\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة بدله: \"باب في الإناء يوكأ\".","vol":"11","page":461},{"text":"فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَطْفِ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرِضُهُ عَلَيْهِ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ\". [خ ٥٦٢٣، م ٢٠١٢]\n٣٧٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، بِهَذَا الْخَبَرِ، وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ، قَالَ: \"فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا غَلَقًا، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيْتَهُمْ\" أَوْ \"بُيُوتَهُمْ\". [م ٢٠١٢، ت ١٨١٢، جه ٣٤١٠، حم ٣/ ٣٠١]\n===\n﷿ إذا أغلقت، (فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا (١)، وأطف مصباحك واذكر اسم الله) عند الإطفاء (وخمِّر) أي غط (إناءك ولو بعود تعرضه عليه) أي تضعه عريضًا على الإناء (واذكر اسم الله) عند عرض العود (وأوك سقاءك) أي قربتك (واذكر اسم الله) عند الإيكاء.\n٣٧٣٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، بهذا الخبر) المتقدم، (وليس) هذا الخبر (بتمامه) أي بتمام الخبر المتقدم.\n(قال) أبو الزبير: (فإن الشيطان لا يفتح بابًا غَلَقًا) بفتحتين، أي مغلقًا إذا ذكر اسم (٢) الله عليه (ولا يحل (٣) وكاءً، ولا يكشف إناء، وإن الفويسقة) التصغير للتحقير، والمراد به الفأرة (تضرم على الناس بيتهم أو) شك من الراوي (بيوتهم) فإنها تجر الفتيلة فتحرق البيت.\n_________\n(١) أي: لذكر الله كما سيأتي. (ش).\n(٢) كما بسطه القاري وزاد عن \"الجامع الصغير\" برواية أحمد عن أبي أمامة: \"إنهم لم يؤذن لهم في التسور\". انتهى، أي على الجدر وغيره. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ١١٥)]. (ش).\n(٣) ذكر في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٥): يحتمل أن يكون من الحلول، أو الحل خلاف العقد، والأول أولى. (ش).","vol":"11","page":462},{"text":"٣٧٣٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَفُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ السُّكَّرِيُّ قَالَا، نَا حَمَّادٌ، عن كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ، عن عَطَاءٍ، عنَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهُ رَفَعَهُ (١)، قَالَ: \"وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ\"- وَقَالَ مُسَدَّدٌ: \"عنْدَ الْمَسَاءِ\"- \"فَإِنَّ لِلْجِنّ انْتِشَارًا وَخَطْفَة\". [خ ٣٣١٦، م ٢٠١٢، حم ٣/ ٣٨٨]\n===\n٣٧٣٣ - (حدثنا مسدد وفضيل بن عبد الوهاب) بن إبراهيم الغطفاني، أبو محمد القناد بالقاف والنون (السكري) الكوفي، مولى بني قيس بن ثعلبة، أخو محمد بن عبد الوهاب، وكان الأصغر، وهو أصبهاني الأصل، نزل الكوفة، قال ابن معين: ثقة، لا بأس به، وقال أبو حاتم: بغدادي صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قالا: نا حماد، عن كثير بن شنظير) بكسر معجمة وسكون نون وكسر ظاء معجمة، المازني، ويقال: الأزدي، أبو قرة البصري، عن أحمد: صالح، روى عنه الناس واحتملوه، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكان ابن مهدي يحدث عنه، وقال أبو زرعة: لين، وقال النسائي: ليس بالقوي، له في البخاري حديثان، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله.\n(عن عطاء، عن جابر بن عبد الله رفعه) أي رفع الحديث إلى النبي - ﷺ - (قال: واكفتوا) أي ضموا إليكم، ومن هذا قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ (٢)، معناه: أنها تضمهم إليها ما داموا أحياء على ظهرها، فإذا ماتوا ضمتهم إليها في بطنها.\n(صبيانكم عند العشاء - وقال مسدد: عند المساء - فإن للجن انتشارًا وخطفة) أي سلبًا بسرعة.\n_________\n(١) في نسخة: \"يرفعه\".\n(٢) سورة المرسلات: الآية ٢٥.","vol":"11","page":463},{"text":"٣٧٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (١) - ﷺ - فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَلَا نَسْقِيكَ نَبِيذًا؟ قَالَ: \"بَلَى\"، قَالَ: فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَشْتَدُّ فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَلَا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلْيِهِ عُودًا\". [خ ٥٦٠٦، م ٢٠١١، حم ٣/ ٢٩٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ الأَصْمَعِيُّ: تَعْرُضُهُ عَلَيْهِ.\n٣٧٣٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - عن هِشَام، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا\".\n===\n٣٧٣٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر قال: كنا مع النبي - ﷺ - فاستسقى) أي طلب الماء للشرب (فقال رجل من القوم) لم أقف (٢) على تسميته: (ألا نسقيك نبيذًا؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (بلى، قال: فخرج الرجل يشتد) أي يعدو (فجاء بقدح فيه نبيذ، فقال رسول الله - ﷺ -: ألا) حرف ردع، أي هلا (خمرته) أي سترت القدح (ولو أن تعرض عليه عودًا، قال أبو داود: وقال الأصمعي (٣): تعرضه عليه) قال الخطابي (٤): وقوله: \"تعرضه\" كان الأصمعي يروي \"تعرضه\" بضم الراء، وقال غيره: بكسر الراء.\n٣٧٣٥ - (حدثنا سعيد بن منصور وعبد الله بن محمد النفيلي وقتيبة بن سعيد قالوا: نا عبد العزيز -يعني ابن محمد-، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يستعذب له الماء) أي يطلب له الماء العذب (من بيوت السقيا) لأنه إذ ذاك كان غالب ماء المدينة مالحًا.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٢) قال في \"التلقيح\" (ص ٤٨٤): اسمه أبو حميد الساعدي. (ش).\n(٣) قول الأصمعي ذكره أبو عبيد في \"غريب الحديث\" (١/ ٢٣٨).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٥٥).","vol":"11","page":464},{"text":"قَالَ قتيْبَةُ: عَيْن بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ. [حم ٦/ ١٠٠]\n\nآخِرُ كِتَابِ الأَشْرِبَةِ (١)\n===\n(قال قتيبة: عين بينها وبين المدينة يومان) قال في \"معجم البلدان\" (٢): قال أبو بكر بن موسى: السقيا بئر بالمدينة، يقال: يستقى منها لرسول الله - ﷺ -، وقال في \"القاموس\": السُقْيَا: موضع بين المدينة ووادي الصفراء.\n\nآخِرُ كِتَابِ الأَشْرِبَةِ\n_________\n(١) في نسخة: بعده: \"كتاب الوصايا\".\n(٢) \"معجم البلدان\" (٣/ ٢٢٨).","vol":"11","page":465},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>(٢١) أَوَّلُ كِتَابِ الأَطْعِمَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>(١) بَابُ مَا جَاءَ في إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ</span>\n٣٧٣٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الوَلِيمَةِ فَلْيَأتِهَا\". [خ ٥١٧٣، م ١٤٢٩، حم ٢/ ٢٢]\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٢١) (أَوَّلُ كِتَابِ الأَطْعِمَةِ)\n(١) (بَابٌ مَا جَاءَ في إجَابَةِ الدَّعْوَةِ)، أي الطعام\n٣٧٣٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها).\nقيل: الوليمة كل دعوة تتخذ لسرور (١) حادث من نكاح أو ختان أو غيرهما، لكن اشتهر استعمالها في دعوة النكاح، وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وهو مذهب البعض في الإجابة إلى وليمة النكاح، وحمله بعضهم على الندب في كل دعوة.\n_________\n(١) وتقدمت أنواع الضيافات (٨/ ١٣٥). (ش).","vol":"11","page":466},{"text":"٣٧٣٧ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن (١) ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، بِمَعْنَاهُ، زَادَ: \"فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ\". [م ١٤٢٩، جه ١٩١٤، دي ٢٢٠٩، حم ٢/ ٢٢]\n٣٧٣٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن أَيّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ\n===\nثم الواجب إجابة الدعوة، وأما الأكل فمندوب غير واجب إن لم يكن صائمًا، لما تفيده الزيادة الآتية.\nوقيل: إجابة الوليمة مستحبة، وقيل: واجبة، وقيل: فرض الكفاية، لأنها إكرام موالاة أشبه برد السلام، وهذا إذا عين الداعي المدعو بالدعوة، فإذا لم يعينه لم يجب الإجابة؛ لأن الإجابة معلل بما فيها من كسر قلب الداعي، وإذا عم فلا كسر، ويسقط الإجابة بأعذار نحو كون الشبهة في الطعام، أو حضور الأغنياء فقط، أو من لا يليق مجالسته، أو يدعو لجاهه، أو لتعاونه على باطل، أو كون المنكر هناك، مثل الغناء وفرش الحرير.\n٣٧٣٧ - (حدثنا مخلد بن خالد قال: نا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -، بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\n(زاد: فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليدع) أمر من دعا يدعو، أي لأهل الطعام بالبركة، ويحتمل أن يكون من ودع يدع، أي فليترك الطعام.\n٣٧٣٨ - (حدثنا الحسن بن علي قال: نا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا دعا أحدكم\n_________\n(١) في نسخة: \"أن\".","vol":"11","page":467},{"text":"أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ\". [م ١٤٢٩، حم ٢/ ٦٨]\n٣٧٣٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: نَا بَقِيَّةُ قَالَ: نَا الزُّبَيْدِيُّ، عن نَافِعٍ، بِإِسْنَادِ أيوبَ وَمَعْنَاهُ. [نظر سابقه]\n٣٧٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ قَالَ، أَنَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ دُعِيَ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ\". [م ١٤٣٠، جه ١٧٥١، حم ٣/ ٣٩٢]\n٣٧٤١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا دُرُسْتُ بْنُ زِيَادٍ،\n===\nأخاه فليجب عرسًا كان أو نحوه) أي إذا كان الدعوة في النكاح أو نحوه من مواقع السرور (١).\n٣٧٣٩ - (حدثنا ابن المصلى قال: نا بقية قال: نا الزبيدي، عن نافع، بإسناد أيوب ومعناه).\n٣٧٤٠ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: من دعي فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك) أي ترك أكل الطعام.\n٣٧٤١ - (حدثنا مسدد قال: نا درست) بضم أوله والراء وسكون المهملة (ابن زياد) العنبري، ويقال: القشيري أبو الحسن، ويقال: أبو يحيى البصري القزاز، قال ابن معين: لا شيء، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال أبو حاتم: حديثه ليس بالقائم، عامته عن يزيد الرقاشي ليس يمكن أن\n_________\n(١) وتقدمت أنواعها (٨/ ١٣٥)، ومن جملتها: الحذاق لختم القرآن أو جزء منه، ونحر عمر ﵁ جزورًا عند ختم البقرة، كذا في \"الأوجز\" (١٠/ ٥٧٢)، ولما أتم ابن حجر \"فتح الباري\" عمل وليمة لم يتخلف عنها من وجوه المسلمين إلَّا نادر، وكان المصروف فيه خمس مائة دينار، كذا في ابتداء مقدمة \"الفتح\". انتهى.\n[انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٧٢)، و\"لامع الدراري\" (١/ ٣٩٩)]. (ش).","vol":"11","page":468},{"text":"عن أَبَانَ بْنِ طَارِقٍ، عن نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا\" (١).\n===\nيعتبر بحديثه، وذكر أبو داود أنه ضعيف، ودرست الكبير صاحب أيوب ثقة، وقال أبو الحسن السمناني: كان ثقة، روى له أبو داود حديثًا في الوليمة، وقال الدارقطني: درست بن زياد ودرست بن حمزة ضعيفان، وقال ابن حبان في \"الضعفاء\": درست بن زياد العنبري وهو الذي يقال له: درست بن حمزة الفزاري، وكان يسكن في بني قشير، منكر الحديث.\n(عن أبان بن طارق) البصري، روى عن نافع، وعنه درست بن زياد، قال أبو زرعة: مجهول، وقال أبو أحمد بن عدي: لا يعرف إلَّا بهذا الحديث، وليس له أنكر منه، وله غيره حديثان أو ثلاثة.\n(عن نافع) هكذا في النسخة المجتبائية والمصرية والقلمية المدنية والمكتوبة المدنية التي عليها المنذري، وهكذا كان في النسخة الأحمدية، لكن أصلحه بعضهم، فجعله عن أبان بن طارق عن طارق عن نافع، وأما في نسخة صاحب \"العون\" (٢) والنسخة الكانفورية ففيها: عن أبان بن طارق عن طارق عن نافع، بزيادة: عن طارق، وهذا غلط من النساخ، لأن رواية أبان بن طارق ليس من أبيه، بل هو يروي عن نافع، كما ذكره في \"تهذيب التهذيب\" (٣).\n(قال: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله - ﷺ -: من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة (٤) دخل سارقًا) أي خفية كالسارق (وخرج مغيرًا) من الإغارة، إن أكل أو حمل شيئًا معه؛ لأنه لما كان بغير إذن المالك كان في حكم الغصب والغارة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أبان بن طارق مجهول\".\n(٢) انظر: \"عون المعبود\" (١٠/ ١٤٧).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٩٦).\n(٤) وورد في معناه ما في \"الصحيحين\" و\"الترمذي\" (١٠٩٩): أن رجلًا دعاه - ﷺ - وجلساءه، =","vol":"11","page":469},{"text":"٣٧٤٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن الأَعْرَج، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: \"شَرُّ الطَّعَام طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدْعَى لهَا (١) الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ\". [خ ٥١٧٧، م ١٤٣٢، جه ١٩١٣، حم ٢/ ٤٠٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1451>(٢) بَابٌ: في اسْتِحْبَابِ الْوَلِيمَةِ لِلنِّكَاحِ </span>(٢)\n٣٧٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا، نَا حَمَّاد،\n===\n٣٧٤٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنه كان يقول: شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين) أي إذا كان طعام الوليمة يدعى له الأغنياء، ويترك الفقراء فهو شر الطعام.\n(ومن لم يأت الدعوة) (٣) بغير عذر (فقد عصى الله ورسوله) ظاهره الوجوب، أو هو محمول على تأكد الاستحباب، وعليه الجمهور.\n\n(٢) (بَابٌ: في اسْتِحْبَابِ الْوَلِيمَةِ (٤) لِلنِّكَاحِ)\n٣٧٤٣ - (حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: نا حماد،\n_________\n= فأتبعه رجل، فقال: لو أذنت له دخل، وجمع الحافظ بينه وبين ما ورد عند مسلم من حديث فارسي طَيِّبِ المَرَق، وفيه قوله ﵊: هذه لعائشة، قال: لا. وبين حديث ابن طلحة حيث دعاه ﵊ لعصيدة، فقال لمن معه: قوموا، في شرح باب الرجل يتكلف الطعام ... إلخ. [انظر: \"صحيح البخاري\" (٥٤٣٤)، و\"صحيح مسلم\" (٢٠٣٦، ٢٠٣٧)، و\"فتح الباري\" (٩/ ٥٦١)]. (ش).\n(١) في نسخة: \"له\".\n(٢) في نسخة: \"عند النكاح\".\n(٣) يعني كونه شر الطعام ليس بمانع عن الإجابة كقوله ﵊: \"شر صفوف الرجال آخرها\"، فليس المعنى تحريم الصلاة فيه، قاله النووي، كذا في \"الأوجز\" (١٠/ ٥٩٨). (ش).\n(٤) وتقدمت المذاهب فيه، وأيضًا بيان أنواع الضيافة، وأيضًا اختلافهم في وقت الوليمة. (ش).","vol":"11","page":470},{"text":"عن ثَابِتٍ قَالَ: \"ذُكِرَ تَزْوِيجُ زينَبَ بنْتِ جَحْشٍ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أوْلَمَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَيْهَا، أَوْلَمَ بِشَاةٍ\". [خ ٥١٧١، م ١٤٢٨، جه ١٩٠٨، حم ٣/ ٢٢٧]\n٣٧٤٤ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: نَا سُفْيَانُ (١) قَالَ: نَا وَائِلُ بْنُ دَاوُدَ، عن ابْنِهِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ\". [ت ١٠٩٥، جه ١٩٠٩، حم ٣/ ١١٠، تم ١٨٦]\n===\nعن ثابت قال: ذكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس بن مالك، فقال: ما رأيت رسول الله - ﷺ - أولم على أحد من نسائه ما) أي قدر ما (أولم عليها) أي على زينب بنت جحش (أولم بشاة) ويجوز أن يولم بعد النكاح أو بعد الرخصة (٢) أو بعد أن يبني بها، والثالث هو الأولى.\n٣٧٤٤ - (حدثنا حامد بن يحيى قال: نا سفيان قال: نا وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل (٣)، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - أولم على صفية بسويق (٤) وتمر).\n_________\n(١) في نسخة: \"سفيان بن عيينة\".\n(٢) أي: بعد أن تدخل العروس البيت قبل البناء. (ش).\n(٣) لم يروه عن بكر إلا أبوه، كذا في \"نيل الأماني\"، ولذا قال الترمذي: غريب، وابن عيينة ربما دلسها فيروي عن الزهري. (ش).\n(٤) وفي رواية \"للمشكاة\" (٣٢١٣) بالحيس، وفي أخرى له (٣٢١٤): بالتمر والأقط والسمن، وأول القاري الثانية إلى الأولى، وأول الطيبي بالعكس. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٣٦٨)، و\"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٩٤)]. (ش).","vol":"11","page":471},{"text":"(٣) بَابُ الطَّعَامِ (١) عِنْدَ الْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ\n٣٧٤٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا وَكِيعٌ، عن شُعْبَةَ، عن مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عن جَابِرِ قَالَ: \"لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورَا أَوْ بَقَرَةَ\". [حم ٣/ ٣٠١]\n\n(٤) بَابٌ (٢): في الضِّيَافَةِ\n٣٧٤٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامِ،\n===\n\n(٣) (بَابُ الطَّعَامِ عِنْدَ الْقُدُومِ (٣) مِنَ السَّفَرِ)\n٣٧٤٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع، عن شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة نحر جزورًا أو بقرة). ولعله كان رجوعه من سفر غزوة تبوك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1453>(٤) (بَابٌ: في الضِّيَافَةِ)</span>\n٣٧٤٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله - ﷺ - قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم) أي يعط كرامة (ضيفه، جائزته يومه وليلته، الضيافة ثلاثة أيام) (٤) أي إذا ضاف\n_________\n(١) في نسخة: \"الإطعام\".\n(٢) في نسخة: \"باب ما جاء في الضيافة\".\n(٣) به بوَّب البخاري في \"صحيحه\" (٣٠٨٩)، وحكى الحافظ (٦/ ١٩٤) استحبابه عن السلف، وقال: يسمى النقيعة، وبه سماه \"الشامي\"، لكن قال الحافظ (٩/ ٢٤١): هي التي يصنعها القادم من السفر أو تصنع له، قولان، وقيل: ما يصنع له يسمى التحفة. انتهى. (ش).\n(٤) في تفسيره ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: ما سيأتي عن مالك، والثاني: إن اجتاز عليه فيوم وليلة، وإن قصده فثلاثة أيام، والثالث: أن يعطيه ما يجتاز به في يوم وليلة بعد أن =","vol":"11","page":472},{"text":"وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ\". [م ٤٨، ت ١٩٦٨، جه ٣٦٧٥، حم ٦/ ٣٨٥]\n٣٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَا، نَا حَمَّادٌ، عن عَاصِمٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"الضِّيَافَةُ ثلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ. [حم ٢/ ٣٥٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شَاهِدٌ أَخْبَرَكُمْ أَشْهَبُ قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عن قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ\"، قَالَ: يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ وَيَحْفَظُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ضِيَافَةٌ.\n===\nالضيف عند أحد فحق الضيافة ثلاثة أيام (وما بعد ذلك فهو صدقة) من المضيف (ولا يحل له) أي للضيف (أن يثوي) أي يقيم (عنده) أي عند المضيف (حتى يحرجه) أي يوقعه في الحرج والضيق.\n٣٧٤٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن محبوب قالا: نا حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: الضيافة ثلاثة أيام، فما سوى ذلك فهو صدقة).\n(قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد: أخبركم أشهب قال: وسئل مالك عن قول النبي - ﷺ -: جائزته يوم وليلة، قال) مالك في تفسير معناه: (يكرمه ويتحفه) أي يكرمه في الكلام والمجالسة، ويتكلف له شيئًا في الطعام. (ويحفظه) أي يراعيه (يومًا وليلة وثلاثة أيام ضيافة) أي ثم بعد يوم وليلة ضيافة من غير تكلف فيه.\n_________\n= يستقبلها بثلاثة، كذا في \"عون المعبود\" (١٠/ ١٥٣) عن المنذري، وقريب منها ما في \"الفتح\" (١٠/ ٥٣٣) إلَّا أن ذكر بدل المعنى الثاني: ثلاثة إذ يقيم عنده، ويوم إذا لم ينزل عنده. (ش).","vol":"11","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1454>(٥) بَابٌ: في كَمْ تُسْتَحَبُّ الْوَلِيمَة</span>؟\n٣٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: نَا قَتَادَةُ، عن الْحَسَنِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عثْمَانَ الثَّقَفِيِّ، عن رَجُلٍ أَعْوَرَ مِنْ ثَقِيفٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ مَعْرُوفًا (١) -أيْ يُثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا (٢) إِنْ لَمْ يَكُنْ اسْمُهُ زُهَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ فَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ-،\n===\n\n(٥) (بَابٌ: في كَمْ) (٣) أيام (تُسْتَحَبُّ الوَليمَةُ؟)\n٣٧٤٨ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: نا عفان بن مسلم قال: حدثنا همام قال: نا قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن عثمان الثقفي) روى عن رجل أعور من ثقيف في الوليمة، وعن الحسن البصري، قلت: وذكر ابن المديني أن الحسن تفرد بالرواية عنه، قال في \"التقريب\": مجهول.\n(عن رجل أعور من ثقيف كان يقال له: معروفًا) وفي النسخة: \"معروف\" بالرفع، أي يقال في شأنه كلام معروف، (أي يثني عليه خيرًا، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان، فلا أدري ما اسمه) وهذا كلام الحسن، أي الذي أحفظ اسمه هو هذا، وإن كان فيه معنى خطأ، فلا أدري ما اسمه، وأما تفسير قوله: \"كان يقال معروف، أي يثني عليه خيرًا\"، فلعل هذا التفسير من أبي داود، قال في \"تهذيب التهذيب\": زهير بن عثمان الأعور، عداده في الصحابة الذين نزلوا\n_________\n(١) في نسخة: \"معروف\".\n(٢) في نسخة: \"خير\".\n(٣) قال في \"عون المعبود\" (١٠/ ١٥١): ذهب المالكية إلى استحبابها سبعة أيام، ومال إليه البخاري (٥١٧٣) إذ بوَّب بنحوه، وذهب الشافعية والحنابلة إلى حديث زهير، قال النووي (٥/ ٢٥٣): إذا أولم ثلاثًا فالثلث مكروه. انتهى مختصرًا، وقال الموفق: تجب الإجابة به أول يوم، وفي الثاني يستحب، وفي الثالث لا يستحب، وبهذا قال الشافعي لحديث الباب، وضيافة يوم وليلة واجبة عند أحمد، كما في \"المغني\" (١٠/ ١٩٤). (ش).","vol":"11","page":474},{"text":"أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"الْوَلِيمَةُ أَوَّلُ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثانِي مَعْرُوفٌ، وَالْيَوْمُ الثَّالِثُ سمْعَةٌ وَرِيَاءٌ\". [حم ٥/ ٢٨، ق ٧/ ٢٦٠]\nقَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب دُعِيَ أَوَّلَ يَوْمٍ فَأَجَابَ، وَدُعِيَ الْيَوْمَ الثَّانِي فَأَجَابَ، وَدُعِيَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ (١) فَلَمْ يُجِبْ، وَقَالَ: أَهْلُ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ.\n٣٧٤٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ،\n===\nالبصرة، قال البخاري (٢): لا يصح إسناده، ولا تعرف له صحبة، وقد أثبت صحبته ابن أبي خيثمة وأبو حاتم الرازي والترمذي والأزدي، وقال: تفرد بالرواية عنه عبد الله بن عثمان الثقفي.\n(أن النبي - ﷺ - قال: الوليمة أول يوم حق) (٣) أي ثابت، (و) اليوم (الثاني معروف، واليوم الثالث سمعة ورياء).\nكتب مولانا محمد يحيى - ﵀ -: وهذا لأن العادة كانت فيهم كذلك، فإن كانت القرية كبيرة، وأحب أن يطعم كل محلة محلة على حدة، كل يوم محلة لا بأس به، ولو أطعم شهرًا ما لم يكن سمعة ورياء (٤)، انتهى.\n(قال قتادة: وحدثني رجل أن سعيد بن المسيب دعي أول يوم) أي إلى طعام الوليمة (فأجاب، ودعي اليوم الثاني) إليه (فأجاب، ودعي اليوم الثالث فلم يجب، وقال: أهل سمعة ورياء) بتقدير المبتدأ، أي هم.\n٣٧٤٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا هشام، عن قتادة،\n_________\n(١) في نسخة: \"يوم ثالث\".\n(٢) كذا في \"الفتح\" (٩/ ٢٤٣)، وبسط الكلام على الحديث، وأبسط منه في \"العيني\" (١٤/ ١٢٩، ١٣٠). (ش).\n(٣) وليست بباطل، كذا في \"الفتح\" (٩/ ٢٣٠). (ش).\n(٤) وإليه مال البخاري، إذ بوب في \"صحيحه\": \"ومن أولم سبعة أيام ونحوه\". (ش).","vol":"11","page":475},{"text":"عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: \"فَدُعِيَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَلَمْ يُجِبْ وَحَصَّبَ الرَّسُولَ\". [ق ٧/ ٢٦٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>(٦) بَابٌ: مِنَ الضِّيَافَةِ أَيْضًا</span>\n٣٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ (١) قَالَا، حَدَّثنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن عَامِرٍ، عن أَبِي كَريمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، إِنْ شَاءَ اقْتَضَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ\". [خت ٧٤٤، جه ٣٦٧٧، حم ٤/ ١٣٠]\n===\nعن سعيد بن المسيب، بهذه القصة، قال: فدعي اليوم الثالث فلم يجب وحصب الرسول) أي رمى بالحصباء إليه، ولعل قتادة في هذه القصة في هذا السند ترك الرجل المجهول، وروى عن سعيد بن المسيب تدليسًا.\n\n(٦) (بَابٌ: مِنَ الضِّيَافَةِ أَيْضًا)\n٣٧٥٠ - (حدثنا مسدد وخلف بن هشام قالا: حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن عامر، عن أبي كريمة) مقدام بن معدي كرب الكندي (قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليلة الضيف حق على كل مسلم) (٢) قال السيوطي: أمثال هذه الأحاديث كانت في أول الإِسلام حين كانت الضيافة واجبة، وقد نسخ وجوبها، وأشار إليه أبو داود بالباب الذي عقده بعد هذا (فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المقرئ\".\n(٢) وبأمثال هذه الروايات قال الليث بوجوب الضيافة مطلقًا، وأحمد خصه بأهل البوادي دون القرى، والجمهور على أنه سنَّة مؤكدة، وأجابوا عن الحديث بأجوبة، منها: أنه محمول على المضطر، وقال الترمذي: محمول على من طلب الشراء محتاجًا فامتنع صاحب الطعام، وقيل: على أول الإِسلام، وقيل: مخصوص بالعمال آخذي الصدقة، وقيل: بأهل الذمة، وقيل: بتأويل المأخوذ بأن المراد أخذ الأعراض بالألسنة، أي أن لكم أن تذكروا للناس عيبهم، وبسطت تلك الأجوبة في \"الفتح\" (٥/ ١٠٨). (ش).","vol":"11","page":476},{"text":"٣٧٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْجُودِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، عن الْمِقْدَامِ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا رَجُلٍ أَضَافَ قَوْمًا فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَإِنَّ نَصرَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرَى لَيْلَةٍ (١) مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ\". [دي ٣٠٤٣، حم ٤/ ١٣٣]\n٣٧٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيدٍ قَالَ: نَا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَبي الْخَيْرِ، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَمَا يَقْرُونَنَا،\n===\n٣٧٥١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، حدثني أبو الجودي) الأسدي الشامي، نزيل واسط، اسمه الحارث بن عمير، قال ابن حبان: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن سعيد بن أبي المهاجر) ويقال: سعيد بن المهاجر الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في حق الضيف، قلت: جهله ابن القطان، وقال في \"التقريب\": مجهول.\n(عن المقدام) بن معدي كرب (أبي كريمة) - ﵁ - (قال: قال رسول الله - ﷺ -: أيما رجل أضاف قومًا) وفي نسخة: \"ضاف\"، وهو أولى، أي صار ضيفًا عندهم. (فأصبح الضيف محرومًا، فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى) أي بضيافة (ليلة من زرعه وماله) هذا محمول على حالة الاضطرار والاحتياج إليه، أو هو منسوخ كما تقدم.\n٣٧٥٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر أنه قال: قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا، فننزل بقوم فلا يقروننا).\n_________\n(١) في نسخة: \"الليلة\".","vol":"11","page":477},{"text":"فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ\" (١). [خ ٦١٣٧، م ١٧٢٧، ت ١٥٨٩، جه ٣٦٧٦، حم ١٤/ ١٤٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1456>(٧) بَابُ نَسْخِ الضَّيْفِ في الأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ</span>\n٣٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي\n===\nكتب (٢) مولانا محمد يحيى المرحوم: أراد بذلك أنهم لا يضيفوننا ولا يبيعون منا، بل يغلقون الدكاكين والأسواق حتى نبقى جياعًا، وكانت أهل الذمة تفعل ذلك عنادًا، ومعنى قوله: \"فخذوا منهم حق الضيف\" أي: بالقيمة، وأما ما قيل: إن الضيافة كانت حقًا على الذميين داخلة في العهد، فالمراد به الأخذ من غير قيمة، ففيه أنه لم يكن في زمن النبي - ﷺ -، بل إنما فعله عمر - ﵁ -، فلا يتمشى هذا التوجيه في رواية أبي داود هذه، انتهى.\n(فما ترى؟ فقال لنا رسول الله - ﷺ -: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف) (٣) من قراكم (فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم).\n\n(٧) (بَابُ نَسْخِ الضَّيْفِ (٤) فِي الأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ)\n٣٧٥٣ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال: حدثني\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهذا حجة للرجل يأخذ الشيء إذا كان له حقًا\".\n(٢) وحكاه القاري عن الترمذي وغيره. [انظر: \"عمدة القاري\" (٩/ ٢١٣، ٢١٤)]. (ش).\n(٣) أجاب الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١٠٨) عن هذا الحديث بأجوبة تقدمت آنفًا ملخصًا. (ش).\n(٤) اعلم أن حق الضيف كان واجبًا في أول الإِسلام، ثم نسخ ذلك بآية النساء: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ... الآية. فحرم الأكل من مال الغير بغير إذنه وإن كان ضيفًا، لكن بعد نزول هذه الآية صار بعض الناس يجتنبون أكل مال الغير مطلقًا، وإن =","vol":"11","page":478},{"text":"عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عن أَبيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، فَكَانَ الرَّجُلُ يُحْرِجُ أَنْ يَأكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بَعْدَمَا نَزَلَتْ هَذ الآيَةُ، فَنَسَخَ (١) ذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي في النُّورِ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ- ﴿أَشْتَاتًا﴾، كَانَ الرَّجُلُ الْغَنِيُّ يَدْعُو الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى الطَّعَامِ، قَالَ: إِنِّي لأَجْنَحُ أَنْ آكُلَ مِنْهُ- وَالتَّجَنُّحُ: الْحَرَجُ- وَيَقُولُ: الْمِسْكِينُ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي، فَأُحِلَّ في ذَلِكَ\n===\nعلي بن حسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس) ﵁ (قال) ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، فكان الرجل يحرج) أي يتحرج (أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك) مفعول النسخ (الآية التي في) سورة (النور) فاعل لنسخ، (فقال) تعالى: ﴿ليسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ (٣) أَنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ - إلى قوله- ﴿أَشْتَاتًا﴾، كان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله) أي أقاربه (إلى الطعام، قال) الرجل المدعو: (إني لأجْنَحُ) أي أرى جناحًا وإثمًا (أن آكل منه، والتجنح: الحرج، ويقول) أي الرجل المدعو: (المسكين أحق به مني، فأحل في ذلك) الآية،\n_________\n= أذن المالك أو دعاه إلى طعامه ويقول: إني لأجنّح أي أراه جناحًا، فأزيل هذا التوهم بآية النور بأنه لا حرج فيه بعد إذن المالك ودعوته، وعلى هذا التقرير لا يرد شيء من إيراد الطبري المذكور في \"البذل\". (عاقل).\n(١) في نسخة: \"فأنسخ ذلك بالآية\".\n(٢) سورة النساء: الآية ٢٩.\n(٣) نقلها بالمعنى، وإلَّا فأصل الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ...﴾ [سورة النور: الآية ٦١]، كذا في \"العون\" (١٠/ ١٥٨). (ش).","vol":"11","page":479},{"text":"أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وَأُحِلَّ طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ. [ق ٧/ ٢٧٤]\n===\nولفظ ابن جرير (١): فأحل من ذلك (أن يأكلوا (٢) مما ذكر اسم الله عليه، وأحل طعام أهل الكتاب).\nوهذا على وفق تفسير بعض المفسرين فإنهم قالوا: نزلت هذه الآية التي في النساء بالنهي أن يأكل بعضهم طعام بعض إلَّا بشراء، فأما قرى فإنه كان محظورًا بهذه الآية، حتى نسخت بالتي في سورة النور: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ الآية.\nثم رد على هذا القول ابن جرير في \"تفسيره\" (٣)، قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب في ذلك قول السُّدِّي، وذلك: أن الله تعالى حرم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أن أكل ذلك حرام علينا، فإن الله لم يحل قط أكل الأموال بالباطل، وإذا كان ذلك كذلك، فلا معنى لقول من قال: كان ذلك منهيًا في أكل الرجل طعامَ أخيه قِرًى على وجه ما أذن له. ثم نُسخ ذلك لنقل علماء الأمة جميعًا وُجُهَّالها: أن قرى الضيف وإطعام الطعام كان من حميد أفعال أهل الشرك والإِسلام التي حَمِد الله أهلها عليها وندبهم إليها، وإن الله لم يحرم ذلك في عصر من العصور، بل ندب الله عباده وحثهم عليه، وإذا كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكل بالباطل خارج، ومن أن يكون ناسخًا أو منسوخًا بمعزل، لأن النسخ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخًا بالإباحة.\nثم اعلم أن النسخ مختلفة في ترجمة الباب، ففي المجتبائية: \"باب نسخ الضيف في الأكل من مال غيره\"، وهكذا في المكتوبة الأحمدية، وهكذا في المكتوبة المدنية، وفي المصرية: \"باب نسخ الضيف يأكل من مال غيره\"، وضبط\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" (٤/ ٣١).\n(٢) يعني أحل من ذلك ما يكون بهذين الشرطين إما بذكر اسم الله أو يكون طعام أهل الكتاب. (ش).\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" (٤/ ٣١).","vol":"11","page":480},{"text":"(٨) (١) بَابٌ: في طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْن\n٣٧٥٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زيدِ بْنِ أَبِي الزرْقَاءِ قَالَ: نَا أَبِي قَالَ: نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عن الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: \"إِنَ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عن طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ\". [ق ٧/ ٢٧٤، ك ٤/ ١٢٩]\n===\nفي الحاشية، ولم أر في نسخة من النسخ الموجودة عندي: \"باب ما جاء في نسخ الضيف في الأكل من مال غيره إلَّا بتجارة\"، وهذه النسخ الثلاثة كلها متحدة في اللفظ والمعنى، والمراد بنسخ الضيف، أي نسخ حكم الضيف.\nوالرابعة: \"باب نسخ الضيق في الأكل من مال غيره\"، وهذا هو في المكتوبة المدنية التي عليها المنذري، وفي نسخة الخطابي، وكذا في الكانفورية، وهذه الترجمة أيضًا بمعنى التراجم المتقدمة، يعني كان الضيق أولًا في الأكل من مال غيره إلَّا بتجارة ضيفًا كان أو غيره، ثم رفع ذلك الضيق ونسخ.\nفعلى جميع التراجم معنى الحديث ظاهر لا خفاء فيه، ولكن هذا مبني على قول ضعيف عند ابن جرير، والحاصل: أن حكم الضيف كان في ابتداء الإِسلام واجبًا على المضيف أن يأكل من ماله، ثم رفع ذلك الحكم بآية النساء، وصار محظورًا، ثم رفع ونسخ ذلك التحريم بآية النور وصار مباحًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1457>(٨) (بَابٌ: في طَعَامِ الْمُتبَارِييْنِ)</span>،\nأي المتفاخرين\n٣٧٥٤ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء قال: نا أبي قال: نا جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت قال: سمعت عكرمة يقول: كان ابن عباس يقول: إن النبي - ﷺ - نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل).\n_________\n(١) آخر الجزء الثالث والعشرين، وأول الجزء الرابع والعشرين من تجزئة الخطيب البغدادي.","vol":"11","page":481},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وأَكْثَرُ مَنْ رَوَاهُ عن جَرِيرٍ لَا يَذْكُرُ (١) فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهَارُونُ النَّحْوِيُّ ذَكَرَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَحَمَّادُ بْنُ زيدٍ لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ.\n\n(٩) بَابُ (٢) الرَّجُلِ يُدْعَى فيَرَى مَكْرُوهًا\n٣٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ،\n===\nقال الخطابي (٣): المتباريان المتعارضان بفعليهما، يقال: تبارى الرجلان إذا فعل أحدهما مثل فعل صاحبه ليرى أيهما يغلب صاحبه، وإنما كره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة، ولأنه داخل في جملة ما نهي عنه في أكل المال بالباطل.\n(قال أبو داود: وأكثر من رواه عن جرير) بن حازم (لا يذكر فيه ابن عباس) أي اختلف أصحاب جرير، فأكثرهم لا يذكرون فيه ابن عباس، بل يجعلونه مرسلًا، ولكن ذكر ابنَ عباس من أصحاب جرير زيدُ بن أبي الزرقاء.\n(و) كذا (هارون) بن موسى (النحوي) (٤) من أصحاب الزبير بن خريت (ذكر فيه ابن عباس أيضًا) كما ذكره زيد بن أبي الزرقاء في رواية جرير بن حازم.\n(وحماد بن زيد) (٥) من أصحاب الزبير بن خريت (لم يذكر ابن عباس).\n\n(٩) (بَابُ الرَّجُلِ يُدْعَى، فيَرَى) في محل الدعوة (٦) أمرًا (مَكْرُوهًا)\n٣٧٥٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد،\n_________\n(١) في نسخة: \"لم يذكر\".\n(٢) في نسخة بدله: \"باب إجابة الدعوة إذا حضرها مكروه\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٤٠).\n(٤) أخرج روايته الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٣٤٠) رقم (١١٩٤٢)، والحاكم في \"مستدركه\" (٢/ ١٢٨، ١٢٩).\n(٥) لم أقف على روايته فيما تتبعت من الكتب.\n(٦) قال الموفق: إذا دعي إلى وليمة فرأى معصية كالخمر والزَّمْر والعود، وأمكنه الإنكار =","vol":"11","page":482},{"text":"عن سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عن سَفِينَةَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ: أَنَّ رَجُلًا ضَافَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَكَلَ مَعَنَا، فَدَعَوْهُ فَجَاءَ، فَوَضَعَ، يَدَهُ عَلَى عِضَادَتَي الْبَاب، فَرَأَى الْقِرَامَ قَدْ ضُرِبَ بِهِ في نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَرَجَعَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيٍّ: الْحَقْهُ انْظُرْ (١) مَا رجَعَهُ (٢)، فَتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَدَّكَ؟ فَقَالَ: \"إِنَّهُ لَيْسَ لِي أَوْ لِنَبِيٍّ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا\". [جه ٣٣٦٠، ق ٧/ ٢٦٧، حم ٥/ ٢٢١]\n===\nعن سعيد بن جمهان، عن سفينة أبي عبد الرحمن) مولى النبي - ﷺ -: (أن رجلًا ضاف) أي صار ضيفًا (علي بن أبي طالب) أي لعلي بن أبي طالب (فصنع) أي علي بن أبي طالب (له) أي للرجل (طعامًا)، وأما على نسخة: \"أضاف\"، كما في النسخة التي عليها المنذري، فمعناه جعل الرجل علي بن أبي طالب ضيفًا له، فصنع أي الرجل له، أي لعلي طعامًا، وأهدى إلى علي.\n(فقالت فاطمة: لو دعونا رسول الله - ﷺ - فأكل معنا) والجزاء محذوف (فدعوه، فجاء، فوضع يده على عضادتي الباب، فرأى القرام) أي الستر (قد ضرب به في ناحية البيت فرجع، فقالت فاطمة لعلي: الحقه انظر ما رجعه، فتبعته) أي رسول الله - ﷺ - (فقلت: يا رسول الله! ما ردك؟ فقال: إنه ليس لي أو) للشك من الراوي (لنبي أن يدخل بيتًا مزوَّقًا) أي مزيَّنًا.\n_________\n= وإزالة المنكر لزمه الحضور والإنكار؛ لأنه يؤدي فرضين: إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر، وإن لم يقدر على الإنكار لم يحضر، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: أما اللهو الخفيف كالدُّفِ والكَبَرِ (أي الطَّبل) فلا يرجع، وقاله ابن القاسم، وقال: أصْبَغُ: يرجع، وقال أبو حنيفة: إذا وجد اللعب فلا بأس أن يقعد فيأكل، وقال محمد: إن كان ممن يُقتدى به فأحب إلى أن يخرج ... إلخ [انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٩٨)]. (ش).\n(١) في نسخة: \"فانظر\".\n(٢) في نسخة: \"أرجعه\".","vol":"11","page":483},{"text":"(١٠) بَابٌ: إِذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ (١) أَيُّهُمَا أَحَقّ؟\n٣٧٥٦ - حدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عن أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِي، عن أَبِي الْعَلَاءِ الأَوْدِيِّ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحِمْيَرِيِّ، عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ\". [ق ٧/ ٢٧٥، حم ٥/ ٤٠٨]\n===\nكتب مولانا محمد يحيى - ﵀ -: ولعل القرام كان فيه تصاوير، أو لأنه علق في غير محله من نحو جدار مما نهى عنه - ﷺ -، انتهى.\nوقال الخطابي (٢): فيه دليل على أن من دعي إلى مدعاة يحضرها الملاهي والمنكر، فإن الواجب عليه أن لا يجيب.\nوالقرام: الستر، وفي رواية أخرى: كان سترًا موشَّى فكره الزينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1459>(١٠) (بَابٌ: إِذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَان أَيُّهُمُا أَحَقُّ</span>؟)\n٣٧٥٦ - (حدثنا هناد بن السري، عن عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدالاني، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، أن النبي - ﷺ - قال: إذا اجتمع الداعيان فأجب) أي قدم إجابة (أقربهما) منك (بابًا، فإن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا) وهذا لو اجتمعا في وقت واحد (و) أما (إن سبق أحدهما) الآخر (فأجب الذي سبق).\n_________\n(١) في نسخة: \"الداعيات\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٤١).","vol":"11","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1460>(١١) بَابٌ: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَالْعَشَاءُ</span>\n٣٧٥٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّد- الْمَعْنَى-. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدِ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ أَحْمَدُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى الْقَطَّانُ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا يَقُومُ حَتَّى يَفْرُغَ\". زَادَ مُسَدَّدٌ: وَكَانَ عَبْدُ الله إِذَا وُضِعَ عَشَاؤُهُ - أَوْ حَضَرَ عَشَاؤُه - لَمْ يَقُمْ حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنْ سَمِعَ الإقَامَةَ، وَإِنْ سَمِعَ قَرَاءَةَ الإمَامِ. [خ ٦٧٣، م ٥٥٩، ت ٣٥٤، حم ٢/ ٢٠]\n٣٧٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ: نَا مُعَلَّى- يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ -، عن مُحَمَّدِ مَيْمُونٍ، عن جَعْفرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن أَبِيهِ،\n===\n\n(١١) (بَابٌ: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَالْعَشَاءُ) (١)\nوإنما خص العشاء بالذكر؛ لأن وقت الغداء ليس وقت الصلاة\n٣٧٥٧ - (حدثنا مسدد، المعنى) هكذا في المجتبائية، وفي الكانفورية والمصرية: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد، المعنى، (ح: وحدثنا أحمد بن حنبل، قال أحمد: حدثني يحيى القطان، عن عبيد الله قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: إذا وضع عشاء أحدكم) بفتح العين المهملة، هو طعام آخر النهار (وأقيمت الصلاة فلا يقوم حتى يفرغ، زاد مسدد: وكان عبد الله إذا وضع عشاؤه أو) للشك من الراوي (حضر عشاؤه لم يقم) أي للصلاة (حتى يفرغ) من الطعام (وإن سمع الإقامة، وإن سمع قراءة الإِمام).\n٣٧٥٨ - (حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع قال: نا معلى- يعني ابن منصور-، عن محمد بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،\n_________\n(١) تقدَّم الكلام على الفقه (١/ ٤٥٠)، وراجع: \"مشكل الآثار\" (٥/ ٢٣٥) ح (١٩٨٧). (ش).","vol":"11","page":485},{"text":"عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تُؤَخَّرُ الصَّلَاةُ لِطَعَامٍ وَلَا لِغَيْرِهِ\". [ق ٣/ ٧٤]\n٣٧٥٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: نَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ: نَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: \"كُنْتُ مَعَ أَبِي في زَمَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى جَنْبِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ: إِنَّا سَمِعْنَا أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْعَشَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ويحَكَ! مَا كَانَ عَشَاؤُهُمْ؟ أَتُرَاهُ مِثْلَ عَشَاءِ أَبِيكَ؟ \". [ق ٣/ ٧٤]\n===\nعن جابر (١) قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تؤخر (٢) الصلاة لطعام ولا لغيره).\n٣٧٥٩ - (حدثنا علي بن مسلم الطوسي قال: نا أبو بكر الحنفي، نا الضحاك بن عثمان، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كنت مع أبي) أي عبيد بن عمير (في زمان ابن الزبير) أي زمان خلافته (إلى جنب عبد الله بن عمر، فقال عباد بن عبد الله بن الزبير: إنا سمعنا أنه يبدأ بالعشاء قبل الصلاة، فقال عبد الله بن عمر: ويحك ما كان عشاؤهم؟) لفظ ما استفهامية، أي: أي طعام كان عشاؤهم (أتراه) أي أتظنه (كان مثل عشاء أبيك) تبسط الموائد والأطعمة بألوان كثيرة حتى لا يفرغوا منها إلا بعد فراغ الصلاة.\nقال الخطابي (٣): وجه الجمع بين الحديثين: أن الأول إنما جاء فيمن كانت نفسه متنازعة (٤) شهوة الطعام، وكان شديد التوقان إليه، فإذا كان كذلك وحضر الطعام، وكان في الوقت فضل، بدأ بالطعام ليسكن شهوة نفسه،\n_________\n(١) ذكره في \"المشكاة\" (١٠٧١) عن \"شرح السنَّة\" (٨٠١). (ش).\n(٢) وجمع بينه وبين ما تقدم بأن المراد التأخير عن الوقت قاله الكمال وغيره بأن ذاك إذا لم تشتهيه، كذا في \"الطحطاوي على مراقي الفلاح\" (ص ١٢٧). (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٤١).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"تنازعه\".","vol":"11","page":486},{"text":"(١٢) بَابٌ: في غَسْلِ الْيَدَيْنِ (١) عِنْدَ الطَّعَامِ\n٣٧٦٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: نَا أَيُّوبُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْن عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَام، فَقَالُواَ: أَلَا نأْتِيكَ بِوَضُوءٍ؟ فَقَالَ: \"إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ\". [ت ١٨٤٧، ن ١٣٢، حم ١/ ٢٨٢، خزيمة ٣٥]\n===\nفلا يمنعه عن توفية الصلاة حقها، وكان الأمر يخف عنهم في الطعام، وتقرب مدة الفراغ منه إذ كانوا لا يستكثرون منه، ولا ينصبون الموائد ولا يتناولون الألوان، فإنما هو مذقة لبن، أو شربة من سويق، أو كف من تمر، أو نحو ذلك، ومثل هذا لا يؤخر الصلاة عن زمانها، ولا يخرجها عن وقتها.\nفأما حديث جابر أنه كان لا يؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره، فهو فيما كان خلاف (٢) ذلك من حال المصلي وصفة الطعام ووقت الصلاة، وإن كان الطعام لم يوضع، وكان الإنسان متماسكًا لنفسه، وحضرت الصلاة، وجب أن يبدأ بها، ويؤخر الطعام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>(١٢) (بَابٌ: في غَسْلِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الطَّعامِ)</span>\n٣٧٦٥ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل قال: نا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله - ﷺ - خرج من الخلاء فقدم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بِوَضوء؟) أي ماء الوضوء (قال) رسول الله - ﷺ -: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"اليد\".\n(٢) وفي \"المعالم\": \"فهو مما كان بخلاف ذلك\".\n(٣) سورة المائدة: الآية ٦.","vol":"11","page":487},{"text":"(١٣) بَابُ غَسْلِ الْيَدِ (١) قَبْلَ الطَّعَامِ\n٣٧٦١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا قَيْسٌ، عن أَبِي هَاشِمٍ، عن زَاذَانَ، عن سَلْمَانَ قَالَ: قَرَأتُ في التَّوْرَاةِ: أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: \"بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ\" (٢) \". [ت ١٨٤٦، حم ٥/ ٤٤١، ك ٤/ ١٠٦]\n===\nفالحاصل: أن الطهارة غير مأمورة إلَّا للصلاة، وأما الطعام فليست بمأمورة فيه، فدخل فيه غسل اليدين للطعام أنه غير واجب (٣).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: لعلهم أرادوا الوضوء الشرعي لما علموا من عادته الدوام على الطهارة، ويمكن أن يكونوا قصدوا بذلك تذكيره لغسل اليدين، إلا أنه أجاب يحمل الوضوء على غير مرادهم لبيان المسألة، وهي أن الطهارة ليست مأمورًا بها إلا عند الصلاة، وكان عدم غسله يده جوابًا لما قصدوه.\n\n(١٣) (بَابُ غَسْلِ (٤) اليَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ)\n٣٧٦١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا قيس، عن أبي هاشم) الرمَّاني (عن زاذان، عن سلمان (٥) قال: قرأت في التوراة: أن بركة الطعام الوضوء قبله، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده).\n_________\n(١) في نسخة: \"اليدين\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وكان سفيان يكره الوضوء قبل الطعام\".\n(٣) وأصرح منه في الباب ما سيأتي في الباب الآتي في طعام الفجاءة، وأخرج نحوه صاحب \"العون\" (١٠/ ١٦٨) عن ابن عباس. (ش).\n(٤) قال صاحب \"العون\" (١٠/ ١٦٧): الأولى إسقاط هذه الترجمة، قلت: لو يحمل على أن المصنف بَوَّبهما باعتبار الحديثين، فمؤدى الأول عدم الغسل، والثاني: الغسل، فلا ضرورة إلى الإسقاط، أو يقال: إنه جمع ببن الحديث يحمل الأول على اليدين، والثاني على اليد الواحدة. (ش).\n(٥) تكلم على الحديث ابن القيم. [انظر: \"مختصر سنن أبي داود مع التهذيب\" (٣/ ٤٤٥)]، وبسطه صاحب \"العون\" (١٠/ ١٦٧، ١٦٨). (ش).","vol":"11","page":488},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>(١٤) بَابٌ: في طَعَامِ الْفُجَاءَةِ</span>\n٣٧٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنا عَمِّي- يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَني خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: \"أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ شِعْبٍ مِنَ الْجَبَلِ وَقَدْ قَضَى حَاجَتَهُ، وَبَيْنَ أَيْدِينَا تَمْرٌ عَلَى تُرْسٍ أَوْ جَحَفَةٍ، فَدَعَوْنَاهُ فَأَكَلَ مَعَنَا، وَمَا مَسَّ مَاءً\". [حم ٣/ ٣٩٧، ق ٧/ ٦٨]\n===\nوالمراد بالوضوء: غسل اليدين فقط، ومذهب الحنفية ما قال في \"الدر المختار\" (٢): وسنَّة الأكل البسملة أوله والحمدلة آخره، وغسل اليدين قبله وبعده \"ملتقى\".\n(قال أبو داود: وهو) أي الحديث (ضعيف) وفي نسخة: وكان سفيان يكره الوضوء قبل الطعام.\n\n(١٤) (بَابٌ: في طَعَامِ الْفُجَاءَةِ)\nأي من غير سبق عدة أو دعوة\n٣٧٦٢ - (حدثنا أحمد بن أبي مريم قال: حدثنا عمي - يعني سعيد بن الحكم - قال: أخبرنا الليث بن سعد قال: أخبرني خالد بن يزيد، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: أقبل رسول الله - ﷺ - من شعب من الجبل وقد قضى حاجته) أي من الغائط، (وبين أيدينا تمر على ترس أو) للشك من الراوي (حجفة، فدعوناه) أي رسول الله - ﷺ - (فأكل معنا، وما مس ماء).\n_________\n(١) في نسخة: \"ثنا\".\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٤٩٠).","vol":"11","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1464>(١٥) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ ذَمِّ الطَّعَام</span>\n٣٧٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي حَازِم، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ\". [خ ٥٤٠٩، م ٢٠٦٤، ت ٢٠٣١، جه ٣٢٥٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1465>(١٦) بَابٌ: في الاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ</span>\n٣٧٦٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي وَحْشيُّ بْنُ حَرْبٍ، عن أَبِيهِ،\n===\n\n(١٥) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ ذَمِّ الطَّعَامِ)\n٣٧٦٣ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: ما عاب رسول الله - ﷺ - طعامًا قط) أما إظهار الكراهة الطبيعية كما في الضب فليس من العيب (إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه).\n\n(١٦) (بَابٌ: في الاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ)\n٣٧٦٤ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا الوليد بن مسلم قال: حدثني وحشي بن حرب) بن وحشي بن حرب الحبشي الحمصي، قال العجلي: لا بأس به، وقال صالح بن محمد: لا يشتغل به ولا بأبيه، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) حرب بن وحشي بن حرب الحمصي، مولى جبير بن مطعم، قال صاحب \"تاريخ حمص\": قرأت في \"كتاب قضاء أبي حبيب\": أتاني شريك بن شريح بستة نفر رضي مقانع، منهم حرب بن وحشي الحبشي، أخرج له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا عن أبيه: \"اجتمعوا على طعامكم\"، قلت: وذكره","vol":"11","page":490},{"text":"عن جَدِّهِ: أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ، قَالَ: \"فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرقُونَ؟ \"، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: \"فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ\" (١). [جه ٣٢٨٦، حم ٣/ ٥٠١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1466>(١٧) بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ</span>\n٣٧٦٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ قَالَ: نَا أَبُو عَاصِمٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ\n===\nابن حبان في \"الثقات\"، وقال البزار: مجهول في الرواية، معروف في النسب.\n(عن جده) وحشي بن حرب، صحابي، نزل حمص، أبو دَسَمَة، ويقال: أبو حرب، قاتل حمزة عم النبي - ﷺ - قبل الإِسلام، وشارك في قتل مسيلمة الكذاب بعد الإِسلام، أسلم في زمان فتح مكة، وقدم مع وفد الطائف على النبي - ﷺ - فاستوصفه عن كيفية قتل حمزة، فذكره له، فقال له: \"غيِّب وجهك عني\".\n(أن أصحاب النبي - ﷺ - قالوا: يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (فلعلكم تفترقون؟) أي تأكلون متفرقين (قالوا: نعم، قال) رسول الله - ﷺ -: (فاجتمعوا على طعامكم) أي كلوا مجتمعين (واذكروا اسم الله عليه، يبارك لكم فيه).\n\n(١٧) (بَابٌ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ)\n٣٧٦٥ - (حدثنا يحيى بن خلف قال: نا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه سمع\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: إذا كنت في وليمة فوضع العشاء فلا تأكل حتى يأذن لك صاحب الدار\".","vol":"11","page":491},{"text":"النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ (١) اللَّه عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّه عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ\". [م ٢٠١٨، جه ٣٨٨٧، حم ٣/ ٣٨٣]\n٣٧٦٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن خَيْثَمَةَ، عن أَبِي حُذَيْفَةَ، عن حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - طَعَامًا لَمْ يَضَعْ أَحَدُنَا يَدَهُ حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ طَعَامًا، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَذهَبَ لِيَضَعَ يَدَهُ في الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِهِ،\n===\nالنبي - ﷺ - يقول: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله) أي اسم الله كما في نسخة (عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان) لإخوانه: (لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر) اسم (الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر) اسم (الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء).\n٣٧٦٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة) سلمة بن صهيب، ويقال: ابن صهيبة، ويقال: صهبة، ويقال صهبان، ويقال: أصيهب، الهمداني الأرحبي الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال يعقوب بن سفيان: اسم أبي حذيفة يزيد بن صهيبة، وهو ثقة، وقال: ذكر أبو إسحاق السبيعي أن اسمه سلمة.\n(عن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله - ﷺ - طعامًا، لم يضع أحدنا يده حتى يبدأ رسول الله - ﷺ -) وكان هذا أدبًا منهم (وإنا حضرنا معه طعامًا، فجاء أعرابي كأنما يدفع) أي كأنه من شدة حرصه ورغبته مدفوع إلى الطعام.\n(فذهب) أي شرع (ليضع يده في الطعام، فأخذ رسول الله - ﷺ - بيده،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"اسم\".","vol":"11","page":492},{"text":"ثُمَّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّمَا (١) تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا في الطَّعَام، قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بيَدِهَا، وَقَالَ: \"إِنَ الشَيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ (٢) الطَّعَامَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإِنَّهُ جَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَجَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةَ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ لَفِي يَدِي مَعَ أَيْدِيهِمَا\". [م ٢٠١٧، حم ٥/ ٣٨٢، ك ٤/ ١٠٨]\n٣٧٦٧ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ، عن هِشَامٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيَّ-، عن بُدَيْلٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عن امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا أُمُّ كُلْثُومٍ،\n===\nثم جاءت جارية) صغيرة (كأنما تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، قال: فأخذ رسول الله - ﷺ - بيدها، وتال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن الشيطان ليستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه) فيأكل مع من لم يُسم الله تعالى (وإنه) أي الشيطان (جاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، وجاء) أي الشيطان (بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، فوالذي نفسي بيده إن يده) أي يد الشيطان (لفي يدي مع أيديهما) أي الرجل والجارية.\n٣٧٦٧ - (حدثنا مؤمل بن هشام قال: نا إسماعيل، عن هشام- يعني ابن أبي عبد الله الدستوائي-، عن بديل، عن عبد الله بن عبيد) بن عمير، (عن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم).\nقال المنذري: وأخرجه الترمذي (٣)، ولم يقل الترمذي: عن امرأة منهم، إنما قال: عن أم كلثوم، وقال الترمذي: وبهذا الإسناد: عن عائشة - ﵂ - قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - في ستة من أصحابه\"، الحديث، وقال: حسن صحيح.\n_________\n(١) في نسخة: \"كأنها\".\n(٢) في نسخة: \"يستحل\".\n(٣) \"سنن الترمذي\" (١٨٥٨).","vol":"11","page":493},{"text":"عن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ الله، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله في أَوَّلهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ\". [ت ١٨٥٨، حم ٦/ ٢٠٧، دي ٢٠٢٦]\n٣٧٦٨ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: نَا عِيسَى - يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ- قَالَ، نَا جَابِرُ بْنُ صُبْحٍ قَالَ، نَا الْمُثَنَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْخُزَاعِيُّ،\n===\nووقع في بعض روايات الترمذي: [أم كلثوم هي بنت أبي بكر الصديق - ﵁ -، وقال غيره فيها:] أم كلثوم الليثية، وهو أشبه، لأن عبيد بن عمير ليثي، ومثل بنت أبي بكر لا يكنى عنها بامرأة، ولا سيما مع قوله منهم، وقد سقط هذا من بعض نسخ الترمذي، وسقوطه الصواب.\nوقد ذكر الحافظ أبو القاسم الدمشقي في \"إشراقه\" لأم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة أحاديث، وذكر بعدها أم كلثوم الليثية، ويقال: المكية، وذكر لها هذا الحديث، وقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث في \"مسنده\" عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة، ولم يذكر فيه أم كلثوم، انتهى.\n(عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا أكل أحدكم) أي طعامًا (فليذكر اسم الله) عليه، (فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره) أي في أوله وآخره، فيحصل له بركة التسمية في الأول أيضًا.\n٣٧٦٨ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني قال: نا عيسى -يعني ابن يونس- قال: نا جابر بن صبح قال: نا المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي) أبو عبد الله، روى عن عمه أمية بن مخشي الخزاعي، وهو عمه، ويقال: جده، قال أبو الحسن بن البراء، سئل عنه علي بن المديني فقال: مجهول، لم يرو عنه غير جابر بن صبح، وروى سيف بن عمر التميمي، عن المثنى بن عبد الرحمن، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، فيحتمل أن يكون هو هذا، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الذهبي: لا يعرف، تفرد عنه جابر بن صبح.","vol":"11","page":494},{"text":"عن عَمِّهِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جالِسًا وَرَجُلٌ يأْكُلُ، فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ: بِسْم اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: \"مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا في بَطْنِهِ\" (١). [حم ٤/ ٣٣٦، ك ٨/ ١٠٤]\n===\n(عن عمه أمية بن مخشي) بميم مفتوحة ثم معجمتين: الأولى ساكنة والثانية مكسورة بعدها ياء كياء النسبة، له صحبة، وحديث واحد في التسمية على الأكل، رواه عنه ابن أخيه، وقيل: ابن ابنه المثنى بن عبد الرحمن.\nقلت: وأخرج الحاكم حديثه في \"المستدرك\" (٢) من طريق مسدد، عن يحيى بن [سعيد، عن] جابر، عن المثنى، وقال: صحيح الإسناد، لكن رواه ابن قانع في \"معجمه\" من طريق مسدد أيضًا، عن يحيى بن [سعيد، عن] جابر بن صبح، عن المثنى بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أمية بن مخشي، هكذا زاد فيه: عن أبيه، وهو وهم، وتابعه عنده عيسى بن يونس، عن جابر بن صبح، وهو وهم أيضًا، فقد رواه أبو داود وابن أبي عاصم وغيرهما من طريق عيسى بن يونس، عن جابر، عن المثنى، عن أمية، ليس بينهما أحد.\n(وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ -، قال: كان رسول الله - ﷺ - جالسًا ورجل) لم أقف على تسميته (يأكل، فلم يسم) أي لم يذكر اسم الله على الأكل (حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فيه) أي فمه (قال) أي الرجل: (بسم الله أوله وآخره، فضحك النبي - ﷺ - ثم قال: ما زال الشيطان (٣) يأكل معه) أي الرجل (فلما ذكر اسم الله استقاء) أي قاء (ما في بطنه) وهذا محمول على\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: جابر بن صبح جد سليمان بن حرب من قِبل أمه\".\n(٢) \"المستدرك\" (٤/ ١٠٨).\n(٣) استدل بذلك من قال: إن الجن يأكلون ويشربون، والمسألة خلافية مبسوطة في \"الفتح\" (٩/ ٥٢٢)، ومال بعضهم إلى أنهم أصناف بعضهم يأكل وبعضهم لا. (ش).","vol":"11","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1467>(١٨) بَابٌ: في الأَكْلِ مُتَّكَئًا</span>\n٣٧٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عن عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا آكُلُ مُتَّكِئًا\". [خ ٥٣٩٨، ت ١٨٣٠، جه ٣٢٦٢، حم ٤/ ٣٥٨، دي ٢٠٧٥]\n===\nالحقيقة، وقيل: على المجاز والاستعارة، واختلفوا في التسمية على الطعام، فقال أصحاب أحمد بالوجوب، والجمهور على أنه سنَّة.\n\n(١٨) (بَابٌ: في الأَكْلِ (١) مُتَّكِئًا)\n٣٧٦٩ - (حدثنا محمد بن كثير قال: نا سفيان، عن علي بن الأقمر قال: سمعت أبا جحيفة قال: قال النبي - ﷺ -: لا آكل متكئًا).\nقال الخطابي (٢): يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه لا يعرفون غيره، فكان بعضهم يتأول هذا الكلام على مذهب الطب، ودفع الضرر عن البدن، إذ كان معلومًا أن الآكل مائلًا على أحد شقيه لا يكاد يسلم من ضغط يناله في مجاري طعامه، ولا يشبعه، ولا يسهل نزوله إلى معدته.\nوقال الشيخ: وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه، وإنما المتكئ ها هنا هو المعتمد على الوطء الذي تحته، فكل من استوى قاعدًا على وطء فهو متكئ، والاتكاء مأخوذ من الوكاء، ووزنه الافتعال منه، فالمتكئ هو الذي أوكى معدته وشَدَّها بالقعود على الوطء الذي تحته، والمعنى: أني إذا أكلت\n_________\n(١) وقال ابن عابدين (٩/ ٤٩٠): لا بأس أن يأكل متكئًا، وبسطه، وقال ابن القيم في \"الهدي\" (٤/ ٢٢١): وقد فسر الاتكاء بالتربع، وبالاعتماد على الشيء، والاتكاء على الجنب، والأنواع الثلاثة ممنوعة، فنوع يضر المعدة وهو الاتكاء على الجنب، والباقيان من جلوس الجبابرة، ولذا قال: \"آكل كما يأكل العبد\"، ثم ولا بأس بالأكل مكشوف الرأس، كذا في \"العالمكيرية\" (٥/ ٣٣٧). (ش).\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" مع \"مختصر المنذري\" (٢/ ٤٤٨).","vol":"11","page":496},{"text":"٣٧٧٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ قَالَ، أَنَا وَكِيع، عن مُصْعَبِ بْنِ سُلَيْم قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: \"بَعَثَنِي النَّبِيُّ (١) - ﷺ - فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدتُهُ يَأكُلُ تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ\". [م ٢٠٤٤، تم ١٥١، دي ٢٠٦٦، حم ٣/ ١٨٠]\n٣٧٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ\n===\nلم أقعد متكئًا على الأوطية والوسائد، فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة، ويتوسع في الألوان، ولكن آكل علقة، وآخذ من الطعام بلغة، فيكون قعودي مستوفزًا له، يروى أنه كان - ﷺ - يأكل مُقْعِيًا ويقول: \"أنا عبد آكل كما يأكل العبد\".\n٣٧٧٠ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: أنا وكيع، عن مصعب بن سليم) مصغرًا، الأسدي، مولى آل الزبير، ويقال له: الزهري؛ لأنه كان حليف بني زهرة، كوفي، قال ابن معين وأبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". (قال: سمعت أنسًا يقول: بعثني النبي - ﷺ - فرجعت إليه فوجدته يأكل تمرًا وهو مقع) (٢).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: والمقبول من هيئة الأكل ما فيه إقبال تام على الطعام، وليس فيه كثرة الأكل باتساع البطن، وليست من هيئة المتكبرين، فما اجتمعت فيه الثلاثة كان أفضل، وما فيه اثنان منهما أو واحد بقدره.\n٣٧٧١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن ثابت\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٢) وفسر الإقعاء بوجوه، والمراد ها هنا التساند إلى ما ورائه، قال المجد: أقعى في جلوسه تساند إلى ما ورائه، كذا في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٩٢)، ولذا ذكره المصنف في هذا الباب، ويحمل هذا على الضرورة لزيادة في رواية \"الشمائل\" (١٥١)، وهو مقع من الجوع. (ش).","vol":"11","page":497},{"text":"الْبُنَانِيِّ، عن شُعَيْب (١) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عن أَبِيهِ قَالَ: \"مَا رُئِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ، وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلَانِ\". [جه ٢٤٤، حم ٢/ ١٦٥]\n\n(١٩) بَابٌ (٢): في الأَكْلِ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ\n===\nالبناني، عن شعيب بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه قال: ما رُئيَ رسول الله - ﷺ - يأكل متكئًا قط). قال المضذري: وأخرجه ابن ماجه، وشعيب هذا هو والد عمرو بن شعيب، ووقع ها هنا في رواية ابن ماجه: شعيب بن عبد الله بن عمرو عن أبيه، وهو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، قال: كان ثابت البناني ينسبه إلى جده حين حدث عنه، وذلك شائع، وإن أراد بأبيه محمدًا فيكون الحديث مرسلًا، فإن محمدًا لا صحبة له، وإن كان أراد بأبيه جده عبد الله فيكون مسندًا، وشعيب قد سمع من جده عبد الله بن عمرو، والله تعالى أعلم.\n(ولا يطأ عقبه رجلان) (٣) أي لا يمشي خلفه رجلان، يعني أنه من غاية التواضع لا يتقدم أصحابه في المشي، إما أن يمشي خلفهم كما جاء، أو يمضي فيهم، وحاصل الحديث: أنه لم يكن على طريق الملوك والجبابرة في الأكل والمشي - ﷺ - وبارك وكرَّم.\nوالرجلان: بفتح الراء وضم الجيم هو المشهور، ويحتمل كسر الراء وسكون الجيم، أي: القدمان، يعني لا يمشي خلفه أحد ذو رجلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1468>(١٩) (بَابٌ: في الأَكْلِ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ)</span>\nقال في \"القاموس\": الصحفة: معروف، وأعظم القِصَاع: الجفْنة، ثم الصحفة، ثم المِئْكَلة، ثم الصُّحَيْفة.\n_________\n(١) في نسخة: \"شعيب بن محمد\".\n(٢) في نسخة: \"باب ما جاء ... إلخ\".\n(٣) باعتبار الأكثر، وإلَّا فقد أخرج البخاري: واتبعته أنا وزيد بن الحارث ... إلخ. (ش).","vol":"11","page":498},{"text":"٣٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ (١) مِنْ أَسْفَلِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا\". [ت ١٨٠٥، جه ٣٢٧٧، حم ١/ ٢٧٠]\n٣٧٧٣ - حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ قَالَ: نَا أَبِي، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عِرْقٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - قَصْعَةٌ (٢) يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ\n===\n٣٧٧٢ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة) أي من وسطهما (ولكن يأكل من أسفلها) أي من أطرافها.\n(فإن البركة تنزل من أعلاها) أي إلى أسفلها، فإن البركة تنزل أولًا على أعلاها، ثم تنصب إلى الأسفل، فإذا أخذ من أعلاها تنقطع البركة، وأما إذا أخذ من الأسافل لا تنقطع، لأنها تنصب من الأعلى.\n٣٧٧٣ - (حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي قال: نا أبي، نا محمد بن عبد الرحمن بن عرق) بكسر المهملة وسكون الراء، اليحصبي، أبو الوليد الشامي الحمصي، عن دُحَيم: ما أعلمه إلا ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وتتمة كلامه لا يعتد بحديثه ما كان من حديث بقية ويحيى بن سعيد العطار ودونه، بل يعتبر بحديثه من رواية الثقات عنه.\n(نا عبد الله بن بسر قال: كان للنبي - ﷺ - قصعة يحملها أربعة رجال\n_________\n(١) في نسخة: \"ليأكل\".\n(٢) في نسخة: \"قصعة يقال لها: الغرَّاء يحملها أربعة رجال\".","vol":"11","page":499},{"text":"يُقَالُ لَهَا: الْغَرَّاءُ، فَلَمَّا أَضْحَوْا (١) وَسَجَدُوا الضُّحَى أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ - يَعْني وَقَدْ ثُرّدَ فِيهَا- فَالْتَفُّوْا (٢) عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجَلْسَةُ؟ قَالَ النَّبِىّ - ﷺ -: \"إِنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَنِى عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْني جَبَّارًا عَنيدًا\"، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا (٣) وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا\". [جه ٣٢٦٣]\n٣٧٧٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: نَا أَبُو مَعْشَرٍ،\n===\nيقال لها: الغرَّاء) بمعنى البيضاء، (فلما أضحوا) أي في خلوا في وقت الضحي (وسجدوا الضحى) أي صلوا صلاة الضحى (أتي (٤) بتلك القصعة، يعني وقد ثرد فيها) أي صنع فيها ثريد (فالتفوا) أي اجتمعوا (عليها) وأحاطوا بها (فلما كثروا، جثا) أي جلس على ركبتيه (رسول الله - ﷺ -، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟) بكسر الجيم، هيئة الجلوس (قال النبي - ﷺ -: إن الله تعالى جعلني عبدًا كريمًا، ولم يجعلني جبارًا عنيدًا، ثم قال رسول الله - ﷺ -: كلوا من حواليها) أي جوانبها وأطرافها (ودعوا) أي اتركوا (ذروتها) أي أعلاها (يبارك فيها).\n٣٧٧٤ - (حدثنا سعيد بن منصور قال: نا أبو معشر) نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، مولى بني هاشم، يقال: إن أصله من حمير، قال عمرو بن عوف عن هشيم: ما رأيت مدنيًا يشبهه ولا أكيس منه، وقال أبو زرعة الدمشقي عن نعيم: كان كيِّسًا حافظًا، وعن يزيد بن هارون قال: سمعت أبا جزء نصر بن طريف يقول: أبو معشر أكذب من في السماء ومن في الأرض، قال يزيد: فوضع الله تعالى أبا جزء، ورفع أبا معشر، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه،\n_________\n(١) في نسخة: \"فلما أصبحوا\".\n(٢) في نسخة: \"فالتقوه\".\n(٣) في نسخة: \"جوانبها\".\n(٤) أي: أحيانًا، وإلا فقد أخرج السيوطي في \"الجامع الصغير\" (٦٦١٦) عن \"الحلية\" بسند صحيح: عن أبي سعيد الخدري: \"كان ﵊ إذا تغدى لم يتعش، وإذا تعشى لم يتغد\". (ش).","vol":"11","page":500},{"text":"عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بالسِّكِّينِ، فَإِنَّهُ مِنْ صَنِيعِ (١) الأَعَاجِمِ، وَانْهَسُوهُ (٢) فَإِنَهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ\" (٣) (٤). [جه ٣٢٦٣]\n===\nويضعفه، ويضحك إذا ذكره، وكان ابن مهدي يحدث عنه، وعن أحمد: حديثه عندي مضطرب لا يقيم الإسناد، وعن يحيى بن معين: كان أميًا ليس بشيء، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان صدوقًا لكنه لا يقيم الإسناد، وليس بذاك، وقال أبو حاتم: كان أحمد يرضاه، ويقول: كان بصيرًا بالمغازي، قال: قد كنت أهاب حديثه حتى رأيت أحمد يحدث عن رجل عنه، فتوسعت بعد فيه، قيل له: وهو ثقة، قال: صالح: لين الحديث، محله الصدق، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بشيء، أبو معشر ريح، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي وأبو داود: ضعيف، وقال الترمذي: تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه.\n(عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: قال رسول الله - ﷺ -: لا تقطعوا اللحم بالسكين، فإنه من صنيع الأعاجم) أي كفار العجم (وانهسوه) أي خذوه بأطراف الأسنان، (فإنه أهنا وأمرأ) أي يصير هنيئًا مريئًا.\nكتب في الحاشية: هذا الحديث أورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٥)، وقال: قال أحمد: ليس بصحيح (٦)، وقال: تفرد به أبو معشر المدني وليس بالقوي.\n_________\n(١) في نسخة: \"من صنع\".\n(٢) في نسخة: \"انهشوه\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ليس هو بالقوي\".\n(٤) هذا الحديث مذكور في النسخة المصرية في \"باب في أكل اللحم\" الآتي، وهو أليق.\n(٥) انظر: \"الموضوعات\" لابن الجوزي (٢/ ٣٠٣).\n(٦) كذا في \"المغني\" (١٣/ ٣٥٧). (ش).","vol":"11","page":501},{"text":"(٢٠) بَابُ (١) الْجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَا يُكْرَه\n٣٧٧٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، عن جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن مَطْعَمَيْنِ: عن الْجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ، وَأَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى بَطْنِهِ\" (٢). [جه ٣٣٧٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَسْمَعْهُ جَعْفَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ مُنْكَرٌ.\n===\nوقد روينا عن عمرو بن أمية الضمري أنه رأى رسول الله - ﷺ - يحتزُّ من كتف شاة، في يده سكين، فدعي إلى الصلاة فألقاها والسكين التي كان يحتزُّ بها، ثم قام فصلَّى ولم يتوضأ (٣)، قال: فيحتمل إن صح حديث أبي معشر في لحم قد تكامل نضجه.\nقلت: وقد ورد مثل حديث عائشة - ﵂ - هذا من حديث أم سلمة، أخرجه الطبراني وغيره، وقد سُقت طرقه في مختصر \"الموضوعات\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>(٢٠) (بَابُ الجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَا يُكْرَهُ)</span>\n٣٧٧٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه) ابن عمر - ﵁ - (قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن مطعمين) أي طعامين أو محل طعامين: (عن الجلوس) متعلق بنهى (على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو مُنْبَطحٌ) أي مستلق (على بطنه، قال أبو داود: وهذا الحديث لم يسمعه جعفر) بن برقان (عن الزهري، وهو منكر).\n_________\n(١) في نسخة: \"ما جاء في الجلوس على مائدة ... إلخ\".\n(٢) في نسخة بدله: \"وجهه\".\n(٣) أخرجه البخاري (٢٠٨)، و\"مسلم\" (٣٥٥).","vol":"11","page":502},{"text":"٣٧٧٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ قَالَ: نَا أَبِي قَالَ: نَا جَعْفَرٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1470>(٢١) بَابُ الأَكْلِ بِالْيَمِينِ</span>\n٣٧٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن جَدِّهِ (١) ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيشْرَبُ بِشِمَالِهِ\". [م ٢٠٢٠، ت ١٧٩٩، \"السنن الكبرى للنسائي\" ٦٨٩٠، دي ٢٠٣٦، حم ٢/ ٣٣]\n===\n٣٧٧٦ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء قال: نا أبي) زيد (قال: نا جعفر أنه بلغه عن الزهري هذا الحديث) أثبت بهذا السند أن هذا الحديث لم يسمعه ابن برقان عن الزهري، بل بلغه عن الزهري بواسطة لا تعرف.\n\n(٢١) (بابُ الأَكْلِ بِالْيَمِينِ)\n٣٧٧٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا سفيان، عن الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب المدني، قال أبو زرعة: مدني ثقة قليل الحديث، (عن جده ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل (٢) بشماله ويشرب بشماله).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) ويشكل على الحديث ما أخرجه شراح \"الشمائل\" من أنه - ﷺ - أخذ الرطب بيمينه والبطيخ بشماله ويأكل من هذا ومن هذا، كما في \"جمع الوسائل\" (١/ ٢٤٠)، لكنهم قالوا: إن السند ضعيف وإن روي من حديث عبد الله بن جعفر وأنس وغيرهما. (ش).","vol":"11","page":503},{"text":"٣٧٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عن أَبِي وَجْزَةَ، عن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"ادْنُ مِنِّي فَسَمِّ اللَّه، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ\". [خ ٥٣٧٦، م ٢٠٢٢، ت ١٨٥٧، جه ٣٢٦٧، حم ٤/ ٢٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>(٢٢) بَابٌ: في كلِ اللَّحْمِ</span>\n٣٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ\n===\n٣٧٧٨ - (حدثنا محمد بن سليمان لوين، عن سليمان بن بلال، عن أبي وجزة) يزيد بن عبيد، السعدي المدني الشاعر، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، شاعرًا، عالمًا، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، (عن عمر بن أبي سلمة قال: قال النبي - ﷺ -: ادْنُ مني) زاد في نسخة: بني \" وكان ابن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - (فسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).\n\n(٢٢) (بَابٌ: في أكلِ اللَّحْمِ)\n٣٧٧٩ - (حَدَّثَنَا محمد بن عيسى) هكذا في أكثر النسخ، وفي النسخة المكتوبة الأحمدية والمكتوبة المدنية: موسى بن عيسى، ولم أجد موسى بن عيسى في شيوخ أبي داود أحدًا، فالظاهر أنه غلط من النساخ، وفي \"الأطراف\" (١): عن محمد بن عيسى بن الطباع، والظاهر أنه الصواب.\n(حدثنا ابن عُلية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن\n_________\n(١) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٤/ ١٩٠) رقم (٤٩٤٦).","vol":"11","page":504},{"text":"مُعَاوِيَةَ، عن عُثْمَانَ بْنِ أَبي سُلَيْمَانَ، عن صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: كُنْتُ آكُلُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فآخُذ اللَّحْمَ مِنَ الْعَظْمِ، فَقَالَ: \"أَدْنِ الْعَظْمَ مِنْ فِيكَ فَإِنَّهُ أَهْنَأ وَأَمْرأُ\" (١). [ق ٧/ ٢٨٠]\n٣٧٧٨٠ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن سَعْدِ بْنِ عِيَاضٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: \"كَانَ أَحَبُّ الْعُرَاقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عُرَاقَ الشَّاةِ\". [تم ١٧٧، حم ١/ ٣٩٧]\n٣٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: نَا أَبُو دَاوُدَ، بِهَذَا الإسْنَادِ،\n===\nمعاوية، عن عثمان بن أبي سليمان، عن صفوان بن أمية قال: كنت آكل مع النبي - ﷺ - فآخذ اللحم) بيدي (من العظم، فقال: أَدْن) أمر من الإدناء، أي قَرِّبْ (العظم من فيك) فخذ اللحم بالأسنان (فإنه أهنأ وأمرأ).\n٣٧٨٠ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: نا أبو داود) الطيالسي (قال: نا زهير، عن أبي إسحاق، عن سعد بن عياض، عن عبد الله بن مسعود قال: كان أحبُّ العُراق) العَرق بفتح عين وسكون: هو عظم عليه لحمه، وقيل: بلا لحم، وجمعه عُراق بضم العين، أي عظم ذو بقية لحم (إلى رسول الله - ﷺ - عراق الشاة).\nقال في \"القاموس\": العُراق (٢): كغُراب، العظم أُكل اسمه، جمعه ككتاب، وكغُراب نادر، أو العرق العظم بلحمه، فإذا أخذ لحمه فهو عُراق، أو كلاهما لكليهما.\n٣٧٨١ - (حدثنا محمد بن بشار قال: نا أبو داود، بهذا الإسناد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: عثمان لم يسمع صفوان، وهو مرسل\".\n(٢) \"العُرَاق\" بضم العين المهملة: جمع عَرْق، بفتحها وسكون الراء، وهو العظم إذا أُخذ عنه معظم اللحم، قال في \"النهاية\" (٣/ ٢٢٠): هو جمع نادر.","vol":"11","page":505},{"text":"قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ، قَالَ: وَسُمَّ في الذِّرَاعِ، وَكَانَ يُرَى أَنَّ الْيَهُودَ هُمْ سَمُّوهُ\". [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>(٢٣) بَابٌ: في أَكْلِ الدُّبَّاءِ</span>\n٣٧٨٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يقُولُ: \"إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسٌ: فَذهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى ذَلِكَ الطَّعَام، فَقَرَّبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرْقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ،\n===\nقال: كان النبي - ﷺ - يعجبه الذراع) لأنه أسرع نضجًا، وألذُّ لحمًا، وأبعدُ عن موضع الأذى (قال: وسُمَّ) أي رسول الله - ﷺ -، جُعل السم (في الذراع، وكان يُرى) بصيغة المجهول، ويحتمل المعروف (إن اليهود هم سَمّوهُ) (١) أي أطعموه السم في الذراع.\n\n(٢٣) (بَابٌ: في أَكْلِ الدُّبَّاءِ)\nوهو القرع\n٣٧٨٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: إن خياطًا) قال الحافظ (٢): لم أقف على اسمه، لكن في رواية ثمامة عن أنس أنه كان غلام النبي - ﷺ -، وفي لفظ: أن مولى له خياطًا دعاه.\n(دعا رسول الله - ﷺ - لطعام صنعه) وكان الطعام ثريدًا، (قال أنس: فذهبت مع رسول الله - ﷺ - إلى ذلك الطعام، فقرب إلى رسول الله - ﷺ - خبزًا من شعير ومرقًا فيه دباء وقديد) أي لحم مملوح مجفف في الشمس.\n_________\n(١) الحديث رواه الترمذي في \"الشمائل\" باب ما جاء في إدام رسول الله - ﷺ - (ص ١٢٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٥).","vol":"11","page":506},{"text":"قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَتَتبَّعُ (١) الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَي الصَّحْفَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمَئِذٍ\". [خ ٥٤٣٦، م ٢٠٤١، ت ١٨٥٠، جه ٢٠٤٤، حم ٣/ ١٥٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>(٢٤) بَابٌ: في أَكْلِ الثَّرِيدِ</span>\n٣٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ السَّمْتِيُّ قَالَ: نَا الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ، عن عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الثَّرِيدَ مِنَ الْخُبْزِ، وَالثَّرِيدُ مِنَ الْحَيْسِ\". [ك ٤/ ١١٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ.\n===\n(قال أنس: فرأيت رسول الله - ﷺ - يَتتبع) أي يلتمس (الدبَّاء من حوالي) أي جوانب (الصحفة، فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذ) أي بعد ذلك اليوم.\n\n(٢٤) (بَابٌ: في كلِ الثَّريدِ)\nوهو أن تفت الخبز ثم تبله بمرق\n٣٧٨٣ - (حدثنا محمد بن حسان السمتي قال: نا المبارك بن سعيد، عن عمرو بن سعيد، عن رجل من أهل البصرة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أحب الطعام إلى رسول الله - ﷺ - الثريد من الخبز) أي والمرق (والثَّريد من الحَيس)، وهو ما يُتَّخذ من الخبز المفتت والتمر والأَقِط والسمن.\n(قال أبو داود: وهو ضعيف)، لأن في سنده رجلًا مجهولًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"يتبع\"، وفي نسخة: \"يَتَّبَّعُ\".","vol":"11","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1474>(٢٥) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ التَّقَذُّرِ لِلطَّعَامِ</span>\n٣٧٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحمدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ قَالَ: نَا سِمَاكُ بْنُ حَرْب قَالَ، نَا (١) قَبِيصَةُ بْنُ هُلْبٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ- وَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَال: إِنَّ مِنَ الطَّعَامٍ طَعَامًا أَتَحَرَّجُ مِنْهُ- فَقَالَ: \"لَا يَتَخَلَّجَنَّ (٢) في نَفْسِكَ (٣) شئٌ ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ\". [ت ١٥٦٥، جه ٢٨٣٠، حم ٥/ ٢٢٦]\n===\n\n(٢٥) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ التَّقَذُّرِ لِلطَّعَامِ)\n٣٧٨٤ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: نا زهير قال: نا سماك بن حرب قال: نا قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، وسأله) الواو للحال، والحال أنه سأله (رجل، فقال: إن من الطعام طعامًا أتحرَّج منه، فقال) رسول الله - ﷺ -: (لَا يَتَخَلَّجَنَّ في نفسك) أي في قلبك (شيء ضارعت فيه النصرانية) أي شابهت فيه الرهبانية، والجملة الشرطية مستأنفة لبيان سبب النهي.\nوالمعنى لا يدخل في قلبك ضيق وحرج، لأنك على الحنيفية السمحة السهلة، فإذا شككت وشددتَ على نفسك بمثل هذا شابهت فيه الرهبانية.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: يحتمل أن تكون الجملة صفة لشيء، وأن تكون جوابًا لشرط محذوف، وأيَّا ما كان فالغرض منه النهي عن تحرز الطيبات من المأكل لا لغرض صحيح عند الشرع.\n_________\n(١) في نسخة: \"ثنا\".\n(٢) في نسخة: \"لَايَتَحَلَّجَنَّ\".\n(٣) في نسخة بدله: \"صدرك\".","vol":"11","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1475>(٢٦) بَابُ النَّهْيِ عن أَكْلِ الْجَلَّالَةِ</span>\n٣٧٨٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا عَبْدَةُ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن ابْنِ أَبِي نَجِيح، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن أَكْلِ الجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا\". [ت ١٨٢٤، جه ٣١٨٩، ق ٩/ ٣٣٢]\n٣٧٨٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ قَالَ: نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عن لَبنِ الْجَلَّالَةِ\". [ت ١٨٢٥، ن ٤٤٤٨، حم ١/ ٢٢٦، ق ٩/ ٣٣٣]\n٣٧٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْج قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ\n===\n\n(٢٦) (بَابُ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الجَلَّالَةِ) (١) وألبانها\n٣٧٨٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل الجلالة وألبانها) والجلالة التي تعتاد أكل العذرة، وهذا إذا ظهر أثر النجاسة في لحمها ولبنها، وأما ما دام لم يظهر أثرها يجوز أكلها، وبعد ظهور الأثر ينبغي أن تحبس حتى يزول أثر النجاسة منها.\n٣٧٨٦ - (حدثنا ابن المثنى قال: حدثني أبو عامر قال: نا هشام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - نهى عن لبن الجَلَّالة) أي عن شربها إذا ظهر أثرها في اللبن.\n٣٧٨٧ - (حدثنا أحمد بن أبي سريج قال: أخبرني عبد الله بن\n_________\n(١) لا يكره أكلها عند مالك كما في \"الشرح الكبير\" (٢/ ٣٧٩)، وحكاه الحافظ في\"الفتح\" (٩/ ٦٤٨)، وقال: الأكثر على أن الكراهة للتنزيه، وذهب جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة إلى أنها للتحريم ... إلخ. قلت: ويظهر الخلاف عندنا أيضًا من \"البدائع\" (٤/ ١٥٣)، ويظهر منه تخصيص الجلَاّلة بالإبل، فتأمل. (ش).","vol":"11","page":509},{"text":"جَهْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عن أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عن نَافِع، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن الْجَلَّالَةِ في الإبِلِ: أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا، أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا\". [ق ٩/ ٣٣٣، ك ٢/ ٣٤]\n\n(٢٧) بَابٌ: في أَكْلِ لُحُومِ (١) الْخَيْلِ\n٣٧٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِي، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: \"نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ عن لُحُومِ الْحُمُرِ، وَأَذِنَ لَنَا في لُحُومِ الْخَيْلِ\". [خ ٥٥٢٤، م ١٩٤١، ن ٤٣٢٧، ت ١٧٩٣، جه ٣١٩١، حم ٣/ ٣٦١]\n٣٧٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ\n===\nيهم قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلالة في الإبل: أن يركب عليها) لأجل النتن في عرقها (أو يشرب من ألبانها).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>(٢٧) (بَابٌ: في أكلِ لُحُومِ الْخَيْلِ)</span>\n٣٧٨٨ - (حدثنا سليمان بن حرب قال: نا حماد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: نهانا رسول الله - ﷺ - يوم خيبر عن كل لحوم الحمر، وأذِنَ لنا في لحوم الخيل) أي يوم خيبر.\n٣٧٨٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله) - ﵁ - (قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"لحم\".","vol":"11","page":510},{"text":"وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ\". [م ١٩٤١، ن ٤٣٤٣، جه ٣١٩١، حم ٣/ ٣٢٢]\n٣٧٩٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شَبِيبٍ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ حَيْوَةُ، نَا بَقِيَّةُ، عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عن صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَن أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ\". زَادَ حَيْوَةُ: \"وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ\" (١). [ن ٤٣٣١، جه ٣١٩٨، حم ٤/ ٨٩]\n===\nوالحمير، فنهانا رسول الله - ﷺ - عن البغال والحمير (٢)، ولم ينهنا عن الخيل).\n٣٧٩٠ - (حدثنا سعيد بن شبيب وحيوة بن شريح الحمصي، قال حيوة: نا بقية، عن ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، عن أبيه) يحيى بن المقدام، (عن جده) مقدام بن معدي كرب، (عن خالد بن الوليد: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، زاد حيوة: وكل ذي ناب من السباع).\nوزاد في نسخة: قال أبو داود، وهذا منسوخ، قد أكل لحوم الخيل جماعة من صحابة رسول الله - ﷺ -، منهم ابن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر - ﵃- وسويد بن غفلة [وعلقمة]، وكانت قريش في عهد رسول الله - ﷺ - تذبحها.\nوقال الخطابي (٣): في حديث جابر بيان إباحة لحوم الخيل، وإسناده\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهو قول مالك، قال أبو داود: لا بأس بلحوم الخيل، وليس العمل عليه\".\n(٢) يحرم عند مالك حمار وحش تأنس، كذا في \"الدسوقي\" (٢/ ٣٨٢). (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٤٥).","vol":"11","page":511},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nجيد، وأما إسناد حديث خالد بن الوليد ففي إسناده نظر، وصالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه، عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض.\nوقد اختلف الناس في لحوم الخيل، فروي عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل، وكرهها أصحاب الرأي ومالك، وقال الجكم: لحوم الخيل في القرآن حرام، ثم تلا: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (١) في تحريم لحوم الخيل، فإن الآية تدل على أن منفعة الخيل مقصورة على الركوب دون الأكل، وإنما ذكر الركوب والزينة لأنها مُعْظم ما يُبْتغى من الخيل، كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، فنصٌّ على اللحم، لأنه معظم ما يؤكل منه، وقد دخل في معناه دمه وسائر أجزائه، وقد سكت عن حمل الأثقال على الخيل، وقال في الأنعام ة ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (٤)، ثم لم يدل ذلك على أن حمل الأثقال على الخيل غير مباح، كذلك الأكل، انتهى.\nقلت: واختلفت الروايات عن الإِمام أبي حنيفة - ﵀ - في لحوم الخيل، فعلى رواية الحسن عنه أنه يحرم أكل لحم الخيل، وأما على ظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه يكره أكله، ولم يطلق التحريم لاختلاف الأحاديث المروية في الباب، واختلاف السلف، وكرهها احتياطًا لباب الحرمة، وأما الاستدلال لأبي حنيفة - ﵀ - علي رواية الحسن بالكتاب، فبقوله جلَّ شأنه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٥)، واستدل به ابن عباس على كراهة أكلها، وهو أنه سُئل عن لحم الخيل فقرأ بهذه الآية، ولم يقل ﵎: \"لتأكلوها\".\n_________\n(١) سورة النحل: الآية ٨.\n(٢) سورة النحل: الآية ٥.\n(٣) سورة المؤمنون: الآية ٢٢.\n(٤) سورة النحل: الآية ٧.\n(٥) سورة النحل: الآية ٨.","vol":"11","page":512},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأما السنَّة فما روي عن جابر - ﵁ -: لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، فأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، فحرم رسول الله - ﷺ - لحوم الحمر الإنسية ولحوم الخيل، الحديث، وعن خالد بن الوليد أنه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، وعن المقدام بن معدي كرب أن النبي - ﷺ - قال: \"حرم عليكم الحمار الأهلي وخيلها\"، وهذا نص على التحريم.\nوبالإجماع، وهو أن البغل حرام بالإجماع، وهو ولد الفرس، فلو كانت أمه حلالًا لكان هو حلالًا أيضًا، لأن حكم الولد حكم أمه، لأنه منها وهو كبعضها، فلما كان لحم الفرس حرامًا كان لحم البغل كذلك.\nوأما ما ورد من الأحاديث في باب الإذن والإباحة، فيحتمل أنه كان ذلك في الحال التي كانت تؤكل فيها الحمر يوم خيبر، وكانت الخيل تؤكل في ذلك الوقت ثم حرمت، يدل عليه ما روي عن الزهري أنه قال: ما علمنا الخيل أكلت إلَّا في حصار، وعن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم، فهذا يدل على أنهم كانوا يأكلونها حال الضرورة، كما قال الزهري، أو يحمل على هذا عملًا بالدليل صيانة لها عن التناقض، أو يترجح الحاظر على المبيح احتياطًا.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"وأَذن لنا في لحوم الخيل\"، فيه تصريح بأنه كان ذلك يوم خيبر، والرواية الآتية تفسر المراد بالإذن أنه كان تقريرًا منه - ﷺ -، ثم إن خالدًا روى التحريم، ولا شك في أنه أسلم بعد خيبر، فلم تكن رواية التحريم إلا متأخرة، والأصل في رواية الصحابي أنه سمع من غير واسطة، واحتمال الواسطة عدول عن الظاهر، فلا يسلم من غير ضرورة.","vol":"11","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1477>(٢٨) بَابٌ: في أَكْلِ الأَرْنَبِ</span>\n٣٧٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامِ بنِ زيدٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"كُنْتُ غُلَامًا حَزَوَّرًا فَاصّدْتُ (١) أَرْنبًا، فَشَوَيْتُهَا، فَبَعَثَ مَعِي أَبُو طَلْحَةَ بِعَجُزِهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَبِلَهَا\". [خ ٥٥٣٥، م ١٩٥٣، ت ١٧٨٩، ن ٤٣١٢، جه ٣٢٤٣، حم ٣/ ١١٨]\n٣٧٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ قَالَ: نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي خَالِدَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ يَقُولُ: \"إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ بِالصّفَاح - قَالَ مُحَمَّد: مَكَانٌ بِمَكَّةَ-\n===\n\n(٢٨) (بَابٌ: في أَكْلِ الأرْنَبِ) (٢)\n٣٧٩١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك قال: كنت غلامًا حزورًا) بفتح المهملة والزاي والواو المشددة وراء، وهو الغلام إذا اشتد وقوي وخدم، وقال يعقوب: هو الذي قد كاد يدرك ولم يعقل.\n(فاصَّدت) أي اصطدت (أرنبًا فشويتها، فبعث معي أبو طلحة بعَجُزِها) (٣) أي بمؤخرها (إلي النبي - ﷺ -، فأتيته بها فقبلها) أي لم يردها.\n٣٧٩٢ - (حدثنا يحيى بن خلف قال: نا روح بن عبادة قال: نا محمد بن خالد قال: سمعت أبي خالد بن الحويرث يقول: إن عبد الله بن عمرو) - ﵁ - (كان بالصفاح - قال محمد: مكان بمكة -) قال في \"معجم\n_________\n(١) في نسخة: \"فصدت\".\n(٢) مباح عند الأربعة، خلافًا لبعض السلف، وشديد الجبن كثير الشبق، يكون ذكرًا سنة وأنثى سنة، كذا في حاشية \"الكوكب الدري\" (٣/ ٥). (ش).\n(٣) ولمسلم: \"بوركيها وفخذيها\"، هكذا في \"المنتقى\" (٣٥٩٥)، وكذا للنسائي ولابن ماجه. (ش).","vol":"11","page":514},{"text":"وَأَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِأَرْنَبٍ قَدْ صَادَهَا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قَدْ جِيءَ بِهَا إِلَى رَسولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَنَا جَالِسٌ فَلَمْ يَأْكُلْهَا وَلَمْ يَنْهَ عن أَكْلِهَا، وَزَعَمَ أَنَّهَا تَحِيضُ\". [ق ٩/ ٣٢١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1478>(٢٩) بَابٌ: في أَكْلِ الضَّبِّ</span>\n٣٧٩٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي بِشْرٍ،\n===\nالبلدان\" (١): الصفاح موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش.\n(وأن رجلًا جاء بأرنب قد صادها، قال: يا عبد الله بن عمرو، ما تقول؟ قال: قد جيء بها إلى رسول الله - ﷺ - وأنا جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها، وزعم أنها تحيض (٢».\nفالحديث الأول يدل على جواز أكل الأرنب، لأنه - ﷺ - قبلها، وأما الثاني فمع ضعفه لا يدل على الكراهة.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: وزعم أنها تحيض، الزعم ها هنا القول، وإنما ذكر لها النبي - ﷺ - تلك الخاصة إظهارًا لحالها العجيبة، وليس المراد بذكره التحريم، أو على الكراهة بملابسة الدم، فإن خروجه أنظف وأبعد من تلبس اللحم به.\n\n(٢٩) (بَابٌ: في أَكْلِ الضَّبِّ) (٣)\n٣٧٩٣ - (حدثنا حفص بن عمر قال: نا شعبة، عن أبي بشر،\n_________\n(١) \"معجم البلدان\" (٣/ ٤١٢).\n(٢) وتحيض من الحيوانات: المرأة والضبع والخفاش والأرنب، ويقال: الكلبة أيضًا، وقيل: الناقة والوزغة أيضًا، كذا في \"القسطلاني\" (١٢/ ٢٨٤)، واكتفى صاحب \"حياة الحيوان\" على الأربعة الأول. [انظر: \"حياة الحيوان\" (١/ ٢٩)]. (ش).\n(٣) ومن العجيب أن له ذكران ولأنثاه فرجان، ويأكل أولاده ظنًا منه إذا خرجوا عن البيض أنهم يفسدون البيض، كذا في \"حياة الحيوان\" (٢/ ١٠٠). (ش).","vol":"11","page":515},{"text":"عن سعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ خَالَتَهُ أَهْدَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَمْنًا وَأَقِطَا وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ مِنَ السَّمْنِ وَمِنَ الأَقِطِ، وَتَرَكَ الأَضُبَّ تَقَذُّرًا، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ - ﷺ -، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. [خ ٢٥٧٥، م ١٩٤٧، ن ٤٣١٩]\n٣٧٩٤ - حَدثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن خًالِدِ بْنِ الْوَليدِ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذِ،\n===\nعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن خالته) أم حفيد بنت الحارث بن حرب الهلالية، أخت ميمونة أم المؤمنين، وكانت نكحت في الأعراب، وهي التي أهدت الضباب (أهدت إلى رسول الله - ﷺ - سمنًا وأقطًا وأضبًا) جمع ضب (فأكل) رسول الله - ﷺ - (من السمن ومن الأقط، وترك الأضب تقذرًا، وأُكل على مائدته - ﷺ -، ولو كان حرامًا ما كل على مائدة رسول الله - ﷺ -).\nقلت: وهذا يدل على الإباحة حين أكل على مائدة رسول الله - ﷺ -، وأما على أنه لم ينه عنه بعد، فلا، فإنه سيأتي أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل الضب، ولو سلِّم عدم تأخر النهي، فغاية ما في الباب حمل الإباحة والنهي في زمان واحد، فيقدم الحرمة على الإباحة (١).\n٣٧٩٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عباس، عن خالد بن الوليد، أنه) أي خالد بن الوليد (دخل مع رسول الله - ﷺ - بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ) أي مشوي\n_________\n(١) لعل ذلك عند الحنفية خلافًا للشافعية، فإنهم رجحوا الإباحة إذ ذاك، كما علل الدميري بذاك إباحة السنجاب، وعلى هذا فهو أصل كبير مختلف فيه، يتفرع عليه كثير من الحيوانات. (ش).","vol":"11","page":516},{"text":"فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ - بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي في بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا النَّبيَّ - ﷺ - بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يدَهُ، قال: فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ (١)؟ قَالَ: \"لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ\".\nقَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَنْظُرُ. [خ ٥٥٣٧، م ١٩٤٦، ن ٤٣١٧، جه ٣٢٤١]\n٣٧٩٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عن حُصَيْنٍ، عن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عن ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ\n===\n(فأهوى) أي أمال (إليه رسول الله - ﷺ - بيده يريد أكلها، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله - ﷺ - بما يريد أن يأكل منه، فقالوا) لرسول الله - ﷺ -: (هو ضب، فرفع رسول الله - ﷺ - يده، قال) أي خالد: (فقلت: أحرام هو) يا رسول الله؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) أي أقذره وأكرهه.\n(قال خالد: فاجتررته) إليَّ (فأكلته ورسول الله - ﷺ - ينظر) أي تعجبًا.\n٣٧٩٥ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا خالد، عن حصين، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة) ويقال: ابن يزيد بن وديعة بن عمرو بن قيس، الخزرجي الأنصاري، أبو سعيد المدني، له ولأبيه صحبة، أخرجوا له حديثًا واحدًا في الضب، ذكر الترمذي في \"تاريخ الصحابة\": أنه ثابت بن يزيد، وأن وديعة أمه، شهد خيبر، ثم شهد صفين مع علي، سكن الكوفة، قال ابن السكن وابن عبد البر: حديثه في الضب يختلفون فيه اختلافًا كثيرًا، قلت: وصححه الدارقطني، وأخرجه أبو ذر الهروي في \"المستدرك على الصحيحين\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يا رسول الله\".","vol":"11","page":517},{"text":"قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في جَيْشٍ، فَأَصَبْنَا ضِبَابًا، فَشَوَيْتُ مِنْهَا ضَبًّا، فَأَتَيْتُ (١) رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ عُودًا فَعَدَّ بِهِ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابًّا (٢) في الأَرْضِ، وَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيَّ الدَّوَابِّ هِيَ؟ \"، قَالَ: فَلَمْ يَأْكُلْ (٣) وَلَمْ يَنْهَ. [ن ٤٣٢١، جه ٣٢٣٨، حم ٤/ ٢٢٠]\n===\n(قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في جيش، فأصبنا ضبابًا) قال: (فشويت منها ضبًا، فأتيت رسول الله - ﷺ - فوضعته بين يديه، قال: فأخذ) رسول الله - ﷺ - (عودًا) أي خشبًا (فعد به أصابعه، ثم قال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابًا في الأرض، واني لا أدري أي الدواب هي، قال: فلم يأكل (٤) ولم ينه عنه).\nقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: كيف يجمع بين هذا وبين ما ورد: \"الممسوخ لا يعيش ثلاثة أيام ولا يعقب\"، والجواب أنه - ﷺ - لعله علم بالمسخ، ولم يعلم بعد أن الممسوخ (٥) لا يعيش ولا يعقب له، ثم بعد ذلك أعلم بذلك، انتهى.\nقلت: يحتمل أن يكون معناه: أن رسول الله - ﷺ - أُعلم بأن أمة من بني إسرائيل مُسخت دوابًا في الأرض، ولا أدري أي الدواب هي، يعني لم يخبر أن أمة من بني إسرائيل التي مسخت على صورة أي الدواب هي، لأن الممسوخ إذا كان على أي صورة الدواب يكون حرامًا، فلو علم أن الممسوخ على صورة الضب، يكون الضب حرامًا، كما أن القردة والخنازير حرام، لأن بعض الأمم مسخت على صورتها، فلما لم يعلم رسول الله - ﷺ - تردد في أكله وتركه، فلم يأكل ولم ينه عنه، ثم بعد ذلك ورد النهي عنه، كما يأتي في الحديث الآتي.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وأتيت\".\n(٢) في نسخة: \"دواب\".\n(٣) زاد في نسخة: \"منه\".\n(٤) وروي له: \"لا آكله ولا أحرمه\"، ذكره ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ٣٢٤). (ش).\n(٥) لكن يشكل عليه ما في \"مسلم\" في الفأرة، آية ذلك لا يشرب لبن الإبل ... إلخ. (ش).","vol":"11","page":518},{"text":"٣٧٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عن ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عن شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عن أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ شِبْلٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ\". [ق ٩/ ٣٢٦]\n===\n٣٧٩٦ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، أن الحكم بن رافع حدثهم، قال: نا ابن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي راشد الحبراني) بضم المهملة وسكون الموحدة، الشامي، قيل اسمه: أخضر، وقيل: النعمان، ثقة.\n(عن عبد الرحمن بن شبل: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن كل لحم الضب)، قال الشوكاني (١): قال النووي (٢): أجمع المسلمون (٣) على أن الضب حلال ليس بمكروه، إلَّا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عن قوم أنهم قالوا: هو حرام، وما أظنه يصح عن أحد، وإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص والإجماع من قبله، انتهى.\nقال الحافظ (٤): قد نقل ابن المنذر عن علي - ﵁ -، فأين يكون الإجماع مع مخالفته؟ ونقل الترمذي (٥) كراهته من بعض أهل العلم، وقال الطحاوي في \"معاني الآثار\" (٦): كره قوم أكل الضب، ومنهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وقد جاء عن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٩٤).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ١١٣).\n(٣) منهم الثلاثة والظاهرية والطحاوي (٤/ ٢٠٠)، وحكى الدميري (٢/ ١٠١) أيضًا الإجماع على إباحته، وذكر أيضًا حديثًا طويلًا في إسلام ألف رجل بشهادة ضب لنبوته - ﷺ -. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٥).\n(٥) \"سنن الترمذي\" (١٧٩١).\n(٦) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٠٠).","vol":"11","page":519},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأنه نهى عن أكل لحم الضب، أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن شبل.\nقال الحافظ في \"الفتح\": وإسناده حسن، وحديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين قوي، وهؤلاء شاميون ثقات، ولا يغتر بقول الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقول ابن حزم: فيه ضعفاء مجهولون، وقول البيهقي: تفرد به ابن عياش وليس بحجة، وقول ابن الجوزي: لا يصح، ففي كل ذلك تساهل لا يخفى، فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري، وقد صحح الترمذي بعضها.\nوأخرج أحصد وأبو داود، وصححه ابن حبان والطحاوي، وسنده على شرط الشيخين من حديث عبد الرحمن بن حسنة: \"نزلنا أرضًا كثيرة الضباب\"، الحديث، وفيه: أنهم طبخوا منها، فقال - ﷺ -: \"إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب، فأخشى أن تكون هذه فاكفؤها\" (١)، ومثله حديث أبي سعيد المذكور في الباب.\nقال في \"الفتح\" (٢): والأحاديث وإن دلت على الحل تصريحًا وتلويحًا، ونصًا وتقريرًا، فالجمع بينها وبين الحديث المذكور: حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ، وحينئذ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثانى الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له، وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه، وأكل على مائدته بإذنه، فدل على الإباحة، وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره، وتحمل على الإباحة على من لا يتقذره، انتهى (٣).\nقلت: وتوجيه الجمع هذا بعيد غاية البعد، بل الوجه أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٩٦)، وابن حبان (٥٢٦٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٩٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٦).\n(٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٩٤).","vol":"11","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1479>(٣٠) بَابٌ: في أَكلِ لَحْمِ الْحُبَارَى</span>\n٣٧٩٧ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْهُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سفِينَةَ،\n===\nأباحه أولًا، ولكن ترك أكله تقذرًا، واعتذر بأنه لم يكن في أرض قومي فأجدني أعافه، ثم تردد فمه باحتمال كونه من الممسوخات، فلم يأمر فيه بشيء ولم ينه عنه، فكان في حكم الإباحة الأصلية، ثم بعد ذلك نهى عضه، فصار حرامًا، وهذا الوجه أولى، لأن فيه تغليب الحظر على الإباحة.\n\n(٣٠) (بَابٌ: في أَكْلِ لَحْمِ الْحُبَارَى) (١)\nوهو طائر معروف، واحدها وجمعها سواء، وألفها ليست للتأنيث ولا للإلحاق، وهو من أشد الطير طيرانًا، وهو طائر كبير العنق رمادي اللون، لحمه بين لحم دجاج ولحم بط\n٣٧٩٧ - (حدثنا الفضل بن سهل قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان البصري، قال ابن عدي: روى عن الثقات المناكير، ولم أر له حديثًا منكرًا يحكم عليه بالضعف من أجله، قال الخليلي في \"الإرشاد\": لا يعرف له إلَّا أحاديث دون العشرة، يروي عنه الهاشمي يعني جعفر بن عبد الواحد، أنكروها على الهاشمي، وهو من الضعفاء، وقال ابن المديني: يمكن أن يكون من الراوي عنه، وقال ابن حبان في \"الثقات\": يتقى حديثه من رواية جعفر عنه.\n(قال: حدثني بريه) (٢) بضم أوله وتخفيف المهملة (ابن عمر بن سفينة) مولى النبي - ﷺ -، أبو عبد الله المدني، اسمه إبراهيم، وبريه لقبه غلب عليه، روى عن أبيه عن جده في أكل الحبارى، قال البخاري: إسناده مجهول، وقال العقيلي: لا يعرف إلَّا به.\n_________\n(١) اختلف في ترجمته، فقيل: \"تغدري\"، وقيل: \"جكا جكوئي\"، وقيل: \"سرخاب\" كما في \"الخصائل شرح الشمائل\". (ش).\n(٢) وفي آخره هاء: تصغير إبراهيم. (ش).","vol":"11","page":521},{"text":"عن أَبِيهِ، عن جدِّهِ قَالَ: \"أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَحْمَ حُبَارَى\". [ت ١٨٢٨، تم ١٦٤، ق ٩/ ٣٢٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1480>(٣١) بَابٌ: في أَكْلِ حَشَرَاتِ الأَرْضِ</span>\n٣٧٩٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا غَالِبُ بْنُ حَجْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مِلْقَامُ (١) بْنُ تَلِبٍّ،\n===\n(عن أبيه) عمر بن سفينة بفتح سين وكسر فاء وبنون بعدها تحتية، الهاشمي، مولى النبي - ﷺ -، قال البخاري: إسناده مجهول، وقال أبو زرعة: عمر صدوق، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال ابن عدي: له أحاديث أفراد لا تروى إلَّا من طريق بُريه عن أبيه، له عنده حديث في أكل الحبارى.\n(عن جده) سفينة (قال: أكلت مع النبي - ﷺ - لحم الحبارى)، ولحم الحُبارى مجمع على حله، لا أرى فيه خلافًا.\n\n(٣١) (بَابٌ: في أَكْلِ حَشَرَاتِ الأرْضِ) (٢)\nمعناه: دواب الأرض كاليرابيع والضباب والقنافذ ونحوها\n٣٧٩٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا غالب بن حجرة) بفتح المهملة والراء وجيم ساكنة بينهما، ابن التَلِبِّ بمفتوحة وكسر لام وبموحدة مشددة، ابن ثعلبة بن ربيعة التميمي العنبري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الأطعمة، وقال ابن حزم: هو والملقام مجهولان، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.\n(قال: حدثني ملقام) بكسر أوله وسكون اللام ثم قاف، ويقال: بالهاء بدل الميم (ابن تلب) التميمي البصري، عنبري، يروي عن أبيه، وله صحبة، وعنه ابن أخيه غالب بن حجرة، ذكره ابن حزم أنه مجهول.\n_________\n(١) في نسخة: \"هلقام\".\n(٢) في \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٧٤): لا تحل الحشرات كالخنفساء. (ش).","vol":"11","page":522},{"text":"عن أَبِيهِ قَالَ: \"صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فلَمْ أَسْمَعْ لِحَشَرَاتِ (١) الأَرْضِ تَحْرِيمَا\". [ق ٩/ ٣٢٦]\n٣٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْكَلْبِيُّ قَالَ: نَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: كنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عن أَكْلِ الْقُنْفُذِ، فَتَلَا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ،\n===\n(عن أبيه) تلب بن ثعلبة بن ربيعة التميمي العنبري، والد ملقام، له صحبة، واختلف بالباء الموحدة التي في آخره، فقيل: خفيفة، وقيل: ثقيلة، وذكر ابن سعد كان في الذين نادوا من وراء الحجرات من بني تميم.\n(قال: صحبت رسول الله - ﷺ - فلم أسمع لحشرات الأرض تحريمًا) قال الخطابي (٢): ليس فيه دليل على أنها مباحة، لجواز أن يكون غيره قد سمعه.\n٣٧٩٩ - (حدثنا أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي قال: نا سعيد بن منصور، نا عبد العزيز بن محمد، عن عيسى بن نميلة) بضم النون، مصغرًا، الفزاري، وثقه ابن حبان، قال في \"التقريب\": حجازي مجهول، (عن أبيه) نميلة الفزاري، مجهول.\n(قال: كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ (٣)، فتلا ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٤) الآية) ليس المراد بتلاوة الآية ها هنا حصر التحريم فيما تناولته الآية، بل المراد: أنه لا تحريم إلا فيما تناولته الآيات أو الروايات، وما لم يرد\n_________\n(١) في نسخة: \"لحشرة\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٤٧).\n(٣) خاربشت حرام عند أحمد، خلافًا لمالك، كذا في \"عون المعبود\" (١٠/ ٢٧٣)، وفي \"المغني\" (١١/ ٦٥): القنفذ حرام عند مالك وأبي حنيفة، ومباح عند الشافعية، وصرَّح الدردير (٢/ ١١٥) بإباحته. (ش).\n(٤) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.","vol":"11","page":523},{"text":"قَالَ: قَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ تقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: \"خَبِيثَةٌ مِنَ الْخَبَائِثِ\". فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ كَانَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - هَذَا فَهُوَ كَمَا قَالَ مَا لَمْ نَدْرِ. [حم ٢/ ٣٨١]\n===\nفيها تحريم فهو باق على حلته الأصلية، كقوله: قل لا أجد محرمًا إلَّا ما ذكر، فما لم يذكر تحريمه لم يكن حرامًا، إلا أن الوجدان أعم من أن يكون في الآية أو الرواية لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١): كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم.\n(قال) نميلة: (قال شيخ عنده) أي ابن عمر: (سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند رسول الله - ﷺ -) أي القنفذ (فقال) رسول الله - ﷺ -: (خبيثة من الخبائث، فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله - ﷺ - هذا فهو كما قال ما لم ندر) قوله: \"ما لم ندر\" هذا في بعض نسخ أبي داود موجود، ويعضها خالية (٢) عنه، معناه: ما لم ندر صحته وثبوته بسند قوي.\nوأما مذهب الحنفية في حشرات الأرض وغيرها من دواب البر، فالذي يعيش في البر أنواع ثلاثة: ما ليس له دم أصلًا، وما ليس له دم سائل، وما له دم سائل، فمثل الجراد والزنبور والذباب والعنكبوت والعضابة والخنفساء والبغاثة والعقرب ونحوها لا يحل أكله - إلا الجراد خاصة-؛ لأنها من الخبائث، لاستبعاد الطبيعة السليمة إياها، وقد قال الله ﵎: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٣)، إلَّا أن الجواد خص من هذه الجملة، لقوله ﵊: \"أحلت لنا الميتتان\"، فبقي على ظاهر العموم.\n_________\n(١) سورة الحشرة الآية ٧.\n(٢) وكدا لم يذكره السيوطي في \"الدر المتثور\" (٣/ ٣٣٥)، وعزاه إلى أبي داود وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه، ولم يذكر لفظ الحديث في \"معالم الخطابي\"، ولم يذكر هذه الكلمة صاحب \"حياة الحيوان\"، والشوكاني، و\"سبل السلام\". (ش).\n(٣) سورة الأعراف: الآية ١٥٧.","vol":"11","page":524},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوكذلك ما ليس له دم سائل مثل: الحية والوزغ وسام أبرص وجيمع الحشرات وهوام الأرض من الفأر والقراد والقنافذ والضب واليربوع وابن عرس ونحوها، ولا خلاف في حرمة هذه الأشياء إلا في الضب، فإنه حلال عند الشافعي - ﵀ -، وعندنا حرام، لقوله ﵎: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، والضب من الخبائث، روي عن عائشة - ﵂ -: \"أن النبي - ﷺ - أهدي إليه لحم ضب، فامتنع أن يأكله، فجاءت سائلة، فأرادت عائشة -رضي أنه عنها - أن تطعمها إياه، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أتُطعمين ما لا تأكلين؟ \".\nولأن الضب من جملة الممسوخ محرمة كالضب والقرد والفيل فيما قيل.\nوما له دم سائل نوعان: مستأنس ومتوحش، فالمستأنس من البهائم لا تحل، منها البغال والحمير عند عامة العلماء، إلَّا ما حكي عن بِشْر المريسي أنه قال: لا بأس بأكل الحمار، ولحم الخيل يكره عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكره، وبه أخذ الشافعي، وأما المتوحش منها نحو: الظباء وبقر الوحش وحمر الوحش وإبل الوحش فحلال بإجماع المسلمين، ولقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (١)، وقوله عز شأنه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢)، فكان حلالًا.\nوأما المستأنس من السباع وهو الكلب والسنور الأهلي فلا يحل، وكذلك المتوحش منها المسمى بسباع الوحش والطير، وهو كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، لما في الخبر المشهور: \"نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير\"، فذو الناب من سباع الوحش، مثل: الأسد والذئب والضبع والنمر والفهد والثعلب والسنور البري والسنجاب والفنك والسمور والدلق والدب والقرد والفيل ونحوها.\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ٤.\n(٢) سورة الأعراف: الآية ١٥٧.","vol":"11","page":525},{"text":"٣٨٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (١) قَالَا، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن عُمَرَ بْنِ زيدٍ الصَّنْعَانِيِّ، أَنَّهُ سمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عن ثَمَنِ الْهِرِّ\".\nقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: \"عن أَكْلِ الْهِرِّ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا\". [ت ١٢٨٠، جه ٣٢٥٠، حم ٣/ ٢٩٧]\n===\nفلا خلاف في هذه الجملة أنها محرمة إلَّا الضبع، فإنه حلال عند الإِمام الشافعي - ﵀ -، وكذا ذو المخلب من الطير كالبازي والباشق والصقر والشاهين والحدأة والنعاب والنسر والعقاب وما أشبه ذلك، فيدخل تحت النهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير.\nوما لا مخلب له من الطير فالمستأنس منه كالدجاج والبط، والمتوحش كالحمام والفاختة والعصافير والقَبَج والكركي والغراب الذي يأكل الحب والزرع، والعقعق ونحوها حلال بالإجماع، وكذلك يكره من الطير ما لا يأكل إلَّا الجيف، ولا بأس بالعقعق لأنه ليس بذي مخلب، ولا من الطير الذي لا يأكل إلا الحب.\nروى أبو يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة في أكل العقعق؟ فقال: لا بأس به، فقلت: إنه يأكل الجيف، فقال: إنه يخلط، فحصل من قول أبي حنيفة أن ما يخلط من الطيور لا يكره أكله كالدجاج، وقال أبو يوسف: يكره؛ لأن غالب أكله الجيف، انتهى ملخص ما في \"البدائع\" (٢).\n٣٨٠٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الملك قالا: نا عبد الرزاق، عن عمر بن زيد الصنعاني، أنه سمع أبا الزبير، عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن الهر، قال ابن عبد الملك) أي شيخ المصنف: (عن أكل الهر وأكل ثمنها)، وقد تقدم الكلام على ثمن الهرة في البيوع.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الغزال أبو بكر\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٤٥ - ١٥٤).","vol":"11","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1481>(٣٢) بَابٌ: في أَكْلِ الضَّبُعِ</span>\n===\nقال المنذري (١): وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وفي إسناده عمر بن زيد الصنعاني ولا يحتج به، وقد تقدم الكلام في كتاب البيوع، وأن مسلمًا أخرج في \"صحيحه\" (٢) من حديث أبي الزبير: قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: زجر النبي - ﷺ - عن ذلك، قلت: أما أكلها فهو حرام؛ لأنه من ذي ناب من السباع.\n\n(٣٢) (بَابٌ: في أَكْلِ الضَّبُعِ)\nقال في \"النيل\" (٣): الضبع (٤) هو الواحد الذكر، والأنثى: ضبعان، ولا يقال: ضبعة، ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرًا وسنة أنثى، فيلقح في حال الذكورة، ويلد في حال الأنوثة.\nوقد أخرج الترمذي وصححه: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة قال: \"قلت لجابر: أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أقاله رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم\"، وفيه دليل على جواز أكل الضبع، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، قال الشافعي: ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه وتمدحه، وذهب الجمهور إلى التحريم، واستدلوا بما تقدم في تحريم كل ذي ناب من السباع، واستدلوا أيضًا بما أخرجه الترمذي\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٣١٧).\n(٢) انظر: \"صحيح مسلم\" (١٥٦٩).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٩٦).\n(٤) وقال الدميري: هو الأنثى، والذكر ضبعان [\"حياة الحيوان\" (٢/ ١٠٣)]، وبه قال المجد، قال صاحب \"عرف الشذي\": يقال له في الهندية: هندَار، وفي الفارسية: كفتار، وما قال الوالد مولانا عبد الحي: إنه (بجو) سهو. انتهى، وفي \"المحيط\" (٤/ ٩٠) ترجمته في الهندية بـ \"هندَار\". (ش).","vol":"11","page":527},{"text":"٣٨٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عن الضَّبُعِ؟ فَقَالَ: \"هُوَ صَيْدٌ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا صادَهُ الْمُحْرِمُ\". [ت ١٧٩١، ن ٤٣٣٣، جه ٣٢٣٦، حم ٥/ ١٨٣، ك ١/ ٤٥٢]\n===\nمن حديث خزيمة بن جزء قال: \"سألت رسول الله - ﷺ - عن الضبع؟ فقال: أو يأكل الضبع أحد؟ \" وفي رواية: \"من يأكل الضبع؟ \" وأجاب الشوكاني عنه بأنه ضعيف.\n٣٨٠١ - (حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي قال: نا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الضبع؟ فقال: هو صيد) أي لا يحل قتله في الإحرام (ويجعل فيه) أي في قتله (كبش إذا صاده المحرم) كالذئب إذا قتله المحرم.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: لا حجة فيه على حل أكله لمن أحل أكله، لأنه بيان لكونه صيدًا، حتى يجب الجزاء بقتله للمحرم (١)، ولذلك ذكر الكبش، انتهى.\nقلت: ولكن الرواية التي في \"الترمذي\" كأنه صريح في حل أكله، ويمكن أن يقال: إن حديث حرمة كل ذي ناب من السباع مصرح بتحريم جميعها، وأما الضبع فليس فيه نص بإباحته، بل الذي قاله جابر هو من\n_________\n(١) وبه قالت المالكية كما في \"الشرح \"الكبير\" (٢/ ٣٢٦)، وكذا الحنابلة كما في \"الروض المربع\" (ص ٢٤٢)، وكذا الشافعية كما في \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٧٤)، و\"مناسك النووي\" (ص ١٧٩)، كذلك عند الحنفية يجب الجزاء إلا أنهم قالوا: إن التقدير بالشاة ليس بحتم، بل المراد في الحديث التقدير، كما في \"الهداية\" (١/ ١٦٥). (ش).","vol":"11","page":528},{"text":"(٣٣) بَابُ (١) مَا جَاءَ في أَكْلِ السِّبَاعِ\n٣٨٠٢ - حدثنا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشْنِيِّ: \"أَنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عن أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ\". [خ ٥٥٣٠، م ١٩٣٢، ت ١٧٩٦، جه ٣٢٣٢، ن ٤٣٢٥، حم ٤/ ١٩٣]\n٣٨٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِي بشْرٍ، عن مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ\n===\nاجتهاده، كأنه فهم من قوله - ﷺ -: إن الضبع صيد بأنه يحل أكله، ولما فهم من قوله - ﷺ - حله، نسب الحل إلى رسول الله - ﷺ - كأنه قاله، فهو إجتهاد من جابر -﵁ -.\nثم نقول: إن الضبع سبع ذو ناب، فيدخل تحت الحديث المشهور، وما روي ليس بمشهور، فالعمل بالمشهور على أن ما روينا محرم، وما رواه محلل، والمحرم يقضي على المبيح احتياطًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1482>(٣٣) (بابُ مَا جَاءَ في أَكلِ السِّبَاعِ)</span>، جمع سبع\n٣٨٠٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة الخشني: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل كل ذي ناب من السبع) كالأسد والذئب والكلب مما يعدو على الناس بأنيابه، وإنما قيده بقيد كونه من السبع؛ لأن البعير له ناب، فخرج بقوله: من السبع، والمراد بالناب: المسألة الجارحة التي بها يعدو على الناس بأنيابه.\n٣٨٠٣ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل كل ذي ناب\n_________\n(١) في نسخة: \"باب النهي عن أكل السباع\".","vol":"11","page":529},{"text":"مِنَ السَّبُعِ، وعن كُلِّ ذِيِ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ\". [م ١٩٣٤، دي ١٩٨٨، حم ١/ ٢٤٤]\n٣٨٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن مَرْوَانَ بْنِ رُوْبَةَ التَّغْلَبِي، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهِدٍ\n===\nمن السبع (١)، وعن أكل كل ذي مخلب من الطير)، والمراد بذي مخلب من الطير الذي يصيد بمخالبه مع الطيران في الهواء.\n٣٨٠٤ - (حدثنا محمد بن المصفى قال: نا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن مروان بن روبة التغلبي، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله - ﷺ - قال: ألا لا يحل ذو ناب من السباع) وهذا مجمع عليه، لم يختلف فيه إلَّا في الضبع.\n(ولا الحمار الأهلي) وحكي عن بشر المريسي أنه قال: لا بأس بأكل الحمار، أي الأهلي، لما روي أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - وقال: فني مالي، ولم يبق لي إلَّا الحمر الأهلية، فقال - ﷺ -: \"كل من سمين مالك، فإني إنما كنت نهيتكم عن جوَّال القرية\".\nوللجمهور الأخبار المستفيضة التي عرفها الخاص والعام، وقبلوها وعملوا بها، فإن في بعضها تصريحًا بأنها رجس، ونادى منادي رسول الله: إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر.\n(ولا اللقطة من مال معاهد) أي ذمي، فمن مال المسلم أولى بالتحريم\n_________\n(١) تكلم عليه في \"حياة الحيوان\" (١/ ١٨)، وقال: قال الجمهور بالحرمة، ومالك بالإباحة. (ش).","vol":"11","page":530},{"text":"إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا. وَأَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ (١) قَوْمًا فَلَمْ يَقْرُوهُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ\". [حم ٤/ ١٣٠]\n٣٨٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عن ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عن ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عن مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ عن أَكْلِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (٣)، وعن كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ\". [ن ٤٣٤٨، جه ٣٢٣٤، حم ١/ ٣٣٩]\n٣٨٠٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عن صَالِحِ بْنِ\n===\n(إلَّا أن يستغني عنها) صاحبها، (وأيَّما رجل ضاف قومًا) أي صار ضيفًا لهم (فلم يقروه) أي لم يطعموه (فإن له أن يعقبهم) أي يأخذ منهم في العقبى (بمثل قراه) وقد تقدم ما يتعلق بحكمه.\n٣٨٠٥ - (حدثنا محمد بن بشار، عن ابن أبي عدي، عن ابن أبي عروة، عن علي بن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) - ﵄- (قال: نهى رسول الله - ﷺ - يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير).\n٣٨٠٦ - (حدثنا عمرو بن عثمان قال: نا محمد بن حرب قال: حدثني أبو سلمة سليمان بن سُليم، عن صالح بن\n_________\n(١) في نسخة: \"أضاف\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن رسول الله - ﷺ - قال: ألا لا يحل ذو ناب من السباع ولا الحمار الأهلي ولا اللقطة من مال معاهد إلَّا أن يستغني عنها، وأيما رجل أضاف قومًا فلم يقروه فإن له أن يعقبهم بمثل قراه، حدثنا محمد بن بشار، عن أبي عروبة، عن علي بن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس\".\n(٣) في نسخة: \"من السبعة\".","vol":"11","page":531},{"text":"يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ (١)، عن جَدِّهِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عن خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (٢) - ﷺ - (٣) خَيْبَرَ، فَأَتَتِ الْيَهُودُ، فَشَكَوْا أَنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى حَظَائِرِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَلَا لَا تَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهِدِينَ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحَرَامٌ عَلَيْكُمْ حُمُرُ الأَهْلِيَّةِ وَخَيْلُهَا وَبِغَالُهَا، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ\". [ن ٤٣٣١، جه ٣١٩٨، حم ٤/ ٨٩]\n===\nيحيى بن المقدام، عن جده المقدام بن معدي كرب، عن خالد بن الوليد قال: غزوت مع رسول الله - ﷺ - خيبر، فأتت اليهود، فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم) جمع حظيرة: وهي مأوى الغنم والإبل، والموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الإبل والغنم يقيها من البرد والريح، والمراد به أرادوا أخذ أغنامنا وإبلنا.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: ألا لا تحل أموال المعاهدين إلَّا بحقها، وحرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير).\nقال ابن حزم: وفي حديثه في تحريم لحوم الخيل دليل الضعف، لأن خالد بن الوليد لم يسلم بلا خلاف إلَّا بعد خيبر، وقال: هذا في هذا الحديث، وذلك يوم خيبر (٤).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن أبيه\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يوم\".\n(٤) قاله ابن العربي: نسخ لحوم الحمر مرتين ... إلخ. [انظر: \"عارضة الأحوذي\" ٥/ ٤٨)]. (ش).","vol":"11","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1483>(٣٤) بَابٌ: في لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّة</span>\n٣٨٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: نَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عن إِسْرَائِيلَ، عن مَنْصُورٍ، عن عُبَيْدٍ أَبِي الْحَسَنِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن غَالِب ابْنِ أَبْجَرَ قَالَ: أَصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ في مَالِي شَئٌ أُطْعِمُ أَهلِي إِلَّا شَئٌ مِن حُمُرٍ، وَقَدْ كَانَ النبِيُّ - ﷺ - حرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنَا السَّنَةُ، وَلَمْ يَكُنْ في مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا سِمَانَ حُمُرٍ (١)، وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؟ فَقَالَ: \"أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِن سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ\n===\n\n(٣٤) (بَابٌ: في أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ)\n٣٨٠٧ - (حدثنا عبد الله بن أبي زياد قال: نا عبيد الله، عن إسرائيل، عن منصور، عن عبيد أبي الحسن، عن عبد الرحمن) بن معقل، (عن غالب بن أبجر) بموحدة وجيم على وزن أحمر، ويقال: ابن ذيخ، ويقال ابن زريح المزني، عداده في أهل الكوفة، روى له أبو داود حديث الحمر الأهلية. قال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا.\n(قال: أصابتنا سنة، فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلَّا شيء) أي قليل (من حمر، وقد كان النبي - ﷺ - حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! أصابتنا السنة) أي القحط (ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلَّا سمان حمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال) رسول الله - ﷺ -: (أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل\n_________\n(١) في نسخة: \"الحمر\".\n(٢) \"الإصابة\" (٣/ ١٨١).","vol":"11","page":533},{"text":"جَوَّالِ الْقَرْيَةِ (١) \" (٢). [ق ٩/ ٣٣٢]\n٣٨٠٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصِّيْصِيُّ قَالَ: نَا حَجَّاجٌ،\n===\nجوال القرية) وقد تقدم (٣) الجواب عن هذا الحديث.\nقال الشوكاني (٤): والحديث لا تقوم به حجة، قال الحافظ (٥): إسناده ضعيف، والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا اعتماد عليه، وقال المنذري: اختلف في إسناده كثيرًا، وقال البيهقي: إسناده مضطرب، قال ابن عبد البر: روى عن النبي - ﷺ - تحريم الحمر الأهلية علي، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وجابر، والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح وحسان، وحديث غالب بن أبجر لا يعرج على مثله مع ما يعارضه، ويحتمل (٦) أن رسول الله - ﷺ - رخص لهم في مجاعتهم، وبين علة تحريمها المطلق لكونها تأكل العذرات.\n٣٨٠٩ - (حدثنا إبراهيم بن حسن المصيصي قال: نا حجاج،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني الجلالة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: عبد الرحمن هو ابن معقل، قال أبو داود: روى شعبة هذا الحديث، عن عبيد أبي الحسن، عن عبد الرحمن بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر، عن ناس من مزينة: أن سيد مزينة أبجر أو ابن أبجر سأل النبي - ﷺ - \".\n٣٨٠٨ - وحدثنا محمد بن سليمان، حدثنا أبو نعيم، عن مسعر، عن ابن عبيد، عن ابن معقل، عن رجلين من مزينة، أحدهما عبد الله بن عمرو بن عويم، والآخر غالب بن الأبجر، قال مسعر: أرى غالبًا الذي أتى النبي - ﷺ -، بهذا الحديث.\n(٣) لعله أراد ما في \"باب لحوم الخيل\" من أن ذاك كان في زمان إباحة الحمر، أو ما في \"باب أكل لحوم الحمر الأهلية\" من أنه يخالف الروايات المستفيضة. (ش).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٨٨).\n(٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٦).\n(٦) ويحتمل عندي أن يجاب بأنه يمكن أن تكون حمره وحشية ثم صارت أهلية، ومثله مباح، كما في \"التعليق الممجد\" (٢/ ٥٤٧). (ش).","vol":"11","page":534},{"text":"عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِيِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"نهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عنْ أَنْ نَأْكُلَ لُحُومَ الْحُمُرِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَأْكُلَ لُحُومَ الْخَيْلِ\". [خ ٥٥٢٤، م ١٩٤١، ت ١٧٩٣، ن ٤٣٢٧، جه ٣١٩١، حم ٣/ ٣٦١]\nقَالَ عَمْرُو: فَأَخْبَرْتُ هَذَا الْخَبَرَ أَبَا الشَّعْثَاءِ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ الْحَكَمُ الْغِفَارِيُّ فِينَا يَقُولُ هَذَا، وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ، يُرِيدُ ابْنَ عَبَّاسٍ.\n٣٨١٠ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: نَا وُهَيْبٌ، عن ابْنِ طَاوسٍ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جدِّهِ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ -\n===\nعن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: أخبرني رجل، عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن أن نأكل لحوم الحمر، وأمرنا أن نأكل لحوم الخيل، قال عمرو) بن دينار: (فأخبرت هذا الخبر أبا الشعثاء، فقال) أي أبو الشعثاء: (قد كان الحكم) بن عمرو (الغفاري) ويقال له: الحكم بن أقرع (فينا) أي عندنا بالبصرة (يقول هذا) أي تحريم الحمر (وأبى) أي أنكر (ذلك) أي تحريم الحمر (البحر) في التيمم صفة لابن عباس (يريد ابن عباس).\nقال الخطابي (١): لحوم الحمر الأهلية محرمة في قول عامة العلماء، وإنما رويت الرخصة فيها عن ابن عباس (٢)، ولعل الحديث في تحريمها لم يبلغه.\n٣٨١٠ - (حدثنا سهل بن بكار قال: نا وهيب، عن ابن طاوس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٥٠).\n(٢) وحكاه العيني في شرح \"الطحاوي\" عنه وعن عائشة وعن عاصم بن عمر بن قتادة وعبيد بن الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وقد قال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" (٣/ ١١٤٤): اختلفوا في تحريمه على أربعة أقوال: الأول: أنها حرمت شرعًا، الثاني: أنها حرمت بجوال القرية، الثالث: أنها كانت حمولة القوم، والرابع: أنها أقنيت قبل القسمة. انتهى. (ش).","vol":"11","page":535},{"text":"يَوْمَ خَيْبَرَ عن لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الْجَلَّالَةِ: وَعَنْ رُكُوبِهَا وَأَكْلِ لَحْمِهَا\". [ن ٤٤٤٧، حم ٢/ ٢١٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>(٣٥) بَابٌ: في أَكلِ الْجَرَادِ</span>\n٣٨١١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي يَعْفُورَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى، وَسَأَلْتُهُ عن الْجَرَادِ، فَقَالَ: \"غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺسِتَّ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، فَكُنَّا نَأْكُلُهُ مَعَهُ\". [خ ٥٤٩٥، م ١٩٥٢، ت ١٨٢١، ن ٤٣٥٧، حم ٤/ ٣٥٣]\n===\nيوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلالة) أي الدابة التي تأكل العذرة (وعن ركوبها وأكل لحمها) أي إذا أنتن لحمها بكثرة أكلها النجاسة، وتعفن عرقها.\n\n(٣٥) (بَابٌ: في أكلِ الْجَرَادِ) (١)\n٣٨١١ - (حدثنا حفص بن عمر النمري قال: نا شعبة، عن أبي يعفور (٢) قال: سمعت ابن أبي أوفى، وسألته) الواو للحال، والحال أني سألته (عن الجراد) أي عن أكلها (فقال) أي ابن أبي أوفى: (غزوت مع رسول الله - ﷺ - ست (٣) أو سبع غزوات، فكنا نأكله معه) (٤) يحتمل أن يكون يريد بالمعية في مجرد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد، ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل على\n_________\n(١) بسط الحافظ (٩/ ٦٢٠)، في أصله: لغته وحقيقته وغير ذلك، وكذا الدميري في \"حياة الحيوان\" (١/ ٢٣٤) فيه أيضًا، اختلفوا في جريان الربا في الجراد ببيعه مع اللحم إلى آخر ما بسط. (ش).\n(٢) اختلف في اسمه كما في \"الترمذي\" وبسطه الحافظ. \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢١). (ش).\n(٣) هكذا بالشك عند البخاري (٥٤٩٥)، قال الحافظ: شك شعبة، \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢١). (ش).\n(٤) هكذا في \"البخاري\" (٥٤٩٥)، وفي \"المجمع\" (١/ ٣٤١): أكثر الروايات خلت عن لفظ: معه ... إلخ. (ش).","vol":"11","page":536},{"text":"٣٨١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: نَا ابْنُ الزِّبْرِقَانِ قَالَ: نَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عن سَلْمَانَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن الْجَرَادِ، فَقَالَ: \"أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ، لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ\". [جه ٣٢١٩، ق ٩/ ٢٥٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الْمُعْتَمِرُ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي عُثْمَانَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، لَمْ يَذْكُرْ سَلْمَانَ.\n===\nالثاني أنه وقع في رواية أبي نعيم في الطب \"ويأكل معنا\"، قاله الحافظ (١).\n٣٨١٢ - (حدثنا محمد بن الفرج البغدادي قال: نا ابن الزبرقان قال: نا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الجراد، فقال: أكثر جنود الله) أي في الأرض (لا آكله (٢» لعدم الرغبة (ولا أحرمه، قال أبو داود: رواه المعتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن النبي - ﷺ -) أي مرسلًا (ولم يذكر سلمان).\nقال: قال النووي (٣): أجمع المسلمون على إباحة أكل الجراد (٤)، ثم قال الشافعي وأبو حنيفة والجماهير: يحل سواء مات بذكاة أو باصطياد مسلم أو مجوسي، أو مات حتف أنفه، سواء قطع بعضه أو أحدث فيه سبب، وقال مالك في المشهور (٥) عنه، وأحمد في رواية: يحل إذا مات بسبب بأن يقطع\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢١).\n(٢) وبه جزم الصَيمُري، كذا في \"الفتح\" (٩/ ٦٢٢)، قال الحافظ: يشكل عليه ما تقدم من رواية أبي نعيم. (ش).\n(٣) وقال الحافظ (٩/ ٦٢٢): فرق ابن العربي بين جراد الحجاز والأندلس، فمنع الثاني للضرر الخالص .. إلخ. (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ١١٥).\n(٥) قال العيني: المشهور عنه اشتراط الذكاة، واختلفوا في صفتها، فقيل: يقطع رأسه، وقال ابن وهب: أخذها ذكاتها ... إلخ، وقال الدردير (٢/ ١١٤): ذكاتها بما يموت، كقطع الرقبة والجناح .. إلخ. [انظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٩٨)]. (ش).","vol":"11","page":537},{"text":"٣٨١٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا، نَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عن أَبِي الْعَوَّام الْجَزَّارِ، عن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عن سَلْمَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سئلَ، فَقَالَ مِثْلَهُ، قَالَ: \"أَكْثَرُ جُنْدِ (١) اللهِ\" [انظر سابقه]\n... (٢)\nقَالَ عَلِيٌّ: اسْمُهُ فَائِدٌ، يَعْنِي أَبَا الْعَوَّامِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سلَمَةَ، عن أَبِي الْعَوَّامِ، عن أَبِي عُثْمَانَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، لَمْ يَذْكُرْ سَلْمَانَ.\n===\nبعضه أو يسلق أو يلقى في النار حيًا، فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحل.\n٣٨١٣ - (حدثنا نصر بن علي وعلي بن عبد الله قالا: نا زكريا بن يحيى بن عمارة، عن أبي العوام الجزار) فائد بن كيسان الباهلي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود وابن ماجه حديث سلمان في الجراد.\n(عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، أن رسول الله - ﷺ - سئل، فقال مثله، فقال: أكثر جند الله) أي: من الدواب في الأرض.\n(قال علي) بن عبد الله شيخ المصنف: (اسمه) أي اسم أبي العوام (فائد، يعني) يريد علي بالضمير في لفظ \"اسمه\" (أبا العوام، قال أبو داود: رواه حماد بن سلمة عن أبي العوام عن أبي عثمان عن النبي - ﷺ -) مرسلًا (لم يذكر سلمان) فاختلف في وصله وإرساله.\n_________\n(١) في نسخة: \"جنود\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"11","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1485>(٣٦) بَابٌ: في أَكْلِ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ</span>\n٣٨١٤ - حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قالَ: نَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ\". [جه ٣٢٤٧، ق ٩/ ٢٢٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَيُّوبُ، وَحَمَّادٌ،\n===\n\n(٣٦) (بَابٌ: في أَكْلِ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ)\nوهو الذي يموت في البحر، ويعلو فوق الماء، ولا يرسب فيه، فعند الحنفية (١) يكره أكله، وقال مالك والشافعي وأحمد والظاهرية: لا بأس به\n٣٨١٤ - (حدثنا أحمد بن عبدة قال: نا يحيى بن سليم الطائفي قال: نا إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما ألقى البحر أو جزر عنه) أي انكشف عنه الماء وذهب عنه (فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه).\n(قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد (٢)،\n_________\n(١) وروي ذلك عن جابر وابن عباس، ولا يضر من أوقفه، فإن الموقوف في مثل هذا كالمرفوع كما هو المعروف، كذا في \"المرقاة\" (٧/ ٧٢٣)، وفي \"الهداية\" (٤/ ٣٥٣) عن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا، وذكر الزيلعي الآثار، وبسط الآثار في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٩٧)، ولخصها في \"التعليق الممجد\" (٢/ ٦٤١)، وروي عن أبي بكر ﵁: الطافي حلال، علقه البخاري في \"صحيحه\" (٧٢ - كتاب الذبائح، ١٢ - باب قول الله تعالى: \"وأحل لكم صيد البحر\"). (ش).\n(٢) أما رواية الثوري، فأخرجها عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤/ ٥٠٥) رقم (٨٦٦٣).\nورواية أيوب، أخرجها ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٥/ ٣٨١).\nأما رواية حماد بن سلمة فلم أجد فيما تتبعت من الكتب.","vol":"11","page":539},{"text":"عن أَبِي الزُّبَيْرِ، أَوْقَفُوهُ عَلَى جَابِرٍ. وَقَدْ أُسْنِدَ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n===\nعن أبي الزبير) أي موقوفًا (أوقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضًا من وجه ضعيف، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ -).\nواحتج الشافعي وغيره بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (١) أي أحل لكم طعامه، وهذا يتناول ما صيد منه وما لم يصد، والطافي لم يصد فيتناوله، وبقوله ﵊: \"أحلت لنا الميتتان السمك والجراد\"، وفسر النبي ﵇ الميتة بالسمك من غير فصل بين الطافي وغيره، وبقوله ﵊: \"وهو الطهور ماؤه والحل ميتته\"، وأحق (٢) ما يتناوله اسم الميتة الطافي.\nولنا حديث جابر هذا، وعن علي -رضي ألمته عنه - أنه قال: \"لا تبيعوا في أسواقنا الطافي\"، وعن ابن عباس -﵄- أنه قال: \"ما دسره البحر وما وجدته يطفو على الماء فلا تأكلوا\".\nأما الآية فلا حجة فيها؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما قذفه البحر إلى الشط فمات، وذلك حلال عندنا، لأنه ليس بطاف، إنما الطافي اسم لما مات في الماء من غير آفة وسبب حادث، وهذا مات بسبب حادث، وهو قذف البحر، فلا يكون طافيًا، والمراد من الحديثين غير الطافي، قاله في \"البدائع\" (٣).\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ٩٦.\n(٢) وأجاب عنه صاحب \"الهداية\" (٤/ ٣٥٣): ميتة البحر ما لفظ البحر؛ ليكون مضافًا إلى البحر لا ما مات فيه من غير آفة. (ش).\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٤٥).","vol":"11","page":540},{"text":"(٣٧) بَابٌ (١): فِيمَنْ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيتَةِ\n٣٨١٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عن جَابِرِ بْنِ سمُرَةَ: أَنَ رَجُلًا\n===\nفإن قلت: ضعف البيهقي (٢) هذا الحديث من يحيى بن سليم، قلت: أخرج له الشيخان فهو ثقة، ونقل ابن القطان في كتابه: أنه ثقة، فإن قلت: قال ابن الجوزي: إسماعيل بن أمية متروك، قلت: ليس كذلك؛ لأنه ظن أنه إسماعيل بن أمية أبو الصلت، وهو متروك الحديث، لا هذا، وهذا إسماعيل بن أمية القرشي الأموي الذي ليس في طبقته.\nفإن قلت: قال أبو داود: ورواه الثوري، وأيوب، وحماد، عن أبي الزبير موقوفًا على جابر، وقد أسند من وجه ضعيف عن [ابن] أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: ليس بمحفوظ، ولا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئًا، قلت: قول البخاري على مذهبه بأنه يشترط لاتصال الإسناد المعنعن ثبوت السماع، وقد أنكر مسلم ذلك إنكارًا شديدًا، فزعم أنه قول مخترع، وأن المتفق عليه أنه يكفي للاتصال إمكان السماع، وابن أبي ذئب أدرك زمان أبي الزبير بلا خلاف، وسماعه [منه] ممكن.\n\n(٣٧) (بَابٌ (١): فِيمَنْ أضْطُرَّ إِلَى الْمَيتَةِ) (٣)\n٣٨١٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة) - ﵁ -: (أن رجلًا) لم أقف على\n_________\n(١) في نسخة: \"باب المضطر إلى الميتة\".\n(٢) وبسط هذا الكلام الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٢٠٢). (ش).\n(٣) فيه سبعة أبحاث في \"الأوجز\" (١٠/ ١٤٩):\nالأول: في حقيقته، وهي عند الجمهور أن يصل به الجوع إلى الهلاك، أو إلى مرض يفضي إلى الهلاك، وفي حكمه الإكراه. =","vol":"11","page":541},{"text":"نَزَلَ الْحَرَّةَ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ نَاقَةً لِي ضَلَّتْ، فَإِنْ وَجَدْتَهَا فَأَمْسِكْهَا، فَوَجَدَهَا فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا، فَمَرِضَتْ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: انْحَرْهَا، فَأَبَى، فَنَفَقَتْ، فَقَالَتْ: اسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا وَنَأكُلَهُ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَتَاهُ فَسَاَلَهُ، فَقَالَ: \"هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَكُلُوهَا\"، قَالَ: فَجَاءَ صَاحِبُهَا،\n===\nتسميته (نزل الحرة) موضع بقرب المدينة ذات حجارة سود (معه أهله وولده، فقال رجل) لهذا الرجل النازل: (إن ناقة لي ضلت، فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها فلم يجد صاحبها) حتى يؤديها إليه (فمرضت) الناقة وأشرفت على الموت (فقالت امرأته: انحرها) حتى نأكلها ولا تضيع (فأبى) أي الرجل النازل (فنفقت) أي ماتت (فقالت) المرأة: (اسلخها) أي اسلخ جلدها (حتى نقدد) أي نقطع (شحمها ولحمها ونأكله) لأنا مضطرون.\n(فقال:) لا أفعل (حتى أسأل رسول الله - ﷺ - فأتاه) أي أتى ذلك الرجل النازل رسول الله - ﷺ - (فسأله فقال) رسول الله - ﷺ -: (هل عندك غنى يغنيك؟) أي يغنيك عن أكل الميتة (قال) الرجل: (لا، قال) رسول الله - ﷺ -: (فكلوها، قال) جابر بن سمرة: (فجاء صاحبها) أي صاحب الناقة\n_________\n= الثاني: في مقدار الأكل، وهو سد الرمق عندنا، وهو المشهور عند الشافعي وأحمد، ورواية مرجوحة عن مالك، والراجح المعتمد عند مالك، وهو غير المشهور عنهما: يجوز له الشبع.\nوالثالث: هل يجب الأكل أو يباح، أرجح روايتي أحمد وأصح وجهي الشافعي: الوجوب، وبه قال مالك والحنفية، إلا أبا يوسف فقال بالإباحة، وهو إحدى روايتي الشافعي وأحمد.\nوالرابع: السفر والحضر سواء عند الجمهور، ورواية لأحمد تختص بالسفر.\nوالخامس: لا يجوز للعاصي في السفر عند الثلاثة خلافًا للحنفية.\nوالسادس: يجوز له التزود في أصح روايتي أحمد، وبه قال الشافعي ومالك، والأخرى لأحمد: لا يجوز.\nوالسابع: الخمر كالميتة عندنا، ولا يجوز عند الشافعي ومالك. (ش).","vol":"11","page":542},{"text":"فَاَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: \"هَلَّا كُنْتَ نَحَرْتَهَا؟ \" قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْكَ\". [حم ٥/ ٨٧، ق ٩/ ٣٥٦]\n٣٨١٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: نَا عُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عُقْبَةَ الْعَامِرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عن الْفُجَيْعِ الْعَامِرِيِّ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فقَالَ (١): مَا تَحِلِّ لَنَا (٢) الْمَيْتَةُ؟ قَالَ: \"مَا طَعَامُكُمْ؟ \" قُلْنَا (٣): نَغْتَبِقُ وَنَصْطَبحُ،\n===\n(فأخبره الخبر) أي قص عليه القصة (فقال) صاحب الناقة: (هلَّا كنت نحرتها؟ قال) الرجل النازل: (استحييت منك) بأنك تظن أني أكلت ناقتك بهذه الحيلة.\n٣٨١٦ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا الفضل بن دكين قال: نا عقبة بن وهب بن عقبة العامري) البكائي الكوفي، قال علي وسفيان: ما كان يدرى ما هذا الأمر، يعني الحديث، ولا كان شأنه، وقال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا فيمن تباح له الميتة، وقال مهنا عن أحمد: لا أعرفه، وقال ابن عدي: ليس بمعروف.\n(قال: سمعت أبي) وهب بن عقبة العامري البكائي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كوفي (يحدث عن الفجيع) مصغرًا (العامري) له صحبة، وهو فجيع بن عبد الله بن جندب البكائي العامري، روى عن النبي - ﷺ -، فيما يحل من الميتة، ذكره ابن سعد في طبقة الفَتْحِيين، وقال البغوي: سكن الكوفة.\n(أنه أتى رسول الله - ﷺ - فقال: ما تحل لنا الميتة؟) بتقدير الاستفهام، وما نافية، أي: أما تحل لنا الميتة؟ وفي نسخة: \"من الميتة\"، (قال) رسول الله - ﷺ -: (ما طعامكم؟ قلنا: نغتبق ونصطبح) أي نشرب قدحًا من اللبن مساءً وقدحًا صباحًا.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"قلنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"من\".\n(٣) في نسخة: \"قال\".","vol":"11","page":543},{"text":"قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَسَّرَهُ لِي عُقْبَةُ: قَدَحٌ غُدْوَةً، وَقَدَحٌ عَشِيَّةً، قَالَ: \"ذَاكَ- وَأَبِي- الْجُوعُ\"، فَأَحَلَّ لَهُمُ الْمَيْتَةَ عَلَى هَذ الْحَالِ (١). [ق ٩/ ٣٥٧]\n===\n(قال أبو نعيم) وهو الفضل بن دكين شيخ المصنف: (فسره) أي لفظ نغتبق ونصطبح (لي) شيخي (عُقبة: قدح) أي من اللبن (غدوة، وقدح عشية، قال) رسول الله - ﷺ -: (ذلك) أي الحال (وأبي) الواو للقسم تأكيدًا (الجوع) أي هذا القدر لا يكفي من الجوع، بل هو الجوع المجوز للميتة المثبت حالة المخمصة (فأحل لهم الميتة على هذه الحال).\nقال الخطابي (٢): القدح من اللبن بالغداة، والقدح بالعشي يمسك الرمق، ويقيم النفس، وإن كان لا يغذو البدن ولا يشبع الشبع التام، وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة، فكان دلالة أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت، وإلى هذا ذهب مالك بن أنس، وهو قول الشافعي، وذلك أن الحاجة منه قائمة إلى الطعام في تلك الحالة كهي في الحال المتقدمة، فمنعه في إباحته له غير جائز قبل أن يأخذ منه حاجته، وهذا كالرجل يخاف العنت، ولا يجد طولًا لحرة، فإذا أبيح له نكاح الأمة، وصار إلى أدنى حال التعفف لم يبطل النكاح.\nوقالا أبو حنيفة: لا يجوز له أن يتناول منها إلَّا قدر ما يمسك رمقه، وإليه ذهب المزني، وقالوا: ذلك لأنه لو كان في الابتداء بهذه الحالة لم يجز له أن يأكل شيئًا منها، فكذلك إذا بلغها بعد تناولها، وقد روي نحو ذلك عن الحسن البصري، وقال قتادة: لا يتضلع، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: لعل أبا داود أورد الحديثين لإثبات مذهبهم، وأراد أن الاضطرار لا يتوقف على خوف الهلاك، كيف وقد ثبت في الرواية الأولى مطلق الأكل، فلا يتقيد بقدر، وفي الثانية ثبت أن خوف الهلاك\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الغَبوق من آخر النهار، والصبوح من أول النهار\".\n(٢) \"معالم \"السنن\" (٤/ ٢٥٣، ٢٥٤).","vol":"11","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1487>(٣٨) بَابٌ: في الْجَمْعِ بَيْنَ لَوْنَيْنِ </span>(١)\n٣٨١٧ - حَدَّثَنَا حُمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عن حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي خُبْزَةً بَيْضَاءَ مِنْ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ مُلَبَّقَةً بِسَمْنٍ وَلَبَنٍ\"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَاتَّخَذَهُ، فَجَاءَ بِهِ، فَقَالَ:\n===\nليس بمناط لحل الميتة، كيف والمرأ ليس بعد اغتباق القدح واصطباحه مما يخاف عليه هلاك، فالجواب: أما عن الأول فلأن المطلق يتقيد بالآية، فإن المضطر بعد أكل مقدار منه لم يبق مضطرًا حتى يحل له الأكل، وأما عن القدح فبأن (٢) القدح كان لكل أهل البيت جميعًا، لا قدحًا قدحًا لكل أحد، فإن بعد القدحين في يوم لا حاجة في الطعام فضلًا عن الاضطرار.\n\n(٣٨) (بَابٌ: في الْجَمْعِ بَيْنَ لَوْنَيْنِ) (٣) مِنَ الطَّعام\n٣٨١٧ - (حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة) أي حنطة (سمراء ملبقة) أي مخلوطة (بسمن ولبن، فقام رجل من القوم) لم أقف على تسميته (فاتخذه)\nأي الطعام (فجاء به) أي إلى رسول الله - ﷺ - (فقال) أي رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من الطعام\".\n(٢) به جزم صاحب \"المحلى على الموطأ\"، وقال: القرينة عليه خطاب الجمع عليكم\" انتهى. (ش).\n(٣) وبنحو ذلك بوَّب البخاري، قال الحافظ: لعلَّه لمح إلى تضعيف حديث أنس أنه ﵊ أتي بإناء أو بقعب فيه لبن وعسل، فقال: أدمان في إناء؟ لا آكله ولا أحرمه، أخرجه الطبراني، وفيه راو مجهول. انتهى. [انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧٣) ح (٥٤٤٩)]. (ش).","vol":"11","page":545},{"text":"\"في أَيِّ شَيء كَانَ هَذَا؟ \" قَالَ: في عُكَّةِ ضَبٍّ، قَالَ: \"ارْفَعْهُ\" (١) [جه ٣٣٤١، ق ٩/ ٣٢٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>(٣٩) بَابٌ: في أَكْلِ الْجُبْنِ</span>\n٣٨١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ قَالَ: نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ،\n===\n(في أي شيء كان هذا؟) أي السمن (قال: في عكة ضب، قال: ارفعه).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: وكان ذلك لبيان مسألة، وهي أن إظهار مثل هذه الرغبة غير داخل في المسألة المنهي عنها، والحديث يشير إلى عدم جواز الضب؛ لأنها لو كانت حلالًا لم يأمر - ﷺ - برفع الطعام المخلوط بالسمن الذي كان في عكة الضب، وأما الاعتذار بأنه رفعه لتنفر الطبع غير سديد؛ لأن السمن لا أثر فيه لجلد الضب ولا لحمه.\n\n(٣٩) (بَابٌ: في أَكْلِ الْجُبْنِ)\nقال في \"القاموس\": الجبن: بالضم وضمتين وكعُتُلِّ: معروف\n٣٨١٨ - (حدثنا يحيى بن موسى البلخي قال: نا إبراهيم بن عيينة) بن أبي عمران الهلالي مولاهم الكوفي، أبو إسحاق، أخو سفيان، قال ابن معين: كان مسلمًا صدوقًا، لم يكن من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتم: شيخ يأتي بالمناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العجلي: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو داود في بني عيينة: كلهم صالح.\n(عن عمرو بن منصور) الهمداني المشرقي بكسر الميم وسكون المعجمة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهذا حديث منكر، قال أبو داود: وأيوب هذا ليس هو السخنياني\"، قلت: بل هو أيوب بن خوط منكر الحديث، بسطه الحافظ في \"التهذيب\" (١/ ٤٠٢) وذكر هذا الحديث. (ش).","vol":"11","page":546},{"text":"عن الشَّعْبِيِّ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِجُبْنَةٍ في تَبُوكَ، فَدَعَا بِسِكِّينٍ فَسَمَّى وَقَطَعَ\". [ق ١٠/ ٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>(٤٠) بَابٌ: في الْخَلِّ</span>\n٣٨١٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، عن مُحَارِبٍ (١) عن جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"نِعْمَ الإدَامُ (٢) الْخَلُّ\". [م ٢٠٥٢، ت ١٨٣٩، ن ٣٧٩٦، جه ٣٣١٧، حم ٣/ ٣٠١]\n===\nوفتح الراء بعدها قاف، الكوفي، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديث ابن عمر في قصة قطع الجبن بالسكين في تبوك.\n(عن الشعبي، عن ابن عمر) - ﵁ - (قال: أتي النبي - ﷺ - بجبنة في تبوك، فدعا بسكين) لعله كان قديمًا يابسًا (فسمَّى) أي قال: بسم الله (وقطع). وإنما عقد الباب له لأن في صنعته كان احتمال النجاسة، فأثبت بالحديث أنه طاهر يجوز أكله، ويجوز قطعه بالسكين.\n\n(٤٠) (بَابٌ: في الْخَلِّ)\nقال في \"القاموس\": الخل: ما حمض من عصير العنب وغيره.\n٣٨١٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا معاوية بن هشام قال: حدثني سفيان، عن محارب، عن جابر) - ﵁ -، (عن النبي - ﷺ - قال: نعم الإدام النحل) (٣) لأنه أقل مؤنة وأقرب إلى القناعة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن دثار\".\n(٢) في نسخة: \"الأدم\".\n(٣) وها هنا مسألة مهمة، وهي أنه بتبدل الحقيقة يتبدل الحكم، فالعصير طاهر، ثم يصير خمرًا وهو نجس، ثم يصير خلًّا وهو طاهر، بسطه الشامي. [انظر: \"رد المحتار\" (١٠/ ٣٠)]. (ش).","vol":"11","page":547},{"text":"٣٨٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا، نَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عن طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، عن جَابِرِ (١)، عن النَّبِي - ﷺ - (٢) قَالَ: \"نِعْمَ الإدَامُ الْخَلُّ\". [انظر سابقه]\n===\nقال الخطابي (٣): معنى هذا الكلام مدح الاقتصاد في المأكل، ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة، كأنه يقول: ائتدموا بالخل، وما كان في معناه مما تخف مؤنته، ولا يعز وجوده، ولا تتأنقوا في المطعم، فإن تناول الشهوات مفسدة للدين، سقمة للبدن، وفيه من الفقه أن من حلف أن لا يأتدم فأكل خلًّا بخبز حنث، انتهى.\nقلت: غرض الخطابي من بيان مراد الحديث: هو مدح الاقتصاد في المأكل، وأما مدح النحل فهو داخل فيه وتابع له، ولا ينافيه ما ورد من ذكر الاقتصاد في الروايات الآخر، فقول النووي (٤): الصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح للخل نفسه، وأما الاقتصاد في المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخر، ليس كما ينبغي فضلًا عن أن يكون صوابًا.\n٣٨٢٠ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي ومسلم بن إبراهيم قالا: نا المثنى بن سعيد، عن طلحة بن نافع، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: نعم الإدام الخل).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عبد الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٣) \"معالم \"السنن\" (٤/ ٢٥٤).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٢٥٦).","vol":"11","page":548},{"text":"(٤١) بَابٌ: في (١) الثُّومِ\n٣٨٢١ - حَدثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَاب قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبي رَبَاحٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ في بَيْتِهِ\"، وَإِنَّهُ أُتِيَ بِبَدْرٍ فِيهِ خَضِرَات مِنَ الْبُقُولِ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِن الْبُقُولِ، فَقَالَ:\n===\n\n(٤١) (بَابٌ: في) أكل (الثُّومِ)\n٣٨٢١ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، أن جابر بن عبد الله قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا) أي مجلسنا (أو) للشك من الراوي (ليعتزل مسجدنا) (٢)، والمراد بالمساجد والمجالس المضافة إلى ضمير الجمع المتكلم مجالس المسلمين ومساجدهم.\n(وليقعد في بيته) لأن نتنه يؤدي الناس والملائكة. (وإنه) (٣) أي رسول الله - ﷺ - (أتي ببدر) وهو طبق يتخذ من خوص، وسمي بدرًا لاستدارته (فيه خضرات من البقول، فوجد لها) أي رسول الله - ﷺ - (ريحًا) لأنه لم يكمل نضجه (فسأل) أي رسول الله - ﷺ - (فأخبر بما فيها من البقول، فقال) رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أكل\".\n(٢) قال العيني: شَذَّ بعض أهل الظاهر- خلافًا لابن حزم- فحرموا هذه الأشياء لإفضائها إلى ترك الجماعة، وهي عندهم فرض ... إلخ. [انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٣٣)]. (ش).\n(٣) أشار الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٤١) إلى أنهما حديثان بينهما ست سنين، فإن الأول أي حديث: \"ليعتزل مسجدنا\" في غزوة خيبر، والثاني، يعني هذا، في قدومه - ﷺ - المدينة ونزوله بيت أبي أيوب، كذا في \"اللامع\" (٣/ ٤٥٣). انتهى. (ش).","vol":"11","page":549},{"text":"\"قَرُّبوهَا\"- إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ- فَلَمَّا رَآه كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ: \"كُلْ فَإِنّى أُناجِي مَنْ لَا تُنَاجِي\". [خ ٨٥٥، م ٥٦٤، ت ١٨٠٦، ن ٧٠٧، حم ٣/ ٣٨٠]\nقَالَ أَحْمَدُ (١): بِبَدْرٍ، فَسَّرَهُ ابْنُ وَهْبٍ: طَبَق.\n٣٨٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرو، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثهُ، أَنَّ أَبَا النَّجِيبِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ\n===\n(قربوها- إلى بعض أصحابه كان معه-) أي في البيت، وهو أبو أيوب الأنصاري. (فلما رآه) أي رأى رسول الله - ﷺ - بعض أصحابه (كره أكلها) أي البقول؛ لأن رسول الله - ﷺ - كره أكلها (قال) أي رسول الله - ﷺ - له: (كُل) أي أنت لأنه ليس بحرام، ولكن أكرهه لرائحته (فإني أناجي من لا تناجي) أي الملائكة (قال أحمد) بن صالح شيخ المصنف: (ببدر، فسره) أي البدر (ابن وهب: طبق).\n٣٨٢٢ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا ابن وهب قال: أخبرني عمرو، أن بكر بن سوادة حدثه، أن أبا النجيب) العامري السرخسي المصري، مولى ابن أبي سرح، ويقال: أبو النجيب بالتاء المثناة، وكان فقيهًا، قال الحافظ: قال ابن يونس: ظليم أبو النجيب، مولى ابن أبي السرح، كان أحد الفقهاء في أيامه، قال لي أبو عمر: ثنا ابن فديك، ثنا يحيى بن عمرو بن سواد، عن اسم أبي النجيب فقال: اسمه ظليم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وضبطه أبو أحمد الحاكم وابن عبد البر [و] غير واحد بالتاء المثناة المضمومة قبل الجيم، وكذا وقع في رواية النسائي في نسخة أبي الأحمر (٢).\n(مولى عبد الله بن سعد) بن أبي السرح القرشي العامري، وكان عبد الله\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن صالح\".\n(٢) كذا في \"التهذيب\" (١٢/ ٢٥٤) أيضًا، وهو تصحيف، والصواب: ابن الأحمر، وهو محمد بن معاوية أبو بكر المعروف بابن الأحمر. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٦٨).","vol":"11","page":550},{"text":"حَدَّثَهُ، أَنَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الثومُ وَالْبَصَلُ، وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهُ الثُّوْمُ، أَفَتُحِرِّمُهُ؟ فَقَالَ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"كُلُوهُ، وَمَنْ أَكَلَهُ (١) مِنْكُمْ فَلَا يَقْرَبْ هَذا الْمَسْجِدَ حَتَّى يَذْهَبَ مِنْهُ رِيحُهُ\". [خزيمة ١٦٦٩، حب ٢٠٨٥، ق ٣/ ٧٧]\n٣٨٢٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ قَالَ: نَا جَرِيرٌ، عن الشَّيْبَانِيِّ، عن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عن حُذَيْفَةَ- أَظُنُهُ\n===\nأخا عثمان من الرضاعة، كان يكتب للنبي - ﷺ -، فارتد فلحق بالكفار، فأهدر رسول الله - ﷺ - دمه يوم الفتح، فاستجار له عثمان، فأجاره وبايعه.\n(حدثه، أن أبا سعيد الخدري حدثه، أنه ذكر عند رسول الله - ﷺ - الثوم والبصل، وقيل: يا رسول الله! وأشد ذلك كله) أي في النتن والرائحة (الثوم، أفتحرمه (٢)؟ فقال النبي - ﷺ -: كلوه، ومن أكله منكم) ومنه في فيه ريح (فلا يقرب هذا المسجد حتى يذهب منه ريحه).\nوهذا الحديث والأحاديث التي في الباب تدل على أن أكل البصل والكراث والثوم مطبوخًا كان أو غير مطبوخ جائز، وعليه أن يقعد في بيته، ولا يحضر المسجد والجماعة حتى يذهب ريحه، وكذا من به جرح متعفن يخرج منه رائحة، وصاحب البخر والدفر، والذي استعمل دواء كريه الرائحة يؤدي الناس بريحه، لا يجوز لهم الخروج إلى المسجد، والشهود إلى الجماعة، والله تعالى أعلم.\n٣٨٢٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا جرير، عن الشيباني) أبي إسحاق، (عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن حذيفة- أظنه\n_________\n(١) في نسخة: \"من أكل\".\n(٢) قال النووي: اختلف أصحابنا هل كانت هذه الأشياء محرمة عليه - ﷺ -؟ الأصح أنه مكروه تنزيهًا. [انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٥٧، ٥٨)]. (ش).","vol":"11","page":551},{"text":"عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ تَفَلَ تِجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَمَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ثَلَاثًا\". [خزيمة ١٦٦٣، ق ٣/ ٧٦، حب ١٦٣٩]\n٣٨٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبَلٍ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِدَ\". [خ ٨٥٣، م ٥٦١، حم ٢/ ١٣]\n٣٨٢٥ - حَدثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ قَالَ، نَا أَبُو هِلَالٍ\n===\nعن رسول الله - ﷺ -) وهذا كلام من بعض الرواة، والذي أظن أنه أبو إسحاق الشيبانى، يقول: أظن شيخي رفع الحديث إلى النبي - ﷺ -.\n(قال: من تفل تجاه القبلة) أي جهة القبلة (جاء) أي يجيء (يوم القيامة)\nوإنما عبره بصيغة الماضي لتحقق وقوعه (تفله) أي بصاقه (بين عينيه)، واستدل بهذا على إحترام جهة القبلة، والاحتراز عن البول والغائط والاستنجاء إليها مطلقًا في الصحراء كان أو في البنيان.\n(ومن أكل من هذه البقلة الخبيثة) كتب مولانا محمد يحيى - رحمه الله تعالى-: فيه دلالة على أن الخبيث قد يطلق، ويراد ما ليس بحرام، بل المراد به المكروه الطبعي أو الكريهة الرائحة وغيره، وبذلك ينحل كثير من الإشكالات، كقوله: ئمن الكلب خبيث، وكسب الحجام خبيث (فلا يقربن مسجدنا ثلاثًا) أي قاله ثلاث مرات تأكيدًا، وليس المراد أنه - ﷺ - نهى عن قربان المسجد ثلاث ليال.\n٣٨٢٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن المساجد) أي جميع المساجد في هذا الحكم سواء، لا تخصيص بمسجد دون مسجد.\n٣٨٢٥ - (حدثنا شيبان بن فروخ قال: نا أبو هلال) محمد بن سليم","vol":"11","page":552},{"text":"قَالَ، أَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَال، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَكَلْتُ ثومًا، فَأَتَيْتُ مُصَلَّى النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَدْ سُبِقْتُ بِرَكْعَةٍ، فَلَمَّا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رِيحَ الثُّوم، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ الله - ﷺ - صَلَاتَهُ قَالَ: \"مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا أَوْ رِيحُهُ\"، فَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ جِئتُ إِلَى رَسولِ الله - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسولَ اللهِ، وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنِّي يَدَكَ، قَالَ: فَأَدْخَلْتُ (١) يَدَهُ في كُمِّ قَمِيصِي إِلَى صَدْرِي فَإِذَا أَنَا مَعْصُوبُ الصَّدْرِ، قَالَ: \"إِنَّ لَكَ عُذْرًا\". [خزيمة ١٦٧٢، ق ٣/ ٧٧]\n===\nالراسبي (قال: نا حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن المغيرة بن شعبة قال) أي المغيرة: (أكلت ثومًا) نيًّا، (فأتيت مصلَّى رسول الله - ﷺ -) أي المسجد (وقد سبقت بركعة) أي سبقني رسول الله - ﷺ - بركعة، وقد دخلت في الصلاة، وقد صلَّى رسول الله - ﷺ - قبل دخولي في الصلاة ركعة.\n(فلما دخلت المسجد) وقد كنت أكلت ثومًا (وجد رسول الله - ﷺ - ريح الثوم، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قال: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا حتى يذهب ريحها أو) للشك من الراوي (ريحه) والتذكير باعتبار الثوم.\n(فلما قضيت) أي أتممت الصلاة لأني كنت مسبوقًا (جئت إلى رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! والله لتعطيني يدك، فأدخلت يده في كم قميصي إلى صدري، فإذا أنا معصوب الصدر، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن لك عذرًا).\nقال في \"النهاية\" (٢): كان من عادتهم إذا جاع أحدهم أن يشد جوفه بعصابة، وربما جعل تحتها حجرًا.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فأدخل\".\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٢٤٤).","vol":"11","page":553},{"text":"٣٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ قَالَ: نَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: نَا خَالِدُ بْنُ مَيْسَرَةَ- يَعْنِي الْعَطَّارَ-، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عن أبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ وَقَالَ: \"مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا\"، وَقَالَ (١): \"إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلُوهُما فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخا\"، قَالَ: يَعْني الْبَصَلَ وَالثُّومَ. [حم ٤/ ١٩، ق ٣/ ٧٨]\n٣٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا الْجَرَّاحُ أَبُو وَكيع،\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى - ﵀ -: قوله: \"فإذا أنا معصوب الصدر\"، وكان ذلك مرض له من خفقان القلب وغيره، وأما ما قيل: إن ذلك لغلبة الجوع، ففيه أن المناسب حينئذ ذكر البطن لا الصدر، وأن الأمر لو كان كذلك لكان المناسب حله بعد الشبع لا إبقاؤه معصوبًا.\nومعنى قوله: \"إن لك عذرًا\" ليس هو الرخصة في أكل الثوم، ودخول المسجد بريحه، بل المعنى إنك معذور في أكله، وإن لم يكن حرامًا من دون العذر أيضًا، إلَّا أنه ليس لك دخول (٢) المسجد قبل إزالة الرائحة عن فيك.\n٣٨٢٦ - (حدثنا عباس بن عبد العظيم قال: نا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال: نا خالد بن ميسرة -يعني العطار-، عن معاوية بن قرة، عن أبيه) قرة بن إياس، (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن هاتين الشجرتين، وقال: من أكلهما فلا يقربن مسجدنا، وقال: إن كنتم لا بد آكلوهما) وفي نسخة: آكليهما، وهو الأقيس (فأميتوهما) أي أزيلوا رائحتهما (طبخًا) أي بالطبخ (قال) أي الراوي: (يعني) شيخي بالشجرتين (البصل والثوم).\n٣٨٢٧ - (حدثنا مسدد قال: نا الجراح أبو وكيع،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) والدليل على ذلك حديث الخدري عند مسلم (٥٦٥): أنهم أكلوا الثوم جياعًا، ومع ذلك منعهم النبي - ﷺ - عن دخول المسجد. انتهى. (ش).","vol":"11","page":554},{"text":"عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن شَرِيكٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: \"نُهِيَ عن أَكْلِ الثُّومِ إِلا مَطْبُوخًا\". [ت ١٨٠٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: شَرِيكُ بْنُ حَنْبَلٍ.\n٣٨٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا. (ح): وَحَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: نَا بَقِيَّةُ، عن بَحِيرٍ، عن خَالِدٍ، عن أَبِي زِيَادٍ خِيَارِ بْنِ سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ الْبَصَلِ فَقَالَتْ: إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - طعَامٌ فِيهِ بَصَل. [حم ٦/ ٨٩]\n===\nعن أبي إسحاق، عن شريك) بن حنبل العبسي الكوفي، قال البخاري: وقال بعضهم: ابن شرحبيل، وهو وهم، روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وعن علي، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليست له صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حبان: من قال شريك بن حنبل فقد وهم، عكس ما قال البخاري، وقال صاحب \"الميزان\": لا يدرى من هو؟ وذكره ابن سعد في التابعين، وقال: كان معروفًا قليل الحديث.\n(عن علي قال: نهي) بصيغة المجهول (عن أكل الثوم إلَّا مطبوخًا، قال أبو داود: شريك بن حنبل) أي المراد بشريك المذكور في السند شريك بن حنبل.\n٣٨٢٨ - (حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا، ح: وحدثنا حيوة بن شريح قال: نا بقية، عن بحير، عن خالد، عن أبي زياد خيار) بكسر أوله وتخفيف التحتانية (ابن سلمة) أبو زياد، يعد في الشاميين، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا في أكل البصل.\n(أنه سأل عائشة عن البصل، قالت: إن آخر طعام أكله رسول الله - ﷺ - طعام فيه بصل) مطبوخ أميتت رائحته بالطبخ، وهو غير داخل في النهي مطلقًا.","vol":"11","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1491>(٤٢) بَاب: فِي التَّمْرِ</span>\n٣٨٢٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا عُمَرُ بْنُ حَفْص (١)، نَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ الأَعْوَرِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ (٢) - ﷺ - أخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ، فَوَضَعَ (٣) عَلَيْهَا تَمْرَةً وَقَالَ: \"هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ\". [؟]\n٣٨٣٠ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ قَالَ: نَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: نَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ،\n===\n\n(٤٢) (بَابٌ: في التَّمَرِ)\n٣٨٢٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا عمر بن حفص، نا أبي، عن محمد بن أبي يحيى، عن يزيد الأعور، عن يوسف بن عبد الله بن سلام) بن الحارث الإسرائيلي، أبو يعقوب، المدني الأنصاري، قال ابن أبي حاتم: رأى النبي - ﷺ -، وقال البخاري: إن له صحبة، فسمعت أبي يقول: ليست له صحبة بل له رؤية، ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، وساق حديثه: \"أقعدني النبي - ﷺ - في حجره\" الحديث، وقال: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة.\n(قال: رأيت النبي - ﷺ - أخذ كسرة) أي قطعة (من خبز شعير، فوضع عليها تمرة، وقال: هذه) أي التمرة (إدام هذه) أي كسرة الخبز، فالمراد به أنها كالإدام، ولما كان التمر طعامًا مستقلًا لا يطلق عليه كونه إدامًا إلَّا مجازًا.\n٣٨٣٠ - (حدثنا الوليد بن عتبة قال: نا مروان بن محمد قال: نا سليمان بن بلال قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"حفص بن عمر\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) في نسخة: \"ووضع\".","vol":"11","page":556},{"text":"عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ\". [م ٢٠٤٦، ت ١٨١٥، جه ٣٣٢٧، دي ٢٠٦٤، حم ٦/ ١٠٥]\n\n(٤٣) بَابٌ: في تَفْتِيشِ التَّمْرِ (١) عِنْدَ الأَكْلِ\n٣٨٣١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ قَالَ: نَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ أَبُو قُتَيْبَةَ، عن هَمَّامٍ، عن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بتَمْرٍ عَتِيقٍ فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ\". [جه ٣٣٣٣]\n===\nعن عائشة قالت: قال النبي - ﷺ -: بيت لا تمر فيه جياع أهله) وهذا بالنسبة إلى أهل المدينة، ومثلها من البلاد التي يكثر فيها التمر، ويكون غالب قوت أهل البلد التمر، فإذا خلا عنه بيت يكون أهله جياعًا، وأما إذا كان عندهم ذخيرة من التمر فهم شباع، وكذلك كل أهل بلدة بالنظر إلى غالب قوتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>(٤٣) (بَابٌ: في تَفْتيشِ التَّمْرِ عِنْدَ الأكْلِ)</span>\n٣٨٣١ - (حدثنا محمد بن عمرو بن جبلة قال: نا سلم بن قتيبة أبو قتيبة، عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: أتي النبي - ﷺ - بتمر عتيق) أي قديم (فجعل يفتشه يخرج السوس) أي الدود (منه) ليأكل بعد إخراجها، فعلم من ذلك أن أكل دود الثمار لا يجوز، ووجهه أن الديدان من الخبائث، وقال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢).\nقال القاري (٣): وروى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عمر - ﵄- مرفوعًا: \"نهى أن يفتش التمر عما فيه\"، فالنهي محمول على التمر الجديد دفعًا للوسوسة، أو فعله محمول على بيان الجواز، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المسوِّس\".\n(٢) سورة الأعراف: الآية ١٥٧.\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٥٦).","vol":"11","page":557},{"text":"٣٨٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كانَ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ فِيهِ دُودٌ\" فَذَكَرَ مَعْنَاه. [ق ٧/ ٢٨١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>(٤٤) بَابُ الإقْرَانِ في التَّمْرِ عِنْدَ الأَكلِ</span>\n٣٨٣٣ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثنَا ابْنُ فُضَيْلٍ،\n===\nقلت: إذا كره أكل الديدان فإذا كان غلبة الظن على وجود الديدان في التمر لا يجوز أكله، أما إذا لم يغلب على الظن وجودها يجوز أكلها، فأما إذا كان قطعي الوجود حرم أكله للنص، فلا معنى (١) لحمله على التنزيه وبيان الجواز.\n٣٨٣٢ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن النبي - ﷺ - كان يؤتى بالتمر فيه دود) لكون التمر عتيقًا، (فذكر معناه) وهذا الحديث مرسل.\n\n(٤٤) (بَابُ الإقْرَانِ (٢) في التَّمْرِ عِنْدَ الأكْلِ)\nقال في الحاشية: كذا لأكثر الرواة، واللغة الفصيحة: بغير ألف\n٣٨٣٣ - (حدثنا واصل بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن فضيل،\n_________\n(١) ويشكل عليه ما في تفسير البقرة من \"التفسير العزيزي\": أنه يجوز أكل الديدان في التمر تبعًا، ولا يجوز أكلها بعد الخروج أصالة، وقال الدميري: يحرم أكل السوس منفردًا لأنه دود، وقال أيضًا: يحرم أكل الدود بجميع أنواعه، لأنه مستخبث إلَّا ما تولَّد من مأكول، فعندنا فيه ثلاثة أوجه، أصحها: جواز أكله معه لا منفردًا، الثاني: يجب تمييزه ولا يؤكل أصلًا، الثالث: يؤكل معه ومنفردًا، وعلى الأصح ظاهر إطلاقهم لا فرق بين أن يشق تمييزه أو يسهل. [انظر: \"حياة الحيوان\" (١/ ٤٢٥)]. (ش).\n(٢) واختلف هل هو عام أو خاص بالتمر؟ كذا في \"الفتاوى الحديثية\". (ش).","vol":"11","page":558},{"text":"عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الإقْرَانِ إِلَّا أَنْ تَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَكَ\". [خ ٥٤٤٦، م ٢٠٤٥، ت ١٨١٤، جه ٣٣٣١، حم ٢/ ٧]\n\n(٤٥) بَابٌ: في الْجَمْعِ بَيْنَ لَوْنَيْنِ عِنْدَ (١) الأَكْلِ\n٣٨٣٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ قَالَ: نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ\n===\nعن أبي إسحاق، عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الإقران) وهو أن يقرن بين التمرتين في الأكل (إلَّا أن تستأذن أصحابك).\nقال في \"المجمع\" (٢): وذلك لأن فيه شرهًا يزري بفاعله، أو لأن فيه غبنًا بصاحبه، وقيل: لما كانوا فيه من شدة العيش وقلة الطعام، وكانوا مع هذا يواسون من القليل، فقد يكون في الجمع من اشتد جوعه، فربما قرن أو عظم اللقمة، فأرشدهم إلى الإذن لتطيب أنفس الباقين، والنهي للتحريم، أو الكراهة بحسب الأحوال، ولفظ: \"إلا أن تستأذن\" موقوف على ابن عمر - ﵁ -، انتهى.\nقال في \"الفتح\" (٣): ثم نسخ لما حصلت التوسعة، روى البزار من حديث بريدة: \"كنت نهيتكم عن القرآن، وإن وسع عليكم فأقرنوا\".\n\n(٤٥) (بَابٌ: في الجَمْعِ بَيْنَ اللَّوْنَيْنِ) من الثمر والفواكه (عِنْدَ الأَكْلِ)\nوالباب الذي تقدم فالمراد فيه من اللونين من أنواع الإدام كما تقدم من تمنيه - ﷺ - من جمعه بين السمن واللبن.\n٣٨٣٤ - (حدثنا حفص بن عمر النمري قال: نا إبراهيم بن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"في\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٦٦).\n(٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧١).","vol":"11","page":559},{"text":"سَعْدٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَأكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ\". [خ ٥٤٤٠، م ٢٠٤٣، ن ١٨٤٤، حم ١/ ٢٠٣]\n٣٨٣٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نُصَيْرٍ (١)، نَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأكُلُ الْبِطِّيخَ (٢) بِالرُّطَبِ فَيَقُولُ: \"يُكْسَرُ حَرُّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدُ (٣) هَذَا بِحَرِّ هَذا\". [ت ١٨٤٣]\n===\nسعد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر: أن النبي - ﷺ - يأكل القثاء) بالكسر والضم معروف، أو الخيار (بالرطب) أي رطب التمر، وفيه جواز أكل لونين وطعمين معًا، والتوسع في المطاعم، ولا خلاف في ذلك، قاله القسطلاني (٤).\n٣٨٣٥ - (حدثنا سعيد بن نصير، نا أبو أسامة، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يأكل البطيخ) (٥) الخربز (بالرطب فيقول: يكسر حر هذا) أي التمر (ببرد هذا) أي البطيخ (وبرد هذا بحر هذا).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"نصر\".\n(٢) في نسخة بدله: \"الطبيخ\".\n(٣) في نسخة: \"أو برد\".\n(٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٣٨).\n(٥) اختلف في تفسير البطيخ، وما قال الشيخ هو المفسر عند أهل اللغة، وبه جزم في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٢٣)، وهو مختار الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٥٧٣)، وعلى هذا فأشكل في كسر الحر بالبرد، فأجاب والدي المرحوم: أن المراد برد اللمس في الخربز إذا تركه مقطوعًا، ومال صاحب \"المجمع\" (١/ ١٩١)، وشرَّاح \"الشمائل\" إلى أن المراد: النيء منه، وهو يكون باردًا، وأنت خبير بأن النيء لا يؤكل، وقال الحافظ: إلى أن البرودة باعتبار الرطب، فالبرودة إضافي، وهذا كله على المشهور، وإلَّا فحكى صاحب \"المحيط الأعظم\" عن بو علي بن سينا أنه بارد، كذا في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٢٤)، وفي الحاشية عن ابن القيم: المراد به الأخضر، وهو بارد رطب. [انظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٦٣)]. (ش).","vol":"11","page":560},{"text":"٣٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ، حَدَّثنَا الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، عن ابْنَيْ بُسْرٍ السُّلَمِيَّيْنِ قَالَا: \"دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَدَّمْنَا زُبْدًا وَتَمْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ الزُّبْدَ وَالتَّمْرَ\". [جه ٣٣٣٤]\n\n(٤٦) بَابٌ (١): في اسْتِعْمَالِ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ\n٣٨٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا عَبْدُ الأَعْلَى\n===\n٣٨٣٦ - (حدثنا محمد بن الوزير قال: حدثنا الوليد بن مزيد قال: سمعت ابن جابر قال: حدثني سليم بن عامر، عن ابني بسر السلميين) وهما: عبد الله وعطية ابنا بسر، بضم الموحدة وسكون المهملة، المازني الهلالي، أما عطية فهو أخو عبد الله بن بسر، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا ولم يسمياه، قال محمد بن يوسف الهروي في هذا الحديث: سألت محمد بن عوف من هما؟ يعني ابني بسر، فقال: عبد الله وعطية.\n(قالا: دخل علينا رسول الله - ﷺ - فقدمنا زبدًا وتمرًا، وكان يحب الزبد والتمر).\n\n(٤٦) (بَابٌ: في اسْتِعْمَالِ آنِيَةِ (٢) أَهْلِ الكِتَابِ)\n٣٨٣٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا عبد الأعلى\n_________\n(١) في نسخة: \"باب الأكل في آنية أهل الكتاب\".\n(٢) وفي \"شرح الإقناع\" (١/ ٣٣): يجوز استعمال أواني المشركين إن كانوا لا يتعبدون باستعمال النجاسة كأهل الكتاب، فهي كآنية المسلمين؛ لأنه - ﷺ - توضأ من مزادة المشركة، ولكن يكره لعدم تحرّزهم، فإن كانوا يتدينون باستعمال النجاسة، كطائفة من المجوس يغتسلون بأبوال البقر، ففيه وجهان؛ الأصح الجواز. انتهى.\nقلت: وحديث المزادة لعله ما في \"جمع الفوائد\" (٢/ ٣٣٥)، وفي حديث الهجرة الطويل حلب الراعي في قدح لبن الغنم بأمر أبي بكر وشربه ﵇، وفي \"المغني\" (١/ ١١١): غير أهل الكتاب وهم المجوس وعبدة الأوثان ونحوهم، =","vol":"11","page":561},{"text":"وَإِسْمَاعِيلُ، عن بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ، عن عَطَاءٍ، عن جَابِرٍ قَالَ: \"كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ، فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا، فَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ\". [حم ٣/ ٣٧٩]\n٣٨٣٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ، نَا محمدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ، أَنَا عَبْدُ الله بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ، عن أَبِي عُبَيْدِ الله مُسْلِم بْنِ مِشْكَم، عن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: إنَا نُجَاوِرُ (١) أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبَخُونَ في قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ، وَيشْرَبُونَ في آنيَتِهِمْ الْخَمْرَ،\n===\nوإسماعيل، عن برد بن سنان، عن عطاء، عن جابر قال: كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم) في المغنم، (فنستمتع بها، فلا يعيب) أي رسول الله - ﷺ - (ذلك) أي استمتاع الآنية (عليهم) أي علينا الغزاة.\nقال الخطابي (٢): وظاهر هذا يبيح استعمال آنية المشركين من غير غسل لها وتنظيف، وهذه الإباحة مقيدة بالشرط الذي هو مذكور في الحديث الذي يليه من هذا الباب.\n٣٨٣٨ - (حدثنا نصر بن عاصم، نا محمد بن شعيب قال: أنا عبد الله بن العلاء بن زبر، عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم، عن أبو ثعلبة الخشني، أنه سأل رسول الله، قال) أي ثعلبة: (إنا نجاور أهل الكتاب) وفي رواية: إنا قوم من أهل الكتاب (وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر)\n_________\n= قال القاضي: لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم؛ لأنها لا تخلو من أطعمتهم، وذبائحهم ميتة، وقال أبو الخطاب: حكمهم حكم أهل الكتاب، وآنيتهم طاهرة، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه ﵊ وأصحابه توضئوا من مزادة مشركة، متفق عليه، وظاهر كلام أحمد مثل قول القاضي. (ش).\n(١) في نسخة: \"نجاوز\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٥٦).","vol":"11","page":562},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا\". [خ ٥٤٧٨، م ١٩٣٠، ت ١٤٦٤، جه ٣٢٠٧، حم ٤/ ١٩٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>(٤٧) بَابٌ: في دَوَابِّ الْبَحْرِ</span>\n٣٨٣٩ - حَدّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ قَالَ: ثنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: بَعَثنا رَسُولُ الله - ﷺ - وأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشِ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ نَجِدْ لَهُ\n===\nفهل نستعمل أوانيهم؟ (فقال رسول الله - ﷺ -: إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا) واتركوا أوانيهم، (وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها) أي اغسلوها (بالماء وكلوا واشربوا) أي إذا غلب الظن بنجاستها.\nقال الخطابي: الرحض الغسل، هذا إذا كان معلومًا، والأصل من حال المشركين أنهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد الغسل والتنظيف، فأما مياههم فإنها على الطهارة كمياه المسلمين وثيابهم، إلا أن يكونوا من قوم لا يتحاشون النجاسات، أو من عادتهم استعمال الأبوال في طهور، فإن استعمال ثيابهم غير جائز إلَّا أن يعلم أنها لم يصبها شيء من النجاسات.\n\n(٤٧) (بَابٌ: في دَوَابِّ الْبَحْرِ)\n٣٨٣٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا زهير، ثنا أبو الزبير، عن جابر (١) قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - وأمَّر علينا) أي جعل أميرًا علينا (أبا عبيدة بن الجراح نتلقى عيرًا لقريش، وزوَّدنا جرابًا من تمر لم نجد له) أي لرسول الله - ﷺ -. وفي نسخة: لنا.\n_________\n(١) ولا يذهب عليك أن لجابر - ﵁ - حديثًا آخر في هذا المعنى، ونبَّه الزيلعي أنهما قصتان. انتهى. [انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٢٠٥)]. (ش).","vol":"11","page":563},{"text":"غَيْرَهُ، فَكانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، كُنَا نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِينا الْخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ.\nقَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَةَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ وَلَا تَحِلُّ لنَا، ثُمَّ قَالَ (١):\n===\n(غيره، فكان أبو عبيدة بن الجراح يعطينا) أي منه في اليوم (تمرة تمرة) أي لكل واحد تمرة واحدة (كنا نمصها كما يمص الصبي) ثدي أمه (ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا) العصي جمع عصا (الخبط) أي ورق الشجر يضرب بالعصا ليتناثر الورق (ثم نبله بالماء فنأكله).\n(قال) أي جابر: (وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا) أي دابة كبيرة (كهيئة الكثيب الضخم) أي التل العظيم، وهو ما اجتمع من الرمل (فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العنبرة) وهي سمكة كبيرة، ووقع في رواية البخاري (٢): \"ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب\".\nقال الحافظ (٣): أما الحوت فهو اسم جنس لجميع السمك، وقيل: هو مخصوص بما عظم منها، قال أهل اللغة: العنبر سمكة بحرية كبيرة يتخذ من جلدها الترسة، ويقال: إن العنبر المشموم رجع هذه الدابة، وقال الأزهري: العنبر سمكة تكون بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسين ذراعًا، يقال لها: بالة وليست بعربية.\n(فقال أبو عبيدة: ميتة) أي هذه ميتة (ولا تحل لنا، ثم) تغير اجتهاده (قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة بدله: \"لنا\".\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤٣٦٠).\n(٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٩).","vol":"11","page":564},{"text":"لَا بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَفِي سَبِيلِ الله، وَقَدْ اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ فَكُلُوا، فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةِ حَتَّى سَمِنَّا، فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: \"هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّه لَكُمْ، فَهَلْ (١) مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيءٌ فَتُطْعِمُونَا مِنْهُ؟ \"، فَأَرْسَلْنَا (٢) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَكَلَ\". [م ١٩٣٥، ن ٤٣٥٤، حم ١/ ٣١٣]\n===\nلا، بل نحن رسل رسول الله - ﷺ -، وفي سبيل الله) أي الجهاد، (وقد اضطررتم إليه) وصرتم مضطرين (فكلوا، فأقمنا) أي وقفنا (عليه شهرًا، ونحن ثلثمائة حتى سَمِنَّا، فلما قدمنا إلى رسول الله - ﷺ - ذكرنا ذلك له، فقال) رسول الله - ﷺ -: (هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء، فتطعمونا منه؟ فأرسلنا إلى رسول الله - ﷺ - فأكل).\nولعل أبا عبيدة بن الجراح ومن كان معه من الصحابة - ﵃- قد علموا حرمة الميتة، ولم يعلموا بعد أن ميتة البحر حلال، ولكن وقع اجتهادهم على أنهم مضطرون أباح لهم بسبب الاضطرار.\nفإن قلت: لما وقع اجتهادهم على أنهم مضطرون وأباحوه لكونهم مضطرين، فكيف جاز لهم أن يأكلوا منه حتى سمنوا وتزودوا منه حتى كان معهم إلى المدينة؟ .\nقلت: لم يبيحوه بسبب أنهم مضطرون فقط، بل لأنهم رسل رسول الله - ﷺ -، وبأنهم كانوا في حاجة الله ورسوله، أخرج الله لهم رزقًا، فبهذا الوجه غلب على ظنهم أنه مباح لهم، فأكلوا منها ما شاؤوا، وتزودوا منها ما شاؤوا - والله أعلم -.\nثم لما أكل رسول الله - ﷺ - من بقية لحمه علم أن ميتة البحر حلال.\n_________\n(١) في نسخة: \"هل\".\n(٢) زاد في نسخة: \"منه\".","vol":"11","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1497>(٤٨) بَابٌ: في الْفَأْرَةِ تَقَعُ في السَّمْنِ</span>\n٣٨٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا سُفْيَانُ قَالَ: نَا الزُّهْرِيُّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابْنِ عَبَّاس، عن مَيْمُونَةَ: أَنَّ فَأرَةً وَقَعَتْ في سَمْنٍ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \"أَلْقُوا مَا حَوْلَهَا وَكُلُوا\". [خ ٥٥٣٨، ت ١٧٩٨، ن ٤٢٥٨]\n٣٨٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - وَاللَّفْظُ لِلْحَسَنِ - قَالَا، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا (١) مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا وَقَعَتِ الْفَأرَةُ\n===\n\n(٤٨) (بَابٌ: في الْفَأْرَةِ تَقَعُ في السَّمْنِ)\nأي: الجامد\n٣٨٤٠ - (حدثنا مسدد قال: نا سفيان قال: نا الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: أن فأرة وقعت في سمن) زاد النسائي من رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك: \"في سمن جامد\"، وزاد البخاري في الذبائح من رواية ابن عيينة، عن ابن شهاب: فماتت.\n(فأخبر) ووقع في رواية يحيى القطان وجويرية، عن مالك في هذا الحديث: أن ميمونة استفتت، رواه الدارقطني وغيره (النبي - ﷺ - فقال: ألقوا ما حولها وكلوا).\n٣٨٤١ - (حدثنا أحمد بن صالح والحسن بن علي- واللفظ للحسن- قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا وقعت الفأرة\n_________\n(١) في نسخة: \"نا\".","vol":"11","page":566},{"text":"في السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ\". [حم ٢/ ٢٣٢]\nقَالَ الْحَسَنُ: قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن مَيْمُونَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n٣٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ بُوذَوْيهِ (١)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن مَيْمُونَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عن (٢) ابْنِ الْمُسَيَّبِ.\n===\nفي السمن، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه) (٣).\n(قال الحسن) بن علي شيخ المصنف: (قال عبد الرزاق: وربما حدث به معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي - ﷺ -).\n٣٨٤٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق قال: أنا عبد الرحمن بن بوذويه) بضم أوله وبعد الواو معجمة مفتوحة ثم تحتانية، ويقال: ابن عمر بن بوذويه، الصنعاني، قال في \"التقريب\": مقبول، (عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي - ﷺ -، بمثل حديث الزهري، عن ابن المسيب).\n_________\n(١) في نسخة: \"بوذيه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"سعيد\".\n(٣) استدل به شارح \"الإقناع\" (٢/ ٢٧٤) على أن الدهن النجس لا يتطهر بالتطهير.\nبسط الحافظ (٩/ ٦٦٨) الاختلاف في سند هذا الحديث، وأيضًا في متنه أن زيادة فصل الجامد والمائع صحيح أم لا؟ وليس التفريق في رواية البخاري، وذكره في \"شرح الإقناع\" بلفظ: \"وإن كان مائعًا فاستصبحوا به\". (ش).","vol":"11","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1498>(٤٩) بَابٌ: في الذُّبَابِ يَقَعُ في الطَّعَامِ</span>\n٣٨٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ-، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا وَقَعَ الذُّبَابٌ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّ في أَحَدِ (١) جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً (٢)، وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ\". [خ ٣٣٢٠، جه ٣٥٠٥ حم ٢/ ٢٢٩]\n===\nقلت: ويدل هذا الحديث على المسألة الفقهية بأن النجاسة إذا لم يعلم وقت وقوعها يحكم بوقوعها بالنسبة إلى الوقت الحادث إلى أقرب الأوقات، كأنها وقعت في هذا الوقت، فإن الفأرة لم يعلم بأنها متى وقعت في السمن؟ هل كان السمن وقت وقوعها سائلًا أو جامدًا أو كان بين بين؟ فاعتبر رسول الله - ﷺ - وقوعها في وقت كون السمن جامدًا، كأنها وقعت في تلك الحال، وإلَّا فالمحتمل أنها وقعت في وقت كون السمن سائلًا أو كان بين بين.\n\n(٤٩) (بَابٌ: في الذّبَابِ يَقَعُ في الطَّعَامِ)\n٣٨٤٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا بشر - يعني ابن المفضل-، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم) وفيها طعام مائع (فامقلوه) قال في \"القاموس\": المقل الغمس في الماء والغوص فيه، أي اغمسوه.\n(فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) أي بطبعه يبتدأ بإيقاع جناحه الذي فيه الداء، فيقي به نفسه من الهلاك (فليغمسه كله) أي ليطرحه، والظاهر أن الداء والشفاء محمولان على الحقيقة،\n_________\n(١) في نسخة: \"إحدى\".\n(٢) في نسخة بدله: \"دواء\".","vol":"11","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1499>(٥٠) بَابٌ: في اللُّقْمَةِ تَسْقُطُ</span>\n٣٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَنسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ وَقَالَ: \"إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ\" (١)، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الصَّحْفَةَ، وَقَالَ: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي في أَيِّ طَعَامِهِ يُبَارَكُ لَهُ\". [م ٢٠٣٤، ت ١٨٠٣، حم ٣/ ١٧٣، دي ٢٠٣١]\n===\nفإن لها شواهد ونظائر كالنحلة يخرج من بطنها الشراب النافع، وينبت من إبرها السم الناقع، فلا باعث للحمل على المجاز.\nوفي الحديث دليل على أن وقوع الذباب في الطعام وفي الشراب وموته فيه لا ينجسه (٢)، وقيس عليه كل ما ليس له دم سائل.\n\n(٥٠) (بَابٌ: في اللُّقْمَةِ تَسْقُطُ)، أي في الأرض\n٣٨٤٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث) أي الإبهام والمسبِّحة والوسطى، وكان - ﷺ - يأكل بثلاث أصابع (وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إذا سقطت لقمة أحدكم) أي في الأرض (فليمط عنها الأذى) أي ما تعلق بها من القذر والأذى (وليأكلها ولا يدعها للشيطان)، وإنما صار تركها للشيطان؛ لأن فيه إضاعة لنعمة الله والاستحقار بها من غير ما بأس، والمانع عن تناولها في الغالب هو الكبر، وذلك من عمل الشيطان.\n(وأمرنا أن نسلت الصحفة) أي نمسحها بالأصابع (وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن أحدكم لا يدري في أي طعامه يبارك له).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وكان إذا أكل طعاعًا لعِق أصابعه الثلاث\".\n(٢) والمسألة خلافية، وهذا مذهب الجمهور خلافًا للشافعي، إذ قال في أحد قوليه بنجاسة الماء القليل، كما في \"التفسير الكبير\" (٥/ ١٥)، و\"بداية المجتهد\" (١/ ٣). (ش).","vol":"11","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1500>(٥١) بَابٌ: في الْخَادِمِ يَأْكُلُ مَعَ الْمَوْلَى</span>\n٣٨٤٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عن مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا صَنَعَ لأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامًا، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ وَقَدْ وَليَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأكُلْ (١)،\n===\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"في أي طعامه يبارك له\"، يعني بذلك أنه لا يدري في أي أجزاء الطعام المعين له بركة، وحاصله أن من أكل مقدارًا معلومًا، وسقط منه مقدار، وتعلق بأصابعه وصحفته مقدار، فإن البركة المتعلقة بذلك القدر الخارج من الطبق لا يدري في أي هذه الحصص الثلاث هي، فإن لم يلعق الصحفة والأصابع، ولم يرفع السقط منه، فإنه لا يدري هل البركة فيما أكل، أو هي في أحد الجزئين الضائعين هدرًا، وأما البركة المتعلقة بالطعام الباقي في الطبق فإنها موجودة فيه على هذا التفصيل فيه عند أكل من أكلها.\nوعلى هذا فلا يتوهم أنه ينبغي له أن يكثر من الأكل تحصيلًا للبركة، وليس في رفع السقطة والكسرة، ولعق الأصابع مزية على زيادة الأكل من الطعام الباقي، فكما تحصل البركة من هذين تحصل من إكثار الأكل أيضًا، وذلك لأنه لا تعود هذه البركة التي أضاعها كلها، انتهى.\n\n(٥١) (بَابٌ: في الخَادِمِ يَأْكُلُ مَعَ الْمَوْلَى)\n٣٨٤٥ - (حدثنا القعنبي، نا داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا صنع لأحدكم خادمه طعامًا، ثم جاءه به) أي مطبوخًا مهيأ للأكل (وقد) الواو للحال (ولى حره ودخانه) أي تولى حرارة النار ودخانها وقت طبخ الطعام (فليقعده معه فليأكل) أي هو معك.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وليأكل\".","vol":"11","page":570},{"text":"فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا فَلْيَضَعْ في يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ\". [م ١٦٦٣، حم ٢/ ٢٧٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>(٥٢) بَابٌ: في الْمِنْدِيلِ</span>\n٣٨٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكمْ فَلَا يَمْسَحَنَّ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا\". [خ ٥٤٥٦، م ٢٠٣١، جه ٣٢٦٩، حم ١/ ٣٤٦]\n===\n(فإن كان الطعام مشفوهًا) أي قليلًا قال الخطابي (١): المشفوه: القليل، وقيل: له مشفوه لكثرة الشفاه التي تجتمع على أكله (فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين) أي لقمة أو لقمتين.\n\n(٥٢) (بَابٌ: في الْمِنْدِيلِ)\n٣٨٤٦ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أكل أحدكم) طعامًا وتعلق بيده منه شيء (فلا يمسحن (٢) يده بالمنديل) لأن فيه إضاعة هذه الأجزاء من الطعام (حتى يلعقها) أي يده بنفسه (أو يلعقها) غيره.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٦٠).\n(٢) قال الحافظ (٩/ ٥٧٨): يحتمل أنه أطلق على الأصابع اليدَ، ويحتمل وهو الأولى أن يكون المراد باليد: الكف، فيشمل الحكم من أكل بكفه كلها أو بأصابعه فقط أو ببعضها، وقال ابن العربي (٧/ ٣٠٧): يدل على الأكل بالكف كلها أنه - ﷺ - يتعرَّق العظم، وينهش اللحم، ولا يمكن ذلك عادة إلَّا بالكف كلها، وقال شيخنا: فيه نظر، لأنه يمكن بالثلاث، سلمنا، لكنه ممسك بكفه كلها لا أكل بها، سلمنا، لكن محل الضرورة لا يدل على عموم الأحوال.\nوأخرج سعيد بن منصور من مرسل ابن شهاب: أنه ﵊ يأكل بخمس، فيجمع بينهما باختلاف الأحوال. انتهى مختصرًا (ش).","vol":"11","page":571},{"text":"٣٨٤٧ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ (١)، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَعْدٍ، عن ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن أَبِيهِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا\". [م ٢٠٣٢، حم ٣/ ٤٥٤، تم ١٥٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1502>(٥٣) بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا طَعِمَ</span>\n٣٨٤٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ثَوْرٍ، عن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا رُفِعَتِ الْمَائِدَةُ قَالَ: \"الْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ\n===\n٣٨٤٧ - (حدثنا النفيلي، نا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن سعد) المدني مولى الأسود بن سفيان، (عن ابن كعب بن مالك) هو عبد الرحمن (٢)، (عن أبيه) أي كعب بن مالك: (أن النبي - ﷺ - كان يأكل بثلاث أصابع) أي الوسطى والسبابة والإبهام (ولا يمسح يده حتى يلعقها) أي بنفسه.\n\n(٥٣) (بَابُ مَا يَقُولُ) من الدعاء وذكر الله (إِذَا طَعِمَ) أي فرغ من الطعام\n٣٨٤٨ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفعت المائدة) وهو ما عليه الطعام من الخوان وغيره (قال: الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مكفي ولا مودع\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله بن محمد\".\n(٢) كذا في أكثر روايات مسلم (٢٠٣٢)، وقال ميرك شاه في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٨٨): الصحيح أنه عبد الله بن كعب، وبالشك عنهما أخرج مسلم في روايتين، قال النووي: لا يضر الشك إذ هما ثقتان. [انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٢٢٦)]. (ش).","vol":"11","page":572},{"text":"وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا\". [خ ٥٤٥٨، ت ٣٤٥٦، جه ٣٢٨٤، حم ٥/ ٢٥٢، دي ٢٠٢٩]\n٣٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: نَا وَكيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن أَبِي هَاشِمٍ الْوَاسِطِيِّ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ رِيَاحٍ،\n===\nولا مستغنىً عنه ربنا).\nقال الخطابي (١): معناه: أن الله سبحانه هو المطعم والكافي، وهو غير مُطعم ولا مكفي، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ (٢)، وقوله: غير مودع، أي غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده، ومنه قولى تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٣)، أي ما تركك وما أهانك، ومعنى المتروك: المستغنى عنه، انتهى.\nوقال في \"فتح الودود\": وقوله: غير مكفي، والمعنى أن هذا الحمد غير مأتي به، كما هو حقه لقصور القوة البشرية عن ذلك، ومع هذا فغير مودع، أي غير متروك، بل الاشتغال دائم من غير انقطاع، كما أن نعمه تعالى لا تنقطع عن طرفة عين، وليس هو بمستغن عنه، بل هو محتاج إليه في كل حال ليثبت ويدوم به العبد من النعم، ويستجلب به المزيد، وقوله: \"ربنا\" منصوب بتقدير النداء، أو بالجر بدل من \"الله\".\n٣٨٤٩ - (حدثنا محمد بن العلاء قال: نا وكيع، عن سفيان، عن أبي هاشم الواسطي، عن إسماعيل بن رياح) بكسر أولى والتحتانية، ابن عبيدة السلمي، عن أبيه، وعنه أبو هاشم الرماني، حكى (٤) ابن المديني عنه فقال: لا أعرفه، مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٦١).\n(٢) سورة الأنعام: الآية ١٤.\n(٣) سورة الضحى: الآية ٣.\n(٤) وفي \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٩٧): \"سئل\".","vol":"11","page":573},{"text":"عن أَبِيهِ - أَوْ غَيْرِهِ -، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ (١) قَالَ: \"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ\". [ت ٣٤٥٧، جه ٣٢٨٣، حم ٣/ ٣٢]\n٣٨٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عن أَبِي عَقِيلٍ الْقُرَشِيِّ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمن الْحُبُلِيِّ، عن أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا أَكَلَ أَوْ (٢) شَرِبَ قَالَ: \"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَ\n===\nقلت: أما في جميع نسخ أبي داود من المكتوبة والمطبوعة ففيها: إسماعيل بن رباح منقوطة بنقطة واحدة، وهو غلط من النساخ، والصواب بالياء التحتانية، كما صرح به الحافظ في \"التقريب\" و\"تهذيب التهذيب\".\n(عن أبيه أو غيره) هكذا في جميع النسخ: \"أو غيره\"، ولم يتعرض له الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، بل ذكر الرواية عن أبيه فقط، فلو سلم صحة هذا اللفظ يكون الشك من أحد الرواة.\n(عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا)، وهذا حمد على النعماء الدنيوية؛ لأن بها بقاء الإنسان في الدنيا (وجعلنا مسلمين) وهذه النعمة أخروية، وعليها مدار الحياة الأخروية، فجمع في الحديثين (٣) نعماءه في الدنيا والأخرى.\n٣٨٥٠ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن أبي عقيل القرشي) اسمه زهرة بن معبد، (عن أبي عبد الرحمن الحُبلي، عن أبي أيوب الأنصاري قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الطعام\".\n(٢) في نسخة: \"و\".\n(٣) كذا في الأصل، والظاهر: فجمع في الحديث بين نعمائه ... إلخ.","vol":"11","page":574},{"text":"وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا\". [سنن النسائي الكبرى ١٠٠٤٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>(٥٤) بَابٌ: في غَسْلِ الْيَدِ مِنَ الطَّعَامِ</span>\n٣٨٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ قَالَ: نَا سُهَيْلٌ (١)، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ\". [ت ١٨٦٠، جه ٣٢٩٧، دي ٢٠٦٧، حم ٢/ ٥٣٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>(٥٥) بَابُ مَا جَاءَ في الدُّعَاءِ لِرَبِّ الطَّعَامِ </span>(٢)\n٣٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: نَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ:\n===\nوسقى وسوَّغه) أي جعله سائغًا، (وجعل له مخرجًا) أي سبيلًا للخروج، أو خروجًا.\n\n(٥٤) (بَابٌ: في غَسْلِ الْيَدِ مِنَ الطَّعَامِ)\n٣٨٥١ - (حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير قال: نا سهيل، عن أبيه) أي أبي صالح، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من نام) أي بعد أكل الطعام ولم يغسل يده (وفي يده غمر) بفتح غين معجمة وميم وراء مهملة، أي دسم وزهومة من اللحم، أي ريح اللحم (ولم يغسله، فأصابه شيء) من الهوام والمؤذيات (فلا يلومن إلَّا نفسه) لأنه أبقى في يده الغمر، ولم يغسل يده، فترك الاحتياطَ وحِفْظَ نفسه.\n\n(٥٥) (بَابُ مَا جَاءَ في الدعَاءِ لِرَبِّ الطَّعَامِ)، أي إذا أكل عنده\n٣٨٥٢ - (حدثنا محمد بن بشار قال: نا أبو أحمد قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"سهيل بن أبي صالح\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إذا أكل عنده\".","vol":"11","page":575},{"text":"نَا سُفْيَانُ، عن يَزِيدَ بْن (١) أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عن رَجُلٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ للنَّبِيِّ - ﷺ - طَعَامًا، فَدَعَا النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ: \"أَثِيبُوا أَخَاكُمُ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِثَابَتُهُ؟ قَالَ: \"إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ فَأُكِلَ طَعَامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا (٢) لَهُ فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ\".\n٣٨٥٣ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزيتٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ\". [حم ٣/ ١١٨، ق ٤/ ٢٤٠]\n===\nنا سفيان، عن يزيد بن أبي خالد الدالاني) هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة، (عن رجل، عن جابر بن عبد الله قال: صنع أبو الهيثم بن التيهان) بفتح المثثاة الفوقانية، الأنصاري الأوسي، ويقال: التيهان لقب، واسمه مالك، وهو مشهور بكنيته، صحابي، شهد المشاهد كلها، شهد بدرًا والعقبة.\n(للنبي - ﷺ - طعامًا، فدعا النبي - ﷺ - وأصحابه، فلما فرغوا) من أكله (قال) رسول الله - ﷺ -: (أثيبوا أخاكم) أي عوضوا له (قالوا: يا رسول الله! وما إثابته؟) أي عوضه (قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إن الرجل إذا دخل بيته) بصيغة المجهول (فأُكل طعامه وشُرب شرابه فدعوا له، فذلك إثابته).\n٣٨٥٣ - (حدثنا مخلد بن خالد قال: نا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس: أن النبي - ﷺ - جاء إلى سعد بن عبادة) أي مع بعض الصحابة (فجاء) أي سعد (بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبي - ﷺ -: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة) أي ترحمت.\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وفي النسخة الهندية، وهو تحريف، والصواب: \"يزيد أبي خالد الدالاني\". انظر: \"تهذيب الكمال\" رقم (٧٩٣١).\n(٢) في نسخة: \"فدعي\".","vol":"11","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1505>(٥٦) بَابٌ: في تَمْرِ الْعَجْوَةِ</span>\n[*] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عن ثَعْلَبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عن أَبِي عِمْرَانَ الأَنْصَارِيِّ، عن أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ اللَّه أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تتدَاوَوْا بِحَرَامٍ\".\n===\n\n(٥٦) (بَابٌ: في تَمْرِ الْعَجْوَةِ)\nوهو نوع من أجود التمر، وهذه الترجمة تأتى في كتاب الطب، وكذا حديث محمد بن عبادة يأتي أيضًا في الطب في \"باب الأدوية المكروهة\"، وهو هناك أليق، وليس ههنا في كثير من النسخ (١)، والله أعلم [*] (حدثنا محمد بن عبادة الواسطي قال: نا يزيد بن هارون قال: نا إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم) الخثعمي الشامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج له أبو داود حديثًا واحدًا، وابن ماجه حديثًا في التفسير، (عن أبي عمران الأنصاري) الشامي مولى أبي الدرداء وقائدها، قيل: اسمه سليمان، وقيل: سليم بن عبد الله، قال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام) ليس في الحديث ذكر العجوة، نعم جاء أن العجوة دواء وشفاء من السم، فلأجل هذا عقد باب العجوة، وذكر الحديث فيه.\n_________\n(١) لذلك ما رقمناه هذا الحديث ها هنا.","vol":"11","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1506>(٥٧) بَابُ مَا لَمْ يُذْكَرْ تَحْرِيمُهُ</span>\n٣٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن دَاوُد بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: حَدَّثنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ شَرِيكٍ المَكِّيَّ-، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن أَبِي الشَّعْثَاءِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا، فَبَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ - ﷺ -، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ،\n===\n\n(٥٧) (بَابُ مَا لَمْ يُذْكَرْ تَحْرِيمُهُ)\n٣٨٥٤ - (حدثنا محمد بن داود بن صبيح قال: حدثنا الفضل بن دكين قال: حدثنا محمد، يعني ابن شريك المكي) أبو عثمان، قال أحمد وابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الدارقطني: ثقة معروف.\n(عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء) أي أكلها فلا يأكلون (تقذرًا) أي كراهية (فبعث الله نبيه - ﷺ -، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل) رسول الله - ﷺ - (فهو حلال، وما حرم) سواء كان نصًا، أو بدليل آخر (فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو) (١) أي غير مؤاخذ بتناوله.\n_________\n(١) في حكم الأشياء قبل ورود الشرع أربعة مذاهب، كما في \"العيني\" (١/ ٤٣٨)، وفي \"الدر المختار\": مذهب أهل السنَّة أن الأصل في الأشياء التوقف، والإباحة رأي المعتزلة، ورد عليه ابن عابدين، وحقق أن الثاني مذهب أكثر الحنفية والشافعية، وبسط المذاهب [انظر: \"حاشية ابن عابدين\" (٦/ ٢٥٥)]. (ش).","vol":"11","page":578},{"text":"وَتَلَا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] إِلَى آخِرِ الآيَة. [ك ٤/ ١١٥]\n[*] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن زَكَرِيَّا قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرٌ، عن خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ، عن عَمّهِ: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِهِ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، فَقَالَ أَهْلُهُ: إِنَّا حُدّثْنَا أَنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا قَدْ جَاءَ بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَكَ شَيءٌ تُدَاوِيهِ؟ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب، فَبَرَئَ فَأَعْطَوْنِي مِئَةَ شَاةٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ (١): \"هَلْ إِلَّا هَذَا؟ \". وَقَالَ مُسَدَّدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: \"هَلْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا؟ \" قُلْتُ: لَا،\n===\n(وتلا) أي ابن عباس لبيان أن لا تحريم إلَّا بالوحي (﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلي آخر الآية) (٢).\n[*] (حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن زكريا قال: حدثني عامر، عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمه: أنه أتى رسول الله - ﷺ - فأسلم، ثم أقبل راجعًا من عنده) أي من عند رسول الله - ﷺ -.\n(فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله) أي أهل المجنون: (إنا حُدِّثْنا أن صاحبكم هذا) أشار إلى رسول الله - ﷺ - (قد جاء بخير، فهل عندك شيء تداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرئ) أي صح (فأعطوني مئة شاة، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (هل إلَّا هذا؟) أي هل قرأت غير فاتحة الكتاب؟\n(وقال مسدد في موضع آخر: هل قلت غير هذا؟ قلت: لا،\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.","vol":"11","page":579},{"text":"قَالَ: \"خُذْهَا، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍ\".\n[*] حَدّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: نَا أَبِي قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عن الشعْبِيِّ، عن خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ، عن عَمِّهِ (١) أَنَّهُ قَالَ: \"فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، كُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ، ثُمَّ تَفَلَ، فَكَاَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَأَعْطَوْهُ شَاءً (٢)، فَأَتَى النَّبِيِّ - ﷺ -. ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ\" (٣).\n\nآخِرُ كِتَابِ الأَطْعِمَةِ\n===\nقال: خذها) أي الشياه (فلعمري لمن أكل برقية باطل) خبره مقدر، أي فعليه وباله (لقد أكلت برقية حق) فلا تبعة عليك فيها.\n[*] (حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: نا أبي قال: نا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه أنه قال: فرقاه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل) أي على المجنون (فكأنما أنشط) أي حل وأخرج (من عقال) حبل يعقل به البعير، (فأعطوه شاء، فأتى النبي - ﷺ -، ثم ذكر معنى حديث مسدد).\nهذا الحديث تقدم بسنده ومتنه في كتاب البيوع، في باب كسب الأطباء، وهذان الحديثان: حديث مسدد وحديث عبيد الله، يأتيان في كتاب الطب في باب كيف الرقى (٣).\n\nآخِرُ كِتَابِ الأَطْعِمَةِ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أنه مَر على حي من العرب فقالوا: عندكم دواء فإن عندنا معتوهًا في القيود فقرأت الفاتحة\".\n(٢) في نسخة: \"شيئًا\".\n(٣) لذلك ما رقمناهما ها هنا.","vol":"11","page":580},{"text":"تمَّ وكمل \"بذل المجهود شرح سنن أبى داود\"\nمن \"كتاب الجنائز\" إلى \"كتاب الأطعمة\"\nبحول الله تعالى وقوته وحسن توقيقه، حادي عشرة من شهر ربيع الثاني سنة خمس وأربعين بعد الألف وثلاث مائة في المدينة المنورة، زادها الله تعالى شرافة وكرامة، وصانها الله تعالى عن الفتن في زمان حكومة أهل نجد، وفقهم الله تعالى لاتباع مرضاته\nووفقني الله تعالى لإتمامه","vol":"11","page":581},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>(٢٢) أَوَّلُ كِتَابِ الطِّبِّ</span>\n(١) بَابُ (١) الرَّجُلِ يَتَدَاوَى\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٢٢) (أَوَّلُ كِتَابِ الطِّبِّ) (٢)\nقال في \"القاموس\": الطب- مثلثة الطاء-: علاج الجسم والنفس، وبالكسر: الشهوة والإرادة، وبالفتح: الحاذق الماهر بعمله كالطبيب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>(١) (بَابُ الرَّجُلِ يَتَدَاوَى)</span>\nأي: يجوز له ذلك إذا مرض\n_________\n(١) في نسخة: \"باب ما جاء في الرجل يتداوى\".\n(٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ١٣٤) بعد ما بسط الكلام على لغة الطب: ومداره على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المادة الفاسدة، والأول مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فالسفر مَظِنَةُ النصب فأبيح الفطر إبقاءً على الصحة، وكذا القول في المرض، والثاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، والثالث من قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأشير إلى جواز الحلق لاستفراغ الأذى ... إلخ، وبسطه ابن القيم في \"الهدي\" (٤/ ٦). (ش).","vol":"11","page":582},{"text":"٣٨٥٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ- فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ (١) الأَعْرَابُ مِنْ ههُنَا وَههُنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أنتَدَاوَى؟ فَقَالَ: \"تَدَاوَوْا،\n===\n٣٨٥٥ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، نا شعبة، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك) الثعلبي من بني ثعلبة بن يربوع، وقيل: من بني ثعلبة بن سعد، وقيل: من بني ثعلبة بن بكر بن وائل، له صحبة وأحاديث.\n(قال: أتيت النبي - ﷺ -، وأصحابه) الواو للحال، أي: والحال أن أصحابه (كأنما على رؤوسهم الطير) كناية عن السكون والوقار، أي: صامتون متأدبون (فسلمت ثم قعدت) أي: في الجماعة (فجاء الأعراب من ههنا وههنا فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟) إذا مرضنا (فقال:) أي: رسول الله - ﷺ - (تداووا).\nالظاهر (٢) أن الأمر للإباحة والرخصة، وهو الذي يقتضيه المقام، فإن السؤال كان عن الإباحة قطعًا، فالمتبادر في جوابه أنه بيان للإباحة، ويفهم من كلام بعضهم أن الأمر للندب وهو بعيد، نعم، قد تداوى رسول الله - ﷺ - بيانًا للجواز، فمن نوى موافقته - ﷺ - يؤجر على ذلك، كذا في \"فتح الودود\".\n_________\n(١) في نسخة: \"فجاءت\".\n(٢) وبه جزم الشيخ الجنجوهي في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٧٨) إذ ثلث أنواع التوكل من الأسباب، القطعية كشرب السم، والمظنونة كالدواء، والموهومة كالرُّقى، كما سيأتي في هامش \"باب الطيرة والخط\"، وإليه مال الحافظ (١٠/ ١٣٥)، والعيني (١٤/ ٦٦٨)، وكذا يظهر من \"العالمكَيرية\" (٥/ ٣٥٥)، وبه جزم الغزالي في \"الأربعين\"، وحكى صاحب \"مجمع البحار\" (٢/ ٢١٨) عن الجمهور الاستحباب، وإليه مال ابن القيم والقاري عن النووي. [انظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ١٤)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٢٨٩)، و\"شرح صحيح مسلم \" للنووي (٧/ ٤٥٢)]. (ش).","vol":"11","page":583},{"text":"فَإنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ\". [ت ٢٠٣٨، جه ٣٤٣٦، حم ٤/ ٢٧٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1509>(٢) بَابٌ: في الْحِمْيَةِ</span>\n٣٨٥٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَ: نَا أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو عَامِرٍ - وَهَذَا لَفْظُ أَبِي عَامِرٍ - عن فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عن أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ، عن يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عن أُمِّ الْمُنْذِرِ بِنْتِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيَّةِ\n===\n(فإن الله تعالى لم يضع داء إلَّا وضع) أي: قرر وخلق (له دواء (١)، غير داء واحد: الهرم) خير مبتدأ محذوف وهو الهرم، وإنما جعل الهرم داء تشبيهًا له به لأن الموت يتعقيه، فهو كالأدواء التي يتعقبها الموت.\n\n(٢) (بَابٌ: في الْحِمْيَةِ)\nأي: عن المضرَّات، وقد ذكرها الله تعالى في آية الوضوء بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية (٢)، فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حميةً له أن يصيبه ما يؤذيه\n٣٨٥٦ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: نا أبو داود وأبو عامر- وهذا لفظ أبي عامر- عن فليح بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة الأنصاري، عن يعقوب بن أبي يعقوب) المدني، (عن أم المنذر بنث قيس) بن عمرو (الأنصارية) إحدى خالات النبي - ﷺ - صلَّت معه القبلتين، وهي التي دخل عليها ومعه علي في قصة الدوالي والسِّلْق والشعير.\n_________\n(١) وقد ترجم البخاري: \"ما أنزل الله داءً إلَّا أنزل له شفاء\"، قال العيني (١٤/ ٦٦٨): قيل: إنا نجد كثيرًا من المرضى يداوون ولا يبرأون، وأجيب: إنما جاء ذلك من الجهل بحقيقة المداواة أو بتشخيص الداء، انتهى. (ش).\n(٢) سورة النساء: الآية ٤٣.","vol":"11","page":584},{"text":"قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَعَهُ عَلِيٌّ (١)، وَعَلِيٌّ نَاقِهٌ، وَلَنَا دَوَالِي مُعَلَّقَةٌ (٢). فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يأْكُلُ مِنْهَا، وَقَامَ (٣) عَلِيٌّ ليَأْكُلَ. فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ لِعَلِيٍّ: \"مَهْ، إنَّكَ نَاقِهٌ\" حَتَّى كَفَّ عَلِيٌّ. قَالَتْ: وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسِلْقًا، فَجِئْتُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَا عَلِيُّ، أَصِبْ مِنْ هَذَا، فَهُوَ أَنْفَعُ لَكَ\" (٤). [ت ٢٠٣٧، جه ٣٤٤٢، حم ٦/ ٣٦٣]\n===\nقال الطبراني: اسمها سلمى بنت قيس، ويقال: هي سلمى بنت قيس أخت سليط من بني مازن بن النجار.\n(قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - ومعه عليٌّ، وعليٌّ ناقه) بالقاف المكسورة، يقال: نقه المريض ينقه، فهو ناقه إذا برأ وأفاق، وكان قريب العهد من المرض لم يوجع إليه كمال صحته وقوته.\n(ولنا دوالي) جمع دالية، وهي العذق من البسر يعلق، فإذا أرطب أكل (معلقة) أي: في البيت أو على أشجارها (فقام رسول الله - ﷺ - يأكل منها، وقام عليٌّ ليأكل) أي: معه - ﷺ - (فطفق رسول الله - ﷺ - يقول لعلي: مه) أي: كُفَّ عن الأكل وانتهِ (إنك ناقه) أي: حديث العهد بالمرض (حتى كف علي) والحمية إنما هو من الكثير الذي يؤثر في البدن ويثقِّل المعدة، أما الحبة والحبتان فلا حمية لها.\n(قالت: وصنعت شعيرًا وسلقا، فجئت به، فقال رسول الله - ﷺ -: يا علي، أصب من هذا، فهو أنفع لك) لبرودتها، وفي الحديثا دليل على فضل علم الطب، وأن الطبيب يقبل قوله، ويرجع إليه في ترك المضر وتناول النافع.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"﵇\".\n(٢) زاد في نسخة: \" يعني أعنابًا\".\n(٣) في نسخة بدله: \"مَالَ\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: قال هارون: قال أبو داود: العَدَوية\".","vol":"11","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1510>(٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ</span>\n٣٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إنْ (١) كَانَ في شَيءٍ مِمَّا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ خَيْرٌ: فَالْحِجَامَةُ\". [جه ٣٤٧٦، حم ٢/ ٣٤٢]\n٣٨٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيُّ، نَا يَحْيَى- يَعْني ابْنَ حَسَّانَ-، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالى (٢)، نَا فَائِدٌ مَوْلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عن مَوْلَاهُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عن جَدَّتِهِ سَلْمَى\n===\n\n(٣) (بَابُ مَا جَاءَ في الْحِجَامَةِ)\n٣٨٥٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة) - ﵁ -، (أن رسول الله - ﷺ - قال: إن كان في شيء مما تداويتم به خير: فالحجامة).\nقال ابن رسلان: وفي \"الصحيحين\" (٣) عن جابر، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار، توافق الداء، وما أُحِبُّ أن أكتوي\"، قال السفاقسي: لعل هذا كان قبل أن يعلم أن لكل داء شفاء، انتهى.\n٣٨٥٨ - (حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، نا يحيى -يعني ابن حسان-، نا عبد الرحمن بن أبي الموالي، نا فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن مولاه عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن جدته سلمى) أم رافع مولاة\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢) في نسخة: \"أبي الموال\".\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥٦٨٣)، و\"صحيح مسلم\" (٢٢٠٥).","vol":"11","page":586},{"text":"خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَتْ: مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجَعًا في رَأسِهِ إلَّا قَالَ: \"احْتَجِمْ\"، وَلَا وَجَعًا في رِجْلَيْهِ إلَّا قَالَ: \"اخْضِبْهُمَا\". [ت ٢٠٥٤، جه ٣٥٠٢، حم ٦/ ٤٦٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>(٤) بَابٌ: في مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ</span>\n٣٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ (١) وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدِ قَالَا: نَا الْوَلِيدُ، عن ابْن ثَوْبَانَ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ، قَالَ كَثِيرٌ: إنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَحْتَجِمُ عَلَى هَامَتِهِ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ تقُولُ: \"مَنْ أَهْرَاقَ\n===\nالنبي - ﷺ -، ويقال: مولاة صفية بنت عبد المطلب، وهي زوجة أبي رافع (خادم رسول الله - ﷺ -) الخادم يطلق على الغلام والجارية، والتاء في المؤنث قليل، قاله ابن رسلان.\n(قالت: ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله - ﷺ - وجعًا في رأسه إلا قال: احتجم) لأن سببه في ذلك الزمان غالبًا غلبة الدم وفورانه، (ولا وجعًا في رجليه إلا قال: اخْضِبْهما) زاد البخاري في \"تاريخه\": \"بالحناء\"، لأن فيه استعمال الحناء مسحوقًا بالماء البارد، وهو رادع.\n\n(٤) (بَابٌ: في مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ)\n٣٨٥٩ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي وكثير بن عبيد قالا: نا الوليد، عن ابن ثوبان (٢)، عن أبيه) ثوبان، (عن أبي كبشة الأنماري، قال كثير:) شيخ المصنف: (إنه) أي: أبا كبشة (حدثه) أي: ثوبان (أن النبي - ﷺ - كان يحتجم على هامته وبين كتفيه، وهو يقول: من أهراق) بسكون الهاء، أصله:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"دُحيم\".\n(٢) ابن ثوبان: هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، والمراد بـ \"عن أبيه\": ثابت بن ثوبان.","vol":"11","page":587},{"text":"مِنْ هَذه الدِّمَاءِ، فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَتَدَاوَى بِشَئءٍ لِشَئءٍ\". [جه ٣٤٨٤]\n٣٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا جَرِيرٌ (١)، نَا قَتَادَةُ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ ثَلَاثًا في الأَخْدَعَيْنِ، وَالْكَاهِلِ\". [ت ٢٠٥١، جه ٣٤٨٣، حم ٣/ ١١٩]\nقَالَ مَعْمَرٌ: احْتَجَمْتُ، فَذَهَبَ عَقْلِي، حَتَّى كُنْتُ أُلَقَّنُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ في صَلَاتي، وَكَانَ احْتَجَمَ عَلَى هَامَتِهِ.\n===\nأراق، ثم بدلوا الهمزه هاء، فقالوا: هراق، ثم زادوا الهمزة قبل الهاء جمعًا بين البدل والمبدل منه (من هذه الدماء) قال ابن رسلان: يشبه أن يكون الإشارة في هذه إلى الدماء الخارجة في الحجامة، وفهم ذلك من تقدم ذكر الحجامة، فإن الدماء تخرج منها، انتهى. ويحتمل أن يكون الإشارة بلفظ \"هذه\" إلى موضع الهامة والكاهل، ويكون لفظ \"الدماء\" منصوبًا على المفعولية لأهراق.\n(فلا يضره أن لا يتداوى بشيء) أي: بعدها (لشيء) من الدواء غير الموت والهرم، ومعناه الحض والترغيب على من تداوى بالحجامة أن لا يتداوى بعدها بشيء من الأدوية؛ لأنه بعد ذلك لا يصيبه المرض.\n٣٨٦٠ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا جرير، نا قتادة، عن أنس) - ﵁ -: (أن النبي - ﷺ - احتجم ثلاثًا) أي في ثلاثة مواضع من البدن، اثنتين (في الأخدعين) هما عرقان في جانب العنق (و) واحدًا في (الكاهل) وهو ما بين الكتفين\n(قال معمر: احتجمت فذهب عقلي، حتى كنت ألقن فاتحة الكتاب) أي: لا أستطيع أن أقرأ فاتحة الكتاب بحفظي (في صلاتي، وكان احتجم على هامته) كأنه أخطأ الموضع أو المرض فأضرَّه ذلك.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن حازم\".","vol":"11","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1512>(٥) بَابٌ: مَتَى يُسْتَحَبُّ الْحِجَامَةُ</span>\n٣٨٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْجُمَيْحِيُّ (١)، عن سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنِ احْتَجَمَ بِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإحْدَى وَعِشْرِينَ، كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ\". [ق ٩/ ٣٤٠، ك ٤/ ٢١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>(٦) بَابٌ: في قَطْعِ الْعِرْقِ وَمَوْضِعِ الْحَجْمِ</span>\n٣٨٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن\n===\n\n(٥) (بَابٌ: مَتَى يُسْتَحبُّ الْحِجَامَةُ)\n٣٨٦١ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا سعيد بن عبد الرحمن الجميحي، عن سهيل، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة) -﵁ - (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من احتجم بسبع عشرة، وتسع عشرة، واحدى وعشرين، كان شفاء من كل داء).\nقال في \"فتح الودود\": قالوا: الحكمة في ذلك أن الدم يغلب في أوائل الشهو ويقل في آخره، فالأوسط يكون أولى وأوفق، قال ابن رسلان: هذا من العام المراد به الخصوص، والمعنى كان شفاء لكل داء سببه غلبة الدم، وهذا الحديث موافق لما أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أول الشهر وآخره، انتهى (٢).\n\n(٦) (بَابٌ: في قَطْعِ الْعِرْقِ وَمَوْضِعِ الحَجْمِ)\n٣٨٦٢ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا أبو معاوية، عن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الجمحي\".\n(٢) انظر البحث المقدَّم في \"ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنَّة والسيرة النبوية\" بعنوان: \"الحجامة في ضوء الحديث النبوي\"، للدكتور يحيى بن ناصر خواجي، فهو بحث قيِّم في الموضوع.","vol":"11","page":589},{"text":"الأَعْمَشِ، عن أَبِي سُفْيَانَ، عن جَابِرٍ قَالَ: \"بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - إلَى أُبَيٍّ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا\". [م ٢٢٠٧، جه ٣٤٩٣، حم ٣/ ٣٠٣]\n٣٨٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَتْنِي عَمَّتِي كَبْشَةُ (١) بِنْتُ أَبِي بَكْرَةَ:\n===\nالأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: بعث النبي - ﷺ - إلى أبي) بن كعب (طبيبًا، فقطع منه عرقًا) ثم بعد ذلك كواه ليرقأ الدم، كما في رواية \"مسلم\" (٢).\n٣٨٦٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرني أبو بكرة بكار بن عبد العزيز، أخبرتني عمتي كبشة بنت أبي بكرة) هكذا في بعض النسخ في متنها، وفي نسخة على الحاشية: \"عمتي كبشة بنت أبي بكرة، وقال غير موسى: كيسة\".\nقال في \"فتح الودود\": قالوا: الصواب كيِّسة بمثناة تحتية مشددة وسين مهملة، وضبطه ابن رسلان بفتح الكاف وتشديد المثناة تحت ثم سين مهملة، ثم قال: كذا قيده الدارقطني والأمير وغيره، وقيده بعضهم بسكون المثناة تحت، قال الأمير: وهو تصحيف، وأبوها أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي من فضلاء الصحابة، انتهى.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\": كيِّسة بتحتانية ثقيلة، ثم مهملة، بنت أبي بكرة الثقفية البصرية، لها عن أبيها حديث في الحجامة، لا يعرف حالها، وقال في \"تهذيب التهذيب\": كيِّسة بنت أبي بكرة الثقفية البصرية، روت عن أبيها في الحجامة، وعنها ابن أخيها بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، قلت: وقع في رواية ابن داسة، عن أبي داود: كبشة بموحدة ساكنة ومعجمة، ونبه أبو داود على أن موسى بن إسماعيل يقول: كيسة، أي على الصواب، انتهى.\nقلت: فالذي يظهر من هذا الكلام أن ما وقع في رواية موسى بن إسماعيل بلفظ كبشة بالموحدة والمعجمة تصحيف من النساخ.\n_________\n(١) في نسخة: \"كيسة\".\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٢٢٠٧).","vol":"11","page":590},{"text":"\"أَنَّ أَبَاهَا كَانَ يَنْهَى أَهْلَهُ عَنِ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَيزْعُمُ عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أَنَّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ\" (١). [ق ٩/ ٣٤٠]\n٣٨٦٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ (٢) - ﷺ - احْتَجَمَ عَلَى وَرِكِهِ مِنْ وَثَءٍ (٣)\n===\n(أن أباها) أي: أبا بكرة (كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويزعم) أي: يقول (عن رسول الله - ﷺ -: أن يوم الثلاثاء يوم الدم) أي: يوم غلبة الدم ويكثر فيه الدم في الجسم (وفيه ساعة لا يرقأ) بهمز آخره، أي: لا ينقطع فيها دم من احتجم أو افتصد، ولا يسكن، وربما يهلك الإنسان فيها.\n٣٨٦٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - احتجم على وركه) بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز التخفيف بكسر الواو وسكون الراء، وهما وركان فوق الفخذين، ولابن ماجه (٤) عن جابر \"أن النبي - ﷺ - سقط من فرسه على جذع نخلة فانفكَّتْ قدمه، وأن النبي - ﷺ - احتجم (٥) عليها\" (من وَثءٍ) بفتح الواو وسكون مثلثة بعدها همزة، والوثء: أن\n_________\n(١) في نسخة: \"يرقى\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) في نسخة: \"وجع\".\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (٣٤٨٥).\n(٥) وهو مشكل، لأن ظاهره أن الاحتجام كان على القدم، وظاهر حديث أبي داود أنه على الورك، وأيضًا السقوط عن الفرس كان بالمدينة. والاحتجام في حديث جابر كان وهو محرم كما في \"النسائي\" (٢٨٤٨) عن يزيد عن أبي الزبير: \"احتجم وهو محرم من وثء كان به\"، فليفتش من \"مسند أحمد\" (٣/ ٣٥٧) وغيره، وقد أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٧) من طريق هشام بن أبي عبد الله عن أبي الزبير بلفظ: \"احتجم ﵇ وهو محرم من ألم كان بظهره أو بوركه\"، شك هشام، ومن طريقه أيضًا: \"احتجم وهو محرم من وثء كان بوركه أو ظهره\". (ش).","vol":"11","page":591},{"text":"كَانَ بِهِ\". [ن ٢٨٤٨، حم ٣/ ٣٥٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>(٧) بَابٌ: في الْكَيِّ</span>\n٣٨٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّاد، عن ثَابِتٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: \"نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عن الْكَيِّ، فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَ (١)، وَلَا أَنْجَحْنَ\" (٢). [ت ٢٠٤٩، جه ٣٤٩٠، حم ٤/ ٤٢٧]\n===\nيصيب العظم ولا يبلغ الكسر، يقال: وثئت اليدُ، والرجل، والورك: إذا أصابها وجع دون الخلع والكسر، فهي موثوءة، وقد يترك الهمزة، فيقال: وَثى.\n(كان به) أي: أصابه من الواقعة، قاله ابن رسلان.\n\n(٧) (بَابٌ: في الْكَيِّ)\n٣٨٦٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت) البناني، (عن مطرف، عن عمران بن حصين قال: نهى النبي - ﷺ - عن الكي) زاد الترمذي: فابتلينا (فاكتوينا) وهذا يشير إلى أنه يباح الكي عند الضرورة بالابتلاء بالأمراض المزمنة التي لا ينجح فيها إلَّا الكي، ويخاف الهلاك عند تركه، وإنما نهى عمران بن حصين عن الكي، لأنه كان به ناصور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيه.\n(فما أفلحن، ولا أنجحن) قال ابن رسلان: هكذا الرواية الصحيحة بنون الإناث فيها، يعني تلك الكيَّات التي اكتوينا بهن، وخالفنا النبي - ﷺ - في فعلهن، وكيف يفلح أو ينجح شيء خولف فيه صاحب الشريعة، وفي رواية \"الترمذي\": \"فما أفلحنا ولا أنجحنا\"، فيكون لفظة \"نا\" في الفعلين ضمير المتكلم ومن معه، انتهى. وفي نسخة على الحاشية مثل رواية الترمذي بضمير المتكلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"فما أفلحنا ولا أنجحنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: يعني اكتويت، قال أبو داود: وكان يسمع تسليم الملائكة، فلما اكتوى انقطع عنه، فلما ترك رجع إليه\".","vol":"11","page":592},{"text":"٣٨٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَوَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مِنْ رَمْيَتِهِ\". [حم ٣/ ٣٦٣، م ٢٢٠٨، جه ٣٤٩٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>(٨) بَابٌ: في السَّعُوطِ</span>\n٣٨٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَحْمَدُ (١) بْنُ إسْحَاقَ، نَا وُهَيْبٌ، عن عَبْدِ اللَّهِ (٢) بْنِ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسولَ اللَّهِ - ﷺ - اسْتَعَطَ\". [خ ٥٦٩١، م ٧٦]\n===\n٣٨٦٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي - ﷺ - كوى سعد (٣) بن معاذ من رَمْيته) أي: جرحه من رمى السهم لينقطع الدم.\nوقد جاء النهي عن الكي، والرخصة فيه لسعد لبيان جوازه حيث لا يقدر الرجل على أن لا يتداوى بدواء آخر، وإنما ورد النهي حيث يقدر الرجل على أن يُداوِي العلة بدواء آخر، لأن الكي فيه تعذيب بالنار، ولا يجوز أن يعذب بالنار إلَّا رب النار، قاله ابن رسلان.\n\n(٨) (بَابٌ: في السَّعُوطِ)\n٣٨٦٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أحمد بن إسحاق، نا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - استعط) والسعوط دواء يصب في الأنف، وأما الوجور فهو في وسط الفم، واللدود في أحد شقي الفم.\n_________\n(١) في نسخة: \"محمد بن إسحاق\".\n(٢) في نسخة: \"عبيد الله\".\n(٣) يخالفه \"لم يتوكل من اكتوى\"، وأجاب عنه ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ٣٩٤)، وبسط الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ١٣٨). (ش).","vol":"11","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1516>(٩) بَابٌ: في النُّشْرَةِ</span>\n٣٨٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاق، نَا عَقِيلُ بْنُ مَعْقِلٍ قالَ: سَمِعت وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يُحَدِّثُ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ النُّشْرَةِ، فَقَالَ: \"هُوَ (١) مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ\". [حم ٣/ ٢٩٤]\n\n(١٠) بَابٌ: فِي (٢) التِّرْيَاقِ\n===\n\n(٩) (بَابٌ: في النشْرَةِ)\nبضم النون وسكون الشين المعجمة، وهو ضرب من الرقية\n٣٨٦٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا عقيل بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يحدث، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن النشرة، فقال: هو من عمل الشيطان).\nقال ابن رسلان: وهو ضرب من الرقية والعلاج والتطبيب بالاغتسال على هيئات مخصوصة بالتجربة لا يحتملها القياس الصحيح الطبِّي، يُعالج به من يُظن أن به مسًا من الشيطان أو الجن، سميت نُشْرة، لأن العليل ينشر بها عن نفسه ما جاء من مس الداء، أي: يكشفه ويزيله عنه، وإنما أراد بها النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به، ويزعمون أنه يشفيهم من مرضهم، ويكون فيها من الألفاظ الشركية، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>(١٠) (بَابٌ: في التِّريَاقِ)</span>\nبالتاء المثناة الفوقية المكسورة أو المضمومة، وهو دواء السم، وليس المراد به ما كان نباتًا أو حجرًا، بل المختلط بلحوم الأفاعي يطرح منها رأسها\n_________\n(١) في نسخة: \"هي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"شرب\".","vol":"11","page":594},{"text":"٣٨٦٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، نَا شُرَحْبِيلُ بْنُ يَزِيدَ الْمَعَافِرِيُّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رَافِع التّنوخِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ إنْ أَنَا شَرِبْتُ تِرْيَاقًا، أَوْ تَعَلَّقْتُ تَمِيمَةً، أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي\". [حم ٢/ ١٦٧]\n===\nوأذنابها، ويستعمل أوساطها في الترياق، وهو محرم لأنه نجس، وإن اتخذ الترياق من أشياء طاهرة، فهو طاهر لا بأس بأكله وشربه، وممن رخص فيما فيه شيء من لحوم الأفاعي مالك، لأنه يرى إباحة لحوم الحيات، ويقتضيه مذهب الشافعي لإباحته التداوي ببعض المحرمات، قاله ابن رسلان.\n٣٨٦٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا عبد الله بن يزيد، نا سعيد بن أبي أيوب، نا شرحبيل بن يزيد المعافري، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما أبالي ما أتيت) أي: لا أكترث بشيء من أمر ديني، ولا أهتم بما فعلته منه إن أنا فعلت هذه الثلاثة أو شيئًا منها، وهذا مبالغة عظيمة وتهديد شديد في فعل شيء من هذه الثلاثة، أو من فعل شيئًا منها، فهو غير مكترث بما يفعله، ولا يبالي به هل هو حلال أو حرام؟ وهذا وإن أضافه النبي - ﷺ - إليه، فالمراد به إعلام غيره بالحكم.\n(إن أنا شربت ترياقًا) فيه ست لغات، أرجحهن كسر التاء، (أو تعلَّقت تميمة) والتميمة خرزات كانوا يتعلقونها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، فأبطله الإِسلام، ورد عليهم اعتقادهم الفاسد الضلال، إذ لا نافع ولا دافع إلا الله تعالى، قال النووي (١): المراد بالنهي ما كان بغير اللسان العربي مما لا يُدْرى ما هو، ولعله قد يكون سحرًا ونحوه مما لا يجوز.\n(أو قلت الشعر من قِبَل نفسي) أي: من جهة نفسي، بل خرج ما قاله\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٤٢٥).","vol":"11","page":595},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا كَانَ لِلنَبِي - ﷺ - خَاصَّةً، وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ قَوْمٌ، يَعْنِي: التِّرْيَاقَ\".\n===\nحاكيًا من غيره، كما في \"الصحيح\": \"خير كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد\" (١)، ويخرج عنه ما قال، لا على قصد الشعر فجاء موزونًا.\n(قال أبو داود: هذا كان للنبي - ﷺ - خاصة، وقد رخص فيه قوم، يعني الترياق) هذه العبارة تحتمل معنيين:\nأولهما: هذا أي النهي عن الشعر من قبل نفسي، كان للنبي - ﷺ - دون أمته، وكان إنشاء الشعر يجوز لهم، فأما النبي - ﷺ - فكان حرامًا عليه أن ينشئ شعرًا من قبل نفسه بالقصد، ثم بين أبو داود حكمًا آخر وقال: \"وقد رخص فيه قوم\" وأظهر مرجع الضمير، فقال: يعني الترياق، فغرضه بذلك أن الترياق مختلف فيه، فالجمهور لا يُجوِّزونه، وبعضهم رخص فيه، ولعل المواد بالبعض المالكية، فإنهم أباحوا لحوم الأفاعي، فرخصوا فيه.\nوالمعنى الثاني: ما قال ابن رسلان في \"شرحه\": قال المصنف: هذا الحكم كان للنبي - ﷺ - خاصة دون أمته، وقد رخص فيه قوم يعني الترياق، قال بعضهم: كما أن إنشاء الشعر من قبل نفسي حرام علي، كذا شرب الترياق، وتعليق التمائم حرامان علي، وأما في حق الأمة فالتمائم وإنشاء الشعر غير حرام، والترياق المتخذ من الأشياء الطاهرة لا بأس به، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: اعلم أن الثلاثة سواسية في أن حسنها مباح وقبيحها منهي عنه، فإن الترياق لو لم يكن فيه شيء من المحرمات، والشعر لو لم يكن فيه شيء من الألفاظ الممنوعة التلفظ، والتميمة إذا لم يكن فيها شيء من الكفر، ولا في تعليقها اعتقاد بالتأثير كان حلالًا مباحًا لا ضير فيه، وينعكس الحكم بانعكاس أحوالها، فلا أبالي ما أتيت من ذلك؛ لأني آتيه حلالًا مباحًا، وكذلك لا أبالي إن أتيت المحرم من الترياق أن آتي المحرم من السحر والشعر لاستواء الكل في تحريم ما حرم منها، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٦١٤٧)، و\"صحيح مسلم\" (٢٢٥٦)، وفيهما: \"أصدق كلمة\".","vol":"11","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1518>(١١) بَابٌ: في الأَدْوِيَةِ الْمَكْرُوهَةِ</span>\n٣٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ الْوَاسِطِيُّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عن ثَعْلَبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عن أَبِي عِمْرَانَ الأَنْصَارِيِّ، عن أُمِّ الدَّرْدَاء، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ الله أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُل دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا وَلَا تَتَدَاوَوْا (١) بِحَرَامٍ\" (٢). [ق ١٠/ ٥]\n===\n\n(١١) (بَابٌ: في الأَدْوِيَةِ الْمَكْرُوهَةِ)\n٣٨٧٠ - (حدثنا محمد بن عبادة الواسطي، نا يزيد بن هارون، أنا إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن أبي عمران الأنصاري، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله أنزل الداء والدواء) أي: خلق الداء، وقدر له الدواء، (وجعل) أي: خلق الله تعالى (لكل داء دواء) أي: شفاء يشفي بالدواء بقدرة الله تعالى بحكمة الأسباب بالمسببات (فتداووا ولا تتداووا بحرام) أي: لا يجوز التداوي بما حرم الله تعالى من النجاسات وغيرها.\nوقد استدل أحمد بهذا الحديث، وبحديث: \"إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم\" (٣) على أنه لا يجوز التداوي بمحرم ولا بشيء فيه محرم.\nوالصحيح من مذهبنا جواز التداوي بجميع النجاسات سوى المسكر لحديث العرنيين في \"الصحيحين\" (٤) وأن يشربوا من أبوالها للتداوي كما\n_________\n(١) في نسخة: \"ولا تداووا\".\n(٢) في نسخة: \"بالحرام\".\n(٣) أخرجه البخاري تعليقًا، كتاب الأشربة، باب شراب الحلوى والعسل، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٤٢) رقم (٧٥٠٩) وابن حبان في \"صحيحه\" (١٣٩١). وفي جميع المراجع: \"شفاءكم\" بدل \"شفاء أمتي\".\n(٤) انظر. \"صحيح البخاري\" (٢٣٣) و\"صحيح مسلم\" (١٦٧١).","vol":"11","page":597},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nهو ظاهر الحديث، وحديث الباب: \"لا تداووا بحرام\" و\"لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم\" محمول على عدم الحاجة بأن يكون هناك دواء غيره يغني عنه ويقوم مقامه من الطاهرات.\nقال البيهقي (١): هذان الحديثان إن صحا محمولان على النهي عن التداوي بالمسكر، أو على التداوي بكل حرام من غير ضرورة ليجمع بينهما وبين حديث العرنيين، قاله ابن رسلان.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: النهي عن التداوي بالمحرم مقيد بالجهة التي حرم الدواء باعتبارها، فما حرم أكله حرم إدخاله في المأكولات دون غيرها، فما حرم الانتفاع به مطلقًا كالخمر والخنزير والميتة حرم الانتفاع به مطلقًا كيفما كان. بقي ههنا شيء، وهو أن ميتة البحر جاز أكلها فيما ثبت الجواز وهو السمك، وما لم يثبت جواز الأكل ولا حرمة الانتفاع جاز الانتفاع به في غير الأكل، ويدخل في هذا الباب الضفدع والسرطان وسائر دواب البحر، فإن الانتفاع بها أجمع حلال في غير الأكل من دون ذبح.\nوأما الحشرات فما ليس فيه مذبح كالحية والديدان ساغ التداوي بها في الأطلية والضمادات وسائر ما شئت ولا الأكل، أما ما فيه مذبح كالفأرة والوزغ توقف حل الانتفاع بها على التذكية، فعلى هذا فالنهي عن الضفدع في الرواية الآتية محمول على أن السائل سأله عن إدخاله في المأكول من الدواء، وفي النهي عن قتله حجة على مالك في إباحة الحشرات وسائر دواب البحر، وعلى الشافعي أيضًا حيث جوَّز سائر دواب البحر، انتهى (٢).\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٥).\n(٢) وفي \"الدر المختار\": اختلف في التداوي بالمحرم، وظاهر المذهب المنع، كما في رضاع \"البحر\"، لكن نقل المصنف: قيل: يرخص إذا علم فيه الشفاء، ولم يعلم دواء آخر كما رخص الخمر للعطشان، وعليه الفتوى. [انظر: \"رد المحتار\" (٧/ ٢٦٣ و٤٨٠)]. (ش).","vol":"11","page":598},{"text":"٣٨٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ: \"أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عن ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا في دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - عن قَتْلِهَا\". [ن ٤٣٥٥، حم ٣/ ٤٥٣، دي ٢٠٠٤]\n===\n٣٨٧١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد) بن عبد الله بن قارظ بظاء معجمة، القارظي الكناني المدني، حليف بني زهرة، قال النسائي: ضعيف مع أنه أخرج له، وقال الدارقطني: مدني يحتج به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الحافظ: قال النسائي في \"الجرح والتعديل\": ثقة. فلينظر في أين قال: إنه ضعيف.\n(عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان) بن عبيد الله التيمي، ابن أخي طلحة من مسلمة الفتح، شهد اليرموك، وقتل مع ابن الزبير بمكة، (أن طبيبًا سأل النبي - ﷺ - عن ضفدع (١) يجعلها في دواء، فنهاه النبي - ﷺ - عن قتلها) لأن التداوي بها يتوقف على القتل، فإذا حرم القتل حرم التداوي بها أيضًا، وذلك إما لأنه نجس، وإما لأنه مستقذر، قاله في \"فتح الودود\".\nقال الخطابي (٢): في هذا دليل على أن الضفدع محرم الأكل، وأنه غير داخل فيما أبيح من دواب الماء، فكل منهي عن قتله من الحيوان، فإنما هو لأحد الأمرين، إما لحرمة في نفسه كالآدمي، وإما لتحريم لحمه كالصرد والهدهد ونحوهما، فإن كان الضفدع ليس بمحترم كالآدمي كان النهي\n_________\n(١) استدل الجصاص (٢/ ٤٧٩) بهذا الحديث على أنه لا يجوز من دواب البحر إلَّا السمك لعدم القائل بالفصل. قال الدميري: ليس شيء أكثر ذكرًا لله منه، ويقال: إنها حلَّت الماء ورشَّت على نار إبراهيم ﵇. [انظر: \"حياة الحيوان\" (٢/ ١٠٩، ١١٠)]. (ش).\n(٢) وبه جزم صاحب \"البدائع\" (٤/ ١٤٤) فقال: ذلك نهي عن أكله، انتهى. [قلت: والحديث يأتي في آخر كتاب الأدب]. (ش).","vol":"11","page":599},{"text":"٣٨٧٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، ثَا يُونُسُ بْنُ أَبي إسْحَاقَ، عن مُجَاهِدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ - عن الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ\". [ت ٢٠٤٥، جه ٣٤٥٩، حم ٣/ ٣٠٥]\n٣٨٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ حَسَا (٢) سُمَّا، فَسَمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا\". [خ ٥٧٧٨، م ١٠٩، ت ٢٠٤٤، ن ١٩٦٥، جه ٣٤٦٠، حم ٢/ ٢٥٤]\n===\nفيه منصرفًا إلى الوجه الآخر، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن ذبح الحيوان إلَّا لمأكله (٣).\n٣٨٧٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا محمد بن بشر، نا يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الدواء الخبيث) أي: محرم العين، قال في \"فتح الودود\": قيل: هو النجس، أو الحرام، أو ما يتنفر عنه الطبع، وقد جاء تفسيره في رواية الترمذي بالسم، انتهى.\n٣٨٧٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حسا) أي: شرب وتجرع (سُمًّا، فسمه في يده) أي: يوم القيامة (يتحسَّاه) أي: يشربه (في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) يعني إذا كان مستحِلًّا له.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"حسى\".\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ٢٢٢).","vol":"11","page":600},{"text":"٣٨٧٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا شُعْبَةُ، عن سِمَاكٍ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عن أَبِيهِ (١)، ذَكَرَ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ، أَوْ سُوَيْدَ بْنَ طَارقٍ: سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عن الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ. ثُمَّ سَأَلَهُ، فَنَهَاهُ. فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إنَّهَا دَوَاءٌ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ\". [م ١٩٨٤، ت ٢٠٤٦، جه ٣٥٠٠]\n===\n٣٨٧٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه) وائل، قال شعبة: (ذكر) سماك (طارق بن سويد أو سويد بن طارق).\nقال في \"تهذيب التهذيب\" (٢): طارق بن سويد، ويقال: سويد بن طارق الحضرمي الجعفي، يقال: له صحبة، روى عن النبي - ﷺ - في الأشربه، روى حديثه سماك بن حرب، واختلف عليه فيه فقال: شعبة عنه عن علقمة بن وائل عن آبيه قال: ذكر طارق بن سويد أَو سويد بن طارق، وقال حماد بن سلمة: عن علقمة عن طارق، ولم يشك، ولم يذكر أباه، قلت: قال أبو حاتم الرازي: سويد بن طارق أشبه، وقال البخاري: في اسمه نظر، وقال البغوي: الصحيح عندي طارق بن سويد، وكذا قال أبو علي بن السكن، وقال ابن منده: سويد بن طارق وهم.\nقلت: أخرجه ابن ماجه عن طارق بن سويد بلا شك فيه، ولم يذكر أباه، بل قال: عن علقمة بن وائل عن طارق بن سويد، وأخرجه مسلم والترمذي من طريق وائل بن حجر أن طارق بن سويد، قاله ابن رسلان.\n(أنه سأل النبي - ﷺ - عن الخمر، فنهاه) أو كره أن يصنعها، كذا لمسلم (ثم سأله) عنها (فنهاه) فإنه يحرم شرب الخمر (فقال له: يا نبي الله، إنها دواء؟) ولفظ مسلم: \"إنما أصنعها للدواء\".\n(قال النبي - ﷺ -: لا) وفيه تصريح بأنها ليست بدواء، فيحرم التداوي بها كما يحرم شربها، (ولكنها داء) أي: مضرٌّ في الجسد لكل من يشربها، وأما من غص بلقمة، ولم يجد ما يسيغها به إلَّا خمرًا، فيلزم الإساغة لأن حصول الشفاء حينئذ مقطوع به بخلاف التداوي بها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) (٥/ ٣).","vol":"11","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1519>(١٢) بَابٌ: في تَمْرَةِ الْعَجْوَةِ</span>\n٣٨٧٥ - حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن سَعْدٍ قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا أَتَانِي (١) رَسُولُ الله - ﷺ - يَعُودُنِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا في (٢) فُؤَادِي، فَقَالَ: \"إنَّكَ رَجُلٌ مَفْؤُودٌ، ائْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ، فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ، ثُمَّ ليَلِدَّكَ بِهِنَّ\".\n===\n\n(١٢) (بَابٌ: في تَمْرَةِ الْعَجْوَةِ)\n٣٨٧٥ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن سعد) (٣) بن أبي وقاص (قال: مرضت مرضًا أتاني رسول الله - ﷺ - يعودني، فوضع يده بين ثديي، حتى وجدت بردها في فؤادي، فقال: إنك رجل مفؤود) أي: أصابه داء في فؤاده، (ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف) قال الحافظ في \"الإصابة\" (٤): قال ابن أبي حاتم: لا يصح إسلامه، وهذا الحديث يدل على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب.\n(فإنه رجل يتطبب) أي: يعالج، (فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة، فليجأهن) أي: يَرُضُّهن (بنواهن ثم ليلدك بهن).\n_________\n(١) في نسخة: \"فأتاني\".\n(٢) في نسخة: \"على\".\n(٣) \"مجاهد عن سعد\"، إن الحديث منقطع لأن مجاهدًا لم يدرك سعد بن أبي وقاص.\nوجزم المزي في \"التحفة\" (٣٩١٦) والمنذري في \"مختصره\" (٣٧٢٦) بأنه: سعد بن أبي وقاص، ولكن نقل الحافظ هذا الحديث في \"الإصابة\" (٣/ ٤٨) في ترجمة سعد بن أبي رافع برواية الطبراني (٥٤٧٩) ثم قال: تفرد يونس بن الحجاج، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح بقوله: سعد بن أبي رافع، فإما أن يكون وهم يونس بن الحجاج في قوله: ابن أبي رافع، أو تكون القصة تعددت.\n(٤) قلت: ذكره في القسم الأول من \"الإصابة\" (١/ ٢٨٨). (ش).","vol":"11","page":602},{"text":"٣٨٧٦ - حَدّثَنَا عثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، نَا هَاشَمُ بْنُ هَاشِمٍ، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ (١) تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ\". [خ ٥٧٦٩، م ٢٠٤٧، \"السنن الكبرى\" ٦٧١٣، حم ١/ ١٨١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>(١٣) بَابٌ في الْعِلَاقِ</span>\n٣٨٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَحَامِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: نَا سُفْيَانُ، عن\n===\n٣٨٧٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو أسامة، نَا هاشم بن هاشم) بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المدني، ويقال: هاشم بن هاشم بن هاشم، لأن هاشم بن عتبة قتل بصفين سنة سبعين، فيبعد أن يكون صاحب الرقية ابنه لبعد ما بين وفاتيهما، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: هاشم بن هاشم بن عتبة مدني ثقة، وقال البزار: ليس به بأس.\n(عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه) سعد بن أبي وقاص، (أن النبي - ﷺ - قال: من تصبح) أي: أكل وقت الصبح على الريق (سبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر) إما لخاصية في ذلك، أو لدعائه - ﷺ -، وقال الخطابي: ذلك ببركة دعائه لا بخاصية في التمر.\n\n(١٣) (بَابُ الْعِلَاقِ)\nقال في \"المجمع\" (٢): الإعلاق معالجة عذرة الصبي، وهو وجع في حلقه، وورم تدفعه أمه بأصابعها أو غيرها، وحقيقة أعلقت عنه: أزلت العلوق منه، وهي الداهية، قال الخطابى: صوابه: أعلقت عنه، أو معنى أعلقتُ عليه أوردتُ عليه العلوقَ، أي: ما عذبتُه به من دغرها.\n٣٨٧٧ - (حدثنا مسدد وحامد بن يحيى قالا: نا سفيان، عن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بسبع\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٥٩).","vol":"11","page":603},{"text":"الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله، عن أُمِّ قَيْسٍ بنْتِ مِحْصَنٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - بِابْنٍ لِي، قَدْ أَعْلَقْتُ (١) عَلَيْهِ مِنَ الْعُذْرَةِ، فَقَالَ: \"عَلَامَ (٢) تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ، عَلَيْكُنَّ بهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا: ذَاتُ الْجَنْبِ (٣): يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ، وُيلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ\". [خ ٥٧١٣، م ٢٢١٤، جه ٣٤٦٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْني بِالْعُودِ الْقُسْطَ.\n===\nالزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أم قيس بنت محصن قالت: دخلت على رسول الله - ﷺ - بابن لي) أي: صغير (قد أعلقت عليه من العذرة) هي وجع أو ورم يهيج في الحلق من الدم في أيام الحر، فيغمز ذلك الموضع بالأصابع.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (علام تدغرن) أي: تغمزن (أولادكن بهذا العلاق) أي: بهذا الغمز والدغر (عليكن) أي: الزمن عليكن (بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية) جمع شفاء، (منها: ذات الجنب) يعني (يسعط من العذرة، ويلد) أي: يصب الدواء في الفم (من ذات الجنب، قال أبو داود: يعني بالعود القسط).\nقال ابن رسلان: قال جالينوس: ينفع الكُزَاز (٤)، ووضع الجنين، ويقتل حب القرع، وقد خفي على كثير من الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب فأنكروه (٥)، ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النقل عن جالينوس نزله منزلة النص، كيف وقد نص كثير من الأطباء المتقدمين على أن القسط ينفع النوع البلغمي من ذات الجنب، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"علقت\".\n(٢) في نسخة: \"ما\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٤) \"الكُزَازُ\" كغُراب: داء من شدَّة البرد. \"قاموس\".\n(٥) قلت: وكذا حكى في \"حياة الحيوان\" إنكار بعض الأطباء لذلك، ثم رد عليه بكلام جالينوس وغيره، وبسط العيني في فوائده. [انظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٨٢)]. (ش).","vol":"11","page":604},{"text":"(١٤) بَابٌ (١): في الْكُحْلِ\n٣٨٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ، فَإنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وإنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الإثْمِدُ، يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ\". [حم ١/ ٣٢٨، ت ٩٤٤، جه ٣٥٦٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>(١٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَيْنِ </span>(٢)\n٣٨٧٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1521>(١٤) (بَابٌ: في الْكُحْلِ) </span>(٣)\n٣٨٧٨ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: البسوا من ثيابكم البياض) الأمر للندب، (فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد) بكسر الهمزة والميم: هو الكحل الأسود، ويقال: إنه معرب، قال ابن البيطار في \"المنهاج\": هو الكحل الأصفهاني.\n(يجلو البصر) أي: فيه حفظ صحة العين، وتقوية لنور الباصرة، وتلطيف للمادة الرديئة، (وينبت الشعر) من الإنبات، أي: شعر أهداب العين النابت على أشفارها.\n\n(١٥) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَيْنِ)\n٣٨٧٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا معمر،\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في الأمر بالكحل\".\n(٢) في نسخة: \"باب في الاتقاء من العين\".\n(٣) تقدم الأمر بالاكتحال عند النوم، وبسط الحافظ (١٠/ ١٥٧) روايات الكحل، والمناوي في \"شرح الشمائل\" الأبحاث في ذلك. [انظر: \"جمع الوسائل\" (١/ ١٠٢]. (ش).","vol":"11","page":605},{"text":"عن هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"وَالعَيْنُ حَقٌّ\". [خ ٥٧٤٠، م ٢١٨٧، حم ٢/ ٣١٩]\n٣٨٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن إبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ،\n===\nعن همام بن منبه قال: هذا) إشارة إلى صحيفة فيها أحاديث حدثها أبوهريرة - ﵁ -، فرفعها إلى تلاميذه، وحدث منها هذا الحديث (ما حدثنا أبو هريرة) - ﵁ -، (عن رسول الله - ﷺ - قال) أي رسول الله - ﷺ -: (والعين حق).\nيريد به الإضرار بالعين والإصابة بها، كما يتعجب الشخص من الشيء بما يراه بعينه، فيتضرر ذلك الشيء بعينه حين ينظر إليه بها، قال النووي (١): أنكر طائفة العين، فقالوا: لا أثر لها، والدليل على فساد قولهم أنه أمر ممكن، والصادق أخبر بوقوعه فلا يجوز تكذيبه، واعلم أن العين عينان: عين إنسية، وعين جنية، كما سيأتي في حديث سهل، وكما تصيب العين بالنظر تصيب بالوصف من غير رؤية: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ (٢) يعني من غير رؤية.\nوقال بعضهم: العائن تنبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فتهلك، كما تنبعث من الأفعى، والمذهب أن الله أجرى العادة بخلق الضرر عنه مقابلة هذا الشخص بشخص آخر، وأما انبعاث جوهر منه فهو من الممكنات، قاله ابن رسلان (٣).\n٣٨٨٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان يؤمر العائن) الذي أصاب\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٤٢٦).\n(٢) سورة القلم: الآية ٥١.\n(٣) قال القسطلاني: إذا نظر المعيان لشيء باستحسان مشوب بحسد يحصل للمنظور ضرر بعادة أجراها الله تعالى، وهل ثم جواهر خفية تنبعث من عينه تصل إلى المعيون كإصابة السم من نظر الأفعى أم لا؟ هو أمر محتمل به. [انظر: \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٣٦)]. (ش).","vol":"11","page":606},{"text":"فيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ\". [ق ٩/ ٣٥١]\n===\nالشيء بعينه (فيتوضأ) بصيغة المجهول أو المعلوم، أي: يتوضأ بماء، ويجمع ذلك الماء في إناء، (ثم يغتسل منه المعين) بفتح الميم، أي: الذي أصابه العين بأن يصب المعين الماء على رأسه.\nوقد اختلف العلماء في العائن، هل يجبر على الوضوء للمعين أم لا؟ واحتج من أوجبه برواية مسلم: \"وإذا اغتسلتم فاغسلوا\" (١)، قال المازري: والصحيح عندي الوجوب، قال القاضي: في هذا من الفقه أنه ينبغي إذا عرف واحد بالإصابة بالعين أن يجتنب ويحترز منه، وينبغي للإمام أن يمنعه من مداخلة الناس ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيرًا رزقه ما يكفيه، ويكف أذاه عن الناس، فضرره أشد من ضرر أكل البصل والثوم.\nوصفة هذا الوضوء في رواية الإِمام أحمد (٢): عن سهل بن حنيف: \"أن رسول الله - ﷺ - خرج، وساروا معه نحو مكة، حتى إذا كانوا بِشِعْب الخَرَّارِ من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلًا أبيض، حَسَنَ الجسَم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ، فَلُبِطَ بسهل، (أي صُرع وسقط على الأرض)، فأتي رسول الله - ﷺ -، فقيل له: يا رسول الله! هل لك في سهل، والله ما يرفع رأسه وما يفيق، قال: هل تتهمون فيه من أحد؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله - ﷺ - عامرًا، فتغيظ عليه، وقال: علام يقتل (٣) أحدكم أخاه؟ هَلَّا إذا رأيت ما يعجبك بَرَّكْتَ؟ ثم قال له: اغتسل له، فغسل وجهه ويديه، ومرفقيه وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة (٤) إزاره في قدح، ثم صُبَّ ذلك الماء عليه،\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢١٨٨).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٨٦).\n(٣) وهل يجب القصاص على القاتل؟ مختلف فيه، راجع: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٠٥). (ش).\n(٤) واختلف في مصداق داخل الإزار وكيفية غسل ما ذكر على أقوال، بسطت في \"العيني\". [انظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٧٢٠). (ش).","vol":"11","page":607},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1523>(١٦) بَابٌ: في الْغَيْلِ</span>\n٣٨٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ (١) نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عن أَبِيهِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَتْ: سمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"لَا تَقْتُلُوا (٢) أَوْلَادَكُمْ سِرًّا، فَإنَّ الْغَيْلَ\n===\nيَصُبُّه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يُكْفِئ القدح وراءه، [ففعل به ذلك]، فراح سهل مع الناس، ليس به بأس\".\nوقوله: برَّكت، أي قلت: اللَّهُمَّ بارك عليه، فإنه يدفع عنه إصابة العين، ويدفع ذلك قوله: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وداخلة إزار فيه قولان: أحدهما: أنه الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن، والثاني: الفرج، قاله ابن رسلان.\n\n(١٦) (بَابٌ: في الْغَيْلِ)\nوأصل الغيل أن يجامع الرجل امرأته وهي ترضع، سواء كانت حاملة أم لم تكن، ويقال فيه: الغيلة بكسر الغين، فالغيلة والغيل بمعنى، وقيل: لا يصح فتح الغين إلَّا مع حذف التاء، وقيل: الغيل، وهو أن تلد المرأة فيغشاها زوجها وهي ترضع فتحمل، فإذا حملت فسد اللبن علي الصبي\n٣٨٨١ - (حدثنا أبو توبة، نا محمد بن مهاجر، عن أبيه، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقتلوا أولادكم سرًا) أي: بالغيل، فهو في موضع الحال، أي: مستخفين بالقتل، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: قتلا سرًا، ويجوز أن يكون ظرفًا بتقدير في، ثم بينه بدليل.\n(فإن الغيل) أي: أثره، وزاد النسائي القسم: \"فوالذي نفسي بيده، إن\n_________\n(١) في نسخة: \"ربيع بن نافع أبو توبة\".\n(٢) في نسخة: \"لا تغيلوا\".","vol":"11","page":608},{"text":"يُدْرِكُ الْفَارِسَ، فَيُدَعْثِرُهُ عن فَرَسِهِ\". [جه ٢٠١٢، حم ٦/ ٤٥٣، حب ٥٩٨٤]\n٣٨٨٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ زَوْج النَّبِيِّ - ﷺ -، عن جُدَامَةَ (١) الأَسَدِيَّةِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُول: \"لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عن الْغَيْلَةِ، حَتَّى ذُكّرْتُ أَنَّ الرُّوْمَ وَفَارِسَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ\". [م ١٤٤٢، ت ٢٠٧٧، جه ٢٠١١، حم ٦/ ٣٦١]\nقَالَ مَالِكٌ: الْغَيْلَةُ: أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ\".\n===\nالغيل\" (يدرك الفارس) أي: الراكب (فيدعثره) أي: يصرعه (عن فرسه) أي: عن ظهر فرسه، يريد أن من سوء أثره في بدن الطفل وإفساد مزاجه، أن ذلك لا يزال مؤثرًا فيه إلى أن يبلغ مبلغ الرجال، فيدرك ذلك حال ركوبه فرسه، فيسقط عن فرسه، وسبب ذلك هو الغيل.\n٣٨٨٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، عن جدامة) بنت وهب، ويقال: بنت جندب، ويقال: بنت جندل (الأسدية) أخت عكاشة بن محصن لأمه، كان إسلامها قديمًا، وهاجرت مع قومها إلى المدينة، قال الدارقطني: هي بالجيم والدال المهملة، ومن ذكرها بالذال المعجمة، فقد صحف.\n(أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة) يعني الجماع في زمان الرضاع، (حتى ذكرت أن الروم وفارس يفعلون ذلك) أي: فعل الغيلة، (فلا يضر أولادهم).\n(قال مالك: الغيلة: أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع)\n_________\n(١) في نسخة: \"جذامة\".","vol":"11","page":609},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال ابن رسلان: وفي هذا الحديث جواز الغيلة، فإنه - ﷺ - لم ينه عنها، وبيَّن سبب ترك النهي، وفيه جواز الاجتهاد لرسول الله - ﷺ -، وبه قال جمهور أهل الأصول، وقيل: لا يجوز لتمكنه على الوحي، والصواب الأول، قيل: يحتمل ذكر فارس والروم لثلاثة أوجه:\nأحدها: لكثرتهم، والثاني: لسلامة أولادهم في الغالب، والثالث: أنهم أهل طب وحكمة، فلو علموا أنه يضر ما فعلوه.\nفإن قلت: حديثا جدامة وأسماء متعارضان ومتنافيان بوجهين:\nأحدهما: أن في حديث أسماء أخبر - ﷺ - مؤكدًا بالقسم، كما في رواية (١) النسائي: \"فوالذي نفسي بيده إن الغيل يدرك الفارس\"، الحديث بوجود الغيل وأثره، وأخبره بنفيه في حديث جدامة بأن الفرس والروم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم.\nوالوجه الثاني: أن التنافي بينهما بوجود النهي وعدمه، فإن حديث أسماء يدل على أنه - ﷺ - نهى عنه، فإنه قال: \"لا تقتلوا أولادكم سرًا\"، وهذا نهي.\nوفي حديث جدامة: \"لقد هممت أن أنهى عن الغيلة\"، وهذا يقتضي أنه لم ينه عنه، فكيف وجه التوفيق بينهما.\nقلت: وجه التوفيق بينهما أن حديث جدامة مقدم بأن رسول الله - ﷺ - نظر على عادة العرب وخيالاتهم أن الغيل يضر، ثم نظر إلى فعل فارس والروم فظن أنه لا يضر، فعلى طريق العرب هَمَّ أن ينهى عنه، ثم على طريقة فارس والروم لما غلب على ظنه أنه لا يضر كف عنه وامتنع، ثم بعد ذلك أعلم من الله ﷾ أنه يضر، ولكن ليس ضرره على الغالب، بل هو قليل يؤثر أحيانًا في بعض الأمزجة، فنهى عنه - ﷺ - تنزيهًا، فعلى هذا يتفق الحديثان، ولا يبقى بينهما تعارض، والله أعلم.\n_________\n(١) لعله سبق قلم، فإن الرواية في \"ابن ماجه\" (٢٠١٢)، وإليه عزاه المنذري (٣٧٣٢). (ش).","vol":"11","page":610},{"text":"(١٧) بَابٌ: في (١) تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ\n٣٨٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَا الأَعْمَشُ، عن عَمْرِو بْنَ مُرَّةَ، عن يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عن ابْنِ أَخِي زينَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ، عن زينَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>(١٧) (بَابٌ: في تَعْلِيقِ التَّمائِمِ)</span>\n٣٨٨٣ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله) بن مسعود، قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه: عن ابن أخت زينب عنها، وفي نسخة: عن أخت زينب عنها، والراوي عن زينب مجهول، وقال ابن رسلان: عن ابن أخي زينب، قال: وكذا في بعض نسخ ابن ماجه، والرواية المشهورة ابن أخت زينب، قال المنذري: وفي نسخة: عن أخت زينب، ورواه الحاكم أخصر منها، وقال: صحيح الإسناد، انتهى.\nقلت: قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة يحيى بن الجزار، وذكر فيمن روى عنهم يحيى وابن أخي زينب الثقفية، وذكر في ترجمة زينب فيمن روى عنها قال: وعنها ابن أخيها، ولم يسم، فالظاهر على قول الحافظ أن الصواب: عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله، كما هو في جميع النسخ الموجودة عندنا.\n(عن زينب امرأة عبد الله، عن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الرقى) بضم الراء وفتح القاف مقصورًا جمع رقية بضم فسكون، والمراد ما كان بأسماء الأصنام والشياطين، لا ما كان بالقرآن والأدعية ونحوها، (والتمائم) جمع تميمة، والمراد به الخرزات التي تعلقها النساء في أعناق\n_________\n(١) في نسخة: \"في التمائم\".","vol":"11","page":611},{"text":"وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ\"، قَالَتْ: قُلْتُ: لِمَ يَقُولُ (١) هَذَا؟ وَاللَّه لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تَقْذِفُ، فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ يَرْقِينِي، فَإذَا رَقَانِي سَكَنَتْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إنَّمَا ذَلِكَ (٢) عَمَلُ الشَّيْطَانِ، كَانَ يَنْخُسُهَا بِيَدِهِ، فَإذَا رَقَاهَا، كَفَّ عَنْهَا. إنَّمَا (٣) يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"أَذْهِب الْبَأسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، (٤) شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا\". [جه ٣٥٣٠، حم ١/ ٣٨١]\n٣٨٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عن مَالِكِ بْنِ\n===\nالأولاد على ظن أنها تؤثر وتدفع العين، (والتولة) بكسر التاء المثناة الفوقية وفتح الواو واللام، نوع من السحر تحبب المرأة إلى زوجها (شرك) أي: من أفعال المشركين، أو لأنه يفضي إلى الشرك إذا اعتقد أن له تأثيرًا حقيقة.\n(قالت) زينب: (قلت: لم يقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف) أي: ترمي بالرمص والماء من الوجع (فكنت أختلف) أي: أذهب وأجيء (إلى فلان اليهودي يرقيني، فإذا رقاني سكنت) العين، وهذا يدل على أن في الرقاء تأثيرًا.\n(فقال عبد الله: إنما ذلك) أي: سكون العين بعد الرقى (عمل الشيطان، كان ينخسها) أي: يطعنها (بيده، فإذا رقاها) أي: استعان في الرقى بالشياطين (كف عنها، إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله - ﷺ - يقول: أذهب البأس) يا (رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلَّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا).\n٣٨٨٤ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن مالك بن\n_________\n(١) في نسخة: \"تقول\".\n(٢) في نسخة: \"ذاك\".\n(٣) زاد في نسخة: \"كان\".\n(٤) زاد في نسخة: \"اشف\".","vol":"11","page":612},{"text":"مِغْوَلٍ، عن حُصَيْنٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - (١) قَالَ: \"لَا رُقْيَةَ إلا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ\". [خ ٥٧٠٥، ت ٢٠٥٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>(١٨) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى</span>\n٣٨٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ السَّرْحِ. قَالَ أَحْمَدُ: نَا ابْنُ (٢) وَهْبٍ وَقَالَ ابْنُ السَّرْحِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: نَا دَاوُدُ بْنُ\n===\nمغول، عن حصين، عن الشعبي، عن عمران بن حصين (٣)، عن النبي - ﷺ - قال: لا رقية إلَّا من عين أو حمة) بضم الحاء المهملة وفتح الميم المخففة.\nوليس هذا الحصر الذي في الحديث على بابه حتى يدل بمفهومه على عدم جواز الرقية في غيرهما، بل هو كقولهم: لا سيف إلَّا ذو الفقار، ولا فتى إلَّا علي، والحمة سُمٌّ، فيطلق على إبرة العقرب والزنبور ونحوهما حمة، لأن السم يخرج منها، وهو من التجوز بالشيء على ما يجاوره.\nقال ابن رسلان: وهي أنفع الرقى للديغ من الحية والعقرب، والرقية بفاتحة الكتاب.\n\n(١٨) (بَابُ مَا جَاءَ في الرُّقى) (٤)\n٣٨٨٥ - (حدثنا أحمد بن صالح وابن السرح، قال أحمد: نا ابن وهب، وقال ابن السرح: أخبرنا ابن وهب قال: نا دواد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٢) في نسخة بدله: \"أبي وهب\".\n(٣) اختلف في سند هذا الحديث، بسطه الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ١٥٦). (ش).\n(٤) وسيأتي في هامش \"باب الطيرة والخط\" من كلام الشيخ في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٧٩): أن ترك الرقي أدنى مراتب التوكل، والأوجه عندي أنه على ثلاثة أنواع: بالكلام المباح، فهو ما ذكر الشيخ بالأدعية المأثورة فمندوب، وبالكفرية فحرام فتأمل، وبغير هذا جمع العيني (١٤/ ٧١٤) بين مختلف روايات الرقي، وبسط الحافظ (١٠/ ١٩٥) بحث الرقي أشد البسط. (ش).","vol":"11","page":613},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عن يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ ابْنُ صَالِحٍ: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أنَّهُ دَخَلَ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ - قَالَ أَحْمَدُ: وَهُوَ مَرِيضٌ - فَقَالَ: \"اكْشِفِ الْبَأْسَ، رَبَّ النَّاسِ، عن ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ\".\n(١) ثُمَّ أَخَذَ تُرَابًا مِنْ بُطْحَانَ، فَجَعَلَهُ في قَدَحٍ، ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ بِمَاءٍ، وَصَبَّهُ عَلَيْهِ\". [حب ٦٠٦٩]\nقَالَ ابْنُ السَّرْحِ: يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ:\n===\nعبد الرحمن، عن عمرو بن يحيى) بن عمارة، (عن يوسف بن محمد، وقال ابن صالح) شيخ المصنف: (محمد بن يوسف) أي: اختلف شيخا المصنف أحمد بن صالح وابن السرح بعد عمرو بن يحيى بن عمارة، فقال ابن السرح: عن يوسف بن محمد، وقال ابن صالح: عن محمد بن يوسف فعكسه.\n(ابن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه) أي على قول ابن السرح: محمد، وعلى قول ابن صالح: يوسف، (عن جده) ثابت بن قيس بن شماس، (عن رسول الله - ﷺ -: أنه دخل على ثابت بن قيس، قال أحمد) بن صالح: (وهو مريض، فقال: اكشف) أي: أزل (البأس رب الناس، عن ثابت بن قيس بن شماس، ثم أخذ ترابًا من بطحان) اسم واد بالمدينة، (فجعله) أي التراب (في قدح، ثم نفث) (٢) بثاء مثلثة، أي: نفخ مع الرقية أو قراءة القرآن، قال أبو عبيد: لا يكون النفث إلا ومعه شيء من الريق (عليه) أي: على التراب الذي في القدح (بماء) كان في فيه، أو بماء لم يكن فيه (وصيه) أي: التراب المخلوط بالماء (عليه) أي: على ثابت بن قيس.\n(قال ابن السرح: يوسف بن محمد، قال أبو داود:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) واختلفوا في جواز النفث، كما في \"العيني\" (١٤/ ٧٢٥)، و\"الفتح\" (١٠/ ٢٠٩). (ش).","vol":"11","page":614},{"text":"وَهُوَ الصَّوَابُ.\n٣٨٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ، عنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن أَبِيهِ، عن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"كُنَّا نرْقِي في الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى في ذَلِكَ؟ فَقَالَ: \"اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ (١) شِرْكًا\" [م ٢٢٠٠]\n٣٨٨٧ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصّيصِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن صَالِحِ بْنِ كيْسَانَ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عن الشّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ\n===\nوهو الصواب) وتبعه المنذري (٢) وغيره.\n٣٨٨٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني معاوية، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه) جبير، (عن عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟) أي: في الرقية برقي الجاهلية (فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا) وهذا هو وجه التوفيق بين النهي عن الرقية والإذن فيها.\n٣٨٨٧ - (حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، نا علي بن مسهر، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن صالح بن كيسان، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة) روى عن أبيه وجدته الشفاء، قال الزهري: كان من علماء قريش، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن الشفاء بنت عبد الله) اسمها ليلى، وغلب عليه الشفاء، وهي بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية العدوية، أسلمت قبل الهجرة، وبايعت رسول الله - ﷺ -، وهي من المهاجرات الأول، وهي\n_________\n(١) في نسخة: \"يكن\".\n(٢) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري (٣٧٣٦).","vol":"11","page":615},{"text":"قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - وَأَنا عِنْدَ حَفْصَةَ، فَقَالَ لِي: \"أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ، كَمَا عَلَّمْتِيهَا (٢) الْكِتَابَةَ\". [حم ٦/ ٣٧٢، \"السنن الكبرى\" للنسائي ٧٥٠١]\n٣٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي الرَّبَابُ قَالَتْ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ: مَرَرْنَا بِسَيْلٍ، فَدَخَلْتُ فَاغْتَسَلْتُ فِيهِ،\n===\nأم سليمان بن أبي حثمة، كان رسول الله - ﷺ - يأتيها ويقيل في بيتها، وكان عمر - ﵁ - يُقَدِّمها في الرأي ويُفَضِّلُها.\n(قالت: دخل عليَّ النبي - ﷺ - وأنا عند حفصة) أم المؤمنين (فقال) أي رسول الله - ﷺ - (لي: ألا تعلمين) من باب التفعيل (هذه) أي: حفصة (رقية النملة) بفتح النون وسكون الميم، وهي قروح تخرج في الجنب أو الجنبين، ورقية النملة كلام كانت نساء العرب تستعمله يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، وهي أن يقال: العروس تحتفل وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل غير أن لا تعصي الرجل.\n(كما علمتيها الكتابة) فيه (٣) دليل على جواز تعلم النساء الكتابة، وأما حديث: \"لا تعلموهن الكتابة\" فمحمول على من يخشى في تعليمها الفساد.\n٣٨٨٨ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، نا عثمان بن حكيم، حدثتني جدتي الرباب) قال في \"التقريب\": مقبولة من الثالثة.\n(قالت: سمعت سهل بن حنيف يقول: مررت بسيل، فدخلت فاغتسلت فيه،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"علمتها\".\n(٣) ورجح ابن حجر في \"الفتاوى الحديثة\" (ص ١١٨) عدم أولويتها، وبسطها. (ش).","vol":"11","page":616},{"text":"فَخَرَجْتُ مَحْمُومًا، فَنُمِيَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: \"مُرُوا أَبَا ثَابِتٍ يَتَعَوَّذُ\" (١). قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، وَالرُّقَى صَالِحَةٌ؟ فَقَالَ: \"لَا رُقْيَةَ إلَّا في نَفْسٍ، أَوْ حُمَةٍ، أَوْ لَدْغَةٍ\". [حم ٣/ ٤٨٦]\n===\nفخرجت محمومًا) أي: أصابني حمى، (فنمي ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: مروا أبا ثابت) أي: سهل بن حنيف (يتعوذ) أي: بالرقية (قالت) أي: الرباب (فقلت: يا سيدي، والرقى صالحة؟) أي: نافعة من إصابة العين (فقال) هكذا في جميع النسخ: \"قالت: فقلت: يا سيدي والرقى صالحة، فقال\"، ولكن وقع فيه خبط وخلط، فإن ضمير \"قالت\" يرجع إلى الرباب، وهي جدة عثمان تابعية، والمراد بـ \"يا سيدي\" هو سهل بن حنيف، وضمير \"فقال\" في الجواب بظاهره يعود إلى سهل بن حنيف، فعلى هذا يكون الحديث موقوفًا على سهل لا مرفوعًا، والحديث مرفوع، قال في \"العون\" (٢): والحديث أخرجه أحمد أيضًا هكذا، والظاهر: أن الرباب قالت: إن سهل بن حنيف قال: فقلت: يا سيدي، فجملة \"فقلت: يا سيدي\" مقولة سهل بن حنيف لرسول الله - ﷺ -، ولا هي مقولة الرباب لسهل بن حنيف، انتهى.\nقلت: والذي نسب إلى أحمد أنه أخرجه هكذا ليس بصحيح، فإن نسخة \"مسند أحمد\" بين يدي ولفظه: \"فقال: مروا أبا ثابت يتعوذ، فقلت: يا سيدي! والرقى صالحة؟ قال: لا رقية إلَّا في حمة\" الحديث، فليس في رواية أحمد لفظ: \"قالت\"، فعبارة حديث أحمد صافية لا غبار عليها (٣)، \"قلت: يا سيدي\" هي مقولة سهل بن حنيف أنه قال لرسول الله - ﷺ -: يا سيدي والرقى صالحة، فلفظ \"قالت\" في رواية أبي داود: من غلط النساخ.\n(لا رقية إلَّا في نفس) أي: عين (أو حمة، أو لدغة).\n_________\n(١) في نسخة: \"فليتعوذ\".\n(٢) \"عون المعبود\" (١٠/ ٢٧٠).\n(٣) انظر: \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٨٦).","vol":"11","page":617},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْحُمَةُ مِنَ الْحَيَّاتِ، وَمَا يَلْسَعُ.\n٣٨٨٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، نَا شَرِيكٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الْعَنْبَرِيُّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا (١) شَرِيكٌ، عن الْعَبَّاسِ بْنِ ذَرِيح، عن الشَّعْبِيِّ. قَالَ الْعَبَّاسُ: عن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَاَ رُقْيَةَ إلا مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ، أَوْ دَمٍ، يَرْقَأُ\" (٢). لَمْ يَذْكُرِ الْعَبَّاسُ الْعَيْنَ، وَهَذَا لَفْظُ سُليْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. [ك ٤/ ٤١٣]\n===\n(قال أبو داود: الحمة من) لدغ (الحيات، و) كل (ما يلسع) ويقال: اللدغة جامعة لكل هامة تلدغ، وقال في \"النهاية\": اللدغ واللسع سواء (٣).\n٣٨٨٩ - (حدثنا سليمان بن داود، نا شريك، ح: وحدثنا العباس العنبري، نا يزيد بن هارون، نا شريك، عن العباس بن ذريح) بفتح الذال المعجمة وكسر الراء المهملة آخره مهملة، الكلبي الكوفي، قال أحمد: صالح، وقال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدارقطني: ثقة.\n(عن الشعبي، قال العباس) شيخ المصنف: (عن أنس) ولم يذكر لفظ سليمان، ولم أجد رواية سليمان فيما عندي من كتب الحديث.\n(قال: قال النبي - ﷺ -: لا رقية إلَّا من عين أو حمة أو دم، يرقأ) قال في \"فتح الودود\": قوله: يرقأ على أنه جواب سؤال، كأنه قيل: ماذا يحصل بعد الرقية، فأجيب بأنه يرقأ الدم، وقال ابن رسلان: أي يرقأ الدم لينقطع.\n(لم يذكر العباس العين، وهذا لفظ سليمان بن داود).\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"لا يرقأ\". قلت: والمعنى على هذه النسخة واضح.\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٢٤٨).","vol":"11","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1526>(١٩) بَابٌ: كَيْفَ الرُّقَى</span>؟\n٣٨٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ - يَعْنِي لِثَابِتٍ -: أَلَا أَرْقِيكَ برُقْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: \"اللهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَأْسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شَافِي إلَّا أَنْتَ، اشْفِهِ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا\". [خ ٥٧٤٢، ت ٩٧٣، حم ٣/ ١٥١]\n٣٨٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْقَعْنَبِىُّ، عن مَالِكٍ، عن يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السُّلَمِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ -. قَالَ عُثْمَانُ: وَبِي وَجَعٌ، قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ،\n===\n\n(١٩) (بَابٌ: كَيْفَ الرُّقَى؟)، أي: الرقى الإِسلامية\n٣٨٩٠ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صهيب قال) عبد العزيز: (قال أنس) بن مالك، (يعني لثابت: ألا أرقيك برقية رسول الله - ﷺ -؟ قال: بلى، قال: فقال: اللهُمَّ رب الناس، مذهب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شافي إلَّا أنت، اشفه شفاءً لا يُغادر سقمًا) أي: لا يترك شيئًا من الأسقام إلَّا أزاله، وقد يدخل فيه السقم من الذنوب والمعاصي.\n٣٨٩١ - (حدثنا عبد الله القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن خصيفة، أن عمرو بن عبد الله بن كعب السلمي أخبره، أن نافع بن جبير أخبره، عن عثمان بن أبي العاص: أنه أتى رسول الله - ﷺ -، قال عثمان: وبي وجع قد كاد يهلكني، قال: فقال النبي - ﷺ -: امسحه) أي: موضع الوجع (بيمينك سبع مرات) زاد مسلم: \"ضع يدك على الذي ألم من جسدك\".\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"11","page":619},{"text":"وَقُلْ: أَعْوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ\"، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّه مَا كَانَ بِي. فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي، وَغَيْرَهُمْ\". [م ٢٠٠٢، ت ٢٠٨٠، جه ٣٥٢٢، حم ٤/ ٢١]\n٣٨٩٢ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ، نَا اللَّيْثُ، عن زِيَادَةَ (١) بْنِ مُحَمَّدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْب الْقُرَظِيِّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا، أَوِ اشْتَكَاهُ أَخٌ لَهُ، فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا اللَّه الَّذِي في السَّمَاء، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ في السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَمَا رَحْمَتُكَ في السَّمَاءِ،\n===\n(وقيل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد، قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله ما كان بي) من الألم، (فلم أزل آمر به) أي: بهذه الرقية (أهلي وغيرهم).\n٣٨٩٢ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، نا الليث، عن زيادة بن محمد) الأنصاري، قال في \"التقريب\": بكسر أوله وهاء في آخره، قال البخاري والنسائي وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن عدي: أظنه مدنيًا، لا أعلم له إلَّا حديثين أو ثلاثة، ومقدار ماله لا يتابع عليه، روى له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا في الرقية من حصاة البول، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا، يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك، وقال الحاكم في \"المستدرك\": شيخ من أهل مصر، قليل الحديث.\n(عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من اشتكى منكم شيئًا) أي: في جسده (أو اشتكاه) أي: إليه (أخ له، فليقل: ربنا الله الذي في السماء، تقدس) أي: تنزه (اسمك) والمراد به المسمى أو الاسم، (أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء)\n_________\n(١) في نسخة: \"زياد\".","vol":"11","page":620},{"text":"فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأَرْضِ (١)، اغْفِرْ لَنَا حَوْبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ، فيَبْرَأُ\". [ك ١/ ٣٤٣]\n٣٨٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْفَزَعِ كَلِمَاتٍ: \"أَعْوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ،\n===\nأي: لجميع من في السماء (فاجعل رحمتك في الأرض) أي: لكل مؤمن، لقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).\n(اغفر لنا حوبنا) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو، أي: إثمنا، ويجوز فيه الضم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (٣) (وخطايانا) أي: اغفر لنا (أنت رب الطيبين) أي: الطاهرين من المعاصي، وخصوا بالذكر لشرفهم وفضلهم، وإن كان رب الطيبين والخبيثين، ولا ينسب إلى الله إلَّا الطيب، كما لا يقال: رب الخنازير.\n(أنزل) بفتح الهمزة علينا (رحمة من رحمتك) التي وسعت كل شيء (وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ) أي: ذلك المشتكي بإذن الله تعالى.\n٣٨٩٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) عبد الله بن عمرو: (أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم من الفزع) في الليل وغيره (كلمات: أعوذ بكلمات الله التامة) لأنه لا يجوز أن يكون في كلامه نقص أو عيب، وقيل: معنى التمام أنها تنفع المتعوذ لها ويحفظه من الآفات (من غضبه) والمراد به إنكاره على العاصي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كما رحمتك في السماء\".\n(٢) سورة التوبة: الآية ١٢٨.\n(٣) سورة النساء: الآية ٢.","vol":"11","page":621},{"text":"وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونَ\". وَكَانَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ عَقَلَ مِنْ بَنِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ كَتَبَهُ، فَأَعْلَقَهُ (١) عَلَيْهِ. [ت ٣٥٢٨، \"السنن الكبرى\" ١٠٦٠١، ك ١/ ٥٤٨، حم ٢/ ١٨١]\n٣٨٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ، أَنَا مَكِّيٌّ (٢)، نَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: \"رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ في سَاقِ سَلَمَةَ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ، فَأُتِيَ بِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَنَفَثَ فِيَّ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ\". [خ ٤٢٠٦، حم ٤/ ٤٨]\n===\nوسخطه عليه وإعراضه عنه ومعاقبته له (وشر عباده) أي: أهل الفساد، (ومن همزات) بفتح الميم: الوساوس (الشياطين، و) أعوذ بك (أن يحضرون) عندي.\n(وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه) أي: من أولاده (ومن لم يعقل) أي: لم يبلغ درجة العقل والحفظ (كتبه) في صك (فأعلقه عليه) أي: علقه في عنقه، فيه دليل على جواز كتابة التعاويذ والرقى وتعليقها.\n٣٨٩٤ - (حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي، أنا مكي، نا يزيد بن أبي عبيدة قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة) بن الأكوع (فقلت: ما هذه؟ فقال: أصابتني) هذه الضربة (يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأُتِيَ بي النبي - ﷺ -، فنفث) أي: نفخ (فيَّ) بتشديد الياء (ثلاث نفثات) أي ثلاث مرات (فما اشتكيتها حتى الساعة).\nفإن قلت: حتى للغاية، وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها، فلزم الاشتكاء ساعة حكايته إذ هو خلاف النفي.\n_________\n(١) في نسخة: \"فعلقه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن إبراهيم\".","vol":"11","page":622},{"text":"٣٨٩٥ - حَدّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن عَبْدِ رِبِّهِ- يَعنِي ابْنَ سَعِيدٍ -، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ لِلإنْسَانِ إذَا اشْتَكَى- يَقُولُ بِرِيقِهِ، ثُمَّ قَالَ بِهِ في التُّرَابِ-: \"تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يَشْفِي (١) سَقِيمُنَا بِإذْنِ رَبِّنَا\". [خ ٥٧٤٥، م ٢١٩٤، جه ٣٥٢١]\n٣٨٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عن زَكَرِيَّا، حَدَّثَنِي عَامِرٌ، عن خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ، عن عَمِّهِ:\n===\nقلت: الساعة بالنصب على الصحيح فهي للعطف، فالمعطوف داخل في المعطوف عليه، إما في زيادة: كمات الناس حتى الأنبياء، أو نقص: كزارك الناس حتى الحجَّامون، و\"حتى الساعة\" من النقص، أي: ما زالت الشكوى موجودة مع النقص حتى الساعة، قاله ابن رسلان.\n٣٨٩٥ - (حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: نا سفيان بن عيينة، عن عبد ربه -يعني ابن سعيد-، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - يقول للإنسان) أي: المريض (إذا اشتكى، يقول) أي: يشير، زاد مسلم: \"أو كان به قرحة أو جرح\" (بريقه، ثم قال) أي: أشار (به) أي: بالريق، (في التراب: تربة أرضنا) وزاد البخاري قبله: \"بسم الله تربة أرضنا\"، المراد به جميع الأرض، وقيل: أرض المدينة لبركتها (بريقة بعضنا) يعني به المؤمنين، لا سيما من كان منهم صائمًا أو جائعًا (يشفي (٢) سقيمنا بإذن ربنا).\n٣٨٩٦ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن زكريا، حدثني عامر، عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمه) علاقة بن صحار التميمي، ويقال\n_________\n(١) في نسخة: \"ليشفي\".\n(٢) \"يشفى سقيمنا\" الكلمة الثانية مفعول به، ويجوز: يُشفَى، فالكلمة الثانية نائب فاعل. انظر: \"فتح الباري\" (٥٧٤٥).","vol":"11","page":623},{"text":"أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ -، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِهِ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ رَجُل مَجْنُون مُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، فَقَالَ أَهْلُهُ: إنَّا حُدِّثْنَا أَنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا قَدْ جَاءَ (٢) بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَك شيءٌ تُدَاوُونَهُ (٣)؟ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب فَبَرَأَ، فَأَعْطَوْنِي مِئَةَ شَاةٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: \"هَلْ إلَّا هَذَا؟ \". وَقَالَ مُسَدَّدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: \"هَلْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا؟ \" قُلْتُ: لَا، قَالَ: \"خُذْهَا، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ\". [حم ٥/ ٢١٠، ك ١/ ٥٥٩، \"السنن الكبرى\" للنسائي ٧٥٣٤]\n===\nالسليطي (٤)، ويقال: البرجمي، له صحبة، (أنه أتى رسول الله - ﷺ -، فأسلم) على يديه (ثم أقبل راجعًا من عنده، فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد) أي: مربوط بالوثاق الشديد.\n(فقال أهله: إنا حُدثنا) بصيغة المجهول (أن صاحبكم هذا) يعني رسول الله - ﷺ - (قد جاء بخير، فهل عندكم شيء تداوونه؟) أي: هل عندكم من دواء، أي: رقية (فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطوني مئة شاة، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته، فقال) رسول الله - ﷺ -: (هل إلَّا هذا؟) أي: هل قرأت غير الفاتحة (وقال مسدد في موضع آخر: هل قلت غير هذا؟ قلت: لا، قال) رسول الله - ﷺ -: (خذها) أي: المائة شاة جميعها (فلعمري) قسم (لمن أكل) الشيء (برقية باطل، لقد أكلتَ برقية حق).\nوفيه دليل على أن الرقية على قسمين: حق وباطل، فرقية الحق: ما كانت بالكتاب والسنَّة أو غيرها من ذكر الله تعالى، وإن كانت بغير ذلك مما لا يعرف معناه لا يجوز لاحتمال أن يكون فيها كفر، قاله ابن رسلان.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"جاءكم\".\n(٣) في نسخة بدله: \"عندك شيء تداويه\".\n(٤) في الأصل: \"الملطي\"، وهو تحريف. انظر: \"أسد الغابة\" (٣٧٥٠).","vol":"11","page":624},{"text":"٣٨٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، عَن (١) سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لُدِغْتُ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ أَنَمْ حَتَّى أَصْبَحْتُ، قَالَ: \"مَاذَا؟ \" قَالَ: عَقْرَبٌ، قَالَ: \"أَمَا إنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّكَ (٢) إنْ شَاءَ اللَّهُ\". [سي ٥٩٥]\n٣٨٩٨ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، نَا بَقِيَّةُ، نَا الزُّبَيْدِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن طَارِقٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلَدِيغٍ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، قَالَ:\n===\n٣٨٩٧ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سمعت رجلًا من أسلم قال: كنت جالسًا عند رسول الله - ﷺ -، فجاء رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله، لدغت) بصيغة المجهول (الليلة، فلم أنم حتى أصبحت، قال) رسول الله - ﷺ -: (ماذا؟ قال: عقرب، قال: أما إنك لو قلت حين أمسيت) والمساء ما بين الظهر إلى المغرب: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) أي: من شر جميع خلقه المكلفين (لم يضرك إن شاء الله).\n٣٨٩٨ - (حدثنا حيوة بن شريح، نا بقية، نا الزبيدي، عن الزهري، عن طارق) بن محاسن، قال في \"التقريب\": وقيل: ابن مخاشن، ويقال: ابن أبي مخاشن، ويقال: أبو مخاشن، الأسلمي حجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهما في التعويذ، صحح الذهلي أنه طارق بن مخاشن بخاء وستين معجمتين.\n(عن أبي هريرة قال: أتي النبي - ﷺ - بلديغ لدغته عقرب، قال) أبو هريرة:\n_________\n(١) في نسخة: \"نا\".\n(٢) في نسخة: \"تضرك\".","vol":"11","page":625},{"text":"فَقَالَ: \"لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يُلْدَغْ، أَوْ لَمْ يَضُرَّهُ\". [سي ٥٩٨]\n٣٨٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِي بِشْرٍ، عن أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ - انْطَلَقُوا في سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، فَنَزُلوا بحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَقَالً بَعْضُهُمْ: إنَّ سَيّدَنَا لُدِغَ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدِكُمْ (١) شَيءٌ يَنْفَعُ صَاحِبَنَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: نَعَمْ، وَاللَّه إنِّي لأَرْقِي، وَلَكِنِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَأَبَيْتُمْ أَنْ تُضِيِّفُونَا،\n===\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (لو قال: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، لم يلدغ، أو) للشك، أي: سمها (لم يضره).\nقال ابن رسلان: اعلم أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يضره، بخلاف الأدوية الطبيعية فإنها تنفع بعد حصول الداء.\n٣٨٩٩ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري: أن رهطًا (٢) من أصحاب النبي - ﷺ - انطلقوا في سفرة سافروها، فنزلوا بحي من أحياء العرب) زاد البخاري: \"فلم يقروهم\"، (فقال بعضهم) أي: بعض الحي: (إن سيدنا لدغ (٣)، فهل عند أحدكم شيء ينفع صاحبنا؟ فقال رجل من القوم) أي: من الصحابة - ﵃-: (نعم، والله إني لأرقي) أي: لأعلم الرقية (ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا)\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"منكم\".\n(٢) قال الحافظ (٤/ ٤٥٥): لم أقف على اسم أحد منهم غير أبي سعيد، وفي بعض الروايات: \"أنه ﵇ بعث سرية عليها أبو سعيد\"، لكن لم أقف على تعيينها في شيء من كتب المغازي ولا على تعيين الحي الذي نزلوا بهم، انتهى. (ش).\n(٣) من العقرب كما في رواية\" وما في \"النسائي\": \"مصاب على عقله أو لديغ\" شك من الراوي، والباقون رووه: لديغ بدون شك. (ش).","vol":"11","page":626},{"text":"مَا أَنَا بِرَاقِ حَتَّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ. فَأَتَاهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ أُمَّ الْكِتَاب، وَيَتْفُلُ حَتَّى بَرَأَ، كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ. قَالَ: فَأَوْفَاهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: اقْتَسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأتِيَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَنَسْتَأمِرَهُ (١). فَغَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ! أَحْسَنْتُمْ، اقْتَسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ\". [خ ٢٢٧٦، م ٢٢٠١، ت ٢٠٦٤، جه ٢١٥٦، حم ٣/ ٢، \"السنن الكبرى\" للنسائي ٧٥٤٧]\n===\nمن الضيافة (ما أنا براقٍ) لسيدكم (حتى تجعلوا لي جُعْلًا) أي: أجرًا (فجعلوا له قطيعًا) قيل: كان ثلاثون شاة (٢) (من الشاء) جمع شاة (فأتاه، فقرأ عليه أم الكتاب) وفي رواية الترمذي: \"فقرأت عليه الحمد سبع مرات\"، والراقي هو أبو سعيد الخدري، ويجمع بزاقه (ويتفل حتى برأ، كأنما أنشط) أي: حلَّ وأخرج (من عقال، قال: فأوفاهم) أي: أداهم (جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقالوا) أي قال بعضهم لبعض؟ (اقتسموا) وهذه القسمة إنما هي برضا للراقي لأن الغنم ملكه، إذ هو الذي فعل العوض الذي به استحقها، لكن طابت نفسه بالتشريك والمواساة.\n(فقال الذي رقى: لا تفعلوا) أي: لا تفعلوا القسمة (حتى نأتي رسول الله - ﷺ - فنستأمره) أي: نستشيره، فإن أذن فعلنا، (فغدوا على رسول الله - ﷺ - فذكروا له) ذلك، (فقال رسول الله - ﷺ -) تعجبًا: (من أين علمتم أنها) أي: الفاتحة (رقية؟ !) وقد روى الدارقطني (٣) من حديث أبي سعيد، وفيه: \"وما يدريك أنها رقية\"، فقال: يا رسول الله! شيء ألقي في رُوعي.\n(أحسنتم، اقتسموا) أي: الشياه (واضربوا لي معكم بسهم)، وفي\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ونستأمره\".\n(٢) كذا في \"الفتح\" (٤/ ٤٥٦). (ش).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (٣/ ٦٤).","vol":"11","page":627},{"text":"٣٩٠٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: نَا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ، عن عَمِّهِ (١) قَال: أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُول اللهِ - ﷺ -، فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ قَالُوا: إنَّا أُنْبِئْنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رُقْيَةٍ؟ فَإنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا في الْقُيُودِ. قَالَ: فَقُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَجَاؤُوا بِمَعْتُوهٍ (٢) في الْقُيُودِ، قَالَ: فَقَرَأتُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةِ (٣) الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً (٤)، أَجْمَعُ بُزَاقِي،\n===\nالحديث أعظم دليل على أن يجوز الأجرة على الرقي والطب، كما قاله الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد، وأما الأجرة على تعليم القرآن، فأجازها الجمهور بهذا الحديث وبرواية البخاري: \"أن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله\"، وحرَّمه أبو حنيفة، قاله ابن رسلان.\nقلت: ولكن أجازه متأخرو الحنفية للضرورة.\n٣٩٠٠ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي)، ح: (وحدثنا ابن بشار، نا محمد بن جعفر، قالا: نا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمه) علاقة بن صحار التميمي (قال: أقبلنا من عند رسول الله - ﷺ -، فأتينا على حي) أي: قبيلة (من العرب قالوا) أي: الحي: (إنا أنبئنا) أي أخبرنا (أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير) أي: فوز وفلاح (فهل عندكم من دواء أو رقية؟ فإن عندنا معتوهًا) مجنونًا مقيدًا (في القيود، قال) عم خارجة: (فقلنا: نعم، قال: فجاؤوا بمعتوه في القيود، قال: فقرأت عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، أجمع بزاقي،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بالمعتوه\".\n(٣) في نسخة بدله: \"فاتحة\".\n(٤) زاد في نسخة: \"كلما أختتمها\".","vol":"11","page":628},{"text":"ثُمَّ أَتْفُلُ قَالَ: فَكَأَنَّمَا نُشِطَ (١) مِنْ عِقَالٍ. قَالَ: فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا، فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: \"كُلْ، فَلَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ\". [حم ٥/ ٢١١]\n٣٩٠١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدّثَنَا أَبِي، وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، ثنَا ابْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ، عن عَمِّهِ أَنَّهُ قَالَ: \"فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، كُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ثمَّ تَفَلَ، فَكَأَنَمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ (٢) النَّبِيَّ - ﷺ -. بِمَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ\". [حم ٥/ ٢١١]\n===\nثم أتفل) أي: على المريض.\n(قال: فكأنما نشط من عقال) أي: من قيد، (قال: فأعطوني جُعلًا) وهو مائة شاة (فقلت: لا، حتى أسأل رسول الله - ﷺ -) فسألته (فقال: كل، فلعمري من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق) (٣).\n٣٩٠١ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، وحدثنا ابن بشار، ثنا ابن جعفر، نا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه أنه قال: فرقاه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل) أي: على المجنون، (فكأنما أنشط من عقال، فأعطوه شيئًا، فأتيت النبي - ﷺ -، بمعنى حديث مسدد) المتقدم قبل هذا بأربعة أحاديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"أنشط\".\n(٢) في نسخة: \"فأتى\".\n(٣) قال القسطلاني (١٢/ ٥٣٥): هذه القصة غير الأولى، لأن في السابقة أنه لدغ، والراقي أبو سعيد، وهاهنا عم خارجة، نعم حديث أبي سعيد وابن عباس في قصة واحدة، فقلت: حديث ابن عباس أخرجه البخاري (٥٧٣٧). (ش).","vol":"11","page":629},{"text":"٣٩٠٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ في (١) نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ (٢) وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَدِهِ (٣) رَجَاءَ بَرَكتِهَا\". [خ ٥٠١٦، م ٢١٩٢، جه ٣٥٢٩، حم ٦/ ١١٤ \"السنن الكبرى\" للنسائي ٧٥٤٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>(٢٠) بَابٌ: في السُّمْنَةِ</span>\n٣٩٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (٤)، نَا نُوحُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سَيَّارٍ،\n===\n٣٩٠٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا اشتكى يقرأ في نفسه بالمعوذات) بكسر الواو، وكان حقه المعوذتين، لأنهما سورتان، فجمع إما لإرادة هاتين السورتين وما يشبههما من القرآن، أو باعتبار أن أقل الجمع اثنان، وجاء في بعض الروايات أنه - ﷺ - كان يقرأ بسورة الإخلاص والمعوذتين، فهو من باب التغليب.\n(وينفث) أي: ينفخ على نفسه الشريفة (فلما اشتد وجعه) ولم يقدر على أن يقرأ وينفث (كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده) الشريفة (رجاء بركتها).\n\n(٢٠) (بَابٌ: في السُّمْنَةِ)\nبضم السين قاله في \"القاموس\" بالضم: دواء السِّمَنِ\n٣٩٠٣ - (حدثنا محمد بن يحيى، نا نوح بن يزيد بن سيَّار) البغدادي\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"على\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عنه\".\n(٣) في نسخة: \"بيمينه\".\n(٤) زاد في نسخة: \"ابن فارس\".","vol":"11","page":630},{"text":"نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُسَمِّنِّي (١) لِدُخُولِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَتْ: فَلَمْ أُقْبِلْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا ترِيدُ، حتَّى أَطْعَمَتْني الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ، فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ السِّمَنِ\". [جه ٣٣٢٤]\n===\nأبو محمد المؤدب، قال محمد بن المثنى: سألت أحمد عنه فقال: اكتب عنه فإنه ثقة، حج مع إبراهيم بن سعد، وكان يؤدب ولده، وقال ابن سعد: كان ثقة وفيه غش، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أرادت أمي أن تُسَمنِّي) أي: تجعلني سمينًا (لدخولي على رسول الله - ﷺ -، قالت) عائشة: (فلم أقبل عليها بشيء مما تريد) أي: ما استقام لي ذلك، وما حصل لي السمن بشيء مما أطعمتني أمي، (حتى أطعمتني القثاء بالرطب، فسمنت عليه كأحسن السمن) (٢).\nوفيه دليل على تسمين المرأة لزوجها قبل الدخول السمن المعتدل دون المفرط، ويكون بالأشياء الرخيصة دون ما يستعمل في هذا الزمان بالأثمنة الكثيرة كالفستق ودهن اللوز والأهليلجات وغير ذلك مما يحتاج إلى ثمن كثير، بل يسمن برخيص الثمن، والسِّمَن مطلوب في الزوجة، كما يطلب الجمال وتحسين المرأة عند الدخول، لأنه أوقع في القلوب وجالب للمحبة وطول الصحبة، وفي الحديث: \"ويل للمسمنات يوم القيامة\" أي: اللاتي يستعملن السمنة، وهو دواء تسمن به المرأة بالثمن الكثير لتفتخر به على غيرها، أو لتحصل لها المنزلة الرفيعة في قلوب الرجال.\n_________\n(١) في نسخة: \"تُسَمنَّني\".\n(٢) وفي \"الفتح\" (٩/ ٥٧٣) عن \"النسائي\": \"كأحسن الشحم\". (ش).","vol":"11","page":631},{"text":"(٢١) بَابٌ (١): في الْكُهَّانِ (٢)\n٣٩٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عن حَكِيمٍ الأَثْرَمِ، عن أَبِي تَمِيمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَتَى كَاهِنًا\"،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1528>(٢١) (بَابٌ: في الْكُهَّان)</span>\nوالكاهن: من يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعِي معرفةَ الأسرار، فمنهم من له تابع من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام أو فعل أو حال، ويخص باسم العرَّاف (٣)، وهو الذي يتعاطى مكان المسروق، ومكان الضالة ونحوهما، وحديث: \"من أتى كاهنًا\" يشمل الكاهن والعراف والمنجم، قالوا: وينبغي للمحتسب منعهم وتأديبهم، وأن يؤدب الآخذ والمعطي\n٣٩٠٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: ونا مسدد، نا يحيى، عن حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم) البصري، قال البخاري: لا يتابع في حديثه يعني عن أبي تميمة عن أبي هريرة، ولا نعرف لأبي تميمة سماعًا من أبي هريرة، وقال ابن عدي: يعرف بهذا الحديث.\n(عن أبي تميمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: من أتى كاهنًا،\n_________\n(١) في نسخة: \"كتاب الكهانة والتطير، باب النهي عن إتيان الكهان\".\n(٢) في نسخة: \"الكاهن\".\n(٣) وفي \"كتاب الأنوار\" (ص ٦٣٠) في مسلك المالكية: المنجم: هو الحاسب الذي يحسب قوس الهلال ونوره، والكاهن هو الذي يخبر عن الأمور المستقبلة، والعرَّاف هو الذي يخبر عن الأمور الماضية أو المسروق أو الضال ونحو ذلك، وبسط ابن عابدين في حكم الكاهن من القتل والكفر. (ش). [انظر: \"رد المحتار\" ٦/ ٣٦٨].","vol":"11","page":632},{"text":"قَالَ مُوسَى في حَدِيثِهِ: \"فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ (١)، أَوْ أَتَى امْرَأَةً\". قَالَ مُسَدَّدٌ: \"امْرَأَتَهُ حَائِضًا، أَوْ أَتَى امْرَأَةً\". قَالَ مُسَدَّد: \"امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا: فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -\". [ن ١٣٥، جه ٦٣٩، حم ٢/ ٤٠٨]\n===\nقال موسى) شيخ المصنف (في حديثه: فصدَّقه بما يقول، أو أتى امرأة، قال مسدد: امرأته حائضًا) أي: في فرجها، (أو أتى امرأة، قال مسدد: امرأته في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد - ﷺ -).\nوهذا محمول على المستحلِّ، أو تغليظ، واختلفوا في وجوب الكفارة في إتيان الحائض، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يجب عليه شيء، بل يستحب أن يتصدق إن وطئ في أول الحيض بدينار، وفي آخره بنصف الدينار، ويستغفر الله تعالى، وأما تحريم الوطء في الدبر فهو أغلظ تحريمًا من وطء الحائض، لأن الحائض إنما حرم وطؤها للنجاسة العارضة، وتحريم الدبر أولى لأن نجاسته لازمة.\nوقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه: أن ناسًا يتحدثون عنه أنه يجيز وطء المرأة في دبرها، فبعَّد من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، وقال: كذبوا علي ثلاثًا، ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٢)؟ وهل يكون الحرث إلَّا في موضع المنبت، قاله ابن رسلان.\nقلت: وهذه المسألة متفق عليها في جميع الأديان من الإِسلاميين واليهود والنصارى وغيرهم، وخالف فيها الروافض، فإنهم جوَّزوها، ونقلوا جوازها عن أئمتهم، وهو كذب على الأئمة - ﵃-.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ثم اتفقا\".\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٣.","vol":"11","page":633},{"text":"(٢٢) بَابٌ (١): في النُّجُومِ\n٣٩٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُسَدَّدٌ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عن الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ\". [جه ٣٧٢٦، حم ١/ ٢٢٧]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>(٢٢) (بَابٌ: في النُّجُومِ)</span>\n٣٩٠٥ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومسدد، المعنى، قالا: نا يحيى، عن عبيد الله ابن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس قال: قال النبي - ﷺ -: من اقتبس علمًا من النجوم، اقتبس شعبة من السحر (٢)، زاد ما زاد) أي: من زاد في علم النجوم زاد من السحر بقدر ما زاد، فكما أن تعلم السحر والعمل به حرام، فكذا تعلم النجوم والكلام فيه حرام، والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله به.\nوأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، فغير داخل فيما نهي عنه، ومن المنهي عنه التحدث بمجيء المطر ووقوع الثلج وهبوب الرياح وتغير الأسعار.\nوفي قوله: \"زاد ما زاد\"، النهي عن الزيادة على قدر الحاجة من القبلة والوقت، قاله ابن رسلان.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ما جاء\".\n(٢) أجمل صاحب \"حياة الحيوان\"، على حقيقة السحر وحكمه. (ش).","vol":"11","page":634},{"text":"٣٩٠٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله، عن زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْصُّبْحِ بالْحُدَيْبِيَةِ في أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاس فَقَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ \"، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ (١)،\n===\n٣٩٠٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلّى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية) بضم الحاء المهملة وفتح الدال وخفة المثناة تحت قبل الباء عند بعض المحققين، وقال أكثر المحدثين بتشديدها، سميت ببئر هناك عند شجرة الرضوان.\n(في أثر) بفتح الهمزة والثاء المثلثة، وبكسر الهمزة وسكون المثلثة (سماء) أي: مطر (كانت من الليل) وسمَّى المطر سماء لأنه ينزل من السماء، (فلما انصرف) أي: من الصلاة (أقبل على الناس) أي: توجه بوجهه إليهم (فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم) وهذا حسن الأدب من الصحابة - ﵃-.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: قال الله ﵎: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) قال القرطبي: ظاهره أنه الكفر الحقيقي لأنه قابل المؤمن الحقيقي، فيحمل على من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب، وخلقها، لا من فعل الله كما يعقله بعض جهال المنجمين والطباعيين، فأما من اعتقد أن الله هو خالق المطر، ثم تكلم بهذا القول فليس بكافر لكنه مخطئ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بالكوكب\".","vol":"11","page":635},{"text":"فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ (١) مُؤْمِنٌ بِي، (٢) كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ\". [خ ١٠٣٨، م ٧١، ن ١٥٢٥]\n===\n(فأما من قال: مطرنا بفضل الله) تعالى (وبرحمته، فذلك مؤمن بي) و(كافر بالكوكب)، فإنه يعتقد أن الكواكب من مخلوق الله تعالى، ليس له تدبير ولا خلق ولا ضر ولا نفع.\n(وأما من قال (٣): مطرنا بنوء كذا وكذا) النوء لغة: هو النهوض بثقل، يقال: ناء بكذا أنهض به متثاقلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (٤) أي: لتثقلهم عنه النهوض، وكانت العرب تقول: إذا طلع نجم من المشرق وسقط آخر من المغرب، يحدث عنه ذلك مطر أو ريح، فمنهم من ينسبه إلى الطالع، ومنهم من ينسبه إلى الغارب والثاقب، فنهى الشارع عن هذا القول لئلا يتشبه بهم في نطقهم. (فذلك كافر (٥) بي، مؤمن بالكوكب).\n_________\n(١) في نسخة: \"فذاك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"و\".\n(٣) وكأن القائل إذ ذاك عبد الله بن أبي المنافق، ويشكل على الحديث قول عمر ﵁: \"استسقيت بمجاديح السماء\"، والجواب في \"الأوجز\" (٤/ ١٣٣). (ش).\n(٤) سورة القصص: الآية ٧٦.\n(٥) اختلف في أن المراد بالكفر كفر التشريك أو كفر النعمة؟ على الأول حمله القرطبي، وكذا الشافعي أيضًا، وقال: على ما كانوا يظنون أهل الشرك، أما من قال على معنى مطرنا وقت كذا، فلا يكون كفرًا، لكن لا أحب حسمًا للمادة، وقال ابن قتيبة: المراد من الكفر الأعم، فمن قال اعتقادًا فله كفر التشريك، وإلَّا فكفر النعمة، وقال الباجي (١/ ٢٣٤): كلاهما كفر، أما الأول: فلأنه جعلهم خالقًا، والثاني: فإنه ادعى الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، إن الله عنده علم الساعة، نعم، من قال باعتبار السبب فلا يكون كافرًا إلى آخر ما في \"الأوجز\" (٤/ ١٥٥). (ش).","vol":"11","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1530>(٢٣) [بَابٌ: في الْخَطِّ وَزَجْرِ الطَّيْرِ]</span>\n٣٩٠٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، نَا عَوْفٌ، نَا حَيَّانُ- قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: ابْنُ الْعَلَاءِ- قَالَ: نَا قَطَنُ بْنُ قَبِيْصَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ\n===\n\n(٢٣) (بَابٌ: في الْخَطِّ وَزَجْرِ الطَّيْرِ)\nهذه الترجمة مذكورة على الحاشية، وفي بعض النسخ في المتن\n٣٩٠٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، نا عوف، نا حيان، قال غير مسدد) ولم يذكره من هو من شيوخ المصنف: (ابن العلاء) أي: حبان بن العلاء نسبه إلى أبيه، وأما مسدد فقال: حبان فقط، ولم ينسبه إلى أبيه، قال في \"تهذيب التهذيب\": حبان بن العلاء، عن قطن بن قبيصة حديث العيافة والطيرة والطرق من الجبت، وقيل: عن حبان لم ينسب، وقيل: عن حبان أبي العلاء، وقيل: عن حبان ابن عمير، وقال إسحاق بن منصور عن أحمد ويحيى: ليس هو ابن عمير، وقال ابن حبان في \"الثقات\": حبان بن مخارق أبو العلاء، عن قطن بن قبيصة، عن أبيه.\n(قال: نا قطن بن قبيصة) بن المخارق الهلالي، أبو سهلة البصري، قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهما حديث في الطيرة، (عن أبيه) قبيصة بن المخارق بن عبد الله الهلالي البصري، وفد على النبي - ﷺ -، وروى عنه، كنيته أبو بشر، كانت له دار بالبصرة.\n(قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: العيافة) بكسر العين المهملة وفاء بعد الألف، هي زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرًا، ومنه قول لبيد:\nلعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع\n(والطيرة) بكسر الطاء وفتح المثناة تحت، وقد تسكن، وهي التشاؤم بالشيء، وكان هذا يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشارع وأبطله ونهى عنه، وأبطل أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضرر.","vol":"11","page":637},{"text":"وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ\". الطَّرْقُ: الزَّجْرُ، وَالْعِيَافَةُ: الْخَطُّ. [حم ٥/ ٦٠]\n٣٩٠٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارِ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: قَالَ عَوْفٌ: \"الْعِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الْخَطُّ يُخَطُّ (١) في الأَرْضِ\". [ق ٨/ ١٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>(٢٤) بَابٌ: في الطِّيَرَةِ وَالْخَطِّ</span>\n٣٩٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن سَلَمَةَ بْنِ\n===\n(والطرق) بالطاء المهملة المفتوحة وسكون الراء، وهو الضرب بالحصى الذي تفعله النساء (من الجبت) المذكور في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (٢) (٣)، فالجبت: إبليس، والطاغوت: أولياؤه، والمراد أن هذه الثلاث مما يوسوس به إبليس ويأمر به أولياؤه الذين يطيعونه.\nقال أبو داود: (الطرق: الزجر (٤» للطير، فإذا زجروها تيامنوا إذا طارت لجهة اليمين، وتشاءموا بها إذا طارت للشمال، يتفاءلون بطيرانها كالسانح والبادح، وهو نوع من الكهانة (والعيافة: الخط) أي: في الرمل.\n٣٩٠٨ - (حدثنا ابن بشار قال: قال محمد بن جعفر: قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض) أي: في الرمل، أو يؤخذ منها وببسط في التحت، كما هو معروف للمنجمين، قاله ابن رسلان.\n\n(٢٤) (بَابٌ: في الطِّيَرَةِ والْخَطِّ)\n٣٩٠٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان عن سلمة بن\n_________\n(١) في نسخة: \"تخط\".\n(٢) واختلف أهل التفسير في المراد بهما في الآية على أقوال كما في \"الجمل\" (٢/ ٦٦). (ش).\n(٣) سورة النساء: الآية ٥١.\n(٤) وذكر القولين في تفسير الطرق أهل اللغة \"كالمجمع\" و\"القاموس\". (ش).","vol":"11","page":638},{"text":"كُهَيْلٍ، عن عِيسَى بْن عَاصِمٍ، عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسعودٍ، عن رَسُولِ اللهِ (١) - ﷺ - قَالَ: \"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيرَةُ شِرْكٌ- ثَلَاثًا- وَمَا مِنَّا إلَّا، وَلَكِنَّ اللَّه يُذْهِبُهُ بِالْتَّوَكُّلِ\". [ك ١/ ٦٤، حب ٦١٢٢، جه ٣٥٣٨، ق ٨/ ١٣٩، حم ١/ ٣٨٩]\n٣٩١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، نَا يَحْيَى، عن الْحَجَّاجِ الصَّوَافِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ؟\n===\nكهيل، عن عيسى بن عاصم) الأسدي الكوفي، قال أبو طالب عن أحمد: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث زر، عن عبد الله في الطيرة، قلت: وقال الحاكم: كوفي ثقة، (عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله - ﷺ - قال: الطيرة شرك، الطيرة شرك، ثلاثًا) أي: قال هذه الكلمة ثلاثًا.\n(وما منا) أحد (إلَّا) أي: إلَّا ويعتريه شيء منه في أول الأمر قبل التأمل فيختلج في صدره، (ولكن الله) تعالى (يذهبه بالتوكل) على الله ﷾.\n٣٩١٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن الحجاج الصواف، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله! ومنا رجال يَخطُّون؟) قال ابن عباس في تفسير هذا الحديث: الخط هو الذي يخطه الحازي، بالحاء المهملة والزاي، هو الحزاء، وهو الذي ينظر في المغيبات بظنه، وهو علم قد تركه الناس، فيأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانًا، فيقول له: اقعد حتى أَخُطَّ لك، وبين يدي الحازي غلام له معه مِيلٌ، ثم يأتي إلى أرض رِخْوة فيخطُّ فيها\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"11","page":639},{"text":"قَالَ: \"كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ، فَذَاكَ\". [م ٥٣٧، ت ١٦١٤، جه ٣٥٣٨، حم ١/ ٣٨٩]\n٣٩١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا عَدْوَى،\n===\nخطوطًا كثيرة في أربعة أسطر بالعَجَلة لئلا يلحقها العَدَدُ، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطَّين خطَّين وغلامه يقول للتفاؤل: أي عيان أسرع البيان (١)، فإن بقي خطان فهو علامة النُّجح (٢)، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة.\nوهذا علم معروف، للناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن ويستخرجون به الضمير، وهو ضرب من الكهانة.\n(قال: كان نبيٌّ من الأنبياء يخطُّ، فمن وافق خطه) خطه بالنصب (فذاك) مصيب، لكن لا يدري الموافقة (٣)، فلا يباح، أو فلا يعرف المصيب، فلا ينبغي الاشتغال بمثله، والحاصل أنه منع عن ذلك.\n٣٩١١ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا عدوى) العدوى مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره بالمجاورة والقرب، وبظاهره يخالف ما يأتي من أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: \"لا يوردن ممرض على مصح\"، وأيضًا وقع في \"البخاري\" (٤) وغيره: \"فر من\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: \"ابنَيْ عِيَان أسْرِعا البيان\"، كما في \"النهاية\" (٢/ ٤٧).\n(٢) في الأصل: \"النجم\"، وهو تحريف.\n(٣) قال النووي (٥/ ٢٣): لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح، وفعل ذلك النبي له كان جائزًا لتأييد الوحي له، وسمي هذا النبي إدريس ﵊، لكنه بإسناد شبه موضوع.\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥٧٠٧)، و\"صحيح مسلم\" (٢٢٢٠).","vol":"11","page":640},{"text":"وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ\"\n===\nالمجذوم فرارك من الأسد\"، وهذان الحديثان يثبتان العدوى، فاختلفوا في وجه الجمع بينهما، فقال بعضهم: نفي العدوى هو الأصل، وأما الحديثان الآخران فهما محمولان على سد الذرائع لا على إثبات العدوى، وقال بعضهم: إن الأصل فيه هذان الحديثان، أي بأن الله سبحانه على جري عادته يعدي المرض من حيوان إلى آخر بسبب المخالطة، ونفي العدوى محمول على أنه لا عدوى بالذات، بل هو بجري عادة الله ﷾ (١).\n(ولا صفَر) بفتح الفاء، قيل: هو ما كانت الجاهلية تعتقد، أن في البطن دابة كالحية تهيج عند جوع الآدمي وتؤذيه، فأبطله الإسلام، وقيل: أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير شهر المحرم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام، فأبطله الله في الإِسلام.\n(ولا هامة) بتخفيف الميم على المشهور، ورجح القرطبي التشديد، وفيه تأويلان: أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بالهامة، وهي الطائر المعروف من طير الليل، قيل: هي البومة، كانوا إذا أسقط على دار أحدهم رآها ناعية له بعينه أو بعض أهله، هذا تفسير مالك.\nوالثاني: أن العرب كانت تعتقد أن (٢) روح الآدمي، وقيل: عظامه تنقلب هامة يطير ويسمَّونها الصدى. وقيل: روح القتيل الذي لا تدرك بثأره يصير هامة، فيقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت، والثاني قول أكثر العلماء، قاله ابن رسلان.\n_________\n(١) وحكي في \"أنفاس عيسى\" عن حضرة الشيخ التهانوي- نوَّر الله مرقده- في العدوى ثلاثة مذاهب: الأول: أن العدوى ثابت، ولا يتوقف على مشيئة الله تعالى، وهذا كفر صريح. والثاني: اعتقاد ثبوت العدوى بالمشيئة، لكن المشيئة ضرورية، وهذا المذهب باطل، لكنه ليس بكفر. والثالث: أنه مقيد بالمشيئة، والمشيئة ليست بضرورية إن شاء الله يعدي وإلَّا فلا، لكن الأحاديث الصحيحة تدل على أن العدوى ليس بشيء. (ش).\n(٢) الظاهر بدله: أنها.","vol":"11","page":641},{"text":"فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا بَالُ الإبِلِ تَكُونُ في الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا؟ قَالَ: \"فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ\"؟\nقَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يُورَدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ\"، قَالَ: فَرَاجَعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ حَدَّثْتَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ\"؟\n===\n(فقال أعرابي: ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء) أي: من حسن جسمها، (فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟) ولفظ مسلم: \"فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها\"، وبيانه أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم وأعداهم، وكذلك في الإبل فأبطله النبي - ﷺ -، ثم إنهم لما أوردوا على النبي - ﷺ - الشبهة العارضة لهم على ذلك في الإبل، فأقطع النبي - ﷺ - حجتهم، وأزاح شبهتهم بكلمة واحدة، وهي (قال: فمن أعدى) الجمل (الأول؟) ومعنى ذلك أن البعير الأجرب الذي أجرب هذه الصحاح على زعمهم، من أين جاءه الجرب؟ من قبل نفسه؟ أم من بعير آخر؟ فيلزم التسلسل، فظهر أن الذي فعل الأول والثاني هو الله تعالى الخالق لكل شيء.\n(قال معمر: قال الزهري: فحدثني رجل، عن أبي هريرة، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: لا يوردن ممرض) بكسر الراء، ومفعول لا يوردن محذوف، أي: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله المراض (على مصح) بكسر الصاد، على صاحب الإبل الصحاح.\n(قال: فراجعه) أي أبا هريرة (الرجل) الراوي عنه (فقال) أي الرجل: (أليس قد حدثتنا) قبل ذلك (أن النبي - ﷺ - قال: لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة؟)\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"11","page":642},{"text":"قَالَ: لَمْ أَحَدِّثْكُمُوهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَدَّثَ (١) بِهِ، وَمَا سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ نَسِيَ حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَهُ. [خ ٥٧١٧، م ٢٢٢٠، حم ٢/ ٢٦٧]\n٣٩١٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عن الْعَلَاءِ، عن أَبِيهِ، عنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا عَدْوَى، وَلَا هَامَةَ، وَلَا نوْءَ، وَلَا صَفَرَ\". [م ٢٢٢٠، حم ٢/ ٣٩٧]\n٣٩١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْبَرْقِيُّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ:\n===\nوالآن تحدث خلاف ذلك، لا يوردن ممرض على مصح (قال) أبوهريرة: (لم أحدثكموه، قال الزهري: قال أبو سلمة: قد حدث به، وما سمعت أبا هريرة نسي حديثًا قط غيره).\n٣٩١٢ - (حدثنا القعنبي، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا عدوى، ولا هامة، ولا نوء) وهي ثمانية وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ويسقط في المغرب كل ثلاثة عشر ليلة منزلة مع طلوع الفجر، ويطلع أخرى مقابلها (٢) ذلك الوقت في الشرق، فتسقط جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط منزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، فينسبون إليها ويقولون: مطرنا بنوء كذا (٣).\n(ولا صفر) تقدم معناه.\n٣٩١٣ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن البرقي) بفتح الباء الموحدة وسكون الراء، (أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثت\".\n(٢) هكذا في الأصل، والظاهر: يطلع آخر مقابله.\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٤ - ٥).","vol":"11","page":643},{"text":"حَدَّثَني ابْنُ عَجْلَانَ قَالَ: حَدَّثَني الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَم وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا غُوْلَ\".\n٣٩١٤ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنا شَاهِدٌ: أَخْبَرَكُمْ أَشْهَبُ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عن قَوْلِهِ: \"لَا صَفَرَ\"، قَالَ: إنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُحِلُّونَ صَفَرَ، يُحِلّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا صَفَرَ\".\n٣٩١٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا عَدْوَى، وَلَا طِيرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْل\n===\nحدثني ابن عجلان قال: حدثني القعقاع بن حكيم وعبيد الله بن مقسم وزيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا غول) بضم الغين، نوع من الجن كانوا يرون أن له تأثيرًا في الإضلال عن الطريق والإهلاك، وأنه يتصور بصور مختلفة، فنفى الشارع التأثير، وليس هذا نفيًا لِعَين الغول ووجوده فقد جاء: أن الأَذان يدفع الغيلان.\n٣٩١٤ - (قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد: أخبركم أشهب قال: سئل مالك عن قوله: لا صفر، قال: إن أهل الجاهلية كانوا يُحلُّون صفر) أي: يجعلونه حلالًا (يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا) كان العرب يحرمون الأشهر الأربعة، وكانوا أصحاب حروب، وإنما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمونه، ثم يردون التحريم إلى المحرم، ولا يفعلون ذلك إلَّا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم.\n(فقال النبي - ﷺ -: لا صفر) أي: لا يؤخر المحرم إلى صفر.\n٣٩١٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل","vol":"11","page":644},{"text":"الصَّالِحُ، وَالْفَأْلُ الصَّالِحُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ\". [حم ٣/ ١٣٠، خ ٥٧٥٦، م ٢٢٢٤، ت ١٦١٥، جه ٣٥٣٧]\n٣٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نَا بَقِيَّةُ قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ: قَوْلُهُ: \"هَامَةُ\"؟ قَالَ: كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ إلَّا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ هَامَةٌ. قُلْتُ: فَقَوْلُهُ \"صَفَرَ\"؟ قَالَ: سَمِعْنَا (١) أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ (٢) يَسْتَشْئِمُونَ بِصَفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا صَفَرَ\". قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ سَمِعْنَا مَنْ يَقُولُ: هُوَ وَجَعٌ يَأَخُذُ في الْبَطْنِ، فكَانُوا يَقُولُونَ: هُوَ يُعْدِي، فَقَالَ: \"لَا صَفَرَ\".\n٣٩١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، عن سُهَيْلٍ،\n===\nالصالح، والفأل الصالح: الكلمة الحسنة) يسمعها الإنسان.\n٣٩١٦ - (حدثنا محمد بن المصفى، نا بقية قال: قلت لمحمد بن راشد) المكحول (٣): (قوله: هامة) أي: ما معناه؟ (قال) أي: محمد بن راشد: كانت الجاهلية تقول: ليس أحد يموت فيدفن إلَّا خرج من قبره هامة، قلت: فقوله: صفر؟ قال) محمد بن راشد: (سمعنا أن أهل الجاهلية يستشئمون) أي: يتشاءمون (بصفر، فقال النبي - ﷺ -: لا صفر، قال) محمد بن راشد: (وقد سمعنا من يقول: هو وجع يأخذ في البطن، فكانوا يقولون: هو يعدي، فقال: لا صفر).\n٣٩١٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، عن سهيل،\n_________\n(١) في نسخة: \"سمعت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"كانوا\".\n(٣) كذا في \"التقريب\" (٢/ ١٦٠)، والصواب: المكحولي، كما في \"التهذيب\" (٩/ ١٥٨) وغيره. (ش). [قلت: \"المكحول\" في الطبعة القديمة \"للتقريب\"، أما في الطبعة الجديدة ففيها: \"المكحولي\"].","vol":"11","page":645},{"text":"عن رَجُلٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ - سمِعَ كَلِمَةً، فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ: \"أَخَذْنَا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ\". [حم ٢/ ٣٨٨]\n٣٩١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ قَالَ: \"يَقُولُ نَاسٌ: الصَّفَرُ (٢) وَجَعٌ يَأْحُذُ في الْبَطْنِ، قُلْتُ: فَمَا الْهَامَةُ (٣)؟ قَالَ: يَقُولُ نَاسٌ: الْهَامَةُ الّتِي تَصْرُخُ: هَامَةُ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ بِهَامَةِ الإنْسَانِ، إنَّمَا هِيَ دَابَّةٌ\".\n٣٩١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ، الْمَعْنَى،\n===\nعن رجل) لم يسم، (عن أبي هريرة) - ﵁ - (أن رسول الله - ﷺ - سمع كلمة، فأعجبته) أي الكلمة لحسنها (فقال) رسول الله - ﷺ -: (أخذنا فألك من فيك) تقريره: قد أخذنا فألك الحسن أيها المتكلم من فيك، وإن لم تقصد خطابنا، وإنما يعجبه الفأل لأن فيه الأمل والرجاء من الله ﷾، وفي الطيرة وغيرها سوء الظن بالله بوقوع النبلاء، فأبطله.\n٣٩١٨ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم، نا ابن جريج، عن عطاء قال: يقول ناس: الصفر وجع يأخذ في البطن، قلت: فما الهامة؟) هذا قول ابن جريج (قال) عطاء: (يقول ناس: الهامة التي تصرخ: هامة الناس) أي التي تصرخ لهم وتنزل في بيوتهم يتشاءمون بها.\n(وليست بهامة الإنسان) التي تخرج من عظام الميت أو رأسه، وتنقلب فتصير هامة تطير، ويسمى ذلك الطائر: الصدى، (إنما هي دابة) معروفة تسمى: البوم.\n٣٩١٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة، المعنى،\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"لصفر\".\n(٣) في نسخة بدله: \"ما هامة\".","vol":"11","page":646},{"text":"قَالَا: نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عن عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ - قَالَ أَحْمَدُ: الْقُرَشِيِّ- قَالَ: ذُكِرَتِ (١) الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: \"أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ\". [ق ٨/ ١٣٩]\n٣٩٢٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبيهِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيءٍ، وَكَانَ إذَا بَعَثَ عَامِلًا (٢)\n===\nقالا: نا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن عامر) القرشي، ويقال: الجهني المكي، روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا في الطيرة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: أثبت غير واحد له صحبة، وشك فيه بعضهم، وروايته عن بعض الصحابة لا تمنع أن يكون صحابيًا، والظاهر أن رواية حبيب عنه غفلة.\n(قال أحمد) بن حنبل شيخ المصنف: (القرشي) أي عروة بن عامر القرشي، (قال) أي عروة، (ذكرت الطيرة عند النبي - ﷺ -، فقال: أحسنها الفأل) قال في \"النهاية\" (٣): جاءت الطيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع (ولا ترد) الطيرة (مسلمًا) عن المضي فيما يقصده.\n(فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: \"اللَّهُمَّ لا يأتي بالحسنات إلَّا أنت، ولا يدفع السيئات إلَّا أنت، ولا حول ولا قوة إلَّا بك\") أي: إلَّا بقدرتك وتوفيقك.\n٣٩٢٠ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة: (أن النبي - ﷺ - كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ذكر\".\n(٢) في نسخة. \"غلامًا\".\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٤٠٦).","vol":"11","page":647},{"text":"سَأَلَ عن اسْمِهِ، فَإذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ. وَإنْ كَرِهَ اسْمَهُ، رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ. وَإذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَألَ عن اسْمِهَا، فَإذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بِهَا، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ. وَإنْ كَرِهَ اسْمَهَا، رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ\". [حم ٥/ ٣٤٧]\n٣٩٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، أَنَّ الْحَضْرَمِيَّ بْنَ لَاحِقٍ\n===\nسأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به، ورئي بشر ذلك) أي: بشارة ذلك (في وجهه، وإن كره اسمه، رئي كراهية ذلك في وجهه) لانتفاء التفاؤل لا للتشاؤم والتطير.\n(وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإذا أعجبه اسمها فرح بها، ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية ذلك في وجهه).\nقال محيي السنَّة (١): ينبغي أن يختار الرجل لأولاده وخدمه الأسماء الحسنة، فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدر، فإن رجلًا لو سمَّى ابنه بخسار، فربما جرى قضاء الله بأن يلحق خسار ذلك المسمى بخسار، فيعتقد بعض الناس أنه بسبب اسمه فيتشاءمون به، فيحترزون عنه، ويصير معروفًا بالشؤم، فلا ينبغي أن يسمى باسم ليصير بسببه مبغوضًا.\nوسبب كراهته الاسم القبيح للقرية؛ لئلا يحصل لهم في القرية مكروه، فيحدث لهم التشاؤم.\n٣٩٢١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: حدثني يحيى، أن الحضرمي بن لاحق) التميمي السعدي الأعرج اليمامي، قال يحيى بن معين: ليس به بأس، وليس هو بحضرمي بن لاحق، وقال أبو حاتم: الحضرمي اليمامي، وحضرمي بن لاحق هما عندي واحد، وقال عكرمة بن عمار: كان فقيهًا، وخرجت معه إلى مكة سنة مائة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"،\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ١٠).","vol":"11","page":648},{"text":"حَدَّثَهُ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: \"لَا هَامَةَ، وَلَاَ عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَإنْ تَكُنِ الطّيَرَةُ في شَيءٍ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ\". [حم ١/ ١٨٠]\n٣٩٢٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا مَالِكٌ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن حَمْزَةَ\n===\nقلت: وفرق بين الحضرمي بن لاحق وحضرمي الذي يروي عنه سليمان التيمي، فقال في الثاني: لا أدري من هو؟ ولا ابن من هو؟ انتهى كلامه.\nوكذلك قال ابن المديني: حضرمي شيخ بالبصرة، روى عنه التيمي، مجهول، وكان قاصًّا، وليس هو بحضرمي بن لاحق.\nقلت: والذي يظهر لي أنهما اثنان.\n(حدثه عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: لا هامة، ولا عدوى، ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار).\nقال القرطبي: لا نظن أن الذي رخص فيه من الطيرة في هذه الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد، كأنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه، فإن هذا ظن خطأ، وإنما معنى ذلك أن هذه الثلاثة المذكورة أكثر ما يتشاءم الناس ويتطيرون بها لملازمتها الفرس التي يرتبطونها للجهاد ونحوه، والمرأة التي يتزوجونها خصوصًا أن جاء منها أولاد، والدار التي يسكنونها، فمن وقع له شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره بما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو يستمر مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله ببيع وعتق وطلاق ونحو ذلك.\n٣٩٢٢ - (حدثنا القعنبي، نا مالك، عن ابن شهاب، عن حمزة (١)\n_________\n(١) أورد الترمذي (٢٨٢٤) على ذكر حمزة في هذا الحديث، وتعقب الحافظ على كلام الترمذي. [انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ١٦)، ح (٢٨٥٨)]. (ش).","vol":"11","page":649},{"text":"وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"الشُّؤْمُ في الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ\". [خ ٥٧٥٣، م ٢٢٢٥، ت ٢٨٢٤، ن ٣٥٦٩، حم ٢/ ١١٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْن مِسْكِينٍ وَأَنا شَاهِدٌ: أَخْبَرَكَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عن الشَّؤْمِ في الفَرَسِ وَالدَّارِ؟ قَالَ: \"كَمْ مِنْ دَارٍ سَكَنَهَا قَوْمٌ (١) فَهَلَكُوا؟ ! ثُمَّ سَكَنَهَا آخَرُونَ، فَهَلَكُوا، فَهَذَا تَفْسِيرُهُ فِيمَا نُرَى، وَاللهُ أَعْلَمُ\" (٢).\n===\nوسالم ابني عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس).\n(قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد: أخبرك ابن القاسم قال: سئل مالك عن الشؤم في الفرس والدار؟ قال: كم من دار سكنها قوم فهلكوا؟ ! ثم سكنها آخرون، فهلكوا، فهذا تفسيره (٣) فيما نرى، والله أعلم).\nاختلفت الروايتان بظاهرهما، فإن أولاهما تقتضي نفي الشؤم والطيرة في الفرس والدار والمرأة، والثانية تثبتها.\nووجه الجمع بينهما ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: أن الطيرة بمعنى الشؤم الذاتي (٤)، والنحوسية الخلقية منتفية حيث أوردها بلفظ \"إن\" الشرطية الدالة على أنه غير واقع، فالمعنى لو تحقق الشؤم بهذا المعنى لكان في هذه الثلاثة، لكنه غير متحقق فيها فلا يتحقق في\n_________\n(١) في نسخة: \"ناس\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وقال عمر: حصيرٌ في البيت خير من امرأة لا تَلِدُ\". [قلت: هذا القول أورده الغزالي في \"الإحياء\" (٢/ ٢٦٧)].\n(٣) وبسط الحافظ في شرح كلام مالك. [انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٦٢)]. (ش).\n(٤) وبهذا جزم الشيخ في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤١٨) أيضًا. (ش).","vol":"11","page":650},{"text":"٣٩٢٣ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ (١) قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرْضٌ عِنْدَنَا يُقَالُ لَهَا أَرْضُ أَبْيَنَ، هِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا، وَإنَّهَا وَبِئَةٌ - أَوْ قَالَ: وَبَاؤُهَا شَدِيدٌ - فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"دَعْهَا عَنْكَ، فَإنَّ مِنَ الْقَرَفِ التَّلَفَ\". [حم ٣/ ٤٥١]\n===\nشيء، وأما الشؤم بمعنى ما يلحق من المضار أحيانًا أو قلة الجدوى في بعض أفرادها نسبة إلى البعض الآخر منها فغير منفي، بل أثبته بعد بقوله: الشؤم في الدار إلى آخره.\nفالحاصل أن النفي والإثبات راجعان إلى شيئين لا إلى شيء واحد، فلا تعارض، وعلى هذا يحمل قوله: \"كم من دار سكنها قوم فهلكوا\"، فإن هلاكهم ليس لأثر ذاتي في نفس الدار، بل لما عارضها من أمور معترضة من كثافة الهواء وخباثة الأرض وغير ذلك.\n٣٩٢٣ - (حدثنا مخلد بن خالد وعباس العنبري قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى بن عبد الله بن بحير) بفتح الموحدة وكسر المهملة، ابن ريسان المرادي اليماني، ابن أبي وائل القاص، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: أخبرني من سمع فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله! أرض عندنا يقال لها أرض أبين) أي: اسمها هذا (هي أرض ريفنا) أي: زرعنا (وميرتنا) أي: طعامنا (وإنها وبئة) أي: كثيرة الوباء (أو قال: وباؤها شديد، فقال النبي - ﷺ -: دعها) أي: الأرض (عنك، فإن من القرف) بفتحتين ملابسة الداء وملاقاة المرض (التلف) هو الهلاك يعني من قارب متلفًا يتلف، يعني إذا لم يكن هواء تلك الأرض موافقًا لك فاتركها، وليس هذا من باب العدوى،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المعنى\".","vol":"11","page":651},{"text":"٣٩٢٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، نَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، إنَّا كُنَّا في دَارٍ كَثيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا، وَكَثير فِيهَا أَمْوَالُنا، فَتَحَوَّلْنَا إلَى دَارٍ أُخْرَى، فَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا، وَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ذَرُوهَا ذَمِيمَةً\". [ق ٨/ ١٤٠]\n٣٩٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا مُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عن حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ،\n===\nإنما هو من باب الطب، فإن استصلاح الهواء عن أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام (١).\n٣٩٢٤ - (حدثنا الحسن بن يحيى، نا بشر بن عمر، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: قال رجل: يا رسول الله - ﷺ -، إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقلَّ فيها عددنا، وقلَّت فيها أموالنا، فقال رسول الله - ﷺ -: ذروها ذميمة).\nهذا أيضًا ليس من الطيرة ولا العدوى، بل من الطب، فإن الهواء مختلف، فبعضها توافق الطباع، وبعضها تخالفها، والأرض الأولى كان هواؤها وماؤها ونباتها كانت موافقة لهم، والدار الثانية التي انتقلوا إليها مخالفة لهم، وأمرهم أن يتركوها إرشادًا إلى المصالح الدنيوية والدينية، ومعنى قوله: ذميمة، أي: اتركوا هذه الدار فإنها مذمومة، فعيلة بمعنى مفعولة.\n٣٩٢٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يونس بن محمد، نا مفضل بن فضالة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن المنكدر،\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٥٠٩).","vol":"11","page":652},{"text":"عن جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ، فَوَضَعَهَا مَعَهُ في الْقَصْعَةِ، وَقَالَ: \"كُلْ، ثِقَةً بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ\" (١). [١٨١٧، جه ٣٥٤٢]\n\nآخِرُ كِتَابِ الطِّبِّ (٢)\n===\nعن جابر: أن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد مجذوم)، وهذا المجذوم هو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي (٣)، حليف بني أمية، من مهاجرة الحبشة.\n(فوضعها معه في القصعة)، وهذا فعله لبيان الجواز، وأما قوله (٤) - ﷺ -: \"فر من المجذوم، كفرارك من الأسد\"، فمحمول على الاحتياط.\n(وقال: كل) بسم الله، (ثقة (٥) بالله، وتوكلًا (٦) عليه).\n\nآخِرُ كِتَابِ الطِّبِّ\n_________\n(١) في نسخة: \"توكلًا على الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"آخر الجزء الرابع والعشرين، وأول الجزء الخامس والعشرين من أصل الخطيب\".\n(٣) انظر ترجمته في: \" أسد الغابة\" (٤/ ١٧٦) رقم (٥٠٥٩).\n(٤) وبسط العيني في الجمع بينهما. [انظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٩٢)]. (ش).\n(٥) وأورد عليه في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٧) بأن ظاهره مشكل، فإن المجذوم لا يخاف شيئًا حتى يثق بالله، وإنما الخائف من يأكل معه، والجواب أنه أيضًا ربما يخاف على نفسه أن يلحقه عار بإعداء مرضه إلى غيره، وأيضًا ربما يهم هو في أكله مع من يحبه كولده وزوجته، وهاهنا من هذا القبيل، فإن المجذوم لما أشفق على النبي - ﷺ - لم يشته أن يأكل معه، فقال النبي - ﷺ -: كل، ثقة باللهِ، ولا تخف علي. (ش).\n(٦) ولله در الشيخ إذ قال في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٧٨): إن التوكل على ثلاثة أنواع بمقابلة النص كشرب السم والتردي من الجبل فهو حرام، ومن الأسباب المظنونة كالدواء هو أعلى مراتب التوكل، وعلى هذا فالأولى ترك المعالجة وهو من أعلى مراتب التوكل، وبترك ما لم يغلب الظن على السببية كالرقي فهو أعلى مراتب التوكل، فترك الرقية من أدنى المراتب، فمن استرقى فليس له شيء من التوكل. وبسط الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢١١) في أن الرقي ينافي التوكل أم لا؟ . (ش).","vol":"11","page":653},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>(٢٣) أَوَّلُ كِتَابِ الْعِتْقِ </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>(١) أَبْوَابُ الْعِتْقِ</span>\n٣٩٢٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَا أَبُو بَدْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُتْبَةَ (٢) إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ،\n===\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n(٢٣) أَوَّلُ كِتَابِ الْعِتْقِ (٣)\n(١) (أَبْوَابُ الْعِتْقِ)\n٣٩٢٦ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: نا أبو بدر قال: حدثني أبو عتبة إسماعيل بن عياش قال: حدثني سليمان بن سليم،\n_________\n(١) في نسخة: \"العتاق\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وهو\".\n(٣) وأورد المخالفون على المسلمين الرِّق في الإِسلام، وأجاب عنه المسلمون بتصانيف مستقلة، منها: \"غلامان محمد\" و\"إسلام مين غلامي كي حقيقت\"، كلاهما من منشورات ندوة المصنفين بدهلي، وفي \"حياة الحيوان\" قصة عجيبة في الموالي السود، فليرجع إليه. (ش).","vol":"11","page":654},{"text":"عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ (١) دِرْهَمٌ\". [ق ١٠/ ٣٢٤]\n٣٩٢٧ - حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، نَا هَمَّامٌ، نَا عَبَّاسٌ الْجُرَيرِيُّ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"أَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِئَةِ أُوْقِيَّةٍ، فَأَدَّاهَا إلَّا عَشْرَةَ أَوَاقٍ، فَهُوَ عَبْدٌ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِئَةِ دِينَارٍ، فَأَدَّاهَا إلَّا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، فَهُوَ عَبْدٌ\". [ت ١٢٦٠، جه ٢٥١٩، حم ٢/ ١٨٤]\n===\nعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم).\n٣٩٢٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عبد الصمد، نا همام، نا عباس) بالموحدة والسين المهملة (الجريري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: أيما عبد كاتب على مئة أوقية، فأداها إلَّا عشرة أواق، فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مئة دينار، فأداها) أي: إلى سيده (إلَّا عشرة دنانير، فهو عبد) (٢)، فهذا الحديث فيه حجة لما عليه الجمهور (٣)، أن المكاتب عبد وإن أدى أكثر ما عليه، ولا يعتق حتى يؤدي جميع ما عليه.\nوقال علي - ﵁ -: يعتق منه بقدر ما أدى، وذكر أبو بكر والقاضي وأبو الخطاب من الحنابلة: أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة، فعجز\n_________\n(١) في نسخة: \"مكاتبته\".\n(٢) وبذلك استدل صاحب \"البدائع\" (٣/ ٥٩٧) وسكت عن الجواب عن حديث ابن عباس. (ش).\n(٣) منهم الأئمة الأربعة، وكان الخلاف فيه في السلف، كذا في \"التعليق الممجد\" (٣/ ٣٥٤). (ش).","vol":"11","page":655},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\n[عن] ربعها يعتق، لأنه يجب رده إليه، فلا يرد إلى الرق لعجزه عنه، واستدلوا بحديث (١) ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا أصاب المكاتب حدًا أو ميراثًا وَرِث بحساب ما عتق منه، وُيؤدي المكاتب بحصة ما أدى، دية حر، وما بقي، دية عبد\"، رواه الترمذي (٢) وقال: حديث حسن.\nوروي عن عمر وعلي أنه إذا أدى الشطر فلا رق عليه، وروي ذلك عن النخعي، وقال عبد الله بن مسعود: إذا أدى قدر قيمته فهو غريم، وقضى به شريح، وقال الحسن في المكاتب: إذا عجز استسعي بعد العجز سنتين، قاله ابن رسلان.\n(قال أبو داود: قالوا: ليس هو عباس الجريري، قالوا: هو وهم، ولكنه شيخ آخر).\nهذه العبارة في نسخة ابن رسلان، ونسخة أبي داود التي عليها المنذري، وعلى حاشية المجتبائية موجودة، وليس في الكانفورية ولا المصرية ولا المكتوبة الأحمدية والمكتوبة المدنية، فلو كانت هذه العبارة من أبي داود صحيحة، فكأنه أشار إلى أن رواية عباس الجريري، عن عمرو بن شعيب غير محفوظة، فكأنه رجل غير عباس الجريري، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة عباس الجريري: روى عن أبي عثمان النهدي والحسن البصري وعمرو بن شعيب إن كان محفوظًا. ولم يذكر الحافظ في ترجمة عمرو بن شعيب عباس الجريري في تلامذته.\n_________\n(١) في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣١١): أنه منسوخ عند الجمهور بالحديث المار، إلا أن فيه جزءًا لم ينسخ وهو تجزئة الرق، لأن قوله: \"ما عتق منه\" صلة، والصلات تكون أخبارًا، والخبر لا يحتمل النسخ. وأجاب القاري (٦/ ٥٧٦) بأنه على صحته يعتق عتقًا موقوفًا، والطحاوي على أن مقتضى النظر أن لا يعتق إلا بعد الأداء، وأشار الترمذي (١٢٥٩) إلى الاختلاف فيه على عكرمة، وكذا أبو داود كما سيأتي في \"باب في دية المكاتب\". (ش).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١٢٥٩).","vol":"11","page":656},{"text":"٣٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن نَبْهَانَ- مُكَاتَبٍ لاِمِّ سَلَمَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ\". [ت ١٢٦١، جه ٢٥٢٠، حم ٦/ ٢٨٩]\n===\n٣٩٢٨ - (حدثنا مسدد بن مسرهد قال: نا سفيان، عن الزهري، عن نبهان) بتقديم النون على الموحدة (مكاتب لأم سلمة) نبهان المخزومي، أبو يحيى المدني، مولى أم سلمة ومكاتبها، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سمعت أم سلمة نقول: قال لنا رسول الله - ﷺ -: إذا كان لإحداكن مكاتب، فكان عنده ما يؤدي (١)، فلتحتجب منه).\nقال الخطابي (٢): وفي هذا دلالة على أنه (٣) إذا مات وترك وفاء كتابته كان حرًا، وقد يتأول أيضًا على أنه أراد به الاحتياط في أمره، لأنه بعَرض أن يعتق في كل ساعة بأن يعجل نجومه إذا كان واجدًا لها.\nقال المنذري (٤): وحديث نبهان. قال الترمذي فيه: حسن صحيح، وذكر فيه معمر سماعَ الزهري من نبهان، وقد ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه: أن محمد بن عبد الرحمن مولى طلحة روى عن نبهان، ومحمد بن عبد الرحمن هذا ثقة، واحتج به مسلم في \"صحيحه\".\n_________\n(١) وحمله الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٢٧٥) على ما إذا اجتمع عنده بدل الكتابة ولا يؤدي لئلا تنقطع العلائق بينه وبين سيدته، وهكذا في الرخص التي تختص بها الإماء من العدة والحجاب وغيرها. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٦٤).\n(٣) وهو إحدى الروايتين لأحمد والأخرى له، وذهب الجمهور لا يعتق إلا بالأداء، كذا في \"المغني\" (١٤/ ٤٦٥). (ش).\n(٤) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري (٥/ ٣٨٩).","vol":"11","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1534>(٢) بَابٌ: في بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إذَا فُسِخَتِ الْمُكَاتبَةُ </span>(١)\n٣٩٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَا: نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَ بَرِيرَةَ\n===\nقال مولانا الشيخ عبد الغني في \"إنجاح الحاجة\": قالوا: هذا لأزواج النبي - ﷺ - خاصة، أي الحجاب قبل الأداء مخصوص بأزواجه - ﷺ -، وأما غيرهن فالاحتجاب لهن من مواليهن بعد الأداء، وفيه دليل على أن عبد المرأة محرمها، وبه قال الشافعي خلافًا لأبي حنيفة.\nقال قاضي خان (٢): والعبد في النظر إلى مولاته الحرة التي لا قرابة بينه وبينها بمنزلة الرجل الأجنبي، فتأويل الحديث بأن المراد منه الاحتجاب المفرط، فإن العبد لكثرة دخوله وخروجه وخدمته لسيده لا تحتجب عنه حق احتجاب، كالكلام معه والنظر إلى الكفين والوجه، كما تحتجب من غيره من الأجانب.\nذكر في \"المدارك\" (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٤)، قال سعيد بن المسيب: لا تغرَّنكم سورة النور، فإنها في الإماء دون الذكور، انتهى.\n\n(٢) (بَابٌ: في بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إذَا فُسِخَتِ الْمُكَاتبَةُ)\n٣٩٢٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وعبد الله بن مسلمة قالا: نا الليث (٥)، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أخبرته: أن بريرة\n_________\n(١) في نسخة: \"الكتابة\".\n(٢) انظر: \"الفتاوى\" لقاضي خان (٢/ ٣٦٧).\n(٣) انظر: \"تفسير النسفي\" (٣/ ١٤١).\n(٤) سورة النور: الآية ٣١.\n(٥) هذا هو المحفوظ، ووقع الوهم في رواية \"البخاري\" (٢٥٦٠)، راجع: \"الفتح\" (٥/ ١٨٥). (ش).","vol":"11","page":658},{"text":"جَاءَتْ عَائِشَة تَسْتَعِينُهَا في كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إلَى أَهْلِكِ، فَإنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا، فَأَبَوْا وَقَالُوا: إنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونُ لنَا وَلَاؤُكِ.\nفَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ (١) - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\"، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"مَا بَالُ أنَاسٍ يشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتَابِ اللَّهِ؟ ! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كتَابِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ وَإنْ شَرَطَهُ مِئَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ\". [خ ٢٥٦١، م ١٥٠٤، ت ٢١٢٥، جه ٢٥٢١، ن ٢٦١٤، حم ٦/ ٤٢]\n===\nجاءت عائشة) - ﵂ -، وقيل: كانت مولاة لقوم من الأنصار (تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك) بأن أشتريك ببدل كتابتك (ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها، فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك) أي: تؤدي بدل كتابتك احتسابًا (٢) وطلبًا للثواب (فلتفعل، ويكون لنا ولاؤك).\n(فذكرت ذلك لرسول - ﷺ -، فقال لها رسول الله - ﷺ -: ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله - ﷺ - فقال: ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله) وفي حكمه، (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فليس له وإن شرطه) أي: الشرط (مئة مرة، شرط الله أحق وأوثق).\n_________\n(١) في نسخة: \"للنبي\".\n(٢) أنكره في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١١٤) يعني لأن الولاء إذ ذاك لابدَّ أن يكون لهم، فأي معنى لاشتراطهم وردِّ النبي - ﷺ - عليهم. (ش).","vol":"11","page":659},{"text":"٣٩٣٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، عن هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"جَاءَتْ بَرِيرَةُ تَسْتَعِينُ (١) في مُكَاتَبَتِهَا (٢)، فَقَالَتْ: إنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْع أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ أُوْقِيَّةٌ (٣)، فَأَعِينينِي، فَقَالَتْ: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ (٤)، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ إلَى أَهْلِهَا\"، وَسَاقَ (٥) الْحَدِيثَ نَحْوَ الزُّهْرِيِّ.\nزَادَ في كَلَامِ - ﷺ - فِي آخِرِهِ: \"مَا بَالُ رِجَالٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعتِقْ يا فُلَانُ، وَالْوَلَاءُ لِي، وَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\". [خ ٢٥٦٣، ١٥٠٤]\n===\n٣٩٣٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت بريرة تستعين في مكاتبتها فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت) أي: عائشة (إن أحب أهلك أن أعدها) أي: بدل الكتابة (عدة واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت إلى أهلها، وساق الحديث نحو الزهري).\n(زاد في كلام النبي - ﷺ - في آخره: ما بال رجال يقول أحدهم: أعتق يا فلان والولاء لي، وإنما الولاء لمن أعتق).\nوقد اختلفت الروايات في قصة بريرة، ففي بعضها: أنها كاتبت على تسع أواق، في كل عام أوقية، وفي رواية: وعليها خمس أواق نجِّمت في خمس سنين، وفي رواية: ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، وفي رواية عمرة عن عائشة - ﵂ - الماضية في أبواب المساجد: فقال أهلها: إن شئت أعطيت\n_________\n(١) في نسخة: \"لتستعين\"، وفي نسخة: \"تستعينني\".\n(٢) في نسخة: \"كتابتها\".\n(٣) في نسخة: \"وقية\".\n(٤) في نسخة: \"أعتقتك\".\n(٥) في نسخة: \"وساق\".","vol":"11","page":660},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nما بقي، فجزم الإسماعيلي بأن رواية الخمس المعلقة غلط، ويمكن الجمع أن التسع أصل والخمس كانت بقيت عليها بعد ما أدت منها أربعة أواق، وبهذا جزم القرطبي والمحب الطبري، ولكن يخالفها ما في رواية قتيبة بلفظ: \"ولم تكن أن من كتابتها شيئًا\"، ويجاب بأنها كانت حصلت الأربع أواق قبل أن تستعين عائشة، فأدتها ثم جاءتها، وقد بقي عليها خمس، فمعنى قوله: \"ولم تكن أن من كتابتها شيئًا\"، أي: لم تكن مما بقي من كتابتها شيئًا.\nثم هذه القصة مشكلة لما في بعض الروايات أن رسول الله - ﷺ - قال لعائشة: \"واشترطي لهم الولاء\"، واستشكل صدور الإذن منه - ﷺ - في الشراء على شرط فاسد، فاختلف العلماء فيه، فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فقال الخطابي في \"المعالم\" (١): أن يحيى بن أكثم أنكر ذلك، وعن الشافعي في \"الأم\" الإشارة إلى تضعيف (٢) رواية هشام المصرحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وأشار غيره إلى أنه روى بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظن، وأثبت الرواية آخرون وقالوا: هشام حافظ، والحديث متفق على صحته، فلا وجه لرده.\nثم اختلفوا في توجيهها، فزعم الطحاوي أن المزني حدثه به عن الشافعي بلفظ: \"وأشرطي\" بهمزة قطع بغير تاء مثناة، ثم وجهه بأن معناه: أظهري لهم حكم الولاء، والإشراط الإظهار، قال أوس بن حجر:\nفأشرط فيها نفسه وهو معصم،\nأي: أظهر نفسه، انتهى.\n_________\n(١) انظر: (٣/ ٥١٧).\n(٢) وكذا أنكر عياض في \"الشفاء\" (٥/ ١٦) هذه الزيادة، وبسط الكلام على هذه الرواية.\nوقال السندي على البخاري: هذا مشكل جدًا، لأنه شرط مفسد، ومع ذاك تغرير البائع والخديعة، وأوَّله بعضهم لكن السوق يأباه، فالوجه أنه شرط مخصوص بهذا البيع وقع لمصلحة اقتضته، وللشارع التخصيص في مثله، وقريب منه ما قاله الوالد في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٠٦)، وقال الرازي في \"التفسير الكبير\" (٥/ ١٣٦): أن اللام بمعنى على، أي: اشترطي عليهم الولاء. (ش).","vol":"11","page":661},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوأنكر غيره هذه الرواية، والذي في \"مختصر المزني\" و\"الأم\" عن الشافعي كرواية الجمهور: \"واشترطي\" بصيغة الأمر المؤنث من الاشتراط، ثم حكى الطحاوي تأويل الرواية التي بلفظ اشترطي أن اللام في قوله: \"اشترطي لهم\" بمعنى\" على\" كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١)، وحكى الخطابي عن ابن خزيمة أن قول يحيى بن أكثم غلط، والتأويل المنقول عن المزني لا يصح، وقال النووي (٢): تأويل \"اللام\" بمعنى \"على\" ههنا ضعيف، لأنه ﵊ أنكر الاشتراط، ولو كان بمعنى \"على\" لم ينكره.\nوضعفه أيضًا ابن دقيق العيد، وقال آخرون: الأمر في قوله: \"اشترطي\" للإباحة، وهو على جهة التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، ويقوي هذا التأويل قوله في رواية أيمن: \"اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا\"، وقيل: الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر، وباطنه النهي كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٣).\nوقال الشافعي في \"الأم\": لما كان من اشترط خلاف ما قضى الله ورسوله عاصيًا، وكانت في المعاصي حدود وآداب، وكان من أدب العاصين أن يعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك ويرتدع به غيرهم كان ذلك من أيسر الأدب، وقال غيره: معنى اشترطي اتركي مخالفتهم فيما شرطوه، ولا تظهري نزاعهم فيما دعوا إليه مراعاة لتنجيز العتق، لتشوف الشارع إليه، وقال النووي: أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القضية، وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع، وهو كفسخ الحج إلى العمرة كان خاصًا بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص\n_________\n(١) سورة الإسراء: الآية ٧.\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٤٠٢).\n(٣) سورة فُصِّلَت: الآية ٤٠.","vol":"11","page":662},{"text":"٣٩٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الأَصْبَغِ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد- يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عن ابْن إسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْن جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ قَالتْ: وَقعَتْ جُوَيْرِيَة بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ في سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ،\n===\nلا يثبت إلَّا بدليل، وأغرب ابن حزم فقال: كان الحكم ثابتًا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزًا فيه، ثم نسخ ذلك الحكم بخطبته - ﷺ - وبقوله: \"إنما الولاء لمن أعتق\"، ولا يخفى بُعد ما قال، وسياق طرق هذا الحديث تدفع في وجه هذا الجواب، والله المستعان.\nوقال الخطابي: وجه هذا الحديث أن الولاء لما كان كلحمة النسب، والإنسان إذا ولد له ولد ثبت له نسبه، ولا ينتقل نسبه عنه، ولو نسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتق عبدًا ثبت له ولاؤه، ولو أراد نقل ولائه عنه، أو أذن في نقله عنه لم ينتقل، فلم يعبأ باشتراطهم الولاء، وقيل: اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ونحو ذلك، لأن ذلك غير قادح في العقد، بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأخر إعلامهم بذلك ليكون رده وإبطاله قولًا شهيرًا يخطب به على المنبر ظاهرًا، إذ هو أبلغ في النكير وأوكد في التعبير، انتهى.\nوهو يئول إلى أن الأمر فيه للإباحة كما تقدم، انتهى. كذا قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\n٣٩٣١ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني قال: حدثني محمد -يعني ابن سلمة-، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق) ومصطلق من أجدادها من خزاعه (في سهم ثابت بن قيس بن شماس) وكانت قبل أن تسبى تحت ابن عم لها يقال له: سافِغ بن صفوان،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٠، ١٩١)، ح (٢٥٦٣).","vol":"11","page":663},{"text":"أَوْ ابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَكَاتبَتْ (١) عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً مُلَّاحَةً، تَأَخُذُهَا الْعَيْنُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَاءَتْ تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - في كِتَابَتِهَا، فَلَمَّا قَامَتْ عَلَى الْبَابِ فَرَأَيْتُهَا، كَرِهْتُ مَكَانَهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا (٢) جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَإنَّمَا كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، وَإنِّي وَقَعْتُ في سَهْم ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ (٣)، وَإنِّي كَاتَبْتُ عَلَى نَفْسِي، فَجِئْتُكَ (٤) أَسْأَلُكَ في كِتَابَتِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"فَهَلْ (٥). لَكِ\n===\n(أو) في سهم (ابن عم له) والمشهور أنه ثابت (فكاتبت) ثابتًا (على نفسها، وكانت) أي: جويرية (امرأة ملاحة) بضم الميم وتشديد اللام، أي: كثيرة الملاحة والحسن، أي كانت مليحة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا وقعت في قلبه، (تأخذها العين) أي: تحب العين دوام النظر إليها وتكره انقطاع الرؤية عنها.\n(قالت عائشة: فجاءت) جويرية (تسأل رسول الله - ﷺ -) أن يعينها (في كتابتها) التي كاتبت ثابتًا عليها (فلما قامت على الباب فرأيتها، كرهت مكانها، وعرفت أن رسول الله - ﷺ - سيرى منها) أي: من ملاحتها وحسنها (مثل الذي رأيت) منها، (فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث، وإنما كان من أمري ما لا يخفى عليك) أي: من الاسترقاق (وإني وقعت في سهم) أي: نصيب (ثابت بن قيس بن شماس، وإني كاتبت) ثابتًا (على نفسي، فجئتك أسألك) أن تعينني بشيء (في كتابتي) لثابت بن قيس.\n(فقال) لها (رسول الله - ﷺ -) عندما رآها من حسنها وملاحتها، (فهل لك\n_________\n(١) في نسخة: \"وكاتبت\".\n(٢) في نسخة: \"وأنا\".\n(٣) في نسخة: \"الشماس\".\n(٤) في نسخة: \"فجئت\".\n(٥) في نسخة: \"هل\".","vol":"11","page":664},{"text":"إلَي هُوَ خَيْر مِنْهُ؟ \"، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"أُؤَدِّي عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَأَتَزَوَّجُكِ\"، قَالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَتْ: فَتَسَامَعَ- يَعْنِي النَّاسَ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ، فَأَرْسَلُوا مَا في أَيْدِيهِمْ (١) مِنَ السَّبْي (٢) فَأَعْتَقُوهُمْ، وَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَمَا رَأَيْنَا امْرَأَةً كَانَت أَعْظَمَ بَرَكَةَ عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا، أُعْتِقَ في سَبَبِهَا (٣) مِئَةُ أَهْلِ بَيْتِ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. [حم ٦/ ٢٧٧]\n===\nإلى ما هو خير) لك من الذي ذكرت وأنفع لك (منه؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (أؤدي) أي: أقضي (عنك) مال (كتابتك، وأتزوجك) وهذا هو الذي كرهته عائشة، وخافت من وقوعه (قال: قد فعلت) قال ابن رسلان: قد يؤخذ منه أنه يجوز نكاحه - ﷺ -، وينعقد بلا ولي ولا شهود، إذ لو كان هناك ولي وشهود نقل، ويحتمل أنه دفع مال كتابتها تبرعًا، وأنه تزوجها بلا مهر، إذ لو كان مال الكتابة لقال: جعلت مال كتابتك صداقًا لك.\n(قالت) عائشة: (فتسامع -يعني الناس- أن رسول الله - ﷺ - قد تزوج جويرية، فأرسلوا) أي: الناس (ما في أيديهم من السبي) أي: من سبايا بني المصطلق (فأعتقوهم، وقالوا) أي: أصحاب رسول الله - ﷺ -، أي: بنو المصطلق قد صاروا به (أصهار رسول الله - ﷺ -، فما رأينا) هذا قول عائشة (امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق) بضم الهمزة وكسر التاء المثناة من فوق (في سببها) بالبائين الموحدتين أي: بسب تزوج رسول الله - ﷺ - إياها، وفي نسخة: \"في سبيها\" بالباء الموحدة والياء المثناة من تحت، أي في السبي التي كانت فيه (مئة أهل بيت) وأهل بيت الرجل أولاده وأقاربه وأتباعه وزوجاته (من بني المصطلق) ووقع ذلك في غزوة المريسيع.\n_________\n(١) في نسخة: \"ما بأيديهم\".\n(٢) في نسخة: \"من بني المصطلق\".\n(٣) في نسخة: \"سبيها\".","vol":"11","page":665},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حُجَّةٌ في أَنَ الْوَلىَّ هُوَ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>(٣) بَابٌ: في الْعِتْقِ عَلَى شَرْطٍ </span>(١)\n٣٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عن سَفِينَةَ قَالَ: \"كُنْتُ مَمْلُوكًا لأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أُعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَا عِشْتَ، فَقُلْتُ: وَإنْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيَّ مَا فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ما عِشْتُ، فَأَعْتَقَتْنِي وَاشْتَرَطَتْ عَلَيَّ\". [جه ٢٥٢٦، حم ٥/ ٢٢١]\n===\n(قال أبو داود: هذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه) (٢) إذا أراد نكاح من لا ولي لها.\nقلت: وفي الحديث دلالة على أن المرأة ولية نفسها، ولولا ذلك لما قبلت جويرية، ولم تكن لها أن تقبل من دون أن تستأذن أحدًا من هناك من قرابتها.\n\n(٣) (بَابٌ: في الْعِتْقِ عَلَى شَرْطٍ)\n٣٩٣٢ - (حدثنا مسدد بن مسرهد قال: نا عبد الوارث، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: كنت مملوكًا لأم سلمة فقالت: أعتقك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله - ﷺ - ما عشت) أي: مدة حياتك (فقلت: وإن لم تشترطي علي) خدمته (ما فارقت رسول الله - ﷺ - ما عشت، فاعتقتني واشترطت علي).\nقال الخطابي: هذا وعد عبر عنه باسم الشرط، وأكثر الفقهاء لا يصححون إيقاع الشرط بعد العتق، لأنه شرط لا يلاقي ملكًا، ومنافع الحر لا يملكها غيره إلَّا في إجارة أو ما في معناها، وقد اختلفوا في هذا، فكان ابن سيرين يثبت\n_________\n(١) في نسخة: \"الشرط\".\n(٢) خلافًا للشافعي وداود وغيرهما، وتقدم. (ش).","vol":"11","page":666},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1536>(٤) بَابٌ: فِيمَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ</span>\n٣٩٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: نَا هَمَّامٌ،\n===\nالشرط في مثل هذا، وسئل عنه أحمد قال: يشتري هذه الخدمة من صاحبه الذي اشترط له، قيل له: يشترى بالدراهم؟ قال: نعم.\n\n(٤) (بَابٌ: فِيمَنْ أَعْتقَ (١) نَصِيبًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ)\n٣٩٣٣ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: نا همام،\n_________\n(١) عقد المصنف ها هنا بابين، الأول في إعتاق المالك بعض مملوكه، والثاني في إعتاق أحد الشريكين نصيبه من العبد، فالترجمة الأولى متعلقة بالعبد غير المشترك، والثانية في العبد المشترك، وفي المسألة اختلاف بين الأئمة الثلاثة والحنفية، وكذا بين الإِمام وصاحبيه، وهي متفرعة على أصل كلي مختلف فيه، أعني تجزؤ العتق وعدمه، فالحنفية متفقون على عدم تجزئ العتق، ففي كل حال يعتق جميع العبد عندهم لا بعضه. ثم اختلف الإِمام وصاحباه، فقالا بعدم تجزئه مثل العتق. وأما الأئمة الثلاثة فيستفاد من حكمهم في المسألة أن العتق وكذا الإعتاق كلاهما يتجزئان عندهم في صورة الإعسار، أي إعسار المعتق لقوله ﵇: \"وإلا فقد عتق منه ما عتق\". والحنفية تكلموا على ثبوت هذه الكلمة. ولا يتجزئان في صورة اليسار.\nإذا علمت ذلك فاعلم: إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد فإن كان المعتق موسرًا فللشريك الآخر اختيارات ثلاثة عند الإِمام:\n١ - الإعتاق.\n٢ - الضمان.\n٣ - الاستسعاء. وسقط الضمان لأجل عسره.\nوأما عند الصاحبين ففي صورة اليسار الضمان فقط، وفي ضده السعاية فقط. وأما عند الأئمة الثلاثة ففي صورة يسار المعتق للشريك الآخر اختيار الضمان فقط، وفي صورة الإعسار عتق من العبد ما عتق، وهؤلاء الأئمة الثلاثة لم يقولوا بالسعاية مطلقًا. وهذا ملخص الاختلاف في هذه المسألة، والله ﷾ أعلم. انتهى. (ع).\nوقال النووي (٥/ ٣٧٩): إذا ملك الإنسان عبدًا كاملًا، فأعتق بعضه فيعتق كله من المال بغير استواء، وروي عن أبي حنيفة يستسعى في الباقي، وخالفه صاحباه، فقالا مئل الجمهور، وحكى العياض عن جماعة ذكر أسماءهم مثل قول أبي حنيفة.\nوفي \"الهداية\" (٢/ ٣٠١): إذا أعتق المولى بعض عبده عتق ذلك القدر، ويسعى في البقية عند الإِمام، وقالا: يعتق كله، وأصله أن الإعتاق يتجزأ عنده لا عندهما، انتهى مختصرًا. وحكى الموفق (١٤/ ٥٠٤) قول مالك مثل أبي حنيفة.","vol":"11","page":667},{"text":"(ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، الْمَعْنَى، قَالَ: أَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الْمَلِيحِ- قَالَ أَبُو دَاوُد: قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: عن أَبِيهِ- أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا (١) لَهُ مِنْ غُلَامٍ، فَذُكِرَ (٢) ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: \"لَيْسَ للهِ شَرِيكٌ\"\n===\n(ح: ونا محمد بن كثير، المعنى، قال: أنا همام، عن قتادة، عن أبي المليح، قال أبو داود: قال أبو الوليد) شيخ المصنف: (عن أبيه) يعني عن أبي المليح عن أبيه، وأبو أسامة بن عمر الهذلي البصري الصحابي، لم يرو عنه غير ابنه أبي المليح، وأما ابن كثير شيخ المصنف فلم يذكر فيه عن أبيه، وهو مرسل، وقد أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٣) هذا الحديث: ثنا عبد الله بن بكر السُّهَيمِيُّ، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح فقال: عن أبيه.\nوأخرج حديث همام من طريق بهز قال: حديث الشقيص في العبد مرسل، وأخرج أيضًا من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم، ثنا هَمَّام عن قتادة عن أبي المليح فقال: عن أبيه.\n(أن رجلًا أعتق شقصًا له) أي: حصة ونصيبًا (من غلام، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -) زاد أحمد: \"فجعل خلاصه عليه في ماله\" (فقال: ليس لله شريك) وفي لفظ لأحمد: \"هو حر كله، ليس لله شريك\"، معناه أن حصة العبد لما أعتق وصار حرًا فكأنه صار لله تعالى، ليس فيها حق لعبد، فلو أبقيت الحصة التي لم تعتق على الرقبة فكأنه صار مشتركًا بين الله سبحانه وبين العبد، فيلزم أن لا يبقى النصف الباقي عبدًا، وفي \"الصحيحين\" وغيرهما: \"من أعتق شقيصًا في مملوك، فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال قُوِّم المملوك قيمة عدل، ثم استسْعي في نصيبه الذي لم يعتق غير مشقوق عليه\".\n_________\n(١) في نسخة: \"شقيصًا\".\n(٢) في نسخة: \"فذكرت\".\n(٣) انظر: \"مسند أحمد\" (٥/ ٧٤).","vol":"11","page":668},{"text":"زَادَ ابْنُ كَثيرِ في حَدِيثِهِ: فَأَجَازَ النَّبِيُّ - ﷺ - عِتْقَهُ. [حم ٥/ ٧٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>(٥) بَابٌ: فِيمَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ</span>\n٣٩٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عن بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شَقِيصًا (١)\n===\nفبيَّن في هاتين الروايتين أنه لا يعتق جميعه إلَّا إذا كان له مال، وإن لم يكن له مال فسيأتي حكمه.\n(زاد) محمد (بن كثير في حديثه: فأجاز النبي - ﷺ - عتقه) أي: أنفذ النبي - ﷺ - عتق جميعه، ولا يتوقف على عتق شريكه، وهذا عند من لا يقول بتجزئ الإعتاق، وعند أبي حنيفة معناه حكم بأن يعتقه ترغيبًا له في إعتاق الكل أو معناه، فأجاز عتقه في حصته وحكم بأن يعتقه كله.\n\n(٥) (بَابٌ: فِيمَنْ (٢) أَعْتَقَ نَصِيبًا مِنْ مَمْلُوكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَر)\nوالفرق (٣) بين هذا الباب والباب المتقدم أن الباب المتقدم عام يشمل العبد الذي يكون مشتركًا بينه وبين غيره، أو يكون لرجل واحد فيعتق منه حصة منه، وهذا الباب مختص في العبد الذي يكون مشتركًا بين اثنين أو أكثر\n٣٩٣٤ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة: أن رجلًا أعتق شقيصًا)\n_________\n(١) في نسخة: \"شقصًا\".\n(٢) قال النووي (٥/ ٣٩٦): إن كان المعتق موسرًا ففيه ستة مذاهب، وإن كان معسرًا ففيه أربعة، فأرجع إليه. وذكر العيني (٩/ ٢٧٤) في المسألة أربعة عشر مذهبًا، وفي \"الأوجز\" عشرون مذهبًا (١١/ ٥٤٩). (ش).\n(٣) والأوجه عندي أن الأول مختص بعتق بعض من مملوكه، وهذا في العبد المشترك. (ش).","vol":"11","page":669},{"text":"لَهُ مِنْ غُلَامٍ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ - ﷺ - عِتْقَهُ، وَغَرَّمَهُ بَقِيَّةَ ثَمَنِهِ\". [خ ٢٤٩٢، م ١٥٠٢، ت ١٣٤٨، جه ٢٥٢٧، \"السنن الكبرى\"٤٩٦٦، حم ٢/ ٢٥٥]\n٣٩٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: نَا رَوْحٌ، قَالَا: نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ بِإسْنَادِهِ عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ\"، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ سُوَيْدٍ. [م ١٥٠٣، حم ٢/ ٤٦٨]\n٣٩٣٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: نَا رَوْحٌ قَالَ: نَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عن قَتَادَةَ بِإسْنَادِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ في مَمْلُوكٍ، عَتَقَ مِنْ مَالِهِ\n===\nأي: نصيبًا (له من غلام، فأجاز) أي: أنفذ (النبي - ﷺ - عتقه) بعض العبد، (وغرمه) أي: المعتِق بكسر المثناة الفوقية (بقية ثمنه) لشريكه غير المعتق.\n٣٩٣٥ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: نا محمد بن جعفر، ح: ونا أحمد بن علي بن سويد قال: نا روح، قالا: نا شعبة، عن قتادة بإسناده) المتقدم (عن النبي - ﷺ - قال: من أعتق مملوكًا) مشتركًا (بينه وبين آخر، فعليه) أي على المعتق (خلاصه) أي: خلاص العبد بأداء ثمن حصته.\n(وهذا لفظ ابن سويد).\n٣٩٣٦ - (حدثنا ابن المثنى قال: نا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، ح: وحدثنا أحمد بن علي بن سويد قال: نا روح قال: نا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة بإسناده، أن النبي - ﷺ - قال: من أعتق نصيبًا له في مملوك، عتق من ماله).\nأي: عتق العبد كله، بعضه بالإعتاق وبعضه بالسراية.\nقال ابن عبد البر: لا خلاف أن التقويم لا يكون إلَّا على الموسر، ثم اختلفوا في وقت العتق، فقال الجمهور والشافعي في الأصح وبعض","vol":"11","page":670},{"text":"إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ\"، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُثَنَّى النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ سُوَيْدٍ. [خ ٢٤٩٢، م ١٥٠٣، جه ٢٥٢٧، حم ٢/ ٥٣١، ق ١٠/ ٢٧٦]\n===\nالمالكية: إنه يعتق في الحال، وحجتهم رواية أيوب حيث قال: فهو عتيق، وروى الطحاوي من طريق ابن أبي ذئب عن نافع، فكان للذي يعتق ما يبلغ ثمنه فهو عتيق كله، فالمشهور عند المالكية أنه لا يعتق إلَّا بدفع القيمة، فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه، وهو أحد أقوال الشافعي.\n(إن كان له مال، ولم يذكر ابن المثنى النضر بن أنس، وهذا لفظ ابن سويد).\nومذهب الحنفية في ذلك أن المولى إذا أعتق بعض عبده عتق ذلك القدر ويسعى في بقية قيمته لمولاه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يعتق كله، وإذا كان العبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه عتق بقدر نصيبه، فإن كان موسرًا فشريكه بالخيار بين ثلاث: إن شاء أعتق، وإن شاء ضمن شريكه قيمة نصيبه، وإن شاء استسعى العبد، فإن ضمن رجع المعتق على العبد، والولاء للمعتق، وإن أعتق أو استسعى فالولاء بينهما، وإن كان المعتق معسرًا فالشريك بالخيار إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبد، والولاء بينهما في الوجهين، وقالا: ليس له إلَّا الضمان مع اليسار، والسعاية مع الإعسار، ولا يرجع المعتق على العبد، والولاء للمعتق.\nوالاختلاف في المسألة يُبتنى على أصلين:\nأحدهما: تجزئ الإعتاق وعدمه، فإن الإعتاق يتجزأ (١) عند الإِمام فيقتصر على ما أعتق، وعندهما لا يتجزأ وهو قول الشافعي، فإضافته إلى البعض كإضافته إلى الكل، والثاني: أن يسار المعتق لا يمنع سعاية العبد عنده، وعندهما يمنع، كذا في \"الهداية\" (٢).\n_________\n(١) ويؤيد الإِمام أنهم قالوا بالتجزئ عند الإعسار، وأيضًا قالوا بعدم سراية العتق إذا ورث بعض من يعتق عليه بالقرابة كما في \"الفتح\" (٥/ ١٥٦)، وكذا ذكر له فيه نظائر. (ش).\n(٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٠٢).","vol":"11","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1538>(٦) بَابُ مَنْ ذَكَرَ السِّعَايَةَ في هَذَا الْحَدِيثِ</span>\n٣٩٣٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا أَبَانُ (١) قَالَ: نَا (٢) قَتَادَةُ، عن النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عن بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا (٣) في مَمْلُوكِهِ (٤)، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ،\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قال الإِمام أبو حنيفة: للشريك الآخر فيه ثلاثة وجوه: الإعتاق، والاستسعاء، وإن كان المعتق موسرًا فللآخر تضمينه أيضًا، ومن لم ير السعاية نظر إلى أن ضمان العدوانات ليس فيه غير التضمين والعفو، فيسلك ههنا بتلك السنَّة، وقول الإِمام ألطف، والحجة له ما في الروايات من ذكر السعاية، وتركه في بعضها لا يقتضي عدمه.\nومعنى قوله: \"غرمه بقية ثمنه\" أن الآخر لم يعتق، وكان المعتق موسرًا فأحب الضمان، وقوله: \"فعليه خلاصه\"، أي: إن أحب، والتقدير لا بد منه عند الفريقين فإنهم يسلمون أيضًا أن خلاصه في ماله إنما هو إذا لم يعتق الآخر نصيبه، فنحن نقدر أن لا يستسعى أيضًا، ومستدلهم في ذلك الروايات كما هو مستدلنا، انتهى.\n\n(٦) (بَابُ مَنْ ذَكَرَ السِّعَايَةَ في هَذَا الْحَدِيثِ)\n٣٩٣٧ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا أبان قال: نا قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: من أعتق شقيصًا) أي: نصيبًا له (في مملوكه، فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال) فيؤديه قيمة نصيبه إلى الشريك الآخر.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني العطار\".\n(٢) في نسخة: \"عن\".\n(٣) في نسخة: \"شقصًا\".\n(٤) في نسخة: \"مملوك\".","vol":"11","page":672},{"text":"وَإلَّا اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ\". [خ ٢٤٩٢، م ١٥٠٣، ت ١٣٤٨، حم ٢/ ٢٥٥، جه ٢٥٢٧]\n٣٩٣٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثنَا يَزِيدُ- يَعْني ابْنَ زُرَيْعٍ -. (ح): وَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ (١)، وَهَذَا لَفْظُهُ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن النَّضْرِ بْنِ أَنسٍ، عن بَشِيرِ بْن نَهِيكٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ، أوْ شَقِيصًا لَهُ، في مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ في مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ لِصَاحِبِهِ في قِيمَتِهِ\n===\n(وإلَّا) أي: وإن لم يكن له مال (استسعى العبد) في حصة الشريك غير المعتق (غير مشقوق عليه) أي من غير أن يكلف المملوك في حال سعايته ما يشق عليه، ولا يكلفه السيد أو الحاكم فعل ما لا يقدر عليه أو يشق عليه.\n٣٩٣٨ - (حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا يزيد -يعني ابن زريع-، ح: ونا علي بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن بشر، وهذا لفظه، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: من أعتق شقصًا له أو) للشك من الراوى (شقيصًا له) أي: حصة له ونصيبًا له (في مملوك، فخلاصه) من نصيب الشريك الآخر (عليه) أي: على المعتق (في ماله) أي: إن أحب الآخر التضمين، فيؤدي إليه قيمة حصته (إن كان له مال، فإن لم يكن له مال) وكان معسرًا (قوم العبد قيمة عدل) أي: قيمة استواء لا زيادة فيه ولا نقص.\n(ثم استسعي) العبد (لصاحبه) أي: للشريك غير المعتق (في قيمته) أي: قيمة\n_________\n(١) في نسخة: \"بشير\".","vol":"11","page":673},{"text":"غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ\" (١). [خ ٢٥٢٧، م ١٥٠٣، حم ٢/ ٢٥٥، ت ١٣٤٨، جه ٢٥٢٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ في حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا: \"فَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ\".\n٣٩٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: نَا يَحْيَى وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عن سَعِيدٍ، بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، لَمْ يَذْكُرِ السِّعَايَةَ. وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ جَمِيعًا،\n===\nالعبد بقدر حصته (غير مشقوق عليه، قال أبو داود: في حديثهما) أي في حديث نصر بن علي وعلي بن عبد الله (جميعًا: فاستسعي غير مشقوق عليه) معناه: أن ذكر القيمة لم يتفق الراويان عليه، بل انفرد بها محمد بن بشر، والمتفق عليه في حديثهما جميعًا هذالقدر، \"فاستسعي غير مشقوق عليه\" من غير ذكر القيمة.\nوقد أجيب عن هذين الحديثين بجوابين، أحدهما: التأويل بأن معناه استسعي لمن بقي له الرق على قدر قيمة ما بقي له من الرق، سواء كان بالخدمة أو غيرها، وتكون الخدمة بالمهايأة، والثاني: بترجيح حديث ابن عمر كما سيأتي، كذا في ابن رسلان.\n٣٩٣٩ - (حدثنا محمد بن بشار قال: نا يحيى وابن أبي عدي، عن سعيد، بإسناده ومعناه، قال أبو داود: رواه روح بن عبادة (٢)، عن سعيد بن أبي عروبة، لم يذكر السعاية، ورواه جرير بن حازم وموسى بن خلف (٣) جميعًا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وهذا لفظ علي\".\n(٢) قلت: رواية روح أخرجها ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٤/ ٢٧٣) وفيه ذكر السعاية.\n(٣) رواية جرير بن حازم أخرجها البخاري (٢٥٢٦)، ومسلم (١٥٠٣)، والطحاوي (٣/ ١٠٧)، والدارقطني (٤/ ١٢٧)، والبيهقي (١٠/ ٢٨١).\nورواية موسى بن خلف علقها البخاري بعد الحديث رقم (٢٥٢٧) ووصلها الحافظ في \"تغليق التعليق\" (٣/ ٣٤٢) وعزاها إلى الخطيب في كتابه: \"الفصل للوصل المدرج في النقل\" (١/ ٣٥٥).","vol":"11","page":674},{"text":"عن قتَادَةَ، بَإسْنَادِ يَزِيدَ بْنِ زُريعٍ وَمَعْنَاهُ، وَذَكَرَا فِيهِ السِّعَايَةَ.\n===\nعن قتادة، بإسناد يزيد بن زريع) المتقدم (ومعناه، وذكرا) أي جرير بن حازم وموسى بن خلف (فيه السعاية).\nقال ابن رسلان: قال البخاري: رواه سعيد عن قتادة، فلم يذكر السعاية، وقال الخطابي (١): اضطرب سعيد بن أبي عروبة في السعاية، مرة يذكرها، ومرة لم يذكرها، فدل على أنها ليست من متن الحديث عنده، وإنما هو من كلام قتادة، وتفسيره على ما ذكره همام وبَيَّنه، ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر الآتي.\nوقال الترمذي (٢): روى شعبة هذا الحديث عن قتادة، ولم يذكر فيه أمر السعاية، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أثبت أصحاب قتادة: شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة، وقد اتفق شعبة وهشام على خلاف سعيد بن أبي عروبة، وروايتهما- والله أعلم- أولى بالصواب عندنا، وقد بلغني أن همامًا روى هذا الحديث عن قتادة، فجعل الكلام الأخير: \"وإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه\" قول قتادة، قاله الزيلعي (٣).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره، لأنه كتبها إملاء، وقال الدارقطني: روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة وهما أثبت، ولم يذكرا فيه: \"استسعي\"، ووافقهما همام، وفصل الاستسعاء من الحديث، فجعله من رأي قتادة.\nوقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها، وذكر أبو بكر الخطيب: أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ رواه عن همام، وزاد فيه ذكر الاستسعاء، وجعله من قول قتادة، وَمَيَّزَه من كلام\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٧٠).\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣/ ٦٣١) رقم (١٣٤٨).\n(٣) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٨٢).","vol":"11","page":675},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالنبي - ﷺ -، قاله الزيلعي في \"نصب الراية\" (١) بعد نقل كلام هؤلاء الأئمة المضعفين ذكر السعاية، فقال: وفي قول هؤلاء الأئمة نظر، فإن سعيد بن أبي عروبة من الأثبات في قتادة، وليس هو بدون همام، وقد تابعه جماعة على ذكر الاستسعاء، ورفعه إلى النبي - ﷺ -، وهم: جرير بن حازم، وأبان بن يزيد العطار، وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف، وحجاج بن أرطاة، ويحيى بن صبيح الخراساني.\nوروى الطبراني في \"كتاب مسند الشاميين\": حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثني أبي، عن أبيه قال: زعم أبو معبد حفص بن غيلان عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أعتق شركًا وله وفاء فهو حر، وضمن نصيب شركائه بقيمة عدل، فإن لم يكن له شيء استسعى العبد\".\nحديث آخر: أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢): عن داود بن الزبرقان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أعتق شقصًا من رقيق، فإن عليه أن يعتق بقيته، فإن لم يكن مال استسعى العبد\"، انتهى. وأعله بداود بن الزبرقان، وضعفه عن ابن معين والنسائي، ثم قال: وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، انتهى.\nوقال في \"الجوهر النقي\" (٣) في رد قول البيهقي: ويوهن أمر السعاية: أن همامًا رواه عن قتادة، فجعل السعاية من قول قتادة، قلت: في \"المحلى\" (٤) لابن حزم: صدق همام، قال قتادة مفتيًا بما روى، وصدق ابن عروبة وجرير\n_________\n(١) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٨٣).\n(٢) \"الكامل\" (٣/ ٩٦٤).\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٨٢).\n(٤) \"المحلى\" (٨/ ١٨٥).","vol":"11","page":676},{"text":"(٧) بَابٌ (١): فِيمَنْ رَوَى: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُسْتَسْعَى\n٣٩٤٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في مَمْلُوكٍ، أُقِيمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَأُعْتِقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإلَّا\n===\nوأبان بن موسى وغيرهم فأسندوه عن قتاد، وقال شارح \"العمدة\" (٢): الذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعللات لا تصير على النقد، ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث، يرد عليهم فيها مثل ذلك التعللات.\n\n(٧) (بَابٌ: في مَنْ رَوَى: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُسْتَسْعَى)\nهكذا في المجتبائية ومتن النسخة الأحمدية والمكتوية المدنية، وفي متن النسخة التي عليها المنذري، وأما في نسخة ابن رسلان: \"باب فيمن روى أنه لا يستسعى\"، وحاشية النسخة المدنية، وحاشية النسخة الأحمدية، وحاشية النسخة المجتبائية، وحاشية النسخة التي عليها المنذري، وفي نسخة الخطابي (٣): \"باب من رأى من لم يكن له مال لم يستسع\"، وفي الكانفورية: \"باب فيمن روى إن لم يكن له مال لا يستسعى\"\n٣٩٤٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: من أعتق شركًا) أي نصيبًا (له في مملوك، أقيم) أي: قوم العبد (عليه) أي: على المعتق (قيمة العدل) أي: لا وكس ولا شطط.\n(فأعطى) بالمعلوم أو بالمجهول (شركاءه حصصهم) أي: إن أحبوا ذلك (وأعتق عليه) أي: على الشريك المعتق (العبد) كله (وإلَّا) أي: وإن\n_________\n(١) في نسخة: \"باب من روى أنه لا يستسعى\".\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٧٩).\n(٣) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ٧١).","vol":"11","page":677},{"text":"فَقَدْ (١) أُعْتِقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ\". [خ ٢٥٢٢، م ١٥٠١، ت ١٣٤٦، جه ٢٥٢٨، حم ١/ ٥٦، ن ٤٦٩٩]\n٣٩٤١ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ (٢) قَالَ: نَا إسْمَاعِيلُ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ، قَالَ: وَكَانَ نَافِعٌ رُبَّمَا قَالَ: \"فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ\"، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْهُ. [حم ٢/ ١٥، ت ١٣٤٦]\n===\nلم يكن للشريك المعتق مال، وكان معسرًا (فقد أعتق منه) أي: من العبد (ما أعتق) أي: إن كان المعتق معسرًا عتق من حصة من أعتقه بقدر حصته فقط، وقد يستعمل عتق مكان أعتق، وبه أخذ مالك والشافعي وأحمد أنه إذا كان المعتق معسرًا عتق نصيبه فقط، ونصيب الشريك رقيق، فلا يكلف المعتق إعتاقه ولا يستسعى العبد.\nوقال أبو حنيفة والأوزاعي والليث وإسحاق وابن أبي ليلى: إنه يستسعى العبد في حصة الشريك، وهو في مدة السعاية كالمكاتب عند أبي حنيفة حر عند غيره، وقال صاحباه: لا يتجزأ مطلقًا، والحكم عند يسار المعتق التضمين لا غير، وعند إعساره السعاية لا غير.\n٣٩٤١ - (حدثنا مؤمل قال: نا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمعناه) أي: بمعنى الحديث المتقدم (قال) أيوب: (وكان نافع ربما قال: فقد عتق منه ما عتق، وربما لم يقله).\nقال ابن رسلان: تمسك بعضهم على أنه من قول نافع، لا من نفس الحديث، وهو متمسك ضعيف، كما سيأتي.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فقد عتق منه ما عتق\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن هشام\".","vol":"11","page":678},{"text":"٣٩٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (١)، نَا حَمَّادٌ (٢)، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ -﵄-، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بهَذَا الْحَدِيثِ. [خ ٢٥٢٤، م ١٥٠١، ت ١٣٤٦، ن ٤٦٩٩، حم ١/ ٥٦]\nقَالَ أَيُّوبُ: فَلَا أَدْرِي هُوَ في الْحَدِيثِ عن النَّبِيِّ - ﷺ -، أَوْ شَيْءٌ قَالَهُ نَافِعٌ: \"وَإلَّا عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ\".\n٣٩٤٣ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ قَالَ: أَنا عِيسَى (٣) قَالَ: نَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\n٣٩٤٢ - (حدثنا سليمان بن داود، نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄-، عن النبي - ﷺ - بهذا الحديث، قال أيوب: فلا أدري هو) أي قوله: عتق منه ما عتق (في الحديث عن النبي - ﷺ -، أو شيء) أي كلام (قاله نافع) من قبل نفسه، يعني قوله: (وإلَّا عتق منه ما عتق).\nقال ابن رسلان: قال القاضي وابن دقيق العيد: ظاهره أنه من قول النبي - ﷺ -، ولذلك رواه مالك وعبيد الله العمري فوصلاه بالحديث من كلام رسول الله - ﷺ -، وما قاله مالك وعبيد الله أولى، وهما أثبت في نافع من أيوب عند أهل هذا الشأن، وإلَّا فقد سأل أيوب كما تقدم.\nوقد رواه يحيى بن سعيد، عن نافع، وقال في هذا الموضع: وإلَّا فقد جاز ما صنع، فجاء به على المعنى، وإنما ينبغي النظر فيما بقي بعد العتق، هل حكمه حكم الرق، أو يستسعى العبد فيه؟\n٣٩٤٣ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: أنا عيسى قال: نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"العتكي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني ابن زيد\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يعني ابن يونس\".","vol":"11","page":679},{"text":"\"مَنْ أَعْتَقَ شرْكًا مِنْ مَمْلُوكٍ لَهُ، فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَا (١) يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ نَصِيبُهُ\". [خ ٢٥٢٣، م ١٥٠١،حم ١/ ٥٦ و٢/ ١٥]\n٣٩٤٤ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَى (٢) إبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى. [خ ٢٥٢٥، م ١٥٠١، حم ١/ ٥٦ و٢/ ١٥]\n٣٩٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: نَا جُوَيْرِيَةُ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بمَعْنَى مَالِكٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: \"وَإلَّا فَقَد عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ\". انْتَهَى حَدِيثُهُ إلَى: \"وَأُعْتِقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ\" عَلَى مَعْنَاه\". [خ ٢٥٠٣، م ١٥٠١، حم ١/ ٥٦ و٢/ ١٥]\n===\nمن أعتق شركًا) أي: نصييًا (من مملوك له، فعليه عتقه كله إن كان له ما يبلغ ثمنه) أي: بقدر حصة الشريك، إن أحب ذلك الشريك.\n(وإن لم يكن له مال) بقدر ما يبلغ ثمنه (عتق نصيبه) أي: نصيب المعتق فقط، ويبقى حصة غير المعتق رقيقًا، فكانه يخير بين الأمرين المذكورين، وهو الإعتاق أو السعاية.\n٣٩٤٤ - (حدثنا مخلد بن خالد قال: نا يزيد بن هارون قال: أنا يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمعنى إبراهيم بن موسى) أي الحديث المتقدم.\n٣٩٤٥ - (حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال: نا) عمي (جويرية) بن أسماء، (عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمعنى) حديث (مالك، ولم يذكر) أي: جويرية: (وإلَّا فقد عتق منه ما عتق، انتهى) أي: تم (حديثه إلى: وأعتق عليه العبد، على معناه).\n_________\n(١) في نسخة: \"مال\".\n(٢) في نسخة: \"بمعنى عبيد الله\".","vol":"11","page":680},{"text":"٣٩٤٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، عَتَقَ مِنْهُ مَا بَقِيَ في مَالِهِ، إذَا كَانَ لَهُ مَا (١) يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ\". [م ١٥٠١، ت ١٣٤٧، ن ٤٦٩٨، حم ٢/ ١١]\n٣٩٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ، عن عَمْرِو (٢)، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -: \"إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نصِيبَهُ، فَإنْ كَان مُوْسِرًا يَقُوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةً لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، ثُمَّ يُعْتَقُ\". [خ ٢٥٢١، م ١٥٠١، حم ٢/ ١١]\n٣٩٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: نَاشُعْبَةُ،\n===\n٣٩٤٦ - (حدثنا الحسن بن علي قال: نا عبد الرزاق قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: من أعتق شركًا له في عبد، عتق منه ما بقي) أي: من حصة العبد (في ماله) أي: مال المعتق (إذا كان له) أي: للمعتق (ما) أي: قدر ما (يبلغ ثمن العبد) بقدر حصة الشريك غير المعتق.\n٣٩٤٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن عمرو، عن سالم، عن أبيه يبلغ به النبي - ﷺ -: إذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان موسرًا يقوَّم) أي: العبد (عليه) أي على المعتق (قيمة لا وكس ولا شطط) أي: لا نقص ولا زيادة، أي يعطى ذلك الشريك الغير المعتق بقدر حصته.\n(ثم يعتق) أي: على المعتق، ويكون الولاء له.\n٣٩٤٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة،\n_________\n(١) في نسخة: \"مال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن دينار\".","vol":"11","page":681},{"text":"عن خَالِدٍ، عن أَبِي بِشْرٍ الْعَنْبَرِيِّ، عن ابْنِ التَّلِبِّ (١)، عن أَبِيهِ: \"أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ، فَلَمْ يُضَمِّنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ -\". [ق ١٠/ ٢٨٤]\nقَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا هُوَ بَالتَّاءِ- يَعْنِي التَّلِبَّ-، وَكَانَ شُعْبَةُ أَلْثَغَ لَمْ يُبَيِّنِ التَّاءَ مِنَ الثَّاءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1540>(٨) بَابٌ: فِيمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ</span>\n٣٩٤٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَا: نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ، عن النَبِيِّ - ﷺ - (٢):\n===\nعن خالد، عن أبي بشر العنبري) وليد بن مسلم، (عن ابن التلب، عن أبيه: أن رجلًا أعتق نصيبًا له من مملوك) أي مشتركًا بينه وبين آخر. (فلم يضمنه النبي - ﷺ -) وإنما لم يضمنه - ﷺ -، لأنه لعله كان معسرًا، أو لأن الشركاء لم يحبوا أن يضمنوه فيعتق عليه بالتضمين، ويكون الولاء له.\n(قال أحمد: إنما هو بالتاء) المثناة الفوقية (يعني التلب، وكان شعبة) راوي الحديث (ألثغ لم يبين) حرف (التاء) المثناة (من) حرف (الثاء) المثلثة.\n\n(٨) (بَابٌ: فِيمَنْ مَلَكَ (٣) ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ)\n٣٩٤٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"الثلب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وقال موسى في موضع آخر: عن سمرة بن جندب فيما يحسب حماد: قال: قال رسول الله - ﷺ -\".\n(٣) بسط صاحب \"الإتحاف\" في \"شرح الإحياء\" (٧/ ٢٨٥) المذاهب في ذلك، وقال: فيه خمسة مذاهب. (ش).","vol":"11","page":682},{"text":"\"مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ\" (١). [ت ١٣٦٥، حم ٥/ ١٥، جه ٢٥٢٤]\n===\nمن ملك ذا رحم) بفتح الراء وكسر الحاء (محرم) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الراء المخففة، ويقال: محرم بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الراء المفتوحة، والمحرم (٢): من لا يحل نكاحها من الأقارب على التأبيد كالأب والأخ والعم ومن في معناهم (فهو حر).\nقال ابن الأثير (٣): الذي ذهب إليه أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد (٤) أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه ذكرًا كان أو أنثى، وذهب الشافعي وغيره من الأئمة والصحابة والتابعين إلى أنه يعتق عليه الأولاد والآباء والأمهات، ولا يعتق عليه غيرهم من ذوي قرابته، وذهب مالك إلى أنه يعتق عليه الولد والوالدان والإخوة.\nوأجاب البيهقي (٥) عن هذا الحديث، فقال: أن حماد بن سلمة تفرد به، وخالفه سعيد بن أبي عروبة، فرواه عن قتادة عن الحسن من قوله، والوجه\n_________\n(١) زاد في نسخة: قَالَ أبو داود: روى محمد بن بكر البرساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وعاصم، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - مثل ذلك الحديث.\nقال أبو داود: ولم يحدث هذا الحديث إلَّا حماد بن سلمة، وقد شكَّ فيه.\nوقد ذكر في \"تحفة الأشراف\" (٤٥٨٠) هذا التعليق وقال: \"حديث أبي داود في رواية أبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم\" وعزاه إلى باقي السنن.\n(٢) قال صاحب \"الإتحاف\": الرحم القرابة، فالشرط فيه اثنان: القرابة والمحرمية، فلو وجد أحدهما لم يعتق، أما القرابة بدون الثاني كابن العم، والمحرمية بدون القرابة كالرضاع ... إلخ. (ش).\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ٢١١).\n(٤) صرَّح به في \"الروض المربع\" (ص ٤٣٣)، و\"المغني\" (٩/ ٢٢٣). (ش).\n(٥) وبسط الحافظ في \"الفتح\" على ضعف الحديث. [انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٨)]. (ش).","vol":"11","page":683},{"text":"٣٩٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخطَّابِ -﵁- قَالَ: \"مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ\". [ق ١٠/ ٢٨٩]\n٣٩٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ قَالَ: \"مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ (١) فَهُوَ حُرٌّ\".\n٣٩٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن سَعِيدٍ، عن قتَادَةَ، عن جَابِرِ بْنِ زيدٍ وَالْحَسَنِ مِثْلَهُ (٢).\n===\nالآخر أن أكثر المحدثين ينكرون سماع الحسن، عن سمرة بن جندب غير حديث العقيقة، ويقولون: إنه كتاب، لكن صحح هذا الحديث ابن حزم وعبد الحق وابن القطان.\n٣٩٥٠ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: نا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: من ملك ذا رحم محرم فهو حر) أي بمجرد الدخول في ملكه، فلا يحتاج إلى تلفظه بالعتق، ومذهب الحنفية أن الولاء لمن عتق عليه.\n٣٩٥١ - (حدثنا محمد بن سليمان، نا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: من ملك ذا رحم فهو حر).\n٣٩٥٢ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا أبو أسامة، عن سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد والحسن مثله).\n_________\n(١) زاد هى نسخة: \"محرم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وسعيد أحفظ من حماد\".","vol":"11","page":684},{"text":"(٩) بَابٌ (١): في عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ\n٣٩٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن خَطَّاب بْنِ صَالِحٍ مَوْلَى الأَنْصَارِ، عن أُمِّهِ، عن سَلَامَةَ بِنْتِ مَعْقِلٍ - امْرَأَةِ (٢) خَارِجَة قَيْسِ عَيْلَانَ- قَالَتْ: قَدِمَ بِي عَمِّي في الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَاعَنِي مِنَ الْحُبَاب بْنِ عَمْرٍو أَخِي أَبِي الْيَسَرِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَلَدْتُ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحُبَابِ، ثُمَّ هَلَكَ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: الآنَ وَاللَّه تُبَاعِينَ في دَيْنِهِ\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>(٩) (بَابٌ: في عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ)</span>\n٣٩٥٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن خطَّاب بن صالح) بن دينار الأنصاري الظفري (مولى الأنصار) أبو عمرو المدني، أخو داود بن محمد، قال البخاري: قاله يعقوب عن أبيه عن محمد بن إسحاق، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الطبراني: تفرد ابن إسحاق بحديثه.\n(عن أمه) لم يعرف اسمها، (عن سلامة) بتخفيف اللام (بنت معقل، امرأة) بالجر على البدلية أو بالرفع خبر مبتدأ (من خارجةِ قيس (٣) عَيْلانَ) بفتح العين المهملة (قالت: قدم بي عمي في) أيام (الجاهلية، فباعني من الحباب) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة (ابن عمرو) السلمي (أخي أبي اليسر بن عمرو، فولدت له عبد الرحمن بن الحباب، ثم هلك) أي مات (فقالت امرأته) أي: امرأة الحباب (الآن والله تباعين في دَينه) الذي عليه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ما جاء ... إلخ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"من\".\n(٣) وفي \"الإصابة\" (٢/ ٣٠١) في ترجمة الحباب بلفظ: امرأة من خارجة قيس بن غيلان، فتأمل. (ش).","vol":"11","page":685},{"text":"فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -! إني امْرَأَةٌ مِنْ خَارِجَةِ قَيْسِ عَيْلَانَ، قَدِمَ بِي عَمِّي الْمَدِينَةَ في الْجَاهِلِيَّةِ، فبَاعَني مِنَ الْحُبَاب بْنِ عَمْرٍو أَخِي أَبِي الْيَسَرِ بْن عَمْرٍو، فَوَلَدْتُ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحُبَاَبِ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: الآنَ وَاللَّهِ تُبَاعِينَ في دَيْنِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ وَليُّ الْحُبَابِ؟ \"، قِيلَ: أَخُوهُ أَبُو الْيَسَرِ بْنُ عَمْرٍو، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَقَالَ: \"أعْتِقُوهَا، فَإذَا سَمِعْتُمْ بِرَقِيقٍ قَدِمَ عَلَيَّ، فَائْتُونِي أُعَوِّضْكُمْ مِنْهَا\". قَالَتْ: فَأَعْتَقُونِي، وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَقِيقٌ، فَعَوَّضَهُمْ مِنِّي غُلَامَا\". [حم ٦/ ٣٦٠]\n===\n(فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! إني أمرأة من خارجة قيس عيلان، قدم بي عمي المدينة في الجاهلية، فباعني من الحباب بن عمرو أخي أبي اليسر بن عمرو، فولدت له عبد الرحمن بن الحبَاب، فقالت) لي (امرأته: الآن والله تُباعين في دينه)، وإنما قالت ذلك لما كانت تظن من جواز بيع الجارية وإن ولدت من مولاها، وقد روي عن علي وابن عباس وابن الزبير جواز بيع أمهات الأولاد.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: من ولي الحباب؟) بن عمرو، ضبطها ابن رسلان بكسر اللام وتخفيف الياء فجعله بصيغة الماضي، ويحتمل أن يكون بتشديد الياء بالإضافة إلى الحباب على وزن فعيل.\n(قيل:) وليه (أخوه أبو اليسر بن عمرو) الأنصاري، (فبعث إليه) رجلًا يدعوه، فجاء (فقال: أعتقوها) لأن ولدها أعتقها، ولما روى ابن ماجه (١) عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيما امرأة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته\".\n(فإذا سمعتم برقيق قدم علي) من الغنيمة أو غيرها (فأتوني أعوضكم) بسكون الضاد المعجمة، أي: أعطيكم بدل ما ذهب منكم بالعتق (منها، قالت: فأعتقوني، وقدم علي رسول الله - ﷺ - رقيق) بعد ذلك (فعوضهم مني غلامًا).\n_________\n(١) انظر: \"سنن ابن ماجه\" (٢٥١٥).","vol":"11","page":686},{"text":"٣٩٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن قَيْسٍ، عن عَطَاءٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"بِعْنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا\". [ق ١٠/ ٣٤٧، ك ٢/ ١٨، جه ٢٥١٧]\n===\nقال الخطابي (١): ذهب عامة أهل العلم إلى أن بيع أم المولد فاسد، وإنما روي الخلاف في ذلك عن علي فقط، وعن ابن عباس أنها تعتق في نصيب ولدها.\nقال الشيخ: واختلاف الصحابة إذا ختم بالاتفاق وانقراض العصر عليه صار إجماعًا، وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"نحن لا نورث ما تركنا صدقة\"، وقد خلَّف - ﷺ - أم ولده مارية، فلو كانت مالًا لبيعت، وصار ثمنها صدقة، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن التفريق بين الأولاد والأمهات، وفي بيعهن تفريق بينهن وبين أولادهن، وقد وجدنا حكم الأولاد والأمهات، وفي بيعهن تفريق بينهن وبين أولادهن، وقد وجدنا حكم الأولاد حكم أمهاتهم في الحرية والرق، وإذا كان ولدها من سيدها حرًا دل على حرية الأم، انتهى.\n٣٩٥٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قيس، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا) قال الخطابي (٢): قال بعض أهل العلم: قد يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم في زمان النبي - ﷺ - وهو لا يشعر بذلك؛ لأنه أمر يقع نادرًا، وليست أمهات الأولاد كسائر الرقيق التي يتداولها الأملاك، فيكثر بيعهن وشراؤهن، فلا يخفى الأمر على الخاصة والعامة في ذلك.\nوقد يحتمل أن يكون ذلك في العصر الأول، ثم نهى النبي - ﷺ - عن ذلك قبل خروجه من الدنيا، ولم يعلم به أبو بكر، لأن ذلك لم يحدث في أيامه لقصر\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ٥٣٣).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٥٣٤).","vol":"11","page":687},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1542>(١٠) بَابٌ: في بَيع الْمُدَبَّرِ</span>\n٣٩٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا هُشَيْمٌ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عن عَطَاءٍ وإسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عن عَطَاءٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: \"أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عن دُبُرٍ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَبِيعَ بِسَبْعِ مِئَةٍ، أَوْ بِتِسْعِ مِئَةٍ\". [خ ٢١٤١، م ٩٩٧، جه ٢٥١٣، ن ٢٥٤٦ حم ٣/ ٣٦٨،]\n===\nمدتها، ولاشتغاله بأمور الدين ومحاربة أهل الردة واستصلاح أهل الدعوة، ثم بقي الأمر على ذلك في عصر مدة من الزمان، ثم نهاه عمر حين بلغه ذلك عن رسول الله - ﷺ -، فنبهوا عليه (١)، انتهى.\nوقال ابن رسلان: ويحتمل أنهم باعوا أمهات الأولاد في النكاح لا في الملك.\n\n(١٠) (بَابٌ: في بَيْعِ الْمُدَبَّرِ)\n٣٩٥٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء وإسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا) وهو أبو مذكور الأنصاري (أعتق غلامًا) اسمه يعقوب (له عن دبر) أي بعد موته (منه، ولم يكن له مال غيره) وعليه دين (فأمر به النبي - ﷺ -، فبيع (٢» يعني في الدين الذي كان عليه (بسبع مئة أو بتسع مئة) (٣).\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"فانتهوا عنه\".\n(٢) واشتراه نعيم بن عبد الله، كذا في \"التلقيح\" (ص ٥٠٤)، وسيأتي قريبًا. (ش).\n(٣) قال الحافظ: اتفقت الطرق على أن ثمنه ثمان مائة درهم إلَّا ما في رواية أبي داود هذه. اهـ.\nقلت: لكنها بالشك. [انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٢)]. (ش).","vol":"11","page":688},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nذهب الإِمام الشافعي إلى جواز بيع المدبر مطلقًا، وعند المالكية لا يجوز بيعه بغير دين متقدم على التدبير، وعند الحنفية أن التدبير وهو: إثبات العتق عن دبر نوعان: مطلق، ومقيد، أما المطلق فهو أن يعلق الرجل عتق عبده يموته مطلقًا، وأما المقيد فهو أن يعلق عتق عبده بموته موصوفًا بصفة أو بموته وشرط آخر، نحو أن يقول: أن من من مرضي هذا أو من سفري هذا فأنت حر، ونحو ذلك مما يحتمهل أن يكون موته على تلك الصفة ويحتمل أن لا يكون، وكذا إذا ذكر مع موته شرطًا آخر يحتمل الوجود والعدم، فهو مدبر مقيد.\nوحكم التدبير نوعان: نوع يرجع إلى حياة المدبر، ونوع يرجع إلى ما بعد موته، أما الذي يرجع إلى حال حياة المدبر. فهو ثبوت حق الحرية للمدبر إذا كان التدبير مطلقًا، وهذا عندنا، وعند الشافعي لا حكم له في حال حياة المدبر رأسًا، فلا تثبت حقيقة الحرية ولا حقها، وحكمه ثبوت حقيقة الحرية بعد الموت مقصورًا عليه، وعلى هذا يبني بيع المدبر المطلق أنه لا يجوز عندنا، وعنده جائز، ويجوز بيع المدبر المقيد بالإجماع.\nوأما المدير المطلق، فهناك لا يمكن أن يجعل الكلام سببًا للحال، لأن الأمر متردد بين أن يموت في ذلك المرض وذلك السفر أو لا يموت، فكان الشرط محتمل الوجود والعدم، فلم يكن التعليق سببًا للحال كالتعليق بسائر الشروط، وهذا الحديث استدل به الإِمام الشافعي، ولأبي حنيفة ما روي عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من ثلث المال\"، أخرجه الدارقطني (١) وقال: لم يسنده غير عبيدة بن حسان وهو ضعيف، وإنما هو من ابن عمر من قوله.\nوأخرج الدارقطني (٢) أيضًا عن علي بن ظبيان، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المدبر من الثلث\"، وعلي بن\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٤/ ١٣٨).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٤/ ١٣٨).","vol":"11","page":689},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nظبيان ضعيف، وعن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع المدبر، وروي عن عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر - ﵃- مثل مذهب الحنفية، وهو قول جماعة من التابعين، مثل شريح، ومسروق، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وأبي جعفر محمد بن علي، ومحمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وسعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله، وطاؤس، ومجاهد، وقتادة، حتى قال أبو حنيفة: لولا قول هؤلاء الأجلة، لقلت بجواز بيع المدبر لما دل عليه من النظر، كذا في \"البدائع\" (١).\nقال الزيلعي (٢): ولنا عن ذلك جوابان:\nأحدهما (٣): إنا نحمله على المدبر المقيد، والمدبر المقيد عندنا يجوز بيعه، إلَّا أن يثبتوا أنه كان مدبرًا مطلقًا، وهم لا يقدرون على ذلك، وكونه لم يكن له مال غيره ليس علة في جواز بيعه، لأن المذهب فيه أن العبد يسعى في قيمته، يدل عليه ما أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤) عن زياد الأعرج عن النبي - ﷺ - في رجل أعتق عبده وليس له مال، قال: يستسعى العبد في قيمته، ثم أخرج عن علي نحوه سواء، والأول مرسل، يشده هذا الموقوف.\nوالجواب الثاني: إنا نحمله على بيع الخدمة والنفقة، لا بيع الرقبة، بدليل\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٥٧٦).\n(٢) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٨٦).\n(٣) مع أنه لو قضى قاضٍ شافعي ببطلان التدبير ينفّذ عندنا، صرح به الشامي، فلا بدَّ أن ينفذ قضاؤه ﵇ وهو سلطان القضاة، وهذا أوجه الأجوبة عندي، وأجاد في \"العرف الشذي\" (ص ٣٨٥). في أجوبته، لكنها محتاجة إلى التنقير. [انظر: \"رد المحتار\" (٤٤٤)]. (ش).\n(٤) \"مصنف عبد الرزاق\" ح (١٦٧٦٦).","vol":"11","page":690},{"text":"٣٩٥٦ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ قَالَ: نَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: نَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبي رَبَاح قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِهَذَا. زَادَ: وَقَالَ- يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ -: \"أَنْتَ أَحَقُّ بِثَمَنِهِ، وَاللَّهُ أَغْنَى عَنْهُ\".\n===\nما أخرجه الدارقطني (١)، عن عبد الغفار بن القاسم، عن أبي جعفر قال: ذكر عنده أن عطاء وطاوسًا يقولان عن جابر في الذي أعتقه مولاه في عهد رسول الله - ﷺ -: كان أعتقه عن دبر، فأمره أن يبيعه ويقضي دينه، فباعه بثمانمائة درهم، قال أبو جعفر: شهدت الحديث من جابر، إنما أذن في بيع خدمته، قال الدارقطني: وأبو جعفر هذا وإن كان من الثقات ولكن حديثه مرسل، قال عبد الحق في \"أحكامه\": أخرجه ابن عدي، عن أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي، عن أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله (٢) في قصة هذا المدبر، وفيه: وإنما أذن النبي - ﷺ - في بيع خدمته، قال عبد الحق: وعبد الغفار هذا يُرمى بالكذب، وكان غاليًا في التشيع، انتهى.\nوقال ابن القطان في \"كتابه\": حديث مرسل صحيح؛ لأنه من رواية عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي، وهو ثقة، انتهى. وقال صاحب \"التنقيح\": وعبد الغفار من غلاة الشيعة، قال ابن عدي: ومع ضعفه يكتب حديثه، انتهى (٣).\n٣٩٥٦ - (حدثنا جعفر بن مسافر قال: نا بشر بن بكر قال: نا الأوزاعي قال: حدثني عطاء بن أبي رباح قال: حدثني جابر بن عبد الله بهذا، زاد) أي: الأوزاعي: (وقال: يعني النبي - ﷺ -) للذي (٤) دبر العبد: (أنت أحق بثمنه) من غيرك، لأنك المتطوع بتدبيره، (والله أغنى عنه) أي: غني عنه وعن جميع المخلوقات.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٤/ ١٣٧، ١٣٨).\n(٢) في الأصل: \"جابر بن عبد الرزاق\" وهو تحريف.\n(٣) نقله الشيخ من \"نصب الراية\" (٣/ ٢٨٦).\n(٤) هذا وما في معناه صريح في أنه بيع في حياة مولاه، فما في \"الترمذي\" (١٢١٩) من لفظ: \"مات\" وهم من ابن عيينة، نبَّه عليه شراح البخاري سيما الحافظان. [انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٦) و\"عمدة القاري\" (٨/ ٥٦١)]. (ش).","vol":"11","page":691},{"text":"٣٩٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا أَيُّوبُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ- يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَذْكُورٍ - أَعْتَقَ غُلَامًا (١) - يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ (٢) - عن دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فقَالَ: \"مَنْ يَشْتَرِيهِ؟ \"، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّحَّامِ بِثَمَانِ مِئَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثمَّ قَالَ: \"إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى ذِي قَرَابَتِهِ، أَوْ قَالَ: عَلَى ذِي رَحِمِهِ (٣)، وَإنْ (٤) كَانَ فَضْلًا (٥) فَههُنَا وَههُنَا\". [م ٩٩٧، ن ٢٥٤٦، حم ٣/ ٣٦٨، خزيمة ٢٤٤٥]\n===\n٣٩٥٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا إسماعيل بن إبراهيم قال: نا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رجلًا من الأنصار) من بني عذرة (يقال له: أبو مذكور، أعتق غلامًا يقال له: يعقوب) القبطي (عن دبر، ولم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله - ﷺ -) فقال له: ألك مال غيره؟ قال: لا (فقال) رسول الله - ﷺ -: (من يشتريه) أي: العبد مني؟ (فاشتراه نعيم بن عبد الله بن النحام) القرشي العدوي، قال ابن رسلان: المشهور في الرواية نعيم بن عبد الله بن النحام، والصواب كما قال المنذري: سقوط ابن لأن نعيمًا هو النحام لا أبوه، سمي بذلك لسعلة كانت فيه، ولأن النبي - ﷺ - قال: سمعت نحمته في الجنة، أي: سعلته.\n(بثمان مئة درهم، فدفعها إليه ثم قال: إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه، فإن كان فيها فضل) أي: على ما يكفي لنفسه (فعلى عياله، فإن كان فيها فضل) أي: عن العيال (فعلى ذي قرابته، أو) للشك من الراوي (قال: على ذي رحمه، وإن كان فضلًا) عن ذلك أيضًا (فههنا وههنا) أي: فبين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"له\".\n(٢) في نسخة بدله: \"يعفور\".\n(٣) في نسخة: \"ذي رحم\".\n(٤) في نسخة: \"فإن\".\n(٥) في نسخة: \"فضل\".","vol":"11","page":692},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1543>(١١) بَابٌ: فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الثُّلُثُ</span>\n٣٩٥٨ - حَدَّثَنَا سلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَبِي الْمُهَلَّب، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: \"أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، (١) لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاء، فَأَقْرَعَ بَيْنَهمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَة\". [م ١٦٦٨، ت ١٣٦٤، حم ٤/ ٤٢٦]\n===\nيديك ويمينك وشمالك في مصارف الخير، وفي سبيل الله، ولا تقتصر على جهة واحدة.\n\n(١١) (بَابٌ: فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ لَمْ يَبْلغْهُمُ الثُّلثُ)\nأي: لا يخرجون من الثلث\n٣٩٥٨ - (حدثنا سليمان بن حرب قال: نا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران (٢) بن حصين: أن رجلًا) لم أقف على اسمه (أعتق ستة أعبد عند موته، لم يكن له مال غيرهم)، ولفظ مسلم (٣): \"أن رجلًا أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين\"، قال القرطبي: ظاهره أنه نجز عتقهم في مرضه، ويجمع بين هاتين الروايتين أن بعض الرواة تجوَّز في لفظ: أوصى.\n(فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فقال له قولًا شديدًا) أي: أغلظ عليه بالوعيد والذم (ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء) أي: قجعلهم اثنين أثنين، (فأقرع بينهم، فأعتق اثنين) الذين خرج قرعة عتقهم (٤)، و(أرق أربعة).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"و\".\n(٢) وتكلم ابن الهمام في حديث عمران هذا. (ش). (انظر: \"شرح فتح القدير\" ٤/ ٢٨٤).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (١٦٦٨).\n(٤) الظاهر بدله: عتقهما.","vol":"11","page":693},{"text":"٣٩٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْني ابْنَ الْمُخْتَارِ-، نَا خَالِدٌ، عن أَبِي قِلَابَةَ، بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَقُلْ: \"فَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا\" (١). [م ١٦٦٨، ت ١٣٦٤، ن ١٩٥٨، جه ٢٣٤٥، حم ٤/ ٤٢٦]\n٣٩٦٠ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَن (٢) خَالِدٍ، عَن أَبِي قِلَابَةَ، عَن أَبِي زَيْدٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ- يَعْني النَّبِيَّ - ﷺ -: \"لَوْ شَهِدْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ لَمْ يُدْفَنْ في مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ\" (٣).\n===\nومذهب الحنفية في هذه المسألة أن عندهم يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعون في الثلثين، يعني يستسعى كل واحد منهم في ثلثيه، وهذا الحديث عندهم محمول على زمان ابتداء الإِسلام قبل أن تنسخ القرعة، فلما نسخت القرعة بالنهي عن القمار ارتفع ذلك الحكم.\n٣٩٥٩ - (حدثنا أبو كامل، نا عبد العزيز -يعني ابن المختار-، نا خالد، عن أبي قلابة، بإسناده ومعناه، ولم يقل: فقال له قولًا شديدًا).\n٣٩٦٠ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي زيد، أن رجلًا من الأنصار، بمعناه) أي: بمعنى الحديث المتقدم (وقال- يعني النبي - ﷺ -: لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين)، ولفظ النسائي: \"ولقد هممت أن لا أصلي عليه\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: قال عبد الوارث لأبي علية: ذهبت من عندنا وأنت عالم، وجئتنا وأنت أمير، فقال: العيال والدَّين، فقال: أينساك الذي لا ينسى الذرَّة في حجرها، وكان ابن عُلية يتشبه بشمائل ابن عون، ولكنه بُلي\".\n(٢) في نسخة: \"حدثنا خالد بن عبد الله هو الطحان\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: خالد الحذاء هو أبو المنازل. وخالد بن عبد الله الواسطي، يقال له: الطحان أبو عروبة، اسمه مهران، وهو أبو سعيد بن أبي عروبة. والأعمش سليمان بن مهران، وخالد الحذاء كان على عمل السلطان في الجسر، وابن علية تولى على عمل الصدقة، وحبسه هارون\".","vol":"11","page":694},{"text":"٣٩٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ وَأَيُّوبَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، \"أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً\". [م ١٦٦٨، حم ٤/ ٤٣٨، ن ١٩٥٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1544>(١٢) بَابٌ: فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ</span>\n٣٩٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: أَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَني ابْنُ لَهِيعَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عن بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ،\n===\n٣٩٦١ - (حدثنا مسدد قال: نا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق وأيوب، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين: أن رجلًا أعتق ستة أعبد عند موته، ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة).\n\n(٢) (بَابٌ: فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مالٌ)\n٣٩٦٢ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة والليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: قال (١) رسول الله - ﷺ -: من أعتق عبدًا وله) أي للعبد (مال) والمراد عنده وفي يده مال (فمال العبد له) الضمير في \"له\" يجوز أن يعود إلى العبد، لأنه أقرب مذكور، ويدل عليه رواية الإِمام\n_________\n(١) وهذا الحديث ضعفه في \"المغني\" (١٤/ ٣٩٨)، وفي \"المحلى على الموطأ\": قال الحافظ: إسناده صحيح. (ش).","vol":"11","page":695},{"text":"إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ (١) السَّيِّدُ\". [خ ٢٣٧٩، م ١٥٤٣، ت ١٣٤٤، جه ٢٥٢٩، حم ٢/ ٩، ن ٤٦٣٦]\n===\nأحمد: \"من أعتق عبدًا وله مال، فالمال للعبد\" (٢)، وعلى هذا- فإضافة الضمير إليه مجاز، لأنه يتولى حفظه ويتصرف فيه بإذن سيده، كما يقال: غنم الراعي، أو يحمل الحديث على أنه تفضل من السيد للعبد، لما روى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا أعتق عبدًا لم يتعرض لماله، يعني تفضلًا منه عليه، وقيل للإمام في الحديث الذي رواه: كان هذا عندك على التفضل، قال: أي لعمري على التفضل قيل له: فكأنه عندك للسيد، قال: نعم مثل البيع سواء.\nوأخذ بظاهره مالك والحسن وأهل المدينة، ومذهب الشافعي والجمهور (٣) أن ماله لسيده، وعلى هذا فيجوز أن يكون الضمير في \"له\" يعود إلى السيد، لا إلى العبد، للحديث المتفق عليه: \"من باع عبدًا وله مال فماله للبائع\"، ولما رواه الأثرم والبيهقي (٤) عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير: \"يا عمير إني أريد [أن] أعتقك عتقًا هنيئًا فأخبرني بمالك، إنى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أعتق عبدًا فماله للذي أعتقه\".\nولأن العبد وماله كانا جميعًا للسِيد، فأزال ملكه عن أحدهما، فبقي ملكه للآخر كما لو باعه.\n(إلَّا أن يشترطه السيد) إن قلنا بالأول وهو أن المال للعبد، فتقديره إلَّا أن يشترط السيد أنه له، فيكون كثوب عليه أو معه، وإن قلنا بالثاني وهو قول الجمهور، فيكون التقدير إلَّا أن يشترط السيد أن يهبه للعبد بعد العتق.\n_________\n(١) في نسخة: \"يشترط\".\n(٢) ما وجدت هذا الحديث في \"مسند أحمد\"، فليفتش. وانظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٨/ ١٣٤).\n(٣) وكذا مذهب الحنفية وأحمد.\"المغني\" (١٤/ ٣٩٧). (ش).\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٢٦).","vol":"11","page":696},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1545>(١٣) بَابٌ: في عِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا</span>\n٣٩٦٣ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثلَاثَةِ\" (١)،\n===\n\n(١٣) (بَابٌ: في عِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا)\n٣٩٦٣ - (حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ -: ولد الزنا شر الثلاثة) قال ابن رسلان: ذهب بعضهم إلى أن هذا إنما جاء في رجل بعينه كان موسومًا بالشر، وقال بعضهم: إنما كان شرًا من والديه، لأنهما قد يقام عليهما الحد، فيكون كفارة لهما بخلاف ولدهما، وهذا في علم الله لا يدرى ما يصنع به، وقيل: هو شر الثلاثة أصلًا وعنصرًا ونسبًا ومولدًا، لأنه خلق من ماء الزاني والزانية، وهو ماء خبيث بخلاف والديه، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀- قوله: \"ولد الزنا شر الثلاثة\"، لأن الزانيان أخفيا فعلهما، وهما أنسيا وأنسي فعلهما، وهذا يذكر لهما الناس (٢)، وإن كان المراد بولد الزنية الذي يكثر من الزنا، فصار كأنه ولد للزنا، والزنا أبوه أو أمه، ففيه إشارة إلى شدة ملابسته له بالزنا، فالنهي عن إعتاقه لئلا يكثر منه إذا استبدَّ بنفسه، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) حكاه الموفق في \"المغني\" (١٣/ ٥٢٧) عن الطحاوي، فقال في بحث إجزاء عتقه في الكفارة: وروى عن عطاء وغيره: لا يجزئ لهذا الحديث، ولنا أنه مملوك مسلم، والأحاديث الواردة في ذمه اختلف فيها أهل العلم، فقال الطحاوي: ولد الزنا الملازم للزنا كما يقال: ابن السبيل الملازم يها، وولد الليل الذي لا يهاب السرقة، وقال الخطابي (٤/ ٨٠): هو شر الثلاثة أصلًا وعنصرًا ونسيًا، وفي الجملة هذا يرجع إلى أحكام الآخرة، وأما في أحكام الدنيا فهو كغيره في صحة إمامته وبيعه وعتقه. انتهى. (ش).","vol":"11","page":697},{"text":"وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لأَنْ أَمْتِعَ بِسَوْطٍ في سَبِيلِ اللهِ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ زِنْيَةِ. [حم ٢/ ٣١١، ق ١٠/ ٥٧، ك ٢/ ٢١٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>(١٤) بَابٌ: في ثَوَابِ الْعِتْقِ </span>(١)\n٣٩٦٤ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيُّ قَالَ: نَا ضَمْرَةُ، عن (٢) ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عن الْغَرِيفِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: \"أَتَيْنَا وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ فَقُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا حَديثًا لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ\n===\n(وقال أبو هريرة (٣): لأن أمتع) تقديره: والله لأن أنفع وأعطي راكب دابة (بسوط) يسوق بها الدابة (في سبيل الله) أي: الجهاد والحج (أحب إلى من أن أعتق ولد زنية) عال: هو ولد الزنية كما يقال في نقيضه: هو ولد رشدة، إذا كان من نكاح صحيح، -بفتح الزاء وكسرها- والفتح أفصح اللغتين.\n\n(١٤) (بَابٌ: في ثَوَابِ الْعِتْقِ)\n٣٩٦٤ - (حدثنا عيسى بن محمد الرملي، نا ضمرة) بن ربيعة، (عن) إبراهيم (بن أبي عبلة، عن الغريف) بمعجمة مفتوحة وكسر راء (ابن) عياش بن فيروز (الديلمي) ابن أخي الضحاك بن فيروز، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: هو من أهل الشام، له عند أبي داود والنسائي حديث في فضل العتق، قلت: وقال ابن حزم: مجهول، وذكره بالعين المهملة.\n(قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدثنا حديثًا ليس فيه زيادة\n_________\n(١) في نسخة: \"براءة العتق\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إبراهيم\".\n(٣) وقد ورد هذا بطرق، وأنكرت عليه عائشة - ﵂ -، فقالت: رحم الله أبا هريرة إنما كان هذا لما أنزل: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]، قال بعض المسلمين: ليس لنا رقبة نعتقها، وإنما لبعضنا الخويدم ... إلخ، وراجع: \"الدر المنثور\" (٨/ ٥٢٤). (ش).","vol":"11","page":698},{"text":"وَلَا نُقْصَانٌ، فَغَضِبَ وَقَالَ: إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَقْرأُ وَمُصْحَفُهُ مُعَلَّقٌ في بَيْتِهِ، فَيَزِيدُ وَيَنْقُص! قُلْنَا (١): إنَّمَا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: أَتَيْنَا النَبّي (٢) - ﷺ - في صَاحِب لَنَا أَوْجَبَ - يَعْنِي النَّارَ- بَالْقَتْلِ، فَقَالَ: \"أَعْتِقُوا عَنْهُ، يُعْتِقِ الله بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ\". [حم ٣/ ٤٩٠، ق ٨/ ١٣٢]\n===\nولا نقصان، فغضب) أي: علينا (وقال: أن أحدكم ليقرأ) من القرآن (ومصحفه معلق في بيته) وفيه أن الأفضل لمن في بيته مصحف أن يعلقه في خريطة بعلاقة، فإنه أصون له من أن يكون على الأرض، أو على كرسي ونحوه، (فيزيد) في القراءة (وينقص) لما يطرأ عليه من الغلط والنسيان (قلنا: إنما أردنا) أن تحدثنا (حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -) ولا يكون فيه خلط ودخل للرأي والاجتهاد.\n(فقال: أتينا النبي - ﷺ - في صاحب لنا أوجب -يعني النار- بالقتل)، وفي رواية: \"كنت مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فأتاه نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبنا أوجب\"، أي ارتكب خطيئة استوجب بها دخول النار، يعني بقتل العمد لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٣)، ويحتمل أن يكون المراد بالقتل أنه قتل نفسه.\n(فقال: أعتقوا عنه) أي: عن القاتل (يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار)، وفي رواية الترمذي (٤): \"حتى فرجه بفرجه\". قال ابن رسلان: وفيه دليل على تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق وتمكينه من تصرفه في منافعه على حسب إرادته من أعظم القرب، لأن الله ورسوله جعلا عتق المؤمن كفارة للقتل، انتهى.\nويلزم أن يقيد أن هذا كان بعد أداء موجب القتل، وإلَّا فكيف يجتزأ\n_________\n(١) في نسخة: \"فقلنا\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) سورة النساء: الآية ٩٣.\n(٤) \"سنن الترمذي\" (١٥٤١).","vol":"11","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1547>(١٥) بَابٌ. في أَيِّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ</span>؟\n٣٩٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عن مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ، عن أَبِي نَجِيحِ السُّلَمِيِّ قَالَ: حَاصَرْنَا (١) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بقَصْرِ (٢) الطَّائِفِ- قَالَ مُعَاذٌ: سَمِعْتُ (٣) أَبِي يَقُولُ: بِقَصْرِ الطَّائِفِ، بِحِصْنِ الطَّائِفِ، كُلَّ ذَلِكَ- سَمِعْتُ (٤) رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ بَلَّغَ بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ دَرَجَةٌ\"\n===\nبتحرير الرقبة من حق ولي المقتول، أو يحمل على أنه كان قتل نفسه، وفيه دلالة على أن الحدود غير كافية في تكفير الجناية، إذ لو كانت فيها كفاية لما احتيج إلى إعتاق الرقبة بعدها.\n\n(١٥) (بَابٌ: في أَيِّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟)\n٣٩٦٥ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: نا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي نجيح) واسمه عمرو بن عبسة (السُّلَمي) بضم السين وفتح اللام (قال: حاضرنا مع رسول الله - ﷺ - بقصر الطائف، قال معاذ) شيخ المصنف يقول مرة: بقصر الطائف، ومرة أخرى: (سمعت أبي يقول: بقصر الطائف، بحصن الطائف، كل ذلك) سمعت يقول: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من بلَّغ) بتشديد اللام، أي: العدو (بسهم في سبيل الله فله درجة) وللنسائي: عن كعب، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من بلَّغ العدو بسهم، فقال له عبد الرحمن بن النحام: ما الدرجة يا رسول الله؟ قال: أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام\".\n_________\n(١) في نسخة: \"حضرنا\".\n(٢) في نسخة: \"لقصر\".\n(٣) في نسخة: \"فسمعت\".\n(٤) في نسخة: \"فسمعت\".","vol":"11","page":700},{"text":"وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"أَيُّمَا رَجُل مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا، فَإنَّ الله جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظمًا مِن عِظَام مُحَرَّرِهِ مِنَ النَّارِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً، فَإنَّ الله جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرَّرِهَا مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (١). [ت ١٦٣٨، ن ٣١٤٣، حم ٤/ ١١٣]\n٣٩٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب بْنُ نَجْدة قالَ: نَا بَقِيَّةُ قَالَ: نَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، عن شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ فِدَاءَهُ مِنَ النَّارِ\". [ن ٣١٤٢، حم ٤/ ٣٨٦]\n===\n(وساق الحديث، وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلمًا، فإن الله) تعالى (جاعل وقاء) بكسر الواو وتخفيف القاف، والوقاء ما يصون الشيء ويستره عما يؤذيه.\n(كل عظم من عظامه) أي: العبد (عظمًا من عظام محرره) بصيغة الفاعل (من النار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة، فإن الله) تعالى (جاعل وقاء كل عظم من عظامها عظمًا من عظام محررها من النار يوم القيامة)، وفيه أن الأفضل للرجل أن يعتق رجلًا، وللمرأة امرأة، وفيه أنه يستحب أن لا يكون العبد المعتق خصيًّا ولا ناقص الأعضاء.\n٣٩٦٦ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة قال: نا بقية قال: نا صفوان بن عمرو قال: حدثني سليم بن عامر، عن شرحبيل بن السمط، أنه قال لعمرو بن عبسة: حدثنا) بصيغة الأمر (حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أعتق رقبة مؤمنةكانت فداءه من النار) أي: فدية\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قالَ أبو داود: أبو نجيح السُّلَمي هو عمرو بن عَبَسة\".","vol":"11","page":701},{"text":"٣٩٦٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عن شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْب: حَدِّثنا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ مَعْنَى مُعَاذٍ إلَى قَوْلِهِ: \"وَأَيُّمَا امْرِئٍ أَعْتَقَ مُسْلِمًا، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً\". وَزَادَ: \"وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ إلَّا كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا عَظْمٌ (١) مِنْ عِظَامِهِ\" (٢). [جه ٢٥٢٢، حم ٤/ ٢٣٥]\n===\nله منها واحترز من الكفارة، فإنه يصح عتقه، لكن لا يحصل فيه هذه الفضيلة، وأما من يخاف عليه المضي إلى دار الحرب، والرجوع عن دين الإِسلام، أو يخاف على الرجل أن يقطع الطريق، والمرأة من زناها فيكره إعتاقه، وإن غلب على الظن إفضاؤه كان محرمًا، لأن التوسل إلى الحرام حرام.\n٣٩٦٧ - (حدثنا حفص بن عمر قال: نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن السمط، أنه قال لكعب بن مرة أو مرة بن كعب) والأول أرجح، قاله ابن رسلان (حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، فذكر) شعبة (معنى) حديث (معاذ) بن هشام المتقدم (إلى قوله: وأيما امرئ أعتق مسلمًا، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة، وزاد: وأيما رجل أعتق امرأتين مسلمتين إلَّا كانتا فكاكه من النار، يُجْزَى) بضم الياء التحتانية وفتح الزاي، معناه: يقضي وينوب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٣) (مكان كل عظمين منهما) أي: من المرأتين (عظم من عظامه) أي: الرجل.\n_________\n(١) في نسخة: \"عظمًا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: سالم لم يسمع من شرحبيل، مات شرحبيل بصفين\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٢٣.","vol":"11","page":702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1548>(١٦) بَابٌ: في فَضْلِ الْعِتْقِ في الصِّحَّةِ</span>\n٣٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن أَبِي حَبِيبَةَ الطَّائِيِّ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي إذَا شَبعَ\". [ت ٢١٢٣، ن ٣٦١٤، حم ٥/ ١٩٦]\n\nآخِرُ كِتَابِ الْعِتَاقِ\n===\n\n(١٦) (بَابٌ: في فَضْلِ الْعِتْقِ في الصِّحَّةِ)\n٣٩٦٨ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي حبيبة الطائي) روى عن أبي الدرداء حديث: \"مثل الذي يهدي العتيق عند الموت\" الحديث، ولا يعرف له غيره، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي إذا شبع) من أكله.\nوللنسائي (١): \"أوصى رجل بدنانير في سبيل الله، فسُئل أبو الدرداء فحدث عن النبي - ﷺ - قال: مَثَل الذي يعتق أو يتصدق عند موته، مَثَل الذي يُهدِي بعد ما يشبع\".\n\nآخِرُ كِتَابِ الْعِتَاقِ\n_________\n(١) \" سنن النسائي\" ح (٣٦١٤).","vol":"11","page":703},{"text":"تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الحادي عشر ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الثاني عشر، وأوله: \"كتاب الحروف والقراءات\"\nوصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.","vol":"11","page":704},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء الثَّانِي عشر\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"12","page":1},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"12","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (١٢)","vol":"12","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"12","page":4},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>(٢٤) أَوَّلُ كتَابِ الْحُرُوفِ وَالْقِرَاءَاتِ </span>(١)\n٣٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ. (ح): وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ، نَا يَحْيَى (٢) بْنُ سَعِيدٍ، عن جَعْفرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن أَبيهِ، عن جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَرَأَ: \" ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣) \". [م ١٢١٨، ت ٨٦٢، ن ٤٣٩، جه ١٠٠٨، حم ٣/ ٣٢٠]\n===\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n(٢٤) (أَوَّلُ كتَابِ الْحُرُوفِ وَالْقِرَاءَاتِ)\nأي: الحروف والقراءات المنقولة عن رسول الله - ﷺ - بطريق الحديث سواء كانت القراءة متواترة أو لم تكن\n٣٩٦٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا حاتم بن إسماعيل، ح: وحدثنا نصر بن عاصم، نا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي - ﷺ - قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بكسر الخاء المعجمة على صيغة الأمر (﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾) وقراءة الأكثر بكسر الخاء، وقراءة نافع وابن عامر بالفتح، وجه قراءة الكسر أنه معطوف على \"اذكروا\".\n_________\n(١) في نسخة: \"كتاب القراءات وما يروى عن النبي - ﷺ -\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٢٥.","vol":"12","page":5},{"text":"٣٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى- يَعْنِي ابْنَ إسْمَاعِيلَ-، نَا حَمَّادٌ، عن هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَقْرَأُ (١) فَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَرْحَمُ اللَّه فُلَانا، كَائِنٍ (٢) مِنْ آيَةٍ أَذْكَرَنِيهَا (٣) اللَّيْلَةَ كُنْتُ قَدْ أَسْقَطْتُهَا\". [خ ٢٦٥٥، م ٧٨٨]\n===\n٣٩٧٠ - (حدثنا موسى -يعني ابن إسماعيل-، نا حماد، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة: أن رجلًا) وهو عباد (٤) بن بشر الأنصاري، قاله ابن رسلان (قام من الليل يقرأ) أي: القرآن (فرفع صوته بالقرآن، فلما أصبح) رسول الله - ﷺ - (قال رسول الله - ﷺ -: يرحم الله فلانًا) والمراد به القارئ بالليل (كائن من آية) أي: كم من آية (أذكرنيها) ذلك الرجل (الليلة كنت قد أسقطتها) نسيانًا.\nوغرض المصنف بإيراد هذا الحديث أن لفظ كائن الذي وقع في القرآن، واختلف فيه القراء، فابن كثير قال: حيث وقع بألف ممدودة بعدها همزة مكسورة ثم نون ساكنة، والباقون بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء مكسورة مشددة بعدها والوقف على النون.\nوقد روي عن رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث أنه قال هذا اللفظ، على حسب قراءة ابن كثير على وزن قائم، وفي الحديث دليل على جواز النسيان عليه - ﷺ - فيما بلغه إلى الأمة، قال القاضي عياض: جمهور المحققين على جواز النسيان عليه - ﷺ - ابتداء فيما ليس طريقه البلاغ، قاله ابن رسلان.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقرأ\".\n(٢) في نسخة: \"كأين\"، وفي نسخة: \"كأي\".\n(٣) في نسخة: \"ذكَّرنيها\".\n(٤) هذا ليس بوجيه، بل الرجل المذكور هو عبد الله بن يزيد الأنصاري كما تقدم في \"باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل\"، والبسط في هامش \"اللامع\" (٧/ ١٠٢). (ش).","vol":"12","page":6},{"text":"٣٩٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا خُصَيْفٌ، نَا مِقْسَمٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: \"نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَخَذَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلَى آخِرِ الآيَةِ\". [ت ٣٠٠٩]\nقَالَ (١) أَبُو دَاوُدَ: يَغُلَّ مَفْتُوحَةَ الْيَاءِ.\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: ثم لا يذهب عليك أن غرض المؤلف في هذا الباب إيراد ما ثبت بالرواية في لفظة معينة، وكان فيها اختلاف، فكل ما أورده ههنا على وجه يكون فيه وجه آخر غير ما ذكره.\n٣٩٧١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد الواحد بن زياد، نا خصيف، نا مقسم مولى ابن عباس قال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة) وهي كساء ذو خمل، وهي الخميلة أيضًا (حمراء فُقِدَتْ يوم بدر، فقال بعض الناس) وهم المنافقون (لعل رسول الله - ﷺ - أخذها، فأنزل الله) ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٢) وهذه تبرئة له - ﷺ - عن جميع وجوه الخيانة وغيرها في قسم الغنيمة وغيرها.\nفالمروي في الحديث لفظ: \"يغل\" بفتح الياء التحتانية وضم الغين، وهي قراءة أكثر السبعة، وأما قراءة حمزة ونافع والكسائي وابن عامر بضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول، فيجوز أن يكون أغلَّ الرجل إذا وجد غالًّا، قاله ابن رسلان.\nوقال في \"غيث النفع\": قرأ نافع والإخوان والشامي بضم الياء وفتح الغين، والباقون بفتح الياء وضم الغين، وهذا هو المروي في الحديث، (إلى آخر الآية)\n(قال أبو داود: يغل مفتوحة الياء) أي: المروي في الحديث هكذا.\n_________\n(١) في نسخة: \"يقول\".\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٦١.","vol":"12","page":7},{"text":"٣٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مَعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ (١): سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اللُهُمَّ إنِّي أَعُود بِكَ مِنَ الْبَخَلِ وَالْهَرَمِ\". [خ ٢٨٩٣، م ١٣٦٥، ن ٥٤٤٨، حم ٣/ ١١٣]\nقَالَ (٢) أَبُو دَاوُدَ: وَالْبَخَل بِفَتْحِ الْبَاء وَالْخَاء.\n٣٩٧٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْم، عن إسْمَاعِيلَ بْنِ كثِيرٍ، عن عَاصِم بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، عن أَبِيهِ لَقيطِ بْنِ صَبِرَةَ قَالَ: كُنْتُ وَافِدَ بَنِي المُنْتَفِقِ، أَوْ في وَفْدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ\n===\n٣٩٧٢ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا معتمر قال: سمعت أبي) سليمان (قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله - ﷺ -: اللهُمَّ إني أعوذ بك من البخل والهرم، قال أبو داود: والبخل بفتح الباء) الموحدة (والخاء) أي: المروي في الحديث هكذا، وأما اختلاف القراء فيه، فقرأ حمزة والكسائي في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (٣)، وكذا في الحديد: \"ويأمرون بالبخل\" (٤) بفتح الباء والخاء، والباقون بضم الباء وسكون الخاء.\n٣٩٧٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق، أو) للشك من الراوي (في وفد بني المنتفق إلى رسول الله - ﷺ -، فذكر) لقيط بن صبرة (الحديث) وقد تقدم هذا الحديث مفصلًا في كتاب الوضوء في \"باب الاستنثار\".\n_________\n(١) في نسخة: \"يقول\".\n(٢) في نسخة: \"يقول\".\n(٣) سورة النساء: الآية ٣٧.\n(٤) سورة الحديد: الآية ٢٤.","vol":"12","page":8},{"text":"فَقَالَ- يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ -: \"لَا تَحْسِبَنَّ\"، وَلَمْ يَقُلْ: \"لَا تَحْسَبَنَّ\". [حم ٤/ ٣٣]\n٣٩٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا سُفْيَانُ، نَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن عَطَاءٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَحِقَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيمَةَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ (١)\n===\n(فقال - يعني النبي - ﷺ -: لا تحسبن) بكسر السين (ولم يقل) رسول الله - ﷺ -: (لا تحسبن) بفتح السين.\nوغرض المصنف بهذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - تكلم هذا اللفظ، أي لفظ: \"لا تحسبن\" بكسر السين، وإنما ورد في القرآن الواقع في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (٢) بقراءتين، وهي قراءة جمهور القراء، وفتح السين قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة، وتتمة الحديث: \"لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة، لا نريد أن يزيد، فإذا ولَّد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة\".\n٣٩٧٤ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا سفيان، نا عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلًا في غنيمة) بضم الغين تصغير غنم، ولفظ رواية أحمد (٣): \"مَرَّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي - ﷺ - وهو يسوق غنمًا\" (له) وهذا الرجل هو عامر بن الأضبط الأشجعي، وقيل: محلم بن جثامة، وقيل: غالب بن الكنود، وقيل: أبو الدرداء.\n(فقال: السلام عليكم) فقالوا: ما يسلم علينا إلَّا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه (فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمة) زاد أحمد: \"فأتوا به النبي - ﷺ -\" (فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ بإثبات الألف، قرأ نافع وابن عمر\n_________\n(١) في نسخة: \"السلم\".\n(٢) سورة آل عمران: الآية ١٦٩.\n(٣) \"مسند أحمد\" (١/ ٢٢٩).","vol":"12","page":9},{"text":"﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١) تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ\". [خ ٤٥٩١، م ٣٠٢٥، \"السنن الكبرى\" للنسائي ٨٥٩١]\n٣٩٧٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادَ. (ح): وَنَا محمدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحمدٍ، عن ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ- وَهُوَ أَشْبَعُ-، عن أَبِيهِ، عن خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عن أَبِيهِ: \"أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، وَلَمْ يَقُلْ سَعِيدٌ: كَانَ يَقْرأُ\". [خ ٢٨٣٢]\n===\nوحمزة السلم بقصر اللام من غير ألف، وقرأ الآخرون: السلام بزيادة الألف بعد اللام، وقرأ أبان بن زيد عن عاصم بكسر السين وإسكان اللام، وهو الانقياد والطاعة، وقرأ الجحدري بفتح السين وسكون اللام، (﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾) فغرض المصنف بأن الواقع في هذا الحديث هو بالألف بعد اللام (﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تلك الغنيمة).\n٣٩٧٥ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا ابن أبي الزناد، ح: ونا محمد بن سليمان الأنباري) عن أبيه، (نا حجاج بن محمد، عن ابن أبي الزناد، وهو أشبع) أي: حديث محمد بن سليمان الأنباري عن حجاج أتم من حديث سعيد بن منصور، (عن أبيه) عبد الله بن ذكوان، (عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢) بنصب راء غير، وهي قراءة أهل الحرمين، والنصب على الاستثناء من \"القاعدين\"، أو على الحال منهم، قرأه نافع وابن عامر والكسائي بنصب الراء، والباقون برفعها.\n(ولم يقل سعيد: كان يقرأ) ولعل سعيد بن منصور قال عن النبي - ﷺ -: \"غير أولي الضرر\" وهو النقصان، وكل ما يضرك وينقصك من مرض وعلة، فمعنى قوله: غير أولي الضرر: أي: غير من به علة تضره وتقطعه من الجهاد.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٩٤.\n(٢) سورة النساء: الآية ٩٥.","vol":"12","page":10},{"text":"٣٩٧٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ (١) بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: نا (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: \"أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ يَزِيدَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ \". [ت ٢٩٢٩، حم ٣/ ٢١٥]\n٣٩٧٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عن أَبِي عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَرَأَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ\n===\n٣٩٧٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا، ح: وَنَا محمد بن العلاء قال: أَنا عبد الله بن المبارك، نا يونس بن يزيد، عن أبي علي بن يزيد) بن أبي النجاد الأيلي بفتح الهمزة، أخو يونس، روى عن الزهري، عن أنس هذا الحديث الواحد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال الترمذي: قال البخاري: تفرد ابن المبارك بهذا الحديث، وقال الطبراني في \"الأوسط\" (٢): لم يروه عن الزهري إلَّا أبو علي، ولا عنه إلَّا يونس، تفرد به ابن المبارك، قلت: قال أبو حاتم: مجهول.\n(عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: قرأها) بالضمير في جميع النسخ إلَّا الكانفورية، فالمرجع الآية التي في الذهن (رسول الله - ﷺ -: والعينُ بالعين) أي بالرفع، قرأ بالرفع الكسائي \"العين بالعين\" وما بعده إلى \"الجروح\"، ورفع ابن كثير وأبو عمرو وأبو عامر \"الجروح\" فقط، والباقون كل ذلك بالنصب.\n٣٩٧٧ - (حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، نا يونس بن يزيد، عن) أخيه (أبي علي بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - قرأ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ\n_________\n(١) في نسخة: \"عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا: ثنا\".\n(٢) انظر: \"الأوسط\" (١/ ٥٥)، ح (١٥٣).","vol":"12","page":11},{"text":"وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (١) \". [انظر سابقه]\n٣٩٧٨ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عن عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ قَالَ: \"قَرَاتُ عِنْدَ (٢) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾، فَقَالَ: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَمَا قَرَاتَهَا عَلَيَّ، فَأَخَذَ عَلَيَّ كَمَا أَخَذْتُ عَلَيْكَ\". [ت ٢٩٣٦، حم ٢/ ٥٨]\n===\nوَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فقرأ \"النفس\" بالنصب و\"العين\" بالرفع.\nوقد استدل به الفقهاء والأصوليون على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكى أمرًا ولم ينسخ.\n٣٩٧٨ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا فضيل بن مرزوق، عن عطية بن سعد العوفي قال: قرأت عند عبد الله (٣) بن عمر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾) (٤) بفتح الضاد في الثلاثة (فقال) عبد الله بن عمر قرأ: الله الذي خلقكم (من ضعف) بضم الضاد المعجمة في الثلاثة، ثم قال ابن عمر: (قرأتها على رسول الله - ﷺ -) بفتح الضاد (كما قرأتها علي، فأخذ علي) يعني فردَّ عليَّ (كما أخذتُ) أي رددتُ (عليك) وإنما رد عليه بضم الضاد، لأن الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم حكاه الواحدي.\nقرأ أبو بكر وحمزة \"من ضعف\" في الثلاثة بفتح الضاد، وكذلك روى حفص عن عاصم فيهن، غير أنه ترك ذلك، واختار الضم إتباعًا منه لرواية حدثه بها الفضل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن ابن عمر هذا الحديث وعطية يضعف، وما روى حفص عن عاصم عن أئمته أصح، وبالوجهين آخذ في روايته\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ٤٥.\n(٢) في نسخة: \"على\".\n(٣) وحديث ابن عمر - ﵄- مروي في \"مسند أبي حنيفة\" [انظر: \"تنسيق النظام\" (ص ٢٢٦)]. (ش).\n(٤) سورة الروم: الآية ٥٤.","vol":"12","page":12},{"text":"٣٩٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ، نَا عُبَيْدٌ - يَعْنِي ابْنَ عَقِيلٍ -، عن هَارُونَ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ جَابرٍ، عن عَطِيَّةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: ﴿مِنْ ضُعْفٍ﴾.\n٣٩٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِير، أَنَا سُفْيَانُ، عن أَسْلَمَ الْمِنْقَرِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبْزَى (١) قَالَ: قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: \"بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْتَفْرَحُوا\" (٢). [حم ٥/ ١٢٣]\n===\nلأتابع عاصمًا على قراءته، ووافق حفصًا على اختياره، والباقون بضم الضاد فيهن، كذا في \"التيسير\" (٣).\n٣٩٧٩ - (حدثنا محمد بن يحيى القطعي، نا عبيد) بالتصغير (يعني ابن عقيل، عن هارون، عن عبد الله بن جابر، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -: \"من ضعف\") أي بضم الضاد المعجمة.\n٣٩٨٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري، (عن أسلم المنقري) بكسر الميم وسكون النون بعدها قاف، أبو سعيد، حديثه في الكوفة، قال أحمد: لا أدري من أين هو؟ وهو عندنا ثقة، وكذا قال ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن نمير ويعقوب بن سفيان: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الله) بن عبد الرحمن بن أبزى، (عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى قال: قال أبي بن كعب:) قل: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾) (٤) بالتاء المثناة الفوقية على الخطاب، وهذه القراءة ليست في السبعة المتواترة، بل هو من القراءة المشهورة أو الشاذَّة.\n_________\n(١) في نسخة: \"أبي أبزى\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: بالتاء\".\n(٣) \"التيسير في القراءات السبع\" (ص ١٧٥).\n(٤) سورة يونس: الآية ٥٨","vol":"12","page":13},{"text":"٣٩٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن الأَجْلَح، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، عن أَبِيهِ، عن أُبَيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قرَأَ: \"بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا تَجْمَعُونْ\". [حم ٥/ ١٢٢]\n٣٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّاد، عن ثَابِتٍ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَب، عن أَسْمَاءَ بنْتِ يَزِيدَ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرأُ: ﴿إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صَالِحٍ﴾ (١).\n===\nقال ابن رسلان: قال القُرَّاء: وقد ذُكِر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء قال: ومعناه: فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، قال: وقوَّى هذه القراءة قراءةُ أبي: \"فبذلك فافرحوا\" انتهى.\nوالقراءة المتواترة هو \"فليفرحوا\" بالياء المثناة التحتية.\n٣٩٨١ - (حدثنا محمد بن عبد الله، نا المغيرة بن سلمة، نا ابن المبارك، عن الأجلح، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه) عبد الرحمن بن أبزى، (عن أُبي: أن النبي - ﷺ - قرأ: \"بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا\") بتاء الخطاب، وقد تقدم في الحديث السابق (هو خير مما تجمعون) ههنا أيضًا بتاء الخطاب.\nوقع فيها الخلاف بين القُرَّاء المشهورين، فقرأ ابن عامر \"مما تجمعون\" بالتاء، والباقون بالياء.\n٣٩٨٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت النبي - ﷺ - يقرأ: ﴿إِنَهُ عَمِلَ﴾) بكسر الميم وفتح اللام (﴿غيرَ صَالِحٍ﴾) بنصب غير، وهذه قراءة الكسائي فقط، وهي قراءة النبي - ﷺ -، روي عن عائشة وأسماء بنت يزيد وأم سلمة، ومعناه: أن الابن عمل عملًا غير صالح يعني الشرك، والباقون بفتح الميم ورفع اللام مع التنوين ورفع راء \"غير\".\n_________\n(١) سورة هود: الآية ٤٦.","vol":"12","page":14},{"text":"٣٩٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ الْمُخْتَارِ-، نَا ثَابِتٌ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَب قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ سَلَمَةَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ هَذ الآيَةَ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؟ فَقَالَتْ: قَرَأَهَا ﴿عَمِلَ غيرَ صَالِح﴾. [ت ٢٩٣١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هَارُونُ النَّحْوِيُّ وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ، عن ثَابِتٍ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ.\n===\nوعلى هذا مرجع ضمير \"إنه\" يجوز أن يكون السؤال، أي: سؤالك إياي أن أنجيه من الغرق عمل غير صالح، لأن طلب نجاة الكافر بعد ما حكم عليه بالهلاك بعيد، ويجوز أن يعود الضمير على ابن نوح أيضًا، ويكون التقدير على هذه القراءة: إن ابنك ذو عمل أو صاحب عمل غير صالح، ويجوز إن جعل ابن نوح نفسه ذلك العمل لكثرة ذلك منه.\n٣٩٨٣ - (حدثنا أبو كامل، نا عبد العزيز -يعني ابن المختار-، نا ثابت) البناني، (عن شهر بن حوشب قال: سألت أم سلمة) أم المؤمنين (١) (كيف كان رسول الله - ﷺ - يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ﴾) بفتح الميم وتنوين اللام (﴿غَيْرُ﴾) بالرفع (﴿صَاِلحٍ﴾؟ فقالت) أم سلمة: (قرأها) رسول الله - ﷺ - ﴿عَمِلَ غيرَ صَالِح﴾ بكسر الميم وفتح اللام، وفتح لفظ \"غير\".\n(قال أبو داود: رواه هارون) بن يزيد (النحوي وموسى بن خلف (٢)، عن ثابت، كما قال عبد العزيز) وقال الترمذي: رواه غير واحد عن ثابت البناني نحو هذا.\n_________\n(١) هذا هو الظاهر من الإطلاق، لكن ظاهر كلام الترمذي (٢٩٣١) أن أم سلمة هذه هي أسماء بنت يزيد بن السكن، ويشكل عليه أن الحافظ في \"الإصابة\" وصاحب \"أسد الغابة\" لم يذكرا هذا الحديث في ترجمة أسماء، وتمامه في \"شذرات الترمذي\" (ص ٥٧). (ش).\n(٢) رواية هارون النحوي أخرجها أحمد (٦/ ٢٩٤ - ٣٢٢)، والترمذي (٢٩٣٢)، والطبراني (٢٣/ ٣٣٥) رقم (٧٧٦).\nورواية موسى بن خلف أخرجها أيضًا الطبراني (٢٣/ ٣٣٥) رقم (٧٧٤).","vol":"12","page":15},{"text":"٣٩٨٤ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا عِيسَى، عن حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا دَعَا بَدَأَ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ: \"رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى، لَوْ صَبَرَ لَرَأَى مِنْ صَاحِبِهِ الْعَجَبَ\"، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي﴾ (١) (٢) طَوَّلَهَا حَمْزَةُ\". [ت ٣٣٨٥، حم ٥/ ١٢١]\n===\n٣٩٨٤ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، عن حمزة الزيَّات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا دعا) ولفظ أحمد: \"كان النبي - ﷺ - إذا ذكر أحدًا، فدعا له بدأ لنفسه\" وهو أوضح (بدأ بنفسه، وقال) ذات يوم: (رحمة الله علينا وعلى موسى) وفي هذه الرواية دليل على أدب من آداب الدعاء، وهو أن يبدأ الداعي في الدعاء بنفسه ووالديه وإخوانه المسلمين، ويدل عليه قوله تعالى حكايته عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٣).\nقلت: ولعل وجهه أن تركه لنفسه مع شدة الاحتياج يوهم الاستغناء، فلهذا يجتنب عنه (لو صبر) موسى ﵇ على ما رأى من العجائب ولم يسأل عنها (لرأى من صاحبه) أي الخضر (العجب، ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾) أي سؤال توبيخ وإنكار (﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾) أي فأوقع الفراق بيني وبينك.\nقال ابن رسلان: قرأ عيسى ويعقوب \"فلا تصحبني\" مضارع صحب، وقرأ الأعرج بفتح المثناة فوق، والباء الموحدة وتشديد النون، وهاتان القراءتان خارجتان عن السبعة.\n(﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي﴾) ﴿عُذْرًا﴾ (طَوَّلها حمزة) أي ثَقَّل \"لدني\" وقرأها بتشديد النون.\nقلت: قرأ نافع من لدني بضم الدال وتخفيف النون، وأبو بكر بإسكان\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عذرًا\".\n(٢) سورة الكهف: الآية ٧٦.\n(٣) سورة إبراهيم: الآية ٤١.","vol":"12","page":16},{"text":"٣٩٨٥ - حَدَّثَنَا حُمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ، ثنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا أَبُو الْجَارِيَةِ الْعَبْدِيُّ، عن شُعْبَةَ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعَبٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَرَأَهَا: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي﴾ وَثَقَّلَهَا. [ت ٢٩٣٣، حم ٥/ ١٣١]\n٣٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ (١)، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، نَا سَعْدُ (٢) بْنُ أَوْسٍ، عن مِصْدَعٍ أَبِي يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: \"أَقْرَأَنِي أبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، كَمَا أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ مُخَفَّفَةً\". [ت ٢٩٣٤]\n===\nالدال وإشمامها الضم وتخفيف النون، والباقون بضم الدال وتشديد النون.\n٣٩٨٥ - (حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو عبد لله العنبري، ثنا أمية بن خالد، نا أبو الجارية العبدي) البصري، روى عن شعبة هذا الحديث، قال الترمذي: مجهول لا يعرف اسمه، وقال البزار: له غير هذا الحديث.\n(عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - أنه قرأها: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي﴾ وثقلها) يعني النون، وهو موافق لما قبله في نسخة للترمذي \"بلغت\"، وعلى اللام شدة، ولم أجدها منقولة في الشواذ ولا التفسير فيما رأيت، قاله ابن رسلان.\n٣٩٨٦ - (حدثنا محمد بن مسعود، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا محمد بن دينار، نا سعد بن أوس، عن مصدع أبي يحيى (٣) قال: سمعت ابن عباس يقول: أقرأني أبي بن كعب كما أقرأه رسول الله - ﷺ - ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾) (٤) بترك الألف وبالهمزة مكان الياء (مخففة)، وهي قراءة ابن عباس ونافع وابن كثير وأبي عمرو\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المصيصي\".\n(٢) في نسخة بدله: \"سعيد\".\n(٣) والحديث تعقبه الترمذي [انظر: \"سنن الترمذي\" (٢٩٣٤)]. (ش).\n(٤) سورة الكهف: الآية ٨٦.","vol":"12","page":17},{"text":"٣٩٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ، نَا وُهَيْبٌ (١)، أَنَا هَارُونُ، أَخْبَرَنِي أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ، عن عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ لَيُشْرِفُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَتُضِيءُ الْجَنَّةُ بِوَجْهِهِ (٢) كَأَنَّهَا (٣) كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ\". [ت ٣٦٥٨، جه ٩٦، حم ٣/ ٢٧]\nقَالَ: وَهَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ \"دُرِّيٌّ\" مَرْفُوعَةَ الدَّالِ لَا تُهْمَزُ، \"وَإنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمِنْهُمْ (٤) وَأَنْعَمَا\".\n===\nوحفص، وفي \"التيسير\": قرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي \"في عين حامية\" بالألف من غير همز، والباقون بغير ألف مع الهمزة، والمعنى على قراءة \"حمئة\"، أي: ذات حمأٍ، وهي الطينة السوداء، وعلى قراءة \"حامية\"، أي حارة.\n٣٩٨٧ - (حدثنا يحيى بن الفضل، نا وهيب، أنا هارون، أخبرني أبان بن تغلب، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي - ﷺ - قال: إن الرجل من أهل علِّيين) مشتق من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم قدره، قال الراغب: \"عِلِّيُّون\" اسم أشرف الجنان، كما أن \"سِجِّين\" اسم شر النيران، وعلى هذا فعليُّون اسم مكان.\n(ليشرف) بضم الياء وكسر الراء، أي: لينظر (على) من تحته من (أهل الجنة، فتضيء الجنة بوجهه كأنها كوكب دريٌّ) أي: كأن وجوه أهل عليين كوكب، نسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه كأنها مضيء.\n(قال) أي: أبو داود: (وهكذا جاء الحديث: دُرِّيٌّ، مرفوعة الدال لا تهمز) أي: بغير همز، وهذا قول أبي داود معترضة بين جملتين من الحديث وبقية الحديث، و(إن أبا بكر وعمر لمنهم) أي: من أهل عليين (وأنعما)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن عمرو النمري\".\n(٢) في نسخة: \"لوجهه\".\n(٣) في نسخة: \"كأنه\".\n(٤) في نسخة: \"منهم\".","vol":"12","page":18},{"text":"٣٩٨٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: نَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ الْحَكَمِ النَّخَعِيُّ، نَا أَبُو سَبْرَةَ النَّخَعِيُّ، عن فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْغُطَيْفِيِّ قَالَ: \"أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ-\n===\nبفتح الهمزة والعين، أي: زادا في الحسن والفضل والإنعام، وتناهيا فيه إلى غايته.\nقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال والمد والهمزة، وأبو بكر وحمزة بضم الدال والمد والهمز، والباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز.\n٣٩٨٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وهارون بن عبد الله قالا: نا أبو أسامة، حدثني الحسن بن الحكم النخعي) أبو الحسن الكوفي، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، كناه ابن أبي حاتم والحاكم: أبا الحكم (١) وهو الأصوب، عن أحمد: ثقة، وقال ابن حبان: يخطئ كثيرًا ويهم شديدًا، لا يعجبني الاحتجاج إذا انفرد.\n(نا أبو سبرة) بسكون الموحدة (النخعي) كوفي، يقال: اسمه عبد الله بن عابس، قال ابن معين: لا أعرفه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى عن عمر بن الخطاب، يقال: مرسل، (عن فروة بن مسيك الغطيفي قال: أتيت النبي - ﷺ -، فذكر الحديث).\nأخرجه الترمذي (٢) مع القصة، ولفظه \"قال: أتيت النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله - ﷺ -، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده سأل عني، ما فعل الغطيفي؟ فأخبر أني قد سرت، قال: فأرسل في أثري فردني، فأتيته وهو في نفر من أصحابه، فقال: ادع القوم، فمن أسلم منهم فأقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، قال: وأنزل في سبأ ما أنزل\".\n_________\n(١) في الأصل: \"أبا الحاكم\"، وهو تحريف.\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣٢٢٢).","vol":"12","page":19},{"text":"فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ سَبَأٍ، مَا هُوَ؟ أَرْضٌ، أَوِ (١) امْرَأَةٌ؟ قَالَ: ليْسَ بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشْرَةً مِنَ الْعَرَب، فَتَيَامَنَ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ\". قَالَ عُثْمَانُ: الْغَطَفَانِيِّ مَكَانَ الْغُطَيْفَيِّ، وَقَالَ: ثنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَكَمِ النَّخَعِيُّ. [ت ٣٢٢٢]\n٣٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْد وإسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ أَبُو مَعْمَرٍ (٢)، عن سُفْيَانَ، عن عَمْرٍو، عن عِكْرِمَةَ قَالَ: نَا أَبُو هُرَيْرَةَ،\n===\n(فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أخبرنا عن سبأ، ما هو؟ أرض أو امرأة؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن) أي: سكن منهم في اليمن (ستة وتشاءم) أي سكن في الشام (أربعة).\nولفظ الترمذي: \"فأما الذين تشاءموا فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار، فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ فقال: الذين منهم خثعم وبجيلة\".\n(قال عثمان) شيخ المصنف: (الغطفاني مكان الغطيفي، وقال: ثنا الحسن ابن الحكم النخعي) أي: مكان حدثني، ولعل النسبة إلى الغطفان خلاف قواعد العربية، لأن جده غطيف، فالصواب في النسبة الغطيفي، ثم اختلف القراء في لفظ \"سبأ\" الواقع في النمل، والواقع في سورة سبأ، فقرأ البزي وأبو عمرو في الموضعين بفتح الهمزة فيهما من غير تنوين غير منصرف على معنى القبيلة، وقنبل بإسكانها فيهما على نية الوقف، والباقون بخفضها فيهما مع التنوين.\nقلت: ووقع في هذا الحديث لفظ \"سبأ\"، ولكن لم يذكر أن رسول الله - ﷺ - على أي كيفية تكلم بها، فوافق أي قراءة منها.\n٣٩٨٩ - (حدثنا أحمد بن عبدة وإسماعيل بن إبراهيم أبو معمر) الهذلي، (عن سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: نا أبو هريرة\n_________\n(١) في نسخة: \"أم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الهذلي\".","vol":"12","page":20},{"text":"عن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ إسْمَاعِيلُ: عن أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً- فَذَكَرَ حَدِيثَ الْوَحْيِ. قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [خ ٤٨٠٠، ت ٣٢٢٣، جه ١٩٤].\n٣٩٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ النِّيْسَابُورِيُّ، ثَنَا إسْحَاقُ بْنُ\n===\nعن النبي - ﷺ - قال إسماعيل: عن أبي هريرة رواية- فذكر حديث الوحي، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾) (١) قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير.\nقال القسطلاني (٢) في \"شرح البخاري\" في تفسير سورة الحجر: قلت لسفيان: أأنت سمعت عمرًا؟ قال: سمعت عكرمة، قال: سمعت أبا هريرة؟ قال: نعم، قلت لسفيان: أن إنسانًا روى عنك، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة ويرفعه -أي الحديث إلى النبي - ﷺ -: أنه قرأ \"فُزِّعَ\"- بالزاي والعين المهملة-، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني \"فرغ\" بالراء والغين المعجمة مبنيًّا للمفعول فيهما، قال سفيان بن عيينة: هكذا، أي بالراء والمعجمة أو بالعكس، والظاهر الأول، قرأ عمرو، فلا أدري سمعه هكذا- بالراء- أم لا؟ قال سفيان وهي- بالراء- قراءتنا، وهي قراءة الحسن أيضًا، انتهى.\nقلت: وهذه القراءة بالراء والمعجمة خارجة عن القراءات المتواترة، ولم يتحقق في الحديث أن هذا اللفظ كيف تكلم به رسول الله - ﷺ -، وأما القُرَّاء المشهورون فاختلفوا على قولين: قراءة الجمهور \"فزع\" بالتشديد من الفزع مبني للمفعول، أي زال الفزع عن قلوبهم، وقرأ ابن عامر \"فزع\" بفتح الفاء والزاي على صيغة المعلوم، ولا خلاف بين القراء في تشديد الزاي.\n٣٩٩٠ - (حدثنا محمد بن رافع النيسابوري، ثنا إسحاق بن\n_________\n(١) سورة سبأ: الآية ٢٣.\n(٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٨٢).","vol":"12","page":21},{"text":"سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَذْكُرُ، عن الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: قِرَاءَةُ النَّبِيِّ - ﷺ -: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. [ت ٢٩٣٨، حم ٦/ ٦٤، ن ٥٨٦]\nقَالَ أَبُو دَاود: هَذَا مُرْسَلٌ، الرَّبيعُ لَمْ يُدْرِك أُمَّ سَلَمَة.\n===\nسليمان الرازي قال: سمعت أبا جعفر يذكر، عن الربيع بن أنس، عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - قالت: قراءة النبي - ﷺ -: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) بكسر تاء الخطاب في المواضع الأربعة، وقوله: \"بلى\" جواب لنفي مقدر كأن النفس قالت: إن لم يتبين لي الأمر في الدنيا فرد الله عليها بقوله: بلى.\nقال ابن رسلان: وهي قراءة ابن يعمر والجحدري وأبو حيوة والزعفراني وابن مقسم ومسعود بن صالح والشافعي، عن ابن كثير ومحمد بن عيسى في اختياره، قال الفراء: التأنيث له وجه حسن، لأنه ذكر النفس فخاطبها، قال المبرد: أكثر ما جاء في القرآن من ذكر النفس على التأنيث كقوله: ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (٢)، و﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٣)، قال أبو عبيدة: لو صح هذا الحديث عن النبي - ﷺ - كان حجة لا يجوز لأحد تركه، ولكنه ليس بمسند.\n(قال أبو داود: هذا) الحديث (مرسل، الربيع لم يدرك أم سلمة) لأن الربيع توفي سنة ١٣٩ هـ (٤)، وأم سلمة ماتت سنة ٥٩ هـ (٥)، قاله ابن رسلان.\n_________\n(١) سورة الزمر: الآية ٥٩.\n(٢) سورة طه: الآية ٩٦.\n(٣) سورة يوسف: الآية ٥٣.\n(٤) انظر: \"الكاشف\" (١/ ٣٠٣) رقم (١٥٣٧).\n(٥) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٨/ ٥٨٢) رقم (٨٥٣٦).","vol":"12","page":22},{"text":"٣٩٩١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قالَا: نَا سُفْيَانُ، عن عَمْرٍو، عن عَطَاءٍ - قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: يَعْنِي عن عَطَاءٍ، قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَمْ أَفْهَمْ (١) جَيِّدًا- عن صَفْوَانَ- قَالَ ابن عَبْدة: ابْنِ يَعْلَى (٢) - عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ يَقْرَأُ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ (٣). [خ ٤٨١٩، م ٨٧١، ت ٥٠٨، حم ٤/ ٢٢٣]\n٣٩٩٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ، أَنَا إسْرَائيلُ، عن أَبِى إسْحَاقَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ﴿إنِّي أَنَا الرَزَّاقُ ذو الْقُوَّةِ الْمَتين﴾ [ت ٢٩٤، حم ١/ ٣٩٤].\n===\n٣٩٩١ - (حدثنا أحمد بن حنبل وأحمد بن عبدة قالا: نا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، قال ابن حنبل: يعني عن عطاء) زاد لفظ: يعني (قال ابن حنبل: لم أفهم جيدًا) فلهذا زدت لفظ: يعني، (عن صفوان) ولم يسم أباه (قال ابن عبدة: ابن يعلى) أي: لم يسمه، بل ذكره بلفظ الكنية (عن أبيه) يعلى (قال: سمعت النبي - ﷺ - على المنبر يقرأ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾) من غير ترخيم بإثبات الكاف، قال البيضاوي (٤): وقرئ \"يا مال\" على الترخيم مكسورًا ومضمومًا، قرأها علي وابن مسعود والأعمش في القراءة غير المتواترة والمشهورة، وتمام الآية: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ في سورة الزخرف: [الآية ٧٧].\n٣٩٩٢ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله) بن مسعود (قال: أقرأني رسول الله - ﷺ -: إني أنا الرزاق ذُو القوة المتين) والقراءة المتوترة المشهورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥)، والمتين صفة لذي قوة، وقرئ بالجر صفة\n_________\n(١) في نسخة: \"لم أفهمه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ثم اتفقا\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: يعني بلا ترخيم\".\n(٤) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٦٤).\n(٥) سورة الذاريات: الآية ٥٨.","vol":"12","page":23},{"text":"٣٩٩٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١). [خ ٤٨٧٣، م ٨٢٣، ت ٢٩٣٧، حم ١/ ٣٩٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَضْمُومَةَ الْمِيمِ، مَفْتُوحَةَ الدَّالِ، مَكْسُورَةَ الْكَافِ.\n٣٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى النَّحْوِيُّ، عن بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَؤهَا: ﴿فَرُوحٌ (٢)\n===\nللقوة، وقراءة \"إني أنا الرزَّاق\" خارجة عن القراءات المتواترة.\n٣٩٩٣ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله) بن مسعود: (أن النبي - ﷺ - كان يقرؤها) الضمير راجع إلى ما في الذهن، وهي قوله تعالى: (﴿فَهَل مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (٣)، قال أبو داود: مضمومة الميم، مفتوحة الدال، مكسورة الكاف) وأصله: مذتكر بالذال بعدها تاء الافتعال، فأبدلت التاء دالا لتقارب مخرجيهما، ثم أدغمت المعجمة في المهملة بعد قلب المعجمة إليها للتقارب، وقرأ بعضهم \"مذكر\" بالمعجمة.\nقال ابن رسلان: قال ابن غلبون: وقرأه قتادة والضحاك \"مذكر\" بالذال المعجمة، فأدغم الثاني في الأول، وليس هذا على كلام العرب، إنما يدغمون الأول في الثاني، قال أبو حاتم: ويلزمه أن يقرأ: \"واذكر بعد أمة\" في موضع \"وادكر\" (٤).\n٣٩٩٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هارون بن موسى النحوي، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقرؤها) أي هذه الآية: (﴿فَرُوحٌ﴾) بضم الراء، قال\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني مثقلًا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال الكواشي: هي الرحمة\" [والآية من سورة الواقعة: ٨٩].\n(٣) سورة القمر: الآية ١٥.\n(٤) انظر: سورة يوسف: الآية ٤٥.","vol":"12","page":24},{"text":"وَرَيْحَانٌ﴾ (١).\n٣٩٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الذَّمَارِيُّ، نَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -\n===\nابن الحسن بن غلبون: قرأ النبي - ﷺ - في رواية عبد الله بن شقيق، عن عائشة \"فروح\" بضم الراء، وهي خارجة عن القراءات المتواترة، قال أبو حبان: وهي قراءة ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والأشعث وسليمان التيمي والربيع بن الخثيم وأبي عمران الجوني والكلبي ومهاجر وعبيد وعبد الوارث، عن أبي عمرو ويعقوب بن حسان وروشى، قال الحسن: الروح الرحمة كأنها كالحياة للمرحوم.\n(﴿وَرَيْحَانٌ﴾) قال أبو حبان والحسن: الريحان هذا الشجر المعروف في الدنيا، وقال الخليل: هو كل بقلة طيبة، معناه: يلقى المقرب ريحانًا من الجنة، قاله ابن رسلان، والقراءة المشهورة المتواترة بفتح الراء.\n٣٩٩٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الملك بن عبد الرحمن) ويقال: ابن هشام، ويقال: ابن محمد (الذماري) بفتح المعجمة وتخفيف الميم، الأنباري أبو هشام، ويقال: أبو العباس، ويقال: هما اثنان، وذمار على مرحلتين من صنعاء، قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال في موضع آخر: ليس بالقوي، وقال عمرو بن علي: ثنا أبو العباس عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، وكان ثقة، وقال في موضع آخر: كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو داود: كان قاضيًا، فقضى بقود، فدخلت عليه الخوارج فقتلته.\n(نا سفيان، حدثني محمد بن المنكدر، عن جابر قال: رأيت النبي - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"قال أبو عيسى: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا حديث منكر\".","vol":"12","page":25},{"text":"يَقْرَأُ: ﴿أَيَحْسِبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾. [ك ٢/ ٢٥٦]\n٣٩٩٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن خَالِدٍ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عَمَّنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ (١). [ك ٢/ ٢٥٥]\n===\nيقرأ: أيحسب) هكذا في النسخة المجتبائية بزيادة حرف الاستفهام، ونقل في الحاشية عن \"فتح الودود\": أي على لفظ الاستفهام، وهكذا في الكانفورية والمصرية، وفي النسخة المدنية التي عليها المنذري: \"قرأ يحسب\" بغير همزة الاستفهام، وكذلك في النسخة المكتوبة الأحمدية لم تكن الهمزة في أصلها، ولكن زاد فيها بعض قراء الكتاب، وفي النسخة المكتوبة المدنية لعله كان فيها همزة فحكها بعض قارئي الكتاب.\nقلت: والصواب ترك الهمزة، لأنه ليس أحد يقرؤها بهمزة الاستفهام، وليس همزة الاستفهام في نسخة ابن رسلان، وكتب في شرحه: \"يقرأ: يحسب\" أي بكسر السين كما تقدم في حديث لقيط، قال ابن عطية: قرأ \"يحسَب\" بفتح السين الأعرج وأبو جعفر وشيبة، انتهى.\nفالاختلاف الواقع في هذا الحديث في لفظ: \"يحسب\" ليس في وجود الاستفهام وعدمه، بل الإشارة إلى الاختلاف في كسر السين، ولعله اشتبه هذا اللفظ على بعض قارئي الكتاب بلفظ سورة البلد (٢)، وفيها: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَن يَقدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ (أن ماله أخلده).\n٣٩٩٦ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عمن أقرأه رسول الله - ﷺ -: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ﴾ بفتح الذال على بناء المفعول ﴿عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ﴾ بفتح الثاء المثلثة على بناء المفعول ﴿وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال أبو داود: وبعضهم أدخل بين خالد وأبي قلابة رجلًا\".\n(٢) سورة البلد: الآية ٥.","vol":"12","page":26},{"text":"٣٩٩٧ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّاد، عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عن أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَنْبَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، أَوْ مَنْ أَقْرَأَهُ مَنْ أَقْرَأَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ﴾ (١). (٢)\n٣٩٩٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: نَا أَبِي، عن الأَعْمَشِ، عن سَعْدٍ الطَّائِيِّ، عن عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ،\n===\nقال ابن رسلان: وهي قراءة ابن سيرين وابن أبي إسحاق والكسائي وحيوة ويعقوب، قال الواحدي: اختار أبو عبيد قراءة الكسائي، لما روى خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عمن سمع النبي - ﷺ - قرأهما بالفتح، فقراءة الكسائي بفتح الذال والثاء المثلثة داخلة في السبع المتواترة، وأما لفظ الوثاق قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع \"وثاقه\" بكسرالواو، والجمهور بفتحها، وقراءة الكسر في واو الوثاق خارجة عن القراءات المتواترة.\n٣٩٩٧ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: أنبأني من أقرأه النبي - ﷺ -، أو من أقرأه من أقرأه النبي - ﷺ -: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ﴾ بفتح الذال، ولم يذكر الفاعل، والذي يراد به أحد الملائكة الذين يتولون عذاب الكفرة.\n٣٩٩٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، أن محمد بن أبي عبيدة حدثهم قال: نا أبي، عن الأعمش، عن سعد الطائي، عن عطية العوفي،\n_________\n(١) سورة الفجر: الآيتان ٢٥، ٢٦.\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكر: \"لا يعذِّب\" وحمزة الزيات\". وزاد في نسخة: \"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَرَأَ عَاصِمٌ، وَالأعْمَشُ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ يَزيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَشَيْبَةُ بْنُ نِصَاحٍ، وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرِ الدَّاريُّ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاء، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ الأَعْرَجُ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُجَاهِدْ وَحُميْدٌ الأعْرَجُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاس، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي بَكْر: ﴿لَا يُعَذِّبُ ... يُوثِقُ﴾، إلَّا الحَدِيثَ المَرْفُوعَ فَإنَهُ ﴿يُعَذِّبُ﴾ بِالْفَتْحِ\".","vol":"12","page":27},{"text":"عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: \"حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَدِيثًا ذَكَرَ فِيهِ جِبْرَائيلَ وَمِيكَائيلَ، فَقَالَ: جِبْرَائِلَ وَمِيكَائِلَ\". [حم ٣/ ٩، ك ٢/ ٢٦٤]\n٣٩٩٩ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ- نَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ\n===\nعن أبي سعيد الخدري قال: حدث رسول الله - ﷺ - حديثًا ذكر فيه جبرائيل وميكائيل، فقال: جبرائل وميكائل)، هكذا في المجتبائية والكانفورية وغيرهما.\nوفي شرح ابن رسلان: فقرأ جبرائيل بفتح الجيم والراء وكسر الهمزة مع ياء، وميكائيل بكسر الميم، وبهمزة بعد الألف وياء بعدها، ولم أقف على نقل في قراءة النبي - ﷺ - جبريل وميكائيل كيف تلفظ بهما، فإن العرب تصرفت في هاتين اللفظتين على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية حتى بلغ إلى ثلاثة عشر (١) لغة، فإذا اختلفت الروايات فالمرجع في ذلك إلى أصله وقاعدته إلى لغة قريش، لأنه - ﷺ - قرشي، فلهذا قال عثمان: فإذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش، فعلى هذا فجبريل بكسر الجيم والراء على وزن قنديل، فإنها لغة الحجاز، وهي قراءة ابن عامر وأبي عمرو ونافع وحفص، وقال حسان:\nوجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء\nويحتمل فتح الجيم مع كسر الراء من غير همز أيضًا، وهي قراءة ابن كثير، وأما ميكائيل فبالقصر مع حذف الهمز على وزن مفعال وهي قراءة أبي عمرو وحفص عن عاصم، وهي لغة الحجاز، قال كعب بن مالك:\nويوم كعب لقينا كم لنا مدد ... فيه مع النصر ميكال وجبريل\n٣٩٩٩ - (حدثنا زيد بن أخزم، حدثنا بشر -يعني ابن عمر-، نا محمد بن خازم\n_________\n(١) بسطها السيوطي في \"التنوير\" (ص ١٤)، وأطال الكلام فيه جدًا، كذا في \"الأوجز\" (١/ ٢٦٣). (ش).","vol":"12","page":28},{"text":"قَالَ: ذُكِرَ كَيْفَ قِرَاءَةُ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ الأَعْمَشِ، فَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عن سَعْدٍ الطَّائِيِّ، عن عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺ - صَاحِبَ الصُّورِ، فَقَالَ: \"عَنْ يَمِينِهِ جِبْرَائِلُ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائيلُ\" (٢) [انظر سابقه]\n٤٠٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ- قَالَ مَعْمَرٌ: وَرُبَّمَا ذَكَرَ ابْنَ الْمُسَيَّب- قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَقْرَؤونَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وَأَوَّلُ مَنْ قَرَأَهَا: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ﴾ مَرْوَانُ\". [ت ٢٩٢٨]\n===\nقال: ذكر كيف قراءة جبريل وميكائيل عند الأعمش، فحدثنا الأعمش، عن سعد الطائي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله - ﷺ - صاحب الصور) المذكور في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (٣)، وصاحب الصور إسرافيل (فقال: عن يمينه جَبرائلُ وعن يساره ميكائيل).\nقال ابن رسلان: وقراءة الأعمش: \"جبرئييل\" بيائين بعد همز، و\"مكائييل\" بيائين أيضًا.\n٤٠٠٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، قال معمر: وربما ذكر) أي الزهري، سعيد (بن المسيب) أنه رواه، فعلى هذا يكون من مراسيل سعيد بن المسيب، وأما إذا لم يذكر سعيدًا فيكون من مراسيل الزهري.\n(قال: كان النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان يقرؤون: مالك) بزيادة الألف (يوم الدين، وأول من قرأها: ملك) يعني بحذف الألف (يوم الدين، مروان) قال ابن كثير: ومروان عنده علم بصحة ما قرأه لم يطلع عليه ابن شهاب.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وقال خَلَفٌ: منذ أربعين سنة لم أرفع القلم عن كتابة الحروف، وما أعياني شيء ما أعياني جبرائيل وميكائيل\".\n(٣) سورة الكهف: الآية ٩٩.","vol":"12","page":29},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسٍ. وَالزُّهْرِيِّ، عن سَالِمِ، عن أَبِيهِ.\n٤٠٠١ - حَدَّثَنَا لسَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ- أَوْ كَلِمَةً غَيْرَهَا- قِرَاءَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ - قوله: \"أوَّل من قرأها مروان\"، لا يعني بذلك أن ابن شهاب أو سعيد بن المسيب لم يعلما قراءة \"ملك يوم الدين\" قبل مروان مطلقًا، بل المراد أنه أوَّل من قرأ من الأمراء في الصلاة بجماعة، وإلَّا فقدكانت القراءة معلومة لهم، وبعيد من الزهري أو سعيد بن المسيب مع جلالتهما أن تخفى عنهم تلك القراءة المتواترة.\n(قال أبو داود: وهذا) السند المرسل (أصح من حديث الزهري، عن أنس) أن النبي - ﷺ - إلى آخره، ذكره الترمذي (١). (و) أصح من سند (الزهري، عن سالم، عن أبيه) عبد الله، وفي هذا الحديث ترجيح \"مالك\" على \"ملك\"، وإن كان أكثر السبعة قرؤوا \"ملك\" بحذف الألف، لكن قراءة الألف قراءة عاصم والكسائي وخلف في اختياره ويعقوب. وهي قراءة العشرة إلَّا طلحة والزبير، وقراءة كثير من الصحابة منهم: أبيٌ، وابن مسعود، ومعاذ، وابن عباس، والتابعين منهم: قتادة والأعمش.\n٤٠٠١ - (حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، نا ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أم سلمة أنها ذكرت، أو) للشك من الراوي كلمة غيرها) أي غير كلمة \"ذكرت\" كلفظ: وصفت (قراءة رسول الله - ﷺ -: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢٩٢٨)، وأيضًا أخرجها حفص بن عمر الدوري في \"قراءات النبي - ﷺ -\" (ص ٥٣) رقم (٢)، وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١٠٣).","vol":"12","page":30},{"text":"﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً\" (١). [ت ٢٩٢٧، حم ٦/ ٣٠٢]\n٤٠٠٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ (٢) اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عن سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عن الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عن إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ:\n===\nمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾) بزيادة الألف بعد الميم (يُقَطِّع قراءته آية آية) أي: يقف (٣) على كل آية عن الآية الأخرى بوقفة بينهما.\nقال الترمذي: ليس إسناده بالمتصل، لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن يعلي بن مملك، عن أم سلمة، وحديث الليث أصح، وليس في حديث الليث \"وكان يقرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ \"، وإنما ذكر هذا الحديث في كتاب القراءات، لأن الوقف والقطع داخلتان في القراءة، أو باعتبار \"مالك يوم الدين\" فإنه - ﷺ - قرأها بزيادة (٤) الألف في هذه القراءة.\n٤٠٠٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة، المعنى، قالا: نا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: القراءة القديمة (مالك يوم الدين) \".\n(٢) زاد في نسخة: \"عثمان بن أبي شيبة وعبيد الله بن عمر بن ميسرة\".\n(٣) قال القاري (٤/ ٧٠٤): اختلف أرباب الوقوف في الوقف على رأس الآية إذا كان هناك تعلق لفظي كما ها هنا، واستدلَّ بذلك وعليه الشافعي، وأجاب الجمهور عنه بأن الوقف كان ليبين للسامعين رؤوس الآي، فالجمهور على أن الوصل أولى خلافًا للجزري، إذ قال: يستحب الوقف عليها بالانفصال ... إلخ، كذا في هامش \"الكوكب\" (٤/ ٣٦). (ش).\n(٤) هكذا في \"شمائل الترمذي\" (٣٢٣)، وأحمد والنسائي وغيرهما كما في \"شذرات الترمذي\" لهذا العبد الفقير، وظاهر الترمذي في \"الجامع\" أنها قرأت \"ملك يوم الدين\" بدون الألف. (ش).","vol":"12","page":31},{"text":"كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ، وَالشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَقَالَ: \"هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ هَذهِ؟ \" قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"فَإنَّهَا تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَامِيَةٍ\". [خ ٣١٩٩، م ١٥٩، ت ٣٢٢٧، حم ٥/ ١٦٥، ك ٢/ ٢٤٤]\n٤٠٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا حَجَّاجٌ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ، أَنَّ مَوْلًى لاِبْنِ الأَسْقَعِ- رَجُلَ صِدْقٍ - أَخْبَرَهُ عن ابْنِ الأَسْقَعِ،\n===\nكنت رديف رسول الله - ﷺ - وهو على حمار) فيه جواز الإرداف على الحمار إذا كان يطيقه (والشمس عند غروبها) والجملة حالية (فقال: هل تدري أين تغرب هذه؟) أي: الشمس (قلت: الله ورسوله أعلم، قال) رسول الله - ﷺ -: (فإنها تغرب في عين حامية) يعني بالألف، ورواية ابن عباس المتقدمة في \"عين حمئة\"، وهما قراءتان مشهورتان كما تقدم، وكان المناسب للمصنف أن يذكر هذه الرواية في جنب رواية ابن عباس المتقدمة.\n٤٠٠٣ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا حجاج، عن ابن جريج) قال: (أخبرني عمر بن عطاء، أن مولى لابن الأسقع) قال ابن رسلان: بفتح الهمزة والفاء، (رجل صدق) مضاف إليه، أي: صالح، (أخبره عن ابن الأسقع) بالسين المهملة وليس لهم بالفاء غيره، البكري، انتهى.\nقلت: أما مولى لابن الأسقع، فلم أقف على ترجمته فيما عندي من كتب أسماء الرجال، وأما ابن الأسقع فقال الحافظ في ترجمته (١): قال أبو حاتم: ابن الأسقع البكري من أصحاب الصُّفَّة، وقال ابن عساكر: هو واثلة، لأنه من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، وهو من أهل الصُّفَّة.\nوقال في ترجمة واثلة بن الأسقع: هو ابن بكر بن كعب بن عامر بن ليث بن عبد مناة، ويقال: ابن الأسقع بن عبد الله بن عبد ياليل بن ناشب بن\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٨٥).","vol":"12","page":32},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَاءَهُمْ في صُفَّةِ الْمُهَاجِرِينَ، فَسَأَلَهُ إنْسَانٌ: أَيُّ آيةٍ في الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ قَالَ (١) النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. [انظر حديث ١٤٦٠]\n===\nغبرة بن سعد بن ليث الليثي، وأما ما قال ابن رسلان: أن الأسفع بالفاء فلعله وهم منه.\nقال الحافظ في \"التقريب\": ابن الأسقع بالقاف، وقال في \"الخلاصة\": واثلة بن الأسقع بقاف بعد المهملة، الليثي، والمجد الفيروزآبادي كتب في \"القاموس\" في لغة أسقع بالقاف، وذكر واثلة بن الأسقع (٢) فيه، ولم أر أحدًا ذكره بالفاء غيره.\n(أنه سمعه يقول: إن النبي - ﷺ - جاءهم) أي: جاء إليهم وهم (في صفة المهاجرين) وهي موضع مظلل في مسجد المدينة تنزله فقراء المهاجرين (فسأله إنسان) لم أقف على تسميته (أي آية في القرآن أعظم؟) فيه حجة للقول بتفضيل بعض القرآن على بعض، ونقل القاضي عياض في ذلك خلافًا، فمنع منه أبو الحسن الأسفراييني وأبو بكر الباقلاني وجماعة، لأن تفضيل بعضه على بعض يقتضي نقص المفضول، ومعنى قوله: أعظم أي ثوابها أكثر.\n(قال النبي - ﷺ -: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾) (٣)، وإنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية، والوحدانية، والحياة، والملك، والقدرة، والإرادة، وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات، قاله ابن رسلان.\nولعل غرض المصنف بإيراد هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - قرأ في هذه\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٠٠) رقم (٥٤٣٠).\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٥٥.","vol":"12","page":33},{"text":"٤٠٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، نَا شيْبَانُ، عن الأَعْمَشِ، عن شَقِيقٍ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَرَأَ (١): ﴿هَيْتَ لَكَ﴾،\n===\nالآية ﴿اَلقَيوُمُ﴾ وفيه قرآتان غير متواترتين، وهي القيام والقيم، قال البيضاوي (٢): وقرئ القيام والقيم.\n٤٠٠٤ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، نا عبد الوارث، نا شيبان، عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود: أنه قرأ) أي في سورة يوسف (﴿هَيْتَ لَكَ﴾) بفتح الهاء، وإسكان الياء، وفتح التاء المثناة من فوق، وهي القراءة المتواترة. قال الطبري: هي قراءة النبي - ﷺ -، قال الواحدي: \"هيت\" اسم الفعل نحو رويد وصه، ومعناه هلم في جميع أهل اللغة، ولا مصدر له ولا تصرف، قال الفراء: لغة أهل حوران، سقطت إلى مكة فتكلموا بها، وقال ابن الأنباري: وهذا وفاق وقع بين لغة أهل قريش وأهل حوران، كما اتفقت لغة العرب والحبشة في ناشئة الليل وحروف كثيرة، ولا تثنية في هذا ولا جمع ولا تأنيث، تقول للجماعة: هيت لكم، قال: وللعرب فيها لغات، أجودها فتح الهاء والتاء وهي قراءة العامة.\nقلت: فيها أربع قراءات متواترات، فقرأ نافع وابن ذكوان: بكسر الهاء وبالياء المدِّية وفتح التاء، والمكي (٣): بفتح الهاء وبالياء الساكنة وضم التاء، والبصري والكوفيون: بفتح الهاء والياء الساكنة وفتح التاء، وهشام: بكسر الهاء وبالهمزة الساكنة وفتح التاء، وروي عن هشام أيضًا ضم التاء، كذا في \"الغيث\" (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"قرأها\".\n(٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٣٩).\n(٣) في الأصل \"المكية\"، وهو تحريف.\n(٤) \"غيث النفع\" على هامش \"سراج القاري\" (ص ٢٥٦) [انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦٤)]. (ش).","vol":"12","page":34},{"text":"فَقَالَ شَقِيقٌ: إنَّا نَقْرَؤُهَا: ﴿هِئْتُ لَكَ﴾ يَعْنِي فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودِ (١): أَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْتُ أَحَبُّ إلَيَّ. [خ ٤٦٩٢]\n٤٠٠٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن شَقِيقٍ قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ أُنَاسَا يَقْرَؤُونَ هَذ الآيَةَ: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. فَقَالَ: إنِّي أَقْرَأُ كَمَا عُلّمْتُ أَحَبُّ إلَيَّ: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. [انظر سابقه]\n٤٠٠٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: نَا. (ح): وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ،\n===\n(فقال شقيق: إنا نقرؤها \"هئت لك\") بكسر الهاء وسكون الهمزة وضم التاء، وهي قراءة علي بن أبي طالب، وأبي رجاء، ويحيى، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وطلحة، وابن عباس، وابن عامر في رواية عنهما، ورويت عن أبي عمرو، وهذا يحتمل أن يكون من: هاء الرجل يهيئ إذا حسن هيئته، ويحتمل أن يكون بمعنى تهيأت كما يقال: هئت وتهيأت.\n(يعني فقال ابن مسعود: أقرؤها كما عُلِّمتُ أحبُّ إليَّ) من أن أقرأها على غير ما سمعت وعلمت.\n٤٠٠٥ - (حدثنا هناد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال: قيل لعبد الله: إن أناسًا يقرؤون هذه الآية: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾) بكسر الهاء وسكون الياء وضم التاء (فقال: إني أقرأ كلما عُلِّمت أحب إلى) قال: (﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾) بفتح الهاء وسكون الياء المثناة التحتية وفتح التاء المثناة الفوقية.\n٤٠٠٦ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا، ح: وحدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أنا هشام بن سعد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أنا\".","vol":"12","page":35},{"text":"عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"قَالَ اللهُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ \".\n٤٠٠٧ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، بإسناده مِثْلَهُ.\n٤٠٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَزَلَ (١) الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ \".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي مُخَفَّفَةً\n===\nعن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: قال الله لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ بتاء المثناة الفوقانية بصيغة المجهول.\nواختلف القراء في هذا اللفظ، فقرأ نافع: يغفر بالياء المضمومة وفتح الفاء، وابن عامر: بالتاء المضمومة وفتح الفاء، كلاهما بصيغة المجهول، والباقون بالنون مفتوحة وكسر الفاء (﴿خَطَايَاكُمْ﴾).\n٤٠٠٧ - (حدثنا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، بإسناده مثله).\n٤٠٠٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، نا هشام بن عروة، عن عروة، أن عائشة قالت: نزل الوحي على رسول الله - ﷺ -، فقرأ علينا \" ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ قال أبو داود: يعني مخففة) الراء، أي ألزمناكم العمل بما فرض فيها.\n_________\n(١) في نسخة: \"أنزل\".","vol":"12","page":36},{"text":"حَتَّى أَتَى عَلَى هَذ الآيَاتِ (١).\n\n[آخِرُ كِتَابِ الْحُرُوفِ، بِفَضْلِ اللهِ الرَّؤوف]\n===\nوقال أبو علي: أي فرضنا فرائضها، فحذف المضاف (حتى أتى على هذه الآيات) التي بعدها، واختلف القراء السبعة، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو (٢): \"وفرضناها\" بتشديد الراء، والباقون بتخفيفها.\n\n[آخِرُ كِتَابِ الْحُرُوفِ، بِفَضْلِ اللهِ الرَّؤوف]\n_________\n(١) في نسخة: \"آخر كتاب الحروف والقراءات\".\n(٢) في الأصل: \"أبو كثير وابن عمر\"، وهو تحريف، راجع: \"الحجة\" (٣/ ١٩١)، و\"سراج القاري\" (ص ٣٠٢).","vol":"12","page":37},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1550>(٢٥) أَوَّلُ كِتَابِ الْحَمَّامِ</span>\n٤٠٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شدَّادٍ، عن أَبِي عُذْرَةَ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ،\n===\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n(٢٥) (أَوَّلُ كتَابِ الْحَمَّامِ) (١)\n٤٠٠٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن عبد الله بن شداد، عن أبي عذرة) بضم أوله وسكون المعجمة، وكان قد أدرك النبي - ﷺ -، قال أبو زرعة: لا أعلم أحدًا سماه، قلت: وكذا ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يقال: له صحبة، ويقال: جزم بصحبته مسلم.\n(عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن دخول الحمامات) أي: الرجال والنساء، كما في لفظ \"الترمذي\" (٢)، إما لكشف العورة وعدم الستر فيها،\n_________\n(١) كره أحمد بناءه وبيعه وشراءه وكراءه، كذا في \"المغني\" (١/ ٣٠٥)، وحاشية \"الهداية\". (ش).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٢٨٠٢).","vol":"12","page":38},{"text":"ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا في الْمَيَازِرِ\" (١). [ت ٢٨٠٢، جه ٣٧٤٩، حم ٦/ ١٣٢]\n٤٠١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ (٢)، نَا جَرِيرٌ. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ جَمِيعًا، عن مَنْصُورٍ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ- قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: عن أَبِي الْمَلِيحِ- قَالَ: دَخَلَ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. قَالَتْ: لَعَلَّكُنَّ مِنَ الْكُورَةِ الَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: نَعَمْ. قَالَتْ: أَمَا إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا في غَيْرِ بَيْتِهَا إلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ\". [ت ٢٨٠٣، جه ٣٧٥٠، حم ٦/ ١٧٣، دي ٢٦٥٤]\n===\nأو لاختلاط الرجال والنساء، (ثم رخص للرجال أن يدخلوها) أي الحمامات (في الميازر) جمع مئزر بمعنى الإزار، نحو مقود ومقاود، والمراد ههنا الساتر ما بين السرة والركبة، زاد ابن ماجه في روايته؟ \"ولم يرخص للنساء\".\n٤٠١٠ - (حدثنا محمد بن قدامة، نا جرير، ح: ونا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة جميعًا، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، قال ابن المثنى: عن أبي المليح)، وهذا الكلام يدل على أن سند ابن المثنى متصل، وأما سند ابن قدامة فلعله لم يذكر أبا المليح، فسنده منقطع (قال) أبو المليح: (دخل نسوة من أهل الشام على عائشة، فقالت) عائشة: (ممن أنتن؟ قلن: من أهل الشام، قالت) عائشة: (لعلكن من الكُورة) بضم الكاف، المدينة (التي تدخل نساؤها الحمامات؟ قلن: نعم، قالت) عائشة: (أما إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلَّا هتكت) أي: الستر (ما بينها وبين الله) والمراد بالستر: ستر معاصي العبد\n_________\n(١) في نسخة: \"مازر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن أعيَن\".","vol":"12","page":39},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثُ جَرِيْرٍ، وَهُوَ أَتَمُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَرِيْرٌ أَبَا الْمَلِيحِ، قَالَ (١): قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -.\n٤٠١١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَم، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَال إلَّا بَالأُزُرِ،\n===\nوعيوبه عن إذاعتها لأهل الموقف يوم القيامة، ويحتمل أن يراد بالستر: ترك محاسبته عليها وترك ذكرها.\n(قال أبو داود: هذا حديث جرير، وهو أتم، ولم يذكر جرير أبا المليح، قال: قال رسول الله - ﷺ - (قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ترجمة سالم بن أبي الجعد: أنه روى عن عائشة، والصحيح أن بينهما أبا المليح، فروايته عن عائشة منقطعة.\n٤٠١١ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: إنها ستفتح لكم أرض العجم) وهم خلاف العرب، وهذا من معجزاته - ﷺ - بإخباره بالكوائن والحوادث التي تكون، (وستجدون فيها بيوتًا يقال لها: الحمامات) روى الحاكم (٣) - وقال: صحيح على شرط مسلم-: \"اتقوا بيتًا يقال له: الحمام، فقالوا: يا رسول الله، إنه يذهب الدرن وينفع المريض، قال: فمن دخله فليستتر\".\n(فلا يدخلنها الرجال إلَّا بالأزر) بضم الهمزة والزاي جمع إزار، وشرطه\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) (٣/ ٤٣٢).\n(٣) انظر: \"المستدرك\" (٤/ ٢٨٨).","vol":"12","page":40},{"text":"وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً (١) أَوْ نُفْسَاءَ\". [جه ٣٧٤٨، ق ٧/ ٣٠٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>(١) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّعَرِّي</span>\n٤٠١٢ - حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ نُفَيْلٍ، نَا زُهَيْرٌ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيَّ، عن عَطَاءٍ، عن يَعْلَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بالْبَرَازِ (٣)، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ (٤): \"إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ\n===\nأن تستر العورة، (وامنعوها النساء إلَّا مريضة) أي لا تدخل النساء إلَّا بإزار سابغ تستر عورتها وتسلم من نظرها إلى عورة آدمي، وشرط مع ذلك أن تكون مريضة أو حائضًا (أو نفساء) أو مع حاجة شديدة إلى الغسل، ولا يمكن أن تغتسل في بيتها لتعذر ذلك عليها أو خوفها من ضرر ظاهر، فيباح لها ذلك، وأما مع عدم العذر فلا، قاله ابن رسلان.\n\n(١) (بَابُ النَّهْي عَنِ التَّعَرِّي)\nأي: كشف العورة\n٤٠١٢ - (حدثنا ابن نفيل، نا زهير، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي) بتقديم الراء على الزاي، (عن عطاء، عن يعلى) وهو ابن أمية: (أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبراز) بفتح الموحدة: وهو الفضاء الواسع، أي: عريانًا (فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال) - ﷺ -: (إن الله) تعالى (حيي) بكسر الياء الأولى، والحياء تغير وانكسار يعترض الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم، ولا يوصف به ﷾، لكنه لوروده في الحديث يؤول وجوبًا بما هو قانون في أمثال هذه الأشياء: أن كل\n_________\n(١) في نسخة: \"لمريضة\".\n(٢) في نسخة: \"عبد الله بن محمد بن نفيل\".\n(٣) زاد في نسخة: \"بِلَا إزار\".\n(٤) زاد في نسخة: \"نبي الله - ﷺ -\".","vol":"12","page":41},{"text":"سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاء وَالسَّتْرَ، فَإذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ\". [ن ٤٠٦، حم ٤/ ٢٢٤]\n===\nصفة تثبت للعبد مما يختص بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض.\nمثاله أن الحياة حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبح، وأما النهاية فهي أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضب له مقدمة، وهي غليان دم القلب وشهوة الانتقام، وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه.\n(ستير) بكسر السين (١)، أي: يحب الحياء والتستر، فهو فعيل بمعنى فاعل، أو هو فعيل بمعنى مفعول، أي: مستور عن العيون في الدنيا (يحب الحياء والستر) بفتح السين، أي: من عباده، أو يحب من فيه الحياء والستر.\n(فإذا اغتسل أحدكم) أي: بحضرة الناس (فليستتر) على الوجوب، أو المراد على العموم، فعلى هذا إذا كان بحضرة الناس فعلى الوجوب، وإذا كان في الخلوة فعلى الاستحباب، وهو مذهب الأئمة بأنه إذا اغتسل بحضرة الناس وجب عليه ستر عورته، فإن كان خاليًا جاز الغسل مكشوف العورة، والتستر أفضل (٢)، ونقل عياض جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة عند جماهير (٣) العلماء لحديث البخاري (٤): \"أن موسى اغتسل عريانًا، وأن أيوب كان يغتسل عريانًا\".\n_________\n(١) أي مع تشديد التاء. (ش).\n(٢) وبه جزم ابن قدامة (٢/ ٢٨٥). (ش).\n(٣) خلافًا لابن أبي ليلى كما في \"القسطلاني\" (١/ ٥٩٩)، قال: ويؤيد الجمهور حديث أبي داود في مراسيله (ص ٢٢٩): \"لا تغتسلوا في الصحراء\". (ش).\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٧٨).","vol":"12","page":42},{"text":"٤٠١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، نَا الأَسْوَد بْنُ عَامِرٍ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عن عَطَاء، عن صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، بِهَذَا الْحَدِيثِ. [ن ٤٠٧، حم ٤/ ٢٢٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الأَوَّلُ أَتَمُّ.\n٤٠١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي النَّضْرِ، عن زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جَرْهَدٍ، عن أَبِيهِ- قَالَ: كَانَ جَرْهَدٌ هَذَا مِنْ أَصْحَاب الصُّفَّةِ- أَنَّهُ قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدَنَا وَفَخِذِي مُنْكَشِفَةٌ، فَقَاَلَ: \"أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ؟ \". [ت ٢٧٩٥، حم ٣/ ٤٧٨، دي ٢٦٥٣]\n===\n٤٠١٣ - (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، نا الأسود بن عامر، نا أبو بكر بن عياش، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه) أي: يعلى، (عن النبي - ﷺ -، بهذا الحديث، قال أبو داود: الأول) أي: حديث ابن نفيل (أتم).\n٤٠١٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد) الأسلمي المدني، ويقال: زرعة بن مسلم بن جرهد، روى عن جرهد، ويقال: عن أبيه عن جرهد حديث: \"الفخذ عورة\"، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: من زعم: أنه ابن مسلم فقد وهم، (عن أبيه) عبد الرحمن بن جرهد (قال) عبد الرحمن: (كان) أبوه (جرهد هذا من أصحاب الصفة، أنه قال: جلس رسول الله - ﷺ - عندنا وفخذي منكشفة، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أما علمت أن الفخذ عورة؟).\nاختلفت الرواية فيه، فقال بعضهم: عن زرعة عن أبيه عن جده، وروى معن وإسحاق بن الطباع وابن وهب وابن أبي أويس عن مالك عن أبي النضر عن زرعة بن عبد الرحمن عن أبيه عن النبي - ﷺ -، وقد ذكره البخاري في","vol":"12","page":43},{"text":"٤٠١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نَا حَجَّاجٌ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أُخْبِرْتُ عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عن عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ،\n===\n\"التاريخ الكبير\" (١)، وذكر الاختلاف فيه، وقال في \"الصحيح\" (٢): \"وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط\"، يشير إلى حديث أنس بن مالك قال: حسر النبي - ﷺ - عن فخذه، قاله المنذري، فمعنى قوله: أسند، أي أحسن إسنادًا، ومعنى قوله: أحوط، أقرب إلى التقوى.\nوأخرج الترمذي (٣) هذا الحديث في \"جامعه\" من حديث سفيان بن عيينة عن النضر عن زرعة عن جده جرهد، وقال: حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل، قاله ابن رسلان، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي خلافًا لمالك (٤)، والجواب عن حديث أنس (٥) أنه محمول على أنه انكشف فخذه - ﷺ - بغير اختياره وعلمه وقصده وإرادته، وإنما انكشف من إسراع الدابة ونحوه، فلا يستلزم ذلك أن لا تكون الفخذ عورة، ويدل على ذلك مس ركبة أنس فخذه - ﷺ -.\n٤٠١٥ - (حدثنا علي بن سهل الرملي، نا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة)، قال أبو حاتم في \"العلل\": إن الواسطة بينهما هو الحسن بن ذكوان وقال: لا يثبت لحبيب رواية عن عاصم، وكذا قال ابن معين: إن حبيبًا لم يسمع من عاصم،\n_________\n(١) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٤٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٣٧١)، باب ما يذكر في الفخذ.\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٣٧٩٥).\n(٤) قال القسطلاني (٢/ ٣٣): قال الجمهور من التابعين وأبو حنيفة ومالك في أصح أقواله والشافعي وأحمد في أصح روايتيه، وأبو يوسف ومحمد: الفخذ عورة، وذهب ابن أبي ذئب وداود والإصطخري وابن حزم أنه ليس بعورة، قلت: وإنما الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة في الركبة، قال القاري (٦/ ٢٨٣): أما الركبة فقال مالك والشافعي وأحمد: ليست بعورة، وقال أبو حنيفة وبعض الشافعية: عورة، واتفقوا على أن السرة ليست بعورة. (ش).\n(٥) وأجاب عنه ابن قتيية في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٣٨٧). (ش).","vol":"12","page":44},{"text":"عن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا تَكشِفْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ\". [جه ١٤٦٠، حم ١/ ١٤٦، ق ٣/ ٣٨٨، ك ٤/ ١٨٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ.\n\n(٢) بَابٌ (١): في التَّعَرِّي\n٤٠١٦ - حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا (٢) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، عن عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ (٣)، عن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: حَمَلتُ حَجَرًا ثَقِيلًا\n===\nوبين البزار أن بينهما عمرو بن خالد الواسطي فهو الواسطة، قاله ابن رسلان.\n(عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت، قال أبو داود: هذا الحديث فيه نكارة)، الظاهر أن النكارة من جهة الانقطاع المذكور، وأن رجال إسناده ثقات، وقد زال الانقطاع بواسطة الحسن بن ذكوان كما قال أبو حاتم، أو عمرو بن خالد، كما ذكره البزار، وقد أخرج لهما البخاري في \"الصحيح\"، ولم يبق فيه نكارة ولا قدح، قاله ابن رسلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>(٢) (بَابٌ: في التَّعَرِّي)</span>\nوقد تقدم هذا الباب، وظاهره أنه مكرر، لكنه يمكن أن يحمل الأول على التعري بالإرادة، وهذا إذا كان من غير إرادة واختيار\n٤٠١٦ - (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، نا يحيى بن سعيد الأموي، عن عثمان بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل، عن المسور بن مخرمة قال: حملت حجرًا ثقيلًا)، ولفظ مسلم: \"أقبلت بحجر أحمله ثقيل، وعليَّ إزار خفيف\"\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ما جاء\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) في نسخة: \"حكم\".","vol":"12","page":45},{"text":"فَبَيْنَا أَمْشِي، فَسَقَطَ عَنِّي- يَعْنِي ثَوْبِي-، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"خُذْ عَلَيْكَ ثَوْبَكَ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً\". [م ٣٤١]\n٤٠١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا أَبِي. (ح): وَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى نَحْوَهُ، عن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: \"احْفَظْ عَوْرَتَكَ\n===\n(فبينا أمشي) زاد مسلم: \"فانحل إزاري\" (فسقط عني، يعني ثوبي)، زاد مسلم: \"ومعي الحجر، لم أستطع أن أضعه، حتى بلغت به إلى موضعه\".\n(فقال لي رسول الله - ﷺ -:) ارجع إلى ثوبك و(خذ عليك ثوبك، ولا تمشوا عُراة) (١) فيه تحريم المشي عريانًا بحضرة الناس.\n٤٠١٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا أبي، ح: ونا ابن بشار، نا يحيى نحوه، عن بهز بن حكيم، عن أبيه) حكيم، (عن جده) معاوية بن حيدة (قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا) أي: عوراتنا التي نستحي من رؤيتها (ما نأتي منها وما نذر؟) أي: ما نستتر منها وما نتركه ظاهرًا (قال: احفظ عورتك) من كل آدمي.\nقال ابن رسلان: وهذا الخطاب وإن كان لمفرد مواجه لكنه خطاب لجميع الحاضر منهم والغائب لقرينة عموم السؤال، فاكتفى تبيين الحكم له خاصة لمشاركة غيره له ومساواته في الحكم، وفيه أنه ليس على الرجل حفظ عورته من زوجته، كما أن المرأة ليس عليها حفظ عورتها من زوجها لهذا الحديث، ولا خلاف في غير الفرج، إنما الخلاف في جواز نظر الرجل إلى فرج امرأته، والصحيح عند الشافعي\n_________\n(١) ولا يخالفه ما ورد أنه ﵊ لما قدم زيد بن حارثة قام إليه عُرْيانًا، كذا في \"مشكل الآثار\" (١٣٨٤). (ش).","vol":"12","page":46},{"text":"إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكتَ يَمِينُكَ\". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ؟ قَالَ: \"إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ، فَلَا يَرَيَنَّهَا\"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: \"اللَّه أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى (١) مِنَ النَّاسِ\". [ت ٢٧٦٩، جه ١٩٢٠، حم ٥/ ٣]\n===\nالكراهة، وفي حديث عائشة أنها ما رأت قط فرج رسول الله - ﷺ -، ذكره الترمذي ولم يصح (٢).\n(إلَّا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك) قال ابن رسلان: يدخل فيه الذكر والأنثى والقن والمدبرة والمكاتبة والمعلق عتقها بصفة وأم الولد، فإن الكل يضمنون بالقيمة، انتهى. وهذا عند الشافعية، وأما عندنا فالمراد بما ملكت يمينه الأمة المملوكة فقط، وأما العبد فأجنبي من مولاته يجب عليها الحجاب كما يجب من الأجانب، ولا يجوز له النظر إلى عورة مولاته.\n(قال) معاوية بن حيدة: (قلت: يا رسول الله) أرأيت (إذا كان القوم بعضهم في بعض؟) يحتمل أن يراد به رؤية الأقارب بعضهم في بعض كالأب والجد والابن وابنه، ويحتمل أن يراد به المثل لمثله كالرجل للرجل والمرأة مع المرأة.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (إن استطعت أن لا يرينها) بتشديد النون أو التخفيف (أحد، فلا يرينها، قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا) أي: في خلوة من الناس (قال: الله أحق أن يستحيى) منه (من الناس) قال ابن بطال: هذا محمول\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"منه\".\n(٢) قال النووي (٢/ ٢٦٦): لا خلاف في جواز نظر الرجل إلى صدر الرجل، وكذا يجوز أن ينظر إلى ما فوق سرته وتحت ركبته إلَّا أن ينظر بشهوة، فإنه يحرم إلى كل آدمي إلَّا الزوجة والمملوكة، وإلَّا أن يكون المنظور إليه أمرد حسن الصورة، فإنه يحرم النظر إلى وجهه وجميع بدنه، سواء كان بشهوة أو بغيرها إلَّا لحاجة البيع والتطبيب والتعليم ونحوها. انتهى، وذكر في موضع آخر ثلاثة أقوال لهم في نظر الرجل إلى فرج زوجته، الأصح أنه مكروه ... إلخ. (ش).","vol":"12","page":47},{"text":"٤٠١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عن زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عُرْيَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى عُرْيَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ في ثَوْبٍ\". [م ١٤٣٧، ت ٢٧٩٣، جه ٦٦١، حم ٣/ ٦٣]\n===\nعند الفقهاء على الندب والاستحباب للتستر في الخلوة، لا على الإيجاب (١).\n٤٠١٨ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه) أبي سعيد، (عن النبي - ﷺ - قال: لا ينظر) بكسر الراء على النهي وبالرفع على أنه خبر في معنى النفي (الرجل إلى عرية).\nقال النووي (٢): ضبطناه على ثلاثة أوجه: عِرْيَة بكسر العين وسكون الراء، وعُرْية بضم العين وسكون الراء، وعُرَيَّة بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء، كلها صحيحة، وعرية الرجل متجرده. (الرجل، ولا) تنظر (المرأة إلى عرية المرأة)، ولما حرم نظر الرجل إلى عورة الرجل، فنظر الرجل إلى عورة المرأة، وكذا عكسه أولى بالتحريم في حق غير الأزواج والسادة.\n(ولا يفضي الرجل إلى الرجل) والإفضاء الوصول إليه، ليس بينهما حائل (في ثوب) واحد، فإن فيه لمس بدن كل واحد منهما، واللمس أولى من النظر بالتحريم.\nوالحاصل: أن الإفضاء في ما وراء العورة مكروه تنزيهًا وفيها تحريمية، وهذا عند عدم الفتنة، وإلَّا فتحريمية قطعًا، (ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب) واحد.\n_________\n(١) قلت: لكن أوجبه الشامي (٢/ ٧٥)، وصرَّح بالندب شارح \"الإقناع\" (١/ ١٩٥) في غير الصلاة، وقال النووي (٢/ ٢٦٧): الأصح الوجوب. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٢٦٥).","vol":"12","page":48},{"text":"٤٠١٩ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عن الْجُرَيْرِيِّ (١)، عن أَبي نَضْرَةَ، عن رَجُلٍ مِنَ الطُّفَاوَةِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يُفْضِيَنَ رَجُل إلَى رَجُلٍ، وَلَا امْرَأَةٌ إلَى امْرَأَةٍ، إلَّا (٢) إلَى وَلَدٍ أَوْ وَالِد\".\nقَالَ: فَذَكَرَ (٣) الثَّالثةَ فَنَسِيْتُهَا\" (٤). [ق ٧/ ٩٨، حم ٢/ ٥٤١]\n\nآخِرُ كتَابِ الْحَمَّام\n===\n٤٠١٩ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، نا ابن علية، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن رجل من الطفاوة) وهم حي من قيس عيلان، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يفضين رجل إلى رجل، ولا) تفضين (امرأة إلى امرأة) في ثوب واحد (إلَّا إلى ولد أو والد) فإنه يجوز في الولد ما لا يجوز في غيره لما فيهما من البعضية، ويحتمل أن يراد بالولد الطفل الصغير لشدة احتياجه في النوم إلى والده لما يحتاج إليه من غطاء ونحوه.\n(قال: فذكر الثالثة فنسيتها)، ويحتمل أن يكون الوالدة أو الجد أو ما في معناهما.\n\nآخِرُ كتَابِ الْحَمَّام\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وحدثنا مؤمل بن هشام قال: أنا إسماعيل، عن الجريري\".\n(٢) في نسخة بدله: \"إلَّا ولد أو والد\".\n(٣) في نسخة: \"وذكر\".\n(٤) في نسخة: \"آخر كتاب الحمام\".","vol":"12","page":49},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>(٢٦) أَوَّلُ كتَابِ اللِّبَاسِ </span>(١)\n٤٠٢٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن أَبِي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ: إمَّا قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً،\n===\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n(٢٦) (أَوَّلُ كِتَابِ اللِّبَاسِ) (٢)\n٤٠٢٠ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا ابن المبارك، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا استجدَّ ثوبًا) أي: لبس ثوبًا جديدًا (سمَّاه (٣) باسمه: إما قميصًا أو عمامة) رداءً أو قلنسوة\n_________\n(١) في نسخة: \"باب ما جاء في اللباس\".\n(٢) قال الشامي: اللباس فرض، هو ما يستر العورة، وسنة إلى نصف الساق ورؤوس الأصابع بقدر شبر، ومستحب الزائد لإظهار نعمة الله، ومباح للتزيين في العيد ونحوه، ومكروه للتكبر ... إلخ. [انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥٠٥)]. (ش).\n(٣) هكذا في \"الترمذي\" (١٧٦٧)، لكن في \"جمع الفوائد\" (٩٤٣١) عن الترمذي وأبي داود: \"إذا استجَد ثوبًا قال: اللَّهمَّ لك الحمد أنت كسوتني هذا، ويسميه باسمه إما قميصًا أو عمامة\"، الحديث، وظاهره أن التسمية بدل الإشارة، وبهذا جزم ابن القيم في \"الهدي\" (٢/ ٣٧٩). (ش).","vol":"12","page":50},{"text":"ثُمَّ يَقُولُ: \"اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ\". [ت ١٧٦٧، تم ٦٠، حم ٣/ ٣٠]\nقَالَ أَبُو نَضْرَةَ: وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - إذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ: تُبلِي وُيخْلِفُ اللَّهُ تَعَالَى.\n٤٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن الْجُرَيْرِيِّ، بِإسْنَادِهِ، نَحْوَهُ [انظر سابقه]\n٤٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ (١)، نَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، عن الْجُرَيْرِيِّ، بإسناده وَمَعْنَاهُ.\n===\nأو سراويل أو نعلًا أو بساطًا يجلس عليه أو منديلًا أو مخدة أو نحو ذلك، وللبدأة باسم الثوب قبل حمد الله تعالى أبلغ في تذكرة النعمة وإظهارها، فإن فيه ذكر الثوب مرتين: فمرة ذكر ظاهرًا، ومرة ذكر مضمرًا، قاله ابن رسلان.\n(ثمٍ يقول: اللَّهُمَّ لك الحمد، أنت كسوتنيه) أي: هذا الثوب عمامة أو قميصًا أو غيرهما (أسألك من خيره وخير ما صنع له) أي: استعماله في طاعة الله وعبادته، (وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنع له) وهو استعماله في معصية الله ومخالفة أمره، وهو الفخر والخيلاء.\n(قال أبو نضرة: وكان أصحاب النبي - ﷺ - إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا) من قميص أو عمامة أو رداء (قيل له: تبلي) بضم أوله، أي: يستعمل هذا الثوب حتى يبلى ويصير خلقًا (ويُخْلِفُ) بضم أوله وكسر ثالثه (الله تعالى) أي: يبدلك الله ﷿ خيرًا منه وُيعَوِّضُك منه.\n٤٠٢١ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، عن الجريري، بإسناده، نحوه).\n٤٠٢٢ - (حدثنا مسلم) بن إبراهيم، (نا محمد بن دينار، عن الجريري، بإسناده ومعناه).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن إبراهيم\".","vol":"12","page":51},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَ(١) عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا سَعِيدٍ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ (٢): الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبي الْعَلَاءِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - (٣).\n٤٠٢٣ - حَدَّثَنَا نُصَيْرُ بْنُ الْفَرَجِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، نَا سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ-، عن أَبِي مَرْحُومٍ، عن سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَكَلَ طَعَامًا، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ\"\n===\n(قال أبو داود: وعبد الوهاب الثقفي لم يذكر فيه أبا سعيد، وحماد بن سلمة قال: عن الجريري، عن أبي العلاء، عن النبي - ﷺ -).\nحاصل هذا الكلام: أن عبد الوهاب الثقفي وحماد بن سلمة رويا عن الجريري مرسلًا، ولكن الفرق بين روايتهما أن عبد الوهاب روى عن أبي نضرة مرسلًا، وحماد بن سلمة روى عن الجريري عن أبي العلاء مرسلًا، فكلاهما خالف ابن المبارك في الإرسال، وخالف حماد بن سلمة في الإرسال، وفي رواية الجريري عن أبي العلاء، فإن حمادًا ذكر موضع أبي نضرة أبا العلاء.\n٤٠٢٣ - (حدثنا نصير بن الفرج، نا عبد الله بن يزيد، نا سعيد- يعني ابن أبي أيوب-، عن أبي مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: من أكل طعامًا ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام) فيه استحباب حمد الله عقب الأكل، وكذا اللبس والشرب وغير ذلك (ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة) فيتبرأ من حوله وقوته، ويكلهما إلى الله ﷾ (غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) والمراد به صغائر الذنوب،\n_________\n(١) في نسخة: \"ورواه عبد الوهاب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: حماد بن سلمة والثقفي سماعهما واحد\".","vol":"12","page":52},{"text":"قَالَ: \"وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَرَ\". [ت ٣٤٥٨، جه ٣٢٨٥، حم ٣/ ٤٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>(١) بَابٌ: في مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا</span>\n٤٠٢٤ - حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ الْجَرَّاحِ الأَذَنِيُّ، نَا (١) أَبُو النَّضْرِ، نَا إسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عن أَبِيهِ، عن أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ\n===\nفإن لم يكن يرجى أن يخفف من الكبائر، وقد تكلم العلماء في قوله: \"وما تأخر\" في أمرين:\nأحدهما: أن الترمذي وابن ماجه لم يذكرا هذه الزيادة، والثاني: في جواز وقوع ذلك، فقالوا: في قوله - ﷺ - لأهل بدر: \"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\"، إن المراد كل عمل عمله البدري لا يؤاخذ به لهذا الوعد الصادق، وقيل: المعنى أن أعمالهم السيئة تقع مغفورة فكأنها لم تقع، وقيل: إنهم حفظوا فلا تقع من أحد منهم سيئة.\n(قال: ومن لبس ثوبًا، فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).\n\n(١) (بَابٌ: في ما يُدْعَى لِمَنْ لَبسَ ثَوْبًا جَدِيدًا)\nأي: لمن لبس من الأقارب والإخوان والأحَباب ثوبًا كيف يدعى له؟\n٤٠٢٤ - (حدثنا إسحاق بن الجراح الأذني) (٢) بفتح الهمزة والمعجمة، شيخ أبي داود وشيخ ابنه أبي بكر بن أبي داود وغيرهما قال في \"التقريب\": صدوق (نا أبو النضر، نا إسحاق بن سعيد) بن عمرو بن سعيد بن العاص، (عن أبيه) سعيد بن عمرو، (عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: قال أبو النضر\".\n(٢) \"الأذني\" بلدة قرب طَرَسوس، \"قاموس\".","vol":"12","page":53},{"text":"الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أُتِيَ بِكُسْوَةٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ صَغِيرَةٌ، فَقَالَ: \"مَنْ تَرَوْنَ أَحَقَّ بِهَذِهِ؟ \"، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: \"ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ\"، (١) فَأُتِيَ بِهَا، فَأَلْبَسَهَا إيَّاهَا (٢)، ثُمَّ قَالَ: \"أَبْلِي، وَأَخْلِقِي\" (٣) مَرَّتَيْنِ. وَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى عَلَمٍ (٤) في الْخَمِيصَةِ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ،\n===\nالعاص: أن رسول الله - ﷺ - أتي بكسوة فيها خميصة صغيرة) سوداء، (فقال) رسول الله - ﷺ -: (من ترون أحق بهذه؟) الخميصة أن نكسوها (فسكت القوم، فقال) رسول الله - ﷺ -: (ائتوني بأم خالد) وكانت أمها أميمة بنت خالد، هاجرت مع زوجها خالد بن سعيد إلى الحبشة، فولدت أم خالد بها، ثم قدمت المدينة مع أبيها.\n(فأتي بها) إلى النبي - ﷺ -، زاد البخاري (٥): \"قدمت من أرض الحبشة وأنا جويرية، فكساني رسول الله - ﷺ - خميصة لها أعلام\"، ولعل سبب تخصيص أم خالد بهذه الخميصة أنها كانت صغيرة، فكانت طولها مناسبًا لها، ولا يرد عليه تكنيتها بأم خالد، فإن العرب تُكَنِّي الصغار تفاؤلًا، كما \"تكَنَّى رسول الله - ﷺ -\": \"يا أبا عمير ما فعل النغير؟ \"، أو علم بحاجتها إليها، فهي أشد حاجة إليها لأنها قدمت من الهجرة وإكرامًا لأبيها لسبقه في الإِسلام، ويحتمل غير ذلك.\n(فألبسها إياها، ثم قال: أبلي) بفتح الهمزة وسكون الموحدة، (وأخلقي) من الإخلاق، قال ابن بطال: هذا كلام معروف عند العرب، ومعناه الدعاء بطول البقاء، ويروى بالفاء أيضًا، ويدل عليه الحديث المتقدم قبله: \"أبلي ويخلف الله\" (مرتين، وجعل) أي رسول الله - ﷺ - (ينظر إلى علم في الخميصة أحمر أو أصفر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"إياه\".\n(٣) في نسخة: \"اخلفي\".\n(٤) في نسخة: \"علمة\".\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٣٨٧٤).","vol":"12","page":54},{"text":"وَيقُولُ: \"سَنَاهْ سَنَاهْ يَا أُمَّ خَالِدٍ\"، وَسَنَاهُ في كَلَامِ الْحَبَشَةِ: الْحَسَنُ. [خ ٥٨٢٣، حم ٦/ ٣٦٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1555>(٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقَمِيصِ</span>\n٤٠٢٥ - حَدَّثَنَا (١) إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عن عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ الْحَنَفِيِّ، عن عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْد، عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: \"كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْقَمِيصُ \". [ت ١٧٦٤، تم ٥٥]\n===\nويقول: سناه سناه) بفتح السين وتخفيف النون فيهما، ويقال: بتشديد النون، ويقال: سنا سنا بحذف الهاء، وسنه وسنه بحذف الألف، وهي لغة حبشية. (يا أم خالد، وسناه في كلام الحبشة: الحسن).\n\n(٢) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقَمِيصِ)\n٤٠٢٥ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أنا الفضل بن موسى، عن عبد المؤمن بن خالد الحنفي، عن عبد الله بن بريدة، عن أم سلمة (٢) قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله - ﷺ - القميص) وإنما كان القميص أحب من غيره من الثياب، لأنه أمكن في الستر من الرداء والإزار الذين يحتاجان كثيرًا إلى الربط والإمساك وغير ذلك، ويحتمل أن يكون المراد من أحب الثياب إليه القميص لأنه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"زياد بن أيوب قال: نا أبو تميلة قال: حدثني عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة. عن أبيه عن أم سلمة ح وحدثنا\".\n(٢) قلت: وفي \"العون\" (١١/ ٤٨) بدله: عن أمه، وهو الصواب كما في رواية \"الشمائل\" (٥٦) في باب لباسه - ﷺ -، وكذا في \"جامع الترمذي\" (١٧٦٤)، ولم يذكره الحافظ في مبهمات الرجال ولا النساء ولا في كنى النساء، وذكر في مشايخ عبد الله أباه دون أمه، وفي \"العون\" (١١/ ٤٨)، قال المزي في \"الأطراف\" (١٢/ ١٠٠): حديث أبي داود عن زياد في رواية أبي الحسن ابن العبد وأبي بكر ابن داسة، ولم يذكره أبو القاسم. (ش).","vol":"12","page":55},{"text":"٤٠٢٦ - حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عن بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن أَسْمَاءَ بنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: \"كَانَتْ يَدُ كُمِّ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى الرُّسْغِ\" (١). [ت ١٧٦٥، تم ٥٧]\n===\nيستر عورته وعامة جسمه، فهو شعار الجسد بخلاف ما يلبس فوقه من الدثار، والظاهر أنه سمى قميصًا، لأن الآدمي ينقمص، أي: يدخل فيه وينغمس ليستتر به.\n٤٠٢٦ - (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، نا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن بديل بن ميسرة، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: كانت يد كم قميص رسول الله - ﷺ - إلى الرسغ) في بعض النسخ: بالسين وفي بعضها: بالصاد، قال ابن رسلان: بضم [الراء و] الصاد المهملتين، ويقال: بالسين المهملة، وهو مفصل ما بين الكف والساعد، انتهى.\nوأما قوله: \"كانت يد كم قميص\"، فالجمع بين اليد والكم، إما أن يؤول بالإضافة البيانية، وإلَّا فأحد اللفظين زائد لا حاجة إليه، ولفظ \"الترمذي\" أولى منه: \"كان كُمُّ يد رسول الله - ﷺ -\".\nقال الحافظ ابن القيم في \"الهدي\" (٢): وأما الأكمام الواسعة الطوال التي كالأخراج فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة، وفي جوازها نظر، فإنه من جنس الخيلاء، انتهى. ونقل عن \"مرقاة الصعود\": وهذا الحديث مخصوص بالقميص الذي كان يلبسه في السفر، وكان يلبس في الحضر قميصًا من قطن وكماه مع الأصابع، كذا ورد في حديث (٣) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤)، وروى فيه عن علي: \"كان يمد كم القميص حتى إذا بلغ الأصابع قطع ما فضل\"، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"الرصغ\"، وفي نسخة: \"الرسخ\".\n(٢) \"زاد المعاد\" (١/ ١٤٠).\n(٣) وبسط اختلاف الروايات في ذلك القاري في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٠٧)، وذكر الشامي (٩/ ٥٧٩) في كتاب اللباس سنية الكمين إلى الأصابع فتأمل. (ش).\n(٤) \"شعب الإيمان\" (٥/ ١٥٨).","vol":"12","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1556>(٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَقْبِيَةِ</span>\n٤٠٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ، الْمَعْنَى، أَنَّ اللَّيْثَ- يَعْنِي ابْنَ سعْدٍ - حَدَّثَهُمْ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْن أَبِي مُلَيْكَةَ، عن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللِّهِ - ﷺ - أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. قَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: \"خَبَأتُ هَذَا لَكَ\"، قَالَ: فَنَظَرَ إلَيْهِ- زَادَ ابْنُ مَوْهَبٍ: مَخْرَمَةُ،\n===\nفيمكن أن يحمل حديث الباب على الأفضل، وحديث البيهقي على بيان الجواز.\n\n(٣) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَقْبِيَةِ)\nجمع قباء بفتح القاف وبالمد\n٤٠٢٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب، المعنى) أي: معنى حديثيهما واحد (أن الليث -يعني ابن سعد- حدثهم، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة أنه قال: قسم رسول الله - ﷺ - أقبية، ولم يعط مخرمة شيئًا، فقال مخرمة) - وكان أعمى- لابنه مسور: (يا بني، انطلق بنا إلى رسول الله - ﷺ -، فانطلقت معه) أي مع أبي (قال) مخرمة لابنه مسور: (ادخل) في البيت (فادعه) أي رسول الله - ﷺ - (لي، قال) مسور: (فدعوته) أي رسول الله - ﷺ - (فخرج) رسول الله - ﷺ - (إليه) أي إلى مخرمة (وعليه) أي رسول الله - ﷺ - (قباء منها) أي: من الأقبية (فقال) رسول الله - ﷺ -: (خبأت هذا لك) وإنما قال ذلك تأنيسًا وتلطفًا (قال) أي: المسور: (فنظر إليه) أي: إلى القباء (زاد ابن موهب: مخرمة) والمراد بالنظر إليه الجس واللمس.\nوالحاصل: أن قتيبة قال: \"فنظر إليه\" فقط، ولم يذكر لفظ \"مخرمة\"، وأما يزيد بن خالد بن موهب فزاد بعد قوله: \"فنظر إليه\" لفظ \"مخرمة\"، وهو فاعل نظر.","vol":"12","page":57},{"text":"ثُمَّ اتَّفَقَا- قَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ\". قَالَ قُتَيْبَةُ: عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكةَ: لَمْ يُسَمِّهِ. [خ ٥٨٠٠، م ١٠٥٨، ت ٢٨١٨، حم ٤/ ٣٢٨، ن ٥٣٢٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>(٤) بَابٌ: في لُبْسِ الشُّهْرَةِ</span>\n٤٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا أَبُو عَوَانَةَ. (ح): وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ (١) بْنُ عِيسَى، عن شَرِيكٍ، عن (٢) عُثْمَانَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ، عن الْمُهَاجِرِ الشَّامِيِّ، عن ابْنِ عُمَرَ- قَالَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ: يَرْفَعُهُ- قَالَ: \"مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ،\n===\n(ثم اتفقا) أي قتيبة وابن موهب (قال) أي النبي - ﷺ - أو مخرمة: (رضي مخرمة) فعلى احتمال أن يكون هذا قول رسول الله - ﷺ - يمكن أن يكون معناه على الاستفهام، أي: هل رضي مخرمة، أو الإخبار، وعلى احتمال أن يكون قول مخرمة، فليس معناه إلَّا الإخبار.\n(قال قتيبة: عن ابن أبي مليكة، لم يسمه) أي: لم يذكر اسم ابن أبي مليكة، وأما ابن موهب فذكره باسمه، وهو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة.\n\n(٤) (بَابٌ: في لُبْسِ الشُّهْرَةِ)\n٤٠٢٨ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا أبو عوانة، ح: وحدثنا محمد بن عيسى، عن شريك) رويا (عن عثمان بن أبي زرعة، عن المهاجر) بن عمرو النَّبَّال بنون وموحدة ثقيلة (الشامي) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن ابن عمر قال) أي: محمد بن عيسى (في حديث شريك) لفظ: (يرفعه، قال) رسول الله - ﷺ -: (من لبس ثوب شهرة) أي: غرض اللابس ومقصده بهذا اللباس الشهرة، إما باعتبار التفاخر والخيلاء، أو باعتبار التزهد.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ثنا\".","vol":"12","page":58},{"text":"أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةَ ثَوْبًا مِثْلَهُ\". زَادَ عن أَبِي عَوَانَةَ: \"ثُمَّ تَلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ\". [جه ٣٦٠٦، حم ٢/ ٩٣]\n٤٠٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: \"ثَوْبَ مَذَلَّةٍ\". [انظر مَا قبله]\n٤٠٣٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو النَّضْرِ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ ثَابِتٍ، نَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عن أَبِي مُنِيبٍ الْجُرَشِيِّ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ\". [حم ٢/ ٥٠]\n===\n(ألبسه الله يوم القيامة ثوبًا مثله) أي: ثوب شهرة (زاد) محمد بن عيسى (عن أبي عوانة: ثم تلهب) أي: تشتعل (فيه) أي: الثوب (النار).\n٤٠٢٩ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة) بسنده (قال) مسدد، عن أبي عوانة بعد قوله: من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة (ثوب مذلة).\n٤٠٣٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو النضر، نا عبد الرحمن بن ثابث، نا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي) بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة، الدمشقي الأحدب، قال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: من تشبَّه بقوم) قال القاري (١): أي: من شَبَّهَ نفسه بالكفار مثلًا في اللباس وغيره، أو بالفساق أو الفجار أو بأهل التصوف والصلحاء الأبرار (فهو منهم) أي: في الإثم أو الخير عند الله تعالى، أما لو تزيَّا بزي الصلحاء والعلماء، وقصد بذلك الشهرة بين الناس، وأن يُكَرَّمَ كما يُكَرَّمُون فهذا داخل في الحديث الأول، ولا يُعَدُّ محمودًا عند الله تعالى.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٢٥٥).","vol":"12","page":59},{"text":"(٥) بَابٌ: في لُبْسِ (١) الصُّوفِ وَالشَّعْرِ\n٤٠٣١ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٢) الرَّمْلِيُّ وَحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (٣) قَالَا: نَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عن أَبِيهِ، عن مُصْعَب بْنِ شَيْبَةَ، عن صَفِيَّةَ بنْتِ شَيْبَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ (٤) مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ\". وَقَالَ حُسَيْنٌ: حدثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا. [م ٢٠٨١، ت ٢٨١٣، حم ٦/ ١٦٢]\n٤٠٣٢ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ الزُّبَيْدِيُّ، نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عن عَقِيلِ بْنِ مُدْرِكٍ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1558>(٥) (بَابٌ: في لُبْسِ الصَّوفِ وَالشَّعْرِ)</span>\nالصوف للضأن، والشعر للعنز\n٤٠٣١ - (حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله الرملي وحسين بن علي قالا: نا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: خرج رسول الله - ﷺ - وعليه مِرْط) أي: كساء اَتَّزَرَ به (مرحَّل) (٥)، قال الخطابي (٦): هو الذي فيه خطوط، ويقال للذي فيه تصاوير، رحل وما أشبه ذلك (من شعر أسود، وقال حسين) شيخ المصنف: (حدثنا يحيى بن زكريا) أي بدل قوله: نا ابن أبي زائدة، وأما يزيد فقال: ابن أبي زائدة، ولم يسمه.\n٤٠٣٢ - (حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، نا إسماعيل بن عياش، عن عقيل) مكبرًا (ابن مدرك) السلمي بضم، ويقال: الخولاني، أبو الأزهر\n_________\n(١) في نسخة: \"لبس الشعر والصوف\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن موهب\".\n(٣) زاد في نسخة: \"الكوفي\".\n(٤) في نسخة: \"مرجَّل\". [قال المنذري: من رواه بالجيم قال: كان عليه صور الرجال].\n(٥) بسط القاري في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٢٢) في معناه. (ش).\n(٦) \"معالم السنن\" (٤/ ١٨٩).","vol":"12","page":60},{"text":"عن لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عن عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: \"اسْتَكْسَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَكَسَانِي خَيْشَتَيْنِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أَكْسَى أَصْحَابِي\".\n٤٠٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عنِ قَتَادَةَ، عن أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: \"يَا بُنَيَّ، لَوْ رَأَيْتَنَا وَنحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَدْ أَصَابَتْنَا السَّمَاءُ، حَسِبْتَ أَنَّ رِيحَنَا رِيحُ الضَّأْنِ\" (١). [ت ٢٤٧٩، جه ٣٥٦٢، حم ٤/ ٤٠٧]\n===\nالشامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا، (عن لقمان بن عامر) الوصابي، في \"التقريب\": بتخفيف الصاد المهملة، وفي \"لب اللباب\": بالفتح وتشديد المهملة، نسبة إلى وصاب بطن من حمير، أبو عامر الحمصي، قال أبو حاتم: يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم الرازي: روايته عن أبي الدرداء مرسلة.\n(عن عتبة بن عبد السلمي قال: استكسيت رسول الله - ﷺ -) أي: طلبت الكسوة منه - ﷺ - (فكساني خَيْشَتَيْن) هى ثياب من أردأ الكتان، وفي \"القاموس\": الخيش: ثياب في نسجها رقة، وخيوطها غلاظ، من مشاقة الكتان أو من أغلظ العصب. (فلقد رأيتني وأنا أَكْسَى أصحابي) أي: أفضلهم كسوة.\n٤٠٣٣ - (حدثنا عمرو بن عون، نا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي بردة) ابن أبي موسى الأشعري (قال: قال لي أبي) أي: أبو موسى الأشعري: (يا بني، لو رأيتنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - وقد) الواو للحال (أصابتنا السماء) أي: المطر (حسبت أن ريحنا ريح الضأن) يعني يثور من ثيابهم الرياح كما يثور من الضأن، لأن عامة ثيابهم من الصوف والشعر.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: يعني من لباس الصوف\".","vol":"12","page":61},{"text":"٤٠٣٤ - (١) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَاذَانَ، عن ثَابتٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ مَلِكَ ذِي يَزَنٍ أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حُلَّةً أَخَذَهَا بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ نَاقَةً، فَقَبِلَهَا\". [حم ٣/ ٢٢١، دي ٢٤٩٧]\n٤٠٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عن عَلِيِّ بْنِ زيدٍ، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اشْتَرَى حُلَّةً بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ قَلُوصًا، فَأَهْدَاهَا إلَى ذِي يَزَنٍ\".\n٤٠٣٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا مُوسَى، نَا سُلَيْمَانُ\n===\n٤٠٣٤ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن ملك) بفتح الميم وكسر اللام (ذي يزنٍ) وهو ملك حِمْيَر (أهدى إلى رسول الله - ﷺ - حلة) والحلة ثوبان: إزار ورداء (أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرًا، أو ثلاث وثلاثين ناقة، فقبلها) أي: رسول الله - ﷺ - هدية.\n٤٠٣٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث أن رسول الله - ﷺ - اشترى حلة ببضعة وعشرين قلوصًا فأهداها إلى ذي يزن).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: \"فأهداها إلى ذي يزنٍ\"، أي: عوضًا لهديته وكان مسلمًا، وهذا الحديث مرسل، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان لا يحتج به، قاله المنذري (٣).\n٤٠٣٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: ونا موسى، نا سليمان\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب لباس المرتفع\"، وفي نسخة: \"باب لباس المرتفع من الثياب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب لباس الغليظ\".\n(٣) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٦).","vol":"12","page":62},{"text":"- يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ- الْمَعْنَى، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: \"دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْرَجَتْ إلَيْنَا إزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَكِسَاءً مِنَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُلَبَّدَةَ، فَأَقْسَمَتْ بِاللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قُبِضَ في هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ\". [خ ٥٨١٨، م ٢٠٨٠، ت ١٧٣٣، جه ٣٥٥١، حم ٦/ ٣٢]\n٤٠٣٧ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو ثَوْرٍ (١)، نَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ الْقَاسِمِ الْيَمَامِيُّ،\n===\n-يعني ابن المغيرة - المعنى، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة قال: دخلت على عائشة، فأخرجت إلينا إزارًا غليظًا مما يصنع باليمن وكساء من التي يسمونها الملبدة) قيل: هي المرقعة، وقيل: الغليظة، كأنه ركب بعضها بعضًا لغلظها وصار يشبه اللبد. (فأقسمت بالله أن رسول الله - ﷺ - قبض في هذين الثوبين).\nوفي هذا الحديث وأمثاله بيان (٢) ما كان صلوات الله وسلامه عليه من الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه - ﷺ - قد لبس في بعض الأحيان أحسن الملابس وأعلاها، إما بيانًا للجواز أو ائتلافًا لقلب مهديها أو رفعًا للتكلف حين يحضر ذلك، والأكثر أنه حين لبس الأحسن وهبه في ساعته وألبسه غيره.\n٤٠٣٧ - (حدثنا إبراهيم بن خالد أبو ثور، نا عمر بن يونس بن القاسم) الحنفي أبو حفص (اليمامي) الجرشي بضم الجيم وفتح الراء، قال أحمد: ثقة، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثقه أبو بكر البزار.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الكلبي\".\n(٢) وأجاد في هامش أبي داود عن \"اللمعات\" في الجمع بين مختلف ما ورد في ذلك. (ش).","vol":"12","page":63},{"text":"نَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرَورِيَّةُ أَتَيْتُ عَلِيًّا، فَقَالَ: ائْتِ هؤُلَاء الْقَوْمَ، فَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ- قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا جَمِيلًا جَهِيرًا- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَتَيْتُهُمْ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ (١)، مَا هَذِهِ الْحُلَّةُ؟ قَالَ: مَا تَعِيبُونَ عَلَيَّ، لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُلَلِ\" (٢). [ق ٨/ ١٧٩، حم ١/ ٣٤٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>(٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخَزِّ</span>\n===\n(نا عكرمة بن عمار، نا أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس قال: لما خرجت) على علي (الحَرورية) نسبة إلى حروراء وقد تقصر، قرية بالكوفة ينسب إليها بعض الخوارج (أتيت عليًّا فقال) أي: علي: (ائتِ هؤلاء القوم) أي: الخوارج فاكشف شبهاتهم (فلبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، قال أبو زُميل: وكان ابن عباس رجلًا جميلًا جهيرًا) أي: ذا منظر حسن، قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، وإذا حدَّث قلت: أعلم الناس، وكان لمن بعده للمعضلات.\n(قال ابن عباس: فأتيتهم فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس، ما هذه الحلة؟) كأنهم عابوا عليه الترفع في اللباس (قال) ابن عباس: (ما تعيبون عليَّ) أي: في الارتفاع في اللباس (لقد رأيت على رسول الله - ﷺ - أحسن ما يكون من الحلل).\n\n(٦) (بَابُ مَاجَاءَ فِي الْخَزِّ)\nبفتح المعجمة وتشديد الزاي: ما غلظ من الديباج، وأصله من وبر الأرنب، ويقال لذكر الأرنب: خزز بوزن عمر، وفي \"القاموس\" الخزز:\n_________\n(١) في نسخة: \"يا أبا عباس\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: اسم أبي زميل: سماك بن وليد الحنفي\".","vol":"12","page":64},{"text":"٤٠٣٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْمَاطِيُّ الْبَصْرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدَ اللهِ الرَّازِيُّ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الرَازِيُّ، نَا أَبِي\n===\nكصرد، ذكر الأرانب، ومنه اشتق الخز، قال في \"الكوكب\" (١): هو المنسوج من الإبريسم والصوف، وقال غيره: حرير يخلط بوبر وشبهه، وقال ابن العربي: أحد نوعيه السَّدى، أو اللحمة حرير وآخر سواه.\n٤٠٣٨ - (حدثنا عثمان بن محمد) بن سعيد الرازي الدشتكي أبو القاسم، ويقال: أبو عمرو (الأنماطي البصري) وقد ينسب إلى جده، وقال الذهبي (٢): شيخ صويلح، وقد تكلموا فيه، انتهى.\nقال الحافظ (٣): ولم أر لأحد فيه كلامًا، إلَّا أن ابن الجوزي قال في \"التحقيق\": تكلم فيه، ولم يذكره مع ذلك في \"الضعفاء\"، وقد تعقبه ابن دقيق العيد بأن ابن أبي حاتم ذكره، فلم يذكره فيه جرحًا، ورأيت في حاشية \"سنن الدارقطني\" (٤) عقب حديث أخرجه من طريق إبراهيم الحربي، عن عثمان بن محمد الأنماطي، عن حرمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر في التيمم: كلهم ثقات، والصحيح موقوف.\n(نا عبد الرحمن بن عبد الله الرازي، ح: ونا أحمد بن عبد الرحمن) ابن عبد الله بن سعد بن عثمان الدَّشْتَكي المقرئ (الرازي) الملقب بحمدون، وقيل: حمدان، قال في \"التقريب\": صدوق، (نا أبي) عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي، أبو محمد الرازي المقرئ، روى عنه ابناه أحمد وعبد الله، وعثمان بن محمد الأنماطي، قال أبو حاتم: صدوق، كان رجلًا\n_________\n(١) هذا غير \"الكوكب\" الذي من تقرير الشيخ الكَنكَوهي رحمه الله تعالى، كما أفاده الشيخ في هامش: \"الأوجز\" (١٦/ ١٦٨).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٥٢).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٥٢).\n(٤) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٨١).","vol":"12","page":65},{"text":"قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، عن أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَجُلًا بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، عَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاء، فَقَالَ: كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\". هَذَا لَفْظُ عُثْمَانَ، وَالإخْبَارُ في حَدِيثِهِ. [ت ٣٣٢١]\n===\nصالحًا، وعن ابن معين: لا بأس به، وقال: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: أخبرني أبي عبد الله بن سعد) بن عثمان، أبو عبد الرحمن المروزي، نزيل ري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث تقدم في عبد الله بن خازم.\n(عن أبيه سعد) بن عثمان الرازي قال: \"رأيت رجلًا ببخارى على بغلة بيضاء\" الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ولم يسم أباه.\n(قال: رأيت (٢) رجلًا ببُخارى على بغلة بيضاء، عليه عمامة خز سوداء).\nقال المنذري (٣): وأخرجه الترمذي والنسائي (٤)، وقال النسائي: قال بعضهم: إن هذا الرجل عبد الله بن خازم السلمي أمير خراسان، وهذا آخر كلامه، وعبد الله بن خازم هذا بالخاء المعجمة والزاي، كنيته أبو صالح، ذكر بعضهم أن له صحبة، وأنكرها بعضهم، وذكر البخاري هذا الحديث في \"التاريخ\" (٥)، ورواه عن مخلد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي، فقال عبد الرحمن: نراه ابن خازم السلمي، وقال البخاري: ابن خازم: ما أرى أدرك النبي - ﷺ -، وهذا شيخ آخر، انتهى كلام المنذري.\n(فقال: كسانيها رسول الله - ﷺ -، هذا لفظ عثمان، والإخبار في حديثه) أي: عثمان.\n_________\n(١) في نسخة: \"ثني\".\n(٢) ذكر الرواية الحافظ في \"الفتح\" وسكت عليها. [انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٥)]. (ش).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٢١).\n(٤) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣٣٢١)، و\"سنن النسائي الكبرى\" (٢٨).\n(٥) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٩٨٣).","vol":"12","page":66},{"text":"٤٠٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: نَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ، نَا (١) عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ، أَوْ أَبُو مَالِكٍ،\n===\n٤٠٣٩ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: نا عطية بن قيس، نا عبد الرحمن بن غنم الأشعري، حدثني أبو عامر) صحابي نزل الشام، وقيل: هو عبيد بن وهب، قاله ابن رسلان.\nوقال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): واختلف في اسمه، فقيل: عبد الله بن هانئ، وجزم البخاري بأنه عبيد بن وهب، وقيل: عبد الله بن عمار، وقيل: عبيد الله، وقيل بالتصغير بغير إضافة، ذكره خليفة بن خياط فيمن نزل الشام، وتوفي في خلافة عبد الملك بن مروان.\n(أو أبو مالك) الحارث، وقيل: كعب بن عاصم، صحابي، يعد في الشاميين، قاله ابن رسلان، وقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣) في ترجمة كعب بن عاصم الأشعري: قال المزني: الصحيح أنه غير أبي مالك الأشعري الذي يروي عنه عبد الرحمن بن غنم، قال: ذلك معروف بكنيته، وهذا معروف باسمه لا بكنيته.\nوقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤) في ترجمة أبي مالك الأشعري: أبو مالك الأشعري، له صحبة، قيل: اسمه الحارث بن الحارث، وقيل: عبيد، وقيل: عبيد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: سمعت\".\n(٢) \"الإصابة\" (٤/ ١٢٣).\n(٣) \"الإصابة\" (٣/ ٢٨٠).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢١٨).","vol":"12","page":67},{"text":"وَاللَّهِ يَمِينٌ أُخْرَى مَا كَذَبَنِي، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ\"، وَذَكَرَ كَلَامًا\n===\nوهذا الحديث ذكره البخاري وغيره من طريق عبد الرحمن بن غنم عنه، فوقع في رواية \"البخاري\" (١): حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري بالشك، وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٢) من الوجه الذي أخرجه منه البخاري، فقال: حدثني أبو عامر وأبو مالك الأشعري، فإن كان محفوظًا فأبو عامر هذا غير عم أبي موسى، وكأنه والد عامر الذي روى عنه ابنه عامر حديث: \"نعم الحي الأشعريون\"، كذا في \"الإصابة\" (٣).\n(والله يمين أخرى) وليس هذا اللفظ في نسخة ابن رسلان، وفيه: \"والله\" فقط، وفيه دليل على جواز الحلف من غير تحليف إذا أريد به التوكيد والمبالغة في كمال الصدق (ما كذبني، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: ليكونَنَّ من أمتي أقوام يستحلُّون الخز).\nقال في \"فتح الودود\": هو بالمعجمتين وهو الصحيح رواية في هذا الكتاب، وضبطه ابن رسلان بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين، وأصله حرح وهو الفرج، فحذف إحدى الحائين، وجمعه أحراح كفرج وأفراج، ومنهم من شدد الراء، وليس بجيد، يريد أنه يكثر فيهم الزنا في الفرج، قاله المنذري، ذكر بعضهم أنه بالخاء والزاي المعجمة وهو ضرب من ثياب الأبريسم، انتهى.\n(والحرير، وذكر كلامًا) زاد البخاري: \"والخمر والمعازف\" بالمهملة والزاي، يعني أصوات الملاهي، وذكر بعد هذا كلامًا ذكره البخاري فقال: \"ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَمٍ يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العَلَمَ\".\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٥٩٠).\n(٢) \"صحيح ابن حبان\" (٦٧٥٤).\n(٣) \"الإصابة\" (٤/ ١٢٣).","vol":"12","page":68},{"text":"قَالَ: \"يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ (١) قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (٢) [خت ٥٥٩٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1560>(٧) بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ</span>\n٤٠٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ (٣) عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ تُبَاعُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ،\n===\n(قال: يمسخ منهم) أي من الذين يستحلون الحرام (آخرين) يعني الذين لم يهلكهم الله بالبيات (قردة وخنازير إلى يوم القيامة) فيه دليل على أن المسخ على صورة القردة والخنازير واقع في هذه الأمة في آخر الزمان.\nقلت: الخز إن كان من الحرير فهو حرام، وإن كان من وبر الأرانب فيحل، فالروايات الناهية محمولة على الأول، وما كان فيها من الرخصة فعلى الثاني.\n\n(٧) (بَابُ مَا جَاءَ في لُبْسِ (٤) الْحَرِيرِ)\nوهو ما يخرج من دود القز فينسج منه الأثواب\n٤٠٤٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رأى حلة) وهي الإزار والرداء (سيراء) فيها خطوط (عند باب المسجد تباع، فقال) عمر: (يا رسول الله) - ﷺ - (لو اشتريت هذه)\n_________\n(١) في نسخة: \"آخرون\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وعشرون نفسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أقل أو أكثر لبسوا الخز، منهم: أنس والبراء بن عازب\". [انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٥) و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٨/ ١٥١)].\n(٣) في نسخة: \"عن\".\n(٤) وحكى العيني عن ابن العربي (٧/ ٢٢٠) أن في لبس الحرير عشرة أقوال. [انظر: \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٠)]. (ش).","vol":"12","page":69},{"text":"فَلَبسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَللْوُفُودِ (١) إذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَال رَسُول اللهِ - ﷺ -: \"إنمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ في الآخِرَةِ\". ثُمّ جَاءَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ في حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا\"، فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَةَ\". [خ ٥٨٤١، م ٢٠٦٨، حم ٢/ ٣٩، ن ٥٢٩٩]\n===\nالحلة (فلبستها يوم الجمعة) وكذا العيد ومجامع المسلمين (وللوفود إذا قدموا عليك، فقال رسول الله - ﷺ -: إنما يلبس هذه من لا خلاق) أي: نصيب (له في الآخرة) وقيل: من لا حرمة له، وقيل: من لا دين له، فعلى الأول يكون محمولًا على الكفار والمشركين، وعلى القولين الآخرين يتناول المسلم والكافر.\n(ثم جاء رسول الله - ﷺ - منها حلل، فأعطى) رسول الله - ﷺ - (عمر بن الخطاب منها حلة، فقال عمر - ﵁ -: يا رسول الله، كسوتنيها) لأنه فهم أنه - ﷺ - أعطاها للبس (وقد) الواو للحال (قلت في حلة عطارد) وهو رجل كان يبيع حلة سيراء عند باب المسجد، وهو ابن حاجب بن زرارة (ما قلت؟) وهو قوله المتقدم: \"إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة\".\n(فقال رسول الله - ﷺ -: إني لم أكسكها) أي: لم أعطكها (لتلبسها، فكساها عمر بن الخطاب) - ﵁ - (أخًا له مشركًا بمكة).\nقال المنذري (٢): وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وهذا الأخ الذي كساه عمر كان أخاه من أمه، وقد جاء ذلك مبينًا في كتاب النسائي، وقيل: إن اسمه عثمان بن حكيم، فأما أخوه زيد بن الخطاب، فإنه أسلم قبل عمر - ﵁ -.\n_________\n(١) في نسخة: \"للوفد\".\n(٢) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٩).","vol":"12","page":70},{"text":"٤٠٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن سَالِم بْنِ عَبْدِ الله، عن أَبِيهِ بِهَذ الْقِصَّةِ قَالَ: حُلَّةَ إسْتَبْرَقٍ. وَقًالَ فِيهِ: ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ. وَقَالَ (١): \"تَبِيعُهَا، وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ\". [خ ٩٤٨، م ٢٠٦٨، ن ٥٢٩٩، حم ٢/ ١٣٩]\n٤٠٤٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، نَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: \"كتَبَ عُمَرُ إلَى عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نهَى عن الْحَرِيرِ، إلَّا مَا كَانَ هَكَذَا وَهَكَذَا، إصْبَعَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً\". [خ ٥٨٢٩، م ٢٠٦٩، ن ٥٣١٢، جه ٣٥٩٣، حم ١/ ٥٠]\n===\n٤٠٤١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه) أي: ابن عمر - ﵄- (بهذه القصة قال: حلة إستبرق) قال في \"القاموس\": الإستبرق: الديباج الغليظ، أو ديباج يعمل بالذهب، أو ثياب حرير صفاق.\n(وقال فيه: ثم أرسل إليه) أي: إلى عمر (بجبة ديباج، وقال: تبيعها، وتصيب بها حاجتك) أي: ما أرسلتها إليك لتلبسها.\n٤٠٤٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، نا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي قال: كتب عمر) - ﵁ -، أي: في زمان خلافته (إلى عتبة بن فرقد) ولاه عمر في الفتوح، وفتح موصل، وجاءه كتاب عمر - ﵁ - لما كان بأذربيجان.\n(أن النبي - ﷺ - نهى عن الحرير، إلَّا ما كان هكذا وهكذا) أي (إصبعين وثلاثة وأربعة) زاد مسلم: \"ورفع لنا رسول الله - ﷺ - إصبعيه الوسطى والسبابة وضمهما\"، ولفظ البخاري: \"نهى عن الحرير إلَّا هكذا، وأشار بإصبعيه اللتين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فيه\".","vol":"12","page":71},{"text":"٤٠٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي (١) عَوْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالحٍ (٢)، عن عَليٍّ -﵁- قَالَ: أُهْدِيَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حُلَّةٌ سِيَرَاءُ، فَأَرْسَلَ بِهَا إلَيَّ، فَلَبِسْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ (٣) فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ في وَجْهِهِ، فَقَالَ (٤): \"إنِّي لَمْ أُرْسِلْ بِهَا إلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا\"، فَأَمَرَنِي (٥) فَأَطَرْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. [خ ٢٦١٤، م ٢٠٧١، ن ٥٢٩٨، حم ٢/ ١١٤]\n===\nتليان الإبهام\"، وفيه أنه يجوز من الحرير الطراز والطرف كالسنجاف، بشرط أن لا يجاوز أربع أصابع، فإن جاوزها حرم، ولا فرق في ذلك بين المركب على الثوب والمنسوج والمعمول بالإبرة والرقيع كالتطريز.\n٤٠٤٣ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا شعبة، عن أبي عون قال: سمعت أبا صالح (٦)، عن علي) - ﵁ - (قال: أهديت إلى رسول الله - ﷺ - حلة سيراء) أهداها له ملك أيلة وهو أكيدر دومة (فأرسل بها إلى، فلبستها) لظن أنه - ﷺ - أرسلها إليه للبس.\n(فأتيته فرأيت الغضب في وجهه، فقال) رسول الله - ﷺ -: (إني لم أرسل بها إليك لتلبسها، فأمرني) بقسمتها بين النساء (فأطرتها) أي: شققتها وقسمتها (بين نسائي) أي: نساء أقاربي، لأن علي بن أبي طالب لم يكن له زوجة في حياته - ﷺ - سوى فاطمة - ﵂ -، ولمسلم: \"إنما بعثتها لتشققها خُمُرًا بين النساء، فشققته خُمُرًا بين الفواطم\"، وهي فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، وفاطمة بنت أسد،\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن عون\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يحدث\".\n(٣) في نسخة: \"وأتيته\".\n(٤) في نسخة: \"وقال\".\n(٥) في نسخة: \"وأمرني\".\n(٦) هو أبو صالح عبد الرحمن بن قيس الحنفي الكوفي، ثقة، ليس له في الصحاح غير هذا الحديث، وقد أخرجه له مسلم (٢٠٧١)، والنسائي (٥٢٩٨) أيضًا.","vol":"12","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1561>(٨) بَابُ مَنْ كَرِهَهُ</span>\n٤٠٤٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِع، عن إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْن، عن أَبِيهِ، عن عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّه وَجْهَهُ-: \"أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن لبْسِ الْقَسِّيِّ،\n===\nوهي أم علي بن أبي طالب، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، والرابعة فاطمة بنت شيبة بن ربيعة امرأة عقيل بن أبي طالب، وهي من المبايعات.\n\n(٨) (بَابُ مَنْ كَرِهَهُ)، أي: الحرير\n٤٠٤٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه-: أن رسول الله - ﷺ - نهى)، ولمسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن حنين، أن أباه حدثه، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: نهاني، وكذا من طريق معمر، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب يقول: نهاني، وللنسائي من طريق أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس قال: نهيت، ومن طريق ابن عجلان قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي قال: نهاني النبي - ﷺ -، ومن طريق زيد بن أبي حبيب، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، أن أباه حدثه، أنه سمع عليًّا يقول: نهاني، ومن طريق ابن القاسم، حدثني مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله، عن أبيه، عن علي، ومن طريق عمرو بن سعد الفدكي، أن نافعًا أخبره، حدثني ابن حنين، أن عليًّا حدثه قال: نهاني.\n(عن لبس القسي) بفتح القاف وقد تكسر وتشديد السين: ثياب فيها حرير يؤتى بها من مصر، ويقال: إنها منسوبة إلى بلاد يقال لها: قس، قال في \"القاموس\": القس: موضع بين العريش والغرماء من أرض مصر، منه الثياب القسية، وقد يكسر، أو هي القزية فأبدلت الزاي، ويقال: إنها القز، أبدل الزاي سينا، قال في \"القاموس\": القز: الإبريسم.","vol":"12","page":73},{"text":"وعن لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ، وعن تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وعن الْقِرَاءَةِ في الرُّكُوعِ\". [م ٢٠٧٨، ت ٢٦٤ و١٧٣٧، جه ٣٦٤٢، ن ١٠٤٤، حم ١/ ٩٢]\n٤٠٤٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (١)، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّه وَجْهَهُ-، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا، قَالَ: عن الْقِرَاءَةِ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [م ٢٠٧٨، ت ١٧٣٧، حم ١/ ١١٤]\n٤٠٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عن إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِهَذَا. زَادَ: \"وَلَا أَقُولُ نَهَاكُمْ\". [م ٤٨٠، ن ٥١٧٣، ت ٢٦٤، جه ٣٦٤٢، حم ١/ ٩٢]\n===\n(وعن لبس المعصفر) أي: الثوب المصبوغ بالعصفر (وعن تختم الذهب) أي: اللبس والتختم هذان (٢) الحكمان مختصان بالرجال (وعن القراءة في الركوع) وهذا للرجال (٣) والنساء جميعًا.\n٤٠٤٥ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه- عن النبي - ﷺ - بهذا، قال: عن القراءة في الركوع والسجود).\n٤٠٤٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن عمرو، عن إبراهيم بن عبد الله بهذا، زاد: ولا أقول نهاكم)، كذا رواية مسلم في الصلاة، وليس معناه أن النهي مختص به، وإنما معناه أن اللفظ الذي سمعته من\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني المروزي\".\n(٢) أي. اللبس والتختم. (ش).\n(٣) وفي \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٥٨): علل الغزالي الحرمة على الرجال بأن في الحرير خنوثة لا تليق بشهامة الرجل، قال البجيرمي: فيه أن هذا حكمته لا علته؛ لأن العلة تقارن المعلول وجودًا وعدمًا فيقتضي أنه لو انتفى عن الرجل الشهامة أي القوة لا يحرم، وليس كذلك، فهو حكمته لا علته. (ش).","vol":"12","page":74},{"text":"٤٠٤٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن عَلِيِّ بْنِ زيدٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مُسْتُقَةً مِنْ سُنْدُسٍ،\n===\nرسول الله - ﷺ - بصيغة الخطاب لي فأنا أنقله كما سمعته، وإن كان الحكم يتناول الناس كلهم.\nقال ابن رسلان: وفيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وإنما وظيفة الركوع التسبيح ووظيفة السجود التسبيح والدعاء، لرواية مسلم وغيره: \"نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب\"، فلو قرأ في ركوع أو سجود غير الفاتحة كره ولم تبطل صلاته، وإن قرأ الفاتحة فوجهان لأصحابنا: أنه كغير الفاتحة فيكره، والثاني: يحرم وتبطل صلاته، هذا إذا كان محمدًا، فإن قرأ سهوًا لم يكره، وسواء قرأ محمدًا أو سهوًا سجد للسهو عند الشافعي، انتهى.\nقلت: ومذهبنا معشر الحنفية أن القراءة في الركوع والسجود، سواء كان فاتحة أو غيرها تكره، ولا تبطل صلاته.\n٤٠٤٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن علي بن زيد) بن جدعان، (عن أنس بن مالك: أن ملك الروم أهدى إلى النبي - ﷺ - مُسْتُقَةً) بضم الميم وسكون السين وضم المثناة فوق، وهي فرو طويل الكمين فارسية معربة، وهي معرب مُشْتَه (١) (من سندس) قال ابن الأثير: يشبه أنها كانت مكففة بالسندس، وهو الرفيع من الحرير والديباج، لأن نفس الفرو لا يكون من سندس، بل المراد أنها مستحفة الكمين بالسندس وداير ذيلها، وقد قيل: إنها الجبة الواسعة، فلا يحتاج حينئذ إلى هذا التأويل، وفي الحديث أنه كان يلبس البرانس والمساتق ويصلي فيها، ومنه حديث عمر - ﵁ - أنه - ﷺ - ويداه في مستقة.\n_________\n(١) وفي \"المعرَّب\" (ص ٥٧٣): وقال النضر: هي الجبة الواسعة، وأصله بالفارسية الحديثة مُشْتِي، وهو ضرب من الثوب الرقيق الناعم.","vol":"12","page":75},{"text":"فَلَبِسَهَا، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى يَدَيْهِ تَذَبْذَبَانِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى جَعْفَرٍ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا\". قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: \"أَرْسِلْ بِهَا إلَى أَخِيكَ النَّجَاشِيِّ\". [حم ٣/ ٢٢٩]\n٤٠٤٨ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، نَا رَوْحٌ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنًّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا أَرْكَبُ الأُرْجُوَانَ، وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ، وَلَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ\"\n===\n(فلبسها) لأنها كانت مكففة بالحرير، ولم تكن كلها حريرًا، أو لم يكن حرم إذ ذاك (فكأني أنظر إلى يديه) أي: إلى كمي يديه (تذبذبان) أي: تتحركان (ثم بعث بها إلى جعفر فلبسها، ثم جاءه، فقال النبي - ﷺ -: إني لم أعطكها لتلبسها) أي: لم أبعثها إليك لتلبس (قال: فما أصنع بها؟ قال: أرسل بها إلى أخيك النجاشي)، والمراد بالأخوة ههنا أخوة الإيمان، وإنما أمر بإهدائها إلى النجاشي، لأنه كان منَّ على جعفر وأصحابه حين ذهبوا إليه مهاجرين من مكة.\n٤٠٤٨ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا روح، نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن نبي الله - ﷺ - قال: لا أركب الأرجوان) أي: على الأرجوان، بضم الهمزة والجيم (١)، وهو الصوف الأحمر، والحديث محمول على النهي عن ركوب ميثرة الحرير، فإن الأحمر أشد كراهة للنهي عنه من غيرها (ولا ألبس المعصفر) أي: ثوبًا مصبوغًا بعصفر (ولا ألبس القميص المكلف بالحرير) وهو الذي عمل على ذيله وأكمامه وجيبه كفاف من الحرير كالسنجاف، وهذا محمول على ما زاد على أربع أصابع، أو تركه تنزهًا عنه.\n_________\n(١) هذا هو الصحيح المشهور في ضبطها، وقيل بالفتح وهو غلط، واختلف في تفسيرها بسطه الحافظ [انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٣)]. (ش).","vol":"12","page":76},{"text":"قَالَ: وَأَوْمَأَ الْحَسَنُ إلَى جَيْب قَمِيصِهِ. قَالَ: وَقَالَ: \"أَلَا وَطِيبُ الرِّجَالِ رِيحٌ لَا لَوْنَ لَهُ، قَالَ (١): وَطِيبُ النِّسَاءِ لَوْنٌ لَا رِيحَ لَهُ\". قَالَ سَعِيدٌ: أرَاهُ قَالَ: إنَّمَا حَمَلُوا قَوْلَهُ في طِيب النِّسَاءِ عَلَى أَنَّهَا إذَا خَرَجَتْ (٢). فَأَمَّا (٣) إذَا كَانَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا، فَلتَطَّيَّبْ بِمَا شَاءَتْ\". [ت ٢٧٨٨، حم ٤/ ٤٤٢]\n٤٠٤٩ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبِ الْهَمْدَانِيُّ، أَنَا الْمُفَضَّلُ\n===\n(قال) قتادة: (وأومأ) أي: أشار (الحسن إلى حبيب قميصه) يعني كون القميص مكففًا بالحرير، أي: جيبه مكفف بالحرير، والمراد من الجيب ما يقوَّر من القميص ليدخل الرأس منه (قال) أي: عمران (وقال) النبي - ﷺ -: (ألا وطيب الرجال ريح لا لون له) أي: ما ظهر ريحه وخفي لونه (قال: وطيب النساء لون) أي: له لون (لا ريح له) أي: ظهر لونه وخفي ريحه، وفيه استحباب استعمال الطيب، لا سيما عند إرادة الاجتماع بالناس كالجمعة والعيد ونحوهما، لكي تغلب رائحته على الروائح الكريهة إن كانت، وليصل باستعماله الروح والراحة إلى مشامِّ الحاضرين بالقرب منه.\n(قال سعيد) أي: ابن أبي عروبة: (أراه) أي: أظن قتادة (قال: إنما حملوا) أي: العلماء (قوله) - ﷺ - (في طيب النساء على أنها إذا خرجت) من بيت زوجها، فلا ينبغي لها أن تطيب بما ظهر ريحه لمظنَّة الفساد (فأما إذا كانت عند زوجها، فلتطيب بما شاءت) من الطيب الذي ظهر ريحه وعَبِقَ عَرْفُه لانتفاء العلة.\n٤٠٤٩ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، أَنَا المفضل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ألا\".\n(٢) في نسخة: \"إذا أرادت أن تخرج\".\n(٣) في نسخة: \"وأما\".","vol":"12","page":77},{"text":"- يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ-، عن عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ (١)، عن أَبِي الْحُصَيْنِ- يَعْنِي الْهَيْثَمَ بْنَ شَفِيٍّ- قَالَ: \"خَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي يُكْنَى أَبَا عَامِرٍ - رَجُلٌ مِنَ الْمَعَافِرِ- لِنُصَلِّيَ بِإيليَاء، وَكَانَ قَاصَّهُمْ (٢) رَجُلٌ مِنَ الأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو ريحَانَةَ، مِنَ الصَّحَابَةِ.\nقَالَ أَبُو الْحُصَيْنِ: فَسَبَقَنِي صَاحِبِي إلَى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جِئْتُ (٣) فَجَلَسْتُ إلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلَنِي: هَلْ أَدْرَكْتَ قَصَصَ أَبِي ريحَانَةَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ؟ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن عَشْرٍ: عن الْوَشْرِ،\n===\n-يعني ابن فضالة -، عن عياش بن عباس، عن أبي الحصين -يعني الهيثم بن شفي- قال: خرجت أنا وصاحب لي يكنى أبا عامر) وهو عبد الله بن جابر بن حجر الأزدي (رجل من المعافر) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف فاء (لنصلي بإيلياء) بكسر الهمزة ومد آخره، وهي مدينة بيت المقدس، وفيه فضيلة الرحلة للصلاة في بيت المقدس، لحديث ورد فيه: \"من خرج من بيته لا تنهزه إلَّا الصلاة في بيت المقدس خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" (٤) أو كما قال.\n(وكان قاصَّهم رجل من الأزد، يقال له: أبو ريحانة، من الصحابة) وكان من الفضلاء الزاهدين من الدنيا (قال أبو الحصين: فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم جئت) بعده (فجلست إلى جنبه، فسألني: هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ قلت: لا، قال: سمعته يقول) في قصصه: (نهى رسول الله - ﷺ - عن عشر) أي: عشرة أشياء (عن الوشر) بفتح الواو وسكون الشين المعجمة، وهو أن تحدد المرأة أسنانها وترقق أطرافها، تفعله المرأة الكبيرة تتشبه بالشواب، والواشرة: الصانعة، والموشورة التي تفعل بها ذلك.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"القتباني\".\n(٢) في نسخة: \"قاضيهم\".\n(٣) في نسخة بدله: \"ردفته\".\n(٤) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٨٤) رقم (٨٣) نحوه.","vol":"12","page":78},{"text":"وَالْوَشْمِ، وَالنَّتْفِ، وعن مُكَامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وعن مُكَامَعَةِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ في أَسْفَلِ ثِيَابِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الأَعَاجِمِ، أَوْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَرِيرًا مِثْلَ الأَعَاجِم، وعن النُّهْبَى، وَرُكُوبِ النُّمُورِ، وَلُبُوسِ الْخَاتَمِ إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ\" (١). [ن ٥٠٩١، حم ٤/ ١٣٤، ق ٣/ ٢٧٧، جه ٣٦٥٥]\n===\n(والوشم) بسكون الشين المعجمة، وهو أن يُغرز الجلد بالإبرة ونحوها، ثم يحشى بكحل أو نيل، فليتئم الجلد عليها، فيخضرّ مكان ذلك أو يزرقّ، والعرب تفعل ذلك في الوجه والأيدي وغيرهما للزينة.\n(والنتف) أي: نتف الشيب، وهو مكروه لأنه نور الإِسلام (وعن مكامعة الرجل الرجل) أي: مضاجعته (بغير شعار، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار) لا حاجز بينهما، وهذا في الأجانب، وأما الزوج مع الزوجة فيجوز له ذلك (وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا مثل الأعاجم) فلبس الحرير للرجال حرام وإن كان تحت الثياب (أو يجعل على منكبيه حريرًا مثل الأعاجم) للزينة مما يحصل الخيلاء والتفاخر، وقد ورد النهي عن لبس زي الأعاجم مطلقًا.\n(وعن النُّهْبَى) بضم النون مقصورة بمعنى النهب، والمراد بالنُّهبى: الغارة على مال الغير والسلب منه بغير اختياره (و) عن (ركوب) جلود (النمور) جمع نمر، وهو السبع المعروف، وإنما نهى عن استعمال جلده لما فيه من الزينة والخيلاء، أو لأنه من فعل العجم، ولهذا عقبه المصنف لحديث لبس مثل العجم، أو لأن شعره نجس وإن ذُكِّي أو دبغ عند الشافعي وغيره (و) عن (لبوس الخاتم إلَّا لذي سلطان) (٢) لأنه يكون حينئذ زينة محضة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الذي تفرد من هذا الحديث خبر الخاتم\".\n(٢) قال المنذري (٦/ ٣٣): أخرجه النسائي (٥٠٩١)، وابن ماجه (٣٦٥٥)، كذا في \"عون المعبود\" (١١/ ٦٧). (ش).","vol":"12","page":79},{"text":"٤٠٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، نَا رَوْح، نَا هِشَامٌ، عن مُحَمَّدٍ، عن عَبِيدةَ، عن عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: \"نُهِيَ (١) عن مَيَاثِرِ الأُرْجُوَانِ\". [ن ٥١٨٤]\n٤٠٥١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَا: نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن هُبَيْرَةَ، عن عَلِيٍّ قَالَ: \"نَهَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن خَاتَمِ الذَّهَبِ، وعن لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ\". [ت ٢٨٠٨، ن ٥١٧١، حم ١/ ٩٣]\n===\nوقد استدل بهذا الحديث بعض العلماء على كراهة لبس الخاتم لغير ذي سلطان، والجمهور على جواز لبس الخاتم للإمام وغيره إذا كان من فضة.\n٤٠٥٠ - (حدثنا يحيى بن حبيب، نا روح، نا هشام، عن محمد، عن عبيدة، عن علي أنه قال: نهي عن مياثر الأرجوان) جمع مِيثرة (٢)، في وطاء محشو، يترك على رحل البعير تحت الراكب، وأصله الواو، وميمه زائدة، وقيل: أغشية للسرج، والحرمة متعلقة بالحرير، وقيل: من الجلود، والنهي للإسراف، أو لأنه يكون فيها حرير، كذا في \"المجمع\" (٣).\nوقال أيضًا: في لغة وثر: نهى عن ميثرة الأرجوان، من وثر وثارة فهو وثير، أي: وطيءٌ ليِّن، ويتخذ كالفراش الصغير، ويحشى بقطن أو صوف، ويدخل فيه مياثر السروج، لأن النهي يشمل كل ميثرة حمراء سواء كانت على رحل أو سرج.\n٤٠٥١ - (حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن علي قال: نهاني رسول الله - ﷺ - عن خاتم الذهب وعن لبس القَسِّيِّ والميثرة الحمراء).\n_________\n(١) في نسخة: \"نهاني\".\n(٢) اختلف في تفسيرها على أقوال كثيرة بسطها الحافظ. [انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٣)]. (ش).\n(٣) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٥٦، ٥/ ١٥).","vol":"12","page":80},{"text":"٤٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، نَا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عن عُرْوَةَ (١)، عن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَلَّى في خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: \"اذْهَبُوا بخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، فَإنَهَا أَلْهَتْنِي (٢) في صَلَاتِي، وَائْتُوني بِأَنْبِجَانيَّتِهِ\". [خ ٧٥٢، م ٥٥٦، ن ٧٧١، جه ٣٥٥٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ\n===\n٤٠٥٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا إبراهيم بن سعد، نا ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - صلَّى في خميصة)، قال في \"المجمع\" (٣): هي ثوب خز أو صوف مُعْلَم، وقيد بعضهم بقيد سواد، روي أنه - ﷺ - أتي بخميصتين فلبس إحداهما وبعث بالأخرى إلى أبي جهم، ثم بعث إليه بعد الصلاة وطلب منه الأخرى، انتهى.\n(لها أعلام، فنظر إلى أعلامها) أي: وقع النظر عليها اتفاقًا (فلما سلَّم قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم) وكان قد أهداها إلى النبي - ﷺ - (فإنها ألهتني في صلاتي، وائتوني بأنبجانيته) بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء وتخفيفها: كساء لا علم له، وإذا كان للكساء علم فهو خميصة، وقال القاضي أبو عبد الله: هو كساء سداه قطن أو كتان ولحمته صوف، قاله ابن رسلان. ولبس المعلم من الثياب لا حرج فيه، وإنما كان رده - ﷺ - زهدًا منه، ولعله أراد باستبدالها بأخرى بطيب خاطره لئلا ينكسر، ويرى أن هديته رد عليه.\n(قال أبو داود: أبو جهم بن حذيفة من بني عدي بن كعب) القرشي العدوي، قال البخاري وجماعة: اسمه عامر، أسلم عام الفتح، كان مقدمًا في قريش معظمًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن الزبير\".\n(٢) زاد في نسخة: \"آنفًا\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١١٧).","vol":"12","page":81},{"text":"(١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>(٩) بَابُ الرُّخْصَةِ في الْعَلَمِ وَخَيْطِ الْحَرِيرِ</span>\n٤٠٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ أَبُو عُمَرَ مَوْلَى أَسْمَاءَ بنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ في السُّوقِ اشْتَرَى ثَوْبًا شَامِيًّا، فَرَأَى فِيهِ خَيْطًا أَحْمَرَ، فَرَدَّهُ. فَأَتَيْتُ أَسْمَاءَ (٢) فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا جَارِيَةُ! نَاوِلينِي جُبَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -،\n===\n\n(٩) (بَابُ الرُّخْصَةِ في الْعَلَمِ وَخَيْطِ الْحَرِيرِ)\n٤٠٥٤ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا المغيرة بن زياد) البجلي، أبو هشام الموصلي، ويقال: أبو هاشم، قال البخاري: قال وكيع: كان ثقة، وقال غيره: في حديثه اضطراب، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث، منكر الحديث، أحاديثه مناكير، وعن يحيى بن معين: له حديث واحد منكر، وقال الدوري وابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة ليس به بأس، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: شيخ لا يحتج به.\n(نا عبد الله) بن كيسان القرشي التيمي (أبو عمر) المدني، قال أبو داود: ثبت، وقال الحاكم أبو أحمد: من أجلة التابعين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (مولى أسماء بنت أبي بكر قال: رأيت ابن عمر في السوق اشترى ثوبًا شاميًا) أي: ما ينسج في الشام (فرأى فيه خيطًا أحمر) من حرير (فرده) على البائع (فأتيت أسماء فذكرت ذلك لها، فقالت: يا جارية! ناوليني جبة رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٤٠٥٣ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة في آخرين قالوا: نا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة نحوه، والأول أشبع.\n(٢) زاد في نسخة: \"ابنة أبي بكر\".","vol":"12","page":82},{"text":"فَأَخْرَجَتْ لَهُ جُبَّةَ طَيَالِسَةَ، مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ\". [م ٢٠٦٩، جه ٣٥٩٤]\n٤٠٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ، نَا زُهَيْرٌ، نَا خُصَيْفٌ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ، فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنَ الْحَرِيرِ وَسَدَى الثَّوْبِ، فَلَا بَأسَ بِهِ\". [حم ١/ ٢١٨]\n===\nفأخرجت له جبة طيالسة) فيه ادِّخار ثياب الصالحين، والتبرك بآثارهم، وفضيلة التشبه بهم في الملبس والمأكل، والطيالسة جمع طيلسان بفتح اللام، وهو الكساء الغليظ، زاد مسلم: \"كسروانية\" نسبة إلى كسرى صاحب العراق ملك الفرس.\n(مكفوفة الجيب) وهو موضع القوارة الذي يدخل منه الرأس (والكمين والفرجين) والفرج في الثوب الشق الذي يكون أمام الثوب وخلفه في أسفله (بالديباج) وهو نوع من الحرير، وفيه جواز لباس الجبة المعروفة، ولباس ما له فرجان من خلف وقدام، وأنه لا كراهة فيه وإن كان لا يليق لبسته للفقهاء والصالحين في هذا الزمان، ومن صدقت نيته مع الله تعالى لا يبالي بما يلبس، فقد كان أبو النجيب السهروردي يلبس العمامة في وقت بعشرة دنانير، وفي وقت بدانق.\n٤٠٥٥ - (حدثنا ابن نفيل، نا زهير، نا خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن الثوب المُصْمَت) بضم الميم الأول وفتح الثانية المخففة، وهو الذي جميعه حرير، لا يخالطه قطن ولا غيره (من الحرير، فأما العلم من الحرير وسدى) بفتح السين والدال بوزن الحصى (الثوب) وهو خلاف اللحمة، وهو ما مد طولًا في النسج (فلا بأس به).\nوفيه الرخصة في علم الثوب والعمامة والمنديل، وجواز الصلاة فيه وإن عظم وبلغ أربعة أصابع وهو غاية الرخصة، وفيه الرخصة في المنسوج في الحرير وغيره، وفي الخز وهو الذي سداه من الحرير ولحمته صوف، فإن اللحمة أكثر من السدى، ولا يجوز عكسه، وهو ما سداه صوف أو كتان ولحمته الحرير.","vol":"12","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1563>(١٠) بَابٌ: في لُبْسِ الْحَرِيرِ لِعُذْرٍ</span>\n٤٠٥٦ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا عِيسَى- يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ-، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قتَادَةَ، عن أَنَسٍ قَالَ: \"رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، وَللزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ في قُمُصِ الْحَرِيرِ في السَّفَرِ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا\". [خ ٢٩١٩، م ٢٠٧٦، جه ٣٥٩٢، ت ١٧٢٢، ن ٥٣١٠، حم ٣/ ١٢٢]\n===\n\n(١٠) (بَابٌ: في لُبْسِ الْحَرِيرِ لِعُذْرٍ)\n٤٠٥٦ - (حدثنا النفيلي، نا عيسى -يعني ابن يونس-، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: رخص رسول الله - ﷺ - لعبد الرحمن بن عوف وللزبير بن العوام في قمص الحرير في السفر من) أي: لأجل (حكة) أي: جرب (كانت بهما) وكما يجوز لبسه لحكة كذلك يجوز لبسه للقمل، لحديث الشيخين (١): \"أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكوا القمل إلى رسول الله - ﷺ -، فرخص لهما في قمص الحرير في غزوة\"، والأصح جواز ذلك سفرًا وحضرًا كما هو ظاهر الحديث، وفي وجه يختص ذلك بالسفر، واختاره ابن الصلاح لظاهر الحديث.\nوإذا ثبت حكم الجواز في حق صحابي يثبت في غيره ما لم يقم الدليل على اختصاصه، وغير الحكة والقمل الذي ينفع فيه لبس الحرير في معناه فيقاس عليه، وفي قول مالك وأحمد: لا يباح لبسه لعموم تحريم اللبس، وهذه الرخصة يحتمل أن تكون خاصة بهما، والأصح الإباحة، لأن تخصيص الرخصة بهما على خلاف الأصل المقرر، قاله ابن رسلان.\nوكتب مولانا (٢) محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -:\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٩٢٠)، و\"صحيح مسلم\" (٢٠٧٦).\n(٢) قلت: وحمله ابن عابدين على الخصيصة حاكيًا عن الزيلعي. [انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥٠٧)]. (ش).","vol":"12","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1564>(١١) بَابٌ: في الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ</span>\n٤٠٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبي حَبِيبٍ، عن أَبِي أَفْلَحَ الْهَمْدَانِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زرير (١)، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - أَخَذَ حَرِيرًا، فَجَعَلَهُ في يَمِينِهِ، وَأَخَذَ ذَهَبًا، فَجَعَلَهُ في شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"إنَّ هَذيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي\" (٢). [ت ٥١٤٤، جه ٣٥٩٥، حم ١/ ١١٥]\n===\nقوله: من حكة، وقد تعين العلاج به ها هنا لضرورة كونهم على السفر، ولا شيء ثم يداوي به، فما أبيح للضرورة لا يتعداها، ويتقدر بقدرها.\n\n(١١) (بَابٌ: في الْحَرِيرِ لِلنِّسَاء)\n٤٠٥٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي أفلح الهمداني) البصري، روى عن عبد الله بن زرير الغافقي المصري، عن علي في تحريم الذهب والحرير على المذكور، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.\n(عن عبد الله بن زرير) بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا، (أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: إن نبي الله - ﷺ - أخذ حريرًا، فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا، فجعله في شماله، ثم قال: أن هذين) وهو إشارة إلى جنسهما لا إلى عينهما فقط (حرام) أي: استعمالهما باللبس للرجال فقط، واستعمال الذهب في الظروف للرجال والنساء جميعًا (على ذكور أمتي) زاد ابن ماجه: \"حل لأناثهم\"، وأما اللبس فمجمع عليه، بأن لبس الذهب والحرير لا يجوز للرجال، وأما ما سوى اللبس فقال أبو حنيفة: لا بأس بافتراش الحرير والديباج والنوم عليهما، وكذا الوسائد والمرافق والبسط والستور من الديباج والحرير إذا لم يكن فيهما تماثيل،\n_________\n(١) في رواية ابن العبد: \"ابن رزين\"،\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هو عبد الله بن رزين الغافقي\".","vol":"12","page":85},{"text":"٤٠٥٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحِمْصِيَّانِ قَالَا: نَا بَقِيَّةُ، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: \"أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بُرْدًا سِيَرَاءَ، قَالَ: وَالسِّيَرَاءُ الْمُضَلَّعُ بِالْقَزِّ\". [خ ٥٨٤٢، جه ٣٥٩٨، ن ٥٢٩٧]\n٤٠٥٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنَا أَبُو أَحْمَدَ- يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ-، نَا مِسْعَرٌ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عن عَمْرِو بْنِ في ينَارٍ، عن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَنْزِعُهُ عن الْغِلْمَانِ، وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِيِّ\n===\nوقال أبو يوسف ومحمد: يكره جميع ذلك، وحاصله: أن النهي في الحديث محمول على التحريم عندهما، وعنده على التنزيه كما أشار بقوله: لا بأس، انتهى. قاله القاري (١).\n٤٠٥٨ - (حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد الحمصيان قالا: نا بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك أنه حدثه: أنه) أي: أنسًا (رأى على أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ -) أمها خديجة بنت خويلد (بردًا سيراء) بكسر السين وفتح الياء مع مد آخره، ولفظ \"البخاري\": \"برد حرير سيراء\".\n(قال) الزهري أو غيره من الرواة: (والسيراء المضلع بالقز) أي الحرير الذي فيه خطوط عريضة مثل الأضلاع.\n٤٠٥٩ - (حدثنا نصر بن علي، ثنا أبو أحمد -يعني الزبيري-، نا مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن عمرو بن دينار، عن جابر) - ﵁ - (قال: كنا ننزعه) أي الحرير (عن الغلمان) أي: عن الصبيان (ونتركه على الجواري) يعني البنات، وهو مذهب أبي حنيفة، وللشافعي فيه وجهان:\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ١٣١).","vol":"12","page":86},{"text":"قَالَ مِسْعَرٌ: فَسَأَلْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ عَنْهُ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>(١٢) بَابٌ: في لُبْسِ الْحِبَرَةِ</span>\n٤٠٦٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، نَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ قَالَ: قُلْنَا (١) لأَنَسٍ - يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ -: أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إلَى النَّبِيّ (٢) - ﷺ -، أَوْ أَعْجَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: الْحِبَرَةُ. [خ ٥٨١٢، م ٢٠٧٩، ت ١٧٨٧، حم ٣/ ١٣٤، ن ٥٣١٥]\n===\nأحدهما: أنه لا يجوز لولي الصبي أن يبسه الحرير، وإذا رآه عليه ينزعه عنه، وهو الذي قطع به الشيخ، ورجحه ابن الصلاح وأحمد بن حنبل وغيره؛ لعموم قوله ﵇: \"حرام على ذكور أمتي\"، فدخل فيه الصغير والكبير، والوجه الثاني: يجوز إلى سبع سنين لا بعده، ورجحه الرافعي في شرحيه، قاله ابن رسلان.\n(قال مسعر: فسألت عمرو بن دينار عنه) يعني عن هذا الحديث (فلم يعرفه) قال المنذري: يعني أن مسعرًا سمع الحديث من عبد الملك بن ميسرة الكوفي، عن عمرو بن دينار، ولقي عمرو بن دينار فسأله عن الحديث، فلم يعرفه، فلعله نسيه، انتهى.\nقال ابن رسلان: وهذا غير قادح في الرواية، لأن الراوي ثقة، فلا تسقط روايته.\n\n(١٢) (بَابٌ: في لُبْسِ الْحِبَرَةِ)\n٤٠٦٠ - (حدثنا هدبة بن خالد الأزدي، نا همام، عن قتادة قال: قلنا لأنس -يعني ابن مالك-: أيِّ اللباس كان أحب إلى النبي - ﷺ - أو) للشك من الراوي (أعجب) أي قال لفظ: أحب أو أعجب (إلى رسول الله - ﷺ -؟ قال) أنس: (الحبرة)\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"12","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1566>(١٣) بَابٌ: في الْبَيَاضِ</span>\n٤٠٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبِيْضَ (١)، فَإنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَإنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الإثْمِدُ، يَجْلُو الْبَصَرَ، وُينْبِتُ الشَّعَرَ\". [تقدم برقم ٣٨٧٨]\n===\nقال الجوهري: الحبرة مثل العنبة، بُرد يمان يكون من كتان أو قطن، سميت حبرة لأنها محبرة، أي: مزينة، والتحبير التزيين والتحسين، وإنما كانت الحبرة أحب الثياب وأعجب إلى رسول الله - ﷺ - لأنه ليس فيها كثير زينة، ولأنها أكثر احتمالًا للوسخ من غيرها.\n\n(١٣) (بَابٌ: في الْبَيَاضِ) (٢)\n٤٠٦١ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: البسوا من ثيابكم البيض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم)، وفيه أن أفضل ما يكفن فيه الميت من الألوان البياض، وقد كفن النبي - ﷺ - في ثلاثة أثواب بيض.\n(وإن خير أكحالكم الإثمد) بكسر الهمزة والميم، حجر للكحل (يجلو البصر، وينبت الشعر) أي: شعر أهداب العين، وللترمذي (٣): \"كانت له - ﷺ - مكحلة، يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه\".\n_________\n(١) في نسخة: \"البياض\".\n(٢) اختلف في حقيقة اللون، وهل له حقيقة أم لا؟ كذا في \"العيني\" (٢/ ٦٦٤). (ش).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (١٧٥٧).","vol":"12","page":88},{"text":"(١٤) بَابٌ (١): في الْخُلقَانِ وَفِي غَسْلِ الثَّوْبِ\n٤٠٦٢ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا مِسْكِينٌ، عن الأَوْزَاعِيِّ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، عن وَكِيعٍ، عن الأَوْزَاعِيِّ نَحْوَهُ، عن حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ، فَقَالَ: \"أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ\". وَرَأَى رَجُلًا آخَرَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ،\n===\n\n(١٤) (بَابٌ: في الخُلْقَانِ)\nبضم الخاء وسكون اللام جمع خلق، كذكر وذكران وجزع وجزعان، والخلق هو الثوب الذي يبلي من اللبس، (وفي غَسْلِ الثَّوْبِ)\n٤٠٦٢ - (حدثنا النفيلي، نا مسكين، عن الأوزاعي، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأوزاعي نحوه) أي: نحو حديث مسكين، عن الأوزاعي، (عن حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: أتانا رسول الله - ﷺ -، فرأى رجلًا شَعِثًا) بكسر العين، أي: متغير الشعر منتشره لقلة تعهده بالدهن والتسريح (قد تَفَرَّق شعره) أي: من رأسه ولحيته من قلة تعهد فهو غير متلبِّد. (فقال: أما) بهمزة الاستفهام وما نافية (كان هذا يجد ما يسكن) بضم أوله وتشديد الكاف المكسورة (به شعره) أي: يجمع بعضه على بعض، فيه استحباب تنظيف شعر الرأس بالغسل والترجيل والتدهين بالزيت ونحوه لإزالة التفث، وكان رسول الله - ﷺ - يدهن شعره، ويُرَجِّلُه غِبًّا ويأمر به.\n(ورأى رجلًا آخر وعليه ثياب وسخة)، والوسخ هو ما يعلو الثوب وغيره\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"غسل الثوب وفي الخلقان\".","vol":"12","page":89},{"text":"فَقَالَ: \"أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَا (١) يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ\". [ن ٥٢٣٦، حم ٣/ ٣٥٧]\n٤٠٦٣ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إسْحَاقَ، عن أَبِي الأَحْوَصِ، عن أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - في ثَوْب دُونٍ، فَقَالَ: \"أَلَكَ مَالٌ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"مِنَ أَيِّ الْمَالِ؟ \"، قَالَ: قَدْ آتَانِيَ اللهُ مِنَ الإبلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، قَالَ: \"فَإذَا آتَاكَ الله مَالًا، فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ\". [ن ٥٢٢٤]\n===\nمن الدنس (فقال: أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه) وفيه النظافة من الأوساخ الظاهرة على الثوب (٢) والبدن.\n٤٠٦٣ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه) مالك بن نضلة، وقيل: مالك بن عوف بن نضلة (قال: أتيت النبي - ﷺ - في ثوب (٣) دون) بضم الدال، أي: خلق، وفي رواية: \"رآني النبي - ﷺ - وعلىَّ أطمار\"، وهو جمع طمر، وهو الخلِق (فقال: ألك مال؟) تجب الزكاة فيه (قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق) أي: من المذكور والإناث.\n(قال: فإذا آتاك) بمد الهمزة، أي: أعطاك (الله مالًا، فلير) بسكون اللام أمر والياء المثناة تحت مضمومة ويجوز بالفوقية (أثر نعمة الله) تعالى (عليك وكرامته) التي أكرمك الله بها من المال، وفيه استحباب ثياب تليق بحال الغني ليعرف الفقراء وذوو الحاجات أنه غني فيقصدونه.\n_________\n(١) في نسخة: \"ماء\".\n(٢) وفي \"الدر المختار\" (٦/ ٧٥٥): ويستحب التجمل ... إلخ. (ش).\n(٣) ويشكل عليه ما سيأتي في \"باب من كظم غيظًا\": من ترك لبس ثوب الجمال ... إلخ، رقم الحديث (٤٧٧٨). (ش).","vol":"12","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1568>(١٥) بَابٌ: في الْمَصْبُوغِ </span>(١)\n٤٠٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عن زيدٍ - يَعْنِي ابْنَ أَسْلَمَ-: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبغُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ، حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابُهُ مِنَ الصُّفْرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْبِغُ بِالصُّفْرَةِ؟ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَصْبِغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ يَصْبِغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا، حَتَّى عِمَامَتَهُ\". [ن ٥٠٨٥، حم ٢/ ٩٧]\n===\n\n(١٥) (بَابٌ: في الْمَصْبُوغِ)\n٤٠٦٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا عبد العزيز- يعني ابن محمد-، عن زيد -يعني ابن أسلم-: أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ) بهمز آخره (ثيابه من الصفرة) أي: صفرة اللحية (فقيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله - ﷺ - يصبغ بها) أي: بالصفرة (٢) (ولم يكن شيء أحب إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (منها) أي: من الصفرة (وقد كان) أي رسول الله - ﷺ - (يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته).\nفيه أن العمامة إذا لحقها صبغ اللحية بالصفرة يجوز لبسها في غير بلاد يتميزون فيها بالعمائم الصفر، قال ابن الجوزي: قد اختضب بصفرة جماعة من الصحابة والتابعين. ورأى أحمد بن حنبل رجلًا قد خضب لحيته، فقال: إني لأرى الرجل يحيي ميتًا من السنَّة، وفرح به حين رآه صبغ بها، قاله ابن رسلان.\nوقال علي القاري في \"المرقاة\" (٣): وقد كان، أي: ابن عمر، فأرجع الضمير إلى ابن عمر وهذا أيضًا محتمل، وقال المنذري (٤): أخرجه النسائي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بالصفر\".\n(٢) وسيأتي المنع عن الصفرة في \"باب في حسن العشرة\". (ش).\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٢٥٧).\n(٤) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٨).","vol":"12","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1569>(١٦) بَابٌ: في الْخُضْرَةِ</span>\n٤٠٦٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا عُبَيْدُ الله- يَعْني ابْنَ إيادٍ-، نَا إيَادٌ، عن أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: \"انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ\". [ت ٢٨١٢، ن ٥٣١٩، حم ٢/ ٢٢٦]\n===\nوفي إسناده اختلاف، وأخرج البخاري ومسلم (١) من حديث عبيد بن جريج، عن ابن عمر قال: \"وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ بها\"، فاختلف الناس في ذلك، فقال بعضهم: أراد الخضاب للحيته بالصفرة، وقال آخرون: أراد كان يُصَفِّر ثيابه ويلبس ثيابًا صفرًا (٢)، انتهى.\n\n(١٦) (بَابٌ: في الْخُضْرَةِ)\n٤٠٦٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا عبيد الله -يعني ابن إياد-) بن لقيط السدوسي، أبو السليل مكبرًا الكوفي، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وكان عريف قومه، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال أبو نعيم: كان ابن إياد ثقة، وكان له صحيفة فيها أحاديثه، فإذا جاء إنسان رمى إليه تلك الصحيفة، فكتب منهما ما أراد، وقال البزار في \"كتاب السنن\": ليس بالقوي.\n(نا إياد) بكسر الهمزة ثم مثناة تحتية، ابن لقيط السدوسي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي رمثة) بكسر الراء وسكون ميم ثم مثلثة، التيمي تيم الرباب، واختلف في اسمه على خمسة أقوال.\n(قال: انطلقت مع أبي نحو النبي - ﷺ -، فرأيت عليه بُردين أخضرين) قال ابن رسلان: وهو من لباس أهل الجنة، ومن أنفع الألوان للأبصار.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٦٦)، و\"صحيح مسلم\" (١١٧٧).\n(٢) قلت: لكن سيأتي في \"باب خضاب الصفرة\" من أنه ﵇ كان يلبس النعال السبتية ويُصَفِّر لحيته بالورس والزعفران يؤيد الأول. (ش).","vol":"12","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1570>(١٧) بَابٌ: في الْحُمْرَةِ</span>\n٤٠٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: هَبَطْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - مِنْ ثَنِيَّةٍ، فَالْتَفَتَ إَلَيَّ وَعَليَّ رَيْطَة مُضَرَّجَةٌ بالْعُصْفُرِ، فَقَالَ: \"مَا هَذهِ الرَّيْطَةُ عَلَيْكَ؟ \"، فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ، فَأَتَيْتُ أَهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورًا لَهُمْ، فَقَذَفْتُهَا فِيهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: \"يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا فَعَلَتِ الرَّيْطَةُ؟ \"، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: \"أَفَلَا كَسَوْتَهَا بَعْضَ (١) أَهْلِكَ،\n===\n\n(١٧) (بَابٌ: في الْحُمْرَةِ) (٢)\n٤٠٦٦ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: هبطنا مع رسول الله - ﷺ - من ثنية) وهي الطريق في الجبل، وهي ثنية أذاخر (فالتفت إلى وعلي ريطة) بفتح الراء المهملة وسكون المثناة التحتية ثم طاء مهملة، ويقال: رائطة، وهي كل ملاءة ليست ملفقتين، إنما هي نسيج واحد، وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع: ريط ورياط.\n(مضرجة) بفتح الراء المشددة، أي: ملطخة (بالعصفر، فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما هذه الريطة عليك؟ فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون) أي: يوقدون (تنورًا لهم، فقذفتها) أي: الريطة (فيه) أي: في التنور (ثم أتيته) أي رسول الله - ﷺ - (من الغد، فقال: يا عبد الله، ما فعلت) بصيغة التأنيث، والريطة فاعله، ويحتمل أن يكون \"فعلت\" بصيغة الخطاب والريطة مفعوله (الريطة؟ فأخبرته) أنِّي قذفتها في التنور وأحرقتها، (فقال) رسول الله - ﷺ -: (أفلا كسوتها بعض أهلك) من النساء\n_________\n(١) في نسخة: \"لبعض\".\n(٢) اختلف فيها كثيرًا، ذكر الحافظ (١٠/ ٣٠٥) سبعة أقوال للعلماء، وكذا قال القاري في \"جمع الوسائل\" (١/ ١١٦)، وفي \"الدر المختار\" (٩/ ٥١٥، ٥١٦): مكروه تحريمًا أو تنزيهًا، وللشرنبلالي فيه رسالة ذكر فيها ثمانية أقوال، منها: أنه يستحب، كذا في \"الفتاوى الرشيدية\" (ص ٥٨٤)، و\"الكوكب\" (٣/ ٤١٦). (ش).","vol":"12","page":93},{"text":"فَإنَّهُ لَا بَأسَ بِهِ لِلنِّسَاءِ\". [جه ٣٦٠٣، حم ٢/ ١٩٦]\n٤٠٦٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، نَا الْوَلِيدُ قَالَ: قَالَ هِشَامٌ- يَعْنِي ابْنَ الْغَازِ-: \"الْمُضَرَّجَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُشَبَّعَةٍ (١)، وَلَا الْمُوَرَّدَةُ\" (٢).\n٤٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عن شُرَحْبيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عن شُفْعَةَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٣) قَالَ: رَآَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ أَبُو عَلِيٍّ (٤):\n===\n(فإنه لا بأس به للنساء (٥) فيه نهي الرجال عن لبس المعصفر وكذا المزعفر للحديث المتفق عليه.\n٤٠٦٧ - (حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي، نا الوليد قال: قال هشام -يعني ابن الغاز-: المضرجة التي ليست بمشبعة) أي: الصبغ الشديد الحمرة (ولا الموردة) أي: بحمرة خفيفة مثل لون الورد.\n٤٠٦٨ - (حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي، نا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن شفعة) بضم أوله، السمعي الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الثوب المصبوغ بعصفر، قلت: جهله ابن القطان.\n(عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رآني رسول الله - ﷺ -، قال أبو علي)\n_________\n(١) في نسخة: \"بالمشبعة\".\n(٢) في نسخة: \"بموردة\".\n(٣) في نسخة: \"العاصي\".\n(٤) زاد في نسخة: \"اللؤلؤي\".\n(٥) قال المنذري (٦/ ٤٠): أخرجه ابن ماجه (٣٦٠٣)، كذا في \"عون المعبود\" (١١/ ٧٩). (ش).","vol":"12","page":94},{"text":"أُرَاهُ- وَعَلَيَّ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ بِعُصْفُرٍ مُوَرَّدًا (١)، فَقَالَ: \"مَا هَذَا؟ \"، فَانْطَلَقْتُ فَأَحْرَقْتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَا صَنَعْتَ بِثَوْبِكَ؟ \"، فَقُلْتُ: أَحْرَقْتُهُ، قَالَ: \"أَفَلَا كَسَوْتَهُ بَعْضَ أَهْلِكَ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ثَوْرٌ عن خَالِدٍ، فَقَالَ: مُوَرَّدًا (٢). وَطَاوسٌ قَالَ: مُعَصْفَرٌ.\n٤٠٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُزَابَةَ، نَا إسحَاقُ- يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ -، نَا إسْرَائِيلُ، عن أَبِي يَحْيَى، عن مُجَاهِدٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: \"مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -\". [ت ٢٨٠٧]\n===\nاللؤلؤي تلميذ المصنف: (أراه) أي: أظن شيخي أبا داود قال في حديثه بعد قوله: رآني النبي - ﷺ -، (وعلي ثوب مصبوغ بعصفر موردًا، فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما هذا؟ فانطلقت فأحرقته، فقال النبي - ﷺ -: ما صنعت بثوبتك؟ فقلت: أحرقته، قال: أفلا كسوته بعض أهلك) (٣) من النساء.\n(قال أبو داود: رواه ثور عن خالد فقال: موردًا، و) رواه (طاوس (٤) قال: معصفر) ومعناهما متقاربان، ولكن لفظ المعصفر أصرح وأوضح.\n٤٠٦٩ - (حدثنا محمد بن حزابة، نا إسحاق -يعني ابن منصور-، نا إسرائيل عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: مر على النبي - ﷺ - رجل) لم أقف على تسميته (عليه ثوبان أحمران، فسلم) الرجل (عليه) أي على رسول الله - ﷺ -، (فلم يرد عليه النبي - ﷺ -).\n_________\n(١) في نسخة: \"مورد\".\n(٢) في نسخة: \"مورد\".\n(٣) فمنع المعصفر مخصوص بالرجال، صرح به في \"الدر المختار\" (٩/ ٥١٥). (ش).\n(٤) أما رواية خالد فلم أقف عليها، وأما رواية طاو س فأخرجها ابن سعد (٤/ ٢٦٥)،\nومسلم (٢٠٧٧)، وعبد الرزاق (١١/ ٧٧) رقم (١٩٩٦٥)، والنسائي (٨/ ٢٠٣).","vol":"12","page":95},{"text":"٤٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَلِيدِ - يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ -، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِوبْنِ عَطَاء، عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في سَفَرٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى رَوَاحِلِنَا وَعَلَى إبِلِنَا أَكْسِيَةً، فِيهَا خُيُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ؟ \"، فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -، حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إبِلِنَا، فَأَخَذْنَا الأَكْسِيَةَ، فَنَزَعْنَاهَا عَنْهَا\". [حم ٣/ ٤٦٣]\n===\nوقع في هذا الحديث: \"الأحمران\" مطلقًا من غير قيد المعصفر، فيحمل على المصبوغ بالعصفر، لأن ما صبغ بالحمرة غير المعصفر لا بأس به لما سيأتي، وعند الآخرين مطلق العمرة سواء كان من العصفر أو غيره مكروه، ففي الحديث دلالة على أن مرتكب المعصية حين تلبسها لا يرد عليه تسليمه.\n٤٠٧٠ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا أبو أسامة، عن الوليد- يعني ابن كثير-، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن رجل من بني حارثة، عن رافع بن خديج قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر) قال ابن رسلان غزوة أحد أو غيرها.\n(فرأى رسول الله - ﷺ - على رواحلنا) جمع راحلة، وهي النجيبة التامة الخلق الحسنة المنظر، يختارها الرجل لركوبه، الذكر والأنثى سواء (وعلى إبلنا أكسية) جمع كساء (فيها خيوط) جمع خيط (عهن) هو الصوف مطلقًا، وقيل: الملون منه خاصة، وقيل: الأحمر خاصة (حمر، فقال رسول الله - ﷺ -: ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم؟) أي: غلبتكم (فقمنا سراعًا لقول رسول الله - ﷺ -، حتى نفر بعض إبلنا) لشدة إسراعنا (فأخذنا الأكسية، فنزعناها عنها) أي: عن الرواحل.\nقال ابن رسلان: لعل هذا السفر كان سفر غزو أو حج، وهما لا سيما\n_________\n(١) في نسخة: \"أحمر\".","vol":"12","page":96},{"text":"٤٠٧١ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ ابْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ: وَقَرَاتُ في أَصْلِ إسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ - يَعْنِي ابْنَ زُرْعَةَ-، عن شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عن (١) حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عن حُرَيْثِ بْنِ الأَبَحِّ\n===\nالحج، ينبغي أن يكون الحاج تاركًا للتزين في الرواحل والملابس وزيِّ المترفهين والمتكبرين، فقد حج رسول الله - ﷺ - على راحلة وكانت تحته رحل وقتب وقطيفة خلقة قيمته أربعة دراهم.\n٤٠٧١ - (حدثنا ابن عوف الطائي، نا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، قال ابن عوف الطائي: وقرأت في أصل إسماعيل) غرض ابن عوف بهذا أن هذا الحديث أخذته من شيخي بطريقين: بطريق التحديث، وبحديث القراءة في أصل كتاب إسماعيل.\n(قال: حدثني ضمضم -يعني ابن زرعة-: عن شريح بن عبيد، عن حبيب بن عبيد) الرحبي، أبو حفص الحمصي، قال النسائي: ثقة، قال: وقال حبيب بن عبيد: أدركت سبعين رجلًا من الصحابة، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن حريث) مصغرًا (ابن الأبح) بفتح الهمزة والموحدة ثم حاء مهملة، قال في \"الأطراف\" (٢): هكذا هو في الأصول القديمة من \"سنن أبي داود\"، وفي كتاب أبي القاسم: عبيد بن الأبح، وهو وهم، هكذا هو في حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية، والنسخة المكتوبة المدنية، والنسخة التي عليها المنذري، وهكذا في \"تهذيب التهذيب\" و\"الكاشف\" (٣)، وكتب ابن رسلان الأبج بفتح الهمزة والباء ثم جيم، الشامي السليحيني بفتح السين المهملة وكسر اللام وسكون المثناة، ثم حاء مهملة، كذا ضبطه المنذري (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"حديث بن عبيد\".\n(٢) انظر: \"تحفة الأشراف\" (١٣/ ١١٣).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٣٣)، و\"الكاشف\" (١/ ١٥٤).\n(٤) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٤٢).","vol":"12","page":97},{"text":"السَّلِيحِيِّ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَتْ: \"كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ زينَبَ- امْرَأَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نَصْبغُ ثِيَابًا لَهَا بِمَغْرَةٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَةَ، رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زينَبُ، عَلِمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قدْ كَرِهَ مَا فَعَلَتْ، فَأَخَذَتْ (١) فَغَسَلَتْ ثِيَابَهَا، وَوَارَتْ كُلَّ حُمْرَةٍ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَجَعَ فَاطَّلَعَ، فَلَمَّا لَمْ يَرَ شَيْئًا دَخَلَ\".\n===\nوقال ابن الأثير: وهو الصحيح، خلافًا لما ضبطه السمعاني بفتح اللام بعد التحتانية، وفي \"التقريب\": حريث آخره مثلثة مصغر، ابن الأبلج السليحي بفتح المهملة وكسر اللام وسكون الياء بعدها مهملة، شامي مجهول، وقال في \"الخلاصة\": حريث بن الأبلج السليحي بفتح المهملة وكسر اللام (السليحي) شامي، روى عن أمرة من بني أسد، لها صحبة، وعنه حبيب بن عبيد الرحبي، له عند أبي داود حديث واحد، وقال أبو حاتم: مجهول.\n(أن امرأة من بني أسد) لم أقف على اسمها (قالت: كنت يومًا عند زينب -امرأة رسول الله - ﷺ - ونحن نصبغ ثيابًا لها) أي: لزينب (بمَغرة) وهي الطين الأحمر (فبينا نحن كذلك إذ طلع علينا رسول الله - ﷺ -، فلما رأى المغرة رجع، فلما رأت ذلك) أي: رجوع رسول الله - ﷺ - عن بيتها (زينب، علمت أن رسول الله - ﷺ - قد كره ما فعلت، فأخذت فغسلت ثيابها ووارت) أي: أخفت (كل حمرة، ثم إن رسول الله - ﷺ - رجع) إليها (فاطلع، فلما لم ير شيئًا دخل).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ - قوله: \"فلما رأت ذلك زينب\" إلى آخره، وكان ذلك ظنًا منها ﵂، وإلَّا فمن المعلوم المسلَّم عند كل من أصحاب المذاهب أن الحمرة الخالصة من المعصفر وغيره جائزة للنساء، فكيف يمكن أن يكون النبي - ﷺ - كرهها! والقول: إنه كرهها زهدًا بعيد أيضًا، لأن لون المغرة لا ينافي الزهد، بل الصبغ بها هو عين الزهد،\n_________\n(١) في نسخة: \"وأخذت\".","vol":"12","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1571>(١٨) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ </span>(١)\n٤٠٧٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، وَرَأَيْتُهُ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ،\n===\nفليس فيه غير أنه - ﷺ - لما رجع وكان رجوعه لحاجة له بدت عند وصوله إلى الباب فعاد لتذكرها، أو لما رأى في البيت نسوة الأنصار الأجنبيات واشتغالهن في أمرهن من الصبغ وتجفيف الثياب وغير ذلك ظنت زينب - ﵂ - أنه لم يرجع إلَّا لكراهة المغرة، وكثيرًا ما يشتبه المراد، وسيجيء لذلك نظير، انتهى.\nوقال ابن رسلان: فذكره ما فعلت من الصبغ بالمغرة، قال بعضهم: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، وأما ما صبغ غزله ثم نسج فغير داخل في النهي المذكور، انتهى.\nقال المنذري (٢): في إسناده إسماعيل بن عياش وابنه محمد بن إسماعيل وفيهما مقال، وهكذا وقع في أصل سماعنا، وفي غيره عن حبيب بن عبيد، عن حريث بن الأبح (٣) السليحي، ولم يذكر الحافظ أبو القاسم الدمشقي في \"الإشراف\" (٤)، وسماه عبيد بن الأبح، والنفس لما قاله أميل، والله أعلم.\n\n(١٨) (بَابٌ: في الرَّخْصَةِ)، أي: في العمرة\n٤٠٧٢ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله - ﷺ - له شعر يبلغ شحمة أذنيه، ورأيته في حلة حمراء،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في ذلك\".\n(٢) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٤٢).\n(٣) في الأصل: \"الأبلج\"، وفي \"المنذري\" (٦/ ٤٢) ما أثبته.\n(٤) وفي الأصل: \"الإشراق\"، والتصحيح من \"المنذري\" (٦/ ٤٢).","vol":"12","page":99},{"text":"لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ\". [خ ٣٥٥١، م ٢٣٣٧، ت ١٧٢٤، جه ٣٥٩٩، حم ٤/ ٢٨١، ن ٥٠٦٠]\n٤٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ - بِمِنًى يَخْطُبُ عَلَى بَغْلَةٍ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ (٢) أَحْمَرُ، وَعَلِيٌّ أَمَامَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ\". [تقدم برقم ١٩٥٦]\n===\nلم أر شيئًا قط أحسن منه) والشحمة هي اللين من الأذن في أسفلها، وهو معلق القرط منها.\nوقد اختلفت الروايات في شعره ﵇، فههنا إلى \"شحمة أذنيه\"، وفي رواية: \"منكبيه\"، وفي رواية: \"إلى أنصاف أذنيه\"، وفي رواية: \"بين أذنيه وعاتقه\". قال القاضي: الجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن هو ما يبلغ شحمة أذنيه، وهو الذي بين أذنه وعاتقه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه، قال: وقيل: كان ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصرها بلغت إلى أنصاف أذنيه، وكان يقصر ويطول بحسب ذلك، ثم قال: وهذه حجة لما ذهب إليه الشافعي وغيره أن لبس الثوب الأحمر إذا لم يكن حريرًا لا كراهة في لبسه، انتهى.\nقلت: وعند الحنفية إذا لم يكن حريرًا ولا معصفرًا يجهوز لبسه.\n٤٠٧٣ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن هلال بن عامر، عن أبيه) عامر بن عمرو (قال: رأيت رسول الله - ﷺ - بمنى يخطب على بغلة، وعليه برد أحمر) وكان ذلك عام حجة الوداع (وعليٌّ أمامه) أي: بين يديه (يعبر عنه) أي: عن رسول الله - ﷺ - ويُبَلِّغ كلامه بأعلي صوته إلى أهل الموسم، وهذا البرد الأحمر يحمل على أنه لم يكن مصبوغًا بالعصفر.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"رداء\".","vol":"12","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1572>(١٩) بَابٌ: في السَّوادِ</span>\n٤٠٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: صَبَغْتُ (١) للنَّبِيِّ - ﷺ - بُرْدَةً سَوْدَاءَ فَلَبِسَهَا، فَلَمَّا عَرَقَ فِيهَا وَجَدَ رِيحَ الصُّوفِ، فَقَذَفَهَا. قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرِّيحُ الطَّيِّبُ (٢). [حم ٦/ ١٤٤، ك ٤/ ١٨٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>(٢٠) بَابٌ: في الْهُدْبِ</span>\n٤٠٧٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحمدٍ الْقُرَشِيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عن عُبَيْدَةَ أَبِي خِدَاشٍ، عن أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عن جَابِرٍ (٣) قَالَ: \"أَتَيْتُ النَبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ مُحْتَبٍ بِشَمْلَةٍ،\n===\n\n(١٩) (بَابٌ: في السَّوادِ)\n٤٠٧٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة قالت: صبغت للنبي - ﷺ - بردة سوداء فلبسها، فلما عرق فيها وجد ريح الصوف، فقذفها) أي: طرحها عنه، لأنه كان يكره أن توجد منه الرائحة الكريهة (قال) الراوي: (وأحسبه قال: وكان يعجبه الريح الطيب) وفي الحديث جواز لبس السواد، وهو متفق عليه.\n\n(٢٠) (بَابٌ في الْهُدْبِ)\nبالضم وبضمتين: خمل الثوب وشعر أشفار العين\n٤٠٧٥ - (حدثنا عبيد الله بن محمد القرشي، نا حماد بن سلمة، أنا يونس بن عبيد، عن عبيدة) بفتح العين (أبي خداش، عن أبي تميمة الهجيمي، عن جابر قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو محتب بشملة\n_________\n(١) في نسخة: \"صنعت\".\n(٢) في نسخة: \"الطيبة\".\n(٣) زاد في نسخة: \"هو ابن سليم\".","vol":"12","page":101},{"text":"وَقَدْ وَقَعَ هُدْبُهَا عَلَى قَدَمَيْهِ\". [حم ٥/ ٦٣، ق ٣/ ٢٣٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1574>(٢١) بَابٌ: في الْعَمَائِمِ</span>\n٤٠٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالُوا: نَا حَمَّادٌ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ\". [م ١٣٥٨، ت ١٧٣٥، ن ٥٣٤٤، جه ٣٥٨٥، حم ٣/ ٣٦٣، تم ١١٢]\n٤٠٧٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ، عن جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -\n===\nقد وقع هدبها على قدميه) والاحتباء أن يجلس الرجل على الأرض ويضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشدُّه عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب.\n\n(٢١) (بَابٌ: في الْعَمَائِمِ)\n٤٠٧٦ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، ومسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالوا: نا حماد) بن سلمة، (عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي - ﷺ - دخل عام الفتح) سنة ثمان (مكة، وعليه عمامة (١) سوداء) زاد النسائي: \"بغير إحرام\"، وكان على رأسه المغفر، فلعل العمامة كانت فوقه.\n٤٠٧٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو أسامة، عن مساور الوراق، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه) عمرو بن حريث (قال: رأيت النبي - ﷺ -\n_________\n(١) وفي \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٢) لابن حجر المكي: لم يثبت في طولها وعرضها شيء ... إلخ، قال المناوي (١/ ١٧٧) وتبعه البيجوري: لا يستحب تحنيك العمامة عند الشافعية، واختاره بعض الحفاظ، وممن ندبه ابن القيم (١/ ١٣٦) انتهى. وبسط الشوكاني في ندبه (١/ ٥٩٠). (ش).","vol":"12","page":102},{"text":"عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ\". [م ١٣٥٩، ن ٥٣٤٣، جه ٣٥٨٧]\n٤٠٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، نَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْقَلَانِيُّ، عن أَبِي جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رُكَانَةَ، عن أَبِيهِ:\n===\nعلى المنبر) يخطب (وعليه عمامة سوداء) فيه الاستحباب لمن أراد الجمعة أن يعتم ويرتدي، والإمام آكد، وروى الطبراني (١): \"أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة\".\n(قد أرخى طرفيها بين كتفيه) وفي نسخة: \"طرفها\" بالإفراد، قال النووي في \"شرح مسلم\" (٢) في الحج: هو في جميع نسخ بلادنا بالتثنية، وكذا في \"الجمع بين الصحيحين\" للحميدي، قال القاضي عياض: والصواب المعروف: طرفها بالإفراد.\n٤٠٧٨ - (حدثا قتيبة بن سعيد الثقفي، نا محمد بن ربيعة، نا أبو الحسن العسقلاني) في \"تهذيب التهذيب\": أبو الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة، وعنه محمد بن ربيعة الكلابي، قال في \"التقريب\": مجهول، وقال المنذري: وأخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وإسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني ولا ابن ركانة.\n(عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن ركانة) وفي \"التهذيب\": أبو جعفر بن محمد بن ركانة، روى عن أبيه، وعنه أبو الحسن العسقلاني، قال في \"التقريب\": مجهول، (عن أبيه) هكذا في جميع نسخ أبي داود بزيادة لفظ: \"علي\"، وفي \"تهذيب التهذيب\" و\"التقريب\": بترك لفظ \"علي\"، قال ابن رسلان: عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة، قال في \"التهذيب\": هكذا وقع منسوبًا\n_________\n(١) \"مسند الشاميين\" (٤/ ٣٣٦) رقم (٣٤٨٧).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ١٤٤).","vol":"12","page":103},{"text":"أَنَّ رُكَانَةَ (١) صَارَعَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -\n===\nعند أبي داود في عامة الروايات عنه، وعند الترمذي أيضًا، وهكذا ذكره أبو حاتم وغير واحد، قال: وفي رواية اللؤلؤي: عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن ركانة، وقال بعض الرواة: أبو جعفر بن محمد بن يزيد بن ركانة، عن أبيه محمد بن ركانة، أن ركانة، وهو ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف (٢).\n(أن ركانة صارع (٣) النبي - ﷺ -، فصرعه النبي - ﷺ -) (٤) قال ابن رسلان: وهو من مسلمة الفتح، وقيل: أسلم عقب مصارعتهما، وروى عبد الرزاق (٥)، عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: صارع النبي - ﷺ - أبا ركانة في الجاهلية، وكان شديدًا، فقال: شاة بشاة، فصرعه النبي - ﷺ -، فقال: عاود، فصرعه الثالثة، فقال أبو ركانة: ماذا أقول لأهلي؟ شاة أكلها الذئب، وشاة تكسرت، فماذا أقول للثالثة؟ فقال النبي - ﷺ -: \"ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك، ونغرمك، خذ غنمك\"، هكذا وقع فيه: أبو ركانة، والصواب ركانة.\nوروى المصنف في \"المراسيل\" (٦): عن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله - ﷺ - بالبطحاء، فأتى عليه يزيد بن ركانة أو ركانة بن يزيد، ومعه أعنزٌ له، فقال له: يا محمد هل لك أن تصارعني؟ قال: ما لسعى (٧) - هكذا في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كان\".\n(٢) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٣/ ١١١) رقم (٣٦١٤).\n(٣) قال ابن حبان: في إسناد خبره في المصارعة نظر، كذا في \"الإصابة\" (١/ ٥٠٦)، وفي \"الدر المختار\": المصارعة ليست ببدعة، قال ابن عابدين (٩/ ٥٧٩): مصارعته ﵇ مع جماعة منهم: ركانة، وخبر مصارعته ﵇ مع أبي جهل لا أصل له، وذكر القاري في \"شرح الشمائل\" صرع ركانة ثلاث مرات. (ش).\n(٤) في بعض جبال مكة. (ش). [انظر: \"الإصابة\" (٢/ ٤٩٧)].\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١/ ٤٢٧).\n(٦) (ص ٣٧٧).\n(٧) وفي \"المراسيل\": \"ما تسبقني\".","vol":"12","page":104},{"text":"قَالَ رُكَانَةُ: وَسَمِعْتُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَقُولُ: \"فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ\". [ت ١٧٨٤، ك ٣/ ٤٥٢]\n٤٠٧٩ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ مَوْلَى بَنِي هَاشَمٍ، نَا عُثْمَانُ (١) الْغَطَفَانِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ خَزَّبُوذَ،\n===\nالأصل- قال: شاة من غنمي، فصارعه فصرعه، فأخذ شاة، قال ركانة: هل لك في العود؟ ففعل ذلك مرارًا، فقال: يا محمد، والله ما وضع جنبي أحد إلى الأرض، وما أنت الذي صَرَعني، فأسلم، فرد عليه النبي - ﷺ - غنمه.\n(قال ركانة: وسمعت النبي - ﷺ - يقول: فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس) جمع قلنسوة، ومراد (٢) الحديث: أن المشركين كانوا يعممون على رؤوسهم من غير أن يكون تحت العمامة قلنسوة، ونحن نعمم على القلنسوة، ولأبي الشيخ عن ابن عباس: \"كان لرسول الله - ﷺ - ثلاث قلانس\"، الحديث.\n٤٠٧٩ - (حدثنا محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم، نا عثمان) بن عثمان (الغطفاني) ويقال: الكلاعي، أبو عمرو القاضي البصري، عن أحمد: رجل صالحٌ خيِّرٌ، من الثقات، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، وقال البخاري: مضطرب الحديث، وقال النسائي: ليس بالعوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان ممن يخطئ، روى له مسلم حديثًا واحدًا في النهي عن القزع.\n(نا سليمان بن خَرَّبُوذ) بفتح الخاء المعجمة والراء المشددة ثم باء موحدة\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عثمان\".\n(٢) بسط في معناه صاحب \"العون\" (١١/ ٨٨)، ولم أتحصل ما حكى المناوي في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٧٠) عن ابن الجوزي، وحكى القاري في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٦٨): لبس القلنسوة وحدها زي المشركين لهذا الحديث، وكذا قال البيجوري، واختاره في \"فتاوى مولانا عبد الحي\". (ش).","vol":"12","page":105},{"text":"حَدَّثَنَا شَيْخ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ يمُولُ: \"عَمَّمَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَسَدَلَهَا مِنْ بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1575>(٢٢) بَابٌ: في لِبْسَةِ الصَمَّاءِ</span>\n٤٠٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ لِبْسَتَيْنِ: أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ مُفْضِيًا بِفَرْجِهِ إلَى\n===\nمضمومة وبعدها ذال معجمة، لم يخرج له في الستة غير هذا الحديث (١)، روى له أبو داود هذا الحديث الواحد، قال الذهبي: لا يعرف.\n(حدثنا شيخ من أهل المدينة) لم أقف على تسميته (قال: سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول: عَمَّمَني رسول الله - ﷺ -) أي: شدَّ على رأسي عمامة (فسدلها) أي: أرسل (٢) طرفي العمامة (٣) (من بين يدي) أي: على صدري (ومن خلفي) أي: بين كتفي.\n\n(٢٢) (بَابٌ: في لِبْسَةِ الصَّمَّاءِ)\n٤٠٨٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن لبستين) أي: الهيئتين المخصوصتين من اللبس، الأولى: (أن يحتبي الرجل مفضيًا) كاشفًا (بفرجه إلى)\n_________\n(١) كتب الحافظ على حاشية نسخته ص: \"له شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه الحاكم من رواية عطاء عنه، في حديث طويل، قلت: هو فيه في كتاب الفتن والملاحم (٤/ ٥٤٠)، وصححه ووافقه الذهبي \"من الشيخ عوَّامة\".\n(٢) واختلفت الروايات في إرسال طرفها، كما بسطه المناوي والقاري في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٦٧)، و\"المرقاة\" (٨/ ١٤٦)، وكذا في \"نيل الأوطار\" للشوكاني (١/ ٥٩٠). (ش).\n(٣) قال الزين العراقي: يحتمل الطرف الواحد من خلفه والآخر بين يديه، ويحتمل مرة كذا ومرة كذا، ويحتمل ... إلخ. (ش).","vol":"12","page":106},{"text":"السَّمَاءِ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَهُ وَأَحَدُ جَانِبَيْهِ (١) خَارجٌ، وَيُلْقِيَ ثَوْبَهُ عَلَى عَاتِقِهِ\". [ت ١٧٥٨، حم ٢/ ٤١٩]\n٤٠٨١ - حَدَّثَنَا مُوْسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الصَّمَّاءِ، وعن الاحْتِبَاءِ في ثَوْبٍ وَاحدٍ\". [م ٢٠٩٩، ت ٢٧٦٧، ن ٥٣٤٢، حم ٣/ ٢٩٣]\n===\nجهة (السماء) من غير ساتر لفرجه (و) الثانية: أن (يلبس ثوبه واحد) الواو للحال (جانبيه خارج) أي: مكشوف بلا ستر (ويلقي) من الإلقاء طرف (ثوبه) من أحد جانبيه (على عاتقه) فتبدو عورته، والهيئة الثانية هي الداخلة في الصماء.\n٤٠٨١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الصماء).\nواختلف اللغويون والفقهاء في تفسير اشتمال الصمَّاء، فقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب حتى يُجَلِّلَ جميع جسده ولا يرفع منها جانبًا، وقيل: الصمَّاء، لأنه إذا اشتمل بها لسدت على يديه ورجليه المنافذ كلها، كالصخرة الصمَّاء التي ليس فيها خرق، وأما تفسير الفقهاء فهو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه، وعلى هذا فإنما نهى عنه لأنه يؤدي (٢) إلى كشف العورة، وعلى تفسير أهل اللغة إنما هي مخافة أن يعرض له شيء فيحتاج إلى رده بيده، ولا يجد إلى ذلك سبيلًا.\n(وعن الاحتباء في ثوب واحد) كاشفًا عن فرجه.\n_________\n(١) في نسخة: \"جنبيه\".\n(٢) قال القاري (٨/ ١٣٠): فإن كان يتحقق الكشف فهو حرام، وإن كان يحتمل فمكروه. (ش).","vol":"12","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1576>(٢٣) بَابٌ: في حَلِّ الأَزْرَارِ</span>\n٤٠٨٢ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَا: نَا زُهَيْرٌ، نَا عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- قَالَ ابْنُ نُفَيْلٍ: ابْنِ قُشَيْرٍ - أَبُو مَهَلٍ الْجُعْفِيُّ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، نَا (١) أَبِي قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (٢) - ﷺ - في رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَبَايَعْنَاهُ وَإن قَمِيصَهُ لَمُطْلَقُ الأَزْرَارِ. قَالَ: فَبَايَعْنَاهُ (٣) ثُمَّ أَدْخَلْتُ يَدِي في جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ.\nقَالَ عُرْوَةُ: فَمَا رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ وَلَا ابْنَهُ قَطُّ، إلَّا مُطْلِقِي\n===\n\n(٢٣) (بَابٌ: في حَلِّ الأزْرَارِ)، جمع زر\n٤٠٨٢ - (حدثنا النفيلي وأحمد بن يونس قالا: نا زهير، نا عروة بن عبد الله، قال ابن نفيل) أي: عبد الله بن محمد شيخ المصنف بعد قوله: عروة بن عبد الله: (ابن قشير، أبو مهل الجعفي) وأما أحمد بن يونس فاقتصر على عروة بن عبد الله، قال أبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد في ذكر خاتم النبوة.\n(نا معاوية بن قرة، نا أبي) قرة بن إياس (قال: أتيت رسول الله - ﷺ - في رهط) أي: جماعة (من مزينة) قبيلة (فبايعناه) على الإِسلام (وإن) الواو للحال (قميصه لمطلق الأزرار) أي: مفتوحها، يعني كان جيب قميصه غير مشدود، وكانت عادة العرب أن تكون جيوبهم واسعة، فربما يشدُّونها، وربما يتركونها مفتوحة.\n(قال: فبايعناه ثم أدخلت يدي في جيب قميصه، فمسست الخاتم) أي خاتم النبوة تبركًا به (قال عروة: فما رأيت معاوية ولا ابنه (٤) قط إلَّا مطلقي)\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثني\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) في نسخة: \"فبايعته\".\n(٤) وفي \"جمع الوسائل\" (١/ ١١٠) برواية ابن سعد وابن ماجه: قال عروة: ما رأيت معاوية ولا أباه ... إلخ، وكذا في \"النيل\" (٥٣٣)، وهو الظاهر، لكن في \"ابن ماجه\" (٣٥٧٨): \"ولا ابنه\"، وهكذا في \"جمع الفوائد\" (٥٧٢٦). (ش). =","vol":"12","page":108},{"text":"أَزْرَارِهِمَا قَطُّ في شِتَاء وَلَا حَرٍّ، وَلَا يُزَرِّرَانِ أَزْرَارَهُمَا أَبَدًا\" (١). [جه ٣٥٧٨، حم ٣/ ٤٣٤، حب ٥٤٥٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1577>(٢٤) بَابٌ: في التَّقَنُّعِ</span>\n٤٠٨٣ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، نَا عَبْدُ الزَزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: \"بَيْنَا نَحْنُ\n===\nبكسر اللام بالإضافة إلى (أزرارهما) وهو جمع زر، وهو ما يعلق بالعروة، والعروة حلق الجيب (قط في) زمن (شتاء ولا حر، ولا يُزرِّران أزرارهما أبدًا) فيه تمثيل الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من السلف الصالح باتباع السنَّة والمداومة عليها مهما استطاعوا، جعلنا الله تعالى من أهل الاتباع وجنبنا الابتداع.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: \"فما رأيت معاوية\" إلى آخره، وهذا وإن كان اختيارًا لما هو خلاف الأولى خصوصًا في الصلوات، لكنهما أحبا أن يكونا على ما رأيا النبي - ﷺ -، وإن كان إطلاقه أزراره إذ ذاك لعارض، ولم يكن هذا من عامة أحواله - ﷺ -، وذلك لما فيه من قلة المبالاة بأمر الصلاة، إلَّا أن الكراهة لعلها لا تبقى في حق معاوية وابنه لكون الباعث لهما حب النبي - ﷺ - واتباعه فيما رأياه من الكيفية.\n\n(٢٤) (بَابٌ: في التَّقَنُّعِ) (٢)\n٤٠٨٣ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، نا عبد الرزاق، أنا معمر قال: قال الزهري: قال عروة: قالت عائشة) - ﵂ -: (بينا نحن\n_________\n= [قلت: وكذا في \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٣٤): \"ولا ابنه\"].\n(١) في نسخة: \"قط\".\n(٢) وبسط المناوي في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٧٧) أنه مندوب، وقد صح عن ابن مسعود ﵁، وله حكم المرفوع أن التقنع من سنن المرسلين، وفيه فوائد جليلة ... إلخ، وبسطه الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢٧٤). (ش).","vol":"12","page":109},{"text":"جُلُوسٌ في بَيْتِنَا في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لأَبي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُقْبِلًا (١)، مُتَقنِّعًا في سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاسْتَأذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ\". [خ ٣٩٠٥، ٥٨٠٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>(٢٥) بَابُ مَا جَاءَ في إسْبَالِ الإزَارِ</span>\n٤٠٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن أَبِي غِفَارٍ، نَا أَبُو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيُّ، - وَأَبُو تَمِيمَةَ اسْمُهُ: طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ - عن أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عن رَأْيِهِ، لَا يَقُولُ شَيْئًا إلَّا صَدَرُوا عَنْهُ\n===\nجلوس في بيتنا) في مكة قبل الهجرة (في نحر الظهيرة) أي: حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع.\n(قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - ﷺ - مقبلًا متقنعًا) أي: مغطيًا رأسه إما حفظًا عن حر الشمس أو اختفاء من الكفار (في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فجاء رسول الله - ﷺ - فاستأذن) في الدخول في البيت (فأذن) بضم الهمزة وكسر الذال المعجمة (له، فدخل) ذكره البخاري في الهجرة، وبعده: \"فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، قال: فإني قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحابة؟ ! يا رسول الله. قال: نعم\"، الحديث.\n\n(٢٥) (بَابُ مَا جَاءَ في إسْبَالِ الإزَارِ)\n٤٠٨٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن أبي غفار، نا أبو تميمة الهيجمي - وأبو تميمة اسمه: طريف بن مجالد-، عن أبي جري جابر بن سليم قال: رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه) يعني إذا يقول شيئًا فيقبلون رأيه (لا يقول شيئًا إلَّا صدروا عنه) أي: يأخذون منه كل ما حكم به، ويقبلون قوله وحكمه.\n_________\n(١) في نسخة: \"مقبل متقنع\".","vol":"12","page":110},{"text":"قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا (١): رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ، قَالَ: \"لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ\". قَالَ قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: \"أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي إذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ، فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ (٢) عَنْكَ. وَإنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ، فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ. وَإذَا كُنْتَ بِأَرْض قَفْرٍ (٣) أَوْ فَلَاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ، فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ\"\n===\n(قلت: من هذا؟ قالوا: رسول الله - ﷺ -، قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين، قال: لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت) يعني أنه الأكثر في عادة الشعراء في السلام على الميت أن يقدموا لفظ: \"عليك\" على لفظ: السلام (٤).\n(قل: السلام عليك، قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر) صفة للفظ (٥): الله، أو للفظ: رسول (فدعوته) فعلى الأول بصيغة الخطاب، أي: دعوتَ الله بتضرع وافتقار، وعلى الثاني بصيغة المتكلم، أي: فدعوت الله أن يكشف الضر عنك (كشفه) أي: دفعه (عنك) بعد نزوله (وإن أصابك عام سنة) وهي عام القحط الذي لا تنبت الأرض فيه شيئًا (فدعوتَه أنبتها لك) ما زرعته بفضله وإنعامه.\n(وإذا كنت بأرض) بالتنوين (قفرٍ) وهي الأرض الخالية من الأنيس ولا ماء بها (أو) أرض (فلاة) وهي الأرض التي لا ماء فيها (فضلَّت راحلتك) في تلك الأرض (فدعوته ردها عليك) قال العلماء: لاستجابة الدعاء شروط لا بد منها،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هذا\".\n(٢) في نسخة: \"كشف\".\n(٣) في نسخة: \"قفراء\".\n(٤) وسيأتي له معنى آخر في \"باب في كراهية أن يقول: عليك السلام\". (ش).\n(٥) هذا هو الظاهر برواية أحمد ولفظه: قال أتى رسول الله - ﷺ - رجل، فقال: أنت رسول الله - ﷺ -؟ فقال: نعم، فقال: فإلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى الله ﷿ وحده، من إذا كان بك ضر، فدعوته ... إلخ. [انظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ٦٥، ٥/ ٣٧٧)]. (ش).","vol":"12","page":111},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إلَيَّ، قَالَ: \"لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا\"، قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا شَاةً. قَالَ: \"وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إلَيْهِ وَجْهُكَ إنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إزَارَكَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإنْ أَبَيْتَ فَإلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإيَّاكَ وَإسْبَالَ الإزَارِ، فَإنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإنَ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإنِ امْرؤٌ شَتَمَكَ (١) وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ، فَلَا تُعَيِّرْهُ\n===\nفمنها أن يكون الداعي عالمًا بأن لا قادر على حاجته إلَّا الله تعالى وحده، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو باضطرار وافتقار، فإن الله لا يقبل الدعاء من قلب غافل.\n(قال: قلت:) يا رسول الله (اعهد إلى) أي: أوصني (قال: لا تسبن أحدًا) والسب: الشتم، وفيه تحريم السب، ولا يجوز للمسبوب إلَّا بمثل ما سبه ما لم يكن كذبًا أو قذفًا.\n(قال) جابر بن سليم: (فما سببت بعده) أي: أحدًا (لا حرًا، ولا عبدًا، ولا بعيرًا، ولا شاة، قال) رسول الله - ﷺ -: (ولا تحقرن من المعروف شيئًا) فكل معروف وإن قلَّ نفعه، فهو صدقة ينمو أجره إلى يوم القيامة، (و) لا تحقرن (أن تكلم أخاك) المؤمن (وأنت منبسط إليه وجهك) أي: بطلاقة الوجه وانبساطه (إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت) من أن ترفعه إلى نصف الساق (فإلى الكعبين) أي: فارفعه إليهما.\n(وإياك وإسبال الإزار) وهو تطويله وترسيله نازلًا عن الكعبين إلى الأرض إذا مشى، وإنما يفعل ذلك في الغالب كبرًا (فإنها من المخيلة) أي من الخيلاء والكبر (وإن الله لا يحب المخيلة) أي: لا يرضى عنها (وإن امرؤ شتمك) فلا تشتمه (وعَيَّرك بما يعلم فيك) من الذنب والأفعال القبيحة (فلا تعيره\n_________\n(١) في نسخة: \"شاتمك\".","vol":"12","page":112},{"text":"بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ\". [حم ٥/ ٦٣، ت ٢٧٢٢، \"السنن الكبرى\" للنسائي ٩٦٩١]\n٤٠٨٥ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّه إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنَّ أَحَدَ جَانِبَيْ إزَارِي يَسْتَرْخِي (١)، إنِّي لأَتَعَاهَدُ (٢) ذَلِكَ مِنْهُ. قَالَ: \"لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ\". [خ ٥٧٨٤، ن ٥٣٣٥، حم ٢/ ٦٧]\n===\nبما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه).\n٤٠٨٥ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: من جر ثوبه خيلاء) والثوب يعم الإزار والقميص والرداء والعمامة والطيلسان (لم ينظر الله) تعالى (إليه) أي: نظر رحمة ورضى (يوم القيامة) إذا لم يتب منه.\n(فقال أبو بكر) لما سمع ذلك: يا رسول الله، (إن أحد جانبي إزاري يسترخي) وسبب استرخائه ما ذكره ابن قتيبة في \"كتاب المغازي\": كان أبو بكر - ﵁ - نحيفًا، فلا يستمسك إزاره عليه، بل يسترخي عن حقويه (إني لأتعاهد) وفي نسخة: \"إلَّا أن أتعاهد\" (ذلك منه) ولفظ البخاري: \"إلَّا أن أتعاهد ذلك منه\".\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (لست ممن يفعله خيلاء) فيه فضيلة أبي بكر، قال العلماء: المستحب في الإزار والثوب إلى نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم وإلَّا فمنع تنزيه.\n_________\n(١) في نسخة: \"ليسترخي\".\n(٢) في نسخة: \"إلَّا أن أتعاهد\".","vol":"12","page":113},{"text":"٤٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا يَحْيَى، عن أَبِي جَعْفَرٍ، عن عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلِّي مُسْبِلًا إزَارَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اذْهَبْ فَتَوَضَّأ\". فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ (١): \"اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ\"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ؟ (٢) قَالَ: \"إنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ، وَإنَّ الله تَعَالَى لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ\". [تقدَّم برقم ٦٣٣]\n٤٠٨٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ،\n===\n٤٠٨٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: بينما رجل يصلي مسبلًا إزاره) إلى ما تحت الكعبين (فقال له رسول الله - ﷺ -: اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ) وضوءه للصلاة (ثم جاء فقال: اذهب فتوضأ) ثانيًا (فقال له رجل) كان عنده: (يا رسول الله، مالك أمرته أن يتوضأ) وهو قد دخل في الصلاة متوضئًا.\n(ثم سكتَّ) بتشديد التاء لأن تاء لام الكلمة وتاء الخطاب اجتمعتا فأدغمت إحداهما في الأخرى، أي: سكت عن الأمر بإعادة الصلاة (عنه؟ قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره) أي: إلى ما تحت الكعبين تكبرًا واختيالًا، يحتمل- والله أعلم- أنه أمره بإعادة الوضوء دون الصلاة، لأن الوضوء مكفر للذنوب، كما ورد في الأحاديث الكثيرة.\n(وإن الله تعالى لا يقبل صلاة رجل مسبل) إزاره من الكبر والخيلاء.\n٤٠٨٧ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن علي بن مدرك،\n_________\n(١) في نسخة: \"ثم قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ثم\".","vol":"12","page":114},{"text":"عن أبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيْرٍ، عن خَرَشَة بْنِ الْحُرِّ، عن أَبِي ذَرٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلَمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ\". قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَدْ (١) خَابُوا وَخَسِرُوا، فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا. قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ خَابُوا وَخَسِرُوا. قَالَ (٢): \"الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، أَو الْفَاجِرِ\". [م ١٠٦، ت ١٢١١، ن ٥٣٣٣، جه ٢٢٠٨، حم ٥/ ١٤٨]\n٤٠٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، عن الأَعْمَشِ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عن خَرْشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عن أَبِي ذَرٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا،\n===\nعن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ - أنه قال: ثلاثة لا يكلمهم الله) أي: تكليم أهل الخير بإظهار الرضا، بل بكلام أهل السخط والغضب (ولا ينظر إليهم) نظر رحمة ولطف بهم، بل يعرض عنهم (يوم القيامة، ولا يزكيهم) أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم.\n(ولهم عذاب أليم، قلت: من هم يا رسول الله؟ قد خابوا) من الثواب (وخسروا) أعمالهم (فأعادها ثلاثًا، قلت: من هم يا رسول الله؟ خابوا وخسروا، قال: المسبل) أي: المرخي إزاره خيلاء (والمنَّان) من المنِّ، أي: لا يطعي شيئًا إلَّا مَنَّهُ، أي: امتنَّ به على المعطى له، فإن الامتنان بالعطاء مبطل لأجره.\n(والمنفِّق) بتشديد الفاء من النفاق وهو ضد الكساد (سلعته) أي: متاعه (بالحلف الكاذب، أو الفاجر) شك من الراوي.\n٤٠٨٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر) الفزاري الكوفي، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: ثقة، (عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ - بهذا) الحديث المذكور.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقد\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".","vol":"12","page":115},{"text":"وَالأَوَّلُ أَتَمُّ. قَالَ: \"الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إلَّا مَنَّهُ\". [م ١٠٦، ن ٥٣٣٣، ت ١٢١١، جه ٢٢٠٨، حم ٥/ ١٥٨]\n٤٠٨٩ - حَدَّثنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَمْرٍو-، نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عن قَيْسِ بْنِ بِشْرٍ التَّغْلِبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، وَكَانَ جَلِيسًا لأَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: \"كَانَ بِدِمَشْقَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ، وَكَانَ رَجُلًا مُتَوَحِّدًا،\n===\n(والأول) أي الحديث المتقدم، وهو حديث أبي زرعة بن عمرو (أتم، قال) أبو زرعة بن عمرو بن جرير، ظاهر السياق يقتضي أن يكون مرجع الضمير سليمان بن مسهر، ولكن أخرج النسائي حديث سليمان بن مسهر، ولم يذكر فيه هذا التفسير، فلهذا أرجعنا الضمير إلى أبي زرعة، قال: (المنَّان الذي لا يعطي شيئًا إلَّا مَنَّهُ).\n٤٠٨٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله) التغلبي، (نا أبو عامر -يعني عبد الملك بن عمرو-، نا هشام بن سعد، عن قيس (١) بن بشر) بن قيس (التغلبي) بمثناة فوقية وكسر اللام (٢)، الشامي من أهل قنسرين، روى عن أبيه، وكان جليسًا لأبي الدرداء، وقال أبو حاتم: ما أرى لحديثه بأسًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، عن أبيه بشر بن قيس التغلبي، كان جليسًا لأبي الدرداء بدمشق، ومنزله بقنسرين، قال في \"التقريب\": صدوق.\n(قال: أخبرني أبي، وكان جليسًا لأبي الدرداء، قال بشر) بن قيس: (كان بدمشق رجل من أصحاب النبي - ﷺ - يقال له: ابن الحنظلية) (٣) واسمه: سهل، والحنظلية أمه، وقيل: أم جده (وكان رجلًا متوحدًا) أي: يحب الاعتزال\n_________\n(١) قال الحاكم: صحيح الإسناد (٤/ ١٨٣). (ش).\n(٢) وفتح اللام في النسبة أفصح.\n(٣) انظر ترجمته في: \"الاستيعاب\" (٢/ ٦٦٢) رقم (١٠٨٣).","vol":"12","page":116},{"text":"قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ، إنَّمَا هُوَ صَلَاةٌ (١)، فَإذَا فَرَغَ فَإنَّمَا هُوَ تَسْبِيح وَتَكْبِيرٌ (٢) حَتَّى يَأْتِي أَهْلَهُ. قَالَ: فَمَرَّ بِنَا وَنَحْنُ عِنْدَ أَبِى الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلَا تَضُرُّكَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَرِيَّةً فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُل مِنْهُمْ فَجَلَسَ في الْمَجْلِسِ الَّذِي يجْلِسُ فِيهِ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ: لَوْ (٣) رَأَيْتَنَا حِينَ الْتَقَيْنَا نحْنُ وَالْعَدُوُّ (٤)، فَحَمَلَ فُلَانٌ فَطَعَنَ، فَقَالَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْغِفَارِيُّ، كَيْفَ تَرَى في قَوْلِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ إلَّا قَدْ بَطَلَ أَجْرُهُ.\n===\nمن الناس (قلما يجالس الناس، إنما هو) أي: إنما شغله (صلاة) يتطوع بها (فإذا فرغ) منها (فإنما هو) أي: شغله (تسبيح وتكبير) وتهليل وتحميد لله تعالى (حتى يأتي أهله) لقضاء حاجتهم أو حاجته.\n(قال: فمر بنا) يومًا (ونحن) جلوس (عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة) بالنصب بفعل محذوف، أي: قل لنا كلمة (تنفعنا ولا تضرك، قال) ابن الحنظلية: (بعث رسول الله - ﷺ - سرية) هي الطائفة من الجيش نحو أربعمائة يبعثها الإِمام إلى العدو جمعها سرايا، (فقدمت) السرية من الغزو، (فجاء رجل منهم) إلى مسجد رسول الله - ﷺ - (فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله - ﷺ -، فقال) الرجل الجائي (لرجل إلى جنبه) من أصحاب رسول الله - ﷺ -: (لو رأيتنا) بتاء الخطاب (حين التقينا نحن والعدو فحمل فلان) على رجل من العدو (فطعن) فيه بالسلاح طعنة (فقال) عند طعنته: (خذها) أي: الطعنة (مني وأنا الغلام الغفاري، كيف ترى في قوله؟ قال) أي: الرجل الجالس إلى جنبه: (ما أراه) أي: الغلام القائل بهذه الكلمة (إلَّا قد بطل أجره)\n_________\n(١) في نسخة: \"في صلاة\".\n(٢) في نسخة: \"تهليل\".\n(٣) في نسخة: \"فلو\".\n(٤) في نسخة: \"بالعدو\".","vol":"12","page":117},{"text":"فَسَمِعَ بِذَلِكَ آخَرُ، فَقَالَ: مَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. فَتَنَازَعَا حَتَّى سَمِعَ (١) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: \"سُبْحَانَ اللَّهِ، لَا بَأسَ أَنْ يُؤجَرَ وُيحْمَدَ\". فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاء سُرَّ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ (٢) يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَيْهِ،\n===\nلأنه أظهر عمله وافتخر به (فسمع بذلك) رجل (آخر) من الصحابة (فقال: ما أرى بذلك) القول (بأسًا) لأنه فيه إرهابًا للعدو.\n(فتنازعا حتى سمع رسول الله - ﷺ -) أي: تنازعهما (فقال: سبحان الله) كلمة تقال عند التعجب من الشيء (لا بأس أن يؤجر) بالثواب في الدار الآخرة (ويحمد) في دار الدنيا، هذا حث وترغيب من الشارع في قول الإنسان في الحرب: أنا فلان بن فلان، وقد صرح بجوازه علماء السلف - ﵃-، قال بشر: (فرأيت أبا الدرداء سُرَّ) ببناء المجهول، أي: فرح (بذلك، فجعل يرفع رأسه إليه).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: ظاهر هذا الكلام أن ابن الحنظلية بقي قائمًا حين حدثهم الحديث، ولم يجلس مسارعة إلى الذهاب وصونًا لوقته عما يلغو من سؤال وجواب، ويمكن أن يكون جالسًا، وقوله: \"يرفع رأسه إليه\" يصدق من حيث أنه كان مطرقًا يستمع الرواية، فرفع رأسه وأعاد عليه قوله: \"أنت سمعت\" حتى خفت أن يكون أبو الدرداء يبرك على ركبتي ابن الحنظلية، وعلى هذا فيلزم أن يكون ابن الحنظلية جالسًا، وإلَّا فالبروك على ركبتيه وهو قائم لا يتيسر، أو يقال: إن خفت أن يبرك ابن الحنظلية على ركبتي أبي الدرداء ليجيبه على حسب مسألته مكررًا، فيبرك على ركبتي أبي الدرداء وهو يقول: نعم نعم نعم نعم، أو يبرك ابن الحنظلية على ركبتي نفسه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ذلك\".\n(٢) في نسخة: \"وجعل\".","vol":"12","page":118},{"text":"وَيَقُولُ: أَنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَمَا زَالَ يُعِيدُ عَلَيْهِ، حَتَّى إنِّي لأَقُولُ: لَيَبْرُكَنَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ.\nقَالَ: فَمَرَّ بِنَا يَوْمًا آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَة تَنْفَعُنَا وَلَا تَضُرّكَ، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْمُنْفِقُ عَلَى الْخَيْلِ كَالْبَاسِطِ (١) يَدَيْهِ (٢) بِالصَّدَقَةِ، لَا يَقْبِضُهُمَا\" (٣). ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْمًا آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلَا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ\n===\n(ويقول) أبو الدرداء: (أنت سمعت ذلك من رسول الله - ﷺ -؟ فيقول) ابن الحنظلية: (نعم، فما زال) أبو الدرداء (يعيد عليه) أي: على ابن الحنظلية، (حتى إني لأقول): أي أبو الدرداء (ليبركن على ركبتيه) أي على ركبتي ابن الحنظلية، وأغرب ابن رسلان فقال: ليبركن على ركبتيه مبالغة في التواضع له والخضوع، كما برك عمر - ﵁ - على ركبتيه، حتى أكثر رسول الله - ﷺ - يقول: \"سلوني\" حرصًا على طلب رضاه، فالظاهر أنه أرجع ضمير: \"ركبتيه\" إلى أبي الدرداء.\n(قال) بشر: (فمر بنا) ابن الحنظلية (يومًا آخر) في مجيئه أو رجوعه إلى البيت (فقال له أبو الدرداء:) قل لنا: (كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال) ابن الحنظلية: (قال لنا رسول الله - ﷺ -: المنفق) من الإنفاق (على الخيل) في رعيها وسقيها وعلفها وغير ذلك (كالباسط يديه بالصدقة، لا يقبضهما، ثم مر بنا يومًا آخر، فقال له أبو الدرداء:) قل: (كلمة تنفعنا ولا تضرك)، وإنما قال ذلك في المرات الثلاث لأنه كان متقللًا من الكلام مع الناس خوفًا من أن يقع منه في كلامه ما يضره في دينه.\n(قال: قال لنا رسول الله - ﷺ -: نِعم الرجل خُريم) بضم الخاء المعجمة\n_________\n(١) في نسخة: \"كباسط\".\n(٢) في نسخة: \"يده\".\n(٣) في نسخة: \"لا يقبضها\".","vol":"12","page":119},{"text":"الأَسَدِيُّ، لَولَا طُولُ جُمَّتِهِ، وَإسْبَالُ إزَارِهِ\"، فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا، فَعَجِلَ فَأَخَذ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إلَى أُذُنَيْهِ، وَرَفَعَ إزَارَهُ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ. ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْمًا آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلَا تَضُرُّكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَأمَةٌ في النَّاسِ، فَإنَّ اللَّه تَعَالَى\n===\nوفتح الراء وسكون المثناة تحت، ابن فاتك (الأسدي، لولا طول جُمَّته) بضم الجيم وتشديد الميم، وهي الشعر إذا طال حتى بلغ المنكبين، وسقط عليهما، والوفرة الشعرة إلى شحمة الأذن، ثم الجمة ثم اللمة التي ألمَّت بالمنكب (وإسبال إزاره) أي إلى الكعبين، فإن أزرة المؤمن إلى نصف الساق.\n(فبلغ ذلك) (١) القول (خريمًا، فعجل) بكسر الجيم المخففة أي بادر (فأخذ شفرة) بفتح الشين المعجمة، وهي السكين (فقطع بها جمته) حتى بلغت (إلى أذنيه) وهي الوفرة (ورفع إزاره) حتى بلغ (إلى أنصاف ساقيه، ثم مر بنا يومًا آخر) أي: رابعًا (فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك) وفيه الحرص على تحصيل العلم وسؤال العالم.\n(فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول) حين رجع بهم من الغزو: (إنكم) غدًا (قادمون على إخوانكم) من المؤمنين (فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم) من إزار ورداء وغير ذلك، وفيه أن للمرء أن يحسن ثوبه وبدنه لملاقاة إخوانه من المسلمين ورؤية أعينهم (حتى تكونوا) فيهم (كأنكم شأمة) بسكون الهمزة وتخفيف الميم، وهي الخال في الجسد، أي: كونوا في أحسن زي وهيئة حتى تظهروا للناس وينظروا إليكم كما تظهر الشأمة، (في الناس، فإن الله تعالى\n_________\n(١) يشكل عليه ما في \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٢١) وبعده بطرق: \"أنه - ﷺ - قال له: لولا أن فيك اثنتين تسبل إزارك وتوفر شعرك. قال: لا جرم، والله لا أفعل\". (ش).","vol":"12","page":120},{"text":"لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ\". [حم ٤/ ١٨٠، ك ٤/ ١٨٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ عن هِشَامٍ، قَالَ: حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّأمَةِ في النَاسِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>(٢٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكِبْرِ</span>\n٤٠٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا هَنَّادٌ\n===\nلا يحب الفحش) بضم الفاء وسكون الحاء المهملة، أي: ذا الفحش (ولا التفحش) أي: ولا الرجل ذا التفحش، وهو الذي يتكلف ذلك ويفعله قصدًا، فهيئتهم الرديئة وحالتهم الغليظة في الثياب والرحال كانت داخلة في الفحش، فأمرهم - ﷺ - بإصلاح اللباس والرحال حتى تتبدل تلك الحالة وتظهر حالة الجمال، فإن الله جميل يحب الجمال.\n(قال أبو داود: وكذلك قال أبو نعيم عن هشام، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (حتى تكونوا كالشأمة في الناس) وإنما أعاد المصنف هذه الجملة وأثبتها برواية أبي نعيم عن هشام، لأنه اختلف فيها، فأخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (١) هذا الحديث بهذا السند، ولم يذكر هذه الجملة (٢)، ثم أخرجه بسند وكيع، ثنا هشام بن سعد بسنده، فذكر هذه الجملة، فيقول المصنف بسند أبي نعيم عن هشام أن هذه الجملة في الحديث موجودة.\n\n(٢٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكِبْرِ)\n٤٠٩٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (ح: ونا هناد\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٨٠).\n(٢) وهذه الرواية أخرجها الطبراني (٦/ ٩٤) رقم (٥٦١٦)، ومن طريقه أخرجها المزي في \"تهذيب الكمال\" في ترجمة بشر التغلبي رقم (٦٩١)، وذكر هذه الجملة.","vol":"12","page":121},{"text":"- يَعْنِي ابْنَ السَّرِيِّ-، عن أَبِي الأَحْوَصِ (١)، المَعْنَى، عن عَطَاء بْنِ السَّائِب، قَالَ مُوسَى: عن سَلْمَانَ الأَغَرِّ. وَقَالَ هَنَّاد: عن الأَغَرِّ أَبِي مُسلِم، عن أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ هَنَّادٌ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"قَالَ الله تَعَالَى (٢): الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ في النَّارِ\". [م ٢٦٢٠، جه ٤١٧٤، حم ٢/ ٢٤٨]\n٤٠٩١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْني ابْنَ عَيَّاشٍ -،\n===\n-يعني ابن السري- عن أبي الأحوص، المعنى) أي معنى حديثهما واحد كلاهما (عن عطاء بن السائب، قال موسى) شيخ المصنف: (عن سلمان الأغر، وقال هناد) الشيخ الثاني للمصنف: (عن الأغر أبي مسلم) والمراد متحد، ولكن اللفظ مختلف (عن أبي هريرة) أي: يروي سلمان الأغر عن أبي هريرة.\n(قال هناد: قال: قال رسول الله - ﷺ -: قال الله تعالى: الكبرياء ردائي) والرداء ما يجعل على الكتفين (والعظمة إزاري) والإزار: الثوب الذي يشد على الحقوين، ولما كان هذا، أي: الثوبان يخصان اللابس بحيث لا يستغني عنهما ولا يقبلان المشاركة، عَبَّر الله سبحانه عن العظمة بالإزار، وعن الكبرياء بالرداء، على جهة الاستعارة المستعمل عند العرب، كما قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٣)، فاستعار التقوى لباسًا، ومقصود هذه العبارة الحسنة: أن العز والعظمة والكبرياء من أوصاف الله تعالى الخاصة به التي لا تنبغي لغيره.\n(فمن نازعني واحدًا) منصوب بنزع الخافض، أي: في واحد (منهما قذفته في النار)، وهذا وعيد شديد وتهديد أكيد في الكبر يصرح بتحريمه.\n٤٠٩١ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا أبو بكر -يعني ابن عياش-،\n_________\n(١) في نسخة: \"عن الأحوص\"، وفي نسخة: \"عن ابن الأحوص\".\n(٢) زاد في نسخة: \"﷿\".\n(٣) سورة الأعراف: الآية ٢٦.","vol":"12","page":122},{"text":"عن الأَعْمَشِ، عن إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (١): \"لَا يدخلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ (٢) مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يدخلُ النَّارَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالَ خَرْدَلْ (٣) مِنْ إيْمَانٍ\". [م ٩١، ت ١٩٩٨، جه ٥٩، حم ١/ ٤٥١]\n===\nعن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمه، عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر) قال الخطابي (٤): فيه تأويلان: أحدهما: أن المراد من الكبر التكبر من الإيمان، فصاحبه لا يدخل الجنة أصلًا إذا مات عليه، والثاني: أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (٥).\nقال النووي (٦): هذان التأويلان فيهما بُعد، فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق، فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجَين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه، ولا يلزم أنه لا يجازيه، بل لا بد أن يدخل كل الموحِّدين الجنة، إما أولًا وإما ثانيًا بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرِّين عليها، وقيل: لا يدخلها مع المتقين أول وهلة.\n(ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردل من إيمان)، فالمراد به دخول الكفار، وهو دخول الخلود.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال الله\".\n(٢) في نسخة: \"خردلة\".\n(٣) في نسخة: \"خردلة\".\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٩٦).\n(٥) سورة الأعراف: الآية ٤٣.\n(٦) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١/ ٣٦٩).","vol":"12","page":123},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الْقِسْمِلِيُّ، عن الأَعْمَشِ مِثْلَهُ.\n٤٠٩٢ - حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَبُو مُوسَى، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، نَا هِشَامٌ، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، وَكَانَ رَجُلًا جَمِيلًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ إلَيَّ الْجَمَالُ، وَأُعْطِيتُ مِنْهُ مَا تَرَاه (٢)، حَتَّى مَا أُحِبُّ أَنْ يَفُوقَنِي أَحَدٌ - إمَّا قَالَ: بِشِرَاكِ نَعْلِي، وَإمَّا قَالَ: بِشِسْعِ نَعْلِي- أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ: \"لَا، وَلَكِنَّ\n===\n(قال أبو داود: رواه القِسْمِليٌّ) كَزِبْرِج (٣)، وهي قبيلة من الأزد، نزلت البصرة، فنسبت المحلة إليهم، وقال ابن دريد: نسبة إلى قسملة، قبيلة من دوس، سموا بذلك لجمالهم، قال أبو جعفر: هو مأخوذ من القسمل، وهو ولد الأسد.\n(عن الأعمش مثله) أي مثل الحديث المتقدم (٤).\n٤٠٩٢ - (حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى، نا عبد الوهاب) بن عبد المجيد، (نا هشام) بن حسان، (عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة: أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميته (وكان رجلًا جميلًا، فقال: يا رسول الله! إني رجل حُبِّب إلى الجمال، وأعطيت منه) من الجمال (ما تراه، حتى ما أحب أن يفوقني أحد) في الجمال (إما قال: بشراك نعلي، وإما قال: بشسع) بكسر الشين المعجمة، وهو السير الذي يُشَدُّ إلى زمام النعل (نعلي، أفمن الكبر ذلك؟ قال: لا، ولكن\n_________\n(١) في نسخة: \"أبو موسى محمد بن المثنى\".\n(٢) في نسخة: \"ما ترى\".\n(٣) كذا ضبطه صاحب \"القاموس\"، وفي جميع المراجع: \"القَسْمَلِي\" بفتح القاف وسكون السين المهملة وفتح الميم، انظر: \"الأنساب\" (٤/ ٥٤) و\"المغني\" (ص ٢٠٨).\n(٤) ورواية القسملي أخرجها ابن أبي شيبة (٩/ ٨٩)، وأحمد (١/ ٤١٢)، وأبو يعلى (٨/ ٤٧٧) رقم (٥٠٦٦)، والطبراني (١٠/ ٩٢) رقم (١٠٠٠).","vol":"12","page":124},{"text":"الْكِبْرَ مَنْ بَطِرَ الْحَقَّ، وَغَمَطَ (١) النَاسَ\". [م ٩١، ت ١٩٩٩، حم ١/ ٣٨٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>(٢٧) بَابٌ: في قَدْرِ مَوضِعِ الإزَارِ</span>\n٤٠٩٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عن الإزَارِ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيْرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِزْرَةُ الْمُسْلِمِ (٢) إلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلَا حَرَجَ- أَوْ: لَا جُنَاحَ- فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ. مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ في النَّارِ،\n===\nالكبر) فعل (من بطِر) بكسر الطاء، أي: جحد (الحق) وجعله باطلًا وتكبَّر عليه ولم يقبله (وغمط) بفتح الغين والميم المخففة، أي: احتقر (الناس) واستهانهم.\n\n(٢٧) (بَابٌ: في قَدْرِ مَوْضِعِ الإزَارِ)\n٤٠٩٣ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب (قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الأزار، فقال) أبو سعيد: (على الخبير سقطت) أي على العارف بهذه المسألة والخبير به وقعت، وهو مَثَلٌ عند العرب، وقد قال الله سبحانه بأحسن أسلوب منه ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٣).\n(قال رسول الله - ﷺ -: إزرة المسلم) ضبطها بعضهم بضم الهمزة والصواب: كسرها، لأن المراد ههنا الهيئة في الاتزار، كالجلسة لهيئة الجلوس (إلى نصف الساق) أي: هذا أولى الهيئة (ولا حرج أو) قال: (لا جناح) شك من الراوي في اللفظ، والمعنى واحد (فيما بينه وبين الكعبين)، فالمستحب إلى نصف الساقين، والجائز بلا كراهة إلى الكعبين.\n(ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار) لأنه حرام يوجب النار، وهذا\n_________\n(١) في نسخة: \"غمص\".\n(٢) في نسخة بدله: \"المؤمن\".\n(٣) سورة الفاطر: الآية ١٤.","vol":"12","page":125},{"text":"مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ (١) إلَيْهِ\". [جه ٣٥٧٣، حم ٣/ ٥]\n٤٠٩٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الإسْبَالُ في الإزَارِ وَالْقَمِيص وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئا خُيَلَاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". [ن ٥٣٣٤، جه ٣٥٧٦]\n٤٠٩٥ - حَدَّثَنَا هَنَادٌ، حَدَّثنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن أَبِي (٢) الصَّبَّاحِ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُمَيَّةَ\n===\nفي حق الرجال دون النساء (٣)، و(من جر إزاره بطرًا) أي: تكبرًا وخيلاء (لم ينظر الله إليه) نظر رحمة يوم القيامة.\n٤٠٩٤ - (حدثنا هناد بن السري، نا حسين الجعفي، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه) ابن عمر - ﵃- (عن النبي - ﷺ - قال: الإسبال في الإزار والقميص والعمامة) وكذا الطيلسان والرداء والشملة، أي: لا يختص بالإزار فقط.\n(من جر منها شيئًا خيلاء) أي: لأجل العجب والمفاخرة (لم ينظر الله) تعالى (إليه يوم القيامة) نظر رحمة إذا لم يتب من ذلك في الدنيا.\n٤٠٩٥ - (حدثنا هناد) بن السري، (حدثنا ابن المبارك، عن أبي الصباح) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة، سعدان بن سالم الأيلي، قال الآجري: سألت أبا داود عنه فأثنى عليه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الدوري عن ابن معين: ليس به بأس، (عن يزيد بن أبي سمية) بمهملة مصغرًا، أبو صخر الأيلي، قال أبو زرعة: روى حديثين، وهو ثقة، وقال ابن سعد: كان صالح الحديث، وقال الواقدي: كان من العباد.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"﷿\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ابن الصباح\".\n(٣) كما سيأتي الإجماع على ذلك في \"باب لبس القباطي للنساء\". (ش).","vol":"12","page":126},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: \"مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الإزَارِ فَهُوَ في الْقَمِيصِ\". [حم ٢/ ١١٠]\n٤٠٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ: \"أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ يَأْتَزِرُ، فَيَضَعُ حَاشِيَةَ إزَارِهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ، وَيرْفَعُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ. قُلْتُ: لِمَ تَأْتَزِرُ هَذِهِ الإزْرَةَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأْتَزِرُهَا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1581>(٢٨) بَابٌ في لِبَاسِ النِّسَاءِ</span>\n٤٠٩٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَّنهُ لَعَنَ\n===\n(قال: سمعت ابن عمر يقول: ما قال رسول الله - ﷺ -) إلى نصف الساق أو الكعبين (في الإزار) من الرخصة، وما قال في أسفل منهما من النهي (فهو في القميص) وغيره من الثياب.\n٤٠٩٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن محمد بن أبي يحيى، حدثني عكرمة: أنه رأى) مولاه (ابن عباس) - ﵁ - (يأتزر) بالإزار (فيضع حاشية إزاره من مقدمه) بتشديد الدال (على ظهر قدمه) لعله فعله لبيان الجواز، (ويرفع من مؤخره) أي من الكعبين (قلت: لم تأتزر هذه الإزرة؟ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يأتزرها) فأنا أحب أن أقتدي به.\n\n(٢٨) (بَابُ لِبَاسِ النِّسَاءِ)\n٤٠٩٧ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: أنه لعن\n_________\n(١) آخر الجزء الخامس والعشرين، وأول الجزء السادس والعشرين من تجزئة الخطيب رحمة الله عليه وبركاته.","vol":"12","page":127},{"text":"الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ\". [خ ٥٨٨٥، جه ١٩٠٤، حم ١/ ٢٥٤، ت ٢٧٨٤]\n٤٠٩٨ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا أَبُو عَامِرٍ، عن سلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عن سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ\". [حم ٢/ ٣٢٥]\n٤٠٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ، وَبَعْضُهُ قَرَأْتُ (١) عَلَيْهِ، عن سُفْيَانَ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: \"قِيلَ لِعَائِشَةَ: إنَّ امْرَأَةً تَلْبَسُ النَّعْلَ، فَقَالَتْ: لَعَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - الرَّجِلَةَ مِنَ النِّسَاءِ\".\n===\nالمتشبِّهات من النساء بالرجال) قال ابن رسلان: وهذا الحديث له سبب، وهو ما رواه الطبراني (٢): \"أن امرأة مرَّت على رسول الله - ﷺ - متقلدة قوسًا، فقال: لعن الله المتشبهات\" الحديث.\n(والمتشبهين من الرجال بالنساء) بأن يلبس لِبسة النساء ويتزيَّا بزيهن، قال النووي في \"الروضة\" (٣): والصواب: أن التشبه بالرجال للنساء وعكسه حرام.\n٤٠٩٨ - (حدثنا زهير بن حرب، نا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو، (عن سليمان بن بلال، عن سهيل، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة) - ﵁ - (قال: لعن رسول الله - ﷺ - الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل).\n٤٠٩٩ - (حدثنا محمد بن سليمان لوين) مصغرًا (وبعضه) أي بعض الحديث (قرأت عليه، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة قال: قيل لعائشة) - ﵂ -: (إن امرأة تلبس النعل) الذي يلبسه الرجال (فقالت: لعن رسول الله - ﷺ - الرجلة) بضم الجيم، وقال المنذري: بكسر الجيم (من النساء) وهي المترجلة، يقال: امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجل في الزي،\n_________\n(١) في نسخة: \"قرأته\"، وفي نسخة: \"قراءة عليه\".\n(٢) \"المعجم الأوسط\" (٤/ ٢١٢) رقم (٤٠٠٣).\n(٣) \"روضة الطالبين\" (٢/ ٢٦٣).","vol":"12","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1582>(٢٩) بَابُ مَا جَاءَ في قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ </span>(١)\n٤١٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عن صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّهَا ذَكَرَتْ نِسَاءَ الأَنْصَارِ، فَأَثْنَتْ عَلَيْهِنَّ، وَقَالَتْ لَهُنَّ مَعْرُوفًا، وَقَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ النُّورِ، عَمَدْنَ إلَى حُجُورٍ أَوْ حُجُوزٍ - شَكَّ أَبُو كَامِلٍ -، فَشَقَقْنَهُنَّ\n===\nفأما في العلم والرأي فمحمود، ومنه أن عائشة كانت رجلة الرأي.\n\n(٢٩) (بَابُ مَا جَاءَ في قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٢)\n٤١٠٠ - (حدثنا أبو كامل، نا أبو عوانة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة) - ﵂ -: (أنها ذكرت نساء الأنصار، فأثنت عليهن) أي: خيرًا (وقالت لهن معروفًا) أي قولًا معروفًا جميلًا (وقالت: لما نزلت سورة النور) ونزل قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٣) (عمدن) بفتح الميم، أي: قصدن (إلى حجور) بضم الحاء المهملة وجيم وآخره راء مهملة (أو) للشك من الراوي (حجوز) كما تقدم، لكن آخره زاي معجمة، قال الخطابي (٤): الحجور بالراء لا معنى لها ههنا، وإنما هو بالزاي جمع حجزة، كغرف جمع غرفة، وهو ما يشد به الوسط لتشمير الثياب.\n(شك أبو كامل) شيخ المصنف في لفظ حجور أو حجوز (فشققنهن) أي: شققن المحاجز التي يحتجزن بهن في أوساطهن، فشددن وسطهن بإحداهن والأخرى يرخينها على رؤوسهن.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: الآية ٥٩.\n(٢) نزل الحجاب سنة ٥ هـ، كذا في \"التلقيح\" (ص ٤٠). (ش).\n(٣) سورة النور: الآية ٣١.\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٩٨).","vol":"12","page":129},{"text":"فَاتَخَذْنَهُن (١) خُمُرًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>(٣٠) بَابٌ: في قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾</span>\n٤١٠١ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا ابْنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن ابْنِ خُثَيْم، عن صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عن أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: \"لَمَّا نزَلَتْ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، خَرَجَ نِسَاءُ الأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنَ الأَكْسِيَةِ\".\n===\n(فاتخذنهن خمرًا) بضم الخاء المعجمة والميم جمع خمار، وقيل: سبب نزول الآية أن جيوبهن كانت واسعة، يبدو منهن صدورهن ونحورهن، وكن يسدلن الخُمُر من ورائهن، فتبقى نحورهن مكشوفة، فأمرن أن يسدلن من قدامهن حتى يغطينها.\n\n(٣٠) (بَاب: في قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٢)\n٤١٠١ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا) محمد (بن ثور، عن معمر، عن ابن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: لما نزلت: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾) الآية في سورة الأحزاب (خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان) بكسر المعجمة جمع غراب، كغلمان جمع غلام (من الأكسية) السود التي تغطين بهن من الجلابيب.\nوهذان البابان \"باب في قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، و\"باب في قول الله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ \" ما ذكر في الأول من حديث عائشة، وما ذكر في الثاني من حديث أم سلمة، كأنه انقلب على الناسخ أو على المصنف، والمناسب أن يذكر حديث أم سلمة في الباب الأول وحديث عائشة في الباب الثاني.\n_________\n(١) في نسخة: \"فاتخذنه\".\n(٢) سورة النور: الآية ٣١.","vol":"12","page":130},{"text":"٤١٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ. (ح): وَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ وَابْنُ السَّرْحِ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالُوا: أَنَا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْمَعَافِرِيُّ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّه نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، شَقَقْنَ أَكْنَفَ (١) -. قَالَ ابْنُ صَالِحٍ: \"أَكْثَفَ- مُرُوطِهِنَّ، فَاخْتَمَرْنَ بِهَا\". [خ ٤٧٥٨]\n٤١٠٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ قَالَ: رَأَيْتُ في كِتَابِ خَالِي، عَنْ عُقَيلٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]\n===\n٤١٠٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، ح: ونا سليمان بن داود المهري وابن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالوا: أنا ابن وهب، أخبرني قرة بن عبد الرحمن المعافري، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة) - ﵂ - (أنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أكنف- قال ابن صالح: أكثف- مروطهن) فأكنف بالنون هو الرواية المشهورة، أي: أستر وأصفق، ومعنى أكثف بالثاء المثلثة، أي: أغلظ، لأنه أبلغ في الستر من الرقيق، والمرط هو الكساء يكون من صوف، وربما كان من خز وغيره (فاختمرن بها) أي: جعلنها خمارًا لها.\n٤١٠٣ - (حدثنا ابن السرح قال: رأيت في كتاب خالي) قال في \"تهذيب التهذيب\": خاله عبد الرحمن بن عبد الحميد، (عن عقيل، عن ابن شهاب، بإسناده ومعناه).\n_________\n(١) في نسخة: \"اكثف، قال ابن صالح: أكنف\".","vol":"12","page":131},{"text":"(٣١) بَابٌ (١): فِيمَا تُبْدِي الْمَرْأَةُ مِنْ زِينَتِهَا\n٤١٠٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الأَنْطَاكِيُّ وَمُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَزَّانِيُّ قَالَا: نَا الْوَلِيدُ، عن سَعِيدِ بْن بَشِيرٍ، عن قَتَادَةَ، عن خَالِدٍ - قَال يَعْقُوبُ: ابْنُ دُرَيْكٍ- عن عَائِشَةَ: أنَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ (٢) - ﷺ - وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَال: \"يَا أَسْمَاءُ، إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ لَهَا أَنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وَهَذَا\"، وَأَشَارَ إلَى وَجْهِهِ وَكَفَيْهِ.\n===\n\n(٣١) (بَابٌ: فِيمَا تُبْدِي)، من الإبداء، وهو الإظهار، وهو من الناقص لا المهموز، (الْمَرْأَةُ مِنْ زِينَتِهَا)\n٤١٠٤ - (حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا: نا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد، قال يعقوب) شيخ المصنف: (ابن دريك) فزاد لفظ: ابن دريك، ولم يزده مؤمل، (عن عائشة: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله - ﷺ - وعليها ثياب رقاق) يعني يصف الرائي لها لون البشرة (فأعرض عنها رسول الله - ﷺ -) حين رأى بشرتها من تحت الثياب.\n(وقال: يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت) سن (المحيض لم يصلح لها أن يُرَى منها) أي: من جسدها (إلَّا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه)، والمراد أن المرأة إذا بلغت لا يجوز لها أن تُظهر للأجانب، إلَّا ما تحتاج إلى إظهاره للحاجة إلى معاملة أو شهادة إلَّا الوجه والكفين، وهذا عند أمن الفتنة، وأما عند الخوف من الفتنة فلا، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ما جاء\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".","vol":"12","page":132},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مُرْسَلٌ، خَالِدُ بْنُ دُريكٍ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ (١).\n\n(٣٢) بَابٌ (٢): في الْعَبْدِ يَنْظُرُ إلَى شَعْرِ مَوْلَاتِهِ\n٤١٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (٣) وَابْنُ مَوْهَبٍ قَالَا: نَا اللَّيْثُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ: \"أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْتَأذَنَت النَّبِيّ (٤) - ﷺ - في الْحِجَامَةِ، فَأَمَرَ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا. قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَخَاهَا مِنَ الرَّضاعَةِ، أَوْ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ\". [م ٢٢٠٦، جه ٣٤٨٠، حم ٣/ ٣٥٠]\n===\n(قال أبو داود: هذا) الحديث (مرسل) لأن (خالد بن دريك لم يدرك) زمن (عائشة) - ﵂ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>(٣٢) (بَابٌ: في الْعَبْدِ يَنْظُرُ إلى شَعْرِ مَوْلَاتِهِ)</span>\n٤١٠٥ - (حدثنا قتيبة و) يزيد (بن) خالد بن (موهب قالا: نا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: أن أم سلمة) أم المؤمنين (استأذنت النبي - ﷺ - في الحجامة، فأمر) رسول الله - ﷺ - (أبا طيبة) بفتح الطاء المهملة وسكون المثناة تحت، بعدها باء موحدة مفتوحة، اسمه: دينار، وقيل: مغيرة، وقيل: نافع (أن يحجمها، قال) الراوي: (حسبت أنه) أي: أبا طيبة (قال: كان أخاها) أي: أم سلمة (من الرضاعة، أو) كان، أي: أبو طيبة (غلامًا لم يحتلم).\nووجهه أن الحجامة إنما تكون غالبًا في بدن المرأة في ما لا يجوز للأجنبي الاطلاع عليه، كشعر رأسها أو قفاها أو ساقيها، وفي الحديث أن المَحرم يجوز له أن يطلع من ذات محرمه على بعض ما يحرم على الأجنبي وكذلك الصبي.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: باب في العبد ينظر\n_________\n(١) زاد في نسخة بعد ذلك: \"وسعيد بن بشير ليس بالقوي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ما جاء\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ابن سعيد\".\n(٤) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"12","page":133},{"text":"٤١٠٦ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ عِيسَى، نَا أَبُو جُمَيْعٍ سَالِمُ بْنُ دِينَارٍ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا. قَالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ، إذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا. وَإذَا غطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - ما تَلْقَى، قَالَ: إنَهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ، إنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ\". [ق ٧/ ٩٥]\n===\nإلى شعر مولاته، أثبت هذا الحكم في الحديث الوارد في الباب على المقايسة، فإن الأخ الرضاعي والغلام، أي: الصبي غير المحتلم، لما جاز لهما النظر إلى شعر المرأة، كان العبد كذلك لاتحادهما في أنهما مَحرمان للمرأة، واستدلاله هذا موقوف على تسليم أن عبد المرأة محرم لها، ومن منعه منع استدلاله أيضًا، وحجة الحنفية فيه قول ابن عباس، وهو أعلم الناس بتفسير القرآن، انتهى.\n٤١٠٦ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا أبو جميع سالم بن دينار) ويقال: ابن راشد التميمي، ويقال: الهجيمي، القزاز البصري، عن أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، لم يكن عنده إلَّا شيء يسير من الحديث، وعن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لين الحديث، وقال أبو داود: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في \"سنن أبي داود\" حديث واحد في جواز نظر العبد إلى سيدته.\n(عن ثابت) البناني، (عن أنس: أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها) والظاهر أنه من سهمه - ﷺ - من المغانم (قال) الراوي: (و) كان (على فاطمة) - ﵂ - (ثوب إذا قنَّعت) بتشديد النون المفتوحة، أي: سترت وغطت (به رأسها لم يبلغ) إلى (رجليها) ليسترها، (وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي - ﷺ - ما تلقى) فاطمة - ﵂ - من الحياء (قال) لها: (إنه ليس عليك بأس) في رؤية رأسك ورجليك، (إنما هو) أي: الرائي (أبوك وغلامك).\nقال ابن رسلان: وفيه دليل على أن العبد من محارم سيدته، يخلو بها، ويسافر معها، وينظر منها ما ينظر محرمها، وحمل الشيخ أبو حامد من أصحابنا هذا على أن العبد كان صغيرًا لإطلاق لفظ الغلام، ولأنها واقعة حال، واحتج","vol":"12","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1586>(٣٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾</span>\n٤١٠٧ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزهْرِيِّ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يدخلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - مُخَنَّثٌ،\n===\nمن جعل العبد كالمحرم بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١)، وتعقب بما رواه ابن أبي شيبة (٢)، عن سعيد بن المسيب قال: لا يغرنكم هذه الآية، إنما يعني بها النساء لا العبيد، ويشكل على ذلك ما رواه أصحاب السنن عن نبهان مكاتب أم سلمة عنها: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه\"، ومفهومه أنها لا تحتجب منه قبل ذلك، انتهى.\nقلت: ومذهب الحنفية أن العبد ليس محرمًا لسيدته عندهم، ويقولون في هذا الحديث ما قال أبو حامد من أصحاب الشافعية، وقالوا في الآية: إنها مختصة بالنساء، وأما في حديث نبهان عن أم سلمة قوله: \"فلتحتجب منه\"، المراد بالاحتجاب كمال الاحتجاب كالأجانب، وهذا لو سُلِّم أن المفهوم معتبر، وإلَّا فالخلاف فيه مشهور في الأصول.\n\n(٣٣) (بَابُ مَا جَاءَ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾) (٣)\n٤١٠٧ - (حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري وهشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: كان يدخل على أزواج النبي - ﷺ - مخنث)، والمخنث بكسر النون وفتحها، والكسر أفصح، والفتح أشهر، من الخنث، وهو الانكسار والتثني والاسترخاء،\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٣.\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٥٣٨) رقم (١٦٩١٠).\n(٣) سورة النور: الآية ٣١.","vol":"12","page":135},{"text":"فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُوْلي الإرْبَةِ. فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً، وَقَالَ: إنَّهَا إذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ، وَإذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ،\n===\nوهو الذي يتشبه بالنساء في أخلاقه وكلامه وحركاته وسكناته، وتارة يكون هذا خلقة، ولا ذم له ولا إثم عليه، ولذا لم ينكر - ﷺ - أولًا دخوله على النساء، وتارة يكون بتكلف، وهو ملعون لقوله - ﷺ -: \"لعن الله المتشبهات بالرجال من النساء\"، وأما دخوله على أمهات المؤمنين فلأنهن اعتقدن أنه من غير أولي الإربة، فلما سمع - ﷺ - الكلام المذكور في الحديث علم أنه من أولي الإربة، فمنع بقوله: \"لا يدخل عليكن هذا\"، أو لأنه يترتب الفساد على دخوله على النساء لوصفه إياهن للأجانب.\nواختلف في اسمه، فقيل: هيت بكسر الهاء وسكون المثناة التحتية ثم مثناة فوقية، وهو مولى عبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمة، قال ابن رسلان: واختلف في اسم هذا المخنث، قال القاضي: والأشهر أن اسمه هيت بكسر الهاء ثم مثناة تحت ساكنة ثم مثناة فوق، وقيل: صوابه هنب (١) بالنون والباء الموحدة، قاله ابن درستويه، وأن ما سواه تصحيف، وقيل: اسمه ماتع مولى فاختة المخزومية، وهي بنت عمرو بن عائذ.\n(فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة) والإربة والإرب الحاجة والشهوة (فدخل علينا النبي - ﷺ - يومًا وهو) أي: المخنث (عند بعض نسائه) وهي أم سلمة (وهو ينعت) أي: يصف (امرأة، وقال:) أن فتح عليك الطائف فعليك ببادية بنت غيلان الثقفي (إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع) أي: عُكَن البطن، تُقبل بهن من كل ناحية اثنان، ولكل واحد طرفان (وإذا أدبرت أدبرت بثمان) أي: صارت أطراف العُكَن ثمانية، والعكنة هي الطيَّة التي تكون في البطن من كثرة السمن، يقال: تعكن البطن إذا صار ذلك فيه، وتمام كلام المخنث: مع ثغر كالأقحوان، إن جلست تثنت، وإن تلكمت تغنَّت، بين رجليها كالإناء المكفوء.\n_________\n(١) وبها جزم في اسم المخنث في \"التلقيح\" (ص ٣٧٢). (ش).","vol":"12","page":136},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا ههنَا، لَا يَدْخُلَنَّ (١) عَلَيْكُنَّ هَذَا\"، فَحَجَبُوهُ. [م ٢١٨١، حم ٦/ ١٥٢]\n٤١٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سفْيَانَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ، بِمَعْنَاهُ. [ق ٧/ ٩٦، حم ٦/ ١٥٢]\n٤١٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ بِهَذَا (٢). زَادَ: \"وَأَخْرَجَهُ فَكَانَ\n===\n(فقال النبي - ﷺ -:) لقد غلغلت (٣) النظر إليها يا عدو الله (ألا) بتخفيف اللام (أرى هذا) المخنث (يعلم ما ههنا) قال القرطبي: هذا يدل على أنهم كانوا يظنون أنه كان لا يعرف شيئًا من أحوال النساء ولا يخطرن له ببال، وسببه أن التخنث كان فيه خلقة وطبيعة، ولم يكن يعرف منه إلَّا ذلك، ولهذا كانوا يعدونه من غير أولي الإربة؛ ثم قال رسول الله - ﷺ -: (لا يدخلن) بتشديد النون (عليكن) أي: على أمهات المؤمنين (هذا، فحجبوه) أي: عن الدخول عليهن، وروى البيهقي (٤): \"كان المخنثون على عهد رسول الله - ﷺ - ثلاثة: ماتع، وهدم، وهيت\".\n٤١٠٨ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، بمعناه).\n٤١٠٩ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة بهذا) أي الحديث المتقدم. (زاد) يونس: (وأخرجه) أي: أخرج النبي - ﷺ - ذلك الحنث، أي من المدينة (فكان\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"لا يدخل عليكم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الحديث\".\n(٣) في الأصل: \"خلغلت\"، وهو تحريف.\n(٤) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٢٤).","vol":"12","page":137},{"text":"بِالْبَيْدَاءِ، يَدْخُلُ (١) كُلَّ جُمُعَةٍ يَسْتَطْعِمُ\".\n٤١١٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عُمَرُ (٢)، عن الأَوْزَاعِيِّ في هَذ الْقِصَّةِ: \"فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ إذًا يَمُوتُ مِنَ الْجُوعِ، فَأْذَنْ (٣) لَهُ أَنْ يَدْخُلَ في كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ، فيَسْأَلَ ثُمَّ يَرْجِعَ\".\n===\nبالبيداء، يدخل) المدينة (كل جمعة) من الأسبوع (يستطعم) أي يسأل الناس أن يطعموه، فيطعمونه، فيرجع إلى البيداء.\nقال ابن رسلان: قال العلماء: إخراج المخنث ونفيه كان لثلاثة معان:\nأحدها: المعنى المذكور في الحديث أنه كان يظن أنه من غير أولي الإربة، والثاني: وصفه النساء ومحاسنهن وعوراتهن بحضرة الرجال، وقد نهي أن يصف الرجل المرأة لزوجها، فكيف إذا وصفها الرجل للرجال؟ والثالث: أنه ظهر له منه أنه كان يطلع من النساء وأجسامهن وعوراتهن على ما يطلع عليه كثير من النساء، لا سيما على ما تقدم أنه وصف ما بين رجليها وهو الفرج.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"فأخرجه فكان بالبيداء\"، وذلك لأنه خاف في إقامته هناك فتنة، فإن النساء قلما يحترزن ممن رأينه مثلهن، وعلمن أنه لا يشتهيهن، وكان ذلك مورثًا للفساد.\n٤١١٠ - (حدثنا محمود بن خالد، نا عمر، عن الأوزاعي في هذه القصة) أي: قصة المخنث: (فقيل: يا رسول الله) (إنه) أي: المخنث (إذًا) بمعنى إذا أخرجته من المدينة (يموت من الجوع، فأذن له أن يدخل في كل جمعة) أي: في كل أسبوع (مرتين، فيسأل ثم يرجع).\n_________\n(١) في نسخة: \"يدخله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني ابن عبد الواحد\".\n(٣) في نسخة: \"فَأَذِنَ\".","vol":"12","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1587>(٣٤) بَابٌ: في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾</span>\n٤١١١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسِ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآيَةَ، فَنُسِخَ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآيَةَ\". [ق ٧/ ٩٣]\n===\n\n(٣٤) بَابٌ: في قوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (١)\n٤١١١ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، نا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس) في قوله تعالى: (﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾) أي: قل يا محمد لمن آمن بك \"من\" المؤمنات (يغضضن) وهو خبر بمعنى الأمر (من أبصارهن) أي: من نظرهن، وقيل: من للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم دون ما لا يحرم (الآية، فنسخ) بصيغة المجهول، أي من هذه الآية من غض بصر المؤمنين والمؤمنات جواز البصر إلى القواعد من النساء.\n(واستثني من ذلك) النظر إلى (﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾) والمراد من القواعد من النساء اللاتي قعدن عن الحيض والولد لكبرها (﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾) أي: لا يطمعن فيه من الكبر (الآية) (٢) وهي: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾، يعني الثياب الظاهرة كالملحفة والجلباب التي فوق الخمار، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي: قاصدات بوضع الثياب التبرج بالزينة.\n_________\n(١) سورة النور: الآية ٣١.\n(٢) سورة النور: الآية ٦٠.","vol":"12","page":139},{"text":"٤١١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي نَبْهَانُ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ (١) - ﷺ - وَعِنْدَهُ مَيْمُونةُ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمَّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالْحِجَاب (٢)، فَقَالَ: \"احْتَجِبَا مِنْهُ\"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ أَعْمَى لَاَ يُبْصِرُنَا، وَلَا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟ \" (٣) (٤). [ت ٢٧٧٨، حم ٦/ ٢٩٦]\n===\n٤١١٢ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: حدثني نبهان مولى أم سلمة قالت: كنت عند النبي - ﷺ - وعنده ميمونة) يعني أن زوجتي النبي - ﷺ - ميمونة وأم سلمة كانتا عنده برضاهن للتحدث والتعلم منه (فأقبل) عبد الله (بن أم مكتوم) الأعمى، واسم أم مكتوم عاتكة، وهو ابن خال زوجته خديجة بنت خويلد أخي أمها (وذلك) أي: قصة إقبال ابن أم مكتوم (بعد أن أمرنا بالحجاب) في آية الحجاب، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٥).\n(فقال) رسول الله - ﷺ - لميمونة وأم سلمة: (احتجبا منه) أي: أرخيا على وجوهكم وصدوركم (٦) الجلباب (فقلنا: يا رسول الله، أليس) هو (أعمى لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟ فقال النبي - ﷺ -: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟)\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فدخل علينا\".\n(٣) في نسخة: \"تبصران\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا لأزواج النبي - ﷺ - خاصةً، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم، قد قال النبي - ﷺ - لفاطمة بنت قيس: \"اعتدَّى عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده\".\n(٥) سورة الأحزاب: الآية ٥٩.\n(٦) الظاهر: وجوهكما وصدوركما.","vol":"12","page":140},{"text":"٤١١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَيْمُونِ،\n===\nأنتما، وفيه دليل (١) على أن المرأة لا يجوز لها النظر إلى الرجل.\nقال النووي (٢): وهو الأصح، وقال الجمهور: يجوز نظر المرأة إلى بدن الأجنبي سوى ما بين سُرَّته وركبته أن لم يكن خوف الفتنة، والدليل عليه حديث (٣) عائشة أنها نظرت إلى الحبشة، وهم يلعبون في المسجد (٤)، وحديث فاطمة بنت قيس، وقوله - ﷺ - لها: \"اعتدِّي في بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين الثياب عنده\"، فوقع التعارض بين الأحاديث بالمنع والرخصة، فقيل: المنع محمول على الورع، وحديث الحبشة وغيرها محمول على الرخصة، وقيل: المنع محمول على خوف الفتنة والرخصة في حالة الأمن، وبعضهم قالوا: إن المنع في أزواج النبي - ﷺ - خاصة (٥) والرخصة في غيرهن، وقد أشار أبو داود إلى الجمع بقوله كما في بعض النسخ: قال أبو داود: وهذا لأزواج النبي - ﷺ - خاصة إلى آخر ما قال.\n٤١١٣ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن الميمون) الإسكندراني، أبو بكر، السكري، بغدادي الأصل، سكن الإسكندرية، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بالإسكندرية، وهو صدوق ثقة، وقال ابن يونس: كان ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: تكلم فيه، ورمي بالكذب، ولم يترك أحد الكتابة عنه.\n_________\n(١) قال القاري (٦/ ٢٨٥): فيه التحريم مطلقًا، وبعضهم خصَّه بخوف الفتنة، ومن أطلق التحريم قال: حديث عائشة ﵂ قبل الحجاب، والأصح الجواز، وحديث الباب محمول على الورع، قال السيوطي: كان قدوم حبشة سنة سبع، ولعائشة ﵂ إذ ذاك ست عشرة سنة، وذاك بعد الحجاب ... إلخ. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٥٣).\n(٣) وأيضًا حديثها في الرؤية من ضئر الباب، كذا في \"الفتح\" (٢/ ٤٤٥)، وأيضًا يؤيده صرف وجه الفضل دون المرأة الخثعمية. (أخرجه البخاري ١٥١٣). (ش).\n(٤) أخرجه البخاري (٤٥٤)، ومسلم (٨٩٣).\n(٥) قلت: لكنه لا يتمشى في أحاديث عائشة ﵂، فتأمل. (ش).","vol":"12","page":141},{"text":"نَا الْوَلِيدُ، نَا الأَوْزَاعِيُّ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى عَوْرَتِهَا\" [ق ٢/ ٢٢٦]\n٤١١٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا وكيعٌ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ سَوَّارٍ الْمُزَنيُّ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ (١) عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ\". [تقدَّم برقم ٤٩٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَصَوَابُهُ سَوَّارُ بْنُ دَاوُدَ (٢)، وَهِمَ فِيهِ وَكيعٌ.\n===\n(نا الوليد، نا الأوزاعى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: إذا زوج أحدكم عبده أمته، فلا ينظر إلى عورتها) (٣)، فإن المملوكة إذا كان زوَّجها مولاها برجل تكون كالأجنبية في حق المولى في الاستمتاع بها بشهوة، فلا يجوز النظر إليها بشهوة، ولا الاستمتاع بمس وقبلة، وأما الاستمتاع بها بالخدمة من غير شهوة فيباح.\n٤١١٤ - (حدثنا زهير بن حرب، نا وكيع، حدثني داود بن سوار) بفتح المهملة وتشديد الواو (المزني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: إذا زوج أحدكم خادمه) إطلاق الخادم على الجارية شائع، فالمراد بالخادم الجارية (عبده أو) زوج أمته (أجيره فلا ينظر إلى) عورتها، وهي (ما دون السرة (٤) وفوق الركبة، قال أبو داود: وصوابه سوار بن داود، وهم فيهِ وكيع) فقلب اسمه.\n_________\n(١) في نسخة: \"خادمته\".\n(٢) زاد في نسخة: \"المزني\".\n(٣) زاد فيه الموفق (٢/ ٢٨٦) برواية الدارقطني (١/ ٢٣١): \"فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة\". (ش).\n(٤) قال القاري (٦/ ٢٨٣): اتفقوا على أن السُّرَّة ليست بعورة، وكذا الركبة عند الثلاثة، وقال الحنفية وبعض الشافعية: هي عورة في الرجل، وكذا الأمة عند مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: بطنها وظهرها أيضًا، انتهى. =","vol":"12","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1588>(٣٥) بَابٌ: كَيْفَ الاخْتِمَارُ</span>؟\n٤١١٥ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، عن حَبِيب بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عن وَهْبٍ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبَيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَخْتَمِرُ، فَقَالَ: \"ليَّةً لَا ليَّتيْنِ\". [حم ٦/ ٢٩٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: \"لَيَّةً لَا ليّتيْنِ\" يَقُولُ: \"لَا تَعْتَمُّ (١) مِثْلَ الرَّجُلِ، لَا تُكَرِّرْهُ طَاقًا أَوْ طَاقَيْنِ\".\n===\n\n(٣٥) (بَابٌ: كيْفَ الاخْتِمَارُ؟) أي: لبس الخمار\n٤١١٥ - (حدثنا زهير بن حرب، نا عبد الرحمن، ح: ونا مسدد، نا يحيى) قال ابن رسلان: ابن هانئ بن عروة المرادي، انتهى. وعندي ليس بصواب، بل الظاهر أنه يحيى القطان، (عن سفيان) الثوري، (عن حبيب بن أبي ثابت، عن وهب مولى أبي أحمد) بن جحش، (عن أم سلمة) - ﵂ -: (أن النبي - ﷺ - دخل عليها وهي تختمر) أي: تلبس الخمار (فقال) النبي - ﷺ -: (ليَّةً لا ليتين) أي: اختمري بلَيَّة واحدة لا بليَّتين.\n(قال أبو داود: معنى قوله: ليَّة لا ليَّتين، يقول: لا تعتمُّ مثل الرجل، لا تكرره طاقًا أو طاقين).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: لا تكرره ... إلخ. فقدله: طاقًا، إن أفاد إفادة الحال، كان المعنى لا تكرره\n_________\n= وكذا في \"الشامي\" (٩/ ٥٢٦)، وتقدم الكلام على الفخد في \"باب النهي عن التعري\" وشيء من الكلام على العورة، وقال العيني: حاصل ما في عورة الرجل خمسة أقوال، فأرجع إليه. [انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٩٦)]. (ش).\n(١) في نسخة: \"تعني\".","vol":"12","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1589>(٣٦) بَابٌ: في لُبْسِ الْقَبَاطِيِّ لِلنِّسَاءِ</span>\n٤١١٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيٌّ قَالَا: نَا (١) (٢) ابْنُ وَهْبٍ، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عن مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، عن خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عن دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ:\n===\nحال كونه طاقًا، ولا حال كونه طاقين، فيصير عدد الكسور في الأول اثنين ليحصل التكرار، وفي الثاني يصير ثلاثة أو أربعة، وإن كان بمنزلة الخبر لما في التكرار من معنى التصيير، يكون المعنى لا تكرره فيصير طاقًا، أي: كورين، ولا تصيره طاقين فيصير ثلاثة أكوار.\nقال الخطابي (٣): يشبه أن يكون إنما كره لها أن تلوي الخمار على رأسها لئلا تكون تعصبت بخمارها صارت كالمتعمم من الرجال، وهذا على معنى نهيه النساء عن لباس الرجال.\nوقال ابن رسلان: وإنما نهاها عن ليَّتين لئلا يشبه اختمارك تدوير عمائم الرجال إذا اعتمُّوا، فلا يجوز للمرأة أن تتشبَّه بالرجال في لبس ولا غيره، كما لا يجوز للرجال أن يتشبهوا بالنساء، وقد حدث في هذا الزمان أن تلبس المرأة على رأسها المنديل، فيه ليَّات كثيرة، فنسأل الله العافية فيما أحدثن.\n\n(٣٦) (بَابٌ: في لُبْسِ الْقَبَاطِيِّ لِلنِّسَاءِ)\n٤١١٦ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: نا ابن وهب، نا ابن لهيعة، عن موسى بن جبير، أن عبيد الله بن عباس حدثه، عن خالد بن يزيد بن معاوية، عن دحية بن خليفة الكلبي أنه قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عبيد الله\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٩٩).","vol":"12","page":144},{"text":"أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقَبَاطِيَّ، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قُبْطِيَّةً، فَقَالَ: \"اصْدَعْهَا صِدْعَيْنِ، فَاقْطَعْ أَحَدَهُمَا قَمِيصًا، وَأعْطِ الآخَرَ امْرَأَتَكَ تَخْتَمِرْ بِهِ\". فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ: \"وَأْمُرِ امْرَأَتَكَ أَنْ تَجْعَلَ تَحْتَهُ ثَوْبًا لَا يَصِفُهَا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، فَقَالَ: عَباسُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ.\n===\nأتي رسول الله - ﷺ - بقبَاطي) بفتح القاف وكسر الطاء وتشديد الياء، جمع قبطية بضم القاف، وقد تكسر، وسكون الباء، منسوبة إلى القبط بكسر القاف، وهم أهل مصر، والضم في القبطية من تغيرات النسب على غير قياس، وإنما هي في نسبة الثياب، وأما في الآدميين فمكسورة على القياس.\nقال ابن رسلان: وهي ثياب بيض رقاق من كتَّان، يُتَّخذ بمصر منسوبة إلى القبط، وضم القاف في المفرد من تغير النسب، فإن الثياب بضم القاف، وأما في النسب فيقال: قِبْطي بكسر القاف.\n(فأعطاني منها قُبطية) بضم القاف (فقال: اصدعها) أي: شُقَّها (صدعين) أي: شقتين (فاقطع أحدهما) أي: أحد النصفين (قميصًا) أي: اجعله قميصًا لنفسك (وأعط) النصف (الآخر امرأتك تختمر به) أي: تجعله خمارًا على رأسها (فلما أدبر) دحية (قال) له: (وأمر امرأتك أن تجعل تحته) أي: الخمار (ثوبًا) يستر شعر رأسها (لا يصفها) أي: لا يظهر منها شعر رأسها.\n(قال أبو داود: رواه يحيى بن أيوب، فقال: عباس بن عبيد الله بن عباس) حاصل هذا الكلام أن هذا الحديث كما رواه ابن لهيعة، عن موسى بن جبير، كذلك رواه يحيى بن أيوب الغافقي المصري، ولكن خالف في تسميته شيخ موسى بن جبير، فإن ابن لهيعة سماه عبيد الله بن عباس وأخطأ فيه، والصواب ما سماه يحيى بن أيوب على القلب عباس بن عبيد الله (١).\n_________\n(١) رواية يحيى بن أيوب أخرجها الحاكم (٤/ ١٨٧)، والبيهقي (٢/ ٢٣٤)، والخطيب في \"تلخيص المتشابه\" (١/ ٥١٩). وانظر: \"تهذيب الكمال\" للمزي، رقم الترجمة (٤٢٣٥).","vol":"12","page":145},{"text":"(٣٧) بَابُ مَا جَاءَ فِي (١) الذَّيلِ\n٤١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (٢)، عن مَالِكٍ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عن أَبِيهِ، عن صَفِيَّةَ بِنْتِ (٣) أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ ذَكَرَ الإزَارَ: فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"تُرْخِي شِبْرًا\"، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا. قَالَ: \"فَذِرَاعٌ (٤)\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>(٣٧) (بَابُ مَا جَاءَ في الذَّيْلِ)</span>، أي: قدره\n٤١١٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه) نافع مولى ابن عمر - ﵁ -، (عن صفية بنت أبي عبيد) زوجة ابن عمر، (أنها أخبرته: أن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - قالت لرسول الله - ﷺ - حين ذكر الإزار) وذكر فيه تهديدًا من قوله: \"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه\"، قالت أم سلمة: (فالمرأة يا رسول الله؟) كيف تصنع بالإزار (قال: ترخي شبرًا) وهو ما بين طرفي الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد (قالت أم سلمة: إذًا ينكشف عنها) أي: المرأة في حالة المشي (قال) رسول الله - ﷺ -: (فذراع) يوضحه رواية النسائي (٥) قال: \"إذًا تبدو أقدامهن\"، فتبين في هذه الرواية أن القدمين من العورة.\nوقد اختلف العلماء في ذلك، فأبو حنيفة يقول: جائز للمرأة إبداء القدمين في الصلاة، ولا يجب عليها ستر ظهورها (٦) فيها، فدل ذلك على أنهما ليستا عنده بعورة، وأما مالك فإنه لا يجيز لها إبداء ظهور قدميها في الصلاة ولا في\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قدر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"القعنبي\".\n(٣) في نسخة: \"ابنة\".\n(٤) في نسخة: \"فذراعًا\".\n(٥) \"سنن النسائي\" (٥٣٣٨).\n(٦) كذا في الأصل، والظاهر بدله: ظهورهما.","vol":"12","page":146},{"text":"لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ\". [ن ٥٣٣٨، حم ٦/ ٢٩٣]\n٤١١٨ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا عِيسَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، بِهَذَا الْحَدِيثِ. [ن ٥٣٣٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عن نَافِعٍ، عن صَفِيَّةَ.\n===\nغيرها، ولكنه يقول مع ذلك: أن انكشفت قدماها أو شعرها أو ظهور قدميها أعادت ما كانت في الوقت، فيشبه أن تكونا عنده عورة، ولكن لا يجب الإعادة من انكشافهما، وعند الشافعي تعيد أبدًا في الوقت وبعده.\nقال بعض العلماء: معنى الحديث أنه يجوز للنساء إطالة أذيالهن من القمص والأزر، بحيث يَسدلن قدر ذراع من أذيالهن إلى الأرض ليكون ظهور أقدامهن مستورة.\n(لا تزيد عليه) أي: الزيادة على الذراع، فهو منهي عنه.\n٤١١٨ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، عن عبيد الله، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، عن النبي - ﷺ -، بهذا الحديث) المتقدم.\n(قال أبو داود: رواه ابن إسحاق وأيوب بن موسى (١)، عن نافع، عن صفية) قال ابن رسلان: هي بنت شيبة، انتهى. قلت: وهو غلط، والصواب بنت أبي عبيد.\nغرض المصنف بهذا الكلام أنه تقدم الاختلاف في سند هذا الحديث، بأن أبا بكر بن نافع حدث هذا الحديث عن أبيه نافع، عن صفية، عن أم سلمة،\n_________\n(١) رواية ابن إسحاق أخرجها أحمد (٦/ ٢٩٥ - ٣٠٩)، والدارمي (٢/ ٢٢٣) رقم (٢٦٤٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٧٤٠)، والطبراني (٢٣/ ٣٥٨) رقم (٨٤٠)، وأبو يعلى (١٢/ ٤١١) رقم (٦٩٧٧)، والبيهقي (٢/ ٢٣٣).\nورواية أيوب بن موسى أخرجها النسائي (٨/ ٢٠٩) والطبراني (٢٣/ ٤١٦) رقم (١٠٠٧).","vol":"12","page":147},{"text":"٤١١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن سُفْيَانَ، أَخْبَرَنِي زيدٌ الْعَمِّيُّ، عن أَبِي الصِّدِّيقِ (١)، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ في الذَّيْلِ شِبْرًا، ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا،\n===\nثم أخرج حديث عبيد الله، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، فاختلف أبو بكر وعبيد الله، فعند أبي بكر يروي نافع، عن صفية، عن أم سلمة، وفي حديث عبيد الله يروي نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، فقوى المصنف حديث أبي بكر بأن ابن إسحاق وأيوب بن موسى كلاهما يرويان عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن أم سلمة.\nوقد أخرج النسائي هذا الحديث بحديث يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن أم سلمة، ولم يذكر فيه بين نافع وأم سلمة صفية ولا سليمان بن يسار، وخرج أيضًا حديث أيوب بن موسى في \"سننه\".\n٤١١٩ - (حدثنا مسدد، نا يحيى بن سعيد، عن سفيان، أخبرني زيد العمي، عن أبي الصديق، عن ابن عمر قال: رخص رسول الله - ﷺ - لأمهات المؤمنين في الذيل شبرًا، ثم استزدنه فزادهن شبرًا) قال ابن رسلان: ولعلهن سبب الرخصة، فإن الرخصة لا تختص بهن، بل يعمهن وغيرهن من النساء أن يرخين هذا المقدار، فالشبر الأول والثاني تفسير للذراع في الحديث المتقدم، والظاهر أن الذراع المذكور في الحديثين يكون بعد إزرة المؤمن من نصف ساقه، ولو حملناه على ما فوق الكعبين لجاوز القدمين، ومجاوزتهما (٢) منهي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الناجي\".\n(٢) وهذا مشكل، فإنه إذا يؤخذ الذراع من نصف الساق لا بد أن يتجاوز عن القدمين لا محالة. ولذا قال الترمذي (١٧٣٢) بعد ذكر الحديث: وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار لأنه يكون أستر لهن، وحكى الحافظ (١٠/ ٢٥٩) عن عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، وبسط الكلام على حديث الباب، وكذا بسطه القاري في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٧٤). (ش).","vol":"12","page":148},{"text":"فَكُنَّ يُرْسِلْنَ إلَيْنَا، فَنَذْرَعُ لَهُنَّ ذِرَاعًا\". [جه ٣٥٨، حم ٢/ ١٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>(٣٨) بَابٌ: في أُهُبِ الْمَيْتَةِ</span>\n٤١٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَوَهْبُ بْنُ بَيَانٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ\n===\nعنه، ويحتمل أن يكون الشبر نظير نصف الساق، والذراع نظير الكعبين على ما تقدم من الجواز والتحريم.\n(فكن) هذا قول ابن عمر (يرسلن إلينا) يعني الثوب، (فنذرعُ لهن) أي: نقيس بالذراع (ذراعًا) زائدًا على ثياب الرجال.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: \"فكن يرسلن إلينا\"، فكانت الأزواج يرسلن إلينا بمقدار ذلك لنذرع بقدرها لنسائنا، أو المعنى كن، أي: الأزواج يرسلن إلينا، أي مجلس رسول الله - ﷺ -، فنعطي الرسول قصبًا ونحوه على قدر الذراع، والظاهر أن الضمير ليس بعائد إلى الأزواج بل إلى النسوة مطلقًا، والمعنى. كانت النساء يرسلن إلينا، نذرع لهن، فنذرع لهن ذلك لاحتياطهن بعدم الاكتفاء بالقول فقط.\n\n(٣٨) (بَابٌ: في أُهُبِ الْمَيْتَةِ) (١)\n٤١٢٠ - (حدثنا مسدد ووهب بن بيان وعثمان بن أبي شيبة\n_________\n(١) يطهر بالدباغ جلدُ الميتة عند الشافعي إلَّا جلد خنزير وكلب، وفي جلد الآدمي وجهان، ويطهر عندنا ما خلا الخنزير والآدمي، ولا يطهر في المشهور عن أحمد، ولا في المشهور عن مالك شيء من الجلود، ومعنى دباغها طهورها عندهما للنظافة، فيجوز استعمالها عندهما في اليابسات في إحدى الروايتين عن أحمد، وفي الثانية لا يجوز، وعند مالك في الماء أيضًا إلَّا ما غَيَّر أحد أوصافه الثلاثة، وغير المشهور عن أحمد يطهر بالدبغ جلد الحيوان الطاهر في الحياة، وقال الزهري: يجوز الانتفاع بها مطلقًا قبل الدبغ وبعده، وقال الظاهرية: يطهر مطلقًا بعد الدبغ حتى الخنزير، والجملة فيها سبعة مذاهب، كما في \"الأوجز\" (١٠/ ١٣٤، ١٣٥). (ش).","vol":"12","page":149},{"text":"وَابْنُ أَبي خَلَفٍ قَالُوا: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ مُسَدَّدٌ وَوَهْبٌ: عن مَيْمُونَةَ قَالَتْ: أُهْدِيَ لِمَوْلَاةٍ لنَا شَاةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا النَّبِيُّ (١) - ﷺ - فَقَالَ: \"أَلَّا دَبَغْتُمْ إهَابَهَا، فَاسْتَمْتَعتُمْ (٢) بِهِ\"، فَقَالُوا (٣): يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: \"إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا\". [خ ١٤٩٢، م ٣٦٣، ن ٤٢٣٥، جه ٣٦١٠، حم ٦/ ٣٣٦]\n٤١٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ، نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْحَدِيثِ،\n===\nوابن أبي خلف قالوا: نا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال مسدد ووهب: عن ميمونة) أي بعد قوله: عن ابن عباس، والظاهر أن عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خلف لم يذكرا عن ميمونة، فأدخلا الحديث في مسانيد ابن عباس.\n(قالت: أهدي) بصيغة المجهول (لمولاة لنا) قال الحافظ (٤): لم أقف على اسمها (شاة من الصدقة، فماتت، فمر بها النبي - ﷺ -) وهي ملقاة على الطريق (فقال: ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام على التحضيض (دبغتم إهابها) بكسر الهمزة، قيل: هو الجلد مطلقًا، وقيل: هو الجلد قبل الدباغ، فأما بعده فلا تسمى إهابًا، (فاستمتعتم به! فقالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: إنما حُرِّم) روي بوجهين: أحدهما: بفتح الحاء وضمِّ الراء، والثاني: بضمِّ الحاء وكسرِ الراء المشدَّدة (أكلها).\n٤١٢١ - (حدثنا مسدد، نا يزيد، نا معمر، عن الزهري، بهذا الحديث)\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"واستمتعتم\".\n(٣) في نسخة: \"قالوا\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٥٦).","vol":"12","page":150},{"text":"لَمْ يَذْكُرْ مَيْمُونَةَ. قَالَ: فَقَال: \"أَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإهَابِهَا\" ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَاهُ، لَمْ يَذْكُرِ الدِّبَاغَ. [م ٣٦٣، ن ٤٢٣٩، حم ١/ ٢٢٧]\n٤١٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ، وَكان الزُّهْرِيُّ يُنْكِرُ الدِّبَاغَ، وَيَقُولُ: يُسْتَمْتَعُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرِ الأَوْزَاعِيُّ، وَيُونُسُ، وَعُقَيْلٌ في حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ: الدِّبَاغَ.\nوَذَكَرَهُ الزُّبَيْدِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ،\n===\nالمتقدم، (لم يذكر) فيه (ميمونةَ)، بل الحديث عن ابن عباس، وكذا أخرجه عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - البخاريُ، ومسلم، والنسائي، (قال) معمر: (فقال) رسول الله - ﷺ -: (ألا انتفعتم بإهابها، ثم ذكر معناه، لم يذكر الدباغ).\n٤١٢٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق قال: قال معمر: وكان الزهري ينكر الدباغ) أي: اشتراطه (ويقول: يستمتع به) أي: بالإهاب (على كل حال) أي: في الجوامد والمائعات وغيرها وإن لم تُدْبَغْ، واستدلاله بهذا بقوله: \"ألا انتفعتم بإهابها\"، ولم يذكر دباغها، فالدباغ غير لازم، وأجيب عنه بأنه مطلق، وجاءت الروايات الباقية بالدباغ، فيحمل المطلق على المقيد.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: ولعل الزهري لم ينكر وجوب الدباغ إلَّا هذا المخصوص بالقرظ مطلقه، وإلَّا فيبعد عن مثله أن يجوِّزَ الانتفاعَ بجلد الميتة، وهي متلطخة بما هي متطلخة به، وعلى هذا فلا خلاف بينه وبينهم.\n(قال أبو داود: لم يذكر الأوزاعي، ويونس، وعقيل في حديث الزهري: الدباغَ، وذكره الزبيدي، وسعيد بن عبد العزيز،","vol":"12","page":151},{"text":"وَحَفْصُ بْنُ الْوَليدِ، ذَكَرُوا الدِّبَاغَ.\n٤١٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ وَعْلَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إذَا دُبِغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ\". [م ٣٦٦، ن ٤٢٤١، ت ١٧٣٨، جه ٣٦٠٩، حم ١/ ٢١٩]\n٤١٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن يَزِيدَ بْنِ\n===\nوحفص بن الوليد، ذكروا الدباغ (١».\n٤١٢٣ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: يقول: إذا دُبِغَ الإهاب) بالماء والقرظ، وبعمومه يشمل جلدَ المأكول وغيره (فقد طهر)، وفيه حجة لمذهب الجمهور أن جلد الميتة يطهر بالدباغ ظاهِرُه وباطِنُه، ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة.\n٤١٢٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يزيد بن\n_________\n(١) غرض المصنف بهذا الكلام ذكر الاختلاف في ذكر الدباغ وعدمه في روايات تلاميذ الزهري.\nفرواية الأوزاعي أخرجها أحمد (١/ ٣٢٩)، والطبري في \"تهذيب الآثار\" (٢/ ٨٠٥) رقم (١١٨١)، وأبو يعلى (٤/ ٣٠٨) رقم (٢٤١٩)، وابن حبان (٤/ ٩٨) رقم (١٢٨٢)، ورواية يونس أخرجها البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣)، والطحاوي (١/ ٤٧٢)، وأبو عوانة (١/ ٢١٠)، وابن حبان (٤/ ١٠١) رقم (١٢٨٤)، والبيهقي (١/ ٢٣)، ورواية عقيل أخرجها الدارقطني (١/ ٤١)، وأبو عوانة (١/ ٢١٠)، والبيهقي (١/ ٢٠) فيه: فزاد عقيل: \"أوليس في الماء والدباغ ما يطهرها؟ \".\nورواية محمد بن الولبد الزبيدي أخرجها الدارمي (٢/ ٧٤) رقم (١٩٨٨)، والدارقطني (١/ ٤٢)، والطبري في \"تهذيب الآثار\" (٢/ ٨٠٥) رقم (١١٨٠)، ورواية سعيد بن عبد العزيز لم أقف عليها، ورواية حفص بن الوليد أخرجها النسائي (٧/ ١٧٢).\nوقد صحَّح الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر زيادة من زاد فيه ذكر الدباغ.","vol":"12","page":152},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عن أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - أَمَرَ (١) أَنْ يُسْتَمْتَعَ (٢) بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ\". [ن ٤٢٥٢، جه ٣٦١٢، حم ٦/ ٧٣]\n٤١٢٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَا: نَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عَنْ جَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ،\n===\nعبد الله بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمه) قال المنذري (٣): لم تُنْسَبْ أمه، ولم تسمَّ، (عن عائشة (٤) زوج النبي - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - أمَر) أمْرَ إباحةٍ (أن يستمتع بجلود الميتة) مطلقًا، سواء أكل لحمها أو لا، غير الخنزير والآدمي، وزاد الشافعي: الكلبَ (إذا دُبِغَتْ).\nاحتج (٥) بعموم الجلود أبو يوسف، وداود على أن الدباغ يؤثر في جميعها حتى الخنزير، ومذهب الشافعي ومالك (٦) وأبي حنيفة، كذلك إلَّا أن مالكًا وأبا حنيفة استثنيا الخنزير، وزاد الشافعي الكلبَ فاستثناه أيضًا، واستثنى الأوزاعي وأبو ثور جلد ما لا يؤكل لحمه كالحمار.\n٤١٢٥ - (حدثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل قالا: نا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة) بن الأعور، التميمي السعدي البصري، عن أحمد: لا يُعْرَف (٧)، وعن ابن المديني: جون معروف، لم يرو\n_________\n(١) في نسخة: \"أمره\".\n(٢) في نسخة: \"أن يستنفع\".\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٦٥).\n(٤) يشكل عليه أن العيني حكى عنها الكراهة (٦/ ٥٤٨). (ش).\n(٥) واختلفت المذاهب في ذلك كما في \"التعليق الممجد\" (٣/ ٥١٨)، وذكر النووي (٢/ ٢٩٠) فيه سبعة مذاهب، وراجع: \"مشكل الآثار\" (٨/ ٢٨٠ - ٢٩٩)، و\"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٢٠٥، ٢٠٦). (ش).\n(٦) في غير المشهور، كما سيأتي. (ش).\n(٧) وقال الترمذي في \"العلل الكبير\" (رقم ٥١٩): لا أعرف لجون بن قتادة غير هذا الحديث، ولا أدري من هو؟","vol":"12","page":153},{"text":"عن سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَتَى عَلَى بَيْتٍ، فَإذَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَسَأَلَ الْمَاءَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: \"دِبَاغُهَا طَهُورُهَا\". [ن ٤٢٤٣، حم ٣/ ٤٧٦]\n٤١٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ -، عن كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُذَافَةَ حَدَّثَهُ، عن أُمِّهِ الْعَالِيَةِ (١) بِنْتِ سُبَيْعٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: \"كَانَ لِي غَنَمٌ بِأُحُدٍ، فَوَقَعَ فِيهَا الْمَوْتُ، فَدَخَلْتُ عَلى مَيْمُونَةَ زَوْج النَّبِي - ﷺ -، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا. فَقَالَتْ لِي مَيْمُونَةُ: لَوْ أَخَذْتِ جُلُودَهَا فانْتَفَعْتِ بِهَا،\n===\nعنه غير الحسن، وذكره في موضع آخر في المجهولين من شيوخ الحسن البصري، وذكر ابن سعد قتادةَ والِدَه في الصحابة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.\n(عن سلمة بن المحبق: أن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك أتى على بيت، فإذا قربة معلَّقة، فسأل الماء، فقالوا: يا رسول الله! إنها) أي: القربة التي فيها الماء من جلد (ميتة، فقال) رسول الله - ﷺ -: (دباغها طهورها) (٢).\n٤١٢٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو - يعني ابن الحارث -، عن كثير بن فرقد، عن عبد الله بن مالك بن حذافة) حجازي، سكن مصر، روى عن أمه العالية بنت سبيع، وعنه كثير بن فرقد، له عند أبي داود والنسائي حديث في الدباغ.\n(حدثه عن أمه العالية بنت سبيع أنها قالت: كان لي غنم بأحد، فوقع فيها الموت، فدخلت على ميمونة زوج النبي - ﷺ -، فذكرت ذلك) أي: الموت الذي وقع في غنمي (لها، فقالت ميمونة: لو أخذت جلودها فانتفعت بها،\n_________\n(١) في نسخة: \"أم العالية\".\n(٢) وفي أكثر الروايات: \"دباغها ذكاتها\"، كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٠٤) ح (٤٤)، واستدلَّ بلفظ الذكاة على مسألة خلافية آتية من أن الذكاة تُطَهِّر الجلدَ عندنا ومالك، خلافًا لهما. (ش).","vol":"12","page":154},{"text":"فَقَالَتْ: أَوَيَحِلُّ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا\". قَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ؟ قَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ\". [ن ٤٢٤٨]\n\n(٣٩) بَابُ مَنْ رَوَى أَنْ لَا يُسْتَنْفَعَ (٢) بِإهِابِ الْمَيْتَةِ\n٤١٢٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ،\n===\nفقالت) أي العالية: (أو يحل ذلك؟ قالت: نعم، مر على رسول الله - ﷺ - رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: لو أخذتم إهابها) أي: فدبغتموه فانتفعتم به (قالوا:) يا رسول الله! (إنها ميتة؟ قال رسول الله - ﷺ -: يطهرها الماء (٣) والقرظ) قيل: هو ورق السلم يدبغ به، وقيل: هو حب يخرج في علف كالعدس من شجر العضاه، قاله ابن رسلان، وقال في \"القاموس\": القرظ محركة: ورق السلم، أو ثمر السنط.\n\n(٣٩) (بَابُ مَنْ رَوَى أَنْ لَا يُسْتَنْفَعَ)\nأي: لا يُنْتَفَعَ (بإهِابِ الْمَيْتَةِ) (٤)، وهي الجلد قبل الدباغ\n٤١٢٧ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن الحكم،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"ينتفع\".\n(٣) قال الموفق: هل يطهر الجلد بمجرد الدبغ قبل غسله بالماء؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يطهر؛ لهذا الحديث، والثاني: يطهر؛ لقوله ﵇: \"أيما جلد دُبغَ فقد طهر\". [راجع: \"المغني\" (١/ ٩٥، ٩٦)]. (ش).\n(٤) هذا الحديث مستدل الحنابلة في مشهور المذهب أن جلود الميتة لا يطهر بالدبغ مطلقًا، وهل يجوز الانتفاع في اليابسات؟ فيه روايتان. الجواز وعدمه، وأجاد الشوكاني الكلامَ على هذا الحديث. [انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ١١٨، ١١٩)]. (ش).","vol":"12","page":155},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ: \"أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإهَابٍ وَلَا عَصَبٍ\". [ن ١٧٢٩، ن ٤٢٥٠، جه ٣٦١٣، حم ٤/ ٣١٠]\n===\nعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكيم) (١) الجهني، وكان إمام مسجد جهينة، أدرك زمان النبي - ﷺ -، ولا يُعْرَف له سماع صحيح، (قال: قرئ علينا كتاب رسول الله - ﷺ - بأرض جهينة وأنا غلام شاب: أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب).\nقال ابن رسلان: فيه حجة لما روي عن مالك (٢) أن الجلد بعد الدباغ نجس، وهو ناسخ لأحاديث: \"إذا دبغ الإهاب فقد طهر\"، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من قول رسول الله - ﷺ -.\nفإن قيل: هذا مرسل؛ لأنه من كتاب لا يُعْرَفُ حامله. وأجيب بأن كتاب النبي - ﷺ - كلفظه، ولو لم يكن ذلك لما كتب النبي - ﷺ - إلى أحد، وقد كتب إلى ملوك الأطراف وإلى غيرهم، فلزمتهم الحجةُ به، وحصل له البلاغ، وحمل أصحابنا حديثَ الباب على ما لم يُدْبَغ، انتهى (٣).\nوالعصب بفتحتين واحد الأعصاب، اختلفت روايات الحنفية في عصب\n_________\n(١) هكذا بالكاف في جميع الروايات وكتب المذاهب، لكن ضبطه الزرقاني (٣/ ٩٤) بضم العين واللام مصغرًا. (ش).\n(٢) قال الدردير (١/ ٩٢ - ٩٤): الجلد نجس ولو دُبِغ، فلا يؤثر دبغه طهارة في ظاهره ولا باطنه، وخبر: \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" ونحوه محمول عندنا في مشهور المذهب على الطهارة اللغوية، وهي النظافة، ولذا رخص فيه في يابس كالحبوب، وفي ماء؛ لأن له قوة الدفع عن نفسه لطهورته فلا يضره؛ لا في نحو عسل ولبن وسمن، ويجوز لبسها في غير الصلاة لا فيها، سواء كان من جلد مباح الأكل أو محرمه، إلَّا من خنزير فلا يرخص فيه مطلقًا. اهـ مختصرًا. (ش).\n(٣) انظر: \"المغني\" (١/ ٩١) أيضًا.","vol":"12","page":156},{"text":"٤١٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: نَا الثَّقَفِيُّ، عن خَالِدٍ، عن الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ مَعَهُ إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ - رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ - قَالَ الْحَكَمُ: فَدَخَلُوا وَقَعَدْتُ عَلَى الْبَاب، فَخَرَجُوا إلَيَّ، فَأَخْبَرُونِي: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ:\n===\nالميتة، نقل القاري (١) عن \"شرح مواهب الرحمن\": عصب الميتة نجس في الصحيح من الرواية؛ لأنه فيه حياة بدليل تألمه بالقطع، وقيل: طاهر لأنه عظم غير متصل، قال التوربشتي: قيل: هذا الحديث (٢) ناسخ للأخبار الواردة في الدباغ، لما في بعض طرقه: \"أتانا كتاب رسول الله - ﷺ - قبل موته بشهر\"، والجمهور على خلافه، وقالوا: لا يقاوم تلك الأحاديث صحة واشتهارًا، ثم إن ابن عكيم لم يلق النبي - ﷺ -، إنما حدث عن حكايته حال، ولو ثبت فحقه أن يحمل قبل الدباغ، وقال الترمذي: كان أحمد بن حنبل يقول به، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده. قال البيهقي وآخرون: هو مرسل، ولا صحبة لابن عكيم، نقله السيد في \"التخريج\".\n٤١٢٨ - (حدثنا محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم قال: نا الثقفي) أي: عبد الوهاب بن عبد المجيد، (عن خالد، عن الحكم بن عتيبة: أنه انطلق هو وناس معه إلى عبد الله بن عكيم) مصغرًا (رجل من جهينة، قال الحكم: فدخلوا) على عبد الله (وقعدت على الباب) لعله قعد لعذر له، أو ليحفظ متاعهم (فخرجوا إليَّ، فأخبروني: أن عبد الله بن عكيم أخبرهم: أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى جهينة قبل موته بشهر)، وفي رواية لغير\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٠٨، ٢٠٩).\n(٢) أما النهي عن جلود السباع، فقد قيل: إنها كانت تُسْتَعْمَلُ قبل الدباغ، وقال ابن شاهين: هذه الأحاديث لا يمكن ادِّعاء نسخ شيء منها بالآخر. فإن قلت: حديث ابن عكيم قبل الوفاة بشهر؟ قلت: يمكن أن يقال: يجوز أن يكون الأمر قبل أن يموت النبي - ﷺ - بجمعة، والأولى هنا هو الأخذ بالحديثين جميعًا، وهو أن يُحْمَلَ المنعُ على ما قبل الدباغ، والإخبارُ بالطهارة بعده، انتهى من العيني (٦/ ٥٤٧). (ش).","vol":"12","page":157},{"text":"\"أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإهَابٍ وَلَا عَصَبٍ\" (١). [حم ٤/ ٣١٠، ت ١٧٢٩، ن ٤٢٥٠، جه ٣٦١٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُسَمَّى: إهَابًا مَا لَمْ يُدْبَغْ. فَإذَا دُبِغَ، لَا يُقَالُ لَهُ: إهَابٌ، إنَّمَا يُسَمَّى: شَنًّا (٢) وَقِرْبَةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1593>(٤٠) بَابٌ: في جُلُودِ النُّمُورِ </span>(٣)\n٤١٢٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن وَكِيعٍ، عن أَبِي الْمُعْتَمِرِ،\n===\nأبي داود: قبل موته بشهرين (٤) (أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب).\n(قال أبو داود: قال النضر (٥) بن شميل: يسمى: إهابًا ما لم يُدبَغ، فإذا دبغ لا يقال له: إهاب، إنما يسمى: شنًّا وقربة).\n\n(٤٠) (بَابٌ: في جُلُودِ النُّمُورِ)\nوفي بعض النسخ: \"والسباع\" (٦)\n٤١٢٩ - (حدثنا هناد بن السري، عن وكيع، عن أبي المعتمر) يزيد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وإليه ذهب أحمد\".\n(٢) في نسخة: \"شن\".\n(٣) زاد في نسخة: \"والسباع\".\n(٤) وقال الترمذي (١٧٢٩) بعد تخريج الحديث: وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن عكيم أنه قال: أتانا كتاب النبي - ﷺ - قبل وفاته بشهرين.\n(٥) هذا هو الصحيح كما عليه أهل اللغة. [انظر: \"النهاية\" (١/ ٨٣)]، ويخالفه ما حكاه الترمذي بعد الرقم (١٧٢٨) عن النضر بن شميل، وغلطه في \"الكوكب\" (٢/ ٤٤٧)، والبسط في \"النيل\" (١/ ١١٧). (ش).\n(٦) قال الموفق (١/ ٩٢، ٩٣): لا يجوز الانتفاع بجلود السباع قبل الدبغ ولا بعده، وبذلك قال الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور، ورخص في جلود السباع جابر، وروي عن ابن سيرين وعروة أنهما رخَّصا في الركوب على جلود النمر، ورخص فيها الزهري، وأباح الحسن والشعبي وأصحاب الرأي الصلاةَ في جلود الثعالب، انتهى. (ش).","vol":"12","page":158},{"text":"عن ابْنِ سِيرِينَ، عن مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَلَا النِّمَارَ\". [جه ٣٦٥٦، حم ٤/ ٩٣]\nقَالَ: وَكَانَ مُعَاوِيَةُ لَا يُتَّهَمُ في (١) حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - (٢).\n٤١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: نَا عِمْرَانُ، عن قتَادَةَ، عن زُرَارَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ\".\n===\nطهمان، (عن ابن سيرين، عن معاوية قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تركبوا الخز) أي إذا كان من الحرير الخالص (ولا النمار) أي: جلودها، قيل: هذا قبل الدباغ، وقيل: مطلقًا إن قيل بعدم طهارة الشعر بالدبغ (٣)، كمذهب الشافعي، وإن قيل بطهارته، فالنهي لكونها من دأب الجبابرة وعمل المترفهين. قال القاري (٤): النمار جمع نمر، والمشهور في جمعه: النمور. وفي \"القاموس\" تصريح بأن النمار في معنى النمور صحيح.\n(قال) أي: ابن سيرين، وقال ابن رسلان: الضمير يرجع إلى المصنف (وكان معاوية لا يتَّهَمُ في الحديث عن رسول الله - ﷺ -) يعني مع إمارته غير متَّهَمٍ في الحديث.\n٤١٣٠ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو داود) الطيالسي (قال: نا عمران، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر) قيل: النهي لأنه زي العجم، أو لأن شعره لا يقبل الدباغ إذا كان غير ذكي.\n_________\n(١) في نسخة: \"الحديث عن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أبو المعتمر اسمه يزيد بن طهمان، كان ينزل الحيرة\".\n(٣) وبه جزم في \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤٤٦) إذ قال: بعد الدباغ نفس الجلد يطهر، والشعر عليه نجس، ولأجل أنه غالب ما يُسْتَعْمَلُ منه ورد الحديث بالنهي. (ش).\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ١٦٣).","vol":"12","page":159},{"text":"٤١٣١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، عن بَحِيرٍ، عن خَالِدٍ قَالَ: وَفَدَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِب وَعَمْرُو بْنُ الأَسْوَدِ وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِنْ أَهْلِ قِنَّسْرِينَ إلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْمِقْدَامِ: أُعْلِمْتُ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَ؟ (١)، فَرَجَّعَ الْمِقْدَامُ، فَقَالَ لَهُ فُلَان (٢): أَتعدُّهَا (٣) مُصِيبَةً؟ فَقَالَ لَهُ: وَلمَ لَا أَرَاهَا مُصِيبَةً، وَقَدْ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في حِجْرِهِ، فَقَالَ: \"هَذا مِنِّي، وَحُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٍّ\"، فَقَالَ الأَسَدِيُّ: جَمْرَةٌ أَطْفَأَهَا اللَّهُ،\n===\n٤١٣١ - (حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، نا بقية، عن بحير، عن خالد قال: وَفَد) بصيغة الماضي، والوفد جمع وافد الذين يقصدون الأمراء للاسترفاد، أو ليسلموا على يده ويبايعوه، (المقدام بن معدي كرب، وعمرو بن الأسود، ورجل من بني أسد من أهل قِنَّسرين) (٤) بلدة بقرب حلب (إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية للمقدام: أُعْلِمْتُ) بصيغة المجهول المتكلم من الإعلام، ويحتمل أن يكون بهمزة الاستفهام، وعلمت بتاء الخطاب (أن الحسن بن علي توفي؟) كانت وفاته في ربيع الأول سنة ٤٩ هجرية (٥) (فرجَّع المقدام) أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون (فقال له فلان) ولعله الرجل الأسدي أو غيره: (أتعدُّها مصيبة؟ فقال له: ولم لا أراها مصيبة، وقد وضعه رسول الله - ﷺ - في حجره، فقال: هذا) أي: الحسن (مني، وحسين من علي، فقال الأسدي) طلبًا لرضاء معاوية وتقربًا إليه: (جمرة أطفأها الله) تعالى، أي: أخمدها وأزال شرر شرورها وفتنتها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة بدله: \"رجل\".\n(٣) في نسخة: \"أتراها\".\n(٤) قال في \"معجم البلدان\" (٤/ ٤٠٣): بكسر أوله، وفتح ثانيه، وتشديده، وقد كسره قوم، ثم سين مهملة.\n(٥) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٦٠) رقم (٥٢٨).","vol":"12","page":160},{"text":"قَالَ: فَقَالَ الْمِقْدَامُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَبْرَحُ الْيَوْمَ حَتَّى أُغِيظَكَ وَأُسْمِعَكَ مَا تَكْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ! إنْ أَنَا صَدَقْتُ فَصَدِّقْنِي، وَإنْ أَنَا كَذَبْتُ فَكَذبْنِي. قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَنْهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن لُبْسِ الْحَرِيرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَالرُّكُوب عَلَيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا كُلَّهُ في بَيْتِكَ يَا مُعَاوِيَةُ،\n===\n(قال: فقال المقدام) حين سمع ما قاله في ابن بنت رسول الله - ﷺ - لمراعاة معاوية بن أبي سفيان، (أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغيظك وأسمعك) فيه (ما تكره) كما أسمعتني ما أكره فيه (ثم قال: يا معاوية! إن أنا صدقت فَصَدِّقْني) في قول (وإن أنا كذبت فكذِّبْني، قال) معاوية: (أفعل، قال) المقدام: (فأنشدك) أي: أقسمك (بالله هل سمعتَ رسول الله - ﷺ - ينهى عن لبس الذهب؟ قال) معاوية: اللهُمَّ (نعم، قال: فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله - ﷺ - نهى) الرجال (عن لبس الحرير؟ قال) معاوية: (نعم، قال) المقدام: (فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله - ﷺ - نهى عن لبس جلود (١) السباع، والركوب عليها؟ قال) معاوية: (نعم).\n(قال) المقدام: (فوالله لقد رأيت هذا كلَّه في بيتك يا معاوية) أي على أهلك، فيه أن ما في بيت الآدمي من مكروه أو حرام منسوب إلى مالكه في كونه لا ينكره.\n_________\n(١) استدل بذلك الموفق على مسلكهم من أنه إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه كان جلده نجسًا، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: يطهر؛ لقوله ﵇: \"دباغ الأديم ذكاته\" أي: كذكاته، فشبه الدبغ بالذكاة، والمشبه به أقوى من المشبه، فإذا طهر الدبغ مع ضعفه، فالذكاة أولى، ولنا هذا الحديث، فإنه عام في المذكى وغيره، انتهى. [انظر: \"المغني\" (١/ ٩٤)]. (ش).","vol":"12","page":161},{"text":"فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنّي لَنْ أَنْجُو مِنْكَ يَا مِقْدَامُ. قَالَ خَالِدٌ: فَأَمَرَ لَهُ مُعَاوِيَةُ بِمَا لَمْ يَأْمُرْ لِصَاحِبَيْهِ (١)، وَفَرَضَ لابْنِهِ في الْمِئيْنِ (٢)، فَفَرَّقَهَا الْمِقْدَامُ عَلَى أَصْحَابِهِ. قَالَ: وَلَمْ يُعْطِ الأَسَدِيُّ أَحَدًا شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: أَمَّا الْمِقْدَامُ فَرَجُلٌ كَرِيمٌ بَسَطَ يَدَهُ، وَأَمَّا الأَسَدِيُّ فَرَجُلٌ حَسَنُ الإمْسَاكِ لِشَيِّهِ\" (٣). [ن ٤٢٥٥، حم ٤/ ١٣١]\n٤١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ (٤)، أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ إبْرَاهِيمَ وَيحْيَى بْنَ\n===\n(فقال معاوية: قد علمتُ أني لن أنجوَ منك يا مقدام، قال خالد: فأمر له) أي: أمر (معاوية) للمقدام بعطاء (بما لم يأمر لصاحبيه) الذين وفدا معه، وهما عمرو بن الأسود والرجل الأسدي (وفرض لابنه) أي لابن المقدام، واسمه يحيى (في المئين) أي: كتب اسمه في الديوان في الذين لهم عطاء مقدر فوق المائتين من الدراهم (ففرقها) أي: ما أعطاه معاوية (المقدام على أصحابه) الحاضرين.\n(قال: ولم يُعْطِ الأسدي أحدًا شيئًا مما أخذ، فبلغ ذلك معاوية) أن المقدام فرق المال على أصحابه (فقال) معاوية: (أما المقدام فرجل كريم بَسَطَ) بمفتوحات (يده) بالعطاء، (وأما الأسدي فرجل حسن الإمساك لشيئه) (٥) أي حسن الإمساك للشيء الذي أعطيه ليصرفه بعد ذلك في مهمات.\n٤١٣٢ - (حدثنا مسدد أن إسماعيل بن إبراهيم ويحيى بن\n_________\n(١) في نسخة: \"لصاحبه\".\n(٢) في نسخة: \"المائتين\".\n(٣) في نسخة: \"لشيئه\".\n(٤) زاد في نسخة: \"ابن مسرهد\".\n(٥) اختار هذه النسخة صاحب \"عون المعبود\" (١١/ ١٢٩)، ولم يذكر ما في المتن، بل قال: في بعض النسخ: \"حسن الإمساك كَسبه\"، انتهى. (ش).","vol":"12","page":162},{"text":"سَعِيدٍ حَدَّثَاهُمْ، الْمَعْنَى، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ، عن أَبِيهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ\". [ت ١٧٧٠، ن ٤٢٥٣، حم ٥/ ٧٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>(٤١) بَابٌ: في الانْتِعَالِ</span>\n٤١٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، نَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادَ، عن مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -\n===\nسعيد حدثاهم، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن جلود السباع).\nقال الخطابي (١): إما لأن الدباغ لا يعمل إلَّا في جلد ما يؤكل لحمه، وهو قول الأوزاعي، وتأويل الحديث عند غيره أن المنهي عنه أن يُسْتَعْمَل قبل الدباغ. وتأوله أصحاب الشافعي ومن ذهب مذهبه إلى أن الدباغ يطهِّر جلود السباع، ولا يطهر شعرَها على أنه إنما نهى عن استعمالها من أجل شعرها؛ لأن جلود النمور والخز ونحوهما إنما يُسْتَعْمَل مع بقاء الشعر عليها، وشعر الميتة نجس عندهم، وقد يكون النهي عنها أيضًا من أجل أنها مراكب أهل السرف والخُيلاء.\n\n(٤١) (بَابٌ في الانْتِعَالِ)\n٤١٣٣ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر (٢) قال: كنا مع النبي - ﷺ -\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٠٢).\n(٢) قلت: وحكم ابن قتيبة في \"تأويل مختلف الحديث\". (ص ٨١) على ما أخرج معناه عن أنس - ﵁ -: أنه موضوع. (ش).","vol":"12","page":163},{"text":"في سَفَرٍ، فَقَالَ: \"أَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ، فَإنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ\". [م ٢٠٩٦، حم ٣/ ٣٣٧]\n٤١٣٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّ نَعْلَ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَهَا (١) قِبَالَانِ\". [خ ٥٨٥٧، ت ١٧٧٢، ن ٥٣٦٧، جه ٣٦١٥، حم ٣/ ٢٤٥]\n٤١٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى قَالَ:\n===\nفي سفر) ولفظ مسلم: \"عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في غزوة غزاها\" (فقال: أكثروا من النعال) أي: من لبسها (فإن الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل).\nقال ابن رسلان: هذا كلام بليغ ولفظ فصيح، بحيث لا ينسج على منواله، ولا يؤتى على مثاله، وفيه إرشاد إلى مصلحة الماشي، وتنبيه على تخفيف المشقة عنه، فإن الحافي يلقى من التعب والمشقة والألم والعثار ما يقطعه عن المشي، ويمنعه من الوصول إلى مقصوده، بخلاف المنتعل فإنه يكون كالراكب في قلةِ التعب، ووجودِ الراحة، والتخلصِ من أذى خشونة الأرض، والتأذي بما يطأ عليه من سيول وحجارة ونحوها، ويصل إلى مقصوده سريعًا كالراكب؛ فلذلك شبهه بالراكب (٢).\n٤١٣٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا همام، عن قتادة، عن أنس: أن نعل النبي - ﷺ - كان لها قبالان) بكسر القاف، أي: سيران، أحدهما يكون بين الإصبع الوسطى من الرِّجل والتي تليها، والآخر في الإصبع (٣) الآخر.\n٤١٣٥ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"لهما\".\n(٢) ونقل الحافظ نحوه في \"الفتح\" (١٠/ ٣٠٩) عن القرطبي.\n(٣) بين الإبهام والتي يليها، كذا في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٢٩). (ش).","vol":"12","page":164},{"text":"أَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِمًا\".\n٤١٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي الزِّنَادَ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَمْشِي (١) أَحَدُكُمْ في النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ، لِيَنْتَعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا\". [خ ٥٨٥٥، م ٢٠٩٧، ت ١٧٧٤]\n===\nنا أبو أحمد الزبيري، نا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن ينتعل الرجل قائمًا).\nقال الخطابي (٢): يشبه أن يكون إنما نهى عن لبس النعل قائمًا؛ لأن لبسها قاعدًا أسهل عليه وأمكن له، وربما كان ذلك سببًا لانقلابه إذا لبسها قائمًا، فأمر بالقعود والاستعانة باليد فيه ليأمن غائلته (٣).\n٤١٣٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يمشي أحدكم في النعل (٤) الواحدة، لينتعلهما جميعًا، أو ليخلعهما جميعًا).\n_________\n(١) في نسخة: \"لا يمش\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٠٣).\n(٣) وفي \"شرح السنَّة\": أن الكراهة لمشقة تلحق في لبس نعال فيها سيور؛ لأنه لا يمكن لبسه بدون استعانة اليد، فلا نهي فيما ليس فيها تلك المشقة، كذا في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٣٦). (ش).\n(٤) وجمع ابن قتيبة (ص ١٠٢) بينه وببن حديث عائشة ﵂: \"ربما مشى في النعل الواحدة\" بالقلة والكثرة، وبنحوه في \"شرحِ الشمائل\" (١/ ١٣٤)، وجمع المناوي بينه وبين ما في \"الصحيحين\": أن أنصاريًا شكى إليه، فقال: يا خير من يمشي بنعل فرد، أن المراد بالفرد ها هنا التي لم تخصف بل هي طاق واحد، وحكى النووي (٧/ ٣٢٦) الإجماع على ندب لُبسهما دون الوجوب، ونوزع بقول ابن حزم: لا يحل. (ش).","vol":"12","page":165},{"text":"٤١٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا زُهَيْر، نَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَمْشِي (١) في نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ. وَلَا يَمْشِي (٢) في خُفٍّ وَاحِدٍ، وَلَا يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ\". [م ٢٠٩٩، حم ٣/ ٢٩٣، تم ٨١]\n٤١٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى،\n===\nقال في \"مرقاة الصعود\": قال الخطابي (٣): لأن فيه شهرة، وكل أمر كذلك فهو مكروه، قال: ومثل ذلك لبس الخفين، وإخراج إحدى اليدين من أحد الكمين، ويترك الأخرى داخل الكم، وإرسال الرداء عن إحدى المنكبين، وإعراء الجانب الآخر منه، فكل ذلك مكروه.\nوقال في \"الفتح\" (٤): النهي لمخالفة الوقار، ومشابهة زي الشيطان كالأكل بالشمال، والمشقة في المشي، والخروج من الاعتدال، فربما يصير سببًا للعثار.\nوقال في \"النهاية\": إنما نهى عن المشي في نعل واحد لئلا تكون إحدى الرجلين أرفع من الأخرى، ويكون سببًا للعثار، ويعاب فاعله.\n٤١٣٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا زهير، نا أبو الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ -: إذا انقطع شسع أحدكم) أي: سبر نعله (فلا يمشي في نعل واحدة حتى يصلح شسعه، ولا يمشي في خف واحد، ولا يأكل بشماله) فإن الشيطان يأكل ويشرب بشماله.\n٤١٣٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا صفوان بن عيسى،\n_________\n(١) في نسخة: \"يمش\".\n(٢) في نسخة: \"يمش\".\n(٣) راجع: \"معالم السنن\" (٤/ ٢٠٤).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٠).","vol":"12","page":166},{"text":"نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ، عن زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبِي نَهِيكٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"مِنَ السُّنَّةِ إذَا جَلَسَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ، فيَضَعَهُمَا بِجَنْبِهِ\".\n٤١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بالْيَمِينِ، وَإذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ. وَلْتَكُنِ (١) الْيَمِينُ أَوَّلَهُمَا تُنْقَلُ، وَآَخِرَهُمَا تُنْزَعُ\". [خ ٥٨٥٦، م ٢٠٩٧، ت ١٧٧٩، حم ٢/ ٤٦٥، جه ٣٦١٦]\n٤١٤٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَا: نَا شُعْبَةُ، عن الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عن أَبِيهِ، عن مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ\n===\nنا عبد الله بن هارون، عن زياد بن سعد، عن أبي نهيك، عن ابن عباس قال: من السنَّة إذا جلس الرجل) أي: أراد أن يجلس (أن يخلع نعليه، فيضعهما بجنبه) الأيسر، فإن جهة اليمين والقبلة يتنزهان عن النعل لما يطرأ عليه غالبًا من النجاسة، وإذا وضع نعليه خلف ظهره يشتغل خاطره به خوفًا من السرقة.\n٤١٣٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا انتعل) أي: لبس النعل (أحدكم فليبدأ باليمين) أي: يلبس اليمين؛ لأن اليمين أولى بالكرامة (وإذا نزع) نعله (فليبدأ بالشمال) لتبقى النعل في اليمنى إلى أن تنزع اليسرى (ولتكن اليمين أولهما تُنْعَل، وآخرهما تُنْزَع).\n٤١٤٠ - (حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: نا شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه) أي: سليم أبي الشعثاء، (عن مسروق، عن عائشة\n_________\n(١) في نسخة: \"فلتكن\".","vol":"12","page":167},{"text":"قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ في شَأْنِهِ كُلِّهِ: في طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَنَعْلِهِ\". [خ ٥٨٥٤، م ٢٦٨، ت ٦٠٨، ن ٥٢٤٠، جه ٤٠١، حم ٦/ ٩٤]\nقَالَ مُسْلِمٌ: وَسِوَاكِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: في شَأْنِهِ كُلِّهِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عن شُعْبَةَ مُعَاذٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ: \"سِوَاكَهُ\".\n٤١٤١ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي صَالِحٍ،\n===\nقالت: كان رسول الله - ﷺ - يحب التيمن) أي الابتداء باليمين (ما استطاع في شأنه) أي: أمره (كله) إشارة إلى شدة المحافظة على التيمن.\nقال ابن رسلان: واعلم أن هذا الحديث ليس على عمومه، بل المراد ما كان من باب التكريم كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وحلق الرأس، ونحو ذلك، بخلاف المستقذر وما ليس في معناه، كالخروج من المسجد، والدخول في المبرز، والامتخاط، وكذا ما استثني من الطهارات كغسل الكفين معًا في أول الوضوء، ومسح الأذنين.\n(في طهوره) أي: الوضوء والغسل (وترجله) قيل: هو تسريح الشعر، وهو إما البداية باليمنى، أو بالابتداء بالشق الأيمن (ونعله) وفي بعض النسخ: \"تنعله\"، أي: في لبس النعل، أي: الابتداء باليمين من الرجلين.\n(قال مسلم) شيخ المصنف: (وسواكِه) بأنه يبتدأ بالجانب الأيمن من الفم (ولم يذكر) أي: مسلم: (في شأنه كله، قال أبو داود: رواه عن شعبة معاذ، ولم يذكر: سواكه).\n٤١٤١ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا الأعمش، عن أبي صالح،","vol":"12","page":168},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذَا لَبِسْتُمْ وَإذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤوا بِأَيَامِنِكُمْ\" (١). [ت ١٧٦٦، جه ٤٠٢، ق ١/ ٨٦، حم ٢/ ٣٥٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>(٤٢) بَابٌ: في الْفُرُشِ</span>\n٤١٤٢ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْهَمْدَانِيُّ الرَّمْلِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن أَبِي هَانِئٍ، عن أَبي عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحُبُلِيِّ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْفُرُشَ، فَقَالَ: \"فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِلْمَرْأَةِ،\n===\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم).\n\n(٤٢) (بَابٌ (٢): في الْفُرُشِ)\nبضم الفاء والراء، جمع فراش، كبساط وبسط، قال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ (٣)\n٤١٤٢ - (حدثنا يزيد بن خالد الهمداني الرملي، نا ابن وهب، عن أبي هانئ) حميد بن هانئ، (عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن جابر بن عبد الله قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الفرشَ، فقال: فراش للرجل، وفراش للمرأة)، استدل بعضهم على أنه لا يلزم للرجل النوم مع امرأته، وأن له الانفراد عنها بفراش ثان.\nقال النووي (٤): والاستدلال به في هذا ضعيف؛ لأن المراد بهذا وقت الحاجة بالمرض وغيره، وإن كان النوم مع الزوجة ليس بواجب، والصواب في النوم مع الزوجة أنه إذا لم يكن لواحد منهما عذر في الانفراد فاجتماعهما في فراش\n_________\n(١) في نسخة: \"بميامنكم\".\n(٢) وسيأتي في \"باب كيف يتوجه\" أن فراشه ﵇ كان نحوًا مما يوضع في قبره، والمسجد عند رأسه. (ش).\n(٣) سورة الواقعة: الآية ٣٤.\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٠٩).","vol":"12","page":169},{"text":"وَفِرَاشٌ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ\". [م ٢٠٨٤، ن ٣٣٨٥، حم ٣/ ٣٢٤]\n٤١٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبلٍ، نَا وَكِيعٌ. (ح): وَنَا عَبْدُ الله بْنُ الْجَرَّاحِ، عن وَكِيعٍ، عن إسْرَائِيلَ، عن سِمَاكٍ، عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: \"دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - في بَيْتِهِ، فَرَأَيْتُهُ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ. زَادَ ابْنُ الْجَرَّاحِ: عَلَى يَسَارِهِ\". [ت ٢٧٧٠، حم ٥/ ٨٦، تم ١٢٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عن إسْرَائِيلَ أَيْضًا: \"عَلَى يَسَارِهِ\" (١).\n===\nواحد أفضل، وهو ظاهر فعل رسول الله - ﷺ - الذي واظب عليه مع مواظبته - ﷺ - على قيام الليل، فإذا أراد القيام لوظيفته قام وتركها، فيجمع بين وظيفته ومصاحبتها المندوب وعشرتها بالمعروف، ثم إنه لا يلزم من النوم معها الجماع.\n(وفراش للضيف) قال القرطبي: يتعين إعداد فراش للضيف؛ لأنه من باب إكرامِه والقيام بحقه، (والرابع للشيطان) قال العلماء (٢): معناه أي ما زاد على الحاجة، فاتخاذه إنما هو للمباهاة والاختيال، وما كان بهذا الصفة فهو مذموم يضاف إلى الشيطان؛ لأنه الداعي إليه بوسوسة.\n٤١٤٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، ح: ونا عبد الله بن الجراح، عن وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: دخلت على النبي - ﷺ - في بيته، فرأيته متكئًا على وسادة، زاد ابن الجراح: على يساره) أي: متكئًا على جانب يساره.\n(قال أبو داود: رواه إسحاق بن منصور (٣)، عن إسرائيل أيضًا: على يساره) كما رواه ابن الجراح.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بهذا الحديث\".\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٠٩).\n(٣) أخرج روايته الترمذي في \"سننه\" (٢٧٧٠)، وفي \"الشمائل\" (١٣٠).","vol":"12","page":170},{"text":"٤١٤٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن (١) وَكِيعٍ، عن إسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ بنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّهُ رَأَى رُفْقَةً مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ رِحَالُهُمُ الأُدُمُ، فَقَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَشْبَهِ رُفْقَةٍ كَانُوا بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (٢) - ﷺ -، فَلْيَنْظُرْ إلَى هؤلَاءِ\". [ق ٣/ ٢٧٧، حم ٢/ ١٢٠]\n٤١٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا سفْيَانُ، عن ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَتَّخَذْتُمْ\n===\n٤١٤٤ - (حدثنا هناد بن السري، عن وكيع، عن إسحاق بن سعيد بن عمرو) بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي الكوفي، قال أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخ، وهو أحب إليَّ من أخيه خالد، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطني: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" في الطبقة الرابعة (القرشي، عن أبيه) سعيد بن العاص، (عن ابن عمر) - ﵁ -: (أنه رأى رفقة) وهم الجماعة يترافقون في السفر (من أهل اليمن رحالهم) جمع رحل، وهو رحل البعير الذي يُرْكَبُ عليه، ويُطْلَق على كل ما يُعَدُّ للرحيل في السفر من وعاء للمتاع (الأدمُ) بضمتين جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ، والمراد أن رحال إبلهم معمولة من الجلود.\n(فقال: من أحب أن ينظر إلى أشبه رففة كانوا) لفظ \"كانوا\" زائدة (بأصحاب رسول الله - ﷺ -) الخالية من التكلف والزينة (فلينظر إلى هؤلاء) وفيه الحث على الاقتداءِ بأصحاب النبي - ﷺ - والتشبهِ لهم.\n٤١٤٥ - (حدثنا ابن السرح، نا سفيان، عن ابن المنكدر، عن جابر قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: أتَّخذتم) بفتح همزة الاستفهام، وحذف همزة الوصل\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"نا\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".","vol":"12","page":171},{"text":"أَنْمَاطًا؟ \"، قُلْتُ: وَأَنَّى لَنَا الأَنْمَاطُ؟ فَقَالَ: \"أَمَا إنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ أَنْمَاطٌ\". [خ ٥١٦١، م ٢٠٨٣، ت ٢٧٧٤، حم ٣/ ٢٩٤، ن ٣٣٨٦]\n٤١٤٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَا: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قالَتْ: \"كَانَ (١) وِسَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ ابْنُ مَنِيعٍ: الَّذِي (٢) يَنَامُ عَلَيْهِ (٣)\n===\nكما في قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (٥).\n(أنماطًا؟) جمع نمط، وهو ضرب من البسط له خمل رقيق، وقال النووي (٦): هو ظهارة الفراش. وقيل: ثوب من صوف يُطْرَح على الهودج.\n(قلت: وأنى لنا الأنماط؟) أي: من أين لنا ذلك وهو للمترفهين؟ ! (فقال: أما إنها ستكون لكم أنماط) زاد البخاري (٧): \"فأنا أقول لها - يعني امرأته-: أَخِّرِيْ عني أَنماطَكِ، فتقول: أَلَمْ يقل النبي - ﷺ -: إنها ستكون لكم الأنماط\"، وفيه معجزة بإخبار النبي - ﷺ - عما سيكون، فكان كما قال.\n٤١٤٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وأحمد بن منيع قالا: نا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان وسادة رسول الله - ﷺ -) المشهور أن الوساد والوسادة: المخدة، جمعها وسائد، وقيل: هي الفراش، (قال ابن منيع) في روايته: (الذي ينام عليه\n_________\n(١) في نسخة: \"كانت\".\n(٢) في نسخة: \"التي\".\n(٣) في نسخة: \"علبها\".\n(٤) سورة ص: الآية ٦٣.\n(٥) سورة الصافات: الآية ١٥٣.\n(٦) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٠٨).\n(٧) \"صحيح البخاري\" (٣٦٣١).","vol":"12","page":172},{"text":"باللَّيْلِ (١)، -: مِنْ أُدُمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ\". [خ ٦٤٥٦، م ٢٠٨٢، ت ٢٤٦٩، حم ٦/ ٤٨]\n٤١٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ حَيَّانَ -، عَنْ هِشَامٍ (٢)، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ ضِجْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ أُدُمٍ حَشْوُهَا ليفٌ\". [خ ٦٤٥٦، م ٢٠٨٢، جه ٤١٥١، حم ٦/ ٤٨]\n٤١٤٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ، نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن زينَبَ بِنْتِ أُمِّ سلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: \"كَانَ فِرَاشُهَا حِيَالَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ (٣) - ﷺ -\". [جه ٩٥٧، حم ٦/ ٣٢٢]\n===\nبالليل)، وفي رواية (٤): \"التي يتكأ عليها\" (من أدم حشوها ليف) وفي رواية ابن ماجه (٥): \"الإذخر\".\n٤١٤٧ - (حدثنا أبو توبة، ثنا سليمان - يعني ابن حيان -، عن هشام، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عائشة) - ﵂ - (قالت: كان ضجعة رسول الله - ﷺ -) أي: ما كان يضجع عليه (من أدم حشوها ليف) أي: باطنها محشو بليف.\n٤١٤٨ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: كانت فراشها حيال) أي: بإزاء (مسجد النبي - ﷺ -) والمراد بالمسجد الموضع الذي اتخذه للصلاة من البيت، ولأبي الشيخ (٦) من حديث أم سلمة: \"كان فراش النبي - ﷺ - نحو ما يُوْضَعُ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ثم اتفقا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن عروة\".\n(٣) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٤) وهذه الرواية عند مسلم في \"صحيحه\" (٢٠٨٢).\n(٥) أخرج ابن ماجه (٤١٥٢) من حديث علي ﵁.\n(٦) ذكره العراقي في \"المغني عن حمل الأسفار\" رقم (٢٤٨٤)، وقال: وفيه من لم يسمَّ.","vol":"12","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1596>(٤٣) بَابٌ: في اتِّخَاذِ السُّتُورِ</span>\n٤١٤٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، نَا ابْنُ نُمَيْرٍ، نَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَتَى فَاطِمَةَ، فَوَجَدَ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا، فَلَمْ يَدْخُلْ - قَالَ: وَقَلَّ مَا كَانَ يَدْخُلُ إلَّا بَدَأَ بِهَا (١) - فَجَاءَ عَلِيٌّ، فَرَآهَا مُهْتَمَّةً، فَقَالَ: مَا لَكِ؟\n===\nالإنسان في قبره\" أي: قدره نحو موضع القبر، قال الغزالي (٢): كان طول فراشه ذراعان، أو نحوه، وعرضه ذراع وشبر، أو نحوه.\n\n(٤٣) (بَابٌ: في اتِّخَاذِ السُّتُورِ) (٣)\n٤١٤٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن نمير، نا فضيل بن غزوان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - أتى) ابنتَه (فاطمةَ) - ﵂ - (فوجد على بابها) أي: باب بيتها (سترًا، فلم يدخل) والستر كان موشًّا (قال) ابن عمر: (وقَلَّ ما كان) رسول الله - ﷺ - (يدخل) بيوت أزواجه (إلَّا بدأ بها) أي: بفاطمة قبل أزواجه، أي: إذا جاء من السفر (فجاء علي) - ﵁ - (فرآها) أي: زوجته فاطمة (مُهْتَمَّة) أي: ذات هَمٍّ وقلق (فقال: ما لكِ؟) أي: لم أنتِ في هذا الهم والقلق؟ وما سببه؟\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٣٢٤).\n(٣) قال الموفق: ستر البيوت بستور غير مُصَوَّرة؛ إن كان لحاجة من وقاية حر أو برد، فلا بأس به، وإن كان بغير حاجة فمكروه، وعذر في الرجوع عن الدعوة؛ بدليل ما روى سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ قال: \"أَعْرَسْتُ في عهد أبي، فآذن أبي [الناس]، وكان أبو أيوب فيمن آذن، وقد ستروا بيتي بخباء أخضر، فأقبل أبو أيوب ... الحديث، وفيه: فقال: لا أطعم لكم طعامًا، ولا أدخل لكم بيتًا\"؛ فهو مكروه غير محرم، وهو مذهب الشافعي، وقيل: هو محرم؛ للنهي عنه. [راجع: \"المغني\" (١٠/ ٢٠٣، ٢٠٤)]. (ش).","vol":"12","page":174},{"text":"قَالَتْ: جَاءَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - إلَيَّ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَأَتَاهُ عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إن فَاطِمَةَ اشْتَدَّ عَلَيْهَا أَنَّكَ جِئْتَهَا، فَلَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهَا؟ قَالَ: \"وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟ ! وَمَا أَنَا وَالرَّقْمُ\"؟ ! فَذَهَبَ إلَى فَاطِمَةَ وَأَخْبَرَهَا (٢) بقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: قُلْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا تَأْمُرُنِي (٣) بِهِ، قَالَ: \"قُلْ لَهَا: فَلْتُرْسِلْ بِهِ إلَى بَنِي فُلَانٍ\". [حم ٢/ ٢١]\n===\n(قالت: جاء النبي - ﷺ - إليَّ) أي: إلى بيتي (فلم يدخل) عليَّ، ورجع، وما أدري ما سبب رجوعِه وامتناعِه من الدخول؟ (فأتاه) أي النبي - ﷺ - (علي) - ﵁ - (فقال: يا رسول الله! إن فاطمة) ابنتك (اشتد عليها أنكَ جئتَها فلم تدخل عليها) ورجعتَ عنها.\n(قال) أي رسول الله - ﷺ - لعلي - ﵁ -: (وما أنا والدنيا؟ !) أي: كيف أكون في مكان وزهرة الدنيا فيه، وقد نهاني الله تعالى من نظري إليها في قوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٤)؟ وفي الحديث دليل على تأديب الأولاد والزوجات والأقارب بالإعراض عنهم والامتناع عن الدخول عليهم حتى يرجعوا.\n(وما أنا والرقم؟ !) والمراد بالرقم الوشي والنقش (فذهب) علي (إلى فاطمة، وأخبرها بقول رسول الله - ﷺ -، فقالت) فاطمة: ارجع (قل لرسول الله - ﷺ -: ما تأمرني به) فأفعله؟ (قال) رسول الله - ﷺ - لعلي: (قل لها) أي لفاطمة: (فلتُرْسِل به) أي: بالستر (إلى بني فلان) كأنهم كانوا ذوي حاجة إلى الستر في لباسهم واستعمالهم، وليس المراد بالإرسال إليهم أن يعلِّقوه على الباب.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"فأخبرها\".\n(٣) في نسخة: \"يأمرني\".\n(٤) سورة طه: الآية ١٣١.","vol":"12","page":175},{"text":"٤١٥٠ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الأَسَدِيُّ، نَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عن أَبِيهِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: وَكَانَ سِتْرًا مَوْشِيًا\" (١). [خ ٢٦١٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>(٤٤) بَابٌ: فِي الصَّليبِ في الثَّوبِ</span>\n٤١٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا يَحْيَى، نَا عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ،\n===\n٤١٥٠ - (حدثنا واصل بن عبد الأعلى الاْسدي، نا ابن فضيل) محمد، (عن أبيه) فضيل بن غزوان، (بهذا الحديث، قال: وكان سترًا مَوْشيًا)\n\n(٤٤) (بَابٌ: في الصَّلِيبِ)، أي: صورة الصليب (في الثَّوْبِ)\n٤١٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا يحيى، نا عمران بن حطان) بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين، ابن ظبيان السدوسي، أبو سماك، ويقال: أبو شهاب البصري، قال العجلي: بصري تابعي ثقة، قال أبو داود: وليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان وغيره، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقال يعقوب بن شيبة: صار في آخر أمره أن رأى رأي الخوارج، وكان سبب ذلك فيما بَلَغَنا أن ابنة عمه رأت رأي الخوارج، فتزوجها ليردها عن ذلك، فصرفته إلى مذهبها، وقال الدارقطني: متروك لسوءِ اعتقاده، وخبثِ مذهبه.\nوقال المبرد في \"الكامل\" (٢): كان رأسَ القعد من الصفرية، وفقيهَهم، وخطيبَهم، وشاعرَهم، والقعد: الخوارج، كانوا لا يرون بالحرب، بل ينكرون على أمراء الجور حسب الطاقة (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"مُوَشّىً\".\n(٢) راجع: \"الكامل\" للمبرد (٣/ ١٤٧).\n(٣) ونقل الحافظ في \"التهذيب\" (٨/ ١٢٨) عن محمد بن بشر الموصلي: أنه رجع عن رأي الخوارج بأخرة.","vol":"12","page":176},{"text":"عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ لَا يَتْرُكُ في بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إلَّا قَضَبَهُ\". [خ ٥٩٥٢، حم ٦/ ٥٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>(٤٥) بَابٌ: في الصُّوَرِ</span>\n٤١٥٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَلِيٍّ بْنِ مُدْرِكٍ، عن أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ نُجَيٍّ، عن أَبِيهِ، عن عَلَيٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ،\n===\n(عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - كان لا يترك في بيته شيئًا) يشمل الملبوس، والستور، والبسط، والآلات (فيه تصليب) أي صورة الصليب التي للنصارى من نقش في ثوب أو غيره (إلَّا قضبه) ولفظ البخاري: \"إلَّا نقضه\"، أي قطعه وكسره، وغَيَّر صورة الصليب، والصليب وإن لم يكن على صورة ذي حياة لكن يُمْحى لما يعبده النصارى.\n\n(٤٥) (بَابٌ: في الصُّوَرِ) (١)\nجمع صورة، والمراد بالصورة: صورة الحيوان\n٤١٥٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن نجي) مصغرًا، (عن أبيه) بني الحضرمي الكوفي، (عن علي) بن أبي طالب، (عن النبي - ﷺ - قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة) (٢)، والمراد بالصورة صورة حيوان إن كان\n_________\n(١) وأجاد البحث في ذلك في \"رسالة التصوير\" للمولوي محمد شفيع الديوبندي، وحاصله أن ما كان من صورة مما يُعْبَد فلا يجوز مطلقًا، سواء كان شجرًا أو شمسًا أو غير ذلك، وأما ما سوى ذلك، فيجوز في غير ذي روح مطلقًا، وأما من ذي الروح فيجوز الممتهن، وتجوز الصغيرة، وهي ما لا تظهر بجميع أجزائه إذا وُضِعَتْ على الأرض والناظر قائم، وذكر الشواهد والأقوال في ذلك، ورد على السيد سليمان الندوي، فلا يرد ما روي عن بعض الصحابة في الخاتم وغيره. (ش).\n(٢) استدل بذلك بعض الشافعية على حرمة الدخول في بيت فيه تصاوير، قال الموفق =","vol":"12","page":177},{"text":"وَلَا كَلْبٌ، وَلَا جُنُبٌ\". [تقدَّم برقم ٢٢٧]\n٤١٥٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، نَا خَالِدٌ، عن سُهَيْلٍ - يَعْنِي\n===\nمعلَّقًا على حائط، أو ثوب ملبوس، أو عمامة، أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا؛ بخلاف (١) ما كان في بساط يداس، أو مخدة، أو وسادة، أو نحوها بما يمتهن، فلا تمنع دخول الملائكة.\n(ولا كلب) والمراد منه ما يحرم اقتناؤه، وأما ما لا يحرم من كلب الصيد، والزرع، والماشية، فلا يمنع دخول الملائكة، وقال النووي (٢): والأظهر أنه عام في كل كلب، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الحديث.\n(ولا جنب) قال الخطابي (٣): قد يقال: لم يرد بالجنب ها هنا من أصابته جنابة، فأخَّر الاغتسال إلى حضور وقت الصلاة، ولكنه الذي يجنب فلا يغتسل، ويتهاون به، ويتخذه عادة، وهذا الحديث مكرر بسنده ومتنه، تقدم في كتاب الطهارة.\n٤١٥٣ - (حدثنا وهب بن بقية، نا خالد، عن سهيل - يعني\n_________\n= (١٠/ ٢٠٢، ٢٠٣): وهذا مذهب مالك، وقال أكثر أصحاب الشافعي: لا يجوز له الدخول لحديث الباب، ولنا ما روي \"أنه ﵇ دخل الكعبة فيها صورة إبراهيم وإسماعيل\"، انتهى. (ش).\n(١) أي عند الجمهور، منهم الحنفية، وفيه خلاف بسطه العيني (٨/ ٣٨١)، واختلف المحدثون في امتناع الملائكة بما على النقدين، فنفاه عياض، وأثبته النووي، قال ابن عابدين (٢/ ٥٠٦): قوله: نفاه عياض أي قال: إن الأحاديث مخصصة \"البحر الرائق\"، وهو ظاهر كلام علمائنا، انتهى.\nوذكرت شواهده في \"رسالة التصوير\" (ص ٧٧)، منها ما في آخر الباب: أن جبرائيل أمر بالستر أن يجعل وسادة، فإن كان مانعًا كيف يأمر به، ومنها أنه ﵇ لم ينكر على عائشة الوسادتين، وقد أنكر عليها الستر. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٤٣).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ٧٥).","vol":"12","page":178},{"text":"ابْنَ أَبِي صَالِحٍ -، عن سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، عن أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تِمْثَالٌ\". وَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، نَسْأَلْهَا عَنْ ذَلِكَ\n===\nابن أبي صالح -، عن سعيد بن يسار الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني، عن أبي طلحة الأنصاري قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: لا تدخل الملائكة بيتًا) الظاهر أنه لا يختص بالبيت الذي له سقف، أو عليه جدار، بل يدخل فيه كل موضع وإن كان في صحراء، وعند شخص كلب أو تمثال لا تحضره الملائكة (فيه كلب، ولا تمثال (١)، وقال) أي زيد بن خالد الجهني لأبي طلحة: (انطلق بنا إلى أم المومنين عائشة) - ﵂ - (نسألها عن ذلك).\nوقال صاحب \"العون\" في شرحه (٢): \"وقال: انطلق بنا\"، القائل زيد بن خالد، والخطاب لسعيد بن يسار، انتهى. والظاهر أن هذا غلط منه؛ لأن سعيد بن يسار لو كان موجودًا عند تحديث أبي طلحة لكان يحدث عن أبي طلحة، لا عن زيد بن خالد الجهني.\nوقد أخرج هذا الحديث أبو داود فيما سيأتي، ومسلم في \"صحيحه\" بسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب مولى بني النجار، عن زيد بن خالد الجهني، عن أبي طلحة الأنصاري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب، ولا تماثيل\"، قال - أي زيد بن خالد -: فأتيت عائشة فقلت: إن هذا - أي أبو طلحة - يخبرني أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب\". الحديث، وهذا السياق يدل على أن أبا طلحة كان موجودًا عند زيد بن خالد\n_________\n(١) وهل يدخل اللعب بالبنات؟ سيأتي في \"باب اللعب بالبنات\"، انتهى. وقال العيني (٨/ ٣٨١): تصوير ما لا روح فيه كالشجر مباح عند جمهور الفقهاء وأهل الحديث ... إلخ. (ش).\n(٢) \"عون المعبود\" (١١/ ١٣٩).","vol":"12","page":179},{"text":"فَانْطَلَقْنَا فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! إنَّ أَبَا طَلْحَةَ حَدَّثنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِكَذَا وَكَذَا، فَهَلْ سَمِعْتِ النَّبِيَّ - ﷺ - يَذْكُرُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكُمْ بِمَا رَأَيْتُهُ فَعَلَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في بَعْضِ مَغَازِيهِ، وَكُنْتُ أَتَحَيَّنُ قُفُولَهُ، فَأَخَذْتُ نَمَطًا كَانَ لَنَا فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْعَرْضِ، فَلَمَّا جَاءَ اسْتَقْبَلْتُهُ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَعَزَّكَ وَأَكْرَمَكَ. فَنَظَرَ إلَى الْبَيْتِ فَرَأَى\n===\nوعائشة لما سألها زيد بن خالد عن حديث أبي طلحة، فالظاهر أن أبا طلحة هو الذي قال له زيد بن خالد: انطلق بنا، أو سعيد بن يسار.\n(فانطلقنا فقلنا: يا أم المومنين! إن أبا طلحة) هذا (حدثنا عن رسول الله - ﷺ - بكذا وكذا، فهل سمعت النبي - ﷺ - يذكر ذلك؟ قالت: لا) أي ما سمعت منه في ذلك من حديث قوليٍّ، (ولكن سأحدثكم بما رأيته فَعَلَ) فأحدثكم بحديث عليٍّ، (خرج رسول الله - ﷺ - في بعض مغازيه، وكنت أَتَحَيَّنُ قُفُولَه) أي أنتظر رجوعَه من السفر (فأخذت نمطًا) ثوبًا من صوف يُفْرَش، ويُجْعَلُ سترًا (كان لنا فسترته على العرض) بالضاد المعجمة، قال الخطابي (١): هي الخشبة المعترضة التي يُسَقَّف بها البيت، ثم يوضع عليها أطرافُ الخشب الصغار.\nقال في \"النهاية\" (٢): المحدثون يروونه بالضاد المعجمة، وهو بالصاد المهملة والسين، وهو خشبة توضع على البيت عرضًا إذا أرادوا التسقيف، ثم توضع عليها أطرافُ الخشب الصغار، وذكره أبو عبيد بالسين.\n(فلما جاء) أي من الغزو (استقبلته، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أعزك وأكرمك، فنظر إلى البيت فرأى\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٠٧).\n(٢) (٣/ ٢٠٨).","vol":"12","page":180},{"text":"النَّمَطَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، وَرَأَيْتُ الْكَرَاهِيَةَ في وَجْهِهِ. فَأَتَى النَّمَطَ حَتَّى هَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"إنَّ اللَّه لَمْ يَأْمُرْنَا فِيمَا رَزَقَنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَاللَّبِنَ\". قَالَتْ: فَقَطَعْتُهُ، وَجَعَلْتُهُ (١) وِسَادَتَيْنِ، وَحَشَوْتُهُمَا لِيفًا، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ. [خ ٣٢٢٥، م ٢١٠٦، ن ٥٣٤٨، جه ٣٦٤٩، حم ٤/ ٢٨]\n٤١٥٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن سُهَيْلٍ فَذَكَرَ (٢) مِثْلَهُ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أُمَّهْ! إنًّ هَذَا حَدَّثَنِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ، وَقَالَ فِيهِ: سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي النَّجَّارِ. [م ٢١٠٦]\n===\nالنمط، فلم يرد عليَّ شيئًا، ورأيت الكراهية في وجهه، فأتى النمط حتى هتكه) أي: قطعه (ثم قال: إن الله لم يأمرنا فيما رَزَقَنا أن نكسو الحجارة) والطين (واللبنَ)، وهذا يدل على كراهة ستر الحيطان بالثياب المنقشة وغيرها؛ لأن ذلك من السرفِ، وفضولِ زهرة الدنيا التي نهى الله النَّبيَّ أن يمد عينيه إليها نهيَ تنزيه لا تحريم.\n(قالت: فقطعته، وجعلته وسادتين، وحشوتهما ليفًا، فلم ينكر ذلك عليَّ). قال القرطبي: يحتمل أن مع التقطيع أزيل شكل الصورة وبطل، فيزول الموجب للمنع، ويحتمل أن تكون تلك الصور أو بعضها باقيًا، لكن لما امتهنت بالقعودِ عليها والاتِّكاءِ عليها سُومِحَ فيها، وقد ذهب إلى كل احتمال منها طائفة من العلماء.\n٤١٥٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن سهيل، فذكر مثله) أي: مثل الحديث المتقدم (قال) أي زيد: (فقلت: يا أُمَّه! إن هذا حدثني أن النبي - ﷺ - قال، وقال) جرير (فيه) أي في هذا الحديث، (سعيد بن يسار مولى بني النجار) زاد جرير لفظ: مولى بني النجار، ولم يزده خالد.\n_________\n(١) في نسخة: \"فجعلته\".\n(٢) في نسخة: \"بإسناد مثله\".","vol":"12","page":181},{"text":"٤١٥٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن بُكَيْرٍ، عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عن أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتَا فِيهِ صُورَةٌ\". قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ فَعُدْنَاهُ، فَإذَا عَلَى بَابهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ رَبِيب مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عن الصُّوَرِ يَوْمَ الأَوَّلِ؟ فَقَالً عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: إلَّا رَقْمًا في ثَوْبٍ؟ . [خ ٣٢٢٦، م ٢١٠٦، حم ٤/ ٢٨]\n٤١٥٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ عَقِيلٍ -، عن أَبيهِ، عن وَهْب بْنِ مُنَبِّهٍ، عن جَابِرٍ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ زَمَنَ الْفَتْحِ\n===\n٤١٥٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، عن أبي طلحة أنه قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة) أي صورة حيوان (قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه) من العيادة (فإذا على بابه ستر فيه صورة) أي: تصوير حيوان (فقلت لعبيد الله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي - ﷺ -: ألم يخبرنا زيد عن الصور) أي: عن تحريمها (يوم الأول) أي في اليوم الأول؟ (فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال) أي حين ذكر الحديث فقال: (إلَّا رقمًا في ثوب) فاستثناه، وبهذا يحتج من قال بإباحة رقم مطلقًا سواء امتهن أم لا كما هو ها هنا، وسواء عُلِّق في حائط، وهذا مذهب القاسم بن محمد وغيره، وجواب الجمهور عنه أنه محمول على رقم على صورة الشجر ونحوه مما ليس بحيوان، فإنه جائز عندنا.\n٤١٥٦ - (حدثنا الحسن بن الصباح، أن إسماعيل بن عبد الكريم حدثهم قال: حدثني إبراهيم - يعني ابن عقيل -، عن أبيه) عقيل بن معقل، (عن وهب بن منبه، عن جابر: أن النبي - ﷺ - أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح،","vol":"12","page":182},{"text":"وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ أَنْ يَأْتِيَ الْكَعْبَةَ فَيَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا، فَلَمْ يَدْخُلْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى مُحِيَتْ كُلُّ صُورَةٍ فِيهَا\". [ق ١٠/ ٢٢٠، حم ٣/ ٣٣٦]\n٤١٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن ابْن السَّبَّاقِ، عنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي (١) مَيْمُونَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ -، أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقانِي اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي\"، ثُمَّ وَقَعَ في نَفْسِهِ (٢)\n===\nوهو) نازل (بالبطحاء) أي بطحاء مكة، وهو المحصب يقال له: خيف بني كنانة (أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة) أي: كل تمثال على صورة نبي، أو ملك من الملائكة، أو نحو ذلك مما كان نقشًا في حائط، أو له جرم، أو غير ذلك مما فيه روح (فيها، فلم يدخلها النبي - ﷺ - حتى مُحِيَتْ كل صورة فيها).\nقال ابن رسلان: والظاهر أن ما أمره - ﷺ - عمرَ بنَ الخطابِ كان مختصًّا بما نُقِشَ من الصور في الجدران، فأمره بمحوها، وأما الأصنام وذي الأجرام منها فبقيت فيها حتى دخل رسول الله - ﷺ - الكعبةَ، فأزالها بنفسه، كما ثبت (٣) أن رسول الله - ﷺ - دخلها، وفيها ثلثمائة وستون نصبًا، فيطعن فيها ويقول: \"جاء الحق وزهق الباطل\".\n٤١٥٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن السَّبَّاق) هو عبيد بن السبَّاق بمهملة وموحدة شديدة، الثقفي، المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة.\n(عن ابن عباس قال: أخبرتني ميمونةُ زوجُ النبي - ﷺ -، أن النبي - ﷺ - قال: إن جبريل ﵇ كان وعدني أن يلقاني الليلةَ، فلم يلقني) زاد مسلم والنسائي: \"أما والله ما أخلفني\" (ثم وقع في نفسه) أي نفس رسول الله - ﷺ - أن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"حدثني\".\n(٢) في نسخة: \"نفسي\".\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٤٢٨٧).","vol":"12","page":183},{"text":"جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ بِسَاطٍ (١) لنَا، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَد مَاءً فَنَضَحَ بِهِ مَكَانَهُ، فَلَمَّا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ قَالَ: \"إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ\"، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَاب، حَتَّى إنَّهُ لَيَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ. [م ٢١٠٥، ن ٤٢٨٣، حم ٦/ ٣٣٠]\n٤١٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، أَنَا (٢) أَبُو إسْحَاقَ\n===\nالمانع من دخول جبرائيل ﵇ على النبي - ﷺ - في بيته (جرو كلب) أي: صغير (تحت بساط لنا) ولمسلم: \"تحت فسطاط لنا\" (فأمر به) أي رسول الله - ﷺ - (فأُخْرِجَ) من البيت.\nقال النووي (٣): الأظهر أن الحديث عام في كل كلب، وكل صورة، حتى إن الملائكة تمتنع عن كل كلب لإطلاق الحديث (ثم أخذ بيده ماءً فنضح به مكانه) أي غسل للتطهر تنزهًا، أو رَشَّ ليذهب أثر ريحه.\n(فلما لقيه جبريل ﵇) أي: اعتذر و(قال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، فأصبح النبي - ﷺ - فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه ليأمر بقتل كلب الحائط الصغير) لقلة حاجته إلى الكلب الصغير للبستان (ويترك كلب الحائط الكبير) لأنه لِسعَته يحتاج إلى حفظ جوانبه، والأمر بقتل الكلاب منسوخ بحديث جابر في مسلم (٤) وغيره: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، حتى إن المرأة لتقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى رسول الله - ﷺ - عن قتلها\".\n٤١٥٨ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى، أنا أبو إسحاق\n_________\n(١) في نسخة: \"بساطه\".\n(٢) في نسخة: \"ثنا\".\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٤٣).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٥٧٢).","vol":"12","page":184},{"text":"الْفَزَارِيُّ، عن يُونُسَ بْنِ أَبِي إسْحَاقَ، عن مُجَاهِدِ قَالَ: نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ لِي: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَاب تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ في الْبَيْتِ كَلْبٌ. فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي في (١) الْبَيْتِ يُقْطَعْ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ. وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ، فَلْيُجْعَلْ (٢) مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوْطَآنِ. وَمُرْ بِالْكَلْبِ، فَلْيُخْرَجْ\". فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَإذَا الْكَلْبُ لِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ كَانَ تَحْتَ نضَدٍ لَهُمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ (٣). [ت ٢٨٠٦، حم ٥/ ٣٠٢، ن ٥٣٦٥]\n\nآخِرُ كِتَابِ اللِّبَاسِ\n===\nالفزاري، عن يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد قال: نا أبو هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أتاني جبريل، فقال لي: أتيتك البارحة) أي: الليلةَ الماضيةَ (فلم يمنعني أن) أي: من أن (أكون دخلتُ إلَّا أنه كان على الباب تماثيل) أي تماثيل الرجال (٤)، (وكان في البيت قرامُ سترٍ فيه تماثيل) أي: تماثيل الحيوان، (وكان في البيت كلب، فمرْ برأس التمثال الذي في البيت يُقْطَعْ، فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فَلْيُقْطَعْ، فَلْيُجْعَلْ منه وسادتين منبوذتين توطَآن، ومُر بالكلب فليُخْرَجْ، ففعل رسول الله - ﷺ -، وإذا الكلب لحسنٍ أو حسينٍ كان تحت نَضَدٍ) بنون وضاد معجمة مفتوحتين ودال مهملة، هو السرير الذي ينضد عليه الثياب أن يجعل بعضها فوق بعض (لهم، فَأَمَر به فَأُخْرِج).\n\nآخِرُ كِتَابِ اللِّبَاسِ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب\".\n(٢) في نسخة: \"فَيُجْعَل\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: والنضد شيء توضع عليه الثياب شبه السرير\".\n(٤) كما في لفظ الترمذي (٢٨٠٦).","vol":"12","page":185},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>(٢٧) أَوَّلُ كِتَابِ التَّرَجُّلِ</span>\n٤١٥٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عن الْحَسَنِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: \"أَنَّ (١) رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عن التَّرَّجُّلِ إلَّا غِبًّا\". [ت ١٧٥٦، تم ٣٥، ن ٥٠٥٥، حم ٤/ ٨٦]\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٢٧) (أَوَّلُ كِتَابِ التَّرَجُّلِ)\n٤١٥٩ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الترجل) الترجل، والترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه، وتحسينه، \"النهاية\" (٢). وفي \"القاموس\" (٣): التسريح: حَلُّ الشعر، وإرسالُه، انتهى. وهو إنما يكون بإصلاحها بالامتشاط، ثم الغالب استعمال الترجل في الرأس، والتسريح في اللحية.\n(إلَّا غبًّا) والغِبُّ أن يفعل يومًا ويترك يومًا، والمراد بالنهي تركُ المواظبةِ عليه، والاهتمام به؛ لأنه مبالغة في التزين، وهذا عند عدم الضرورة، وإن دعت الضرورة إلى التَّرجيل كل يوم لا بأس به.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن الترجل\".\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٢٠٣).\n(٣) \"ترتيب القاموس المحيط\" (٢/ ٥٤٥).","vol":"12","page":186},{"text":"٤١٦٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ الْمَازِنِيُّ، أَنَا الْجُرَيرِيُّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدة: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ - رحَلَ إلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ، فَقَدِمَ (١) عَليهِ فَقَالَ: \"أَمَا إنِّي لَمْ آتِكَ زَائِرًا، وَلَكِنِّي (٢) سمِعْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَمَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا وَأَنْتَ أَمِيرُ الأَرْضِ؟ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَنْهَانَا عن كَثِيرٍ مِنَ الإرْفَاهِ (٣)، قَالَ: فَمَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً؟\n===\n٤١٦٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد المازني، أنا الجريري، عن عبد الله بن بريدة: أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ -) لم أقف على تسميته (رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر) وكان معاوية استقضاه في خروجه إلى صفين، ثم انتقل إلى الشام فسكن دمشق، وبنى بها دارًا، وقبره بها معروف (فقدم) أي: الرجل الصحابي (عليه) أي: على فضالة (فقال) أي الرجل الصحابي: (أما إني لم آتِكَ زائرًا، ولكني سمعت أنا وأنت حديثًا من رسول الله - ﷺ - رجوت أن يكون عندك منه علم، قال: ما هو) أي الحديث؟\n(قال: كذا وكذا، قال) أي الرجل الصحابي: (فما لي أراك شَعِثًا) بكسر العين، أي: متفرق الشعر (وأنت أمير الأرض؟ قال: إن رسول الله - ﷺ - كان ينهانا عن كثير من الإرفاه) والإرفاه: التنعم والتدهن، وقيل: التوسع في المطعم والمشرب، والملبس، والادِّهان دائمًا، وهو من الرفه، وهو ورد الإبل، وذلك أن ترد الماء في أي وقت أرادت.\n(قال) أي الرجل الصحابي: (فما لي لا أرى عليك حذاء؟) وهي النعل\n_________\n(١) في نسخة: \"فدخل\".\n(٢) في نسخة: \"ولكن\".\n(٣) في نسخة: \"الأرفاه\"، وفي نسخة: \"الأرفه\".","vol":"12","page":187},{"text":"قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ (١) - ﷺ - يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا\". [حم ٦/ ٢٢]\n٤١٦١ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ (٢)، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ، عن عَبْدِ الله بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يوْمًا عِنْدَهُ الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَلَا تَسْمَعُونَ، أَلَا تَسْمَعُونَ، إنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإيْمَانِ، إنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإيْمَانِ\". [جه ٤١١٨]\n(٣) يَعْنِي: التَّقَحُّلَ.\n===\nالتي تُلْبَسُ في الرِّجل (قال) فضالة: (كان النبي - ﷺ - يأمرنا أن نحتفي) أي: أن يمشي أحدنا حافي الرجلين غير منتعلهما (أحيانًا).\n٤١٦١ - (حدثني النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أمامة) أي: إياس بن ثعلبة الأنصاري (قال: ذكر أصحاب رسول الله - ﷺ - يومًا عنده) أي: عند رسول الله - ﷺ - (الدنيا، فقال رسول الله - ﷺ -: ألا) بتخفيف اللام (تسمعون) ثم كرر (ألا تسمعون) وفيه تأكيد بليغ: (إن البذاذة) بفتح الموحدة وذالين معجمتين مخففين، وهي رثاثة الهيئة، والتواضع في اللباس (من) كمال (الإيمان، إن البذاذة من الإيمان)، وفي بعض النسخ تكرار ذلك ثلاث مرات.\nقال أبو داود: (يعني) أي: يريد من البذاذة (التقحل) وهو يبس الجلد لسوء الحال، وقد قحل الرجل قحلًا: إذا التزق جلده بعظمه من الهزال، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه خرج إلى السوق، وبيده الدرة، وعليه إزار فيه\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"حدثنا ابن نفيل\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"12","page":188},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ ثَعْلَبَةَ الأَنْصَارِيُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1600>(١) بَابُ مَا جَاءَ في اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ</span>\n٤١٦٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو أَحْمَدَ، عن شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عن مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"كَانَتْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا\". [تم ٢٢٦]\n===\nأربعة عشر رقعة بعضها من أدم، وإنما كان البذاذة من الإيمان لأنه يؤدي إلى كسر النفس والتواضع.\n(قال أبو داود: وهو) أي: أبو أمامة (أبو أمامة بن ثعلبة الأنصاري).\n\n(١) (بَابُ مَا جَاءَ في اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ)\n٤١٦٢ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس، عن) أبيه (أنس بن مالك قال: كانت للنبي - ﷺ - سُكَّة) (١).\nقال في \"فتح الودود\": بالضم، وتشديد الكاف، ضرب من الطيب، قيل: هي معجون من أنواع الطيب، قال ابن رسلان: قال المنذري: يحتمل أن يكون السكة وعاء للطيب، ويحتمل أن يكون قطعة من السُّك، وهو طيب مجموع (٢) من أخلاط، وقيل: هو نوع من الطيب (يتطيب منها) للجمعة والأعياد ونحوهما.\n_________\n(١) \"حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث\"، بسط الكلام عليه في \"شرح المواهب اللدنية\" (٦/ ١٤٢). (ش).\n(٢) بسطه في الحاشية عن \"القاموس\". [راجع: \"ترتيب القاموس\" (٢/ ٥٨٧)]. (ش).","vol":"12","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1601>(٢) بَابُ مَا جَاءَ في إصْلَاحِ الشَّعْرِ</span>\n٤١٦٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ\". [هب ٦٤٥٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>(٣) بَابٌ: في الْخِضَابِ لِلنِّسَاءِ</span>\n٤١٦٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ (١) قَالَ: حَدَّثَتْنِي كَرِيمَةُ بِنْتُ هَمَّامٍ: \"أَنَّ امْرَأَة سَأَلَتْ (٢) عَائِشَةَ عن خِضَابِ الْحِنَّاءِ،\n===\n\n(٢) (بَابً مَا جَاءَ في إصْلَاحِ الشَّعْرِ) بفتح الشين المعجمة\n٤١٦٣ - (حدثنا سليمان بن داود المهري) بفتح الميم، (أنا ابن وهب، أنا ابن أبي الزناد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح السمَّان، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: من كان له شعر فليُكْرِمْه) بأن يصونه عن الأوساخ والأقذار، ويتعاهد ما اجتمع في شعر الرأس من الدرن والقمل بالتنظيف عنه بالغسل، والتدهين والترجيل مستحب، وإن لم يتفرغ لتظيفه فليكرمه بالإزالة بالحلق ونحوه.\n\n(٣) (بَابٌ: في الْخِضَابِ لِلنِّسَاءِ)\n٤١٦٤ - (حدثنا عبيد الله بن عمر، نا يحيى بن سعيد) القطان، (عن علي بن المبارك قال: حدثتني كريمة بنت همام: أن امرأة) لم أقف على تسميتها (أتت عائشة) - ﵂ - (فَسَأَلَتْها) أي المرأةُ عائشةَ - ﵂ - (عن خضاب الحِنَّاء) بكسر الحاء والمد، والخضاب شامل لخضاب\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن يحيى بن كثير\".\n(٢) في نسخة بدله: \"أتت عائشةَ فسألتها\".","vol":"12","page":190},{"text":"فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ بِهِ وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، كَانَ حَبِيبِي (١) ﵇ يَكْرَهُ رِيحَهُ\" (٢). [ن ٥٠٩٠، حم ٦/ ٢١٠]\n٤١٦٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَتْنِي غِبْطَةُ بِنْتُ عَمْرٍو الْمُجَاشِعيَّةُ قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي أُمُّ الْحَسَنِ،\n===\nالشعر والجسم، ولكن تقييده في ترجمة الباب بالنساء يدل على أن المراد به خضاب الجسم، فإن خضاب اليدين والرجلين بالحناء مستحب للنساء، وحرام للرجال إلَّا لحاجة التداوي ونحوه.\n(فقالت) عائشة: (لا بأس به) أي للنساء (ولكني أكرهه)، فقد (كان حبيبي ﵇ يكره ريحه)، فيه أن المرأة من حق زوجها عليها أن تكرهَ ما يكرهه، وتترك فِعْلَه مراعاةً لقلبه، وتحب ما يحبه وتفعله.\n٤١٦٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثتني غبطة) بكسر الغين المعجمة، وكسر (٣) الباء الموحدة، ثم طاء مهملة (بنت عمرو المجاشعية) قال في \"تهذيب التهذيب\" (٤): غبطة بنت عمرو، أم عمرو، المجاشعية البصرية، حديثها في أهل البصرة، روت عن عمتها أم الحسن، وعنها مسلم بن إبراهيم ونصر بن علي الأزدي، وقال في \"التقريب\" (٥): مقبولة.\n(قالت: حدثتني عمتي أمُ الحسن) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٦): أم الحسن عمة غبطة بنت عمرو، روت عن جدتها، عن عائشة، وعنها بنت أخيها غبطة، قال: في \"التقريب\": لا يُعْرَفُ حالُها.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"حِبِّي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: تعني خضاب شعر الرأس\".\n(٣) كذا في الطبع الأول، والظاهر بدله: وسكون الباء الموحدة.\n(٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٤٠).\n(٥) \"تقريب التهذيب\" رقم (٨٧٤٨).\n(٦) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٦٣).","vol":"12","page":191},{"text":"عن جَدَّتِهَا، عن عَائِشَةَ، أَنَّ هِنْدًا ابْنَةَ (١) عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بَايِعْنِي، قَالَ (٢): \"لَا أُبَايِعُكِ حَتَّى تُغَيِّرِي كَفَّيْكِ، كَأَنَّهُمَا كَفَّا سَبُعٍ! \". [ق ٧/ ٨٦]\n٤١٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّورِيُّ، نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ،\n===\n(عن جدتها، عن عائشة) (٣) - ﵂ -، (أن هندًا ابنة عتبة) بن ربيعة أم معاوية (قالت) لما أخذ رسول الله - ﷺ - البيعةَ على النساء، وشرط فيها أن لا يسرقن، ولا يزنين، قالت: وهل ترى الحرة تزني، وتسرق يا رسول الله؟ الحديث (يا نبي الله! بايعني، قال: لا أبايعكِ حتى تغيري كفيكِ) أي بالحناء (كأنهما كفَّا سَبُعٍ) وإنما كرهه - ﷺ - للتشبه بالرجال، والتشبه بالرجال مكروه.\nثم قد يسبق إلى الفهم من الحديث أن مبايعته - ﷺ - للنساء كانت بأخذ اليد، وليس كذلك، وقد مر من حديث (٤) عائشة - ﵂ - أن مبايعته - ﷺ - النساءَ كان كلامًا يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط، قال ابن رسلان: وقال الشعبي (٥): وكان يبايع النساء وعلى يده ثوب مطوي.\n٤١٦٦ - (حدثنا محمد بن محمد) بن مصعب الشامي، أبو عبد الله (الصوري) المعروف بوحشي، وقد يُنْسَبُ إلى جده، قال ابن أبي حاتم: سمعت منه بمكة، وهو صدوق ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا خالد بن عبد الرحمن) الخراساني، أبو الهيثم، ويقال: أبو محمد\n_________\n(١) في نسخة: \"بنت\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٢٣٦) رقم (٩٩٧): في إسناده مجهولات ثلاث، وبسط الكلام على روايات الباب. (ش).\n(٤) أخرجه البخاري (٤٨٩١)، ومسلم (١٨٦٦) في \"صحيحيهما\".\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٧).","vol":"12","page":192},{"text":"نَا مُطِيعُ بْنُ مَيْمُون، عن صَفِيَّةَ بِنْتِ عِصْمَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: أَوْمَأَتِ (١) امْرَأَةٌ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ بيَدِهَا كِتَابٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ (٢) - ﷺ -، فَقَبَضَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَهُ فَقَالَ: \"مَا أَدْرِي أَيَدُ رَجُلٍ، أَمْ يَدُ امْرَأَةٍ؟ \" قَالَتْ: بَلْ (٣) امْرَأَةٌ. قَالَ: \"لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ\" - يَعْنِي بِالْحِنَّاءِ -. [ن ٥٠٨٩، حم ٤/ ٩٥]\n===\nالمروزي، سكن ساحل دمشق، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن صاعد: ثنا بحر بن نصر ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم قالا: ثنا خالد، وكان ثقة، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به، زاد أبو حاتم: كان ابن معين يثني عليه خيرًا، وقال العقيلي: في حفظه شيء، قلت: ثم ذكر له حديثًا معللًا روي على وجوه؛ ولعل الخطأ فيه من غيره، وقال ابن عدي: ليس بذاك.\n(نا مطيع بن ميمون) العنبري، أبو سعيد البصري، قال ابن عدي: له حديثان غير محفوظين، قلت: أحدهما في اختضاب النساء بالحناء، والآخر في الترجل والزينة، قال: وذكر له ثالثًا، قال: وهما جميعًا غير محفوظ.\n(عن صفية بنت عصمة) روت عن عائشة، وعنها مطيع بن ميمون العنبري، قال في \"التقريب\": لا تُعْرَف، (عن عائشة) - ﵂- (قالت: أومأت) أي: أشارت (امرأة من وراء سترٍ بيدها كتاب) ولفظ النسائي: \"أن امرأة مدت يدها إلى النبي - ﷺ - بكتاب\" (إلى رسول الله - ﷺ -، فقبض النبي - ﷺ - يده) أي: عن أخذه تأديبًا وزجرًا لها (فقال) النبي - ﷺ -: (ما أدري أيد رجل، أم يد امرأة؟ قالت: بل) يد (امرأة، قال) رسول الله - ﷺ -: (لو كنتِ امرأةً لغيَّرتِ أظفارَكِ) أي: كفيكِ (يعني بالحناء) (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"أومت\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يد\".\n(٤) قال أحمد في \"العلل\": حديث منكر، كذا في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٥١٦) رقم (٩٩٧). (ش).","vol":"12","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1603>(٤) بَابٌ: في صِلَةِ الشَّعْرِ</span>\n٤١٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - عَامَ حَجَّ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ في يَدِ (١) حَرَسِيٍّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ،\n===\n\n(٤) (بَابٌ: في صِلَةِ الشَّعْرِ) (٢)\n٤١٦٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف: (أنه سمع معاوية بن أبي سفيان) في آخر قدمة (٣) قدمها المدينة (عام حج، وهو) أي: معاوية (على المنبر) أي: منبر المدينة (وتناول قصة) بضم القاف، وتشديدِ الصاد المهملة، وهو القطعة (من شعر كانت في يد حرسي) بفتح الحاء والراء المهملتين، أي: جندي شرطي، وهو غلام الأمير.\n(يقول: يا أهل المدينة! أين علماؤكم) (٤)، وهذا من معاوية على سبيل\n_________\n(١) في نسخة: \"يدي\".\n(٢) ومذهب الأئمة في ذلك كما يظهر من الفتح (١٠/ ٣٧٥)، والنووي (٧/ ٣٥٩)، والقسطلاني (١٢/ ٧١٧): أنه لا يجوز الوصل بشيء من الشعر وغيره، وبه قال مالك والطبري، ويجوز بكل شيء، ونسب إلى عائشة وأنكر النسبة النووي، ويجوز بشيء طاهر غير شعر الآدمي على الأصح من أقوال الشافعية بشرط إذن الزوج ولو بالشعر، ولا يجوز بالشعر مطلقًا، ويجوز بغيره عند أحمد، قلت: وبه قالت الحنفية، كما سيأتي عن محمد، وفي \"المنتقى\" (٩/ ٣٩٥): قال مالك: لا ينبغي أن تصل بشعر ولا غيره، ولا بأس بالخرق تجعلها تحت قفاها وتربط للوقاية، انتهى. وحكى الموفق (١/ ١٣٠) عن أحمد المنع بالشعر، وفي غيره روايتان، وبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (١٧/ ١٨ - ٢٢). (ش).\n(٣) سنة ٥١ هـ، وهي حجة حجها، كذا في \"الفتح\" (٦/ ٥١٦) ح (٣٤٦٨)، وقال الزرقاني (٤/ ٣٣٥): أول حجة حجها بعد الخلافة سنة ٤٤ هـ، وآخرها سنة ٥٧ هـ. (ش).\n(٤) لعله لم تكن خطبة الجمعة، فلم يحضرها العلماء، أو كانوا إذ ذاك قليلًا، كذا في \"الفتح\" (٦/ ٥١٦) ح (٣٤٦٨). (ش).","vol":"12","page":194},{"text":"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَنْهَى عن مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ: \"إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤهُمْ\". [خ ٥٩٣٢، م ٢١٢٧، ت ٢٧٨١، ن ٥٢٤٥، حم ٤/ ٩٥]\n٤١٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: \"لَعَنَ رَسولُ الله - ﷺ - الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ\n===\nالتذكير بما يعلمونه، والاستعانة بهم على ما قصد تغيره من ذلك، لا على جهة أن يعلِّمهم بما لا يعلمون، فإنهم أعلم الناس بأحاديث النبي - ﷺ -، ويحتمل أن يكون ذلك منه لأن عوام أهل المدينة أول من أحدث الزورَ، كما في رواية مسلم (١): \"إنكم قد أحدثتم زيَّ سوء\" يعني الزور، فنادى العلماءَ ليوافقوه على ما سمعه من النبي - ﷺ - من النهي عن ذلك؛ ليزجر من أحدث ذلك من العوام.\n(سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذه) أي: عن تزيين الشعر بمثل هذه كبة الشعر التي بيدي (ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه) القصة (نساؤهم) فظهر منه أن ذلك كان محرمًا عليهم، وأن نساءهم ارتكبن ذلك المحرم، فأقرَّهن على ذلك رجالهن، وسكتوا عن نهيهن، ومنعهن من ذلك، فعوقب النساء على فعلهن، والرجال على سكوتهم، فعمَّهم العذابُ.\n٤١٦٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا يحيى) القطان، (عن عبيد الله قال: حدثني نافع، عن عبد الله) بن عمرو - ﵁ - (قال: لعن رسول الله - ﷺ - الواصلةَ) التي تصل شعر المرأة بشعر آخر من غيرها، ليكثر به شعر المرأة (والمستوصلة) (٢) وهي التي تستدعي من يفعل ذلك بها، (والواشمةَ) أي: فاعلة الوشم، وهي أن تغرز إبرة في بدن المرأة حتى يسيل\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢١٢٧)، وأحمد (٤/ ٩٣) ح (١٦٨٢٠).\n(٢) وقيل: في معناهما عكس ذلك، كما بسطه الحافظ. [انظر: \"الفتح\" (١٠/ ٣٧٢)]. (ش).","vol":"12","page":195},{"text":"وَالْمُسْتَوْشِمَةَ\". [خ ٥٩٤٧، م ٢١٢٤، ت ١٧٥٩، حم ٢/ ٢١، ن ٥٠٩٥، جه ١٩٨٧]\n٤١٦٩ - حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (١) قَالَا: نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن إبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: \"لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالْوَاصِلَاتِ، وَقَالَ عُثْمَانُ: وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، ثُمَّ اتَّفَقَا - وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ\n===\nالدم، ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل أو النورة، فيخضر ذلك الموضع (٢)، وهو مما يستحسنه الفساق (والمستوشمةَ) وهي التي تطلب من يفعل ذلك بها.\n٤١٦٩ - (حدثنا محمد بن عيسى وعثمان بن أبي شيبة قالا: نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم) النخعي، (عن علقمة، عن عبد الله) بن مسعود (أنه قال: لعن الله الواشماتِ، والمستوشماتِ، قال محمد) بن عيسى شيخُ المصنف: (والواصلاتِ) ولم يذكرها عثمان (وقال عثمان) بن أبي شيبة شيخ المصنف: (والمتنمصاتِ) ولم يذكرها محمد بن عيسى، وهن اللاتي يستدعين من ينتف الشعر من وجوههن، وهذا الفعل (٣) حرام إلَّا إذا نبتت للمرأة لحية أو شارب فلا يحرم إزالة ذلك، بل يستحب (٤).\n(ثم اتفقا) أي محمد بن عيسى وعثمان فقالا: (والمتفلجات) بالفاء والجيم، وهي التي تبرد أسنانها الثنايا والرباعيات رغبة في تحسين أسنانهن (للحسن) أي لأجل الحسن (المغيراتِ خلقَ الله) قيل: النهي عن تغيير خلق الله\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المعنى\".\n(٢) وحكم الحافظ (١٠/ ٣٧٢) بأن الموضع يتنجس، وبسطه الشامي (٩/ ٥٣٥، ٥٣٦). (ش).\n(٣) وقال الموفق: لا يجوز النتف لهذا الحديث، ولا بأس بالحلق. (ش).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٨).","vol":"12","page":196},{"text":"قَالَ (١): فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ - زَادَ عُثْمَانُ: كَانَتْ تَقْرأُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ اتَّفَقَا - فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالْوَاصِلَاتِ. وَقَالَ عُثْمَانُ: وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، ثُمَّ اتَّفَقَا -\n===\nإنما هو فيما يكون باقيًا، وأما ما لا يكون باقيًا كالكحل ونحوه من التزيينات، فقد أجازه مالك وغيره من العلماء.\nقال أبو جعفر الطبري (٢): في هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء مما خلق الله المرأة عليه بزيادة أو نقص، التماسًا للتحسين لزوج أو غيره، كما لو كان لها سن زائدة فأزالتها، أو أسنان طوال فقطعت أطرافها.\nقال عياض (٣): ويأتي على ما ذكره أن من خُلِق له إصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه؛ لأنه من تغيير خلق الله، إلَّا أن تكون هذه الزوائد مؤلمة فيتضرر بها، فلا بأس بنزعها عند أبي جعفر.\nقلت: قول أبي جعفر الطبري عندي غير موجه؛ فإن الظاهر أن المراد بتغيير خلق الله أن ما خلق الله ﷾ حيوانًا على صورته المعتادة لا يُغَيَّر فيه، لا أن ما خلق على خلاف العادة مثلًا كاللحية للنساء أو العضو الزائد فليس تغييره تغييرًا لخلق الله.\n(قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب) قال في \"التقريب\": أم يعقوب امرأة من بني أسد، كأنها صحابية، ولها قصة مع ابن مسعود (زاد عثمان: كانت تقرأ القرآن، ثم اتفقا، فأتته) أي ابن مسعود (فقالت: بلغني عنك أنك لعنتَ الواشماتِ والمستوشماتِ، قال محمد) شيخ المصنف: (والواصلاتِ، وقال عثمان) شيخ آخر له: (والمتنمصات، ثم اتفقا،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٧).\n(٣) \"الإكمال\" (٦/ ٦٥٦).","vol":"12","page":197},{"text":"وَالْمُتَفَلِّجَاتِ. قَالَ عُثْمَانُ: لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. قَالَ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ في كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَتْ: لَقَدْ قَرَأتُ مَا بَيْنَ لَوحَي الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ (١) لَقَدْ وَجَدْتِيهِ (٢)، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فَقَالَتْ: إنِّي أَرَى بَعْضَ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ، قَالَ: فَادْخُلِي فَانْظُرِي، فَدَخَلَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ فَقَالَ: مَا رَأَيْتِ؟ - وَقَالَ عُثْمَانُ: فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ -، فَقَالَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا كَانَتْ مَعَنَا\". [خ ٥٩٤٨، م ٢١٢٥، ن ٥٣٥٢، ت ٢٧٨٢، جه ١٩٨٩، حم ١/ ٤٣٣]\n===\nوالمتفَلِّجاتِ، قال عثمان: للحسنِ، المغيراتِ خلقَ الله، قال) ابن مسعود: (وما لي لا ألعن من لعن رسول الله - ﷺ -، وهو) أي: من لعنه رسول الله - ﷺ - هو الملعون (في كتاب الله تعالى؟ قالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته) في كتاب الله، أي من لعنه رسول الله - ﷺ - هو الملعون.\n(فقال) ابن مسعود: (والله لئن كنتِ قرأتيه) أي: القرآنَ، أي: بالتدبر والتأمل (لقد وجدتيه، ثم قرأ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) فعجزت عن الجواب.\n(فقالت) الأسدية: (إني أرى بعض هذا) أي: من الوشم والوصل (على امرأتكَ، قال) ابن مسعود: (فادخلي فانظري، فدخلت ثم خرجت، فقال) ابن مسعود: (ما) استفهامية (رأيتِ؟) بتاء الخطاب، (وقال عثمان: فقالت) أي: الأسدية: (ما) نافية (رأيتُ) بتاء المتكلم (فقال) ابن مسعود: (لو كان ذلك) أي هذه الأمور المنهية على امرأتي (ما كانت معنا) ولفظ مسلم: \"أما! لو كان ذلك لم نجامعها\"، أي: لم نجتمع معها.\n_________\n(١) في نسخة: \"قرأته\".\n(٢) في نسخة: \"وجدته\".\n(٣) سورة الحشر: الآية ٧.","vol":"12","page":198},{"text":"٤١٧٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عن أُسَامَةَ (١)، عن أَبَانَ بْن صَالِحٍ، عن مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ (٢)، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لُعِنَتِ الْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَةُ، وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ، وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ، مِنْ غَيْرِ دَاءٍ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَتَفْسِيرُ الْوَاصِلَةِ: الَّتِي تَصِلُ الشَّعْرَ بِشَعْرِ النِّسَاءِ. وَالْمُسْتَوْصِلَةُ: الْمَعْمُولُ بِهَا. وَالنَّامِصَةُ: الَّتِي تَنْقُشُ الْحَاجِبَ، حَتَّى تُرِقَّهُ. وَالْمُتَنَمِّصَةُ: الْمَعْمُولُ بِهَا. وَالْوَاشِمَةُ: الَّتِي تَجْعَلُ الْخِيلَانَ\n===\n٤١٧٠ - (حدثنا ابن السرح، ثنا ابن وهب، عن أسامة، عن أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس قال: لُعِنَتِ الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء) متعلق بالوشم، أي: إن احتاجت إلى الوشم للمداواة جاز، وإن بقي منه أثر، وقيل: متعلق بكل ما تقدم، أي: لو كان بها علة فاحتاجت إلى أحدها لجاز، قال النووي (٣): فيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السنن ونحوه فلا بأس.\n(قال: أبو داود: وتفسير الواصلة: التي تصل الشعر بشعر النساء) (٤) أي: ولو كان الوصل بغير شعر النساء مثل الغزل للزينة فليس به بأس (والمستوصلة: المعمول بها، والنامصة: التي تنقش) أي. تنتف (الحاجبَ) أي: شعرَ الحاجب (حتى ترقَّه، والمتنمصة: المعمول بها، والواشمة: التي تجعل الخيلان) بكسر الخاء المعجمة، جمع خال، وهو الشأمة في الجسد\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن زيد\".\n(٢) في نسخة بدله: \"جبير\".\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٦١).\n(٤) ففي \"الدر المختار\": وصل الشعر بشعر الآدمي حرام، سواء كان شعرها أو شعر غيرها؛ لحديث الباب ... إلخ، وبحث فيه الشامي (٩/ ٥٣٥). (ش).","vol":"12","page":199},{"text":"في وَجْهِهَا بِكُحْلٍ أَوْ مِدَادٍ. وَالْمُسْتَوْشِمَةُ: الْمَعْمُولُ بِهَا.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: الْقَرَامِلُ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ (١).\n===\n(في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة: المعمول بها) ذلك.\n(قال أبو داود: كان أحمد) بن حنبل (يقول: القرامل) (٢) وهي الضفائر من شعر، وصوف، وإبريسم، تصل بها المرأة شعرها (ليس به بأس).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"بشعر النساء\" أورد التفسير بناء على العادة والغالب، إذِ الأكثر هو الوصل بشعور النساء، وإلا فمذهب (٣) المحدثين تعميم الحرمة، سواء كان بشعر الإنسان أو بغيره، ولعل أبا داود خرج من جملتهم - كأحمد - إلى مذهب الفقهاء، ويمكن تأويل قول أحمد أيضًا، بحيث يتفق بأصحابه، وهو أنه لما عمم النهي كأصحابه المحدثين، توهم أنه لا يجوز القرامل أيضًا فاستثناه منه\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٤١٧١ - حدثنا محمد بن جعفر بن زياد، قال: نا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير قال: لا بأس بالقرامل، قال أبو داود: كأنه يذهب إلى أن المنهي عنه شعور النساء. [قلت: قال المزي بعد إيراده في \"التحفة\" (١٨٦٧٩): في رواية ابن العبد وغيره].\n(٢) جمع قَرْمل بفتح القاف وسكون الراء: نبات طويل الفروع لين، والمراد ها هنا خيوط من حرير أو صوف، يعمل ضفائر تصل به المرأة شعرها، إلى آخر ما بسطه الحافظ (١٠/ ٣٧٥)، وفي \"مسند أبي حنيفة\" [انظر: \"تنسيق النظام\" (ص ٢٠٥)] برواية ابن عباس ﵄ موقوفًا: لا بأس بالصوف، إنما نهى بالشعر. وقال محمد في \"موطئه\". [راجع: \"التعليق الممجد\" (٣/ ٤٢٧)]: وبهذا نأخذ، يكره للمرأة أن تصل شعرًا إلى شعرها، أو تتخذ قصة شعر، ولا بأس بالوصل في الرأس إذا كان صوفًا ... إلخ، وما حكي عن أحمد فهو رواية له، والآخر الكراهة، كذا في \"المغني\" (١/ ١٣٠، ١/ ١٣١). (ش).\n(٣) عزاه الحافظ (١٠/ ٣٧٥) إلى الجمهور، والتفريق بالشعر وغيره إلى كثير من الفقهاء. (ش).","vol":"12","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1604>(٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي رَدِّ الطِّيبِ</span>\n٤١٧٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَعْنَى، أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ الْمُقْرِئ حَدَّثَهُمْ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيْبٌ فَلَا يَرُدَّهُ، فَإنَهُ طَيِّبُ الرِّيحِ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ\". [م ٢٢٥٣، ن ٥٢٥٩، حم ٢/ ٣٢٠]\n===\nفقال: لا بأس به، وإن كانت صورته صورة الوصل، وجوازه للضرورة، وإلَّا لزم تشبه النساء بالرجال، أو يقال: إن جواز القرامل محمول على ما إذا كان الوصل بحيث لا يخفى على كل أحد أنه ليس من شعرها، فإن خفي حتى كان زورًا وبهتانًا دخل في اللعنة، انتهى.\nقلت: لعل الفقهاء حملوا النهي في الوصل على أن حرمة الوصل محمول على ما إذا كان بشعر النساء؛ لأن استعمال جزء الآدمي حرام، وأما الوصل بغير شعور النساء فلا بأس به، لأنه ليس فيه استعمال جزء الإنسان، بل هو للزينة فقط.\n\n(٥) (بَابُ مَا جَاءَ في رَدِّ الطِّيبِ)\n٤١٧٢ - (حدثنا الحسن بن علي وهارون بن عبد الله، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدثهم، عن سعيد بن أبي أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من عُرِضَ عليه طيب فلا يرده (١)؛ فإنه طيبُ الريح)، والنفس تستطيب الرائحة الطيبة (خفيفُ المحمل).\n_________\n(١) بسط القاري في \"جمع الوسائل\" (٢/ ٤) الكلام على فتحِ الدال وضَمِّه أشدَّ البسط. (ش).","vol":"12","page":201},{"text":"(٦) بَابٌ (١): في طِيبِ الْمَرْأَةِ لِلْخُرُوجِ\n٤١٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، نَا يَحْيَى، أَنَا ثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي غُنَيْمُ بْنُ قَيْسٍ، عن أَبِي مُوسَى، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا اسْتَعْطَرَتِ الْمَرْأَةُ، فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ (٢) لِيَجِدُوا رِيحَهَا، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا\" قَالَ قَوْلًا شَدِيدًا. [ت ٢٧٨٦، ن ٥١٢٦، حم ٤/ ٣٩٤، خزيمة ١٦٨١]\n===\nقال القرطبي: هو بفتح الميمين مصدر، معناه الحمل، لأنه لا مؤنة لحمله، ولا منة يلحق في قبوله لجريان عادتهم بذلك، لكن المسك المنة فيه ظاهرة، وكذا عدم خفة المحمل؛ لغلاء ثمنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1605>(٦) (بَابٌ: في طِيبِ الْمَرْأَةِ لِلْخُرُوجِ)</span>\nأي: من البيت\n٤١٧٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، أنا ثابت بن عمارة قال: حدثني غنيم) مصغرًا (ابن قيس) المازني الكعبي، أبو العنبري، البصري، أدرك النبي - ﷺ -، ولم يره، ووفد على عمر، وغزا مع عتبة (٣) بن غزوان، ذكره ابن سعد، وقال: كان ثقة قليل الحديث، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي موسى (الأشعري، (عن النبي - ﷺ - قال: إذا استعطرت) أي: استعملت العطر، وهو ما غلب ريحه على لونه (المرأةُ، فمرت على القوم) أي: الرجال (ليجدوا ريحها، فهي كذا وكذا)، ولفظ النسائي: \"فهي زانية\" سماها النبي - ﷺ - زانية مجازًا؛ لأنها رغبت الرجال في نفسها، فأقل ما يكون هذا سببًا لرؤيتها، وهي زنا العين، (قال قولًا شديدًا) وهو أن سماها زانية، وأيُّ قول أشد منه؟\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ما جاء في المرأة تَطيَّب للخروج\".\n(٢) في نسخة: \"قوم\".\n(٣) في الأصل و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٥١): \"عقبة بن غزوان،، وهو تحريف، انظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ١٢٠).","vol":"12","page":202},{"text":"٤١٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن عُبَيْدٍ (١) مَوْلَى أَبِي رُهْمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَجَدَ مِنْهَا رِيحَ الطِّيب (٢)، وَلذَيْلِهَا إعْصَارٌ، فَقَالَ: يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ! جِئْتِ مِنَ الْمَسْجِدِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: وَلَهُ تَطَيَّبْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ (٣)\n===\n٤١٧٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد) بن أبي عبيد المدني (مولى أبي رهم) بضم الراء، وسكون الهاء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في ذم تَطَيُّبِ المرأة إذا خرجت إلى المسجد، وقال العجلي: تابعي ثقة، قال البخاري: قال مؤمل: عبيد بن كثير، وجزم ابن حبان بما حكى البخاري عن مؤمَل أن اسم أبي عبيد: كثير.\n(عن أبي هريرة) - ﵁ - (قال) أي عبيد: (لقيته) أي أبا هريرة (امرأة وجد منها ريح الطيب، ولذيلها إعصار)، وفي رواية: \"عَصَرَة\" بمهملات، أي: رائحة تفوح وترتفع من ذيلها، كما يرتفع الغبار الذي تثيره الريح وترفعه.\n(فقال: يا أمة الجبار!) ناداها بهذا الاسم للتخويف والإنذار (جئتِ من المسجد؟ قالت: نعم، قال: وله) أي: للخروج إلى المسجد (تطيبتِ) بهذه الرائحة العبقة؟ (قالت: نعم، قال) أي أبو هريرة: (إني سمعت حِبِّي) أي محبوبي (أبا القاسم - ﷺ - يقول: لا تقبل صلاة) أي: من الصلوات\n_________\n(١) في نسخة: \"عبيد الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ينضح\".\n(٣) في نسخة: \"صلاة امرأة\".","vol":"12","page":203},{"text":"لاِمْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ، حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةَ\" (١). [جه ٤٠٠٢، حم ٢/ ٤٤٤]\n٤١٧٥ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: نَا عَبْدُ (٢) اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ أَبُو عَلْقَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا، فَلَا تَشْهَدَنَّ مَعَنَا الْعِشَاءَ\". قَالَ ابْنُ نُفَيْلٍ: \"الآخِرَةَ\". [م ٤٤٤، ن ٥١٢٨، حم ٢/ ٣٠٤]\n===\n(لامرأة تطيبت) أي: بطيب الرجال الذي تفوح رائحته (لهذا المسجد) فكيف بغيره (حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"فتغتسل غسلها من الجنابة\"، وهو وإن لم يفدها في تلك الخرجة، لكنه سيفيدها فيما بعدها من زوال الطيب، مع أن لها فيه جزاء على ما صنعته، ومصادرة مالية حيث ذهب منها هذا القدر من الطيب، انتهى.\n٤١٧٥ - (حدثنا النفيلي وسعيد بن منصور قالا: نا عبد الله بن محمد) بن عبد الله بن فروة الأموي (أبو علقمة) القروي المدني، مولى آل عثمان، عن ابن معين: لا بأس به، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وحكى ابن عبد البر عن علي بن المديني: هو ثقة، ما أعلم أني رأيت بالمدينة أتقن منه.\n(قال: حدثني يزيد بن أبي خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أيما) أي كل (امرأة أصابت) أي: استعملت (بخورًا) بفتح الموحدة، وتخفيف الخاء، هو الطيب الذي يستعمل بحرق النار فتصير دخانًا مطيبًا (فلا تشهدن) بنون التوكيد، أي: لا تحضرنَّ (معنا) صلاة (العشاء، قال ابن نفيل: الآخرة) أي: العشاء الآخرة، لأنه وقت ظلمة، واحتمال الفتنة فيها أكثر منها في غيرها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الإعصار غبار\".\n(٢) في نسخة: \"عبيد الله\".","vol":"12","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1606>(٧) بَابٌ: في الْخَلُوقِ لِلرِّجَالِ </span>(١)\n٤١٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى أَهْلِي لَيْلًا وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ، فَخَلَّقُونِي بِزَعْفَرَانٍ. فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَلَمْ يُرَحِّبْ بِي، وَقَالَ: \"اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا (٢) عَنْكَ\". فَذَهَبْتُ فَغَسَلْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ، وَقَدْ بِقَيَ عَلَيَّ مِنْهُ رَدْعٌ، فَسَلَّمْتُ\n===\nوقال ابن رسلان: فإذا لم يُجوِّز حضورَ المرأة المتبَخِّرةِ في صلاة العشاء وقت الظلمة، فَلأَنْ لا تشهد وقت الفجر والظهر ولا غيرهما بطريق الأولى؛ لأن في وقت الضوء تظهر المرأة للأجانب، وهذا أحد شروط خروج المرأة أن لا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخيل تسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابَّة، ونحوها ممن يفتتن بها، أو يخاف في الطريق فتنة أو نحوها.\n\n(٧) (بَابٌ: في الْخَلُوقِ) بفتح الخاء المعجمة (للرِّجَالِ)\n٤١٧٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر قال: قدمت على أهلي ليلًا، وقد تشققت يداي) ورجلاي من كثرة العمل (فخلَّقوني) أي: لطخوني بالخلوف (بزعفران) وغيره من الطيب (فغدوت على النبي - ﷺ - فسلَّمتُ عليه، فلم يردَّ علي، ولم يرحِّب بي) أي: لم يقل لي: مرحبًا.\n(وقال: اذهب فاغسل هذا عنك)، قال: (فذهبت فغسلته) أي: الخلوقَ عني (ثم جئت، وقد بقي عليَّ منه ردع) أي: أثر من بقية لون الزعفران (فسلمت\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"للرجل\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عنك هذا\".","vol":"12","page":205},{"text":"فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، وَلَمْ يُرَحِّبْ بِي، وَقَالَ (١): \"اذْهَبْ! فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ\" (٢)، فَذَهَبْتُ فَغَسَلْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ فَرَحَّبَ (٣) بِي، وَقَالَ: \"إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَحْضُرُ جَنَازَةَ الْكَافِرِ بِخَيْرٍ، وَلَا الْمُتَضَمِّخ بِالزَّعْفَرَانِ، وَلَا الْجُنُبِ\"، وَرَخَّصَ لِلْجُنُبِ إذَا نَامَ أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ (٤)\n===\nفلم يردَّ علي، ولم يرحب بي، وقال: اذهب! فاغسل هذا عنك، فذهبت فغسلته) فزال أثرها حتى لم يبق منه شيء.\n(ثم جئت فسلمت عليه، فرد علي) السلام (فرحَّب بي، وقال: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير) لا يبشرونها به، بل يوعدونه بالعذاب الشديد والهوان، ويحتمل أن يكون الباء في \"بخير\" للظرفية بمعنى في، أي: لا تحضر الملائكة جنازة الكافر إلَّا في حصول شر ونزول بؤس (ولا المتضمِّخ بالزعفران، ولا الجنب) أما هذان فمعطوفان على جنازة الكافر، أي: لا تحضر المتضمخ بالزعفران، ولا الجنب.\nوقال ابن رسلان: ولا جنازة المتضمخ بالزعفران، ولا جنازة جنب، ثم قال: ويحتمل أن يراد بالمتضمخ بالزعفران والجنب: الحيُّ إذا تضمَّخ بالزعفران، والرجلُ والمرأةُ إذا ناما وعليهما جنابة، ويدل عليه قوله: \"ورخص\" إلى آخره، انتهى.\nقلت: والحديث الآتي بعد هذا - وهو حديث هارون بن عبد الله - يدل دلالة واضحة على أن الاحتمال الثاني هو المتعين، وهو قوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمِّخ بالخلوق، والجنب إلَّا أن يتوضأ\"، فقوله: \"إلَّا أن يتوضأ\" يدل على العطف على جيفة الكافر، لا على الكافر (ورخَّص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب) أي: أراد النوم أو الأكل\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عنك هذا\".\n(٣) في نسخة: \"ورحَّب\".\n(٤) في نسخة بدله: \"إذا أكل، أو شرب، أو نام\".","vol":"12","page":206},{"text":"أَنْ يَتَوَضَّأ. [ت ٦١٣، حم ٤/ ٣٢٠]\n٤١٧٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، أَنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ، يُخْبِرُ عن رَجُلٍ أَخْبَرَهُ عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - زَعَمَ عُمَرُ أَنَّ يَحْيَى سَمَّى ذَلِكَ الرَّجُلَ فَنَسِيَ عُمَرُ اسْمَهُ - أَنَّ عَمَّارًا قَالَ: تَخَلَّقْتُ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَالأَوَّلُ أَتَمُّ بِكَثِيرٍ، فِيهِ ذَكَرَ الْغَسْلَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: وَهُمْ حُرُمٌ؟ قَالَ: لَا، الْقَوْمُ مُقِيمُونَ.\n٤١٧٨ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ الأَسَدِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْب الأَسَدِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَير الرَّازِيُّ، عن الرَّبِيع بْنِ أَنَسٍ، عن جَدَّيْهِ (١) قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا مُوسَى يَقُولُ (٢):\n===\nأو الشرب (أن يتوضأ) وضوءَه للصلاة.\n٤١٧٧ - (حدثنا نصر بن علي، نا محمد بن بكر، أنا ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أنه سمع يحيى بن يعمر، يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر، زعم) أي: قال (عمر) وهو ابن عطاء: (أن يحيى) أي: ابن يعمر (سمى ذلك الرجلَ، فنسي عمر اسمه، أن عمارًا، قال: تخلقتُ) أي استعملت الخلوق (بهذه القصة) أي: حدث بهذه القصة المتقدمة (والأول أتم بكثير، فيه ذكر الغسل، قال) ابن جريج: (قلت لعمر) بن عطاء: أكانت القصة (وهم) أي: عمار وأهله (حرم) أي: محرمون بالحج أو العمرة؟ (قال: لا، القوم) كانوا وهم (مقيمون).\n٤١٧٨ - (حدثنا زهير بن حرب الأسدي، نا محمد بن عبد الله بن حرب الأسدي، نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن جديه) وفي نسخة: \"زيد، وزياد\" (قالا: سمعنا أبا موسى (الأشعري (يقول:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"زيد وزياد\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".","vol":"12","page":207},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ رَجُلٍ في جَسَدِهِ شَىْءٌ مِنْ خَلُوقٍ\". [حم ٤/ ٤٠٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ (١): جَدَّاهُ زَيْدٌ وَزِيادٌ.\n٤١٧٩ - حَدّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ حَمَّادَ بْنَ زيدٍ وَإسْمَاعِيلَ بْنَ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَاهُمْ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ التَزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ، وَقَالَ عن إسْمَاعِيلَ: أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَجُلُ. [خ ٥٨٤٦، م ٢١٠١، ت ٢٨١٥، ن ٢٧٠٨، حم ١/ ١٠٣]\n===\nقال رسول الله - ﷺ -: لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق) وهو طيب معروف مركَّب من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، ويغلب عليه الحمرة والصفرة، وإنما نهى عنه لأنه من طيب النساء، وقيد الرجل يخرج (٢) المرأة، فإنه أبيح لها التزعفر، كما أبيح لها الذهب والحرير وغير ذلك من الزينة.\n\n(قال أبو داود: جداه زيد، وزياد).\n٤١٧٩ - (حدثنا مسدد، أن حماد بن زيد واسماعيل بن إبراهيم حدثاهم، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن التزعفر للرجال) أي لبس الثوب (٣) الذي صُبغَ بالزعفران (وقال) مسدد (عن إسماعيل: أن يتزعفر الرجل).\n_________\n(١) في نسخة: \"سئل أبو داود عن جديه قال: زيد وزياد\"، وفي نسخة: \"سمعت أبا داود يقول: جديه زيد وزياد\".\n(٢) ففي \"الدر المختار\": كره لبس المعصفر والمزعفر الأحمر والأصفر للرجال، مفاده أنه لا يكره لنساء. (ش). [انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥١٥)].\n(٣) ظاهره تقييد المنع بالثوب فقط لا الجسد، ويؤيده لطخ رأس الصبي بالزعفران في العقيقة، وإليه يشير كلام الشيخ في حديث أبي داود الآتي، وظاهر أحاديث هذا الباب المنعُ مطلقًا، سواء كان في الجسد أو الثوب، وبهذه الروايات استدل الحافظ في =","vol":"12","page":208},{"text":"٤١٨٠ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُويسِي (١)، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عن ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عن الْحَسَن بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرُبهُمُ الْمَلَائِكَةُ: جِيْفَةُ الْكَافِرِ، وَالْمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ، وَالْجُنُبُ إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ\". [ق ٥/ ٣٦]\n٤١٨١ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثنَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ، عن جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عن ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عن عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ\n===\n٤١٨٠ - (حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن الحسن بن أبي الحسن، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله - ﷺ - قال: ثلاثة لا تقربهم الملائكة) أي: ملائكة الرحمة: (جيفةُ الكافر، والمتضمِّخ بالخلوق، والجنب إلَّا أن يتوضأ).\n٤١٨١ - (حدثنا أيوب بن محمد الرقي، حدثنا عمر بن أيوب، عن جعفر بن بُرقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله الهمذاني، عن الوليد بن\n_________\n= \"الفتح\" (١٠/ ٣٠٤) على العموم، وقال: الكراهية في الجسد أشد من الثوب، وحكى العيني (١٥/ ٥٧) عن ابن بطال وغيره: أن النهي مخصوص بالجسد، ورجَّح ابن الهمام النهي عن التزعفر مطلقًا؛ وقال الموفق (٢/ ٢٩٩): تكره الصلاة للرجل في المزعفر والمعصفر، وفي \"الفتح\" (١٠/ ٣٠٤) في ترجمة البخاري: \"التزعفر للرجال\" أي في الجسد، قال الشافعي: وأنهى الرجلَ الحلالَ بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسل، وأرخِّص في المعصفر، ورخص مالك في المعصفر والمزعفر في البيوت، وكرههما في المحافل، ثم قال: أجاز مالك وغيره الثوبَ المزعفرَ للحلال، وحمله الشافعي والكوفيون على المحرم، كذا في \"الفتح\" (١٠/ ٣٠٤)، انتهى. وبسط صاحب \"العون\" (١١/ ١٥٧) على الزعفران وغيره شربًا وإسكارًا ولبسًا، وقال في موضع آخر: لا بأس بلبسه، وذكر الروايات الدالة على الإباحة. انتهى. (ش).\n(١) في نسخة: \"الأوسي\".","vol":"12","page":209},{"text":"عُقْبَةَ قَالَ: \"لَمَّا فَتَحَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - مَكَّةَ، جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ، فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ، وَيمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ. قَالَ: فَجِئَ بِي إلَيْهِ، وَأَنَا مُخَلَّقٌ (١)، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الْخَلُوقِ\". [حم ٤/ ٣٢]\n٤١٨٢ - حَدّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، نَا سَلْمٌ الْعَلَوِيُّ، عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -\n===\nعقبة قال: لما فتح نبي الله - ﷺ - مكةَ، جعل أهلُ مكةَ يأتونه) أي رسول الله - ﷺ - (بصبيانهم، فيدعو لهم بالبركة، ويمسح رؤوسهم، قال) أي الوليد: (فجيء بي إليه، وأنا مخلَّق) بخلوق (فلم يمسَّني من أجل الخلوق) وإنما لم يمسُّه لأنه يحتمل أن يكون الخلوق طريًا فتتلطخ يده الكريمة، أو ليكون أشد على أبويه، وزجرًا لهما، وهذا يدل على أن ما يحرم على الرجال يحرم عليهم أن يستعملوه في الصبيان من (٢) اللباس وغيره، لا كما قال الشافعي من أن الكبار غير مكلفين في حق إلباس الصغار.\n٤١٨٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا حماد بن زيد، نا سلم) بن قيس (العلوي) البصري، عن ابن معين: ضعيف، قال البخاري: تكلم فيه شعبة، وقال أبو داود: ليس هو بعلوي، كان يبصر في النجوم (٣)، وشهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته، له في السنن حديث واحد، قال الساجي: فيه ضعف، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": ذُكِرَ ليحيى بن معين قول شعبة، فقال: ليس به بأس، حديد البصر، كان يرى الهلال قبل الناس، فرأى الهلال وحده، ولم يره غيره فرد شهادته؛ لكونه واحدًا.\n(عن أنس بن مالك: أن رجلًا دخل على رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"متخلِّق\".\n(٢) ففي \"الدر المختار\": كره إلباس الصبي ذهبًا أو حريرًا، فإن ما حرم لبسه وشربه حرم لباسه وإشرابه، انتهى. (ش). [انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥٢٢).\n(٣) سيأتي الكلام عليه في كتاب الأدب باب في حسن العشرة.","vol":"12","page":210},{"text":"وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (١) - ﷺ - قَلَّمَا يُوَاجِهُ رَجُلًا في وَجْهِهِ بِشَيءٍ يَكْرَهُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: \"لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَغْسِلَ هَذَا (٢) عَنْهُ\". [تم ٣٥٣، \"السنن الكبرى\" للنسائي ١٠٠٦٥، حم ٣/ ١٣٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1607>(٨) بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّعْرِ</span>\n٤١٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالَا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ قَالَ: \"مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. زَادَ مُحَمَّدٌ (٣): لَهُ (٤) شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ\". [خ ٣٥٥١، م ٢٣٣٧، ت ١٧٢٤، ن ٥٠٦٠، جه ٣٥٩٩، حم ٤/ ٢٨١]\n===\nوعليه أثر صفرة) من زعفران، (وكان رسول الله - ﷺ - قلَّما يواجه رجلًا في وجهه بشيء يكرهه) من شدة حيائه، ومكارم أخلاقه الشريفة، (فلما خرج قال: لو أمرتم هذا أن يغسل هذا) الصفر (عنه).\n\n(٨) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّعْرِ)\n٤١٨٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة ومحمد بن سليمان الأنباري قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: ما رأيت من ذي لمة) واللمة التي ألمت بالمنكبين (أحسن في حلة حمراء) أي: إزار ورداء (من رسول الله - ﷺ -، زاد محمد) أي: محمد بن سليمان: (له شعر يضرب) أي: يصل (منكبيه).\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"ذا\".\n(٣) في نسخة: \"محمد بن سليمان\".\n(٤) في نسخة بدله: \"وله\".","vol":"12","page":211},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا رَوَاهُ إسْرَائِيلُ، عن أَبِي إسْحَاقَ: يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، وَقَالَ شُعْبَةُ: \"يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ\" (١).\n٤١٨٤ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: \"كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ\". [تم ٢٤، ن ٥٢٣٤، عب ٢٠٥١٩، حم ٣/ ١٦٥]\n٤١٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا إسْمَاعِيلُ، نَا حُمَيْدٌ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ\". [م ٢٣٣٨، ن ٥٢٣٤، تم ٢٤، حم ٣/ ١١٣]\n٤١٨٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادَ،\n===\n(قال أبو داود: كذا رواه إسرائيل) بن يونس، أي (٢) (عن أبي إسحاق (٣): يضرب منكبيه) كما رواه سفيان الثوري، (وقال شعبة) (٤) عن أبي إسحاق: (يبلغ) شعره (شحمةَ أذنيه) والشحمة ما لان من الأذن في أسفلهما.\n٤١٨٤ - (حدثنا مخلد بن خالد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال: كان شعر رسول الله - ﷺ - إلى شحمة أذنيه).\n٤١٨٥ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل، نا حميد، عن أنس بن مالك) - ﵁ - (قال: كان شعر رسول الله - ﷺ - إلى أنصاف أذنيه).\n٤١٨٦ - (حدثنا ابن نفيل، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وَهِمَ شعبةُ فيه\".\n(٢) كذا في الأصل.\n(٣) رواية إسرائيل عن أبي إسحاق أخرجها أحمد (٤/ ٢٩٥)، والخاري (٥٩٠١)، والترمذي في \"الشمائل\" (٦٤)، والنسائي (٨/ ١٣٣)، وابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٤٢٨).\n(٤) رواية شعبة أخرجها المصنف بعد ثلاثة أحاديث رقم (٤١٨٧).","vol":"12","page":212},{"text":"عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فوْقَ الْوَفْرَةِ وَدُونَ الْجُمَّةِ\". [ت ١٧٥٥، تم ٢٥، جه ٦٣٥، حم ٦/ ١٠٨]\n٤١٨٧ - حَدّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيّ (١) - ﷺ - لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ\". [خ ٣٥٥١، م ٢٣٣٧، ن ٥٢٣٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1608>(٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْفَرْقِ</span>\n٤١٨٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ،\n===\nعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان شعر رسول الله - ﷺ - فوق الوفرة) (٢) بفتح الواو، وهو ما نزل إلى شحمة الأذن (ودون الجمة) بضم الجيم، وتشديد الميم، وهو قريب المنكبين.\n٤١٨٧ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان النبي - ﷺ - له شعر يبلغ شحمةَ أذنيه) والاختلاف الواقع في الروايات في شعره - ﷺ - مبني على اختلاف الأحوال والأوقات، فوقتًا ومرة يكون هكذا، ومرة هكذا.\n\n(٩) (بَابُ مَا جَاءَ في الْفَرْقِ)\nوهو تفريق شعر مقدم الرأس نصفين: نصفه إلى اليمين، ونصفه إلى الشمال\n٤١٨٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا إبراهيم بن سعد،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) أشكل عليه ما في \"الشمائل\" (٢٥) برواية هناد عن عبد الرحمن بهذا السند بلفظ: دون الوفرة فوق الجمة، وجمع بينهما في \"شرح الشمائل\" (١/ ٧٦) للقاري والمناوي. (ش).","vol":"12","page":213},{"text":"أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ - يَعْنِي يَسْدُلُونَ أَشْعَارَهُمْ - وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تُعْجِبُهُ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ\". [خ ٥٩١٧، م ٢٣٣٦، جه ٣٦٣٢، ن ٥٢٣٨، تم ٣٠، حم ١/ ٢٤٦]\n٤١٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، عن مُحَمَّدٍ - يَعْنِي ابْنَ إسْحَاقَ - قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ،\n===\nأخبرني ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: كان أهل الكتاب) أي: اليهود والنصارى (يعني يسدلون أشعارَهم) أي: أشعار رؤوسهم يرسلونها، قال ابن رسلان: والمراد (١) ها هنا عند العلماء إرسالُه على الجبين، واتخاذُه كالقُصَّة، يقال: سدل شعره وثوبه: إذا أرسله، ولم يضمَّ جوانبه.\n(وكان المشركون يفرقون رؤوسهم) أي: شعر رؤوسهم (وكان رسول الله - ﷺ - تعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به) استئلافًا لقلوبهم إلى الإِسلام، وموافقة لهم؛ لأنه كان يحتمل أن يكون هذا من دينهم، فيكون من الله ﷾، وأما فعل المشركين فليس فيه احتمال أن يكون من الله سبحانه، وهذا في أول الإِسلام، فلما أظهر الله الإِسلام صرح بمخالفتهم.\n(فسدل رسول الله - ﷺ - ناصيته) موافقة لأهل الكتاب (ثُم فَرَقَ) شعره أي فرقتين على مقدم رأسه (بعد) والفرق سنَّة في الشعر؛ لأنه الذي رجع إليه النبي - ﷺ -، والظاهر أنه بوحي منه تعالى.\n٤١٨٩ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا عبد الأعلى، عن محمد - يعني ابن إسحاق - قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير،\n_________\n(١) ونقل مثله النووي عن القاضي عياض في \"شرح صحيح مسلم\" (٨/ ٩٩).","vol":"12","page":214},{"text":"عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كُنْتُ إذَا أَرَدْتُ أَنْ أَفْرِقَ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - صَدَعْتُ الْفَرْقَ مِنْ يَافُوخِهِ، وَأُرْسِلُ (١) نَاصِيَتَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ\". [حم ٦/ ٩٠، جه ٣٦٣٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>(١٠) بَابٌ: في تَطْوِيلِ الْجُمَّةِ</span>\n٤١٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُقْبَةَ السُّوَائِيُّ وَحُمَيْدُ بْنُ خُوَارٍ،\n===\nعن عروة، عن عائشة قالت: كنت إذا أردت أن أفرُق رأس رسول الله - ﷺ - صدعت الفرق) أي: شققت الفرق (من يافوخه) أي: وسط رأسه (وأرسل ناصيته بين عينيه).\n\n(١٠) (بَابٌ: في تَطْوِيلِ الْجُمَّةِ)\nوهي من شعر الرأس ما سقط على المنكبين\n٤١٩٠ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا معاوية بن هشام وسفيان بن عقبة السوائي) بضم السين، وتخفيف الواو ممدودًا، الكوفي، عن ابن معين: لا بأس به، وكذا قال ابن نمير وابن عدي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: والذي في \"سؤالات عثمان الدارمي عن ابن معين\": سألت يحيى عنه فقال: لا أعرفه، وكذا نقله ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\"، وابن عدي في \"الكامل\" عن عثمان، زاد ابن عدي: يعني أنه لم يره ولم يكتب عنه؛ فلم يخبر أمره، انتهى. وقال العجلي: كوفي ثقة.\n(وحميد بن خوار) هو حميد بن حماد بن خوار بضم الخاء المعجمة، وتخفيف الواو، ويقال: ابن أبي خوار التميمي، ويقال: أبو الجهم، وهو أصح، الكوفي، ويقال: البصري، قال أبو حاتم: شيخ يُكْتَبُ حديثه، وليس بالمشهور،\n_________\n(١) في نسخة: \"أرسلت\".","vol":"12","page":215},{"text":"عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عن عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ولي شَعْرٌ طَوِيلٌ. فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: \"ذُبَابٌ ذُبَابٌ\"، قَالَ: فَرَجَعْتُ فَجَزَزْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: \"إنِّي لَمْ أَعْنِكَ (١) وَهَذَا أَحْسَنُ\". [ت ٥٠٥٢، جه ٣٦٣٦]\n===\nوقال الآجري عن أبي داود: ضعيف، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال الدارقطني: يُعْتَبَرُ به. وقال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير، قليل الحديث، وبعض حديثه على قلته لا يتابَعُ عليه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، أخرج له أبو داود حديثًا واحدًا في تطويل الجمة مقرونًا، قلت: وأَرَّخ ابن قانع وفاته سنة ٢١٥ هـ، وقال: وهو ضعيف.\n(عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب بن شهاب، (عن وائل بن حجر قال: أتيت النبي - ﷺ - ولي شعر طويل، فلما رآني رسولُ الله - ﷺ - قال: \"ذباب ذبابٌ) بضم الذال المعجمة فيهما، وتخفيف الباء الموحدة، وبعد الألف مثلها (٢)، والذباب: الشؤم، ويقالط: الذباب الشر الدائم (٣).\n(قال) وائل: ففهمت أن رسول الله - ﷺ - قال تلك الكلمات في شعري الطويل (فرجعت) عن مجلس رسول الله - ﷺ - (فجزَزْته) أي: قطعت ما طال منه، وفيه فضيلةُ الصحابة، ومبادَرَتُهم إلى إزالة ما كره منهم (ثم أتيته من الغد، فقال) لما رآني أني قطعت شعري الطويل: (إني لم أَعْنِك) بفتح الهمزة، يعني: ولم أردك بقول: \"ذباب ذباب\"، وفيه الاعتذار لمن خشي كسر قلبه لتألفه وينجبر قلبه (وهذا) أي: تقصير الشعر (أحسن) من إطالته، وإن كانت الإطالة جائزة، وفي الحديث دليل على أن بعض الصحابة قد يغلط في فهم مراد رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) في نسخة: \"لم أعبك\".\n(٢) هكذا أخرجه النسائي، ولفظ ابن ماجه: \"ذناب\" بالمعجمة، فنون، بعدها ألف، فموحدة. (ش).\n(٣) كذا في \"المجمع\" (٢/ ٢٢٨)، وذكر له المجد معاني كثيرة منها الشؤم والجنون. [راجع: \"ترتيب القاموس المحيط\" (٢/ ٢٤٨)]، وفي \"إنجاح الحاجة\": قبيح قبيح، انتهى. (ش).","vol":"12","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1610>(١١) بَابٌ: في الرَّجُلِ يُضَفِّرُ شَعْرَهُ </span>(١)\n٤١٩١ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، عن مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ هَانِئ: \"قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - إلَى مَكةَ وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ تَعْنِي عَقَائِصَ\". [ت ١٧٨١، تم ٣١، جه ٣٦٣١، حم ٤/ ٣٤١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1611>(١٢) بَابٌ: في حَلْقِ الرَّأْسِ</span>\n٤١٩٢ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: نَا وَهْبُ بْنُ\n===\n\n(١١) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يُضَفِّرُ شَعْرَهُ)\n٤١٩١ - (حدثنا النفيلي، نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم هانئ) بنت أبي طالب: (قدم النبي - ﷺ - إلى مكة، وله أربع (٢) غداثر) أي ضفائر (تعني عقائص).\nقال امرؤ القيس:\nغدائره مستشزرات إلى العلى\nوالعقائص: جمع عقيصة، وهي الشعر المعقوص، وأصل العقص الليُّ، وإدخال أطراف الشعر في أصوله (٣).\n\n(١٢) (بَابٌ: في حَلْقِ (٤) الرَّأْسِ)\n٤١٩٢ - (حدثنا عقبة بن مُكْرَم وابن المثنى قالا: نا وهب بن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"يعقص\".\n(٢) وفي \"شرح الإقناع\" (٤/ ٣٤٦): أي ضفائر يخرج أذنه اليمني من بين اثنين، وأذنه اليسرى كذلك. (ش).\n(٣) انظر: \"المجمع\" (٣/ ٦٤٦).\n(٤) قال الموفق (١/ ١٢٢، ١٢٣): اختلفت الروايات عن أحمد في حلق الرأس، فعنه أنه مكروه؛ لقوله ﵇ في الخوارج: \"سيماهم التحليق\"، وقال عمر لصبيغ: =","vol":"12","page":217},{"text":"جَرِيرٍ: نَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي يَعْقُوبَ يُحَدِّثُ، عن الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: \"لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ\"، ثمَّ قَالَ: \"ادْعُوا لَي بَنِي أَخِي\"، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: \"ادْعُوا لِيَ الْحَلَّاقَ\"، فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا. [ن ٥٢٢٧، حم ١/ ٢٠٤]\n===\nجرير، نا أبي) جرير بن حازم (قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر: أن النبي - ﷺ - أمهل آل جعفر ثلاثًا) أي: ثلاث ليال، وفيه دلالة على أن التحزن والبكاء للميت من غير ندبة ونياحة جائز ثلاثة أيام (أن يأتيهم) لينهاهم عن البكاء (ثم أتاهم) وفيه أن البكاء على الميت يمتد إلى ثلاثة أيام من حين وصول خبر الموت إذا مات عند غير أهله.\n(فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال: ادعوا لي بني أخي) وكان ولده بالحبشة من أسماء بنت عميس: عبد الله، وعون، ومحمد (فجيء بنا) وكانوا صغارًا يُحْمَلُون (كأنا أفرخ) جمع فرخ، وهو صغير ولد الطير، أي: صغار (فقال: ادعوا لي الحلاق، فأمره فحلق رؤوسنا) وفيه أن الكبير من أقارب الأطفال يتولى أمرهم، وينظر في مصالحهم من حلق الرأس وغيره.\n_________\n= لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وروي عنه ﵇: \"لا توضع النواصي إلَّا في حج وعمرة\"، رواه الدارقطني في \"الأفراد\"، وقال ابن عباس - ﵁ -: الذي يحلق رأسه في المصر شيطان، قال أحمد: كانوا يكرهون ذلك، وروي عن أحمد: لا يكره، لكن تركه أفضل، وقال ابن عبد البر: قد أجمع الناس على إباحته، وكفى به حجة، انتهى.\nوفي \"شرح الإقناع\" (٤/ ٣٤٦): لا بأس به، ولا يسن إلا في النسك، أو الكافر إذا أسلم، أو عقيقة المولود. قال البجيرمي: قال ابن القيم: لم يحلق ﵇ رأسه إلَّا أربع مرات، تقدم في هامش \"باب الغسل من الجنابة\". (ش).","vol":"12","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1612>(١٣) بَابٌ: في الصَّبيِّ لَهُ ذُؤَابةٌ</span>\n٤١٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا عُثْمَانَ بْنُ عُثْمَانَ - قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ رَجُلًا صَالِحًا - قَالَ: أَنَا عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الْقَزَعِ، وَالْقَزَعُ: أَنْ يُحْلَقَ رَأسُ الصَّبِيِّ فَيُتْرَكَ بَعْضُ شَعْرِهِ\". [خ ٥٩٢٠، م ٢١٢٠،، ن ٥٢٢٨، جه ٣٦٣٧، حم ٣/ ٤]\n===\n\n(١٣) (بَابٌ: في الصَّبيِّ لَه ذُؤَابةٌ)\nبضم الذال المعجمة وفتح الهمزة بعدها\n٤١٩٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا عثمان بن عثمان، قال أحمد: كان) أي عثمان (رجلًا صالحًا، قال) أي عثمان: (أنا عمر بن نافع، عن أبيه) نافع، (عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - ﷺ - القزع (١)، والقزع: أن يُحلق رأس الصبي فيترك بعض شعره).\nقال ابن رسلان: وقد حكي في \"صحيح مسلم\" التفسير من كلام نافع، وجعل في رواية التفسير من قول عبيد الله، وفي \"البخاري\" (٢): \"وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله قال: إذا حُلِقَ الصبي وترك ها هنا شَعَرٌ، وها هنا، وها هنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته وجانبي رأسه، قيل لعبيد الله: فالجارية والغلام؟ قال: لا أدري، هكذا قال: الصبي، قال عبيد الله: وعاودته فقال: أما القُصَّةُ والقفا للغلام فلا بأس بهما\".\nوكل خُصْلة من الشعر قُصَّة، سواء كانت متصلة بالرأس أو منفصلة، والمراد بها ها هنا شعر الناصية، يعني أن حلق القصة وشعر القفا خاصة دون غيرهما من الغلام فلا بأس به، وهذا من قول عمر بن نافع، وقال النووي (٣):\n_________\n(١) وفي \"المننقى\" للباجي (٩/ ٣٩٧): كره مالك الذؤابة للصبي لهذا الحديث ... إلخ. (ش).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥٩٢٠).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٣٥٣).","vol":"12","page":219},{"text":"٤١٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا أَيُّوبُ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عن الْقَزَعِ، وَهُوَ أَنْ يُحْلَقَ رَأْس الصَّبِيِّ، وُيتْرَكَ لَهُ ذُؤَابَةٌ\". [حم ٢/ ١٠١]\n٤١٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ رَأسِهِ وَتُرِكً بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عن ذَلِكَ، فَقَالَ (١): \"احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ (٢) اتْرُكُوهُ كُلَّهُ\". [م ٢١٢٠، ن ٥٠٤٨، حم ٢/ ٨٨]\n===\nالمذهب كراهته مطلقًا لإطلاق الحديث.\n٤١٩٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (أنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - نهى عن القزع) ثم فسر ذلك (وهو أن يحلق رأس الصبي، ويترك له) من شعره (ذؤابة).\nقلت: وليس هذا مختصًا بالصبي، بل إذا فعله كبير يكره (٣) له ذلك، فذكر الصبي باعتبار العادة الغالبة.\n٤١٩٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - رأى صبيًّا قد حلق) بصيغة المجهول (بعض رأسه، وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، فقال: احلقوه كله، أو اتركوه كله)، قال النووي (٤): مذهبنا كراهته مطلقًا للرجل والمرأة لإطلاق الحديث، قال: وهي كراهة تنزيه، وكذلك كرهه مالك والحنفية.\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) في نسخة: \"و\".\n(٣) وفي \"الفتاوى العالمكَيرية\" (٥/ ٣٥٧): لا بأس أن يحلق وسطه رأسه، ويرسل شعره من غير أن يفتله، فإن قتله فهو مكروه للتشبه ببعض الكفرة. (ش).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٥٣).","vol":"12","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1613>(١٤) بَابُ مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ</span>\n٤١٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا زيدُ بْنُ الْحُبَاب، عن مَيْمُون بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"كَانَتْ لِي ذُؤَابَةٌ فَقَالَتْ لِي أُمِّي: لَا أَجُزُّهَا، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَمُدُّهَا وَيَأْخُذُ بِهَا\".\n٤١٩٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا (١) الْحَجَّاجُ بْنُ حَسَّانَ\n===\n\n(١٤) (بَابُ مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ) في ذلك\n٤١٩٦ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا زيد بن الحباب، عن ميمون بن عبد الله، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: كانت لي ذؤابة، فقالت لي أمي: لا أجزها) أي: عنك أبدًا (كان رسول الله - ﷺ - يمدُّها) أي: يبسطها بيده الكريمة (ويأخذ بها) وهذا من تلطفه - ﷺ - بخادمه، وحسن عشرته - ﷺ -، وفيه التبرك بآثار الصالحين، والاحتراص على ادِّخار ما لمسوه بأيديهم، أو جلسوا عليه، أو كان من لباسهم.\nوقيل: إن الذؤابة إنما يجوز اتخاذها للغلام إذا كانت مع غيرها من الشعور التي في الرأس، وأما إذا حلق شعره كله، وترك له ذؤابة فهو القزع الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -.\n٤١٩٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، نا الحجاج بن حسان) القيسي البصري، قال أحمد: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وقال ابن معين: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أنا\".","vol":"12","page":221},{"text":"قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي الْمُغِيرَةُ (١) قَالَتْ: وَأَنْتَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ وَلَكَ قَرْنَانِ أَوْ قُصَّتَانِ، فَمَسَحَ رَأسَكَ وَبَرَّكَ عَلَيْكَ، وَقَالَ: \"احْلِقُوا هَذيْنِ أَوْ قُصُّوهُمَا، فَإنَّ هَذَا زِيُّ الْيَهُودِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>(١٥) بَابٌ: في أَخْذِ الشَّارِبِ</span>\n٤١٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعِيدٍ،\n===\n(قال: دخلنا على أنس بن مالك) أي: كان هو صغيرًا لم يحفظ إلَّا دخولهم على أنس بن مالك (فحدثتني أختي المغيرة) أي: بنت حسان (قالت: وأنتَ يومئذ غلام) أي: صغير (ولك قرنان أو) للشك من الراوي (قصتان، فمسح رأسك، وبرَّك عليك) أي: دعا لك بالبركة (وقال: احلقوا هذين أو قصوهما، فإن هذا زي اليهود) أي القرنان.\nوهذا يدل على أن الرواية المتقدمة عن أنس قال: \"كانت لي ذؤابة\" لا تدل على جواز الذؤابة مطلقًا، بل الظاهر أن المنهي عنه غير المرخَّص فيه، فالرخصة إنما هي جميع شعر الرأس موجودة، وكانت الذؤابة طويلة من سائر الشعور، وأما إذا كان البعض محلوقًا، والذؤابة باقية، فلا رخصة فيه.\n\n(١٥) (بَابٌ: في أَخْذِ الشَّارِبِ) (٢)\n٤١٩٨ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب،\n_________\n(١) \"المغيرة\": رواية ابن داسة: \"النغيرة\". لكن ترجمتها في الكتب باسم: المغيرة.\n(٢) وقد تقدم في \"كتاب الطهارة\" أن في إحفاء اللحية وإعفاء الشارب مخالفة الأعاجم من اليهود والنصارى، وذكر في \"الخميس\" (٢/ ٣٥) قصة دخول رسولي كسرى على النبي - ﷺ -، وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما حتى وارت شفاههما، فكره النظر إليهما، وقال: \"ويلكما من أمركما بهذا؟ \" قالا: أمرنا بهذا ربنا، يعنيان كسرى. فقال رسول الله - ﷺ -: \"لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شواربي\"، انتهى. (ش).","vol":"12","page":222},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"الْفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ،\n===\n(عن أبي هريرة يبلغ به النبيَّ - ﷺ -: الفطرة خمس، أو) للشك من الراوي (خمس من الفطرة) قال ابن رسلان: قال الشيخ أبو إسحاق، والماوردي: هي الدين، وقال أكثر العلماء: هي السنَّة بدليل رواية البخاري: \"من السنَّة قص الشارب\" (١).\n(الختان) وهو واجب على الرجال والنساء، هذا هو الصحيح في المذهب، وقال مالك وأبو حنيفة: سنَّة، والواجب في ختان الرجل قطع الجلدة التي تغطي الحشفة بحيث تنكشف الحشفة كلُّها، فإن قطع بعضها وجب قطع الباقي ثانيًا، والواجب في المرأة قطع ما يطلق عليه الاسم من الجلدة التي كعرف الديك فوق مخرج البول، اتفق عليه أصحابنا، قالوا: ويستحب أن يقتصر في المرأة على شيء يسير، ولا يبالغ في القطع، قاله ابن رسلان (٢).\n(والاستحداد) وهو حلق العانة، وهو متفق على أنه سنَّة، (ونتف الإبط) وهو كذلك متفق على سنيته، (وتقليم الأظفار) وهو سنَّة أيضًا للرجل والمرأة، ويستحب أن يبدأ باليد اليمنى قبل اليسرى، فيبدأ بمسبحة اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، ثم خنصر اليد اليسرى، ثم بنصرها إلى آخره، ثم خنصر الرجل اليمنى إلى أن يختم بخنصر اليسرى، كذا جزم به النووي في \"شرح مسلم\" (٣).\nوقال العراقي في \"شرح المهذب\": إنه الأحسن، وإنه في رواية؛ وإن لم تصح فالمعنى تساعدها؛ لأن التيمن سنة، والمسبحة أشرف الأصابع؛ لكونها يُشارُ بها إلى التوحيد، ثم الذي يليها هو الأيمن فالأيمن.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٣٩).\n(٢) انظر: \"الفتح\" (١٠/ ٣٤٠).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ١٥١).","vol":"12","page":223},{"text":"وَقَصُّ الشَّارِبِ\". [خ ٥٨٨٩، م ٢٥٧، ت ٢٧٥٦، ن ٩، جه ٢٩٢، حم ٢/ ٢٢٩]\n٤١٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِإحْفَاءِ الشَّارِبِ (١)،\n===\nوفي \"المغني\" (٢) للموفق الحنبلي: حديث \"من قص أظفاره مخالفًا لم يَرَ في عينيه رمدًا\"، وفسَّره ابن بَطَّةَ بأن يبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم المسبحة، ثم بإبهام اليسرى، ثم وسطاها، ثم خنصرها، ثم السبابة، ثم البنصر، قال ابن الرفعة: وهذه الكيفية هي الأولى، وعن الحافظ شرف الدين الدمياطي: أنه كان يفعلها في اليدين، والرجلين، ويأثر أنَّ هذا أمان من الرمد، قاله ابن رسلان.\nقلت: ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند تقليبم الأظفار شيء من الأحاديث.\n(وقص الشارب) وهو ما نبت على الشفة العليا بحيث يبدو طرف الشفة.\n٤١٩٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - أمر بإحفاء الشارب) (٣) وهو المبالغة في جَزِّها، قال مالك: إن استئصال الشوارب (٤) مثلة،\nوخالف الكوفيون استدلالًا برواية الصحيح: \"أنهكوا الشوارب\"، ولفظ مسلم:\n_________\n(١) في نسخة: \"الشوارب\".\n(٢) انظر: \"المغني\" (١/ ١١٨).\n(٣) وتقدم بعض بيانه في \"كتاب الطهارة\"، وفي \"الدر المختار\": حلق الشارب بدعة، وقيل: سنة، ونسبه الطحاوي إلى الأئمة الثلاثة، كما في \"الشامي\" (٩/ ٥٨٣) و\"العالمكَيرية\" (٥/ ٣٥٨). (ش).\n(٤) انظر: \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٤/ ٢٨٧)، و\"فتح الباري\" (١٠/ ٣٤٧).","vol":"12","page":224},{"text":"وَإعْفَاءِ اللِّحْيَةِ\" (١). [خ ٥٨٩٣، م ٢٥٩، ت ٢٧٦٣، ن ١٥، حم ٢/ ١٦]\n===\n\"أحفوا الشوارب\"، وأوَّل مالك المرادَ إحفاء ما طال عن الشفتين، وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي في هذا شيئًا منصوصًا، وأصحابه الذين رأيناهم كالمزني والربيع كانا يحفيان شواربهما، وذلك يدل على أنهما أخذا ذلك عن الشافعي. وقد ذكر ابن جوير منداد (٢) من المالكية موافقةَ الشافعي للكوفيين، وقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا، وسمعته يقول وقد سئل عن الإحفاء: إنه السنَّة. وجمع بعضهم بين الأحاديث، فقال: نقص الشارب، ونحفي الإطار، وهو بكسر الهمزة، وتخفيفِ الطاء المهملة، إطار كل شيء ما أحاط به.\n(وإعفاءِ اللحية) (٣) أي توفيرها، وإطالتِها، وعدمِ الأخذ منها، وكان من عادة الفرس قص اللحية، فنهى الشارع عن ذلك.\nقال الغزالي: اختلف السلف فيما زاد من اللحية، فقيل: لا بأس أن يقبض عليها، ويقص ما تحت القبضة، كان ابن عمر - ﵁ - يفعله، ثم جماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي، وابن سيرين، والحسن، وقتادة قالوا: يتركها عافية؛ لقوله: \"وأعفوا اللحى\"، قال الغزالي: والأمر في هذا قريب؛ لأن الطول المفرط قد يُشَوِّه الخلقة.\nقال النووي (٤): والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقًا، ويتركها على حالها كيف كانت لحديث: \"أعفوا اللحى\". وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن\n_________\n(١) في نسخة: \"اللحى\".\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٢٨٧): ابن خُويز بالخاء والزاء المعجمتين.\n(٣) وذكر شيئًا من ذلك مع الزيادة في \"الإكليل\" والعيني في \"شرح الهداية\" (٤/ ٣٥٤) تحت قول صاحب \"الهداية\" (١/ ١٥٨) في الحج: ولفظة: \"الأخذ من الشارب\": تدل على أنه السنَّة فيه، دون الحلق. (ش).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ١٥٤).","vol":"12","page":225},{"text":"٤٢٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا صَدَقَةُ الدَّقِيقِيُّ، نَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"وَقَّتَ لنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَلْقَ الْعَانَةِ، وَتَقْلِيمَ الأَظْفَارِ،\n===\nجده: \"أن النبي - ﷺ - كان يأخذ من لحيته من عرضها، وطولها\"، فرواه الترمذي (١) بإسناد ضعيف لا يُحتَجّ به، وأما الأخذ من الحاجبين إذا طالا فكان أحمد ابن حنبل يفعله، وحكي أيضًا عن الحسن البصري، ملخص من ابن رسلان.\n٤٢٠٠ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا صدقة) بن موسى (الدقيقي) أبو المغيرة، ويقال: أبو محمد السلمي، البصري، قال مسلم بن إبراهيم: كان صدوقًا، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن معين أيضًا، وأبو داود، والنسائي، والدولابي: ضعيف، وقال الترمذي: ليس عندهم بذاك القوي، وقال أبو حاتم: لين الحديث، يُكتَب حديثه، ولا يُحْتَج به، ليس بقوي، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم.\n(نا أبو عمران الجوني، عن أنس بن مالك قال: وقَّت لنا رسول الله - ﷺ -) والتوقيت أن يُجْعَلَ للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة (حلقَ العانة) أي في حلقها، وفي معناه: الإزالة بالنتف والنورة وغيرِهما، إلا أنه بالحديد للرجل أفضل بخلاف المرأة؛ فالسنَّة في حقها النتف، والمراد بالعانة ما فوق الفرج وحواليه من الرجل والمرأة، وفي معنى ذلك قال ابن شريح (٢): ما حول حلقة الدبر، وأغرب من قال: لا يجوز حلق ما حول الدبر، حكاه الفاكهي.\n(وتقليم الأظفار) وهو قطع ما طال منها عن اللحم، وفي معنى ذلك\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢٧٦٢).\n(٢) لعلَّ الصواب بدله: ابن سريج؛ فإنه أبو العباس، كما قاله النووي (٢/ ١٥١)، ونقل عنه الحافظ [انظر: \"الفتح\" (١٠/ ٣٤٣)]. (ش).","vol":"12","page":226},{"text":"وَقَصَّ الشَّارِبِ، وَنَتْفَ الإبْطِ، أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً\". [ت ٢٧٥٨، حم ٣/ ١٢٢، جه ٢٩٥، م ٢٥٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن أَبي عِمْرَانَ (١)، عن أَنَسٍ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: \"وُقِّتَ لنَا\" (٢).\n===\nالإزالة بكل شيء من الآلات من مقص، وسكين، ونحوهما، نعم يكره بالأسنان.\n(وقصر الشارب، ونتف الإبط) وفي معناه الحلق لحصول النظافة به في كل (أربعين يومًا مرة)، وهذا تحديد لأكثر المدة، ويستحب نتفه ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وإلَّا فلا تحديد فيه، بل كل ما كثر أزاله، ويختلف ذلك باختلاف طباع (٣) الناس.\n(قال أبو داود: رواه جعفر بن سليمان (٤)، عن أبي عمران، عن أنس، لم يذكر النبي - ﷺ -) بل (قال: وُقِّتَ) بصيغة المجهول (لنا) في قص الشارب، الحديث.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الجوني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وهذا أصح\".\n(٣) وفي \"المجمع\" (٥/ ٩٢): المختار أنه يضبط الحلق والتقليم والقص بالطول، روي: أنه ﵇ كان يأخذ أظفارَه وشاربَه كل جمعة، ويحلق العانة في عشرين، وينتف الإبط في أربعين، انتهى. وفي \"العالمكَيرية\" (٥/ ٣٥٧): الأفضل الأسبوع والخمسة عشر الوسط، ولا عذر في أكثر من أربعين ... إلخ، وقريب منه ما في \"الدر المختار\"، [انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥٨٣، ٥٨٤)]. (ش).\n(٤) رواية جعفر بن سليمان أخرجها مسلم (٢٥٨)، والترمذي (٢٧٥٩)، والنسائي (١/ ١٥)، وابن ماجه (٢٩٥)، والبيهقي (١/ ١٥٠)، ووقع عند النسائي: \"وَقَّتَ لَنَا رسول الله - ﷺ - ... \" الحديث! ! .\nوقال الترمذي بعد إيراد هذا الحديث: وهذا أصح من حديث الأول، وصدقة بن موسى ليس عندهم بالحافظ.","vol":"12","page":227},{"text":"٤٢٠١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلو نَا زُهَيْرٌ قَالَ: قَرَأتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَقَرَأَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى أَبِي الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عن جَابِرٍ قَالَ: \"كُنَّا نُعَفِّي السِّبَالَ إلَّا في حَج أَوْ عُمْرَةٍ\".\n===\n٤٢٠١ - (حدثنا ابن نفيل، نا زهير قال: قرأت على عبد الملك بن أبي سليمان، وقرأه عبد الملك على أبي الزبير، ورواه أبو الزبير عن جابر قال: كنا نُعْفي) (١) بضم النون وسكون العين المهملة، أي: نُوَفِّر (السِّبالَ) بكسر السين وتخفيف الموحدة، أي: نَدَعُهما على ما خلقهما الله تعالى من طول وقصر؛ لكونهما متصلتين باللحية، فأعطيا حكمها، والظاهر أن السبال جمع سَبَلة، وهي طرف الشارب (٢) كرقاب جمع رقبة، وهذا من الجمع المراد به التثنية، لأن من المعلوم أن الإنسان ليس له إلَّا سبالان، لأن الحكمة في قص الشارب لمخالطة المأكل والمشرب، وهذان لا يخالطان المأكل والمشرب، فكانا كاللحية.\nوقال الهروي (٣): هي الشعرات التي تحت الحنك الأسفل، والسَّبَلَة عند العرب مقدم اللحية، وما أسبل منها على الصدر، قال الغزالي في \"الإحياء\" (٤): ولا بأس بترك سباليه، يعني على ما خلقه الله تعالى، وهما طرفا الشارب.\n(إلَّا في حج أو عمرة) أي: كنا نوفر السبلتين إلا إذا كنا في حج أو عمرة فكنا نأخذ منها، وكان ابن عمر إذا قص من لحيته في حج أو عمرة يقبض على لحيته، ويأخذ من طرفها ما خرج عن القبضة، وابن عمر روى: \"أعفوا اللحى\"، وفهم من معناه ما يأخذ من لحيته، فالسبال أولى بالأخذ؛ لكونه متصلًا بالشارب، ملخص من ابن رسلان.\n_________\n(١) وضبطه في \"الفتح\" (١٠/ ٣٥٠) بتشديد الفاء، وفي \"جمع الوسائل\" عدة روايات مرفوعة في أخذ السبال. (ش).\n(٢) وفي \"الفتح\" (١٠/ ٣٥٠): هي ما طال من شعر اللحية، كذا في \"الأوجز\" (١٧/ ٨). (ش).\n(٣) انظر: \"المجمع\" (٣/ ٣١).\n(٤) \"إحياء علوم الدين\" (١/ ١٤٠).","vol":"12","page":228},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الاسْتِحْدَادُ: حَلْقُ الْعَانَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1615>(١٦) بَابٌ: في نَتْفِ الشَّيْبِ</span>\n٤٢٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، الْمَعْنَى، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً في الإسْلَامِ\"، قَالَ عن سُفْيَانَ: \"إلَّا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، وَقَالَ في حَدِيثِ يَحْيَى: \"إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ بِهَا عَنْهُ خَطِيئَةً\". [ت ٢٨٢١، ن ٥٠٦٨، جه ٢٧١٢، حم ٢/ ١٧٩]\n===\n(قال أبو داود: الاستحداد) أي المراد به: (حلق العانة) لأن أصل معناه: طلب الحديد، وهو الموسى.\n\n(١٦) (بَابٌ: في نَتْفِ الشَّيْبِ)\nوالمراد الشعر الأبيض\n٤٢٠٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، ح: وحدثنا مسدد قال: نا سفيان، المعنى) أي: معنى حديثهما واحد، (عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تنتفوا الشيب) أي: الشعرات البيض، فإنه (ما من مسلم يشيب شيبة في الإِسلام، قال) مسدد (عن سفيان: إلَّا كانت) أي: شيبته (له نورًا يوم القيامة، وقال) مسدد (في حديث يحيى: إلَّا كتب الله له بها حسنة، وحَطَّ عنه بها خطيئة).\nقال ابن رسلان: قال أصحابنا وغيرهم من المالكية، والحنابلة، وغيرهم: يكره نتف الشيب بهذه الأحاديث، ولما روى الخلال في \"جامعه\" عن طارق بن حبيب: أن حجامًا أخذ من شارب النبي - ﷺ -، فرأى شيبة في لحيته فأهوى إليها ليأخذها، فأمسك النبي - ﷺ - يده، وقال: \"من شاب شيبة في الإِسلام كانت له نورًا يوم القيامة\"، وعلى هذا فَيُكْرَهُ نتفُ الشيب للفاعل والمفعول به.","vol":"12","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1616>(١٧) بَابٌ: في الْخِضَابِ</span>\n٤٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبِغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ\". [خ ٥٨٩٩، م ٢١٠٣، ن ٥٠٧١، ت ١٧٥٢، جه ٣٦٢١، حم ٢/ ٢٦١]\n٤٢٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا: نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ،\n===\nقال النووي: ولو قيل: يحرم النتف للنهي الصريح في الصحيح لم يبعد، قال: ولا فرق بين نتفه من اللحية والرأس يعني الشارب، والعَنْفَقَة، والحاجب، والعذار من الرجل والمرأة.\n\n(١٧) (بَابٌ: في الْخِضَابِ)\n٤٢٠٣ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أبي هريرة) - ﵁ - (يبلغ به النبي - ﷺ - قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم (قال النووي (١): مذهبنا (٢) استحباب خضاب الشعر للرجل والمرأة بصفرة أو بحمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح.\n٤٢٠٤ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: نا ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج،\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٣١).\n(٢) وكذلك عندنا، صرح به الشامي (٩/ ٦٠٤) إذ قال: يستحب للرجل خضاب شعره ولحبته، ولو في غير حرب ... إلخ، وبسط الاختلاف في ذلك القاري في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٠١، ١٠٢) وقال: حجة من أحبَّ تركَ الخضاب الحديثُ المذكورُ قبل \"من شاب شيبة في الإِسلام ... \" الحديث.","vol":"12","page":230},{"text":"عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أُتِيَ بأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَرَأْسُهُ وَلحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ\". [م ٢١٠٢، ن ٥٠٧٦، جه ٣٦٢٤، حم ٣/ ٣٢٢]\n٤٢٠٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عن سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عن عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ بِهِ هَذَا الشَّيْبُ: الْحِنَّاءُ، وَالْكَتَمُ\". [ت ١٧٥٣، ن ٥٠٧٧، حم ٥/ ١٤٧، جه ٣٦٢٢]\n===\nعن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: أتي بأبي قحافة) والد أبي بكر - ﵁ - (يوم فتح مكة) أي عند رسول الله - ﷺ - (ورأسه ولحيته كالثغامة) بثاء مثلثة مفتوحة، ثم غين معجمة مخففة، قال أبو عبيد (١): هو نبت أبيض الزهر والثمر، شُبِّهَ بياضُ الشيب به، قال ابن الأعرابي: هو شجر تَتَبَيَّضُ، كأنها الثلج (بياضًا) أي في البياض.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: غيِّروا هذا بشيء) أي من حمرة أو صفرة، وهو شامل لشعر الرأس، واللحية، (واجتنبوا السواد) قال النووي: قال الغزالي، والبغوي، وآخرون من الأصحاب: هو مكروه، وظاهر عبارتهم أنه مكروه كراهة تنزيه، ثم قال: والصحيح بل الصواب أنه حرام، وممن صرح به صاحب \"الحاوي\"، إلَّا أن يكون في الجهاد.\n٤٢٠٥ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن سعيد الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن أحسن ما غُيِّرَ به هذا الشيب: الحناءُ، والكتم) بفتح الكاف والمثناة فوق، نبت يصبغ به الشعر وغيره مع الحناء فيكثر حمرته إلى الدهمة، ويقال: هو الوسمة بكسر السين، يعني: ورق النيل، وقيل:\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٣١)، وانظر أيضًا: \"المجمع\" (١/ ٢٩٣).","vol":"12","page":231},{"text":"٤٢٠٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ إيَادٍ -، نَا إيَادٌ، عن أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: \"انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَإذَا هُوَ ذُو وَفْرَةٍ بِهَا رَدْعُ حِنَّاء، وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ\". [تقدَّم برقم ٤٠٦٥]\n٤٢٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا ابْنُ إدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبْجَرَ، عن إيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عن أَبِي رِمْثَةَ في هَذَا الْخَبَرِ\n===\nإنما أراد به استعمال كل واحد من الحناء أو الكتم منفردًا عن غيره، وقد استدل به على استحباب الخضاب بالحناء والكتم، وقد خضب أبو بكر بالحناء والكتم أيضًا.\n٤٢٠٦ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا عبيد الله - يعني ابن إياد-، نا إياد) بن لقيط، (عن أبي رمثة) التيمي، اختُلفَ في اسمه على أقوال (قال: انطلقت مع أبي (١) نحو النبي - ﷺ -، فإذا هو ذُو وفرة) وهي شعر الرأس إذا وصل شحمتي الأذن (بها ردع) بفتح الراء وسكون الدال المهملة ثم عين مهملة، أي: لطخ (حناء، وعليه) أي على النبي - ﷺ - (بردان أخضران).\n٤٢٠٧ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن إدريس) عبد الله (قال: سمعت ابن أبجر) وهو عبد الملك بن سعيد، (عن إياد بن لقيط) الدوسي، (عن أبي رمثة في هذا الخبر) المتقدم.\n_________\n(١) هكذا في النسائي (٥٣١٩) و\"المشكاة، (٣٤٧١)، وفي \"الشمائل\" رقم (٤٣) في باب شيبة - ﷺ -: أتيته ﵇ ومعي ابن لي، وبكلا السياقين أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٢٧)، و(٤/ ١٦٣) وفي أحاديثه اضطراب آخر، أن قدومه كان بالمدينة أو بمكة، وأيضًا قائل \"إني طبيب\" أبو رمثة أو أبوه، ولم يتعرض لهذه الاضطرابات الحافظ في \"التهذيب\" (١٢/ ٩٧)، ولا \"الإصابة\" (٤/ ٧١)، ولا صاحب \"العون\" ح (٤٢٠٠، ٤٢٠١)، وشيء منه في هامش \"الخصائل\"، وجمع القاري في \"جمع الوسائل\" (١/ ٩٥) بالتغاير وهو بعيد، وجزم ابن أبي حاتم في \"علله\" (ص ٤٨١) أن أحدهما وهم، لكن لم يعين أيهما وهمًا. (ش).","vol":"12","page":232},{"text":"قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَرِنِي هَذَا الَّذِي بِظَهْرِكَ (١)، فَإنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ، قَالَ: \"اللَّه الطَّبِيبُ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ، طَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا\". [ن ٤٣٨٢، حم ٤/ ١٦٣]\n٤٢٠٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، نَا سُفْيَانُ، عن إيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عن أَبِي رِمْثَةَ - ﵁ - قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنَا وَأَبِي، فَقَالَ لِرَجُلٍ أَوْ لأَبِيهِ: \"مَنْ هَذَا؟ \" قَالَ: ابْنِي، قَالَ: \"لَا تَجْنِي عَلَيْهِ\"،\n===\n(قال) أي أبو رمثة: (فقال له) أي رسول الله - ﷺ - (أبي: أرني هذا) أي: الخاتم (الذي بظهرك؛ فإني رجل طبيب) والطبيب في الأصل هو الحاذُق بالأمور، والعارفُ بها، وبه سمي الطبيب الذي يعالج المرض.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (الله) هو (الطبيب) فيه كراهة تسمية المعالج طبيبًا؛ لأن العارف بالآلام والأمراض في الحقيقة هو الله ﷾، وهو العالم بأدويتها، وشفائها، وهو القادر على شفائه دون دواء، (بل أنت رجل رفيق) ترفق بالمريض، وتتلطفه، (طبيبها (٢) الذي خلقها) وهو الله ﷾ ذكره.\n٤٢٠٨ - (حدثنا ابن بشار، نا عبد الرحمن) بن مهدي، (نا سفيان) الثوري، (عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - أنا وأبي، فقال) - ﷺ - (لرجل أو لأبيه: من هذا؟) أي: أشار إلى أبي رمثة (فقال: ابني، قال: لا تجني عليه) وفي نسخة: \"ولا يجني عليك\"، وسياق الحديث في \"الديات\" (٣): \"قال لأبيه\" من غير شك، ولفظه: عن أبي رمثة:\n_________\n(١) في نسخة: \"في ظهرك\".\n(٢) وفي \"المجمع\" (٣/ ٤٣٣): لا يطلق الطبيب عليه تعالى اسمًا، ويجوز: اللَّهمَّ أنت المصحح، الممرض، المداوي، الطبيب، لا: يا طبيب؛ فإنه بعيد من الأدب، وتعدٍّ عن التوقيف، انتهى. (ش).\n(٣) تحرف في الأصل: \"الديات\" بـ \"الآيات\".","vol":"12","page":233},{"text":"وَكَانَ قَدْ لَطَخَ لِحْيَتَهُ بِالْحِنَّاءِ. [ت ٤٨٣٢، حم ٤/ ١٦٣]\n٤٢٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّهُ سُئِلَ عن خِضَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَخْضِبْ، وَلَكِنْ قَدْ خَضَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - ﵄ -\". [خ ٥٨٩٥، م ٢٣٤١]\n===\nانطلقت مع أبي نحو النبي - ﷺ -، ثم إن رسول الله - ﷺ - قال لأبي: أابنك هذا؟ ! قال: إي ورب الكعبة، قال: حقًّا؟ بتقدير حرف الاستفهام، قال: أَشْهَدُ به، قال: فتبسم النبي - ﷺ - ضاحكًا من ثَبْتِ شَبَهِي في أبي، ومن حلفِ أبي عليَّ، ثم قال: \"أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه\"، وقرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) معناه: لا تؤخذ بجنايته، ولا يؤخذ بجنايتك، وفيه ردٌّ على من اعتقد أن كل واحد من الولد والوالد يؤاخذ بجناية الآخر، (وكان قد لطخ لحيته بالحِنَّاء).\n٤٢٠٩ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، عن ثابت، عن أنس: أنه سئل عن خضاب النبي - ﷺ -، فذكر أنه لم يخضب، ولكن قد خضب أبو بكر، وعمر - ﵄-) قال ابن رسلان: يحتمل يديه، ولا رجليه، ويحتمل لم يخضب غيره، انتهى.\nحاصله: أنه جمع بين الحديثين؛ لأن في حديث أنس: \"أنه لم يخضب\"، وفي حديث أبي رمثة: \"قد خضب بالحناء\"؛ فجمع بينهما بأن معنى حديث أنس: أنه لم يخضب يديه، ولا رجليه، ومعنى حديث أبي رمثة: أنه خضب لحيته بالحناء، فالظاهر أن وجه الجمع هذا ليس بصواب، بل الصواب ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"فذكر أنه لم يخضب\" لا ينافيه ما مر أنه لطخ لحيته بالحناء؛ وذلك لأن من نفى خضابه فقد نفى ما كان حاويًا منه بكل لحيته، \"وأنه لم يخضب\" معناه: لم يخضب كلها، ومن أثبته فقد أثبته فيما ابيض من شعرها.\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية ١٦٤.","vol":"12","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1617>(١٨) بَابٌ: في خِضَابِ الصُّفْرَةِ</span>\n٤٢١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ: نَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عن نَافِع، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وُيصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ\n===\nوقال القاري (١) في قول أنس - ﵁ -: \"لم يخضب\": أي رأسه، وهو لا ينافي اختضاب لحيته المروي السابق، والآتي عن ابن عمر - ﵁ - فتدبر.\nثم قال: والصحيح ما قاله صاحب \"النهاية\" من أن المختار أنه - ﷺ - صبغ في وقت، وترك في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى، وهو صادق، وهذا التأويل كالمتعين للجمع به بين الأحاديث (٢)، انتهى. وهو نهاية المدعى.\n\n(١٨) (بَابٌ: في خِضَابِ الصُّفْرَةِ) (٣)\n٤٢١٠ - (حدثنا عبد الرحيم بن مطرف) بن أنيس بن قدامة بن عبد الرحمن الرواسي بضم الراء (أبو سفيان) الكوفي، ثم السروجي، ابن عم وكيع، قال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: قال أبو علي الجياني: كان ينزل سروج قرية من قرى الثغر.\n(قال: نا عمرو بن محمد) العنقزي، (نا ابن أبي رواد) عبد العزيز، (عن نافع، عن ابن عمر) - ﵁ -: (أن النبي - ﷺ - يلبس النعال السِّبتيَّةَ) بكسر العين المهملة، والسبت جلود البقرة المدبوغة بالقرظ، سميت بذلك لأن شعرها قد سُبِتَتْ عنها، أي: حُلِقَ، وأزيل، (ويصفِّرُ لحيته بالورس) وهو نبت\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٢٥٦، ٢٥٧) ح (٤٤٧٨، ٤٤٧٩).\n(٢) لكن في \"الشامي\" (٩/ ٦٠٥): الأصح أنه ﵇ لم يخضب، انتهى. (ش).\n(٣) وتقدَّم: لم يكن شيء أحب إليه - ﷺ - من الصفرة. (ش).","vol":"12","page":235},{"text":"وَالزَّعْفَرَانِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ\". [ت ٥٢٤٣]\n٤٢١١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا إسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عن حُمَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عن ابْنِ طَاوسٍ، عن طَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ: \"مَا أَحْسَنَ هَذَا! \"\n===\nأصفر يُزْرَعُ باليمن، وقيل: صنف من الكركم، وقيل: يشبهه، (والزعفران) (١) ظاهر العطف يقتضي أن يصفر لحيته بالزعفران، ويحتمل أن يكون التقدير: يصفر لحيته بالورس، وثيابَه بالزعفران، قاله ابن رسلان.\nقلت: وكيف يمكن ذلك، وقد ثبت النهي عنه - ﷺ - في صبغ الثياب بالزعفران، فالمتعين (٢) المراد صبغ اللحية بهما أي ما ابيضَّ منها من الشعر، والله أعلم. (وكان ابن عمر) - ﵁ - (يفعل ذلك).\n٤٢١١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا إسحاق بن منصور، نا محمد بن طلحة، عن حميد بن وهب) القرشي، أبو وهب المكي، ويقال: الكوفي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال العقيلي: لم يتابَعْ على حديثه، وحميد مجهول النقل، وقال ابن حبان: يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، له في أبي داود وابن ماجه حديث واحد في الخضاب بالصفرة، وقال ابن المديني: حميد القرشي يروي عن ابن طاوس، مجهول.\n(عن ابن طاوس) عبد الله، (عن طاوس، عن ابن عباس قال: مر على النبيِّ - ﷺ - رجل قد خضب) أي: لحيته أو رأسه (بالحناء، فقال: ما أحسنَ هذا!)\n_________\n(١) قال ابن الهمام في \"كتاب الحج\": إن الحديث وإن صححه ابن القطان؛ إلا أن ما في \"الصحيحين\" في النهي عن التزعفر للرجل؛ أقوى منه. [انظر: \"فتح القدير\" (٢/ ٤٣٨)]. (ش).\n(٢) لكن ظاهر ما تقدم في \"باب الخلوق للرجال\" من الروايات يدل على المنع مطلقًا ولو في الجسد. انتهى. (ش).","vol":"12","page":236},{"text":"قَالَ: فَمَرَّ (١) آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، فَقَالَ: \"هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا\"، (٢) فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالصُّفْرَةِ، فَقَالَ: \"هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ\". [جه ٣٦٢٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>(١٩) بَابُ مَا جَاءَ في خِضَابِ السَّوَادِ</span>\n٤٢١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عن عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:\n===\nأي: مدحه ليرغب فيه الناس (قال: فمر) رجل (آخر) أي: الثاني (قد خضب بالحناء والكتم (٣)، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (هذا) الثاني (أحسن من هذا) أي الأول، (فمر آخر) أي: الثالث (قد خضب بالصفرة) أي: الزعفران أو غيره (فقال) رسول الله - ﷺ -: (هذا) أي: خضاب الثالث (أحسن من هذا) أي: الأول والثاني كله).\nفيه بيان العالم الفاضل من المفضول، وأن المستحبات بعضها أفضل من بعض، وأن الأجر والثواب يتضاعف بتضاعف مراتب الفضل، والرجال الثلاثة لم أقف على تسميتهم.\n\n(١٩) (بَابُ مَا جَاءَ في خِضَابِ السَّوَادِ)\n٤٢١٢ - (حدثنا أبو توبة، نا عبيد الله، عن عبد الكريم (٤) الجزري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ثم مر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال: \".\n(٣) قال ابن القيم: الكتم نبت ينبت بالسهول، ورقه قريب من ورق الزيتون، وظن بعضهم أنه الوسمة، وهو وَهَم، انتهى. [انظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ٣٦٦، ٣٦٧)]. (ش).\n(٤) واختُلِفَ في عبد الكريم هذا، من هو؟ هل هو ابن المخارق أو غيره؟ راجع: \"الأوجز\" (١٧/ ٤٤). (ش).","vol":"12","page":237},{"text":"\"يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونُ في آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ\". [ت ٥٠٧٥، حم ١/ ٢٧٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>(٢٠) بَابُ مَا جَاءَ في الانْتِفَاعِ بِالْعَاجِ</span>\n٤٢١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عن حُمَيْدٍ الشَّامِيِّ، عن سُلَيْمَانَ الْمُنَبِّهِيِّ، عن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا سَافَرَ كَانَ آخِرَ عَهْدِهِ بِإنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةُ، وَأَوَّلَ مَنْ يدخلُ عَلَيْهَا إذَا قَدِمَ فَاطِمَةُ. فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ لَهُ، وَقَدْ عَلَّقَتْ\n===\nيكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد) يعني يخضبون الشعر الأبيض باللون الأسود (كحواصل الحمام) والمراد بالحوصلة: صدره (لا يريحون) بفتح الياء التحتانية، أي: لا يجدون ولا يشمُّون (رائحة الجنة) وفي الحديث تهديد شديد في خضاب الشعر بالسواد، وهو مكروه كراهة تحريم.\n\n(٢٠) (بابُ مَا جَاءَ في الانْتِفَاعِ بِالْعَاجِ)\n٤٢١٣ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن حميد الشامي) الحمصي، قال ابن عدي: يقال: حميد بن أبي حميد، مجهول.\n(عن سليمان المنبهيِّ) بنون، ثم موحدة مكسورة، وفي \"الخلاصة\" (١): بفتح الميم، وإسكان النون، يقال: اسم أبيه عبد الله، قال ابن معين: ما أعرفهما.\n(عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر كان آخرَ عهده) بالوداع (بإنسان من أهله فاطمةُ، وأولَ من يدخل عليها إذا قدم) من سفره (فاطمة) أي: كانت فاطمةُ أولَ من يدخل عليها (فقدم من غزاة له، وقد علَّقتْ\n_________\n(١) \"الخلاصة\" (ص ١٥٥).","vol":"12","page":238},{"text":"مِسْحًا أَوْ سِتْرًا عَلَى بَابِهَا. وَحَلَّتِ الْحُسَيْنَ وَالْحَسَنَ (١) قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَةٍ، فَقَدِمَ وَلَمْ (٢) يَدْخُلْ، فَظَنَّتْ أَنَّهُ إنَّمَا (٣) مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رَأَى، فَهَتَكَتِ السِّتْرَ، وَفَكَّتْ (٤) الْقُلْبَيْنِ عن الصَّبِيَّيْنِ وَقَطَعَتْهُ بَيْنَهُمَا (٥). فَانْطَلَقَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُمَا يَبْكِيَانِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا وَقَالَ: \"يَا ثَوْبَانُ، اذْهَبْ بِهَذَا إلَى آلِ فُلَانٍ\"- أَهْلِ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ - \"إنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلَ (٦) بَيْتِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا\n===\nمِسْحًا) هو الْبَلَاس المنسوج من الشعر (أو) (٧) للشك من الراوي (سترًا على بابها) أي: باب بيتها (وحلَّتِ) بفتح المهملة وتشديد اللام، أي: ألبست (الحسينَ والحسن قُلبين) بضم القاف، أي: سوارين (من فضة (٨)، فقدم) من الغزو (ولم يدخل) أي البيت.\n(فظنتْ) فاطمة (أنه إنما منعه أن يدخل ما رأى) على بابها من الستر (فهتكت السترَ، وفكَّت القلبين عن الصبيين) أي عن أيديهما (وقطعته) أي: القُلْبَ (بينهما، فانطلقا) أي الحسن والحسين (إلى رسول الله - ﷺ - وهما يبكيان) من أجل تفكيك القلبين عنهما (فأخذه منهما) فدفعه إلى ثوبان.\n(وقال: يا ثوبان! اذهب بهذا) أي الذي أخذه من الصبيين (إلى آل فلان أهل بيت) بدل من آل فلان (بالمدينة) شرفها الله تعالى (إن هؤلاء أهل بيتي، أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا) بل أحب أن لا ينتقصوا بشيء من\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الحسن والحسين\".\n(٢) في نسخة: \"فلم\".\n(٣) في نسخة بدله: \"أنَّ ما مَنَعَه\".\n(٤) في نسخة: \"فَكَّكَتْ\".\n(٥) في نسخة: \"منهما\".\n(٦) في نسخة: \"أهلي\".\n(٧) وفي \"الدر المنئور\" (٧/ ٤٤٨) عن أحمد والبيهقي بلفظ: \"مسح\" بدون الشك. انتهى. (ش).\n(٨) يجوز عند المالكية إلباسُ الصبيِّ الفضة، كذا قال الدردير (١/ ١٠٦)، انتهى. (ش).","vol":"12","page":239},{"text":"يَا ثَوْبَانُ، اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ، وَسِوَارينِ مِنْ عَاجٍ\". [حم ٥/ ٢٧٥]\n\nآخِرُ كِتَابِ التَّرَجُّلِ\n===\nطيبات الآخرة بأكلهم في الدنيا، ثم قال لثوبان: (يا ثوبان، اشتر لفاطمة) - ﵂ - (قلادة من عصب).\nقال الخطابي (١): إن لم يكن الثياب اليمانية فلا أدري ما هو؟ وما أرى أن القلادة تكون منه. وقال أبو موسى محمد الأصبهاني (٢): يحتمل عندي أن الرواية إنما هي العصَب بفتح الصاد، وهو أطناب مفاصل الحيوانات، فيحتمل أنهم كانوا يأخذون عصب بعض الحيوانات الطاهرة، فيقطعونه ويجعلونه شبه الخرز، فإذا يبس يتخذون منه القلائد، وإذا جاز أن يُتَّخذَ من عظام السلحفاة وغيرها الأسورةُ، جاز أن يُتَّخَذَ من عصب أشباهها خرز تنظم منه القلائد، ثم ذكر لي بعض أهل اليمن أن العصب سِنُّ دابة بحرية، يسمى فرس فرعون، يُتخذ منها الخرز، وغير الخرز، ونصاب السكين، وغيره، ويكون أبيض.\n(وسوارين من عاج) قال في \"القاموس\": العاج: الذَّبْلُ، والناقة اللَّيِّنَةُ الأَعْطَافِ، وعظمُ الفيل، والذبل بفتح الذال المعجمة وسكون الموحدة على وزن فلس، قال في \"القاموس\": والذبل: جلد السلحفاة البحرية، أو البرية أو عظامُ ظهرِ دابةٍ بحريةٍ، تُتَّخذُ منها الأسورة، والأمشاط.\nوعظم الفيل نجس عند الشافعي وإن ذُكِّيَ (٣)، وفي قول للشافعي: أنه طاهر، وعند أبي حنيفة طاهر.\n\nآخِرُ كِتَابِ التَّرَجُّلِ\n_________\n(١) \" معالم السنن\" (٤/ ٢١٢).\n(٢) انظر: \"المرقاة\" (٨/ ٢٤٨)، و\"المجموع المغيث\" (٢/ ٤٥٨).\n(٣) وهكذا عند أحمد، قال الموفق (١/ ٩٧، ٩٨): عظام الميتة نجس سواء كانت ما يؤكل =","vol":"12","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1620>(٢٨) أَوَّلُ كِتَابِ الْخَاتَمِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1621>(١) بَابُ مَا جَاءَ في اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ</span>\n٤٢١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ (١)، نَا عِيسَى، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:\n===\n\n(٢٨) (أَوَّلُ كِتَابِ الْخَاتَمِ)\nبفتح التاء، هو ما يُخْتَمُ به\n\n(١) (بَابُ مَا جَاءَ في اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ) (٢)\n٤٢١٤ - (حدثنا عبد الرحيم بن مطرف، نا عيسى) بن يونس، (عن سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن أنس بن مالك قال:\n_________\n= لحمه أو لا كالفيلة، ولا يطهر بحال، وهو مذهب مالك والشافعي، وكره عطاء والحسن عظام الفيلة، ورخص فيها ابن سيرين وغيره لهذا الحديث، ولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ والعظم من جملتها، والفيل لا يؤكل فهو نجس على كل حال، وأما الحديث فقال الأصمعي: العاج الذبل، ويقال: هو عظم ظهور السلحفاة البحرية، وذهب مالك إلى أن الفيل إن ذُكِّيَ فعظمه طاهر؛ لأن الفيل عنده مأكول ... إلخ، لكن الدردير صرَّح بكراهةِ العاج، أو كونِه نجسًا، وذكر الدسوقي اختلافَهم في كراهة التحريم أو التنزيه. [انظر: \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٩٤)]. (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"الرؤاسي\".\n(٢) في الخميس (١/ ٢٩): اتخاذه سنة ٧ هـ، أو في آخر السادسة، وانظر: \"الفتح\" (١٠/ ٣٢٥). (ش).","vol":"12","page":241},{"text":"\"أَرَادَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَكْتُبَ إلَىِ بَعْضِ الأَعَاجِمِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُمْ لَا يَقْرَؤونَ كِتَابًا إلَّا بِخَاتَمٍ، فَاتَّخَذ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشَ (١) فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ\". [خ ٥٨٧٢، م ٢٠٩٢، ن ٥٢٠١، حم ٣/ ١٦٨، جه ٣٦٤١، ت ٢٧١٨]\n٤٢١٥ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ. زَادَ: \"فَكَانَ في يَدِهِ حَتَّى قُبِضَ، وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، وَفِي يَدِ عُمَرَ حَتَّى قُبِضَ،\n===\nأراد رسول الله - ﷺ - أن يكتب إلى بعض الأعاجم) أي: من الملوك، بَيَّنه البخاري، ولفظه (٢): \"أراد أن يكتب إلى كسرى، وقيصر والنجاشي\" (فقيل له: إنهم لا يقرؤون) أي: لا يقبلون (كتابًا إلَّا بخاتم) أي: مختومًا بخاتم (فاتخذ) أي رسول الله - ﷺ - (خاتمًا من فضة) أي كلُّه (ونقش فيه) أي أمر بنقشه فَنُسِبَ إليه مجازًا (محمد رسول الله) (٣) - ﷺ -.\n٤٢١٥ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) بن عبد الله، (عن سعيد) بن إياس الجريري، (عن قتادة، عن أنس بمعنى حديث عيسى بن يونس. زاد) خالد: (فكان (٤) أي الخاتم (في يده) أي يد رسول الله - ﷺ - (حتى قُبِضَ، وفي يد أبي بكر حتى قُبِضَ، وفي يد عمر) - ﵁ - (حتى قُبِضَ،\n_________\n(١) في نسخة: \"نقشه\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٩٣٨)، وأيضًا أخرجه مسلم (٢٠٩٢)، والترمذي في \"الشمائل\" ح (٩٠).\n(٣) في ثلاثة أسطر كما في الروايات، وهل كان من فوق إلى أسفل، أو عكسه؛ مختَلَف فيه، كما في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٤٢). (ش).\n(٤) ظاهر ما في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٤٠): أن هذا الخاتم كان من هدية عمرو بن سعيد بن العاص، وذكر المناوي جمعًا من المحدثين قالوا بتعدد خواتمه ﵇. (ش).","vol":"12","page":242},{"text":"وَفِي يَدِ عُثْمَانَ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ بِئْرٍ إذْ سقَطَ في الْبِئْرِ، فَأَمَرَ بِهَا فَنُزِحَتْ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ\" [انظر سابقه]\n٤٢١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَا: نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ قَالَ: \"كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ - ﷺ - منْ وَرِقٍ فَصُّهُ حَبَشِيٌّ\". [خ ٥٨٦٨، م ٢٩٣، ت ١٧٣٩، حم ٣/ ٢٩٠، ن ٥١٩٦، جه ٣٦٤١]\n٤٢١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عن أنَسِ بْنِ\n===\nوفي يد عثمان) ست سنين، (فبينما هو عند بئر) أي بئر أريس، وهو معروف بقباء (إذ سقط (١) في البئر، فأمر بها) أي بالبئر (فَنُزِحَتْ) أي أخرج ماؤها، وطُلِبَ الخاتم (فلم يَقْدِرْ) بفتح الياء التحتانية وكسر الدال، أي عثمان (عليه) أي على الخاتم (٢).\n٤٢١٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن صالح قالا: نا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: حدثني أنس قال: كان خاتم النبي - ﷺ - من ورِق) بفتح الواو وكسر الراء، أي فضة (فصه حبيش) أي على الوضع الحبشي، أو صانِعُه حبشي، وعلى هذا لا مخالفة بينه وبين حديث \"فصه منه\"، وإن قلنا: إنه كان حجرًا أو جزءًا أو نحوه يكون بالحبشة يظهر المخالفة، وتدفع بالقول بتعدد الخاتم (٣)، كما نُقِلَ عن البيهقي.\n٤٢١٧ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا حميد الطويل، عن أنس بن\n_________\n(١) اختلف في أنه بيد من سقط؟ بسطه القاري في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٤٠). (ش).\n(٢) وسقوط الخاتم في البئر وقع بعد ست سنوات في خلافة عثمان ﵁، كما في \"سنن النسائي\" (٥٢١٧).\n(٣) ونقل القاري عن ميرك تعدُّدَه أيضًا. انظر: \"جمع الوسائل\" (١/ ١٤٠).","vol":"12","page":243},{"text":"مَالِكٍ قَالَ: \"كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ فِضَّةٍ كُلُّهُ، فَصُّهُ مِنْهُ\". [ت ١٧٤٠، ن ٥٢٠٠، حم ٣/ ٢٦٦]\n٤٢١٨ - حَدَّثَنَا نُصَيْرُ بْنُ الْفَرَجِ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الذَّهَبِ. فَلَمَّا رَآهُمْ قَدِ اتَّخَذُوهَا، رَمَى بِهِ وَقَالَ: \"لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا\". ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ لَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ لَبِسَهُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ، ثُمَّ لَبِسَهُ عُثْمَانُ،\n===\nمالك قال: كان خاتم النبي - ﷺ - من فضة كلُّه، فصه منه).\n٤٢١٨ - (حدثنا نصير بن الفرج، نا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتمًا من ذهب، وجعل فصه مما يلي) أي من جانب ما يتصل (بطنَ كَفِّه، ونقش فيه: محمد رسول الله)، وكان هذا قبل تحريم الذهب على الرجال.\n(فاتخذ الناس خواتيم الذهب، فلما رآهم) أي الصحابة (قد اتخذوها) أي خواتيم الذهب (رمى به) أي من يده (وقال: لا ألبسه أبدًا)، وليس المراد بالرمي التضييع، بل المراد دفعه إلى من ينتفع من النساء، أو ينتفع بثمنه من المساكين، (ثم اتخذ خاتمًا من فضة، نقش فيه: محمد رسول الله).\nقال بعضهم: يحتمل أن يكون نقش الكتابة فيه مقلوبة كما هي عادة الختوم، وقال بعضهم: بل كانت كتابة مستقيمة على العادة، وإذا ختم به يظهر الكتابة مستقيمة غير مقلوبة، وإن هذا من خصائصه - ﷺ -.\n(ثم لبس الخاتم بعده أبو بكر) في زمان خلافته، (ثم لبسه بعد أبو بكر عمرُ) في سني خلافته، (ثم لبسه) بعده (عثمان) في أول سني خلافته","vol":"12","page":244},{"text":"حَتَّى وَقَعَ في بِئْرِ أَرِيسٍ\" (١). [خ ٥٨٧٣، م ٢٠٩١، ت ١٧٤١، حم ٢/ ١٨، ن ٥٢١٦]\n٤٢١٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ في هَذَا الْخَبَرِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: \"فَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ\"، وَقَالَ: \"لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى خَاتَمِي (٢) هَذَا\"، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ. [م ٢٠٩١، تم ٩٢، ن ٥٢١٦، جه ٢٦٣٩، حم ٣/ ٢٢]\n٤٢٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْخَبَرِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -\n===\n(حتى وقع في بئر أريس) (٣).\n٤٢١٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نَا سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر) المتقدم، (عن النبي - ﷺ - (وفيه (فنقش فيه: محمد رسول الله) - ﷺ - (وقال: لا ينقش أحد على) نقش (خاتمي هذا) أي لا ينقش أحد مثل نقشه؛ لأنه يلتبس (٤) الخواتيم، ويرتفع الخصوصية، وحصلت المفسدة العامة (ثم ساق الحديث).\n٤٢٢٠ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا أبو عاصم، عن المغيرة بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر بهذا الخبر، عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ولم يختلف الناس على عثمان، حتى سقط الخاتم من يده\".\n(٢) في نسخة: \"نقش خاتمي\".\n(٣) قال المناوي في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٤٦): نسبة إلى رجل من يهود اسمه أريس، وهو الفلاح بلغة أهل الشام.\n(٤) قال ابن جماعة والزين العراقي: يظهر أن النهي خاص بحياته، فقول القرطبي: لا يجوز لمن كان اسمه محمد النقش عليه مطلقًا في حيز المنع، نعم: لو قيل: يمنع النقش على اسم الإمام مطلقًا لوجود العلة لم يبعد، كذا في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٥٣) للمناوي. (ش).","vol":"12","page":245},{"text":"قَالَ: \"فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَاتَّخَذَ عُثْمَانُ خَاتَمًا، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ، أَوْ يَتَخَتَّمُ بِهِ\". [ت ٥٢١٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1622>(٢) بَابُ مَا جَاءَ في تَرْكِ الْخَاتَمِ</span>\n٤٢٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ، عن إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (١): \"أَنَّهُ رَأَى في يَدِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، فَصَنَعَ النَّاسُ فَلَبِسُوا، وَطَرَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَطَرَحَ النَّاسُ\". [خ ٥٨٦٨، م ٢٠٩٣، حم ٦/ ٢٠٣]\n===\nقال: فالتمسوه) أي الخاتم في بئر أريس بنزح مائه، وإخراج ترابه (فلم يجدوه، فاتخذ عثمان خاتمًا) جديدًا (ونقش فيه: محمد رسول الله) - ﷺ -.\n(قال) ابن عمر: (فكان يختم به، أو) للشك من الراوي (يتختم به) فمعنى \"يختم به\"، أي على الكتاب، ومعنى \"يتختم به\"، أي يلبسه في إصبعه، وفي رواية النسائي زيادة، ولفظه: \"وفي يد عثمان ست سنين من عَمَلِه، فلما كثرت عليه [الكتب] دفعه إلى رجل من الأنصار، فكان يختم به، فخرج الأنصاري إلى قليب لعثمان فسقط، فالتمس فلم يوجَدْ\".\n\n(٢) (بَابُ مَا جَاءَ في تَرْكِ الْخَاتَمِ) (٢)\n٤٢٢١ - (حدثنا محمد بن سليمان لوين، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: أنه رأى في يد النبي - ﷺ - خاتمًا من ورق يومًا واحدًا، فصنع الناس فلبسوا، وطرح النبي - ﷺ - فطرح الناس).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أخبره\".\n(٢) وقد تقدَّم النهي عنه إلَّا لذي سلطان، ثم إنه قد اختُلِفَ في اتخاذِ الخاتم وتركِه على أقوال، كما في \"شرح الشمائل\" للمناوي (١/ ١٣٧)، ندب للسنَّة عند المالكية، كذا قال الدردير (١/ ١٠٧). (ش).","vol":"12","page":246},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عن الزُّهْرِيِّ: زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَشُعَيْبٌ وَابْنُ مُسَافِرٍ، كُلُّهُمْ قَالَ (١): \"مِنْ وَرِقٍ\".\n===\n(قال أبو داود: رواه عن الزهري: زياد بن سعد، وشعيب، وابن مسافر (٢) كلهم قال: من ورق).\nقال القرطبي: هذا الحديث من رواية ابن شهاب عن أنس قال: وهو وهم من ابن شهاب عند جميع أهل الحديث، وإنما اتفق ذلك للنبي - ﷺ - في خاتم الذهب. قال النووي (٣): يحتمل أنهم لما علموا أن رسول الله - ﷺ - يصطنع لنفسه خاتم فضة، وبقيت معهم خواتيم الذهب كما هي مع النبي - ﷺ - إلى أن طرح (٤) خاتم الذهب، واستبدل الفضة، فطرحوا الذهب، واستبدلوا الفضة، حكاه ابن رسلان.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"رواه عن الزهري زياد بن سعد إلى آخره\"، أراد بذلك نفي الغلط عن أحد من تلامذة الزهري؛ لتتعين نسبة الغلط إلى الزهري، وهذه الرواية غَلَّطوا الزهريَّ فيها حيث أثبت الطرح لخاتم الورِق؛ مع أن الروايات متظاهرة على أن المطروح إنما هو خاتم الذهب لا الورِق، والجواب أن في\n_________\n(١) في نسخة: \"قالوا\".\n(٢) رواية زياد بن سعد أخرجه أحمد (٣/ ٢٠٦)، ومسلم (٢٠٩٣)، وأبو عوانة (٥/ ٤٩٠)، وابن حبان (١٢/ ٣٠٤) رقم (٥٤٩٢)، وفيه: \"من ورق\"، ووقع عند ابن حبان: \"من ذهب\". وأخرجه البخاري تعليقًا (٥٨٦٨).\nورواية شعيب بن أبي حمزة أخرجها أحمد (٣/ ٢٢٥)، وأبو عوانة (٥/ ٤٩٠)، وعلقها البخاري في \"صحيحه\" (٥٨٦٨)، ورواية ابن المسافر علقها البخاري في \"صحيحه\" (٥٨٦٨).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٢٠)، وانظر: \"الفتح\" (١٠/ ٣١٩، ٣٢٠).\n(٤) ووجَّه القاري في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٣٩) عن البغوي: أنه طرحه خوفًا عليهم من التكبر والخيلاء، أو المطروح خاتم حديد الملوي عليه فضة، وبسطه. (ش).","vol":"12","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1623>(٣) بَابُ مَا جَاءَ في خَاتَمِ الذَّهَبِ</span>\n٤٢٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ الرُّكَيْنَ بْنَ الرَّبِيعِ يحدث، عن الْقَاسِم بْنِ حَسَّانَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقولُ: \"كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - يَكْرَهُ عَشْرَ خِلَالٍ: الصُّفْرَةَ، - يَعْنِي الْخَلوقَ -، وَتَغْييرَ الشَّيْبِ، وَجَرَّ الإزَارِ، وَالتَّخَتُّمَ بِالذَّهَبِ، وَالتَّبَرُّجَ بِالزِّينَةِ لِغَيْرِ مَحَلِّهَا، وَالضَّرْبَ بِالْكِعَابِ،\n===\nرواية الزهري اختصارًا أخلَّ بالمقصود، ولم يقصد ما يتبادر الذهنُ إليه، بل المعنى: وقد كان النبي - ﷺ - وأصحابه طرحوا خواتيمهم قبل ذلك، وهي خواتيم الذهب؛ إلا أنه حذف ما يدل على أنه كان قبل اتخاذ خاتم الورق، فاشتبه الأمر.\n\n(٣) (بَابُ مَا جَاءَ في خَاتَمِ الذَّهَبِ) (١)\n٤٢٢٢ - (حدثنا مسدد، نا المعتمر قال: سمعت الركين بن الربيع يحدث، عن القاسم بن حسان، عن عبد الرحمن بن حرملة، أن ابن مسعود كان يقول: كان نبي الله - ﷺ - يكره عشر خلال: الصفرة - يعني الخَلوق -، وتغييرَ الشيب) أي بالسواد، (وجرَّ الإزار) أي إرسالَها عن الكعبين، (والتختمَ بالذهب) أي للرجال، (والتبرجَ بالزينة لِغير محلها) أي إظهار الزينة للنساء لغير الزوج، (والضربَ بالكعاب) وهي فصوص النرد، واحدها: كعب وكعبة، واللعب بها حرام، وكرهها عامة الصحابة، وقيل: كان ابن مغفل يفعله مع امرأته على غير قمار، وقيل: رخص فيه ابن المسيب على غير قمار أيضًا، انتهى (٢). قلت: واللعب بها عند الحنفية مكروه، ويدخل فيه النرد والفجار والشطرنج.\n_________\n(١) الأئمة الأربعة على تحريمه خلافًا لابن حزم، وذهب جمع من الصحابة والتابعين إلى إباحته، كذا في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٥٥). (ش).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ١٩١) ح (٤٣٩٧).","vol":"12","page":248},{"text":"وَالرُّقَى إلَّا بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَعَقْدَ التَّمَائِم، وَعَزْلَ الْمَاءِ لِغَيْرِهِ أَوْ غَيْرِ مَحَلِّهِ أَوْ عن مَحَلِّهِ، وَفَسَادَ الصَّبِيِّ غَيْرَ مُحَرِّمِهِ\" (١). [ن ٥٠٨٨، حم ١/ ٣٨٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>(٤) بَابُ مَا جَاءَ في خَاتَمِ الْحَدِيدِ</span>\n٤٢٢٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، الْمَعْنَى، أَن زيدَ بْنَ الْحُبَاب أَخْبَرَهُمْ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ السُّلَمِيِّ الْمَرْوَزِيِّ أَبِي طَيْبَةَ،\n===\n(والرُّقى إلَّا بالمعوذات) من المعوذتين وغيرهما مما ورد به الشريعة في الكتاب والسنَة، (وعقدَ التمائم) جمع تميمة، وهي الخرزات، كانت العرب تعلقها على أولادهم، (وعزل الماء لغيره أو غير محله) والمراد بالنهي عن عزل الرجل في الوطء عن فرج زوجته الحرة، وأما العزل في أمته الموطوءة فإنه غير مكروه له، سواء رضيت الأمة أم لا؛ لأن عليه في حملها ضررًا؛ لكون الأمة إذا علقت منه صارت أمَّ ولدٍ (أو عن محله، وفسادَ الصبي) أي بالغَيْلِ، وهي الجماع قبل أوان الفطام (غير محرمه) حال مِنْ: يكره.\nوالمراد أن النهي في فساد الصبي ليس هو على طريق الحرمة بل بالكراهة؛ بأن فيه كراهة تنزيه، فلا يعود ضمير \"غير محرمه\" إلَّا إلى فساد الصبي فقط (٢).\n\n(٤) (بَابُ مَا جَاءَ في خَاتَمِ الْحَدِيدِ)\n٤٢٢٣ - (حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمَة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (أن زيد بن الحباب أخبرهم، عن عبد الله بن مسلم السُّلَمي المروزي أبي طيبة) بفتح الطاء المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة، قاضي مرو، قال أبو حاتم: يُكتبَ حديثه، ولا يُحتَجّ به،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: انفرد بإسناد هذا الحديث أهلُ البصرة\".\n(٢) ونقل القاري في \"المرقاة\" (٨/ ١٩١) عن \"جامع الأصول\": أنه ﵇ كره جميع هذه الخصال، ولم يبلغ حد التحريم. فقوله: \"غير محرمة\" راجع إلى الجميع.","vol":"12","page":249},{"text":"عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ، فَقَالَ لَهُ: \"مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الأَصْنَامِ؟ \"، فَطَرَحَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: \"مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ؟ \"، فَطَرَحَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مِنْ أَيِّ شَيءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: \"اِتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ، وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا\"\n===\nوذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، ويخالف، قلت: وأخرج له في \"صحيحه\" حديثًا انفرد به عن عبد الله بن بريدة عن أبيه في الخاتم.\n(عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب: (أن رجلًا) لم أقف على اسمه (جاء إلى النبي - ﷺ -، وعليه خاتم من شَبَهٍ) بفتح المعجمة والموحدة، ضرب من النحاس يشبه الذهب، (فقال) النبي - ﷺ - (له: ما لي أجد منك ريحَ الأصنام؟ فطرحه) قال الخطابي (١): إنما قال ذلك لأن الأصنام كانت تُتَّخَذُ من الشَّبَهِ.\n(ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: ما لي أراك حلية أهل النار؟) قال الخطابي: أي زي الكفار، وهم أهل النار؛ لأن سلاسلهم وأغلالهم في النار الحديدُ، (فطرحه، فقال: يا رسول الله! من أي شيء أتخِذه؟ قال: اتخِذْه من ورق، ولا تُتِمَّه مثقالًا).\nقال ابن رسلان: قال البغوي: النهي عن خاتم الحديد ليس نهي تحريم؛ لما روى البخاري (٢) ومسلم عن سهل بن سعد في الصداق أنه - ﷺ - قال: \"التمس ولو خاتمًا (٣) من حديد\"، وقال أصحابنا: لا يكره خاتم النحاس، والرصاص،\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢١٤).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥١٣٥)، و\"صحيح مسلم\" (١٤٢٥).\n(٣) لكن قال الحافظ: لا حجة فيه لأنه لا يلزم من الاتحاد جواز اللبس. [انظر: \"الفتح\" (١٠/ ٣٢٣)]، انتهى، وتكلموا على حديث الباب (حديث بريدة)، لكن قال المناوي في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٣٩): لا ينزل عن درجة الحسن، وذكر العيني (١٥/ ٧٢) روايات أُخر في المنع، وقال ابن العربي في \"شرح الترمذي\" (٧/ ٢٧٩): الأحاديث في ذلك صحاح، وإن لم يكن في \"الصحيح\"، ويعضده الإجماع على تركه عملًا، انتهى. (ش).","vol":"12","page":250},{"text":"وَلَمْ يَقُلْ مُحَمَّدٌ: عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَقُل الْحَسَنُ: السُّلَمِيِّ الْمَرْوَزِيِّ. [ت ١٧٨٥، حم ٥/ ٣٥٩]\n٤٢٢٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادُ بْنُ يَحْيَى وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالُوا: نَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ أَبُو عَتَّابٍ قَالَ: نَا أَبُو مَكِينٍ نُوحُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي إيَاسٌ\n===\nولا الحديد على الأصح (١)، ولا يحل لبس خاتم ثقيل يزيد على مثقال (٢).\n(ولم يقل محمد) بن عبد العزيز شيخ المصنف: (عبدِ لله بن مسلم) بل ذكره بكنيته، (ولم يقل الحسن) بن علي شيخ المصنف: (السلمي المروزي) بل ذكر: عبد الله بن مسلم أبي طيبة فقط، وترك النسبة.\n٤٢٢٤ - (حدثنا ابن المثنى وزياد بن يحيى والحسن بن علي قالوا: نا سهل بن حماد أبو عتاب قال: نا أبو مكين نوح بن ربيعة قال: حدثني إياس) بن الحارث بن المعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، حجازي، روى عن\n_________\n(١) قال البيجرمي (٢/ ٣٣٧): لا يكره خاتم الرصاص والنحاس والحديد على الأصح، انتهى.\nويكره التختم بالحديد عند المالكية \"الدسوقي\" (١/ ١٠٨)، وفي \"نيل المآرب\" (١/ ٦١): يكره تختمهما أي الرجل والمرأة بالحديد والرصاص والنحاس، أما الدملوج الحديد فجوَّزه أبو الخطاب وخالفه ابن الزعفراني، وهكذا في \"الشامي\" (٩/ ٥١٨) عن \"الجوهرة\" و\"شرح الشمائل\" للقاري (١/ ١٤٨)، وفي \"الهداية\" (٢/ ٣٦٧): حرام، وفي \"البدائع\" (٤/ ٣١٧): مكروه للرجال والنساء جميعًا، وفي \"الكوكب الدري\" (٢/ ٤٥٢): يجوز للمرأة. (ش).\n(٢) وحكى القاري في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٤٨) اختلاف الشافعية في الزيادة على المثقال، ولم يذكر مذهبنا، وفي \"نيل المآرب\": يباح للذكر الخاتم من الفضة ولو زاد على مثقال، وحكاه القاري (١/ ١٤٩) عن \"شرح الطحاوي\"، وفي \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٧٧): لم يتعرض الأصحاب بمقداره، ولعلهم اكتفوا على العرف، ويحرم عند المالكية الزائد على الدرهمين، كذا قال الدردير (١/ ١٠٧). (ش).","vol":"12","page":251},{"text":"- وَجَدُّهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ أَبُو ذُبَابٍ -، عن جَدِّهِ قَالَ: \"كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٌّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ. قَالَ: فَرُبَّمَا كَانَ في يَدِي. قَالَ: وَكَانَ الْمُعَيْقِيبُ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ - ﷺ -\". [ت ٥٢٠٥]\n٤٢٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نَا عَاصِمُ بْنُ\n===\nجده معيقيب، وعن جده لأمه ابن أبي ذباب، وروى عنه أبو مكين نوح بن ربيعة، له عند أبي داود والنسائي حديث واحد في ذكر الخاتم، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(وجده من قبل أمه أبو ذباب)، وهذه جملة معترضة أدخلت لبيان أن له جدين، أحدهما جده من قبل أبيه، وهو المعيقيب الذي يروي عنه هذا الحديث، وآخر جده من قبل أمه، وهو أبو ذباب، فذكره معترضًا ليظهر أنه آخر، وليس هو معطوفًا على إياس بن الحارث، كما يتراءى من ظاهر لفظه؛ فعلى هذا يكون معناه أن نوح بن ربيعة قال: حدثني إياس بن الحارث، وجده من قبل أمه أبو ذباب قالا: حدثنا معيقيب، وليس لأبي ذباب ذكر وترجمة في \"الإصابة\"، ولا في \"تهذيب التهذيب\"، ولا في \"الكاشف\"، ولا \"الخلاصة\"، ولا \"تقريب التهذيب\".\n(عن جده) والد أبيه، وهو المعيقيب (قال: كان خاتم النبي - ﷺ - من حديد مَلْوِيٌّ) أي معطوف (عليه فضة، قال) معيقيب: (فربما كان في يدي، قال) أي إياس أو غيره من الرواة: (وكان المعيقيب على خاتم النبي - ﷺ -) أي أمينًا عليه، قيل: هذا الحديث أجود إسنادًا مما قبله؛ لأن في إسناد الأول عبد الله بن مُسْلم، وهو متكلَّم فيه، وهذا الحديث يعضده حديث: \"التمس لي ولو خاتمًا من حديد\"، وقيل: إن كان المنع محفوظًا يُحمَلُ على ما إذا كان حديدًا صرفًا، وها هنا بالفضة التي لُوِيَتْ عليه ترتفع الكراهة (١).\n٤٢٢٥ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا عاصم بن\n_________\n(١) صرَّح بذلك ابن عابدين (٩/ ٥١٩). (ش).","vol":"12","page":252},{"text":"كُلَيْبٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -: \"قُلِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهِدَايَةِ هِدَايَةَ الطَّرِيقِ، وَاذْكُرْ بِالسَّدَادِ تَسْدِيِدَكَ السَّهْمَ\"\n===\nكليب، عن أبي بردة، عن علي) بن أبي طالب (قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: قل: اللَّهُمَّ اهدني، وسَدِّدْني، واذكر بالهداية) في قلبك (هدايةَ الطريق) كما أن الطريق يسلك في وسطها، ولا يميل السالك إلى اليمين والشمال، ولو مال، لم يبلغ المقصود، كذلك تذكر بالهداية أن بلوغ المقصود موقوف على الاستقامة فيه.\nوكذا (واذكر بالسداد تسديدَكَ السهمَ) أي استواءه واستقامته، فكذلك يسددني الله سبحانه، ويقممني بأن لا يبقى فيَّ اعوجاجٌ، كما لا يكون في السهم.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"واذكر بالهداية هداية الطريق\" إنما أمره بذلك ليكون أجمع لوساوس القلب، وأيضًا فإن الفكر في المحسوسات أجرى منه في المعقولات، فنبه أن يتصور عند دعائه هدايةَ الطريق وسدادَ السهم، لئلا يخطر بباله غيرهما مما هو دونهما في حصول هذين المطلوبين.\nوفيه إشارة إلى جواز تصور الشيخ، فإن الشيخ ليس أقلَّ مرتبةً عند الله من السهم والطريق، لا سيما عند معتقديه، كيف وفيه جمع للخواطر ولو إلى جهة أسفل من التي يجب إرجاعها إليها، وهو الواجب تعالى شأنه، ولا ضير أيضًا في حبه إياه عند التصور، نعم يضره أن يتصور شيخه متصرفًا في أمر باطنه حين التصور، أو حاضرًا لديه، أو عالمًا بحاله، ولذلك اختلفت فيه الشيوخ، ولعل النزاع بينهما لفظي، فمن جوَّزه أراد الأول، ومن منعه أراد الثاني؛ إلَّا أن العلماء لما رأوا أنه منجر إلى فساد عقائد العوام أطلقوا فيه المنع، وهو الحق حسب اقتضاء المقام، فكم من مستحب صار حرامًا لعارضٍ مَّا، فكيف بما كان مباحًا، انتهى.","vol":"12","page":253},{"text":"قَالَ: وَنَهَانِي أَنْ أَضَعَ الْخَاتَمَ في هذِهِ أَوْ في هذِهِ لِلسَّبَابَةِ (١) وَالْوُسْطَى - شَكَّ عَاصِمٌ - وَنَهَانِي عن الْقَسِّيَّةِ وَالْمِيثَرَةِ\". [م ٢٧٢٥، ت ١٧٨٦، ن ٥٣٧٦، جه ٣٦٤٨، حم ١/ ١٠٩، خت ٥٨٣٨]\nقَالَ أَبُو بُرْدَة: فَقُلْنَا لِعَلِيٍّ: مَا الْقَسِّيَّةُ؛ قَالَ: ثِيَابٌ (٢) تَأْتِيْنَا مِنَ الشَّامِ أَو مِنْ مِصْرَ، مُضَلَّعَةٌ فِيهَا أَمْثَالُ الأُتْرُجِّ. قَالَ: وَالْمِيثَرَةُ: شَيْءٌ كَانَتْ تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ.\n===\n(قال: ونهاني أن أضع الخاتم في هذه أو في هذه) يعني (للسبابة والوسطى) (٣)، قال النووي (٤): يكره جعلُ الخاتم في الوسطى والتي يليها لهذا الحديث، وأجمع المسلمون على جعل الخاتم في الخنصر، (شك عاصم (٥)، ونهاني عن القسية، والميثرة) (٦) بكسر الميم وسكون الهمزة.\n(قال أبو بردة: فقلنا لعلي) - ﵁ -: (ما القسية؟ قال: ثياب تأتينا من الشام أو من مصر، مضلعة (٧) فيها أمثال الأترج). وقد تقدم أن علة النهي فيها أنها من الحرير، فالنهي للتحريم (قال: والميثرة: شيء كانت تصنعه النساء لبعولتهن) فالنهي فيه للتنزيه لكونه من زيِّ العجم.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"في السبابة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"كانت\".\n(٣) وفي \"الكوكب الدري\" (٢/ ٤٥٣): ليس هذا إجازة لجعله في غيرهما، بل التختم إنما هو في الخنصر لا غير، انتهى. ونحوه في \"الشامي\" (٩/ ٥١٩)، وحكى المناوي (١/ ١٥٢) عن النووي الإجماع على سنية جعله في الخنصر، وقال: ورد النهي عن السبابة والوسطى، ولم يرد شيء في الإبهام والبنصر، وفي \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٣٧): يكره في غير الخنصر. (ش).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٢٢).\n(٥) وظاهر ما في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٤٩) أنه ليس بشك، بل نهى عنهما معًا، وكذا في \"النسائي\" برواية عاصم، انتهى. [انظر: \"سنن النسائي\": (٥٢١٠)]. (ش).\n(٦) من وثر وثارة فهو وثير، أي: وطيء لين، وُيتَّخَذُ كالفراش الصغير. \"مجمع\" (٥/ ١٥). (ش).\n(٧) أي فيها خطوط عريضة كالأضلاع، جمع ضلع الحيوان. \"مجمع\" (٣/ ٤١٥). (ش).","vol":"12","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1625>(٥) بَابُ مَا جَاءَ في التَّخَتُّمِ في الْيَمِينِ أَوِ الْيَسَارِ</span>\n٤٢٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عن شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عن إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن عَليٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ شَرِيكٌ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَتَخَتَّمُ في يَمِينِهِ\" (١). [تم ٩٣، ن ٥٢٠٣]\n٤٢٢٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي أَبِي، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عن نَافِعٍ، عن ابْن عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَتَخَتَّمُ في يَسَارِهِ، وَكَانَ فَصُّهُ في بَاطِنِ كَفِّهِ\". [ق ٤/ ١٤٣]\n===\n\n(٥) (بَابُ مَا جَاءَ في التَّخَتُّمِ في الْيَمِينِ أَوِ الْيَسَارِ) (٢)\n٤٢٢٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي، عن النبي - ﷺ -) وهو مسند (قال شريك: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن النبي - ﷺ -) وهو مرسل (كان يتختم في يمينه).\n٤٢٢٧ - (حدثنا نصر بن علي، حدثني أبي، نا عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان يتختم في يساره، وكان فصه) مما يلي (في باطن كفه).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كان أبو داود لا يقرأ هذا الحديث، ثم قرأ بعد\".\n(٢) وفي \"نيل المآرب\" (١/ ٦١): وجعله بخنصر يسار أفضل من يمنى، وإنما كان في الخنصر لكونها طرفًا فهو أبعد من الامتهان فيما تتناوله اليد، ويجعل فصه مما يلي كفه، وكره لبسه بسبابة ووسطى، انتهى.\nوحكى القاري في \"جمع الوسائل\" (١/ ١٤٩، ١٥٠) عن مالك استحباب اليسار وكراهة اليمنى، وعن الشافعية وجهين، الصحيح أن اليمنى أفضل، وقال المناوي (١/ ١٥٠): روي اليمنى عن تسعة من الصحابة، واليسار عن ثلاثة. وفي \"الدردير\" (١/ ١٠٧، ١٠٨): السنة اليسار، قال الدسوقي: لأنه آخر الفعلين عنه - ﷺ -. (ش).","vol":"12","page":255},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَأُسَامَةُ - يَعْنِي ابْنَ زيدٍ -، عن نَافِعٍ بِإسْنَادِهِ: \"في يَمينِهِ\".\n===\nقال في \"فتح الودود\": وقد صَحَّ تَخَتُّمُه - ﷺ - في اليمين واليسار جميعًا، فقال بعضهم: يجوز الوجهان، واليمين أفضل؛ لأنه زينة، واليمين بها أولى، وقال آخرون بنسخ اليمين؛ لما جاء في بعض الروايات الضعيفة: \"أنه تختم أولًا في اليمين، ثم حَوَّل إلى اليسار\"، ومنهم من يرى الوجهين مع ترجيح اليسار: إما لهذا الحديث، أو لأنه إذا كان التختم في اليسار يكون أخذُه وقت اللبس والشرعُ باليمين، والوجهُ القولُ بجواز الوجهين.\nقلت: ولكن علماء الأحناف منعوا عن التختم في اليسار؛ لما صار ذلك شعارًا لأهل البدع من الرافضة (١)، وقد حرم التشبه بأهل الأهواء كما حرم بالكفرة، وذلك لأن العلماء وإن اختلفوا في تكفير هؤلاء الفرق إلَّا أنهم متفقون على تفسيقهم، والتزي بزي الفساق لا يجوز.\n(قال أبو داود: قال ابن إسحاق وأسامة - يعني ابن زيد -، عن نافع بإسناده: في يمينه).\nحاصله: أن عبد العزيز بن أبي رواد روى عن نافع عن ابن عمر: \"أنه - ﷺ - يتختم في يساره\"، قال محمد بن إسحاق صاحب المغازي: وأما أسامة يعني ابن زيد الليثي فيروي عن نافع بإسناده: \"في يمينه\"، أي يتختم في يمينه، فخالف أسامةُ ينُ زيد عبدَ العزيز بنَ أبي روادٍ، ثم أخرج حديث عبيد الله عن نافع بإسناده في تقوية حديث عبد العزيز (٢).\n_________\n(١) كذا في \"الكوكب\" (٢/ ٤٤٨)، ويظهر من \"الدر المختار\" (٩/ ٥١٩) أن شعارهم اللبس في اليمين كان وبان، فتأمل. (ش).\n(٢) لعلَّ الشيخ - ﵀ - سبق قلمه، حيث توهم عبارته أن عبد العزيز رواه عن نافع: \"في يساره\"، وأما محمد بن إسحاق فيقول: إن أسامة يروي عن نافع: \"في يمينه\"، وليس كذلك، بل محمد بن إسحاق وأسامة كلاهما يرويان عن نافع: \"في يمينه\"، وكلاهما يخالفان عبد العزيز، لا أن أسامة فقط يخالفه.\nورواية محمد بن إسحاق أخرجها أبو الشيخ الأصفهاني في \"أخلاق النبي - ﷺ -\" =","vol":"12","page":256},{"text":"٤٢٢٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عن عَبْدَةَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ: \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمَهُ في يَدِهِ الْيُسْرَى\". [ق ٤/ ١٤٢]\n٤٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، نَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ: \"رَأَيْتُ عَلَى الصَّلْتِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب خَاتَمًا في خِنْصَرِهِ الْيُمْنَى، فَقُلْتُ: مَا هذَا؟ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَلبَسُ خَاتَمَهُ هكَذَا، وَجَعَلَ فَصَّهُ عَلَى ظَهْرِهَا (١). قَالَ: وَلَا يُخَالُ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَّا قَدْ كَانَ يَذْكُرُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمَهُ كَذَلِكَ\". [ت ١٧٤٢، تم ٩٨]\n===\n٤٢٢٨ - (حدثنا هناد، عن عبدة، عن عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر) -﵁ - (كان يلبس خاتمه في يده اليسرى) فلو كان ابن عمر - ﵁ - رأى رسولَ الله - ﷺ - يتختم في يمينه لم يلبس خاتمه في يده اليسرى! .\n٤٢٢٩ - (حدثنا عبد الله بن سعيد، نا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: رأيت على الصلت بن عبد الله بن نوفل) بن الحارث (بن عبد المطلب خاتمًا في خنصره اليمنى، فقلت: ما هذا؟ قال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا، وجعل فصه على ظهرها، قال: ولا يُخالُ (٢) ابنُ عباس إلَّا قد كان يذكر: أن رسول الله - ﷺ - كان يلبس خاتمه كذلك) أي في خنصره اليمنى، وجعل فصه على ظهرها، قال العلماء: حديث الباطن أصح وأكثر، وهو الأفضل (٣)، كذا في \"مرقاة الصعود\".\n_________\n= (ص ١٣٣)، ورواية أسامة بن زيد أخرجها ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٤٧٠)، وأبو الشيخ في \"أخلاقه\" (ص ١٣٣).\n(١) في نسخة: \"ظاهرها\".\n(٢) ولفظ الترمذي في \"الجامع\" (٢/ ١٧٤)، و\"الشمائل\" (٩٨): \"ولا أَخَالهُ إلا قال: كان رسول الله - ﷺ - يتختَّم في يمينه\". (ش).\n(٣) وبأفضليته جزم القاري والمناوي (١/ ١٥٢). (ش).","vol":"12","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1626>(٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْجَلَاجِلِ</span>\n٤٢٣٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ (١) وَإبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَا: نَا حَجَّاجٌ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ: ابْنِ الزُّبَيْرِ - أَخْبَرَهُ: أَنَّ مَوْلَاةً لَهُمْ ذَهَبَتْ بِابْنَةِ الزُّبَيْرِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب وَفِي رِجْلِهَا (٢) أَجْرَاسٌ، فَقَطَعَهَا عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إنَّ مَعَ كُلِّ جَرَسِ شَيْطَانًا\".\n===\nوقال ابن رسلان: يجوز أن يكون فعل ذلك في وقتٍ لبيان الجواز، وأكثر أوقاته مما يلي باطن كله، وفي هذا الجمعُ بين حديثي الصحيحين؛ فإن الترمذي أخرج هذا الحديث، وقال البخاري: حديث محمد بن إسحاق عن الصلت بن عبد الله حديث حسن.\n\n(٦) (بَابُ مَا جَاءَ في الْجَلَاجِلِ)\n٤٢٣٠ - (حدثنا علي بن سهل وإبراهيم بن الحسن قالا: نا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عمر بن حفص، أن عامر بن عبد الله، قال علي بن سهل) شيخ المصنف: (ابن الزبير) أي: عامر بن عبد الله بن الزبير، ولم يزد إبراهيمُ الشيخُ الثاني للمصنف لفظ \"ابن الزبير\" (أخبره: أن مولاةً لهم ذهبت بابنة الزبير إلى عمر بن الخطاب، وفي رجلها) أي: رجليها (أجراس) جمع جرس، وهو الجلجل الصغير الذي يعلق في أعناق الدواب (فقطعها عمر) - ﵁ -، وفيه تغيير المنكر للحاكم بيده.\n(ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن مع كل جرس شيطانًا) وظاهر اللفظ العمومُ، فيدخل فيه الجرس الكبير والصغير، ويدخل فيه الجرس المتَّخَذ من نحاس، أو حديد، أو الذهب، أو الفضة، والحاصل: أن كل حلية لها صوت فهي في حكم الجرس، لا يجوز لبسُها للنساء، ولا إلباسُها للبنات الصغار.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الرملي\".\n(٢) في نسخة: \"رجليها\".","vol":"12","page":258},{"text":"٤٢٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، نَا رَوْحٌ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عن بُنَانَةَ مَوْلَاةِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حَسَّانَ (١) الأَنْصَارِيِّ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: بَيْنَمَا هِيَ عِنْدَهَا إذْ دُخِلَ عَلَيْهَا بِجَارِيَةٍ، وَعَلَيْهَا جَلاجِلُ يُصَوِّتْنَ، فَقَالَتْ: لَا تُدْخِلْنَهَا عَلَيَّ إلَّا أَنْ تَقْطَعُوا (٢) جَلَاجِلَهَا، وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ (٣): \"لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ\". [حم ٦/ ٢٤٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>(٧) بَابُ مَا جَاءَ في رَبْطِ الأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ</span>\n٤٢٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ\n===\n٤٢٣١ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم، نا روح، نا ابن جريج، عن بنانة) بضم الباء الموحدة وتخفيفِ النون (مولاةِ عبدِ الرحمن بن حسان الأنصاري) قال الحافظ ابن حجر: لا تُعْرَفْ.\n(عن عائشة) - ﵂ - (قالت: بينما هي) أي بنانة (عندها) أي عند عائشة (إذ دُخِلَ عليها) أي على عائشة (بجارية) صغيرة (وعليها جلاجل يصوتن، فقالت) عائشة: (لا تدخلنها عليَّ إلَّا أن تقطعوا جلاجلها) عنها. (وقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جرس).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"بيتًا فيه جرس\"، ومن الواجب أن يعلم أن هذه الكراهة فيما كان وضعه كذلك، وأما ما ليس بموضوع للصوت والجرس فلا يحرم، وإن لزم فيه التصويت أحيانًا، كما يشاهَدُ في حلي النساء إذا أكثرن منها.\n\n(٧) (بَابُ مَا جَاءَ في رَبْطِ الأسْنَانِ بالذَّهَبِ)\n٤٢٣٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله\n_________\n(١) في نسخة: \"حيان\".\n(٢) في نسخة: \"تقطعن\".\n(٣) في نسخة: \"قال\".","vol":"12","page":259},{"text":"الْخُزَاعِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا أَبُو الأَشْهَبِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ طَرَفَةَ: \"أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ. فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ\". [ت ١٧٧٠، حم ٤/ ٣٤٢، ن ٥١٦١]\n٤٢٣٣ - حَدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَأَبُو عَاصِمٍ قَالَا: نَا أَبُو الأَشْهَب، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ طَرَفَةَ، عن عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ، بِمَعْنَاهُ. قَالً يَزِيدُ: قُلْتُ لأَبِي الأَشْهَبِ: أَدْرَكَ\n===\nالخزاعي، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا أبو الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة) بن عرفجة بن أسعد، التميمي العطاردي، حديثه في أهل البصرة، روى عن جده، قال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أن جده عرفجة بن أسعد قُطِعَ أنفُه يوم الكلاب) (١) بضم الكاف والتخفيف: اسمُ ماء كان فيه وقعة مشهورة في الجاهلية، وهو ما بين الكوفة والبصرة، وليس من غزواته - ﷺ -، (فاتخذ أنفًا من ورق) أي فضة (فأنتن عليه) برطوبة الأنف (فأمره النبي - ﷺ -) أمرَ إباحةٍ (فاتخذ أنفًا من ذهب) وكذا حكم الأسنان (٢)، فإنه يثبت هذا الحكم فيها بالمقايسة، سواء ربطها بخيط الذهب أو صنعها بالذهب.\n٤٢٣٣ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون وأبو عاصم قالا: نا أبو الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، عن عرفجة بن أسعد، بمعناه، قال يزيد: قلت لأبي الأشهب: أدرك) بتقدير الاستفهام\n_________\n(١) انظر: \"تاريخ اليعقوبي\" (١/ ٢٢٥).\n(٢) قال الموفق (٤/ ٢٢٧): قال الإِمام أحمد: ربط الأسنان بالذهب إذا خشي عليها أن تسقط قد فعله الناس، فلا بأس به عند الضرورة، روى الأثرم عن موسى بن طلحة وأبي جمرة الضبعي وأبي رافع وثابت البناني وإسماعيل بن زيد والمغيرة بن عبد الله: أنهم شدُّوا أسنانهم بالذهب. (ش).","vol":"12","page":260},{"text":"عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ طَرَفَةَ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. [ت ١٧٧٠، حم ٥/ ٢٣، ن ٥١٦١]\n٤٢٣٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، نَا إسْمَاعِيلُ، عن أَبِي الأَشْهَبِ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن طرفَة، عَن (١) عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ، عَن أَبِيهِ، بِمَعْنَاهٌ. [ق ٢/ ٤٢٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1628>(٨) بَابُ مَا جَاءَ فِي الذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ</span>\n٤٢٣٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ (٢)، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، عن أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٣)، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ أَهْدَاهَا لَهُ، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ\n===\n(عبدُ الرحمن بنُ طرفة جَدَّه عرفجةَ؟ قال: نعم).\n٤٢٣٤ - (حدثنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، عن عرفجة بن أسعد، عن أبيه، بمعناه).\n\n(٨) (بَابُ مَا جَاءَ في الذَّهَبِ لِلنِّسَاء)\n٤٢٣٥ - (حدثنا ابن نفيل، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله) بن الزبير، (عن عائشة) - ﵂ - (قالت: قدمَتْ على النبي - ﷺ - حليةٌ من عند النجاشي) اسمه أصحمة (أهداها له، فيها خاتم من ذهب فيه فصٌّ حبشي) يحتمل أنه أراد منه الجزع أو العقيق، لأن معدنهما اليمن والحبشة، أو نوع آخر ينسب\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) زاد في نسخة: \"بن الزبير\".","vol":"12","page":261},{"text":"قَالَتْ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِعُودٍ مُعْرِضًا عَنْهُ، أَوْ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ - بِنْت ابْنَتِهِ زَيْنَبَ -، فَقَالَ: \"تَحَلَّيْ بِهَذَا يَا بُنيَّةُ! \". [جه ٣٦٤٤، حم ٦/ ١١٩]\n٤٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عن أَسِيدِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ الْبَرَّادِ، عن نَافِع بْنِ عَيَّاسٍ (١)، عن أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَحَبَّ أَن يُحَلِّقَ حَبِيبَهُ حَلْقَةً (٢) مِنْ نَارٍ، فَلْيُحَلِّقْهُ حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ\n===\nإليهما، وفي \"مفردات ابن البيطار\": أنه نوع من الزبرجد، يكون ببلاد الحبش، لونه إلى الخضرة، قاله السيوطي في \"مرقاة الصعود\" (٣).\n(قالت) عائشة: (فأخذه) أي الخاتمَ (رسول الله - ﷺ - بعود مُعْرِضًا عنه، أو) للشك من الراوي (ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنتَ أبي العاص - بنت ابنته زينب -) زوجة أبي العاص (فقال: تحلي بهذا يا بنية!)، فيه دليل على إباحة الذهب للنساء في لبسه من الحلي، وأما استعماله بغير الحلي في الظروف وغيرها فهو حرام عليهن، كما على الرجال.\n٤٢٣٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز - يعني ابن محمد -، عن أسيد بن أبي أسيد البرَّاد) بفتح الموحدة والراء المشددة، وبعد الألف قال مهملة، لقب له. (عن نافع بن عباس) وقيل: ابن عياش (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: من أحب أن يحلِّق حبيبه حلقة من نار، فليحلقه حلقة من ذهب) معناه: كما لا يحب أحدكم أن يحلق من يحبه بحلقة من النار فليجنبه لبسَ حلقة من ذهب، ويباعده عنها.\n_________\n(١) في نسخة: \"عياش\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بحلقة\".\n(٣) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٧٤).","vol":"12","page":262},{"text":"وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَوِّقَ حَبِيبَهُ طَوْقًا مِنْ نَارِ، فَلْيُطَوِّقْهُ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ. وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُسَوِّرَ حَبِيبَهُ سِوَارًا مِنْ نَارٍ، فَلْيُسَوِّرْهُ سِوَارًا مِنْ ذَهَبٍ. وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ، فَالْعَبُوا بِهَا\". [حم ٢/ ٣٣٤]\n٤٢٣٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عن امْرَأَتِهِ، عن أُخْتٍ لِحُذَيْفَةَ،\n===\n(ومن أحب أن يُطَوِّق حبيبه طوقًا من نار، فليطوقه طوقًا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبَه سوارًا من نار، فليسوره سوارًا من ذهب)، والمراد بحبيبه من ولد أو زوجة أو غيرهما، ويدخل فيه الصغير والكبير، وإن كان الصغير أقرب إلى المعنى إذ هو الذي يُلْبَسُ غالبًا، والكبير يلبس بنفسه.\n(ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها) والمراد باللعب بالفضة تغليبها في التصرف كما يشاء من أنواع التزين، فمعنى الحديث: اجعلوا الفضة في أي أنواع العلي شئتم إذا كان التحلي للنساء، ولا يحل للرجال إلَّا الخاتم، وتحلية السيف وغيره من آلات الحرب.\n٤٢٣٧ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن امرأته) قال المنذري (١): امرأة ربعي مجهولة، وفي بعض طرقه: عن ربعي، عن امرأة، عن أخت حذيفة، وكان له أخوات قد أدركن النبي - ﷺ -، (عن أخت لحذيفة) قال المنذري: أخت حذيفة اسمها فاطمة، وقيل: خولة، وذكرها أبو عمر النمري (٢)، وسماها فاطمة، قيل: وروي عنها حديث في كراهة تحلي النساء بالذهب، إن صح فهو منسوخ، وقال (٣): لحذيفة أخوات قد أدركن النبي - ﷺ -، هكذا ذكرها في حرف الحاء، وفي حرف (٤) خولة بنت اليمان: أخت حذيفة.\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ١٢٤).\n(٢) انظر: \"الاستيعاب\" (رقم الترجمة ٤٠٦٥).\n(٣) القائل: أبو عمر النمري، ابن عبد البر.\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"مختصر المنذري\": وقال في حرف الخاء: خولة بنت اليمان، أخت حذيفة.","vol":"12","page":263},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، أَمَا لَكُنَّ في الْفِضَّةِ مَا تَحَلَّيْنَ بِهِ، أَمَا إنَّهُ لَيْسَ مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تَحَلَّى ذَهَبًا تُظْهِرُهُ إلَّا عُذِّبَتْ بِهِ\". [ن ٥١٣٧، حم ٦/ ٣٥٧]\n٤٢٣٨ - حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، نَا يَحْيَى، أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ يَزِيدَ حَدَّثَتْهُم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَقَلَّدَتْ قِلَادَةً مِنْ ذَهَبٍ، قُلِّدَتْ في عُنُقِهَا مِثْلَهُ (١) مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ جَعَلَتْ في أُذُنِهَا خُرْصًا مِنْ ذَهَبٍ، جُعِلَ (٢) فِي\n===\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين به، أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبًا تظهره إلَّا عُذِّبَتْ به).\nقال ابن رسلان: هذا الحديث الذي ورد فيه الوعيد على تحلي النساء بالذهب يحتمل وجوهًا من التأويل: أحدها: أنه منسوخ، كما تقدم من ابن عبد البر، والثاني: أنه في حق من تزينت به، وتبرَّجت، وأظهرته، والثالث: أن هذا في حق من لا تؤدي زكاته، دون من أدَّتها، والرابع: أنه إنما منع منه في حديث الأسورة والفتخات لما رأى من غلظه، فإنه مظنة الفخر والخيلاء (٣).\n٤٢٣٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان بن يزيد العطار، نا يحيى) بن أبي كثير، (أن محمود بن عمرو الأنصاري حدثه، أن أسماء بنت يزيد حدثته، أن رسول الله - ﷺ - قال: أيما امرأة تَقَلَّدَتْ قلادة من ذهب، قُلِّدَتْ في عنقها مثلَه من النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصًا من ذهب، جُعِلَ في\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"مثلها\".\n(٢) في نسخة: \"جعل الله\".\n(٣) وفي \"شرح المنهاج\" (٣/ ٣٢٤)، عن البيهقي وغيره: أن الحلي كانت محرمة في أول الإِسلام على النساء على أنها في أفراد خاصة، فيحتمل أنه كان للإسراف، بل هو الظاهر من سياق بعض الأحاديث، انتهى. (ش).","vol":"12","page":264},{"text":"أُذُنِهَا مِثْلُهُ (١) مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". [ت ٥١٣٩، حم ٦/ ٤٥٥]\n٤٢٣٩ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ، نَا خَالِدٌ، عن مَيْمُونٍ الْقَنَّادِ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن مُعَاويةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن رُكُوبِ النِّمَارِ، وَعن لُبْسِ الذَهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا\" (٢). [ن ٥١٤٩، حم ٤/ ٩٣]\n\nآخِرُ كتَابِ الْخَاتَمِ\n===\nأذنها مثلُه من النار يوم القيامة)، وقد ذكر في تأويلها أقوال تقدمت في الحديث المتقدم.\n٤٢٣٩ - (حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا إسماعيل، نا خالد) بن مهران الحذاء، (عن ميمون القناد، عن أبي قلابة، عن معاوية بن أبي سفيان: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ركوب النمار) أي: جلودها؛ لما فيه من الخيلاء، أو لأن فيه تشبهًا بزي العجم، (وعن لبس الذهب إلَّا مقطعًا) أي للنساء.\nقال المنذري (٣): أبو قلابة لم يسمع عن معاوية، والمراد النهي بالذهب الكثير إلا المقطع قطعًا يسيرة، يجعل منها حلقة أو قرطًا أو خاتمًا للنساء، وكره الكثير منه الذي هو عادة أهل الخيلاء والتكبر.\n\nآخِرُ كتَابِ الْخَاتَمِ\n_________\n(١) في نسخة: \"مثلها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أبو قلابة لم يسمع من معاوية شيئًا\"، وفي نسخة: \"قال أبو داود: أبو قلابة لم يَلْقَ معاويةَ\".\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ١٢٨).","vol":"12","page":265},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٢٩) أَوَّلُ (١) كِتَابِ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ\n٤٢٤٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن حُذَيْفَةَ قَالَ: \"قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَائِمًا، فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ في مَقَامِهِ ذَلِكَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1629>(٢٩) (أَوَّلُ كِتَابِ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ)</span>\nجمع بينهما في بعض النسخ، وفي بعضها: كتاب الفتن، والأولى أن لا يذكر الملاحم ها هنا، لأنه ذكر \"كتاب الملاحم\" فيما بعد: \"كتاب المهدي\"\n٤٢٤٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - قائمًا (٢)، فما ترك شيئًا) من الفتن (يكون في مقامه ذلك) معلق بقوله: ما ترك (إلى قيام الساعة) والمعنى قام\n_________\n(١) في نسخة: \"أول كتاب الفتن، ذكر الفتن ودلائلها\".\n(٢) ولفظ مسلم (٢٨٩٢) عن أبي زيد يعني عمرو بن أخطب، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلَّى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبر بما كان وبما هو كائن، فأعلَمُنا أحفَظُنا، انتهى.\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\". (٤/ ٤٨٧)، [وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه]. (ش).","vol":"12","page":266},{"text":"إلَّا حَدَّثَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي (١) هَؤُلاءِ. وَإنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيءُ فَأَذْكُرُهُ (٢) كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إذَا رَآهُ عَرَفَهُ\". [خ ٦٦٠٤، م ٢٨٩٠، حم ٥/ ٣٨٥]\n٤٢٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أنا ابْنُ فَرُّوخٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنٌ لِقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤيبٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَان: \"والله مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْا؟ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - منْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إلى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا\n===\nمقامًا ما ترك شيئًا يحدث، وينبغي أن يخبر بما يظهر من الفتن من ذلك الوقت إلى قيام الساعة (إلَّا حدثه) أي ذلك الشيء الكائن، (حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون) أي يحدث (منه الشيء فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا كتاب عنه، ثم إذا رآه عرفه).\n٤٢٤١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا ابن أبي مريم قال: أنا ابن فروخ قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: أخبرني ابن لقبيصةَ بنِ ذؤيب) الظاهر أنه إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب، قال أبو زرعة: كان عاملَ هِشام على الأردن، وقال ابن سميع: كان على ديوان الزمنى في أيام الوليد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) قبيصة بن ذؤيب (قال: قال حذيفة بن اليمان: والله ما أدري أَنَسِيَ أصحابي أم تناسوا؟) أي: أظهروا أنهم نسوا لأجل الفتنة في الإظهار (والله ما ترك رسول الله - ﷺ - من قائد فتنة) أي: رئيسها (إلي أن تنقضي الدنيا،\n_________\n(١) في نسخة: \"أصحابه\".\n(٢) في نسخة: \"فأعرفه\".","vol":"12","page":267},{"text":"يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَ مِئَةٍ فَصَاعِدًا إلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ، وَاسْمِ أَبِيهِ، وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ\".\n٤٢٤٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَ: نَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عن بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عن عَامِرٍ، عن رَجُل، عن عَبْدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"تكون في هَذِهِ الأُمَّةِ أَرْبَعُ فِتَنٍ فِي آخِرِهَا الْفَنَاءُ\".\n٤٢٤٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيُّ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عُتْبَةَ، عن عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: \"كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَذَكَرَ الْفِتَنَ، فَأَكْثَرَ في ذِكْرِهَا، حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلَاسِ،\n===\nيبلغ مَنْ مَعَه) صفة لقائد (ثلاث مئة فصاعدًا إلَّا قد سماه لنا باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته) يعني وصفًا واضحًا مفصَّلًا، لا مبهمًا مجملًا.\n٤٢٤٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: نا أبو داود الحفري، عن بدر بن عثمان، عن عامر، عن رجل، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: تكون في هذه الأمة أربع فتن) المراد به الوقائع الكبار (في آخرها) أي الفتنِ الأربع (الفناءُ) أي: فناء الدنيا، أو فناء الأمة، أي: لا يبقى بعدها مسلم.\n٤٢٤٣ - (حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي، نا أبو المغيرة قال: حدثني عبد الله بن سالم قال: حدثني العلاء بن عتبة، عن عمير بن هانئ العنسي قال: سمعت عبد الله بن عمر) - ﵁ - (يقول: كنا قعودًا عند رسول الله - ﷺ -، فذكر الفتن، فأكثر) أي البيان (في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس) جمع حِلْسٍ، وهو ما يُبْسَطُ تحت حر الثياب، فلا تزال ملقاة تحتهما، وقيل: الحلس هو الكساء على ظهر البعير تحت القتب.","vol":"12","page":268},{"text":"فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا فِتْنَةُ الأَحْلَاسِ؟ قَالَ: \" (١) هَرَبٌ وَحَرَبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي، وَلَيْسَ مِنِّي،\n===\n(فقال قائل: يا رسول الله! وما فتنة الأحلاس؟ (٢) قال:) هي (هَرَب)\nبفتحتين، أي: يفر بعضهم من بعض؛ لما بينهم من العداوة والمحاربة (وحرب (٣» بفتحتين، أي: أخذ مالٍ وأهلٍ بغير استحقاق.\nوالذي أظن أنها فتنة حدثت في آخر خلافة عثمان بن عفان - ﵁ -، وثارت بين المسلمين حتى تمادت، وبقيت إلى زمان خلافة معاوية - ﵁ -، واتفاق الناس عليه بعد صلح الإِمام حسن بن علي - ﵄ -.\n(ثم فتنة السراء) والمراد بالسراء النعماء التي تسر الناس من الصحة، والرخاء، والعافية من النبلاء، والوباء، وأضيفت إلى السراء؛ لأن السبب في وقوعها ارتكابُ المعاصي بسبب كثرة التنعم، أو لأنها تسر العدو.\n(دَخَنُها (٤) بفتحتين، أي إثارتها، وهيجانها، وإنما قال: (من تحت قدمي رجل من أهل بيتي) تنبيهًا على أنه هو الذي يسعى في إثارتها (يزعم أنه مني، وليس مني) في الفعل، وإن كان مني في النسب.\nوالحاصل: أن تلك الفتنة بسببه، وليس مني، أي من أخلَّائي، أو من\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هي\".\n(٢) المشهور في وجه تسميتها بذلك: أن المأمور به فيها أن تكون حلس بيتك، وقال الدمنتي: أضيفت إليها لطولِ لبثها ودوامها، أو سوادِ لونها وظلمتها. [انظر أيضًا: \"معالم السنن\" (٤/ ٣٣٧)]. (ش).\n(٣) قال ابن الأثير في \"جامع الأصول\" ح (٧٤٧٧): الحرب بفتح الراء: ذهاب المال والأهل، يقال: حَرَبَ الرجلُ، فهو حريب: إذا سُلِبَ أهله وماله.\n(٤) قال ابن الأثير: شَبَّهَها بالدخان الذي يرتفع، أي: أن يكون أصل ظهورها من هذا الرجل.","vol":"12","page":269},{"text":"وَإنَّمَا أَوْليَائِي الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ،\n===\nأهلي في الفعل؛ لأنه لو كان من أهلي لم يهيج الفتنة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (١).\n(وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل) أي يجتمعون على بيعة رجل (كَوَرِكٍ) بفتح وكسر (على ضِلَع) بكسر ففتح، وهذا مثل، والمراد أنه لا يكون على ثبات؛ لأن الورك لثقله لا يثبت على الضلع لدقته، والمعنى أنه يكون غير أهل الولاية لقلة علمه، وخفة رأيه، وحلمه، أي يصطلحون على رجل لا نظام له، ولا استقامة لأمره؛ وحاصله أنه لا يستعد، ولا يستبد لذلك فلا يقع عند الأمر موقعه.\nوالذي يظهر لي أنها هي الفتنة التي حدثت في رمضان سنة ألف وثلثمائة وأربع وثلاثين (٢)، ومنشأها أن الشريف حسين بن علي كان في زمن حكومة الأتراك شريفًا تابعًا لحكومتهم، ثم راسل إحدى سلطنة من النصارى في زمان الحرب الكبير، وكان الحرب بين سلطنة الأتراك وحكومة النصرانية، فلحق بالحكومة النصرانية سرًّا، ووافق معهم على حرب الأتراك، فقتل الأتراك الذين كانوا في مكة المكرمة من جند الأتراك، وسبى نساءهم، ثم تولى الحكومة بنفسه، وسمى نفسه ملك الحجاز، وبقيت حكومته قريبًا من عشر سنين، ثم اضمحل أمره، واصطلح الناس على حكومة ابنه علي بن الحسين، ولم ينتظم له أمر فبقي كوركٍ على ضلع.\nوإنما سميت هذه الفتنة فتنة السراء؛ لأن مبناها وأسباب حديثها (٣) كانت في السرِّ؛ فإن الحكومة النصرانية أماله إليها سرًّا، وأرسل إليها (٤) من الجنيهات\n_________\n(١) سورة هود: الآية ٤٦.\n(٢) انظر: \"انهيار الدولة العثمانية\" (١/ ٢٤٦).\n(٣) وفي الأصل: وأسباب حديثها، والظاهر: وأسباب حدوثها.\n(٤) كذا في الأصل، والظاهر: أمالَته إليها سرًّا وأرسلت إليه.","vol":"12","page":270},{"text":"ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذ الأُمَّةِ إلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً، فَإذَا قِيلَ: انْقَضَتْ تَمَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا\n===\nألوفًا في السرِّ ليبغي على حكومة الإِسلام، وينحرف عنها، فقسم من هذه الجنيهات في أهل البدو، وتوافق معهم على قتال الأتراك المسلمين، وكل ذلك في السر، واتفق أن قائد الأتراك الذي كان بمكة أخبر بشيء من هذه الفتنة، فسأل الشريف عنها، فحلف عند الكعبة أنه لا أصل له، حتى اطمأن قائد الأتراك، ثم وقع ما وقع من قتلِ المسلمين، وسبي نسائهم، وإرسالِهم إلى الكفار، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.\nويحتمل أن يكون السراء من السرور؛ لأن في ذلك الزمان بعد الحصار والمضايقةِ الشديدة نُثِرَتْ على العرب الجنيهاتُ، والحبوبُ، وسائرُ الأطعمة بعد الفقر الشديد، حتى إن أحدهم من أفقر العربان لا يملك جنيهتين مَلَكَ ثمانية وأربعين ألف جنيهة، وهو عبيد الله بن هويمل الحازمي، وكذلك غيره، سمعت هذا من أحد علماء المدينة كان عندي موصوفًا بالثقة والإتقان.\n(ثم فتنة الدهيماء) وهي بضم ففتح، والدهماء السوداء، والتصغير للذم، أي الفتنة العظماء، والطامة العمياء (١) (لا تدع) أي لا تترك تلك الفتنة (أحدًا من هذه الأمة إلَّا لطمته لطمة) أي أصابته بمحنة، ومسته ببلية، وأصل اللطم هو الضرب على الوجه ببطن الكف، والمراد أن أثر تلك الفتنة يعم الناس، ويصل لكل أحد من ضررها.\n(فإذا قيل: انقضت) أي توهموا أن تلك الفتنة انتهت (تمادت) أي استطالت واستمرت (يصبح الرجل فيها مؤمنًا) لتحريم دم أخيه وعرضه وماله\n_________\n(١) قال ابن الأثير في \"جامع الأصول\" (٧٤٧٧): وقيل: أراد بالدهيماء: الداهية يذهب بها إلى الدُّهيم، وهي في زعم العرب: اسم ناقة، قالوا: كان من قصتها: أنه غزا عليها سبعة إخوة فقُتِلوا عن آخرهم، وحملوا على الدهيم، حتى رجعت بهم، فصارت مثلًا في كل داهية.","vol":"12","page":271},{"text":"وُيمْسِي (١) كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إيْمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إيْمَانَ فِيهِ، فَإذَا كَانَ ذَاكُمْ (٢) فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ\" (٣). [حم ٢/ ١٣٣، ك ٤/ ٤٦٦]\n٤٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (٤) قَالَ: نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن قَتَادَةَ،\n===\n(ويمسي كافرًا) لتحليله ما ذُكِرَ، ويستمر ذلك (حتى يصير الناس إلى فسطاطين (٥» أي فرقتين، وأصل الفسطاط الخيمة، فهو من باب ذكر المحل، وإرادة الحال (فسطاط إيمان) أي خالص (لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه) أصلًا أو كمالًا، لما فيه من أعمال المنافقين من الكذب، والخيانةِ، ونقضِ العهد، وأمثالِ ذلك.\n(فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال) أي ظهوره (من يومه أو من غَدِه) وهذا يؤيد أن المراد بالفسطاطين المدينتان، فإن المهدي يكون في بيت المقدس فيحاصره الدجال، فينزل عيسى ﵊ فيذوب الملعون كالملح ينماع في الماء، فيطعنه بحربة له فيقتله، فيحصل الفرج العام، والفرح التام، وهذه الفتنة بعد وستكون قبيل ظهور المهدي، ويمتد إلى نزول عيسى بن مريم ﵊.\n٤٢٤٤ - (حدثنا مسدد قال: نا أبو عوانة، عن قتادة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فيها\".\n(٢) في نسخة: \"ذلكم\".\n(٣) في نسخة: \"غد\".\n(٤) في نسخة: \"حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد، دخل حديث أحدهما في الآخر، قالا: حدثنا أبو عوانة\".\n(٥) قال ابن الأثير في \"جامع الأصول\" (٧٤٧٧): الفسطاط: الخيمة الكبيرة، وتسمى مدينة مصر: الفسطاط، والمراد به في هذا الحديث: الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى، تشبيهًا بانفراد الخيمة عن الأخرى، أو تشبيهًا بانفراد المدينة عن الأخرى، حملًا على تسمية مصر بالفسطاط. وقال أيضًا: ويروى بضم الفاء وكسرها.","vol":"12","page":272},{"text":"عن نَصرِ بْنِ عَاصِمٍ، عن سُبَيْعِ بْن خَالِدٍ قَالَ: \"أَتَيْتُ الْكُوفَةَ في زَمَنِ فُتِحَتْ تُسْتَرُ أَجْلِبُ مِنْهَا بِغَالًا، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإذَا صَدْعٌ مِنَ الرِّجَالِ، وَإذَا رَجُلٌ جَالِسٌ تَعْرِفُ إذَا رَأَيْتَهُ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْحِجَازِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَتَجَهَّمَنِي الْقَوْمُ وَقَالُوا: أَمَا تَعْرِفُ هَذَا؟ هَذَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.\n===\nعن نصر بن عاصم) الليثي، (عن سبيع) مصغرًا (ابن خالد) ويقال: خالد بن خالد، ويقال: خالد بن سبع، وقيل فيه: سبيعة بن خالد، ولا يصح، اليشكري البصري، روى عن حذيفة، ذكره ابنُ حبان في \"الثقات\" والعجليّ.\n(قال: أتيت الكوفة في زمن فُتِحَتْ تُسْتَرْ) (١) بالضم، ثم السكون، وفتح التاء الأخرى، وراء؛ أعظم مدينة بخوزستان اليوم، وهو تعريب شوستَر، وَفُتِحَتْ في زمن خلافة عمر - ﵁ -، فتحها أبو موسى الأشعري (أجلب منها بغالًا، فدخلتُ المسجد) أي مسجد كوفة (فإذا صَدَعٌ من الرجال) قال في \"المجمع\" (٢): أي رجل بين رجلين، هو بسكون قال، وربما حرك، هو من الرجال الشاب المعتدل، ومن الوعول الفتي الفارسي، أي جماعة في موضع من المسجد، كذا في \"المجمع\". وقال في \"القاموس\": والصدع (٣) بالكسر: الجماعة من الناس. قلت: وهذا المعنى أولى.\n(وإذا رجل جالس تعرِفُ) بزيه وهيئته (إذا رأيتَه) أي رأيتَ زيَّه وهيئَتَه (أنه من رجال أهل الحجاز، قال: قلت: من هذا؟ فتجهَّمَني القوم) أي أظهروا لي آثار الكراهة في وجوههم (وقالوا: أما تعرف هذا؟ هذا حذيفة بن اليمان صاحبُ رسولِ الله - ﷺ -).\n_________\n(١) انظر: \"تاريخ الخلفاء\" (ص ١٥١).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٠٤).\n(٣) قال ابن الأثير في \"جامع الأصول\" ح (٧٥٠٩): الصدع بسكون الدال، وربما حُرِّك، وأما في الوعول فلا يقال إلا بالتحريك، والخطابي لم يفرق بينهما في التحريك، وقال - أي الخطابي -: هو من الرجال: الشاب المعتدل القناة، ومن الوعول: الفتي.","vol":"12","page":273},{"text":"فَقَالَ حُذَيْفَةُ: إنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عن الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عن الشَّرِّ؛ فَأَحْدَقَهُ الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقَالَ: إنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي تُنْكِرُونَ، إنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ هَذَا الْخَيْرَ الَّذِي أَعْطَانَا اللَّهُ تَعَالَى، أَيَكُونُ بَعْدَهُ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: \"السَّيْفُ\" (١).\nقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ مَاذَا يَكُونُ؟ قَالَ: \"إنْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى خَلِيفَةٌ في الأَرْضِ، فَضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَأَطِعْهُ، وَإلَّا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ\n===\n(فقال حذيفة: إن الناس كانوا يسألون رسولَ الله - ﷺ - عن الخير) الذي يصل أمةَ محمدٍ - ﷺ - في المستقبَلِ (وكنت أسأله عن الشر) أي عن الفتن التي تقوم في أمته - ﷺ - فيما بعد؛ مخافةَ أن يدركني (فأحدقه) أي أحاطه (القوم بأبصارهم) وانتظروا سماع ما يقول، وتوجهوا إليه.\n(فقال) حذيفة: (إني قد أرى الذي تنكرون، إني قلت: يا رسول الله! أرأيتَ) أخبرني (هذا الخير الذي أعطانا الله تعالى) أي من النعماء والسرور (أيكون بعده شَرٌّ كما كان قبله؟ قال: نعم) أي يكون بعده الشر وهي الفتنة.\n(قلت: فما العصمة من ذلك؟) أي فما طريق الاجتناب عن الفتنة؟ (قال: السيف) تقاتلهم به، قالوا: هي فتنة الردة (٢) التي كانت في زمن أبي بكر الصديق - ﵁ - (قلت: يا رسول الله! ثم ماذا يكون؟ قال: إن كان لله تعالى خليفة في الأرض، فَضَرَبَ ظهرَك، وأخذ مالَكَ فَأَطِعْه، وإلَّا فمت وأنت عاضٌّ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال قتيبة في حديثه: فقلت: وهل للسيف - يعني من بقية - قال: نعم، قلت: ماذا؟ قال: هدنة على دخن، قال: \".\n(٢) وعليها حمله صاحب \"إزالة الخفاء\"، وحكى برواية البغوي وغيره عن أنس ﵁: كره الصحابة قتالهم، وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر السيفَ، وخرج وحده، فلم يجدوا بدًّا من الخروج، وقال ابن مسعود ﵁: كرهنا ذلك في الابتداء، ثم حمدناه عليه في الانتهاء. (ش).","vol":"12","page":274},{"text":"بِجِذْلِ شَجَرَةٍ\"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \"ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ في نَارِهِ وَجَبَ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ، وَمَنْ وَقَعَ في نَهْرِهِ وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطَّ أَجْرُهُ\"، قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \"ثُمَّ هِيَ قِيَامُ السَّاعَةِ\". [حم ٥/ ٣٨٦]\n٤٢٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،\n===\nبجِذْلِ شجرةٍ) أي وإن لم يكن في الأرض خليفة لله، فينبغي لك أن تموت في حالة تعضُّ بأسنانك جذل شجرة، يعني تكون في عزلة من الناس على مضض الزمان وتحمل مشاقه، لا تدخل في الفتنة، ولا تشترك في القتال.\n(قلت: ثم ماذا؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (ثم يخرج الدجال)، وهذا (١) يدل على أنه وقع في رواية حذيفة اختصار منه؛ لأنه أخبر أولًا أن رسول الله - ﷺ - ذكر الفتن، ولم يترك فتنة تحدث إلى قيام الساعة إلَّا نبَّه عليها وأخبر بها، وظاهر أن الذي ذكر أولًا من الفتن في هذا الحديث هو محمول على الردة التي وقعت في زمن أبي بكر الصديق - ﵁ -، ثم وقع بعدها فتن كثيرة ولم تُذْكَرْ، فَعُلِمَ بها أنها حُذِفَتْ.\n(معه نهر ونار) أي نهر ماء، ونهر نار أو خندقه (فمن وقع في ناره وجب) أي ثبت (أجره) عند الله (وحط) أي عنه (وزره) أي إثمه (ومن وقع في نهره وجب) أي ثبت (وزره، وحط) أي حبط وسقط (أجره) أي ثواب أعماله؛ لأنه ارتد.\n(قال: قلت: ثم ماذا؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (ثم هي) أي الفتنة العظمى (قيام الساعة) أي تظهر علامتها وآياتها الكبار.\n٤٢٤٥ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا عبد الرزاق،\n_________\n(١) وحمل صاحب \"المجمع\" الشرَّ على مقتل عثمان - ﵁ -، والخيرَ بعده على زمان علي - ﵁ -، والدخنَ على الخوارج. [انظر: \"المجمع\" (٢/ ١٦٣)]. (ش).","vol":"12","page":275},{"text":"عن مَعْمَرٍ، عن قَتَادَةَ، عن نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عن خَالِدِ بْن خَالِدٍ الْيَشْكُرِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: قُلْتُ: بَعْدَ السَّيْفِ؟ قَالَ: \"بَقِيَّةٌ (١) عَلَى أَقْذَاءٍ، وَهُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ\". ثُمّ سَاقَ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَكَانَ قَتَادَةُ يَضَعُهُ عَلَى الرِّدَّةِ الَّتِي في زَمَنِ أَبِى بَكْرٍ \"عَلَى أَقْذَاءٍ\" يَقُولُ: قَذًى، \"وَهُدْنَةٌ\" يَقُولُ: صُلْحٌ، \"عَلَى دَخَنٍ\": عَلَى ضَغَائِنَ.\n===\nعن معمر، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن خالد بن خالد اليشكري، بهذا الحديث) المتقدم (قال: قلت: بعد السيف) أي ماذا بعده؟ (قال: بقية على أقذاء) (٢) جمع قَذَى، وهو ما يقع في العين من غبار، أي يبقى الناس بقية على فساد في قلوبهم (وهُدْنَة (٣) على دَخن) أي صلح على بقايا من الضغن.\n(ثم ساق) أي معمر (الحديث، قال) معمر: (وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر) - ﵁ -. (على أقذاء، يقول: قذى) أي واحد الأقذاء القذى، (وهدنة يقول: صلح على دخن) ومعنى قوله: على دخن (على ضغائن) (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"تَقِيَّةٌ\".\n(٢) قال ابن الأثير ح (٧٥٠٩): أقذاء جمع القَذَى، والقذاء جمع القذاة، وهو ما يقع في العين من الأذى، وفي الشراب والطعام من تراب أو تبن، أو غير ذلك، والمراد به في الحديث: الفساد الذي يكون في القلوب، أي: إنهم يتقون بعضهم بعضًا، ويظهرون الصلح والاتفاق؛ ولكن في باطنهم خلاف ذلك.\n(٣) قال في \"جامع الأصول\" (٧٤٧٩): الهدنة: الصلح الذي ينعقد بين الكفار والمسلمين، وهو في الأصل: السكون، كأنهم سكنوا عن القتال، وقد يكون بين كل طائفتين، اقتتلتا إذا تركتا القتال عن صلح.\n(٤) قال في \"جامع الأصول\" (١٠/ ٤٩) ح (٧٥٠٩): وقد جاء في الحديث تفسير الدخن، قال: \"لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه\"، وأصل الدخن: أن يكون في لون الدابة كدُورة إلى سواد، ووجه الحديث: أن تكون القلوب كهذا اللون، لا يصفو بعضها لبعض.","vol":"12","page":276},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"بقية على أقذاء\" يعني أنها تبقى بقية من الخير إلَّا أنها ليست في صفاء الأول، بل فيها كدر وأقذاء، وهذا ظاهره لا يصدق على وقعة الردة إذ لم يكن بعدها كدر، وإنما كانت الكدورات بعد مقتل عثمان - ﵁ -، وكذلك قوله - ﷺ -: \"وهدنة على دخن\"، إلَّا أن تحمل البعدية على غير المتصلة منها، أو يقال على بعد: إن الأمر لم يكن من صفاء القلوب بعد أبي بكر مثله في زمنه - ﷺ -، وإن لم يظهر في أمر الدين إلا قوة وشدة، كما وقعت في أيام عمر - ﵁ -.\nوبالجملة فحمل قوله ها هنا بالسيف على المقاتلة بقتلة عثمان أوفق بالعبارة، وليس في أخذ السيف ها هنا سعي في الفتنة حتى تلزم مخالفة قوله - ﷺ - في الفتن وشدة توكيده في التحرز عنها، وذلك لما قلنا: إن الفتنة إنما هي فتنة ما لم يظهر خطؤها من الصواب.\nوأما إذا عرفت الحقَّ وجب عليك تأييد صاحب الحق على مخالفه، وبذلك ينحل وجه اختلاف الصحابة - ﵃- فيما بينهم، حيث أعانوا طائفة طائفة، ومنهم من فَرَّ بدينه، وصار بمعزل منهما جميعًا، كما في قصة علي - ﵁ - يوم الجمل، فليس على أحد منهم اعتراض، وذلك لأن من أعان أحدًا منهم فإنما أعان لما رآه على الحق عنده، ومن رأى ذلك فتنة، ولم يظهر الصواب عنده، لم يشارك أحدًا منهما، انتهى.\nقلت: قوله: \"بقية على أقذاء، وهدنة على ضغن\"، والذي أظن في معناه هذه إشارة إلى ما وقع بين علي ومعاولة - ﵄- من الصلح والتحكيم، فهذه إشارة إليه، وأما قوله: قال: \"السيف\"،، فحمله عندي على الفتنة التي في آخر زمن عثمان - ﵁ -، كما قال شيخنا - ﵀ - أولى مما قال قتادة.","vol":"12","page":277},{"text":"٤٢٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ -، عن حُمَيْدٍ، عن نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ الَّليْثِيِّ قَالَ: \"أَتَيْنَا الْيَشْكُرِيَّ في رَهْطٍ مِنَ بَنِيِ لَيْثٍ فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقُلْنَا (١): أَتَيْنَاكَ نَسْأَلُكَ عن حَدِيثِ حُذيْفَةَ ... فذكر الحديث (٢).\n===\n٤٢٤٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا سليمان - يعني ابن المغيرة -، عن حميد، عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكريَّ في رهط من بني ليث فقال: من القوم؟) قلنا: بنو ليث (فقلنا: أتيناك نسألك عن حديث حذيفة، فذكر الحديث) يعني قال: أقبلنا مع أبي موسى قافلين، وغارت الدواب بالكوفة، قال: فاستأذنت أبا موسى أنا وصاحب لي، قال: فأذن لنا، فقدمنا الكوفة، فقلت لصاحبي: أنا داخلٌ المسجدَ، فإذا قامت السوق خرجتُ إليك، قال: فدخلتُ المسجد فإذا فيه حلقة كأنما قُطِعَت رؤوسهم يستمعون إلى حديثِ رجُل قال: فقصت عليهم، فجاء رجل فقام إلى جنبي، قال: فقلتُ من هذا؟ قال: أبصريٌّ أنت؟ قال: قلت: نعم؛ قال: قد عرفتُ، ولو كنتَ كوفيًّا لم تسأل عن هذا [هذا حذيفة بن اليمان] قال: فدنوت منه فسمعته يقول: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني، فقلت: يا رسول الله! أبعد هذا الخير شر؟ فقال: \"يا حذيفة!\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بنو ليث\".\n(٢) زاد في نسخة: قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ أَبِي مُوسَى قَافِلِينَ، وَغَارَتِ الدَّوابُّ بِالكُوفَةِ. قَالَ: فَسَأَلْتُ أَبَا مُوسَى أَنَا وَصَاحِبٌ لي، فَأَذِنَ لَنَا فَقَدِمْنَا الكُوفَةَ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أَنَا دَاخِلٌ المَسْجِدَ، فَإذَا قَامَتِ السُّوقُ خَرَجْتُ إلَيْكَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإذَا فِيهِ حَلْقَةٌ كَأَنَّمَا قُطِعَتْ رُؤوسُهُمْ يَسْتَمِعُونَ إلَى حَدِيثِ رَجُلٍ. قَالَ: فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ رَجَلٌ فَقَامَ إلى جَنْبِي، قَالَ: فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبَصْرِيٌّ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَم. قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ، وَلَوْ كُنْتَ كُوفِيًّا لَمْ تَسْأَلْ عن هذا. قَالَ: فَدَنَوتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُ حُذِيفةَ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عنِ الخَيرِ، وَكُنْتُ اسْأَلُهُ عن الشَّرِّ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الخَيرَ لنْ يَسْبِقَنِي.","vol":"12","page":278},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: \"فِتْنَةٌ وَشَرٌّ\"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! (١) بَعْدَ هَذَا الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: \"يَا حُذَيْفَةُ! تَعَلَّمْ كِتَابَ اللَّهِ وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَعْدَ هَذَا الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: \"هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ، وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ فِيهَا - أَوْ فِيهِمْ -\".\nقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! \"الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ \" قَالَ: \"لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ\"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: \"فِتْنَة عَمْيَاءُ صَمَّاءُ،\n===\nتعلَّم كتاب الله، واتبع ما فيه\" ثلاث مرات، قال: فقلت: يا رسول الله: أبعد هذا الشر خير (٢)؟\n(قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة وشر)، لعله إشارة إلى الفتنة التي حدثت في آخر خلافة عثمان - ﵁ - (قال: قلت: يا رسول الله! بعد هذا الشر خير؟ قال: يا حذيفة! تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه) أي أَعْرِضْ عن هذا السؤال (ثلاث مرات) ثم سأل، فقال: (قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الشر خير؟ قال: هدنة على دخن) أي صلح على خيانة ونفاق (وجماعة) أي اجتماع بين الفريقين (على أقذاء) أي كدورات (فيها، أو) للشك من الراوي (فيهم)، ولعل هذا محمول على ما وقع من الصلح والتحكيم بين معاوية وعلي - ﵄-.\n(قلت: يا رسول الله! الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه) بل يكون في قلوبهم ضغينة (قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة عمياء صماء،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وهل\".\n(٢) أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٣٨٦ - ٣٨٧، ٤٠٣) رقم (٢٣٢٧٤).","vol":"12","page":279},{"text":"عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ. فَإنْ تَمُتْ يَا حُذَيْفَةُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تتَّبعَ أَحَدًا مِنْهُمْ\".\n٤٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، نَا أَبُو التَّيَّاح، عن صَخْرِ بْنِ بَدْرٍ الْعِجْلِيِّ، عن سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، عن حُذَيْفةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: فَإنْ لَمْ تَجِدْ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةً فَاهْرُبْ حَتَّى تَمُوتَ، فَإنْ تَمُتْ (١) وَأَنْتَ عَاضٌّ، وَقَالَ في آخِرِهِ قَالَ: قُلْتُ: فَمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: \"لَؤ أَنَّ رَجُلًا نَتَجَ فَرَسًا لَمْ تُنْتَجْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ\". [خ ٧٠٨٤، م ١٨٤٧]\n===\nعليها دعاة على أبواب النار) ولا يبعد أن يُحْمَلَ هذا على ما وقع في أيام يزيد بن معاوية من قتل الحسين بن علي - ﵄ - وجماعته، أو على ما وقع في أيام الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك حيث قتل ابن الزبير - ﵁ - (فإن تَمُت يا حذيفة وأنت عاض على جذل) أي أصل شجر (خير لك من أن تتبع أحدًا منهم) أي إن أدركْتَ تلكَ الفتنةَ.\n٤٢٤٧ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، نا أبو التياح، عن صخر بن بدر العجلي) البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا.\n(عن سبيع بن خالد بهذا الحديث، عن حذيفة، عن النبي - ﷺ - قال: فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب حتى تموت، فإن تمت وأنت عاض) وجزاؤه مقدر، وهي قوله: خير لك (وقال في آخره، قال: قلت: فما يكون بعد ذلك؟ قال: لو أن رجلًا نتج فرسًا) أي طلب نتاجه، وسعى في تحصيل ولده بمباشرة الأسباب (لم تنتج) أي ما يجيء لها ولد (حتى تقوم الساعة)، وهذا يدل على أن هذه الفتنة التي أشار إليها في الحديث المتقدم- وهي العمياء والصماء - تكون قربَ القيامة.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فأن تموت\".","vol":"12","page":280},{"text":"٤٢٤٨ - حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الأَعْمَشُ، عن زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - قالَ: \"مَنْ بَايَعَ إمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الآخَرِ\". قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي. قُلْتُ: هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَ وَنَفْعَلَ. قَالَ: \"أَطِعْهُ في طَاعَةِ اللهِ، وَاعْصِهِ في مَعْصِيَةِ اللهِ\" (٢). [م ١٨٤٤، ن ٤١٩١، جه ٣٩٥٦، حم ٢/ ١٦١]\n===\n٤٢٤٨ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي - ﷺ - قال: من بايع إمامًا فأعطاه صفقةَ يده) أي عقد بيعته بيده (وثمرة قلبه) أي أعطاه الإخلاص الذي في القلب في الإطاعة (فَلْيُطِعْه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر، قلت) قائل هذا الكلام هو عبد الرحمن: (أنت سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال) عبد الله بن عمرو، (سمعته أذناي) أي من لسان رسول الله - ﷺ - (ووعاه قلبي، قلت: هذا ابنُ عمك معاويةُ يأمرنا أن نفعل، ونفعل) أي يأمرنا بمنازَعَةِ علي -﵁ - ومقاتَلَتِه مع أن عليًا - ﵁ - هو الأول، ومعاوية هو الآخر الذي قام منازعًا.\n(قال) ابن عمرو: (أطِعْه في طاعة الله، واعصه في معصية الله).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"أطعه في طاعة الله\"، استشكل عليه الجواب عما سأله السائل، إذ لا شك أن عليًّا - ﵁ - كان هو الأول بيعة، وأحقّ منه بالخلافة، وكان معاوية - ﵁ - في أول ما حارب معه علي - ﵁ - على خلاف الحق، إلا أنه كان قد أخطأ في اجتهاده، حيث تواترت إليه الأخبار بما أورثت\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهذا الحديث مثل الحديث الذي قبل هذين الحديثين\".","vol":"12","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nله علم يقين بأن قتل عثمان - ﵁ - إنما هو بإشارة علي - ﵁ -، وعِلْمِه بذاك، وصار وجود الحسنين على الباب قرينةً لذاك وحجةً للمعاندين الذين كانوا مُتَصَدِّيْن لإفساد ما بينهم، وكذلك نقول فيمن لم يبايع يزيدَ منهم، ومن بايعه منهم، فإن معنى قوله - ﷺ -: \"اقتلوا الآخر\" ليس على إطلاقه، كيف: ولو كان الأمر بقتل الآخر مطلقًا عن كل تقييد لأدى ذلك إلى تكليف بما لا يطاق، كيف وإنه أمر لكل من يأتي منه القتل ويتيسر، لا لمن لم يتأت منه ذلك أيضًا، وإذا كان أمر القتل للمتمكن منه لا مطلقًا كان ذلك إجازة لانقياد المتغلب إذا لم يتيسر قتله، وإلَّا لكان إلقاء لنفسه في التهلكة بمخالفته.\nوإذا تحققت هذا فاعلم أن الصحابة كلهم اتفقوا بعد علي - ﵁ - على معاوية - ﵁ -، ولما وصلت النوبة إلى يزيد بن معاوية، تفرقت منهم فرق، فمن جَوَّز خلافته نَظَرَ إلى النصوص الواردة في إطاعة أئمة الجور، ومن لم يجوِّزْها افتقر إلى خليفة آخر يقوم به أمرهم.\nفمن هذا الأخير: ابن الزبير - ﵁ -، فإنه رأى نفسه أحق بالخلافة، فأخذ البيعة، ولعله أخذ البيعة قبل بيعة يزيد أو معه، فعلى الوجهين جميعًا فلا يلزم أن يكون من خالف يزيد ولم يبايعه باغيًا، كيف وأنه لم يَصرْ خليفة حتى يلزم من مخالفته البغاوةُ، نعم يشكل على ذلك بيعة ابن عمر - ﵁ - فنقول: إنه إنما بايع يزيدَ لما رأى من تغلبه، وخاف الفتنة لو أنكره، فكان ذلك من الذين أشرنا إليه قريبًا.\nوأما ابن الزبير فقد رأى من نفسه أن يقاومه فلم يطاوعه، ولم يقو على ذلك ابن عمر - ﵁ -، وذلك لأنه لم يَعُدَّ قوة ابن الزبير بحيث يقدر على مقاومة يزيد ومقابلته، وإن زعم ابن الزبير من نفسه ذلك.\nبقي ها هنا شيء وهو أن حسين بن علي - ﵁ - كيف أحجم عن بيعة الرجلين جميعًا، فنقول:\nأما يزيد لم يتعاقد الحسين البيعة معه؛ لما لم يره متأهلًا لها، مع أن أهل الحل والعقد لم يكونوا اتفقوا بعد على أحد حتى يلزم بمخالفته البغي.","vol":"12","page":282},{"text":"٤٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عن شَيْبَانَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"ويلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ\". [حم ٢/ ٤٤١]\n٤٢٥٠ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ، حُدِّثْتُ عن ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُوشِكُ\n===\nوأما ابن الزبير فلعله لم يبلغه أمرُ خلافته، أو بلغه فرأى أن يبايعه إذا وصل إلى المدينة، فلم يتفق له ذلك؛ لما ابتلي به من الوقائع، أو يكون هذا الإمهال منه؛ لأنه لم ير ابنُ الزبير يقوى على مقاومة يزيد، وإن كان خليفةَ حقٍ عنده، فأحب أن يُجْمِعَ أهلَ الكوفة وغيرهم على بيعته، فذهب إليه لذلك، فلم يتيسر له ما أراد، وكان من أمره ما كان، وأيًّا ما كان فلا يلزم بغاوة أحد من هؤلاء الأعيان، انتهى.\n٤٢٤٩ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة) - ﵁ -، (أن النبي - ﷺ - قال: ويل للعرب) الويل: حلول الشر، وهو تفجيع، أو \"ويل\" كلمة عذاب، أو واد في جهنم، وخص العرب بذلك؛ لأنهم كانوا حينئذ مُعْظَمَ مَن أسلم (من شر قد اقترب).\nقال الطيبي (١): أشار به إلى قتل عثمان وما جرى بعده بين علي ومعاوية. أو أراد به قضية يزيد مع الحسين - ﵁ -، وهو في المعنى أقرب؛ لأن شره ظاهر عند كل أحد من العرب والعجم (أفلح من كَفَّ يَدَه) أي عن القتال.\n٤٢٥٠ - (قال أبو داود: حُدِّثْتُ عن ابن وهب قال: نا جرير بن حازم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: يوشك\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي على المشكاة\" (١٠/ ٢٧)، \"المرقاة\" (٩٠/ ٢٨٨).","vol":"12","page":283},{"text":"الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا إلى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلَاحٌ\". [ك ٤/ ٥١١، طس ٦٤٢٨]\n٤٢٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عن عَنْبَسَةَ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، قَالَ: \"وَسَلَاحٌ قَرِيبٌ مِنْ خيْبَرَ\".\n٤٢٥٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَبِي أَسْمَاءَ، عن ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ الله تَعَالَى زَوَى لِيَ الأَرْضَ،\n===\nالمسلمون أن يحاصَرُوا إلى المدينة) أي يحاصرهم العدو فيضطروا بذلك إلى المدينة، فيجتمعوا فيها (حتى يكون أبعد مسالحهم) (١) أي ثغورهم (سلاح) ضبطه السيوطي بضم السين، وقال في \"القاموس\" (٢): كَسَحابٍ، أو قَطام: موضع (٣) أسفل خيبر، وقال في \"المعجم\": سَلاح، كأنه بوزن قطام: موضع أسفل من خيبر، وقال في \"الدرجات\": سُلاح كغراب: موضع بقرب خيبر.\n٤٢٥١ - (حدثنا أحمد بن صالح، عن عنبسة) بن خالد بن يزيد الأموي، (عن يونس، عن الزهري قال) أي الزهري: (وسلاح) موضع (قريب (٤) من خيبر).\n٤٢٥٢ - (حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى قالا: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله تعالى زَوَى) أي جمع (لي الأرضَ) أي حقيقةً،\n_________\n(١) قال ابن الأثير في \"جامع الأصول\" (١٠/ ٣٠) ح (٧٤٨٤): المسالح جمع مَسْلحة، وهم قوم ذوو سلاح، والمسلحة أيضًا كالثغرِ والمرقَب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يتطرقهم، فإذا رأوه أعلموا أصحابَهم ليتأهبوا له.\n(٢) \"ترتيب القاموس المحيط\" (٣/ ٥٩٢).\n(٣) ماء ملح لبني كلاب، كذا في \"عمدة الأخبار\". (ش).\n(٤) كذا ذكره في \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٠٠).","vol":"12","page":284},{"text":"أَوْ قَالَ: إنَّ رَبِّي زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَأُرِيتُ (١) مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا. وَإنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لي مِنْهَا، وَأُعْطِيْتُ الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ، وَالأَبْيَضَ. وَإنِّي سَأَلْتُ رَبِّي تَعَالَى لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ (٢)، وَلَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، إنِّي إذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَلَا أُهْلِكُهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ،\n===\nأو في الإدرك (أو قال) شك من الراوي: (إن ربي زوى لي الأرضَ، فأريت مشارقَها ومغاربَها، وإن مُلْكَ أمتي سيبلغ ما زوي لي (٣) منها، وأُعطِيْتُ الكنزين: الأحمر) الذهب، (والأبيض) الفضة، ولعل المراد بالكنزين: كنزا كسرى وقيصر مَلِكَي العراق والشام، كذا قال النووي (٤).\n(وإني سألت ربي تعالى لأمتي أن لا يهلكها بسنة) أي قحط (بعامَّةٍ) أي: تعم وتشمل جميعَ الأمة فتهلكها (ولا يُسَلِّطَ عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم) أي: كافرًا (فيستَبِيْحَ بَيْضَتَهم) قال في \"النهاية\" (٥): بَيضة الدار: وسطها ومعظمها، أراد عدوًا يستأصِلُهم ويُهْلِكُهم جميعًا.\n(وإن ربي قال لي: يا محمد) - ﷺ - (إني إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يُرَدُّ، ولا أهلكهم) أي: قضيت قضاءً في أمتك أني لا أهلكهم (بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضَتَهم،\n_________\n(١) في نسخة: \"فرأيت\".\n(٢) في نسخة: \"عامة\".\n(٣) قال صاحب \"الدرجات\" (ص ١٧٦): توهم بعضهم أن \"مِنْ\" تبعيضية، فكيف في أول الكلام استيعاب، ويرد آخره للنبعيض، وليس كذلك؛ فإن الآخر تفصيل للإجمال، أي: زُوِيتْ لي الأرضُ كلُّها، ثم تفتَحُ شيئًا فشيئًا منها حتى تُفتَح كلُّها، وهذا معنى تبعيضها، انتهى. (ش).\n(٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٢٤١).\n(٥) \"النهاية\" (١/ ١٧٢).","vol":"12","page":285},{"text":"وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا، أَوْ قَالَ: بَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَ(١) يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا. وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإذَا (٢) وُضِعَ السَّيْفُ في أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أمَّتِي الأَوْثَانَ\n===\nولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، أو) للشك من الراوي (قال: بأقطارها) أي جميع من في الأرض من غير المسلمين (حتى يكون بعضُهم) أي بعضُ المسلمين (يُهلِك بعضًا، ويكون بعضهم يَسبي بعضًا) فلا أخاف عليهم من الكفار أن يهلكوا جميعًا.\n(وإنما أخاف على أمتي الأئمةَ المضلين) أي الداعين إلى الباع، كما وقعت فتنة القرآن في زمن الإِمام أحمد - رحمه الله تعالى-، وقُتِلَ فيها من علماء الحق بقدر لا يحصى عددهم.\n(وإذا وُضِعَ السيف في أمتي) يقتل بعضُهم بعضًا (لم يُرْفَعْ عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحَقَ قبائلُ من أمتي بالمشركين)، ولعله إشارة إلى ما وقع من الردة في خلافة الصديق - ﵁ -، أو في الحكومة المغربية \"تونس\" تسلط عليها النصارى، فخرج من خرج منها من المسلمين، وبعضهم صاروا نصارى.\n(وحتى تعبد قبائلُ من أمتي الأوثانَ)، ولعله إما إشارة إلى ما يعبده المبتدعون من القبور وغيرها، أو إشارة إلى ما يقع في آخر الزمان ما أشار\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حتى\".\n(٢) في نسخة: \"فإذا\".","vol":"12","page":286},{"text":"وَإنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي. وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ\"- قَالَ ابْنُ عِيسَى: \"ظَاهِرِينَ\" ثُمَّ اتَّفَقَا- \"لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى\". [م ٢٨٨٩، ت ٢٢٠٢، م ١٩٢٠، جه ٣٩٥٢، حم ٥/ ٢٧٨]\n===\nإليه رسول الله - ﷺ - بقوله: \"حتى تضطرب (١) أليات نساء دوس حول ذي (٢) الخلصة\".\n(وإنه سيكون في أمتي كذَّابون) دجالون (ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي).\nوقد خرج إلى هذا الزمان كثيرون منهم، كما أن في هذا الزمان خرج في الهند المسيحُ القادياني في نواحي بنجاب في بلدة قاديان من مضافات أمر تسر، فادَّعى أنه المهدي، وأنه المسيح، وأنكر نزول المسيح، وادَّعى أن عيسى ابن مريم ﵊ توفي، وقبره في كشمير، ولعله بقي منهم بعضهم ولو زادوا على ثلاثين لا يكون مخالفًا للحديث؛ لأن مفهوم العدد لا يُعتَبَرُ (٣).\n(ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، قال) محمد (بن عيسى) شيخ المصنف: (ظاهرين) أي غالبين بالحجة (ثم اتفقا، لا يضرهم من خالفهم) وهم طائفة أهل السنَّة والجماعة (حتى يأتي أمر الله تعالى) أي بموت كل مؤمن ومؤمنة.\nوهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة، وقد وقعت كلها بحمد الله تعالى، كما أخبر به - ﷺ -، فصلاة الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلَّا وحي يُوْحى.\n_________\n(١) وبسط الحافظ في أن الاضطراب يكون قبل فناء المؤمنين أو بعده. [انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٧٦، ٧٧) ح (٧١١٦)]. (ش).\n(٢) وذو الخلصة: طاغية دوسٍ التي كانوا يَعْبُدونها في الجاهلية، قاله البخاري.\n(٣) انظر: كتاب \"القادياني والقاديانية\" لسماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي.","vol":"12","page":287},{"text":"٤٢٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي - قَالَ ابْنُ عَوْفٍ: وَقَرَأَتُ في أَصْلِ إسْمَاعِيلَ - قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عن شُرَيْحٍ، عن أَبِي مَالِكٍ - يَعْنِي الأَشْعَرِيَّ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ الله أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ: أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا جَمِيعًا، وَأَنْ لَا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَنْ لَا تَجَتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ\". [طب ٣٤٤٠]\n٤٢٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، عن رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عن الْبَرَاءِ بْنِ نَاجِيَةَ،\n===\n٤٢٥٣ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، قال ابن عوف: وقرأت في أصل إسماعيل) أي حصل لي هذا الحديث عن محمد بن إسماعيل بطريقين: بأنه حدثني به، وأيضًا قرأته في أصل، وهو الكتاب الذي كُتِبَ فيه هذا الحديث وغيره.\n(قال: حدثني ضمضم، عن شريح، عن أبي مالك - يعني الأشعري - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله أجاركم) أي آمنكم (من ثلاث خلال) أي خصال (أن لا يدعو عليكم نبيُّكم فَتَهْلِكوا) أي تموتوا (جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق) أي فيفنيهم (وأن لا تجتمعوا على ضلالة) بل لا تزال طائفة من أمتي على الحق، كما تقدم من الحديث.\n٤٢٥٤ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: نا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن البراء بن ناجية) بنون، وكسر جيم، وخفة مثناة تحت، الكاهلي، ويقال: المحاربي الكوفي، روى عن ابن مسعود حديث \"تدور رحى الإِسلام\"، قلت: في \"تاريخ البخاري\" لم يذكر سماعًا من ابن مسعود، قال العجلي: البراء بن ناجية من أصحاب ابن مسعود، كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرج هو والحاكم حديثَه في","vol":"12","page":288},{"text":"عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ - (١) قَالَ: \"تَدُورُ (٢) رَحَى الإسْلَامِ بِخَمْسٍ (٣) وَثَلاثينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلاثَينَ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلاثينَ،\n===\n\"صحيحيهما\"، وقرأت بخط الذهبي في \"الميزان\" (٤): فيه جهالة لا يُعْرَف، قلت: قد عَرَّفه العجلي وابن حبان، فيكفي.\n(عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: تدور رحى الإِسلام) أي تستقر وتستمر دائرة رحى الإِسلام، ويستقيم دورانها على وجه النظام، قلت: وهذا أحد المعنيين لهذا الكلام، أو يبتدأ دوران (٥) دائرة الحرب وتزلزله وحركاته وسكناته في الإِسلام.\n(بخمس وثلاثين) أي لوقت خمس وثلاثين من ابتداء ظهور دولة الإِسلام، وهي زمن هجرة خير الأنام، وبانتهاء المدة تنقضي خلافة الخلفاء الثلاثة بلا خلاف بين الخاص والعام، إذ بعدها مقتل عثمان - ﵁ -.\n(أو ست وثلاثين) فيه قضية المجمل (أو سبع وثلاثين) وفيه وقعة صفين و\"أو\" فيها للتنويع (٦)، أو بمعنى \"بل\"؛ فإن الأمر فيها أهون مما بعدها لا سيما أمر الإِسلام، ونظام الأحكام، وظهور الصحابة، والعلماء الأعلام، ولذا قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٢) في نسخه: \"يدور\".\n(٣) في نسخة: \"لخمس\".\n(٤) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٣٠٢) رقم (١١٤٢).\n(٥) وبه جزم صاحب \"الدرجات\" (ص ١٧٦) إذ قال: دوران الرحى كناية عن حرب وقتال، فشبهها برحى دوَّارة تطحن حبًا ... إلخ. (ش).\n(٦) وحاصل ما في \"إزالة الخفاء\" بمواضع (١/ ٦١، ١٥٤، ٢٢٧) أن \"أو\" شك من الراوي، قال: لا يخالف هذا حديث \"الخلافة ثلاثون\"، لأن عليًّا - ﵁ - إذا نظر إلى سوابقه وفضله، فهو من الخلفاء، لكن إذا نظر إلى أن أمر الخلافة لم ينتظم في زمانه، فانقطعت الخلافة الخاصة إلى زمان عثمان - ﵁ -، وهذا محمل حديث ابن مسعود - ﵁ -، ولذا ترى ذكر الثلاثة في أكثر الروايات بدون ذكر علي - ﵁ -. (ش).","vol":"12","page":289},{"text":"فَإنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا.\n===\n(فإن يهلكوا) أي إن اختلفوا بعد ذلك، واستهانوا في أمر الدين، واقترفوا المعاصي (فسبيل من هلك) أي سبيلهم سبيل من هلك من الأمم الماضية الذين زاغوا عن الحق في اختلافهم وزيغِهم عن الحق، ووهنِهم في الدين، وسمى أسبابَ الهلاك، والاشتغالَ بما يؤدي إليه هلاكًا.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"بخمس وثلاثين إلى آخره\"، الظاهر أنه - ﷺ - قال قبل وفاته بسنين، ثم في ترديده بين ثلاثة سنين إشارة إلى زيادة مراتب النقصان، ففي خمس وثلاثين يكون الإضرار بالإِسلام أقلَّ ما يكون، ثم يزيد عليه، ثم كذلك، فإذا تمت هذه المدة، فإن هلكوا لم يكونوا على ضلال، بل سبيلهم سبيل من هلك من الصحابة الكبار والخلفاء الراشدين الأخيار، وإن لم يهلكوا بل قام لهم دينهم يقيم سبعين عامًا، وليس المراد به التحديد بل التكثير، أو المعنى لا يكون أقل من ذلك وإن زاد، أو يقال: إن مفهوم العدد غير معتبر، انتهى.\n(وإن يَقُمْ لهم دينُهم) أي ملكهم (يقم لهم سبعين عامًا) (١).\nقال الخطابي (٢): ويشبه أن يكون أراد به مدة ملك بني أمية، وانتقالَه إلى بني العباس؛ فإنه كان بين استقرار الملك لبني أمية إلى أن ظهرت دعاة الدولة العباسية بخراسان نحوًا (٣) من سبعين سنة.\n_________\n(١) وفي \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٥٨٣): قوله: \"سبعين\" ابتداؤها من بدء الهجرة، وانتهاؤها موت معاوية - ﵁ -، وفيه أنه مات في رجب سنة ٦٠ هـ، ويخالفه ما في \"إزالة الخفاء\" (١/ ٤٨١): أن خمسًا وثلاثين مقتل عثمان، ثم انتشر أمر الخلافة، ثم انتظم الأمر في زمان معاوية، من هذا اليوم إلى انتشار الدولة الأموية سبعون سنة، وبه جزم في موضع آخر. (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٤١).\n(٣) وأورد عليه بأن ملك بني أمية بقي إلى نحو تسعين سنة، ولا كان الدين بها قائمًا، وأجيب عن الأول بأنها وإن امتدَّت إلى نحو تسعين إلَّا أنه وقع الوهن في آخره، وعن الثاني بأنه ليس المراد من الدين إحكامه ... إلخ. (ش).","vol":"12","page":290},{"text":"وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ\"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَّةُ هُوَ؟ قَالَ: \"الْقَتْلُ الْقَتْلُ\". [خ ٧٠٦١، م: ١٥٧، حم ٢/ ٥٢٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1630>(١) بَابُ النَّهْيِ عَنِ السَّعْيِ في الْفِتْنَةِ</span>\n٤٢٥٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن عُثْمَانَ\n===\nأعمار أهله، أو قربُ مدة الأيام والليالي، حتى تكون السنةُ كالشهر، والشهرُ كالجمعة، والجمعةُ كاليوم، واليومُ كالساعة؛ وذلك لاستلذاذ العيش، يريد - والله أعلم - أنه يقع عند خروج المهدي، ووقوع الأمن في الأرض، وغلبةِ العدل فيها، يستلذ العيش عند ذلك، والحق أن المراد نزع البركهّ من كل شيء حتى من الزمان، وذلك من علامة قرب الساعة.\nقال النووى: المراد من قصره عدمُ البركة فيه، وأن اليوم مثلًا يصير الانتقاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة، وهذا أظهر وأكثر فائدة، وهو أوفق ليقية الأحاديث، ملخص ما نقل عن \"فتح الودود\".\n(وينقص العلم) بموتِ العلماء وعدم من يقوم مقامهم، (وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قِيل: يا رسول الله! أية هو؟) أي الهرج ما هو؟ (قال: القتل القتل).\n\n(١) (بابُ النَّهْيِ عَنِ السَّعْيِ في الْفِتْنَةِ) (١)\n٤٢٥٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن عثمان\n_________\n(١) قال النووي (٩/ ٢٣٧): اختلف العلماء في قتال الفتنة، فقال طائفة: لا يقاتل في فتن المسلمين وإن دخلوا عليه بيته، وطلبوا قتله؛ فلا يجوز له المدافعة؛ لأن الطالب متأول، وهو مذهب أبي بكرة الصحابي وغيره، وقال اين عمر وعمران بن الحصين: لا يدخل فيها، لكن إن قصده أحد دفع عن نفسه، فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول.\nوقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام: يجب نصرُ المحق في الفتن، =","vol":"12","page":291},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى؟ قَالَ: مِمَّا مَضَى\" (١). [حم ١/ ٣٩٣، ك ١/ ٥٢٤]\n٤٢٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ\n===\n(قال) ابن مسعود: (قلت) لرسول الله - ﷺ -: (أَمِمَّا بقي أو مِمَّا مضى؟ قال: ممَّا مضى) يريد أن السبعين تتم لهم مستأنفة بعد خمس وثلاثين أم تدخل الأعوام المذكورة في جملتها؟ يعني يقوم لهم أمر دينهم إلى تمام سبعين سنة من أول دولة الإِسلام لا من انقضاء خمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، إلى انقضاء سبعين.\nوفي \"جامع الأصول\" (٢): قيل: إن الإِسلام عند قيام أمره على سنن الاستقامة، والبعد من أحداث الظلمة إلى أن تنقضي مدة خمس وثلاثين سنة، ووجهه أن يكون قد قاله وقد بقي من عمره - ﷺ - خمس سنين أو ست، فإذا انضمت إلى مدة خلافة الخلفاء الراشدين كانت بالغة ذلك المبلغ. وإن أراد سنة خمس وثلاثين من الهجرة ففيها خرج أهل مصر، وحصروا عثمان - ﵁ -، وإن كان ستة وثلاثين ففيها كانت وقعة الجمل، وإن كانت سبعًا وثلاثين، ففيها وقعة صفين.\n٤٢٥٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة) - ﵁ - (قال: قال رسول الله - ﷺ -: يتقارب الزمان) (٣) وفيه تأويلات للعلماء، قيل: يراد به اقترابُ الساعة، أو تقاربُ أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر والفتنة، أو قصرُ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قَالَ أبو داود: من قَالَ: خِرَاشٍ، فقد أخطأ\".\n(٢) \"جامع الأصول\" (١١/ ٧٨٢) رقم (٩٤٨٢).\n(٣) وقال ابن الجوزي: فيه أربعة أقوال، حكاه العيني (٥/ ٢٨٩) ح (١٠٣٦). (ش).","vol":"12","page":292},{"text":"الشَّحَّامِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ أَبِي بَكْرَة، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ يَكُونُ الْمُضْطَجِعُ فِيهَا خَيْرًا مِنَ الْخالِسِ، وَالْجَالِسُ خَيْرًا (١) مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرًا (٢) مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرًا (٣) مِنَ السَّاعِي\". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ إبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ\". قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟\n===\nالشَحَّام) العدوي، أبو سلمة البصري، يقال: أصم أبيه عبد لله، وقيل: ميمون، قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان وذكر عثمان الشحام فقال: يُعْرَفُ ويُنْكَرُ، ولم يكن عندي بذاك، وعن أحمد: ليس به بأس، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، وقال الآجري عن أبي داود - ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، ومرة قال: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: حدثني مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنها ستكون فتنة يكون المضطجع فيها) أي في الفتنة وزمانها (خيرًا من الجالس، والجالس خيرًا من القائم، والقائم خيرًا من الماشي، والماشي خيرًا من الساعي) لأن كل واحد من الأول أبعدُ مباشرة بالفتنة من الآخر.\n(قال) أبو بكرة: (يا رسول الله! ما تأمرني؟ قال: من كانت له إبل) ترعى في الأودية (فليلحق بإبله) ويترك البلاد، (ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض) تُزْرَع (فليلحق بأرضه. قال) أبو بكرة لرسول الله - ﷺ -: (فمن لم يكن له شيء من ذلك) لا إبل، ولا غنم،\n_________\n= والقيامُ بمقابلة الباغين؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩]، وهذا هو الصحيح، وتتأول الأحاديث على ما لم يظر الحق، أو علي طائفتين ظالمتين، وإلَّا يظهر الفساد في البر والبحر، انتهى. (ش).\n(١) في نسخة: \"فيها خير\".\n(٢) في نسخة: \"خير\".\n(٣) في نسخة: \"خير\".","vol":"12","page":293},{"text":"قَالَ: \"فَلْيَعْمِدْ (١) إلى سَيْفِهِ فَلْيَضْرِبْ بِحَدِّهِ عَلَى حَرَّةٍ، ثُمَّ لِيَنْجُو (٢) مَا اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ\". [م ٢٨٨٧، حم ٥/ ٣٩]\n٤٢٥٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، نَا الْمُفَضَّلُ، عن عَيَّاضٍ، عن بُكَيْرٍ، عن بُسْرِ بْن سَعِيدٍ، عن حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الأَشْجَعِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ (٣)، عن النَّبِيِّ - ﷺ - في هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: قُلْتُ (٤): يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي\n===\nولا أرض، فكيف يفعل؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (فليعمد) أي ليقصد (إلى سيفه فليضرب بحده على حرة) أي حجر، فيكسر حدَّ سيفه، وهو كناية عن ترك القتال (ثُمَّ لِيَنْجُو) أي ليفر ويهرب عن الفتن (ما استطاع النجاء) أي ما استطاع الإسراعَ والهربَ.\n٤٢٥٧ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا المفضل، عن عياش، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي) ويقال: عبد الرحمن بن الحسين، ويقال: حسين بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الفتن.\n(أنه سمع سعدَ بنَ أبي وقاص، عن النبي - ﷺ - ﷺ - في هذا الحديث (٥)، قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن دخل عليَّ بيتي،\n_________\n(١) في نسخة: \"يعمد\".\n(٢) في نسخة: \"لِيَنْجُ\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يحدث\".\n(٤) في نسخة: \"فقلت\".\n(٥) أخرجه في \"إزالة الخفاء\" (١/ ١٢٥) برواية أبي يعلى مفصلًا، وفيه: أن سعدًا حمله على مقتل عثمان - ﵁ -، ولفظه: عن بسر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان - ﵁ -: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - قال: إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال: أرأيت إن دخل علي ... إلخ. (ش).","vol":"12","page":294},{"text":"وَبَسَطَ (١) يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"كُنْ كَابْنِ (٢) آدَمَ، وَتَلَا يَزِيدُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية. [ت ٢١٩٤، حم ١/ ١٨٥]\n٤٢٥٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا أَبِي، نَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ غَزْوَانَ، عن إسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ الْجَزَرِيِّ، عن سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ وَابِصَةَ الأَسَدِيُّ،\n===\nوبسط يده ليقتلني) فماذا أفعل؟ (قال: فقال رسول الله - ﷺ -: كن كابن آدم) أي فاستسلم حتى تكون قتيلًا كهابيل، ولا تكن قاتلًا كقابيل (وتلا يزيد) شيخ المصنف: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ (٣) الآية).\n٤٢٥٨ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا أبي، نا شهاب بن خراش، عن القاسم بن غزوان، عن إسحاق بن راشد الجزري) أبو سليمان الحراني، وقيل: الرقي، مولى بني أمية، وقيل: مولى عمر، قال ابن معين: صالح الحديث ثقة، وقال المفضل بن غسان الغلابي: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن خزيمة: لا يُحتَجّ بحديثه، وقال النسائي في \"السنن الكبرى\": ليس بذاك القوي، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان وابن الشاهين في \"الثقات\".\n(عن سالم) غير منسوب، عن عمرو بن وابصة، وعنه إسحاق بن راشد، يحتمل أن يكون ابن أبي الجعد، أو ابن أبي المهاجر، قلت: بل أظن أنه ابن عجلان الأفطس.\n(قال: حدثني عمرو بن وابصة) بن معبد (الأسدي) الرقي، روى عن أبيه وابصة، وعنه سالم شيخ لإسحاق بن راشد، قلت: ذكره ابن حبان\n_________\n(١) في نسخة: \"فبسط\".\n(٢) في نسخة: \"كخير ابنَي آدم\".\n(٣) سورة المائدة: الآية ٢٨.","vol":"12","page":295},{"text":"عنِ أَبِيهِ وَابِصَةَ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ، فَذكَرَ بَعْضَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: \"قَتْلَاهَا كُلُّهُمْ في النَّارِ\". قَالَ فِيهِ: قُلْتُ: مَتَى ذَاكَ (١) يَا ابْنَ مَسعودٍ؟ قَالَ: تِلْكَ أَيَّامُ الْهَرْجِ، حَيْثُ لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ. قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ الزَّمَانُ؟ قَالَ: تَكُفُّ لِسَانَكَ وَيَدَكَ، وَتَكُونُ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ\n===\nفي \"الثقات\"، وقال: روى عنه أهل الجزيرة، وأمه أمة بنت عمر بن بشر بن ذي الرمحين.\n(عن أبيه وابصة) بن معبد، (عن ابن مسعود قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول، فذكر) ابن مسعود (بعض حديث أبي بكرة، قال: قتلاها كلهم في النار).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: قوله: \"قتلاها - أي الفتنة - كلهم\"، وقد عرفت أن الفتنة فتنة ما لم تعلم، أي الحق من الباطل، فمن قُتِل فيها من غير أن يقصد إحقاق الحق كان كذلك، وأما من قُتِلَ في تأييد الحق، أو قُتِلَ ظلمًا لا يريد قتل أحد، فليس هو قتيل فتنة، فاغتنم فإنه غريب، انتهى.\n(قال) أي وابصة (فيه) أي في الحديث: (قلت: متى ذاك يا ابن مسعود؟ قال: تلك أيام الهرج (٢)، حيث لا يأمن الرجل جليسَه، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ قال: تكف لسانَك) عن الكلام في الفتنة (ويدَك) عن قتل أحد (وتكون حِلْسًا من أحلاس بيتك) (٣) أي الزم بيتَك ولا تخرج منه، وأن لا تشارِكْ في الفتنة.\n_________\n(١) في نسخة: \"ذلك\".\n(٢) قال في \"جامع الأصول\" ح (٧٤٦٣): الهرج: الاختلاف والفتن، وقد جاء في بعض الحديث أنه القتل، والقتل فإنما سببه الفتن والاختلاف.\n(٣) لا يخالف حديث: \"من قتِلَ دون ماله فهو شهيد\"، راجع: \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ١٨٢). (ش).","vol":"12","page":296},{"text":"فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ طَارَ قَلْبِي مَطَارَهُ، فَرَكِبْتُ حَتَّى أَتَيْتُ دِمَشْقَ فَلَقِيتُ خُرَيْمَ بْنَ فَاتِكٍ فَحَدَّثْتُهُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ الّذِي لَا إلهَ إلَّا هُوَ لَسَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَمَا حَدَّثَنِيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ. [حم ١/ ٤٤٨]\n٤٢٥٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عن هُزَيْلِ، عن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ\n===\n(فلما قُتِلَ عثمان) - ﵁ -، قائله وابصة (طار قلبي مَطارَه) قال في \"المجمع\" (١): أي مال إلى جهة يهواها، وتعلق بها، والمطار موضع الطيران، انتهى. قلت: ويحتمل أن يكون معناه: طار قلبي أي قَلِقَ، وفزع، واستطار، والمطارة مصدر، أو مطاره، أي استطارته.\n(فركبتُ حتى أتيتُ دمشق) لأنه لم تكن هناك فتنة (فلقيت خريم بن فاتك) بن أخرم الأزديَّ، أبو أيمن، صحايي، قال البخاري في \"التاريخ\" (٢): شهد بدرًا، وقال محمد بن عمر: هذا لا يُعْرَفُ (٣)، وإنما أسلم حين أسلم بنو أسد بعد الفتح، فتحول إلى الكوقة فنزلها، وقيل: أسلم خريم ومعه ابنه أيمن يوم الفتح، وجزم ابن سعد بذلك.\n(فحدثته) بحديث ابن مسعود (فحلف) خريم (بالله الذي لا إله إلَّا هو لَسَمِعَه) أي خريم هذا الحديث (من رسول الله - ﷺ - كما حدثنيه ابنُ مسعود).\n٤٢٥٩ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل) بن شرحبيل، (عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله -ﷺ -: إن بين يدي الساعة) أي قدامها\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٨٤).\n(٢) \"التاريخ الكيير\" ١/ ٢/ ٢٢٤) رقم (٧٥٧، ورجَّح الحافظ في \"الإصابة\" (٢٢٤٦) أنَّه لم يشهد بدرًا، إنما شهد الحديبية.\n(٣) يعني: شهوده بدرًا.","vol":"12","page":297},{"text":"فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وُيمْسِي كَافِرًا، وُيمْسِي مُؤْمِنًا، وُيصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرُبوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَي آدم\". [ت ٢٢٠٤، جه ٣٩٦١، حم ٤/ ٤٠٨]\n٤٢٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ،\n===\nمن أشراطها (فتنًا) عظامًا (كقطع الليل المظلم) بكسر القاف وفتح الطاء، أي كل فتنة كقطعة من الليل المظلم في شدتها وظلمتها، وعدم تبيينِ أمرها والتباسها، وفزاعتها، وشيوعها، واستمرارها. (يصبح الرجل فيها) أي في تلك الفتن (مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا\" ويصبح كافرًا).\nوالظاهر أن المراد بالإمساء والإصباح: تقلُّبُ الناس فيها وقتًا دون وقت، لا بخصوص الزمانين، فكأنه كناية عن ترددِ أحوالهم، وتذبذبِ أقوالهم، وتنوع أفعالهم من عهد ونقض، وأمانة وخيانة، ومعروف ومنكر، وسنة وبدعة، وإيمان وكفر.\n(القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي) أي كلما بَعُدَ الشخص عنها وعن أهلها خير له من قربها، واختلاطِ أهلها؛ فإذا رأيتم ذلك (فَكَسِّروا قسيَّكم، وقَطِّعوا) فيها (أوتاركم) جمع وتر، وفيه زيادة المبالغة؛ لأن بعد تقطيع الوتر لا ينتفع به أحد، (واضربوا سيوفكم بالحجارة) حتى تنكسر أو تذهب حدتُها (فإن دخل) بصيغة المجهول (على أحد منكم فليكن) ذلك الأحد (كخير ابني آدم) وهو هابيل، أي فليستسلم حتى يكون قتيلًا، ولا يكون قاتلًا.\n٤٢٦٠ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا أبو عوانة، عن رقبة بن مصقلة،","vol":"12","page":298},{"text":"عن عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ (١) قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِيَدِ ابْنِ عُمَرَ في طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ إذْ أَتَى عَلَى رَأسٍ مَنْصُوبٍ فَقَالَ: شَقِيَ قَاتِلُ هَذَا، فَلمَّا مَضَى قَالَ: وَمَا أُرَى هَذَا إلَّا قَدْ شَقِيَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ مَشَى إلى رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي لِيَقْتُلَهُ فَلْيَقُلْ هَكَذَا (٢)، فَالْقَاتِلُ في النَّارِ، وَالْمَقْتُولُ في الْجَنّةِ\".\n===\nعن عون بن أبي جحيفة، عن عبد الرحمن) وفي نسخة: \"ابن سمرة\" (قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر في طريق من طرق المدينة إذ أتى على رأس منصوب) على الجذع بأنه صُلِبَ عليه، وقال: صاحب \"العون\" (٣): لعله رأس ابن الزبير. وكذا في حاشية المكتوبة الأحمدية، والظاهر أنه غير صحيح؛ لأنه يأباه: قوله \"في طريق من طرق المدينة\"، ولو كان المراد ابنَ الزبير لقال: \"في طريق المدينة\"، وزيادة لفظ \"الطريق\" يدل على أنها واقعة المدينة التي وقعت في بعض طرقها، وكذلك قوله الذي يأتي في الحديث: \"وما أُرَى إلَّا قد شَقِيَ\"، يأبى عن حمل الكلام على ابن الزبير؛ لأن ابن الزبير صحابي دافع عن نفسه وعن المسلمين، وكان هو أحقّ بالخلافة من يزيدَ.\n(فقال: شقيَ قال، هذا)؛ لأنه قتل مسلمًا (فلما مضى) أي ابن عمر (قال: وما أرى هذا) أي: المقتول (إلَّا قد شقي، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من مشى إلى رجل من أمتي ليقتله) ظلمًا (فليقل) أي: فليفعل (هكذا) أي يمد عنقه، ويرضى بقتل نفسه (فالقاتل في النار، والمقتول في الجنة).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فليقل هكذا\"، كان الظاهر أن المقتول لم يفعل هكذا، وإن كان محتملًا أن يكون فعله، ولذا أورد شقاوة المقتول بصيغة الظن دون شقاوة القاتل؛ لأنه مذكورة بصيغة الجزم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابنَ سمرة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني فليمد عنقه\".\n(٣) \"عون المعبود\" (١١/ ٢٢٧).","vol":"12","page":299},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عن عَوْنٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سُمَيْرٍ أَوْ سُمَيْرَةَ، وَرَوَاهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عن عَوْنٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سُمَيْرَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ لِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ - يَعْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ - عن أَبِي عَوَانَةَ، وَقَالَ: هُوَ في كِتَابِي: ابْنُ سَبْرَةَ، وَقَالَ: سَمُرَة، وَقَالُوا: سُمَيْرَة. هَذَا كَلَامُ أَبِي الْوَليدِ.\n===\n(قال أبو داود: رواه الثوري (١)، عن عون، عن عبد (٢) الرحمن بن سمير، أو سميرة. ورواه ليث بن أبي سليم (٣) عن عون، عن عبد الرحمن بن سميرة، قال أبو داود: قال لي الحسن بن علي: حدثنا أبو الوليد - يعني بهذا الحديث - عن أبي عوانة، وقال) أبو الوليد: (هو في كتابي: ابن سبرة، وقال) أبو عوانة، وفي نسخة: \"وقالوا\": (سمرة) وقال، وفي نسخة: (وقالوا: سميرة، هذا كلام أبي الوليد).\nحاصله: أن الحسن بن علي شيخ المصنف يقول: حدثنا أبو الوليد بهذا الحديث عن أبي عوانة، وقال: الذي في كتابي الذي كتبته عن أبي عوانة ففيه في اسم والد عبد الرحمن مكتوب: ابن سبرة، وقال أبو عوانة عند التحديث: سمرة، وقالوا - أي الناس - في تسمية والد عبد الرحمن - سميرة، وأما على النسخة الثانية، وهو: \"وقالوا: سمرة\" فيكون معناه: وقال الناس بعضهم: سمرة، وبعضهم: سميرة.\n_________\n(١) رواية سفيان الثوري أخرجها أحمد (٢/ ١٠٠)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٢٩١)، والمزي في \"تهذيب الكمال\" رقم الترجمة (٣٨٣٠).\n(٢) قال الحافظ في \"التهذيب\" (٦/ ١٩١): عبد الرحمن بن سمير، ويقال: اين سميرة، ويقال: ابن أبي سميرة، ويقال: ابن سمرة، ويقال: ابن سبرة، ويقال: ابن سمية.\n(٣) ورواية ليث بن سليم أخرجها البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٢٩١).","vol":"12","page":300},{"text":"٤٢٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عن الْمُشَعِّثِ بْنِ طَرِيفٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا أَبَا ذَرٍّ\"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ فِيهِ: \"كَيْفَ أَنْتَ إذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ\n===\nوقالق المنذرى: وذكر البخاري في \"تاريخه الكبير\" (١) عبد الرحمن هذا، وذكر الخلاف في اسم أبيه، وقال: حديثه في الكوفيين، وذكر له هذا الحديث مقتصرًا منه على المسند، قال الدراقطني: تفرد به أبو عوانة عن رقبة، عن عون ابن أبي جحيفة عنه، يعني عن عبد الرحمن بن سمير.\n٤٢٦١ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن المشَعِّث).\nفي \"الخلاصة\" (٢): بوزن مِشْرَح، أي: بكسر الميم، وسكون المعجمة، وخفة العين، وفي \"التقريب\": مشعث بتشديد المهملة يعدها مثلثة، ويقال: منبعث بسكون النون، وفتح الموحدة، وكسر المهملة (ابن طريف) قاضي هراة، قال صالح بن محمد: كان قاضي هراة، ولا نعرف بخراسان قاضيًا أقدم منه إلَّا يحيى بن يعمر، ومشعث جليل لا يُعْرَفُ في قضاة خراسان أجل منه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في \"السنن\" حديث أبي ذر هذا، قال أبو داود: لم يذكر المشعثَ في هذا الحديث غيرُ حماد بن زيد.\nقلت: وقد رواه جعفر بن سليمان، وغير واحد، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت نفسه، ولم يذكروا المشعثَ.\n(عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، فذكر الحديث، قال فيه) أي في الحديث: (كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت) أي القبر (فيه)\n_________\n(١) انظر: \"التاريخ الكبير\" (١/ ٣/ ٢٩١) رقم (٩٤٨).\n(٢) \"الخلاصة\" (ص ٣٩٦).","vol":"12","page":301},{"text":"بِالْوَصِيفِ؟ - يَعْنِي الْقَبْر-\"، قُلْتُ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَوْ قَالَ مَا خَارَ اللَّه لِي وَرَسُولُهُ، قَالَ: \"عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ\"، أَوْ قَالَ: \"تَصَبَّر\"، ثُمَّ قَالَ لي: \"يَا أَبَا ذَرٍّ\"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: \"كَيْفَ أَنْتَ إذْ (١) رَأَيْتَ أَحْجَارَ الزَّيْتِ قَدْ غَرِقَتْ بِالدَّمِ؟ \" قُلْتُ: مَا خَارَ اللَّه لِي وَرَسُولُهُ، قَالَ: \"عَلَيْكَ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ\"\n===\nأي في زمان الموت (بالوصيف؟) أي الخادم (يعني) بالبيت (القَبر) قيل: محل القبر، وقيل: أجرة حفره (قلت: الله ورسوله أعلم، أو قال: ما خار) أي اختار (الله لي ورسوله).\nقال الخطابي (٢): البيت ها هنا القبرُ، والوصيف الخادمُ، يريد أن الناس يشغلون عن دفن موتاهم، حتى لا يوجَدَ من يحفر قبر الميت ويدفنه إلَّا أن يعطي فيه وصيفًا، أو قيمته، وقد يكون معناه أن مواضع القبور تضيق عنهم، فيبتاعون لموتاهم القبورَ كلِّ قبر بوصيف.\nوقيل (٣): إن البيوت تصير رخيصة بكثرةِ الموت، وقلةِ من يسكنها؛ فيباع بيت بعبد، وقيل: إنه لا يبقى في البيت إلَّا عبد يقوم بمصالح أهل ذلك البيت.\n(قال: عليك بالصبر، أو قال: تَصَبَّر، ثم قال لي: يا أبا ذر! قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذ رأيت أحجار الزيت) موضع (٤) بالمدينة (قد غرقت بالدم؟) أي أحيطت بالدم (قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بمن أنت منه) قال القاضي: أي ارجع إلى من أنت جئت منه، وخرجت من عنده، يعني أهلك وعشيرتك، والظاهر أن يقال: ارجع إلى إمامك ومن بايعته.\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢» معالم السنن\" (٤/ ٣٤٢).\n(٣) انظر: \"عون المعبود\" (١١/ ٢٢٩).\n(٤) وتقدم عن \"وفاء الوفاء\" أن هذا الموضع غير الموضع الذي وقع في حديث الاستسقاء، ذكرهما في \"وفاء الوفاء\" (٤/ ١١٥). (ش).","vol":"12","page":302},{"text":"قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا آخُذُ سيْفِي فَأَضَعُهُ عَلَى عَاتِقِي؟ قَالَ: \"شَارَكْتَ الْقَوْمَ إذًا\"، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: \"تَلْزَمُ بَيْتَكَ\". قَالَ: قُلْتُ: فَإنْ دُخِلَ عَلَيَّ بَيْتِي؟ قَالَ: \"فَإنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكَ يَبُوءُ بِإثْمِكَ وَإثْمِهِ\". [جه ٣٩٥٨، ق ٨/ ١٩١، حم ٥/ ١٤٩، ك ٤/ ٤٢٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُشَعِّثَ في هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ.\n===\n(قال: قلت: يا رسول الله! أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (شاركت القومَ إذًا) أي إذا وضعت سيفك على عاتقك تشارك القوم في الفتنة.\n(قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتكَ. قال) أبو ذر: (قلت: فإن دخل عليَّ) أحد في (بيتي) ليقتلني فماذا أفعل؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (فإن خشيت أن يبهرك) أي يغلبك (شعاع السيف) أي ضوؤه وبريقه (فألق ثوبك على وجهك) فإن قتلك (يبوء بإثمك وإثمه) أي بإثم قتلك الذي ارتكبه الآن، وبآثامه الآخر التي كانت له أولَّا، أو المراد بإثمك الذي ارتكبته، ومعنى الرجوع به أنه يحط عنك؛ لأنه لما استُشْهِدْتَ عفا الله عنك ذلك الإثم بسبب قتله إياك، وكان ذلك (١) حين قتل الحجاج كبار علماء المدينة، يقال: إنه قتل عشرة آلاف من العلماء، كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\".\n(قال أبو داود: لم يذكر المشعثَ في هذا الحديث غير حماد بن زيد).\nقال الحافظ (٢): وقد رواه جعفر بن سليمان وغير واحد، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت نفسه، ولم يذكر المشعثَ، وذكره حماد بن زيد فقط.\n_________\n(١) وفي \"أشراط الساعة\": أنها وقعة الحرة. (ش).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٥٦).","vol":"12","page":303},{"text":"٤٢٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عن أَبِي كَبْشَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وُيمْسِي مُؤْمِنًا وُيصبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْر مِنَ السَّاعِي\". قَالُوا: فَمَا (١) تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: \"كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ\". [حم ٤/ ٤٠٨]\n٤٢٦٣ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصِّيصِيُّ قَالَ: نَا حَجَّاج - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - قَالَ: نَا (٢) اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ جُبَيْرٍ حَدَّثَهُ، عن أَبِيهِ، عن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: ايْمُ اللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ:\n===\n٤٢٦٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا عفان بن مسلم قال: نا عبد الواحد بن زياد، نا عاصم الأحول، عن أبي كبشة قال: سمعت أبا موسى يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم)، وقد تقدم ما يتعلق بهذا الحديث قريبًا.\n٤٢٦٣ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي قال: نا حجاج - يعني ابن محمد- قال: نا الليث بن سعد قال: حدثني معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير حدثه، عن أبيه) أي جبير بن نفير، (عن المقداد بن الأسود قال) أي المقداد: (أيم الله) أي على قسم الله، (لقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بما\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".","vol":"12","page":304},{"text":"\"إنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إن السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إن السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>(٢) بَابٌ: في كَفِّ اللِّسَانِ</span>\n٤٢٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرانَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن الْبَيْلَمَانِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ هُرْمُزَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) - ﷺ - قَالَ: \"سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ\n===\nإن السعيدَ لَمن جُنب) أي حُفِظَ أو أبعِد من (الفتن، إن السعيد لمَن جُنب الفتن، إن السعيد لَمن جُنب الفتن، ولمن ابتُلي فصبر فواهًا) له: معناه: التلهف والتحسر، أي واهًا لمن باشر الفتنة وسعى فيها، وقيل: معناه الإعجاب والاستطابة، وَلمَنْ بكسر اللام (٢) أي ما أحسن وما أطيب من صبر عليها، وفي \"القاموس\": واهًا، ويترك تنوينه، كلمةُ تعجبٍ من طيب شيء، وكلمة تلهفٍ من تلف شيء.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فواهًا\" تحسر لمن قُتِل، وهو مظلوم، أو استطابة لحاله باعتبار مآله، انتهى.\n\n(٢) (بَابٌ: في كَفِّ اللِّسَانِ)\n٤٢٦٤ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني ابن وهب، حدثني الليث، عن يحيى بن سعيد قال: قال خالد بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة) -﵁ - (أن رسول الله - ﷺ - قال: ستكون فتنة صَمَّاء\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٢) يعني اللام التي في \"لمن ابتلي\"، وقيل: بالفتح. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٢٨٨ - ٢٨٩).","vol":"12","page":305},{"text":"بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ، مَنْ أَشْرَفَ لَهَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ، وَإشْرَافُ اللِّسَانِ فِيهَا كَوُقُوعِ (١) السَّيْفِ\".\n٤٢٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ قَالَ: نَا لَيْثٌ، عن طَاوُسٍ، عن رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: زِيَادٌ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ،\n===\nبَكْماء عَمْياء) أي باعتبار أصحابها حيث لا يجدون لها مستغاثًا، ولا يرون منها مخرجًا وخلاصًا، والمعنى لا يميزون فيها بين الحق والباطل، ولا يسمعون النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، بل من تكلم فيها أوذي، ووقع في الفتن والمحن. (من أشرف لها) أي من اطلع عليها، وقرب منها (استشرفت له) أي طلعت تلك الفتنة عليه وجذبته إليها، (وإشراف اللسان) (٢) أي إطلاقه وإطالته (فيها) أي في الفتنة (كوقوع السيف).\n٤٢٦٥ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد قال: نا ليث، عن طاوس، عن رجل يقال له: زياد) هو زياد بن سليم العبدي، أبو أمامة، المعروف بزياد الأعجم، وهو زياد سيمين كوش مولى عبد القيس، (عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنها ستكون فتنة (٣) تستنظف العرب)\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"كوقع\".\n(٢) له ثلاث معان: الأول: كلمة الحق أشد من السيف لفشو الباطل، الثاني: تأثيرات الألسنة لاختراع الأكاذيب آثر من تأثيرات السيوف، الثالث: ذكرهم بالسب والشتم أشد من الشركة في هذه الفتنة، وهذا المعنى الثالث يختص إذا فسرت بالصفين، كذا في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٢٧)، ومال الدمنتي إلى الثاني؛ إذ حكى عن الخطابي: أي بالكذب عند أئمة الجور، ونقلِ الأخبار إليهم؛ فربما ينشأ عن ذلك مفاسد عظيمة.\n(٣) حملها عامَة المحشين على أبي داود والترمذي: على القتال بين علي ومعاوية ﵄، وسكت عنه محشي ابن ماجه، وكذا حكاها القاري (٩/ ٢٨٣)، وبسط الكلام وقال: لا يجوز حمله على هذه الفتنة، وهكذا في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٢٦): أن الأسلم أنها لم تعلم أيها هي؟ ! . (ش).","vol":"12","page":306},{"text":"قَتْلَاهَا في النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وُقُوعِ (١) السَّيْفِ\". [ت ٢١٧٨، جه ٣٩٦٧، حم ٢/ ٢١١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَوْرِيُّ، عن لَيْثٍ، عن طَاوُسٍ، عن الأَعْجَمِ.\n٤٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ قَالَ: زِيادٌ سِيَمِينُ كُوش [انظر سابقه]\n\n(٣) بَابُ (٢) الرُّخْصَة في التَّبَدِّي في الْفِتْنَةِ\n٤٢٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عن أَبِيهِ،\n===\nأي تستوعبهم هلاكًا (قتلاها في النار) لقتالهم على الدنيا واتباعهم الشيطانَ (اللسان فيها أشد من وقوع السيف، قال أبو داود: رواه الثوري، عن ليث، عن طاوس عن الأعجم) وهو زياد سيمين كوش.\n٤٢٦٦ - (حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، نا عبد الله بن عبد القدوس قال: زياد سيمين كوش) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>(٣) (بَابُ الرُّخْصَةِ في التَّبَدِّي في الفِتْنَةِ)</span>\nأي: الخروج إلى البادية، وترك القرى والبلدان\n٤٢٦٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه) عبد الله بن عبد الرحمن،\n_________\n(١) في نسخة: \"وقع\".\n(٢) في نسخة بدله: \"باب ما يُرَخَّصُ فيه من البداوة في الفتنة\".\n(٣) قوله: \"زياد سيمين كوش\" أي قال عبد القدوس في روايته: \"زياد سيمين كوش\" مكان: رجل يقال له: \"زياد\"، و\"سيمين كوش\" لفظ فارسي معناه أبيض اللون. انظر: \"عون المعبود\" (١١/ ٢٣٣)، وانظر ترجمته في: \"التهذيب\" (٣/ ٣١٩) رقم (٦٧٩).","vol":"12","page":307},{"text":"عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَواقِعَ الْمَطَرِ (١) يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ\". [خ ١٩، جه ٣٩٨٠ ن ٥٠٣٦، حم ٣/ ٣٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1633>(٤) بَابٌ: في النَّهْيِ عَنِ الْقِتَالِ في الْفِتْنَةِ</span>\n٤٢٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ وُيونُسَ، عن الْحَسَنِ، عن الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ - يَعْنِي في الْقِتَالِ-\n===\n(عن أبي سعيد الخدري قال: قال (٢) رسول الله - ﷺ -: يوشك) أي يقرب (أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شَعَفَ الجبال) أي رؤوسها وأعاليها، (ومواقع المطر، يفر بدينه من الفتن).\n\n(٤) (بَابٌ: في النَّهْيِ عَنِ الْقِتَالِ في الْفِتْنَةِ)\n٤٢٦٨ - (حدثنا أبو كامل، نا حماد بن زيد، عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس) بن معاوية بن حصين التميمي السعدي، أبو بحر البصري، اسمه الضحاك، وقيل: صخر، والأحنف لقب، أدرك النبي - ﷺ - ولم يسلم، ويُرْوى بسند لين: أن النبي - ﷺ - دعا له ومناقبه كثيرة، وحلمه يُضْرَبُ به المثَلُ، وكان ثقة مأمونًا قليل الحديث، قال مصعب بن الزبير يوم موته: ذهب اليوم الحزمُ والرأي، وقاله أحمد من طريق الحسن عن الأحنف قال: لست بحليم ولكني أتحالم.\n(قال: خرجت وأنا أريد - يعني في القتال -) أي أدخل فيه، وفي نسخة:\n_________\n(١) في نسخة: \"القطر\".\n(٢) يشكل على الحديث وما في معناه ما تقدم \"من سكن البادية جفا\"، رواه الترمذي (٢٢٥٦)، وتقدم الجواب عنه عن \"الكوكب الدرى\" (٣/ ١٨٠): أن ذلك لاختلاف الجهتين. (ش).","vol":"12","page":308},{"text":"فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: ارْجِعْ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إذَا تَوَاجَهَ (١) الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النِّارِ\". قَالَ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: \"إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ\". [خ ٣١، م ٢٨٨٨، ن ٤١٢١، حم ٥/ ٤٦]\n٤٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عن أَيُّوبَ، عن الْحَسَنِ، بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ مُخْتَصَرًا (٣). [انظر سابقه]\n===\nفي قتال الجمل (فلقيني أبو بكرة فقال: ارجع، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما) بأن يريد كل واحد منهما قتلَ الآخر (فالقاتل والمقتول في النار، قال: يا رسول الله! هذا القاتل) أي يصح أن يدخل في النار؛ لأنه قتل مسلمًا، (فما بال المقتول؟) فإنه قُتِلَ ظلمًا، فما وجه دخوله في النار؟ (قال: إنه أراد قتلَ صاحبه).\n٤٢٦٩ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن أيوب، عن الحسن، بإسناده ومعناه مختصرًا).\nفإن قلت: إن في زمان حرب الجمل لم يكن الحق مشتبهًا، بل كان علي - ﵁ - الخليفَةَ حقًّا، وكانت عائشة - ﵂ - على خلاف الحق؛ فعلى هذا كان واجبًا على المسلمين إعانة علي - ﵁ -، فكيف حكم أبو بكرة بحكم هذا الحديث فيها بأن المقتول في النار؟\nقلت: هذا التحقق بأن عليًا -﵁ - كان على الحق،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"توجه\".\n(٢) في نسخة: \"قالوا\".\n(٣) في نسخة زاد: \"قال أبو داود: ولمحمد - يعني ابن المتوكل- أخ ضعيف يقال له: حسين\".","vol":"12","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1634>(٥) بَابٌ: في تَعْظِيمِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ</span>\n٤٢٧٠ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عن خَالِدِ بْنِ دِهْقَانَ قَالَ: كُنَّا في غَزْوَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ (١) بِذُلُقْيَةَ (٢)، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَخِيَارِهِمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ لَهُ يُقَالُ لَهُ: هَانِئُ بْنُ كُلْثُومِ بْنِ شَرِيكٍ الْكِنَانِيُّ،\n===\nوعائشة - ﵂ - كانت على الخطأ، ظهر بعد ذلك، وأما في ذلك الوقت فلم يظهر لهم هذا الأمر، وخفي عليهم الاختلافُ في قتل عثمان - ﵁ -، والتيقن بأن قتله - ﵁ - كان بإشارة علي - ﵁ -.\n\n(٥) (بَابٌ: في تَعْظِيمِ قَتْلِ المُؤْمِنِ)، والتغليظ فيه\n٤٢٧٠ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا محمد بن شعيب، عن خالد بن دهقان) بكسر مهملة وبقاف، القرشي مولاهم، أبو المغيرة الدمشقي، قال أبو مسهر: كان غيرَ متهمٍ، كان ثقة، وقال أيضًا: كان عنده أربعة أحاديث، وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة، وقال أبو زرعة الدمشقي: نفر ثقات، فذكره أوَّلَهم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: كنا في غزوة القسطنطينية بذُلُقْيَة) قال في \"المجمع\" (٣): مدينة بالروم، (فأقبل رجل من أهل فلسطين من أشرافهم وخيارهم يعرفون ذلك) أي الشرف (له) أي: لذلك الرجل (يقال له: هانئ بن كلثوم) بن عبد الله (بن شريك) بن ضمضم، ويقال: ابن حيَّان (الكناني) الفلسطيني العابد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وكان عطاء الخراساني إذا ذكر ابن محيريز وهانئ بن كلثوم وغيرهم قال: قد كان في هؤلاء من هو أشد اجتهادًا من هانئ بن كلثوم،\n_________\n(١) في نسخة: \"القسطنطينة\".\n(٢) في نسخة: \"بالباذقية\".\n(٣) \"المجمع\" (٢/ ٢٤٩)، وضبطها: بضم ذال، وسكون قاف، وفتح تحتية.","vol":"12","page":310},{"text":"فَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ أَبِي زَكَرِيَّا وَكانَ يَعْرِفُ لَهُ حَقَّهُ، قَالَ لنَا خَالِدٌ: فَحَدَّثنَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِي زِكَرِيَّا، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا، أَوْ مُؤْمِنٌ قتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا\".\n===\n[لكنه كان يفضلهم بحسن الخلق]، بعث عمر بن عبد العزيز إلى هانئ بن كلثوم يستخلفه على فلسطين فأبى، مات في ولايته، فقال: عند الله أحتسب صحبة هانئ الجيش (١) (فسلم) هانئ (على عبد الله بن أبي زكريا) الخزاعي، أبو يحيى الشامي، واسم أبي زكريا إياس بن يزيد، وقيل: زيد بن إياس، كان عبد الله من فقهاء أهل دمشق من أقران مكحول، قال ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام: كان ثقة، قليلَ الحديث، صاحبَ غزو، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(وكان) عبد الله (يعرف له) أي لهانئ بن كلثوم (حقه) لشرفه وفضلِه وعبادتِه، وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": والضمير في \"كان يعرف له حقه\" وإن أمكن إرجاعه إلى عبد الله فيعود المجرور إلى هانئ، إلَّا أن الأولى إرجاعه إلى هانئ بإعادة المجرور إلى عبد الله، فيكون حاصلُ المعنى معرفةَ حق صاحبه من الجانبين، فكان ابنُ كلثوم يعظِّم عبدَ الله، كما كان عبدُ الله يعرف حقَّه أيضًا.\n(قال لنا خالد: فحدثنا عبد الله بن أبي زكريا قال: سمعتُ أمَّ الدرداء تقول: سمعتُ أبا الدرداء يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلَّا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا) (٢).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢٢).\n(٢) وحكى أحد أضيافي أن المنقول عن الإِمام الأعظم في توجيهه، وهو غني عن التأويلات: أن من يقتل مؤمنًا يقصد في قتله كونه مؤمنا، أي يقتل مؤمنًا من حيث إنه مؤمن لا لوجه آخر، ولا يمكن هذا إلَّا عن كافر\nقلت: ومال إلى هذا التوجيه صاحب \"شرح المواقف\". (ش).","vol":"12","page":311},{"text":"فَقَالَ هَانِئُ بْنُ كُلْثُوم: سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيع يُحَدِّثُ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّه سَمِعَهُ يُحَدِّثُ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاعْتَبَطَ (١) بِقَتْلِهِ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّه مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا\". قَالَ لَنَا خَالِدٌ: ثُمَّ حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا، عن أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قالَ: \"لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ مُعْنِقًا\n===\n(فقال هانئ بن كلثوم: سمعت محمودَ بنَ الربيع يحدث، عن عبادة بن الصامت، أنه سمعه يحدث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: من قتل مؤمنًا فاعتبط) بعين مهملة يقال: عبطت الناقة واعتبطتها إذا نحرتها من غير داء ولا آفة يكون بها، ومات فلان عبطةً إذا مات شابًّا، واحتضر قبل أوان الشيب والهرم، ومعناه أنه قتله ظلمًا غير قصاص.\nوقال في \"المجمع\" (٣): ومنه حديث: \"من قتل مؤمنًا فاعتبط بقتله\"، وسئل الراوي عنه فقال: الذين يقاتلون في الفتنة، فيرى أنه على هدى لا يستغفر عنه، وهذا التفسير يدل على أنه من الغبطة بمعجمة، وهي الفرح والسرور؛ لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، ومن فرح بقتل المؤمن دخل في هذا الوعيد.\n(بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا) أي: تفلًا ولا قرضًا. (قال لنا خالد) وهذا قول محمد بن شعيب: (ثم حدثنا ابن أبي زكريا، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: لا يزال المؤمن مُعْنِقًا) أي: مسرعًا في طاعته ومنبسطًا في عمله، وقيل: يوم القيامة، وقال الطيبي: مُوَفَّقًا للخيرات، مسارعًا إليها، أراد خفة الظهر من الآثام، أي: يسير سيرَ المخف،\n_________\n(١) في نسخة: \"اغتبط\".\n(٢) في نسخة: \"حدثني\".\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥١٥).","vol":"12","page":312},{"text":"صَالِحًا مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا، فَإذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا بَلَّحَ\". [ق ٨/ ٢١، ك ٤/ ٣٥١]\nوَحَدَّثَ هَانِئُ بْنُ كُلْثُومٍ، عن مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِثْلَهُ سَوَاءً.\n٤٢٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَمْرٍو، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُبَارَك قَالَ: نَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ أَوْ غَيْرُهُ قَالَ: قَالَ خَالِدُ بْنُ دِهْقَانَ: \"سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْغَسَّانِيَّ\n===\nكذا في \"المجمع\" (١) (صالحًا ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بلَّح) بحاء مهملة وتشديد لام، أي انقطع من الإعياء، فلم يقدر أن يتحرك، وقد أبلحه السير فانقطع به، يريد وقوعه في الهلاك بإصابة الدم.\n(وحدث هانئ بن كلثوم، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله - ﷺ -، مثلَه سواء).\n٤٢٧١ - (حدثنا عبد الرحمن بن عمرو، عن محمد بن المبارك) بن يعلى القرشي، الصوري، أبو عبد الله القلانسي، سكن دمشقَ، قال أبو زرعة الدمشقي عن الوليد بن عتبة، سمعت مروان بن أحمد يقول: ليس فينا مثله، قال ابن معين: محمد بن المبارك شيخ الشام بعد أَبي مسهر، وكذا قال أبو داود، وقال العجلي وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من العباد، وقال: ذكره ابن شاهين في \"الثقات\"، قال الذهبي: أحاديثه تستنكر، وقال الخليلي: ثقة، وقال الذهلي: كان أفضلَ من رأيتُ بالشام.\n(قال: نا صدقة بن خالد أو غيره (٢) قال: قال خالد بن دهقان: قال: سألت يحيى بن يحيى الغساني) هو يحيى بن أبي زكريا الغساني، أبو مروان الواسطي، أصله من الشام، قال الدوري: سئل عنه ابن معين فقال: لا أَدري، وقال أبو حاتم:\n_________\n(١) \"المجمع\" (٣/ ٦٩٣).\n(٢) يقال: هو محمود بن الوليد، كما في \"تحفة الأشراف\" (١٩٥٤٤).","vol":"12","page":313},{"text":"عن قَوْلِهِ: اغْتَبَطَ (١) بِقَتْلِهِ، قَالَ: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ في الْفِتْنَةِ، فيَقْتُلُ أَحَدُهُمْ فَيَرَى أَنَّهُ عَلَى هُدَى، فَلَا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى- يَعْنِي مِنْ ذَلِكَ (٢) -\".\n٤٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا حَمَّادٌ، أنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ إسْحَاقَ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن مُجَالِدِ بْنِ عَوْفٍ\n===\nليس بالمشهور، وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف، وقال ابن حبان: لا تجوز الرواية عنه؛ لما أكثر من مخالفة الثقات في روايته عن الأثبات، له في \"صحيح البخاري\" حديث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة متابعة.\n(عن قوله) في الحديث: (اغتبط بقتله، قال: الذين يقاتلون في الفتنة، فيقتل أحدهم) مسلمًا (فيرى) أي القاتل (أنه) أي القاتل (على هدى، فلا يستغفر الله تعالى، يعني من ذلك).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في التقرير: قوله: \"سألت\nيحيى ... إلخ\"، لم يكن القصد إلى تحقيق مدلول اللفظ كما يدل الجواب على ما قلنا، بل الذي بعثه على المسألة أن شيئًا من المعاصي لا يفضل على الكفر والشرك، وشأنهما قبول الطاعات إذا تاب عنها، فما بال القاتل لا يقبل منه شيء، ولم يذكر الاسثناء أيضًا حتى يعلم قبولها منه بعد التوبة.\nوحاصل الجواب: أن عدم القبول إنما هو لعدم التوبة؛ لا أنها لا تُقْبَلُ منه وإن تاب.\n٤٢٧٢ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا حماد، أنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن مجالد بن عوف) الحضرمي، ويقال: عوف بن مجالد، حجازي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" فيمن اسمه عوف، وقال الذهبي: لا يُعْرَف، تفرد عنه أبو الزناد.\n_________\n(١) وفي آخر الحديث زيادة في متن \"عون المعبود\" (١١/ ٢٣٨): \"قال أبو داود: وقال: فاعتبط: يَصُبُّ دَمَه صبًّا\".\n(٢) في نسخة بدله: \"اعتبط\".","vol":"12","page":314},{"text":"أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ في هَذَا الْمَكَانِ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ بَعْدَ الّتِي في الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بِسَتَّةِ أَشْهُرٍ\". [ن ٤٠٠٦]\n٤٢٧٣ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَوْ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ (١): لَمَّا نَزَلَتِ الَّتِي في الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، قَالَ مُشْرِكُو\n===\n(أن خارجة بن زيد قال: سمعت زيدَ بنَ ثابت في هذا المكان) لم أقف إلى أي مكان أشار (يقول: أنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٢) بعد التي في) سورة (الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣) بستة أشهر).\nوحاصله: أن التوبة التي نزلت في الفرقان على قتل النفس حرامًا منسوخة بهذه الآية التي في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ كأنها ناسخة لما في سورة الفرقان، وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": وقال الجمهور: هذا خبر لا يمكن نسخه (٤)، فاستثناء التائب مراد وإن لم يذكر.\n٤٢٧٣ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير، أو حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير) يعني منصور يشك في الرواية هل هو عن سعيد بن جبير، أو بواسطة الحكم عن سعيد، (قال) أي سعيد: (سألت ابن عباس فقال: لما نزلت التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، قال مشركو\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) سورة النساء: الآية ٩٣.\n(٣) سورة الفرقان: الآية ٦٨.\n(٤) الظاهر بدله: هذا خبر لا يمكن به نسخها.","vol":"12","page":315},{"text":"أَهْلِ مَكَّةَ: قَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه، وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إلهًا آخَرَ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، فَهَذ لأَولئِكَ. قَالَ: فَأَمَّا (١) الَّتِي في النِّسَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآيةَ، قَالَ: الرَّجُلُ إذَا عَرَفَ شَرَائِعَ الإسْلَامِ ثُمَّ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ، فَلَا تَوْبَةَ لَهُ. فَذَكَرْتُ هَذَا لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ: إلَّا مَنْ نَدِمَ\". [خ ٣٨٥٥، م ١٢٢ و٣٠٣٣]\n٤٢٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا حَجَّاجٌ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْلَى، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ في هَذ الْقِصَّةِ\n===\nأهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرم الله، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وأتينا الفواحش) فلا يكون لنا نجاة لأجل هذه الآية، فلو آمنَّا لا ينفع إيماننا، وكانت مقالتهم تلك لإلزام النبي - ﷺ - فيما يدعوهم الله من الإيمان والعمل الصالح.\n(فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٢)، فهذه) الآية التى في سورة الفرقان (لأولئك) أي المشركين الذين فعلوا الفواحش (قال: فأما التي في النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية، قال) ابن عباس: (الرجل إذا عرف شرائعَ الإِسلام) وانقاد بالشرائع (ثم قتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم، فلا توبة له، فذكرت هذا لمجاهد فقال) مجاهد: (إلَّا من نَدِمَ) أي وتاب فَتُقْتلُ توبته، ولعل قول ابن عباس محمول على التشديد والتغليظ، أو معناه: لا يُوَفَّقُ للتوبة، أو مخصوص بالمستحلِّ.\n٤٢٧٤ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا حجاج، عن ابن جريج قال: حدثني يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه القصة) المذكورة في\n_________\n(١) في نسخة: \"وأما التي\".\n(٢) سورة الفرقان: الآية ٧٠.","vol":"12","page":316},{"text":"في: ﴿الَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قَالَ: أَهْلُ الشِّرْكِ. قَالَ: وَنَزَلَ: \" ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) \". [خ ٤٨١٠، م ١٢٢]\n٤٢٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، نَا سُفْيَانُ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، قَالَ: مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ، [خ ٤٧٦٣، م ٣٠٢٣]\n٤٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا أَبُو شِهَابٍ، عن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عن أَبِي مِجْلَزٍ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، قَالَ: هِيَ جَزَاؤُهُ،\n===\nالحديث المتقدم (في) أي: في قوله تعالى: (﴿الَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال:) المراد جمهم (أهلُ الشرك، قال: ونزل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٢)، أي المراد بهذه الآية الذين أسرفوا بالكفر والشركِ لا يقنطوا من ﵀ إذا آمنوا؛ فإن الله يغفر الذنوب جميعًا بعد الإيمان، فهذه الآية تزلت أيضًا في المشركين، وأما من آمن وقتل نفسًا مؤمنة بعد الإيمان متعمدًا فلا توبة له.\n٤٢٧٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن، نا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قال: ما نسخها شيء)،\n٤٢٧٦ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا أبو شهاب، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٣)، قال) أبو مجلز: (هي جزاؤه) أي يستحق أن يُجَازَى به،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لا تقنطوا من رحمة الله\".\n(٢) سورة الزمر: الآية ٥٣.\n(٣) سورة النساء: الآية ٩٣.","vol":"12","page":317},{"text":"فَإنْ شَاءَ اللَّه أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ فَعَلَ. [ق ٨/ ١٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1635>(٦) بَابُ مَا يُرْجَى في الْقَتْلِ</span>\n٤٢٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن سَعِيدِ بْنِ زيدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ - ﷺ -، فَذَكَرَ فِتْنَةً فَعَظَّمَ أَمْرَهَا، فَقُلْنَا - أَوْ قَالُوا -: يَا رَسُول اللَّهِ! لَئِنْ أَدْرَكَتْنَا (١) هَذِهِ لَتُهْلِكَنَّا (٢). فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\n(فإن شاء الله أن يتجاوز عنه فعل) سواء كان يوفقه للتوبة في حياته، فيتوب، فيقبل توبته، أو لم يتب، فيعفو عنه بلطفه وكرمه؛ لأنه لا يجب عليه شيء.\n\n(٦) (بَابُ مَا يُرجى في الْقَتْلِ)\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في التقرير: الظاهر أن المعنى: باب ما يرجى لأولياء المقتولين في قتل أوليائهم من الأجر؛ وذلك لما يصيبهم من قتلهم من الأحزان والكآبة، والرواية المذكورة في الباب صريحة في هذا المعنى.\nويمكن أن يراد: ما يرجى في القتل للمقتولين أنفسهم.\nإلَّا أنه وجب أن تحمل الفتنة على هذا التوجيه على غير معناها المذكور قبل ذلك، لما ورد في قتلى الفتنة، فكيف يستحقون لهذه البشارة؟ !\n٤٢٧٧ - (حدثنا مسدد، نا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سعيد بن زيد قال: كنا عند النبي - ﷺ -، فذكر فتنة فعظَّم أمرَها، فقلنا، أو) للشك من الراوي (قالوا: يا رسول الله! لئن أدرَكَتْنا هذه لَتُهْلِكَنَّا) أي تهلك آخرتنا (فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"أدركنا هذا\".\n(٢) في نسخة: \"لَتُهلِكَنَّ\".","vol":"12","page":318},{"text":"\"كَلَّا! إنَّ بِحَسْبِكُمْ الْقَتْلَ\". قَالَ سَعِيدٌ: فَرَأَيْتُ إخْوَانِي قُتِلُوا. [حم ١/ ١٨٩]\n٤٢٧٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نَا (١) الْمَسْعُودِيُّ، عن سَعِيدِ بْن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ في الآخِرَةِ، وَعَذَابُهَا في الدُّنْيَا: الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ\". [حم ٤/ ٤١٠، ك ٤/ ٤٤٤]\n\nآخِرُ كِتَابِ الْفِتَنِ\n===\nكلَّا، إن بحسبكم القتل) أي يكفيكم القتل من هلاك الآخرة (قال سعيد: فرأيت إخواني قُتِلوا) فحصل لنا عليهم الغم والكآبة فصبرنا عليها.\n٤٢٧٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا كثير بن هشام، نا المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه) أبي بردة: (عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: أمتي هذه أمة مرحومة) أي رحمة الله عليها غالبة على غضبه، ولهذا يَسَّرَ لها في الشرائع، وزاد في أجورها، (ليس عليها عذاب في الآخرة، وعذابها في الدنيا: الفتنُ، والزلازلُ، والقتلُ).\n\nآخِرُ كِتَابِ الْفِتَنِ\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".","vol":"12","page":319},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>(٣٠) أَوَّلُ كِتَابِ الْمَهْدِيِّ</span>\n(١) بَابُ (١) الْمَلَاحِمِ\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٣٠) (أَوَّلُ كِتَابِ الْمَهْدِيِّ)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1637>(١) (بَابُ الْمَلَاحِمِ)</span>\nبفتح الميم، وكسر الحاء المهملة، جمع الملحمة، وهي المقتلة، أو هي الواقعة العظيمة، وفي النهاية (٢): هي الحرب وموضع القحَال، مأخوذ من اشتباكِ الناس واختلافِهم (٣) فيها، كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل: هو من اللحم؛ لكثرة لحوم القتلى فيها\nومن أسمائه - ﷺ -: نبي الملحمة، وفيه إشارة إلى أنه معدن الجلال، كما أنه منبع الجمال؛ لكونه نبي الرحمة، والجمع بينهما هو الكمال، قاله القاري (٤)\n_________\n(١) في نسخة: \"كتاب\".\n(٢) انظر: \"النهاية\" (٤/ ٢٤٠).\n(٣) كذا في الأصل، وفي النهاية (٤/ ٣٤١)، و\"المرقاة\" (٩/ ٢٩٤): اختلاطهم، وهو الظاهر.\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٢٩٤).","vol":"12","page":320},{"text":"٤٢٧٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ، عن إسْمَاعِيلَ- يَعْنِي ابْنَ أَبِي خَالِدٍ -، عن أَبِيهِ، عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمْ اثْنَا (١) عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ (٢) الأُمَّةُ\". فَسَمِعْتُ كَلامًا مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - لمْ أَفْهَمْهُ، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ.\n٤٢٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا دَاوُدُ، عن عَامِرٍ، عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا\n===\n٤٢٧٩ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، -يعني ابن أبي خالد-، عن أبيه، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم تجتمع عليه الأمة، فسمعت كلامًا من النبي - ﷺ - لم أفهمه، فقلت لأبي: ما يقول؟ قال: كلهم من قريش).\n٤٢٨٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا داود، عن عامر (٣)، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يزال هذا الدين عزيزًا\n_________\n(١) في نسخة: \"اثني\".\n(٢) في نسخة: \"عليهم\".\n(٣) ولفظ أحمد (٥/ ٨٧) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -، قال: فكتب لي: سمعته - ﷺ - يوم الجمعة عشيةَ رجم الأسلمي، يقول: \"لا يزال الدين قائمًا ... \" الحديث، وراجع: \"إزالة الخفاء\" (١/ ٤، ٥)، ثم اختلفوا في معنى الحديث على أقوال كثيرة كما بسطه المحشِّي، والحافظ (١٣/ ١١٧ - ١١٩)، والعيني (١٦/ ٣٨٨، ٣٨٩)، والقاري (١٠/ ٢٣٤)، والبسط من الكل في هامش \"اللامع\" (٣/ ٤١٩). (ش).","vol":"12","page":321},{"text":"إلَى اثْنَي عَشَرَ خَلِيفَةً\"، قَالَ: فَكَبَّرَ النَّاسُ وَضَجُّوا، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً خَفِيفَةً (١)، قُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ مَا قَالَ؟ قَالَ: \"كُلَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ\". [م ١٨٢١، حم ٥/ ٨٧]\n٤٢٨١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ، نَا زُهَيْرٌ، نَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، نَا الأَسْوَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\nزَادَ: \"فَلمَّا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ أَتَتْهُ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: \"ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْجُ\". [حم ٥/ ٩٢، م ١٨٢١، ت ٢٢٢٣]\n===\nإلى اثني عشر خليفة، قال: فكبَّر الناس وضَجُّوا) أي صاحوا ورفعوا أصواتهم بالبكاء، والضجيج: الصياح عند مشقة، ومكروه، وجزع، ويمكن أن يكون الضجيج للسرور والفرح، (ثم قال كلمةً خفيفةً، قلت لأبي: يا أَبَتِ ما قال) رسول الله - ﷺ -؟ ولم أفهمه، قال أبي: (قال) رسول الله - ﷺ -: (كلهم) أي اثنا عشر خليفة (من قريش).\n٤٢٨١ - (حدثنا ابن نفيل، نا زهير، نا زياد بن خيثمة، نا الأسود بن سعيد الهمداني) روى له أبو داود حديثًا واحدًا في خلفاء قريش، قلت: وخرَّجه ابن حبان في \"صحيحه\" من طريقه، وذكره في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: مجهول الحال.\n(عن جابر بن سمرة بهذا الحديث، زاد: فلما رجع) جابر بن سمرة (إلى منزله أتته قريش، فقالوا: ثم يكون ماذا؟) أي بعد اثني عشر خليفة (قال: ثم يكون الهرج).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"اثنا عشر خليفة\"،\n_________\n(١) في نسخة: \"خفية\".","vol":"12","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوليس فيه نفي الزيادة، والمراد بالخليفة إن كان أعم من أن يكون على سيرة الخلفاء الراشدين أو لا، فالأمر ظاهر أنه كان كذلك، وإن أريد أن يكون على سيرة أولئك فنقول: ليس فيه اشتراط أنهم يكونون على التوالي من دون أن يفصل بينهم من ليس كذلك، فكم من ملوك هم على طريقة مسلوكة من الأئمة الراشدين، انتهى.\nواختلف الناس في تعيين هؤلاء الأئمة، فقالت الاثنا عشرية من الروافض: إنهم هم المعصومون المنصوصون من الله ﷾، أولهم بعد رسول الله - ﷺ - علي (١) بن أبي طالب - ﵁ -، ثم ابنه الحسن، ثم أخوه الحسين - ﵁ -، ثم ابنه علي بن الحسين زين العابدين - ﵁ -، ثم ابنه محمد بن علي الباقر - ﵁ -، ثم ابنه جعفر بن محمد الصادق، ثم ابنه موسى بن جعفر الكاظم، ثم ابنه علي بن موسى الرضا، ثم ابنه محمد بن علي المتقي، ثم ابنه علي بن محمد النقي، ثم ابنه حسن بن علي العسكري، ثم ابنه محمد بن الحسن المهدي المنتظر.\nوزعموا أنه مُخْتَفٍ في غار سُرَّ من رأى في سرداب فيه، اختفى فيه لأمر الله ﷾ لا يعلم سَبَبَه غيرُه، أو لخوف أعدائه، ويظهر قبل القيامة فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما مُلِئَتْ جورًا وظلمًا، وهذا من خيالاتهم وترَّهاتهم؛ فإن هم يزعمون أن في ابتداء اختفائه كانت غيبته الصغرى يلاقيه بعض السفراء، ثم بعد ذلك صارت غيبته الكبرى، فلا يمكن أن يلاقيه أحد.\n_________\n(١) مات علي بن أبي طالب في رمضان سنة ٤٠ هـ، ومات ابنه الحسن سنة ٤٩ هـ أو ٥٠ هـ أو بعدها، وأخوه الحسين استُشْهِدَ في عاشوراء سنة ٦١ هـ، وابنه علي بن الحسين ثقة عابد، مات سنة ٩٣ هـ، وقيل غير ذلك، وابنه محمد بن علي الباقر ثقة، مات سنة بضعة عشرة ومائة، وابنه جعفر بن محمد الصادق صدوق، فقيه، إمام مات سنة ١٤٨ هـ، وابنه موسى صدوق عابد، مات سنة ١٨٣ هـ، وابنه علي بن موسى صدوق، مات سنة ٢٠٣ هـ. من \"التقريب\". (ش).","vol":"12","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1638>(٢) بَابٌ: في ذِكْرِ الْمَهْدِيِّ</span>\n٤٢٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَهُمْ. (ح): وَحَدَّثنَا\n===\nوأما أهل السنَّة والجماعة فقال بعضهم: إن المراد (١) بهذا الاثني عشر خليفة أن يكونوا على التوالي، فيعمونهم في سيرتهم بأنهم سواء أن يكونوا عادلين أو جائرين، ولكن شوكة الإسلام وقوته تتزايد في كماله في زمانهم، وبعضهم يقولون: لا يشترط التوالي فيهم، ويقولون: المراد بهم الذين هم على سيرة الخلفاء الراشدين - ﵃-، وآخرهم الإِمام المهدي - ﵁ -، وعندي هذا هو الحق، والتفصيل في ذلك ذكره السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" (٢)، ومولانا الشيخ ولي الله الدهلوي في \"قرة العينين في تفضيل الشيخين\" - ﵄-.\n\n(٢) (بَابٌ: في ذِكْرِ الْمَهْدِيِّ) (٣)\n٤٢٨٢ - (حدثنا مسدد، أن عمر بن عبيد حدثهم، ح: وحدثنا\n_________\n(١) وبه جزم عياض، وقال: وُجِدَ هذا حتى اضطرب أمر بني أمية في زمن الوليد بن يزيد، قال الحافظ: هذا حسن لما في بعض طرق الحديث: \"كلُّهم يجتمع عليه الأمر\"، كذا في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ١٤)، وقال: إيضاح ذلك أنهم اجتمعوا بعد الخلفاء الراشدين الأربعة على معاوية بعد صلح الحسن، ثم على يزيد بعد شهادة الحسين، ثم على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم على أولاده الأربعة: الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، ثم اجتمعوا على الوليد بن يزيد بن عبد الملك بعد قتل عمه هشام ... إلخ. (ش).\n(٢) انظر: \"تاريخ الخلفاء\" (ص ١٤، ١٥).\n(٣) الروايات فيه قريبة من التواتر، كما في \"تحفة الأحوذي\" (٦/ ٤٨٤)، تبعًا لـ \"عون المعبود\" (١١/ ٢٤٣)، وقد بسطت في ذلك في هامش \"الإشاعة في أشراط الساعة\" (ص ١٣١). (ش).","vol":"12","page":324},{"text":"مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، نَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ -. (ح): وَحَدَّثنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا زَائِدَةُ. (ح): وَحَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ (١)، عن فِطْرٍ، الْمَعْنَى (٢)، كُلُّهُمْ عن عَاصِمٍ، عن زِرٍّ، عن عَبْدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إلَّا يَوْمٌ - قَالَ زَائِدَةُ (٣): لَطَوَّلَ اللَّه ذَلِكَ الْيَوْمَ (٤) - حَتَّى يَبْعَثَ (٥) رَجُلًا مِنِّي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يُواطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي\". [ت ٢٢٣٠، حم ١/ ٣٧٦]\n===\nمحمد بن العلاء، نا أبو بكر - يعني ابنَ عياش -، ح: وحدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن سفيان، ح: وحدثنا أحمد بن إبراهيم قال: نا عبيد الله بن موسى، أخبرنا زائدة، ح: وحدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثني عبيد الله، عن فطر، المعنى) أي معنى حديثهم واحد (كلهم) أي عمر بن عبيد، وأبو بكر، والثوري، وزائدة، وفطر رووه (عن عاصم) بن أبي النجود، وهو عاصم بن بهدلة (عن زر) بن حبيش (عن عبد الله) بن مسعود (عن النبي - ﷺ - قال: لو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم) أي لو فرض أن لا يبقى من الدنيا إلَّا يوم واحد (قال زائدة: لَطَوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث) أي الله سبحانه (رجلًا مني، أو) للشك من الراوي (من أهل بيتي يُواطئ) أي يوافق (اسمُه اسمي) أي محمد (و) يوافق (اسمُ أبيه اسمَ أبي) أي يكون محمد بن عبد الله، وفيه ردٌّ على الإمامية الاثنا عشرية حيث يقولون: المهدي الموعود هو القائم المنتظر، وهو محمد بن الحسن العسكري.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن موسى\".\n(٢) زاد في نسخة: \"واحد\".\n(٣) زاد في نسخة: \"في حديثه\".\n(٤) زاد في نسخة: \"ثم اتفقوا\".\n(٥) في نسخة بدله: \"يبعث الله فيه\".","vol":"12","page":325},{"text":"زَادَ في حَدِيثِ فِطْرٍ: \"يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا\".\nوَقَالَ في حَدِيثِ سُفْيَانَ: \"لَا تَذْهَبُ أَوْ لَا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَفْظُ عُمَرَ وَأَبِي بَكْرٍ بِمَعْنَى سُفْيَانَ (١).\n٤٢٨٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن، نَا فِطْرٌ (٢)، عن الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عن أَبي الطُّفَيْلِ، عن عَلِيٍّ (٣)، عن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّهْرِ إلَّا يَوْم لَبَعَثَ (٤) اللَّه رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَؤُهَا عَدْلًا كمَا مُلِئَتْ جَوْرًا\". [حم ١/ ٩٩]\n===\n(زاد) أحمد بن إبراهيم (في حديث فطر: يملأ الأرضَ قسطًا وعدلًا، كما مُلِئَتْ) قبل ظهوره (ظلمًا وجورًا).\nوحاصل معنى الحديث: أن بعثه مؤكد يقيني لا بد أن يكون ذلك.\n(وقال) أي مسدد (في حديث سفيان: لا تذهَبُ أو) للشك من الراوي (لا تنقضي الدنيا حتى يملك العربَ رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، قال أبو داود: لفظ عمر) بن عبيد (وأبو بكر) بن عياش (بمعنى) حديث (سفيان).\n٤٢٨٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا الفضل بن دكين، نا فطر، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن علي، عن النبي - ﷺ - قال: لو لم يبق من الدهر إلَّا يوم) إشارة إلى تَأَكّد وقوع ذلك (لبعث الله رجلًا من أهلي بيتي يملؤها) أي الأرضَ (عدلًا، كما مُلِئَتْ جورًا).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ولم يقل أبو بكر: العربَ، قال أبو داود: في حديث أبي بكر وعمر بن عبيد\".\n(٢) في نسخة: \"مطر\".\n(٣) زاد في نسخة: \"﵁\".\n(٤) في نسخة بدله: \"يبعث\".","vol":"12","page":326},{"text":"٤٢٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، ثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ، عن زِيَادِ بْنِ بَيَانٍ، عن عَلِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي، مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ\". [جه ٤٠٨٦]\nقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ: وَسَمِعْتُ أَبَا الْمَلِيحِ يُثْنِي عَلَى عَلِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ، وَيَذْكُرُ مِنْهُ صَلَاحًا.\n٤٢٨٥ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ تَمَّامِ بْنِ بَزِيعٍ، نَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ،\n===\n٤٢٨٤ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا أبو المليح الحسن بن عمر، عن زياد بن بيان) الرقي، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحد في المهدي، قال البخاري: قال عبد الغفار: ثنا أبو المليح، أنه سمع زياد بن بيان، وذكر من فضله، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان شيخًا صالحًا، قلت: قال البخاري: في إسناده نظر.\n(عن علي بن نفيل، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة قالت: سمعت رسولَ الله - ﷺ - يقول: المهدي من عترتي) العترة ولد الرجل من صلبه (من ولد فاطمة) - ﵂ -، قال بعضهم: من ولد الحسن، وقال بعضهم: من ولد الحسين - ﵂-، والأولى أن يقال: من ولدهما بأن يكون من جهة الوالد حسنيًّا ومن جهة الأم (١) حسينيًّا.\n(قال عبد الله بن جعفر: وسمعت أبا المليح يثني على علي بن نفيل، وبذكر منه صلاحًا) أي يوثقه.\n٤٢٨٥ - (حدثنا سهل بن تمام بن بزيع، نا عمران القطان،\n_________\n(١) وحكى الدمنتي في \"حواشيه\" نفيَ كونه من أولاد الحسين - ﵁ -، كما في \"الدرجات\" (ص ١٧٧). (ش).","vol":"12","page":327},{"text":"عن قَتَادَةَ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الأَنْفِ، يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، وَيَمْلِكُ سَبْعَ سِنينَ\".\n٤٢٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمثنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ، عن صَاحِبٍ لَهُ، عن أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"يَكُونُ اخْتِلَافٌ (١) عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إلَى مَكَّةَ، فيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَيُخْرِجُونَهُ، وَهُوَ كَارِهٌ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وُيبْعَثُ إلَيْهِ بَعْثٌ مِنَ (٢) الشَّامِ،\n===\nعن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: المهدي مني) أي من أهل بيتي، (أجلى الجبهة) أي أوضح وأوسع الجبهة، (أقنى الأنف) أي أركعه، (يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كلما ملئت ظلمًا وجورًا، ويملك سبع سنين).\n٤٢٨٦ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي) هشام، (عن قتادة، عن صالح) بن أبي مريم (أبي الخليل، عن صاحب له) قال في \"التقريب\": هو عبد الله بن الحارث، (عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - قال: يكون اختلاف) أي في الناس (عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة) لخوف من أن يجعلوه خليفة فيهرب إلى مكة؛ لأنه يظن أن أهل مكة لا يعرفونه، وأما أهل المدينة فإنهم يعرفون منه حسبَه، ونسبَه، وصلاحَه وتقواه (فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه) فيظهرون أمره (وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويُبْعَثُ إليه بعث) أي جند (من الشام)\n_________\n(١) في نسخة: \"اختلافًا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أهل\".","vol":"12","page":328},{"text":"فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ بَيْنَ مَكَةَ وَالْمَدِينَةِ، فَإذَا رَأَى النَاسُ ذَلِكَ (١) أَتَاهُ أَبْدَالُ (٢) الشَامِ،\n===\nليقاتل المهدي (فَيُخْسَفُ (٣) بهم بالبيداء). قال في \"معجم البلدان\" (٤): اسم لأرض ملساء بين مكة والمدينة، وهي إلى مكة أقرب، تُعَدُّ من الشرف أمام ذي الحليفة، وفي قول بعضهم: إن قومًا كانوا يغزون بيتًا فنزلوا بالبيداء، فبعث الله ﷿ جبرئيل، فقال: يا بيداء أبيديهم، انتهى. قلت: وليس هو ميقات أهل المدينة، فإنه قريب من المدينة. (بين مكة والمدينة) وهذا من كرامة المهدي.\n(فإذا رأى الناس ذلك) أي خسف أعدائه (أتاه أبدال (٥) الشام\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) في نسخة: \"أهل\".\n(٣) قال الحافظ (٣/ ٣٤١) ح (٢١١٨): قال ابن التين: وهذا الجيش الذي يُخسَف بهم هم الذين يهدمون الكعبة (أي ذو السويقتين من الحبشة) فيُنتَقَم منهم فيُخسَف بهم، وتعقب بأن في بعض طرق \"مسلم\": \"أن ناسًا من أمتي؛ والذين يهدمونها من كفار الحبشة\"، وأيضًا فمقتضى كلامه أنهم يخسَف بهم بعد أن يهدموها ويرجحوا، وظاهر الخبر أنه يخسَف بهم قبل أن يصلوا إليها، وذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٧١١) عدة روايات فيه في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ ...﴾ الآية [سبأ: ٥١] (ش).\n(٤) \"معجم البلدان\" (١/ ٥٢٣).\n(٥) وفي الحاشية عن \"مرقاة الصعود\" (ص ١٧٨): لم يرد في السنَّة ذكرُ الأبدال إلَّا في هذا الحديث عند أبي داود، وأخرجه الحاكم وصحَّحه، وورد في غير الصحاح ذكرُهم في عدة أحاديث جمعتها في مؤلف، انتهى.\nوفي \"شرح الإحياء\" (٨/ ٣٥٨): قيل: هم سبعة، لا يزيدون ولا ينقصون، يحفظ الله بهم الأقاليمَ السبعةَ، وحديث أنس ﵁ في الأبدال موضوع، كما في \"اللآلئ المصنوعة\" (٢/ ٢٨٠)، ولابن عابدين رسالة في \"رسائله\" اسمها: \"إجابة الغوث ببيان حال النقباء والنجباء والأبدال والأوتاد والغوث\"، ذكر فيها أحوال الغوث وغيره، وما وود من الروايات في الأبدال وغيرهم.\nوتقدم في \"البذل\" أيضًا أن الأبدال من الموالي، وللسيوطي رسالة خطية في خزانة =","vol":"12","page":329},{"text":"وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَيُبَايِعُونَهُ (١). ثُمّ يَنْشَأُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَخْوَالُهُ كَلْبٌ، فَيَبْعَثُ إلَيْهِمْ بَعْثًا، فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بَعْثُ (٢) كَلْبٍ، وَالْخَيْبَةُ لِمَنْ لَمْ يَشْهَدْ غَنِيمَةَ كَلْبٍ، فَيَقْسِمُ الْمَالَ وَيَعْمَلُ في اَلنَّاسِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ - ﷺ -، وُيلْقِي الإسلَامُ بِجِرَانِهِ إلَى الأَرْضِ،\n===\nوعصائب (٣) أهل العراق فيبايعونه) أي المهدي (ثم ينشأ) أي يظهر (رجل من قريش أخوالُه كلبٌ) وهو قبيلة من العرب، فينازع المهدي في أمره، ويستعين بأخواله من بني كلب، (فيبعث) أي الكلبيُّ (إليهم) أي المبايعين للمهدي (بعثًا) أي جيشًا لقتال المبايعين (فيظهرون عليهم) أي يغلب المبايعون على البعث الذي بعثه الكلبي، (وذلك) أي البعث (بعث كلب) أي جيشه (والخيبة لمن لم يشهد غنيمةَ كلب)، وهذا ترغيب للمسلمين بأن يحضروا لقتال جيش كلب، ويغتنموا من غنيمته.\n(فيقسم) المهدي (المالَ) الذي حصل في الغنيمة (ويعمل في الناس بسنَّة) أي شريعة (نبيهم - ﷺ -، ويلقي) من الإلقاء (الإِسلام بِجِرانه) (٤) أي بمقدم عنقه (إلى الأرض) وهو استعارة، فالبعير لا يلقي بجرانه إلَّا إذا اطمأن\n_________\n= الكتب لمدرسة مظاهر علوم، وشيء منه في \"المقاصد الحسنة\" (ص ٢٨)، و\"الإحياء\" (٣/ ٣٠٨)، و\"شرحه\" (٨/ ٣٨٥)، و\"الفتاوى الحديثية\" (ص ٤٢٦)، و\"تاريخ بغداد\" للخطيب (٣/ ٧٥)، و\"المواهب اللدنية\" (٢/ ٧٢٤)، و\"شرحه\" (٧/ ٤٧٩)، و\"الدر المنثور\" (١/ ٧٦٥)، وفي \"التعقبات على الموضوعات\" (ص ٤٧): صحيح، وإن شئت قلت: متواتر، وذكره السيوطي في \"الحاوي\"، وبسط الزرقاني على \"المواهب\" أشد البسط، وفي \"نزهة البساتين\" (ص ٤٤٨) رقم الحكاية (٤١١). (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"بين الركن والمقام\".\n(٢) في نسخة: \"البعث\".\n(٣) جمع عصابة كتجارة، وهي جماعة الناس لعشرة إلى أربعين، والمراد جماعة المقاتلين أو جماعة الزهاد إذ قرنه بالأبدال، كذا في \"الدرجات\" (ص ١٧٨). (ش).\n(٤) قال في \"جامع الأصول\" ح (٧٤٨٠): الجِران: باطن العنق، والجمع: جُرُن، والمعنى: أنه قد قَرَّ قراره واستقام، كما أن البعير إذا برك واستراح مَدَّ جِرانَه على الأرض.","vol":"12","page":330},{"text":"فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ\". [حم ٦/ ٣١٦، ك ٤/ ٤٣١، طس ١١٥٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ عن هِشَامٍ: \"تِسْعَ سِنِينَ\". وَقَالَ بَعْضُهُمْ: \"سَبْعَ سِنِينَ\".\n٤٢٨٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عن هَمَّامٍ، عن قتَادَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: \"تِسْعَ (١) سِنينَ\" [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ غَيْرُ مُعَاذٍ عن هِشَامٍ: \"تِسْعَ سنين\".\n٤٢٨٨ - حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: نَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: نَا أَبُو الْعَوَّامٍ قَالَ: نَا قتَادَةُ، عن أَبِي الْخَلِيلِ، عن عَبْدِ الله بْنِ الْحَارِثِ، عن أُمِّ سَلَمَة، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ أَتَمُّ. [انظر سابقه]\n===\nغاية الطمأنينية (فيلبث) المهدي (سبع سنين) خليفة (ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، قال أبو داود: وقال بعضهم عن هشام: تسع سنين، وقال بعضهم: سبعٍ سنين) فمن قال: \"سبع سنين\" فكأنه أسقط السنتين اللتين بقي فيهما مشغولًا بالقتال.\n٤٢٨٧ - (حدثنا هارون بن عبد الله، أنا عبد الصمد، عن همام، عن قتادة بهذا الحديث قال: تسع سنين، قال أبو داود: قال غير معاذ عن هشام: تسع سنين).\n٤٢٨٨ - (حدثنا ابن المثنى قال: نا عمرو بن عاصم قال: نا أبو العوام قال: نا قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة، عن النبي - ﷺ - بهذا) الحديث (وحديث معاذ أتم).\n_________\n(١) في نسخة: \"سبع\".\n(٢) زاد في نسخة: \"محمد\".","vol":"12","page":331},{"text":"٤٢٨٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْقِبْطِيَّةِ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِقِصَّةِ جَيْشِ الْخَسْفِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ (١) بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: \"يُخْسَفُ بِهِمْ، وَلَكِنْ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ\". [م ٢٨٨٢، حم ٦/ ٢٩٠]\n٤٢٩٠ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحُدِّثْتُ، عن هَارُونَ بْنِ الْمُغيْرَةِ قَالَ: نَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عن شُعَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، عن أَبِي إسْحَاقَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ (٢) اللهُ عَنْهُ - وَنَظَرَ إلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ - فَقَالَ: \"إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، كَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسْم نَبِيّكُمْ - ﷺ -، يُشْبِهُهُ في الْخُلُقِ وَلَا يُشْبِهُهُ في الْخَلْقِ\". ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّة: يَمْلأُ الأَرْضَ عَدْلًا.\n===\n٤٢٨٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد الله بن القبطية، عن أم سلمة، عن النبي - ﷺ - بقصة جش الخسف) أي الجيش الذي يخسف به (قلت: يا رسول الله! كيف بمن كان كارهًا؟) أي أُخْرِجَ في الجيش وهو كاره للقتال (قال) رسول الله - ﷺ -: (يُخْسَفُ بهم) أي بجميعهم (ولكن يُبْعَثُ يوم القيامة على نيته) أي من كان نيته عدم القتال، وأخرج كارهًا، فيبعث على نيته فينجو، وأما من خرج راغبًا في المقاتلة فيهلك.\n٤٢٩٠ - (قال أبو داود: وحُدِّثْتُ، عن هارون بن المغيرة قال: نا عمرو بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق قال: قال علي - ﵁ -، ونظر إلى ابنه الحسن فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه النبي - ﷺ -، وسيخرج من صلبه) فيكون الحسنُ جَدَّه أبا أبيه، والحسين جده أبا أمه (رجل يسمى باسم نبيكم - ﷺ -) أي محمد (يشبهه في الخُلُق) أي في أخلاقه العالية (ولا يشبهه في الخَلْق) أي في ظاهر الصورة (ثم ذكر قصة: يملأ الأرض عدلًا).\n_________\n(١) في نسخة: \"فكيف\".\n(٢) في نسخة: \"كرم الله وجهه\".","vol":"12","page":332},{"text":"وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عن مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عن الْحَسَنِ (١)، عن هِلَالِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّه وَجْهَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ، حَرَّاثٌ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَنْصُورٌ، يُوَطِّئُ (٢) أَوْ يُمَكِّنُ لآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا مَكَّنَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَجَبَ (٣) عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ نَصْرُهُ\" (٤)،\n===\n(وقال هارون) بن المغيرة: (حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن مطرف بن طريف، عن الحسن، عن هلال بن عمرو قال: سمعت عليًّا كرم الله وجهه يقول: قال النبي - ﷺ -: يخرج رجل) صالح (من وراء النهر) (٥) أي مما وراءه من البلدان كبخارى، وسمرقند، ونحوها (يقال له: الحارث) وهذا اسمه (حرَّاث) بتشديد الراء، صفة له، أي زرَّاع (على مقدمته) أي مقدمة جيشه (رجل يقال له: منصور) اسم له أو صفة (يوطِّئ) أي يقرِّرُ وُيُثبِتُ الأمرَ (أو يمكِّن) من التمكين كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (٧) أي يهيِّئ لهم الأسبابَ بأمواله، وخزانته، وسلاحه، ويمكِّن أمرَ الخلافة، ويقويها، ويساعدها بعسكره (لآل محمد) أي للمهدي، أو يقال: لفظ الآل مقحم، والمعنى لمحمد المهدي (كما مكنت قريش لرسول الله - ﷺ -) والمراد من آمن منهم، ودخل في التمكين أبو طالب أيضًا وإن لم يؤمن عند أهل السنَّة، (وجب على كل مؤمن نصره)\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أبي الحسن\".\n(٢) في نسخة: \"يوطن\".\n(٣) في نسخة: \"واجب\".\n(٤) في نسخة، \"نصرته\".\n(٥) وفي \"علامات قيامت\": يخرج من خراسان. (ش).\n(٦) سورة الحج: الآية ٤١.\n(٧) سورة النور: الآية ٥٥.","vol":"12","page":333},{"text":"أَوْ قَالَ: \"إجَابَتُهُ\" (١).\n* * *\n===\nأي نصرُ الحارث، أو نصرُ المنصور، أو نصرُ المهدي (أو قال) شك من الراوي: (إجابته)، وفي الحديث انقطاع (٢).\n* * *\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"آخر كتاب المهدي\".\n(٢) قال المنذري بعد الحديث الأول: هذا منقطع، أبو إسحاق السبيعي رأى عليًّا - ﵁ - رؤية. وقال فيه أبو داود: حدثت عن هارون بن المغيرة.\nوقال بعد الحديث الثاني: وهذا أيضًا منقطع، قال فيه أبو داود: قال هارون - يعني ابن المغيرة -، وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي: هلال بن عمرو - وهو غير مشهور - عن علي. انظر: \"مختصر المنذري\" (٤/ ١٠٧).","vol":"12","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1639>(٣١) أَوَّلُ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ</span>\n(١) بَابُ مَا يُذْكَرُ في قَرْنِ (١) الْمِئَةِ\n٤٢٩١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عن شَرَاحِيلَ بْنِ يَزِيدَ الْمَعَافِرِيِّ، عن أَبِي عَلْقَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ - فِيمَا أَعْلَمُ -، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إنَّ الله يَبْعَثُ لِهَذ الأُمَّةِ عَلَى رأسِ كُلِّ مِئَةِ سَنَةٍ\n===\n\n(٣١) (أَوَّلُ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ)\n(١) (بَابُ مَا يُذْكَرُ في قَرْنِ (٢) الْمِئَةِ)\nأي: أن المائة سنة قرن،\nفيحدث فيه المحدثات، فيُبْعَثُ على رأسها المجدِّدُ\n٤٢٩١ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة) - ﵁ - (فيما أعلم، عن رسول الله - ﷺ -) كأن الراوي لم يجزم برفعه، أي شك فيه الرفع، هكذا قال المنذري (٣). (قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة) أي انتهائه أو ابتدائه إذا قَلَّ العلم والسنَّة، وكثر الجَهْلُ\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"قدر\".\n(٢) وسيأتي (٤٦٥٧) حديث \"خير القرون قرني ... \" إلخ. (ش).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ١٦٣).","vol":"12","page":335},{"text":"مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا\". [ك ٤/ ٥٢٢]\n===\nوالبدعة (من يجدد لها) (١) أي لهذه الأمة (دينَها) أي بيَّن السنَّة من البدعة، ويكثر العلم، ويعز أهله، ويقمع البدعهَ، ويكسر أهلها.\nقال صاحب \"جامع الأصول\" (٢): وقد تكلم العلماء في تأويله، وكل واحد أشار إلى العالم الذي هو في مذهبه، وحمل الحديث عليه، والأولى الحملُ على العموم، فإن لفظة \"من\" تقع على الواحد والجمع، ولا يختص أيضًا بالفقهاء، فإن انتقاع الأمة بهم وإن كان كثيرًا فانتفاعهم بأولي الأمر وأصحاب الحديث، والقُرَّاء والوعاظ والزهاد أيضًا كثير، إذ حفظُ الدين، وقوانينُ السياسة، وبثُ العدل وظيفة أولي الأمر، وكذلك القراء، وأصحاب الحديث ينفعون بضبط التنزيل والأحاديثِ التي هي أصولُ الشرع وأدلَّتُه، والوعاظ ينفعون بالوعظ والحث على لزوم التقوى، لكن المبعوث يشترط أن يكون مشارًا إليه في كل فن من هذه الفنون.\nوالأظهر عندي (٣) - والله أعلم - أن المراد بمن يجدد ليس شخصًا واحدًا،\n_________\n(١) وللسيوطي رسالة مستقلة مكتوبة في آخر \"الدرر المنتثرة\"، ولخص كلامه في حاشية أبى داود، وكذا صاحب \"عون المعبود\" (١١/ ٢٦٥)، وبسط الدمنتي في \"الدرجات\" (ص ١٨٧) على حديث الباب أشدَّ البسط، وذكر اختلاف رواياته من زيادة لفظ \"من أهل بيتي\" أيضًا في بعضها، ووجَّه توجيهه، وحكى عن السيوطي: عُلِمَ منه أنه لا بدَّ عند رأسها من محنة شديدة يقرنها الله عز اسمه بمنحة عظيمة، وهي من يبعثه لتجديد الدين وإحيائه جبرًا لما حصل من وهن، ولذا أدخل أبو داود هذا الحديث في الملاحم، انتهى. وذكر شيئًا من ذلك في \"فتاوى مولانا عبد الحي\" (ص ١٦٦)، وقال: الحديث أخرجه في \"مسند حسن بن سفيان\"، و\"البزار\"، و\"المعجم الأوسط\" للطبراني (٦٥٢٧)، و\"الكامل لابن عدي\"، و\"المستدرك\" (٨٥٩٢)، و\"حلية أبي نعيم\"، و\"مدخل البيهقي\" وغيرها، وبسط في أنه لا بدَّ له أن يكون في رأس السنة، وذكر شيئًا منه في \"المقاصد الحسنة\" رقم (٢٣٨)، و\"قرة العيون\"، و\"شرح الإحياء\"، و\"شرح البخاري\" للكرماني، وعنه العيني. (ش).\n(٢) \"جامع الأصول\" (١١/ ٣٢٠) ح (٨٨٨١).\n(٣) أي: علي القاري في \"المرقاة\" (١/ ٥٠٧).","vol":"12","page":336},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nبل المراد به جماعة (١)، يجدد كل واحد في بلد في فن أو فنون من العلوم الشرعية ما تيسر له عن الأمور التقريرية أو التحريرية، ويكون سببًا لبقائه وعدم اندراسه وانقضائِه إلى أن يأتي أمر الله، ولا شك أن هذا التجديد أمر إضافىِ؛ لأن العلم كلَّ سنةٍ في التنزل، كما أن الجهل كل عام في الترقي، وإنما يحصل ترقي علماء زماننا بسبب تنزل العلم في أواننا، وإلَّا فلا مناسبة بين المتقدمين والمتأخرين علمًا وعملًا، وحلمًا وفضلًا، وتحقيقًا وتدقيقًا؛ لما يقتضي البعد عن زمنه ﵊، كالبعد عن محل النور يوجب كثرة الظلمة، وقلة الظهور، ويدل عليه ما في البخاري (٢) عن أنس مرفوعًا: \"لا يأتي على أمتي زمان إلَّا الذي بعده شر منه\"، وما في \"الكبير\" (٣) للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعًا: \"ما من عام إلَّا وينتقص الخير فيه، ويزيد الشر\"، وما في الطبراني (٤) عن ابن عباس قال: \"ما عن عام إلَّا ويحدث الناس بدعة، ويميتون سنة، حتى تمات السنن وتحيى البدع\".\nوهذه النبذة اليسيرة أيضًا إنما هي من بركات علومهم ومددهم، فيجب علينا أن نكون معترفين بالفضل للمتقدمين ﵃ أجمعين، قاله القاري (٥).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"من يجدد لها دينها\" أي نوعًا منهم وأشخاصًا، فلا يلزم أن يكون واحدًا بالشخص، وإن ذهب العلماء في معنى الحديث إلى الذي نفينا، ووجه ما ذهبنا إليه أنه\n_________\n(١) وَعَدَّ بعضهم في \"المجمع\" (١/ ٣٢٨)، والبسط في \"جزء المجددين\" لهذا العبد الفقير. (ش).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٧٠٦٨).\n(٣) انظر: \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٤٥٠) رقم (١١٩٦٢).\n(٤) \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٢٦٢) رقم (١٠٦١٠).\n(٥) انظر: \"المرقاة\" (١/ ٥٠٧).","vol":"12","page":337},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ شُرَيْحٍ الإسْكَنْدَرَانِيُّ، لَمْ يَجُزْ بِهِ شَرَاحِيلَ.\n\n(٢) بَابُ مَا يُذْكَرُ (١) مِنْ مَلاحِمِ الرُّومِ\n===\nلا ينطبق على كثير ممن تشرف بالتجديد أن يكون جَدَّد كلَّ نوع من أنواع الدين، فكم من محدث ليس لهم من تجديد الفقه نصيب، وكم من باعث على أعمال حسنة هو في نشر أقسام العلوم غريب، مع أنه لم يسمع أن أحدًا من هؤلاء عم صيته وفيضه جملة الأقطار، وتشرفت بتجديده بحسب الظاهر جملة القرى والأمصار.\nوأما على ما قلنا فالأمر سهل مع أن كلمة \"من\" ليست نصًّا في الشخص الواحد، نعم لا ينكر أن يكون لأحد منهم تأثير باطني لم يحس به، ولا يبعد أن يكون لكل مملكة وبلدة من معظم الممالك مجدد على رأس مائة، وتكون المئات متفاوتة في الابتداء والحساب، وعلى هذا أيضًا لم يلزم أن يكون مجدد الأمة بأسرها واحدًا، انتهى.\n(قال أبو داود: رواه عبد الرحمن بن شريح الإسنكدراني، لم يجز به) أي لم يتجاوز (شراحيل) بل أوقف عليه، قال المنذري (٢): وعبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، ثقة، اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقد عضله، أي: أسقط الراويين من سنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>(٢) (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ مَلَاحِمِ الرُّومِ)</span>\nقال في \"معجم البلدان\" (٣): الروم: جيل معروف في بلاد واسعة تضاف إليهم، فيقال: بلاد الروم، واختلفوا في أصل نسبهم، وأما حدود الروم،\n_________\n(١) في نسخة: \"ذكر\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ١٦٣).\n(٣) \"معجم البلدان\" (٣/ ٩٧).","vol":"12","page":338},{"text":"٤٢٩٢ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الأَوْزَاعِيُّ، عن حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: مَالَ مَكْحُولٌ وَابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا إلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، وَمِلْتُ مَعَهُمْ، فَحَدَّثَنَا عن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن الْهُدْنَةِ. قَالَ: قَالَ جُبَيْرٌ: انْطَلِقْ بِنَا إلَى ذِي مِخْبَرٍ (١): رَجُلٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَتَيْنَاهُ فَسَأَلَهُ جُبَيْرٌ عن الْهُدْنَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ، فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ، ثُمَّ تَرْجِعُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلولٍ،\n===\nفمشارقهم وشمالهم الترك، وجنوبهم الشام والإسكندرية، ومغاربهم البحر والأندلس، وكانت الرقة والشامات كلها تعد في حدود الروم أيام الأكاسرة، وكانت دار الملك أنطاكية إلى أن نفاهم المسلمون إلى أقصى بلادهم.\n٤٢٩٢ - (حدثنا النفيلي، نا عيسى بن يونس، نا الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: مال مكحول وابن أبي زكريا إلى خالد بن معدان، وملت) أي ذهبت (معهم، فحدثنا) أي خالد (عن جبير بن نفير، عن الهدنة، قال) خالد: (قال جبير) أي لخالد: (انطلق بنا إلى ذي مخبر) بكسر أوله، وسكون المعجمة، وفتح الموحدة، ويقال: ذو مخمر بدل الموحدة ميم (رجل من أصحاب النبي - ﷺ -) ابن أخي النجاشي، وكان يخدم النبي - ﷺ -، نزل الشام، ومات به (فأتيناه فسأله جبير عن الهدنة) أي الصلح بين المسلمين والنصارى.\n(فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ستصالحون الروم) أي نصاراها (صلحًا آمنًا) أي يأمن فيه بعضكم بعضًا (فتغزون أنتم وهم) حال كونكم مجتمعين (عدوًا من ورائكم، فتُنْصَرون) ببناء المجهول، أي أنتم وهم (وتغنمون) أي تحصلون الغنيمة (وتَسْلَمون) من الهزيمة والقتل، (ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج) أي موضع عشب ترعى فيه الدواب (ذي تلول)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أو قال: ذي مخمر، الشك من أبي داود\".","vol":"12","page":339},{"text":"فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ، فَيَغْضَبُ (١) رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقُّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ (٢) الرُّومُ وَتَجْمَعُ (٣) لِلْمَلْحَمَةِ\". [جه ٤٠٨٩، حم ٤/ ٩١]\n٤٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: نَا الْوَلِيدُ (٤) قَالَ: نَا أَبُو عَمْرٍو، عن حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِيهِ: \"ويثُورُ الْمُسْلِمُونَ إلَى أَسْلِحَتِهِمْ، فَيَقْتُلُونَ (٥)، فَيُكْرِمُ اللَّه تِلْكَ الْعِصَابَةَ بِالشَّهَادَةِ\" [انظر سابقه]\n(٦) إلَّا أَنَّ الْوَلِيدَ جَعَلَ الْحَدِيثَ عن جُبَيْرٍ، عن ذِي مِخْبَرٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n===\nوهي الهضبات المرتفعة (فيرفع رجل من أهل النصرانية) أي من أهل الروم (الصليبَ فيقول: غلب الصليبُ) أي دين الصليب، (فيغضب رجل من المسلمين فيدقُّه، فعند ذلك تغدر الروم، وتجمع) أي الجموع (للملحمة) أي الحرب.\n٤٢٩٣ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني قال: نا الوليد قال: نا أبو عمرو، عن حسان بن عطية، بهذا الحديث، وزاد فيه: ويثور) أي يقومون بالسرعة (المسلمون إلى أسلحتهم، فيقتلون) أي يقاتلون النصارى، (فيكرم الله تلك العصابة) أي الجماعة (بالشهادة).\n(إلَّا أن الوليد جعل الحديث عن جبير، عن ذي مخبر، عن النبي - ﷺ -)\n_________\n(١) في نسخة: \"ويغضب\".\n(٢) في نسخة: \"يغدر\".\n(٣) في نسخة بدله: \"يجمع\".\n(٤) في نسخة بدله: \"الوليد بن مسلم\".\n(٥) في نسخة: \"فيقتتلون\".\n(٦) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"12","page":340},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ رَوْحٌ وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عن الأَوْزَاعِيِّ، كَمَا قَالَ عِيسَى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>(٣) بَابٌ: في أَمَارَاتِ الْمَلَاحِمِ</span>\n٤٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَبَّاس الْعَنْبَرِيُّ، نَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، عن أَبِيهِ، عن مَكْحُولٍ، عن جُبَيْرِ بْز نُفَيْرٍ، عن مَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"عُمْرَانُ بَيْتِ\n===\nفالفرق بين حديث الوليد وحديث عيسى أن حديث عيسى يدل على أن خالد بن معدان روى أولًا عن جبير بن نفير بعضَ الأحاديث، ثم ذهب بخالد بن معدان إلى ذي مخبر، فسأله جبير عن حديث الهدنة، وبيَّن ذو مخبر الحديثَ لهما، فسمع خالد من ذي مخبر الحديثَ بغير واسطة كما سمعه جبير بن نفير، ولم يبق واسطة جبير بن نفير بين خالد وذي مخبر، وأما الوليد فزاد واسطة جبير بن نفير بِن خالد وذي مخبر، ثم قوَّى حديث عيسى فقال:\n(قال أبو داود: ورواه روح (١) ويحيى بن حمزة وبشر بن بكر (٢)، عن الأوزاعي، كما قال عيسى) بن يونس بترك واسطة جبير بن خالد وذي مخبر، وهذا إشارة إلى أن الوليد زاد واسطة جبير بين خالد وذي مخبر، وهو وَهم منه.\n\n(٣) (بَابٌ: في أَمَارَاتِ الْمَلَاحِمِ)\n٤٢٩٤ - (حدثنا عباس العنبري، نا هاشم بن القاسم، نا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه) ثابت بن ثوبان، (عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - ﷺ -: عمران بيت\n_________\n(١) رواية روح أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٤٠٩)، وابن سعد في \"طبقاته\" (٧/ ٤٢٥).\n(٢) ورواية بشر أخرجها الحاكم (٤/ ٤٢١).","vol":"12","page":341},{"text":"الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ\". ثُمَّ ضَرَبَ بَيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ - أَوْ مَنْكِبِهِ (١) - ثُمَّ قَالَ: \"إنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ ههُنَا، أَوْ كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ\"- يَعْنِي مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ -. [حم ٥/ ٢٤٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1643>(٤) بَابٌ: في تَوَاتُرِ الْمَلَاحِمِ</span>\n٤٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ،\n===\nالمقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة) الكبرى، (وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال) أي عمارة بيت المقدس سبب خراب يثرب؛ لأن عمرانه باستيلاء الكفار، والمعنى أن كلًّا من هذه الأمور أمارة لوقوع ما بعده، وإن وقع هناك مهلة، والمراد بفتح القسطنطينية فتحُ المهدي إياها.\n(ثم ضرب) أي رسول الله - ﷺ - (بيده على فخذ الذي حدثه، أو منكبه، ثم قال: إن هذا) أي الذي أخبرت به (لحقٌّ كما أنك ها هنا، أو: كما أنك قاعد، يعني معاذ بن جبل).\n\n(٤) (بَابٌ: في تَوَاتُرِ الْمَلَاحِمِ)\n٤٢٩٥ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عيسى بن يونس، عن أبي بكر) بن عبد الله (بن أبي مريم) الغساني الشامي، وقد ينسب إلى جده، قيل: اسمه بكير، وقيل: عبد السلام، عن أحمد: ضعيف، وعن أبي داود: قال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو داود: وسرق له حلي فأنكر عقله،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"منكبيه\".","vol":"12","page":342},{"text":"عن الْوَلِيدِ بْنِ سُفْيَانَ الْغَسَّانِيِّ، عن يَزِيدَ بْنِ قُطَيْبٍ السَّكُونِي، عن أَبِي بَحْرِيَّةَ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ في سَبْعَةِ أَشْهُرٍ\". [ت ٢٢٣٨، جه ٤٠٩٢، حم ٥/ ٢٣٤]\n٤٢٩٦ - حَدَّثنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، عن بَحِيرٍ، عن خَالِدٍ (١)، عن ابْنِ أَبِي بِلَالٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -\n===\nوقال أبو حاتم: سألت ابن معين عنه فضعَّفه، وقال أبو زرعة: ضعيف منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، طرقه لصوص فأخذوا متاعه فاختلط، وقال الجوزجاني: ليس بالقوي، وقال النسائي والدارقطني: ضعيف.\n(عن الوليد بن سفيان) بن أبي مريم (الغساني) شامي، وهو ابن عم أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن يزيد بن قطيب) بضم القاف مصغرًا (السكوني) الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي بحرية) عبد الله بن قيس التراغمي، (عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - ﷺ -: الملحمة \"الكبرى\" وفتح القسطنطينية، وخروجُ الدجال في سبعة أشهر).\nقال المنذري: (٢) وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، انتهى، وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم، وهو أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، قيل: اسمه بكير، وقيل: اسمه كنيته، وقيل بكر، وقيل: عبد السلام، ولا يُحتَجّ بحديثه.\n٤٢٩٦ - (حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، نا بقية، عن بحير، عن خالد) بن معدان، (عن ابن أبي بلال) عبد الله بن أبي بلال الخزاعي الشامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عبد الله بن بسر، أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن معدان\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ١٦٤).","vol":"12","page":343},{"text":"قَالَ: \"بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ وَفَتْحِ (١) الْمَدِينَةِ سِتُّ سِنِينَ، وَيخْرُجُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ في السَّابِعَةِ\". [جه ٤٠٩٣، حم ٤/ ١٨٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى.\n\n(٥) بَابٌ: في تَدَاعِي الأُمَمِ عَلَى (٢) الإسْلَامِ\n٤٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ ابْنُ إبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، نَا بِشْرُ بْنُ\n===\nقال: بين الملحمة وفتح المدينة) أي القسطنطينية (ست سنين، وبخرج المسيح الدجال في السابعة).\n(قال أبو داود: وهذا) أي حديث حيوة بن شريح (أصح من حديث عيسى) بن يونس، قال في \"فتح الودود\": قوله: \"وهذا أصح\" إشارة إلى جواب ما يقال: بين الحديتين (٣) تنافٍ، فأشار إلى أن الثاني أرجح إسنادًا فلا يعارضه الأول، وقيل: يمكن أن يكون بين أول الملحمة وآخرها ست سنين، ويكون بين آخرها وفتح المدينة - وهي القسطنطينية - مدة قريبة بحيث يكون ذلك مع خروج الدجال في سبعة أشهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>(٥) (بَابٌ: في تَدَاعِي الأُمَمِ عَلَى الإسْلَامِ)</span>\nأي: دعوة بعض الكفار بعضًا على قتالِ المسلمين واستئصالهم، واجتماع الفرق المختلفة من الكفار على خلاف المسلمين\n٤٢٩٧ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبرهيم الدمشقي، نا بشر بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بين\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أهل\".\n(٣) وجمع بينهما القاري بأن جعل مصداق الملحمة في هذا الحديث غير الملحمة العظمى، قالد: ولذا لم توصف فيه بالكبرى. [انظر: \"المرقاة\" (٩/ ٣١٧)]. (ش).","vol":"12","page":344},{"text":"بَكْرٍ (١)، نَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ السَّلَامِ، عن ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُوشِكُ الأُمَمُ (٢) أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا\"، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: \"بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّه مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ الله في قُلُوبِكُمُ الَوَهَنَ\"، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: \"حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ\". [حم ٥/ ٢٧٨]\n===\nبكر، نا) عبد الرحمن بن يزيد (بن جابر، حدثني أبو عبد السلام) صالح بن رستم (٣) (عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: يوشك الأمم) أي فرق الكفار (أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة (٤) جمع آكل (إلي قصعتها) قال الخطابي: تداعي الأمم اجتماعها ودعاءُ بعضها بعضًا حتى تصير العرب بين الأمم كقصعة بين الأكلة محاطًا بها من كل جانب.\n(فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟) أي يكون التداعي علينا بسبب كوننا قليلين يومئذ (قال) رسول الله - ﷺ -: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل) الغثاء بالضم والمد: ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره، والغثاء أراذل الناس وسقطهم، (ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابةَ منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهنَ) أي الضعف والجبنَ (فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الدمشقي\".\n(٢) في نسخة: \"العجم\".\n(٣) قال المنذري (٦/ ١٦٥): سئل عنه أبو حاتم فقال: مجهول لا نعرفه.\n(٤) قال القاري في \"المرقاة\" نقلًا عن الطيبي (٩/ ٢٣٣): الآكلة بالمد، وهي الرواية على نعت الفئة والجماعة أو نحو ذلك، كذا روي لنا عن كتاب أبي داود، وهذا الحديث من أفراده. قال القارىِ: ولو روي الأكلة بفتحتين على أنه جمع آكل اسم فاعل لكان له وجه وجيه.","vol":"12","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1645>(٦) بَابٌ: في الْمَعْقِلِ مِنَ الْمَلَاحِمِ</span>\n٤٢٩٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، نَا ابْنُ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْطَاةَ قَالَ: سَمِعْتُ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ يُحَدِّثُ، عن أبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ (١) إلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ، مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ\". [حم ٥/ ١٩٧]\n٤٢٩٩ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حُدِّثْتُ عن ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازمٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n===\n\n(٦) (بَابٌ: في الْمَعْقِلِ)، أي: الملجأ (مِنَ الْمَلَاحِمِ)\n٤٢٩٨ - (حدثنا هشام بن عمار، حدثني يحيى بن حمزة، نا ابن جابر قال؛ حدثني زيد بن أرطاة قال: سمعت جبير بن نفير يحدث، عن أبي الدرداء أن رسول الله - ﷺ - قال: إن فسطاط المسلمين) والفسطاط: الخيمة، والمراد ها هنا الحصين والمعقل (يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام).\nقال في \"المعجم\" (٢): الغوطة بالضم، ثم السكون، وطاء مهملة، هي الكورة التي منها دمشق، استدارتها ثمانية عشر ميلًا، يحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها، ولا سيما من شماليها، فإن جبالها عالية جدًّا، والغوطة كلها أشجار وأنهار متصلة، وهي بالإجماع أنزهُ بلادِ الله وأحسنُها منظرًا.\n٤٢٩٩ - (قال أبو داود: حُدِّثْتُ عن ابن وهب قال: حدثني جرير بن حازم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"الغوطة\".\n(٢) \"معجم البلدان\" (٤/ ٢١٩).","vol":"12","page":346},{"text":"\"يُوشِكُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا إلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلَاحٌ\". [تقدَّم برقم ٤٢٥٠]\n٤٣٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عن عَنْبَسَةَ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: \"وَسَلَاحٌ قَرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ\". [تقدَّم برقم ٤٢٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1646>(٧) بَابُ ارْتِفَاعِ الْفِتْنَةِ في الْمَلَاحِمِ</span>\n٤٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب بْنُ نَجْدة قالَ: نَا إسْمَاعِيلُ. (ح): وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَاَ الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ (١)، نَا إسْمَاعِيلُ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عن يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ - قَالَ هَارُونُ في حَدِيثِهِ -:\n===\nيوشك المسلمون أن يحاصَروا (٢) إلى المدينة) أي يضطروا إليها لمحاصرة العدو إياهم (حتى يكون أبعد مسالحهم) أي ثغورهم (سلاح) بفتح السين، وقد ضبط برفعه مضمومًا، موضع قريب من خيبر، وهذا يدل على كمال التضييق عليهم، وإحاطة الكفار حواليهم.\n٤٣٠٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس، عن الزهري قال) أي الزهري: (وسلاح قريب من خيبر).\n\n(٧) (بَابُ ارْتِفَاعِ الْفِتْنَةِ في الْمَلاحِمِ)\n٤٣٠١ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة قال: نا إسماعيل) بن عياش، (ح: وحدثنا هارون بن عبد الله قال: نا الحسن بن سوار، نا إسماعيل، نا سليمان بن سليم، عن يحيى بن جابر الطائي، قال هارون) شيخ المصنف (في حديثه)\n_________\n(١) في نسخة: \"سواد\".\n(٢) هذا الحديث مكرر، مر في أول كتاب الفتن، وفي \"قيامت نامه\": أنها تكون في الملحمة الكبرى، انتهى. (ش).","vol":"12","page":347},{"text":"عن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَنْ يَجْمَعَ اللهُ عَلَى هَذ الأُمَّةِ سَيْفَيْنِ: سَيْفًا مِنْهَا، وَسَيْفًا مِنْ عَدُوِّهَا\". [حم ٦/ ٢٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>(٨) بَابٌ: في النَّهْيِ عن تَهْيِيجِ التُّرْكِ وَالْحَبَشَةِ</span>\n٤٣٠٢ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيُّ قَالَ: نَا ضَمْرَةُ، عن السَّيْبَانِيِّ، عن أَبِي سُكَيْنَةَ - رَجُلٍ مِنَ الْمُحَرَّرِينَ -، عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: \"دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ، وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ\". [ن ٣١٧٦]\n===\nبعد قوله: يحيى بن جابر الطائي: (عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين: سيفًا منها، وسيفًا من عدوها)، والمراد أن هذه الأمة إذا تداعى عليها الأمم لا يبقى فيما بينهم قتال، بل ذلك الوقت يتفق المسلمون، ويحاربون الكفار، فالمراد بالفتنة ها هنا مقاتلة المسلمين فيما بينهم، فإن بأسهم يرتفع من بينهم إذا قاتل عدوهم من غيرهم فيجتمعون لقتالهم.\n\n(٨) (بَابٌ: في النَّهْيِ عَنْ تَهْييجِ التُّرْكِ وَالْحَبَشَةِ)\n٤٣٠٢ - (حدثنا عيسى بن محمد الرملي قال: نا ضمرة، عن السيباني، عن أبي سُكينة - رجل من المحرَّرين -، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - قال: دعوا الحبشة) أي اتركوهم (ما وَدَعوكم) أي ما دام تركوكم (واتركوا الترك ما تركوكم) (١).\nقال القاري (٢): قال الخطابي: اعلم أن الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (٣)، وبين هذا الحديث: أن الآية مطلقة، والحديث مقيد،\n_________\n(١) ولذا كره مالك بدايتهما بالقتل، كما سيأتي (ص ٤٨٠). (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٣٢٠).\n(٣) سورة التوبة: الآية ٣٦.","vol":"12","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1648>(٩) بَابٌ: في قِتَالِ التُّرْكِ</span>\n٤٣٠٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: نَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي الإسْكَنْدَرَانِيَّ -، عن سُهَيْلٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي صَالِحٍ -، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَقُومُ\n===\nفَيُحْمَل المطلق على المقيد، ويجعَلُ الحديث مخصِّصًا لعموم الآية، كما خص ذلك في حق المجوس فإنهم كفرة، ومع ذلك أخذ منهم الجزية؛ لقوله - ﷺ -: \"سنوا بهم سنَّة أهل الكتاب\".\nقال الطيبي ﵀: ويحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام، وأما تخصيص الحبشة والتُرك بالوداع فإن بلاد الحبشة وغيره بين المسلمين وبينها مهامه وقفار، فلم يكلِّفِ المسلمين دخولَ ديارهم لكثرة التعب، وعظمة المشقة، وأما الترك فبأسهم شديد، وبلادهم باردة، والعرب - وهم جند الإِسلام - كانوا من البلاد الحارة فلم يكلفهم دخولَ بلادهم، فلهذين السرين خُصِّصُوا، وأما إذا دخلوا بلادَ المسلمين قهرًا - والعياذ بالله - فلا يجوز لأحد تركُ القتال؛ لأن الجهاد في هذه الحالة فرض عين، وفي الحالة الأولى فرض كفاية.\nقلت (١): وقد أشار - ﷺ - إلى هذا المعنى حيث قال: \"ما تركوكم\"، وحاصل الكلام أن الأمر في الحديث للرخصة والإباحة، لا للوجوب ابتداء أيضًا، فإن المسلمين قد حاربوا الترك والحبشة بادين، وإلى الآن لا يخلو زمان عن ذلك، وقد أعزَّ الله الإِسلامَ، وأهلَه فيما هنالك.\n\n(٩) (بَابٌ: في قِتَالِ التُّرْكِ)\n٤٣٠٣ - (حدثنا قتيبة قال: نا يعقوب - يعني الإسكندراني -، عن سهيل - يعني ابن أبي صالح -، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تقوم\n_________\n(١) أي: علي القاري في \"المرقاة\" (٩/ ٣٢١).","vol":"12","page":349},{"text":"السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْمًا (١) وَجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ الْمُطَرَّقَةِ، يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ\". [م ٢٩١٢، ن ٣١٧٧]\n٤٣٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَابْنُ السَّرْحِ وَغَيْرُهُمَا، قَالُوا: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً. - قَالَ ابْنُ السَّرْحِ -: أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعْرُ. وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صِغَارَ الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطَرَّقَةُ\". [خ ٢٩٢٩، م ٢٩١٢، ت ٢٢١٥، جه ٤٠٩٦، حم ٢/ ٢٣٩]\n===\nالساعة حتى يقاتل المسلمون التركَ، قومًا وجوههم كالمجان المطرَّقة) المجان جمع المجَن، وهو الترس، والمطرقة من الإطراق أو التطريق، أي المجلَّدة طبقًا فوق طبق، وقيل: هي التي ألبست طراقًا أي جلدًا يغشاها، والمراد تشبيه وجوههم بالترس لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها، (يلبسون الشعر) أي في اللباس، والانتعال، وذلك لكثرة برد ملكهم.\n٤٣٠٤ - (حدثنا قتيبة وابن السرح وغيرهما، قالوا: نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رواية) أي عن النبي - ﷺ - (قال ابن السرح: أن النبي - ﷺ - قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر) أي ينتعلون من شعور (٢) مضفورة فيجعلون بها خفافًا، (ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين، ذلف الأنوف) ذُلُف جمع أذلف، والذلف محركة صغرُ الأَنف، واستواءُ الأرنبة، (كأن وجوههم المجانُّ المطرقة).\n_________\n(١) في نسخة: \"قوم\".\n(٢) وعلى هذا فهو على ظاهره، وبه جزم صاحب \"الإشاعة\"، وحكى عن البيهقي: أنه وقع، فقد كان نعال قوم من الخوارج بالري الشعرَ، ثم قال: ويحتمل أن يكون من جلود غير مدبوغة، وقبل: المراد وفور شعورهم حتى يطؤوها بأقدامهم. انتهى. (ش).","vol":"12","page":350},{"text":"٤٣٠٥ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، نَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَدِيثٍ (١): \"يُقَاتِلُكُمْ (٢) قَوْمٌ صِغَارُ الأَعْيُنِ - يَعْنِي التُّرْكَ - قَالَ: تَسُوقُونَهُمْ ثَلَاثَ مِرَارٍ (٣) حَتَّى تُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَمَّا في السِّيَاقَةِ الأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَأَمَّا في الثَّانِيَةِ فَيَنْجُو\n===\nقال النووي (٤): وهذه كلها معجزات لرسول الله - ﷺ -، فقد وجد قتال هؤلاء الترك (٥) بجميع صفاتهم التي ذكرها رسول الله - ﷺ -: صغار الأعين، حمر الوجوه، ذُلُف الأنوف، عِراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة؛ فوجدوا بجميع صفاتها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرات، ونسأل الله الكريم إحسانَ العاقبة للمسلمين في أمرِهم، وأمرِ غيرهم، وسائرِ أحوالهم، وإدامة اللطف بهم.\n٤٣٠٥ - (حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي، حدثنا خلاد بن يحيى، نا بشير بن المهاجر، نا عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب، (عن النبي - ﷺ - في حديث: يقاتلكم قوم صفار الأعين - يعني الترك - قال: تسوقونهم ثلاث مرار حتى تُلْحِقوهم بجزيرة العرب) أي تسوقونهم بالهزيمة حتى تلحقوهم إلى بلاد العرب، فالمراد بجزيرة العرب آخرها، أو المراد ما على حوالي العرب من الجزائر.\n(فأما في السياقة الأولى (٦) فينجو من هرب منهم، وأما في الثانية فينجو\n_________\n(١) في نسخة: \"حديثه\".\n(٢) في نسخة: \"يقاتلونكم\".\n(٣) في نسخة: \"مرات\".\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٨/ ٢٧٢).\n(٥) قال صاحب \"الإشاعة\": هم التتار. (ش).\n(٦) وفي \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٥٨٣): السياقة الأولى صادقة بقتال جنكيز خان، والثانية بوطأ تيمور، والثالثة بغلبة العثمانية. (ش).","vol":"12","page":351},{"text":"بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ، وَأَمَّا في الثَّالِثَةِ فَيُصْطَلَمُونَ\". أَوْ كَمَا قَالَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>(١٠) بَابٌ: في ذِكْرِ الْبَصْرَةِ</span>\n٤٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، نَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ قَالَ: نَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"يَنْزِلُ\n===\nبعض وبهلك بعض، وأما في الثالثة) أي في السياقة الثالثة (فَيُصْطَلَمُوْن) أَي يستأصلون (أو كما قال).\nقال صاحب \"العون\" (١): إن حديث أبي داود هذا، وحديث أحمد في \"مسنده\" متخالِفان مخالفة ظاهرة؛ فإن سياق أحمد يدل على أن الترك هم الذين يسوقون المسلمين ثلاث مرات حتى يلْحِقوهم بجزيرة العرب، وقال القرطبي بعد نقل حديث أحمد: إسناده صحيح.\nثم قال صاحب \"العون\": وعندي أن الصواب هي رواية أحمد، وأما رواية أبي داود، فالظاهر أنه وقع الوَهَم فيه من بعض الرواة، ثم أيَّد روايةَ أحمد بوجوه: منها وقوعُ قصةِ فتنة التتار على حسب عا وقع في حديث أحمد مفصلًا، فجزاه الله خير الجزاء، وهذا عندي كما قال، والله أعلم، ومن شاء التفصيلَ فلينظر \"عون المعبود\".\n\n(١٠) (بَابٌ: في ذِكْرِ الْبَصْرَةِ)\nأي: في ما ذكر من لفظ البصرة في الحديث، سواء أريد به هي القرية المشهورة بهذا الاسم، كما في الرواية الثانية، أو لا، كما في الأولى.\n٤٣٠٦ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي) عبد الوارث، (نا سعيد بن جمهان قال: نا مسلم بن أبي بكرة قال: سمعت أبي) أبا بكرة (يحدث أن رسول الله - ﷺ - قال: ينزل\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (١١/ ٢٧٨، ٢٧٩).","vol":"12","page":352},{"text":"نَاسٌ (١) مِنْ أُمَّتي بِغَائِطٍ يُسمُّونَهُ الْبَصْرَةَ، عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ، يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ يَكْثُرُ أَهْلُهَا، وَتكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُهَاجِرِينَ\".\nقَالَ ابْنُ يَحْيَى: قَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: \"وَيَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَإذَا كَانَ في آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ عِرَاضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الأَعْيُنِ، حَتَّى يَنْزُلوا عَلَى شَطِّ النَهْرِ، فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ يَأْخْذُونَ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ وَكَفَرُوا، وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وُيقَاتِلُونَهُمْ، وَهُم الشُّهَدَاءُ\". [حم ٥/ ٤٥]\n===\nناس من أمتي بغائط) هو المطمئن من الأرض (يسمونه البصرة، عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر يكثر أهلُها، وبكون من أمصار المهاجرين، قال ابن يحيى) شيخ المصنف: (قال أبو معمر) وليس له ذكر في السند، ولعل سند أبي معمر سند آخر غير هذا السند. (ويكون من أمصار المسلمين) يعني قال لفظ \"المسلمين\" بدل لفظ \"المهاجرين\".\n(فإذا كان) الأمر (في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء) بفتح القاف وضم الطاء مقصورًا (٢)، اسم أبي الترك (عراض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق أهلُها ثلاث فرق: فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية) أي يخرجون إلى مزارعهم (وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم) أي ما قدر لهم من ارتدادهم وكفرهم (وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم، ويقاتلونهم) فيستشهدون، فوقع كما أخبر به - ﷺ - في صفر سنة ست وخمسين وستمائة، (وهم الشهداء).\nقال في \"فتح الودود\": قيل: المراد بالبصرة: بغداد، وفيه باب يسمى\n_________\n(١) في نسخة: \"أناس\".\n(٢) كذا في الأصل، ولعله مُحرَّف، صوابه: ممدودًا.","vol":"12","page":353},{"text":"٤٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ: نَا مُوسَى الْحَنَّاطُ، لَا أَعْلَمُهُ إلَّا ذَكَرَهُ عن مُوسَى بْن أَنَسٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لَهُ: \"يَا أَنَس! إنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصَارًا، وَإنَّ مِصْرًا مِنهَا يُقَالُ لَهَا (١): الْبَصْرَةُ أَوْ الْبُصَيْرَةُ،\n===\n\"باب البصرة\"، فسمَّاه - ﷺ - باسم البصرة، ويؤيده أن دجلة جريها في بغداد، ولم يقع مثل هذه الواقعة بالبصرة قط، وإنما وقع في بغداد زمان المعتصم بالله العباسي، فالظاهر أن في الحديث إشارة إلى ذلك.\n٤٣٠٧ - (حدثنا عبد الله بن الصباح، نا عبد العزيز بن عبد الصمد قال: نا موسى الحناط) هو موسى بن أبي عيسى الحفاظ الغفاري، أبو هارون المدني، واسم أبي عيسى ميسرة، قال الدوري: سألت ابن معين عنه فقال: هو مدني، قلت: هو أخو عيسى الحناط؟ قال: كذا أظنه، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(لا أعلمه إلَّا ذكره عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال له: يا أنس! إن الناس يُمَصِّرون) أي يبنون (أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال لها: البصرة أو البصيرة).\nقال النووي في \"تهذيب اللغات\" (٢): البصرة بفتح الباء: البلدة المشهورة، مصَّرها عمر بن الخطاب - ﵁ -، وفيها ثلاث لغات: فتحُ الباء، وضمُّها، وكسرُها، حكاهن الأزهري، أفصحهن الفتح، وهو المشهور، ويقال لها: البصيرة بالتصغير، والتدمر (٣)، والمؤتفكة؛ لأنها ائتفكت، أي انقلب بأهلها في أول الدهر، قاله صاحب \"المطالع\".\n_________\n(١) في نسخة: \"له\".\n(٢) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ٣٧، ٣٨).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"تهذيب الأسماء\": تَدْمُر.","vol":"12","page":354},{"text":"فَإنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا، أَوْ دَخَلْتَهَا، فَإيَّاكَ وَسِبَاخَهَا، وَكَلَّاءَهَا، وَسُوقَهَا، وَبَابَ أُمَرَائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا، فَإنَّهُ يَكُونُ بِهَا خَسْفٌ، وَقَذفٌ، وَرَجْفٌ، وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ\".\n===\nقال أبو سعد (١) السمعاني (٢): يقال للبصرة: قبة الإِسلام وخزانة العرب، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - سنة سبع عشرة، وسكنها الناس سنة ثمان عشرة، ولم يُعْبَدْ صنم قط على أرضها، كذا قاله أبو الفضل عبد الوهاب بن أحمد الواعظ بالبصرة.\n(فإن أنتَ مررتَ بها، أو دخلتَها، فإياك وسباخَها، وكَلَّاءها) وكَلَّاء ككتان (٣) مرفأ السفن، وموضع بالبصرة، (وسوقها، وبابَ أمرائها، وعليك بضواحيها) جمع ضاحية، وهي البادية والناحية الظاهرة للشمس، وضاحية موضع بالبصرة، (فإنه يكون بها خسف) أي غيبوبة في الأرض، (وقذف) أي رمي أهلها بالحجارة كالمطر والبرد، (ورجف) أي زلزلة، (وقوم) فيها (يبيتون) سالمين (يصبحون قردة وخنازير (٤».\nقيل: فيه إشارة إلى أن فيها تنشأ قدرية، لأن الخسف والمسخ إنما يكون في هذه الأمة.\nقال في \"الدرجات\": هذا الحديث أورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٥) بطريق غير ما أخرجه به المصنف، قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هذا ذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" بطريق أبي يعلى الموصلي، نا عمار بن زربي، نا النضر بن أنس، عن أبيه، عن جده، عن أنس، وتعلق فيه بعمار بن زربي، وهو متهم، وهو كما قال؛ لكنه لم يتفرد به عمار، بل له سند\n_________\n(١) في الأصل: \"ابن سعد\"، وفي \"تهذيب الأسماء\": \"أبو سعيد\"، وكلاهما تحريف، والصواب: أبو سعد السمعاني.\n(٢) انظر: \"الأنساب\" للسمعا ني (١/ ٣٦٣).\n(٣) اْعني بالفتح والتشديد، كما في \"الصراح\". (ش).\n(٤) ذكر صاحب \"الإشاعة\" بعضَ هذه الأمور. (ش).\n(٥) (٢/ ٢/ ٦٠).","vol":"12","page":355},{"text":"٤٣٠٨ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ الْمُثَنَى، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: انْطَلَقْنَا حَاجِّينَ، فَإذَا رَجُلٌ فَقَالَ لَنَا: إلَى جَنْبِكُمْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا: الأُبُلَّةُ؟\n===\nآخر عند أبي داود، رجاله كلهم رجال الصحيح، وليس فيه إلَّا عدم جزم باتصاله يقول عبد العزيز فيه: لا أعلمه إلَّا ذكره عن موسى بن أنس، ولكن هذا يقتضي غلبة الظن به، وهو كافٍ، كما بأمثاله (١).\n٤٣٠٨ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا إبراهيم بن صالح بن درهم) الباهلي، أبو محمد البصري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن الله يبعث من مسجد العشار، الحديث. قال البخاري: لا يتابعُ عليه، وقال العقيلي: إبراهيم وأبوه ليسا بمشهورين بنقل الحديث، والحديث غير محفوظ، وقال الدارقطني: ضعيف، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سمعت أبي) صالح بن درهم الباهلي، أبو الأزهر البصري، قال الآجري: قلت لأبي داود: هو قدري؟ [قال:] لا أدري، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن أبي حاتم: روى عنه يحيى بن سعيد القطان، وقال صاحب \"الكمال\": قال ابن عدي: لم يحضرني له حديث وليس بمعروف، قال المزي: وإنما قال ابن عدي هذا في صالح بن إبراهيم الدهان البصري الجهني، وهو متأخر عن صالح بن درهم، قلت: وقال عباس عن يحيى القطان: صالح بن درهم ثقة، وقال الدارقطني في ترجمة إبراهيم بن صالح: أبوه صالح ثقة (٢).\n(يقول: انطلَقْنا حاجِّين، فإذا رجل) أي أبو هريرة، ولعل هذا الكلام وقع في مكة أو المدينة (فقال لنا: إلى جنبكم قرية يقال لها: الأُبُلَّة؟) بضم أوله وثانيه، وتشديدِ اللام وفتحِها: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (١١/ ٢٨٣)، و\"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٨٤).\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٨٨).","vol":"12","page":356},{"text":"قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ يَضْمَنُ لِي مِنْكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ لِي في مَسْجِدِ الْعَشَّارِ رَكْعَتَيْنِ، أَوْ أَرْبَعًا، وَيَقُولُ: هَذِهِ لأَبِي هُرَيْرَةَ؟ سَمِعْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إنَّ اللَّه يَبْعَثُ في (١) مَسْجِدِ الْعَشَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ، لَا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ\".\n===\nالخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة؛ لأن البصرة مُصِّرَت في أيام عمر بن الخطاب - ﵁ -، وكانت الأُبُّلة حينئذ مدينة فيها مسالح من قبل كسرى وقائد.\n(قلنا: نعم، قال: من يضمن لي منكم أن يصلي لي في مسجد العَشَّار ركعتين، أو أربعًا، ويقول: هذه لأبي هريرة (٢)؟ سمعت خليلي أبا القاسم - ﷺ - يقول: إن الله يبعث في مسجد العشار يوم القيامة شهداء، لا يقوم مع شهداء بدر غيرُهم)، كأنهم في منزلة شُهداء بدر، أو قريب منهم عند الله ﷾، وفي الحديث دلالة أن الطاعات البدنية يُوصَلُ إلى الغير أجرُها، وأن مآثر الأولياء والمقربين تزار ويتبرك بها.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"من\".\n(٢) وفيه جواز الإهداء إلى الحي، وبجوازه صرح الشامي (٣/ ١٥١، ١٥٢)، قلت: ويستنبَطُ أيضًا بحديث تضحيته ﵇ عن أمته، وبهذا استدل من قال بإهداء ثواب الطاعات البدنية، وذكر بعضًا منها القاري في \"المرقاة\" (٥/ ٣٨٥)، و\"النقاية\" و\"شرح اللباب\" (ص ٤٣٣)، واستدل يحديث الدارقطني: \"من البر أن تصلي لهما مع صلاتك ... \" الحديث.\nوحكى النووي في \"الأذكار\" (ص ١٩٧) الإجماعَ على أن الدعاء ينفع، والاختلاف في ثواب القرآن، والمشهور في مذهب الشافعي وجماعة لا يصل، وذهب ابن حنبل وجماعة إلى أنه يصل.\nقلت: وصرح بذلك في \"الروض المربع\" (ص ١٧٤)، وفي \"النيل\" (٣/ ٤٢)، و\"المغني\" (٣/ ٥١٩)، والزيلعي على \"الكنز\" و\"الشامي\" (٣/ ١٥٢)، وأجاب في \"الطحطاوي\" على \"المراقي\" (ص ٤١٣) عن الآية بثمانية وجوه، وفي باب حج البدل من \"الهداية\" (١/ ١٧٨): أن للإتسان أن يجعل ثواب أعماله لغيره صلاةً أو صومًا أو صدقة أو غيرها ... إلخ، وتقدمت تلك المسألة في \"البذل\" بمواضع. (ش).","vol":"12","page":357},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْمَسْجِدُ مِمَّا يَلِي النَّهْرَ.\n\n(١١) بَابُ (١) ذِكْرِ الْحَبَشَةِ\n٤٣٠٩ - حَدّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، نَا أَبُو عَامِرٍ، عن زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن مُوسَى (٢) بْنِ جُبَيْرٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: \"اتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُمْ، فَإنَّهُ لَا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ إلَّا ذُو السُّوَيْقَتينِ مِنَ الْحَبَشَةِ\". [ك ٤/ ٤٥٣، حم ١/ ٣٧٥]\n===\n(قال أبو داود: هذا المسجد مما يلي النهر) أي نهر الفرات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1650>(١١) (بَابُ ذِكْرِ الْحَبْشَةِ)</span>\n٤٣٠٩ - (حدثنا القاسم بن أحمد البغدادي، نا أبو عامر، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: اتركوا الحبشة (٣) ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنزَ الكعبة إلَّا ذو السّوَيقَتَين من الحبشة) تصغير الساق؛ لأن عامة سوق الحبشة بها حموشة ودقة.\nوذكر الحليمي وغيره أن ظهور ذوي السُّوَيقَتين بوقت عيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام بعد هلاك يأجوج ومأجوج، فيبعث عيسى إليه طليعة ما بين سبعمائة إلى ثمانمائة، فبينما هم يسيرون إليه إذ بعث الله ريحًا يمانية طيبة فتُقْبض فيها روحُ كل مؤمن.\n_________\n(١) في نسخة: \"باب النهي عن تهييج الحبشة\".\n(٢) في نسخة: \"محمد بن جبير\".\n(٣) ولأجل هذا الحديث ونحوه قال مالك: لا يجوز ابتداء الترك والحبشة بالحرب، وأجمع المسلمون على خلافه، كما في \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٨١)، وتقدم حديث آخر بمعناه (في ص ٤٧٠ من هذا الجزء)، لكن صرَّح الدردير (٢/ ٤٩٠) بجواز قتالهما كغيرهما. (ش).","vol":"12","page":358},{"text":"(١٢) بَابُ أَمَارَاتِ (١) السَّاعَةِ\n٤٣١٠ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي (٢) إسْمَاعِيلُ، عن أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عن أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ إلَى مَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَسَمِعُوهُ يُحَدِّثُ في الآيَاتِ أَنَّ أَوَّلَهَا الدَّجالُ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَمْ يُقَلْ شَيْئًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَو الدَّابَّةُ\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>(١٢) (بَابُ أَمَارَاتِ السَّاعَةِ)</span>\n٤٣١٠ - (حدثنا مؤمل بن هشام، حدثني إسماعيل، عن أبي حيان التيمي، عن أبي زُرعة قال: جاء نفر إلى مروان بالمدينة فسمعوه يحدث في الآيات) أي علامات القيامة (أن أولها الدجال، قال) أبو زرعة: (فانصرفت إلى عبد الله بن عمرو، فحدثته) بما حدَّثه مروان (فقال عبد الله) بن عمرو: (لم يقل شيئًا) أي ما قال مروان ليس له أصل (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن أوَل (٣) الآيات خروجًا طلوعُ الشمس من (٤) مغربها، أو الدابةُ) أي خروجها\n_________\n(١) في نسخة: \"باب علامات الساعة\".\n(٢) في نسخة: \"نا\".\n(٣) قال صاحب \"الإشاعة\": ورد هكذا، وفي بعضها: أول الآيات خروج الدجال، وفي بعضها: الدابة، وفي بعضها: نار تحشر الناس، قال الحافظ ابن حجر: طريق الجمع أن الدجالَ أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العامة في الأرض، وطلوعُ الشمس أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي والدابةُ معها، فهي والشمس كواحد، والنار أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة، وهذا جمع حسن، قلت: ولو قيل: الدابة أول الآيات المؤذنة بامتياز المؤمن من الكافر لكان أوجه.\n(٤) فإنها تطلع من المغرب، حتى إذا وصلت وسط السماء يرجع إلى المغرب أيضًا، فيصلى الظهر والعصر لوجود سببهما، وتطول تلك الليلة بقدر ثلاث ليالي، فمقتضى حديث الدجال أنه يصلى في تلك الليلة الصلوات الخمس، كذا في \"الشامي\" (٢/ ٢٣). (ش).","vol":"12","page":359},{"text":"عَلَى النَّاسِ ضُحًى، فَأَيّتهُمَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا\". [م ٢٩٤١، جه ٤٠٦٩، حم ٢/ ١٦٤]\nقَالَ عَبْدُ اللهِ - وَكَانَ يَقْرأُ الْكُتُبَ -: وَأَظُنُّ أَوَّلَهُمَا خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.\n===\n(على الناس ضحى) أي وقت الضحى، (فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها) أي قريبًا منها (قال عبد الله) بن عمرو (وكان يقرأ الكتب) جملة معترضة، قائلها أبو زرعة، يعني كان عبد الله يقراْ الكتب، أي التوراة والإنجيل (وأظن) مقولة القول (أولهما خروجًا طلوع الشمس من مغربها).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": إن ما قال مروان \"أوَّلُ العلامات الدجالُ\" أراد بالعلامات علاماتها الكبرى مطلقًا، سواء كانت بعدها للإسلام شوكة أو لم تكن، وظاهر أن الدجال أوَّلها، ولكن عبد الله لم يجعل التي بعدها رونق الإِسلام وبهجة لأهله في عداد العلامات؛ إذ الساعة في الحقيقة انعدام الإِسلام وذوِيه، وليس بعد الدجال ذلك، بل الإِسلام بعده أحسن ما يكون، فلذلك قال عبد الله: لم يأت مروان بشيء يُعْتَدُّ به ومقالةٍ يُعتَمَدُ عليها، بل الذي استحق أن يطلق عليه اسم الأمارة ما ليس بعده وسعة لقبول الكلمة، وهو أحد المذكورين من الدابة وطلوع الشمس.\nونقل في الحاشية \"عن فتح الودود\": قوله: \"لم يقل شيئًا\" يريد أن ما قاله باطل لا أصل له، لكن نقل البيهقي عن الحليمي أن أول الآيات ظهورًا الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروجُ الدابة وطلوعُ الشمس من مغربها؛ وذلك لأن الكفار يسلمون في زمان عيسى، حتى تكون الدعوة واحدة؛ فلو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزولِ عيسى لم ينفع الكفارَ إيمانُهم أيام عيسى، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدًا، ولذلك أوَّل بعضهم هذا الحديثَ بأن الآيات إما أمارات دالة على قرب قيام الساعة، أو على وجودها، ومن الأول الدجال ونحوه، ومن الثاني طلوع","vol":"12","page":360},{"text":"٤٣١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَهَنَّادٌ، الْمَعْنَى، قَالَ مُسَدَّدٌ: نَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: نَا فُرَاتٌ الْقَزَّازُ، عن عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ - وَقَالَ هَنَادٌ: عن أَبِي الطُّفَيْلِ - عن حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ\n===\nالشمس ونحوه، فأوَّلية (١) طلوع الشمس إنما هي بالنسبة إلى القسم الثاني، وفي الحديث بيان أول الآيات غير المألوفة، فالدجال وغيرِه وإن كان قبل ذلك لكن هو وأمثاله مألوف لكونه بشرًا، وأما خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف، ومخاطبتها الناسَ، ورسمها إياهم بالإيمان أو الكفر، فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية.\nقلت: لكن قول الحليمي: ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج [الدجال ونزول عيسى] لم ينفع الكفار إيمانهم ... إلخ مبنيٌّ على أن الإيمان لا ينفع مِنْ بعد طلوع الشمس إلى قيام الساعة، وفيه أنه يمكن أن يقال: إنه لا ينفع من علم به بالمشاهدة أو بالتواتر، وينفع بعد ذلك من عدم فيه أحدهما، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ﴾ (٢) الآية، فيتأمل في ذلك.\n٤٣١١ - (حدثنا مسدد وهناد، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قال مسدد: نا أبو الأحوص قال: نا فرات القزاز، عن عامر بن واثلة، وقال هناد: عن أبي الطفيل)، وحاصل الفرق بين لفظ مسدد وبين لفظ هناد: أن مسددًا قال: عن عامر بن واثلة، وهناد قال: بكنيته ولم يسمِّه، فقال: عن أبي الطفيل، وأبو الطفيل هو عامر بن واثلة.\n(عن حذيفة بن أسيد) بفتح الهمزة مكبرًا، ويقال: ابن أمية بن أسيد أبو سريحة (الغفاري) شهد الحديبية، وقيل: إنه بايع تحت الشجرة، قال ابن حبان: مات سنة ٤٢ هـ.\n_________\n(١) في الأصل: \"فالأولية\"، وهو تحريف.\n(٢) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.","vol":"12","page":361},{"text":"قَالَ: كُنَّا قُعُودًا نتَحَدَّثُ في ظِلِّ غُرْفَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَذَكَرْنَا السَّاعَةَ، فَارْتَفَعَتْ أَصْواتُنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَنْ تَكُونَ، أَوْ لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَكُونَ قَبْلَهَا عَشْرُ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّجَّالُ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَالدُّخَانُ،\n===\n(قال: كنا قعودًا نتحدث في ظل غرفة لرسول الله - ﷺ - (وكونها لرسول الله - ﷺ - باعتبار أدنى الملابسة لا أنها كانت في بيته؛ لأن بيوت أزواجه - ﷺ - لم يكن فيها الغرف، ولعل المراد بالغرفة المشربةُ التي انفرد فيها رسول الله - ﷺ - في أيام الإيلاء، (فذكرنا الساعة، فارتفعت أصواتنا) فسمعه رسول الله - ﷺ - (فقال رسول الله - ﷺ -: لن تكون أو) للشك من الراوي (لن تقوم) أي الساعة (حتى تكون قبلها عشر آيات) إحداها: (طلوع الشمس من مغربها، و) الثانية: (خروج الدابة (١)، و) الثالثة: (خروج يأجوج ومأجوج (٢)، و) الرابعة: خروج (الدجال، و) الخامسة: نزول (عيسى بن مريم، و) السادسة: (الدخان (٣)،\n_________\n(١) المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النحل: ٨٢]، كذا في \"المرقاة\" (٩/ ٣٦٦)، وقال أيضًا: يقال: إن للدابة ثلاث خرجات: أيام مهدي، ثم أيام عيسى، ثم بعد طلوع الشمس في مغربها، وقيل: المراد بالدابة الجسَّاسة، كذا في \"حاشية ابن ماجه\"، وفيه أقوال أخر بسطها في \"البحر العميق\"، منها: أنها الحية التي كانت على جب خزانة البيت قبل بناء قريش، ورجح أنها فصيل ناقة صالح. (ش).\n(٢) بسط الكلام عليهما في \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤٩٦)، والسيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٤٥٥ و٦/ ٣٧٧)، واختلف في حقيقتهم على أقوال من صُلب آدم غير حواء، أو نطفته على الأرض إذا احتلم، أو من يافث بن نوح، كذا في \"الإشاعة\". (ش).\n(٣) مال الطيبي إلى أنه وقع في زمنه ﵊، وهو المراد [في قوله تعالى]: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وحكي عن ابن مسعود ﵁، لكن قال حذيفة ﵁: هو على حقيقته؛ لأنه ﵇ سئل عن حقيقته؟ فقال: يمكث أربعين ليلة، يملأ ما بين المشرق والمغرب، كما في \"المرقاة\"، و\"حاشية ابن ماجه\". (ش).","vol":"12","page":362},{"text":"وَثَلَاثُ (١) خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَغْرب، وَخَسْفٌ بِالْمَشرِقِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَب، وَآخِرُ ذَلِكَ تخرج (٢) نَارٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ قَعْرِ (٣) عَدَنٍ، تَسُوقُ النَاسَ إَلَى الْمَحْشَرِ\". [م ٢٩٠١، ت ٢١٨٣، جه ٤٠٤١، حم ٤/ ٦]\n٤٣١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ\n===\nو(السابعة، والثامنة، والتاسعة (ثلاث خسوف: خسفٌ بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك) وهو العاشرة: (تخرج نار من اليمن من قَعْر عدن) مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن، ردئة لا ماء بها، ولا مرعى، وشربهم من عين، بينها وبين عدن مسيرة نحو اليوم، وهو مع ذلك رديء إلَّا أن هذا الموضع هو مرفأ مراكب الهند، والتجار يجتمعون إليه لأجل ذلك (٤) (تسوق الناس إلى المحشر) أي أرض الشام.\nوهذه الآيات لم تذكر مرتبة على ترتيب وقوعها، قيل: فأول الآيات الخسوفات، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم الريح (٥) التي تقبض عندها اْرواح أهل الإيمان، ثم طلوع الشمس من مغربها، ثم تخرج دابة الأرض.\nقلت: والأقرب في مثله التوقفُ، والتفويضُ إلى عالمه، \"فتح الودود\" (٦). قلت: وفيه أيضًا كلام فإن المناسب أن يذكر الطلوع، وخروج الدابة قبل الريح.\n٤٣١٢ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، نا محمد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"ثلاثة\".\n(٢) في نسخة بدله: \"نار تخرج\".\n(٣) في نسخة: \"من قعره\".\n(٤) انظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٨٩).\n(٥) وجودها ها هنا مشكل لما ورد من صلواتهم في ليلة الطلوع. (ش).\n(٦) هكذا حكاه عنه في الحاشية، وبتغير يسير ذكر الترتيب القاري في \"المرقاة\" (٩/ ٣٦٦، ٣٦٧). (ش).","vol":"12","page":363},{"text":"الْفُضَيْلِ، عن عُمَارَةَ، عن أَبِي زُرْعَةَ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَاكَ (١) حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية\". [خ ٤٦٣٥، م ١٥٧، جه ٤٠٦٨، حم ٢/ ٣١٣]\n===\nالفضيل، نا عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذاك) أي إيمانهم (حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ أي: أو لم تكن كسبت (﴿فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية).\nقال ابن جرير (٢): وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"ذلك حين تطلع الشمس من مغربها\"، وأما قوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ فإنه يعني: أو عملت في تصديقها بالله خيرًا، من عمل صالح يصدق قبله، ويحققه، من قبل طلوع الشيس من مغربها، ولا ينفع كافرًا لم يكن آمن بالله قبل طلوعها، كذلك إيمانه بالله إن آمن، وصدَّق بالله ورسله؛ لأنها حالة لا تمتنع نفس من الإقرار بالله لعظيم الهول الوارد عليهم من أمر الله، فحكم إيمانهم كحكم إيمانهم عند قيام الساعة.\nوتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله ﷿ لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار، ولا ينفع من كان بالله وبرسله مصدِّقًا، ولفرائض الله مضيعًا، غير مكتسب بجوارحه لله طاعة، إذا هي طلعت من مغربها، أعماله إن عمل، وكسبه إن اكتسب، لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك.\nثم أخرج عن السدي في معنى هذه الآية يقول: كسبت في تصديقها خيرًا\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فذلك\".\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٠٢). سورة الأنعام: الآية ١٥٨.","vol":"12","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1652>(١٣) بَابُ حَسْرِ الْفُرَاتِ عن كَنْزٍ </span>(١)\n٤٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِيُّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عن خُبَيْب بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ (٢) عن كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأخُذْ (٣) مِنْهُ شَيْئا\". [خ ٧١١٩، م ٢٨٩٤، ت ٢٥٦٩، حم ٢/ ٢٦١، جه ٤٠٤٦]\n٤٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ - يَعْنِي\n===\nعملًا صالحًا، فهؤلاء أهل القبلة، وإن كانت مصدقة ولم تعمل قبل ذلك خيرًا، فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها، وإن عملت قبل الآية خيرًا، ثم عملت بعد الآية خيرًا، قُبِل منها.\n\n(١٣) (بَابُ حَسْرِ الْفُرَاتِ) نهر بالكوفة (عَنْ كنْزٍ)\n٤٣١٣ - (حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، حدثني عقبة بن خالد السكوني، نا عبيد الله، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: يوشك) أي يقرب (٤) (الفرات أن يحسر) أي يزول وينكشف (عن كنز من ذهب) فيظهر ذلك، أي جبل منه كما سيأتي (فمن حضره فلا يأخُذْ منه شيئًا) وإنما نهى عن أخذه؛ لأن أخذه شركة في الفتنة؛ لأنه يقع فيه الاقتتال (٥).\n٤٣١٤ - (حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، حدثني عقبة - يعني\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من ذهب\".\n(٢) في نسخة: \"تحسر\".\n(٣) في نسخة: \"يأخذن\".\n(٤) وذكر صاحب \"الإشاعة\" أنه يكون عند خروج المهدي. (ش).\n(٥) وقيل: إن النهي لما أن هذا المال ملعون كخزانة قارون، كذا في \"المجمع\" (١/ ٤٩٥). (ش).","vol":"12","page":365},{"text":"ابْنَ خَالِدٍ -، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عن أَبي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"يَحْسِرُ عن جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ\". [خت ٧١١٩، م ٢٨٩٤، ت ٢٥٧٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1653>(١٤) بَابُ خُرُوجِ الدَّجَّالِ</span>\n٤٣١٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عنِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: \"اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ، فَقَالَ حُذيْفَةُ: لأَنَا بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ أَعْلَمُ مِنْهُ: إنَّ مَعَهُ بَحْرًا مِنْ مَاءٍ، وَنَهْرًا مِنْ نَارٍ، فَالَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ نَارٌ: مَاءٌ، وَالَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ مَاءٌ: نَارٌ،\n===\nابن خالد - حدثني عبيد الله، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - مثله، إلَّا أنه) أي الأعرج (قال) في حديثه: (يحسِرُ (١) عن جبل من ذهب).\n\n(١٤) (بابُ خُرُوجِ الدَّجَّالِ) (٢)\n٤٣١٥ - (حدثنا الحسن بن عمرو، نا جرير، عن منصور، عن ربعي بن حراش قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنَا بما مع الدجال) من بحر الماء ونهر النار (أعلم منه) لأن الدجال لا يعلم حقيقة ما معه، وأنا أعلم منه؛ لأني أعلم حقيقته بإخبار رسول الله - ﷺ - (إن معه بحرًا من ماء، ونهرًا من نار، فالذي ترون أنه نار) فهو (ماء) حقيقة (والذي ترون أنه ماء) فهو (نار (٣)،\n_________\n(١) أي ينشف الماء فيظهر الجبل. (ش).\n(٢) وحكى صاحب \"الدرجات\" (ص ١٨٦) عن القرطبي في وجه تسميته بالدجال عشرة أقوال، وعن صاحب \"القاموس\" (٤/ ٢٣٩) في تسميته بالمسيح خمسين قولًا، وحكى حقيقته. (ش).\n(٣) واختُلِفَ في هذه الأشياء التي مع الدجال، هل هي حقائق ثابتة، أو ظنونات وتوهمات على قولين، ذكرهما النووي (٩/ ٢٩٣). (ش).","vol":"12","page":366},{"text":"فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ ذَلِكَ فَأَرَادَ (١) الْمَاءَ فَلَيْشَرَبْ مِنَ الَّذِي يُرَى أَنَّهُ نَارٌ، فَإنَّهُ سَيَجِدُ مَاءً\". [خ ٣٤٥، م ٢٩٣٤، حم ٥/ ٣٩٥]\nقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ: هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ.\n٤٣١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ، عن النَّبيَّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إلَّا قَدْ (٢) أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ،\n===\nفمن أدرك منكم ذلك فأراد الماء فليشرب من الذي يُرى أنه نار، فإنه سيجده ماء).\n(قال أبو مسعود البدري: هكذا سمعت من رسول الله - ﷺ - يقول) فصدَّق أبا مسعود (٣) حذيفةُ - ﵁ - فيما قال.\nقال في \"فتح الباري\": هذا يرجع من اختلاف المرء (٤) بالنسبة إلى الرأي، فإما أن يكون الدجال ساحرًا، فيخيل الشيء بصورة عكسه، وإما أن يجعل الله باطنَ الجنة التي سخرها للدجال نارًا، وباطنَ النار جنة.\n٤٣١٦ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك يحدث، عن النبي - ﷺ - أنه قال: ما بُعِثَ نبي (٥) إلَّا قد أنذر أمته الدجالَ الأعورَ الكذَّابَ) (٦).\n_________\n(١) في نسخة: \"وأراد\".\n(٢) في نسخة بدله: \"وقد\".\n(٣) والأوضح \"أبو مسعود\" على اسم الفاعل، وحذيفة مفعول.\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\" (١٣/ ٩٩): يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي.\n(٥) أي بعد نوح ﵇ كما سيأتي (ص ٤٩٠). (ش).\n(٦) قال النووي (٩/ ٢٩٤): ورد: أعور اليمنى، وأعور اليسرى؛ وكلا هما صحيحان، فإن عينيه عَوْرَاوَان طافئتان: إحداهما طافئة بالهمزة، وهي التي ذهب نورها، والثانية طافية بلا همزة، وهي التي نتأت وطفت مرتفعة، وفيها ضوء، انتهى. وبسطه، وكذا الحافظ =","vol":"12","page":367},{"text":"أَلَا وَإنَّهُ أَعْوَرُ، وَإنَّ رَبَّكُمْ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوب (١) كَافِرٌ\". [خ ٧١٣١، م ٢٩٣٣، حم ٣/ ١٠٣]\n٤٣١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُّثَنَّى، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ: (ك ف ر). [انظر مَا قبله]\n===\nاستشكل ذلك مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت، وأن عيسى ﵇ يقتله بعد أن ينزل من السماء، ويحكم بالشريعة المحمدية.\nوالجواب أنه كان وقت خروجه أخفى على نوح (٢) ومن بعده، ولم يذكر لهم وقت خروجه، فحذروا قومهم من فتنته، ويؤيده قوله - ﷺ -: \"إن يخرجُ وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم\"، فإنه محمول على أن ذلك قبل أن يبين له وقت خروجه، فكان - ﷺ - يجوِّز أن يخرج في حياته، ثم بُيِّن له بعد ذلك حاله، ووقت خروجه، فأخبر به، فبذلك يجمع بين الأخبار، قاله في \"مرقاة الصعود\".\n(ألا) حرف تنبيه (وإنه أعور) ذاهبة إحدى عينيه (وإن ربكم) تبارك و(تعالى ليس بأعور) أي منزَّه عن النقائص والعيوب، (وإن بين عينيه مكتوب: كافر) يقرؤه كل مؤمن، كما سيجيء.\n٤٣١٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة: ك ف ر) يعني مكتوب بحروف الهجاء (٣).\n_________\n= (١٣/ ٩٧)، وقال القاري: قيل: يحتمل أن يكون بالنسبة إلى أشخاص متفرقة، فقدم يرونه أعورَ اليسرى، وقوم يرونه أعورَ اليمنى، ليدل على أنه ساحر، ويحتمل سهو الراوي، أو هو كالحرباء والغول متلون بألوان، فقد ورد: يكون عينه خضراء، انتهى [انظر: \"المرقاة\" (٩/ ٣٧٧)]. (ش).\n(١) في نسخة: \"مكتوبًا\".\n(٢) ردَّ هذا التوجيه في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٥٢) كما سيأتي في هامش \"باب ذكر الميزان\" انتهى. (ش).\n(٣) وبه جزم الشيخ في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٥٦)، والبسط في هامشه، انتهى. (ش).","vol":"12","page":368},{"text":"٤٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَاب، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عن النَّبِىِّ - ﷺ -، في هَذَا الْحَدِيثِ: \"يَقْرَؤُهُ كُلّ مُسْلِمٍ\". [م ٢٩٣٣، حم ٣/ ٢١١]\n٤٣١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا جَرِيرٌ، نَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عن أَبي الدَّهْمَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللهِ إنَّ الرَّجُلَ\n===\n٤٣١٨ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - في هذا الحديث: يقرؤه) أي الذي هو مكتوب بين عينيه (كل مسلم) زاد ابن ماجه: \"كاتب وغير كاتب\".\nقال النووي (١): الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة جعلها الله علامة قاطعة لكذب الدجال، فيُظهِر الله للمؤمن عليها، ويخفيها عمن أراد شقاوته، وقال بعضهم: هي مجاز عن سمة الحدوث عليه، وهو مذهب ضعيف.\n٤٣١٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا جرير، نا حميد بن هلال، عن أبي الدهماء) قرفة، بكسر أوله، وسكون الراء، بعدها فاء، ابن بُهيس بضم الموحدة مصغرًا، العدوي البصري، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، ويقال: ابن بيهس، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند مسلم حديث في عظم خلق الدجال، وعند أبي داود حديث: \"من سمع الدجال فلينأ عنه\"، وعند الباقين في الدفن، وعند النسائي أيضًا فيمن ترك الشيء اتقاء لله. قلت: وقال العجلي. بصري تابعي ثقة.\n(قال: سمعت عمران بن حصين، يحدث قال: قال رسول الله - ﷺ -: من سمع بالدجال فلينأ عنه) أي لا يأتيه بل يبعد عنه، ويفر عنه، (فوالله إن الرجل\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٢٩٤).","vol":"12","page":369},{"text":"لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ، أَوْ: لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ\" هَكَذَا قَالَ (١). [حم ٤/ ٤٣١]\n٤٣٢٠ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي بَحِيرٌ، عن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عن عَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ، عن جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إنِّي قَدْ حَدَّثْتكُمْ عن الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لَا تَعْقِلُوا (٢): إنَّ مَسِيحَ (٣) الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ، لَيْسَ بَنَاتِئَةٍ\n===\nليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه) أي ويرتد عن دينه (مما) أي لأجل ما (يبعث) الله (به من الشبهات) أي من الخوارق والاستدراجات (أو) للشك (لما يبعث به من الشبهات. هكذا قال) وهذا قول بعض الرواة قاله احتياطًا وورعًا بأن الأستاذ والشيخ قال مثل هذه الألفاظ.\n٤٣٢٠ - (حدثنا حيوة بن شريح، نا بقية، حدثني بحير، عن خالد بن معدان، عن عمرو بن الأسود، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، أنه حدثهم، أن رسول الله - ﷺ - قال: إني قد حدثتكم عن الدجال) أي عن أحواله وشبهاته (حتى خشيت أن لا تعقلوا) أي لا تفهموا؛ لكون ما ذكرته من أمور غامضة لا يعقلها كل أحد، وأنا الآن أذكر لكم فيه ما يعقله كل أحد (إن مسيح الدجال رجل قصير) لا ينافيه ما سيأتي أنه أعظم ما رأيناه من رجل، وذلك لأنه مع ما لَهُ من الطول يبدو للناظر قصيرًا لغلبة سمنه، فلا يطلع على طول قامته إلَّا بالتأمل (أفحج) بتقديم الحاء المهملة على الجيم، وهو الذي إذا مشى باعد بين رجليه (جعد) أي جعودة الشعر، وهو التواؤها، أو جعودة البدن، وهو اكتنازه (أعور مطموس العين، ليس بناتئة) (٤)\n_________\n(١) في نسخة: \"قال هكذا؟ قال: نعم\".\n(٢) في نسخة: \"حسبت أن لا تغفلوا\".\n(٣) في نسخة: \"المسيح\".\n(٤) أي إحداهما، فلا ينافي كون الأخرى ناتئة مرتفعة، فالأول بيان العين الطافئة بالهمزة، والثاني بيان للثانية الطافية بالياء، كما تقدم في كلام النووي. (ش).","vol":"12","page":370},{"text":"وَلَا جَحْرَاءَ (١)، فَإنْ أُلْبِسَ (٢) عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَمْرُو بْنُ الأَسْوَدِ وليَ الْقَضَاءَ. [حم ٥/ ٣٢٤]\n٤٣٢١ - حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالحٍ الدِّمَشْقِيُّ (٣) الْمُؤَذِّنُ، نَا الْوَلِيدُ، نَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ (٤) الطَّائِيُّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن أَبِيهِ، عن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلَابِيِّ\n===\nأي ليس بمرتفعة (ولا جحراء) أي غائرة، (فإن ألبس عليكم) بما معه من الشبهات (فاعلموا أن ربكم ليس بأعور) منزه عن النقص والعيب، وهو معيب.\n(قال أبو داود: عمرو بن الأسود ولي القضاء) قلت: لم أجد عند غير أبي داود أنه ولي القضاء، بل نقل الحافظ عن ابن حبان أنه قال في \"الثقات\": عمير (٥) بن أسود كان من عباد أهل الشام وزهادهم، وكان يقسم على الله فيبرُّه، فكلام أبي داود هذا إن صح ليس فيه إشارة إلى ضعفه.\n٤٣٢١ - (حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي المؤذن، نا الوليد، نا ابن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه) جبير بن بن نفير، (عن النواس) بفتح النون وتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر السين ويفتح (الكلابي) ويقال: الأنصاري، يقال: إن أباه وقد على النبي - ﷺ -، فدعا له، وتزوج أختَه، فلما دخلت على النبي - ﷺ - تعوذت منه فتركها، له ولأبيه صحبة.\n_________\n(١) في نسخة: \"ولا جخراء\".\n(٢) في نسخة: \"التبس\".\n(٣) في نسخة: \"المؤذن الدمشقي\".\n(٤) زاد في نسخة: \"الغساني\".\n(٥) عمير بن الأسود وعمرو بن الأسود كلاهما واحد، فقال الحافظ في ترجمة عمير بن الأسود: هو عمرو بن الأسود. \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٨).","vol":"12","page":371},{"text":"قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الدَّجَّالَ فَقَالَ: \"إنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهُ، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ بِفَوَاتِح سُورَةِ الْكَهْفِ، فَإنَّهَا جِوَاركُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ\". قُلْنَا: وَمَا لُبْثُهُ في الأَرْضِ؟ قَالَ: \"أَرْبَعُونَ يَوْمًا: يَوْمٌ (١) كَسَنَةٍ، وَيوْمٌ (٢) كَشَهْرٍ، ويوْمٌ (٣) كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ\"\n===\n(قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال فقال: إن) حرف شرط (يخرج وأنا فيكم) موجود (فأنا حجيجه) أي: خصمه (دونكم، وإن يخرج ولست فيكم) أي يخرج بعدي (فامرؤ حجيج نفسه) أي: خصمه عن نفسه، قيل: قاله قبل أن يوحى إليه عن وقته وأن عيسى يقتله، ويحتمل أنه أراد إعلامَ الناس بقرب خروجه.\n(والله خليفتي على كل مسلم، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف (٤) أي أوائل آياتها (فإنها جواركم) أي: أمانكم (من فتنته، قلنا: وما لبثه) أي: كم مقدار لبثه (في الأرض؟ قال: أربعون يومًا: يوم كسَنَة (٥)، ويوم كشهر، ويوم كجمعة) أي: من جملة أربعين يومًا هذه ثلاثة أيام بهذه الكيفية، (وسائر) أي: باقي (أيامه) وهي سبع وثلاثون يومًا (كأيامكم،\n_________\n(١) في نسخة: \"يومًا\".\n(٢) في نسخة: \"يومًا\".\n(٣) في نسخة: \"يومًا\".\n(٤) وبسط صاحب \"الدرجات\" (ص ١٨٦) في التناسب بين قرائتِها والحفظِ من الدجال، انتهى. (ش).\n(٥) قال صاحب \"الإشاعة\": اختلفوا في الجمع بينه وبين رواية ابن ماجه، وللعلماء في هذا الطول ثلاثة أقوال، الأول قول ابن الملك: إنه يكون محسوسًا كذلك لشدة المحن، ورده القاري، والثاني: أنه يكون شعبذة منه كما قال الشيخ، وهو مختار القاري (٩/ ٣٨٢)، والثالث: ما اختاره القاضي عياض: أنه يكون كذلك في الحقيقة، وتكون هذه الصلوات في هذا اليوم تشريعًا منه تعالى، كذا قال النووي (٩/ ٢٩٦). (ش).","vol":"12","page":372},{"text":"فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا الْيَوْمُ الّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ قَالَ: \"لَا، اُقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ، ثُمَّ يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ فيَقْتُلُهُ\". [م ٢١٣٧، ت ٢٢٤٠، جه ٤٠٧٥، حم ٤/ ١٨١]\n٤٣٢٢ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ: نَا ضَمْرَةُ، عن السَّيْبَانِيِّ، عن عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الله، عن أَبِي أُمَامَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَهُ، وَذَكَرَ الصَّلوَاتِ مِثْلَ مَعْنَاهُ. [جه ٤٠٧٧]\n===\nفقلنا: يا رسول الله! هذا اليوم الذي) طوله (كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره)، وإنما أمر رسول الله - ﷺ - بالتقدير بأن يقدر للصلاة قدر اليوم والليلة، وهو أربعة وعشرون ساعة؛ لأن طول يوم الدجال كان لشعبذة منه لا حقيقة، فلهذا أمر بأن يقدروا له. وأمّا في البلاد (١) التي يكون اليوم أطولَ فالصلاة فيه مقدَّرة على قدره لأنه على حقيقته.\n(ثم ينزل عيسى بْن مريم -﵇- عند المنارة البيضاء (٢) شرقي دمشق) فيهرب الدجال منه، (فيدركه عند باب لد) قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين (فيقتله).\n٤٣٢٢ - (حدّثنا عيسى بن محمد، نا ضمرة، عن السيباني، عن عمرو بْن عبد الله، عن أبي أمامة، عن النّبيّ - ﷺ -، نحوه، وذكر الصلوات مثل معناه).\n_________\n(١) والمسألة خلافية بين الحنفية، بسطه الشامي (٢/ ٢٣، ٢٤)، وصحح كلا القولين: الإيجاب وعدمه، وحكى عن الشافعي أنه أوجب العشاء في البلاد التي يطلع فيها الفجر قبل غروب الشفق ... إلخ. (ش).\n(٢) وقد جددت المنارة البيضاء في سنة ٧٤١ هـ، وهذا من دلائل النبوة إذ أخبر -﵇- قبل وجود المنارة بزمان، كذا في \"الدرجات\" (ص ١٨٦)، قلت: هكذا قال، ورجح في هامش ابن ماجه رواية نزوله بيت المقدس، ورجحه في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٦٣، ١٦٤)، وكتب في هامشه اختلافهم في ترجيحهما، فارجع إليه. (ش).","vol":"12","page":373},{"text":"٤٣٢٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا هَمَّامٌ، نَا قَتَادَةُ، نَا (١) سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عن مَعْدَانَ، عن حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، يَرْوِيهِ عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ\". [م ٨٠٩، ت ٢٨٨٦، حم ٥/ ١٩٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا قَالَ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عن قَتَادَةَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ حَفِظَ مِنْ خَوَاتِيمِ سُورَةِ الْكَهْفِ\".\nوَقَالَ شُعْبَةُ (٢): \"مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ\".\n===\n٤٣٢٣ - (حدّثنا حفص بن عمر، نا همام، نا قتادة، نا سالم بْن أبي الجعد، عن معدان، عن حديث أبي الدرداء، يرويه عن النّبيّ - ﷺ - قال: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال)\n(قال: أبو داود: وكذا قال هشام الدستوائي، عن قتادة، إِلَّا أنه قال: من حفظ من خواتيم سورة الكهف (٣). وقال شعبة) عن قتادة: (من آخر الكهف) (٤).\nقيل: هذا من خصائص هذه السورة كلها، فقد روي: من حفظ سورة الكهف ثمّ أدركه الدجال لم يُسَلَّطْ عليه، وعلى هذا تجتمع رواية من روى من أول سورة الكهف مع من روى من آخرها، ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن قتادة\".\n(٣) قلت: هكذا ذكره المصنِّف، وهذا مخالف لما في \"صحيح مسلم\" (٨٠٩) الّذي أخرج رواية هشام الدستوائي، وفيه: \"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف\". وكذا في رواية همام عند مسلم، وأورد رواية شعبة، وفيها: \"من آخر الكهف\"، كما ذكره المصنِّف.\n(٤) ورواية شعبة أخرجها أحمد (٦/ ٤٤٦)، ومسلم (٨٠٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٧٨٦)، وابن حبّان (٣/ ٦٦) رقم (٧٨٦).\n(٥) بسط القاري في \"المرقاة\" (٤/ ٦٣٦) في الجمع بين الروايات.","vol":"12","page":374},{"text":"٤٣٢٤ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ آدَمَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن (١) النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ - يَعْنِي عِيسَى ﵇ - نَبِيٌّ، وَإنَّهُ نَازِلٌ، فَإذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَربُوعٌ إلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإسْلَامِ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وُيهْلِكُ اللهُ في زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الإسْلَامَ، وُيهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَيَمْكُثُ في الأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتُوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ\". [حم ٢/ ٤٠٦، حب ٦٤٠٦]\n===\n٤٣٢٤ - (حدّثنا هدبة بن خالد، نا همام بْن يحيى، عن قتادة، عن عبد الرحمن بْن آدم) البصري، المعروف بصاحب السقاية، مولى أم برثن، وقد تبدل النون ميمًا، قال الدارقطني: عبد الرحمن بن آدم، إنّما نسب إلى الآدم أبي البشر، ولم يكن له أب يُعرَف، ذكره ابن حبّان في \"الثقات\".\n(عن أبي هريرة، عن النّبيّ - ﷺ - قال: ليس بيني وبينه - يعني عيسى ﵇ - نبي، وإنه نازل) (٢) أي من السَّماء إلى الأرض لقتل الدجال، (فإذا رأيتموه فاعرفوه) بما أذكر لكم من صفته. هو (رجل مربوع) بين القصير والطويل، مائل (إلى الحمرة والبياض) ينزل (بين) ثوبين (مُمَصَّرتين) أي فيهما صفرة خفيفة (كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل) كأنه اغتسل، (فيقاتل النَّاس على الإسلام، فيدق الصلّيب) أي يكسره، (ويقتل الخنزير، وضع) أي يسقط (الجزية) بل لم يكن في حكمه إِلَّا الإسلام أو القتل، فلا يقبل الجزية، (ويهلك الله في زمانه المللَ كلَّها) أي يبطلها (إِلَّا الإسلام، ويهلك المسيحَ الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثمّ يتوفى فيصلّي عليه المسلمون) وفي رواية مسلم (٣): \"إنّه يهلك الدجال، ثمّ يمكث النَّاس سبع سنين\".\n_________\n(١) في نسخة: \"أن\".\n(٢) لا يشكل عليه: \"لا نبي بعدي\". راجع: \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٢٢٠). (ش).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٢٩٤٠).","vol":"12","page":375},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nونقل في الحاشية عن \"مرقاة الصعود\" و\"فتح الودود\": هذا ما صح في مدة لبثه، وما دل على خلاف ذلك فهو مُؤَوَّل، ونقل في حاشية المكتوبة الأحمدية عن \"فتح الودود\": قوله: \"أربعين سنة\"، وما في \"صحيح مسلم\": \"أنه يهلك الدجال، ثمّ يمكث النَّاس سبع سنين\" فمعناه أن النَّاس بعد موته يمكثون سبع سنين فلا مخالفة.\nقال في \"الدرجات\" (١): \"فيمكث في الأرض أربعين سنة\". قال الحافظ عماد الدين بن كثير: يشكل بما في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: أنه يمكث في الأرض سبع سنين، قال: اللهُمَّ إِلَّا أن تُحمَل هذه السبعُ على مدة إقامته بعد نزوله، فيكون ذلك مضافًا لمكثه بها قبل رفعه إلى السَّماء، فعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة بالمشهور.\nقال جط (السيوطي): وقد أقمت سنين أجمع بينهما، فرأيت البيهقي قال في كتاب \"البعث والنشور\": كذا جاء: \"إنّه يمكث بها أربعين سنة\"، وفي مسلم عن عبد الله بْن عمرو: \"فيبعث الله عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه، ثمّ يلبث النَّاس بعده سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة\"، قال البيهقي: فلعلّ قوله: \"يلبث النَّاس بعده\" أي بعد موته فيوافق الأوّل.\nفترجح عندي تأويله هذا من وجوه، الأوّل: أن ما ذكره البيهقي ليس نصًّا، كما قاله عماد الدين في الأخبار عن مدة لبث عيسى وما نصّ فيها؛ إذ \"ثمّ\" يؤيد هذا التّأويل؛ لأنه للتراخي. الثّالث (٢): قوله: \"يليث النَّاس بعده\" فيتَجه أن ضمير \"بعده\" لعيسى؛ لأنه أقرب مذكور. الرّابع: أنه لم يردّ في ذلك إِلَّا هذا الحديث المحتمل بلا ثان، وقد ورد مكثُ عيسى على نبيّنا و﵇- أربعين سنة بعدة أحاديث بطرق مختلقة، منها ما لأبي داود وهو صحيح، وما للطبراني لأبي هريرة مرفوعًا: \"فيمكث في النَّاس أربعين سنة\" و\"بزهد\" أحمد عنه مثله، وبـ \"مسنده\" برفع عائشة مثله، والطبراني لابن مسعود مثله، فهذه الأحاديث المتعددة الصريحة أولى من هذا الواحد المحتمل.\n_________\n(١) \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٨٨).\n(٢) كذا في الأصل و\"الدرجات\"، والظاهر أن يكون: الثاني، وبعده: الثّالث.","vol":"12","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1654>(١٥) بَابٌ: في خَبَرِ الْجَسَّاسَةِ</span>\n٤٣٢ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَخَّرَ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، ثمَّ خَرَجَ فَقَالَ: \"إنَّهُ حَبَسَنِي حَدِيثٌ كَانَ يُحَدِّثُنِيهِ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ عن رَجُلٍ كَانَ في جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، (١) فَإذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ تَجُرُّ شَعْرَهَا، قَالَ (٢):\n===\n\n(١٥) (بَابٌ: في خَبَرِ الْجَسَّاسَةِ)\n٤٣٢٥ - (حدّثنا النَّفْيلي، نا عثمان بْن عبد الرّحمن، نا ابن أبي ذئب، عن الزّهريُّ، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: أن رسول الله - ﷺ - أَخَّر) صلاة (العشاء الآخرة ذات ليلة).\nكتب مولانا محمّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": ولا ينافيه ما في الرِّواية الثّانية: أنه أسمعهم القصة بعد صلاة الظهر؛ وذلك لأن تميمًا أسمعه بعد المغرب قبل العشاء في بيته، حتّى تأخرت العشاء عن وقتها المعتاد، فلما خرج إلى من حضر هناك للصلاة أسمعهم، ثمّ بعد الظهر من اليوم الثّاني أسمعها من حضر من المسلمين لاستماع القصة.\n(ثمّ خرج) إلى المسجد (فقال: إنّه حبسني) أي منعني من الخروج إليكم (حديث) أي قصة (كلان يحدثنيه تميم الداري عن رجل) أي عن حال رجل وقصته الّذي كان في جزيرة من جزائر البحر) فيقول تميم الداري: (فإذا أنا) ملاقٍ (بامرأة) قيل في التوفيق بينه وبين رواية الدابة: إنّه يمكن أن يكون له جاسوسان، دابة وامرأة، أو: إنّه يصح إطلاق الدابة على الإنسان لغة، فإنّه اسم لكل ما يدب على الأرض، أو لأن الجساسة شيطان يتمثل بأي صورة شاء، فرآها تارة صورة امرأة، وتارة بصورة دابة (تجر شعرها، قال) أي تميم:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"فقال: من\".","vol":"12","page":377},{"text":"مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، اذْهَبْ إلَى ذَلِكَ الْقَصْرِ، فَأَتَيْتُهُ، فَإذَا رَجُل يَجُرُّ شَعْرَهُ مُسَلْسَلٌ في الأَغْلَالِ يَنْزُو فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا الدَّجَّالُ، خَرَجَ (١) نَبِيُّ الأُمِّيِّينَ بَعْدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ (٢): أَطَاعُوهُ أَمْ عَصَوْهُ؟ قُلْتُ: بَلْ أَطَاعُوهُ، قَالَ: ذَاكَ (٣) خَيْرٌ لَهُمْ\". [م ٢٩٤٢]\n٤٣٢٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبي يَعْقُوبَ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ، نَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ حُسَيْنَ (٤) الْمُعَلّمَ قَالَ: نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، نَا عَامِرُ بْنُ\n===\n(ما أنتِ؟ قالت: أنا الجسَّاسة، اذهب) بصيغة الأمر (إلى ذلك القصر، فأتيته، فإذا رجل يجر شعره) على بدنه شعور إلى الأرض وهو (مسلسل) أي مقَيَّدٌ (في الأغلال) أي في السلاسل والأطواق (ينزو) أي يُثب ويتحرك (فيما (٥). بين السَّماء والأرض) في سلاسله وأغلاله.\n(فقلت: من أنتَ؟ فقال: أنا الدجال، خرج) بتقدير الاستفهام (نبي الأميين) أي محمّد رسول الله - ﷺ - (بعد؟ قلت: نعم، قال: أطاعوه أم عصوه؟ قلت: بل أطاعوه، قال: ذاك) أي إطاعته (خير لهم).\nوهذا الحديث يشكل بقول من قال من الصّحابة بمحضر من رسول الله - ﷺ - وهو لا ينكره: \"إن الدجال هو ابن الصياد\".\n٤٣٢٦ - (حدّثنا حجاج بْن أبي يعقوب، نا عبد الصمد، نا أبي) عبد الوارث (قال: سمعت حسين المعلم قال: نا عبد الله بْن بريدة، نا عامر بْن\n_________\n(١) في نسخة: \"أَخَرَجَ\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) في نسخة: \"ذلك\".\n(٤) في نسخة: \"حسينًا\".\n(٥) قال القاري (٩/ ٤١٣): أبعد من قال: إنّه متعلّق بمسلسل. (ش).","vol":"12","page":378},{"text":"شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ مُنَادِيَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُنَادِي: أَنِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. فَخَرَجْتُ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ (١) جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَ: \"لِيَلْزَمْ كُلُّ إنْسَانٍ مُصَلَّاهُ\"، ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتكُمْ؟ \" قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"إنِّي مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَهْبَةٍ وَلَا رَغْبَةٍ (٢)، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ أَنَّ تَمِيمًا (٣) الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي حَدَّثْتُكُمْ عن الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ في سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا في الْبَحْرِ، وَأُرْفِئُوا (٤)\n===\nشراحيل الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قالت: سمعت منادي رسول الله - ﷺ - ينادي: أنِ الصّلاة) وأن بفتح الهمزة وسكون النون حرف تفسير لينادي، ويحتمل أن يكون بكسر الهمزة، وتشديد النون للتحقيق، فعلى الأول تقديره: أن احضروا الصلاة حال كونها (جامعة، فخرجت، فصلّيت مع رسول الله - ﷺ -، فلما قضى رسول الله - ﷺ - الصلاةَ جلس على المنبر، وهو يضحك) أي يتبسم. (قال: ليلزم كلّ إنسان مصلاه، ثمّ قال: هل تدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنِّي ما جمعتكم لرهبة ولا رغبة) أي لغزوة ولا لعطاء (ولكن جمعتكم أن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيُّا فجاء فبايع) على الإسلام (وأسلم، وحدثني حديثًا وافق) صفة للحديث (الّذي حدثتكم عن الدجال).\n(حدثني أنه ركب في سفينة بحرية) أي الّتي تسير في البحر، وهي الكبيرة (مع ثلاثين رجلًا من لخم وجُذام) قبيلتان (فلعِب بهم الموج) أي حرك بهم موجُ البحر (شهرًا في البحر وأرْفِئُوا) بصيغة المجهول، أي: ادنوا، وقُرِّبوا، قال في\n_________\n(١) في نسخة: \"صلاته\".\n(٢) في نسخة: \"لرغبة\".\n(٣) في نسخة: \"تميم\".\n(٤) في نسخة: \"أَرْسَوْا\".","vol":"12","page":379},{"text":"إلَى جَزِيرَةِ حِينَ مَغْرِب (١) الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا في أَقْرُب السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرَةُ (٢) الشَّعْرِ، قَالُوَا: ويلَكِ مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ: أنَا الْجَسَّاسَةُ، انْطَلِقُوا إلَى هَذَا الرَّجُلِ في هَذَا الدَّيْرِ، فَإنَّهُ إلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإذَا فِيهِ أَعْظَمُ إنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ (٣) إلَى عُنُقِهِ\". فَذكَرَ الْحَدِيثَ. وَسَأَلَهُمْ عن نَخْلِ بَيْسَانَ،\n===\n\"المجمع\" (٤): أرفأت السفينة إذا قربتها من الشط، والموضع الّذي تُشَدُّ فيه المرفأ، وبعضهم يقول: أرفينا بالياء (إلى جزيرة حين مغرب الشّمس، فجلسوا في أقرب) بفتح الهمزة وضم الراء، جمع قارب بكسر الراء، وفتحها أكثر وأشهر، وهو على غير قياس (السفينة) وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة، (فدخلوا الجزيرة، فَلَقِيَتْهم دابة أهلبُ كثيرةُ الشعر) بيان لأهلب، والهلب: كثرة الشعر.\n(قالوا: ويلكِ ما أنتِ؟ قالت: أنا الجساسة) أي أتجسَّسُ الأخبارَ للدجال (انطلقوا) بصيغة الأمر (إلى هذا الرَّجل في هذا الدَّير، فإنّه إلى خبركم بالأشواق) أي كثير الشوق والرغبة إلى خبركم.\n(قال) تميم: (لما سمَّت لنا رجلًا فرقنا منها) أي الجساسة (أن تكون شيطانة) فتعجلنا أن نلقى رجلًا (فانطلقنا سراعًا حتّى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا) يعني عظيم الجثة (وأشده وثاقًا) يعني موثق بالحديد شديد (مجموعة يده إلى عنقه) في الشد (فذكر) أي الراوي (الحديث، وسألهم عن نخل بَيْسان)،\n_________\n(١) في نسخة: \"تغرب\".\n(٢) في نسخة: \"كثير\".\n(٣) في نسخة: \"يده\".\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٥٢).","vol":"12","page":380},{"text":"وَعن عَيْنِ زُغَرَ، وَعن النَّبِيِّ الأُمّيِّ، قَالَ: إنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإنَّهُ (١) يُوشَكُ أَنْ يؤْذَنَ لي في الْخُرُوجِ. قَالَ (٢) النَّبِيُّ - ﷺ -: \"وإنَّهُ (٣) في بَحْرِ الشَّام أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا، بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُو (٤) \". مَرَّتَيْنِ، وَأَوْمَأَ بِيَد (٥) قِبَلَ الْمَشْرِقِ. قَالَتْ: حَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -،\n===\nقال في \"المعجم\" (٦): بيسان بالفتح، ثم السكون، وسين مهملة، ثمّ نون: مدينة بالأردن بالغور الشامي، ويقال: هي لسان الأرض، وهي بين حَوْران وفلسطين، جاء ذكرُها في حديث الجساسة، توصَفُ بكثرة النخل، وقد رأيتها مرارًا، فلم أر فيها غيرَ نخلتين حائلتين، وهي من علامات خروج الدجال، وهي بلدة وبئة حارة، أهلُها سمرُ الألوان، جعدُ الشعور؛ لشدة الحر الذي عندهم.\n(وعن عين زُغَر) بوزن زفر، قرية بمشارف الشّام، جاء ذكرُها في حديث الجساسة، وعين زغر تفور في آخر الزمان، وهي من علامات القيامة، وحدثني الثقة أن زغر هذه في طرف البحيرة المنتنة في وادٍ هناك، بينها وبين البيت المقدس ثلاثة أيّام، وهي من ناحية الحجاز، ولهم هناك زروع، كذا في \"المعجم\" (٧).\n(وعن النّبيّ الأمي، قال: إنِّي أنا المسيح) الدجال (وإنه يوشك أن يوذن لي في الخروج، قال النّبيّ - ﷺ -: وإنه في بحر الشّام، أو بحر اليمن، لا، بل من قِبَلِ المشرق ما) زائدة (هو، مرتين) أي قاله مرتين، (وأومأ بيده قِبَل المشرقَ، قالت) فاطمة: (حفظت هذا من رسول الله - ﷺ -) شك أو ظن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"وأن\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) في نسخة: \"فإنّه\".\n(٤) في نسخة: \"ما هو، ما هو، مرتين\".\n(٥) زاد في نسخة: \"مرتين\".\n(٦) \"معجم البلدان\" (١/ ٥٢٧).\n(٧) \"معجم البلدان\" (٣/ ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"12","page":381},{"text":"وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [م ٢٩٤٢، ت ٢٢٥٣، حم ٦/ ٣٧٣، جه ٤٠٧٤]\n٤٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صُدْرَانَ، نَا الْمُعْتَمِرُ، نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عن مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عن عَامِرٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي (١) فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظّهْرَ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَكَانَ لَا يَصْعَدُ عَلَيْهِ إِلَّا يَوْمَ جُمُعَةٍ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ. ثُمّ ذَكَرَ هَذ الْقِصَّةَ. [انظر مَا قبله]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ابْنُ صُدْرَانَ بَصْرِيٌّ غَرِقَ في الْبَحْرِ مَعَ ابْنِ مِسْوَرٍ (٢) لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ غَيْرُهُ.\n===\nأولًا، أو قصد الإبهام على السامع ثمّ نفى، وأضرب عنه، فقال: \"لا، بل من قبل المشرق.\nوكتب مولانا محمّد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: \"لا، بل من قبل المشرق\"، وإنّما أعرض عن الأوّل إلى ذلك؛ لكونه أسهلَ في العرفان، وأشملَ باعتبار المكان.\n(وساق) الراوي (الحديث).\n٤٣٢٧ - (حدّثنا محمّد بْن صدران، نا المعتمر، نا إسماعيل بْن أبي خالد، عن مجالد بْن سعيد، عن عامر) الشّعبيّ (قال: أخبرتني فاطمة بنت قيس: أن النّبيّ - ﷺ - صلَّى الظهر ثمّ صعد المنبر، وكان لا يصعد عليه إِلَّا يوم جمعة قبل يومئذ، ثمّ ذكر) أي عامر (هذه القصة).\n(قال أبو داود: ابن صُدْران) شيخ الصف (بصري غرق في البحر مع) جماعة (ابن مسور، لم يَسْلَمْ منهم) من الغرق (غيرُه) أي غيرُ ابن صدران.\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثتني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"و\".","vol":"12","page":382},{"text":"٤٣٢٨ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عن الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُمَيْعٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - ذاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ: \"إنَّهُ بَيْنَمَا أناسٌ يَسِيرُونَ في الْبَحْرِ، فَنَفِدَ طَعَامُهُمْ، فَرُفِعَتْ لَهُمْ جَزِيرَةٌ، فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ الْخُبْزَ (١)، فَلَقِيَتْهُمُ الْجَسَّاسَةُ\". فَقُلْتُ (٢) لأَبِي سَلَمَةَ: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَ: امْرَأَةٌ تَجُرُّ شَعْرَ جِلْدِهَا وَرَأْسِهَا، قَالَتْ: في هَذَا الْقَصْرِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَسَأَلَ عن نَخْلِ بَيْسَانَ، وَعن عَيْنِ زُغَرَ. قَالَ: هُوَ الْمَسِيحُ، فَقَالَ (٣) لِي ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إن في هَذَا الْحَدِيثِ شَيْئًا (٤) مَا حَفِظْتُهُ. قَالَ:\n===\n٤٣٢٨ - (حدّثنا واصل بن عبد الأعلى، أَخْبَرَنَا ابن فضيل، عن الوليد بْن عبد الله بْن جميع، عن أبي سلمة بْن عبد الرّحمن، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - ذات يوم على المنبر: إنّه بينما أناس يسيرون في البحر) في سفينة (فَنَفِدَ) أي: فني (طعامُهم، فَرُفِعَتْ لهم جزيرة، فخرجوا يريدون الخبز) أي: لطلب الطّعام (فلقيتهم الجساسة، فقلت لأبي سلمة) قائله وليد بْن عبد الله (وما الجساسة؟ قال: امرأة تجر شعرَ جلدها ورأسها، قالت) أي الجساسة: (في هذا القصر، فذكر) الراوي (الحديثَ، وسأل) أي: الدجال الّذي كان في القصر (عن نخل بيسان، وعن عين زغر، قال:) أي: الدجال (هو المسيح).\n(فقال لي ابن أبي سلمة) وهو عمر بْن أبي سلمة بْن عبد الرّحمن، والقائل هو الوليد: (إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظته) يعني بعضًا منه نسيته (قال) أبو سلمة، والقائل هو الوليد، كأنه يخبر ابنَ أبي سلمة: أن الشيء الّذي نسيه\n_________\n(١) في نسخة: \"الخبر\".\n(٢) في نسخة: \"قلت\".\n(٣) في نسخة: \"قال\".\n(٤) في نسخة: \"شيء\".","vol":"12","page":383},{"text":"شَهِدَ جَابِرٌ أَنّهُ هُوَ ابْنُ صَائِدٍ (١)، قُلْتُ: فَإنَّهُ قَدْ مَاتَ. قَالَ: وَإنْ مَاتَ! قُلْتُ: فَإنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ، قَالَ: وَإنْ أَسْلَمَ! قُلْتُ: فَإنَّهُ قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ. قَالَ: وَإنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1655>(١٦) بَابُ خَبَرِ ابْنِ الصَّائِدِ</span>\n٤٣٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،\n===\nهو هذا. (شهد) أي أقسم (جابر أنه) أي الدجال (هو ابن صائد، قلت) قائله أبو سلمة: (فإنّه) أي ابن صائد (قد مات) والدجال ليس بميت، بل يحيى قبل يوم القيامة (قال: وإن مات) والتحقيق أنه لم يمت، بل فُقِدَ يوم الحرة (قلت: فإنّه قد أسلم، قال: وإن أسلم! قلت: فإنّه دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة!) قال في \"فتح الودود\": فإنه مبني على تجويز تعدد الصور والمظاهر، كما هو منقول في بعض الأولياء.\n\n(١٦) (بَابُ خَبَرِ ابْنِ الصَّائِدِ) (٢)\n٤٣٢٩ - (حدّثنا أبو عاصم خشيش بْن أصرم، نا عبد الرزّاق،\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن صياد\".\n(٢) أجاد النووي (٩/ ٢٨) الكلام بالاختصار على قصته من أنه - ﷺ - كان مترددًا أولًا فيه لوجود بعض الأوصاف فيه، واستدل الإمام البخاريّ بموضعين من \"صحيحه\" (١٣٥٤، ٣٠٥٥) بحديث الباب على إسلام الصبي، وفي \"الهداية\" (١/ ٤١١): ارتدادُ الصبي الّذي يعقل وإسلامُه معتبر عند الإمام ومحمد، وقال أبو يوسف: إسلامُه، لا ارتدادُه، وقال الثاقعي: لا هذا، ولا هذا ... إلخ مختصرًا، انتهى.\nوما حكي عن الشّافعيّ هو الصّحيح عندهم، كما جزم به في \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٤٧)، وحكى الاختلاف في وقت إسلام سيدنا علي - ﵁ -، وحكى عن البيهقي: أن الأحكام بالبلوغ نيطت عام الخندق، وكان قبله منوطًا بالتمييز، ويستدل لذلك أيضًا بما تقدّم في \"باب في عيادة الذمي، هل يجوز؟ \" قصة غلام يهودي، وفي \"الأشباه\" (ص ٣٣٦): يصح إسلامُ الصبي وردتُه، ولا يقتل لو إرتد بعد إسلامه صغيرًا ... إلخ. (ش).","vol":"12","page":384},{"text":"أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِابْنِ صَائِدٍ في نَفَبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَهُوَ غُلَامٌ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ظَهْرَهُ بيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ\"؟ قَالَ: فَنَظَرَ إلَيْهِ ابْنُ صَائِدٍ (١) فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ (٢) لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"آمنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ\" (٣)\n===\nأنا معمر، عن الزّهريُّ، عن سالم، عن ابن عمر: أن النّبيّ - ﷺ - مَرَّ بابن صائد في نفر من أصحابه، فيهم عمر بْن الخطّاب) - ﵁ -، (وهو يلعب مع الغلمان عند أطم بني مغاله) وبنو مغالة قوم من اليهود، والأطم بضم الهمزة والطاء: بناء مرتفع، (وهو) أي ابن صياد (غلام) أي قريب من الاحتلام (٤) (فلم يشعر) بمجيء رسول الله - ﷺ - (حتّى ضرب رسولُ الله - ﷺ - ظهرَه بيده).\n(ثمّ قال: أتشهد أني رسول الله؛ قال) ابن عمر - ﵄ -: (فنظر إليه ابن صائد فقال: أشهد أنك رسول الأميين، ثمّ قال ابن صياد للنبي - ﷺ -: أتشهد أني رسول الله؛ فقال له النّبيّ - ﷺ -: آمنتُ بالله ورسله)، وإنّما قال ذلك لئلا يتوحش ابنُ الصائد بإنكار رسالته صراحة، فيفوت (٥)\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"صياد\".\n(٢) في نسخة: \"صائد\".\n(٣) في نسخة: \"ورسوله\".\n(٤) كما يدلُّ عليه لفظ \"الصحيحين\"، كما حكاه عنه الحافظ (٦/ ١٧٢): وكان ابن صياد يومئذ كالمحتلم، انتهى. (ش).\n(٥) وأشكل النووي (٩/ ٢٨٢) بأنه ﵇ لم يقتله، وقد ادعى الرسالة، وأجاب عنه بجوابين: الأوّل: أنه كان صغيرًا، وهو مختار القاضي عياض، والثّاني: أنه كان في زمان المهادنة مع اليهود، وبه جزم الخطابي ... إلخ. (وانظر أيضًا: \"معالم السنن\" ٤/ ٣٤٩). (ش).","vol":"12","page":385},{"text":"ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَا يَأْتِيكَ؟ \" قَالَ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ\". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنِّي قَدْ خَبَّاتُ لَكَ خَبِيئَةً\"، وَخَبَّأ لَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ (١) رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اخْسأ فَلَنْ تَعْدُو\n===\nالمقصود، والكلمة حق ترد عليه دعوى رسالته، قاله مولانا محمّد يحيى المرحوم في \"التقرير\".\n(ثمّ قال له النّبيّ - ﷺ -: ما يأتيك) من أخبار الغيب ونحوه؟ (قال: يأتيني صادق وكاذب، فقال له النّبيّ - ﷺ -: خُلِّطَ عليك الأمرُ) فيظهر منه أنه ليس من الله سبحانه، (ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: إنِّي قد خبأتُ لك خبيئة) أي أمرًا مخفيًا في قلبي (٢) (وَخَبَّأَ) رسولُ الله - ﷺ - (له) أي لابن صياد في قلبه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٣) قال: ابن صياد: هو الدخ) فلم يَهْتَدِ إلى حقيقته، ولم ينكشف له تمام الآية.\nفإن قلت: كيف اطلع هو أو شيطانُه على بعض ما في الضمير؟ أجيب باحتمال أنه - ﷺ - تكلم به في نفسه، أو ذكر بعض الصّحابة بذلك، فاسترق الشيطان بعضَ ذلك.\nقلت: والأظهر أنه جرى ذكرُه في السَّماء، فاسترق الشيطان من هنالك، كسائر الأمور الّتي تُخْبَرُ بها الكهنة، كذا في \"فتح الودود\".\nقلت: والأولى أن يقال: إنّه ثبت في الحديث: \"إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدِّم\"، ويلقي الوساوسَ والخطراتِ في القلب، ويطلع على خطرات القلوب، فلو اطلع على بعض ما في قلب النّبيّ - ﷺ - فليس ببعيد.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: اخسأ) كلمة تُسْتَعْمَلُ لطرد الكلب (فلن تعدُوَ)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"له\".\n(٢) وقيل: كان مكتوبًا في يده - ﷺ -، كذا قال النووي (٩/ ٢٨٣). (ش).\n(٣) سورة الدخان: الآية ١٠.","vol":"12","page":386},{"text":"قَدْرَكَ\". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنْ يَكُنْ (١) فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ\" - يَعْنِي الدَّجَّالَ -، \"وَإن لَا (٢) يَكُنْ هُوَ، فَلَا خَيْرَ فِي قَتْلِهِ\". [خ ٣٠٥٥، م ٢٩٣٠، ت ٢٢٤٩، حم ٢/ ١٤٨]\n٤٣٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ -، عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن نَافِع قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: \"وَاللهِ مَا أَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ابْنُ صَيَّادٍ\" [انظر مَا قبله]\n٤٣٣١ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عن سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: \"رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَحْلِفُ بِاللهِ أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ (٣)\n===\nأي لن تجاوِزَ (قدرَك (٤» أي الحقير (فقال عمر: يا رسول الله! ائذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله -ﷺ -: إن يكن) أي ابن الصائد دجالًا (فلن تسلَّطَ عليه، يعني الدجال) أي على قتله، (وإن لا يكن) هو الدجال (فلا خيرَ في قتله)؛ لأن اليهود في مهادنة ومصالحة.\n٤٣٣٠ - (حدّثنا قتيبة بْن سعيد، نا يعقوب - يعني ابنَ عبد الرّحمن -، عن موسى بْن عقبة، عن نافع قال: كان ابن عمر) - ﵄ - (يقول: والله ما أشك أن المسيحَ الدجالَ ابنُ صيادٍ (٥».\n٤٣٣١ - (حدّثنا ابن معاذ، نا أبي) معاذ، إنا شعبة، عن سعد بْن إبراهيم، عن محمّد بْن المنكدر قال: رأيت جابرَ بنَ عبدِ الله يحلف بالله أن ابنَ الصياد\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هو\".\n(٢) في نسخة بدله: \"وإن لم يكن\".\n(٣) في نسخة: \"صائد\".\n(٤) كما هو عادة الكهان، يسترقون شيئًا قليلًا، كذا قال النووي (٩/ ٢٨٢). (ش).\n(٥) هو عبد الله بْن صياد، وذكر شيئًا من ترجمته الحافظ في \"التهذيب\" (٧/ ٤١٩) في ابنه عمارة، وبسطها في \"الإصابة\" (٣/ ١٣٣) التّرجمة (٦٦١١). (ش).","vol":"12","page":387},{"text":"الدَّجَّالُ. فَقُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللهِ؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ بِاللهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمْ يُنْكِرْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [خ ٧٣٥٥، م ٢٩٢٩]\n٤٣٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا عُبَيْدُ اللهِ - يَعْنِي ابْنَ مُوسَى-، قَالَ: نَا شَيْبَانُ، عن الأَعْمَشِ، عن سَالِمٍ، عن جَابِرٍ قَالَ: \"فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ (١) يَوْمَ الْحَرَّةِ\".\n٤٣٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عن الْعَلاءِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجَّالُونَ (٢)، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ تَعَالَى\". [م ١٥٧، حم ٢/ ٤٥٧]\n===\nالدجالُ، فقلت: تحلف بالله؟) بتقدير الاستفهام، أي والحال أن الأمر مشتبه (فقال) جابر: (إنِّي سمعت عمر) ﵁ (يحلف بالله تعالى على ذلك) أي على أن ابن الصياد هو الدجال (عند رسول الله - ﷺ -، فلم ينكره رسولُ الله - ﷺ -).\n٤٣٣٢ - (حدّثنا أحمد بْن إبراهيم، نا عبيد الله - يعني ابن موسى - قال: نا شيبان) بْن عبد الرّحمن التميمي النحوي، (عن الأعمش، عن سالم، عن جابر قال: فقدنا ابنَ صياد يوم الحرة) موضع بقرب المدينة، وقع فيه قتالُ عسكرِ يزيدَ بأهل المدينة.\n٤٣٣٣ - (حدّثنا عبد الله بْن مسلمة، نا عبد العزيز - يعني ابنَ محمّد -، عن العلّاء) بْن عبد الرّحمن، (عن أبيه) عبد الرّحمن بْن يعقوب، (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تقوم السّاعة حتّى يخرج ثلاثون دجالون، كلهم يزعم) أي: يقول ويدعي (أنه رسول الله تعالى) وقد خرج كثيرون منهم، ولعلّهم زادوا على الثلاثين، وفي هذا الزّمان خرج المسيح القادياني الّذي تقدّم ذكرُه.\n_________\n(١) في نسخة: \"صائد\".\n(٢) في نسخة: \"دجالًا\".","vol":"12","page":388},{"text":"٤٣٣٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو -، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَقُومُ السَّاعَة حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثونَ كَذَّابًا (١) دَجَّالًا، كُلّهُمْ يَكْذِبُ عَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ\". [حم ٢/ ٤٥٠]\n٤٣٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن جَرِيرٍ، عن مُغِيرَةَ، عن إبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ بِهَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتُرَى هَذَا مِنْهُمْ؟ - يَعْنِي الْمُخْتَارَ-، قَالَ (٢) عَبِيدَةُ: أَمَا إنَّهُ مِنَ الرُّؤُوسِ. [ت ٣٠٤٨، جه ٤٠٠٦]\n===\n٤٣٣٤ - (حدّثنا عبيد الله بْن معاذ، نا أبي) معاذ، (نا محمّد - يعني بْن عمرو-، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تقوم السّاعة حتّى يخرج ثلاثون كذابًا دجالًا، كلهم يكذب على الله وعلى رسوله).\n٤٣٣٥ - (حدّثنا عبد الله بْن الجراح، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قال عبيدة السلماني، بهذا الخبر، قال: فذكر نحوه، فقلت) قائله إبراهيم (له) أي لعبيدة: (أترى هذا منهم؟ يعني المختار) أي ابن (٣) أبي عبيد الثقفي، فإنّه كان في آخر أمره يدعي النبوة.\n(قال عبيدة: أما إنّه) أي المختار بْن أبي عبيد (من الرؤوس) أي من أعاليهم.\nقلت: واعلم أن قصة ابن صياد وقصةَ الدجال في غاية الإشكال والاشتباه؛ فإن ابن صياد وُلدَ بالمدينة في اليهود، ونشأ فيها وتربى، حتّى لقيه النّبيّ - ﷺ -، وتكلم معه، فالكلام الّذي خاطب به النّبيّ - ﷺ - يدلُّ على خبثِه وسوءِ\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"دجالًا كذَّابًا\"، وفي نسخة: \"دجالون\".\n(٢) في نسخة. \"فقال\".\n(٣) بسط في ترجمته الحافظ في \"الإصابة\" (٨٥٤٧)، و\"اللسان\" (٨٣٢٥)، و\"المختصر في رجال جامع الأصول\" و\"الإكمال\" لصاحب المشكاة. (ش).","vol":"12","page":389},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nفطرته، ثمّ بعد ذلك أسلم، وبقي في المدينة، ووقعت قصته مع ابن عمر - ﵄ - بأنه وقع بينهما التخاطبُ، فضربه ابن عمر بعصاه، فانتفخ هو حتّى ملأ السكة، ثمّ دخل ابن عمر على حفصة، فقالت: ما تريد إليه؟ ألم تسمع أنه قد قال: \"إن أول ما يبعثه على النَّاس غضب يغضبه\"، وكذلك قصته مع أبي سعيد الخدري في مصاحَبَتِه إلى مكّة، ومخاطَبَتِه معه حتّى قال أبو سعيد: كدت أن أعذره، ثمّ قال في آخر كلامه: وإني لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن؟ !\nثمّ وقع الاختلاف في موته، قال الخطابي (١): اختلف السلف في أمر ابن صياد بعد كبره، فروي أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة، وانهم لما أرادوا الصلاةَ عليه كشفوا وجهَه حتّى يراه النَّاس، وقيل لهم: اشهدوا.\nوروى أبو داود بسند صحيح عن جابر: قال: \"فقدنا ابنَ صياد يوم الحرة\"، ثمّ بعد ذلك حديث تميم الداري الّذي تقدّم، فيه التصريح بأن الدجال غيرُ ابن صياد، والحديث صحيح، وقد قبل رسول الله - ﷺ - بخبره، وأخبر به الناسَ، ثمّ روى بطرق مختلفة، وهذا لا يمكن معه كونُ ابن صياد هو الدجال.\nفقال النووي (٢): قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة، وأمره مشتبه، لكنه لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النّبيّ - ﷺ - لم يُوْحَ إليه في أمره بشيء، وإنّما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان - ﷺ - لا يقطع في أمره بشيء، بل قال لعمر: \"لا خيرَ لك في قتله\" الحديث.\nوأمّا احتجاجاته بأنه مسلم إلى سائر ما ذكر؛ فلا دلالة فيه على دعواه؛ لأن النّبيّ - ﷺ - أخبر عن صفاته وقتَ خروجه آخرَ الزّمان، إلى آخر ما قال.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٤٩، ٣٥٠).\n(٢) شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٢٨١).","vol":"12","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1656>(١٧) بَابٌ: في الأَمْرِ وَالنَّهْيِ</span>\n٤٣٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا يُونُسُ بْنُ رَاشِدٍ، عن عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إن أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ: كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللهَ، وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ. ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلَا (١) يَمْنَعُهُ ذَلِكَ\n===\nوقال الحافظ (٢): وأقرب ما يُجْمَعُ به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال: أن الدجال بعينه هو الّذي شاهده تميم مُوَثَّقًا، وأن ابن صياد شيطان، تبدَّى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة الّتي قدر الله تعالى خروجَه فيهما.\n\n(١٧) (بَابٌ: في الأَمْرِ) (٣) بالمعروف (والنَّهْيِ) عن المنكر\n٤٣٣٦ - (حدّثنا عبد الله بْن محمّد النَّفْيلي، نا يونس بْن راشد) الجزري، أبو إسحاق الحراني القاضي، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: كان أثبت من عباد بْن بشير، يُكتَبُ حديثُه، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\"، وقال البخاريّ: كان مرجئًا، وقال النَّسائيُّ: كان داعية.\n(عن علي بْن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بْن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن أول ما دخل النقص) أي النقصان (على بني إسرائيل) في دينهم (كان الرَّجل) منهم (يلقى الرجلَ) الآخر فيراه على معصية (فيقول: يا هذا، اتق الله، ودع) أي اترك (ما تصنع؛ فإنّه لا يحل لك) أي ينهاه عن المنكر.\n(ثمّ يلقاه من الغد فلا يمنعه) أي الرجلَ الناهيَ عن المنكر (ذلك) فاعل\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ولا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٨).\n(٣) بسط شارح \"المواقف\" (٨/ ٣٧٤) المذاهبَ فيه وفي وجوبه وشرائطه، انتهى. (ش).","vol":"12","page":391},{"text":"أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهمْ عَلَى بَعْضٍ. ثُمّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاسِقُونَ﴾، ثُمَّ قَالَ: كَلَاّ وَالله لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ،\n===\nلقوله: \"لا يمنع\"، أي لا يمنعه ما رآه من الرَّجل الثّاني ارتكابَه المعصيةَ (إن يكون) أي: من أن يكون (أكيلَه، وشريبَه، وقعيده) أي: مصاحبًا له في الأكل، والشرب، والقعود.\n(فلما فعلوا ذلك) أي تركوا الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر (ضرب الله قلوبَ بعضهم على بعض) وفي نسخة \"ببعض\" فالباء للسببية، وكذلك \"على\" للموافقة، أي: جعل الله قلوبَ بعضهم - وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بعد تركهم ذلك - موافقًا لقلوب بعض، وهم المرتكبون المعصية أو بسبب بعض.\nقال القاري (١): قلب من لم يَعْصِ ليس على إطلاقه؛ لأن مواكلتهم ومشاربتهم من غير إكراه وإلجاء بعد عدم انتهائهم عن معاصيهم معصية ظاهرة؛ لأن مقتضى البغض في الله أن يبعدوأ عنهم ويهاجروهم.\n(ثم قال) أي رسول الله - ﷺ -: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾)، وتمامها: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢).\n(ثمّ قال) أي رسول الله - ﷺ -: (كلا) حرف ردع (والله لتأمُرُنَّ بالمعروف،\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٨٨١).\n(٢) سورة المائدة: الآيات ٧٨ - ٨١.","vol":"12","page":392},{"text":"وَلَتَنْهَوُنَّ (١) عن الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَي (٢) الظَّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ (٣) عَلَى الْحًقِّ قَصْرًا\". [ت ٣٠٤٨، جه ٤٠٠٦]\n٤٣٣٧ - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، نَا أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ،\n===\nولتنهون عن المنكر، ولتأخذن علي يدي الظالم، ولتأطِرُنَّه) أي لتصرفنه من ظلمه (على الحق أطرًا، ولتقصرنه) أي لتحبسنه (على الحق قصرًا) أي حبسًا، وعديله يأتي في الحديث الآتي، أي لا بد لكم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر حتّى تفعلوا ذلك.\nقال القاري (٤): ثمّ اعلم أنه إذا كان المنكر حرامًا وجب الزجر عنه، وإذا كان مكروهًا ندب، والأمر بالمعروف أيضًا تبع لما يؤمر به، فإن وجب فواجب، وإن ندب فمندوب ...، وشرطهما أن لا يؤدِّي إلى الفتنة، وأن يظن قبوله، فإن ظن أنه لا يقبل فيستحسن إظهارًا لشعار الإسلام، ولفظ \"من\" في: \"من رأى منكم منكرًا \" لعمومه شمل كلّ أحد رجلًا أو امرأة، عبدًا أو فاسقًا، أو صبيًا مميزًا، وإن كان يستقبح ذلك من الفاسق، قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥)، وقال -﷿-: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٦) وأنشد:\nوغيرُ تقيٍّ يأمر الناسَ بالتقى ... طبيب يداوي الناسَ وهو مريض\n٤٣٣٧ - (حدّثنا خلف بْن هشام، نا أبو شهاب الحفاظ) عبد ربه بْن نافع،\n_________\n(١) في نسخة: \"لتناهون\".\n(٢) في نسخة: \"يد\".\n(٣) في نسخة: \"لتقسرنه على الحق قسرًا\".\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٨٦٢).\n(٥) سورة البقرة: الآية ٤٤.\n(٦) سورة الصف: الآية ٢.","vol":"12","page":393},{"text":"عن الْعَلاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن سَالِمٍ، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوِهِ. زَادَ: \"أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ (١) كَمَا لَعَنَهُمْ \" [انظر مَا قبله]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الْمُحَارِبِيُّ، عن الْعَلاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن سَالِمٍ الأَفْطَسِ، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، عَبْدِ الله. وَرَوَاهُ خَالِدٌ الطَّحَّانُ، عن الْعَلاءِ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّة، أَبِي عُبَيْدَةَ.\n===\n(عن العلّاء بْن المسيَّب، عن عمرو بْن مرّة، عن سالم) بْن عجلان الأفطس، الأموي مولاهم، أبو محمّد المدني الحراني، ثقة، رمي بالإرجاء، قُتِلَ صبرًا، (عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، عن النّبيّ - ﷺ - بنحوه، زاد: أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثمّ ليلعننكم كما لعنهم) أي لو تتركون الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، كما ترك بنو إسرائيل ليضربن الله قلوبَكم ويلعَنَنَّكم.\n(قال أبو داود: رواه المحاربي (٢)، عن العلّاء بْن المسيَّب، عن عبد الله بْن عمرو بْن مرّة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، ورواه خالد الطحان، عن العلّاء، عن عمرو بْن مرّة، عن أبي عبيدة) أسقط من (٣) بينهما سالمًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الله\".\n(٢) رواية المحاربي أخرجها أبو يعلى (٨/ ٤٤٨) رقم (٥٠٣٥)، والطّبريّ (١٠/ ٤٩١) رقم (١٢٣٠٦)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٤/ ١١٨١) رقم (٦٦٦١)، وفيه: \"عن العلّاء بْن المسيَّب عن عبد الله بْن عمرو بْن مرّة\"، وأمّا أبو شهاب الحفاظ وخالد الطحان فلم يذكرا عبد الله بْن عمرو بْن مرّة في إسنادهما، ورواية خالد الطحان أخرجها أبو يعلى (٩/ ٢٧) رقم (٥٠٩٤).\n(٣) وهذا الاختلاف غير الّذي حكاه التّرمذيّ (٣٠٤٨). (ش).","vol":"12","page":394},{"text":"٤٣٣٨ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنَا هُشَيْمٌ، الْمَعْنَى، عن إسْمَاعِيلَ، عن قَيْسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا (١): ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قَالَ عن خَالِدٍ: وَإنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"إنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله بِعِقَابٍ\". وَقَالَ عَمْرٌو، عن هُشَيْمٍ: وَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"مَا مِنْ قَوْمِ يُعْمَلُ فِيهِمِ بِالْمَعَاصِي ثُمَّ يَقْدِرُونَ (٢)\n===\n٤٣٣٨ - (حدّثنا وهب بن بقية، عن خالد، ح: وحدثنا عمرو بْن عون قال: أنا هشيم، المعنى) أي معنى حديث خالد وهشيم واحد، كلاهما (عن إسماعيل) بْن أبي خالد، (عن قيس) بْن أبي حازم (قال: قال أبو بكر) الصديق - ﵁ - (بعد أن حمد الله وأثنى عليه) في خطبته: (يا أيها النَّاس! إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها) أي تحملونها على غير مجملها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾) (٣) أي تحملونها على عمومها في الأشخاص والأوقات، وتفهمون منها أن الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر غير واجب مطلقًا، وهذا غير صحيح.\n(قال) وهب (عن خالد: وإنا سمعنا النّبيّ - ﷺ - يقول: إن النَّاس إذا رأوا الظالم) يظلم (فلم يأخذوا على يديه) أي: لم يمنعوه من الظلم (أوشك) أي قرب (إن يَعُمَّهم الله) أي: الظالمين والساكتين (بعقاب).\n(وقال عمرو) الشيخ الثاني للمصنف (عن هشيم: وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما من قوم يُعمَل فيهم بالمعاصي ثمّ يقدرون\n_________\n(١) في نسخة: \"موضعها\".\n(٢) في نسخة: \"يقدروا\".\n(٣) سورة المائدة: الآية ١٠٥.","vol":"12","page":395},{"text":"عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا (١) ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا (٢) إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله مِنْهُ بِعِقَابٍ\". [ت ٢١٦٨، جه ٤٠٠٥، حم ١/ ٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ - كَمَا قَالَ خَالِدٌ - أَبُو أُسَامَةَ وَجَمَاعَةٌ. وَقَالَ شُعْبَةُ فِيهِ: \"مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ (٣) أَكْثَرُ مِمَنْ يَعْمَلُهُ\".\n===\nعلى أن يغيروا) أي يمنعهم عن المعاصي (ثمّ لا يغيروا) أي لا يمنعوهم (إِلَّا يوشك أن يعمَّهم الله منه بعقاب) وهذا - قول رسول الله - ﷺ - يدلُّ صريحًا على أن الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر واجب قطعًا، وأمّا الآية فهي محمولة على ما إذا لم يجدوا قدرة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.\n(قال أبو داود؛ ورواه، كما قال خالد) أي مثل رواية خالدٍ شيخ وهبٍ (أبو أُسامة (٤) وجماعة (٥)، وقال شعبة فيه) أي في الحديث: (ما من قوم يُعمَل فيهم بالمعاصي هم) أي القوم (أكثر ممّن يعمله) فذكر لفظًا أكثر ممّن يعمله\" في حمل قوله: \"ثمّ يقدرون\"؛ فإن الناهين لو كانوا أكثر من العاصين يكون لهم القدرة على المنع، وأمّا إذا كانوا أقلَّ منهم فكأنه ليس لهم قدرة على المنع.\nوأخرج الإمام أحمد ﵀ في \"مسنده\" (٦) حديثَ شعبة: حدّثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا محمّد بْن جعفر، ثنا شعبة، عن إسماعيل قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"يغيرون\".\n(٢) في نسخة: \"لا يغيرون\".\n(٣) في نسخة: \"وهم\".\n(٤) رواية أبي أُسامة أخرجها أحمد (١/ ٧)، وابن أْبي شيبة (١٥/ ١٧٤)، وابن ماجه (٤٠٠٥).\n(٥) منهم: يزيد بْن هارون، أخرج روايته أحمد (١/ ٧)، وعبد بْن حميد (١/ ١٧) رقم (١)، والترمذي (٢١٦٨)، والبزار (١/ ١٣٧) رقم (٦٨).\nوجرير بْن عبد الحميد، أخرج روايته ابن حبّان (١/ ٥٣٩) رقم (٣٠٤).\nومعتمر بْن سليمان، أخرج روايته البزار (١/ ١٣٥) رقم (٦٥)، ومروان بْن معاوية الفزاري، أخرج روايته الحميدي (١/ ٤) رقم (٣) كلهم بنحو رواية خالد وأسامة.\n(٦) \"مسند أحمد\" (١/ ٩).","vol":"12","page":396},{"text":"٤٣٣٩ - حَدّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، نَا أَبُو إسْحَاقَ (١)، عن ابْن جَرِيرٍ، عن جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٢) - ﷺ - يَقُولُ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ يَكونُ في قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا (٣) علَيْهِ فَلَا يُغَيّرُوا، إِلَّا أَصَابَهُمُ الله (٤) بِعِقَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا\". [جه ٤٠٠٩]\n٤٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَهَنَادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن إسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عن أَبِيهِ،\n===\nسمعت قيسَ بنَ أبي حازم، يحدث عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنه خطب فقال: \"يا أيها النَّاس! إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير ما وضعها الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٥)، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن النَّاس إذا رأوا المنكر بينهم فلم ينكروه، يوشك أن يعمهم الله بعقابه\"؛ ولم يذكر فيه هذا الّذي ذكره أبو داود عن شعبة.\n٤٣٣٩ - (حدّثنا مسدد، نا أبو الأحوص، نا أبو إسحاق، عن ابن جرير) عبيد الله، (عن جرير) بْن عبد الله البجلي (قال: سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: ما من رجل يكون في قوم يعمل) بصيغة المعلوم، أي ذلك الرَّجل (فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه) أي يمنعوه (فلا يغيروا، إِلَّا أصابهم الله بعقاب من قبل أن يموتوا) في الدنيا.\n٤٣٤٠ - (حدّثنا محمّد بْن العلاء وهناد بْن السري قالا: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بْن رجاء، عن أبيه) رجاء بن ربيعة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أظنه\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) في نسخة: \"يغيرون\".\n(٤) زاد في نسخة: \"منه\".\n(٥) سور المائدة: الآية ١٠٥.","vol":"12","page":397},{"text":"عن أَبِي سَعِيدٍ (١)، وَعن قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عن طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِهِ، - وَقَطَعَ هَنَّادٌ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ (٢) - فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ (٣) أَضْعَفُ الإيمَانِ\". [م ٤٩، ت ٢١٧٢، جه ٤٠١٣، ن ٥٠٠٨، حم ٣/ ٢٠]\n٤٣٤١ - حَدَّشا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ،\n===\n(عن أبي سعيد).\n(وعن قيس بْن مسلم) عطف على إسماعيل، فالأعمش يروي بطريقين، عن إسماعيل بْن رجاء، وعن قيس بْن مسلم، (عن طارق بْن شهاب، عن أبي سعيد) الخدري (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من رأى منكرًا فاستطاع أن يغيِّرَه بيده فليغيره بيده (٤)، وقطع هناد بقيةَ الحديث) أي قطع هناد شيخُ المصنِّف هذا الحديثَ إلى هاهنا، ولم يذكر بقية الحديث. وأمّا الشّيخ الثّاني - وهو محمّد بْن العلاء - ذكر هذا الحديثَ بتمامه ولم يقطعه، ولذا قال في نسخة: \"ومَرَّ فيه ابن العلّاء\"، وبقية الحديث هذا: (فإن لم يستطع) أن يغيره بيده (فبلسانه) أي يغيره، (فإن لم يستطع) أن يغيره (بلسانه فبقلبه) أي سره (وذلك) أي كراهته بقلبه، أو ذلك الرَّجل (أضعف الإيمان) أي أضعف خلال الإيمان\" أو أضعف أهل الإيمان.\n٤٣٤١ - (حدّثنا أبو الربيع سليمان بْن داود العتكي،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الخدري\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ومَرَّ فيه ابن العلاء\".\n(٣) في نسخة: \"ذاك\".\n(٤) ظاهر ما في \"الهداية\" (٤/ ٣٠٧): أن الأمر بالمعروف باليد عام عند الصاحبين، وأمّا عند الإمام فباليد إلى الأمراء، باللسان إلى غيرهم، انتهى. (ش).","vol":"12","page":398},{"text":"نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ! كَيْفَ تَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، قَالَ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا،\n===\nنا ابن المبارك، عن عتبة بن أبي حكيم قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي) يقال: إنه عم عتبة بن أبي حكيم، له عندهم حديث واحد من رواية أبي أمية، عن أبي ثعلبة: \"إذا رأيت شحًا مطاعًا\" الحديث.\nقلت: فرق البخاريّ بين عمرو بن جارية الّذي روى عن أبي أمية، وعنه عتبة، وبين عمرو بن جارية الّذي روى عن عروة بن محمّد، وعنه أمية بن هند، وكذا صنيع ابن أبي حاتم، ولم يذكر له البخاريّ راويًا إِلَّا عتبة، وهو عتبة بن أبي حكيم الهمداني ثمّ الشعباني، وشعبان قبيلة من رعين، أبو العباس الأردني، قال مروان بن محمّد الطاطري: ثقة، واختلف عن ابن معين، فقال عبّاس الدوري، والغلابي عنه: ثقة، وقال ابن أبي خيثمة عنه: ضعيف الحديث، وقال ابن أبي حاتم: كان أحمد يُوَهِّنه قليلًا، قال: وسئل أبي عنه فقال: صالح، وقال محمّد بن عوف الطائي: ضعيف، وقال دحيم: لا أعلمه إِلَّا مستقيمَ الحديث، وذكره أبو زرعة في نفر ثقات، وقال الجوزجاني: غير محمود في الحديث، وقال النَّسائيُّ: ضعيف، وقال مرّة: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: اْرجو أنه لا بأس به، وقال أبو القاسم الطَّبرانيُّ: كان ينزل طبرية، من ثقات المسلمين، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\".\n(قال: حدثني أبو أمية الشعباني) الدمشقي، اسمه يحمِد بضم الياء وكسر الميم، وقيل: بفتح الياء، وقيل: اسمه عبد الله بن أخامر، ذكره ابن حبّان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: أدرك الجاهلية.\n(قال: سألتُ أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال) أبو ثعلبة: (أما والله لقد سألت عنها خبيرًا) أي من هو خبير عن معنى الآية، وهو أبو ثعلبة نفسُه، ويحتمل أن يكون لفظ \"سألتُ\"","vol":"12","page":399},{"text":"سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا (١) عن الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْي بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ - يَعْنِي بِنَفْسِكَ -، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامٌ (٢)، الصَّبْرُ فِيهِ (٣) مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِئْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ\".\nوَزَادَنِي غَيْرُهُ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ (٤) مِنْهُمْ؟\n===\nعلى صيغة المتكلم، أي: والله سألتُ أنا عنها خبيرًا، وهو رسول الله - ﷺ - (سألت عنها رسول الله - ﷺ - فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (بل ائتمروا بالمعروف) أي: فيما بينهم (وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ شحًّا) أي: بخلًا (مطاعًا) أي: يطيعه النَّاس في أداء الحقُوق، (وهوًى مُتَّبَعًا) أي: يتبع النّاسُ الهوى، ويترك الشرائُع بمقابلة الهوى، (ودنيا مُؤثَرة) أي: مرجَّحة بمقابلة الدين، (وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك) أي: الزم عليك (يعني بنفسك، ودع عنك) أمرَ (العوام)؛ لأن في هذا الزّمان لا يُقْبَلُ الأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر.\n(فإن من (٥). ورائكم) أي: خلفكم أو قدامكم (أيّام) وفي نسخة: \"أيامًا\"، وهو الأوفق للقواعد (الصبر فيه) أي حبسى النفس على اتباع الشّرع (مثلُ قبضٍ على الجمر، للعامل فيهم) على أحكام الشّرع (مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله).\n(وزادني غيره) أي قال عبد الله بن المبارك: زادني غير عتبة، كما في رواية التّرمذيّ: (قال: يا رسول الله، أجر خمسين) بتقدير الاستفهام (منهم؟).\n_________\n(١) في نسخة: \"وانهوا\".\n(٢) في نسخة: \"أيامًا\"، وفي نسخة: \"أيّام الصبر، الصبر فيه\".\n(٣) في نسخة: \"فيهن\".\n(٤) زاد في نسخة: \"رجلًا\".\n(٥) ذكر في \"الكوكب\" (٤/ ١٢٩): أنه إشارة إلى أن الحالة المذكورة السيئة لا استبعاد فيها، لأن الصبر على دينه لما كان شديدًا في ذلك الزّمان فلا محالة يبتلون بما يبتلون. (ش).","vol":"12","page":400},{"text":"قَالَ: \"أَجْرُ خَمْسِينَ (١) مِنْكُمْ\". [ت ٣٠٥٨، جه ٤٠١٤]\n٤٣٤٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الْعَزيزِ بْنَ أَبِي حَازِمٍ حَدَّثَهُمْ، عن أَبِيهِ، عن عُمَارَةَ بْنِ عَمْرٍو، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ\"، أَوْ: \"يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَة، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا\"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.\n===\nقال القاري (٢): فيه تأويلان: أحدهما: أن يكون أجرُ كلِّ واحدٍ منهم على تقدير أنه غير مبتلى، ولم يضاعَفْ أجرُه، والثّاني: أن يراد أجر خمسين منهم أجمعين، لم يبتلوا ببلائه.\n(قال: أجر خمسين منكم) (٣) قال في \"فتح الودود\": هذا في الأعمال الّتي يشق فعلها في تلك الأيَّام، لا مطلقًا.\n٤٣٤٢ - (حدّثنا القعنبيّ، أن عبد العزيز بن أبي حازم حدثهم، عن أبيه) أبي حازم، (عن عمارة بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: كيف بكم وبزمان، أو) للشك من الراوي، قال: (يوشك أن يأتي زمان يُغَرْبَلُ النَّاس فيه غَرْبَلَة، تبقى حُثالة من النَّاس) أي يذهب خيارهم، ويبقى أراذلهم، والحثالة الأراذل، (قد مَرِجَت) أي اختلطت وفسدت (عهودُهم وأماناتُهم، واختلفوا فكانوا هكذا، وشبَّك (٤) بين أصابعه،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"رجلًا\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٨٧٢، ٨٧٣).\n(٣) استدل به وبنحوه ابنُ عبد البرّ على أفضلية بعض غير الصحابه عليهم، والجمهور قالوا بأفضليتهم مطلقًا؛ لحديث: \"خير القرون الّذي بعثت فيهم\"، سيأتي في \"باب في فضل أصحاب النّبيّ - ﷺ -\". (ش).\n(٤) واختلف العلماء في التشبيك في المسجد، بسطه العيني (٣/ ٥٤٨)، وقد تقدّم أيضًا في \"باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة\". (ش).","vol":"12","page":401},{"text":"فَقَالُوا: كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: \"تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ\" (١). [جه ٣٩٥٧، حم ٢/ ٢٢١]\n٤٣٤٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ، نَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إسْحَاقَ، عن هِلَالِ بْنِ خَبَّاب أَبِي الْعَلاءِ قَالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ (٢) حَوْلَ رَسُولِ الله - ﷺ - إذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ (٣)، فَقَالَ: \"إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ (٤)، وَكَانُوا هَكَذَا\"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ،\n===\nفقالوا: كيف بنا يا رسول الله؟) يعني ما نفعل في ذلك الزّمان (فقال: تأخذون ما تعرفون) من الشّرع (وَتَذَرُوْنَ) أي: تتركون (ما تنكرون) من الشّرع (وتقبلون) من الإقبال، أي: تتوجهون (على أمر خاصتكم، وتذرون) أي: تتركون (أمرَ عامتكم).\nوالحاصل: أن في هذا الزمان غلب الفسادُ، وشاع الجهلُ، فلا ينجح فيها النصحُ، ولا يُقبَل قولُ الناصح، فحين إذ ذاك يسقط وجوبُ الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٤٣٤٣ - (حدّثنا هارون بن عبد الله، نا الفضل بن دكين، نا يونس بن أبي إسحاق، عن هلال بن خباب أبي العلاء قال: حدثني عكرمة قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن حول رسول الله - ﷺ -) أي مُحَلِّقين (إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم النَّاس قد مَرِجَتْ) أي اختلطت (عهودُهم، وخَفَّت) أي قلَّت (أماناتهم، وكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه) أي مختلفين\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهكذا روي عن النّبيّ - ﷺ - من غير وجه\".\n(٢) في نسخة: \"جلوس\".\n(٣) زاد في نسخة: \"أو ذكرت عنده\".\n(٤) في نسخة: \"أمانتهم\".","vol":"12","page":402},{"text":"قَالَ: فَقُمْتُ إلَيْهِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ؟ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: \"الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا (١) تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ\". [حم ٢/ ٢١٢]\n٤٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ الْوَاسِطِيُّ، نَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ -، أَنَا (٢) إسْرَائيلُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عن عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلِ عِنْدَ سُلْطَانِ (٣) جَائِرٍ أَوْ أَمِيرِ جَائِرِ\". [ت ٢١٧٤، جه ٤٠١١]\n===\nمختلطين (قال) عبد الله بن عمرو: (فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك؟) أي إذا كان الحال هكذا (جعلني الله فداك، قال: الزم بيتَكَ) أي لا تخالط الناسَ (واملك عليك لسانَكَ) أي لا تتكلم في أمر الفتنة، ولا فيما يثير الفتنة، ولا في إصلاح النَّاس، (وَخًذْ بما تعرف، وَدَعْ ما تنكر) أي من الشّرع (وعليك بأمر خاصّة نفسك) بأن لا تَزِيْغَ عن الحق، (وح عنك) أي: اترك (أمرَ العامة).\n٤٣٤٤ - (حدّثنا محمّد بن عبادة الواسطي، نا يزيد - يعني ابنَ هارون - أنا إسرائيل، نا محمّد بن جحادة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: أفضل الجهاد كلمة عدل) أي حق (عند سلطان جائر) أي ظالم (أو) للشك من الراوي (أمير جائرٍ).\nنقل في الحاشية عن \"مرقاة الصعود\": قال الخطابي (٤): وإنّما صار ذلك أفضلَ الجهاد؛ لأن من جاهد العدو كان مترددًا بين رجاء وخوف، لا يدري هل يغلب أو يُغْلَب، وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو إذا قال الحق، وأمره\n_________\n(١) في نسخة: \"ما تعرف\".\n(٢) في نسخة: \"نا\".\n(٣) في نسخة: \"ذي سلطان\".\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٥٠).","vol":"12","page":403},{"text":"٤٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، نَا أَبُو بَكْرٍ، نَا مُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ الْمَوصِلِيُّ، عن عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عن الْعُرْسِ (١)، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ في الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا - وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا (٢) -، كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا\".\n٤٣٤٦ - حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: نَا أَبُو شِهَابٍ، عن مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ، عن عَدِيِّ بْنِ عَدِيِّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ، قَالً: \"مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا\".\n===\nبالمعروف، فقد تعرض للتلف وإهراق نفسه للهلاك، فصار ذلك أفضلَ أنواعِ الجهاد من أجل غلبة الخوف.\n٤٣٤٥ - (حدّثنا محمّد بن العلاء، نا أبو بكر، نا مغيرة بن زياد الموصلي، عن عدي بن عدي، عن العرس) بضم أوله وسكون، ابن عميرة الكندي، (عن النّبيّ - ﷺ - قال: إذا عُمِلَتِ الخطيئةُ) أي المعصية (في الأرض كان من شهدها) أي حضرها (فكرهها) أي: عَدَّها مكروهًا، وما رضي بها، (وقال مرّة: أنكرها) في موضع: \"كرهها\"، أي: عَدَّها منكرًا، كمن غاب عنها) أي مثل من لم يحضرها فلا يلحقه ضَرَرُها، (ومن كتاب عنها فرضيها) أي الخطيئةَ كان كمن شهدها (٣» في الإثم.\n٤٣٤٦ - (حدّثنا أحمد بن يونس قال: نا أبو شهاب) الحفاظ عبد ربه بن نافع، (عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي، عن النّبيّ - ﷺ - نحوه، قال: من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها) وهذا مرسل.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عميرة الكندي\".\n(٢) زأد في نخة: \"كان\".\n(٣) لا يشكل عليه ما في البخاريّ (٦٤٩١): \"من هَمَّ بسيئة فلم يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حسنة\"؛ لأن عدم العمل فيها باختياره خوفًا من الله، كما في هامشه. (ش)،","vol":"12","page":404},{"text":"٤٣٤٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَا: نَا شُعْبَةُ، وَهَذَا لَفْظُهُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرًّةَ، عن أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ- وَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ-: \"لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ حَتَّى يَعْذِرُوا أَوْ يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ\". [حم ٤/ ٢٦٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>(١٨) بَابُ قِيَامِ السَّاعَةِ</span>\n٤٣٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ،\n===\n٤٣٤٧ - (حدّثنا سليمان بن حرب، وحفص بن عمر قالا: نا شعبة، وهذا لفظه) أي لفظ حفص بن عمر، (عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري قال: أخبرني من سمع النّبيّ - ﷺ - يقول، وقال سليمان) بن حرب شيخ المصنِّف: (قال: حدثني رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ - أن النّبيّ - ﷺ - قال: لن يهلك النَّاس حتّى يَعذِروا) بفتح الياء التحتانية، وكسر الذال المعجمة (أو) للشك من الراوي (يُعذِروا) بضم التحتية (من أنفسهم).\nقال الخطابي (١): فَسَّره أبو عبيد في كتابه، وحكى عن أبي عبيدة أنه قال: معنى \"يعذروا\": أي تكثر عيوبهم وذنوبهم، قال: وفيه لغتان، يقال: أعذر الرَّجل إعذارًا إذا صار ذا عيب وفساد، وكان بعضهم يقول: عذر يعذر بمعناه، ولم يعرفه الأصمعي، قال أبو عبيد: وقد يكون \"يعذروا\" بفتح الياء بمعنى: يكون لمن بعدهم العذر في ذلك.\n\n(١٨) (بَابُ قِيَامِ السَّاعَةِ)\n٤٣٤٨ - (حدّثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزّاق، أنا معمر، عن الزّهريُّ قال: أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان،\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٥١)، وانظر أيضًا: \"النهاية\" (٣/ ١٩٧) لابن الأثير.","vol":"12","page":405},{"text":"أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ في آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سلَّمَ قَامَ فَقَالَ: \"أَرَأَيْتُمْ (١) لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإنَّ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ\"، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النَّاسُ في مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ عن هَذِهِ الأَحَادِيثِ عن مِئَةِ سَنَةٍ، وَإنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ\"\n===\nأن عبد الله بن عمر قال: صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - ذات ليلة صلاة العشاء في آخر (٢) حياته، فلما سَلَّم قام فقال: أرأيتم؟)، ولفظ البخاريّ: أرأيتكم)، الهمزة الأولى للاستفهام، والرؤية بمعنى العلم أو البصر، والمعنى: أعلمتم أو أبصرتم (ليلتكم) وهي منصوب على المفعولية، والجواب محذوف تقديره: قالوا: نعم، قال: فاضبطوها، وقد يجيء للاستخبار (هذه، فإن على رأس مدّة سنة منها) أي من تلك اللَّيلة (لا يبقى ممّن هو على ظهر الأرض أحد، قال ابن عمر: فوهل) أي غلط (النَّاس في مقالة رسول الله - ﷺ -) أي في فهم مقالته (تلك فيما يتحدثون عن هذه الأحاديث) أي فيما بينهم (عن مدّة سنة) كأنهم فهموا أنه تقوم القيامة على رأس مائة سنة منها.\n(وإنّما قال رسول الله - ﷺ -: لا يبقى (٣) ممّن هو اليوم على ظهر الأرض.\n_________\n(١) في نسخة: \"أرأيتكم\".\n(٢) قال السيوطيّ في \"التدريب\" (٢/ ٦٧٣): ذلك في سنة وفاته، واستدل بذلك على أنه لا يُقبَل قولُ من ادَّعى الصحبة بعد مائة سنة من وفاته - ﷺ -، انتهى.\nقلت: وأخرج أحمد في مسنده (٣/ ٣٢٦) أنه قال ذلك قبل الموت بشهر، وقال فيه: \"إنّما علم السّاعة عند الله\"، فهو حجة لمن نفى علم الغيب. (ش).\n(٣) بسط الكلام عليه ابن قتيبة في \"التّأويل\" (ص ١١٣)، وقال: المراد: أي منكم، وأجاب العيني (٤/ ٨٧) بأن المراد: من أمته، وبسطه في موضع آخر (٤/ ١٣٦، ١٣٧)، والحافظ (١/ ٢١٢)، والنووي (٨/ ٣٣٢، ٣٣٣) أيضًا. (ش).","vol":"12","page":406},{"text":"يُرِيدُ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ. [خ ١١٦، م ٢٥٣٧، ت ٢٢٥١، حم ٢/ ٨٨]\n٤٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ، نَا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جُبَيْرٍ (١)، عنً أَبيهِ، عن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنيِّ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَنْ يُعْجِزَ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ\". [حم ٤/ ١٩٣، ك ٤/ ٤٢٤]\n===\nيريد) أي رسول الله - ﷺ - (إن ينخرم) أي ينقطع (ذلك القرن).\nقال ابن بطّال (٢): إنّما أراد رسول الله - ﷺ - أن في هذه المدة ينخرم الجيل الّذي هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليس كأعمار من تقدّم من الأمم ليجتهدوا في العبادة.\nوقال النووي (٣): المراد أن كلّ من كان تلك اللَّيلة على الأرض لا يعيش بعد هذه اللَّيلة أكثر من مائة سنة، سواء قَلَّ عمرُه قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك اللَّيلة مائة سنة.\n٤٣٤٩ - (حدّثنا موسى بن سهل، نا حجاج بن إبراهيم، نا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرّحمن بن جبير، عن أبيه) جبير بن نفير، (عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله - ﷺ -: لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم) والمراد بنصف اليوم: خمسمائة سنة، أي يبقى هذه الأمة أو مُلكُها إلى خمسمائة سنة لا يبقى أقل منه، ولو زاد فلا مضايقة فيه (٤).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن نفير\".\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢١٢).\n(٣) اشرح صحيح مسلم\" (٨/ ٣٣٢).\n(٤) وكذب ابن حزم في \"الملل والنحل\" (٢/ ٢٥٧، ٢٥٨) لمن عَيَّن للدنيا عمرًا، وفي \"الدر المنثور\" (١/ ٥٨) من مجموع المقطعات ما يدلُّ على أن عمرها ١٧٠٤ سنة. (ش).","vol":"12","page":407},{"text":"٤٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، نَا صَفْوَانُ، عن شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"إنِّي لأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عنْدَ رَبّهَا أن يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ. قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ (١)؟ قَالَ: خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ\". [حم ١/ ١٧٠، ك ٤/ ٤٢٤]\n\nآخِرُ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ\n===\n٤٣٥٠ - (حدّثنا عمرو بن عثمان، نا أبو المغيرة، نا صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: إنِّي لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخِّرَهم نصف يوم، قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمس مئة سنة)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٢) (٣).\n\nآخِرُ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ\n_________\n(١) في نسخة: \"ذلك اليوم\".\n(٢) سورة الحجِّ: الآية ٤٧.\n(٣) وذكر القاري تحت حديث ابن ماجه \"الآيات بعد المائتين\" احتمالًا أنها بعد الألف. (انظر: \"مرقاة المفاتيح\" ٩/ ٣٦٢) ح (٥٤٦٠). (ش).","vol":"12","page":408},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>(٣٢) أَوَّلُ كِتَابِ الْحُدُودِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1659>(١) بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنِ ارْتَدَّ</span>\n٤٣٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، أَنَا أَيُّوبُ، عن عِكْرِمَةَ؛ أَنَّ عَلِيًّا أَحْرَقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عن الإسْلَامِ\n===\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٣٢) أَوَّلُ كِتَابِ الْحُدُودِ\n(١) (بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنِ ارْتَدَّ) أي: عن الإسلام\n٤٣٥١ - (حدّثنا أحمد بن محمّد بن حنبل، نا إسماعيل بن إبراهيم، أنا أَيّوب، عن عكرمة: أن عليًّا أحرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١): زعم أبو مظفر الإسفرائيني في \"الملل والنحل\" أن الذين أَحْرقهم عليّ طائفة من الروافض ادّعوا فيه الإلهية، وهم السبائية، وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديًا، ثمّ أظهر الإسلام، وابتدع هذه المقالة، وهذا يمكن أن يكون أصله ما رويناه في الجزء الثّالث من حديث أبي طاهر المخلِّص من طريق عبد الله بن شريك العامري، عن أبيه قال: قيل\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٠) ح (٦٩٢٢).","vol":"12","page":409},{"text":"فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَم أَكُنْ لأَحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ، إنَّ (١) رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تُعَذّبُوا بِعَذَابِ اللهِ\"، وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَإنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\". فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢). [خ ٦٩٢٢، ت ١٤٥٨، ن ٤٠٦٠، جه ٢٥٣٥، حم ١/ ٢١٧]\n===\nلعلي: إن هنا قومًا على باب المسجد يدّعون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت رَبَّنَا وخالقنا ورازقنا، فقال: ويلكم! إنّما أنا عبد مثلكم، آكل الطّعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا.\nفلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام! فقال: أدخلهم، فقالوا كذلك، فلما كان الثّالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنَّكم بأخبثِ قتلة، فأبوا إِلَّا ذلك، فقال: يا قنبر! ائتني بفَعَلَةٍ معهم مرورهم، فخدّ لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر، وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود، قال: إنِّي طارحكم فيها أو ترجعون؟ فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم فيها، حتّى إذا احترقوا قال:\nإنِّي إذا رأيت أمرًا منكرًا ... أوقدت ناري، ودعوت قنبرًا\nوسند هذا حسن.\n(فبلغ ذلك) أي: إحراقُهم (ابنَ عبّاس) وكان إذ ذاك واليًا على البصرة من قِبل علي - ﵁ - (فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله - ﷺ - قال؛ لا تعذبوا بعذاب الله، وكنت قاتِلَهم بقول رسول الله - ﷺ -، فإن رسول الله - ﷺ - قال: من بَدَّل دينَه فاقتلوه).\n(فبلغ ذلك) أي قول ابن عبّاس (عليًّا فقال: ويح ابن عبّاس)، وفي\n_________\n(١) في نسخة: \"لأن\".\n(٢) في نسخة: \"أم ابن عبّاس\"، وفي نسخة: \"ابن أم عبّاس\".","vol":"12","page":410},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nنسخة: ويح أم ابن عباس.\nقال الحافظ (١): كذا عند أبي داود، ورأى علي - ﵁ - أن النّهي للتنزيه، وأن الإمام إذا رأى التغليظ بذلك فعله، وهذا بناء على تفسير \"ويح\" بأها كلمة رحمة، فتوجع له لكونه حمل النّهي على ظاهره، فاعتقد التّحريم مطلقًا فأنكر، ويحتمل أن يكون قالها رضًا بما قال، وانه حفظ ما نسيه بناء على أحد ما قيل في تفسير ويح أنها تقال بمعنى المدح والتعجب، وكأنه أخذه من قول الخليل: هي في موضع رأفة واستملاح.\nوفي \"فتح الودود\": وقوله: \"ويح ابن عبّاس\" مدح له وإعجاب به، كما جاء في بعض الروايات: صدق ابن عبّاس، وقال في محل آخر: واستدل (٢) به على قتل المرتدة كالمرتد، وخصه الحنفية بالذكر بحديث النّهي عن قتل النِّساء، وحمل الجمهور النهيَ على الكافرة الأصلّية إذا لم تباشر القتال لقوله في بعض طرق حديث النّهي عن قتل النِّساء لما رأى المرأة مقتولة: \"ما كانت هذه لتقاتل\"، ثمّ نهى عن قتل النِّساء.\nواحتجوا أيضًا بأن \"من\" الشرطية لا تعم المؤنث، وتعقب بأن ابن عبّاس راوي الخبر قد قال بقتل المرتدة، وقتل أبو بكر - ﵁ - في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون، فلم ينكر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كلَّه ابنُ المنذر، وقد وقع في حديث معاذ أن النّبيّ - ﷺ - لما أرسله إلى اليمن قال له: \"أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلًّا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلًّا فاضرب عنقها\"، وسنده حسن، وهو نصّ في موضع النزاع فيجب المصير إليه، انتهى.\nقلت: وحديث معاذ هذا الّذي استدل به الحافظ على إثبات قتل المرأة المرتدة لم يعزه إلى مخرجه، ولكن وجدت حديثَ معاذ في \"نصب الراية\" (٣)\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧١، ٢٧٢).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٢).\n(٣) راجع: \"نصب الراية\" (٣/ ٤٥٧).","vol":"12","page":411},{"text":"٤٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّة، عن مَسْرُوقٍ، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ (١) مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسولُ اللهِ إِلَّا بِإحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ\" (٢). [خ ٦٨٧٨، م ١٦٧٦، ت ١٤٠٢، ن ٤٠١٦، جه ٢٥٣٤، حم ١/ ٣٨٢]\n===\nللزيلعي ما يخالف حديثَ معاذ هذا.\nقال الزيلعي: حديث آخر رواه الطَّبرانيُّ في \"معجمه\": حدّثنا حسين بن إسحاق التستري، ثنا هرمز بن المعلى، حدّثنا محمّد بن سلمة، عن الفزاري، عن مكحول، عن أبي طلحة اليعمري، عن أبي ثعلبة الخشني، عن معاذ بن جبل - ﵃- أن رسول الله - ﷺ - قال حين بعثه إلى اليمن: \"أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن تاب فأقبل منه، فإن لم يتب فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن ثابت فأقبل منها، وإن أبت فاستتبها\"، انتهى.\nوأنت ترى أن حديث معاذ الّذي أخرجه الطَّبرانيُّ يخالف ما ذكره الحافظ.\n٤٣٥٢ - (حدّثنا عمرو بن عون، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله) بن مسعود (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأني رسول الله) ذِكْرُ الشّهادة بعد قوله \"مسلم\" زيادة توكيد لإسلامه (إِلَّا بإحدى ثلاث) أي خصال: (الثيب الزاني) إذا زنى يُرجَم، وكذا الزانية إذا كانت محصنة تُرجَم، (و) الثّاني: (النفس بالنفس) أي نفس قتل نفسًا فيقتَلُ بها، (و) الثّالث: (التارك لدينه) الإسلام، يدلُّ عليه قوله: رجل مسلم (المفارق للجماعة) أي: لجماعة المسلمين، فإنّه إذا ارتد عن الإسلام بعد كونه مسلمًا يقتل.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"امرء\".\n(٢) في نسخة: \"الجماعة\".","vol":"12","page":412},{"text":"٤٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْبَاهِلِيُّ (١)، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ (٢) مُسْلِم يَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ إِلَّا في إحْدَى (٣) ثَلَاثٍ: رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ، فَإنَّهُ يُرْجَمُ، وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحَارِبًا للَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ،\n===\nوالمرأة المرتدة اختلف فيها، فالحنفية قالوا: لا تقتل بل تحبس حتّى تتوب أو تموت، وقال الجمهور: تقتل. ثمّ اعترض بأن من يقاتل يقتل، والجواب بأن المقصود في الحديث بيان أنه لا يجوز قتله إِلَّا بإحدى هذه الخصال، لا أنه لا يجوز القتال معه، فلا إشكال بالباغي؛ لأن الموجود هناك القتال لا القتل.\n٤٣٥٣ - (حدّثنا محمّد بن سنان الباهلي، نا إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، إِلَّا في إحدى ثلاثٍ) أي خصال.\n(رجل زنى بعد إحصان فإنّه يُرجَم، ورجل خرج محاربًا (٤) لله ورسوله فإنّه يُقتَل) إذا قتل (أو يُصلَب) إذا قتل وأخذ المال (أو ينفى من الأرض) إذا لم يقتل ولم يأخذ المال وأخافَ فقط.\nواختلفوا في معناه، قال بعضهم: يُخرَج من بلد إلى بلد، وقال بعضهم: إنّه يُحبَس، وهذا داخل في الثّالثة، ولم يذكر فيه الارتداد، كما في الرِّواية المتقدمة؛ لأنه ليس داخلًا في المسلم إِلَّا مجازًا باعتبار ما كان، فإنّه كان مسلمًا،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"العرقي\".\n(٢) في نسخة بدله: \"رجل\".\n(٣) في نسخة: \"بإحدى\".\n(٤) قال الحافظ: اختلف في أن آية المحاربة نزلت في المرتد، أو في المسلم اللص قاطع الطريق، والجمهور على الثّاني. [راجع: \"فتح الباري، (١٢/ ١٠٩، ١١٠)]. (ش).","vol":"12","page":413},{"text":"أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا\". [ت ٤٠١٦، حم ٦/ ٢٠٥]\n===\nولما ارتدّ عن الإسلام صار كافرًا، فإذا قتل لم يصدق عليه أنه قتل مسلمًا.\n(أو يقتل نفسًا) متعمدًا (فَيُقْتَل بها).\nقال ابن جرير (١): واختلف أهل العلم في المستحق اسمَ المحارب لله ورسوله، الّذي يلزمه حكم هذه، فقال بعضهم: هو اللص الّذي يقطع الطريقَ، وهو عطاء الخراساني، وقتادة، وقال آخرون: هو اللص المجاهر بلصوصيَّته، المكابر في العصر وغيره، وممن قال ذلك الأوزاعي، وقال مالك بن أنس: من حمل السلاح على المسلمين في مصرٍ أو خلاء، فكان ذلك منه على غير نائرة كانت بينهم، ولا دخل ولا عداوة، قاطعًا للسبيل والطريق والديار، مخيفًا لهم بسلاحه، فقتل أحدًا منهم قتله الإمام كقتله المحارب.\nوقال الوليد: سألت [عن] ذلك اللَّيث بن سعد وابن لهيعة، قلت: تكون المحاربة في دور العصر والمدائن والقرى؟ فقالا: نعم، إذا هم دخلوا عليهم بالسيوف علانية أو ليلًا بالنيران، فقلت: إذا أخذوا المال ولم يقتلوا؟ فقال: نعم هم المحاربون، فإن قتلوا قُتلوا، وإن لم يقتلوا وأخذوا المال قُطِعُوا من خلاف إذا هم خرجوا به من الدَّار، وليس من حارب المسلمين في الخلاء والسبيل بأعظم من محاربة من حاربهم في حريمهم ودورهم، وهو قول (٢) الشّافعيّ.\nوقال آخرون: المحارب هو قاطع الطريق، فأمّا المكابر في الأمصار فليس بالمحارب الّذي له حكم المحاربين، وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه.\nثمّ اختلف أهل التّأويل في هذه الخلال أتلزم المحارب باستحقاقه اسمَ المحاربة، أم يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه مختلفًا باختلاف إجرامه؟ خص ابن عبّاس إذا حارب فقتل، فعليه القتل إذا ظُهِرَ عليه قبل توبته،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" (٤/ ٦/ ٢١٠ - ٢١٤).\n(٢) والمذاهب في \"المغني\" تخالف هذا، فليرجع إليه. [راجع: \"المغني\" (١٢/ ٤٧٤)]. (ش).","vol":"12","page":414},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوإذا حارب وأخذ المال وقتل، فعليه الصلب إن ظُهِرَ عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخذ ولم يقتل، فعليه قطع اليد والرَّجل من خلاف إن ظُهِر عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخاف السبيل، فإنّما عليه النَّفْي.\nوقال آخرون: الإمام فيه بالخيار أن يفعل أيَّ هذه الأشياء الّتي ذكر الله في كتابه.\nومذهب الحنفية ما قال \"في البدائُع\" (١): قطع الطريق أربعة أنواع:\nإمّا أن يكون بأخذ المال لا غير؛ وإما أن يكون بالقتل لا غير؛ وإما أن يكون بهما جميعًا؛ وإما أن يكون بالتخويف من غير أخذ ولا قتل.\nفمن أخذ المال ولم يقتل قُطِعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل ولم يأخذ المال قُتِل، ومن أخذ المال وقتل، قال أبو حنيفة - ﵀ -: الإمام بالخيار، إن شاء قطع يده ورجله، ثمّ قتله أو صلبه، وإن شاء لم يقطعه وقتله أو صلبه. وعندهما: يقتل ولا يقطع.\nومن أخاف ولم يأخذ مالًا ولا قتل نفسًا يُنفى، والنَّفْي في قوله ﵎: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢)، قال بعضهم: المراد منه وينفوا من الأرض بحذف الألف (٣)، ومعناه: وينفوا من الأرض بالقتل والصلب، إذ هو النَّفْي من وجه الأرض حقيقة، وهذا على قول من تأول الآية الشريفة في المحارب الّذي أخذ المال، وقيل: إن الإمام يكون مخيرًا بين الأجزية الثّلاثة، والنَّفْي من الأرض ليس غير واحد من هذه الثّلاثة في التخيير؛ لأن بالقتل والصلب يحصل النَّفْي، فكذا لا يجوز أن يجعل النَّفْي مشاركًا الأجزيةَ الثلاثةَ في التخيير؛ لأنه لا يزاحم القتل لأنه دونه بكثير، وقيل: نفيه أن يطرد حتّى يخرج من دار الإسلام، وهو قول الحسن.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٥١، ٥٣).\n(٢) سورة المائدة: الآية ٣٣.\n(٣) كذا في \"البدائع\"، والظاهر \"بحذف الهمزة\".","vol":"12","page":415},{"text":"٤٣٥٤ - حَدثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا (١) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ مُسَدَّدٌ، نَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ:\n===\nوعن إبراهيم النخعي في رواية: أن نفيه طلبه، وبه قال الشّافعيّ ﵀: أنه يطلب في كلّ بلد، والقولان لا يصحان؛ لأنه إن طلب في البلد الّذي قطع الطريق ونفي عنه، فقد ألقي ضرره على بلد آخر، وإن طلب من كلّ بلد من بلاد الإسلام ونفي عنه يدخل دار الحرب، وفيه تعريض له على الكفر وجعله حربًا لنا، وهذا لا يجوز.\nوعن النخعي في رواية أخرى: أنه يحبس (٢) حتّى يحدث توبة، وفيه نفي عن وجه الأرض مع قيام الحياة إِلَّا عن الموضع الّذي حبس فيه، ومثل هذا في عُرف النَّاس يسمى نفيًا عن وجه الأرض وخروجًا عن الدنيا، كما أنشد لبعض المحبوسين:\nخرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى\nإذا جاءنا السجان يومًا لحاجة ... عجبنا، وقلنا؛ جاء هذا من الدنيا\nكذا في \"البدائع\" (٣).\n٤٣٥٤ - (حدّثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا يحيى بن سعيد، قال مسدد: نا قرة بن خالد) ولم يذكر تحديث أحمد، وقد تقدمت هذه الرِّواية في أول كتاب القضاء، وقال فيه: حدّثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، نا قرة، نا حميد بن هلال، حدثني أبو بردة، فما أدري ما وجه تخصيص مسدد بذكر تحديث مسدد منفردًا نا قرة بن خالد، والحال أن أحمد بن حنبل مشارك فيه؟ ! .\n_________\n(١) في نسخة: \"عن قرة، وقال أحمد\".\n(٢) في الأصل لا يجوز، وهو تحريف.\n(٣) (٦/ ٥٣، ٥٤).","vol":"12","page":416},{"text":"نَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، نَا أَبُو بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ: أَحَدُهُمَا عن يَمِينِي، وَالآخَرُ عن يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا (١) سَأَلَا (٢) الْعَمَلَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - سَاكِتٌ، فَقَالَ: \"مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسى، أَوْ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟ \"، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا في أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ.\nقَالَ: وَكَأَنّي (٣) أَنْظُرُ إلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ،\n===\n(نا حميد بن هلال، نا أبو بردة قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النّبيّ - ﷺ - ومعي رجلان من الأشعريين).\nقال الحافظ (٤): هما من قومه، ولم أقف على إسمهما، ووقيع في \"الأوسط\" للطبراني من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي يردة في هذا الحديث: أن أحدهما ابن عم أبي موسى، وعند مسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، رجلان من بني عمي، إنتهى.\n(أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سألا العمل) أي سألاه أن يجعلهما عاملًا على ناحية (والنبي - ﷺ - ساكت، فقال) النّبيّ - ﷺ -: (ما تقول يا أبا موسى أو) شك من الراوي (يا عبد الله بن قيس؟) وهو اسم أبي موسى، وإنّما سأل عنه رسول الله - ﷺ - عن مراده؛ لأنه لعلّه فهم أن يكون مراده مرادهما.\n(قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما) أي ما أخبراني به (وما شعرت) أي بطريق أخرى (إنهما يطلبان العمل) كأنه اعتذر وأظهر أني لم أحضر عندك لطلب العمل (قال) أبو موسى: (وكأني انظر إلى سواكه تحت شفته قَلصَتْ) أي ارتفعت فإنه متأسف على سؤالهما.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وكلاهما\".\n(٢) في نسخة: \"سأل\".\n(٣) في نسخة: \"فكأني\".\n(٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٣).","vol":"12","page":417},{"text":"قَالَ (١): \"لَنْ نَسْتَعْمِلَ - أَوْ لَا نَسْتَعْمِلُ - عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ\". فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ. قَالَ: فَلمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ مُعَاذٌ قَالَ: انْزِلْ، وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، فَإذَا (٢) رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ (٣)، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ، دِينَ السُّوءِ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: اجْلِسْ، نَعَم، قَالَ: لَا أَجْلِس حَتَّى يُقْتَل، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاث مِرَار، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ - للرجلين: (لن نستعمل أو) للشك من الراوي (لا نستعمل على عملنا من أراده) أي وطلبه؛ لأن الطالب لنفسه لا يكون مؤتمنًا، وأمّا الّذي لا يطلب ويكره فيستدلى به على أمانته (ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، فبعثه) أي أبا موسى عاملًا (على اليمن، ثمّ أتبعه معاذَ بنَ جبلٍ) أي إلى اليمن، ولكن كان بعثُ معاذٍ على غير ما بعث عليه أبا موسى من أراضي اليمن وجوانبها، فكان معاذ إذا سار في ولايته أقرب من أبي موسى يزوره.\n(قال) أبو بردة: (فلما قدم عليه) أي على أبي موسى (معاذ قال) أبو موسى: (أنزل) عن الدابة (وألقى له) أي لمعاذ (وسادة) أي مخدة أو فراشًا إكرامًا للضيف (فإذا رجل عنده) أي عند أبي موسى (مُوثَق) أي مشدود في الوثاق.\n(قال) معاذ: (ما هذا؟ قال) أبو موسى: (هذا كان يهوديًا فأسلم، ثمّ راجع دينَه دينَ السوء) أي تَهَوَّدَ (قال) معاذ: إِلَّا أجلس حتى يُقْتَلَ، قضاء الله ورسوله) خبر مبتدأ محذوف، أي هذا قضاء الله ورسوله.\n(قال) أبو موسى: (اجلس! نعم) يُقتَل (قال) معاذ: إِلَّا أجلس حتى يُقتَل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرار، فأمر به فَقُتِل).\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"وإذا\".\n(٣) في نسخة: \"موثوق\".","vol":"12","page":418},{"text":"ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا - مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -: أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، أَوْ أَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو في نَوْمَتِي مَا أَرْجُو في قَوْمَتِي\". [خ ٦٩٢٣، م ١٧٣٣، حم ٤/ ٤٠٩]\n٤٣٥٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا الْحِمَّانِيُّ - يَعْنِي عَبْدَ الْحَمِيدِ (١) بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ -، عن طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى وَبُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبي بُرْدَةَ، عن أَبِي مُوسَى قَالَ: \"قَدِمَ عَلَيَّ مُعَاذٌ - وَأَنَا بِالْيَمَنِ - وَرَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسلَمَ فَارْتَدَّ عن الإسْلَامِ. فَلمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ\n===\n(ثمّ تذاكرا) أي أبو موسى ومعاذ (قيامَ اللّيل، فقال أحدُهما - معاذُ بْنُ جبل -) خبر مبتدأ محذوف أي هو، أو بدل من لفظ أحدهما (أما أنا فأنام) في اللّيل (وأقوم) في آخره للصلاة (أو) للشك من الراوي (أقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قَومتي) أي أتوقَّع الأجرَ والثوابَ في نومتي؛ لأنها تعين على العبادة، فإن النفس تستريح بها ما أتوقع من الأجر والثواب في قيامي للصلاة.\n٤٣٥٥ - (حدّثنا الحسن بن علي، نا الحماني) بكسر المهملة وتشديد الميم (يعني عبد الحميد بن عبد الرّحمن) أبو يحيى الكُوفيُّ، ولقبه بشمين، أصله خوارزمي، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو داود: كان داعية في الإرجاء، وقال النَّسائيُّ: ليس بقوي، وقال في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد وأحمد: كان ضعيفًا، وقال العجلي: كوفي، ضعيف الحديث، مرجئ، وقال البرقي: قال ابن معين: كان ثقة ولكنه ضعيف العقل.\n(عن طلحة بن يحيى وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال) أبو موسى: (قدم عليَّ معاذ وأنا باليمن، ورجل) الواو للحال (كان يهوديًا فأسلم، فارتد عن الإسلام، فلما قدم معاذ) أي على أبي موسى\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن عبد الحميد\".","vol":"12","page":419},{"text":"قَالَ: لَا أَنْزِلُ عن دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَلَ، فَقُتِلَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: وَكَانَ قَدِ اسْتُييبَ قَبْلَ ذَلِكَ\". [حم ٥/ ٢٣٩، ق ٨/ ٢٠٦]\n٤٣٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، نَا حَفْصٌ، نَا الشَّيْبَانِيُّ، عن أَبِي بُرْدَةَ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: \"فَأُتِيَ أَبُو مُوسَى بِرَجُلٍ قَدْ ارْتَدَّ عن الإسْلَامِ، فَدَعَاهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَجَاءَ مُعَاذٌ، فَدَعَاهُ فَأَبَى، فَضُرِبَ عُنُقُهُ\". [ق ٨/ ٢٠٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، لَمْ يَذْكُرِ الاسْتِتَابَةَ. وَرَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ، عن الشَّيْبَانِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ،\n===\nضيفًا (قال) أي معاذ: (لا أنزل عن دابتي حتّى يُقتَل) أي هذا المرتد (فقُتِل، قال أحدهما) أي من طلحة بن يحيى وبريد بن عبد الله: (وكان قد استتيب قبل ذلك) أي طلب منه أن يتوب عن الارتداد ويسلم فلم يَتُبْ.\n٤٣٥٦ - (حدّثنا محمّد بن العلاء، نا حفص، نا الشيباني، عن أبي بردة، بهذه القصة، قال: فأتي أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين نيلة أو قريبًا منها) إلى أن يرجعَ إلى الإسلام، ويتوبَ عن ارتداده (فجاء معاذ، فدعاه، فأبى فضرب) ببناء المجهول أو المعلوم (عنقه) وفي العبارة تقديم وتأخيره، وتقدير العبارة هكذا: فدعاه عشرين ليلة أو قريبًا منها، فدعاه فأبى عن قبول الدّعوة في هذه الأيَّام، فجاء معاذ فضرب عنقه، فالاستتابة المثبتة هو استتابة أبي موسى، وأمّا المنفية فاستتابة معاذ (١).\n(قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة (٢)، لم يذكر الاستتابة، ورواه ابن فضيل (٣)، عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٥).\n(٢) هذه الرِّواية أخرجها البخاريّ في المغازي رقم (٤٣٤١).\n(٣) ورواية ابن فضيل أخرجها النَّسائيُّ (٨/ ٣٠٠) رقم (٥٦٠٤)، وابن حبّان (١٢/ ١٩٨) رقم (٥٣٧٧).","vol":"12","page":420},{"text":"عن أَبِيهِ عن أَبِي مُوسَى، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الاسْتِتَابَةَ.\n٤٣٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا الْمَسْعُودِيُّ، عن الْقَاسِمِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: \"فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضُرِبَ عُنُقُهُ، وَمَا اسْتَتَابَهُ\". [انظر مَا قبله]\n٤٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبي السَّرْحِ (١) يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -\". [ن ٤٠٦٩]\n٤٣٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ،\n===\nعن أبيه، عن أبي موسى، لم يذكر فيه الاستتابة).\n٤٣٥٧ - (حدّثنا ابن معاذ، نا أبى) معاذ، (نا المسعودي، عن القاسم، بهذه القصة، قال: فلم ينزل حتّى ضُرِبَ عنقه، وما استتابه) أي ما استتابه معاذ بعد الاستتابة من أبي موسى.\n٤٣٥٨ - (حدّثنا أحمد بن محمّد المروزي، نا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي السرح يكتب) الوحيَ الرسول الله - ﷺ -، فأزله الشيطان) أي حمله على الزلة (فلحق بالكفار) مرتدًا (فأمر به رسول الله - ﷺ - أن ئقتَل يوم الفتح) فيمن أهدر دمهم وأمر بقتله (فاستجار) أي طلب الأمان (له عثمان بن عفان فأجاره) أي آمنه (رسول الله - ﷺ -).\n٤٣٥٩ - (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أحمد بن المفضل،\n_________\n(١) في نسخة: \"سرح\".","vol":"12","page":421},{"text":"نَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ (١) قَالَ: زَعَمَ السُّدِّيُّ، عن مُصعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عن سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ اخْتَبَأَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايِعْ عَبْدَ اللهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: \"أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إلَى هَذَا حِينَ (٢) رَآنِي كَفَفْتُ يَدَيَّ عن بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ \"، فَقَالُوا: مَا نَدْرِي (٣) يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا في نَفْسِكَ، أَلَا أَوْمَأْتَ\n===\nنا أسباط بن نصر قال: زعم) أي: قال (السَّدِّيِّ) الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن (عن مُصْعَب بن سعد، عن) أبيه (سعد) بن أبي وقاص (قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ) أي اختفى (عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان) كان أخا عثمان من الرضاعة (فجاء به حتى أوقفه على النبي - ﷺ - فقال) عثمان: (يا رسول الله! بايِعْ عبدَ الله، فرفع) رسول الله - ﷺ - (رأسَه فنظر إليه) ويقول عثمان: يا رسول الله! بايِعْ عبدَ الله (ثلاثًا، كل ذلك) أي في كل واحد من المرات الثلاث (يأبى) رسول الله - ﷺ -، أي لا يبايعه (فبايعه بعد ثلاث، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد) أي ذو رشد وفهم (يقوم إلى هذا) أي إلى عبد الله بن سعد بن أبي السرح (حين رآني كففتُ يدي عن بيعته فيقتله؟).\nقال في \"فتح الودود\": فيه أن التوبة عن الكفر في حياته - ﷺ - كانت موقوفة على رضاه - ﷺ -. قلت: لعله مخصوص بمن أمر - ﷺ - بإهدار دمه قبل ذلك.\n(فقالوا) أي الصحابة: (ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألَّا أومأْتَ)\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن نضر\".\n(٢) في نسخة: \"حيث\".\n(٣) في نسخة: \"يدرينا\".","vol":"12","page":422},{"text":"إلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قَالَ: \"إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ\". [ن ٤٠٦٧]\n٤٣٦٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إلَى الشِّرْكِ (١) فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ\". [م ١٢٤، ن ٤٠٥٤، حم ٤/ ٣٦٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>(٢) بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - ﷺ </span>-\n٤٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَلِيُّ، نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ،\n===\nأي أشرتَ (إلينا بعينك) بقتله؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنةُ الأعين) أي خيانة الأعين، أو الأعين الخائنة.\n٤٣٦٠ - (حدّثنا قتيبة بن سعيد، نا حميد بن عبد الرّحمن، عن أبيه) عبد الرّحمن، (عن أبي إسحاق، عن الشّعبيّ، عن جرير قال: سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: إذا ابق العبد إلى الشرك) أي ارتد عن الإسلام، أو إلى أهل الشرك، فإذا ابق إلى أهل الشرك فالظاهر أنه يرجع إلى الشرك فالجزاء يترتب عليه، وهو حِلَّةُ دمِه وجوازُ قتلِه، وأمّا إذا كان بقي على الإسلام فالظاهر أنه محمول على التغليظ والتشديد (فقد حَلَّ دَمُه).\n\n(٢) (بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ (٢) النبيَّ - ﷺ -)\n٤٣٦١ - (حدّثنا عباد بن موسى الخُتَّلي (٣)، نا إسماعيل بن جعفر المدني،\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى أرض الشرك\".\n(٢) واختلف في قبول توبة سابِّه - ﷺ -، كما في \"رسائل ابن عابدين\" (١/ ٢٩٢)، وله في ذلك رسالة مستقلة (وسمَّاها: تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام). (ش).\n(٣) قال في \"التقريب\": بضم المعجمة، وتشديد المثناة المفتوحة.","vol":"12","page":423},{"text":"عن إسْرَائِيلِ، عن عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، عن عِكْرِمَةَ قَالَ: نَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَعْمَى كَانتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتِمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَتَقَعُ فِيهِ، فيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ (١) ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ في النَّبِيِّ - ﷺ - وَتَشْتِمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ (٢)\n===\nعن إسرائيل، عن عثمان الشحام) العدوي، أبو سلمة البصري، يقال: اسم أبيه عبد الله، ويقال: ميمون، قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان، وذكر عثمان الشحام (٣)، فقال: يعرف وينكر، ولم يكن عندي بذاك، وعن أحمد: ليس به بأس، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا، وقال الآجرى عن أبي داود: ثقة، أو قال: ليس به بأس، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقوي، وقال مرّة: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\".\n(عن عكرمة قال: نا ابن عبّاس: أن أعمى) لم أقف على تسميته (كانت له أم ولد) أي غير مسلمة (تشتم النّبيّ - ﷺ - وتقع فيه) أي تذكره بالسوء (فينهاها) أي الأعمى يمنعها عن شتمه (فلا تنتهي) أي لا تمتنع (ويزجرها) بالعنف (فلا تنزجر) أي لا تكف لسانها.\n(قال) ابن عبّاس: (فلما كانت ذات ليلة جَعَلَتْ) أي شَرَعَتْ (تقع في النّبيّ - ﷺ - وتشتِمُه، فأخذ المغول) بكسر الميم، وسكونِ الغين المعجمة، وفتحِ الواو، واللام، قال في \"النهاية\" (٤): شِبْه سيفٍ قصيرٍ يشتمل به الرَّجل تحت ثيابه فيغطِّيه، وقيل: حديدة دقيقة لها حَدٌّ ماضٍ، وقيل: هو سوط في جوفه سيفٌ دقيقٌ يشدّ به الفاتك على أوسطه ليغتال به النَّاس، كذا في \"مرقاة الصعود\".\n_________\n(١) في نسخة: \"كان\".\n(٢) في نسخة: \"المعول\".\n(٣) في الأصل: \"الشمام\"، وهو تحريف.\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ٣٩٧).","vol":"12","page":424},{"text":"فَوَضَعَهُ في بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ، فَلَطَخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ.\nفَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: \"أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ\" (١)، فَقَامَ الأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ، وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتِمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلَ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ (٢) الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتِمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ (٣)\n===\n(فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك) بالدم من الفراش والثياب (بالدم).\nوالحديث أخرجه النَّسائيُّ، وليس فيه من قوله: \"فوقع بين رجليها\" إلى قوله: \"بالدم\".\n(فلما أصبح) أي صار الصباح (ذُكِرَ ذلك) أي قتلُها (للنبي - ﷺ -، فجمع النَّاس فقال) رسول الله - ﷺ -: (أنشد اللهَ رجلًا فعل ما) أي الّذي (فعل) وهو قَتلُها، (لي عليه حق) من الإطاعة وإجابة الدّعوة (إِلَّا قام) وأخبرني بما فعل (فقام الأعمى يتخطى الناسَ، وهو يتزلزل) أي يتحرك خوفًا (حتّى قعد بين يدي النّبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها) أي قاتِلُها، وقصتها أنها (كانت تشتمك، وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة)، وإنّما قال ذلك ليدفع عن نفسه تهمته في قتلها غير ما ذكره، فبين أنها كانت رفيقة، ولي منها أولاد صغار.\n(فلما كان البارحة جعلتْ تشتمكَ، وتقع فيك، فأخذت المِغْوَلَ فوضعتُه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"كانت\".\n(٣) في نسخة: \"فجعلته\".","vol":"12","page":425},{"text":"في بَطْنِهَا، وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قتَلْتُهَا. فَقَالَ (١) النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَلَا اشْهَدُوا إن دَمَهَا هَدْرٌ\". [ن ٤٠٧٠]\n٤٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن جَرِيرٍ، عن مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَلِيٍّ: أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتِمُ\n===\nفي بطنها، واتكأت عليها حتّى قتلتُها، فقال النّبيّ - ﷺ -: ألَّا اشهدوا أن دَمَها هدر) أي ساقط.\nقال الشوكاني (٢): وفي حديث ابن عبّاس وحديث الشّعبيّ دليل على أنه يُقتَل مَنْ شتم النبيِّ - ﷺ -، وقد نقل ابن المنذر الاتفاقَ على أن من سب النّبيّ - ﷺ - صريحًا وجب قتله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشّافعيّة في \"كتاب الإجماع\": أن من سب النّبيّ - ﷺ - بما هو قذف صريح كفر باتِّفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل؛ لأن حد قذفه القتلُ، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وخالفه القفال فقال: كفر بالسبِّ، فسقط القتل بالإِسلام، وقال الصَّيدلُّاني: يزول القتل، ويجب حد القذف.\nقال الخطابي: لا أعلم خلافًا في وجوب قتله إذا كان مسلمًا، وقال ابن بطّال: اختلف العلماء فيمن سَبَّ النّبيّ، فأمّا أهل العهد والذِّمَّة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يُقتَل من سبه - ﷺ - منهم إِلَّا أن يسلم، وأمّا المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابنُ المنذر عن اللَّيث، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق مثلَه في حق اليهودي ونحوه، وروي عن الأوزاعي، ومالك في مسلم أنها ردة يستتاب منها، وعن الكوفيين إن كان ذميًّا عُزِّر، وإن كان مسلمًا فهي ردة.\n٤٣٦٢ - (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الجراح، عن جرير، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، عن علي: أن يهودية كانت تشتم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٦٥٢).","vol":"12","page":426},{"text":"النَّبِيَّ - ﷺ - وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - دَمَهَا. [ق ٩/ ٢٠٠]\n٤٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيِلَ، نَا حَمَّادُ، عن يُونُسَ، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n(ح): وَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله وَنُصَيْرُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَا: نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن يَزبدَ بْنِ زُريعٍ، عن يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عن أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: \"كُنْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، فَتَغَيَّظَ\n===\nالنّبيّ - ﷺ - وتقع فيه، فخنقها رجل حتّى ماتت، فأبطل رسول الله - ﷺ - دمَها)\nوهذا القتل محمول على السياسة.\nقال في \"رد المحتار\" (١): قوله: \"ويكون التعزير بالقتل\"، رأيت في \"الصارم المسلول\" للحافظ ابن تيمية: أن من أصول الحنفية أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل، والجماع في غير القبل إذا تكرر، فللإمام أن يقتل فاعله، وكذلك له أن يزيد على الحدّ المقدَّر إذا رأى المصلحة في ذلك، ويحملون ما جاء عن النّبيّ - ﷺ - وأصحابه من القتل في مئل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك، ويسمونه القتل سياسة، وكان حاصله: أن له أن يُعَزَّرَ بالقتل في الجرائم الّتي تعظمت بالتكرار، وشرع القتل في جنسها، ولذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر مِنْ سَبَّ النّبيّ - ﷺ - من أهل الذِّمَّة، وإن أسلم بعد أخذه، وقالوا: يقتل سياسة.\n٤٣٦٣ - (حدّثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن يونس، عن حميد بن هلال، عن النّبيّ - ﷺ -، ح: ونا هارون بن عبد الله ونصير بن الفرج قالا: نا أبو أُسامة، عن يريد بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مطرف، عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر فتغيظ) أبو بكر\n_________\n(١) (٦/ ٩٩)، وانظر: \"الصارم المسلول\" (٢/ ٣١).","vol":"12","page":427},{"text":"عَلَى رَجُلٍ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: تَأْذَنُ لِي يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتِي غَضَبَهُ، فَقَامَ فَدَخَلَ فَأَرْسَلَ إلَيَّ، فَقَالَ: مَا الّذِي قُلْتَ آنِفًا؟ قُلْتُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: أَكُنْتَ فَاعِلًا لَوْ أَمَرْتُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَا وَاللهِ، مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﵇\" (١). [ن ٤٠٧٢، حم ١/ ١٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُ يَزِيدَ (٢).\n===\n(على رجل) لم أقف على اسمه (فاشتد) أي الرَّجل (عليه) أي على أبي بكر وَسَبَّه، ويحتمل أن يكون معناه: فاشتد غضبُ أبي بكر على ذاك الرَّجل.\n(فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرِبَ عنقه؛ قال: فأذهبت كلمتي) هذه الّتي قلتها له في استئذان القتل (غضبَه، فقام) أبو بكر (فدخل) البيت (فأرسل إليّ) فدعاني (فقال: ما الّذي قلتَ آنفًا؟ قلت) له: إنِّي قلت لك: (ائذن لي أضرب عنقه، قال) أبو بكر: (أكنتَ فاعلًا لو أمرتُكَ؟) قال: أبو برزة: (قلت: نعم، قال: لا، والله) أي لا يجوز والله (ما كانت لبشر بعد محمدٍ ﵇).\nيعني لو أمر - ﷺ - في التغيظِ وسَبِّ الآخر له بالقتل لجاز قتله، وأمّا غيره - ﷺ - من خلفائه وامرائه إذا سَبَّهم أحد أو تغيظوا على أحد وأمروا بقتله لا يجوز قتله؛ لأن تغيظه - ﷺ - لم يكن إِلَّا حقًّا، وأمّا تغيظنا فحق وباطل.\n(قال أبو داود: وهذا) أي المذكور (لفظ يزيد)، وهذا الحديث يدل على أن غضب الصحابي على أحد، وكذ! غضب أحدٍ علمِه وَسَبّه، ليس بمستوجب لكفرِه وقتلِه.\n_________\n(١) في نسخة: \"- ﷺ -\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَيْ لَمْ يَكُنْ لأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا إِلَّا بِإحْدَى الثَّلاثِ الَّتِي قَالَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: كُفْرٌ بَعْدَ إيْمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَكَانَ للنَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ يَقْتُلَ\". [\"مسائل الإمام أحمد\" (ص ٢٧٧)].","vol":"12","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1661>(٣) بَابُ مَا جَاءَ في الْمُحَارَبَةِ</span>\n٤٣٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ - أَوْ قَالَ: مِنْ عُرْيْنَةَ - قَدِمُوا عَلَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَاجْتَوُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ (١) - ﷺ - بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا\n===\n\n(٣) (بَابُ مَا جَاءَ في الْمُحَارَبَةِ) (٢)\nأي: محاربة الله ورسوله\n٤٣٦٤ - (حدّثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أَيّوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك: أن قومًا من عُكْل) بضم العين وسكون الكاف (٣) (قال: من عرينة) مصغرًا، وهما قبيلتان، قال في \"مرقاة الصعود\": روى أبو عوانة: \"قال: كانوا أربعةً من عرينة، وثلاثةً من عكل\" (قدموا على رسول الله - ﷺ -)، فأسلموا (فاجتووا المدينةَ) أي ما وافقهم هواء المدينة، ومرضوا بانتفاخ البطن، فسألوا رسولَ الله - ﷺ - أن يبعثهم مع ذود (٤) (فأمر لهم رسول الله - ﷺ - بلقاح) أي بنوق ذات اللبن، واحدها لقحة (وأمرهم أن يشربوا من أبوالها (٥). وألبانها) في واء لهم، ولعلّه - ﷺ - علم شفاءهم فيها بالوحي (فانطلقوا، فلما صحُّوا) أي برؤوا من المرض ارتدوا عن\n_________\n(١) في نسخة: \"النّبيّ\".\n(٢) تقدّم الكلام على حكمه قريبًا (١٢/ ٤١٤).\n(٣) وفي الأصل: بضم الكاف، وهو تحريف.\n(٤) ذَوْد بالذال المعجمة، وهو الإبل، سواء كان ذكرًا أو أنثى. انظر: \"النهاية\" (٢/ ١٧١).\n(٥) وتقدَّم الكلام على حكم الأبوال فيما علقناه على هامش الجزء الثّاني (٢/ ٥٢٥)، والشيخ لم يتعرض لها في المحلين معًا، وقال ابن العربي في شرح التّرمذيّ: هذا حديث صحيح ثابت، ثمّ بسط الكلام على شرحه [انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٩٥، و٨/ ١٩٦، ١٩٧)]. (ش).","vol":"12","page":429},{"text":"قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ (١) - ﷺ -، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - خَبَرُهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - في آثَارِهِمْ، فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسَمَرَ (٢) أَعْيُنَهُمْ وَأُلْقُوا في الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ\". [خ ٦٨٥٥، م ١٦٧١، ن ٤٠٢٨، به ٢٥٧٨]\nقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا، وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ.\n٤٣٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، عن أَيُّوبَ،\n===\nالإسلام وكفروا و(قتلوا راعي رسول الله - ﷺ -، واستاقوا النعم) أي الإبل.\n(فبلغ النبيَّ - ﷺ - خبرُهم من أول النهار، فأرسل النّبيّ - ﷺ - في آثارِهم) أي ورائهم في طلبهم (فما ارتفع النهار حتّى جيء بهم) أي أسارى (فَأَمَر بهم فَقُطِعَت أيديهم وأرجلُهم، وسمر أعينهم) أي بمسامير محماة (وأُلقوا في الحرَّة يستسقون فلا يُسْقون).\n(قال أبو قلابة: فهولاء قوم سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله).\nوقال بعض المفسرين: فيهم نزلت الآية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٣). قيل: ما أمر النّبيّ - ﷺ - بذلك، وإنّما فعله الصّحابة من عند أنفسهم، وقيل: فعل ذلك قصاصًا؛ لأنهم فعلوا بالراعي مثل ذلك، وقيل: بل لشدة جنايتهم، كما يشير إليه كلام أبي قتادة.\n٤٣٦٥ - (حدّثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب عن أَيّوب\n_________\n(١) في نسخة: \"النّبيّ\".\n(٢) في نسخة: \"سمل\". وفي نسخة: \"سُمِرَتْ\".\n(٣) سورة المائدة: الآية ٣٣.","vol":"12","page":430},{"text":"بِإسْنَادِهِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ فِيهِ: \"فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ، وَقَطَعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ\". [خ ٣٠١٨]\n٤٣٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا. (ح): وَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن يَحْيَى، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: \"فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في طَلَبِهِمْ قَافَةً فَأُتيَ بِهِمْ (١)، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى في ذَلِكَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية\". [خ ٦٨٠٢، م ١٦٧١]\n٤٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيل، نَا حَمَّادُ، نَا ثَابِتٌ وَقَتَادَةُ وَحُمَيْدٌ،\n===\nبإسناده بهذا الحديث قال فيه: فأمر بمسامير فأُحميت) بالنار (فكحلهم) أي أعينهم بها (وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حَسَمَهم) أي لم يقطع دماءهم بالكي؛ لأن الحسم لانقطاع الدِّم، وهو لإبقاء الحياة، ولم يكن القصد هاهنا إبقاءهم بل المقصود قتلهم، فلذلك لم يحسمهم.\n٤٣٦٦ - (حدّثنا محمّد بن الصباح بن سفيان، أنا، ح: ونا عمرو بن عثمان، حدّثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، بهذا الحديث، قال فيه: فبعث رسول الله - ﷺ - في طلبهم قافة) جمع قائف، وهو الّذي يتبع آثار الماشي ويعرف أقدامهم (فَأُتِي بهم، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٢) الآية)، فإنهم لما ارتدوا وقتلوا وأخذوا المال جمع رسول الله - ﷺ - بين سائر الأجزية.\n٤٣٦٧ - (حدّثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت وقتادة وحميد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) سورة المائدة: الآية ٣٣.","vol":"12","page":431},{"text":"عن أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ (١)، قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ يَكْدِمُ الأَرْضَ بِفِيهِ عَطَشًا حَتَّى مَاتُوا. [م ١٦٧١، ت ٧٢، ن ٤٠٣٤، جه ٢٥٧٨، حم ٣/ ٢٨٧، خت ٥٦٨٦]\n٤٣٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ، عن هِشَامٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَحْوَهُ، زَادَ: \"ثُمَّ نُهِيَ عن الْمُثْلَةِ\" (٢). [حم ٣/ ١٧٧]\n===\nعن أنس بن مالك، ذكر هذا الحديثَ، قال أنس: فلقد رأيت أحدَهم يَكْدِمُ الأرض) أي يعضّها (بفيه عطشًا حتّى ماتوا).\n٤٣٦٨ - (حدّثنا محمّد بن بشار، نا ابن أبي عدي، عن هشام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، بهذا الحديث، نحوه، زاد: ثمّ نهى عن المثلة).\nقال ابن جرير في \"تفسيره\" (٣): وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكمه - ﷺ - في العرنيين، فقال بعضهم: ذلك حكم منسوخ، نسخه نهيُه عن المثلة بهذه الآية، يعتي قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية، وقالوا: نزلت هذه الآية عتابًا لرسول الله - ﷺ - فيما فعل بالعرنيين، وقال بعضهم: بل فعلُ النّبيّ - ﷺ - بالعرنيين حكم ثابت في نظرائهم أبدًا، لم يُنسَخ ولم يبدّل، وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية حكم من الله فيمن حارب وسعى في الأرض فسادًا بالحرابة، قالوأ: والعرنيون ارتدوا وقتلوا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال: فقطع أيديهم وأوجلهم من خلاف، وقال في أوله: استاقوا الإبل، وارتدَّوا عن الإسلام\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ولم يذكر \"من خلاف\"، ورواه شُعبة عن قتادة، وسلَّامُ بنُ مسكين عن ثابت، جميعًا عن أنس، لم يذكرا \"من خلاف\"، ولم أجد في حديث أحد: فَقَطَعَ أيديهم وأرجلَهم من خلاف، إِلَّا في حديث حماد بن سلمة\".\n[قلت: رواية شعبة أخرجها البخاريّ (١٥٠١)، والنَّسائيّ (٧/ ٩٧)، وابن حبّان (١٣٨٨)، ورواية سلام أخرجها البخاريّ (٥٦٨٥)].\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" (٤/ ٢٠٩).","vol":"12","page":432},{"text":"٤٣٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ - قَالَ أَحْمَدُ: يَعْنِي هُوَ عَبْدُ الله بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -، عن ابْنِ عُمَر: \"أَنَّ نَاسَا أَغَارُوا عَلَى إبِلِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَاسْتَاقُوهَا (١) وَارْتَدُّوا عن الإسْلَامِ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُؤْمِنًا، فَبَعَثَ في آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، قَالَ: وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْحَجَّاجَ حِينَ سَأَلَهُ\". [ن ٤٠٤١]\n===\nوسرقوا وحاريوا الله ورسوله، فحكمهم غير حكم الساعي في الأرض بالفساد من أَهل الإسلام والذِّمَّة.\nوقال آخرون: لم يَسْمُلِ النّبيّ - ﷺ - أعين العرنيين، ولكنه كان أراد أن يسمُلَ، فأنزل الله جلَّ وعز هذه الآية على نبيه يعرِّف الحكم فيهم، ونهاه عن سمل أعينهم.\n٤٣٦٩ - (حدّثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو (٢)، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزِّناد، عن عبد الله بن عبيد الله، قال أحمد) بن صالح شيخ المصنِّف: (يعني هو عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، عن ابن عمر: أن ناسًا أغاروا على إبل النّبيّ - ﷺ - واستاقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي النّبيّ - ﷺ - مؤمنًا، فبعث) أي الطلب (في آثارهم فَأُخذوا، فقطع أيديهم وأرجلَهم، وسمل أعينَهم، قال) ابن عمر: (ونزلت فيهم آية المحاربة، وهم الذين أخبر عنهم أنسُ بنُ مالك الحجاجَ) بنَ يوسف الثقفي (حين سأله) أي سأل\n_________\n(١) في نسخة: \"فاستاقوها\".\n(٢) ذكر المزي في \"التحفة\" (٧٢٧٥) طريقًا أخرى للحديث، وهي من رواية ابن داسة، رواها أبو داود عن أبي الطّاهر أَحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث به.","vol":"12","page":433},{"text":"٤٣٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرَو بْنِ السَّرْح، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي (١) اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ (٢)، عن أَبِي الزَّنَادَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا قَطَعَ الّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّارِ عَاتَبَهُ الله تَعَالَى في ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية\". [ن ٤٠٤٢، ق ٨/ ٢٨٣]\n٤٣٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا. (ح): وَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: أَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: \"كَانَ هَذَا\n===\nالحجاجُ أنسَ بنَ مالك عن أشد عقوبة عاقبها النّبيّ - ﷺ -، فأخبره أنس بما فعله النّبيّ - ﷺ - بالعرنيين.\n٤٣٧٠ - (حدّثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني اللَّيث بن سعد، عن محمّد بن عجلان، عن أبي الزِّناد: أن رسول الله - ﷺ -) قال المنذري (٣): هذا مرسل، وأخرجه النَّسائيُّ مرسلًا (لَمّا قطع الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار) أي بالحديدة المحماة بالنار (عاتبه الله تعالى في ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية) (٤)، وهذا أحد الأقوال في تفسير الآية، وهذا القول لو كان صحيحًا فوجهه عدمُ انتظار الوحي، ومسارعةُ الاجتهاد في الحكم.\n٤٣٧١ - (حدّثنا محمّد بن كثير، أنا، ح: ونا موسى بن إسماعيل قال: أنا همام، عن قتادة، عن محمّد بن سيرين قال: كان هذا) أي عقوبة العرنيين\n_________\n(١) في نسخة: \"ثني\".\n(٢) في نسخة: \"العجلان\".\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٠٨).\n(٤) سورة المائدة: الآية ٣٣.","vol":"12","page":434},{"text":"قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ - يَعْنِي حَدِيثَ أَنَسٍ -\". [ق ٨/ ٢٨٣]\n٤٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، ثَنَا (١) عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nنَزَلَتْ هَذ الآيَةُ في الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ (٢). [ن ٤٠٤٦]\n===\n(قبل أن تنزل الحدود، يعني حديث أنس) الّذي فيه قصة العرنيين.\n٤٣٧٢ - (حدّثنا أحمد بن محمّد بن ثابت، ثنا علي بن حسين، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدّ الّذي أصاب).\nكتب في حاشية الأحمدية معزيًّا إلى مولانا محمّد إسحاق: لعلّه مذهب ابن عبّاس.\nوكتب مولانا محمّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"لم يمنعه ذلك أن يقام ... إلخ\"، أراد بالحد جزاء ما ارتكبه، وضمان ما أتلفه لا الحدّ المصطلح شرعًا، فإذا أسلم المشرك بعد قطعِه الطريقَ، وأخذِه المالَ فيه وقتلِه كان حق الله عفوًا عنه، وأمّا ولي المقتول ورب المال فلهما مطالبته بحقيهما، فعلى هذا لا يخالف مقالة ابن عبّاس مذهمب الجمهور.\n_________\n(١) في نسخة: \"ثني\".\n(٢) في نسخة: \"أصابه\".","vol":"12","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1662>(٤) بَابٌ في الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ</span>؟\n٤٣٧٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي. (ح): وَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةٍ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا؟ - يَعْنِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ النَّبِيِّ (١) - ﷺ -؟\nفَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا أُسَامَةُ، أَتَشْفَعُ في حَدٍّ\n===\nقال المنذري (٢): في إسناده علي بن حسين بن واقد، وفيه مقال.\n(٤) (بَابٌ في الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ؟)، بتقدير حرف الاستفهام\n٤٣٧٣ - (حدّثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني قال: حدثني، ح: ونا قتيبة بن سعيد الثقفي، نا اللَّيث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن قريشًا أَهَمَّهم) أي أوقعهم في الهمّ (شأنُ المرأة المخزومية الّتي سرقت) قال في \"مرقاة الصعود\": اسمها فاطمة بنت الأسود، وفي \"الإصابة\": بنت أبي الأسود (٣)، وقيل: بنت الأسود بن عبد الأسد، قال ابن سعد: وفي رواية أهل المدينة وغيرهم من أهل مكّة: [أن] الّتي سرقت فقطع رسول الله - ﷺ - يدها أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، وكانت تستعير الحلي وتجحده، فاتفق أنها سرقت فأمر رسول الله - ﷺ - بقطع يدها.\n(فقالوا: من يكلِّم فيها؟ - يعني رسولَ الله - ﷺ -) بالشفاعة لها (قالوا: ومن يجترئ إِلَّا أُسامة بن زيد حِبُّ النّبيّ - ﷺ -؟) لأنه ابن متبناه زيد بن حارثة، فقالوا لأسامة (فكلَّمه أسامةُ، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أُسامة! أتشفع في حد\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٠٨).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"الإصابة\" (٤/ ٣٦٩): بنت أبي الأسد بدون الواو.","vol":"12","page":436},{"text":"مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ \" ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: \"إنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - (١) سَرَقَتْ لقطَعْتُ يَدَهَا\". [خ ٣٤٧٥، م ١٦٨٨، ت ١٤٣٠، ن ٤٩٠١، جه ٣٥٤٧، حم ٦/ ٤١]\n٤٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَطْعِ (٢) يَدِهَا.- وَقَصَّ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ قَالَ: فَقَطَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَهَا-\". [م ١٦٨٨، حم ٦/ ١٦٢]\n===\nمن حدود الله تعالى؟ ثمّ قام فاختطب) أي خطب النَّاس (فقال: إنّما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه) لأجل شرافته فيراعونهما (وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ) فيضعون حدود الله، فأهلكهم الله لذلك، (وأيم الله لو أن فاطمةَ بنتَ رسولِ الله - ﷺ - سرقت)، أعاذها الله من ذلك (لقطعتُ يَدَها).\n٤٣٧٤ - (حدّثنا عبّاس بن عبد العظيم ومحمد بن يحيى قالا: نا عبد الرزّاق، أنا معمر، عن الزّهريُّ، عن عروة، عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية) قبيلة من قريش (تستعير المتاع وتجحده) أي كانت في أول الأمر ذلك حالها، فذكر لبيان حالها لا لسبب قطع يدها، ثمّ اتفق أنها سرقت أيضًا (فأمر النّبيّ - ﷺ - بقطع يدها) أي في السّرقة (وَقَصَّ) معمر (نحو حديث اللَّيث، قال: فقطع النّبيّ - ﷺ - يَدَها).\n_________\n(١) في نسخة: \"محمّد\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فقطع\"، وفي نسخة: \"يقطع\".","vol":"12","page":437},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوى ابْنُ وَهْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ فِيهِ كَمَا قَالَ اللَّيْثُ: إنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - في غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَرَوَاهُ الليْثُ عن يُونُسَ، عن ابْنِ شِهَابٍ، بِإسْنَادِهِ، قَالَ (١): اسْتَعَارَتِ امْرَأَةٌ، وَرَوَاهُ مَسْعُودُ بْنُ الأَسْوَدِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: \"سُرَقَتْ قَطِيفَةٌ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - \" (٢).\n===\n(قال أبو داود: روى ابن وهب (٣) هذا الحديثَ عن يونس، عن الزّهريُّ، وقال فيه كما قال اللَّيث: إن امرأة سرقت على عهد النّبيّ - ﷺ - في) زمان إلخزوة الفتح، ورواه اللَّيث عن يونس، عن ابن شهاب، بإسناده، قال: استعارت امرأة (٤)، ورواه مسعود بن الأسود) (٥). بن حارثة القُرَشيُّ العدوي المعروف بابن العجماء.\nقال ابن عبد البرّ: كان من السبعين الذين هاجروا من بني عدي بن كعب، وكان من أصحاب الشجرة، روى حديثَه ابنُ إسحاق، عن محمّد بن طلحة بن ركانة، عن أمه عائشة بنت المسعود بن الاْسود، عن أبيها قال: لما سرقت تلك المرأة القطيفةَ من بيت رسول الله - ﷺ -، الحديث.\n(عن النّبيّ - ﷺ - نحو هذا الخبر، قال: سُرِقَتْ قطيفةٌ من بيت رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) زاد في نسخة: ورواه سفيان بن عيينة، عن أَيّوب بن موسى، عن الزّهريُّ، عن عروة، عن عائشة، واختلف على سفيان فقال بعضهم: تستعير، وقال بعضهم: سرقت، وقال شعيب عن الزّهريُّ، عن عروة، عن عائشة: استعارت امرأة ... الحديث. وقال إسماعيل بن أمية وإسحاق بن راشد جميعًا عن الزّهريُّ: سرقت من بيت النّبيّ - ﷺ -، وساق نحوه. قال صاحب \"عون المعبود\" (١٢/ ٣٧): وهذه العبارة ليست في عامة النسخ من رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكرها المنذري، وإنّما وجدت في بعض نسخ الكتاب.\n(٣) أخرج روايته البخاريّ (٢٦٤٨)، ومسلم (١٦٨٨).\n(٤) وهذه الرِّواية أخرجها المصنِّف (٤٣٩٦).\n(٥) أخرج روايته ابن أبي شيبة (٩/ ٤٦٦) وابن ماجه (٢٥٤٨)، والطبراني (٢٠/ ٣٣٣) رقم (٢٥٤٨)، والحاكم (٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠).","vol":"12","page":438},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عن جَابِرٍ: \"أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ، فَعَاذَتْ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -\".\n٤٣٧٥ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، قَالَا: نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَيْدٍ نَسَبَهُ جَعْفَرٌ إلَى سَعِيدِ بْنِ زيدٍ بنِ عَمْرٍو بْنِ نُفَيْلٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ\". [حب ٩٤، حم ٦/ ١٨١، ق ٨/ ٢٦٧، قط ٣/ ٢٠٧]\n===\nقال أبو داود: ورواه أبو الزُّبير (١) عن جابر: أن امرأة سرقت فعاذت بزينب (٢) بنت رسول الله - ﷺ -) والمرأة هي المخزومية، ولما لم تجترئ رينب على الشفاعة فيها آل الأمرُ إلى أُسامة بن زيد.\n٤٣٧٥ - (حدّثنا جعفر بن مسافر ومحمد بن سليمان الأنباري قالا: نا ابن أبي فديك، عن عبد الملك بن زيد) بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي المدني، قال ابن أبي حاتم عن أبي الجنيد: ضعيف الحديث، وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\" (٣)، روى له أبو داود، والنَّسائيّ حديثًا واحدًا: حديث عمرة، عن عائشة: \"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتِهم\"، والثّاني: \"تُرْفَع زينة الدنيا سنة خمس وعشرين ومائة\"، قال: وهذان الحديثان منكران، لم يروهما غير عبد الملك.\n(نسبه جعفر) بن مسافر شيخ المصنِّف (إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) ولم ينسبه محمّد بن سليمان الشّيخ الثّاني للمصنف، (عن محمّد بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: أقيلوا) أي اعفوا عن (ذوي الهيئات) الحسنةِ (عثراتِهم) أي زلاّتِهم (إِلَّا الحدود).\n_________\n(١) أخرج روايته أحمد (٣/ ٣٩٥)، ومسلم (١٦٨٩)، والنَّسائيّ (٨/ ٧١).\n(٢) وفي \"صحيح مسلم\" (١٦٨٩) أن المرأة المخزومية عاذت بأم سلمة، فيحتمل أنها عاذت بهما جميعًا، ولما لم تجنرئا على الشفاعة آل الأمر إلى أُسامة.\n(٣) (٧/ ٩٥) و\"تهذيب الكمال\" (٤/ ٥٥٢) رقم التّرجمة (٤١١٥).","vol":"12","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"الدرجات\" (١): قال الشّافعيّ: ذوو الهيئة من لم تظهر منهم ريبة، وفي \"النهاية\" (٢): من لا يُعرَفون بشرٍّ فيزَلّ أحدهم زلة، أي تجاوَزُوأ عن ذوي الهيئات الحسنة، وهم من لزموا هيئة واحدة، وسمتًا واحدًا خيرًا، فلا تختلف حالاتهم بأن تنقلهم من كذا إلى كذا هيئة.\nوقال البيضاوي: ذوي الهيئات أصحاب الذوات والخصال الحميدة، أو ذوو الوجوه من النَّاس، والعثرات صغار الذنوب، وما يندر عنهم من خطايا، فالاستثناء في قوله: \"إِلَّا الحدود\" منقطع، أو الذنوب مطلقًا، وبالحدود ما يوجبها فيكون متصلًا، والخطاب مع الأئمة وغيوهم ممّن يستحق مؤاخذة وتأديبًا عليها.\nوهذا الحديث أحد الأحاديث الّتي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني، وكانت انتهت إليه رئاسة معوفة الحديث ببغداد على \"المصابيح\" للبغوي، وزعم أنها موضوعة، فرد عليه (٣) الحافظ ابن حجر بكراسته، وقال ابن عدي: هو منكر بهذا الإسناد، ولم يروه غير عبد الملك، وقال المنذري: عبد الملك ضعيف، قال الحافظ ابن حجر: لم ينفرد به بل رواه غيره، أخرجه النَّسائيُّ (٤) بطريق عطاف بن خالد، عن عبد الرّحمن بن محمّد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، وعطاف به ضَعْفٌ لكنه غير متروك، فيقوى أحد الطريقين بالآخر، وقد رواه النَّسائيُّ من طريق آخر عن عمرة، وفيها اختلاف بوصل وإرسال، وبدون هذا يرتفع الحديث عن كونه متروكًا، فضلًا عن كونه موضوعًا.\nوقال الحافظ صلاح الدين العلّائي: عبد الملك بن زيد هذا قال له النَّسائيُّ:\n_________\n(١) \"درجات مرقاة الصعود\" (هـ ١٩٤).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ٢٨٥).\n(٣) انظر: \"هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المشكاة\" وبهامشه \"أجوبة ابن حجر على نقد القزويني\" و\"النقد الصريح\" للعلّائي (٣/ ٤٢٠) ح (٣٥٠٢).\n(٤) راجع: \"السنن الكبرى\" للنسائي (٧٢٩٣).","vol":"12","page":440},{"text":"(٥) بَابٌ (١): يُعْفَى عَنِ الْحُدُودِ مَا لَمْ تَبْلُغِ السُّلْطَانَ\n٤٣٧٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ، عن عَمُرٍو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدِّ فَقَدْ وَجَبَ\". [ن ٤٨٨٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>(٦) بَابُ السَّتْرِ عَلَى أَهْلِ الْحُدُودِ</span>\n٤٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، عن زَيْدِ بْنِ\n===\nليس به بأس، ووثقه ابن حبّان، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى لا سيما مع إخراج النَّسائيُّ له، كأنه لم يخرج بكتابه منكرًا، ولا واهيًا، ولا عن رجل متروك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1663>(٥) (بَابٌ: يُعْفَى عَنِ الْحُدُودِ مَا لَمْ تَبْلُغِ السُّلْطَانَ) </span>(٢)\n٤٣٧٦ - (حدّثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب قال: سمعت ابنَ جريج يحدث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب، (عن) جده (عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: تعافوا الحدود فيما بينكم) أي تجاوزوا عنها، ولا ترفعوها إليَّ (فما بلغني من حد) أي ما ثبت عندي (فقد وجب) ولا يجوز فيه التجاوز والعفو.\n\n(٦) (بَابٌ السَّتْرِ عَلَى أَهْلِ الْحُدُودِ)\nأي: استحبابه، ولعلّه مقصود فيما فيه حق (٣) - الله تعالى فقط\n٤٣٧٧ - (حدّثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، عن زيد بن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"باب العفو عن الحدود\"\n(٢) وسيأتي في \"باب التجسس\" حديثُ ابن مسعود وضي الله عنه، وفيه: إنا نُهينا عن التجسس. انتهى. (ش).\n(٣) وحرمة الفروج من حق الله، كما جزم به في \"الفتاوى الرشيدية\"، وفي \"فتاوى مولانا =","vol":"12","page":441},{"text":"أَسْلَمَ، عن يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ، عن أَبِيهِ: أَنَّ مَاعِزًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَقَالَ لِهَزَّالٍ: \"لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ (١) خَيْرًا لَكَ\". [حم ٥/ ٢١٦، ق ٨/ ٣٣٠]\n٤٣٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: \"أَنَّ هَزَّالًا أَمَرَ مَاعِزًا أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - فيُخْبِرَهُ\". [ق ٨/ ٣٣١]\n===\nأسلم، عن يزيد بن نعيم، عن أبيه) نعيم بن هزال بفتح [الهاء و] الزاي\nالمشددة، الأسلمي، مختَلَف في صحبته، روى عن النّبيّ - ﷺ - قصة ماعز\nالأسلمي عن أبيه، ذكره ابن حبّان في \"الثقات\".\n(إن ماعزًا أتى النّبيّ - ﷺ -) وقيل: (فأقر عنده أربع مرات) بالزنا وكان محصنًا (فأمر) أي رسول الله - ﷺ - (برجمه، وقال) النّبيّ - ﷺ - (لهزال: لو سترته بثوبك كان خيرًا لك)، وكان هزال (٢) أمره بالاعتراف بالزنا عند رسول الله - ﷺ -، فقال له: لو أمرتَه بالستر لكان خيرًا.\n٤٣٧٨ - (حدّثنا محمّد بن عبيد، نا حماد بن زيد، نا يحيى، عن ابن المنكدر: أن هزالًا أمر ماعزًا أن يأتي النّبيّ - ﷺ - فيخبره) بما فعل من الزِّنا، فأخبره وأقرَّ عنده فأمر بالرجم، وقال لهزال: لو سترته.\n_________\n= عبد الحي\" ما يومئ إلى أنه لا حاجة إلى العفو عن الزوج، قلت: ويؤيد ذلك حديث العسيف، جلده - ﷺ - ولم يأمره بطلبها للعفو، وإليه أشار الشّيخ بكلامه هذا، وبه جزم الشّيخ التهانوي في \"إمداد الفتاوى\"، واستدل بحديثِ الباب وحديثِ العسيف، وخاللهم الطحطاوي على \"المراقي\" (ص ٤٤٠) في أول \"ما يفسد الصَّومَ ويوجب الكفارَة\" بأنه لا بدَّ من عفو الزوج، لكن يكفي التوراة بناءً على إبراء المجهول. (ش).\n(١) في نسخة: \"لكان\".\n(٢) أو لأن المزنية كانت أمته، ولعلّه ﵁ غضب فأفشاها، واختُلِفَ في اسمها، كما سيأتي في \"باب الرَّجْم\". (ش).","vol":"12","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1665>(٧) بَابٌ: في صَاحِبِ الْحَدِّ يَجِيءُ فَيُقِرُّ</span>\n٤٣٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا الْفِرْيَابِيُّ، نَا إسْرَائِيلُ، نَا سِمَاكُ بْنُ حَرْب، عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ، عن أَبِيهِ: \"أَنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ - ﷺ - تُرِيدُ الصَّلاةَ فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ فَتَجَلَّلَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا فَصَاحَتْ، وَانْطَلَقَ، وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ (١) فَقَالَتْ: إنَّ ذَاكَ (٢) فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، وَمَرَّتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَتْ: إنَّ ذَاكَ (٣) الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، فَانْطَلَقُوا فَأَخَذُوا الرَّجُلَ الذِي ظَنَتْ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَوْهَا بِهِ فَقَالَتْ: نَعَمْ هُوَ هَذَا، فَأَتَوا بِهِ رَسُول اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا أَمَرَ بِهِ\n===\n\n(٧) (بَابٌ: في صَاحِبِ الْحَدِّ يَجيءُ فَيُقِرُّ)\n٤٣٧٩ - (حدّثنا محمّد بن يحيى بن فارس، نا الفريابي، نا إسرائيل، نا سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه) وائل بن حجر: (إن امرأة خرجت على عهد النّبيّ - ﷺ -) إلى المسجد (تريد الصّلاة فتلقاها رجل فتجلّلها) أي تغشاها (فقضى حاجته منها) أي من الجماع (فصاحت) أي رفعت صوتها (وانطلق) أي الرَّجل الزاني (ومر عليها رجل) آخر (فقالت: إن ذاك) أي الرَّجل الآخر المارّ (فعل بي كذا وكذا) كناية عن الجماع (ومرت عصابة) أي جماعة (من المهاجرين فقالت: إن ذاك الرَّجل) وأشارت إلى الرَّجل الآخر (فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرَّجل الّذي ظَنَّتْ) أي قالت (أنه) أي الرَّجل (وقع عليها، فأتوها به) أي أتوا عندها بذلك الرَّجل الآخر وسألوها هل الّذي فعل بكِ هذا؟\n(فقالت: نعم، هو هذا، فأتوا به رسولَ الله - ﷺ -، فلما أمر به) أي بالرجل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"آخر\".\n(٢) في نسخة: \"ذلك الرَّجل\".\n(٣) في نسخة: \"ذلك\".","vol":"12","page":443},{"text":"قَامَ صَاحِبُهَا الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ؛ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا صَاحِبُهَا، فَقَالَ لَهَا: \"اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكِ\". وَقَالَ لِلرَّجُلِ (١) قَوْلًا حَسَنًا، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا: \"ارْجُمْه\"\n===\nبإقامة الحدّ عليه، وفي رواية التّرمذيّ: لِيُرْجَمَ، ولا يخفى أنه بظاهره مشكل؛ إذ لا يستقيم الأمر بالرجم من غير إقرار، ولا بينة، وقول المرأة لا يصلح لينة، بل هي الّتي تستحق أن تُحَدَّ حَدَّ القذف، فلعلّ المراد: فلما قارب أن يأمر به، وذلك قاله الراوي نظرًا إلى ظاهر الأمر حيث إنهم أحضروه في المحكمة عند الإمام، والإمام اشتغل بالتفتيش عن حاله، كذا في \"فتح الودود\".\nوكتب مولانا محمّد يحيى المِرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فلما أمر به. ... إلخ\"، الظّاهر أن الأمر لم يكن إلَّا بإخراجِه وإبعادِه، حيث رأوه اختل عقله وتشتت أمره، ولم يثبتت عليه شيء، ولم ينقح وجه القضية إِلَّا أَن صاحب الفعلة الّتي كان ارتكبها ظن انهم إنّما يذهيون به لإقامة الحدّ عليه فاعترف لظنه بذلك، وكذلك هن روى هاهنا، فلما أمر به ليرجم، إنّما زاد لفظ الرَّجْم لظنه إحاطتهم به لذلك، وإنّما كانوا حدقوا به ليبعدوه ويخرجوا من جنابه، ولكن الازدحام كثيرًا ما يمنع النظار عن أن ينكشف لهم الأمر كما هو، فظن الراوي أن الأمر قد وقع للرجم فيخرجونه لذلك، فرواه على ما زعم مع أنه لم يكن ذلك، انتهى.\n(قام صاحبها الّذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها) الّذي فعل بها تلك الفعلة (فقال لها) رسول الله - ﷺ -: (اذهبي فقد غفر الله لكِ) فإنها كانت مكرهة (وقال للرجل) البريء الّذي زعمت غلطًا أنه هو الّذي وقع عليها (قولًا حسنًا) ليجبر خاطرَه.\n(فقالوا) أي الصّحابة لرسول الله - ﷺ - (للرجل) أي في حق الرَّجل (الّذي وقع عليها: ارجمه) خطاب لحضرة النّبيّ - ﷺ -، فأمر برجمه (٢)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: يعني الرجلَ المأخوذَ\".\n(٢) ويؤيده سياق التّرمذيّ، وهو عندي وَهَم كما في هامش \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣٨٤، ٣٨٥). (ش).","vol":"12","page":444},{"text":"فَقَالَ: \"لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ\". [ت ١٤٥٤، حم ٦/ ٣٩٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرِ أَيْضًا عن سِمَاكٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1666>(٨) بَابٌ: في التَّلْقِينِ في الْحَدِّ</span>\n٤٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن أَبِي الْمُنْذِرِ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ، عن أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ:\n===\nفَرُجِمَ (فقال) رسول الله - ﷺ -: (لقد تاب توبة) وهي اعترافُه بالزناء، وتسليمُ نفسه للرجم (لو تابها أهل المدينة) أي جميعهم لمعاصيهم (لَقُبِلَ منهم).\n(قال أبو داود: ورواه أسباط بن نصر (١) أيضًا عن سماك)، كما رواه إسرائيل عن سماك.\n\n(٨) (بَابٌ: في التَّلْقِينِ في الْحَدِّ)\nوهو التكلم بكلمة عند الجاني فيفهم منه الإنكار عن الحدّ، فينكره، وهذا التلقين مستحب لدرء الحدّ لا لإسقاط حق المسروق منه، فيعطى له حقه وإن اندرأ الحدّ\n٤٣٨٠ - (حدّثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبي المنذر مولى أبي ذر) الغفاري، قال في \"التقريب\": مقبول (عن أبي أمية المخزومي) ويقال: الأنصارى، حجازي، لم يختلف على حماد بن سلمة أنه مخزومي، والذي قال: من الأنصار، همام بن يحيى، صحابي، له حديث واحد.\n_________\n(١) أخرج روايته النَّسائيُّ في \"الكبرى\" (٧٣١١)، والطبراني (٢٢/ ١٥) رقم (١٨).","vol":"12","page":445},{"text":"أَنَّ النَّبِيَّ (١) - ﷺ - أُتِيَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ\" قَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ: \"اسْتَغْفِرِ اللهِ وَتُبْ إلَيْهِ\"، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فَقَالَ: \"اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ - ثَلَاثًا -\". [ن ٤٨٧٧، جه ٢٥٩٧، حم ٥/ ٢٩٣، دي ٢٣٠٧]\n===\n(أن النبي - ﷺ - أتي بلصٍّ قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله - ﷺ -: ما إخالك) (٢) أي ما أظنك (سرقتَ) قيل: أراد بذلك النّبيّ - ﷺ - تلقينَ الرجوع عن الاعتراف، وللإمام ذلك في السارق إذا اعترف، كما تشير إليه ترجمة المصنِّف، ومن لا يقول به يقول: لعلّه ظن بالمعترف غفلة عن معنى السّرقة وأحكامها، أو لأنه استبعد اعترافه بذلك لأنه ما وجد معه متاع، كذا في السندي (٣) على \"النسائي\".\n(قال: بلى) أي سرقتُ (فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع) يده، (وجيء به) بعد القطع (فقال) رسول الله - ﷺ -: (استغفر الله وتب إليه، فقال) الرَّجل: (أستغفر الله وأتوب إليه)، وهذا يدلُّ على أن (٤) الحدّ ليس بكفارة للذنوب، والكفارة هي التوبة (فقال) - ﷺ -: (اللهُمَّ تب عليه، - ثلاثًا-).\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) قال القاري في \"المرقاة\" (٧/ ٢٠٠): بكسر الهمزة وفتحها، والكسر هو الأفصح، وأصله الفتح، قلبت الفتحة بالكسرة على خلاف القياس، ولا يفتح همزتها إِلَّا بنو أسدّ، فإنهم يجرونها على القياس.\n(٣) انظر: \"حاشية السسندي على سنن النسائي\" ح (٤٨٧٧).\n(٤) قال القاري (١/ ١٧٥) في حديث عبادة: \"من أصاب من ذلك شيئًا فعُوقب في الدنيا فهو كفارة\": ومنه أخذ أكثر العلماء أن الحدود كفارات، وحديث: \"لا أدري الحدود كفارات أم لا\"؟ قبل العلم بذلك. اهـ. وذكر العيني (١/ ٢٤٠ وما بعدها) مؤيدات لحديث عبادة أن الحدود كفارات، قلت: ويؤيد الحنفيةَ حديثُ الباب، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ ...﴾ الآية، ففيها عذاب الآخرة مع عذاب الدنيا، ولذا اضطر صاحب \"تفسير الجمل\" (١/ ٤٨٧) بتأويل الآية بالكافر، أو بمن لم يقم عليه الحدّ. (ش).","vol":"12","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال في \"فتح القدير\" (١): قوله: يجب القطع بإقراره مرّة واحدة عند أبي حنيفة، ومحمد، ومالك، والشّافعيّ، وأكثرِ علماء هذه الأمة، وقال أبو يوسف: لا يقطع إِلَّا بإقرار مرتين، وهو قول أحمد، وابن أبي ليلى، وزفر، وابن شبرمة، وروي عن أبي يوسف اشتراط كون الإقرارين في المجلسين.\nاستدلوا بالمنقول والمعنى.\nأما المنقول فما روى أبو داود، عن أبي أمية المخزومي، \"أنه ﵊ أتي بلص قد اعترف، ولم يوجد معه متاع، فقال - ﷺ -: ما إخالك سرقت، فقال: بلى يا رسول الله! فأعادها ﵇ مرتين أو ثلاثًا فأمر به فقطع\"، فلم يقطعه إِلَّا بعد تكرار إقراره.\nوأسند الطحاوي (٢) إلى علي - ﵁ -: أن رجلًا أقر عنده بسرقة مرتين، فقال: قد شهدت على نفسك شهادتين فأمر به فقطع، فعلقها في عنقه.\nوأمّا المعنى: فإلحاق الإقرار بها بالشهادة عليها في العدد، فيقال: حَدَّ، فيُعتبرُ عدد الإقرار به بعدد الشهود، نظيره إلحاق الإقرار في حد الزِّنا في العدد بالشهادة فيه.\nولأبي حنيفة ما أسنده الطحاوي (٣) إلى أبي هريرة في هذا الحديث، \"قالوا: يا رسول الله! إن هذا سرق، فقال: ما إخاله سرق، فقال السارق: بلى، يا رسول الله! قال: اذهبوا به فاقطعوه، ثمّ احسموه، ثمّ ائتوني به، قال: فذهب به فقُطع، ثمّ حُسم، ثمّ أُتي به إلى رسول الله - ﷺ - فقال: تب إلى الله ﷿، فقال: تبت إلى الله -﷿-، فقال: تاب الله عليك\". فقد قطعه بإقراره مرّة.\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٥/ ٣٤٧).\n(٢) في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٧٠) موقوفًا عليه ﵁.\n(٣) المصدر السابق (٣/ ١٦٨)، و\"سنن البيهقي\" (٨/ ٢٧٦).","vol":"12","page":447},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، عن هَمَّامٍ، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: عن أَبِي أُمَيَّةَ - رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1667>(٩) بَابٌ في الرَّجُلِ يَعْتَرِفُ بِحَدٍّ وَلَا يُسَمِّيهِ</span>\n٤٣٨١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عُمَرُ (٢) بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عن الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ: \"أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ (٣) - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ\n===\nوأمّا المعنى فمعارض بحد القذف؛ والقصاص، وهو وإن لم يكن حدًّا فهو في معناه من حيث إنّه عقوبة، هكذ! ظهر الموجب مرّة، فيكتفي به كالقصاص وحد القذف.\nتم قال (٤): وباب الرجوع في حق الحدّ لا ينتفي بالتكرار، فله أن يرجع يعد التكرار فيقبل في الحدود، ولا يصح في المال رجوعه بوجه؛ لأن صاحب المال يكذبه.\n(قال أبو داود: رواه عمرو بن عاصم، عن همام) بن يحيى، (عن إسحاق بن عبد الله قال: عن أبي أمية - رجلِ من الأنصار -، عن النّبيّ - ﷺ -).\n\n(٩) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَعْتَرِفُ بِحَدٍّ وَلَا يُسَمِّيهِ)، أي: لا يعيِّنه\n٤٣٨١ - (حدّثنا محمود بن خالد، ثا عمر بن عبد الواحد؛ عن الأوزاعي قال: حدثني أبو عمار قال: حدثني أبو أمامة: أن رجلًا أتى رسولَ الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إنِّي أصبت حدًّا) ولم يعين ما يوجب الحدّ (فأقمه عليَّ،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"نحوه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٣) في نسخة بدله: \"النّبيّ\".\n(٤) القائل: ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٥/ ٣٤٧).","vol":"12","page":448},{"text":"قَالَ: \"تَوَضَّأْتَ حِينَ أَقْبَلْتَ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"هَلْ صَلَّيْتَ مَعَنَا حِينَ صَلَّيْنَا؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"اذْهَبْ فَإنَّ الله قَدْ عَفَا عَنْكَ\". [م ٢٧٦٥، حم ٥/ ٢٦٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>(١٠) بَابٌ في الامْتِحَانِ بِالضَّرْبِ</span>\n٤٣٨٢ - حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا بَقِيَّةُ، نَا صَفْوَانُ، نَا أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ الله الْحَرَازِيُّ:\n===\nقال: توضأت حين أقبلتَ؟ قال: نعم، قال: هل صلَّيت معنا حين صلَّينا؟ قال: نعم، قال: اذهب فإن الله قد عما عنك) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)\nقال في \"مرقاة الصعود\": قال العلماء: هذا الرَّجل لم يفصح بما يوجب الحدّ، ولعلّه كان بعضَ الصغائر، فظن بأنه يوجب الحدّ عليه، فلم يكشفه عند رسول الله - ﷺ -، ولعلّه - ﷺ - علم بالوحي أن ما فعله هو من صغائر الذنوب فقال فيه ما قال.\nوقال الخطابي، وجزم النووي وجماعة أن الذنب الّذي فعله كان من الصغائر بدليل قوله: إنّه كفَّرته الصّلاة، يناء على أن الّذي تكفره الصّلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر.\n\n(١٥) (بَابٌ في الامْتِحَانِ بِالضَّرْبِ) لتفتيش الجناية\n٤٣٨٢ - (حدّثنا عبد الوهّاب بن نجدة، نا بقية، نا صفوان، نا أزهر بن عبد الله) بن جميع (الحَرازي) الحمصي، ويقال: أزهر بن سعيد، قال البخاري: أزهر بن عبد الله، وأزهر بن سعيد، وأزهر بن يزيد واحد، نسبوه مرّة مرادي، ومرة هَوْزني، ومرة حرازي، ووافقه جماعة على ذلك، وفرق ابن حبّان في \"الثقات\" بين أزهر بن سعيد، وأزهر بن عبس الله، ثمّ ذكر أزهر بن عبد الله الراوي عن تميم، وعنه الخليل بن مرّة؛ وقال: إن لم يكن هو الحرازي فلا أدري\n_________\n(١) سورة هود: الآية ١١٤.","vol":"12","page":449},{"text":"\"أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْكَلَاعِيِّينَ سُرِقَ لَهُمْ مَتَاعٌ، فَاتَّهَمُوا أُنَاسًا مِنَ الْحَاكَةِ، فَأَتَوا النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَأَتَوُا النُّعْمَانَ فَقَالوا: خَلَّيْتَ (١) سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا امْتِحَانِ.\nفَقَالَ النُّعْمَانُ (٢): مَا شِئْتُمْ، إنْ شِئْتُمْ أنْ أَضْرِبَهُمْ، فَإنْ خَرَجَ مَتَاعُكُمْ فَذَاكَ (٣)، وَإلَّا أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَ مَا أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِهِم. فَقَالُوا: هَذَا حُكْمُكَ؟ فَقَالَ: هَذَا حُكْمُ اللهِ، وَحُكْمُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -\" (٤). [ن ٤٨٧٤]\n===\nمن هو؟ ثمّ ذكر أزهر بن عبد الله قال: كنت في الخيل الذين سبوا أنسَ بنَ مالك، وأخرج ذلك بسنده من طريق عبد الله بن سالم الأشعري عنه، فجعل الواحد أربعة، وقد قال ابن أبي داود في \"كتاب الضعفاء\": كان يسب عليًّا، وقال أبو داود: إنِّي أبغض أزهر الحرازي، وذكر ابن الجوزي عن الأزدي قال: يتكلمون فيه، قلت: لم يتكلموا إِلَّا في مذهبه، وقد وثقه العجلي.\n(أن قومًا من الكلاعبين سُرِقَ لهم متاع، فاتهموا أناسًا من الحاكة) جمع حائك، وهو من ينسج الثوب (فأتوا) أي الكلاعيون (النعمانَ بنَ بشير صاحب النّبيّ - ﷺ -) وكان أميرًا على الكوفة (فحبسهم) أي الحاكة (أيامًا ثمّ خلى سبيلَهم، فأتوا) أي الكلاعيون (النعمانَ فقالوا) له: (خليتَ سبيلَهم) أي سبيل الحاكة (بغير ضرب ولا امتحان، فقال النعمان: ما شئتم) أي اختاروا أي شيء شئتم (إن شئتم أن أضربهم) فأضربهم (فإن خرج) بالضرب (متاعُكم فذاك) أي فمتاعكم لكم (وإلَّا) أي وإن لم يخرج من الضرب شيء (أخذتُ من ظهوركم مثلَ ما أخذت من ظهورهم) أي قصاصًا (فقالوا: هذا حكمك؟) أي: أهذا حكمك؟ (فقال: هذا حكم الله وحكم رسول الله - ﷺ -).\n_________\n(١) في نسخة: \"أخليت\".\n(٢) في نسخة: \"النعمان بن ثير\".\n(٣) في نسخة: \"فذلك\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: إنّما أرهبهم بهذا القول، أي: لا يجب الضرب إِلَّا بعد الاعتراف\".","vol":"12","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1669>(١١) بَابُ مَا يُقَطَعُ فِيهِ السَّارِقُ</span>\n٤٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ،\n===\nقال السندي (١) على النسائي: ونقل عن أبي داود في بعض نسخ السنن أنه قال: \"إنّما أرهبهم بهذا القول، أي لا أحب الضربَ إِلَّا بعد الاعتراف\"، قلت: كنى به أنه لا يحل (٢) ضربهم، فإنّه لو جاز لجاز ضربكم أيضًا قصاصًا، انتهى.\nقلت: معنى قوله في النسخة: \"وإنّما أرهبهم بهذا القول\" أي هَدَّدَ النعمانُ الكلاعيين بهذا القول: \"إن شئتم أن أضربهم\"، قلت: هذا ظاهر؛ لأنه لو ضرب الإمام لكان الإمام واسطةَ للضرب وذريعةً له، فكان الضارب حقيقة الكلاعيون فيؤخذ منهم، وأمّا قوله: \"أي لا يجب الضرب إِلَّا بعد الاعتراف\"، وفي حاشية النسائي: \"لا أحب الضرب إِلَّا بعد الاعتراف\" فلا معنى له؛ لأنه إذا اعترف السارق يقطع يده فلا معنى للضرب.\nوكتب مولانا محمّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"هذا حكم الله ... إلخ\"، إِلَّا أن العلماء جَوَّزوا في أيامنا هذه الامتحانَ بالضرب (٣)، وبما شاء من التهديد؛ لما رأوا من تفويت الحقوق وإتلافِها لولا ذلك، وكان فيما مضى من الزّمان يُكتفى باليسير من التهديد في اعتراف السارق بما أخذ.\n\n(١١) (بَابُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ) (٤)\n٤٣٨٣ - (حدّثنا أحمد بن محمّد بن حنبل، نا سفيان،\n_________\n(١) راجع: \"سنن النسائي\" بحاشية السندي (٨/ ٦٦) ح (٤٨٧٤).\n(٢) وفيه تفصيل عند الحنفية من أن المعروف بالبر لا يحبس ولا يعاقب، وهل يحلف؟ فيه قولان، والمستور يحبس، والمعروف بالفسق يعاقب. \"الشامي\" (٦/ ١٤٧).\n(٣) صرَّح بذلك في \"الدر المختار\" (٦/ ١٤٧). (ش).\n(٤) وتتوقف براءة السارق على رد المسروق، كذا في \"الفتح\" (١٢/ ٨٥) ح (٦٧٨٤). (ش).","vol":"12","page":451},{"text":"عن الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْطَعُ في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا\". [خ ٦٧٨٩، م ١٦٨٤، ت ٦٤٤٥، ن ٤٩١٨، جه ٢٥٨٥، حم ٦/ ٣٦]\n٤٣٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَوَهْبُ بْنُ بَيَانٍ قَالَا: نَا. (ح): وَنَا ابْنُ السَّرْحِ قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا\". [خ ٦٧٩٠، م ١٦٨٤، ت ١٤٤٥، ن ٤٩١٧، حم ٦/ ١٦٣]\nقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: الْقَطْعُ في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.\n٤٣٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا مَالِكٌ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَطَعَ في مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ\". [خ ٦٧٩٥، م ١٦٨٦، ن ٤٩٠٨، حم ٢/ ٨٠]\n===\nعن الزهري، قال) سفيان: (سمعته) أي الحديثَ (منه) أي عن الزهري، وهو يروي (عن عمرة، عن عائشة: أن النّبيّ - ﷺ - كان يقطع في ربع دينار فصاعدًا).\n٤٣٨٤ - (حدّثنا أحمد بن صالح ووهب بن بيان قالا: نا، ح: ونا ابن السرح قال: نا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة، عن النّبيّ - ﷺ - قال: تُقطَع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا، قال أحمد بن صالح: القطع في ربع دينار فصاعدًا).\nاختلف لفظ أحمد بن صالح، ووهب، وابن السرح، فلفظ وهب وابن السرح كان ما تقدّم في الحديث بلفظ \"تقطع\" بصيغة المضارع المجهول، ولفظ أحمد بن صالح: القطع بلفظ المصدر المعرف باللام.\n٤٣٨٥ - (حدّثنا عبد الله بن مسلمة، نا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قطع في مجن) يكسر ميم، وفتح جيم: هو الترس؛ لأنه يواري حامله (ثمنه ثلاثة دراهم).","vol":"12","page":452},{"text":"٤٣٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ سَرَقَ تُرْسًا مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ، ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ\". [م ١٦٨٦، ن ٤٩٠٩، حم ٢/ ١٤٥، دي ٢٣٠٥]\n٤٣٨٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ أَتَمُّ، قَالَا: نَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عن عَطَاءٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"قَطَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَ رَجُلٍ في مِجَنِّ قِيمَتُهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَسَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى، عن ابْنِ إسْحَاقَ، بِإسْنَادِهِ.\n===\n٤٣٨٦ - (حدّثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزّاق، أنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، أن نافعًا مولى عبد الله بن عمر حدثه، أن عبد الله بن عمر) - ﵄ - (حدثهم: أن النّبيّ - ﷺ - قطع يد رجل سرق ترسًا من صُفَّة النِّساء)، لعلّه موضع في المسجد مظلل للنساء يصلين فيه، كالصِّفَة للفقراء المهاجرين (ثمنه) أي ثمن الترس (ثلاثة دراهم).\n٤٣٨٧ - (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن أبي السري العسقلاني، وهذا لفظه، وهو أتم، قالا: نا ابن نمير، عن محمّد بن إسحاق، عن أَيّوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عبّاس قال: قطع رسول الله - ﷺ - يدَ رجلٍ في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم).\n(قال أبو داود: رواه محمّد بن سلمة (١)، وسعدان بن يحيى (٢)، عن ابن إسحاق، بإسناده) أي بإسناد ابن إسحاق هذا الحديث.\n_________\n(١) أخرج روايته النسائي (٨/ ٨٣).\n(٢) لم أقف على روايته.","vol":"12","page":453},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواختلف أهل العلم في قدر ما تقطع به يد السارق، فذهب الجمهور (١) إلى أن يقطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار، واختلفوا فيما يقوَّم به ما كان من غير الذهب والفضة، فذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يكون التقويم بالدراهم لا بربع الدّينار إذا كان الصّرف مختلفًا، وقال الشّافعيّ: الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب؛ لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها، قال: إن ثلاثة دراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع.\nوذهب العترة، وأبو حنيفة، وأصحابه، وسائر فقهاء العراق إلى أن النصاب الموجب للقطع هو عشرة دراهم، ولا قطع في أقل من ذلك.\nوالمذهب الثّالث نقله عياض عن النخعي أنه لا يجب القطع إِلَّا في أربعة دنانير أو أربعين درهمًا.\nوالمذهب الرّابع حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه يقطع في درهمين.\nالمذهب الخامس أربعة دراهم، نقله ابن المنذر عن أبي هريرة وأبي سعيد.\nالمذهب السّادس ثلاثة دنانير، رواه ابن المنذر عن ابن الباقر.\nالمذهب السابع يقطع في خمسة دراهم، حكاه في \"البحر\" عن الناصر والنخعي، وروي عن ابن شبرمة وهو مروي عن ابن أبي ليلى، والحسن البصري.\nالمذهب الثّامن دينار أو ما بلغ قيمته، رواه ابن المنذر عن النخعي، وحكاه ابن حزم عن طائفة.\n_________\n(١) راجع: \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥٧٧، ٥٧٨).","vol":"12","page":454},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالمذهب التاسع ربع دينار من الذهب ومن غيره في القليل والكثير، وإليه ذهب ابن حزم، ونقل نحوه ابن عبد البرّ.\nالمذهب العاشر أنه يثبت القطع في القليل والكثير، حكاه في \"البحر\" عن الحسن البصري، وداود، والخوارج.\nالحادي عشر أنه يثبت القطع في درهم فصاعدًا لا دونه، حكاه في \"البحر\" عن البتي (١)، وروي عن ربيعة.\nهذه جملة المذاهب المذكورة في المسألة، وقد جعلها في \"الفتح\" (٢) عشرين مذهبًا، لكن البقية على ما ذكرنا لا يصلح جعلها مذاهب مستقلة لرجوعها إلى ما حكيناه، ملخص ما في \"النبل\".\nقلت: واستدل الجمهور بأوائل حديث الباب، واستدل الإمام أبو حنيفة وأصحابه وآخرون بآخر حديث الباب، وهو حديث ابن عبّاس، واستدل الطحاوي (٣) لهم بحديث أيمن الحبشي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن المجن\"، وفي رواية عن أم أيمن قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يقطع يد السارق إِلَّا في حجفةٍ\"، وقُوِّمت يومئذ على عهد رسول الله - ﷺ - دينارًا أو عشرة دراهم.\nقال الطحاوي: فلما اختُلِفَ في قيمة المجن الّذي قطع فيه رسولُ الله - ﷺ - احتيط في ذلك، فلم يُقطَع إِلَّا فيما أجمع أن فيه وفاء بقيمة المجن الّتي جعلها رسول الله - ﷺ - مقدارًا لا يقطع فيما هو أقل منها، وهي عشرة دراهم.\nقال: وأمّا احتجاجهم بحديث عائشة - ﵂ - قالت: \"كان\n_________\n(١) في الأصل: \"عن النّبيّ - ﷺ -\"، وهو تحريف، والتصويب من \"النيل\" (٤/ ٥٧٨).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٦، ١٠٧).\n(٣) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٦٣، ١٦٤).","vol":"12","page":455},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرسول الله - ﷺ - يقطع في ربع الدّينار فصاعدًا\"، قيل لهم: ليسِ فيه حجة؛ لأن عائشة - ﵂ - إنّما أخبرت عما قطع فيه رسول الله - ﷺ -، فيحتمل أن يكون ذلك لأنها قَوَّمَتْ ما قطع فيه، فكانت قيمته عندها ربع دينار، فجعلت ذلك مقدارَ ما كان النّبيّ - ﷺ - يقطع فيه.\nوأمّا احتجاجهم بحديث عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يُقطَع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا\"، فهذا الحكم إنّما أخذت ذلك عن رسول الله - ﷺ - بما وقفها عليه رسول الله - ﷺ -، لا من جهة تقويمها.\nقيل لهم: هذا كما ذكرتم لو لم يختلف في ذلك عنها، فقد روى ابن عيينة، عن الزّهريّ، عن عمرة، عن عائشة - ﵂ - ما قد ذكرناه في الفصل الّذي قبل هذا الفصل فكان ذلك إخبارًا منها عن فعل النّبيّ - ﷺ - لا عن قوله، ويونس بن يزيد عندكم لا يقارب ابنَ عيينة، فكيف تحتجُّون بما روى، وَتَدَعون ما روى ابن عيينة؟\nوأجاب عنه الحافظ في \"الفتح\" (١) بأن نقل الطحاوي عن المحدثين أنهم يقدِّمون أبنَ عيينة في الزّهريُّ على يونس فليس متفَقًا عليه عندهم، بل أكثرهم على العكس، وممن جزم بتقديم يونس على سفيان في الزّهريُّ: يحيى بن معين، وأحمد بن صالح المصري، انتهى.\nورده العيني (٢) فقال: قلت: سفيان إمام عالم ورع زاهد حجة ثبت مجمع على صحة حديثه، وكيف يقارنه يونُس بنُ يزيد، وقد قال ابن سعد: كان يونس حلوَ الحديث وكثيرَه، ليس بحجة، وربما جاء بالشيء المنكر.\nفقالوا (٣): قد روي أيضًا عن عمرة عن عائشة - وضي الله عنها -،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٢).\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١٦/ ٧٣).\n(٣) نقله من \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٦٤).","vol":"12","page":456},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوهو ما روى مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن عمرة؛ عن عائشة -﵂ - أنها قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تُقْطَع يد السارق إِلَّا في ربع دينار فصاعدًا\"، قيل لهم: كيف تحتجون بهذا وأنتم تزعمون أن مخرمة لم يسمع من أبيه حرفًا فهو مرسل، وأنتم لا تقبلونه؟ وقد أطال الكلام بما في نقله طول لا يسعه المقام.\nوقال الكاساني في \"البدائع\" (١) ولنا ما روى محمّد في \"الكتاب\" بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عنه - ﷺ -: \"أنه كان لا يقطع إِلَّا في ثمن مجن\"، وهو يومئذ يساوي عشرةَ دراهم. وفي رواية عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -. \"لا قطع فيما دون عشرة دراهم\".\nوعن ابن مسعود - ﵁ -، عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: \"لا تُقطَع اليد إلَا في دينار، أو في عشرة دراهم\"، وعن ابن عبّاس - ﵄-، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لا يقطع السارق إِلَّا في ثمن المجن\"، وكان يقوَّم يومئذ بعشرة دراهم؛ وعن ابن أم أيمن أنه قال: \"ما قطِعَتْ يد على عهد رسول الله - ﷺ - إِلَّا في ثمن المجن، وكان يساوي يومئذ عشرة دراهم\".\nوذكر محمّد في \"الأصل\": أن سيدنا عمر - ﵁ - أمر بقطع يدِ سارقِ ثوبٍ بلغت قيمته عشرةَ دراهم، فمر به سيدنا عثمان - ﵁ - فقال: إن هذا لا يساوي إِلَّا ثمانية، فَدَرَأَ سيدُنا عمرُ -﵁ - القطعَ عنه، وعن سيدِنا عمر، وسيدِنا عثمان، وسيدِنا علي، وابنِ مسعود - ﵃ - مثل مذهبنا، والأصل أن الإجماع انعقد على وجوب القطع في العشرة، وفيما دونه العشرة اختلف العلماء لاختلاف الأحاديث، فوقع الاحتمال في وجوب القطع فلا يجب مع الاحتمال، انتهى.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٥).","vol":"12","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1670>(١٢) بَابُ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ</span>\n٤٣٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عن يَحْيَى بْنِ سعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ: أَنَّ عَبْدًا سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ، فَغَرَسَهُ في حَائِطِ سَيِّدِهِ، فَخَرَجَ صَاحِبُ الْوَدِيِّ يَلْتَمِسُ وَدِيَّهُ فَوَجَدَهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ (١) مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ، فَسَجَنَ مَرْوَانُ الْعَبْدَ، وَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ، فَانْطَلقَ سَيِّدُ الْعَبْدِ إلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيْجٍ فَسَأَلَهُ عن ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ\".\n===\n\n(١٢) (بَابُ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ)\n٤٣٨٨ - (حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن محمّد بن يحيى بن حبّان، أن عبدًا) أسود لواسع بن حبّان عم محمّد بن يحيى، واسم العبد \"فيل\" كما في \"التمهيد\" (٢)، وهو بلفظ الحيوان المذكور في القرآن (سرقَ وَدِيَّا) بفتح الواو، وكسرِ الدال المهملة، أي نخلًا صغارًا (من حائط رجل) لم بسم، وفي رواية: من أرض جار له (فغرسه في حائط سيده، فخرج صاحب الودي يلتمس وفيه فوجده) في حائط جاره (فاستعدى) أي استغاث (على العبد مروانَ بنَ الحكم، وهو أمير المدينة يومئذ) من جهة معاوية (فسجن مروانُ العبدَ، وأراد قطعَ يده، فانطلق سيد العبد) وهو واسع بن حبّان (إلى رافع بن خديج، فسأله عن ذلك، فأخبره) أي أخبر رافع واسعًا (أنه سمع رسولَ الله - ﷺ - يقول: لا قطع) جائز (في ثمر) معلَّق على الشجر قبل أن يُجَذّ (٣) ويُحْرَز (ولا) في (كَثَر) والكثر الجُمّار بجيم مضمومة، وميم\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى مروان\".\n(٢) \"التمهيد\" لابن عبد البرّ (١٤/ ١١٢)، ونقله الشّيخ من \"شرح الزرقاني على الموطَّأ\" (٤/ ١٦٣).\n(٣) من الجَذِّ، وهو القطع وفصل الشيء عن الشيء، كما في \"ترتيب القاموس المحيط\" (١/ ٤٦١)، وانظر أيضًا: \"معالم السنن\" (٣/ ٣٠٤).","vol":"12","page":458},{"text":"فَقَالَ الرَّجُلُ: إن مَرْوَانَ أَخَذَ غُلَامِي، وَهُوَ يُرِيدُ قَطْعَ يَدهِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَمْشِيَ مَعِي إلَيْهِ، فَتُخْبِرَهُ بِالَّذِي سَمِعْتَ (١) مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَمَشَى مَعَهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ حَتَّى أَتَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَم، فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كَثرٍ\"، فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِالْعَبْدِ فَأُرْسِلَ. [ت ١٤٤٩، ن ٤٩٦٠، جه ٢٥٩٣، حم ٣/ ٤٦٤، دي ٢٣١١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْكَثَرُ: الْجُمَّارُ.\n===\nثقيلة، أي جُمَّار النخل، وهو شحمه الّذي يخرج به الكافور، وهو وعاء الطلع من جوفه، سمي جُمَّارًا وكَثَرًا لأنه أصل الكوافير، وحيث تجتمع وتكثر.\n(فقال الرَّجل) أي سيد العبد: (إن مروان أخذ غلامي، وهو يريد قطع يده، وأنا أحب أن تمشي معي إليه، فتخبره بالذي سمعتَ من رسول الله - ﷺ -، فمشى معه رافعُ بنُ خديج حتّى أتى مروانَ بنَ الحكم) فقال: أخذتَ غلامًا لهذا؛ قال: نعم، أخذته، قال: ما أنت صانع به؟ قال: أردت قطعَ يده؛ لأنه سرق، كذا في رواية \"الموطَّأ\".\n(فقال له) أي لمروان (رافع: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا قطع في ثمر ولا كثر) زاد التّرمذيّ وغيره: إِلَّا ما آواه الجرين (فأمر مروان بالعبد فأُرسِل) أي أطلق من السجن بعد أن ضربه، ففي رواية شعبة: ضربه (٢) وحبسه.\n(قال أبو داود: الكَثَر الجمار) وقال أبو عمر (٣): هذا حديث منقطع؛ لأن محمدًا لم يسمعه من رافع، وتابع مالكًا عليه سفيان الثّوريّ، والحمادان، وأبو عوانة، ويزيد بن هارون، وغيرهم، ورواه ابن عيينة عن يحيى،\n_________\n(١) وفي نسخة: \"سمعته\".\n(٢) ذكره في \"التمهيد\" (١٤/ ١٢١).\n(٣) انظر المصدر السابق (١٤/ ١١٩).","vol":"12","page":459},{"text":"٤٣٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، بْنِ حَبَّانَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: \"فَجَلَدَهُ مَرْوَانُ جَلَدَاتٍ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ\". [انظر ما قبله]\n٤٣٩٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ:\n===\nعن محمّد، عن عمه واسع، عن رافع، وكذا رواه حماد بن دليل المدائني، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد به، فإن صح هذا فهو متصل مسند صحيح.\nوأخرج الحديث أحمد، والأربعة، وصححه ابن حبّان من طرق عن مالك وغيره، كلها عن يحيى بن سعيد، قال ابن العربي: فإن كان فيه كلام فلا يلتفت إليه، وقال الطحاوي: تلقت الأمة متنَه بالقبول، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود، ومن حديث أبي هريرة عند ابن ماجه، وإسناد كلّ منهما صحيح، قاله الزرقاني (١).\nوكتب مولانا محمّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"لا قطع في ثمر\" أثبت الحكم في الودِيّ مقايسة، والجامع عدمُ الإحراز، أو كونُه بما يتسارع إليه الفسادُ، أو كونُه تافهًا.\n٤٣٨٩ - (حدثنا محمد بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ، نَا يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، بْنِ حَبَّانَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فَجَلَدَهُ مَرْوَانُ جَلَدَاتٍ).أي تعزيرًا وتأديبًا (وخلى سبيله).\n٤٣٩٠ - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ) أي على الشجر، أو القنو المعقَق للجفاف (فقال:\n_________\n(١) \"شرح الزرقاني على الموطَّأ\" (٤/ ١٦٤).","vol":"12","page":460},{"text":"\"مَنْ (١) أَصَابَ بِفِيهِ (٢) مِنْ ذِى حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ (٣) وَالْعُقُوبَةُ. وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ\" (٤) (٥). [ن ٤٩٥٨، ت ١٢٨٩، جه ٢٥٩٦، حم ٢/ ١٨٠]\n===\nمن أصاب بفيه من ذي حاجة) أي أكل منه في سغبه (غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً) أي من غير أن يخفي منها شيئًا في ثوبه (فلا شيء عليه) أي ليس عليه غرامة؛ لأنه كان إذ ذاك مباحًا من الملاك (ومن خرج بشيءٍ منه فعليه غرامةُ مثليه والعقوبةُ) أي التعزير لا الحدّ. (وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤوِيَهُ الْجَرِينُ) وهو البيدر، أي بعد ما دخل في الحرز (فبلغ ثمنَ المجن فعليه القطع).\nوزاد في نسخة: (ومن سرق دون ذلك فعليه غرامةُ مثليه والعقوبة. قال أبو داود: والجرين الجوخان).\nوفي \"القاموس\": الجوخان الجرين. قال الخطابي (٦): والجرين البيدر، وهو حرز الثمار، وما كان في مثل معناها، كما كان المراح حرز الغنم، وإنّما تحرز الأشياء على حسب الإمكانِ فيها وجريانِ العادة من النَّاس في مثلها، ويشبه أن يكون إنّما أباح لذي الحاجة الأكلَ (٧) منه؛ لأن في المال من (٨) العشر، فإذا أدته الضّرورة إليه أكل منه، وكان محسوبًا لصاحبه مما عليه من\n_________\n(١) في نسخة: \"ما\".\n(٢) في نسخة: \"منه\".\n(٣) في نسخة: \"مثله\".\n(٤) زاد في نسخة: \"وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْجَرِينُ الْجُوخَانُ\"، [وسئل عن اللقطة فقال: \"ما كان منها في طريق الميِّتاء والقرية الجامعة، وساق الحديث].\n(٥) زاد في نسخة: \"آخر الجزء السابع والعشرين، أول الجزء الثّامن والعشرين من تجزئة الخطيب\".\n(٦) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٠٥).\n(٧) كذا في \"معالم السنن\"، وفي الأصل: \"الأوَّلَ\"، وهو تحريف.\n(٨) كذا في الأصل، وهو تحريف، وصوابه ما في \"المعالم\": حَقُّ العشر.","vol":"12","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1671>(١٣) بَابُ الْقَطْعِ في الْخُلْسَةِ وَالْخِيَانَةِ</span>\n٤٣٩١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \"لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ، وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا\". [ت ١٤٤٨، ن ٤٩٧١، جه ٣٩٣٥، حم ٣/ ٣٨٠، دي ٢٣١٤]\n٤٣٩٢ - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \"لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ\". [انظر مَا قبله]\n===\nالصَّدقة، وصارت يده في التقدير كيد صاحبها لأجل الضرورة، فأمّا إذا تحمَّل منه في ثوب أو نحوه، فإن ذلك ليس من باب الضّرورة، وإنّما هو من باب الاستحلال فيغرم ويعاقب، إِلَّا أنه لا يقطع لعدم الحرز.\nومضاعفةُ الغرامة نوع من الردع والتنكيل، وقد قال به غير واحد من الفقهاء، وقد بُيِّنَ أقوالُهم في ذلك في كتاب الزَّكاة، انتهى.\nوكتب مولانا محمّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فعليه غرامة مثليه\"، وليس فيه قطع لما ذكرنا آنفًا من أنه ليس من الحرز، والغرامة المالية كانت في بداية الإسلام وقد نُسِخَتْ، فبقي مجرد الضمان.\n\n(١٣) (بَابُ الْقَطعِ في الْخُلْسَةِ)، وهو ما يؤخذ بالسرعة سلبًا ومكابرة (وَالْخِيَانةِ) وهي الأخذ بما في يده على وجه الأمانة\n٤٣٩١ - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ (١) أَبُو الزُّبَيْرِ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \"لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ) والنهب أخذُ الشيء على وجه العلانيّة والقهر (قَطْعٌ، وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا).\n٤٣٩٢ - (وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ)\n_________\n(١) وبهذا السند أخرجه أحمد (٣/ ٣٨٠). (ش).","vol":"12","page":462},{"text":"٤٣٩٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ زَادَ: \"وَلَا عَلَى الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَمْ يَسْمَعْهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ عن أَبِي الزُّبَيْرِ، وَبَلَغَنِي عن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا سَمِعَهُمَا ابْنُ جُرَيْر مِنْ يَاسِينَ الزَّيَاتِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَواهُمَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ،\n===\nووجه عدم القطع فيهما لأن القطع ثبت بالنص في السّرقة، والانتهابُ والاختلاسُ والخيانةُ ليست بسرقة؛ لأن في الانتهاب ليس الأخذ خفية، وفي الخيانة ليس الأخذ من الحرز.\nوقال مولانا محمّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": ولعلّ الوجهُ في ذلك - والله أعلم - أن الزجر إنّما يفتقر إليه في الردع عما يخاف شيوعُه من الفواحش والجنايات، ولا كذلك الخلسة والخيانة؛ لأن حضورَ المالك وعلمَه بصاحبه يمنعان عن الإقدام عليهما، فلا يكاد يتبادر إليهما إِلَّا من كان نهاية في الوقاحة والخمول، إذ لو كان معروفًا لخاف على نفسه أن يؤخَذَ، نعم يعزر فيهما ما رأى الحاكم.\n٤٣٩٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ، زَادَ: وَلَا عَلَى الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ).\n(قال أبو داود: وهذان الحديثان لم يسمعهما ابن جريج عن أبي الزُّبير، وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه قال: إنّما سمعهما ابن جريج من ياسين الزيات) (١).\n(قال أبو داود: وقد رواهما المغيرة بن مسلم، عن أبي الزُّبير،\n_________\n(١) أخرج روايته عبد الرزّاق (١٠/ ٢٠٦) رقم (١٨٨٤٥)، ومن طريقه ابن عدي (٧/ ١٨٣).","vol":"12","page":463},{"text":"عن جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\n===\nعن جابر، عن النّبيّ - ﷺ -).\nقال المنذري (١): وحديث مغيرة بن مسلم - الّذي ذكره أبو داود متعلّقًا - قد أخرجه النَّسائيُّ في \"سننه\" (٢) مُسْنَدًا، وياسين الزيات هو أبو خلف ياسين بن معاذ الكُوفيُّ، وأصله يمامي، لا يُحتَج بحديثه، والمغيرة بن مسلم - هو السراج خُراساني - كنيته - أبو سلمة، قال ابن معين: صالح الحديث صدوق.\nوقال أبو داود الطيالسي- نا المغيرة بن مسلم، وكان صدوقًا مسلمًا. وأخرجه التّرمذيّ، والنَّسائيّ، وابن ماجه، وقال التّرمذيّ - حسن صحيح (٣)، ولفظ التّرمذيّ، والنَّسائيّ: \"ليس على خائن ولا مختلس ولا منتَهِب قطع\".\nوقال النَّسائيُّ: وقد روى هذا الحديثَ ابن جريج (٤): عن عيسى بن يونس، والفضل بن موسى، وابن وهب، ومحمد بن ربيعة، ومخلد بن يزيد، وسلمة بن سعيد، ولم يقل أحد منهم فيه: حدثني أبو الزُّبير، ولا أحسبه سمعه من أبي الزُّبير، والله أعلم. هذا آخر كلامه (٥).\nوقد صحح التّرمذيّ من حديث ابن جريج عن أبي الزُّبير، وهذا يدلُّ على أنه تحقق أتصاله، وقد حدَّث به عن أبي الزُّبير: المغيرةُ بن مسلم وهو صدوق، انتهى كلام المنذري.\n_________\n(١) في \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٢٤) ح (٤٢٢٨).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٧٤٦٧)، وأخرجه أيضًا الطحاوي (٣/ ١٧١)، والبيهقي (٨/ ٢٧٩).\n(٣) قال ابن الهمام: صححه التّرمذيّ وسكت عنه ابنُ القطان وعبد الحق في \"أحكامه\"، فهو تصحيح له منهما، فتعليل أبي داود مرجوح ... إلخ، [راجع: \"فتح القدير\" (٥/ ٣٦٠)]. (ش).\n(٤) كذا في الأصل، وهو خطأ، صوابه: وقد روى هذا الحديث عن ابن جريج: عيسى ابنُ يونسْ ... إلخ؛ كما في \"مختصر المنذري\".\n(٥) وقال النَّسائيُّ في \"الكبرى\" (٧٤٦٧) بعد تخريجه: المغيرة بن مسلم ليس بالقوي في أبي الزُّبير، وعنده غير حديث منكر.","vol":"12","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1672>(١٤) بابٌ مَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ</span>\n٤٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ\n===\nوقال الحافظ في \"لسان الميزان\" (١): ياسين. بن معاذ الزيات، عن الزهريِّ، وحمادِ بنِ أبي سليمان، وعنه علي بن غُراب، ومروانُ بن معاوية، وعبدُ الرزّاق، وكان من كبار فقهاء الكوفة ومفتييها، قال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء، وقال البخاريّ: منكر الحديث، وقال النسائي وابن الجنيد: متروك، وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات، قال عبد الرزّاق. أهل مكّة يقولون: ابنُ جريج لم يسمع من أبي الزُّبير، إِلَّا سمع ياسين.\nوقال الجوزجاني: لم يرض النَّاس بحديثه، وقال النسائي في \"التمييز\": ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه، وقال أبو زرعهَ: ضعيف، وقال أبو داود: وكان يذهب إلى الإرجاء، وهو متروك الحديث، ضعيف، وهو يبيع الزيت أعلم منه بالعلّم، وقال ابن عدي: كلّ رواياته أو عامتها غير محفوظة.\nقال الحاكم والنقاش: روى المناكير، وقال الخليلي: ضعيف جدًّا، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وذكره العقيلي، والدولابي، وابن الجارود (٢)، وابن شاهين في \"الضعفاء\".\n\n(١٤) (بَابٌ مَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْز) (٣)\n٤٣٩٤ - (حدّثنا محمّد بن يحيى بن فارس، حدّثنا عمرو بن\n_________\n(١) \"لسان الميزان \" (٩١٥٨).\n(٢) وفي الأصل: ابن أبي داود، وهو تحريف.\n(٣) وفي \"الهداية\" (١/ ٣٦٧) بعدما ذكر الحرز بالمكان وبالمحافظ: ولا فرق بين أن يكون المحافظ مستيقظًا أو نائمًا، والمتاع عنده أو تحته، هو الصحيح؛ لأنه يعد النائمُ عند متاعه حافظًا له في العادة، قال ابن همام: قوله: \"هو الصّحيح\" احتراز عن قول بعضهم باشتراط كون المتاع تحت رأسه أو تحت جنبه. اهـ. [\"فتح القدير\" (٥/ ٣٧٣)]. (ش).","vol":"12","page":465},{"text":"حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ، نَا أَسْبَاطٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حُمَيْدٍ ابْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِى الْمَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي، ثَمَنُهَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي، فَأُخِذَ الرَّجُلُ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيّ - ﷺ -، فَأَمَرَ بِهِ لِيُقْطَعَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ\n===\nحماد بن طلحة) القَنّاد، أي بائع القَنْد، وهو السكر، أبو محمّد الكوفي، وقد يُنسَب إلى جده، قال ابن معين وأبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: وكان من الرافضة، ذكر عثمانَ بشيء فطلبه السلطان فهرب، وقال مطيَّن: ثقة، وكذا ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن سعد: ثقة إن شاء الله، قال الساجي: يُتَّهم في عثمان، وعنده مناكير.\nولم يطلع المنذري على ذلك فقال: لم نجد له فيما رأيناه من كتبهم ذكرًا، فإن كان هو عمرو بن طلحة، ووقع فيه تصحيف، وهو من هذه الطبقة فلا يحتج بحديثه، قلت (١): في قوله: \"لا يُحتج بحديثه\" نظر، وقد تقدمت ترجمته، وأن أبا حاتم قال فيه: محله الصدق.\n(نا أسباط، عن سماك بن حرب، عن حميد ابن أخت صفوان) بن أمية، وبعضهم سماه عنه جعيدًا، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\". قلت (٢): سماه البخاريّ حميد بن حجير، وقال: إنّ زائدةَ صحَّفه فقال: جعيد بن حجير، وقال ابن القطان: إنّه مجهول الحال.\n(عن صفوان بن أمية قال: كنت نائمًا في المسجد (٣) على خميصة لي) وهو ثوب خز أو صوف معلم، وقيل: لا تسمى خميصة إِلَّا أن تكون سوداء معلمة (ثمنها ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني) أي أخذها خفية (فأُخِذَ الرَّجل فأتي به النّبيّ - ﷺ -، فأمر به لِيُقْطَع) بعد إقراره بالسّرقة (قال: فأتيته)\n_________\n(١) القائل: ابن حجر في \"التهذيب\" (٨/ ٢٣).\n(٢) القائل: ابن حجر في \"التهذيب\" (٣/ ٥٥).\n(٣) مسجد المدينة، أو مسجد مكّة قولان، كما في \"الأوجز\" (١٥/ ٤٢٥). (ش).","vol":"12","page":466},{"text":"فَقُلْتُ: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا؟ قَالَ: \"فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِى بِهِ\". [ن ٤٨٨٣، جه ٢٥٩٥، حم ٣/ ٤٠١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ زَائِدَةُ،عَنْ سِمَاكٍ،عَنْ جُعَيْدِ بْنِ جُحَيْرٍ قَالَ: نَامَ صَفْوَانُ. وَرَوَاهُ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ: \"أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا فَجَاءَ (١) سَارِقٌ فَسَرَقَ خَمِيصَةً مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ\". وَرَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: \"فَاسْتَلَّهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، فَاسْتَيْقَظَ فَصَاحَ بِهِ فَأُخِذَ\".\nوَرَوَاهُ الزُّهْرِىُّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: \"فَنَامَ فِى الْمَسْجِدِ\n===\nأي رسولَ الله - ﷺ - (فقلت: أتقطعه) الهمزة لاستفهام الإنكار (من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأُنْسِئُه ثمنَها؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به).\n(قال أبو داود: رواه زائدة، عن سماك، عن جعيد بن حجير قال: نام صفوان، ورواه طاوس (٢) ومجاهد: أنه كان نائمًا فجاء سارق فسرق خميصة من تحت رأسه، ورواه أبو سلمة بن عبد الرّحمن قال: فاستَلَّه) أي استخرجه بِتَأَنٍّ وتدريج (من تحت رأسه، فاستيقظ فصاح به فأُخِذَ، ورواه الزّهري، عن صفوان (٣) بن عبد الله (٤) قال: فنام في المسجد،\n_________\n(١) في نسخة: \"فجاءه\".\n(٢) أخرج روايته النسائي (٨/ ٧٠)، والطحاوي في \"مشكله\" (٢٣٨٥).\n(٣) وصله محمّد في \"موطّئه\"، وفيه قصة الهجرة أيضًا، وكذا عند أحمد (٣/ ٤٠١). انتهى. [انظر: \"موطَّأ محمّد مع التعليق الممجد\" (٣/ ٥٦)]. (ش).\n(٤) قد اختلف فيه على الزّهريُّ، فأخرجه مالك في \"الموطَّأ\" (١٦٠٦) ومن طريقه الشّافعيّ في \"مسنده\" (٢/ ٨٤)، والطحاوي في \"مشكله\" (٢٣٨٣)، والبيهقي (٨/ ٢٦٥) وفيه: عن الزّهريُّ عن صفوان بن عبد الله بن صفوان أن صفوان بن أمية فذكره.\nوأخرجه ابن ماجه (٢٥٩٥)، والطحاوي (٢٣٨٤)، وابن عبد البرّ من طريق شبابة بن سوار عن مالك عن الزّهريُّ عن عبد الله بن صفوان عن صفوان بن أمية، فذكره، وأخرجه الطَّبرانيُّ (٣/ ٤٠١) عن مالك عن الزّهريُّ عن صفوان بن عبد الله بن صفوان =","vol":"12","page":467},{"text":"وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَهُ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأُخِذَ السَّارِقُ فَجِاءَ بِهِ (١) إِلَى النَّبِىِّ - ﷺ -\".\n===\nوتوسَّدَ رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه فأُخذ السارق فجاء به) إلى (النّبيّ - ﷺ -).\nقال في \"البدائع\" (٢): ومنها ملكُ السارق المسروق قبل القضاء، نحو ما إذا وهب المسروق مثله المسروقَ من السارق قبل القضاء.\nوجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو إمّا أن وهبه منه قبل القضاء، وإما أن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء، فإن وهبه قبل القضاء يسقط القطع بلا خلاف، وإن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء يسقط عندهما، وقال أبو يوسف: لا يسقط، وهو قول الشّافعيّ ﵀.\nاحتج أبو يوسف بقصة رداء صفوان هذه، فدل أن الهِبَة قبل القضاء تسقط، وبعده لا تسقط.\nووجه قولهما أن القبض شرط لثبوت الملك في الهِبَة، والملك في الهِبَة يثبت من وقت القبض فيظهر الملك له من ذلك الوقت من كلّ وجه أو عن وجهٍ، وكونُ المسروق ملكًا للسارق على الحقيقة أو الشبة يمنع من القطع، ولهذا لم يقطع قبل القضاء فكذلك بعده؛ لأن القضاء في باب الحدود إمضاء لها، فما لم يمض فكانه لم يقض، ولو كان لم يقض أليس أنه لا يقطع فكذا إِذَا لم يمض.\n_________\n= عن جده، وأخرجه أحمد (٨/ ٥٤) عن الزّهريُّ عن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن أبيه، أن صفوان بن أمية، فذكره\nوقال الطحاوي: احتمل أن يكون الزّهريُّ قد سمعه من عبد الله بن صفوان عن أبيه، وسمعه من صفوان بن عبد الله، فحدث به مرّة هكذا، ومرة هكذا.\n(١) في نسخة: \"فجيء به إلى النّبيّ\".\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٣، ٤٤).","vol":"12","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1673>(١٥) بابٌ فِى الْقَطْعِ فِى الْعَارِيَةِ إِذَا جُحِدَتْ</span>\n٤٣٩٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَليٍّ وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ - قَالَ مَخْلَدٌ: عَنْ مَعْمَرٍ -، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ (١) فَأَمَرَ النَّبِىُّ - ﷺ - بِهَا فَقُطِعَتْ يَدُهَا\". [ن ٤٨٨٧، حم ٢/ ١٥١]\n===\nوأمّا الحديث فلا حجة فيه؛ لأن المروي قوله: \"هو عليه صدقة\"، وقوله: \"هو\" يحتمل أنه أراد به المسروقَ، ويحتمل أنه أراد به القطع، وهبة القطع لا تسقط الحد، يدل عليه أنه روي في بعض الروايات أنه قال: وهبت القطع، وكذا يحتمل أنه تصدق عليه بالمسروق أو وهبه عنه ولكن لم يقبضه، والقطع إنّما يسقط بالهِبَة مع القبض.\nوعلى هذا إذا باع المسروق من السارق قبل القضاء أو بعده على الاتفاق والاختلاف، انتهى.\n\n(١٥) (بَابٌ فِى الْقَطْعِ فِى الْعَارِيَةِ إِذَا جُحِدَتْ) (٢)\n٤٣٩٥ - (حدّثنا الحسن بن علي ومخلد بن خالد، المعنى، قالا: نا عبد الرزّاق، أنا معمر - قال مخلد: عن معمر -، عن أَيّوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن امرأة مخزومية) وقد تقدّم اسمها (كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النّبيّ - ﷺ - بها) أي بتلك المرأة (فقُطِعت يدُها) وإنّما قُطعت يدها في أنها سرقت، لا في أنها تجحد المتاع الّتي تستعير كما تقدّم.\n_________\n(١) في نسخة: \"فتجحده\".\n(٢) قال ابن الهمام (٥/ ٣٦١): بذلك قال إسحاق بن راهويه، وهو رواية عن أحمد؛ والجمهور على أنها لا تقطع، لرواية جابر (المذكورة في \"باب القطع في الخلسة\") وأجابوا عن الحديث بأنها سرقت (كما تقدّم في \"باب في الحد يشفع فيه\")، ومن ذكر الجحود ذكر لتعريفها بذلك، ولم يكن القطع على ذلك. انتهى. (ش).","vol":"12","page":469},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِى عُبَيْدٍ. زَادَ فِيهِ: أَنَّ (١) النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: \"هَلْ مِنِ امْرَأَةٍ تَائِبَةٍ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؟ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -. وَتِلْكَ شَاهِدَةٌ، فَلَمْ تَقُمْ وَلَمْ تَكَلَّمْ\" (٢).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ غَنْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِى عُبَيْدٍ، قَالَ فِيهِ: \"فَشُهِدَ عَلَيْهَا\".\n٤٣٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتِ: \"اسْتَعَارَتِ امْرَأَةٌ - يعْنِى حُلِيًّا - عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ (٣).\n===\n(قال أبو داود: رواه جويرية (٤)، عن نافع، عن ابن عمر، أو عن صفية بنت أبي عبيد) زوجة ابن عمر (وزاد) جويرية (فيه: أن النّبيّ - ﷺ - قام خطيبًا فقال: هل من امرأة تائبة إلى الله ورسوله؟ ثلاث مرات)، متعلّق بقال، (وتلك) أي المرأة المخزومية (شاهدة، فلم تقم ولم تَكَلَّم) بحذف إحدى التائين. (قال أبو داود: ورواه ابن غَنَج) (٥) بفتح المعجمة والنون بعدها (عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، قال فيه: فشهد عليها) أي على سرقتها.\n٤٣٩٦ - (حدّثنا محمّد بن يحيى بن فارس، نا أبو صالح، عن اللَّيث قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب قال: كان عروة يحدث أن عائشة قالت: استعارت امرأة) وهي المخزومية (يعني حليًّا على ألسنة أناس\n_________\n(١) في نسخة: \"وأن\".\n(٢) في نسخة: \"تتكلم\".\n(٣) في نسخة: \"النَّاس\".\n(٤) رواية جويرة أخرجها أبو عوانة (٤/ ١١٩) رقم (٦٢٤٥).\n(٥) رواية غنج أوردها أبو حاتم الرَّازيُّ في \"العلل\" (١/ ٤٥٣) رقم (١٣٦١).","vol":"12","page":470},{"text":"يُعْرَفُونَ وَلَا تُعْرَفُ هِيَ، فَبَاعَتْهُ (١) فَأُخِذَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبيُّ - ﷺ - فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا، وَهِىَ الَّتِى شَفَعَ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ (٢) فِيهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا قَالَ\".\n٤٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ - ﷺ - بِقَطْعِ يَدِهَا. وَقَصَّ نَحْوَ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، زَادَ: قال: \"فَقَطَعَ النَّبِىُّ - ﷺ - يَدَهَا\". [تقدّم برقم ٤٣٧٤]\n===\nيُعرفون) أي قالت كذبًا: إن فلانًا يطلبها، ويستعير الحلية منك (ولا تُعرف هي) أي لا يعرفها النَّاس بثقاهتها واعتبارِها حتّى تُعطى الحليَّ، ولهذا أخذت من جهة أناس، وهم معروفون بالاعتبار والاعتماد، (فباعَتْه، فأُخِذت، فأتي بها النّبيّ - ﷺ -، فأمر بقطع يدها، وهي الّتي شَفَعَ فيها أسامةُ بنُ زيد، فقال فيها رسول الله - ﷺ - ما قال) أي أنكر عليه رسول الله، وقال: أتشفع في حد من حدود الله؟\n٤٣٩٧ - (حدّثنا عبّاس بن عبد العظيم ومحمد بن يحيى قالا: نا عبد الرزّاق، أنا معمر، عن الزّهريُّ، عن عروة، عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النّبيّ - ﷺ - بقطع يدها، وقَصَّ عبّاس نحو حديث قتيبة، عن اللَّيث، عن ابن شهاب، زاد: قال: فقطع النّبيّ - ﷺ - يَدَها).\n_________\n(١) في نسخة: \"وباعته\".\n(٢) في نسخة: \"وقال\".","vol":"12","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1674>(١٦) بابٌ فِى الْمَجْنُونِ يَسْرِقُ أَوْ يُصِيبُ حَدًّا</span>\n٤٣٩٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبَرَ\" [ن ٣٤٣٢، جه ٢٠٤١، حم ٦/ ١٠٠]\n٤٣٩٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"أُتِىَ عُمَرُ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ،\n===\n\n(١٦) (بَابٌ فِى الْمَجْنُونِ يَسْرِقُ أَوْ يُصِيبُ حَدًّا)\n٤٣٩٨ - (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، نا حماد بن سلمة، عن حماد) بن أبي سليمان، (عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: رُفِع القلمِ) ورفعُ القلمِ كناية عن رفع التكليف (عن ثلاثة: عن النائم حتّى يستيقظ (١)، وعن المبتَلى) أي المبتلى ببلاء الجنون (حتّى يبرأ) عنه، (وعن الصبي (٢) حتّى يكبر) يعني لو صدر منهم ما يوجب الحدَّ لا يؤاخَذ به، ولا إثم عليه فيما يفعله من المعصية، أما في حقوق العباد من الأموال إذا صدر منهم شيء من ذلك، مثلًا خرقوا ثوب أحد، أو أتلفوا شيئًا من مال أحد يجب الضمان في أموالهم.\n٤٣٩٩ - (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عبّاس قال: أتي عمر بمجنونة قد زنت،\n_________\n(١) لكن ذكر الحموي في، \"الأشباه\" (٣/ ٦٢) أنه كالمُستيقظ في خمس وعشرين مسألة، ثمّ بسطها. (ش).\n(٢) بسط الحموي في \"الأشباه\" (٣/ ١٩) في أحكام الصبيان بما لا مزيد عليه، وحديث الباب تكلم عليه صاحبُ \"العون\" (١٢/ ٤٩)، والحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ١٢١)، والعينيُّ في \"عمدة القاري\" (١٦/ ٨٩). (ش).","vol":"12","page":472},{"text":"فَاسْتَشَارَ فِيهَا أُنَاسًا، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ - ﵁ - أَنْ تُرْجَمَ، فَمُرَّ بِهَا (١) عَلِىُّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ -كرَّمَ اللهُ وجههُ-، فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: مَجْنُونَةُ بَنِى فُلَانٍ زَنَتْ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ - ﵁ - أَنْ تُرْجَمَ.\nقَالَ: فَقَالَ: ارْجِعُوا بِهَا، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا عَلِمْتَ (٢) أَنَّ الْقَلَمَ (٣) قَدْ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَعْقِلَ؟، قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا بَالُ هَذِهِ ترْجَمُ؟ قَالَ: لَا شَىْءَ، قَالَ: فَأَرْسِلْهَا، قَالَ: فَأَرْسَلَهَا، قَالَ: فَجَعَلَ يُكَبِّرُ\". [حب ١٤٣، خزيمة ١٠٠٣، ك ٢/ ٥٩، قط ٣/ ١٣٩، رقم ١٧٣]\n===\nفاستشار فيها أناسًا، فأمر بها) أي بالمجنونة (عمرُ - ﵁ - أن تُرجَمَ، فمر بها علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- فقال: ما شأن هذه؟) لِمَ أخذتموها؟ (قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر - ﵁ - أن ترجَمَ، قال) ابن عباس: (فقال) علي: (ارجعوا بها، ثم أتاه) أي أتى علي - ﵁ - عمرَ (فقال: يا أمير المؤمنين! أما علمتَ أن القلم رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟) أي يبلغ حَدَ العقل، وهو الاحتلام، أو ما يقوم مقامه.\n(قال: بلى، قال: فما بال هذه ترجم؟ قال) عمر -﵁ -: (لا شيء، قال) أي علي -﵁ - (فَأَرْسِلْها) بصيغة الأمر، أي مُرْ بإرسالها (قال) ابن عباس: (فأرسَلها) أي أمر بإرسالها (قال) ابن عباس: (فجعل) عمر -﵁ - (يكبر) هذه تعجبًا من غفلته في الحكم بالرجم.\nقال الخطابي (٤): لم يأمر عمر -﵁ - برجم مجنونة مطبق عليها\n_________\n(١) في نسخة: \"فمر علي عليها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أن رسول اللهﷺ - قال: \".\n(٣) في نسخة بدله: \"أن القلم قد رفع\".\n(٤) \"معالم السنن\" (٣/ ٣١٠).","vol":"12","page":473},{"text":"٤٤٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، نَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ نَحْوَهُ، وَقَالَ أَيْضًا: \"حَتَّى يَعْقِلَ، وَقَالَ: وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يُكَبِّرُ\". [انظر سابقه]\n٤٤٠١ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِى ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"مُرَّ عَلَيُّ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ كرَّم الله وجهه بِمَعْنَى عُثْمَانَ، قَالَ: أَوَمَا تَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ (١)، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ،\n===\nفي الجنون، ولا يجوز أن يخفى هذا عليه، ولا على أحد ممن بحضرته، ولكن هذه امرأة كانت تجن مرة وتفيق مرة أخرى، فرأى عمر أن لا يسقط عنها الحدّ لما يصيبها من المجنون إذا كان الزنا منها في حالة الإفاقة، ورأى علي - ﵁ - أن الجنون شبهة يُدْرَأُ بها الحدُّ عمن تبتلى به، والحدود تدرأ بالشبهات، ولعلها قد أصابت ما أصابت وهي في بقية بلائها، فوافق اجتهادُ عمر - ﵁ - اجتهادَه في ذلك، فدرأ عنها الحد.\n٤٤٠٠ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا وكيع، عن الأعمش نحوه، وقال أيضًا: حتى يعقل، وقال: وعن المجنون حتى يفيق) أي في موضع: حتى يبرأ (قال: فجعل عمر يكبر) أي فزاد لفظ \"عمر\".\n٤٤٠١ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان بن مهران، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: مر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، بمعنى عثمان) بن أبي شيبة، (قال) علي لعمر: (أو ما تذكر أن رسول الله - ﷺ - قال: رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله) صفة كاشفة للمجنون، وفي نسخة: حتى يفيق، (وعن النائم حتى يستيقظ،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حتى يفيق\".","vol":"12","page":474},{"text":"وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ\"؟ قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَخَلَّى (١) عَنْهَا سَبِيلَهَا\". [انظر مَا قبله]\n٤٤٠٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنْ (٢) أَبِى الأَحْوَصِ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، الْمَعْنَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِى ظَبْيَانَ - قَالَ هَنَّادٌ: الْجَنْبِيِّ - قَالَ: أُتِىَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ قَدْ فَجَرَتْ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَمَرَّ عَلِيٌّ كرم الله وجهه فَأَخَذَهَا فَخَلَّى سَبِيلَهَا، فَأُخْبِرَ عُمَرُ فقَالَ: ادْعُوا لِى عَلِيًّا، فَجَاءَ عَلِىٌّ كرم الله وجهه فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ،\n===\nوعن الصبي حتى يحتلم؟ قال) عمر: (صدقتَ، قال) ابن عباس: (فخلّى عنها سبيلَها) قوله: حتى يستيقظ، وحتى يحتلم، وحتى يكبر، وحتى يبرأ، حكايات مستقبلة، والفعل المغيّا بها ماضٍ، والماضي لا يجوز أن يكون غايته مستقبلة، وجوابه أن تقديره: رفع القلم عن الصبي، فلا يزال مرتفعًا حتى يبلغ، أو فهو مرتفع حتى يبلغ.\n٤٤٠٢ - (حدثنا هناد، عن أبي الأحوص، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن عطاء بن السائب، عن أبي ظبيان، قال هناد: الجنبي) صفة لأبي ظبيان، ولم يذكر عثمان لفظَ \"الجنبي\" (قال: أتي عمر بامرأة قد فجرت) أي زنت (فأمر برجمها، فمر علي كرم الله وجهه فأخذها) من أيدي الناس (فخلى سبيلَها، فأخبر عمر) - ﵁ - (فقال: ادعوا لي عليًّا، فجاء علي كرم الله وجهه) فسأله عمر: لم خليتَ سبيلَها؟ (فقال) علي: (يا أمير المومنين! لقد علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ،\n_________\n(١) في نسخة: \"فحل\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ثنا أبو الأحوص\".","vol":"12","page":475},{"text":"وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَبْرَأَ\"، وَإِنَّ هَذِهِ مَعْتُوهَةُ بَنِى فُلَانٍ، لَعَلَّ الَّذِى أَتَاهَا أَتَاهَا وَهِىَ فِى بَلَائِهَا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَدْرِى، فَقَالَ عَلِىٌّ كَرَّمَ الله وَجْهَهُ: وَأَنَا لَا أَدْرِى. [حم ١/ ١٥٤]\n٤٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى الضُّحَى، عَنْ عَلِىٍّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ\". [ق ٦/ ٥٧، حم ١/ ١١٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ،\n===\nوعن المعتوه (١» أي المجنون؛ لأن العته نوع من الجنون (حتى يبرأ، وإن هذه معتوهة بني فلان، لعل الذي أتاها) من الزنا (أتاها وهي في بلائها) وفي جنونها.\n(قال) أبو ظبيان: (فقال عمر: لا أدري، فقال علي كرم الله وجهه: وأنا لا أدري) أن الذي أتاها أتاها وهي مجنونة، أو في إفاقتها، فوقع الشك والشبهة، فدرأ الحد عنها.\n٤٤٠٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، عن خالد، عن أبي الضحى، عن علي) - ﵁-، (عن النبي - ﷺ - قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل).\n(قال أبو داود: رواه ابن جريج، عن القاسم بن يزيد) عن علي - ﵁ - ولم يدركه حديثَ: \"رفع القلم عن الصغير، وعن المجنون، وعن النائم\"، وعنه ابن جريج، قلت: قال الذهبي: تفرد ابن جريج.\n_________\n(١) اختلف في أن المعتوه في حكم المجنون، أو الصبي، أو البالغ، كما في \"الأشباه\" (ص ٣٨٢). (ش).","vol":"12","page":476},{"text":"عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- زَادَ فِيهِ \"وَالْخَرِفِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>(١٧) بَابٌ فِى الْغُلَامِ يُصِيبُ الْحَدَّ</span>\n٤٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ قَالَ: \"كُنْتُ مِنْ سَبْىِ بَنِى قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ، فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِت\". [ت ١٥٨٤، ن ٤٩٨١، جه ٢٥٤١، دي ٢٤٦٧، حم ٤/ ٣١٠]\n===\n(عن علي (١)، عن النبي - ﷺ -، زاد فيه: والخوف) بفتح معجمة، وكسر راء من الخرف، وهو فساد العقل من الكبر، وهو غير المجنون، فإن المجنون من الأمراض السوداوية يقبل العلاج، والخرف بخلاف ذلك، ولهذا لم يقل في الحديث: حتى يعقل؛ لأن الغالب أنه لا يبرأ منه إلى الموت.\n\n(١٧) (بَابٌ فِى الْغُلَامِ)\nأي: الصبي (٢) الغير البالغ (يُصِيبُ الْحَدَّ)\n٤٤٠٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، نا عبد الملك بن عمير، حدثني عطية القرظي قال: كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون) أي عانة من أشتبه حاله هل بلغ أو لم يبلغ يكشفون عانته (فمن أنبت الشعر) أي على العانة (قُتِلَ (٣)، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت).\n_________\n(١) حديث علي أخرجه ابن ماجه رقم (٢٠٤٢) وأعلَّه المنذري وقال: وهو منقطعٌ، وأعلَّه البوصيري أيضًا في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٢٩) بجهالة القاسم بن يزيد.\n(٢) وفي \"شرح الأشباه\" يقام التعزير عليه تأديبًا، وكذا يحبس تأديبًا، لا عقوبة. [انظر: \"شرح الأشباه والنظائر\" للحموي (٣/ ٣٠)]. (ش).\n(٣) قال الباجي: وبه قال أكثر أصحابنا في حقوق الناس لا حقوق الله ... إلخ. (ش).","vol":"12","page":477},{"text":"٤٤٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: \"فَكَشَفُوا عَانَتِي فَوَجَدُوهَا لَمْ تَنْبُتْ، فَجَعَلُونِى فِى السَّبْيِ\" [انظر سابقه]\n٤٤٠٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- عُرِضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ، وَعُرِضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَهُ\". [خ ٤٠٩٧، م ١٨٦٨، ت ١٧١١، ن ٣٤٣١، جه ٢٥٤٣، حم ٢/ ١٧،]\n===\n٤٤٠٥ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير بهذا الحديث، قال: فكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي) من النساء والولدان.\nقال القاري (١): قال التوربشتي: وإنما اعتبر الإنبات في حقهم مكان الضرورة، إذ لو سئلوا عن الاحتلام أو مبلغ سنهم لم يكونوا يتحدثوا بالصدق إذا رأوا فيه الهلاك.\n٤٤٠٦ - (حدثنا أحمد (٢) بن حنبل، نا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر) - ﵁ -: (أن النبي - ﷺ - عرضه) أي ابنُ عمر (يوم أحدٍ ابن أربع عشرة سنة) ليدخله في الجيش (فلم يجزه) ولم يقبله (وعرضه يوم الخندق) بعد مضي سنة واحدة (وهو ابن خمس عشرة سنة) أي بعد تكامل خمس عشرة سنة، والدخول في السادس عشرة (فأجازه) وهو الحد فيما بين الصغير والكبير، وهو قول أبي يوسف ومحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة: حد البلوغ ثماني عشرة سنة.\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٣٠).\n(٢) والحديث مكرَّر، مَرَّ في \"باب متى يفرض للرجل في المقاتلة\". (ش).","vol":"12","page":478},{"text":"٤٤٠٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ نَافِعٌ: حَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: \"إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>(١٨) بَابُ السَّارِقِ يَسْرِقُ في الْغَزْوِ، أَيُقْطَعُ</span>؟\n٤٤٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ، عَنْ شُيَيْمِ بْنِ بَيْتَانَ وَيَزِيدَ بْنِ صُبْحٍ الأَصْبَحِيِّ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِى أُمَيَّةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ\n===\n٤٤٠٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن إدريس، عن عبيد الله بن عمر قال: قال نافع حدثت بهذا الحديث عمرَ بنَ عبد العزيز) الخليفة (فقال: إن هذا لَحَدٌّ بين الصغير (١) والكبير) وعليه أكثر الفقهاء فيما إذا لم يبلغ بالاحتلامِ ونحوِه قبل تمام خمس عشرة سنة.\n\n(١٨) (بَابُ السَّارِقِ يَسْرِقُ في الْغَزْوِ، أَيُقْطَعُ؟)\n٤٤٠٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن عياش بن عباس القتباني (٢)، عن شييم بن بيتان (٣) وبزيد بن صُبْح الأصبحي، عن جنادة بن أبي أمية قال: كنا مع بسر بن أرطاة) مختَلَف في صحبته، وقد ولي البحر لمعاوية، قال الواقدي (٤): وُلِدَ قبل وفاة النبي - ﷺ -\n_________\n(١) وفي هامش \"شرح الإقناع\": أن الأحكام على البلوغ نيطت بعد الهجرة في عام الخندق، وقبل ذلك كان مدارها على سن التميز. (ش).\n(٢) القِتْباني، بكسر القاف، وسكون المثناة، ثقة. \"التقريب\" (٥٣٠٤).\n(٣) بكسر أوله، وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها، وابن بيتان بلفظ تثنية بيت، ثقة، كما في \"التقريب\" (٢٨٥٧).\n(٤) ونقل الحافظ في \"التهذيب\" (١/ ٤٣٥) عن الواقدي عدمَ سماعه من النبي - ﷺ - شيئًا.","vol":"12","page":479},{"text":"فِى الْبَحْرِ، فَأُتِىَ بِسَارِقٍ يُقَالُ لَهُ: مِصْدَرٌ، قَدْ سَرَقَ بُخْتِيَّةً، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تُقْطَعُ الأَيْدِى فِى السَّفَرِ\"، وَلَوْلَا ذَلِكَ (١) لَقَطَعْتُهُ. [ت ١٤٥٠، حم ٤/ ١٨١، ن ٤٩٧٩]\n===\nبسنتين، وقال يحيى بن معين: توفي النبي - ﷺ - وهو صغير، وقال أهل الشام (٢): سمع من النبي - ﷺ - وهو صغير، وقال الدارقطني: له صحبة، وقال ابن يونس: كان من أصحاب النبي - ﷺ -.\n(في البحر، فأتي بسارق يقال له: مِصْدَر، قد سرق بُخْتيةً) أي الأنثى من الجمال الخراسانية (٣) (فقال: سمعت رسول اللهﷺ - يقول: لا تُقْطَع الأيدي في السفر) ولفظ الترمذي والدارمي (٤): \"في الغزو\" في موضع \"السفر\" (ولولا ذلك لقطعته).\nقال في \"فتح الودود\": وهذا الحديث أخذ به الأوزاعي، ولم يقل (٥) به أكثر الفقهاء، وقال قائل: الحديث ضعيف، وقال قائل: المراد بقوله: \"في غزو\" أي في غنيمة؛ لأنه شريك بسهمه فيه، وقيل: إذا خيف لحوقَ المقطوع يده بدار الكفر.\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) وأهل المدينة ينكرون سماعَه منه - ﷺ -، كما نقله في \"التهذيب\" عن الدوري، عن ابن معين.\n(٣) طوال الأعناق، كما بسطه الدميري في \"حياة الحيوان\" (١/ ١٤٤). (ش).\n(٤) \"سنن الدارمي\" (٢٤٩٥).\n(٥) والظاهر عندي: أخذ به الحنفية، والمعنى أن الحدود لا تقام في دار الحرب، كما في \"البدائع\" (٦/ ٣٠)، وهو يخالف ما في \"الكوكب\" (٢/ ٣٨٢)، وفي \"المغني\": لا يقام الحد في دار الحرب، وبه قال الأوزاعي، ويقام إذا رجع، وقال الحنفية: ولا إذا رجع، وقال مالك والشافعي: يقام فيه أيضًا، واستدل لمذهبه بحديث الباب. [راجع: \"المغني\" (١٣/ ١٧٢، ١٧٣)]. (ش).","vol":"12","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1677>(١٩) بَابٌ في قَطْعِ النَّبَّاشِ</span>\n٤٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى عِمْرَانَ، عَنِ الْمُشَعِّثِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"يَا أَبَا ذَرٍّ\"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: \"كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ؟ يَعْنِى الْقَبْرَ\" (١) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَوْ مَا خَارَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ، قَالَ: \"عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ\". أَوْ قَالَ: \"تَصَبَّرُ\". [جه ٣٩٥٨، حم ٥/ ١٤٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ: يُقْطَعُ النَّبَّاشُ لأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمَيِّتِ بَيْتَهُ.\n===\n\n(١٩) (بَابٌ في قَطْع النَّبَّاشِ)\nأي: الذي ينبش القبورَ ويسلب الأَكفان من الموتى غنيمة\n٤٤٠٩ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن المشعث (٢) بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: كيف أنت إذا أصاب الناسَ موت يكون البيت فيه بالوصيف؟ يعني) بالبيت (القبر، قلت: الله ورسوله أعلم، أو) قال: (ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بالصبر، أو قال: تَصَبَّرْ)، وقد تقدم الحديث والكلام في معناه في الفتن.\n(قال أبو داود: قال حماد بن أبي سليمان) (٣) شيخ أبي حنيفة: (يُقطَع النباش) إذا سرق أكفانَ الموتى بنبش القبور؛ (لأنه دخل على الميت بيتَه)،\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) قال في \"التقريب\" (٦٧٢٥): بتشديد المهملة، بعدها مثلثة، ويقال: منبعث، بسكون النون وفتح الموحدة وكسر المهملة، ثم مثلثة، مقبول.\n(٣) أخرج هذا الأثر ابن أبي شيبة (١٠/ ٣٥).","vol":"12","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1678>(٢٠) بَابُ السَّارِقِ يَسْرِقُ مِرَارًا</span>\n٤٤١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ الْهِلَالِيُّ، نَا جَدِّي، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: \"اقْطَعُوهُ\"، قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيْءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: \"اقْطَعُوهُ\"\n===\nومذهب (١) أبي حنيفة في ذلك أنه لا يُقطَع؛ لأن القبر وإن أطلق عليه لفظ البيت ولكنه ليس بحرز، فإذا كان البيت خاليًا ليس عليه حافظ لا يكون حرزًا.\n\n(٢٠) (بَابُ السَّارِقِ يَسْرِقُ مِرَارًا)، فَمَاذَا حُكْمُهُ (٢)؟\n٤٤١٠ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالي، نا جدي) عبيد بن عقيل الهلالي، (عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: جيء بسارق إلى النبي - ﷺ - فقال: اقتلوه)، قال في \"فتح الودود\": سبحان من أجرى على لسانه - ﷺ - ما آل إليه عاقبة أمره (فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فَقُطِعَ، ثم جيء به الثانيةَ، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، فقال: اقطعوه،\n_________\n(١) وبه قال محمد والثوري والزهري وغيرهم؛ وقال الأئمة الثلاثة وأبو يوسف: عليه القطع، كذا في \"المرقاة\" (٧/ ١٩٥)، و\"أحكام القرآن\" (٢/ ٤١٩) للجصاص. (ش).\n(٢) وفيه خلافيتان، الأولى: القتل في الرابعة، والثانية: القطع فيما إذا سرق شيئًا بعينه مرارًا، ذكر الثانية صاحبُ \"الهداية\" (١/ ٣٦٦)، وابنُ الهمام. [راجع: \"فتح القدير\" (٥/ ٣٦٥، ٣٦٦)]. (ش).","vol":"12","page":482},{"text":"قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فقَالَ: \"اقْطَعُوهُ\"، ثُمَّ أُتِىَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: \"اقْطَعُوهُ\"، فَأُتِىَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\".\nقَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِى بِئْرٍ، وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ (١). [ن ٤٩٧٨]\n===\nقال: فقُطع، ثم جيء به الثالثةَ، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، فقال: اقطعوه، ثم أتي به الرابعةَ فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، قال: اقطعوه، فأتي به الخامسة فقال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة).\nقال الحافظ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢): واختلف الناس في هذه الحكومة، فالنسائي وغيره لا يصحِّحون هذا الحديثَ، قال النسائي: هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي، وغيره يحسِّنه، ويقول: هذا حكم خاص بذلك الرجل وحده؛ لِمَا علم رسول الله - ﷺ - من المصلحة في قتله، وطائفة ثالثة تقبله، وتقول به، وأن السارق إذا سرق خمس مرات قُتِلَ في الخامسة، وممن ذهب إلى هذا المذهب أبو المصعب من المالكية، انتهى.\nثم رأيت في \"تهذيب السنن\" (٣) لشيخ الإِسلام ابن القيم فقال: باب إذا سرق مرارًا، ذكر حديث: \"فإن عاد في الرابعة فاقتلوه\"، وكلام المنذري إلى قوله: \"والإجماع من الأمة على أنه لا يقتل\". ثم قال:\nوهذا المعنى قد رواه النسائي من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، وهو المتقدم، ورواه من حديث النضر بن شميل (٤):\n_________\n(١) في نسخة: \"بالحجارة\".\n(٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٦، ٥٧).\n(٣) \"تهذيب سنن أبي داود\" مع \"مختصر المنذري\" (٦/ ٢٣٦ - ٢٣٨).\n(٤) انظر: \"سنن النسائي\" (٤٩٧٧).","vol":"12","page":483},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nنا حماد، أنا يوسف، عن الحارث بن حاطب أن رسول الله - ﷺ - أتي بلص فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، قال: اقطعوا يده، قال: ثم سرق، فقطعت رجلُه، ثم سرق على عهد أبي بكر - ﵁ - حتى قُطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضًا الخامسةَ، فقال أبو بكر -﵁ -: كان رسول الله - ﷺ - أعلَم بهذا حين قال: اقتلوه، ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير، وكان يحب الإمارة، فقال: أمِّروني عليكم فأَمَّروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه.\nقال النسائي: ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا.\nوأما ما ذكره من قتل شارب الخمر بعد الرابعة، فقد قال طائفة من العلماء: إن الأمر بقتله في الرابعة متروك بالإجماع، وهذا هو الذي ذكره الترمذي وغيره، وقيل: هو منسوخ بحديث عبد الله بن حمار \"أن النبي - ﷺ - لم يقتل في الرابعة\"، وقال الإمام أحمد- وقد قيل له: لم تركته؟ - فقال: لحديث عثمان: \"لا يحل دم أمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث\"، وفي ذلك كله نظر.\nأما دعوى الإجماع على خلافه فلا إجماع.\nقال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو: \"ائتوني به في الرابع، فعلي أن أقتله\"، وهذا مذهب بعض السلف.\nوأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار، فإنما هو بثبوت تأخره، والإتيانِ به بعد الرابعة، ومنافاتِه للأمر بقتله.\nوأما دعوى نسخه بحديث: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث\"؛ فلا يصح لأنه عام، وحديث القتل خاص.\nوالذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزير بحسب المصلحة، فإذا أكثر الناس من الخمر، ولم ينزجروا من الحد فرأى الإِمام","vol":"12","page":484},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأن يقتل فيه قتل، ولهذا كان عمر - ﵁ - يسجن (١) فيه مرة، ويحلق فيه الرأس مرة، وجلد فيه ثمانين، وقد جلد فيه رسول الله - ﷺ - وأبو بكر أربعين.\nفقتلُه في الرابعة ليس حدًّا، وإنما هو تعزير بحسب المصلحة، وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل السارق إن صح، والله أعلم، انتهى.\nوقال في \"فتح الودود\": والحديث يدل بظاهره أن السارق في المرة الخامسة يُقتَل، والفقهاء على خلافه، فقيل: لعله وُجِدَ منه ارتداد أوجب قتلَه، إذ لو كان مؤمنًا لَمَا فعلوا من اجترارِه وإلقائِه في البئر، إذ المؤمن وإن ارتكب كبيرة فإنه يُقبَر ويصلَّى عليه، لا سيما بعد إقامة الحد وتطهيره، وأما الإهانة بهذا الوجه فلا تليق بحال المسلم.\nوقيل: بل الحديث منسوخ بحديث: \"لا يحل دم امرئ مسلم\" الحديث، وفيه أن الحصر في ذلك الحديث محتاج إلى التوجيه، فكيف يحكم بنسخ هذا الحديث؟ انتهى.\nوقال الخطابي (٢): لا أعلم أحدًا من الفقهاء يبيح دمَ السارق وإن تكررت منه السرقة، وقد يخرج على مذهب بعض الفقهاء، وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض، فإن للإمام أن يجتهد في تعزير المفسد، ويبلغ به ما رأى من العقوبة، وإن زاد على مقدار الحد وجاوزه، وإن رأى أن يقتل قتل (٣).\nوهذا الحديث إن كان له أصل فهو يؤيد هذا الرأي، وقد يدل على ذلك من نفس الحديث أنه - ﷺ - قد أمر بقتله لَمَّا جيء به أولَ مرة، ثم كذلك في الثانية، والثالثة، والرابعة إلى أن قُتِلَ في الخامسة، فقد يحتمل أن يكون هذا\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"تهذيب ابن القيم\": ينفي، والله أعلم بالصواب.\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٣١٤).\n(٣) وفي \"المعالم\" بعده: ويعزى هذا الرأي إلى مالك بن أنس.","vol":"12","page":485},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nرجلًا مشهورًا بالفساد، ومعلوم من أمره أنه سيعود إلى سوء فعله، ولا ينتهي عنه حتى تنتهي حياته.\nويحتمل أن يكون ما فعله- إن صح الحديث- إنما فعله بوحي من الله تعالى واطلاعٍ منه على ما سيكون منه، فيكون معنى الحديث خاصًّا فيه.\nوقد اختلف الناس في السارق إذا سرق مرة فقُطِعت يده اليمنى، ثم سرق أخرى فقُطعت يده اليسرى (١)، فقال مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه: إن سرق الثالثةُ قُطعت رجله اليسرى (٢)، وكذا في الرابعة رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عُزِّر وَحُبِس، وقد حكي مثلُ ذلك عن قتادة.\nوقال الشعبي، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل: إذا سرق قُطِعت يده اليمنى، وإن سرق الثانية قطعت يده اليسرى (٣)، فإن سرق الثالثة لم يقطع، واستودع السجن، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، انتهى.\nقلت: وأما مذهب أصحابنا (٤) الحنفيةِ فأصل محل إقامة هذا الحكم طرفان فقط، وهما: اليد اليمنى، والرجل اليسرى، فتقطع اليمنى في السرقة الأولى، والرجل اليسرى في السرقة الثانية، ولا يقطع بعد ذلك أصلًا، ولكن يضمن السرقة، ويعزَّر ويُحبَس حتى يحدث توبة.\n_________\n(١) كذا في الأصل، ونصَّ كلام الخطابي أن المقطوع في الثانية رجلُه اليسرى، وفي الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة تُقطَع رجلُه اليمنى، وذكر نحوه الحافظُ في \"الفتح\" (١٢/ ٩٩) عن الجمهور.\n(٢) نفس المصدر السابق.\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\" (٣/ ٣١٥): رجلُه اليسرى.\n(٤) وفي الشامي (٦/ ١٦٩) حمله على القتل سياسة، وله نظائر. [انظر: \"الموطأ\" لمحمد مع \"التعليق الممجد\" (٣/ ٦٨)، و\"فتح الباري\" (١٢/ ٩٩، ١٠٠)]. (ش).","vol":"12","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1679>(٢١) بَابٌ في السَّارِقِ تُعَلَّقُ يَدُهُ في عُنُقِهِ</span>\n٤٤١١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا عُمَرُ بْنُ عَلِىٍّ، نَا حَجَّاجٌ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: \"سَأَلْنَا فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ تَعْلِيقِ الْيَدِ فِى الْعُنُقِ (١) لِلسَّارِقِ، أَمِنَ السُّنَّةِ هُوَ؟ قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أُمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِى عُنُقِهِ\". [ت ١٤٤٧، ن ٤٩٨٢، جه ٢٥٨٧، حم ٦/ ١٩]\n===\n\n(٢١) (بَابٌ في السَّارِقِ تُعَلَّقُ يَدُهُ) بَعْدَ الْقَطْعِ (في عُنُقِهِ)\n٤٤١١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عمر بن علي، نا حجاج، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن محيريز قال: سألنا فضالةَ بنَ عبيد عن تعليق اليد في العنق للسارق، أمِنَ السنَّة هو؟ قال: أتي رسول الله - ﷺ - بسارق) لم أقف على تسميته (فقُطعت يده، ثم أمر بها فعُلِّقت في عنقه).\nقال الشوكاني في \"النيل\" (٢): فيه دليل على مشروعية تعليق يد السارق في عنقه؛ لأن في ذلك من الزجر ما لا يزيد عليه، فإن السارق ينظر إليها مقطوعةً معلَّقةً فيتذكر السبَب لذلك، وما جَرَّ إليه ذلك الأمر من الخسار بمفارقة ذلك العضو النفيس، وكذلك الغير يحصل له بمشاهدة اليد على تلك الصورة من الانزجار ما تنقطع به وساوسُه الرديئة، انتهى.\nوقال المنذري (٣): أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي (٤): حسن غريب، وقال النسائي: الحجاج بن أرطاة ضعيف، لا يُحتج بحديثه، هذا آخر كلامه.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عنق السارق\".\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥٨٩).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٣٩).\n(٤) وتمام كلام الترمذي فيه: حسن غريب؛ لا نعرفه إلَّا من حديث عمر بن علي المقدمي،\nعن الحجاج بن أرطاة.","vol":"12","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1680>(٢٢) بَابُ بَيْعِ الْمَمْلُوكِ إذَا سَرَقَ</span>\n٤٤١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ -، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَرَقَ الْمَمْلُوكُ فَبِعْهُ وَلَوْ بِنَشٍّ\" (١). [ن ٤٩٨٠، جه ٢٥٨٩، حم ٢/ ٣٣٧]\n===\nوالحجاج بن أرطاة هو النخعي الكوفي، كنيته أبو طاهر (٢)، وهذا الذي قاله النسائي فيه قاله غير واحد من الأئمة، وقال بعضهم: وكأنه من باب التطويفِ والإشادةِ بذكره ليرتدع به، ولو ثبت لكان حسنًا صحيحًا، ولكنه لم يثبت.\n\n(٢٢) (بَابُ بَيْعِ الْمَمْلُوكِ إذَا سَرَقَ)\nوليس في بعض النسخ هذه الترجمة، بل الحديث داخل في الترجمة السابقة\n٤٤١٢ - (حدثنا موسى -يعني ابن إسماعيل-، نا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه) أي أبي سلمة، (عن أبي هريرة) - ﵁ - (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سرق المملوك فبعه ولو بنشٍّ) والنش هو نصف الأوقية عشرون درهمًا (٣).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": إنما أورده في هذا الباب تنبيهًا على أن للإمام أن يزيد على الحد ما رآه مناسبًا، وذلك تعزير مع أن البيع بنش وغيره مما لا يوازي ثمنَه تعيير له وتذليل، فكان كتعليق اليد في عنقه، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: النش: نصف أوقية، والأوقية أربعون درهمًا، النصف\nأوقية من ذلك عشرون درهمًا. قال: وابن محيريز: عبد الله\".\n(٢) كذا في الأصل، وهو خطأ، وكنيته: أبو أرطاة، كما في \"مختصر المنذري\"، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٩٦).\n(٣) وذكر الشيخ محمد عوامة في \"تعليقه على سنن أبي داود\" أن الدرهم عند الحنفية ٥، ٣ غرام، وعند غيرهم ٥٢، ٢ غرام.","vol":"12","page":488},{"text":"(١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1681>(٢٣) بَابٌ: في الرَّجْمِ</span>\n٤٤١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَاللَّاتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وَذَكَرَ الرَّجُلَ بَعْدَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ جَمَعَهُمَا\n===\n\n(٢٣) (بَابٌ في الرَّجْمِ) (٢)\n٤٤١٣ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن الحسين، عن أبيه) الحسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وَاللَّاتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٣)، وذكر) الله ﷾ (الرجلَ بعد المرأة ثم جمعهما).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"ثم جمعهما\" لفظة: \"ثم\" لمجرد التعقيب في الذكر، وليس المعنى أنه ذكر الرجل أولًا ثم جمعهما؛ إذ ليس للرجل ذكر منفردًا، بل المعنى أنه ذكر الرجل ضمنًا، وجمعهما صراحة، وذلك الأمر أن في قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"جماع أبواب الرجم\".\n(٢) وهو كفارة لحق الله، وفي الزنا أطلق الجمهور أنه حق الله وهو غفلة؛ لأن لآل المَزني بها في ذلك حقًا لما يلزم منه العار، كذا قال الحافظ، ويقال: الرجم يخالف كتاب الله ليراجع: \"التأويل\" (ص ١٠٥)، وقال العيني (١٦/ ١٠٦): لم يخالف فيه أحد من أهل القبلة إلا الخوارج وبعض المعتزلة، وأما الرجم في غير الزنا فليراجع له: \"أحكام القرآن\" (٢/ ١٠٥ - ١٠٨، ٣/ ٢٦٣). (ش).\n(٣) سورة النساء: الآية ١٥.","vol":"12","page":489},{"text":"فَقَالَ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾، فَنَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْجَلْدِ فَقَالَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. [ق ٨/ ٢١٠]\n٤٤١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، نَا مُوسَى (١)،\n===\n(فقال) تعالى: (﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾) أي الرجل والمرأة يأتيان الفاحشة، وهي الزنا (﴿مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (٢)، فنسخ ذلك بآية الجلد (٣) فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾) (٤).\nفاللذان يأتيان الفاحشة على نوعين: إما محصنة أو غير محصنة، فبينت هذه الآية حكم غير المحصنة بأن يحد مائة جلدة، وبينت السنَّة بالآية المنسوخة التلاوة أن يرجم النوع الثاني، فكأنّ كلا الحكمين مبيّنان إجمال قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ونُسِخَ الآيةُ الثانيةُ، وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ بهذين الحكمين، فثبت مناسبة الحديث بالباب.\n٤٤١٤ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت، نا موسى) وفي نسخة: يعني ابن مسعود، أبو حذيفة النهدي البصري، قال أحمد: أبو حذيفة شبه لا شيء، وقال بندار: موسى بن مسعود ضعيف، وقال ابن محرز عن ابن معين: لم يكن من أهل الكتاب (٥)، فقيل له: إن بندارًا يقع فيه؟ قال يحيى: هو خير من\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن مسعود\".\n(٢) سورة النساء: الآية ١٦.\n(٣) واختُلِف في كيفية الجلد، قال مالك: يجلد في الظهر لحديث اللعان: \"وإلا حَدٌّ في ظهرك\"، وقال الجمهور: يفرق على البدن ما خلا الوجه والرأس، ثم يُجرَّد في غير القذف عند الجمهور، وفيه لا يجرد بل يجلد وعليه الثياب، وقال أحمد وإسحاق: لا يجرَّد أحد في الحد، كذا في \"فتح الباري\" (١٢/ ١٥٧). (ش).\n(٤) سورة النور الآية ٢.\n(٥) كذا في الأصل و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٧٠) والصواب: أهل الكذب، انظر: \"تهذيب الكمال\" رقم الترجمة (٦٨٩٥).","vol":"12","page":490},{"text":"عَنْ شِبْل، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: السَّبِيلُ: الْحَدُّ (١). [ق ٨/ ٢١٠]\n٤٤١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَمْيٌ (٢) بِالْحِجَارَةِ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْىُ سَنَةٍ\". [م ١٦٩٠، ت ١٤٣٤، جه ٢٥٥٠، حم ٥/ ٣١٣، دي ٢٣٣١]\n٤٤١٦ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَا: أَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، بِإِسْنَادِ يَحْيَى وَمَعْنَاهُ، قَالَا:\n===\nبندار، ومن ملء الأرض مثله، وقال العجلي: ثقة صدوق معروف بالثوري، ولكن كان يصحِّف، وقال الترمذي: يضعَّف في الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: يخطئ (عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: السبيلُ: الحدُّ).\n٤٤١٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: خذوا عني، خذوا عني) إنما كرر للتأكيد لخفائه أو لشدة اهتمامه (قد جعل الله لهن سبيلًا: الثيب بالثيب جلدُ مائةٍ ورميٌ بالحجارة) أي الرجم، (والبكر بالبكر جلدُ مائة ونفيُ سنةٍ).\n٤٤١٦ - (حدثنا وهب بن بقية ومحمد بن الصباح بن سفيان قالا: أنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، بإسناد يحيى ومعناه، قالا) أي وهب بن\n_________\n(١) زاد في حاشيةِ نسخةٍ: \"قال سفيان: \"فآذوهما\": البكران، \"فأمسكوهن في البيوت\": الثَيِّبات\". وذكر الشيخ محمد عوامة، أن هذا متعلق بالحديث رقم ٤٤١٣.\n(٢) في نسخة بدله: \"ورجم\".","vol":"12","page":491},{"text":"\"جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ\" (١). [انظر سابقه]\n===\nبقية ومحمد بن الصباح في حديثهما: (جلدُ مئة والرجمُ) في موضع: رميٌ بالحجارة.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قال الحازمي: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر إلى أن الزاني المحصن يجلد ثم يرجم (٣)، وقال الجمهور- وهي رواية عن أحمد أيضًا-: لا يجمع بينهما، وذكروا أن حديث عبادة منسوخ، يعني الذي أخرجه مسلم: \"الثيب بالثيب جلدُ مائة والرجمُ، والبكر بالبكر جلد مائة والنفيُ\"، والناسخ له ما ثبت في قصة ماعز أن النبي - ﷺ - رجمه ولم يذكر الجلد.\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٤٤١٧ - حَدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفِ الطَّائِيُّ، نَا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحِ بْنِ خُلَيْدٍ، نَا محمدُ بْنُ خَالِدٍ - يَعْنِي الْوَهْبِيَّ-، نَا الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَم، عن الْحَسَنِ، عن سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّقِ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عن النبِيِّ - ﷺ -، بِهَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ نَاسٌ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: يَا أَبَا ثَابِتٍ، قَدْ نَزَلَتِ الْحُدُودُ، لَوْ أَنَكَ وَجَدْتَ مَعَ امْرَأَتِكَ رَجُلًا، كُنْتَ كَيْفَ صَانِعًا؟ قَالَ: كُنْتُ ضَارِبَهُمَا بِالسَّيْفِ حَتَّى يَسْكُتَا، أفأنَا أَذْهَبُ فَأجْمَعُ أرْبَعَةَ شُهدَاءَ؟ فَإلَى ذَلِكَ قَدْ قَضَى الْحَاجَةَ! فَانْطَلَقُوا فَاجْتَمَعُوا عنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَوا: يَا رَسُولَ الله - ﷺ -، ألَمْ تَرَ إلَى أَبِي ثَابِتٍ قَالَ كَذَا وَكَذَا؟ ! فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"كَفَى بِالسيْفِ شَاهِدًا\"، ثُم قَالَ: \"لَا، لَا، أخَافُ أنْ يَتَتَايَعَ فِيهَا السكْرَانُ وَالْغَيْرَانُ\".\nقالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى وَكِيعٌ أَوَلَ هَذَا الحَدِيثِ عن الْفَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ، عن الْحَسَنِ، عن قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيثٍ، عن سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّقِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، وإنَمَاَ [هَذَا] إسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ المُحَبِّقِ، أَن رَجُلًا وَقعَ عَلَى جارِيَةِ امرَأَتِهِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَمٍ لَيْس بِالحَافِظِ كَانَ قَصَّابًا بِوَاسِطَ.\nقلت: قال المزي بعد إيرَاد هذا الحديث في \"تحفة الأشراف \" رقم (٥٠٨٨): \"وهذا الحديث في رواية أبي سعيد بن الأعرابي وأبي بكر بن داسه عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم\". [قلت: قوله: \"أن يتتابع\"، وهو التتابع في الفساد والشر من غير روية].\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١٩، ١٢٠).\n(٣) وقد جمع بينهما علي ﵁، وبه قال أهل الظاهر وبعض الشافعية، كذا في \"العيني\" (١٦/ ٨٨)، وفي الجمع بينهما حديث علي في \"التلقيح\" (ص ٤٧٧). (ش).","vol":"12","page":492},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الشافعي: فدلت السنَّة على أن الجلد ثابت على البكر، وساقط عن الثيب، والدليل على أن قصة ماعز متراخية عن حديث عبادة: أن حديث عبادة ناسخ لما شُرعَ أولًا من حبس الزاني في البيوت، فنُسخ الحبسُ بالجلد، وزيد على الثيب الرجمُ، وذلك صريح في حديث عبادة، ثم نُسخ الجلد في حق الثيب، وذلك مأخوذ من الاقتصار في قصة ماعز على الرجم، وذلك في قصة الغامدية والجهنية واليهوديين لم يذكر الجلد مع الرجم.\nوقال ابن المنذر: عارض بعضهم الشافعي، فقال: الجلد ثابت في كتاب الله، والرجم ثابت بسنَّة رسول الله، كما قال علي - ﵁ -، وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة، وعمل به علي ﵁، ووافقه أُبيّ، وليس في قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم؛ لاحتمال أن يكون تَرَكَ ذكرَه لوضوحه فلا يرد ما وقع التصريح به.\nوالجواب عنه: أن قصة ماعز من طرق متنوعة بأسانيد مختلفة لم يذكر في شيء منها أنه جلد، وكذلك الغامدية والجهنية وغيرهما، وقال في ماعز: \"اذهبوا فارجموه\"، وكذا في حق غيره، ولم يذكر الجلد، فدل تركُ ذكرِه على عدم وقوعه، ودل عدمُ وقوعه على عدم وجوبه، انتهى.\nوأما البكر الزاني والزانية اختلف العلماء فيهما، فقال الجمهور: يُجلدان ويُنفَيان، وقال الحنفية: يجلدان فقط، وحاصل الاختلاف أن النفي داخل في الحد أم لا؟ فالجمهور (١) يُدخِلونه في الحد، والحنفيةِ لا يُدخِلونه.\nقال الحافظ (٢): نقل محمد بن نصر في \"كتاب الإجماع\" الاتفاقَ على نفي الزاني إلا عن الكوفيين، ووافق الجمهورَ منهم ابنُ أبي ليلى وأبو يوسف، وادّعى الطحاوي أنه منسوخ،\n_________\n(١) منهم الأئمة الثلاثة، كما قال الترمذي. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٥٧).","vol":"12","page":493},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nواختلف القائلون بالتغريب، فقال الشافعي والثوري وداود والطبري بالتعميم، وفي قول للشافعي: لا ينفى الرقيق، وخص الأوزاعي النفيَ بالذكورية، وبه قال مالك، وقيد بالحرية، وبه قال إسحاق، وعن أحمد روايتان.\nواحتج من شرط الحرية بأن في نفي العبد عقوبة لمالكه؛ لمنعه منفعتَه مدةَ نفيه، وتصرفُ الشرع يقتضي أن لا يعاقَبَ إلَّا الجاني، ومن ثم سَقَطَ فرضُ الحج والجهاد عن العبد.\nوقال ابن المنذر: أقسم النبي - ﷺ - في قصة العسيف أنه يقضي فيه بكتاب الله، ثم قال: إن عليه مائة وتغريب عام، وهو المبيِّن لكتاب الله، وخطب عمر بذلك على رؤوس الناس، وعمل به الخلفاء الراشدون فلم ينكره أحد، فكان إجماعًا.\nواختُلِفَ في المسافة التي ينفى إليها، فقيل: هو إلى رأي الإِمام، وقيل: يشترط مسافة القصر، وقيل: إلى ثلاثة أيام، وقيل: إلى يومين (١)، وقيل: من عمل إلى عمل، وقيل: إلى ميل، وقيل: إلى ما يطلق عليه اسم نفي، وشرط المالكية الحبسَ في مكان ينفى إليه، انتهى.\nواستدل (٢) الطحاوي (٣) للحنفية أن حكم الجلد والتغريب عام شامل للحر والعبد، وسئل رسول الله - ﷺ - عن الأمة إذا زنت فقال: \"فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها بضفير\"، وثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم\"، فلما أمر رسول الله - ﷺ - في\n_________\n(١) وقيل: يوم وليلة، كما في \"الفتح\" (١٢/ ١٥٧).\n(٢) وأجاد صاحب \"الهداية\" (١/ ٣٤٣) في الاستدلال بوجوه، فأرجع إليه، وإلى \"فتح القدير\" (٥/ ٢٣٠، ٢٣١)، وفي، \"الشامي\": غرَّب عمرُ ﵁ فتنصَّر، فقال: لا أغرِّب بعد هذا ... إلخ؛ فلو كان داخلَ الحد لم يمتنع عنه عمرُ ﵁. [انظر: \"رد المحتار\" (٦/ ١٩)]. (ش).\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٣٦، ١٣٧).","vol":"12","page":494},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالأمة بالجلد، ولم يأمر مع الجلد بنفي، وكان حكم الجلد عامًا للحر والمملوك، فعلمنا بذلك أن الحرة إذا زنت ليس عليها النفي، ولا على الرجل كذلك، واستدللنا بذلك أن النفي ليس بداخل في الحد؛ لأن الحد لا يُترك، بل هو على التعزير إذا رأى الإِمام في ذلك مصلحة يحكم بالنفي.\nوقال في \"البدائع\" (١): ولنا قوله ﷿: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. (٢) والاستدلال به من وجهين:\nأحدهما: أنه ﷿ أمر بجلد الزانية والزاني، ولم يذكر التغريبَ، فمن أوجبه فقد زاد على كتاب الله ﷿، والزيادة عليه نسخ، ولا يجوز نسخ النص بخبر الواحد.\nوالثاني: أنه ﷾ جعل الجلد جزاء، والجزاء اسم لما تقع به الكفايةُ، مأخوذ من الاجتزاء، وهو الاكتفاء، فلو أوجبنا التغريبَ لا تقع الكفاية بالجلد، وهذا خلاف النص.\nولأن التغريب تعريض للمغرَّب على الزنا؛ لأنه ما دام في بلده يمتنع عن العشائر والمعارف حياء منهم، وبالتغريب يزول هذا المعنى، فيعرى الداعي عن الموانع فيقدم عليه، والزنا قبيح، فما أفضى عليه مثلُه.\nوفعلُ الصحابة محمول على أنهم رأوا ذلك مصلحة على طريق التعزير، ألا يرى أنه روي عن سيدنا عمر - ﵁ -: \"أنه نفى رجلًا فلحق بالروم فقال: لا أنفي بعدها أبدًا\" (٣).\nوعن سيدنا علي - ﵁ - أنه قال: \"كفى بالنفي (٤) فتنة\"، فدل\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٤٩٦).\n(٢) سورة النور: الآية ٢.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٣٢٠).\n(٤) المصدر السابق (١٣٣٢٧).","vol":"12","page":495},{"text":"٤٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا هُشَيْمٌ، نَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ - يَعْنِى ابْنَ الْخَطَّابِ - خَطَبَ فَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا -ﷺ- بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَرَجَمْنَا مِنْ بَعْدِهِ. وَإِنِّي خَشِيتُ - إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ الزَّمَانُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِى كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، فَالرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا كَانَ مُحْصَنًا،\n===\nعلى أن فِعلَهم كان على طريق التعزير، فنحن به نقول: إن للإمام أن ينفي إن رأى المصلحة في التغريب، ويكون تعزيرًا لا حدًّا، والله ﷾ أعلم.\n٤٤١٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا هشيم، نا الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، أن عمر- يعني ابن الخطاب-) - ﵁ - (خطب فقال: إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم) وهي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله، والله عزيز حكيم (فقرأناها، ووعيناها، ورجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده) أي جرى حكمها في حياته - ﷺ -، وبقي بعد وفاته، فظهر بذلك أنه لم ينسخ (وإني خشيت إن طال بالناس الزمانُ أن يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله) لأنها صارت منسوخةَ التلاوة، فترك لفظها من القرآن (فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، فالرجم حق على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنًا).\nقال في \"البدائع\" (١): أما إحصان الرجم فهو عبارة في الشرع عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجود (٢) الرجم، وهي سبعة: العقل، والبلوغ، والحرية،\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٤٩٣).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"البدائع\": \"لوجوب الرجم\".","vol":"12","page":496},{"text":"إذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ حَمْلٌ،\n===\nوالإِسلام، والنكاح الصحيح، وكونُ الزوجين جميعًا على هذه الصفات، وهو أن يكونا جميعًا عاقلين، بالغين، حرَّين، مسلمين، فوجود هذه الصفات جميعًا فيهما شرط لكون كل واحد منهما محصنًا، والدخولُ في النكاح الصحيح بعد سائر الشرائط متأخرًا عنها، فإن تقدَّمها لم يُعتَبَرْ ما لم يوجد دخول آخر بعدها.\n(إذا قامت البينة، أو كان حَمل) قال الشوكاني في \"النيل\" (١): قد استدل بذلك من قال: إن المرأة تُحَدُّ إذا وُجدت حاملًا ولا زوج لها ولا سيد، ولم ينكر (٢) شبهة، وهو مروي عن عمر ومالك وأصحابه، قالوا: إذ حملت ولم يُعلم لها زوج، ولا عرفنا إكراهَها لزمها الحد، إلا أن تكون غريبة، وتدعي أنه من زوج أو سيد.\nوذهب الجمهور إلى أن مجرد الحمل لا يثبت به [الحد]، بل لا بد من الاعتراف أو البينة، واستدلوا بالأحاديث الواردة في درء الحدود بالشبهات (٣).\nوالحاصل أن هذا من قول عمر - ﵁ -، ومثل ذلك لا يثبت به مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس، وكونُه قاله في مجمع من الصحابة ولم يُنكَرْ عليه، لا يستلزم أن يكون إجماعًا، كما بينا ذلك في غير موضع من هذا الشرح؛ لأن الإنكار في المسائل الاجتهادية غير لازم للمخالف، ولا سيما والقائل بذلك عمر - ﵁ -، وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم، إلا أن يدَّعى أن قوله: \"إذا قامت البينة، أو كان الحمل، أو الاعتراف\" من تمام ما يرويه عن كتاب الله تعالى، ولكنه خلاف\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥٥٤).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"النيل\": \"ولم تذكر شبهة\".\n(٣) كما روي عن عائشة ﵂ مرفوعًا وموقوفا عليها: ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ... الحديث. أخرجهما الترمذي ١٤٢٤، ١٤٢٥، ورجَّح وقفَه، ثم قال: وقد روي نحوُ هذا عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم قالوا مثلَ ذلك.","vol":"12","page":497},{"text":"أَوِ اعْتِرَافٌ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ فِى كِتَابِ اللَّهِ، لَكَتَبْتُهَا\". [خ ٦٨٣٠، م ١٦٩١، ت ١٤٣٢، جه ٢٥٥٣، حم ١/ ٢٣]\n... (١)\n٤٤١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِى (٢) يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ يَتِيمًا فِى حِجْرِ أَبِي، فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنَ الْحَيِّ فَقَالَ لَهُ أَبِي: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ\n===\nالظاهر؛ لأن الذي كان في كتاب الله هو ما أسلفنا في أول كتاب الحدود.\nوقد أجاب الطحاوي بتأويل ذلك على أن المراد: أن الحبل إذا كان من زنى وجب فيه الرجم، ولا بد من ثبوت كونه من الزنى، وتُعقِّب بأنه يأبى ذلك جعلُ الحبل مقابلا للبينة والاعتراف.\n(أو اعتراف، وايم الله لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله، لكتبتُها) لئلا يضيع حكم الرجم بكونه ليس موجودًا في كتاب الله.\n٤٤١٩ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا وكيع، عن هشام بن سعد قال: حدثني يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه) نعيم بن هزال (قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أبي) أي هزال (فأصاب جارية (٣) من الحي) أي زنى بها (فقال له أبي) أي هزال: (اِئتِ رسول الله - ﷺ - فأَخْبِرْه بما صنعتَ لعله يستغفر لك، وإنما يريد) أي هزال (بذلك) أي بإرساله إلى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب رجم ماعز بن مالك\".\n(٢) في نسخة بدله: \"نا\".\n(٣) اسمها فاطمة أمة لهزال، كما في \"التلقيح\" (ص ٥١١)، وقيل: اسمها منيرة، كذا في \"تهذيب اللغات\" للنووي (٢/ ٣٧٢). (ش).","vol":"12","page":498},{"text":"رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجًا (١).\nقال: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَىَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، حَتَّى قَالَهَا أَرْبَعَ مِرَّاتٍ (٢).\n===\nوإخباره (رجاء أن يكون له) أي لماعز (مخرجًا).\n(قال) نعيم: (فأتاه) أي أتى ماعز رسولَ الله - ﷺ - (فقال: يا رسول الله! إني زنيت فأقم عليَّ كتابَ الله) أي حكم كتابه (فأعرض عنه، فعاد) أي ماعز ثانيًا (فقال: يا رسول الله! إني زنيت فأقم عليَّ كتابَ الله، فأعرض) رسول الله - ﷺ - (عنه، فعاد) ثالثًا (فقال: يا رسول الله! إني رنيت فأقم عليَّ كتابَ الله، حتى قالها أربع مرات).\nقال الشوكاني (٣): قد استدل بأحاديث الباب القائلون بأنه يشترط في الإقرار بالزنى أن يكون أربع مرات، فإن نقص عنها لم يثبت الحد، وهم العترة وأبو حنيفة وأصحابه، وابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل (٤)، وإسحاق، والحسن بن صالح، هكذا في \"البحر\"، وفيه أيضًا: عن أبي بكر وعمر والحسن البصري ومالك وحماد وأبي ثور والبتِّي (٥) والشافعي: أنه يكفي وقوعُ الإقرار مرة واحدة، وروي ذلك عن داود.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"مخرج\".\n(٢) في نسخة: \"مرار\".\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥٤٤).\n(٤) وفي حاشية أبي داود: يشترط عند الحنفية كونُها في أربع مجالسَ، وعند أحمد يكفي مجلس واحد أيضًا، انتهى، ولا يشكل الحديث على الحنفية بأنهم قالوا أن يكون أربع إقرارات في أربع مجالس؛ لأنهم لم يقولوا تبديل مجلس القاضي، هكذا في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣٧٤، ٣٧٥)، و\"الإرشاد الرضي\"، وبسط ابنُ الهمام في دلائل أربع مجالس في \"فتح القدير\" (٥/ ٢٠٤، ٢٠٥). (ش).\n(٥) في الأصل: \"الليثي\"، وهو تحريف.","vol":"12","page":499},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- \"إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَبِمَنْ؟ \"، قَالَ: بِفُلَانَةَ. قَالَ: \"هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"هَلْ بَاشَرْتَهَا؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"هَلْ جَامَعْتَهَا؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ.\nفَأُخْرِجَ بِهِ إِلَى الْحَرَّةِ، فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَجَزِعَ (١)، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ (٢) فَقَالَ: \"هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ\". [حم ٥/ ٢١٦]\n===\n(فقال النبي - ﷺ -: إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن) زنيت؟ (قال: بفلانة، قال: هل ضاجعتَها؟ قال) ماعز: (نعم، قال) رسول الله - ﷺ -: (هل باشرتها؟ قال) ماعز: (نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم) وإنما استفسر المضاجعةَ والمباشرةَ والمجامعةَ لئلا يبقى فيه شبهة عن فهم الزنا، فلعله يفهم المباشرة وغيرَ ذلك من الزنا.\n(قال: فأمر به (٣) أن يُرجَم، فأُخرِج به إلى الحرة، فلما رُجِمَ فوجد مَسَّ الحجارة فجزع) أي فزع (فخرج يشتدّ) أي يعدو (فلقيه عبدُ الله بن أنيس وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيفِ بعيرٍ) وهو خفه، كالحافر للفرس (فرماه به فقتله، ثم أتى) أي عبدُ الله (النبيَّ - ﷺ - فذكر له ذلك) أي أنه فَرَّ، فقتلتُه بوظيف (فقال: هَلَّا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه) أي لعله أن يرجع عن إقراره فيعفى\n_________\n(١) في نسخة: \"جزع\".\n(٢) في نسخة: \"له ذلك\".\n(٣) استدل النووي (٦/ ٢٢٢) بحديث الباب على أنه لا يجب على الإمام أو الشهود حضورُ مجلس الرجم، خلافًا للحنفية إذ قالوا: يبدأ الإِمام والشهود، واستدل صاحب \"الهداية\" (١/ ٣٤١) بأنه منصوص عن علي ﵁ فيما لا يُدرَك بالقياس.\nقلت: وحديث الباب يحتمل أن يكون رماه النبي - ﷺ - بشيء صغير أولًا، كما رمى الغامدية بحصاة مثل الحمصة، كما سيأتي في \"باب في المرأة التي أمر النبي - ﷺ - برجمها من جهينة\". (ش).","vol":"12","page":500},{"text":"٤٤٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: \"ذَكَرْتُ لِعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قِصَّةَ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ،\n===\nعن الحد، فيتوب فيتوب الله عليه، وهذا دليل لمن قال: إن المعترف إذا رجع عن إقراره يُترَك.\nقال الشوكاني (١): قوله: \"هلَّا تركتموه\"، استدل به على أنه يُقبل من المقر الرجوعُ عن الإقرار ويسقط عنه الحد، وإلى ذلك ذهب أحمد والشافعية (٢) والحنفية والعترة، وهو مروي عن مالك في قول له، وذهب ابن أبي ليلى والبتِّي (٣) وأبو ثور ورواية عن مالك وقول للشافعي: أنه لا يقبل منه الرجوعُ عن الإقرار بعد كماله كغيره من الإقرارات.\nقال الأولون: ويترك إذا هرب لعله يرجع، قال في \"البحر\": [مسألة] وإذا هرب المرجومُ بالبينة أتبع الرجم حتى يموت، لا بالإقرار؛ لقوله - ﷺ - في ماعز: \"هَلَّا خليتموه\"، ولصحة الرجوع عن الإقرار، ولا ضمان إذ لم يضمنهم - ﷺ -؛ لاحتمال كون هربه رجوعًا أو غيره، انتهى.\nوذهبت المالكية إلى أن المرجوم لا يترك إذا هرب، وعن أشهب: إن ذكر عذرًا قيل: يترك، وإلَّا فلا، ونقله العتبي عن مالك، وحكى اللخمي عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة.\n٤٤٢٠ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، حدثنا يزيد بن زريع، عن محمد بن إسحاق قال: ذكرتُ لعاصم بن عمر بن قتادة قصةَ ماعز بن مالك،\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥٥٠، ٥٥١).\n(٢) وحكى صاحب \"الهداية\" (١/ ٣٤٠) فيه خلافَ الشافعي، لكن قال ابن الهمام (٥/ ٢٠٨): إن المسطور في كتبهم: أنه لو رجع قبل الحد أو بعد ما أقيم عليه بعضُه سقط الباقي، وبسط الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ١٢٧) الاختلافَ فيه. (ش).\n(٣) في الأصل: \"الليثي\"، وهو تحريف.","vol":"12","page":501},{"text":"فَقَالَ لِي: حَدَّثَنِى حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ\". مَنْ شِئْتُمْ مِنْ رِجَالِ أَسْلَمَ مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ. قَالَ: وَلَمْ أَعْرِفْ هَذَا الْحَدِيثَ.\nقَالَ: فَجِئْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَسْلَمَ يُحَدِّثُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُمْ حِينَ ذَكَرُوا لَهُ جَزَعَ مَاعِزٍ مِنَ الْحِجَارَةِ حِينَ أَصَابَتْهُ: \"أَلا تَرَكْتُمُوهُ\". وَمَا أَعْرِفُ الْحَدِيثَ.\nقَالَ: يَا ابْنَ أَخِى أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَ الرَّجُلَ: \"إِنَّا لَمَّا خَرَجْنَا بِهِ فَرَجَمْنَاهُ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ صَرَخَ بِنَا: يَا قُومُ، رُدُّونِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِنَّ قَوْمِي قَتَلُونِي وَغَرُّونِي مِنْ نَفْسِي، وَأَخْبَرُونِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- غَيْرُ قَاتِلِي، فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ. فَلَمَّا رَجَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ: \"فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ\n===\nفقال) عاصم (لي: حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب) - ﵁ - (قال: حدثني ذلك) القولَ (من قول رسول الله - ﷺ -) وهو قوله: (فهلا تركتموه، مَنْ شئتم) فاعل لقوله: حدثني (من رجال أسلَمَ ممن لا أتهم، قال) أي الحسن: (ولم أعرف هذا الحديث) أي هذا القولَ من الحديث، فإنه إذا ثبت الحكم عند الإِمام بالحد فكيف يترك؟\n(قال) أي الحسن: (فجئت جابرَ بنَ عبد الله، فقلت: إن رجالًا من أسلمَ يحدثون أن رسول الله - ﷺ - قال لهم حين ذكروا له) - ﷺ - (جَزَعَ ماعز من الحجارة حين أصابته) وهَربه: (ألَا تركتموه؟ ! وما أعرف الحديث) تأكيد لما تقدم.\n(قال: يا ابن أخي! أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجم الرجل) أي ماعزَ، (إنا لما خرجنا به فرجمناه فوجد مَسَّ الحجارة صرخ بنا: يا قوم، ردُّوني إلى رسول الله - ﷺ -، فإن قومي قتلوني، وغَرّوني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله - ﷺ - غير قاتلي! فلم ننزع عنه) أي فلم نكفّ أيدينا عن رجمه (حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله - ﷺ - وأخبرناه قال: فهلَّا تركتموه","vol":"12","page":502},{"text":"وَجِئْتُمُونِى بِهِ\"! لِيَسْتَثْبِتَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُ، فَأَمَّا لِتَرْكِ حَدٍّ فَلَا\"، قَالَ: فَعَرَفْتُ وَجْهَ الْحَدِيثِ. [حم ٣/ ٣٨١]\n٤٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نَا خَالِدٌ - يَعْنِى الْحَذَّاءَ -، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّهُ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَسَأَلَ قَوْمَهُ: \"أَمَجْنُونٌ هُوَ؟ \"، قَالُوا: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.\nقَالَ: \"أَفَعَلْتَ بِهَا؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَانْطُلِقَ بِهِ فَرُجِمَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. [ق ٨/ ٢٢٦]\n===\nو) هلَّا (جئتموني به) قال جابر: إنما قال رسول الله - ﷺ -: فهلا تركتموه وجئتموني به (لِيستثبِتَ رسول الله - ﷺ - منه، فأما لترك حدٍّ فلا، قال: فعرفتُ وجه الحديث).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"حدثني ذلك مَن شئتم\" هذه مقولة الحسن، أراد بذلك أن هذه الزيادة رواها كثير من الصحابة، ولا يدرى وجهه، وذلك لأن الحد لا يسقط إذا بلغ الحاكمَ أمرُه، فعلم بحديث جابر أن المراد ليس هو الترك مطلقًا، بل المراد أن ثبوت الحد لما كان مبنيًا على إقراره، فلعله أن يرجع عن إقراره المبني عليه الحد، فيسقط الحد لأجل ذلك.\n٤٤٢١ - (حدثنا أبو كامل، نا يزيد بن زريع، نا خالد -يعني الحذاء-، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن ماعز بن مالك أتى النبي - ﷺ - فقال: إنه زنى، فأعرض عنه، فأعاد عليه مرارًا، فأعرض عنه) أي في أثناء تكرار الإقرار (فسأل قومَه) لما تم إقرارُه أربَع مرات: (أمجنون هو؟ قالوا: ليس به) أي لعقله (بأس، قال: أفعلتَ بها؟ قال: نعم، فأمر به أن يُرجَم، فانطُلِق به فَرُجِم، ولم يصل عليه) النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) في نسخة: \"ليستتيب\".","vol":"12","page":503},{"text":"٤٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى النبي -ﷺ- رَجُلٌ (١) قَصِيرًا أَعْضَلَ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَلَعَلَّكَ قَبَّلْتَهَا؟ \"، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ زَنَى الآخِرُ؟\nقَالَ: فَرَجَمَهُ ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: \"أَلَا كُلَّمَا نَفَرْنَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَلَفَ أَحَدُهُمْ لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ يَمْنَحُ إِحْدَاهُنَّ الْكُثْبَةَ،\n===\nواختُلِف في الصلاة عليه، ففي بعض الروايات: لم يصلِّ عليه، وفي بعضها: صلى عليه، فإما أن يقال: إن المثبت مقدم على النافي، وإما أن يقال في وجه الجمع: إن رسول الله - ﷺ - أنكر الصلاة عليه، وقال: صلوا على صاحبكم، ثم بعد ذلك إما بالوحي، وإما بالاجتهاد صلَّى عليه.\nواختلف الأئمة - ﵏- في الصلاة على المحدود فكرهه مالك، وقال أحمد: لا يصلي الإِمام وأهل الفضل، وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: يصلي عليه، وعلى كل من هو من أهل لا إله إلا الله من أهل القبلة، وإن كان فاسقًا أو محدودًا، وهو رواية عن أحمد.\n٤٤٢٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: رأيت ماعزَ بنَ مالك حين جيء به إلى النبي - ﷺ - رجل قصير) أي قصير القامة (أعضل) مكتنز اللحم (ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه قد زنى، فقال رسول الله - ﷺ -: فلعلك قبَّلتها؟) وظننت القبلة أنها الزنى.\n(قال) ماعز: (لا، والله إنه قد زنى الأخِرُ) بوزن الكبد، وهو الأبعد المتأخر عن الخير (قال) جابر: (فرجمه ثم خطب) رسول الله - ﷺ - (فقال: ألا كُلَّما نفرنا في سبيل الله) في الغزو وغيرِها (خَلَفَ) أي تخلف (أحدهم له نبيب) وهو صوت التَّيْس عند السِّفَاد (كنبيب التيس يمنح إحداهن الكُثْبَةَ) هي قدر\n_________\n(١) في نسخة: \"رجلًا قصيرًا\".","vol":"12","page":504},{"text":"أَمَا إنَّ الله إنْ يُمَكِّنِّي مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا نَكَّلْتُهُ عَنْهُنَّ\". [م ١٦٩٢، حم ٥/ ١٠٢]\n٤٤٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالأَوَّلُ أَتَمُّ، قَالَ: فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ. قَالَ سِمَاكٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ رَدَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. [م ١٦٩٢، حم ٥/ ١٠٣]\n٤٤٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ أَبِى عَقِيلٍ الْمِصْرِيُّ، نَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: \"فَسَأَلْتُ سِمَاكًا عَنِ الْكُثْبَةِ، فَقَالَ: اللَّبَنُ الْقَلِيلُ\". [حم ٥/ ١٠٣]\n===\nحلبة، أو قدح لبن، أو القليل منه، كذا في \"المجمع\" (١) (أما إنّ) مشددة (الله إن) حرف شرط (يمكنني من أحد منهم إلَّا نكَّلته) أي روّعته، ودفعته بالرجم والجلد (عنهن).\n٤٤٢٣ - (حدثنا محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سماك قال: سمعت جابر بن سمرة، بهذا الحديث، والأول أتم، قال: فرده مرتين)، وهذا لا ينفي الزيادة على مرتين (قال سماك: فحدثت به سعيدَ بنَ جبير فقال: إنه رده أربع مرات) ومعنى \"رده أربع مرات\" أي بعد الرابعة سأل عن عقلِه، وكيفيةِ الزنا، وماهيتِه.\n٤٤٢٤ - (حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل المصري) هو عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك اللخمي، أبو جعفر بن أبي عقيل المصري، قال ابن يونس: كان فقيهًا فرضيًا ثقة. (نا خالد -يعني ابن عبد الرحمن- قال: قال شعبة: فسألت سماكًا عن الكثبة، فقال: اللبن القليل).\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٨٠)، وقال أيضًا: والكثبة كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غيرهما.","vol":"12","page":505},{"text":"٤٤٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِى عَنْكَ؟ \"، قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: \"بَلَغَنِى عَنْكَ أَنَّكَ وَقَعْتَ عَلَى جَارِيَةِ بَنِى فُلَانٍ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ (١)، قال: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. [م ١٦٩٣، ت ١٤٢٧، حم ١/ ٢٤٥]\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"اللبن القليل\" هذا بيان للمعنى الحقيقي، والمراد في الرواية بالكثبة ليس هو هذا المعنى بل المعنى: هو المني، ويمكن أن يراد في الرواية المعنى الحقيقيُّ، انتهى.\n٤٤٢٥ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - لماعز بن مالك: أَحَقٌّ ما بلغني عنك؟).\nوهذا بظاهره مخالف للرواية المشتهرة الدالة على أن ماعزًا بنفسه أتى رسولَ الله - ﷺ -، وأخبره بما فعل، وأعرض عنه رسول الله - ﷺ -، ثم لما أقر أربعَ مرات، فسأل عنه عن حاله، لكن أجاب الطيبي عنه في \"شرح المشكاة\" (٢) بأنه لا يبعد أن يقال: إنه بلغه حديثُ ماعز، فلما حضر بين يديه فاستنطقه؛ لينكر ما نسب إليه لدرء الحد، فلما أقَرَّ أعرض عنه إلى آخر ما رواه الرواة، فيكون في هذه الرواية اختصار.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"أحق ما بلغني؟ \" وفي بعض ما يروى تصريح بأن ماعزًا هو الذي بادر إلى بيان ما وقع له قبل أن يسأل، ولا منافاة، فقد أمكن أن يكون ماعزًا أتى إليه لأجل ذلك، وقد كان النبي - ﷺ - قد وصله الخبر، فلما سأله بلفظ: \"أحق ما بلغني عنك؟ \" قال له ماعز: إن هذا هو الذي أتيت لأجله إليك.\n(قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني عنك أنك وقعتَ على جارية بني فلان؟ قال: نعم، فشهد أربع شهادات، قال) ابن عباس: (فأمر به فَرُجِمَ).\n_________\n(١) في نسخة: \"بأربع مرات\".\n(٢) \"شرح الطيبي على المشكاة\" (٧/ ١٣٢) ح (٣٥٦٦).","vol":"12","page":506},{"text":"٤٤٢٦ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ، أَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبيِّ -ﷺ-، فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا مَرَّتَيْنِ، فَطَرَدَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: \"شَهِدْتَ عَلَى نَفْسِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ\". [حم ١/ ٣١٤]\n٤٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنِى يَعْلَى: عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-.\n(ح): وَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ قَالَا: نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى - يَعْنِي ابْنَ حَكِيمٍ - يُحَدِّثُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: \"لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ \". قَالَ: لَا. قَالَ: \"أَفَنِكْتَهَا؟ \"، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ\n===\n٤٤٢٦ - (حدثنا نصر بن علي، أنا أبو أحمد، أنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي - ﷺ - فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين، فقال) رسول الله - ﷺ -: (شهدتَ على نفسكَ أربع مرات) فقال للناس: (اذهبوا به فارجموه).\n٤٤٢٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا جرير، حدثني يعلى، عن عكرمة، أن النبي - ﷺ -، ح: ونا زهير بن حرب وعقبة بن مكرم قالا: نا وهب بن جرير، نا أبي قال: سمعت يعلى -يعني ابن حكيم- يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال لماعز بن مالك: لعلك قبلتَ أو غمزتَ).\nالغمز الكبس باليد، وبالعين، وبالحاجب، ويحتمل الحديث هذه المعاني كلها، قلت: ويحتمل أن يكون معنى الغمز الكبس بالذكر بأن لا يُدْخِل حتى يتحقق الزنى (أو نظرت؟) أي إلى فرجها (قال: لا، قال؟ أفنكتها؟) أي جامعتَها، وهذا اللفظ كأنه صريح في الإدخال (قال: نعم، قال: فعند ذلك","vol":"12","page":507},{"text":"أَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُوسَى: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا لَفْظُ وَهْبٍ. [خ ٦٨٢٤، م ١٦٩٣]\n٤٤٢٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الصَّامِتِ ابْنَ عَمِّ أَبِى هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: \"جَاءَ الأَسْلَمِيُّ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً (١) حَرَامًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَأَقْبَلَ فِى الْخَامِسَةِ فَقَالَ: \"أَنِكْتَهَا؟ \". قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِى ذَلِكَ مِنْهَا؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِى الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِى الْبِئْرِ؟ \"، قَالَ:\n===\nأمر برجمه، ولم يذكر موسى: عن ابن عباس) فأرسله، (وهذا لفظ وهب).\n٤٤٢٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أن عبدَ الرحمن بن الصامت)، وقيل: ابن هضَّاض، وقيل: ابن الهضهاض، وقيل: ابن الهضاب الدوسي (٢) (ابنَ عمِّ أبي هريرة) وقيل: ابن أخيه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البخاري: لا يُعرَف إلا بهذا الحديث، وقال في \"التقريب\": مقبول.\n(أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: جاء الأسلمي) أي ماعز بن مالك (إلى النبي - ﷺ -، فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حرامًا أربع مرات) متعلق بـ \"شهد على نفسه\"، (كل ذلك يُعْرِض عنه النبي - ﷺ -، فأقبل في الخامسة فقال: أنكتها؟) أي جامعتها (قال: نعم، قال) رسول الله - ﷺ -: (حتى غاب ذلك) أي الذكر (منك في ذلك) أي الفرج (منها؟) أي من المرأة (قال: نعم، قال: كما يغيب المِرْوَدُ) أي الميل (في المُكْحُلَة والرِّشاءُ) أي حبل الدلو (في البئر؟ قال) ماعز:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من جهينة\".\n(٢) في الأصل: \"العروسي\"، وهو تحريف.","vol":"12","page":508},{"text":"نَعَمْ، قَالَ: \"فَهَلْ تَدْرِى مَا الزِّنَا؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِى الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ (١) حَلَالًا، قَالَ: \"فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ \"، قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.\nفَسَمِعَ نَبِيُّ -ﷺ- رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِى سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ (٢) بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: \"أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ\"؟ فَقَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فقَالَ: \"انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ\"، فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: \"فَلَمَا (٣) نِلْتُمَا\n===\n(نعم، قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته) أي من الجماع (حلالًا، قال: وما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهِّرَني) أي من دنس المعصية (فأمر) رسول الله - ﷺ - (به فَرُجِمَ).\n(فسمع نبي الله - ﷺ - رجلين من أصحابه) لم أقف على اسمهما (يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تَدَعْه نفسُه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب، فسكت) رسول الله - ﷺ - (عنهما، ثم سار ساعة حتى مر) رسول الله - ﷺ - (بجيفة حمار شائل) أي رافع (برجله) من شدة الانتفاخ (فقال: أين فلان وفلان؟)، ولعل السامع اشترك مع القائل لأنه وافق قولَه، ورضي به.\n(فقالا: نحن ذان يا رسول الله، فقال: انزلا) الظاهر أنهما كانا راكبين، ويحتمل أن يكون الحمار الشائل برجله في حفرة وهما غير راكبين (فَكُلَا من جيفة هذا الحمار) لم يكن هذا الأمر للائتمار والامتثال، بل للردع عما قال قبل ذلك (فقالا: يا نبي الله، من يأكل من هذا؟ قال: فلما نلتما) أي أصبتما\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أهله\".\n(٢) في نسخة: \"شائلا\".\n(٣) في نسخة: \"فما\".","vol":"12","page":509},{"text":"مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ (١) فِيهَا\" (٢). [ع ٦١٤٠، ق ٨/ ٢٢٧، حب ٤٣٩٩]\n٤٤٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ اعْتَرَفَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ\n===\n(من عرض أخيكما آنفًا أشد من أكلٍ منه).\nأشار النبي - ﷺ - إلى قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (٣)، وكونه أشدَّ لكون هذه الغيبة من حق أخيه المسلم الذي مات فلا يرجى عفوه (والذي نفسي بيده إنه) أي ماعز (الآن لفي أنهار الجنة ينغمس) أي يغوص (فيها) أي في الأنهار.\n٤٤٣٠ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، أن رجلًا من أسلم) وهو ماعز بن مالك (جاء إلى رسول الله - ﷺ - فاعترف بالزنا، فأعرض عنه، ثم اعترف فأعرض عنه، حتى شهد على نفسه أربعَ شهادات،\n_________\n(١) في نسخة: \"ينقمس فيها\" بالقاف، قال الخطابي (٣/ ٣٣٠): معناه ينغمس ويغوص فيها، والقاموس معظم الماء. قال في \"النهاية\": قَمَسَه في الماء فانقمس، أي غمسه وغطَّه، وُيروى بالصاد، وهو بمعناه. [انظر: \"النهاية\" (٤/ ١٠٧)]. (ش).\n(٢) زاد في نسخة:\n٤٤٢٩ - حدثنا الحسن بن علي، نا أبو عاصم، نا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن ابن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة بنحوه، زاد: واختلفوا، فقال بعضهم: رُبِطَ إلى شجرة وقال بعضهم: وُقِفَ.\nقلت: قال المزي بعد إيراد هذا الحديث في \"تحفة الأشراف\" رقم (١٣٥٩٩): \"حديث الحسن بن علي، عن أبي عاصم، في رواية أبي بكر بن داسه، ولم يذكره أبو القاسم\".\n(٣) سورة الحجرات: الآية (١٢).","vol":"12","page":510},{"text":"فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَبِكَ جُنُونٌ\"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"أُحْصِنْتَ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ النَّبِىُّ -ﷺ- فَرُجِمَ فِى الْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- خَيْرًا، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. [خ ٦٨١٤، م ١٦٩١، ن ١٩٥٦، حم ٤/ ٣٢٣]\n٤٤٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا يَزِيدُ ابْنَ زُرَيْعٍ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَهَذَا لَفْظُهُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ،\n===\nفقال له النبي - ﷺ -: أبك جنون؟ قال) ماعز: (لا، قال) النبي - ﷺ -: (أحصنتَ؟ قال: نعم، قال) جابر: (فأمر به النبي - ﷺ - فَرُجم في المصلى) أي مصلى الجنائز والعيد، يوضحه ما في الرواية الأخرى: \"ببقيع الغرقد\". وقيل: معناه: عند المصلي؛ لأن المراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز، وهو بناحية بقيع الغرقد، وقد وقع في حديث أبي سعيد عند مسلم: \"فأمَرَنا أن نرجمة، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد\".\nوفهم بعضهم كعياض من قوله \"بالمصلى\" أن الرجم وقع داخلَه، وقال: يستفاد منه أن المصلى لا يثبت له حكم المسجد، إذ لو ثبت له ذلك لاجتنب الرجم فيه؛ لأنه لا يؤمن التلويث من المرجوم خلافًا لما حكاه الدارمي أن المصلى يثبت له حكم المسجد، ولو لم يوقف، وتُعقِّب بأن المراد أن الرجم وقع عنده لا فيه، قاله الحافظ (١).\n(فلما أذلقته) أي آذته وأقلقته (الحجارة فَرَّ فأدرك) بصيغة المجهول (فرجم حتى مات، فقال له النبي - ﷺ - خيرًا، ولم يصلِّ عليه) وقد تقدم ما يتعلق بالصلاة عليه.\n٤٤٣١ - (حدثنا أبو كامل، نا يزيد بن زريع، ح: ونا أحمد بن منيع، عن يحيى بن زكريا، وهذا لفظه) أي لفظ يحيى بن زكريا، (عن داود، عن أبي نضرة،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٢٩، ١٣٠).","vol":"12","page":511},{"text":"عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِرَجْمِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ خَرَجْنَا بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَوَاللَّهِ مَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ وَلَكِنَّهُ قَامَ لَنَا.\nقَالَ أَبُو كَامِلٍ: قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ (١) بِالْعِظَامِ وَالْمَدَرِ وَالْخَزَفِ، فَاشْتَدَّ وَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ حَتَّى أَتَى عُرْضَ الْحَرَّةِ، فَانْتَصَبَ لَنَا، فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ حَتَّى سَكَتَ، قَالَ: فَمَا اسْتَغْفَرَ (٢) لَهُ وَلَا سَبَّهُ. [م ١٦٩٤، حم ٣/ ٢، دي ٢٣٢٣]\n٤٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي -ﷺ- نَحْوَهُ، وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ،\n===\nعن أبي سعيد قال: لما أمر النبي - ﷺ - برجم ماعز بن مالك خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما أوثقناه ولا حفرنا له) حفيرة (ولكنه قام لنا، قال أبو كامل: قال) يزيد بن زريع: (فرميناه بالعظام والمدر (٣) والخذف (٤)، فاشتد) أي عدا عدوًا شديدًا (واشتددنا خلفه حتى أتى عُرض الحرة) العُرض بالضم، أي جانبها (فانتصب) أي قام ماعز (لنا فرميناه بجلاميد الحرة) وهي الحجارة الكبار، واحده جلمود، كعنقود (حتى سكت، قال) أبو سعيد: (فما استغفر) رسول اللهﷺ - (له) لئلا يغتر به الناس (ولا سَبَّه)؛ لأن سَبَّ المسلمِ بعد الموت لا يجوز.\n٤٤٣٢ - (حدثنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل، عن الجريري، عن أبي نضرة قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (وليس) هذا الحديث (بتمامه) أي بتمام الحديث المتقدم\n_________\n(١) في نسخة: \"رميناه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الله\".\n(٣) وفي \"المجمع\" (٤/ ٥٧٠): بفتح ميم ودال: الطين المجتمع الصلب.\n(٤) الخذف: الحجارة الصغيرة، وفي أكثر النسخ التي بين أيدينا: الخزف بفتح الخاء والزاي، وهي: أكسار الأواني المصنوعة من المدر، كما في \"العون\" (١٢/ ٧٦).","vol":"12","page":512},{"text":"قَالَ: ذَهَبُوا يَسُبُّونَهُ فَنَهَاهُمْ، قَالَ: ذَهَبُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ فَنَهَاهُمْ، قَالَ: \"هُوَ رَجُلٌ أَصَابَ ذَنْبًا حَسِيبُهُ (١) اللَّهُ\". [انظر مَا قبله]\n٤٤٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ، نَا أَبِي، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اسْتَنْكَهَ مَاعِزًا\" [م ١٦٩٥]\n٤٤٣٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الأَهْوَازِيُّ، نَا أَبُو أَحْمَدَ، نَا بَشِيرُ بْنُ مُهَاجِرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَتَحَدَّثُ: أَنَّ الْغَامِدِيَّةَ\n===\n(قال) أبو سعيد: (ذهبوا) أي شرع الناس (يسبونه فنهاهم، قال) أبو سعيد: (ذهبوا يستغفرون له فنهاهم، قال) رسول الله - ﷺ -: (هو رجل أصاب ذنبًا، حسيبه الله) أي كافيه، قال المنذري (٢): هذا مرسل، انتهى، وهذا الحديث يدل على أن الحد ليس بكفارهّ.\n٤٤٣٣ - (حدثنا محمد بن أبي بكر بن أبي شيبة، نا يحيى بن يعلى بن الحارث، نا أبي) يعلى بن الحارث، (عن غيلان) بن جامع، (عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - استنكه ماعزًا) أي طلب نكهة فم ماعز ليعلم أنه ليس بسكران، فإن إقرار السكران لا يُعْتَبَرُ.\n٤٤٣٤ - (حدثنا أحمد بن إسحاق) بن عيسى (الأهوازي) البزار، أبو إسحاق، صاحب السلعة، قال النسائي: صالح، (نا أبو أحمد) الزبيري، (نا بشير بن مهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب (قال: كنا أصحابَ رسول الله - ﷺ - نتحدث: أن الغامدية) أي المرأة التي رُجمتْ\n_________\n(١) في نسخة: \"الله حسيبه\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٥٢) ح (٤٢٧٠).","vol":"12","page":513},{"text":"وَمَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ لَوْ رَجَعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ يَرْجِعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا - لَمْ يَطْلُبْهُمَا، وَإِنَّمَا رَجَمَهُمَا عِنْدَ الرَّابِعَةِ\".\n٤٤٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ عَبْدَةُ: أنَا حَرَمِىُّ بْنُ حَفْصٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ اللَّجْلَاجِ حَدَّثَهُ، أَنَّ اللَّجْلَاجَ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا يَعْتَمِلُ فِى السُّوقِ، فَمَرَّتِ امْرَأَةٌ تَحْمِلُ صَبِيًّا، فَثَارَ النَّاسُ مَعَهَا، وَثُرْتُ فِيمَنْ ثَارَ، وانْتَهَيْتُ إِلَى\n===\nبإقرارها بالزنا (وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو) للشك من الراوي (قال: لو لم يرجعا) إلى رسول الله - ﷺ -، أو إلى الإقرار (بعد اعترافهما لم يطلبهما) رسول الله - ﷺ - إلى الرجم (وإنما رجمهما عند) أي بعد (الرابعة) أي بعد المرة الرابعة من الإقرار.\n٤٤٣٥ - (حدثنا عبدة بن عبد الله ومحمد بن داود بن صبيح، قال عبدة: أنا حرمي بن حفص) ولم يذكر قول محمد بن داود، ولعله رواه بلفظ: عن، (نا محمد بن عبد الله بن عُلَاثة) بضم أوله، وبعد اللام ألف، وبعد الألف مثلثة، ابن مالك العقيلي الجزري، أبو اليسير الحراني القاضي، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه ولا يُحتج به، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال الأزدي: حديثه يدل على كذبه.\nقال الخطيب: أفرط الأزدي في الحمل على ابن علاثة، وأحسبه وقعت له روايات لعمرو بن الحصين فإنه كان كذابًا، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال الدارقطني: عمرو بن حصين وابن العلاثة جميعًا متروكان، وقال ابن حبان: كان يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل ذكره إلَّا على جهة القدح فيه.\n(نا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، أن خالد بن اللجلاج حدثه، أن اللجلاج أباه أخبره، أنه كان قاعدًا يعتمل في السوق، فمرت امرأة تحمل صبيًا فثار) أي مشى (الناس معها وَثُرْتُ) أي مشيت (فيمن ثار، وانتهيت إلى","vol":"12","page":514},{"text":"النبيَّ -ﷺ- وَهُوَ يَقُولُ: \"مَنْ أَبُو هَذَا مَعَكِ؟ \"، فَسَكَتَتْ، فَقَالَ شَابٌّ حَذْوَهَا: أَنَا أَبُوهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: \"مَنْ أَبُو هَذَا مَعَكِ؟ \"، فقَالَ الْفَتَى: أَنَا أَبُوهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَعْضِ مَنْ حَوْلَهُ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا إلَّا خَيْرًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أُحْصَنْتَ؟ \"، قَالَ نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.\nقَالَ: فَخَرَجْنَا بِهِ فَحَفَرْنَا لَهُ حَتَّى أَمْكَنَّا، ثُمَّ رَمَيْنَاهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى هَدَأَ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ عَنِ الْمَرْجُومِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى النبيِّ -ﷺ-، فَقُلْنَا: هَذَا جَاءَ يَسْأَلُ عَنِ الْخَبِيثِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَهُوَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ ﷿ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ\"، فَإِذَا هُوَ أَبُوهُ، فَأَعَنَّاهُ عَلَى\n===\nالنبي - ﷺ - وهو يقول) للمرأة: (من أبو هذا) الولد الذي (معكِ؟ فسكتت، فقال شاب حذوها: أنا أبوه يا رسول الله، فأقبل عليها فقال: من أبو هذا معك؟ فقال الفتى: أنا أبوه يا رسول الله، فنظر رسول الله - ﷺ - إلى بعض من حوله يسألهم عنه) أي عن عقله، (فقالوا: ما علمنا إلَّا خيرًا) أي ليس به الجنون (فقال له النبي - ﷺ -: أحصنتَ؟ قال: نعم، فأمر به فرجم) ولعله وقع الإقرار بالزنا صريحًا، ولكن لم يذكر في الرواية.\n(قال: فخرجنا به، فحفرنا (١) له حتى أمكنا) وفي رواية: \"أمكَنَنَا\"، أي قَدَرْنا على رجمه، أو هو أقدَرَنا (ثم رميناه بالحجارة حتى هدأ) أي مات (فجاء رجل يسأل عن المرجوم، فانطلقنا به إلى النبي - ﷺ - فقلنا: هذا جاء يسأل عن الخبيث، فقال - ﷺ -: لهو أطيب عند الله ﷿ من ريح المسك)، ولعله - ﷺ - علم بالوحي أن الله سبحانه غفر له (فإذا هو) أي السائل عنه (أبوه، فأعنّاه على\n_________\n(١) فيه الحفر للرجل، وقال الموفق: لا يُحفَر للرجل إجماعًا. [انظر: \"المغني\" (١٢/ ٣١١)]. (ش).","vol":"12","page":515},{"text":"غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ، وَمَا أَدْرِي قَالَ: وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟، وَهَذَا حَدِيثُ عَبْدَةَ، وَهُوَ أَتَمُّ. (١). [حم ٣/ ٤٧٩]\n٤٤٣٦ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ. (ح): وَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِيُّ، نَا الْوَلِيدُ، جَمِيعًا قَالَا: نَا مُحَمَّدٌ - وقَالَ هِشَامٌ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْثِيُّ - عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النبيِّ -ﷺ- بِبَعْضِ هَذَا الْحَدِيثِ (٢).\n===\nغسله وتكفينه ودفنه، وما أدري) وهذا قول بعض الرواة (قال) شيخي: (والصلاةِ عليه أم لا؟).\n(وهذا) المذكور لفظ (حديث عبدة، وهو أتم) أي وهو أتم من لفظ محمد بن داود، وهو مختصر، ولهذا لم يذكره.\n٤٤٣٦ - (حدثنا هشام بن عمار، نا صدقة بن خالد، ح: ونا نصر بن عاصم الأنطاكي، نا الوليد، جميعًا قالا) أي صدقة والوليد: (نا محمد، وقال هشام) شيخ المصنف: (محمد بن عبد الله الشُّعيثي) وأما نصر بن عاصم، فلعله اقتصر على اسمه فقط، فقال: نا محمد (عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن خالد بن اللجلاج، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - ببعض هذا الحديث) المتقدِّم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الذي تفرَّد به في هذا الحديث غسل المرجوم، وتكفينه\".\n(٢) جاء بعد هذا الحديث في نسخ أبي داود حديث آخر:\n٤٤٣٧ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا عبد السلام بن حفص، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي - ﷺ -: \"أنَ رجلًا أتاهُ فأقَرَّ عندَه أنه زنى بامرأةٍ فسماها له، فبعث رسول الله - ﷺ - إلى المرأةِ فسألَها عن ذلكَ فأنْكَرَتْ أن تكون زَنَت، فجلَدَهُ الحدَّ وتركها.\nقلت: أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٣٣٩)، وانظر: \"تحفة الأشراف\" للمزي (٣/ ٦٤٣) رقم (٤٧٠٥).","vol":"12","page":516},{"text":"٤٤٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا. (ح): وَنَا ابْنُ السِّرْحِ، الْمَعْنَى، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: \"أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَأَمَرَ بِهِ رسول الله -ﷺ- فَجُلِدَ الْحَدَّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ (١)، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ\" (٢) (٣). [ق ٨/ ٢١٧]\n===\n٤٤٣٨ - حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا، ح: ونا ابن السرح، المعنى، أنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلًا زنى بامرأة فأمر به رسول الله - ﷺ - فَجُلِدَ الحدَّ) كأنه لم يعلم رسول الله - ﷺ - بإحصانه، (ثم أُخبِر أنه مُحصَن، فأمر به فرجم).\nقال القاري (٤): فيه دليل على أن أحد الأمرين لا يقوم مقام الآخر، وأن الإِمام إذا أمر بشيء من الحدود، ثم بان له أن الواجب غيره، عليه المصير إلى الواجب، ذكره الأشرف، وتبعه ابن الملك، لكن قوله: \"أحد الأمرين لا يقوم مقام الآخر\" لا يصح على إطلاقه، إذ الرجم يقوم مقام الجلد صورة ومعنى، فإنه لا شك في أنه يكفره مع الزيادة.\nقلت: في الحديث إشكال (٥) على مذهب الجمهور، تقريره أن الحديث بظاهره يدل على أن رسول الله - ﷺ - جلد رجلًا زنى بامرأة، ولم يعلم رسول الله - ﷺ - أنه مُحصَن، ثم أُخْبِر وعلم أنه محصَن فرجمه، وهذا يقتضي على مذهب الجمهور أن الجلد وقع خطأ، وقد اتفقت الأمة على أن رسول الله - ﷺ - لا يقر على الخطأ، وهذا إقرار على الخطأ فلا يجوز، وأما على مذهب من يجوِّز الجمع بين الجلد والرجم فلا إشكال.\n_________\n(١) في نسخة: \"أحصن\".\n(٢) زاد في \"العون\" (١٢/ ٧٩) ح (٤٤٢٧) نسخة: روى هذا الحديثَ محمدُ بنُ بكرٍ موقوفًا على جابر، وسكت عند المنذري. (ش).\n(٣) زاد في نسخة: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ محمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البُرْسَانيُّ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ. وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِم، عن ابْنِ جُرَيْجٍ بِنَحْوِ ابْنِ وَهْبٍ- لَمْ يَذْكُر النبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إن رَجُلًا زَنَى فَلَمْ يُعْلمْ بِإحصَانِه فَجُلِدَ، ثَم عُلِمَ بِإحْصَانِهِ فَرُجِمَ\".\n(٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ١٦٠).\n(٥) يظهر الجواب من \"الشفاء\" للقاضي عياض. (ش).","vol":"12","page":517},{"text":"٤٤٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ قال: أَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: \"أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَمْ يَعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ، فَجُلِدَ، ثُمَّ عَلِمَ بِإِحْصَانِهِ فَرُجِمَ\" [ق ٨/ ٢١٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>(٢٤) بَابٌ في الْمَرْأَةِ التِي أَمَرَ النَبِيُّ - ﷺ - بِرَجْمِهَا مِنْ جُهَيْنَةَ</span>\n٤٤٤٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ هِشَامًا الدَّسْتَوَائِيَّ وَأَبَانَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَاهُمُ - الْمَعْنَى -، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ امْرَأَةً - قَالَ فِى حَدِيثِ أَبَانَ: مِنْ جُهَيْنَةَ - أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَتْ: إِنَّهَا زَنَتْ وَهِىَ حُبْلَى، فَدَعَا رسول الله (١) -ﷺ- وَلِيًّا لَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحْسِنْ إِلَيْهَا،\n===\n٤٤٣٩ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز قال: أنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلًا زنى بامرأة فلم يُعلم بإحصانه فَجُلِد، ثم عُلِمَ بإحصانه فَرُجِمَ).\n\n(٢٤) (بَابٌ في الْمَرْأَةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجْمِهَا مِنْ جُهَيْنَةَ)\n٤٤٤٠ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، أن هشامًا الدستوائي وأبان بن يزيد حدثاهم) أي مسلم بن إبراهيم ومن معه (المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن امرأة، قال) مسلم (في حديث أبان) لفظ: (من جهينة) بعد قوله: أن امرأة، ولم يذكر هشام هذا اللفظ (أتت النبي - ﷺ - فقالت: إنها زنت وهي حبلى) أي وأقرَّتْ أنها حبلى من الزنا (فدعا رسول الله - ﷺ - وَليًّا لها، فقال له) أي لوليها (رسول الله - ﷺ -: أحسِنْ إليها) لأن معصيتها غير مستلزمة للإساءة\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"12","page":518},{"text":"فَإِذَا وَضَعَتْ فَجِئْ بِهَا\". فَلَمَّا أَنْ وَضَعَتْ جَاءَ بِهَا (١)، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ -ﷺ- فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَصَلَّوْا عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نصَلِّي (٢) عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ؟ فقَالَ (٣): \"وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا\"؟ ! [م ١٦٩٦، ت ١٤٣٥، جه ٢٥٥٥، ن ١٩٥٧، حم ٤/ ٤٢٩]\nلَمْ يَقُلْ عن أَبَانَ: \"فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثيَابُهَا\".\n٤٤٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيُّ، نَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: \"فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، يَعْنِى: فَشُدَّتْ -\" [انظر ما قبله]\n===\nبها، وقد أقرت (فإذا وضعت) أي الحملَ (فجئْ بها).\n(فلما أن وضعت جاء) وليها (بها) إلى رسول الله - ﷺ - (فأمر بها النبي - ﷺ -، فَشُكَّتْ) أي شُدَّتْ (عليها ثيابُها) لئلا تنكشف من بدنها شيء (ثم أمر بها فرجمت، ثم أمرهم) أي الناسَ (فصلوا عليها، فقال عمر: يا رسول الله! نصلي عليها وقد زنت؟) أي أتت معصية كبيرة (فقال) رسول الله - ﷺ -: (والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قُسِّمَتْ بين سبعين من أهل المدينة) الذين ارتكبوا الكبائر (لَوَسِعَتْهم) أي لَشَمِلَتْهُم؛ لأنها ندمت على فعلها، وأتت بنفسها إلى رسول الله - ﷺ - نادمة حتى أجرت على نفسها الحدَّ (وهل وجدت أفضل من أن جادتْ) أي سمحت (بنفسها) توبة إلى الله؟\n(لم يقل) مسلم (عن أبان: فشُكَّت عليها ثيابها).\n٤٤٤١ - (حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، نا الوليد، عن الأوزاعي قال: فَشُكَّتْ عليها ثيابها، يعني: فَشُدَّت).\n_________\n(١) في نسخة: \"جاءه\".\n(٢) في نسخة: \"أنصلي؟ \".\n(٣) في نسخة: \"قال\".","vol":"12","page":519},{"text":"٤٤٤٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنَا عِيسَى، عَنْ بَشِيرِ ابْنِ الْمُهَاجِرِ قال: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ امْرَأَةً - يَعْنِى مِنْ غَامِدَ - أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَتْ: إِنِّى قَدْ فَجَرْتُ (١)، فَقَالَ: \"ارْجِعِى\"، فَرَجَعَتْ، فَلَمَّا أن كَانَ الْغَدُ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: لَعَلَّكَ (٢) أَنْ تُردِّدَنِي (٣) كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى، فَقَالَ لَهَا: \"ارْجِعِى\"، فَرَجَعَتْ.\nفَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَتَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: \"ارْجِعِي حَتَّى تَلِدِي\"، فَرَجَعَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ، فَقَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، فَقَالَ: \"ارْجِعِى، فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ\". فَجَاءَتْ بِهِ وَقَدْ فَطَمَتْهُ،\n===\n٤٤٤٢ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى) يعني ابن يونس، (عن بشير بن المهاجر قال: نا عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب، (أن امرأة (٤)، يعني من غامد) وهي المرأة التي تقدم ذكرُها في الحديث المتقدم، وغامد بطن من جهينة (أتت النبي - ﷺ - منه، فقالت: إني قد فجرتُ) أي زنيتُ (فقال) رسول الله - ﷺ -: (ارجعي، فرجعتْ، فلما أن) زائدة (كان الغد أتته) أي عند رسول الله - ﷺ - (فقالت: لعلك أن تُرَدِّدَني كما رَدَّدتَ ماعزَ بنَ مالك) فإنه رده مرات، ثم رده بقوله: لعلك قبَّلت أو لمزتَ (فوالله إني لحبلى) من الزنا (فقال لها: ارجعي فرجعتْ، فلما كان الغد أتته، فقال لها: ارجعي حتى تلدي، فرجعت، فلما ولدت أتته) أي إلى رسول الله - ﷺ - (بالصبي، فقالت: هذا قد ولدته، فقال: ارجعي فأرضعيه حتى تَفطِميه) أي الولدَ (فجاءت به) أي بالولد (وقد فطمته).\nقال النووي (٥): (٦) الرواية الأخيرة مخالفة للأولى، فإن الثانية صريحة في\n_________\n(١) في نسخة: \"فاجرتُ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"تريد\".\n(٣) في نسخة: \"تَرُدَّني\".\n(٤) وفي \"التلقيح\" (ص ٦٧٨): اسمها سبيعة، وقيل: أبية بنت فرج. (ش).\n(٥) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٢٠).\n(٦) وقال أيضًا (٦/ ٢٢٠): مذهبُ الشافعي وأحمد، والمشهورُ في مذهب مالك: أنها لا تُرجَم =","vol":"12","page":520},{"text":"وَفِى يَدِهِ شَىْءٌ يَأْكُلُهُ، فَأَمَرَ بِالصَّبِيِّ، فَدُفِعَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فأَمَرَ (١) بِهَا فَحُفِرَ لَهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ.\nوَكَانَ خَالِدٌ فِيمَنْ يَرْجُمُهَا، فَرَجَمَهَا بِحَجَرٍ فَوَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمِهَا عَلَى وَجْنَتِهِ، فَسَبَّهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ\". وَأَمَرَ (٢) بِهَا فَصُلِّىَ عَلَيْهَا فَدُفِنَتْ (٣). [م ١٦٩٥، ق ٨/ ٢٢١، ك ٤/ ٣٦٣]\n===\nأن رجمها كان بعد الفطام وأكل الخبز، والأولى ظاهرة في أن رجمها عقيب الولادة، فوجب تأويل الأولى إلى الثانية (٤) لتتفقا.\n(وفي يده) أي يد الولد (شيء يأكله، فأمر بالصبي فَدُفِع إلى رجل من المسلمين، فأمر بها فحفر (٥) لها) حفرة (وأمر بها فَرُجمت (٦)، وكان خالد فيمن يرجمها، فرجمها بحجر، فوقعت قطرة من دمها على وجنته) أي منه (فسبَّها، فقال له النبي - ﷺ -: مهلًا) أي أَمْهِلْ مهلًا (يا خالد) عن هذا الكلام السَّيِّئِ (فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس) أي من يأخذ أموال الناس ظلمًا مثل العشور (لغفر له. وأمر بها فصلي عليها فَدُفنت).\n_________\n= حتى تجد من ترضعه، وإلا فترضعه حتى تفطمه، وقالت الحنقية: لا ننتظر للفطام ... إلخ، وفي \"الهداية\" (١/ ٣٤٤): عن أبي حنيفة يؤخر الرجم إلى أن يستغني ولدها عنها إذا لم يكن أحد يقوم بتربيته؛ لأن في التأخير صيانة الولد عن الضياع، وقد روي أنه ﵇ قال للغامدية: \"ارجعي حتى يستغني ولدك\"، وبه جزم صاحب \"الدر المختار\"، وبحث الشامي (٦/ ٢١، ٢٢)، وابن الهمام (٥/ ٢٣٤) أن القصتين مختلفتان، في إحداهما كان له مكفِّل، فَرُجمت بعد الوضع، وفي الأخرى لم يكن فأُخِّرَتْ، ويؤيد التأخيرَ حتى التكفل حديثُ شداد مرفوعًا عند ابن ماجه برقم (٢٦٩٤)، في \"باب الحامل يجب عليها القود\"، وفي \"فتح الباري\" (١٢/ ١١٩) أعطى علي ﵁ الولدَ لأقرب النساء، ورجم الأمَّ. (ش).\n(١) في نسخة: \"وأمر\".\n(٢) في نسخة: \"فأمر\".\n(٣) في نسخة: \"وَدُفنت\".\n(٤) وقال ابن الهمام: الأول أصح؛ لأن في الثانية بشيرًا، فيه مقال (٥/ ٢٣٤). (ش).\n(٥) بسط النووي خلاف الأئمة في الحفر لها وله. [راجع: \"شرح النووي\" (٦/ ٢١٧)] (ش).\n(٦) وَرَجَمَ الغامديةَ في سنة ٩ هـ، كما في \"الخميس\" (٢/ ١٣٩). (ش).","vol":"12","page":521},{"text":"٤٤٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ زَكَرِيَّا أَبِى عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: \"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَجَمَ امْرَأَةً، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى الثَّنْدُوَةِ\" [حم ٥/ ٣٦، ٤٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ عَنْ عُثْمَانَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وقَالَ الْغَسَّانِيُّ: جُهَيْنَةُ، وَغَامِدٌ، وَبَارِقٌ: وَاحِدٌ.\n٤٤٤٤ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حُدِّثْتُ عن عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ قال: نَا زَكَرِيَّا بْنُ سُلَيْمٍ بِإسْنَادِهِ نَحْوَهُ،\n===\n٤٤٤٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع بن الجراح، عن زكريا) بن سليم (أبي عمران) قال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال: سمعت شيخًا) لم يسم (يحدث، عن ابن أبي بكرة) واسمه عبد الرحمن، (عن أبيه) أبي بكرة (أن النبي - ﷺ - رجم امرأة فحفر لها إلى الثَّنْدُوَة) بمثلثة، قال في \"النهاية\" (١): الثَّنْدُوَتان للرجل كالثديين للمرأة، فمن ضم الثاء هَمَزَ، ومن فتحها لم يهمز، والمراد ها هنا: أي إلى الصدر.\n(قال أبو داود: أفهمني رجل عن عثمان) وفي نسخة: يعني ابن أبي بكرة، كأن أبا داود لم يفهم لفظ ابن أبي بكرة عن شيخه عثمان جيدًا، وأفهمه رجل هذا اللفظ.\n(قال أبو داود: وقال الغساني) أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم: (جهينة، وغامد، وبارق: واحد).\n٤٤٤٤ - (قال أبو داود: حُدِّثتُ عن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: نا زكريا بن سليم) وهو أبو عمران المتقدم (بإسناده نحوه) أي نحو الحديث\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٢٢٣).","vol":"12","page":522},{"text":"زَادَ: ثُمَّ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ مِثْلَ الْحِمَّصَةِ، ثُمَّ قَالَ: \"ارْمُوا، وَاتَّقُوا الْوَجْهَ\"، فَلَمَّا طَفِئَتْ أَخْرَجَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا\"، وَقَالَ فِى التَّوْبَةِ نَحْوَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ.\n٤٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الآخَرُ - وَكَانَ أَفْقَهَهُمَا -: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَائْذَنْ لِى أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ: \"تَكَلَّمْ\".\nقَالَ: إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا\n===\nالمتقدم (زاد: ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: ارموا واتقوا الوجهَ، فلما طَفِئَتْ) أي ماتت (أخرجها) من الحفرة (فصلَّى عليها) ثم دُفِنت (وقال في التوبة نحو حديث بريدة) الذي تقدم.\n٤٤٤٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله - ﷺ -، فقال أحدهما) أي زوج المرأة المزنية: (يا رسول الله! اقضِ بيننا بكتاب الله).\nقيل: المراد بكتاب الله ها هنا حكمه، وإنما قالا ذلك مع أنه - ﷺ - لا يحكم إلا به، لأنهما كانا سألا ذلك من الناس، وعلما أن حكمهم لم يكن بكتاب الله، فجاءا إلى رسول الله - ﷺ - ليحكم به.\n(وقال الآخر) وهو أبو الزاني (وكان أفقههما) وعلم بكونه أفقهَ لأنهما [كانا] يعلمانه قبل ذلك أنه أفقه، أو علما بما صدر منه من الكلام في هذه القصة (أجل، يا رسول الله! فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم، قال) قال رسول الله - ﷺ -: (تكَلَّم، قال) الرجل الآخر: (إن ابني كان عسيفًا) أي أجيرًا","vol":"12","page":523},{"text":"عَلَى هَذَا، - وَالْعَسِيفُ: الأَجِيرُ -، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِى أَنَّ (١) عَلَى ابْنِى الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ، وَبِجَارِيَةٍ لِى، ثُمَّ إِنِّى سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِى أَنَّمَا عَلَى ابْنِى جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ.\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ تعالى، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ إِلَيْكَ\"\n===\nللخدمة (على هذا) (٢) أي عند هذا، يخدم في بيته فيما تحتاج إليه امرأته من الأمور، فكان ذلك سببًا لما وقع له معها (والعسيف: الأجير، فزنى بامرأته، فأخبروني) أي بعض العلماء من الصحابة (أن على ابني الرجم، فافتديت منه) أي من ابني لخصمه (بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم) أي كبراءهم وفضلاءهم (فأخبروني أنما على ابني جلدُ مائة وتغريبُ عام) أي إخراجه عن البلدة سنة (وأنما الرجم على امرأته).\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب (٣) الله تعالى)، إما المراد آية الرجم ثم نسخت تلاوته، أو يقال: إن المراد بكتاب الله تعالى هو حكمه؛ لأن حكمه - ﷺ - هو حكم الله في كتابه، وهو اللوح المحفوظ، فإن التغريب ليس في الآية.\n(أما غنمك وجاريتك فرد) أي مردود (إليك) (٤) لأنك أعطيتها ليرتفع عن\n_________\n(١) في نسخة: \"أنما\".\n(٢) قال القسطلاني: لم يقل \"لهذا\" ليعلم أنه أجير ثابت الأجرة أتم العمل، ثم زنا. [انظر: \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٧٢) ح (٢٦٩٦)]. (ش).\n(٣) أشكل على هذا اللفظ بأن الجلد والتغريب ليسا من كتاب الله، وقد حلف ﵇ بالقضاء بكتاب الله، وأْجاب عنه ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٠٥ - ١٠٧) مبسوطًا، حاصله: أن المراد بكتاب الله حكم الله، أو منسوخ التلاوة، كذا في \"القسطلاني\" (١٤/ ٢٧٣) ح (٦٨٢٨). (ش).\n(٤) قال ابن دقيق العيد: فيه أن ما يؤخذ بالعقد الفاسد يُرَدُّ، انتهى. كذا في القسطلاني. [\"إرشاد الساري\" (٦/ ١٧٢)]. (ش).","vol":"12","page":524},{"text":"وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً، وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الأَسْلَمِىَّ أَنْ يَأْتِىَ امْرَأَةَ الآخَرِ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْ،فَرَجَمَهَا\". [خ ٢٧٢٤، م ١٦٩٧، ت ١٤٣٣، ن ٥٤١٠، جه ٢٥٤٩، حم ٤/ ١١٥]\n===\nابنك الحدّ، ولا يرتفع، فهي مردودة عليك (وجلد ابنَه مئة) لأنه كان بكرًا واعترف بالزنا (وغرَّبه عامًا، وأمر انيسًا (١) الأسلميَّ أن يأتي (٢) امرأة الآخر، فإن اعترفت) بالزنا بالوجه الموجب للرجم (رجمها، فاعترفت فرجمها).\nوفي الحديث إشكال من حيث إن رسول الله - ﷺ - بعث أنيسًا إلى المرأة وقال: إن اعترفت فارجمها، والحال أن الزنا لا يُتجسَّس فيه، ولا يُتنقب عنه، بل يستحب تلقين المقر به ليرجع، كما في قصة ماعز، فلأيِّ سبب بعث إليها رسول الله - ﷺ - أنيسًا؟\nوالجواب عنه: أن والد الغلام قال في حضرة رسول الله - ﷺ -: \"إن ابني هذا زنى بامرأته\"، فهذا القول قذف لها بالزنا، فثبت لها مطالبة موجب القذف إن أنكرت الزنا، فلهذا الوجه بعث رسول الله - ﷺ - إليها أنيسًا أنها رُميت بالزنا، فإن أنكرت الزنا يثبت لها حق مطالبة موجب القذف، وإن أقرَّت به ترجم، فاعترفت بالزنا وَرُجمت.\nقال الحافظ: لم أقف على اسم الخصمين، ولا الابن، ولا المرأة، ولا على أسماء أهل العلم، ولا على عددهم.\n_________\n(١) ابنَ الضحاك، لا خادمَه - ﷺ -. \"قسطلاني\" (١٤/ ٢٧٥) ح (٦٨٢٨). (ش)،\n(٢) أشكل عليه أن التوكيل في الحدود لا يجوز عندنا، قال النووي (٦/ ٢٢٢): لا يجب حضور الإِمام في الحدود والقصاص عند الشافعي ومالك، وقال أحمد وأبو حنيفة: يجب، قلت: ها هنا مسئلتان، تقدم الكلام على الثانية، وأما الأولى فجائز صرَّح به في \"البدائع\" (٥/ ٥٢٠).انتهى.\nوأشكل على الحديث بوجوه بسطها الحافظ (١٢/ ١٤٠، ١٤١)، وقال: يمكن الانفصال بأن أنيسًا بُعِثَ حاكمًا عليه ... إلخ.\nقلت: هذا هو الأوجه، وإلا فأي وجه للإرسال، والزنا لا يفتش ولم يوجد الاعتراف أربعًا عنده ﵇، واستدل به الموفق على أن المدعى عليه إن كان امرأة مخدَّرة يبعث الحاكم من يقضي بينها وبين خصمها. [انظر: \"المغني\" (١٤/ ٤٠)]. (ش).","vol":"12","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1683>(٢٥) بَابٌ في رَجْمِ الْيَهُودِيينِ</span>\n٤٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رسول الله -ﷺ- فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا تَجِدُونَ فِى التَّوْرَاةِ فِى شَأْنِ الزِّنَا؟ \"،\n===\n\n(٢٥) (بَابٌ في رَجْمِ (١) الْيَهُودِيين)\n٤٤٤٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: قرأت على مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله - ﷺ -، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأةً زنيا).\nقال الحافظ (٢): ذكر السهيلي عن ابن العربي أن اسم المرأة بسرة بضم الموحدة وسكون المهملة، ولم يسم الرجل، والسبب في ذلك أن اليهود قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بُعِثَ بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا رسول الله - ﷺ - وهو جالس في المسجد في أصحابه، فسألوه.\n(فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما تجدون (٣) في التوراة في شأن الزنا؟).\nقال الحافظ (٤): قال الباجي: يحتمل أن يكون عَلِمَ بالوحي أن حكم\n_________\n(١) كان في سنة ٢ هـ، كما في \"الخميس\" (١/ ٤٦٧)، والقصة فيه مذكورة في السنة الرابعة من الهجرة، واختلفت الروايات في القصة، وفي بعضها أن القصة كانت بخيبر، كما في \"الفتح\" (١٢/ ١٦٧)، وفي \"التعليق الممجد\" (٣/ ٧٨) سنة ٤ هـ. (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٧).\n(٣) فيه السؤال عن التوراة والحكم بما فيها، وتقدم الكلام على ذلك (١١/ ٣٧٨). (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٨).","vol":"12","page":526},{"text":"قَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ.\nفَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَهَا، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَرُجِمَا.\nقَالَ (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِى (٢) عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا\n===\nالرجم فيها ثابت على ما شُرعَ، لم يلحقه تبديل، ويحتمل أنه علم ذلك بإخبار عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم منهم، ويحتمل أنه إنما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه، ثم يتعلم صحةَ ذلك من قِبَل الله تعالى.\n(قالوا: نفضحهم، ويجلدون) وفي رواية ابن عمر: قالوا: نسوِّد وجوهَهما، ونُحَمِّمُهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما، كذا في \"الفتح\" (٣).\n(فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها) أي في التوراة (الرجم، فأتوا) على صيغة الماضي (بالتوراة فنشروها، فجعل أحدهم يدَه على آية الرجم) لئلا يراها عبد الله (ثم جعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له) أي للفتى الذي يقرأ التوراة (عبد الله بن سلام: ارفع يَدَك، فرفعها) أي اليد (فإذا فيه آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله - ﷺ - فَرُجما).\n(قال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني) (٤) أي يميل (على المرأة يقيها\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"يَجْنَأ\".\n(٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٨).\n(٤) قال في \"الفتح\" (١٢/ ١٦٩): بالحاء المهملة، بعدها نون مكسورة، ثم تحتانية ساكنة، وعن المستملي والكشميهني: بجيم ونون مفتوحة، ثم همزة، ورجَّح الأخير ابن دقيق العيد.","vol":"12","page":527},{"text":"الْحِجَارَةَ (١). [خ ٦٨٤١، م ١٦٩٩، ت ١٤٣٦، حم ٢/ ٥]\n===\nالحجارة).\nقال الحافظ (٢): قال المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك: شرطه (٣): الإحصانُ (٤) والإِسلامُ، وأجابوا عن حديث الباب بأنه - ﷺ - إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإِسلام بشيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجمَ على المحصنِ وغيرِ المحصن، قالوا: وكان ذلك أولَ دخول النبي - ﷺ - المدينةَ، وكان مأمورًا باتباع حكم التوراة، والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم، ثم نُسِخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٥) ثم نُسِخَ ذلك بالتفرقة بين من أحصن ومن لم يحصن.\n_________\n(١) زاد في نسخ أبي داود المطبوعة حديث آخر:\n٤٤٤٧ - حَدَثنَا مُسَدَّدٌ، حَدَثنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عن الأَعْمشِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرةَ، عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرُّوا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - بِيَهُودِي قَدْ حُمِّمَ وَجْهُهُ، وَهُوَ يُطَافُ بِهِ. فَنَاشَدَهُمْ: مَا حَدُّ الزانِي في كِتَابِهِمْ؟ قَالَ: فَأَحَالُوهُ عَلَى رَجُل مِنْهُمْ، فَنَشَدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَا حَدُّ الزانِي في كتَابِكُمْ؟ \"، فقَالَ: الرجمُ، وَلَكِنْ ظَهَرَ الزِّنَا في أَشْرَافِنَا، فَكَرِهْنَا أَنْ نَتْرُكَ الشَّرِيفَ وُيقَامَ عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَوَضَعْنَا هَذَا عَنَا، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ الله - ﷺ - فَرُجِمَ ثُمّ قَالَ: \"اللَّهُم إني أوَلُ مَنْ أَحْيَا مَا أَمَاتُوا مِنْ كِتَابِكَ\". [م ١٧٠٠، جه ٢٥٥٨، حم ٤/ ٢٨٦].\nقال المزي بعد إيراده في \"الأطراف\" (١٧٧١): حديث مسدد في رواية أبي سعيد بن الأعرابي وأبي بكر بن داسه، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٠).\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: شرط الإحصان: الإِسلامُ، كما في \"الفتح\" (١٢/ ١٧٠).\n(٤) قال ابن رشد: اتفقوا على أن الإحصان من شرط الرجم، واختلفوا في شروطه، فقال مالك: البلوغ والإِسلام والحرية والوطء في عقد صحيح، وحالة جائز فيها الوطء، والوطء المحظور عنده الوطء في حيض أو صوم، ووافق الحنفية مالكًا إلَّا في الوطء المحظور، واشترط في الحرية أن تكون من الطرفين، ولم يشترط الإِسلام الشافعي، لحديث الباب. انتهى. [\"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٣٥)]، وقريب منه ما ذكره النووي. [\"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٢٧)]. (ش).\n(٥) سورة النساء: الآية ١٥.","vol":"12","page":528},{"text":"٤٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِيَهُودِىٍّ مُحَمَّمٍ (١)، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: \"هَكَذَا (٢) تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِى؟ \"، قَالُوا (٣): نَعَمْ.\nفَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ قَالَ (٤) لَهُ: \"نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَكَذَا (٥) تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِى فِى كِتَابِكُمْ؟ \"، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِى بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِى فِى كِتَابِنَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِى أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الرَّجُلَ الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا لنَجْتَمِعَ (٦) عَلَى شَىْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ،\n===\n٤٤٤٨ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال: مُرَّ على رسول الله - ﷺ - بيهودي مُحَمَّمٍ، فدعاهم فقال) رسول الله - ﷺ -: (هكذا تجدون) في التوراة (حد الزاني؟ قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم) وهو عبد الله بن صوريا (قال له: نشدتُكَ بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) بأن يحمَّمَ وجهه ويطاف.\n(فقال) عبد الله بن صوريا: (اللهم لا، ولولا أنك نشدتني بهذا) الحلف (لم أخبرك، نجد حدَّ الزاني في كتابنا الرجمَ، ولكنه كثر) الزنا (في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه) لهيبته وشرافته (وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا لنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع) لأن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"مجلود\".\n(٢) في نسخة: \"قال: أهكذا\"؟\n(٣) في نسخة: \"فقالوا\".\n(٤) في نسخة: \"فقال\".\n(٥) في نسخة: \"أهكذا\".\n(٦) في نسخة: \"فتجتمع\".","vol":"12","page":529},{"text":"فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ، وَتَرَكْنَا الرَّجْمَ.\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ إِنِّى أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ\"، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فِى الْيَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فِى الْيَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١)، قَالَ: هِىَ فِى الْكُفَّارِ كُلُّهَا، يَعْنِى هَذِهِ الآيَةَ.\n===\nالتفريق بين الشريف والوضيع موجب للفتنة (فاجتمعنا على التحميم) أي تسويد الوجهِ (والجلدِ) أي بالضرب بالسوط (وتركنا الرجمَ). (فقال رسول الله - ﷺ -: اللهم إني أولُ من أحيا أمرك) في إجراء الحد (إذ أماتوه) أي اليهود (فأمر به فَرُجم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ في اليهود) أي نزلت في اليهود (إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ في اليهود إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، قال) أي البراء: (هي في الكفار كلِّها يعني هذه الآية).\nقال ابن جرير (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْر﴾ الآية: اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية؛ فقال بعضهم: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، لقوله لبني قريظة حين حاصرهم النبي - ﷺ -: \"إنما هو الذبح فلا تنزلوا على حكم سعد\"، وقال آخرون: نزلت في رجل من اليهود، سأل رجلًا من المسلمين، يسأل رسولَ الله - ﷺ - عن حكمه في\n_________\n(١) سورة المائدة: الآيات ٤١ - ٤٧.\n(٢) \"جامع البيان\" (٦/ ٢٧٨، ٢٨١).","vol":"12","page":530},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقتيل قتله، وقال آخرون: نزلت في عبد الله بن صوريا، وذلك أنه ارتد بعد إسلامه، وقال آخرون: بل عني بذلك المنافقون.\nثم قال: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: عني بذلك: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ قوم من المنافقين، وجائز أن يكون كان ممن دخل في هذه الآية ابن صوريا (١)، وجائز أن يكون غيرهما (٢)، غير أن أثبت شيء روي في ذلك ما ذكرناه من الرواية قبلُ، عن أبي هريرة والبراء بن عازب؛ لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ -.\nوإذا كان ذلك كذلك كان الصحيحُ من القول فيه أن يقال: عني به عبد الله بن صوريا، وإذا صح ذلك كان تأويلُ الآية: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحودِ نبوتك والتكذيب بك أنك لي نبي من الذين قالوا: صدّقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث، وعلمنا بذلك يقينًا بوجداننا صفتَكَ في كتابنا، وذلك أن في حديث أبي هريرة أن ابن صوريا قال لرسول الله - ﷺ -: \"أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك\"، فذلك كان من ابن صوريا إيمانًا برسول الله - ﷺ - بفيه، ولم يكن مصدِّقًا لِذلك بقلبه، فقال الله لنبيه - ﷺ - مُطلِعَه على ضمير [ابن] صوريا، وأنه لم يؤمن بقلبه، يقول: إنه لم يصدِّق قلبُه بأنك لله رسول.\nثم قال (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾، أي: ومن كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه، وجعله حكمًا بين عباده فأْخفاه، وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين (٤) بالتجبيهِ والتحميم، وكتمانهم\n_________\n(١) وفي \"جامع البيان\" بعدها: وجائز أن يكون أبو لبابة.\n(٢) أي: غير ابن صوريا وأبي لبابة.\n(٣) \"جامع البيان\" (٦/ ٣٠١ - ٣٠٨).\n(٤) أي: المحصنين، والتجبيه: تحميمُ وجوه الزانيين وتنكيسُ جِبَاهِهم.","vol":"12","page":531},{"text":"٤٤٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِىُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتَى نَفَرٌ مِنْ يَهُودَ (١)، فَدَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْقُفِّ، فَأَتَاهُمْ (٢) فِى بَيْتِ الْمِدْرَاسِ،\n===\nالرجمُ، وكقضائهم في بعض بنصفِ (٣) الدية، وفي الأشرافِ بالقصاص، وفي الأدنياء بالدية، وقد سَوَّى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.\nوقد اختلف أهل التأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع، فقال بعضهم: إنه عني به اليهودُ الذين حرفوا كتاب الله، وبدَّلوا حكمه، وقال بعضهم: عني بالكافرين أهلُ الإِسلام، وبالظالمين اليهودُ، وبالفاسقين النصارى، وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيات في أهل الكتاب، وهي مراد بها جميعُ الناس: مسلموهم وكفارهم، وقال آخرون: ومعنى ذلك: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، وأما الظلمُ والفسقُ به فهو للمقر به.\nوأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنِيُّون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونُها خبرًا عنهم أولى.\n٤٤٤٩ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، نا ابن وهب، حدثني هشام بن سعد، أن زيد بن أسلم حدثه، عن ابن عمر قال: أتى نفر من يهود، فدعوا رسول الله - ﷺ - إلى القُفِّ).\nقال في \"معجم البلدان\" (٤): والقف عَلَم لوادٍ من أودية المدينة، عليه مال لأهلها (فأتاهم) أي رسول الله - ﷺ - (في بيتِ المِدْرَاس) هو بيت يدرسون فيه التوراةَ.\n_________\n(١) في نسخة: \"اليهود\".\n(٢) في نسخة: \"فإذا هم\"\n(٣) وفي بعض آخر بدية كاملة، كما في جامع البيان (٦/ ٣٠١).\n(٤) \"معجم البلدان\" (٤/ ٣٨٣).","vol":"12","page":532},{"text":"فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ، فَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: \"ائْتُونِى بِالتَّوْرَاةِ\"، فَأُتِىَ بِهَا، فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ فَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا، وقَالَ: \"آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ\". ثُمَّ قَالَ (١): \"ائْتُونِى بِأَعْلَمِكُمْ\"، فَأُتِىَ بِفَتًى شَابٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.\n٤٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: نَا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، نَا يُونُسُ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ مِمَّنْ يَتَّبِعُ الْعِلْمَ وَيَعِيهِ، ثُمَّ اتَّفَقَا: وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ\n===\n(فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلًا منّا زنى بامرأة، فاحكم بينهم، فوضعوا لرسول الله - ﷺ - وسادة) تعظيما له وتأليفًا ليحكم فيهم بما يحبونه (فجلس) رسول الله - ﷺ - (عليها) أي على الوسادة (ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (ائتوني بالتوراة فأتي بها، فنزع الوسادةَ من تحته) أي من تحت نفسه (ووضع التوراةَ عليها، وقال) رسول الله - ﷺ -: (آمنت بكِ) خطابًا للتوراة (وبمن أنزلكِ، ثم قال: ائتوني بأعلمكم، فأتي بفتى شاب) وهو عبد الله بن صوريا (ثم ذكر) ابن وهب (قصةَ الرجم نحوَ حديث مالك، عن نافع).\n٤٤٥٠ - (حدثنا محمد بن يحيى، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري قال: نا رجل من مزينة، ح: ونا أحمد بن صالح، نا عنبسة، نا يونس قال: قال محمد بن مسلم) الزهري: (سمعت رجلًا من مزينة ممن يتَّبع العلم ويَعِيْه) فزاد يونس في روايته عن الزهري لفظ: \"ممن يتبع العلم ويعيه\"، أي يحفظه (ثم اتفقا) أي يونس ومعمر: (ونحن عند سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".","vol":"12","page":533},{"text":"وَهَذَا حَدِيثُ مَعْمَرٍ وَهُوَ أَتَمُّ - قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَامْرَأَةٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أذْهِبُونَا (١) إِلَى هَذَا النَّبِىِّ - ﷺ -، فَإِنَّهُ نَبِىٌّ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا، وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، قُلْنَا: فُتْيَا نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ.\nقَالَ: فَأَتَوُا النَّبِىَّ -ﷺ- وَهُوَ جَالِسٌ فِى الْمَسْجِدِ فِى أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا تَرَى فِى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ (٢) زَنَيَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْرَاسِهِمْ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: \"أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مَا تَجِدُونَ فِى التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ؟ \"، قَالُوا: يُحَمَّمُ، وَيُجَبَّهُ، وَيُجْلَدُ - وَالتَّجْبِيَةُ (٣): أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ وَتُقَابَلَ أَقْفِيَتُهُمَا وَيُطَافَ بِهِمَا -\n===\n- وهذا حديث معمر، وهو أتم- قال) أبو هريرة: (زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: أذهبونا) من الإفعال (إلى هذا النبي، فإنه نبي بُعِثَ بالتخفيف) بأحكام الشريعة، (فإن أفتانا بفتيا دون الرجم) أي أَخَفَّ من الرجم (قبلناها، واحتججنا بها عند الله، قلنا: فتيا نبي من أنبيائك) أي فعملنا بها.\n(قال: فأتوا النبي - ﷺ - وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة زنيا؟ فلم يكلِّمهم كلمة) أي لم يجبهم (حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب، فقال) أي رسول الله - ﷺ -: (أنشدكم) أقسمكم (بالله الذي أنزل التوراةَ على موسى ما تجدون في التوراة) بين الحد (على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: يُحمَّم) أي يسوَّد وجهه (ويُجَبَّهُ ويجلَد) أي يضرَب بالسوط (والتجبيه: أن يُحمل الزانيان) أي الزاني والزانية (على حمار، ويقابَلُ أقفيتُهما) وظهورهما (ويطاف بهما)، والظاهر أن هذا التفسير من الزهري.\n_________\n(١) في أكثر النسخ: \"اذهبوا بنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"منهم\".\n(٣) في نسخة: \"والتحبية\".","vol":"12","page":534},{"text":"قَالَ: وَسَكَتَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِىُّ -ﷺ- سَكَتَ أَلَظَّ بِهِ النِّشْدَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّا نَجِدُ فِى التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ.\nفَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: \"فَمَا أَوَّلُ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ؟ \"، قَالَ: زَنَى ذُو قَرَابَةٍ مَعَ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا، فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِى أُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ رَجْمَهُ، فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ، وَقَالُوا: لَا يُرْجَمُ (١) صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِئَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ، فَاصْطَلَحُوا (٢) عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ بَيْنَهُمْ.\nفَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: \"فَإِنِّى أَحْكُمُ بِمَا فِى التَّوْرَاةِ\"، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا. [تقدم برقم ٣٦٢٤]\nقَالَ الزُّهْرِىُّ: فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ (٣) فِيهِمْ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ\n===\n(قال) أبو هريرة: (وسكت شاب منهم) وهو عبد الله بن صوريا لم يتكلم. (فلما رآه النبي - ﷺ - سكت) ولم يتكلم معهم (أَلَظَّ به النِّشدةَ) أي ألزم به القسمَ (فقال: اللَّهم إذ نشدتَنا فإنا نجد في التوراة الرجمَ).\n(فقال النبي - ﷺ -: فما أولُ ما ارتخصتم أمر الله؟) أي فأيُّ سبب أول في أسباب اختياركم الرخصةَ في أمر الله (قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فَأُخِّر عنه الرجمُ) لكونه ذا قرابة من الملك (ثم زنى رجل في أسرة) أي عشيرة (من الناس) وذي قوة بسبب عشيرته (فأراد) الملك (رجمَه فحال قومُه دونَه) أي منع قومُه عن الرجم (وقالوا: لا يُرجَم صاحبُنا حتى تجيء بصاحبك فترجِمَه! واصطلحوا) أي صالحوا واتفقوا (على هذه العقوبة بينهم، فقال النبي - ﷺ -: فإني أحكم بما في التوراة) بالرجم (فأمر) رسول الله - ﷺ - (بهما فَرُجِما).\n(قال الزهري: فبلَغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ\n_________\n(١) في نسخة: \"لا تَرْجُمْ\".\n(٢) في نسخة: \"فأصلحوا\".\n(٣) في نسخة: \"أنزلت\".","vol":"12","page":535},{"text":"فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾، كَانَ النَّبِىُّ -ﷺ- مِنْهُمْ.\n===\nفِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (١) كان النبي - ﷺ - منهم).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": في هذه الروايات تدافِعُ، فقد صرح في الأولى منها أن اليهود جاءوا بأنفسهم قبل أن يفعلوا ما كانوا يفعلونه فيهم إذا زنا أحد منهم، وفي الثانية تصريح بأن النبي - ﷺ - بدأ بالمسألة حين رآهم فعلوا ما فعلوا، ثم إن في الثانية تصريحًا بأنهم دعاهم فسألهم، والثالثة مصرِّحة بأنهم دعوا النبيَّ - ﷺ - في القف، وفي الرابعة أنهم أتوه وهو في المسجد، ولا يمكن حملها على تعدد الواقعة؛ لأنه لا يمكن أن يكون ابن صوريا ينكر في كل مرة بعدَ ثبوتِ الرجم في التوراة حتى يفتقر إلى إثباته ثانيًا، وثالثًا، ورابعًا، وقد ثبت أنه الذي ناظره النبي - ﷺ - وناشده.\nوالجواب أنهم كانوا شاوروا فيما بينهم أن يأتوه، ويستفتوا منه - ﷺ -، فلعله أن يأمرهم بأمر هو أسهل مما هو واجب عليهم بحكم التوراة، وذلك لِمَا رأوا في شريعته - ﷺ - من السهولة واليسر ما ليس في شريعتهم، فلما أتوه وسألوا أمرَهم بالرجم تعزيرًا حيث علم بشيوع الفاحشة فيهم فذهبوا، وَلَمَّا لم يروا فيه تخفيفًا فعلوا ما كانوا يفعلون، فاتفق أنه - ﷺ - رأى اليهودي الذي استفتوا فيه على حمار، وهو محمَّم وجهُه، فتعجب بما فعلوا حيث لم يعملوا بما أُمِروا، فطلب اليهودَ وسألهم عن ذلك، فكان من أمرهم ما كان، ثم بدا له أن يذهب بنفسه إليهم، وأرسلوا إليه - ﷺ - يطلبونه، فروى كل من الرواة ما روى، ولا يرد رواية على رواية، والله تعالى أعلم.\nثم لا يخفى أن هذا كان تعزيرًا عليهم، ولم يكن الحكم على أهل الذمة جزمًا بعدُ، بل كان مخيَّرًا بين أن يحكم فيه وأن لا يحكم، وكان ذلك الحكم لمحاكمتهم إليه، ثم (٢) وجب بعد ذلك على الإِمام أن يحكم بين أهل الذمة\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ٤٤.\n(٢) يشكل عليه ما تقدم في هامش (١١/ ٣١٥) في \"باب الحكم من أهل الذمة\" من أن الإِمام مخيَّر عند مالك، وعندنا يحكم بينهم إذا ترافعوا، وللشافعي ثلاثة أقوال؛ هذان، والثالث: يجب عليه وإن لم يترافعوا. (ش).","vol":"12","page":536},{"text":"٤٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الأَصْبَغِ الْحَرَّانِىُّ قَالَ: حَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَقَدْ أُحْصِنَا حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، وَقَدْ كَانَ الرَّجْمُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِمْ فِى التَّوْرَاةِ، فَتَرَكُوهُ وَأَخَذُوا بِالتَّجْبِيَةِ: يُضْرَبُ مِائَةً بِحَبْلٍ مَطْليٍّ بِقَارٍ، وَيُحْمَلُ عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِمَّا يَلِى دُبُرَ الْحِمَارِ، فَاجْتَمَعَ أَحْبَارٌ مِنْ أَحْبَارِهِمْ\n===\nحسب ما يجري بين المسلمين من المعاملات، ويجب عليه أن يقيم الحدود عليهم أحبوا أو كرهوا، تحاكموا إليه أو لا.\nوأما استدلال من استدل بهذه الروايات على أن الإِسلام ليس شرطًا في الإحصان فساقط، وذلك لأنه لم يكن رجمُه - ﷺ - إياهم إلَّا للتعزير، والحجة لنا ما ورد في الروايات من اشتراط الإِسلام للإحصان.\nوأما ما ورد في هذه الروايات من أنهما كانا مُحصَنَينِ، فالمراد به النكاح إطلاقًا للكل على جزئه، وهو غير قليل، فقد ورد بعيد هذا في \"باب الأمة تزني ولم تحصن\" أن النبي - ﷺ - سُئل عن الأمة تزني ولم تحصن، مع أن الحرية شرط الإحصان اتفاقًا، فكيف اشترط هؤلاء الحرية مع تصريح الرواية أنها محصنة. انتهى.\nقلت: وقد تقدم كلام في هذا البحث عن الحافظ ابن حجر، فليتنبَّه له.\n٤٤٥١ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني قال: حدثني محمد -يعني أبي سلمة-، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري قال: سمعت رجلًا من مزينة يحدث سعيدَ بنَ المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل وامرأة من اليهود وقد أُحصِنا حين قدم رسول الله - ﷺ - المدينةَ، وقد كان الرجم مكتوبًا عليهم) أي على الزاني والزانية منهم (في التوراة، فتركوه) أي الرجم (وأخذوا) عوضه (بالتجبيه: بضرب مئة بحبل مطليٍّ بقارٍ) وهو النفط (ويحمَل) أي الزاني (على حمار ووجهه مما يلي دبرَ الحمار، فاجتمع أحبار من أحبارهم) أي بعض","vol":"12","page":537},{"text":"فَبَعَثُوا قَوْمًا آخَرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنْ حَدِّ الزَّانِى، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، قَالَ فِيهِ: قَالَ: وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَخُيِّرَ فِى ذَلِكَ، قَالَ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.\n٤٤٥٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِىُّ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ مُجَالِدٌ: أَنَا عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا \"فَقَالَ: ائْتُونِى بِأَعْلَمِ\n===\nعلمائهم (فبعثوا قومًا آخرين إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: سلوه عن حد الزاني، وساق) محمد بن إسحاق (الحديثَ، قال) أي محمد بن إسحاق (فيه) أي: في الحديث: (قال: ولم يكونوا) أي اليهود (من أهل دينه) - ﷺ - (فيحكم بينهم) أي فيجب عليه أن يحكم بينهم (فخيِّر في ذلك) أي نزل التخيير له من الله ﷾، إن شاء يحكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم فيما رفعوا إليه (قال) تعالى: (﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾).\nواختلفوا في الحكم بين أهل الذمة إذا ترافعوا إلينا أواجب ذلك علينا أم نحن فيه مخيرَّون؟\nفقالت جماعة من فقهاء الحجاز والعراق: إن الإِمام والحاكم مخير إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، وقالوا: إن الآية محكمة لم ينسخها ناسخ، ومن قال بذلك مالك والشافعي في أحد قوليه، وقال آخرون: واجب على الحاكم أن يحكم بينهم إذا تحاكموا عليه بحكم الله تعالى، وزعموا أن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ناسخ للتخيير، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وهو أحد قولي الشافعي ﵀ (١).\n٤٤٥٢ - (حدثنا يحيى بن موسى البلخي، نا أبو أسامة، قال مجالد: أنا عن عامر) أي قال أبو أسامة: أنا مجالد عن عامر، (عن جابر بن عبد الله قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، قال) رسول الله - ﷺ -: (ائتوني بأعلم\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (١٦/ ٩٢) ح (٦٨١٩).","vol":"12","page":538},{"text":"رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ\" فَأَتَوْهُ بِابْنَىْ صُورِيَا، فَنَشَدَهُمَا، \"كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ هَذَيْنِ فِى التَّوْرَاةِ؟ \"، قَالَا: نَجِدُ فِى التَّوْرَاةِ، إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِى فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِى الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا، قَالَ: \"فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا (١)؟ \"، قَالَا: ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالشُّهُودِ، فَجَاءُوا بِأَرْبَعَةٍ (٢) فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِى فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِى الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِرَجْمِهِمَا. [جه ٢٣٧٤، ٢٣٢٨، قط ٤/ ١٦٩، رقم ٣٢]\n٤٤٥٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ (٣) عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- نَحْوَهُ، لَمْ يَذْكُرْ: فَدَعَا بِالشُّهُودِ فَشَهِدُوا. [انظر مَا قبله]\n===\nرجلين منكم، فأتوه بابنَي صوريا، فنشدهما) أي حلفهما (كيف تجدان) في (أمر هذين في التوراة؟) يعني ما حد الزانيين في التوراة؟ (قالا) أي ابنا صوريا: (نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها مثل المِيل في المُكْحُلَةِ رُجِمَا، قال) رسول الله - ﷺ -: (فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا) أي حكومتنا (فكرهنا القتل) خوفًا من أن نُقتَل (فدعا رسول الله - ﷺ - بالشهود، فجاءوا بأربعة فشهدوا (٤) أنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها مثل الميل في المُكْحلة، فأمر النبي - ﷺ - برجمهما).\n٤٤٥٣ - (حدثنا وهب بن بقية، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي، عن النبي - ﷺ - نحوه، ولم يذكر: فدعا بالشهود فشهدوا).\n_________\n(١) في نسخة: \"تَرْجُما\".\n(٢) في نسخة: \"أربعة\".\n(٣) في نسخة: \"المغيرة\".\n(٤) قال العيني (٦/ ١٨٥): إن كان الشهود مسلمين فلا إشكال، وإن كانوا كفارًا فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعين أنهما أقرَّا بالزنا، انتهى. (ش).","vol":"12","page":539},{"text":"٤٤٥٤ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، بِنَحْوٍ مِنْهُ (١). [انظر مَا قبله]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1684>(٢٦) بَابٌ في الرَّجُلِ يَزْنِي بِحَرِيمِهِ </span>(٢)\n٤٤٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا مُطَرِّفٌ، عَنْ أَبِى الْجَهْمِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ عَلَى إِبِلٍ لِى ضَلَّتْ، إِذْ أَقْبَلَ رَكْبٌ أَوْ فَوَارِسُ مَعَهُمْ لِوَاءٌ، فَجَعَلَ الأَعْرَابُ يُطِيفُونَ بِى لِمَنْزِلَتِى مِنَ النَّبِىِّ -ﷺ-، إِذْ أَتَوْا قُبَّةً فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهَا رَجُلًا\n===\n٤٤٥٤ - (حدثنا وهب بن بقية، عن هشيم، عن ابن شبرمة، عن الشعبي، بنحو منه).\n\n(٢٦) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَزْنِي بِحَرِيمِهِ)\nأي: بمن يحرم عليه حرمة مُؤَبَّدة في الشرع\n٤٤٥٦ - (حدثنا مسدد، نا خالد بن عبد الله، نا مطرف، عن أبي الجهم) سليمان بن الجهم، مولى البراء، (عن البراء بن عازب قال: بينما أنا أطوف على إبل) أي أطلب إبلًا (لي ضَلَّت إذ أقبل ركب) أي جماعة الركبان (أو) للشك من الراوي (فوارس معهم لواء، فجعل الأعراب) أي أهل البدو (يُطيفون) أي يحيطون (بي لمنزلتي) أي لقرب درجتي (من النبي - ﷺ -، إذ أتوا) أي الركبُ (قبةً فاستخرجوا منها رجلًا\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٤٤٥٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَسَنٍ الْمِصِّيصِىُّ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: \"رَجَمَ النَّبِىُّ -ﷺ- رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وَامْرَأَةً زَنَيَا\". [م ١٧٠١، حم ٣/ ٣٢١]، والحديث ذكره المزي في \"التحفة\" (٢٨١٤)، وقال: لم يذكره أبو القاسم، وهو من رواية ابن الأعرابي وابن داسه.\n(٢) في نسخة بدله: \"بحرمه\".","vol":"12","page":540},{"text":"فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَعْرَسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ\". [ق ٨/ ٢٣٧، حم ٤/ ٢٩٥، ك ٤/ ٣٥٧]\n٤٤٥٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قُسَيْطٍ الرَّقِّىُّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"لَقِيتُ عَمِّى وَمَعَهُ رَايَةٌ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فقَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيه،\n===\nفضربوا عنقه، فسألت عنه) أي عن حالِ المقتول وسبب قتله (فذكروا أنه أَعْرَسَ) أي نكح (بامرأة أبيه) على قاعدة الجاهلية، وَعَدَّ ذلك حلالًا فصار مرتدًا.\n٤٤٥٧ - (حدثنا عمرو بن) قسط، ويقال: ابن (قسيط) بن جرير السلمي مولاهم، أبو علي (الرَّقي) قال أبو حاتم: هو دون عمرو بن عثمان، خرج إلى أَرمينية، فلما قدم كان عبيد الله بن عمر (١) قد توفي، فبعث إلى أهل بيت منهم، فأخذ كتب عبيد الله بن عمرو، قال في \"التقريب\": صدوق.\n(نا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن أبيه (٢» البراء بن عازب (قال: لقيت عمي ومعه راية فقلت له: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى رجل نكح امرأة (٣) أبيه،\n_________\n(١) كذا في الأصل، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٩١)، والظاهر: \"عبيد الله بن عمرو\"، كما في \"التقريب\" رقم (٤٣٢٧)\n(٢) قال الحافظ (١٢/ ١١٨): في إسناده اختلاف كثير، وله شاهد من طريق معاوية بن قرة، عن أبيه عند ابن ماجه. (ش).\n(٣) جزم الحافظ في \"الإصابة\" (٣/ ٤٤١) رقم (٨٢٣٦) أن اسم الناكح منظور بن زبان، والمرأة مليكة بنت خارجة، انتهى. وبه قال ابن الجوزي في \"التلقيح\" (ص ٦٨٩)، لكن يشكل عليه أن منظورًا عاش بعده - ﷺ -، وهذا ضُرِبَ عنقُه، فتأمل. (ش).","vol":"12","page":541},{"text":"فَأَمَرَنِى أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَآخُذَ مَالَهُ\". [ت ١٣٦٢، ن ٣٣٣١، جه ٢٦٠٧، حم ٤/ ٢٩٠، ٢٩٥]\n===\nفأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله) (١).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"أعرس بامرأة أبيه\": وهو المذهب عندنا أنه يعزَّر أشد التعزير ولا يُحَدُّ للشبهة. انتهى. ولعلَّ أخذَ المال كان تعزيرًا ثم نُسِخَ بعد ذلك.\nوقال المنذري (٢): أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب، هذا آخر كلامه، وقد اختُلف في هذا اختلافًا فروي عن البراء كما تقدَّم، وروي عنه عن عمه، كما ذكرناه أيضًا، وروي عنه قال: \"مرَّ بي خالي أبو بردة بن نيار ومعه لواء\"، وهذا لفظ الترمذي، وروي عنه عن خاله (٣)، وسماه هشيم في حديثه: الحارثَ بنَ عمرو، وهذا لفظ ابن ماجه، وروي عنه قال: \"مرَّ بنا ناس ينطلقون\"، وروي عنه: \"إني لأطوف على إبل ضلَّت في تلك الأحياء في عهد النبي - ﷺ - إذ جاءهم وهي معهم لواء\"، وهذا في لفظ النسائي. انتهى.\nقال الخطابي (٤): وقد اختلف العلماء من نكح ذات محرم، فقال الحسن البصري: عليه الحد، وهو قول مالك بن أنس والشافعي، وقال أحمد بن حنبل: يُقتَل ويؤخذ ماله، وكذلك قال إسحاق على ظاهر الحديث، وقال سفيان: يدرأ عنه الحد إذا كان التزويج بشهود، وقال أبو حنيفة: يُعزَّر ولا يُحَدُّ، وقال صاحباه: وأما نحن فنرى عليه الحد إذا فعل ذلك متعمدًا.\n_________\n(١) وبه قال أحمد: يؤخذ ماله، وقال الجمهور: لعله كان مستحلًا فارتدَّ، بسطه القاري (٦/ ٣٣٠) والحافظ (١٢/ ١١٨). (ش).\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٦٨)، وانظر أيضًا: \"تحفة الأشراف\" ح (١٥٥٣٤).\n(٣) وفي الأصل: خالد، وهو تحريف.\n(٤) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٣٠).","vol":"12","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1685>(٢٧) بَابٌ في الرَّجُلِ يَزْني بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ</span>\n٤٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا قَتَادَةُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ (١) وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَرُفِعَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ، فَقَالَ: لأَقْضِيَنَّ فِيكَ بِقَضِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَكَ رَجَمْتُكَ بِالْحِجَارَةِ، فَوَجَدُوهُ قَدْ أَحَلَّتْهَا لَهُ، فَجَلَدَهُ مِائَةً. [ت ١٤٥١، ن ٣٣٦٠، حم ٤/ ٢٧٢]\nقَالَ قَتَادَةُ: كَتَبْتُ إِلَى حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ فَكَتَبَ إِلَىَّ بِهَذَا.\n===\n\n(٢٧) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَزْنِي بِجَارِيةِ امْرَأَتِهِ) (٢)\n٤٤٥٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا قتادة، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم، أن رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن حنين (٣) وقع على جارية امرأته، فَرُفع) أمرُه (إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة، فقال) النعمان: (لأقضين فيك بقضية رسول الله - ﷺ -: إن كانت) زوجتك (أحلتها لك جلدتك مئة)، وليس المراد بالإحلال تمليكها له بالهبةِ أو غيرِها، بل المراد تحليلُ الوطء وإباحتُه من غير تمليك (وإن لم تكن أحلَّتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوه قد أحلَّتها فجلده مئة).\n(قال قتادة: كتبت إلى حبيب بن سالم فكتب إليَّ بهذا) يعني حدث خالدُ بنُ عرفطة هذا الحديث قتادةَ أولًا، ثم كتب قتادة إلى حبيب بن سالم أن يكتب إليَّ هذا الحديثَ، فكتبه إليه فسقط واسطة خالد بالكتابة.\n_________\n(١) في نسخة: \"جبير\".\n(٢) قال ابن رشد: اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال. [انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٣٤)]. (ش).\n(٣) وقيل: ابن جبيرة، كذا في \"التلقيح\" (ص ٤٨٥). (ش).","vol":"12","page":543},{"text":"٤٤٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- فِى الرَّجُلِ يَأْتِى جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ قَالَ: \"إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ جُلِدَ مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ رَجَمْتُهُ\". [انظر مَا قبله]\n===\n٤٤٥٩ - حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، عن النبي - ﷺ - في الرجل يأتي جارية امرأته، قال: إن كانت) امرأته (أحلتها له جُلِد مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمتُه).\nقال الخطابي (١): هذا الحديث (٢) غير متصل، وليس العمل عليه. وقال أبو عيسى الترمذي: وفي الباب عن سلمة بن المحبق نحوه، حديث النعمان في إسناده اضطراب، سمعت محمدًا يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديثَ، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا الحديث أيضًا، إنما رواه عن خالد بن عرفطة.\nوقد اختلف أهل العلم في الرجل يقع على جارية امرأته، فروي عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -، منهم علي وابن عمر ﵃: أن عليه الرجم، وقال ابن مسعود: ليس عليه حد ولكن يُعزَّر، وذهب أحمد وإسحاق إلى ما روى النعمان بن بشير عن النبي - ﷺ -. انتهى.\nقلت: وقول البخاري قدح في رواية الترمذي، لأنه لم يذكر خالد بن\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٣٠ - ٣٣٢).\n(٢) ومال ابن القيم في \"الهدي\" إلى تصحيح هذا الحديث، وقال: قواعد الشرع تقضيه، وضعف حديث سلمة الآتي، وبسط الكلام عليهما. [\"زاد المعاد\" (٥/ ٣٧ - ٣٩)]. (ش).","vol":"12","page":544},{"text":"٤٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى فِى رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ: إِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِىَ حُرَّةٌ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا، وإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِىَ لَهُ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا. [ن ٣٣٦٣، جه ٢٥٥٢، حم ٥/ ٦]\n===\nعرفطة في سنده، وأما على رواية أبي داود ففي روايته ذكر خالد بن عرفطة في رواية قتادة وأبي بشر، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم، ولم أقف على وجه الاضطراب.\nوقال الخطابي: وروي عن علي (١) إيجابُ الرجم على من وطئ جارية امرأته، وبه قال عطاء بن أبي رباح وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال الزهري والأوزاعي: يُجلَد ولا يُرجَم، وقال أصحاب الرأي فيمن أقَرَّ أنه زنى بجارية امرأته: يُحَدّ، وإن قال: ظننت أنها تحل لي لم يُحَدَّ، وعن الثوري أنه قال: إذا كان يعترف بالجهالة يُعزَّر ولا يحد، وقال بعض أهل العلم في تخريج هذا الحديث: إن المرأة إذا أحلَّتها له فقد أوقع ذلك شبهة في الوطء، فدرئ عنه الحدُّ.\n٤٤٦٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، أن رسول الله - ﷺ - قضى في رجل وقع على جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلُها، وإن كانت طاوعته) أي طاوعت زوجَ سيدتها (فهي له، وعليه لسيدتها مثلُها).\nقال الخطابي (٢): لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول به، وفيه أمور تخالف الأصولَ، منها: إيجابُ المثل في الحيوان، ومنها: استجلاب الملك بالزنا،\n_________\n(١) وهو مروي عن عمر بن الخطاب أيضًا، كما في \"معالم السنن\" (٣/ ٣٣٠، ٣٣١).\n(٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٣١، ٣٣٢).","vol":"12","page":545},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومنها: إسقاطُ الحد عن الزاني (١)، وإيجابُ العقوبة في المال، وهذه الأمور كلها منكرة لا تخرج على مذهب أحد من الفقهاء، وخليق أن يكون الحديث منسوخًا إن كان له أصل في الرواية.\nوقال أيضًا: هذا حديث منكر، وقبيصة بن حريث غير معروف، والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع، وقد روي عن الأشعثِ صاحبِ الحسن قال: بلغني أن هذا كان قبل الحدود، انتهى.\nوقال في \"فتح الودود\": وقال البيهقي في \"سننه\" (٢): حصول الإجماع من فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به، دليل على أنه إن ثبت صار منسوخًا بما ورد من الأخبار في الحدود، ثم أخرج عن أشعث أنه قال: بلغني أن هذا كان قبل الحدود.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فهي حرة\" وهذا حكم الضمان وما يكون بعد الحد، والأول بيان الحدّ ما يجب، والقضية واحدة، وعلى هذا فالرواية لا تنافي شيئًا من المذاهب، وكان ذلك بيانًا وإرشادًا لما ينبغي أن يكون، وليس حكمًا يجب الائتمار به ولا تشريعًا.\nوالحاصل: أن من زنى بأمة امرأته إن كانت أحلتها له عُزِّر وإلَّا رُجم، ثم بعد ذلك ينظر إن كانت الأمة مُطاوِعة له فيما فعل وجب -أي باعتبار المصلحة- أن تعطى له؛ لأنهما قد اتفقا على أمر فيدومان على الزنا لو لم تُهَب الأمةُ له، وفيه مفاسد دنيوية وأخروية كما لا يخفى، وإن لم تكن مُطاوِعة لَه استحب تحريرُها؛ لأن بقاءها في بيتها يورث المفاسد، حيث يقصد منها ما قصد أوَّلًا فتلزم المفاسد، ولله درّ الأستاذ العلَّامة الحبر النحرير الفهامة حيث أتى\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": عن البدن.\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ٢٤٠).","vol":"12","page":546},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ وَسَلَاّمٌ، عَنِ الْحَسَنِ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ، لَمْ يَذْكُرْ يُونُسُ وَمَنْصُورٌ قَبِيصَةَ.\n٤٤٦١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْحَسَنِ الدِّرْهَمِىُّ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-\n===\nما يعجز عنه كل فقيه، ولا يكاد يصل إليه إلا كل متفرد منفرد في العلوم وحيه (١). انتهى.\n(قال أبو داود: رواه يونس بن عبيد (٢) وعمرو بن دينار (٣) ومنصور بن زاذان وسلام (٤)، عن الحسن هذا الحديثَ بمعناه، ولم يذكر يونس ومنصور قبيصةَ) بل رواه عن الحسن عن سلمة، قال المنذري (٥): وأخرجه النسائي، وقال: لا تصح هذه الأحاديث، وقال البيهقي: وقبيصة بن حريث غير معروف، وروينا عن أبي داود أنه قال: سمعت أحمدَ بنَ حنبل يقول: الذي رواه عن سلمة بن المحبق: شيخ لا يُعرَف، لا يحدث عنه غيرُ الحسن -يعني قبيصةَ بنَ حريث-، وقال البخاري في \"التاريخ\" (٦): قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق، في حديثه نظر، وقال ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبق.\n٤٤٦١ - (حدثنا علي بن حسين الدرهمي، نا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سلمة بن المحبق، عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) كذا في الأصل، لعل الصواب: \"في العلوم الوهبية\".\n(٢) أخرج روايته أحمد (٥/ ٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٧٢٣١).\n(٣) أخرج روايته عبد الرزاق (١٣٤١٨)، والطبراني (٧/ ٤٥) رقم (٦٣٣٧).\n(٤) رواية سلام أخرجها الطبراني (٧/ ٤٦) رقم (٦٣٣٩)، والبيهقي (٨/ ٢٤٠).\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٧١).\n(٦) (٧/ ١٧٦) رقم الترجمة (٧٨٩).","vol":"12","page":547},{"text":"نَحْوَهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"وَإِنْ كَانَتْ (١) طَاوَعَتْهُ فَهِىَ وَمِثْلُهَا مِنْ مَالِهِ لِسَيِّدَتِهَا\". [ن ٣٣٦٤، جه ٢٥٥٢، حم ٣/ ٤٧٦]\n===\nنحوه) أي نحو الحديث المتقدِّم (إلَّا أنه) أي سعيدًا (قال: وإن كانت طاوعته فهي ومثلُها من ماله) أي مال الزوج (لسيدتها) هي زوجة الزاني.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فهي ومثلها ... \" إلخ، لا يبعد أن يكون \"مثلها\" مبتدأ، لا علاقة له بما سبق، وخبر \"هي\" محذوف بناءً على الظاهر، كأنها لما طاوعته كانت له بحسب ما تقتضي به المصلحة وإلا نشأت المفاسد، فكان المعنى: فهي له، أو فهي حكمها ما هو ظاهر أنه لا سداد إلا أن تكون له، إلى غير ذلك مما يناسب المقام، انتهى.\nقال المنذري (٢): وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقد اختُلف في هذا الحديث عن الحسن، فقيل: عنه، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق. وقيل: عنه، عن سلمة، من غير ذكر قبيصة. وقيل: عنه، عن جون بن قتادة، [عن سلمة] (٣) وجون بن قتادة، قال الإِمام أحمد: لا يُعرَف.\nوالمحبق بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، ولبعدها باء موحدة مشددة مفتوحة، ومن أْهل اللغة من يكسرها، والمحبق لقب، واسمه صخر بن عبيد، وسلمة له صحبة، سكن البصرةَ، كنيته أبو سنان، كني بابنه سنان، وذكر أبو عبد الله بن منده أن لابنه سنانًا صحبة أيضًا، وجون بفتحِ الجيم، وسكونِ الواو، بعدها نون.\n_________\n(١) في نسخة: \"فإن كانت\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٧٢).\n(٣) وفي الأصل سقطت: \"عن سلمة\".","vol":"12","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1686>(٢٨) بَابٌ فِيمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ</span>\n٤٤٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ النُّفَيْلِىُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ\". [ت ١٤٥٦، جه ٢٥٦١، حم ١/ ٣٠٠، ك ٤/ ٣٥٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو مِثْلَهُ، وَرَوَاهُ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ.\n===\n\n(٢٨) (بَاب فِيمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْم لوطٍ) (١)\n٤٤٦٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد بن علي النفيلي، نا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به).\n(قال أبو داود: رواه سليمان بن بلال (٢)، عن عمرو بن أبي عمرو مثله، ورواه عباد بن منصور (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس رفعه، ورواه ابن جريج (٤)، عن إبراهيم، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس رفعه).\n_________\n(١) قال الترمذي: رأى قوم عليه الرجم أحصن أو لا، وقال الثورىِ: حَدُّه حد الزنا، أي الجلد أو الرجم، وهو قول للشافعي، والثالث له، وبه قلنا: حده التعزير. وجعل الجصاص في \"أحكام القرآن\" الأولَ قولَ مالك والليث، والثانيَ قولَ الصاحبين والشافعي، والثالثَ قولَ الإِمام. [انظر: \"أحكام القرآن\" (٣/ ٢٦٢)]. (ش).\n(٢) أخرج روايته ابن الجارود (٣/ ١١٩) رقم (٨٢٠)، وأحمد (١/ ٢٦٩) بطرق وألفاظ مختلفة.\n(٣) أخرج روايته الطبري في \"تهذيب الآثار\" (١/ ٥٥٠) رقم (٢٣)، والحاكم (٤/ ٣٥٥)، والبيهقي (٨/ ٢٣٣).\n(٤) أخرج روايته الطبراني (١١/ ٢٦٦) رقم (١١٥٦٩)، والبيهقي (٨/ ٢٣٣).","vol":"12","page":549},{"text":"٤٤٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ (١)، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ خُثَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدًا يُحَدِّثَانِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِى الْبِكْرِ يُوجَدُ (٢) عَلَى اللُّوطِيَّةِ، قَالَ: يُرْجَمُ. [ق ٨/ ٢٣٢]\n===\nوزاد في نسخة على الحاشية: قال أبو داود: ويرون أن إبراهيم هذا هو إبراهيم بن أبي يحيى المدني، ويخافون أن يكون عباد سمعه من إبراهيم، ورواه إسماعيل بن إسحاق في \"كتاب الفوائد\" قال: نا إسحاق بن محمد، نا إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر معناه، وإبراهيم هذا هو ابن أبي حبيبة، قال البخاري: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين منكر الحديث.\n٤٤٦٣ - (حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني ابن خثيم قال: سمعت سعيد بن جبير ومجاهدًا يحدثان، عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية) أي اللواطة (قال: يُرجَم)، قال المنذري (٣): أخرجه النسائي، وقال فيه: عن سعيد بن جبير وعكرمة.\n(قال أبو داود: حديث عاصم بضعِّف حديث عمرو بن أبي عمرو)، قال المنذري: هكذا في بعض النسخ وليس بموضعه، وموضعه الباب الذي بعده (٤).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"حديث عاصم يضعِّف حديثَ ... \"إلخ، يعني بحديث عاصم: ما روى فيه عن ابن عباس: \"أنه ليس على الذي يأتي بهيمة حَدٌّ\" كما ذكره بُعيدَ هذا، وحاصله: أنه ثبت عنه أنه ليس على من يأتي البهيمة حَدٌّ، فكذلك من عمل عمل قوم لوط، والجامع قضاء الشهوة في غير محل الحرث، وأنت تعلم أنه إنما يفتقر إلى ذلك التضعيف لو حُمِل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الحنظلي\".\n(٢) في نسخة: \"يؤخذ\".\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٧٤).\n(٤) ينظر الحديث رقم ٤٤٦٥ مع شرحه ص ٥٥٢.","vol":"12","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1687>(٢٩) بَابٌ فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً</span>\n٤٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ أَبِى عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ، وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ\".\nقَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ قَالَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا وَقَدْ عُمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْعَمَلُ (١). [ت ١٤٥٥، جه ٢٥٦٤، حم ١/ ٣٠٠]\n===\nعلى التشريع، وأما لو كان المراد: يجوز القتل للإمام تعزيرًا فالأمر ظاهر.\n\n(٢٩) (بَاب فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً)\n٤٤٦٤ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها معه) قيل: إنما أمر بقتلها لئلا يتولد منه حيوان على صورة إنسان، أو إنسان على صورة حيوان، وقيل: كراهة أن يلحق صاحبها خزي في إبقائها، وقيل: يقتل ويحرق، وذهب الأئمة (٢) الأربع [إلى] أن من أتى بهيمة يُعزَّر ولا يُقتَل، والحديث محمول على الزجر والتشديد.\n(قال) عكرمة: (قلت له) أي لابن عباس: (ما شأن البهيمة) يُقتَل؟ (قال) ابن عباس: (ما أراه) أي ما أظن، أي رسول الله - ﷺ - (قال ذلك إلَّا أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عُمِل بها ذلك العمل).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقوي\".\n(٢) نعم رواية لأحمد أنه كاللواط، يقتل فيهما سواء، كذا في \"الهدي\" (٥/ ٤١)، وفي \"أحكام القرآن\" (٣/ ٢٦٢): وقال الأوزاعي: عليه الحد، وبسط الرازي في \"التفسير الكبير\" في أن اللواط هو الزناء أم غيره؟ . [انظر: \"التفسير الكبير\" (٨/ ٣٠٣)، تفسير: \"الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة\"]. (ش).","vol":"12","page":551},{"text":"٤٤٦٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَنَّ شَرِيكًا وَأَبَا الأَحْوَصِ وَأَبَا بَكْرٍ بْنَ عَيَّاشٍ حَدَّثُوهُمْ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَيْسَ عَلَى الَّذِى يَأْتِى الْبَهِيمَةَ (١) حَدٌّ\" [ق ٨/ ٢٣٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَا (٢) قَالَ عَطَاءٌ، وَقَالَ الْحَكَمُ: أَرَى أَنْ يُجْلَدَ وَلَا يَبْلُغَ بِهِ الْحَدَّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّانِي (٣).\n===\n٤٤٦٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، أن شريكًا وأبا الأحوص وأبا بكر بن عياش حدثوهم) أي حدثوا أحمدَ بن يونس وغيرَه، (عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس قال: ليس علي الذي يأتي البهيمة حدٌّ).\n(قال أبو داود: كذا قال عطاء) (٤) أي ليس على من يأتي البهيمةَ حد (وقال الحكم (٥): أرى أن يُجلَد) تعزيرًا (ولا يُبلَغَ به) أي الجلد (الحدَّ) أي مقدار الحد، وينقص منه (وقال الحسن (٦): هو بمنزلة الزاني) أي إن كان محصنًا يُرجَم، وإن لم يكن محصنًا يُجلَد.\nوالعبارة التي تقدمت في الباب السابق (٧)، وهو قوله: \"وحديث عاصم يضعِّف ... \" إلخ، يلزم أن يكون ها هنا؛ لأنه لا تعلق له بذاك الباب، فالمراد بحديث عاصم هذا الحديثُ، والمراد بحديث عمرو بن عمرو هو الحديث الأول من هذا الباب، لا الحديث المتقدِّم في الباب السابق، وغلط النساخُ بكتابته في الباب المتقدم.\n_________\n(١) في نسخة: \"بهيمة\".\n(٢) في نسخة: \"وكذلك\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: حديث عاصم يضعِّف حديث عمرو بن أبي عمر\".\n(٤) انظر قول عطاء في: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (١٠/ ٥)، و\"تهذيب الآثار\" للطبري (٢/ ٥٥٩) رقم (٨٧٩)، و\"المصنف\" لعبد الرزاق (٧/ ٣٦٦) رقم (١٣٤٩٦).\n(٥) فتوى الحكم أخرجها ابن أبي شيبة (١٠/ ٥)، والطبري في \"تهذيب الآثار\" (٢/ ٩٥٩) رقم (٨٨٠).\n(٦) أخرج قوله البيهقي (٨/ ٢٢٣)، والطبري في \"تهذيبه\" (٢/ ٥٥٨) رقم (٨٧٥).\n(٧) انظر ص ٥٥٠ عند الكلام على الحديث ٤٤٦٣.","vol":"12","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1688>(٣٠) بَابٌ إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِالزِّنَا وَلَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ</span>\n٤٤٦٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، نَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَفْصٍ، نَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ سَمَّاهَا (١) لَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمَرْأَةِ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْ (٢) أَنْ تَكُونَ زَنَتْ، فَجَلَدَهُ الْحَدَّ، وَتَرَكَهَا. [تقدَّم برقم ٤٤٣٧]\n===\n\n(٣٠) (بابٌ إِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِالزِّنَا وَلَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ)\n٤٤٦٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا طلق بن غنام، نا عبد السلام بن حفص، نا أبو حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي - ﷺ -، أن رجلًا) لم أقف على اسمه (أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له)، ولعل الراوي نسي اسمَها، أو لم يذكر إخفاءً قصدًا (فبعث رسول الله - ﷺ - إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحدَّ، وتركها) (٣).\nولعلها ما ادَّعت عليه القذف، ولو ادَّعت موجب القذف لضربه حدَّ القذف أيضًا، ويمكن أنها ادعت، وجلد حد الفرية أيضًا، ولم يذكره الراوي.\n_________\n(١) في نسخة: \"فسماها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"المرأة\".\n(٣) قال ابن القيم (٥/ ٤٢): في الحديث أمران، أحدهما: وجوبُ الحد على الرجل وإن كَذَّبته المرأة، خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يُحَدُّ، والثاني: لا يجب عليه حد القذف، وحديث ابن عباس الآتي منكر ... إلخ، وقال الموفق (١٢/ ٣٥٦، ٣٥٧) عليه الحد، دونها؛ لهذا الحديث، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا حدَّ عليه؛ لأنا صدقناها بإنكارها فصار محكومًا يكذبه، ولنا أنا لم نحكم بصدقها، ولم نحدَّها لعدم الإقرار أو البينة لا لصدقها، وذكر ابن عابدين (٦/ ١١) أن ذلك مذهب أبي حنيفة خلافًا لهما. انتهى. (ش).","vol":"12","page":553},{"text":"٤٤٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْبُرْدِىُّ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ فَيَّاضٍ الأَبْنَارىِّ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ أَتَى النَّبِىَّ -ﷺ-، فَأَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَجَلَدَهُ مِائَةً، وَكَانَ بِكْرًا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَتْ: كَذَبَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجَلَدَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ. [ك ٤/ ٣٧٠، ق ٨/ ٢٢٨، قط ٣/ ١٦٩]\n===\n٤٤٦٧ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا موسى بن هارون البردي، نا هشام بن يوسف، عن القاسم بن فياض) بن عبد الرحمن بن جبيرة بضم الجيم الصنعاني (الأنباري).\nوفي نسخة على الحاشية: الأبناوي، وهو الصواب. عن ابن معين: ضعيف، قال الآجري: قلت لأبي داود: هو ثقة؟ قال: نعم، روى له أبو داود، والنسائي حديث ابن عباس في الحدود، وقال النسائي: هو منكر، قلت: قال ابن المديني: إسناده مجهول، ولم يرو عنه غير هشام، وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ثم ذكره في \"الضعفاء\"، وقال: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير، فلما كثر ذلك في أحاديثه بطل الاحتجاج به.\n(عن خلاد بن عبد الرحمن، عن ابن المسيب، عن ابن عباس، أن رجلًا من بني بكر بن ليث أتى النبي - ﷺ - فأقر أنه زنى بامرأة، أربع مرات) أي أقر أربع مرات (فجلده مائة، وكان بكرًا) غير محصن (ثم سأله البينة على المرأة) فلم يأت بالبينة، وسأل عن المرأة (فقالت: كذب والله يا رسول الله، فجلده حَدَّ الفرية ثمانين) سوطًا حد الافتراء بالقذف.","vol":"12","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1689>(٣١) بَابٌ في الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ مَا دُونَ الْجِمَاعِ فيَتُوبُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ الْإمَامُ</span>\n٤٤٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، نَا سِمَاكٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ قَالَا: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّى عَالَجْتُ امْرَأَةً مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، فَأَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا، فَأَقِمْ عَلَىَّ مَا شِئْتَ.\nفَقَالَ عُمَرُ: قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْكَ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِىُّ -ﷺ- شَيْئًا، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا فَدَعَاهُ، فَتَلَا عَلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا\n===\n\n(٣١) (بَابٌ في الرَّجُلِ يُصيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ\nمَا دُونَ الْجمَاعِ فَيَتُوبُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ الْإمَامُ)\n٤٤٦٨ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا أبو الأحوص، نا سماك، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود قالا: قال عبد الله) بن مسعود: (جاء رجل) قيل: هو أبو اليسر (١)، وقيل: نبهان التمار، وقيل: عمرو بن غزية (إلى النبي - ﷺ - فقال: أني عالجت امرأة) أي لاعبتها (من أقصى المدينة) أي منتهى بيوتها وأبعدها عن المسجد، (فأصبت منها ما دون أن أمسها) أي غير أن أجامعها (فأنا هذا) حاضر عندك (فأقم عليَّ ما شئت) من الحد.\n(فقال عمر) ﵁: (قد ستر الله عليك لو سترت على نفسك، فلم يرد عليه) أي على الرجل (النبي - ﷺ - شيئًا، فانطلق الرجل فأتبعه النبي - ﷺ - رجلًا) يدعوه (فدعاه فتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا\n_________\n(١) وبه جزم صاحب \"التلقيح\" (ص ٦٨٦) إذ قال: هو أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، وقال النووي في \"الأسماء واللغات\" (٢/ ٣١١): أبو اليسر أو عمرو بن غزية، وبسط الحافظ الاختلافَ في اسمه، وحمله على التعدد، وكذا ذكر اختلاف ألفاظ الروايات في ذلك. [انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٦، ٣٥٧) ح (٤٦٨٧)]. (ش).","vol":"12","page":555},{"text":"مِنَ اللَّيْلِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ (١)؟ فَقَالَ: \"لِلنَّاسِ كَافَّةً\". [خ ٥٢٦، م ٢٧٦٣، ت ٣١١٢، حم ١/ ٤٤٥، ق ٨/ ٢٤١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>(٣٢) بَابٌ في الأَمَةِ تَزْنن وَلَمْ تُحْصَنْ</span>\n٤٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ،\n===\nمِنَ اللَّيْلِ﴾ (٢) إلى آخر الآية) وتمامها: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، واختُلِف في ﴿طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فقيل: الطرف الأول: الصبح، والثاني: الظهر والعصر، والزلف: المغرب والعشاء، وقيل: الطرف الأول: الصبح، والثاني: العصر، والزلف: المغرب والعشاء، وقيل: الطرفان: الصبح والمغرب، وقيل غير ذلك، وأحسنها الأول.\n(فقال رجل من القوم) وفي رواية البخاري: \"قال الرجل: ألي هذه؟ \" وظاهره أن صاحب القصة هو السائل (٣)، وفي رواية إبراهيم النخعي عند مسلم: \"فقال: يا رسول الله! أله وحده؟ \" وللدارقطني مثله، ويُحمَل على تعدد السائلين، قاله الحافظ (٤) (يا رسول الله! أله خاصةً أم للناس) عامةً؟ (فقال) رسول الله - ﷺ -: (بل للناس كافةً).\n\n(٣٢) (بابٌ فِى الأَمَةِ تَزْنِى وَلَمْ تُحْصَنْ)\n٤٤٦٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عامة\".\n(٢) سورة هود: الآية ١١٤.\n(٣) وقيل: معاذ بن جبل، كذا في \"التلقيح\". [وقيل: عمر، انظر: \"التلقيح\" (ص ٦٨٦)]. (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٧).","vol":"12","page":556},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، قَالَ: \"إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ\" [خ ٢١٥٣، م ١٧٣، ت ١٤٣٣، حم ٤/ ١١٥]\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِى فِى الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. وَالضَّفِيرُ: الْحَبْلُ.\n===\nأن رسول الله - ﷺ - سئل عن المرأة إذا زنت ولم تُحصَن).\nاختلف (١) العلماء في إحصان الإماء غير ذوات الأزواج ما هو؟ فقال طائفة: إحصان الأمة تزويجها، فإذا زنت ولا زوج لها فعليه الأدب، ولا حَدَّ عليها، وقال طائفة: إسلامها، فإذا كانت مسلمة وزنت وجب عليها خمسون جلدة، كانت ذات زوج أو لم تكن، روي هذا عن عمر ﵁، وهو قول علي، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وإليه ذهب النخعي، ومالك، والليث، والأوزاعي، والكوفيون، والشافعي ﵏.\n(قال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها) (٢)، والأمر للاستحباب عند الجمهور، وزعم ابن الرفعة أنه للوجوب (٣)، ولكن نُسِخ (ولو بضفير).\n(قال ابن شهاب: لا أدري) أن الأمر بالبيع (في الثالثة أو الرابعة، والضفير: الحبل).\n_________\n(١) انظر: \"عمدة القاري\" (١٦/ ١١٥).\n(٢) وأشكل عليه في \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣٧٨) أنه يخالف \"أن تكره لأخيك ما تكره لنفسك\"، وأجاب عنه أولًا: بأنه يقيَّد إذا لم يرض الآخر به، وهناك هو راضٍ لضرورة أن البيع لا بدَّ من إظهار العيب، كما يدل عليه قوله \"ولو بضفير\"، فرضي المشتري لنفسه بما لم يرضَ به البائع، وثانيًا: أن لتبدُّلِ الأيدي دخلًا في إزالة هذه الخصال، فكم من امرأة لا تعصي لفحول الرجال ... إلخ، وأجاب عنه الحافظ بوجوه أخر. [انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٤)]. (ش).\n(٣) وبالوجوب زعم داود، كذا قال النووي (٦/ ٢٢٨، ٢٢٩). (ش).","vol":"12","page":557},{"text":"٤٤٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىُّ (١)، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَحُدَّهَا، وَلَا يُعَيِّرْهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ (٢)، فَإِنْ عَادَتْ فِى الرَّابِعَةِ، فَلْيَجْلِدْهَا وَلْيَبِعْهَا بِضَفِيرٍ، أَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ\". [خت ٢١٥٢، م ١٧٠٣، جه ٢٥٦٥، حم ٢/ ٣٧٦]\n٤٤٧١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ\n===\n٤٤٧٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبيد الله، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري) وفي نسخة: عن أبيه، (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إذا زنت أمة أحدكم فليحدها).\nاستدل الشافعي (٣) ﵀ به على أن للمولى إقامةَ الحد على مملوكه، وعلماؤنا حملوا على التسبيب، أي ليكن سببًا لجلدها بالمرافعة إلى الإِمام، واستدلوا بما روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير موقوفًا ومرفوعًا: \"أربع إلى الولاة: الحدودُ، والصدقاتُ، والجمعاتُ، والفيءُ\"؛ ولأن الحد خالص حق الله فلا يستوفيه إلَّا نائبه، وهو الإِمام (٤).\n(ولا يُعَيِّرها) أي لا يقتصر في عقوبتها على التعيير والسب، بل لا بدَّ من الحد، وقيل: المراد النهي عن التثريب بعد الجلد، فإن الجلد صارت كفارة (ثلاث مرار) أي قاله ثلاث مرات (فإن عادت في الرابعة فليجلدها وليبعها بضفير، أو) للشك من الراوي (بحبل من شعر) مضفور.\n٤٤٧١ - (حدثنا ابن نفيل، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن أبيه\".\n(٢) في نسخة: \"مرات\".\n(٣) قال ابن الهمام: وبذلك قال مالك وأحمد، وعن مالك: إلا في الأمة المزوَّجة، واستثنى الشافعي من المولى أن يكون ذميًا أو مكاتبًا أو امرأة، وهل ذلك على العموم حتى لو كان قتلًا بسبب الردة، أو قطع الطريق، أو قطعًا للسرقة ففيهم خلاف ... إلخ. [راجع: \"فتح القدير\" (٥/ ٢٢٣)]. (ش).\n(٤) راجع: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ١٤٨).","vol":"12","page":558},{"text":"إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ فِى كُلِّ مَرَّةٍ: \"فَلْيَضْرِبْهَا كِتَابُ اللَّهِ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا\"، وَقَالَ فِى الرَّابِعَةِ: \"فَإِنْ عَادَتْ فَلْيَضْرِبْهَا كِتَابُ اللَّهِ، ثُمَّ لْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ\". [انظر مَا قبله]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1691>(٣٣) بَابٌ: في إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ</span>\n٤٤٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِىُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الأَنْصَارِ:\n===\nإسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، بهذا الحديث، قال في كل مرة) من مرات زناها: (فليضربها كتابَ الله) أي بحكم كتاب الله، وهو قوله تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١)، (ولا يُثِرِّب عليها، وقال في الرابعة: فإن عادت) إلى الزنا في المرة الرابعة (فليضربها كتاب الله، ثم ليبعها ولو بحبل من شعر).\n\n(٣٣) (بابٌ: فِى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ)\nالذي يخاف موته بالحد\n٤٤٧٢ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف، أنه أخبره بعضُ أصحاب رسول الله - ﷺ - من الأنصار).\nقال المنذري (٢): وقد روي عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٢٥.\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٨١، ٢٨٢).","vol":"12","page":559},{"text":"أَنَّهُ اشْتَكَى رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى أُضْنِيَ، فَعَادَ جِلْدَةً (١) عَلَى عَظْمٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ، فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَالَ: اسْتَفْتُوا لِى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِنِّى قَدْ وَقَعْتُ عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَليَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الضُّرِّ مِثْلَ الَّذِى هُوَ بِهِ، لَوْ حَمَلْنَاهُ (٢) إِلَيْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ، مَا هُوَ إلَّا جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nالخدري، وعن أبي أمامة، عن أبيه، وعن أبي أمامة عن النبي - ﷺ -، وعن أبي أمامة (٣)، عن سعيد بن سعيد، عن عبادة، وروي أيضًا عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، انتهى.\n(أنه اشتكى رجل منهم) لم أقف على اسمه (حتى أُضنِي) أي أصابه الضَّنَى، وهو شدة المرض وسوءُ الحال حتى يّنْحل بدنُه ويهزل (فعاد جلدةً على عظم) أي لم يبق له لحم من الهزال.\n(فدخلت عليه جارية لبعضهم، قَهَشَّ) أي ارتاح وخف وفرح (لها فوقع عليها) أي جامَعَها (فلما دخل عليه رجالُ قومِه يعودونه) من العيادة (أخبرهم بذلك) أي بفعله من الزنا (وقال: استفتوا لي رسولَ الله - ﷺ -، فإني وقعتُ على جارية دخلَتْ عليَّ، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضُّرِّ) أي المرض (مثلَ الذي هو) أي المرض (به) أي بذلك الرجل، (لو حملنا إليك) أي جئنا به إليك (لَتَفَسَّختْ) أي لانكسرت (عظامُه، ما هو إلَّا جلد على عظم، فأمر رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"جلدًا\".\n(٢) في نسخة: \"لو حملناه\".\n(٣) ينظر الأصل، فإن الرواية المشهورة عن أبي أمامة، عن سعيد بن سعد بن عبادة، كما يظهر من كتب الرجال، وهكذا أخرجه أحمد وابن ماجه. انتهى. (ش).\n[قلت: هكذا في \"مختصر المنذري\" أيضًا، ففيه: وعن أبي أمامة، عن سعيد بن سعد بن عبادة].","vol":"12","page":560},{"text":"أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ (١) بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً\". [جه ٥٧٤، حم ٥/ ٢٢٢]\n٤٤٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا إِسْرَائِيلُ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ أَبِى جَمِيلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: فَجَرَتْ جَارِيَةٌ لآلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا عَلِيُّ، انْطَلِقْ فَأَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ\" (٢)، فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا بِهَا دَمٌ يَسِيلُ لَمْ يَنْقَطِعْ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: \"يَا عَلِيُّ أَفَرَغْتَ؟ \"، فقُلْتُ: أَتَيْتُهَا وَدَمُهَا يَسِيلُ،\n===\nأن يأخذوا له مائة شمْراخ فيضربوه بها ضربة واحدة).\nقال الخطابي (٣): وممن قال من العلماء بظاهر هذا الحديث الشافعيُّ، قال: إذا ضربه ضربة واحدة بما يجمع له من الشماريخ فعلم أن قد وصلت كلُّها إليه ووقعت به أحلَّه ذلك، وقال مالك وأصحاب الرأي: لا يعرف الحد إلا حدًا واحدًا، والصحيح والمريض في ذلك سواء، قال: ولو جاز هذا لجاز مثله في الحامل أن تُضْرَب بشماريخ النخل، فلما أجمعوا أن لا يجزئ ذلك في الحامل كان المريض مثل ذلك.\n٤٤٧٣ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا إسرائيل، نا عبد الأعلى، عن أبي جَميلة) (٤) وأسمه ميسرة الطُّهَوِي الكوفي، قاله المنذري. (عن علي قال: فجرتْ جارية لآل رسول الله - ﷺ -) لم أقف على تسميتها (فقال: يا عليُّ، انطلقْ فأقمْ عليها الحدَّ)، قال: (فانطلقتُ فإذا بها دم يسيل لم ينقطع، فأتيته، فقال: يا علي، أفرغتَ؟) أي من إقامة الحد على الجارية (فقلت: أتيتُها ودمها يسيل)\n_________\n(١) في نسخة: \"فيضربونه\"\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٣٦، ٣٣٧).\n(٤) وفي \"مختصر المنذري\" (٦/ ٢٨٢): أبي جُميلة بضم الجيم، وهو خطأ، والصواب: الفتحُ، قال في \"التقريب\": مقبول، من الثالثه.","vol":"12","page":561},{"text":"فَقَالَ: \"دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا، ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ\". [حم ١/ ٨٩، ١٣٥، ٤٥، ق ٨/ ٢٤٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى فَقَالَ فِيهِ: \"لَا تَضْرِبْهَا حَتَّى تَضَعَ\". وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.\n===\nفلم أُقِمْ عليها الحدَّ (فقال: دعها حتى ينقطع دمُها، ثم أَقمْ عليها الحد، وأقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم).\n(قال أبو داود: وكذلك رواه أبو الأحوص (١)، عن عبد الأعلى، ورواه شعبة (٢)، عن عبد الأعلى فقال فيه: قال: لا تضربها حتى تَضَع، والأول أصح) قال المنذري (٣): وأخرجه النسائي باللفظِ الأولِ واللفظ الثاني، وفي إسناده عبد الأعلي بن عامر الثعلبي، ولا يحتج به، وهو كوفيّ، وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي كوفي ثقة، والثعلبي بالثاء المثلثة والعين المهملة.\nوقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٤) من حديث أبي عبد الرحمن السلمي- عبدِ الله بن حبيب- قال: خطب علي ﵁ قال: \"يا أيها الناس! أقيموا على أرقَّائكم الحدَّ من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله - ﷺ - زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثةُ عهدٍ بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتُها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: أحسنتَ\"، وأخرجه الترمذي، وفي رواية مسلم: \"اتركها حتى تَماثَلَ\"، ولم يذكر: \"من أحصن منهم ومن لم يحصن\". انتهى ملخصًا.\n_________\n(١) أخرج روايته الطيالسي (١٤٦)، وابن أبي شيبة (٩/ ٥١٤)، وأحمد (١/ ١٣٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٧٢٦٩)، والبيهقي (٨/ ٢٤٥).\n(٢) أخرج روايته النسائي في \"الكبرى\" (٧٢٦٧)، وأحمد (١/ ٨٩).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٨٢، ٢٨٣).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٧٠٥)، و\"سنن الترمذي\" (١٤٤١)، وقال: حسن صحيح؛ والنسائي في \"الكبرى\" (٧٢٣٩) مختصرًا.","vol":"12","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1692>(٣٤) بَابٌ في حَدِّ الْقَاذِفِ</span>\n٤٤٧٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعيُّ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، أَنَّ ابْنَ أَبِى عَدِىٍّ حَدَّثَهُمْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِى قَامَ النَّبِىُّ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلكَ (١) وَتَلَا - تَعْنِى الْقُرْآنَ - فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ (٢) الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ. [ت ٣١٨١، جه ٢٥٦٧، حم ٦/ ٣٥]\n٤٤٧٥ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، لَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ، قَالَ: فَأَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ\n===\n\n(٣٤) (بابٌ فِى حَدِّ الْقَذْفِ)\n٤٤٧٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي ومالك بن عبد الواحد المِسْمَعي، وهذا حديثه، أن ابن أبي عدي حدثهم، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: لما نزل عذري) (٣) أي براءتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ (٤) العشر الآيات (قام النبي صلَّى الله عليه) وآلِه (وسلَّم على المنبر، فذكر ذلك) أي نزولَ الآيات (وتلا تعني القرآن) الآيات العشر (فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين) أي مسطح بن أُثاثة، وحسان بن ثابت، وتَرَكَ عبدَ الله بنَ أبي [ابن] سلول (والمرأةِ فضُربوا حدَّهم).\n٤٤٧٥ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، بهذا الحديث، ولم يذكر عائشةَ، قال: فأمر برجلين وامرأة\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) في نسخة: \"عن\".\n(٣) قصة الإفك في \"الخميس\" (١/ ٤٧٥) سنة ٥ هـ، وفي \"التلقيح\" (ص ٤٥) سنة ٦ هـ. (ش).\n(٤) سورة النور: الآية ١١.","vol":"12","page":563},{"text":"مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِالْفَاحِشَةِ: حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ. قَالَ النُّفَيْلِىُّ: وَيَقُولُونَ: الْمَرْأَةُ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ. [انظر مَا قبله]\n===\nممن تكلم بالفاحشة) أي في القذف (حسان بن ثابت ومسطح بن أُثاثة، قال النفيلي: ويقولون: المرأة حمنةُ بنت جحش) وأما عبد الله بن أبي [ابن] سلول، وهو الذي تولى كبرَه لم يذكر في هذه الروايات أنه ضُرِبَ الحدَّ أم لا؟\nقال الحافظ (١): وعند أصحاب السنن من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - أقام حَدَّ القذف على الذين تكلموا بالإفك\"، لكن لم يذكر فيهم عبد الله بن أبي، وكذا في حديث أبي هريرة عند البزار، وبنى على ذلك صاحبُ \"الهدي\" فأبدى الحكمة في ترك الحد على عبد الله بن أبي، وَفَاتَه أنه ورد بأنه ذُكِرَ أيضًا فيمن أقيم عليه الحد، ووقع ذلك في رواية أبي أويس عن حسن بن زيد، عن عبد الله بن أبي بكر، أخرجه الحاكم في \"الإكليل\". انتهى.\nوقال (٢) أيضًا في محل آخر: وفيه تأخير الحد عمن يخشى بإيقاعه به الفتنة، نبَّه على ذلك ابنُ بطال مستندًا إلى أن عبد الله بن أبي كان ممن قذف عائشة، ولم يقع في الحديث أنه ممن حُدَّ، وتعقبه عياض بأنه لم يثبت أنه قذف، بل الذي ثبت أنه كان يستخرجه ويستوشيه.\nقلت: وقد ورد أنه قذف صريحًا، ووقع ذلك في مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم وغيرها، وفي مرسل مقاتل بن حبان عند الحاكم في \"الإكليل\" بلفظ: \"فرماها عبد الله بن أبي\"، وفي حديث ابن عمر عند الطبراني بلفظ: \"أشنع من ذلك\"، وورد أيضًا: \"أنه ممن جلِدَ الحدَّ\"، وقع ذلك في رواية أبي أويس، عن الحسن بن زيد، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلًا، أخرجه الحاكم في \"الإكليل\"، فإن ثبت (٣) سقط السؤال،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٧٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٨١).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\": \"فإن ثبتا\".","vol":"12","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1693>(٣٥) بابٌ في الْحَدِّ فِى الْخَمْرِ</span>\n٤٤٧٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَهَذَا حَدِيثُهُ، قَالَا: نَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ النبيَّ (١) -ﷺ- لَمْ يَقِتْ (٢) فِى الْخَمْرِ حَدًّا\". [حم ١/ ٣٣٢، ن ٥٢٩٠]\n===\nوإن لم يثبت (٣)، فالقول ما قال عياض، فإنه لم يثبت خبر أنه قذف صريحًا ثم لم يُحَدَّ. انتهى.\n\n(٣٥) (بابٌ الْحَدِّ فِى الْخَمْرِ)\n٤٤٧٦ - (حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن المثنى، وهذا حديثه) أي لفظ هذا الحديث لمحمد بن المثني (قالا: نا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن محمد بن علي) بن يزيد (بن ركانة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - لم يَقِتْ في الخمر حدًا) أي لم يُوَقِّت ولم يُعيِّنْ، يقال: وَقَتَ بالتخفيف يقِتُ فهو موقوف، وليس المراد أنه ما قَرَّر حدًا أصلًا، بل معناه أنه لم يعين فيه قدرًا معينًا، بل كان يضرب فيه ما بين أربعين إلى ثمانين.\nقال الشوكاني (٤): وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن حد السكر غير واجب، وإنه غير مقرر، وإنما هو تعزير فقط، وأجيب عن هذا: أنه قد وقع الإجماع من الصحابة على وجوبه، وحديث ابن عباس المذكور قد قيل: إنه كان قبل أن يشرَع الجلد، ثم شرع الجلدُ، والأولى أن يقال: إن النبي - ﷺ - إنما لم يقم على ذلك الرجل الحدَّ؛ لكونه لم يقِرَّ لديه، ولا قامت\n_________\n(١) وفي نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"لم يوقت\".\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\": \"وإن لم يثبتا\".\n(٤) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٦٠٥).","vol":"12","page":565},{"text":"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَرِبَ رَجُلٌ فَسَكِرَ، فَلُقِىَ يَمِيلُ فِى الْفَجِّ، فَانْطُلِقَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا حَاذَى بِدَارِ الْعَبَّاسِ انْفَلَتَ فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ، فَذُكِرَ (١) ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَضَحِكَ وَقَالَ: \"أَفَعَلَهَا؟ \" وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَىْءٍ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ هَذَا.\n٤٤٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ:\n===\nعليه بذلك الشهادةُ عنده، فيكون في ذلك دليل على أنه لا يجب على الإِمام أن يقيم الحدَّ على شخص بمجرد إخبار الناس له أنه فعل ما يوجبه، ولا يلزمه البحثُ بعد ذلك؛ لما قدَّمْنا من مشروعيةِ الستر، وأولويةِ ما يدرأ الحد على ما يوجبه. انتهى.\n(وقال ابن عباس: شرب رجل) الخمرَ (فسكر فلقي) أي لقي الناس (يميل في الفجّ) أي الطريق (فانطُلِق به إلى النبي - ﷺ -، فلما حاذى) أي قابل (بدار العباس انفلت) أي تخلَّص من أيديهم (فدخل على العباس فالتزمه، فذُكر ذلك للنبي - ﷺ -، فضحك، وقال: أفعلها؟) أي هذه الفعلة، وتعجب منها (ولم يأمر فيه بشيء).\n(قال أبو داود: وهذا مما تفرَّد به أهل المدينة: حديث الحسن بن علي هذا)، وأكثر رواة السند غير أهل المدينة، فمعنى قوله: \"تفرد به أهل المدينة\" باعتبار ابن عباس ومولاه عكرمة فإنهما مدنيان.\n٤٤٧٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا أبو ضمرة، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،\n_________\n(١) في نسخة: \"فذكروا\".","vol":"12","page":566},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أُتِىَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، فَقَالَ \"اضْرِبُوهُ\"، قَالَ (١) أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ\". [خ ٦٧٧٧، حم ٢/ ٣٩٩]\n٤٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ أَبِى نَاجِيَةَ الإِسْكَنْدَرَانِىُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ وَابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ فِيهِ بَعْدَ الضَّرْبِ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأَصْحَابِهِ: \"بَكِّتُوهُ\"، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ: مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ، مَا خَشِيتَ اللَّهَ،\n===\nأن رسول الله - ﷺ - أُتي برجل (٢) قد شرب، فقال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنَّا الضاربُ بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه) بأن يلوي الثوب فيجعل كالسوط (فلما انصرف) أي الرجل (قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تقولوا هكذا) أي مثل هذه الكلمة (لا تعينوا عليه الشيطانَ) فإنه إذا أخزاه الله غلب عليه الشيطانُ، أو لأنه إذا سمع ذلك أَيِسَ من رحمة الله، وانهمك في المعاصي.\n٤٤٧٨ - (حدثنا محمد بن داود بن أبي ناجية الإسكندراني، نا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب وحيوة بن شريح وابن لهيعة، عن ابن الهاد، بإسناده ومعناه) أي بإسناد ابن الهاد المتقدم ومعنى حديثه.\n(قال فيه بعد الضرب: ثم قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: بَكِّتُوه) أي وَبِّخُوه وعَيِّرُوه باللسان (فأقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت الله، ما خشيت الله،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) اختُلِفَ في اسمه، كما ذكره الحافظ. [راجع: \"فتح الباري\" (١٢/ ٦٧، ٧٦، ٧٧)]. (ش).","vol":"12","page":567},{"text":"وَمَا اسْتَحَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ (١) أَرْسَلُوهُ. وَقَالَ فِى آخِرِهِ: \"وَلَكِنْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ\". وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ الْكَلِمَةَ وَنَحْوَهَا. [انظر مَا قبله]\n٤٤٧٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ. (ح): ونَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ الْمَعْنَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- جَلَدَ فِى الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا وَلِىَ عُمَرُ دَعَا النَّاسَ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ دَنَوْا مِنَ الرِّيفِ - وَقَالَ مُسَدَّدٌ: مِنَ الْقُرَى وَالرِّيفِ\n===\nوما استحييت من رسول الله - ﷺ -، ثم أرسلوه، وقال في آخره: ولكن قولوا: اللهمَّ اغفر له، اللهمَّ ارحمه، وبعضهم) أي بعض الرواة المذكورين وهم: يحيى بن أيوب، وحيوة، وابن لهيعة (يزيد الكلمة ونحوها) أي نحو الكلمة على بعض.\n٤٤٧٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، ح: وَنَا مُسَدَّد، نَا يَحْيَى، عن هِشَام- المعنى-) أي معنى حديثهما واحد، (عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن النبي - ﷺ - جلد) أمر بالضرب (في الخمر بالجريد) وهو غصن النخلة (والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما ولي عمر) أي صار خليفة (دعا الناس) أي جمع الصحابة ﵃ (فقال لهم: إن الناس قد دنوا) أي قربوا (من الريف) هو كل أرض فيها زرع ونخل (وقال مسدد: من القرى، والريف) قال النووي (٢): معناه: لما كان زمن عمر بن الخطاب، وفتحت الشام والعراق، وسكن الناس في الريف، ومواضع الخصب، وسعة العيش، وكثرة الأعناب (٣) والثمار، أكثروا من شرب الخمر، فزاد عمر في حد الخمر تغليظًا عليهم، وزجرًا لهم عنها.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال رسول الله - ﷺ -\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٣٥).\n(٣) وفي الأصل: \"الأحباب\"، وهو تحريف.","vol":"12","page":568},{"text":"فَمَا تَرَوْنَ فِى حَدِّ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ (١) كَأَخَفِّ الْحُدُودِ، فَجَلَدَ فِيهِ ثَمَانِينَ\". [خ ٦٧٧٣، م ١٧٠٦، جه ٢٥٧٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ (٢)، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ جَلَدَ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ أَرْبَعِينَ (٣). وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ،\n===\nفكثر فيهم شرب الخمر (فما ترون في) تعيين (حد الخمر؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف).\nقال النووي (٤): هكذا هو في مسلم وغيره أن عبد الرحمن بن عوف هو الذي أشار بهذا، وفي \"الموطأ\" وغيره أنه علي بن أبي طالب، وكلاهما صحيح، وأشارا جميعًا، ولعل عبد الرحمن بدأ بهذا القول فوافقه علي وغيره، فنسب ذلك في رواية إلى عبد الرحمن لسبقه به، ونسبه في رواية إلى علي لفضيلته على عبد الرحمن.\n(نرى أن نجعله كأخف (٥) الحدود) فاجتمع رأيهم على ذلك (فجلد) عمر ﵁ (فيه ثمانين).\n(قال أبو داود: رواه ابن أبي عروبة (٦)، عن قتادة، عن النبي - ﷺ -: أنه جلد بالجريد والنعال أربعين، ورواه شعبة (٧)، عن قتادة،\n_________\n(١) في نسخة: \"تجعله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن أنس\".\n(٣) في نسخة: \"الأربعين\".\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٣٥).\n(٥) المنصوصة في القرآن، وهي: حد السرقة القطع، وحد الزنا جلد مائة، وحد القذف ثمانون، كذا في \"عون المعبود\" (١٢/ ١١٦). (ش).\n(٦) أخرج روايته ابن ماجه (٢٥٧٠).\n(٧) أخرج روايته أحمد (٣/ ١٧٦، ٢٧٢)، ومسلم (١٧٠٦)، والترمذي (١٤٤٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥٢٧٥)، كما في \"تحفة الأشراف\" (١٢٥٤)، والدارمي (٢/ ١٤٤) رقم (٢٣١١).","vol":"12","page":569},{"text":"عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: ضَرَبَ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ الأَرْبَعِينَ.\n٤٤٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ، حَدَّثَنِى، حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ الرَّقَاشِىُّ، هُوَ أَبُو سَاسَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِىَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رَآهُ شَرِبَهَا - يَعْنِى الْخَمْرَ -، وَشَهِدَ الآخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّؤُهَا،\n===\nعن النبي - ﷺ - مرسلًا (قال: ضرب) الشاربَ (بجريدتين نحو أربعين) أي أمر بالضرب بكل منهما حتى كمل من الجميع أربعون، وقيل: بل جمعهما، وجلده بهما، فيكون المبلغ ثمانين.\n٤٤٨٠ - (حدثنا مسدد بن مسرهد وموسى بن إسماعيل، المعنى، قالا: نا عبد العزيز بن المختار، نا عبد الله الداناج، حدثني حُضين بن المنذر الرقاشي، هو أبو ساسان، قال: شهدتُ) أي حضرتُ مجلس (عثمان بن عفان، وأتي بالوليد بن عقبة، فشهد عليه حمران) مولى عثمان بن عفان (ورجل آخر، فشهد أحدهما أنه رآه شربها -يعني الخمر-، وشهد الآخر) منهما (أنه رآه يتقيَّؤها).\nقال النووي (١): وهذا دليل لمالك وموافقيه في أنه من تقيَّأ الخمر يُحَدُّ حَدَّ الشارب، ومذهبنا (٢) أنه لا يُحَدُّ بمجرد ذلك؛ لاحتمال أنه شربها جاهلًا كونَها خمرًا، أو مكرهًا، أو غير ذلك من الأعذار المسقِطَةِ للحدود، ودليل مالك هنا قوي؛ لأن الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور في هذا الحديث، وقد يجيب أصحابنا عن هذا بأن عثمان علم بشرب الوليد فقضى بعلمه، وهذا تأويل ضعيف، وظاهر كلام عثمان يرد هذا التأويل.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٣٥).\n(٢) وبه قالت الحنفية، كما في \"الهداية\" (١/ ٣٥٤). (ش).","vol":"12","page":570},{"text":"فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ لِعَلِىٍّ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحَسَنِ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَأَخَذَ السَّوْطَ فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قَالَ: حَسْبُكَ،\n===\n(فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلي) بن أبي طالب: (أقم عليه الحَدَّ، فقال علي للحسن: أقم عليه الحدَّ، فقال الحسن: وَلِّ) (١) أمر من التولية (حارَّها) الضمير للخلافة، أي وَلِّ شدائدَها ومكروهاتِها (من تولى قارَّها) أي من تولى منافعها، وهم بنو أمية ومن يواليها.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": ويقال: إن علي بن أبي طالب كره منه هذا القول؛ لكونه تَرَكَ أدبَ عثمان، قال الخطابي (٢): هذا مثل يريدون [به] العقوبة والضرب عن تولية العمل والنفع.\n(فقال علي لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد، فأخذ السوط فجلده) أربعين (وعلي يعدّ، فلما بلغ) عبدُ الله بنُ جعفر في الحد (أربعين قال: حسبك).\nقال النووي (٣): واعلم أنه وقع ها هنا ما ظاهره أن عليًا جلد الوليدَ بنَ عقبة أربعين، ووقع في \"صحيح البخاري\" (٤) من رواية عبيد الله بن عدي (٥) ابن الخيار أن عليًا جلده ثمانين، وهي قضية واحدة، قال القاضي\n_________\n(١) مثل معروف، وقد قال عمر ﵁ لابن مسعود إذ سأله: أما يبلغني أنك تقضي ولست بأمير؟ فقال: نعم، فقال: وَلِّ حارَّها ... إلخ، كذا في \"إزالة الخفاء\". [انظر: \"إزالة الخفاء\" (٢/ ١١٩)، أحكام الخلافة والقضاء]. (ش).\n(٢) قول الخطابي كذا في الأصل، وفي \"معالم السنن\" (٣/ ٣٣٨): هذا مثل، أي: ولِّ العقوبةَ والضربَ، من توليه العملَ والنفعَ.\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٣٦).\n(٤) أشار إليه الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٧٠)، وهو مذكور في مناقب عثمان ح (٣٦٩٦)، ورجَّح هناك الحافظ (٧/ ٥٧) روايةَ أربعين. (ش).\n(٥) وفي \"شرح النووي\": \"عبد الله بن عدي\"، وهو تحريف.","vol":"12","page":571},{"text":"جَلَدَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَرْبَعِينَ - أَحْسِبُهُ قَالَ: - وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ -، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَىَّ. [م ١٧٠٧، جه ٢٥٧١، حم ١/ ٨٢]\n===\nعياض: المعروف من مذهب علي: الجلدُ في الخمر ثمانين، ومنه قوله: \"في قليل الخمر وكثيرِها ثمانون جلدة\"، وروي عنه أنه جلد المعروف بالنجاشي ثمانين.\nقال: والمشهور أن عليًا هو الذي أشار على عمر ﵁ بإقامة الحد ثمانين، وهذا كلُّه يرجِّح رواية من روى أنه جلد الوليد ثمانين، قال: وُيجمَع بينه وبين ما ذكره مسلم من رواية الأربعين بما روي أنه جلده بسوط له رأسان، فضربه برأسيه أربعين فتكون جملتها ثمانين، قال: ويحتمل أن يكون قوله: \"وهذا أحبّ إلي\" عائدًا إلى الثمانين التي فعلها عمر ﵁.\n(جلد النبي - ﷺ - أربعين، أحسبه قال: وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إلى).\nوالوليد بن عقبة بن أبي معيط أخو عثمان بن عفان لأمه، أسلم الوليد يوم الفتح، ونشأ في كنف عثمان إلى أن استخلف، فولاه الكوفةَ بعد عزل سعد بن أبي وقاص، وقصة صلاته بالناس [الصبح] أربعًا وهو سكران مشهورة، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر أيضًا مخرجة في \"الصحيحين\"، وعزَلَه عثمانُ بعد جلده عن الكوفة، وولاها سعيدَ بنَ العاص، ويقال: إن بعض أهل الكوفة تعصبوا عليه، فشهدوا عليه بغير الحق، حكاه الطبري، واستنكره ابن عبد البر، ولما قُتِلَ عثمان اعتزل الوليد الفتنة، فلم يشهد مع علي ولا مع غيره، ولكنه كان يُحَرِّض معاويةَ على قتال علي بكتبه وبشعره، وأقام بالرقة إلى أن مات، وكانت ولاية وليد الكوفةَ سنة خمس وعشرين، وَعُزِلَ سنة تسع وعشرين، كذا في \"الإصابة\" (١).\n_________\n(١) انظر: \"الإصابة\" (٣/ ٦٠١) الترجمة (٩١٤٩).","vol":"12","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1694>(٣٦) بابٌ: إِذَا تَتَابَعَ فِى شُرْبِ الْخَمْرِ</span>\n٤٤٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنِ الدَّانَاجِ، عَنْ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: \"جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِى الْخَمْرِ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَكَمَّلَهَا عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ\". [انظر الحديث السابق]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا: وَلِّ شَدِيدَهَا مَنْ تَوَلَّي هَيِّنَهَا. (١).\n٤٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ ذَكْوَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا شَرِبُوا الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ (٢) إِنْ شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ\". [ت ١٤٤٤، جه ٢٥٧٣، حم ٤/ ٩٥]\n===\n\n(٣٦) (بابٌ: إِذَا تَتَابَعَ فِى شُرْبِ الْخَمْرِ)\n٤٤٨١ - حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي عروبة، عن الداناج، عن حضين بن المنذر، عن علي قال: جلد رسول الله - ﷺ - في الخمر وأبو بكر أربعين، وكملها عمرُ ثمانين، وكل سنة).\n(قال أبو داود: وقال الأصمعي: ول حارها من تولى قارها) تفسيره (وَل شديدَها من تولي هَيِّنَها)، وكتب في بعض النسخ ها هنا: باب إذا تتابع في شرب الخمر، وأدخل الحديث المذكور في الباب المتقدم، وهذا أولى.\n٤٤٨٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، عن عاصم، عن أبي صالح ذكوان، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم). قال المنذري (٣): قال الإِمام الشافعي:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهذا كان سيد قومه حضين بن المنذر أبو ساسان\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ثم إن شربوا فاجلدوهم\".\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٨٨).","vol":"12","page":573},{"text":"٤٤٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (١)، بِهَذَا الْمَعْنَى، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِى الْخَامِسَةِ: \"إِنْ شَرِبَهَا فَاقْتُلُوهُ\".\nوَكَذَا فِى حَدِيثِ أَبِى غُطَيْفٍ فِى الْخَامِسَةِ.\n===\nوالقتل (٢) منسوخ بهذا الحديث وغيره، انتهى. وقال الخطابي (٣): قد يرد الأمر بالوعيد، ولا يراد به وقوع الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير، كقوله - ﷺ -: \"من قتل عبدًا قتلناه، ومن جدع عبدًا جدعناه\"، وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبًا، ثم نسخ بإجماع الأمة على أنه لا يُقتَل، هذا آخر كلامه.\nوقال غيره: أجمع (٤) المسلمون على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا (٥) على أنه لا يُقتَل إذا تكرر منه إلَّا طائفة شاذة، قال: يُقتَل بعد حده أربع مرات للحديث، وهو عند الكافة منسوخ، هذا آخر كلام المنذري، قلت: وقد تقدَّم (٦) كلام الشيخ ابن القيم فيه في: باب السرقة.\n٤٤٨٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد بن يزيد، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ -، بهذا المعنى، قال) أي الراوي: (وأحسبه) أي شيخي (قال في الخامسة: إن شربها فاقتلوه، وكذا في حديث أبي غطَيف: في الخامسة) وأبو غطيف الهذلي. قال الحافظ في \"تهذيب (٧)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) وبسط الحافظ (١٢/ ٧٨ - ٨٠)، وأنكر الدمنتي على الترمذي النسخَ، وبسط الكلامَ، ورجَّح القتلَ. (ش).\n(٣) راجع: \"معالم السنن\" (٣/ ٣٣٩).\n(٤) فقد ذكر الحافظ (١٢/ ٦٥) أن النعيمان جُلِدَ في الخمر أكثر من خمسين مرة. (ش).\n(٥) وبدلالة الإجماع استدل في \"التدريب\" على النسخ، وبسط القرائنَ. [انظر: \"تدريب الراوي\" (٢/ ٦٤٦)]. (ش).\n(٦) راجع (ص ٤٨٤) من هذا الجزء.\n(٧) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٠٠).","vol":"12","page":574},{"text":"٤٤٨٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ الْوَاسِطِيُّ، نَا (١) ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ (٢) عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ\". [جه ٢٥٧٢، ن ٥٦٦٢، حم ٢/ ٥٠٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ-: \"إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ (٣)، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ\".\n===\nالتهذيب\": قال الترمذي: ضعيف، وقال في \"التقريب\": مجهول، وهو يروي عن ابن عمر.\nوالحاصل: أن رواية نافع عن ابن عمر فيه على سبيل الظن أن رسول الله - ﷺ - قال في الخامسة: إن شربها فاقتلوه، وكذا في حديث أبي غطيف في الخامسة أمر بالقتل.\n٤٤٨٤ - (حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، نا يزيد بن هارون الواسطي، نا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر) ثانيًا (فاجلدوه، ثم إن سكر) ثالثًا (فاجلدوه، فإن عاد) في (الرابعة فاقتلوه).\n(قال أبو داود وكذا حديث عمر بن أبي سلمة (٤)، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه).\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ثم إن\".\n(٣) زاد في نسخة: \"فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه\".\n(٤) أخرج روايته أحمد (٢/ ٥١٩).","vol":"12","page":575},{"text":"(١) وَكَذَا حَدِيثُ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ-: \"إِنْ شَرِبُوا الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُمْ\".\nوَكَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِى نُعْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\nوَكَذَا (٢) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ-، وَالشَّرِيدِ عَنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\nوَفِى حَدِيثِ الْجَدَلِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيِّ -ﷺ-\n===\n(وكذا حديث سهيل (٣)، عن) أبيه (أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: إن شربوا الرابعة فاقتلوهم).\n(وكذا حديث ابن أبي نعم) (٤) وهو عبد الرحمن البجلي (عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -) أي القتل في الربعة.\n(وكذا حديث عبد الله بن عمرو (٥)، عن النبي - ﷺ -، والشريدِ) (٦) أي وكذلك حديث الشريد، وهو صحابي ثقفي (عن النبي - ﷺ -) فيهما ذكر القتل في الرابعة (وفي حديث الجدلي) (٧) هو أبو عبد الله الجدلي، اسمه عبد بن عبد، وقيل: عبد الرحمن بن عبد (عن معاوية) بن أبي سفيان (عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) في نسخة: \"كذلك\".\n(٣) أخرج روايته عبد الرزاق (٧/ ٣٨٠) رقم (١٣٥٤٩)، ومن طريقه أخرجها أحمد (٢/ ٢٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥٢٩٦)، والحاكم (٤/ ٣٧١).\n(٤) تحرف في الأصل بـ \"نعيم\". انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣٩٦٧)، وأخرج روايته النسائي (٨/ ٣١٣)، والحاكم (٤/ ٣٧١).\n(٥) أخرج روايته أحمد (٢/ ١٦٦، ٢١٤)، والطحاوي (٣/ ١٥٩)، والحاكم (٤/ ٣٧٢).\n(٦) أخرج روايته أحمد (٤/ ٣٨٨)، والدارمي (٢/ ١٤٥) رقم (٢٣١٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥٣٠١)، والطبراني (٧/ ٣١٧) رقم (٧٢٤٤).\n(٧) أخرج روايته أحمد (٤/ ٩٣، ٩٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥٢٩٩)، والطحاوي (٣/ ١٥٩)، والطبراني (١٩/ ٣٦٠) رقم (٨٤٤).","vol":"12","page":576},{"text":"قَالَ: \"فَإِنْ عَادَ فِى الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ\".\n٤٤٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، نَا (١) سُفْيَانُ قَالَ: الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، أَنَّ النبيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِى الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ\". فَأُتِىَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ (٢) فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِىَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِىَ بِهِ فَجَلَدَهُ، وَرُفِعَ الْقَتْلُ، فَكَانَتْ (٣) رُخْصَةً. [ق ٨/ ٣١٤]\n===\nقال: فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه).\n٤٤٨٥ - (حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، نا سفيان قال: الزهريُّ أخبرنا عن قبيصة بن ذؤيب).\nتقدير العبارة قال سفيان: أخبرنا الزهري عن قبيصة بن ذؤيب، (أن النبي - ﷺ - قال: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد) ثانيًا (فاجلدوه، فإن عاد) ثالثًا (فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب) الخمر (فجلده، ثم أتي به) ثانيًا (فجلده، ثم أتي به) ثالثًا (فجلده، ثم أتي به) رابعًا (فجلده) ولم يقتله (وَرُفع القتل) أي نُسِخَ حكم القتل (فكانت رخصة).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: أي فصار تركُ القتل رخصة، ولم يبق وجوبُ القتل، وإنما أورد المؤلف ها هنا أسانيد متعددة لِيُعلَم بها أن اختلاف الروايات في أمر القتل بالرابعة أو الخامسة أو الثالثة ليس باضطراب، لما روي كل منها بأسانيد متعددة، ثم أورد بعد الكل رواية تدل على نسخ ما تقدم، ولا ينافيه ما ذكر من الحمل على التعزير، فإن النبي ﵌ لم يقتله وإن كرر الشرب أربعًا، لأنه لم يؤد رأيه إلى ذلك، ولعله ارتجى منه المتاب، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الخمر\".\n(٣) في نسخة: \"وكانت\".","vol":"12","page":577},{"text":"قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَعِنْدَهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَمُخَوَّلُ بْنُ رَاشِدٍ، فَقَالَ لَهُمَا: كُونَا وَافِدَي أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. (١).\n٤٤٨٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ، نَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ،\n===\n(قال سفيان: حدث الزهري بهذا الحديث، وعنده منصور بن المعتمر ومُخوَّل) كمحمد (ابن راشد) وهما كوفيان (فقال لهما: كونا وافِدَيْ أهل العراق بهذا الحديث) أي بحديث قبيصة بن ذؤيب، فإن فيه أن رسول الله - ﷺ - لم يقتل الشاربَ في الرابعة فضلًا في المرة الأولى.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: معنى قوله: \"كونا وافدي أهل العراق\" أن أهل العراق كانت نشأت فيهم فرقة، وهم الخوارج يخرجون مرتكبَ الكبيرة عن الإيمان، فأراد أن يردّ عليهم عقيدتهم بحديث النبي - ﷺ - حيث لم يقتله بإصرار الكبيرة، فكيف بإتيانها مرة فقط، ولولا أنه مسلم لما تركه؟ !\n٤٤٨٦ - (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، نا شريك، عن أبي حصين) عثمان بن عاصم، (عن عمير بن سعيد) النخعي الصهباني، بضم المهملة، وسكون الهاء، بعدها موحدة، أبو يحيى الكوفي، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد عن علي في حد شارب الخمر، وقال العجلي: عمير بن سعد ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وأفرط أبو محمد بن حزم في \"الملل والنحل\"، فقال: إنه مجهول، وإنه روى حديثين عن علي ما نعلم له غيرهما، أحدهما في ذكر شارب الخمر يعني الذي أخرجه البخاري، والآخر في قصة هاروت وماروت، قال: وكلاهما كذب، كذا قال،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وروى هذا الحديثَ الشريدُ بنُ سويد، وشرحبيل بن أوس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وأبو غُطَيف الكندي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ... \".","vol":"12","page":578},{"text":"عَنْ عَليٍّ قَالَ: \"لَا أَدِى، أَوْ مَا كُنْتُ أَدِيَ (١) مَنْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ حَدًّا إلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَسُنَّ فِيهِ شَيْئًا إِنَّمَا هُوَ شَيْء قُلْنَاهُ نَحْنُ\". [خ ٦٧٧٨، م ١٧٠٧، جه ٢٥٦٩]\n٤٤٨٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ (٢)، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ،\n===\nوقد استعظمت هذا القولَ، ولولا شرطي في كتابي (٣) هذا ما عَرجتُ عليه، فإنه من أشنع ما وقع لابن حازم، سامحه الله.\n(عن علي) بن أبي طالب (قال: لا أَدِي، أو ما كنت أدي) من وَدَى يدي، أي أؤدي الدية (من أقمت عليه حدًا) فيموت (إلَّا شارب الخمر) فإنه إذا مات بالجلد وَدَيْتُه (فإن رسول أن - ﷺ - لم يسن فيه شيئًا) أي لم يعين في الحد مقدارًا يبلغ ثمانين (إنما هو) أي مقدار حد الخمر، وهو ثمانون (شيء قلناه نحن).\nقال المنذري (٤): وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه بنحوه. قال بعضهم: لم يختلف العلماء فيمن مات مِن ضربِ حَدٍّ وجب عليه: أنه لا دية فيه على الإِمام ولا على بيت المال، واختلفوا فيمن مات من التعزير، فقال الشافعي: عقله على عاقلة الإِمام، وعليه الكفارة، وقيل: على بيت المال، وجمهور العلماء على أنه لا شيء عليه، هذا آخر كلامه، فإذا ضرب الإِمام شاربَ الخمر الحدَّ أربعين ومات لم يضمنه، ومن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية، وإن جلده واحدًا وأربعين ضمن نصف الدية، وقيل: يضمن جزءًا من واحد وأربعين جزءًا من الدية. انتهى كلام المنذري.\n٤٤٨٧ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب،\n_________\n(١) في نسخة: \"لأَدِيَ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"المصري، ابن أخي رشدين بن سعد\".\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ١٤٦).\n(٤) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٢٩٠)، و\"عون المعبود\" (١٢/ ١٢٦).","vol":"12","page":579},{"text":"أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الآنَ وَهُوَ فِى الرِّحَالِ (١) يَلْتَمِسُ رَحْلَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أُتِىَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: \"اضْرِبُوهُ (٢) \"، فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْعَصَا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْمِيتَخَةِ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: الْجَرِيدَةُ الرَّطْبَةُ - ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ فَرَمَى بِهِ فِى وَجْهِهِ. [حم ٤/ ٨٨، ق ٨/ ٣٢٠]\n٤٤٨٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ قَالَ: وَجَدْتُ في كِتَابِ خَالِي عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ\n===\nأخبرني أسامة بن زيد، أن ابن شهاب حدثه، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: كأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - الآن وهو في الرحال يلتمس رحلَ خالد بن الوليد)، والمقصود بهذا الكلام بيان شدة حفظه.\n(فبينما هو كذلك إذ أتي برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه بالميتخة) بكسر الميم، وسكون الياء التحتانية، بعدها فوقانية مفتوحة، ثم الخاء المعجمة، قال في \"القاموس\" (٣): تتاخه بالمِتْيَخَة، ووتخه بالمِيْتَخَة: ضربه بالعصا، والمِتْيَخَة وَالْمِيْتَخَةُ وَالمِتِّيَخَةُ: أسماء لجريد النخل، أو العرجون.\n(قال ابن وهب) في تفسير الميتخه: (الجريدة الرطبة، ثم أخذ رسول الله - ﷺ - ترابًا من الأرض، فرمى به في وجهه) كأنه وَبَّخه على فعله.\n٤٤٨٨ - (حدثنا ابن السرح قال: وجدت في كتاب خالي عبدِ الرحمن بن\n_________\n(١) في نسخة: \"الرجال\".\n(٢) في نسخة: \"ألا، اضربوه\".\n(٣) \"ترتيب القاموس المحيط\" (١/ ٣٨٩).","vol":"12","page":580},{"text":"عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عُقَيْلٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَزْهَرِ (١) أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُتِي رسول الله -ﷺ- بِشَارِبٍ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ، فَحَثَى فِى وَجْهِهِ التُّرَابَ، ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَضَرَبُوهُ بِنِعَالِهِمْ، وَمَا كَانَ فِى أَيْدِيهِمْ حَتَّى قَالَ لَهُمُ: \"ارْفَعُوا\"، فَرَفَعُوا، فَتُوُفِّي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ فِى الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ جَلَدَ عُمَرُ أَرْبَعِينَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ جَلَدَ ثَمَانِينَ فِى آخِرِ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ جَلَدَ عُثْمَانُ الْحَدَّيْنِ كِلَيْهِمَا ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَثْبَتَ مُعَاوِيَةُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ (٢). [ق ٨/ ٣١٩]\n===\nعبد الحميد) بن سالم المهري، أبو رجاء المصري، المكفوف، قال أبو داود: ثقة، وقال يونس في \"تاريخ مصر\": كان من أفاضل أهل مصر، وكان قد عمي، فكان يحدث حفظًا، وأحاديثه مضطربة.\n(عن عقيل، أن ابن شهاب أخبره، أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر أخبره، عن أبيه) عبد الرحمن بن الأزهر (قال: أتي رسول الله - ﷺ - بشارب وهو) أي رسول الله - ﷺ - (بحُنين، فحثى في وجهه الترابَ، ثم أمر أصحابَه فضربوه بنعالهم وما كان في أيديهم، حتى قال لهم: ارفعوا) أي كفوا عن ضربه (فرفعوا) أي الصحابة أيديَهم من الضرب، (فتوفي رسول الله - ﷺ -، ثم جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثم جلد عمر أربعين صدرًا من إمارته) أي في ابتداء خلافته (ثم جلد ثمانين في آخر خلافته، ثم جلد عثمان الحدَّينِ كليهما: ثمانين وأربعين) أي مرة ثمانين، ومرة أربعين، (ثم أثبت معاوية الحدَّ ثمانين) وذلك لاحتياج أهل زمانه إلى ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"أزهر\".\n(٢) زاد في نسخة:\n٤٤٨٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، نَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، =","vol":"12","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1695>(٣٧) بابٌ فِى إِقَامَةِ الْحَدِّ فِى الْمَسْجِدِ</span>\n٤٤٩٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا صَدَقَةُ - يَعْنِى ابْنَ خَالِدٍ -، نَا الشُّعَيْثِيُّ، عَنْ زُفَرَ بْنِ وَثِيمَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُسْتَقَادَ فِى الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الأَشْعَارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ\". [حم ٣/ ٤٣٤]\n===\n\n(٣٧) (بابٌ فِى إِقَامَةِ الْحَدِّ فِى الْمَسْجِدِ)\n٤٤٩٠ - (حدثنا هشام بن عمار، نا صدقة -يعني ابن خالد-، نا الشُّعَيثي) هو محمد بن عبد الله النصري، (عن زفر بن وثيمة، عن حكيم بن حزام أنه قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يستقاد) أي يُقتَصَّ (في المسجد، وأن تُنشَد (١) فيه الأشعار) وهي الأشعار التي ليست في ذكر الله، ولا ما هي في مدح رسول الله - ﷺ - (وأن تقام فيه الحدود)؛ لأن في الحدود والقصاص احتمالَ تلويث المسجد بالدم وغيره.\n_________\n= عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- غَدَاةَ الْفَتْحِ، وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ، يَتَخَلَّلُ النَّاسَ يَسْأَلُ عَنْ مَنْزِلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَأُتِي بِشَارِبٍ فَأَمَرَهُمْ فَضَرَبُوهُ بِمَا فِى أَيْدِيهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِعَصًا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِنَعْلِهِ، وَحَثَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- التُّرَابَ، فَلَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ أُتِىَ بِشَارِبٍ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ ضَرْبِ النَّبيِّ -ﷺ- الَّذِى ضَرَبَهُ، فَحَزَرُوهُ أَرْبَعِينَ، فَضَرَبَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ كَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَمَكُوا فِى الشُّرْبِ، وَتَحَاقَرُوا الْحَدَّ وَالْعُقُوبَةَ، قَالَ: هُمْ عِنْدَكَ فَسَلْهُمْ - وَعِنْدَهُ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ - فَسَأَلَهُمْ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبَ ثَمَانِينَ، قَالَ: وَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا شَرِبَ افْتَرَى، فَأَرَى أَنْ تجْعَلَهُ كَحَدِّ الْفِرْيَةِ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَدْخَلَ عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ بَيْنَ الزُّهْريِّ، وَبَيْنَ ابْنِ الأَزْهَرِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَزْهَرِ، عَنْ أَبِيهِ.\nقلت: أورده المزي في \"تحفة الأشراف\" رقم (٩٦٨٥)، وقال: \"حديث الحسن بن علي في رواية ابن داسه وغيره، ولم يذكره أبو القاسم\".\n(١) بسط الكلام عليه العيني (٣/ ٤٨٩) ح (٤٥٣). (ش).","vol":"12","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1696>(٣٨) بابٌ: فِى ضَرْبِ الْوَجْهِ فِى الْحَدِّ</span>\n٤٤٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى سَلَمَةَ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ\". [م ٢٦١٢، حم ٢/ ٢٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>(٣٩) بابٌ: فِى التَّعْزِيرِ</span>\n٤٤٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ،\n===\n\n(٣٨) (بَابٌ: في ضَرْبِ الْوَجْهِ في الْحَدِّ)\n٤٤٩١ - (حدثنا أبو كامل، نا أبو عوانة، عن عمر -يعني ابن أبي سلمة-، عن أبيه) أبي سلمة بن عبد الرحمن، (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إذا ضرب أحدكم) وهذا شامل للحد وغيره (فليتق الوجهَ)؛ لأنه لطيف مجمع المعاني الإنسانية، فيخاف منه تعطيل المضروب.\n\n(٣٩) (بَابٌ: في التَّعْزِيرِ) (١)\n٤٤٩٢ - حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة) بن نيار، اسمه هانئ، الأنصاري، صحابي\n_________\n(١) والتعزير بالمال (العقوبة المالية) منسوخ عند الحنفية، كما في كتبنا، وهل يجوز تعزير غيره أو نفسه بإضاعة المال؟ فقد ورد ما يدل على إباحته كما في قصة سليمان ﵇ ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [سورة ص: ٣٣]، وتحريق متاع الغال وإكفاء القدور كما تقدم (٩/ ٣٦٤) وتسجير عمرو بن العاص الريطة المضرجة بالعصفر كما تقدم (ص ٩٥)، وكما سيأتي من هدم الأنصاري قبته (١٣/ ٦٢٥). (ش).","vol":"12","page":583},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كان يقول: \"لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إلَّا فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ\". [خ ٦٨٤٨، م ١٧٠٨، ت ١٤٦٣، جه ٢٦٠١، حم ٣/ ٤٦٦]\n٤٤٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. فَذَكَرَ مَعْنَاهُ (١). [تقدَّم تخريجه في الحديث السابق]\n===\n(أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: لا يُجلَد فوق عشر جلدات إلَّا في حد (٢) حدود الله).\n٤٤٩٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكير بن الأشج حدثه، عن سليمان بن يسار، حدثني عبد الرحمن بن جابر، أن أباه) أي جابر بن عبد الله (حدثه، أنه سمع أبا بردة) بن نيار (الأنصاري يقول: سمعت رسول الله - ﷺ -، فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم.\nقال الخطابي (٣): اختلفت أقاويل العلماء في مقدار التعزير، ويشبه أن يكون السبب في اختلاف مقاديره عندهم اختلاف مقادير الجنايات والأجرام، فزادوا في الأدب، ونقصوا منه على حسب ذلك.\nوكان أحمد بن حنبل يقول: للرجل أن يضرب عبده على ترك الصلاة، وعلى المعصية، ولا يضرب فوق عشر جلدات، وكذلك قال إسحاق بن راهويه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أْبو بردة اسمه هانِئٌ\".\n(٢) واختلف في المراد بحد من حدود الله، فليراجع: \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٧، ١٧٨). (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٤٠).","vol":"12","page":584},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى سَلَمَةَ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ: إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ.\n\nآخِرُ كتَابِ الْحُدُودِ\n===\nوكان (١) الشعبي يقول: التعزير ما بين سوط إلى ثلاثين، وقال الشافعي: لا يبلغ بعقوبة أربعين، وكذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: التعزير على قدر عظم الذنب وصغره (٢) على قدر ما يراه الحاكم من احتمال المضروب مما بينه وبين أقل من ثمانين. وعن ابن أبي ليلي: إلى خمسة وثمانين سوطًا.\nوقال مالك بن أنس: التعزير على قدر الجرم، فإن كان جرمه أعظم من القذف جلد مائة أو أكثر. انتهى.\nونقل في الحاشية عن \"اللمعات\" (٣): قالوا: حديث أبي بردة منسوخ بحديث ابن عباس، وقد ثبت أن الصحابة كانوا يجاوزون العشرة، وقال أصحاب مالك: إنه كان مختصًا بزمن النبي - ﷺ -.\nوذكر في النسخة المجتبائية أيضًا حديثَ أبي كامل المذكور في \"باب ضرب الوجه في الحد\"، وليس في أكثر النسخ، فتركناه لمجرد التكرار (٤).\n\nآخِرُ كتَابِ الْحُدُودِ\n_________\n(١) وفي الأصل: \"وقال الشعبي\"، وهو تحريف.\n(٢) وفي الأصل: \"وزجره\"، وهو تحريف.\n(٣) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٣/ ٢٩٨).\n(٤) لذلك ما عددناه في الترقيم المسلسل.","vol":"12","page":585},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1698>(٣٣) أَوَّلُ كِتَابِ الدِّيَّاتِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1699>(١) بَابُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ </span>(١)\n٤٤٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ مُوسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ (٢) قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٣٣) (أَوَّلُ كِتَابِ الدِّيَاتِ)\n\n(١) (بَابُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ)\nوقد أدخل المصنف القصاصَ في الدية\n٤٤٩٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا عبيد الله -يعني ابن موسى-، عن علي بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قُرَيظةُ والنِّضيرُ) قبيلتان من اليهود (وكان النضيرُ أشرفَ) أي أقوى\n_________\n(١) في نسخة: \"باب تفسير قوله تعالى: النفس بالنفس\".\n(٢) في نسخة: \"كانت\".","vol":"12","page":586},{"text":"مِنْ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ إذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، وَإذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنَ قُرَيْظَةَ فُودِيَ (١) بِمِئَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ.\nفَلَمَّا بُعِثَ النَّبيُّ -ﷺ- قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا نَقْتُلْهُ، فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّبيُّ -ﷺ-، فَأَتَوْهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، وَالْقِسْطُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٢). [ن ٤٧٣٢، حم ١/ ٣٦٣]\n===\n(من قريظةَ، فكان إذا قتل رجلٌ من قُريظةَ رجلًا من النَّضير قُتِلَ) أي القُرَظِي (به) أي برجل من النضير، (وإذا قَتَلَ رجل من النضير رجلًا من قُريظةَ فَوُدِيَ بمئةِ وَسقٍ من تمر) أي يُعطى من جهة بني النضير في فدائه مائةُ وسق من تمر.\n(فلما بُعِثَ النبيُّ - ﷺ - قَتَلَ رجلٌ من النضيرِ رجلًا من قريظةَ، فقالوا) أي بنو قريظة: (ادْفَعُوه) أي القاتل (إلينا نَقْتُلْه) وأبى بنو النضير أن يَدْفعوا القاتلَ إليهم على جَري العادة (فقالوا: بيننا وبينكم النبيُّ - ﷺ -، فأتوه، فنزلت) قوله تعالى: (﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٣» أي بالعدل (والقِسْطُ: النَّفْسُ بالنفسِ، ثم) لما نازع بنو النضير، وطلبوا أن يكون الحكمُ على جري العادةِ بفداءِ مائةِ وسْقٍ (نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٤) ...) الآية.\n_________\n(١) في نسخة: \"يُوْدَى\".\n(٢) زاد في نسخه: \"قال أبو داود: قريظة والنضير جميعًا من ولد هارون النبي ﵇\".\n(٣) سورة المائدة: الآية ٤٢.\n(٤) سورة المائدة: الآية ٥٠.","vol":"12","page":587},{"text":"(٢) بَابٌ: لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ (١) بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ أَوْ أَبِيهِ\n٤٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ إِيَادٍ، حَدَّثَنَا إِيَادٌ، عَنْ أَبِى رِمْثَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبيِّ -ﷺ-، ثُمَّ إِنَّ النبي (٢) -ﷺ- قَالَ لأَبِى: \"ابْنُكَ (٣) هَذَا؟ \"، قَالَ: إِى وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: \"حَقًّا؟ \"، قَالَ أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ضَاحِكًا مِنْ ثَبْتِ شَبَهِي فِى أَبِى، وَمِنْ حَلْفِ أَبِى عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِى عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِى عَلَيْهِ\"،\n===\n\n(٢) (بَابٌ: لَا يُؤخَذُ)، أي: لا يقتل (الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ) أي: بجناية (أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ)\nوكان في الجاهلية أن الرجلَ إذا جَنى جنايةً يأخذون بها أباه أو أخاه أو من كان من قبيلته فأبطله الشرعُ\n٤٤٩٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا عبيد الله -يعني ابن إياد- حدثنا إياد) ابن لقيط، (عن أبي رمثة قال: انطلقتُ مع أبي) اختلف في اسمه واسم أبيه (نَحْوَ النبيِّ - ﷺ -، ثم إن النبيّ - ﷺ - قال لأبي: ابنك هذا؟) بحذف همزة الاستفهام (قال: إي وربِّ الكعبة، قال) رسول الله - ﷺ -: (حقًا؟) أي تقول حقًا؟ وفي هذا أيضًا حذف الاستفهام (قال) أي والد أبي رِمْثَة: (أَشْهَدُ) بصيغة المتكلم (به).\n(قال: فتبسم رسولُ الله - ﷺ - ضاحكًا من ثَبْت شَبَهِي) أي ثبوت مشابهتي (في أبي، ومِنْ حَلِف أبي عليَّ، ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (أما إنَّه لا يَجْني عليك ولا تَجْني عليه) أي لا يُؤخذ بجنايتك ولا تُؤخذ بجنايته، يعني إذا قتلت أنت أو قتل هذا أحدًا يقتصر جنايتكما\n_________\n(١) في نسخة: \"أحدٌ\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) في نسخة: \"أابنك\".","vol":"12","page":588},{"text":"وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. [ن ٤٨٣٢، حم ٤/ ١٦٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1701>(٣) بَابُ الإمَامِ يأْمُرُ بِالْعَفْوِ في الدَّمِ</span>\n٤٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِى الْعَوْجَاءِ،\n===\nعلى مَنْ جَنى منكما، وقيل: باعتبار الإثم، أي لا يأثم إلا الجاني.\n(وقرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١» أي لا تحمل نفسٌ حمل نفس أخرى.\nوهذا الحديث (٢) مختصر، وهذا والذي تقدم، تقدَّما قبل ذلك.\n\n(٣) (بَابُ الإمَامِ يَأْمُرُ بِالْعَفْوِ في الدَّمِ)\n٤٤٩٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أنا محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فُضيل) الأنصاري الخطمي، أبو عبد الله المدني، قال النسائي: ثقة، وكذا قال عثمان الدارمي، قلت: وقال مُهَنَّا عن أحمد: ليس بمحفوظ الحديث، وقال أبو داود عن أحمد: ليس بمحمود الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن سفيان بن أبي العَوْجَاء) السلمي أبو ليلى الحجازي، قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في \"القصاص\". قلت: وقال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وقرأت بخط الذهبي: حديثه منكر، ولا يعرف\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية ١٦٤.\n(٢) واستدل الموفق (١٢/ ١٣) بهذا الحديث على أن جناية العامد على نفسه لا تجب على العاقلة. (ش).","vol":"12","page":589},{"text":"عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْخُزَاعِىِّ، أَنَّ النبيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أُصِيبَ بِقَتْلٍ أَوْ خَبْلٍ، فَإِنَّهُ يَخْتَارُ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ، وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، وَمَنِ (١) ﴿اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ \". [حم ٤/ ٣١، جه ٢٦٢٣، دي ٢٣٥٥، ق ٨/ ٥٢، قط ٣/ ٩٦، رقم ٥٦]\n===\nإلَّا به كذا قال، وقد أخرج له أحمد في \"مسنده\" حديثًا آخرَ من حديث ابن مسعود في الكسوف.\n(عن أبي شريح الخزاعي، أن النبي - ﷺ - قال: من أُصِيْبَ بقتلٍ أو خَبْلٍ) أي قَطْع عُضْوٍ (فإنه) أي الذي قُطع عضوُه، وكذا ولي القتيل (يختار إحدى ثلاث: إمَّا أن يَقتصَّ) أي يَقتل القاتلَ قصاصًا (وإمَّا أن يعفوَ، وإمَّا أن يأخذ الديةَ) أي إن رضي القاتلُ (فإنْ أراد الرابعةَ) أي زيادة على القصاص والدية (فخُذُوا على يديه) كما قال الله تعالى: (ومن اعتدى) أي تجاوَزَ عن إحدى هذه الثلاث إلى غير ذلك (بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد بلوغ هذا البيان (﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾) (٢).\nقال الحافظ: واختلف في تفسير العذاب في هذه الآية، فقيل: يتعلق بالآخرة، وأما في الدنيا فهو لمن قتل ابتداءً، وهذا قول الجمهور، وعن عكرمة وقتادة والسدي: يتحتم القتل، ولا يتمكن الولي من أخذ الدية، وفيه حديث جابر رفعه: \"لا أعفو عمن قتل بعد أخذ الدية\".\nواستدل بهذا الحديث على أن المخيَّرَ في القود وأخذ الدية هو الوليّ، وهو قول الجمهور (٣)، وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن الخيار (٤) في أخذ الدية للقاتل.\n_________\n(١) في نسخة: \"فمن\".\n(٢) طرف من آية من سورة البقرة ١٧٨.\n(٣) وبه قال أحمد والشافعي وداود الظاهري، وهو رواية عن مالك، كذا في \"الأوجز\" (١٥/ ٣١).\n(٤) هكذا في الأصل، وفي \"الفتح\" (١٢/ ٢٠٩): إلى أن الخيار في القصاص أو الدية للقاتل.","vol":"12","page":590},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الطحاوي: والحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته، فقال النبي - ﷺ -: \"كتاب الله القصاص\" فإنَّه حكم بالقصاص ولم يخير، ولو كان الخيار للولي لأَعْلَمَهم النبي - ﷺ -.\nواحتجَّ أيضًا بأنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقاتل: رضيتُ أن تعطيني كذا على أن لا أقتلَك أن القاتل لا يجبر على ذلك ولا يؤخذ منه كرهًا، انتهى. كذا في \"الفتح\" (١).\nوأصل الاختلاف أن القصاص واجبٌ عينًا عند الحنفية، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٢)، وهذه الآية تُوجب القصاصَ موجبًا، ويبطل مذهب الإبهام جميعًا حتى لا يملك الولي أن يأخذ الديةَ من القاتل من غير رضاه و[لو] مات القاتل أو عفا الولي سقط الموجب أصلًا.\nوللشافعي ﵁ قولان: في القولِ القصاصُ (٣) ليس واجب عينًا، بل الواجب أحد الشيئين غير عين، إما القصاص وإما الدية، وللولي خيار التعيين إن شاء استوفى القصاص وإن شاء أخذ الدية من غير رضا القاتل.\nفعلى هذا القول إذا مات القاتل يتعين المال واجبًا، وإذا عفا الولي سقط الموجب أصلًا.\nوالقول الثاني القصاص واجب عينًا، لكن للولي أن يأخذ المال من غير رضا القاتل، وإذا عفا له أن يأخذ المال، وإذا مات القاتل سقط الموجب أصلًا، كذا في \"البدائع\" (٤).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٠٩).\n(٢) طرف من آية من سورة البقرة ١٧٨.\n(٣) هكذا في الأصل، وفي \"البدائع\": \"في قول القصاص ... \" إلخ، وهو الصواب.\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٨٤).","vol":"12","page":591},{"text":"٤٤٩٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: \"مَا رَأَيْتُ رسول الله -ﷺ- رُفِعَ إِلَيْهِ شَيءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ\". [جه ٢٦٩٢، حم ٣/ ٢١٣، ن ٤٧٨٤]\n٤٤٩٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ -ﷺ-، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبيِّ -ﷺ- فَدَفَعَهُ (١) إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْوَلِىِّ: \"أَمَا إِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ\".\n===\n٤٤٩٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك قال: ما رأيت رسول الله صلَّى الله عليه) وآله (وسلم رُفع إليه شيءٌ فيه قصاص إلَّا أَمر فيه بالعفو)، وليس المراد بالأمر الإيجاب، بل المراد الترغيب إلى العفو، والأمر بطريق المشورة والصلح.\n٤٤٩٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قتل رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرفع ذلك) أي دعوى القتل (إلى النبي - ﷺ -، فدفعه) أي القاتل (إلى وليِّ المقتول) ليقتله، (فقال القاتل: يا رسول الله) - ﷺ -! (والله ما أردتُ قتلَه) أي لم أرد بذلك القتلَ، ولكن كنت أردتُ الضربَ إلا أنه مات.\n(قال) أنس: (فقال رسول الله - ﷺ - للولي: أَمَا إنَّه إنْ كان صادقًا) في قوله: \"ما أردت قتله\" أي فيما بينه وبين الله تعالى (ثم قتلته دخلتَ النارَ).\n_________\n(١) في نسخة: \"فدفع\".","vol":"12","page":592},{"text":"قَالَ: فَخَلَّى سَبِيلَهُ، قَالَ: وَكَانَ مَكْتُوفًا بِنِسْعَةٍ، فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، فَسُمِّىَ ذَا النِّسْعَةِ. [ت ١٤٠٧، ن ٤٧٢٢، جه ٢٦٩٠]\n٤٤٩٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْجُشَمِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفٍ، نَا حَمْزَةُ أَبُو عُمَرَ (١) الْعَائِذِيُّ، حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ قال، حَدَّثَنِى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبيِّ -ﷺ- إِذْ جِيءَ بِرَجُلٍ قَاتِلٍ فِى عُنُقِهِ النِّسْعَةُ، قَالَ: فَدَعَا وَلِيَّ الْمَقْتُولِ فَقَالَ: \"أَتَعْفُو؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"أَفَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ \"، قَالَ: لَا،\n===\nحاصله: أن قول القاتل: \"ما أردت قتله\" ليس بمعتبر في القضاء، ولكنه لو كان صادقًا، ثم قتلتَه مع أنه ليس مستحقًا للقتل يكون عليك وباله في الآخرة، وهو دخول النار.\n(قال) أنس: (فخلَّى) ولى المقتول (سبيلَه) أي سبيلَ القاتل، لما سمع ذلك الكلام من رسول الله - ﷺ - (قال) أنس: (وكان مَكْتُوفًا (٢) بِنِسْعةٍ) (٣) أي يسير من الجلد (فخرج يجُرُّ نِسْعتَه، فسُمِّي ذا النِّسعة).\n٤٤٩٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي، نا يحيى بن سعد، عن عوف) بن أبي جميلة الأعرابي، (نا حمزة) بن عمرو (أبو عُمر العائذي، حدثني علقمة بن وائل قال: حدثني) أبي (وائل بن حُجْر قال: كنت عند النبي - ﷺ - إذ جئ برجلٍ قاتلٍ في عُنُقه النِّسْعة، قال) وائل: (فدعا) رسول الله - ﷺ - (وليّ المقتول فقال) ﵌ لولي المقتول: (أتعفوا؟ قال: لا، قال: أفتأخذ الدية؟ قال: لا،\n_________\n(١) في نسخة: \"أبو عمرو\".\n(٢) قال ابن الأثير: المكتوف: الَّذي شُدَّتْ يداه منْ خلفه. \"النهاية\" (٤/ ١٥٠).\n(٣) وفي \"النهاية\" (٥/ ٤٨) النِّسعة: - بالكسر- سَيْرٌ مضْفور، يُجعل زِمامًا للبعير وغيره.","vol":"12","page":593},{"text":"قَالَ: \"أَفَتَقْتُلُ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ بِهِ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: \"أَتَعْفُو؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"أَفَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"أَفَتَقْتُلُ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ بِه، فَلَمَّا كَانَ فِى الرَّابِعَةِ قَالَ: \"أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ (١)، يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِ صَاحِبِهِ\". قَالَ: فَعَفَا عَنْهُ، قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ يَجُرُّ النِّسْعَةَ. [ن ٤٧٢٣]\n===\nقال) رسول الله - ﷺ -: (أفتقتل؟ قال) وليّ المقتول: (نعم، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (اذهب به).\n(فلما ولَّى) أي ولي المقتول (قال) رسول الله - ﷺ -: (أَتَعفُو؟ قال) ولي المقتول: (لا، قال) - ﷺ -: (أفتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: أفتقتل؟ قال: نعم، قال: اذْهبْ به، فلما كان في الرابعة قال) - ﷺ -: (أَمَا إنَّك إن عفوتَ عنه يبوءُ) أي يرجع (بإثمه) أي يتحمل إثمه في قتل صاحبه (وإثم صاحبه) المقتول.\nفالمراد بإثمه: إمَّا الإثم، بأنه لعله يريد قتلَه، أو المراد بالإثم: ما ارتكب من الإثم، فإنه قتل ظُلمًا وصار شهيدًا، فعلى هذا معنى \"يبوء\"، أي يذهب بآثامه ويكون سببًا لحطها.\n(قال) وائل: (فعفا عنه، قال: فأنا رأيتُه يجُرُّ النِّسْعة).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في التقرير: قوله: \"يبوء بإثمه وإثم ... \" إلخ، لم يرد بذلك إلا أنه يبوء بإثم قتل صاحبه وبآثامه الآخر، لا أنه يبوء بإثم نفسه وإثم صاحبه؛ لأن ذلك مما لا يمكن، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، إلا أنه أَورده في العبارة المُوهِمة للمعنى غير المقصود ليتركه القاتل حثًّا على مغفرة وليه المقتول.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فإنه\".","vol":"12","page":594},{"text":"٤٥٠٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ قال: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.\n[انظر مَا قبله]\n٤٥٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، نَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا يَزِيدُ بْنُ عَطَاءٍ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ -ﷺ- بِحَبَشِيٍّ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا قَتَلَ (١) ابْنَ أَخِى.\nقَالَ: \"كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ \".\n===\n٤٥٠٠ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا يحيى بن سعيد، حدثني جامع بن مطر قال: حدثني علقمة بن وائل، بإسناده ومعناه).\n٤٥٠١ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا عبد القدوس بن الحجاج، نا يزيد بن عطاء الواسطي، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه) وائل (قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - بحُبْشِيّ) (٢) بالضم ثم السكون والشين معجمة والياء مشددة، جبل بأسفل مكة بنعمان الأراك، بينه وبين مكة ستة أميال، مات عنده عبد الرحمن بن أبي بكر فجأةً فحمل إلى مكة ودفن بها.\n(فقال) أي الرجل: (إن هذا) أي الرجل الآخر (قَتل ابنَ أخي، قال) رسول الله - ﷺ - للقاتل: (كيف قتلته؟\n_________\n(١) في نسخة: \"قاتل\".\n(٢) قلت: ضبطه بالضم فجعله علمًا لموضع، وسياق الحديث يدل على أنه حَبَشي- بالفتح- نسبةً إلى الحبشة، ومعناه: جاء بعبد حبشي اتهمه في قتل صاحبه. هذا، وقد تتبعنا طرق الحديث فلم نجد هذا اللفظ، وذكر أصحاب المعجم المفهرس هذه الكلمة فضبطوه \"حَبَشي\"، وأشاروا إلى هذا الباب من السنن لأبي داود. \"الديات\" (٣)، والله أعلم.","vol":"12","page":595},{"text":"قَالَ: ضَرَبْتُ رَأْسَهُ بِالْفَأْسِ، وَلَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ.\nقَالَ: \"هَلْ لَكَ مَالٌ تُؤَدِّي دِيَتَهُ؟ \"، قَالَ: لَا.\nقَالَ: \"أَفَرَأَيْتَ إِنْ أَرْسَلْتُكَ تَسْأَلُ النَّاسَ تَجْمَعُ دِيَتَهُ؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَمَوَالِيكَ يُعْطُونَكَ دِيَّتَهُ؟ \"، قَالَ: لَا.\nقَالَ لِلرَّجُلِ: \"خُذْهُ. فَخَرَجَ بِهِ لِيَقْتُلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَا إِنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ كَانَ مِثْلَهُ\". فَبَلَغَ بِهِ الرَّجُلُ حَيْثُ يَسْمَعُ (١) قَوْلَهُ،\n===\nقال) القاتل: (ضربتُ رأسَه بالفأس) آلة قطع الشجر والخشب (ولم أُرد قتلَه، قال) رسول الله - ﷺ -: (هلْ لك (٢) مالٌ تؤدي ديتَه؟ قال: لا). ولفظُ \"مسلم\": كيف قتلته؟ قال: كنتُ أنا وهو نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّني فَأغْضَبَنِي، فضربتُ بالفأس على عُنُقِه (٣) فَقَتَلْتُه، فقال له النبيُّ - ﷺ -: هل لك شيءٌ تؤدي عن نَفْسك؟ قال: ما لي مالٌ إلَّا كِسَائي وَفَأسي، قال: فَتَرى قَوْمَكَ يَشتَرُونَك؟ قال: أنا أَهونُ على قومي من ذلك، الحديث.\n(قال: أفرأيتَ إن أرسلتُك) أي أطلقتُك (تَسألُ الناسَ تَجْمعُ ديتَه؟ قال: لا، قال: فمواليك) إن كان هذا عبدًا فالمراد به السادات، وإن كان حرًا فالمراد بنو عمه وأقاربه (يُعطُونك ديتَه؟ قال: لا، قال للرجل) أي ولي المقتول: (خُذْه، فخرج به ليقتلَه) قصاصًا. (فقال رسول الله - ﷺ -: أَمَا إنَّه إن قَتَله كان مثلَه) أي مثل القاتل؛ لأنه استوفى حقَّه (٤)، فلم يكن له فضلٌ فيكون هو والقاتل سواء.\n(فبلغ به) أي بالقاتل (الرجلُ) أي ولي المقتول (حيثُ) أي في مكان (يسمعُ) ولي المقتول (قولَه) أبي قول رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"سمع\".\n(٢) وفيه دليل على أن دية العامد في ماله وهو مجمع عليه، كذا في \"الأوجز\" (١٥/ ٢٢، ٢٣). (ش).\n(٣) وفي \"مسلم\": قَرْنه.\n(٤) وبه جزم في \"أحكام القرآن\". [انظر: (١/ ١٥٦)]. (ش).","vol":"12","page":596},{"text":"فَقَالَ: هُوَ ذَا فَمُرْ فِيهِ بمَا (١) شِئْتَ.\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَرْسِلْهُ يَبُوءُ بِإِثْمِ صَاحِبِهِ وَإِثْمِهِ، فَيَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ\"، قَالَ: فَأَرْسَلَهُ\" (٢). [م ١٦٨٠، ن ٤٧٢٧]\n٤٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ قَالَ: نَا مُحَمَّدٌ يعني ابْنُ إِسْحَاقَ -، فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ ضُمَيْرَةَ الضَّمْرِيَّ.\n===\n(فقال) أي ولي المقتول: (هو) أي القاتل (ذا) حاضرٌ (فَمرْ فيه بما شئتَ).\n(فقال رسول الله - ﷺ -: أَرْسِلْه يبوء بإثم صاحبه) أي المقتول (وإثمه، فيكون من أصحاب النار) لو لم يعفو الله عنه (قال) وائل: (فأَرْسَلَه).\n٤٥٠٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد قال: نا محمد- يعني ابن إسحاق-) قال: (فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: سمعت زياد بن ضمَيْرة الضَّمْري).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ما\".\n(٢) زاد في نسخة:\n٤٥٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: \"كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فِى الدَّارِ، وَكَانَ فِى الدَّارِ مَدْخَلٌ مَنْ دَخَلَهُ سَمِعَ كَلَامَ مَنْ عَلَى الْبَلَاطِ، فَدَخَلَهُ عُثْمَانُ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا، وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ لَوْنُهُ فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونَنِى بِالْقَتْلِ آنِفًا، قال: قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَلِمَ يَقْتُلُونَنِى؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رجلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامٍ، أَوْ زِنى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ\". فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِى جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا إِسْلَامٍ قَطُّ، وَلَا أَحْبَبْتُ أَنَّ لِي بِدِينِى بَدَلًا مُنْذُ هَدَانِى اللَّهُ، وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا فَبِمَ يَقْتُلُونَنِى\"؟ [ت ٢١٥٨، ن ٤٠٩١، جه ٢٥٣٣، حم ١/ ٦١ - ٦٣].\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ﵄ تَرَكَا الْخَمْرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ. اهـ.\nعزا هذا الحديث في \"الأطراف\" لأبي داود، ثم قال: حديث أبي داود في رواية أبي بكر بن داسه وغيره، ولم يذكره أبو القاسم - ﵀-. انتهى. [\"تحفة الأشراف\" (٩٧٨٢)].","vol":"12","page":597},{"text":"(ح): وَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا: نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحًارِثِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ سَعْدِ بْنِ ضُمَيْرَةَ السُّلَمِيَّ- وَهَذَا حَدِيثُ وَهْبٍ وَهُوَ أَتَمُّ- يُحَدِّثُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، عن أَبِيهِ- قَالَ مُوسَى: وَجَدِّهِ، وَكَانَا شَهِدَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حُنَيْنًا، ثُمَّ رَجَعْنَا (١) إلَى حَدِيثِ وَهْبٍ -: أَنَّ مُحَلِّمَ بْنَ جَثَّامَةَ الَّليْثِيَّ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَشْجَعَ في الإسْلَامِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ غِيَرٍ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -،\n===\n(ح: ونا وهب بن بيان وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: نا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر، أنه سمع زياد بن سعد بن ضميرة السُّلَمي- وهذا حديث وهب) ابن بيان (وهو أتم- يُحدث عروةَ بن الزبير) مفعول لقوله: \"يحدث\"، (عن أبيه) أي سعد بن ضُميرة (قال موسى: وجدِّه) أي يحدث زياد عن أبيه وجده (وكانَا) أي سعد والد زياد وضُميرة جد زياد (شهدا مع رسول الله - ﷺ - حُنَينًا، ثم رجعنا) من حديث موسى (إلى حديث وهب): (أن مُحلّم بن جَثَّامة الليثي قتل (٢) رجلًا من أشجعَ) وهو عامر (٣) بن الأضبط الأشجعي (في) زمن (الإِسلام، وذلك أولُ غِيَرٍ) بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة التحتية وراء، الدِّية (قَضَى به رسولُ الله - ﷺ -) (٤)\n_________\n(١) في نسخة: \"رجعا\".\n(٢) وكان سنة ٨ هـ، كذا في \"التلقيح\" (ص ٤٦)، وذكر القصةَ القسطلاني في \"المواهب\" (١/ ٥٥٨)، في سريّةِ أبي قتادة إلى بطن أضم، وذكر فيها نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، وكذا ذكرها صاحب \"أصح السير\" (ص ٢٢٠، ٢٢١)، و\"إسلام عاشقي\" (٣/ ٥). (ش).\n(٣) وبه جزم في \"مجمع الزوائد\" (١٠٩٤٢)، وذكر القصةَ. (ش).\n(٤) زاد في \"سيرة ابن هشام\" (٤/ ٢٨٣): وقد صلَّى بنا رسولُ الله - ﷺ - الظهرَ، ثم عَمَدَ إلى ظِل شجرة فجَلَسَ تحتَها وهو بحُنَيْننٍ، فقام إليه الأَقْرع بن حابس، وعُيينة بن حِصْن يختصمان في عامر بن الأضبط. (ش).","vol":"12","page":598},{"text":"فَتَكَلَّمَ عُيَيْنَةُ فِى قَتْلِ الأَشْجَعِيِّ لأَنَّهُ مِنْ غَطَفَانَ، وَتَكَلَّمَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ دُونَ مُحَلِّمٍ لأَنَّهُ مِنْ خِنْدِفَ، فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَكَثُرَتِ الْخُصُومَةُ وَاللَّغَطُ.\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عُيَيْنَةُ أَلَا تَقْبَلُ الْغِيَرَ؟ \"، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَا وَاللَّهِ (١) حَتَّى أُدْخِلَ عَلَى نِسَائِهِ مِنَ الْحَرْبِ وَالْحُزْنِ مَا أَدْخَلَ عَلَى نِسَائِى، قَالَ: ثُمَّ ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَكَثُرَتِ الْخُصُومَةُ وَاللَّغَطُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عُيَيْنَةُ أَلَا تَقْبَلُ الْغِيَرَ؟ \"، فَقَالَ عُيَيْنَةُ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا، إِلَى أَنْ قَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ: مُكَيْتِلٌ، عَلَيْهِ شِكَّةٌ\n===\n(فتكلَّم عيينةُ) بن حصين (في قتل الأشجعي؛ لأنه من غَطَفَان) يطلب بدم عامر بن الأضبط كما في رواية ابن ماجه (وتكلم الأقرعُ بن حابس دون محلِّم) أي من جانبه يدافع عنه القتل (لأنه من خِنْدِفَ (٢)، فارتفعتُ الأصواتُ وكثرتِ الخصومةُ واللغَطُ) أي صوتٌ وضجَّة لا يُفهم معناها.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: يا عيينة أَلَا تَقبلُ الغِيَر؟) أي الدية (فقال عيينة: لَا والله) لا أَقبلُ الديةَ، بل أَقتل القاتلَ قصاصًا (حتى أُدخِل على نسائِه) أي نساء قوم الأقرع أو محلِّم (من الحَرَب) والغيظ (والحُزْن) مثل (ما أَدْخَلَ على نسائي).\n(قال) الراوي: (ثم ارتفعتِ الأصواتُ وكثُرتِ الخُصومةُ واللغَطُ، فقال رسول الله - ﷺ -) ثانيًا: (يا عيينةُ ألا تَقبلُ الغِيَر؟ فقال عيينةُ مثل ذلك أيضًا) أي مثل ما قال في المرة الأولى (إلى أن قام رجلٌ من بني ليث يُقال له: مُكَيتِلٌ عليه شِكَّةٌ) قال في \"القاموس\": الشِكَّة:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"تالله\".\n(٢) \"خِنْدِف\": هي امرأة إلياس بن مضر، وولده ينتسبون إليها. \"قاموس\".","vol":"12","page":599},{"text":"وَفِى يَدِهِ دَرَقَةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ لِمَا فَعَلَ هَذَا فِى غُرَّةِ الإِسْلَامِ مَثَلًا إلَّا غَنَمًا وَرَدَتْ فَرُمِيَ أَوَّلُهَا فَنَفَرَ آخِرُهَا، اسْنُنِ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَمْسُونَ فِى فَوْرِنَا هَذَا،\n===\nالسلاح (وفي يده دَرَقَةٌ) أي تُرسٌ (فقال (١): يا رسول الله، إني لم أجد لِمَا فعل هذا) أي مُحَلِّم (في غُرَّة الإِسلام) أي ابتدائه (مثلًا) مفعول لقوله: \"لم أجد\" (إلَّا غَنَمًا) أي قطيعةً من الغنم (وردتْ) على الماء (فَرُمِي أوَّلُها فَنَفَرَ آخرُها).\nومطابقة المَثَل: بأن المُحلِّمِ قَتلَ رجلًا، فلو لم يقتل وأعطى الدية كأنَّه رمى أول الغنم، فتنفر الناس عن الإِسلام، بأنه لا يقتص ويعطي الديةَ، فينبغي لك أن تقتلَ هذا الأول حتى لا تنفِّر الآخرين.\n(اُسْنُنِ اليوم وغَيِّرْ غدًا) (٢)، وهذا أيضًا مَثَل ثانٍ لتأييد الأول، في لو أعطيتَ الديةَ ولم تَقتل القاتلَ يكون نتيجته أن ينفر الناس، فيلزمك أن تغيِّر هذه السُّنَةَ غدًا وتقتل فيكون هذا مشكلًا.\nقال الخطابي (٣): قوله: \"اُسْنن اليومَ وغيِّرْ غدًا\" مثل، يقول: إن لم تقتص منه اليومَ لم يثبت سنتُك غدًا ولم ينفذ حكمُك بعدك، وإن لم تفعلْ ذلك وجد القاتلُ سبيلًا إلى أن يقول مثل هذا القول، أعني قوله: \"اسْنُنِ اليومَ وغَيِّرْ غدًا\"، فتغير لذلك سنتك، وتبدل أحكامها. انتهى.\nوالحاصل: أنه أخرج الكلام على الوجه الذي يهيج المخاطب، ويحثه على الإقبال على المطلوب منه، وهو قتل القاتل لما أخذ الدية (٤).\n(فقال رسول الله - ﷺ -): لكم (خمسون) إبلًا (في فَوْرِنا هذا) أي في\n_________\n(١) ذكر في هامش \"أبي داود\" عدة معاني لقول مكيتل، فارجعْ إليه. (ش).\n(٢) وفي \"النهاية\" (٢/ ٤١٠): \"اسنن اليوم وغيِّر غدًا\"، أي اعمل بسُنتك التي سنَنْتَها في القصاص، ثم بعد ذلك إذا شئت أن تغيِّر فغيِّر، أي تغيِّر ما سننْت، وقيل: تُغَير: من أخذ الغِيَر، وهي الديَّة.\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٤).\n(٤) كذا في الأصل، والظاهر: \"لا أخذ الدية\".","vol":"12","page":600},{"text":"وَخَمْسُونَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ\". وَذَلِكَ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ.\nوَمُحَلِّمٌ رَجُلٌ طَوِيلٌ آدَمُ، وَهُوَ فِى طَرَفِ النَّاسِ، فَلَمْ يَزَالُوا حَتَّى تَخَلَّصَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى قَدْ فَعَلْتُ الَّذِى بَلَغَكَ، وَإِنِّى أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَقَتَلْتَهُ بِسِلَاحِكَ فِى غُرَّةِ الإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِمُحَلِّمٍ\" بِصَوْتٍ عَالٍ، زَادَ أَبُو سَلَمَةَ: فَقَامَ، وَإِنَّهُ لَيَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ. [جه ٢٦٢٥]\nقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَزَعَمَ قَوْمُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قد اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (١).\n===\nالحال (وخمسون إذا رجعنا إلى المدينة) ولم يلتفت رسول الله - ﷺ - إلى كلام مُكَيتِل (وذلك) القتل والقصة وقع (في بعض أسفاره).\n(ومُحلِّم رجلٌ طويلٌ آدمُ، وهو في طرَف الناس) أي على جانب منهم (فلم يزالوا) أي مُطيفين لرسول الله - ﷺ - (حتى تخلَّص) مُحلِّم من بينهم، ووصل إلى مجلس رسول الله - ﷺ - (فجلس بين يدي رسول الله - ﷺ - وعَينَاه تَدْمعان) أي تَذرَفان (فقال: يا رسول الله، إني قد فعلتُ الذي بَلَغَك) وهو القتلُ (وإني أتوب إلى الله، فاسْتَغْفِرِ اللهَ لي يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: أقتَلتَه بسلاحك في غُرَّة الإِسلام، اللَّهمَّ لا تغفرْ لمُحلِّم بصوت عالٍ) متعلق بـ \"قال\" (زاد أبو سلمة: فقام) من مجلس رسول الله ﵌ (وإنه ليتلقَّى) أىِ ليأخذ (دموعه بطرف ردائه).\n(قال ابن إسحاق: فزعم قومُه) أي قومُ مُحلِّمٍ (أن رسول الله - ﷺ - قد استغفر له بعد ذلك).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: قال النضر بن شميل: الغِيَرُ: الدِّية\".","vol":"12","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1702>(٤) بابُ وَليِّ الْعَمْدِ يَأْخُذُ الدِّيَةَ </span>(١)\n٤٥٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سعِيدٍ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ الْكَعْبِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَلَا إنَّكُمْ مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَإنِّي عَاقِلُهُ، فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: بَيْنَ أَنْ يَأْحُذُوا الْعَقْلَ، أَوْ يَقْتُلُوا\". [ت ١٤٠٦، حم ٦/ ٣٨٥ و٤/ ٣١ و٣٢]\n===\n\n(٤) (بابُ وَلِىِّ الْعَمْدِ) أي: ولي المقتول عمدًا (يَأْخُذُ الدِّيَةَ)\n٤٥٠٤ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا يحيى بن سعيد، نا ابن أبي ذئب، حدثني سعيد بن أبي سعيد قال: سمعت أبا شريح الكعبي يقول: قال رسولُ الله - ﷺ -: ألا إنكم معشرَ خزاعةَ) قبيلة من العرب، قتلوا رجلًا من هُذَيْل بقتيل لهم (قَتَلْتُم هذا القَتِيلَ من هُذَيْل، وإني عاقِلُه) أي مؤدي ديته (فمن قُتِل له بعد مقالتي هذه قتيل) وإطلاقُ القَتيل عليه على طريق المجاز (فأَهْلُه) (٢) أي القتيل، أي القتل (بين خِيَرتَيْن: بين أن يأخذُوا العَقْل) أي يَقبلوا الديةَ (أو يَقتُلوا) القاتلَ قِصاصًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"يرضى بالدية\".\n(٢) به قال الجمهور، وقال الحنفية ومالك: الخيار إلى القاتل كذا في \"العون\" (١١/ ١٤٤). وذكر في \"الهداية\" (٤/ ٤٤٢) القولين للشافعي، فقال: القود، أي (موجب العمد)، إلا أن يعفوَ الأولياءُ أو يصالحوا لأن الحق لهم، ثم القَوَد واجبٌ عينًا، ليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل، وهو أحد قولي الشافعي، وفي \"الأوجز\" (١٥/ ٣١): ديةُ العامِد برضَا الفريقين عند أبي حنيفة، وهو المشهور عن مالك، وفي الأخرى له، وبه قال الشافعي وأحمد وداود الظاهري: أنه برضا ولي المقتول فقط. (ش).","vol":"12","page":602},{"text":"٤٥٠٥ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ (١)، أَخْبَرَنِي أَبِي، نَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ، نَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: \"مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بخَيْرِ النَّظَرَيْنَ: إمَّا أَنْ يُودَى، وَإمَّا أَنْ يُقَادَ\". فَقَامَ رَجُل مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اكْتُبْ لِي- قَالَ الْعَبَّاسُ: اكْتُبُوا لِي- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ\". وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أَحْمَدَ. [خ ٦٨٨٠، م ١٣٥٥، ت ٢٦٦٧، جه ٢٦٢٤، حم ٢/ ٢٣٨]\n===\n٤٥٠٥ - (حدثنا عباس بن الوليد، أخبرني أبي) الوليد بن مَزْيَد، (نا الأوزاعي، حدثني يحيى) بن أبي كثير، (ح: ونا أحمد بن إبراهيم، حدثني أبو داود، نا حرب بن شدَّاد، نا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، نا أبو هريرة قال: لما فُتِحتْ مكةُ قام رسول الله - ﷺ - فقال: من قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النَّظَرين) أي فهو غير بين خِيَرتين من الرأيين: (إما أن يُوْدَى) أي يُعطى ولي المقتول الدية من القاتل فيقبلها (وإمَّا أن يُقاد) أي يُعطى القود، وهو القصاصُ.\n(فقام رجل من أهل اليمن يقال له: أبو شاهٍ، فقال: يا رسول الله اُكتُبْ لي- قال العباس) بن الوليد شيخ المصنف: (اُكتُبوا لي- فقال رسول الله - ﷺ -: اُكتُبوا لأبي شاهٍ. وهذا لفظ حديث أحمد) بن إبراهيم شيخ المصنف.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بن مَزْيَد\".","vol":"12","page":603},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: اكْتُبُوا لِي- يَعْنِي خُطْبَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - (١) -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1703>(٥) بَابُ مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ</span>\n٤٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاق، وَأَحْسَبُهُ عن الْحَسَنِ، عن جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا أُعْفِي مَنْ قتلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ\". [حم ٣/ ٣٦٣]\n===\n(قال أبو داود: اكتُبُوا لي، يعني خُطبة النبي - ﷺ -).\n\n(٥) (بَابُ مَنْ قتلَ بَعْدَ أَخْذِ الدّيَةِ)\n٤٥٠٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أخبرنا مطرٌ الوراق، وأحسبه) الظاهر أن هذا الكلام حماد يقول: أحسب مطرًا روى عن الحسن، فالشاك حمَّاد (عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا أُعْفِي)، قال في \"النهاية\" (٢): هذا دعاءٌ [عليه]، أي لَا كثر مالُه ولا اسْتَغْنَى، وعلى هذا \"أعفي\" صيغة ماضٍ بُني للمفعول. وفي بعض الأصول الصحيحة \"لا أُعفِي\" - بضم الهمزة وكسر الفاء- على صيغة المضارع المتكلم المعلوم، من الإعفاء بمعنى: لا أَعفُو (منْ قَتَل بعد أخذِ الدِّية) وهذا تغليظ وتشديد.\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٤٥٠٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ، وَإِنْ شَاؤوا أَخَذُوا الدِّيَةَ\". [ت ١٤١٣، جه ٢٦٥٩، حم ٢/ ١٨٠].\n[قال المزي بعد إيراد هذا الحديث في \"التحفة\" (٨٧٠٨): حديث أبي داود في رواية ابن الأعرابي وابن داسه، ولم يذكره أبو القاسم].\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٢٦٦).","vol":"12","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1704>(٦) بَابٌ فِيمَنْ سَقَى رَجُلًا سُمًّا أَوْ أَطْعَمَهُ فَمَاتَ، أَيُقَادُ مِنْهُ</span>؟\n٤٥٠٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِئَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ، فَقَالَ: \"مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلِكَ\"، أَوْ قَالَ: \"عَلَيَّ\". قَالَ: فَقَالُوا:\n===\nقال المنذري (١): الحَسَنُ هذا هو البصري، ولم يسمع من جابر بن عبد الله فهو منقطع، ومطرٌ الوراق: ضعفه (٢) غير واحد، لم يخرج سماعه من الحسن، وقد روي هذا عن الحسن، عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا. انتهى.\n\n(٦) (بَابٌ فِيمَنْ سَقَى رَجُلًا سَمًّا أَوْ أَطْعَمَهُ فَمَاتَ، أَيُقَادُ مِنْهُ؟)\n٤٥٠٨ - (حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، نا خالد بن الحارث، نا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك: أن امرأةً يهوديةً أتتْ رسولَ الله ﷺ - ﷺ - بشاةٍ مسمومةٍ) أي أُدخل في لحمها السمُّ (فأكل) (٣) أي رسول الله - ﷺ - (منها) أي من الشاة المسمومة (فجيء بها) أي باليهودية (إلى رسول الله - ﷺ - فسألها) أي اليهوديةَ (عن ذلك) أي عن إدخال السمّ فيها وما أرادتْ بذلك؟ (فقالتْ: أردتُ لأقتُلَك، فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما كان الله ليُسلِّطكِ على ذلك) أي على قتلي (أو قال: عَلَي) شك من الراوي.\n(قال) أنس: (فقالوا) أي الصحابة لرسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٠٧).\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٦٨، ١٦٩).\n(٣) كان في سنة ٧ هـ، كذا في \"التلقيح\" (ص ٤٥). (ش).","vol":"12","page":605},{"text":"أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: \"لَا\"، فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِى لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. [خ ٢٦١٧، م ٢١٩٠]\n٤٥٠٩ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، نَا عَبَّاُدُ بْنُ الْعَوَّامِ. (ح): وَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا عَبَّادٌ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِى سَلَمَةَ - قَالَ هَارُونُ: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ أَهْدَتْ إِلَى النَّبيِّ -ﷺ- شَاةً مَسْمُومَةً -، قَالَ: فَمَا عَرَضَ لَهَا النَّبيُّ -ﷺ-\" [ق ٨/ ٤٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذِهِ أُخْتُ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيَّةُ الَّتِى سَمَّتِ النبيَّ -ﷺ-.\n===\n(أَلا نَقتلها؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (لا)؛ لأنه - ﷺ - لا يَنتقِم لنفسه، يقول أنس: (فما زلتُ أعرفها) أي أثر السمِّ (في لَهَوات رسول الله - ﷺ -) بفتحتين، جمع لهاة، هي اللحمات في سقف أقصى الفم.\nقال في \"القاموس\" (١): واللَّهاةُ: اللحْمَةُ المُشْرِفَةُ على الحَلْقِ، أو ما بين مُنقَطَع أصل اللِّسان إلى مُنْقَطَع القَلْبِ من أَعْلى الفَمِ.\n٤٥٠٩ - (حدثنا داود بن رشيد، نا عباد بن العوام، ح: ونا هارون بن عبد الله، نا سعيد بن سليمان، نا عباد) بن العوام، (عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة- قال هارون: عن أبي هريرة-) ولم يقل ما قاله داود بن رشيد، ولعله ذكر الحديث مرسلًا: (أن امرأةً من اليهود أَهدتْ لرسول الله - ﷺ - شاةً مسمومةً) أي جُعل فيها السمَّ (قال: فما) نافيةً (عَرَض) أي تعرَّض (لها) بالقتل (النبي - ﷺ -).\n(قال أبو داود: وهذه) أي المرأةُ اليهوديةُ (أخت مَرْحَبٍ اليهودية التي سَمَّتِ النبيَّ - ﷺ -).\n_________\n(١) انظر: \"ترتيب القاموس المحيط\" (٤/ ١٧٩).","vol":"12","page":606},{"text":"٤٥١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: أَنَّ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً مَصْلِيَّةً، ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الذِّرَاعَ فَأَكَلَ مِنْهَا، وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ\". وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا فَقَالَ لَهَا: \"أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟ \"، قَالَتِ الْيَهُودِيَّةُ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ: \"أَخْبَرَتْنِى هَذِهِ فِي يَدِى اِلذِّرَاعِ\"، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَمَا أَرَدْتِ إِلَى ذَلِكَ؟ \"، قَالَتْ: قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَم (١) يَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ نبيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ،\n===\nقال المنذري (٢): وقد ذكر غيره أنها ابنة أخي مَرْحَب، وأن اسمها زينب بنت الحارث، وذكر الزهري أنها أسلمتْ.\n٤٥١٠ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: كان جابر بن عبدِ الله يُحَدِّثُ: أن يهوديةً من أهلِ خيبرَ سمَّتْ شاةً مَصْلِيَّةً) مطبوخة مشويةً (ثم أهدتْها لرسول الله - ﷺ -، فأخذ رسولُ الله - ﷺ - الذِّراعَ فأكل منها، وأكل رَهْطٌ من أصحابه معه، ثم قال لهم) أي للرهْطِ (رسول الله - ﷺ -: اِرفعوا أيديَكم) أي كُفُّوا عن الأكل.\n(وأرسل رسولُ الله - ﷺ - إلى اليهودية فدعاها فقال لها: أَسَمَمْتِ هذه الشاة؟ قالتِ اليهوديةُ: من أَخْبَرَكَ؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (أخبرتْني هذه في يدي الذِّراعُ) بدل من \"هذه\"، أو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، وهو ضمير \"هي\" (قالت: نعم) سَمَمْتُ هذه الشاةَ (قال رسول الله - ﷺ -: فما أردت إلى ذلك؟ قالت: قلتُ) في نفسي: أطعمه السمَّ (إن كان نبيًّا فلم يضُرَّه، وإن لم يكن نبيًّا اسْتَرَحْنا منه) بموته\n_________\n(١) في نسخة: \"فلا\"، وفي نسخة: \"فَلَنْ\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٠٧).","vol":"12","page":607},{"text":"فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوُفِّيَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَاحْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِ الَّذِى أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ، حَجَمَهُ أَبُو هِنْدٍ بِالْقَرْنِ وَالشَّفْرَةِ، وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِى (١) بَيَاضَةَ مِنَ الأَنْصَارِ.\n[دي ٦٩]\n٤٥١١ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ: نَا خَالِدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عن أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ،\n===\n(فعفا عنها رسولُ الله - ﷺ -) في ذلك الوقت؛ لأنه لم يوجد منها إلا إطعام السم، ولم يوجد الجنايةُ (ولم يعاقبها).\n(وتُوفيَ) بعد ذلك (بعض أصحابه الذين أكلُوا من الشاة، واحتجم رسول الله - ﷺ - على كاهِلِه) هو مقدم الظَّهْر ما بين الكتفين (من أجل الذي أكَلَ من الشاة) أي من أكل السَّمِّ الذي كان في الشاة (حَجَمَه أبو هند بالقَرن والشَّفْرَةِ) قال في \"المجمع\": حجمه بالقَرْن والشَّفْرة، أي كان المحجمة قرنًا وكان المبضع سِكينًا عريضًا (وهو) أي أبو هند (مولًى لبني بياضةَ من الأنصار).\n٤٥١١ - (حدثنا وَهْبُ بن بقية، نا خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة) لفظ \"عن أبي هريرة\" في النسخة المكتوبة الأحمدية والمكتوبة المدنية، وأما النسخة التي عليها المنذري (٢) ونسخة \"العون\" (٣) فليس فيهما هذا اللفظ، وكلام المنذري الذي يُذكر قريبًا يدل على أن هذا اللفظ ليس بصحيح ها هنا.\n(أن رسول الله - ﷺ - أَهدتْ له يهوديةٌ بخيبر شاةً مَصْلِيَّةً، نحو حديث جابر،\n_________\n(١) في نسخة: \"بني\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٠٨).\n(٣) \"عون المعبود\" (١٢/ ١٥٠).","vol":"12","page":608},{"text":"قَالَ: فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الأَنْصَاريُّ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ: \"مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِى صَنَعْتِ؟ \" فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقُتِلَتْ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الْحِجَامَةِ (١). [ق ٨/ ٤٦]\n===\nقال: فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إلي اليهودية: ما حملكِ علي الذي صنعت؟ فذكر نحو حديث جابر) وزاد: (فأمر بها رسول الله - ﷺ - فقُتِلتْ ولم يذكر أمر الحجامةِ).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حديث وهب بن بقيةَ هذا، وقع ها هنا مختصرًا لابن داسة، وهو في رواية ابن الأعرابي أكملُ من هذا، وهو:\n٤٥١٢ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ\".\nوَحَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ فِى مَوْضِعٍ آخَرَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ - وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يأكلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، زَادَ: فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: \"ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِى أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ\"، فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الأَنْصَارِيُّ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ: \"مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِى صَنَعْتِ؟ \" قَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ [الَّذِى صَنَعْتُ] وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقُتِلَتْ، ثُمَّ قَالَ فِى وَجَعِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ: \"مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الأَكْلَةِ الَّتِى أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي\". [خت ٤٤٢٨، دى ٦٨، حم ٦/ ١٨]\n٤٥١٣ - حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ قال: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أُمَّ مُبَشِّرٍ في نسخة: \"بشر\" - قَالَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ: مَا تُتَّهَمُ بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَإِنِّى لَا أَتَّهِمُ بِابْنِى شَيْئًا إلَّا الشَّاةَ الْمَسْمُومَةَ الَّتِى أَكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ، فقَالَ النَّبيُّ -ﷺ-: \"وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ بِنَفْسِى إلَّا ذَلِكَ، فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِيَّ\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُرْسَلًا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ مَعْمَرًا كَانَ يُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مَرَّةً مُرْسَلًا فَيَكْتُبُونَهُ، وَيُحَدِّثُهُمْ مَرَّةً بِهِ فَيُسْنِدُهُ فَيَكْتُبُونَهُ، وَكُلٌّ صَحِيحٌ عِنْدَنَا. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَلَى مَعْمَرٍ أَسْنَدَ لَهُ مَعْمَرٌ أَحَادِيثَ كَانَ يُوقِفُهَا.\n٤٥١٤ - حَدَثنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، نَا رَبَاحٌ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن أُمِّهِ أُم مُبَشِّرٍ، أنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النبيِّ - ﷺ -، =","vol":"12","page":609},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الخطابي (١): وقد اختلف الناسُ فيما يجب على مَنْ جَعَلَ في طعامِ رجل سَمًّا، فأكله [فمات]، فقال مالك بن أنس: عليه القود، وأوجبه الشافعيُّ في أحد قوليه إذا جَعَل في طعامه سَمًّا فأطعمه إياه، أو في شَرَابه فسقاه، ولم يعلمْه أن فيه سَمًّا. قال الشافعي: ولو خلطه بطعام فوضعه ولم يقل له: كله فأكله أو شربه فمات فلا قود عليه.\nقال الخطابي: والأصل أن المباشرةَ والسببَ إذا اجتَمَعا كان حكم المباشرة مقدمًا على السبب كما في البئر (٢) والواقع فيها، وأما إذا اسْتَكْرَهَه على شُرب السَّمِّ فعليه القود على مذهب الشافعي ومالك. وقال أبو حنيفة: إن سقاه السَمَّ فمات لم يُقتل به، وإن أوجره إيجارًا كان على عاقلته الدية، انتهى.\nقلت: ومذهب الحنفية ما قال في \"البدائع\" (٣): ولو أطعم غيره سَمًّا فمات، فإن كان تناول بنفسه فلا ضمانَ على الذي أطعمه؛ لأنه أكله باختياره،\n_________\n= فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَخْلدِ بْنِ خَالِدٍ، [قال:] عَنْ أُمِّه، وَالصَواب: \"عَنْ أَبِيه عَن أُمِّ مبشر\" إِلى ما في هذه النُسْخَة، هكذا وَجَدتُه بَعَدَ قَوْلِه: وَلَم يذكَر أمر الحجامة، فَنَقَلتُه بِرُمَّتَه.\nوَذكر حَديث وَهب بِن بَقة في \"الأَطراف في تَرجَمَةِ خَالِد بْنِ عَبْدِ اللَهِ، عَنْ ابْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَن رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَدَقَةَ فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيةٌ ... الحَدِيث، وَفِي \"الديات\" عَنْ وَهَبْ بْنُ بَقِية، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَدِ بْنِ عَمْرو، عَنْ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ وَهَب في مَوْضِعٍ آخَر: \"عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَ رَسُولَ اللَهِ - ﷺ -\"، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ، هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الحَدِيث في رِوَايَةِ أَبي سَعِيْدٍ بن الأَعْرَابِي، عَنْ أبِي دَاود، وَعِنْدَ بَاقِي الرُوَاة: \"عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -\" لَيْسَ فِيْهِ \"أَبُو هُرَيْرَةَ\"، وَقَدْ جَوَّدَهُ ابْنَ الأَعْرَابِي عَن أَبِي دَاوُد، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو القَاسِم. انْتَهَى مَا في \"الأطراف\" رقم (١٥٠٢٥ - ١١١٣٩).\nآخِر الجُزْءِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينِ أَوَّل الجُزْءِ التَاسِع وَالعِشْرِينِ مِنْ تَجْزِئَةِ الخَطِيب البَغْدَادَيِّ.\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٧).\n(٢) أي: حافر البئر.\n(٣) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٧٤).","vol":"12","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1705>(٧) بَابُ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ أَوْ مَثَّلَ بِهِ، أَيُقَادُ مِنْهُ</span>؟\n٤٥١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، نَا شُعْبَةُ. (ح): وَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَن جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ\". [ت ١٤١٤، ن ٤٧٣٧، جه ٢٦٦٣، حم ٥/ ١٠]\n===\nلكنه يُعزَر ويُضرَب ويُؤدَّب؛ لأنه ارْتَكَبَ جنايةً ليس له حدٌّ مُقَرَرٌ وهي الغرور، فإن أوجره السم فعليه الدية عندنا، وعند الشافعي عليه القصاص، انتهى.\nثم قال الخطابي (١): أما حديث اليهودية فقد اختلفت (٢) الرواية فيه، فأما حديث أبي سلمة فليس بمتصلٍ، وحديث جابر أيضًا ليس بذاك المتصل؛ لأن الزهريَّ لم يسمعْ من جابر شيئًا.\nثم إنه ليس في هذا الحديث أكثر من أن اليهودية أهدتها لرسول الله - ﷺ -، ثم بعثت بها إليه فصار ملكًا له، وكان أصحابه أضيافًا له، ولم تكن هي التي قدمتها إليه وإليهم، وما هو سبيله، فالقَوَد فيه ساقط لِمَا ذكرْنا من عِلة المباشرة وتقديمها على السبب، انتهى.\n\n(٧) (بَابُ مَنْ قتَلَ عَبْدَه أَوْ مَثَّل بِهِ، أَيُقَاد مِنْهُ؟)\n٤٥١٥ - (حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شعبة، ح: ونا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن النبي - ﷺ - قال: من قتَلَ عبدَه قتلناه (٣)، ومن جَدَع) والجَدع: قطع الأنف أو الأذن والشفة، وهو بالأنف أخص؛ فإن أُطلق غُلِّب عليه (عبدَهُ جدعْناه)، وهذا محمول على التغليظ والتشديد، فإن وقع يكون محمولًا على التعزير والسياسة.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٧، ٨).\n(٢) وجمع الطيبي بأنه عفا أولًا، ثم قتلها قصاصًا. والعجب من القاري (٨/ ٣٣٧) إذ تبعه في ذلك، والظاهر أنه لا يتمشى هذا التوجيه على أصل الحنفية. (ش).\n(٣) قال ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٠٩): تحذير لأنه لا يقتل إجماعًا.","vol":"12","page":611},{"text":"٤٥١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، بِإسْنَادِهِ مِثْلَهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ\"، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَحَمَّادٍ. [ن ٤٧٣٦، حم ٥/ ١٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عن هِشَام مِثْلَ حَدِيثِ مُعَاذٍ.\n٤٥١٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عن ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، بِإسْنَادِ شُعْبَةَ مِثْلَهُ، زَادَ: ثُمَّ إنَّ الْحَسَنَ نَسِيَ هَذَا الْحَدِيثَ، فَكَانَ يَقُولُ: \"لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ\". [ن ٤٧٣٨، جه ٢٦٦٣، حم ٥/ ١٩، دي ٢٣٦٢]\n===\n٤٥١٦ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) أي هشام الدستوائي، (عن قتادة، بإسناده مثلَه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: من خَصَى عبدَه خَصَيناه. ثم ذكر مثل حديث شعبة وحماد).\n(قال أبو داود: ورواه أبو داود الطيالسي (١)، عن هشام مثل حديث معاذ).\n٤٥١٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا سعيد بن عامر، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، بإسناد شعبة مثله، زاد) ابن أبي عروبة: (ثم إن الحسن نَسِيَ هذا الحديث، فكان يقول: لا يُقتلُ حرٌّ بعبدٍ).\nقال الخطابي (٢): قد يحتمل أن يكون الحسن لم ينسَ الحديثَ، ولكنه كان يتأولُه على غير معنى الإيجاب، ويراه نوعًا من الزجر، ليرتدعوا، فلا يقدموا على ذلك، كما قال - ﷺ - في شارب الخمر في الخامسة: فإن عاد فاقتلوه، ثم لم يقتله وقد شرب خامسًا.\nوقد تأوله بعضهم إلى أنه إنما جاء في عبد كان يملكه مرة فزال ملكه عنه\n_________\n(١) \"مسند أبي داود الطيالسي\" (ص ١٢٢) رقم (٩٠٥).\n(٢) \"معالم \"السنن\" (٤/ ٨، ٩).","vol":"12","page":612},{"text":"٤٥١٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ قَالَ: \"لَا يُقَادُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ\". [ق ٨/ ٣٥]\n===\nوصار كعياله (١) بالحرية، فإذا قتله كان مقتولًا به، وهذا كقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (٢) الآية، أي مَنْ كُنَّ لهم أرواجًا قبل الموت.\nوقد اختلف الناس فيما يجب على من قَتلَ عبدَه أو قتل عبدَ غيره، فروي عن أبي بكر وعمر - ﵄-: أنه لا يقتص منه إذًا فعل ذلك. وكذلك رويَ عن ابن الزبير، وهو قول الحسن وعطاء وعكرمة وعمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.\nوقال ابن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة: القِصاصُ بين الأحرار والعَبِيد ثابت بالنص (٣)، وإليه ذهب أصحاب الرأي، وهذا في من قتل عبدًا لغيره. وقال الثوري: إذ قَتل عبدَه أو عبدَ غيره قُتِلَ به.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث سمرة منسوخ وقال: لما ثَبَتَا ثَبَتا معًا، ولمَّا نُسخا نُسخا معًا، يريد: لمَّا سقط الجدعُ بالإجماع سقط القصاصُ كذلك، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"ثم إن الحسن نسي\"، وهذا ظنٌّ من قتادة، وإلا فالحسنُ لم ينسه ولم يُخطئ فيه، وقد علم أنه كان تعزيرًا، والمولى لا يُقتل بعبده. فعلى هذا، فالمراد بـ \"العبد\" في قول الحسن: عبدُ القاتل لا مطلق العبد، ولعله كان يرى أن الحر لا يُقتل بالعبد مطلقًا. وعلى هذا قوله: \"لا يقاد الحر بالعبد\"، هذا كالأولى في أحتمال التأويلين عبده أو العبد مطلقًا.\n٤٥١٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن الحسن: قال: لا يُقاد الحرُّ بالعبد).\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وفي \"المعالم\" (٤/ ٩): وصار كفؤًا له بالحرية.\n(٢) طرف من آية من سورة البقرة ٢٣٤ و٢٤٠.\n(٣) هكذا في الأصل، وفي \"المعالم\" (٤/ ٩): \"ثابت في النفس\"، وهو الصواب.","vol":"12","page":613},{"text":"٤٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ تَسْنِيمِ (١) الْعَتَكِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، نَا سَوَّارٌ أَبُو حَمْزَةَ، نَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مُسْتَصْرِخٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: جَارِيَةٌ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: \"وَيْحَكَ مَا لَكَ؟ \"، فَقَالَ: شَرٌّ، أَبْصَرَ لِسَيِّدِهِ جَارِيَةً لَهُ فَغَارَ عَلَيْهَا، فَجَبَّ مَذَاكِيرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"عَلَيَّ بِالرَّجُلِ\"،\n===\n٤٥١٩ - (حدثنا محمد بن الحسن بن تسنيم) الأزدي (العَتَكي) التسنيمي، أبو عبد الله البصري، نزيل الكوفة، قال ابن خزيمة: كوفي، ثَبت، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: مستقيم الحديث، عِداده في الكوفيين، يُغرب.\n(نا محمدُ بنُ بكرٍ، نا سوَّار أبو حمزة، ثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء رجل مُستصرِخ) أي رافع صوتُه (إلى النبي - ﷺ -، فقال) الرجل: (جارية له) أي لفلانٍ (يا رسولَ الله) وإنما لم يُتمَّ الكلامَ لشِدَّة ما فيه من التكليف، وهو كثير في العادة (فقال) رسول الله - ﷺ -: (وَيحكَ ما لكَ؟ فقال) الرجل: (شرٌّ) أي أصابني شرٌ، ثم بيَّنه فقال: (أبصرَ) أي الرجل (لسيده جاريةً له) أي للسيد (فغَارَ عليها) أي بإبصار المستصرخ الجارية (فَجَبَّ) أي قَطَعَ السيدُ (مَذَاكيرَه).\nوحاصله (٢): أني أبصرتُ جاريةً للسيد، ولعل ذلك نظر إليها بشهوة فغَارَ على ذلك فَجَبَّ مذاكيرَه.\n(فقال رسول الله - ﷺ -: عليَّ بِالرجلِ) أي السيد، ولعله هرب من الخوف أن رسول الله - ﷺ - يَفعل به ما فَعل هو بالعبد\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن جواري بن زياد بن عمرو، قال أبو داود: ما اجتمعت العرب على رجل لم يؤمَّر عليهم إلا زياد بن عمرو العتكي\".\n(٢) وفي \"التلقيح\" (ص ٣٤٤): روى عبد الله بن عمرو أن زنباعًا أبا روح وجد غلامًا له مع جاريته فقطع ذكره، وجدع أنفه، فأتى العبد النبي - ﷺ -، فذكر له، فقال له النبي - ﷺ -: \"ما حملك على ما فعلت\"؟، فقال: فعل كذا وكذا، قال النبي - ﷺ - للعبد: \"اذهب فأنت حر\" اسم غلام زنباع: سندر. اهـ، وسيأتي في الشرح. (ش).","vol":"12","page":614},{"text":"فَطُلِبَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ\". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى مَنْ نُصْرَتِي؟ قَالَ: \"عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ\"، أَوْ قَالَ: \"كُلِّ مُؤْمِنٍ\" (١). [جه ٢٦٨٠]\n===\n(فطلب فلم يقدرْ عليه، فقال رسول الله - ﷺ -) للعبد المقطوع مذاكيره: (اذْهبْ فأنتَ حُرٌّ، فقال) العبد: (يا رسول الله على مَنْ نُصرتي) لو استرقَّني مولاي؟ (قال: على كل مُسلمٍ، أو قال: على كل مؤمنٍ).\nوقد أخرج ابن ماجه: حدثنا رَجَاء بن المُرَجَّى السمَرْقَنْدِي، ثنا النضر بن شُمَيل، ثنا أبو حمزة الصَّيْرفي، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - صَارِخًا، فقال له رسولُ الله - ﷺ -: مَا لَكَ؟ قال: سيدي رآني أُقَبِّلُ جاريةً له فَجَبَّ مَذَاكِيري، فقال النبي - ﷺ -: \"عليَّ بالرجلِ\". ثم ذكر مثل حديث أبي داود.\nوذكر حديثًا آخر: عن سَلَمَة بن رَوح بن زِنْباعٍ، عن جده أنه قدم على النبي - ﷺ - وقد أَخصَى غلامًا له فَأَعْتَقَهُ النبي - ﷺ - بالمُثْلة (٢).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: والذي ذهبنا إليه من أن أطراف العبد يُعامَل بها معاملةَ الأموال، لا يرِد عليه هذه الرواية بشيء، ثم في الحديث دلالةٌ على أن للخليفة والقاضي أمثال تلك التصرفات (٣) إذ افتقر إليها للانتظام، ويعلم منها حكم ما عقد عليه الباب من أنه لا يُقاد بذلك إن كان الجاني هو المولى ولا أقيد منه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الذي عتق كان اسمُه رَوح بن دينار، قال أبو داود: والذي جَبَّهُ زِنْبَاع، قال أبو داود: هذا زِنْبَاع أبو رَوح كان مولى العبد\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٦٧٩).\n(٣) هذا توجيه على مَسلك الحنفية، وإلَّا فالمسألة خِلافية. قال ابن رشد (٢/ ٣٦٩، ٣٧٠): أما إعتاق المُثلة فمختلفٌ فيه، فقال مالك والليث والأوزاعي: من مثَّل بعبده أعتق عليه لهذا الحديث. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يعتق عليه لحديث ابن عمر: \"من لَطَم عبدَه أو ضربه فكفارته عتقُه\"، فقالوا: لم يلزم العتقُ، وإنما ندب إليه ... إلخ. وبسط الكلام على الباب الشوكاني. [\"نيل الأوطار\" (٤/ ١٥٤)]. (ش).","vol":"12","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1706>(٨) بَابُ الْقَسَامَةِ </span>(١)\n===\nوفي النسخة المكتوبهَ التي عليها المنذري: قال أبو داود: الذي عتق كان اسمُه رَوح بن دينار، قال أبو داود: والذي جَبَّه زِنْبَاع، قال أبو داود: هذا زنباع أبو روح كان مولى العبد، انتهى (٢).\nقلت: ذكر الحافظ في \"الإصابة\" (٣) في ترجمة زِنْبَاع بن سلامة: ويُقال: ابن رَوح بن سلامة، روى أحمد من طريق ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن زِنْباعًا أبا روح وَجَد غلامًا مع جارية له فجَدَع أنفه وَجَبَه، فأتى العبدُ النبيَّ - ﷺ - فذكر له، فقال لزنباع: \"ما حملكَ على هذا\"؟ فذكره، فقال للعبد: \"اِنْطَلِق فأنتَ حُرٌّ\".\nورى ابن منده من طريق المثنى بن صباح، عن عمرو بن شعيب، فسمى العبدَ سندرًا. وروى البغوي من طريق عبد الله بن سندر عن أبيه: أنه كان عند زنباع بن سلامة الجذامي، فذكره، وروى ابن ماجه القصة من [حديث] زنباع نفسه بسند ضعيف.\n\n(٨) (بابُ الْقَسَامَةِ) (٤)\nاسم بمعنى القَسَم، وقيل: مصدرٌ، يقال: أَقسم يُقسم قَسَامة: إذا حَلَفَ، وقد يُطلق على الجماعة الذين يُقسمون. وفي الشرع: عبارة عن أيمان يُقسِم بها أولياءُ الدم على استحقاق دمِ صاحبهم، أو يُقسم بها على المدعى عليهم الدم، أو أولياء المحلَّة المتهمون على نفي القتل عنهم على اختلاف بين الأئمة\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"باب القتل بالقسامة\".\n(٢) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣١٤).\n(٣) \"الإصابة\" (١/ ٥٣٣).\n(٤) قال ابن رشد في \"البداية\" (٢/ ٤٢٧ - ٤٣١): اختلفوا ها هنا في أربعة مسائل تجري مجرى الأصول لفروع هذا الباب، الأولى: جواز الحكم بها، قال به الجمهور منهم الأئمة الأربعة وداود وغيرهم بهذه الأحاديث، وأنكره بعضهم؛ لأنها تخالف الأصول =","vol":"12","page":616},{"text":"٤٥٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، الْمَعْنَى، قَالَا (١): أَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عن سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَرَافِع بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ، فتفَرَّقَا في النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سهْلٍ فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَهْلٍ، وَابْنَا عَمِّهِ\n===\n٤٥٢٠ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن مَيسرة ومحمد بن عبيد، المعنى، قالا: أنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حَثْمَة ورافع بن خَديج: أن مُحَيِّصةُ بن مسعود) - بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الياء المشددة وفتح الصاد المهملة- أنصاري حارثي مدني، شهد أُحُدًا والخَنْدَقَ وما بعدهما (وعبدَ الله بن سهل) الأنصاري الحارثي، هو أخو عبد الرحمن بن سهل وابن أخي محيصة.\n(انطَلَقَا قِبل خيبرَ، فَتَفَرَّقا في النخل، فقُتل عبدُ الله بنُ سهل، فاتهموا اليهودَ، فجاء أخوه) أي أخو عبد الله بن سهل وهو (عبدُ الرحمن بن سهل وابْنا عَمِّه) وهو إطلاق مجازي، وإلا فَهُمَا ابنا عم أبيه (٢)،\n_________\n= المجمع عليها، مثل أن لا يَحلِف أحدَ إلا على ما علِم قطعًا. والثانية: فيما يجب بها، فقال مالك وأحمد: القَوَد في العمد، والدية في الخطأ، وقال الشافعي: الدية فقط، وقال بعض الكوفيين: لا يستحق بها إلا دفع الدعوى. والثالثة: فيمن يبدأ بالأيمان، فقال الشافعي وأحمد وداود: المدعون، وقال فُقهاء الكوفة والبَصرة وكثير من أهل المدينة: المدعى عليهم. الرابعة: في اللوث ما هو؟\nقلت: ولا بدَّ للقسامة من اللوث عند الأئمة الثلاثة، ولا يكفى مجرد وجود قتيل في مَحلَّة، بخلاف الحنفية، فإنه يكفي ذلك عندهم، ولا يحتاج إلى اللوث، كذا في \"الأوجز\" (١٥/ ١٩١). (ش).\n(١) في نسخة بدله: \"قال\".\n(٢) هذا هو الصحيح على ما في كتب أسماء الرجال قاطبة من نسبهم، لكن الوارد في الروايات الكثيرة من نسب مُحَيِّصة بن مسعود بن زيد، وعلى هذا فيكونان ابني عمه حقيقةً، والعجب أن الشراح، لا سيما الحافظ لم يتعرض له، والبسط في \"شذرات الرجال\" لهذا العبد الضعيف. (ش).","vol":"12","page":617},{"text":"حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمنِ في أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْكُبْرَ الْكُبْرَ\"، أَوْ قَالَ: \"ليَبْدَأَ الأَكْبَرُ\"، فَتَكَلَّمَا في أَمْرِ صَاحِبِهِمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ\"، قَالُوا: أَمْر لَنَشْهَدْهُ كَيْفَ (١) نَحْلِفُ؟ قَالَ: \"فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ\"، قَالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ، قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ قِبَلِهِ.\n===\nفإن حُوَيّصة وَمُحَيِّصَة ابنا مسعود بن كعب بن عامر، وعبد الرحمن بن سهل بن زيد بن كعب بن عامر (حُوَيِّصَة وَمحَيِّصَة فأَتوا النبيَّ - ﷺ -، فتكلَّم عبدُ الرحمن في أمرِ أخيه) أي عبد الله بن سهل المقتول (وهو) أي عبد الرحمن (أصغرهم) أي أصغر من حُوَيِّصة ومُحَيِّصة باعتبار العمر والنسب. (فقال رسول الله - ﷺ -: الكُبْرَ الكبْرَ) بضم الكاف وسكون الموحدة، أي قدِّم الأكبر في التكلم (أو قال: لِيَبْدَأ الأكبرُ) فإن قيل: كان الدعوى حق عبد الرحمن لا لحُوَيّصة ومُحَيّصة؟ قلت: المراد بالكلام بيان القصة لا الدعوى، ففي بيان القصة ينبغي أن يقدم الأكبر.\n(فتكلما) أي تكلم كبيرُهم (في أمرِ صاحبهما، فقال رسول الله - ﷺ -: يُقسِمُ خمسون منكم) بتقدير الاستفهام، أي هل يقسم (على رجل منهم) أي أنه قتله (فيُدفَع) ذلك الرجل الذي تحلفون عليه (بِرُمَّته) - بضم الراء وتشديد الميم- قِطعة حبل يشد بها الأسير (قالوا: أمرٌ لم نشهدْه، كيف نحلف؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (فَتُبَرِّئُكم يهودُ بأَيمان خمسين منهم) أي يُقسِم خمسون رجلًا من اليهود: بأن لم نَقتلْه ولا علمنا له قاتلًا، فيبرأون من القتل.\n(قالوا: يا رسول الله قومٌ كفارٌ) لا اعْتبارَ ولا اعْتدادَ بحلفهم، وهم أَعداؤنا يقتلون كلنا ويحلفون (قال: فَوَدَاه رسولُ الله - ﷺ - من قِبَله) (٢) الدية\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فكيف\".\n(٢) وسيأتي في (ص ٦٢٤ - ٦٢٥) من إبل الصدقة. (ش).","vol":"12","page":618},{"text":"قَالَ سَهْلٌ (١): دَخَلْتُ مِرْبَدًا لَهُمْ يَوْمًا فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِن تِلْكَ الإبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا، قَالَ: حَمَّادٌ هَذَا أَوْ نحْوَهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ وَمَالِكٌ، عن يَحْيَى بْنِ سعيد قَالَ فِيهِ: \"أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ\"؟ وَلَمْ يَذْكُرْ (٢) بِشْر دَمٌ (٣)، وَقَالَ غَيْرُه (٤) عَن يَحْيَى كَمَا قَالَ حَمَّادٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عن يَحْيَى، فَبَدَأَ بِقَوْلِهِ: \"تبرُّئكُمْ يَهُودُ\n===\n(قال سهل) بنُ أبي حَثْمة: (دخلتُ مِرْبَدًا) بكسر الميم وفتح الياء، هو الموضع الذي تُحبس فيه الإبل والغنم ويُجعل فيه التمرُ ليجُفَّ (لهم يومًا فركضتْني) أي ضربتْني (ناقةٌ من تلك الإبل ركضةً برجلها. قال حماد: هذا) أي لفظ الحديث (أو نحوه).\n(قال أبو داود: رواه بشر بن المفضَّل ومالك (٥)، عن يحيى بن سعيد قال فيه: \"أَتَحلفون خمسين يمينًا وتستحقُّون دمَ صاحبكِم أو قاتِلِكم؟ ولم يذكر بشرٌ) لفظ (دم، وقال غيره) أي غيرُ بشر (عن يحيى كما قال حماد).\n(ورواه ابنُ عيينة عن يحيى، فبدأ) أي ابن عيينة (بقوله: تُبرِّئُكم يهودُ\n_________\n(١) في نسخة: \"قال: قال سهل\".\n(٢) في نسخة: \"ولم يقل\".\n(٣) في نسخة: \"دمًا\".\n(٤) وفي نسخة: \"عِدَّةٌ\"، وفي نسخة: \"عبدة\".\n(٥) قلت: رواية بشر أخرجها البخاري (٣١٧٣)، ومسلم (١٦٦٩)، والنسائي (٨/ ١٠)، والدارقطني (٣/ ١٠٨)، والبيهقي (٨/ ١١٨)، ورواية مالك أخرجها مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٣٨٤) رقم (١٦٧٩)، ومن طريقه عبد الرزاق (١٠/ ٣٠) رقم (١٨٢٥٨)، والنسائي (٨/ ١١)، والطحاوي (٣/ ١٩٧).","vol":"12","page":619},{"text":"بِخَمْسِينَ يَمِينًا يَحْلِفُونَ\"، وَلَمْ يَذْكُرِ الاسْتِحْقَاقَ. [خ ٦١٤٢، ٤١٦٣، م ١٦٦٩، ت ١٤٢٢، ن ٤٧١٢، حم ٤/ ١٤٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا وَهَمٌ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (١).\n٤٥٢١ - حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عن أَبِي لَيْلَى (٢) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَهْلٍ، عن سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إلَى خَيْبَرَ مِنْ (٣) جُهْدٍ أَصَابَهَمْ،\n===\nبخمسين (٤) يمينًا يحلفون، ولم يذكر الاستحقاق) أي استحقاق الدم بخمسين يمينا من أولياء القتيل.\n(قال أبو داود: وهذا وهَم من ابن عيينة) لأن حماد بن زيد وبشر بن المفضَّل ومالكًا خالفوه وبدأوا بالاستحقاق بأيمانِ خمسين.\n٤٥٢١ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السَّرْح، أنا ابن وهْب، أخبرني مالك، عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل) الأنصاري الحارثي المدني، قال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن سهل بن أبي حَثْمة، أنه أخبره) أي أبا ليلى (هو) أي سهل (ورجالٌ من كُبَراء قومه) أي قوم سهل: (أن عبد الله بن سهل ومُحَيِّصة خَرَجا إلى خيبر من جُهدٍ) أي مشقة (أصابهم،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو عيسى: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الحديث وهم ابن عبينة، يعني التبدية ... \" إلخ.\n(٢) في نسخة: \"ابن أبي ليلى\".\n(٣) في نسخة بدله: \"عن\".\n(٤) وفي \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٤١١): حكمة ذلك العدد أن الخمسين أدنى ما تتقرى بهم القرية. وبسط الموفق (١٢/ ١٨٨ - ٢٠٧) على الأبحاث فيها. (ش).","vol":"12","page":620},{"text":"فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ في فَقِيرٍ أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ والله قَتَلْتُمُوهُ، قَالوا: والله مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"كَبِّرْ- كَبِّرْ\" - يُرِيدُ السِّنَّ- فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ\". فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إنَّا وَالله مَا قَتَلْناهُ،\n===\nفأُتيَ) بصيغة المجهول (محيصة فأُخبر) بصيغة المجهول (أن عبد اللهَ بن سهل قد قُتل وطُرح في فَقيرٍ) بفاء ثم قاف، بئر قريب القعر تُحفر، وقيل: الحُفرةُ التي تكون حول النخل (أو) شك من الراوي (عينٍ، فأتى) أي محيصةُ (يهودَ فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا) أي اليهود: (والله ما قتلناه، فأقبل) المدينةَ (حتى قدِم على قومه، فذكر لهم ذلك)، فلعلهم أشاروا إليه أن يذكرها لرسول الله - ﷺ -.\n(ثم أقبل هو وأخوه حوَيّصَة وهو) أي حويصة (أكبر منه) أي مُحيصَة (وعبد الرحمن بن سهل، فذهب) أي شرع (محَيِّصَة (١) ليتكلَّم) في قصة القتل (وهو الذي كان بخيبر، فقال له رسول الله - ﷺ -: كبِّر كبِّر) أي عظِّم من هو أكبرُ منك، وقدِّمه في التكلم (يريد السنَّ) أي أكبر في السنن.\n(فتكلم حوَيِّصةُ، ثم تكلم محَيِّصَةُ، فقال رسول الله - ﷺ -) لهم في اليهود: (إمَّا أن يَدُوا) أي اليهودُ، أي يؤدوا دية (صاحبكم) أي قتيلكم (وإما أن يُؤذِنوا بحَرْب، فكتب إليهم رسول الله - ﷺ - بذلك، فكتبوا) في جوابه: (إنا والله ما قتلناه).\n_________\n(١) وفي الحديث الماضي فتكلم عبد الرحمن. (ش).","vol":"12","page":621},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمنِ: \"أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبكُمْ؟ \"، قَالُوا: لَا، قَالَ: \"فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ \"، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِين (١).\nفَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - منْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ الله - ﷺ - بِمِئَةِ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ. قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. [خ ٧١٩٢، م ١٦٦٩، ن ٤٧١٤، جه ٢٦٧٧، حم ٤/ ٢ و٣]\n٤٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَا: نَا. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنا الْوَلِيدُ، عن أَبِي عَمْرٍو، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ، عَن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ بِبَحْرَةِ الرُّغَاءِ\n===\n(فقال رسول الله - ﷺ - لحُوَيِّصَة ومُحَيِّصَة وعبد الرحمن: أتَحلِفون وتستحقون دمَ صاحبِكم) على رجل من اليهود أنه قتله؟ (قالوا: لا)، وكيف نحلف ولم نشهده؟ (قال: فتحلف لكم يهودُ؟ قالوا: ليسوا مسلمين) فيَجتنِبُون الكذبَ (فَوَدَاه رسول الله - ﷺ - من عنده، فبعث إليهم) أي أولياء المقتول (رسولُ الله - ﷺ - بمئة ناقة حتى أُدخلتْ عليهم الدار).\n(قال سهل: لقد رَكَضَتْني) أي ضربتْني برجلها (منها ناقة حمراء).\n٤٥٢٢ - (حدثنا محمود بن خالد وكثير بن عبيد قالا: نا، ح: ونا محمد بن الصباح بن سفيان، أنا الوليد، عن أبي عمرو) الأوزاعي، (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (٢)، عن رسول الله - ﷺ - أنه قَتل بالقَسامة رجلًا من بني نصْر بن مالك بِبَحْرَة الرُّغاء).\n_________\n(١) في نسخة: \"بمسلمين\".\n(٢) كلمة: \"عن أبيه عن جده\" مقحمة خطأً، لأنها ليست موجودة في أي نسخة من نسخ \"سنن أبي داود\".","vol":"12","page":622},{"text":"عَلَى شَطِّ لِيَّةِ الْبَحْرَةِ، قَالَ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ مِنْهُمْ وَهَذَا لَفْظُ مَحْمُودٍ بِبَحْرةٍ أَقَامَهُ مَحْمُودٌ وَحْدَهُ عَلَى شَطِّ ليَّةَ (١). [ق ٨/ ١٢٧]\n===\nقال في \"معجم البلدان\" (٢): موضعٌ من أعمال الطائف قُرب لِيَّة، قال ابن إسحاق: انصرف رسول الله - ﷺ - من حُنَين يريد الطائف على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المُلَيح، ثم على بَحْره الرُّغاء من لِيَّة، فابْتَنى بها مسجدًا، فصلى فيه، فأقاد ببَحْرَة الرُّغاء بدَمٍ، وهو أول دم أُقيد به في الإِسلام، رجلٌ من بني لَيث قتل رجلًا من بني هذيل فقتله به.\n(على شَطِّ) أي جانب (لِيَّة البحرة) (٣) وهي من نواحي الطائف، مر به رسول الله - ﷺ - حين انصرافه من حُنين يريد الطائف، وأمر -وهو بليّة- بهدم حصن مالك بن عوف قائد غطفان (قال) الراوي: (القاتل والمقتول منهم) أي من بني نصْر بن مالك.\n(وهذا لفظ محمود ببحرة أقامه محمود وحده على شطِّ ليّة) يعني أن لفظ \"بَحْرَة\" لم يذكره إلا محمود، وأما كثير بن عبيد ومحمد بن الصباح فلم يذكراه، ولا حاجة إليه، وإن كان فالإضافة فيه بَيانيَّة، وهذا إذا كان مُراد المصنف بلفظ \"البَحْرَة\" الواقعة بعد شط لِيّة، وأما إذا كان المراد بلفظ \"البَحْرَة\" الواقعة قبل الرغاء فواجب ذكره، ولا يجوز تركه، ولعله هو مراد المصنف، فذكره محمود، ولم يذكره كثير بن عبيد ومحمد بن الصباح، ومحمود قوّمه.\nوأما الجوابُ عن الحديث: أن الواقعةَ لم نعلمْ ما كانت، فلعله إنما قتله بظهور البينة، أو لإقرار القاتل بعد القَسامة، فإنه لا يفيد الشافعي ﵀ أيضًا، إلَّا بعد إثبات أنه كان ثَمّة لَوْث، وهو غير ثابت، فلا يترك العمل بالأصول والقواعد المضبوطة بتلك الرواية التي تَحتمل مَحاملَ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"البحرة\".\n(٢) \"معجم البلدان\" (١/ ٣٤٦).\n(٣) \"لِيَّةٌ\" بالكسر: وادٍ لثقيف، أو جبل بالطائف، أعلاه لثقيف، وأسفله لنصر بن معاوية. و\"البحرة\": مستنقع الماء والروضة. \"القاموس\".","vol":"12","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1707>(٩) بَابٌ في تَرْكِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ</span>\n٤٥٢٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا أَبُو نَعِيمٍ، نَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائيُّ، عن بُشَيرِ بْنِ يَسَارٍ، زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، فَقَالُوا لِلَّذِينَ وَجَدُوهُ عِنْدَهُمْ: قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، فَقَالُوا: مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَقْنَا إلَى نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: فَقَالَ لَهُمْ: \"تَأتُونِي بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ (١)؟ \"، قَالُوا: مَا لَنَا بِبَيِّنَةٍ، قَالَ: \"فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ\"؟ قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ، فَكَرِهَ (٢) رَسُول اللَّهِ (٣) - ﷺ - أنْ يُبْطِلَ دَمَهُ،\n===\n\n(٩) (بَابٌ في تَرْكِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ)\n٤٥٢٣ - (حدثنا الحسن بن محمد بن الصبَّاح الزعفراني، نا أبو نُعيم، نا سَعيد بن عبيد الطائي، عن بُشير بن يسار، زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له: سهلُ بن أبي حَثْمة أخبره، أن نَفَرًا من قومه) أي من الأنصار (انطلقوا إلى خيبرَ فتَفَرَّقوا فيها، فوجدوا أحدَهم قتيلًا، فقالوا للذين وَجَدُوه عندهم) وهم اليهود: (قتلتُم صاحبنَا، فقالوا: ما قتلْناه ولا عَلِمْنا قاتلًا).\n(فانطلَقْنا) وهذا التفَاتٌ من الغيبة إلى التكلم (إلى نبي الله - ﷺ -، قال) سهل: (فقال) رسول الله - ﷺ - (لهم) أي للذين ذهبوا إليه في قصة القتل: (تأتوني) بحذف همزة الاستفهام الإقراري (بالبَيِّنة على من قتَل؟ قالوا: ما لنا بِبَيِّنَةٍ) لأنا لم نشهده.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (فيحلِفون لكم) بأنا ما قتلناه؟ (قالوا) أي الأنصار: (لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله - ﷺ - أن يُبطِل دمهُ) على صيغة المعلوم، مِنْ بَطَل يبطُل، ودمُه فاعلُه، ويحتمل أن يكون من الإبطال، ودمه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هذا\".\n(٢) في نسخة: \"وكره\".\n(٣) في نسخة: \"نبي الله\".","vol":"12","page":624},{"text":"فَوَدَاهُ مِئَةً (١) مَنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ. [تقدَم برقم ١٦٣٨]\n٤٥٢٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ، أَنَا هُشَيْمٌ، عن أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، نَا عَبَابَةُ بْنُ رِفَاعَةَ، عن رَافِع بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَصْبَحَ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ مَقْتُولًا (٢) بِخَيْبَرَ، فَانْطَلَقَ اوْليَاؤُهُ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: \"لَكُمْ (٣) شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَتْل (٤) صَاحِبِكُمْ\"؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإنّمَا هُمْ يَهُودُ، وَقَدْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذا، قَالَ: \"فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلِفُوهُمْ\" (٥)، فَأَبَوْا، فَوَدَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ عِنْدهِ. [ق ٨/ ١٣٤]\n===\nمفعولُه، وضمير الفاعل إلى رسول الله - ﷺ - (فَوَداه مئة من إبل الصدقة) (٦).\n٤٥٢٤ - (حدثنا الحسن بن علي بن راشد، أنا هشيم، عن أبي حيان التَّيْمي، نا عَبَاية بن رفاعة، عن رافع بن خَديج قال: أصبح رجلٌ من الأنصار مقتولًا بخيبر، فانطَلَقَ أولياؤه إلى النبي - ﷺ -، فذكروا ذلك) أي القتل وقصته (له) أي لرسول الله - ﷺ - (فقال: لكم) بحذف همزة الاستفهام (شاهدان يَشهدان على قتلِ صاحبِكم) بأن فلانًا قَتَله؟\n(قالوا: يا رسول الله، لم يكنْ ثَمَّ) أي هناك (أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يَجْترئون على أعظمَ مِنْ هذا) أي مِنْ قتلِ رجلٍ واحد؛ لأنهم أعداؤنا (قال: فاختاروا منهم خمسين فاسْتحلفُوهم فأبَوْا) أي أولياء المقتول استحلافهم (فَوَداه النبيُّ - ﷺ - من عنده).\n_________\n(١) في نسخة: \"بمائة\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بخيبر مقتولًا\".\n(٣) في نسخة: \"ألكم\".\n(٤) في نسخة بدله: \"قاتل\".\n(٥) في نسخة: \"فأستحلفَهم\".\n(٦) حَمَله ابن القيم (٥/ ١٢، ١٣) على أنه اسْتَقْرَضَه منه، أو كان لإصلاحِ ذات البين. والبسط في \"الأوجز\" (١٥/ ١٧٧ - ١٨١). (ش).","vol":"12","page":625},{"text":"٤٥٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ سلَمَةَ-، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ بُجَيْدٍ قَالَ: إنَّ سَهْلًا- وَاللَّه- أَوْهَمَ الْحَدِيثَ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَتَبَ إلَى يَهُودَ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ قَتِيلٌ فَدُوهُ، فَكَتَبُوا يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلْنَاهُ وَمَا (١) عَلِمْنَا قَاتِلًا، قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - منْ عِنْدِهِ مِئَةَ نَاقَةٍ. [ق ٨/ ١٢٠، ١٢١]\n===\n٤٥٢٥ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحرّاني، نا محمد -يعني ابن سلمة-، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عبد الرحمن بن بُجَيد قال: إن سهْلًا) أي ابن أبي حَثْمة (- والله- أَوهمَ الحديثَ).\nوالوهم فيه: أنه ذكر في رواياته: أن رسول الله - ﷺ - قال لأولياء المقتول: \"تَحلِفُون وتستحقُّون دمَ قاتلِكم؟ \" هذا وهم من سهل بن أبي حَثْمة لم يسأل منهم رسولُ الله - ﷺ - أن يَحلِفوا ويستحقُّوا دمَ المقتول، بل الصحيحُ من القصة أن رسولَ الله - ﷺ - كتب إلى يهود: \"أنه قد وَجد بين أَظهركم قتيلًا\"، الحديث.\n(إن رسول الله - ﷺ - كتب إلى يهود أنه قد وُجد بين أَظهُركم قتيلٌ) ولفظ \"أظهر\" مقحم، معناه: فيكم (فَدُوهُ) أي أَدُّوا ديةَ المقتول (فكتبوا) أي اليهودُ في جوابه: (يحلِفون بالله خمسين يمينًا) أي إن تَطلُبوا منا فنحنُ نحلِفُ خمسينَ يمينًا على أنا (ما قتلْناه وما علمْنا) له (قاتلًا، قال) عبد الرحمن بن بُجَيد: (فَودَاه رسولُ الله - ﷺ - من عنده مئةَ ناقة).\nقال المنذري (٢): في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه. وقال الإِمام الشافعي - ﵀ -: وقد قال قائل: ما مَنَعك أن تأخذَ بحديث ابن بُجَيد؟ قلتُ: لا أعلم ابنَ بُجَيد سمع من النبي - ﷺ -، وإن لم يكن سَمع منه، فهو مرسلٌ، ولسنا وإياك نثبت المرسل، وقد علمتُ سهلًا أنه صحب النبيَّ - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"ولا\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٢٢).","vol":"12","page":626},{"text":"٤٥٢٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ،\n===\nوسمع منه، وساق الحديث سياقًا لا يثبت (١) به الأثبات.- هكذا وجد في النسخة الموجودة في المدينة المنورة، وكذا في النسخة التي أخذ عنها صاحب \"العون\" - فأخذت به لما وصفت، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): عبد الرحمن بن بُجَيد- بموحدة وجيم مصغرًا - ابنُ وهب بن القيظي الأنصاري المدني، قال أبو بكر بن (٣) داود: له صحبة، وقال ابن أبي حاتم: روى عن النبي - ﷺ - وعن جدته، وقال ابن حبان: يقال: له صحبة، ثم ذكره في ثقات التابعين، وقال البغوي: لا أدري له صحبة أم لا؟\nوقال أبو عمر: أدرك النبيَّ - ﷺ - ولم يسمع منه فيما أحسِبُ، وفي صحبته نظر، إلا أنه روى، فمنهم من يقول: إن حديثه مرسل، وكان يذكر بالعلم، ولم أرهم ذكروا أباه في الصحابة، فلعله مات قبل أن يسلم، وخلف هذا صغيرًا.\nوقد أخرج أبو داود وابنُ مَنْده وقاسم بن أَصْبَغ حديث القَسَامة من طريق محمد بن إسحاق التيمي (٤)، عن عبد الرحمن بن بُجَيد أنه حدثه ...، قال محمد بن إبراهيم: وما كان سهل بن أبي حثمة بأكثرَ منه علمًا، ولكنه كان أسن منه، وقد تقدم في ترجمة سهل: أنه كان ابن ثمان سنين في حياة النبي - ﷺ -، فلعله أَسَن من عبد الرحمن بسَنة أو نحوها، انتهى.\n٤٥٢٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا مَعمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسُليمان بن يسار،\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وفي \"المختصر\": \"وساق الحديث سياقًا لا يشبه إلَّا الأثبات\".\n(٢) \"الإصابة\" (٢/ ٣٨٣، ٣٨٤).\n(٣) هكذا في الأصل، وفي \"الإصابة\" (٢/ ٣٨٤) قال أبو بكر بن أبي داود.\n(٤) هكذا في الأصل، وفي \"الإصابة\": من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي ... إلخ.","vol":"12","page":627},{"text":"عن رِجَالٍ (١) مِنَ الأَنْصَارِ، أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ لِلْيَهُودِ (٢)، وَبَدَأَ بِهِمْ: \"يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا\"، فَأَبَوْا، فَقَالَ لِلأَنْصَارِ: \"اسْتَحِقُّوا\"، فَقَالُوا: نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْب يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - دِيَةً عَلَى يَهُودَ، لأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. [ق ٨/ ١٢١]\n===\nعن رجال من الأنصار، أن النبي - ﷺ - قال لليهود، وبدأ بهمِ: يحلِف منكم خمسون رجلًا، فَأبوا، فقال للأنصار: استحقّوا) دمَ قتيلكم بأيمانكم (فقالوا: نحلِف على الغيب) أي كيف نحلف أو بتقدير استفهام (يا رسول الله؟) فأنكروا الأيمان (فجعلها رسولُ الله - ﷺ - ديةً على يهودَ) أي أوجب الديةَ على اليهود (لأنه وُجِد) أي القتيلُ (بين أظهُرِهم).\nوقد تقدم أن رسول الله - ﷺ - أَعطى ديتَه من عنده مائةً من إبل الصدقة. ووقع في رواية النسائي (٣): فقَسَّم رسولُ الله - ﷺ - ديتَه عليهم وَأَعانَهم بنِصْفها.\nقلت: ولم أَرَ أحدًا كَتَبَ هذا البحث مفصلًا من بيان المذاهب، والجمعَ بين الاختلافات الواقعة في الروايات مثل ما كَتَب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه وشيخنا - ﵀-، فأُحِبُّ أن أذكُرَها لينتفع بها الطالبون والمدرسون. قال (٤):\n\"باب القسامة\": المذهب فيه معلوم، وهو استحقاق القَوَد يحلف\n_________\n(١) في نسخة: \"رجل\".\n(٢) في نسخة: \"اليهود\".\n(٣) \"سنن النسائي\" رقم (٤٧٢٠).\n(٤) أي في تقرير \"الترمذي\"، فإنه بسط فيه المذاهب، وحاصله: أن الإيمانَ عندنا على المدعى عليهم يخيرهم الولي، فإن حَلَفوا أوَجَبت الديةُ عليهم، وإن نَكَلوا حُبِسوا حتى يحلِفوا. وعند الشافعية: إن كان هناك لَوْثٌ، يبدأ بأيمان الأولياء، فإن حَلَفوا وَجَبت الدية على المدعى عليهم، سواء العمد والخطأ، وإن نكلوا يحلف المدعى عليهم فإن حَلَفوا برأوا، وإن نَكَلوا وجبتِ الديةُ عليهم، انتهى.","vol":"12","page":628},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nخمسين من أَولياء المقتول عند الشافعي (١) ﵀، إن كان هناك لوث (٢)، وإلا فمذهبهم مثل مذهبنا، وهو أنه يجب على ولي المقتول إقامة البينة، وإن تعسّر حَلَف المتهمون خمسينَ يمينًا: \"ما قتلناه ولا علمْنا له قاتلًا\"، فإن أُقيمت البينةُ أقيد منه، وإن لم تَقُمْ، ونَكلوا (٣) عن اليمين وَجَبت الديةُ، وإن حَلَفوا تَبَرّؤا من الدية عندهم، وعندنا يَغرمون الديةَ على كل حال، سواءٌ حَلَفوا أو نَكَلوا عن اليمين.\nوهذا هو الثابت بالنظر إلى مجموع الروايات، إذ \"البينةُ على المدعِي واليمينُ على من أنكر\" ولا معنى لإيجاب اليمين على أولياء المقتول، وقد ذُكِرَتِ البينة في كثير من الروايات، وما لم يذكر فيها محمول على ما ذكر؛ لأن الواقعةَ متحدة فيعمل بما وافق الأصول منها دون ما خالف.\nوكذلك اختُلف فيها بين حلف اليهود خمسين يمينًا، فمن مُثبتٍ لها ومن نافٍ إياها، والجمع أن اليهود كتبوا إليه بحلفهم خمسين ولم يشهدوا، ولم يطلبهم، ولا معتبر بما كتبوا به إليه - ﷺ -، فإن الأيمان لا بد وأن تكون في مجلس القضاء بحضور الحاكم، ولم يُوجد، فمن ذَكرها عني بها كتابتهم، ومن نفاها نفى اليمين المطابق للقاعدة.\n_________\n= فأجمل الشيخ ها هنا اتِّكالًا على ما تقدَّم، ثم ما ذكر من مذهب الشافعية هو على الصحيح من قوليه، كما في \"شرح مسلم\" (٦/ ١٦٦) للنووي، وقوله الثاني، وهو قول مالك: وجوب القَوَد في الصورة الأولى إذا كانت الدعوى عمدًا. (ش).\n(١) ذكره صاحب \"الهداية\" (٤/ ٤٩٧) قولًا من قولي الشافعي، قال: وبه قال مالك ونصه: قال الشافعي: إذا كان هناك لَوْثٌ استحلف الأولياءُ خمسين يمينًا ويقضى لهم بالدية على المدعى عليه، عمدًا كانت الدعوى أو خطأ، وقال مالك: يقضى بالقود إذا كانت الدعوى في قتل العمد، وهو أحد قولي الشافعي. انتهى. (ش).\n(٢) واختلفوا في تعريف اللوث، كما في \"الهداية\" (٤/ ٤٩٧، ٤٩٨)، و\"النووي\" (٦/ ١٦٣، ١٦٤).\n(٣) وفي \"الهداية\" (٤/ ٤٩٨): ومن نَكَل منهم حبس حتى يحلِف: \"ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا\". (ش).","vol":"12","page":629},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nثم إن الروايات مختلفة أيضًا في بذل الدية ممن كان، والأصل أن اليهود لم يَثبتْ عليهم شيء لعدم البينة، وكانوا مُستعدِّين للأيمان، إلَّا أن أولياءَ المقتول لم يَقبلوها منهم، وكان ذلك حقًّا لهم، فسقطتْ أيمانُهم بإسقاط هؤلاء، إلا أن اليهود بَذَلوا من المال شيئًا ظنًّا منهم أن القصة مُنجرّة إلى أزيد من ذلك.\nوقد خافوا على أنفسهم ثبوت المدعى، حيث وُجد القتيلُ فيهم فأحبوا أن يسلموا من ذلك بما بذلوا، وقَبِله النبيُّﷺ - منهم لما علم أنه لو لم يثبتْ عليهم المدعى، وهو الظاهر لعدم بيان البينة وعدم مبالاة هؤلاء بالأيمان لسلموا من غير شيء، ولم يُرزأوا في مال ولا نفس، فهذه حقيقة القصة.\nثم إنه - ﷺ - أكمل دِيَتَه من عنده، فمن أنكر الأخْذَ من اليهودية، فإنما أنكر أَخْذ كلها، وبعد ثبوتها حسب القاعدة المقررة شرعًا، ومن أثبتَ أَخذَها منهم، فإنما قصد بذلك أخْذَ شيء من ذلك.\nومما ينبغي التنبيه عليه أن خيبر إذ ذاك كانت لم تفتح بعد، وكان الأقوام فيما بينهم تعاهُد، كما يدل عليه قوله في الرواية: \"فأْذَنُوا بِحَرْبٍ من الله ورَسولِهِ\"، إذ لو كانت مفتوحةً لَمَا افتقر إلى الحرْب والإيذان، بل كانوا أَذِلاء يخرجهم المسلمون من أرضهم حيث شاؤوا، ولذلك لم يتتبع النبي - ﷺ - قصة القتيل هذه حق التتبع، لكون القوم على سواء فلو بُولِغَ فيها، لاحْتَمَل أول الأمر إلى القتال والجدال، وكان فيه خِلافُ المصلحة.\nوعلى هذا فلا يرد على الحنفية ما أورد: من أن مذهبَكم في القَسَامة تَحْليف الملاك لا السكان، وههنا قد حلف السكان ولم يتعرض بالملاك، وهم المسلمون، وإنما جرى أمر القسامة عليهم لِمَا أن القوم كانوا معاهدين، وكانت القسامة شائعة في الجاهلية على النحو الذي قلنا، فلا يورد أنها لو لم تفتح بعد لَمَا قبلوا ذلك منهم؛ لأنهم كانوا غير مقدورين عليهم، انتهى كلامه.","vol":"12","page":630},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1708>(١٠) بَابٌ: يُقَادُ مِنَ الْقَاتِلِ </span>(١)\n٤٥٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَتْ قَدْ رُضَّ رَأْسُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ فُلَانٌ؟ أَفُلَانٌ؟ (٢) حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ، فَأَوْمَتْ (٣) بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النبيُّ -ﷺ- أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. [خ ٢٤١٣، ١٦٧٢، ت ١٣٩٤، ن ٤٧٤٢، جه ٢٦٦٥، حم ٣/ ١٨٣]\n٤٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ،\n===\n\n(١٠) (بابٌ: يُقَادُ من القاتِلِ)\nزاد في نسخة: بحجر أو بمثل ما قتل\n٤٥٢٧ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا هَمَّام، عن قتادة، عن أنس (٤): أن جاريةً)، قال الحافظ (٥): لم أقف على اسمها (وُجِدَتْ قد رُضَّ) أي دُق وكسر (رأسُها بين حَجَرين، فقيل لها: من فعل بكِ هذا؟) أي رَضّ الرأس (فُلان؟ أفلان؟ حتى سُمِّي اليهودي)، قال الحافظ (٦): لم أقف على اسمه.\n(فأَومتْ برأسها) أن هذا اليهودي فعل هذا الرَّضَّ (فأُخِذ اليهوديُّ فاعْترفَ) بأنه فعل بها ذلك (فأمر النبيُّ - ﷺ - أن يُرَضَّ رأسُه) أي اليهوديِّ القاتلِ (بالحجارة).\n٤٥٢٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا معمر،\n_________\n(١) في نسخة: \"أيقاد من القاتل بحجر أو بمثل ما قتل؟ \".\n(٢) في نسخة: \"أو فلان؟ \".\n(٣) وفي نسخة: \"فأومأت\".\n(٤) الحديث مكرر سيأتي في \"باب القود بغير حديد\".\n(٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٩٨).\n(٦) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٩٨).","vol":"12","page":631},{"text":"عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَنَس: \"أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا في قَلِيبٍ، وَرَضَخَ رَأسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ، فَأتِيَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ\". [م ١٦٧٢، حم ٣/ ١٦٣، ن ٤٧٤٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عن أَيُّوبَ نَحْوَهُ.\n٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا ابْنُ إدْرِيس، عن شُعْبَةَ، عن هِشَام بْنِ زَيْدٍ، عن جَدِّهِ أَنَسٍ: أَنَّ جَارِيَةً كَانَ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ لَهَا، فَرَضَخَ رَأسَهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ لَهَا: \"مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلَانٌ قَتَلَكِ؟ \"، فَقَالَتْ: لَا، بِرَأسِهَا،\n===\nعن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: أن يهوديًا قتل جارية من الأنصار على) طمع (حُليٍّ لها، ثم أَلْقاها) بعد القتل (في قَلِيب) وهو البِئر التي لم تطْوَ (ورضخَ رَأسها بالحجارة، فأُخذ، فأُتي به النبيُّ - ﷺ -، فأمر به أن يرجم) أي يُكسر رأسُه بالحجر (حتى يموتَ، فرُجم حتى مات).\n(قال أبو داود: رواه ابن جُرَيج عن أيوب (١) نحوه) وليس فيه ذكر الاعتراف.\n٤٥٢٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن أدريس، عن شُعبة، عن هشام بن زيد، عن جده أنس: أن جاريةً كان عليها أَوضاحٌ) جمع الوَضَح، بالواو والمعجمة والمهملة، الحَلْيُ من الفضة (لها، فرضخَ رأسَها يهوديٌّ بحجر، فدَخَلَ عليها رسولُ الله - ﷺ - وبها رَمَقٌ) أي بقية من الحياة (فقال لها: مَنْ قَتَلَكِ؟ فلانٌ قَتلَكِ؟) بتقدير حرف الاستفهام (فقالتْ) أي أشارتْ (لا) أي لم يقتلْني هو (برأسها).\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي (٣/ ١٨١)، والدارقطني (٣/ ١٦٨) بسنديهما، عن ابن جريج، عن معمر، عن أيوب فتَأمَّلْ، وكذا في \"مسلم\" برواية محمد بن بكر، عن ابن جريج، فالظاهر سقوط لفظ \"معمر\"، عن رواية أبي داود. (ش).","vol":"12","page":632},{"text":"قَالَ: \"مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلَانٌ قَتَلَكِ؟ \"، قَالَتْ: لَا، بِرَأْسِهَا، قَالَ: \"فُلَانٌ قَتَلَكِ؟ \"، قَالَتْ: نَعَمْ، بِرَأْسهَا، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقُتِلَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. [خ ٦٨٧٧، م ١٦٧٢، ن ٤٧٤٢، جه ٢٦٦٦، حم ٣/ ٢٠٣]\n===\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (مَنْ قَتَلَكِ؟ فلانٌ قَتلَكِ؟) بحذف حرف الاستفهام، والمراد بفلان هذا غير الأول (قالتْ: لا) أي أَشارتْ لم يقتلْني هو أيضًا (برأسها، قال: فلانٌ قَتلكِ؟) أىِ سمَّى ثالثًا (قالتْ: نعم برأسها)، فجيء به فاعْترفَ (فأمر به رسولُ الله - ﷺ - فقُتل بين حجَرين). لم يُذكر الاعترافُ في هاتين الروايتين الأخيرتين، وذكره قتادة، فادَّعى بعضُ المالكية أن زيادةَ قتادةَ هذه غيرُ مقبولة.\nقال الحافظ (١): ولا يَخفى فسادُ هذه الدعوى، فقتادةُ حافظ، زيادتُه مقبولة؛ لأن غيره لم يتعرض لنفيها فلم يتعارضا، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.\nوكتب في \"الحاشية\": اختلف العلماءُ في صفة القَوَد، فقال مالك: إنه يُقتلُ مثل ما قتل، فإن قَتَله بعصًا أو بخَنَقٍ أو بالتغريق قُتِل بمثل، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر. وقال الشافعي: إن طَرَحَه في النار عمدًا حتى ماتَ طُرِح في النار حتى يموتَ. وقال إبراهيم النخعي وعامر الشعبي والحسن البصري وسفيان الثوري وأَبو حنيفة وأصحابه: لا يقتل القاتلُ في جميع الصُّوَر إلَّا بالسيف.\nواحتجوا بما رواه الطحاوي (٢) بسنده عن النعمان، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: \"لَا قَوَدَ إلا بالسَّيْفِ\"، وأخرجه أبو داود الطيالسي (٣) ولفظه: \"لا قَوَدَ إلا بحديدة\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٠٠).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٨٤).\n(٣) \"مسند أبي داود الطيالسي\" (١٠٨).","vol":"12","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1709>(١١) بَابٌ: أَيُقَادُ الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ</span>؟\n٤٥٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، نَا (١) قَتَادَةُ، عن الْحَسَنِ، عن قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالأَشْتَرُ إلَى عَلِيٍّ فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً؟ فَقَالَ (٢): لَا، إلَّا مَا في كِتَابِي هَذَا. قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: فَأَخْرَجَ (٣) كِتَابًا، وَقَالَ أَحْمَدُ:\n===\nوأجابوا عن حديث الباب: أنه نسخ بنسخ المُثْلة، كما فَعَل رسولُ الله - ﷺ - بالعرنيين.\n\n(١١) (بابٌ: أَيُقَادُ)، أي: هل يقتص (الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ؟)، في بعض النسخ: بالكافر\n٤٥٣٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومُسَدّد قالا: نا يحيى بن سعيد، نا سعيد بن أبي عروبة، نا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد) بضم العين وتخفيف الموحدة (قال: انطلقتُ أنا والأشْتَرُ) مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي الكوفي، المعروف بالأَشتر، أدرك الجاهليةَ، وكان من أصحاب علي من تابعي أهل الكوفة، وشهد مع علي الجملَ وصفيِنَ ومشاهده كلها، وولاه على مصر، فلما كان بالقُلْزُم شرِب شربة عسل فمات، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقةٌ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(إلى علي، فقلْنا: هل عَهِد إليك) أي أوصاك (رسولُ الله - ﷺ - شيئًا لم يَعْهَدْه إلى الناس عامةً؟ فقال: لا، إلَّا ما في كتابي هذا) فهو عندي، ليس عند غيري.\n(قال مسدد: قال) شيخي: (فَأخْرَج كتابًا، وقال أحمد) الشيخ الثاني\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"وأخرج\".","vol":"12","page":634},{"text":"كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإذَا فِيهِ: \"الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ (١) دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْده، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ\". [ن ٤٧٣٥، حم ١/ ١٢٢]\nقَالَ مُسَدَّدٌ عن ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ: فَأَخْرَجَ كِتَابًا.\n٤٥٣١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نَا هُشَيْمٌ، عن يَحْيَى بْنِ\n===\nللمصنف: (كتابًا من قِراب سيفه) زاد لفظ: \"من قِرابِ سيفه\"، والقِرَاب: شِبه الجِرَابِ يَطرح فيه الراكبُ سَيْفه بغِمده وَسَوْطِه (فإذا فيه) أي في الكتاب: (المؤمنون تَكافأ) بحذف إحدى التائين، أي تتساوى (دماؤهم، وهم يدٌ) أي مُتعاونُون (على مَنْ سِواهم) أي لا يَسَعُهم التخاذل، بل يُعانون بعضهم بعضًا على جميع الأديان.\n(ويسعى بذمتهم أدناهم) أي أقلهم عددًا، وهو الواحد، أو أقلهم رُتبةً، وهو العبد (ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذُو عهدٍ في عهده) أي بكافر (مَنْ أَحدثَ حَدَثًا) أي ابتدع بدعة (فعلَى نفسه) أي وبالُه عليه (ومن أَحدثَ حَدَثًا، أو آوى مُحْدِثًا فعليه لَعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين).\n(قال مسدد) بواسطة شيخِه يحيى (عن ابن أبي عَروبة: فأَخرجَ كتابًا) ولم يذكر فيه لفظ: \"مِنْ قِرابِ سَيْفِه\"، وهذا مكرر لا حاجة إليه.\n٤٥٣١ - (حدثنا عُبيد الله بن عمر، نا هُشَيم، عن يحيى بن\n_________\n(١) في نسخة: \"تتكافأ\".","vol":"12","page":635},{"text":"سَعِيدٍ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَلِيٍّ، زَادَ فِيهِ: \"وَيُجِيْرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وُيرَدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ\". [تقدَّم برقم ٢٧٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>(١٢) بَابٌ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ </span>(١)؟\n٤٥٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَا: نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَجِدُ مَعَ أَهْلِهِ (٢) رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا\"،\n===\nسعيد، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسولُ الله - ﷺ -، ذَكَرَ نحوَ حديث علي، زاد فيه: وَيجِيرُ عليهم أقصاهم) أي أَبْعَدهم (ويُرَدُّ مُشِدُّهم) أي قويُّهم (على مُضْعِفهم) أي على ضَعيفِهم (ومُتَسَرِّيهِم على قاعِدِهِم) أي بشرط كونه قاعدًا في الجَيش، وتقدم الحديث والكلام عليه مفصلًا في \"كتاب الجهاد\" في \"باب السرية ترد على أهلِ العَسْكَر\".\n\n(١٢) (بابٌ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُه؟)\n٤٥٣٢ - (حدثنا قُتيبة بن سعيد وعبد الوهَّاب بن نَجْدة الحَوْطي، المعنى واحد، قالا: نا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل) بن أبي صالح، (عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة، أن سعد بن عُبادة) الأنصاري الخزرجي، رئيس الخَزْرج (قال: يا رسول الله! الرجلُ يجِد مع أهله رجلًا، أيقتله؟ قال رسول الله - ﷺ -: لا)\n_________\n(١) في نسخة: \"فيقتله\".\n(٢) في نسخة بدله: \"امرأته\".","vol":"12","page":636},{"text":"قَالَ سَعْدٌ: بَلَى وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ. قَالَ (١) النَّبِيُّ - ﷺ -: \"اسْمَعُوا إلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ\". [م ١٤٩٨، جه ٢٦٠٥]\nقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: \"إلَى (٢) مَا يَقُولُ سَعْدٌ\".\n٤٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبيهِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\nأي لا يَقتله (٣) (قال سعد: بلى) أي يَقتله، ولا يَتأمَّلُ فيه ولا يتأخَّر (والذي أَكْرَمَك بالحق).\nقال في \"فتح الودود\": قالوا: ليس مُراده ردَّ قولِ النبي - ﷺ -، ومخالفةَ أمره، وإنما كلامُه الإخبار عن حقيقة حاله عند رؤيته أحدًا مع امرأته مع اسْتيلاء الغَضَب.\n(قال النبي - ﷺ -: اسْمَعُوا إلى ما يقولُ سيِّدُكم!) ليس تقريرًا ومدحًا له على قتله الرجلَ بدون الشهداء، بل حاصلُه مدحُ صفةِ المغيرة، وأنه من سَمتِ سَادات الناس وكِرامِهم، واعْتِذارٌ من جانب سعد بأنه إنما صَدرَ منه هذا القولُ من غايةِ غَيرتِه وحمِيَّتِهِ، وأكَّده بقوله: \"وأنا أغير منه، والله أغير مني\".\n(قال عبد الوهاب) شيخُ المصنف: (إلى ما يقولُ سعدٌ) يعني ذكر اسمه بدل قوله: \"سيدُكم\".\n٤٥٣٣ - (حدثنا عبد الله بن مَسْلمة، عن مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة، أن سعدَ بن عُبادة قال لرسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ألا تَسْمعون إلى ما يقولُ سعد\".\n(٣) فإن قُتل أحدَ هل يُقتل قِصاصًا؟ ظاهر ما تقدَّم في \"باب اللّعان\"، نعم، وقالتِ الحنفيةُ: لا، وتقدَّم الكلامُ عليه في هامِشِه. (ش).","vol":"12","page":637},{"text":"أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". [م ١٤٩٨، حم ٢/ ٤٦٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1711>(١٣) بَابُ الْعَامِلِ يُصَابُ عَلَى يَدَيهِ خَطَأ</span>\n٤٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، نَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلَاجَّهُ (٢) رَجُلٌ في صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالُوا: الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَكُمْ كَذَا وَكَذَا\"، فَلَمْ يَرْضَوا\n===\nأرأيتَ) أي أخبرني (لو وجدتُ مع امرأتي رجلًا أُمهلُه حتى آتيَ بأربعةِ شهداء؟ ! قال: نعم).\n\n(١٣) (بَابُ الْعَامِلِ يُصَابُ) أحدٌ (على يَدَيه) أي بيده (خطأ) فهل يُقتصُّ منه؟\n٤٥٣٤ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عنِ الزهري، عن عُروة، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - بَعثَ أبا جَهْم بن حُذيفة) بن غانم القرشي العدوي، وقال البخاري وجماعةٌ: اسمه عامر، وقيل: اسمه عُبيد بالضم، كان من مشيخة قريش (مصدِّقًا فَلاجَّه) أي خَاصَمه (رجل) لم أقف على اسمه (في صَدَقته، فضَرَبه أبو جَهْم فشَجَّه) أي جَرَح في رأسه.\n(فأتوا النبيَّ - ﷺ - فقالوا: القَوَدُ يا رسول الله) أي نَطلُبُ القَوَدَ يا رسول الله (فقال النبي - ﷺ -: لكم كذَا وكذَا) يعني ذَكَرَ مقدارًا مُعيَّنًا من المال (فلم يَرْضَوا،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"فلاحَّه\".","vol":"12","page":638},{"text":"فَقَالَ: \"لَكُمْ كَذَا وَكَذَا\"، فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: \"لَكُمْ كَذَا وَكَذَا\"، فَرَضُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إنِّي خَاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ\"، فَقَالُوا: نَعَمْ.\nفَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"إنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا، أَرَضِيتُمْ؟ \"، قَالُوا (١): لَا، فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ، فَكَفُّوا، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ فَقَالَ: \"أَرَضِيتُمْ\"؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: \"إنِّي خَاطِبٌ عَلَى\n===\nفقال) رسولُ الله - ﷺ - ثانيًا: (لكم كَذَا وكَذَا) أي زائدًا على ما ذَكَر لهم أولَ مرَةٍ (فلم يَرْضَوْا، فقال) رسول الله - ﷺ - ثالثا: (لكم كَذَا وكَذَا) وزاد على القَدْر الذي ذَكَره في المرة الثانية (فرضُوا).\n(فقال النبيُّ - ﷺ -: إني خاطب العشِيَّةَ) أي أَخْطُبُ الخُطْبةَ في المَسَاء، وأذكِّرُ الناسَ هذا (على الناس، ومُخبِرُهم بِرضاكم) على هذا القدر من المال (فقالوا: نعم). (فخطب رسول الله - ﷺ - فقال: إن هؤلاء الْلَيْثِيِّيْنَ أَتَوْني) يَشْكُون أبا جَهْم أنه ضَرَب رجلًا فشَجَّه (يُريدونَ القَوَدَ) أي قصاصَ الشَجَّة (فعرضتُ عليهم كذا وكذا) من المال (فرَضُوا) ثم أقبل إلى الْلَيْثِيِّيْن فقال: (أَرَضِيتُم؟ قالوا: لا) أي لم نرْضَ على هذا المال (فَهَمَّ المهاجرون بهم) أي قَصَدوا أن يُوقعُوا بهم؛ لأنهم كذَّبوا رسول الله - ﷺ - ونَكَصُوا عن عهدهم، وهو الرِّضاء.\n(فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يَكفُّوا عنهم، فكفُّوا) أي المهاجرون عن ضربهم وإيذائهم (ثم دعاهم فزَادَهم) من المال على قَدْر ما ذَكَرهم في المرة الثالثة (فقال: أرضيتم؟ فقالوا: نعم، فقال: إني خاطبٌ على\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالوا\".","vol":"12","page":639},{"text":"النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرضاكُمْ\"، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"أَرَضِيتُمْ؟ \"، قَالوا: نَعَمْ. [ن ٤٧٧٨، جه ٢٦٣٨، حم ٦/ ٢٣٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>(١٤) بَابُ الْقَوَدِ بِغَيْرِ حَدِيدٍ</span>\n٤٥٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ: \"أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَتْ قَدْ رُضَّ رَأْسُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلَانٌ؟ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ، فَأَوْمَأتْ (١) بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ\". [تقدَّم برقم ٤٥٢٧]\n===\nالناس، ومُخبرهم برِضَاكم، فقالوا: نعم، فخَطَب رسول الله - ﷺ - فقال) في أثناء الخطبة: (أَرَضِيتُمُ) على هذا المال وعَفَوتم عن القَوَد؟ (قالوا: نعم).\n\n(١٤) (بَابُ الْقَوَدِ بِغَيْرِ حَدِيدٍ)\n٤٥٣٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا هَمَّام، عن قتادة، عن أنس: أن جاريةً وُجِدتْ قد رُضَّ رأسُها بين حَجَرين فقيل لها: من فعل بكِ هذا؟ أفلان؟ أفلان؟) فأنكرتْ (حتى سُمِّيَ اليهوديُ) فاعترفتْ (فأَومأَتْ برأسها) أي نعم (فأُخِذَ اليهوديُّ فاعْترفَ (٢)، فأمر النبيُّ - ﷺ - أن يُرَضَّ رأسُه بالحجارة) وهذا الحديث مكرر بسنده ومتنه، وتقدَّم قريبًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"فأَوْمَتْ\".\n(٢) قال أبو مسعود: لا أعرِفُ أحدًا قال في هذا الحديث \"فاعترف\" إلا همَّام، كذا في \"الفتح\" (١٢/ ١٩٩)، وفيه أيضًا: استدل مالك بهذا على ثبوتِ قتل المتَّهم بمجرد قول المجروح، ولا دلالةَ فيه لاِعْترافِ اليهوديِّ، انتهى. (ش).","vol":"12","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1713>(١٥) بَابُ الْقَوَدِ مِنَ الضَّرْبَةِ، وَقَصِّ الأَمِيرِ مِنْ نَفْسِهِ</span>\n٤٥٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن عَمْرٍو - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ-، عن بُكَيْرٍ (١)، عن عُبَيْد بنِ مُسَافِعٍ، عن أَبِي سعيد الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْسِمُ قَسْمًا أَقْبَلَ رَجُلٌ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ، فَجُرِحَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"تَعَالَ فَاسْتَقِدْ\"، قَالَ: بَلْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ الله. [ن ٤٧٧٣، حم ٣/ ٢٨]\n٤٥٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، أَنَا أَبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي نَضْرَة، عن أَبِي فِرَاسٍ\n===\n\n(١٥) (بَابُ الْقَوَدِ مِنَ الضَّرْبَةِ، وَقَصِّ الأمِيرِ مِنْ نَفْسِهِ)\n٤٥٣٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهْب، عن عمرو- يعني ابن الحارث-، عن بُكير، عن عَبيدة (٢) بن مُسَافع، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: بينما رسولُ الله - ﷺ - يقسِم قَسْمًا) أي من المال (أقْبلَ رجلٌ فأَكبَّ) أي ازْدحَم وهَجَم (عليه، فطَعَنَه رسولُ الله - ﷺ - بعُرْجُون) (٣) عُود أصفر فيه شَمَاريخ العِذْق (كان معه، فجُرِح بوجهه، فقال له رسولُ الله - ﷺ -: تعالَ فاسْتَقِدْ) أي خُذِ القصاصَ منِّي (قال: بل عفوتُ يا رسول الله).\n٤٥٣٧ - (حدثنا أبو صالح) محبوب بن موسى، (أنا أبو إسحاق الفَزاري، عن الجُرَيري) سعيد بن إياس، (عن أبي نضرة) منذر بن مالك، (عن أبي فِراس)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن الأشج\".\n(٢) عَبيدة بن مُسَافع، عَبيدة: بفتح أوَّله. مُسَافع: بضم الميم بعدها مهملة ثم فاء. \"تقريب\".\n(٣) قال ابن الأثير: العُرْجُون: وهو فُعْلون، من الانْعِراج: الانْعِطَافُ، والواو والنون زائدتَان، وجمعه: عَرَاجين. \"النهاية\" (٣/ ٢٠٣).","vol":"12","page":641},{"text":"قَالَ: \"خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب فَقَالَ: إنِّي لَمْ (١) أَبْعَثْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلَا لِيَأخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إلَيَّ أُقِصُّهُ مِنْهُ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ أَتُقِصُّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: إيْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقِصُّهُ (٢)، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ\". [ن ٤٧٧٧، حم ١/ ٤١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1714>(١٦) بَابُ عَفْوِ النِّسَاءِ عَنِ الدَّمِ</span>\n٤٥٣٨ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، نَا الْوَلِيدُ، عن الأَوْزَاعِيِّ،\n===\nالنَّهدي، عن عمر رأيتُ النبيَّ - ﷺ - أَقَصَّ من نفسه، قال أبو زرعة: لا أعرفه، وقال إسحاق بن راهويه: اسمه الربيع بن زياد الحارثي، قال الحاكم أبو أحمد: لا أبعد أن يكون إسحاق سماه من ذات نفسه فاشتبه عليه، فإني لا أعرف أبا نضرة روى عن ربيعِ بن زياد الحارثي.\n(قال: خطبنا عمرُ بن الخطاب) ﵁ (فقال: إني لم أَبعثْ عُمَّالي) إليكم (ليضربوا أَبْشَارَكم) أي أجسامَكم وجُلُودَكم (ولا ليأخُذُوا أموالَكم) زائدًا على الحق (فمن فُعِل به ذلك فليَرْفَعْه إليّ) أي هذه الجِناية (أُقِصُّه منه) أي من الذي فَعَل.\n(قال عمرو بن العاص: لو أنَّ رجلًا أدَّب بعض رَعيَّته أَتُقِصه منه؟) أي من الأمير (قال: إيْ) حرف إيجاب (والذي نفسي بيده لأقِصُّه، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - أَقصَّ من نفسه) فكيف لا أُقِصُّ من الأمير؟ ! .\n\n(١٦) (بَابُ عَفْوِ النِّسَاء عَنِ الدَّمِ)\n٤٥٣٨ - (حدثنا داود بن رُشَيد، نا الوليد، عن الأوزاعيِّ،\n_________\n(١) في نسخة: \"لا أبعث\".\n(٢) في نسخة: \"أَلَا أُقِصُّه\".","vol":"12","page":642},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ حِصْنًا، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ يُخْبِرُ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ (١) - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"عَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا (٢) الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَإنْ كَانَتِ امْرَأَةً\". [ن ٤٧٨٨]\n===\nأنه سمع حِصْنًا) بن عبد الرحمن، ويقال: ابن محصن التراغمي، بطن من السكون، أبو حذيفة الدمشقي، قال أبو حاتم ويعقوب بن سفيان: لا أعلم أحدًا روى عنه غير الأوزاعي، قال الدارقطني: شيخ يعتبر به، له عند أبي داود والنسائي هذا الحديث الواحد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال القطان: لا يُعرف حالُه.\n(أنه سمع أبا سلمة يُخبِر، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: على المُقْتَتِلِين) بصيغة الجمع على الفاعل (أن يَنْحَجزُوا) أن يكفُّوا عن القتل أو القَوَد، فعلى هذا يكون الأمر للاستحباب (الأول فالأول) الأقرب فالأقرب (وإن كانت امرأةً).\nقال الخطابي (٣): وتفسيره أن يُقتل رجلٌ وله وَرَثة رجال ونساء فأيهم عَفَا، وإن كان امرأة سقط القَوَد وصار دية. وقوله: \"الأول فالأول\" يريد الأقرب فالأقرب.\nقال الخطابي: ويشبه أن يكون معنى \"المُقْتَتِلِين\" ها هنا أن يطلُب أولياءُ القتيل القَوَدَ، فيمتنع القتلةُ فيَنشأ بينهما الحربُ والقتالُ لأجل ذلك، فجعلهم مقتتِلِين لِما ذكرناه.\nقال: وقد يحتمل أن يكون الرواية \"المقتتلين\" بنصب التائين؛ لأنه يقال: اُقتتِل فهو مقتَتَل، غير أن هذا يستعمل أكثرُه فيمن قَتَله الحبُّ.\nوقد اختلف الناس في عفو النساء، فقال أكثر أهل العلم: عفْو النساء عن\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"يتحجَّزوا\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢١).","vol":"12","page":643},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَنْحَجِزُوا: يَكُفُّوا عن الْقَوَدِ (١).\n... (٢)\n٤٥٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا سُفْيَانُ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، عن عَمْرٍو، عن طَاوُسٍ قَالَ: مَنْ قُتِلَ- وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ- في عِمِّيَا في رَمْي يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِحِجَارَةٍ، أَوْ بِالسِّيَاطِ، أَوْ ضُرِبَ بِعَصًا فَهُوَ خَطَأٌ، وَعَقلُهُ عَقْلُ الْخَطَأ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ\".\nقَالَ ابْنُ عُبَيْدِ: \"قَوَدُ يَدٍ\"\n===\nالدم جائز، كعفو الرجال، وقال الأوزاعي وابن شبرمة: ليس للنساء عفو، وعن الحسن وإبراهيم النخعي: ليس للزوج ولا للمرأة عفو في الدم.\n(قال أبو داود: يَنْحَجِزُوا: يكفُّوا عن القَوَد)\n٤٥٣٩ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، ح: ونا ابن السرح، نا سفيان، وهذا حديثه، عن عمرو، عن طاوس قال: من قُتِل، وقال ابن عبيد: قال: قال رسول الله - ﷺ -) وحديث ابن عبيد مرسل، وحديث ابن السرح موقوف على طاوس.\n(من قُتِل في عِمِّيًا) بكسر عين وتشديد ميم وقصر، أي في حال يُعَمِّى أمرُه فلا يتبين قاتلُه ولا حالُ قتلِه (في رَمْي يكون بينهم بحجارةٍ، أو) ضرب (بالسياطِ) جمع سَوطٍ (أو ضرب بعصًا فهو خطأ) أي حكمه حكم الخطأ حيث تجب الديةُ لا القصاصُ (وعقله عقل الخطأ) أي ديته دية الخطأ. (ومن قُتِل عمدًا فهو قَوَد) أي حكمه القصاص.\n(قال ابن عبيد: قَوَدُ يدٍ) أي فحكم قتله قَوَد نفسه يعطي بيده لولي المقتول\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: يعني أن عفو النساء في القتل جائز إذا كانت إحدى الأولياء، وبلغني عن أبي عبيد في قوله: \"ينحجزوا\": يكفُّوا عن القَودَ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب من قُتِل في عِمِّيّا بين قوم\".","vol":"12","page":644},{"text":"ثُمَّ اتَّفَقَا: \"وَمَنْ حَالَ دُوْنَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ\" وَحَدِيثُ سُفْيَانَ أَتَمُّ. [ق ٨/ ٢٥]\n٤٥٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ، نَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ كَثيرٍ، نَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن طاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ. [ن ٤٧٨٩، جه ٢٦٣٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1715>(١٧) بَابٌ في الدِّيَةِ كم هِيَ</span>؟\n٤٥٤١ - حَدَّثنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ.\n===\n(ثم اتفقا) فقالا: (ومن حالَ دونَه) أي صار حائلًا بينه وبين القصاص بأن منع عن القصاص (فعليه لعنةُ الله وغضبُه، لا يُقبل منه صرْفٌ ولا عَدْلٌ) أي نفل ولا فرض.\n(وحديث سفيان أتم).\n٤٥٤٠ - (حدثنا محمد بن أبي غالب) القومسي، أبو عبد الله الطيالسي، نزيل بغداد، روى عنه البخاري وأبو داود وغيرهم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو علي الجياني: كان من الحُفَّاظ، (نا سعيد بن سليمان، عن سليمان بن كثير، نا عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -، فذكر معنى حديث سفيان).\n\n(١٧) (بَابٌ في الدِّيَةِ (١) كَمْ هِيَ؟)\n٤٥٤١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا محمد بن راشد،\n_________\n(١) اختلف في أصل الدية، ما هي؟ على أربعة أقوال، الأول: مذهب الشافعي ورواية لأحمد: أنه من الإبل خاصةً، فإن لم تُوجدْ فقيمتُه بالغةً ما بلغتْ. والثاني: ثلاثة أشياء: الإبل والعَيْنان، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، إلا أنهما اختلفا في أن أبا حنيفة خيَّر في الثلاثة، أيها شاء أدَّى، ومالك عيَّن الإبلَ لأهل البادية، والذهب والفضة لأهاليهم. والثالث: خمسة أشياء: الإبل، والعينان، والبقر، والشاء، وهو المرجح =","vol":"12","page":645},{"text":"(ح): وَنَا هَارُونُ بْنُ زيدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، نَا أَبِي، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ (١)، عن سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى: أَنَّ مَنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ مِئَةٌ مِنَ الإبِلِ: ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونِ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعَشَرَةُ (٢) بَنِي لبونٍ ذكَرٍ\". [ن ٤٨٠١، جه ٢٦٣٠]\n===\nح: ونا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي) زيد بن أبي الزرقاء، (نا محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) عبد الله بن عمرو: (أن رسول الله - ﷺ - قضى أن مَنْ قُتِل خطأً فديتُه مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاضٍ، وثلاثون بنت لَبونٍ، وثلاثون حِقَّةً، وعشرة بني لَبون ذكر).\nقال الخطابي (٣): لا أعرف أحدًا قال به من الفقهاء (٤)، وإنما قال أكثر العلماء: إن دية الخطأ أخماس، كذلك قال أصحاب الرأي والثوري، وكذلك قال مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، إلا أنهم اختلفوا في الأصناف، فقال أصحاب الرأي وأحمد بن حنبل: خمس بني مَخَاضٍ، وخمْس بنات مخاض، وخمس بنات لَبون، وخمس حِقاق، وخمس جذاع، وروي هذا القول عن عبد الله بن مسعود، وقال أصحاب مالك والشافعي: خمس حِقاق، وخمس جذاع، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بني لَبون (٥).\nوقد رُوي عن نفر من العلماء أنهم قالوا: دية الخطاء أرباع، وهم الشعبي\n_________\n= عند الحنابلة. والرابع: ستة أشياء، الخمسة المذكورة، والحُلل، وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة، كذا في \"الأوجز\" (١٤/ ٥٥٠). (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"وأنا لحديث بن راشد أتقن\".\n(٢) في نسخة: \"وعشر\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٣).\n(٤) أي في دية الخطأ، قلت: حكاه الموفق (١٢/ ٢٠) مذهب طاوس لهذا الحديث. (ش).\n(٥) فالفرق بينهما في بني لبون وبني مخاض لا غير، وبذلك جزم صاحب \"الهداية\" (٤/ ٤٦٠، ٤٦١). (ش).","vol":"12","page":646},{"text":"٤٥٤٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عُثْمَانَ، نَا حُسَيْنُ بْنُ الْمُعَلِّمِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: \"كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - ثَمَانَ مِئَةِ دِينَارٍ، أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَاب يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَكَانَ ذَلِك كَذَلِكَ\n===\nوالنخعي والحسن البصري، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه، إلَّا أنهم قالوا: خمس وعشرون جذْعة، وخمس وعشرون حقَّة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض.\nوقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁. انتهى.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": اختلفتِ الرواياتُ في الدية، والذي اختاره الأحناف رواية ابن مسعود، أما أولًا فلِفَقَاهته، ورواية الفقيه أولى بالعمل من غيره.\nوأما ثانيًا فلأَنَّ روايات الآخرين متعارِضَة مع كونها من راوٍ واحدٍ.\nوأما ثالثًا فلأَنَّ مقتضى رواية ابن مسعود أخفُّ من مقتضيات الروايات الأُخر، وكان النبي - ﷺ - يُحِبُّ التخفيف في أمثال ذلك، ولا يبعد أن يُحمل اختلاف الروايات على اختلاف قِيَم الإبل بحسب اختلاف الأزمنة فتَتَّحد الأقوال معنًى.\n٤٥٤٢ - (حدثنا يحيى بن حكيم، نا عبد الرحمن بن عثمان، نا حسين المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: كانت قيمةُ الدية) أي قيمة إبل الدية التي هي الأصل في الدية (على عهد رسول الله - ﷺ - ثمان مئة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذٍ النصفُ من دية المسلمين، قال: فكان ذلك كذلك).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": هذا ظنّ منه، وحكم على الآتي بما مضى باستصحاب الحال، وإلَّا فقد ثبت أنه - ﷺ - أَتمَّ دية أهل الذمة كالمسلمين.","vol":"12","page":647},{"text":"حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: (١) إنَّ الإبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَب أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَي عَشْرَ أَلْفًا (٢)، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرَ مِئَتَي بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاة (٣) أَلْفَي شَاةٍ، وَعَلَى أَهْل الْحُلَلِ مِئَتَي حُلَّةٍ، قَالَ: وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدَّيَةِ\". [ق ٨/ ٧٧]\n٤٥٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ، عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَضَى في الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الإبِلِ مِئَةً مِنَ الإبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِئَتَي بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَي شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ\n===\n(حتى استُخلف عمرُ) ﵁ (فقامِ خطيبًا فقال: إن الإبل قد غَلَت) أي ارْتفَعَتْ قيمتها (قال) عبد الله بن عمرو: (فَفرَضَها) أي الديةَ (عمرُ) ﵁ (على أهل الذهب ألفَ دينار، وعلى أهل الوَرِقَ اثنيْ عشر ألفًا) على وزن ستة، فلا يخالفه ما وقع في الروايات أنه فرض عشرة آلاف (٤) درهم، فإنه على وزن سبعة فلا مخالفة بين الروايات (وعلى أهل البقر مائتي بقرةٍ، وعلى أهل الشاة ألفي شاةٍ، وعلى أهل الحُلَل مائتي حُلَّة).\n(قال) عبد الله بن عمرو: (وتَرَكَ ديةَ أهل الذمة لم يرفعها فيما رَفَع من الدية).\n٤٥٤٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا محمد بن إسحاق، عن عطاء بن أبي رَباح، أن رسول الله - ﷺ - قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرةٍ، وعلى أهل النساء ألفي شاةٍ، وعل أهل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ألا\".\n(٢) في نسخة: \"ألف درهم\".\n(٣) في نسخة. \"الشاء\".\n(٤) وبه قلنا، كما سيأتي في (ص ٦٦٦).","vol":"12","page":648},{"text":"الْحُلَلِ مِئَتَي حُلَّةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْقَمْحِ شَيْئًا (١) لَمْ يَحْفَظْهُ مُحَمَّدٌ. [ق ٨/ ٧٨]\n٤٥٤٤ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَرأتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاق قَالَ: ذَكَرَ عَطَاء، عن جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: \"فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\" وَذَكَرَ (٢) مِثْلَ حَدِيثِ مُوسَى، وَقَالَ: \"وَعَلَى أَهْلِ الطَّعَامِ شَيْئًا لَا أَحْفَظُهُ\". [ق ٨/ ٧٨]\n٤٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عن زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"في دِيَةِ الْخَطَأ\n===\nالحُلَل مائتي حُلَّة، وعلى أهل القَمْح شيئًا لم يحفظه محمد بن إسحاق).\n٤٥٤٤ - (قال أبو داود: قرأتُ على سعيد بن يعقوب الطالَقاني قال: حدثنا: أبو تُمَيْلة، نا محمد بن إسحاق قال) محمد بن إسحاق: (ذكر عطاءٌ، عن جابر بن عبد الله قال: فَرَضَ رسولُ الله - ﷺ -، وذكر مثل حديث موسى) بن إسماعيل شيخ المصنف (وقال) أي أبو تمَيْلة عن محمد بن إسحاق: (وعلى أهل الطعام شيئًا لا أَحفظُه) فذكر لفظ \"الطعام\" بدلًا من \"القَمْح\".\n٤٥٤٥ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد، حدثنا الحجاج، عن زيد بن جُبير، عن خِشْف) بكسر أوله وسكون المعجمة بعدها فاء (ابن مالك الطائي) الكوفي، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال الدارقطني في \"السنن\": مجهول، وتبعه البغوي في \"المصابيح\"، وقال الأزدي: ليس بذاك.\n(عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: في دية الخطأ\n_________\n(١) في نسخة: \"شيء\".\n(٢) في نسخة: \"فذكر\".","vol":"12","page":649},{"text":"عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذَكَرٌ\" (١) [ت ١٣٨٦، ن ٤٨٠٢، جه ٢٦٣١، حم ١/ ٣٨٤، دي ٢٣٧١]\n٤٥٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا زيدُ بْنُ الْحُبَاب، عن مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبًّاسٍ: \"أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - دِيَتَهُ اثْنَي عَشَرَ أَلْفًا\". [ت ١٣٨٨، ن ٤٨٠٤، جه ٢٦٢٩]\nقَال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْرٍو، عن عِكْرِمَةَ (٢)، لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ.\n... (٣)\n٤٥٤٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ، الْمَعْنَى، قَالَا:\n===\nعشرون حِقةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بنتَ مَخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مَخاض ذَكَرٌ).\n٤٥٤٦ - حدثنا محمد بن سليمان الأنْباري، نا زيد بن الحُبَاب، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلًا من بني عَديّ قُتل، فجعل النبيُّ - ﷺ - ديتَه اثنيْ عشر ألفًا).\n(قال أبو داود: رواه ابن عيينة (٤) عن عمرو، عن عكرمة، لم يذكر ابن عباس) فرواه مرسلًا.\n٤٥٤٧ - (حدثنا سليمان بن حرْب ومسدد، المعنى، قالا:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهو قول عبد الله).\n(٢) زاد في نسخة: \"عن النبي - ﷺ -\".\n(٣) زاد في نسخة: \"باب دية الخطأ شبه العمد\".\n(٤) رواية ابن عيينة أخرجها عبد الرزاق (٩/ ٢٩٦) رقم (١٣٨٩)، والترمذي رقم (١٣٨٩).","vol":"12","page":650},{"text":"نَا حَمَّادٌ، عن خَالِدٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عن عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَطَبَ يَوْمَ الْفَتْحٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: \"لَا إله إلَّا اللَّه وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ\" - إلَى ههنَا حَفِظْتُهُ مِنْ مُسَدَّدٍ - ثُمَّ اتَّفَقَا: \"أَلَا إنَّ كُلَّ مَأثُرَةٍ كَانَتْ في الْجَاهِليَّةِ تُذْكَرُ وَتُدْعَى مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ تَحْتَ\n===\nنا حمَّاد، عن خالد، عن القاسم بن ربيعة) بن جوشن بفتح جيم، وسكون واو، وفتح شين معجمة، وبنون، الغطفاني الجوشني، روى البخاري أن الحسن كان إذا سُئِل عن شيء من النسب قال: سَلُوا القاسم بن ربيعة، وقال علي بن المديني وأبو داود: ثقة.\nوقال خليفة (١) عن أبي اليقظان: كتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطاة: اجمَعْ من قبلك فشاوِرْهم في إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة، واستقضِ أحدَهما، قال: فحلف له القاسم: أن إياسًا أعلم منه وأصلح، فولَّاه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عُقبة بن أوس) ويقال: يعقوب بن أوس السدوسي البصري، قال العجلي: بصري، تابعي، ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، أخرجوا له هذا الحديث الواحد.\n(عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - خَطَب يومَ الفتح بمكة فكَبَّر ثلاثًا ثم قال: لا إله إلَّا الله وحده، صَدَق وعدَه) أي ما وعد لرسوله من الفتْح وغَلَبة الإِسلام (ونَصَر عبدَه، وهزَم الأحزابَ) أي جماعات الكفار (وحده).\nيقول أبو داود (إلى ها هنا حفظتُه) أي الحديث (من) شيخي (مسدَّد، ثم اتفقا) أي مسدد وسليمان بن حرب فقالا: (ألا إن كل مَأْثُرَةٍ) أي كل مكرُمة ومفْخرة التي تُؤثر وتُروى (كانت في الجاهلية تُذكر وتُدعى من دمٍ أو مالٍ تحت\n_________\n(١) راجع: \"تاريخ خليفة بن خيَّاط\" (ص ٣٢٤).","vol":"12","page":651},{"text":"قَدَمَيَّ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ\". ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا إنَّ دِيَةَ الْخَطَإ شِبْهِ الْعَمْدِ- مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مِئَةٌ مِنَ الإبِلِ: مِنْهَا أَرْبَعُونَ في بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا\". وَحَدِيثُ مُسَدَّدٍ أَتَمُّ (١). [ن ٤٧٩١، جه ٢٦٢٧]\n===\nقدميَّ) أي موضوع وباطل (إلَّا ما كان) أي في الجاهلية (من سِقاية الحاجِّ وسِدانَة البيت).\nوسِدَانةُ الكعبة هي خدمتها، وتولّي أمرِها، وفتح بابها، وإغلاقُه، فهي باقية تبقى لمن كانت له إلى يوم القيامة لا تُنزع منه، فالسقاية في بني هاشم، والسدانة في بني شيبة.\n(ثم قال: ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسَّوْطِ والعصا).\nوشبه العمد: أن يتعمَّد الضربَ بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح.\nوقال أبو يوسف ومحمد، وهو قول الشافعي: إذا ضربه بحَجَرٍ عظيم أو بخَشَبةٍ عظيمةٍ فهو عمد. وشبه العمد: أن يتعمَّد ضربَه بما لا يُقتل به غالبًا، ومعنى الخطأ باعتبار انعدام قصْد القتل بالنظر إلى الآلة التي استعملها، إذ هي آلة الضرب للتأديب دون القتل، وإنما يقصد إلى كل فعل آلته، فكان ذلك خطأ يشبه العمد صورة، كذا في \"الهداية\" (٢) وحواشيه.\n(مائةٌ من الإبل: منها أربعون في بطونها أولادها. وحديث مسدد أتم). قال الخطابي (٣): وفي الحديث من الفقه إثبات شبه قتل العمد، وقد زعم بعضُ أهل العلم أن ليس القتل إلا العمد المحض أو الخطأ المحض، وفيه بيان أن دية شبه العمد مغلظة على العاقلة.\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٤٥٤٨ - حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، عن خالد، بهذا الإسناد نحو معناه.\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٤٤٣).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٦، ٢٧).","vol":"12","page":652},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوقد اختلف الناس في دية شبه العمد، فقال بظاهر الحديث عطاء والشافعي، وإليه ذهب محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: هي أرباع (١)، وقال أبو ثور: دية شبه العمد أخماس.\nوقال مالك بن أنس: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، وأما شبهُ العمد فلا نعرفه.\nويشبه أن يكون الشافعي إنما جَعَل الديةَ في العمد أَثْلاثًا بهذا الحديث، وذلك أنه ليس في العَمَد حديث مفسر، والدية في العَمد مغلَّظة، وهل (٢) في شبه العمد كذلك، تحمل أحدهما على الأخرى، وهذه الدية تلزم العاقلة عند الشافعي؛ لِمَا فيه من شبه الخطأ كدية الجنين، انتهى.\nقلت: فعلى مذهبِ الشافعي - ﵀ - يجب فيها مائة من الإبل: ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة في بطونها أولادها.\nوقال مالك وأحمد بن حنبل: يجب الدية أرباعًا: خمسة وعشرون ابنة مَخَاض، وخمسة وعشرون ابنة لَبون، وخمسة وعشرون حِقَّة، وخمسة وعشرون جَذَعة.\nوقد روي عن ابن مسعود: أنه جعل في شبه العمد مائة من الإبل أرباعًا، وَعَدَّ بهذه الأصناف، وبه أخذ أبو حنيفة - ﵀ -، قاله الخطابي (٣).\n_________\n(١) من بنات مَخاض ولَبون وحِقَّة وجَذَعة، خمس وعشرون من كل واحد منها، كذا في \"الهداية\". (ش).\n(٢) هكذا في الأصل، وفي \"المعالم\" (٤/ ٢٧): \"وهي في شبه العمد كذلك، فحمل إحداهما على الأخرى\"، وهو الصواب.\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٥).","vol":"12","page":653},{"text":"٤٥٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن عَلِيِّ بْنِ زيدٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ رَبيعَةَ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، بِمَعْنَاهُ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - يوْمَ الْفَتْحِ، أَوْ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى دَرَجَةِ الْبَيْتِ أَوْ الْكَعْبَةِ. [ن ٤٧٩٩، جه ٢٦٢٨، حم ٢/ ١١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ (١)، عن عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\nوَرَوَاهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عن الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِثْلَ حَدِيثِ خَالِدٍ.\n===\n٤٥٤٩ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن علي بن زيد، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر) (٢) - ﵄-، (عن النبي - ﷺ -) يوم الفتحِ (بمعناه، قال: خطب رسولُ الله - ﷺ - يوم الفتح، أو) للشك من الراوي: (فتحِ مكةَ) قائمًا (على دَرَجة البيت، أو) للشك من الراوي (الكعبة) والدرجة: - بفتحتين- هي الآن خَشَب يَلصق بباب الكعبة ليرقى فيه إليها.\n(قال أبو داود: كذا رواه ابن عيينة (٣)، عن علي بن زيد، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -. ورواه أيوب السختياني (٤)، عن القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عَمْرو، مثل حديث خالد) وهو الحديث المتقدم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أيضًا\".\n(٢) انظر لزامًا كلام المنذري في \"تهذيبه\" (٦/ ٣٥٥).\n(٣) أخرج روايته الشافعي في \"مسنده\" (٢/ ١٠٨)، وابن أبي شيبة (٩/ ١٢٩)، وأحمد (٢/ ١١)، والحميدي (٢/ ٣٠٧) رقم (٧٠٢)، والنسائي (٨/ ٤٢)، وابن ماجه (٢٦٢٨)، وأبو يعلى (٥٦٧٥)، والدارقطني (٣/ ١٠٥)، والبيهقي (٨/ ٤٤).\n(٤) أخرج روايته أحمد (٢/ ١٦٤)، والنسائي (٨/ ٤٠)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، والطحاوي في \"مشكله\" (١٢/ ٤٦٧) رقم (٤٩٤٦)، والدارقطني (٣/ ١٠٤)، والبيهقي (٨/ ٤٤).","vol":"12","page":654},{"text":"وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن عَلِيٍّ بْنِ زيدٍ، عن يَعْقُوبَ السَّدُوسِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ (١) بْنِ عَمْرٍو (٢)، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\nوَ(٣) قَوْلُ زيدٍ وَأَبِي مُوسَى مِثْلَ حَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ - (٤).\n٤٥٥٠ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عن مُجَاهِدٍ قَالَ:\n===\n(ورواه حماد بن سلمة (٥)، عن علي بن زيد، عن يعقوب السدوسي، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي - ﷺ -).\nقال بعضهم: يعقوب السدوسي، هو عُقبة بن أَوْس المتقدم. قال الحافظ (٦): زعم خليفةُ بن خيّاط: أن عُقبةَ ويعقوبَ أخوان، ووقع عند ابن أبي خيثمة: عن يعقوب بن أَوْس رجل من الصحابة، قال: خطب، فذكره، وتعقبه بأن قال: كذا وقع، وليس ليعقوب صحبة، وإنما رواه عن ابن عمرو.\n(وقولُ زيد) أي زيد بن ثابت (وأبو موسى) الأشعري (٧) (مثلَ حديث النبي - ﷺ -) أي مذهب زيد بن ثابت وأبي موسى مثلَ ما وقع في حديث النبي - ﷺ - في دية شبه العمد: أنها مائة من الإبل أثلاثًا، كما هو مذهب الشافعي ومحمد بن الحسن - رحمهما الله-.\n٤٥٥٠ - (حدثنا النفيلي، نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عبيد الله\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عُمَر\".\n(٣) زاد في نسخة: \"هو\".\n(٤) زاد في نسخة: \"وحديث عمر ﵁\".\n(٥) أخرج روايته أحمد (٢/ ١٠٣).\n(٦) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٣٧، ٢٣٨).\n(٧) قول زيد وصله المصنف في هذا الباب (٤٥٥٤)، وقول أبي موسى الأشعري أخرجه عبد الرزاق (٩/ ٢٨٤) رقم (١٧٢١٩).","vol":"12","page":655},{"text":"\"قَضَى عُمَرُ في شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً مَا بَيْنَ ثَنيَّةٍ إلَى بَازِلِ عَامِهَا\".\n٤٥٥١ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عن أَبي إسْحَاقَ، عن عَاصِمِ بْنٍ ضَمْرَةَ، عن عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: \"في شِبْهِ الْعَمْدِ أثْلَاثًا: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةٌ، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ ثَنِيَّةً إلَى بَازِلِ عَامِهَا، كُلُّهَا خَلِفَةٌ\" (١). [ق ٨/ ٦٩]\n٤٥٥٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عن سُفْيَانَ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن عَاصِمِ بْنِ ضمْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: \"في الْخَطَأ أَرْبَاعًا:\n===\nقضى عمرُ) (٢) ﵁ (في شبه العمد (٣) ثلاثين حِقَّةً، وثلاثين جَذَعة، وأربعين خَلِفة) أي حوامل (ما بين ثَنِيَّة) وهي الناقة التي دخلتْ في السنة السادسة (إلى بازلِ عامِها) يقال: بَزَلَ نابُ البعير بَزْلًا وبُزُولًا: طَلَع، وذلك في ابتداء السنة التاسعة، وليس بعده سِنٌّ يُسَمَّى.\n٤٥٥١ - (حدثنا هناد، نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي أنه قال: في شبه العمد) دية (٤) من الإبل (أثلاثًا: ثلاث وثلاثون حِقَّةٌ، وثلاثٌ وثلاثون جَذَعةً، وأربعٌ وثلاثون ثَنِيَّةً إلى باِزِل عامِها، كلّها خَلِفَة) أي حوامل.\n٤٥٥٢ - (حدثنا هنَّاد، نا أبو الأحْوَص، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة قال: قال علي: في الخطأ أرباعًا:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وبه عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قال عبد الله: في شبه العمد\".\n(٢) هذا قول مالك فيمن قتل ذا رحم محرم عمدًا، كما في \"المغني\" (١٢/ ٢٣، ٢٤)، و\"الأوجز\" (١٥/ ٣٧، ٣٨). (ش).\n(٣) الخَلِفَة: الناقة الحامل نصف أجل الحمل.\n(٤) كذا في الأصل، ولا يُفهَم له معنى، فلعله: أي في دية شبه العمد، أو: مائة من الإبل.","vol":"12","page":656},{"text":"خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمس وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ\". [ق ٨/ ٧٤]\n٤٥٥٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: \"في شِبْهِ الْعَمْدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخمس وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ\". [ق ٨/ ٦٩]\n٤٥٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ ربِّهِ، عن أَبِي عِيَاضٍ، عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَزيدِ بْنِ ثَابِتٍ: \"في الْمُغَلَّظَةِ أَرْبَعُونَ جَذَعَةً خَلِفَةً، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً،\n===\nخمس وعشرون حِقَّة، وخمس وعشرون جَذَعة، وخمس وعشرون بنات لَبون، وخمس وعشرون بنات مَخَاض).\nقال المنذري (١): عاصم بن ضَمْرة، تكلَّم فيه غيرُ واحد. قلت: قال علي بن المديني والعجلي: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس.\n٤٥٥٣ - (حدثنا هنَّاد، نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قال عبد الله) بن مسعود: (في شبه العمد خمس وعشرون حِقَّةً، وخمس وعشرون جَذَعة، وخَمْسٌ وعشرون بنات لبونٍ، وخمس وعشرون بنات مخاضٍ)، وإليه ذهب الإِمام أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد - ﵏-.\n٤٥٥٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبدِ ربِّه، عن أبي عياض، عن عثمانَ بن عفانَ وزيدِ بن ثابت: في المغلَّظة) أي ديةِ شبه العمد (أربعون جَذَعة خَلِفة) حوامل (وثلاثون حِقَّة،\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٥٦).","vol":"12","page":657},{"text":"وَثَلَاثُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي الْخَطَأ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنُو (١) لبونٍ ذُكُورٌ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ\". [ق ٨/ ٧٤]\n٤٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن زيدِ بْنِ ثَابِتٍ في الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَواءً.\n... (٢)\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ أَبُو عُبَيْد عَنْ غَيْرُ وَاحِدٍ (٣): إذَا دَخَلَتِ النَّاقَةُ في السَّنَةِ الرَّابِعَةِ فَهُوَ (٤) حِقٌّ، وَالأُنْثَى حِقَّةٌ، لأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهِ (٥) وُيحْمَلَ، فَإذَا دَخَلَت (٦) في الْخَامِسَةِ فَهُوَ جَذَعٌ\n===\nوثلاثون بنات لَبُون، وفي الخطأ: ثلاثون حِقَّة، وثلاثون بناتُ لَبون، وعشرون بنو لَبون ذكُورٌ، وعشرون بناتِ مَخَاض).\n٤٥٥٥ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن عبد الله، نا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت: في الدية المغلَّظة، فذكر مثلَه سواءً).\n(قال أبو داود: قال أبو عبيد عن غير واحد) أي من علماء العربية: (إذا دخلتِ الناقةُ في السنة الرابعة فهو حِقٌّ) إذا كان ذكرًا (والأنثى حِقَّةٌ؛ لأنه يَسْتحق أن يركب عليه، ويحمل) عليه الفحل (فإذا دخلتْ في الخامسة فهو جَذَع\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بني لبون ذكورًا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب أَسْنان الإبل\".\n(٣) في نسخة بدله: \"وغير واحد\".\n(٤) في نسخة: \"فهي\".\n(٥) في نسخة بدله: \"عليها\".\n(٦) في نسخة بدله: \"دخل\".","vol":"12","page":658},{"text":"وَجَذَعَةٌ، فَإذَا دَخَلَ في السَّادِسَةِ وَأَلْقَى ثَنِيَّتهُ فَهُوَ ثَنِيٌّ (١)، وَإذَا (٢) دَخَلَ في السَّابِعَةِ فَهُوَ رَبَاعٌ وَرَبَاعِيَةٌ، فَإذَا دَخَلَ في الثَّامِنَةِ وَأَلقَى السِّنَّ الَّذِي بَعْدَ الرَّبَاعِيَةِ فَهُوَ سَدِيسٌ وَسَدَسٌ، فَإذَا دَخَلَ في التَّاسِعَةِ وَفَطَرَ نَابُهُ وَطَلَعَ فَهُوَ بَازِلٌ، وَإذَا (٣) دَخَلَ في الْعَاشِرَةِ فَهُوَ مُخْلِفٌ، ثُمَّ لَيْسَ لَهُ اسْم، وَلكِنْ يُقَالُ: بَازِلُ عَامٍ، وَبَازِلُ عَامَيْنِ، وَمُخْلِفُ عَامٍ، وَمُخْلِفُ عَامَيْنِ إلَى مَا زَادَ.\nوَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: بِنْتُ مَخَاضٍ لِسَنَةٍ، وَبِنْتُ لَبُونٍ لِسَنَتَيْنِ، وَحِقَّةٌ لِثَلَاثٍ، وَجَذَعَه لأَرْبَعٍ، وَثَنِيٌّ لِخَمْسٍ، وَرَبَاعٌ لِسِتٍّ، وَسَدِيْسٌ (٤) لسَبْعٍ، وَبَازِلٌ لِثَمَانٍ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَالأَصْمَعِيُّ: وَالْجُذُوعَةُ وَقْتٌ وَلَيْسَ بِسِنٍّ.\n===\nوجَذَعة، فإذا دخل في السادسة وألقَى ثَنِيِّتَه فهو) أي الذكَر (ثَنِيٌّ) والأنثى ثنيَّة. (وإذا دخل في السابعة فهو رَباعٌ) أي الذكر. (وربَاعِيَّة) أي الأُنثى.\n(فإذا دخل في الثامنة وألقى) أي أخْرج وأَطْلع (السنَّ الذي بعد الرَّباعيَّة فهو سَدِيس وسَدِسٌ، فإذا دخل في التاسعة وفَطَر) أي ظهر (نابه وطَلَع فهو بازِلٌ، وإذا دخل في العاشرة فهو مُخْلِفٌ، ثم ليس له اسم، ولكن يقال: بازِل عامٍ، وبازِلُ عامَيْن، ومُخْلِفُ عامٍ، ومُخْلِفُ عامَيْنِ إلى ما زاد).\n(وقال النضر بن شُمَيْل: بنتُ مَخَاض لسَنَةٍ، وبنتُ لبون لسنتين، وَحِقَّةٌ لثلاث، وجَذَعة لأربع، وثَنِيٌّ لخمس، ورَبَاع لِسِتٍّ، وسَدِيْسٌ لسبع، وبازِلٌ لثمان).\n(قال أبو داود: قال أبو حاتم والأصمعي: والجُذُوعة وقتٌ وليس بسنٍّ).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وثنية\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فإذا\".\n(٣) في نسخة بدله: \"فإذا\".\n(٤) في نسخة: \"وسدس\".","vol":"12","page":659},{"text":"قَالَ أَبُو حَاتِمٍ (١): فَإِذَا أَلْقَى رَبَاعِيَتَهُ فَهُوَ رَبَاعٌ.\nوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِذَا أُلْقِحَتْ (٢) فَهِىَ خَلِفَةٌ، فَلَا تَزَالُ خَلِفَةً إِلَى عَشْرَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا بَلَغَ (٣) عَشْرَةَ أَشْهُرٍ فَهِىَ عُشَرَاءُ.\nقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إِذَا أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ فَهُوَ ثَنِيٌّ، وَإِذَا أَلْقَى رَبَاعِيَتَهُ فَهُوَ رَبَاعٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1716>(١٨) بابٌ دِيَاتِ الأَعْضَاءِ</span>\n٤٥٥٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: نَا عَبْدَةُ - يَعْنِى ابْنَ سُلَيْمَانَ -:\n===\n(قال أبو حاتم: فإذا ألقَى رباعيَّتَه فهو رَبَاع).\n(وقال أبو عبيد: إذا أُلْقِحَتْ) أي أُحبِلتْ (فهي خَلِفَة فلا تزالُ خَلِفة إلى عشرة أشهر، فإذا بلغ عشرةَ أشهرٍ) على الحمل (فهي عُشراء).\n(قال أبو حاتم: إذا ألقَى ثَنيّتَه فهو ثَنِيٌّ، وإذا ألقَى رَبَاعِيته فهو رَبَاع).\nقلت: هذا التفسير الذي ذكره هناك قد تقدم في \"كتاب الزكاة\".\n\n(١٨) (بَابٌ في دِيَاتِ الأعْضَاءِ) (٤)\n٤٥٥٦ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا عَبْدة -يعني ابن سليمان-،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال بعضهم\".\n(٢) في نسخة بدله: \"لَقِحَتْ\".\n(٣) في نسخة بدله: \"بَلَغَتْ\".\n(٤) قال ابن رشد (٢/ ٤٢١): الأصل فيه حديث عمرو بن حزم: \"أن في النَّفْس مائة من الإبل، وفي الأنْفِ إذا اسْتَوْعَبَ جَدْعًا مائةً من الإبل، وفي المأمُومَةِ ثُلُثُ الدية، وفي الجَائِفَة مثلُها، وفي العين خمسون، واليد خمسون، والرِّجْل خمسون، وفي كل إصبع عشر عشر، وفي السن والمُوضِحَة خمس\"، وكل هذه مجمع عليه إلا السن والإبهام. (ش).","vol":"12","page":660},{"text":"نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عن غَالِبٍ التَّمَّارِ، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عن مَسْرُوقِ بْنِ أَوْسٍ، عن أَبِي مُوسَى، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الأَصَابعُ سَوَاءٌ، عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ\". [ن ٤٨٤٥، جه ٢٦٥٤، حم ٤/ ٤٠٣ و٤١٣]\n٤٥٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، نَا شُعْبَةُ، عن غَالِب التَّمَّارِ، عن مَسْرُوقِ بْنِ أَوْسٍ، عن الأَشْعَرِيِّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الأصَابعُ سَواءٌ\". قُلْتُ: عَشْرٌ عَشْرٌ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". [ن ٤٨٤٥، حم ٤/ ٣٩٧، دي ٢٣٧٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ، عن غَالِب قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقَ بْنَ أَوْسٍ. وَرَوَاهُ إسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ التَّمَّارُ بِإسْنَادِ أَبِي الْوَلِيدِ\n===\nنا سعيد بن أبي عَروبة، عن غالبٍ التَّمَّار، عن حميد بن هلال، عن مسروق بن أوس) التميمي اليربوعي الحنظلَي، وقيل: أوس بن مسروق، وقيل: إن اسم جده مسروق، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي موسى) الأشعري، (عن النبي - ﷺ - قال: الأصابعُ) أي كل واحد منها كبيرها وصغيرُها (سواءٌ) فيها (عشرٌ عشرٌ من الإبل).\n٤٥٥٧ - (حدثنا أبو الوليد، نا شعبة، عن غالبٍ التَّمَّار، عن مسروق بن موسى، عن الأشعري، عن النبي - ﷺ - قال: الأصابع) في الدية (سواءٌ، قلت:) فيها (عشرٌ عشرٌ) من الإبل؟ (قال: نعم).\n(قال أبو داود: ورواه محمد بن جعفر (١)، عن شعبة، عن غالب قال: سمعتُ مسروق بن أوس. ورواه إسماعيل (٢) قال: حدثني غالب التَّمَّار بإسناد أبي الوليد) المتقدم.\n_________\n(١) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣٩٨).\n(٢) أخرج روايته أحمد (٤/ ٤٠٤)، وأبو يعلى (١٣/ ٣١٩) رقم (٧٣٣٥)، والدارقطني (٣/ ٢١١)، والبيهقي (٨/ ١٢)، والبزار (٨/ ٨٤) رقم (٣٠٨٣).","vol":"12","page":661},{"text":"وَرَوَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي صَفِيَّةَ عن غَالِبٍ بإسنَادِ إسْمَاعِيلَ.\n٤٥٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى. (ح): وَنَا (١) ابْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي. (ح): وَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ كُلُّهُمْ، عن شُعْبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: \"هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ\". قَالَ: يَعْنِي الإبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ. [خ ٦٨٩٥، ت ١٣٩٢، ن ٤٨٤٧، جه ٢٦٥٢، حم ١/ ٢٢٧ و٣٤٥]\n٤٥٥٩ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ،\n===\n(ورواه حنظلة بن أبي صفية) (٢) هو حنظلة بن عبد الله (٣)، وقيل: ابن عبيد، وقيل: ابن عبد الرحمن، وقيل: ابن أبي صفية، أبو عبد الرحيم البصري، قال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: قد رأيته وتركته على عمد، قلت ليحيى: كان قد اختلط؟ قال: نعم، وعن أحمد: ضعيفُ الحديث، وعنه: منكر الحديث، يحدث بأعاجيب، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ضعيفُ الحديث، وقال أحمد وابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وسمَّى أباه عبد الله، (عن غالب بإسناد إسماعيل).\n٤٥٥٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، ح: ونا ابن معاذ، نا أبي) أي معاذ (ح: ونا نصر بن علي، أنا يزيد بن زُرَيع كلهم) أي يحيى ومُعاذ ويزيد بن زُرَيع (عن شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: هذه وهذه سواءٌ) أي في الدية (قال: يعني الإبهامَ والخِنْصَرَ) فإنه إذا قُطع الإبهامُ ففيه عشرٌ من الإبل، وإذا قُطع الخنصرُ ففيه أيضًا عشرٌ من الإبل.\n٤٥٥٩ - (حدثنا عباسٌ العنبري، نا عبد الصمد بن عبد الوارث،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبيد الله\".\n(٢) أخرج روايته البخاري في \"تاريخه\" (٣/ ٤٥) رقم (١٧٢)، والخطيب في \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (٢/ ٦٨).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٦٢).","vol":"12","page":662},{"text":"حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"الأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ، هَذ وَهَذِهِ سَوَاءٌ\". [جه ٢٦٥٠، ت ١٣٩١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل عن شُعْبَةَ بَمَعْنَى عَبْدِ الصَّمَدِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثنَا (١) الدَّارِمِيُّ (٢) عن النَّضْرِ.\n٤٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الأَسْنَانُ سَوَاءٌ، وَالأَصَابِعُ سَوَاءٌ\". [حم ١/ ٢٨٩]\n٤٥٦١ - حَدَّثَنَا عبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ (٣)،\n===\nحدثني شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: الأصابع سواءٌ) أي في الدية (والأسنان سواءٌ: الثنية والضِّرْسُ سواءٌ، هذه) أشار إلى الإبهام (وهذه) أشار إلى الخِنْصر (سواء).\n(قال أبو داود: رواه النَّضْر بن شميل، عن شعبة بمعنى) حديث (عبد الصمد. قال أبو داود: حدثنا الدارمي عن النضر) لما قال ذلك أبو داود: رواه النضر بن شميل، وأبو داود لم يلقه، فذكر سنده، بأن الدارمي حدثني عن النضر.\n٤٥٦٠ - (حدثنا محمد بن حاتم بن بَزِيْع، حدثنا علي بن الحسن، أنا أبو حمزة، عن يزيد النَّحْوي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله - ﷺ -: الأسنان سواءٌ، والأصابعُ سواء) أي في الدية.\n٤٥٦١ - (حدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان،\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثناه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أبو جعفر\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ابن صالح\".","vol":"12","page":663},{"text":"نَا أَبُو تُمَيْلَةَ، عن حُسَيْنٍ الْمُعَلِّم، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"جَعَلَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً\". [ت ١٣٩١]\n٤٥٦٢ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا هَمَّامٌ، نَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ في خُطْبَتِهِ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ: \"في الأَصَابعِ عَشْرٌ عَشْر\". [ن ٤٨٥١]\n===\nنا أبو تُميلة، عن حسين المعلِّم، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جعل رسول الله - ﷺ - أصابع اليدين والرجلين سواء) ولكن إذا قطع كلها من اليدين أو الرجلين ففيه الدية كاملة.\n٤٥٦٢ - (حدثنا هُدبَة بن خالد، نا همَّام، نا حسين المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن النبي - ﷺ - قال في خطبته وهو مُسند ظهرَه إلى الكعبة: في الأصابع عشرٌ عشرٌ) أي دية كل واحد منها عشر إبل.\nقال الخطابي (١): سوَّى رسول الله - ﷺ - بين الأصابع، فجعل في كل واحدة عشرا من الإبل، وسوَّى بين الأسنان، وجعل في كل سنٍّ خمسًا من الإبل، وهي مختلفة الجمال والمنفعة.\nولولا أن السُّنَّة جاءتْ بالتسوية لكان القياس أن تَفاوَتَ بين ديتها، كما فعل عمرُ بن الخطاب قيل أن يبلغه الحديث، فإن سعيد بن المسيب روى عنه أنه كان يجعل في الإبهام خمسَ عشرة، وفي السبَّابة عشرًا، وفي الوسطي عشرًا، وفي البِنْصَر تسعًا، وفي الخِنْصَر ستًّا، حتى وَجَد كتابًا عند عمرو بن حزم عن رسول الله - ﷺ -: \"أن الأصابعَ كلها سواء\" فأخذ به.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨، ٢٩).","vol":"12","page":664},{"text":"٤٥٦٣ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو خَيْثَمَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عن عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"في الأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ\". [تقدم برقم ٤٥٤٢]\n٤٥٦٤ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَجَدْتُ في كِتَابِي عن شَيْبَانَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ،\n===\nوكذلك الأمر في الأسنان كان يجعل فيما أقبل من الأسنان خمسة أَبْعِرَة، وفي الأضْراسِ بعيرًا بعيرًا. قال ابن المسيب: فلما كان معاوية وقعت أضراسه فقال: أنا أعلم بالأضراس من عمر ﵁.\nقال الخطابي: واتفق عامةُ أهل العلم على ترك التفضيل، وأن في كل سن خمسة أَبْعِرَة، وفي كل إصبع عشرٌ عشرٌ من الإبل، خَنَاصِرُها وأباهِمُها سواء، وأَصَابع اليد والرِّجْل في ذلك سواء، كما جعل في الحر ديةً كاملةً، الصغير، والطفل الكبير المسن، والقوي [العَبْل]، والضعيف [النِّضْو] في ذلك سواء.\nولو أخذ على الناس أن يعتبروا بالجمال والمنفعة لاختلف الأمر في ذلك اختلافًا لا يضبط ولا يحصى، فحمل على الأسامي، وترك ما وراء ذلك من الزيادة والنقصان في المعاني.\nولا أعلم خلافًا بين الفقهاء أن كل من قطع يد حر من الكُوع، فإن عليه نصف الدية، إلَّا أن أبا عبيد بن حرب زعم أن نصف الدية يستحق في قطعها من المنكِب؛ لأن اسم اليد على الشمول والاستيفاء إنما يقع على ما بين المناكب إلى أطراف الأنامِل، انتهى.\n٤٥٦٣ - (حدثنا زُهَير بن حرب أبو خيثمة، نا يزيد بن هارون، نا حسين المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: في الأسنان) أي في ديتها (خمسٌ خمسٌ) من الإبل.\n٤٥٦٤ - (قال أبو داود: وجدت في كتابي عن شيبانَ- ولم أسمعه منه-)","vol":"12","page":665},{"text":"فَحَدَثَنَاهُ (١) أَبُو بَكْرٍ، صَاحِبٌ لَنَا ثِقَةٌ (٢)، قَالَ: نَا شيْبَانُ، نَا مُحَمَّدٌ - يَعْني ابْنَ رَاشِدٍ -، عن (٣) سُلَيْمَانَ- يَعْنِي ابْنَ مُوسَى-، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَأ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَ مِئَةِ دِينَارٍ أَوْ عِدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ، وُيقَوِّمُهَا عَلَى أَثْمَانِ الإبِلِ، فَإذَا غَلَتْ رَفَعَ في قِيمَتِهَا، وَإذَا هَاجَتْ رُخْصًا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَبَلَغَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (٤) - ﷺ - مَا بَيْنَ أَرْبَعِ مِئَةِ دِينَارٍ إلَى ثَمَانِ مِئَةِ دِينَارٍ أَوْ عِدْلِهَا مِنَ الْوَرِقِ ثَمَانيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ.\n===\nأي من شيبان (فحدثناه أبو بكرٍ، صاحبُ لنا ثقةٌ، قال: نا شيبانُ، نا محمد -يعني ابن راشد-، عن سليمان -يعني ابن موسى-، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان رسول الله - ﷺ - يُقوِّم) على بناء الفاعل من التقويم، أي يعيِّن قيمة إبل الدية؛ لأن الإبلَ أصل في الدية (دية الخطأ على أهل القُرى أربع مئة دينارٍ أو عَدْلِها) أي ما يعدلها ويساويها في القيمة (من الورق) أي الفضة.\n(ويقوِّمها) أي الورق والذهب (على أثمان) جمع ثمن، أي قِيَم (الإبل، فإذا غَلَت) الإبل (رفعَ) أي زاد (في قيمتها) أي الدية من الذهب والفضة.\n(وإذا هاجتْ رُخْصًا) أي صارت الإبلُ رَخِيصةً (نَقَص من قيمتها، وبلغتْ على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربع مئة دينار) أي في حالة الرخص (إلى ثمان مائة دينار) في حالة الغَلاء (أو عِدْلِها) أي سوائها (من الوَرِق ثمانية آلاف درهم).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وحدثناه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"مأمون\".\n(٣) في نسخة بدله: \"حدثنا\".\n(٤) في نسخة بدله: \"النبي\".","vol":"12","page":666},{"text":"قَالَ: وَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِئَتَي بَقَرَةٍ، وَمَنْ كَانَ دِيَةُ عَقْلِهِ في الشَّاءِ فَأَلْفَي شَاةٍ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إنَّ الْعَقْلَ مِيرَاث بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتيل عَلَى قَرَابَتِهِمْ فَمَا فَضَلَ فَلِلْعَصَبَةِ\". قَالَ: وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الأَنْفِ إذَا جُدِعَ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وإنْ جُدِعَتْ ثُنْدُؤَتُهُ فَنِصْفُ الْعَقْلِ:\n===\n(قال: وقضى رسولُ الله - ﷺ - على أهل البقر مئتي بقرة، ومن كان ديةُ عَقْله في النساء فألفي شاة).\nوعند الحنفية ما قال في \"الهداية\" (١): والدية في الخطأ مائةٌ من الإبل أخماسًا، عشرون بنت مَخَاض، وعشرون بنت لَبون، وعشرون ابنُ مَخَاض، وعشرون حِقّة، وعشرون جَذَعة، وهذا قول ابن مسعود ﵁. ومن العين ألفُ دينار، ومن الورِق عشرةُ آلاف درهم.\nولا تثبتُ الديةُ إلَّا من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة - ﵀ -، وقالا: منها ومن البقر مائتا بقرةٍ، ومن الغنم ألفا شاةٍ، ومن الحُلَل مائتا حُلَّة، كل حُلَّة ثوبان؛ لأن عمر ﵁ هكذا جَعَل على أهل كل مالٍ منها. وله أن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية، وهذه الأشياء مجهولة المالية، ولهذا لا يقدّر بها ضمان، والتقدير بالإبل عرف بالآثار المشهورة عدمناها في غيرها.\n(قال) عبد الله بن عمرو: (وقال رسول الله - ﷺ -: إن العقلَ ميراثٌ بين ورثة القتيل) يُقسَّم (على قرابتهم) من ذوي الفُرُوض والعَصبات (فما فَضَل) من سهام ذوي الفروض (فللعصبة).\n(قال) عبد الله بن عمرو: (وقضى رسول الله - ﷺ - في الأنف إذا جُدع) أي قُطِع كله (الديةَ كاملةً، وإن جُدِعت ثَنْدُوته) - بالثاء المثلثة، بعدها نون ساكنة، فدال مهملة مضمومة، ثم واو مفتوحة-، أرنبة الأنف (فنصف العقل:\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٦٠، ٤٦١).","vol":"12","page":667},{"text":"خَمْسُونَ مِنَ الإبِلِ، أَوْ عِدْلُهَا مِنَ الذَّهَبِ أَو الْوَرِقِ، أَوْ مِئَةُ بَقَرَةٍ أَوْ أَلْفُ شَاةٍ، وَفِي الْيَدِ إذَا قُطِعَتْ نِصْفُ الْعَقْل، وَفِي الرِّجْلِ نِصْفُ الْعَقْلِ. وَفِي الْمَأمُومَةِ ثُلُثُ الْعَقْلِ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثونَ مِنَ الإبِلِ وَثُلُثٌ، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ أَو الْبَقَرِ أَو الشَّاءِ، وَالْجَائِفَة مِثْلُ ذَلِكَ. وَفِي الأَصَابِعِ في كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ، وَفِي الأَسنَانِ في كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ،\n===\nخمسون من الإبل، أو عِدْلها من الذهب أو الورق، أو مائةُ بقر، أو ألفُ شاةٍ، وفي اليد إذا قُطعتْ) يجب (نصف العقل).\nقال في \"الهداية\" (١): وفي أصابع اليد نصف الدية؛ لأن في كل إصبع عشر الدية، فكان في الخمس نصف الدية، فإن قطعها مع الكفّ ففيه أيضًا نصف الدية، لقوله ﵇: \"وفي اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية\"، ولأن الكف يتبع للأصابع؛ لأن البطش بها، وإن قطعها مع نصف الساعد، ففي الأصابع والكف نصف الدية وفي الزيادة حكومة عدل.\n(وفي الرِّجْل نصف العقل، وفي المأمومة) (٢) هي الجِناية البالِغَة أم الدِّماغ، وهو الدِّماغ، أو الجلدةُ الرقيقةُ التي عليه، حكاه صاحب \"القاموس\" (ثُلُث العقل: ثلاث وثلاثون من الإبل وَثُلُثٌ) أي ثُلُث قيمة إبل (أو قيمتُها من الذهب أو الورِق أو البقر أو الشاء، والجائفةُ) الجنابة التي تبلغ الجوف (مثلُ ذلك) أي ثُلُث العقل.\n(وفي الأصابع في كل إصبع) من اليدين أو الرجلين (عشر من الإبل، وفي الأسنان في كل سن خمسٌ من الإبل).\nقال في \"الدر المختار\" (٣): وفي كل سن من الرجل خمس من الإبل،\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٦٦).\n(٢) قال ابن رشد: قال أهل اللغة والفقه: الشجاج عشرة، أولها: الدامية، هي التي تدمى، ثم الحارصة هي التي تشق الجلد، ثم الباضعة. (ش).\n(٣) \"الدر المختار\" (١٠/ ٢٣٧، ٢٣٨).","vol":"12","page":668},{"text":"وَقَضَى رَسُولُ الله - ﷺ - أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ عَصَبَتِهَا مَنْ كَانُوا: لَا يَرِثُونَ مِنْهَا شَيْئًا إلا مَا فَضَلَ عن وَرَثَتِهَا، فَإنْ (١) قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا، وَهُمْ يَقْتُلُونَ قَاتِلَهُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَوَارِثُهُ أَقْرَبُ النَاسِ إلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا\". [تقدَّم برقم ٤٥٤١]\n===\nأو خمسون دينارًا أو خمس مائة درهم، لقوله ﵊: \"في كل سن خمس من الإبل\" يعني نصف عشر ديته لو حرًّا، ونصف عشر قيمته لو عبدًا.\nفإن قلت: تزيد حينئذ دية الأسنان كلها على دية النفس بثلاثة أخماسها؟ قلت: نعم، ولا بأس فيه؛ لأنه ثابت بالنص على خلاف القياس كما في \"الغاية\" وغيرها.\nوفي \"العناية\": وليس في البدن ما يجب بتفويته أكثر من قدر الدية سوى الأسنان، وقد توجد نواجذ أربعة فتكون أسنانه ستًّا وثلاثين، ذكره القهستاني.\n(وقضى رسول الله - ﷺ - أن عَقْل المرأة) يقسم (بين عَصَبتها مَن كانوا: لا يرثون منها) أي من المرأة أو دية المرأة (شيئًا إلَّا ما فَضَل) أي بقي (عن ورثتها) أي ذوي الفروض (فإن قُتِلتْ) أي خطأ (فعَقْلُها) أي ديتها (بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلهم) أي قاتل المقتولين، وفي نسخة: قاتلها، وهو الأوفق.\n(وقال رسول الله - ﷺ -: ليس للقاتل شيء) من دية المقتول ولا من تَرِكته، (وإن لم يكن له) أي للمقتول (وارثٌ) من ذوي الفروض (فوارثه أقربُ الناس إليه) من العَصَبات، (ولا يرث القاتلُ) الذي قتل مورثه (شيئًا).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وإن\".","vol":"12","page":669},{"text":"قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا كُلُّهُ حَدَّثَنِي بهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - (١).\n٤٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ الْعَامِليُّ، أَنا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ -، عن سُلَيْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ مُوسَى-، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مًثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ\".\nقَالَ: وَزَادَنَا خَلِيلٌ عن ابْنِ رَاشِدٍ: وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ النَّاسِ فتكُونَ دِمَاءٌ في عِمِّيَّا في غَيْرِ ضَغِينَةٍ وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ.\n===\n(قال محمد) أي ابن راشد: (هذا كلُّه حدثني به سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ -).\n٤٥٦٥ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا محمد بن بكَّار بن بلال العاملي، أنا محمد -يعني ابن راشد-، عن سليمان -يعني ابن موسى-، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: عَقْلُ شبهِ العَمد مغلظ، مثلُ عقل العمد (٢)، ولا يُقتل صاحبُه) أي صاحبُ شبهِ العمْد، بل يؤدي الديةَ مغلظةً.\n(قال) محمد بن بكار: (وزادنا خليلٌ) قال المنذري (٣): وخليل هذا لم يُنسَب (عن ابن راشد: وذلك أن ينزُوَ الشيطانُ) أن يسرع ويثب (بين الناس فتكون دماء) أي قتلى (في عميا في غير ضَغينةٍ) أي حقدٍ وعداوةٍ (ولا حملِ سلاح).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: محمد بن راشد من أهل دمشق، هرب إلى البصرة من القتل\".\n(٢) سكت عنه صاحب \"العون\" (١٢/ ٢٠٠) أيضًا، والأوجه عندي أن ما سيأتي من التفسير هو المراد بالعمد.\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٦٤).","vol":"12","page":670},{"text":"٤٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَثَهُمْ قَالَ: نَا حُسَيْن- يَعْنِي الْمُعَلِّم-، عن عَمْرو بْنِ شُعيبٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"في الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ\". [ن ٤٨٥٢، ت ١٣٩٠، حم ٢/ ١٧٩]\n٤٥٦٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، نَا مَرْوَانُ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، نَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعْيَب، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: \"قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثِ الدِّيَةِ\". [ن ٤٨٤٠]\n===\n٤٥٦٦ - (حدثنا أبو كامل فُضيل بن حسين، أن خالد بن الحارث حدثهم، قال: نا حُسين -يعني المُعَلِّم-، عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره، عن) جدّه (عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: في المَواضِحِ) المُوضِحَة: الشَّجَّة التي تبدي وَضَحَ العظْم، أي بياضه (خمس) أي من الإبل.\n٤٥٦٧ - (حدثنا محمود بن خالد السُّلَمي، نا مروان -يعني ابن محمد-، نا الهيثم بن حُميد، حدثني العلاء بن الحارث، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قضى رسول الله - ﷺ - في العين القائمة السادَّة) أي الباقية الثابتة (لمكانها) فتذهب نورها (بثلث الدية).\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في التقرير: المراد به العين التي كانت قائمة في موضعها، ولم تكن تبصر شيئًا، وكان فيها الجمال فقط، فمن فقأها أتلف الجمالَ فقط، فيجب ثُلُثُ الدية، وعلى هذا فلا تخالف الرواية (١) شيئًا من المذاهب، انتهى.\n_________\n(١) هذا مشكل جدًا، فإن الرواية لا توافِق أحدًا من الأئمة إلا إحدى الروايتين لأحمد إذ ذهب في هذه إلى ثُلُث الدية، وأما الرواية الأخرى عنه، وبه قال الأئمة الثلاثة الباقية: فيها حكومة عدل، كما في \"الأوجز\" (٤/ ٤٣٨، ٤٤٢)، اللَّهمَّ إلا أن يقال: إنه عليه =","vol":"12","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1717>(١٩) بابُ دِيَةِ الْجَنِينِ</span>\n٤٥٦٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمِرِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن مَنْصُورٍ، عن إبْرَاهِيمَ، عن عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ هُذَيْلٍ، فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا (١)، فَاخْتَصَمَا (٢) إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: كَيْفَ نَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ! فَقَالَ: \"أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ \"\n===\n\n(١٩) (بَابُ دِيَّةِ الْجَنِينِ) وهو الولد (٣) في البطن\n٤٥٦٨ - (حدثنا حفْص بن عمر النَّمِري، نا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن عُبيد بن نضلة، عن المغيرة بن شعبة، أن امرأتين) سيأتي من المصنف أن اسم إحداهما مُليكة، والثانية أم غَطيف (كانتا تحت رجلٍ من هُذَيل) اسمه حمل بن مالك بن النابغة (فضربتْ إحداهما الأخرى بعمود فقتلتْها) وقتلت جَنِيْنَها (فاختَصَما) أي ولي المقتولة وولي القاتلة (إلى النبي - ﷺ -).\n(فقال أحد الرجلين) وهو ولي القاتلة: (كيف نَدِي) أي نؤدي دية الجنين (مَنْ لا صَاحَ) أي لم يظهر منه صوتٌ بالبكاء (ولا أَكَل، ولا شَرِب ولا اسْتَهَلَّ) أي لم يعلم بحياته بصوت، أو اختلاج، أو نفس، أو حركة، أو عطاس!\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (أَسَجَعٌ كسَجْع الأعراب؟) أي أهل البَدْو،\n_________\n= السلام أمر بذلك في عين خاصة، فيكون هذا حكومة عدل، وعلى هذا فلا تخالف أحدًا، فتأمَّلْ. انتهى. (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"وجنينَها\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فاختصموا\".\n(٣) قال ابن رشد (٢/ ٤١٦): اتفقوا على أن من شرطه: أن يخرج الجنينُ ميتًا، ولا تموت أمُّه من الضرب. واختلفوا إذا ماتت الأم من الضرب ثم سقط الجنين ميتًا، فقال الشافعي ومالك: لا شيء فيه، وقال أشهب: فيه الغرة، وبه قال ربيعة وغيره. (ش).","vol":"12","page":672},{"text":"وَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ (١)، وَجَعَلَهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ. [م ١٦٨٢، ت ١٤١١، ن ٤٨٢٥، حم ٤/ ٢٤٦، دي ٢٣٨٤، جه ٢٦٣٣]\n٤٥٦٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، بِإسْنَاده وَمَعْنَاهُ، وَزَادَ قَالَ: \"فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَغُرَّةً لِمَا في بَطْنِهَا\". [م ١٦٨٢، ن ٤٨٢٣، حم ٤/ ٢٤٥]\n===\nأي أتُعارِضُ بهذا الكلام) المسجَّع حكم الشرع؟ (وقضى فيه) أي في الجنين (بغُرَّة، وجعلَه) أي العقلَ (على عاقلةِ المرأة) القاتلة، ولم يذكر في هذا الحديث ديةَ المرأة المقتولة، ويأتي ذكرُها في الحديث الآتي، ويمكن أن يقال: إن المراد بالعقْل عقْل المقتولة.\nقال في \"الهداية\" (٢): إذا ضرب بطنَ امرأة فألقتْ جنينًا ميتًا ففيه غُرّة، وهي نصف عُشر الدية، قال المصنف: معناه دية الرجل، وهذا في الذكر، وفي الأنثى عُشر دية المرأة، وكل منهما خمسمائة درهم، والقياس أن لا يجب شيء؛ لأنه لم يتيقن بحياته، والظاهر لا يصلح حجةً للاستحقاق.\nوجه الاستحسان: ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"في الجَنين غرَّة: عبدٌ أو أمةٌ، قيمته خمسمائة\"، فتركنا القياس بالأثر، وهو حجة على من قدرها بستمائة (٣)، نحو مالك والشافعي رحمهما الله.\n٤٥٦٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، بإسناده ومعناه، وزاد) جرير: (قال: فجعلَ النبيُّ - ﷺ - ديةَ المقتولة على عَصَبة القاتلة، وغُرَّةً لما في بطنها) أي أوجب غرةً بسبب قتل ما في بطنها.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"غرة\".\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٤٧١).\n(٣) قلت: لكن جزم مالك في \"موطئه\" (١/ ٣٨٠، ٣٨١) في الحج، في \"جزاء بيض النعامة\": أن قيمة الغرة خمسون، وهي عُشرُ دية أمه، فيكون خمسمائة دينار، كذا في \"الأوجز\" (١٤/ ٦٠٨)، وبسطه ابن رشد (٢/ ٤١٥). (ش).","vol":"12","page":673},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَكَمُ، عن مُجَاهِدٍ، عن الْمُغِيرَةِ.\n٤٥٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الأَزْدِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا وَكِيعٌ، عن هِشَامٍ، عن عُرْوَةَ، عن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ في إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قضَى فِيهَا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ،\n===\n(قال أبو داود: وكذلك رواه الحكم، عن مجاهد، عن المغيرة) (١).\n٤٥٧٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وهارون بن عبَّاد الأزدي، المعنى، قالا: نا وكيع، عن هشام، عن عروة، عن المسور بن مَخْرَمة، أن عمر استشار الناس في إملاص المرأة) أي إسقاطها الولدَ (فقال المغيرة بن شعبة: شهدتُ رسول الله - ﷺ - قضى فيها بغُرَّةٍ: عبدٍ (٢) أو أمةٍ).\nقال النووي (٣): وقد فسر الغرة في الحديث بعبدٍ أو أمةٍ، قال العلماء: \"أو\" ها هنا للتقسيم لا للشك، والمراد بالغُرَّة: عبد أو أمة، وهو اسم لكل واحد منهما، كأنه عبَّر بالغرة عن الجسم كله، كما قالوا: أعتق رقبة.\nوأصل الغرة: بَيَاضٌ في الوجه، ولهذا قال أبو عمر: والمراد بالغرة الأبيض منهما خاصة، قال: ولا يجزئ الأسود، وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاءُ: أنه تجزئ فيها البيضاء والسوداء، ولا يتعين البيضاء، وإنما المعتبر عندَهم أن يكون قيمتها عُشْر دية الأم، أو نصف عشر دية الأب.\nوأما ما جاء في بعض الروايات: \"بغرةٍ: عبدٍ، أو أمةٍ، أو فرسٍ، أو بغلٍ\"، فرواية باطلة، انتهى.\n_________\n(١) أورد رواية المغيرة الدارقطني في \"الغرائب والأفراد\" (٤/ ٣٠٧).\n(٢) مجمع عليه، كذا قال ابن راشد (٢/ ٤١٥، ٤١٦)، وقال: أوجبَ الشافعي مع ذلك الكفارةَ أيضًا، واسْتَحْسَنَها مالك ولم يُوجبْها، ولم يقل بها أبو حنيفة. (ش).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ١٩٣).","vol":"12","page":674},{"text":"فَقَالَ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ (١)، فَأَتَاهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلَمَةَ. زَادَ هَارُونُ: فَشَهِدَ لَهُ، يَعْنِي: ضَرْبَ الرَّجُلِ بَطْنَ امْرَأَتِهِ. [م ١٦٨٣، جه ٢٦٤٠، حم ٤/ ٢٥٣]\n٤٥٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، عن هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عن الْمُغِيرَةِ، عن عُمَرَ، بِمَعْنَاهُ. [خ ٦٩٠٥، حم ٤/ ٢٤٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زيدٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ.\n===\n(فقال: اِئتني بمن يَشهدُ معك، فأتاه بمحمد بن مسلمة، زاد هارون: فشهد) بن مسلمة (له) أي للمغيرة بن شُعبة (يعني ضَرْبَ الرجل بطنَ امرأته).\nوهذا بيان لإملاصِ المرأة، وهذا التفسير من بعض الرُواة غير صحيح، فإنه لو كان المراد بيان الحكم الشرعي فوجه عدم الصحة أنه لا يجب شيء على إذا ضرب بطنَ امرأته فألقتْ جنينًا ميتًا، وإن كان بيانَ اللغة فلا يتقيد بضرب الزوج امرأته.\nقال في \"القاموس\": وأَمْلَصَتْ: الْقَتْ وَلَدَها مَيِّتًا، وهي مُمْلِصٌ، فَإِنْ اعتادته فَمِمْلاص، والشيء: أُزْلقَ.\n٤٥٧١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وُهَيب، عن هشام، عن أبيه، عن المنيرة، عن عمر، بمعناه).\n(قال أبو داود: رواه حماد بن زيد وحماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر) أشار المصنف إلى أن ما وَقَع في الرواية المتقدِّمة من لفظ \"عن عمر\" خالفه حمادان فقالا: \"أن عمر\"، والظاهر أن هذا هو الصواب؛ لأن المغيرة لم يَرْوِ الحديثَ عن عمر ولا القصةَ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".","vol":"12","page":675},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَلَغَنِي عن أَبِى عُبَيْدٍ: إنَّمَا سُمِّيَ إمْلَاصًا لأَنَّ الْمَرْأَةَ تَزْلِقُهُ قَبْلَ وَقْتِ الْوِلَادَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا زَلَقَ مِنَ الْيَدِ وَغَيْرِهِ فَقَدْ مَلِصَ.\n٤٥٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْمِصِّيْصِيُّ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ (١) عن قَضِيَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - في ذَلِكَ، فَقَامَ (٢) حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَقَالَ: \"كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ، وَأَنْ تُقْتَلَ\". [ن ٤٧٣٩، به ٢٦٤١، حم ١/ ٣٦٤، دي ٢٣٨٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الْمِسْطَحُ: هُوَ الصَّوْبَجُ.\n===\n(قال أبو داود: بلغني عن أبي عُبَيد (٣): إنما سُمِّيَ إملاصًا لأن المرأةَ تُزْلِقه) أي الولد (قبل وقت الولادة، وكذلك كل ما زَلق من اليد وغيره فقد مَلِصَ)\n٤٥٧٢ - (حدثنا محمد بن مسعود المصيصي، نا أبو عاصم، عن ابن جُريج قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع طاوسًا، عن ابن عباس، عن عمر، أنه سأل) الناسَ (عن قضية النبي - ﷺ -) أي قضائه (في ذلك) أي في إملاص المرأة (فقام) إليه (حَمَلُ بن مالك بن النابغة فقال: كنتُ بين امرأتين، فضربتْ إحداهما الأخرى بمِسْطح فقتلتْها وجنينَها، فقضى رسولُ الله - ﷺ - في جنينيها بغُرَّةٍ، وأن تُقتل) أي المرأةُ القاتلةُ.\n(قال أبو داود: قال النضر بن شُميل: المِسْطَح: هو الصُّوبج) بضم\n_________\n(١) في نسخة: \"سأله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إليه\".\n(٣) انظر: \"غريب الحديث\" له (١/ ١٧٧).","vol":"12","page":676},{"text":"قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمِسْطَحُ: عُودٌ مِنْ أَعْوَادِ الْخِبَاءِ.\n٤٥٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، نَا سُفْيَانُ، عن عَمْرٍو، عن طَاوُسٍ قَالَ: قَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَأَنْ تُقْتَلَ، زَادَ: بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: اللَّه أَكْبَرُ، لَوْ لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا لَقَضَيْنَا بِغَيْرِ هَذَا.\n٤٥٧٤ - حَدَّثَنَا سليمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ التَّمَار،\n===\nالصاد، الذي يخبز به، معرب، أي يرقَّق به الخبزُ، يقال له في الهندية: بيلن.\n(قال أبو عبيد: المِسْطَح: عُودٌ من أعواد الخِباء) أي الخيمة، قال في \"القاموس\": وكمِنْبَر: عَمُود الخِباء.\nقال المنذري (١): وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقوله: \"وأن تُقتل\" لم يُذكَر في غير هذه الرواية، وقد روي عن ابن دينار أنه يشك في قتل المرأة بالمرأة، انتهى.\nقلت: سلَّمْنا أن القتل لم يُذكَر إلَّا في هذه الرواية، فذكرُ القتلِ في هذه الرواية زيادةُ ثِقةٍ فيُعتبر، ووجه القتل: أنه كان بعَمود الخيمة وهو عمْد فيجب القصاص، كما هو قول صاحبي أبي حنيفة، وهو قول الشافعي.\n٤٥٧٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، نا سفيان، عن عمرو، عن طاوس قال: قام عمر على المنبر، فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم (ولم يذكر: وأن تُقتل) وعدم الذكر لا يستلزم عدمَ الحكم (زاد: بغرةٍ: عبدٍ أو أَمَةٍ) ولم يذكر في الحديث المتقدم لفظ \"عبد أو أمة\" (قال: فقال عمر: الله أكبر، لو لم أسمع بهذا) الحكم عن رسول الله - ﷺ - (لَقَضَيْنا بغير هذا) فوَقَعْنا في الخطأ.\n٤٥٧٤ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن التمَّار،\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٦٧).","vol":"12","page":677},{"text":"أَنَّ عَمْرَو بْنَ طَلْحَةَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: نَا أَسْبَاطٌ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ في قِصَّةِ حَمَل بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَأَسْقَطَتْ غُلَامًا وَقَدْ نَبَتَ شَعْره مَيِّتًا، وَمَاتَتِ المَرْأَةُ، فَقَضَى عَلَى الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ (١)، فَقَالَ عَمُّهَا: إنَّهَا قَدْ أَسْقَطَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ غُلَامًا وَقَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ، فَقَالَ أَبُو الْقَاتِلَةِ: إنَّهُ كَاذِبٌ، إنَّهُ وَاللهِ مَا اسْتَهَلَّ، وَلَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، فَمِثْلُهُ يُطَلُّ (٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَسَجْعُ الْجَاهِلِيَّةِ وَكِهَانَتُهَا؟ أَدِّ (٣) في الصَّبِيِّ غُرَّة\". [ق ٨/ ١١٥]\nقَالَ ابْنُ عَبَّاس: كَانَ اسْمُ إحْدَاهُمَا مُلَيْكَةَ، وَالأُخْرَى أَمَّ غُطَيْف.\n===\nأن عمرو بن طلحة حدثهم قال: نا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة حَمَلِ بن مالك، قال: فأسقطت) أي المرأةُ المضروبة (غلامًا وقد نبتَ شعرُه) جملة معترضة بين الموصوف والصفة (ميتًا) صفة \"غلامًا\" (وماتت المرأةُ، فقضى على العاقلة (٤) الديةَ، فقال عمُّها) أي عم المقتولة: (إنها قد أسقطت يا نبي الله غلامًا، وقد نبتَ شعرُه، فقال أبو القاتلة: إنه) أي عمُّ المقتولة كاذب، إنه والله ما استهلَّ) أي ما صَاحَ (ولا شَرِب ولا أكَلَ، فَمِثْلُهُ يُطَلُّ، فقال النبي - ﷺ -: أَسجع الجاهلية وكِهانَتها؟) أي تعرض علي خلاف حكم الشرع (أدِّ في الصبي غرَّةً).\n(قال ابن عباس: كان اسم إحداهما مليكًا، والأخرى أمَّ غُطَيف) (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"بالدية\".\n(٢) في نسخة: \"بطل\".\n(٣) في نسخة بدله: \"أن\".\n(٤) به قال الجمهور، منهم أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: على مال الجاني، كذا في \"الهداية\" (٤/ ٤٧١). (ش).\n(٥) اختصر الحافظ الكلام على ترجمتيهما في \"الإصابة\" (١٠١٥، ١٤١٧)، ولم يبسطهما. (ش).","vol":"12","page":678},{"text":"٤٥٧٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا مُجَالِدٌ (١)، حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ قَتَلَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى، وَلكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ، قَالَ: فَجَعَلَ النَّبِيّ - ﷺ - ديَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ، وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا، قَالَ: فَقَالَ: عَاقِلَةُ الْمَقْتُولَةِ: مِيرَاثُهَا لَنَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا، مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا\". [جه ٢٦٤٨]\n٤٥٧٦ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ وَابْنُ السَّرْحِ قَالَا: نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -،\n===\n٤٥٧٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يونس بن محمد، نا عبد الواحد بن زياد، نا مُجالد، حدثني الشعبي، عن جابر بن عبد الله، أن امرأتين من هذيل قتلتْ إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولدٌ، قال: فجعل النبي - ﷺ - دية المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرَّأ) أي من تحمّلِ الدية ولزومِها (زوجَها وولدَها، قال) جابر: (فقال عاقلة المقتولة: ميراثُها لنا، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: لا) أي ليس لكم الميراث، بل (ميراثها لزوجها وولدها).\n٤٥٧٦ - (حدثنا وَهب بن بيان وابن السَّرح قالا: نا ابن وَهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة) ﵁ (قال: اقتتلت امرأتان من هُذَيل فرمتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها، فاختصموا) أي أولياء المرأَتَيْن (إلى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"المجالد\".","vol":"12","page":679},{"text":"فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةَ عَبْدٍ أَوْ وَليدَةٍ (١)، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ.\nفَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ (٢) ذَلِكَ يُطَلُّ (٣)؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّمَا هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ\"، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ. [خ ٦٩١٠، م ١٦٨١، ن ٤٨١٨، حم ٢/ ٤٩٨]\n٤٥٧٧ - حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ في هَذ الْقِصَّةِ،\n===\nفقضى رسول الله - ﷺ - ديةَ جنينها غُرَّةَ عبدٍ أو وَليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتِها، ووَرَّثها ولدَها ومن معهم) من الوَرَثة، الضمير للولد؛ لأنه جنس يطلق على الواحد والجمع.\n(فقال حَمَلُ بنُ مالك بن النابغة الهذلي: يا رسول الله! كيف أغرَمُ ديةَ من لا شرِب ولا أكل، ولا نطق ولا اسْتَهَلَّ، فمثلُ ذلك يُطَلُّ؟ !) أي يهدر دمُه (فقال رسول الله - ﷺ -: إنما هذا من إخوان الكُهّان، من أجل سجْعه الذي سَجَع).\nهذا قول أبي هريرة أو غيره من الرواة، وإنما لم يعبه بمجرد السَّجْع، بل بما تضمنه من إبطال الحق وإنكار حكم الشرع بسَجْعه.\n٤٥٧٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة) ﵁ (في هذه القصة) المتقدمة\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أو أَمَة\".\n(٢) في نسخة: \"ومثل\".\n(٣) في نسخة: \"بطل\".","vol":"12","page":680},{"text":"قَالَ: ثُمّ إنَّ الْمَرْأَةَ الَّتي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيتْ، فَقَضَى رَسُولُ الله - ﷺ - بأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا. [خ ٦٩٠٤، م ١٦٨١، ت ١٤١٠، ن ٤٨١٩، حم ٢/ ٢٧٤]\n٤٥٧٨ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، نَا يُوسُفُ بْنُ صُهَيْب،\n===\n(قال: ثم إن المرأة التي قضى عليها) (١) رسولُ الله - ﷺ - (بالغُرَّة توُفِّيَتْ، فقضى رسول الله - ﷺ - بأن ميراثها لِبَنيها، وأن العقلَ على عَصَبتها).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": استبعدوا (٢) أن تموت القاتلة، أو يكون لموتها ذكر في الرواية فاستشكل عليهم وجه الحديث، والأمر سهل؛ فإن عاقِلَةَ القاتلة لمَّا كانوا غرِموا ديتَها ادَّعَوا بعد موتها متى ما ماتتْ: أن يكون إرْثُها لهم؛ لأن العقلَ على عَصَبتها على قاعدة: \"إن الغرم بالغُنم\"، وهذا بيان لما كان قد وقع قبل ذلك، لا أنه وجب العقلُ على العاقلة الآن، إذ الواو لمطلق الجمع، أو يكون النبي - ﷺ - كرَّر هذا القول الآن أيضًا تأكيدًا وتنبيهًا على أن العاقلة لا ترِث وإن كانت تعقلها، انتهى.\n٤٥٧٨ - (حدثنا عباس بن عبد العظيم، نا عبيد الله بن موسى، نا يوسف بن صُهيب) الكندي الكوفي، قال ابن معين وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وروى ابن شاهين في \"الثقات\" عن عثمان بن أبي شيبة قال: يوسف بن صهيب ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا يوسف بن صهيب، وهو ثقة.\n_________\n(١) هكذا رواه غير واحد، ولفظ البيهقي (٨/ ١١٣): \"ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغُرَّة تُوُفِّيَتْ ... \" الحديث. قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٣٨٣، ٣٨٤): هكذا رواه ابن حبان في \"صحيحه\"، ثم قال: وهذا يُوهم أن المرأة القاتلة هي التي ماتتْ. ثم ذكر الروايات الدالة على أن المقتولة هي التي ماتتْ. (ش).\n(٢) كما بسط هذا الاستبعادَ محشي \"الترمذي\" حكاية عن الطيبي. [انظر: \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٤٧٥)، رقم الحديث (٣٤٨٧)]. (ش).","vol":"12","page":681},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدةَ، عن أَبِيهِ: \"أَنَّ امْرَأَةً حَذَفَتِ (١) امْرَأَةً فَأَسْقَطَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَعَلَ في وَلَدِهَا خَمْسُ مِئَةِ شَاةٍ، وَنَهَى يَوْمَئِذٍ عن الْحَذْفِ\" (٢). [ن ٤٨١٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا الْحَدِيثُ: خَمْسَ مِئَةِ شَاةٍ، وَالصَّوَابُ: مِئَةُ شَاةٍ (٣).\n٤٥٧٩ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، نَا عِيسَى، عن مُحَمَّدٍ - يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو-. عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:\n===\n(عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب: (إن امرأةً حَذَفتْ) أي رَمَتْ بالمهملة والذال المعجمة (امرأةً فأسقَطَتْ) جنينَها (فرُفع ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فجعل في ولدها خمس مئة شاة، ونهى يومئذ عن الحَذْف) أي الرمي بالعصا والحجر ونحوها.\n(قال أبو داود: كذا الحديث) أي كذا وقع في الحديث في رواية شيخي عباس بن عبد العظيم (خمس مئة شاة (٤)، والصواب مئة شاة).\nقلت: لعله في الحديث خمس (٥) مائة درهم، فوقع في موضع \"درهم\" شاة غلطًا.\n٤٥٧٩ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، نا عيسى، عن محمد -يعني ابن عمرو-، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"خذفت\".\n(٢) في نسخة: \"الخذف\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هكذا قال عباس، وهو وَهَم\".\n(٤) والحديث هكذا رواه البيهقي (٨/ ١١٥) برواية ابن داسة عن أبي داود. (ش).\n(٥) ما أفاده الشيخ من الاحتمال بقوله: لعله خمس مائة درهم هو الظاهر، والحديث في \"نصب الراية\" (٤/ ٣٨١)، و\"الدراية\" (٢/ ٢٨١) بلفظ: \"خمس مائة\" فقط، بدون ذكر \"شاة\" أو \"درهم\". (ش).","vol":"12","page":682},{"text":"\"قَضَى رَسُولُ الله - ﷺ - في الْجَنينِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ\". [ت ١٤١٠، جه ٢٦٣٩، حم ٢/ ٤٣٨ و٤٩٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عن (١) مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، لَمْ يَذْكُرَا: فَرَسًا أَوْ بَغْلًا (٢).\n٤٥٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوْقِيُّ قَالَ: نَا شَرِيكٌ، عن مُغِيرَةَ، عن إبْرَاهِيمَ وَجَابرٍ، عن الشَّعْبِي قَالَ: الْغُرَّةُ: خَمْسُ مِئَةٍ، يَعْنِي دِرهمًا (٣).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ رَبِيعَةُ (٤): الْغُرَّةُ: خَمْسُونَ دِينَارًا.\n===\nقضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغُرَّة: عبدٍ أو أَمَة، أو فرسٍ أو بغلٍ).\n(قال أبو داود: روى هذا الحديثَ عن محمد بن عَمْرو حمادُ بنُ سلمة وخالدُ بنُ عبد الله، لم يذكرا فرسًا ولا بغلًا).\nقال المنذري (٥): قال الخطابي: يقال: إن عيسى بن يونس قد وَهِم فيه، وقد يغلط أحيانًا فيما يروي. قال البيهقي: ذِكْر البغل والفرس فيه غير محفوظ، وروي من وجه ضعيف ومرسل، وهو من تفسير طاوس.\n٤٥٨٠ - (حدثنا محمد بن سنان العوفي قال: نا شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم وجابر، عن الشعبي قال: الغُرَّة خمس مئة، يعني درهم).\n(قال أبو داود: قال ربيعة: الغُرة خمسون دينارا)، وهذه خمسون دينارًا يساوي خمسمائة درهم، وهو نصف عُشْر الدية.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"حمادُ بنُ سلمة وخالدُ بنُ عبد الله، عن محمد بن عَمْرو\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فرس أو بغل\".\n(٣) في نسخة: \"درهمًا\".\n(٤) هذا الأثر أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٥٦).\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٧٣).","vol":"12","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1718>(٢٠) بَابٌ في دِيَةِ الْمُكَاتَبِ</span>\n٤٥٨١ - (١) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ (٢)، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"قَضى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في دِيَةِ الْمُكَاتَبِ يُقْتَلُ: يُودَى مَا أَدَّى مِنْ مُكَاتَبَتِه (٣) دِيَةَ الْحُرِّ، وَمَا بَقِيَ دِيَةَ الْمَمْلُوكِ\". [ن ٤٨١٠، حم ١/ ٢٢٢ و٢٢٦]\n٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،\nعن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قَالَ: \"إذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا أَوْ وَرِثَ مِيرَاثًا يَرِثُ عَلَى قَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ\". [ن ١٢٥٩، ن ٤٨١١، حم ١/ ٣٦٩]\n===\n\n(٢٠) (بَابٌ في دِيَةِ الْمُكاتَبِ)\n٤٥٨١ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يعلي بن عُبيد، نا حجاج الصوَّافُ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قضى رسول الله - ﷺ - في دية المكاتَب يُقتل) صفة للمكاتب: (يُودَى) ببناء المجهول، أي يُعطَى الدية بقدر (ما أدَّى من مكاتبته ديةَ الحر، وما بقي) عليه من مال المكاتبة، فأعطى من مال المكاتبة شيئًا، وبقي منه شيء، فيعطى بقدره (ديةَ المملوك).\n٤٥٨٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا أصابَ المكاتبُ حدًا أو ورِثَ ميراثًا يَرِث على قدر ما عَتَقَ منه)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حدثنا مسدد، نا يحيى بن سعيد وإسماعيل، عن هشام، وحدثنا عثمان\".\n(٢) زاد في نسخة: \"جميعًا\".\n(٣) في نسخة بدله: \"كتابته\".","vol":"12","page":684},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ وُهَيْبٌ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، عن عَلِيٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَرْسَلَهُ حَمَّادُ بْنُ زيدٍ وَإسْمَاعِيلُ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، وَجَعَلَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ قَوْلَ عِكْرِمَةَ.\n===\n(قال أبو داود: ورواه وُهيب (١) عن أيوب، عن عكرمة، عن علي، عن النبي - ﷺ -، وأرسله حماد بن زيد (٢) وإسماعيل (٣)، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ -) فجعلاه مرسلًا (وجعله إسماعيل بن علية) أي عن أيوب (قولَ عكرمة) أي موقوفًا عليه.\nقال الخطابي (٤): أجمع عامةُ الفقهاء أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته إلَّا إبراهيم النخعي.\nوقد روي أيضًا في مثل ذلك شيء أيضًا عن علي بن أبي طالب ﵁، وإذا صحَّ الحديث وجب القول به إذا لم يكنْ منسوخًا أو مُعارِضًا بما هو أولى منه، انتهى.\nقلت: وقد عرفتَ أنت من كلام الخطابي أيضًا أن حديث: \"المكاتبُ عبدٌ ما بقي عليه درهم\"، أَولى منه؛ لأنه تَلَقَّتْه الأُمَّةُ بالقبول، وعمِل به عامةُ الفقهاء، وهو مُعارضٌ بهذا الحديث فلا يجب القول به.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵀ -: ديةُ المكاتَب عندنا ديةُ العبد؛ لقوله ﵇: \"المكاتَب عبدٌ ما بقي عليه درهم\".\n_________\n(١) أخرج روايته أحمد (١/ ٩٤، ١٠٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥٠٢٢)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٦).\n(٢) انظر: \"سنن النسائي الكبرى\" (٥٠٢٤).\n(٣) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٩/ ٣٦٩)، و\"سنن النسائي الكبرى\" (٥٠٢٣).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٧).","vol":"12","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1719>(٢١) بَابٌ في دِيَةِ الذِّمِّيِّ</span>\n٤٥٨٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جدهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"دِيَةُ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ\". [جه ٢٦٤٤، ت ١٤١٣، ن ٤٨٠٦، حم ٢/ ٢١٥]\n===\nويمكن توجيه رواية الباب بحِمْل لفظ \"ما\" المذكور فيها على أنه بمعنى \"ما دام\"، أو على المصدرية على أن يكون المصدر ظرفًا كقولهم: \"آتِيْك خَفوقَ (١) النجْم\"، والمعنى: يُودَى المكاتب حين أدَّى بدلَ كتابته دية حر، وحين بقي عليه درهم يُوْدَى دية العبد.\nوكذلك في الرواية الثانية، يُحمل لفظ \"قدر\" على الزيادة، أو يكون المعنى على تقدير عدم الزيادة أنه يُودَى على مقدار ما عَتَق. ولمَّا يكن العتقُ متجزئًا لزِم رِقُّه، فيؤدِّي، ويرِثُ إرْثَ الحر فقط، إن أدَّى بدلَ الكِتابة، أو العبد فقط، إن بقي عليه شيء.\nأو يقال: العبد لا قدر له، وإنما الإرْث معلَّق على قدره فلا يرث ما لم يَعتِقْ، ولا يعتِقُ ما بقي عليه درهمٌ.\nوكذلك الحدُّ، فإن حدَّ الحر إنما يُحدُّ به العبدُ لو كان له من القدر ما للحرِّ، وإذ لا فلا، فلا يلزم الجمعُ بين حدَّي حر وعبد. انتهى.\n\n(٢١) (بَابٌ في دِيَةِ الذِّمِّيَّ)\n٤٥٨٣ - (حدثنا يزيد بن خالد بن مَوْهَب الرملي، نا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: دية المُعاهِدِ) أي الذِّمِّي (نصفُ دية الحر).\n_________\n(١) يقال: خَفَقَ النجمُ، والشمسُ، والقمَرُ: انحط في المَغْرب.","vol":"12","page":686},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ (١) وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْحَارِثِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِثْلَهُ.\n===\n(قال أبو داود: رواه أُسامة بن زيد (٢) وعبد الرحمن بن الحارث (٣)، عن عمرو بن شعيب مثله).\nقال الخطابي (٤): ليس في دية أهل الكتاب شيء أَبْيَن من هذا، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، وهو قول مالك وابن شبرمة وأحمد بن حنبل [غير أن أحمد] قال: إذا كان القتل خطأ، فإن كان عمْدًا لم يُقَدْ به، ويُضاعَف عليه باثني عشر ألفًا.\nوقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري: ديته دية المسلم، وهو قول الشعبي والنخعي ومجاهد، ورُوي ذلك عن عمر وابن مسعود ﵄.\nوقال الشافعي وإسحاق بن راهويه: ديته الثلث من دية المسلم، وهو قول ابن المسيب والحسن وعكرمة.\nوروي ذلك أيضًا عن عمر ﵁ خلاف الرواية الأُولى، وكذلك عن عثمان بن عفان ﵁. انتهى.\nقلت: والدليل للحنفية ما قال في \"الهداية\" (٥): ولنا: قوله ﵊: \"وديةُ كلِّ ذِي عهدٍ في عهده ألف دينار\".\nقال الزيلعي (٦): أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار\". انتهى،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الليثي\".\n(٢) أخرج روايته الترمذي (١٤١٣)، والنسائي (٨/ ٤٥)، والبيهقي (٨/ ١٠١).\n(٣) أخرج روايته ابن ماجه (٢٦٤٤).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٧، ٣٨).\n(٥) \"الهداية\" (٤/ ٤٦١).\n(٦) \"نصب الراية\" (٤/ ٣٦٦).","vol":"12","page":687},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1720>(٢٢) بَابٌ في الرَّجُلِ يُقَاتِلُ الرَّجُلَ فيَدْفَعُهُ عن نَفْسِهِ</span>\n٤٥٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عن صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عن أَبِيهِ قَالَ: قَاتَلَ أجِيرٌ لِي رَجُلًا\n===\nووافقه (١) الشافعي في \"مسنده\" على سعيد، فقال: أخبرنا محمد بن الحسن، ثنا محمد بن يزيد، ثنا سفيان بن حسين الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: دية كل معاهد في عهده ألف دينار.\nوأخرج الترمذي بسنده، عن ابن عباس، \"أن النبي - ﷺ - وَدَى العامِرِيَّيْن بدية المسلمين، وكان لهما عهدٌ من رسول الله - ﷺ -\"، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وأبو سَعْدٍ البَقَّالُ اسمه: سعيد بن المَرْزُبَانِ، انتهى، وسعيد بن مَرزُبان فيه لين، قال الترمذي في \"عِلَله الكبير\": قال البخاري: هو مُقاربُ الحديث، وقال ابن عدي: هو من جُملة الضُّعفاء الذين يُكتَب حديثُهم.\nوأخرج الدارقطني في \"سننه\" في \"الحدود\" عن أبي كرز قال: سمعت نافعًا، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: \"أنه وَدَى ذميًا دية مسلم\"، قال الدارقطني: أبو كرز متروك الحديث، ولم يروه عن نافع غيره، واسمه عبد الله بن عبد الملك الفهري، وأعاده قريبًا منه بالإسناد المذكور: أن النبي - ﷺ - قال: \"دية ذميِّ دية مسلم\"، انتهى. ثم أخرج الزيلعي روايات أخر، من شاء فلينظر إليه.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"نصف دية الحر\"، نَسَخَة قوله: \"دِماؤهم كدمائنا\".\n\n(٢٢) (بابٌ في الرَّجُلِ يُقَاتِلُ الرَّجُلَ) فيه (فيَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ) فلا جناية منه\n٤٥٨٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن جُريج قال: أخبرني عطاء، عن صفوانَ بن يعلى، عن أبيه قال: قاتل أجيرٌ لي) للخدمة (رجلًا) اختلفتِ\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: ووقفه. انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٣٦٦).","vol":"12","page":688},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nالرواياتُ في هذه القصة على وجهين، ففي رواية لمسلم: \"قاتل يعلي بن أمية رجلًا فعض أحدُهما صاحبَه\"، وكذا أخرجه النسائي عن شعبة بهذا السند، وفي رواية: \"أنَّ رجلًا من بني تميم قاتل رجلًا فعضَّ يده\"، وفي رواية: \"فاستأجرتُ أجيرًا فقاتلَ رجلًا فعضَّ أحدهما الآخر\"، فعرِف أن الرجلين المُبْهَمَيْن يعلى وأجيرُه، وأن يعلى أبهم نفسَه.\nقال الحافظ (١): ولم أقف على تسمية أجيره، وأما تمييز العاض من المَعْضُوض فوقع بيانه [في غزوة تبوك من المغازي من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج في حديث يعلى]، قال عطاء: أخبرني صفوان بن يعلى أيهما عضَّ الآخرَ فنسيتُه، فظن أنه مستمر على الإبهام، ولكن وقع عند مسلم والنسائي من طريق بديل بن ميسرة عن عطاء بلفظ: \"أن أجيرًا لِيَعلى عَضَّ رجلٌ ذِراعه\"، وفي رواية: \"فقاتل أجيري رجلًا فعَضَّه الآخرُ\".\nوفي رواية: \"خرجنا في غزوة تبوك ومعنا صاحبٌ لنا، فقاتَل رجلًا من المسلمين فعضَ الرجلُ ذراعَه\"، وفي رواية عند النسائي بلفظ: \"أن رجلًا من بني تميم عَضَّ\" فإن يعلى تميميٌ، وأما أجيره فلم يصرح بأنه تميمي. وفي رواية: \"فقاتلَ رجلًا فعضَّ الرجلُ ذراعَه فأوجعه\".\nفعرف بهذا أن العاض هو يعلي بن أمية، ولعل هذا هو السِّرُّ في إبهامه نفسَه، ولم يقع في شيء من الطرق أن الأجير هو العاضُّ.\nوقال النووي: وأما قوله في الرواية الأولى: أن يعلى هو المعضوض، وفي الرواية الثانية والثالثة: أن المعضوض هو أجيرُ يعلى لا يعلى، قال: ويحتمل أنهما قضيتان جَرَتا ليعلى وأجيره في وقتٍ أو وقتين.\nوتعقبه شيخنا في شرح \"الترمذي\": أنه ليس في رواية مسلم ولا في رواية غيره من الكتب الستة ولا غيرها: أن يعلى هو المعضوض لا صريحًا ولا إشارةً،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٠).","vol":"12","page":689},{"text":"فَعَضَّ يَدَهُ، فَانْتَزَعَهَا، فَنَدَرَتْ ثَنيَّتُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَهْدَرَهَا، وَقَالَ: \"أَتُرِيدُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ في فِيكَ تَقْضَمُهَا كَالْفَحْلِ؟ \"، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن جَدِّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَهْدَرَهَا، وَقَالَ: بَعِدَتْ (١) سِنُّهُ. [خ ٦٨٩٣، م ١٦٧٣، ن ٤٧٦٣]\n٤٥٨٥ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا هُشَيْمٌ، نَا حَجَّاجٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، عن عَطَاءٍ، عن يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، بِهَذَا، زَادَ: ثُمَّ قَالَ- يَعْني النَّبِيَّ - ﷺ - لِلْعَاضِّ: \"إنْ شِئْتَ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ يَدِكَ فَيَعَضَّهَا ثُمَّ تَنْزِعَهَا\n===\nقال شيخنا: فيتعين على هذا أن يعلى هو العاضُّ. ملخَّص من كلام الحافظ في \"الفتح\".\n(فعض) أي الأجيرُ (يده) أي يد الرجل (فانتزَعها) أي نزع الرجل اليد من فيه (فنَدَرَتْ) أي سقطتْ (ثَنِيَّته، فأتى) الأجيرُ (النبيَّ - ﷺ -) ليقضي بأرْش الثنايا (فأهْدرها) أي لم يوجب (٢) فيها شيئًا (وقال) رسول الله - ﷺ -: (أتريدُ أن يضعَ يدَه في فِيك) أي فمك (تَقْضَمُها) (٣) أي تَمْضَغُها (كالفحل؟).\n(قال) عطاء أو ابن جريج: (وأخبرني ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله بن زُهير، (عن جدِّه) هو زهير، أبو مليكة بن عبد الله بن جَدْعان، (أن أبا بكر أَهْدَرَها) أي الثنيةَ (وقال: بَعِدَت) أي انقضت (سِنُّه) وهذا دعاء عليه.\n٤٥٨٥ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا هُشيم، نا حجاج وعبد الملك، عن عطاء، عن يعلي بن أمية، بهذا، زاد) عطاء: (ثم قال -يعني النبي - ﷺ - للعاضِّ: إن شئتَ أن تُمَكِّنه) من التمكين وهو الإقرار (من يدك فيَعَضَّها ثم تنزِعَها\n_________\n(١) في نسخة: \"نَفِدت\".\n(٢) وبذلك قالت الثلاثة، وقال مالك: فيه الدية، كذا في \"المغني\" (١٢/ ٥٣٧)، وفَضَّل فيه الدردير (٤/ ٣٥٦): بأنه إن أراد قطْعَ أسنانِه ففيه الدية، وإن أراد تخليص يده فلا. (ش).\n(٣) القَضْم: الأكل بأطراف الأسنان.","vol":"12","page":690},{"text":"مِنْ (١) فِيهِ\"، وَأَبْطَلَ دِيَةَ أَسْنَانِهِ.\n\n(٢٣) بابٌ (٢) فِيمَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبُّ فَأَعْنَتَ\n٤٥٨٦ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ أَخْبَرَهُمْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ، فَهُوَ ضَامِنٌ\". [ن ٤٨٣٠، جه ٣٤٦٦]\nقَالَ نَصْرٌ: قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لَمْ يَرْوِهِ إلَّا الْوَلِيدُ، لَا نَدْرِى صَحِيحٌ (٣) هو أَمْ لَا؟\n===\nمن فيه) وهذا القول من رسول الله - ﷺ - ليس للتشريع، بل للزجر والتنبيه (وأبطل دية أسنانه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>(٢٣) (بَابٌ فِيمَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فأَعْنَتَ) </span>أي أهلك المريض\n٤٥٨٦ - (حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي ومحمد بن الصَّبَاح بن سفيان، أن الوليد بن مسلم أخبرهم، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن رسول الله - ﷺ - قال: من تَطَبَّب) أي عالج (ولا يُعلم منه طِبٌّ) أي ليس هو طبيبًا (فهو ضامنٌ).\n(قال نصر) شيخ المصنف في حديثه: (حدثني ابن جريج) بدل عن ابن جريج.\n(قال أبو داود: هذا لم يروه إلَّا الوليد، لا ندري صحيح هو أم لا؟).\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) في نسخة: \"باب فيمن تَطَبَّب بغير علمٍ\".\n(٣) في نسخة: \"أصحيح\".","vol":"12","page":691},{"text":"٤٥٨٧ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا حَفْصٌ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي بَعْضُ الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى أَبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَيُّمَا طَبِيبٍ تَطَبَّبَ عَلَى قَوْمٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ تَطَبُّبٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَعْنَتَ، فَهُوَ ضَامِنٌ\".\nقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: أَمَا إنَّهُ لَيْسَ بِالنَّعْتِ إنَّمَا هُوَ قَطْعُ الْعُرُوق وَالْبَطُّ وَالْكَيُّ. [انظر مَا قبله]\n===\nقال الخطابي (١): ولا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدَّى فتلف المريض كان ضامنًا (٢)، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدٍ، فإذا تولَّد من فعله التلفُ ضمن الديةَ وسقط عنه القودُ؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته.\n٤٥٨٧ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا حفص، نا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني بعض الوفد الذين قدِموا على أبى) من التابعين (قال) بعض الوفد: (قال رسولُ الله - ﷺ -: أيما طَبيبٍ تَطَبَّبَ) أي عَالَجَ (على قوم لا يُعرف له تَطَبُّبٌ قبل ذلك فَأَعْنَتَ) أي أفسد وأهلك (فهو ضامنٌ).\n(قال عبد العزيز) أي الراوي المذكور (أَمَا إنه ليس بالنَّعْتِ) أي حكم الضمان ليس بالوصف باللسان، وكذا حُكم الكتابة، فإنه إذا وَصَفَ الدواءَ لإنسانٍ فعَمِل بالمريض فهلَك لا يلزم الطبيب الدية (إنما هو) أي حكم الضمان (قَطْعُ العُرُوقِ والبَطُّ) أي الشق (والكَيُّ) بالنار.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٩).\n(٢) ويجب الضمان عند مالك كما قال الدردير، قال الموفق (٨/ ١١٧): لا ضمانَ على حَجَّامٍ، ولا خَتَّانٍ، ولا مُتَطَبِّبٍ بشرطين، أحدهما: أن يكونوا ذَوي حِذْقٍ وبَصَارةٍ في صِنَاعتِهم، فإن لم يكُنْ كذلكَ لم يَحِلَّ له مباشرةُ القطعِ، وإذا قَطَعَ مع هذا يَضمن.\nالثاني: لا تجني أيديهم فيَتَجاوزُوا ما ينبغي أن يُقطَعَ، وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافًا. (ش).","vol":"12","page":692},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1722>(٢٤) بَابُ الْقِصَاصِ مِنَ السِّنِّ</span>\n٤٥٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا الْمُعْتَمِرُ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ أُخْتُ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَتَوُا النَّبيَّ - ﷺ - فَقَضَى بِكَتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْقِصَاصَ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا\n===\nحاصله: أن الطبيب إذا عَالَجَ بشيءٍ من المعالجة بيده مثلًا قَطَع العِرْقَ، أو شقَّ الجِلْدَ، أو كَوَاه بمِكْواة، أو سقاه بيده فأَوْجَر في فِيه فتَلفَ، فهو جنايةٌ يلزمه الدية، وأما إذا وَصَفَ له الدواءَ وبيَّنه للمريض فأكل المريض بيده فلا ضمان فيه.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"وليس بالنَّعْتِ\" يعني بذلك أنه لم يُرد بالطبيب ما اشتهر فيه هذا اللفظ من المعالِج الخاص، بل هو عام لكل من يأتي منه مثل ذلك كأكل ونحوه، انتهى.\n\n(٢٤) (بَابُ الْقِصَاصِ مِنَ السِّنِّ)\n٤٥٨٨ - (حدثنا مسدد، نا المعتمِر، عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كَسَرَتِ (١) الرُّبَيِّع) عمَّة أنس بن مالك (أُخْتُ أنس بن النضر ثنيَّة امرأةٍ، فأتوا) أي أهل مكسورة السنِّ (النبي - ﷺ - فقضى بكتاب الله القصاصَ) لما في قوله تعالى: ﴿وَاَلسِّنِّ بِاَلسِّنِّ﴾ (٢).\n(فقال أنس بن النضر: والذي بعثك بالحق لا تُكْسَر ثنيتُها) أي ثنية\n_________\n(١) هكذا رواه البخاري وغيره، وقد روي في حديث أنس: \"أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا\" نحو هذا الحديث سواء إلى آخره، وفيه: \"فقالت أم الربيع: يا رسول الله! أيقتص في فلانة؟ قال ابن حزم في \"المحلى\" (١١/ ١٦، ١٧): هما قصتان مختلفتان، في إحداها جَرَحتْ أختُ الرُّبَيِّع فحلفت أمها أن لا يُقتص منها، فرضوا بالدية. وأخرى في ثنية كسرتها الربيِّع فحلف أنس أن لا يُقتص منها ... إلخ. (ش).\n(٢) سورة المائدة: الآية ٤٥.","vol":"12","page":693},{"text":"الْيَوْمَ، قَال: \"يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ\"، فَرَضُوا بأَرْشٍ أَخَذُوهُ، فَعَجَبَ نَبِيُّ اللَّهِ (١) - ﷺ - وَقَالَ: \"إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّه\". [خ ٢٧٠٣، ن ٤٧٥٧، جه ٢٦٤٩، حم ٣/ ١٢٨]\nقَال أَبُو دَاوُدَ: سمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ؟ قَال: تُبْرَدُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1723>(٢٥) بَابٌ في الدَّابَّةِ تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا</span>\n٤٥٨٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ،\n===\nالرُّبَيع بنت النضر (اليوم) أي في هذا الوقت، وكان ذلك إخبارًا عما يجد في نفسه ثقةً على ربِّه لا رادًّا بحكمه، كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\".\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (يا أنس! كتابُ الله) أي حكم كتاب الله (القصاصُ، فرَضُّوا) أي أولياء المرأة المجنيِّ عليها (بأرْشٍ) أي بديةٍ (أخذوه) فسقط القصاص، (فعجب نبي الله - ﷺ - وقال: إنَّ مِنْ عِبادِ الله) أي بعض عبادِ الله (مَن لَوْ أَقْسَمَ على اللهِ) إنه يفعل كذا (لأبرَّهُ) أي لجعله صادقًا بارًّا في قسمه.\n(قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقْتَصُّ من السنِّ؟ قال: تُبْرَدُ) أي في الكسر، وأما في القَلْع فلا يفتقر إلى البرْد، بل يقلع لحصول المساواة به، ولا يمكن في الكَسْر إلا بالبرد، كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\".\n\n(٢٥) (بابٌ في الدَّابَّةِ تَنْفَخُ)، أي: تضرب (بِرِجْلِهَا)\n٤٥٨٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن يزيد،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"12","page":694},{"text":"نَا سفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"الرِّجْلُ جُبَارٌ\" (١). [قط ٣/ ١٥٢، رقم ٢٠٨، ق ٨/ ٣٤٣]\n===\nنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: الرِّجْل) أي ما أصابته الدابة بِرِجْلها (جُبار) (٢) أي هَدْر.\nقال الخطابي (٣): وقد تكلم الناس في هذا الحديث، فقيل: إنه غير محفوظ، وسفيان بن حسين معروف بسوء الحفظ.\nقالوا: وإنما هو \"العجماء [جرحها] جُبار\" لو صح الحديثُ لكان القول به واجبًا. وقد قال به أصحاب الرأي، وذهبوا أن الراكب إذا نفحَت دابتُه إنسانًا برِجلها فهو هدْر، فإن نفحَته بيدها فهو ضامن، قالوا: وذلك أن الراكبَ يملِك تصريفها من قُدَّامها، ولا يملك ذلك فيما وراءها.\nوقال الشافعي (٤): اليد والرِّجْل سواء، لا فرق بينهما، وهو ضامن، والملكة منه قائمة في الوجهين إن كان فارسًا. انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"الرِّجْل جُبار\" أي إذا لم يكن الفارِسُ عليه، أو أصاب أحدًا من الحصى المنفوحَة برِجْلها عادةً، أو نخسها أحد فضربت برجلها، ففي كل تلك الصور لا شيء على مالكها. انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: الدابة تضرِب برِجْلها وهو راكب\".\n(٢) وفي هامش \"رد المحتار\": قال أبو يوسف في \"كتاب الخراج\": حدثني عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد المقبري: كان أهلُ الجاهلية إذا عطِب الرجل في قَليب جعلوا القليب عقله، وإذا قتلته دابةٌ جعلوها عَقْله، وإذا قتله معدنٌ جعلوه عَقْله، فسُئل رسول الله - ﷺ - فقال: \"العجماء جبار ... \" الحديث. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٩).\n(٤) وقال ابن رشد: من أنواع الخطأ المختلف فيه اختلافهم في تضمين الراكب والسائق والقائد، فقول الجمهور: هم ضامنون، وقال أهل الظاهر: لا ضمان على أحد. انتهى. (ش).","vol":"12","page":695},{"text":"(١)\n٤٥٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب وَأَبِي سَلَمَةَ سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: \"الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ\". [تقدَم برقم ٣٠٨٥]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْعَجْمَاءُ الْمُنْفَلِتَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ مَعَهَا أَحَدٌ، وتكُونُ بِالنَّهَارِ لَا تكون بِاللَّيْلِ.\n===\n٤٥٩٠ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) أنهما (سمِعَا أبا هريرة يحدث، عن رسول الله - ﷺ - قال: العَجْماء) أي البهيمة (جُرْحُها جُبارٌ) أي هَدْرٌ (والمَعْدِنُ جُبارٌ) أي إذا حَفَر حَفيرة لاسْتخراج المَعْدِنِ فوقع فيه إنسان فهو هَدْرٌ (والبِئْر جُبارٌ) أي إذا حَفَر البئرَ في مِلْكه فسقط فيه أحد فهو هَدْرٌ (وفي الرِّكازِ الخُمسُ).\nقال في \"القاموس\": الركاز: وهو ما رَكَزَه الله تعالى في المَعَادِنِ، أي أحدثه فيها، ودَفين أهل الجاهلية، وقطع الفضة والذهب من المعدن.\n(قال أبو داود: والعَجْماء) أي المراد من العجماء الدابة (المُنْفَلِتَةُ التي لا يكون معها أحدٌ، وتكون بالنهار لا تكون بالليل).\nقال الخطابي (٢): وإنما يكون جُرْحُها هدرًا إذا كانت مُنْفَلِتَة عائرةً على وجهها، ليس لها قائدٌ ولا سائقٌ، وأما البئر فهو أن يحفر الرجلُ بئرًا في ملك نفسه فيتردى فيها إنسانٌ فإنه هَدْرٌ لا ضمان عليه.\nوقد يتأول أيضًا عن البئر تكون بالوادي يحفرها الإنسان فيُحْيِيها بالحفر والإنباط، فيتردَّى فيها إنسانٌ فيكون هَدْرًا. والمعدن ما يستخرجه الإنسان من\n_________\n(١) في نسخة: \"باب العَجْماء والمعدِن والبئر جُبار\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٤٠).","vol":"12","page":696},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1724>(٢٦) بَابٌ في النَّارِ تَعَدَّى</span>\n٤٥٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. (ح): وَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التّنِّيسِيُّ، نَا زيدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ الصَّنْعَانِيُّ، كِلَاهُمَا عن مَعْمَرٍ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"النَّارُ جُبَارٌ\". [جه ٢٦٧٦]\n===\nمعدن الذهب والفضة ونحوهما فيستأجر قومًا يعملون فيها فرُبَّما انهارتْ على بعضهم فهو هَدْرٌ.\n\n(٢٦) (بَابٌ في النَّارِ تَعَدَّى) بحذف إحدى التائين، أي تتعدَّى\n٤٥٩١ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقَلاني، نا عبد الرزاق، ح: ونا جعفر بن مسافر التَّنِّيْسي، نا زيد بن المبارك، نا عبد الملك الصنعاني، كلاهما) أي عبد الرزاق وعبد الملك (عن مَعْمر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - النَّارُ جُبار).\nقال الخطابي (١): لم أَزَل أسمَع أصحابَ الحديث يقولون: غَلط فيه عبد الرزاق، إنما هو \"البئر جُبار\" حتى وجدتُه لأبي داود، عن عبد الملك الصنعاني، عن معمر، فدل أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق، ومن قال: هو تصحيف \"البئر\"، احتج في ذلك بأن أهل اليمن يميلون \"النار\"، يُكسرون النون منها، فسَمِعه بعضُهم على الإمالة، فكتبه بالياء، ثم نَقَلَه الرواةُ مُصَحَفًا.\nقال الشيخ: وإن صحَّ الحديث على ما روي فيتأول بالنار التي (٢) يُوقِدُها الرجل في مِلْكه لأرَبٍ له فيها فَتُطيرُها الريح، فتشعلها في مال (٣)\n_________\n(١) \"معالم \"السنن\" (٤/ ٤٠، ٤١).\n(٢) فيه الضمان عند مالك إذا أجَّجَه في يوم عاصف، ولا يضمن إذا لم تكن ريح. \"الشرح الكبير\" للدردير (٤/ ٣٥٥). (ش).\n(٣) وفي \"المعالم\" (٤/ ٤٠): بناء.","vol":"12","page":697},{"text":"(١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>(٢٧) بَابُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ</span>\n٤٥٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبي، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ: \"أَنَّ غُلَامًا لأناسِ فُقَرَاءَ\n===\nأو متاع لغيره من حيث لا يملك ردها فيكون هذا غير مضمون عليه. انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"النَّار جُبار\"، هذا إذا أوقدها وكان بحيث لا يخاف الحرقة بها، أما إذا أشعلها والريح هائجةٌ وجب الضمان.\n\n(٢٧) (بَابُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ)\n٤٥٩٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن عمران بن حُصين: أن غلامًا (٢) لأُناس فقراء).\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n\"باب في دية الخطأ شبه العمد\":\n٤٥٩٢ - حَدّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب وَمُسَدَّدٌ، المَعْنَى، قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن خَالِدٍ، عن الْقَاسِم بْنِ رَبِيعَةَ، عن عُقْبَةَ بْنَ أَوْسٍ، عن عَبْدِ اللَهِ بْنِ عَمْرو، أَنَّ رَسُولَ اللَهِ - ﷺ - قَالَ مُسَدَّدٌ: خَطَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ- ثُمّ اتَفَقَا: قال: \"أَلَا إن كُل مَأْثرَةٍ كَانَتْ في الْجَاهِليةِ مِنْ دَمٍ أوْ مَالِ تُذْكَرُ وَتُدْعَى تَحْتَ قَدَمَيَ؛ إلا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ\". ثُم قَال: \"أَلَا إنَّ دِيَةَ الْخَطَإ شِبْهُ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ: مِنْهَا أَرْبَعُونَ في بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا\".\n٤٥٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، عن خَالِدٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَ مَعْنَاهُ. إلى ما في هذه النسخة في أصول صحيحة. والحديث بسنده المذكور تقدَّم في \"باب الدية كم هي؟ \" في جميع الأصول أتم من هذا، إلَّا أنه بدون ترجمة في بعضها.\n(٢) وقال ابن رشد (٢/ ٤٠٦): هذا الحديث حجة لأبي حنيفة في أن أطراف العبيد لا قصاص بينها، وفي المسألة ثلاثة مذاهب كما في \"الأوجز\" (١٥/ ١٠، ١١)، واستدل بالحديث صاحب \"البحر\" على أنه لا قصاص فيما دون النفس. (ش).","vol":"12","page":698},{"text":"قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأُناسٍ أَغْنِيَاء، فَأَتَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا نَاسٌ (١) فُقَرَاءُ، فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ (٢) شَيْئًا\". [ن ٤٧٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>(٢٨) بَابٌ فِيمَنْ قُتِلَ في عِمِّيَّا بَيْنَ قَوْمٍ</span>\n٤٥٩٥ - حُدِّثْتُ (٣) عن سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ\n===\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: \"الغلام\" ها هنا هو الصغير من الأحرار لا العبد، إذ لو كان عبدًا لأدَّاه إليهم عوضًا من جنايته ولما صحَّ قولهم: \"إنا ناس فقراء\"؛ لأن الدعوى كانت على العبد، وهو موجود لهم، ولا يطلب منهم شيء آخر، حتى يعتذروا بأنه لا شيء لهم، فإن فهم المؤلف منه أنه العبد، فظاهر أنه ليس بسديد، وإن أثبت المدعي قياسًا حيث لم يجب شيء بقطع الغلام فلا يجب شيء بقطع العبد أيضًا.\nوالجامع أنهما ليسا في أيديهما، وأنهما محجوران عن التصرفات فليس لهما الافتداء ولا الصلح على شيء غير صحيح أيضًا، وذلك لأنه مكلَّف، فلا يصح أن يقاس على الصبي وهو غير مكلف شرعًا. انتهى.\n(قَطع أذنَ غلامٍ لأناس أغنياء، فأتى أهلُه النبيَّ - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله! إنا ناسٌ فقراء، فلم يجعل عليه شيئًا).\n\n(٢٨) (بَابٌ فِيمَنْ قُتل في عِمِّيًّا بَيْنَ قَوْمٍ)\nوقد سبق شرح هذا الكلام وشرح هذا الحديث\nقال أبو داود:\n٤٥٩٥ - (حُدِّثْتُ) بِبِناء المجهول (عن سعيد بن سليمان، عن سليمان بن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أناس\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عليهم\".\n(٣) في نسخة: \"حدثنا سعيد\".","vol":"12","page":699},{"text":"كَثِيرٍ قَالَ: نَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ في عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيَّا تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِحَجَرٍ أَوْ بِسَوْطٍ فَعَقْلُهُ عَقْلُ خَطَإ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَقَوَدُ يَدَيْهِ، فَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ\". [تقدَم برقم ٤٥٤٠]\n\nآخِرُ كتَابِ الدِّيَّاتِ\n===\nكثير قال: نا عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قُتِلَ في عِمِّيًّا أو رمِّيًا تكون بينهم بحَجَر أو بسَوطٍ فعَقْلُه عَقْلُ خطإٍ، ومن قتل عمْدًا فقَوَدُ بديه، فمن حَالَ بينه وبينه فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين).\nقال المنذري (١): وأخرجه أبو داود فيما تقدَّم مسندًا، وقال ها هنا:\n\"حُدِّثْتُ عن سعيد بن سليمان\" ولم يُسمِّ مَنْ حَدَّثَه، فهي رواية مجهول. انتهى.\n\nآخِرُ كتَابِ الدِّيات\n_________\n(١) \" مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٨٣).","vol":"12","page":700},{"text":"تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الثاني عشر ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الثالث عشر، وأوله: \"أول كتاب السُّنَّة\"\nوصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا\nمحمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.","vol":"12","page":701},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد\n\nتأليف\nالإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري\n(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)\n\nمَعَ تعليقات\nالإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي\n(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)\n\nاعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ\nالْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي\n\nالْجُزْء الثَّالِث عشر\n\nطبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان\nنَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة","vol":"13","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"13","page":2},{"text":"بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (١٣)","vol":"13","page":3},{"text":"الطَّبعَة الأولى\nمُحقّقَة وَمُنَقّحَة\n١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nحُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق\n\nمَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي\nللبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد\n\nSHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER\nFor Research &amp; Islamic Studies\nMOZAFFARPUR، AZAMGARH، U.P - INDIA\n\nالْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١\nالْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae","vol":"13","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>(٣٤) أَوَّلُ كتَابِ السُّنَّةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>(١) بَابُ شَرْحِ السُّنَّةِ</span>\n٤٥٩٦ - حَدَّثَنَاوَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسبْعِينَ فِرْقَة، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفتَرِقُ أُمَّتِي\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٣٤) (أَوَّلُ كتَابِ السُّنَّةِ)\n(١) (بَابُ شَرْحِ السُّنَّةِ)\nأي: كَشف معانيها وبيان فضائلها وتميزها من البدْعة\n٤٥٩٦ - (حدثنا وَهْب بن بَقِيَّة، عن خالد، عن محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: افْترقتِ اليهودُ على إحدى أو اثنتين وسبعين فِرْقةً، وتفرَّقتِ النصارى على إحدى أو ثِنْتَين وسبعين فِرْقةً، وتَفترِقُ أمتي) أي أمَّة الإجابة (١)\n_________\n(١) قال القاري (١/ ٤١٨): يحتمل أمة الدعوة، فيَنْدرج سائرُ المِلَل الذين ليسوا على قِبْلتِنا في عدد الثلاث والسبعين، ويحتمل أمة الإجابة، فيكون المِللُ الثلاثُ والسبعون =","vol":"13","page":5},{"text":"عَلَى ثَلَاثٍ وَسبْعِينَ فِرْقَةً\". [ت ٢٦٤٠، جه ٣٩٩١، حم ٢/ ٣٣٢]\n٤٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (١) قَالَا:\n===\n(على ثلاثٍ وسبعين فرقةً). والمراد من هذا التفرُّق: التفرُّق المذمومُ الواقعُ في أصول الدين.\nوأما اختلاف الأمة في فروعه فليس بمذموم، بل هو من رحمة الله سبحانه، فإنك ترى أن الفِرَقَ المختلفة في فروع الدين كلهم متَّحِدون في الأصول، ولا يُضَللُ بعضُهم بعضًا. وأما المتفرِّقُون في الأصول فيُكَفِّرُ بعضهم بعضًا ويُضلِّلُون.\nوأما العدد فيُحمل على التكثير، ولو نظر إلى جميعها من الأصول والفروع فإنها تزيد على المئات، وأما لو نظر إلى أصول الفِرَق فيمكن أن يكون للتحديد، فإن الفِرَق المختلفة وإن تَشَعَّبَتْ شُعَبُهم ما يزيد على هذا القدر بكثير، ولكن أصولهم يَبْلغون هذا العدد.\nوالأَوْلَى أن يقال: إن هذا العدد لا بد أن يُوفي ويبلغ بهذا المقدار ولا يَنقص منه، ولكن لو زاد على هذا العدد فلا مضايقة فيه.\n٤٥٩٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى قالا:\n_________\n= مُنحصِرة في أهل قِبْلَتِنا، والثاني هو الأظهر. ونقل الأبهري أنه المراد عند الأكثر، وبسط أسماءهم مختصرًا ابنُ الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص ٣٣ - ٣٦)، والقاري ملخصًا عن \"شرح المواهب\".\nقلت: الحديث أورده السيوطي في \"الجامع الصغير\" (١/ ١٨٤)، ورمز له بالصحة، وتكلَّم عليه مولانا محمد يوسف البنوري في مجلة \"البينات\" (محرم، سنة ١٣٨٣ هـ)، وذكره بروايات مختلفة في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٨٦) تحت قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وذكر في بعض الرسائل الهندية في المناظرة: أن ابن حزم ضعَّفه، فلينظر كتاب \"الملل والنحل\" (٣/ ٢٩٢) وكتابه الآخر \"النصائح المنجية\". (ش). [وانظر كتاب \"ترجمان السنة\" للشيخ بدر عالم الميرتهى (١/ ٩ - ٩١) باللغة الأردية].\n(١) زاد في نسخة: \"ابن فارس\".","vol":"13","page":6},{"text":"نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، نَا صَفْوَانُ. (ح): وَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ نَحْوَهُ، حَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَازِيُّ، عن أَبِي عَامِر الْهَوْزَنيِّ، عن مُعَاوِيَةَ بْن أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ قَامَ (١) فَقَالَ: أَلَا! إنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ فِينَا فَقَالَ: \"أَلَا! إنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ (٢) سَتَفْتَرِق عَلَى ثَلَاثٍ (٣) وَسَبْعِينَ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ في النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ في الْجَنَّةِ، وَهِي الْجَمَاعَةُ\".\nزَادَ ابْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو في حَدِيثِهِمَا: وَإنَّهُ سَيَخْرُجُ في (٤) أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ لِصَاحِبِهِ،\n===\nنا أبو المغيرة، نا صفوان، ح: ونا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثني صفوانُ نحوه) أي نحو ما حدَّث أبو المغيرة قال: (حدثني أزهر بن عبد الله الحَرَازي، عن أبي عامر الهَوْزني، عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام) فينا (فقال: ألا! إن رسول الله - ﷺ - قام فينا) خطيبًا (فقال: ألا! إن مَن قَبْلَكم من أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى (افترقوا على ثنتين وسبعين مِلَّةً) أي فرقة في الدين، (وإن هذه الملة) أي الأمة (ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار) أي نار جهنم (وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) أي وهي أهل السنة والجماعة.\n(زاد) محمد (بن يحيى وعَمرو) بن عثمان (في حديثهما: وإنه سيخرج في أُمَّتِي أقوام تَجَارى) بحذف إحدى التائين، أي تَتَجَارى، أي تسرَّى (بهم تلك الأهواء) أي البدعات (كما يَتَجارى الكَلَب) بالتحريك، داءٌ يَعرِض للإنسان مِنْ عَضّ الكلْب المجنون، وتعرض له أَعْراضٌ رَدِيئَةٌ، ويمتنع من شُرْب الماء حتى يموت عَطَشًا (٥) (لصاحبه) أي من يصيبه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"فينا\".\n(٢) في نسخة: \"الأمة\".\n(٣) في نسخة: \"ثلاثة\".\n(٤) في نسخة: \"مِنْ\".\n(٥) كذا في \"النهاية\" (٤/ ١٩٥).","vol":"13","page":7},{"text":"وَقَال عَمْرٌو: الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ، وَلَا مَفْصِلٌ إلَّا دَخَلَهُ. [حم ٤/ ١٠٢، ك ١/ ١٢٨]\n\n(٢) بَابُ (١) النَّهْيِ عَنِ الْجِدَالِ وَاتِّبِاعِ الْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ\n٤٥٩٨ - حَدَّثَنَا (٢) الْقَعْنَبِيُّ، نَا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ (٣)، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ قالَتْ: \"قَرَأَ رَسُولُ الله - ﷺ - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾، قَالَتْ: قَالَ (٤) رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: فَإذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ\n===\n(وقال عمرو: الكلب بصاحبه) بالباء الموحدة (لا يبقَى منه عِرْقٌ، ولا مَفْصِل إلَّا دَخَلَه) وهذه الحالة في أهل البدع في هذا الزمان ظاهرة مثل ظهور الشمس، عافانا الله من ذلك وجميعَ المسلمين.\n\n(٢) (بابُ النَّهْىِ عَنِ الْجِدَالِ وَاتِّبَاعِ المُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ)\n٤٥٩٨ - (حدثنا القَعْنبي، نا يزيد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قَرَأَ رسولُ الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ وتمامها: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥).\n(قالت: قال رسول الله - ﷺ -: فإذا رأيتم الذين يَتَّبِعُون ما تَشَابَهَ منه\n_________\n(١) في نسخة: \"باب مجادلة أهل الأهواء\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".\n(٣) زاد في نسخة: \"التستري\".\n(٤) في نسخة: \"فقال\".\n(٥) سورة آل عمران: الآية ٧.","vol":"13","page":8},{"text":"فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ\". [خ ٤٥٤٧، م ٢٦٦٥، ت ٢٩٩٤، حم ٦/ ٤٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>(٣) بَابُ مُجَانبُةِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَبُغْضِهِمْ</span>\n٤٥٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا يَزِيدُ بْنُ\n===\nفأولئك الذين سمَّى اللهُ) أي سَمَاهم الله بتسمية مَذْمومةٍ قَبِيحةٍ بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ (فَاحْذَرُوهم) أي لا تُجَالِسُوهم ولا تُفاتِحوهم بالكلام.\nقال ابن جرير في \"تفسيره\" (١): فمعنى الكلام إذًا: فأما الذين في قلوبهم مَيْل عن الحق وحَيْفٌ عنه، فَيَتَّبِعون من آي الكتاب ما تَشَابهتْ ألفاظُه، واحتمل صرفه في وجوه التأويلات باحتماله المعاني المختلفة إرادة اللَّبْس على نفسه وعلى غيره، أحتجاجًا به على باطله الذي مال إليه قلبه دون الحق الذي آتاه (٢) الله، فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه.\nوهذه الآية وإن كانتْ نزلتْ فيمن ذكرنا أنها نزلت فيهم من أهل الشرك، فإنه معنيّ بها كل مبتدع في دين لله بدعة، فمال قلبُه إليها، تأويلًا منه لبعض متشابه آي القرآن، ثم حاجَّ به وجَادَلَ به أهل الحقّ، وعدل عن الواضح من أدلة آية المحكمات، إرادة منه بذلك اللَّبْس على أهل الحقِّ من المؤمنين، وطلبًا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك كائنًا من كان، وأيّ أَصْناف البدعة كان: من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية، أو كان سبائيًّا أو حَرُوريًّا، أو قَدرِيًّا، أو جَهْمِيًّا، كالذي قال - ﷺ -: \"فَإذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فهم الَّذِينَ عَنَى اللهُ فَاحْذَرُوهُم\".\n\n(٣) (بَابُ مُجَانبَةِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَبُغْضِهِم)\n٤٥٩٩ - (حدثنا مسدد، نا خالد بن عبد الله، نا يزيد بن\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢١٢).\n(٢) هكذا في الأصل، وفي \"تفسير الطبري\": \"أبانه الله فأوضحه\".","vol":"13","page":9},{"text":"أَبِي زِيَادٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن رَجُلٍ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَفْضَلُ الأَعْمَالِ: الْحُبُّ في اللَّهِ، وَالْبُغْضُ في اللَّهِ\". [حم ٥/ ١٤٦]\n٤٦٠٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْح، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: فَأَخْبَرَنِي (١) عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ-\n===\nأبي زياد، عن مجاهد، عن رجل، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: أفضلُ الأعْمال: الحبُّ في الله، والبُغْضُ في الله) أي من يُحبُّه لا يُحِبه إلَّا لله، ومن يُبْغِضه لا يبغضه إلا للهِ، فيبغض عدوه ومخالفه وعاصيه، ومنهم أهل الأهواء، ويحب من يطيعه ويواليه.\nقال المنذري (٢): في إسناده يزيد بن أبي زياد الكوفي، ولا يحتج بحديثه. وقد أخرج له مسلم متابعة، وفيه أيضًا رجل مجهول.\nقال الخطابي (٣): فيه من العلم أن تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث إنما هو فيما يكون بينهما من قبل عتب وموجدة، أو لتقصير يقع في حقوق العِشرة ونحوها، دون ما كان من ذلك من حق الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدعة دائمة على مَرِّ الأوقات والأزمان ما لم يظهر منه التوبة والرجوعُ إلى الحق.\n٤٦٠٠ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وَهْب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان) عبد الله (قائدَ) أبيه (كعب) أي يَقُوده حيث يريد (من بَنيه) أي من جملة أولاده (حين عَمِيَ) وهذه جملة معترضة بين اسم \"أن\" وخبرها،\n_________\n(١) في نسخة: \"وأخبرني\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٥).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٩٦).","vol":"13","page":10},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ (١) - وَذَكَرَ ابْنُ السَّرْحِ قِصَّةَ تَخَلُّفِهِ عن النَّبِيِّ - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ - قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمُسْلِمِينَ عن كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ، حَتَّى إذَا طَالَ عَلَيَّ تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّه مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، ثُمَّ سَاقَ خَبَرَ تَنْزِيلِ تَوْبَتِهِ. [تقدَم برقم ٢٧٧٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1731>(٤) بَابُ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ</span>\n٤٦٠١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نا حَمَّاد، أَنا عَطَاء الْخُرَاسَانِيُّ، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى\n===\nخبره: (قال) عبد الله: (سمعت كعب بن مالك) قال أبو داود: (وذكر ابن السرح قصةَ تخلُّفه عن النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، قال) كعب: (ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين (٢) عن كلامنا أيُّها الثلاثة) زاد لفظ: \"أيها\" للتخصيص.\n(حتى إذا طال عليَّ) أي ترك الكلام من المسلمين (تَسَوَّرْتُ) أي اِرْتَقَيْتُ (جدار حائطِ أبي قتادة، وهو ابن عمِّي، فسلَّمتُ عليه، فوالله ما ردَّ) قتادة (عليَّ السلام) لأنهم قد نُهُوا عن الكلام والسلام، فلما كان الأمر في العاصي كذلك، ففي ترك الكلام من أهل الأهواء أوجب؛ لأن أخطاءهم في العقائد وتلك كانت معصية في العمل (ثم سَاقَ) ابنُ السرح (خَبرَ تنزيلِ توبته) أي توبة كَعْبٍ.\n\n(٤) (بَابُ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الأهْوَاءِ)\n٤٦٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمَر، عن عمار بن ياسر قال: قدمتُ على\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يقول\".\n(٢) ويمكن أن يستدل به على مسألة معروفة، وهي: إن وجد الشيخ لا يخرج السالك عن البيعة، ويؤيده أيضًا قصة الوحشي - ﵁ - المعروفة، بخلاف وجد السالك على الشيخ، فإنه ينقض البيعة، كما في \"الكوكب\" وهامشه. (ش).","vol":"13","page":11},{"text":"أَهْلِي وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ، فَخَلقُونِي بِزَعْفَرَانٍ، فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ (١) - ﷺ -، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ. وَقَالَ: \"اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ\". [تقدَّم برقم ٤١٧٦]\n٤٦٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عن سُمَيَّةَ، عن عَائِشَةَ: أَنَّهُ اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ بنْتِ حُيَيٍّ، وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لزَيْنَبَ: \"أًعْطِيهَا بَعِيرًا\"، فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟ فَغَضِبَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -، فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، وَبَعْضَ صَفَرٍ.\n===\nأهلي وقد تشقَّقتْ يَدايَ، فخلَّقوني) أي لطخوا يداي (بزعفران، فغدوتُ على النبي - ﷺ -، فسلمت عليه، فلم يَردَّ عليَّ) السلام (وقال: اذهبْ فاغسِلْ هذا عنك) مع أن ردَّ السلام واجب، ولكن لا يَرد على أهل المعاصي زَجْرًا ورَدْعًا عنها، وكذلك أهل الأهواء، فهم أولى بأن لا يرد سلامهم، وأولى أن لا يُفاتحوا السلام.\n٤٦٠٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت البُناني، عن سُميةَ، عن عائشة: أنه اعتلَّ بعيرٌ) أي حصل له عِلَّة ومرض (لصفية بنت حُيَيٍّ) أم المؤمنين - ﵂ - (وعند زينبَ) بنت جحش أم المؤمنين (فضلُ ظهرٍ) أي مَرْكبٌ فاضلٌ عن حاجتها، وكانت في سفر (٢) مع رسول الله - ﷺ -.\n(فقال رسول الله - ﷺ - لزينب: أَعطيها) أي صفيةَ (بعيرًا) أي بعيركِ الفاضل (فقالت) زينب: (أنا أعطي تلك اليهودية؟) وكانت من ولد هارون ﵇؟ ! (فغَضِبَ رسولُ الله - ﷺ -) على زينب بهذا الكلام (فهجرها ذا الحِجَّةِ، والمُحَرَّمَ، وَبَعَض (٣) صَفَرٍ)، وهذا أيضًا هِجْران على المعصمة، فالهجران على البدعة أولى.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) وكان سفر الحج، كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٣١٤) برواية أحمد عن صفية مفصلة. \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٣٨). (ش).\n(٣) وفي \"مجمع الزوائد\": وصفر، فلما كان ربيع الأول دخل عليها. (ش).","vol":"13","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1732>(٥) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجِدَالِ في الْقُرْآنِ</span>\n٤٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَزِيدُ (١) قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمِرَاءُ في الْقُرْآنِ كُفْرٌ\". [حم ٢/ ٢٨٦، ٣٥٠، ٤٢٤، ٤٧٥]\n===\n\n(٥) (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجدَالِ في الْقُرْآن)\n٤٦٠٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يزيد قال: أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: المِراءُ في القرآن كفرٌ).\nقال الخطابي (٢): اختلف الناس في تأويله، فقال بعضهم: معنى المراء ها هنا الشكُّ فيه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ (٣) أي في شكّ. ويُقال: المِراءُ هو الجِدالُ المُشَكِّكُ فيه، وتأوَّله بعضُهم على المراء في قراءته دون تأويله ومَعَانيه، مثل أن يقولَ قائل: هذا قرآن قد أنْزله الله، ويقول الآخر: لم ينزلْه اللهُ هكذا، فيكفر به من أنكره، وقد أنزل الله تعالى كتابه على سبعةِ أَحرُف، كلها شافٍ كافٍ، فنهاهم - ﷺ - عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضًا يَقْرؤونها، وتَوَعَّدَهم بالكُفر عليها لينتهوا عن المِرَاء فيه والتكذيب به.\nوقال بعضُهم: إنما جاء هذا في الجدال بالقرآن من الآي التي فيها ذكر القدر والوعيد وما كان في معناهما، على مذهب أهل الكلام والجَدْل، وعلى معنى ما يجري من الخَوْض بينهم فيها دون ما كان منها في الأحكام وأبواب التحليل والتحريم والحظر والإباحة، فإن أصحاب رسولِ الله - ﷺ - قد تَنَازعوا فيما بينهم، وتحاجُّوا بها عند اختلافهم في الأحكام، ولم يتحرَّجوا من التناظر بها وفيها، وقد قال ﷾: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤)، فعلم أن النهي ينصرف إلى غير هذا الوجه. والله أعلم، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن هارون\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٩٧).\n(٣) سورة هود: الآية ١٧.\n(٤) سورة النساء: الآية ٥٩.","vol":"13","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1733>(٦) بَابٌ في لُزُومِ السُّنَّةِ</span>\n٤٦٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدةَ، نَا أَبُو عَمْرِو بْنُ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، عن حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِب، عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"أَلَا إنِّي أُوْتيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ\n===\nقلت: وإنما سُمِّي المراءُ كُفرًا لإفضائه إليه.\n\n(٦) (بَابٌ في لُزُومِ السُّنَّةِ)\n٤٦٠٤ - (حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَة، نا أبو عمرو بن كثير بن دينار) هكذا في جميع النسخ الموجودة من المكتوبة والمطبوعة: \"أبو عمرو بن كثير بن دينار\"، وقد تَتَبَّعْتُ فيما عندي من كتب الرجال وكتب الحديث فلم أجدْه (١) فيها مع شدة التَّفَحُّصِ، فمَنِ اطَلع عليه وقَيَّدَه ها هنا فجزاه الله خيرًا.\n(عن حَرِيز) بتقديم الراء على الزاي (ابن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المِقْدام بن مَعْدِي كَرِبَ، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: ألا إني أُوتيتُ الكتابَ (٢) ومثلَه) أي ومثل الكتاب (معه) وهو الحديث؛ لأنه الوحيُ غيرُ المَتْلُوّ، والمماثلة في وجوب العمل والاعتقاد بهما؛ لأن الحديث إذا سمع من رسول الله - ﷺ - فهو قطْعيٌّ مثل القرآن.\n(ألا يوشكُ رجلٌ شَبْعانُ) أي ذو المال والرئاسة، جالسٌ (على أَرِيْكَتِهِ)\n_________\n(١) قلت: ذكر المزي الحديث في أطرافه (١١٥٧٠) نقلًا عن أبي داود بإسناده فقال: \"عن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي عمرو بن كثير بن دينار -وهو عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار- عن حريز بن عثمان\"، وعثمان بن سعيد أبو عمرو هذا قد سبق حديثه في \"السنن\" في الصلاة \"باب في وقت العشاء الآخرة\"، وذكر الشارح - ﵀ - ترجمته هناك، فانظر (٣/ ٨٨). وانظر ترجمته في: \"تهذيب الكمال\" (٤٤٠٤).\n(٢) وفي الحاشية عن \"البيهقي\": هذا يحتمل معنيين. (ش).","vol":"13","page":14},{"text":"يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ! أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ (١)، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاه\". [حم ٤/ ١٣٠، ت ٢٦٦٤، جه ٣١٩٣]\n٤٦٠٥ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ، نَا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ عَائِذَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ\n===\nأي سريره، وهذا إشارة إلى تكبره ونَخْوَتِه (يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وَجدتُم فيه من حلال فأحلُّوه) أي اعتقدوه حلالًا (وما وجدتُم فيه من حرامٍ فحرِّموه)، وأما ما سوى القرآن من الأحاديث فلا تقبل.\n(ألا لا يَحِلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كل ذي ناب من السبع)، وهذه الأشياء ليست في القرآن، وأنا أُبَيِّنُ لكم حرمتَها فَخُذُوه، كما تأخذون تحليل القرآن وتحريمه.\n(ولا لُقْطَةُ مُعَاهِدٍ) وإنما خص المعاهد بذلك؛ لأن في لُقْطَتِهِ مَظِنَّة الاستحلال لكُفْره (إلَّا أن يَستغنيَ عنها صاحبُها) أي يتركها لمن أَخَذَها استغناء عنها لخَسَاسَتِها (وَمَنْ نَزَلَ بقومٍ فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يُعْقِبَهم) (٢) أي يأخذ منهم في العقب (بمثل قِراه) وقد تقدم بحث الضيافة فيما تقدم.\n٤٦٠٥ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن مَوْهَب الهَمْداني، نا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، أن أبا إدريس الخولاني عائدَ الله أخبره، أن يزيد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"السباع\".\n(٢) وفي \"النهاية\" (٣/ ٢٦٩): أي يأخذ منه عوضًا عمَّا حَرَموه من القِرى، وهذا في المضطرّ الذي لا يجد طعامًا ويخاف على نفسه التَّلَفَ.","vol":"13","page":15},{"text":"عَمِيرَةَ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ- أَخْبَرَهُ، قَالَ: \"كَانَ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ حِينَ يَجْلِسُ إلَّا قَالَ: اللَّه حَكَمٌ قِسْطٌ، هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ. فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَوْمًا: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ فِيهَا الْقُرْآنُ حَتَّى يَأخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرَأَةُ، وَالْكَبِيرُ (١) وَالصَّغِيرُ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأتُ الْقُرْآنَ؟ ! مَا هُمْ بِمُتَّبعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ! فَإيَّاكُمْ وَمَا ابْتَدَعَ، فَإنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ، وَأُحَذِّرُكُمْ زيغَةَ الْحَكِيمِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقْولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ.\n===\nعَميرة) مكبرًا (- وكان من أصحاب معاذ بن جبل- أخبره، قال) يزيد: (كان) معاذ بن جبل (لا يجلس مجلسًا للذكر) أي الوعظ (حين يجلس إلَّا قال): إن (اللهَ حَكَمٌ قِسطٌ) أي حَاكمٌ عَادِلٌ (هَلَكَ المُرْتابون) أي الشاكُّون.\n(فقال معاذ بن جبل يومًا: إن من ورائكم) أي قدامكم (فِتنًا) في الدين (يكثُر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذَه المؤمنُ والمنافقُ، والرجلُ والمرأةُ، والكبيرُ والصغيرُ، والعبدُ والحر) ويَأْخُذ لفظَه ولا يَتَفَقَّهُ معناه.\n(فيُوشك قائلٌ أن يقول) أي في قلبه: (مَا للناس لا يَتَّبِعُوني وقد قرأتُ القرآن؟ ! مَا هُم بِمُتَّبِعِيَّ حتى أبتدِعَ لهم غيره!).\nقال في \"فتح الودود\": يقول ذلك لما رآهم يتركون القرآنَ والسنَّةَ وَيتَّبِعُون الشيطانَ والبدْعَةَ.\n(فإياكم وما ابتُدِع) فاحْذَروه (فإن ما ابتُدِع) أي الذي ابتُدِع في الدين (ضلالةٌ، وأُحذِّركم) أي أُخَوِّفُكُم (زَيْغَةَ الحكيم) أي انحرافه عن الحق، فإن ما في زَيغة الحكيم من المضارّ ليس في زيغة الجاهل، (فإن الشيطانَ قد يقولُ) أي يجري (كلمةَ الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق) أي يجرى على لسانه الحق.\n_________\n(١) في نسخة: \"والصغير والكبير\".","vol":"13","page":16},{"text":"قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَايدْرِينِي- رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ ! قَالَ: بَلَى، اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ؟ وَلَا يَثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إذَا سَمِعْتَهُ، فَإنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ في هَذَا الْحَدِيثِ:\n===\n(قال) يزيد بن عَميرة: (قلت لمعاذ: ما يُدريني- رحمك اللهُ- أن الحكيم قد يقول كلمةَ الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ ! قال) معاذ: (بلى، اجتنبْ من كلام الحكيم المشتهِرات التي يُقال لها) أي المشتهرات: (ما هذه؟) أي يقول الناس في شأنها هذه الكلمة إنكارًا.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"ما يدريني\"، يعني بذاك أني كيف لي الفرق بين حقه وباطله؟ !\nوحاصل الجواب: أن ما أنكر عليه العلماءُ باطلٌ، وكذلك ما أنكرتَ عليه إن كنتَ أهل علم.\n(ولا يثنينك) أي لا يَصْرِفَنَّك (ذلك) أي كلام الحكيم (عنه، فإنه) أي الحكيم (لعله أن يراجِع) إلى الحق، (وتَلقَّ الحقَ إذا سمعتَه، فإن على الحق نورًا) (١).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فإنه لعله\" يعني أنك إن لم تَنصرفْ عنه ولم تَدعه يُرجى أن يَقبل الحق بوَعْظِك وحيائك، أو المعنى لا تنصرف عنه، فلعله يتكلم بالحق فيما وراء ما تكلم به من الباطل.\n(قال أبو داود: قال معمر (٢)، عن الزهري في هذا الحديث:\n_________\n(١) قال الحاكم (٤/ ٤٦٠): صحيح على شرطهما، وأقره الذهبي.\n(٢) أخرج روايته عبد الرزاق (١١/ ٣٦٣) رقم (٢٠٧٥٠)، ومن طريقه أخرجها أبو بكر الآجري في \"الشريعة\" (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦) رقم (٩٠، ٩١).","vol":"13","page":17},{"text":"وَلَا يُنْئِيَنَّكَ (١) ذَلِكَ عَنْهُ مَكَانَ يَثْنِيَنَّكَ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عن الزُّهْرِيِّ، في هَذَا (٢): بالْمُشْتَبِهَاتِ (٣) مَكَانَ الْمُشْتَهِرَاتِ، وَقَالَ: لَا يَثْنِيَنَّكَ\" كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ، وَقَالَ ابْنُ إسحَاقَ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَى، مَا تَشَابَهَ عَلَيْكَ مِنْ قَوْلِ الْحَكِيمِ حَتَّى تَقُولَ: مَا أَرَادَ بِهَذ الْكَلِمَةِ؟ ! .\n٤٦٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ قَالَ: كتَبَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عن الْقَدَرِ.\n(ح): وَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: نَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ دُلَيْلٍ\n===\nولا يُنْئِيَنَّكَ) أي لا يُبعدنَّك (ذلك عنه، مكان \"يَثْنِيَنَّك\". قال صالح بن كيسان (٤)، عن الزهري في هذا) الحديث: (\"بالمشتبِهات\" مكان \"المشتهِرات\"، وقال: \"لا يَثنينك\"، كما قال عُقيل. وقال ابن إسحاق، عن الزهري قال: بلى، ما تَشابه) أي اشتبه (عليك من قول الحكيم حتى تقول) في قلبك أو في الناس: (ما أراد بهذه الكلمة؟ !) أي تتعجب منه وتنكر عليه، لأنك لا تجده مطابقًا للقواعد الشرعية.\n٤٦٠٦ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أنا سفيان قال: كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز يَسألُه عن القَدَرِ، ح: ونا الربيع بن سليمان المؤذن قال: نا أسد بن موسى قال: نا حماد بن دُلَيْل) مصغرًا، المدائني، أبو زيد قاضي المَدائِنِ، قال مهنا: سألت عنه أحمد فقال: كان قاضِي المدائن، كان صاحب رأي، ولم يكن صاحبَ حديثٍ، قلت: سمعتَ منه شيئًا؟ قال: حديثين، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة ليس به بأس، وقال ابن الجنيد عنه: ثقة، وقال ابن عَمَّار:\n_________\n(١) في نسخة: \"لَا يُنْبِيَنَّكَ\"، وفي نسخة: \"لَا يُثَانِيكَ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الحديث\".\n(٣) في نسخة: \"المشتبهات\".\n(٤) أخرج روايته جعفر بن محمد الفريابي في \"صفة المنافق\" (ص ٥٨) رقم (٤٢).","vol":"13","page":18},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يُحَدِّثُنَا، عن النَّضْرِ. (ح): وَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن قَبِيصَةَ قَالَا: نَا أَبُو رَجَاءٍ، عن أَبِي الصَّلْتِ\n===\nكان قاضيًا على المدائنِ فَهَرَبَ منها، وكان من ثقات الناس، رأيته بمكة، وقال أبو داود: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (١).\nوقال خلف بن محمد الخيام بسنده عن الحسن بن عثمان: كان الفُضيل إذا سئل عن مسألة يقول: ائتُوا أبا زيد فاسألوه، قال: وكان أبو زيد اسمه حمّاد بن دُلَيْل، رجلٌ أعمَى من أصحاب أبي حنيفة، له عند أبي داود حديث واحد، قلت (٢): وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: من الثقات، وقال الأزدي: ضعيف، والأزدي لا يُعْتَدُّ به.\n(قال: سمعتُ سفيان الثوري يُحدثُنا، عن النضر، ح: ونا هناد بن السَّري، عن قَبيصة) بن عقبة بن محمد بن سفيان، أبو عامر الكوفي (قالا) هكذا بصيغة التثنية في النسخة المجتبائية، والكانفورية، ونسخة \"العون\"، والأحمدية القلمية، والنسخة المدنية، وأما في النسخة المكتوبة التي عليها المنذري (٣) ففيها: \"قال: أنا أبو رجاء\"، ولعله هو الصواب.\n(نا أبو رجاء) قال الحافظ في \"التهذيب\": أبو رجاء، عن أبي الصلت، وعنه قَبيصة بن عقبة، قيل: هو الهَرَوي، انتهى. وقد تقدم ذكر الهروي في \"تهذيب التهذيب\" (٤)، وهو أبو رجاء الخراساني الهَرَوي، اسمه عبد الله بن واقِدْ، ولم يذكر في ترجمة \"عبد الله بن واقد\" في شيوخه أبا الصلت، ولا في تلامذته قَبيصةَ بن عُقبة، ورقّم عليه علامة ابن ماجه فقط.\n(عن أبي الصلت) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": أبو الصلت عن عمر بن عبد العزيز في القدر، وعنه أبو رجاء، قيل: هو شهاب بن خراش الحوشبي.\n_________\n(١) (٨/ ٢٠٦).\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٨).\n(٣) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٤).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٦٤، ٦٥)، وقال في \"التقريب\": مجهول.","vol":"13","page":19},{"text":"- وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ كَثيرٍ وَمَعْنَاهُمْ-، قَالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عن الْقَدَرِ، فَكَتَبَ: أَمَّا بَعْدُ! أُوْصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالاقْتِصَادِ في أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (١) - ﷺ -،\n===\n(وهذا لفظ حديث ابن كثير، ومعناهم) أي معنى غير ابن كثير (قال: كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز يسألُه عن القدَر) بفتح الدال ويسكن، ما قدَره اللهُ تعالى من القضايا.\nقال في \"شرح السنَّة\" (٢): الإيمان بالقدَر فرضٌ لازمٌ، وهو أن يُعتقدَ أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرِها وشرِّها، كتبها في اللَّوْح المحفوظ قبل أن يخلُقَهم، والكُل بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، غير أنه يرضَى الإيمانَ والطاعَة، وَوَعَدَ عليهما الثواب، ولا يرضَى الكفرَ والمعصيةَ، وأَوْعَد عليهما العقابَ.\nوالقدر سِرٌّ من أسرار الله تعالى، لم يُطْلِع عليه مَلَكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مُرْسَلًا، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خَلَقَ الخَلْق، فجعلهم فرقَتَيْن، فرقةً خلقهم للنَعِيْم فَضْلًا، وفرقةَ للجَحيم عَدْلًا.\nوسأل رجلٌ علي بن أبي طالب - ﵁ - فقال: أخبرني عن القدر؟ فقال: طريق عظيم لا تسلكْه، فأعاد السؤالَ، فقال: بَحْرٌ عميقٌ لا تَلِجْه، فأعاد السؤال، فقال: سِرُّ الله قد خفي عليك فلا تفَتِّشْه، ولله دَرُّ مَنْ قال:\nتَباركَ من أجرَى الأمورَ بحكمةٍ ... كما شاء لا ظُلمًا أراد ولا هَضما\nفمالك شيء غير ما الله شاءه ... فإن شئت طِبْ نفسًا وإن شئت مُتْ كَظْما\n(فكتب) عمر بن عبد العزيز: (أما بعد! أوصيك بتقوى الله) أن تلزمها نفسك (والاقتصاد) أي الاعتدال (في أمره) أي الله سبحانه، (واتباع سنة نبيه - ﷺ -،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسوله\".\n(٢) \"شرح السنَّة\" (١/ ١٤٢).","vol":"13","page":20},{"text":"وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بهِ سُنَّتُهُ، وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ، فَإنَّهَا لَكَ- بِإذْنِ اللهَ- عِصْمَةٌ. ثُمَّ اعْلَم أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إلَّا قَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ دَلِيل عَلَيْهَا، أَوْ عِبْرةٌ (١) فِيهَا. فَإنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا في خِلَافِهَا- وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ كَثِيرٍ: مَنْ قَدْ عَلِمَ- مِنَ الْخَطَأ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ لأَنْفُسِهِمْ، فَإنَّهُمْ عَلَى (٢) عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا،\n===\nوترك ما أحدَث المُحْدِثون) أي ابتدع المبتدعون (بعد ما جرتْ به سنته، وكفُوا مُؤْنته) أي كفاهم الله ورسوله ببيان الطريقة المرضية عن أحداث المحدثات وتحمل أثقالها، (فعليك بلزوم السنَّة) أن لا تتجاوز عنها (فإنها) أي السنة (لك بإذن الله عصمة) من المخاوف والمهالك.\n(ثم اعلم أنه لم يَبتدع الناس بدعة إلَّا قد مضى قبلها) في زمان رسول الله - ﷺ - (ما هو دليل عليها) أي على بطلانها وقُبحها (أو عِبْرة فيها) أي ما مضى قبل البدعة فيها عبرة لبطلان البدعات، أو عبرة في البدعات بأن يجتنبوها، (فإن السنةَ إنما سَنَّها) أي جعلها طريقةً مسلوكةً (مَنْ قد علم ما في خلافها) من الفساد والقبح، وهو الله سبحانه أمر رسول الله - ﷺ -، (ولم يَقلْ ابن كثير: \"من قد عَلِم\"). ولعله ذكر لفظًا آخر في معناه، لم يحفظه المصنف فتركه، وإنما ذكر هذا اللفظ الربيعُ وهنادُ (من الخطأ) بيان للفظ \"ما في خلافها\" (والزَّلَل والحمق والتعمُّق) أي التكلف.\n(فارْضَ لنفسك ما رضي به القوم) أي السلف الصالح من الصحابة (لأنفسهم، فإنهم على علم وَقَفوا) لأنهم أخذوا العلمَ من مشكاة النبوة، (وببَصَرٍ نافذٍ) أي بصيرةٍ ساريةٍ (كفُّوا) عن المحدثات والبدعات.\n_________\n(١) في نسخة: \"وعبرة ما فيها\".\n(٢) في نسخة: \"عن\".","vol":"13","page":21},{"text":"وَلَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأَمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى، فَإنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إلَيْهِ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ: إنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ، مَا أَحْدَثَهُ إلَّا مَن اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ: فَإنَّهُمْ هُمْ السَّابِقُونَ، فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِمَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا (١) مِنْهُ مَا يَشْفِي، فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مَقْصَرٍ، وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مَحْسَرٍ، وَقَدْ قَصَّرَ قَوْمٌ دُونَهُمْ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ أَقْوَامٌ فَغَلَوْا، وإنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ.\n===\n(ولَهُم) اللام للتأكيد والضمير مبتدأ (على كشف الأمور) أي المسائل الدقيقة (كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه) من العلوم والبصيرة (أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه) دون ما هم (لقد سبقتموهم) أي السلف (إليه) أي إلى الهدى، وذلك بعيدٌ جدًا لا يمكن ذلك.\n(ولئن قُلتم: إن ما حدث بعدهم ما أحدثه إلَّا مَنِ اتَّبع غيرَ سبيلهم، ورَغِب بنفسه عنهم) يعني إن تَشبَّثَ أحد أن السبيل الذي نَسْلُكُه غير ما سلكه هؤلاء فلا يجب اقتداؤهم فيه؛ لأن الاقتداء حيث يَتَّحدُ السبيل، وإذْ لا فَلَا (فإنهم) جواب لقوله: \"لئِّن قلتم\" أي فاعْلموا أنهم (هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي) أي فلا منجا في غير سبيلهم (فما دونهم من مَقْصَر، وما فوقهم من مَحْسَر) (٢) يعني أن الإفراط والتفريط بما قرَّروه كِلاهما خطأ، فالتفريط عنه قُصُور، والزيادة عليه كلال وعي، فهذا في الاعتقاديات، إذ الكلام فيها.\n(وقد قَصَّر قومٌ دونهم فَجَفوا) أي لم يَصِلوا حدّ الاعتدال (وطَمَح) أي ارتفع (عنهم أقوامٌ فَغَلَوا) أي تجاوزوا عن الحد، ولم يَقِفوا على الحد الشرعي (وإنهم) أي السلف (بين ذلك) في الوسط (لعلى هدًى مستقيم).\n_________\n(١) في نسخة: \"ووضعوا\".\n(٢) مَحْسَر: من حَسَر البصرُ حُسُورًا: إذا كلّ وانقطع.","vol":"13","page":22},{"text":"كَتَبْتَ تَسْأَلُ عن الإقْرَارِ بِالْقَدَرِ، فَعَلَى الْخَبِيرِ- بِإذْنِ الله- وَقَعْتَ. مَا أَعْلَمُ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ مُحْدَثَةٍ، وَلَا ابْتَدَعُوا مِنْ بِدْعَةٍ هِيَ أَبْيَنُ أَثَرًا، وَلَا أَثْبَتُ أَمْرًا مِنَ الإقْرَارِ بِالْقَدَرِ.\nلقَدْ كَانَ ذِكْرُهُ في الْجَاهِليَّةِ الْجَهلَاءِ، يَتَكَلَّمُونَ بِهِ في كَلَامِهِمْ وَفِي شِعرهِمْ، يُعَزُّونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَا فَاتَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَرِدْهُ الإسْلَامُ بَعْدُ إلَّا شِدَّةً، وَلَقَدْ ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في غَيْرِ حَدِيثٍ وَلَا حَدِيثَيْنِ، وَقَدْ سمِعَهُ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ، فَتَكَلَّمُوا بهِ في حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، يَقِينًا وَتَسْلِيما لِرَبِّهِمْ، وَتَضْعِيفًا لأَنْفُسِهِمْ، أنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُ، وَلَمْ يُحْصِهِ كتَابهُ، وَلَمْ يَمْضِ فِيهِ قَدَرُهُ،\n===\n(كتبتَ تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير- بإذن الله- وقعتَ) يعني أنا بهذه المسألة خبير، فسألت المسألة الخبير، (ما أعلمُ) \"ما\" نافية (ما أحدثَ) \"ما\" موصولة (الناسُ من مُحدَثة) أي أمر جديد لم يكن في الشرع، (ولا ابتدعوا من بِدْعة هي أبينُ) أي أظهرُ (أثرًا، ولا أثبت أمرًا من الإقرار بالقدر)، فإنكاره إنكار أجلى البديهيات وأقبح المبتدعات، وإنما سماه بدعة باعتبار التدوين والتأليف، ونصب الأدلة العقلية عليه، وإن كان الإقرار به سنة في ذاته.\n(لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء، يتكلمون به) أي يذكرونه (في كلامهم وفي شعرهم، يُعَزون) أي يصبرون (به أنفسَهم على ما فَاتَهم، ثم لم يزده الإِسلامُ بعدُ إلَّا شدَّة) أي قوة ثبوت.\n(ولقد ذكره رسولُ الله - ﷺ - في غير حديث ولا حديثين) بل في أكثر (وقد سَمِعَه) أي القدرَ (منه المسلمون، فتكلَّموا به في حياته، وبعد وفاته، يقينًا وتسليمًا لربِّهم، وتضعيفًا لأنفسهم)، والتضعيف: عَدُّ الشيء ضعيفًا، أي يَعدُّون أنفسهم ضُعفاء مِنْ أن يَتَحَمَّلوا على أنفسهم أن يعتقدوا أو يظنوا من (أن يكون شيء لم يُحِطْ به علمُه) أي علمُ الله تعالى (ولم يحصه كتابُه) أي كتابُ الله تعالى، وهو القرآنُ أو اللوحُ المحفوظُ (ولم يمضِ فيه قدرُه) بل عَلِموا على","vol":"13","page":23},{"text":"وَإنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَفِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: مِنْهُ (١) اقْتَبَسُوهُ وَمِنْهُ تَعَلَّمُوهُ، وَلَئِنُ قُلْتُمْ: لِمَ أَنْزَلَ اللهُ آيةَ كَذا، وَلِمَ قَالَ كَذَا؟ ! لَقَدْ قَرَؤُوا مِنْهُ مَا قَرَأتُمْ، وَعَلِمُوا مِنْ تَأويلِهِ مَا جَهِلْتُمْ، وَقَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: كُلُّهُ بِكِتَاب وَقَدَرٍ (٢)، وَمَا يُقْدَرُ يَكُنْ (٣) وَمَا شَاءَ اللَّه كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، وَلَا نَمْلِكُ لأَنْفُسِنَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، ثُمَّ رَغِبُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَرَهِبُوا (٤).\n٤٦٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبَلٍ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: نَا سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عن نَافِعٍ قَالَ:\n===\nاليقين أنه سبحانه أَحَاطَ عِلمُه وأحصى كتابُه بجميع ما يتعلق به خيرُ الدارين لعباده وجرى فيه قدره (وإنه) أي القدر (مع ذلك لفي مُحْكَمَ كتابه، منه اقتبسوه) أي حصلوا علمَ القدر (ومنه) أي الكتاب (تعلموه).\n(ولئن قلتم: لِمَ أنزل اللهُ آية كذا) أي ما يخالف بظاهره القدر (ولمَ قال كذا؟ ! لقد قرؤوا منه) أي من الكتاب (ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جَهِلْتم، وقالوا بعد ذلك: كله بكتاب) أي اللوح المحفوظ (وقدَر، وما يُقْدَرُ يكن، وما شاء الله كان، وما لم يَشأْ لم يكن، ولا نملك لأنفسِنا نفعًا ولا ضرًّا، ثم رغبوا بعد ذلك) أي بعد الإقرار بالقدَر رغبوا في الأعمال الصالحة (ورَهِبوا) من الأعمال السيئة أو رَغِبُوا في الجنة ورَهِبُوا من النار.\n٤٦٠٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا عبد الله بن يزيد قال: نا سعيد -يعني ابن أبي أيوب- قال: أخبرني أبو صخر) حميد بن زياد، (عن نافع قال:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فمنه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وكتب الشقاوة\".\n(٣) في نسخة: \"يكون\".\n(٤) قال المزي بعد إيراده في \"التحفة\" في المراسيل: (١٩١٤٥): في رواية ابن الأعرابي وابن داسه.","vol":"13","page":24},{"text":"\"وَكَانَ لابْن عُمَرَ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّام يُكَاتِبُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ (١) ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ في شَيءٍ مِنَ القدَرِ. فَإيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إلَيَّ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ\". [ت ٢١٥٢، ٢١٥٣، جه ٤٠٦١، حم ٢/ ٩٠]\n٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَا حمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! أَخْبِرْنِي عن آدمَ، أَلِلسَّمَاءِ خُلِقَ أَمْ لِلأَرْضِ؟ قَالَ: لاِ، بَلْ لِلأَرْضِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوِ اعْتَصَمَ فَلَمْ يَأكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ؟\n===\nوكان لابن عمر) عبد الله (صديقٌ) أي مُحِبٌّ (من أهل الشام يُكَاتِبُه) فبَلَغَ ابنَ عمر - ﵄- أنه يتكلم في القَدَر وينكره، (فكتب إليه ابن عمر) ﵁: (إنه بلغني أنك تكلمتَ في شيء من القَدَر) أي في مسألة من مسائله تكلمتَ بالإنكار، (فإيَّاك أن تكتبَ إليَّ) لأني تركتُ حبَّك والمكاتبةَ إليك، (فإني سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: إنه سيكون في أمتي أقوامٌ يُكَذِّبُون بالقَدَر)، فالإيمان بالقَدَر فَرْضٌ ولازمٌ، فمن أنْكر من القَدَرِ شيئًا- خيرًا كان أو شرَّا- فقد خَرَجَ من الإيمان.\n٤٦٠٨ - (حدثنا عبد الله بن الجرَّاح، نا حماد بن زيد، عن خالد الحذَّاء قال: قلتُ للحسن: يا أبا سعيد! أخبِرْني عن آدم) وسأل خالد الحذَّاء عن بعضِ فروع مسألة القَدَر ليعرف عقيدتَه فيها؛ لأن الناس كانوا يَتَّهِمونه بالقَدَر، إما لأن بعض تلامذته مَالَ إلى ذلك، أو لأنه قد تكلم بكلام أشتبه على الناس تأويلُه، فظَنوا أنه قاله، لاعْتقاده مذهب القَدَرية، فإن المسألة من مظانِّ الاشتباه.\n(أللسماء خُلِقَ أم للأرض؟) أي أم خُلِقَ أن ينزل إلى الأرض، فيسكن فيها ذريتُه، وقُدر ذلك (قال: لا، بل) خلىَ (للأرض) قال خالد: (قلت: أرأيتَ) أي أخبرْني (لو اعتصم) أي لو عصم نفسه (فلم يأكل من الشجرة)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله\".","vol":"13","page":25},{"text":"قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ. قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قَالَ (١): إنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَفْتِنُونَ بِضَلَالَتِهِمْ إلَّا مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ (٢) الْجَحِيمَ.\n٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عن الْحَسَنِ فَي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قَالَ: \"خلقَ هَؤُلاِءِ لِهَذِهِ، وَهَؤُلَاءِ لِهَذِهِ\".\n٤٦١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا إسْمَاعِيلُ، أَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ *\n===\nويكف نفسه؟ (قال: لم يكن له منه بُدٌّ) أي من أكلها (قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) قال) الحسن: (إن الشياطين لا يَفتنون بضلالتهم) أي بإضلالهم (إلَّا من أوجب الله عليه الجحيمَ) وقدَّر عليه ذلك.\n٤٦٠٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، نا خالد الحذَّاء، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٤) قال) الحسن: (خلق هؤلاء) المؤمنين (لهذه) أي الجنة (و) خلق (هؤلاء) أي المنافقين والكفار (لهذه) أي للنار، فأثبت القدر.\n٤٦١٠ - (حدثنا أبو كامل، نا إسماعيل، أنا خالد الحذَّاء قال: قلت للحسن) أي سألته عن معنى قوله تعالى: (﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾) (٥) خطاب\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"له\".\n(٣) سورة الصافات: الآيتان ١٦٢، ١٦٣.\n(٤) سورة هود: الآية ١١٩.\n(٥) فَإِنَكُمْ وَمَا تَعْبُدُوْنَ مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ: عليه، أي على الله بفاتنين، أي مضلِّين، يقال: فتن فلان على فلان امرأتَه، أي أفسدها عليه، كذا في حاشية \"بيان القرآن\" (٩/ ١٣٤) نقلًا عن \"المدارك\" (٤/ ٣٠). (ش).","vol":"13","page":26},{"text":"إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قَالَ: إلَّا مَنْ أَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ.\n٤٦١١ - حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: نَا حَمَّادٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) حُمَيْدٌ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لأَنْ يُسْقَطَ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأَرْضِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: الأَمْرُ بِيَدِي.\n٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّاد، نَا حُمَيْدٌ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا الْحَسَنُ مَكَّةَ، فَكَلَّمَنِي فُقَهَاءُ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ أُكَلِّمَهُ في أَنْ يَجْلِسَ لَهُمْ يَوْمًا يَعِظُهُمْ (٢) فِيهِ. فَقَالَ: نَعَمْ، فَاجْتَمَعُوا فَخَطَبَهُمْ (٣)،\n===\nللشياطين، أي لا تفتنونهم (﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾) أي إلَّا مَنَ قُدِّر له دخولُ الجحيم (قال) الحسن: (إلَّا من أوجب الله تعالى عليه) وقَدَر له (أنه يصلَى الجحيم).\n٤٦١١ - (حدثنا هلال بن بِشْر قال: نا حماد قال: أخبرني حميد قال: كان الحسن يقول: لأن يُسْقَطَ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليه من أن يقول: الأمر بيدي) أي ينكر القدر، لأن الأمر إذا كان بيده فهو خالق لأفعاله، وإنكار لأن يكون الله سبحانه خالق فعل العبد وهو إنكار للقدر، وإنما كان أحب لأن السقوط إلى الأرض تكليف ببدنه، وأما هذا القول فهو مفسد لدينه.\n٤٦١٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، نا حميد قال: قدم علينا الحسن مكةَ) أي من البصرة، (فكلَّمني فقهاء أهل مكة أن أكلِّمَه) أي الحسن (في أن يَجلس لهم) أي لأهل مكة (يومًا يعِظهم فيه، فقال) الحسن: (نعم، فاجْتَمَعوا فخطبهم،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أنا\".\n(٢) في نسخة بدله: \"يخطبهم\".\n(٣) في نسخة: \"فخطب\".","vol":"13","page":27},{"text":"فَمَا رَأَيْتُ أَخْطَبَ مِنْهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ خَلَقَ الشَّيْطَانَ؟ فَقَالَ: سبْحَانَ اللهِ! هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ؟ خَلَقَ اللَّه الشَّيْطَانَ، وَخَلَقَ الْخَيْرَ، وَخَلَقَ الشَّرَّ. قَالَ (١) الرَّجُلُ: قَاتَلَهُم اللَّه! كَيْفَ يَكْذِبُونَ عَلَى هَذَا الْشَّيْخِ؟ .\n٤٦١٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ كثير قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾، قَالَ: الشِّرْكُ.\n===\nفما رأيت أَخْطبَ منه، فقال رجل: يا أبا سعيد) كنية الحسن (مَنْ خَلَقَ الشيطان؟ فقال) الحسن: (سبحان الله! !) تعجب من السؤال (هَلْ مِنْ خالقٍ غيرُ الله؟ خَلَقَ اللهُ الشيطانَ وخَلَقَ الخير، وخَلَقَ الشرَّ)، فأَثبت الحسنُ أن خالقَ الخير وخالقَ الشرِّ هو اللهُ ﷾، والمعتزلة والقدرية قائلون إن خالقَ الشرِّ ليس (٢) هو الله ﷿ (قال الرجل: قاتلهم الله! كيف يَكْذِبون على هذا الشيخ؟) فإن الناس ينسبونه إلى الاعتزال والقدر.\n٤٦١٣ - (حدثنا ابن كثير قال: أنا سفيان، عن حُميد الطويل، عن الحسن) البصري في قوله تعالى: (﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٣) قال) الحسن في معناه: أن نسلك (الشرك) في قلوب الذين قدَّر اللهُ لهم أَنهم مجرمون.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"يقول\".\n(٢) وقال الشيخ أبو منصور الماتريدي: إن المعتزلةَ خالفوا اللهَ تعالى فيما أخبر، ونوحًا ﵇، وأهل الجنة، وأهلَ النار، وإبليسَ؛ لأنه تعالى قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وقال نوح: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وقال أهل الجنة: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال أهل النار: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١]، قال إبليس: (فبَمَاَ أَغوَيْتَنِى﴾ [الأعراف: ١٦]، كذا في \"المدارك\" (٢/ ٥٤)، و\"الإكليل\". (ش).\n(٣) سورة الحجر: الآية ١٢.","vol":"13","page":28},{"text":"٤٦١٤ - حَدَّثَنَا محُمَّدُ بْنُ كثيرٍ قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ، عن رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ غَيْرُ ابْنِ كَثيرٍ، عن سُفْيانَ، عن عُبَيْدٍ الصِّيدِ، عن الْحَسَنِ في قَوْلِ الله ﷿: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، قَالَ: بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الإيْمَانِ.\n٤٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا سُلَيْمَانُ (١)، عن ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كُنْتُ أسيرُ بَالشَّامِ، فَنادَانِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي فَالْتَفَتُّ، فَإذَا رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَوْنٍ! مَا هَذَا الَّذِي يَذْكُرُونَ عَنِ الْحَسَنِ؟ قَالَ: قُلْتُ: إنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى الْحَسَنِ كَثيرًا.\n===\n٤٦١٤ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أنا سفيان) الثوري، (عن رجلٍ) أَبْهمه ابن كثير، ثم قال أبو داود: (قد سمَّاه) أي ذلك الرجل (غير ابن كثير) من بعض مشايخي (عن سفيان) فقال: عن سفيان الثوري، (عن عُبيد الصِّيد) فسمَّى الرجلَ المبهمَ عبيد الصِّيد، وهو عُبيد (٢) بن عبد الرحمن المزني، أبو عبيدة البصري الصيرفي، المعروف بعُبيد الصِّيد، عن ابن معين: صويلح، قلت: وذكره العجلي في \"الثقات\"، وقال: لا بأس به.\n(عن الحسن في قول الله ﷿: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (٣) قال: بينهم) أي أَوْقَع الحَيْلُولة بين الكفار (وبين الإيمان) وإيقاع الحَيْلُولة منسوب إلى الله ﷾، فثبت القَدرُ، وثَبَتَ خلافُ المعتزِلة أن الشرَّ غير مخلوق لله ﷾.\n٤٦١٥ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا سليمان، عن ابن عون قال: كنتُ أسيرُ بالشام، فنَاداني رجلٌ من خلفي فالتفتُّ، فإذا) هو (رجاء بن حَيْوَة) يُناديني (فقال: يا أبا عون! ما هذا الذي يذكُرون عن الحسن) الذي يقتضي إنكار القدر؟ (قال) ابن عون: (قلت: إنهم يكذبون على الحسن كثيرًا) فهذا الذي ينقلون عنه افتراءً عليه.\n_________\n(١) في نسخة: \"سُلَيم\".\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٦٩).\n(٣) سورة سَبَأ: الآية ٥٤.","vol":"13","page":29},{"text":"٤٦١٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: نَا حَمَّاد قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ يَقُولُ: كَذَبَ عَلَى الْحَسَن ضَرْبَانِ مِنَ النَّاسِ: قَوْمٌ الْقَدَرُ رَأيُهُم، وَهُمْ يِرُيدُونَ أَنْ يُنَفّقُوا بِذَلِكَ رَأيَهُمْ، وَقَوْم لَهُ في قُلُوبِهِمْ شَنَآن وَبُغْضٌ يَقُولُونَ: أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا؟ أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا؟ \".\n٤٦١٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، أَنَّ يَحْيَى بْنَ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: كَانَ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ يَقُولُ لَنَا: يَا فِتْيَانُ، لَا تُغْلَبُوا عَلَى الْحَسَنِ، فَإنَّهُ كَانَ رَأيهُ السُّنَّةَ وَالصَّوَابَ.\n٤٦١٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: نَا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ كَلِمَةَ\n===\n٤٦١٦ - (حدثنا سليمان بن حرب قال: نا حماد قال: سمعت أيوبَ يقول: كذَب على الحسن ضرْبان) أي نوعان (من الناس) أحدهم: (قومٌ القدَرُ) أي إنكار القدر (رأيُهم) واعتقادُهم (وهم يريدون أن يُنَفِّقُوا) أي يُروّجوا (بذلك) أي بالنقل عن الحسن تكذيبَ القدر وإنكارَه (رأيهم) بأن مثل هذا العالِم لما أنكر القدَر فكيف بغيرهم من عوام الناس؟\n(و) ثانيهم: (قومٌ له) أي للحسن (في قلوبهم شَنآنٌ) أي عداوةٌ (وبغض يقولون: أليس من قوله) أي الحسن (كذا؟ أليس من قوله كذا؟) فيفترون عليه بالأقاويل الكاذبة.\n٤٦١٧ - (حدثنا ابن المثنى، أن يحيى بن كثير العنبري حدثهم قال: كان قُرَّة بن خالد يقول لنا: يا فِتْيان) جمع فتى، وهو الشابُّ من الرجال (لا تُغلَبوا على الحسن) أي لا يَغلبنَّكَم القدريةُ في أن الحسن منهم، فلا تَظنُوا به أنه منهم، (فإنه كان رأيُه السنةَ والصوابَ).\n٤٦١٨ - (حدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا: نا مؤمَّل بن إسماعيل، نا حماد بن زيد، عن ابن عون قال: لو علمنا أن كلمة","vol":"13","page":30},{"text":"الْحَسَن تَبْلُغُ مَا (١) بَلَغَتْ لَكَتَبْنَا بَرُجُوعِهِ كِتَابًا، وَأَشْهَدْنَا عَلَيْهِ شُهُودًا، وَلَكِنَّا قُلْنَا: كَلِمَةٌ خَرَجَتْ لَا تُحْمَلْ.\n٤٦١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ لِيَ الْحَسَنُ: مًا أَنَا بعَائِدٍ إلَى شَيءٍ مِنْهُ أَبَدًا (٢).\n٤٦٢٠ - حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: نَا عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ،\n===\nالحسن) التي قالها في القدر (تبلغ ما بلغتْ لكتبْنا برجوعه كتابًا، وأشهدْنا عليه شهودًا، ولكنا قلنا: كلمةٌ خرجتْ) من لسان الحسن (لا تُحمل).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"كلمةٌ خَرجتْ لا تُحمل\" أي لا تسافر بها الرُّكْبان إلى البُلْدان، ولكنها حملت إليها، وكان الحسن تكلَّم بكلمة مشتبهةٍ فالتبستْ على السامعين، فرَمَوه بالاعتزال والقدَر، ولذلك رد المؤلف على هؤلاء أبلغ ردٍّ بإثبات عقيدته على وفق أهل السنَّة، لكونه من أكابر طريقتي الحقيقة والشريعة، انتهى.\n٤٦١٩ - (حدثنا سليمان بن حرب قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب (٣) قال: قال لي الحسن: ما أنا بِعَائدٍ) أي راجع (إلى شيء منه) أي من الذي قلته من الكلمة المشتبهة مرادها (أبدًا).\n٤٦٢٠ - (حدثنا هلال بن بشر قال: نا عثمان بن عثمان،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الذي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سفيان، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: \"إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا مَنْ سألَ عن أمرٍ لم يحرم فحُرِّم على الناس من أجل مسألته\". [خ ٧٢٨٩، ٢٣٥٨، حم ١/ ١٧٦، وهذا الحديث في النسخ المطبوعة برقم ٤٦١٠، وفي هذه النسخة سيأتي برقم ٤٦٢٦].\n(٣) وفي \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٧٠): روى مَعْمر، عن قتادة، عن الحسن قال: الخير بقدَرَ، والشرُّ ليس بقدر، قال أيوب: فناظرته في هذه الكلمة فقال: لا أعود. (ش).","vol":"13","page":31},{"text":"عن عُثْمَانَ الْبَتَيِّ قَالَ: مَا فَسَّرَ الْحَسَنُ آيةً قَطُّ إلَّا عن (١) الإِثْبَاتِ.\n٤٦٢١ - حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ (٢) قَالَا (٣): نَا سُفْيَانُ، عن أَبِى النَّضْرِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْن أَبِي رَافِعٍ، عن أَبِيهِ، عن (٤) النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا ألْفيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا في كِتَابِ اللهِ اتبعْنَاهُ\" [ت ٢٦٦٣، جه ١٣، ك ١/ ١٠٨، حم ٦/ ٨]\n٤٦٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ.\n===\nعن عثمان البتِّي قال) عثمان: (ما فسَّر الحسنُ آيةً قَطُّ إلَّا عن الإثبات) (٥) أي إثبات القدر (٦).\n٤٦٢١ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي قالا: نا سفيان، عن أبي النضر، عن عُبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: لا أُلفينَّ) أي لا أجِدَنَّ (أحدَكم متكئًا على أرِيكته) أي سريره (يأتيه الأمر من أمري مِمَّا أمرتُ به أو نَهيتُ عنه) وهو ليس في كتاب الله (فيقول: لا ندري) أي ذلك من أمر دينه، (ما وجدْنا في كتاب الله اتَّبعناه) وما لم نجدْه لم نأخذ به! فلا يفعل ذلك، ولا يقول، وقد تقدَّم هذا الحديث قريبًا، ومناسبته بالباب ظاهرة؛ لأنه يدل على لزوم السنَّة.\n٤٦٢٢ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا إبراهيم بن سعد،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"على\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وابن كثير\".\n(٣) في نسخة: \"قالوا\".\n(٤) في نسخة: \"أن\".\n(٥) الظاهر أنه بالفتح جمع ثبت بمعنى الثقة، أي الذين كانوا يؤمنون بالقدر. (ش).\n(٦) هكذا شرح هذا الكلام الحافظ في \"التهذيب\" (٢/ ٢٧٠)، وهو اختار اللفظ عن حميد: قرأتُ القرآن على الحسن، ففسَّره على الإثبات، يعني على إثبات القدر. (ش).","vol":"13","page":32},{"text":"(ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَر الْمَخْرَمِيُّ وَإبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عن سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا (١) مَا لَيْسَ فِيهِ (٢) فَهُوَ رَدٌّ\". [خ ٢٦٩٧، م ١٧١٨، جه ١٤، حم ٦/ ٢٧٠]\nقَالَ ابْنُ عِيسَى: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَنْ صَنَعَ أَمْرًا عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا فَهُوَ رَدٌّ\".\n٤٦٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ وَحِجْرُ بْنُ حِجْرٍ قَالَا: أَتَيْنَا الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ (٣) فِيهِ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ\n===\nح: ونا محمد بن عيسى قال: نا عبد الله بن جعفر المَخْرَمي وإبراهيم بن سعد، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسولُ الله - ﷺ -: مَنْ أَحدَث في أمرنا) هذا والمراد به الدين (ما ليس فيه) أي بذاته ولا من أصله (فهو رَدٌّ) أي ذلك الأمر مردودٌ.\n(قال ابن عيسى) شيخ المصنف، تفسير \"ما\": (قال النبي - ﷺ -: من صَنَع أمرًا على غير أمرنا) سواء كان في العمل أو الاعقاد (فهو رَدٌّ) أي مردودٌ.\n٤٦٢٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم، نا ثور بن يزيد، حدثني خالد بن مَعدان، حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلَمي وحِجْرِ بن حِجْر قالا: أتينا العِرْباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه: ﴿وَلَا﴾ سبيل (﴿عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾) على المَراكبِ للجهاد (﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هذا\".\n(٢) في نسخة: \"منه\".\n(٣) في نسخة: \"أنزل\".","vol":"13","page":33},{"text":"عَلَيْهِ﴾، فَسَلَّمْنَا وَقُلْنَا: أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ، وَعَائِدِينَ، وَمُقْتَبِسِينَ (١).\nفَقَالَ الْعِرْبَاضُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ هَذِهِ (٢) مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا (٣)؟\nفَقَالَ: \"أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كان عَبْدًا حَبَشِيًّا (٤).\n===\nعَلَيْهِ﴾ (٥)، فسَلَّمْنا وقلنا: أتيناكَ زائرِين) من الزيارة، (وعائدِين) من العيادة، (ومقتبِسِين) أي محصلين نور العلم منك.\n(فقال العِرْباض: صلَّى بنا رسولُ الله - ﷺ - ذات يوم، ثم أقبل علينا) بوجهه، (فَوَعَظَنا موعظةً بليغةً ذَرَفَتْ) أي سَالَتْ (منها العيونُ، ووَجِلَتْ) أي خَافتْ (منها القلوبُ، فقال قائل) لم أقف على تسميته، (يا رسول الله! كأنَّ هذه موعِظَةُ (٦) مُوَدِّعٍ) أي الذي يذهب إلى السفر ويُودِّعُ الناسَ، فإن الموَدعَ - بكسر الدال- عند الوَدَاع لا يترك شيئًا مما يهم المودَّع -بفتح الدال- إلَّا بينه بيانًا واضحًا، (فماذا تعهدُ علينا) أي ماذا توصي إلينا؟ (فقال: أُوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعةِ) للأمراء (وإن كان عبدًا حَبَشيًا).\nقال الخطابي (٧): يريد به طاعةَ مَنْ وَلَّاه الإمامُ، ولم يُرِدْ بذلك أن يكون الإمامُ عبدًا حبَشيًا، وقد يضرب المثل بما لا يَكاد يصحُّ في الوجود، كقوله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"ومستشفِعين\".\n(٢) في نسخة: \"هذا\".\n(٣) في نسخة: \"إلينا\".\n(٤) في نسخة بدله: \"عبدٌ حبَشيٌّ\".\n(٥) سورة التوبة: الآية ٩٢.\n(٦) حقيقة، فقد فهموا بالقرائن أنها موعظة التوديع، أو على التشبيه، أي كما يَعِظُ أحدٌ عند الوَدَاع، كذا في \"الكوكب\" (٣/ ٣٦٧) وهامشه. (ش).\n(٧) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٠٠).","vol":"13","page":34},{"text":"فَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وَكُلَّ بِدْعَةِ ضَلَالَةٌ\". [ت ٢٦٧٦، جه ٤٣، دي ٩٦، حم ٤/ ١٢٦]\n٤٦٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي\n===\n\"من بَنَى لله مَسْجِدًا كَمَفْحَصِ (١) قَطَاةٍ\" (٢)، وقدر مَفْحص قطاةٍ لا يكون مسجدًا لآدمي.\n(فإنه مَنْ يَعِشْ منكم بَعدي) أي بعد موتي (فسيرَى اخْتلافًا كثيرًا) في الدين (فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشِدِين المَهْدِيِّين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ) وهو آخر الأَضْراس، وإنما أراد بذلك الجِدّ في لزوم السنَّة. (وإياكم ومُحدَثَاتِ الأمور) أي احذَرُوها (فإن كلَّ مُحْدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة).\nقال الخطابي (٣): هذا خاص ببعض الأمور دون بعض، وكل شيء أُحدث على غير مثال أصْلٍ من أصول الدين وعلى غير عبارته وقياسه، فأما ما كان منها مبينًا على قواعد الأصول ومردودًا إليها فليس ببدعة ولا ضلالة.\nوفي قوله: \"سُنَّةُ الخُلَفَاءِ\"، دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولًا، وخالف فيه غيره من الصحابة كان المصيرُ إلى قول الخليفة أولى.\n٤٦٢٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن جريج، حدثني\n_________\n(١) المَفْحص: مَفْعل، من الفَحْص، بمعنى البَحْث والكَشْف، كالأُفْحوص، وجمعه: مَفَاحِص. \"النهاية\" (٣/ ٤١٥).\n(٢) القَطَاةُ: واحدة القَطَا، وهو نوعٌ من اليمام، يؤثر الحياة في الصحراء، ويتَّخذ أفحوصه في الأرض، ويطير جماعات، ويقطع مسافات شاسعة، وبيضه مُرقَّط. (ج) قطًا، وقطوات، وقطيات. \"المعجم الوسيط\" (٢/ ٧٤٨).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٠١).","vol":"13","page":35},{"text":"سُلَيْمَانُ (١) - يَعْنِي ابْنَ عَتِيقٍ -، عن طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عن الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"أَلَا هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [م ٢٦٧٠، حم ١/ ٣٨٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>(٧) بَابُ مَنْ دَعَا إلَى السُّنَّةِ </span>(٢)\n٤٦٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، نَا إسْمَاعِيلُ- يَعْني ابْنَ جَعْفَرٍ -، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ- يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ-، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ،\n===\nسليمان - يعني ابن عتيق-، عن طلْقِ بن حبيب، عن الأحنف بن قيس، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: أَلَا) حرف تنبيهٍ (هلك المتنَطِّعون، ثلاث مرات).\nقال في الحاشية: قال الخطابي (٣): المتنطِّع: المتعمِّق في الشيء، المتكلف في البحث عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغُ عقولُهم.\nوقال في \"النهاية\" (٤): هم المتعمِّقون الغالون في الكلام، المتكلِّمون بأقصَى حلقِهم، مأخوذ من النِّطع، وهو الغارُ الأعلى من الفَم، ثم استُعْمل في كل متعمق قولًا وفعلًا.\n\n(٧) (بَابُ مَنْ دعا إلَى) لُزُومِ (السُّنَّةِ)\n٤٦٢٥ - (حدثنا يحيى بن أيوب، نا إسماعيل -يعني ابن جعفر-، أخبرني العلاء -يعني ابن عبد الرحمن-، عن أبيه) عبد الرحمن، (عن أبي هريرة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) في نسخة بدله: \"باب لزوم السنة\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٠١).\n(٤) \"النهاية\" (٥/ ٧٤).","vol":"13","page":36},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ دَعَا إلَى هُدَى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا. وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةِ كَانَ عَلَيْهِ (١) مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ (٢) لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا. [م ٢٦٧٤، ت ٢٦٧٤، جه ٢٠٦، دي ٥١٧، حم ٢/ ٣٩٧]\n٤٦٢٦ - حَدّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ في الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عن أَمْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ\". [خ ٧٢٨٩، م ٢٣٥٨]\n===\nأن رسول الله - ﷺ - قال: من دعا) الناسَ (إلى هدًى كان له من الأجر مثلُ أجورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنقُص) يصيغة المعلوم (ذلك من أجورهم) أي التابعين (شيئًا، ومن دَعا إلى ضلالةٍ كان عليه) أي على الداعي (من الإثم مثلُ آثامِ مَنْ تَبِعه لا يَنقص ذلك من آثامهم شيئًا).\nفإن قلت: هذا بظاهره يخالف قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣).\nقلتُ: لا مخالفةَ بينهما، فإن الداعي إلى الضلالة لم يحمل وِزْرَ التابعين، حتى يخالف هذا، بل ما حمله هو باعتبار التسبيب، بأنه صار سببًا لضلالتهم.\n٤٦٢٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سفيان، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه) سعد بن أبي وقاص (قال: قال رسولُ اللهﷺ -: إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا) أي ذنبًا (من سأل عن أمرٍ لم يُحَرَّمْ فحُرِّم على الناس من أجل مسألته) فصار سببًا لتحريمه على الناس.\nقال الطيبي (٤): هذا في حق مَن سأل عبثًا وتكلفًا فيما لا حاجة به،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فإن عليه\".\n(٢) في نسخة: \"يتبعه\".\n(٣) سورة الأنعام: الآية ١٦٤.\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣١٥).","vol":"13","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1735>(٨) بابٌ في التَّفْضيل</span>\n٤٦٢٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كُنَّا نَقُولُ فِى زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: لَا نَعْدِلُ بِأَبِى بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِىِّ -ﷺ- لَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمْ\". [خ ٣٦٩٨، ت ٣٧٠٧]\n===\nدون من يسأل سؤال حاجة، فإنه يثاب. واحتج بهذا الحديث من قال: أصل الأشياء الإباحة قبل ورود الشرع، حتى يقوم دليل الحظر، وإنما كان أعظم جُرْمًا لتعدي جنايته إلى جميع المسلمين بشؤم سؤاله وإلحاحه.\n\n(٨) (بابٌ في التَّفضِيلِ)\nأي: طريقة السلف في التفضيل بين أصحابه - ﷺ -، وقد خالف فيه أهلُ البدع السلفَ، ومن ههنا شرع الرد على طوائف المبتدعين من الروافض\n٤٦٢٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أسود بن عامر، ثنا عبد العزيز ابن أبي سلمة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (١) قال: كُنا نقول في زمن النبي - ﷺ -: لا نَعدِل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان) ﵃، أي لا نساوي بأبي بكر أحدًا من الصحابة، بل نُفَضِّله على غيره من جميع الصحابة، وكذلك بعد أبي بكر عمر - ﵁ -، وكذلك بعده عثمان.\n(ثم نترك أصحابَ النبي - ﷺ - لا نفاضل بينهم) وفي نسخة: \"لا نُفاضِلُ بينهم\"، ومذهب أهل السنَّة والجماعة في ذلك أفضلية أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، على ترتيب الخلافة.\n_________\n(١) غلطوا هذا الحديث، وإن كان السند صحيحًا، لكن التوجيه ممكن، كما بسطه الحافظ، \"فتح الباري\" (٧/ ١٦، ١٧). (ش).","vol":"13","page":38},{"text":"٤٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ، ثَنَا يُونسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: \"كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ ﵃\".\n٤٦٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، ثَنَا (١) سُفْيَانُ، ثَنَا (٢) جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ (٣)، ثنَا أَبُو يَعْلَى، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قُلْتُ لأَبي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: ثمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ، قَالَ: ثُمَّ خَشِيتُ أَنْ أَقُولَ ثُمَّ مَنْ؟ فَيَقُول: عُثْمَانُ (٤).\n===\n٤٦٢٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، ثنا يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم بن عبد الله: إن ابن عمر) ﵁ (قال: كنا نقول ورسولُ الله - ﷺ - حيٌّ: أفضلُ أُمة النبي - ﷺ - بعده) أي بعد وجوده: (أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان - ﵃-) أي هذا الأمر كان في زمان رسول الله - ﷺ - مُجْمعًا عليه، لا ينكره أحدٌ من الصحابة، ولو كان هذا الاعتقادُ مَبنيًّا على السَّماع من رسول الله - ﷺ -، فحينئذٍ كان ثبوتُه بالنص أيضًا، كما هو بالإجماع.\n٤٦٢٩ - (حدثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، ثنا جامع بن أبي راشد، ثنا أبو يعلى، عن محمد بن الحنفية) هو محمد بن علي بن أبي طالب، وأمه من بني حنيفة، فيُنسب إليها، (قال) محمد: (قلت لأبي) علي بن أبي طالب: (أيُّ الناس خير بعد رسول الله - ﷺ -؟ قال) علي: (أبو بكر، قال) محمد: (قلت) لأبي: (ثم مَنْ؟ قال) علي: (ثم عمر، قال) محمد: (ثم خشيتُ أن أقولَ ثم مَنْ؟ فيقول: عثمان)\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) في نسخة بدله: \"ابن شداد\".\n(٤) في نسخة: \"ثم عثمان\".","vol":"13","page":39},{"text":"فَقُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ يَا أَبَةِ؟ قَالَ: مَا أَنَا إلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. [خ ٣٦٧١]\n٤٦٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ، ثنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي الْفِرْيَابِيَّ- قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَان يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا -﵁- كَانَ أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ (١) مِنْهُمَا، فَقَدْ خَطَّأَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ (٢)، وَمَا أُرَاهُ يَرْتَفِعُ لَهُ مَعَ هَذَا عَمَلٌ إلَى الْسَّمَاءِ.\n٤٦٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (٣) بْنِ فَارِس، ثَنَا قَبِيصَةُ، ثَنَا عَبَّاد السَّمَّاكُ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ:\n===\nومِنْ هذا يُعلم أن عثمان يفضل على عليّ (فقلت: ثم أنت يا أَبَةِ؟ قال) علي: (ما أنا إلَّا رجلٌ من المسلمين).\n٤٦٣٠ - (حدثنا محمد بن مسكين، ثنا محمد -يعني الفِرْيابي- قال: سمعتُ سفيان يقول: من زَعَم) أي قال: (أن عليًّا - ﵁ - كان أحق بالولاية منهما) أي أبي بكر وعمر (فقد خطَّأ أبا بكرٍ وعمرَ) أي نسب الخطأ إلى أبىِ بكر وعمر (والمهاجرين والأنصار) أي جميعهم، (وما أُراه يَرتفعُ له مع هذا) أي مع هذه العقيدة الفاسدة (عملٌ إلى السماء) أي يقبل؛ لأنه مُبتدع مخالف لعقيدة السلف.\n٤٦٣١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا قَبيصة، ثنا عبَّاد السمَّاك) قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): عباد السماك، عن سفيان الثوري، وعنه قَبيصة بن عقبة، وقال في \"التقريب\" (٥): مجهول، (قال: سمعت سفيان يقول:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بالخلافة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رضي الله، عن جميعهم\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١١١).\n(٥) \"تقريب التهذيب\" (٣١٧٣)","vol":"13","page":40},{"text":"الْخُلَفَاءُ خَمْسَةٌ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -﵃-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1736>(٩) بَابٌ في الْخُلَفَاءِ</span>\n٤٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ مُحَمَّد: كَتَبْتُهُ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) - ﷺ -، فَقَالَ: إنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ ظُلَّةً يَنْطِفُ مِنْهَا السَّمْنُ وَالْعَسَلُ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ بِأَيْدِيهِمْ،\n===\nالخلفاء خمسة) أي على سيرة النبوة والخلافة الراشدة (أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز - ﵃-)، وهذا ليس بطريق الحصر، فإن مفهوم العدد لا يعتبر.\n\n(٩) (بَابٌ في الْخُلَفَاءِ) (٢)\n٤٦٣٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا عبد الرزاق، قال محمد) بن يحيى بن فارس: (كتبته) أي هذا الحديث (من كتابه) وإنما أطلق عليه \"حدثنا\" مجازًا، (قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان أبو هريرة يحدث أن رجلًا (قال الحافظ) (٣): لم أقف على تسميته (أتى إلى رسول الله - ﷺ -، فقال) أي الرجل: (إني أرَى الليلةَ ظُلَّةً) أي سَحابة (يَنْطِف) أي يقطر (منها السَّمْنُ والعَسَلُ، فَأَرَى الناسَ يتكفَّفون بأيديهم) أي يأخذونه بإكفهم\n_________\n(١) في نسخه: \"النبي\".\n(٢) يقال: إن الأَنهار الأربعة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [١٥] في سورة محمد مفسرة بالخلفاء الأربعة، ولذا رُوي في عمر﵁ - اللبن في منامه ﵇، كذا في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٢٠٢). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٣٣).","vol":"13","page":41},{"text":"فَالْمُسْتَكثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مَن السَّمَاءِ إلَى الأَرْضِ، فَأَرَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ بهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمًّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ فَعَلَا بِهِ.\nقَالَ (١) أَبُو بَكْرٍ: بِأَبِي وَأُمّي لَتَدَعَنِّي فَلأَعْبُرُنَّهَا (٢)، فَقَالَ: اعْبُرْهَا.\nفَقَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ: فَظُلَّةُ الإسْلام، وَأَمَّا مَا يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ: فَهُوَ الْقُرْآنُ لِينُهُ وَحَلَاوَتُهُ، وَأَمَّا الْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ: فَهُوَ الْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ مِنْهُ. وَأَمَا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأَرْضِ: فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللهُ، ثُمَّ يأخذُ بِهِ\n===\n(فالمُستكثِرُ والمستقِلُّ) أي بعض منهم الآخذ كثيرًا، ومنهم من يأخذ قليلًا.\n(وأرَى سببًا) أي حبلًا (واصلًا من السماء إلى الأرض، فأراك يا رسول الله أخذتَ به فعلوتَ به، ثم أخذ به رجلٌ آخرُ) وهو أبو بكر (فَعَلا به، ثم أخذ به رجلٌ آخر) وهو عمر (فَعَلا به، ثم أخذ به رجلٌ آخرُ) وهو عثمان (فانقطع، ثم وُصِل فَعَلا به).\n(قال أبو بكر: بأبي وأمي) أي أنت مفديٌّ بأبي وأمي (لتَدَعَنِّي) أي لتأذنني (فلأعْبُرُنها، فقال) رسول الله - ﷺ -: (اُعبرْها).\n(فقال: أما الظُّلَّة: فظُلَّة الإِسلام، وأما ما ينطف من السمن والعسل: فهو القرآن لِينه وحلاوتُه، وأما المُسْتَكْثِرُ والمستقِلُّ: فهو المستَكْثِر من القرآن والمستقِلُّ منه).\n(وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض: فهو الحق الذي أنت عليه، تأخذ به) أي تمسكه (فيُعْليك الله، ثم يأخذُ به) أي بالحق\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"فَلَأَعْبُرُهَا\".","vol":"13","page":42},{"text":"بَعْدَكَ رَجُل فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْفو بِهِ، ثُمِّ يَأخُذُ بِهِ رَجلٌ (١) فينقطعُ، ثمَّ يُوصَل لَهُ فيَعْلُو بهِ، أَيْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لتحَدِّثَنِّي أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأتُ؟ فَقَالَ (٢): \"أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأتَ بَعْضًا\".\nفَقَالَ: أَقْسَمْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَتُحَدِّثَثّي مَا الَّذِي أَخْطَأتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا تُقْسِمْ\". [خ ٧٠٤٦، م ٢٢٦٩، ت ٢٢٩٣، جه ٣٩١٨]\n===\n(بعدك رجل) آخر (فيعلو به، ثم يأخذ به رجل) آخر (فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع) ذلك الحبل، (ثم يُوصَل له فيعلو به، أَيْ) حرف نداءٍ (رسولَ الله) - ﷺ - (لتحدثَنّي) أي أخبرني (أصبتُ أم أخطاتُ) في تعبير الرؤيا؟ (فقال) رسولُ الله - ﷺ -: (أصبتَ بعضًا وأخطأت بعضًا).\n(فقال) أبو بكر: (أقسمتُ يا رسول الله! لتحدثَنّي) أي لتخبرني (ما الذي أخطأتُ، فقال النبي - ﷺ -: لا تُقسم) (٣). قال المنذري (٤): أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.\nقوله: \"ثم يأخذُ به بعدك\" هو أبو بكر، \"ثم يأخذُ به رجلٌ آخرُ\" هو عمر، \"ثم يأخذُ به رجلٌ آخر فينقطع\" هو عثمان. فإن قيل: لو كان معنى \"ينقطع\" قُتِل لكان سبب عمر مقطوعًا أيضًا. قيل: لم ينقطع سبب عمر لأجل العلو، إنما هو قطع لعَدَاوة مخصوصةٍ، وأما قتل عثمان فهو من الجهة التي علا بها، وهي الولاية، فجعل قتله قطعًا. وقوله: \"ثم وصل\" يعني بولاية علي.\nوقيل: إن معنى كتمان النبيﷺ - موضع الخطأ، لئلا يحزن الناسُ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"آخر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"النبي - ﷺ -\".\n(٣) لعله - ﷺ - لم يُعبِّر لئلا يحزن عثمان، أو لما وَرَد أن التعبير للمُعَبِّر الأول، خلافًا للبخاري، إذ قيده في \"صحيحه\" بالتبويب \"إذا أصاب في التعبير\"، وبسطه الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٤٣٥ - ٤٣٨)، وصاحب \"المجمع\" (٢/ ٢٦٥). (ش).\n(٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٢).","vol":"13","page":43},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nما يُعارض لعثمان. وفيه: جواز سكوت العابر وكتمه عبارة الرؤيا إذا كان فيها ما يكره، وفي السكوت عنها مصلحة، انتهى (١).\nقال الخطابي (٢): وقد اختلف الناس في معنى قوله: \"أصبتَ بعضًا وأَخْطأتَ بعضًا\" فقال بعضهم: أراد به الإصابة في عبارة بعض الرؤيا، والخطأ في بعضها.\nوقال آخرون: بل أراد بالخطأ ها هنا تقديمه بين يدي رسول الله - ﷺ - ومسألته الإذن في تعبير الرؤيا، ولم يترك النبي - ﷺ - ليكون هو الذي يعبرها، فهذا موضع (٣) الخطأ.\nوأما الإصابةُ فهو ما تأوله في عبارة الرؤيا وخروج الأمر في ذلك على ما قاله، وبلغني عن أبي جعفر رواية عن بعض السلف أنه قال: موضع الخطأ في عبارة أبي بكر أنه مخطئ أحد المذكورين من السَّمْن والعَسَل، فقال: وأما ما يَنْطفُ من السمن والعسل فهو القرآن لِينُه وحلاوتُه، وإنما أحدهما القرآن والآخرُ السنَّةُ، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يقال: إن المراد من الانقطاع: هو ترك الطريقة التي كان عليها رسول لله - ﷺ - وأبو بكر وعمر﵄- بأنهم لم يؤثروا في إعطاء الولايات أقاربهم، وعثمان مشى خِلافَ تلك الطريقة، فآثرهم حتى نشأت الشكاية في ذلك بين الصحابة، وصار ذلك سببًا للخروج عليه وقتله، والمراد بالوصل: أن عثمان﵁ - قُتِل، فصار قتلُه ظلمًا سببًا للوصل برفع الدرجات.\n_________\n(١) أي كلام المنذري، كما في \"عون المعبود\" (١٢/ ٢٥٢)، ولم أجد كلام المنذري بهذا التفصيل في \"مختصره\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥).\n(٣) ذكر الشاه ولي الله في \"إزالة الخفاء\" (١/ ٥٧): أن الخطأ في ترك تسميتهم عندي، وبه جزم في موضع آخر، وقال: كان أبو بكر - ﵁ - يعرف أسماءهم، واستدل عليه بشواهد. (ش).","vol":"13","page":44},{"text":"٤٦٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، ثَنَا سُلَيْمَان بْنُ كَثِيرٍ، عن الزُهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذ الْقِصَّةِ، قَالَ: فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَهُ. [انظر مَا قبله]\n٤٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، ثَنَا الأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ ذَاتَ يَوْم: \"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ \"، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ، فَرُجِحْتَ (١) أَنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَوُزِنَ (٢) أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَرُجِحَ (٣) أَبُو بَكْرٍ،\n===\n٤٦٣٣ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - بهذه القصة، قال: فأبى أن يخبره).\nفإن قلت: قد أمر النبيُّ - ﷺ - بإبرار القسم. قال النووي (٤): إنما لم يبر النبي - ﷺ - قسم أبي بكر؛ لأن إبرار القسم مخصوص بما إذا لم يكن فيه مَفسَدة ولا مَشَقة ظاهرة، فإن وجد فلا إبرار، انتهى.\n٤٦٣٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن النبي - ﷺ - قال) للناس الحاضرين (ذات يوم: مَنْ رَأَى منكم رُؤيا؟ فقال رجل) لمِ أقف على تسميته: (أنا، رأيت) ثم قَصَّ رؤياه: (كأن ميزانًا نزل من السماء فَوُزِنتَ أنت وأبو بكر، فرُجحتَ أنت بأبي بكر) أنت غلبت وزِدتَ نسبة أبي بكر، (وَوُزِنَ أبو بكر وعمر، فرُجحَ أبو بكر،\n_________\n(١) في نسخة: \"فرَجَحت\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ثم وُزِنَ\".\n(٣) في نسخة بدله: \"فرَجح\".\n(٤) انظر: \"فتح البارى\" (١٢/ ٤٣٦).","vol":"13","page":45},{"text":"وَوُزِنَ (١) عُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرُجِحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ، فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةَ في وَجْهِ رَسُولِ اللَهِ - ﷺ -. [ت ٢٢٨٧، حم ٥/ ٤٤]\n٤٦٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عن عَلِيٍّ بْنِ زيدٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِيِ بَكْرَةَ، عن أَيلىِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺقالَ ذاتَ يَوْمٍ: \"أَيُّكُمْ رَأَى رُؤْيَا؟ \"، فَذكَرَ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَرَاهِيَةَ. قَالَ: فَاسْتَاءَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَعْنِي فَسَاءه ذَلِكَ، فَقَالَ: \"خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ، ثُمَّ يُؤْتي اللَّه الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ\". [حم ٥/ ٤٤]\n===\nوَوُزِنَ عمر وعثمان، فَرجحَ عمر، ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهيةَ (٢) في وجه رسول الله - ﷺ -).\n٤٦٣٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن علي بن زيد (٣)، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه) أبي بكرة، (أن النبي - ﷺ - قال ذات يوم: أَيُّكم رأَى رُؤيا؟ فذكر معناه، ولم يذكر الكراهية، قال: فَاسْتَاءَ لها) افتعال من السوء، أي اغْتَم لها (رسول الله - ﷺ -، يعني فَساءَه ذلك، فقال: خِلافةُ نبوَّةٍ) يعني الذي رأيت، (ثم يؤتي اللهُ المُلْكَ من يَشَاء) كأنه إشارة إلى انقطاع ما كان متصلًا من أمر الخلافة باتفاق بين المسلمين.\nفإن قلتَ: هذا يدل على أن بعد زمان عثمان يكون المُلْكُ وَتَتِمُّ الخلافةُ على نَهْج النبوة، وهذا مخالف لأهل السنَّة.\n_________\n(١) في نسخة: \"ثم وُزِنَ\".\n(٢) وأجاد الشيخ في \"الكوكب\" (٣/ ٢٠٤، ٢٠٥) في وجه الكراهية، فقال: لا أدري ماذا قالوا، فإن قولهم لم يكن بينهما معادَلة نقض ظاهر، وعدول عن الحق، فإن ما بين عثمان وعلي كما بين أبي بكر وعمر، وهكذا، بل الحق عندي أنه ﵇ تذكر بذكره منامه ما يرد على أمته ... إلخ. (ش).\n(٣) قال المنذري (٧/ ٢٣): في إسناده علي بن زيد، وهو ابن جُدعان القرشي التيْمي، ولا يحتج به.","vol":"13","page":46},{"text":"٤٦٣٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عن عَمْرِو بْنِ أَبَانَ بْن عُثْمَانَ، عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"أرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُل صَالِحٌ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نيطَ بِرَسُولِ الله - ﷺ -، وَنيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ\".\nقَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَمَّا تَنَوُّطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ فَهُمْ وُلَاةُ هَذَا الأَمْرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّه بِهِ نِبِيَّهُ - ﷺ -. [حم ٣/ ٣٥٥، ك ٣/ ٧١]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ وَشُعَيْبٌ، لَمْ يَذْكُرَا عَمْرًا.\n===\nقلتُ: أجاب عنه مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": بأن لفظة \"ثم\" للتراخي، فلا يلزم أن يكون المُلكُ بعد المذكور من غير مُهْلَة، حتى يلزمَ أن لا يكون بعد عثمان خلافة، بل عليٌّ والحسن خلفاء، وبعدهما مُلكٌ وإمارةٌ.\n٤٦٣٦ - (حدثنا عمرو بن عثمان، ثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيدي، عن ابن شهاب، عن عمرو بن أبان بن عثمان، عن جابر بن عبد الله، أنه كان يحدث أن رسول الله - ﷺ - قال: أُرِيَ) بصيغة الماضي المجهول (الليلةَ رجلٌ صالحٌ) يريد به نفسه - ﷺ - (أن أبا بكر نِيطَ) أي عُلِّق (برسول الله - ﷺ -، ونيطَ عمرُ بأبي بكر، ونيطَ عثمانُ بعمر) ﵃.\n(قال جابر: فلما قُمْنا من عند رسول الله - ﷺ - قلنا: أَمَّا الرجلُ الصالحُ: فرسولُ الله - ﷺ -، وأَمَّا تَنَوُّطُ) أي تعلُّقُ (بعضِهم ببعضٍ فهم وُلاة هذا الأمر الذي بَعث اللهُ به نبيه - ﷺ -).\n(قال أبو داود: رواه يونس وشعيب (١)، لم يذكرا عمرًا) أي عمرو بن أبان بن عثمان، فعلى هذا يكون السند منقطعًا؛ لأن ابن شهاب لم يسمع من جابر بن عبد الله، قاله المنذري (٢).\n_________\n(١) رواية يونس أخرجها البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٦/ ٣٤٨)، وأما رواية شعيب فلم أقف عليها.\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٣، ٢٤).","vol":"13","page":47},{"text":"٤٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَى، نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبيهِ، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُب، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (١)! رَأَيْتُ كَأَنَّ دَلْوًا دُلِّيَ (٢) مِنَ السَّمَاءِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَخَذ بِعَرَاقِيهَا فَانْتَشَطَتْ، وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ مِنْهَا (٣) شَيءٌ. [حم ٥/ ٢١]\n===\n٤٦٣٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عفان بن مسلم، نا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن، عن أبيه) عبد الرحمن، (عن سَمُرة بن جندُب، أن رجلًا قال: يا رسول الله! رأيت) في الرؤيا (كأن دَلْوًا دُلِّيَ) أي أُرْسِلَ (من السماء) أي إلى الأرض، (فجاء أبو بكر فأخذ بِعَراقِيها) (٤) أي بأعوادها التي يُربَط بها الحبلُ (فشرب شُربًا ضعيفًا، ثم جاء عمرُ فأخذ بِعَراقِيها فشرب حتى تضلَّع (٥» أي حتى تمدَّد ضلوعُه، (ثم جاء عثمان) ﵁ (فأخذ بِعَراقِيها فشرب حتى تضلَّع) أي حتى تمدد ضلوعُه.\n(ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانْتَشَطَتْ) أي اضْطَرَبَت، (وانْتَضَح) أي رَشَّ (عليه) أي على علي (منها) أي من الدلوِ (شيء) وفي هذا إشارة إلى أنه لم يجتمع عليه أمر الخلافة، واضطرب الأمرُ، وثَارَ هيجانُ الفتن عليه في زمانه، وبقي مشغولًا في دفع البغي والفساد مما وقع بين المسلمين، ولم يفتح أرضًا من الكفار.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إني\".\n(٢) في نسخة: \"أُدليَ\".\n(٣) في نسخة بدله: \"منه\".\n(٤) \"بعراقِيها\"، العَراقيُّ: جمع عَرقُوة الدَّلْو، وهو: الخشبة المَعرُوضة على فم الدَّلو، وهما عَرقُوتان كالصَليب، وقد عَرْقَيْتُ الدلوَ-إذا ركَبتَ العرقوة فيها. \"النهاية\" (٣/ ٢٢١).\n(٥) تضَلَّع، أي أكثر من الشرب حتى تمدَّد جَنبه وأضلاعه. \"النهاية\" (٣/ ٩٧).","vol":"13","page":48},{"text":"٤٦٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نَا الْوَلِيدُ، نَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن مَكْحُولٍ قَالَ: \"لَتَمْخُرَنَّ الرُّومُ الشَّامَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا (١) لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا (٢) إلَّا دِمَشْقُ وَعَمَّانُ\".\n===\n٤٦٣٨ - (حدثنا علي بن سهل الرملي، نا الوليد، نا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول قال) مكحول: (لَتَمْخُرَنَّ) (٣) المَخرُ: الشقّ، كما أن السفينة تشق الماء في جريها (الرومُ الشامَ أربعين صباحًا لا يمتنع منها) أي عن الشام (إلَّا دمشقُ وعَمَّان) كشدَّاد بالفتح، ثم التشديد، وآخره نون، بَلَدٌ في طرف الشام، وهو المراد في حديث الترمذي: \"من عدن إلى عَمَّان البلقاء\".\nوأما عُمَان بضم أوله، وتخفيف ثانيه: اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند، في شرقي هجَر، أكثر أهلها في أيامنا خوارج إباضية، ليس فيها من غير هذا المذهب إلا طارئٌ غريب، وأهل البحرين بالقرب منهم بضدِّهم، كلهم روافضٌ سبَائيون لا يَكتُمون ولا يتحاشُّون، وليس عندهم من يخالف هذا المذهب، إلا أن يكون غريبًا، كذا في في \"المعجم\" (٤)، والمراد في هذا الحديث الأول لا الثاني. وهذا الحديث موقوف على مكحول.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": ولا يدرى متى يكون ذلك، وكذلك قوله فيما يأتي من بعد: \"سيأتي ملك من ملوك العجم\". انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حتى\".\n(٢) زاد: في نسخة: \"شيء\".\n(٣) \"لتمخرن الروم الشام\"، قال ابن الأثير: أراد أنها تَدخل الشام وتَخوضُه، وتَجُوس خِلالَه، وتتمكَّن منه، فشبه بمَخْر السفينة البحر. \"النهاية\" (٤/ ٣٠٥).\n(٤) \"معجم البلدان\" (٤/ ١٥٠).","vol":"13","page":49},{"text":"٤٦٣٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَامِرٍ المُرِّيُّ، نَا الْوَليدُ، نَا عَبْدُ الْعَزِيز بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الأَعْيَسِ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ سَلْمَانَ يَقُولُ: \"سَيَأتِي مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ يَظْهَرُ عَلَى الْمَدَائِنِ كُلِّهَا إلَّا دِمَشْقَ\".\n٤٦٤٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا بُرْدٌ أَبُو الْعَلَاءِ، عن مَكْحُولٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"مَوْضِعُ فُسْطَاطِ الْمُسْلِمِينَ في الْمَلَاحِمِ أَرْضٌ يقالُ لَهَا: الْغُوطَةُ\".\n===\n٤٦٣٩ - (حدثنا موسى بن عامر المُرِّي، نا الوليد، نا عبد العزيز (١) بن العلاء، أنه سمع أبا الأعْيَس) بفتح التحتانية قبلها مهملة ساكنة (عبد الرحمن بن سلمان) الخولاني الشامي، يقال له: عبيد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (يقول: سيأتي ملك من ملوك العجم يظهر على المدائن كلها إلَّا دِمشق) وهذا أيضًا موقوف على أبي الأَعْيَس، ولعله سمعه من بعض الصحابة، ولعله إشارة إلى ما وقع من تَيْمُور على بلاد الإِسلام (٢).\n٤٦٤٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا بُرْدُ) بن سنان (أبو العلاء) الدمشقي، (عن مكحول، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"موضع فُسطاط (٣) المسلمين في الملاحم) جمع: مَلْحَمَة، وهي محلُّ القتال، والمراد ها هنا: القتالُ، ولعله يكون في زمن المهدي ﵇، وأن يكون محلُّ خِيَامِ المسلمين وجنودِهم (أرضٌ يقال لها: الغُوطة) وهي بالضم، ثم السكون وطاء\n_________\n(١) \"عبد العزيز بن العلاء\": كذا في الأصل وفي \"عون المعبود\" (١٢/ ٣٩١) وفي النسخ المطبوعة لـ \"سنن أبي داود\"، وليس في كتب رجال الستة مترجم بهذا الاسم، وجاء في \"تحفة الأشراف\" (١٨٩٦٢): عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وهو مترجم في \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٤٠٥) رقم (٣٤٧١) وفروعه. وانظر: \"التقريب\" (٣٥٤٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٥٠، ٣٥١).\n(٢) انظر: \"تاريخ الدولة العلية العثمانية\" (١/ ١٤٦).\n(٣) أي: محل اجتماعهم، والفسطاط في اللغة بالضم والكسر: المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط. \"النهاية\" (٣/ ٤٤٥).","vol":"13","page":50},{"text":"٤٦٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو ظَفَرٍ عَبْدُ السَّلَامِ، نَا جَعْفَرٌ، عن عوفٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: إنَّ مَثَلَ عُثْمَانَ عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ يَقْرَؤُهَا وُيفَسِّرُهَا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يُشِيرُ إلَيْنَا بِيَدِهِ وَإلَى أَهْلِ الشَّامِ.\n===\nمهملة، هي الكورة التي منها دمشق، استدارتها ثمانية عشر ميلًا، يحيط بها جِبالٌ عاليةٌ من جميع جهاتها، ولا سيما من شماليها، فإن جبالها عالية جدًّا، ومياهها خارجة من تلك الجبال، وهي بالإجماع أنزه بلاد الله، وأحسنها منظرًا، وهي أحدى جنان الأرض الأربع، وهي: الصُّغْد، والأبُلّة، وشِعب بوان، والغُوطة، وهي أجلُّها (١).\n٤٦٤١ - (حدثنا أبو ظَفَر عبد السلام، نا جعفر، عن عوف قال: سمعت الحجاج يخطب وهو يقول: إن مَثَلَ عثمان عند الله كمثلِ عيسى ابن مريم، ثم قرأ هذه الآية) التي تأتي بعد ذلك (يقرؤها ويفسرها) وهي قوله تعالى: (﴿إِذ قَالَ اَللهُ) تعالى: (﴿يَا عِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، يشير) أي الحجاجُ (إلينا بيده و) يشير (إلى أهل الشام).\nفالإشارة إلى عوف ومنْ مثله من غير أهل الشامِ في قوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فالإشارة إليهم: بأنهم كَفَرُوا بعثمانَ، والإشارةُ إلى أهل الشام بأنهم اتبعوه، وجعلهم اللهُ فوق الكفار بأن أعطى فيهم الخلافةَ، وجَعَلَهم أُمَراء وسلاطِينَ، ونَزَعَ المُلْكَ من أيدي الذين كفروا به، وجعلهم أَذِلَّاء ليس بأيديهم إلَّا الذلَّة والهَوان.\n_________\n(١) انظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٢١٩).\n(٢) سورة آل عمران: الآية ٥٥.","vol":"13","page":51},{"text":"٤٦٤٢ - حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ، نَا جَرِير، (ح): وَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: نَا جَرِيرٌ، عن الْمُغِيرَةِ، عن الرَبِيع بْنِ خَالِدٍ الضَّبِّي قَالَ: سَمِعتُ الْحَجاجَ يَخْطُبُ، فَقَالَ في خُطْبَتِهِ: رَسولُ أَحَدِكُمِ في حَاجَتِهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ أَمْ خَلِيفَتُهُ في أَهْلِهِ؟ فَقُلْتُ في نَفْسِي: للهِ عَلَيَّ ألاّ أصَلَي خَلْفَكَ صَلَاةً أَبَدًا، وإنْ وَجَدْتُ قَوْمًا يُجَاهِدُونَكَ\n===\n٤٦٤٢ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالْقَاني، نا جرير، ح: ونا زُهير بن حرب قَالَا) هكذا في أكثر النُّسَخ المكتوبة، ولو كان بصيغة الإفراد لكان أحسن، (نا جرير، عن المغيرة، عن الربيع بن خالد الضَّبي قال: سمعت الحجاج يخطب، فقال في خطبته: رسولُ أحدِكم في حاجته أكرمُ عليه أم خليفته في أهله؟ فقلتُ في نفسي: لِلَّهِ عليَّ أن لا أُصلِّيَ خلفَك صلاةً أبدًا، وإن وجدت قومًا يجاهدونك).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"رسولُ أحدِكم في حاجته\"، حمَلَ الربيعُ على ما حملها المحشي: من أنه قَصَد تفضيلَ نفسه والمَرْوانيِّين على الرسول - ﷺ -، وليس بشيء؛ لأن أحدًا منهم لم يكن له تَعرُض بالرسالة، ولا إنكار على النبي - ﷺ -، ولا تَعرُّض بالشَّيخَيْن فيما نعلم، بل الذي ترصدوا له فضل عليّ، وكانوا بصَدَد أن يثبتوا خلافه فىٍ كل أمر، لكونهم من أصحاب عثمان في زعمهم، وكان عليٌّ مخالفه فيما ظنوا.\nفالحق أن الحجاجَ إنما قَصد بذلك الإشارة إلى ما ترك النبي - ﷺ - عثمان في المدينة حين مرضتْ زوجتُه، وإلى إرسال عليٍّ على الحج بكلمات ينادي بهن: \"أَلَا لَا يَطُوْفَنَّ بالبيت عُريَان\" (١)، ولم يعلم أن النبي - ﷺ - أرسل عثمان رسولًا في الحُدَيبيِة، وترك عليًا خليفة في أهله في بعض الغزوات، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٢)، انتهى.\n_________\n(١) في الأصل: \"وغيرها\"، وهو تحريف.\n(٢) سورة النساء: الآية ١٤٣.","vol":"13","page":52},{"text":"لأُجَاهِدَنَّكَ مَعَهُمْ. زَادَ إسْحَاقُ في حَدِيثِهِ قَالَ: فَقَاتَلَ في الْجَمَاجِمِ حَتَّى قُتِلَ.\n٤٦٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا أَبُو بَكْرٍ، عن عَاصم قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: اتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا- لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ- لأَمِيرِ الْمُؤْمِنينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، والله لَوْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ بَابٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَخَرَجُوا مِنْ بَابٍ آخَرَ، لَحَلَّتْ لِي دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ،\n===\n(لأجَاهِدَنَّكَ معهم، زاد إسحاقُ في حديثه: قال) المغيرة: (فقاتل) أي الربيع بن خالد (في الجَماجِم) والمراد بالجَماجِم: دَيرُ الجَماجِم بظاهر الكوفة على سبعة فَرَاسِخ منها على طرف البَرِّ للسالك إلى البصرة، وعند هذا الموضع كانت الواقعة (١) بين الحجاج بن يوسف الثقفي وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، التي كسر فيها ابن الأشعث وقتل من القراء، (حتى قُتِل) الربيع بن خالد في هذه الواقعة.\n٤٦٤٣ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو بكر، عن عاصم قال: سمعتُ الحجاجَ وهو على المِنْبَر) أي على منبر الكوفة (وهو يقول: اتَّقوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُم ليس فيها مَثْنَوِيَّة) أي استثناء (واسْمَعُوا وأَطِيْعُوا ليس فيها مَثْنَوِيَّة) أي استثناء (لأمير المومنين عبد المَلِك) بن مَروان، وكان إذْ ذاك خليفة، وكان الحجاج واليًا من جهته على العراق.\n(والله لو أَمرتُ الناس أن يخرجوا من باب من) أبواب (المسجد) فلم يُطيعوني (فخرجوا من باب آخر، لحَلَّتْ لي دماؤهم وأموالهم) وهذ (مثال لقوله: \"اِسْمَعُوا وأَطِيْعُوا لَيْسَ فيها مَثْنَوِية\" بوجوب الإطاعة في جميع ما يأمرُ هو وأُمراؤه.\n_________\n(١) كانت الواقعة سنة ٨٣ هـ. (ش).","vol":"13","page":53},{"text":"وَاللَّه لوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ، لَكَانَ ذَلِكَ لِي مِنَ الله حَلَالٌ (١). وَيَا عَذِيرِي مِنْ عَبْدِ هُذَيْلٍ، يَزْعُمُ أَنَّ قِرَاءَتَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاللَّه مَا هِيَ إلَّا رَجَزٌ مِنْ رَجَزِ الأَعْرَابِ، مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى نِبيّهِ ﵇، وَعَذِيرِي مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ، يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَرْمِي بِالْحَجَرِ فَيَقُولُ: إلَى أَنْ يَقَعَ الْحَجَرُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ،\n===\n(والله لو أخذتُ ربيعة) قبيلة من عرب (بمُضَر) أي بجزيرة مضر، وهي قبيلة أخرى (لكان ذلك لي من الله حلال).\nغَرَضه: أن الأحكامَ مفوضة إلى رأي الأمَراء والسلاطين، وهذه الأقوال من كُفْرياته؛ لأنه صريح في تحليل الحرام وتحريم الحلال، وإنكار أحكام الشرع، فإن إطاعة الأُمَراء والسلاطين ليس إلا فيما وافق الشرعُ.\n(ويا عَذيري) أي من يعذرني لو قتلتُه أو آذيتُه (من عبدِ هُذيل). قيل: أراد به عبدَ الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه -، وإنما أطلق \"العبد\" عليه تحقيرًا له وخبائة منه، وهذا الذي قاله الحجاج غَلَطٌ وباطلٌ، فإن قراءة عبد الله بن مسعود مَرْوِيةٌ عن رسول الله - ﷺ -، أنزلها اللهُ تعالى عليه، وقد أمر رسولُ الله - ﷺ - بأخذ القراءة من عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n(يزعم أن قراءته من عند الله، والله ما هى إلَّا رَجَزٌ من رَجَز الأعراب، ما أنزلها اللهُ على نبيِّه ﵇) ومراده: تَنْفيرُ الناس عن مُصحَف عبد الله بن مسعود، فإنه لما جَمَع عثمان المصاحفَ لم يعط عبد الله بن مسعود مصحفَه.\n(وعَذِيري من هذه الحمراء) أي الموالي (يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول: إلى أن يقع الحجر قد حدث أمر).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"الحمراء\" أراد بهم العجم، وكانوا يقولون فيما بينهم: إن الفتن قد كثرتْ في أيام عبد الملك والحجاج،\n_________\n(١) في نسخة: \"حلالًا\".","vol":"13","page":54},{"text":"فَوَاللَّه لأَدَعَنَّهُمْ كَالأَمْسِ الدَّابِرِ. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِلأَعْمَشِ فَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.\n٤٦٤٤ - حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شِيْبَةَ، نَا ابْنُ إدرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: هَذِهِ الْحَمْرَاءُ هَبْرٌ هَبْرٌ. أَمَا وَاللَّهِ قَدْ قَرَعْتُ عَصًا بِعَصًا لأَذَرَنَّهُمْ كَالأَمْسِ الذَّاهِبِ - يَعْني الْمَوَالِيَ-.\n٤٦٤٥ - حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، نَا جَعْفَرٌ- يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ-، نَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن شَرِيكٍ، عن سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ قَالَ: جَمَّعْتُ\n===\nبحيث لو رمَى رامٍ بحجر لكان الحَجَر لم يصلْ إلى الأرض إلَّا وقد حدثت فتنة، وهو كناية عن كثرتها وتتابعها في الوجود (فوالله لأدَعنَّهم) أي لأَترُكنَّهم معدومين (كالأمس (١) الدابر) أي اليوم الماضي.\n(قال) عاصم: (فذكرتُه للأعمش فقال: أنا والله سمعته) أي هذا الكلام (منه) أي من الحجاج.\n٤٦٤٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن إدريس، عن الأعمش قال: سمعت الحجاج يقول على المنبر: هذه الحمراء) أي الموالي أهل العجم (هَبْرٌ هَبْرٌ) أي قطْع قطْع، يعني يستحقون القتلَ والقطعَ، (أما والله لو قد قَرَعْت عَصًا بعَصًا لأذَرَنَّهم) أي لأَتْرُكَنَّهم (كالأمس الذاهب، يعني) بالحمراء (الموالي).\n٤٦٤٥ - (حدثنا قَطَن بن نُسير، نا جعفر - يعني ابن سليمان-، نا داود بن سليمان، عن شريك، عن سليمان الأعمش قال) أي الأعمش: (جمَّعت) من\n_________\n(١) \"الأمس الدابر\": اليوم الماضي لا يعرف على التعيين، لأن كلمة \"أمس\" إذا نُكِّرَتْ أريد بها اليوم السابق على التحديد، وإذا عُرِّفت فأدخل عليها أن للتعريف \"الأمس\" أطلقت على يوم غير معين.","vol":"13","page":55},{"text":"مَعَ الْحَجَّاجِ فَخَطَبَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عيَّاشٍ قَالَ فِيهَا (١): فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِخَلِيفَةِ اللَّهِ، وَصَفِيِّهِ (٢) عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَلَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ. وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْحَمْرَاءِ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>(١٠) بَابٌ في الْخُلَفَاءِ</span>\n٤٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، نَا الأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ\n===\nالتجميع، أي صليت الجمعةَ (مع الحجاج فخطب، فذكر) قَطَن بن نُسير نحو (حديث أبي بكر بن عيَّاش قال فيها: فاسْمَعوا وأَطِيعوا لِخليفة الله وصَفِيِّه عبد الملك بن مروان، وساق الحديث، قال: ولو أخذتُ رَبيعةَ بمُضَر، ولم يذكر) قَطَنُ بن نُسر (قصة الحمراء)،\n\n(١٠) (بَابٌ في الْخُلَفَاءِ) (٤)\n٤٦٤٦ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن عبد الله الأنصاري، نا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن النبي - ﷺ - قال\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فيه\"\n(٢) في نسخة: \"لِصَفيه\".\n(٣) والأحاديث من رقم ٤٦٣٨ إلى ٤٦٤٥، ذكرها المزي في \"تحفة الأشراف\" بأرقام (١٩٤٦٤، ١٨٩٦٢، ١٩٤٥٩، ١٩١٨٣، ١٨٦٣٢، ١٨٨٥١، ١٨٧٨٤، ١٨٨٥١ أيضًا حسب ورودها هنا). وقال المزي في كل حديث بعد إيراده وعزوه إلى أبي داود: قيل: إنه في رواية اللؤلؤي وحده إلا في حديث علي بن سهل.\n(٤) وبسط في \"إزالة الخفاء\" بمواضع من كتابه في الاستدلال على صحة خلافة الخلفاء الراشدين بصدق ما أخبر به النبيُّ - ﷺ - من الفتوحاتِ الآتية والأخبارِ المَغِيبة، ووقوع هذه كلها على أيديهم، انتهى. وأخرج أيضًا برواية الحاكم: عن حذيفة، قالوا: يا رسول الله! لو استخلفت علينا؟ قال: \"إن أستخلف عليكم خليفة فتعصوه ينزل بكم العذاب\" ... قالوا: لو استخلفت علينا عليًّا - ﵁ - قال: \"إنكم لا تفعلوا، وإن تفعلوه تجدوه هاديًا مهديًّا يسلك بكم الطريق المستقيم\" انتهى. [انظر: \"المستدرك\" ٣/ ٧٠، رقم ٤٤٣٥]. (ش).","vol":"13","page":56},{"text":"ذَاتَ يَوْمٍ: \"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ \"، فَقَالَ رَجُلٌ، أَنَا رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ (١) مِنَ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ، فَرُجِحْتَ أَنْتَ بِأَبِى بَكْرٍ. وَوُزِنَ عُمَرُ وَأَبُو بَكْرٍ، فَرُجِحَ أَبُو بَكْرٍ. وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرُجِحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ. فَرَأَيْنَا (٢) الْكَرَاهِيَةَ فِى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. [ت ٢٢٨٧، حم ٥/ ٤٤]\n٤٦٤٧ - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عن سَفِينَةَ قَال: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّه الْمُلْكَ (٣) مَنْ يَشَاءُ\" إلَى آخِرِ الْحَدِيث.\n(ح): ونَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، نَا (٤) هُشَيْمٌ، عَن الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَب، الْمَعْنَى جَمِيعًا،\n===\nذات يوم: مَنْ رأَى منكم رُؤيا؟ فقال رجلٌ: أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوُزِنتَ أنت وأبو بكر، فرجحتَ أنت بأبي بكر، ووُزِن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووُزِن عمر وعثمان، فرجَح عمر، ثم رُفع الميزان، فرأينا الكراهيةَ في وجه رسول الله - ﷺ -)، وهذا الحديث قد تقدم قريبًا، وهاهنا مكرَّر.\n٤٦٤٧ - (حدثنا سَوّارُ بنُ عبد الله، نا عبد الوارث بن سعيد، عن سعيد بن جُمْهان، عن سَفينة) مولى رسول الله - ﷺ - (قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: خلافةُ النبوةِ ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله المُلك من يشاء، إلى آخر الحديث).\n(ح ونا عمرو بن عون (٥)، نا هُشيم، عن العوام بن حَوْشَب، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (جميعًا) كلاهما، أي عبد الوارث بن سعيد وعوام بن\n_________\n(١) في نسخة: \"أنزل\".\n(٢) في نسخة،: \"فرأيت\".\n(٣) زاد في نسخة: \"أو قال: مُلكَه\".\n(٤) في نسخة بدله \"أنا\".\n(٥) قال المزي \"التحفة\" (٤٤٨٠): حديث عمرو بن عون في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم.","vol":"13","page":57},{"text":"عن سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عن سَفِينَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّه الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ\". [ت ٢٢٢٦، حم ٥/ ٢٢٠]\nقَالَ سَعِيدٌ: قَالَ لي سَفِينَةُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ: أَبَا بَكْرٍ (١) سَنَتَيْنِ، وَعُمَرَ عَشْرًا، وَعُثْمَانَ اثْنَي عَشَرَ، وَعَلِيٌّ (٢) كَذَا، قَالَ سَعِيدٌ: قَلْتُ لِسَفِينَةَ: إنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ\n===\nحَوْشَب رَوَيا (عن سعيد بن جُمْهان، عن سَفينة قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: خلافةُ النبوةِ ثلاثون سنة (٣)، ثم يؤتي الله المُلكَ من يشاء، أو ملكه من يشاء).\n(قال سعيد) بن جُمْهان: (قال لي سَفينة) وأخذ بيدي وقال يقبض أصابعي: (أَمْسِكْ عليك: أبا بكر سنتين) أي مدة خلافته (وعمر عشرًا، وعثمان اثني عشر، وعليّ كذا) أي ست سنين، وأسقط فيها الكسرات.\n(قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء) أي بني مروان (يزعمون) أي يقولون\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أبو بكر\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عليًّا\".\n(٣) فإن أبا بكر بويع له بعد وفاته - ﷺ - في أولى الربيعين سنة ١١ هـ، وتُوفي ﵁ في جمادى الأولى سنة ١٣ هـ، كما في \"التقريب\" (٣٤٩٠). وجزم السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٩٣، ٩٤) بجُمادَى الأخرى، فبُويع لعمر - ﵁ - باسْتِخلاف من الصديق الأكبر، ثم توفي ﵁، واستشهد في ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا، كما في \"التقريب\" (٤٩٢٢)، فبُويع لعثمان - ﵁ -، ثم استشهد في ذي الحجة سنة ٣٥ هـ. \"التقريب\" (٤٥٣٥)، وولي ثنتي عشرة سنة، فبُويع لعليٍّ - ﵁ -، ثم استشهد ﵁ في رمضان سنة ٤٠ هـ. \"التقريب\" (٤٧٨٧).\nوتُوفي الإمَام الحسن - ﵁ - شهيدًا بالسَمِّ سنة ٤٩ هـ، وقيل: سنة ٥٠ هـ، وقيل بعدها، كذا في \"التقريب\" (١٢٧٠)، وقال السيوطي: في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٢١٧، ٢١٨): ولي الحسن الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعة أهل الكوفة، فأقام فيها ستة أشهر وأيامًا، ثم سار إليه معاوية، والأمر إلى الله، فنزل بعد اللُّتَيَّا واللتي في ٤١ هـ في شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر، وقيل: جُمادى الأولى، انتهى. (ش).","vol":"13","page":58},{"text":"أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ بِخَلِيفَةٍ (١)، قَالَ: كَذَبَتْ أَسَتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاء.- يَعْنِي بَنِي مَرْوَانَ-.\n٤٦٤٨ - حَدَّثَنّا مُحَمَّدُ بنُ الْعَلَاءِ، عَنِ ابْنِ إدْرِيس، أَنَا حُصَيْنٌ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِم الْمَازِنيِّ، وَسُفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ الْمَازِنيِّ- قَالَ:\n===\n(أن عليًّا لم يكن بخليفة، قال) سفينة: (كذبت أَسْتَاهُ بَني الزَّرقاء).\nقال في الحاشية: الأستاه: جمع است، وهو العجز، ويُطلق على حلقة الدبر، وأصلها سَتَه بفتحتين، والمراد أنه كلمة كاذبة خرجت من دُبُرهم، والزَّرْقاء امرأة من أمهات بني أمية، (يعني بني مروان) شبه الكلمة الكاذبة القبيحة بما يخرج من الدبر من الريح المُنْتِنَة، فاستعار للأفواه الأَستاه.\n٤٦٤٨ - (حدثنا محمد بن العلاء، عن ابن إدريس، أنا حُصَين، عن هلال بن يَساف، عن عبد الله بن ظالم المازني، وسفيان) عطف على ابن إدريس، فكما أن ابن إدريس يروي عن حُصَين، عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، كذلك يروي سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.\nوالدليل على ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\": حدثنا عبد الله، ثني أبي، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن حُصَين ومنصور، عن هلال بن يَساف، عن سعيد بن زيد، قال وكيع مرةً: قال منصور: عن سعيد بن زيدٍ، وقال مرةً: حُصَين، عن ابن ظالم، عن سعيد بن زيد.\nفالحاصل: أن هذا السند يدل على أن سفيان يروي عن حصين ومنصور. وأخرج أبو داود حديث سفيان عن منصور فقط، والإمام أحمد أخرج روايته عن كليهما: حُصَين ومنصور.\n(عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن عبد الله بن ظالم المازني، قال)\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"خليفة\".","vol":"13","page":59},{"text":"ذَكَرَ سُفْيَانُ رَجُلًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِم الْمَازِنيِّ- قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زيدِ بْن عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ فُلَانٌ إلِى الْكُوفَةِ أَقَامَ فُلَانٌ خَطِيبًا. فَأَخَذ بِيَدِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: أَلَا تَرَى إلَى هَذَا الظَّالِمِ، فَأَشهَدُ (١) عَلَى التِّسْعَةِ أَنَّهُمْ في الْجَنَّةِ، وَلَوْ شهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ أَيْثَمْ (٢) - قَالَ ابْنُ إدْرِيس: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: آثَمْ- قُلْتُ: وَمَنِ التِّسْعَةُ؟\n===\nابن إدريس (٣): (ذكر سفيان رجلًا فيما بينه وبين عبد الله بن ظالم المازني) كما سيذكره أبو داود بعد تمام الحديث من رواية الأشجعي، ولكن نسيته.\n(قال) عبد الله بن ظالم: (سمعتُ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل قال: لما قدم فلانٌ) أي معاوية (إلى الكوفة أقام) أي قام (فلان خطيبًا) وأما على نسخة \"أقام فلانًا\" فالضمير في \"أقام\" إلى معاوية، والمراد بـ \"فلان\" الخطيب مغيرة بن شعبة.\nكتب في حاشية المكتوبة الأحمدية: رأيت في بعض الأصول في الهامش: \"فلان\" معاوية بن سفيان، أقام \"فلانًا\" أي المغيرة بن شعبة، وكان في الخطبة تعريضًا بسب عليٍّ - ﵁ -، أو بتفضيل معاوية - ﵁ - عليه ﵁ ونحوه، ولذلك قال سعيد ما قال، انتهى.\nوقال في \"فتح الودود\": ولقد أحسن أبو داود في الكناية عن اسم معاوية ومغيرة بـ \"فلان\" سِتْرًا عليهما في مثل هذا المحل، لكونهما صحابِيين.\n(فأخذ بيدي سعيدُ بن زيد فقال: ألا ترَى إلى هذا الظالم) وأشار إلى الخطيب، (فأشهدُ على التسعة أنهم في الجنة، ولو شهدت على العاشر لم أَيْثَم) بالإمالة، أي لم آثِم.\n(قال ابن إدريس: والعرب تقول: آثم) يعني بغير الإمالة.\n(قلت) وهذا قول عبد الله بن ظالم لسعيد: (ومَنِ التسعة؟\n_________\n(١) فىٍ نسخة: \"فأشهدك\".\n(٢) في نسخة: \"ايثم\".\n(٣) أو محمد بن العلاء، وهو الأظهر، (أسعد الله). (ش).","vol":"13","page":60},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى حِرَاءٍ: \"اُثْبُتْ حِرَاءُ، إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ\".\nقُلْتُ: وَمَنِ التِّسْعَةُ؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ. قُلْتُ: وَمَنِ الْعَاشِرُ؟ فَتَلَكَّأَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا\". [ت ٣٧٥٧، جه ١٣٣، حم ١/ ١٨٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الأَشْجَعِيُّ، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن ابْنِ حَيَّانَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ، بِإسْنَادهِ.\n===\nقال: قال رسولُ الله - ﷺ - وهو على حِراء) جبل بمكة فتحرك: (اُثبتْ حراءُ، إنه ليس عليك إلَّا نبيٌّ أو صدِّيق أو شهيد، قلت: ومن التسعة؟ قال:) أحدهم: (رسولُ الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة (١)، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، قلت: ومَنِ العاشر؟ فتلكَّأ) أي تلبَّث وتأخَّر عن الكلام (هُنيَّة) أي ساعة يسيرة (ثم قال: أنا).\n(قال أبو داود: رواه الأشجعي) (٢)، عبيد الله بن عبد الرحمن، (عن سفيان) الثوري، (عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن ابن حيان). قال في \"تهذيب التهذيب\" (٣): ابن حيان، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد: عشرة في الجنة، وعنه هلال بن يساف، واختلف عليه فيه، ويقال: اسمه حيان بن غالب.\n(عن عبد الله بن ظالم بإسناده) فزاد الأشجعي بين هلال وعبد الله بن ظالم ابنَ حيان، وهو الذي أشار إليه ابن إدريس\n_________\n(١) وكان طلحة مع عائشة -رضي الله- عنها في وقعة الجمل، وقتل فيها، نزلت فيه آية: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، كما ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٨٨، ٥٨٩) بطرق عديدة. (ش).\n(٢) أخرج روايته النسائي في \"الكبرى\" (٨٢٠٦). وعبد الله بن أحمد في \"زوائده\" على \"فضائل الصحابة\" للإمام أحمد (١/ ١١٣) رقم (٨٣)، والدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٤٠٩) رقم (٦٦٣).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٩١).","vol":"13","page":61},{"text":"٤٦٤٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النُّمَيرِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن الْحُرِّ بْنِ الصَّيَّاحِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الأَخْنَسِ، أَنَّهُ كَانَ في الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ رَجُلٌ عليًّا، فَقَامَ سعِيدُ بْنُ زيدٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّه - ﷺ - أَنّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: عَشَرَةٌ في الْجَنَّةِ: النَّبِيُّ - ﷺ - في الْجَنَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ في الجَنَّةِ، وَعُمَرُ في الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ في الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ في الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ في الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ في الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ في الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ في الْجَنَّةِ، وَلَوْ شِئْتُ لَسَمَّيْتُ الْعَاشِرَ.\nقَالَ: قَالُوا (١): مَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ. قَالَ: فَقَالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ زيدٍ، [ت ٣٧٥٧، حم ١/ ١٨٨]\n===\n٤٦٤٩ - (حدثنا حفص بن عمر النميري (٢)، نا شعبة، عن الحُرّ بن الصبّاح، عن عبد الرحمن بن الأخنس، أنه) أي عبد الرحمن (كان في المسجد فذكر رجل عليًّا) بسُوء، (فقام سعيد بن زيد فقال: أشهدُ على رسول الله - ﷺ - أني سمعته وهو يقول: عَشَرة في الجنة: النبي - ﷺ - في الجنة، وأبو بكرٍ في الجنة، وعمرُ في الجنة، وعثمانُ في الجنة، وعليٌّ في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئتُ لسميت العاشر، قال) عبد الرحمن: (قالوا: مَنْ هو؟) أي العاشر (٣) (فسكت، قال) عبد الرحمن: (فقالوا: من هو؟ قال) أي سعيد: (سعيد بن زيد) يعني نفسه.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالوا\".\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"التقريب\" (١٤٢١)، و\"التهذيب\" (٢/ ٤٠٥): \"النَّمَري\"، وهو الصواب.\n(٣) قلت: لم يذكر في الحديث أبا عبيدة بن الجراح، وهو المذكور في أحاديث العشرة المبشرة، كما في \"التلقيح\" (ص ١٢١). انتهى. (ش).","vol":"13","page":62},{"text":"٤٦٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا صَدَقَةُ بْنُ الْمُثَنَّى النَّخَعِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي رِيَاحُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ فُلَانِ في مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، عِنْدَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَجَاءَ سَعِيدُ بْنُ زيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَحَيَّاهُ، وَأَقْعَدَهُ عِنْدَ رِجْلِهِ عَلَى السَّرِيرِ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُال لَهُ: قَيْسُ بْنُ عَلْقَمَةَ فَاسْتَقْبَلَهُ وَسَبَّ (١) فَسَبَّ، فَقَالَ سَعِيدٌ: مَنْ يَسُبُّ هَذَا الرَّجُلُ؟ قَال: يَسُبُّ عَلِيًّا، قَال: أَلَا أَرَى أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - يُسَبُّونَ عِنْدَكَ، ثُمَّ لَا تُنْكِرُ وَلَا تُغَيِّرُ! أَنَا سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - يَقُول- وَإنِّي لَغَنِيٌّ أَنْ أَقُول عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ\n===\n٤٦٥٠ - (حدثنا أبو كامل، نا عبد الواحد بن زياد، نا صدَقة بن المثنى) بن رِياح بكسر الراء المهملة ثم التحتانية ابن الحارث (النخعي) قال أحمد: شيخ صالح، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: ووثقه العجلي. قال: (حدثني جدِّي رِياح بن الحارث) بكسر الأول ثم التحتانية، كوفيٌّ ثقة من الثالثة.\n(قال) رياح: (كنت قاعدًا عند فلان) وهو المغيرة بن شعبة (في مسجد الكوفة، عنده) أي المغيرة (أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، فرحَّب) المغيرة (به) أي بسعيد، (وحيَّاه) بتحية الإِسلام، (وأقعده) أي سعيدًا (عند رِجْله على السرير).\n(فجاء رجلٌ من أهل الكوفة يقال له: قيس بن علقمة فاستقبله) أي استقبل قيس المغيرة أو على العكس (وَسَبَّ فسبَّ) أي يسب سبًّا بعد سبٍّ (فقال سعيد: مَنْ يسبُّ هذا الرجل؟ قال) المغيرة: (يسُبُّ عليًّا، قال) سعيد: (ألا أَرَى أصحاب رسول الله - ﷺ - يُسَبُّون عندك، ثم لا تُنْكِر ولا تُغيِّر) أي لا تنهى عنه ولا تزجر! وفي المثل المشهور: \"إن السفيه إذا لم يُنْهَ مأمور\".\n(أنا سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: وإني لغنيٌّ أن أقول عليه ما لم يقل\n_________\n(١) في نسخة: \"فسبَّ وسبَّ\".","vol":"13","page":63},{"text":"فَيَسْأَلُني عَنْهُ غَدًا إذَا لَقِيتُهُ -: \"أَبُو بَكْرٍ في الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ في الْجَنَّةِ\"، وَسَاقَ مَعْنَاهُ. ثُمَّ قَالَ: لَمَشْهَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَغْبَرُّ فِيهِ وَجْهُهُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمُرَهُ، وَلَوْ عُمِّرَ عُمُرَ نُوْح! \". [جه ١٣٣، حم ١/ ١٨٧]\n٤٦٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، الْمَعْنى، قَالَا: نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، أَنَّ (١) أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - صَعِدَ أُحُدًا، فَتَبِعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ نَبِيُّ اللهِ (٢) - ﷺ - بِرِجْلِهِ وَقَالَ: \"اُثْبُتْ أُحُدُ! نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانَ\". [خ ٣٦٨٦، ت ٣٦٩٧، حم ٣/ ١١٢]\n===\nفيسألُني عنه غدًا إذا لقيته) هذه جملة معترضة بين قوله \"يقول\" ومقولته: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وساق معناه، ثم قال) سعيد: (لَمَشهدُ رجلٍ منهم مع رسول الله - ﷺ - يَغْبرُّ فيه وجهه خيرٌ من عملِ أحدِكم عُمرَه) أي في جميع عمره (ولو عُمِّرَ عمُرَ نوح!).\n٤٦٥١ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، ح: ونا مسدد، نا يحيى المعنى، قالا: نا سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك حدثهم، أن نبي الله - ﷺ - صعِد أُحُدًا فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان، فَرَجَفَ بهم) أي تحرَّك الجبل بهم، (فضربه نبيُّ الله - ﷺ - بِرِجْله وقال: اُثبتْ أحُد!) بتقدير النداء، فما عليك إلَّا (نبيٌّ وصدِّيق وشهيدان) (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) يشكل على نحو هذه الرواية، لا سيما الروايات الصريحة في كونهم المبشَّر بالجنة: ما ورد عنهم لا سيما عن عمر من خوفه على نفسه أن يكون من المنافقين، ويستنبط الجواب مما قال القاري: من أنه لا يجب عليه تعالى شيء، ولذا خاف الأنبياء مع عصمتهم، أو يقال: إن بعض الأمور يكون معلَّقًا على شرائط تفوت بفوتها ... إلخ، وقال أيضًا في حديث الشجرة: أن لا يدخل النار دخولًا يعذب فيها ولا نجاة منه، انتهى.","vol":"13","page":64},{"text":"٤٦٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْيدٍ وَيزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ (١)، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابرٍ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"لَا يدخلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ\". [ت ٣٨٦٠، حم ٣/ ٣٥٠]\n٤٦٥٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن عَاصِمٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، - وَقَالَ مُوسَى: \"فَلَعَلَّ اللَّه\"، وَقَالَ ابْنُ سِنَانٍ -: \"اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ\". [تقدم برقم ٢٦٥٠]\n===\n٤٦٥٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الرملي، أن الليث حدثهم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة)، والمراد بها بيعة الرضوان اليسار إليها في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) الآية.\n٤٦٥٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة، ح: وحدثنا أحمد بن سنان، نا يزيد بن هارون، نا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله - ﷺ -، وقال موسى) بن إسماعيل شيخ المصنف: (فلعل الله) اطَّلع على أهل بَدْر (وقال) أحمد (بن سنان) شيخه الآخر: (اطَّلع اللهُ على أهل بدْر) أي لم يذكر لفظ \"لعل\"، (فقال: اِعْمَلُوا مَا شِئْتُم فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)، كأنه تعالى علم منهم أنه لا يجيء (٣) منهم ما يُنافي المغفرة، فقال لهم: ﴿اعمَلُواْ مَا شِئْتُم﴾ (٤) إظهارًا لكمال الرضا عنهم، وأنه لا يُتوقَّع منهم من الأعمال بحسب الأعم الأغلب إلَّا الخير، فهذا كناية عن كمال الرضا وصَلاح\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثهما\".\n(٢) سورة الفتح: الآية ١٨.\n(٣) ورجَّح الحافظ ما يقع عنهم يكون مغفورًا كما تقدم. (انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٦٣٥). (ش).\n(٤) سورة فُصِّلَتْ: الآية ٤٠.","vol":"13","page":65},{"text":"٤٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَنَ مُحَمَّدَ بْنَ ثَوْرٍ حَدَّثَهُمْ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيَّ، عن عُرْوَةَ بْنٍ الزُّبَيْرِ، عن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: خَرَجَ النَبِيُّ - ﷺ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَذكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَأَتَاهُ (١) عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى (٢) النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَعَهُ السَّيْفُ، وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عن لِحْيَتِهِ (٣)، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. [تقدَّم برقم ٢٧٦٥]\n===\nالحال وتوفيقهم غالبًا للخير، وليس المقصودُ الإذن في المعاصي كيف شاءوا، كذا في \"فتح الودود\".\n٤٦٥٤ - (حدثنا محمد بن عبيد، أن محمد بن ثور حدثهم، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة قال: خرج النبي - ﷺ - زمن الحديبية، فذكر الحديث) أي قصة الصلح.\n(قال: فأتاه عروة بن مسعود) الثقفي من جهة كفار مكة (فجعل يُكلِّم النبيَّ - ﷺ -، فكلما كلَّمه) أي كلما كلَّم عروةُ النبي - ﷺ - (أخذ) عروةُ (بلحيته) الشريفة (والمغيرةُ بن شعبة قائم على النبي - ﷺ - ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَر) هو قلنسوة الحديد، (فضرب) المغيرة (يدَه) أي يد عروة (بنعل السيف) وهو ما يكون في أسفل القِرَاب من فضة وغيرها.\n(وقال) أي المغيرة: (أخِّر يدَك عن لحيته) - ﷺ - (فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ فقالوا: المغيرة بن شعبة)، وكان عروة بن مسعود عمَّ المغيرة بن شعبة، وإنما لم يعرفه لأنه كان مغطى بالسلاح، وإنما ذكر هذا الحديث بعدما ذكر قصة سَبَّ علي - ﵁ - عنده، ليعلم أن المغيرة ممن بايَعَ تحت الشجرة، فلا يحط من منزلته، ولا يقصر في توقيره وإكرامه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"رأس\".\n(٣) في نسخة: \"لحية رسول الله - ﷺ -\".","vol":"13","page":66},{"text":"٤٦٥٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ، عن عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عن أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عن أَبِي خَالِدٍ مَوْلَى آلِ جَعْدةَ، عنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخَذ بِيَدِي، فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي\"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُول اللَّهِ! وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَمَّا إنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يدخلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي\".\n===\n٤٦٥٥ - (حدثنا هنَّاد بن السريّ، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدالاني، عن أبي خالد مولى آل جَعْدة، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: أتاني جبريل ﵇ فأخذ بيدي، فأراني بابَ (١) الجنة الذي تدخل منه أمتي) وذلك في ليلة المعراج، أو في وقت آخر.\n(فقال أبو بكر: يا رسول الله! وَدِدتُ أني كنت معك حتى أنظر إليه) أي إلى باب الجنة كما نظرت أنت إليه (فقال رسول الله - ﷺ -: أما إنك يا أبا بكرٍ) راءٍ إياه عن قريب؛ لأنك (أول من يدخلُ الجنةَ من أمتي) فلا تحزن على ما فاتك من الرؤية.\n_________\n(١) اختلفت الروايات في أبواب الجنة، والمشهور أنها ثمانية، وقد ورد مرفوعًا (\"فتح الباري\" ٦/ ٣٢٩)، والوارد في الروايات أكثر من ذلك كما تقدَّم، وفي رواية إنفاق الزوجين ذكر أربعة: باب الصلاة، والصدقة، والريان، والجهاد، وقال الحافظ (٧/ ٢٨): وللحج باب بلا شك، والسادس للكاظمين الغيظ، والسابع باب المتوكلين، والثامن إما باب العلم أو الذكر أو غيرهما ... إلخ. وقد ورد لكل عامل باب من أبواب الجنة يُدعى منه بذلك العمل، وذكر الحافظ شيئًا منه.\nوذكر القاري (٤/ ٣٩٣، ٣٩٤) برواية الحاكم: أن لها بابًا يقال له: \"باب الضحى\"، وبحديث آخر: \"باب التوبة\"، و\"باب الراضين\"، وفي \"دقائق الأخبار\" (ص ٣٧) برواية ابن عباس: أن للجنة ثمانية أبواب: الأول للأنبياء، والثاني للمصلين المحسنين، والثالث المزكين بطيب أنفسهم ... إلخ. وجزم السيوطي \"في الدرر الجنان\" (ص ٢٣): أن لها ثمانية أبواب، ولم يفصِّلْها، وأخرج البخاري (٣٢٥٧) برواية سهل بن سعد مرفوعًا: =","vol":"13","page":67},{"text":"٤٦٥٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ إيَاسٍ الْجُرَيْرِيَّ أَخْبَرَهُمْ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيَّ، عن الأَقْرَعِ مُؤَذِّنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: \"بَعَثَنِي عُمَرُ (١) إلَى الأسْقُفِّ\n===\n٤٦٥٦ - (حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير) وهو حفص بن عمر، أبو عمر الضرير الأكبر البصري، قال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، عامة أحاديثه محفوظة، وقال ابن حبان: كان من العلماء بالفرائض والحساب والشعر وأيام الناس والفقه، وُلد وهو أعمى، وقال العاقيلي: ثنا محمد بن عبد الحميد، ثنا أحمد بن محمد الحضرمي قال: سألت يحيى بن معين، عن ابن عمر الضرير فقال: لا يرضى، وقال الساجي: وكان يحفظ الحديث، وكان سليمان الشاذكوني يمدحه ويطريه وينسبه إلى الحفظ، وذكروا أن حماد بن سلمة يستذكره الأحاديث وهو حدث، وكان غاية في السنَّة، وله موضع بالبصرة من العلم، وليس له في أبي داود إلَّا هذا الحديث (٢).\n(ثنا حماد بن سلمة، أن سعيد بن إياس الجُرَيْريّ أخبرهم، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن الأقرع موذِّن عمرَ بن الخطاب)، روى له أبو داود هذا الحديث الواحد، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره الذهبي في \"الميزان\" (٣) فقال: لا يُعرف.\n(قال: بعثني عمرُ بن الخطاب إلى الأُسقفّ) (٤) هو كعب الأحبار\n_________\n= في الجنة ثمانية أبواب، وذكر الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٣٢٩) ما ورد من الروايات هذا العدد، ولم يبحث في ذلك بشيء، وسرد الروايات في \"الدر المنثور\" (٥/ ٨٠ - ٨٣)، وقد ورد في \"التنزيل\" لجهنم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ...﴾ الآية [الحجر: ٤٤]. (ش).\n(١) زاد بني نسخة: \"ابن الخطاب\".\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٤١١، ٤١٢).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٢٧٥) رقم (١٠٢٦).\n(٤) الأسقف، بتشديد الفاء، ويجوز فيها التخفيف، وهو لقب رئيس النصارى.","vol":"13","page":68},{"text":"فَدَعَوْتُهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ تَجِدُنِي في الْكِتَاب؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ تَجِدُنِي؟ قَالَ: أَجِدُكَ قَرْنًا (١)، قَالَ: فَرَفَعَ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ، فَقَالَ: قَرْنُ مَهْ (٢)؟ فَقَالَ: قَرْنٌ حَدِيدٌ، أَمِينٌ شَدِيدٌ. قَالَ: كَيْفَ تَجِدُ الَّذِي يَجِيءُ (٣) بَعْدِي؟ فَقَالَ: أَجِدُهُ خَلِيفَةً صَالِحًا غَيْرَ أَنَّهُ يُؤْثِرُ قَرَابَتَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَرْحَمُ الله عُثْمَانَ- ثَلَاثًا-. فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُ الّذِي بَعْدَهُ؟ قَالَ: أَجِدُهُ صَدَأَ حَدِيدٍ،\n===\n(فدعوتُه، فقال له عمر: هل تجدني في الكتاب) أي تجدُ ذكري في التوراة؟ (قال: نعم، قال: كيف تجدني؟ قال: أَجِدُك قَرْنًا، قالَ: فرفع عليه الدِّرَّة) (٤) أي مطايبة، ولم يرد أن يضربه، (فقال: قَرْن مَهْ) أي القرن ما هو؟ (فقال: قرنٌ حديدٌ).\nقال في \"المجمع\" (٥): وحديث عمر والأُسقف: \"قال: أجدك قرنًا، فقال: قَرْنُ مَهْ؟ قال: قَرنٌ من حديد\"، هو بفتح قاف: الحِصْن، وجمعه: قُرُونٌ، ولذا قيل لها: صياصي، انتهى.\n(أمينٌ شديدٌ) أي ذو أمانة، شديد في أمر الله لا يخاف لَوْمَةَ لائم، (قال) عمر - ﵁ -: (كيف تجد الذي يجيء بعدي؟ فقال: أجده خليفة صالِحًا غير أنهُ يُؤثر) أي يرجح (قَرابته، فقال عمر: يرحم الله عثمان! ثلاثًا).\n(فقال) عمر: (كيف تجدُ الذي بعده؟ قال) كعب: (أجده صَدَأَ (٦) حديدٍ)\n_________\n(١) في نسخة: \"قرنًا من حديد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"مه\".\n(٣) زاد في نسخة: \"من\".\n(٤) قوله: \"الدرة\" وهو شيء كالسوط، كان يحمله عمر في يده، يؤدب به في العهد النبوي وفي أيام خلافته، وكان مثله لعثمان وعلي - ﵃-، انظر: \"التراتيب الإدارية\" (١/ ٢٨٨ - ٣٠٠).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(٦) قال ابن الأثير: ويروى صَدَعٌ، أراد دوام لبس الحديد لاتصال الحروب في أيام علي، وما مُني به من مقاتلة الخوارج والبغاة، وملابسة الأمور المشكلة والخطوب المعضلة، ولذلك قال عمر - ﵁ -: \"وادفراه\"، تضجرًا من ذلك واستفحاشًا \"النهاية\" (٣/ ١٥).","vol":"13","page":69},{"text":"قَالَ: فَوَضَعَ عُمَرُ يَدَهُ عَلَى رأْسِهِ فَقَالَ: يَا دَفْرَاهُ يَا دَفْرَاهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إنَّهُ خَلِيفَةٌ صَالِحٌ، وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْلَفُ حِينَ يُسْتَخْلَفُ، وَالسَّيْفُ مَسْلُولٌ، وَالدَّمُ مُهْرَاقٌ\" (١).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالدَّفْرُ: النَّتْنُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>(١١) بَابٌ في فَضْلِ أَصْحَابِ النَّبِي - ﷺ </span>-\n٤٦٥٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنَا. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن قَتَادَةَ، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ،\n===\nأي وسخَه (قال: فوضع عمر يدَه على رأسه) أي على رأسى نفسه، (فقال: يا دَفْراه يا دَفْراه) أي يا نتناه، (فقال) الأُسقفّ: (يا أمير المومنين! إنه خليفة صالح، ولكنه يُستخلفُ حين بُستخلفُ، والسيف مسلولٌ، والدم مُهْراق).\nوهذا الحديث يدل على أن عمر يعلم من يكون خليفة من بعده، ولا علم له إلا من النبي - ﷺ -، غير أنه سأل الأسقف عنه لمزيد الاحتياط والاطمئنان لا ليعلم القصة.\n(قال أبو داود: والدَّفْر: المتن).\n\n(١١) (بابٌ في فَضْلِ أَصْحَابِ النَّبِيَّ - ﷺ -)\n٤٦٥٧ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا، ح: ونا مسدد، نا أبو عوانة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عِمران بن حُصَين قال: قال رسول الله - ﷺ -: خير أمتي) أي خير قرون أمتي (القرنُ الذي بُعِثتُ فيهم).\n_________\n(١) قال المزي بعد إيراد هذا الحديث في \"التحفة\" (١٠٤٠٨) وعزوه بهذا السند لأبي داود: \"لم يذكره أبو القاسم، وهو في الرواية\".","vol":"13","page":70},{"text":"ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ- وَاللَّةُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا- ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُون وَلَا يُوفُونَ، وَيَخُونُون وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَفْشُو فِيهِم السِّمَنُ\". [م ٢٥٣٥، ت ٢٢٢٢، حم ٤/ ٤٢٦]\n===\nقال في \"فتح الودود\" (١): قيل: قرنُه - ﷺ - من أول بعثته - ﷺ - إلى آخر مَنْ مات من الصحابة، وكان مدتُه عشرين ومائة سنة، وقَرْنُ التابعين من سنة مائة إلى نحو سبعين، وقَرنُ أَتْباع التابعين إلى العشرين ومائتين.\nوفي هذا الوقت ظهر البدعُ ظهورًا فاشيًا، وامتُحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوالُ تغيرًا، ولم يزل الأمرُ إلى الآن كذلك، وهذا مصداق قوله - ﷺ -: \"ثم يفشُو الكذب\".\n(ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - واللهُ أعلمُ أَذَكَرَ الثالثَ أم لا- ثم يظهر قوم يَشهدون) كِذْبًا وَزورًا (ولا يُستشهَدون، ويَنذِرُون ولا يُوفون، ويخونون ولا يُؤتَمَنون، ويفشُو فيهم السِّمَنُ).\nقال النووي (٢): قال جمهور العلماء في معناه: المراد كثرة اللحم فيهم، وأنه يكثر ذلك، وقيل: المراد بالسِّمَنِ ها هنا: أنهم يتكثَّرون بما ليس فيهم، ويدّعون ما ليس لهم من الشرف، وقيل: المراد جمعُهم الأموال.\n_________\n(١) وجَزَم صاحب \"إزالة الخفاء\" (٢/ ٥٦٦): أن القرن الأول من الهجرة إلى وفاته - ﷺ -، والقرن الثاني في مفتتح خلافة الصديق إلى مقتل عمر، والثالث: زمن خلافة عثمان، فكل قرن قريب من ثنتي عشرة سنة.\nوينظر: \"الإشاعة في أشراط الساعة\" إذ جعل القرن الرابع زمان المهدي، ويشكل عليه ما ورد: \"مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أولُه خير ... \" إلخ. وأجاب عنه ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٣٠، ١٣١)، والحافظ في \"الفتح\" (٧/ ٦)، وقال: اقتضى الحديث أن يكون الصحابة أفضل، لكن الأفضلية باعتبار المجموع أو الإفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، وإلى الأول ابن عبد البر ... إلخ. (ش).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٨/ ٣٢٨).","vol":"13","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1739>(١٢) بَابٌ في النَّهْيِ عن سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ </span>-\n٤٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ\". [خ ٣٦٧٣، م ٢٥٤١، ت ٣٨٦١، حم ٣/ ١١]\n===\n\n(١٢) (بَابٌ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ (١) رَسُولِ الله - ﷺ -)\n٤٦٥٨ - (حدثنا مسدَّد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد (٢) قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تَسبُّوا أصحابي).\nفإن قلت: لِمنِ الخطاب في قوله: \"لا تَسُبُّوا أصحابي\"، والصحابة هم الحاضرون؟ قلت: لغيرهم من المسلمين المفروضين في العقل، جعل من سيوجد كالموجود الحاضر وجودهم المترقب.\n(فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدُكم مثلَ أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم) هو ربع صاع (ولا نَصِيفه) أي بقدر نصف المد أيضًا.\n_________\n(١) هل يُكفَّر مَنْ سَبَّ الصحابة؟ مختلف فيه جدًّا، كما بسط في مكتوب عزيز الرحمن الكنكوهي الكَجراتي في \"المكتوبات العلمية\"، ورجَّح ابن عابدين (ص ٣٤٤) عدم التكفير، ولابن عابدين رسالة مستقلة في ذلك في \"رسائله\"، وهل يدخل في عمومه النهي عن الكلام فيما تشاجر بينهم.\nوالجملة فيه كما بسطه صاحب \"الإشاعة\" (ص ١٠٠): أنهم مجتهدون في ذلك، لكن عليًا مصيب فله أجران، وغيره خاطئ فله أجر، أما طلحة والزبير وعائشة فمجتهدون قطعًا، ولم يطمعوا في الخلافة، وأما معاوية فمع طمعه في الخلافة لا يُذكر إلَّا بخير؛ لأنه صحابي وصهر له - ﷺ -، وأخبره النبي - ﷺ - أنه يتولى، ودعا له: \"اللهم اجعله هاديًا مهديًّا\"، ولا حاجة إلى الاعتذار عن الخوارج لعنهم النبي - ﷺ -، انتهى.\nوكذا قال الحافظ: إنهم مجتهدون مخطئون، وقال التفتازاني: ما وقع بينهم من المحاربات لم يكن عن نزاع في الخلافة، بل عن خطأ في الاجتهاد، وكذا في \"مكتوبات المجدِّد\" (دفتر أول، الجزء الرابع)، وبسط الكلام في ذلك. (ش).\n(٢) وبسط الحافظ أن الرواية لأبي سعيد، ومن روى لأبي هريرة فقد وَهِمَ. \"فتح الباري\" (٧/ ٣٥، ٣٦). (ش).","vol":"13","page":72},{"text":"٤٦٥٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ، نَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَاصِرُ (١)، عن عَمْرِو (٢) بْنِ أَبِي قُرَّةَ قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ، فَكَانَ يَذْكُرُ أَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - لأُناسٍ (٣) مِنْ أَصْحَابِهِ في الْغَضَب، فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ حُذَيْفَةَ فَيَأتُونَ سَلْمَانَ وَيَذْكُرُونَ (٤) لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ، فَيَقُولُ سَلْمَانُ: حُذَيْفَةُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ. فَيَرْجِعُونَ إلَى حُذَيْفَةَ فَيَقُولُوِنَ لَهُ: قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَكَ لِسَلْمَانَ فَمَا صَدَّقَكَ وَلَا كَذَّبَكَ، فَأَتَى حُذيْفَةُ سَلْمَانَ وَهُوَ في مَبْقَلَةٍ،\n===\n٤٦٥٩ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زائدة بن قُدامة الثقفي، نا عمر بن قيس الماصرُ) (٥) بكسر الصاد المهملة وتخفيف الراء، ابن أبي مسلم الكوفي، أبو الصباح مولى ثقيف، قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة، وقال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال: من الثقات، وأبوه أشهر منه وأوثق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهما -أي في \"الأدب المفرد\" للبخاري وأبي داود- حديث: \"أيما رجل من أمتي سببته\"، وفيه قصة حذيفة مع سلمان.\n(عن عمرو بن أبي قُرَّة قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله - ﷺلأُناس من أصحابه في الغضَب، فينطلقُ ناسٌ ممن سمِع ذلك من حذيفة فيأتون سلمانَ) الفارسي - ﵁ - (ويذكرون له قولَ حذيفة) وحديثَه.\n(فيقول سلمانُ: حذيفةُ أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له) أي لحذيفة: (قد ذكرْنا قولَك لسلمان فما صدَّقك ولا كذَّبك).\n(فأتى حذيفةُ سلمانَ وهو) أي سلمان (في مَبْقَلةٍ) أي أرض ذات بقْل وزرع\n_________\n(١) في نسخة: \"الماصري\".\n(٢) في نسخة: \"عمر\".\n(٣) في نسخة: \"لناس\".\n(٤) في نسخة: \"فيذكرون\".\n(٥) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤٨٩، ٤٩٠).","vol":"13","page":73},{"text":"فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ! مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَدِّقَني بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله -ﷺ-؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: إنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَغْضَبُ فَيَقُولُ في الْغَضَبِ لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيرْضَى فَيَقُولُ في الرِّضَا لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَمَا تَنْتَهِي حَتَّى تُوَرِّثَ رِجَالًا حُبَّ رِجَالٍ، وَرِجَالًا بُغْضَ رِجَالٍ، وَحَتَّى تُوقِعَ اخْتِلافًا وَفُرْقَةً؟ وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَطَبَ فَقَالَ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً، أَوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً في غَضَبِي، فَإنَّمَا أَنَا مِنْ وُلْدِ آدم، أغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإنَّمَا بَعَثَنِي رَحْمَةً لَلْعَالَمِينِ، فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (١)، والله لَتَنْتَهِيَنَّ أوْ لأَكْتُبَنَّ إلَى عُمَرَ (٢). [حم ٥/ ٤٣٧]\n===\n(فقال) حذيفةُ لسلمان: (يا سلمان! ما يمنعك أن تصدِّقني بما سمعت من رسول الله - ﷺ -؟ فقال سلمان: إن رسول الله - ﷺ - كان يغضب) أحيانًا (فيقولُ في الغضَب لناسٍ من أصحابه) بعضَ الكلام، (ويرضَى فيقول في الرضا لناسٍ من أصحابه) بعض الكلام، (أَمَا تَنتهي) عن تحديث هذا الكلام (حتى تورِّثَ) أي تحدث وتنشئ (رجالًا) أي في قلوبهم (حُبَّ رجالٍ و) تحدث (رجالًا) أي في قلوب (بغضَ رجالٍ) من أصحاب النبي - ﷺ -، (وحتى تُوقعَ اختلافًا وفرقة) أي افتراقًا؟\n(ولقد علمتَ أن رسول الله - ﷺ - خطب فقال: أيُّما رجلٍ من أمتي سَبَبْتُه سَبَّةً، أو لعنتُه لعنةً في غضبي، فإنما أنا من وُلْد آدم، أغضبُ كما يغضبون، وإنما بعثني) الله ﷿ (رحمةً للعالمين، فاجعلْها) أي تلك السبَّة واللعنة (عليهم صلاةً) أي رحمة (يوم القيامة، والله لَتنْتَهِيَنَّ) عن تحديثك هذا (أو لأَكْتُبَنَّ إلى عمر) ﵁.\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى يوم القيامة\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: فتحمَّل عليه برجال فكفَّر يمينَه، ولم يكتب إلى عمر، وكفَّر قبل الحِنْث، قال أبو داود: قبل وبعد كله جائز\".","vol":"13","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1740>(١٣) بَابٌ في اسْتخِلَافِ أَبِي بَكْرٍ ﵁</span>\n٤٦٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَني الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: لَمَّا اسْتُعِزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَنَا عِنْدَهُ في نَفَرٍ منَ الْمُسْلِمِينَ، فَى دَعَاهُ بلَالٌ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: \"مُرُوا مَنْ يُصَلِّي لِلنَّاسِ\"، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ، فَإذَا عُمَرُ في النَّاسِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا، فَقُلْتُ: يَا عُمَرُ! قُمْ فَصَلِّ بِالنَّاسِ، فَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ،\n===\n\n(١٣) (بَابٌ في اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ (١) ﵁)\n٤٦٦٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري قال: حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زَمْعَة قال: لما استُعِزَّ).\nقال الخطابي (٢): استُعِزَّ بالمريض: إذا غلب على نفسه من شدة المرض، وأصله من العِزِّ: وهو الغَلَبة والاستيلاء على الشيء، (برسول الله - ﷺ - وأنا عنده في نفرٍ من المسلمين، دعاه) أي رسول الله - ﷺ - (بلالٌ إلى الصلاة، فقال: مُرُوا من يصلِّي للناس، فخرج عبد الله بن زمعة، فإذا عمرُ في الناس، وكان أبو بكر غائبًا، فقلت: يا عمر! قُمْ فصَلِّ بالناس، فتقدم) عمرُ (فكبر) للتحريمة.\n_________\n(١) وبسط الكلام على ذكر رواياته السيوطيُّ في \"الدر المنثور\" (٨/ ٢١٨، ٢١٩) في تفسير سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ ...﴾ الآية، انتهى. وقال الرازي في \"تفسيره\" في سورة الحشر: استدل بقوله تعالى في المهاجرين: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] على إمامة أبي بكر، إذ قالوا له: يا خليفة رسول الله، \"التفسير الكبير\" (١٠/ ٥٠٧). (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٠٩).","vol":"13","page":75},{"text":"فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَوْتَهُ- (١) وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا- قَالَ: \"فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ، يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ\". فَبُعِثَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بَالنَّاسِ. [حم ٤/ ٣٢٢]\n٤٦٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، نَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ إسْحَاقَ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَمْعَةَ أَخْبَرَهُ بِهذَا الْخَبَرِ، قَالَ: لَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَوْتَ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى أَطْلَعَ رَأسَهُ مِنْ حُجْرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"لَا، لَا، لَا، لِيُصَلِّ\n===\n(فلما سمع رسولُ الله - ﷺ - صوته- وكان عمر رجلًا مُجْهِرًا-) أي صاحب جهر ورفع لصوته، يقال: جهر الرجلُ صوتَه، ورجلٌ جَهيرُ الصوت، وجَهيرُ المنْظر، وأجهر: إذا عرف لشدة الصوت، فهو مُجْهِرٌ، قاله الخطابي.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (فأين أبو بكر؟ يأبي اللهُ ذلك) أي تقدُّمَ غير أبي بكر - ﵁ - (والمسلمون، يأبى اللهُ ذلك والمسلمون، فبُعِث إلى أبي بكر فجاء بعد أنْ صلَّى عمرُ تلك الصلاة، فصلَّى بالناس).\nولعل عمر - ﵁ - لما عَلِم أنه - ﷺ - نهى عنِ تقدُّم غير أبي بكر لم يُتمَّ الصلاة ونقضها في أثناء الصلاة، ثم لما جاء أبو بكر صلى بالناس تمامًا.\n٤٦٦١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فُديكٍ، نا موسى بن يعقوب، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن زَمْعَة أخبره بهذا الخبر، قال: لما سمِع النبيُّ - ﷺ - صوتَ عمر، قال ابن زَمْعة: خرج النبي - ﷺ - حتى أَطْلَع رأسه من حُجْرته، ثم قال: لا، لا، لا،) أي لا يصلِّي بالناس عمرُ ولا غيرُه، (لِيصلِّ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".","vol":"13","page":76},{"text":"لِلنَّاسِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ\"، يَقُولُ ذَلِكَ مُغْضَبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1741>(١٤) بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ في الْفِتْنَةِ</span>\n٤٦٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن\nعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عن الْحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: نَا الأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْحَسَنِ بْن عَلِيٍّ: \"إنَّ ابْني هِذَا سَيِّدٌ، وَإنّي أَرْجُو أَنْ يُصْلِحَ الله بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ أمَّتي\".\nوَقَالَ عَنْ (١) حَمَّادٍ: \"وَلَعَلَّ الله أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ\". [خ ٢٧٠٤، ت ٣٧٧٣، ن ١٤١٠، حم ٥/ ٣٧، ٣٨]\n===\nللناسَ ابنُ أبي قُحافة، يقول ذلك مُغضَبًا).\nوفي الحديث دليل على صحة خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله تعالي عنه -، ولهذا قال عليٌّ: قدَّمك رسولُ الله - ﷺ - في أمر ديننا فمَنِ الذي يُوخِّرُك في دنيانا؟ ! .\n\n(١٤) (بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ في الْفِتْنَةِ)\n٤٦٦٢ - (حدثنا مُسدَّد ومسلم بن إبراهيم قالا: نا حماد، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أبي بكرَة، ح: وحدثنا محمد بن المثنَّى، نا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: نا الأشْعث، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ - للحسن بن علي: إن ابني هذا سيّد، وإنِّي أرجو أن يُصلحَ اللهُ به بين فِئَتَين من أُمتي، وقال عن حماد: ولعلَّ اللهَ أن يُصلحَ به بين فئتَين من المسلمين عظيمَتَين).\nوقد وَقَع كما أخبر به - ﷺ - بأن الحسن أَصلحَ بينه وبين معاوية، وترك الخلافة، وهذا المدح يدل على أن الكلام في الفتنة الذي يُهَيِّجها لا يجوز.\n_________\n(١) في نسخة: \"في حديث حماد\".","vol":"13","page":77},{"text":"٤٦٦٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ، أَنَا هِشَامٌ، عن مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تُدْرِكُهُ الْفِتْنَةُ إلَّا أنا أَخَافُهَا عَلَيْهِ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ\".\n٤٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، نَا (١) شُعْبَةُ، عن الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن ثَعْلَبَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ قَالَ: \"دَخَلْنَا عَلَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: إنِّي لأَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَضُرُّهُ الْفِتَنُ شَيْئًا، قَالَ: فَخَرَجْنَا فَإذَا فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ، فَدَخَلْنَا، فَإذَا فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَسَأَلْنَاهُ عن ذَلِكَ؟\n===\n٤٦٦٣ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيدُ، أنا هشام، عن محمد قال: قال حذيفةُ: ما أحدٌ من الناس تُدركه الفتنة إلَّا أنا أخافها) أي الفتنةَ (عليه إلَّا محمد بن مَسْلمة، فإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: لا تَضُرُّك الفتنةُ).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قال له ذلك حين أتاه بعد قتله كعبَ بنَ الأشرفِ اليهوديَّ، وقد تقدمتْ قصةُ قتله.\n٤٦٦٤ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، نا شُعبة، عن الأَشْعث بن سُلَيم، عن أبي بُردة، عن ثعلبة بن ضُبيعة) قال في \"تهذيب التهذيب\" (٢): هو ضبيعة بن حُصَين الثعلبي، أبو ثعلبة، ويقال: ثَعْلبة بن ضُبيعة الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في ذكر الفِتْنة من وجهين، سماه في أحدهما ضُبيعة، وفي الآخر ثَعْلبة، وقد رجَّح البخاري وغيره أنه ضُبيعة.\n(قال: دخلنا على حُذيفة فقال: إني لأعرف رجلًا لا تَضرُّه الفِتَنُ شيئًا، قال: فخرجنا فإذا فُسطاط) أي خيمة (مَضروبٌ، فدخلنا) أي الفُسطاط (فإذا فيه محمدُ بن مَسْلمة، فسألناه عن ذلك؟) أي عن اعْتزاله الناسَ وإقامتِه في الصَّحْراء،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٤٣).","vol":"13","page":78},{"text":"فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْصَارِكُمْ حَتَّى تَنْجَلِيَ عَمَّا انْجَلَتْ\" (١).\n٤٦٦٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن ضُبَيْعَةَ بْنِ حُصَيْنٍ الثَّعْلَبِيِّ، بِمَعْنَاهُ (٢).\n٤٦٦٦ - حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، نَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عن يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عن قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ:\n===\n(فقال) محمدُ بن مَسْلمة: (ما أريد أن يَشتمِل عليَّ شيء من أمصاركم حتى تَنجليَ) أي تزول الفِتَنُ (عما انجلتْ) ويرتفع الاختلاف، وقد قال رسول الله - ﷺ - فيه ما قال.\nوقد روى محمدُ بن مَسْلمة (٣) قال: أعطاني رسولُ الله - ﷺ - سَيْفًا وقال: \"قاتِلْ به المشركين ما قاتَلوا، فإذا رأيتَ أُمتي يضرب بعضُهم بعضًا فأْتِ به أحدًا، فاضربْ به حتى ينكسر، ثم اجْلِسْ في بيتك حتى تأتيَك يدٌ خاطئةٌ أو منية قاضيةٌ\"، وكان ممن اعتزل الفتنةَ، فلم يَشْهد الجَمَلَ ولا صِفِّين، سَكَن المدينةَ، ثم سكن الربذة يعني بعد قتل عثمان.\nقال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ٤٣ هـ، وهو ابن ٧٧ سنة، وقال ابن أبي داود: قتله أهلُ الشام، دخل عليه رجلٌ من أهل الشام من أهل الأردن وهو في داره فقَتَله.\n٤٦٦٥ - (حدثنا مسدَّد، نا أبو عَوانة، عن أشعث بن سُلَيم، عن أبي بُردة، عن ضبيعة بن حُصين الثعلبي، بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.\n٤٦٦٦ - (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهُذَليُّ، نا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد) بضم المهملة وتخفيف الموحدة (قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو عوانة: ضُبيعة بن حُصَين الثعلبي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن حذيفة\".\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٤٢٥) رقم (٣٧١٤٩)، وانظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ٢٢٥).","vol":"13","page":79},{"text":"قُلْتُ لِعَلِيٍّ: أَخْبِرْنَا عن مَسِيرِكَ هَذَا، أَعَهْدٌ عَهِدَهُ إلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، أَمْ رَأْيٌ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: \"مَا عَهِدَ إليَّ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - بِشَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ\".\n٤٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ\". [م ١٠٦٣، حم ٣/ ٢٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1742>(١٥) بَابٌ في التَّخْيِيرِ بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ ﵈</span>\n٤٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا عَمْرٌو- يَعْني ابْنَ يَحْيَى-، عن أَبِيهِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: قَالَ\n===\nقلتُ لعليّ: أَخبِرْنا عن مَسيرك (١) هذا) أي إلى بلاد العراق، (أَعَهْدٌ عَهدِه إليك رسول الله - ﷺ -، أم رأيٌ رأيتَه؟ قال: ما عَهِد إليَّ رسولُ الله - ﷺ - بشيء) من مَسيري إلى العراق أو وقوفي في المدينة (لكنه رأي رأيته).\n٤٦٦٧ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا القاسم بن الفضل، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: تَمْرُقُ) أي تخرج (مارِقَةٌ) أي جماعة خارجة، وهم الخوارج (عند فُرقةٍ من المسلمين) وهو افتراق جماعة علي - ﵁ - وجماعةِ معاوية - ﵁ - (يقتلها) أي الفرقة المارِقَة (أَوْلَى الطائفتين) أي من طائفتي علي ومعاوية (بالحق) أي يقتلها مَن هي أقرب بالحق منهما، وهم طائفة علي فإنهم قتلوها.\n\n(١٥) (بَابٌ في التَّخْيِيرِ) أي التفضيل (بَيْنَ الأنْبِيَاءِ ﵈)\n٤٦٦٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا عمرو- يعني ابن يحيى-، عن أبيه) يحيى، (عن أبي سعيد الخدري قال: قال\n_________\n(١) ذكره صاحب \"كنز العمال\" في ذيل وقْعة الجمل (١١/ ٣٢٧) رقم (٣١٦٤٨). (ش).","vol":"13","page":80},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ\". [خ ٢٤١٢، م ٢٣٧٤، حم ٣/ ٣١]\n٤٦٦٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَا: نَا يَعْقُوبُ، نَا أَبِي، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن وَعَبْدِ الرَّحْمنِ الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: وَالَّذَي اصْطَفَى مُوسَى، فرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إلَى النَّبِيّ (١) - ﷺ - فأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا تُخَيِّرُوني عَلَى مُوسَى، فَإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإذَا مُوسَى بَاطِشٌ في جَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ (٢) صَعِقَ فَأَفَاق قَبْلِي، أَمْ كَانَ (٣) مِمَّنِ اسْتَثْنَى الله تَعَالَى؟ \". [خ ٢٤١١، م ٢٣٧٣، حم ٢/ ٢٦٤]\n===\nرسولُ الله - ﷺ -: لا تُخَيِّروا) أي لا تُفضِّلوا (بين الأنبياء) فإنه ربما يفضي إلى التحقير وسوء الأدب.\n٤٦٦٩ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب ومحمد بن يحيى بن فارس قالا: نا يعقوب، نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رجلٌ من اليهود: والذي) الواو للقسم (اصطفَى موسى) على العالمين (فرفع المسلمُ يدَه فلَطَم وجه اليهودي) وقال: أتقول ذلك وفينا رسول الله - ﷺ -؟ (فذهب اليهوديُّ إلى النبي - ﷺ - فأخبره) وشكَى إليه ضربَ المسلم.\n(فقال النبي - ﷺ -) تواضعًا: (لا تُخَيِّروني) أي لا تُفضِّلوني (على موسى، فإن الناس يَصْعَقون فأكونُ أولَ من يُفيق) من الصعق، (فإذا موسى باطشُ في جانب العرش، فلا أدري أكان ممن صَعِق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى اللهُ تعالى؟).\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"فيمن\".\n(٣) في نسخة: \"أو كان\".","vol":"13","page":81},{"text":"قَال أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ ابْنِ يَحْيَى أَتَمُّ.\n٤٦٧٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا الْوَلِيدُ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن أَبِي عَمَّارٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدمَ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ\". [م ٢٢٧٨، حم ٢/ ٥٤٠]\n٤٦٧١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إنِّي (١) خَيْرٌ\n===\nوهذا فضلٌ جزئىٌّ، والفضل الكلي لسيدنا رسول الله - ﷺ -.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: \"والذي اصطفى موسى\"، وكان فيه مَسَاغ التأويل، يحمل الفضل على الفضل الجزئي، وإليه أشار النبي - ﷺ - في كلامه، ففيه تنبيه على أن كلام العاقل يؤول ما أمكن، ولا تنبغي المنازعة إذا أمكن الاحتراز عنها.\n(قال أبو داود: حديث ابن يحيى) وهو محمد بن يحيى شيخ المصنف (أتم).\n٤٦٧٠ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي عمار، عن عبد الله بن فرُّوخ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أنا سيدُ ولد آدم، وأولُ من تنشقُّ عنه الأرض، وأول شافع، وأول مُشَفَّع) أي مقبول للشفاعة.\n٤٦٧١ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: ما ينبغي لعبدٍ أن يقول: إني خير (٢)\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) أشكل على هذه الأحاديث: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\"، وأجاب عنه ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ١٣٢، ١٣٣). (ش).","vol":"13","page":82},{"text":"مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى\". [خ ٣٤١٣، م ٢٣٧٧، حم ١/ ٢٥٤]\n٤٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن إسْمَاعِيلَ بْنِ حَكِيم، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَنْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَقُولَ: \"مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَقُولَ: إنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى\". [حم ١/ ٢٠٥]\n===\nمن يونس بن مَتَّى) أي في نفس مرتبة النبوة.\nومَتَّى -بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية - اسم والد يونس، وقيل: اسم أمه، ولعل وجه تخصيص (١) يونس لِما وقع في قصته في القرآن من تضجره وتوليه كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ...﴾ (٢) الآية، فخاف رسولُ الله - ﷺ - أن ينسب أحد إليه النقص فخصه بالذكر.\n٤٦٧٢ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن حكيم).\nهكذا في جميع النسخ الموجودة من المجتبائية والمصرية والمكتوبات الثلاثة من غير لفظ \"أبي\"، إلَّا في الكانفورية ونسخة \"العون\"، فإن فيهما إسماعيل بن أبي (٣) حكيم بزيادة لفظ \"أبي\" وهو الصواب، وقد تقدَّمت ترجمته في محله، (عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول: ما ينبغي لنبيٍّ أن يقول: إني خير من يونس بن مَتَّى).\n_________\n(١) وقال مولانا الرومي في \"فيه ما فيه\": بأن لا تُفضِّلوني بأن معراجي إلى السماء، ومعراجه في بطن الحوت ... إلخ، \"مثنوي\" (دفتر ٣ ص ١١١)، وإليه يشير كلام إمام الحرمين، كما في \"حياة الحيوان\" (١/ ٣٣٥). (ش).\n(٢) سورة القلم: الآية ٤٨.\n(٣) كذا في \"التهذيب\" (١/ ٢٨٩) و\"التقريب\" (٤٣٩).","vol":"13","page":83},{"text":"٤٦٧٣ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ، عن مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ يَذْكُرُ، عن أَنسٍ (١) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ذَاكَ إبْرَاهِيمُ ﵇\". [م ٢٣٦٩، ت ٣٣٥٢، حم ٣/ ١٧٨]\n٤٦٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ، الْمَعْنَى، قَا لَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ (٢) هُوَ أَمْ لَا؟\n===\n٤٦٧٣ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا عبد الله بن إدريس، عن مختار بن فُلْفُل يذكر، عن أنس قال: قال رجل لرسول الله - ﷺ -: يا خيرَ البَرِيَّة، فقال رسول الله - ﷺ -: ذاك إبراهيمُ ﵇) وكان إبراهيم ﵇ في زمانه خيرَ البَريَّة، وكذلك في مَا عَدا زمان رسول الله - ﷺ -، فأما رسول الله - ﷺ - فهو خير البرية (٣) مطلقًا بفضلٍ كُليٍّ.\n٤٦٧٤ - (حدثنا محمد بن المتوكِّل العسقلاني، ومَخْلَد بن خالد الشَّعيري، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا عبد الرزاق، أنا مَعْمَر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: ما أدري أَتُبَّعٌ لَعِيْنٌ (٤) هو) أي ملعون (أم لا؟) وهذا قبل أن يُوحى إليه في أمره،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن مالك\".\n(٢) في نسخة: \"أَلَعِيْنٌ\".\n(٣) وفي \"شرح الإقناع\" (١/ ٣٦) نظمًا:\nمحمد إبراهيم موسى كليمه، ... فعيسى فنوح أولو العزم فاعلم،\nقال: وهم على هذا الترتيب. انتهى. (ش).\n(٤) فإن الأقوام نسبت إلى كليهما، قال تعالى: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾، وقال أيضًا: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١١]، وعزا إليه أيضًا، فقال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧]، وبسط صاحب الجمل (٤/ ١٠٧، ١٠٨) في أحواله، وأنه آمن بالنبي - ﷺ - قبل مبعثه بألف عام، =","vol":"13","page":84},{"text":"وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا؟ ! \". [ك ١/ ٣٦]\n٤٦٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي [يُونس، عن] ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَخبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، الأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، وَلَيْسَ بَيْني وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ\". [خ ٣٤٤٢، م ٢٣٦٥، حم ٢/ ٥٤١]\n===\nثم أعلمه الله بعد ذلك أنه أسلم، فقد روى أحمد (١) من حديث سهل الساعدي: قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: \"لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فإنه قد أَسْلَم\"، وروى الطبراني (٢) من حديث ابن عباس مثلَه، وروى ابن مَرْدويه من حديث أبي هريرة مثلَه. (وما أدري أَعُزَيرٌ نبيٌّ هو أم لا؟) ولعله أُعلِم بعد ذلك أنه نبي.\n٤٦٧٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني أيونس، عن (٣)، ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أنا أَولَى الناس) أي أقربهم (بابن مريمَ، الأنبياءُ أولاد عَلَّات) وأولاد العَلَّات من أبوهم واحد، وأمهاتهم شتَّى، فشبه أصول الدين من التوحيد وغيره بالأب، وشبه فروع الدين المختلفة بالأمهات. قال في \"فتح الودود\": والحديث لا ينافي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ ...﴾ (٤) الآية؛ لأن تلك الأَوْلَوية من حيث قرب الشريعة، وهذا من حيث قرب العهد (وليس بيني وبينه) (٥) أي بين عيسى (نبيٌّ).\n_________\n= وهو تُبَّع الأكبر أبو كريب، واسمه أَسْعد، وهو أول مَنْ كَسَا البيت، وهو مَلِك اليَمَن ... إلخ، وفي \"الإكليل\": كل ملك من ملوك اليَمَن يُسَمَّى تُبَّعًا؛ لأن أهل الدنيا يَتَّبعونه، فهو في الجاهلية بمنزلة الخليفة في الإِسلام، فعلى هذا تُبَّع بمعنى المَتْبوع، وقيل: يسمى بذلك؛ لأنهم يتَّبعون آباءهم في سيرتهم فهو بمعنى التابع. (ش).\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٤٠).\n(٢) \"المعجم الكبير\" (٦/ ٢٠٣) رقم (٦٠١٣، ١١٧٩٠)، وانظر: \"عون المعبود\" (١٢/ ٢٨١).\n(٣) سقط في الأصل و\"عون المعبود\".\n(٤) سورة آل عمران: الآية ٦٨.\n(٥) أشكل عليه بما ورد: بينهما نبيان. وأجيب بأنه ليس نبي مشهور، كذا في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٢٠) لابن حجر. (ش).","vol":"13","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1743>(١٦) بَابٌ في رَدِّ الأرْجَاءِ</span>\n٤٦٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا (١) حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا (٢) سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، أنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"الإيْمَانُ بِضْعٌ (٣) وَسَبْعُونَ، أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إله إلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْعَظْمِ (٤) عن الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيْمَانِ\". [خ ٥٣، ١٧، ت ٢٦١١، حم ١/ ٢٢٨، ن ٥٦٩٢]\n٤٦٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ (٥) حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،\n===\n\n(١٦) (بَابٌ في رَدِّ الإرْجَاءِ)\nوهو اعتقاد أنه لا يضر مع الإيمان معصية\n٤٦٧٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أخبرنا سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: الإيمان بِضْعٌ وسبعون) (٦) شعبة، (أفضلُها قول لا اله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ العَظْم عَن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمان).\nوهذا الحديث يدل بظاهره على أن الأعمال داخلة في الإيمان، سواء كان من عَمَلِ الجوارح أو القلب، فإذا ترك الأعمال أو نقص فيها يضره ذلك.\n٤٦٧٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثني يحيى بن سعيد،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) في نسخة: \"بِضْعةٌ\".\n(٤) في نسخة: \"الأذَى\".\n(٥) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٦) اختلفت الروايات في ذكر هذا العدد، بسطها العيني (١/ ١٩٦ - ٢٠٠)، وبسط أيضًا مصاديقها. (ش).","vol":"13","page":86},{"text":"عن شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَهُمْ بالإيْمَانِ بِاللَّه، قَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا الإيْمَانُ بِاللَّهِ\"؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"شَهَادَةُ أَنْ لَا لا إله إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإقَامُ الصَّلَاةِ، وإيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمْسَ مِنَ الْمَغْنَمِ\". [خ ٩، م ٣٥، ت ٢٦١٤، ن ٥٠٠٥، جه ٥٧، حم ٢/ ٣٧٩]\n٤٦٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ\". [م ٨٢، ت ٢٦٢٠، ن ٤٦٤، جه ١٠٧٨، حم ٣/ ٣٧٠]\n===\nعن شعبة، حدثني أبو جَمْرة قال: سمعت ابن عباس قال: إن وفد عبد القيس لما قدِموا على رسول الله - ﷺ - أمرهم بالإيمان بالله، قال: أتَدْرون مَا الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال) رسول الله - ﷺ -: هو (شهادةُ أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله) أي إقرار التوحيد والرسالة بصَميم الاعتقاد.\n(وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصومُ رمضان، وأن تُعطوا الخُمْس من المَغْنم)، فبيَّن رسولُ الله - ﷺ - الإيمانَ، وفسره بالشهادةِ وإيتاء هذه الأفعال من الصلاة والصوم وغيرها، فثبت أن الأعمال من اللسان والجوارح داخلة في الإيمان.\n٤٦٧٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: بين العبد وبين الكُفْر) (١) أي الموصل والوُصلة بينهما (ترك الصلاة)، فجحل ترك الصلاة كفرًا، فثبت به أيضًا أن العمل داخل في الإيمان، ولكن اتفق جميعُ أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين (٢)\n_________\n(١) وذكر الشيخ في \"حجة الله البالغة\" (٢/ ١٥١): أنه ﵇ شَبَّه تاركي الصلاة بالمشركين، وتاركي الحج باليهود، لأن الأولين لا يُصلُّون، والآخرين لا يَحُجُّون. (ش).\n(٢) ذهبت الخوارجُ إلى أن مرتكبَ الكبيرة كافر، وأجاب عن مستدلاتهم صاحب \"شرح المواقف\" (٨/ ٣٢٩) بالبسط، فارْجِعْ إليه. (ش).","vol":"13","page":87},{"text":"٤٦٧٩ - حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ سلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ - ﷺ - إلَى الْكَعْبَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَكَيْفَ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. [ت ٢٩٦٤، حم ١/ ٢٩٥]\n٤٦٨٠ - حدثنا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ، عن يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عن أَبِي أُمَامَةَ، عن رَسُولِ الله -ﷺ- أنَّهُ قَالَ:\n===\nأن الأعمال غير داخلة في الإيمان باعتبار كونها جزءًا منه، فإذا ترك عملًا من أعمال الإِسلام زال عنه الإيمان، ويكون كفرًا حقيقيًّا، بل اتفقوا على أن الأعمال شرط لكمال الإيمان، فإذا ترك عملًا من الأعمال المفروضة غير منكر لا يكون كافرًا، بل يكون فاسقًا.\n٤٦٧٩ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري وعثمان بن أبي شيبة، المعنى، قالا: نا وكيع، عن سفيان، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما توجه النبي - ﷺ - إلى الكعبة) في الصلاة بعد ما كان يتوجه إلى بيت المقدس (قالوا: يا رسول الله - ﷺ - فكيف الذين ماتُوا وهم يصلُّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانًا، فعُلم بذلك أن الصلاة داخلة في الإيمان.\n٤٦٨٠ - (حدثنا مؤمَّل بن الفضل، نا محمد بن شعيب بن شابور، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٤٣.","vol":"13","page":88},{"text":"\"مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّه، وَأَعْطَى لِلَّه، وَمَنَعَ لِلَّه، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيْمَانَ\". [طس ٩٠٨٣]\n٤٦٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن بَكْرِ بْنِ مُضرَ، عن ابْن الْهَادِ، عن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَلَا دِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ\"، قَالَتْ: وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: \"أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ؛ وَأَمَّا نُقْصَانُ الدِّينِ: فَإنَّ إحْدَاكُنَّ تُفْطِرُ رَمَضَانَ، وَتُقِيمُ أَيَّامًا لَا تُصَلِّي\". [م ٧٩، جه ٤٠٠٣، حم ٢/ ٦٦]\n===\nمن أحبَّ لله، وأَبْغَضَ لله، وأعطَى لله، وَمَنَعَ لله) أي مَنْ فَعَلَ ذلك الأفعالَ الصادِرَةَ من القلب والجوارح خالصًا لوجه الله تعالى (فقدِ اسْتَكمَلَ الإيمان)، فهذا الحديث يدل على أن هذه الأعمال مكمِّلات للإيمان وأجْزاء لكمالها.\n٤٦٨١ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرْح، نا ابن وهب، عن بكر بن مُضر، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: ما رأيتُ مِنْ ناقِصاتِ عقلٍ ولا دينٍ أغلبَ لِذي لُبٍّ) أي رجل ذي عقلٍ (منكنَّ) أي من النساء، (قالت) أي بعضُ النسوة: (وما نقصان العقل والدين؟ قال: أمَّا نقصان العقل: فشهادةُ امرأتين بشهادة رجل) أي شهادة إحداها نصف شهادة رجل، (وأمَّا نقصان الدين: فإن إحداكنَّ تُفطِر رمضانَ) أي لا تصوم في أيام حيضها أو نِفاسها (وتُقيم أيامًا) من أيام المَحيض والنِّفاس (لا تُصلي)","vol":"13","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1744>(١٧) بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ</span>\n٤٦٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ\n===\n\n(١٧) (بابُ الدَّليلِ (١) عَلَي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ)\nأي في الإيمان، قال البخاري (٢) في \"كتاب الإيمان\": وهو قولٌ وفعلٌ، ويَزيدُ ويَنقُص قال الحافظ (٣): والكلام هاهنا في المقامَيْن: أحدهما: كونه قولًا وعملًا.\nوالثاني: كونه يزيد وينقص. فأمّا القول: فالمراد به النُطق بشهادتين. وأما العمل: فالمراد به ما هو الأعم من عمل القلب والجوارح ليدخلَ الاعتقادُ والعبادات، فمراد مَنْ أَدْخل ذلك في تعريف الإيمان ومَنْ نَفَاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى.\nفالسلف قالوا: هو اعتقادٌ بالقلْب، ونُطْقٌ باللسان، وعملٌ بالأركان. وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن ها هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص كما سيأتي، والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونُطْق فقط، والكرّامية قالوا: هو نُطْق فقط، والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد.\nوالفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله، وهذا كله- كما قلنا- بالنظر إلى ما عند الله تعالى، وأما بالنظر إلى ما عندنا: فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أَقَرَّ أجريت عليه الأحكامُ في الدنيا، ولم يُحكَم عليه بكفر، إلَّا إن اقْتَرَنَ به فعلٌ يدل على كفره، كالسجود للصَّنَم.\nوأما المقام الثاني: فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين، وقالوا: متى قيل ذلك كان شكًّا، انتهى.\n٤٦٨٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن محمد بن\n_________\n(١) المسألة بسطها الرازي في \"التفسير\" (٥/ ٤٥١، ٤٥٢)، وحكى عنه شارح \"المواقف\" (٨/ ٣٣١) أن الخلاف لفظي ... إلخ. وأجمل الكلام على أبحاثه القاري، وبسط أشد البسط العيني (١/ ١٧١ - ١٧٣)، وصاحب \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٦٣). (ش).\n(٢) \"صحيح البخاري\" كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النبي - ﷺ - ... إلخ.\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦).","vol":"13","page":90},{"text":"عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَكْمَلُ الْمُؤْمِنينَ إيْمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا\". [ن ١١٦٢، حم ٢/ ٢٥٠]\n٤٦٨٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَاقِ. (ح): وَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا سُفْيَانُ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَسَمَ بَيْنَ النَّاسِ قَسْمًا، فَقُلْتُ: أَعْطِ فُلَانًا فَإنَّهُ مُؤْمِنٌ، قَالَ: \"أَوْ مُسْلِمٌ (١)،\n===\nعمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا)، فحُسن الخلق داخل في الإيمان بهذا الحديث، فإيمان الذين أحسنوا الخُلُق زائد على من دونهم في حسن الخلق، فثبت زيادةُ الإيمان ونقصُه.\n٤٦٨٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، ح: ونا إبراهيم بن بشار، نا سفيان، المعنى، قالا: نا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - قَسَم بين الناس قَسْمًا) أي تقسيمًا من المال، فأعطَى رجالًا ولم يعط فلانًا، (فقلت) له: (أعطِ فلانًا) قال الحافظ: والرجلُ المتروكُ اسمُه جعيل بن سراقة الضمري، سماه الواقدي في \"المغازي\"، (فإنه مؤمن، قال) - ﷺ -: (أَوْ مسْلم) - بإسكان الواو لا بفتحها- فقيل: هي للتنويع، وقال بعضهم: هي للتشريك، وإنه أمره أن يقولهما معًا؛ لأنه أَحْوط.\nويرد هذا رواية ابن الأعرابي في \"معجمه\" في هذا الحديث فقال: \"لا تقُل مؤمن، بل مُسلم\"، فوضح أنها للإضراب، وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن إطلاقَ المسلم على مَنْ لم يَخْتَبِر حالَه الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن؛ لأن الإِسلام معلوم بحكم (٢) الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قلت: أَعْطِ فلانًا، فإنه مؤمن، قال: أَوْ مُسْلم\".\n(٢) ويشكل عليه ما في \"كتاب التفسير\" من الترمذي (٢٦١٧): \"إذا رأيتم من يَتَعاهد المجد فاشهدوا له بالإيمان ... \" إلخ، وجمع بينهما القاري (٧/ ٥٩٦) بحمل الأمر على الظن، والنهي على القطع، ويزيد الإشكال ما في \"أبواب الجنائز\"من البخاري =","vol":"13","page":91},{"text":"إنَي لأُعْطِي الرَّجلَ الْعَطَاءَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إليَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يُكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ\". [خ ١٤٧٨، م ١٥٠]\n===\nومُحَصل القصة أن النبي - ﷺ - كان يُوَسِّع العطاء لمن أظهر الإِسلامَ تأَلُّفًا، فلما أعطى الرهطَ وهم من المؤلَّفة وترك جعيلًا وهو من المسلمين مع أن جميعًا سألوه خاطبه سعد في أمره؛ لأنه كان يَرَى أن جعيلًا أحقَّ منهم لِمَا اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثرَ من مرَّة، فأرشده النبي - ﷺ - إلى أمرين:\nأحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحِرْمانِ جعيل، مع كونه أحبّ إليه ممن أعطي، لأنه لو تُرِك إعطاء المؤلَّفِ لم يُؤمَن ارتدادُه فيكون من أهل النار.\nثانيهما: إرشادُه إلى التوقُّف عن الثَّناء بالأمر الباطن، دون الثناء بالأمر الظاهر، قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\n(إني لأعطي الرجلَ العطاء، وغيرُه أحبُّ إليَّ منه؛ مخافةَ أن يكبّ على وجهه) أي إن لم يُعط فيَرْتَدُّ فيدخل في النار، ولفظ البخاري: \"أن يُكِبَّه الله\".\nقال الحافظ: هو بفتح أوله وضم الكاف، يقال: أَكبَّ الرجلُ إذا أطرق، وكبَّه غيره إذا قلّبه، وهذا على خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم يتعدَّى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة فقصر، أي عن التعدية.\nوقد ذكر البخاري هذا في \"كتاب الزكاة\" فقال: يقال: أَكبَّ الرجلُ: إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل قلت: كَبَّه وكببته، وجاء نظير هذا في أحرُف يسيرة، منها: أَنْسلتُ رِيْشَ الطائر ونسلتُه، وأنزفتُ البحر ونزفتها، وحكى ابن الأعرابي في المتعدي \"كبَّه وأكبَّه معًا\"، انتهى.\n_________\n= (١٢٤٣) من قصة عثمان وقوله ﵇: \"ما أدري ما يفعل بي\"، وحقق العيني (٦/ ٢٣): أنه لا يجزم لأحد بالجنة إلا مَنْ نصَّ له. (ش).\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٨٠، ٨١).","vol":"13","page":92},{"text":"٤٦٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا محمَّدُ بْنَ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى النَّبِيُّ - ﷺ - رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَوْ مُسْلِمٌ\" حَئى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: \"أَوْ مُسْلِمٌ\"، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إنِّي أُعْطِي رِجَالًا وَأَدعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُمْ لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ\". [خ ٢٧، م ١٥٠، حم ١/ ١٧٦]\n===\n٤٦٨٤ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا محمد بن ثور، عن معمر، قال: وأخبرني الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه) سعد ابن أبي وقاص) قال: أعطى النبي - ﷺ - رِجالًا) كانوا من المؤلَّفة قلوبهم (ولم يُعطِ رجلًا منهم شيئًا) لأنه لم يكن من المؤلَّفة، بل من المؤمنين المهاجرين، (فقال سعد: يا رسول الله! أعطيتَ فلانًا وفلانًا، ولم تُعطِ فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟) وظَنَّ سعدٌ أن الأحق بالعَطاء مَنْ هو كامل الإيمان.\n(فقال النبي - ﷺ -: أَوْ مسلمٌ؟) لأنك لم تُشاهدْ منه إلا الانقيادَ الظاهريَّ، وأما الاعتقاد الباطني لا سبيلَ لك إليه، فكيف تَشْهد به؟ (حتى أعادها سعدٌ ثلاثًا، والنبي - ﷺ - يقول: أَوْ مُسْلم).\n(ثم قال النبي - ﷺ -: إني أُعطي رِجالًا وأدعُ مَنْ هو أحبُّ إليَّ منهم لا أعطيه شيئًا) لاعتمادي على إيمانه، وأُعطيهم (مخافةَ أن يُكَبّوا في النار) أي يَخِرّوا فيها (على وجوهِهم) إذا لم يُعطَوا، فلعلهم يرتدون عن الإِسلام. قال الحافظ (١): وفيه الرد على غلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٨١).","vol":"13","page":93},{"text":"٤٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: وَقَالَ الزُّهْريُّ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، قَالَ: نَرَى أَنَّ الإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ، وَالإِيمَانَ الْعَمَلُ به.\n٤٦٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِى عَنْ أَبِيهِ،\n===\n٤٦٨٥ - (حدثنا محمَّد بن عبيد، نا أبو ثور، عن معمر قال: وقال الزهري) في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (١) قال) الزهري: (نَرى) في معناه (أن الإِسلامَ الكلمةُ) أي النطق بالشهادتين (والإيمانَ العملُ به) من الاعتقاد وأعمال الجوارح.\n٤٦٨٦ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة قال) شعبة: (واقدُ بن عبد الله) هو واقد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله، نسب لجد أبيه، عن أبيه، عن ابن عمر حديث: \"لا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا\"، وعنه شعبة، قاله أبو داود، عن أبي الوليد، عنه، وقال غندر: عن شعبة، عن واقد بن محمَّد، وسيأتي.\nوقال الحافظ في واقد بن محمَّد: قال أحمد وأبو داود وابن معين: ثقة، وقال ابن معين مرة أخرى: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقة يحتج بحديثه، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، انتهى (٢)، وهو مبتدأ خبره.\n(أخبرني عن أبيه) وهو (٣) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، روى عن العَبَادَلة الأربعة: جدَّه عبدِ الله، وابنِ عمرو، وابنِ عباس، وابنِ الزبير؛ وعنه بَنُوه الخمسة: عاصم، وواقد، وعمر، وأبو بكر، وزيد. قال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة، قلت: يحتجّ بحديثه؟ قال: نعم.\n_________\n(١) سورة الحجرات: الآية ١٤.\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٠٦، ١٠٧).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١٧٢).","vol":"13","page":94},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، عَنِ النبيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [خ ٦١٦٦، م ٦٦، ن ٤١٢٦، جه ٣٩٤٣، حم ٢/ ٨٧]\n٤٦٨٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْفَرَ رَجُلًا مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَإِلَّا كَانَ هُوَ الْكَافِرَ». [خ ٦١٠٤، م ٦٠، حم ٢/ ٢٣]\n===\n(أنه سمع ابن عمر يحدث، عن النبي -ﷺ- عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا تَرجِعوا بعدي كُفَّارًا يَضرِب بعضُكم رِقابَ بعضٍ).\nقال الخطابي (١): هذا يتأول على وجهين، أحدهما: أن يكون معنى الكُفَّار المتكفرين بالسلاح، يقال: تَكفَّر الرجلُ بسلاحه: إذا لبسه، فكفّر به نفسَه، أي سَتَرَها. وأصل الكفر الستر. ويقال: سُمِّي الكافرُ كافرًا لستره نعمةَ الله ﷿ عليه.\nوقال بعضهم: معناه: لا ترجعوا بعدي فِرَقًا مختلفين يضرِب بعضُكم رِقابَ بعضٍ، فتكونوا في ذلك مُضاهين للكفار، فإن الكفار مُتَعادون يضرب بعضُهم رِقابَ بعض، والمؤمنون مُتآخون يحصن بعضهم دماء بعض، قاله الخطابي. ومناسبة الحديث بالباب في المعنى الثاني.\n٤٦٨٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن فُضيل بن غَزْوان، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: أيما رجُلٍ مسلم أَكْفرَ رَجلًا مُسْلمًا) أي نَسَبَ الكفرَ إليه (٢)، (فإنْ كان كافرًا، وإلَّا) أي وإن لم يكن الرجلُ كافرًا (كان هو) أي المُكْفِر هو (الكافر) أي يخاف عليه شُؤم تكفيرِه ووَبالِه.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨٦).\n(٢) وتقدم (٢٥٣٢): \"لا تكفِّره بذنب\" الحديث. (ش).","vol":"13","page":95},{"text":"٤٦٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ خَالِصٌ، وَمَنْ كَانَتْ (١) فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ (٢) فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». [خ ٣٤، م ٥٨، ن ٥٠٢٠، ت ٢٦٣٢، حم ٢/ ١٨٩]\n===\n٤٦٨٨ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الله بن نُمير، نا الأعمش، عن عبد الله بن مرَّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: أربع) أي أربعُ خِصال (مَنْ كُنَّ فيه فهو منافقٌ خالصٌ، ومَنْ كانتْ فيه خلَّة) أي خَصلة واحدة (منهنَّ كان فيه خَلَّة من نفاق حتى يَدَعها) أحدُها: (إذا حدَّث كذب)، وثانيها: (وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ) (٣)، وثالثها: (وإذا عاهَد غَدَر)، ورابعها: (وإذا خاصَم فَجَر) أي تكلَّم بالفحش والفجور والسَّبّ.\nقال النووي: هذا الحديث عدّه جماعةٌ من العلماء مشكِلًا (٤)، من حيث إن هذه الخِصال قد تُوجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره. قال: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، والذي قاله المحققون أن معناه أن هذه خصالُ نفاقٍ، وصاحبها شَبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلِّق بأخلاقهم.\nقلت (٥): ومحصل هذا الجواب: الحمل في التسمية على المجاز، أي صاحب هذه الخصال كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل، وهذا ارتضاه القُرطبي، واستدل له يقول عمر - ﵁ - لحذيفة: هل تعلم فيّ شيئًا من\n_________\n(١) في نسخة: \"كان\".\n(٢) في نسخة: \"كانت\".\n(٣) إذا كان الإخلاف من قصده عند الوعد، كذا قال العيني (١/ ٣٢٩). (ش).\n(٤) وذكر العيني (١/ ٣٣٠، ٣٣١) لهذا الإشكال ثمانية أجوبة. (ش).\n(٥) القائل: الحافظ ابن حجر.","vol":"13","page":96},{"text":"٤٦٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الأَنْطَاكِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (١) الْفَزَارِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ،\n===\nالنفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث، كذا في \"الفتح\" (٢).\n٤٦٨٩ - (حدثنا أبو صالح الأنطاكي، نا أبو إسحاق الفَزاري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يَزني الزَّاني (٣) حين يَزني وهو مؤمنٌ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) كامل الإيمان أو محمول على المستحل، (ولا يَشرَب الخمرَ حين يشرَبُها وهو مؤمن).\nقال الحافظ (٤): قيَّد نفىَ الإيمان بحالة ارتكابه لها، ومقتضاه أنه لا يستمِرّ بعد فراغه، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون المعنى أن زوال ذلك إنما هو إذا أقلع الإقلاعَ الكلي، وأما لو فرغ وهو مصِرٌّ على تلك المعصية فهو كالمرتكب، فيتّجِه أن نفي الإيمان عنه يستمر، انتهى.\nوقال الحافظ (٥) في محل آخر: قال الترمذي بعد تخريج حديث أبي هريرة وحكايةِ تأويل: \"لا يزنى الزاني وهو مؤمن\": لا نعلم أحدًا كفّر أحدًا بالزنا والسرقة والشرب، يعني ممن يُعتدّ بخلافه، قال: وقد روي عن أبي جَعْفر -يعني الباقِر- أنه قال في هذا: خرج من الإيمان إلى الإِسلام، يعني أنه جعل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٩٠).\n(٣) والجمع بينه وبين قوله ﵇: \"من قال: لا إله إلا الله\" في \"التأويل\" (ص ٢٠٠ - ٢٠٣) - (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٩).\n(٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١٥).","vol":"13","page":97},{"text":"وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ». [خ ٥٥٧٨، م ٥٧، ت ٢٦٢٥، ن ٤٨٧٠، جه ٣٩٣٦، حم ٢/ ٣٧٦]\n٤٦٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ - يَعْنِى ابْنَ يَزِيدَ -، قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ كَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا انْقَلعَ (١)، رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ». [هب ٥٣٦٤، ك ١/ ٢٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1745>(١٨) بابٌ في القدرِ</span>\n٤٦٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ\n===\nالإيمان أخص من الإِسلام، فإذا خرج من الإيمان بقي في الإِسلام، وهذا يوافق قول الجمهور: إن المراد بالإيمان هنا كمالُه لا أصله، انتهى.\n(والتوبةُ معروضة بعد) أي لو رجع عنها إلى الله سبحانه وتاب تاب اللهُ عليه.\n٤٦٩٠ - (حدثنا إسحاق بن سُويد الرملي، نا ابن أبي مريم) أي سعيد بن الحكم، (أنا نافع -يعني ابن يزيد-، حدثني ابن الهاد، أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله -ﷺ- إذا زَنَى الرجلُ خرج منه الإيمان) أي نورُه وبَهاؤه وكمالُه (كانَ عليه كالظُّلَّة) أي كالسقْف والسَّحابة، (فإذا انقلع) أي من الزنا (رجع إليه الإيمان).\n\n(١٨) (بابٌ في الْقَدَرِ) (٢)\n٤٦٩١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا عبد العزيز بن\n_________\n(١) في نسخة: \"أقلع\".\n(٢) وجمع بين أحاديث القَدَر ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ٨٩ - ٩١)، وابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" وكتب مِرْزا مَظْهر جان جانان في \"مكتوباته\": أن أفعالنا مخلوقة منه فكيف الاختيار؟ ! وليست هي كَحَرَكات المُرْتَعِش، بل صادِرة بالقصد والاختيار فكيف =","vol":"13","page":98},{"text":"أَبِى حَازِمٍ، حَدَّثَنِي بِمِنًى عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ». [طس ٢٤٩٤، ك ١/ ٨٥]\n===\nأبي حازم) يقول موسى بن إسماعيل: (حدثني) شيخي عبد العزيز (بمنًى عن أبيه) أبي حازم، (عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: القَدَريةُ) أي الذين يُنكِرون القَدَر (مَجُوسُ هذه الأمة) فإن المجوسَ قائلون بخالِقَيْن، وهما النور والظلمة، فخالق الخير: النورُ، وخالق الشر: الظلمةُ، والقَدَرية كذلك، فإنهم يقولون: إن خالقَ الخير هو الله تعالى، وخالق الشر غيره، وجميع المخلوقات من الخير والشر والقبائح مخلوق لله ﷾ لا شريك له غيره.\n(إنْ مَرِضُوا فلا تَعُودُوهم، وَإنْ ماتوا فلا تَشْهَدوهم)، أي لا تَحضُروا جنائزَهم.\nقال في \"الدرجات\" (١): هذا أحد أحاديث انتقدها سراج الدين القزويني على المصابيح، وزعم أنه موضوع.\nوقال الحافظ ابن حجر فيما تعقَّبه عليه (٢): هذا حسَّنه الترمذي وصحَّحه الحاكم، ورجاله من رجال الصحيح، إلا أن له عِلَّتَيْن، الأُولى: الاختلافُ من بعض رُواته عن عبد العزيز بن أبي حازم فقال: عن نافع، عن ابن عمر. والأُخرى: ما ذكره المنذري (٣) وغيره من أن سندَه منقطع؛ لأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر - ﵁ -.\n_________\n= الجبْر؟ ! فالأمر بين الأمرين، وهو التوسُّط بين الجَبْر والقدر، ولذا قال الحسن البصري: لا جبر ولا تفويض، لكن الأمر بين أمرين. (ش).\n(١) (ص ٢٠٨).\n(٢) انظر: أجوبة الحافظ عن أحاديث المصابيح في آخر الجزء الثالث من \"المشكاة\" (ص ١٧٧٩).\n(٣) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٦٠).","vol":"13","page":99},{"text":"٤٦٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ، وَمَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا قَدَرَ! مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَلَا تَشْهَدُوا جَنَازَتَهُ، وَمَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ فَلَا تَعُودُوهُمْ (١)، وَهُمْ شِيعَةُ الدَّجَّالُ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُلْحِقَهُمْ بِالدَّجَّالِ».\n===\nفالجواب عن الثانية: أن أبا الحسن بن القطان القابسي الحافظ صحَّح سندَه، فقال: إن أبا حازم عاصَرَ ابنَ عمر فكان معه بطيبة، ومسلم يكتفي للاتصال بالمعاصَرَة، فهو صحيح على شرطه.\nوعن الأُولى: أن زكريّا بن منظور وصف بالوهَم، فلعله وهم، فأبدل راويًا بآخر، وعلى تقدير عدم وهمه فلِعَبْد العزيز به شيخان، فإذا تقرَّر هذا لم يَسَعِ الحكم عليه بوضع.\n٤٦٩٢ - (حدثنا محمَّد بن كثير، أنا سفيان، عن عمر بن محمَّد، عن عمر مولى غُفْرة، عن رجل من الأنصار، عن حُذيفة قال: قال رسول الله -ﷺ-: لكل أُمَّةٍ مَجُوسٌ، ومَجوس هذه الأُمّة الذين يقولون: لا قَدَر) أي ينكرون القَدَر، وهم الذين يقولون بأن خالقَ الخير هو اللهُ تعالى، وخالق الشر العبدُ، (من ماتَ منهم فلا تَشْهدوا جنارتَه، ومن مَرِض منهم فلا تَعُودوهم، وهم شيعةُ الدجّال، وحقٌّ على الله أن يُلحقهم بالدجَّال).\nقال المنذري (٢): وعمر مولى غُفْرة لا يحتج بحديثه، ورجل من الأنصار مجهول.\nوقد روي من طريق آخر عن حذيفة لا يثبت.\n_________\n(١) في نسخة: \"تعودوه\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٦١).","vol":"13","page":100},{"text":"(١)\n٤٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَاهُمْ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا قَسَامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِىُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الأَبْيَضُ الأَحْمَرُ، وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ». [ت ٢٩٥٥، حم ٤/ ٤٠٦]\nزَادَ فِى حَدِيثِ يَحْيَى: «وَبَيْنَ ذَلِكَ» وَالإِخْبَارُ فِى حَدِيثِ يَزِيدَ.\n٤٦٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قال: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ\n===\n٤٦٩٣ - (حدثنا مسدد، أن يزيد بن زُريع ويحيى بن سعيد حدثاهم، قالا: نا عوف) الأعرابي، (نا قَسَامة بن زُهير) المازني التميمي البصري، قال العجلي: بصريٌ تابعيٌّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً إن شاء الله، له عند أبي داود والترمذي حديث أبي موسى في خلْق آدم، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\".\n(نا أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن الله خلق آدم من قَبضة قَبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْر الأرض) باعتبار ظاهر اللَّون والطبيعة، (جاء منهم الأبيضُ والأحمرُ، والأسودُ وبين ذلك، والسَّهْلُ) اللِّينُ (والحزنُ) الشديد الخَلْق (والخبيث والطيِّب، زاد في حديث يحيي: وبين ذلك، والإخبار) أي ألفاظ الحديث (في حديث يزيد).\n٤٦٩٤ - (حدثنا مسدد بن مُسَرْهد، نا المعتِمر (بن سليمان) قال: سمعتُ منصور بن المعتمِر) بن عبد الله (يحدث، عن سَعد بن عُبَيدة، عن عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن عليٍّ قال: كُنَّا في جنازة) أي في تشييعها\n_________\n(١) أول الجزء الثلاثين في تجزئة الخطيب البغدادي.","vol":"13","page":101},{"text":"فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَلَسَ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِالْمِخْصَرَةِ فِى الأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا قَدْ كَتَبَ (١) اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ النَّارِ، أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ، إلَّا قَدْ كُتِبَتْ (٢) سَعِيدَةً أَوْ شَقِيَّةً». قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أولَا (٣) نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ لَيَكُونَنَّ إِلَى السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا أَهْلِ الشِّقْوَةِ (٤) لَيَكُونَنَّ إِلَى الشِّقْوَةِ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ (٥)، أَمَّا أَهْلُ\n===\nودفنها (فيها رسولُ الله - ﷺ - بِبَقِيع الغَرْقَد) الغَرْقَد: نوع من الشجر كان بالبَقِيْع فأضيف إليه، (فجاء رسولُ الله - ﷺ -، فجلس ومعه مِخْصَرةٌ) وهو ما يتوكأ عليه نحو العَصا والسَّوْط.\nقال في \"فتح الودود\": مِخْصَرة: بكسر ميم وفتح صاد، عصا أو قضيب يكون بيد المَلِك إذا تكلَّم، أو الخطيب إذا خَطَب، انتهى.\n(فجعل ينكُتُ بالمِخْصَرة في الأرض) مُنكسًا رأسَه (ثم رَفَع رأسه فقال: ما منكم من أحدٍ، ما من نفسٍ مَنْفُوسة إلّا قد كَتب اللهُ مكانَها من النار، أو من الجنة، إلا قد كُتبت سعيدةً أو شقيةً).\n(قال) عليٌّ: (فقال رجل من القوم) لم أقف على تسميته: (يا نبيَّ الله، أَوَلا نمكثُ) أي نَلْبَثُ مُعتمدِين (على كتابنا وندعُ العمل؟ فمَنْ كان) في كتاب الله وعلمه (من أهل السعادة ليكوننَّ إلى السعادة) أي إلى الجنة (ومَنْ كان منا من أهل الشِّقْوة ليكونَنَّ إلى الشِّقْوة؟) أي إلى النار.\n(فقال) - ﷺ -: (اعْمَلُوا فكلٌّ ميسرٌ) أي لما خُلِق من أجله، (أما أهل\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"كُتِبَ\".\n(٢) في نسخة: \"كَتَبَ\".\n(٣) في نسخة بدله: \"أفلا\".\n(٤) في نسخة بدله: \"الشقاوة\".\n(٥) زاد في نسخة: \"لما خلق له\".","vol":"13","page":102},{"text":"السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِلسَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشِّقْوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِلشِّقْوَةِ»، ثُمَّ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -: «﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾». [خ ١٣٦٢، م ٢٦٤٧، ت ٣٣٤٤، جه ٧٨، حم ١/ ١٢٩]\n٤٦٩٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قال (١) فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَريُّ حَاجَّيْنِ\n===\nالسعادة فييسَّرون للسَّعادة) أي لعملها (وأما أهل الشِّقْوة فييسَّرون للشِّقْوة) أي لعمل الشقوة (ثم قال نبي الله - ﷺ -: \" ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾) أي حَقَّ الله تعالى من المال (﴿وَاتَّقَى﴾) أي عن الكفر والمعاصي (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾) أي بكلمة لا إله إلّا الله (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾) أي فَسَنُهَيِّؤه للخَلَّة التي تؤدي إلى يُسْر ورَاحة (﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾) بماله من أداء حقوقه (﴿وَاسْتَغْنَى﴾) بشهوات الدنيا عن نَعيم العقبى (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى)﴾ أي بكلمة التوحيد (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾) (٢) أي لِلْخَلَّةِ المؤدِّية إلى العُسْر والشِّدة ودخول النار.\n٤٦٩٥ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي) أي معاذ، (نا كَهْمَس، عن ابن بُرَيدة، عن يحيي بن يَعْمَرُ قال: كان أول مَن قال في القَدَر) أي في إنكاره (بالبصرة مَعْبَدٌ الجهني) (٣) يقال: إنه ابن عبد الله بن عكيم، ويقال: ابن عبد الله بن عويم، ويقال: ابن خالد، كان رأسًا في القَدَر، قدِم المدينة فأفسد بها ناسًا، كان الحسن البصري يقول: إياكم وَمَعْبدًا، فإنه ضالٌّ مُضِلٌّ، قال العجلي: تابعي ثقة، كان لا يتهم بالكذب، قتله الحجاج سنة ثمانين أو بعدها.\n(فانطلقتُ أنا وحُميدُ بن عبد الرحمن الحِمْيري حاجَّين\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"تَكَلَّمَ\".\n(٢) سورة الليل: الآية ٥ - ١٠.\n(٣) هو من رواة ابن ماجه، بسط ترجمته في \"التهذيب\" (١٠/ ٢٢٥، ٢٢٦).","vol":"13","page":103},{"text":"أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِى الْقَدَرِ. فَوَفَّقَ اللَّهُ تعالي لَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ دَاخِلًا فِى الْمَسْجِدِ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا أنَاسٌ (١) يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَفَقَّرُونَ (٢) الْعِلْمَ، ويَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَالأَمْرُ أُنُفٌ! فَقَالَ: إِذَا (٣) لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِئٌ مِنْهُمْ، وَهُمْ بُرَآءُ مِنِّي. وَالَّذِى يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ (٤) لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ ذهبًا مِثْلَ أُحُدٍ فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ،\n===\nأو مُعتَمِرَيْن، فقلنا: لو لقِيْنا أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ-) لكان خيرًا (فسألناه عما يقول هؤلاء) أىِ القَدَريُّون: معبدٌ وأصحابُه (في القَدَر) أي في إنكاره، (فَوَفَّقَ الله تعالى لنا عبدَ الله بن عمر داخلًا) أي حال كونه داخلًا (في المسجد، فاكتنفْته) أي أحطته (أنا وصاحبي، فظننت أن صاحبي سَيَكِلُ) أي يُفوِّض (٥) (الكلامَ إليَّ، فقلت:) يا (أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر، (إنه قد ظَهَر قبلنا ناس يَقرؤُون القرآن، ويَتقفرون) أي يتتبَّعون (العلم، ويزعمون أنْ لا قَدَر و) أن (الأمْرَ أُنُفٌ) أي مُسْتأنف لم يتقدم شيء من قَدَر!\n(فقال) ابن عمر: (إذا لقيتَ أولئك) أي القَدَرِيِّين (فأخبِرْهم أني بريء (٦) منهم، وهم بُرَآء مني) أي ليس بيني وبينهم تعلقٌ، (والذي يَحلفُ به عبد الله لو أن لأحدِهم ذهبًا مثلَ أُحدٍ فأنفقه ما قَبِله اللهُ منه) لأنه لا يقبَل إلّا من المُؤمن (حتى يؤمن بالقَدَر).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"ناس\".\n(٢) في نسخة بدله: \"يتفقرون\".\n(٣) في نسخة بدله: \"فإذا\".\n(٤) في نسخة: \"عبد الله بن عمر\".\n(٥) لجراءتي وكوني أَلْسَنَ، كما في حاشيه \"الكوكب\" عن النووي (٣/ ٣٣٥). (ش).\n(٦) تَعَجَّل في التبري تنفيرًا عنهم. \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٣٦). (ش).","vol":"13","page":104},{"text":"ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَا (١) نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ (٢) طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى (٣) عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا نَعْرِفُهُ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى رسول الله (٤) -ﷺ- فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، فقَالَ (٥): يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِى عَنِ الإِسْلَامِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،\n===\n(ثم قال (٦): حدثني عمر بن الخطّاب قال: بَيْنا نحنُ عند رسول الله -ﷺ- إذْ طَلَعَ علينا رجلٌ) أي في صووة الرَّجُل وهو جبرائيل ﵇ (شديدُ بياض الثياب، شديدُ سواد الشعر، لا يُرى عليه أَثَرُ السفر) حتى تعلم أنه غريب (ولا نعرفه، حتى جلس إلى رسول الله -ﷺ- فأسند) أي ألصق (رُكبَتَيْه إلى رُكبَتَيْه، ووضع كفَّيْه على فَخِذَيْه) أي فخذي نفسه متأدبًا، أو فخذي رسول الله - ﷺ - متبسِّطًا.\n(فقال: يا محمَّد، أَخْبِرْني عن الإِسلام (٧)؟ قال رسول الله -ﷺ-: الإِسلام أن تشهدَ أن لا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسول الله) أي تُقِرُّ بالشهادتين: التوحيد\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بينما\".\n(٢) في نسخة بدله: \"إذا طلع\".\n(٣) في نسخة: \"لا ترى\".\n(٤) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٥) في نسخة بدله: \"وقال\".\n(٦) مستدلًا على أن الإيمان بالقَدَر داخل في حدِّ الإيمان، كما في \"الكوكب\" (٣/ ٣٣٦)، وبسط ابن القيم في كتاب الصلاة له (ص ٥١٥) حديث: \"كفرًا دون كفر\"، وقال: الكفر نوعان، كفر عمل، وكفر جحود ... إلخ، وبسط الروايات التي أطلق فيها الكفر من ترك الصلاة والزنا. وقوله - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم بعضًا\". (ش).\n(٧) اختلف في أنه هل يطلق على سائر المِلَل، أو يختص بهذه الأمة؟ كذا في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٣٧). (ش).","vol":"13","page":105},{"text":"وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ،\nقَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».\nقَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»\n===\nوالرسالة، (وتُقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتَحُجَّ البيتَ إن اسْتَطَعتَ إليه سبيلًا، قال) الرجل: (صدقتَ، قال) عمر: (فعجبْنا له يسأله ويُصدِّقه) ووجه التعجب أن السؤال يدل على عدم علمه والتصديق يقتضي علمَه.\n(قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تُؤمنَ) أي تُصدِّقَ (بالله، وملائكته، وكتُبُه، ورُسُله، واليوم الآخر) أي يوم القيامة، (وتُؤمنَ بالقَدَر خيره وشره، قال) الرجل: (صدقتَ).\n(قال) أي الرجل: (فأَخْبِرْني عن الإحسان؟) أي الذي يمدحه الله تعالى في كتابه وحَثَّ عِباده على تحصيلِه (١)، (قال: أن تَعبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك).\n(قال) الرجل: (فأَخبِرْني عن الساعة؟) أي عن وقت قيامها (قال) رسول الله -ﷺ-: (مَا المسؤُول عنها) أي عن الساعة (بأَعْلَمَ من السائل) أي لستُ بأعلم فيها منك، يعني كما أنت لا تعلم أنا كذلك لا أعلم، لقوله تعالى: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ \" (٢).\n_________\n(١) بسط على مراتب الإحسان في \"عمدة القاري\" (١/ ٤٢٣)، و\"المرقاة\" (١/ ١٢٤ - ١٢٦)، و\"الكوكب\" (٣/ ٣٤٠ - ٣٤٢). (ش).\n(٢) سورة لقمان: الآية ٣٤.","vol":"13","page":106},{"text":"قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا (١)؟ قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ\n===\n(قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أَنْ تَلِدَ الأمةُ ربَّتها).\nقال القاري (٢): فسر هذا القول كثيرٌ من الناس أن السبْيَ يكثر بعد اتساع رقعة الإِسلام، فيستولد الناس إماءهم، فيكون الولد كالسيد لأمه؛ لأنّ ملكها راجع إليه في التقدير، وذلك إشارة إلى قوة الدين، واستيلاء المسلمين، وهي من الأمارات؛ لأنّ بُلوغَ الغاية مُنذِر بالتراجُع والانحطاط المؤذن بقيام الساعة.\nأو أن الأعِزَّة تصير أَذِلة؛ لأنّ الأمَّ مربيَّة للولد، ومدبرة أمره، فإذا صار الولد ربها سيما إذا كان بنتًا ينقلب الأمر، كما أن القرينة الثانية على عكس ذلك، وهي أن الأذلَّة ينقلبون أعزَّة ملوك الأرض، فيتلاءم المعطوفات.\nوقيل: سمي ولدها سيدها؛ لأنّ له وَلاءها بإرثه له عن أبيه إذا مات، أو أنه كسيدها، لصيرورة مال أبيه إليه غالبًا، فتصير أمه كأنها أمته.\nوقيل: معناه أن الإماء تَلِدْن الملوك فتكون أمه من جملة رَعِيته، ويقرب منه القول بأن السَّبي إذا كثُر قد يسبى الولد صغيرًا ويصير رئيسًا بل ملِكًا، ثم يسبي أمه فيشتريها عالمًا أو جاهلا بها، ثم يستخدمها وقد يطؤها، أو يعتقها ويتزوجها.\nوقيل: معناه فساد الأحوال بكثرة بيع أمهات الأولاد، فتُرَدَّدُ في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها أو يطأها وهو لا يعلم.\nوقيل: معناه الإشارة إلى كثرة عقوق الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته، من الخدمة وغيرها، وخص بولد الأمة؛ لأنّ العقوق فيه أغلب.\n(وأَنْ ترَى) خطاب عام (الحُفَاة) بضم الحاء، جمع الحافي،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أمارتها\".\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٢٨، ١٢٩).","vol":"13","page":107},{"text":"الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِى الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا (١)، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، هَلْ تَدْرِى مَنِ السَّائِلُ»، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». [م ٨، ت ٢٦١٠، ن ٤٩٩٠، جه ٦٣، حم ١/ ٢٧]\n٤٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ (٢) عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ،\n===\nوهو من لا نَعْل له (العُراة) جمع العاري، وهو صادق على من يكون بعض بدنه مكشوفًا (العَالةَ) جمع عائلٍ، وهو الفقير (رِعاء) بكسر الراء والمد، جمع راعٍ (الشاءِ) جمع شاة (يَتَطاولون في البُنيان) أي يتفاخرون في ارتفاعه وكثرته.\nمعناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الفاقة تُبْسَطُ لهم الدنيا مَلِكًا أو مُلكًا، فيتوطَّنون البلاد، وَيبْنون القصورَ المرتَفِعة، ويتباهَون فيها، فهو إشارهّ إلى تغلُّب الأرذال، وتذلُّل الأشراف، وتولي الرئاسة من لا يستحقها، وتعامل السياسة من لا يستحسنها.\n(قال) عمر: (ثم انْطَلَق) الرجل السائل (فلبِثتُ ثلاثًا)، وفي رواية: \"فلبِثتُ مَلِيًّا\"، أي زمانًا، (ثم قال) لي رسول الله -ﷺ-: (يا عمر، هل تدري) أي أتعلم (مَن المسائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال) رسول الله -ﷺ-: (فإنه جبريل أَتاكم يعلِّمُكم دينكم).\n٤٦٩٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عثمان بن غياث) الراسبي، ويقال: الزهراني البصري، قال البخاريُّ عن علي بن المديني: له نحو عشرة أحاديث، قال أحمد: ثقة، كان يرَى الإرجاء، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صَدوق، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\".\n_________\n(١) في نسخة: \"ثلاثة أيام\"، وفي نسخة: \"مليًّا\".\n(٢) في نسخة بدله: \"نا\".","vol":"13","page":108},{"text":"حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا: لَقِينَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَذَكَرْنَا لَهُ الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. زَادَ قَالَ: وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا نَعْمَلُ؟ أَفِى شَىْءٍ قَدْ خَلَا، وَ(١) مَضَى، أَوْ في شَىْءٍ يُسْتَأْنَفُ الآنَ؟ \" قَالَ: «فِى شَىْءٍ قَدْ خَلَا وَمَضَى».\nفَقَالَ الرَّجُلُ، أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ (٢) لِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ مُيَسَّرُونَ (٣) لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ». [م ٨]\n٤٦٩٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ\n===\n(حدثني عبد الله بن بُرَيدة، عن يحيي بن يَعْمر وحُميد بن عبد الرحمن قالا: لقينا عبدَ الله بن عمر، فذكرنا له) أي لابن عمر (القدَر وما يقولون) القدَريةُ (فيه) أي القدر من الإنكار، (فذكر نحوه، زاد) عثمان بن غياث: (قال: وسأله) أي رسول الله -ﷺ- (رجلٌ) لم أقف على اسمه (من مُزينة أو جُهينة) شك من الراوي (فقال: يا رسول الله، فيما نعمل؟ أفي شيء قد خلا ومضى) في تقدير الله ﷾ (أو في شيء يُستأنف الآن) ولم يمضِ فيه قَدر؟ (قال) رسولُ الله - ﷺ -: (في شيء قد خلا ومضى).\n(فقال الرجل) المسائل الجهني أو المزني (أو بعض القوم) - شك من الراوي-: (ففيمَ العملُ؟) أي: أي شئ يفيد العمل؟ (قال) رسول الله -ﷺ-: (إن أهل الجنة مُيَسَّرُون) أي مُوَفَّقون (لعمل أهل الجنة، وإن أهل النار مُيَسَّرون) أي مُهَيَّأون (لعمل أهل النار).\n٤٦٩٧ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الفِريابي، عن سفيان\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أو\".\n(٢) في نسخة بدله: \"يُيَسَّرون\".\n(٣) في نسخة بدله: \"يُيَسَّرون\".","vol":"13","page":109},{"text":"قَالَ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ يَعْمَرَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ: فَمَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «إِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالاِغْتِسَالُ مِنَ الْجَنَابَةِ». [حم ١/ ٥٢، ٥٣، ٢/ ١٠٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَلْقَمَةُ مُرْجِئٌ (١).\n٤٦٩٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ وَأَبِى هُرَيْرَةَ قَالَا: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَيْ (٢) أَصْحَابِهِ، فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ (٣). فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\n===\nقال: نا علقمة بن مَرثد، عن سليمان بن بُريدة، عن ابن يَعْمَر، بهذا الحديث) المتقدم (يَزيدُ وينقُص) أي علقمة بن مَرثد (قال: فما الإِسلام؟ قال: إقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وحجُّ البيت، وصومُ شهر رمضان، والاغتسالُ من الجنابة) فزاد الاغتسال من الجنابة.\n(قال أبو داود: علقمة) بن مَرثَد المذكور (مُرْجئ).\n٤٦٩٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن أبي فَرْوة الهَمْداني، عن أبي زُرعة بن عَمرو بن جَرير، عن أبي ذرّ وأبي هريرة قالا: كان رسول الله -ﷺ- يجلس بين ظَهْرَيْ أصحابه) ولفظ \"ظَهْرَيْ\" مقحم، (فيجيء الغريبُ) من الخارج (فلا يَدري أيُّهم هو) أي رسول الله -ﷺ- (حتى يَسألَ، فطلبنا إلى رسول الله -ﷺ-\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هذا حديث المرجئة، وكان علقمة بن مرثد يذهب إلى الإرجاء\".\n(٢) في نسخة: \"بين ظَهْرانَي\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال\".","vol":"13","page":110},{"text":"أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ. قَالَ: فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَكُنَّا نَجْلِسُ بِجَنْبَتَيْهِ. وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ. فَأَقْبَلَ رَجُلٌ - وَذَكَرَ هَيْئَتَهُ - حَتَّى سَلَّمَ مِنْ طَرْفِ السِّمَاطِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-\". [ن ٤٩٩١].\n٤٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: \"أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: وَقَعَ فِى نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِي بِشَىْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ تعالى أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي. فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ تعالى عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ\n===\nأن نجعل له مجلسًا) أي محلّ جُلوس مُمْتاز (يعرفه الغريبُ إذا أتاه) ولا يحتاج إلى السؤال.\n(قال) أي كل واحد مِنْ أبي ذرّ وأبي هريرة: (فَبَنَيْنَا له دُكانًا) أي محلًّا مُرتَفِعًا (من طينٍ، فجلس عليه، وكُنَّا نَجلِس بِجَنبَتَيْه، وذكر نحو هذا الخبر) المتقدِّم قال: (فأقبل رجلٌ -وذكر هيئته- حتى سلَّم من طرف السِّماط) أي الجماعة من الناس (فقال) بعد ما سَلَّم على الناس: (السلامُ عليك يا محمَّد)، وكان هذا السلام ثانيًا تخصيصًا له ﵊ بعدما سَلَّم على القوم عمومًا، كما يفيده قوله: من طرف السِّماط (قال: فردَّ عيه النبي - ﷺ -) السلامَ.\n٤٦٩٩ - (حدثنا محمَّد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي سِنان، عن وهب بن خالد الحِمصي، عن ابن الدَّيلمي) هو عبد الله بن فيروز (قال: أتيتُ إلى أُبيِّ بن كعب فقلتُ له: وقع في نفسي شيء من) الشبهة في (القدَر) والإنكار به (فحدِّثْني بشيء لعلَّ الله تعالى أن يُذهبه) أي يُزيله (من قلبي).\n(فقال) أُبيُّ بن كعب: (لو أنَّ الله تعالى عذَّبَ أهلَ سمواته) من الملائكة","vol":"13","page":111},{"text":"وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ (١) خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِى سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ\". قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النبي -ﷺ- مِثْلَ ذَلِكَ. [جه ٧٧، حم ٥/ ١٨٢]\n٤٧٠٠ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِى عَبْلَةَ،\n===\n(وأهلَ أرْضِه) من الجنّ والإنس (عذَّبهم، وهو غيرُ ظالمٍ لهم) لأنه متصرف في ملكه، (ولو رَحِمهم) أي جميعًا من المؤمنين والكُفَّار (كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقتَ مثلَ أُحدٍ ذهبًا في سبيل الله تعالى ما قبِله الله تعالى منك حتى تُؤمنَ بالقدَر، ونعلمَ أن ما أصابك لم يكن ليخطئَك) أي يُجاوزَك، (وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبَك، ولو متَّ على غير هذا) الاعتقاد (لدخلتَ النار).\n(قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك) أي مثل ما قاله أُبي بن كعب، (قال) ابن الدَّيلمي: (ثم أتيت حُذيفةَ بن اليمان فقال) حذيفةُ (مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي -ﷺ- مثل ذلك) والفرق بين أقوالهم أن أبي بن كعب وحذيفة وابن مسعود ذكروا قولهم، وأما زيد بن ثابت فحدَّثه عن رسول الله -ﷺ- حديثًا مرفوعًا.\n٤٧٠٠ - (حدثنا جعفر بن مسافر الهُذَلي، نا يحيي بن حسان، نا الوليد بن رَباح، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة) بسكون الموحدة، اسمه شمر (٢) بكسر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لهم\".\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٤٢، ١٤٣).","vol":"13","page":112},{"text":"عَنْ أَبِى حَفْصَةَ قَالَ: قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لاِبْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ: وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تعالى الْقَلَمَ\n===\nالمعجمة، ابن يقظان بن عبد الله المرتحل، أبو إسماعيل، ويقال: أبو سعيد الرملي، وقيل: الدمشقيّ، قال ابن معين ودحيم ويعقوب بن سفيان والنسائيّ: ثقة، وقال ابن المديني: كان أحد الثقات، وقال أبو حاتم: صَدوق، وقال الدارقطني: الطرق إليه ليست تصفو، وهو ثقة لا يخالف الثقات إذا روى عنه ثقة.\n(عن أبي حفصة) (١) هو حبيش بن شويح الحبشي، ويقاله: أبو حفص الشامي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا: \"أوَّل ما خلق الله القلمُ\"، وفي إسناده اختلاف، قلت: ذكره أبو نعيم في \"الصحابة\"، وصحَّح أنه تابعي، وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: كان من أهل القدس.\n(قال: قال عُبادة بن الصامت لابنه (٢): يا بنيّ إنك لن تجدَ طَعْمَ حقيقة الإيمان حتى تعلمَ أن ما أصابك لم يكن لِيخطئَك، وما أخطأك لم يكن لِيصيبَك، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: إن أولَ ما خَلَقَ (٣) اللهُ تعالى القلم،\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٩٤، ١٩٥).\n(٢) وكان وصية منه لابنه، كما في رواية \"الترمذي\" (٢١٥٥، ٣٣١٩). (ش).\n(٣) قال القاري (١/ ٢٨٩، ٢٩٠): \"القلم\" بالرفع هو ظاهر، وروي بالنصب. وقال بعض المغاربة: الرفع هو الرواية، فإن صحَّ النصب كان على لغة مَنْ ينصب خبر \"إن\"، وقال المالكي: يجوز نصبه بتقدير \"كان\" على مذهب الكسائي، قال المغربي: لا يجوز أن يكون \"القلم\" مفعول \"خلق\"؛ لأن المراد أن القلم أول مخلوق، وإذا جعلتَه مفعولًا ينبغي أن تسقط الفاء من قوله: \"فقال ... \" إلخ، ثم قال أيضًا: إن الأولَوِيَّة إضافية؛ لأنه بعد خلق العَرْش والماء والريح، والأول الحقيقي نور محمَّد - ﷺ -، انتهى مختصرًا، وشيء منه في هامش \"الكوكب\" (٣/ ١٢٠، ١٢١، ٤/ ١٦٩) في مبدأ سورة هود، و\"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢١٢، ٢١٣). (ش).","vol":"13","page":113},{"text":"وَقَالَ (١) لَهُ: اكْتُبْ، فقَالَ: رَبِّ (٢) وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّى». [ت ٣٣١٩، حم ٥/ ٣١٧]\n٤٧٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (٣). (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، الْمَعْنَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ طَاوُسًا (٤) يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ، عَنِ النبيِّ -ﷺ- قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا (٥) خَيَّبْتَنَا (٦)، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ،\n===\nوقال له: اُكتبْ، فقال) القلم: (ربِّ وماذا أكتبُ؟ قال) الله ﷿: (اكتبْ مَقاديرَ كلِّ شيء حتى تقوم الساعة (٧). يا بُنيَّ، إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: مَن مات على غير هذا) الاعتقاد (فليس مني).\n٤٧٠١ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، ح، ونا أحمد بن صالح، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قال: نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار) أنه (سمع طاوسًا يقول: سمعت أبا هريرة يخبرُ، عن النبي -ﷺ- قال: احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنتَ أبونا خَيَّبْتَنا) أي أَوقعتَنا في الخَيْبة والخُسْران، (وأَخرجْتَنا من الجنة) (٨) بأكل الشجرة، فلو لم تأكل الشجرةَ لم نَقَعْ في الخَيْبة.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"قال: يا ربِّ\".\n(٣) في نسخة: \"سفيان بن عيينة\".\n(٤) في نسخة بدله: \"طاوس\".\n(٥) في نسخة: \"إنك أبونا\".\n(٦) في نسخة بدله: \"خُنْتَنا\".\n(٧) لا إشكال في رواية أبي داود، ولفظ الترمذي \"إلى الأبد\" مشكل؛ لأنّ الأبد لا نهاية له، فكيف يحصر، ووجَّهه القاري (١/ ٢٩٠، ٢٩١) بعِدَّة توجيهات، أحسنها: أن المراد بـ\"الأبد\" القيامة، ليرجع إلى حديث أبي داود هذا. (ش).\n(٨) قيل: إن الجنة التي أخرج منها آدم ﵇ ليست المعروفة، بل هي أخرى، كما في =","vol":"13","page":114},{"text":"فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ (١)، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ التَّوْرَاةَ، تَلُومُنِي (٢) عَلَى أَمْرٍ (٣) قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِى بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (٤). [خ ٦٦١٤، م ٢٦٥٢، ت ٢١٣٤، جه ٨٠، حم ٢/ ٣٩٨]\nقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ.\n===\n(فقال آدم: أنتَ موسى اصْطفاك اللهُ بكلامه، وخَطَّ لك بيده التوراةَ) وفيها تعليم القدَر الأمر بالإيمان به، (تلومُني على أمر قدَّره عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟) فكيف يمكنني الامتناعُ من أكل الشجرة؟ (فحجَّ) أي غلب بالحُجَّة (آدمُ موسى) (٥).\nفإن قلتَ: فعلى هذا يُمكن أن يغلب بالحجة كلُّ مَنْ يرتكب الكبائر، ويَنتهِك الحُرُمات أن يتخلَّص من الإلزام بإحالته على التقدير؟ .\nقلنا: لا، هذا دار التكليف، فلا يجوز مثل ذلك في نَشْأَة الدنيا لما يلزمه عليه من إبطال التكليف، وأما في النشأة الآخرة فيجوز لعدم بقاء التكليف فيها، فلا محل هناك للإلزام.\n(قال أحمد بن صالح: عن عمرو، عن طاوس) أنه (سمع أبا هريرة) فالفرق بين الروايتَيْن أن مسددًا روى سماعًا بقوله: عن عمرو بن دينار أنه سمع طاوسًا، وأحمد بن صالح روى بصيغة \"عن\" بقوله: عن عمرو، عن طاوس.\n_________\n= \"اليَواقِيت والجواهر\" (٢/ ١٥٥)، وفي \"حجَّة الله البالغة\" (١/ ٥١): أن الجنة حقيقة ومثالية. (ش).\n(١) في نسخة بدله: \"لكلامه\".\n(٢) في نسخة: \"أتلومُني\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قد\".\n(٤) في نسخة: \"فحجَّ آدم موسى، فَحَجَّ آدمُ موسى\".\n(٥) ولم يحتج بذلك عند عتابه ﷿؛ لأنه كان وقت تكليف مع ما من البَوْن البيَّن في المحاورة مع الخالق والمخلوق، كذا في \"العرف الشذي\" (٣/ ٣٨٥). (ش).","vol":"13","page":115},{"text":"٤٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «إِنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ، أَرِنَا آدَمَ الَّذِى أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبُونَا آدَمُ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ الَّذِى نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَعَلَّمَكَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ؟ فقَالَ (١): نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: أَنْتَ نَبِيُّ بَنِى إِسْرَائِيلَ الَّذِى كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ لَمْ يَجْعَلْ (٢) بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَمَا وَجَدْتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِى كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:\n===\n٤٧٠٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني هِشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب) ﵁ (قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن موسى قال: يا ربِّ، أَرِنا آدمَ الذي أخرجنا ونفسَه من الجنة، فأراه الله آدم، فقال) أي موسى: (أنتَ أبونا آدم؟ فقال له آدم: نعم، قال) موسى: (أنتَ الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلَّمك الأسماءَ كلَّها، وأمَر الملائكةَ فسجدوا لك؟ فقال: نعم).\n(قال) موسى: (فما حَمَلَك على أن أخرجتَنا ونفسَك من الجنة) بأكل الشجرة المنهي عنها؟ (قال له آدم: ومَنْ أنت؟ قال: أنا موسى، قال: أنت نبيُّ إسرائيلَ الذي كلَّمك الله من وراء الحِجاب لم يجعلْ بينك وبينه رسولًا من خلقه؟ قال: نعم، قال) آدم: (أفما وجدتَ) في التوراة (أن ذلك) أي أكْلي من الشجرة والخروج من الجنة (كان في كتاب الله) أي في ما كتبه الله علي (قبل أن أُخلَق؟ قال) موسى: (نعم، قال) آدم:\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) في نسخة: \"ولم يجعل\"، وفي نسخة: \"فلم يجعل\".","vol":"13","page":116},{"text":"فَبِمَ تَلُومُنِي فِى شَىْءٍ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ الْقَضَاءُ قَبْلِي؟». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ ذَلِكَ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ﵉».\n٤٧٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ - قَالَ: قَرَأَ الْقَعْنَبِيُّ الآيَةَ - فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ (١) عَنْهَا،\n===\n(فبِمَ تَلومُني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاءُ قبلي؟)\n(قال رسول الله -ﷺ- عند ذلك: فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى ﵉).\n٤٧٠٣ - (حدثنا القَعْنبي، عن مالك، عن زيد بن أبي أُنيسة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني) عن عمر، قوله في تفسير: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾، وقيل: عن نُعيم (٢) بن ربيعة، عن عمر، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\"، قلت؛ وقال العجلي: بصريٌّ تابعيٌّ ثقة (أن عمرَ بن الخطّاب سُئِل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، قال: قرأ القعنبي الآية) وتمام الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٣).\n(فقال عمر) ﵁: (سمعتُ رسول الله -ﷺ- سُئِل عنها،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"يسأل\".\n(٢) كذا في \"التهذيب\" (١٠/ ٤٦٤)، وفي \"الخازن\" بدله: يعمر بن ربيعة، انتهى. (ش).\n(٣) سورة الأعراف: الآية ١٧٢.","vol":"13","page":117},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «إِنَّ اللَّهَ ﷿ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ تعالى: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ. ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً (١)، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ تعالى إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُدْخِلَهُ بِهِ الْجَنَّةَ. وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ\n===\nفقال رسول الله -ﷺ-: إن الله خلق (٢) آدم، ثم مَسَحَ ظهرَه) أي أمر بمسحه، أو هو الذي تولّى له (بيمينه) وهو من المتشابهات، وكِلْتا يديه يمين، كما ورد (فاستخرج منه ذُرِّيَّةً) أي بواسطة ظهور الآخرين، كما هو مدلول الآية، وإنما أَسْنَدَ الكل إلى ظهر آدم حيث أُسْنِدوا لكونهم راجعين إليه بواسطة آبائهم، (فقال تعالى: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مَسَحَ ظهرَه، فاستخرج منه ذريةً، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون).\n(فقال رجل) لم أقف (٣) على تسميته: يا رسول الله، ففيمَ العملُ؟ فقال رسولُ الله - ﷺ -: إن الله تعالى إذا خلق العبدَ للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنة، فيُدخِلَه به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله) أي يجعله عاملًا (بعمل أهل النار) فهو غير قادر على ترك العمل ومَدْفوع على الإتيان به، فلا يَتَيَسَّر له أن لا يعملَ، ففيه إشارة إلى أنكم لا تعملون شيئًا، إنما يستعملكم خالق تلك الأعمال، (حتى يموتَ\n_________\n(١) في نسخة: \"ذريته\".\n(٢) يقال: إنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ...﴾ الآية، كذا في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٩٧)، وبسط في الحاشية أيضًا: أن المراد في الآية آدم مع أولاده، واكتفى في الحديث على آدم فقط لكونه أصلًا. (ش).\n(٣) فيه أقوال. انظر: \"الأوجز\" (١٦/ ٢٢). (ش).","vol":"13","page":118},{"text":"عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ». [ت ٣٠٧٥، حم ١/ ٤٤]\n٤٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِى عُمَرُ (١) بْنُ جعفر (٢) الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَتَمُّ. [انظر سابقه]\n٤٧٠٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «الْغُلَامُ الَّذِى قَتَلَهُ\n===\nعلى عملٍ من أعمال أهل النار) وهو الكُفْر (فيُدخِلَه به النار).\n٤٧٠٤ - (حدثنا محمَّد بن المصفَّى، نا بقيَّة، حدثني عمر بن جَعْفر القرشي، حدثني زيد بن أبي أُنَيْسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نُعيم بن ربيعة) الأزدي، عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾، وعنه مسلم بن يسار، ذكره ابن حبّان في \"الثقات\" (قال: كنت عند عمر بن الخطاب، بهذا الحديث، وحديثُ مالك أتم).\nقلت: ولكن حديثَ مالك منقطع؛ لأنّ مسلم بن يسار لم يسمعْ من عمر - ﵁ -، وإنما هو يروي بواسطة نُعيم (٣) بن ربيعة.\n٤٧٠٥ - (حدثنا القَعْنبي، نا المعتَمِر، عن أبيه) سليمان بن طرخان، (عن رَقَبة بن مَصْقَلة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله -ﷺ-: الغلام (٤) الذي قتله\n_________\n(١) في نسخة: \"عمرو\".\n(٢) في نسخة: \"جُعْثمُ\".\n(٣) وتكلم ابنُ عبد البر على هذه الواسطة. [\"التمهيد\" (١٤/ ٣٧٧)]. (ش).\n(٤) بسط العيني (٢/ ٢٧٤)، والحافظ (٨/ ٤٢٠) على اسمه. (ش).","vol":"13","page":119},{"text":"الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا،\n===\nالخَضِر (١) طُبع كافرًا) أي خُلق على أنه لو عاش يصير كافرًا. كتب مولانا محمَّد يحيي المرحوم: قوله: \"طُبع كافرًا\"، وكان الكفرُ كامنًا فيه حتى لو بقيَ حيًّا لأظهره، ولا مؤاخذةَ عليه ما دام كامنًا، وذلك كما يربي المرء جرو ذئب مع علمه بما كمن فيه من الافتراس، ولا يؤاخذه على ما كمن فيه، ويعطف عليه ويشربه لبنًا، حتى إذا كبر وافترس شاته وابنه، جَعَلَ يقطع لحمه قطعًا قطعًا، فكذلك في الكفر لا يجازَى ما لم يظهره، ولا معتبو بما يظهره في صغره لعدم اعتداد الشرع بأقواله إذًا، وقد وُلِدَ على ما أقرَّه حين سئل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فلو مات على الفطرة ولم يظهر كامنه كان غير مأخوذ به، انتهى.\nفإن قيل: هذا الحديث مخالف لظاهر قوله - ﷺ -: \"كُلُّ مَوْلُود يُولَد على الْفِطْرة\" الحديث.\nقال القاري (٢) في جوابه: ثم قوله: \"طُبع كافرًا\" أي خُلقَ الغلامُ على أنه يختار الكفر فلا ينافي خبر: \"كُلُّ مَولُودٍ على الْفِطْرَة\"، إذ المراد بالفطرة استعداد قبول الإِسلام، وهو لا ينافي كونه شقيًّا في جِبِلَّتِه (٣).\n_________\n(١) واختلف في حياته، أثبته الصوفية، وقال السخاوي: \"أخي الخضر لو كان حيًّا لزارني\" لا يثبت مرفوعًا، بل مقولة لبعض السلف، وذكر ترجمته أيضًا في \"حياة الحيوان\" (١/ ٣٣٧ - ٣٤٠)، وقال في \"لطائف المِنَن\" (١/ ٨٤): بقاؤه مجمع عند الصوفية، انتهى. وكذا في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٤١)، وبسط العيني (١١/ ١٣١، ١٣٣) على أحوال الخَضِر من الاسم والزمان والمكان، وبسط الحافظ في القسم الأوّل من \"الإصابة\" (١/ ٤٢٨ - ٤٤٧)، وفي\"الفتح\" (٦/ ٤٣٣، ٤٣٤)، وكذا في هامش \"الكوكب\" (٤/ ١٩٢)، وهامش \"المسلسلات\" (ص ١٨٨). (ش).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٨٤).\n(٣) فلا ينافي حديث \"المشكاة\": \"مَنُ يُولد كافرًا وَيحيى كافرًا ويموت مؤمنًا\"، وبسط صاحب \"الجمل\" (٣/ ٤٠): بأنه مستثنى من حديث الفطرة، انتهى. (ش).","vol":"13","page":120},{"text":"وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا». [م ٢٦٦١، ت ٣١٥٠، حم ٥/ ١٢١]\n٤٧٠٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِى قَوْلِهِ تعالي: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾: «وَكَانَ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا». [م ٢٣٨٠]\n٤٧٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَتَنَاوَلَ رَأْسَهُ فَقَلَعَهُ،\n===\nوقد روى ابنُ عدي في \"الكامل\" (١) والطبراني في \"الكبير\" (٢) عن ابن مسعود مرفوعًا: \"خلق الله يحيي بن زَكَرِيّا في بطن أمه مؤمنًا، وخلقَ فرعونَ فى بطن أمه كافرًا\"، انتهى.\n(ولو عاشَ لأرهقَ أبويه طغيانًا وكفرًا).\n٤٧٠٦ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الفِرْيابي، عن إسرائيل، نا أبو إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: نا أبيّ بن كعب قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ (٣): وكان) الغلام (طُبعَ) أي خُلِق (يوم طُبع كافرًا) أي يكفر إذا بَلَغ.\n٤٧٠٧ - (حدثنا محمَّد بن مِهران الرازي، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: حدثني أُبيّ بن كعب، عن رسول الله -ﷺ- قال: أبصر الخَضِر غلامًا يلعب مع الصبيان فَتَناوَلَ) أي أخذ (رأسَه فَقَلَعَه) عن\n_________\n(١) \"الكامل\" (٦/ ٢٢٢١).\n(٢) \"المعجم الكبير\" (١٠٥٤٣).\n(٣) سورة الكهف: الآية ٨٠.","vol":"13","page":121},{"text":"فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (١)» الآيَةَ. [خ ٣٤٠١، م ٢٣٨٠، ت ٣١٤٩، حم ٥/ ١١٦]\n٤٧٠٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَالإِخْبَارُ فِى حَدِيثِ سُفْيَانَ -، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «أنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا،\n===\nجسده، (فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) أي طاهرةً لم تبلُغ الحنث (الآية).\n٤٧٠٨ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، نا شعبة، ح: ونا محمَّد بن كثير، أنا سفيان، المعنى) أي معنى حديثهما (واحد، والإخبار) أي الألفاظ (في حديث سفيان، عن الأعمش قال: نا زيد بن وهب، نا عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادِق المَصْدوق) أي المصدق: (أن خَلْقَ أحدِكم يُجمعُ في بطن أُمِّه أربعين يومًا).\nقال الخطابي (٢): قوله: \"يُجمعُ في بطن أُمِّه\"، وقد روي تفسيرُه عن ابن مسعود، حدثنا الأصمّ قال: ثنا السري بن يحيي أبو عُبيدة (٣) قال: نا قَبيصة قال: نا عمّار بن رزيق قال: قلت للأعمش: ما يجمعُ في بطن؟ قال: حدثني خَيْثمة قال: قال عبد الله: \"إن النطفةَ إذا وقعت في الرحم، فأراد اللهُ أن يخلُقَ منها بشرًا، طارت في بشر المرأة تحت كلِّ شَعْرٍ وظُفُرٍ، ثم يمكُث أربعين ليلة، ثم ينزل دمًا في الرحم، وذلك جمْعها\"، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"زكية\" [سورة الكهف، الآية: ٧٤].\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٢٤).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"حدثنا السري بن يحيي، حدثنا أبو عبيدة، حدثنا عمار بن زريق ... \" إلخ. فليفتش.","vol":"13","page":122},{"text":"ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ، وَأَجَلُهُ، وَعَمَلُهُ، ثُمَّ يُكْتَبُ: شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ - أَوْ قِيدُ ذِرَاعٍ - فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ\n===\nوكتب مولانا محمَّد يحيي المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"يُجمعُ في بطن أُمِّه\" كما هو من غير أن يتغيَّر خلقه إلى صورة أخرى، وقد ورد في بعض الروايات أقل من ذلك، حتى ورد كل التكونات في أربعين صباحًا وأقل من ذلك أيضًا، ونسبة أربعة أشهر بالسنتين قريبة من نسبة أربعين إلى ثمانية أشهر الذي هو مقدار التكونات، وأما الشهر التاسع فالولَدَ يصير فيه ذَا حياةٍ.\nوالحاصل: أن اختلاف الروايات في ذلك مبني على اختلاف مُدَد الحمل، فمِنْ مَولُودٍ يُولد لستة أشهر، ومِنْ مَوْلودٍ يُولد لسنتين، وبينهما مراتب كثيرة، وهذا إذا لم يَعْتر عارضٌ من مَرَضٍ، وإلا فقد يزيد وينقُص، فلا يعترض على الروايات بتجربات الأطباء، ولا تعارض في مؤدى الروايات أيضًا، فاغْتَنِم فإنه غريب.\n(ثم يكون علقةً) أي دمًا غليظًا (مثل ذلك) أي أربعين يومًا، (ثم يكون مُضغةً) أي قطعة لحم قدْر ما يمضغ (مثل ذلك) أي أربعين يومًا، (ثم يَبعث الله إليه مَلَكًا فيؤمرُ) أي الملك (بأربعِ كلماتٍ) أي بكتابتها (فَيكتُبُ رزقَه (١)، وأجلَه، وعملَه، ثم يَكتب شقيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح، فإنّ أحدكم ليعملُ بعمل أهلِ الجنةِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ أو قيدُ ذراع) أي قدر ذراع، تمثيل بغاية قربها (فيسبِق عليه الكتاب) الذي كتبه الملَك (فيعملُ بعمل أهل النار\n_________\n(١) يشكل عليه ما ورد في الروايات من بسط الرزق لصلة الرحم وغيره، وأجيب: بأن المراد البركة، كذا في \"الأوجز\" (١٦/ ٤٧). (ش).","vol":"13","page":123},{"text":"فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ- أَوْ قِيدُ ذِرَاعٍ - فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا». [خ ٦٥٩٤، م ٢٦٤٣، ت ٢١٣٧، جه ٧٦، حم ١/ ٣٨٢]\n٤٧٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». [خ ٦٥٩٦، م ٢٦٤٩، حم ٤/ ٤٣١]\n٤٧١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ (١) حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ (٢)\n===\nفيدخلُها، وإن أحدكم ليعملُ بعملِ أهلِ النار حتى ما يكونُ بينه وبينها) أي النار (إلّا ذراع أو قيد) أي مقدار (ذراع، فيسبِقُ عليه الكتاب) فيتوب عما يرتكب (فيعملُ بعملِ أهلِ الجنة) ويموت عليه (فيدخلُها) أي الجنة.\n٤٧٠٩ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن يزيدَ الرِّشْك) بكسر الراء بمعنى \"قسام\" في لغة أهل البصرة، (نا مطرِّف، عن عمران بن حُصَين قال: قيل لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، أعُلِمَ) أي قبل الخلق في علم الله (أهلُ الجنة من أهل النار؟ قال) رسول الله -ﷺ-: (نعم، قال) أي المسائل: (ففيمَ يعمل العاملون؟ قال) - ﷺ -: (كلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له) أي موفق لما خُلِق له.\nكتب مولانا محمد يحيي المرحوم: حاصل جوابه - ﷺ -: أنهم ليسوا بمختارين في إتيان العمل، ولا يمكنهم تركه، لأنّ المقدور يلجئهم عليه، فيأتون به لا محالة، انتهى.\n٤٧١٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله) وزاد في نسخة: ابن يزيد\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمَّد بن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن يزيد المقرئ\".","vol":"13","page":124},{"text":"أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكٍ (١)، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْمُونٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ،\n===\nالمقرئ (أبو عبد الرحمن، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني عطاء بن دينار) الهُذَلي، مولاهم أبو الريان (٢)، بالراء والتحتانية الثقيلة، وقيل: أبو طلحة السري، قال أحمد وأبو داود: ثقة، وعن أحمد بن صالح: عطاء بن دينار من ثقات المصريين، وتفسيره فيما يروي عن سعيد بن جُبَير صحيفة، وليس له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير، وقال أبو حاتم: صالحُ الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\"، وقال ابن يونس: مستقيم الحديث، ثقة معروف بمصر.\n(عن حكيم بن شريك) الهُذَلي المصري، ذكره ابن حبّان في \"الثقات\"، قلت: قرأت بخط الذهبي: قال أبو حاتم: مجهول، (عن يحيي بن ميمون الحضرمي) أبو عمرة، المصري القاضي، قال أبو حاتم: صالحُ الحديث، وقال النسائيُّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في \"الثقات\"، وقال ابن يونس: ولي القضاء بمصر سنة ١٠٢ هـ، وعزل سنة ١١٤ هـ، وفيها مات، قلت: تتمة كلام ابن يونس: وكان غير محمودٍ في قضائه، وقال الدارقطني: ثقه.\n(عن ربيعة) بن عمرو، ويقال: ابن الحارث، ويقال: ابن الغاز، بمعجمة وزاء (الجرشي) أبو الغاز الدمشقي، مختلف في صحبته، قال أبو حاتم: ليست له صحبة، وذكره أبو زرعة الدمشقي في التابعين، وقال الدارقطني: ربيعة الجرشي في صحبته نظر.\nوذكر ابن عبد البر عن الواقدي قال: ربيعة الجرشي قُتِل يوم مَرَج راهط،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الهُذَلي\".\n(٢) هكذا في \"التقريب\" (٤٥٨٩)، و\"تهذيب الكمال\" (٣٩٣١)، وفي \"الخلاصة\" (ص ٢٦٦): أبو الرَّيَّال.","vol":"13","page":125},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ، وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ». [حم ١/ ٣٠، ك ١/ ٨٥، ق ١٠/ ٢٠٤، حب ٧٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1746>(١٩) بابٌ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ</span>\n٤٧١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِين قَالَ (١): «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». [خ ١٣٨٣، م ٢٦٦٠، ن ١٩٥١، حم ١/ ٢١٥]\n===\nوقد سمع من النبي -ﷺ- أحاديث، وقال البخاريُّ في \"تاريخه\": حدثني بِشْر بن حاتم، عن عبيد الله بن أبي عمرو (٢)، عن زيد بن أَبي أُنَيْسَة، عن عبد الملِك أبي يزيد، عن مولى لعثمان، عن ربيعة الجرشي، وله صحبة، وقال ابن حبّان في \"الصحابة\": ربيعة بن عمرو الجرشي سَكَنَ الشامَ، حديثه عند أهلها، وذكره في الصحابة ابن مَنْده، وأبو نعيم، والباوردي، والبغويُّ وغيرهم.\n(عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطّاب) ﵁، (عن النبي -ﷺ- قال: لا تُجالِسُوا أهلَ القَدَر) قال المظهر: أي لا تُناظروهم ولا تَبْحثوا معهم عن الاعتقاد، فإنهم يُوْقِعونكم في الشك وُيوَسْوِسون عليكم اعتقادكم، (ولا تُفاتِحوهم) بالسلام أو بالكلام، وقيل: من المفاتحة، أي الحكومة، أي لا تحاكَموا إليهم.\n\n(١٩) (بابٌ في ذَرارِيِّ) جمع ذُرِّيَّة، وهي: أولاد الإنس والجن (المشركين) والمراد هنا الصِّغار\n٤٧١١ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن النبي -ﷺ- سُئِلَ عن أولاد المشركين قال: الله أعلم بما كانوا عاملين).\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٨١)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٦١): \"عبيد الله بن عمرو\".","vol":"13","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال الخطابي (١): ظاهر هذا الكلام يُوهم أنه - ﷺ - لم يُفتِ المسائل عنهم، وأنه ردَّ الأمرَ في ذلك إلى علم الله ﷿ من غير أن يكون قد جعلهم من المسلمين أو ألحقهم بالكافرين، وليس هذا وجه الحديث، وإنما معناه: أنهم كفار ملحقون في الكفر بآبائهم؛ لأنّ الله تعالى قد عَلِم أنهم لو بَقوا أحياءً حتى يَكبرُوا لكانوا يعمَلون عَمَلَ الكفر.\nيدلّ على صحة التأويل قوله في حديث عائشة -﵂-: \"قالت: قلت: يا رسول الله، ذَراري المؤمنين؟ قال: من آبائهم فقلت: يا رسول الله، بلا عَمَلٍ؟ قال: الله أعلمُ بما كانوا عاملين\". فهذا يدلّ على أنه قد أفتى عن المسألة، ولم يُغفِل الجواب عنها على حسب ما توهمه من ذهب إلى الوجه الأوّل في تأويل الحديث، انتهى.\nقال القاري (٢): وقد اختلفوا (٣) في ذلك، فقيل: إنهم من أهل النار تبعًا للأبَوَيْن، وقيل: من أهل الجنة (٤) نظرًا إلى أصل الفطرة، وقيل؛ إنهم خُدَّام أهل الجنة، وقيل: إنهم يكونون بين الجنة والنار، لا معذَّبين ولا مُنعَمين، وقيل: من علم الله تعالى [منه] أنه يؤمن ويموت عليه إن عاش أدخله الله الجنة، ومن علم [منه] أنه يفجُر ويكفُر أدخله النار. وقيل بالتوقف (٥) في أمرهم وعدم القطع بشيء، وهو الأَولى لعدم التوقيف من جهة الرسول - ﷺ - بكونهم مِن أهل الجنة\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٢٤، ٣٢٥).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٨٨، ٢٨٩).\n(٣) بسط هذه المذاهب الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٢٤٦، ٢٤٧)، وذكر فيها عشرة مذاهب، وحكى عن مالك والشافعيُّ: أنهم تحت المشيئة، وحكى عن النوويّ: أن قول الجمهور كونهم في الجنة، انتهى. والبسط في \"الأوجز\" (٤/ ٦٢٥، ٦٣١)، و\"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٤٦ - ١٤٨)، وفي \"شرح الإقناع\" (٤/ ٢٤٤): أن الخلاف في أولاد الكَفَرة من هذه الأمة، وأما من غيرهم ففي النار. (ش).\n(٤) وبه جزم في \"شرح الإقناع\" (٤/ ٢٤٤). (ش).\n(٥) ضعفه أبو البركات النسفي، كذا في \"الشامي\" (٣/ ٨٢). (ش).","vol":"13","page":127},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nولا من أهل النار، بل أمرهم بالاعتقاد الذي عليه أكثر أهل السُّنَّة من التوقف في أَمرهم، وقال ابن حجرة هذا قبل أن ينزل فيهم شيء، فلا ينافي أن الأصح أنهم من أهل الجنة، انتهى.\nوكتب مولانا محمَّد يحيي المرحوم من تقرير شيخه -﵀-: قوله: \"الله أعلم ما كانوا عاملين\"، حاصله -والله أعلم-: أن دخولَ الجنة قد يكون لأجل الأعمال، وقد يكون لغير ذلك من العَوارض، فالسؤال لم يكن إلا عن الدخول المرتب على الأعمال، فأجاب أنهم ليس منهم عمل حتى يدخلوا الجنة دخول كذا.\nوأما مطلق الدخول المتحقق في النوع الثاني فلم يتعرض له ولم ينكره عنهم، بل أثبته بقوله: \"كُلُّ مَوْلودٍ يُولَدُ على الفطرة\"، قإنهم لمّا وُلدوا على الفطرة ولا معتبر بما صدر عنهم حالة الصغر، كما قلنا قريبًا كانوا مثلهم قبل الولاد، ومن البيّن أنهم قبل ولادهم لم يكونوا في النار، فلا يكونون فيها بعد الولاد أيضًا إذا ماتوا صغارًا، وذلك لما قلنا: إن ما كَنَّ من الكفر غير مجزي عليه، وما ظهر عن أفعالهم لا يعتد به، فلم يبق الحكم فيهم إلا ما كان قبل الولاد، فترك بيانه اتِّكالًا على ما هو الظاهر؛ وعليه يحمل قوله: \"هم من آبائهم\"، فإنهم ليس لهم من الحكم إلا ما كان لآبائهم، وهو الدخول المرتب على الأعمال، وكذلك في المؤمنين وأولادهم، ولما لم يكن للذَّراري أعمال لم يكن لهم الدخول المترتب عليها.\nوالحاصل: أنهم شاركوا الآباء في الدخول المرتب على الأعمال، فالمؤمنون وأولادُهم وكذا المشركون وأولادهم كلُّهم أَجمعونَ شركاء فيما بينهم في أن الدخول مرتب على الأعمال، فأعمال المؤمنين الحسنة أدخلتْهم الجنةَ، وأعمال المشركين السيئة أدخلتهم النار. والذراري من النوعين لم تكن لهم أعمال حتى يَترتَّب الدخول في إحدى الدارين المترتب عليها.\nوأما الدخول بغير ذلك، فغير متعرض به، فيُنظر فيه إلى نُصوص أُخَر،","vol":"13","page":128},{"text":"٤٧١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، الْمَعْنَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَيْسٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِين؟\n===\nفرأينا قولَه ﵇: \"كُلُّ مَولُودٍ يُولد على الفطرة\"، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) يَنفِيان العذابَ عنهما جميعًا، فانتَقَى بذلك دخولُ ذراري المشركين النارَ رأسًا، كما كان انتفى الدخول المرتب على الأعمال، وليس مجرَّد الفطرة كافيًا في دخول الجنَّة، فلم يثبت بذلك الدخول في شيء، فيُنظر إلى نُصُوص أُخَر تثبت دخول الجنة، ولا يُنافيه ما ورد في رواية خديجه حين سألتْ عن ولدها الذي مات في الجاهلية فقال \"هو في النار\" لأنّ كل مرتبة فهي بالنسبة إلى ما فوقها نار، والعَرَبُ تسمي كلّ شدة نارًا، ولا شك أن أصحابَ الأعراف في شدة إذا قاسُوا أحوالهم بأحوال أهل الجنة.\nوإن ثبت دخولُ ذراري المشركين الجنة كان غير مخالف لقوله هذا أيضًا، فإن دخولَهم هناك لما كان غير مضافٍ إلى استحقاق، وكانوا كالعبيد والغلمان، ولم يكن لهم ما يكون للمؤمنين وأطفالهم من الإكرام والنعيم، كان ذلك شدة لهم. وكذلك قوله - ﷺ -: \"خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم\"، ليس فيه تصريح بأنهم في النار أو في الجنة، فنقول: إنما كُتِب قبل خلقهم أنهم في الجنة من غير عملٍ عَملُوه، وإنما رد على عائشة - ﵂ -؛ لأنها تكلمت بما ليس لها علم به وإن كانت مصيبة فيما قالت، انتهى.\n٤٧١٢ - (حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدة، نا بقية، ح: ونا موسى بن مروان الرقّي، وكثير بن عُبيد المَذْحِجيُّ، قالا: نا محمَّد بن حرب، المعنى) أي معنى حديث محمَّد بن حرب وبقية واحد، (عن محمَّد بن زياد، عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة قالت: قلتُ: يا رسول الله، ذَراريُّ المؤمنين؟)\n_________\n(١) سورة الإسراء: الآية ١٥.","vol":"13","page":129},{"text":"فقال: \" (١) مِنْ آبَائِهِمْ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: «مِنْ آبَائِهِمْ»، قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». [حم ٦/ ٨٤]\n٤٧١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: أُتِىَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِصَبِيٍّ\n===\nأي ما حكمهم؟ (فقال) - ﷺ -: هم (من آبائهم) أي حكمُهم أنهم داخلون في حكم آبائهم، (فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: اللهُ أعلم بما كانوا عاملين، قلت: يا رسول الله، فذراريُّ المشركين) فماذا حكمهم؟ (قال) - ﷺ -: (من آبائهم) أي حكمهم أنهم من آبائهم (٢) (قلت: بلا عمل؟ قال: اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملين).\n٤٧١٣ - (حدثنا محمَّد بن كثير، أنا سفيان، عن طلحة بن يحيي، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: أُتِي النبي -ﷺ- بصبيٍّ (٣)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هم\".\n(٢) قال ابن قتيبة في \"التأويل\" (ص ٣١٧، ٣١٨): يخالف حديث: \"أو ليس خياركم ذراري المشركين\"، وأجاب عنه، فارجع إليه. (ش).\n(٣) ولفظ \"المشكاة\" رقم (٨٤) برواية مسلم: قالتْ: دُعي النبيُّ - ﷺ - إلى جنازة صبيٍّ من الأنصار، فقلتُ: \"يا رسول الله، طُوبى لهذا، عُصفورٌ من عَصافير الجنة ... \" الحديث. قال القاري (١/ ٢٦٩): أي مثلها من حيث أنه لا ذنبَ عليه، وينزِل في الجنة حيث يشاء ... إلخ.\nقلت: وهذا هو وجه الشبه عندي لما في رواية أخرى، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \"صِغارُهم دعاميص الجنة\".\nقال القاري (٤/ ٢٤٠): أي إنهم سيَّاحون في الجنة، لا يمنعون من موضع، كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون من الدخول على الحرم ولا يحتجب منهم، انتهى. =","vol":"13","page":130},{"text":"مِنَ الأَنْصَارِ يُصَلِّي عَلَيْهِ. قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِهَذَا، لَمْ يَعْمَلْ شَرًّا (١) وَلَمْ يَدْرِ بِهِ. فَقَالَ: «أَوَغَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِى أَصْلَابِ آبَائِهِمْ،\n===\nمن الأنصار) أي بجنازته (يُصلِّي عليه، قالت: قلت: يا رسول الله، طُوبى لهذا) فُعلى مِنْ طابَ يَطِيْب، قُلِّبتِ الياءُ واوًا، أي له البُشْرى بطِيب العَيْش، (لم يعملْ شرًّا ولم يَدْرِ به، فقال) رسول الله -ﷺ-: (أَوَ) بفتح الواو (غيرُ ذلكِ) بضم الراء وكسر الكاف، هو الصحيح المشهور من الروايات، والتقدير: أتعتقدين ما قلتِ والحق غير ذلك؟ وهو عدم الجزْم بكونه من أهل الجنة (يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلًا، وخلقها) أي الجنة (لهم وهم في أَصْلابِ آبائهم) أي قبل\n_________\n= والظاهر أن مستقرهم في رَوْضة في أصل شجرة، كما في رؤياه ﵇ بلفظ: \"انتَهَيْنا إلى رَوْضة خَضْراء فيها شجرةٌ عظيمةٌ، وفي أصلها شيخٌ وصِبْيان ... \" الحديث، وفُسِّر الشيخُ بسيدنا إبراهيم ﵇، والصبيانُ بأولاد الناس، كذا في \"المرقاة\" (٨/ ٤١٠).\nوفي \"مظاهر حق\": \"أولاد آدميون كى\" ولم يعترض لأكثر من ذلك.\nقال القسطلاني (٣/ ٥٤٦): أولاد الناس عام يشمل المؤمنين وغيرهم، وفي \"كتاب التعبير\" ح (٧٠٤٧): \"أمَّا الوِلْدان حوله فكل مولودٍ ماتَ على الفطرة، فقال بعض المسلمين: فأولاد المشركين يا رسول الله؟ قال: وأولاد المشركين\"، وهذا ظاهر في إلحاقهم بأولاد المسلمين، انتهى.\nوقال العيني (١٦/ ٣٢٥): يريد الذين هم في علم الله من أهل السعادة من أولاد المسلمين، انتهى.\nوقال: اختُص إبراهيم ﵇، لأنه أبو المسلمين ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ...﴾ الآية [الحج: ٧٨].\nوفي \"الفتح\" (١٢/ ٤٤٥): في بعض الروايات: \"فقلت: ما هؤلاء؟ قال: ذرية المؤمنين\"، انتهى. وفي الدعاء على جنازة الصبي في الطحطاوي (ص ٣٨٨) على المراقي: \"اللَّهمَّ اجْعَلْه في كِفالة إبراهيم ﵇\"، انتهى. (ش).\n(١) في نسخة: \"سوءًا\".","vol":"13","page":131},{"text":"وَخَلَقَ النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِى أَصْلَابِ آبَائِهِمْ». [م ٢٦٦٢، ن ١٩٤٧، جه ٨٢، حم ٦/ ٤١]\n٤٧١٤ - حَدَّثَنَا (١) الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تَنَاتَجُ الإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِير؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». [خ ١٣٨٥، م ٢٦٥٨، ت ٢١٣٨، حم ٢/ ٢٥٣]\n٤٧١٥ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شاهدٌ (٢): أَخْبَرَكَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو\n===\nوِلادتِهم، (وخلق النارَ، وخلق لها) أي للنار (أهلًا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم)، فهم في النار بِحكم القدَر من قبل ولادتهم.\n٤٧١٤ - (حدثنا القَعْنبي، عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: كل مولودٍ يُولَدُ على الفطرة) أي على الاستعداد والتهيؤ لقبول الدين، (فأَبَواه يُهَوِّدانه، وينصِّرانه) أي يَجْعَلانه يهوديًّا ونصرانيًّا (كما تَنَاتَجُ) أي تَلِد (الإبل من) زائدة (بهيمة جَمْعاءَ) أي سالمة من العيوب في جميع أعضائها (هل تُحِسُّ) أي تدرك فيها (من جَدْعاء؟) أي مقطوع الأذن، (قالوا: يا رسول الله، أفرأيتَ) أي أخبرنا (من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين).\n٤٧١٥ - (قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مِسْكين وأنا شاهد: أخبرك يوسف بن عمرو) بن يزيد بن يوسف بن جرجس، ويقال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".\n(٢) في نسخة بدله: \"أسمع\".","vol":"13","page":132},{"text":"قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ الأَهْوَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ مَالِكٌ: احْتَجَّ (١) عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ، قَالُوا: أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».\n===\nخرخس، الفارسي، أبو يزيد المصري، قال ابن يونس: كان رجلًا صالحًا، روى الحارث بن مسكين عنه أشياء فاتته عن ابن وهب، قلت: وقال أبو عمرو الكندي: كان فقيهًا مُفتيًا، وهو أحد أوصياء الشافعي - ﵁ -.\n(قال: أنا ابن وهبٍ قال: سمعت مالكًا، قيل له: إن أهل الأهْواء يحتجون علينا بهذا الحديث) أي بقوله: \"فأبواه يُهَوِّدانه وَيُنَصِّرانه\" حيث نسب فيه التَّهويد والتنصِيْر إلى الآباء لا إلى الرَّب ﷾. والجواب: أن الإضافة مجازية؛ لكونه يحصل بملابستهم في العادة.\n(قال مالك: احتجَّ عليهم) أي على أهل الأهواء (بآخره) أي آخر الحديث، وهو قوله: (قالوا: أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: اللهُ أعلم بما كانوا عاملين) أي بما قدر لهم من العمل.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢): وأخرج أبو داود، عن ابن وهب: \"سمعت مالكًا، وقيل له: إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث، يعني قوله: فَأَبَواه يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانه، فقال مالك: احتج عليهم بآخره: الله أعلم بما كانوا عاملين\".\nووجه ذلك أن أهلَ القدَر استدلوا على أن الله فطر العباد على الإِسلام، وأنه لا يُضِلُّ أحدًا، وإنما يضل الكافر أبوه، فأشار مالك إلى الرد عليهم بقوله: \"الله أعلم\"، فهو دالٌ على أنه يعلم بما يصيرون إليه بعد إيجادهم على الفِطرة،\n_________\n(١) في نسخة: \"احتجوا\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٤٧).","vol":"13","page":133},{"text":"٤٧١٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ». قَالَ: هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ عَلَيْهِمُ (١) فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ حَيْثُ قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. [ق ٦/ ٢٠٣]\n===\nفهو دليل على تقدم العلم الذي ينكره غُلاتهم، ومِنْ ثَمَّ قال الشافعي: أهلُ القدَر إن أثبتوا العلم خصموا.\n٤٧١٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا الحجّاج بن المِنهال قال: سمعت حماد بن سلمة يفسر حديث: كل مولودٍ يُولد على الفطرةِ، قال) حماد بن سلمة: (هذا عندنا حيثُ أخذ الله العهدَ عليهم في أصلاب آبائهم حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾) (٢).\nقال الخطابي (٣): معنى قول حماد في هذا أحسن، وكأنه ذهب إلى أنه لا عِبْرة للإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة والفعل، ألا ترى أنه يقول: \"فأَبَواه يُهَوِّدانه وينصِّرانه\"، فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين.\nوفيه وجه آخر، ذهب إليه عبد الله بن المبارك حين سئل عنه، فقال: تفسير قوله حين سُئِل عن الأطفال؟ فقال: \"الله أعلمُ بما كانوا عاملين\"، يريد -والله أعلم- أن كل مولودٍ من البَشَر إنما يُولدُ على فطرته التي جبل عليها من السعادة والشقاوة، وعلى ما سبق له من قدر الله ومشيئته فيه من كفر أو إيمان، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه وخلق له، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لفطرته في السعادة والشقاوة.\nفمن أَمارَات الشقاوة للولد أن يُولَد لليهوديين والنصرانيين، فيحملانه\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"عليهم العهد\".\n(٢) سورة الأعراف: الآية ١٧٢.\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٢٥).","vol":"13","page":134},{"text":"٤٧١٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى (١)، حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِى النَّارِ».\nقَالَ يَحْيَى (٣): قَالَ أَبِي: فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُ بِذَلِكَ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النبيِّ -ﷺ-.\n===\nلشقائه على اعتقاد دين اليهود أو النصارى، أو يُعلِّمانه اليهودية أو النصرانية، أو يموت قبل أن يعقِلَ، فيصف الدين، فهو محكوم له بحكم والديه، إذ هو في حكم الشريعة تبع لوالديه، فذاك معنى قوله: \"فَأَبَوَاه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه\". ويشهد لهذا المذهب حديث عائشة - ﵂ -: \"أن النبي -ﷺ- أُتِي بصبي من الأنصار يُصلِّي عليه، فقلت: يا رسول الله، طُوبى له\"، الحديث.\n٤٧١٧ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، نا ابن أبي زائدة، حدثني أبي) أبو زائدة، (عن عامر) الشعبي (قال: قال رسول الله -ﷺ-: الوائدةُ والموؤودةُ في النار) والوَأد، دفن الصبي في القبر وهو حيٌّ، وهذا كان من عادة العرب في الجاهلية خوفًا من الفَقْر، أو فِرارًا من العارِ، وتكون الوائدة في النار لكفرها، والموؤودة (٤) تبعًا لأبويها، وأوّله مَنْ نَفاه بأن الوائدة القابلة، والموؤودة الأم، أي الموؤودة لها.\n(قال يحيي) بن زكريا بن أبي زائدة: (قال أبي: فحدثني أبو إسحاق، أن عامرًا) الشعبي (حدّثه بذلك عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي -ﷺ-) وكان أبو زائدة روى أولًا عن عامر الشعبي من غير واسطة أبي إسحاق هذا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الرازي\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ابن زكريا\".\n(٤) ويخالفه ما تقدم \"الوئيد في الجنة\" في \"باب في فضل الشهادة\". [وانظر: \"شرح الطيبي على المشكاة\" (١/ ٢٦٣)، و\"المرقاة\" (١/ ١٨٢)]. (ش).","vol":"13","page":135},{"text":"٤٧١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ فِى النَّارِ»، فَلَمَّا قَفَّى قَالَ: «إِنَّ أَبِى وَأَبَاكَ فِى النَّارِ». [م ٢٠٣]\n٤٧١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ».\n[م ٢١٧٤، حم ٣/ ١٥٦]\n٤٧٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،\n===\nالحديث معضلًا، ثم روى بواسطة أبي إسحاق أن عامرًا الشعبي حدثه هذا الحديث عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - متصلًا.\n٤٧١٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله) - ﷺ - (أين أبي) أفي الجنة أم في النار؟ (قال: أبوك في النار) لأنه مات على الكفر (فلما قَفَّى) أي أدبر (قال: إن أبي وأباك في النار).\nقال في \"فتح الودود\": من يقول بنجاة والديه - ﷺ - يحمله (١) على العمِّ فإن اسم الأب يطلق على العم مع أن أبا طالب قد ربى رسول الله - ﷺ -، فيستحق إطلاق اسم الأب من تلك الجهة.\n٤٧١٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك) ﵁ (قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: إن الشيطانَ يجري من ابن آدمَ مَجْرى الدَّم)، والحديث يدلّ على أن الله سبحانه خلق الشيطان وهو أشرُّ الخلق، ومكنه من إغواء بني آدم وتلبيسهم.\n٤٧٢٠ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهَمْداني، أخبرنا ابن وهب،\n_________\n(١) أو يحمله على أنه كان قبل علمه ﵇، كما في \"الشامي\" (٣/ ٣١٧)، وقال أيضًا (٤/ ٣٤٨): إن الإحياء بعد ذلك، لأنه كان في حجة الوداع. (ش).","vol":"13","page":136},{"text":"أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَسَعِيدُ بْنُ أبي أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ، وَلَا تُفَاتِحُوهُمُ\" الْحَدِيثَ. [تقدَّم برقم ٤٧١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1747>(٢٠) بابٌ في الْجَهْمِيَّةِ </span>(١)\n===\nأخبرني ابن لَهِيعة وعمرو بن الحارث وسعيد بن أبي أيوب، عن عطاء بن دينار، عن حَكيم بن شَريك الهُذَلي، عن يحيي بن ميمون، عن ربيعة الجرشي، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطّاب، أن رسول الله -ﷺ- قال: لا تُجالسوا أهل القدَر، ولا تُفاتِحوهم، الحديثَ)، وقد تقدم هذا الحديث قريبًا من حديث أحمد بن حنبل.\n\n(٢٠) (بابٌ في الْجَهْمِيَّةِ)، وفي نسخة: والمعتزلة\nوالجهمية (٢): منسوبة إلى جَهْم بن صَفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وقال لا فِعْل لأحدٍ غير الله، وإنّما ينسب الفعل إلى العبد مجازًا من غير أن يكون فاعلًا أو مستطيعًا لشيء، وزعم أن عِلْمَ الله تعالى حادثٌ، وامتنع مِنْ وَصْف الله تعالى بأنّه شيء، أو حيٌّ، أَو عالمٌ، أو مريدٌ، حتى قال، لا أَصِفُه بوصْف يجوز إطلاقُه على غيره، قال: وأَصِفه بأنه خالقٌ ومُحيي ومُمِيتٌ وموحَّد بفتح المهملة الثقيلة؛ لأن هذه الأوصاف خاصة به، وزعم أن كلام الله تعالى حادث.\nقال الحافظ (٣): وليس الذي أنكروه على الجهميّة مذهب الجبر خاصة، وإنما الذي أَطْبَقَ السلفُ على ذمِّهم بسبب إنكار الصفات، حتى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله وإنه مخلوقٌ، وكذلك المعتزلة سَمَّوا أنفسَهم أهلَ العَدل والتوحيد،\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"باب في الجهمية والمعتزلة\".\n(٢) بسط الحافظ (١٣/ ٣٤٥) شيئًا من الكلام عليهم. (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٤٤، ٣٤٥).","vol":"13","page":137},{"text":"٤٧٢١ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟\n===\nوعَنَوا بالتوحيد ما اعْتَقَدوه من نَفْي الصفات الإلهية، لاعتقادهم أن إثباتها (١) يستلزم التشبيه، ومَنْ شَبَّه الله بخلقه أَشْرك، وهم في نفي الصفات موافقون للجهمية.\nوأما أهل السُّنَة، ففسَّروا التوحيدَ بنفي التشبيه والتعطيل، ومن ثم قال الجنيد- فيما حكاه أبو القاسم القشيري-: التوحيد إفراد القديم من المُحْدَث، وقال أبو القاسم التميمي في \"كتاب الحجة\": التوحيد مصدر وحّد يُوَحِّد، ومعنى وحدت الله: اعتقدتُه منفردًا بذاته وصفاته لا نظيرَ له ولا شبيهَ، وقيل: معنى وَحّدته: علمتُه واحِدًا، وقيل: سلبت عنه الكيفيةَ والكميةَ، فهو واحد في ذاته لا انقسامَ له، وفي صفاته لا شبيهَ له، وفي إلاهِيَّتِه وَمُلْكِه وتَدبيره لا شريك له، ولا رَبَّ سواه، ولا خالقَ غيره. ملخص من \"الفتح\".\nوكتب مولانا محمَّد يحيي المرحوم في \"التقرير\": \"باب في الجهمية\"، وهم طائفة من أهل الأهْواء، ينكرون الصفاتَ، فإن كان قصدهم نضي زيادة الصفات، واستقلالها علاوة على الذات، ويكونون قائلين باندِماجها في الذات؛ لأنّ الذات كافية في ترتُّب الآثار المختلفة عليها، وليس شيء وراءه قديمًا، فقولهم هذا غير قابل بالرد والإبطال، وإن قَصَدوا نفي الصفات مطلقًا، فهو حقيق بالرد عليه، وعلى الثاني ترد الروايات المذكورة في الباب، كما هو حقيق بالردّ، حيث أثبت فيها للكريم سبحانه أفعال وصفات مثل الخَلْق والرزق والكلام وغير ذلك، انتهى.\n٤٧٢١ - (حدثنا هارون بن معروف، نا سفيان، عن هِشام، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يزال الناس يتساءلون) أي يخوضون في الأباطيل (حتى يقال: هذا) أي هذا الأمر مُسَلَّم أنه (خلق اللهُ الخَلْقَ، فَمَنْ خَلَق اللهَ؟\n_________\n(١) في الأصل: \"صفاتها\"، وهو تحريف.","vol":"13","page":138},{"text":"فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ». [خ ٣٢٧٦، م ١٣٤]\n٤٧٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ - يَعْنِى ابْنَ الْفَضْلِ -، حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -، حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى بَنِى تَيْمٍ، عَنْ أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ: «فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ، فَقُولُوا: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ثُمَّ لْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ (١)\n===\nفَمَنْ وَجَد من ذلك شيئًا فليقل: آمنتُ بالله)، وَلِيَنْتَهِ عن الخوض فيه، وفي الحديث إثبات صفة الخلق لله ﷾.\n٤٧٢٢ - (حدثنا محمَّد بن عمرو، نا سلمة -يعني ابن الفضل-، حدثني محمَّد -يعني ابن إسحاق-، حدثني عتبة بن مسلم) التيمي (مولى بني تَيْم) المدني، وهو ابن أبي عتبة، ذكره ابن حبّان في \"الثقات\"، قلت: ذكر الخطيب في \"الموضح\": أن البخاريُّ فرَّق بين عتبة بن أبي عتبة وعتبة بن مسلم، والصواب أنهما واحد، ونقل ذلك عن عبد الغني بن سعيد الأزدي وغيره.\n(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول، فذكر) أبو سلمة (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (قال) رسولُ الله - ﷺ -: (فإذا قالوا ذلك) أي فَمَنْ خَلَقَ الله؟ (فقولوا) في ردِّ ذلك: (﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾) أي ليس بمخلوقٍ، بل هو أَحَدٌ، والأَحَدُ الذي لا ثاني له، ولا مثل له في الذات والصفات، (﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾) أي المُحتاج إليه في كل شيء، وهو لا يحتاج إلى شيء، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢)، ثم ليَتْفلْ عن يساره ثلاثًا) لأنّ اليسار محلّ الشيطان (وَلْيستعِذْ) بالله\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"بالله\".\n(٢) سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤.","vol":"13","page":139},{"text":"مِنَ الشَّيْطَانِ». [م ١٣٥، حم ٢/ ٣٨٧]\n٤٧٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أبي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كُنْتُ في الْبَطْحَاءِ في عِصَابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: «مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟»، قَالُوا: السَّحَابَ، قَالَ: «وَالْمُزْنَ؟»، قَالُوا: وَالْمُزْنَ،\n===\n(من الشيطان) الرجيم، والاستعاذة طلب المعاونة من الكريم على دفع الشيطان الرجيم.\n٤٧٢٣ - (حدثنا محمَّد بن الصباح البزاز، نا الوليد بن أبي ثور) هو وليد بن عبد الله بن أبي ثور، الهَمْداني المرهبي الكوفي، وقد يُنسب إلى جده، قال أبو داود: قال أحمد: ما لي به ذاك الخبر لشيخ قدم هنا، كان ابن الصباح يحدث عنه، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال محمَّد بن عبد الله بن نمير: كذَّاب، وقال سعيد البرديجي عن أبي زرعة: منكَرُ الحديث يَهِم كثيرًا، وقال ابن أبي حاتم عن أبي ذر: في حديثه وهاء، وعن أبيه: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال يعقوب بن سفيان والنسائيّ وصالح بن محمَّد: سألنا محمَّد بن الصباح عنه فقال: جاء إلى هُشيم فأكرمه وكتبنا عنه، وقال يعقوب الدورقي عن الوليد بن صالح: سألت شريكًا عنه فزكَّاه (١).\n(عن سِماك، عن عبد الله بن عَميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب قال: كنت في البَطْحاء) أي بطحاء مكة (في عصابة فيهم رسولُ الله - ﷺ -، فمرَّتْ بهم سَحابة، فنظر إليها، فقال: ما تُسمونَ هذه؟ قالوا: السحابَ) أي نُسمِّيه السحاب، (قال) رسولُ الله - ﷺ - (والمُزْنَ؟) أي وتُسَمُّونه المُزنَ (قالوا) أي الصحابة: (والمُزْن) ونُسَمِّيه المُزْنَ أيضًا.\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٣٧، ١٣٨)","vol":"13","page":140},{"text":"قَالَ: «وَالْعَنَانَ؟»، قَالُوا: وَالْعَنَانَ.\n- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ أُتْقِنِ الْعَنَانَ جَيِّدًا - قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟»، قَالُوا: لَا نَدْرِى. قَالَ: «إِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ، أَوِ ثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. ثُمَّ السَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ»،\n===\n(قال) رسول الله -ﷺ-: (والعَنانَ؟) أي وهل تُسَمُّونه العَنانَ؟ (قالوا: والعَنانَ) أي ونُسَمِّيه العَنانَ أيضًا.\nكتب مولانا محمَّد يحيي المرحوم: إنما نبه بتلك الأسماء على أنها حقيقة في السماء المقصود ذكرها، وإن كان يطلق على السحاب أو بالعكس، والله أعلم، انتهى.\n(قال أبو داود: لم أُتْقِن) من شيخي محمَّد بن الصباح لفظ (العَنان جيدًا) فلعله أتقنه من بعض تلامذة الشيخ.\n(قال) رسول الله -ﷺ-: (هل تدرون ما) قدر (بُعْد ما بين السماء والأرض؟ قالوا) أي الصحابة: (لا ندري، قال) رسول الله -ﷺ-: (إن بُعد ما بينهما إما واحدةٌ، أو ثنتان، أو ثلاثٌ وسبعون سنةً).\nفإن قلتَ: قد جاء في بعض الأخبار أن بُعد ما بينهما خمسمائة عام، قال الطيبي (١): المراد بالسبعين التكثير (٢) دون التحديد، ورد بأنّه لا فائدة حينئذ لزيادة واحد واثنتان.\nقلت: لعل التفاوت لتفاوت السائر، إذ لا يُقاس سَيْر الإنسان بسَيْر الفَرَس.\n(ثم السماءُ فوقها) أي السماء الثانية فوق السماء الأُولى (كذلك)،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٢٨).\n(٢) كذا في الحاشية عن \"فتح الودود\"، وقال القاري (٩/ ٧١٩): التكثير ها هنا أبلغ والمقام له أدعى، انتهى. (ش).","vol":"13","page":141},{"text":"حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، «ثُمَّ فَوْقَ (١) السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ أَظْلَافِهِمْ (٢) وَرُكَبِهِمْ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ (٣) إِلَى سَمَاءٍ (٤)، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِمُ الْعَرْشُ بَيْنَ (٥) أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ ﵎ فَوْقَ ذَلِكَ». [جه ١٩٣، حم ١/ ٢٠٦، ٢٠٧، ت ٣٣٢٠]\n٤٧٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أبي سُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أبي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاكٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.\n===\nأي المسافة بينهما مثل مسافة ما بين السماء والأرض (حتى عدّ سبع سماوات، ثم فوق السابعة) أي السماء السابعة (بحرٌ بين أسفلِه وأعلاه مثلَ ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك) أي البحر (ثمانيةُ أَوْعالٍ) جمع وَعْل، وهو التيس الجبلي، وهم: الملائكة على صورة الأَوْعال (بين أَظْلافهم ورُكَبِهم مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ) من المسافة، (ثم على ظهورهم العرشُ بين أسفله) أي العرش (وأعلاه مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ) من المسافة، (ثم اللهُ تعالى فوق ذلك) وليس المراد بالفوقية الجِهةُ والكيفيةُ، بل هو منزه عن التشبيه والتكييف، كما قاله السلف -﵏-.\n٤٧٢٤ - (حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج) بسين مهملة وجيم مصغرًا، قاله المنذري، (أنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سَعْد ومحمد بن سعيد قالا: أنا عمرو بن أبي قيس، عن سِماك، بإسناده ومعناه).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"السماء\".\n(٢) في نسخة: \"أظلافهن\".\n(٣) في نسخة: \"السماء\".\n(٤) في نسخة: \"السماء\".\n(٥) في نسخة: \"ما بين\".","vol":"13","page":142},{"text":"٤٧٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِى أبي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاه، هَذَا الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ.\n٤٧٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ،- قَالَ أَحْمَدُ: كَتَبْنَاهُ مِنْ نُسْخَتِهِ، وَهَذَا لَفْظُهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا أبي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جُهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَضَاعَتِ الْعِيَالُ،\n===\n٤٧٢٥ - (حدثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن سِماك، بإسناده ومعناه، هذا الحديث الطويل) المتقدم.\n٤٧٢٦ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد) بن إبراهيم (الرِّباطي) أبو عبد الله المروزي الأشقر، نَزيل نيسابور، شيخ المصنف، قال النسائيُّ: ثقة، وقال ابن خراش: ثقة ثقة، وقال الخطيب: ورد بغداد في أيام أحمد، وكان ثقة فَهْمًا عالمًا فاضلًا، وقال أبو حاتم الرازي: أدركته ولم أكتب عنه، وكتب إليّ بأحاديث، وكان يتولى على الرِّباطات، وقال الخليلي في \"الإرشاد\": ثقة عالم حافظ متقن، وقال أبو علي الحافظ: كان والله من الأئمة المقتدى بهم.\n(قالوا: نا وهب بن جرير، قال أحمد) بن سعيد: (كتبناه من نسخته) ولعل الباقين رَوَوْه من نسخة أخرى، كما يدلّ عليه آخر الكلام (وهذا لفظه) أي لفظ أحمد، وهو كلام المصنف، (قال: حدثنا أبي) أي سعيد بن إبراهيم (قال: سمعتُ محمدَ بن إسحاق يحدث، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمَّد بن جُبير بن مُطعم، عن أبيه) أي محمَّد بن جبير بن مطعم، (عن جدّه) جبير بن مطعم) قال: أتى رسولَ الله - ﷺأعرابِيٌّ) أي بَدَوِيٌّ (فقال: يا رسول الله، جَهِدت الأنفس) أي أوقعت في الجهد والمشقة، (وضاعتِ العيالُ) أي الأولاد،","vol":"13","page":143},{"text":"وَنُهِكَتِ الأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الأَنْعَامُ، فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ، وَنَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ.\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَيْحَكَ! ! أَتَدْرِى مَا تَقُولُ؟»\n===\n(ونهكت الأموال) أي نَقَصت، (وهلكت الأنعام) بحبس المطر، (فاستسقِ الله لنا، فإنا نَسْتشفِعُ بك على (١) الله، ونستشفعُ بالله عليك!).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: \"ونستشفعُ بالله عليك\"، والشفيع أقل منزلة من المسؤول عنه عادة، ولذلك استعظَمَه النبيّ - ﷺ -، وإن كان يمكن تأويل كلامه يحمل الاستشفاع على المسألة، لأجل حقه، إلَّا أنه أنكر عليه إيهام اللفظ، فكره ذلك عليه.\n(قال رسول الله - ﷺ -: ويحك! أتدري ما تقول؟) يعني: هل تدري ما يؤول\n_________\n(١) وفي \"الترمذي\" (٣٥٧٨) حديث: \"إني توجهت بك إلى ربي ... \" إلخ، وصحَّحه الحاكم (١/ ١٣)، وأقرَّه عليه الذهبي، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، لكن المفسربن: صاحب \"البحر المحيط\" و\"الكبير\" و\"الجلالين\" ومحشيه و\"الدر المنثور\"، لم يذكُروا فيها التوسُّلَ بالنبي، وفي الحديث: \"اللَّهمَّ إني أسألُك وأَتَوَجَّه إليك بنبيك\"، \"جامع الصغير\" (١/ ٢٢٧) رقم (١٥٠٨)، و\"الحصين الحصين\" (ص ٢٠٥)، و\"بحق محمَّد عليك\" \"كنز العمال\" (٢/ ٥٣) رقم (٣٤٢٥) و\"تحقيق النُّصْرة بتلخيص مَعَالم دار الهجرة\" للإمام أبي بكر المراغي، و\"بحق السائلين عليك\" \"روح المعاني\" (٦/ ٤٠٥، ٤٠٦)، و\"إحياء علوم الدين\" (١/ ٢٩٣)، وفي حديث أبي بكر في دعاء الحفظ: \"اللَّهمَّ إني أسألُك بمحمد نبيِّك، وإبراهيم خَلِيْلِك، وموسى نَجِيِّك ... \" الحديث. \"إحياء العلوم\" (١/ ٢٨٥)، وفي حديث فاطمة بنت أسد: \"بحق نبيِّك والأنبياء الذين من قبلي\". \"محق التقول\" (ص ٣، ١٣).\nقلت: وفي الحديث إشارة إلى أن الاستشفاع بالنبي - ﷺ - إلى الله تعالى يجوز لتقديره ﵇؛ وأجْملَ الكلامَ على التوسُّل ابنُ عابدين (٩/ ٦٥٤)، وصاحب \"الرحلة الحجازية\"، وابن حجر المكي في \"شرح مناسك النووي\" (ص ٤٩٠)، وهامش \"ابن ماجه\"، وفي \"الحصين الحصين\": أن يتوسل بالأنبياء والصالحين من عباده، ورمز للروايات فيه، وبسط الكلامَ على المسألة العلاعة الكوثري في رسالته: \"محق التقَوُّل في مسألة التوسُّل\"، وفي \"روح المعاني\" (٦/ ٤٠٢ - ٤٠٧) في تفسير: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، انتهى. (ش).","vol":"13","page":144},{"text":"وَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ في وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَيْحَكَ! ! إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ (١)، وَيْحَكَ! ! أَتَدْرِى مَا اللَّهُ؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ لَهَكَذَا» - وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ - «وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ»\n===\nإليه قولك من تحقير الله ﷿ وأَهانته ﷾؟ (وسبَّح رسول الله - ﷺ -، فما زال يسبِّح) أي يكرر التسبيح (حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه) بما شَقَّ عليه - ﷺ - من كلام الأعرابي، (ثم قال) رسول الله - ﷺ -: (ويحك! إنه) أي الشأن (لا يُستشفعُ بالله على أحد من خلقه) لأنه ﷿ لا يحتاج إلى خلقه في شيء، وجميع الخلق محتاجون إليه (شأنُ الله) تعالى (أعظمُ من ذلك) أي بأن يُستشفع به على أحد من خلقه.\n(ويحك! أتدري ما الله) أي ما عظمةُ شأنه؟ (إن عرشَه على سمواته لَهكذا، وقال) أي أشار (بأصابعه مثلَ القبة) أي المحيطة (عليه، وإنه) أي العرش (لَيَئِطُّ) أي ليصوت (به) أي بعظمته (أَطِيْطَ الرَّحْل بالراكب) أي بثقل الراكب عليه.\nقال الخطابي (٢): هذا الكلام إذا جرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وعن صفاته مَنْقِيَّة، فعُقل أنه ليس المراد به تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلاله ﷾، وإنما قصد به إفهامَ المسائل، وحيث يدركه فهم السامع إذ كان أعرابيًّا جِلْفًا (٣)، لا علم له بما دق من الكلام وبما لطف منه عن درْك الأفهام.\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٢٨، ٣٢٩).\n(٣) الجِلْف: الجافي والأحمق.","vol":"13","page":145},{"text":"قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ في حَدِيثِهِ: «إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ». وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى وَابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ: عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ وَجُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْحَدِيثُ بِإِسْنَادِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الصَّحِيحُ، ووَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ\n===\nوفي الكلام حذْف وإضمار، فمعنى قوله: \"أَتَدْري ما اللهُ\"؟ معناه: أتدري ما عظمةُ الله وجلاله؟ وقوله: \"إنه لَيَئِطُّ به\"، معناه: إنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى لَيَئِط به، إذ كان معلومًا أن أَطِيطَ الرَّحْل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه، ولعجزه عن احتماله، فقرر (١) بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه، ليَعلم أن الموصوفَ بعُلُوِّ الشأن وجلالةِ القدر وفَخامةِ الذكر لا يجعل شفيعًا إلى مَنْ هو دونه في القدْر وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله أن يكون مشبهًا بشيء ومكيفًا بصورة خلق أو مُدْركًا بحد، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، انتهى.\n(قال ابن بشَّار في حديثه: إن الله فوق عرشه، وعرشُه فوق سَمواته، وساق الحديث. وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشَّار: عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمَّد بن جبير، عن أبيه، عن جده)، والفرق بين سندهم وسند أحمد بن سعيد: أن عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار فقالوا (٢): روى ابنُ إسحاق عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمَّد بن جبير، وأما أحمد بن سعيد فقال في سنده: عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمَّد، فروى يعقوبُ، عن جبير.\n(قال أبو داود: والحديثُ بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح) بأن محمَّد بن إسحاق يروي عن يعقوب بن عتبة، ويروي يعقوبُ عن جبير بن محمَّد، (وافقه) أي أحمدَ بن سعيد (عليه جماعة) ثقات (منهم: يحيى بن معين\n_________\n(١) في الأصل: \"فقرب\"، وفي \"المعالم\" ما أثبتناه.\n(٢) الظاهر بدله: \"قالوا\".","vol":"13","page":146},{"text":"وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا. وَكَانَ سَمَاعُ عَبْدِ الأَعْلَى وَابْنِ الْمُثَنَّى وَابْنِ بَشَّارٍ مِنْ نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا بَلَغَنِى.\n٤٧٢٧ - حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنا أبي، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ رسول الله (٢) -ﷺ- قَالَ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ (٣) إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ». [طس ١٧٠٩]\n===\nوعلي بن المديني (٤)، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضًا. وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشَّار من نسخة واحدة فيما بلغني) (٥).\nوحاصله: أن سماعَ الثلاثة من نسخة واحدة، فهم في حكم راوٍ واحدٍ، فلا يضر مخالفتهم لأحدٍ، وقد وافق أحمدَ غيرُه ممن سمع وهب بن جرير، فلا يقاوم ما رَوَوْه ما روى أحمدُ بن سعيد، وهذا الحديث يثبت كونه ﷾ فوق عرشِه، والجَهميَّةُ يُنكِرونه.\n٤٧٢٧ - (حدثنا أحمد بن حفص، نا أبي، حدثني إبراهيم بن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله عن قال: أُذِنَ لي أَن أُحَدِّثَ) أصحابي (عن مَلَكٍ من ملائكة الله تعالى من حَمَلَة العَرْش) أي عن صفته وشأنه: (إن ما بينَ شحمةِ أُذنه إلى عاتقهِ) من المسافة (مسيرة سبع مئة عام).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"حدثني\".\n(٢) في نسخة: \"النبي\".\n(٣) في نسخة: \"أُذُنيه\".\n(٤) أخرج روايتهما الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٢٨) رقم (١٥٤٧).\n(٥) وقال البيهقي في \"كتاب الأسماء والصفات\" (ص ٥٢٧، ٥٢٨) بعد ذلك، فليرجع إليه. (ش).","vol":"13","page":147},{"text":"٤٧٢٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ - يَعْنِى ابْنَ عِمْرَانَ -، حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ.\nقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَؤُهَا وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ (١).\nقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ الْمُقْرِئُ (٢): وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ.\n===\n٤٧٢٨ - (حدثنا عليُّ بن نَصْر ومحمد بن يونس النسائي، المعنى، قالا: أنا عبد الله بن يزيد المقرئ، نا حَرْمَلَة -يعني ابن عمران-، حدثني أبو يونس سُلَيْم بن جُبير) ويقال: ابن جبيرة الدوسي، أبو يونس المصري (مولى أبي هريرة) قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وتمام الآية: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣).\n(قال) أَبو هريرة: (رأيتُ رسول الله - ﷺ - يَضعُ إبهامَه على أُذُنه والتي تليها) أي الإبهام وهي المُسبِّحةُ (على عَيْنه) إشارة إلى صفة السمْع والبصَر، فالمراد إثبات الصفتين لا التشبيه والتكييف.\n(قال أبو هريرة: رأيتُ رسول الله - ﷺ - يقرؤها ويضعُ إصبَعَيْه) على أُذُنه وَعَيْنَيْه، (قال ابن يونس) شيخ المصنف: (قال) عبد الله بن يزيد (المقرئ: هذا) الحديث (ردٌّ على الجهمية) لأنهم ينكرون هذه الصفات.\n_________\n(١) في نسخة: \"إصبعه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إن الله سميع بصير\".\n(٣) سورة النساء: الآية ٥٨.","vol":"13","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1748>(٢١) بَابٌ في الرُّؤيَةِ</span>\n===\n\n(٢١) (بَابٌ في الرُّؤيَةِ)\nأي رؤية الله تعالى سبحانه في القيامة (١)، فيثبتها أهلُ السنَّة والجماعة، لما ورد فيها من الأخبار الصحاح (٢)، وأما المعتزلة والجهمية فيُنكرونها (٣)\n_________\n(١) وأما رؤيته تعالى في الدنيا ورؤيته - ﷺ - ليلة الإسراء فخِلافية، ذكرها صاحب \"الجمل\" (٤/ ٢٢٥، ٢٢٦) مختصرًا، وكذا في \"الخازن\"، حاصله: أنه أنكرته عائشة وابن مسعود، وأثبته أنس والحسن وعكرمة بالبصَر، وابن عباس وغيره بالقلْب، ورجح هو هذا الثالث، وقال \"شارح العقائد\" (ص ٧٥): الصحيح أنه ﵇ رآه بقلْبه، والبسط في \"الشفاء\" (١/ ٢٥٧ - ٢٦٩) وشروحه، ورجح القاري \"في شرح الشفاء\": أن الرؤية للصفات لا للذات، وقال في \"شرح الفقه الأكبر\"، (ص ١٨٤): الصحيح ما في \"شرح العقائد\": أنه رآه بقلبه، وهكذا في \"التفسير الأحمدي\"، واختار مولانا التهانوي في \"بيان القرآن\" التوقف، وفي \"نشر الطيب\": رؤية البصر، وبسط الحافظ (٨/ ٦٠٧ - ٦٠٩) في تفسير سورة \"النجم\"، واختار في \"فتح الملهم\" (١/ ٣٣٦): أنه رآه مرةً بقلْبه ومَرَّةً ببصَره، وبسط الاختلافَ في \"المرقاة\" (٩/ ٦١٩ - ٦٢١)، و\"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٩٩ - ٢٠١) لابن حجر، وذكر (ص ٢٨٦، ٢٨٧): هل يراه المؤمنات أيضًا أم لا؟ والملائكةُ والأُمَمُ السالفة أيضًا أم لا؟ .\nثم اختلفوا في أفضلية السمْع والبصَر، وبسط الرازي (٦/ ٢٥٧، ٢٥٨) في دلائلهما، منها: أن رؤيته تعالى لا يمكن في الدنيا، والسمع منه يمكن، كذا فضل السمع ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١١٠، ١١١). (ش).\n(٢) بسط الرازي (٥/ ٩٩ - ١٠٤، ١٠/ ٧٣٠ - ٧٣٣) في دلائل أهل السنَّة إبطال دلائل المعتزلة أشد البسط تحت قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وتحت قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وراجع: \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٢٤٠ - ٢٤٤). (ش).\n(٣) ومبنى إنكارهم الاختلافُ في معنى الرؤية وحقيقتها، كما بسط في \"الإكمال\" (١/ ٥٢٦، ٥٤٢ - ٥٤٤)، كذا في \"الأوجز\" (١٧/ ١١٥)، فلما كان الرؤية عندهم انبعاث المقابل، وعلى هذا يلزم الجهة لله تعالى أنكروا الرؤية، وعندنا لا يحتاج إلى المقابل فلا إحالة، وبسط الكلام على ذلك العيني والرازي (٤/ ٦١، ١٠/ ٥٨٩، ١٣/ ٣٥٠، ٣٥١) في \"تفسيره\" أشد البسط، وصاحب \"الجمل\" (٢/ ٧٢) مختصرًا، وكذا أجمل صاحب \"الخازن\"، وذكر الروايات في ذلك السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٣٥، ٣٣٦). (ش).","vol":"13","page":149},{"text":"٤٧٢٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أبي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جُلُوسًا فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ. فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. [خ ٥٥٤، م ٦٣٣، ت ٢٥٥١، جه ١٧٧، حم ٤/ ٣٦٠]\n===\n٤٧٢٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير ووكيع وأبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - جلوسًا) أي جالسين (فنظر إلى القَمَر لَيْلَةَ البَدْر)، والبَدْر: القمر الممتلئ بسكون الدال (ليلةَ أربعَ عَشرة، فقال) رسول الله - ﷺ -: (إنكم سترَوْن ربَّكم) في القيامة (كما تَرَون هذا) أي البَدْر (لا تُضامُّون) أي لا تُزاحمون (في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا) في الدنيا ببناء المجهول (على صلاة قبل طلوع الشمس) أي صلاة الفجر (وقبل غروبها) أي صلاة العصر، لأن الوقتين تَتَعاقبُ فيهما الملائكَةُ، أو لأن وقتَ صلاة الصبح وقتُ لذيذ النوم، وصلاةَ العصر وقتُ الاشتغال في التجارة، ولا يَغلبنَّكم الشيطانُ حتى تَتْركوها أو تُؤخِّروها. (فافْعلوا، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾) (١).\nقال البيهقي: قال الشيخ الإِمام أبو الطيب الصعلوكي: معنى قوله: \"لا تُضامُّون\" لا تَجْتمِعون لرؤيته في جهة، ولا يَضُمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، ومعناه بفتح التاء كذلك، والأصل لا تتضامون في رؤيته باجتماع في\n_________\n(١) سورة طه: الآية ١٣٠.","vol":"13","page":150},{"text":"٤٧٣٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ نَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَرَى رَبَّنَا ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ في الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ (١) في سَحَابَةٍ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ في سَحَابَةٍ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَا تُضَارُّونَ في رُؤْيَتِهِ إلَّا كَمَا تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا». [م ٢٩٦٨،\nت ٢٥٥٤، جه ١٧٨، حم ٢/ ٣٨٩، ٤٩٢]\n===\nجهه، وبالتخفيف من الضَّيم، ومعناه لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، فإنكم تَرَونه في جهاتكم (٢)، وهو متعالٍ عن الجهة، والتشبيه برؤية القَمَر للرؤية، دون تشبيه المرئي تعالى الله عن ذلك، قاله الحافظ في\"الفتح\" (٣).\n٤٧٣٠ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح (أنه) أي سهيلًا (سمعه) أي أباه (يحدث، عن أبي هريرة قال: قال نَاسٌ: يارسول الله، أنرَى ربَّنا ﷿ يوم القيامة؟ قال) رسولُ الله - ﷺ -: (هل تُضارُّوْن) أصله: تُضارِرُون، أي تُصابون بالضَّرر (في رؤية الشمس في الظهيرة ليست) أي الشمس (في سحابة؟ قالوا: لا، قال) رسولُ الله - ﷺ -: (هل تُضارُّون في رؤية القمر ليلَة البَدْر ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال) - ﷺ -: (والذي نفسي بيده، لا تُضارُّون في رؤيته) ﷾ (إلَّا كما تُضارُّون في رؤية أحدهما) أي من الشمس والقمر، فإنهما لا تضارُّون في رؤيتهما مطلقًا، فكذلك لا تُضارُّون في رؤية الله ﷾.\n_________\n(١) في نسخة: \"وليست\".\n(٢) في الأصل: \"في حياتكم\"، وهو تحريف.\n(٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٢٧) رقم الحديث (٧٤٣٤).","vol":"13","page":151},{"text":"٤٧٣١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، (ح): وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، الْمَعْنَى، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعٍ - قَالَ مُوسَى: ابْنُ حُدُسٍ - عَنْ أبي رَزِينٍ - قَالَ مُوسَى: الْعُقَيْلِيُّ - قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ؟ قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: مُخْلِيًّا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ؟ قَالَ: «يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ»؟ - قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: «لَيْلَةَ الْبَدْرِ مُخْلِيًّا بِهِ»، ثُمَّ اتَّفَقَا قُلْتُ بَلَى. قَالَ: «فَاللَّهُ أَعْظَمُ». قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: قَالَ: «فَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَاللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ». [جه ١٨٠، حم ٤/ ١١]\n===\n٤٧٣١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: ونا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، المعنى) أي معنى حديد حماد وشعبة واحد، (عن يعلي بن عطاء، عن وكيع، وقال موسى) شيخ المصنف في صفة وكيع: (ابنِ حُدُسٍ) (١) ولم يَزِدْ حماد (٢): لفظ \"ابن حُدُس\" بعد وكيع، (عن أبي رزين، قال موسى) شيخ المصنف: (العُقيلي) ولم يزد هذا اللفظ ابن معاذ.\n(قال: قلتُ: يا رسول الله، أكلُّنا يَرى ربَّه؟ قال ابن معاذ) أي عبيد الله شيخ المصنف: (مَخْلِيًّا به يوم القيامة) أي منفردًا به لا يزاحمه أحدٌ، ولم يزد هذا اللفظ أي دم \"مَخْليًّا به\" موسى بن إسماعيل شيخ المصنف، (وما آيةُ) أي علامة (ذلك في خلقه؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (يا أبا رَزين، أليس كلُّكم يرَى القمر؟ قال ابن معاذ) أي عبيد الله: (ليلة البدر مَخْلِيًّا به) أي متفردًا برؤيته (ثم اتفقا) أي موسى وابن معاذ شيخا المصنف (قلت: بلى، قال: فالله أعظم، قال ابن معاذ: قال) رسول الله - ﷺ -: (فإنما هو) أي القمر (خَلْق من خَلْق الله، فالله أجلُّ وأعظمُ).\n_________\n(١) قلت: هو وكيع بن حُدُس أو عُدُس، لم يسبق له حديث في \"السنن\" ولا ترجمة له في، \"لبذل\"، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن قتيية في \"اختلاف الحديث\": غير معروف، وقال ابن القطان: مجهوله الحاله. \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٣١).\n(٢) قلت: الظاهر بدله: ولم يزد ابن معاذ.","vol":"13","page":152},{"text":"(١)\n٤٧٣٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (٢)، أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَطْوِى اللَّهُ تعالى السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِى (٣) الأَرَضِينَ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ». قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: «بِيَدِهِ الأُخْرَى ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟». [م ٢٧٨٨، جه ١٩٨]\n٤٧٣٣ - حَدَّثَنَا (٤) الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ\n===\n٤٧٣٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، أن أبا أسامة أخبرهم، عن عمر بن حمزة قال: قال سالم: أخبرني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: يَطوي الله تعالى السمواتِ يومَ القيامة، ثم يأخذهن بيده اليُمنى) وكلتا يديه يمين، (ثم يقول: أنا الملِكُ، أين الجَبَّارُون؟ أين المتكبِّرون؟) الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، (ثم يَطوي الأرضين، ثم يأخذهن).\n(قال ابن العلاء) شيخ المصنف: (بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملِكُ، أين الجبَّارُون؟ أين المتكبِّرون؟).\n٤٧٣٣ - (حدثنا القَعْنبيُّ، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وَعن أبي عبد الله الأغرَّ) عطفت على \"عن أبي سلمة\"، فابنُ شهاب يروي عنهما، يغني أباسلمة وأبا عبد الله الأغرّ، وهما يرويان (عن أبي هريرة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في الرد على الجهمية\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قالا\".\n(٣) زاد في. نسخة: \"الله\".\n(٤) زاد في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".","vol":"13","page":153},{"text":"أن النبي (١) -ﷺ- قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﷿ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ (٢) الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟». [تقدَّم برقم ١٣١٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>(٢٢) بابٌ في القُرآنِ</span>\n٤٧٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ\n===\nأن النبي - ﷺ - قال: ينزلُ (٣) ربّنا ﷿ كلَّ ليلةٍ إلى سَماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخِرُ، فيقول: مَنْ يدعوني فأَستجيبَ له؟ مَنُ يسألُني فأُعطيَه؟ مَنْ يَستغفرني فأَغْفِرَ له؟).\nقال الخطابي (٤) - ﵀ -: مذهب علماء السلف وأئمة الفقهاء أن يُجروا مثل هذه الأحاديث على ظاهرها، وأن لا يذكروا لها المعاني، ولا يتأوَّلوها بعلمهم لقصور علمهم عن دَرْكِها.\n\n(٢٢) (بَابٌ في الْقُرْآن)\nأي: في أنه كلام الله تعالى، لا أنه كلام خَلقه تعالى في بعض الأجسام وبعض الأَلْسِنة\n٤٧٣٤ - (حدثنا محمَّد بن كثير، أنا إسرائيل، نا عثمان بن\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"السماء\".\n(٣) حكى الباجي (٢/ ٤٣٢) عن الإِمام مالك: لا بأس برواية النزول ورواية ضحْكه تعالى، ولا ينبغي أن يُروى حديث: \"اهْتَزَّ العَرْشُ في جنازة سَعْد\"، ولا حديث: \"إن اللهَ خَلَقَ آدمَ عَلى صورته\"، وحديث الساق، والفرق بينهما بوجهين، إما لأن الأوَّلَيْن صِحاح، و\"حديث الاهتزاز\" أنكر عليه، وحديث الصورة والساق ليست أسانيدها تبلغ في الصحة حديث النزول، أو لأن التأويل في الأولَيْن أقرب، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٣٣٥، ٣٣٦). (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٣١).","vol":"13","page":154},{"text":"الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ في الْمَوْقِفِ فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِى أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي». [ت ٢٩٢٥، جه ٢٠١، حم ٣/ ٣٩٠]\n٤٧٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا (١) إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ أبي زَائِدَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ (٢)، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ\n===\nالمغيرة، عن سالم، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - يَعْرِضُ نفسَه على الناس بالموقف) أي بمنى عند المَوسم (فقال: ألَا رجلٌ يَحملني إلى قومه) فيؤمنني حتى أبلِّغَ كلامَ ربي، (فإن قريشًا قد مَنَعوني أن أبلِّغَ كلامَ ربي) فقد جعل رسولُ الله - ﷺ - القرآنَ كلامَ الرب ﷾.\n٤٧٣٥ - (حدثنا إسماعيل بن عمر) غير منسوب، عن إبراهيم بن موسى، روى عنه أبو داود حديثًا واحدًا من طريق الشعبي، عن عامر بن شهر قال: \"كنت عند النجاشي ... \" الحديث، قال ابن عساكر: أظنُّه قطربلي، [قطربل:] بالضم وتشديد الباء الموحدة أو بتخفيف وتشديد اللام- موضعان، أحدهما بالعراق.\nقلت: قطْربل: بالضم، ثم السكون، ثم فتح الراء، وباء موحدة مشددة مضمومة، ولام، وقد روي بفتح أوله وطائه، وأما الباء فمضمومة مشددة في الروايتين، وهي كلمة أعجمية، اسم قرية بين بغداد وعُكْبرا، ينسب إليه الخمر، كذا في \"معجم البلدان\" (٣)، قال في \"التقريب\" (٤): مقبول.\n(أنا إبراهيم بن موسى، نا ابن أبي زائدة، عن مجالد، عن عامر) الشعبي، (عن عامر بن شهر) الهَمْداني، أبو شهر، ويقال: أبو الكنود، له في\n_________\n(١) في نسخة: \"نا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني الشعبي\".\n(٣) \"معجم البلدان\" (٤/ ٣٧١).\n(٤) \"تقريب التهذيب\" (٤٧٤).","vol":"13","page":155},{"text":"قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فَقَرَأَ ابْنٌ لَهُ آيَةً مِنَ الإِنْجِيلِ، فَضَحِكْتُ، فَقَالَ: \"أَتَضْحَكُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تعالى؟ \". [حم ٣/ ٤٢٨]\n٤٧٣٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ قَالَتْ: \"وَلَشَأْنِى في نَفْسِي\n===\nأبى داود حديث من رواية الشعبي عنه، وكان عامر بن شهْر أحد عُمَّال النبي - ﷺ - على اليمن، (قال: كنت عند النجاشي فقرأ ابنٌ له آيةً من الإنجيل، فضحكتُ، فقال: أتضحك من كلام الله تعالى؟).\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: \"فضحكتُ\"، ولعله ضحِك لِمَا وَجَدَ هناك مِنْ باعثِ عليه من تغيير لَهجَة وبُحَّة (١) صوتٍ، لا لأجل كوفه قرأ كلامَ الله فقط، أو يكون بإعجابه بتلك اللسان، انتهى.\nوفي الحديث إثبات كلام الله تعالى في الكتب السابقة.\n٤٧٣٦ - (حدثنا سليمان بن داود المَهْري، أنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقَّاص وعبيد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة) أي قصتها (٢) في الإفْك (وكلٌّ) أي كل واحد من هؤلاء المذكورين (حدثني طائفةً من الحديث) وهذا قول ابن شهاب، (قالت) عائشة: (ولَشأني في نفسي\n_________\n(١) البُحَّة: غلظ الصوت وخشونته من داء، أو كثرة صياح، أو تصنع في غناء، وقد يكون خلقة.\n(٢) أخرجها البخاري (٧٥٠٠، ٢٥٩٣، ٢٦٣٧، ٢٦٦١، ٢٦٨٨) مفصلًا في مواضع من كتابه، وبسط الحافظ شرحها في \"التفسير\" (٨/ ٤٥٧ - ٤٨١). (ش).","vol":"13","page":156},{"text":"كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى\". [خ ٧٥٠٠، م ٢٧٧٠، حم ٦/ ١٩٧]\n٤٧٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ». ثُمَّ يَقُولُ: «كَانَ أَبُوكُمْ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ». [خ ٣٣٧١، ت ٢٠٦٠، جه ٣٥٢٥، حم ١/ ٢٣٦]\n===\nكان أحقرَ من أن يتكلَّم الله تعالى فيّ) أي في قصتي (بأمرٍ يُتلى) أي يُقرأ، بل أظن أن يرى رؤيا رسولُ الله - ﷺ - فيعلم البراءة، فأثبت في هذا الحديث تكلُّم الله ﷾ بكلامه، وهو في القرآن.\n٤٧٣٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن المِنْهال بن عَمْرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبيُّ - ﷺ - يُعوِّذُ الحسن والحسين) ﵄: (أُعِيْذُكُما بكلمات الله التامة، من كل شيطانٍ وهامَّة).\nقال الخطابي (١): الهامة: إحدى الهَوَامِّ ذوات السُّمُوم، كالحَيَّة والعَقْرب ونحوهما.\n(ومن كل عينٍ لامَّةٍ) معناه: ذات لمم، (ثم يقول: كان أبوكم) أي إبراهيم ﵇ (يُعوِّذُ بهما إسماعيلَ وإسحاقَ).\nقال الخطابي (٢): وكان أحمد بن حنبل يستدل بقوله: \"بكلماتِ الله التامَّة\" على أن القرآن غير مخلوق، ويقول: إن رسول الله - ﷺ - لا يستعيذ بمخْلوق، وهو كلام الله ﷾.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٣٢).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٣٢، ٣٣٣).","vol":"13","page":157},{"text":"٤٧٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أبي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ قَالُوا: (١) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُصْعَقُونَ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ، مَاذَا قَالَ\n===\n٤٧٣٨ - (حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج الرازي، وعلي بن الحسين بن إبراهيم) العامري، أبو الحسن بن إشكاب البغدادي، قال في \"الخلاصة\" (٢): وثقه النسائي، وقال ابن أبي حاتم: هو صدوق ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة.\n(وعلي بن مسلم قالوا: نا أبو معاوية، أنا الأعمش، عن مسلم) بن صبيح الهَمْداني، (عن مسروق، عن عبد الله قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: إذا تكلَّم الله تعالى بالوحي سمع أهلُ السماء للسماء صلصلةً)، هي صوت وقْع الحديد بعضه على بعض (كجرِّ السلسلة (٣) على الصَّفا) أي على الحجر الأمْلس، (فيُصعَقون) أي غلبهم الغشي، (فلا يزالون كذلك) أي مغشيًا عليهم (حتى يأتيَهم جبريلُ، حتى إذا جاءهم جبريلُ فُزِّعَ) أي كشف وأزيل (عن قلوبهم) من الصعق والغشي (قال) رسول الله - ﷺ -: (فيقولون: يا جبريلُ، ماذا قال\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) \"الخلاصة\" (ص ٢٧٢).\n(٣) له ثلاث توجيهات، الأول: ما عليه الشُرَّاح كلُّهم أنه صوت الملَك الأصلي. والثاني - مختار الشاه ولي الله في \"التراجم\" (ص ٢٣) -: أنه مبدأ الإغماء من هذا العالم إلى العالم الثاني. والثالث: تخليق الكلام من عند الله عزَّ اسمُه، كذا في \"الإفادات الحسينية\"، هذا إذا كان المراد من ذاك وحديث الوحي واحدًا، والظاهر من حديث \"البخاري\" (٧٤٨١) أن هذا صوت أجْنِحَة الملائكة.\nوقال الحافظ ابن حجر (١/ ٢٠)، والعيني (١/ ٧٥): إنه صوت المَلَك، وقيل: صوت أجْنِحَة الملائكة، تقدم ليقرع سمعه الوحيُ، فلا يبقى فيه مكان لغيره. (ش).","vol":"13","page":158},{"text":"رَبُّكَ؟ (١) فَيَقُولُ: الْحَقَّ. فَيَقُولُونَ: الْحَقَّ الْحَقَّ». [خ ك ٩٧، ب ٣٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1750>(٢٣) بابٌ في ذِكْرِ الْبَعْثِ وَالصُّورِ</span>\n٤٧٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْلَمُ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو،\n===\nربُّك؟ فيقول) جبريل: (الحقَّ، فيقولون) الملائكة: (الحقَّ الحقَّ) أي قال الحق، فثبت بهذا أيضًا تكلُّمه وكلامُه ﷾.\n\n(٢٣) (بَابٌ في ذِكْرِ الْبَعْثِ وَالصُّورِ) (٢)، أي: النفخ فيه\n٤٧٣٩ - (حدثنا مسدَّد، نا معتمِر قال: سمعت أبي) سليمان (قال: نا أسلمُ) العجلي الربعي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\" في موضعين في التابعين وأتباعهم. (عن بشر بن شَغَافٍ) بفتح المعجمتين، الضبي البصري، قال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا قال العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن عبد الله بن عمرو) (٣) بالواو في جميع النسخ الموجودة عندي من الثلاثة المكتوبة والمطبوعة المجتبائية والكانفورية والمصرية، ولم أرَ في شيء من النسخ عبد الله بن عمر بلا واو، كذا صرَّح الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤)، فقال في ترجمة بشر: روى عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن سلام.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) اختلف في تعداد نفخات الصور، والجمع بين الأحوال المختلفة الواردة في هذا الباب، وأجاد صاحب \"الجمل\" (٣/ ٦١٠) الكلام فيه. [وانظر: \"الفتح\" (٦/ ٤٤٦)]. (ش).\n(٣) وفي \"عون المعبود\": \"عبد الله بن عمرو\" بالواو، وفي بعض النسخ بغير الواو، وفي بعضها: \"عن عبد الله بن عمرو أو عمر\".\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٥٢).","vol":"13","page":159},{"text":"عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ: «الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ». [ت ٣٢٤٤، دي ٢٨٠٠، حب ٧٣١٢، ك ٢/ ٤٣٦، حم ٢/ ١٩٢]\n٤٧٤٠ - حَدَّثَنَا (١) الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «كُلَّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُ الأَرْضُ (٢)، إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ: مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ». [خ ٤٩٣٥، م ٢٩٥٥، ن ٢٠٧٧، حم ٢/ ٣٢٢]\n===\n(عن النبي - ﷺ - قال: الصُّوْر) الذي ورد ذكره في القرآن: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٣) (قَرْنٌ) أي على صووهّ قَرْنٍ (٤) (يُنْفَخ فيه) ولا يعلم قدر عظمه إلا الله.\n٤٧٤٠ - (حدثنا القَعْنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: كلَّ) بالنصب، مفعول مقدَّم، أي جميع أجزاء ابن آدم (ابنِ آدم تأكلُ الأرض) إياها (إلَّا عَجْبَ الذنب) بفتح العين وسكون الجيم، العظْمُ االذي في أسفل االصُّلبِ عند العجز، (منه خُلِق) آدمُ (وفيه يُركَّب) في الخلق الثاني.\nقال الطيبي (٥): المراد طول بقائه تحت التراب، لا أنه لا يفني (٦) أصلًا، وجاء في حديث آخر: \"إنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى\"، قال القاري (٧):\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله بن مسلمة\".\n(٢) في نسخة بدله: \"التراب\".\n(٣) سورة النحل: الآية ٨٧.\n(٤) وصاحبه إسرافيل عند الجمهور، حتى قيل: عليه الإجماع، وقيل: اثنان، بسطه في \"الفتح\" (١١/ ٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧١)، وبسط أيضًا عشرة أقوال في أنهم يُصعقُون كلَهم، أو يستثني منه أحد. (ش).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٤٩).\n(٦) وقال المزني وغيره: إن \"إلَّا\" ههنا بمعنى \"الواو\"، أي وعجب الذنب أيضًا يبلى، لكنه ترده الروايات الصريحة، كما في الأوجز (٤/ ٥٩٨). (ش).\n(٧) \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٤٥٨).","vol":"13","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1751>(٢٤) بَابٌ في الشَّفَاعَةِ</span>\n٤٧٤١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا بِسْطَامُ بْنُ حُرَيْثٍ، عَنْ أَشْعَثَ الْحُدَّانِيِّ،\n===\nالتحقيق أن عَجب الذَّنَب يبلى آخرًا، كما شهد به حديث، لكن لا بالكلية، كما يدل عليه هذا الحديث، ولا عِبْرة (١) بالمحسوس على أن الجزء القليل (٢) منه المخلوط بالتراب غير قابل؛ لأن يتميز بالحِسّ، كما لا يخفى على أرباب الحسِّ، انتهى. وخص عموم الحديث بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله تعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء (٣).\n\n(٢٤) (بَابٌ في الشَّفَاعَةِ) (٤)\n٤٧٤١ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا بسطام بن حُريث) الأصفر، أبو يحيى البصري، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الشفاعة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقرأت بخط الذهبي: مجهول الحال، (عن أشعثَ) بن عبد الله بن جابر (الحُدَّاني،\n_________\n(١) وإليه يظهر ميل الطحاوي في \"مشكل الآَثار\" (٦/ ٦١) إذ قال: لا يستنكر من لطيف قدرته أن يبقى عجيب الذنب لا تأكله التراب أو النار إذا احترق، ويكون مثل نار إبراهيم ﵇. (ش).\n(٢) فقد ورد أنه يكون مثل حبَّة خردل، كما في \"الأوجز\" (٤/ ٥٩٨). (ش).\n(٣) وألحق بهم الشهداء، والمؤذن المحتسب، والصدِّيقون، والعلماء العاملون، وحامل القرآن العامل به، والمرابط، والميت بالطاعون صابرًا محتسبًا، والمُكثِر من ذكر الله، والمحِبّ لله، فتلك عشرة كاملة، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ٥٩٩) عن الزرقاني. (ش).\n(٤) أنكرها المعتزلة والخوارج، كما بسطها الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٤٢٦) وقال القاري (٩/ ٥٦٤): قال عياض: مذهبُ أهل السنة جوازُها عقلًا، ووجوبُها سمعًا، قال الله تعالى: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ١٠٩]، وما استدل به الخوارج من قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] فهي في الكفار.\nوحكى العيتي أسماءَ مَنْ روي عنهم حديث الشفاعة فهم أكثر من خمسين، وحكى =","vol":"13","page":161},{"text":"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النبيِّ -ﷺ- قَالَ: «شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِى». [حم ٣/ ٢١٣]\n===\nعن أنس بن مالك، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"شفاعتي (١) لأَهل الكبائر من أمتي بوضع السيئآت (٢).\nاختلفوا في الشفاعة لأهل الكبائر، فقال أهلُ السنة: يُغفر لهم بشفاعة سيدنا محمَّد - ﷺ - وبفضل الله وبرحمته، وأما الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة، وكذا المعتزلة الذين يثبتون المنزلة بين المنزلتين: فإنهم يُنكرون الشفاعةَ، فأثبت بهذا الحديث مذهب أهل السنَّة والجماعة.\n_________\n= الحافظ (١١/ ٤٢٨) عن النووي، عن عياض: أن الشفاعة خمس:\n١ - في الإراحة من هَوْل الموقِف، ٢ - وإدخال قوم الجنة بغير حساب، ٣ - وإدخال قوم استحقوا العذابَ الجنة، ٤ - وفي الإخراج من النار العُصاة، ٥ - ورفع الدرجات، وذكر رواياتها. [والبسط في: \"عمدة القاري\" (٢/ ١٧٩، ١٨٠)]. (ش).\n(١) عجيبة حكاها صاحب \"نفع قوت المغتذي\" (ص ٨٦): أن بعضهم أنكر الدعاء بـ \"اللَّهَّم ارْزُقْني شفاعة النبي - ﷺ -\" لأجل هذا الحديث، ثم ردَّ عليه بأنه جهل من حقيقة الشفاعة، فإنها تكون للغُفْران، ولدخول الجنة بغير حساب، ولزيادة الدرجات وغيرها، مع أن كلَّ عاقلٍ معترفٍ بتَقْصيره محتاجٌ للعَفْو، وهذا القائل أن لا يدعو بمغفرته تعالى أيضًا، فإنه أيضًا للذنوب، والبسط في \"الفتاوى الحديثية\"، وقال القاري (٩/ ٥٦٤): هذا الحديث يرد تأويل الخوارج وغيرهم من المعتزلة أحاديثَ الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات، والعجيبة المذكورة قبلُ حكاها النووي أيضًا في \"كتاب الأذكار\" (ص ٤٦٤)، ثم رد عليه أشد الإنكار كما في \"الكوكب\" (٣/ ٢٨١، ٢٨٢). (ش).\n(٢) قال ابن خزيمة في \"كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب\" (ص ٢٧٢): أما قوله: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\"، فإنما أراد شفاعتي بعد هذه الشفاعة التي قد عمَّت جميع المسلمين في الابتداء للنبيين والشهداء والصالحين وجميع المسلمين، هي شفاعة لمن أدخل النار من المؤمنين بذنوب وخطايا قد ارتكبوها لم يغفرها الله لهم في الدنيا، فيخرجوا من النار بشفاعته، وقال أيضًا (ص ٢٧٣): معنى قوله: \"لأهل الكبائر من أمتي\"، إنما أراد أمته الذين أجابوه، فآمنوا به وتابوا من الشرك. (ش).\nوشرح حديث أنس الطويل في الشفاعة في \"الفتح\" (١١/ ٤٢٨). (ش).","vol":"13","page":162},{"text":"٤٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، عَنِ النبيِّ -ﷺ- قَالَ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ». [خ ٦٥٦٦، ن ٢٦٠٠، جه ٤٣١٥، حم ٤/ ٤٣٤]\n٤٧٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله (١) -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ». [م ٢٨٣٥، حم ٣/ ٣١٦، ٣٦٤]\n===\n٤٧٤٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن الحسن بن ذَكْوان قال: نا أبو رجاءٍ قال: حدثني عمران بن حُصَين، عن النبىِّ - ﷺ - قال: يخرج قومٌ من النار) وهم أهل الكبائر (بشفاعة) سيدنا (محمَّد - ﷺ - فيَدخلون الجنة ويُسمّون الجهنَّميين) لأنهم خرجوا من جهنم.\n٤٧٤٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان)، قال في \"التقريب\" (٢): أبو سفيان عن جابر، هو طلحة بن نافع، (عن جابر قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: إن أهلَ الجنة يأْكلون فيها) أي في الجنة (ويشربون)، وهذا الحديث لا مناسبة له بـ \"باب الشفاعة\"، فلو أدخل في الباب الآتي لكان أولى.\nوحاصل الحديث: أن ما كان لهم في الدنيا من المَطَاعم والمَشَارب والملاذّ تكون في الجنة أيضًا، ولكن الفرق بينهما أبعد ما بين السماء والأرض، بل هو توافق اسمي، وفي الحقيقة لا تناسب بينهما.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٨١٩٦).","vol":"13","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1752>(٢٥) بابٌ في خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ</span>\n٤٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا (١)،\nفَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا، ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ».\n===\n\n(٢٥) (بَابٌ في خَلْقِ (٢) الْجَنَّةِ وَالنَّارِ)\n٤٧٤٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: لمَّا خلق اللهُ الجنةَ قال لجبريل: اذهبْ فانظُر إليها، فذهبَ) جبريلُ (فنظَرَ إليها، ثم جاء) أي رجع إلى حَضْرة الله سبحانه (فقال: أيْ ربِّ، وعِزِّتِك لا يسمعُ بها أحدٌ إلَّا دخلها) أي إلَّا يسعى في دخولها ولا يتخلف عنها، (ثم حفَّها بالمكاره) أي بما يكره على النفوس من العبادات، (ثم قال: يا جبريل، اذهبْ فانظُرْ إليها، فذهبَ فنظرَ إليها، ثم جاء فقال: أي ربِّ، وعِزَّتك لقد خشيتُ أن لا يدخلها أحدٌ) لِما أُحيطَ بالمكاره.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) هما مخلوقان خلافًا للمعتزلة، كما بسط في كتب العقائد \"شرح المواقف\" (٣/ ٤٨٥) وغيرها، وفي \"اليواقيت والجواهر\" (٢/ ١٥٥): أنهما خلقا لكن لم يكمل بناؤهما إلَّا في الآخرة، لرواية: \"إنها قيعان وغراسها سبحان والحمد لله\"، ولحديث: \"مَنْ بَنَى لله مسجدًا ... \" إلخ، وهي سبعة جِنَان، ذكر الراغب أسماءها في \"مفرداته\" (ص ٢٠٤)، والجمهور على أن عذاب الكفار في جهنم أبدي، وحكى الشيخ محيي الدين ابن عربي: أنهم يعذَّبون مدة، ثم تنقلب عليهم طبيعة نارية يتلذذون بها، وحكى شيخُ الإِسلام ابت تيمية وجماعةٌ من السلف: أن النار تفنى، كذا في تفسير \"الجمل\" (٣/ ٤٧٧) [سورة هود: الآية ١٠٨]. انتهى. (ش).","vol":"13","page":164},{"text":"قَالَ: «فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تعالى النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا. فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ. ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا (١)، فقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ وجلالك لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا». [ت ٢٥٦٠، ن ٣٧٦٣، حم ٢/ ٣٣٢، ٣٥٤، ٣٧٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>(٢٦) بابٌ: في الْحَوْضِ</span>\n٤٧٤٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ\n===\n(قال) أي رسول الله - ﷺ - (فلما خلق الله تعالى النارَ قال: يا جبريل، اذهبْ فانظرْ إليها، فذهبَ فنظرَ إليها) أي إلى النار، (ثم جاء فقال: أي ربِّ، وعِزَّتِك لا يسمعُ بها أحدٌ فيدخلها) أي لا يمكن أن أحدًا بعد سماعه لها يدخلُها (فحفَّها) أي أحاطها (بالشهوات) النفسانية (ثم قال: يا جبريل، اذهبْ فانظرْ إليها، فذهبَ فنظرَ إليها) أي إلى ما حُفَّت من الشهوات (فقال: أي ربِّ وعِزَّتِك وجلالك لقد خشيتُ أن لا يبقى أحدٌ إلَّا دخلها) لأنها مَحْفُوفة بالشهوات.\nفثبت (٢) بهذا الحديث أن الجنة والنار مَخْلوقتان، لا كما زعمتِ المعتزلةُ أنهما سَتُخلقَان يوم القيامة.\n\n(٢٦) (بَابٌ في الْحَوْضِ) (٣)\n٤٧٤٥ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدَّد قالا: نا حماد بن\n_________\n(١) زأد في نسخة: \"ثم جاء\".\n(٢) وقال الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٣٢٠): إن هذا الحديث أصرح مما ذكر في ذلك. (ش).\n(٣) وأنكره الخوارج وبعض المعتزلة، وعدَّ العيني مَنْ روى الحوضَ من الصحابة أكثر من خمسين صحابيًّا، وجواب الخوارج في إكفار الصحابة بحديث: \"أصيحابي أصيحابي\" في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٢٧٧، ٢٧٨). (ش).","vol":"13","page":165},{"text":"زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ (١) كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ». [خ ٦٥٧٧، م ٢٢٩٩]\n٤٧٤٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أبي حَمْزَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، قَالَ (٢): «مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ». قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: \"سَبْعَمِائَةٍ، أَوْ ثَمَانَمِائَةٍ\". [حم ٤/ ٣٦٧، ٣٦٩، ٣٧١، ٣٧٢]\n===\nزيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن أمامكم حوضًا) أي في الحشر (ما بين ناحيتيه كما) أي مثل مسافة ما (بين جَرْباءَ) بفتح جيم وسكون راء، ثم موحدة مقصورة (وأَذْرُحَ) بفتح همزة وسكون ذال معجمة وضم راء وحاء مهملة، قريتان بالشام، بينهما مسيرة ثلاث ليال، وقد جاء في تحديد الحوض حدود مختلفة، ووجه التوفيق أن تحمل على بيان تطويل المسافة لا على تحديدها.\n٤٧٤٦ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، نا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي حَمْزة، عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر (فنزلْنا مَنزلًا، قال: ما أنتم جزءٌ) أي جزءٌ واحدٌ (من مئة ألف جزء ممن يَرِدُ عليَّ الحوضَ)، بل أنتم أقلُّ من جزءٍ واحدٍ من مائة ألف جزء، (قال) أبو حمزة لزيد: (قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال) زيد بن أرقم: (سبع مئة أو ثمان مئة) والمراد بيان تكثير مَنْ يَرِدُ الحوضَ لا تحديدهم.\n_________\n(١) في نسخة: \"حافتيه\".\n(٢) في نسخة بدله: \"قال\".","vol":"13","page":166},{"text":"٤٧٤٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ (١)، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِغْفَاءَةً، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا (٢)، فَإِمَّا قَالَ لَهُمْ، وَإِمَّا قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ ضَحِكْتَ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ \" حَتَّى خَتَمَهَا. فَلَمَّا قَرَأَهَا قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.\nقَالَ: «فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي في الْجَنَّةِ، وَعَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، عَلَيْهِ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ الْكَوَاكِبِ». [م ٤٠٠، ن ٩٠٤، جه ٤٣٠٥، حم ٣/ ١٠٢]\n===\n٤٧٤٧ - (حدثنا هناد بن السَّري، نا محمَّد بن فُضيل، عن المختار بن فُلْفُل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: أَغْفَى رسولُ الله - ﷺ - إغْفَاءَةً) أي نام نَوْمةً خفيفةً، ولعل المراد بالنوم حالة تأخذ رسول الله - ﷺ - من الغشي والغفلة عن الدنيا وأهلها عند نزول الوحي، (فرفع رأسه متبسّمًا، فإما قال لهم): هل تدرون لم ضحكتُ؟ (وإما قالوا له: يا رسول الله، لم ضحكتَ؟ فقال) رسول الله - ﷺ -: (إنه أُنزلت عليَّ آنفًا سورة، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) حتى ختمها، فلما قرأها) أي ختم قراءتها (قال: هل تدرون ما الكوثر؟ (٤) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال) - ﷺ -: (فإنه نَهْرٌ وَعَدَنِيه ربّي في الجنة، وعليه خير كثير، عليه حوضٌ) أي من النهر يمد هذا الحوض (تَرِدُ عليه) أي في الحشر (أمتي يوم القيامة، آنيتُه عدد الكواكب) يشرب بها الناس من الحوض.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فضل\".\n(٢) في نسخة بدله: \"مبتسمًا\".\n(٣) سورة الكوثر: آياتها ١ - ٣.\n(٤) فائدة: في \"الجامع الصغير\" (١/ ٨٦) رقم (٥٥٣): إذا جعلت إصبعيك في أذنيك سمعت خرير الكوثر (قط) عن عائشة (ض). (ش).","vol":"13","page":167},{"text":"٤٧٤٨ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أبي قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِنَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- في الْجَنَّةِ - أَوْ كَمَا قَالَ - عُرِضَ لَهُ نَهْرٌ حَافَتَاهُ الْيَاقُوتُ الْمُجَيَّبُ - أَوْ قَالَ: الْمُجَوَّفُ فَضَرَبَ الْمَلَكُ الَّذِى مَعَهُ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِسْكًا.\nفَقَالَ مُحَمَّدٌ -ﷺ- لِلْمَلَكِ الَّذِى مَعَهُ: «مَا هَذَا»؟ قَالَ: هَذَا (١) الْكَوْثَرُ الَّذِى أَعْطَاكَ اللَّهُ ﷿. [ت ٣٣٥٩، حم ٣/ ١٦٤]\n٤٧٤٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ أبي حَازِمٍ أَبُو طَالُوتَ\n===\n٤٧٤٨ - (حدثنا عاصم بن النضر، نا المعتمِر قال: سمعتُ أبي) سليمان (قال: نا قتادة، عن أنس بن مالك قال: لما عُرِجَ نبيُّ الله - ﷺ -) ليلةَ المعراج (في الجنة- أو كما قال- عَرَض له نهر) من الله سبحانه (حافَتَاه الياقوتُ (٢) المُجَيَّبُ، أو قال: المجوّف) وهو الأجوف، (فضرب الملَك الذي معه يده) في قعر النهر (فاستخرج مِسكًا، فقال محمَّد - ﷺ - للملَك الذي معه: ما هذا؟ فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله - ﷿ -) أي حجراه المِسْك.\n٤٧٤٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا عبد السلام بن أبي حازم) واسمه شداد العبدي القيسي، (أبو طالوت) البصري، روى عن أنس\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"هو\".\n(٢) ذكر في \"الكوكب\" (٤/ ٢٣٤) تحت قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧]، وما يذكر من الذهب والفضه والمِسْك والعَنْبر، فمجرد تمثيل في عِزَّة الوجود واشتراك في التسمية. وفي \"الفتح\" (٦/ ٣٢٥): قال النووي: مذهب أهل السنَّة أن تنعم أهل الجنة على هيئة تنعم أهل الدنيا إلًا عا بينهما من التفاضل ... إلخ، وفي \"العيني\" (١٠/ ٥٩٤): ليس في الدنيا إلَّا الأسماء، وقد ذكره أهل التفسير كلَّهم في قوله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، انتهى. (ش).","vol":"13","page":168},{"text":"قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا بَرْزَةَ دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَحَدَّثَنِي فُلَانٌ - سَمَّاهُ مُسْلِمٌ - وَكَانَ في السِّمَاطِ، قال: فَلَمَّا رَآهُ عُبَيْدُ اللَّهِ\n===\nوأبي بَرْزة الأسلمي، وعن رجل عنه قال: \"رأيتُ هَوْدَج عائشة يوم الجمل، وكأنه قنفذ من السِّهام\"، قال وكيع: كان ثقة، وعن أحمد: لا أعلم إلَّا ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: وُلِد أبوه شدَّاد يوم قُبِض النبى - ﷺ -.\n(قال: شهدت أبا بَرْزَة دخل على عُبيد الله بن زياد) أميرًا للكوفة من جهة يزيد بن معاوية، ولم أدخل معه على عبيد الله بن زياد، فلم أسمع الحديث من غير واسطة، (فحدثني فلان). قال الحافظ في \"التقريب\" (١) في المبهمات: عبد السلام بن أبي حازم حدثني فلان، عن أبي بَرْزَة هو عمه، ولم أقف على اسمه.\nقلت: وقد أخرج الإمام أحمد في \"مسنده\" (٢) حديث الحوض هذا برواية عبد السلام أبي طالوت، فسماه فيه من حدثه، وهو العباس الجريري، فقال: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عبد الصمد، ثنا عبد السلام أبو طالوت، ثنا العباس الجريري، أن عبيد الله بن زياد قال لأبي برزة: \"هل سمعت النبي - ﷺ - ذكره قط؟ يعني الحوض، قال: نعم، لا مرَّة ولا مرَّتين، فمن كذب به فلا سقاه الله منه\"، فالظاهر أن فلانًا الذي حدث أبا طالوت هو عباس الجريري.\n(سماه مسلم) وهذا قول المصنف أبي داود، يقول: إن شيخي مسلمًا سماه، ولكن أنا نسيته (وكان) فلان (في السِّماط) أي في الجماعة التي كانت حولَ عبيد الله بن زياد (قال) فلان: (فلما رآه) أي أبا بَرْزَة (عبيدُ الله) ابن زياد\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (٨٦٠٤).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ٤٢٤).","vol":"13","page":169},{"text":"قال: إِنَّ مُحَمَّدِيَّكُمْ (١) هَذَا الدَّحْدَاحُ، فَفَهِمَهَا الشَّيْخُ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَنِّي أَبْقَى في قَوْمٍ يُعَيِّرُونِي بِصُحْبَةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-.\nفَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِنَّ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- لَكَ زَيْنٌ غَيْرُ شَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا بُعِثْتُ إِلَيْكَ لأَسْأَلَكَ عَنِ الْحَوْضِ، سَمِعْتَ (٢) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُ فِيهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: نَعَمْ، لَا مَرَّةً، وَلَا ثِنْتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثًا، وَلَا أَرْبَعًا، وَلَا خَمْسًا، فَمَنْ كَذَّبَ بِهِ فَلَا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ مُغْضَبًا. [حم ٤/ ٤٢١]\n===\n(قال) أي عبيدُ الله: (إن محمَّديَّكم هذا الدَّحْدَاح) أي القصير السمين، وكان عبيد الله بن زياد من الفسَّاق، فتكلَّم بهذا الكلام سُخْريَّة (٣)، فلم يلتفتْ أبو بَرْزَة إلى قوله في ذاته بأنه قال له: \"الدَّحْدَاح\"، ولكن غضِب على قوله بطريق السُّخْرية مُحمَّديَّكم، فإنه يجرّ الإهانة إلى ذات رسول الله - ﷺ -.\n(ففهمها) أي هذه الكلمة (الشيخُ) أبو برزة أنه يعيّره بهذا اللفظ، (فقال) أبو برزة: (ماكنتُ أحسبُ) أظن (أني أبقى في قوم يعيِّروني بصحبة محمَّد - ﷺ -! فقال له عبيد الله: إن صُحْبَةَ محمَّد - ﷺ - لك زَينٌ) أي زينة (غيرُ شَيْنٍ) أي ليس بعيب.\n(ثم قال: إنما بَعثتُ إليك لأسألك عن الحوض،) هل (سمعتَ رسولَ الله - ﷺيذكر فيه شيئًا؟ قال أبو برزة: نعم) سمعتُ رسول الله - ﷺ - (لا مرَّةً، ولا ثِنْتَين، ولا ثلاثًا، ولا أَرْبعًا، ولا خمسًا) بل أكثر من ذلك، (فمن كَذَّبَ (٤) به فلا سَقاهُ اللهُ منه، ثم خرج مغضَبًا).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"إن محدِّثكم\".\n(٢) في نسخة: \"أسمعت\".\n(٣) قالَ أستاذنا الشيخ أسعد الله: لعل عبيد الله لم يعيره بالصحبة بل لكونه دحداحا، ولذا قال: \"إن صحبة محمَّد - ﷺ - لك زين غير شين\".\n(٤) لعلَّه تعريض على عبيد الله بن زياد هذا، فإنه كان ينكره، كما بسطه الحافظ (١/ ٤٦٧)، انتهى. (ش).","vol":"13","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1754>(٢٧) بابٌ في الْمَسْأَلَةِ في الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ</span>\n٤٧٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ\n===\n\n(٢٧) (بَابٌ في الْمَسْأَلَةِ) أي: السؤال (في الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ) (١)\n٤٧٥٠ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن علقمة بن\n_________\n(١) قال السيوطي في \"الدرر الحسان\": أربعة عشر لا يسألون في القبور، ثم بسطهم، وفي \"الشامي\" (٣/ ٨١، ٨٢): ثمانية لا يسألون، واختلف في الأنبياء والأطفال، كما في \"الطحطاوي على المراقي\" (ص ٣٦٧)، انتهى. والمذكور في الروايات إنما هو حال الكفار وحال المطيعين من المؤمنين، ولم يذكر حال العُصاة من المسلمين، قال في \"الكوكب\" (٢/ ٢٠٩): ولعلهم ترك ذكرهم للمقايسة، فإن الإِسلام يَعلو، والمعاصي تكفَّرِ بشيء من السَّكَرات وأهوال القبر وغير ذلك، انتهى. قلت: وقد ورد فيه رواية: \"يُعذَّبان في كبير: البَوْل والنَّمِيْمة\"، وجزم الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٢٤٠): بأنه يكون على الكافر وعلى من شاء الله من عُصاة المؤمنين! قلت: لكنهم قالوا: العذاب ينقطع عنه يوم الجمعة وليلتها، وهل يرجع إليه أم لا؟ محل بحث. وفي \"شرح العقائد\" (ص ٩٨ - ١٠٠): عذاب القبر للكافرين ولبعض عصاة المؤمنين، وتنعيم أهل الطاعة في القبر ثابت بالدلائل السمعية، لأنها أمور ممكنة، أخبر بها الصادقُ، انتهى. ثم ذكر \"الدلائل\" وحكى ابن عابدين (١/ ٥٦٦): \"اتَقوا البولَ فإنه أولُ ما يُحاسَب به\".\nوبإثبات عذاب القبر قال أهل السنَّة، وأنكر ذلك أكثرُ المتأخرين من المعتزلة محتجًّا بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، إلى آخر ما بسطه العيني (٦/ ٢٠٠ - ٢٠٢)، وصاحب \"شرح المواقف\". واختلف في أنه هل هو عام لكل ميتٍ أو يخص منه أحد؟ لخصه الشامي (٣/ ٨١)، وهل هو خاص بهذه الأمة أو يعم غيرها؟ \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٠، ٢١).\nوفي \"الهداية\": من يعذب في القبر توضع فيه الحياة في قول العامة، قال صاحب \"العناية\" (٦/ ١٧٤): احتراز عن قول أبي الحسين الصالحي: إنه يعذب بغير حياة، قال ابن الهمام (٤/ ٤٦٠): لو كان متفرق الأجزاء جعلت الحياة في تلك الأجزاء لا يأخذها البصر، انتهى. \"فائدة\": هل يكون عذاب القبر سببًا للتخفيف في الآخرة؟ ظاهر ما حكى الحافظ عن الحميدي (\"فتح الباري\" ١١/ ٣٩٧): أن من رجحت سيئاته، يقتضى منه بما فضل من معاصيه على حسناته من النفخة إلى آخر من يخرج من النار، انتهى. =","vol":"13","page":171},{"text":"مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا سُئِلَ فِى الْقَبْرِ فَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَذَلِكَ (١) قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ \". [خ ٤٦٩٩، م ٢٨٧١، ت ٣١٢٠، ن ٢٠٥٧، جه ٤٢٦٩، حم ٤/ ٢٨٢]\n٤٧٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (٢) الْخَفَّافُ أَبُو نَصْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:\n===\nمَرْثَد، عن سعد بن عُبيدة، عن البراء بن عازب، أن رسول الله - ﷺ - قال: إن المسلمَ إذا سُئِلَ في القبر فشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾) ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٣)، والمراد بـ \"القول الثابت\" هو شهادة التوحيد والرسالة في الدنيا وفي القبر.\n٤٧٥١ - (حدثنا محمَّد بن سليمان الأنباري، نا عبد الوهَّاب الخفَّاف أبو نصر، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك:\n_________\n= فالظاهر أن المحاسبةَ تقع من النفخة لا من عذاب القبر، ويؤيده أيضًا ما حكي عن عمر بن عبد العزيز أن السكرات آخر ما تكفر من الرجل، انتهى. لكن في \"لوائح الأنوار الإلهية\": قال بعضهم: من فعل سيئة فإن عقوبتها تدفع عنه بأحد عشر سيبًا. أن يتوب قيُتاب عليه، أو يستغفر فيُغفر له، أو يعمل حسنات فتَمْحُوها: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، أو يُبتلى في الدنيا بمصائب فيكفر عنه، أو في البرزخ بالضغطة والفتنة فيكفر عنها، أو يُبتلى في عرصات القيامة بأهوال تكفر عنه، أو تدركه شفاعة نبينا - ﷺ - ورحمة ربه تعالى، انتهى.\nوفي \"المرقاة\" (١/ ٣٥٥): أن القبر أولُ المنازل إنْ نَجَا منه، فما بعده أيسر؛ لأنه لو كان عليه ذنب لكفر بعذاب القبر ... إلخ. (ش).\n(١) في نسخة بدله: \"فذاك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن عطاء\".\n(٣) سورة إبراهيم: الآية ٢٧.","vol":"13","page":172},{"text":"أنَّ رسُول اللَّهِ (١) -ﷺ- دَخَلَ نَخْلًا لِبَنِى النَّجَّارِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَفَزِعَ، فَقَالَ: «مَنْ أَصْحَابُ هَذِهِ الْقُبُورِ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَاسٌ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ (٢)، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ»، قَالُوا: وَمِمَّ ذَاكَ (٣) يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَقُولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَإِنِ اللَّهُ تعالى هَدَاهُ، قَالَ: كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ؟\n===\nأن رسول الله - ﷺ - دخل نخلًا لبني النجار، فسمع صوتًا) هائلًا (ففزع، فقال: مَنْ أصحابُ هذه القبور؟ فقالوا: يا رسول الله، ناسٌ ماتوا في الجاهلية، فقال) رسول الله - ﷺ -: (تعوَّذُوا بالله من عذاب النار، ومن فتنة الدَّجَّال، قالوا: ومِمَّ ذاك يا رسول الله؟ قال: إن المؤمن إذا وُضع في قبره أتاه مَلَكٌ) (٤)، وفي رواية: سؤال مَلَكَيْن، ولا تعارض، بل الاختلاف بالنسبة إلى الأشخاص.\n(فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن) شرطية (اللهُ تعالى هَداه) أي في الدنيا أو في تلك الحالة (قال) أي يقول (كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقولُ في هذا الرجل؟)، والمراد بالرجل رسول الله - ﷺ -، عبَّر بذلك امتحانًا، لئلا يلقن تعظيمه عن عبارة القائل. قيل: يكشف للميت حتى يرى النبيَّ - ﷺ -، وهي بُشرى عظيمه للمؤمن إن صحّ ذلك، ولا أعلم حديثًا مرويًّا في ذلك، والقائل به إنما استند بمجرد أن الإشارة لا تكون إلَّا للحاضر، لكن يحتمل أن يكون الإشارة لما في الذهن، فيكون مجازًا، قاله القسطلاني (٥).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"نبي الله\".\n(٢) في نسخة بدله: \"القبر\".\n(٣) في نسخة بدله: \"ذلك\".\n(٤) وفى \"دقائق الأخبار\" للغزالي: يأتي قبلهما ملك يسمى رومان، يأمر بكتابة عمله على الكفن، انتهى، أخرجه برواية عبد الله بن سلام مرفوعًا، وفيه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. (ش).\n(٥) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٥٣٤).","vol":"13","page":173},{"text":"فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرَهَا (١)، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى بَيْتٍ كَانَ لَهُ فِى النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا بَيْتُكَ كَانَ لَكَ فِى النَّارِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ فَأَبْدَلَكَ بِهِ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِّرَ أَهْلِي. فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ.\n===\n(فيقول: هو عبد الله ورسوله) - ﷺ -، (فما يُسأل عن شيء غيرِها) أي غير الشهادة (فَيُنطلَق به إلى بيتٍ كان له في النار) عُني بالانطلاق إطلاعُه عليه وإشرافُه بفتح غرفة منها إليه، (فيقال له: هذا بيتُك كان لك في النار، ولكن الله عَصَمك) أي حفظك (ورَحِمك فأبدلك به بيتًا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهبَ فأُبَشِّرَ أهلي) بما عصمني الله ورحمني، (فيقال له: اسْكُنْ) (٢).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"غيرهما\".\n(٢) وفي رواية \"الترمذي\" (١٠٧١) عن أبي هريرة يقال له: \"نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوس، لا يُوقِظُه إلا أحبُّ أهله إليه\"، يشكل عليهما رواية ابن عمر: \"يُعرض عليه الجنة بالغَدَاة والعشيَّ\"، كما في \"الصحيحين\" (خ ١٣٧٩، م ٢٨٦٦). ظاهره أن القبر مسكنه، ويَنَام فيه، ولا يُوقظه إلى القيامة أحدٌ، كما في رواية \"الترمذي\"، وفي \"المشكاة\" رقم (١٦٢٩) برواية أبي هريرة في الرواية الطويلة: \"فيأتون به أرواحُ المؤمنين، فهم أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه\"، قال القاري (٤/ ١٠٠): قوله: \"أَرْواح المؤمنين\" أي إلى مقرِّ أرواحهم في عِلَّيين، أو في الجنة، أو على بابها، أو تحت العرْش بمنزلته، انتهى. وقال أيضًا (٤/ ١٠٥) تحت حديث آخر: إن مَقرَّهم في علَّيِّين، ولهم تعلُّق خاصٌّ بالأجساد، ويقال: مقرُّهم في أفنية قبورهم، وقالت أم بشر لكعب وقد احْتُضِر: \"أقرِئ فلانًا مني السلام\"، واستدلت بحديث: \"نسمة المؤمن في طير خضر في الجنة\"، كما في \"المشكاة\"، وطُرُقه في \"الأوجز\" (٤/ ٦٠٠، ٦٠١)، وفي سورة \"التطفيف\" من \"التفسير العزيزي\": أن أرواحَ المؤمنين أولًا يروحون إلى عليين، وبعد تحرير الأسماء فيها يستقر المقربون هناك، وباقي المؤمنين بحسب مراتبهم في السماوات وفيما بين السماوات والأرض وبئر زمزم، ولا يمنعهم التعلُّق مع قبره كالبصر ينفذ مرة في السموات والأرض. وذكر في \"الإبريز\" (ص ٤٧٠) صورة تعلقه بالجنة، وفي \"فتاوى مولانا عبد الحي\" (ص ٤٤٨): لا يثبت ما قيل: إن الروحَ تكون أربعينيَّة في بيته، وسنة في قبره، ثم ترتقي إلى عليين، وقال أيضًا: إن أرواحهم بحسب المراتب ... إلخ. وفي \"المشكاة\" (١٢٧): \"يُعرض عليه مقعده بالغَداة والعشي\". (ش).","vol":"13","page":174},{"text":"وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَنْتَهِرُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ (١) لَهُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا (٢) كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ:\n===\n(وإن الكافر (٣) إذا وُضِع في قبره أتاه ملَك فيَنْتَهِرُه) أي يزجره، (فيقول له: ما كنتَ تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دَريتَ ولا تَلَيْتَ) أصله: \"تَلَوْتَ\"، ولكن بمجاورة \"دَرَيْتَ\" أُبدلتِ الواوُ ياءً.\nقال في \"المجمع\" (٤) في لغة أَلَى: ومنه حديث منكر ونكير: \"لا دريت ولا ائتليت\"، أي ولا استطعتَ أن تدري، يقال: ما آلوه، أي: ما أستطيعه، وهو افتعلت منه، وعند المحدثين \"ولا تَليتَ\"، والصواب الأول.\nوقال في لغة تلا: في حديث عذاب القبر: \"لا دريتَ ولا تليتَ\"، كذا رَوَوْه، والصواب: \"ولا ائتليت\"، وقد مرَّ، وقيل: أي لا قرأتَ، وأصله: \"لا تلوتَ\" فقُلِّبت ياءً ليزدوج مع \"دريت\"، ويروى: \"أتليت\"، يدعو عليه أن لا تتلى إبله، أي لا يكون لها أولاد تتلوها.\nقال الطيبي (٥): \"ولا تليتَ\"، أي ولا اتبعتَ الناس بأن تقول ما يقولونه، أو هو مِنْ: تَلا فلان تلو غير عاقل، إذا عمِل عملَ الجُهَّال، أي لا علمتَ ولا جهلتَ يعني هلكتَ فخرجتَ عن القبيلتين، وقيل: أصله تلألأت (٦)، أي ما علمت بنفسك بالنظر ولا اتبعت العلماء بقراءة الكتب والتقليد، انتهى.\n(فيقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟) أي في رسول الله - ﷺ - (فيقول:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"فيقول\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فما\".\n(٣) فيه دليل على أن الكافر أيضًا يسأل، وبه قال الجمهور، خلافًا لمن قال: إنه لا يسأل إلَّا مؤمن، أو من يدعي الإيمان ولو كذبًا، بسطه في \"الفتح\" (٣/ ٢٣٨، ٢٣٩)، انتهى. (ش).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٩٥، ٩٦، ٢٧١، ٢٧٢).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٧٩).\n(٦) كذا في الأصل، وفي \"المجمع\" (١/ ٢٧٢): أصله: لا تلوت.","vol":"13","page":175},{"text":"كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيَضْرِبُهُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا الْخَلْقُ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ». [تقدَّم برقم ٣٢٣١]\n٤٧٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، بِمِثْلِ هَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيَقُولَانِ لَهُ»، فَذَكَرَ قَرِيبًا\n===\nكنتُ أقول ما يقول الناس، فيضربه بمِطْرَاقٍ من حديد بين أُذنيه، فيَصِيْحُ صيحةً يسمعها الخَلْق غيرَ الثقلين).\nكتب مولانا محمد يحيى الصرحوم في \"التقرير\": وفي الأخرى: \"يسمعه مَنْ يليه\"، وفي الأخرى: \"يسمعه ما بين المشرق والمغرب\"، ولا ضَيْرَ في شيء من ذلك، فإن التصريح بسماع مَن يليه ليس نفيًا لسماع من سِواه، وكذلك لفظ \"الخَلْق\" مطلق، كمن أن يُراد به الكلُّ، فلا منافاةَ.\nويمكن أيضًا أن يجاب بأن أبعاد ما بين المشرق والمغرب والمسافة، وعدها كثيرًا؛ فإنما هو بالإضافة إلينا، فإنا لما ضعُفت قوتُنا وقلَّتْ أسفارُنا كان ما بين المشرق والمغرب أطول المسافات التي شاهدْناها في أيام أعْمارنا، وأما بالنسبة إلي ذاك العالم وأهله وأموره، فإن نسبة المشرق والمغرب كنسبة جِدار دارٍ وسيعةٍ إلى جدار آخر منها، وعلى هذا فلا يبعد أن يكون ما بين المشرق والمغرب هو المراد بقوله: \"من يليه\"، إلَّا أنه أطلق عليه هذا اللفظ نسبة إلى ذاك العالم الذي هو واقع فيه، انتهى.\n٤٧٥٢ - (حدثنا محمَّد بن سليمان، نا عبد الوهاب، بمثل هذا الإسناد) المتقدم (نحوه، قال: إن العبد إذا وُضع في قبره، وتولَّى عنه أصحابه) الذين جاؤوا ليدفنوه (إنه لَيسمع قَرْع نعالهم، فيأتيه ملَكان (١) فيقولان له، فذكر قريبًا\n_________\n(١) يقال لهما: منكر ونكير، كما ورد، وفي \"شرح المواقف\": أنكر الجبائي وابنه والبلخي التسمية، وقالوا: إنما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه، والنكير إنما هو تقريع الملكين. [انظر: \"المواقف\" (٣/ ٥١٨)]. (ش).","vol":"13","page":176},{"text":"مِنْ حَدِيثِ (١) الأَوَّلِ، قَالَ فِيهِ: «وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولَانِ لَهُ» - زَادَ: «الْمُنَافِقُ» - وَقَالَ: «يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ». [انظر سابقه]\n٤٧٥٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهَذَا لَفْظُ هَنَّادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرُ، وَفِى يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِى الأَرْضِ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، زَادَ فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ هَا هُنَا،\n===\nمن حديث الأول، قال فيه: وأما الكافرُ والمنافقُ فيقولان له- زاد: المنافقَ- وقال: يسمعها (٢) مَن يليه غير الثقلين) أي الجن والإنس.\n٤٧٥٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، ح: ونا هناد بن السَّرِيِّ قال: نا أبو معاوية، وهذا لفظ هناد) كلاهما جرير وأبو معاوية رَوَيا (عن الأعمش، عن المِنهال، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازةِ رجل من الأنصار) إلى البقيع (فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلْحَدْ) أي انتهينا إلى القبر في وقت لم يجعل له لحدٌ، (فجلس رسول الله - ﷺ -) في انتظار أن يُلحد القبرُ (وجلسنا حولَه كأنما على رؤوسنا الطير) أي ساكتين، وهذا كناية عن غاية السكون، أي لا يتحرك منا أحدٌ ولا يتكلم توقيرًا المجلس رسول الله - ﷺ -.\n(وفي يده عود ينكت به في الأرض) أي يتفكر في شيء، (فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر) قاله (مرتين أو ثلاثًا، زاد في حديث جرير ههنا\n_________\n(١) في نسخة: \"حديثه\".\n(٢) قال العيني (٦/ ٢٠٠): إنما منعت الجن هذا الكلام ولم يمنع سماع كلام الميت إذا حمل، وقال: قدموني قدموني، لأنه في حكم الدنيا، وليس فيه شيء من الجزاء والعقوبة ... إلخ. (ش).","vol":"13","page":177},{"text":"وَقَالَ: «وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ: يَا هَذَا، مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟» قَالَ هَنَّادٌ قَالَ: «وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِي الإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِى بُعِثَ فِيكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. فَيَقُولَانِ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ (١) بِهِ وَصَدَّقْتُ».\nزَادَ فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ: «فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ..........﴾ الآيَةَ، (٢) ثُمَّ اتَّفَقَا.\n===\nوقال) رسول الله - ﷺ -: (وإنه) أي الميت (لَيسمع خفق نعالهم إذا وَلَّوا مدْبرين) بعد دفنه (حين يقال له: يا هذا، مَن ربُّك؟ (٣) وما دينك؟ ومن نبيك؟).\n(قال هناد) في حديثه: (قال) - ﷺ -: (ويأتيه ملكان فيُجلِسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ قال: فيقول: هو رسول الله - ﷺ -، فيقولان: وما يدريك؟) أي: أيُّ شيء أعلمك بهذا؟ (فيقول) الميت: (قرأتُ كتابَ الله فآمنتُ به وصدَّقتُ).\n(زاد في حديث جرير: فذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ...﴾ (٤) الآية، ثم اتفقا) أي جرير\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"وآمنت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال هناد\".\n(٣) والسؤال بالعربية، وقيل: بالسريانية، كذا في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٠ - ٢٢)، وقال أيضًا: السؤال في القبر من خواص هذه الأمة، وكذا قال في \"الأنوار\" من فروع الشافعية: أن السؤال خاص بهذه الأمة، وذكر فيه الاختلاف العيني (٦/ ٢٨٣). (ش).\n(٤) سورة إبراهيم: الآية ٢٧.","vol":"13","page":178},{"text":"قَالَ: «فَيُنَادِى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ». قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا». قَالَ: «وَيُفْتَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ». قَالَ: «وَإِنَّ الْكَافِرَ» فَذَكَرَ مَوْتَهُ. قَالَ: «وَتُعَادُ رُوحُهُ فِى جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ له: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِى.\nفَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِى. فَيَقُولَانِ له: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِى بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِى؟ فَيُنَادِى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ». قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا». قَالَ: «وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ».\n===\nوأبو معاوية: (قال: فينادي منادٍ من السماء أن صدقَ عبدي، فأَفْرِشوه) أي اجعلوا له فراشًا (من الجنة، وألبسوه) حُلَلا (من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال) رسول الله - ﷺ -: (فيأتيه من رَوحها وطِيبها. قال) - ﷺ -: (وبفتح) أي يفسح (له فيها) أي في قبره، وإنما أُنث، لكونه رَوضة من رِياض الجنة (مدَّ بصره).\n(قال) - ﷺ -: (وإن الكافر، فذكر موته، قال) - ﷺ -: (وتُعاد روحه في جسده) بعد دفنه في القبر، (وبأتيه ملَكان فيُجلِسانه، فيقولان له: مَن ربك؟ فيقول: هاهْ هاهْ) قال في \"المجمع\" (١): كلمة يقولها المتحيِّرُ من الدَّهْشة (لا أدري، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: هاهْ هاهْ، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاهْ هاهْ، لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أنْ) مفسِّرة للنداء (كذَب) أي هذا الكافر، فإن الدين كان ظاهرًا في أطراف العالم، (فأفْرِشُوه من النار، وألبِسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، قال: فيأتيه من حرِّها وسمومها. قال) رسول الله - ﷺ -: (ويُضيَّقُ عليه قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعه) أي عظام جنبه بأن يدخل عظام اليمين في عظام اليسار، وعظام اليسار في عظام اليمين.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٣٨).","vol":"13","page":179},{"text":"زَادَ فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: «ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ، مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا». قَالَ: «فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَاّ الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا». قَالَ: «ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ».\n٤٧٥٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا الْمِنْهَالُ، عَنْ أَبِي عُمَرَ زَاذَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ. [انظر سابقه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1755>(٢٨) بابٌ فِى ذِكْرِ الْمِيزَانِ</span>\n٤٧٥٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ،\n===\n(زاد) عثمان (في حديث جرير: قال: ثم يُقيَّض له) أي يُسَلَّطُ عليه ملك (أعمى) و(أبكمُ) أي لا يبصر ولا يسمع، وهما كنايتان عن عدم الرحمة، (معه مِرْزَبَّةٌ) أي مطرقة (من حديد لو ضُرب بها جبلٌ لصار ترابًا، قال) رسول الله - ﷺ -: (فيضربه بها ضربةً يسمعُها ما بين المشرق والمغرب إلَّا الثقلين فيصير ترابًا، قال) - ﷺ -: (ثم تُعاد فيه الروح) ثم يضرب به، وهكذا يفعل به إلى يوم القيامة.\n٤٧٥٤ - (حدثنا هناد بن السَّرِيِّ، نا عبد الله بن نُمير، نا الأعمش، نا المنهال، عن أبي عمر زاذان قال: سمعت البراء، عن النبي - ﷺ - فذكر نحوه) والغرض بإعادة هذا السند إثبات سماع زاذان من البراء بن عازب.\n\n(٢٨) (بَابٌ في ذكْرِ المِيزَان) (١)\nوقد ذكر في كلام الله تعالى في مواضع\n٤٧٥٥ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم وحميد بن مَسعَدة،\n_________\n(١) أنكره المعتزلة، \"شرح المواقف\" (٢/ ٣٢١)، وقال الحافظ (١٣/ ٥٣٨) خص من الميزان الطائفتان، فمن الكفار من لم يعمل حسنة قط، فإنه يقع النار بغير حساب ولا ميزان، ومن المؤمنين من لا سيئة له، فيدخل سبعون ألفًا بغير حساب، ومن عدا هاتين الطائفتين من المؤمنين والكفار يحاسبون ... إلخ. (ش).","vol":"13","page":180},{"text":"أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا يُبْكِيكِ؟»، قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَّا فِى ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ (١) فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ؟ وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾\n===\nأن إسماعيل بن إبراهيم حدثهم قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، عن عائشة، أنها ذكرت النار فبكتْ، فقال رسول الله - ﷺ -: ما يُبكيكِ؟ قالت: ذكرتُ النار فبكيتُ، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: أمَّا في ثلاثة مواطنَ فلا يَذكر (٢) أحدٌ أحدًا).\nقال في \"فتح الودود\": ظاهره عموم هذه الحالة للأنبياء ﵈ أيضًا، بل ظاهر الكلام مسوق فيه - ﷺ -، وكوفهم على بينة من الله لا ينافيه، فإن غلبة الخوف تنسي حقيقة الأمر، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بغيرهم.\n(عند الميزان حتى يَعلمَ أَيَخِفُّ ميزانه أو يثقُل؟ وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾) (٣).\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"حين يقال\"، أي: حين يجيء وقت هذا القول، وأما نفس القول فيكون بعد أن يأخذ القائل كتابه بيمينه.\n_________\n(١) في نسخة: \"مواضع\".\n(٢) ويشكل عليه ما في الترمذي (٢٤٣٣) من حديث أنس: \"أين أطلبك يا رسول الله - ﷺ - قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط ... \"إلخ، وفيه وعده ﵇ له بالشفاعة، وأجيب: بأن حديث أبي داود لغيره ﵇، وذكره بالعموم لئلا تتكل عائشة، ويأنه قبل الإعلام، وحديث الترمذي بعد إعلامه ﵇، والأوجه عندي أن الطلب ووعد الشفاعة غير التذكر، فلأجل الهول لا يتذكر أحد، لا سيما النبي - ﷺ - لكثرة اشتغاله في أحوال الأمة. (ش).\n(٣) سورة الحاقة: الآية ١٩.","vol":"13","page":181},{"text":"حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ: أَفِى يَمِينِهِ أَمْ فِى شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْريْ (١) جَهَنَّمَ». [حم ٦/ ١٠١]\nقَالَ يَعْقُوبُ: عَنْ يُونُسَ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1756>(٢٩) بابٌ فِى الدَّجَّالِ</span>\n٤٧٥٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أبي عُبَيْدَةَ الْجَرَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ النبي -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَاّ وَقَدْ أَنْذَرَ الدَّجَّالَ قَوْمَهُ وَإِنِّى أُنْذِرُكُمُوهُ»، فَوَصَفَهُ\n===\n(حتى يعلم أين يقع كتابه: أفي يمينه أم في شماله أم) من (وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وُضع) الجسر (بين ظهريْ جهنم).\n(قال يعقوب) شيخ المصنف: (عن يونس) يعني أن حميد بن مَسعَدة قال بالإخبار، وأما يعقوب فقال بلفظ \"عن\" (وهذا لفظ حديثه).\n\n(٢٩) (بابٌ: في الدَّجَّالِ) (٢)\n٤٧٥٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن سراقة، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: إنَّه لم يكن نبيٌّ بعد نوح إلا وقد أنذر (٣) الدجَّال قومَه، وإني أُنْذِرُكُموه) كما أنذر الأنبياء أقوامَهم، (فوصفه) أي بَيَّنَه بالأوصاف\n_________\n(١) في نسخة: \"ظهرانيّ\".\n(٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ١٠٥): في أحاديثه حجة لأهل السنَّة في صحَّة وجوده، وخالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية، فأنكروا وجوده إلى آخر ماقال. (ش).\n(٣) ذكر في \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٥٣) المشهور أن الأنبياء لا يعرفون وقته، وليس بذلك، لأنهم يعرفون كونه في آخر الزمان بعد النبيّ سيد الرسل - ﷺ -، بل المعنى أنذروا قومهم =","vol":"13","page":182},{"text":"لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: «لَعَلَّهُ سَيُدْرِكُهُ مَنْ قَدْ رَآنِي وَسَمِعَ كَلَامِى». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ قُلُوبُنَا يَوْمَئِذٍ، أَمِثْلُهَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: «أَوْ خَيْرٌ» (١). [ت ٢٢٣٤، حم ١/ ١٩٥]\n===\n(لنا رسول الله - ﷺ - وقال: لعله سيدركه من قد رآني وسمع كلامي).\nقال في \"فتح الودود\": يمكن أن يحمل (٢) على سماعه أعمّ من أن يكون بلا واسطةٍ أو بواسطة، فيكون المراد بقاء كلامه - ﷺ - إلى حين ظهور الدجال، وحمله بعضهم على خضر ﵇، انتهى.\nقلت: حمل السماع على الأعم الشامل بالواسطة وغيرها ممكن، ولكن لا يمكن حمل الرؤية على الواسطة، فيلزم على هذه الرواية أن الرؤية إما يحمل على الخضر أو على بعض الجنيَّين، وأما ما وقع في رواية الترمذي: \"أو سمع كلامي\" بلفظ \"أو\"، فكما يحتمل أن يكون الواو بمعنى أو، فكذلك يحتمل أن يكون أو بمعنى الواو.\n(قالوا: يا رسول الله، كيف قلوبُنا) أي قلوب المؤمنين (يومئذٍ، أمثلها اليوم؟ قال) - ﷺ -: (أو خير).\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\" في قوله: \"أو خير\":\n_________\n= عن شدة أهواله كي يشكروا الله -عز اسمه- أنه أنجاهم عن ذلك، وأيضًا لما يكون الإنذار لأمة محمد - ﷺ - غير محدث، بل متوارث عن آبائهم كابرًا عن كابر يكون أوقع لنفوسهم وأدهش لقلوبهم، انتهى. والأوجه عندي أن بعض من لم يدركه أيضًا يبعث معه كما ورد في القدرية وقاتلي عثمان، فلعله يكون منهم أهل الأمم السابقة، ولا يبعد عندي أن المصنف لأجل هذه النكتة أعاد الترجمة في \"كتاب السنَّة\". (ش).\n(١) في نسخة: \"وخير\"، وفي نسخة: \"أو أخْيَرُ\".\n(٢) وهل يمكن أن يكون المعنى يدركه يدخل في شيعته، وعلى هذا يمكن توجيه الحديث بأن من رآه وسمع كلامه يدخل في شيعته في قبره، وإن مات قبل خروجه ببرهة كما ورد في القدرية وغيرها، فهذا مما ينبغي أن يسأل عنه العلماء، لا يقال: إنه إساءة الظن بالصحابة لأنه يمكن أن يكون فيمن ارتد، انتهى. (ش).","vol":"13","page":183},{"text":"٤٧٥٧ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَامَ رسول الله -ﷺ- في النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، فَذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: «إِنِّى لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا قَدْ أَنْذَرَ (١) قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تعلمون، أنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ». [خ ٧١٢٧، م ١٦٩، ت ٢٢٣٥، حم ٢/ ١٤٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1757>(٣٠) بابٌ في قتل الخوارج</span>\n٤٧٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ\n===\nوالخيرية جزئية باعتبار أنهم رأوا ما كان الأصحاب سمعوه ولم يزلزلهم ذلك عن دينهم.\n٤٧٥٧ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه قال: قام رسول الله - ﷺ - النَّاس، فَأَثْنَى على الله بما هو أهلُه، فذكر الدجال، فقال: إني لأُنْذِرُكموه) أي أخوِّفكم من شرورِه وفسادِه، (وما من نبيٍّ) بعد نوح (إلَّا قد أَنْذَرَ قومَه، لقد أَنْذَرَه) أي الدجال (نوحٌ قومَه (٢)، ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبيٌّ لقومه: تعلمون) أي هل تعلمون، استفهام تقرير، (أنه أعور، وأن الله ليس بأعور) أي هو مُنَزَّهٌ عن العيوب والنقائص.\n\n(٣٠) (بَابٌ في قَتْلِ الْخَوَارج)\n٤٧٥٨ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير وأبو بكر بن عياش\n_________\n(١) في نسخة: \"أنذره\".\n(٢) فعلم أن ما في الحديث السابق من قوله: \"بعد نوح\" أي نوح، كما في \"الكوكب\" (٣/ ١٥٢). (ش).","vol":"13","page":184},{"text":"وَمَنْدَلٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أبي جَهْمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ وَهْبَانَ، عَنْ أبي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قيد شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ». [حم ٥/ ١٨٠، ك ١/ ١١٧]\n٤٧٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ أبي الْجَهْمِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ وَهْبَانَ، عَنْ أبي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَئِمَّةٌ مِنْ بَعْدِي يَسْتَأْثِرُونَ\n===\nومَنْدَل) بن علي الغزي (١)، أبو عبد الله الكوفي، يقال اسمه: عمرو، ومندل لقبه، عن أحمد: ضعيف لحديث، وعن ابن معين: ليس به بأس يكتب حديثه، وعن ابن معين: ليس بشيء، وقال معاذ بن معاذ العنبري: دخلت الكوفة فلم أر أحدًا أورع من مَنْدَل، وقال يعقوب بن شيبة: أصحابنا يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما من نظرائم يضعفوفه في الحديث، وكان خيِّرًا فاضلًا صدوقًا، وهو ضعيف الحديث، وقال العجلي: جائر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال الطحاوي: ليس من أهل الثبت في الرواية بشيء، ولا يحتج به.\n(عن مطرف، عن أبي جهم) سليمان بن جهم الجوزجاني، (عن خالد بن وهبان) ابن خالة أبي ذر، روى له أبو داود حديثين: أحدهما في التحذير من مخالفة الجماعة، والآخر في الصبر خند الأثَرة، دكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو حاتم: مجهول، (عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: من فَارقَ الجماعةَ قِيْدَ) أي قدر (شِبْرٍ فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِنْ عُنُقِه).\n٤٧٥٩ - (حدثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، حدثنا زهير، نا مطرف بن طريف، عن أبي الجهم، عن خالد بن وهبان، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ-: كيف أنتم وأئمة) أي والحال أن أئمةً (من بعدي يَسْتَأْثِرُون)\n_________\n(١) كذا في الأصل، وهو تحريف، والصواب: الغنَزي. انظر: \"تهذيب التهديب\" (١٠/ ٢٩٨)، و\"تقريب التهذيب\" (ص ٩٧٠).","vol":"13","page":185},{"text":"بِهَذَا الْفَىْءِ؟»، قُلْتُ: أمَّا (١) وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَضَعُ سَيْفِي عَلَى عَاتِقِي، ثُمَّ أَضْرِبُ بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ أَوْ أَلْحَقَكَ. قَالَ: «أَوَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ تَصْبِرُ حَتَّى تَلْقَانِى». [حم ٥/ ١٧٩]\n٤٧٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ تَعْرِفُونَ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ» - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ هِشَامٌ: - «بِلِسَانِهِ\n===\nأي يخصون أنفسهم وأهليهم (بهذا) المال من (الفيء؟ قلت: أما والذي بَعَثَك بالحق أَضَعُ سيفي على عاتقي، ثم أضربُ به) من خالفك في استئثار الفيء (حتى ألقاك أو ألحقَك، قال: أَوَلا أدلُّكَ على خيرٍ من ذلك؟) قال: نعم، قال: هو أن (تصبر) ولا تقاتل (حتى تلقاني).\n٤٧٦٠ - (حدثنا مسدد وسليمان بن داود، المعنى، قالا: نا حماد بن زيد، عن المُعَلَّى بن زياد وهشام بن حسان، عن الحسن، عن ضَبَّةَ بنِ محصن) العنزي (٢) البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في الكتب حديث واحد في الأمراء.\n(عن أم سلمة زوجِ النبي - ﷺ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: ستكون عليكم أئمة تعرفون منهم) بعض الأمور على وفق الشريعة (وتُنكرون) بعضها لكونها خلاف الشرع، (فمن أنكر (٣)، قال أبو داود: قال هشام: بلسانه) أي أنكر\n_________\n(١) في نسخة: \"إذًا\"، وفي نسخة: \"إذن\".\n(٢) في الأصل: \"الغزي\"، وهو تحريف، والتصحيح من \"التهذيب\" (٤/ ٤٤٢).\nوالعنزي: بفتح المهملة والنون وكسر الزاي، نسبةٌ إلى عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. انظر: \"الأنساب\" (٤/ ٢٥٠).\n(٣) ولفظ \"المشكاة\" (٣٦٧١) عن مسلم: \"من أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم\"، وهكذا في \"الترمذي\"، وهو أوضح من لفظ أبي داود. (ش).","vol":"13","page":186},{"text":"فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ فَقَدْ برئ، ومن كره (١) فقد سلم، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَقْتُلُهُمْ؟ - قَالَ ابْنُ دَاوُدَ: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ - قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا».\n[م ١٨٥٤، ت ٢٢٦٥، حم ٦/ ٢٩٥، ٣٠٥]\n٤٧٦١ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أبي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيِّ (٢) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ، قَالَ: «فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ». قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مَنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ، وَمَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ. [م ١٨٥٤، حم ٦/ ٣٠٢، ٣٣١]\n===\nبلسانه، والظاهر أن معلَّى بن زياد لم يذكر لفظ \"بلسانه\"، (فقد بَرئَ) أي مما كان يجب عليه، (ومن كره بقلبه فقد برئ) من الإثم، (ومن كره) أي بقلبه (فقد سلم) من الوزر، هكذا هو في النسخ المكتوبة الثلاث وبعض المطبوعة، (ولكن مَنْ رَضِيَ وتَابَعَ) فقد هلك وأفسد دينه، (فقيل: يا رسول الله، أفلا نَقْتلُهم؟ قال) سليمان (بن داود: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صَلَّوا) (٣).\n٤٧٦١ - (حدثنا ابن بشار، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) هشام، (عن قتادة، نا الحسن، عن ضَبَّةَ بن مِحْصَن العَنَزي، عن أم سلمة، عن النبي - ﷺ -، بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، (قال: فمن كَرِهَ فقد بَرِئَ، ومن أنكر فقد سَلِمَ، قال قتادة: يعني من أنكر بقلبه، ومن كَرِهَ بقلبه)، وعلى تفسير قتادة يكون في الجملتين (٤) تكرار.\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": هذا التفسير\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"أنكر\".\n(٢) في الأصل: \"العنبري\"، وهو تحريف.\n(٣) يشكل عليه قتال الخوارج وقتال منكري الزكاة. (ش).\n(٤) وبسط على هذا التفسير الكلام القاري أشد البسط. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٢٥٣)]. (ش).","vol":"13","page":187},{"text":"٤٧٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ، عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «سَتَكُونُ في أُمَّتِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ».\n[م ١٨٥٢، ن ٤٠٢١، حم ٤/ ٢٦١، ٣٤١]\n... (١)\n٤٧٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ (٢)، عَنْ عَبِيدَةَ: \"أَنَّ عَلِيًّا ذَكَرَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ\n===\nوهم من قتادة، والصواب تفسير غيره أن الإنكار باللسان، والكراهة بالقلب، انتهى.\n٤٧٦٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، عن زياد بن عِلاقة، عن عَرْفَجَةَ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ستكون في أمتي هَنَاتٌ وهَنَاتٌ وهَنَاتٌ) جمع هَنَة، ويجمع على هنوات، أي شرور وفسادات (٣)، (فمن أراد أن يُفَرِّقَ أَمْرَ المسلمين وهم جميعٌ) أي مجتمعون (فاضربوه بالسيف، كائنًا من كان) شريفًا أو وضيعًا.\n٤٧٦٣ - (حدثنا محمَّد بن عبيد ومحمد بن عيسى، المعنى) واحد، (قالا: نا حماد، عن أيوب، عن عَبِيْدت أن عليًّا) ﵁ (ذَكَرَ أهلَ النَّهروان) وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجّانب الشرقي، حدَّه الأعلى متصل ببغداد، وفيها عدة بلاد متوسطة، منها: إسكاف، وجرجرايا، والصافية، وديرقُنَّى وغير ذلك، وكان فيها وقعة لعلي بن أبي طالب -﵁ - مع الخوارج مشهورة (٤).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في قتال الخوارج\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن محمَّد\".\n(٣) أو المعنى هنا: فتن وحوادث.\n(٤) انظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ٣٢٥).","vol":"13","page":188},{"text":"فَقَالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُودَنُ الْيَدِ، أَوْ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَنَبَّأْتُكُمْ مَا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ (١) سَمِعْتَ هَذَا مِنْهُ؟ قَالَ: إِى وَرَبِّ الْكَعْبَةِ\". [م ١٠٦٦، جه ١٦٧، حم ١/ ٨٣]\n٤٧٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أبي نُعْمٍ، عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- بِذُهَيْبَةٍ في تُرْبَتِهَا، فَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، ثُمَّ الْمُجَاشِعِيِّ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ\n===\n(فقال) علي -﵁ -: (فيهم رجل مُودَنُ اليد، أو مُخْدَجُ اليد، أو مَثْدُونُ اليد) ولفظ \"أو\" في الموضعين للشك من الراوي، ومعنى مُودن ومُخدج ومَثدون: ناقص اليد وقصيرها، (لولا أن تَبْطروا) أي لولا أن تقعوا في البطر والإعجاب بأنفسكم (لَنَبَّأْتُكُم ما وَعَدَ الله الذين يقتلونَهم على لسان محمَّد - ﷺ -)، وذلك لأنه بشر فيه بشارة عظيمة، فلو بَيَّنَها لهم وعلمُوا أنهم هم المصاديق لها حيث قتلوا من أشار إليه النبي - ﷺ - لكان لهم مظنة الإعجاب والبطر، كذا في \"التقرير\" لمولانا محمَّد يحيى المرحوم.\n(قال) عبيدة: (قلت: أنتَ سمعتَ هذا منه؟) أي من رسول الله - ﷺ - (قال: إي وَرَبِّ الكعبة)\n٤٧٦٤ - (حدثنا محمَّد بن كثير، نا سفيان) الثوري، (عن أبيه) سعيد بن مسروق الثوري، (عن ابن أبي نُعْم) عبد الرحمن، (عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي) ﵁ (إلى النبي - ﷺ - بذُهَيْبَة) مخلوطة (في تربتها) لم تفصل عن التراب، (فَقَسَمَها) رسول الله - ﷺ - (بين أربعة: بين الأقْرَع بن حَابِس الحنظلي) قبيلة عامة (ثم المُجاشِعي) قبيلة خاصة، (وبين عُيَيْنَة بن بدر\n_________\n(١) في نسخة: \"أأنتَ\".","vol":"13","page":189},{"text":"الْفَزَارِيِّ، وَبَيْنَ زَيْدِ الْخَيْلِ (١) الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ وَقَالَتْ (٢): يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا. فَقَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». قَالَ: فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقٌ. قَالَ: \"اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ\". فَقَالَ: «مَنْ يُطِعِ (٣) اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ!؟ أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ؟ وَلَا تَأْمَنُونِي» قَالَ: فَسَأَلَ رَجُلٌ قَتْلَهُ - أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ - قَالَ: فَمَنَعَهُ.\n===\nالفزاري، وبين زيد الخيل الطائي) قبيلة عامة، (ثمِ أحد بني نبهان) قبيلة خاصة، (وبين علقمة بن عُلاثة العامري) قبيلة عامة، (ثم أحَدِ بني كِلابٍ) قبيلة خاصة، (قال: فغضبتْ قريشٌ والأنصار وقالت: يُعْطِي صناديدَ) جمع صِنديد بكسر الصاد المهملة، وهو الرئيس والسيد (أهل نجد ويَدعُنا) أي يتركنا ولا يعطينا (فقال) - ﷺ -: (إنما أَتَأَلَّفهم) أي أُعْطِيهم لتأليفِ قُلوبِهم.\n(قال) أبو سعيد: (فأقبل رجلٌ) اسمه حرقوص بن زهير ذو الخويصرة (٤)، (غائرُ العينين، مشرف الوجنتين) أي مرتفعهما، والوَجَنة أعلى الخد، (ناتِئ الجبين) أي مرتفع الجبين، (كَثُّ اللحية، محلوقٌ) رأسه، (قال) أي ذلك الرجل: (اتَّقِ الله يا محمَّد، فقال) رسول الله - ﷺ -: (من يطعِ الله إذا عصيتُه!؟ أَيأمَنني اللهُ على أهلِ الأرض) فيأتيني الوحي صباحًا ومساء (ولا تأمنوني؟ قال) أبو سعيد: (فَسَأَلَ رجلٌ قَتْلَه) أي استأذن في قتله، (أحسبه) أي الذي سأل القتل (خالد بن الوليد، قال) أبو سعيد: (فَمَنَعه) رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) في نسخة: \"الخير\".\n(٢) في نسخة: \"فقالت\".\n(٣) في نسخة: \"يطيع\".\n(٤) قال الحافظ \"الفتح\" (١٢/ ٣٩١): وهذه القصة غير قصة حديث جابر، ومن فسره به فقد وَهِمَ ... إلخ، والمنكر فيها غيره، لكن قال: إن المنكر في موضعين واحد، فتأمل. انتهى. (ش).","vol":"13","page":190},{"text":"قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، أَوْ في عَقِبِ هَذَا قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ (١) أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ». [خ ٣٣٤٤، م ١٠٦٤، ن ٢٥٧٨، حم ٣/ ٦٨]\n٤٧٦٥ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ وَمُبَشِّرٌ (٢) - يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - الْحَلَبِيُّ، بإسناده عَنْ أبي عَمْرٍو، - قَالَ - يَعْنِى الْوَلِيدَ -: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْريِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «سَيَكُونُ في أُمَّتِي اخْتِلَافٌ\n===\n(قال) أبو سعيد: (فلما ولى) الرجل (قال) - ﷺ -: (إنَّ مِنْ ضِئْضِئ) أي أصل (هذا، أو في عقب هذا قوم يقرؤون القرآن لا يُجاوِزُ حَنَاجِرَهم، يمرقون) أي يخرجون (من الإِسلام) من الانقياد (مُرُوق) أي خروج (السهم من الرَّمِيَّة) أي من الصيد، (يقتلون أهلَ الإِسلام) بتكفيرهم (٣) إياهم، (ويدَعون أهل الأوثان) أي يتركونهم (لئن أنا أدركتُهم لأقتلنَّهم قتل عادٍ)، احتج بذلك من كفرهم، وأما عندنا فالقتل لبغاوتهم أو للتعزير، لا لأنهم مرتدون.\n٤٧٦٥ - (حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، نا الوليد ومبشر -يعني ابن إسماعيل- الحلبي بإسناده) كذا في أكثر النسخ المطبوعة والمكتوبة بزيادة لفظ \"بإسناده\" إلَّا في المصرية ولا معنى له، (عن أبي عمرو- قال -يعني الوليد-: حدثنا أبو عمرو- قال: حدثني قتادة، عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك، عن رسول الله - ﷺ - قال: سيكون في أمتي اختلاف\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"والله\".\n(٢) في نسخة: \"بشر\".\n(٣) وقد قال ﵇: \"لا تكفره بذنب\"، وقال: \"غفر لك بإخلاص قول: لا إله إلا الله\"، وفي \"البداية والنهاية\" (٦/ ٤٧) عن البخاري: أن رجلًا كان يلقب بالحمار، كان يضحك رسول الله - ﷺ - وكان يؤتى به في الشراب، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال ﵇: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله\". (ش).","vol":"13","page":191},{"text":"وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ (١) وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ في شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ (٢) كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ تعالى مِنْهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: «التَّحْلِيقُ». [ك ٢/ ١٤٧، ق ٨/ ١٧١]\n٤٧٦٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ،\n===\nوفُرقة) بضم الفاء أي افتراق، ويخرج (قوم يُحْسِنُون القِيلَ وُيسِيئُون الفِعْلَ، يقرؤون القرآن لا يُجاوزُ تَراقِيَهم) جمع تَرْقُوة، وهي عظم بين نقرة العاتق والنحر من الجانبين، (يَمْرُقُون) أي يخرجون (من الدين) أي من طاعة الإمام (مُرُوقَ السهم من الرَّمِيَّة، لا يرجعون) إلى الدين وطاعة الإِمام (حتى يَرْتَدّ) السهم (على فُوقِه) وهو موضع الوتر من السهم، وهذا من قبيل التعليِق بالمحال.\n(هم شَرُّ الخلق والخَلِيْقَة)، ولعل المراد بالخلق المسلمون، والخليقة الناس والبهائم، (طُوبَى لمن قتلَهم وَقَتَلُوه) أي طوبَى لقاتليهم ومقتوليهم (يَدْعُون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم) من أَمتي (كان أولى) (٣) أي أقرب (بالله تعالى منهم) أي من أمتي الذين لم يقاتلوهم (قالوا: يا رسول الله، ما سِيماهم؟ قال: التحليق) أي يبالغون فيه.\n٤٧٦٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن قتادة،\n_________\n(١) في نسخة: \"القول\".\n(٢) في نسخة: \"قتلهم\".\n(٣) وقد ورد: \"أولى الطائفتين بالحق\"، وفيه حجة على أن جماعه معاويه أيضًا على الحق إلَّا أن شيعة علي أولاهما. (ش).","vol":"13","page":192},{"text":"عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النبيَّ (١) -ﷺ-، نَحْوَهُ، قَالَ: «سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، وَالتَّسْميدُ (٢)، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ» (٣). [جه ١٧٥، ك ٢/ ١٤٧]\n٤٧٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ قَالَ عَلِىٌّ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثًا فَلأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّمَا الْحَرْبُ خُدْعَةٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «يَأْتِى في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ،\n===\nعن أنس، أن النبي - ﷺ -، نحوه) أي الحديث المتقدم، (قال: سِيماهم التحليق والتسميد) وهو المبالغة في استئصال الشعر، (فإذا رأيتموهم فَأَنِيْمُوهم) أي اقتلوهم، قال أبو داود: التسميد: استئصال الشعر.\n٤٧٦٧ - (حدثنا محمَّد بن كثير، أنا سفيان، نا الأعمش، عن خيثمة، عن سُوَيد بن غفلة قال: قال علي) ﵁: (إذا حدثُتكم عن رسول الله - ﷺ - حديثًا فَلأَنْ أَخِرَّ من السماء) أي أسقط (أَحَبُّ إليَّ من أن اكذبَ عليه) - ﷺ - ولو على وجه التورية والكناية (وإذا حدثتُكم فيما بيني وبينكم، فإنّما الحَرْبُ خُدْعَةٌ) يمكن أن يكون فيه تورية.\n(سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يأتي في آخر الزمان) أي في آخر زمان خلافة النبوة (قوم حُدَثاءُ الأسنان، سفهاءُ الأحلام) أي ضعفاء العقول (يقولون من خير قولِ البريَّة) أي من خير ما يتكلم به البريّة، وقيل: أراد به القرآن، ويحتمل أن يراد به قولهم: لا حكم إلا لله، (يَمْرُقُون من الإِسلام كما يَمْرُقُ السهم من الرَّمِيَّة،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"التسبيد\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: التسميد: استئصال الشعر\".","vol":"13","page":193},{"text":"لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [خ ٣٦١١، م ١٠٦٦، حم ١/ ٨١]\n٤٧٦٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أبي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ، أَنَّهُ كَانَ في الْجَيْشِ الَّذِي (١) كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ (٢) الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ (٣) أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَتْ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ شَيْئًا، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ شَيْئًا، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ شَيْئًا، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ،\n===\nلا يجاوز إيمانُهم حَنَاجِرَهم) أي حلاقيمَهم (فأينما لقيتُمُوهم فاقتلوهم، فإن قتلَهم أجرٌ لمن قتلهم يوم القيامة).\n٤٧٦٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل قال: أخبرني زيد بن وهب الجهني، أنه كان في الجيش الذي كانوا مع علي) ﵁ (الذين سَارُوا إلى) قتال (الخوارج، فقال علي: أيها الناس، إني سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: يَخْرُجُ قومٌ من أمتي يقرؤون القرآنَ ليستْ قراءتُكم إلى قراءتهم شيئًا، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئًا، ولا صيامُكم إلى صيامِهم شيئًا) أي باعتبار ظاهر الحال، قراءتُهم أحسن من قراءتكم، وكذلك صلاتُهم وصيامُهم أحسن من صلاتكم وصيامكم.\n(يقرأون القرآنَ يَحْسَبُون أنه) نافع (لهم، وهو عليهم) لما أنه يثبت به الحجة عليهم في الاعتقادات الباطلة، والأهواء الزائغة، ولأنه لا يقبل منهم\n_________\n(١) في نسخة: \"الذين\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن أبي طالب\".\n(٣) في نسخة: \"في\".","vol":"13","page":194},{"text":"لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ -ﷺ- لَا تَّكِلُوا (١) عَن الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَتْ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ». أَفَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ إلى (٢) ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ؟ وَاللَّهِ إِنِّى لأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا في سَرْحِ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. قَالَ: سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا مَنْزِلًا حَتَّى مَررنا (٣) عَلَى قَنْطَرَةٍ\n===\nفيكون عقابًا لا ثوابًا، (لا تُجاوِزُ صلاتُهم تَراقِيَهم، يَمْرُقُون من الإسلام) أي من الانقياد (كما يَمْرُقُ السهمُ من الرَّمِيَّة، لو يَعْلَمُ الجيشُ الذين يُصِيْبُونَهم) أي يقتلونهم (ما قُضِيَ لهم) أي من الأجر (على لسان نَبِيِّهم - ﷺ - لَاتَّكِلُوا) أي لاقتصروا على قتلهم (عن العمل) أي عن عمل النوافل لما في قتلهم من البشارة العظمى، وهذا وجه أولى لترغيب المسلمين على قتالهم.\n(وآيةُ ذلك أنّ فيهم رَجُلًا له عَضُدٌ وليست له ذراع، على عَضُدِهِ مِثْل حَلَمَة الثَّدْي) أي على عضده كرأس ثدي المرأة (عليه شَعَرَات بِيْضٌ، أَفَتَذْهَبُون إلى معاوية وأهلِ الشام) أي إلى قتالهم، (وَتَتْركُون هؤلاء يخلُفُونَكم إلى ذراريّكم وأموالكم؟)، وهذا الوجه الثاني لترغيبهم إلى القتال، (والله إني لأرجو أن يكونوا) أي المذكورون في الحديث (هؤلاء القوم، فإنهم قد سَفَكُوا الدَّمَ الحرام، وأغاروا في سرح الناس) أي في مرعاهم، (فَسِيْرُوا على اسم الله) أي إلى قتالهم.\n(قال سلمة بن كهيل: فَنَزَّلَني زيد بن وهب منزلًا منزلًا) أي ذكر لي قصة ذهابهم إلى الخوارج منزلًا بعد منزل، ثم ذكر سائر الواقعة إلى أن قال: (حتى مررنا على قنطرة) أي قنطرة دبرجان على ما عزاه\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"لَتَكِلوا عن العمل\".\n(٢) في نسخة: \"في\".\n(٣) في نسخة: \"مَرَّ بنا\".","vol":"13","page":195},{"text":"قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، وَعَلَى الْخَوَارِجِ (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا السُّيُوفَ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ. قَالَ: فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ، وَاسْتَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ: وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ. قَالَ: وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إلَّا رَجُلَانِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ، فَلَمْ يَجِدُوا، قَالَ: فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِمَّا (٢) يَلِي الأَرْضَ، فَكَبَّرَ وَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ\n===\nصاحب \"العون\" (٣) إلى النسائي.\n(قال: فلمّا التَقَيْنا) أي التقى الفريقان، يعني فريق علي - ﵁ - والخوارج، (وعلى الخوارج) أي الأمير عليهم (عبد الله بن وهب الرّاسِبي، فقال) أمير الخوارج عبد الله بن وهب (لهم) أي للخوارج: (أَلْقُوا الرِّمَاح) أي ارْمُوا بها (وسُلُّوا السيوف) أي أخرجوها (من جُفونها) أي أغمدتها، (فإني أخاف أن يناشِدُوكم) أي يطلبونكم الصلح بالإيمان (كما ناشَدُوكم يومَ حَرُوراء، قال: فَوَحَّشُوا) أي رموا (بِرِمَاحِهم، واستَلّوا السيوف) أي أخرجوها من الجفون (وَشَجَرَهُم) أي طَعَنَهم (الناس برماحهم. قال: وَقَتَلوا بعضَهم على بعض، قال: وما أُصِيْبَ من الناس) أي من جماعة علي - ﵁ - (يومئذ إلَّا رَجُلان) لم أقف على اسمهما.\n(فقال علي) - ﵁ -: (التَمِسُوا فيهم المُخْدَجَ) فالتمسوا (فلم يجدوا، قال) زيد بن وهب: (فقام علي بنفسه) ﵁ (حتى أتى ناسًا قد قُتِلَ بعضُهم على بعض، فقال: أَخْرِجُوهم) من موضعهم (فَوَجَدُوه) أي المُخْدَجَ (مما يلي الأرض، فكبّر) علي - ﵁ - (وقال: صَدَقَ اللهُ، وبَلَّغَ رسولُه، فقام إليه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يومئذٍ\".\n(٢) في نسخة: \"فيما\".\n(٣) \"عون المعبود\" (١٣/ ٨٢).","vol":"13","page":196},{"text":"عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ (١) الَّذِى لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ، لَقَدْ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ الَّذِى لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَحْلِفُ (٢).\n٤٧٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَضِيءِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: اطْلُبُوا الْمُخْدَجَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ تَحْتِ الْقَتْلَى في طِينٍ (٣)، قَالَ أَبُو الْوَضِيءِ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، حَبَشِيٌّ عَلَيْهِ قُرَيْطَقٌ لَهُ، إِحْدَى يَدَيْنِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا شُعَيْرَاتٌ مِثْلُ شُعَيْرَاتِ الَّتِى (٤) تَكُونُ عَلَى ذَنَبِ الْيَرْبُوعِ. [حم ١/ ١٣٩]\n===\nعَبِيْدَةُ السلماني فقال: يا أمير المومنين، آللهِ الذي لا إله إلَّا هو) بحرف الاستفهام وحذف حرف القسم، (لقد سمعتَ هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال) علي - ﵁ -: (إي) حرف إيجاب (والله الذي لا إله إلَّا هو) سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -، (حتى اسْتَحْلَفَه) أي استحلف عبيدة عليًّا - ﵁ - (ثلاثًا وهو يَحْلِفُ).\n٤٧٦٩ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد، عن جميل بن مرّة قال: نا أبو الوضيء) عباد بن شبيب (قال: قال علي) ﵁: (اطلبوا المُخْدَجَ) أي فَتِّشُوه (فذكر الحديث، فاستخرجوه من تحت القتلى في طين، قال أبو الوضيء: فكأنّي أنظر إليه) الآن، هو (حبشي عليه قُرَيْطَقٌ) تصغير قُرْطق كجُنْدب، لُبْسٌ معروف، معرب كُرْتَهْ، كذا في \"القاموس\" (له، إحدى يديه مِثْلُ ثدي المرأة عليها شُعيرات) قليلة (مثل شُعيرات التي تكون على ذنب اليَرْبُوع) هو حيوان معروف، ويقال: نوع من الفأر، كذا في \"المجمع\" (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"والله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قَالَ أبو داود: قال مالك: ذلٌّ للعلم أن يجيب العالم كل من سأله\".\n(٣) في نسخة: \"الطين\".\n(٤) في نسخة: \"الذي\".\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢١٠).","vol":"13","page":197},{"text":"٤٧٧٠ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قال: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أبي مَرْيَمَ قَالَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُخْدَجَ لَمَعَنَا يَوْمَئِذٍ في الْمَسْجِدِ، يُجَالِسُهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكَانَ فَقِيرًا، وَرَأَيْتُهُ مَعَ الْمَسَاكِينِ يَشْهَدُ طَعَامَ عَلِيٍّ مَعَ النَّاسِ، وَقَدْ كَسَوْتُهُ بُرْنُسًا لِي.\nقَالَ أَبُو مَرْيَمَ: وَكَانَ الْمُخْدَجُ يُسَمَّى: نَافِعًا (١) ذَا الثُّدَيَّةِ،\n===\n٤٧٧٠ - (حدثنا بشر بن خالد قال: نا شبابة بن سوّار، عن نُعيم بن حكيم) المدائني، أخو عبد الملك، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال العجلي، وقال ابن خراش: صدوق لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: لم يكن بذاك، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: ونقل الساجي عن ابن معين تضعيفه، وقال الأزدي: أحاديثه مناكير.\n(عن أبي مريم) الثقفي المدائني، ويقال: الحنفي الكوفي، ويقال: إنهما اثنان، قال أبو حاتم: أبو مريم الثقفي المدائني اسمه قيس، وقال النسائي: قيس أبو مريم الحنفي ثقة، وقال ابن حبان في \"الثقات\": قيس أبو مريم الثقفي المدائني، وقال ابن المديني: أبو مريم الحنفي اسمه إياس ابن صَبِيح.\n(قال: إن) مخففة من الثقيلة (كان ذلك المُخْدَجُ لَمَعَنا يومئذٍ في المسجد، يجالسه) هكذا بالياء التحتانية في النسخة المجتبائية والنسخة الأحمدية المكتوبة، وإحدى النسختين المكتوبتين المدنيتين، وأما في النسخة المصرية والكانفورية والنسخة المدنية التي عليها المنذري ففيها \"نجالسه\" بالنون، فمعناه بالتحتانية أي يجالس المسجد، ومعناه بالنون، أي نجالس معه، وهذا بيان لما كان المخدج عليه قبل أن يصل ما وصل، ومعنى يومئذ، أي يوم إذ كان فقيرًا، (بالليل والنهار، وكان فقيرًا، ورأيته مع المساكين يَشْهَدُ طَعامَ علي) ﵁ (مع الناس، وقد كسوتُه بُرْنسًا لي. قال أبو مريم: وكان المخدَجُ يُسَمّى: نافعًا ذا الثُّدَيَّة،\n_________\n(١) في نسخة: \"نافع ذو الثُّدَيَّة\".","vol":"13","page":198},{"text":"وَكَانَ في يَدِهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، عَلَى رَأْسِهِ حَلَمَةٌ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شُعَيْرَاتٌ مِثْلُ سِبَالَةِ السِّنَّوْرِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>(٣١) بابٌ في قِتَالِ اللُّصُوصِ</span>\n٤٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ». [ت ١٤١٩، ١٤٢٠، ن ٤٠٨٨، حم ٢/ ١٩٣]\n٤٧٧٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ (٢)، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ،\n===\nوكان في يده مِثْلُ ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حَلَمَة الثدي، عليه شُعَيرات مثل سِبالة السِّنَّوْر) والسِّبالة بكسر السين واحدها سَبَلة بفتحتين وهي الشارب.\n\n(٣١) (بَابٌ في قِتَالِ اللُّصُوصِ)\n٤٧٧١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الله بن حسن، قال: حدثني عمِّي إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: من أُرِيْدَ مَالُهُ بغير حقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فهو شَهيدٌ).\n٤٧٧٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه) سعد، (عن أبي عُبَيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن طلحة بن عبد الله بن عوف) الزهري المدني القاضي، ابنُ أخي عبد الرحمن بن عوف،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هو عند الناس اسمه حُرقوص\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وسليمان بن داود يعني أبا أيوب الهاشمي\".","vol":"13","page":199},{"text":"عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ: فَهُوَ شَهِيدٌ». [ت ١٤٢١، ن ٤٠٩١، حم ١/ ١٩٠، جه ٢٥٨٠]\n\nآخر كتاب السُّنَّةِ (١)\n[*] حَدَّثَنَا أَبُو ظَفَرٍ عَبْدُ السَّلَامِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ:\n===\nأبو عبد الله، ويقال: أبو محمد، كان يقال له: طلحة النَّدَى، ولى قضاء المدينة، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.\n(عن سعيد بن زيد، عن النبي - ﷺ - قال: من قُتِلَ دونَ ماله) أي في حفظه وفي الدفع عنه (فهو شهيدٌ) أي في حكم الآخرة، أو له ثواب الشهادة، (ومن قُتِلَ دون أهله) أي حريمه، (أو دون دمه) أي في حفظ نفسه، (أو دون دِيْنِهِ) أي في حفاظة الدين (فهو شهيد) أي في حكم الآخرة.\n\n(آخِرُ كِتَابِ السُّنَّةِ)\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": هذا البيان إلى شروع كتاب الأدب لغوٌ لا طائل تحته، وتقدم في الكتاب، أدخله بعض النساخ، وليس في النسخ الصحيحة ولا يدرى ماذا أَلْجَأَهم إلى ذلك، فالحديث الأول، وهو أثر الحجاج في حق عثمان - ﵁ - تقدم قريبًا في \"باب الخلفاء\"، وكذلك الأحاديث الأخر مكررة، وليس لها مناسبة، ولكن لكونها في بعض النسخ نذكرها لئلا تبقى خالية عن الشرح (٢).\n[*] (حدثنا أبو ظَفَر عبد السلام، نا جعفر، عن عوف قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حدثنا أبو داود، حدثنا عبد الله بن قريش البخاري قال: سمعت نعيم بن حماد يقول: المعتزلة تروي ألفي حديث من حديث النبي - ﷺ -، أو نحو ألفي حديث\".\n(٢) ولذلك تركنا ترقيمها.","vol":"13","page":200},{"text":"سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ مَثَلَ عُثْمَانَ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، يَقْرَؤُهَا وَيَفُسِّرُهَا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ وَإِلَى أَهْلِ الشَّامِ.\nقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: قال عفان: كان يحيي لا يحدث عن همام، قال أحمد: قال عفان: فلما قدم معاذ بن هشام وافق همامًا في أحاديث، كان يحيي ربما قال بعد ذلك: كيف قال همام في هذا؟\n===\nسمعت الحَجّاج يخطب وهو يقول: إنّ مَثَلَ عثمان عند الله كَمَثَل عيسى بن مريم، ثم قرأ هذه الآية، يقرؤها ويفسِّرُها) وهي قوله تعالى: (﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١) (يشير إلينا) أي إلى أهل العراق (بيده) في قوله: \"الذين كفروا\" (وإلى أهل الشام) يشير بقوله: \"الذين اتبعوك\".\n(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: قال عفان: كان يحيى) القطان (لا يحدّث عن همّام) بن يحيى بن دينار الأزدي العَوْذِي المحلمي، (قال أحمد: قال عفان: فلما قدم معاذ بن هشام وافق) معاذُ بن هشام (همامًا في أحاديث، كان يحيى ربما قال بعد ذلك: كيف قال همام في هذا؟).\nحاصله: أن يحيى لا يعتدّ برواية همام، فلما وافقه معاذ في الأحاديث جعل يحيى يعتد به، ويسأل عن روايته، لأن معاذًا كان ثقة عنده، فلما وافقه اعتدّ به.\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢): قال عمر بن شيبة عن عفان: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ نظرنا في كتبه، فوجدناه يوافق همامًا في كثير مما كان يحيى ينكره، فَكَفَّ يحيى بعد عنه.\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية ٥٥.\n(٢) (١١/ ٦٨).","vol":"13","page":201},{"text":"قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: سماع هؤلاء - عفَّانَ وأصحابِه - من همَّامٍ أصلحُ من سماع عبد الرحمن، وكان يتعاهد كتبه بعد ذلك.\n[*] حدثنا حسين بن عليٍّ، نا عفان - إن شاء الله تعالى - قال: قال لي همام: كنت أخطئ ولا أرجع، وأستغفر الله تعالى.\nقال أبو داود: سمعت علي بن عبد الله يقول: أَعْلَمُهم بإعادة ما يسمع مما لم يَسمع شعبةُ، وأرواهم هشامٌ، وأحفظُهم سعيد بن أبي عروبة.\n===\n(قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: سماع هؤلاء - عفانَ وأصحابِه -) بدل من هؤلاء (من همام أصلحُ من سماع عبد الرحمن) بن مهدي، ولعل وجهه أن عبد الرحمن بن مهدي كان ممن سمع منه قديمًا، وكان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد، فنظر في كتبه فقال أي همام (١): كنا نخطئ ولا نرجع فنستغفر الله تعالى، قال الحافظ: وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أصحُّ ممن سمع منه قديمًا، وقد نصّ على ذلك أحمد بن حنبل.\n(وكان) همام (يتعاهد كتبه بعد ذلك) أي بعد الاطلاع على خطئه ومخالفته.\n[*] (حدثنا حسين بن علي، نا عفان - إن شاء الله تعالى - قال: قال لي همام: كنت) أحدّث الناس و(أخطئ) فيه (ولا أرجع) إلى الكتب أو عن الخطأ، (وأستغفر الله تعالى، قال أبو داود: سمعت علي بن عبد الله يقول: أَعْلَمُهم) أي أصحاب قتادة (بإعادة) أي بتمييز (ما يُسمع) أي ما سمع من قتادة (مما لم يَسمع شعبةُ)، وأما غير شعبة فبعضهم يختلط عليه ما سمع منه بما لم يسمع، (وأرواهم هشام) أي أكثرُهم روايةً، (وأحفظُهم سعيد بن أبي عروبة).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٧٠)، و\"مقدمة فتح الباري\" (ص ٤٤٩).","vol":"13","page":202},{"text":"قال أبو داود: فذكرتُ ذلك لأحمد، فقال: سعيدَ بنَ أبي عروبة في قصة هشام: هذا كله يحكونه عن معاذ بن هشامٍ، أَيْنَ كان يقع هشام من سعيدٍ لو بَرَزَ له! .\n[*] حدثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح قالا: نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن مُنَبّهٍ، عن أخيه،\n===\nوقد نقل الحافظ في مقدمة \"فتح الباري\" (١) كلام علي بن المديني هذا، فقال: وقال علي بن المديني في ذكر أصحاب قتادة: كان هشام أرواهم عنه، وكان سعيد [أعلمهم به، وكان شعبة] أعلمهم بما سمع من قتادة مما لم يسمع، قال: ولم يكن همام عندي بدون القوم في قتادة، ولم يكن ليحيى القطان فيه رأي، وكان ابن مهدي حسن الرأي فيه، انتهى.\n(قال أبو داود: فذكرتُ ذلك) أي كلام علي بن المديني (لأحمد، فقال) أحمد في جوابه ولم يقبله، (سعيدَ بنَ أبي عروبة) بالنصب، أي ذكرت سعيد بن أبي عروبة (في قصة هشام) أي مساواة هشام سعيدًا، فهذا غير مقبول (هذا) أي مساواة هشام سعيدًا ما يحكيه علي بن المديني وغيره (كله يحكونه عن معاذ بن هشام) ابنه، ومعاذ بن هشام هو الذي يرجح أباه، ويساويه بسعيد بن أبي عروبة، وهو في هذا لا يعتبر، وأما علي بن المديني فلا يقول ذلك من رأيه.\nثم قال أحمد بن حنبل: (أَيْنَ كان يقع هشام من سعيدٍ لو بَرَزَ له) أي ما كان هشام بجنب سعيد لو ظهر له وقابله، فسعيد في أعلى طبقات المتقنين، وهشام أدون منه.\n[*] (حدثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح قالا: نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن مُنَبّه، عن أخيه) همام بن مُنَبّه،\n_________\n(١) (ص ٤٤٩).","vol":"13","page":203},{"text":"عن معاوية قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اِشفعوا تؤْجَروا، فإني لأريد الأمر فأُؤَخِّره كيما تشفعوا فتؤجروا، فإن رسول الله - ﷺ -: قال: اِشفعوا تؤجروا\".\n[*] حدثنا أبو معمرٍ قال: نا سفيان، عن بريدة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ -، مثله.\n* * *\n===\n(عن معاوية قال: قال رسول الله - ﷺ -: اشفعوا تؤْجَروا) قال معاوية: (فإني لأريد الأمر فأُؤَخّره كيما) لفظة ما زائدة (تشفعوا فتؤجروا، فإن رسول الله - ﷺ -: قال: اشفعوا تؤجروا).\n[*] (حدثنا أبو معمر قال: نا سفيان، عن بريدة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ -، مثله).\nفي بعض النسخ القديمة تَمّ ههنا الكتاب، وأما كتاب الأدب، فقد ذكر فيها بعد كتاب الديات.\n* * *","vol":"13","page":204},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1759>(٣٥) أَوَّلُ كِتَابِ الأدَبِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1760>(١) بابٌ في الْحِلْمِ وَأَخْلَاقِ النَّبِيِّ - ﷺ </span>- (١)\n٤٧٧٣ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ (٢)، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - يَعْنِى ابْنَ عَمَّارٍ -، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي طَلْحَةَ - قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا،\n===\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٣٥) (أَوَّلُ كِتَابِ الأدَبِ)\nهو الطريقة الحسنة في المعاشرة وغيرها\n\n(١) (بَابٌ في الْحِلْمِ) بالكسر والحليم من لا يستخفه شيء من العصيان\nفالحِلم: الأناة والتثبت في الأمور (وأخلاق النبي - ﷺ -) (٣)\n٤٧٧٣ - (حدثنا مخلد بن خالد، حدثنا عمر بن يونس، نا عكرمة - يعني ابن عمار-، حدثني إسحاق - يعني ابن عبد الله بن أبي طلحة - قال: قال أنس: كان رسول الله - ﷺ - من أحسن الناس خُلقًا) بل أحسن الناس خَلقًا، وكنت\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وحسن الهَدْي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الشعيري\".\n(٣) بسط الروايات في ذلك في الجزء السادس من \"البداية والنهاية\". (ش).","vol":"13","page":205},{"text":"فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِى بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ (١) -ﷺ-، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ في السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَابِضٌ (٢) بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ، اذْهَبْ حَيْثُ أَمَرْتُكَ»، قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ سَبْعَ سِنِينَ، أَوْ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُ: هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا\"! . [م ٢٣١٠]\n٤٧٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ -، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"خَدَمْتُ النبيَّ -ﷺ- عَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ،\n===\nخادمًا له - ﷺ -، (فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت) في الظاهر مزاحًا: (والله لا أَذْهَبُ)، وكان هذا منه في صغره وهو غير مكلف، (وفي نفسي أن أَذْهَبَ لما أمرني به نبيُّ الله - ﷺ -) وكان ذلك الإنكار منه في الحقيقة مزاحًا.\n(قال) أنس: (فخرجتُ حتى أَمُرَّ على صبيانٍ وهُمْ يَلْعَبُون في السُّوق) فاشتغلت معهم في اللعب، (فإذا رسول الله - ﷺ - قابِضٌ) أي آخذ (بقفاي) أي مؤخر عنقي (من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك) أي: يتبسم (فقال: يا أنيس) تصغيرٌ شفقةً، (اذهَبْ حيثُ أمرتُك، قلت: نعم أنا أذهبُ يا رسول الله، قال أنس: والله لقد خدمته سَبْعَ سنينَ أو) للشك من الراوي (تسع سنين)، وفي \"مسلم\": \"تسع سنين\" من غير شك (ما علمت قال لشيء صنعت) ولم يأمر به: (فَعَلْتَ كذا وكذا؟ ولا لشيء تركت) وقد أمرني به: (هَلَّا فَعَلْتَ كذا وكذا).\n٤٧٧٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا سليمان - يعني ابن المغيرة -، عن ثابت، عن أنس قال: خدمتُ النبيَّ - ﷺ - عَشْرَ سنين بالمدينة) وفي الرواية\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"قبض\".","vol":"13","page":206},{"text":"وَأَنَا غُلَامٌ لَيْسَ كُلُّ أَمْرِي كَمَا يَشْتَهِى صَاحِبِي أَنْ يكُونَ (١) عَلَيْهِ، مَا قَالَ لِي فِيهَا أُفٍّ قَطُّ، وَمَا (٢) قَالَ لِي: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ أَوْ (٣) أَلَا فَعَلْتَ هَذَا\". [حم ٤/ ١٩٥]\n٤٧٧٥ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ أنه سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُحَدِّثُنَا: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَجْلِسُ مَعَنَا في الْمَسجد (٤) يُحَدِّثُنَا، فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ\n===\nالمتقدمة تسع سنين على الشك، فلعله خدم تسع سنين وأشهرًا (٥)، فأسقط الكسر في الأولى وأتم الكسر هاهنا، (وأنا غلام ليس كل أمري) أي فعلي (كما يَشْتَهِي صاحبي) أي رسول الله - ﷺ - (أن يكون) أمري (عليه) أي موافقًا لما يشتهي، (ما قال لي فيها أُفٍّ) بضم الهمزة وكسر الفاء المشددة، صوت يدل على التضجر بما يكره (قَطُّ، وما قال لي: لم فعلت هذا؟ أو ألَّا فعلتَ هذا).\n٤٧٧٥ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا أبو عامر) العقدي، (نا محمد بن هلال أنه سمع أباه) هلال بن أبي هلال المدني، مولى بني كعب، ويقال: حليف بني مُدلج، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الذهبي: لا يعرف، (يحدث قال: قال أبو هريرة وهو يحدِّثُنا: كان رسول الله - ﷺ - يجلس معنا في المسجد يحدثنا، فإذا قام قمنا قيامًا (٦) حتى نراه قد دَخل بعض بيوت\n_________\n(١) في نسخة: \"أكون\".\n(٢) في نسخة: \"ولا\".\n(٣) في نسخة: \"أم\".\n(٤) في نسخة: \"المجلس\".\n(٥) وبه جزم غير واحد، كما في \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٥٢). (ش).\n(٦) هذا من مستدلات القيام للتعظيم، وسيأتي في \"باب في القيام\"، ومن أنكر أجاب عنه كما في \"شرح الشمائل\" بأنه ليس للتعظيم، بل لضرورة الفراغ ليتوجهوا إلى أشغالهم، وقال الحافظ: والذي يظهر لي في الجواب أن يحتمل عندهم أمر يحدث له حتى لا يحتاج إذا تفرقوا أن يتكلف استدعاءهم، وفي آخر الحديث ما يؤيده، وهو قصة =","vol":"13","page":207},{"text":"أَزْوَاجِهِ (١)، فَحَدَّثَنَا يَوْمًا فَقُمْنَا حِينَ قَامَ، فَنَظَرْنَا إِلَى أَعْرَابِيٍّ قَدْ أَدْرَكَهُ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَكَانَ رِدَاءً خَشِنًا، فَالْتَفَتَ، فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابِيُّ: احْمِلْ (٢) لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ، فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِكَ، وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، لَا أَحْمِلُكَ (٣) حَتَّى تُقِيدَنِي مِنْ جَبْذَتِكَ الَّتِى جَبَذْتَنِى»،\nفَكُلُّ (٤) ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا أَقِيدُكَهَا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ\n===\nأزواجه)، ذلك كان ليتشرفوا بالنظر إليه هذه المدة، (فحدّثنا يومًا) في المسجد (فقمنا حين قام) هكذا في الأصول الصحيحة في النسخ الثلاثة المكتوبة والمصرية، وكتب بعض النساخ في بعض النسخ لفظ \"حتى\" وهو غلط.\n(فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه فَجَبَذَه بردائه) أي بعنف (فَحَمَّرَ رَقَبَتَه، قال أبو هريرة: وكان رداءً خَشِنًا، فالتفت) رسول الله - ﷺ - إليه، (فقال له الأعرابيُّ: احمِلْ لي على بَعِيرَيَّ هذين) الطعام وغيره، (فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فقال النبي - ﷺ -: لا) أي لا أحمل لك من مالي (وأستغفر الله) زيدت الواو فيه لئلا يوهم خلاف المقصود (لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله) ثلاثًا (لا أحملك حتى تُقِيْدَني من جَبْذَتِك التي جَبَذْتَني، فكلُّ ذلك يقول له الأعرابي: والله لا أُقيدُكها) أي لا أعطيك قصاصَها (فذكر الحديث).\nقال المنذري (٥): وأخرجه النسائي.\n_________\n= الأعرابي، وفي آخره: ثم التفت إلينا فقال: \"انصرفوا\"، انتهى. [انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٥٣)]. (ش).\n(١) في نسخة: \"بعض أزواجه\".\n(٢) في نسخه: \"أحملني\"، وفي نسخة: \"حملني\".\n(٣) في نسخة: \"لا أحمل لك\".\n(٤) في نسخة: \"وكل\".\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٦٢).","vol":"13","page":208},{"text":"ثُمَّ دَعَا رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: «احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هَذَيْنِ، عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا، وَعَلَى الآخَرِ تَمْرًا». ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: «انْصَرِفُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ». [ن ٤٧٧٦، حم ٢/ ٢٨٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>(٢) بابٌ في الوقار</span>\n٤٧٧٦ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا قَابُوسُ بْنُ أبي ظَبْيَانَ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ الْهَدْىَ الصَّالِحَ، وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ، وَالاِقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ». [حم ١/ ٢٩٦]\n===\n(ثم دعا رجلًا فقال له) أي للرجل: (احْمِلْ له على بَعِيْرَيْه هذين، على بعيرٍ شعيرًا، وعلى الآخر تَمْرًا، ثم التَفَتَ إلينا) أي إلى أصحابه الحاضرين (فقال: انصرفوا) إلى محلِّكم (على بركة الله).\n\n(٢) (بَابٌ في الْوَقَارِ)، كسَحاب: الرَّزَانَة\n٤٧٧٦ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا قابوس بن أبي ظبيان، أن أباه) أي أبا ظبيان حصين بن جندب (حدثه، قال: حدثنا عبد الله بن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الهَدْيَ الصَّالِحَ، والسَّمْتَ الصَّالحَ، والاقتصادَ جزءٌ من خمسةٍ وعشرين جُزءًا (١) من النبوة).\nقال الخطابي (٢): هدي الرجل حاله ومذهبه، وكذلك سمته، فأصل\n_________\n(١) قلت: وقد أخرج الترمذي (٢٠١٠) عن عبد الله بن سرجس مرفوعًا: \"السَّمْتُ الحَسَنُ والتؤدة والاقتصادُ جزءٌ من أربعة وعشرين جزءًا\"، وقال الدمنتي (ص ٢١٥): للطبراني \"جزء من خمسة وأربعين\"، والأخرى له \"جزء من سبعين جزءًا\"، وقال الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٣٦٥): وذكره القرطبي في \"المفهم\" بلفظ: \"من ستة وعشرين\". (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٠٦).","vol":"13","page":209},{"text":"(٣) بابُ (١) مَنْ كَظَمَ غَيْظًا\n٤٧٧٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ - يَعْنِى ابْنَ أبي أَيُّوبَ -، عَنْ أبي مَرْحُومٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ،\n===\nالسمت الطريق المنقاد، والاقتصاد سلوك القصد في الأمر، والدخول فيه برفق، وعلى سبيل (٢) يمكن الدوام عليه كما روي أنه قال: \"خير الأعمال أدومُها وإن قلّ\"، يريد أن هذه الخلال من شمائل الأنبياء صلوات الله عليهم، ومن الخصال المعدودة من خصالهم، وأنها جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها، وليس معنى الحديث أن النبوة تتجزأ، ولا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوة، فإن النبوة غير مكتسبة، ولا مجتلَبة بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله ﷿، وخصوصية لمن أراد إكرامه بها من عباده، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٣)، وقد انقطعت النبوة بموت محمد - ﷺ -.\nوفيه وجه آخر، وهو أن يكون معنى النبوة ههنا ما جاءت به النبوة، ودعت إليه الأنبياء ﵈، يريد أن هذه الخلال من خمسة وعشرين جزءًا مما جاءت به النبوة، ودعا إليها الأنبياء صلوات الله عليهم، وقد أمرنا باتباعهم في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٤)، وقد يحتمل ذلك وجهًا آخر: وهو أن من اجتمعت له هذه الخصال لَقِيَه الناس بالتعظيم والتوقير، وألبسه الله تعالى لباس التقوى الذي يلبسه أنبياءه، فكأنها جزء من النبوة، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1762>(٣) (بَابُ مَنْ كَظَمَ غَيْظًا)</span>\nقال في \"القاموس\": كَظَمَ غَيْظَه، وَيَكْظِمُه: رَدَّه، وَحَبَسَه\n٤٧٧٧ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، عن سعيد - يعني ابن أبي أيوب -، عن أبي مرحوم، عن سهل بن معاذ، عن أبيه) معاذ بن أنس،\n_________\n(١) في نسخة: \"في كظم الغيظ\".\n(٢) في الأصل: \"وعلى سلوك سبيل\"، وهو سبق قلم من الناسخ.\n(٣) سورة الأنعام: الآية ١٢٤.\n(٤) سورة الأنعام: الآية ٩٠.","vol":"13","page":210},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ (١) مِنَ أيِّ الْحُورِ (٢) شَاءَ». [ت ٢٠٢١، جه ٤١٨٦، حم ٣/ ٤٣٨، ٤٤٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: اسْمُ أبي مَرْحُومٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْمُونٍ.\n٤٧٧٨ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ -، عَنْ بِشْرٍ - يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوَهُ، قَالَ: «مَلأَهُ اللَّهُ أَمْنًا\n===\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: من كَظَمَ غيظًا وهو قادر على أن يُنَفِّذَه) أي قادر على إجرائه وتنفيذه (دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخيِّره من أيِّ الحُورِ شاء) أي: يختاره.\n(قال أبو داود: اسم أبي مرحوم: عبد الرحمن بن ميمون) (٣).\n٤٧٧٨ - (حدثنا عقبة بن مكرم، نا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي -، عن بشر - يعني ابن منصور -، عن محمد بن عجلان، عن سُويد بن وهب) روى عن رجل، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - حديث: \"من كَظَمَ غيظًا\"، روى عنه محمد بن عجلان، كذا في \"تهذيب التهذيب\" (٤)، وقال في التقريب (٥): هو مجهول.\n(عن رجل من أبناءِ أصحاب النبي - ﷺ -، عن أبيه) لم أقف على تسميتهما (قال: قال رسول الله - ﷺ -، نحوَه) أي نحو الحديث المتقدم، (قال: ملأه الله أَمْنًا\n_________\n(١) في نسخة: \"يجيزه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"العِين\".\n(٣) قال المنذري: لا يحتج به، \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٣٦٤).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٨١).\n(٥) \"تقريب التهذيب\" (ص ٤٢٥).","vol":"13","page":211},{"text":"وَإِيمَانًا»، لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ: «دَعَاهُ اللَّهُ». زَادَ: «وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ» - قَالَ بِشْرٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: «تَوَاضُعًا\"-، \"كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ. وَمَنْ زَوَّجَ لِلَّهِ تَوَّجَهُ اللَّهُ تَاجَ الْمُلْكِ».\n٤٧٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: الَّذِى لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ». [م ٢٦٠٨، حم ١/ ٣٨٢]\n===\nوإيمانًا) أي في موضع قوله: \"دعاه الله يوم القيامة\" (ولم يذكر قصة: دعاه الله، زاد: ومن تَرَكَ لُبْسَ ثوب (١) جمال وهو يقدر عليه) أي على لبس ثوب الجمال، (قال بشر) بن منصور: (أحسبه قال: تواضعًا، كساه الله حُلَّةَ الكَرَامَةِ، ومن زوّج للهِ) أي من يحتاج إلى الزواج (تَوَّجَه اللهُ تاجَ المُلكِ) (٢) كأنه في درجة الملوك.\n٤٧٧٩ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله) بن مسعود -﵁ -. (قال: قال رسول الله: - ﷺ -: ما تعدّون الصُّرَعة فيكم؟) بضم ففتح كَهُمَزَة ولُمَزَة: المبالغ في صِراع الناس، (قالوا: الذي لا يَصْرَعُه الرجال)، قال الخطابي (٣): ومثله رجل خُدَعة إذا كان خدَّاعًا للناس، ولُعَبة إذا كان كثير اللعب. (قال: لا) أي ليس هو الصرعة، (ولكنّه) أي: الصرعة (الذي يَمْلِكُ نَفْسَه عند الغَضَبِ)، ولا يخرج قلبه ولسانه ويده من اختياره فيه.\n_________\n(١) ويشكل عليه ما تقدم (٤٠٦٣): \"فلير أثر نعمة الله عليك\". (ش).\n(٢) قاله المنذري: فيه رواية مجهول (٤/ ٣٦٤).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٠٧).","vol":"13","page":212},{"text":"(١)\n٤٧٨٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ أَنْفَهُ يَتَمَزَّعُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «إِنِّى لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ مِنَ الْغَضَبِ»، فَقَالَ (٢): مَا هِىَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، قَالَ: فَجَعَلَ مُعَاذٌ يَأْمُرُهُ، فَأَبَى وَمَحِكَ، وَجَعَلَ يَزْدَادُ غَضَبًا. [ت ٣٤٥٢، حم ٥/ ٢٤٠، ٢٤٤]\n٤٧٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ قَالَ: اسْتَبَّ\n===\n٤٧٨٠ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: استبّ رجلان) أي سَبَّ أحدهما الآخر (عند النبيِّ - ﷺ -، فَغَضِبَ أحدُهما غضبًا شديدًا حتى خُيِّلَ إليَّ أَنَّ أَنْفَه يَتَمَزَّع) أي: ينشقّ (من شدة غَضَبِه، فقال النبي - ﷺ -: إني لأعْلَمُ كلمةً لو قالها لَذَهَبَ عنه ما يَجدُ من الغَضَبِ، فقال) أي معاذ: (ما هي يا رسول الله؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (يقول: اللَّهم إني أعوذُ بك من الشيطان الرجيم، قال) عبد الرحمن: (فَجَعَلَ معاذ يأمره فأبى ومَحِكَ) أي: لَجّ في الخصومة (وجعل يزدادُ غَضَبًا).\n٤٧٨١ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن سليمان بن صُرَد) له صحبة (قال: استبّ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب ما يقال عند الغضب\".\n(٢) في نسخة: \"فقالوا\".","vol":"13","page":213},{"text":"رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ، وَتَنْفُخُ (١) أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّى لأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا هَذَا لَذَهَبَ (٢) عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: هَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُونٍ؟ ! . [م ٢٦١٠، خ ٦٠٤٨]\n٤٧٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أبي هِنْدٍ، عَنْ أبي حَرْبٍ بْنِ أبي الأَسْوَدِ، عَنْ أبي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَنَا: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وإلَّا فَلْيَضْطَجِعْ». [حم ٥/ ١٥٢، حب ٥٦٨٨]\n===\nرجلان عند النبي - ﷺ -، فجعل أحدُهما تَحْمَرّ عيناه، وتَنْفُخُ أوداجُه) وهو عروق العنق، (فقال رسول الله - ﷺ -: إني لأعرف كلمةً لو قالها هذا) أي هذا الرجل (لَذَهَبَ عنه الذي يَجدُ) أي من الغضب، وهي: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فَبَلَغَ الرجل (فقال الرجل: هل ترى بي من جنونٍ؟).\nقال النووي (٣): هو كلامُ من لم يفقه في دين الله، ولم يَتَهذب بأنوار الشريعة المكرمة، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالجنون، ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشياطين، ويحتمل أن هذا القائل كان من المنافقين، أو من جفاة الأعراب.\n٤٧٨٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو معاوية، نا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي ذر قال: إن رسول الله - ﷺ - قال لنا: إذا غضب أحدُكم وهو قائم فليجلس، فإن ذَهَبَ عنه الغضب) أي فيها (وإلَّا) أي: وإن لم يذهب الغضب بجلوسه (فَلْيَضْطَجِعْ).\n_________\n(١) في نسخة: \"تنتفح\".\n(٢) في نسخة: \"ذهب\".\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٨/ ٤١٠).","vol":"13","page":214},{"text":"٤٧٨٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ بَكْرٍ: \"أَنَّ النبيَّ -ﷺ- بَعَثَ أَبَا ذَرٍّ\". بِهَذَا الْحَدِيثِ. [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أَصَحُّ الْحَدِيثَيْنِ.\n===\nقال الخطابي (١): القائم متهيِّء للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى، والمضطجع ممنوع منهما، فيشبه أن يكون - ﷺ - إنما أمره بالقعود والاضطجاع، لئلا تبدر منه في حال قيامه وقعوده بادرةٌ يندم عليها فيما بعد، انتهى.\n٤٧٨٣ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن داود، عن بكر: أن النبي - ﷺ - بعث أبا ذر) في حاجة، ثم ذكر (بهذا الحديث، قال أبو داود: هذا) أي حديث داود عن بكر (أصح الحديثين) والحديث الثاني هو حديث داود عن أبي حرب بن [أبي] الأسود، قال المنذري (٢): يريد أن المرسل أصح، وقال غيره: إنما يروي أبو حرب بن أبي الأسود عن عمه، عن أبي ذر، فلا يحفظ له سماع من أبي ذر، انتهى.\nقلت: وقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث في \"مسنده\" (٣): حدثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذر قال: إن رسول الله - ﷺ - قال لنا: \"إذا غضب أحدكم\" الحديث. وهذا السياق يدل على أن هذا السند ليس فيه انقطاع، لأن أبا حرب بن أبي الأسود يروي عن أبيه أبي الأسود، وهو يروي عن أبي ذر، فعلى هذا لا يكون المرسل أصح الحديثين، وأما على سياق أبي داود ففيه الانقطاع.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٠٨).\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٦٧) رقم الحديث (٤٦١٥).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٥٢) رقم (٢١٣٤١).","vol":"13","page":215},{"text":"٤٧٨٤ - حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الْقَاصُّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّعْدِيِّ، فَكَلَّمَهُ رَجُلٌ فَأَغْضَبَهُ، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ (١) فَقَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ». [حم ٤/ ٢٢٦]\n===\n٤٧٨٤ - (حدثنا بكر بن خَلَفٍ والحسن بن عليٍّ، المعنى) واحد، (قالا: نا إبراهيم بن خالد) بن عبيد القرشي الصنعاني المؤذن، (نا أبو وائل القاص) عبد الله بن بحير، وفي \"التقريب\" (٢): بجير بموحدة، والجيم، مصغرًا، انتهى. اليماني الصنعاني، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن المديني: سمعت هشام بن يوسف، وسئل عن عبد الله بن بحير القاص، فقال: كان يتقن ما سمع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: دخلنا على عروة بن محمد السعدي) الجشمي، ذكره خليفة في عمَّال سليمان بن عبد الملك على اليمن، قال: وأقرّه عليها عمر بن عبد العزيز حتى مات، وكذا يزيد بن عبد الملك، وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة أن عمر بن عيد العزيز استعمل عروة بن محمد على اليمن، وكان من صالح العمال.\n(فكلّمه رجل فَأَغْضَبَه، فقام فتوضأ، فقال: حدثني أبي) محمد بن عطية بن عروة السعدي البلقاوي، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقد قيل: إن له صحبة، قالصحيح أن الصحبة لأبيه، (عن جدي عطية) بن عروة السعدي، صحابي، نزل الشام (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلِقَ من النار، وإنما تُطْفَأ النار بالماء، فإذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضأ).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ثم رجع وقد توضأ\".\n(٢) رقم الترجمة (٣١٢١)، قلت: ما ضبطه المؤلف هو عبد الله بن بجير بن حمران راو آخر، وأما راوي هذا الحديث فهو عبد الله بن بجير - بفتح الموحدة وكسر المهملة - بن ريسان. انظر: \"التقريب\" (٣١٢٢).","vol":"13","page":216},{"text":"(٤) بابٌ (١) في التَّجاوُزِ\n٤٧٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنَفْسِهِ، إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ (٢) اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا\". [خ ٦١٢٦، م ٢٣٢٧، حم ٦/ ٢٠٩]\n٤٧٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَادِمًا، وَلَا امْرَأَةً قَطُّ\". [م ٢٣٢٨، جه ١٩٨٤، حم ٦/ ٢٣٢]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1763>(٤) (بابٌ في التجاوز) </span>، أي: الصَّفْح\n٤٧٨٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: ما خُيِّرَ رسولُ الله - ﷺ - في أمرين إلَّا اختار أيسرَهما) لأن الله ﷾ قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٣)، وكان رسول الله - ﷺ - مقتدى الناس، فيختار الأيسر لئلا يشق على أمته، فمقتضى رأفته ورحمته اليسر، (ما لم يكن إثمًا) أي في اليسر، (فإن كان) فيه (إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انْتَقَمَ رسولُ الله - ﷺ - لنفسه) بل يتجاوز ويعفو (إلَّا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها) أي بسبب انتهاك حرمة الله.\n٤٧٨٦ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله - ﷺ - خادمًا) أي على عصيانه، (ولا امرأةً) من أزواجه وغيرها (قطّ).\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في العفو والتجاوز\".\n(٢) في نسخة: \"حرم الله\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٥.","vol":"13","page":217},{"text":"٤٧٨٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ -، في قَوْلِهِ (١): ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قَالَ: أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ\". [خ ٤٦٤٣، ٤٦٤٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1764>(٥) بابٌ في حُسْنِ الْعِشْرَةِ</span>\n٤٧٨٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ - يَعْنِى الْحِمَّانِيَّ -، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ: مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ؟ وَلَكِنْ يَقُولُ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا؟».\n===\n٤٧٨٧ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم، نا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله - يعني ابن الزبير- في قوله) ﵎: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (٢) قال: أُمِرَ نَبِيُّ الله - ﷺ - أن يأخذَ) أي: يختار (العَفْوَ) والصفح (من) جملة (أخلاق الناس).\n\n(٥) (بابٌ في حُسْنِ الْعِشْرَةِ)\nأي: المعاشرة والمصاحبة\n٤٧٨٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الحميد - يعني الحِمّاني-، نا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - إذا بلغه) أي رسول الله - ﷺ - (عن الرجل الشيء) المنكر، ويريد التنبيه عليه (لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن) كان - ﷺ - (يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟) احترازًا عن المواجهة بالمكروه مع حصول المقصود بدونه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"﷿\".\n(٢) سورة الأعراف: الآية ١٩٩.","vol":"13","page":218},{"text":"٤٧٨٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلْمٌ الْعَلَوِيُّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَلَّمَا يُوَاجِهُ رَجُلًا في وَجْهِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: «لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَغْسِلَ ذَا (١) عَنْهُ». [تقدَّم برقم ٤١٨٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَلْمٌ لَيْسَ هُوَ عَلَوِيًّا، كَانَ يُبْصِرُ (٢) في النُّجُومِ، وَشَهِدَ عِنْدَ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَلَمْ يُجِزْ شَهَادَتَهُ.\n===\n٤٧٨٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا حماد بن زيد، نا سَلْم) بن قيس (العلوي، عن أنس: أن رجلًا) لم أقف على تسميته (دخل على رسول الله - ﷺ -، وعليه أَثَرُ صُفْرَةٍ) والظاهر أن الصفرة كانت من الزعفران، أو العصفر (٣)، (وكان رسول الله - ﷺ - قلما يواجه رجلًا في وجهه بشيء يكرهه (٤)، فلما خرج قال) - ﷺ -: (لو أمرتم هذا) الرجل (أن يغْسِلَ ذا) أي: أَثَرَ الصُّفْرَةِ (عنه) لكان خيرًا.\n(قال أبو داود: سَلْم ليس هو علويًّا) (٥) أي من أولاد علي -﵁ -، بل (كان يبصر في النجوم) وهي في العلو، فنسب إليه، (وَشَهِدَ عندَ عديّ بن أرطأة على رؤية الهلال، فلم يُجِز شهادته).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"فلم يجز شهادته\" لاحتمال أن\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"هذا عنه\".\n(٢) في نسخة: \"ينظر\".\n(٣) وإلَّا فقد تقدَّم جوازه. (١٢/ ٩١) (ش).\n(٤) أجمع شراح \"الشمائل\" على أن ضمير الفاعل إلى رجل والمفعول إلى الشيء، والمعنى يكره الرجل ذلك الشيء. [انظر: \"جمع الوسائل\" (٢/ ١٥٥)]. (ش).\n(٥) \"سَلْم ليس هو علويًا\"، قال السمعاني في \"الأنساب\" (٤/ ٢٢٩): ليس من أولاد علي بن أبي طالب إلَّا أن قومًا بالبصرة يقال لهم: بنو علي، فنسب إليهم.","vol":"13","page":219},{"text":"٤٧٩٠ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبي كَثِيرٍ، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَفَعَاهُ جَمِيعًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ». [ت ١٩٦٤، حم ٢/ ٣٩٤]\n===\nيكون المخيلة أرته حسب ما علم من النظر في النجوم، ولم يكن علمه بالنجوم علمًا منهيًّا عنه، وإلَّا لما قبل المؤلف منه الرواية، ورد شهادته كان لذلك الذي قلنا، لا لِفِسْقِه، انتهى.\nوقال المنذري (١): وسَلْمٌ هذا هو ابن قيس، بصري، لا يُحتج بحديثه.\n٤٧٩٠ - (حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد، نا سفيان، عن الحجاج بن فرافصة) بضم الفاء الأولى وكسر الثانية بعدها صاد مهملة، الباهلي البصري العابد، قال ابن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: شيخ صالح متعبد، له عند أبي داود حديث واحد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وحكي عن الثوري أنه قال: بتّ عنده ثلاث عشرة ليلة، فما رأيته أكل ولا شرب ولا نام.\n(عن رجل) قال الحافظ في \"التقريب\" (٢): يحتمل أنه يحيى بن أبي كثير، (عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ح: ونا محمد بن المتوكل العسقلانيّ، نا عبد الرزاق، نا بِشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رفعاه) أي: حجاج بن فرافصة وبشر بن رافع (جميعًا، قال: قال رسول الله - ﷺ -: المؤمن غِرٌّ كريمٌ (٣)، والفاجر خبٌّ لئيم).\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٦٨) رقم الحديث (٤٦٢١).\n(٢) (ص ١٣١٨).\n(٣) وهذا بظاهره لخالف ما ورد عن الروإيات في فضل العقل، بسطها السيوطي في \"اللآلي =","vol":"13","page":220},{"text":"٤٧٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: «بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ\n===\nقال الخطابي (١): معنى هذا الكلام: أن المؤمن المحمود هو من كان طبعه الغرارة، وقلة الفطنة للشر، وترك البحث عنه، فإن ذلك ليس منه جهلًا، لكنه كرم وحسن خلق. وأن الفاجر هو من كان عادته الخبّ والدهاء والوغول في معرفة الشر، وليس ذلك منه عقلًا، ولكنه خب ولؤم، انتهى.\nقال في \"الدرجات\" (٢): هذا أحد أحاديث انتقدها سراج الدين على \"المصابيح\"، فزعم أنه موضوع، وقال الحافظ ابن حجر في رده عليه (٣): أخرجه الحاكم بطريق عيسى بن يونس، عن سفيان الثوري، عن حجاج بن فرافصة، عن يحيى بن أبي كثير به موصولًا، وقد أسنده المتقدمون من أصحاب الثوري، وحجاج، قال ابن معين: لا بأس به، ولم يحتج الشيخان ببشر ولا بحجَّاج، قال الحافظ ابن حجر: بل الحجاج ضعفه الجمهور، وبشر بن رافع أضعف منه، ومع ذلك لا يتجه الحكم عليه بالوضع بعد شرط الحاكم في ذلك، وقد أطال الكلام فيه.\n٤٧٩١ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن ابن المنكدر، عن عروة، عن عائشة قالت: استأذن رجلٌ على النبيِّ - ﷺ - فقال) النبي - ﷺ -: (بئس ابنُ العَشِيرَةِ،\n_________\n= المصنوعة\" و\"ذيل اللآلي\"، وكذا في \"أدب الدنيا والدين\" (ص ٤٠)، وأيضًا يخالف قوله - ﷺ -: \"اتقوا فراسة المؤمن\" كما في \"المسلسلات\" وهامشه بطرق، ويمكن الجمع بأن هذا لعامة المؤمنين، وهو لصاحب الكشف، أو يقال: إن الاغترار لحسن الظن لا يخالف الفراسة، وفي \"الكوكب\" (٣/ ٥٧): ولا يرد عليه قوله ﵇: \"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ... \" إلخ. (ش).\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٠٨).\n(٢) (ص ٢١٥).\n(٣) انظر: أجوبة الحافظ عن أحاديث المصابيح في آخر الجزء الثالث من \"المشكاة\".","vol":"13","page":221},{"text":"أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ» (١). ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ»، فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ، وَقَدْ قُلْتَ لَهُ مَا قُلْتَ؟ ! قَالَ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ - أَوْ تَرَكَهُ - النَّاسُ لاِتِّقَاءِ فُحْشِهِ». [خ ٦٠٣٢، م ٢٥٩١، ت ١٩٩٦، ط ٢/ ٩٠٣، حم ٦/ ٣٨]\n===\nأو بئس رجلُ العَشِيرَة) لم يقل على وجه الاغتياب، بل للنصيحة لمن لم يكن عالمًا بحاله، أو أنه كان مجاهرًا بالشر، فلا غيبة لمثله، \"فتح الودود\".\n(ثم قال: ائذنوا له، فلما دخل) على النبي - ﷺ - (أَلَانَ له القولَ، فقالت عائشة: يا رسول الله) - ﷺ - (أَلَنْتَ له القولَ، وقد) أي: والحال أنك (قلت له ما قلت؟ !) من قولك: \"بئس ابن العشيرة\" (قال) - ﷺ -: (إنّ شَرَّ الناسِ منزلةً عند الله يوم القيامة من (٢) وَدَعَه (٣) - أو تَرَكَه - الناسُ لاتّقاء فُحشِه).\nقال الخطابي (٤): أصل الفُحش زيادة الشيء على مقداره، ومن هذا قول الفقهاء: يصلي في الثوب الذي أصابه الدم إذا لم يكن فاحشًا، أي: كثيرًا مجاوزًا للمقدار، انتهى.\nقال المنذري (٥): وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي، وهذا الرجل هو عيينة بن حِصْن بن بَدْر الفزاري، وقيل: هو مَخرمة بن نوفل الزهري، والد المِسور بن مخرمة - ﵁ -.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قالت\".\n(٢) وفي \"تقرير الترمذي\" أن مصداقه النبي - ﷺ - أو الرجل الداخل، انتهى. (ش).\n(٣) قال النحاة: أماتوا ماضيه ومصدره، لكن ثبت عنه - ﷺ - التكلم بهما، كذا في \"الفتح\" (١٠/ ٤٥٥). (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٠٩).\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٦٩).","vol":"13","page":222},{"text":"٤٧٩٢ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَتْ: فَقَالَ تَعْنِي - النَّبِىَّ -ﷺ-: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ الَّذِي (١) يُكْرَمُونَ اتِّقَاءَ أَلْسِنَتِهِمْ». [حم ٦/ ١١١]\n٤٧٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ، أَخْبَرَنَا مُبَارَكٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ\n===\n٤٧٩٢ - حدثنا عباس العَنْبَري، نا أسود بن عامر، نا شريك، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عائشة في هذه القصة، قالت) عائشة: (فقال- تعني) عائشة من ضمير قال (النبيَّ - ﷺ -: يا عائشة، إن مِنْ شِرار الناسِ الذي يُكرَمون اتقاءَ ألسنتهم).\nقال المنذري (٢): ذكر يحيى بن سعيد القطان أن مجاهدًا لم يسمع عائشة، وأخرج البخاري ومسلم في \"صحيحيهما\" حديث مجاهد عن عائشة -﵂ -، انتهى.\n٤٧٩٣ - (حدثنا أحمد بن منيع، نا أبو قَطَن) هو عمرو بن الهيثم بن قطن بفتح القاف والمهملة، ابن كعب الزبيدي القطعي البصري، قال الربيع بن سليمان عن الشافعي: ثقة، وقال أبو داود عن أحمد: ما كان به بأس، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: قال أبو قطن - وكان ثبتًا -: [ما أَعَرْتُ كتابي أحدًا قطُّ] (٣)، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن المديني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أنا مبارك) بن فضالة، (عن ثابت، عن أنس قال: ما رأيت رجلًا التقم\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الذين\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٧٠).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ١١٤)، و\"تهذيب الكمال\" رقم الترجمة (٤٤٦٦).","vol":"13","page":223},{"text":"أُذُنَ النبيِّ (١) -ﷺ- فَيُنَحِّي رَأْسَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِى يُنَحِّي رَأْسَهُ، وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ (٢) فَتَرَكَ يَدَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِى يَدَعُ يَدَهُ. [حب ٦٤٣٥]\n٤٧٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النبيِّ -ﷺ- فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ- «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ»، فَلَمَّا دَخَلَ انْبَسَطَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَكَلَّمَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمَّا اسْتَأْذَنَ قُلْتَ: «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ»، فَلَمَّا دَخَلَ انْبَسَطْتَ إِلَيْهِ! فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ» (٣).\n===\nأُذُنَ النبيّ - ﷺ - ليناجيه (فيُنَحِّي) رسول الله - ﷺ - (رأسَه، حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يُنَحِّي رأسه، وما رأيت رجلًا أَخَذَ بيده) - ﷺ - (فَتَرَكَ) - ﷺ - (يده، حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يَدَعُ) أي يترك (يَدَه) - ﷺ -.\n٤٧٩٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة: أن رجلًا (٤) استأذَنَ على النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: بئس أخو العَشِيرة، فلما دخل) على النبي - ﷺ - (انبسط إليه رسولُ الله - ﷺ - وكلَّمَه) منبسطًا، (فلما خرج) الرجل (قلت: يا رسول الله، لمّا استأذَنَ قلت: بئس أخو العشيرة، فلما دخل انبسطت إليه، فقال رسول الله - ﷺ -: يا عائشة، إن اللهَ لا يُحِبُّ الفاحِشَ) أي من يصدر عنه الفحش من غير تكلف لكونه أخذ بقلبه و(المُتَفَحِّشَ) أي ليس من في قلبه، وإنما يتكلف به في إجرائه على لسانه، فأُحِبّ أن لا أدخل في شيء منهما.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"رسول الله\"\n(٢) في نسخة يديه: \"بيد النبيّ - ﷺ -\".\n(٣) زاد في نسخة: \"سئل أبو داود عن معنى قول النبي - ﷺ -: \"بئس أخو العشيرة\"، فقال: ذلك للنبي - ﷺ - خاصةً\".\n(٤) هو عيينة بن حصن على الراجح، والبسط في \"الأوجز\" (١٦/ ٦٧). (ش).","vol":"13","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1765>(٦) بابٌ فِى الْحَيَاءِ</span>\n٤٧٩٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: \"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِى الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ». [خ ٢٤، م ٣٦، ٢٦١٥، جه ٥٨، حم ٢/ ٥٦]\n٤٧٩٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ،\n===\n\n(٦) (بَابٌ فِي الْحَيَاءِ)\nهو انكسار يعتري النفس ويكفّها عن المذموم شرعًا أو عُرفًا\n٤٧٩٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر: أن النبيﷺ - مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ (١) أخاه في الحياء) في أن يتركه، كقول الشاعر:\nمن راقب الناس مات همًّا ... وفاز باللذة الجسور\n(فقال رسول الله - ﷺ -: دعه فإن الحياء من الإيمان) (٢)، قال الحافظ في \"الفتح\" (٣): ولم أقف على اسم هذين الرجلين الواعظ وأخيه.\n٤٧٩٦ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن إسحاق بن سويد) بن هبيرة، العدوي التميمي البصري، قال أحمد: شيخ ثقة، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وذكره العجلي فقال: ثقة، وكان يحمل على علي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال أبو العرب الصقلي\n_________\n(١) وفي رواية للبخاري: \"يعاتب أخاه\"، بسطه العيني (١/ ٢٦٦). (ش).\n(٢) يشكل عليه أن الحياء طبعي، والإيمان اكتسابي، وأجاب عنه ابن قتيبة في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٢٨٢). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٧٤).","vol":"13","page":225},{"text":"عَنْ أَبِى قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَثَمَّ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ»، أَوْ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ». فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا نَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: إنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا (١)، وَمِنْهُ ضَعْفًا (٢)، فَأَعَادَ (٣) عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، فأَعَادَ بُشَيْرٌ الْكَلَامَ، قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أَرَانِى أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَتُحَدِّثُنِي عَنْ كُتُبِكَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِيهٍ (٤) إِيهٍ. [م ٣٧، حم ٤/ ٤٤٥، ٤٤٦]\n===\nفي \"الضعفاء\": كان يحمل على علي - ﵁ - تحاملًا شديدًا، وقال: لا أحب عليًّا -﵁ -، ومن لم يحب الصحابة فليس بثقة، ولا كرامة.\n(عن أبي قتادة) العدوي البصري، مختلف في صحبته، عن ابن معين: ثقة، وقال خليفة: اسمه نذير بن قُنفذ، ويقال: تميم بن نذير، وقال ابن معين: اسمه تميم بن نذير، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: كنا مع عمران بن حصين، وثمَّ بُشير بن كعب، فحدَّث عمران بنُ حصين قال: قال رسول الله - ﷺ -: الحياء خَيْرٌ كلُّه، أو قال: الحياء كلُّه خيرٌ، فقال بُشير بن كعب: إنا نَجِدُ في بعض الكتب: إن مِنْهُ سكينةً ووقارًا، ومنه) أي في بعض منه (ضَعْفًا، فأعاد عمران الحديثَ، فأعاد بشير الكلام، قال: فغضب عمران حتى احمَرَّتْ عيناه، وقال: ألا أُراني أُحَدِّثُك عن رسول الله - ﷺ - وتحدثني) في مقابلته (عن كتبك، قال) أبو قتادة: (قلنا: يا أبا نُجَيد إيهٍ إيهٍ).\nقال في \"القاموس\": بكسر الهمزة والهاء وفتحها وتُنَوَّنُ المكسورةُ: كلمة استزادةٍ واستنطاقٍ، وإيهْ بإسكان الهاء: زجر بمعنى حَسْبُك، انتهى.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لله\".\n(٢) في نسخة بدله: \"ضَعْفٌ\".\n(٣) في نسخة: \"قال: فأعاد\".\n(٤) في نسخة بدله: \"إنَّه إنَّه\".","vol":"13","page":226},{"text":"٤٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى:\n===\nولفظ مسلم: \"يا أبا نجيد، إنه لا بأس به\"، يعني هذا الرجل ليس في إسلامه بأس، ولا يقول هذا الكلام في مقابلة رسول الله - ﷺ -.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"الحياء خير كلّه\"، وهو حق لا ريب فيه إلَّا أن بعض الحياء ليس بحياء شرعًا، ويعده الناس حياءً في عرفهم، فلو حكم عليه بالخير لزم ترك بعض السنن والواجبات على اقتضاء هذا الحياء، فأَحَبَّ بشير أن يظهر هذا المدّعى لئلا يَغْتَرّ العوام الموجودون هناك بما سمعوا من الحديث، إلَّا أن عمران سخط عليه بظاهر ما لزم بكلامه من مقابلة الرواية بالكتب التي ليست بمثابتها، فلو استدل بشير على مرامه بالرواية أو بالآية لما كان عمران -﵁ - يرد عليه قوله، انتهى.\n٤٧٩٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا شعبة، عن منصور، عن ربعي (١) بن حراش، عن أبي مسعود) ﵁ (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن مما أَدْرَك الناسُ من كلام النبوة الأولى).\nقال الخطابي (٢): إن الحياء لم يزل أمره ثابتًا واستعماله واجبًا منذ زمان النبوة الأولى، فإنه ما من نبي إلَّا وقد ندب إلى الحياء، وبعث عليه، وإنه لم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم، ولم يبدل فيما بدل منها، وذلك أنه أمر قد عُلِمَ صوابه، وبان فضله، واتفقت العقول على حسنه، وما كان هذه صفته لم يجز عليه النسخ والتبديل، انتهى.\n_________\n(١) ذكر فيه الحافظان ابن حجر والعيني الاختلاف على ربعي إذ رُوِيَ عنه عن حذيفة، فقالا: يحتمل أنه سمعه منهما، وذكرا أيضًا تفسير الحديث بأكثر من ثلاثة معانٍ، لخصها في \"الأوجز\" (١٦/ ٨٧). (ش).\n[انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٥٢٣)، و\"عمدة القاري\" (١١/ ٢٠٦) و(٨/ ٣٣٦)].\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٠٩).","vol":"13","page":227},{"text":"إِذَا لَمْ تَسْتَحي (١) فَاصنع (٢) مَا شِئْتَ» (٣). [خ ٦١٢٠، جه ٤١٨٣، حم ٤/ ١٢١، ١٢٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>(٧) بابٌ في حسن الخُلُق</span>\n٤٧٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي\n===\n(إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)، حاصله: أن الحياء تمنعك من الأفعال المذمومة القبيحة، فإذا لم تستحي فلا يمنعك شيء منها.\nقال الخطابي (٤): فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون معناه الخبر وإن كان لفظه لفظ الأمر، كأنه يقول: إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت، أي ما يدعوك إليه نفسك من القبيح، وإلى نحو هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام، وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: معناه الوعيد كقوله ﷿: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، وقال أبو إسحاق المروزي الفقيه الشافعي: معناه: أن تنظر، فإن كان الشيء الذي تريد أن تفعله مما لا يُستحى منه فافعله، يريد أن ما يُستحى منه فلا تفعله، انتهى.\n\n(٧) (بَابٌ في حُسْنِ الْخُلُقِ) (٥)\n٤٧٩٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب - يعني\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"تستح\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فاعمل\"، وفي نسخة: \"فافعل\".\n(٣) زاد في نسخة: \"سئل أبو داود: أعند القعنبي، عن شعبة غير هذا الحديث؟ قال: لا\".\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١١٠).\n(٥) حكى العيني (١٥/ ١٩٢) عن الراغب: الخلق بالضم والفتح في الأصل بمعنى واحد كالشُّرب والشَّرب، لكن خص الفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وبالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، انتهى، وقال الحافظ (١٠/ ٤٥٦) عن \"المفهم\": الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة، فالمحمودة على الإجمال أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها ولا تنصف لها، وعلى التفصيل الحلم والجود، انتهى. (ش).","vol":"13","page":228},{"text":"الإِسْكَنْدَرَانِيَّ -، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ». [حم ٦/ ٦٤، ٩٠، ١٣٣، ١٨٧]\n٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا. ح: وَحَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِى بَزَّةَ، عَنْ عَطَاءٍ الْكَيْخَارَانِيِّ،\n===\nالإسكندراني -، عن عمرو، عن المطلب، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله - ﷺ -: يقول: إن المؤمن ليدرك بحسن (٢) خُلُقه درجة الصائم القائم).\n٤٧٩٩ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي وحفص بن عمر قالا: نا، ح: ونا ابن كثير، أنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن عطاء) بن نافع (الكَيْخَاراني) بفتح الكاف المعجمة بينهما تحتانية، وذكر البخاري أنه هو عطاء بن يعقوب مولى ابن سباع المدني، وكذا قال أبو حاتم وغيره، وفرق بينهما أحمد وعلي بن المديني ومسلم وغيرهم، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، له عندهم حديث واحد في حسن الخلق.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"النبي\".\n(٢) ويشكل على الحديث بأنه كيف يمكن تحسين الأخلاق وقد قال ﵇: \"إذا سمعتم بجبل تَغَيَّر عن مكانه فَصَدِّقُوه، وإذا سمعتم برجل تَغَيَّر عن خلقه فلا تصدِّقوه\"، \"الجامع الصغير\" (١/ ٦٩) برواية أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٤٣) رقم (٢٧٥٦٩) عن أبي الدرداء، وأجاب عنه القاري (١/ ٣٣٥) بأن المراد في الحديث التبديل بالكلية، والمراد في أحاديث التحسين الإزالة الوصفي، يعني القدرة على العمل بها كما ينبغي، فالغضب مثلًا زواله بالكلية ممنوع لكنه يغضب لله لا لغيره، هذا خلق حسن، انتهى. وبه قرر في \"مكاتيب مرزا مظهر جانِ جانان\" (ص ١٠١)، وأيّده بقول عمر -﵁ -: لم يزل عني الغضب، لكنه كان أولًا في حماية الكفر، والآن في حماية الإسلام، وذكر القاري في \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٥٠) الاختلاف في أنه طبعية أو مكتسبة، ورجح أن بعضها كذا، وبعضها كذا. (ش).","vol":"13","page":229},{"text":"عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ - ﵁ -، عَنِ النبيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَا مِنْ شَىْءٍ أَثْقَلُ فِى الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ». [ت ٢٠٠٣، حم ٦/ ٤٤٢، ٤٤٦، ٤٤٨]\n(١) قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءً الْكَيْخَارَانِيَّ (٢).\n٤٨٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ أَبُو الْجَمَاهِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَعْبٍ أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «أَنَا زَعِيمٌ\n===\nوكَيخاران موضع باليمن، قال في \"القاموس\" (٣): كيخاران موضع باليمن، منه عطاء بن يعقوب الكَيْخارانىّ، وقال في \"معجم البلدان\" (٤): موضع بفارس.\n(عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء -﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: ما من شيء أَثْقَلُ في الميزان من حُسْنِ الخُلُق)، لعل المراد بكون حسن الخلق أثقل في الميزان هو الأفعال والمعاملات التي تنشأ من حسن الخلق مع الأقارب والأجانب.\n(قال أبو الوليد: قال: سمعت عطاء الكَيْخَاراني)، حاصله: أن أبا الوليد قال في سنده: عن القاسم بن أبي بزة قال: سمعت عطاء الكيخاراني، وحفص بن عُمَرَ، وابن كثير ذكراه بلفظ عن.\n٤٨٠٠ - (حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر قال: نا أبو كعب أيوب بن) موسى، ويقال: ابن (محمد) ويقال: ابن سليمان (السعدي) البلقاوي، قال: وكان ثقة، روى له أبو داود حديثًا في ترك المراء، (حدثني سليمان بن حبيب المحاربي، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أنا زَعِيمٌ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هو عطاء بن يعقوب، وهو خال إبراهيم بن نافع يقال: كَيْخَارَاني وكَوْخَارَاني\".\n(٣) (ص ٤٣٦).\n(٤) (٤/ ٤٩٧).","vol":"13","page":230},{"text":"بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ». [ق ١٠/ ٢٤٩]\n٤٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِى شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ، وَلَا الْجَعْظَرِىُّ».\nقَالَ: وَالْجَوَّاظُ: الْغَلِيظُ الْفَظُّ. [خ ٤٩١٨، م ٢٨٥٣، ت ٢٦٠٥، جه ٤١١٦، حم ٤/ ٣٠٦]\n===\nبِبَيْتٍ في رَبَضِ) بفتحتين (الجنة) أي حواليها وأطرافها لا في وسطها (لمن ترك (١) المِراء) أي الجدال والمنازعة (وإن كان مُحِقًّا، وبِبَيْتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وبِبَيْتٍ في أعلى الجنة لمن حَسَّنَ خُلُقَه).\n٤٨٠١ - (حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبى شيبة قالا: نا وكيع، عن سفيان، عن معبد بن خالد، عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يدخل الجنة الجوّاظ) المختال، وقيل: الجَموعُ، المَنوع، وقيل: السمين، وقيل: الصيَّاح المهذار (ولا الجَعْظَرِيُّ) وهو الفَظُّ الغليظ، وقيل: القصير يفتخر بما ليس عنده، وقيل: المتكبر، وقيل: العظيم الجسيم الأكول المَنوع.\n(قال: والجوّاظ الغليظ الفظ).\nقال المنذري (٢): وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه أتم منه، وليس في حديثهما الجَعْظَري، وقد قيل: الجواظ الكثير اللحم المختال في مِشيته، وقيل: الجَموع المَنوع، وقيل: القصير البَطِنُ (٣)، [وقيل:] الجافي القلب،\n_________\n(١) وفي \"المشكاة\" (٤٨٣٢) برواية الترمذي عن أنس عكس ذلك للكذب في الربض وفي الوسط للمراء. (ش).\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٧٣).\n(٣) في الأصل: \"البطي\"، وهو تحريف.","vol":"13","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1767>(٨) بابٌ فِى كَرَاهِيَّةِ الرِّفْعَةِ فِى الأُمُورِ</span>\n٤٨٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، فَسَابَقَهَا فَسَبَقَهَا الأَعْرَابِيُّ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ شَقَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ-، فَقَالَ: «حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ (٢) شَيْئًا إلَّا وَضَعَهُ». [خت ٢٨٧٢، حم ٣/ ٢٥٣]\n===\nوقيل: الفاجر، وقيل: الأكول، والجعظري الفظّ الغليظ المتكبر، وقيل: الذي لا يُصَدّعُ رأسه، وقيل: هو الذي يتمدّح وينتفخ (٣) بما ليس عنده، وفيه قِصَرٌ.\n\n(٨) (بَابٌ في كَرَاهِيَّةِ الرِّفْعَةِ فِي الأُمُورِ)\n٤٨٠٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن أنس قال: كانت العضباء) هي ناقة رسول الله - ﷺ - (لا تُسْبَقُ) أي لا يسبقها جمل، ولا ناقة لسرعة سيرها، (فجاء أعرابي على قَعُودٍ له) بفتح القاف وضم العين، قال في \"القاموس\": القَعُود بالفتح من الإبل: ما يَقْتَعِدُه الراعي في كل حاجة، كالقَعُودَةِ والقُعْدَةِ بالضم، (فَسَابقها فَسَبَقَها الأعرابي) على قعوده (فكأنّ ذلك) أي سبق القعود (شق على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال) رسول الله - ﷺ -: (حقٌّ على الله أن لا يَرفع شيئًا) في الدنيا (إلَّا وَضَعَه).\nقال المنذري (٤): وأخرجه البخاري والنسائي، وقال بعضهم: فيه بيان مكان الدنيا عند الله من الهوان والضّعة، ألا ترى قوله - ﷺ -: \"إن حقًّا على الله أن لا يرفع شيئًا إلَّا وضعه\"، فنبّه بذلك أمته - ﷺ - على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، وإن كان ما عند الله في منزلة الضعف، فحقٌّ على ذي دين\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"أن لا يرافع شيء\".\n(٣) في الأصل: \"ينفخ\"، وهو تحريف.\n(٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٧٥).","vol":"13","page":232},{"text":"٤٨٠٣ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، عَنِ النبيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تعالي أَنْ لَا يَرْفَعَ (١) شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ». [خت ٢٨٧٢، ن ٣٥٨٨، حم ٣/ ٢٥٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>(٩) بابٌ فِى كَرَاهِيَّةِ التَّمَادُحِ</span>\n٤٨٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عن (٢) سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى عُثْمَانَ فِى وَجْهِهِ، فَأَخَذَ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ تُرَابًا فَحَثَا فِى وَجْهِهِ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا لَقِيتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِى وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ». [م ٣٠٠٢، ت ٢٣٩٣، جه ٣٧٤٢، حم ٦/ ٥]\n===\nوعقل الزهد فيه، وترك الترفع بنيله، لأن المتاع به قليل، والحساب عليه طويل، انتهى.\n٤٨٠٣ - (حدثنا النفيلي نا زهير، نا حميد، عن أنس، بهذه القصة) المتقدمة، (عن النبيﷺ - قال: إن حقًّا على الله تعالى أن لا يُرفع شيء من الدنيا إلَّا وَضَعَه).\n\n(٩) (بَابٌ فِي كَرَاهِيَّةِ التَّمَادُح)\nأي: المبالغة في المدح والتكلف فيه\n٤٨٠٤ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (فَأَثْنَى على عثمان) بن عفان -﵁ - (في وجهه، فأخذ المقداد بن الأسود ترابًا فَحَثَا في وجهِه، وقال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا لقيتم المدّاحين فَاحْثوا في وُجُوههم التراب).\n_________\n(١) في نسخة: \"يرتفع شيء\".\n(٢) في نسخه: \"نا\".","vol":"13","page":233},{"text":"٤٨٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ (١) الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا\n===\nقال الخطابي (٢): المدّاحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة، وجعلوه بضاعة (٣) يستأكلون به الممدوح ويفتنونه (٤)، وأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبًا له في أمثاله، وتحريضًا للناس على الاقتداء به في أشباهه، فليس بمدّاح وإن كان قد صار مادحًا بما تكلم به، وقد استعمل المقداد الحديث على ظاهره، وحمله على وجهه في تناول [عين] التراب بيده، وحثيه في وجه المادح.\nوقد يتأول أيضًا على وجه آخر، وهو أن يكون معناه الخيبة والحرمان، أي من تعرض لكم بالثناء والمدح فلا تعطوه واحرموه، كنى بالتراب عن الحرمان كقوله: ما له غير التراب، وما في يده غير التراب، وكقوله - ﷺ - في ثمن الكلب: \"فاملأ كفه ترابًا\"، وكقوله - ﷺ -: \"وللعاهر الحجر\"، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\" قوله: \"فأثنى على عثمان -﵁ -\" ولعله كان يمدحه بغير ما هو فيه، أو كان مدحه ليعطيه شيئًا، وإن كان حقًّا، واستحيى عثمان أن يواجهه بما يسوؤه مع حصول المقصود بنهي الغير، ويمكن أن يكون مدحه حقًّا غير داخل فيما ينهى عنه، إلَّا أن المقداد ذهب بالرواية على عموم النهي، إما لفهمه منه العموم، أو سد الباب المديح، وإن كان يعلم أن كل مدحة ليس خطأ، انتهى.\n٤٨٠٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا أبو شهاب) عبد ربه بن نافع، (عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه) أبي بكرة، (أن رجلًا\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"خالد\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١١١).\n(٣) في الأصل: \"مدح الناس بضاعة وجعلوه عادةً\".\n(٤) في الأصل: \"وما يفتنونه\".","vol":"13","page":234},{"text":"أَثْنَى عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النبيِّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ: «قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-\"، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا مَدَحَ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: إِنِّي أَحْسِبُهُ، كَمَا يُرِيدُ (١) أَنْ يَقُولَ، وَلَا أُزَكِّيهِ عَلَى اللَّهِ تعالى». [خ ٢٦٦٢، م ٣٠٠٠، جه ٣٧٤٤، حم ٥/ ٤٦]\n٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ الْمُفَضَّلِ -، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: قَالَ أَبِي: انْطَلَقْتُ فِى وَفْدِ بَنِى عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ\"\n===\nأَثْنَى على رجلٍ) لم أقف على تسميتهما (عند النبي - ﷺ -، فقال) النبي - ﷺ - (له) أي للرجل المادح: (قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبِك) والمراد بالصاحب الممدوح (ثَلاثَ مراتٍ) أي قالها ثلاثًا، (ثم قال إذا مَدَحَ أحدُكم صاحبَه لا محالة) يعني المناسب أن لا يمدح أحد أحدًا على وجهه، ولو كان مادحًا لا محالة (فليقل: إني أحسبه) أي: أظنه كذا، أي (كما يريد أن يقول) أي على ما يريد أن يمدحه عليه (ولا أُزَكِّيه على الله تعالى) أي لا أشهد بتزكيته على الله، ولكن أظن كذا، لأني غير مطلع على الضمائر، وأظنه كذا باعتبار الظاهر.\n٤٨٠٦ - (حدثنا مسدد، نا بشر - يعني ابن المفضل -، نا أبو مسلمة سعيد بن يزيد) بن مسلمة الأزدي، ويقال: الطاحي البصري القصير، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، ووثقه ابن سعد والعجلي وأبو بكر البزار، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبي نضرة، عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير (قال: قال أبي) أي عبد الله بن الشخير: (انْطَلَقْتُ في وفد بني عامر إلى رسول الله - ﷺ -، فقلنا: أنتَ سيدُنا، فقال: السيد الله) أي هو الحقيق بالسيادة الحقيقية\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"كما تريد أن تقول\".","vol":"13","page":235},{"text":"قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ - أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ -، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ».\n===\n(قلنا: و) أنتَ (أفضلُنا فضلًا، وأعظَمُنا طَوْلًا، فقال: قولوا بقولكم، أو) شك من الراوي (بعض قولكم).\nوقال الخطابي (١): قوله: \"أو بعض قولكم\" فيه حذف [و] اختصار، ومعناه: دعوا بعض قولكم واتركوه، يريد لكم الاقتصاد (٢) في المقال.\nنقل في الحاشية: قال الخطابي: يريد أن السؤدد حقيقة لله ﷿، أن الخلق كلهم عبيد لله، وإنما منعهم أن يدعوه سيدًا مع قوله - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم\" (٣)، لأنهم قوم حديثو عهد بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة هي بأسباب الدنيا، وكان لهم رؤساء يعظمونهم وينقادون لأمرهم.\nوقوله: \"قولوا بقولكم\" يريد [قولوا] يقول أهل دينكم وملتكم، وادعوني نبيًّا ورسولًا كما سمَّاني الله تعالى في كتابه، ولا تسمّوني سيدًا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم، ولا تجعلوني مثلهم، فإني لست كأحدهم، إذ كانوا يَسُودونكم في أسباب الدنيا، وإني أسودكم في النبوة والرسالة.\n(ولا يستجرِيَنَّكم الشيطان) معناه لا يتَّخِذَنَّكم جَرِيًّا، والجري الوكيل، ويقال: الأجير، أي لا يستعملَنَّكم الشيطان فيما يريد من التعظيم للمخلوق بمقدار لا يجوز.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: السيد هو الله، إنما منعهم عنه مع أنه رخص في إطلاق تلك الكلمة هضمًا لنفسه النفيسة، انتهى.\nقلت: ويحتمل أنه - ﷺ - مَنَعَهُم قبل أن يوحى إليه أنه سيد ولد آدم.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١١٢).\n(٢) وفي \"المعالم\": يريد بذلك الاقتصار.\n(٣) وفي \"المشكاة\" (٦٢٥٩) برواية البخاري عن عمر -﵁ -: \"أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا أي بلالًا\"، وسيأتي في \"باب في القيام\" قوله ﵊: \"قوموا إلى سيدكم\". (ش).","vol":"13","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1769>(١٠) بابٌ فِي الرِّفْقِ</span>\n٤٨٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يُونُسَ وَحُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِى عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ». [حم ٤/ ٨٧، دي ٤٧٩٥]\n٤٨٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، قَالُوا، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْبَدَاوَةِ،\n===\n\n(١٠) (بابٌ في الرِّفق)\n٤٨٠٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن يونس وحميد، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله رفيقٌ) أي لطيف بعباده، ويريد بهم اليسر، ولا يكلِّفهم إلِّا وسعهم، ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به، (يُحِبُّ الرفق) أي من العباد ليرفق بعضهم بعضًا، ويعملوا في مصالحهم من طلب الرزق وغيره باللطف والرفق، (ويُعطي عليه) أي على الرفق من المطالب والمقاصد، أو من الأجر والثواب (ما لا يُعطي على العُنْفِ).\nقال في \"فتح الودود\": من يدعو الناس إلى الهدى برفقٍ وتلطفٍ خيرٌ من الذي يدعو بعنفٍ وشدةٍ إذا كان المحل يقبل الأمرين، وإلَّا يتعين ما يقبله المحل.\n٤٨٠٨ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة، ومحمد بن الصباح البزاز، قالوا: نا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه قال: سألت عائشة) ﵂ (عن البداوة). قال المنذري (١): بكسر الباء الموحدة وفتحها، الخروج إلى البادية والمقام فيها.\n_________\n(١) كذا في الأصل وهو سبق قلم، والصواب: الخطابي. انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ١١٣).","vol":"13","page":237},{"text":"فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التِّلَاعِ، وَإِنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ مَرَّةً، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِي: «يَا عَائِشَةُ، ارْفُقِى فَإِنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِى شَىْءٍ قَطُّ إلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إلَّا شَانَهُ». قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ فِى حَدِيثِهِ: \"مُحَرَّمَةٌ\" يَعْنِي لَمْ تُرْكَبْ. [تقدَّم برقم ٢٤٧٨]\n===\n(فقالت: كان رسول الله - ﷺ - يبدو إلى هذه التِّلاع) قال المنذري (١): بكسر التاء ثالث الحروف، هي مجاري الماء من فوق إلى أسفل، (وإنّه أراد البداوة مرَّةً، فأرسل إليَّ ناقةً مُحَرَّمَةً) أي غير مستعملة في الركوب (من إبل الصدقة، فقال لي: يا عائشة، اِرْفِقِي) بهذه الناقة (فإن الرِّفْقَ لم يكن في شيء قط إلَّا زَانَه) أي: حَسَّنَه وَزَيَّنَه، (ولا نُزِعَ من شيء قَطّ إلَّا شَانَه) أي يجعله ذا شين وعيب، (قال ابن الصباح في حديثه: محرَّمةٌ، يعني لم تركب).\nوهذا الحديث قد تقدم في الجهاد، فها هنا بسنده ومتنه مكرر، ويختلج في القلب قوله في الحديث: \"من إبل الصدقة\"، فإنه لم يثبت عنه - ﷺ - أنه أعطى شيئًا من مال الصدقة لأزواجه، فكيف أرسل ناقة الصدقة إلى عائشة - ﵂ - لركوبها.\nواختلف قول الفقهاء في الصدقة لأزواج النبي - ﷺ -، قال: في \"رد المحتار\" (٢): في \"حواشي مسكين\" عن الحموي عن \"شرح البخاري\" لابن بطال: اتفق الفقهاء على أن أزواجه - ﷺ - لا يدخلن في الذين حرمت عليهم الصدقة، ثم قال الحموي: وفي \"المغني\" عن عائشة - ﵂ -: \"إنا آل محمد - ﷺ - لا تحل لنا الصدقة\"، قال: فهذا يدل على تحريمها عليهن، تأمل، انتهى.\nوأخرج مسلم هذا الحديث بهذا السند، ولم يذكر فيه من إبل الصدقة،\n_________\n(١) كذا في الأصل وهو سبق قلم، والصواب: الخطابي. انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ١١٣).\n(٢) (٣/ ٣٠٠).","vol":"13","page":238},{"text":"٤٨٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ». [م ٢٥٩٢، جه ٣٦٨٧، حم ٤/ ٣٦٢]\n٤٨١٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ الأَعْمَشُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الأَعْمَشُ: وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا عَنِ النبيِّ -ﷺ-، قَالَ: «التُّؤَدَةُ فِى كُلِّ شَيْءٍ، إلَّا فِى عَمَلِ الآخِرَةِ». [هب ٨٤١١، ك ١/ ٦٣]\n===\nولفظ مسلم: \"ركبت عائشة بعيرًا، فكانت فيه صعوبة، فجعلت تردده، فقال - ﷺ -: عليك بالرفق\"، ثم ذكر بمثله\".\n٤٨٠٩ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير قال: قال رسول الله - ﷺ -: من يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخيرَ كلَّه).\n٤٨١٠ - (حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، نا عفان، نا عبد الواحد، نا سليمان الأعمش، عن مالك بن الحارث، قال الأعمش: وقد سمعتُهم) أي مالك بن الحارث وغيره (يذكرون) رواية هذا الحديث (عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال الأعمش: ولا أعلمه إلَّا عن النبي - ﷺ -، قال: التُّوءَدَةُ) أي التَّأَنِّي وترك التعجيل (في كل شيء إلَّا في عمل الآخرة).\nقال المنذري (١): لم يذكر الأعمش فيه من حدثه، ولم يجزم برفعه، وذكر محمد بن طاهر الحافظ هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال: في روايته انقطاعٌ، وشَكٌّ.\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٧٨).","vol":"13","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1770>(١١) بابٌ فِى شُكْرِ الْمَعْرُوفِ</span>\n٤٨١١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ». [ت ١٩٥٥، حم ٢/ ٢٩٥، ٣٠٢، ٤٦١]\n٤٨١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَتِ الأَنْصَارُ بِالأَجْرِ كُلِّهِ قَالَ: «لَا، مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ». [ق ٦/ ١٨٣، ك ٢/ ٦٣]\n٤٨١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، حَدَّثَنِي\n===\n\n(١١) (بَابٌ فِي شُكْرِ الْمَعْرُوفِ)، أي: شكر الإحسان\n٤٨١١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: لا يشكُرُ الله من لا يشكُرُ الناسَ).\nقال الخطابي (١): هذا الكلام يتأول على وجهين: أحدهما: أن من كان طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم، كان من عادته كفران نعمة الله ﷿، وترك الشكر له، والوجه الآخر: أن الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه عليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس، ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر، انتهى.\n٤٨١٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهبت الأنصار بالأجر كلِّه) لأنهم واسونا بأموالهم، (قال: لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم) خيرًا، فإذا فعلتم ذلك يكون الأجر بينكم.\n٤٨١٣ - (حدثنا مسدد، نا بشر، نا عمارة بن غزيّة، حدثني\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١١٣).","vol":"13","page":240},{"text":"رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ أُعْطِىَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ». [ت ٢٠٣٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ، عَنْ جَابِرٍ (١).\n٤٨١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النبيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أَبْلَى بَلَاءً\n===\nرجل من قومي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أعطى عطاءً فوجد) غنى من المال (فَلْيَجْزِ به) أي ينبغي له أن يجزي العطاء، (فإن لم يجد) مالًا (فَلْبُثْنِ به، فمن أثنى به فقد شكره) أي أدى شكر عطائه، (ومن كَتَمه فقد كفَرَه).\n(قال أبو داود: رواه يحيى بن أيوب (٢)، عن عمارة بن غزية، عن شرحبيل، عن جابر)، فالذي أبهم في السند المتقدم هو شرحبيل بن سعد، وشرحبيل (٣) بن سعد أبو سعد المدني الخطمي مولى الأنصار، قال مالك: ليس بثقة، وقال ابن المديني عن سفيان: لم يكن أحدٌ أعلم بالمغازي والبدريين منه، فاحتاج، فكأنهم اتهموه، فكانوا يخافون إذا جاء إلى الرجل فلم يعطه أن يقول: لم يشهد أبوك بدرًا، وقال ابن معين: ليس بشيء، ضعيف.\n٤٨١٤ - (حدثنا عبد الله بن الجراح، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: من أُبْلِيَ بلاءً) أي أُعْطِي عطاءً\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وهو شرحبيل، يعني رجلًا من قومي، كأنهم كرِهُوه فلم يُسَمُّوه\".\n(٢) رواية يحيى بن أيوب أخرجها البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢١٥)، والبغوي في \"شرح السنَّة\" (٣٦٠٩) وعبد بن حميد في \"المنتخب من مسنده\" (١١٤٧)، والبيهقي في \"سننه\" (٦/ ١٨٢).\n(٣) انظر ترجمته في: \"العلل\" للرازي (٢/ ٣١٨)، و\"تهذيب الكمال\" (٢٦٩٩).","vol":"13","page":241},{"text":"فَذَكَرَهُ، فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1771>(١٢) بابٌ في الْجُلُوسِ فِى الطُّرُقَاتِ</span>\n٤٨١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ زَيْدٍ - يَعْنِى ابْنَ أَسْلَمَ -، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ» (١)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بُدٌّ لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنْ أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» (٢)، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ». [خ ٢٤٦٥، م ٢١٢١، حم ٣/ ٦١]\n===\n(فَذَكَرَه) أي أظهره بين الناس مدحًا له (فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره).\n\n(١٢) (بَابٌ فِي الْجُلُوسِ بِالطُّرُقَاتِ)\n٤٨١٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز - يعني ابن محمد -، عن زيد - يعني ابن أسلم -، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: إياكم والجلوسَ بالطُّرُقات، فقالوا: يا رسول الله، ما بُدٌّ لنا من مجالسنا) أي: لا بد لنا من مجالسنا في الطرقات (نَتَحَدَّثُ فيها، فقال رسول الله - ﷺ -: إن أبيتم) إلَّا الجلوس فيها، أي: لا بدَّ لكم من الجلوس فيه (فَأَعْطُوا الطريقَ حقَّه، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غَضُّ البَصَرِ) عما لا يحل النظر إليه، (وكفُّ الأذى) عن الناس، (وردُّ السلام، والأمرُ بالمعروف، والنَّهْيُ عن المنكر).\n_________\n(١) في نسخة: \"في الطرقات\".\n(٢) في نسخة: \"حقها\".","vol":"13","page":242},{"text":"٤٨١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ الْمُفَضَّلِ -، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي -ﷺ- فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: «وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ».\n٤٨١٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرٍ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، عَنِ النبيِّ -ﷺ-، فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: «وَتُغِيثُوا (١) الْمَلْهُوفَ، وَتَهْدُوا الضَّالَّ».\n٤٨١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى (٢) وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، - قَالَ ابْنُ عِيسَى: قَالَ -، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النبيِّ (٣) -ﷺ- فَقَالَتْ:\n===\n٤٨١٦ - (حدثنا مسدد، نا بشر- يعني ابن المفضل -، نا عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في هذه القصة) أي قصة الجلوس في الطرق، (قال) أي: زاد: (وإرشادُ السبيل).\n٤٨١٧ - (حدثنا الحسن بن عيسى النيسابوري، أَنَا ابن المبارك، نا جرير بن حازم، عن إسحاق بن سويد، عن ابن حجير العدوي قال: سمعت عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ -، في هذه القصة، قال) أي زاد: (وتُغِيْثُوا المَلْهُوفَ، وَتَهْدُوا الضَّالَّ).\n٤٨١٨ - (حدثنا محمد بن عيسى وكثير بن عبيد قالا: نا مروان، قال ابن عيسى) شيخ المصنف: (قال: نا حميد، عن أنس) وما قال كثير بن عبيد الشيخ الثاني يذكره في آخر الحديث (قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت:\n_________\n(١) في نسخة: \"تعينوا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن الطباع\".\n(٣) في نسخة: \"إلى رسول الله\".","vol":"13","page":243},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَقَالَ لَهَا: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، اجْلِسِي فِي أَيِّ نَوَاحِى السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَجْلِسَ إِلَيْكِ»، قَالَ: فَجَلَسَتْ فَجَلَسَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْهَا حَتَّى قَضَتْ حَاجَتَهَا. [تم ٣٣٨، حم ٣/ ٩٨، ١١٩، ٢١٤]\nلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عِيسَى: \"حَتَّى قَضَتْ حَاجَتَهَا\". وَقَالَ كَثِيرٌ: عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ.\n٤٨١٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: \"أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِى عَقْلِهَا شَيْءٌ\" بِمَعْنَاهُ (١). [م ٢٣٢٦، حم ٣/ ٢٨٥]\n... (٢)\n٤٨٢٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:\n===\nيا رسول الله، إنّ لي إليك حاجةً، فقال لها: يا أمَّ فلانٍ، اجلسي في أيِّ نواحي السِّكَكِ شِئْتِ حتى أَجْلِسَ إليك) وأقضي حاجتك (قال) أنس: (فجلست، فجلس النبي - ﷺ - إليها حتى قَضَتْ حاجتَها. لم يذكر ابن عيسى) لفظ: (حتى قضت حاجتها، وقال كثير) بن عبيد شيخ المصنف: (عن حميد، عن أنس) فروى بصيغة عن.\n٤٨١٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن امرأةً كان في عقلها شيء، بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، ولعل وجه شفقة رسول الله - ﷺ - عليها كونها ضعيفة العقل.\n٤٨٢٠ - (حدثنا القعنبي، نا عبد الرحمن بن أبي المَوَال، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، عن أبي سعيد الخدري\n_________\n(١) في نسخة: \"فذكر معناه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب في سعة المجلس\".","vol":"13","page":244},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «خَيْرُ الْمَجَالِسِ أَوْسَعُهَا». [حم ٣/ ١٨، ٦٩، ك ٤/ ٢٦٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1772>(١٣) بابٌ في الْجُلُوسِ بَيْنَ الشَّمْس والظِّلِّ</span>\n٤٨٢١ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا (١) سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: حَدَّثَنِى مَنْ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ -ﷺ-: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ في الشَّمْسِ، - وَقَالَ مَخْلَدٌ: في الْفَىْءِ -، فَقَلَصَ عَنْهُ الظِّلُّ فَيُصَار (٢) بَعْضُهُ في الشَّمْسِ، وَبَعْضُهُ في الظِّلِّ فَلْيَقُمْ». [حم ٢/ ٣٨٣]\n===\nقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: خَيْرُ المجالس أوسَعُها) لأنها أبعد من تأذي أهلها، وإمكان التفسح المأمور به، وإذا كان في محل الجلوس تضيق عسى أن يَضُرَّ على المارة فحينئذ يكره.\n(قال أبو داود: هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرة الأنصاري).\n\n(١٣) (بَابٌ في الْجُلُوسِ بَيْنَ الشَّمْسِ (٣) وَالظِّلِّ)\n٤٨٢١ - (حدثنا ابن السرح ومخلد بن خالد قالا: نا سفيان، عن محمَّد بن المنكدر قال: حدثني من سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم - ﷺ -: إذا كان أحدكم في الشمس، - وقال مخلد: في الفيء-، فَقَلَصَ عنه) أي انقبض عنه (الظل فيصار بعضُه في الشمس، وبعضه في الظل فَلْيَقُمْ) قال\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"فصار\".\n(٣) حكي في الهامش عن البيهقي: أراد أن لا يتأذى بالشمس كما في الحديث الآتي، لما روى البيهقي بنفسه عن أبي هريرة: رأيته ﵇ في فناء الكعبة بعضه في الشمس وبعضه في الظل. انتهى. [انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٣٧)]. (ش).","vol":"13","page":245},{"text":"٤٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِى قَيْسٌ، عَنْ أَبِيهِ: (١) أَنَّهُ جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ، فَقَامَ في الشَّمْسِ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُوِّلَ إِلَى الظِّلِّ. [حم ٣/ ٤٢٧، خزيمة ١٤٥٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>(١٤) بابٌ في التَّحَلُّقِ</span>\n٤٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي الْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ:\n===\nالمنذري (٢): فيه رواية مجهول.\nقوله: \"فقلص عنه الظل\"، أما على رواية الفيء فظاهر، وأما على رواية الشمس فلم يكن عليه ظل حتى يتقلص عنه، فالتوجيه أن يقال: إن المراد بالظل ظل الشمس، فالتقلص أن تنقبض الشمس عنه، أو يقال: إن لفظ قلص عنه الظل كان على رواية الفيء، وأما على رواية الشمس فكان فأتى عليه الظل، يدل عليه لفظ رواية الفيء، وهو ظاهر.\n٤٨٢٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن إسماعيل قال: حدثني قيس، عن أبيه) أبي حازم: (أنه جاء ورسول الله - ﷺ - يخطب، فقام في الشمس، فَأَمَرَ به فَحُوِّل إلى الظل)، وهذا الحديث لا مناسبة له على الظاهر بالباب إلَّا أن يقال: إن رسول الله - ﷺ - حوّله إلى الظل، لأنه بعد ساعة يكون بين الشمس والظل، فلأجل ذلك حول إلى الظل.\n\n(١٤) (بَابٌ في التَّحَلُّقِ)\n٤٨٢٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن الأعمش، حدثني المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن جده\". [عن جده .. هو وهم كما في \"الأطراف\" (١١٨٨٨)].\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٨٢).","vol":"13","page":246},{"text":"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَسْجِدَ وَهُمْ حِلَقٌ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ». [م ٤٣٠، حم ٥/ ٩٣]\n٤٨٢٤ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا، قَالَ: كَأَنَّهُ يُحِبُّ الْجَمَاعَةَ. [انظر ما قبله]\n٤٨٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (١) وَهَنَّادٌ، أَنَّ شَرِيكًا أَخْبَرَهُمْ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: \"كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النَّبِىَّ -ﷺ- جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي\". [ت ٢٧٢٥، حم ٥/ ٩١، ١٠٧]\n... (٢)\n٤٨٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو مِجْلَزٍ،\n===\nدخل رسول الله - ﷺ - المسجد وهم حِلَقٌ) مختلفون أي حلقة حلقة، (فقال: ما لي أراكم عِزِين؟) أي متفرقين لا يجمعكم مجلس واحد.\n٤٨٢٤ - (حدثنا واصل بن عبد الأعلى، عن ابن فضيل، عن الأعمش بهذا، قال) جابر أو الأعمش: (كأنه) - ﷺ - (يُحِبُّ الجماعة) أي الاجتماع، ويكره التفرق.\n٤٨٢٥ - (حدثنا محمَّد بن جعفر) بن زياد (وهناد، أن شريكًا أخبرهم، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كنا إذا أتينا النبي - ﷺجَلَسَ أحدُنا حيث ينتهي) (٣) مجلسه - ﷺ -، فلا يتخطى أحد رقاب الناس، يريد أن يتقدم.\n٤٨٢٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا قتادة، حدثني أبو مجلز،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الوركاني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب الجلوس وسط الحلقة\".\n(٣) قال المنذري (٤/ ٣٧٦): في إسناده شريك بن عبد الله القاضي، وفيه مقال.","vol":"13","page":247},{"text":"عَنْ حُذَيْفَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ\".\n[ت ٢٧٥٣، حم ٥/ ٣٨٤، ٣٩٨، ٤٠١، ك ٤/ ٢٨١]\n===\nعن حذيفة: أن رسول الله - ﷺ - لعن من (١) جَلَسَ وَسْطَ الحلقة).\nقال في \"فتح الودود\": لأنه يستدير بعضهم بظهره فيؤذيه، فيستحق السب واللعن، وأيضًا يتخطى رقابهم فيؤذيهم.\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢): حدثنا إبراهيم بن الحسن ابن أبي العلاء الهمداني، ثنا محمَّد بن عبيد الهمداني، ثنا القاسم بن الحسن المقرئ، ثنا شعيب بن ميمون، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: أتيت رسول الله - ﷺ -، وهو جالس في نفر من أصحابه، فجلست وسط الحلقة، فقال بعضهم: يا واثلة قم عن هذا المجلس، فإنا قد نهينا عنه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"دعوا واثلة فإني أعلم بالذي أخرجه من منزله\"، قلت: يا رسول الله، وما الذي أخرجني من منزلي؟ قال: \"خرجت تسأل عن البر من الشك\"، قلت: والذي بعثك بالحق ما أخرجني غيره، قال: \"فإن البر ما استقرّ في النفس واطمأن في القلب، والشك ما لم يستقر في النفس، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون\"، فهذا الحديث يدل على جواز الجلوس وسط الحلقة، فيحمل النهي على التنزيه.\n_________\n(١) وقال القاري (٨/ ٤٨٨): يتأول بوجهين: أحدهما: يتخطاهم ولا يجلس حيث ينتهي به المجلس، والثاني: يجلس بينهم فيحجب بعضهم عن بعض، وقال التوربشتي: الماجن الذي يقوم مقام السخرية ... إلخ، وفي \"حجة الله البالغة\" (٢/ ١٤٩): قيل: المراد به من جلس للسخرية، انتهى. (ش).\n(٢) لم أجده في \"الكبير\"، نعم وجدناه في \"مسند الشاميين\" (١/ ١١٧) رقم (١٨٠).","vol":"13","page":248},{"text":"(١٥) بَابٌ في الرُّجُلِ يَقُومُ لِلرَّجُلِ مِنْ (١) مَجْلِسِهِ\n٤٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلًى لآلِ (٢) أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ في شَهَادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ: إِنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ ذَا، وَنَهَى النَّبِىُّ -ﷺ- أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوْبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ. [حم ٣/ ٤٤، ٤٨]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1774>(١٥) (بَابٌ في الرُّجُلِ يَقُومُ لِلرَّجُلِ مِنْ مَجْلِسِهِ)</span>\n٤٨٢٧ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي عبد الله مولى لآل أبي بردة) بن أبي موسى الأشعري، قال في \"التقريب\": مجهول، (عن سعيد بن أبي الحسن) أخي الحسن البصري) قال: جاءنا أبو بكرة في شهادة) أي في أداء شهادة، (فقام له رجل من مجلسه، فأبى أن يجلس فيه)، لأن الذي يقوم من مجلسه ويقيم غيره فيه إما أن يقوم لتعظيمه فلا يناسب ذلك، لأن شركاء مجلس العلم والشيوخ كلهم سواء، لا يناسب أن يعظم بعضهم بعضًا، أو يقوم من مجلسه ليخرج من المجلس فيحرم من العلم، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ (٣)، فينبغي أن يتوسع في المجلس ولا يقوم منه.\n(وقال: إن النبي - ﷺ - نهى عن ذا) أي عن أن يقوم من مجلسه، ويجلس فيه غيره، (ونهى النبي - ﷺ - أن يَمسح الرجل يده بثوب من لم يَكْسُه)، فإن الظاهر أن من كساه ثوبًا من الولدان والعبيد إذا مسح يدَه بثوبهم لا يتضررون بذلك، بل يفرحون به وبقدمون أثوابَهم لذلك مفتخرين به، وأما غيرهم فيتضررون ويتضجرون بالمسح بثوبهم، فلا يجوز ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) في نسخة: \"آل\".\n(٣) سورة المجادلة: الآية ١١.","vol":"13","page":249},{"text":"٤٨٢٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْخَصِيبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي -ﷺ-، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فِيهِ، فَنَهَاهُ النبي - ﷺ -. [خ ٦٢٧٠، م ٢١٧٧، ت ٢٧٤٩، حم ٢/ ٨٤]\n===\nقال المنذري (١): قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه إلا أبو بكرة، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق، ولا نعلم أحدًا سمى هذا الرجل -يعني أبا عبد الله مولى قريش-، وإنما ذكرناه [على] ما فيه لأنه لا يروى عن رسول الله - ﷺ - بهذا اللفظ إلَّا من هذا الوجه، هذا آخر كلامه.\nوقال فيه: \"مولى قريش\"، ووقع ها هنا \"مولى لآل أبي بردة\"، وقال [فيه] أبو أحمد الكرابيسي: \"مولى أبي موسى الأشعري\"، وإذا قيل فيه: مولى آل أبي بردة أو مولى أبي موسى الأشعري فهو صحيح، لأن أبا بردة إما أن يكون أخا أبي موسى أو ولد أبي موسى، وأيًّا ما كان فهو صحيح، فإذا قيل فيه: \"مولى قريش\" فلا يصح إلَّا أن يكون الولاء انجرّ إليهم، والله ﷿ أعلم.\nوذكر الحافظ أبو الفضل محمَّد بن طاهر المقدسي هذا الحديث، وقال: رواه أبو عبد الله مولًى لآل أبي بردة، عن سعيد، وهو غير معروف، انتهى كلام المنذري.\n٤٨٢٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أن محمَّد بن جعفر حدثهم، عن شعبة، عن عقيل بن طلحة قال: سمعت أبا الخَصِيب) مكبرًا، زياد بن عبد الرحمن القيسي البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود حديث واحد في النهي عن الجلوس في مجلس غيره.\n(عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقام له رجل عن مجلسه، فذهب ليجلس فيه، فنهاه) أي الرجل الجائي، ويمكن أن يكون مرجع الضمير الرجل الذي قام من مجلسه (النبي - ﷺ -) عن ذلك، أي عن الجلوس في ذلك\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٣٧٧).","vol":"13","page":250},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو الْخَصِيبِ اسْمُهُ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1775>(١٦) بابُ مَنْ يُؤْمَرُ أَنْ يُجَالَسَ</span>\n٤٨٢٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ (١) رِيحُهَا طَيِّبٌ\n===\nالمجلس إذا كان مرجع الضمير الجائي، أو نهى عن القيام عن مجلسه إذا كان مرجع الضمير في \"نهاه\" الرجل الذي قام، وإنما نهاه رسول الله - ﷺ - لأن هذا الفعل كان فيه إهانة للمجلس، أو حرمانًا عن منافع المجلس لمن قام عن مجلسه.\nوأما ما روى البخاري في \"صحيحه\" (٢) عن ابن عمر مرفوعًا: \"أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه\"، فهذا متعلق بأمر آخر، وهو إذا لم يقم الجالس برضاه ويقيمه الجائي من غير رضاه، فهذا لا يحل قطعًا، لأن المجالس له حق في هذا المحل، وهو أحق به من غيره، حتى إذا قام من مجلسه لحاجة يريد أن يرجع فهو أحق به، وأما هذا الحديث لأبي داود، فهو في الرجل الذي يقوم لآخر برضاه، فهذا أيضًا لا ينبغي.\n(قال أبو داود: أبو الخصيب اسمه: زياد بن عبد الرحمن) (٣).\n\n(١٦) (بَابُ مَنْ يُؤْمَرُ) بِهِ (أَنْ يُجَالَسَ)\nبصيغة المبني للمفعول، ويحتمل المبني للفاعل\n٤٨٢٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا أبان، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: مَثَلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ رِيحُها طَيِّبٌ\n_________\n(١) في نسخة: \"الأتريخة\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٢٧٠).\n(٣) كذا ذكره مسلم في \"الكنى\" (١٠٤٢)، والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٩/ ١٩٠).","vol":"13","page":251},{"text":"وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مثل (١) التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِى لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْجَلِيسِ (٢) الصَّالِحِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ، إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْهُ شَىْءٌ أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ، وَمَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْكِيرِ، إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْ سَوَادِهِ (٣) أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ».\n٤٨٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، الْمَعْنَى. (ح):\n===\nوطَعْمُها طَيِّبٌ) فطيب الريح ما يفوح من فمه من قراءة القرآن، وطيب الطعم ما في قلبه من الإيمان، (ومثل المؤمن) الكامل (الذي لا يقرأ القرآن مَثَلُ التمرة طَعْمُها طَيِّبٌ ولا ريح لها) لأنه لا يقرأ القرآن فلا يفوح مِنْ فيه الطيب.\n(ومثل الفاجر الذي يقرأُ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب) لأنه بقراءة القرآن يفوح الطيب مِنْ فيه (وَطَعْمُها مرٌّ) لأن الفجور أَفْسَدَ طَعْمَ الإيمان، (ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُها مُرٌّ ولا ريح لها، ومَثَل جليس الصالح كمثل صاحب المِسْك) أي كمثل جليس صاحب المِسْكِ (إن لم يُصِبْكَ منه شيء) أي من عين المِسْك (أصابك من ريحه) لأن ريحه يفوح بلا اختياره.\n(ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكِيْر) أي كمثل جليس صاحب الكبير، قال في \"القاموس\": بالكسر: زِقٌّ يَنْفُخُ فيه الحَدَّادُ، وأما المَبْنِيُّ من الطين فَكُوْرٌ، جمعه أَكْيَارٌ، وكِيَرَةٌ، وكِيْرانٌ، (إن لم يصبك من سَوَاده) وفي نسخة: \"من شراره\" (أصابك من دُخَانِهِ) فينبغي أن يجالس الصلحاء.\n٤٨٣٠ - (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى المعنى، ح:\n_________\n(١) في نسخة: \"كمثل\".\n(٢) في نسخة: \"جليس\".\n(٣) في نسخة: \"شرره\".","vol":"13","page":252},{"text":"وَحَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (١)، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النبيِّ -ﷺ-، بِهَذَا الْكَلَامِ الأَوَّلِ إِلَى قَوْلِهِ: «وَطَعْمُهَا مُرٌّ». [خ ٥٤٢٧، م ٧٩٧، حم ٤/ ٣٩٧، ن ٢٨٦٥، جه ٢١٤]\nوَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ (٢): قَالَ أَنَسٌ: وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ: أَنَّ مَثَلَ الجَلِيسِ (٣) الصَّالِحِ، وَسَاقَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ.\n٤٨٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُبَيْلِ بْنِ عَزْرَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. [ك ٤/ ٢٨٠]\n٤٨٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ\n===\nونا ابن معاذ، نا أبي) كان ينبغي للمصنف أن يقول لفظ \"المعنى\" بعد التحويل، (نا شعبة) أي كلاهما يحيى ومعاذ رويا عن شعبة، (عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ -، بهذا الكلام الأول إلى قوله: وَطَعْمُها مُرٌّ، وزاد ابن معاذ: قال أنس: كلنا نَتَحَدَّثُ أَنَّ مَثَلَ جَلِيْسِ الصالح، وساق) أي ابن معاذ (بقية الحديث).\n٤٨٣١ - (حدثنا عبد الله بن الصباح العطار، نا سعيد بن عامر، عن شبيل بن عزرة) بن عمير الضبعي، أبو عمرو البصري، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ، روى له أبو داود حديثًا واحدًا حديث أنس: \"مثل الجليس الصالح\"، (عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: مثل الجليس الصالح، فَذَكَرَ نَحْوَه).\n٤٨٣٢ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا ابن المبارك، عن حَيْوَةَ بنِ\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قالا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) في نسخة: \"جليس\".","vol":"13","page":253},{"text":"شُرَيْحٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، أَوْ عَنْ أَبِى الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ -، عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «لَا تُصَاحِبْ إلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلَّا تَقِيٌّ». [ت ٢٣٩٥، حم ٣/ ٣٨، دي ٢٠٦١، ك ٤/ ١٢٨]\n٤٨٣٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ حَدَّثَنِى مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ،\n===\nشريح، عن سالم بن غيلان) التجيبي المصري، عن أحمد: ما أرى به بأسًا، وكذا قال أبو داود، والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: ثقة، وفي \"الميزان\" (١) عن الدارقطني أنه قال: متروك.\n(عن الوليد بن قيس، عن أبي سعيد، أو عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد -﵁ -) عطف على أبي سعيد، يعني أن الوليد بن قيس روى عن أبي سعيد بغير واسطة، أو روى عنه بواسطة أبي الهيثم، والوليد هذا هو ابن قيس بن الأخرم التجيبي المصري، روى عن أبي سعيد، أو عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وأبو الهيثم هو سليمان بن عمرو بن عبدة.\n(عن النبي - ﷺ -: قال: لا تُصَاحِبْ إلَّا مؤمنًا) كامل الإيمان، فينفعك صحبته في الدنيا والآخرة، (ولا يَأْكُلْ طعامَك إلَّا تَقِيٌّ). الطعام على نوعين: إما أن يكون طعام مودة وإخاء، أو حاجة، فإذا كان طعام المودة والإخاء فينبغي أن يؤاكله مؤمنًا، وأما طعام الحاجة فهو عام، فإنه ﷾ قال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢)، فإنه لا يختص بالمؤمن.\n٤٨٣٣ - (حدثنا ابن بشار، نا أبو عامر وأبو داود: قالا: نا زهير بن محمَّد، حدثني موسى بن وردان) القرشي العامري مولاهم،\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ١١٣).\n(٢) سورة الدهر: الآية ٨.","vol":"13","page":254},{"text":"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». [ت ٢٣٧٨، حم ٢/ ٣٠٣، ٣٣٤]\n٤٨٣٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِى الزَّرْقَاءِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - يَعْنِي ابْنَ بُرْقَانَ -، عَنْ يَزِيدَ (١)، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا (٢) تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ». [خ ٣٣٣٦، م ٢٦٣٨، حم ٢/ ٢٩٥]\n===\nأبو عمر، البصري القاضي، مدني الأصل، عن أحمد: لا أعلم إلَّا خيرًا، وعن يحيى بن معين: كان يقصّ بمصر، وهو صالح، وعن يحيى: ليس بالقوي، وعنه: ضعيف الحديث، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وعن أبي داود: ثقة أصله مدني.\n(عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: الرجل على دِينِ خَلِيلِه) أي يختار طريقة ومذهب خليله، (فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكم من يُخَالِلُ) فينبغي للمؤمن أن يُخالل من يرضى دينَه وخلقَه، ولا يخالل من يكون في دينه وطريقته فساد.\nقال في \"الدرجات\": هذا أحد أحاديث انتقدها سراج الدين القزويني على \"المصابيح\" فقال: إنه موضوع، فقال الحافظ ابن حجر في رده عليه (٣): حسنه الترمذي وصححه الحاكم، فلا يكون موضوعًا.\n٤٨٣٤ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي) أي زيد بن أبي الزرقاء، (نا جعفر -يعني ابن برقان-، عن يزيد) بن الأصم، (عن أبي هريرة يرفعه، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدةٌ، فما تَعَارَفَ منها ائْتَلَفَ، وما تَنَاكَرَ منها اختَلَفَ).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن الأصم\".\n(٢) في نسخة: \"ما\".\n(٣) انظر: جواب الحافظ في آخر الجزء الثالث من \"المشكاة\" (ص ١٧٨٦).","vol":"13","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1776>(١٧) بابٌ في كَرَاهِيَةِ الْمِرَاءِ</span>\n٤٨٣٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ في بَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا». [خ ٤٣٤١، ٤٣٤٢، م ١٧٣٢، حم ٤/ ٣٩٩]\n===\nقال النووي (١): قال العلماء: معناه الأرواح جموع مجتمعة أو أنواع مختلفة، وأما تعارفها فهو لأمر جعلها الله عليه، وقيل: إنها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها، وتناسبها في شِيَمِها، وقيل: لأنها خلقت مجتمعة ثم فرِّقت في أجسادها، فمن وافق بِشِيمهِ ألفه، ومن بَاعده نافره وخالفه.\nوقال الخطابي وغيره (٢): تآلفها هو ما خلقها الله عليه من الشقاوة أو السعادة في المبدأ، وكانت الأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت، واختلفت بحسب ما خلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار، انتهى.\nوكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فما تعارف منها ائتلف\"، وهذا في أجل التكوين، ثم قد يعترض على النوعين جميعًا العوارض وأسباب شَتّى يؤلف بين المتناكرين ويناكر بين المؤتلفين بحسب كامن ضمائرهما، انتهى.\n\n(١٧) (بَابٌ في كَرَاهِيَّةِ الْمِرَاءِ) أي: الجدال\n٤٨٣٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو أسامة، نا بُرَيْدُ بنُ عبد الله، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا بَعَثَ أحدًا من أصحابه في بعض أمره، قال: بَشِّرُوا) أي المسلمين بقبول الطاعة عند الله، (ولا تُنَفِّروا) أي لا تخوفوا بالإنذار والإقناط، (وَيسِّرُوا ولا تُعَسِّروا)\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٨/ ٤٣٥).\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ١١٥).","vol":"13","page":256},{"text":"٤٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ قَائِدِ السَّائِبِ، عَنِ السَّائِبِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ وَيَذْكُرُونِي (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ»، يَعْنِى بِهِ، قُلْتُ: صَدَقْتَ بِأَبِي (٢) وَأُمِّي، كُنْتَ شَرِيكِي فَنِعْمَ الشَّرِيكُ، كُنْتَ لَا تُدَارِي وَلَا تُمَارِى\". [جه ٢٢٨٧، حم ٣/ ٤٢٥]\n===\nفإن الله ﷾ قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣).\n٤٨٣٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن قائدِ السائب)، وكان السائب قد عمي فيقوده إنسان، (عن السائب) بن أبي السائب، واسمه سيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والد عبد الله بن السائب، روى له أبو داود والنسائي من طريق مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب: أنه كان شريك النبي - ﷺ -، وقيل: عن مجاهد، عن السائب بلا واسطة، وروى ابن أبي شيبة من طريق يونس بن خباب، عن مجاهد: كنت أقود بالسائب فيقول لي: يا مجاهد أَدَلَكتِ الشمس؟ فإذا قلت: نعم، صلى الظهر.\n(قال: أتيت النبي - ﷺ - فجعلوا يثنون عليّ، ويذكُرُوني، فقال رسول الله - ﷺ -: أنا أعلمكم، يعني به) أي بالسائب (قلت: صدقت) مَفْدِيٌ أنت (بأبي وأمي، كنتَ شريكي) في الجاهلية، ولعله كان شريكًا في السفر إلى الشام قبل البعثة، (فَنِعْمَ الشريكُ، كنتَ لا تداري) أي: لا تخالف ولا تدافع (ولا تماري) أي: ولا تجادل ولا تخاصم.\n_________\n(١) في نسخة: \"يذكرونني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أنت\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٥.","vol":"13","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1777>(١٨) بابُ الْهَدْىِ في الْكَلَامِ</span>\n٤٨٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ\".\n٤٨٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا في الْمَسْجِدِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ\n===\n\n(١٨) (بَابُ الْهَدْي في الْكَلَامِ)\nأي: الطريقة عند الكلام وفيه\n٤٨٣٧ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثني محمَّد -يعني ابن سلمة-، عن محمَّد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عمر بن عبد العزيز، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه) عبد الله بن سلام (قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ) أي أصحابه (يُكْثِرُ أن يَرْفَعَ طَرْفَه) أي بصره (إلى السماء).\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\" قوله: \"يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء\"، فيه إشارة إلى أن تحدثه وكلامه لم يكن يلهيه عن مقصده الأصلي الذي هو مبعوث له من الإنباء بأخبار السماء، فكذلك ينبغي أن يكون المؤمن في كلامه وبيانه وسائر أحواله وشأنه لا يلهو عن طاعة ربه وذكره، ولا يفتر عن واجبه وندبه، وعلى هذا فالرواية بيان لما ينبغي أن يكون المكلف عليه في كلامه، فكان من باب هدي الكلام من غير تكلف، انتهى.\n٤٨٣٨ - (حدثنا محمَّد بن العلاء، نا محمَّد بن بشر، عن مسعر، قال: سمعت شيخًا في المسجد) أي مسجد الكوفة (يقول: سمعت جابر بن","vol":"13","page":258},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: \"كَانَ في كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَرْتِيلٌ، أَوْ تَرْسِيلٌ\".\n[ق ٣/ ٣٠٧]\n٤٨٣٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَلَامًا فَصْلًا (١)، يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ\". [ت ٣٦٣٩، تم ٢٣٣، حم ٦/ ١٣٨، ٢٥٧]\n٤٨٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ قَالَ: زَعَمَ الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ قُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدُ (٢) لِلَّهِ،\n===\nعبد الله يقول: كان في كلام رسول الله - ﷺ - تَرْتِيلٌ، أو) للشك من الراوي ؤتَرْسِيْلٌ) هذا في نسخ أبي داود بلفظ \"أو\"، وفي \"المشكاة\" (٣) برواية أبي داود: بواو العطف، ومؤداهما واحد، وهو التبيين والإيضاح في الكلام.\nقال المنذري (٤): والراوي عن جابر مجهول.\n٤٨٣٩ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: نا وكيع، عن سفيان، عن أسامة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان كلامُ رسول الله - ﷺ - كلامًا فَصْلًا) أي مفصولًا مُبَيَّنًا واضحًا، (يَفْهَمُه كلُّ من سَمِعَه).\n٤٨٤٠ - (حدثنا أبو توبة قال: زَعَمَ) أي: قال (الوليد، عن الأوزاعي، عن قُرَّة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: كُلُّ كلام) ذي بال (لا يُبْدَأ فيه بحمد الله،\n_________\n(١) في نسخة: \"كلام فصل\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بالحمد لله\".\n(٣) \"مشكاة المصابيح\" (٥٨٢٧).\n(٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٨٩).","vol":"13","page":259},{"text":"فَهُوَ أَجْذَمُ». [حم ٢/ ٣٥٩، جه ١٨٩٤، حب ٤٨٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ، وَعُقَيْلٌ، وَشُعَيْبٌ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- مُرْسَلًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1778>(١٩) بابٌ في الْخُطْبَةِ</span>\n٤٨٤١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا:\n===\nفهو أجذم) (٢)، أي: المنقطع الأبتر الذي لا نظام له كاليد الجذماء المقطوعة.\n(قال أبو داود: رواه يونس، وعقيل، وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلًا) (٣).\nقال المنذري (٤): وأخرجه النسائي مسندًا ومرسلًا، وأخرجه ابن ماجه وقال فيه: \"أقطع\"، وفي إسناده قرة بن حَيْوِيل المعافري المصري، كنيته أبو محمَّد، ويقال: أبو حيويل قال الإِمام أحمد: منكر الحديث جدًّا.\n\n(١٩) (بَابٌ في الْخُطْبَةِ)\n٤٨٤١ - (حدثنا مسدد وموسى بن إسماعيل قالا:\n_________\n(١) في نسخة \"مرسل\".\n(٢) وبسط الكلام على هذا الحديث لفظًا ومعنى وإسنادًا بما لا يزيد عليه في مبدأ \"الطبقات الكبرى\" الشافعية (١/ ١٩)، لتاج الدين السبكي، انتهى. (ش).\n(٣) قد تابعه على ذلك الإِمام الدارقطني فقال في \"العلل\" (٨/ ٣٠) رقم (١٣٩١): والصحيح عن الزهري المرسل، ونحوه في \"السنن\" (١/ ٢٢٩).\nورواية يونس أخرجها أبو يعلى الخليلي في \"الإرشاد\" (١/ ٤٤٨) رقم (١١٨) موقوفًا ومرسلًا، وذكر أن الصواب ما رواه يونس عن الزهريّ مرسلًا.\nورواية عقيل وسعيد بن عبد العزيز عن الزهريّ مرسلًا أخرجها النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (ص ٣٤٦) رقم (٤٩٥، ٤٩٦).\n(٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٨٩ - ١٩٠).","vol":"13","page":260},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيِّ -ﷺ- قَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِىَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ». [ت ١١٠٦، حم ٢/ ٣٤٣، ق ٣/ ٢٠٩، حب ٢٧٩٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1779>(٢٠) بَابٌ في تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ</span>\n٤٨٤٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَابْنُ أبي خَلَفٍ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ الْيَمَانِ (١) أَخْبَرَهُمْ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أبي شَبِيبٍ: أَنَّ عَائِشَةَ مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا (٢) رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا في ذَلِكَ،\n===\nنا عبد الواحد بن زياد، نا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: كل خطبة) وهو كل كلام مهم يريد أن يخاطب به الناس (ليس فيها تَشَهُّدٌ) أي شهادهّ التوحيد والرسالة (فهي كاليدِ الجَذْماءِ).\n\n(٢٠) (بَابٌ في تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُم)\n٤٨٤٢ - (حدثنا يحيى بن إسماعيل) الواسطي أبو زكريا، قال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال: سمعت أحمد ذكره فقال: أعرفه قديمًا وكان لي صديقًا، وقال أبو حاتم: أدركته ولم أكتب عنه، (وابن أبي خَلَف، أن يحيى بن اليمانِ أخبرهم، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب: أن عائشة) ﵂ (مَرَّ بها سائل فأعطته كِسْرَةً) من خبز، (ومَرَّ بها رجلٌ عليه ثيابٌ وهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْه فَأكَلَ، فقيل لها في ذلك) بأن السائلين أتياك، فأعطيت أحدهما كسرة خبز، والذي كان عليه ثياب وهيئة أقعدتِه فأطعمته، ما وجه الفرق\n_________\n(١) في نسخة: \"يمان\".\n(٢) في نسخة بدله: \"عليها\".","vol":"13","page":261},{"text":"فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ».\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ يَحْيَى مُخْتَصَرٌ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَيْمُونٌ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ.\n===\nبينهما؟ والحال أنهما كانا سائلين، (فقالت: قال رسول الله - ﷺ -: أنزلوا الناس منازلهم).\n(قال أبو داود: وحديث يحيى) أي يحيى بن إسماعيل شيخ المصنف (مختصر)، وفي النسخة المكتوبة التي عليها المنذري: \"وحديث يحيى بن اليمان\"، وهو خلاف الصواب. كتب في حاشية النسخة الأحمدية، وكذلك في المدنية: كذا وقع في رواية اللؤلؤي يحيى بن اليمان، وصوابه يحيى بن إسماعيل.\n(قال أبو داود: ميمون لم يُدْرِك عائشة) -﵂ -، قال النووي في \"شرح مسلم\" (١) عند قول مسلم في خطبة كتابه: وقد ذكر عن عائشة -﵂- أنها قالت: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننزل الناس منازلهم، قال الشيخ: يعني ابن الصلاح: وفيما قاله أبو داود نظر (٢)، فإنه كوفي متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة، [ومات المغيرة قبل عائشة]، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كافٍ في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: لم ألق عائشة استقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه، وهيهات ذلك، هذا آخر كلام الشيخ، قلت: وحديث عائشة هذا لا يعلم عن النبي - ﷺ - إلَّا من هذا الوجه، وقد روي عنها من غير هذا الوجه موقوفًا، انتهى.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٣٧).\n(٢) قلت: وفيما قاله الشيخ ابن الصلاح نظر، لأن أبا داود يشترط لثبوت الاتصال ثبوتَ السماع، وأبو داود في هذا على مذهب شيخه الإِمام أحمد، على ما حققه ابن رجب في \"شرح العلل\" (١/ ٣٦٥)، والله أعلم.","vol":"13","page":262},{"text":"٤٨٤٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ، أَخْبَرَنَا عَوْفُ بْنُ أبي جَمِيلَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ، عَنْ أبي كِنَانَةَ، عَنْ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِى الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِى عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِى السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ». [ق ٨/ ١٦٣]\n===\n٤٨٤٣ - (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، نا عبد الله بن حمران)، هكذا في المجتبائية والمكتوبة المدنية التي عليها المنذري، وفي النسخة الأحمدية: \"عبد الرحمن بن حمران\"، وكتب في حاشيته: كذا في النسخ عبد الرحمن بن حمران، والصواب ما في أصول أخرى عبد الله، وهو الذي في \"التقريب\" (١) و\"الأطراف\" (٢).\nوهو عبد الله بن حمران بن أبان الأموي مولاهم، أبو عبد الرحمن البصري، قال ابن معين: صدوق صالح، وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، وقال الدارقطني: ثقة، وقال ابن شاهين: شيخ ثقة مبرز.\n(نا عوف بن أبي جميلة، عن زياد بن مخراق، عن أبي كنانة) القرشي، روى عن أبي موسى حديث: \"إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم\" وغير ذلك، قال ابن القطان: مجهول الحال، (عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن من إجلالِ الله) من إضافة الفعل إلى مفعوله (إكرامَ ذي الشيبة المسلم) أي توقيره (و) إكرامَ (حامل القرآن) أي حافظه وقارئه (غيرِ الغالي فيه)، والغلو تجاوز الحد، يعني غير متجاوز الحد في التجويد وأداء الحروف، (والجافي عنه) أي التارك لتلاوته، (وإكرام ذي السلطان المُقْسِطِ)\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص ٥٠١).\n(٢) \"تحفة الأشراف\" (٩١٥٠).","vol":"13","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1780>(٢١) بابٌ في الرَّجُلِ يَجْلِسُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا</span>\n٤٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ (١) قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ الأَحْوَلُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا تَجْلِسْ (٢) بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا».\n٤٨٤٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ (٣) إلَّا بِإِذْنِهِمَا». [ت ٢٧٥٢، حم ٢/ ٢١٣]\n===\nقال المنذري (٤): وأبو كنانة هذا هو القرشي، ذكر غير واحد أنه سمع من أبي موسى.\n\n(٢١) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَجْلِسُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا)\n٤٨٤٤ - (حدثنا محمَّد بن عبيد وأحمد بن عبدة) المعنى (قالا: نا حماد، نا عامر الأحول، عن عمرو بن شعيب، قال ابن عبدة: عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - قال) ولم يذكر لفظ محمَّد بن عبيد، فلعله رواه مرسلًا (لا تجلس بين الرجلين إلَّا بإذنهما).\n٤٨٤٥ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله - ﷺ - قال: لا يحل لرجلٍ أن يُفَرِّق بين اثنين إلَّا بإذنهما)، يحتمل أن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المعنى\".\n(٢) في نسخة بدله: \"لا يجلس الرجل بين الرجلين\".\n(٣) في نسخة بدله: \"بين رجلين\".\n(٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ١٩١).","vol":"13","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1781>(٢٢) بَابٌ في جُلُوسِ الرَّجُلِ</span>\n٤٨٤٦ - حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،\n===\nيكون معنى الحديث: لا يفرق بينهما بالجلوس إذا لم تكن فرجة واسعة، لأنه إذا (١) دخل بينهما يضيق عليهما، ويؤذيهما، أو معناه (٢): إذا كان بينهما مؤالفة فيسرّان الكلام، فيكون بالجلوس بينهما مُخِلًّا.\n\n(٢٢) (بَابٌ في جُلُوسِ الرَّجُلِ)\n٤٨٤٦ - (حدثنا سلمة بن شبيب، نا عبد الله بن إبراهيم) بن أبي عمرو الغفاري، أبو محمَّد المدني، يقال: إنه من ولد أبي ذر، قال أبو داود: شيخ منكر الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات، وقال الدارقطني: حديثه منكر، ونسبه ابن حبان إلى أنه يضع الحديث، وقال: يحدث عن الثقات بالمقلوبات، وقال الحاكم: روى عن جماعة من الضعفاء أحاديث موضوعة لا يرويها غيره.\n(حدثني إسحاق بن محمَّد الأنصاري)، روى عن رُبَيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده حديث: \"كان إذا جلس احتبى بيده\". روى له أبو داود والترمذي في \"الشمائل\" هذا الحديث، وقال في \"التقريب\" (٣): إسحاق بن محمَّد الأنصاري مجهول، تفرد عنه الغفاري.\n(عن رُبيح) بموحدة ثم مهملة مصغرًا (ابن عبد الرحمن) بن أبي سعيد الخدري المدني، أخو سعيد، قال أحمد: رُبيح رجل ليس بمعروف، وقال أبو زرعة. شيخ، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال الترمذي في \"العلل الكبير\" عن البخاري: ربيح منكر الحديث.\n_________\n(١) نحو ذلك فسَّره صاحب \"المجمع\" (٤/ ١٣٥). (ش).\n(٢) وبه فسره القاري (٨/ ٤٧٩). (ش).\n(٣) (ص ١٣٢).","vol":"13","page":265},{"text":"عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا جَلَسَ احْتَبَى بِيَدِهِ (١) \". [تم ١٢٧، ق ٣/ ٢٣٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ شَيْخٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.\n٤٨٤٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَتْنِى جَدَّتَايَ: صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيْبَةَ - قَالَ مُوسَى: بِنْتُ حَرْمَلَةَ - وَكَانَتَا رَبِيبَتَيْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ، وَكَانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِمَا، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا: أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ (٢) -ﷺ-، وَهُوَ\n===\n(عن أبيه) عبد الرحمن بن أبي سعيد، (عن جدّه أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جلس احتبى بيدِه)، والاحتباء أن يجلس بحيث أن يكون ركبتاه منصوبتين، وبطنا قدميه موضوعتين على الأرض، ويداه موضوعتين على ساقيه.\n(قال أبو داود: عبد الله بن إبراهيم شيخ منكر الحديث).\n٤٨٤٧ - (حدثنا حفص بن عُمَرَ وموسى بن إسماعيل قالا: نا عبد الله بن حسان العنبريّ قال: حدثتني جدتاي صفية ودحيبة (٣) ابنتا عليبة، قال موسى) أي ابن إسماعيل شيخ المصنف: (بنت حرملة) (٤) زاد هذا اللفظ موسى صفة لعليبة، (وكانتا) أي صفية ودحيبة (رَبِيْبَتَي قيلة) أي في تربيتها (بنت مخرمة) (وكانت) أي قيلة (جدة أبيهما، أنها أخبرتْهما: أنها رأت النبي - ﷺ - وهو) - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"بيديه\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) هكذا في الترمذي، فما في \"الشمائل\" (٦٦) بدلها: \"عليبة\" غلط. (ش).\n(٤) هكذا في الترمذي (وتقدم هذا السند وقطعة من حديثه)، وهو نص على أنه اسم إمرأة، لكن في \"جمع الوسائل\" (١/ ١١٨): عليبة هو ابن حرملة، فهو أبوها، كما صرَّح به ابن منده وابن سعد وغيرهما. (ش).","vol":"13","page":266},{"text":"قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- الْمُخْتَشِعَ. - وَقَالَ مُوسَى: الْمُتَخَشِّعَ - في الْجِلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنَ الْفَرَقِ. [ت ٢٨١٤، تم ١٢٥]\n... (١)\n٤٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكَأْتُ (٢) عَلَى أَلْيَةِ يَدِي،\n===\n(قاعد القُرْفُصَاء) بضم القاف والفاء والمد، قال الخطابي (٣): هي جلسة المحتبي بيده لا بثوبه، (فلما رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - المُخْتَشِعَ، وقال موسى) شيخ المصنف: (المُتَخَشِّع في الجلسة أُرْعِدْتُ من الفَرَقِ) أي: الخوف.\nوهذا الحديث ساقه الطبراني وابن منده بطوله، هو حديث طويل ذكره الحافظ في \"الإصابة\" (٤) في ترجمة قيلة، ولفظه بعد قوله: \"أرعدت من الفرق\": \"فقال لي جليسه: يا رسول الله أرعدت المسكينة، فقال بيده ولم ينظر إليّ، وأنا عند ظهره: يا مسكينة عليك السكينة، فلما قالها أذهب الله ما كان في قلبي من الرعب\"، الحديث.\n٤٨٤٨ - (حدثنا علي بن بحر، نا عيسى بن يونس، نا ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه الشريد بن سويد قال: مر بي رسول الله - ﷺ -، وأنا جالس هكذا، وقد وضعتُ يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على ألية يدي) اليسرى، والألية بفتح الهمزة، وسكون اللام: اللحمة التي\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب في الجلسة المكروهة\".\n(٢) في نسخة. \"اتَّكَيْتُ\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١١٧).\n(٤) (٤/ ٣٨١).","vol":"13","page":267},{"text":"فَقَالَ: «أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ»؟ ! . [حم ٤/ ٣٨٨، ق ٣/ ٢٣٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>(٢٣) بابٌ في السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ</span>\n٤٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَوْفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْمِنْهَالِ، عَنْ أبي بَرْزَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَى عَنِ النَّوْمِ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثِ بَعْدَهَا\". [خ ٥٤٧، م ٦٤٧، ت ١٦٨، ن ٤٩٥، جه ٧٠١، حم ٤/ ٤٢٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1783>(٢٤) بابٌ في الرَّجُلِ يَجْلِسُ مُتَرَبِّعًا</span>\n٤٨٥٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ في مَجْلِسِهِ\n===\nفي أصل الإبهام، (فقال: أتقعدُ قِعْدَةَ المغضوب عليهم؟ !) ولعل المراد بهم اليهود.\n\n(٢٣) (بَابٌ فِي السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ)\n٤٨٤٩ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عوف قال: حدثني أبو المنهال، عن أبي برزة قال: كان رسول الله - ﷺ - ينهى عن النوم قبلَها) أي العشاء لما فيه خوف فوت جماعة العشاء، (والحديث بعدَها) أي بعد صلاة العشاء، لأنه يؤدي إلى تفويت قيام الليل، بل وصلاة الصبح أيضًا.\n\n(٢٤) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَجلِسُ مُتَرَبِّعًا)\n٤٨٥٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو داود الحَفْرِي، نا سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: كان النبي - ﷺ - إذا صلى الفجر تَرَبَّعَ في مجلسه) أي جلس متربعًا، وصورته: أن يقعد على وَرِكيه، ويمد ركبته اليمنى إلى جانب يمينه، واليسرى إلى جانب يساره، ويجعل قدمه اليمنى","vol":"13","page":268},{"text":"حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ\" (١). [تقدَّم برقم ١٢٩٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1784>(٢٥) بابٌ في التَّنَاجِي</span>\n٤٨٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ (٢) -يعني ابن سلمة -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَنْتَجِى اثْنَانِ دُونَ صاحبهما (٣) فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». [خ ٦٢٩٠، م ٢١٨٤، ت ٢٨٢٥، حم ١/ ٤٦٥]\n===\nإلى جانب يساره، واليسرى بالعكس (حتى تطلع الشمسُ حَسْنَاءَ) أي بيضاء.\n\n(٢٥) (بَابٌ في التّنَاجِي)\n٤٨٥١ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، نا الأعمش، ح: وحدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا ينتجي (٤) اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يُحْزِنه).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"حسنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني ابن سلمة\".\n(٣) في نسخة: \"الثالث\".\n(٤) وظاهر ما في \"إنجاح الحاجة\" (ص ٢٧٢) أنه خلاف الأولى إذ قال: هذا بعيد عن شأن المسلم ... إلخ، وحكى القاري (٨/ ٧٠٠) عن النووي أن النهي للتحريم، وهو مذهب مالك وأصحابنا والجماهير ... إلخ، وفي \"المسوى\" (٢/ ٢٢٩): أن النهي للتأديب، وبسط الكلام في \"الفتح\" (١١/ ٨٣) أشد البسط على لواحق الحديث، ولخصته على هامش \"الكوكب\" (٣/ ٤٢٠) في سبعه أبحاث: علة النهي الحزن أو سوء الأدب أو خوف الغيبة، هل الحكم باقٍ أو كان في أول الإِسلام للخوف؟ هل يختص بالسفر؟ والجمهور على العموم، وذكر الاثنين ليس باحتراز، بل المعنى ترك الواحد، ويستثنى منه الإذن والرضا، ولا يجوز للثالث الدخول إذا كانا متناجيين من قبل، النهي للتحريم عند الجمهور أو أدب وكمال. (ش).","vol":"13","page":269},{"text":"٤٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِثْلَهُ. [حم ٢/ ١٨، ١٤١، م ٢١٨٣]\nقَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَقُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: فَأَرْبَعَةٌ؟ قَالَ: لَا يَضُرُّكَ.\n\n(٢٦) بابٌ إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ (١) ثُمَّ رَجَعَ\n٤٨٥٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أبي جَالِسًا وَعِنْدَهُ غُلَامٌ، فَقَامَ ثُمَّ رَجَعَ،\n===\nقال الخطابي (٢): إنما يحزنه ذلك لأجل معنيين، أحدهما: أنه ربما يتوهم أن نجواهما لتبييت رأي فيه أو دسيس غائلة له، والمعنى الآخر: أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة، وهو يحزن صاحبه، وسمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي عبيد بن حرب أنه قال: هذا في السفر، وفي الموضع الذي لا يأمن الرجل فيه صاحبه على نفسه، فأما في الحضر وبين ظهراني العمارة فلا بأس به.\n٤٨٥٢ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر) ﵄) قال: قال رسول الله - ﷺ - مِثْله) أي مثل الحديث المتقدم، (قال أبو صالح: فقلت لابن عمر) ﵄ (فأربعة؟) أي إذا كان الرجال أربعة فهل يتناجى منها اثنان دون اثنين؟ (قال: لا يضرُّك) لاستئناس الثالث بالرابع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1785>(٢٦) (بَابُ إذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثمَّ رَجَعَ)</span>\n٤٨٥٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سهيل بن أبي صالح قال: كنت عند أبي جالسًا وعنده غلام، فقام) أي الغلام (ثم رجع،\n_________\n(١) في نسخة: \"مجلس\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١١٧).","vol":"13","page":270},{"text":"فَحَدَّثَ أبي، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسٍ (١) ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ». [م ٢١٧٩، جه ٣٧١٧، حم ٢/ ٢٦٣، ٢٨٣، ٣٤٢، دي ٢٦٥٦]\n٤٨٥٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ، عَنْ تَمَّامِ بْنِ نَجِيحٍ، عَنْ كَعْبٍ الإِيَادِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى أبي الدَّرْدَاءِ\n===\nفحدّث أبي، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إذا قام الرجل من مجلس) أي لحاجة على نية الرجوع (ثم رجع إليه) أي إلى ذلك المجلس (فهو أحقُّ به) أي بذلك المجلس، وهذا إذا كان المحل من حقوق العامة، وأما إذا كان المحل مملوكًا لأحد فهو أحقُّ به.\n٤٨٥٤ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، نا مُبَشِّر الحَلَبِيّ، عن تمام) بالتاء المثناة الفوقية بعدها ميم مشددة، ابن نجيح الأسدي الدمشقي، نزيل حلب، قال أحمد: ما أعرفه، وقال الدوري وغيره عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: ضعيف، وقال أبو حاتم: منكر الحديث ذاهب، وقال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: لا يعجبني حديثه، وقال أبو توبة: ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا تمام، وهو ثقة، وقال ابن حبان: روى أشياء موضوعة عن الثقات كأنه المتعمد لها، وقال البزّار: ليس بقوي.\n(ابن نجيح، عن كعب) بن ذهل، ويقال: ابن زمل، وقيل: كعب بن أد بن كعب (الإيادي) الشامي، روى عن أبي الدرداء: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من مجلسه فأراد الرجوع إليه ترك نعليه\"، الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال البزار: كعب وتمام ليسا بالقويين في الحديث.\n(قال: كنت أختلف) أي أجيء في الأوقات المختلفة (إلى أبي الدرداء،\n_________\n(١) في نسخة: \"مجلسه\".","vol":"13","page":271},{"text":"فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا جَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَامَ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ نَزَعَ (١) نَعْلَيْهِ أَوْ بَعْضَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ، فَيَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَيَثْبُتُونَ. [ق ٦/ ١٥١]\n... (٢)\n٤٨٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ علَيهُمْ (٣) حَسْرَةً». [حم ٢/ ٣٨٩، ٥١٥، ٥٢٧، ك ١/ ٤٩٢]\n===\nفقال أبو الدرداء: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس وجلسنا حوله، فقام) - ﷺ - (فأراد الرجوع نَزَعَ نعليه) وتركهما هناك، ومشى إلى البيت حافيًا (أو بعضَ ما يكون عليه) من الثوب وغيره، (فَيَعْرِفُ ذلك) أي إرادة رجوعه - ﷺ - (أصحابُه فَيَثْبُتُونَ) في مجالسهم ينتظرون رجوعه - ﷺ -.\n٤٨٥٥ - (حدثنا محمَّد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل بن زكريا، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح، (عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما من قوم) يجلسون في مجلس ثم (يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه) أي في ذاك المجلس (إلَّا قاموا عن مثل جِيفة حمارٍ، وكان عليهم حسرة) يوم القيامة، لأن المجلس عادة لا يخلو عن كلام زائد أو ناقص، وذكر الله ﵎ بمنزلة الكفارة.\nوكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم: ولم يعن بذلك قيامهم عن الجيفة، وهم يأكلونها حتى يعلم بذلك حرمة ما ارتكبوه من ترك ذكر الله،\n_________\n(١) في نسخة: \"ترك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله تعالى\".\n(٣) في نسخة: \"لهم\".","vol":"13","page":272},{"text":"٤٨٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تعالى فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا (١) لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ (٢) عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>(٢٧) بابٌ في كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ</span>\n٤٨٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أبي هِلَالٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أبي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: كَلِمَاتٌ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أَحَدٌ في مَجْلِسِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إلَّا كُفِّرَ بِهِنَّ عنه،\n===\nبل قصد أنهم قاموا عن قربها، ونفس الاقتراب بالميتة مكروه، انتهى.\n٤٨٥٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: من قَعَدَ مَقْعَدًا لم يذكرِ الله فيه كانت عليه من الله تِرَةٌ، ومن اضطجع مضجعًا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله تِرَةٌ) أي ندامة وحسرة، قال الخطابي (٣): أصل الترة النقص، ومعناه ههنا: التَّبِعَةُ.\n\n(٢٧) (بَابٌ في كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ)\n٤٨٥٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو، أن سعيد بن أبي هلال حدَّثه، أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدثه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: كلماتٌ لا يتكلم بهن أحدٌ في مجلسه عند قيامه) أي عن المجلس (ثلاث مراتٍ إلَّا كُفِّرَ بهن) أي بالكلمات (عنه) أي عن الرجل،\n_________\n(١) في نسخة: \"مضطجعًا\".\n(٢) في نسخة: \"إلَّا كانت\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١١٨).","vol":"13","page":273},{"text":"وَلَا يَقُولُهُنَّ في مَجْلِسِ خَيْرٍ وَمَجْلِسِ ذِكْرٍ إلَّا خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ عَلَيْهِ، كَمَا يُخْتَمُ بِالْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيفَةِ: \"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ\".\n٤٨٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي بِنَحْوِ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي عَمْرٍو، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيِّ -ﷺ-، نحو ذلك (١). [ت ٣٤٣٣، حم ٢/ ٣٦٩]\n٤٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْجَرْجَرَائِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، أَنَّ عَبْدَةَ بْنَ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَهُمْ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أبي هَاشِمٍ، عَنْ أبي الْعَالِيَةِ، عَنْ أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ بِأَخَرَةٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ:\n===\n(ولا يقولهن) أي الكلمات (في مجلس خيرٍ ومجلسِ ذكرٍ إلَّا خُتِمَ له) أي طبع له (بهن) أي بتلك الكلمات (عليه، كما يُختم بالخاتم على الصحيفة) والكلمات هذه: (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).\n٤٨٥٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب قال: قال عمرو: وحدثني بنحو ذلك) أي بنحو ما حدَّث سعيد بن أبي هلال (عبد الرحمن بن أبي عمرو، عن المقبري) أي سعيد بن أبي سعيد، (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، نحو ذلك).\n٤٨٥٩ - (حدثنا محمَّد بن حاتم الجرجرائيّ وعثمان بن أبو شيبة، المعنى، أن عَبْدَةَ بن سليمان أخبرهم، عن الحجاج بن دينار، عن أبي هاشم) الرُّمَّاني، (عن أبو العالية، عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول بأَخَرَةٍ) أي في آخر جلوسه (إذا أراد أن يقوم من المجلس:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"مثله\".","vol":"13","page":274},{"text":"«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلًا مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى، قَالَ: «كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ في الْمَجْلِسِ». [دي ٢٦٦٠، حم ٤/ ٤٢٥، ك ١/ ٥٣٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1787>(٢٨) بابٌ في رَفْعِ الْحَدِيثِ مِنَ الْمَجْلِسِ</span>\n٤٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْوَلِيدِ (١) - وَنَسَبَهُ لَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، في هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ أبي هِشَامٍ - عَنْ زَيْدِ بْنِ زَائِدٍ،\n===\nسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقال رجل) لم أقف على تسميته: (يا رسول الله، إنك لتقول قولًا ما كنْتَ تقولُه فيما مَضَى) فَلِمَ تقوله الآن؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: هذا القول (كفارةٌ لما يكون في المجلس) من القول أو الفعل المكروه.\n\n(٢٨) (بَابٌ في رَفْعِ الْحَدِيثِ مِنَ الْمَجْلِسِ)\n٤٨٦٠ - (حدثنا محمَّد بن يحيى بن فارس، نا الفريابي، عن إسرائيل، عن الوليد) بن هشام، ويقال: ابن أبي هشام، ويقال: ابن أبي هاشم، مولى همدان، قال في \"التقريب\" (٢): مستور، (ونسبه لنا زهير بن حرب) وهذا قول أبي داود (عن حسين (٣) بن محمَّد، عن إسرائيل، في هذا الحديث، قال) أي زهير أو إسرائيل: (الوليدُ بن أبي هشام) وفي نسخة: \"أبي هاشم\"، (عن زيد) بن زائدة، ويقال: (ابن زائد)، روى عن ابن مسعود حديث:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) (ص ١٠٤٢).\n(٣) أخرج روايته الترمذي، وقد زاد فيه واسطة السدّي، رقم (٣٨٩٧). (ش).","vol":"13","page":275},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» (١). [ت ٣٨٩٦، حم ١/ ٣٩٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>(٢٩) بابٌ في الْحَذَرِ مِنَ النَّاسِ </span>(٢)\n٤٨٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سَيَّارٍ الْمُؤَدِّبُ:\n===\n\"لا يبلغني أحد\" الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\". قلت: وذكر أباه بحذف الهاء، وكذا ذكره البخاري، وابن أبي حاتم، وابن أبي خيثمة، وغيرهم، وقال الأزدي: لا يصح حديثه.\n(عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يبلغني أحد (٣) من أصحابي عن أحدٍ شيئًا) أي: مكروهًا، لأنه يُشَوِّشُ القلب، وُيورث الكراهة في الطبع، فلا تبقى سلامة الصدر، (فإني أُحِبُّ أن أَخْرُجَ إليكم وأنا سليمُ الصدر) (٤) لكم، ولا يكون في قلبي من جانب أحدكم كراهة.\n\n(٢٩) (بَابٌ في الْحَذَرِ) الحزم والاحتياط (من الناس)\n٤٨٦١ - (حدثنا محمَّد بن يحيى بن فارس، نا نوح بنُ يزيدَ بنِ سَيّار المُؤَدِّبُ)، أبو محمَّد البغدادي، قال أحمد: ثقة، حج مع إبراهيم بن سعد، وكان يؤدّب ولده، وقال ابن سعد: كان ثقة، وفيه غش، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) آخر الجزء الثلاثين، وأول الجزء الحادي والثلاثين من تجزئة الخطيب البغدادي.\n(٢) في نسخة: \"باب في الحذر\".\n(٣) ولفظ الترمذي: \"لا يبلغني أحد من أحد من أصحابي شيئًا\"، رقم (٣٨٩٦). (ش).\n(٤) استنبط من الحديث الإِمام الترمذي فضل الأزواج المطهرات إذ ترجم عليه \"باب فضل الأزواج\"، وذلك لأنه علم منه أنه ﵇ يكون في بيته سليم الصدر، وبسطه في \"الكوكب\" (٤/ ٤٥٥). (ش).","vol":"13","page":276},{"text":"حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْفَغْوَاءِ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَنِي بِمَالٍ إِلَى أبي سُفْيَانَ يَقْسِمُهُ في قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: «الْتَمِسْ صَاحِبًا». قَالَ: فَجَاءَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْريُّ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ الْخُرُوجَ وَتَلْتَمِسُ صَاحِبًا، قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: فَأَنَا لَكَ صَاحِبٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قُلْتُ: قَدْ وَجَدْتُ صَاحِبًا، قَالَ: فَقَالَ: «مَنْ»؟ قُلْتُ: عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، قَالَ: «إِذَا هَبَطْتَ بِلَادَ قَوْمِهِ فَاحْذَرْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ الْقَائِلُ: أَخُوكَ الْبِكْرِيُّ وَلَا تَأْمَنْهُ»\n===\n(نا إبراهيم بن سعد قال: حدثنيه ابن إسحاق، عن عيسى بن معمر، عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء) عن أبيه: \"دعاني النبي - ﷺ - وقد أراد أن يبعثني\"، الحديث، قال في \"التقريب\": عبد الله بن عمرو بن الفغواء بفتح الفاء، وسكون المعجمة، وقيل: عبد الله بن علتمة بن الفغواء، وقال ابن حبان (١): عبد الله بن عمرو بن علقمة بن الفغواء (الخزاعي) مقبول، (عن أبيه) عمرو بن الفغواء.\n(قال: دعاني رسول الله - ﷺ - وقد أراد أن يبعثني بمالٍ إلى أبي سفيان يَقْسِمُه في قريش بمكة بعد الفتح) أي فتح مكة، (فقال: التمس صاحبًا) أي رفيقًا، فـ (قال: فجاءني عمرو بن أمية الضمري، فقال: بلغني أنك تريد الخروج) إلى مكة (وتلتمس صاحبًا) أي تطلب رفيقًا، (قال: قلت: أجل، قال) عمرو بن أمية: (فأنا لك صاحبٌ) أي رفيق في سفرك.\n(قال) عمرو بن الفغواء: (فجئت رسول الله - ﷺ - قلتُ: قد وجدتُ صاحبًا، قال) عمرو بن الفغواء: (فقال) رسول الله - ﷺ -: (من) هو؟ أي الصاحب (قلت: عمرو بن أمية الضمري، قال) - ﷺ -: (إذا هَبَطْتَ بلاد قومِه فَاحْذَرْه) أي كن على حذرٍ منه، (فإنه قد قال القائل: أخوك البِكريُّ فَلَا تَأْمَنْه).\n_________\n(١) \"كتاب الثقات\" (٥/ ٣٩).","vol":"13","page":277},{"text":"فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالأَبْوَاءِ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ حَاجَةً إِلَى قَوْمِي بِوَدَّانَ فَتَلْبَثُ لِي، قُلْتُ: رَاشِدًا، فَلَمَّا وَلَّى ذَكَرْتُ قَوْلَ النبيِّ -ﷺ- فَشَدَدْتُ عَلَى بَعِيري حَتَّى خَرَجْتُ أُوضِعُهُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالأَصَافِرِ إِذَا هُوَ يُعَارِضُنِي في رَهْطٍ، قَالَ: وَأَوْضَعْتُ، فَسَبَقْتُهُ، فَلَمَّا رَأى (١) أن قَدْ فُتُّهُ انْصَرَفُوا وَجَاءَنِي، فَقَالَ: كَانَتْ لِى إِلَى قَوْمِى حَاجَةٌ، قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ. وَمَضَيْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَدَفَعْتُ الْمَالَ إِلَى أبي سُفْيَانَ. [حم ٥/ ٢٨٩]\n===\nقال الخطابي (٢): هذا مثل مشهور للعرب، وفيه إثبات الحذر، واستعمال سوء الظن إذا كان على وجه طلب السلامة من شر الناس.\nحاصل معناه: أن البكري وإن كان أخاك وشقيقك، ولكن في موضع الحذر يلزم أن لا تأمنه.\n(فخرجنا حتى إذا كنتُ بالأبواء) جبل بين مكة والمدينة (قال) عمرو بن أمية: (إني أريد حاجة إلى قومي بوَدَّان) موضع بقرب أبواء (فَتَلَبَّثْ) بصيغة الأمر أي: امكث (لي) فانتظرني، ويحتمل أن يكون بصيغة المضارع بتقدير الاستفهام أي: أفتلبث لي؟ (قلت: راشدًا) أي سِرْ راشدًا (فلمّا وَلّى) ذاهبًا إلى بلاده (ذكرت قول النبي - ﷺ -) وهو قوله: \"إذا هبطت بلاد قومه فاحذره\".\n(فَشَدَدْتُ) الرحل (على بعيري حتى خرجتُ أُوْضِعُه) من الإيضاع، أي: أسرعه (حتى إذا كنتُ بالأصافر) قال في \"القاموس\": جبال (إذا هو يعارضني في رهطٍ) أي حال كونه في جماعة (قال: وأوضعتُ) أي أسرعت (فسبقتُه، فَلَمّا رأى) عمرو بن أمية (أن قَدْ فُتُّه) أي قد سبقته (انصرفوا) أي الرهط الذين جاءوا مع عمرو بن أمية، (وجاءني) عمرو بن أمية وحده (فقال: كانت لي إلى قومي حاجةٌ، قال) عمرو بن الفغواء: (قلت: أجل) كان لك إلى قومك حاجة، وإنما قال ذلك لئلا يطلع عمرو بن أمية على أن عمرو بن الفغواء مطلع على نيته، (ومضينا حتى قدمنا مكة فدفعت المال إلى أبي سفيان).\n_________\n(١) في نسخة: \"رآني قد\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١١٨).","vol":"13","page":278},{"text":"٤٨٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ (١) مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ». [خ ٦١٣٣، م ٢٩٩٨، جه ٣٩٨٢، حم ٢/ ٣٧٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1789>(٣٠) بابٌ في هَدْىِ الرَّجْلِ</span>\n٤٨٦٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا مَشَى كَأَنَّهُ يَتَوَكَّأُ\". [ك ٤/ ٢٨٠، ٢٨١]\n===\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"تقريره\": أخوك البِكري أي أكبر منك سنا، والأخ الأكبر أوفر شفقة، فكيف بغيره من الرجال؟ وإنما لم يذكر الأب، لأنه مع ماله لأبيه، فلا يستحسن الحذر منه، لأن ما فعله الأب في نفس الابن أو ماله فإنما فعله فيما هو أحق به تصرفًا، وحاصل المثل: وجوب الحذر عن كلِّ أحد، وقوله: \"إذا هو يعارضني\"، ولعلهم أتوا به يشيعونه، ففهم منه الخزاعي أنهم أتوا ليأخذوا منه المال، ولا يبعد أن يكون ظنه ذاك صحيحًا أيضًا، انتهى.\n٤٨٦٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا ليث، عن عقيل، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا يلدغ المؤمن) أي لا ينبغي للمؤمن العاقل أن يلدغ (من جُحْرٍ واحدٍ) أي من ثقب واحد، ومحل واحد (مرتين)، بل يلزم له أن يكون على حذر من محل الخوف والنقصان، حتى لا يصيبه الإيذاء مرتين من محل واحد.\n\n(٣٠) (بَابُ في هَدْيِ الرَّجُلِ) أي: في المشي\n٤٨٦٣ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد، عن حميد، عن أنس قال: كان النبي - ﷺ - إذا مشى كأنَّه يَتَوَكَّأُ) أي يتكأ على عصا، معناه أنه يميل إلى قُدامٍ، فلا يمشي مَشْي الجبابرة المتكبرين بارزًا صَدْرَه.\n_________\n(١) في نسخة: \"مؤمن\".","vol":"13","page":279},{"text":"٤٨٦٤ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ خُلَيْفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قُلْتُ: كَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا (١) يَهْوِي في صَبُوبٍ\". [م ٢٣٤٠، حم ٥/ ٤٥٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>(٣١) بابٌ في الرَّجُلِ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى</span>\n٤٨٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَضَعَ - وَقَالَ قُتَيْبَةُ: (٢) يَرْفَعُ - الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. زَادَ قُتَيْبَةُ: وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ. [م ٢٠٩٩، ت ٢٧٦٧، حم ٣/ ٢٩٧]\n===\n٤٨٦٤ - (حدثنا حسين بن معاذ بن خليف، نا عبد الأعلى، نا سعيد الجريري، عن أبي الطفيل) عامر بن واثلة (قال: رأيت رسول الله - ﷺ -، قلت؟ كيف رَأَيْتَه؟ قال: كان أبيضَ مليحًا) أي لم يكن أبيض أمهق، بل كان في بياضه ملاحة، (إذا مَشَى كأنّما يهوي) أي ينزل (في صَبُوبٍ) أي في موضع منخفض.\n\n(٣١) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَضَعُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الُأخْرَى)\n٤٨٦٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، ح: ونا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يضع - وقال قتيبة:) أن (يرفع -الرجل إحدى رجليه على الأخرى، زاد قتيبة، وهو مستلقٍ على ظهره) (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"كأنه\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أن\".\n(٣) أخرجه مسلم، وبوَّب البخاري \"باب الاستلقاء في المسجد\"، وبسطه العيني (٣/ ٥٣٩). (ش).","vol":"13","page":280},{"text":"٤٨٦٦ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مُسْتَلْقِيًا - قَالَ الْقَعْنَبِيُّ: في الْمَسْجِدِ - وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى\". [خ ٦٢٨٧، م ٢١٠٠، ت ٢٧٦٥، ن ٧٢١، حم ٤/ ٣٨]\n===\n٤٨٦٦ - (حدثنا النفيلي، نا مالك، ح: ونا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن تميم، عن عمه) وهو عبد الله بن زيد بن عاصم (أنه رأى رسول الله - ﷺ - مستلقيًا، قال القعنبي: في المسجد) وأما النفيلي فلم يقل لفظ: \"في المسجد\"، (واضعًا إحدى رجليه على الأخرى).\nقال الخطابي (١): يشبه أن يكون إنما نهى عن ذلك من أجل انكشاف العورة، إذ كان لباسهم الأزر دون السراويلات، والغالب أن أزرهم غير سابغة، والمستلقي إذا رفع إحدى رجليه على الأخرى مع ضيق الإزار لم يسلم من أن ينكشف شيء من فخذه، والفخذ عورة، فأما إذا كان الإزار سابغًا أو كان لابسه عن التكشف متوقيًا فلا بأس به، وهو وجه الجمع بين الخبرين، والله أعلم، انتهى.\nقلت: وعندي وجه الجمع (٢) بين الخبرين أن رفع الرجل رجله على رجله وهو مستلقٍ على نوعين: إما أن يكون رجلاه ممدودتين ومبسوطتين على الأرض، فيضع إحداهما على الأخرى، ففي هذه الصورة مأمون عن التكشف إذا كان لابسًا، وأما إذا كان إحدى الرجلين مقبوضة فيرفع رجله الأخرى ويضع عليها، يعني على ركبته، فعلى هذا إذا كان لابسًا الإزار يحتمل أن تنكشف عورته، فعلى هذا ورد النهي، وأما إذا كان عليه سراويل، فلا يحتمل كشف العورة في الصورتين، فيجوز في الحالتين وضع إحدى الرجلين على الأخرى، والله أعلم.\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ١٢٠).\n(٢) وبذلك جمع المظهر، كذا في \"المرقاة\" (٨/ ٤٨١). (ش).","vol":"13","page":281},{"text":"٤٨٦٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. [خ ٤٧٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1791>(٣٢) بابٌ في نَقْلِ الْحَدِيثِ</span>\n٤٨٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أبي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أبي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ، فَهِىَ أَمَانَةٌ». [ت ١٩٥٩، حم ٣/ ٣٢٤، ٣٧٩]\n===\n٤٨٦٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب) ﵁ (وعثمان بن عفان) ﵁ (كانا يفعلان ذلك) أي: يستلقيان واضعين إحدى الرجلين على الأخرى.\n\n(٣٢) (بَابٌ في نَقْلِ الْحَدِيثِ)\n٤٨٦٨ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا يحيى بن آدم، نا ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن عطاء، عن عبد الملك بن جابر بن عتيك) الأنصاري المدني، قال أبو زرعة: مدني ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن عبد البر: ليس بمشهور في النقل، (عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا حدّث الرجل بالحديث) أي أحدًا (ثم التفت) (١) يمينًا أو شمالًا حذرًا واحتياطًا من أن يسمع غيره (فهي أمانة) لا يجوز لك إفشاؤه.\n_________\n(١) أو المعنى ثم غاب عنك كما في \"المجمع\" (٤/ ٥٠٦)، ثم هو مقيد بما لا ضرر لاستثناء سفك الدم ونحوه، كذا في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٥٦). (ش).","vol":"13","page":282},{"text":"٤٨٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أبي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ إلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ: سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ، أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ، أَوِ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ». [حم ٣/ ٣٤٢]\n٤٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ قَالَا: نَا (١) أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُمَرَ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: هُوَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:\n===\n٤٨٦٩ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع) الصائغ (قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن ابن أخي جابر بن عبد الله، عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: المجالس) أي مجالس المشورة (بالأمانة) لا يجوز إفشاؤها (إلَّا ثلاثة مجالس:) مجلس (سَفْك دمٍ حرامٍ، أو) مجلس هتك (فَرْج حرام، أو) مجلس (اقتطاع مال بغير حق)، فهذه المجالس الثلاثة لا يجوز إخفاؤها، بل يجب الإظهار نصيحة للمسلمين.\nقال المنذري (٢): ابن أخي جابر مجهول، وفي إسناده عبد الله ابن نافع الصائغ مولى بني مخزوم، مدني، كنيته أبو محمَّد، وفيه مقال، انتهى.\n٤٨٧٠ - (حدثنا محمَّد بن العلاء وإبراهيم بن موسى الرازي قالا: نا أبو أسامة، عن عمر، قال إبراهيم) بن موسى شيخ المصنف: (هو) أي عمر المذكور هو (عمر بن حمزة بن عبد الله العمري، عن عبد الرحمن بن سعد قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢١٠).","vol":"13","page":283},{"text":"سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا». [م ١٤٣٧، حم ٣/ ٦٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>(٣٣) بابٌ في الْقَتَّاتِ</span>\n٤٨٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ». [خ ٦٠٥٦، م ١٠٥، ت ٢٠٢٦، حم ٥/ ٣٨٢]\n===\nسمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجلَ يُفْضي إلى امرأته وتفضي) المرأة (إليه) أي إلى زوجها، فالسر بينهما من أعظم الأمانة، (ثم يَنْشُرُ سِرَّها)، فنشر هذا السر من أعظم نقض الأمانة وأشد الخيانة.\n\n(٣٣) (بَابٌ في الْقَتَّاتِ) وهو النمام\n٤٨٧١ - (حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يدخل الجنة) أي في الأولين (قَتَّاتٌ). قال الطيبي (١): القَتَّات هو الذي يتسمَّع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينمّ، وفي \"القاموس\": رجل قَتَّات (٢): نَمَّام، أو يستمع أحاديث من الناس حيث لا يعلمون سواء نمّها أو لم ينمّها.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٠٢)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٥٦٦).\n(٢) وفرق العيني بأن النمام الذي يكون مع القوم ثم ينم، والقتات الذي يتسمع ثم ينم. انتهى. [انظر: \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٠٩)]. (ش).","vol":"13","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1793>(٣٤) بَابٌ في ذِي الْوَجْهَيْنِ</span>\n٤٨٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «مِنْ شَرِّ (١) النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِى يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». [م ٢٥٢٦، خ ٧١٧٩، حم ٢/ ٣٠٧]\n٤٨٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ (٢)، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ عَمَّارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\n===\n\n(٣٤) (بَابٌ في ذِي الْوَجْهَيْنِ)\n٤٨٧٢ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - يقال: من شرِّ الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه).\nنقل في الحاشية عن \"اللمعات\" (٣): المراد به المنافق بأن يتوجه تارة إلى قوم فيقول بما يوافقهم، وأخرى إلى عدوهم فيقول خلافه، أو يرى نفسه عند شخص أنه من جملة محبيه وناصحيه، ويحدث في غيبته بعيوبه ومساوئه.\n٤٨٧٣ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا شريك، عن الركين، عن نعيم بن حنظلة) ويقال: النعمان، ويقال: النعمان بن ميسرة، ويقال: ابن قبيصة، ويقال: قبيصة بن النعمان، روى عن عمار بن ياسر حديث ذي الوجهين، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال علي بن المديني في هذا الحديث: إسناده حسن، ولا يحفظ عن عمار عن النبي - ﷺ - إلَّا من هذا الطريق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عمار) بن ياسر (قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"شرار الناس\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن الربيع\".\n(٣) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٧٢).","vol":"13","page":285},{"text":"«مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ في الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ». [دي ٢٧٦٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>(٣٥) بابٌ في الْغِيبَةِ</span>\n٤٨٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ في أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «فإِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ». [م ٢٥٨٩، حم ٢/ ٢٣٠، ٣٨٤، ٣٨٦]\n===\nمن كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نارٍ).\n\n(٣٥) (بَابٌ في الْغِيْبَةِ) (١)\n٤٨٧٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا عبد العزيز -يعني ابن محمَّد-، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه) قال: (قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟) فذكري به هل هو غيبة؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (فإن كان فيه ما تقول) فذكرته (فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول) يعني ذكرت أمرًا مكروهًا ليس فيه (فقد بهته) من البهتان، أي: افتريت عليه الكذب.\n_________\n(١) بسط الكلام على الغيبة وما يباح من أنواعها الشامي (٩/ ٥٨٧)، وقد وردت روايات معناها أنه لا غيبة للفاسق المعلن، كذا في \"إتحاف السادة\" (٩/ ٣٣٣)، وفي \"إمداد المشتاق\" (ص ٦٤) للشيخ التهانوي عن شيخه: أن المعاصي على نوعين: الباهي والجاهي، والثاني أعظم، ولذا كبر إثم إبليس على إثم آدم، ولذا قيل: الغيبة أشد من الزنا. (ش).","vol":"13","page":286},{"text":"٤٨٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ الأَقْمَرِ، عَنْ أبي حُذَيْفَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا - قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: تَعْنِي قَصِيرَةً - فَقَالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ (١) بِهَا الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ»، قَالَتْ (٢): وَحَكَيْتُ إِنْسَانًا، فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا». [ت ٢٥٠٢، حم ٦/ ١٨٩]\n٤٨٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، نَا (٣) ابْنُ أبي حُسَيْنٍ،\n===\n٤٨٧٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة، عن عائشة قالت: قلت للنبي - ﷺ -: حسبُك من صفية) أي أم المؤمنين (كذا وكذا، قال غير مسدد: تعني قصيرة، فقال) - ﷺ -: (لقد قلتِ كلمةً لو مزج (٤) بها البحر) أي المالح (لَمَزَجَتْه) أي لغلبته، (قالت: وحكيت إنسانًا، فقال) - ﷺ -: (ما أُحِبّ أَنّي حَكَيْتُ إنسانًا) أي أنقل ما فيه من العيب (وأن لي كذا وكذا) من المال أو الدنيا. قال النووي (٥): ومن الغيبة المحاكاة بأن يمشي متعارجًا أو مُطأطأً رأسَه.\n٤٨٧٦ - (حدثنا محمَّد بن عوف، نا أبو اليمان، نا شعيب، نا ابن أبي حسين)، عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث بن عامر المكي النوفلي، قال أحمد والنسائي وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره\n_________\n(١) في نسخة: \"لو مزجت بماء البحر\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) زاد في نسخة: \"عبد الله\".\n(٤) قيل: هو من القلب، والصواب: لو مزجت بالبحر، والإيراد ساقط كما في هامش \"الكوكب\" (٣/ ٣٠٣)، والبسط في \"المرقاة\" (٨/ ٥٩٤). (ش).\n(٥) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٥٨٢).","vol":"13","page":287},{"text":"حَدَّثَنَا نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الاِسْتِطَالَةَ في عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ» (١). [حم ١/ ١٩٠]\n٤٨٧٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ وَأَبُو الْمُغِيرَةِ قَالَا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ\n===\nابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن عبد البر: ثقة عند الجميع، فقيه عالم بالمناسك.\n(نا نوفل بن مساحق، عن سعيد بن زيد، عن النبي - ﷺ - قال: إن مِن أربى الرّبا) أي: أقبحها وأفحشها (الاستطالةَ في عِرضِ المسلم بغير حق) (٢)، فإنها زيادة خالية عن العوض حيث لم يفعل له صاحبه شيئًا، ولم ينل من عرضه كما نال هو، وفيه إشارة إلى أن الرِّبا قال الله فيه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣)، فما كان من أربى الربا فهو أحق بهذا الوعيد.\n٤٨٧٨ - (حدثنا ابن المصلى، نا بقية وأبو المغيرة قالا: ثنا صفوان قال: حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: لما عُرِجَ بي) أي في الإسراء (مررتُ\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٤٨٧٧ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ: نَا عَمْرُو بْنُ أبي سَلَمَةَ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرحْمنِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ في عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ بِالسَّبّةِ\".\n[قال المزي بعد إيراد هذا الحديث في \"التحفة\" (١٤٠٢٠): \"هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وابن داسه ولم يذكره أبو القاسم\"].\n(٢) ويؤخذ منه ما كان بحق يجوز، قال العيني (٦/ ٢٧٢): ذكر الغزالي والنووي إباحة العلماء الغيبة في ستة مواضع، فهل تباح للميت أيضًا أم لا؟\nقلت: الظاهر لا، لقوله ﵇: \"كُفُّوا عن مساويهم\". (ش).\n(٣) سورة البقرة: الآية ٢٧٩.","vol":"13","page":288},{"text":"بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ». [حم ٣/ ٢٢٤]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بَقِيَّةَ، لَيْسَ فِيهِ أَنَسٌ.\n٤٨٧٩ - وحَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أبي عِيسَى السَّيْلَحِينِيُّ، عَنْ أبي الْمُغِيرَةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُصَفَّى.\n٤٨٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ،\n===\nبقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ، يَخْمِشُون) أي يخدشون ويجرحون (وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس) أي يغتابون المسلمين (ويقعون في أعراضهم) أي يهتكون أعراضهم.\n(قال أبو داود: حدثنا يحيى بن عثمان، عن بقية، ليس فيه أنس).\n٤٨٧٩ - (وحدثنا عيسى بن أبي عيسى السَّيْلَحِينِيُّ) وفي حاشية النسخة المدنية التي عليها المنذري نسختان أخريان، إحداهما: \"السيلحي\"، والثانية \"السليحي\"، وقال في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة عيسى بن أبي عيسى هذا: السليحي الطائي الحمصي، وقال: والسليح بفتح المهملة وكسر اللام والمهملة، بطن من قضاعة، فالظاهر أن الصواب \"السَّلِيْحِي\" (١)، (عن أبي المغيرة، كما قال ابن المصفَّى) شيخ المصنف في الحديث المتقَدم، أي، موصولًا.\n٤٨٨٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أسود بن عامر، نا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله بن جريج) مصغرًا، الأسلمي البصري، مولى أبي برزة، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وصحح له الترمذي.\n_________\n(١) انظر: \"التقريب\" (٥٣١٨).","vol":"13","page":289},{"text":"عَنْ أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ في بَيْتِهِ». [حم ٤/ ٤٢٠]\n٤٨٨١ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ (١)، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَقَّاصِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ (٢)، حَدَّثَهُ أَنَّ رسول الله -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ كُسِىَ ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ\n===\n(عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله - ﷺ -: يا معشر (٣) من آمن بلسانه) تنبيه على أن غيبة المسلم من شعار المنافق، لا المؤمن، (ولم يدخل الأيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا) أي لا تجسسوا (عوراتهم) أي: عيوبهم ومساويهم، (فإنه من اتّبع محوراتِهم يتّبعِ الله عورته) أي يقيض الله من يتبع عورته، (ومن يتبع الله عورتَه يفضَحْه في بيته) أي وإن كان يفعل مخفيًا في بيته.\n٤٨٨١ - (حدثنا حيوة بن شريح، نا بقية، عن ابن ثوبان، عن أبيه) ثوبان، (عن مكحول، عن وقاص) بتشديد القاف (ابن ربيعة) العنسي، أبو رشدين الشامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثه عن المستورد: \"من أكل برجل مسلم\" الحديث، (عن المستورد) بن شداد، (حدثه) أي حدث مستورد وقّاصًا (أن رسول الله - ﷺ - قال: من أكل برجل مسلم) أي بسبب اغتيابه والوقيعة فيه عند عدوه (أَكَلَةً) أي لقمة (فإن الله يُطْعِمُه مِثْلَها من جهنّم، ومن كُسِيَ ثوبًا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثلَه من\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المصري\".\n(٢) زاد في نسخة: \"أنه\".\n(٣) وفي الباب عدة روايات، بسطها السيوطي في \"الدر المنثور\" (٧/ ٥٦٥ - ٥٧٧). (ش).","vol":"13","page":290},{"text":"جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ بِهِ (١) مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n٤٨٨٢ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ:\n===\nجهنم، ومن قام برجل مقام سمعةٍ ورياءٍ فإن الله يقوم به مقام سمعةٍ ورياءٍ يوم القيامة).\nذكروا لهذه العبارة معنيين: أحدهما: أن الباء للتعدية أن من أقام رجلًا مقام سمعة ورياء، ووصفه بالصلاح والتقوى والكرامات، وشهّره بها، وجعله وسيلةً إلى تحصيل أغراض نفسه، وحطام الدنيا، فإن الله يقوم له بعذابه وتشهيره أنه كان كاذبًا.\nوثانيهما: أن الباء للملابسة، وقيل: هو أقوى وأنسب، أي من قام بسبب رجل من العظماء من أهل المال والجاه مقامًا يتظاهر فيه بالصلاح والتقوى، ليعتقد فيه، ويصير إليه المال والجاه، أقامه الله مقام المرائين، ويفضحه، ويعذبه عذاب المرائين، كذا في \"اللمعات\" (٢).\nوكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"من أكل برجل مسلم ... إلخ\" فيه وجوه: أن يغتابه، أو أن يغر الناس بإرائتهم أنه شيخ كبير، أوله علم غزير فيتحفوا هذا الشيخ فيأخذ منه، ويأكل معه، وكذلك في الفقرتين التاليتين، انتهى.\n٤٨٨٢ - (حدثنا واصل بن عبد الأعلى، نا أسباط بن محمَّد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"له\".\n(٢) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ١٥٨).","vol":"13","page":291},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: مَالُهُ، وَعِرْضُهُ، وَدَمُهُ حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ». [ت ١٩٢٧، حم ٢/ ٢٧٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>(٣٦) بَابُ الرَّجُل يَذُبُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ </span>(١)\n٤٨٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النبيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا\n===\nقال رسول الله - ﷺ -: كل المسلم على المسلم حرام: مالُه، وعرضُه، ودمُه، حسبُ امرئٍ من الشر) أي يكفي امرأً من الشر في دينه (أن يَحْقِرَ أخاه المسلم) أي يعده حقيرًا ذليلًا.\n\n(٣٦) (بَابُ الرَّجُل يَذُبُّ)، أي: يدفع (عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ) المسلم\n٤٨٨٣ - (حدثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء بن عبيد، نا ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن سليمان) بن زرعة الحميري، أبو حمزة المصري الطويل، قال أبو همام: كانوا يرون أنه أحد الأبدال، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال فيه البزار: إنه حديث بأحاديث ولم يتابع عليها.\n(عن إسماعيل بن يحيى المعافري) المصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقرأت بخط الذهبي في \"الميزان\"، فيه جهالة، (عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: من حَمَى) أي حفظ (مؤمنًا\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"باب من رد عن مسلم غيبة\".","vol":"13","page":292},{"text":"مِنْ مُنَافِقٍ - أُرَاهُ قَالَ: - بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ». [حم ٣/ ٤٤١]\n٤٨٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أبي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَا طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الأَنْصَارِيَّ يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرءًا مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ (١) يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ،\n===\nمن منافق) أي من لسانه ويده (أراه) أي أظنه) قال: بعث الله ملكًا يحمي) أي: يحفظ (لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلمًا بشيء يريد شَيْنَه) أي: عيبه (به حَبَسَه الله على جسر جهنم حتى يخرُجَ) أي ينجو (مما قال) أي من وبال (٢) ما قال.\n٤٨٨٤ - (حدثنا إسحاق بن الصباح) بفتح مهملة وشدة موحدة، الكندي الأشعثي الكوفي، نزيل مصر، قال في \"التقريب\" (٣): مقبول، (نا ابن أبي مريم) سعيد، (أنا الليث، حدثني يحيى بن سليم، أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول: سمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاري يقولان: قال رسول الله - ﷺ -: ما مِنْ امرئٍ يخذل) أي يترك نصره (امرءًا مسلمًا في موضع يُنتهك فيه حرمته، وبُنتقص فيه من عرضه، إلَّا خَذَلَه الله في موطنٍ يُحب فيه نُصْرَتَه) في الدنيا، أو في الآخرة،\n_________\n(١) في نسخة: \"موضع\".\n(٢) والمعنى حتى ينقى من ذنبه ذلك بإرضاء خصمه أو بشفاعة أو بتعذيبه بقدر ذنبه، كذا في \"المرقاة\" (٨/ ٧٢١ - ٧٢٢). (ش).\n(٣) (ص ١٢٩).","vol":"13","page":293},{"text":"وَمَا مِنِ امْرِئٍ (١) يَنْصُرُ مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ (٢) نُصْرَتَهُ». [حم ٤/ ٣٠، طس ٨٦٤٢]\nقَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُقْبَةُ بْنُ شَدَّادٍ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ هَذَا هُوَ ابْنُ (٣) زَيْدٍ مَوْلَى النبي -ﷺ-، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ بَشِيرٍ مَوْلَى بَنِى مَغَالَةَ، وَقَدْ قِيلَ: عُتْبَةُ بْنُ شَدَّادٍ، مَوْضِعَ عُقْبَةَ.\n... (٤)\n٤٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قال: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ،\n===\n(وما من امرئ ينصرُ مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلَّا نَصَرَه الله في موطن) أي موضع (يحبّ نصرته) فيه من الدنيا والآخرة.\n(قال يحيى) بن سليم: (وحدثنيه) أي هذا الحديث (عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وعقبة بن شداد).\n(قال أبو داود: يحيى بن سليم هذا هو ابن زيد) بن حارثة (مولى النبي - ﷺ -، وإسماعيل بن بشير مولى بني مغالة، وقد قيل: عتبة بن شداد موضع عقبة)، يعني قال بعضهم: فيه عقبة بالقاف، وبعضهم عتبة بالتاء موضع القاف.\n٤٨٨٥ - (حدثنا علي بن نصر، نا عبد الصمد بن عبد الوارث من كتابه قال: حدثني أبي) عبد الوارث (قال: نا الجريري،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"مسلم\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فيه\".\n(٣) في نسخة بدله: \"أبو زيد\".\n(٤) زاد في نسخة: \"باب من ليست له غيبة\".","vol":"13","page":294},{"text":"عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ الْجُشَمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ عَقَلَهَا، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى رَاحِلَتَهُ فَأَطْلَقَهَا، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ نَادَى: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا، وَلَا تُشْرِكْ في رَحْمَتِنَا أَحَدًا.\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ-: «أَتَقُولُونَ هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ! أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ؟» قَالُوا: بَلَى. [حم ٤/ ٣١٢]\n===\nعن أبي عبد الله الجُشَمي) روى عن جندب هذا الحديث، وله رواية أيضًا عن حفصة، وعائشة في \"مسند أحمد بن منيع\"، قال في \"التقريب\" (٢): شيخ لسعيد الجريري مجهول، (قال: نا جندب، قال: جاء أعرابي) أي بدوي، (فأناخ راحلته ثم عَقَلَها) أي شدّ رجلها بالعقال، (ثم دَخَلَ المسجد فصلّى خَلْفَ رسولِ الله - ﷺ -، فلما سلّم رسول الله - ﷺ - أتى راحِلَتَه فَأَطْلَقَها) أي حلّ عقالها، (ثم ركب) راحلتَه، (ثم نادى: اللَّهم ارحمني ومحمّدًا) - ﷺ - (ولا تُشْرِكْ في رحمتنا أحدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: أتقولون هو أضَلُّ) أي أجهل (أم بعيره!) لأنه ضيق رحمة الله الواسعة، (ألم تسمعوا إلى ما قال؟ قالوا) أي الصحابة (بلى).\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\" قوله: \"هو أضلّ أم بعيره\"، فيه دلالة على أن إظهار العيب لإظهار الحق ودلالة الناس على الهدى غير منهي عنه، فمن اقتدى به الناس وهو غير متأهل لذلك، وجب عليهم كافة إظهار معائبه، والتشنيع على مثالبه، لئلا تفتن الخليقة به.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) (ص ١١٧١).","vol":"13","page":295},{"text":"(١)\n\n(٣٧) بَابٌ في (٢) التَّجَسُّس\n٤٨٨٨ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيُّ وَابْنُ عَوْفٍ - وَهَذَا لَفْظُهُ - قَالَا: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّكَ إِنِ (٣) اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ\" أَوْ \"كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ». فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1796>(٣٧) (بَابٌ في التَّجَسُّس)</span>\nأي: النهي عن تبحث عورات المسلمين\n٤٨٨٨ - (حدثنا عيسى بن محمَّد الرملي، وابن عوف، وهذا لفظه) أي لفظ ابن عوف (قالا: نا الفريابي، عن سفيان، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن معاوية) بن أبي سفيان (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنك إن اتَّبَعْتَ عوراتِ الناس) أي معايبهم الخفية (أفسدتَهم، أو) للشك من الراوي (كِدْتَ أن تُفْسِدَهُم، فقال أبو الدرداء:\n_________\n(١) زاد في نسخة: باب ما جاء في الرجل يُحل الرجلَ قد اغتابَه\n٤٨٨٦ - حَذَثنَا مُحَمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا ابْنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتَادَةَ، قَالَ: \"أَيَعْجِزُ أَحَدُكُم أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَيْغَمٍ، أَوْ ضَمْضَمٍ- شَكَّ ابْنُ عُبَيْدٍ- كَانَ إذًا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ إني قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَىَ عِبَادِكَ\".\n٤٨٨٧ - حَدَّثنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ، عن عَبدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَمْضم\" قَالُوا: وَمَن أَبُو ضمْضَم؟ قَالَ: \"رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ\"، - بِمَعْنَاهُ-، قَالَ: \"عِرْضِي لَمَن شَتَمَنِي\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله العَمِّي، عن ثَابِتٍ، قَالَ: نَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، بِمَعْنَاهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ حَمَّادِ أَصَحُّ.\n[قال المزي بعد إيرادهما في \"التحفة\" (٤٦٧): \"في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم\"].\n(٢) زاد في نسخة: \"النهي عن\".\n(٣) في نسخة: \"إذا\".","vol":"13","page":296},{"text":"كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا.\n٤٨٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْحَمصِيُّ (١)، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا ضَمْضَمُ بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، وَعَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ، وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وَأَبِي أُمَامَةَ،\n===\nكلمةٌ) أي هذه كلمة (سَمِعَها معاوية من رسول الله - ﷺ - نَفَعَه الله بها).\nقال في الحاشية: أي إذا بحثت عن معايبهم، وجاهَرْتَهم بذلك، فإنه يؤدي إلى قلة حيائهم عنك، فيجترؤون على ارتكاب أمثالها مجاهرة، انتهى.\nوكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"تقريره\"، قوله: \"أفسدتهم\"، لأن ذلك يحمل على التباغض والتنافر وغير ذلك من مفاسد لا تخفى، ومعنى قوله: \"نفعه الله بها\"، أي في أيام خلافته حيث عمل بالكلمة.\n٤٨٨٩ - (حدثنا سعيد بن عمرو الحمصي، نا إسماعيل بن عياش، نا ضَمْضَمُ بنُ زرعة، عن شريح بن عبيد، عن جبير بن نفير، وكثير بن مرة، وعمرو بن الأسود، والمقدام بن معدي كرب، وأبي أمامة).\nقال المنذري (٢): في إسناده إسماعيل بن عياش، وفيه مقال، وشريح بن عبيد حضرمي شامي، كنيته أبو الصلت، سمع من معاوية بن أبي سفيان، وجبير بن نفير، أدرك النبي - ﷺ -، وقيل: إنه أسلم في خلافة أبي بكر، وهو معدود في التابعين، وكثير بن مرة ذكره عبدان في الصحابة، وذكر له حديثًا عن رسول الله - ﷺ -، والحديث مرسل، والذي نص عليه الأئمة أنه تابعي، وعمرو بن الأسود عنسي حمصي، أدرك الجاهلية، وروى عن عمر بن الخطاب -﵁ - وغيره، كنيته أبو عياض، ويقال: أبو عبد الرحمن، والمقدام وأبو أمامة صحبتهما مشهورة، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"الحضرمي\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢١٩).","vol":"13","page":297},{"text":"عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ في النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ». [حم ٦/ ٤، ك ٤/ ٣٧٨، ق ٨/ ٣٣٣]\n٤٨٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ (١) قال: أُتِىَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ: هَذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ (٢) وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ (٣) نَأْخُذْ بِهِ. [ق ٨/ ٣٣٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1797>(٣٨) بابٌ في السَّتْرِ عَنِ الْمُسْلِمِ</span>\n٤٨٩١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَشِيطٍ،\n===\n(عن النبي - ﷺ - قال: إن الأميرَ إذا ابْتَغَى الرِّيْبَةَ في الناس أَفْسَدَهم)، أي إذا اتّهَمَهُمْ وجاهَرَهُم بسوء الظن فيهم أدّاهم ذلك إلى ارتكاب ما ظنّ بهم فَفَسَدُوا.\n٤٨٩٠ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد) أي ابن وهب (قال: أُتِيَ ابن مسعود) برجل (فقيل: هذا فلان تَقْطُرُ لِحْيَتُه خَمْرًا، فقال عبد الله: إنا قد نُهِيْنَا عن التَّجَسُّسِ) أي تجسس عيوب الناس، (ولكن إن يَظْهَرْ لنا شيء نَأْخذْ به).\n\n(٣٨) (بَابٌ في السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِم)\n٤٨٩١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم بن نشيط) بفتح النون، ابن يوسف الوعلاني بفتح الواو، نسبة إلى وعلان بطن من مراد، ويقال: الخولاني مولاهم، أبو بكر المصري، قال أبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني: ثقة، وقال أحمد: ثقة ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: ثقة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن وهب\".\n(٢) في نسخة: \"التجسيس\".\n(٣) في نسخة: \"شيئًا\".","vol":"13","page":298},{"text":"عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أبي الْهَيْثَمِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَى مَوْءُودَةً».\n٤٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أبي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَشِيطٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْهَيْثَمِ يَذْكُرُ، أَنَّهُ سَمِعَ دُخَيْنًا كَاتِبَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ لَنَا جِيرَانٌ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَنَهَيْتُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَقُلْتُ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: إِنَّ جِيرَانَنَا هَؤُلَاءِ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَإِنِّي نَهَيْتُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، وأَنَا (١) دَاعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ،\n===\n(عن كعب بن علقمة، عن أبي الهيثم، عن عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ - قال) أي النبي - ﷺ -: (من رأى عَوْرَةً) أي عيبًا مخفيًا (فَسَتَرَها) أي لم يفشها (كان كمن أحيى مَوْءُودَةً) بإخراجها من القبر، أو بمنع الوالدين عن دفنها.\n٤٨٩٢ - (حدثنا محمَّد بن يحيى، حدثنا ابن أبي مريم، أنا الليث قال: حدثني إبراهيم بن نشيط، عن كعب بن علقمة، أنه سمع أبا الهيثم يذكر، أنه سمع دُخَيْنًا) بن عامر الحجري، أبو ليلى المصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قال ابن يونس: يقال: قتله الدم بالتنيس (٢) سنة مائة، قلت: ووثقه يعقوب بن سفيان.\n(كاتب عقبة بن عامر) الجهني، أمير مصر من قبل معاوية، (قال: قال: كان لنا جيران يشربون الخمر، فنهيتهم فلم ينتهوا) عن شرب الخمر، (فقلت لعقبة بن عامر: إن جيراننا هؤلاء يشربون الخمر، وإني نهيتهم) عن شربها (فلم ينتهوا، وأنا داع لهم الشُّرَط).\nقال في \"القاموس\": الشرطة بالضم واحدها شرط (٣)،\n_________\n(١) في نسخة: \"فأنا\".\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: \"قتلته الروم بتِنيس\". انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٠٧).\n(٣) وفي \"القاموس\": \"واحد الشُّرَط\"، وهو الصواب.","vol":"13","page":299},{"text":"فَقَالَ: دَعْهُمْ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى عُقْبَةَ مَرَّةً أُخْرَى فَقُلْتُ: إِنَّ جِيرَانَنَا قَدْ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَنَا دَاعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ، قَالَ: وَيْحَكَ! دَعْهُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-\"، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ. [حم ٤/ ١٥٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ (١) هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ: عَنْ لَيْثٍ في هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ عِظْهُمْ وَتَهَدَّدْهُمْ.\n===\nكصُرَد: طائفة من أعوان الولاة معروفٌ، وهو شرطي، كتركي وجهني، سُمَّوا بذلك، لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها، انتهى ملخصًا.\n(فقال: دعهم، ثم رجعتُ إلى عقبة مرةً أخرى فقلت: إن جيراننا قد أَبَوْا أن ينتهوا عن شرب الخمر، وأنا داعٍ لهم الشُّرَطَ، قال: ويحك! دعهم، فإني سمعت رسول الله - ﷺ -، فذكر معنى حديث مسلم) بن إبراهيم المتقدم شيخ المصنف.\n(قال أبو داود: قال هاشم بن القاسم (٢): عن ليث في هذا الحديث، قال) عقبة بن عامر: (لا تفعل، ولكن عِظْهم).\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: \"ولا تفعل ولكن عظهم\"، ولا ينافي ذلك قوله - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده\"، لأن التغيير باليد ليس هو إقامة الحد، بل المنع بما يمكنه من بذل المجهود في منعه، وأما الحد فليس تغييرًا له، وإنما تعزير له وإغراء على أن يفعل حيث لا يبقى له استحياء بعد تشهير شنعته، ولذلك أمرنا بالستر في الحدود، لأن في إظهارها إشاعة للفاحشة، انتهى (وتهددهم).\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"روى\".\n(٢) رواية هاشم بن القاسم أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٥٣) رقم (١٧٣٦٥).","vol":"13","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1798>(٣٩) بَابُ الْمُؤَاخَاة</span>\n٤٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كان (١) اللَّهَ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [خ ٦٩٥١، م ٢٥٨٠، ت ١٤٢٦، حم ٢/ ٩١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1799>(٤٠) باب الْمُسْتَبَّانِ </span>(٢)\n٤٨٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي\n===\n\n(٣٩) (بَابُ الْمُؤَاخَاة)\n٤٨٩٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن عقيل، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال: المسلم أخو المسلم) لما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) (لا يَظلِمُه، ولا يُسْلِمُه) أي: لا يظلمه بنفسه، ولا يسلمه في ظلم غيره، قال في \"فتح الودود\": منْ أَسْلَمَ فلانٌ فلانًا: إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه، (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فَرَّجَ عن مسلم كُرْبَةً) أي مصيبة (فرَّج الله عنه بها) أي: بسببها أو بعوضها (كربةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن سَتَرَ مسلمًا) أي عما صدر منه من السوء والفاحشة (ستره الله يوم القيامة) عن ذنوبه وفاحشته.\n\n(٤٠) (بَابُ الْمُسْتبَانِ)\nأي: الرجلان يسبّ أحدُهما الآخر\n٤٨٩٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز -يعني\n_________\n(١) في نسخة: \"فإنَّ\".\n(٢) في نسخة: \"باب الاستباب\"، وفي نسخة \"باب في السباب\".\n(٣) سورة الحجرات: الآية ١٠.","vol":"13","page":301},{"text":"ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِي مِنْهُمَا، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ». [م ٢٥٨٧، ت ١٩٨١، حم ٢/ ٢٣٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1800>(٤١) باب في التَّوَاضُعِ</span>\n٤٨٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أبي، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِىَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ». [م ٢٨٦٥]\n===\nابن محمَّد-، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: المُسْتَبَّان) أي الرجلان يسُبُّ كل واحد منهما الآخر، مبتدأ (ما قالا) أي الذي تكلما من السب، وهذا مبتدأ ثانٍ (فعلى البادي منهما) خبر لمبتدأ ثان، والجملة خبر للمبتدأ الأول، أي فإثم سبهما راجع على البادي منهما، أما إثم البادي فظاهر، وأما إثم الآخر فلكون الأول حمله على السب وظلمه، وهذا (ما لم يَعْتَدِ المظلومُ) (١) أي: لم يتجاوز المظلوم الحدَّ بأن سبّه أكثر، وأفحش منه، وأما إذا اعتدى كان إثم ما اعتدى عليه، والباقي على البادي.\n\n(٤١) (بَابٌ في التَّوَاضُعِ)\n٤٨٩٥ - (حدثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي) حفص بن عبد الله بن راشد، (حدثني إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله) بن الشخير، (عن عياض بن حمار أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله أوحى إليَّ أن تواضَعُوا حتى لا يبغيَ) أي لا يظلم (أحد على أحد، ولا يَفْخَرَ) أي لا يتكبر (أحد على أحد).\n_________\n(١) زاد في رواية أحمد - كما في \"الدر المنثور\" (٧/ ٣٥٨) -: ثم قرأ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. (ش).","vol":"13","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1801>(٤٢) بابٌ في الاِنْتِصَارِ</span>\n٤٨٩٦ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْمُحَرَّرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَعَ رَجُلٌ بِأَبِي بَكْرٍ فَآذَاهُ، فَصَمَتَ عنه أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ آذَاهُ الثَّانِيَةَ، فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ آذَاهُ (١) الثَّالِثَةَ، فَانْتَصَرَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ،\n===\nقال في \"اللمعات\" (٢): التواضع (٣) هو التوسط بن الكبر والضعة، والكبر هو رفع النفس إلى ما هو فوق مرتبتها، والتواضع وقوفها في مقامها ومرتبتها.\n\n(٤٢) (بَابٌ في الاِنْتِصَار)\nوهو الانتقام، وهو جائز على قدر الظلم، والأحسن العفو\n٤٨٩٦ - (حدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث، عن سعيد المقبري، عن بَشِير بن المحرَّر) بالمهملات، حجازي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا، قلت: قرأت بخط الذهبي: لا يعرف، (عن سعيد بن المسيب أنه قال: بينما رسول الله - ﷺ - جالس ومعه أصحابه، وقع رجل بأبي بكر) أي سَبَّه (فآذاه) من الإيذاء، (فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثانية، فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثالثة، فانتصر منه أبو بكر) أي: عملًا بالرخصة المجوزة للعوام، وتركًا للعزيمة المناسبة لمرتبة الخواص، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤)، وقال ﷿: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٥).\n_________\n(١) في نسخة: \"فآذاه\".\n(٢) \"أشعة اللمعات\" (٤/ ١٠١).\n(٣) وهو لغير الله حرام كما في \"الشامي\" (٩/ ٥٥١). (ش).\n(٤) سورة الشورى: الآيتان ٣٩، ٤٠.\n(٥) سورة النحل: الآية ١٢٦.","vol":"13","page":303},{"text":"فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ انْتَصَرَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، أَوَجَدْتَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ (١) بِمَا قَالَ لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لأَجْلِسَ إِذْ (٢) وَقَعَ الشَّيْطَانُ».\n٤٨٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبي سَعِيدٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ، وَسَاقَ نَحْوَهُ. [حم ٢/ ٤٣٦]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ\n===\n(فقام رسول الله - ﷺ - حين انتصر أبو بكر، فقال أبو بكر: أَوَجَدْتَ) أي غضبتَ (عليّ يا رسول الله) - ﷺ -؟ (فقال رسول الله - ﷺ -: نَزَلَ مَلَكٌ من السماء يُكَذِّبُه بما قال لك) أي ويجيب عنك، (فلما انتصرتَ وقع الشيطان، فلم أكن لأجلسَ إذ وقع الشيطان).\nقال القاري (٣): وأبو بكر -﵁ - وإن كان جمع بين الانتقام عن بعض حقه وبين الصبر عن بعضه، لكن لما كان المطلوب منه الكمال المناسب لمرتبته من الصديقيَّة ما استحسنه - ﷺ -، وقوله: وقع الشيطان وطلع الملك، والشيطان إنما يأمر بالفحشاء والمنكر، فخفت عليك أن تتعدى على خصمك وترجع ظالمًا بعد أن كنت مظلومًا.\n٤٨٩٧ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد، نا سفيان، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، أن رجلًا كان يسبّ أبا بكر، وساق نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.\n(قال أبو داود: وكذلك رواه صفوان بن عيسى عن ابن عجلان\n_________\n(١) في نسخة: \"فكذَّبه\".\n(٢) في نسخة: \"إذا\".\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٢٨٩).","vol":"13","page":304},{"text":"كَمَا قَالَ سُفْيَانُ.\n٤٨٩٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أبي. (ح): وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ عَنْ الاِنْتِصَارِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾، فَحَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ امْرَأَةِ أَبِيهِ\n===\nكما قال سفيان)، وإنما أعاد هذا السند لأن الحديث الأول كان مرسلًا، فأثبت بهذا الطريق أنه موصول، ثم قواه برواية صفوان بن عيسى.\nقال المنذري (١): في إسناده محمَّد بن عجلان وفيه مقال، وذكر البخاري في \"تاريخه\" (٢) المرسل، وذكر المسند بعده، وقال: والأول أصح.\n٤٨٩٨ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، ح: ونا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا معاذ بن معاذ، المعنى) أي معنى حديثهما (واحد، نا ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار) وعن قوله تعالى: (﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٣) أي: من عقوبة ومؤاخذة، (فحدثني علي بن زيد بن جدعان، عن أم محمَّد امرأة أبيه).\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وعنها ربيبها علي بن زيد بن جدعان، وقيل: عن علي، عن أم محمَّد، وهي امرأة أبيه، واسمها أمينة، ووقع في بعض النسخ من الترمذي: عن علي بن زيد بن جدعان، عن أمه، وهو غلط، فقد روى علي بن زيد، عن امرأة أبيه أم محمَّد عدة أحاديث.\n_________\n(١) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٢٣)، قلت: كلام المنذري كذا ذكره صاحب \"العون\" (١٣/ ١٦٤)، لكن قوله: \"في إسناده محمَّد بن عجلان وفيه مقال\" لم أجده في \"مختصر المنذري\"، والله أعلم.\n(٢) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٠٢).\n(٣) سورة الشورى: الآية ٤١.\n(٤) (١٢/ ٤٠٢).","vol":"13","page":305},{"text":"- قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَزَعَمُوا أَنَّهَا كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ (١): قَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَعِنْدَنَا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَجَعَلَ يَصْنَعُ شَيْئًا بِيَدِهِ، فَقُلْتُ بِيَدِهِ حَتَّى فَطَّنْتُهُ لَهَا، فَأَمْسَكَ، وَأَقْبَلَتْ زَيْنَبُ تَقْحَمُ لِعَائِشَةَ، فَنَهَاهَا، فَأَبَتْ أَنْ تَنْتَهِي، فَقَالَ (٢) لِعَائِشَةَ: «سُبِّيهَا» فَسَبَّتْهَا\n===\n(قال ابن عون: وزعموا) أي قالوا (أنها) أي: أم محمَّد امرأة زيد بن جدعان (كانت تدخل على أم المؤمنين) عائشة -﵂ - (قال) أي محمَّد: (قالت أم (٣) المؤمنين) المومنين) أي عائشة: (دَخَلَ عليَّ رسولُ الله - ﷺ - وعندنا زينب (٤) بنت جحش) زوج رسول الله - ﷺ -، (فجعل يَصْنَعُ شيئًا بيده) أي من المس ونحوه مما يجري بين الزوج والزوجة، (فقلت) أي أشرت (بيده) وفي نسخة: \"بيدي\" (حتى فَطَّنْتُه) أي أعلمت رسول الله - ﷺ - (لها) أي لزينب، أي أخبرته بوجود زينب وأطلعته بأن زينب موجودة، (فأمسك) رسول الله - ﷺ - من الفعل الذي يريد (وأقبلت زينب تَقَحَّمُ لعائشة) أي تعرض بشتمها وتدخل عليها، ومنه قولهم: تقحم في الأمور إذا كان يقع فيها، (فنهاها) أي نهى رسول الله - ﷺ - زينب عن سب عائشة (فأبت أن تنتهي، فقال) رسول الله - ﷺ - (لعائشة: سُبِّيْهَا فَسَبَّتْها) أي: سبت\n_________\n(١) في نسخة: \"قالت\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) يطلق على كل أزواجه لقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، لكن المراد ها هنا عائشة بقرينة، وهل يطلق على إمائه ﵇ أيضًا، لم أره بعد، ولم يتعرض له صاحب \"الجمل\" و\"الخازن\" و\"الكبير\" و\"أحكام القرآن\" و\"المدارك\"، قال الصاوي (٣/ ٣٣٠): \"وأزواجه أمهاتهم\" أي من عقد عليهن، سواء دخل بهنَّ أو لا، مات عنهن أو طلقهن، وسراريه اللاتي تمتع بهن كذلك، انتهى.\nوقال الزرقاني على \"المواهب\"، (٤/ ٣٥٦): وأزواجه أمهاتهم، أي في الاحترام واستحقاق التعظيم، ولذا حرم نكاحهن، انتهى. وصاحب \"الخميس\" (١/ ٢٦٥ - ٢٧١) ترجم أولًا بتزوجه ﵇ أمهات المؤمنين، ثم ترجم بالسراري ولم يطلق عليهن أمًّا. (ش).\n(٤) وفي \"مجمع الزوائد\" (٧٦٩٣) برواية أحمد عن عائشة: \"أم سلمة\" مكان \"زينب\".","vol":"13","page":306},{"text":"فَغَلَبَتْهَا، فَانْطَلَقَتْ زَيْنَبُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَتْ: إِنَّ عَائِشَةَ وَقَعَتْ بِكُمْ، وَفَعَلَتْ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَقَالَ لَهَا: «إِنَّهَا حِبَّةُ أَبِيكِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» فَانْصَرَفَتْ، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنِّي قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَجَاءَ عَلِيٌّ إِلَى النبي -ﷺ- فَكَلَّمَهُ في ذَلِكَ. [حم ٦/ ١٣٠]\n===\nعائشةُ زينبَ (فَغَلَبَتْها، فانطلقَتْ زينب إلى علي) ﵁ (فقالت: إن عائشةَ وَقَعَتْ بكم) أي بني هاشم (وَفَعَلَتْ، فجاءت فاطمة) إلى النبي - ﷺ - تشكو سبّ عائشة (فقال) رسول الله - ﷺ - (لها) أي لفاطمة: (إنّها حِبَّةُ أبيك وربِّ الكعبة، فانصرفَتْ، فقالت) فاطمة -﵂ - (لهم) أي بني هاشم: (إنى قلتُ له) أي لرسول الله - ﷺ - (كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا) فلم أستطع أن أتكلم بعد ذلك فيها بشيء.\n(قال) الراوي: (وجاء علي إلى النبي - ﷺ - فكلمه) أي: كَلَّم عليٌّ -﵁ - رسولَ الله - ﷺ - (في ذلك) أي في ذلك النزاع.\nقال المنذري (١): علي بن زيد بن جدعان لا يحتج بحديثه، وأم جدعان (٢) هذه مجهولة، انتهى.\nقلت: ليست هذه أم جدعان كما تقدم من الحافظ، بل أم محمَّد زوجة زيد بن جدعان.\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم: الانتصار جائز على قدر الظلم، والأحسن العفو، ولذلك لم يرض بانتصار أبي بكر -﵁ -، وإن كان بعد المرات، وأمر عائشة -﵂ - بالانتصار، لأن أبا بكر أفضل، فكره منه تركه لما هو أولى، ولا كذلك في عائشة، لأنها ليست بمنزلة أبي بكر، وأيضًا فإن المقصود وهو دفع الفتنة، وارتفاعها كان حاصلًا في قضية عائشة في الانتصار، فلو سكتت لزادت القصة على ما كانت.\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٢٣).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"مختصر المنذري\": \"أم محمَّد\"، وهو الصواب، والله أعلم.","vol":"13","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1802>(٤٣) بابٌ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الْمَوْتَى</span>\n٤٨٩٩ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ\n===\nوأما في واقعة أبي بكر فكان ترك الانتصار هو السبب لاندفاع الفتنة، ولذلك قال النبي - ﷺ -: \"إذ وقع الشيطان\"، فإنه لما أخذ يجيب خصمه ترصد الشيطان أن تقع مفسدة، وأما قبل جوابه وانتصاره فكان آيسًا من ذلك، ولا كذلك في قضية عائشة -﵂ -، لأن زينب إنما سكتت حين أخذت عائشة في الكلام، ولو لم تأخذ فيه لما سكتت، وهذا تصريح بأن الانتصار وإن كان الأولى تركه إلَّا أنه قد يستحب الانتصار، بل ويجب إذا خاف في الترك مفسدة، ولا ينبغي أن يغفل من أن المراد بوقوع الشيطان ليس هو إغواؤه، وأنه صنع شيئًا حتى يلزم أن يكون الانتصار منه، بل المراد ترقبه زيادة الفتنة وترصده ليوقع بينهما أكثر مما كان، وأما قبل ذلك فلم يكن مظنة أن يزداد ما بينهما من الفتنة، فلم يكن دخل بينهما لغلبة يأسه، لأن أحد المخاصمين إذا كان ساكتًا لا يجيب ففيم تشتعل نار الفتنة؟ انتهى (١).\n\n(٤٣) (بَابٌ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الْمَوْتَى)\n٤٨٩٩ - (حدثنا زهير بن حرب، نا وكيع، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله (٢) - ﷺ -: إذا مات صاحبكم) وفي نسخة:\n_________\n(١) وأجاد في الجمع بينهما بعض أعزائي بأن زينب -﵂ - كانت زوجته ﵇، فلم يرضَ لها- مع كونها على غير حق- أن يجيب لها الملك، بخلاف مخاصم الصديق -﵁ -، ويمكن عندي أن يقال: إن إيراد زينب، في الحقيقة كان عليه - ﷺ - لا على عائشة -﵂ - والانتصار منه، ودفع الإيراد عنه ﵇ واجب على كل أحد. (ش).\n(٢) ولفظ الترمذي: \"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه\"، وذكر في \"الكوكب\" (٤/ ٤٥٤): أن المراد بالصاحب النبي - ﷺ -، أو كل صاحب لكم، قلت: وبكليهما فسره القاري (٦/ ٤٠٠ - ٤٠١)، وبسطه في تخريج هذه الرواية. (ش).","vol":"13","page":308},{"text":"فَدَعُوهُ لَا تَقَعُوا فِيهِ». [ت ٣٨٩٥، حب ٣٠١٨، دي ٢٢٦٤]\n٤٩٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَنَسٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ». [ت ١٠١٩، حب ٣٠٢٠، ق ٤/ ٥٧]\n===\n\"أحدكم\" (فدعوه، ولا تقعوا فيه) أي لا تذكروه بسوء.\n٤٩٠٠ - (حدثنا محمَّد بن العلاء، أنا معاوية بن هشام، عن عمران بن أنس المكي، عن عطاء، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: اذكروا محاسن موتاكم).\nقال ميرك (١): الأمر للندب، أي ماكان فيهم من محاسنهم.\nوكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم: قوله: \"موتاكم\"، أشار به إلى المؤمنين، فيكون المنفي التعرض عمن مات وهو على سنة المسلمين وطريقتهم، فأما من ذهب في غير ذلك وتجارت به الأهواء والبدع، فلا ينبغي أن يسكت عن معايبه لئلا يبقى الناس متمسكين بما سمعوا منه وأخذوا فيضلوا، غير أنه وجب أن لا يكون إظهاره ذلك إلَّا لله سبحانه، لا لتشفي نفسه وإهانة الميت، انتهى.\n(وكفوا) (٢) الأمر للوجوب (عن مساويهم) جمع سوء على خلاف القياس، فإن ذكر السوء غيبة لهم، وهي كبيرة لا سبيل إلى عفوها، فوبالها لازم، فلا يرجى استحلاله.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٦٤).\n(٢) واستثنى منه البخاري حيث ترجم \"باب ذكر شرار الموتى\"، واستدل بسورة تبت. (ش). (انظر: \"صحيح البخاري\" ٢٣ - الجنائز، رقم الباب ٩٨).","vol":"13","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1803>(٤٤) بَابٌ فِي النَّهْي عَنِ الْبَغْيِ</span>\n٤٩٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ جَوْسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «كَانَ رَجُلَانِ في بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَواخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالآخَرُ مُجْتَهِدٌ في الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ، لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ ولَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، فَقُبِضَ أَرْوَاحُهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا؟ أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا في يَدِىَّ قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ\n===\n\n(٤٤) (بَابٌ فِي النَّهْي عَنِ الْبَغْيِ)\nأي: العدوان والظلم\n٤٩٠١ - (حدثنا محمَّد بن الصباح بن سفيان، نا علي بن ثابت، عن عكرمة بن عمار قال: حدثني ضمضم بن جوس قال: قال أبو هريرة (١): سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين) أي: متصادقين ومتصافيين، (فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر) أي كف عن الذنب، (فوجده يومًا على الذنب فقال له: أقصر) من الإقصار (فقال: خلِّني وربي أبُعِثْتَ عليَّ رقيبًا؟) أي أبعثك الله عليّ حافظا؟ (فقال) المجتهد: (والله، لا يغفر الله لك، أو ولا يدخلك الله الجنة، فَقَبَضَ أرواحَهما) أي ماتا، (فاجتمعا عند رب العالمين، فقال) الله ﷿ (لهذا المجتهد): حلفت أن لا يغفر الله له ولا يدخله الجنة، (أكنت بي عالمًا، أو كنت على ما في يدي قادرًا) فتمنعني منه؟ (وقال للمذنب: اذهب فأدخل\n_________\n(١) وفي الباب عن جندب عند مسلم (٢٦٢١) \"جمع الفوائد\" (٢/ ٢٨٢). (ش).","vol":"13","page":310},{"text":"الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ».\nقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ\". [حم ٢/ ٣٢٣]\n... (١)\n٤٩٠٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ في الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ في الآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ». [ت ٢٥١١، جه ٤٢١١، حم ٥/ ٣٦، ٣٨]\n===\nالجنة برحمتي) إني غفرت لك، (وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار) أي لا للخلود والدوام، بل لجزاء ما اجترأ عليَّ وما أعجب بأعماله.\n(قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لَتَكلم) أي المجتهد (بكلمةٍ أَوْبَقَتْ) أي أفسدت (دنياه وآخرته).\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم: قوله \"أوبقت دنياه\" أي ما يعتريه في الدنيا من الفضيحة لا سيما في الأمم السابقة، فإن ذنب أحدهم يكتب على باب داره.\n٤٩٠٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه) عبد الرحمن بن جوشن، (عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما من ذنب أجدرُ أن يعجِّلَ الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدَّخِر له في الآخرة مِثْلُ البغي) أي الظلم (وقطيعةِ الرحم)، فإنهما أجدر أن يعجّل العقوبة عليهما في الدنيا ويدخر في الآخرة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب النهي عن البغي\".","vol":"13","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1804>(٤٥) بَابٌ فِي الْحَسَدِ</span>\n٤٩٠٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَمْرٍو -، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أبي أَسِيدٍ (١)، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ (٢) النَّارُ الْحَطَبَ»،\n===\n\n(٤٥) (بَابٌ فِي الْحَسَدِ)\nقال في \"القاموس\": حَسَدَهُ الشيءَ وعليه يحسِده ويحسُده حَسَدًا وحُسودًا وحَسادَةً، وَحَسَّدَه: تمنى أن تَتَحَوَّلَ إليه نِعْمَتُه وفَضِيْلَتُه، أو يُسْلَبَهُما.\n٤٩٠٣ - (حدثنا عثمان بن صالح) بن سعيد بن يحيى الخياط الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام قبل القاف، أبو القاسم (البغدادي) يقال: أصله مروزي، مولى لبني كنانة، قال ابن حبان في \"الثقات\": كان حسن الاستقامة في الحديث، وقال الخطيب: كان ثقة.\n(أنا أبو عامر -يعني عبد الملك بن عمرو-، نا سليمان بن بلال، عن إبراهيم بن أبي أسيد) البراد المديني، روى عن جده ولم يسمه، قال أبو حاتم: شيخ مديني، محله الصدق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وحكى في أسيد خلافًا هل هو بضم الهمزة أو فتحها، انتهى.\nقلت: وقال المنذري (٣): ويقال: ابن أبي أسيد، من ضم الألف فتح السين، ومن فتحها كسر السين.\n(عن جده، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: إياكم والحسد) أي اتقوا منه، (فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن أبيه\".\n(٢) في نسخة: \"يأكل\".\n(٣) انظر: \"هامش مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٢٥).","vol":"13","page":312},{"text":"أَوْ قَالَ: «الْعُشْبَ».\n٤٩٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي الْعَمْيَاءِ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ أبي أُمَامَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِالْمَدِينَةِ (١) فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ (٢) عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ في الصَّوَامِعِ\n===\nأو) للشك من الراوي (قال: العشب) بضم العين: الكلأ الرطب.\n٤٩٥٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء) الكناني المصري، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا: \"لا تُشَدِّدوا على أنفسكم\" (أن سهل بن أبي أمامة حدثه، أنه دخل هو) أي سهل (وأبوه) أي أبو أمامة (على أنس بن مالك بالمدينة) في زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة، فإذا هو -أي أنس- يصلي صلاةً خفيفةً دقيقةً، كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها، فلما سلم أي أنس قال -أي أبي-: يرحمك الله، أرأيتَ أي أخبرني هذه الصلاةَ أي التي صليت هل هي المكتوبة أو شيءٌ تَنَفَّلْتَه؟ قال أنس: إنها المكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله - ﷺ -، ما أخطأتُ عن صلاة رسول الله - ﷺ - إلا شيئًا سهوتُ عنه.\n(فقال) أي أنس: (إن رسول الله - ﷺ - كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فَيُشَدَّد) ببناء المجهول أي من الله (عليكم، فإن قومًا) من أهل الكتاب (شَدَّدُوا على أنفسهم فَشَدَّدَ الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع) جمع صومعة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"في زَمَانِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ أمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَإذَا هُوَ يُصَلِّي صَلَاة خَفِيفَةَ دَقِيقَةً، كَأنَّهَا صَلَاةُ مُسَافِرٍ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا. فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ: يَرْحمَك اللهُ، أَرَأيْتَ هَذِهِ الصَّلاة: الْمَكْتُوبَةُ، أَوْ شَيْءٌ تَنَفَّلْتَهُ؟ قَالَ: إنَّهَا الْمَكْتُوبَةُ، وإَّنهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ الله - ﷺ - مَا أَخْطَأْتُ إلَّا شَيْئًا سَهَوْتُ عَنْهُ\".\n(٢) في نسخة بدله: \"فيشدد الله\".","vol":"13","page":313},{"text":"وَالدِّيَارِ ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (١)».\n===\nوهي كنائس النصارى (والديار) وقد ذكرهم الله تعالى في قوله: (﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾) (٢).\n(ثم غدا) أي أبو أمامة (من الغد) إلى أنس بن مالك (فقال: ألا تركبُ) أي إلى البادية (لتنظُرَ ولتَعْتَبِرَ، قال: نعم، فركبوا جميعًا فإذا هم بديارٍ بادَ) أي هلك (أهلها، وانقضوا، وفَنَوا خاويةً على عروشها، فقال) أبو أمامة لأنس بن مالك: (أتعرف هذه الديار؟ فقال: ما أعرفني بها وبأهلها) صيغة تعجب، أي أنا أعرف بها (هذه ديار قوم أهلكهم البغي) أي الظلم (والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدِّقُ ذلك أو يكذِّبُه) فإنه بعد الحسد، إذا بغى يتحقق إطفاء نور الحسنات، وإذا لم يبغ يكذبه، (والعين تزني، والكف، والقدم، والجسد، واللسان، والفرج يصدِّق ذلك أو يكذّبه).\nهذا الحديث من قوله: \"فقال: إن رسول الله - ﷺ -\" إلى قوله: \"ماكتبناها عليهم\" داخل في المتن في النسخة المجتبائية، والمكتوبة الأحمدية، والمكتوبة المدنية، وغيرها. وأما في النسخة المدنية التي عليها المنذري ففي متنها زيادة عليها من قوله: \"في زمان عمر بن عبد العزيز\" إلى قوله: \"سهوت عنه\"، ومن قوله: \"ثم غدا من الغد\" إلى قوله: \"أو يكذبه\"، فهذه الزيادة داخلة في متن النسخة المكتوبة التي عليها المنذري، ولعل المصنف أو غيره اختصره، فنقل في بعض النسخ مختصرًا، وبقي في بعضها تمام الحديث، ولكن هاتان العبارتان كتبتا في النسخ على الحاشية، والأولى أن تكون داخلة في المتن، لأن مناسبة الباب لا تتم إلَّا بهذه العبارة، والله أعلم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ثُمَّ غَدَا مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: أَلَا تَرْكَبُ لِتَنْظُرَ وَلتَعْتَبِرَ قَالَ: نَعَمْ. فَرَكِبُوا جَمِيعًا فَإذَا هُمْ بِدِيَارِ بَادَ أهْلُهَا، وَانْقَضَوْا، وَفَنَوْا خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا. فَقَالَ: أَتَعْرِفُ هَذِهِ الدِّيَارَ؟ فَقُلْتُ: مَا أَعْرَفَنِي بِهَا وَبِأهْلِهَا، هَذِهِ دِيَارُ قَوْمِ أَهْلَكَهُمُ الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ. إنَّ الْحَسَدَ يُطْفِئُ نُورَ الْحَسَنَاتِ، وَالْبَغْيُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذُبُهُ. وَالْعَيْنُ تَزْنِي، وَالْكَفُّ، وَالْقَدَمُ، وَالْجَسَدُ، وَاللِّسَانُ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ\".\n(٢) سورة الحديد: الآية ٢٧.","vol":"13","page":314},{"text":"(٤٦) بابٌ (١) في اللَّعْنِ\n٤٩٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ نِمْرَانَ يَذْكُرُ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهِبْطُ إِلَى الأَرْضِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِى لُعِنَ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>(٤٦) (بَابٌ فِي اللَّعْنِ) </span>(٢)\n٤٩٠٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا يحيى بن حسان، نا الوليد بن رباح) بالموحدة (قال: سمعت نمران) بكسر أوله وسكون ثانيه، ابن عتبة الذماري بفتح المعجمة وتخفيف الميم، ذكر ابن مسنده أنه دمشقي، وعنه ابن أخيه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(يذكر عن أم الدرداء قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إن العبد إذا لعن شيئًا صَعِدَتِ اللعنة إلى السماء، فَتُغْلَقُ أبوابُ السماء دونها) أي دون اللعنة، (ثم تَهْبِطُ إلى الأرض، فَتُغْلَقُ أبوابُها) أي أبواب الأرض (دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا، فإذا لم تجد مساغًا رجعت إلى الذي لُعِنَ) بصيغة\n_________\n(١) في نسخة: \"باب النهي عن اللعن\".\n(٢) وهل يجوز لعن يزيد؟ حكى القاضي ثناء الله في مكتوباته \"كلمات طيبات\" (ص ١٩٧): أن للعلماء فيه ثلاثة مذاهب: الأول: المنع، كما قاله الإِمام أبوحنيفة في \"الفقه الأكبر\" (ص ١٥٧)، والثاني: الجواز، كما قاله الإِمام أحمد وابن الجوزي وغيرهما، واختاره التفتازاني في \"شرح العقائد\" (ص ١٦٢)، والثالث: السكوت، وبسط الكلام على دلائل الثلاثة، وحقق الشامي (٥/ ٥٣) المعتمد عدم الجواز على المُعَيَّن، وأشكل باللعان فإنه على معين، وسكت عن الجواب، بل أجاب بما لا يشفي، وما ورد من لعنه - ﷺ -، كما في روايات عديدة في \"جمع الفوائد\" (٣/ ٦٤) فمحمول على أنهم كانوا أهلًا لذلك، كما يظهر من \"الفتح\" (١٢/ ٨٢)، و\"الكوكب\" (٣/ ٧٢). (ش).","vol":"13","page":315},{"text":"فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا، وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا».\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ رَبَاحُ بْنُ الْوَلِيدِ سَمِعَ مِنْهُ، وَذَكَرَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ وَهِمَ فِيهِ.\n٤٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَلَا بِغَضَبِ اللَّهِ، وَلَا بِالنَّارِ». [ت ١٩٧٦، حم ٥/ ١٥]\n===\nالمجهول (فإن كان لذلك) أي اللعن (أهلًا) وجزاء الشرط حذوف أي لحقته (وإلَّا) أي وإن لم يكن الذي لعن أهلًا للعنة (رجعت إلى قائلها) فتلحقه.\nفاللعنة هو الإبعاد عن رحمة الله تعالى، وهذا شديد يخاف منه السماء والأرض، فإذا لم يجد في السماء والأرض مدخلًا يتوجه إلى الذي لُعِنَ، فإذا لم يكن هو أهلًا له يرجع إلى اللاعن، فيلزم كل إنسان أن يحترز عن اللعن لخشية أن يرجع إليه، وذلك من فضل الله ورحمته بعباده حيث يسعى في دفعها ما أمكن، فإذا لم تجد مساغًا يتعلق بأحدهما إما الذي لعن أو اللاعن.\n(قال أبو داود: قال مروان بن محمَّد: هو رباح بن الوليد سَمِعَ منه) أي من نمران (وذكر أن يحيى بن حسان وَهِمَ فيه)، معناه أن الذي روى عنه يحيى بن حسان، وسماه الوليد بن رباح، وهم فيه يحيى بن حسان، والصواب أن اسمه رباح بن الوليد.\n٤٩٠٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، نا قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي - ﷺ - قال: لا تلاعنوا) بحذف إحدى التائين (بلعنة الله، ولا بغضب الله، ولا بالنار)، أي لا تسابوا فيما بينكم باللعنة صريحًا أو كناية.","vol":"13","page":316},{"text":"٤٩٠٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبي الزَّرْقَاءِ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أبي حَازِمٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ أُمَّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ». [م ٢٥٩٨، حم ٦/ ٤٤٨]\n٤٩٠٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ. (ح): وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ (١)، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أبي الْعَالِيَةِ، قَالَ زَيْدٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ\n===\n٤٩٠٧ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي، نا هشام بن سعد، عن أبي حازم وزيد بن أسلم، أن أم الدرداء قالت: سمعت أبا الدرداء قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يكون (٢) اللعّانون شفعاء) للعاصين يوم القيامة، (ولا شهداء) على الناس.\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"تقريره\": وذلك لأن الشهادة مبناها على الأمانة، وهؤلاء خانوا المسلمين بإبعادهم عن الرحمة، وكذلك الشفاعة تبتني على رقة القلب، وخلوص النصيحة، ومن لعن قسا قلبه، ولم يخلص النصيحة، فَأَنّى له أن يشفع أو يكون شهيدًا؟\n٤٩٠٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا أبان (العطار، (ح: ونا زيد بن أخزم الطائي، نا بشر بن عمر، نا أبان بن يزيد) العطار، (نا قتادة، عن أبي العالية، قال زيد) بن أخزم شيخ المصنف: (عن ابن عباس) ولعل مسلم بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"العطار\".\n(٢) قال النووي (٨/ ٣٩٥): فيه ثلاثة أقوال: أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم تبليغ رسلهم، والثاني: في الدنيا أي لا تقبل شهادتهم بفسقهم، والثالث: لا يرزقون الشهادة، وورد بصيغة المبالغة، لأن هذا الذم إنما هو لمن كثر منه اللعن لا لمرة ونحوها، ولأنه يخرج منه اللعن المباح وهو الذي ورد الشرح به، انتهى. (ش).","vol":"13","page":317},{"text":"أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ، وَقَالَ مُسْلِمٌ: إِنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ عَلَى عَهْدِ النبي -ﷺ- فَلَعَنَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ». [ت ١٩٧٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1806>(٤٧) بابٌ فِيمَنْ دَعَا عَلَى ظالمه </span>(١)\n٤٩٠٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُرِقَ لَهَا شَيْءٌ فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ». [تقدَّم برقم ١٤٩٧]\n===\nإبراهيم شيخه الثاني رواها مرسلًا (أن رجلًا لَعَنَ الريحَ، وقال مسلم) بن إبراهيم شيخ المصنف: (إن رجلًا نازعَتْه الريحُ رداءه على عهد النبي - ﷺ - فلعنها، فقال النبي - ﷺ -: لا تلعنها فإنها مأمورة) يعني أنها تهب بأمر الله ﷾، فهي ليست أهلًا للعن، (وإنه) أي الشأن (من لَعَنَ شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه) أي على اللاعن.\n\n(٤٧) (بَابٌ فِيمَنْ دَعَا عَلَى ظَالِمِهِ)\n٤٩٠٩ - (حدثنا ابن معاذ، نا أبي) معاذ، (نا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة (٢) قالت: سُرِقَ لها شيءٌ فجعلت تدعو) أي عائشة -﵂ - (عليه) أي على السارق، (فقال لها رسول الله - ﷺ -: لا تُسَبِّخي) بتشديد الموحدة بعدها خاء معجمة، أي لا تخففي (عنه) إثم السرقة بدعائك عليه.\nقال في \"فتح الودود\": كأنه - ﷺ - رآها في الغضب، فأشار إلى أن مقتضى الغضب تتميم العقوبة له، والدعاء عليه يخفف العقوبة عنه، فاللائق بذلك ترك الدعاء عليه، ومراده - ﷺ - أن تترك الدعاء لا أن تتم له العقوبة.\n_________\n(١) في نسخة: \"من ظلمه\".\n(٢) تقدَّم الحديث في \"باب الدعاء\" بنوع تغير في السند، وتقدَّم الكلام هناك (٦/ ٢٢٦). (ش).","vol":"13","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1807>(٤٨) بَابٌ في هِجْرَةِ الرَّجُلِ أَخَاهُ </span>(١)\n٤٩١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ». [خ ٦٠٧٦، م ٢٥٥٩، ت ١٩٣٥، حم ٣/ ١١٠]\n===\n\n(٤٨) (بَابٌ في هِجْرَةِ الرَّجُلِ أَخَاهُ)\n٤٩١٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا)، فإن الأخ لا يباغِض ولا يدابِر أخاه، قال الخطابي: معناه: لا تهاجروا، (ولا يحل لِمسلم أن يهجر أخاه) أي الأخ في الدين (فوق ثلاث ليال).\nقال الخطابي (٢): وأما الهجران أقل من ثلاث (٣)، فإنما جاء ذلك في هجران الرجل أخاه لعتب وموجدة، أو شيء يكون منه، وأما هجران الوالد الولد، والزوج الزوجة، ومن كان في معناهما فلا يضيق أكثر من ثلاث، وقد هجر رسول الله - ﷺ - نساءه شهرًا، انتهى.\nقال السيوطي: والمراد حرمة الهجران إذا كان الباعث عليه وقوع تقصير في حقوق الصحبة، والأخوة، وآداب العشرة، كاغتياب، وترك نصيحة، وأما ما كان من جهة الدين والمذهب فهجران أهل البدع والأهواء واجب إلى وقت ظهور التوبة، ومن خاف من مكالمة أحد وصلته ما يفسد عليه الدين، أو يدخل مضرة في\n_________\n(١) في نسخة: \"باب فيمن يهجر أخاه المسلم\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٢٢).\n(٣) وفي \"المعالم\": \"أكثر من ذلك\" بدل: \"أقل من ثلاث\".","vol":"13","page":319},{"text":"٤٩١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». [خ ٦٠٧٧، م ٢٥٦٠، ت ١٩٣٢، حم ٥/ ٤١٦]\n٤٩١٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ السَّرْخَسِيُّ، أَنَّ أَبَا عَامِرٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ ﵇ فَقَدِ اشْتَرَكَا في الأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإِثْمِ». زَادَ أَحْمَدُ: «وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ». [ق ١٠/ ٦٣]\n===\nدنياه يجوز له مجانبته، والبعد عنه، ورب هجر حسن خير من مخالطة مؤذية.\n٤٩١١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، ويلتقيان فَيُعرِضُ هذا) عنه (ويُعْرِضُ هذا) الآخر عن ذاك الأول، (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).\n٤٩١٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، وأحمد بن سعيد السرخسي، أن أبا عامر أخبرهم قال) أي أبو عامر: (نا محمَّد بن هلال قال: حدثني أبي) هلال بن أبي هلال، (عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث) أي ثلاث ليال مع أيامها، (فإن مرت به ثلاث) أي ثلاث ليال (فليلقه) أي المؤمن (فليسلم عليه، فإن رد ﵇) أي إن رد الآخر على البادئ السلام (فقد اشتركا في الأجر) أي في أجر ترك الهجرة، (وإن لم يرد عليه) أي السلام (فقد باء) أي رجع هذا الآخر (بالإثم، زاد أحمد: وخرج المُسَلِّمُ) من التسليم (من الهجرة).","vol":"13","page":320},{"text":"٤٩١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُنِيبِ - يَعْنِي الْمَدَنِيَّ (١) - قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَكُونُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلَاثَةٍ، فَإِذَا لَقِيَهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ (٢) كُلُّ ذَلِكَ (٣) لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ».\n===\n٤٩١٣ - (حدثنا محمَّد بن المثنى، نا محمَّد بن خالد ابن عثمة) بفتح المهملة وسكون المثلثة، الحنفي البصري، وعثمة أمه، عن أحمد: ما أرى بحديثه بأسًا، وقال أبو زوعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ربما أخطأ.\n(نا عبد الله بن المنيب) بضم الميم وكسر النون آخره موحدة، ابن عبد الله بن أبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري (يعني المدني) قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود في الهجر قوق ثلاث، قلت: وقال علي بن الحسين بن جنيد، سمعت عبد الله بن الحسن الهِسِنْجَاني (٤) يقول: عبد الله بن منيب ثقة.\n(قال: أخبرني هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يكون) أي لا يجوز (المسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاث) أي ثلاثة أيام، (فإذا لقيه سلَّم عليه ثلاث مرار كلُّ ذلك لا يرد عليه) السلام، (فقد باء) أي رجع الذي لا يرد السلام (بإثمه) أي بإثم المسلم.\n_________\n(١) في نسخهَ: \"المديني\".\n(٢) في نسخة: \"مرات\"\n(٣) في نسخة: \"ذاك\".\n(٤) بكسر الهاء والسين المهملة سكون النون وفتح الجيم وفي آخرها النون بعد الألف، هذه النسبة إلى قرية من قرى الري يقال لها: هسنكان، فعرب إلى هسنجان. \"الأنساب\" (٥/ ٦٤٢).","vol":"13","page":321},{"text":"٤٩١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أبي حَازِمٍ (١)، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ». [حم ٢/ ٣٩٢]\n٤٩١٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ». [حم ٤/ ٢٢٠]\n===\n٤٩١٤ - (حدثنا محمَّد بن الصباح البزاز، نا يزيد بن هارون، أنا سفيان الثوري، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه) المسلم (فوق ثلاثٍ، فمن هجر فوق ثلاث فمات) مهاجرًا (دخل النار) أي استحق دخول النار.\n٤٩١٥ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، عن حيوة، عن أبي عثمان الوليد بن أبي الوليد، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي خراش السلمي)، هو حدرد بن أبي حدرد، قال الحافظ في ترجمة حدرد (٢): أبو خراش السلمي، ويقال: الأسلمي، له صحبة، يعد في المدنيين، روى عن النبي - ﷺ - في الهجرة، وما له غيره، قلت: الجمهور على أنه أسلمي، وساق ابن الأثير نسبه إلى أسلم، وحكاه العسكري عن أحمد بن حنبل.\n(أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: من هجر أخاه سنة فهو كَسَفْكِ دمِه) في استحقاق مزيد الإثم، وكون كل منهما مما لا يناسب الإيمان، فإنه بالإيمان صار آمنًا من القتل والهجران.\n_________\n(١) في نسخة: \"أبي مزاحم\".\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢١٧).","vol":"13","page":322},{"text":"٤٩١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ (١) النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيُغْفَرُ في ذَلِكَ (٢) الْيَوْمَيْنِ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إلَّا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» (٣). [م ٢٥٦٥، ت ٧٤٧، جه ١٧٤٠، حم ٢/ ٢٦٨، ٣٢٩، ٣٨٩، ٤٠٠]\n===\n٤٩١٦ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: تفتح أبواب الجنة كل يوم اثنين وخميس، فَيُغْفَر في ذلك اليومين لكلِّ عبدٍ لا يشرك بالله شيئًا، إلَّا من بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أَنْظِرُوا) أي: أمهلوا (هذين حتى يَصْطَلِحَا) أي يصالحا ويزول عنهما الشحناء.\nوكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"كل يوم اثنين وخميس\"، قصد بذلك- والله أعلم- أنهم تقابل حسناتهم وسيئاتهم، فيغفر ما كان أهل مغفرة وعفو، ويبقى من السيئات ما كان زائدًا على قدر الحسنات بالجملة، فالرواية محمولة على غيرها من الروايات، وليس الغرض منها عموم المغفرة في اليومين لكل مؤمن أعم من أن يكون اكتسب حسنة أو لا، واستحق بأعماله المغفرة أم لا، وذلك لأنها لو قصد بها هذا المعنى لزم إهمال الروايات الواردة في عذاب القبر ووزن الأعمال وغير ذلك، إذ ما من مسلم إلَّا وقد أتى عليه كثير من أيام الاثنين والخميس، فلا محيص عن التقييد والتخصيص، والله أعلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"أن\".\n(٢) في نسخة: \"ذينك\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: النَّبِيُّ - ﷺ - هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَابْن عُمَرَ هَجَرَ ابْنًا لَهُ حَتَّى مَاتَ\".","vol":"13","page":323},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا (١) كَانَتِ الْهِجْرَةُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا بِشَيْءٍ، عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَطَّى وَجْهَهُ عَنْ رَجُلٍ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1808>(٤٩) بابٌ في الظنِّ</span>\n٤٩١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ،\n===\n(قال أبو داود: إذا كانت الهجرة لله) أي هجرة المسلم لرعاية حق من حقوق الله تعالى (فليس من هذا) أي الوعيد (٣) (بشيء، عمر بن عبد العزيز) الخليفة العادل (غطّى وجهه عن رجل).\n\n(٤٩) (بَابٌ في الظَّنِّ) أي: ظن السوء\n٤٩١٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إياكم والظَّنَّ) أي ظن السوء، (فإن الظَنَّ أكذبُ الحديث) معناه: أن ظن السوء غالبًا يكون على خلاف الواقع فيكون\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وإن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وَابْن عُمَرَ هَجَرَ أبْنَهُ، وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: أُهْجُرِ الأَحْمَقَ فَلَيْسَ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الهِجْرَانِ\".\n(٣) فقد منع النبي - ﷺ - الكلام مع من تخلف في تبوك كما تقدم في \"باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم\"، وتقدم (ح ٥٦٨) أن ابن عمر -﵁ - لم يكلم ابنه حتى مات، وفي \"الكبيري\" (ص ٥٥٠): سمع ابن مسعود رجلًا يضحك في جنازة فقال: أتضحك وأنت في جنازة، لا أكلمك أبدًا، وتقدم ترك السلام على أهل الأهواء في \"باب ترك السلام على أهل الأهواء\"، وقال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤١٨) في صلة الرحم: إن المقاطعة من الفجار هي صلتهم، انتهى. وأيضًا هجر النبي - ﷺ - زينب شهرين وبعض الثالث. [أخرجه أبو داود رقم (١٩٧٣)]. (ش).","vol":"13","page":324},{"text":"وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا». [خ ٦٠٦٦، م ٢٥٦٣، ت ١٩٨٨، حم ٢/ ٢٤٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1809>(٥٠) بابٌ في النَّصِيحَةِ</span>\n٤٩١٨ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ -، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ،\n===\nأكذب الحديث، أي من أحاديث النفس التي تقع في قلب الإنسان، فلا يجوز اتباعه، (ولا تحسسوا) بحاء مهملة (ولا تجسسوا) يجيم، وفي كليهما حذف إحدى التائين، أي: لا تتبعوا عورات الناس ولا تلتمسوا مساويهم.\n\n(٥٠) (بَابٌ في النَّصِيحَةِ) (١)\n٤٩١٨ - (حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، نا ابن وهب، عن سليمان -يعني ابن بلال-، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح) الدوسي المدني، مولى ابن أبي ذباب، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال البخاري: حسن الحديث، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأما الوليد بن رباح الذي تقدم ذكره في باب اللعن قريبًا، ونَبَّه المصنف على أن الصواب فيه رباح بن الوليد، وقال: إن يحيى بن حسان وَهِمَ فيه، فهو رجل آخر، وهو رباح بن الوليد بنِ نِمران الذماري.\n(عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: المؤمن مرآة المؤمن) المرآة بكسر ميم وسكون راء، قيل: معناه أن المرآة تري الإنسان ما يخفى عليه من صورته ليصلح ما يحتاج إلى إصلاحه، فكذا المؤمن للمؤمن كالمرآة فيزيل ما فيه من العيوب. بإعلامه وينبه عليها، قال ابن العربي: أي ليجعل نفسه صافية في حق أخيه كما تجعل المرآة كذلك.\n_________\n(١) هذه الترجمة مكررة كما ستأتي (ص ٣٤٥). (ش).","vol":"13","page":325},{"text":"وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ (١) مِنْ وَرَائِهِ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>(٥١) بابٌ في إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ</span>\n٤٩١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا (٢) أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أبي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟»، قَالُوا: بَلَى (٣)، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ». [ت ٢٥٠٩، حم ٦/ ٤٤٤]\n٤٩٢٠ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.\n===\n(والمؤمن أخو المؤمن، يكفّ عليه ضَيعته) أي: ما يحتمل الضياع من المال والأولاد الصغار فيحفظها عن الضياع، (ويحوطه من ورائه) أي يحفظه في غيبته.\n\n(٥١) (بَابٌ في إصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ)\nأي: فيما بين المسلمين والإخوان\n٤٩١٩ - (حدثنا محمَّد بن العلاء، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: ألا أخبركم بأفضل) أي بعمل أفضل (من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا) أي الصحابة: (بلى) يا رسول الله، أخبرنا عنه (قال) - ﷺ -: هو (إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين) هو مبتدأ أي هذه الخصلة (الحالقة) خبره، أي تستأصل الدين كالموسى للشعر.\n٤٩٢٠ - (حدثنا نصر بن علي، أنا سفيان، عن الزهري،\n_________\n(١) في نسخة: \"يحفظه\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يا رسول الله\".","vol":"13","page":326},{"text":"(ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَمْ يَكْذِبْ مَنْ نَمَى بَيْنَ اثْنَيْنِ لِيُصْلِحَ». وَقَالَ أَحْمَدُ (١) وَمُسَدَّدٌ: «لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا\"، أَوْ \"نَمَى خَيْرًا». [خ ٢٦٩٢، م ٢٥٠٥]\n٤٩٢١ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ (٢)، حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ نَافِعٍ (٣) بْنَ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ أبي بَكْرٍ\n===\nح: ونا مسدد، نا إسماعيل، ح: ونا أحمد بن محمَّد بن شَبُّويه المروزي، نا عبد الرزاق، نا معمر) كلهم، (عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف، (عن أمه) أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط الأموية، أخت عثمان بن عفان لأمه، أسلمت قديمًا، وبايعت، وحبست عن الهجرة إلى أن هاجرت سنة سبع في الهدنة.\n(أن النبي - ﷺ - قال: لم يَكْذِبْ من نَمَى) أي رفع خيرًا (بين اثنين ليصلح) بينهما، (وقال أحمد) بن محمَّد بن شبويه (ومسدد: ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرًا، أو) الظاهر أنه شك من الراوي (نمى خيرًا) من أحدهما إلى الآخر بأن يقول: أو يدعو أو يثني عليك أو نحوه، يريد الإصلاح وإن لم يسمعه، لأن كل مؤمن يدعو في الصلاة بمثل هذا.\n٤٩٢١ - (حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، نا أبو الأسود، عن نافع بن يزيد، عن ابن الهاد، أن عبد الوهّاب بن أبي بكر)، واسمه رفيع المدني، وكيل\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن محمَّد\".\n(٢) في نسخة بدله: \"الجهزي\"، وفي نسخة زاد: \"جيزة مصر\".\n(٣) زاد في نسخة: \"يعني\".","vol":"13","page":327},{"text":"حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ قَالَتْ: \"مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ إلَّا في ثَلَاثٍ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا أَعُدُّهُ كَاذِبًا (١): الرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، يَقُولُ (٢) الْقَوْلَ وَلَا يُرِيدُ بِهِ إلَّا الإِصْلَاحَ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ في الْحَرْبِ، وَالرَّجُلُ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ، وَالْمَرْأَةُ تُحَدِّثُ زَوْجَهَا». [حم ٦/ ٤٠٤]\n===\nالزهريّ، قال أبو حاتم: ثقه صحيح الحديث، ما به بأس، من قدماء أصحاب أن الزهري، وقال النسائي: ثقة، قلته: وقال الدارقطني: من زعم أنه عبد الوهاب بن بخت فقد أخطأ فيه.\n(حدثه، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف، (عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت: ما سمعت رسول الله - ﷺ - يُرَخِّصُ في شيء من الكذب إلَّا في ثلاث، كان رسول الله - ﷺ - يقول: لا أَعُدُّه كاذبًا: الرجلُ يصلح بين الناس يقول القولَ ولا يريد به إلَّا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب) لقرنه من قول يخدعه ليغلب عليه، (والرجل يُحدِّث امرأتَه، والمرأة تحدِّث زوجها)\nقال الخطابي (٣): هذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول ومجاوزة الصدق طلبًا للسلامة ودفعًا للضرر عن نفسه، وقد رخص في بعض الأحول في اليسير من الفساد لما يؤمل فيه من الصلاح.\nوالكذب في الإصلاح بين اثنين، هو أن ينمي من أحدهما إلى صاحبه خيرًا أو يبلغه جميلًا وإن لم يكن سمعه، ولا كان أذن له فيه، يريد بذلك الإصلاح.\n_________\n(١) في نسخة: \"كذبًا\"\n(٢) في نسخة: \"ويقول\".\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٢٣).","vol":"13","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1811>(٥٢) بابٌ في الْغِنَاءِ </span>(١)\n٤٩٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَدَخَلَ عَلَيَّ صَبِيحَةَ بُنِىَ بِي، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِدُفٍّ لَهُنَّ، وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِلَى أَنْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا في غَدٍ (٢) فَقَالَ: «دَعِي هَذِا (٣)\n===\nوالكذب في الحرب هو أن يظهر من نفسه قوة ويتحدث بما يجرّبه، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"الحرب خدعة\"، وكان علي بن أبي طالب كثيرًا مما يقول في حروبه [صدق الله ورسوله]، فيتوهم أصحابه أنه يحدث عن رسول الله - ﷺ -، وكان يقول: إنما أنا رجل محارب.\nوأما كذب الرجل زوجته فهو أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه، يستديم بذلك صحبتها (٤) ويستصلح به خلقها، انتهى.\n\n(٥٢) (بَابٌ في الْغِنَاءِ)\n٤٩٢٢ - (حدثنا مسدد، نا بشر، عن خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: جاء رسول الله - ﷺ - فَدَخَلَ عليَّ صبيحة) الليلة التي (بُنِيَ بي) فيها، (فجلس على فراشي كمجلسك مني) قيل: كان ذلك قبل الحجاب، (فجعلت جويريات) أي بنات صغار (يضربن بدفٍّ لهن، ويَنْدُبْنَ) أي يذكرن في غنائهن (من قُتِلَ) أي استشهد (من آبائي) فإن معوذًا وأخاه قتلا (يوم بدر، إلى أن قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال) - ﷺ -: (دعي هذا) أي اتركي\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في النهي عن الغناء\".\n(٢) في نسخة: \"في الغد\".\n(٣) في نسخة: \"هذه\".\n(٤) وفي \"المعالم\": محبتها.","vol":"13","page":329},{"text":"وَقُولِي الَّذِى كُنْتِ تَقُولِينَ». [خ ٥١٤٧، ت ١٠٩٠، حم ٦/ ٣٥٩]\n٤٩٢٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ لِقُدُومِهِ فَرَحًا بِذَلِكَ، لَعِبُوا بِحِرَابِهِمْ. [حم ٣/ ١٦١، ق ٧/ ٩٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1812>(٥٣) باب كَرَاهِيَةِ الْغِنَاءِ وَالزَّمْرِ</span>\n٤٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (١) الْغُدَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ\n===\nهذا القول (وقولي الذي كنتِ تقولين) من ذكر الآباء ووصفهم بالشجاعة وغيرها، وإنما منع هذا القول لكراهة نسبة علم الغيب إليه، لأنه لا يعلم الغيب إلَّا الله، وإنما يعلم الرسول من الغيب ما أخبره الله تعالى.\n٤٩٢٣ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة لَعِبَتِ الحبشة لقدومه فرحًا بذلك، لعبوا بِحِرابهم).\nوالمناسبة بترجمة الباب إما أن يقال: إن الحبشة لعبوا فأجاز لعبهم، وهو اللهو، وكذلك الغناء هو اللهو، أو يقال: إن الحبشة غنوا في لعبهم، يعني يلعبون ويغنون.\n\n(٥٣) (بَابٌ) في (كَرَاهِيَّةِ الْفِنَاءِ وَالزَّمْرِ) (٢)\nهو الغناء بحسن الصوت\n٤٩٢٤ - (حدثنا أحمد بن عبيد الله الغداني، نا الوليد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"عبد الله\".\n(٢) أصل الزمر الغناء بنفخ الصوت في القصب، ففي \"الصراح\" زَمَرَ: ناي زدن، وقال المجد: زَمَرَ يَزْمِرُ: غنَّى في القصب، وقال العيني (٥/ ١٥٥): مشتقة من الزمير، وهو الصوت الذي له صفير، وقال الحافظ (٢/ ٤٤٢): المزمارة، الغناء أو الدف، لأنه مشتق من الزمير، وهو الصوت الذي له الصفير، ورد في الحديث عند مسلم وغيره. الجرس مزامير الشيطان، انتهى.\nأما المعازف ففي \"الصراح\": \"تهالي\"، فهو جمع معزف يعني جغانه، وفي \"غياث =","vol":"13","page":330},{"text":"مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ مِزْمَارًا قَالَ: فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَنَأَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَقَالَ لِي: يَا نَافِعُ، هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَا، قَالَ: فَرَفَعَ إصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: كُنْتُ مَعَ رسول الله (١) -ﷺ- فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا، فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا. [حم ٢/ ٨، ق ١٠/ ٢٢٢]\n===\nمسلم، نا سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن نافع قال: سمع ابن عمر مزمارًا) هو قصبة يزمر بها (قال: فوضع إصبعيه على أذنيه ونَأَى) أي بَعُدَ (عن الطريق، وقال لي: يا نافع، هل تسمع شيئًا) من الصوت؟ (قال) نافع: (فقلت: لا، فرفع) أي ابن عمر (إصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع رسول الله - ﷺ - فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا).\n_________\n= اللغات\" (ص ١٦٣): جغانه جوبي باشدكه آن راشكَافته جلاجل دران تعبيه كنند، وقال الحافظ في \"الفتح\": آلات اللهو، وقيل: أصوات الملاهي، وقيل: الدفوف، ويطلق على الغناء، وفي \"الدر المخنار\" (٩/ ٣٠٦): المعزف: آلة اللهو، وتعقبه ابن عابدين بأنه نوع منه، والعام العزف كفلس ... إلخ، انتهى، وذكر في \"الإحياء\" (٥/ ١٠٥) أنواع الملاهي. وأكثر السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٠٤) في سورة لقمان في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] روايات الغناء.\nويجوز بيع آلات اللهو عند الإِمام خلافًا لهما، كما في كتاب الغصب من الشامي (٩/ ٣٠٧)، وفي كتاب البيوع من \"بحر الرائق\" (٦/ ١١٧): الصحيح قوله، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (٩/ ٥٠٤): استماع صوت الملاهي حرام، والجلوس عليها فسق، والتلذذ بها كفر أي بالنعمة، أو محمول على التغليظ أو الاستحلال، انتهى.\nوأجمل الحافظ المذاهب في الغناء في، \"الفتح\" (٩/ ٢٠٣)، وقال الدسوقي على الدردير (٢/ ٣٣٨): ويحرم الغناء بثلاثة أمور: أن يثير الشهوة، أو كان بكلام قبيح، أو بآلة، وإلَّا كان مكروهًا فقط إن كان من النساء لا الرجال.\nذكر الموفق (١٤/ ١٦٠) الاختلاف فيه، وأطال الكلام على ذلك شيخ الإِسلام في \"شرحه\" على البخاري من ذكر كلام الفقهاء ومشايخ السلوك بما لا مزيد عليه إباحةً ومنعًا وأحوالًا وقصصًا، انتهى. (ش).\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"13","page":331},{"text":"(١) قال أَبَا دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ (٢).\n===\n(قال أبو داود: هذا حديث منكر).\nويشكل هذا بأن ابن عمر -﵁- تحرز عن سماع الصوت وَأَذِنَ لنافع بسماعه.\nوالجواب عنه إما أَن يقال: إن احتراز ابن عمر -﵁ - عن سماعه ليس لكونه محرمًا، لأن المحرم هو ما قصد به السماع، وأما لو وقع في الأذن من الصوت فليس بمحرم، فاحتراز ابن عمر وسدُّه مسامعَه اقتداءً برسول الله - ﷺ - لا للحرمة، فلا قباحة في الإذن لنافع، أو يقال: إن نافعًا إذ ذاك كان لم يبلغ الحلم.\nوأما قوله أبي داود: إنا الحديث منكر، فلم أقف على وجه نكارته، لأن رواته ثقال، وليس بمخالف لمن هو أوثق منه، والله أعلم.\nقال في \"الدرجات\" (ص ٢٢٠): قال الحافظ شمس الدين بن الهادي:\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"قَال أبُو عَلِي اللُؤْلُؤِيُّ: سَمعْتُ أبَا دَاوُدَ يَقولُ: وَهَذا الْحَدِيثٌ مُنكَر\".\n(٢) زاد في نسخة:\n٤٩٢٥ - حدّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا أبِي، نَا مُطْعِمُ بْنُ الْمِقْدَامِ، نَا نَافِعٌ قَال: كُنْت رِدْفَ ابْنِ عُمَرَ، إذْ مرَّ بِرَاعِ يَزمُرُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، أَيْ نَحوَ حَدِيْثِ سُليمَانَ بْنِ مُوسَى عنْ نَافِعٍ. قَالَ أبُو دَاودَ: أُدْخِلَ بَيْنَ نَافِعٍ وَمُطْعِمٍ: سُليمَانُ بْنُ مُوسَى.\n٤٩٢٦ - حَدّثَنَا أحْمَدُ بْن إبْرَاهيم، نَا عَبْدُ اللهِ بن جَعْفَرٍ الرَّقيُّ، نَا أبُو المَلِيحِ، عن مَيْمُونٍ، عن نَافِعٍ قالَ. كُنَّا مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَسَمِعَ صَوْتَ مِزْمَارِ رَاعٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذا أَنْكرُهَا.\n٤٩٢٧ - حَدّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا سَلَّامُ بْن مِسْكِين، عن شَيْخ شَهِدَ أَبَا وَائلٍ في وَليمةٍ، فَجَعَلُوا يَلْعَبُونَ، يَتَلَعَّبونَ، يُغَنُّونَ، فَحَلَّ أبُو وَائِلٍ حَبْوتهُ، وَقَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"إنٌ الْغِنَاءَ ينْبِتُ النفَاقَ فَي الْقَلْبِ\" [ق ١٠/ ٢٢٣].\n[أورد المزي هذه الأحاديث في \"التحفة\" برقم (٨٤٤٨، ٨٥١٠، ٩٣١٥)، وقال في كل من الأولين: \"هذا الحديث في رواية أبي الحسن ابن العبد ولم يذكره أبو القاسم\"، وقال في الثالث: \"لم يذكره أبو القاسم، وهو في رواية أبي الحسن ابن العبد وغيره].","vol":"13","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1813>(٥٤) بابٌ في الْحُكْمِ في الْمُخَنَّثِينَ</span>\n٤٩٢٨ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ يُونُسَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أبي يَسَارٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ أبي هَاشِمٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُوتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- «مَا بَالُ هَذَا؟»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَأُمِرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ، فَقَالُوا (١):\n===\nهذا حديث ضعفه محمَّد بن طاهر، وتعلق على سليمان بن موسى وقال: تفرد به، وليس كما قال، فسليمان حسن الحديث، وثقه غير واحد من الأئمة، وتابعه ميمون بن مهران عن نافع، وروايته في \"مسند أبي يعلى\"، ومطيع بن المقدم الصاغاني عن نافع، وروايته عند الطبراني، فهذان متابعان لسليمان بن موسى.\nواعترض ابن طاهر على الحديث بتقريره - ﷺ - الأعرابي، وأن ابن عمر لم ينه نافعًا، وهذا لا يدل على إباحته، لأن المحظور هو قصد الاستماع لا مجرد إدراك صوت، لأنه لا يدخل تحت تكليف، فهو كَشَمٍّ محرَّمِ طيبًا، وكنظر فجاءة، وتقرير داعٍ لا يدل على إباحته، لأنها قضية عين، فلعله سمعه بلا رؤية، أو بعيدًا مته على رأس جبل، أو غير ذلك من أسباب لا يمكنه معها نهيه، انتهى.\n\n(٥٤) (بَابٌ في الْحُكْمِ في الْمُخَنَّثين)\n٤٩٢٨ - (حدثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن العلاء، أن أبا أسامة أخبرهم، عن مفضل بن يونس، عن الأوزاعي، عن أبي يسار القرشي، عن أبي هاشم، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - أُتِيَ بمخنَّثٍ قد خَضَبَ يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي - ﷺ -: ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر به فَنُفِيَ إلى النَّقِيْع، فقالوا:\n_________\n(١) في نسخة: \"قالوا\".","vol":"13","page":333},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَقْتُلُهُ؟ قَالَ (١): «إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ». [قط ٢/ ٥٤]\nقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَالنَّقِيعُ نَاحِيَةٌ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ بِالْبَقِيعِ.\n٤٩٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ (٢) بْنَ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ (٣)، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَم (٤) مُخَنَّثٌ، وَهُوَ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ أَخِيهَا: إِنْ يَفْتَحِ اللَّهُ الطَّائِفَ غَدًا دَلَلْتُكَ عَلَى امْرَأَةٍ تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» (٥). [خ ٤٣٢٤، م ٢١٨٠، جه ١٩٠٢، ٢٦١٤]\n٤٩٣٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى،\n===\nيا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: إني نهيتُ عن قتل المصلِّين)، ولعل الأمر ينفيه إنما هو للتعزير (قال أبو أسامة: والنقيع ناحية عن المدينة، وليس بالبقيع).\n٤٩٢٩ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة) أم المؤمنين، (أن النبي - ﷺ - دخل عليها وعندهم مخنّث (٦)، وهو يقول لعبد الله أخيها: إنْ يَفْتَحِ الله الطائفَ غدًا دَلَلْتُك على امرأة تُقْبِلُ بأربعٍ، وتُدْبِرُ بثمانٍ، فقال النبي - ﷺ -: أخرجوهم من بيوتكم).\n٤٩٣٠ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن يحيى،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٣) في نسخة: \"أبي سلمة\".\n(٤) في نسخة: \"وعندها\".\n(٥) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: المرأة كان لها أربع عُكَنٍ في بطنها\".\n(٦) اختلف في اسمه، كما بسطه في \"الفتح\" (٩/ ٣٣٤)، كذا في \"الأوجز\" (١٤/ ٣٥٥). (ش).","vol":"13","page":334},{"text":"عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَعَنَ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، قال: وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ، وَأَخْرِجُوا فُلَانًا وَفُلَانًا»، يَعْنِي الْمُخَنَّثِينَ. [تقدَّم برقم ٤٠٩٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>(٥٥) بابٌ في اللَّعِبِ بِالْبَنَاتِ</span>\n٤٩٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ،\n===\nعن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - لعن المخنثين من الرجال) قال في \"القاموس\": الخَنِثُ كَكَتِف: من فيه انخناثٌ، أي تكسُّرٌ وَتَثَنٍّ، وَخَنَّثَه تخنيثًا: عَطَفَه فَتَخَنَّثَ، ومنه المخنّث، (والمترجلات من النساء، قال) أي ابن عباس: (وقال) - ﷺ -: (أخرجوهم من بيوتكم، وأخرجوا فلانًا وفلانًا، يعني المخنثين) (١).\n\n(٥٥) (بَابٌ في اللَّعِبِ بِالْبَنَات)\n٤٩٣١ - (حدثنا مسدد، نا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنتُ أَلْعَبُ بالبنات) (٢) قال في \"فتح الودود\": أي التماثيل التي يلعب بها الصبيان، وفيه جواز ذلك، وتخصيصها من الصور المنهي عنها لما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأولادهن، وقد أجازوا بيعهن وشراءهن، وعليه الجمهور، وقيل: إنه منسوخ بحديث النهي (٣) عن الصور، ورخص عائشة -﵂ - لكونها غير بالغة (٤) حينئذ.\n_________\n(١) فإنهم كانوا ثلاثة: هِيت وهرم وماتع، كذا في \"الأوجز\" (١٤/ ٣٥٦). (ش).\n(٢) يجوز عند مالك، كذا في \"الدسوقي\" (٢/ ٣٣٨). (ش).\n(٣) بسط الاختلاف في نسخه وعدمه العيني (١٥/ ٢٦٤)، وإلى النسخ مال جماعة من السلف كما في \"رسالة تصوير\" (ص ١٠٤). (ش).\n(٤) وبه جزم العيني (١٥/ ٢٦٤)، انتهى. ويشكل عليها أن البناء بها كان في سنة ١ هـ، كما في \"المجمع\" (٥/ ٢٧٧) على الأصح، وقيل: في سنة ٢ هـ، وكانت عند البناء بنت =","vol":"13","page":335},{"text":"فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعِنْدِي الْجَوَارِي، فَإِذَا دَخَلَ خَرَجْنَ، وَإِذَا خَرَجَ دَخَلْنَ. [خ ٦١٣٠، م ٢٤٤٠، ن ٣٣٧٨، جه ١٩٨٢، حم ٦/ ٥٧، ٢٣٤]\n٤٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ، عَنْ أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ، وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتْ (١) الرِّيحُ (٢) فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ (٣): «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟»\n===\n(فربما دخل على رسولُ الله - ﷺ - وعندي الجواري، فإذا دخل) أي رسول الله - ﷺ - عليّ (خرجن، وإذا خرج) أي رسول الله - ﷺ - من البيت (دَخَلْنَ) عليّ، فيلعبن بالبنات.\n٤٩٣٢ - (حدثنا محمَّد بن عوف، نا سعيد بن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب قال: حدثني عمارة بن غزية، أن محمَّد بن إبراهيم حدّثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قَدِمَ رسولُ الله - ﷺ - من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سَهْوَتها) بفتح السين المهملة، هي شيء شبيه بالرف والطاق يوضع فيه شيء (سترٌ، فَهبَّتِ الريح فَكَشَفَتْ) أي أزالت الريح (ناحيةَ السِّتْرِ عن بناتٍ لعائشةَ لُعَبٍ) أي تلعب بها، (فقال: ما هذا يا عائشة؟).\n_________\n= تسع، وغزوة خيبر كانت في سنة ٧ هـ، وتبوك ستة ٩ هـ، فعلى الأول كانت إذ ذاك بنت ستة عشر سنة، وعلى الثاني بنت ثمانية عشر سنة، وقد كانت تلعب إذ ذاك بها، ورجح الحافظ (١٠/ ٥٢٧) الوقعة لخيبر، وجزم بأنها إذ ذاك لم تكن بالغة. (ش).\n(١) في نسخة: \"فهاجت\".\n(٢) في نسخة: \"ريح\".\n(٣) زاد في نسخة: \"لها\".","vol":"13","page":336},{"text":"قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِى عَلَيْهِ؟». قَالَتْ (١): جَنَاحَانِ، قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟» قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ ! قَالَتْ: فَضَحِكَ رسول الله - ﷺ - حَتَّى رَأَيْتُ (٢) نَوَاجِذَهُ. [ق ١٠/ ٢١٩]\n===\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"ما هذا يا عائشة؟ \"، لعل هذا يرشدك أنها لم تكن تماثيل تامة، وإلَّا لَمَا افتقر إلى المسألة، ولمَا ترك في بيته، ولمَا خفي ذلك عليه مدة كذا، لأن الملَك لا يدخل بيتًا فيه تصاوير، فلو كانت تماثيل لامتنع الملك قيل تلك الواقعة من النزول إليه، كما وقع في جرو الكلب مع أن عائشة كانت غير مكلفة بعد، انتهى.\n(قالت: بناتي) أي اللعب (ورأى بينهنّ فَرَسًا له جناحانِ من رِقاعٍ) أي من قطعة ثوب، (فقال) - ﷺ - (ما هذا الذي أرى في وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قلت: جناحان، قال: فَرَسٌ له جناحان؟) بتقدير حرف الاستفهام للتعجب، لأن الفرس لا يطير، (قالت: أما سمعتَ أن لسليمان خيلًا) أي أفراس (لها أجنحة، قالت: فَضَحِكَ رسولُ الله - ﷺ - حتى رأيتُ نواجذَه)، قال في \"القاموس\": النواجذ: أقصى الأضراس، وهي أربعة، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"قالت\".\n(٢) في نسخة بدله: \"بدت\".","vol":"13","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1815>(٥٦) بابٌ في الأُرْجُوحَةِ </span>(١)\n٤٩٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ\n===\n\n(٥٦) (بَابٌ في الأرْجُوحَةِ) (٢)\nقال في \"القاموس\": المَرْجُوحة الأرجوحة، وكَرُمَّانة: حبلٌ يُعَلَّقُ وَيرْكَبُه الصبيان، انتهى.\nوكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": وكانت الأرجوحة فيهم يوم ذاك على وجهين: أن تنصب خشبة على خشبة قائمة بحيث يصير على هيئة كِفَّتَي ميزانٍ، وكما هو مشاهد فيما تحمله الدابة من المحامل والمراكب على كواهلها، والثاني: أن يكون الحبل يعقد طرفاه على نخلتين فيصير الحبل يبقى مسترخيًا من الوسط، فيجلس في ذلك الوسط المُرْخى\n٤٩٣٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا هشام بن\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٤٩٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"إنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - تَزَوَّجَنِي وَأنَا بِنْتُ سَبْعٍ، أَوْ سِتٍّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَ نِسْوَةٌ. وَقَالَ بِشْرٌ: فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ، وَأَنَا عَلَى أرْجُوحَةٍ، فَذَهَبْن بِي وَهَيَّأنَنِي، وَصَنَّعْنَنِي، فَأُتِيَ بِي رَسُولُ الله - ﷺ -، فَبَنى بِي وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعٍ، فَوقَفَتْ بِي عَلَى الْبَاب، فَقُلْتُ: هِيهْ هِيهْ\"، - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أيْ تنفَّسْتُ-، فَأدْخَلَتْنِي بَيْتًا، فَإذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا في الآخَرِ.\n٤٩٣٤ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، مِثْلَهُ، قَالَ: \"عَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَسَلَّمَتْنِي إلَيْهِنَّ، فَغَسَلْنَ رَأْسِي وَأصْلَحْنَنِي. فَلَمْ يَرُعْنِي إلَّا رَسُولُ الله - ﷺ - ضُحًى، فَأسْلَمْنَنِي إلَيْهِ\".\n[قال المزي بعد إيراد هذا الحديث في \"التحفة\" رقم (١٦٨٥٥): \"حديث إبراهيم بن سعيد في رواية أبي سعيد بن الأعرابي وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم\"].\n(٢) وفي \"الشامي\" (٩/ ٥٦٦): يكره كل لهو، وقال: يباح كل لعب، وفيه أيضًا: وأباح - ﷺ - الأرجوحة واللعب بالبنات. [وينظر الفرق بين اللهو واللعب]. (ش).","vol":"13","page":338},{"text":"عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَلَمَّا (١) قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ جاءني (٢) نِسْوَةٌ، وَأَنَا ألعب عَلَى أُرْجُوحَةٍ، وأنا مجمَّمةٌ، فَذَهَبْنَ بِي، فهَيَّأْنَنِي وَصَنَّعْنَنِي، ثم أتين بِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَنَى بِي وَأَنَا بنت (٣) تِسْع سنين.\n٤٩٣٦ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حدثني (٤) أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِإِسْنَادِهِ في هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَتْ: وَأَنَا عَلَى الأُرْجُوحَةِ وَمَعِي صَوَاحِبَاتِي، فَأَدْخَلْنَنِي بَيْتًا، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ. [تقدَّم برقم ٢١٢١]\n٤٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو -، عَنْ يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ -،\n===\nعروة، عن عائشة قالت: فلما قدمنا المدينة جاءني نسوةٌ، وأنا أَلْعَبُ على أُرْجُوحةٍ، وأنا مجَمَّمَةٌ)، قال في \"القاموس\": وكَمُعظَّم: ذو الجمة أي وكان شعري كالجمة، (فذهبن بي، فَهَيَّأْنَنِي وصنَّعْنَني) بالزينة، (ثم أتين بي رسولَ الله - ﷺ -، فبَنَى بي وأن بنت تسع سنين).\n٤٩٣٦ - (حدثنا بشر بن خالد، حدثني أبو أسامة، نا هشام بن عروة بإسناده في هذا الحديث، قالت) عائشة: (وأنا على الأرجوحة، ومعي صواحباتي، فَأَدْخَلْنَني بيتًا، فإذا نسوة من الأنصار فقلن: على الخير والبركة).\n٤٩٣٧ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا محمَّد -يعني ابن عمرو-، عن يحيى - يعني ابن عبد الرحمن بن حاطب-) قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"لما\".\n(٢) في نسخة: \"جاءتني\".\n(٣) في نسخة: \"ابنة\".\n(٤) في نسخة: \"أخبرني\".","vol":"13","page":339},{"text":"قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدِمْنَا (١) الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا في بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَعَلَى أُرْجُوحَةٍ بَيْنَ عَذْقَيْنِ، فَجَاءَتْنِي أُمِّي فَأَنْزَلَتْنِي وَلِى جُمَيْمَةٌ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [حم ٦/ ٢١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1816>(٥٧) بابٌ في النَّهْيِ عَنِ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ</span>\n٤٩٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ\n===\n(قالت عائشة: قدمنا المدينةَ فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، قالت: فوالله إني لَعَلى أُرجوحة بين عذقين) قال الخطابي (٢): تريد نخلتين، (فجاءتني أمي فَأَنْزَلَتْني) من الأرجوحة (ولي جُمَيْمَةٌ) تصغير جمة (وساق الحديث).\n\n(٥٧) (بَابٌ في النَّهْيِ عَنِ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ) (٣)\nقال في \"القاموس\": النرد: معروف، معرّبٌ، وضعه أَرْدشيرُ بنُ بابك، ولهذا يقال: النَرْدَشِير، انتهى.\n٤٩٣٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن موسى بن\n_________\n(١) في نسخة: \"فقدمنا\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٢٥).\n(٣) قال الدميري في \"حياة الحيوان\" (٢/ ١٩٦): وضعه أردشير بن بابك أول ملوك الفرس، ولذا يقال له: نردشير، نسيوه إلى واضعه، وجعله مثالًا للدنيا وأهلها، فجعل الرقعة اثني عشر بيتًا بعدد شهور السنة إلى آخر ما بسطه في طرقه.\nوقال في الشطرنج: ذكر ابن خلكان في ترجمة أبي بكر الصولي الكاتب: المشهور أنه كان أوحد زمانه في لعب الشطرنج، وزعم كثير من الناس أنه الذي وضع الشطرنج، وهو غلط، وواضحه رجل يُقال له: \"صِصَّة\"، وضعه لملك الهند، \"شِهرام\" بكسر الشين المعجمة، ولما وضع أردشير بن بابك النرد، وافتخرت الفرس بوضعها، وضع صِصَّة الهندي الحكيم الشهير الشطرنج لملك الهند، قال الدميري: الصواب أن الملك الذي وضع له الشطرنج \"بلهيت\" إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (١٧/ ١٥٠). (ش).","vol":"13","page":340},{"text":"مَيْسَرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبي هِنْدٍ، عَنْ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ». [جه ٣٧٦٢، حم ٤/ ٣٩٤، ٣٩٧، ٤٠٠]\n٤٩٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ في لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ». [م ٢٢٦٠، جه ٣٧٦٣، حم ٥/ ٣٥٢، ٣٥٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>(٥٨) بابٌ في اللَّعِبِ بِالْحَمَامِ</span>\n٤٩٤٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ\n===\nميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله - ﷺ - قال: من لَعِبَ بالنرد فقد عصى الله ورسوله) لأنه لهو.\n٤٩٣٩ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: من لعب بالنَّرْدَشير فكأنما غَمَسَ يدَه في لحم خنزيرٍ ودمه) أي: أدخل يده في ما هو حرام (١) ونجس.\n\n(٥٨) (بَابٌ في اللَّعِبِ بِالْحَمَامِ)\nبتخفيف الميم الأولى، وهو طائر معروف\n٤٩٤٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمَّد بن\n_________\n(١) وفي \"إعانة الطالبين\" (٤/ ٢٧٢): مكروه إن لم يكن فيه شرط مال من الجانبين، أو أحدهما، أو تفويت صلاة ولو بنسيان بالاشتغال به، أو لعب مع معتقد تحريمه وإلَّا فحرام، ويحمل عليه ما جاء في ذمه، وتسقط مروءة عن يداومه فترد شهادته، وهو حرام عند الأئمة الثلاثة، انتهى، وبسط شارحه في الروايات الدالة على تحريمه، انتهى.\nوفي \"المغني\" (١٤/ ١٥٤ - ١٥٦): اللعب بالنرد حرام ترد به الشهادة عند الأربعة، وكذا الشطرنج عند الثلاثة خلافًا للشافعي إذ أباحه، كذا في \"التعليق الممجد\" (٣/ ٤٢٢)، وروايات التحريم في \"نصب الراية\" (٤/ ٢٧٥). (ش).","vol":"13","page":341},{"text":"عَمْرٍو، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً، فَقَالَ: «شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً». [جه ٣٧٦٥، حم ٢/ ٣٤٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>(٥٩) بابٌ في الرَّحْمَةِ</span>\n٤٩٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أبي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أبي قَابُوسَ مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو،\n===\nعمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يَتْبَعُ حمامةً، فقال: شيطان يَتْبَع شيطانةً) أي هو شيطان لاشتغاله بما لا يعنيه يقفو إثر شيطانة أورثته الغفلة عن ذكر الله تعالى.\nقال في \"الدرجات\": هذا أحد أحاديث التي انتقدها سراج الدين القزويني على \"المصابيح\"، فزعم أنه موضوع، وقال في \"فتح الودود\": الحديث لا يتنزل عن درجة الحسن، كما حققه الحافظ ابن حجر (٢)، فزعمُ من زعم أنه موضوع باطلٌ.\n\n(٥٩) (بَابٌ في الرَّحْمَة)\n٤٩٤١ - (حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة، المعنى، قالا: نا سفيان، عن عمرو، عن أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو) عن مولاه عبد الله بن عمرو بن العاص بحديث: \"الراحمون يرحمهم الرحمن\"، وعنه عمرو بن دينار، ذكره البخاري في الضعفاء من \"الكبير\" له، ولكنه ذكره في الأسماء فقال: قابوس، وقال صاحب \"الميزان\" (٣): لا يعرف، وسماه بعضهم فغلط، وقال في\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) انظر أجوبة الحافظ عن أحاديث \"المصابيح\" في آخر الجزء الثالث من \"المشكاة\" (٣/ ١٧٨٤).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٦٣).","vol":"13","page":342},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ-: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّمَاءِ» لَمْ يَقُلْ مُسَدَّدٌ: مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-. [ت ١٩٢٤، حم ٢/ ١٦٠]\n٤٩٤٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا (١). (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ مَنْصُورٌ - قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِهِ: وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أَقُولُ: حَدَّثَنِي\n===\n\"التقريب\" (٢): أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، مقبول.\n(عن عبد الله بن عمرو يبلغُ به النبيَّ - ﷺ -: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهلَ الأرض يرحمكم من في السماء).\nهذا هو الحديث المشهور المسلسل بالأولية، ذكره ميرك (٣)، والصحيح المعتمد عند العلماء ما قال ابن حجر (٤): إن سلسلة هذا الحديث تنتهي إلى سفيان بن عيينة فقط دون من فوقه، ومن رواه مسلسلًا إلى منتهاه فقد وهم، وقال السخاوي في تأييده (٥): إنما يصح التسلسل فيه إلى ابن عيينة خاصة، ثم انقطع في من فوقه على القول المعتمد.\n(لم يقل مسدد: مولى عبد الله بن عمرو، وقال: قال النبي - ﷺ -).\n٤٩٤٢ - (حدثنا حفص بن عمر قال: نا، ح: ونا ابن كثير، أنا شعبة قال) أي شعبة: (كتب إليَّ منصور، قال ابن كثير في حديثه: وقرأتُه) الحديث (عليه) أي على منصور (وقلت) بحذف الاستفهام: (أقول) إذا حدثت أحدًا (حدثني\n_________\n(١) وفي نسخة بدله: \"قال: ثنا شعبة\".\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (ص ١١٩٢).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٧٠٥).\n(٤) انظر: \"شرح شرح نخبة الفكر\" للقاري (ص ٦٥٩ - ٦٦٠).\n(٥) \"فتح المغيث\" (٣/ ٦٠).","vol":"13","page":343},{"text":"مَنْصُورٌ، فَقَالَ: إِذَا قَرَأْتَهُ عَلَيَّ فَقَدْ حَدَّثْتُكَ بِهِ، ثُمَّ اتَّفَقَا -: عَنْ أبي عُثْمَانَ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ - الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ (١) صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ». [ت ١٩٢٣، حم ٢/ ٣٠١، ٤٤٢، ٤٦١]\n٤٩٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أبي شَيْبَةَ وَابْنُ السَّرْحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أبي نَجِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَامِرٍ،\n===\nمنصورٌ؟ فقال) منصور- (إذا قرأتَه عليَّ فقد حدثتُك به) فإذا حدثته أحدًا يجوز لك بقراءتك عليَّ أن تقول: حدثني منصور.\nحاصله: أن عند منصور قراءة الشخ على التلميذ، وقراءة التلميذ على الشيخ كلاهما سواء في إطلاق التحديث، وخالف فيه بعضهم فلم يجوِّز ذلك (٢)، وهذه القصة التي وقعت لشعبة في رواية ابن كثير، لم يذكرها حفص في روايته عن شعبة، فإنه لم تقع له هذه القصة.\n(ثم اتفقا) أي حفص وابن كثير: (عن أبي عثمان (٣) مولى المغيرة بن شعبة، عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم - ﷺ - الصادقَ المصدوقَ صاحبَ هذه الحُجْرة) الشريفة (يقول: لا تُنْزَعُ الرحمة إلَّا من شَقِيٍّ).\n٤٩٤٣ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن السرح قالا: نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عامر).\nقال أبو داود: هو عبد الرحمن بن عامر، وقال في \"تهذيب التهذيب\" (٤) في الكنى: ابن عامر عن عبد الله بن عمرو، قال أبو داود: اسمه عبد الرحمن، وقال غيره: اسمه عبيد، وقال المنذري (٥): قال الحافظ أبو القاسم\n_________\n(١) في نسخة: \"المصدق\".\n(٢) والبسط في \"التدريب\" (٢/ ١٤). (ش).\n(٣) قال الترمذي: لا يعرف اسمُه. انتهى (١٩٢٣). (ش).\n(٤) (١٢/ ٣٠١).\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٤٧).","vol":"13","page":344},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَرْوِيهِ - قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (١). [حم ٢/ ٢٢٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1819>(٦٠) بابٌ في النَّصِيحَةِ</span>\n٤٩٤٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أبي صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ»، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:\n===\nالدمشقي: أظنه عبيد بن عامر أخا عروة بن عامر، انتهى.\n(عن عبد الله بن عمرو يرويه) عن رسول الله - ﷺ -، (قال ابن السرح: عن النبي - ﷺ -) ولم يذكر أبو بكر لفظ \"عن النبي - ﷺ -\" (قال: من لم يَرْحَمْ صغيرَنا) أي صغار المسلمين (وَيَعْرِفْ) أي ولم يعرف (حقَّ كبيرِنا) أي توقيره (فليس منا).\n\n(٦٠) (بَابٌ في النَّصِيحَةِ) (٢)\n٤٩٤٤ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، ثنا سهيل بن أبي صالح، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الداري قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الدين النصيحة) قال الخطابي (٣): النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها، وتجمع معناها غيرها، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحت العسل: إذا خلصته من الشمع.\n(إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: هو عبد الرحمن بن عامر\".\n(٢) هذا الباب مكرر تقدم قريبًا (ص ٣٢٥). (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٢٥ - ١٢٦).","vol":"13","page":345},{"text":"«لِلَّهِ، وَكِتَابِهِ، وَرَسُولِهِ، وَأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَامَّتِهِمْ\" أو \"أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». [م ٥٥، ن ٤١٩٨، حم ٤/ ١٠٢، ت ١٩٢٦]\n٤٩٤٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا (١) خَالِدٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَأَنْ أَنْصَحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. قَالَ: فَكَانَ (٢) إِذَا بَاعَ الشَّيْءَ أَوِ اشْتَرَاهُ قَالَ:\n===\nلله، وكتابه، ورسوله، وأئمة المؤمنين، وعامتهم، أو) للشك من الراوي (أئمة المسلمين وعامتهم).\nقال الخطابي: فمعنى نصيحة الله تعالى (٣): صحة الاعتقاد بوحدانيته (٤)، وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب الله: الإيمان به والعمل بما فيه، والنصيحة لرسول الله - ﷺ -: التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه، والنصيحة لأئمة المؤمنين: أن يطيعهم في الحق، وأن لا يرى الخروج عليهم بالسيف إذا جاروا، والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، انتهى.\nقلت: وقد صنف الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح هذا الحديث رسالة طويلة من شاء فلينظرها (٥).\n٤٩٤٥ - (حدثنا عمرو بن عون، نا خالد، عن يونس، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير قال: بايعتُ رسولَ الله - ﷺ - على السمع والطاعة) أي: أسمع أمره ونهيه سماع قبول، وأطيعه فيهما، (وأن أَنْصَحَ لكل مسلم. قال: فكان) أي جرير (إذا باع الشيء أو اشتراه قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) في نسخة: \"وكان\".\n(٣) وبسط معناه الحافظ (١/ ١٣٨). (ش).\n(٤) وفي \"المعالم\": في وحدانيته.\n(٥) اسم هذه الرسالة: \"إيراد العبارات الفصيحة في شرح قول النبي - ﷺ -: الدين النصيحة\".","vol":"13","page":346},{"text":"أَمَا إِنَّ الَّذِي أَخَذْنَا مِنْكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا أَعْطَيْنَاكَ فَاخْتَرْ. [خ ٥٧، م ٥٦، ن ٤١٥٦، ٤١٥٧، حم ٤/ ٣٦٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1820>(٦١) بابٌ في الْمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِ</span>\n٤٩٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أبي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ عُثْمَانُ: وَجَرِيرٌ الرَّازِيُّ. (ح): وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبي صَالِحٍ - وَقَالَ وَاصِلٌ: قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أبي صَالِحٍ ثُمَّ اتَّفَقُوا -: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي -ﷺ- قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ\n===\nأما إن الذي أَخَذْنا منك أحبُّ إلينا مما أعطيناك) فلا نحب الرد، لأن متاعك أحبّ إلينا (فاختر) أي: إن شئت أن ترد علينا متاعنا، وتأخذ متاعك، لئلا تضرر في عقدتك.\n\n(٦١) (بَابٌ في الْمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِ)\n٤٩٤٦ - (حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا أبو معاوية، قال عثمان) أي شيخ المصنف: (وجرير الرازي، ح: ونا واصل بن عبد الأعلى، نا أسباط) كلهم (عن الأعمش، عن أبي صالح، وقال واصل) شيخ المصنف: (حُدِّثْتُ عن أبي صالح، ثم اتفقوا) على قوله: (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: من نَفَّسَ) أي خرج (١) وأزال (عن مسلم كُرْبَةً) أي مصيبة (من كُرَب الدنيا، نَفَّس الله) أي خرج (٢) الله (عنه كُرْبَةً من كُربِ يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ) أي فيما عليه من الدين (يَسَّرَ الله\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: أي فَرّج.\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: أي فَرّج.","vol":"13","page":347},{"text":"عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ». [م ٢٦٩٩، جه ٢٢٥، حم ٢/ ٢٥٢]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ عَنْ أبي مُعَاوِيَةَ: «وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ».\n٤٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أبي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيِّ (١)، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ نَبِيُّكُمْ -ﷺ-: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». [م ١٠٠٥، حم ٥/ ٣٨٣، ٣٩٧، ٣٩٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1821>(٦٢) بابٌ في تَغْيِيرِ الأَسْمَاءِ</span>\n٤٩٤٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ، أَخْبَرَنَا. (٢): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ،\n===\nعليه في الدنيا والآخرة) فيما عليه في حقوق الناس.\n(ومن سَتَرَ على مسلم) أي: عيبه ومساويه (سَتَرَ الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، قال أبو داود: ولم يذكر عثمان عن أبي معاوية: ومن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ)، بل روى عثمان هذه الجملة عن جرير فقط.\n٤٩٤٧ - (حدثنا محمَّد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي) بن حراش، (عن حذيفة قال: قال نبيكم - ﷺ -: كُلُّ معروف صَدَقَةٌ).\n\n(٦٢) (بَابٌ في تَغْيِيرِ الأسْمَاءِ)\nوالأحاديث التي ذكرها في هذه الترجمة ليس فيها تغيير الأسماء، فالمناسب أن يكون ترجمة الباب ما في الحاشية \"باب في حسن الأسماء\".\n٤٩٤٨ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا، ح: ونا مسدد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن حراش\".\n(٢) في نسخة بدله: \"باب في حسن الأسماء\".","vol":"13","page":348},{"text":"حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي زَكَرِيَّا، عَنْ أبي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ» (١). [دي ٢٦٩٦، حم ٥/ ١٩٤، حب ٥٨١٨]\n٤٩٤٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ،\n===\nنا هشيم) فروى عمرو بن عون ومسدد، عن هشيم، ولكن عمرو بن عون روى بلفظ الإخبار، ومسدد بلفظ التحديث، (عن داود بن عمرو، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنكم تُدْعَوْنَ) بصيغة المجهول (يومَ القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فَأَحْسِنُوا أسماءكم).\nنقل في الحاشية عن \"اللمعات\" (٢): قد جاء في بعض الروايات أنه يدعى الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم، فقيل: الحكمة فيه ستر حال أولاد الزنا لئلا يفتضحوا، وقيل: ذلك لرعاية حال عيسى ابن مريم، وقيل: غير ذلك، فإن ثبت هذه الرواية حمل الآباء على التغليب كما في الأبوين، أو يحمل أنهم يدعون تارة بالآباء، وأخرى بالأمهات، أو البعض بالآباء، والبعض بالأمهات، أو في بعض المواطن بهم، وفي بعضها بهن، انتهى.\nوقال المنذري (٣): عبد الله بن [أبى] زكريا كنيته أبو يحيى، خزاعي دمشقي، ثقة عابد، لم يسمع من أبي الدرداء، فالحديث منقطع، وأبوه أبو زكريا اسمه إياس بن مرثد.\n٤٩٤٩ - (حدثنا إبراهيم بن زياد) المعروف بسبلان، (نا عباد بن عباد)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ابن أبي زكريا لم يدرك أبا الدرداء\".\n(٢) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٥٣).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٥١).","vol":"13","page":349},{"text":"عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «أَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ ﷿ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ». [م ٢١٣٢، ت ٢٨٣٣، جه ٣٧٢٨، دي ٢٦٩٧، حم ٢/ ٢٤، ١٢٨]\n٤٩٥٠ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ (١) الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ، عَنْ أبي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ (٢) عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ». [ن ٣٥٦٥، حم ٤/ ٣٤٥]\n===\nالمهلبي، (عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: أحب الأسماء (٣) إلى الله ﷿ عبد الله وعبد الرحمن)، وكذلك ما كان فيه من العبودية لله تعالى.\n٤٩٥٠ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هشام بن سعيد الطالقاني، نا محمَّد بن المهاجر الأنصاري قال: حدثني عقيل) مكبرًا (ابن شبيب، عن أبي وهب الجشمي- وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله - ﷺ -: تَسَمَّوا بأسماء الأنبياء، وأحبُّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقُها حارث وهمام)، أي أطبقها للمسمى، لأن الحارث هو الكاسب، والهمام مبالغة في الهم، ولا يخلو الإنسان عن كسب وهمّ، (وأقبحُها حرب ومُرّة) لما في الحرب من المكاره، وفي مرة من المرارة والبشاعة، وكان - ﷺ - يحب الفأل الحسن والاسم الحسن.\n_________\n(١) في نسخة: \"مهاجر\".\n(٢) في نسخة: \"إليّ\".\n(٣) ظاهر الشامي أنه إضافي باعتبار العبودية، فإنهم يسمون بعبد الشمس وغيره وإلَّا فأحبهم محمَّد وأحمد، فتأمل. [انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥٩٧ - ٥٩٨)]. (ش).","vol":"13","page":350},{"text":"٤٩٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي طَلْحَةَ إِلَى النبيِّ -ﷺ- حِينَ وُلِدَ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- في عَبَاءَةٍ يَهْنَأُ بَعِيرًا لَهُ، قَالَ: «هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَنَاوَلْتُهُ تَمَرَاتٍ فَأَلْقَاهُنَّ في فِيهِ، فَلَاكَهُنَّ ثُمَّ فَغَرَ فَاهُ، فَأَوْجَرَهُنَّ إِيَّاهُ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «حُبُّ الأَنْصَارِ التَّمْرُ»، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ. [م ٢١٤٤، حم ٣/ ٢١٢، ق ٩/ ٣٠٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1822>(٦٣) بابٌ في تَغْيِيرِ الاِسْمِ الْقَبِيحِ</span>\n٤٩٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- غَيَّرَ اسْمَ\n===\n٤٩٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة) أخي أنس لأمه (إلى النبيﷺ - حين وُلدَ، والنبيُّ - ﷺ - في عَباءَةٍ) أي لابسها (يَهْنَأُ بعيرًا له) أي يَطْليه بالهِنَاء وهو القَطِرَان، (قال) رسول الله - ﷺ -: (هل معك تمر؟ قلت: نعم، قال: فناولته تمرات فأَلْقَاهُنَّ) أي ألقى النبيُّ - ﷺ - التمرات (في فيه) أي في فمه (فلاكَهُنَّ) أي أدارهن في الفم ومَضَغَهُنَّ (ثم فغر) أي فتح (فاه) أي فم الصبي (فأوجرهُنَّ) أي أدخل التمرات (إياه، فجعل الصبيُّ يَتَلَمَّظُ) أي يدير لسانه في فمه، ويمصّ ما في فيه من التمر، (فقال النبي - ﷺ -: حبُّ الأنصارِ التمرَ) خبر مبتدأ محذوف أي هذا (وسماه عبد الله).\n\n(٦٣) (بَابٌ في تَغْيِيرِ الاِسْمِ الْقَبِيحِ)\n٤٩٥٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر) ﵄: (أن رسول الله - ﷺ - غَيَّرَ اسم\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"13","page":351},{"text":"عَاصِيَةَ، وَقَالَ: «أَنْتِ جَمِيلَةٌ». [م ٢١٣٩، ت ٢٨٣٨، جه ٣٧٣٣، حم ٢/ ١٨]\n٤٩٥٣ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أبي سَلَمَةَ سَأَلَتْهُ: مَا سَمَّيْتَ ابْنَتَكَ؟ قَالَ: سَمَّيْتُهَا بَرَّةَ، فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ هَذَا الاِسْمِ، سُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ»، فَقَالَ: مَا نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سَمُّوهَا زَيْنَبَ». [م ٢١٤٢]\n===\nعاصية) (١)، وكانت العرب يسمون بهذا ذهابًا إلى معنى التكبر والتعظم عن الذل والانقياد، فلما جاء الإِسلام نهوا عنه، (وقال: أنتِ جميلة).\n٤٩٥٣ - (حدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، أن زينب بنت أبي سلمة سألته: ما سَمَّيْتَ ابنتك؟ قال) محمد بن عمرو: (سميتها برة، فقالت) زينب: (إن رسول الله - ﷺ - نهى عن هذا الاسم، سُمِّيتُ) بصيغة المجهول (٢) (برة، فقال النبي - ﷺ -: لا تُزَكُّوا أنفسَكم) فتسمتيها برة تزكية لنفسها (الله أعلم بأهل البرِّ منكم، فقال: ما نسمِّيها؟ قال) - ﷺ -: (سَمُّوها زينب).\n_________\n(١) واستنبط بذلك في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٢٤) على أنه لا يجوز ما شاع في زماننا من كتابة الآثم والمذنب والعاصي في المكاتيب، وما يخطر في البال كما علقته على هامشه أن فرقًا ما بين التسمية والتوصيف، فقد ثبت التوصيف في أحاديث الحدود: \"قد زنى الأَخِر\"، وفى أحاديث الكفارة \"هلك الأبعد\" و\"من المحترق آنفًا\" وغير ذلك. (ش).\n(٢) قال صاحب \"الخميس\" (١/ ٤٧٤) في ذكر جويرية: كان اسمها برة فحوَّله - ﷺ - إلى جويرية، كره أن يقال: خرج عن عند برة، كذا في \"المشكاة\" (٤٧٥٧)، وقد ذكر مثله في ميمونة وزينب بنت جحش وزينب بنت أبي سلمة، وكان اسم كل واحدة منهن برة ... إلخ. (ش).","vol":"13","page":352},{"text":"٤٩٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ (١)، حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ: أَنَّ (٢) رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ كَانَ في النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا اسْمُكَ؟»، قَالَ، أَنَا أَصْرَمُ، قَالَ: «بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ». [ك ٤/ ٢٧٦]\n٤٩٥٥ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِي ابْنَ الْمِقْدَامِ بْنِ\n===\nقال في \"القاموس\": زَنِبَ كَفَرِحَ: سَمِنَ، وبه سميت المرأة زينب، أو من الزينب، لِشَجَرٍ حَسَنِ المنظرِ طَيِّبِ الرائحة، أو أصلُها: زَيْنُ أَبِ، أي زينة الوالد.\n٤٩٥٤ - (حدثنا مسدد، نا بشر) بن المفضل، (حدثني بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة (ابن ميمون) الشقري بفتح أوله والقاف، البصري، له حديث واحد، يرويه عن عمه أسامة بن أخدري، وله صحبة، عن ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن شاهين في \"الثقات\".\n(عن عمه أسامة بن أخدري) بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة وفتح دال وكسر راء وشدة ياء، التميمي ثم الشقري، له صحبة، نزل البصرة، له حديث واحد في ذكر أصرم، وأن النبي - ﷺ - قال له: \"أنت زرعة\".\n(أن رجلًا يقال له أصرم كان في النفر الذين أَتوا رسول الله - ﷺ -) من حي شقرة (فقال رسول الله - ﷺ -) أي له: (ما اسمك؟ قال: أنا أصرم) أي أقطع (قال: بل أنت زُرعة)، وإنما غَيَّره لأن فيه إيهام انقطاع الخير والبركة، وزرعة مشعر بهما؛ لأنه عن الزراعة، ويحصل بها الخير والبركة.\n٤٩٥٥ - (حدثنا الربيع بن نافع، عن يزيد -يعني ابن المقدام بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن المفضل\".\n(٢) في نسخة: \"قال: كان رجل\".","vol":"13","page":353},{"text":"شُرَيْحٍ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ هَانِيءٍ: أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى (١) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟» فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِى إِذَا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِىَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا أَحْسَنَ هَذَا (٢) فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟»، قَالَ: لِي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟» قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (٣). [ن ٥٣٨٧]\n٤٩٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ:\n===\nشريح-، عن أبيه) المقدام، (عن جده شريح، عن أبيه) أي والد شريح (هانئ: أنه لما وفد إلى رسول الله - ﷺ - مع قومه سَمِعَهم) أي سمع رسول الله - ﷺ - من قومه (يَكْنُونَه) أي هانئًا (بأبي الحكم، فدعاه رسول الله - ﷺ - فقال: إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم، فلمَ تُكْنى أبا الحَكَمِ؟ فقال) هانئ: (إن قومي إذا اختلفوا في شيء أَتَوْني) يُحَكِّمُوني (فحكمتُ بينهم، فَرَضِيَ كلا الفريقين، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أحسن هذا) أي هذا الفعل (فَمَا لَكَ من الولد؟ قال) هانئ: (لي) أي الولدان (شريح ومسلم وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قال: قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح).\n٤٩٥٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب) بن حزن، (عن أبيه) المسيب، (عن جده) حزن،\n_________\n(١) في نسخة: \"على النبي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: شُرَيْحٌ هَذَا هُوَ الذِي كَسَرَ السِّلْسِلَةَ، وَهُوَ مِمَّنْ دَخَلَ تُسْتَرَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَلغَنِي أَنَّ شُرَيْحًا كَسَرَ بَابَ تُسْتَرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ سَرَب\".","vol":"13","page":354},{"text":"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» قَالَ: حَزْنٌ، قَالَ: أَنْتَ سَهْلٌ،\nقَالَ: لَا، السَّهْلُ يُوطَأُ وَيُمْتَهَنُ، قَالَ سَعِيدٌ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُصِيبُنَا بَعْدَهُ حُزُونَةٌ. [خ ٦١٩٠، حم ٥/ ٤٣٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَغَيَّرَ النَّبِيُّ -ﷺ- اسْمَ الْعَاصِ وَعَزِيزٍ وَعَتَلَةَ وَشَيْطَانٍ وَالْحَكَمِ وَغُرَابٍ وَحُبَابٍ، وَشِهَابٍ فَسَمَّاهُ هِشَامًا، وَسَمَّى حَرْبًا، سِلْمًا، وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ: الْمُنْبَعِثَ، وَأَرْضًا تُسَمَّى عَفِرَةَ سَمَّاهَا خَضِرَةَ، وَشِعْبَ الضَّلَالَةِ سَمَّاهُ شِعْبَ الْهُدَى، وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ بَنِى الرِّشْدَةِ، وَسَمَّى بَنِى مُغْوِيَةَ: بَنِى رِشْدَةَ.\n===\nوكان من المهاجرين من أشراف قريش في الجاهلية، (أن النبي - ﷺ - قال له: ما اسمك؟ قال: حزن) وهو ضد السهل (قال) - ﷺ -: (أنت سهل، قال) أي الحزن: (لا) أي لا أحبّ أن أُسَمّيَ بسهل، لأن (السهل يُوْطَأُ وَيُمْتَهَنُ) أي يستذل، وإنما لم يقبله لأن الأمر لم يكن للإيجاب (قال سعيد) لما سمع أن جده لم يقبل عن رسول الله - ﷺ - تسميته: (فظننت أنه سيصيبنا بعده حُزُونة) أي خشونة.\n(قال أبو داود: وغيّر النبيُّ - ﷺ - اسم العاص) لأنه من العصيان، (وعزيز) لأنه من أسماء الله تعالى، (وَعَتَلَة) معناه الغلظة والشدة، (وشيطان والحَكَم) لأنه من أسماء الله تعالى، (وغُراب) لأن معناه البعد، (وحُبَاب) لأنه اسم الشيطان، (وشِهاب) لأنه شعلة نار (فسمّاه) أي شهابًا (هشامًا، وسَمّى حربًا: سِلمًا، وسَمَّى المضطجعَ: المنبعِثَ، وأرضًا تُسَمّى عَفِرَة) (١) وهي من الأرض ما لا تنبت (سماها خَضِرة، وشِعْبَ الضلالة سماها شِعْبَ الهُدَى، وبَنُو الزنية سماهم بني الرِّشْدة، وسَمَّى بني مغوية: بني رِشْدة).\n_________\n(١) وفي بعض النسخ \"عَقِرة\" بالقاف، قلت: قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٢٧٣): كأنه كره لها اسم العَقْر، لأن العاقرَ المرأةُ التي لا تحمل، وشجرة عاقرة لا تحمل، فسماها خضرة تفاؤلًا بها، ويجوز أن يكون من قولهم: نخلة عَقِرَة: إذا قطع رأسها فيبست، وكذا في \"المجمع\" (٣/ ٦٤٤).","vol":"13","page":355},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا لِلاِخْتِصَارِ.\n٤٩٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ - ابْنُ أبي شَيْبَةَ -، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: لَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ، فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الأَجْدَعُ شَيْطَانٌ». [جه ٣٧٣١، حم ١/ ٣١، ك ٤/ ٢٧٩]\n===\n(قال أبو داود: تركت أسانيدها للاختصار). قلت: ولم أجد هذه الأحاديث (١) بأسانيدها فيما عندي من الكتب.\n٤٩٥٧ - (حدثنا أبو بكر -يعني ابن أبي شيبة-، نا هاشم بن القاسم، نا أبو عقيل، نا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: لقيت عمر بن الخطاب فقال: من أنت؟ قلت: مسروق بن الأجدع، فقال عمر) -﵁ -: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الأجدع شيطان).\n_________\n(١) إن النبي - ﷺ - غيَّر عددًا من الأسماء كما ذكره الإِمام أبو داود، وهاهنا أذكر تخريج الروايات التي وقع فيها ذكر هذا التغيير:\nمنها: العاص، سمَّاه مطيعًا، وهو مطيع بن الأسود بن حارثة القرشي العدوي [\"الإصابة\" (٦/ ١٠٥) رقم (٨٠٤٩)]. أخرجه عبد الرزاق (٥/ ٢٠٨)، والحميدي (١/ ٢٥٨) رقم (٥٦٨)، وأحمد (٤/ ٤١٢)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٨٢٦)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٤٩٠)، ومسلم (١٧٨٢)، والدارمي (٢٣٨٦)، والحاكم (٤/ ٢٧٥)، وابن حبان (٣٧١٨).\nومنها: عزيز، سمَّاه عبد الرحمن، وهو عبد الرحمن بن سبرة الأسدي. [\"الإصابة\" (٥/ ١٧٧) رقم (٦٧٠٤)]. أخرجه أحمد (٤/ ١٧٨)، وابن سعد (٦/ ٢٨٦)، وابن حبان (٥٨٢٨)، والحاكم (٤/ ٢٧٦).\nومنها: عتلة، سمَّاه عتبة، وهو عمتبة بن عبد السلمي. [\"الإصابة\" (٤/ ٣٦٢)، رقم (٥٤٢٣)]. أخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٣/ ٥٥) رقم (١٣٦٤ - ١٣٦٦)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧/ ١٢٠ - ١٢٢) رقم (٢٩٣ - ٣٠٠).\nومنها: الحكم، سمَّاه عبد الله، وهو الحكم بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي. =","vol":"13","page":356},{"text":"٤٩٥٨ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ،\n===\nقال المنذري (١): أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده مجالد بن سعيد، وفيه مقال، انتهى.\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٢)، في ترجمة الأجدع: ذكر أبو عبيد البكري أنه شاعر جاهلي إسلامي، وفد على عمر بن الخطاب، وهو والد مسروق بن الأجدع، فسماه عمرُ عبدَ الرحمن.\n٤٩٥٨ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا منصور بن المعتمر،\n_________\n= [\"الإصابة\" (٢/ ٨٩)، رقم (١٧٨٢)]. أخرجه البخاري في \"تاريخه\" (٢/ ٣٣٠)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١/ ٣٨٩) رقم (٥٣٩ - ٥٤٠).\nومنها: غراب، سماه مسلمًا، وهو مسلم غير منسوب. [\"الإصابة\" (٦/ ٨٩) رقم (٧٩٩٩)]. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٨٢٤)، و\"التاريخ\" (٧/ ٢٥٢).\nومنها: حباب، سمَّاه عبد الله. أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٤٠) رقم (١٩٨٤٩)، وابن أبي شيبة (٨/ ٦٦٤).\nومنها: شهاب، سماه هشامًا، وهو هشام بن عامر بن أمية الأنصاري. [\"الإصابة\" (٦/ ٤٢٥)، رقم (٨٩٨٨)]. أخرجه الطيالسي (١٥٠١)، وأحمد (٦/ ٧٥)، وابن حبان (٥٨٢٣)، والبخاري في \"الأدب\" (٨٢٥)، والطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٣٥) رقم (٢٣٨٧)، وفي \"الكبير\" (٢٢/ ١٧١) رقم (٤٤٢)، والحاكم (٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧).\nومنها: حرب، سمَّاه سلمًا. [\"الإصابة\" ٣/ ١١٥، رقم ٣٣٦٠)]، لم أجد على من أخرجها.\nومنها: المضطجع، سمَّاه المنبعث، وهو المنبعث الثقفي مولى عمر بن معتب. [الإصابة (٦/ ١٦٦) رقم (٨٢٢١ - ٨٢٢٢)]. وعزاه الحافظ إلى ابن إسحاق في \"السيرة\" وابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٥/ ٢٥١) رقم (٥٠٩٤) إلى ابن منده وأبي نعيم.\nومنها: أرضًا تسمى عفرة، سمَّاها خضرة، أخرجه الطبراني في \"الصغير\" (١/ ١٢٦).\nومنها: شعب الضلالة، سماه شعب الهداية، أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٤٣) رقم (١٩٨٦٢).\nومنها: بنو الزنية، سمَّاهم بني الرِّشدة، أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٠٥).\nومنها: بنو مغوية، سمَّاهم بني رشدة، أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٤٣) رقم (١٩٨٦٢).\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٥٦).\n(٢) (١/ ١٠٩).","vol":"13","page":357},{"text":"عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ عُمَيْلَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ، فَيَقُولُ: لَا\"، إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ فَلَا تَزِيدَنَّ عَلَيَّ. [م ٢١٣٧، ت ٢٨٣٦، حم ٥/ ٧، ١٠، ٢١]\n٤٩٥٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ (١) حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ الرُّكَيْنَ (٢) يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا أَرْبَعَةَ أَسْمَاءٍ: أَفْلَحَ، وَيَسَارًا، وَنَافِعًا، وَرَبَاحًا. [م ٢١٣٦، جه ٣٧٣٠، دي ٢٦٩٨، حم ٥/ ١٢]\n٤٩٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\n===\nعن هلال بن يساف، عن ربيع بن عميلة) بفتح العين المهملة، الكوفي، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود حديث النهي عن تسمية الرقيق أفلح وغيره، (عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تُسمينَّ غلامَك) أي رقيقك (رَباحًا ولا يسارًا ولا نجيحًا ولا أفلح، فإنك تقول: أَثَمَّ هو؟ فيقول: لا) فيختلج التطير في القلب، قال سمرة لتلميذه: (إنما هن أربع) في الحديث (فلا تزيدُنَّ) عليها في الحديث (عليّ) أي افتراءً عليّ.\n٤٩٥٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا المعتمر قال: سمعت الركين يحدث عن أبيه) ربيع بن عميلة، (عن سمرة قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن نُسَمِّيَ رقيقَنا أربعة أسماء: \"أفلح، ويسارًا، ونافعًا، ورباحًا).\n٤٩٦٠ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا محمَّد بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمَّد بن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني ابن الربيع\".","vol":"13","page":358},{"text":"«إِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْهَى أُمَّتِي أَنْ يُسَمُّوا نَافِعًا، وَأَفْلَحَ، وَبَرَكَةَ - قَالَ الأَعْمَشُ: وَلَا أَدْرِي أذَكَرَ (١) نَافِعًا أَمْ لَا - فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ إِذَا جَاءَ: أَثَمَّ بَرَكَةٌ؟ فَيَقُولُونَ: لَا».\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- نَحْوَهُ، لَمْ يَذْكُرْ بَرَكَةَ.\n٤٩٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ يُسَمَّى (٢) بمَلِكِ (٣) الأَمْلَاكِ». [خ ٦٢٠٦، م ٢١٤٣، ت ٢٨٣٧، حم ٢/ ٢٤٤]\n===\nإن عِشْتُ إن شاء الله تعالى أنهى أمتي أن يُسَمُّوا نافعًا وأفلح وبَرَكة، قال الأعمش: ولا أدري أذكر نافعًا أم لا، فإن الرجل يقول: إذا جاء) الرجل يسأل: (أَثَمَّ بركة؟ فيقولون: لا) فينشأ التطير في القلب (قال أبو داود: روى أبو الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ - نحوه، لم يذكر بَرَكة) (٤).\n٤٩٦١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي - ﷺ -: أخنعُ) أي أذلّ (اسمٍ عند الله يوم القيامة رجل يُسَمّى) أي اسم الرجل يسمى (بملك الأملاك).\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ذكر\".\n(٢) في نسخة: \"تَسَمَّى\".\n(٣) في نسخة: \"ملك\".\n(٤) قال المنذري: والذي قاله أبو داود -﵀- في حديث أبي الزبير فيه نظر. فقد أخرج مسلم الحديث في \"صحيحه\" (٢١٣٨) من حديث ابن جريج عن أبي الزبير وفيه: \"أراد النبي - ﷺ - أن ينهى أن يسمَّى الغلام بيعلى وببركة ... الحديث.\nوأخرجه أيضًا البخاري في \"الأدب المفرد\" (٨٣٤)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١٧٣٧)، وابن حبان (٥٨٤٠، ٥٨٤٢)، والبيهقي (٩/ ٣٠٦).","vol":"13","page":359},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ أبي حَمْزَةَ، عَنْ أبي الزِّنَادِ بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: «أَخْنَا اسْمٍ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>(٦٤) بابٌ في الأَلْقَابِ</span>\n٤٩٦٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جُبَيْرَةَ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي سَلِمَةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ\n===\n(قال أبو داود: رواه شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد بإسناده) أي بإسناد أبى الزناد (قال: أخنا اسم) أي أقبحها وأفحشها، لأنه يدل على غاية التكبر، وهذا الاسم يليق بالله ﷾.\nقال المنذري (١): وحديث شعيب هذا الذي علقه أبو داود أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢)، مسندًا، فرواه عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب.\n\n(٦٤) (بَابٌ في الألْقَابِ)\nواللقب اسم يدل على معنى وصفي حسن أو قبيح\n٤٩٦٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، عن داود، عن عامر قال: حدثني أبو جييرة) بفتح الجيم (ابن الضحاك) الأنصاري المدني، له صحبة، حديثه في الكوفيين، قال العسكري، حديث قيس والشعبي عنه مرسل، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا أعلم (٣) له صحبة، وقال أبو أحمد الحاكم: قال بعضهم: له صحبة، وقال بعضهم: ليست له صحبة، وكذا قال ابن عبد البر.\n(قال: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾) أي لا يدع\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٥٨).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٢٠٥)، و\"الأدب المفرد\" (٨١٧).\n(٣) في الأصل: \"لا اسم\"، وهو تحريف. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٥٣).","vol":"13","page":360},{"text":"بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَيْسَ مِنَّا رَجُلٌ إلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَجَعَلَ رسول الله (١) -ﷺ- يَقُولُ: «يَا فُلَانُ»، فَيَقُولُونَ: مَهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا الاِسْمِ، فَأُنْزِلَتْ (٢) هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾. [ت ٣٢٦٨، جه ٣٧٤١، حم ٤/ ٢٦٠]\n\n(٦٥) بابٌ فِيمَنْ يَتَكَنَّى بِـ \"أَبِي (٣) عِيسَى\"\n٤٩٦٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبي الزَّرْقَاءِ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَ ابْنًا لَهُ تَكَنَّى أَبَا عِيسَى، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ تَكَنَّى بِأَبِي عِيسَى،\n===\nبعضكم بعضًا بسوء الألقاب، والنبز مختص بالسوء عرفًا، (﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ (٤) قال: قدم علينا رسول الله - ﷺ - وليس منا رجل إلَّا وله اسمان أو ثلاثة، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: يا فلان) أي بلقبه الذي يكره، (فيقولون: مَهْ يا رسول الله) - ﷺ - (إنه يغضب بهذا الاسم، فأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1824>(٦٥) (بَابٌ فِيمَنْ يَتَكَنَّى بِـ\"أَبِي عِيسْى</span>\") (٥)\n٤٩٦٣ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي) أي زيد بن أبي الزرقاء، (نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه) أي أسلم مولى عمر بن الخطاب: (أن عمر بن الخطاب ضرب ابنًا له تَكَنَّى) أي جعل كنيته (أبا عيسى، وأن المغيرة بن شعبة تَكَنّى بأبي عيسى،\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"فنزلت\".\n(٣) في نسخة: \"أبا\".\n(٤) سورة الحجرات: الآية ١١.\n(٥) وفي \"الشامي\" (٩/ ٥٩٩): لا ينبغي أن يسمى بذلك. (ش).","vol":"13","page":361},{"text":"فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُكَنَّى بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ له: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَنَّانِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَإِنَّا في جَلْجَلَتِنَا (١)، فَلَمْ يَزَلْ يُكْنَى بِأَبِى عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى هَلَكَ. [ق ٩/ ٣١٠].\n===\nفقال له عمر: أما يكفيك أن تكنى) بحذف إحدى التائين (بأبي عبد الله؟ فقال) مغيرة (له) أي لعمر: (إن رسول الله - ﷺ -: كنّاني) أي بأبي عيسى (فقال) عمر: (إن رسول الله - ﷺ -: قد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).\nكتب مولانا محمَّد يحيى المرحوم في \"التقرير\": يعني بذلك -والله أعلم- أن من الأمور ما هو مكروه في حد ذاته، لا يخلو ارتكابه عن نوع جريمة، إلا أن النبي - ﷺ - إنما فعلها لبيان الجواز لئلا تظن به الحرمة، فيغتفر له ما فيه من صورة الإثم والذنب ظاهرًا، بل ويثاب على ذلك، وليس هذا لغيره - ﷺ -، فيؤاخذ بارتكاب هذا الفعل بعينه الذي أثيب عليه النبي - ﷺ -.\nثم وجه النهي عن التكني بأبي عيسى ما فيه من إيهام أن لعيسى النبي ﵇ أبًا مع أنه ليس كذلك، فعيسى المضاف إليه لفظ الأب وإن لم يكن لعيسى النبي -﵇-، إلا أن مجرد صدق اللفظ عليهما أورث شبهة وإيهامًا، ولعل تكنِّي الترمذي الحافظ نفسَه بأبي عيسى وقعت له قبل أن تبلغه الرواية، أو وقعت من آبائه لا من نفسه، أو يكون أحبّ التكني بما كنى به الرسول - ﷺ - وإن حمله عمر على بيان الجواز، فارتكب هذه الكراهة لأجل موافقة هذه السنة، انتهى.\n(وإنّا في جَلَجَتِنا) قال في \"المجمع\" (٢): قيل: الجلج في لغة أهل اليمامة حباب الماء، [كأنه] يريد تركنا في أمر ضيق كضيق الحباب، ومنه: إنا بعد في جلجتنا، (فلم يزل) أي المغيرة بن شعبة (يكنى بأبي عبد الله حتى هلك).\n_________\n(١) في نسخة: \"جَلْجَلَتنا\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٦٧).","vol":"13","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1825>(٦٦) بابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ لاِبْنِ غَيْرِهِ: \"يَا بُنَيَّ</span>\"\n٤٩٦٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَ(١) ابْنُ مَحْبُوبٍ قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أبي عُثْمَانَ - وَسَمَّاهُ ابْنُ مَحْبُوبٍ: الْجَعْدَ -، عَنْ أَنَسٍ (٢): أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: «يَا بُنَيَّ» (٣). [م ٢١٥١، ت ٢٨٣١، حم ٣/ ٢٨٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1826>(٦٧) بابٌ في الرَّجُلِ يَتَكَنَّى بِـ \"أَبِي الْقَاسِمِ</span>\"\n٤٩٦٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أبي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال\n===\n\n(٦٦) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ لابْنِ غَيْرِهِ: يَا بُنَيَّ)\n٤٩٦٤ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا، ح: ونا مسدد و) محمَّد (بن محبوب قالا: نا أبو عوانة، عن أبي عثمان، وسمّاه) أي أبا عثمان (ابنُ محبوب) شيخ المصنف (الجعدَ) وهو جعد بن دينار اليشكري، أبو عثمان البصري، يقال له: صاحب الحلي، قال ابن معين: ثقة، ووثقه أبو داود، وقال النسائي: لا بأس به (عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - قال له) أي لأنس: (يا بنيّ) (٤).\n\n(٦٧) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَتَكَنَّى بِأَبِي الْقَاسِمِ)\n٤٩٦٥ - (حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: نا سفيان، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمَّد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن مالك\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وسمعت يحيى بن معين يُثْني على محمَّد بن محبوب ويقول: كثيرُ الحديث\".\n(٤) قال في \"الكوكب\" (٣/ ٤٢٤): يعني ليس هذا سَبًّا، انتهى. أي ليس هذا انتماء إلى غير أبيه، فلا يدخل في الوعيد، والظاهر عندي أن ظاهر قوله عز اسمه: =","vol":"13","page":363},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوا (١) بِكُنْيَتِي». [خ ٦١٨٨، م ٢١٣٤، جه ٣٧٣٥، حم ٢/ ٤٥٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ أبي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ، وَسَالِمِ بْنِ أبي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ، وَسُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَ(٢) ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُمْ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.\n===\nرسول الله - ﷺ -: تَسَمَّوا باسمي، ولا تَكَنَّوا بكنيتي).\n(قال أبو داود: وكذلك رواه أبو صالح عن أبي هريرة، وكذلك رواية أبي سفيان عن جابر، وسالم بن أبي الجعد عن جابر، وسليمان اليشكري عن جابر، وابن المنكدر عن جابر نحوهم، وأنس بن مالك) أي كذلك رواية أنس بن مالك في النهي بالتكني بأبي القاسم.\nقال المنذري (٣): وحديث أبي صالح عن أبي هريرة أخرجه البخاري (٤) [ومسلم]، وحديث محمَّد بن المنكدر عن جابر أخرجه البخاري ومسلم بنحوه (٥)، وحديث سالم بن أبي الجعد عن جابر أخرجه البخاري ومسلم (٦)، وحديث أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر أخرجه البخاري ومسلم (٧)، وحديث سليمان اليشكري (٨) أخرجه الترمذي وابن ماجه، انتهى.\n_________\n= ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ...﴾ [الأحزاب: ٥] الآية، يوهم عدم الجواز، ولذا ذكر ابن كثير في تفسير الآية هذا الحديث. (ش).\n(١) في نسخة: \"تكتنوا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"محمَّد\".\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٦١).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (١١٠)، \"صحيح مسلم \"باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -\" رقم: ٣.\n(٥) \"صحيح البخاري\" (٦١٨٦)، و\"صحيح مسلم\" (٢١٣٣).\n(٦) \"صحيح البخاري\" (٣٥٣٨)، و\"صحيح مسلم\" (٢١٣٣).\n(٧) \"الأدب المفرد\" (٩٦١)، وابن ماجه (٣٧٣٦)، ولم أجده في \"صحيح مسلم\".\n(٨) لم أقف على من خرجه.","vol":"13","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1827>(٦٨) بابٌ فيمنْ رَأَى أَنْ لَا يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا</span>\n٤٩٦٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِى فَلَا يَكْتَنِي (١) بِكُنْيَتِي، وَمَنْ اكَتنى (٢) بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّى بِاسْمِي». [ت ٢٨٤٢، حم ٣/ ٣١٣]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى بِهَذَا (٣) الْمَعْنَى ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، وَرُوِىَ عَنْ أبي زُرْعَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ مُخْتَلِفًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي عَمْرَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ\n===\nقلت: وأما رواية أنس فأخرجها ابن ماجه (٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: كان رسول الله - ﷺ - بالبقيع فنادى رجل رجلًا يا أبا القاسم فالتفت إليه رسول الله - ﷺ -، فقال: إنى لم أعْنِك، فقال رسول الله - ﷺ -: تَسَمَّوا باسمي، ولا تكَنَّوا بكنيتي، وأخرجه الترمذّي مختصرًا (٥).\n\n(٦٨) (بَابٌ فِيمَنْ رَأَى أَنْ لَا يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا)\nأي بين اسمه - ﷺ - وكنيته\n٤٩٦٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي - ﷺ - قال: من تَسَمَّى باسمي فلا يَكْتَنِي بكنيتي، ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمَّى باسمي.\nقال أبو داود: وروى بهذا المعنى ابنُ عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة، وروي عن أبي زرعة، عن أبي هريرة مختلفًا على الروايتين، وكذلك رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة\n_________\n(١) في نسخة: \"يَتَكَنَّى\".\n(٢) في نسخة: \"تَكَنَّى\".\n(٣) في نسخة: \"هذا\".\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (٣٧٣٨)، وأخرجه أيضًا البخاري (٢١٢٠)، ومسلم (٢١٣١).\n(٥) \"سنن الترمذي\" (٢٨٤١).","vol":"13","page":365},{"text":"اخْتُلِفَ فِيهِ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَلَى مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ (١). وَرَوَاهُ مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، اخْتَلَفَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ وَابْنُ أبي فُدَيْكٍ.\n===\nاختُلِفَ فيه، رواه الثوري وابن جريج على ما قال أبو الزبير، ورواه معقل بن عبيد الله على ما قال ابنُ سيرين، واختلف فيه على موسى بن يسار عن أبي هريرة أيضًا على القولين، اختلف فيه حمادُ بنُ خالد وابنُ أبي فديك).\nقال المنذري (٢): وحديث ابن عجلان الذي أشار إليه أبو داود أخرجه الترمذي (٣)، وقال: حسن صحيح، وحديث محمَّد بن سيرين تقدم، وحديث أبي الزبير هو الذي ذكره في هذا الباب، وأخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب، انتهى.\nقلت: أما رواية أبي زرعة عن أبي هريرة مختلفًا على الروايتين يعني على رواية محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة، وعلى رواية أبي الزبير عن جابر أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٤)، وأما حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، فاختلف فيه أيضًا، فرواه الثوري وابن جريج عن عبد الرحمن بن أبي عمرة موافقًا لما قال أبو الزبير عن جابر، ورواه معقل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن أبي عمرة موافقًا لما قال ابن سيرين عن أبي هريرة، ولم أجد رواية الثوري (٥)،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن عبد الكريم الجزري، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٦٢).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢٨٤٢).\n(٤) \"مسند أحمد\" (٢/ ٣١٢، ٤٥٤، ٤٥٥) رقم (٨٠٨٩، ٩٨٤٥، ٩٨٧٦).\n(٥) أخرجها ابن أبي شيبة (٨/ ٦٧٢) رقم (٥٩٧٩)، وأحمد (٣/ ٤٥٠) رقم (١٥٧١٥) عن سفيان عن عبد الكريم الجزري عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عمه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تجمعوا اسمي وكنيتي\"، وليس فيه أبو هريرة كما ذكر المصنف.","vol":"13","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوابن جريج (١) عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، ولا رواية معقل (٢) بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن أبي عمرة فيما عندي من الكتب.\nوكذلك الاختلاف الواقع على موسى بن يسار على القولين مثل رواية ابن سيرين عن أبي هريرة، وعلى رواية أبي الزبير عن جابر، فروى حماد بن خالد وابن أبي فديك، فرويا عن موسى بن يسار عن أبي هريرة على القولين، فهذا الاختلاف الواقع على موسى بن يسار عن أبي هريرة لم أجده أيضًا.\nوحاصل الكلام: أن في الروايتين يعني في رواية محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة، وفي رواية أبي الزبير عن جابر اختلاف باعتبار المعنى، فحديث ابن سيرين عن أبي هريرة يدل على أن التسمية باسمه - ﷺ - يجوز، وأما التكني بكنيته فلا يجوز، وأما رواية أبي الزبير تقتضي جواز أحدهما: من التسمي بالاسم، أو التكني بالكنية، ولا يجوز الجمع بينهما. والظاهر أن حديث ابن سيرين عن أبي هريرة هو القياس، لأنه منع الناس عن أن يدعوا رسول الله - ﷺ - باسمه فلا اشتباه في التسمية، وأما التكني ففيه الاشتباه فلا يجوز.\nوكتب في الحاشية عن \"اللمعات\" (٣): واعلم أن في هذه المسألة أقوالًا: الأول: أنه يجوز التسمية باسمه - ﷺ -، ولا يجوز التكنية بكنيته، سواء كان الاسم محمدًا، حتى يجتمع الاسم والكنية، أو لا، حتى تكون الكنية وحدها، وهذا منقول عن الشافعي، فظاهر الحديث تجويز التسمية، والنهي عن التكني،\n_________\n(١) أخرجها أحمد (٢/ ٥١٠) رقم (١٠٦٠٦)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٣٦)، والطحاوي (٤/ ٣٣٧) عن ابن جريج عن عبد الكريم بن مالك أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة أخبره، عن عمه، عن أبي هريرة: \"أن النبي - ﷺ - نهى أن يُكنى بكنيته\".\n(٢) أخرجها البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٣٦) من طريق النفيلي: قرأت على معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عمه، عن أبي هريرة مثله، أي مثل رواية ابن جريج. وعلى هذا تكون رواية ابن جريج ومعقل نحو رواية ابن سيرين، ورواية الثوري نحو رواية أبي الزبير.\n(٣) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٥٤).","vol":"13","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1828>(٦٩) بابٌ في الرُّخْصَةِ في الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا</span>\n٤٩٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أبي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ مُنْذِرٍ،\n===\nسواء كان الاسم محمدًا أو لا، والحمل على النهي عن الجمع بعيد.\nوالثاني: أنه لا يجوز الجمع بين الاسم والكنية، والتكني منفردًا جائز، والدليل عليه حديث أبي داود عن جابر: \"من تسمى باسمي\" إلى آخره.\nوالثالث: أن الجمع بينهما أيضًا جائز، ونقل هذا عن مالك، واستدلاله بحديث أبي داود عن علي قال: قلت: أرأيت يا رسول الله، الحديث.\nالرابع: أن التكني بأبي القاسم كان ممنوعًا في حياته - ﷺ -، أما بعد وفاته فجائز، لأن سبب المنع كان الالتباس على ما علم من الحديث المتفق عليه أنه كان في السوق، انتهى.\nوقد فصل البحث وبيّنه بما لا مزيد عليه الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في \"فتح الباري\" (١)، فجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء.\n\n(٦٩) (بَابٌ في الرُّخْصَةِ في الْجَمْعِ بيْنَهُمَا)\n٤٩٦٧ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: نا أبو أسامة، عن فطر) بن خليفة، (عن منذر) بن يعلى الثوري بالمثلثة، أبو يعلى الكوفي، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال ابن معين والعجلي وابن خراش: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) (١٠/ ٥٧٣) وذكر في المسألة خمسة مذاهب: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا عن الظاهرية، وعدم الجواز أن اسمه محمَّد، والمنع عن التسمية بمحمد، وكذا عن التكني والمنع مطلقًا في حياته، والتفصيل في ما بعده لعدم الجواز لمن سمَّى محمدًا أو أحمد والجواز لغيره، كذا في \"الكوكب\" (٣/ ٤٢٥)، وبسط الطحاوي (٤/ ٣٣٦) الكلام على المسألة، ورجح منع التكني مطلقًا، سواء اسمه محمَّد أو لا، وفي \"الشامي\" (٩/ ٥٩٨) جوازهما معًا، والنهي منسوخ وقريب منه ما في \"الشفاء\" (ص ٩٣٠). (ش).","vol":"13","page":368},{"text":"عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ وُلِدَ لِي مِنْ بَعْدِكَ وَلَدٌ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ، وَأُكْنِيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ. قَالَ: عَلِيٌّ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-. [ت ٢٨٤٣، حم ١/ ٩٥]\n٤٩٦٨ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْحَجَبِيُّ،\n===\n(عن محمَّد بن الحنفية) وهو محمَّد بن علي بن أبي طالب، يكنى أبا القاسم، وأمه خولة بنت جعفر الحنفية فنسب إليها، (قال: قال علي) أي ابن أبي طالب: (قلت: يا رسول الله، إن وُلدَ لي من بعدك وَلَد أُسَمِّيه باسمك وأكنيه بكنيتك؟) بتقدير حرف الاستفهام (قال: نعم)، وهذا يدل على أن النهي (١) مقصور على زمان حياته - ﷺ -.\n(ولم يقل أبو بكر) لفظ (قلت) بل لفظ أبي بكر (قال: قال علي للنبي - ﷺ -) والفرق بينهما أن ظاهر سياق عثمان يدل على أن محمَّد بن الحنفية روى الحديث عن علي، وظاهر لفظ أبي بكر لا يدل على ذلك.\n٤٩٦٨ - (حدثنا النفيلي، نا محمَّد بن عمران الحجبي) حجازي، روى عن جدته صفية بنت شيبة حديث: \"ما الذي أحل اسمي\" الحديث، روى له أبو داود هذا الحديث الواحد، وقد رواه الطبراني عن أحمد بن عبد الرحمن بن عفان عن النفيلي، وقال: لا يروى عن عائشة إلَّا بهذا الإسناد، قال الحافظ: وهو متن منكر مخالف للأحاديث الصحيحة.\nقلت: لا مخالفة للأحاديث الصحيحة لو حمل الأحاديث الصحيحة على زمان حياته - ﷺ -، وقصر عليه.\nوذكر الحافظ في \"الفتح\" (٢): وأما ما أخرجه أبو داود من حديث\n_________\n(١) لكن يرده ما زاد الترمذي بعده (٢٨٤٣): \"فكانت رخصة\"، وحكى الحافظ (١٠/ ٥٧٣) الخصيصة بسندٍ قوي.\n(٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٧٣ - ٥٧٤).","vol":"13","page":369},{"text":"عَنْ جَدَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النبي (١) -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ وَلَدْتُ غُلَامًا فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ، فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «مَا الَّذِى أَحَلَّ اسْمِى وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟» أَوْ «مَا الَّذِى حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي؟». [حم ٦/ ١٣٥، ٢٠٩، ق ٩/ ٣١٠]\n===\nعائشة \"أن امرأة قالت: يا رسول الله إني سميت ابني محمدًا وكنيته أبا القاسم\"، الحديث. فقد ذكر الطبراني في \"الأوسط\": أن محمَّد بن عمران الحجبي تفرد به عن صفية بنت شيبة عنها، ومحمد المذكور مجهول، وعلى تقدير أن يكون محفوظًا فلا دلالة فيه على الجواز مطلقًا، لاحتمال أن يكون قبل النهي، انتهى.\n(عن جدته صفيّة بنت شيبة، عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله) - ﷺ - (إنى قد وَلَدْتُ غلامًا فَسَمَّيْتُه محمدًا وكَنَّيْتُه أبا القاسم، فَذكِرَ لي أنك تَكْرَة ذلك) فهل أسمي باسمك وأكنيه بكنيتك (فقال) - ﷺ -: (ما الذي أحلّ اسمي وحرّم كنيتي؟ أو ما الذي حرم كنيتي وأحلّ اسمي؟).\nوحاصل الجواب: أن التسمية باسمي والتكنية بكنيتي ليس بحرام، وهذا يدل على أن هذه القصة إن كانت محفوظة فهي واقعة بعد النهي عن التكني بكنيته، أو الجمع بين الاسم والكنية، فوجه الجمع بين هذا وبين ما تقدم من المنع أن المنع عن الجمع لم يكن للتحريم بل هو كان مكروهًا للالتباس فقط، ويمكن أن تكون هذه القصة في آخر حياته - ﷺ - فأذن بها، لأن الولد إذا كبر يتوفى - ﷺ -، فلا يبقى الالتباس.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"13","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1829>(٧٠) بابٌ في الرَّجُلِ يَتَكَنَّى وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ</span>\n٤٩٦٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا (١) ثَابِتٌ، عن أَنِسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يدخلُ عَلَيْنَا وَلي أَخٌ صَغِيرٌ يُكْنَى أَبَا عُمَيْرٍ، وَكَانَ لَهُ نُغَرٌ (٢) يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ (٣) النَّبِيُّ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ فَرآه حَزِينًا، فَقَالَ: \"مَا شَأنهُ؟ \"، قَالُوا: مَاتَ نُغَرُهُ، فَقَالَ: \" (٤) أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ\". [خ ٦١٢٩، م ٢١٥٠، ت ٣٣٣، جه ٣٧٢٠، حم ٣/ ١١٩]\n===\n\n(٧٠) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَتَكَنَّى وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ)\n٤٩٦٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - ﷺ - يدخل علينا) أي في بيتنا، وكانت أم أنس محرمة له - ﷺ -، (ولي أخ صغير يكنى أبا عمير، وكان له نُغَر) بضم النون وفتح الغين المعجمة: طائر صغير (يلعب به فمات) النغر، (فدخل عليه النبي - ﷺ - بذات يوم فرآه) أي أبا عمير (حزينًا، فقال: ما شأنه؟) أي ما سبب حزنه (فقالوا: مات نُغَرُه، فقال) - ﷺ -: (أبا عمير) وفي نسخة بحرف النداء (ما فعل النغير) قال له ملاطفة، فدل هذا الحديث على جواز التكني لمن ليس له ولد، ولما جاز للصبي جاز للكبير أيضًا.\nقال الخطابي (٥): وفيه من الفقه (٦) أن صيد المدينة مباح، وفيه إباحة\n_________\n(١) في نسخة: \"نا\".\n(٢) في نسخة: \"نغير\".\n(٣) في نسخة: \"علينا\".\n(٤) زاد في نسخة: \"يا\".\n(٥) \"معالم السنن\" (٤/ ١٢٩).\n(٦) وأجاب عنه الشافعية بأنه يحتمل أن يكون صيدًا من الخارج، وأجيب بأنه إذا دخل في الحرم صار من صيده، ورد بأنه لا يتمشى على الشافعية، لأنهم لم يقولوا بأنه يكون من صيده كما في \"الهداية\" (١/ ١٧٠)، والحنفية أيضًا قالوا بوجوب الإرسال إذا كان في يده لا في قفصه، ولم يثبت كونه في يده، وأجيب عن الأول بأن النصوص لا تفرق =","vol":"13","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1830>(٧١) بابٌ في الْمَرْأَةِ تُكَنَّى</span>\n٤٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، الْمَعْنَى قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنًى، قَالَ: \"فَاكْتَنِيِ بِابْنِكَ عَبْدِ اللَّهِ\" (١)، قَالَ مُسَدَّدٌ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ (٢): فَكَانتْ تُكْنَى بِأُمّ عَبْدِ اللَّهِ\". [حم ٦/ ١٠٧، ٢٦٠]\n===\nالسجع (٣) في الكلام، وفيه جواز الدعابة ما لم يكن آثمًا، وفيه إباحة تصغير الأسماء، وفيه أنه كنّاه ولم يكن له ولد، فلم يدخل ذلك في باب الكذب، وقوله: \"يلعب به\" أي يتلهى بحبسه وإمساكه.\n\n(٧١) (بابٌ في الْمَرْأَةِ تُكَنَّى) (٤) أي: ولم يكن لها ولد\n٤٩٧٠ - (حدثنا مسدد وسليمان بن حرب، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، كلُّ صواحبي) أي كل أزواجك ضراتي (لهن كُنَى) فاجعل لي كنية (قال: فاكتنِي بابنك) أي بابن أختك أسماء بنت أبي بكر وهو (عبد الله، قال مسدد: عبد الله بن الزبير، قال) عروة: (فكانت تكنى بأم عبد الله،\n_________\n= بين أخذه من خارج وداخل، فإذا دخل صار من صيده، وعن الثاني بأن الظاهر هو اليد، كما هو ظاهر اللعب. (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن أختها\".\n(٢) في نسخة: \"قالت\".\n(٣) وذكر الحافظ في الحديث فوائد أكثر من ستين. \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٨٤). (ش).\n(٤) وهل يجوز خطاب الكافر بالكنية؟ لا خلاف في جوازه عند اشتهاره بذلك. أما على وجه الإكرام ففيه خلاف، كذا قال الباجى، انتهى. وترجم بذلك البخاري وتكلم عليه الحافظ والعيني. [انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٢)، و\"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٢٩)]. (ش).","vol":"13","page":372},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا رَوَاهُ قُرَّانُ بْنُ تَمَّامٍ وَمَعْمَرٌ جَمِيعًا عن هِشَامٍ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ عن هِشَامٍ عن عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ (١) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَمَسْلَمَةُ بْنُ قَعْنبٍ عن هِشَامٍ كَمَا قَالَ أَبُو أُسَامَةَ.\n===\nقال أبو داود: هكذا رواه قُرّان بن تمام ومعمر (٢) جميعًا عن هشام نحوه) أي نحو حديث حماد بن زيد عن هشام.\n(ورواه أبو أسامة (٣) عن هشام) فخالف حماد بن زيد، وقال: (عن عباد بن حمزة) فذكر عباد بن حمزة موضع عروة بن الزبير، وعباد بن حمزة هو عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير.\n(وكذلك) أي كما روي أبو أسامة، فذكر عبادَ بنَ حمزة في موضع عروة بن الزبير روي (حماد بنُ سلمة ومسلمة بن قعنب عن هشام كما قال أبو أسامة) وهشام هو ابن عم أبي عباد بن حمزة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) أورد المصنف رحمه الله تعالى رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة من طريق حماد بن زيد فذكر له متابعين قرآن بن تمام ومعمرًا.\nأما رواية قرآن بن تمام عن هشام عن أبيه عن عائشة فلم أقف عليها.\nوأما رواية معمر فأخرجها عبد الرزاق (١٩٨٥٨)، ومن طريقه أحمد (٦/ ١٥١) رقم (٢٥١٧٠)، والطبراني (٢٣/ ١٨) رقم (٣٥).\n(٣) أخرجه الطبراني من طريق سليمان بن الفرج، حدثنا أبو أسامة عن هشام عن عباد عن عائشة به.\nوتابعه -أي أبا أسامة- حمادُ بنُ سلمة، فأخرج ابن سعد (٨/ ٦٣) عن حماد بن سلمة عن هشام عن عباد. وتابعه أيضًا مسلمة بن قعنب، ولم أقف على روايته، والله أعلم.","vol":"13","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1831>(٧٢) بابٌ في الْمَعَارِيضِ</span>\n٤٩٧١ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ (١)، نَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَليدِ، عن ضُبَارَةَ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن أَبِيهِ، عن سُفْيَانَ بْنِ أَسِيْدٍ الْحَضْرَميِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدّق وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ\". [ق ١٠/ ١٩٩]\n===\n\n(٧٢) (بَابٌ في الْمَعَاريضِ)\nمن التعريض (٢) وخلاف التصريح، وهو إمالة الكلام إلى ما هو غير ظاهر فيه\n٤٩٧١ - (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، نا بقية بن الوليد، عن ضبارة) بن عبد الله (بن مالك) بن أبي السليك (الحضرمي)، ومنهم من ينسبه إلى جده، ومنهم من ينسبه إلى أبي السليك، وقيل: هم ثلاثة روى عن أبيه، وفرق ابن أبي عدي تبعًا للبخاري بين ضُبارة بن عبد الله بن أبي السليك فقال فيه: القرشي، وبين ضبارة بن مالك بن أبي السليك فقال فيه: الحضرمي، مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن أبيه) مالك بن أبي السليك، (عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه) جبير بن نفير، (عن سفيان بن أَسِيد) بفتح الهمزة وكسر المهملة، ويقال: ابن أسد (الحضرمي)، له صحبة، روى عن النبي - ﷺ - هذا الحديث، قال أبو القاسم البغوي: لا أعلم له غيره، (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: كبُرَتْ خيانةً أن تحدِّث أخاك حديثًا هو لك به مصدِّق وأنث له به كاذبٌ) لأن هذا تغرير وخداع.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"إمام مسجد حمص\".\n(٢) وفي \"الدر المختار\": الغيبة كما تكون باللسان صريحًا كذلك بالفعل والتعريض والكتابة ... إلخ، قال ابن عابدين (٩/ ٥٨٧): التعريض كقوله عند ذكر شخص: الحمد لله الذي عافانا من كذا، وقال أيضًا في موضع آخر (٩/ ٦١٢): الكذب مباح لإحياء حقه، والمراد به التعريض دون حقيقة الكذب فهو حرام. (ش).","vol":"13","page":374},{"text":"(٧٣) بَابٌ في (١) \"زَعَمُوا\"\n٤٩٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وكيعٌ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن يَحْيَى، عن أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ لأَبِي عَبْدِ الله، أَوْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لأَبِي مَسْعُودٍ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ في زَعَمُوا؟ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زعَمُوا\".\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1832>(٧٣) (بابٌ في \"زَعموا</span>\") (٢)\n٤٩٧٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة قال: قال أبو مسعود لأبي عبد الله) أي حذيفة (أو) للشك من الراوي (قال أبو عبد الله لأبي مسعود: ما سمعتَ رسولَ الله - ﷺ - يقول في زعموا؟ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: بئس مطية الرجل زعموا).\nقال الخطابي (٣): أصل هذا: أن الرجل إذا أراد الظعن في حاجة، والمسير إلى بلد ركب مطيته، وسار حتى يبلغ حاجته، فشبه النبي - ﷺما يقدمه الرجل أمام كلامه ويتوصل (٤) به إلى حاجته من قوله: \"زعموا\" بالمطية التي يتوصل (٥) بها إلى الموضع الذي يؤمُّه ويقصده، وإنما يقال: \"زعموا\" في حديث لا سند له، ولا ثبت فيه، إنما هو شيء يحكى على الألسن على سبيل البلاغ، فذم النبي - ﷺمن الكلام (٦) ما كان هذا\n_________\n(١) في نسخة: \"في قول الرجل: زعموا\".\n(٢) ترجم به البخاري في \"صحيحه\"، وقال الحافظ (١٠/ ٥٥١): كأن البخاري أشار إلى ضعف رواية أبي داود، إذ أخرج حديث أم هانئ: زعم علي ... إلخ، وذكر ما ورد لفظ زَعَمَ في الروايات. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٣٠).\n(٤) في الأصل: \"يتوسل\"، والتصحيح من \"المعالم\".\n(٥) في الأصل: \"يتوسل\"، والتصحيح من \"المعالم\".\n(٦) وفي \"المعالم\": الحديث.","vol":"13","page":375},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ (١) حُذَيْفَةُ. [حم ٥/ ٤٠١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1833>(٧٤) بابٌ في الرَّجَلِ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ </span>(٢)\n٤٩٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عن أَبي حَيَّانَ، عن يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَطَبَهُمْ فَقَالَ: \"أَمَّا بَعْدُ\". [م ٢٤٠٨، دي ٣٣١٧، خزيمة ٢٣٥٧، حم ٤/ ٣٦٦]\n===\nسبيله، وأمر بالتثبت فيه والتوثق ما يحكيه من ذلك، فلا يرويه حتى يكون معزيًا إلى ثَبت، ومرويًا عن ثقة، وقد قيل: الراوية أحد الكاذبين (٣)، انتهى.\n(قال أبو داود: أبو عبد الله) هو (حذيفة).\n\n(٧٤) (بابٌ في الرجُلِ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ) (٤)\n٤٩٧٣ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا محمد بن فضيل، عن أبي حيان) بتشديد التحتانية، اسمه يحيى بن سعيد، (عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم: أن النبي - ﷺ - خطبهم) أي الصحابة (فقال) في خطبته: (أما بعد).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"هو هذا\".\n(٢) في نسخة: \"باب أما بعد في الخطب\".\n(٣) وهكذا قال صاحب \"حياة الحيوان\" (٢/ ٣٩٩)، وزاد: الغرض الردع عن حكايته مثل هذا الكلام، وحكى الآثار في منع \"زعموا\"، انتهى، وزاد في حاشية أبي داود له معنى آخر.\nحاصله: أن الزعم لا ينسب إلى الناس ولا ينسب إليهم إلَّا ما تحقق وجوده عنهم. (ش).\n(٤) وذكرت وجه التبويب بهذه الترجمة على ما سنح لي في \"الأبواب والتراجم للبخاري\"، لهذا العبد الفقير (٦/ ١٢٧). (ش).","vol":"13","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1834>(٧٥) بابٌ في الْكَرْمِ، وَحِفْظِ الْمَنْطِقِ</span>\n٤٩٧٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، أَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ الْكَرْمُ، فَإنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ، وَلَكِنْ قُولُوا حَدَائِقُ الأَعْنَابِ\"، [خ ٦١٨٣، م ٢٢٤٧]\n===\n\n(٧٥) (بابٌ في الْكَرْمِ، وَحِفْظِ الْمَنْطِقِ)\n٤٩٧٤ - (حدثنا سليمان بن داود، نا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: لا يقولنّ أحدكم) أي للعنب (الكَرْم، فإن الكرم الرجل المسلم) (١) يوسف به مبالغة، والكرم يطلق على العنب وشجره، (ولكن قولوا حدائق الأعناب).\nقال ابن الجوزي: إنما نهى عن هذا، لأن العرب كانوا يسمونها كرمًا لما يدعون من إحداثها في قلوب الشاربين من الكرم، فنهى عن تسميتها لما تمدح به لتأكيد ذمها وتحريمها، وإن قلب المؤمن لما فيه من نور الإيمان أولى بذلك الاسم.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"لا يقولن أحدكم الكرم\": وكانت العرب في الجاهلية تعتقد أن الخمر تورث الكرم والسماحة، وتبعث شاربها على أكتساب الأخلاق الحسنة، وكان إطلاق لفظ الكرم عليها يوهم ذلك المعنى المعتقد عندهم بأن يكون من قبيل إسم إطلاق المسبب على السبب، فنهاهم عن ذلك صونًا لهم عن الإيهام، وإلا فاللفظ مشترك بين الصفة المعلومة والشجر المعروفة، وليس إطلاق الكرم على الشجرة بتلك المناسبة، والله أعلم.\n_________\n(١) بسط الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٥٦٧).","vol":"13","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1835>(٧٦) بَابُ لَا يَقُولُ الْمَمْلُوكُ: ربِّي، وَرَبَّتي</span>\n٤٩٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن (١) أَيُّوبَ وَحَبِيب بْنِ الشَّهِيدِ وَهِشَام، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَقُولَنَّ (٢) أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلَا يَقُولَنَّ الْمَمْلُوكُ: رَبِّي وَرَبَّتِي، وَلْيَقُلِ الْمَالِكُ: فَتَايَ وَفَتَاتِي، وَلْيَقُلْ الْمَمْلُوكُ: سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي، فَإنَّكُمُ الْمَمْلُوكُونَ، وَالرَّبُّ اللَهُ تَعَالَى\". [حم ٢/ ٤٢٣، ٤٩١، ٥٠٨]\n===\n\n(٧٦) (بابُ لَا يقول الْمَمْلُوكُ) لمالكه: (رَبِّي، وَرَبَّتِي)\n٤٩٧٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب وحبيب بن الشهيد وهشام، عن محمد) أي ابن سيرين، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يقولنّ أحدكم عبدي) دفعًا لتوهم الشركة في العبودية (وأمتي) فإن الأمة هي المملوكة، ولا ملك في الحقيقة إلَّا له سبحانه، قلت: وقد أطلق الله ﷾: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٣)، فالنهي للتنزيه.\n(ولا يقولن المملوك: ربي وربتي) لأن الربوبية صفة مختصة لله تعالى، والإنسان مربوب، فكره المضاهاة بالاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، وأما الواقع في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (٤)، فهو شريعة من قبلنا، فيكره هذا الإطلاق.\n(وليقل المالك: فتاي وفتاتي) والفتى: الشاب، والفتاة: الشابة، (وليقل المملوك: سيدي وسيدتي) لأن مرجع السيادة إلى معنى الرئاسة وحسن التدبير في المعيشة، ولذلك يسمى الزوج سيدًا، (فإنكم المملوكون) فلا ينبغي أن تسموا ربًّا (والرب الله تعالى).\n_________\n(١) في نسخة: \"نا\".\n(٢) في نسخة: \"لا يقول\".\n(٣) سورة النور: الآية ٣٢.\n(٤) سورة يوسف: الآية ٤٢.","vol":"13","page":378},{"text":"٤٩٧٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ في هَذَا الْخَبَرِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: \"وَلْيَقُلْ سَيّدِي وَمَوْلَايَ\". [خ ٢٥٥٢، م ٢٢٤٩]\n٤٩٧٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادة، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ (١)، فَإنَّهُ إنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبّكمْ ﷿\". [حم ٥/ ٣٤٦، والسنن الكبرى للنسائي ١٠٠٧٣]\n===\n٤٩٧٦ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا يونس حدّثه، عن أبي هريرة في هذا الخبر، ولم يذكر النبي - ﷺ -) بل أوقفه على أبي هريرة، (قال: وليقل: سيدي ومولاي) أي وذكر هذين اللفظين في محل: سيدي وسيدتي.\n٤٩٧٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) أي هشام، (عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب (قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تقولوا للمنافق: سيِّدٌ، فإنه إن يك سَيِّدًا (٢) فقد أَسْخَطْتُم رَبّكم ﷿).\nنقل عن \"اللمعات\" (٣): قيل: معناه إن يك سيدًا وجبت طاعته، وذلك يكون موجبًا لسخط الرب تعالى، وحاصله: أن القول يكون المنافق سيدًا اعتراف بوجوب طاعته، وانقياده موجب لسخطه تعالى. وقيل: أراد أنكم بهذا القول أسخطتم ربكم، فوضع الكون موضع القول، وقيل: معناه إن يك سَيِّدًا- أي ذا مال وجاه دنيوي- أغضبتم الله، لأنكم عظمتم من لا يستحق التعظيم، وإن لم يكن كذلك فقد كذبتم.\n_________\n(١) في نسخة: \"سيدًا\".\n(٢) ولفظ أحمد: \"فإنه إن يك سيدكم\" \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٤٦) رقم (٢٢٩٣٣). (ش).\n(٣) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٥٧).","vol":"13","page":379},{"text":"(٧٧) بَابٌ لَا يُقَالُ (١): خَبُثَتْ نَفْسِي\n٤٩٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَال: \"لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي\". [خ ٦١٨٠، م ٢٢٥١، والنسائي في الكبرى ١٠٨٩٠]\n===\n\n(٧٧) (باب لَا يُقَالُ: خَبُثَتْ (٣) نَفْسِي)\n٤٩٧٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه) سهل بن حنيف، (أن رسول الله - ﷺقال: لا يقولنّ أحدُكم: خَبُثَتْ نفسي، وليقل: لَقِسَتْ نفسي).\nقال الخطابي (٤): لقست وخبثت معناهما واحد، وإنما كره من ذلك لفظ الخبث لبشاعة الاسم وشناعته (٥)، وعلّمهم الأدب في المنطق، وأرشدهم إلى استعمال الحسن وهجر القبيح (٦)، انتهي.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"خبثت نفسي\"، إنما منعه لمجرد ما في اللفظ من التفحش والغلاظة، وكذلك \"جاشت\"، فإن فيه مبالغة فلا يفتقر إلى إطلاقه لحصول المدعى بأقل منه، والامتتاع عن الألفاظ الكريهة، والتي فيها نوع تطير مطلوب ومأمور به، انتهى.\n_________\n(١) في نسخة: \"يقول\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) وهكذا ترجم البخاري، وذكر هذا الحديث، وفي هامشه: أن الخبيث يطلق على الباطل في الاعتقاد، ويشكل عليه ما تقدم في حديث التهجد \"ثلاث عقد، وإلا أصبح خبيث النفس\"، وثفدم الكلام عليه. [انظر. الحديث رقم (١٣٠٦)] (ش).\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٣١).\n(٥) قوله: \"لبشاعة الاسم وشناعته\"، كذا في الأصل، وفي \"المعالم\": \"وبشاعة الاسم منه\".\n(٦) وفي \"المعالم\": \"هجران القبيح منه\".","vol":"13","page":380},{"text":"٤٩٧٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺقالَ: \"لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: جَاشَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي\". [خ ٦١٧٩، م ٢٢٥٠، حم ٦/ ٥١]\n٤٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن مَنْصُورٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ يَسَارٍ، عن حُذَيْفَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ الله وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ\". [حم ٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨، هب ٥٢٢٢]\n===\n٤٩٧٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: لا يقولنّ أحدُكم: جاشت نفسي، ولكن ليقل: لَقِسَتْ نفسي) قال في \"القاموس\": جاشت النفس: غَثَت، أو دَارَتْ للغثيان.\n٤٩٨٥ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن منصور، عن عبد الله بن يسار، عن حذيفة، عن النبي - ﷺقال: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان) لسوء الأدب وتوهم الإشراك، إذ مشيئة الله تعالى هي المشيئة، لا يعتبر في جنبها مشيئة العبد، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\n(ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان) يعني إن كان لا بدّ تذكرون مشيئة العبد اعتبارًا بظاهر الأسباب العادية اذكروا ما يدل على تبعيتها وتأخرها عن مشيئة الله في الرتبة، ولا تذكروا بحيث يدل على مساواتها لها، وهذا في حق العامة، أما في حقه - ﷺ - فلا يجوز إلَّا التوحيد، ونهي أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، بل ينبغي أن يقولوا: ما شاء الله وحده، وذلك لكونه ﵇ في غاية العبودية الحقيقية والتواضع بجناب عزة الله مستغرقًا في بحر التوحيد، وأيضًا لرفعة شأنه وعلو قدره يغلب توهم الإشراك فيه، كما يقول العامة:","vol":"13","page":381},{"text":"٤٩٨١ - (١) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، عن تَمِيمٍ الطَّائِيِّ، عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا، فَقَالَ: \"قُمْ\"، أَوْ قَالَ: \"اذْهَبْ فَبِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ\". [تقدَّم برقم ١٠٩٩]\n٤٩٨٢ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بقِيَّةَ، عن خَالِدٍ - يَعْني ابْنَ عَبْدِ اللهِ-، عن خَالِدٍ - يَعْنِي الْحَذَّاءَ-، عن أَبِي تَمِيمَةَ، عن أَبِي الْمَلِيحِ، عن رَجُلٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَعَثَرَتْ دَابَّتُهُ، فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: \"لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيطَانُ، فَإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ (٢) حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ، وَيَقُولُ: بِقُوَّتِي، وَلَكِنْ\n===\nما شاء الله ورسوله، وما فعل الله ورسوله، كذا في \"اللمعات\" (٣).\n٤٩٨١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان بن سعيد، حدثني عبد العزيز بن رفيع، عن تميم) بن طرفة (الطائي، عن عدي بن حاتم: أن خطيبًا خَطَبَ عند النبي - ﷺفقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، فقال) أي رسول الله - ﷺ - للخطيب: (قم، أو قال: اذهب فبئس الخطيب أنت)، وقد تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه وشرحه في كتاب الجمعة في \"باب الرجل يخطب على قوس\".\n٤٩٨٢ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد -يعني ابن عبد الله-، عن خالد -يعني الحذاء-، عن أبي تميمة، عن أبي المليح) بن أسامة، (عن رجل قال: كنت رديف النبي - ﷺ - فعثرت دابته، فقلت: تَعِسَ الشيطان، فقال: لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت ذلك تَعَاظَمَ حتى يكون مثل البيت) لأن مثل هذا الكلام يوهم أن للشيطان دخلًا أوتصرفًا في مثل ذلك الأمر، (ويقولْ بقوّتي، ولكن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الشيطان\".\n(٣) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٥٧).","vol":"13","page":382},{"text":"قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ\". [ن في الكبرى ١٠٣٨٩، حم ٥/ ٥٩، ٧١، ك ٤/ ٢٩٢]\n٤٩٨٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ. (ح): وَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا سَمِعْتَ\"، وَقَالَ مُوسَى: \"إذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهَلَكُهُمْ\". [م ٢٦٢٣، حم ٢/ ٥١٧، ٤٦٥]\nقَالَ أَبُو داوُدَ: قَالَ مَالِك: إذَا قَالَ ذَلِكَ تَحُزُّنًا لِمَا يَرَى في النَّاسِ - يَعْنِي في أَمْرِ دِينِهِمْ- فَلَا أَرَى بِهِ بَأسًا، وَإذَا قَالَ ذَلِكَ عُجْبًا بِنَفْسِهِ وَتَصَاغُرًا لِلنَّاسِ فَهُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ.\n===\nقل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تَصَاغَرَ) أي صار حقيرًا ذليلًا (حتى يكون مثل الذباب).\n٤٩٨٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) كلاهما (عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا سمعت) الرجل يقول: هلك الناس (وقال موسى) بن إسماعيل شيخ المصنف: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم) يحتمل أن يكون لفظ \"أهلكهم\" بصيغة الماضي بفتح الكاف، ويحتمل أن يكون بضم الكاف على صيغة اسم التفضيل (١).\n(قال أبو داود: قال مالك: إذا قال ذلك) الكلام (تحزُّنًا لما يرى في الناس، يعني في أمر دينهم) أي: نقصًا وخللًا (فلا أرى به بأسًا، وإذا قال ذلك عجبًا بنفسه وتصاغرًا) أي: تحقيرًا (للناس فهو المكروه الذي نهي عنه)\n_________\n(١) وفي \"المسوى\" (٢/ ٢٢٨) للشيخ الدهلوي: هو المشهور، وقال أيضًا: عندي له معنى آخر، وهو أن يخالف جمهور المسلمين وعامة حملة أهل العلم، انتهى. (ش).","vol":"13","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1837>(٧٨) بابٌ في صلَاةِ الْعَتَمَةِ</span>\n٤٩٨٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا وَإنَّهَا الْعِشَاءُ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْتِمُونَ بِالإبِلِ\". [م ٦٤٤، ن ٥٤١ - ٥٤٢، جه ٧٠٤، حم ٢/ ١٠]\n===\nوتفسير مالك يدل على أن هذه الصيغة عنده على اسم التفضيل، وعلى احتمال كون الصيغة فعلًا ماضيًا معناه: أن الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة الله، يقولون: هلك الناس، أي استوجبوا النار بسوء أعمالهم، فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله، أو هو الذي لما قاله لهم وآيسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي فهو أوقعهم في الهلاك، كذا في \"المجمع\" (١).\n\n(٧٨) (بابٌ في صَلَاةِ الْعَتَمَةِ)\n٤٩٨٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سفيان، عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة) قال: (سمعت ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: لا تغلبنّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم، ألا وإنها) في كتاب الله (العشاءُ) كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (٢) (ولكنهم) أي الأعراب (يعتمون بالإبل) ولذا يسمون صلاة العشاء صلاة العتمة، فلا يغلبتكم الأعراب بأن تتركوا تسمية الله سبحانه، وتسموا بتسمية الأعراب.\nوقال الخطابي (٣): قوله: \"يعتمون\" معناه يؤخرون حلب الإبل، ويسمون الصلاة باسم وقت الحلاب، ويقال: فلان عاتم القِرى: إذا كان نزل به الأضياف ولم يعجل قراهم، انتهى.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٧٦).\n(٢) سورة النور: الآية ٥٨.\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٣٢).","vol":"13","page":384},{"text":"٤٩٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن سِالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ - قَالَ مِسْعَرٌ: أَرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ -: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يَقُولُ: \"يَا بِلَالُ، أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا\". [حم ٥/ ٣٦٤]\n٤٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا إسْرَائِيلُ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجعْدِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّة\n===\n٤٩٨٥ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رجل، قال مسعر: أراه) أي أظن شيخي قال: (من خزاعة) من خزاعة صفة رجل (ليتني صليتُ فاسترحتُ) أي بالاشتغال في الصلاة لكونها مناجاة مع الرب تعالى، أو بالفراغ منها لاشتغال الذمة بها قبل الفراغ عنها، (فكأنهم عابوا ذلك عليه) لأن ظاهر الكلام يدل على أن الصلاة ثقيل عليه، وشاق به، فيطلب الاستراحة بعد دفعها.\n(فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يا بلال أقم الصلاة أَرِحْنا بها) قال في \"النهاية\" (١): أي تستريح بأدائها من شغل القلب بها، وقيل: كان الاشتغال بالصلاة راحة [له]، فإنه كان يعدّ غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا، فكان يستريح بالصلاة لِمَا فيها من مناجاة الله تعالى، ولذا قال: \"وجعلت قرة عيني في الصلاة\".\n٤٩٨٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا إسرائيل، ثنا عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن محمد بن الحنفية) هو عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو هاشم، روى عن أبيه محمد بن الحنفية، وعن صهر له من الأنصار، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكانت الشيعة\n_________\n(١) (٢/ ٢٧٤).","vol":"13","page":385},{"text":"قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبِي إلَى صِهرٍ لَنَا مِنَ الأَنْصَارِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَت الصَّلَاةُ، فَقَالَ لِبَعْضِ أَهْلِهِ: يَا جَارِيَةُ، ائْتُونِي بِوَضُوءٍ لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيْحَ، قَالَ: فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِ (١)، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"يَا بِلَالُ (٢)، أَقِمْ فَأَرِحْنَا بَالصَّلَاةِ\". [حم ٥/ ٣٧١]\n===\nيلقونه وينتحلونه، وقال ابن عيينة عن الزهري: ثنا عبد الله والحسن ابنا محمد بن علي، وكان الحسن أرضاهما، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما، وكان عبد الله يجمع أحاديث السبائية، وقال العجلي: عبد الله والحسن ثقتان، وقال أبو أسامة: أحدهما مرجئ (٣)، والآخر شيعي، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: انطلقت أنا وأبي إلى صهر لنا من الأنصار نعوده) من العيادة، (فحضرت الصلاة، فقال) الصهر الأنصاري، ومن العجائب ما قال صاحب \"العون\": فقال: أي علي بن أبي طالب، وهذا غلط صريح، لأن عليًّا - ﵁ - لم يكن موجودًا هناك، ولا رواية لعبد الله بن محمد عن علي بن أبي طالب، وقد صرح الحافظ في \"التهذيب\" بأن عبد الله بن محمد يروي عن صهره (لبعض أهله: يا جارية ائتوني بوَضوء) أي بماء الوضوء فأتوضأ (لَعَلّي أصلي فَأَسْتَرَيحَ، قال) عبد الله بن محمد: (فأنكرنا ذلك) الكلام (عليه، فقال) الأنصاري (٤): (سمعت رسول الله - ﷺيقول: يا بلال، أقم فأرِحْنا بالصلاة).\n_________\n(١) في نسخة بدون: \"عليه\".\n(٢) في نسخة: \"قم يا بلال فأرحنا بالصلاة\".\n(٣) قلت: هو الحسن بن محمد بن الحنفية، وقال الحافظ: المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنَّة المتعلق بالإيمان، وقال: معنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئًا أو مصيبًا، وكان يرى أنه يرجئ الأمر فيهما، وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان فلم يعرج عليه، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٢١).\n(٤) وقد روي عن بلال أيضًا، كذا في حاشية \"إحياء علوم الدين\" (١/ ١٥٢). (ش).","vol":"13","page":386},{"text":"٤٩٨٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ (١)، نَا أَبِي، نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عن زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: \"مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَنْسُبُ أَحَدًا إلَّا إلَى الدِّينِ\".\n\n(٧٩) بابٌ في ماَ رُوِيَ (٢) مِن (٣) الرُّخْصَةِ (٤) في ذَلِكَ\n===\n٤٩٨٧ - (حدثنا هارون بن زيد، نا أبي) زيد بن أبي الزرقاء، (نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عائشة) - ﵂ - (قالت: ما سمعت رسول الله - ﷺ - ينسب أحدًا إلَّا إلى الدين).\nقال المنذري (٥): هذا منقطع، زيد بن أسلم لم يسمع من عائشة - ﵂ -، ويشبه أن يكون أبو داود - ﵁ - أدخل هذا الحديث في هذا الباب: \"أنه - ﷺلا ينسب أحدًا إلا إلى الدين\"، ليرشدهم بذلك إلى استعمال الألفاظ الواردة في الكتاب الكريم، والسنَّة النبوية، ويصرفهم عن عبارات الجاهلية [كما فعل في العتمة]، والله ﷿ أعلم، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"ينسب إلا إلى الدين\"، يعني أن مطمح نظره - ﷺ - كان هو الدين، فكان ينسبهم في أسمائهم وأفعالهم وأحوالهم إلى الدين ويحملهم عليه، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1838>(٧٩) (بَابٌ في مَا روِيَ مِنَ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ)</span>\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: أي في المبالغة في الكلام، وترك إرادة الظاهر إذا لم يلتبس المراد على المخاطب، وهذه الأبواب كلها من أدب\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن أبي الزرقاء\".\n(٢) في نسخة: \"يروى\".\n(٣) في نسخة: \"في\".\n(٤) في نسخة: \"الترخيص\".\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٧٧).","vol":"13","page":387},{"text":"٤٩٨٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنِسٍ قَالَ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَرَكِبَ النَّبِيُّ - ﷺ - (١) فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ، فَقَالَ: \"مَا رَأَيْنَا شَيْئًا\"، أَوْ \"مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا\". [خ ٢٨٥٧، م ٢٦٢٧، ت ١٦٨٥، ١٦٨٦، ١٦٨٧، جه ٢٧٧٢، حم ٣/ ١٧٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1839>(٨٠) بَابُ التَّشْدِيدِ في الْكَذِبِ</span>\n٤٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ.\n===\nالكلام، فذكر فيها ما لا ينبغي أن يذكره، ثم أتبعه في الرخصة في بعض ذلك، فافهم لتتبين الأمر، انتهى.\n٤٩٨٨ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: كان فَزَعٌ) أي خوف (بالمدينة، فركب النبي - ﷺ - فرسًا لأبي طلحة) وسبق إلى جهة الخوف، (فقال) - ﷺلما رجع: (ما رأينا شيئًا) من الفزع والخوف (أو ما رأينا من فَزَعٍ، وإن) مخففة من المثقلة (وجدناه) أي الفرس (لَبَحرًا) أي جريه جري البحر، لا يتعب راكبه، أو إنه واسع الجري، قيل: كان الفرس قطوفًا، ولكن ببركة ركوبه - ﷺ - صار بحرًا، فأطلق لفظ البحر على الفرس، والمراد ظاهر.\n\n(٨٠) (باب التَّشْدِيدِ في الْكَذِبِ) (٢)\n٤٩٨٩ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، أخبرنا الأعمش،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) بسط ابن عابدين (٩/ ٦١٢) أنواع الكذب وأحكامها، وفي \"العيني\" (٩/ ٥٧٨): أباح الكذب للإصلاح، وقال: بل واجب في مواضع، وبسط السيوطي (٤/ ٣١٦) الروايات في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ ....﴾ الآية، [النحل: ١٠٥]، وعدَّ ابن حجر المكي في \"الزواجر\" (٢/ ١٥٤) من الكبائر الكذب الذي فيه حدٌّ أو ضرر، وبسط الكلام على غيره، وتقدَّم الكلام (٨/ ٢٢٠) على قصة سيدنا إبراهيم ﵇. (ش).","vol":"13","page":388},{"text":"(ح): وَنَا مُسَدّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي وَائِل، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإنَ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَإنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا (١).\nوَعَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ، وَإنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيصدُقُ\n===\nح: ونا مسدد، نا عبد الله بن داود، نا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله) ابن مسعود (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إياكم والكذبَ) أي اتقوا عنه، (فإن الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإن الفجورَ يهدي إلى النار).\nقال الخطابي (٢): أصل الفجور الميل عن الصدق، والانحراف إلى الكذب، ومنه قول الأعرابي في عمر بن الخطاب - ﵁ -:\nأَقْسَمَ بالله أبو حَفْصٍ عُمرْ ... ما إن بها (٣) من نَقَبٍ ولا دبَرْ\nاغفر له اللهمَّ ... إن كان فَجَرْ\nيريد إن كان مال عن الصدق.\n(وإن الرجل ليكذِبُ ويتحرّى) أي يبالغ ويجتهد في (الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا)، قال في \"فتح الودود\": الظاهر الكتابة في ديوان الأعمال، ويحتمل أن المراد إظهاره بين الناس بوصف الكذب، والصدق.\n(وعليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر) أي: لعل الصدق بخاصيته يفضي إلى أعمال البر، أو المراد بالبر هو الصدق نفسه، (وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق\n_________\n(١) في نسخة: \"كاذبًا\".\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٣٣).\n(٣) كذا في \"معالم السنن\"، والظاهر: ما مسَّها، كما في الأصل و\"لسان العرب\" مادة: (ن ق ب).","vol":"13","page":389},{"text":"ويتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا\". [خ ٦٠٩٤، م ٢٦٠٧، ت ١٩٧١، حم ١/ ٣٨٤]\n٤٩٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا يَحْيَى، عن بَهْزِ بْنِ حَكِيم قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - ﷺيَقُولُ ويَلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ (١) بِهِ الْقَوْمَ، ويلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ\". [ت ٢٣١٥، دي ٢٧٠٤، حم ٥/ ٢، ٥، ٧]\n٤٩٩١ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ مَوَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْني عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَدَوي حَدَّثَهُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: دَعَتْنِي أمّي يَوْمًا، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَاعِدٌ في بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا (٢) تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"وَمَا أَرَدتِ\n===\nويتحرّى) أي يجتهد ويقصد (الصدق حتى يكتب عند الله صِدِّيقًا).\n٤٩٩٠ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا يحيى، عن بهز بن حكيم) بن معاوية (قال: حدثني أبي) أي حكيم بن معاوية، (عن أبيه) أي معاوية بن حيدة (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ويل للذي يحدّث فيكذبُ ليُضْحِكَ به القومَ، ويلٌ له، ويل له).\nوالحاصل: أن الكذب حرام، ولم يرخص إلَّا في مواقع الضرورة كما تقدم في الرواية، وأما ليضحك الناس فلا ضرورة فيه للكذب، بل لا فائدة فيه، فهذا الكذب أشدّ حرمة في أنواعه، فاستحق الويل.\n٤٩٩١ - (حدثنا قتيبة، نا الليث، عن ابن عجلان، أن رجلًا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي حدّثه، عن عبد الله بن عامر أنه قال: دعتني أمي يومًا، ورسول الله - ﷺ - قاعد في بيتنا، فقالت) أمي لي: (ها) للتنبيه، أو اسم فعل بمعنى خذ (تعال أعطيك) أي شيئًا، (فقال لها رسول الله - ﷺ -: وما أردت\n_________\n(١) في نسخة: \"فيضحك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ها\".","vol":"13","page":390},{"text":"أَنْ تُعْطِيهِ؟ \"، قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - \"أَمَا إنَّكِ لوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَة\". [حم ٣/ ٤٤٧]\n٤٩٩٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبةُ. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، نَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، نَا (١) شُعْبَةُ، عن خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن حَفْصِ بْنِ عَاصِم- قَالَ ابْنُ حُسَيْنٍ (٢): عن أَبِي هُرَيْرَةَ-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: \"كفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ\". [ك ١/ ١١٢]\n===\nأن تعطيه؟) أي: أيّ شيء تعطيه؟ (قالت: أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله - ﷺ - أما إنك لو لم) تكن أردت أن (تعطيه شيئًا كُتِبَتْ عليك كذبة).\nقال في \"اللمعات\" (٣): فيه أن ما يتفوه به الناس للأطفال عند البكاء مثلًا بكلماتِ هزلًا أو كذبًا بإعطاء شيء أو بتخويف من شيء، حرام داخل في الكذب.\n٤٩٩٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، ح: ونا محمد بن الحسين) بن إشكاب، (نا علي بن حفص، نا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال ابن حسين) شيخ المصنف: (عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: كفي بالمرء إثمًا أن يحدِّث بكلِّ ما سَمِعَ)، لأنه إذا تحدث بكلّ ما سَمِعَ لم يخلص من الكذب، وهذا زجر عن التحديث بشيء لم يعلم صدقه، بل على الرجل أن يبحث في كلِّ ما سمع من الحكايات والأخبار، خصوصًا من أحاديث رسول الله - ﷺ - حتى يعلم صدقه من كذبه.\n_________\n(١) في نسخة. \"أنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"في حديثه\".\n(٣) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٩٣).","vol":"13","page":391},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرْ حَفْصٌ أَبَا هُرَيْرَةَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1840>(٨١) بَابٌ في حُسْنِ الظَّنِّ</span>\n٤٩٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عن مُهَنَّا أَبِي شِبْلٍ (٢) - وَلَمْ أَفْهَمْهُ جَيِّدًا مِنْهُ-. عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عن شتَيْرٍ - قَالَ نَصْرٌ: شُتَيْرُ بْنُ نَهَّارٍ -،\n===\n(قال أبو داود: لم يذكر حفص) بن عمر شيخ المصنف (أبا هريرة) فرواه حفص مرسلًا، وروى محمد بن الحسين مسندًا.\n\n(٨١) (بَابٌ في حُسْنِ الظَّنِّ)\n٤٩٩٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: ونا نصر بن علي، عن مُهَنّا أبي شبل) قال أبو داود: (ولم أفهمه) أي الحديث (جيّدًا منه) أي من نصر بن علي، (عن حماد بن سلمة) أي كلاهما عن حماد بن سلمة، (عن محمد بن واسع، عن شُتَيْر) وهذا قول موسى بن إسماعيل (قال نصر) بن علي شيخ المصنف: (شُتَيْر بن نهار) بضم المعجمة وفتح المثناة الفوقية مصغّرًا، ونهار بفتح النون وتشديد الهاء، عن أبي هريرة حديث \"حسن الظن من العبادة\"، وعنه محمد بن واسع فيما قاله حماد بن سلمة، وقال غيره: عن محمد بن واسع عن سمير بن نهار، قال البخاري: قال لي محمد بن بشار عن ابن مهدي: ليس أحد يقول شتير إلَّا حماد بن سلمة.\nقلت: الاختلاف الواقع بين موسى بن إسماعيل، ونصر بن علي شيخي المصنف ليس في لفظ شتير وسمير، لأن روايتهما بواسطة حماد بن سلمة،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ولم يسنده إلَّا هذا الشيخ يعني علي بن حفص المدائني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".","vol":"13","page":392},{"text":"عن أَبِي هُرَيْرَةَ- قَالَ نَصْرٌ: عن النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَ: \"حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ\" (١). [حم ٢/ ٢٩٧، حب ٦٣١، ك ٤/ ٢٤١]\n٤٩٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عن عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عن صَفِيَّةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ فَقُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي- وَكَانَ مَسْكَنُهَا في دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ - فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصارِ،\n===\nولكن الاختلاف بينهما بأن موسى بن إسماعيل قال: شتير فقط، ونصر بن علي زاد اسم أبيه فقال: شتير بن نهار.\n(عن أبي هريرة، قال نصر: عن النبي - ﷺ -) أي أسنده نصر وأوقفه موسى بن إسماعيل (قال: حسن الظن من حسن العبادة).\nقلت: أما حسن الظن بالله تعالى بأن يعمل أعمالًا صالحة فيحسن الظن بالله سبحانه بأن يتقبله، ويعفو عنه ما قصر فيه، فهو من العبادة، وأما حسن الظن بالناس، فإن كان في موقع حفظ المال فليس هو من العبادة، بل هو خلاف الحذر والاحتياط، وأما إن كان في المحل الخالي عن الاحتياط، فيمكن أن يدخل في العبادة، لأن سوء الظن إذا لم يكن فيه فائدة فهو إثم.\n٤٩٩٤ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن صفية) أم المؤمنين (قالت: كان رسول الله - ﷺمعتكفًا) في المسجد (فأتيتُه) في المسجد في معتكفه (أزورُه ليلًا فَحَدَّثْتُه) بالأحاديث (فقمتُ فانقلبتُ، فقام معي) إلى جانب المسجد (لِيَقْلِبَنِي) أي ليردّني إلى بيتي، (وكان مسكنُها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: مَهَنَّا ثقة بصري\".","vol":"13","page":393},{"text":"فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللهِ (١) - ﷺ - أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"عَلَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ\" قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: \"إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَيْئًا\" أَوْ قَالَ: \"شَرًّا\". [تقدَّم برقم ٢٤٧٠]\n===\nقال الحافظ (٢): لم أقف على تسميتها في شيء من كتب الحديث، إلَّا أن ابن العطار في \"شرح العمدة\" زعم أنهما: أسيد بن حضير وعباد بن بشر، ولم يذكر لذلك مستندًا.\n(فلما رأيا رسولَ الله - ﷺ -) ورأيا معه امرأةً (أَسْرَعَا) في المشي، ولما رأى - ﷺ - إسراعهما في المشي (فقال النبي - ﷺ -) لهما: (على رِسْلِكُما) أي: قِفا ولا تَعْجَلا، (إنها) أي التي معي (صفية بنت حيي) زوجتي (قالا: سبحان الله يا رسول الله) أنظن بك الظنّ السوء وقد آمنّا بك، (قال) - ﷺ -: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) أي في قلبه (فخشيتُ أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو قال: شرًّا).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": أراد المؤلف بإيراد هذه الرواية بهذا الباب التنبيه على أنه كما يجب على المرء إحسان الظن بغيره، فكذلك يجب عليه التحرز عن ارتكاب ما يسوء به ظن غيره، كما فعله النبي - ﷺ -، حيث برأ نفسه من التهمة مع ما له من شرف المرتبة، فكيف بغيره؟ وعلى هذا فيكون مؤدى هذه الرواية مؤدى قوله - ﷺ -: \"اتقوا مواضع التهم\" (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٩).\n(٣) قال العراقي في \"تخريج الإحياء\": لم أجد له أصلًا، لكنه بمعنى قول عمر ... إلخ. [انظر: \"كشف الخفاء\" (١/ ٤٤) رقم (٨٨)].","vol":"13","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1841>(٨٢) بَابٌ في الْعِدَةِ</span>\n٤٩٩٥ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا أَبُو عَامِرٍ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عن أَبِي النُّعْمَانِ، عن أَبِي وَقَّاصٍ، عن زيدِ بْنِ أَرْقَمَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ فَلَمْ يَفِ، وَلَمْ يَجِئْ لِلْمِيعَادِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ\". [ت ٢٦٣٣، ق ١٠/ ١٩٨]\n٤٩٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (٢) النَّيْسَابُورِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ\n===\n\n(٨٢) (بَابٌ في الْعِدَةِ)، أي: الوعد\n٤٩٩٥ - (حدثنا ابن المثنى، نا أبو عامر، نا إبراهيم بن طهمان، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبي النعمان) عن أبي وقاص، عن زيد بن أرقم في الميعاد، قال الترمذي: مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال أبو حاتم: مجهول، (عن أبي وقاص) عن زيد بن أرقم وسلمان الفارسي، وعنه أبو النعمان، قال أبو حاتم: مجهول، (عن زيد بن أرقم، عن النبي - ﷺ - قال: إذا وَعَدَ الرجلُ أخاه ومن نيته أن يَفِيَ له فلم يَفِ) لعذر (ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه).\nقال في \"اللمعات\" (٣): فيه دليل على أن الوفاء بالوعد ليس بواجب شرعي، بل هو من مكارم الاْخلاق بعد أن كان نيته الوفاء، وأما جعل الخلف في الوعد من علامات النفاق فمعناه الوعد على نية الخلف، وقيل: الخلف في الوعد من غير مانع حرام، وهو المراد ها هنا، وكان الوفاء بالوعد مأمورًا به في الشرائع السابقة.\n٤٩٩٦ - (حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، نا محمد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن فارس\".\n(٣) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٩٤).","vol":"13","page":395},{"text":"سِنَانٍ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عن بُدَيلٍ، عن عَبْدِ الْكَرِيمِ، عن (١) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِبَيْعٍ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّة، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتيَهُ بِهَا في مَكَانِهِ، فَنَسِيتُ، فَذكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَجِئْتُ فَإذَا هُوَ في مَكَانِهِ، فَقَالَ: \"يَا فَتَى، لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هَهُنَا مِنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ\". [ق ١٠/ ١٩٨]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: هَذَا عِنْدَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ\n===\nسنان، نا إبراهيم بن طهمان، عن بديل، عن عبد الكريم) بن عبد الله بن شقيق العقيلي، روى عن أبيه حديث عبد الله بن أبي الحمساء في مبايعة النبي - ﷺ -، (عن عبد الله بن شقيق) العقيلي، (عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء) العامري، له صحبة، سكن البصرة، وقيل: مصر، له حديث واحد، مختلف في إسناده، رواه أبو داود من حديث بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم، عن عبد الله بن شقيق، عن أبيه عنه، وقيل: عن عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق عن أبيه عنه، وهو الصواب، قال أبو بكر البزار: والأول خطأ، لأن شقيق والد عبد الله جاهلي، لا أعلم له إسلامًا.\n(قال: بايعت النبي - ﷺ - ببيع) أي اشتريت منه شيئًا (قبل أن يبعث) للرسالة إلى الناس (وَبَقِيَتْ له) أي لرسول الله - ﷺ - (بقِيَّةٌ) أي شيء من ثمن المبيع عليّ، (فوعدتُه أن آتيَه بها) أي بما بقي عليّ (في مكانه) الذي كان فيه رسول الله - ﷺ -، (فنسيت، فذكرتُ بعد ثلاث) أي بعد مُضِيِّ ثلاث ليال، (فجئت فإذا هو في مكانه) الضمير للنبي - ﷺ - أو للبيع (فقال) النبي - ﷺ -: (يا فتًى، لقد شَقَقْتَ عليّ) أي: أوقعت المشقة، (أنا ها هنا منذ ثلاثٍ) على حسب الوعد (أنتظرك).\n(قال أبو داود: قال) شيخي (محمد بن يحيى: هذا عندنا عبد الكريم بن\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن\".","vol":"13","page":396},{"text":"عبْد اّلله بن شقيقَ (١).\n\n(٨٣) بَابٌ فِيمَن يَتَشَبَّعُ (٢) بِمَا لَمْ يُعْطَ\n٤٩٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي جَارَةً- تَعْنِي ضَرَّةً- هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ لَهَا بِمَا لَمْ يُعْطِ زَوْجِي؟ قَالَ: \"الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ (٣)\n===\nعبد الله بن شقيق). ولكن قال شيخي محمد بن سنان: عن عبد الكريم، عن عبد الله بن شقيق، عن أبيه، قلت: يمكن تأويله بأن يكون عن أبيه بدلًا عن عبد الله بن شقيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1842>(٨٣) (بابٌ فِيمَنْ يَتَشَبَّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ)</span>\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"المتشبع بما لم يعط\"، والكراهة فيه إذا كانت فيه مضرة كما فيما نحن فيه، فأما إذا تضمن إصلاح ذات البين أو التحديث بإنعام الزوج أو غيره ليكون شكرًا أو مدحًا فليس فيه كثير ضرر، نعم يستحب الاكتفاء بالتورية وترك صريح الكذب.\n٤٩٩٧ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، أن امرأة) لم أقف على تسميتها (قالت: يا رسول الله، إن لي جارة - تعني ضرة- هل عليَّ جُنَاحٌ إن تَشَبَّعْتُ لها بما لم يُعطِ زوجي؟) أي أظهرت أنه أعطاني وما أعطانيه (قال) - ﷺ -: (المُتَشَبِّعُ بما لم يعط\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا بَلَغَنِي عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَلَغَنِي أَنَ بِشْرَ بْنَ السرِيِّ رَوَاهُ عن عَبْدِ الكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ\".\n(٢) في نسخة: \"في المتشبع\".\n(٣) في نسخة: \"لم يعطه\".","vol":"13","page":397},{"text":"كَلَابِسٍ (١) ثَوبَي زُورٍ\". [خ ٥٢١٩، م ٢١٣٠، حم ٦/ ٣٤٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1843>(٨٤) بَابُ مَا جَاءَ في الْمُزَاحِ</span>\n===\nكلابس ثَوْبَي زُوْرٍ) أي كمن يلبس ثياب الزهد ويظهر التخشع وليس بزاهد، وكمن يلبس الثياب الحسنة ليصدق في شهادة الزور ولا ترد شهادته، فالتثنية باعتبار أن العرب كانوا يلبسون الإزار والرداء.\nوقال في \"النهاية\" (٢): المشكل من هذا الحديث تثنية ثوب، معناه: أن الرجل يجعل لقميصه كُمَّين، أحدهما فوق الآخر لِيُرِيَ أن عليه قميصين، وهما واحد، وهذا إنما يكون فيه أحد الثوبين زورًا لا الثوبان، والأحسن أن يقال: إن المتشبع بما لم يعط: هو أن يقول: أعطيت كذا لشيء لم يعطه، فأما إنه يَتَّصف بصفات ليست فيه، يريد أن الله تعالى منحه إياها، أو يريد أن بعض الناس وصله بشيء خصّه به، فيكون بهذا القول قد جَمع بين كَذِبَين، أحدهما اتّصافه بما ليس فيه، أو أخذه (٣) ما لم يأخذه، والآخر الكذب على المعطي هو الله تعالى، أو الناس، وأراد بثوبي الزور هذين الحالين الَّذَين ارتكبهما واتَصفَ بهما، والثوب يطلق على الصفة المحمودة [والمذمومة، وحينئذ يصح التشبيه في التثنية] لأنه شبّه اثنين باثنين.\n\n(٨٤) (باب مَا جَاءَ في الْمُزَاحِ) (٤)\n_________\n(١) في نسخة: \"كاللابس\".\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٢٢٨).\n(٣) كذا في الأصل و\"المجمع\" (١/ ٣١١)، وفي \"النهاية\": \"وأخذه\".\n(٤) قال المناوي (٢/ ٢٨): قيل لسفيان بن عيينة: المزاح مجنة، قال: بل سنة، لكن الشأن فيمن يحسنه ويضعه مواضعه، ودخل الشعبي وليمة، فرأى أهلها سكوتًا فقال: ما لي أراكم كأنكم في جنازة، أين القنا، أين الدف؟ ... إلخ، قلت: وقد ثبت عن النبي - ﷺ - فعلًا وتقريرًا الأنواع العديدة من المزاح، منها ما في \"الشمائل\" (٢٤٩) في احتضانه - ﷺ - زاهرًا من خلفه وهو لا يبصره، ومنها ما في \"المرقاة\" (١١/ ٣٠٤): من لطخ عائشة =","vol":"13","page":398},{"text":"٤٩٩٨ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا خَالِدٌ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ احْمِلْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ\" (١)، قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ (٢)؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"وَهَلْ تَلِدُ الإبِلَ إلَّا النُّوقُ\". [ت ١٩٩١، تم ٢٤٨، حم ٣/ ٢٦٧]\n٤٩٩٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحمدٍ، نَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إسْحَاق (٣) عن الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير قَالَ: استَأذَنَ أَبُو بَكْرٍ\n===\nقال في \"المجمع\" (٤): بالضم اسم، وبالكسر مصدر، وقال في \"القاموس\": مَزَحَ كمنع، مَزْحًا ومُزاحةً ومُزاحًا بضمهما، وهما اسمان: دَعَبَ.\n٤٩٩٨ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد، عن حميد، عن أنس: أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله احملني) أي أعطني حمولة أركبها، (فقال النبي - ﷺ -: إنا حاملوك على ولد ناقة، قال) الرجل: (وما أصنع بولد الناقة؟) فإنه توهم على ما هو متعارف أن ولد الناقة هو الصغير لا يصلح للركوب، (فقال النبي - ﷺ -: وهل تلد الإبل إلَّا النوق) فكل إبل ولد الناقة، وكان قوله - ﷺ -: \"إنا حاملوك على ولد الناقة\" بطريق المزاح والمداعبة (٥).\n٤٩٩٩ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حجاج بن محمد، نا يونس بن إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر\n_________\n= وجه سودة بحريرة لإبائها عن أكلها، وضحكه - ﷺ -، فيا للأسف إن النصارى أخذوا حسناتنا وأخذنا سيئاتهم. (ش).\n(١) في نسخة: \"الناقة\".\n(٢) في نسخة: \"ناقة\".\n(٣) زاد في نسخة: \"عن أبي إسحاق\".\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٨٦).\n(٥) وتقدم حديث النغير (ص ١٧١).","vol":"13","page":399},{"text":"عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا، وَقَالَ: لَا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَعَلَ النَّبِيّ - ﷺ - يَحْجُزُهُ، وَخَرَجَ أَبُو بَكر مُغْضِبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - حينَ خَرَجَ أَبُو بَكْر: \"كَيْفَ رَأَيْتِنِي أَنْقَذْتُكَ مِنَ الرَّجُلِ؟ \"، قَالَ: فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا، فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلَانِي في سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي في حَرْبِكُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ فَعَلْنَا\". [حم ٤/ ٢٧١]\n٥٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ، عن بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عن أَبِي إدْرِيس الْخَوْلَانِيِّ، عن عَوْفِ بْنِ مَالِك الأَشْجَعِيِّ قَالَ: أَئَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ في قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ وَقَالَ: \"اُدْخُلْ\"، فَقُلْتُ:\n===\nعلى النبي - ﷺ -) في بيته (فسمع صوت عائشة) ﵂ (عاليًا، فلما دخل تناولها) أي أخذ عائشة (لِيَلْطِمَها) أي ليضربها باليد على وجهها، (وقال: ألا أراكِ ترفعين صوتك على رسول الله - ﷺ -، فجعل النبي - ﷺ - يَحْجُزُه) أي يمنعه من أن يلطمها.\n(وخرج أبو بكر مغضبًا) على عائشة (فقال النبي - ﷺ - مزاحًا (حين خَرَجَ أبو بكر: كيف رأيتني أَنْقَذْتُكِ) أي خلصتك (من الرجل؟) والمزاح في إطلاق لفظ الرجل على أبي بكر (قال: فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله - ﷺ - فوجدهما قد اصطلحا) وتراضيا، (فقال) أبو بكر (لهما: أدخلاني في سِلْمِكُمَا كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي - ﷺ -: قد فعلنا، قد فعلنا).\n٥٠٠٠ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك وهو في قُبَّةٍ) أي خيمة صغيرة (من أدم، فسلّمت عليه فردّ وقال) أي النبي - ﷺ -: (اُدْخُلْ، فقلت:","vol":"13","page":400},{"text":"أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \"كُلُّكَ\". فَدَخَلْتُ. [خ ٣١٧٦، جه ٤٠٤٢، حم ٦/ ٢٧]\n٥٠٠١ - حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، نَا الْوَلِيدُ، نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ قَالَ: إنَّمَا قَالَ: أَدْخُلُ كُلِّي مِنْ صِغَرِ الْقُبةِ. [ق ١٠/ ٢٤٨]\n٥٠٠٢ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، نَا شَرِيكٌ، عن عَاصِمٍ، عن أَنِسٍ قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ (١) - ﷺ -: \"يَا ذَا الأُذُنَيْنِ\". [ت ١٩٩٢، تم ٢٤٥، حم ٣/ ١١٧، ١٢٧، ٢٤٢، ٢٦٠، ق ١٠/ ٢٤٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1844>(٨٥) بَابُ مَنْ يأْخُذ الشَّيءَ مِنْ مُزَاحٍ </span>(٢)\n٥٠٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَا يَحْيَى. (ح): وَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ\n===\nأَكلِّي يا رسول الله؟) أي أدخل كلي، كأنه أشار إلى صغر الخيمة، كأنه لا يسع أن أدخل كلّي (قال: كُلّك، فدخلت) فكان ها هنا المزاح من عوف بن مالك، فكما كان رسول الله - ﷺ - يمازح أصحابه كذلك كان الصحابة يمازحونه.\n٥٠٠١ - (حدثنا صفوان بن صالح، نا الوليد، نا عثمان بن أبي العاتكة قال: إنما قال: أَدْخُلُ كلِّي من) أجل (صِغَرِ القبَّةِ) أي الخيمة.\n٥٥٠٢ - (حدثنا إبراهيم بن مهدي، نا شريكُ، عن عاصم، عن أنس قال: قال لي النبي - ﷺ -: يا ذا الأذنين) قال ذلك مزاحًا، وإلَّا فكل إنسان صاحب الأذنين، وفيه مدح لأنس بتيقظه في الاستماع وتنبهه.\n\n(٨٥) (بَابُ مَنْ يَأْخُذ الشَّيءَ مِن) أي: لأجل (مُزَاحٍ)\n٥٠٠٣ - (حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى، ح: ونا سليمان بن\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"على المزاح\".","vol":"13","page":401},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمنِ الدّمَشْقِيُّ، نَا شُعَيْبُ بْنُ إسْحَاقَ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِب بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ (١) - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يَأخُذَنًّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا جَادًّا (٢).- وَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَعِبًا وَلَا جِدًّا-، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا\". لَمْ يَقُل ابْنُ بَشَّارٍ: ابْنَ يَزِيدَ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. [ت ٢١٦٠]\n٥٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عن الأَعْمَشِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ:\n===\nعبد الرحمن الدمشقي، نا شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن أبيه) السائب، (عن جده) يزيد بن سعيد، (أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: لا يأخذن (٣) أحدكم متاعَ أخيه لاعبًا (٤) جادا) أي لاعبًا في الحال، وجادًّا في المآل، (وقال سليمان: لَعِبًا ولا جِدًّا، ومن أخذ عصا أخيه فليردّها) أي إليه، لأن مال الغير وإن كان حقيرًا لا يحل أخذه.\n(لم يقل) محمد (بن بشار: ابن يزيد) وقال: عن عبد الله بن السائب فقط (وقال: قال رسول الله - ﷺ -) أي قال: عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -.\n٥٠٠٤ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا ابن نمير، عن الأعمش، عن عبد الله بن يسار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"ولا جادًّا\".\n(٣) وظاهر ما في \"الإصابة\" (١/ ٥٤٣) في ترجمة زيد بن ثابت أنه - ﷺ - منع عن ذلك في غزوة الخندق. (ش).\n(٤) وبسط القاري (٦/ ١٥٠) في تركيبه ومعناه، والحاصل أن له أربعة معان: أن يأخذ على سبيل المزاح، ثم يمسكه لنفسه، والثاني: أن يأخذ بحيث يظهر اللعب وفي نفسه يضمر أنه يأخذ، والثالث: عكسه يظهر الجد ليغيظه، ولا يريد الأخذ في السر، والرابع: كلمتان بالعطف أي لا يأخذ في المزاح ولا في الجد كما يدل عليه لفظ سليمان، والبسط في هامش \"الكوكب\" (٣/ ١٢٣). (ش).","vol":"13","page":402},{"text":"حَدَّثنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ (١)، فَفزعَ، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: \"لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا\". [حم ٥/ ٣٦٢، ق ١٠/ ٢٤٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1845>(٨٦) بَابُ مَا جَاءَ في التَّشَدُّقِ في الْكَلَامِ</span>\n٥٠٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ (٢)، نَا نافِعُ بْنُ عُمَرَ، عن بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ الله يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ تَخَلُّلَ (٣) الْبَاقِرَةِ بِلِسَانِهَا\". [ت ٢٨٥٣، حم ٢/ ١٦٥]\n===\nحدثنا أصحاب محمد - ﷺ - أنهم كانوا يسيرون مع النبي - ﷺ -، فنام رجل منهم، فانطلق بعضُهم إلى حَبْلٍ معه فأخذه) أي الحبل، فلما انتبه من النوم ولم ير الحبل، (فَفَزعَ) أي الرجل (فقال النبي - ﷺ -: لا يحل لمسلم أن يُرَوِّعَ مسلمًا) والمراد بالفزع الذعر، فلا يحل لمسلم أن يفزع مسلمًا ولو هازلًا.\n\n(٨٦) (بَابُ مَا جَاءَ في التَّشَدُّقِ في الْكَلَامِ)\nالتشدق: التكلف في الكلام، أو الكلام بملء فيه\n٥٠٠٥ - (حدثنا محمد بن سنان، نا نافع بن عمر، عن بشر بن عاصم، عن أبيه، عن عبد الله) وفي نسخة على الحاشية: قال أبو داود: هو عبد الله بن عمرو، (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله يُبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها).\n_________\n(١) في نسخة: \"فأخذها\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الباهلي، وكان ينزل العوقة\".\n(٣) في نسخة: \"كما يتخلل\".","vol":"13","page":403},{"text":"٥٠٠٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن الضَّحَاكِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَام لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّه مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًّا وَلَا عَدْلًا\".\n٥٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا،\n===\nقال المنذري (١): هو الذي يتشدق في الكلام ويفخِّم به لسانه [ويلفه] كما تلف البقرة الكلأ بلسانها، والمراد أن المبغوض والمذموم هو المبالغة في الكلام على التكلف والتصنع، وأما إذا كانت البلاغة خلقيًّا فلا يدخل في الذم.\n٥٠٥٦ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، عن عبد الله بن المسيب، عن الضحاك بن شرحبيل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من تَعَلَّمَ صرف الكلام) هو ما يتكلف الإنسان من الزيادة في الكلام من وراء الحاجة، ضبطه الناجي في حاشية \"الترغيب والترهيب\" بكسر الصاد، ومقتضى \"النهاية\" (٢) و\"القاموس\" أنه بفتح الصاد (لِيَسْبِيَ به قلوبَ الرجال أو) للشك من الراوي (الناس، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا) قيل: هما النافلة والفريضة، وقيل: الصرف التوبة، والعدل: الفدية.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"ليسبي به القلوب\"، فأما لو نوى فيه أن يؤثر كلامه ووعظه في سبيل الله خالصًا فلا ضير.\n٥٠٠٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر أنه قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا،\n_________\n(١) هذا سبق قلم، لأن الكلام الآتي مأخوذ من \"النهاية\" (٢/ ٧٣) لا من \"المختصر\" للمنذري، والله أعلم.\n(٢) (٣/ ٢٤).","vol":"13","page":404},{"text":"فَعَجِبَ النَّاسُ- يَعْنِي لِبَيَانِهِمَا-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا\" أَوْ، \"إنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ\". [خ ٥٧٦٧، ت ٢٠٢٨، حم ٢/ ١٦، ط ٢/ ٩٨٦]\n٥٠٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَهْرَانِيُّ، أَنَّهُ قَرَأَ في أَصْلِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، وَحَدَّثَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسمَاعِيلَ\n===\nفعجب الناس - يعني لبيانهما-، فقال رسول الله - ﷺ -: إن من البيان (١) لسحرًا أو) للشك من الراوي (إن بعض البيان لسحر).\nنقل في الحاشية عن \"اللمعات\" (٢): نقل الطيبي من الميداني أن الرجلين أحدهما الزبرقان بن بدر، وثانيهما عمرو بن رهتم (٣)، وقصتهما أن الزبرقان تفاخر في فضائله بكلمات فصيحة، وأجابه عمرو، ونسبه إلى اللوم بكلام بليغ، وقال الزبرقان: والله يا رسول الله إنه قد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم بذلك إلا الحسد، فأجابه عمرو ثانيًا بما هو أبلغ من الأول.\nوفي \"إحياء العلوم\" (٤): مدحه يومًا، ثم ذمه يومًا آخر، فقال رسول الله - ﷺ -: ما هذا؟ قال: لقد صدقت فيما قلت أولًا، وما كذبت فيما قلت ثانيًا، هو أرضاني أمس فقلت أحسن ما علمت فيه، وأغضبني اليوم فقلت أقبح ما وجدت فيه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن من البيان لسحرًا\"، يعني بعض البيان بمشابهة السحر في صرف القلوب، وإمالتها إلى الباطل، وظاهر سياق القصة أنه ذمه على تشدق اللسان، وتلون الكلام تارة فتارة، انتهى.\n٥٠٠٨ - (حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني، أنه قرأ في أصل إسماعيل بن عياش، وحدّثه) أي سليمان (محمد بن إسماعيل\n_________\n(١) راجع: \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٣٥٧)، وسيأتي (ص ٤٠٧). أنه مدح أو ذم. (ش).\n(٢) \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٥٩).\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: عمرو بن الأهتم، \"مجمع الأمثال\" للميداني (١/ ٣٥)، و\"فتح الباري\" (١٠/ ٢٣٧).\n(٤) (٢/ ١٧٧).","vol":"13","page":405},{"text":"ابْنُهُ (١) قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي قَالَ: حَدَّئَنِي ضَمْضَمٌ، عن شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو ظَبْيَةَ، أَنًّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ يَوْمًا- وَقَامَ رَجُلٌ فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ-، فَقَالَ عَمْرٌو: وَلَوْ قَصَدَ (٢) في قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَقَدْ رَأَيْتُ أَوْ أُمِرْتُ أَنْ أَتَجَوَّزَ في الْقَوْلِ، فَإنَّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ\". [هب ٤٩٧٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1846>(٨٧) بَابُ مَا جَاء فِي الشِّعْرِ</span>\n٥٠٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شعْبَةُ، عن الأَعْمَشِ،\n===\nابنه)، حاصله أن سليمان بن عبد الحميد وصل إليه هذا الحديث بطريقين: أحدهما: أنه قرأ في أصل إسماعيل بن عياش، فهذا أحد الطريقين، وفيه الصعود بدرجة واحدة، والطريق الثاني: أنه حدثه محمد بن إسماعيل بن عياش بطريق التحديث، وفيه النزول.\n(قال) محمد (حدثي أبى قال: حدثني ضمضم، عن شريح بن عبيد قال: ثنا أبو ظبية، أن عمرو بن العاص قال يومًا، وقام) الواو للحال أي والحال أنه قام (رجل فأكثر القول) أي طول الكلام (فقال عمرو: لو قصد) أي اعتدل وتوسط (في قوله لكان خيرًا له، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لقد رأيت أو) للشك من الراوي (أمرتُ أن أتجوز في القول) أي أوجز (فإن الجواز) أي الإيجاز (هو خير).\n\n(٨٧) (بَابُ مَاجَاء فِي الشِّعْرِ) (٣)\n٥٠٠٩ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن الأعمش،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عنه\".\n(٢) في نسخة: \"لو قصر\".\n(٣) اختلف العلماء في جواز إنشاد الشعر، والأئمة الأربعة على جوازه كما بسطه العيني (٣/ ٤٩)، وفي \"الفتح\" (١٠/ ٥٣٩) عن ابن عبد البر: الإجماع على جوازه بشروط، =","vol":"13","page":406},{"text":"عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا، خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا\". [خ ٦١٥٥، م ٢٢٥٧، ت ٢٨٥١، جه ٣٧٥٩، حم ٢/ ٢٨٨]\nقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: بَلَغَنِي عن أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: وَجْهُهُ أَنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ، فَإذَا كَانَ الْقُرْءَانُ وَالْعِلْمُ الْغَالِبَ فَلَيْسَ جَوْفُ هَذَا عِنْدَنَا مُمْتَلِئًا مِنَ الشِّعْرِ، \"وَإنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا\". (١) كَأَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يَبْلُغَ مِنْ بَيَانِهِ أَنْ يَمْدَحَ الإنْسَانَ فَيَصْدُقَ\n===\nعن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا) أي بالدم المخلوط مع الصديد (خير له من أن يمتلئ شعرًا) إشارة (٢) إلى كون الشعر مستوليًا عليه بحيث يشغله عن القرآن، والذكر، والعلوم الشرعية، وهو مذموم من أي شعر كان.\n(قال أبو علي) اللؤلؤي تلميذ المصنف: (بلغني عن أبي عبيد أنه قال: وجهُه أن يمتلئ قلبُه) أي شعرًا (حتى يشغله عن القرآن وذكر الله، فإذا كان القرآن والعلم الغالب فليس جوف هذا عندنا ممتلئًا من الشعر، وإن من البيان لسحرًا، كأنّ المعنى أن يَبلُغَ من بيانه أن يَمْدَحَ الإنسانَ فيصدق\n_________\n= وبسط الطحاوي (٤/ ٢٩٥ - ٣٠١) روايات الباب، وفي \"الدر المختار\" (٩/ ٥٠٤): أشعار العرب لو كان فيها ذكر الفسق تكره، وفي (١/ ١٣٦): أشعار المولدين مكروهة، وجعل ابن عابدين الشعراء ست طبقات، وقال: تعلم الطبقات الثلاثة الأول فرض كفاية، وذكر بعض أحكامه، وبسط السيوطي في تفسير سورة لقمان (٦/ ٥٠٥): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ وتقدم (ص ١٣١). (ش).\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) هكذا حكاه القاري في \"المرقاة\" (٨/ ٥٤٦)، زاد: وقيل: الشعر المذموم، وقيل: ورد في حق رجل معين كما في رواية \"المشكاة\" (٤٨٠٩)، وقال السيوطي: خاص بشعر هجي به رسول الله - ﷺ -، والبسط في \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٩٥ و١٥/ ٢٨٩). (ش).","vol":"13","page":407},{"text":"فِيهِ، حَتَّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ يَذُمَّهُ فَيَصْدُقَ فِيهِ، حَتَّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إلَى قَوْلِهِ الآخَرِ، فَكَأَنَّهُ سَحَرَ السَّامِعِينَ بِذَلِكَ.\n٥٠١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عن مَرْوَانَ بن الْحَكَمِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، عن أبَيِّ بْنِ كَعْب، أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً\". [خ ٦١٤٥، جه ٣٧٥٥، دي ٢٧٠٦، حم ٥/ ١٢٥]\n٥٠١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عُوَانَةَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا،\n===\nفيه، حتى يصرِفَ القلوب إلى قوله، ثم يذمّه فيصدق فيه، حتى يصرفَ القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه سَحَرَ السامعين بذلك).\n٥٠١٠ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن مروان بن الحكم، عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) الزهري، أبو محمد المدني، وُلِدَ على عهد رسول الله - ﷺ -، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عندهم حديث واحد في \"إن من الشعر لحكمة\"، (عن أبي بن كعب، أن النبي - ﷺ - قال: إن من الشعر) أي بعض الشعر (حكمة).\n٥٠١١ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فجعل يتكلم بكلام) بليغ، (فقال رسول الله - ﷺ -: إن من البيان سحرًا).","vol":"13","page":408},{"text":"وإنَّ مِنَ الشِّعرِ حُكْمًا\". [ت ٢٨٤٥، حم ١/ ٣٠٣]\n٥٠١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (١)، نَا أَبُو تُمَيْلَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -\n===\nاختلف العلماء (٢) في قوله - ﷺ -: \"إن من البيان لسحرًا\"، فقيل: أورده مورد الذم لتشبيهه بعمل السحر لغلبة القلوب، وتزيينه القبيح، وتقبيحه الحسن، وإليه أشار الإِمام مالك - ﵁ -، فإنه ذكر هذا الحديث في \"الموطأ\" (٣) في \"باب ما يكره من الكلام\"، قيل: معناه أن صاحبه يكسب به من الإثم ما يكسبه الساحر بعلمه، وقيل: أورده مورد المدح أي إنه تمال له القلوب، ويرضى به الساخط، وينزل له الصعب، ويشهد له \"إن من الشعر لحكمة\"، وهذا لا ريب فيه أنه مدح (وإن من الشعر حُكْمًا) أي حكمة كما في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ (٤) أي: الحكمة.\n٥٠١٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا سعيد بن محمد، نا أبو تميلة) يحيى بن واضح، (حدثني أبو جعفر النحوي عبد الله بن ثابت) المروزي، روى عن صخر بن عبد الله بن بريدة حديثًا واحدًا، قلت: قرأت بخط الذهبي في \"الميزان\": شيخ لا يعرف، تفرد عنه أبو تميلة.\n(حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي المروزي، ليس له في \"السنن\" غير هذا الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبيه) عبد الله بن بريدة، (عن جده) بريدة بن الحصيب (قال: سمعت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني الجرمي\".\n(٢) كما بسطه العيني (١٥/ ٢٨٠)، والقاري (٨/ ٥٣٦ - ٥٣٧). (ش).\n(٣) (٢/ ٤٦٤) رقم (١٩٠١).\n(٤) سورة مريم: الآية ١٢.","vol":"13","page":409},{"text":"يَقُولُ: \"إنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا (١)، وَإنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا، وَإنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا\"، فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: صَدَقَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -. أَمَّا قَوْلُهُ: \"إنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا\"، فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِب الْحَقِّ، فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ، فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: \"مِنَ الْعَلْمِ جَهْلًا\"، فَيَتَكَلَّفُ الْعَالِمُ إلَى عِلْمِهِ مَا لَا يَعْلَمُ، فَيُجَهِّلُهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: \"وَإنَّ مِنَ الشِّعْرَ حُكْمًا\"، فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ وَالأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ النَّاسُ بهَا (٢). وَأَمَّا قَوْلُهُ: (٣)\n===\nيقول: إن من البيان سحرًا، وإن من العلم جَهْلًا) قيل: هو أن يتعلم ما لا يحتاج إليه كالنجوم، وعلوم الأوائل، وقيل: هو أن يتكلف العالم القول فيما لا يعلمه فيجهله ذلك.\n(وإن من الشعر حُكمًا) أي حكمة (وإن من القول عِيالًا) أي وبالًا، كما جاء: \"البلاء موكل بالمنطق\"، بأن يكون من إثم، أو ملالًا على السامع الجاهل الذي لا يفهمه، أو العالم الذي يعلمه، كذا في \"المجمع\" (٤).\n(فقال صعصعة بن صوحان: صَدَقَ نبي الله - ﷺ -، أما قوله: إن من البيان سحرًا، فالرجل يكون عليه الحقُّ) لأحد من الناس (وهو) أي الرجل (ألحن بالحُجَج) أي أفصح (من صاحب الحقِّ، فَيَسْحَرُ القومَ ببيانه، فيذهب بالحق) أي يسقطه عنه بحسن بيانه، (وأما قوله: من العلم جهلًا، فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم، فَيُجَهِّله ذلك) أي يكون سببًا لتجهيله، (وأما قوله: وإن من الشعر حكمًا، فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتّعظ الناس بها، وأما قوله) إن\n_________\n(١) في نسخة: \"لسحرًا\".\n(٢) في نسخة: \"يتعظ بها الناس\".\n(٣) زاد في نسخة: \"إن\".\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٧٢١).","vol":"13","page":410},{"text":"\"مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا\"، فَعَرْضُكَ كلَامَكَ وَحَدِيثَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأنِهِ وَلَا يُرِيدُهُ.\n٥٠١٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدٍ قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِحَسَّانَ وَهُوَ يَنْشُدُ في الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إلَيْهِ، فَقَالَ: (١) كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. [خ ٣٢١٢، م ٢٤٨٥، ن ٧١٦]\n٥٠١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ.\n===\n(من القول عيالًا، فعرضُك كلامَك وحديثَك على من لبس من شأنه ولا يريده) أي لا يقبل عليه، فيصير كلامك ثقيلًا عليه كالعيال.\n٥٠١٣ - (حدثنا ابن أبي خلف وأحمد بن عبدة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد قال: مرّ عمر) ﵁ (بحسّان وهو ينشد في المسجد) أي يرفع الصوت بالأشعار، (فَلَحَظَ إليه) أي نظر عمر - ﵁ - إلى حسان، (فقال) أي حسان: (كنتُ أُنْشِدُ) في المسجد (وفيه) أي والحال أن في المسجد (من هو خير منك) أي رسول الله - ﷺ -.\nقال المنذري (٢): وأخرجه النسائي، وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر - ﵁ -، فإن كان سمع ذلك من حسان بن ثابت، فيتصل.\n٥٠١٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بمعناه) أي بمعنى الحديث\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قد\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٢٩٣).","vol":"13","page":411},{"text":"زَادَ: فَخَشِيَ أَنْ يَرْمِيَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَجَازَهُ. [م ٢٤٨٥، ق ٢/ ٤٤٨، حم ٥/ ٢٢٢]\n٥٠١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِصِّيصِيُّ، نَا ابْن أَبِي الزِّنَاد، عن أَبِيهِ، عن عُرْوَةَ، وَهِشَامٍ (١)، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَضَعُ لِحَسَّان مِنْبَرًا في الْمَسْجِدِ، فَيَقُومُ عَلَيُهِ يَهْجُو مَنْ قَالَ في رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَ حَسَّانَ مَا نَافَحَ عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -\". [ت ٢٨٤٦، حم ٦/ ٧٢، ك ٣/ ٤٨٧]\n===\nالمتقدم، (زاد) معمر: (فَخَشِيَ) عمر (أن يَرْمِيَه) أي يرد إنكاره (برسول الله - ﷺ -) أي بإجازته - ﷺ - (فأجازه).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: \"فخشي عمر - ﵁ - أن يرميه ... إلخ\"، يعني أنه خاف أن يقابل بإجازة النبي - ﷺ - بالرد، وإلَّا فالحق كان مع عمر - ﵁ -، فإن العلة التي رخص لها إنشاد حسان في المسجد قد ارتفعت، انتهى.\n٥٠١٥ - (حدثنا محمد بن سليمان المصيصي، نا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، وهشام) عطف على أبيه، (عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يَضَعُ لحسّان منبرًا في المسجد) أي يأمر بوضعه في المسجد لحسان، (فيقوم) حسان (عليه يهجو من قال في رسول الله - ﷺ -) من الكفار من الهجو، (فقال رسول الله - ﷺ - إن روحَ القدس) (٢) أي جبريل (مع حسّان) يؤيده (ما) أي ما دام (نافح) أي دافع (عن رسول الله - ﷺ -) هجاء المشركين.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عروة\".\n(٢) بضم الدال ويسكن، صفة للروح، إلى آخر ما بسطه القاري (٨/ ٥٤٣). (ش).","vol":"13","page":412},{"text":"٥٠١٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحمدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْويِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَى فَقَالَ (١): ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. [ق ١٠/ ٢٣٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1847>(٨٨) بَابُ مَا جَاءَ في الرُّؤْيَا</span>\n٥٠١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن زُفَرَ بْنِ صعْصَعَةَ،\n===\n٥٠١٦ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فنسخ من ذلك، واستثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢).\n\n(٨٨) (بَابُ مَا جَاء فِي الرؤيا) (٣)\n٥٠١٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن زفر بن صعصعة) بن مالك، عن أبي هريرة حديث: \"هل رأى أحد منكم رؤيا\"، وقيل: عن أبيه عن أبي هريرة،\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤، ٢٢٧.\n(٣) اختلف في حقيقة الرؤيا على أقوال، ذكرها الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٣٦٢) أشد البسط، ويقال: الرؤيا تختص بالمنام والرؤية باليقظة، وقيل: الرؤيا عام، كما بسطه القسطلاني في \"المواهب\" (١/ ٢٧٣)، والزرقاني في \"شرحه\" (٢/ ٦٧) في بحث المعراج، وفي \"الفتاوى الحديثية\" (ص ١٢) لابن حجر: أنه تخليق من الله ﷾، وأبطل غير ذلك من الأقاويل، وبسط الاختلاف فيها في شروح \"الشمائل\" (٢/ ٢٣٠)، و\"الكوكب\" (٣/ ١٨٧)، و\"مقدمة تعطير الأنام\" وغيره من كتب التعبير، وذكر في \"إعلام الموقعين\" (١/ ٢٠٩) أصول التعبير. (ش).","vol":"13","page":413},{"text":"عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ (١) - ﷺ - كَانَ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ: \"هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا\"، وَيَقُولُ: \"إنَّهُ لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النبوَةِ إلَّا الرُّؤيا الصَّالِحَةُ\". [حم ٢/ ٣٢٥]\n٥٠١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنس، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النبوَّةِ\". [خ ٦٩٨٧، م ٢٢٦٤، ت ٢٢٧١، حم ٣/ ١٨٥]\n===\nوهو المحفوظ، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له هذا الحديث الواحد.\n(عن أبيه) صعصعة بن مالك، روى عن أبي هريرة في الرؤيا، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: ما أظنه لقي أبا هريرة.\n(عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا انصرف) متوجهًا إلى الجماعة (من صلاة الغداة) أي الصبح (يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلَّا الرؤيا الصالحة) أي ينقطع الوحي بموتي، فلا يبقى ما يعلم منه مما سيكون إلَّا الرؤيا الصالحة، كأن المراد ليس يبقى على العموم، والَّا فالكشف والإلهام للأولياء موجود.\n٥٠١٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، أن النبي - ﷺ - قال: رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين (٢) جزءًا من النبوة)، قال في \"مرقاة الصعود\": قال الخطابي (٣): معنى هذا الكلام تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وقال بعضهم: معناه أي الرؤيا تجيء على موافقة\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) وبسط الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٣٦٣) اختلاف الروايات في ذلك، ثم قال: وجملة ما ورد من العدد في ذلك عشرة: ٢٦ - ٤٠ - ٤٤ - ٤٥ - ٤٦ - ٤٧ - ٤٩ - ٥٠ - ٧٠ - ٧٦، وهي أصححها، وقيل: ٢٤ - ٧٢ - ٤٢ - ٢٧ - ٢٥، ثم بسط في معنى الحديث. (ش).\n(٣) \"معالم السنن\" (٤/ ١٣٨ - ١٣٩).","vol":"13","page":414},{"text":"٥٠١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّد، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ (١) أَنْ تكْذِبَ،\n===\nالنبوة، لأنها جزء باق من النبوة، وقال آخر: معناه أنها جزء من أجزاء علم النبوة، وعلم النبوة باقٍ، والنبوة غير باقية بعد رسول الله - ﷺ -، \"ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة\" (٢).\nوقال التاج ابن مكتوم في \"تذكرته\": قد أَبْدَى بعض شارحي الحديث المتكلمين على معانيه في ذلك معنًى حسنًا، وهو أن النبي - ﷺ - أقام يوحى إليه في المنام ستة أشهر، وأقام بعد ذلك يوحى إليه في اليقظة ثلاثًا وعشرين سنة، وستة أشهر جزء من ستة وأربعين جزء من ثلاث وعشرين سنة، قال: وهذا من أحسن التنزيل على هذا اللفظ، وأقرب مأخذًا مما قيل في ذلك (٣).\n٥٠١٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إذا اقترب (٤) الزمان لم تكد رؤيا المسلم أن تكذب).\nقيل: المراد قرب زمان الساعة، ودنو وقتها، وقيل: المراد اعتداله، واستواء الليل والنهار، والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع، ووقت اعتدال الليل والنهار، وقيل: يحتمل أنه عبارة عن قرب الأجل وهو أن يطعن المؤمن في السنن ويبلغ أَوَانَ الكهولة والمشيب، قال: رؤياه أصدق لاستكماله تمام الحلم والأناة وقوة النفس، كذا في \"مرقاة الصعود\" (٥).\n_________\n(١) في نسخهَ: \"المؤمن\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٩٦)، وأخرج نحوه البخاري (٦٩٩٠).\n(٣) لكن رده الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٣٦٤). (ش).\n(٤) اختلفوا في معنى الحديث على أقوال كثيرة، بسطها العيني (١٦/ ٢٩٧)، والقاري (٨/ ٣٨٥)، والحافظ (١٢/ ٤٠٥). (ش).\n(٥) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٣٣٤).","vol":"13","page":415},{"text":"وَأَصْدَقُهُمُ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثٌ (١): فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللهِ، وَالرُّؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤيا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، فَإذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ\". قَالَ: \"وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ: ثَبَاتٌ في الدِّينِ\". [خ ٧٠١٧، م ٢٢٦٣، ت ٢٢٨٠، جه ٣٩٠٦، ٣٩١٧، حم ٢/ ٢٦٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: إذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ، يَعْنِي: إذَا اقْتَرَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، يَعْنِي: يَسْتَوِيَانِ.\n٥٠٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ،\n===\n(وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة) أي الحسنة أو الصادقة (بشرى من الله، والرؤيا) الثانية (٢) (تحزينٌ من الشيطان، ورؤيا) الثالثة (مما يحدِّث به المرء) أي ما يتحدث في اليقظة ويخلد في قلبه ففي الرؤيا يراها (نفسه، فإذا رأى أحدُكم ما يكرهُ فليقم) من مضجعه (فليصل) الصلاة (ولا يحدّث بها الناس، قال) رسول الله - ﷺ -: (وأُحِبُّ القيد) في الرؤيا بأن يرى أحد أن في رجليه القيد (وأكره الغُلَّ) وهو ما يكون في العنق، (والقيد) أي تعبيره (ثبات في الدين) وأما الغل فلم يبينه - ﷺ - في هذه الرواية، ولعله من صفات أهل النار كما ورد في القرآن ولذا كرهه.\n(قال أبو داود: إذا اقترب الزمان، يعني: إذا اقترب الليل والنهار، يعني: يستويان).\n٥٠٢٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، أنا يعلي بن عطاء،\n_________\n(١) في نسخة: \"ثلاثة\".\n(٢) هذا مشكل، فإن ظاهر الحصر أن ما تكون من الله تكون بشرى لا غير مع أنهم اتففوا على أنه قد تكون مبشرة، وقد تكون منذرة، وأجاب عنه الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٤٠٧). (ش).","vol":"13","page":416},{"text":"عن وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ، عن عَمِّهِ أَبِي رَزينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ، فَإذَا عُبرَتْ وَقَعَتْ\" قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: \"وَلَا تَقُصَّهَا إلَّا عَلَى وَادٍّ، أَوْ ذِي رَأيٍ\". [ت ٢٢٧٨، جه ٣٩١٤، حم ٤/ ١٠، ١٢، ١٣، دي ٢١٥٢]\n٥٠٢١ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ زُهَيْرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ:\n===\nعن وكيع بن عُدُس، عن عمه أبي رزين قال: قال رسول الله - ﷺ -: الرؤيا على رِجل طائر) أي كأنه معلق على رجل طائر ليس له قرار (ما لم تُعبَر، فإذا عُبِرَتْ وَقَعَتْ) أي تعبيرها (١) (قال: وأحسبه قال: ولا تقصّها إلَّا على وادّ أو ذي رأي).\nقال الخطابي (٢): قوله: \"على رجل طائر\" مَثَلٌ، ومعناه: أنه لا يستقر قرارها ما لم يعبر، وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله: \"لا تقصها إلا على وادّ أو ذي رأي\": الوادّ الذي لا يحب أن يستقبلك في تعبيرها إلا ما تحب، وإن لم يكن عالمًا بالعبارة، ولم يعجّل لك ما يغمّك، لا أن تعبيرها يزيلها عما جعلها الله عليه، وأما ذو الرأي فمعناه: ذو العلم بعبارتها، وأنه يخبرك بحقيقة تفسيرها، أو بأقرب ما يعلم منها، فلعله أن يكون في تفسيره موعظة تردعك عن قبيح أنت عليه، أو تكون فيه بشرى فتشكر الله ﷿ على النعمة فيها، انتهى.\n٥٠٢١ - (حدثنا النفيلي قال: سمعت زهيرًا يقول: سمعت يحيى ابن سعيد يقول: سمعت أبا سلمة يقول: سمعت أبا قتادة يقول:\n_________\n(١) ولذا قالوا: التعبير لأول معبر، وقيده البخاري بالإصابة، فبوب في \"صحيحه\": \"من لم ير الرؤيا لاْوَّل عابر إذا لم يصب\"، ويؤيده تعبير الصدِّيق الأكبر للأقمار بالقبور في رؤيا عائشة، وقد أولت بالأولاد، كما في \"الأوجز\" (١٧/ ١٣٦). (ش)\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٤٠).","vol":"13","page":417},{"text":"سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ لِيَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّهَا، فَإنَّهَا لَا تَضُرُّهُ\". [خ ٥٧٤٧، م ٢٢٦١، ت ٢٢٧٧، جه ٣٩٠٩، حم ٥/ ٢٩٦]\n٥٠٢٢ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْهَمْدَانِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سعيدٍ الثَّقَفِيُّ قَالَا: نَا اللَّيْثُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ، عن رَسولِ اللَّهِ (١) - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"إذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ (٢)، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَيتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ\". [م ٢٢٦٢، جه ٣٩٠٨، حم ٣/ ٣٥٠]\n===\nسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الرؤيا) الصالحة (من الله، والحلم) وهو ما يرى في المنام من الخيالات الفاسدة (من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم شيئًا يكرهه فلينفُثْ) أي ليبصق (عن يساره ثلاث مرات، ثم ليتعوذ) أي بالله تعالى (من شرها، فإنها لا تَضُره).\n٥٠٢٢ - (حدثنا يزيد بن خالد الهمداني وقتيبة بن سعيد الثقفي قالا: نا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: إذا رأى أحدُكم رؤيا يكرهها فليبصق عن يساره) طردًا للشيطان، (وليتعوذ بالله من الشيطان) الرجيم (ثلاثًا، وبتحول عن جنبه الذي كان عليه).\nوتقدم في الحديث المتقدم \"فليقم فليصل\"، ووقع ها هنا: \"ويتحول عن جنبه\"، فلعل الأَّمر بالصلاة لمن كان يعتاد صلاة الليل، والتحول علي الجنب لمن لم يكن يعتاد صلاة الليل، أو يقال: الصلاة إذا انتبه وقت الصلاة، والتحول إذا انتبه قبل وقتها، أو للتخيير، فالقيام للصلاة هو أفضل، وأما التحول عن الجنب فيجوز لدفع كراهتها.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ثلاث مرات\".","vol":"13","page":418},{"text":"٥٠٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"مَنْ رَآنِي في الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي في الْيَقَظَةِ\"\n===\n٥٠٢٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من رآني في المنام فَسَيَرَاني في اليقظة) (١).\nقال في \"فتح الودود\": قيل: أي يوم القيامة، فيكون هذا بشارة له بحسن الخاتمة، رزقنا الله تعالى ذلك مع جميع الأحبة، فسقط ما قيل: إنه لا فائدة فيه؛ لأنه يراه يوم القيامة جميع الأمة.\nقال في \"درجات مرقاة الصعود\" (٢): ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوه - ﷺ - نومًا، فرأوه بعده يقظة، فسألوه عن أمور تخوفوا منها، فأرشدهم للمخرج منها، فهذا نوع من كرامات الأولياء، قال خط: وأكثر من يقع له ذلك\n_________\n(١) بسط الحافظ الكلام على معنى الحديث وأقاويل العلماء فيه، ثم قال (١٢/ ٣٨٥): والحاصل فيه ستة معانٍ أحدها: أنه على التشبيه، والثاني: سيرى تعبيرها وتأويلها في اليقظة، والثالث: خاص بأهل عصره، رابعها: أنه يراه في المرآة التي كان يراه وهذا من أبعد المحامل، الخامس: أنه يراه في القيامة بمزيد خصيصة، السادس: أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه ... إلخ.\nوأجمل الكلام عليه النووي (٨/ ٣٠)، والدمنتي (ص ٣٣٥) ... إلخ، وما قيل في معناه: سيراني في الدنيا مبني على رؤيته - ﷺ - في الدنيا بعد الوفاة، والوقائع في ذلك شهيرة، ذكر بعضها الشعراني في \"الميزان\"، وبحث فيه ابن حجر المكي في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٣٨٢)، وللسيوطي فيه رسالة \"تنوير الحلك في رؤية النبي والملك\"، وأثبت أيضًا في \"فيض الباري\" (٤/ ٤٩١) رؤيته - ﷺ - في اليقظة، وقد وردت في كلام المشايخ الأعمال المعينة على رؤيته - ﷺ - في المنام كما في هامش \"المسلسلات\" ورسالتي في \"فضائل الصلاة والسلام\". (ش).\n(٢) (ص ٢٢٦).","vol":"13","page":419},{"text":"أَوْ \"لَكَأَنَّمَا رَآنِي في الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَيْطَانُ بِي\". [خ ٦٩٩٣، م ٢٢٦٦، حم ٥/ ٣٠٦]\n٥٠٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَا: نَا حمَّادٌ،\n===\nإنما يقع له قرب موته أو عند الاحتضار، ويكرم الله تعالى من يشاء قبله، وقد نص على وقوع ذلك كرامة للأولياء خلق من الأمة، كحجة الإِسلام الغزالي، وابن العربي، وعز الدين.\n(أو) للشك من الراوي (لكأنما رآني في اليقظة) (١) أي رؤياه إياي حق كالرؤية في اليقظة، (ولا يتمثل الشيطان بي) أي لا يظهر بحيث يظن الرائي أنه النبي - ﷺ -، قيل: هذا (٢) مختص بصورته المعهودة، فيعرض على الشمائل الشريفة المعلومة، فإن طابقت الصورة المرئية تلك الشمائل فهي رؤيا حق، وإلا فالله تعالى أعلم بذلك، وقيل: بل في أيّ صورة كانت، وقد رجحه كثير بأن الاختلاف إنما يجيء من أحوال الرائي، والله أعلم، كذا في \"فتح الودود\".\n٥٠٢٤ - (حدثنا مسدد وسليمان بن داود قالا: نا حماد،\n_________\n(١) وأثبت أيضًا صاحب \"فيض الباري\" (٤/ ٤٩١) رؤيته - ﷺ - في اليقظة. (ش).\n(٢) وقد اختلف في ذلك مشايخنا الدهلوية على ثلاثة أقوال: الأول: قول الشاه رفيع الدين - قدس سره -: إن من رآه - ﷺ - على هيئته المعروفة بلا تغير أصلًا، فهو مصداق الحديث، حتى لو أن في لحيته - ﷺ - كانت عشرون شعرة بيضاء وهو رأى إحدى وعشرين فلم يره - ﷺ -، ووجه ذلك أن الصحابة الذين حكموا رؤياهم النبي - ﷺ -، فكانت الصحابة يسئلونهم عن صفة رؤياهم، فإذا طابقت صفة النبي - ﷺ - التي رأوها صدقوا الرؤيا وإلا كذبوا، والثاني: قول شيخ المشايخ الشاه عبد العزيز- نوَّر الله مرقده-: إن رؤيته - ﷺ - في أي هيئة كانت تكون رؤيته - ﷺ - في الواقع، إذا شهد قلب الرائي في الرؤيا أنه - ﷺ -، والثالث: قول الشاه محمد إسحاق- نوَّر الله مرقده-: إن رؤيته - ﷺ - إذا كانت في هيئة أتقياء زمانه فهو رؤيا حق، وإلَّا فلم يره - ﷺ -، انتهى. \"أرواح ثلاثة\" (ص ٤٤)، وأجاد في \"فيض الباري\" (٤/ ٤٩١) في رؤيا من رآه - ﷺ - يأمره بشرب الخمر إن ذلك تعريض ... إلخ.\nقلت: هذا وجيه، فكأنه كمن يقول للآخر في الغضب، كُلِ الغائطَ. (ش).","vol":"13","page":420},{"text":"نَا أَيُّوبُ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ، وَمَنْ تَحَلَّمَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شُعَيْرَةً (١)، وَمَنِ اسْتَمَعَ (٢) إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ يَفِرُّونَ بِهِ مِنْهُ، صُبَّ في أُذُنِهِ (٣) الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". [خ ٧٠٤٢، ت ١٧٥١، جه ٣٩١٦، حم ١/ ٢١٦، ن ٥٣٦٩]\n٥٠٢٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ كَأَنَّا في دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، وَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ: أَنَّ الرِّفْعَةَ لَنَا في الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ في الآخِرَةِ،\n===\nنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: من صوّر صورة) أي تمثال ذي روح (عذّبه الله بها يوم القيامة) بأن يؤمر أن ينفخ فيها الروح، فيعذب (حتى ينفخ فيها، وليس بنافخ) فيها الروح، وهذا إشارة إلى دوام العذاب إلى ما شاء الله، (ومن تحلّم) أي كذب في الرؤيا (كُلِّف (٤) أن يعقد شُعيْرَةً) فيعذب حتى يعقد فيها، وليس بعاقدها، (ومن استمع إلى حديث قوم يَفِرُّون به) أي بالحديث (منه) أي من ذلك الشخص لا يريدون سماعه، وهو يتصدى بسماعه، (صُبَّ في أذنه الآنُكُ) أي الرصاص المذاب (يومَ القيامة).\n٥٠٢٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: رأيت الليلة كأنّا في دار عقبة بن رافع، وأُتِيْنا) أي: أتي عندنا (برُطب من رطب ابن طاب) وهي نوع من التمر (فأوَّلتُ) أي عبّرتها (أن الرّفعة لنا في الدنيا، والعاقبة) أي حسن العاقبة (في الآخرة)\n_________\n(١) في نسخة: \"بشعيرة\".\n(٢) في نسخة: \"تستمع\".\n(٣) في نسخة \"أذنيه\".\n(٤) والبسط فيه في \"الكوكب\" وهامشه (٢/ ٤٤٨). (ش).","vol":"13","page":421},{"text":"وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ\". [م ٢٢٧٠، حم ٣/ ٢١٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1848>(٨٩) بَابٌ في التَّثاؤُبِ</span>\n٥٠٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، عن سُهَيْلٍ، عن ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ عَلَى فِيهِ، فَإنَّ الشَيْطَانَ يدخُلُ\". [م ٢٩٩٥، حم ٣/ ٣١، ق ٢/ ٢٨٩]\n٥٠٢٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْعَلَاءِ، عن وَكِيعٍ، عن سُفْيَانَ، عن سُهَيْلٍ نَحْوَهُ، قَالَ: \"في الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ\". [م ٢٩٩٥]\n===\nفإن عقبة بن رافع يدل على أن العقبة أي الابن بعد أب، فحصل منه الرفعة في الدنيا، وحسن العاقبة في الآخرة، (وأن ديننا قد طاب) فأخذ الدين من الرطب، وأما طيبه أي كماله وحسنه فأخذ من طاب، أي صار طيبًا، وقد شبه رسول الله - ﷺ - الإيمان بالحلو في قوله: \"والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن كالتمر طعمها حلو ولا ريح لها\".\n\n(٨٩) (بَابٌ في التّثَاؤُبِ)\n٥٠٢٦ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، عن سهيل، عن ابن أبي سعيد الخدري) اسمه عبد الرحمن، (عن أبيه) أبي سعيد الخدري (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا تثاءب أحدكم فَلْيُمْسِكْ على فيه، فإنّ الشيطان يدخل) إما حقيقة، أو المراد بالدخول التمكن منه، فإذا أمسك على فيه لم يدخل الشيطان، ولم يتمكن من الدخول، فلا يوسوسه.\n٥٠٢٧ - (حدثنا ابن العلاء، عن وكيع، عن سفيان، عن سهيل نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (قال) سفيان عن سهيل: (في الصلاة) أي إذا تثاءب أحدكم في الصلاة (فليكظم) أي: فليكفّه (ما استطاع).","vol":"13","page":422},{"text":"٥٠٢٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا (١) ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعيدٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ اللَّه يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّ (٢) مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَقُلْ (٣): هَاهْ هَاهْ، فَإنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ\". [خ ٦٢٢٣، ت ٢٧٤٧، حم ٢/ ٤٢٨]\n===\n٥٠٢٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبيه) أبي سعيد، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله يحبُّ العطاس، ويكره التثاؤب).\nقال الخطابي (٤): معنى حب العطاس وحمده، وكراهة التثاؤب وذمه: أن العطاس (٥) إنما يكون مع انفتاح المسامِّ، وخفة البدن، وتيسير الحركات، وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء، والإقلال من المطعم، والاجتزاء باليسير منه، والتثاؤب إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه، وعند استرخائه للنوم، وميله إلى الكسل، فصار العطاس محمودًا، لأنه يعين على الطاعات، والتثاؤب مذمومًا، لأنه يثبطه عن الخيرات، وقضاء الحاجات، انتهى.\n(فإذا تثاءَب أحدكم فليردّ) أي التثاؤب (ما استطاع، ولا يقل: هاهْ هاهْ، فإنما ذلكم) أي التثاؤب، أو قوله: هاه هاه (من الشيطان يضحك) الشيطان (منه) والضحك كناية عن فرحه ورضائه منه، ويمكن حمله على ظاهره.\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) في نسخة: \"فليرده\".\n(٣) في نسخة: \"يقول\".\n(٤) \"معالم السنن\" (٤/ ١٤١).\n(٥) يدفع الأذى عن الدماغ الذي فيه قوة الفكر، ومنه تنشأ الأعصاب التي هي معدن الحس ... إلخ، كذا في \"المرقاة\" (٨/ ٤٩٤)، حتى قال: ولذا قوبل بالحمد لله، لأنه نعمة جليلة، ووجه في \"السيرة الحلبية\" (١/ ٨٨) في سبب الحمد وجوهًا، منها: أن العطاس سبب لالتواء العنق، فحمد الله على معافاته من ذلك. (ش).","vol":"13","page":423},{"text":"(١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1849>(٩٠) بابٌ في الْعُطَاسِ</span>\n٥٠٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إذَا عَطَسَ، وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بِهَا صَوْتَهُ\". شَكَّ يَحْيَى. [ت ٢٧٤٥، حم ٢/ ٤٣٩]\n٥٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، وَخُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابْنِ الْمُسَيَّب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلَمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ،\n===\n\n(٩٠) (بابٌ في الْعُطَاسِ)\n٥٠٢٩ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن عجلان، عن سميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه) أي فمه (وخفض أو) للشك من الراوي (غضّ بها صوته، شك يحيى).\nقال ابن العربي (٢): الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجًا للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه.\n٥٠٣٠ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان وخشيش بن أصرم قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: خمس (٣) تجب للمسلم على أخيه: رَدُّ السلام) أي إذا سلّم\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبواب العطاس\".\n(٢) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١٠/ ٢٠٥)، و\"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠٢).\n(٣) لا مفهوم للعدد، ففي \"حياة الحيوان\" عدَّ الثلاثين منها بل أربعين، وشرح الحديث القسطلاني (٢/ ٣٤٥) مختصرًا جامعاَ. (ش).","vol":"13","page":424},{"text":"وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّباعُ الْجَنَازَةِ\". [خ ١٢٠٤، م ٢١٦٢، حم ٢/ ٥٤٠]\n\n(٩١) بَابٌ (١) كَيْفَ تَشْمِيتُ الْعَاطِس\n٥٠٣١ - حَدَّثَنَا عثمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بنِ يَسَافٍ قَالَ: \"كُنَّا مَعَ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ، فَعَطَسَ\n===\nمسلمٌ على مسلم يجب على المسلم عليه ردّ السلام، وهذا الوجوب (٢) على الكفاية، فإذا سلّم على الجماعة فردّ أحد منهم يكفي عن الجماعة وسقط الوجوب عنهم.\n(وتشميت (٣) العاطس) أي إذا عطس مسلم فحمد الله فيجب أن يشمته ويقول: يرحمك الله، وهذا الوجوب أيضًا على الكفاية. (وإجابة الدعوة) أي إذا دعا مسلم مسلمًا يجيبه إذا لم يكن منه مانع شرعي أو عرفي (وعيادة المريض، واتباع الجنازة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1850>(٩١) (بابٌ: كيْفَ تَشْمِيت الْعَاطِس)</span>\n٥٠٣١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف قال: كنا مع سالم بن عبيد) صحابي من أهل الصفة نزل الكوفة (فعطس\n_________\n(١) في نسخة: \"باب ما جاء في تشميت العاطس\".\n(٢) حكاه العيني عن جمهور أصحاب الأئمة الأربعة، وبسط الحافظ المذاهب فقال: ذهب أهل الظاهر إلى الوجوب، وقال ابن أبي حمزة: ذهب جماعة من علمائنا أنه فرض عين، وقواه ابن القيم، وذهب آخرون إلى فرض كفاية، وبه قالت الحنفية وجمهور الحنابلة، وقواه ابن رشد وابن العربي، وذهب جماعة من المالكية إلى أنه مستحب وهو قول الشافعية ... إلخ [انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠٣)، و\"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٤٠)]. (ش).\n(٣) قال ابن عابدين (٩/ ٥٩٣): تشميت العاطس فرض كفاية عند الأكثر، وعند الشافعي سنة، وعند الظاهرية فرض عين. (ش).","vol":"13","page":425},{"text":"رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ سَالِمٌ: وَعَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ مِمَّا قُلْتُ لَكَ؟ قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّكَ لَمْ تَذْكُرْ أُمِّي بِخَيْرٍ وَلَا بِشَرٍّ، قَالَ: إنَّمَا قُلْتُ لَكَ كَمَا قَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -، إنَّا بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - \"وَعَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ\"، ثُمَّ قَالَ: \"إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْمَدِ اللَّه\". قَالَ: فَذَكَرَ بَعْضَ الْمَحَامِدِ، \"وَليقُلْ لَهُ مَنْ (١) عِنْدَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَرُدَّ- يَعْنِي عَلَيْهِمْ-: يَغْفِرُ اللَّه لنَا وَلَكُمْ\". [ت ٢٧٤٠، حب ٥٩٩، حم ٦/ ٧، ك ٤/ ٢٦٧]\n===\nرجل من القوم، فقال: السلام عليكم) بعوض قوله: الحمد لله، (فقال سالم: وعليك وعلى أمك، ثم قال) سالم (بعد) أي بعد هذا القول: (لعلك وَجَدْتَ) أي غضبت (عليّ مما قلت لك؟) من قول: عليك وعلى أمك.\n(قال) الرجل: (لوددت أنك لم تذكر أمي بخيرٍ ولا بشرٍّ، قال) سالم: (إنما قلت لك كما قال رسول الله - ﷺ -، إنا بيننا نحن عند رسول الله - ﷺ - إذ عطس رجل من القوم فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله - ﷺ -: وعليك وعلى أمك، ثم قال) - ﷺ -: (إذا عطس أحدكم فليحمد الله) ظاهر الحديث الوجوب، لكن نقل النووي (٢) الإجماع على أنه ليس بواجب.\n(قال: فذكر بعض المحامد) أي لفظ تعالى أو ﷿، أو يقال: إن الراوي ذكر بعض صيغ المحامد، كما وقع في رواية الترمذي: \"إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين\". (وليقل له من عنده: يرحمك الله، وليردّ) أي العاطس (يعني عليهم) أي على من عنده (يغفر الله لنا ولكم).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"وعلى أمك\"\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"الذي\".\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٣٤٩).","vol":"13","page":426},{"text":"٥٠٣٢ - حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، نَا إسْحَاقُ- يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ-، عن أَبِي (١) بِشْرٍ وَرْقَاءَ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن خَالِدِ بْنِ عُرْفُجَةَ، عن سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الأَشْجَعِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، عن النَّبِي - ﷺ -. [حم ٧/ ٦، ٨]\n٥٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ الْعزِيزِ بْنُ\n===\nأي التي علمتك هذا، وإلا فتعليم الآباء لا يكون كذلك، وفيه دلالة على أن وضع ذكر موضع آخر بدعة مذمومة.\n٥٠٣٢ - (حدثنا تميم بن المنتصر، نا إسحاق -يعني ابن يوسف-، عن أبي بشر ورقاء) بدل من أبي بشر، (عن منصور، عن هلال بن يساف، عن خالد بن عرفجة).\nقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢) - وعزا إلى أبي داود والنسائي-: خالد بن عرفجة صوابه ابن عرفطة يأتي، وقال في ترجمة خالد بن عرفطة: روى عن سالم بن عبيد في تشميت العاطس، وعنه هلال بن يساف، قاله يزيد بن هارون وعبد الصمد بن النعمان، عن ورقاء، عن منصور، عن هلال.\nوقال إسحاق الأزرق وأبو داود الطيالسي: عن ورقاء، عن منصور، عن هلال، عن خالد بن عرفجة، وقال ابن مهدي: عن أبي عوانة، عن منصور، عن هلال، عن رجل من آل عرفطة، وقال معاوية بن هشام: عن الثوري، عن منصور، عن رجل، عن خالد بن عرفطة، قلت: الذي أظن أنه الأول، انتهى.\nوفي \"الخلاصة\" (٣): خالد بن عرفطة عن سالم بن عبيد، وعنه هلال بن يساف، وفي بعض طرقه خالد بن عرفجة، وهو خطأ.\n(عن سالم بن عبيد الأشجعي بهذا الحديث) المتقدم (عن النبي - ﷺ -).\n٥٠٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا عبد العزيز بن\n_________\n(١) في نسخة: \"أبي بشر عن روقاء\".\n(٢) (٣/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(٣) (ص ١٠٢).","vol":"13","page":427},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ للَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّه، وَيَقُولُ (١) هُوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّه وُيصْلِحُ بَالَكُمْ\". [خ ٦٢٢٤، حم ٢/ ٣٥٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>(٩٢) بَابٌ كمْ يُشَمِّتُ الْعَاطِسُ</span>\n٥٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا،\n===\nعبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كلِّ حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، وبقول هو) أي العاطس (٢): (يهديكم الله ويصلح بالكم).\n\n(٩٢) (بَابٌ كَمْ يُشَمِّتُ) بصيغة المعلوم أو المجهول (الْعَاطِس)\n٥٠٣٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن عجلان، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: شمت أخاك ثلاثًا) (٣) يعني إذا عطس ثلاث\n_________\n(١) في نسخة: \"ويقل\".\n(٢) قال ابن بطال: وبذلك قال الجمهور، وقال الكوفيون: يقول: يغفر الله لنا ولكم، وذهب مالك والشافعي إلى التخيير بين اللفظين، كذا في \"العيني\" (١٥/ ٣٤٢).\nقلت: وحكى التخيير في تكملة \"البحر\" و\"فتاوى قاضي خان\" (٤/ ٣٧٨). (ش).\n(٣) وبسط الحافظ (١٠/ ٦٠٥) اختلاف الروايات والأقاويل في أن التشميت إلى ثلاث، أو يقول في الثالثة: مزكوم، أو إلى العلم بالزكام مطلقًا وغير ذلك، وبسط أهل الفروع في بيان سجدة التلاوة حكم التدخل في التشميت من \"الطحطاوي على المراقي\" (ص ٣٢٠)، و\"البدائع\" (١/ ٤٣١)، و\"الشامي\" (١/ ٥٩٤)، و\"البحر الرائق\" (٢/ ١٣٥). (ش).","vol":"13","page":428},{"text":"فَمَا زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ.\n٥٠٣٥ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَنَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ- قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا أَنَّهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ، عن مُوسَى بْنِ قَيْسٍ، عن مَحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عن سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.\n٥٠٣٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا مَالِكُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عن يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن يَحْيَى بْنِ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن أُمِّهِ حُمَيْدَةَ- أَوْ عُبَيْدَةَ- بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقَيِّ،\n===\nمرات أو زاد عليهما فشمت إلى ثلاث مرات، (فما زاد) أي على الثلاث (فهو زكام) أي مرض دماغي فلا حاجة إلى التشميت.\n٥٠٣٥ - (حدثنا عيسى بن حماد المصري، أنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال) سعيد: (لا أعلمه) أي أبا هريرة (إلَّا أنه رفع الحديث إلى النبي - ﷺ -، بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، قال في \"مرقاة الصعود\" (١): ولفظه كما في \"تاريخ ابن عساكر\": \"إذا عطس أحدكم فليشمِّته جليسه، فإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يشمت بعد ثلاث\".\n(قال أبو داود: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -) أي مرفوعًا من غير شك.\n٥٠٣٦ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا مالك بن إسماعيل، نا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أمه حميدة- أو عبيدة- بنت عبيد بن رفاعة الزرقي).\n_________\n(١) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٣٣٨).","vol":"13","page":429},{"text":"عن أَبِيهَا، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"تُشَمِّت (١) الْعَاطِسَ ثَلَاثًا، فَإنْ شِئْتَ أَنْ تُشَمِّتَهُ فَشَمِّتْهُ، وَإنْ شِئْتَ فَكُفَّ\". [ن ٢٧٤٤]\n٥٠٣٧ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، نَا (٢) ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عن إيَاسٍ بنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عن أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -،\n===\nأما حميدة بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية المدنية زوج إسحاق بن أبي طلحة، ووالدة ولده يحيى بن إسحاق. قال في \"التقريب\" (٣): مقبولة من الخامسة، وقد تقدم بيانها في الجزء الأول من هذا الشرح (٤).\nوأما عبيدة بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية، قال في \"التقريب\" (٥): لا يعرف حالها من السادسة.\nفالحاصل: أن ما يظهر من كلام الحافظ أنهما ابنتان لعبيد بن رفاعة وليس هذان الاسمان لواحدة (٦).\n(عن أبيها) عبيد بن رفاعة، (عن النبي - ﷺ - قال: تشمت العاطس ثلاثًا، فإن شئت أن تشمته) بعد الثلاث (فشمته، وإن شئت فكفّ) (٧) عن التشميت ولا تشمته.\n٥٠٣٧ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، نا ابن أبي زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه: أن رجلًا عطس عند النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) في نسخة: \"تشميت\"، وفي نسخة: \"شَمِّت\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) (ص ١٣٥٠).\n(٤) (١/ ٤٢٠).\n(٥) (ص ١٣٦٤).\n(٦) وقال في \"الفتح\" (١٠/ ٦٠٥): إن المعتمد فيه حميدة بدون شك، انتهى. (ش).\n(٧) الحديث ضعفه الترمذي، وتعقبه الحافظ، وقال: سند أبي داود حسن. [انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠٥)]. (ش).","vol":"13","page":430},{"text":"فَقَالَ لَهُ: \"يَرْحَمُكَ الله\". ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"الرَّجُلُ مَزْكُومٌ\". [م ٢٩٩٣، ت ٢٧٤٣، حم ٤/ ٤٦، ٥٠، جه ٣٧١٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>(٩٣) بَابٌ كَيْفَ يُشَمَّتُ الذِّمِّيُّ</span>\n٥٠٣٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، نَا سُفْيَانُ،\n===\nفقال له: يرحمك الله، ثم عطس) أي ثانيًا (فقال النبي - ﷺ -: الرجل (١) مزكوم) أي مريض في الزكام، ولعله - ﷺ - علم كونه مزكومًا بظاهر حاله فكفّ عن التشميت بعد الواحدة.\nوقال النووي (٢): معناه (٣): أنك لست ممن يشمت بعدها، لأن الذي بك مرض، وليس عن العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن، فإن قيل: فإذا كان مريضًا فينبغي أن يشمت بالطريق الأولى، لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره؟\nقلنا: نعم، لكن يدعى له بدعاء يلائمه لا بدعاء مشروع للعاطس، بل من جنس دعاء المسلم للمسلم بالعافية، قال: واختلف العلماء هل يقال لمن تتابع عطاسه: أنت مزكوم في الثانية أو الثالثة أو الرابعة على أقوال، والصحيح في الثالثة.\n\n(٩٣) (بَابٌ كيْفَ يُشَمَّتُ الذِّمِّيُّ)\n٥٠٣٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، نا سفيان،\n_________\n(١) والحديث هكذا أخرجه الترمذي برواية ابن المبارك عن عكرمة، ثم أخرج برواية يحيى بن سعيد عن عكرمة بلفظ: أنه قال في الثالثة: \"مزكوم\"، ثم قال: هذا أصح من حديث ابن المبارك، وبسط فيه الحافظ (١٠/ ٦٠٥). (ش).\n(٢) انظر: \"الأذكار\" (ص ٣٤٨).\n(٣) وتعقب كلامه القاري ومال إلى أنه مؤكد إلى الثلاث، وبعد ذلك لا يبقى التأكيد إلَّا أن الندب باقٍ، وحكى ابن عابدين (٩/ ٥٩٤) أن التشميت بعد الثلاث أيضًا حسن، وهكذا في \"الفتاوى العالمكَيرية\" (٥/ ٣٢٦)، وفي \"الفتاوى السراجية\": التشميت واجب إلى ثلاث إن حمد، وبعد ذلك مخير، وفي \"قاضي خان\" (٤/ ٣٧٨) إن فعل حسن، وإن لم يفعل فحسن أيضًا، انتهى. (ش).","vol":"13","page":431},{"text":"عن حَكِيمِ بْنِ الدَّيْلَمِ (١)، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَعَاطَسُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: يَرْحَمُكُمُ اللَّه، فَكَانَ يَقُولُ: \"يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ\". [ت ٢٧٣٩، حم ٤/ ٤٠٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>(٩٤) بَابٌ فِيمَنْ يَعْطِسُ وَلَا يَحْمَدُ اللَّه</span>\n٥٠٣٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، أَنَا سُفْيَانُ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عن أَنَسٍ\n===\nعن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة، عن أبيه قال: كانت اليهود تعاطس) بحذف إحدى التائين، أي: يطلبون العطسة من أنفسهم بالتكلف (عند النبي - ﷺ - رجاء أن يقول لها) أي لليهود: (يرحمكم الله، فكان) - ﷺ - (يقول) إذا عطس اليهود عنده: (يهديكم الله ويصلح بالكم) أي: قلبكم.\n\n(٩٤) (بابٌ فِيمَنْ يَعْطِسُ وَلَا يَحْمَدُ الله) (٢)\n٥٠٣٩ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، ح: ونا محمد بن كثير، أنا سفيان، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا سليمان التيمي، عن أنس\n_________\n(١) في نسخة: \"الديلمي\".\n(٢) وبوب عليه البخاري \"باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله\"، قال الحافظ (١٠/ ٦١٠): أورد فيه حديث أنس، وكأنه أشار إلى أن الحكم عام، وليس مخصوصًا بالرجل الذي وقع له ذلك، وإن كانت واقعة حال لا عموم فيها، لكن ورد الأمر بذلك في حديث أبي موسى عند مسلم بلفظ: \"إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه\"، قال النووي (٩/ ٣٤٩): مقتضاه أن من لم يحمد لم يشمت، انتهى.\nقال الحافظ: بل هو منطوقة، لكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه؟ الجمهور على الثاني ... إلخ، وحكي عن ابن العربي (١٠/ ٢٠١) الإجماع على أن التشميت يشرع لمن يحمد. (ش).","vol":"13","page":432},{"text":"قَالَ: \"عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَتَرَكَ الآخَرَ، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلَانِ عَطَسَا، فَشَمَّتَّ أَحَدَهُمَا- قَالَ أَحْمَدُ: أَوْ فَشَمَّتَّ أَحَدَهُمَا-،\n===\nقال: عطس رجلان). قال الحافظ في \"الفتح\" (١): في حديث أبي هريرة عند المصنف في \"الأدب المفرد\" وصححه ابن حبان: أحدهما أشرف من الآخر، وأن الشريف لم يحمد، وللطبراني عن حديث سهل بن سعد: أنهما عامر بن الطفيل وابن أخيه.\n(عند النبي - ﷺ -، فشمت أحدهما وترك الآخر، قال: فقيل). قال الحافظ في \"الفتح\" (٢): السائل عن ذلك هو السائل الذي لم يحمد، وقع ذلك في حديث أبي هريرة في \"الأدب المفرد\"، وكذا في رواية شعبة الآتية بلفظ: \"يا رسول الله شمَّت هذا ولم تشمتني\"، وقد يُعَكِّر على ما في حديث سهل بن سعد أن الشريف المذكور هو عامر بن الطفيل، فإنه كان كافرًا ومات على كفره، فيبعد أن يخاطب النبيَّ - ﷺ - بقوله: يا رسول الله، ويحتمل أنه قالها غير معتقد بل باعتبار ما يخاطبه المسلمون، ويحتمل أن تكون القصة لعامر بن الطفيل المذكور، ففي الصحابة عامر بن الطفيل الأسلمي له ذكر في الصحابة، وفيهم أيضًا عامر بن الطفيل الأزدي.\nثم راجعت \"معجم الطبراني\"، ففي سياق حديث سهل بن سعد الدلالة الظاهرة على أنه عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب الفارس المشهور، وكان قدم المدينة وجرى بينه وبين ثابت بن قيس بحضرة النبي - ﷺ - كلام، \"ثم عطس ابن أخيه فحمد فشمَّته النبي - ﷺ -، ثم عطس عامر فلم يحمد فلم يشمته، فسأله\" الحديث.\n(يا رسول الله رجلان عطسا) أي عندك (فشَمَّتَّ اْحدَهما، قال أحمد: أو) للشك من الراوي (فَشَمَّتَّ أحدهما) هكذا في النسخة المجتبائية في الموضعين\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠١).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠٢).","vol":"13","page":433},{"text":"وَتَرَكْتَ الآخَرَ، فَقَالَ: \"إنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّه، وَإنَّ هَذَا لَمْ يَحْمَدِ الله\". [خ ٦٢٢٥، م ٢٩٩١، ت ٢٧٤٢، جه ٣٧١٣، حم ٣/ ١٠٠]\n... (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1854>(٩٥) بَابٌ في الرَّجُلِ يَنبطِحُ عَلَى بَطْنِهِ</span>\n٥٠٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ، أَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن يَعِيشَ بْنِ طِخْفَةَ بْنِ قَيْسٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ:\n===\nبالشين المعجمة، وهكذا في الكانفورية والمكتوبة الأحمدية والمصرية والمكتوبة المدنية. وأما في النسخة المدنية التي عليها المنذري فأولها بالسين المهملة، وثانيها بالشين المعجمة.\nوالحاصل: أن أحمد شك في قوله: فشمت، هل هو بشين معجمة أو بسين مهملة، والظاهر أن الصواب ما في النسخة المدنية التي عليها المنذري بأنه في الأول بالسين المهملة، ثم ذكر أبو داود قول أحمد بالشك منه أنه بالسين المهملة أو بالشين المعجمة، ويمكن العكس، ولكن ما وجدته في نسخة، وأما في كلا الموضعين بالشين المعجمة فهو غلط من الناسخ.\n(وتركت الآخر) فلم تشمته (فقال) أي النبي - ﷺ -: (إنّ هذا حمد الله) ﷿ فشمَّتُّه (وإن هذا) الآخر (لم يحمد الله) ﵎ فلم أشمِّته.\n\n(٩٥) (بابٌ في الرَّجُلِ يَنْبَطِحُ)، أي: يستلقي (عَلَى بَطْنِهِ)\n٥٠٤٠ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) أي هشام، (عن يحيى بن أبي كثير، أنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن يعيش (٢) بن طخفة) بكسر المهملة وسكون معجمة وفاء (ابن قيس الغفاري قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبواب النوم\".\n(٢) لم يذكره صاحب \"الخلاصة\" والحافظ في \"تهذيبه\"، وقال في \"التقريب\" (ص ١٠٩١): =","vol":"13","page":434},{"text":"كَانَ أَبِي مِنْ أَصْحَاب الصُّفَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"انْطَلِقُوا بِنَا إلَى بَيْتِ عَائِشَةَ\"، فَانْطَلَقْنَا، فَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ، أَطْعِمِينَا\"، فَجَاءَتْ بِجَشِيشَةٍ فَأَكَلْنَا. ثُمَّ قَالَ: \"يَا عَائِشَةُ، أَطْعِمِينَا\"، فَجَاءَتْ بِحَيْسَةٍ مِثْلَ الْقَطَاةِ فَأَكَلْنَا. ثُمَّ قَالَ: \"يَا عَائِشَةُ، اسْقِينَا\"، فَجَاءَتْ بِعُسٍّ مِنْ اللَّبَنِ فَشَربْنَا، ثُمَّ قَالَ: \"يَا عَائِشَةُ، اسْقِينَا\"، فَجَاءَتْ بِقَدَحٍ صَغِيرٍ فَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَالَ: \"إنْ شِئْتُمْ نِمْتُمْ\" (١)، وَإنْ شِئْتُمُ انْطَلَقْتُمْ إلَى الْمَسْجِدِ\". قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعٌ (٢) مِنَ السَّحَرِ\n===\nكان أبي من أصحاب الصفة، فقال رسول الله - ﷺ -: انطلقوا بنا) أي معنا (إلى بيت عائشة، فانطلقنا، فقال) رسول الله - ﷺ -: (يا عائشة أطعمينا، فجاءت بِجَشيشة) هي ما يجش من الحب فيطبخ، والجش طحن خفيف فوق الدقيق، (فأكلنا، ثم قال: يا عائشة أطعمينا، فجاءت بِحَيْسَةٍ) هي أخلاط من التمر والسويق والأقط والسمن تجمع فتؤكل (مثل القطاة) طائر شَبَّهَه في القلة (فأكلنا، ثم قال: يا عائشة اسقينا، فجاءت بِعُسٍّ) أي بقدح ضخم (من اللبن فشربنا، ثم قال: يا عائشة اسقينا، فجاءت بقدح صغير فشربنا، ثم قال: إن شئتم نمتم، وإن شئتم انطلقتم إلى المسجد) قال: فانطلقنا إلى المسجد (قال: فبينما أنا مضطجع) في المسجد (من السحر) (٣) أي من آخر الليل.\n_________\n= يعيش بن طخفة في طخفة، وذكر صاحب \"جامع الأصول\" (١٥/ ٥٨١)، لكن اكتفى على الاسم فقط ولم يذكر حاله، انتهى. (ش).\n[قلت: نعم لم يذكره الحافظ ولا المزي فيمن اسمه يعيش، لكن ذكراه في ترجمة طخفة بن قيس الغفاري، وبسطا في اختلاف اسمه واضطراب إسناد حديثه. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٠)، و\"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٣٧٥)].\n(١) في نسخة: \"بِتُمْ\".\n(٢) زاد في نسخة: \"في المسجد\".\n(٣) السحر مشترك بين المعنيين المذكورين، والظاهر ها هنا المعنى الثاني، كما يظهر من كلام الشراح. (ش).","vol":"13","page":435},{"text":"عَلَى بَطْنِي إذَا رَجُلٌ يُحَرِّكُنِي بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: \"إنَّ هَذ ضِجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ\"، قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [جه ٧٥٢، حم ٣/ ٤٢٩، ٤٣٠، حب ٥٥٥٠]\n===\nوقال القاري في \"المرقاة\" (١): السحر: الرئة، أي من أجل وجع الرئة، ثم اعتذر عن كونه معذورًا لا يستطيع أن ينام مستلقيًا، فقال: لعله ﵇ لم يتبين له عذره أو لكونه ممكن الاضطجاع على الفخذين لدفع الوجع من غير مد الرجلين.\n(على بطني إذا رجل يحَرِّكني برجله، فقال: إن هذه ضجعة) أي على البطن (يبغضها الله، قال: فنظرت فإذا رسول الله - ﷺ -).\nقال المنذري (٢): وأخرجه النسائي وابن ماجه، وليس في حديث أبي داود \"عن أبيه\"، ووقع عند النسائي \"عن قيس بن طخفة (٣)، قال: حدثني أبي\"، وعند ابن ماجه \"عن قيس بن طِهْفَة عن أبيه\" مختصرًا، وفيه اختلاف كثير جدًا، وقال أبو عمر النمري: اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، واضطرب فيه اضطرابًا شديدأ، فقيل: طهفة بالهاء، وقيل: طخفة بالخاء، وقيل: طغفة بالغين، وقيل: طقفة بالقاف والفاء، وقيل: قيس بن طخفة، وقيل: يعيش بن طخفة، وقيل: عبد الله بن طخفة، عن النبي - ﷺ -، [وقيل: طهفة بن أبي ذر عن النبي - ﷺ -]، وحديثهم كلهم واحد، \"قال: كنت نائمًا في الصُّفة، فَرَكَضَنِي رسول الله - ﷺ - برجله وقال: هذه نومة يبغضها الله\"، وكان من أهل الصفة، ومن أهل العلم من يقول: إن الصحبة لأبيه عبد الله، وإنه صاحب القصة، هذا آخر كلامه.\nوذكر البخاري فيه اختلافًا كثيرًا، وقال: طغفة خطأ، وذكر أنه روي عن\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٨٧).\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٣١٤).\n(٣) كذا في \"مختصر المنذري\" وفي الأصل \"طفقة\" وفي \"سنن النسائي الكبرى\" (٤/ ١٤٤) رقم الحديث (٦٦٢١): طخفة، والله أعلم.","vol":"13","page":436},{"text":"(٩٦) بَابٌ (١) في النَّوْمِ عَلَى سَطْحٍ (٢) لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَارٌ\n٥٠٤١ - حَدَّثَنَا (٣) ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا سَالِمٌ - يَعْنِي ابْنَ نُوِح-، عن عُمَرَ بْنِ جَابرٍ الْحَنَفِي، عن وَعْلَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ وثابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيٍّ- يَعْنِي ابْنَ شَيْبَانَ-، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ\n===\nيعيش بن طخفة، عن قيس الغفاري قال: \"كان أبي\"، وقال: لا يصح قيس فيه، وذكر أنه روي عن أبي هريرة، وقال: ولا يصح أبو هريرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>(٩٦) (بَابٌ في النَّوْمِ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَار)</span>، أي: ستر\n٥٠٤١ - (حدثنا ابن المثنى، نا سالم -يعني ابن نوح-، عن عمر بن جابر) اليمامي (الحنفي) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له البخاري في \"الأدب\"، وأبو داود حديثه عن وعلة: \"من بات فوق بيت ليس عليه حجار\"، وقال البخاري: في إسناده نظر.\n(عن وعلة بن عبد الرحمن بن وثاب) اليمامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: لكنه قال: روى عنه محمد بن جابر، وكذا ذكر البخاري في \"تاريخه\" رواية محمد بن جابر.\n(عن عبد الرحمن بن علي -يعني ابن شيبان-) الحنفي اليمامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وأخرج له في \"صحيحه\"، وقال العجلي: تابعي ثقة، ووثقه أيضًا أبو العرب التميمي وابن حزم.\n(عن أبيه) علي بن شيبان بن محرز الحنفي اليمامي، وفد على النبي - ﷺ -، وروى عنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من بات على ظهر بيت) أي سقفه\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في النوم على السطح غير محجَّل\".\n(٢) في نسخة: \"السطح\".\n(٣) زاد في نسخة: \"محمد\".","vol":"13","page":437},{"text":"لَيْسَ عَلَيْهِ (١) حِجَارٌ (٢)، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1856>(٩٧) بَابٌ في النَّوْمِ عَلَى طَهَارةٍ</span>\n٥٠٤٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن أَبِي ظَبْيَةَ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"مَا مِنْ مُسلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرٍ طَاهِرًا، فَيَتَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَسْأَلُ الله خَيرًا مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إلَّا أَعْطَاهُ اللَّه إيَّاهُ\".\n===\n(ليس عليه حجار) أي ستر (فقد برئت منه الذمة) يعني لو سقط لا إلزام فيه على أحد، بل الإلزام على نفسه.\nوقال في \"فتح الودود\": يريد أنه لو مات فلا يؤاخذ أحد بدمه، وقال في \"اللمعات\" (٣): ومعنى براءة الذمة انقطاع عهد الله بالحفظ والكلاءة التي جعلها للعباد.\n\n(٩٧) (بابٌ في النَّوْمِ عَلَى طَهَارَةِ)\n٥٠٤٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن معاذ بن جبل، عن النبي - ﷺ - قال: ما من مسلم يبيت على ذكر) أي ذكر الله ﷿ (طاهرًا) أي متوضئًا (فيتعارّ) أي يستيقظ (من الليل، فيسأل الله خيرًا من خير الدنيا والآخرة إلَّا أعطاه) الله (إياه) أي ذلك الخير أو ثوابه.\n_________\n(١) في نسخة: \"له\".\n(٢) في نسخة: \"حجاب\"، وفي نسخة: \"حجًا\".\nفي \"المعالم\" (٤/ ١٤٢): الحِجى، وذكر أنه يروى بكسر الحاء وفتحها، فمن كسر شبَّهه بالحِجَا الذي هو العقل، ومن فتح قال: الحِجَي مقصور، وهو الطرف والناحية. انتهى.\n(٣) \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٣٧).","vol":"13","page":438},{"text":"قَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو ظَبْيَةَ فَحَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عن مُعَاذِ بْن جَبَلٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ ثَابِتٌ: قَالَ فُلَانٌ: لَقَدْ جَهِدْتُ أَنْ أَقولَهَا حِينَ أَنْبَعِثُ، فَمَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا\". [جه ٣٨٨١، حم ٥/ ٢٤٤]\n٥٠٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ (١) - يَعْنِي بَالَ-\". [خ ٦٣١٦، م ٣٠٤]\n\n(٩٨) بابٌ كَيْفَ (٢) يَتَوَجَّهُ عِنْدَ النَّوْمِ\n٥٠٤٤ - حَدثنا مُسَدَدَّ، نَا حَمَّاد، عَن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ،\n===\nقال ثابت البناني: قدم علينا أبو ظبية فحدثنا بهذا الحديث عن معاذ بن جبل، عن النبي - ﷺ -، قال ثابت: قال فلان) لم يسمه سترًا عليه: (لقد جَهِدْتُ أن أقولها حين أنبعثُ) أي أستيقظ، (فما قدرت عليها) لعله لأجل النسيان.\n٥٠٤٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - قام من الليل فقضى حاجته، فغسل وجهه ويديه، ثم نام).\nقال أبو داود: (يعني) في تفسير قضاء الحاجة (بال) وهذا الحديث يدل على أنه لو استيقظ في الليل لحاجة ثم يريد النوم يستحب له أن يتطهر.\n\n(٩٨) (بابٌ كيْفَ يَتَوَجَّهُ)، أي: الرجل (عند النوم) كما في نسخة\n٥٠٤٤ - (حدثنا مسدد، نا حماد، عن خالد الحذاء،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) في نسخة: \"كيف يتوجه الرجل عند النوم\".","vol":"13","page":439},{"text":"عَن أَبِي قِلَابَةَ، عَن بَعْضِ آلِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ: \"كَانَ فِرَاشُ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوًا مِمَّا يُوضَعُ الإنْسَانُ في قَبْرِهِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عِنْدَ رَأسِهِ\".\n\n(٩٩) بَابُ مَا يَقُولُ (١) عِنْدَ النَّوْمِ\n٥٠٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا عَاصِمٌ، عن مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عن سَوَاءٍ، عن حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنَّ يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ،\n===\nعن أبي قلابة، عن بعض (٢) آل أم سلمة قال: كان فراش النبي - ﷺ - نحوًا مما يُوضع الإنسانُ في قبره، وكان المسجد عند رأسه).\nقال المنذري (٣): لا يعرف هذا الذي حدثه عنه أبو قلابة هل له صحبة أم لا؟ وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"وكان المسجد عند رأسه\": أراد بالمسجد المسجد النبوي، فهو بيان لما كان عليه منامه من التوجه إلى القبلة مضطجعًا على شقه الأيمن، وإن أريد به (٤) مسجد بيته فهو بيان لأمر زائد على المذكور قبله، فأفاد بقوله: \"نحوًا مما يوضع الإنسان في قبره\"، أن نومه كان على شقه الأيمن متوجهًا إلى القبلة، ثم ذكر بعده أن مسجده الذي كان يتهجّد فيه كان عند رأسه، ففيه دلالة على أنه لم يكن همه إلَّا الطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1858>(٩٩) (بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ) </span>من الذكر والدعاء\n٥٠٤٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا عاصم، عن معبد بن خالد، عن سواء) الخزاعي، (عن حفصة زوج النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد أن يرقد) أي ينام (وضع يده اليمنى تحت خده)\n_________\n(١) في نسخة: \"يقال\".\n(٢) لم يذكره الحافظ في مبهماته. (ش).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٣١٧).\n(٤) وبالاحتمالين فسره القاري (٨/ ٤٨٦). (ش).","vol":"13","page":440},{"text":"ثُمَّ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ\"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (١). [حم ٦/ ٢٨٨، ن في الكبرى ١٠٥٩٨]\n٥٠٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا الْمُعْتَمِرَ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا يُحَدِّثُ، عن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّاْ وُضُوءَكَ لِلًصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ\"، وَقُلْ: \"اللهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ،\n===\nالأيمن (ثم يقول: اللهم قني) صيغة أمر من وقى يقي (عذابك يوم تبعث عبادك ثلاث مرات).\n٥٠٤٦ - (حدثنا مسدد، نا المعتمر قال: سمعت منصورًا يحدث، عن سعد بن عبيدة قال: حدثني البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: إذا أتيت مضجعك فتوضأ) إن لم تكن متوضأ (وضوءك) أي كوضوئك (للصلاة، ثم اضطجع على شقّك) أي جانبك (الأيمن) وخص الأيمن لأنه أسرع للانتباه، قال ابن الجوزي: هذه الهيئة نص الأطباء على أنها أصلح للبدن، قالوا: يبدأ بالابتداء على الأيمن ساعة ثم ينقلب إلى الأيسر، لأن الأول سبب لانحدار الطعام، والنوم على اليسار يهضم لاشتمال الكبد على المعدة (٢).\n(وقيل: اللهم أسلمت وجهي إليك) أي جعلت نفسي منقادة لك، (وفوَّضت أمري إليك) أي توكلتُ عليك في أمري كله، (وألجاتُ ظهري إليك) أي اعتمدت\n_________\n(١) في نسخة: \"مرار\".\n(٢) قلت: لكن مؤدى الحديث هو النوم على الأيمن مطلقًا لا في وقت خاص، وذلك لأن القلب إذا يكون عاليًا غير مُحَمَّل يكون متيقظًا، وقال الرازي في \"تفسيره\" (٩/ ١١١): إن النوم على الجنب يكون أقرب إلى اليقظة والذكر، والنوم على القفا يمنع التفكير والتدبر. وبسط وجوه الحديث الحافظ (١١/ ١١٠). (ش).","vol":"13","page":441},{"text":"رَهْبَةً (١) وَرَغْبَةً إلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إلَّا إلَيْكَ، آمنْتُ بكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ (٢) الَّذِي أَرْسَلْتَ\"، قَالَ: \"فَإنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ\". قَالَ الْبَرَاءُ: فَقُلْتُ: أَسْتَذْكِرُهُنَّ، فَقُلْتُ: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، قَالَ: \"لَا، وَنَبِيِّكَ (٣) الَّذِي أَرْسَلْتَ\". [خ ٢٤٧، م ٢٧١٠، ت ٣٣٩٤، جه ٣٨٧٦، حم ٤/ ٢٨٥]\n٥٠٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ:\n===\nفي أموري عليك لتعينني (رهبةً) أي خوفًا من غضبك وعقابك (ورغبةً) أي في ثوابك وإنعامك (إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلَّا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت) أي القرآن (ونبيك الذي أرسلت) أي رسول الله -ﷺ -.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (فإن مُتَّ مُتَّ على الفطرة) أي الإِسلام (واجعلهن آخِرَ ما تقول) أي آخر كلامك (قال البراء: فقلت: أستذكُرُهُنَّ) أي قلت للاستذكار والحفظ (فقلت: وبرسولك الذي أرسلت) في محل ونبيك الذي أرسلت (قال: لا) أي لا تقل: وبرسولك، بل قل: (ونبيك الذي أرسلت).\nقال الحافظ في \"شرح البخاري\" (٤): وأولى (٥) ما قيل في حكمة رده - ﷺ - على من قال \"الرسول\" بدل النبي - ﷺ -: أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به.\n٥٠٤٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن فطر بن خليفة قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"رغبة ورهبة إليك\".\n(٢) في نسخة: \"وبنبيك\".\n(٣) في نسخة: \"وبنبيك\".\n(٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١١٢).\n(٥) وفي \"الكوكب\" (٤/ ٣٣٧): ما قيل: إن في النبي معنى الرفعة ومعنى الرسالة يحصل في قوله \"أرسلت\" يخدشه ما ورد من قوله ﵇: \"ورسوله الذي أرسلت\"، بل الوجه أن اللفظ الذي دعا به ﵇ أقرب إلى الإجابة ... إلخ. (ش).","vol":"13","page":442},{"text":"سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدة قالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: \"إذَا أَويتَ إلَى فِرَاشِكَ طَاهِرًا (١) فَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ\"، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ. [انظر سابقه]\n٥٠٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْغَزَّالُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عن الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدة، عن الْبَرَاءِ (٢)، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ أَحَدُهُمَا: \"إذَا أَتَيْتَ فِرَاشِكَ طَاهِرًا\"، وَقَالَ الآخَرُ: \"تَوَضَّأ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ\"، وَسَاقَ مَعْنَى مُعْتَمِرٍ. [تقدَّم برقم ٥٠٤٦]\n٥٠٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ،\n===\nسمعت سعد بن عبيدة قال: سمعت البراء بن عازب قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أَويتَ إلى فراشك ظاهرًا فَتَوَسَّدْ يمينك) يقال: تَوسَّدَ الشيءَ: جعله تحت رأسه كالوسادة، (ثم ذكر نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.\n٥٠٤٨ - (حدثنا محمد بن عبد الملك) بن زنجويه، البغدادي، أبو بكرة (الغزّال) جار أحمد، قال النسائي: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي وهو صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال مسلمة: ثقة كثير الخطأ.\n(نا محمد بن يوسف) الفريابي، (حدثنا سفيان، عن الأعمش ومنصور، عن سعد بن عبيدة، عن البراء، عن النبي في بهذا) الحديث، (قال سفيان: قال أحدهما) من الأعمش ومنصور: (إذا أتيت فراشك طاهرًا، وقال الآخر: تَوَضَّأْ وضوءك للصلاة، وساق) كل واحد منهما (معنى) حديث (معتمر) المتقدم.\n٥٠٤٩ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وأنت طاهر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن عازب\".","vol":"13","page":443},{"text":"عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْن عُمَيْرٍ، عن رِبْعِيِّ، عن حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا نَامَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَى وَأَمُوتُ\"، وَإذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: \"الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإلَيْهِ النُّشُورُ\". [خ ٦٣١٢، ت ٣٤١٧، حم ٥/ ٣٨٥، ٣٩٧، ٣٩٩، جه ٣٨٨٠]\n٥٠٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْر، نَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلِةِ إزَارِهِ، فَإنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ ليَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ\" (١). [خ ٦٣٢٠، م ٢٧١٤، حم ٢/ ٢٩٥]\n===\nعن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة قال: كان النبي - ﷺ - إذا نام) أي أراد النوم (قال: اللهم باسمك أحيى وأموت) أي أنام وأستيقظ، (وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)، سمَى النومَ موتًا، لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلًا وتشبيهًا.\n٥٠٥٠ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أوَى) أي أتى (أحدُكم إلى فراشه فَلْيَنفُضْ) أي: فليحرك (فراشَه) ويخلصه (بداخلة إزاره) أي بطرفه وحاشيته، (فإنه لا يدري ما خَلَفَه عليه) أي: أيّ شيء قام مقامه، وصار خليفته على الفراش، (ثم ليضطجع على شقّه الأيمن، ثم ليقل: باسمك ربي وضعتُ جنبي، وبك أَرْفَعُه، إن أمسكتَ نفسي) أي عندك، معناه: أَمَتَّها (فارحَمْها، وإن أرسلتَها فاحفظْها بما تحفظُ به الصالحين) من عبادك.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"من عبادك\".","vol":"13","page":444},{"text":"٥٠٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ. (ح): وَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ نَحْوَهُ، عن سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ: \"اللهُمَّ رَبَّ السَموَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ، وَرَبَّ كُلِّ شَيءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَئٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شيءٌ\". زَادَ وَهْبٌ في حَدِيثِهِ: \"اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ\". [م ٢٧١٣، ت ٣٤٠٠، حم ٢/ ٣٨١، ٤٠٤، ٥٣٦]\n٥٠٥٢ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ (١)، نَا الأَحْوَصُ- يَعْنِي\n===\n٥٠٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، ح: ونا وهب بن بقيّة، عن خالد نحوه) أي نحو حديث وهيب، وأشار بلفظ النحو أن حديث خالد يخالف حديث وهيب في الألفاظ، وأما في المعنى فموافق له، كلاهما: (عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول إذا أَوَى إلى فراشه: اللهم ربَّ السموات ورب الأرض، وربَّ كلِّ شيء، فالقَ الحبّ والنَّوَى، مُنْزِلَ التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شرِّ كلِّ ذي شر أنتَ آخذٌ بناصيته) أي كلها في قبضتك، (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء) أي في الظهور، (وأنت الباطن فليس دونك شيء) أي في الخفاء والبطون، حتى لا يقدر أحد على إدراك ذاتك مع كمال ظهورك، (زاد وهب في حديثه: اقضِ عنِّي الدَّين، وأغْنِنِي من الفقر) (٢).\n٥٠٥٢ - (حدثنا العباس بن عبد العظيم، نا الأحوص- يعني\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"العنبري\".\n(٢) تقدم شيء من الكلام على الفقر (٦/ ٢٨٣). (ش).","vol":"13","page":445},{"text":"ابْنَ جوَّابٍ (١) -، نَا عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن الْحَارِثِ وَأَبِي مَيْسَرَةَ، عن عَلِيِّ، عن رَسُول اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقولُ عِنْدَ مَضْجَعِهِ: \"اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ (٢) مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ تكْشِفُ الْمَغْرَمَ وَالْمَأثَمَ، اللهُمَّ لَا يُهْزَمُ جُنْدُكَ، وَلَا يُخْلَفُ وَعْدُكَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ\".\n٥٠٥٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شِيبَةَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن ثَابتٍ، عن أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيّ (٣) - ﷺ - كَانَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ قَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ\n===\nابن جوّاب -، نا عمار بن رزيق) بتقديم الراء على الزاي، (عن أبي إسحاق، عن الحارث وأبي ميسرة) عمرو بن شرحبيل، (عن علي، عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول عند مضجعه) أي عند اضطجاعه في مضجعه: (اللهم إني أعوذ بوجهك) أي بذاتك (الكريم، وكلماتك التامة، من شرّ ما أنت آخذ بناصيته) أي في قبضتك وتصرفك، (اللهم أنت تكشفُ المَغْرَمَ) من الدين والمعاصي (والمأثَمَ) أي الإثم، (اللهم لا يُهْزَمُ جندُك، ولا يُخلفُ وعدك، ولا ينفع ذا الجد) بفتح الجيم، أي: صاحب الغنى (منك) أي من مؤاخذتك وعقوبتك (الجد) أي غناه، (سبحانك وبحمدك).\n٥٠٥٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، أنا حماد بن سلمة، عن ثابت) أي البناني، (عن أنس، أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه) أي جلس عليه (قال: الحمد لله الذي أَطْعَمَنا وَسقَانا وَكفَانا) أي من شرّ المؤذيات (وآوانا) بمد الهمزة (فكَمْ\n_________\n(١) في نسخة: \"الجواب\".\n(٢) في نسخة: \"التامات\".\n(٣) وفي نسخة: \"رسول الله\".","vol":"13","page":446},{"text":"مِمَّنْ لَا كَافِيَ (١) لَهُ وَلَا مُؤْوِي\". [م ٢٧١٥، ت ٣٣٩٦، حم ١٣/ ١٥٣، ١٦٧، ٢٥٣]\n٥٠٥٤ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَيي يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عن ثَوْرٍ، عن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عن أَبي الأَزْهَرِ الأَنْمَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺكَانَ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: \"بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي، اللهمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَخْسِئ شَيْطَانِي، وَفُكَّ رِهَانِي، وَاجْعَلْنِي في النَّدِيِّ الأَعْلَى\". [ك ١/ ٥٤٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو هَمَّامٍ الأَهْوَازِيُّ، عن ثَوْرٍ قَالَ: أَبُو زُهَيْرٍ\n===\nممن لا كافي له ولا مُوْوِي)، أي كم شخص لا يكفيهم الله شر الأشرار، بل تركهم وشرهم حتى غلب عليهم أعداؤهم، ولا يبنى لهم البنيان بل تركهم يهيمون في البوادي، ويتأذون بالحر والبرد (٢).\n٥٠٥٤ - (حدثنا جعفر بن مسافر التِّنِّيْسِيُّ، نا يحيى بن حسان، حدثني يحيى بن حمزة، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن أبي الأزهر) ويقال: أبو زهير (الأنماري) ويقال: النميري، صحابي سكن الشام، روى عن النبي - ﷺ - في القول إذا أخذ مضجعه، (أن رسول الله - ﷺكان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: بسم الله وضعتُ جنبي) أي على الفراش (اللهم اغفر لي ذنبي) أي ما يليق بذاته الشريف من الزلات، أو قال لتعليم الأمة، (واخْسِئْ شيطاني) أي ادفعه بالذلة (وفُكّ رِهاني) أي خَلّصْ نفسي المرهونة بالعمل، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣) (واجعلني في النَّدِيِّ الأعلى) أي المجلس الأعلى، وهم الملائكة المقربون.\n(قال أبو داود: رواه أبو همام الأهوازي (٤)، عن ثور قال: أبو زهير\n_________\n(١) في نسخة: \"كاف\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٣١).\n(٣) سورة المدثر: الآية ٣٨.\n(٤) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٢٩٨) رقم (٧٥٨)، وقال: أبو زهير الأنماري، ويقال له: أبو الأزهر.","vol":"13","page":447},{"text":"الأَنْمَارِيُّ.\n٥٠٥٥ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إسْحَاقَ، عن فَرْوةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِنَوْفَلٍ: \"اقْرأْ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ\". [ت ٣٤٠٣، حم ٥/ ٤٥٦، حب ٧٨٩]\n٥٠٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ (١) مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا: نَا الْمُفَضَّلُ- يَعْنِيانِ ابْنَ فَضَالَةَ-، عن عُقَيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺكَانَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ\n===\nالأنماري) في محل أبي الأزهر.\n٥٠٥٥ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، عن فروة بن نوفل) الأشجعي، (عن أبيه) نوفل بن فروة الأشجعي، (أن النبي - ﷺ - قال لنوفل: اقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ أي إذا أخذت مضجعك (ثم ثم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك).\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٢): وزعم ابن عبد البر بأنه حديث مضطرب، وليس كما قال، بل الرواية التي فيها عن أبيه أرجح، وهي الموصولة، رواته ثقات، فلا يضر مخالفة من أرسله، وشرط الاضطراب أن يتساوى الوجوه في الاختلاف، وأما إذا تفاوتت فالحكم للراجح بلا خلاف.\n٥٠٥٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الهمداني قالا: نا المفضّل - يعنيان ابن فضالة-، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة) أي من الليالي التي عندها (جَمَعَ كفيه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عبد الله بن\".\n(٢) \"الإصابة\" (٣/ ٥٤٨).","vol":"13","page":448},{"text":"ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ (١) فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ (٢) بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَده، يَبْدَأْ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مرَّات (٣). [خ ٥٠١٧، ت ٣٤٠٢، حم ٦/ ١١٦، ١٥٤]\n٥٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، عن بَحِيرٍ، عن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عن ابْنِ أَبي بِلَالٍ، عن عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ الْمُسَبِّحًاتِ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ،\n===\nثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾)، والظاهر (٤) أنه - ﷺ - يقرأ أولًا هذه السور، ثم ينفخ في كفيه، (ثم يمسح بهما) أي بالكفين (ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أَقْبَلَ من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات).\n٥٠٥٧ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا بقية، عن بحير، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال) عبد الله بن أبي بلال الخزاعي الشامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عرباض بن سارية: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ المُسَبِّحَات) أي السور التي (٥) في أوائلها لفظ سبح أو يسبح (قبل أن يرقد،\n_________\n(١) في نسخة: \"وقرأ\"، وفي نسخة: \"ثم قرأ\".\n(٢) في نسخة: \"ثم مسح\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: كان قاضيًا مجاب الدعوة، يعني المفضل\".\n(٤) وبسط الكلام عليه في هامش الترمذي و\"المرقاة\" (٤/ ٦٤٠). (ش).\n(٥) وقال القاري (٤/ ٦٦٢): هي سبعة سور: بني إسرائيل، والحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى، وروي موقوفًا من قول معاوية بن صالح أحد رواة الحديث بغير الأول كما في \"الحصين الحصين\" (ص ١٣٨)، لكن روي \"بني إسرائيل\" في حديث آخر أيضًا. (ش).","vol":"13","page":449},{"text":"وَقَالَ: \"إنَّ فِيهِنَّ (١) آية أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ آيةٍ\". [ت ٢٩٢١، حم ٤/ ١٢٨]\n٥٠٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي (٢) حُسَيْنٌ، عن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺكانَ يَقُولُ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي وَآوَانِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَالَّذِي (٣) مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الحمدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ وَإله كُلِّ شَيءٍ، أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ\". [حم ٢/ ١١٧، حب ٥٥٣٨]\n٥٠٥٩ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَبُو عَاصِم، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عن الْمَقْبُرِيِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n===\nوقال: إنّ فيهن آيةً أَفْضَلُ من ألف آية)، ولعل المراد (٤) بها الآيات التي في أواخر سورة الحشر.\n٥٠٥٨ - (حدثنا علي بن مسلم، نا عبد الصمد، حدثني أبي) عبد الوارث، (حدثني حسين، عن ابن بريدة، عن ابن عمر أنه حدثه، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول إذا أخذ مضجعه: الحمد لله الذي كفاني) أي من شر المؤذيات (وآواني) بمد الهمزة (وأطعمني وسقاني، والذي مَنَّ عليَّ فأفضل) أي زاد في المنِّ، (والذي أعطاني فَأَجْزَلَ) أي أكثر العطاء، (الحمد لله على كلِّ حال، اللهم ربَّ كلِّ شيء ومليكه وإله كلِّ شيء، أعوذ بك من النار).\n٥٠٥٩ - (حدثنا حامد بن يحيى، ثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) في نسخة: \"فيها\".\n(٢) في نسخة: \"حدثنا\".\n(٣) في نسخة: \"والحمد لله الذي\".\n(٤) وقال القاري (٤/ ٦٦٣): إنه لفظ التسبيح المشترك في الكل، ومعنى \"فيهن\" أي في جميعهن، انتهى. (ش).","vol":"13","page":450},{"text":"\"مَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا (١) لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ إلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ الله ﷿ فِيهِ إلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1859>(١٠٠) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ</span>\n٥٠٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، نَا الْوَلِيدُ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ حِينَ يَسْتَيْقِظُ: لَا إله إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ،\n===\nمن اضطجع مضجعًا لم يذكر الله فيه إلَّا كان عليه تِرَةً) أي حسرة وندامة (يوم القيامة، ومن قَعَدَ مقعدًا لم يذكر الله ﷿ فيه إلَّا كان عليه تِرَةً) أي حسرة (يوم القيامة).\n\n(١٠٠) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ)\nقال في \"القاموس\": والتعارُّ: السهر، والتَّقَلُّبُ على الفراش ليلًا مع كلام\n٥٠٦٥ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الوليد قال: قال الأوزاعي: حدثني عمير بن هَانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: من تَعَارّ) أي استيقظ (من الليل، فقال حين يستيقظ: لا إله إلَّا الله وَحْدَه) مفعول مطلق لفعل محذوف أي يتوحد، أو حال من لفظ الجلالة (لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير،\n_________\n(١) في نسخة: \"مضطجعًا\".\n(٢) جاء بعد هذا الحديث في نسخة: \"آخر الجزء الحادي والثلاثين، والحمد لله رب العالمين\".","vol":"13","page":451},{"text":"سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحمد لله (١)، والله أَكبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّه، ثُمَّ دَعَا: رَبِّ اغْفِرْ لِي\".\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قالَ الْوَلِيدُ: أَوْ قَالَ دَعَا- \"اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، قُبِلَتْ صَلَاتُهُ\". [خ ١١٥٤، ت ٣٤١٤، حم ٥/ ٣١٣، جه ٣٨٧٨]\n٥٠٦١ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، نَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ (٢)، نَا سَعِيد- يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: \"لَا إله إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، اللهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزغ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ\". [ك ١/ ٥٤٠، حب ٥٥٣١]\n===\nسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، ثم دعا: رب اغفر لي، قال الوليد: أو قال) الأوزاعي: (دعا) فقط، ولم يذكر: \"ربِّ اغفر لي\" يشك الوليد في لفظ: \"ربِّ اغفر لي\" (استُجيب له، فإن قام فتوضأ ثم صلى قُبِلَتْ صلاتُه).\n٥٠٦١ - (حدثنا حامد بن يحيى، نا أبو عبد الرحمن، نا سعيد- يعني ابن أبي أيوب- قال: حدثني عبد الله بن الوليد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺكان إذا استيقظ من الليل) أي في الليل (قال: لا إله إلَّا أنت سبحانك، اللهم أَسْتَغْفِرُك لذنبي وأسألك رحمتك، اللهم) رب (زِدْنِي علمًا، ولا تُزغ قلبي بعد إذ هَدَيْتَنِي) أي عن الصراط المستقيم، (وهَبْ لي من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ولا إله إلا الله\".\n(٢) زاد في نسخة: \"المقبري\".","vol":"13","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1860>(١٠١) بابٌ في التَّسْبِيحِ عِنْدَ النَّوْمِ</span>\n٥٠٦٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ. (ح): وَثَنَا مُسَدَّدُ، ثَنَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ، الْمَعْنَى، عن الْحَكَمِ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ مُسَدَّدُ: ثنَا عَلَيٌّ قَالَ: شَكَتْ فَاطِمَةُ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مَا تَلْقَى في يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، فَأُتِيَ بِسَبْي فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ فَلَمْ تَرَهُ، فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ - ﷺأَخبَرَتْهُ، فَأَتَانَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فَقَالَ: \"عَلَى مَكَانِكُمَا\"، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ\n===\n\n(١٠١) (بَابٌ في التَّسْبِيحِ عِنْدَ النَّوْمِ)\n٥٠٦٢ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنَا شعبة، ح: وثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، قال مسدد) في حديثه: (ثنا علي) أي ابن أبي طالب، ولم يذكر لفظ حفص (قال: شَكَتْ فاطمة) الزهراء بنت النبي - ﷺ - (إلى النبي - ﷺ - ما تَلْقَى) من التعب والكلفة (في يدها من الرَّحَى) أي من أجل إدارة الرَّحَى (فَأُتِيَ) أي النبي - ﷺ - (بِسَبْي) أي برقيق (فَأَتَتْه) أي فاطمة أباها - ﷺ - (تَسْأَلُه) أي تسأل الرقيق من النبيً - ﷺ - (فلَمْ تَرَه) أي لم تر فاطمة النبي - ﷺ - بالبيت (فَأَخْبَرَتْ) أي فاطمةُ (بذلك) أي بسبب مجيئها (عائشةَ) مفعول لأخبرت.\n(فلما جاء النبي - ﷺ -) في بيته (أَخْبَرَتْه) أي أخبرت (١) عائشة النبي - ﷺ - بمجيء فاطمة في طلب الخادم، (فأتانا) رسول الله - ﷺ - في منزلنا (وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم) أي قصدنا القيام لمجيئه (فقال) النبي - ﷺ -: (على مكانكما) أي كُونا مضطجعين على مكانكما، (فجاء فَقَعَدَ بيننا حتى وجدتُ بَرْدَ\n_________\n(١) قال الحافظ (١١/ ١٢٠): في رواية مسلم: \"أخبرت أم سلمة\"، ويجمع بأنها طلبته ﵇ في بيتي أمي المؤمنين، ثم قال (١١/ ١٢٤): يحتمل أنها أرادهما خاصة لكون الأزواج حزبين، كل حزب يتبع واحدة منهما، انتهى. (ش).","vol":"13","page":453},{"text":"قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، فَقَالَ: \"أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سأَلْتُمَا؟ إذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ\". [خ ٣٧٠٥، م ٢٧٢٧]\n٥٠٦٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ الْيَشْكُرِيُّ، نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي الْوَرْدِ بْنِ ثُمَامَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌ لابْنِ أَعْبُدَ: أَلَا أُحَدّثُكَ عَنِّي وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ الله - ﷺ - وكَانَتْ أَحَبَّ\n===\nقدميه على صدري، فقال) أي النبي - ﷺ -: (أَلَا أَدُلُّكُما على خيرٍ ممّا سألتما؟) أي من الخادم، (إذا أخذتما مضاجعكما فَسَبِّحا) أي قُولا: سبحان الله (ثلاثًا وثلاثين، واحْمَدَا) أي قُولا: الحمد لله (ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرَا) أي قُولا: الله أكبر (أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم).\nقال في الحاشية: وجه الخيرية إما أن يراد به أنه يتعلق بالآخرة، فإن نفع التسبيح في الآخرة، ونفع الخادم في الدنيا، والآخرة خير وأبقى، وإما أن يراد بالنسبة إلى ما طلبته بأن يحصل لها بسبب هذه الأذكار قوة تقدر على الخدمة (١) أكثر مما تقدر الخادم عليها، ولفظ الخادم يطلق على الذكر والأنثى، والمراد ها هنا الجارية.\n٥٠٦٣ - (حدثنا مؤمل بن هشام اليشكري، نا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجُرَيْرِي، عن أبي الورد بن ثمامة قال: قال علي) بن أبي طالب (لابن أعبد) اسمه علي، تقدم هذا الحديث مع بيان الاختلاف في ضبط ابن أعبد في باب \"بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى\" من \"كتاب الخراج والفيء والإمارة\".\n(ألا أحدثك عنّي وعن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - وكانت أَحَبَّ\n_________\n(١) قال الشيخ ابن القيم في \"الوابل الصيب\" (ص ١٦٤): إن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.","vol":"13","page":454},{"text":"أَهْلِهِ إلَيْهِ، وَكَانَتْ عِنْدِي، فَجَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ بِيَدِهَا، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ في نَحْرِهَا، وَقَمَّتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا، وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حَتَّى دَكِنَتْ ثيَابُهَا، وَأَصَابَهَا (١) مِنْ ذَلِكَ ضُرٌّ، فَسَمِعْنَا أَنَّ رَقِيقًا أُتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِيهِ خَادما يَكْفِيكِ، فَأَتَتْهُ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ حُدَّاثًا، فَاستحْيَتْ فَرَجَعَتْ، فَغَدَا عَلَيْنَا (٢) وَنَحْنُ في لِفَاعِنَا، فَجَلَسَ عِنْدَ رَأسِهَا، فَأَدْخَلَتْ رَأسَهَا في اللِّفَاعِ حَيَاءً مِن أَبِيهَا، فَقَالَ: مَا كَانَ حَاجَتُكِ أَمْسِ إلَى آلِ مُحَمَّدٍ؟ فَسَكَتَتْ، مَرَّتَيْنِ،\n===\nأهله إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (وكانت عندي) أي بالنكاح (فَجَرَّتْ بالرَّحَى حتى أَثَّرَت) الرَّحى (بيدها، واستقت (٣) بالقِربة حتى أَثَّرت في نحرها، وقَمَّتْ) بتشديد الميم: أي: كَنَسَت (البيتَ حتى اغبرَّتْ ثيابُها، وأوقدت القدر) أي النار تحت القدر (حتى دَكنتْ) قال في \"القاموس\": الدُّكنة بالضم: لون إلى السواد، دكين كفرح فهو أدكن (ثيابها، فأصابها) أي فاطمة (من ذلك ضرٌّ) أي كلفة.\n(فسمعنا أن رقيقًا أُتِيَ بهم النبي - ﷺ -، فقلت: لو أتيت أباكِ فسألتيه خادمًا) أي جارية (يكفيكِ) ما أنتِ فيه من خدمة البيت، (فَأَتَتْه فوجدت (٤) عنده حدَّاثًا) أي رجالًا يتحدثون، (فاستَحْيَتْ فرجعت، فغدا علينا ونحن في لِفَاعِنا) أي لحافنا (فجلس عند رأسها، فَأدْخَلَتْ رأسَها في اللفاع حياءً من أبيها، فقال) النبي - ﷺ -: (ما كان حاجتك أمس إلى آل محمد؟ فسكتت، مرّتين) أي قال - ﷺ - مرتين، فلم تجبه في كلا المرتين.\n_________\n(١) في نسخة: \"فأصابها\".\n(٢) في نسخة: \"عليها\".\n(٣) ويشكل عليه ما في \"الفتح\" (١١/ ١١٩) من رواية ابن سعد قول علي: \"لقد سنوت حتى اشتكيت صدري ... إلخ\"، أي: استقيت من البئر كالسانية. (ش).\n(٤) وفيما تقدم: \"لم تجده\"، وجمع الحافظ (١١/ ١٢٠) بأنه لم تجده في البيتِ بل كان في مكان آخر كالمسجد، فوجدت عنده حداثًا، قلت: وفي رواية ابن السني رقم (٧٣٩): \"أتته ثلاث مرات\"، فلعله لم تجده مرة ووجدت الحدَّاث أخرى. (ش).","vol":"13","page":455},{"text":"فَقُلْتُ، أَنَا والله أُحَدِّثُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ هَذِهِ جَرَّتْ عِنْدِي بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ في يَدِهَا، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ في نَحْرِهَا، وَكَسَحَتِ (١) الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا، وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ (٢) حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ أَتَاكَ رَقِيقٌ أَوْ خَدَمٌ، فَقُلْتُ لَهَا: سَلِيهِ خَادِمًا، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ الْحَكَمِ وَأَتَّمَّ. [تقدَّم برقم ٢٩٨٨]\n٥٠٦٤ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عمرٍو، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عن شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ،\n===\n(فقلت: أنا واللهِ أُحَدِّثُك يا رسول الله، إن هذه جَرَّتْ عندي) أي أدارت (بالرَّحى حتى أَثَّرَتْ في يدها، واستقت بالقربة حتى أثّرت في نحرها، وكسَحَت) أي كَنَسَتِ (البيتَ حتى اغبرّت ثيابُها، وأوقدت القدر حتى دَكنَتْ ثيابُها، وبلغنا أنه قد أتاك رقيق أو) للشك من الراوي (خدم، فقلت لها: سليه خادمًا، فذكر معنى حديث الحَكَم وأَتَمَّ).\n٥٠٦٤ - (حدثنا عباس العنبري، نا عبد الملك بن عمرو، نا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن كعب القرظي، عن شَبَث) بفتح أوله والموحدة ثم مثلثة (ابن ربعي) التميمي اليربوعي، أبو عبد القدوس الكوفي، قال البخاري: لا يعلم لمحمد بن كعب سماع من شبث، قال الدارقطني: يقال: إنه كان مؤذن سجاح، ثم أسلم بعد ذلك، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يخطئ، أخرج له أبو داود في \"سننه\" والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" سؤال فاطمة خادمًا، وقال العجلي: كان أول من أعان على قتل عثمان - ﵁ -، وأعان على قتل الحسين - ﵁ -، وبئس الرجل هو، وكان أدرك الجاهلية.\n_________\n(١) في نسخة: \"وكنست\".\n(٢) في نسخة: \"تحت القدر\".","vol":"13","page":456},{"text":"عن عَلِيٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْخَبَرِ، قَالَ فِيهِ: قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا لَيْلَةَ صِفِّينَ، فَإنِّي ذَكَرْتُهَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُهَا.\n٥٠٦٥ - حَدثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عن أَبيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"خَصْلَتَانِ أوْ\n===\n(عن علي، عن النبي - ﷺ - بهذا الخبر، قال) شبث (فيه: قال علي: فما تركتُهن منذ سمعتُهنَّ من رسول الله - ﷺإلَّا ليلة صفين (١)، فإني ذكرتها من آخر الليل، فقلتها).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فما تركتهن\" أي من وقتهن المعهود فيصح الاستثناء، أو يقال: الاستثناء منقطع، فإنه وإن لم يكن داخلًا في الترك إلَّا أنه ذكره على صورة الترك ليفيد أنه لو كان فيهن ترك لكان ذاك، إلَّا أنه لا يعد تركًا، فلم يكن فيهن ترك أصلًا فافهم، انتهى.\nوصفين بكسرتين وتشديد الفاء، وهو موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرّقَة وبالس، وكانت وقعة صفين بين علي﵁ - ومعاوية - ﵁ - سنة ٣٧ هـ في غرة صفر، كذا في \"معجم البلدان\" (٢).\n٥٠٦٥ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله (٣) بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: خصلتان أو) للشك من\n_________\n(١) فلا خلاف بما ورد: \"ولا ليلة صفين\"، إذ ذكرها في الآخر. \"فتح الباري\" (١١/ ١٢٢). (ش).\n(٢) \"معجم البلدان\" (٣/ ٤١٤).\n(٣) ووقع في بعض الروايات: \"عن علي\"، والمعنى: عن قصة على، لا الرواية عنه. \"فتح الباري\" (١١/ ١٢٢). (ش).","vol":"13","page":457},{"text":"خَلَّتَانِ لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِم إلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ: يُسَبِّحُ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وُيكَبِّرُ عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسُونَ وَمِئةٌ بِاللّسَانِ، وَأَلفٌ وَخَمْسُ مِئَةٍ في الْمِيزَانِ، وُيكَبّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، وَيَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وُيسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثينَ، فَذَلِكَ مِئَةٌ بِاللّسَانِ، وَأَلْفٌ في الْمِيزَانِ\"، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَعْقِدُهَا بيَدِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ؟ قَالَ: \"يَأتِي أَحَدَكُم في مَنَامِهِ - يَعْنِي الشَّيْطَانَ-، فَيُنَوّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ (١)، وَيَأتيهِ في صَلَاتِهِ فَيُذكِّرُهُ حَاجَةً (٢) قَبْلَ أَنْ يقُولَهَا\". [تقدَّم برقم ١٥٠٢]\n===\nالراوي قال: (خلتان لا يُحافظ) أي لا يداوم (عليهما عبد مسلم إلَّا دَخَلَ الجنة، هما) أي الخصلتان (يسير) أي سهل، (ومن يعمل بهما قليلٌ: يُسَبِّحُ في دبر كل صلاة عشرًا، ويحمد عشرًا، ويكبر عشرًا، فذلك خمسون ومئة باللسان، وألف وخمس مئّة في الميزان) لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٣) ثم بَيَّنَ الخلة الثانية وقال: (ويكبر أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويسبح ثلاثًا وثلاثين، وذلك مئة باللسان، وألف في الميزان (٤)، فلقد رأيتُ رسولَ الله - ﷺيَعْقِدُها بيده) أي بأصابع يده.\n(قالوا: يا رسول الله، كيف) أي ما وجه قولك (هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتي أحدَكم) مفعول يأتي (في منامه يعني) بفاعل يأتي (الشيطان، فَيُنَوّمُه قبل أن يقوله، ويأتيه) أي الشيطان (في صلاته فَيُذَكّرُه حاجته قبل أن يقولها) أي هذه الكلمات، فيرجع إلى حاجته قبل أن يقولها، ولم يذكر وجه\n_________\n(١) في نسخة: \"يقول\".\n(٢) في نسخة: \"بحاجته\".\n(٣) سورة الأنعام: الآية ١٦٠.\n(٤) زاد في \"الدر المنثور\" (٣/ ٤٠٧) بعد ذلك: \"وأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمانة سيئة؟ \". (ش).","vol":"13","page":458},{"text":"٥٠٦٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عُقْبَةَ الحَضْرَمِيُّ، عَنِ الْفُضْلِ بْنِ حَسَنٍ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ أَوْ ضُبَاعَةَ ابْنَتَي (١) الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عن إحْدَاهُمَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَبْيًا، فَذَهَبْتُ أَنَا وَأُخْتِي وَفَاطِمَةُ بنْتُ النَّبِيِّ - ﷺإلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَشَكَوْنَا إلَيْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَسَأَلْنَاهُ (٢) أنْ يَأمُرَ لنَا بِشَيءٍ مِنَ السَّبْي، فَقَالَ النَّبِيّ (٣) - ﷺ -: \"سَبَقَكُنَّ يَتَامَى بَدْرٍ\"، ثم ذكر قِصَّةَ التَّسْبِيحِ، قَالً: عَلَى إثْرِ كُلِّ صَلَاةٍ، لَمْ يَذْكُرِ النَّوْمَ (٤). [تقدَّم برقم ٢٩٨٧]\n===\nاليسر، لأنه كان ظاهرًا لا يحتاج إلى البيان، والسؤال كان في الحقيقة عن كون العاملين قليلًا.\n٥٠٦٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، حدثني عياش بن عقبة الحضرمي، عن الفضل بن حسن الضمري، أن ابن أم الحكم أو) للشك من الراوي (ضباعة ابنتي الزبير) بن عبد المطلب عم رسول الله - ﷺ - (حدَّثه عن إحداهما أنها قالت: أصاب رسول الله - ﷺسبيًا، فذهبت أنا وأختي وفاطمة بنت النبي - ﷺ - إلى النبي - ﷺ -، فشكونا إليه ما نحن فيه) من مشقة خدمة البيوت، (وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السَّبْي، فقال النبي - ﷺ -: سبقكنَّ) أي في الاستحقاق (يتامى بدرٍ) أي من قتل آباؤهَم في بدر (ثم ذكر) أي الراوي (٥) (قصة التسبيح، قال: على إثر كلِّ صلاة) أي مكتوبة (لم يذكر النوم) أي التسبيح عند النوم لم يذكره هذا الراوي.\n_________\n(١) في نسخة: \"ابنة\".\n(٢) في نسخة: \"فسألناه\".\n(٣) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال عياش: هما ابنتا عَمِّ النبي - ﷺ -\".\n(٥) قال الحافظ: الظاهر أنها قصة أخرى. \"فتح الباري\" (١١/ ١٢١). (ش).","vol":"13","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1861>(١٠٢) بَابُ مَا يَقُولُ إذَا أَصْبَحَ</span>\n٥٠٦٧ - حَدّثنَا مسَدَّدٌ، نَا هُشَيْمٌ، عن يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عن عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إذَا أَصْبَحْتُ وَإذَا أَمْسَيْتُ.\nقَالَ: \"قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالأَرْض، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ\"، قَالَ: \"قُلْهَا إذَا أَصْبَحْتَ، وَإذَا أَمْسَيْتَ، وَإذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ\". [ت ٣٣٩٢، حم ١/ ٩]\n٥٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيبٌ، نَا سُهَيْلٌ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا أَصْبَحَ (١):\n===\n\n(١٠٢) (بابُ مَا يقول إذَا أَصْبَحَ)\n٥٠٦٧ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، عن يعلي بن عطاء، عن عمرو بن عاصم، عن أبي هريرة، أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله! مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحتُ وإذا أمسيت، قال: قل: اللهمَّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه) بكسر الشين أي ما يدعو إليه من الإشراك بالله تعالى، أو بفتحتين أي ما يفتن به الناس من حبائله، والشرك بفتحتين حبالة الصائد، الواحد شركة.\n(قال) - ﷺ -: (قلها إذا أصبحت، وإذا أمسيتَ، وإذا أخذت مضجعك) أي عند النوم.\n٥٠٦٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا سهيل، عن أبيه) أي أبي صالح، (عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول إذا أصبح:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وإذا أمسى\".","vol":"13","page":460},{"text":"\"اللَّهَمُ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإلَيْكَ النُّشُورُ\"، وَإذَا أَمْسَى قَالَ: \"اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا (١)، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإلَيْكَ النُشُورُ\". [ت ٣٣٩١، جه ٣٨٦٨، حم ٢/ ٣٥٤]\n٥٠٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا (٢) ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ،\n===\nاللهمَّ بك أصبحنا) الباء متعلق بمحذوف وهو خبر أصبحنا، ولا بد من تقدير مضاف أي: أصبحنا متلبسين بنعمتك، (وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور) أي البعث يوم القيامة.\n(وإذا أمسى قال: اللهمَّ بك أمسينا، وبك أصبحنا)، وهذا غير موجود في النسخ الموجودة إلا في النسخة القلمية التي عليها المنذري (٣)، والظاهر أنه سقط من النسخ، (وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور).\n٥٠٦٩ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل بن أبي فديك (قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد المجيد) السهمي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الدعاء.\nقلت: وقع في نسخة الخطيب: عبد الرحمن بن عبد الحميد، وكذا في \"التذكرة\" للفريابي، ووقع عند الطبراني في \"الدعاء\" من رواية ابن أبي فديك عن عبد الرحمن بن عبد المجيد، ولم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ إلا أن صنيع المصنف في \"الأطراف\" يقتضي أن يكون هو عبد الرحمن بن عبد الحميد الماضي قبل ترجمتين، فإنه قال في ترجمة مكحول عن أنس: حديث: \"من قال حين يصبح وحين يمسي: اللهمَّ إني أصبحت أشهدك ... \" الحديث، وفي \"الأدب\" عن أحمد بن صالح، عن ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وبك أصبحنا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٣٣٠).","vol":"13","page":461},{"text":"عن هِشَامِ بْنِ الْغَازِ بْنِ رَبِيعَة، عن مَكْحُولٍ الدّمَشْقِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ أَوْ يُمْسِي: اللهُمَّ إنِّي أَصْبَحْتُ اشهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّه، لَا إلهَ إلَّا أَنْتَ، وَ(١) أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، أَعْتَقَ اللَّه رُبُعَهُ مِنَ النَّارِ، فَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَعْتَقَ اللَّه نِصْفَهُ (٢)، وَمَنْ قَالَهَا ثَلَاثًا أَعْتَقَ (٣) ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ (٤)، فَإنْ قَالَهَا أَرْبَعًا أَعْتَقَهُ اللَّه مِنَ النَّارِ\".\n===\nعبد الحميد (٥) السهمي، ويقال: ابن عبد الحميد بن سالم أبي رجاء المكفوف عن هشام بن الغاز، انتهى. فإن كان واحدًا فقد عرف حاله، والله أعلم، قاله الحافظ (٦).\n(عن هشام بن الغاز بن ربيعة، عن مكحول الدمشقي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: من قال حين يصبح أو يمسي) لفظ \"أو\" للتخيير أو بمعنى الواو: (اللهمَّ إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك) على شهادتي واعترافي بـ (إنك أنت الله، لا إله إلَّا أنت، وأن) سيدنا (محمدًا عبدك ورسولك، أعتق الله ربعه من النار، فمن قالها مرتين أعتق الله نصفه، ومن قالها ثلاثًا أعتق) الله (ثلاثة أرباعه، فإن قالها أربعًا أعتقه الله) أي كله (من النار).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أشهد\".\n(٢) زاد في نسخة: \"من النار\".\n(٣) زاد في نسخة: \"الله\".\n(٤) زاد في نسخة: \"من النار\".\n(٥) وفي \"الأطراف\" المطبوعة: \"عبد المجيد\" فليتأمل.\n(٦) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢٢١)، و\"تحفة الأشراف\" (١/ ٦٨٧) رقم الحديث (١٦٠٣).","vol":"13","page":462},{"text":"٥٠٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الطَّائيُّ، عن ابْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ أَوْ حِينَ يُمْسِي: اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إله إلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ (١) بِنِعْمَتِكَ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي (٢)، فَاغْفِرْ لِي، إنَّهُ (٣) لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ\". [جه ٣٨٧٢، حم ٥/ ٣٥٦]\n٥٠٧١ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بقِيَّةَ، عن (٤) خَالِدٍ. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، نَا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن إبْرَاهِيمَ بْنِ\n===\n٥٠٧٠ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بريدة، عن أبيه) بريدة، (عن النبي - ﷺ - قال: من قال حين يصبح أو حين يمسي) لفظ \"أو\" للتخيير أو للتنويع: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك) أي على الشهادة بالتوحيد التي جرى بها الميثاق والعهد، أو على إطاعة الأوامر والنواهي، (ووعدك) أي بالثواب (ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت) من المعاصي (أبوء) أي أعترف (بنعمتك) أي عليّ (وأبوء) أي أعترف (بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب) أي الجميع (إلَّا أنت، فمات من يومه أو) للتنويع (من ليلته دخل الجنة).\n٥٠٧١ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، ح: ونا محمد بن قدامة بن أعين، نا جرير) كلاهما (عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"لك\".\n(٢) في نسخة: \"بذنوبي\".\n(٣) في نسخة: \"فإنه\".\n(٤) في نسخة: \"نا\".","vol":"13","page":463},{"text":"سوَيْدٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن يَزِيدَ، عن عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ إذَا أَمْسَى: \"أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالحمد لله، لَا إله إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ (١)، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِير\".\nزَادَ في حَدِيثِ جَرِيرٍ: لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئء قَدِير،\n===\nسويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله) بن مسعود: (أن النبي - ﷺ - كان يقول إذا أمسى: أمسينا وأمسى الملك لله).\nقال القاري (٢): أي دخلنا في المساء، ودخل فيه الملك كائنًا لله ومختصًا به، أو الجملة حالية بتقدير \"قد\"، أو بدونه أي: أمسينا، وقد صار بمعنى كان ودام الملك لله.\n(والحمد لله) قال الطيبي (٣): عطف على \"أمسينا وأمسى الملك\" أي صرنا نحن وجميع الملك وجميع الحمد لله، ويمكن أن يكون جملة الحمد مستقلة، والتقدير: والحمد لله على ذلك.\n(ولا إله إلَّا الله) قال الطيبي: عطف على \"الحمد لله\" على تأويل وأمسى، الفردانية والوحدانية مختصين بالله (وحده) حال مؤكدة (لا شريك له) في صفات الربوبية، (له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، زاد في حديث جرير: له الملك) أي مختص له (وله الحمد) أي بجميع أفراده (وهو على كل شيء) أي شيء (قدير) كامل القدرة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وأما زُبيد كان يقول: كان إبراهيم بن سويد يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له\".\n(٢) \"مرفاة المفاتيح\" (٥/ ٢٢٠).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٣٦).","vol":"13","page":464},{"text":"رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا في هَذ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا في هَذ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَمِنْ سُوءِ (١) الْكُفْرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ عَذَاب في النَّارِ وَعَذَاب في الْقَبْرِ، وَإذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ ... \". [م ٢٧٢٣، ت ٣٣٩٠، حم ١/ ٤٤٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ شُعْبَةُ، عن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عن إبْرَاهِيمَ بْنِ\n===\n(رب أسألك) نصيبًا وافرًا وحظًّا وافيًا من (خير ما) ينشأ (في هذه الليلة وخير ما بعدها) أي بعد هذه الليلة (وأعوذ بك من شر ما) ينشأ (في هذه الليلة وشر ما) ينشأ (بعدها، رب أعوذ بك من الكسل) بفتحتين أي التثاقل في الطاعة مع الاستطاعة.\n(ومن سوء الكفر) اختلفت النسخ، ففي المجتبائية، والكانفورية، وهكذا في بعضها: \"من سوء الكِبْر أو الكفر\"، وفي بعضها: \"من سوء الكبر والكفر\"، والمعنى من سوء الكبر أي مما يورثه الكبر من ذهاب العقل واختلاط الرأي، وغير ذلك مما يسوء به الحال، وروي بسكون الموحدة، والمراد به (٢) البطر، وليس في رواية مسلم (٣) \"من سوء الكفر\"، فلو كان هذا اللفظ محفوظًا فمعناه من شر الكفر.\n(رب أعوذ بك من عذاب في النار) وليس في رواية مسلم: \"من عذاب في النار\"، بل فيها: \"من فتنة الدنيا\"، فلفظ: \"في النار\" متعلق بمقدر وهو كائن (وعذاب في القبر) أي من نفس عذابه أو مما يوجبه. (وإذا أصبح قال ذلك أيضًا: أصبحنا وأصبح الملك لله) إلى آخر الدعاء.\n(قال أبو داود: رواه شعبة (٤)، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الكبر أو\".\n(٢) قال في \"الكوكب\" (٤/ ٣٣٦): ولا يناسب الكسل، والإضافة على هذا بيانية، انتهى، وهو مختار القاري. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٢١)]. (ش).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٢٧٢٣).\n(٤) أخرج روايته النسائي في \"السنن الكبرى\" رقم الحديث (١٠٤٠٩).","vol":"13","page":465},{"text":"سوَيْدٍ قَالَ: \"مِنْ سُوءِ الْكِبَرِ\"، وَلَمْ يَذْكُرْ: \"سُوءَ الْكُفْرِ\".\n٥٠٧٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي عَقِيلٍ، عن سَابِقِ بْنِ نَاجِيَةَ، عن أَبِي سَلَّام، أَنَّهُ كَانَ في مَسْجِدِ حِمْصَ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالُوا: هَذَا خَدَمَ النَّبِيَّ - ﷺ - فقَامَ إلَيْهِ فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَتَدَاوَلْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ الرِّجَالُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ وَإذَا أَمْسَى: رَضِينَا باللَّهِ رَبا، وَبِالإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُرْضِيَهُ\". [حم ٤/ ٣٣٧، ك ١/ ٥١٨]\n٥٠٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ وَإسْمَاعِيلُ قَالَا: نَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالِ، عن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ،\n===\nسويد قال: من سوء الكِبَر) بفتح الباء، ويحتمل سكون الباء، (ولم يذكر: سوء الكفر).\n٥٠٧٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي عقيل، عن سابق بن ناجية، عن أبي سلّام، أنه كان في مسجد حمص فمر به رجل) لم أقف على تسميته، (فقالوا: هذا خَدَم النبي - ﷺ -، فقام) أبو سلَّام (إليه فقال: حدِّثني بحديث سمعته من رسول الله - ﷺ - لم يتداوله) أي الحديث (بينك وبينه الرجال) أي لم يكن بينك وبين رسول الله - ﷺ - في ذلك الحديث واسطة، وإنما أنكر الواسطة لأن بالوسائط يقع التغير في اللفظ والمعنى، لا لأن الصحابة عنده لم يكونوا ثقات.\n(قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من قال: إذا أصبح وإذا أمسى: رضينا بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد) - ﷺ - (رسولًا، إلَّا كان حقًا على الله أن يُرضيه) أي لم يكن عند الله أجره إلا إرضاؤه.\n٥٠٧٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا يحيى بن حسان وإسماعيل قالا: نا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن،","vol":"13","page":466},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنْبَسَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ الْبَيَاضِيِّ، أَن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَال مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي (١)، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ\".\n٥٠٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، نَا وَكِيع. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى (٢)، نَا ابْنْ نُمَيْرٍ قَالَا: نَا عُبَادَةُ بْنُ مُسْلِمٍ الْفَزَارِيُّ،\n===\nعن عبد الله بن عنبسة) عن ابن عباس، وقيل: عن عبد الله بن غَنَّام البَيَاضي، وهو الصحيح، حديث من قال حين يصبح: \"اللهم ما أصبح بي من نعمة\". الحديث، روى له أبو داود والنسائي (٣) هذا الحديث الواحد.\n(عن عبد الله بن غنام) بفتح المعجمة، وتشديد النون، ابن أوس بن عمرو (البَيَاضي) الأنصاري صحابي، روى عن النبي - ﷺ - في القول حين يصبح، وعنه عبد الله بن عنبسة.\n(أن رسول الله - ﷺقال: من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك) أي صادر منك وحدك (لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته).\n٥٠٧٤ - (حدثنا يحيى بن موسى البلخي، نا وكيع، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديث يحيى وعثمان واحد، ذكر لفظ \"المعنى\" بعد عثمان بن أبي شيبة، وكان ينبغي أن يذكر بعد ابن نمير، لأن وكيعًا وابن نمير رويا عن عبادة، فملتقى السندين عبادة بن مسلم، قال عثمان: (نا ابن نمير) كلاهما أي وكيع وابن نمير (قالا: نا عبادة بن مسلم الفزاري)\n_________\n(١) في نسخة: \"أمسى\".\n(٢) زاد في نسخة: \"واحد\".\n(٣) أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم الحديث ٧).","vol":"13","page":467},{"text":"عن جُبَيْرِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعم قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺيدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعْوَاتِ (١) حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: \"اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ (٢) الْعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ في دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي\". وَقَالَ عُثْمَانُ: \"عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهُمَّ\n===\nأبو يحيى البصري، ويقال: الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره في \"الضعفاء\"، وسماه عبادًا، وقال: منكر الحديث، ساقط الاحتجاج لما يرويه، وصحح الترمذي حديثه، وقال البخاري في \"تاريخه\" (٣): قال وكيع: كان ثقة، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال ابن معين: هو ثقة ثقة.\n(عن جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل النوفلي المدني، قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، أخرجوا له حديثًا واحدًا في الدعاء، قلت: ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(قال: سمعت ابن عمر يقول: لم يكن رسول الله - ﷺ - يدع) أي يترك (هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: \"اللهم إني أسألك) العفو و(العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي)، وإنما أعاد ذكر الأهل والمال مع دخولهما في ديني ودنياي، لأنهما أهم، فخصهما بالذكر.\n(اللهم استر عورتي) وهي كل ما يستحي منه، (وقال عثمان) شيخ المصنف: (عوراتي) بصيغة الجمع (وآمن روعاتي) الروعة: الفزعة، (اللهم\n_________\n(١) في نسخة: \"الكلمات\".\n(٢) زاد في نسخة: \"العفو، و\".\n(٣) \"التاريخ \"الكبير\" (٦/ ٩٥).","vol":"13","page":468},{"text":"احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي\". [ن ٥٥٢٩، حم ٥/ ٢٥، جه ٣٨٧١]\n(١) قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي الْخَسْفَ.\n٥٠٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرو، أَنَّ سَالِمًا الْفَرَّاءَ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ - وَكَانَتْ تَخْدِمُ بَعْضَ بَنَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ -:\n===\nاحفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال) بصيغة المجهول أي أهلك (من تحتي) أي بغتة، حيث لم أدرِ ذكر الجهات الستة، لأن الآفات منها، وبالغ في جهة السفل لرداءة الآفة، قاله السيد (٢)، (قال وكيع: يعني الخسف) أي المراد من الاغتيال من تحت: الخسف في الأرض.\n٥٠٧٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو) بن الحارث المصري، (أن سالم الفراء) لم يسم والده، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في أبي داود والنسائي حديث واحد، (حدثه أن عبد الحميد مولى بني هاشم) ولم يسم أبوه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له في أبي داود والنسائي (٣) حديث واحد في القول حين يصبح وحين يمسي.\n(حدثه أن أمه) أي أم عبد الحميد الهاشمية مولاهم، مقبولة، (حدثته، وكانت تخدم بعض بنات النبي - ﷺ -) قال في \"التقريب\" (٤): أم عبد الحميد عن بعض بنات النبي - ﷺ - لم أقف على اسمها، وكلهن صحابيات.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٨٠).\n(٣) أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ١٢).\n(٤) (رقم الترجمة ٨٨٢٢).","vol":"13","page":469},{"text":"أَنَّ بِنْتَ النَّبِيِّ - ﷺ - حَدَّثَتْهَا: أَنَّ النَّبي كَانَ يُعَلِّمُهَا فَيَقُولُ: \"قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّه كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، أَعْلَمُ أَنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، وَأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيءٍ عِلْمًا، فَإنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ (١) حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِي، وَمَنْ قَالَهُنَّ (٢) حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبحَ\".\n٥٠٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ، أَنَا. (ح): وَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا ابْنُ وَهْبٍ قَال: أَخْبَرَنِي اللّيْثُ، عن سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ النَّجَّارِيِّ،\n===\n(أن بنت النبي - ﷺ - حدثتها: أن النبي - ﷺ - كان يعلمها فيقول: قولي حين تصبحين: سبحان الله وبحمده، لا قوة إلَّا بالله، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أعلم) بصيغة المتكلم (أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا) أي له القدرة الكاملة، والعلم الشامل المحيط، (فإنه من قالهن حين يصبِح حُفظ) من المكروهات (حتى يمسي، ومن قالهق حين يمسي حُفظ حتى يصبح).\n٥٠٧٦ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني قال: أنا، ح: ونا الربيع بن سليمان، نا ابن وهب)، فروى أحمد بن سعيد والربيع بن سليمان، عن ابن وهب، والفرق بينهما أن أحمد بن سعيد روى بلفظ الإخبار، والربيع بن سليمان بلفظ التحديث.\n(قال: أخبرني الليث، عن سعيد بن بشير) الأنصاري (النجاري)، لم يرو عنه غير الليث، روى له أبو داود حديثًا واحدًا: \"من قال حين يصبح: سبحان الله\" الحديث، قال الحافظ (٣): ذكره البخاري في \"الضعفاء\"،\n_________\n(١) في نسخة: \"قالها\".\n(٢) في نسخة: \"قالها\".\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١١).","vol":"13","page":470},{"text":"عن مُحَمَّدِ بْنِ الرَّحْمنِ الْبَيْلَمَانِيِّ- قَالَ الرَّبِيعُ: ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ-، عن أَبِيهِ،\n===\nوقال: لا يصح حديثه، وسعيد شبه المجهول، وقال ابن حبان: روى عن ابن البيلماني، وابن البيلماني ليس بشيء، وإذا روى ضعيفان خبرًا باطلًا لا يتهيأ إلزاقه بأحدهما دون الآخر إلا بعد السبر، وقال العقيلي: مجهول.\n(عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني (١)، قال الربيع: ابن البيلماني) بزيادة لفظ \"ابن\" بين عبد الرحمن والبيلماني، قال الحافظ (٢): محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني الكوفي النحوي مولى آل عمر، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم والبخاري والنسائي: منكر الحديث. وقال البخاري: كان الحميدي يتكلم فيه لضعفه، وقال أبو حاتم أيضًا: مضطرب الحديث، وقال ابن عدي: كل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه، وإذا روى عنه محمد بن الحارث فهما ضعيفان، قال الحافظ: وقال ابن حبان: روى عن أبيه بنسخة شبيهًا بمائتي حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به، ولا ذكره إلَّا على سبيل التعجب.\n(عن أبيه) عبد الرحمن بن البيلماني مولى عمر، قال أبو حاتم: عبد الرحمن بن أبي زيد هو ابن البيلماني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: لا يجب أن يعتبر بشيء من حديثه إذا كان من رواية ابنه محمد؛ لأن ابنه يضع على أبيه العجائب، وقال الدارقطني: ضعيف، لا تقوم به الحجة، وقال الأزدي: منكر الحديث، يروي عن ابن عمر بواطيل، وقال صالح جزرة: حديثه منكر، ولا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلَّا من سُرَّق.\n_________\n(١) قال المنذري (٤/ ٤٥٣): محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه، وكلاهما لا يحتج به.\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٩٣).","vol":"13","page":471},{"text":"عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحَانَ (١) اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إلَى ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ في يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ (٢) حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ في لَيْلَتِهِ\". قَالَ الرَّبِيعُ: عن اللَّيْثِ (٣).\n٥٠٧٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ وَوُهَيْبٌ نَحْوَهُ، عن سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ،\n===\n(عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺأنه قال: من قال حين يصبح) أي يدخل في الصباح: (﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾) أي سبحوا سبحان الله، والمراد صلوا لله (﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾) أي تدخلون في المساء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾) أي تدخلون في الصباح، أي صلاة المساء وهو المغرب والعشاء وصلاة الصبح (﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾) أي صلوا لله عشيًا يعني صلاة العصر (﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾) أي حين تدخلون في الظهيرة، قال نافع بن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وقرأ هاتين الآيتين، وقال: جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها، قاله الخطابي، (إلى) قوله تعالى: (﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أدرك ما فاته) من الخير (في يومه ذلك، ومن قالهن حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته. قال الربيع) بن سليمان شيخ المصنف: (عن الليث) أي في موضع: \"أخبرني الليث\".\n٥٠٧٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد ووهيب) عطف على حماد (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم، كلاهما حماد ووهيب (عن سهيل، عن أبيه)\n_________\n(١) في نسخة: \"سبحان\".\n(٢) في نسخة: \"قالها\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: النجاري: من بني النجار، من الأنصار\".","vol":"13","page":472},{"text":"عن ابْنِ أَبِي عَائِشٍ - وَقَالَ حَمَّادٌ: عن أَبِي عَيَّاشٍ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ: لَا إله إلَّا اللَّه وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، كَانَ لَهُ عِدْلُ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ في حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإنْ قالَهَا إذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبحَ\".\nقَالَ في حَدِيثِ حَمَّادٍ: فَرَأَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا عَيَّاشٍ يُحَدِّثُ عَنْكَ\n===\nأبي صالح، (عن ابن أبي عائش، وقال حماد: عن أبي عياش).\nقال الحافظ: في \"تهذيب التهذيب\" (١): أبو عياش الزرقي، وعزاه إلى أبي داود والنسائي وابن ماجه، وقيل: ابن أبي عياش، وقيل: ابن عائش، روى عن النبي - ﷺ -\"من قال إذا أصبح\"، الحديث، قاله سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عنه، ووقع في رواية النسائي (٢) وحده عن أبي عياش الزرقي، فإن كان محفوظًا فهو الذي قبله، وقد نص أبو أحمد الحاكم أن هذا الحديث من رواية أبي عياش الزرقي.\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: من قال إذا أصبح: لا إله الَّا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كان له عِدْل رقبة) أي إعتاق رقبة (من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسنات، وحطّ عنه عشر سيئات) أي صغائر، (ورفع له عشر درجات، وكان في حِرْز) أي حفظ (من الشيطان) أي من شره (حتى يمسي، وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح، قال) موسى بن إسماعيل (في حديث حماد: فرأى رجل رسولَ الله - ﷺ - فيما يرى النائم) أي في المنام (فقال: يا رسول الله! إن أبا عياش يحدث عنك\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٢٧).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٩٣).","vol":"13","page":473},{"text":"بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: \"صَدَقَ أَبُو عَيَّاشٍ\" (١). [جه ٣٨٦٧، حم ٤/ ٦٠]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَمُوسَى الزَّمْعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عن سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عَائِشٍ.\n===\nبكذا وكذا، قال) - ﷺ -: (صدق أبو عياش).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"صدق أبو عياش\" ولم تكن له الرواية عنه بمجرد المنام، لأن الرؤيا لا تثبت الأحكام، وإنما صارت الرؤيا تأييدًا لروايته وطمأنينة لقلبه.\n(قال أبو داود: رواه إسماعيل بن جعفر وموسى الزمعي وعبد الله بن جعفر، عن سهيل، عن أبيه، عن ابن عائش) أي بدون لفظ أبي، قال المنذري (٢): وقال أبو بكر الخطيب: عند القاضي -يعني أبا عمر الهاشمي شيخه- عن [ابن] أبي عائش، وكذا عنه غيره، وأخرجه النسائي، وابن ماجه (٣)، وفي حديثهما عن أبي عياش الزرقي، وأبو عياش الأنصاري الزرقي اسمه زيد بن الصامت، وقيل غير ذلك، وهو بفتح العين المهملة، وتشديد الياء آخر الحروف، وفتحها، وبعد الألف شين معجمة، وذكره أبو أحمد الكرابيسي\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٥٠٧٨ - حَدّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا بَقِيةُ، عن مُسْلِمٍ- يَعْنِي ابْنَ زيَاد -قَالَ: سَمْعتُ أَنَسَ بْنَ مالك يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبحُ: أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، أَنكَ أَنْتَ الله، لا إله إلّا أَنَتَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، إلا غَفَرَ اللَهُ لهُ مَا أصَاب في يَوِمِه ذَلِكَ مِنْ ذَنْبٍ، وَإنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي، غُفِرَ لَهُ مَا أَصَابَ تِلْكَ اللَيلَةَ\" [ت ٣٥٠١، \"سنن النسائي الكبرى\" ٩٨٣٧].\nقلت: قال المزي بعد إيراد هذا الحديث في \"الأطراف\" (١٥٨٧): \"حديث أبي داود في رواية أبي بكر بن داسه ولم يذكره أبو القاسم\".\n(٢) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٣٣٧).\n(٣) انظر: \"عمل اليوم والليلة\" للنسائي (٣٧)، و\"ابن ماجه\" (٣٨٦٧).","vol":"13","page":474},{"text":"٥٠٧٩ - حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ أَبُو النَّضْرِ الدِّمَشْقِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْفِلَسْطِينِيُّ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حَسَّانَ، عن الْحًارِثِ بْنِ مُسْلِم أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عن أَبِيهِ مُسْلِم بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ،\n===\nفي \"كتاب الكنى\"، وقال: له صحبة من النبي - ﷺ -، وليس حديثه من وجه صحيح، وذكر له هذا الحديث، انتهى.\n٥٠٧٩ - (حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر الدمشقي، نا محمد بن شعيب، أخبرني أبو سعيد الفلسطيني) ويقال: الدمشقي، ويقال: الحمصي (عبد الرحمن بن حسان) الكناني، روى عن الحارث بن مسلم، ويقال: مسلم بن الحارث، قال الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود والنسائي (١) حديث، وقال العجلي: شامي ثقة، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال ابن معين: ثقة.\n(عن الحارث بن مسلم أنه أخبره، عن أبيه مسلم بن الحارث). قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٢) في ترجمة مسلم بن الحارث، وعزاه إلي أبي داود، قال: مسلم بن الحارث ويقال: الحارث بن مسلم (التميمي) روي عن النبي - ﷺ - في الدعاء عند الانصراف عن صلاه المغرب، روي حديثه عبد الرحمن بن حسان الفلسطيني، اختلف عليه فيه، قال البرقي (٣): قلت للدارقطني: مسلم بن الحارث بن مسلم عن أبيه؟ فقال: مجهول لا يروي عن أبيه غيره، توفي الحارث بن مسلم في خلافة عثمان.\nقلت (٤): وصحيح البخاري، أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، والترمذي،\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١١١).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٢٥).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"التهذيب\": \"قال البرقاني\".\n(٤) قائله: الحافظ ابن حجر العسقلاني.","vol":"13","page":475},{"text":"عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ أَسَرَّ إلَيْهِ فَقَالَ: \"إذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرب فَقُلْ: اللهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثَمَّ مِتَّ في لَيْلَتِكَ، كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ (١) مِنْهَا وَإذَا صَلَّيْتَ الصّبْحَ فَقُلْ\n===\nوابن قانع، وغير واحد أن مسلم بن الحارث هو صحابي (٢) روى هذا الحديث، وأخرج ابن حبان الحديث في \"صحيحه\" (٣) من مسند الحارث بن مسلم، والذي يترجح ما قاله البخاري: أن صدقة بن خالد ومحمد بن سعيد بن سابور رَوَيا عن عبد الرحمن بن حسان الذي مدار الحديث عليه فقالا: عن الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه، ورواه الوليد بن مسلم فاختلف عليه فقال داود بن رشيد، وهشام بن عمار، وعمرو بن عثمان الحمصي، وعلي بن سهل الرملي، ومؤمل بن الفضل الحراني عنه: عن عبد الرحمن، عن مسلم بن الحارث بن مسلم، عن أبيه، وقال محمد بن المصفى، وعبد الوهاب بن نجدة، ومحمد بن الصلت عن الوليد بقول صدقة بن خالد.\nومحصل ذلك الاختلاف في الصحابي، هل هو الحارث بن مسلم أو مسلم بن الحارث؟ وفي التابعي كذلك، ولم أجد في التابعين توفيقًا إلَّا ما اقتضاه صنيع ابن حبان حيث أخرج الحديث في \"صحيحه\" (٤)، وقد جزم الدارقطني بأنه مجهول، والحديث الذي رواه أصله تفرد به ما رأيته إلا من روايته، وتصحيح مثل هذا في غاية البعد، لكن ابن حبان على عادته في توثيق من لم يرو عنه إلا واحد إذا لم يكن فيما رواه ما ينكر، انتهى.\n(عن رسول الله - ﷺ - أنه أسر إليه فقال: إذا انصرفت من صلاة المغرب فقل: اللهم أجرني من النار سبع مرات، فإنك إذا قلت ذلك ثم من في ليلتك، كتب لك جوارٌ منها، وإذا صليت الصبح فقل\n_________\n(١) في نسخة: \"جواز\".\n(٢) وبه رَجّح في \"الإصابة\" (٣/ ٣٩٤).\n(٣) انظر: \"صحيح ابن حبان\" (٢٠٢٢).\n(٤) راجع: \"صحيح ابن حبان\" (٢٠٢٢).","vol":"13","page":476},{"text":"كَذَلِكَ، فَإنَّكَ إنْ مِتَّ في يَوْمِكَ كتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا\"، أَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيدٍ عن الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: أَسَرَّهَا إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، نَحْنُ نَخُصُّ إخْوَاننا بِهَا. [حم ٤/ ٢٣٤، حب ٢٠٢٢]\n٥٠٨٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ وَمُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، قَالُوا، نَا الْوَلِيدُ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حَسَّانَ الْكِنَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ التمِيمِيُّ، عن أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ نَحْوَهُ، إلَى قَوْلِهِ: \"جِوَارٌ مِنْهَا\" إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِمَا: \"قَبْلَ أَنْ تكلم أَحَدًا\".\nقَالَ عَلِيُّ بْنُ سهْلٍ فِيهِ: إنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ،\n===\nكذلك، فإنك إذا مت في يومك كتب لك جوار منها، أخبرني أبو سعيد) قائل هذا الكلام محمد بن شعيب يقول: أخبرني أبو سعيد الفلسطيني، (عن الحارث أنه) الحارث (قال: أسرها إلينا رسول الله - ﷺ-) أي قالها لنا في السر، (نحن نخص إخواننا بها) كأنه فهم أن الإسرار كانت تخصيصًا منه له.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: \"نحن نخص إخواننا\" يعني لئلا تذهب منزلته عن القلوب، ولذلك أسرَّه النبي - ﷺليعده غنيمة حيث اختص به، بخلاف ما لو عم فإنه لم يقع في قلبه وقوعه في الإسرار والتخصيص.\n٥٠٨٠ - (حدثنا عمر بن عثمان الحمصي ومومل بن الفضل الحراني وعلي بن سهل الرملي ومحمد بن مصفى الحمصي قالوا: نا الوليد، نا عبد الرحمن بن حسان الكناني قال: حدثني مسلم بن الحارث بن مسلم التميمي، عن أبيه)، وقد تقدم في الحديث المتقدم أن الراجح عند الجمهور ما تقدم في الحديث السابق، وهو أن عبد الرحمن بن حسان يروي عن الحارث بن مسلم، عن أبيه مسلم بن الحارث.\n(أن النبي - ﷺ - قال نحوه، إلى قوله: \"جوار منها\" إلَّا أنه قال) أي زاد (فيهما: \"قبل أن تكلم أحدًا\"، قال علي بن سهل فيه: إن أباه حدثه) والفرق بين","vol":"13","page":477},{"text":"وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في سَرِيَّةٍ، فَلَمَّا بَلَغْنَا الْمَغَارَ اسْتَحْثَثْتُ فَرَسِي، فَسَبَقْتُ أَصْحَابِي وَتَلَقَّانِي الْحَيُّ بالرَّنِينِ، فَقُلْتُ لَهُمْ قُولُوا: لَا إله إلَّا اللهُ تُحْرَزُوا، فَقَالُوهَا، فَلَامَنِي أًصْحَابِي فَقَالُوا (١): أَحَرَمْتَنَا (٢) الْغَنِيمَةَ، فَلَمَّا قَدِمُوا (٣) عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - أَخْبَرُوهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَدَعَانِي فَحَسَّنَ لِي مَا صَنَعْتُ\n===\nرواية علي بن سهل وغيره، بأن علي بن سهل يروي في حديثه: حدثني مسلم بن الحارث أن أباه حدثه بصيغة \"التحديث\"، وأما غير علي بن الحارث من شيوخ المصنف فرووا بصيغة \"عن\" كما تقدم في السند.\n(وقال علي) بن سهل (وابن المصفَّي) أي محمد (قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية، فلما بلننا المغار) أي قريبًا من موضع الإغارة (استحثثتُ) من الحث أي رفعتُ (فرسي، فسبقت أصحابي وتلقاني الحي بالرنين) الرنُّ الصوت، رن رنيناَ: صاح، (فقلت لهم: قولوا: لا إله إلَّا الله تحرزوا، فقالوها) أي كلمةُ \"لا إله إلَّا الله\"، (فلامني أصحابي فقالوا: أحرمتنا الغنيمة) لأنهم لما صاروا قبل الغلبة عليهم مسلمين فلم يجز أسرهم، ولا أخذ مالهم.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: \"أحرمتنا الغنيمة\" وكانت نيته ونية القوم كلتاهما خيرًا، فإنه احتسب فيما فعله أن تعصم أموالهم ودماؤهم مع حصول الإِسلام لهم، وهؤلاء رجوا أن يكون استرقاقهم وغارتهم عائداَ على المسلمين بخير وغنيمة مع حصول المقصود وهو إسلامهم، فإن الرق أدعى إليه، فإنه في كفره يستضر برقه ما لا يستضر في إسلامه.\n(فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - أخبروه) أي أهل السرية (بالذي صنعت، فدعاني) فأخبرته بما فعلت من تلقين الإِسلام لهم، (فحسن لي ما صنعت)\n_________\n(١) في نسخة: \"وقالوا\".\n(٢) في نسخة: \"حرمتنا\".\n(٣) في نسخة: \"قدمنا\".","vol":"13","page":478},{"text":"وَقَالَ: \"أَمَّا إنَّ اللَّه قَدْ كَتَبَ لكَ مِنْ كُلِّ (١) إنْسَانِ مِنْهُمْ كَذَا وَكَذَا\". قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ: فَأَنَا نَسِيتُ الثَّوَابَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَمَّا إنِّي سَأَكْتُبُ لَكَ (٢) بِالْوَصَاةِ بَعْدِي\" (٣)، قَالَ: فَفَعَلَ وَخَتَمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إلَيَّ وَقَالَ لِي، ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَاهُمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُصَفَّى: قَالَ: سَمِعت الْحَارِثَ بْنَ مُسْلِمِ بْن الْحَارِثِ التَّمِيمِيَّ يُحَدِّثُ عن أَبِيهِ (٤).\n===\nبهم من تلقين الإِسلام، (وقال) رسول الله - ﷺ -: (أما) حرف تنبيه (إن الله قد كتب لك من كل إنسان منهم كذا وكذا) كناية عن الأجر، (قال عبد الرحمن: فأنا نسيت الثواب) أي الذي ذكره رسول الله - ﷺ - على هذا الفعل.\n(ثم قال رسول الله - ﷺ -: أما إني سأكتب لك بالوصاة) أي بالتوصية (بعدي) أي بعد موتي أو بعد مجلسي هذا (٥) أن تعمل بها، (قال) أي الحارث بن مسلم: (ففعل) أي كتب الوصية (وختم عليه) أي على المكتوب، (ودفعه إلى وقال لي، ثم ذكر معناهم، وقال ابن المصفى: قال) عبد الرحمن بن حسان: (سمعت الحارث بن مسلم بن الحارث التميمي يحدث عن أبيه).\n_________\n(١) في نسخة: \"بكل\".\n(٢) في نسخة: \"لكم\".\n(٣) في نسخة: \"من بعدي\".\n(٤) زاد في نسخة:\n٥٠٨١ - حَدَّثَنَا يَزَيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدمَشْقِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَاقِ بْنُ مُسْلِم الدِّمَشْقِيُّ- وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُتَعَبدِينَ- قَالَ: نَا مُدْرِكُ بْنُ سَعْدٍ، - قَالَ يَزِيدُ: شَيْخٌ ثِقَةٌ - عن يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ، عن اُمِّ الدَّرْدَاءِ، عن أبِي الدرداءِ -﵁- قَالَ: \"مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ وَإذَا أَمْسَى: حَسبِيَ اللَهُ لَا إلهَ إلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكلْتُ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم- سَبْعَ مَرَاتٍ - كَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمهُ، صَادِقًا كَانَ بِهَا أَوْ كَاذِبًا\".\nقلت: قال المزي بعد إيراده في \"الأطراف\" (١١٠٠٤): \"هذا الحديث في رواية أبي بكر بن داسه ولم يذكره أبو القاسم\".\n(٥) ظاهر كلام الشيخ أن الوصية كانت للعمل بها من الأدعية وغيرها، وظاهر ما في \"الإصابة\" (٣/ ٣٩٤) أن الوصية كانت شيء آخر، ولفظه: أن النبي - ﷺ - كتب له كِتَابًا بالوصاة إلى من يعرفه من ولاة الأمر. (ش).","vol":"13","page":479},{"text":"٥٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن أَبِي أَسِيْدٍ الْبَرَّادِ، عن مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ خُبَيْبٍ، عن أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا في لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكنَاهُ فَقَالَ: \"قُلْ\"، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: \"قُلْ\"، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: \"قُلْ\"، فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ﴿قُل هُوَ اَللهُ أَحَدُ﴾ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِن كُلِّ شَيءٍ\". [ت ٣٥٧٥، ن ٥٤٢٩، حم ٥/ ٣١٢].\n٥٠٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ ابْنُ عَوْفٍ: وَرَأَيْتُهُ في\n===\n٥٠٨٢ - (حدثنا محمد بن المصفى قال: نا ابن أبي فديك قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي أسيد البراد) عن معاذ بن عبد الله بن خُبيب، وعنه ابن أبي ذئب، صوابه: عن ابن أبي ذئب عن أبي سعيد أسِيد بن أبي أسيد البَرّاد (١)، (عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أبيه) عبد الله بن خبيب (أنه قال: خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله - ﷺ - ليصلي لنا، فأدركناه) أي وجدناه (فقال) - ﷺ -: (قل، فلم أقل شيئًا) أنتظر أن يقولى شيئًا فأقوله، (ثم قال: قل، فلم أقل شيئًا) في انتظار كلامه، (ثم قال) ثالثًا: (قل، فقلت: ما أقول يا رسول الله؟ قال: ﴿قُل هُوَ اَللهُ أَحَد﴾ والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح، ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء) أي من شر كل مؤذٍ.\n٥٠٨٣ - (حدثنا محمد بن عوف، نا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي) أي إسماعيل، (قال ابن عوف) شيخ المصنف: (ورأيته) أي هذا الحديث (في\n_________\n(١) انظر: \"تقريب التهذيب\" (٧٩٤٣).","vol":"13","page":480},{"text":"أَصْلِ إسْمَاعِيلَ- قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عن شُرَيْحٍ، عن أَبِي مَالِكٍ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَدِّثْنَا بِكَلِمَةٍ نَقُولُهَا إذا أَصْبَحْنَا (١) وَأَمسَينَا وَاضطَجَعْنَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: \"اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ رَبُّ كُلِّ شَئٍ، وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ أَنَّكَ لَا إله إلَّا أَنْتَ، فَإنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ نَقْتَرِفَ سُوءًا عَلَى أَنْفُسِنَا، أَوْ نَجُرَّه إلَى مُسْلِمٍ\".\n٥٠٨٤ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَبِهَذَا الإسَنَادِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ: فَتْحَهُ، وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ، وَبَرَكَتَهُ، وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ\".\n===\nأصل إسماعيل) أي في كتابه (قال: حدثني ضمضم، عن شريح، عن أبي مالك قال: قالوا: يا رسول الله! حدثنا بكلمة نقولها إذا أصبحنا وأمسينا واضطجعنا) للنوم، (فأمرهم أن يقولوا: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت رب كل شيء، والملائكة يشهدون أنك) الله فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، (لا إله إلَّا أنت، فإنا نعوذ بك من شر أنفسنا، ومن شر الشيطان الرجيم وشركه) بسكون الراء، وبقتحتين، (وأن نقترف) أي نكتسب (سوءًا على أنفسنا، أو نجرّه) أىِ السوء (إلى مسلم).\n٥٠٨٤ - (قال أبو داود: وبهذا الإسناد أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إني أساْلك خير هذا اليوم: فتحه، ونصره، ونوره، وبركته، وهداه، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده، ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وإذا\".","vol":"13","page":481},{"text":"٥٠٨٥ - حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عن عُمَرَ بْنِ جُعْثُمٍ (١) قَالَ: نَا الأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيْقٌ الْهَوْزَنيُّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا: بِمَ (٢) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَفْتَتِحُ إذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عن شَيءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أحد قَبْلَكَ، كَانَ إذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْرًا، وَحَمِدَ (٣) عَشْرًا، وَقَالَ: \"سُبْحَانَ الله وَبْحَمْدِهِ\" عَشْرًا، وَقَالَ: \"سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ\" عَشْرًا،\n===\nقال الطيبي (٤): قوله: \"فتحه\"، وما بعده بيان لقوله: \"خير هذا اليوم\".\n٥٠٨٥ - (حدثنا كثير بن عبيد، نا بقية بن الوليد، عن عمر بن جعثم) بضم الجيم وسكون المهملة وضم المثلثة، القرشي، ويقال: اليحصبي الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى عن الأزهر بن عبد الله الحرازي والأزهر بن سعيد الحرازي، ويقال: إنهما واحد.\n(قال: نا الأزهر بن عبد الله الحرازي قال: حدثني شريق) مكبرًا (الهوزني) الحمصي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الذهبي (٥): لا يعرف، (قال: دخلت على عائشة فسألتها: بم كان رسول الله - ﷺ - يفتتح) أي بأي دعاء يبتدأ (إذا هبّ) أي استيقظ (من الليل؟ فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان) - ﷺ - (إذا هبَّ من الليل كبَّر عشرًا) أي يقول: الله أكبر عشر مرات، (وحمد عشرًا) أي يقول عشر مرات: الحمد لله، (وقال: سبحان الله وبحمده عشرًا) أي عشر مرات: (وقال: سبحان الملك القدوس عشرًا،\n_________\n(١) في نسخة: \"خثعم\".\n(٢) في نسخة: \"بما\".\n(٣) زاد في نسخة: \"الله\".\n(٤) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٥٨).\n(٥) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٢٦٩).","vol":"13","page":482},{"text":"وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ (١) عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" عَشْرًا، ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ. [ن ٥٥٣٥، جه ١٣٥٦، حم ٦/ ١٤٣]\n٥٠٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عن سُهَيْل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا كَان في سَفرٍ (٢) فَأَسْحَرَ يَقُولُ: \"سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ وَيعْمَتِهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، اللهُمَّ صَاحِبْنَا فَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا (٣) بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ\" (٤). [م ٢٧١٨، خزيمة ٢٥٧١]\n===\nواستغفر عشرًا) أي يقول عشر مرات: أستغفر الله، (وهلل عشرًا) أي يقول: لا إله إلَّا الله عشر مرات، (ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة عشرًا، ثم يفتتح الصلاة) أي صلاة التهجد.\n٥٠٨٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا كان في سفر فأسحرَ يقول: سمع سامع) يريد به الإشهاد على ما يقوله، والمعنى ليسمع كل من يأتي منه السماع، (بحمد الله ونعمته وحسن بلائه) أي حسن إنعامه (علينا) فإنا نعترف بذلك، ونشهده عليه (اللهم صاحِبنا) بصيغة الطلب، أي كن لنا صاحبًا (فأَفْضِلْ علينا) من الإفضال (عائذًا بالله من النار) حال من ضمير يقول، أو بمعنى المصدر، أي: أعوذ عياذًا.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الله\".\n(٢) في نسخة: \"سفرة\".\n(٣) في نسخة: \"عائذ\".\n(٤) زاد في نسخة:\n٥٠٨٧ - حَدَّثنَا ابْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا الْمَسْعُودِيُّ، نَا الْقَاسِمُ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يَقُولُ: مَنْ =","vol":"13","page":483},{"text":"٥٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا أَبُو مَوْدُودٍ، عَمَّنْ سَمِعَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ- يَعْنِي ابْنَ عَفَّانَ- يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺيَقُولُ: \"مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَع اسْمِهِ شيء في الأَرْضِ وَلَا في السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (١) لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِي\". قَالَ: فَأَصَابَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ الْفَالِجُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إلَيَّ؟ فَوَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْمَانُ، وَلَا كَذَبَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَكِن الْيَوْمَ الَّذِي أَصَابَنِي\n===\n٥٠٨٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا أبو مودود) عبد العزيز بن أبي سليمان، (عمن سمع أبان بن عثمان) وهو محمد بن كعب القرظي، كما تدل عليه الرواية الآتية (يقول) أي أبان بن عثمان: (سمعت عثمان -يعني ابن عفان- يقول: سمعت رسول الله - ﷺيقول: من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العلم، ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاءً حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تصبه فجأة بلاءً حتى يمسي، قال: فأصاب أبان بن عثمان الفالج) وهو استرخاء لأحد شقي البدن لانصباب خلط بلغمي تنسدّ منه مسالك الروح، (فجعل الرجل الذي سمع منه الحديث ينظر إليه، فقال) أي أبان (له) أي للرجل: (مالك تنظر إلى؟ فوالله ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على النبي - ﷺ -، ولكن اليوم الذي أصابني\n_________\n= قَالَ حِينَ يُصبِحُ: \"اللهُمَّ مَا حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ، أَوْ قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ، أو نَذَزتُ مِنْ نَذْرٍ، فَمَشِيئتكَ بَينَ يَدَيْ ذَلِكَ كلهُ مَا شِئْتَ كَانَ، وَمَا لَمْ تَشَأ لَمْ يَكُنْ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَتَجَاوَزْ لِي عَنْهُ. اللهَم فَمَنْ صَليْتَ عَلَيهِ، فَعَلَيْهِ صَلَوَاتِي، وَمَنْ لَعَنْتَ عَلَيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَتِي، كَانَ في اسْتِثنَاءِ يَوْمه ذَلِكَ، أَوْ قَالَ: ذَلِكَ الْيَوْمَ\".\n(١) في نسخة: \"مرار\".","vol":"13","page":484},{"text":"فِيهِ مَا أَصَابَنِي غَضِبْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهَا. [ت ٣٣٨٨، جه ٣٨٦٩، حم ١/ ٦٢، ٦٦]\n٥٠٨٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِيُّ، نَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي أَبُو مَوْدُودٍ، عن مُحَمَّدٍ بنِ كَعْبٍ، عن أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عن عُثْمَانَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - نحْوَهُ، لَمْ يَذْكُرْ قِصًّةَ الْفَالِجِ. [حم ١/ ٧٢]\n٥٠٩٠ - حَدَّثَنَا (١) الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ (٢) وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا (٣)، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، عن عَبْدِ الْجَلِيلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عن جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ\n===\nفيه ما أصابني غضبت) على أحد من أهل البيت أو غيرهم، فشغلني ذلك عن أن أقولها (فنسيت أن أقولها).\n٥٠٨٩ - (حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكى، نا أنس بن عياض، حدثني أبو مودود، عن محمد بن كعب، عن أبان بن عثمان، عن النبي - ﷺ - نحوه، لم يذكر قصة الفالج).\n٥٠٩٠ - (حدثنا العباس بن عبد العظيم ومحمد بن المثنى قالا: نا عبد الملك بن عمرو، عن عبد الجليل بن عطية) القيسي، أبو صالح البصري، عن ابن معين: ثقة، وقال: يهم في الشيء بعد الشيء، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: يعتبر خبره عند بيان السماع في خبره إذا رواه عن الثقات، ودونه ثبت، وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم.\n(عن جعفر بن ميمون قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قال\n_________\n(١) زإد في نسخة: \"علي بن عبد الله و\".\n(٢) زاد في نسخة: \"العنبرى\".\n(٣) في نسخة: \"قالوا\".","vol":"13","page":485},{"text":"لأَبيهِ: يَا أَبَتِ، إنّي أَسْمَعُكَ (١) تَدْعُو كُلَّ غَدَاةٍ: اللهُمَّ عَافِنِي في بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي في سَمْعِي، اللهُمَّ عَافِنِي في بَصَرِي، لَا إله إلَّا أَنْتَ، تُعِيدُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ، وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَدْعُو بِهِنَّ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ.\nقَالَ (٢) عَبَّاسٌ فِيهِ: وَتَقُولُ: اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْر، اللهُمَّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، لَا إلهَ إلَّا أَنْتَ، تُعِيدُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِح، وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي، فَتَدْعُو بِهِنَّ، فَأُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ.\n===\nلأبيه) أبي بكرة: (يا أبت إني أسمعك تدعو كل غداة) أي وقت الصبح: (اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري)، وذكر السمع والبصر بعد البدن تخصيص بعد تعميم للاهتمام بهما، أو يقال: إن السمع والبصر ليسا من البدن، بل هما قوتان مودعتان في البدن، وإنما قدم السمع لأن نفعه يزيد على نفع البصر.\n(لا إله إلَّا أنت، تعيدها ثلاثًا حين تصبح، وثلاثًا حين تمسي، فقال) أبو بكرة: (إني سمعت رسول الله - ﷺيدعو بهن، فأنا أحب أن أستن) أي أتبع (بسنته، قال) أي زاد (عباس فيه: وتقول: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر (٣)، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلَّا أنت، تعيدها ثلاثًا حين تصبح، وثلاثًا حين تمسي، فتدعو بهن، فأحب أن أستن بسنته).\nو\"تقول\" بصيغة الخطاب في جميع النسخ الموجودة إلَّا في النسخة\n_________\n(١) في نسخة:، \"سمعتك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"علي و\".\n(٣) يشكل عليه قوله ﵇: \"اللَّهمَّ أحيني مسكينًا ... \" الحديث (ت ٢٣٥٢)، وراجع \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ١٩٦) لابن قتيبة، وتقدم شيء من الكلام على الفقر في \"باب في الاستعاذة\". (ش).","vol":"13","page":486},{"text":"قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"دَعوَاتُ الْمَكْرُوب: اللهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو (١)، فَلَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصلِحْ لِي شَانِي كُلَّهُ، لَا إله إلَّا أَنْتَ\" وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى صَاحِبِهِ.\n٥٠٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ الْمِنْهَالِ، نَا يَزِيدُ- يَعْنِي ابْنَ زُريعٍ -، نَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عن سُهَيْلٍ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:\n===\nالمدنية التي عليها المنذري (٢) فإن فيها: \"يقول\" بصيغة الغائب، وكذلك الصيغ الباقية من: \"تعيد\"، و\"تصبح\"، و\"تمسي\"، و\"تدعو\" بصيغة الخطاب في جميعها إلَّا في النسخة المدنية التي عليها المنذري ففيها كلها بصيغة الغائب، وهو الأولى، لأن على ما في أكثر النسخ من صيغ الخطاب يحتاج إلى تقدير كلام طويل، لأن من قوله: \"وتقول\" إلى قوله: \"فتدعو بهن\" يكون كلام عبد الرحمن بن أبي بكرة، وقوله: \"أحب أن أستن بسنته\" كلام أبي بكرة، ولا ربط بينهما إلَّا أن يقدر: فقال أبو بكرة: سمعت رسول الله - ﷺ - يدعو بهن فأحب أن أستن بسنته، بخلاف نسخة الغائب فيكون كلها كلام أبي بكرة، وكلها مربوطة مرتبة.\n(قال) أبو بكرة: (وقال رسول الله - ﷺ -: دعوات المكروب) أي الواقع في الكرب، (اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين) أي مقدار إطباق أحد الجفنين بالاخر، (وأصلح لي شأني كله، لا إله إلَّا أنت، وبعضهم) وهذا كلام أبي داود، أي بعض مشايخي (يزيد على صاحبه) بعض الألفاظ.\n٥٠٩١ - (حدثنا محمد بن المنهال، نا يزيد -يعني ابن زريع-، نا روح بن القاسم، عن سهيل، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ثلاثًا\".\n(٢) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٣٤٥).","vol":"13","page":487},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْده؛ مِئَةَ مَرَّةٍ، وَإذَا أَمْسَى كَذَلِكَ، لَمْ يُوَافِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ بِمِثْلِ مَا وَافَى\". [م ٢٦٩٢، ت ٣٤٦٩، حم ٢/ ٣٠٢، ٣٧٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>(١٠٣) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إذَا رَأَى الْهِلَالَ</span>\n٥٠٩٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا قتَادَةُ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺكَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: \"هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: \"الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا، وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا\". [عب ٢٠٣٣٨]\n===\nقال رسول الله - ﷺ -: من قال حين يصبح: سبحان الله العظيم وبحمده) أي تسبيحًا مقرونًا بحمده (مئّة مرة، وإذا أمسى) قال (كذلك، لم يواف) أي لم يصل (أحد من الخلائق) درجة (بمثل ما وافى) قائل هذا، أَلا أن يقول هو كذلك.\n\n(١٠٣) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُل إذَا رَأَى الْهِلَالَ)\n٥٠٩٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا قتادة أنه بلغه) قال في \"مرقاة الصعود\" (١): وصله ابن السني والطبراني في \"الدعاء\" من طريق محمد بن عبيد الله الفزاري، عن قتادة، عن أنس﵁ -، وزاد الطبراني بعد قوله: آمنت بالذي خلقك: \"فعدلك، وجعلك آية للعالمين\".\n(أن نبي الله - ﷺ - كان إذا رأى الهلال قال: هلال خير ورشد) أي اجعله لنا (هلال خير ورشد، هلال خير ورشد) بحيث يكون في جميع الشهر خيرًا لنا، (آمتت بالذي خلقك، ثلاث مرات، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا) فلفظ كذا الأول كناية عن الشهر الماضي، والثاني كناية عن الآتي.\n_________\n(١) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٣٣١).","vol":"13","page":488},{"text":"٥٠٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمدُ بْنُ الْعَلَاءِ: أَنَّ زيدَ بْنَ حُبَاب أَخْبَرَهُمْ، عن أَبِي هِلَالٍ، عن قَتَادَةَ: \"أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إذَا رَأى الْهِلَالَ، صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>(١٠٤) بَابُ مَا جَاء فِيمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ مَا يَقُولُ</span>\n٥٠٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا شُعْبَةُ، عن مَنْصُورٍ،\n===\n٥٠٩٣ - (حدثنا محمد بن العلاء، أن زيد بن حباب أخبرهم، عن أبي هلال) قال المنذري: هو محمد بن سليم المعروف بالراسبي، (عن قتادة: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه).\nقال المنذري (٢): هذا مرسل، والذي قبله أيضًا مرسل، وأبو هلال لا يحتج به، وقال أبو داود في رواية ابن العبد: ليس في هذا الباب عن النبي - ﷺ - حديث مسند صحيح.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"صرف وجهه عنه\"، وذلك لئلا يلزم حين يدعو بالدعوات تشبّهٌ بِعَبَدَةِ الشمس والقمر.\n\n(١٠٤) (بَابُ مَا جَاء فِيمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ مَا يَقُولُ)\nوفي نسخة \"باب ما يقول الرجل إذا خرج من بيته\"، وهذه الترجمة أولى، لأن الحديثين الأولين في الخروج، وأما الحديث الثالث ففيه ترجمة أخرى في الحاشية، وكذا الكانفورية وغيرها: \"باب ما يقول الرجل إذا دخل بيته\". وفي النسخة المدنية التي عليها المنذري: \"باب ما يقول إذا دخل وخرج من بيته\" وعلى حديث محمد بن عوف: \"باب ما يقول الرجل إذا دخل بيته\".\n٥٠٩٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن منصور،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: ليس عن النبي - ﷺ - في هذا الباب حديث مسند صحيح\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٤٦٠).","vol":"13","page":489},{"text":"عن الشَّعْبِيِّ، عن أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: مَا خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ بَيْتِي قَط إلَّا، رَفَعَ طَرْفَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِل أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ\". [ت ٣٤٢٧، ن ٥٤٨٦، جه ٣٨٨٤، حم ٦/ ٣٠٦، ٣١٨، ٣٢١]\n٥٠٩٥ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِيُّ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن ابْنِ جُرَيْج، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (١) - ﷺقَالَ: \"إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوة إلَّا بِاللهِ\".\n===\nعن الشعبي، عن أم سلمة قالت: ما خرج رسول الله - ﷺ - من بيتي قط إلَّا رَفَعَ طَرْفَه) أي بصره (إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أضِلّ) بصيغة المتكلم من الضلالة أو بصيغة المتكلم من الإضلال (أو أُضَلَّ) بصيغة المجهول المتكلم من الإضلال، أو المعلوم إذا كان الأول من الضلالة.\n(أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ) من الإزلال، وقال في \"فتح الودود\": بالزاي في أكثر النسخ، وقيل: بالذال المعجمة، (أو أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ، أو أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ علي) أي أفعل فعل الجاهلين، أو يفعل أحد علي فعل الجهلة كما قال الشاعر (٢):\nألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا ...... فَنَجْهَلْ فوق جَهْلِ الجاهلينا\n٥٠٩٥ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي، نا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ -: إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلَّا بالله،\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) هو عمرو بن كلثوم التغلبي الشاعر الجاهلي في معلقته. انظر: \"جمهرة أشعار العرب\" (ص ١٢٣).","vol":"13","page":490},{"text":"قَالَ: \"يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَيَتَنَحَّى (١) لَهُ الشَّيَاطِينُ (٢)، فَيُقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟ ! \". [ت ٣٤٢٦]\n... (٣)\n٥٠٩٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْفٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي- قَالَ ابْنُ عَوْفٍ: وَرَأَيْتُ في أَصلِ إسْمَاعِيلَ- قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عن شُرَيْحٍ، عن أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ (٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ،\n===\nقال) - ﷺ -: (يقال حينئذ) أي من الله سبحانه: (هُديتَ وكُفيتَ) أي من الشرور (ووُقيتَ) منها، (فيتنحَّى له الشيطان، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هُديَ وكفي ووُقي؟) فلا سبيل لك إلى إضلاله.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: وذلك لأن المرء ما دام في بيته كان مأمونًا من الفتن والبليّات، فإذا خرج استتبعه الشيطان ولازمه، فيبعثه على خصومات وغيرها، فلما استعاذ ما استعاذ منه النبي - ﷺ - ودعا بدعائه تنحى الشيطان عنه.\n٥٠٩٦ - (حدثنا ابن عوف، نا محمد بن إسماعيل قال: حدثني أبي- قال ابن عوف: ورأيت في أصل إسماعيل-) أي في كتابه (قال: حدثني ضمضم، عن شريح، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا ولج) أي دخل (الرجل بيته فيلقل: اللهم إني أسألك خير المَولج وخير المخرج) بفتح الميم\n_________\n(١) وفي نسخة: \"فتتنحى\".\n(٢) في نسخة: \"الشيطان\".\n(٣) زاد في نسخة: \"باب ما يقول إذا دخل بيته\".\n(٤) في نسخة: \"الأشجعي\".","vol":"13","page":491},{"text":"بِسْم اللَّهِ وَلَجْنَا، وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ ليسَلِّمْ (١) عَلَى أَهْلِهِ\".\n\n(١٠٥) بَابُ مَا يَقُولُ (٢) إذَا هَاجَتِ الرِّيحُ (٣)\n٥٠٩٧ - حَدَّثَنَا (٤) أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَسَلَمَةُ (٥) قَالَا (٦)، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الرِّيحُ مِنْ\n===\nمصدران ميميان، وضبط السيوطي بضم الميم فيهما، فيحتمل أن يكون مصدرًا أو ظرفًا، وكونه مصدرًا أولى.\n(بسم الله وَلَجْنَا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليُسَلِّمْ على أهله) أي زوجته ومن في البيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1864>(١٠٥) (بابُ مَا يَقُولُ إذَا هَاجَت الرِّيحُ)</span>\n٥٠٩٧ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي وسلمة) بن شبب (قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، حدثني ثابت بن قيس) الأنصاري الزرقي المدني، روى عن أبي هريرة حديث: \"الريح من روح الله\"، قال النسائي: ثقة، وقال ابن منده: مشهور من أهل المدينة، رووا له حديثًا واحدًا، وقال النسائي: لا أعلم روى له غير الزهري، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الريح من\n_________\n(١) في نسخة: \"يسلم\".\n(٢) في نسخة: \"القول\".\n(٣) في نسخة: \"ريح\".\n(٤) زاد في نسخة \"خشيش بن أصرم و\".\n(٥) زاد في نسخة: \"يعني ابن شبيب\".\n(٦) في نسخة: \"قالوا\".","vol":"13","page":492},{"text":"رَوْح اللَّهِ، تَأتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأتِى بالْعَذَابِ، فَإذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلوا اللَّه خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذوا بِالَلَّه مِنْ شَرِّهَا\". [جه ٣٧٢٧، حم ٢/ ٢٥٠، ٤٣٦]\n٥٠٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنَا عَمْرو، أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَطُّ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، وَكَانَ إذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، النَّاسُ إذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَتْ في وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ؟ (١) فَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِي (٢) أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟\n===\nروح الله) أي من رحمته، (تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب) على أعداء الله، وهو رحمة للمؤمنين، (فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسَلُوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها).\n٥٠٩٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أنا عمرو، أن أبا النضر حدثه، عن سليمان بن يسار، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺقط مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لهواته) واحدها لهاة، وهي اللحمة المعلقة في أعلى الحنك.\n(إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف ذلك) أي شدة ذلك، وخوفه في وجهه، (فقلت: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ فقال: يا عائشة! ما يُؤَمِّنُنِي) أي: أيّ شيء يجعلني آمنًا من (أن يكون فيه عذاب؟\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قالت\".\n(٢) في نسخة: \"ما يؤمنّي\".","vol":"13","page":493},{"text":"قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ \". [خ ٤٨٢٨، م ٨٩٩، حم ٦/ ٦٦]\n٥٠٩٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، نَا سُفْيَانُ، عن الْمِقْدَام بْنِ شُرَيْحٍ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ (١) النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا رَأَى نَاشِئًا (٢) في أُفُقِ السَّمَاءِ تَرَكَ الْعَمَلَ وَإنْ كَانَ في صَلَاة، ثُمَّ يَقُولُ: \"اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا\"، فَإنْ مُطِرَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا\". [خ ١٠٣٢، ن ١٥٢٣، جه ٣٨٨٩، حم ٦/ ٤١، ١٣٧، ١٩٠، ٢٢٢]\n===\nقد عُذِّبَ قوم) وهم عاد قوم هود (بالريح، وقد رأى قوم) وهم ثمود قوم صالح ﵇ (العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾) أي السحاب الذي يعترض في أفق السماء ﴿مُمْطِرُنَا﴾ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٣) الآية، ولعل هذه الحالة قبل أن يعلم رسول الله - ﷺ - أن أمته مأمونة من العذاب العام.\n٥٠٩٩ - (حدثنا ابن بشار، نا عبد الرحمن، نا سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان إذا رأى ناشئًا) أي سحابًا لم يتكامل اجتماعه (في أفق السماء ترك العمل وإن كان في صلاة) أي نافلة، أو المراد بالترك تأخيرها.\n(ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من شرها، فإن مُطِر قال: اللهم صَيّبًا) بتشديد الياء أصله صيوب قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، كسيد أي: مطرًا كثيرًا (هنيئًا) أي نافعًا مباركًا، لا مغرقًا كطوفان نوح، منصوبان بتقدير اجعله.\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) في نسخة: \"شيئًا\".\n(٣) سورة الأحقاف: الآية ٢٤.","vol":"13","page":494},{"text":"(١٠٦) بَابٌ (١) في الْمَطَر\n٥١٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (٢) وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ (٣) قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- مَطَرٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺفحَسَرَ ثَوْبَهُ عَنْهُ حَتَّى (٤) أَصَابَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: \"لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَّبهِ\". [م ٨٩٨، حم ٣/ ١٣٣، ٢٦٧، ق ٣/ ٣٥٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1866>(١٠٧) بابٌ في الدِّيكِ وَالْبَهَائِمِ</span>\n٥١٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ،\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>(١٠٦) (بَابٌ في الْمَطَرِ)</span>\n٥١٠٠ - (حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد، المعنى) أي معنى حديثيهما واحد، (قالا: نا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: أصابنا ونحن مع رسول الله - ﷺ -) جملة حالية معترضة بين الفعل وفاعله (مطر) فاعل، (فخرج رسول الله - ﷺ - فحسر ثوبه عنه) أي كشف بعض بدنه (حتى أصابه) المطر (فقلنا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه) قال النووي (٥): إن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله لها فيتبرك بها.\n\n(١٠٧) (بَابٌ في الدِّيكِ وَالْبَهَائِمِ)\n٥١٠١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز بن محمد،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ما جاء\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن مسرهد\".\n(٣) زاد في نسخة: \"ابن مالك\".\n(٤) في نسخة: \"حين\".\n(٥) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٦٤).","vol":"13","page":495},{"text":"عن صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإنَّهُ يُوْقِظُ لِلصَلَاةِ\". [حم ٥/ ١٩٢]\n٥١٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيكَةِ فَسَلُوا اللَّه مِنْ فَضْلِهِ فَإنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ (١) فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَيْطَانِ (٢) فَإنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا\". [خ ٣٣٠٣، م ٢٧٢٩، ت ٣٤٥٩، حم ٢/ ٣٠٦]\n===\nعن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن زيد بن خالد قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة) أي لصلاة التهجد والصبح.\n٥١٠٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: إذا سمعتم صياح الديكة فسلُوا الله من فضله فإنها رأت مَلَكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانًا).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"فإنها رأت ملكًا، وإنها رأت شيطانًا\". ليس المعنى أنها لا تصوت إلا إذا رأت ملكًا أو شيطانًا، فإن صياح الديكة، وكذلك نهيق الحمار كثيرًا ما يكون لعوارض وأسباب غير رؤية الملك والشيطان، بل المعنى أن صوتهما قد يكون لذلك أيضًا فلا يتعين أي الأصوات لذلك، وأيّها لغيره، فَيُسْتَحَبّ الدعوة والتعوذ عند كل تصويت منهما ليقع البعض منهما موقعهما، وإن لم يقع الكل مقام الرؤية، مع أن زيادة الدعوة والتعوذ مطلوبة، وإن لم يكن في محل إجابة، وكذلك\n_________\n(١) في نسخة: \"الحمر\".\n(٢) زاد في نسخة: \"الرجيم\".","vol":"13","page":496},{"text":"(١)\n٥١٠٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن عَبْدَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاق، عن مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا سَمِعْتُمْ نباحِ الْكِلَابِ وَنَهِيقَ الْحُمُرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ، فَإنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لَا تَرَوْن\". [حم ٣/ ٣٠٦، ك ٤/ ٢٨٣]\n٥١٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عن سَعِيدِ بْنِ زِيَادٍ،\n===\nوجود شيطان لا يتوقف التعوذ عليه، لأن الإنسان أحوج ما يكون إليهما.\nثم إن وجه التعوذ عند رؤية الشيطان أن قرب الشياطين والخبائث لا يخلو عن تدنيس، فاستحب المعاذ من شرهم وأما رؤية الملك فإن الدعوة تقبل في جوار الأولياء والمقربين، والبركة تنزل حيث وجود الصالحين، فكان تعميم الأمر بالدعاء والتعوذ عند كل صياح ديكة ونهيق حمار، كتعميم أمر العبادة في ليالي القدر تحريًا لمظان القبول، انتهى.\n٥١٠٣ - (حدثنا هناد بن السري، عن عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله، فإنهن يَرَيْنَ ما لا ترون) أي: من الآفات والنوازل النازلة من السماء.\n٥١٠٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن سعيد بن زياد) الأنصاري المدني، جعله أبو حاتم أثنين فقال: الأنصارىِ مجهول، وقال: سعيد بن زياد عن جابر ضعيف، وجعلهما غيره واحدًا، وهو الصواب.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب نهيق الحمير ونباح الكلاب\".","vol":"13","page":497},{"text":"عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. (ح): وَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ، نَا أَبِي، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عن عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَقِلُّوا الْخُرُوجَ بَعْدَ هَدْأَةِ الرِّجْلِ، فَإنَّ لِلَّهِ تَعَالَى دَوَابَّ يَبُثُّهُنَّ في الأَرْضِ\".\nقَالَ ابْنُ مَرْوَانَ: \"في تِلْكَ السَّاعَةِ\"، وَقَالَ: \"فَإنَّ لله خَلْقًا\"، ثُمَّ ذَكَر نباحَ الْكَلْبِ وَالْحَمِيرِ نَحْوَهُ.\nوَزَادَ في حَدِيثِهِ: قَالَ ابْنُ الْهَادِ: وَحَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ الْحَاجِبُ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِثْلَهُ.\n===\n(عن جابر بن عبد الله، ح: ونا إبراهيم بن مروان الدمشقي، نا أبي) مروان بن محمد، (نا الليث بن سعد قال: نا يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن علي بن عمر) بن علي (بن حسين بن علي) بن أبي طالب الهاشمي، أرسل عن النبي - ﷺ -، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: تعتبر روايته من غير رواية أولاده عنه، قلت: وعرفت من هذا أن عمر نسب إلى جده، لأنه لم يكن للحسين ولد اسمه عمر، فالحديث منقطع.\n(قالا) أي جابر وعلي بن عمر، فكان حديث جابر موصولًا، وحديث علي مقطوعًا، لأنه من أتباع التابعين، وجابر صحابي.\n(قال رسول الله - ﷺ -: أقلُّوا الخروج بعد هدأة الرجل) أي بعدما يسكن الناس عن المشي، والاختلاف في الطرق، (فإن لله تعالى دواب يَبُثُّهُنَّ في الأرض، قال) أي زاد (ابن مروان) أي إبراهيم شيخ المصنف: لفظ (في تلك الساعة، وقال) في موضع دواب: (فإن لله خلقًا، ثم ذكر نباح الكلب والحمير نحوه) أي نحو الحديث المتقدم، (وزاد) ابن مروان (في حديثه: قال ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله: (وحدثني شرحبيل الحاجب، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - مثله).","vol":"13","page":498},{"text":"(١٠٨) بابٌ (١) في الْمَولود يُؤَذَّنُ في أُذُنِهِ\n٥١٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَاصمُ بْنُ عُبَيْدِ الله، عَن عُبَيْد الله بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - أذَّنَ في أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ. [ت ١٥١٤، حم ٦/ ٩، ٣٩١، ٣٩٢]\n٥١٠٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ. (ح): وَنَا يُوسُفَ بْنُ مُوسَى، نَا أَبُو أسَامَةَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ. زَادَ يُوسُفُ:\n===\nقال المنذري (٢): وسعيد بن زياد ضعيف، وعلي بن عمر بن حسين بن علي لا صحبة له، فالحديث منقطع، وشرحبيل هو ابن سعد أبو سعيد الأنصاري الخطمي مولاهم، المدني، لا يحتج به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>(١٠٨) (بابٌ في الْمَوْلُودِ يُوَذَّنُ في أُذُنِهِ)</span>\n٥١٠٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني عاصم بن عبيد الله) بن عاصم بن عمر، (عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه) أبي رافع (قال: رأيت رسول الله - ﷺ - أذَّن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة) ﵂ (بالصلاة) أي بأذان الصلاة.\n٥١٠٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن فضيل، ح: ونا يوسف بن موسى، نا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺيُؤتَى بالصبيان، فيدعو لهم بالبركة، زاد يوسف:\n_________\n(١) في نسخة: \"باب في الصبي يولد فيؤذن في أذنه\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٤٦٢).","vol":"13","page":499},{"text":"وَيُحَنِّكُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: بِالْبَرَكَةِ. [م ٢٨٦، حم ٦/ ٤٦]\n٥١٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا إبْرَهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، نَا دَاوُدَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْعَطَّارُ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن أَبِيهِ، عن أُمِّ حُمَيْدٍ (١)، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"هَلْ رئيَ\" أَوْ كَلِمَةً غَيْرَهَا، \"فِيكُمْ الْمُغَرِّبُونَ؟ \" قُلْتُ: وَمَا الْمُغَرِّبُونَ؟ قَالَ: \"الَّذِينَ يَشْتَرِكُ فِيهِمْ الْجِنُّ\".\n===\nويُحَنِّكُهُم) من التحنيك، يقال: حَنَّكَ الصبي إذا مضغ تمرات فدلكه بحنكه، (ولم يذكر: بالبركة).\n٥١٠٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا إبراهيم بن الوزير، نا داود بن عبد الرحمن العطار، عن ابن جريج) عبد الملك بق عبد العزيز، (عن أبيه) عبد العزيز بن جريج، (عن أم حميد) ويقال: أم حميدة، قال في \"التقريب\": لا يعرف حالها، وقال المنذري: أم حميد هذه لم تنسب، ولم يعرف لهما اسم.\n(عن عائشة) ﵂ (قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: هل رئيَ أو) للشك من الراوي قال: (كلمة غيرها، فيكم المُغَرِّبُون؟ قلت: وما المغربون؟) بكسر الراء المشددة (قال: الذين يشترك فيهم الجن) قيل: أي المبعدون عن ذكر الله تعالى عند الوقاع حتى شارك فيهم الشيطان، وقيل: المُغّرب من الإنسان من خلق من ماء الإنسان والجن (٢)، وهذا معنى المشاركة، لأنه دخل فيه عرق غريب.\nوكتب مولانا محمد يحيى الموحوم في \"التقرير\": قوله: \"المغرِّبون\"، هم الذين جامع آباؤهم، ولم يسموا الله إذ ذاك، فاشترك الشيطان، فلم يكونوا\n_________\n(١) في نسخة: \"أم حميدة\".\n(٢) فيكون الحديث حجة لمن قالا: أنهم يتناكحون، والمسألة خلافية مبسوطة في \"الفتح\" (٦/ ٣٤٥)، ولا يجوز نكاح الإنس مغ الجن، وأجازه الحسن البصري، كذا في \"الشامي\". (انظر: \"رد المحتار\" ٤/ ٦١، ٦٢). (ش).","vol":"13","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1868>(١٠٩) بابٌ في الرَّجُلِ يَسْتَعِيذُ مِنَ الرَّجُلِ</span>\n٥١٠٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَعُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ (١) قَالَا: نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: نَا سَعِيدٌ - قَالَ نَصْرٌ: ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عن قَتَادَةَ، عن أَبِي نَهِيكٍ،\n===\nخالصين لآبائهم، ثم إن تلك السنن تربية وتنمية لما جبلت عليه الطبائع من فطرة الله التي فطر الناس عليها، فحسن للآباء التسمية عند الجماع، ثم الأذان في الأذن، والإقامة في الأخرى، ثم التحنيك، ثم وثم (٢) كما يظهر بالتأمل في الروايات، فكانت همته منصرفة إلى أن تصير الأمة خالصة لله تعالى، فيؤثر اسمه، وكلامه، وانقياد أمره في كل شيء منهم من العصب والشحم واللحم، انتهى، وظهر مناسبة الأحاديث بالباب أيضًا.\n\n(١٠٩) (بابٌ في الرَّجُلِ يَسْتَعِيذُ مِنَ الرَّجُلِ) بالله تعالى\n٥١٠٨ - (حدثنا نصر بن علي وعبيد الله بن عمر قالا: نا خالد بن الحارث قال: نا سعيد، قال نصر) بن علي شيخ المصنف: سعيد (بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نهيك) عثمان بن نهيك الأزدي الفراهيدي البصري، صاحب القراءات، ذكره أبو أحمد الحاكم، وابن حبان في \"الثقات\" فيمن لا يعرف أسماؤهم، وكذا لم يسمه مسلم، ولا الدولابي.\nوقال ابن عبد البر في الكنى: أبو نهيك اسمه عبد الله بن يزيد، روى عن ابن عباس، وعنه عبد المؤمن بن خالد، مجهول، وعبد المؤمن معروف، ثم قال: أبو نهيك عن ابن عباس، وعمرو بن أخطب، وعنه قتادة، وزياد بن سعد، والحسين بن واقد، لا يعرف أَسمه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الجشمي\".\n(٢) وفي حاشية \"شرح الإقناع\" (٤/ ٣٤٢): يسن أيضًا أن يقرأ في أذن المولود ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، قال بعضهم: خاصيتها أن من فعل به ذلك لم يزن مدة عمره، انتهى (ش).","vol":"13","page":501},{"text":"عن ابْن عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْطُوهُ\". قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: \"مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ\". [حم ١/ ٢٤٩]\n٥١٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَا: نَا أَبُو عَوَانَةَ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، الْمَعْنَى، عن الأَعْمَشِ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بالله فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بالله فَأَعْطُوهُ\". وَقَالَ سَهْلٌ وَعُثْمَانُ: \"وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ\"، ثُمَّ اتَّفَقُوا: \"وَمَنْ آتىَ إلَيْكُمُ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ\". قَالَ مُسَدَّدٌ وَعُثْمَانُ: \"فَإنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا (١) لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأتُمُوهُ\". [تقدَّم برقم ١٦٧٢]\n(عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺقال: من استعاذ بالله منكم فأعيذوه، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه، قال عبيد الله) شيخ المصنف: (من سألكم بالله) أي لم يذكر لفظ الوجه، وذكره نصر بن علي.\n٥١٠٩ - (حدثنا مسدد وسهل بن بكار قالا: نا أبو عوانة، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، المعنى) أي معنى حديثيهما واحد، (عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر) ﵄ (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، وقال) أي زاد (سهل وعثمان) شيخا المصنف: (ومن دعاكم فأجيبوه، ثم اتفقوا) أي مسدد، وسهل، وعثمان في قوله: (ومن أتى إليكم معروفًا) أي أحسن إليكم بمعروف (فكافئوه، قال مسدد وعثمان) ولم يذكره سهل: (فإن لم تجدوا) أي ما تكافؤونه به (فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الله\".","vol":"13","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1869>(١١٠) بابٌ في رَدِّ الْوَسْوَسَةِ</span>\n٥١١٠ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، نَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا عِكْرِمَةُ- يَعْنِي ابْنَ عَمَّارٍ - قَالَ: وَنَا أَبُو زُمَيلٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: مَا شيءٌ أَجِدُهُ في صَدْرِي؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللهِ مَا (١) أَتكلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ: وَضَحِكَ، قَالَ: مَا نَجَا أحدٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ .....﴾ (٢) الآيةَ\n===\n\n(١١٠) (بابٌ في رَدِّ الْوَسْوَسَةِ)\n٥١١٠ - (حدثنا عباس بن عبد العظيم، نا النضر بن محمد، نا عكرمة -يعني ابن عمار- قال: ونا أبو زميل) مصغرًا (قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال) ابن عباس (ما هو؟) أي: أيّ شيء (قلت: والله ما أتكلم به) ما نافية، (قال: فقال لي: أشيء من شك؟) أي بطريق الوسوسة (قال: وضحك، قال: ما نجا أحد من ذلك حتى أنزل الله تعالى) في نبيه: (﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ الآية) (٣).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: حتى أنزل الله تعالى: يعني بذلك - والله أعلم - أنه لم ينج من الوسوسة (٤) أحد من الناس حتى النبي - ﷺ -، لأنه تعالى أنزل فيه هذه الآية، وفيها دلالة على وسوسته - ﷺ -،\n_________\n(١) في نسخة: \"لا\".\n(٢) زاد في نسخة: \"من قبلك\".\n(٣) سورة يونس: الآية ٩٤.\n(٤) وفي تفسير \"روح البيان\": اعترض اليهودي على النبي - ﷺ - بأنهم لا يوسوسون في العبادة، والمسلمون يوسوسون، فقال ﵇ للصديق - ﵁ -: أجب، فقال رجل: أرأيت بيتًا مملوءًا من الذهب والفضة واللؤلؤ وغيرها، وآخر خالٍ خرابٌ في أيهما يدخل اللص؟ فقال اليهودي: في المعمور، قال: فكذلك العدو الشيطان أيش يأخذ من بيتكم الخراب؟ إلخ. (ش).","vol":"13","page":503},{"text":"قَالَ: فَقَالَ لي: إذَا وَجَدْتَ في نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ: ﴿هُوَ الأوَلُ والأَخِرُ وَاَلظاهِرُ وَالباطنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيم﴾.\n٥١١١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سُهَيْلٌ، عن أَبيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، نَجِدُ في أَنْفُسِنَا الشَّيْءَ، نُعْظِمُ أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهِ أو الْكَلَامَ بِهِ، مَا نُحِبُّ أَنَّ لَنَا وَأَنَّا تَكَلَّمْنَا بِهِ\n===\nولا ضير فيه، فإن الوسوسة من لوازم البشرية فليس فيها كثير ضرر للنبي ولا لغيره، وأما الشك فلا يكون لمؤمن، وهذا التوجيه مبني على أن يكون الخطاب في الآية له - ﷺ - لا لغيره، وقد قيل في الآية غير هذا من التوجيهات التي لا تكون الآية على هذه التوجيهات مما نحن فيه، ولم يدر ما كان الشك، ولعله فهم منه ما أخبر به النبي - ﷺ -: \"أن الناس يتساءلون فيقولون: خلق الله الخلق، من خلق الله؟ \" وهو الظاهر من ذكره الآية في العلاج، فإنه تعالى لما كان هو الظاهر، والباطن، والأول، والآخر لم يكن قبله شيء، ولا بعده شيء، فلا يكون له خالق، انتهى.\n(قال) أبو زميل: (فقال لي) ابن عباس: (إذا وجدت في نفسك شيئًا فقل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾) (١).\n٥١١١ - حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير) بن معاوية، (نا سهيل، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبو هريرة قال: جاءه أناس من أصحابه) فيه ذكر الضمير قبل المرجع، ولفظ مسلم (٢) أوضح وأصح: عن أبي هريرة قال: \"جاء ناس من أصحاب النبي - ﷺ - إلى النبي - ﷺ -\" (فقالوا: يا رسول الله! نجد في أنفسنا الشيء) أي بعض الوسوسة، (نُعظِم أن نتكلم به، أو) للشك من الراوي قال: (الكلام به، ما نحب أنّ لنا وأَنّا تكلمنا به) أي وأن لنا الدنيا وأنا تكلمنا به، ولفظ مسلم: \"فسألوه، أنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: أَوَقَد\" الحديث.\n_________\n(١) سورة الحديد: الآية ٣.\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٣٢).","vol":"13","page":504},{"text":"قَالَ: \"أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ \"، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ (١) صَرِيحُ الإيمَانِ. [م ١٣٢]\n٥١١٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَا: ثَنَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن زِرٍّ (٢)، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ في نَفْسِهِ - يُعَرَّضُ بِالشَّيءِ- لأَنْ يَكُونَ\n===\n(قال) - ﷺ -: (أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان).\nقال الخطابي (٣): معناه أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به، حتي يصير ذلك وسوسة لا يتمكن من قلوبكم، ولا تطمئن إليه أنفسكم، وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، وذلك لأنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله، وكيف يكون إيمانًا صريحًا، وقد روي في حديث آخر أنهم لما شكوا إليه ذلك قال: \"الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة\".\nوقال النووي (٤): معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه، ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الريبة والشكوك.\n٥١١٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن قدامة بن أعين قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن زر، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه، يُعَرَّضُ) بصيغة المبني للمفعول أي من الوسوسة الشيطانية (بالشيء، لأن يكون)\n_________\n(١) في نسخة: \"ذلك\".\n(٢) في نسخة: \"ذر\".\n(٣) معالم السنن (٤/ ١٤٧).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١/ ٤٣٣).","vol":"13","page":505},{"text":"حُمَمَةً أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: \"اللَّه أَكْبَرُ، اللَّه أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ\".\nقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: \"رَدَّ أَمْرَهُ\" مَكَانَ: \"رَدَّ كَيْدَهُ\". [حم ١/ ٢٣٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>(١١١) بابٌ في الرَّجُلِ يَنْتَمِي إلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ</span>\n٥١١٣ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ مُحَمَّدٍ - ﷺأنَّهُ قَالَ: \"مَنِ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ\". قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ -\n===\nأي الأحد (حُمَمَةً) أي فحمًا ورمادًا، وكل ما احترق بالنار فهو فحم (أحب إليه من أن يتكلم به، فقال) - ﷺ -: (الله أكبر، الله أكبر) فرحًا وعجبًا (الحمد لله الذي رد كيده) الضمير للشيطان، وإن لم يجر ذكره لدلالة السياق عليه (إلي الوسوسة، قال ابن قدامة) شيخ المصنف: (رد أمره، مكان رد كيده) وفي صورة أن يكون رد أمره يحتمل أن يكون مرجع الضمير الرجل أيضًا.\n\n(١١١) (بابٌ في الرَّجُلِ يَنْتَمِي إلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ)\n٥١١٣ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا عاصم الأحول، حدثني أبو عثمان قال: حدثني سعد بن مالك قال) سعد: (سمعته) أي الحديث (أذناي ووعاه قلبي من محمد - ﷺ - أنه قال: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام، قال) أبو عثمان: (فلقيت أبا بكرة فذكرت ذلك) الحديث (له، فقال) أي أبو بكرة: (سمعته أذناي ووعاه قلبي من محمد - ﷺ -) كما سمعه سعد.\nوإنما ذكر أبو عثمان هذا الحديث لأبي بكرة، لأن زيادًا أخا أبي بكرة لأمه، انتمى نسبه إلى أبي سفيان صخر بن حرب، وقصته أن أبا سفيان زنى بأمه","vol":"13","page":506},{"text":"قَالَ عَاصِمٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، لَقَدْ شَهِدَ عِنْدَكَ رَجُلَانِ أَيَّمَا رَجُلَيْنِ؟ فَقَالَ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ في الإسْلَامِ- يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ - وَالآخَرُ (١) قَدِمَ مِنَ الطَّائِفِ في بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، فَذَكَرَ فَضْلًا. [خ ٤٣٢٦، ٤٣٢٧، م ٦٣، جه ٢٦١٠، حم ١/ ١٧٤]\nقَالَ أَبُو عَلِي: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ قَالَ: قَالَ النُّفَيْلِىُّ حَيْثُ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ: واللهِ إنَهُ عِنْدِي أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَعْنِي قَوْلَهُ، حَدَّثنَا وَحَدَّثَنِي.\n===\nفي الجاهلية فولدت زيادًا، فكان زياد تقول له عائشة ﵂: زياد ابن أبيه، وكان زياد من حماة علي ﵁، وكان شجاعًا مقدامًا في الحرب، فاستماله معاوية فانتسب إليه، وجعله أخاه، فلهذا حدث أبو عثمان هذا الحديث أبا بكرة لأنه ظن أن أبا بكرة لعله يرضى به، فلما قال أبو بكرة: إني سمعت هذا الحديث من رسول الله - ﷺ - عم بهذا أنه ليس براض بما فعل زياد.\n(قال عاصم: فقلت: يا أبا عثمان! لقد شهد عندك رجلان أيما رجلين، فقال) أبو عثمان: (أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله أو في الإِسلام، يعني سعد بن مالك) وهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة، (والآخر) أبو بكرة (قدم من الطائف) أي حصن الطائف تدلّى في بكرة (في بضعة وعشرين رجلًا) فجاءوا رسول الله - ﷺ - حين كان محاصرًا الطائف (على أقدامهم، فذكر فضلًا).\n(قال أبو علي) اللؤلؤي: (سمعت أبا داود) المؤلف (قال) أي أبو داود، ومقولته الجملة الآتية: (قال النفيلي حيث حدث بهذا الحديث: والله إنه عندي أحلى من العسل، يعني قوله: حدثنا وحدثني) في جميع مراتب السند، لأنهما صريحان في السماع.\n_________\n(١) في نسخة: \"وأما الآخر فقدم\".","vol":"13","page":507},{"text":"قَالَ أَبُو عَلِي: وَسَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدُ يَقُولُ: لَيْس لِحَدِيثِ أَهْلِ الْكُوفَةِ نُوْرٌ، قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، كَانُوا تَعَلَّموهُ مِنْ شُعْبَةَ.\n٥١١٤ - حَدَّثَنَا حجاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، نَا مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو-، وَنَا زَائِدَةُ، عن الأَعمش، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ\n===\n(قال أبو علي) اللؤلؤي: (وسمعت أبا داود يقول: سمعت أحمد) بن حنبل (يقول: ليس لحديث أهل الكوفة نور، قال) أي أحمد: (وما رأيت مثل أهل البصرة) أحدًا (كانوا تعلموه من شعبة) أي طريق الرواية، وسرد الأسانيد، فإنه كان أستاذهم، فعلمهم طرق التحديث.\nوالمراد بنفي النور أنهم لا يأتون بالأسانيد على وجهها، فلا يفرقون بين الإخبار، والتحديث، والعنعنة إلى غير ذلك، وأهل الكوفة المذكورون ها هنا ليس جميعهم (١) بل هم غير أصحابنا رحمهم الله تعالى، فإن أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، وأصحاب علي ﵁، وتلاميذ أصحابهم كلهم يسردون الأسانيد على وجهها، وكان لحديثهم نور أزيد مما على أهل البصرة من النور، والله أعلم، كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم.\n٥١١٤ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، نا معاوية -يعني ابن عمرو-، نا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: قال من تولى بغير إذن مواليه).\n_________\n(١) وهذا ظاهر، كيف والكوفة على ما روي عن علي ﵁، في \"معجم البلدان\" (٤/ ٤٩٢): كنز الإيمان وحجة الإِسلام وسيف الله ورمحه، وقال سلمان الفارسي: أهل الكوفة أهل الله، وهي قبة الإِسلام يحنُّ إليها كل مؤمن، والأوجه عندي في الجمع أنه لم يبقَ لها نور في زمن أحمد المتوفى سنة ٢٤١ هـ، (ش).","vol":"13","page":508},{"text":"فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ (١) مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ\". [م ١٥٠٨، حم ٢/ ٤١٧]\n٥١١٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عبد الرحمن الدَّمَشْقِيُّ، نَا عُمَرُ ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ وَنَحْنُ بِبَيْرُوتَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،\n===\nنقل في الحاشية عن \"اللمعات\": يحتمل أن يراد ولاء الموالاة بأن يكون لرجل موالي فأبطل موالاتهم، واتخذ قومًا آخرين موالي بغير إذن مواليه، والاستشارة بهم، فإن فيه نوعًا من نقض العهد، والإيذاء، وقيل: من والى الكفار لإيذاء المسلمين، وقوله: \"بغير إذن مواليه\" للتنبيه على ما هو المانع من إبطال حق مواليه وعهدهم، وعلى ما هو الغالب في الوقوع لا لتقييد الحكم بعدم الإذن حتى يجوز بإذنهم.\nوقال في \"فتح الودود\": من تولى أي اتخذ مواليه، وهذا حرام، وإن أذن فيه مواليه الحقيقية أيضًا، فقوله: \"من غير إذن مواليه\" لزيادة التقبيح، والعادة أنهم لا يرضون بذلك.\n(فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل) أي: فريضة، ولا نافلة، أو توبة، وفدية.\n٥١١٥ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمسُقي، نا عمر بن عبد الواحد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، ونحن ببيروت) بالفتح ثم السكون، وضم الراء، وسكون الواو، والتاء فوقها نقطتان، مدينة مشهورة على ساحل بحر الشام من أعمال دمشق (٢) (عن أنس بن مالك\n_________\n(١) في نسخة: \"لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلًا ولا صرفًا\".\n(٢) وهي عاصمة الجمهورية السورية حاليًا. (ش).","vol":"13","page":509},{"text":"قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنِ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْمُتَتَابعَةُ إلَى يَوْم الْقِيَامَةِ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1871>(١١٢) بَابٌ في التَّفَاخُرِ بِالأَحْسَابِ</span>\n٥١١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقيُّ، نَا الْمُعَافَى. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْب، وَهَذَا حَدِيثُهُ، عن هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبي سَعِيد، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ،\n===\nقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى) أي انتسب (إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة).\n\n(١١٢) (بابٌ في التَّفَاخُرِ بِالأحْسَاب)\nوالمفاخرة إن كان في حق، ومصلحة دينية، وشكر نعمة، وتحدث بنعمة الرب، ولإظهار الجلادة على أعداء الدين فهو جائز، وإن كان على وجه التكبر والنفسانية فهو مذموم\n٥١١٦ - (حدثنا موسى بن مروان الرقي، نا المعافى، ح: ونا أحمد بن سعيد الهمداني، أنا ابن وهب، وهذا حديثه) أي حديث ابن وهب، (عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله قد أذهب) أي أزال (عنكم عبية) بضم العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وفتح المثناة التحتانية المشددة، الكبر والنخوة (الجاهلية وفخرها) أي فخر الجاهلية (بالآباء) أي بالنسب، الناس\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو بكر بن داسة: إلى هنا أقول فيه: قال أبو داود، ومن هنا أقول: سمعت من أبي داود\".","vol":"13","page":510},{"text":"مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدمَ، وَادمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إنَّمَا هُم فَحْمٌ مَنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لِيَكونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفعُ بِأَنْفِهَا النَتَنَ\". [ت ٣٩٥٥، حم ٢/ ٣٦١، ق ١٠/ ٢٣٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>(١١٣) بَابٌ في الْعَصَبِيَّةِ</span>\n٥١١٧ - حَدَّثَنَا النّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، عَن (١) سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رَدِيَ، فَهُوَ يُنْزَعُ\n===\nرجلان، أحدهما (مؤمن تقي) والثاني (فاجر شقي)، فالمحمود عند الله من هو مؤمن تقي، والفاجر الشقي مذموم.\n(أنتم) كلكم (بنو آدم، وآدم من تراب) فنتيجته أنكم من تراب، فلا فخر لأحد على أحد إلَّا بالإيمان والتقوى (ليدعن) أي ليتركن (رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنم) أي عند الله لفجورهم وشقاوتهم (أو ليكونن أهون على الله من الجعلان) بكسر الجيم وسكون العين، جمع جعل بضم ففتح، دويبة سوداء تدير الخراءة بأنفها (التي تدفع بأنفها النتن).\n\n(١١٣) (بَابٌ في الْعَصَبِيَّةِ)\nأي: الحمية الجاهلية، بأن يحامي قومه مع كونهم على الباطل والظلم\n٥١١٧ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: من نصر قومه) وحماه (على غير الحق فهو كالبعير الذي رَدِي) (٢) أي: تردى وسقط في البئر (فهو ينزع)\n_________\n(١) في نسخة: \"حدثنا\".\n(٢) في نسخة: \"رَدَى\".","vol":"13","page":511},{"text":"بِذَنْبِهِ\". [ت ٢٢٥٧، جه ٣٠، حم ١/ ٣٨٩، ٤٠١]\n٥١١٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو عَامِرٍ، نَا سُفْيَانُ، عن سَمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ في قبَةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\n٥١١٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: نَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نَا سَلَمَةُ بْنُ بِشْرٍ الدَمَشْقِيُّ، عن بِنْتِ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ أَبَاهَا يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ: \"أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ\". [جه ٣٩٤٩، حم ٧/ ١٠٧]\n===\nأي يخرج من البئر (بذنبه) أي بأخذ ذنبه، فهو لا يخرج من البئر بإخراجه بأخذ الذنب، يعني لا ينفعه هذه الحماية لكونه على غير حق.\n٥١١٨ - (حدثنا ابن بشار، نا أبو عامر، نا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه) عبد الله بن مسعود (قال: انتهيت إلى النبي - ﷺ - وهو في قبة من أدم) أي خيمة من جلد (فذكر نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.\n٥١١٩ - (حدثنا محمود بن خالد الدمشقي قال: نا الفريابي قال: نا سلمة بن بشر) بن صيفي الشامي أْبو بشر (الدمشقي) وربما نسب إلى جده، ذكر ابن حبان في \"الثقات\"، (عن بنت واثلة بن الأسقع) جَميلة، ويُقال: خُصيلة بالمعجمة ثم المهملة مصغرًا، ويقال: فُسيلة بالفاء ثم المهملة، بنت واثلة بن الأسقع الليثي، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\" في خصيلة (أنها سمعت أباها يقول: قلت: يا رسول الله، ما العصبية؟ قال) - ﷺ -: (أن تعين قومك على الظلم).\nقال المنذري (١): وأخرجه ابن ماجه، وقال فيه: عن عباد بن كثير الشامي\n_________\n(١) (٤/ ٤٦٧).","vol":"13","page":512},{"text":"٥١٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عن أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب يُحدِّثُ، عن سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"خَيْرُكُمْ الْمُدَافِعُ عن عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأثَمْ\" (١).\n٥١٢١ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهبٍ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْمَكِّيِّ (٢)، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ،\n===\nعن امرأة منهم يقال لها: فُسيلة، قال: سمعت أبي، فذكره بمعناه، وفُسيلة بضم الفاء، وفتح السيِن المهملة، وبعد اللام المفتوحة تاء تأنيث، هي بنت واثلة بن الأسقع، ذكر ذلك غير واحد، ويقال فيها أيضًا: خصيلة بضم الخاء المعجمة، وفتح الصاد المهملة، وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وبعد اللام المفتوحة تاء تأنيث، وعباد بن كثير الشامي، وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه غير واحد، وإسناد حديث أبي داود أمثل من هذا، انتهى.\n٥١٢٠ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا أيوب بن سويد، عن أسامة بن زيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث، عن سراقة بن مالك بن جعشم) بضم الجيم، والشين المعجمة بينهما عين مهملة ساكنة (المدلجي) صحابي (قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال) في خطبته: (خيركم المدافع) أي الذي يدفع الظلم (عن عشيرته) أي أقاربه (ما لم يأثم) أي في المدافعة بأن يكون أقاربه مثلًا على ظلم.\n٥١٢١ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن محمد بن عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بن أبي سليمان)، عن جبير بن مطعم،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أيوب بن سويد ضعيف\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعني ابن أبي لبيبة\".","vol":"13","page":513},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إلِى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ (١) عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ\".\n٥١٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن عَوْفٍ، عن زِيَادِ بْنِ مِخْرَاق، عن أَبِي كِنَانَةَ، عن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ\". [حم ٤/ ٣٩٦]\n٥١٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، نَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا جريرٌ (٢)، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ (٣)، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ\n===\nأن رسول الله - ﷺ - قال: ليس منا من دعا إلى عصبية) أي جمعهم إليها ليعينوه على الباطل والظلم (وليس منا من قاتل عصبية، وليس منا من مات على عصبية) والمراد بالموت عليها بأن يكون مضمرة في قلبه، ومرغوبة عنده، وإن لم يدع أحدًا ولم يقاتل فيه أحدًا.\n٥١٢٢ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة، عن عوف، عن زياد بن مخراق، عن أبي كنانة) القرشي، (عن أبي موسى) الأشعري (قال: قال رسول الله - ﷺ -: ابن أخت القوم منهم) فينبغي أن يحاميه، ويعينه إذا كان على الحق.\n٥١٢٣ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم، نا الحسين بن محمد، نا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عبد الرحمن بن أبي عقبة) الفارسي المدني مولى الأنصار، روى عن أبيه، وله صحبة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، له عند أبي داود والترمذي حديث.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"على\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن حازم\".\n(٣) في نسخة: \"الحصين\".","vol":"13","page":514},{"text":"عَنْ أَبِي عُقْبَةَ- وَكَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ- قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أُحُدًا، فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكينَ، فَقُلْتُ: خُذْهَا مِنِّي وَأنا الْغُلَامُ الْفَارِسِيُّ، فَالْتَفَتَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"فَهَلَّا (١) قُلْتَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الأَنْصَارِيُّ\". [جه ٢٧٨٤، حم ٥/ ٢٩٥]\n\n(١١٤) (٢) بَابُ الرَّجُلِ يُحِبُّ الرَّجُلَ عَلي خَيرٍ يَرَاهُ\n٥١٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ثَوْرٍ قَالَ: حَدَّثِني\n===\n(عن أبي عقبة) الفارسي، مولى الأنصار، وقيل: مولي بني هاشم، وقيل: اسمه رُشَيْد (٣)، له صحبة (وكان مولى من أهل فارس، قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - أحُدًا، فضربت رجلًا من المشركين) ضربة (فقلت: خذها) أي الضربة (مني وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إليَّ رسول الله - ﷺ - فقال: فهلّا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري) يعني إذا افتخرت فانسب إلى الأنصار. وهذا الحديث يدل على أن الافتخار في قتال أعداء الله مندوب لإلقاء الرعب في قلوبهم.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: أراد بذلك التنبيه على أن الولاء لحمة كلحمة النسب، وأن مولى القوم منهم كما أن ابن أخت، القوم منهم، فينبغي نصره كنصر الأقارب والعشائر مثل نصر بني الأخوات كما تقدم، فلا يختص النصر والإعانة بذوي الفروض والعصبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1873>(١١٤) (بَابُ الرَّجُلِ يُحِبُّ الرَّجُلَ عَلَى خيرٍ يَرَاهُ)</span>\nأي: بسبب خير يراه\n٥١٢٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ثور قال: حدثني\n_________\n(١) في نسخة: \"هلا\".\n(٢) في نسخة بدله: \"باب إخبار الرجل الرجلَ بمحبته إياه\".\n(٣) وقد ذكره الحافظ في \"الإصابة\" (١/ ٥٠٢) و(٤/ ١٣٥) في رشيد أيضًا. [انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٧١)]. (ش).","vol":"13","page":515},{"text":"حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عن الْمِقْدَام بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - وَقَدْ كَانَ أَدرَكَهُ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"إذَا أَحَبّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ\". [ت ٢٣٩٢، حم ٤/ ١٣٠]\n٥١٢٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، نَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالكٍ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَبِي - ﷺ - فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي لأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ - ﷺ -: \"أَعْلَمْتَهُ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"أَعْلِمْهُ\"، قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إنّي أحِبُّكَ في اللَّهِ، فَقَالَ: أَحبَّكَ (١) الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. [حم ٣/ ١٥٠، ١٥٦]\n٥١٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا سُلَيْمَانُ، عن حُمَيْدِ بْنِ\n===\nحبيب بن عبيد، عن المقدام بن معدي كرب، وقد كان) أي حبيب (أدركه) أي المقدام، (عن النبي - ﷺ - قال: إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه) لأنه فيه استمالة قلبه واستجلاب زيادة المحبة منه.\n٥١٢٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا المبارك بن فضالة، نا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن رجلًا كان عند النبي - ﷺ - فمر به رجل) لم أقف على تسميتهما (فقال) أي الرجل الأول: (يا رسول الله! إني لأحب هذا) أي الرجل المار (فمال له النبي - ﷺ -: أعلمته؟) بحذف همزة الاستفهام، أي أخبرته بمحبتك إياه؟ (قال: لا، قال) رسول الله - ﷺ -: (أعلمه) أي أخبره (قال: فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له) أي لأجله، وهو الله ﷾.\n٥١٢٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا سليمان، عن حميد بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الله\".","vol":"13","page":516},{"text":"هِلَالٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ الصَّامِتِ، عن أَبِي ذَرٍّ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَهَ، الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ كَعَمَلِهِمْ، قَالَ: \"أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ\". قَالَ: فَإنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، قَالَ: \"فَإنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ\" قَالَ: فَأَعَادَهَا (١) أَبُو ذَرٍّ، فَأَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. [حم ٥/ ١٥٦، ١٦٦، دي ٢٧٨٩]\n٥١٢٧ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، نَا (٢) خَالِدٌ، عن يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ (٣) أَصْحَابَ النَّبِيّ (٤) - ﷺفَرِحُوا بِشَيْءٍ لَمْ أَرَهُمْ فَرِحُوا بِشَيءٍ أَشَدَّ مِنْهُ، قَالَ رَجُلٌ:\n===\nهلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل كلعملهم، قال) رسول الله - ﷺ -: (أنت يا أبا ذر مع من أحببت، قال) أىِ أبو ذر: (فإني أحب الله ورسوله، قال) رسول الله - ﷺ -: (فإنك مع من أحببت) أي مع الله ورسوله (قال) عبد الله بن الصامت: (فأعادها أبو ذر فأعادها) أي كلمة الجواب (رسول الله - ﷺ -).\n٥١٢٧ - (حدثنا وهب بن بقية، نا خالد، عن يونس بن عبيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: ما رأيت أصحاب النبي - ﷺ - فرحوا بشيء لم أرهم) هكذا في المجتبائية والمكتوبة الأحمدية، وأما في النسخة المدنية التي عليها المنذري والنسخة المدنية الأخرى والمصرية المطبوعة ففيها: قال: رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - فرحوا بشيء لم أرهم.\n(فرحوا بشيء أشد منه، قال رجل) ولعله أبو ذر كما تقدم في الحديث\n_________\n(١) في نسخة: \"وأعادها\".\n(٢) في نسخة: \"أنا\".\n(٣) في نسخة: \"رأيت\".\n(٤) في نسخة: \"رسول الله\".","vol":"13","page":517},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ عَلَى الْعَمَلِ مِنَ الْخَيْرِ يَعْمَلُ بِهِ وَلَا يَعْمَلُ بِمِثْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ\". [خ ٦١٦٧، م ٢٦٢٩، حم ٣/ ١٠٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>(١١٥) بابٌ في الْمَشُورَةِ</span>\n٥١٢٨ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثنَى، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيرٍ، نَا شَيْبَانُ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ\". [ت ٢٨٢٢، جه ٣٧٤٥]\n===\n(يا رسول الله! الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل) أي الرجل الأول (بمثله) أي بمثل عمله (فقال رسول الله - ﷺ -: المرء مع من أحب).\nقال ابن بطال: فيه أَنَّ من أحب عبدًا في الله فإن الله يجمع بينهما في جنته، وإن قصر من عمله، وذلك لأنه لما أحب الصالحين لأجل طاعتهم أثابه الله تلك الطاعة، إذ النية هي الأصل، والعمل تابع لها، والله يؤتي فضله من يشاء (٢).\n\n(١١٥) (بابٌ في الْمَشُورَةِ)\n٥١٢٨ - (حدثنا ابن المثنى، نا يحيى بن أبي بكير، نا شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: المستشار مؤتمن) أي الذي استشاره رجل فالمستشار أمين فيه، ولا يجوز له أن يفشي سره، ويلزم عليه أن يشيره بما هو أنفع للمستشير في دينه ودنياه، ولا يشير بما يضره (٣).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٠٠).\n(٣) فقد تقدم في \"باب التوقي في الفتيا\" من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه. (ش).","vol":"13","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1875>(١١٦) بَابٌ في الدَّالِّ عَلَى الْخَيْرِ </span>(١)\n٥١٢٩ - حَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عن أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي، قَالَ: \"لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكَ عَلَيْهِ، وَلَكِن ائْتِ فُلَانًا فَلَعَلّهُ أَنْ يَحْمِلَكَ\"، فَأَتَاهُ فَحَمَلَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ دلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ\". [م ١٨٩٣، ت ٢٦٧١، حم ٤/ ١٢٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>(١١٧) بَابٌ في الْهَوَى</span>\n٥١٣٠ - حَدّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، نَا بَقِيَّةُ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عن خَالِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ، عن بِلَالِ بْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ،\n===\n\n(١١٦) (بابٌ في الدَّالِّ عَلَى الْخَيْرِ)\n٥١٢٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إني أُبدِعَ بي) على بناء المفعول، أي عطبت راحلتي فانقطع بي السبيل (فاحملني) أي أعطني حمولة (قال: لا أجد ما أحملك عليه، ولكن أثبت فلانًا) لم أقف على تسميته (فلعله أن يحملك، فأتاه فحمله، فأتى) السائل (رسول الله - ﷺفأخبره، فقال رسول الله - ﷺ -: من دَلَّ على خير فله مثل أجر فاعله).\n\n(١١٧) (بابٌ في الْهَوَى)\n٥١٣٠ - (حدثنا حيوة بن شريح، نا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"كفاعله\".","vol":"13","page":519},{"text":"عن أَبِي الدَّرْدَاءِ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"حُبُّكَ الشَّيءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ\". [حم ٥/ ١٩٤]\n===\nعن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: حبك الشيء يُعمِي ويُصِمُّ).\nقال في \"الدرجات\" (١): هذا أَحد أحاديث انتقدها سراج الدين القزويني، فزعم أنه موضوع. وقال المنذري: يروى عن بلال، عن أبيه موقوفًا عليه وهو أشبه، وقال الحافظ ابن حجر (٢) بما رده على القزويني: فبلال نفسه من كبار التابعين، وخالد وثقه أبو حاتم الرازي، وأبو بكر ضعيف عندهم من قبل حفظه، وكان مستقيم الأمر في حديثه فطرقه لصوص فتغير عقله، فصار يأتي بالغرأئب لا توجد إلا عنده، فعدّوه ممن اختلط ولم يتميز.\nقال: وترجم له أبو داود \"باب الهوى\"، وأراد به شرح معناه، وأنه خبر معناه تحذير من اتباع الهوى، فإن من يسترسل في اتباع هواه لا يبصر قبيح ما يفعله، ولا يسمع نهي من ينصحه، وإنما يقع ذلك لمن أحب أحوال نفسه ولم ينتقد عليها.\nوقال زين الدين العراقي في \"شرح الترمذي\": قيل: يعمي عن عيوب المحبوبين أو عن كل غير محبوبه، وقال صلاح الدين العلائي: الحديث ضعيف، لا ينتهي لدرجة الحسن أصلًا، ولا يقال: إنه موضوع.\nقال المنذري (٣): سئل ثعلب ما معناه؟ قال: يعمي طرف العين عن النظر إلى مساويه، ويُصمُّ الأذن (٤) عن أستماع العدل فيه، فأنشد:\nوَكَذبْتُ طَرَفِي فِيكَ والطَّرفُ صادِقٌ ... وَأَسْمعتُ أُذُنِي فِيكَ ما ليسَ تَسْمَعُ\nوفائدته النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه، انتهى ملخصًا.\n_________\n(١) \"درجات مرفاة الصعود\" (ص ٢٣٢).\n(٢) انظر: \"أجوبة الحافظ عن أحاديث \"المصابيح\" في آخر الجزء الثالث من \"المشكاة\" (٣/ ١٧٨٥).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٤٧٤).\n(٤) في الأصل: \"أذناه\"، وهو تحريف.","vol":"13","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1877>(١١٨) بَابٌ في الشَّفَاعَةِ</span>\n٥١٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اشْفَعُوا إلَيَّ لِتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ الله عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ\" (١). [خ ٧٤٧٦، م ٢٦٢٧، ت ٣٦٧٢، ن ٢٥٥٦، حم ٤/ ٤٠٠]\n===\n\n(١١٨) (بابٌ في الشَّفَاعَةِ)\n٥١٣١ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن بريد) بن عبد الله (بن أبي بردة، عن أبيه) والمراد ها هنا بأبيه: هو جده أبو بردة، لأن بريد بن عبد الله بن أبي بردة يروي عن جده أبي بردة، وليس له رواية عن أبيه، بل ليس لعبد الله بن أبي بردة رواية في الصحاح. قال الحافظ في \"لسان الميزان\" (٢): أخرج حديثه ابن منده في \"المعرفة\"، ولم أرَ له ذكرًا في كتب الرجال، والمشهور رواية ولده بريد بن عبد الله عن جده أبي بردة، عن أبي موسى، ففي \"الصحيحين\" وغيرهما من ذلك فوق أربعين حديثًا، وفي النسخة المدنية التي عليها المنذري عن بريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى.\n(عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: اشفعوا إليَّ لِتؤجروا) أي إذا جاء أحد إليَّ سائلًا اشفعوا له ليحصل لكم أجر الشفاعة من الله سبحانه (وليقض الله على لسان نبيه) للسائل (ما شاء) أي إعطاء ما سأل أو منعه، ولكن يكون لكم الأجر على كل حال.\n_________\n(١) زاد في نسخة:\n٥١٣٢ - حَدّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السرْحِ قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن وَهْبِ بْنِ مُنبهٍ، عن أَخِيهِ، عن مُعَاوِيَةَ: \"اشْفَعُوا تْؤْجَرُوا فَإنِّي لأُرِيدُ الأَمْرَ فَأُؤَخِّرُهُ كَيْمَا تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا، فَإنَّ رَسُولَ الله - ﷺقَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا\". [ن ٢٥٥٧]. قلت: قال المزي بعد إيراده في \"التحفة\" (٨/ ١٤٨) رقم (١١٤٤٧): حديث أبي داود في بعض النسخ من رواية اللؤلوي، ولم يذكره أبو القاسم.\n٥١٣٣ - حَدَثنَا أَبُو مَعْمَرٍ، نَا سُفْيانُ، عن بُرَيْدٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِي مُوسَى، عن النَبِىِّ - ﷺ - مِثْلَهُ. [تقدم برقم ٥١٣١]. قلت: قال المزي بعد إيراده في \"التحفة\" (٦/ ١٩٦) رقم (٩٠٣٦): حديث أبي معمر في رواية أبي بكر بن داسة عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم.\n(٢) انظر: \"لسان الميزان\" (٤/ ٤٤١ رقم ٤١٧٠).","vol":"13","page":521},{"text":"(١١٩) بابٌ في الرَّجُلِ (١) يَبْدَأُ بِنِفْسِهِ في الْكِتَابِ\n٥١٣٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا هُشَيْمٌ، عن مَنْصُورٍ، عن ابْنِ سِيرِينَ- قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ مَرَّةً يَعْنِي هُشَيْمًا: عن بَعْضِ وَلَدِ العَلَاءِ- أَنَّ الْعَلَاءَ كَانَ عَامِلَ النَّبِيِّ - ﷺعلَى الْبَحْرَيْنِ، فَكَانَ إذَا كَتَبَ إلَيْهِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ. [حم ٤/ ٣٣٩]\n٥١٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ (٢)، نَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، أَنا هُشَيْمٌ، عن مَنْصُورٍ، عن ابْنِ سِيرِينَ، عن ابْنِ الْعَلَاءِ، عن الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَبَدَأَ بِاسْمِهِ. [انظر ما قبله]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>(١١٩) (بابٌ في الرَّجُلِ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ في الْكِتَابِ)</span>\nأي: يبدأ باسمه\n٥١٣٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، عن منصور، عن ابن سيرين- قال أحمد: قال) شيخي (مرة يعني هشيمًا: عن بعض ولد العلاء- أن العلاء بن الحضرمي كان عامل النبي - ﷺ - على البحرين، فكان) أي العلاء (إذا كتب إليه بدأ بنفسه) فقرره النبي - ﷺ - على ذلك.\n٥١٣٥ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم، نا المعلي بن منصور، أنا هشيم، عن منصور، عن ابن سيرين، عن ابن العلاء) قال في \"التقريب\": ابن العلاء بن الحضرمي عن أبيه، مقبول، من الثالثة، وأظن أن اسمه عبد الله، (عن العلاء بن الحضرمي أنه كتب إلى النبي - ﷺ - فبدأ باسمه).\n_________\n(١) في نسخة: \"فيمن\".\n(٢) زاد في نسخة: \"البزاز\".","vol":"13","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1879>(١٢٠) بابٌ كيْفَ يَكْتُبُ إلَى الذِّمِّيِّ</span>\n٥١٣٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺكَتَبَ إلَى هِرَقْلَ: \"مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى\". [خ ٢٩٣٦، حم ١/ ٢٦٢، ت ٢٧١٧، م ١٧٧٣]\nوَقَالَ ابْن يَحْيَى: عن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأُجْلِسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإذَا فِيهِ: \"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى،\n===\n\n(١٢٠) (بابٌ كَيْفَ يُكْتَبُ إلَى الذمِّيِّ)\n٥١٣٦ - (حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى قالا: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كتب إلى هرقل) ملك الروم: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم) أي رئيسهم وملِكهم (سلام على من اتّبع الهدى) فبدأ باسمه قبل اسم هرقل.\n(وقال ابن يحيى) أي محمد شيخ المصنف: (عن ابن عباس، أن أبا سفيان) بن حرب (أخبره قال) أي أبو سفيان: (فدخلنا على هرقل) عظيم الروم (فَأُجْلِسْنا بين يديه، ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى).","vol":"13","page":523},{"text":"أما بَعْدُ\".\n===\nومناسبة (١) الحديث بالباب بأن هرقل لم يكن ذميًّا بل كان كافرًا، فلما كتب - ﷺ - إليه وبدأ باسمه قبل اسم هرقل، فيعلم منه أن الذمي الذي هو تابع لنا في دارنا إذا كتب إليه يبدأ باسمه قبل اسم الذمي، وأما الاستدلال على تقدم ذكر الكاتب قبل المكتوب إليه على العموم فمحل نظر، بل الحديث يدل على أن الأعلى إذا كتب إلى الأدنى يبدأ باسم نفسه قبل المكتوب إليه.\nوذلك لأن رسول الله - ﷺكان أعلى باعتبار الدين والدنيا من هرقل، فإنه وصف نفسه بكونه رسول الله، ووصف هرقل بكونه عظيم الروم، ثم دعاه إلى الانقياد والاستسلام، فهذا يدل ظاهرًا أن رسول الله - ﷺ - أعظم من ملك الروم فبدأ بنفسه، وكذلك من يكون أعظم من المكتوب إليه يبدأ بنفسه، وأما إذا كان المكتوب إَليه أعظم كالولد يكتب إلى والده، أو الرجل يكتب إلى شيخه فينبغي حينئذ أن يبدأ باسم المكتوب إليه لا باسمه.\nوأما حديث العلاء بن الحضرمي فإنه بدأ باسمه في كتابته إلى رسول الله اتباعًا، واقتداء برسول الله - ﷺ -، وأما تقريره - ﷺ - فلأجل بيان الجواز، قال المنذري: فيهما أي في روايتي ابن العلاء مجهول، قال بعضهم: يبدأ بالكتاب باسمه، فيقول: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان.\n(أاما بعد) وذكر هذا الحديث حجة لذلك، وقد كتب رسول الله - ﷺ - من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل، وقال حماد بن زيد: كان الناس يكتبون من فلان بن غطلان أما بعد، وقال غيره: إذا بدأ الكاتب باسم المكتوب إليه فقد كره ذلك غير واحد من السلف، وأجازه بعضهم، وقيل: أما الأب فيقدم، ولا يبدأ ولده باسمه على والده، والكبير السن كذلك يوقر به، انتهى.\n_________\n(١) والظاهر عندي أن غرض المصنف بهذه الترجمة كيف يكتب إليه السلام، وأما مسألة بدء الاسم فتقدمت في الترجمة السابقة. (ش).","vol":"13","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1880>(١٢١) بَابٌ في بِرِّ الْوَالِدَيْنِ</span>\n٥١٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهِ فيُعْتِقَهُ\". [م ١٥١٠، ت ١٩٠٦ جه ٣٦٥٩، حم ٢/ ٢٣٠]\n٥١٣٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ابن أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِي الْحَارِثُ، عن حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمرَ، عن أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ، وَكُنْتُ أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ\n===\n\n(٢١) (بابٌ في بِرِّ الْوَالِدَيْنِ) (١)\n٥١٣٧ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يجزي ولد والده) أي لا يقضي حقه (إلا أن يجده) أي يجد الولد الوالد (مملوكًا فيشتريه) من مالكه (فيعتقه) أي يكون سببًا لعتقه، لأن الوالد سبب لوجود ولده وحياته، فالولد إذا اشترى والده فيعتق عليه كان سببًا لحياته، لأن الرق كالموت حكمًا، ولا ذريعة للولد لإحياء الوالد غير ذلك.\nقال الخطابي (٢): قوله: \"فيعتقه\" ليس معناه استئناف العتق [فيه] بعد الملك، لأن العلماء قد أجمعوا على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال.\n٥١٣٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي ذئب قال: حدثني خالي الحارث) بن عبد الرحمن، (عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه) ابن عمر (قال) ابن عمر: (كانت تحتي امرأة، وكنت أحبها، وكان عمر) ﵁\n_________\n(١) وبسط السيوطي رواياته في تفسير الإسراء. \"الدر المنثور\" (٥/ ٢٦١، ٢٦٢). (ش).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٥٠).","vol":"13","page":525},{"text":"يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لي طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"طَلِّقْهَا\". [ت ١١٨٩، جه ٢٠٨٨، حم ٢/ ٢٠]\n٥١٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثير، أَنَا سُفْيَانُ، عن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: \"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: \"أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ\".\n===\n(يكرهها) لعله يكرهها لنقصان في دينها (فقال) عمر ﵁ (لي: طَلَّقها، فابيت، فأتى عمر النبي - ﷺ -، فذكر ذلك له) بأني آمر عبد الله أن يطلق زوجته، وهو يأبى، (فقال النبي - ﷺ -: طلقها) لما أمر عمر ﵁ ابنه عبد الله بطلاق زوجته لم يكن طلاقها واجبًا عليه (١)، فلما أمره النبي - ﷺ - بطلاقها وجب عليه الطلاق، لأن الظاهر أن أمره - ﷺ - به للوجوب، والله أعلم.\n٥١٣٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن بهز بن حكيم، عن أبيه) حكيم، (عن جده) معاوية بن حيدة (قال: قلت: يا رسول الله من أبر؟) بفتح الهمزة والباء الموحدة صيغة المتكلم من البر، وهو الإحسان (قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك) ثلاثًا، وإنما قدم الأم، وذكرها ثلاثًا لزيادة احتياجها، ولزيادة تعبها في حمله (٢) وإرضاعه (ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب).\n_________\n(١) لكن في \"الدر المنثور\" (٥/ ٢٦٥) مرفوعًا: \"أطع والديك وإن أمراك أن تخرج من كل شيء فأخرج\" ... الحديث. (ش).\n(٢) قال العيني (١٥/ ١٤١): فيه حجة على أن طاعة الأم مقدمة، وفي \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٤): أن الأب مقدم في الطاعة. انتهى.\nقلت: وبه صرح في كراهية \"العالمكَيرية\"، وقال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، ووقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فسوى بينهما في الوصاية، وخص بالأم بالأمور الثلاثة، كذا في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٢). (ش).","vol":"13","page":526},{"text":"وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَسْأَل رَجُلٌ مَوْلَاهُ منْ فَضْلٍ هوَ عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ (١) إيَّاهُ، إلَّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَضْلُهُ الَّذِي، مَنَعَهُ شُجَاعًا (٢) أَقْرَعَ\" (٣). [ت ١٨٩٧، حم ٥/ ٣، ٥]\n٥١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا الْى حَارِثُ بْنُ مُرَّةَ،\n===\n(وقال رسول الله - ﷺ -: لا يسأل رجل مولاه) أي معتقه - بالفتح - بعد إعتاقه (من فضل) أي فضل مال من حاجته (هو) أي الفضل (عنده) أي عند المولى إذا احتاج الرجل (فيمنعه) أي لا يعطيه (إياه إلَّا دُعِيَ له) أي للمعتق بفتح التاء (يوم القيامة فضله الذي منعه شجاعًا أقرع) أي حية انحسر شعرها من كثرة سمها فيلسعه، ويحتمل العكس بأن يكون المراد من الرجل العبد المعتق، ومن المولى مالكه.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": في قوله: لا يسأل رجل مولاه ... إلخ، أراد بالرجل العبد الذي أعتقه مولاه، ففيه إشارة إلى أنه وإن لم يبق له ما كان عليه من حق المماليك قبل أن يعتقه، فليس له أن يبخل عليه بفضل ماله حين افتقر هو إليه، ويمكن أيضًا عكسه، فيكون إيجابًا على العبد حسن السلوك بماله إن كان فاضلًا إذا افتقر إليه معتقه، ومولاه الذي مَنَ عليه بفاضلة الإعتاق، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد من لفظ المولى القريب.\n٥١٤٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا الحارث بن مرة) بن مجاعة - بضم الميم وتشديد الجيم- الحنفي، أبو مرة، اليمامي، ثم البصري، قدم بغداد، وروى عن كليب بن منفعة وغيره، قال ابن معين: ليس به بأس،\n_________\n(١) في نسخة: \"فمنعه\".\n(٢) في نسخة: \"شجاع\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال: أبو داود: الأقرع: الذي ذهب شعر رأسه من السم\".","vol":"13","page":527},{"text":"نَا كُلَيْبُ بْنُ مَنْفَعَةَ، عن جَدِّهِ، أَنَّهُ أَتَى النَّبيَّ (١) - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: \"أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأخْتَكَ، وَأَخَاكَ، وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ، حَقًّا وَاجِبًا،\n===\nوقال مرة: صالح، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الأم، وعن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، قال الآجري عن أبي داود: ليس به بأس.\n(نا كليب بن منفعة) الحنفي البصري، روى عن جده، وقيل: عن أبيه عن جده أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: من أبر؟ الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وسمى ابن منده جده كليبًا أيضًا.\n(عن جده) قال في \"مرقاة الصعود\": اسمه بكر بن الحارث، انتهى. وذكره الحافظ في \"الإصابة\" (٢) بكر بن الحارث الأنماري أبو المنفعة، ذكره الترمذي وابن شاهين في \"الصحابة\"، وأبو بكر بن عيسى البغدادي فيمن نزل حمص من الصحابة، وقال: سألت عبد الله بن عبد الرحمن المخزومي عن اسم أبي المنفعة فقال: أخبرني جابر بن نمر بن حبيب بن أنس بن خالد أن اسم أبي منفعة بكر بن الحارث صاحب رسول الله - ﷺ -، وذكره ابن قانع فسماه أيضًا بكر بن الحارث، ثم أخرج حديثه من طريق كليب عن منفعة عن جده قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، انتهى.\nقلت: فما نقل الحافظ (٣) عن ابن منده أن اسمه كليب لم أجد له أصلًا.\n(أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك)، وإنما قدم الأم والأخت على الأب والأخ لاحتياجهما (ومولاك) أي قريبك (الذي يلي) أي يستحق بالقرابة (ذلك) أي البر (حقَّا واجبًا)\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٢) \"الإصابة\" (١/ ١٦٧).\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٦٤٤).","vol":"13","page":528},{"text":"وَرَحِمًا مَوْصُولَةً\".\n٥١٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ، أنَا. (ح): وَحَدَّثنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى قَالَ: نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عن أَبِيهِ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ\"، قِيْلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالدَيْهِ؟ ! قَالَ: \"يَلْعَنُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَلْعَنُ أَبَاهُ، وَيَلْعَنُ أُمَّهُ فَيَلْعَنُ أُمَهُ\". [خ ٥٩٧٣، م ٩٠، ت ١٩٠٢، حم ٢/ ١٦٤]\n===\nأي حال كونه حقًا وأجبًا (وَرَحِمًا موصولة) وفي نسخة على الحاشية: \"حق واجب، ورحم موصولة\"، فيمكن توجيهه أن يكون لفظ: \"ذلك\" مبتدأ، و\"حق واجب ورحم موصولة\" خبره.\n٥١٤١ - (حدثنا محمد بن جعفر بن زياد قال: أنا، ح: وحدثنا عباد بن موسى، نا إبراهيم بن سعد، عن أبيه) سعد بن إبراهيم، (عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟) وإنما سألوا ذلك على حسب حال زمانهم، فإن في ذلك الزمان كان احترام الوالدين في غاية المرتبة، وأما في زماننا هذا فكثيرًا ما نسمع الأولاد تَسُب والديها وتلعنهما.\n(قال) - ﷺ -: (يلعن أبا الرجل فيلعن) أي الرجل (أباه، ويلعن أمه فيلعن) أي الرجل المسبوب (أمه) أي: أم السابِّ.\nوالحاصل: أن المراد يلعن الرجل والديه أن يكون سببًا وذريعة للعن الوالدين، فكأنه هو لعنهما، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) الآية.\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية ١٠٨.","vol":"13","page":529},{"text":"٥١٤٢ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ (١) وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، الْمَعْنَى، قَالُوا، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عن أَسِيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ مَوْلَى بَنِي سَاعِدَةَ، عن أبِيهِ، عن أَبي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺإذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ (٢) شَيءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ\n===\nقال في \"مرقاة الصعود\": قال النووي (٣): فيه تحريم الوسائل والذرائع.\n٥١٤٢ - (حدثنا إبراهيم بن مهدي وعثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، المعنى، قالوا: نا عبد الله بن إدريس، عن عبد الرحمن بن سليمان) ابن الغسيل، (عن أسيد بن علي بن عبيد مولى بني ساعدة) الساعدي الأنصاري مولى أبي أسيد، وقيل: من ولده، والأول أكثر، وهو أسيد بن أبي أسيد بالفتح، وقال أبو نعيم بالضم، روى عن أبيه عن أبي أسيد، وقيل: عن أبيه، عن جده، عن أبي أسيد، روى عنه عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل.\n(عن أبيه) علي بن عبيد الأنصاري المدني مولى أبي أسيد، روى عن مولاه حديثًا في البر، وقيل: عن أبيه، عن مولاه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، أخرجوا له الحديث المذكور.\n(عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينا نحن عند رسول الله - ﷺ - إذ جاءه رجل من بني سلِمة) بكسر اللام، بطن من الأنصار، وليس في العرب بكسر اللام غيره (فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به)\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن موسى\".\n(٢) في نسخة: \"والدي\".\n(٣) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١/ ٣٦٦).","vol":"13","page":530},{"text":"بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتغفَارُ لَهُمَا، وَإنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إلَّا بِهِمَا، وَإكْرَامُ صَدِيقِهِمَا\". [جه ٣٦٦٤، حم ٣/ ٤٩٨، حب ٤١٨]\n٥١٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا أَبُو النضرِ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ \"أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْمَرْءِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ\". [م ٢٥٥٢، ت ١٩٠٣، حم ٢/ ٨٨]\n٥١٤٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا أَبُو عَاصِمٍ، نَا جَعْفَرُ بْنُ\n===\nأي أوصل البر إليهما (بعد موتهما؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (نعم، الصلاة عليهما) أي دعاء الرحمة لهما، (والاستغفار لهما) أن تستغفر الله لهما، (وإنفاذ عهدهما) أي إجراء وصيتهما (من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما).\nقال في \"مرقاة الصعود\": ولفظ البيهقي: \"وصلة رحمهما التي لا رحم لك إلا من قِبَلهما، فقال: ما أكثر هذا وأطيبه يا رسول الله! قال: فأعمل فإنه يصل إليهما\" (١).\n٥١٤٣ - (حدثنا أحمد بن منيع، نا أبو النضر، نا الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن أبو البر) أي أتم وأكمل في بر الأب (صلة المرء أهل ودِّ أبيه) أي إيصال الخير إلى أصحاب مودّة أبيه ومحبته (بعد أن يُوَلِّيَ) أي أبوه بموته أو غيبته.\n٥١٤٤ - (حدثنا ابن المثنى، نا أبو عاصم، نا جعفر بن\n_________\n(١) وهل ينتفع الوالد بعلم ولده؟ بسطه الشامي (٩/ ٦١٧). (ش).","vol":"13","page":531},{"text":"يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ ثَوْبَانَ، أَنا عُمَارَةُ بْنُ ثَوْبَانَ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْجِعِرَّانَةِ- قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ أَحْمِلُ عَظْمَ الْجَزُورِ- إذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هِيَ؟ فَقَالَوا: هَذِهِ أُمُّهُ الَّتي أَرْضَعَتْهُ.\n٥١٤٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ جَالِسًا يَوْمًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ\n===\nيحيى بن عمارة بن ثوبان، أنا عمارة بن ثوبان، أن أبا الطفيل) عامر بن واثلة (أخبره قال: رأيت النبي - ﷺ - يقسم لحمًا بالجعرانة) بكسر الجيم، والعين المهملة، وتشديد الراء، وقد يسكن العين، ويخفف الراء، موضع معروف على مرحلة من مكة، أقام بها رسول الله - ﷺ - بضعة عشر يومًا لتقسيم غنائم حنين، واعتمر منها.\n(قال أبو الطفيل: وأنا يومئذ غلام أحمل عظم الجزور) أي البعير (إذ أقبلت امرأة) وهي حليمة السعدية (١) بنت أبي ذؤيب (حتى دنت إلى النبي - ﷺ -، فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت: من هي؟ فقالوا: هذه أمه التي أرضعته).\n٥١٤٥ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، نا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب حدثه، أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - كان جالسًا يومًا فأقبل أبوه من الرَّضاعة) أي زوج أمه من الرضاعة (فوضع له) أي بسط (بعض ثوبه، فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع) أي فبسط (لها شِقَّ ثوبه من جانبه\n_________\n(١) وبه جزم السيوطي في \"شرح الترمذي\". (ش).","vol":"13","page":532},{"text":"الآخَرِ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَامَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>(١٢٢) بابٌ في فَضْلِ مَنْ عَالَ يَتَامَى </span>(١)\n===\nالآخر، فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام له رسول الله - ﷺ -) من مجلسه (فأجلسه بين يديه).\nقال المنذري (٢): هذا معضل، عمر بن السائب يروي عن التابعين، وأمه من الرضاعة حليمة السعدية أسلمت، وجاءت إليه، وروت عنه - ﷺ -، روى عنها عبد الله بن جعفر، وأخته من الرضاعة الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى بن رفاعة، وهي بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها ميم، لا تعرف في قومها إلَّا به، ويقال لها: الشماء بغير ياء، واسمها خذامة بكسر الخاء وفتح الذال المعجمتين، وبعضهم يقول: جُدامة بالجيم والدال المهملة، وبعضهم يقول: حذافة بالحاء المهملة، والذال المعجمة، وبعد الألف فاء، أسلمت، ووصلها رسول الله - ﷺ - بصلة، وهي التي كانت تحضنه - ﷺ - مع أمه وتوركه. وأخوه أيضًا من الرضاعة عبد الله بن الحارث، وأخته أيضًا من الرضاعة أنيسة بنت الحارث، وأبوهم الحارث بن عبد الْعُزَّى بن رفاعة السعدي زوج حليمة، انتهى.\n\n(١٢٢) (بابٌ في فَضْلِ مَنْ عَالَ)، أي: تَعَهدَ وقام بمؤنة (يَتَامَى)\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": أورد فيه من الروايات ما ليس في كثير شيء منها تصريح باليتم، ويمكن أن تثبت الترجمة قياسًا، فإن الأجر لما كان في تربية أولاده بنفسه هذا القدر، فكيف من يربي ولد غيره، ويمكن أيضًا أن يراد بكلمة \"من\" المرأة لا أعم منها ومن الرجل، وإضافة التربية\n_________\n(١) في نسخة: \"يتيمًا\".\n(٢) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٤٧٨).","vol":"13","page":533},{"text":"٥١٤٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عن ابْنِ حُدَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا- قَالَ: يَعْنِي الذُّكُورَ- أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ\". وَلَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ، يَعْنِي الذُّكُورَ. [حم ١/ ٢٢٣]\n٥١٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، نَا سُهَيْلٌ - يَعنِي ابْنَ أَبِي صَالِحٍ -، عن سَعِيدٍ الأَعْشَى- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مُكْمِلٍ الزُّهْرِيُّ-، عن أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ\n===\nإليها لا يكون إلَّا إذا لم تكن ذات زوج، نعم يرد عليه تذكير الأفعال، فيجاب عنه بأنه لتذكير لفظ: \"من\" وإن قصدت به الأنثى، ويمكن أيضًا أن يراد في الروايات بمن الموصولة هو الرجل كما هو الظاهر، إلا أن الحكم يثبت في المرأة إذا عالتهن، وقامت عليهن بحقوقهن بدلالة النص، إن سلّم أن التربية عليها أعسر منها عليه، وقياسًا إن لم يسلم، انتهى.\n٥١٤٦ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ابن حُدَير) قال في \"التقريب\": بصري مستور، لا يعرف اسمه، (عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من كانت له أنثى فلم يئدها) من وَأَدَ يَئِد، أي لم يدفنها حية (ولم يُهِنْهَا) من الإهانة، أي لم يُذلها (ولم يؤثر) أي لم يرجح (ولده) أي الذكر (عليها، قال) الراوي: (يعني) من لفظ الولد (الذكور، أدخله الله الجنة، ولم يذكر عثمان: يعني الذكور).\n٥١٤٧ - (حدثنا مسدد، حدثنا خالد، نا سهيل - يعني ابن أبي صالح -، عن سعيد الأعشى، قال أبو داود: وهو) أي سعيد الأعشى (سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل) بضم الميم، وسكون الكاف، وكسر الميم الثانية، الأعشى (الزهري) المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أيوب بن بشير","vol":"13","page":534},{"text":"الأَنْصَارِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ، فَأَدَّبَهُنَّ (١) وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ إلَيْهِنَّ، فَلَهُ الْجَنَّةُ\". [ت ١٩١٦، حم ٣/ ٤٢]\n٥١٤٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفَ بْن مُوسَى، نَا جَرِيرٌ، عن سُهَيْلٍ بِهَذَا الإسْنَادِ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: \"ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ، أَوْ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، أَو ابْنَتَانِ، أَوْ أُخْتَانِ\" (٢) [انظر ما قبله]\n٥١٤٩ - حَدّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بنُ زُريعٍ، نَا النَّهَّاسُ بْنُ قَهْمٍ، حَدَّثَنِي شَدَّادٌ أَبُو عَمَّارٍ، عن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشجَعِيِّ قَالَ:\n===\nالأنصاري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: من عال) أي رَبّى (ثلاث بنات فأدّبهن، وزوّجهن، وأحسن إليهن) أي في الحب، والطعام، والكسوة (فله الجنة).\n٥١٤٨ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا جرير، عن سهيل بهذا الإسناد (٣) بمعناه، قال: ثلاث أخوات، أو ثلاث بنات، أو ابنتان، أو أختان) يعني حكم الأخوات الثلاث، وكذلك حكم الاثنتين منهما ما هو حكم ثلاث بنات، وفي هذه الزيادة دلالة لمناسبة الباب، لأن الأخوات لا تكون في عيال الأخ إلَّا إذا مات الأب.\n٥١٤٩ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا النهاس بن قَهْم (٤)، حدثني شداد أبو عمار، عن عوف بن مالك الأشجعي قال:\n_________\n(١) في نسخة: \"فآواهن\".\n(٢) في نسخة: \"أو ابنتين أو أختين\".\n(٣) لعله ذكر له المتابعة لما في الترمذي (١٩١٦) من القلب في سنده، ومثل أبي داود أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٩). (ش).\n(٤) قال المنذري (٤/ ٤٨٠): في إسناده النهاس بن قهمْ، أبو الخطاب البصري، القاضي، ولا يحتج بحديثه.","vol":"13","page":535},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، - وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ-: \"امْرَأَةٌ آمتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا\". [حم ٦/ ٢٩]\n\n(١٢٣) بابٌ في مَنْ (١) ضَمَّ يَتِيمًا\n٥١٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ -، حَدَّثَنِي أَبِي، عن سَهْلٍ:\n===\nقال رسول الله - ﷺ -: أنا وامرأة سفعاءُ الخدَّين).\nقال في \"اللمعات\": السفعة بضم المهملة، نوع من السواد ليس بالكثير، وقيل: هو سواد مع لون آخر، أراد أنها بذلت نفسها، وتركت الزينة والترفه حتى تغير لونها وأسودَّ، لما تكابده من المشقة والضنك إقامة على ولدها بعد وفاة زوجها.\n(كهاتين يوم القيامة، وأومأ) أي أشار (يزيد) بن زريع (بالوسطى والسبابة) قال في \"فتح الودود\": والمراد من أمثال هذه الأحاديث: المبالغة، وإلَّا فدرجات الأنبياء أعلى وأجل.\n(امرأة) عطف بيان لامرأة سفعاء، أو بدل منها، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هذه إمرأة (آمتْ) بالمد أي تأيمت (من زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماهما حتى بانُوا) أي انقطعوا عنها لاستقلالهم، وعدم احتياجهم إليها بالبلوغ (أو ماتوا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>(١٢٣) (بابٌ في مَنْ ضَمَّ يتَيمًا)</span>\n٥١٥٠ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أنا عبد العزيز- يعني ابن أبي حازم-، حدثني أبي) أي ابن أبي حازم، (عن سهل) قال المنذري:\n_________\n(١) في نسخة: \"في ضم اليتيم\".","vol":"13","page":536},{"text":"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ في الْجَنَّةِ\"، وَقَرَنَ (١) بَيْنَ إصْبَعَيْهِ (٢): الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإبْهَامَ. [خ ٥٣٠٤، ت ١٩١٨، حم ٥/ ٣٣٣]\n===\nهو ابن سعد الساعدي ﵁ (أن النبي - ﷺ - قال: أنا وكافل اليتيم) أي القيم بأمره ومصالحه (كهاتين في الجنة، وقرن بين إصبعيه: الوسطى والتي تلي الأبهام) أي المسبحة.\nقال في \"مرقاة الصعود\" فإن قلت: درجات الأنبياء ﵈ أعلى من درجات سائر الخلق لا سيما درجة نبينا - ﷺ - لا ينالها أحد.\nقلت: الغرض منه المبالغة في رفع درجته في الجنة، قال: وإنما فرق بين الإصبعين إشارة إلى التفاوت بين درجات الأنبياء، وآحاد الأمة، انتهى.\nوهذا الجواب مبناه على أن يكون في رواية لفظ: \"وفرَّق بين أصابعه\"، ولكن في النسخ الموجودة: \"وقرن بين إصبعيه\" (٣) في المتن، وأما في الحاشية فنسخة \"فرق\"، ويؤيده رواية البخاري (٤) في اللعان بلفظ: \"وَفَرَّج بينهما شيئًا\" فهذا صريح في عدم اتصال إحداهما بالأخرى.\nقال الحافظ (٥): ويكفي في إثبات قرب المنزلة من المنزلة أنه ليس بين الوسطى والسبابة إصبع أخرى، ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حال دخول الجنة، لما أنه أخرجه أبو يعلى (٦) من حديث أبي هريرة رفعه: \"أنا أول من يُفْتَحُ [لي] باب الجنة، فإذا امرأة تبادرني فأقول: من أنتِ؟ فتقول: أنا امرأة\n_________\n(١) في نسخة: \"فرق\".\n(٢) في نسخة: \"أصابعه\".\n(٣) ووجه في \"الكوكب الدري\" (٣/ ٥٠) بأنه يكفي للفوق أن السبابة متأخرة أي صغيرة من الوسطى. (ش).\n(٤) انظر: \" صحيح البخاري\" (٥٣٠٤).\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٦).\n(٦) انظر: \"مسند أبي يعلى\" (١٢/ ٦٦٥١).","vol":"13","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1883>(١٢٤) بابٌ في حَقِّ الْجِوَارِ</span>\n٥١٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادٌ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي بَكْرٍ بنِ مُحَمَّدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ، عن (١) رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى قُلْتُ لَيُوَرِّثَنَّهُ\". [خ ٦٠١٤، م ٢٦٢٤، ت ١٩٤٢، جه ٣٦٧٣، حم ٦/ ٢٣٨]\n٥١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا سفْيَانُ، عن بَشِيرٍ أَبِي إسْمَاعِيلَ، عن مُجَاهِدٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً فَقَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِي الْيَهُودِيِّ؟ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيورثُهُ\". [ت ١٩٤٣، حم ٢/ ١٦٠]\n===\nتأيمت على أيتام لي\". وقوله: تبادرني أي لتدخل معي، أو تدخل في إثري.\n\n(١٢٤) (بابٌ في حَقِّ الْجِوَارِ)\n٥١٥١ - (حدثنا مسدد، نا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة، عن رسول الله - ﷺقال: ما زال جبرئيل يوصيني بالجار) أي بأن آمر الأمة برعاية حقوق الجار (حتى قلت) في نفسي، يعني ظننت (ليُورِثَنَّه) يعني يحكم بتوريث أحد الجارين الآخر.\n٥١٥٢ - (حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا سفيان، عن بشير) بن سليمان (أبي إسماعيل) الكندي، (عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، أنه ذبح شاة فقال: أهديتم) بتقدير حرف الاستفهام البخاري اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله - ﷺيقول: ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننث أنه سَيوَرِّثه) أي يجعل الجار وارثًا في تركة الجار مثل ذوي الفروض والعصبات.\n_________\n(١) في نسخة: \"أن\".","vol":"13","page":538},{"text":"٥١٥٣ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نِافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ\n===\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"أهديتم لجاري اليهودي\"، ولا ينافيه ما اشتهر بين العلماء نظرًا إلى أحاديث النهي عن مجاورة الكفار والمكث في محلاتهم، أن يهوديًّا أو غيره من الكفار إن سكن في محلة المسلمين يخرج منها، وكذلك المسلم إن سكن في محلة الكفار يؤمر بالخروج منها لقوله ﵇: \"لا تتراءى ناراهما\" (١) إلى غير ذلك من النصوص، ووجه ذلك أن كونه جارًا له لا يقتضي عدم الفصل بينهما، فإن الجار أعم من الملاصق وغيره.\nولذلك حدَّ بعضهم الجوار بأربعين دارًا، وقد قيل فيه بأقل منها، فلا يلزم أنه كان تحت جداره، وأيضًا يمكن أن يكون داره على حد من محلة أهل الذمة، كدار عبد الله على طرف من محلة المسلمين لاصقًا ظهر بيته بظهر بيته، فلم يكن سكناهما في محلة واحدة، وهذا غير منهي عنه، إذ لو كان منهيًا عنه لما ورد في المرابطين ما ورد في الأجر، لأن المقيم على الثغر مجاور لأرض أهل الذمة ودارهم، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يجاب عنه بأن عبد الله بن عمرو بن العاص كان من المهاجرين، وهذه الواقعة أي سكناه عند دار اليهودي لعله وقعت بالشام أو مصر، لما رحل عبد الله بن عمرو إليها، فلم يكن سكناه في ذلك الموضع سكون قرار ومكث، بل كانت هذه السكنى عارضة، والمراد بالمجاورة المنهية إذا كانت سكنى دوام وقرار فلا إشكال، والله أعلم.\n٥١٥٣ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، نا سليمان بن حيان، عن محمد بن عجلان، عن أبيه) عجلان مولى فاطمة بنت عتبة، (عن أبي هريرة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، والنسائي (٤٧٨٠).","vol":"13","page":539},{"text":"قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَشْكُو جَارَهُ قَالَ: \"اذْهَبْ فَاصْبِرْ\"، فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: \"اذْهَبْ فَاطْرَح مَتَاعَكَ في الطَّرِيقِ\"، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ في الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّه بِهِ وَفَعَلَ، فَجَاءَ إلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تكْرَهُهُ.\n٥١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَاقُ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا\n===\nقال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - يشكو جاره، قال) النبي - ﷺ -: (اذهب فاصبر) على إيذائه (فأتاه مرتين أو ثلاثًا، فقال) - ﷺ -: (اذهب فاطرح متاعك في الطريق، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه) إذا مروا عليه (فيخبرهم خبره) أي خبر الجار من إيذائه (فجعل الناس يلعنونه) أي جاره ويدعون عليه: (فعل الله به وفعل، فجاء إليه جاره) واعتذر (فقال له: ارجع إلى بيتك) وَضَع متاعك في البيت (لا ترى مني) بعد ذلك (شيئًا تكرهه).\n٥١٥٤ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ومن جملة الإكرام أن يلقاه بوجه طلق، وأن يتكلف بعض التكلف في طعامه وإيوائه، وأن يظهر الفرح والسرور بقدومه.\n(ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) وهذا أدناه، بل يحسن إليه.\n(ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا) أي كلامًا حسنًا عند الله","vol":"13","page":540},{"text":"أَوْ ليَصْمُتْ\". [خ ٦٥١٨، م ٤٧، ت ٢٥٠٠، حم ٢/ ٢٦٧]\n٥١٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَهُمْ، عن أَبِي عِمْرَانَ الْجونِيِّ، عن طَلْحَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ لِي جَارينِ بَأَيِّهِمَا أَبْدَأُ؟ قَالَ: \"بِأَدْنَاهُمَا بَابًا\". [خ ٦٠٢٠، حم ٦/ ١٧٥، ١٨٧، ١٩٣، ٢٣٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ شُعْبَةُ (١) في هَذَا الْحَدِيثِ: طَلْحَةُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ.\n===\nيرجى فيه الأجر (أو ليصمت) أي عن الكلام المباح أيضًا لئلا يجره إلى الكلام الذي فيه إثم أو شيء من الإثم.\n٥١٥٥ - (حدثنا مسدد بن مسرهد وسعيد بن منصور، أن الحارث بن عبيد حدثهم، عن أبي عمران الجوني، عن طلحة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين بأيهما أبدأ) في الهدية إليه؟ (قال) رسول الله - ﷺ -: (بأدناهما) أي أفربهما (بابًا) منك.\n(قال أبو داود: قال شعبة (٢) في هذا الحديث: طلحة رجل من قريش) قال المنذري: وطلحة هذا هو طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن معمر القرشي، احتج به البخاري في \"صحيحه\" وأخرج هذا الحديث من حديثه.\nوفي \"تهذيب التهذيب\": طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله بن معمر، وفي \"الخلاصة\" (٣): طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن نعيم، وفي \"التقريب\" (٤): طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله بن عمرو،\n_________\n(١) في نسخة: \"سعيد\".\n(٢) أخرج روايته أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٢٣٩).\n(٣) راجع: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٨)، و\"الخلاصة\" (ص ١٧٩).\n(٤) \"تقريب التهذيب\" (٤٦٤٥).","vol":"13","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1884>(١٢٥) بَابٌ في حَقِّ الْمَمْلُوكِ</span>\n٥١٥٦ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ قَالَا: نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ (١)، عن مُغِيرَةَ، عن أُمِّ مُوسَى،\n===\nوفي \"الكاشف\" (٢): طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله.\nوأخرج البخاري (٣) حديث شعبة، عن أبي عمران الجوني، قال: سمعت طلحة بن عبد الله، عن عائشة، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): قوله: سمعت طلحة بن عبد الله، جزم المزي بأنه ابن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقال بعضهم: هو طلحة بن عبد الله الخزاعي، ويترجح ما قال المزي بأن المصنف أخرج حديث الباب (٥) في الهبة من طريق غندر، عن شعبة، فقال: طلحة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرة، انتهى.\nقلت: فالظاهر أن ما وقع في \"التقريب\" من قوله: عبيد الله بن عمرو، وكذلك ما في \"الخلاصة\": عبد الله بن نعيم فلعلهما من سهو الكاتب، قلت: وكذلك يرجح قول المزي (٦) ما قال أبو داود: طلحة رجل من قريش.\n\n(١٢٥) (بابٌ في حَقِّ الْمَمْلوكِ)\n٥١٥٦ - (حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: نا محمد بن الفضل، عن مغيرة، عن أم موسى) قال في \"الخلاصة\" (٧): سرية علي ﵁، اسمها حبيبة، روت عن علي، وعنها مغيرة بن مقسم، قال الدارقطني: حديثها مستقيم يعتبر به.\n_________\n(١) في نسخة: \"الفضيل\".\n(٢) انظر: \"الكاشف\" (٢/ ٤٣).\n(٣) انظر. \"صحيح البخاري\" (٦٠٢٠).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٩).\n(٥) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٥٩٥).\n(٦) انظر: \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٤٢٦).\n(٧) \"خلاصة تهذيب الكمال\" (ص ٥٠٠).","vol":"13","page":542},{"text":"عن عَلِيِّ قَالَ: كَانَ آخِرُ كَلَام رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: \"الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا (١) الله فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُم\". [جه ٢٦٩٨، حم ١/ ٧٨، ق ٨/ ١١]\n٥١٥٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ غَلِيظٌ وَعَلَى غُلَامِهِ\n===\n(عن علي) ﵁ (قال: كان آخر كلام رسول الله - ﷺ -) أي في آخر كلامه، أو يقال: في آخر كلامه في المواعظ والوصايا، وإلا فآخر كلامه: \"اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى\" (الصلاة الصلاة) أي احفظوها وراعوا أوقاتها وآدابها (اتقوا الله فيما ملكت (٢) أيمانكم) أن تظلموها أو تكلفوها فوق طاقتها، فبعمومه شمل الغلمان والجواري والدواب وغيرها.\nقال المنذري (٣): وأخرجه ابن ماجه، وليس فيه: \"اتقوا الله\"، ولفظه: \"الصلاة وما ملكت أيمانكم\"، وأم موسى هذه قيل: اسمها حبيبة.\n٥١٥٧ - (حدثنا عثمان بن أبو شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر بالربذة) قال في \"معجم البلدان\" (٤): الرَّبَذَة من قرى المدينة على ثلاثة أميال (٥) قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري - ﵁ -، وكانت من أحسن منزل في طريق مكة، انتهى. والصواب ما قال الحافظ في \"الفتح\" (٦): وبينه وبين المدينة ثلاث مراحل.\n(وعليه يرد غليظ وعلى غلامه) قال الحافظ: وغلام أبي ذر المذكور\n_________\n(١) في نسخة: \"واتقوا\".\n(٢) ولا يدخل فيه ضرب المعلم للتعليم والتأديب، كما بسطه ابن عابدين (٩/ ٦١٦). (ش).\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٤٨١).\n(٤) \"معجم البلدان\" (٣/ ٢٤).\n(٥) كذا في الأصل، وفي \"معجم البلدان\": \"ثلاثة أيام\"، وهو الظاهر.\n(٦) \"فتح الباري\" (١/ ٨٦).","vol":"13","page":543},{"text":"مِثْلُهُ، قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ كُنْتَ أَخَذْتَ الَّذِي عَلَى غُلَامِكَ فَجَعَلْتَهُ مَعَ هَذَا، فَكَانَتْ حُلَّةً، وَكَسَوْتَ غُلَامَكَ ثَوْبًا غَيْرَهُ؟، قَالَ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: إنّي كُنْتُ سَابَبْتُ رَجُلًا وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ\n===\nلم يسم، ويحتمل أن يكون أبا مراوح مولى أبي ذر اسمه سعد (مثله، قال) المعرور: (فقال القوم: يا أبا ذر، لو كنت أخذت الذي على كلامك فجعلته مع هذا، فكانت حُلَّةً، وكسوت كلامك ثوبًا غيره).\nقال الحافظ: في رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة: \"أتيت أبا ذر فإذا حلة، عليه منها ثوب وعلى عبسه منها ثوب\"، وهذا يوافق ما في اللغة أن الحلة ثوبان من جنس واحد، ويؤيده ما في رواية الأعمش عن المعرور عند المؤلف في \"الأدب\" بلفظ: \"رأيت عليه بردًا وعلى غلامه بردًا، فقلت: لو أخذت هذا فلبسته لكانت حلة\".\nوفي رواية مسلم: \"فقلت (١): يا أبا ذر لو جمعت بينهما لكانت حلة\"، ولأبي داود: \"فقال القوم: يا أبا ذر لو أخذت الذي على غلامك وجعلته مع الذي عليك لكانت حلة\"، فهذا موافق لقول أهل اللغة، لأنه ذكر أن الثوبين يصيران بالجمع بينهما حلة، ولو كان كما في الأصل على كل واحد منهما حلة لكان إذًا جمحهما يصير عليه حلتان، ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه كان عليه برد جيد تحته ثوب خلق من جنسه وعلى غلامه كذلك، وكأنه قيل له: لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك وأعطيت الغلام البرد الخلق يدله لكانت حلة جيدة، فتلتئم بذلك الووايتان، ويحتمل قوله في حديث الأعمش: \"لكانت حلة\" أي كاملة الجودة، فالتنكير فيه للتعظيم، والله أعلم.\n(قال: فقال أبو ذر: إني كنت ساببت رجلًا) شاتمت رجلًا، قيل: إن الرجل المذكور هو بلال المؤذن مولى أبي بكر (وكانت أمه أعجمية فعيَّرَته)\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"صحيح مسلم\" (١٦٦١) و\"فتح الباري\" (١/ ٨٦): \"فقلنا\".","vol":"13","page":544},{"text":"بِأُمِّهُ، فَشَكَانِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"يَا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيةٌ\"، قَالَ: \"إنَّهُمْ إخْوَانُكُمْ فَضَّلَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُلَائِمْكُمْ فَبِيعُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ\". [خ ٦٠٥٠، م ١٦٦١، ت ١٩٤٥، جه ٣٦٩٠، حم ٥/ ١٥٨]\n٥١٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الأَعْمَشُ، عن الْمَعْرُورِ قَالَ: دَخَلْنَا (١) عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ فَإذَا عَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلَى\n===\nأي نسبته إلى العار (بأمه) وكانت أمه أعجمية، وفي رواية: \"فقلت له: يا ابن السوداء\"، قال الحافظ: ويظهر لي أن ذلك كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده، فلهذا قال: \"قلتُ (٢): إلى ساعتي (٣) هذه من كبر السن؟ قال: نعم\" كأنه تعجب على خفاء ذلك عليه مع كبر سنه، فبين له كون هذه الخصلة مذمومة شرعًا، وكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره أخذًا بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط المواساة لا المساواة.\n(فشكاني إلى رسول الله - ﷺ - فقال) رسول الله - ﷺ -: (يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية) أي خصلة من خصال الجاهلية، وهي التعيير بالأم (قال) رسول الله - ﷺ -: (إنهم) أي عبيدكم (إخوانكم) في الإِسلام، وفي كونكم بني آدم (فضَّلكم الله عليهم) بالحرية والمالكية (فمن لم يُلائمكم) أي لم يوافقكم من مماليككم (فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله) فبعد ذلك كان أبو ذر يساوي بينه وبين غلامه.\n٥١٥٨ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن المعرور) بن سويد (قال: دخلنا على أبي ذر بالربذة، فإذا عليه برد، وعلى\n_________\n(١) في نسخة: \"دخلت\".\n(٢) قائله: أبو ذر الغفاري.\n(٣) وفي \"صحيح البخاري\" (٦٠٥٠): \"على حين ساعتي\"، وفي \"الفتح\": \"على ساعتي\".","vol":"13","page":545},{"text":"غُلَامِهِ مِثْلُهُ، فَقُلْنَا (١): يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ أَخَذْتَ بُرْد غُلَامِكَ إلَى بُرْدكَ فَكَانَتْ حُلَّةً، وَكَسَوْتَهُ ثَوْبًا غَيْرَهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَده (٢) فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ، وَلْيَكْسُهُ (٣) مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفْهُ مَا يَغْلِبُهُ، فَإنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ\". [انظر سابقه]\nقَالَ أَبُو داوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ عن الأَعْمَش نَحْوَهُ.\n٥١٥٩ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ الْعَلَاءِ (٤). (ح): وَنَا ابْنُ الْمُثنَّى قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عن أَبِيهِ،\n===\nغلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر، لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت) لك (حلة، وكسوته) أي غلامك (ثوبًا غيره، قال؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إخوانكم) خبر مبتدأ محذوف أي هم (جعلهم الله تحت أيديكم) أي مَلَّكَكُمُوهم (فمن كان أخوه تحت يده) أي في ملكه (فليطعمه مما يأكل، وليكسه مما يلبس) وهذا مستحب لا واجب إجماعًا، وقالوا: يجب على السيد نفقة رقيقه خبزًا وإدامًا قدر ما يكفيه من غالب قوت مماليك البلد (ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما) أي خدمة (يغلبه) أي لا يطيق تلك الخدمة (فليعنه. قال أبو داود: رواه ابن نمير (٥)، عن الأعمش نحوه).\n٥١٥٩ - (حدثنا محمد بن العلاء، ح: ونا ابن المثنى قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي، عن أبيه) يزيد بن شريك\n_________\n(١) في نسخة: \"قلنا له\".\n(٢) في نسخة: \"يديه\".\n(٣) في نسخة: \"وليلبسه\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال: أنا أبو معاوية\".\n(٥) أخرج روايته أبو عوانة (٤/ ٧٢) رقم (٦٠٦٨)، والبيهقي (٧/ ٨).","vol":"13","page":546},{"text":"عن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: \"اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ\" (١)، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: مَرَّتَيْنِ، \"لَلَّهُ (٢) أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ\"، فَالْتَفَتُّ فَإذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ (٣) - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، قَالَ: \"أَمَا إنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَعَتْكَ (٤) النَّارُ\" أَوْ \"لَمَسَتْكَ النَّارُ\". [م ١٦٥٩، ت ١٩٤٨، حم ٤/ ١٢٠]\n===\nالتيمي، (عن أبي مسعود الأنصاري قال: كنت أضرب غلامًا لي فسمعت من خلفي صوتًا: اعلم) بصيغة الأمر أي تَنَبَّه (أبا مسعود) منصوب بتقدير حرف النداء.\n(قال ابن المثنى: مرتين، للهُ أقدر عليك منك عليه) يعني الله ﷿ أشد قدرة عليك من قدرتك على غلامك (فالتفتُّ فإذا هو رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، قال) رسول الله - ﷺ -: (أما إنك لو لم تفعل) إعتاقه (لَلَفَعَتْكَ النارُ) والتلفع التلحف والتلهب، والتَفَع: التَحَفَ، وحاصله أنه أحاطتك النار (أو) للشك من الراوي قال: (لمستك النار) ولعله بلغ أبو مسعود من الضرب قدرًا خرج من حد الجواز الشرعي (٥)، فاحتاج إلى الكفارة، فإعتاقه صار كفارة لجريمته.\nوكتب مولانا محمد يحيى - ﵀ - في \"التقرير\": قوله: للفعتك النارُ، أي: لو زادت جريمتك وضربك على قدر عصيانه، إلا أنه أبرزه في صورة المطلق ليفيد تشديدًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود\".\n(٢) في نسخة: \"الله\".\n(٣) في نسخة: \"نبي\".\n(٤) في نسخة: \"للفحتك\".\n(٥) كما يدل عليه لفظ السوط في الحديث الآتي، وإلَّا فمجرد الضرب لا يمنع، وقد ضرب الصديق ﵁ غلامه حين أضل زاملته في الحج. (ش).","vol":"13","page":547},{"text":"٥١٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عن الأَعْمَشِ بَإسْنَاده، وَمَعْنَاهُ نَحْوَهُ، قَالَ: كنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الْعِتْقِ. [انظر ما قبله]\n٥١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو الرَّازِيُّ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُور، عن مُجَاهِدِ، عن مُورِّقِ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ لَاءَمَكُمْ (١) مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأطْعِمُوهُ (٢) مِمَّا تَأكُلُونَ، وَاكْسُوهُ مِمَا تَكْتَسُون (٣)، وَمَنْ لَمْ (٤) يُلَائِمْكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ\". [حم ٥/ ١٦٨، ١٧٣، ق ٨/ ٧]\n٥١٦٢ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا عَبْدُ الزَزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن عُثْمَان بْنِ زُفَرَ،\n===\n٥١٦٠ - (حدثنا أبو كامل، نا عبد الواحد، عن الأعمش بإسناده ومعناه نحوه، قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط) فزاد عبد الواحد لفظ: \"بالسوط\" (ولم يذكر أمر العتق) كما ذكره أبو معاوية.\n٥١٦١ - (حدثنا محمد بن عمرو الرازي، نا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن مورق) العجلي، (عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: من لاءمكم) أي وافقكم (من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تكتسون) أي: ألبسوه مما تلبسون، (ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله) أي بالضرب والشتم.\n٥١٦٢ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن عثمان بن زفر) الجهني الدمشقي، روى عن محمد بن خالد بن رافع بن\n_________\n(١) في نسخة: \"يلائمكم\".\n(٢) في نسخة: \"فأطعموهم\".\n(٣) في نسخة: \"تلبسون\".\n(٤) في نسخة: \"لا\".","vol":"13","page":548},{"text":"عن بَعْضِ بَنِي رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ (١)، عن رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ - وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ --، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ (٢)، وَسوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ\". [حم ٣/ ٥٠٢]\n٥١٦٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُصَفَّى، نَا بَقِيَّةُ، نَا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ،\n===\nمكيث، وقيل: عن بعض بني رافع بن مكيث، عن رافع، ذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(عن بعض بني رافع بن مكيث) قال الحافظ في \"التقريب\": هو محمد بن خالد بن رافع (عن رافع بن مكيث) هكذا في المجتبائية والمكتوبة الأحمدية وإحدى النسختين المدنيتين، والمصرية، ونسخة \"العون\".\nوأما في الكانفورية والنسخة المدنية التي عليها المنذري ففيهما: عن بعض بني رافع بن مكيث، عن عمه الحارث بن رافع بن مكيث، فعلى النسخة الأولى الحديث منقطع، بل معضل، لأن بعض بني رافع وهو محمد بن خالد بن رافع ليس له رواية عن رافع، وبينهما سقط الحارث وآخر، وأما على النسخة الثانية فالحديث مرسل كالحدلث الآتي، وفي بعض النسخ: عن بعض بني رافع بن مكيث، عن عمه الحارث بن رافع بن مكيث، عن رافع بن مكيث، وعلى هذه النسخة فالحديث مرسل أيضًا.\n(وكان) رافع (ممن شهد الحديبية مع النبي - ﷺ -، أن النبي - ﷺ - قال: حسن الملكة) أي حسن الصنيع إلى المماليك (يُمْنٌ) يعني إذا أحسن الصنيع بالمماليك يحسنون خدمته، وذلك يودي إلي اليمن والبركة، كما أن سوء الملكة يؤدي إلى الشؤم والهلكة، والمراد حسن المعاملة والصحبة مع المماليك (وسوء الخلق شؤم).\n٥١٦٣ - (حدثنا ابن المصفى، نا بقية، نا عثمان بن زفر،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عن عمه الحارث بن رافع بن مكيث\".\n(٢) في نسخة: \"نماء\".","vol":"13","page":549},{"text":"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ، عن عَمِّهِ الْحَارِثِ بْنِ رَافِعِ بْنٍ مَكِيْثٍ - وَكَانَ رَافِعٌ مِنْ جُهَيْنَةَ قَدْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَن رَسُولَ اللهِ - ﷺقَالَ: \"حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ\" [انظر سابقه]\n٥١٦٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ- وَهَذَا حَدِيثُ الْهَمْدَانِيِّ وَهُوَ أَتَمُّ- قَالَا: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ جُلَيْدٍ الْحَجْرِيِّ\n===\nحدثني محمد بن خالد بن رافع بن مكيث) بفتح الميم، وكسر الكاف، بعدها تحتانية، ثم مثلثة، الجهني، روى عن عمه الحارث بن رافع، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن عمه الحارث بن رافع بن مكيث) الجهني، روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن القطان: لا يُعرَف.\n(وكان رافع من جهينة قد شهد الحديبية مع رسول الله - ﷺ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: حسن الملكة) بفتح الميم واللام (يمن) أي سبب للبركة (وسوء الخلق شوم) أي سبب للهلكة. قال المنذري (١): هذا الحديث مرسل، الحارث بن رافع تابعي، وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال.\n٥١٦٤ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني وأحمد بن عمرو بن السرح، وهذا حديث الهمداني) أي لفظه (وهو أتم، قا لا: ثنا ابن وهب قال: أخبرني أبو هانئ الخولاني، عن العباس بن جُلَيد) مصغرًا (الحَجْري) المصري، قال أبو زرعة والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ووثقه يعقوب بن سفيان، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لا أعلم سمع عباس بن جليد من عبد الله بن عمر.\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٤٨٤).","vol":"13","page":550},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَر يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ إلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَان في الثَّالِثَةِ قَالَ: \"اعْفُو عَنْهُ في كُلِّ يَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً\". [ت ١٩٤٩، حم ٢/ ٩٠]\n٥١٦٥ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنَا. (ح): وَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: نَا عِيسَى، نَا فُضَيْلٌ (١)، عن ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ نَبِيُّ التَّوْبَةِ - ﷺ -\n===\n(قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كم نعفو عن الخادم؟) أي المملوك ذكرًا أو أنثى (فَصَمَتَ، ثم أعاد إليه الكلام فَصَمَتَ، فلما كان في الثالثة قال) رسول الله - ﷺ - (اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة) ولا يعصي المملوك مالكه في اليوم سبعين مرة، فإذا أمر بالعفو في اليوم سبعين مرة فكأنه أمر بأنه يعفو عنه في جميع المرات وجميع الجرائم، لأنها لا تبلغ سبعين مرة.\n٥١٦٥ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا) أي عيسى، (ح: ونا مؤمل بن الفضل الحراني قال) مؤمل: (نا عيسى، نا فضيل) يعني ابن غزوان، (عن ابن أبي نُعُم) عبد الرحمن، (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: حدثني أبو القاسم نبي التوبة - ﷺ -) أي كثير التوبة حتى يستغفر كل يوم سبعين مرة، أو تاب الناس الكثير على يده.\nقلت: ويحتمل أن يكون تسميته - ﷺ - نبي التوبة أن الأمم السابقة لم يكن لهم توبة إلا بالقتل، ولأمة نبينا - ﷺ - يكفي للكبائر التوبة اللساني (٢) فقط.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن غزوان\".\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"التوبة باللسان فقط\".","vol":"13","page":551},{"text":"قَالَ: \"مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ (١) مِمَّا قَالَ، جُلِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَدًّا\"، قَالَ مُؤَمَّلٌ، نَا عِيسَى عَنِ الْفُضَيْلِ- يَعْني ابْنَ غَزْوَانَ. [خ ٦٨٥٨، م ١٦٦٠، ت ١٩٤٧، حم ٢/ ٤٣١]\n٥١٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عن حُصَيْنٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: كُنَّا نُزُولًا في دَارِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَفِينَا شَيْخٌ فِيهِ حِدَّةٌ، وَمَعَهُ جَارِيَة لَهُ فَلَطَمَ وَجْهَهَا، فَمَا رَأَيْتُ سُوَيْدًا أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ ذَاكَ (٢) الْيَوْمَ، قَالَ: عَجَزَ عَلَيْكَ إلَّا حُرُّ وَجْهِهَا؟ !،\n===\n(قال: من قذف) أي رمى (مملوكه) بالزنا (وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدًا) أي: حد الفرية، ويدل الحديث على أن المولى لا يحد في الدنيا إذا قذف مملوكه.\n(قال مؤمل: نا عيسى، عن الفضيل يعني ابن غزوان) غرضه بيان الفرق بين لفظ مؤمل وإبراهيم، أن لفظ إبراهيم: نا عيسى، نا فضيل، وأما مؤمل فقال: نا عيسى، عن الفضيل، وزاد لفظ: \"يعني ابن غزوان\" أي يريد عيسى عن الفضيل ابنَ غزوان.\n٥١٦٦ - (حدثنا مسدد، نا فضيل بن عياض، عن حصين) بن عبد الرحمن، (عن هلال بن يساف قال: كنا نزولًا في دار سويد بن مقرن) ولفظ مسلم: \"وكنا نبيع البز في دار سويد\" (وفينا شيخ فيه حِدَّهٌ ومعه جارية له) أي للشيخ (فلطم وجهها، فما رأيتُ سويدًا أشد غضبًا منه) أي من سويد كان في (ذاك اليوم، قال: عَجَزَ عليك إلَّا حُرُّ وَجهِهِا؟ !) والمراد من الحر المعصوم من الضرب، لأن رسول الله - ﷺ - نهى عن الضرب على الوجه، قال النووي (٣): معناه عجزت ولم تجد أن تضرب إلَّا حر وجهها، وحر الوجه: صفحته وما رَقَّ من بشرته، وحرَّ كل شيء أفضله وأرفعه.\n_________\n(١) في نسخة: \"بريئًا\".\n(٢) في نسخة: \"ذلك\".\n(٣) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ١٤٤).","vol":"13","page":552},{"text":"لَقَدْ رَأَيْتُنَا سَابِعَ سَبْعة مِنْ وَلَدِ مُقَرِّنٍ وَمَا لَنَا إلَّا خَادِمٌ، فَلَطَمَ أَصْغَرُنَا وَجْهَهَا! فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِعِتْقِهَا\". [م ١٦٥٨، ت ١٥٤٢، حم ٥/ ٤٤٤]\n٥١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي سَلمةُ بْنُ كُهَيْلٍ، نَا مُعاوَيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: لَطَمْتُ مَولًى لَنَا فَدَعَاهُ أَبِي وَدَعَانِي فَقَالَ: اقْتَصَّ مِنْهُ، فَإنَّا (١) مَعْشَرَ بَنِي مُقَرِّنٍ،\n===\n(لقد رأيتنا سابع سبعة من ولد مقرن) أي كنا سبعة إخوة، وكنت سابعهن (وما لنا إلَّا خادم) واحد، والمراد بالخادم ها هنا الجارية، وإن كان يطلق لفظ الخادم على الغلام والجارية، (فلطم أصغرنا وجهها، فامرنا النبي - ﷺ - بعتقها) وكان هذا العتق كفارة لجناية الضرب، فاعتذروا لشدة احتياجهم إليها، فأذن لهم رسول الله - ﷺ - أن يعتقوها إذا استغنوا، ويحتمل أن الشركاء الذين لم يضربوها كأنهم رضوا بفعل الضارب واستحسنوه وأعانوه على فعله، فلأجل ذلك أمر جميعَهم رسول الله - ﷺ - بعتقها.\nفإن قلت: كيف أمر النبي - ﷺبعتقها مع أن الجناية صدرت من واحد منهم، ولم يصدر من جميعهم حتى يؤمر بعتق أنصبائهم؟\nقلت: لعل رسول الله - ﷺ - أمر بعتق نصيب الضارب فقط، فاذا عتق نصيب الضارب عتق نصيبهم أيضًا لعدم تجزي العتق، إما بأنهم سمحوا بعتق أنصبائهم، وإما أنهم استسعوا منها، أو أخذوا قيمتها من الضارب، وليس فىِ الحديث مانع من ذلك.\n٥١٦٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني سلمة بن كهيل، نا معاوية بن سويد بن مقرن قال: لطمت مولى لنا فدعاه) أي المولى (أبي ودعاني، فقال) سويد للمولى (اقتصَّ منه) أي من معاوية (فإنا معشر بني مقرن،\n_________\n(١) في نسخة: \"وإنا\".","vol":"13","page":553},{"text":"كُنَّا سَبْعَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَيْسَ لنَا إلَّا خَادِم، فَلَطَمَهَا (١) رَجُل مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَعْتِقُوهَا\"، قَالُوا: إنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَادِمٌ غَيْرَهَا، قَالَ: \"فَلْتَخْدِمْهُمْ حَتَّى يَسْتَغْنُوا، فَإذَا اسْتَغْنَوا فَلْيُعْتِقُوهَا\". [م ١٦٥٨، حم ٣/ ٤٤٧، ٥/ ٤٤٤]\n٥١٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن فِرَاسٍ، عن أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ، عن زَاذَانَ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَقَدْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا لَهُ، فَأَخَذ مِنَ الأَرْضِ عُودًا أَوْ شَيْئًا، فَقَالَ: مَا لي فِيهِ مِنَ الأَجْرِ مَا يَسْوَى (٢) هَذَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: \"مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ،\n===\nكنا سبعة على عهد رسول الله - ﷺ - وليس لنا إلَّا خادم) واحدة (فلطمها) أي ضرب وجهها بالكف (رجل منا، فقال له رسول الله - ﷺ -: أعتقوها، قالوا: إنه ليس لنا خادم غيرها، قال) رسول الله - ﷺ -: (فلتخدمهم حتى يستغنوا، فإذا استغنوا فليعتفوها) ولفظ مسلم: \"فليخلوا سبيلها\".\n٥١٦٨ - (حدثنا مسدد وأبو كامل قالا: نا أبو عوانة، عن فراس، عن أبي صالح ذكوان، عن زاذان قال: أتيت ابن عمر وقد أعتق) الواو للحال (مملوكًا له، فأخذ من الأرض عودًا) أي خشبة (أو شيئًا، فقال: ما) نافية (لي فيه) أي في إعتاقه (من الأجر ما يسوى هذا) أي ما يساوي هذا العود.\n(سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من لطم مملوكه أو ضربه) لفظ \"أو\" للتنويع، ولفظ مسلم: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من ضرب غلامًا له حدًا لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه\"، وفي رواية أخرى له: \"من لطم مملوكه أو ضربه\". الحديث، فلفظ \"أو\" ليس لشك الراوي.\n_________\n(١) في نسخة: \"فلطمه\".\n(٢) في نسخة: \"ما يساوي\".","vol":"13","page":554},{"text":"فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ\". [م ١٦٥٧، حم ٢/ ٥٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1885>(١٢٦) بابٌ في الْمَمْلُوكِ إذَا نَصَحَ</span>\n٥١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (١)، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إنَّ الْعَبْدَ إذَا نَصَحَ لِسَيًّده وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ فَلَهُ أَجْر مَرَّتَيْنِ\". [خ ٢٥٤٦، م ١٦٦٤، حم ٢/ ١٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1886>(١٢٧) بَابٌ فِيمَنْ خَبَّبَ مَمْلُوكًا عَلَى مَوْلَاهُ</span>\n٥١٧٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا زيدُ بْنُ الْحُبَابِ (٢)،\n===\n(فكفارته أن يعتقه) والكفارة بدل الجناية، فلا أجر في الإعتاق لأنه كفارة، وأما نفس أداء الكفارة ففيه أجر لأنها عبادة.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: ما لي من الأجر ... إلخ، أراد أنه ليس له من الأجر الخالص الذي كان على عتقه لو أعتقه من دون فعله الذي فعل، لا أنه لشى له شيء من الأجر مطلقًا.\n\n(١٢٦) (بابٌ في الْمَمْلُوكِ إذَا نَصَحَ)، أي: لسيده\n٥١٦٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين) إحداهما أجر عبادة الرب ﷾، والثانية أجر نصح السيد.\n\n(١٢٧) (بابٌ فِيمَنْ خَبَّبَ أي: أفسد وأغرى (مَمْلُوكًا عَلَى مَوْلَاه)\n٥١٧٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا زيد بن الحباب،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"القعنبي\".\n(٢) في نسخة: \"حباب\".","vol":"13","page":555},{"text":"عن عَمَّارِ بْنِ رُزيقٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ عِيسَى، عن عِكْرِمَةَ، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلُوكَه، فَلَيْسَ مِنَّا\". [تقدَم برقم ٢١٧٥]\n... (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>(١٢٨) بابٌ في الاسْتِئْذَانِ</span>\n٥١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ - ﷺ -،\n===\nعن عمار بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن عكرمة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من خبب) أي أفسد وأغرى (زوجة امرئ) أي عليه (أو مملوكه) على سيده (فليس منا)\n\n(١٢٨) (بابٌ في الاِسْتئذَان) (٢)\n٥١٧١ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، عن عبيد الله بن أبي بكر) بن أنس، (عن) جده (أنس بن مالك: أن رجلًا) قال الحافظ (٣): وهذا الرجل لم أعرف اسمه صريحًا، لكن نقل ابن بشكوال عن أبي الحسن بن الغيث أنه الحكم بن أبي العاص بن أمية والد مروان، ولم يذكر مستندًا لذلك.\n(اطَّلع من بعض حجر النبي - ﷺ -) ولفظ البخاري (٤): \"من جحْرٍ في حُجَر النبي - ﷺ -، الأول بضم الجيم وسكون المهملة، وهو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط، والثانى: بضم المهملة وفتح الجيم جمع حجرة، وهي ناحية البيت.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبواب الاستئذان والسلام\".\n(٢) ونزول آية الاستئذان في سنة ١٠ هـ، كما في \"الخميس\" (٢/ ١٥٣). (ش).\n(٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٤٣).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٦٢٤١).","vol":"13","page":556},{"text":"فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - بِمِشْقَصٍ أَوْ مَشَاقِصٍ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَخْتِلُهُ ليَطْعَنَهُ\". [خ ٦٢٤٢، م ٢١٥٧، ت ٢٧٠٨، حم ٣/ ١٠٨]\n٥١٧٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: ثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنِ اطَّلَعَ في دَارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَفَقَؤوا عَيْنَهُ فَقَدْ هَدَرَتْ عَيْنُهُ\". [م ٢١٥٨، حم ٢/ ٢٦٦، ٥٢٧]\n===\n(فقام إليه رسول الله - ﷺ - بِمشقص) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح القاف وصاد مهملة، نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض (أو) للشك من الراوي (مَشَاقِص) جمع مِشْقص (فقال) أنس: (كأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يَخْتِلُهُ) أي يراوده ويطلبه من حيث لا يشعر (ليطعنه).\n٥١٧٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سهيل، عن أبيه قال: ثنا أبو هريرة، أنه سمع رسول الله - ﷺيقول: من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فقد هدرت) أي: سقطت وبطلت (١) (عينه) أي: أرش عينه.\nوقد أخرج البخاري (٢) في \"الديات\" عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: لو أن امرءًا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بعصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح.\nذهب الإمام الشافعي إلى هذه الأحاديث، ونقل صاحب \"العون\" (٣) قول ابن الملك في \"المبارق\"، قلت (٤): القول ما قال الشافعي، وأما ما ذهب إليه\n_________\n(١) قال الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٣/ ٣١٣): إن صح الحديث فمعناه عندنا: فيمن أطلع في دار قوم ناظرًا إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهذا هدر. انتهى، وكذا يظهر من \"المرقاة\" (٧/ ٧٦). (ش).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٩٠٢).\n(٣) \"عون المعبود\" (١٤/ ٥٣).\n(٤) قائله: صاحب \"عون المعبود\" (١٤/ ٥٣، ٥٤).","vol":"13","page":557},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nأبو حنيفة فغير صحيح (١) لمصادرته للحديث ومعارضته له بالرأي، انتهى.\nقلت: وقول ابن الملك (٢) غير صحيح، فإن الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" والشوكاني في \"النيل\" (٣) نسبا الخلاف إلى المالكية فقط، قال الحافظ: وذهب المالكية إلى القصاص، وأنه لا يجوز فقء (٤) العين ولا غيرها، واعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية، وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه إذا ثبت الإذن لا يسمى معصية، إلى آخر ما قال.\nوقال الشوكاني: ذهب إلى مقتضى هذه الأحاديث جماعة من العلماء منهم الشافعي، وخالفت المالكية هذه الأحاديث فقالت: إذا فعل صاحب المكان بمن اطلع عليه ما أذن به النبي - ﷺ - وجب عليه القصاص أو الدية، وساعدهم على ذلك جماعة من العلماء، ولم يذكرا الحنفية فيمن خالف الحديث، بل في كتب الحنفية ما قال في \"الدر المختار\": وفي القنية: نظر في باب دارٍ رجلٌ ففقأ الرجل عينه لا يضمن إن لم يمكنه تنحيته من غير فقئها، وإن أمكنه ضمن، وقال الشافعي - ﵀ -: لا يضمن فيهما، ولو أدخل رأسه فرماه بحجر ففقأها لا يضمن إجماعًا، إنما الخلاف فيمن نظر من خارجها.\n_________\n(١) واختلف نقلة المذاهب في بيان الاختلاف فيه جدًا، كما تقدم في كلام الشيخ أقوال بعضهم، وفي \"المرقاة\" (٧/ ٧٦): قال ابن الملك: وعمل بها الشافعي، وأسقط عنه ضمان العين، قيل: هذا بعد أن زجره فلم ينزجر، وأصح قوليه: أنه لا ضمان مطلقًا لإطلاق الحديث، وقال أبو حنيفة: عليه الضمان. وقال العيني (١٦/ ١٦٠): روى ابن عبد الحكم عن مالك: القود، وقالت المالكية: الحديث خرج مخرج التغليظ، انتهى. قلت: وحاصل ما في \"الشرح الكبير\" (٦/ ٢٠٥) للدردير: القود في العمد، والدية، في الخطأ بأن أراد الزجر، انتهى. وفي \"الروض المربع\" (٣/ ٣٣٣): جزم بالهدر، انتهى. (ش).\n(٢) انظر قول ابن الملك في الحاشية رقم (١).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٤٥) و\"نيل الأوطار\" (٤/ ٤٦٥).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\" (١٢/ ٢٤٥): \"قَصَدَ\"، وهو الظاهر.","vol":"13","page":558},{"text":"٥١٧٣ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن سُلَيْمَانَ (١) بْن بِلَالٍ، عن كَثِيرٍ، عن الْوَلِيدِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِي - ﷺقَالَ: \"إذَا دَخَلَ الْبَصَرُ فَلَا إذْنَ\". [ح ٢/ ٣٦٦، ق ٨/ ٣٣٩]\n... (٢)\n٥١٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى (٣) بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. (ح): وَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: نَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَا: أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ،\n===\nونقل صاحب \"رد المحتار\" (٤) عن \"معراج الدراية\": من نظر في بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فطعنه صاحب الدار بخشبة أو رماه بحصاة ففقأ عينه يضمن عندنا، وعند الشافعي لا يضمن. فعلم بهذا أن روايات الحنفية مختلفة، وليس فيها نص (٥) عن أبي حنيفة ولا عن صاحبيه، ولهذا لم ينسب الخلاف إلى الحنفية الحافظُ ولا الشوكانيٌّ.\n٥١٧٣ - (حدثنا الربيع بن سليمان الموذن، نا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن كثير، عن وليد، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺقال: إذا دخل البصر فلا إذن) أي فما بقي حاجة إلى الإذن، لأن الإذن كان لأجل البصر، أي لئلا يقع البصر إلى شيء يكرهه صاحب البيت، فإذا نظر في البيت ودخل البصر فيه فلا فائدة إلى الاستئذان والإذن.\n٥١٧٤ - (حدثنا يحيى بن حبيب، نا روح، ح، ونا ابن بشار، نا أبو عاصم قالا: نا ابن جريج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان) بن\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني\".\n(٢) زاد في نسخة: \"باب كيف الاستئذان؟ \".\n(٣) وفي نسخة: \"حدثنا ابن بشار، ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج، ح، ونا يحيى بن حبيب، ثنا روح، عن ابن جريج\".\n(٤) \"رد المحتار\" (١٠/ ١٩٧).\n(٥) وبذلك جزم الطحاوي (٢/ ٣٩٦) وقال: مقتضى أصلهم لا ضمان عليه، وقال الرازي: بل يضمن ... إلخ، كذا في \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٦٠). (ش).","vol":"13","page":559},{"text":"أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ الله بْن صَفْوَانَ أَخْبَرَهُ، عن كَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ إلَى رَسُولِ الله - ﷺ - بَلَبَنٍ وَجِدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَدَخَلْتُ وَلَمْ أُسَلِّمْ (١)، فَقَالَ: \"ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ\"، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أْسْلَمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ. [ت ٢٧١٠، حم ٤/ ٤١٣]\nقَالَ عَمْرٌو: وَأَخْبَرَنِي\n===\nعبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي، (أن عمرو بن عبد الله بن صفوان أخبره، عن كلدة) بفتحات (ابن حنبل) أخو صفوان لأمه، (أن صفوان بن أمية بعثه إلى رسول الله - ﷺ - بلبن) وفي رواية الترمذي (٢) وغيرها: \"بلباء\" (٣)، ولا منافاة بين الروايتين، فإن صفوان بعثهما إليه - ﷺ - (وجِدَايةٍ) بفتح الجيم وكسرها، ولد الظبي (٤) ذكرًا كان أو أنثى ما بلغ ستة أو سبعة أشهر (وضغابيس) هي صغار القِثَّاء واحدها ضغبوس (والنبي) الواو للحال (- ﷺ - بأعلى مكة، فدخلتُ) عليه (ولم أُسَلِّمُ) ولم أستأذن (فقال) أي النبي - ﷺ -: (ارجع فقل: السلام عليكم، وذلك بعد ما أسلم صفوان بن أمية، قال عمرو) أي ابن أبي سفيان، لا عمرو بن عبد الله بن صفوان، لأن الحافظ قال في \"تهذيب التهذيب\" (٥) عمرو بن أبي سفيان روى عن أمية بن صفوان وابن عم أبيه عمرو ابن عبد الله بن صفوان، وأما عمرو بن عبد الله بن صفوان فلا يروى عن أمية بن صفوان، ولم يذكر الحافظ أن له رواية عن أمية بن صفوان.\n(وأخبرني) عطف على قوله: أن عمرو بن عبد الله بن صفوان أخبره\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عليه\".\n(٢) سنن الترمذي (٢٧١٠) وفيه: \"بِلَبَنٍ ولَبَاءٍ\".\n(٣) كذا في \"عمل اليوم والليلة\" لابن السني (ص ٦٦٤) وهو أول ما يحلب عند الولادة، كذا في \"حاشية الترمذي\" (١/ ٣٣٣)، بل يطلق عليه اللبن. (ش).\n(٤) كذا في \"المجمع\" (١/ ٣٣٣)، أو بمنزلة الجدي في المعز. [وانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (١/ ٢٤٨)]. (ش).\n(٥) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤١).","vol":"13","page":560},{"text":"ابْنُ صَفْوَانَ بِهَذَا أَجْمَعَ عن كَلَدَةَ بْنِ الْحَنْبَلِ (١)، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ (٢).\nقَالَ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ: أُمَيَّةُ بْنُ صَفْوَانَ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُهُ مِنْ كَلَدَةَ بْنِ الْحَنْبَل (٣)\n===\n(ابن صفوان) هو أمية بن صفوان، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٤): ابن صفوان عن كلدة بن حنبل هو أمية.\nرالحاصل: أن في رواية ابن بشار روى عمرو بن أبي سفيان هذا الحديث عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، وعن أمية بن صفوان، فروى عمرو بن أبي سفيان، عن أمية بن صفوان.\n(بهذا أجمع عن كلدة بن الحنبل، ولم يقل) أمية بن صفوان، (سمعته منه) أىِ من كلدة، بل قال: عن كلدة، كما روى عمرو بن أبي سفيان في رواية ابن بشار عن عمرو بن عبد الله عن كلدة بن حنبل، ولم يقل عمرو بن عبد الله أيضًا: سمعته منه، بل قال: عن كلدة، والحاصل: أن في رواية ابن بشار رواية عمرو بن أبي سفيان عن عمرو بن عبد الله بن صفوان وعن أمية بن صفوان كلاهما متحدتان في أنهما رويا عن كلدة بلفظ: \"عن\".\nقال أبو داود: الذي قلت كان من كلام شيخي ابن بشار (وقال يحيى بن حبيب) شيخي الثاني: (أمية بن صفوان) في محل ابن صفوان، يعني لم يذكر مبهمًا كما ذكره مبهمًا ابن بشار، بل ذكره حبيب باسمه، وقال: أمية بن صفوان.\n(ولم يقل) أمية في رواية يحيى بن حبيب: (سمعته من كلدة بن حنبل)\n_________\n(١) في نسخة: \"حنبل\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٣) في نسخة: \"حنبل\".\n(٤) النظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٠٠).","vol":"13","page":561},{"text":"وَقَالَ يَحْيَى أَيْضا: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ كَلَدَةَ بْنَ الْحَنْبَلِ (١) أَخْبَرَه.\n===\nبل رواه عمرو بن أبي سفيان في رواية يحيى بن حبيب عن أمية عن كلدة بلفظ: \"عن\" لا بلفظ السماع.\n(وقال يحيى بن حبيب) شيخ المصنف (أيضًا): روى عمرو بن أبي سفيان أن (عمرو بن عبد الله بن صفوان أخبره) أي أخبر عمرو بن أبي سفيان (أن كلدة بن الحنبل أخبره).\nوحاصله: أن يحيى بن حبيب اختلفت (٢) روايته في أن عمرو بن أبي سفيان روى عن أمية وعن عمرو بن عبد الله بن صفوان، ولكن اختلف في روايتهما، فروايته عن أمية بلفظ: \"عن\"، وأما روايته عن عمرو بن عبد الله بن صفوان فهي بطريق الإخبار لا بطريق عن، وهي مساوية للسماع في الاتصال.\nوغرض المصنف بهذا الكلام بيان الاختلاف بين شيخيه يحيى بن حبيب وابن بشار وفي بيان محل الاختلاف، فيقول: إن شيخي ابن بشار يروي بسنده عن عمرو بن أبي سفيان أنه يروي عن رجلين، أحدهما: عمرو بن عبد الله بن صفوان، والثاني: أمية بن صفوان، ويروي عن كليهما بلفظة: عن كلدة بن حنبل، ويُبْهِمُ ابنَ صَفْوان.\nوأما يحيى بن حبيب شيخ ثانٍ للمصنف، ففي حديثه يروي عَمرو بن أبي سفيان أيضًا عن عمرو بن عبد الله بن صفوان وعن أمية بن صفوان، فيخالف ابن بشار في أمرين:\nأحدهما: أن ابن بشار أبهم أمية بن صفوان، وقال: ابن صفوان، ولم يسمه، ويحيى بن حبيب سَمَّاه أمية بن صفوان ولم يُبْهمه، والثاني: أن يحيى بن حبيب خالف ابن بشار في رواية عمرو بن أبي سفيان عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، فروى عمرُو بنُ عبد الله بن صفوان في روايته عن كلدة بن\n_________\n(١) في نسخة: \"حنبل\".\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"اتفقت\"، فليتأمل.","vol":"13","page":562},{"text":"٥١٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عن مَنْصُورٍ، عن رِبْعِيٍّ قَال: نَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ في بَيْتٍ (١)، فَقَالَ: أأَلِجُ؟ فقالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِخَادِمِهِ: \"اخْرُجْ إلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ \" فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَدَخَلَ. [حم ٥/ ٣٦٩، ق ٨/ ٣٤٠]\n٥١٧٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا جَرِيرٌ (ح): وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا حَفْصٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عن طَلْحَةَ، عن هُزَيْلٍ\n===\nحنبل بطريق الإخبار: \"أن كلدة بن حنبل أخبره\"، ولم يقل: عن، وأما في رواية أمية ففيها موافق لابن بشار بأنهما يرويان بلفظ: عن.\n٥١٧٥ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو الأحوص، عن منصور، عن ربعي قال: نا رجل من بني عامر) لم أقف على اسمه (أنه استأذن على النبي - ﷺ - وهو في بيت، فقال: أَأَلِج؟) أي أدخل في البيت (فقال النبي - ﷺ - لِخادمه) أخرج في \"تفسير ابن جرير\" (٢): أن رجلًا استأذن على النبي - ﷺ - فقال: أَأَلِجُ؟ أو: أيلج؟ فقال النبي - ﷺلأمة له يقال لها: روضة: \"قومي إلى هذا\"، الحديث.\n(أُخْرُج إلى هذا فَعَلِّمْهُ الاستئذان، فقل له: قل: السلام (٣) عليكم، أأَدْخل؟ فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي - ﷺ - فدخل).\n٥١٧٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا جرير، ح: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هزيل) بن شرحبيل\n_________\n(١) في نسخة: \"بيته\".\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" (١٠/ ١١٠).\n(٣) يشكل عليه ما في \"البدائع\" (٥/ ١٢٤) من تأخير السلام عن الدخول. (ش).","vol":"13","page":563},{"text":"قالَ: جَاءَ رَجُلٌ- قَالَ عُثْمَانُ: سَعْدٌ- فَوَقَفَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْتَأذِنُ فَقَامَ عَلَى الْبَاب، - قَالَ عُثْمَانُ: مُسْتَقْبِلَ الْبَاب - فَقَالَ لَهُ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"هَكَذَا عَنْكَ، وَ(١) هَكَذَا، فَإنَّمَا الاسْتِئْذَانُ مِنَ النَّظَرِ\". [هب ٨٨٢٥]\n٥١٧٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عن سُفْيَانَ، عن الأَعْمَشِ، عن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عن رَجُلٍ، عن سَعْدٍ نَحْوَهُ (٢)، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -[انظر ما قبله]\n٥١٧٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن أَبِي الأَحْوَصِ،\n===\n(قال: جاء رجل، قال عثمان) أي سماه عثمان (سعد) بن أبي وقاص (فوقف على باب النبي - ﷺ - يستأذن، فقام على الباب- قال عثمان: مستقبل الباب-، فقال له النبي - ﷺ -: هكذا عنك، وهكذا) أي قم على الباب بجانب اليمين أو الشمال ولا تقم مستقبل الباب (فإنما الاستئذان من) أجل (النظر) فإذا قام رجل قبالة الباب يدخل بصره في البيت، فلعله يرى بعض ما يكره صاحب البيت، وهذا هو علة الاستئذان للحفظ عن النظر.\n٥١٧٧ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا أبو داود الحَفَري (٣)، عن سفيان، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد نحوه، عن النبي - ﷺ -) فخالف سفيان في روايته عن الأعمش، فروى عنه عن طلحة، وسمى أباه، وهو يروي عن رجل فأبهم ذلك الرجل. وأما حفص وجرير في الرواية المتقدمة فسميا الرجل المبهم أنه هذيل، وخالف بأن جريرًا وحفصًا جعلا هذه قصة سعد، وأما سفيان فجعل الحديث عن سعد، وصاحب القصة رجلًا آخر.\n٥١٧٨ - (حدثنا هناد بن السري، عن أبي الأحوص،\n_________\n(١) في نسخة: \"أو\".\n(٢) في نسخة: \"مثله\".\n(٣) بالحاء والفاء المفتوحتين نسبة إلى موضع بالكوفة، واسمه عمر بن سعد، كذا في \"التقريب\" (ص ٧١٩). (ش).","vol":"13","page":564},{"text":"عن مَنْصُورٍ، عن رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن مَنْصُورٍ، وَلَمْ يَقُلْ: عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ. [انظر الحديث السابق]\n٥١٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبي، نَا شُعْبَةُ، عن مَنْصُورٍ، عن رَبْعِيِّ، عن رَجُلٍ مَنْ بَنِي عَامِرٍ، أَنَّهُ اسْتَأذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ [انظر ما قبله]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>(١٢٩) بَابٌ كَمْ مَرَّةً يُسَلِّمُ الرَّجُلُ في الاسْتِئْذَانِ</span>\n٥١٨٠ - حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، نَا (١) سُفْيَانُ، عن يَزِيدَ بْنِ\n===\nعن منصور، عن ربعي بن حراش قال: حُدِّثْت أن رجلًا من بني عامر استأذن على النبي - ﷺ - بمعناه) أي بمعنى الحديث المتتدم، وهو حديث أبى بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص.\n(قال أبو داود: وكذلك حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن منصور ولم يقل: عن رجل من بني عامر).\n٥١٧٩ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبى، حدثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من بني عامر، أنه استأذن على النبي - ﷺ -، قال) الرجل المستاْذن (فسمعته) أي قول رسول الله - ﷺ - لخادمه بأنه يُعَلِّمُنِي الاستئذان (فقلت: السلام عليكم، أأَدْخلُ؟).\n\n(١٢٩) (بَابٌ كَمْ مَرَّةً يُسَلِّمُ الرَّجُلُ في الاسْتِئْذَان)\n٥١٨٠ - (حدثنا أحمد بن عبدة، نا سفيان، عن يزيد بن\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".","vol":"13","page":565},{"text":"خُصَيْفَةَ، عن بُسر بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قالَ: كُنْتُ جَالِسًا في مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ أَبُو مُوسَى فَزِعًا، فَقُلْنَا لَهُ: مَا أَفْزَعَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ أَنْ آتِيَهُ فَاَتَيتهُ فَاستأذَنْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأتِيَنِي؟ فَقُلْتُ (١): قَدْ جِئْتُ (٢) فَاسْتَأذَنْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ (٣) - ﷺ -: \"إذَا اسْتَأذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ\". قَالَ: لَتَأتِيَنَي عَلَى هَذَا بِالْبَيِّنَةِ،\n===\nخصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري قال: كنت جالسًا في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى) الاْشعري (فَزِعًا) أي مذعورًا خائفًا (فقلنا له: ما أفزعك؟ قال) أبو موسى: (أمرني عمر أن آتيه فأتيته) كما أمرني (فاستأذنتُ ثلاثًا، فلم يؤذن لي فرجعت) إلى البيت، وكان عمر ﵁ مشغولًا، فلما فرغ قال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا له، قال: قد رجع فدعاه.\n(فقال) عمر: (ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثًا، فلم يوذن لي) فرجعت (وقد قال النبي - ﷺ -: إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع، قال: لَتَأْتِيَنِّي على هذا) أي على هذا الحديث (بالبينة) ليشهد لك أن الحديث سمعه من رسول الله - ﷺ - كما قال أبو موسى.\nوقد تمسك بعضهم بعدم قبول خبر الواحد بهذا، ولا دليل فيه؛ لأن عمر - ﵁ - إنما طلب البينة عليه للاحتياط لئلا يتجاسر الناس في مثل هذا الموقع، فيضعون الأحاديث من عند أنفسهم، وإلا فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب كثيرًا ما قبل رواية الواحد (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) في نسخة: \"جئتك\".\n(٣) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٤) وبسطه القاري وقال: إنه ﵁ طلب رجلًا، وبالاثنين لا يخرج من حد خبر الواحد حتى يبلغ حد التواتر. اهـ. [انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٥٢)]. (ش).","vol":"13","page":566},{"text":"قَالَ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا يَقُومُ مَعَكَ (١) إلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ: فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ مَعَهُ فَشَهِدَ لَهُ. [خ ٦٢٤٥، م ٢١٥٣، حم ٤/ ٤٠٣]\n٥١٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عن طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبي مُوسَى، أَنَّهُ أَتَى عُمَرَ فَاسْتَأذَنَ ثَلَاثًا، فَقَالَ: يَسْتَأذِنُ أَبُو مُوسَى، يًسْتَأذِنُ الأَشْعَرِيُّ، يَسَتَأذِنُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمْ يَأذَنْ لَهُ، فَرَجَعَ فَبَعَثَ إلَيْهِ عُمَرُ: مَا رَدَّكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَسْتَأذِنُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا، فَإنْ أُذِنَ لَهُ، وَإلَّا فَلْيَرْجِعْ\". قَالَ: ائْتِنِي بِبَيِّنَةٍ عَلَى هَذَا، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: هَذَا أُبَيٌّ،\n===\n(قال: فقال أبو سعيد: لا يقوم معك إلَّا أصغر القوم) ليعلم عمر أنه خفي عليه ما يعلمه أصغر الأنصار (قال) أبو سعيد (٢): (فقام أبو سعيد معه فشهد له).\n٥١٨١ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى، أنه أتى عمر) ﵁ (فاستأذن) عليه (ثلاثًا فقال) في المرة الأولى: (يستأذن أبو موسى) ثم قال في المرة الثانية (يستأذن الأشعري) ثم في الثالثة: (يستأذن عبد الله بن قيس، فلم يأذن له، فرجع فبعث إليه عمر: ما رَدَّك؟ قال) أبو موسى: رجعني ما (قال رسول الله - ﷺ -: يستأذن أحدكم ثلاثًا، فإن أذن له، وإلَّا فليرجع، قال) عمر ﵁: (ائتني ببينة على هذا) أي على دعواك أن رسول الله - ﷺ - قال هذا، (فدهب ثم رجع، فقال: هذا أُبيّ).\nقال الحافظ (٣): هكذا وقع في هذه الطريق، وطلحة بن يحيى فيه ضعف، ورواية الأكثر أولى أن تكون محفوظة، ويمكن الجمع بأن أبيّ بن كعب جاء بعد أن شهد أبو سعيد.\n_________\n(١) في نسخة: \"معه\".\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر بدله: \"الراوي\".\n(٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٩).","vol":"13","page":567},{"text":"فَقَالَ أُبَيٌّ: يَا عُمَرُ، لَا تَكُنْ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَكُونُ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. [م ٢١٥٤، حم ٤/ ٣٩٨]\n٥١٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، نَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَأذَنَ عَلَى عُمَرَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ فِيهِ: فَانْطَلَقَ بأَبِي سعِيدٍ فَشَهِدَ لَهُ، فَقَالَ: أَخَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ أَلهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَلَكِنْ تُسَلِّمُ مَا شِئْتَ وَلَا تَسْتَأذِنْ. [خ ٧٣٥٣، م ٢١٥٣، حم ٤/ ٤٠٠]\n٥١٨٣ - حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ أَخْزَمَ، نَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ شُعَيْبٍ، نَا هِشَامٌ، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ،\n===\n(فقال أبيّ: يا عمر لا تكن عذابًا على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال عمر: لا أكون عذابًا على أصحاب رسول الله - ﷺ -).\n٥١٨٢ - (حدثنا يحيى بن حبيب، نا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني عطاء، عن عبيد بن عمير، أن أبا موسى استأذن على عمر) ﵁ (بهذه القصة، قال) الراوي (فيه: فانطلق) أبو موسى (بأبي سعيد فشهد له، فقال) عمر ﵁: (أخفي) الهمزة للتحقهيق (عليَّ هذا) أي هذا الحديث (من أمر رسول الله - ﷺ -) ثم استدل على خفاء العلم بهذا بقوله: (الهاني الصفقُ بالأسواق، ولكن تُسَلِّم ما شئت ولا تستأذن) قال ذلك عمر ﵁ تطييبًا لقلبه وتفريجًا عنه لوحشة التهديد، فأذن له أن يدخل عليه بلا استئذان.\n٥١٨٣ - (حدثنا زيد بن أخزم، نا عبد القاهر بن شعيب) بن الحبحاب المعولي، أبو سعيد البصري، ذكره ابن حبان في \"الثقَات\"، قلت (١): وقال صالح جزرة: لا بأس به، حكاه الحاكم في \"التاريخ\"، (نا هشام، عن حميد بن هلال،\n_________\n(١) قائله: الحافظ ابن حجر في\" التهذيب\" (٦/ ٣٦٨).","vol":"13","page":568},{"text":"عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ، بِهَذ الْقِصَّةِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ لأَبِي مُوسَى: إنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَدِيدٌ.\n٥١٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن رَبِيعَةَ بْنِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمنِ، وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ في هَذَا، فَقَالَ (١) لأَبِي مُوسَى: أَمَا إنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -.\n٥١٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَهِشَامٌ أَبُو مَرْوَانَ (٢)، الْمَعْنَى، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم نَا الأَوْزَاعِيُّ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ يَقُولُ:\n===\nعن أبي بردة، عن أبيه) أبي موسى الأشعري (بهذه القصة) المتقدمة، (قال) الراوي: (فقال عمر) ﵁ (لأبي موسى: إني لم أتهمك) في الحديث، (ولكن الحديث عن رسول الله - ﷺ - شديد) فأحببت أن تثبت، وخشيتُ أن يتقوّل الناس على رسول الله - ﷺوَيتَجَرَّؤوا عليه.\n٥١٨٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن و(٣) عن غير واحد من علمائهم في هذا، فقال) عمر (لأبي موسى: أما إني لم أتّهمك) بالكذب على رسول الله - ﷺ - (ولكن خشيتُ أن يتقوّل الناس) أي يكذبوا (على رسول الله - ﷺ -) فأحببتُ أن أردعهم.\n٥١٨٥ - (حدثنا محمد بن المثنى وهشام أبو مروان، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قال محمد بن المثنى) وليس في بعض النسخ: قال محمد بن المثنى، بل فيها: قالا: نا الوليد، فعلى النسخ الأولى لم يذكر قول هشام.\n(نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، سمعت يحيى بن أبي كثير يقول:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عمر\".\n(٢) في نسخة: \"هشام أبو مروان ومحمد بن المثنى\".\n(٣) اختلف نسخ \"الموطأ\" في ذكر الواو هاهنها، كذا في \"الأوجز\" (١٧/ ٢١٦). (ش).","vol":"13","page":569},{"text":"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، عن قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِيٍ مَنْزلِنَا فَقَالَ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ\"، قَالَ: فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، فَقَالَ قَيْسٌ: فَقُلْتُ: أَلَا تَأذَن لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: ذَرْهُ يُكْثِرْ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ\"، فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ\"، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺوَاتَّبَعَهُ (١) سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ- تَسْلِيمَكَ، وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامِ. قَالَ: فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَمَرَ (٢) لَهُ سَعْدٌ بِغِسْلٍ\n===\nحدثني محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن قيس بن سعد بن عبادة قال: زارنا رسول الله - ﷺفي منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: فرد سعد ردًّا خفيًّا) (٣) بحيث لا يسمع رسول الله - ﷺ - (فقال قيس: فقلت) لأبي: (ألا تأذن لرسول الله - ﷺ -) ليدخل البيت، (فقال) سعد: (ذَرْهُ) أي اتركه (يُكْثِرُ علينا من السلام) فنتبرك بتسليمه، (فقال رسول الله - ﷺ -) ثانيًا: (السلام عليكم ورحمة الله فرد سعد) أي جواب السلام (ردًّا خفيًّا، ثم قال رسول الله - ﷺ -) ثالثًا: (السلام عليكم ورحمة الله) فلعله رد سعد ردًّا خفيا في الثالثة أيضًا.\n(ثم رجع رسول الله - ﷺ - واتبعه) فأدركه ولحقه (سعد) ليرجع رسول الله - ﷺ - إلى البيت (فقال: يا رسول الله! إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك) السلام (ردًّا خفيًّا لتكثر علينا من السلام، قال: فانصرف معه رسول الله - ﷺ -) إلى بيت سعد (وأمر له) أي لرسول الله - ﷺ - (سعد بِغِسْلٍ) بالكسر وهو ما يغسل به من الأشنان والصابون والخطمي، أو بالفتح وهو الماء الذي يغتسل به.\n_________\n(١) في نسخة: \"فاتبعه\".\n(٢) في نسخة: \"فأمر\".\n(٣) يشكل عليه ما في \"الدر المختار\" (٩/ ٥٩٣): يجب في الردِّ الإسماعُ. (ش).","vol":"13","page":570},{"text":"فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَان أَوْ وَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا، ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ (١) وَهُوَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادة\".\nقَالَ: ثُمَّ أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا قَيْسُ، اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ قَيْسٌ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ارْكَبْ\"، فَأَبَيْتُ، ثُمَّ قَالَ: \"إمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ\"، قَالَ: فَانْصَرَفْتُ. [حم ٣/ ٤٢١]\n===\n(فاغتسل، ثم ناوله) أي أعطى له (ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس) ولعل الملحفة المصبوغة لم يبق لها من أثر الزعفران ما يفوح، ويمكن أن تكون القصة قبل التحريم (٢).\n(فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله - ﷺ - يديه وهو يقول: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة، قال) قيس بن سعد: (ثم أصاب رسول الله - ﷺ - من الطعام، فلما أراد) أي رسول الله - ﷺ - (الانصراف) إلى بيته بعد الفراغ من الطعام (قرب له) أي لركوبه (سعد حمارًا قد وطّأ) أي هيّأ (عليه بقطيفة) للراحة في الركوب (فركب رسول الله - ﷺ -، فقال سعد) لابنه: (يا قيس! اصحب رسول الله - ﷺ -) أي اذهب معه إلى البيت (قال قيس: فقال لي رسول الله - ﷺ -: اركب) أي معي على الحمار، ولعل الحمار كان مطيقًا لهما (فأبيت) لإجلال رسول الله - ﷺ - عن الركوب معه.\n(ثم قال) - ﷺ -: (إما أن تركب وإما أن تنصرف) أي إلى بيتك (قال: فانصرفت).\n_________\n(١) في نسخة: \"يده\".\n(٢) وتقدم في \"كتاب اللباس\" (٤٠٤٨) أنه لا يجوز للرجال دون النساء.","vol":"13","page":571},{"text":"قَالَ هِشَامٌ أَبُو مَرْوَانَ: عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ.\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الوْاحِدِ وَابْنُ سَمَاعَةَ عن الأَوزَاعِيِّ مُرْسَلًا (١)، وَلَمْ يَذْكُرَا قَيْسَ بْنَ سَعدٍ.\n٥١٨٦ - حَدَّثَنَا مُؤَمَلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحرَّانِيُّ في آخَرِينَ قَالُوا، نَا بَقِيَّةُ (٢)، نَا محمدُ بْنُ عَبْدِ الرَحمنِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْر قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ أَوِ الأَيْسَرِ، وَيَقُولُ: \"السلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ\"، وَذَلِكَ أَنَ الدُّورَ لَمْ تكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئذٍ سُتُورٌ. [حم ٤/ ١٨٩]\n===\n(قال هشام أبو مروان: عن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة) يعني بلقظ \"عن\"، وقال ابن المثنى بلفظ التحديث.\n(قال أبو داود: رواه عمر بن عبد الواحد وابن سماعة) إسماعيل بن عبد الله بن سماعة (عن الأوزاعي مرسلًا، ولم يذكرا قيس بن سعد).\n٥١٨٦ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: نا بقية، نا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بسر قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أتى باب قوم) للاستئذان (لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه) لئلا يقع نظره على أهل البيته (ولكن) يقوم (من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم، وذلك) أي قيامه للاستئذان عن اليمين أو الشمال (أن الدور لم تكن عليها) أي على أبوابها (يومئذ ستور) جمع ستر، والمعنى أنه إذا كان باب عليه ستر يحصل به حجاب فلا بأس بالاستقبال، لكن الانحراف أولى مراعاة لأصل السنة.\n_________\n(١) في نسخة: \"مرسل\".\n(٢) زاد في نسخة: \"ابن الوليد\".","vol":"13","page":572},{"text":"(١)\n٥١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرٌ، عن شُعْبَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ، أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - في دَيْنِ أَبِيهِ، فَدَقَقْتُ (٢) الْبَابَ، فَقَالَ: \"مَنْ هَذَا؟ \"، فَقُلْتُ (٣)، أَنَا، قَالَ: \"أَنَا، أَنَا\"، كَأَنهُ كَرِهَهُ. [خ ٦٢٥٠، م ٢١٥٥، ت ٢٧١١، جه ٣٧٠٩، حم ٣/ ٢٩٨]\n٥١٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ (٤)، نَا إسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ -، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ\n===\n٥١٨٧ - (حدثنا مسدد، نا بشر، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أنه ذهب إلى النبي - ﷺ - في دين أبيه) فإن أباه عبد الله استشهد في أحد، وترك دينًا فاشتد الغرماء على جابر، فأتى جابر النبي - ﷺ - ليكلم الغرماء فيمهلوا، (فدققت الباب) أي ضربته (فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، قال: أنا! أنا! كأنه كرهه) وجه الكراهة أن السؤال للاستكشاف ودفع الإبهام، ولا يحصل ذلك بمجرد قوله: أنا، إلَّا أن يضم إليه اسمه أو كنيته أو لقبه، نعم قد يحصل التعيين بمعرفة الصوت، ولكنه - ﷺ - أنكر هذه الكلمة على جابر تعليمًا للأدب وبيانًا لقاعدة أسباب (٥)، وقيل: إنما كرهها لتركة الاستئذان بالسلام، والأول هو الأظهر، وإنما كرر أنا تأكيدًا، وهو الذي يفهم منه الإنكار عرفًا.\n٥١٨٨ - (حدثنا يحيى بن أيوب، نا إسماعيل - يعني ابن جعفر-، نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن نافع بن عبد الحارث) بن خالد بن عمر الخزاعي، قال ابن عبد البر (٦): كان من كبار الصحابة وفضلائهم، قيل: إنه\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"باب: دق الباب عند الاستئذان\".\n(٢) في نسخة: \"فدفعت\".\n(٣) في نسخة: \"قلت\".\n(٤) زاد في نسخة: \"يعني المقابري\".\n(٥) كذا في الأصل، ولم يتبين لي وجهها. ولعلها: الباب.\n(٦) راجع: \"الاستيعاب\" (٤/ ١٤٩٠).","vol":"13","page":573},{"text":"قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى دَخَلْتُ حَائِطًا فَقَالَ لِي: \"أَمْسِكِ الْبَابَ\"، فضُرِبَ الْبَابُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ (١).\nيَعْنِي حَدِيثَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ فِيهِ: فَدَقَّ الْبَابَ. [حم ٣/ ٤٠٨]\n===\nأسلم يوم الفتح، وأقام بمكة، ولم يهاجر، وأنكر الواقدي أن تكون له صحبة، وذكره ابن حبان والعسكري وجماعة في الصحابة.\n(قال: خرجت مع رسول الله - ﷺ - حتى دخلت حائطًا) أي بستانًا من حوائط المدينة (فقال لي: أمسك الباب) لا يدخل على أحد إلا بإذن (فَضُرِبَ البابُ، فقلت: من هذا؟ وساق الحديث) قال أبو داود: (يعني حديث أبي موسى الأشعري) يعني مثل قصة أبي موسى الأشعري (قال) أبو موسى الأشعري (فيه) أي في حديثه: (فدق الباب).\nوقد أخرج الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) هذا الحديث حديث نافع بن عبد الحارث مطولًا ولفظه: قال: قال نافع بن عبد الحارث: خرجت مع رسول الله - ﷺ - حتى دخل حائطًا، فقال لي: \"أمسك عليَّ الباب\"، فجاء حتى جلس على القفّ، ودلَّى رجليه في البئر، فَضُرِبَ الباب، قلت: من هذا؟ قال: أبو بكر، قلت: يا رسول الله هذا أبو بكر، قال: \"ائذن له وبشره بالجنة\"، قال: فأذنت له وبشرته بالجنة، قال: فدخل فجلس مع رسول الله - ﷺ - على القفّ، ودَلّى رجليه في البئر، ثم ضُرِبَ البابُ فقلت: من هذا؟ فقال: عمر، فقلت: يا رسول الله هذا عمر، قال: \"ائذن له وبشره بالجنة\"، قال: فأذنت له وبشرته بالجنة، قال: فدخل فجلس مع رسول الله - ﷺ - على القفّ، ودلى رجليه في البئر، قال: ثم ضُرِبَ البابُ فقلت: من هذا؟ قال: عثمان، فقلت: يا رسول الله هذا عثمان، قال: \"ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء\"، فأذنت له، وبشرته بالجنة، فجلس مع رسول الله - ﷺ - على القفّ ودلى رجليه في البئر.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو داود\".\n(٢) انظر: \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٠٨).","vol":"13","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1889>(١٣٠) بَابٌ في الرَّجُلِ يدْعَى أَيَكُونُ ذَلِكَ إذُنهُ</span>؟\n٥١٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن حَبِيبٍ وَهِشَام، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺقَالَ: \"رَسُولُ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ إذْنُهُ\". [حب ٥٨١١، ق ٨/ ٣٤٠]\n٥١٩٠ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُعَاذٍ (١)، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي رَافِعٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ (٢) فَجَاءَ مَعَ رَسُولٍ (٣) فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ\". [حم ٢/ ٥٣٣]\n===\nوقصة أبي موسى الأشعري مثل قصة نافع بن عبد الحارث أخرجه مسلم (٤) في فضائل عثمان.\n\n(١٣٠) (بابٌ في الرَّجُلِ يُدْعَى أَيَكُونُ ذَلِكَ إذْنُه؟)\n٥١٨٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حبيب وهشام، عن محمد، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - يقال: رسولُ الرجل إلى الرجل) للدعوة (إذنه) أي لا يحتاج إلى الاستئذان إذا جاء مع رسوله.\n٥١٩٠ - (حدثنا حسين بن معاذ، نا عبد الأعلى، نا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع) قال المنذري: هو نفيع الصائغ، (عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا دُعى أحدكم فجاء) أي المدعو (مع رسول) أي رسول الداعي (فإن ذلك) أي دعوته بإرسال الرسول (- ﷺ - له إذن).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن خليف\".\n(٢) زاد في نسخة: \"إلى الطعام\".\n(٣) في نسخة: \"الرسول\".\n(٤) \"صحيح مسلم\" (٢٤٠٣).","vol":"13","page":575},{"text":"(١) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يُقَالُ: قتَادَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي رَافِعٍ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1890>(١٣١) بَابٌ في الاسْتِئْذَانِ في الْعَوْرَاتِ الثَّلاثِ</span>\n٥١٩١ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرح قَالَ: نَا. (ح): وَنَا (٣) ابْنُ الصَّبَّاح بْنِ سُفْيَانَ وَ(٤) ابْنُ عَبْدة، وَهَذَا حَدِيثهُ، قَالَا: أَنَا سُفْيَانُ، عن عُبَيْدِ اللَهَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَباس يَقُولُ: لَمْ يُؤْمِنْ (٥) بِهَا أَكْثَرُ النَّاسِ\n===\nقال في \"فتح الودود\": أي لا يحتاج إلى الاستئذان إذا جاء مع رسوله، نعم لو استأذن احتياطًا لكان حسنًا سيما إذا كان البيت غير مخصوص بالرجال، وقد أرسل رسول الله - ﷺإلى أصحاب الصفة فجاؤوا فاستأذنوا فدخلوا.\nوقال البيهقي في \"سننه\" (٦): هذا عندي- والله أعلم- إذا لم يكن في البيت حرمة، فإن كان حرمة فلا بد من الاستئذان بعد نزول آية الحجاب.\n(قال أبو داود: يقال: قتادة لم يسمع من أبو رافع).\n\n(١٣١) (بابٌ في الاسْتئذَان في الْعَوْرَاتِ الثَّلاثِ)\nإشارة إلى قوله تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُم﴾ (٧)\n٥١٩١ - (حدثنا ابن السرح قال: نا، ح: ونا ابن الصباح بن سفيان وابن عبدة، وهذا حديثه) أي ابن عبدة (قالا: أنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد) أنه (سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن بها) أي لم يعمل بها (أكثر الناس) يعني\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال أبو علي اللؤلؤي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"شيئًا\".\n(٣) زاد في نسخة: \"محمد\".\n(٤) زاد في نسخة: \"أحمد\".\n(٥) في نسخة: \"لم يؤمر\".\n(٦) انظر: \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤٠).\n(٧) سورة النور: الآية ٥٨.","vol":"13","page":576},{"text":"آيةُ الإذْنِ، وَإنِّي لآمُرُ جَارِيَتي (١) هَذِهِ تَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ. [ق ٧/ ٩٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَلِكَ رَوَاهُ عَطَاءٌ عن ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهِ.\n٥١٩٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمّد-، عن-عمْرو- يَعْنِي ابْنَ أَبي عَمْرٍو-، عن عِكْرمَةَ، أَنّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاق قَالوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، كيْفَ تَرَى في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِمَا أُمِرْنَا، وَلَم (٢) يَعْمَلْ بِهَا أَحَد؟ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُم\n===\n(آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي).\n(قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء (٣) عن ابن عباس يأمر به) أي بالاستئذان، أي: يوجبه.\n٥١٩٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد-، عن عمرو -يعني ابن أبي عمرو-، عن عكرمة، أن نفرًا من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس، كيف ترى هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمِرْنَا) أي من وجوب الاستئذان (ولم يعمل بها أحد؟) مع أنها لم تنسخ، وهي (قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾)، سمى هذه الأوقات عورات، لأن الإنسان في هذه الأوقات يضع ثيابه.\n_________\n(١) في نسخة: \"جارتي\".\n(٢) في نسخة: \"ولا\".\n(٣) أخرج روايته الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ١٦٢)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٨/ ٢٦٣٢) رقم (١٤٧٨٨).","vol":"13","page":577},{"text":"لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ﴾ (١). قَرَأَ الْقَعْنَبِيُّ إلَى: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: \"إنَّ اللَّه حَلِيمٌ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ، وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ (٢)، فَرَبُمَّا دَخَلَ الْخَادِمُ أَوْ الْوَلَدُ أَوْ يَتيمَةُ الرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ الله بالاسْتِئْذَانِ في تِلْكَ الْعَوْرَاتِ، فَجَاءَهُمْ اللَّه بِالسُّتُورِ وَالْخَيْرِ، فَلَمْ أَرَ أًحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ (٣). [ق ٧/ ٩٧]\n===\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ أي الطوافين مما ملكت أيمانكم، وغير البالغين (﴿جُنَاحٌ﴾) في الدخول عليكم (﴿بَعْدَهُنَّ﴾)، أي الأوقات الثلاث (﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ القعنبي إلى (﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾) وتمام الآية ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤).\n(قال ابن عباس: إن الله حليم رحيم بالمومنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور، ولا حجال) جمع حجلة بفتحتين، وهي بيت كالقبة يستر بالثياب يجعلونها للعروس، وفي زماننا يقال لها بالهندية: \"مسهري\".\n(فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل، والرجل على أهله) أي يجامعها (فأمرهم الله بالاستئذان (٥) في تلك العورات، فجاءهم الله) بعد ذلك (بالستور والخير، فلم أرَ أحدًا يعمل بذلك بعد) لأنه لم يبق حاجة إلى الاستئذان، لأنه لا يدخل على الرجل أحد في هذه الحالة.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"عليكم\".\n(٢) في نسخة: \"حجاب\"، وفي نسخة: \"حجار\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: وحديث عبيد الله وعطاء يفسد\"، وفي نسخة: \"يفسر\" هذا الحديث.\n(٤) سورة النور: الآيتان ٥٨، ٥٩.\n(٥) وقد صرَّح في \"الدر المختار\" بوجوب الاستئذان (٩/ ٥٩٢).","vol":"13","page":578},{"text":"(١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1891>(١٣٢) بَابُ إفْشَاءِ السَّلَامِ</span>\n٥١٩٣ - حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْب، نَا زُهَيْرٌ، نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي صالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالً رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"وَالَّذِي نفسي بيَدهِ لَا تَدخُلُوا (٢) الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا (٣) حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أَدُلّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنكُمْ\". [م ٥٤، ت ٢٦٨٨، جه ٦٨، حم ٢/ ٤٧٧]\n===\nوهذه الرواية مخالفة لرواية ابن عباس المتقدمة، قال في \"فتح الودود\": وكأنه ﵁ كان يرى أولًا ذلك ثم رجع عنه، فيمكن أن تكون الرواية المتقدمة على الندب، أو تكون محمولة على الوجوب فيما إذا كان رجل ليس له ستور، ولا بيت مخصوص لا يدخل فيه أحد، وعدم وجوب الاستئذان على ما إذا كان الرجل في ستر وبيت محفوظ، وهذه الحالة كأنه كان على العموم في الناس في الزمان المتأخر، والحالة الأولى من الأحوال الشاذة.\n\n(١٣٢) (بابُ إفْشَاءِ السَّلَامِ) (٤)\n٥١٩٣ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب، نا زهير، نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: والذي نفسي بيده لا تدخلوا) هكذا في جميع النسخ الموجودة إلَّا في النسخة المكتوبة التي عليها المنذري فإن فيها بإثبات النون، وتوجيه إسقاط النون: إما أن يقال: إسقاطها للمجانسة والازدواج، أو أن يكون النهي بمعنى الخبر كعكسه [فلا يمكنكم دخول] (الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام) أي أظهروه فيما (بينكم).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أبواب السلام\".\n(٢) في نسخة: \"لا تدخلون\".\n(٣) في نسخة: \"ولا تؤمنون\".\n(٤) بسط في \"حاشية الإقناع\" (١/ ٢٢٠) تحية كل ملك من ملوك الجاهلية. (ش).","vol":"13","page":579},{"text":"٥١٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَبِي الْخَيْرِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: أَيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: \"تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ\". [خ ١٢، م ٣٩، جه ٣٢٥٣، حم ٢/ ١٦٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1892>(١٣٣) بَابٌ: كَيْفَ السَّلَامُ</span>؟\n٥١٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ، أَنَا (١) جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن عَوْفٍ، عن أَبِي رَجَاءٍ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ\n===\n٥١٩٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله، (عن عبد الله بن عمرو، أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أيّ الإِسلام) أي: أي خصال الإِسلام (خير؟ قال: تُطْعِمُ الطعامَ، وتَقْرَأ السلامَ على من عرفتَ ومن لم تَعْرِف).\nقال النووي (٢): أي تسلم على [كل] من لقيتَه، ولا تخص ذلك بمن تعرف، وفي ذلك إخلاص العمل لله واستعمال التواضع، وقد استثنى الفقهاء من هذا بعض الصور وحكموا بكراهة السلام، وقد تقدم في كتاب الصلاة من يكره ﵇ (٣).\n\n(١٣٣) (بابٌ كَيْفَ السَّلَامُ؟)\n٥١٩٥ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته\n_________\n(١) في نسخة: \"نا\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١/ ٢٨٦).\n(٣) انظر: كتاب الصلاة \"باب في السلام\" (ك ٢ ب ١٨٣، ١٨٤).","vol":"13","page":580},{"text":"إِلَى النَّبِىِّ -ﷺ- فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِىُّ -ﷺ-: «عَشْرٌ» (١)، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: «عِشْرُونَ» (٢)، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ثَلَاثُونَ» (٣). [ت ٢٦٨٩، دي ٢٦٤٣، حم ٤/ ٤٣٩]\n٥١٩٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَظُنُّ أَنِّي سَمِعْتُ نَافِعَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنِي\n===\n(إلى النبي - ﷺ - فقال: السلام عليكم (٤)، فرد) النبي - ﷺ - (عليه، ثم جلس، فقال النبي - ﷺ -: عشر) أي عشر حسنات (ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، فجلس، فقال) النبي - ﷺ -: (عشرون) أي حسنة (ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فجلس، فقال: ثلاثون) أي حسنة، أي: بكل كلمة عشر حسنات.\n٥١٩٦ - (حدثنا إسحاق بن سويد الرملي، نا ابن أبي مريم) سعيد بن الحكم بن أبي مريم (قال: أظن أني سمعت نافع بن يزيد قال: أخبرني\n_________\n(١) في نسخة: \"عشرًا\".\n(٢) في نسخة: \"عشرين\".\n(٣) في نسخة: \"ثلاثين\".\n(٤) بسط الرازي في \"التفسير\" (٤/ ١٦٢، ١٦٣) في أن صيغة الجمع باعتبار الملائكة الحفظة والكتبة، أو باعتبار ما يجانس الرجل من الأرواح البشرية، وقال في موضع آخر: ويقلب الترتيب، عند الجواب، وسببه ما قال سيبويه: إنهم يقدمون الأهم، فيدل على اهتمام هذا القائل لشأن المسلم، وأيضًا قوله: \"وعليكم\" يفيد الحصر، فكأنه يقول: إن كنت أوصلت إليّ السلام فأنا أريد عليه وأجعله مختصًا بك ومحصورًا فيك امتثالًا لقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾، انتهى. النساء: ٨٦، ورجح قوله: سلام عليكم على قوله: السلام عليكم. (ش).","vol":"13","page":581},{"text":"أَبُو مَرْحُومٍ، عن سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ، زَادَ: ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ: \"أَرْبَعُونَ\"، قَالَ: \"هَكَذَا تكون الْفَضَائِلُ\".\n===\nأبو مرحوم) عبد الرحيم بن ميمون، (عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه) معاذ بن أنس، (عن النبي - ﷺ - بمعناه، زاد) الراوي في هذا الحديث: (ثم أتى آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته (١)، فقال: أربعون، قال) النبي - ﷺ -: (هكذا تكون) أي تزيد (الفضائل) أي تزيد المثوبات بكل لفظ يزيده المسلم.\nقال المنذري: في إسناده أبو مرحوم عبد الرحمن بن ميمون، وسهل بن معاذ لا يحتج بهما، وقال فيه سعيد بن أبي مريم: أظن أني سمعت نافع بن يزيد، انتهى.\nقلت: وما قال المنذري (٢) بأن فيه عبد الرحمن بن ميمون وهم، فإن أبا ميمون (٣) هو عبد الرحيم (٤) بن ميمون لا عبد الرحمن بن ميمون، وصاحب \"العون\" (٥) لم يتنبه لهذا الوهم فنقل كما هو، ولم يتعقب.\n_________\n(١) وفي \"الدر المختار\" (٩/ ٥٩٣): لا يستحب أن يزيد على: \"وبركاته\"، وقد ورد في ذلك روايات مرفوعة في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٣٣)، وفي \"جمع الفوائد\" (٧٦٩٥) عن ابن عباس: أن السلام قد انتهى إلى البركة، وكذا عن ابن عمر أنه كره الزيادة، وفي \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٠٦) حكي الانتهاء إلى البركة عن عروة بن الزبير، وهكذا في \"العالمكَيرية\" (٥/ ٣٢٥) عن علي وابن عباس، وأورد الحافظ الآثار في ذلك في \"الفتح\" (١١/ ٦) وهل يستدل له بما تقدم [في كتاب الصلاة ١٠٠٤] \"حذف السلام سنة؟ \" لم أره، فليفتش. (ش).\n(٢) والظاهر أنه وقع تحريف من الناسخ في \"العون\"، فإن المنذري جزم في \"الترغيب\" (٣/ ٤٢٩) بأنه عبد الرحيم. (ش).\n(٣) كذا في الأصل، والظاهر: \"أبا مرحوم\".\n(٤) ومع ذلك الحديث ضعيف، كما في \"الأوجز\" (١٧/ ١٧٦). (ش).\n(٥) انظر: \"عون المعبود\" (١٤/ ٧٠).","vol":"13","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1893>(١٣٤) بابٌ في فَضْلِ مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ</span>\n٥١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (١) الذُّهْلِيُّ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عن أَبِي خَالِدٍ وَهْبٍ، عن أَبِي سُفْيَانَ الْحِمْصِيِّ، عن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: \"إن أَوْلَى النَّاسُ بالله تَعَالَى مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ\". [حم ٥/ ٢٥٤، ٢٦١، ٢٦٤، ٢٦٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1894>(١٣٥) بَابُ مَنْ أَوْلَى بِالسَّلَامِ</span>\n٥١٩٨ - حَدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n===\n\n(١٣٤) (بابٌ في فَضْلِ مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ)\n٥١٩٧ - (حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، نا أبو عاصم) النبيل، (عن أبي خالد وهب) بن خالد، (عن أبي سفيان الحمصي) محمد بن زياد الألهاني، (عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن أولى الناس بالله) أي أحق الناس بمغفرته ورحمته، أو أقرب الناس بالله (تعالى من بدأهم) المسلمين (بالسلام).\n\n(١٣٥) (بَابُ مَنْ أَوْلَى بِالسَّلَامِ) (٢) أن يتقدم بالسلام\n٥١٩٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن فارس\".\n(٢) ظاهر ما بسط الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ١٦) أن هذا الترتيب إذا التقيا مختلفة الحالة، وأما إذا التقيا متحدة الحالة كأن يكونا ماشين فأولهما بالسلام أفضل، كما في الحديث المتقدم، وإليه أشار العيني (١٥/ ٣٥٣، ٣٥٤)، كما في هامش \"الكوكب\" (٣/ ٣٧٨). (ش).","vol":"13","page":583},{"text":"\"يُسلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثيرِ\". [خ ٦٢٣١، ت ٢٧٠٤، م ٢١٦٠، حم ٢/ ٣١٤]\n٥١٩٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ (١)، أَنَا رَوْحٌ، نَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلى عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ زيدٍ أَخبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَىَ الْمَاشِي\" ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ. [خ ٦٢٣٢، م ٢١٦٠، حم ٢/ ٥١٠]\n===\nيسلم) صيغة خبر بمعنى الأمر (الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير).\n٥١٩٩ - (حدثنا يحيى بن حبيب، أنا روح، نا ابن جريج، أخبرني زياد، أن ثابتًا مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: يسلم الراكب على الماشي، ثم ذكر الحديث) المتقدم.\nقال في \"مرقاة الصعود\" (٢): قال ابن بطال عن المهلب: تسليم الصغير لأجل حق الكبير، لأنه أمر بتوقيره والتواضع له، وتسليم القليل لأجل حق الكثير، لأن حقه أعظم، وتسليم المار لشبهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع.\nوقال ابن العربي (٣): حاصل ما في الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضل.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن عربي\".\n(٢) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٣٣٤).\n(٣) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١٠/ ١٧١).","vol":"13","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1895>(١٣٦) بَابٌ في الرَّجُلِ يُفَارِقُ الرَّجُلَ ثُمَّ يَلْقَاهُ، أَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ</span>؟\n٥٢٠٠ - حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بن صَالِحٍ، عن أَبِي مُوسَى، عن أَبِي مَرْيَمَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"إذَا لَقِيَ أَحَدُكمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ\" (١).\n===\n\n(١٣٦) (بَابٌ في الرَّجُلِ يُفَارِق الرَّجُلَ ثُمَّ يَلْقَاهُ، أَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ؟)\n٥٢٠٠ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، نا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي موسى) عن أبي مريم، عن أبي هريرة في السلام، وعنه معاوية بن صالح الحضرمي، قال في \"التقريب\": مجهول، وقيل: عن معاوية، عن أبي مريم، عن أبي هريرة، ليس بينهما أبو موسى.\n(عن أبي مريم) الأنصاري، ويقال: الحضرمي الشامي، صاحب القناديل، خادم مسجد دمشق أو حمص، وقيل: إنه ممن أمر به خالد بن الوليد للمسجد، وقيل: إنه مولى أبي هريرة، وقيل: إنهما اثنان، وقيل: ثلاثة، قال ابن أبي حاتم: اسمه عبد الرحمن بن ماعز، وذكره غير واحد فيمن لم يسم، قال الأثرم عن أحمد: قالوا لي بحمص: أبو مريم الذي روى عنه معاوية بن صالح معروف عندنا، وعن أحمد: رأيت أهل حمص يحسنون الثناء عليه، وقال العجلي: أبو مريم مولى أبي هريرة ثقة، وفرق البخاري بين خادم مسجد حمص وبين مولى أبي هريرة، وجمعهما أبو حاتم الشامي.\n(عن أبي هريرة قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه)، فيه حث على إفشاء السلام وإكثاره، وأن يغير عند كل تغير حال وكل جاءٍ وعادٍ.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أيضًا\".","vol":"13","page":585},{"text":"قَالَ مُعَاوِيَة: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّاب بْنُ بُخْتٍ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِثْلَهُ سَوَاءٌ.\n٥٢٠١ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، نَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، نَا حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عن سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن عُمَرَ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ في مَشْرَبَةٍ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، يَا رَسُول الله، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَيَدْخُلُ عُمَرُ؟ . [حم ١/ ٣٠٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1896>(١٣٧) بَابٌ في السَّلَامِ عَلَى الصِّبيان</span>\n٥٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي\n===\n(قال معاوية: وحدثني عبد الوهاب بن بخت، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - مثله سواء).\n٥٢٠١ - (حدثنا عباس العنبري، نا أسود بن عامر، نا حسن بن صالح، عن أبيه) صالح بن صالح بن حيّ، (عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر، أنه أتى النبي - ﷺ - وهو في مَشْرُبة (١) له، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر؟) وهو تعميم بعد تخصيص (٢).\nوفي الحديث قصة تقدمت في الإيلاء، ومناسبة الحديث بالباب بأن القصة تدل على أن عمر - ﵁ - سلم أولًا، ثم ذهب إلى المسجد، فعاد فسلم ثانيًا، فثبتت المناسبة بالباب.\n\n(١٣٧) (بابٌ في السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَان)\n٥٢٠٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا سليمان - يعني\n_________\n(١) \"المشربة\" كالخزانة تكون للإنسان مرتفعة عن وجه الأرض. \"تهذيب السنن\" (٤/ ٤٩٤).\n(٢) قال الخطابي: قد جمع الله الاستئذان بالسلام والإبانة عن الاسم والتعريف، وهو كمال الاسننذان. \"معالم السنن\" (٤/ ٤٩٤).","vol":"13","page":586},{"text":"ابْنَ الْمُغِيرَةِ-، عن ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى غِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. [خ ٦٢٤٧، م ٢١٦٨، ت ٢٦٩٦، جه ٣٧٠٠، حم ٣/ ١٣١]\n٥٢٠٣ - حَدَّثَنا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ-، نَا حُمَيْدٌ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: انْتَهَى إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وأَنَا غُلَامٌ في الْغِلْمَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي (١) فَأَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ (٢)، وَقَعَدَ في ظِلِّ جِدَارٍ - أَوْ قَالَ: إلَى جِدَارٍ - حَتَّى رَجَعْتُ إلَيْهِ. [حم ٣/ ٢٣٥، جه ٣٧٠٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>(١٣٨) بابٌ في السَّلامِ عَلَى النِّسَاءِ</span>\n٥٢٠٤ - حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،\n===\nابن المغيرة-، عن ثابت قال: قال أنس: أتى رسول الله - ﷺ - على غلمان يلعبون فسلم عليهم)، كتب في الحاشية: وسلامه - ﷺ - على الصبيان من خُلُقِهِ العظيم وآدابه الشريفة، وفيه تدريب لهم على تعليم السنن ورياضة لهم على آداب الشريعة ليبلغوا متأدبين بآدابها.\n٥٢٠٣ - (حدثنا ابن المثنى، نا خالد -يعني ابن الحارث-، نا حميد قال: قال أنس: انتهى إلينا رسولُ الله - ﷺ - وأنا غلام في الغلمان، فسلم علينا، ثم أخذ بيدي فأرسلني برسالة، وقعد في ظل جدار، أو) للشك من الراوي (قال: إلى جدار، حتى رجعت إليه).\n\n(١٣٨) (بابٌ في السَّلَامِ عَلَى النِّسَاء)\n٥٢٠٤ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا سفيان بن عيينة،\n_________\n(١) في نسخة: \"بأذني\".\n(٢) في نسخة: \"برسالته\".","vol":"13","page":587},{"text":"عن ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ سَمِعَهُ (١) مِنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب يَقُولُ: أَخْبَرَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ (٢): مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - في نِسْوَةٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا. [ت ٢٦٩٧، جه ٣٧٠١، حم ٦/ ٤٥٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1898>(١٣٩) بابٌ في السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ</span>\n٥٢٠٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن سُهَيْلِ بْنِ\n===\nعن ابن أبي حسين سمعه من شهر بن حوشب يقول: أخبرته أسماء بنت يزيد) قالت: (مر علينا النبي - ﷺ - في نسوة) حال من ضمير علينا (فسلم علينا).\nقال ابن الملك (٣): وهو مختص بالنبي - ﷺ - لأمنه من الوقوع في الفتنة، وأما غيره فيكره له أن يُسَلِّم على المرأة الأجنبية إلَّا أن تكون عجوزًا بعيدة من مظنة الفتنة، قيل: وكثير من العلماء لم يكرهوا تسليم كل منهما على الآخر، وقال الحليمي: كان - ﷺ - مأمونًا عن الفتنة، فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم وإلا فالصمت أسلم.\n\n(١٣٩) (بَابٌ في السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الذّمَّةِ) (٤)\n٥٢٠٥ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن سهيل بن\n_________\n(١) في نسخة: \"سمعت\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قالت\".\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٢٩).\n(٤) قال ابن عابدين (٩/ ٥٩١): لو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسى على المسلم فلا بأس بالرد، لكن لا يزيد على: \"وعليك\"، وفي \"التتار خانية\": إذا سلَّم أهل الذمة ينبغي أن يردّ عليهم، وبه نأخذ، قال محمد: يقول المسلم: \"وعليك\"، ينوي بذاك السلام للحديث المرفوع \"إذا سلموا عليكم فردوا عليهم\". انتهى.\nوأنكر الشافعية الزيادة على: \"وعليك\"، كما بسط في \"روضة المحتاجين\" و\"شرح الإقناع\" (٤/ ٢٩١)، وحكي في موضع آخر عن ابن العربي، قال العلماء: يسلم وينوي أن السلام اسم من أسمائه تعالى، والمعنى: الله عليكم رقيب. انتهى. وبسط القاري =","vol":"13","page":588},{"text":"أَبِي صَالِحٍ قَالَ: خَرجْتُ مَعَ أَبِي إلَى الشَّامِ، فَجَعَلُوا يَمُرُّونَ بِصَوَامِعَ فِيهَا نَصَارَى، فَيُسَلِّمُونَ (١) عَلَيْهِمْ، فَقَالَ أَبِي: لَا تَبْدَؤوهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَنَا عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَبْدَؤوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإذَا لَقِيْتُمُوهُمْ في الطَّرِيقِ، فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ\". [م ٢١٦٧، ت ١٦٠٢، حم ٢/ ٢٦٣]\n٥٢٠٦ - حَدَّثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي\n===\nأبي صالح قال: خرجت مع أبي) أبي صالح (إلى الشام) في قافلة (فجعلوا يمرون بصوامع فيها نصارى، فيسلمون عليهم، فقال أبي: لا تبدؤوهم بالسلام، فإن أبا هريرة حدثنا عن رسول الله - ﷺقال: لا تبدؤوهم) أي أهل الذمة (بالسلام) لأن الابتداء به إعزاز لهم، ولا يجوز إعزازهم.\nقال النووي (٢): قال بعض أصحابنا: يكره إبتداؤهم بالسلام ولا يحرم، وهو ضعيف، لأن النهي للتحريم، فالصواب تحريم ابتدائهم، وحكى القاضي عياض عن جماعة: أنه يجوز الابتداء للضرورة والحاجة.\n(وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطرُّوهم) أي ألجئوهم (إلي أضيق الطريق) أي لا تمكنوهم أن يمشوا في حاق الطريق ووسطها بل في أحد طرفيه.\n٥٢٠٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز- يعني\n_________\n= (٨/ ٤٢١) الروايات في أنه لا يزيد على: وعليك، انتهى.\nوأشكل على رد السلام على الكافر بأن دعاءه بالسلام غير مقبول لكفره، ودعاءنا مقبول بالإِسلام على أن فيه دعاءً للكافر، وقد صرحوا كما في \"الشامي\" (٩/ ٥٩٢) بأنه إن قال له: أطال الله بقاءك إن نوى بقلبه لعله يسلم أو يؤدي الجزية ذليلًا فلا بأس به، فالجواب أولًا أن التأويل ها هنا أيضًا ممكن كما في حاشية \"روضة المحتاجين\" بأنه دعاء لهم بالإِسلام، انتهى. وأيضًا فقد ثبت عنه - ﷺ - الدعاء لرفع القحط. (ش).\n(١) في نسخة: \"فيسلموا\".\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٤٠٢).","vol":"13","page":589},{"text":"ابْنَ مُسْلِم-، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ الْيَهُودَ إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ فَإنَّمَا يَقُولُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ\" (١). [خ ٦٢٥٧، م ٢١٦٤، ت ١٦٠٣، حم ٢/ ٩]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ الثوْريُ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ فِيهِ: \"وَعَلَيْكُمْ\".\n===\nابن مسلم-، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام عليكم) أي الموت (فقولوا: وعليكم، قال أبو داود: وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار قال فيه: وعليكم).\nقال المنذري: وحديث مالك الذي أشار إليه أبو داود أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢)، وحديث الثوري أخرجه البخاري ومسلم (٣)، وأخرجه النسائي (٤) من حديث ابن عيينة بإسقاط الواو. وقال الخطابي (٥): هكذا رواية عامة المحدثين \"وعليكم\" بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه: \"عليكم\" بحذف الواو وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه نفسه مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه،\n_________\n(١) في نسخة: \"عليكم\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٢٥٧)، وأخرجه البخاري أيضًا في \"الأدب المفرد\" (١١٠٦)، ومالك في \"الموطأ\" (٣/ ٩٦٠)، وأحمد (٢/ ١٩)، والدارمي (٢٦٣٥)، والبيهقي (٩/ ٢٠٣).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٦٩٢٨)، \"صحيح مسلم\" (٢١٦٤)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢/ ١٩ - ١١٤)، وعبد الرزاق (٦/ ١١) رقم (٩٨٤٠)، وابن أبي شيبة (٨/ ٦٣٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٢١٢)، والبيهقي (٥/ ٢٠٣).\n(٤) أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٣٨١).\n(٥) \"معالم السنن\" (٤/ ١٥٤).","vol":"13","page":590},{"text":"٥٢٠٧ - حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أنا شُعْبَةُ، عن قَتَادةَ، عن أَنَس، أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ - قالُوا لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا فَكَيْفَ نَرُدُّ\n===\nلأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين، والسَّام فسروه (١) بالموت، هذا آخر كلامه.\nوقد أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار بغير واو كما قدمناه، وقال غيره: أما من فسر السام بالموت فلا يبعد الواو، ومن فسره بالسآمة وهي الملالة أي تسأمون بينكم، فإسقاط الواو هو الوجه، واختار بعضهم أن يردّ ﵈ بكسر السين وهي الحجارة، وقال غيره: الأول أولى، لأن السنَّة وردت بما ذكرناه، ولأن الرد إنما يكون بجنس المردود لا بغيره (٢)، انتهى.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: وكذلك رواه مالك إلى آخره، قصد بذلك الرد على من زعم أنه لا يأتي في الجواب بواو العطف، لأنها مقتضية للاشتراك، فيكون السام عليه وعليهم، ووجه الرد ورود الروايات بالطرق المختلفة، وأيضًا فإن المنون لا تترك أحدًا من المسلم والكافر، فلا ضير في الشركة، لأنه آتٍ لا محالة منه، فَأنَّى يفيد التحرز والتحذر منه، انتهى.\nوقال في الحاشية: جاءت الروايات بضمير الواحد والجمع، وبإثبات الواو وحذفها، فقيل: المختار حذفها لئلا يلزم المشاركة فيما قالوا، وقيل: لا بأس بالتشريك، لأن الموت مشترك بين الكل، وقيل: الواو ليس للتشريك بل للاستئناف، أي وعليهم ما تستحقونه، والصواب جواز الوجهين.\n٥٢٠٧ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، أن أصحاب النبي - ﷺ - قالوا للنبي - ﷺ -: إن أهل الكتاب يسلمون علينا فكيف نرد\n_________\n(١) في الأصل: \"فردَّه\"، وهو تحريف.\n(٢) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري (٤/ ٤٩٦).","vol":"13","page":591},{"text":"عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: \"قُولُوا: وَعَلَيْكُمْ\". [م ٢١٦٣، حم ٣/ ١١٥، ٢٧٣، جه ٣٦٩٧]\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ عَائِشَةَ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ الْجُهَنِيِّ وَأَبِي بَصْرَةَ - يَعْني الْغِفَارِيَّ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>(١٤٠) بابٌ في السَّلَامِ إذَا قَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ </span>(١)\n٥٢٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا بِشْرُ (٢) بْنُ الْمُفَضَّلِ،\n===\nعليهم؟ قال: قولوا: وعليكم. قال أبو داود: وكذلك رواية عائشة وأبي عبد الرحمن الجهني وأبي بصرة يعني الغفاري).\nقال المنذري (٣): فأما حديث عائشة الذي أشار إليه أبو داود فأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٤)، وأما حديث أبي عبد الرحمن الجهني فأخرجه ابن ماجه (٥)، وأما حديث أبي بصرة الغفاري فأخرجه النسائي (٦).\n\n(١٤٥) (بَابٌ في السَّلَامِ إذَا قَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ)\n٥٢٠٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا بشر بن المفضل،\n_________\n(١) في نسخة: \"باب السلام عند القيام\".\n(٢) زاد في نسخة: \"يعنيان\".\n(٣) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٤٩٧).\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (٦٢٥٦)، و\"صحيح مسلم\" (٢١٦٥)، و\"سنن الترمذي\" (٢٧٠١)، و\"سنن النسائي الكبرى\" (١٠٢١٣)، و\"سنن ابن ماجه\" (٣٦٩٨)، وأخرجه أيضًا الحميدي (١/ ١٢٠) رقم (٢٤٨)، وأحمد (٦/ ٣٧، ٨٥).\n(٥) \"سنن ابن ماجه\" (٣٦٩٩)، وأخرجه أيضًا أحمد (٤/ ١٤٤، ٢٣٣)، وابن أبي شيبة (٨/ ٦٣٠)، وأبو يعلى (٩٣٦)، والطحاوي (٤/ ٣٤١).\n(٦) انظر: \"عمل اليوم والليلة\" (٣٩٠)، وأخرجه أيضًا البخاري في \"الأدب المفرد\" (١١٠٢)، والطحاوي (٤/ ٣٤١)، والطبراني (٢/ ٣١١) رقم (٢١٦٤).","vol":"13","page":592},{"text":"عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عن الْمَقْبُرِيِّ - قَالَ مُسَدَّدٌ: سَعِيدِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ-، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَ مِنَ الآخِرَةِ\". [ت ٢٧٠٦، حم ٢/ ٢٣٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1900>(١٤١) بابٌ في كَرَاهِيَّةِ أَنْ يَقُولَ: \"عَلَيْكَ السَّلَامُ</span>\"\n٥٢٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عن أَبِي غِفَارٍ، عن أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عن أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:\n===\nعن ابن عجلان، عن المقبري- قال مسدد: سعيد بن أبي سعيد المقبري-، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم) عن المجلس ليرجع (فليسلم، فليست) التسليمة (الأولى بأحق من) التسليمة (الآخرة) بل هما متساويتان.\n\n(١٤١) (بابٌ في كَرَاهِيَّةِ أَنْ يَقُولَ: عَلَيكَ السَّلَامُ)\n٥٢٠٩ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو خالد الأحمر، عن أبي غفار) بكسر المعجمة وتخفيف الفاء، المثنى بن سعد، ويقال: ابن سعيد الطائي البصري، عن ابن معين: مشهور، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال البزار: ثقة، وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الدقاق الأصبهاني: المثنى بن سعيد اثنان بصريان نظيران في الرواية، أحدهما يكنى أبا غفار وهو ثقة، والآخر هو الضبعي البصري.\n(عن أبي تميمة الهُجَيْمِي، عن أبي جُرَي الهجيمي قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال) - ﷺ -:","vol":"13","page":593},{"text":"\"لَا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتِى\". [تقدَّم برقم ٤٠٨٤]\n\n(١٤٢) بَابُ مَا جَاءَ في رَدٍّ وَاحِدٍ (١) عَنِ الْجَمَاعَةِ\n٥٢١٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْجُدِّيُّ، نَا سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْخُزَاعِيُّ،\n===\n(لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى) أي (٢) عرفًا، وفي الحديث دلالة على أن المسلم يكره (٣) له أن يقدم لفظ عليك على لفظ السلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>(١٤٢) (بَابُ مَا جَاءَ في رَدٍّ واحدٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ)</span>\n٥٢١٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الملك بن إبراهيم الجُدِّي) بضم الجيم وتشديد الدال، أبو عبد الله القرشي الحجازي المكي، مولى بني عبد الدار، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال أحمد بن محمد بن أبي بزة: عبد الملك بن إبراهيم الثقة المأمون، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n(نا سعيد بن خالد الخزاعي) المدني، قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو زرعة: ضعيف، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في السلام،\n_________\n(١) في نسخة: \"الواحد\".\n(٢) أي في عرف الجاهلية، أو مشروع للأموات فقط لا للأحياء، وذلك لمعنيين: الأول: أن هذه الصيغة في الأحباء مشروعة للجواب فلو اختيرت في الابتداء لم يبقَ للجواب ما وضع له، والثاني: أن في تقديم \"عليك\" إيحاشًا للمسلم بالضرر بخلاف الميت، إلى آخر ما بسطه الفاري في كتاب الزكاة. [انظر: \"المرقاة\" (٤/ ٤١١)]. (ش).\n(٣) وفي \"الشامي\" (٩/ ٥٩٦): لا يجب الرد إذا سلم بهذا، وقال النووي (٧/ ٣٩٤): يستحق الجواب على الصحيح المشهور. (ش).","vol":"13","page":594},{"text":"حَدَّئَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ (١)، ئَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ أَبُو داوُدَ: رَفَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ- قَالَ: \"يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عن الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ\". [ق ٩/ ٤٨، ٤٩]\n===\nقلت (٢): وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو ضعيف الحديث، وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ حتى فحش خطؤه، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وقال الدارقطني: ليس بالقوي.\n(حدثني عبد الله بن الفضل، ثنا عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب- قال أبو داود: رفعه الحسن بن علي- قال) رسول الله - ﷺ -: (يجْزِئُ عن الجماعة إذا مَرُّوا) على الجماعة (أن يسلم أحدهم، ويُجْزِئُ عن الجلوس) جمع جالس أي الجماعة الجالسين (أن يرد) أي السلام (أحدهم).\nقال القاري (٣): اعلم أن ابتداء السلام سنة مستحبة ليست بواجبة، وهو سنة على الكفاية، فإن كانوا جماعة كفى عنهم تسليم واحد، ولو سلم كلهم كان أفضل، قال القاضي حسين من الشافعية: ليس لنا سنة على الكفاية إلا هذا، قلت (٤): وهذا مطابق لمذهبنا، وقوله: \"أن يردّ أحدهم\" وهذا فرض كفاية بالاتفاق، ولو ردّوا كلهم كان أفضل كما هو شأن فروض الكفاية.\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن المفضل\".\n(٢) قائله: الحافظ ابن حجر العسقلاني في \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢١).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٢٩).\n(٤) قائله: علي القاري.","vol":"13","page":595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1902>(١٤٣) بَابٌ في الْمُصَافَحَة</span>\n٥٢١١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا هُشَيْمٌ، عن أَبِي بَلْج، عن زَيْدٍ أَبِي الْحَكَمِ الْعَنْزِيِّ، عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا اللَّه وَاسْتَغْفَرَاهُ، غُفِرَ لَهُمَا\". [ق ٧/ ٩٩]\n===\n\n(١٤٣) (بابٌ في الْمُصَافَحَةِ) (١)\nأي: إلصاق صفحة اليد بصفحة يد الآخر\n٥٢١١ - (حدثنا عمرو بن عون (٢)، أنا هشيم، عن أبي بَلْج، عن زيد أبي الحكم العنزي) هو زيد بن أبي الشعثاء العنزي، أبو الحكم البصري، روى عن البراء بن عازب في فضل المصافحة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه، غفر لهما).\n_________\n(١) قال ابن بطال: سنة عند عامة العلماء، واستحبها مالك بعد كراهته، وقال النووي: المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي، \"فتح الباري\" (١١/ ٥٥)، وقال ابن عبد البر: كره مالك المصافحة والمعانقة، وذهب إليه سحنون وجماعة، وجاء عن مالك جواز المصافحة، وعليه صنيع \"الموطأ\"، وقال الأبهري: كرهها مالك إذا كان على وجه التكبر، وبسط روايات المصافحة في \"الفتح\" (١١/ ٥٧)، والمشهور على الاْلسنة أن المصافحة عند الوداع لا تثبت، وليس بصحيح، لروايات ذكرتها على هامش \"جمع الفوائد\" (٢/ ١٤١).\nوأما المصافحة باليدين فلم أره نصًّا بعد غير ما في البخاري (٦٢٦٥) من حديث ابن مسعود في التشهد، بل ما في \"كنز العمال\" (٩/ ٢٥٣٤٧) من حديث أبي أمامة مرفوعًا: \"تمام التحية الأخذ باليد\"، والمصافحة باليمنى يؤيد الوحدة، اللَّهمَّ إلَّا أن يقال: إن ما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٣٦) من حديث أنس مرفوعًا: \"لا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما\"، ومن حديث أبي أمامة بلفظ: \"لم تفترق أكفهما\" بلفظ الجمع يشير إلى ذلك. (ش).\n(٢) هكذا في الأصول، وتحرف في \"التحفة\" (١٧٦١) إلى: \"ابن عوف\".","vol":"13","page":596},{"text":"٥٢١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو خَالِدٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، عن الأَجْلَحِ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا\". [ت ٢٧٢٧، جه ٣٧٠٣، حم ٤/ ٢٨٩]\n٥٢١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا حُمَيْدٌ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"قَدْ جَاءَكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالْمُصَافَحَةِ\". [حم ٣/ ٢١٢، ٢٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>(١٤٤) بَابٌ في الْمُعَانَقَةِ</span>\n٥٢١٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ\n===\n٥٢١٢ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو خالد وابن نمير، عن الأجلح، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلَّا غُفِرَ لهما قبل أن يفترقا).\n٥٢١٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا حميد، عن أنس بن مالك قال: لما جاء أهل اليمن قال رسول الله - ﷺ -: قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة).\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: \"وهم أول من جاء بالمصافحة\" أي بالكثرة والشيوع، وإلَّا فكانت المصافحة فيهم قبل الإتيان من أهل اليمن. انتهى.\n\n(١٤٤) (بَابٌ في الْمُعَانَقَةِ) (١)\n٥٢١٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا أبو الحسين\n_________\n(١) قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٥/ ٨٩): روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة، وذهب إلى ذلك سحنون وجماعة ... إلخ، وتقدم قريبًا في \"باب في المصافحة\"، وفي \"الفتح\" (١١/ ٥٥): قال ابن بطال: اختلف الناس في المعانقة، فكرهها مالك وأجازها ابن عيينة، ثم ساق قصتهما في ذلك ... إلخ. (ش).","vol":"13","page":597},{"text":"- يَعْنِي خَالِدَ بْنَ ذَكْوَانَ-، عن أَيُّوبَ بْنِ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ الْعَدَوِيِّ، عن رَجُلٍ مِنْ عَنَزَةَ، أَنَّهُ قَالَ لأَبِي ذَرٍّ حَيْثُ سُيِّرَ (١) مِنَ الشَّامِ: إنِّي أرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عن حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، قَالَ: إذًا أُخْبِرُكَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سِرًّا،\n===\n-يعني خالد بن ذكوان-، عن أيوب بن بشير بن كعب العدوي، عن رجل من عنزة (قال الحافظ في \"تهذيبه\": قيل: اسمه عبد الله، قلت: وقع تسميته بذلك في الأدب من \"شعب الإيمان\" (٢)، وقال في \"التقريب\": أيوب بن بشير بن كعب، عن رجل من عنزة هو عبد الله، ولا يعرف.\n(أنه قال لأبي ذر حيث سُيِّرَ من الشام) كتب مولانا محمد يحيى المرحوم: وذلك لما كان بينه وبين المسلمين من منازعات ومشاجرات، وذلك لأنه حمل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٣) على العموم، فلم يجوز إبقاء درهم ولا دينار ولا إمساك مال أدى زكاته، فكان يُوَعِّدُهم ويُخيفهم على إمساك شيء منهما ولو أدى زكاتهما، فكتب عامل الشام إلى عثمان - ﵁ - فكتب إليه عثمان بإرساله إليه في المدينة، فهذا قوله: \"حيث سُيِّرَ من الشام\"، ثم إنه لم يوافق أهل المدينة لما اعتقد عليه قلبه في مراد الآية، وصار مشارًا إليه بأناملهم يقذف بالأبصار من عالمهم وجاهلهم، فخاف عثمان - ﵁ - أن يكون فتنة، فأمره أن يقيم بالربذة.\n(إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث رسول الله - ﷺ -، قال: إذًا أُخبرَك به) أي بالحديث (إلَّا أن يكون سرًا،\n_________\n(١) في نسخة: \"سِيْر\".\n(٢) راجع: \"شعب الإيمان\" للبيهقي (٦/ ٤٧٥) ح (٨٩٦٠).\n(٣) سورة التوبة: الآية ٣٤.","vol":"13","page":598},{"text":"قُلْتُ: إنَّهُ لَيْسَ بِسِرٍّ، هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يصَافِحُكُمْ إذَا لَقِيْتُمُوهُ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إلَّا صَافَحَنِي، وَبَعَثَ إلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ في أَهْلِي، فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَيَّ، فَأَتَيْتُه وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَالْتَزَمَنِي، فَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ. [حم ٥/ ١٦٢، ١٦٣، ١٦٨]\n===\nقلت: إنه ليس بسر) ثم سأله (هل كان رسول الله - ﷺ - يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال) أبو ذر: (ما لقيته قط إلَّا صافحني، وبعث إلى ذات يوم) رجلًا يدعوني (ولم أكن في أهلي) أي كنت غائبًا عن البيت.\n(فلما جئت أُخْبِرْتُ أنه) أي رسول الله - ﷺ - (أرسل إلى) يدعوني (فأتيته وهو على سريره، فالتزمني) أي عانقني (فكانت تلك) المعانقة (أجود وأجود) أي أحسن وأطيب.\nقال في \"اللمعات\" (١): فالصحيح أن المعانقة جائزة إن لم يكن هناك خوف فتنة لما ورد في الحديث قصة زيد بن حارثة (٢) وجعفر بن أبي طالب (٣)، وعند أبي حنيفة ومحمد: يكره أن يقبل الرجل يد الرجل أو فمه أو شيئًا منه أو يعانقه لورود النهي عنه في حديث أنس، ونقل عن الشيخ أبي منصور الماتريدي في التوفيق بين الأحاديث أن المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، وأما على وجه البر والكرامة فجائزة، وقيل: الخلاف فيما إذا لم يكن عليه غير الإزار، أما إذا كان عليه إزار وقميص فلا بأس بالإجماع، وهو الصحيح، وكل ما حرم النظر إليه حرم مسه بل المسُّ أشد.\n_________\n(١) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٢٥).\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٣٢).\n(٣) رواه في \"شرح السنَّة\" (١٢/ ٢٩١).","vol":"13","page":599},{"text":"(١٤٥) بابٌ (١) في الْقِيَامِ\n٥٢١٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن سَعْد بْنِ إبْرَاهِيمَ، عن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ لَمَّا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُول الله - ﷺ -، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ أَقْمَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"قُومُوا إلَى سَيِّدِكمْ، أَوْ إلَى (٢) خَيْرِكُمْ\"، فَجَاءَ حَتَّى قَعَدَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. [خ ٣٠٤٣، م ١٧٦٨، حم ٣/ ٢٢]\n٥٢١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ قَالَ لِلأَنْصَارِ: \"قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ\" [انظر الحديث السابق]\n===\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>(١٤٥) (بابٌ في الْقِيَامِ) </span>(٣)\n٥٢١٥ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد الخدري: أن أهل قريظة لما نزلوا على حكم سعد) أي ابن معاذ (أرسل إليه رسول الله - ﷺ -) يدعوه ليحكم فيهم (فجاء على حمار أَقْمَرَ) أي أبيض (فقال النبي - ﷺ -: قوموا إلى سيدكم، أو إلى خيركم، فجاء) أي سعد (حتى قعد إلى رسول الله - ﷺ -).\n٥٢١٦ - (حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، عن شهبة بهذا الحديث، قال) شعبة: (فلما كان) أي سعد (قريبًا من المسجد قال) رسول الله - ﷺ - (للانصار: قوموا إلى سيدكم) قال في الحاشية: احتجّ به المصنف والبخاري\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ما جاء\".\n(٢) في نسخة: \"حبركم\".\n(٣) غرض الباب على الظاهر جوازه، وسيأتي منعه في \"باب الرجل يقوم الرجل يُعظِّمُه بذلك\" (ص ٦١٤). (ش).","vol":"13","page":600},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nومسلم على مشروعية القيام (١) وقال مسلم: لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثًا أصح من هذا، ونازعه فيه طائفة، منهم: ابن الحاج، بأنه - ﷺإنما أمرهم بالقيام لسعد لينزلوه عن الحمار لكونه مريضًا كما في بعض الروايات، ففي \"مسند أحمد\": \"قوموا إلى سيدكم فأنزلوه\"، قال: ولو كان القيام المأمور لسعد هو القيام المتنازع فيه لما خص به الأنصار، فإن الأصل في أفعال القرب التعميم.\nوقال التوربشتي: يعني قوموا إلى سيدكم، أي إلى إعانته وإنزاله عن دابته، ولو كان المراد التعظيم لقال: قوموا لسيدكم، وقيل: بل معنى قوموا إليه أي قوموا وامشوا إليه تلقيًا وإكرامًا كما يدل عليه لفظ \"سيدكم\"، ذكره السيوطي، وللناس كلام كثير في هذه المسألة، وعلى هذا الحديث، والأقرب أن تركه أولى وأحرى إن تيسر بلا إفضاء إلى إيذاء وخصومة، انتهى \"فتح\" (٢).\nوقال الشيخ في \"اللمعات\" (٣): قد ادعى بعضهم أن القيام للداخل سنة، واحتجوا بهذا الحديث، وذهب بعضهم إلى أنه مكروه منهي عنه لما ثبت من حديث أنس (٤) ﵁ من كراهته - ﷺ - قيام الصحابة له، فقد يحتجّ على جواز القيام بما روي من قيامه - ﷺلعكرمة بن أبي جهل حين قدم، وبما روي عن حديث ابن حاتم: \"ما دخلت على رسول الله - ﷺ - إلَّا قام أو تحرك\"، وفيه كلام كثير.\n_________\n(١) وصرح بندبه \"الشامي\" (٩/ ٥٥١)، وجعل العيني (١٥/ ٣٧٦) القيام على أربعة أوجه، وبسط الحافظ (١١/ ٥١، ٥٢) الكلام على روايات الباب إثباتًا ونفيًا أشد البسط، وبسط شيئًا منه شراح \"الشمائل\" (٢/ ١٣٥) وحكوا ندب القيام عن النووي وابن حجر المكي، وعن القاضي عياض: أن المنهي عنه ما إذا قاموا وهو جالس. [انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٣٣٨)]. (ش).\n(٢) راجع: \"فتح الباري\" (١١/ ٥١).\n(٣) انظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٣٠).\n(٤) أخرجه الترمذي (٢٧٥٤)، وأحمد (٣/ ١٣٣، ١٣٤).","vol":"13","page":601},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nوالصحيح أن احترام أهل الفضل من أهل العلم والصلاح والشرف بالقيام جائز، وفي \"مطالب المؤمنين\": لا يكره قيام الجالس لمن دخل تعظيمًا، والقيام ليس مكروهًا لعينه، وإنما المكروه محبة القيام لمن الذي يقام له، وما جاء من كراهته - ﷺ - قيام الصحابة له فهو من جهة الاتحاد الموجب لرفع التكلف لا للنهي.\nوقال النووي (١): القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاءت فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء تصريحًا، فَعُلِمَ أن القيام المذكور مما تكلم فيه العلماء ليس كما يقال: إنه بدعة لم يكن في زمنه - ﷺ -، نعم لم يكن متعارفًا فيه كما في هذا الزمان، بل كانوا غير متكلفين في أحد الجانبين، بل الظاهر أن الغالب عدم القيام، وأما إنه بدعة مطلقًا فكَلَّا، انتهى ملخصًا.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: باب في القيام، وهو جائز في نفسه ما لم يعترِ عليه عارض يخرجه من الجواز إلى الكراهة، مثل خوف افتتان الذي قام له، فيخاف عليه أن يصير يحب القيام له، فهذا لا يجوز لما فيه من تعريض دينه بالفساد، إلَّا أن يخاف على نفسه أو عرضه شيئًا.\nوكذلك لا يجوز له أن يقوم لغيره رياء وسمعة، وليس له في قلبه شيء من المودة أو العظمة الباعثة له على القيام، فلا يقوم إلَّا موافقًا ظاهره بباطنه، إلَّا أن يخاف فتنة على نفسه أو عرضه فيجوز له ارتكاب هذا المكروه خوفًا من أن يبتلي بأكثر منها.\nوأما الذي أورده المؤلف من الروايات فليس شيء منها كافيًا لإثبات المدعى، لأن القيام فيها ليس بقيام تعظيم، وفيه الكلام، وإنما هو قيام إعانة وإمداد في الأول، وقيام معانقة في الثاني أو غير ذلك، إلَّا أن يثبت المدعى\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٣٣٨).","vol":"13","page":602},{"text":"٥٢١٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ، أَنَا إسْرَائِيلُ، عن مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عن الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عن عَائِشَةَ بنْتِ طَلْحَةَ، عن أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشبَهَ سَمْتًا وَدَلًّا وَهَدْيًا (١) - وَقَالَ الْحَسَنُ: حَدِيثًا وَكَلَامًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَسَنُ: السَّمْتَ وَالهَدْيَ وَالدَّلَّ- بِرَسولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ فَاطِمَةَ كَرَّمَ اللَّه وَجْهَهَا، كَانَتْ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ،\n===\nبإثبات مطلقه، فإن مطلق القيام لما كان جائزًا كان تطرق الكراهة عليه لأمر عارض، إذ لو كان القيام نفسه مكروهًا لكانت الكراهة توجه في كل أفراده.\nولا يبعد أن يكون مراد المؤلف في عقد الباب مطلقًا من التعظيم وغيره، وإيراد تلك الروايات فيه أن الذي يثبت منه بالروايات هو هذا لا غير، فبقي ما وراءه على الكراهة لروايات النهي ولمشابهة الأعاجم والجبابرة، انتهى.\n٥٢١٧ - (حدثنا الحسن بن علي وابن بشار قالا: نا عثمان بن عمر قال: أنا إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن أم المومنين عائشة) رضي الله تعالى عنها (أنها قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا) بفتح فسكون (ودلًا) بفتح وتشديد لام (وهديًا) بفتح وسكون، وهذه الألفاظ متقاربة المعاني لغة، فمعناها الهيئة والطريقة وحسن الحال ونحو ذلك.\n(وقال الحسن) شيخ المصنف: (حديثًا وكلامًا) في محل سمتًا وهديًا ودلًّا (ولم يذكر الحسن السمت والهدي والدل، برسول الله - ﷺ -) الباء متعلقة بأشبه (من فاطمة) أي بنت رسول الله - ﷺ - أكرم الله وجهها) ولفظ: \"من\" صلة لأفعل التفضيل يعني أشبه.\n(كانت) فاطمة ﵂ (إذا دخلت عليه) أي على رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في نسخة: \"وهديًا ودلًا\".","vol":"13","page":603},{"text":"قَامَ إلَيْهَا فَأَخَذَ (١) بِيَدِهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا في مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَد فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ في مَجْلِسِهَا\". [ت ٣٨٧٢، ك ٣، ١٥٤/ ١٦٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>(١٤٦) بَابٌ فَي قُبْلَةِ الرَّجُلِ وَلَدَه</span>\n٥٢١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وهُوَ يُقَبّلُ\n===\n(قام) أي رسول الله - ﷺ - (إليها) أي فاطمة (فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان) رسول الله - ﷺ - (إذا دخل عليها) أي فاطمة (قامت) فاطمة ﵂ (إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها) ولفظ هذا الحديث يرد قول التوربشتي (٢) أنه قال: ولو كان المراد التعظيم لقال: \"قوموا لسيدكم\"، فإن [في] هذا الحديث: \"إذا دخلت عليه قام إليها\"، وكذلك \"إذا دخل عليها قامت إليه\".\n\n(١٤٦) (بابٌ في قُبْلَة)\nبضم القاف وهو اسم التقبيل (الرَّجُلِ وَلَدَه) (٣)\n٥٢١٨ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن الأقرع بن حابس أبصر رسول الله - ﷺ - وهو يُقَبِّلُ\n_________\n(١) في نسخة: \"وأخذ\".\n(٢) انظر قوله في: \"فتح الباري\" (١١/ ٥٢).\n(٣) وحكى القاري (٨/ ٤٦٠) عن النووي: قبلة الوالد خد الولد واجب، وقبلة غيره من الأطراف، وقبلة غير الولد من أولاد الأصدقاء سنة ... إلخ، وفي \"الفتح\" (١٠/ ٤٢٧): قال ابن بطال: يجوز تقبيل الولد الصغير في كل عضو منه، وكذا الكبير عند الأكثر ما لم يكن عورة، وكان ﵇ يقبل فاطمة - ﵂ -، وكذا أبو بكر بنته عائشة، انتهى. وبسطت أنواع القبلة في الشامي (٩/ ٥٥١). (ش).","vol":"13","page":604},{"text":"حُسَيْنًا (١) فَقَالَ: إنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا فَعَلْتُ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ\". [خ ٥٩٩٧، م ٢٣١٨، ت ١٩١١، حم ٢/ ٢٢٨]\n٥٢١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا (٢) حَمَّادٌ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ، أَنَّ (٣) عَائِشَةَ قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ- تَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ -: \"أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَإنَّ اللَّه قَدْ أَنْزَلَ عُذْرَكِ\" وَقَرَأَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ، فَقَالَ أَبَوَايَ: قُومِي فَقَبِّلِي رَأسَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -،\n===\nحسينًا فقال) الأقرع: (إن لي عشرةً من الولد ما فعلت هذا) أي التقبيل (بواحد منهم، فقال رسول الله - ﷺ -: من لا يرحم لا يُرْحَمُ). قال القاضي عياض (٤): أكثرهم ضبطوه بالرفع على الخبر، وقال أبو البقاء: الجيد \"من\" بمعنى الذي فيرفع الفعلان، وإن جعلته شرطًا وتجزمهما جاز.\nقلت: معناه من لم يكن في قلبه ترحم لا يكون مستحقًا للرحمة من الله تعالى.\n٥٢١٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، نا هشام بن عروة، عن عروة، أن عائشة) ﵂ (قالت) حذف أول القصة وذكر آخرها فقالت: (ثم قال- تعني النبي - ﷺ -) لما نزلت في براءة عائشة ﵂ عشر آيات النور (أبشري يا عائشة، فإن الله) تعالى (قد أنزل عذرك) أي براءتك (وقرأ عليها القرآن) أي آيات البراءة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ (٥) إلى آخر عشر الآيات (فقال أبواي) أي أبو بكر وأم رومان: (قومي فَقَبِّلِي رأس رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) في نسخة: \"الحسين\".\n(٢) وفي نسخة: \"أنا\".\n(٣) في نسخة: \"عن\".\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٢٩).\n(٥) سورة النور: الآية ١١.","vol":"13","page":605},{"text":"فَقُلْتُ (١): أَحْمَدُ الله ﷿ لَا إيَّاكُمَا. [خ ٤٧٥٠، م ٢٧٧٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1906>(١٤٧) بَابٌ في قُبْلَةِ مَا بَيْنَ الْعَيْنينِ</span>\n٥٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عن أَجْلَحَ (٢)، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَلَقَّى جَعَفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنيهِ. [ق ٧/ ١٠١]\n===\nفقلت: أحمد الله ﷿ لا إياكما) أي أبا بكر وأم رومان.\nوهذا الحديث (٣) لا يناسب الباب، لأن في الباب قبلة الرجل ولده، وليس في الحديث لذلك ذكر، بل فيه قبلة المرأة زوجها، وقبلة المرأة زوجها لا تكون للشفقة والمرحمة، وأما قبلة الرجل ولده فيكون شفقة ومرحمة، فهو نوع آخر، وهذا نوع غيره، ولو وقع في القصة أن أبا بكر - ﵁ - قَبَّل عائشة لكان للحديث مناسبة بالباب، فالحديث الثاني من الباب الثاني لو ذكر في هذا الباب لكانت المناسبة ظاهرة، والله أعلم.\n\n(١٤٧) (بابٌ في قُبْلَةِ مَا بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ)\n٥٢٢٠ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا علي بن مسهر، عن أجلح، عن الشعبي: أن النبي - ﷺتلقى جعفر بن أبي طالب) أخا علي بن أبي طالب (فالتزمه وقبل ما بين عينيه) يعني لما قَدِم هو وأصحابه من الحبشة مهاجرين إلى المدينة واستقبله رسول الله - ﷺ -، قال المنذري: هذا مرسل، وأجلح تقدم الكلام عليه.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالت\".\n(٢) في نسخة: \"الأجلح\".\n(٣) إلا أن يقال: إن المقام لا يناسب قبلة الشهوة، فلا بد أن يحمل على قبلة الرحمة. (ش).","vol":"13","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1907>(١٤٨) بابٌ في قُبْلَةِ الْخَدِّ</span>\n٥٢٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا الْمُعْتَمِرُ، عن إيَاسِ بْنِ دَغْفَلٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا نَضْرَةَ قَبَّلَ خَدَّ الْحَسَنِ ﵁. [ق ٧/ ١٠١]\n===\n\n(١٤٨) (بابٌ في قُبْلَةِ الْخَدِّ)\n٥٢٢١ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا المعتمر، عن إياس بن دغفل) كجعفر، الحارثي، أبو دغفل، عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، له عنده أثر واحد: \"رأيت أبا نضرة يقبل الحسن\"، قلت (١): وقال أبو داود: إياس بن دغفل ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (قال: رأيت أبا نضرة) أي منذر بن مالك (قَبَّلَ خد الحسن - ﵁ -).\nقال المنذري: إياس بن دغفل الحراني بصري تابعي، وأبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العوقي البصري تابعي، والحسن هو ابن أبي الحسن البصري، ودغفل هو بفتح الدال المهملة وسكون الغين المعجمة وبعدها فاء مفتوحة، ونضرة بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها راء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث، والعوقة بفتح العين المهملة وواو مفتوحة وقاف مفتوحة وتاء تأنيث، بطن من عبد القيس، انتهى.\nقلت: وفي جميع النسخ التي عندي من المكتوبة والمطبوعة ففي جميعها \"قَبَّلَ خد الحسن ﵁\"، وما رأيت في نسخة من أبي داود \"خدّ الحسن بن علي ﵁\"، وقد صرح المنذري بأنه الحسن بن أبي الحسن، ولفظ: \"﵁\" يوهم أنه الحسن بن علي ﵁، وأما باعتبار اتحاد الزمان فيحتمل أن يكون هو الحسن بن علي، ويمكن أن يكون الحسن بن أبي الحسن، وليس عندي وجه لترجيح أحدهما على الآخر، إلَّا أن المنذري\n_________\n(١) قائله: الحافظ ابن حجر العسقلاني في \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٨٨).","vol":"13","page":607},{"text":"٥٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةِ، فَإذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أَصَابَتْهَا (١) حُمَّى، فَأَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ (٢) لَهَا: كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ؟ وَقَبَّلَ خَدَّهَا. [خ ٣٩١٨، ق ٧/ ١٠١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>(١٤٩) بابٌ في قُبْلَةِ الْيَدِ</span>\n٥٢٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ أَبَي زِيَادٍ،\n===\nرتبته في الحديث يرجح قوله، وأما لفظ: \"﵁\"، فيمكن أن يكون من النساخ، والله أعلم.\n٥٢٢٢ - (حدثنا عبد الله بن سالم، نا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: دخلت مع أبي بكر) بيته (أول) أي في أول أيام (ما قدم المدينة) أي كان ذلك في أوائل قدومهم المدينة (فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حُمَّى، فاتاها أبو بكر فقال لها: كيف أنتِ يا بُنَيَّة؟ وَقَبَّلَ خدها).\n\n(١٤٩) (بابٌ في قُبْلَةِ الْيَدِ) (٣)\n٥٢٢٣ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا يزيد بن أبي زياد،\n_________\n(١) في نسخة: \"أصابها\".\n(٢) في نسخة: \"وقال\".\n(٣) وفي \"الفتح\" (١١/ ٥٧)، قال النووي: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو نحو ذلك من الأمور الدينية لا يكره، بل يستحب، فإذا كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة، وحكاه الفاري (٨/ ٤٦٢) مع زيادة، وذكر الحافظ أحاديث قبلة اليد والرجل في \"التلخيص\" (٤/ ٢٤٦) ح (١٨٣٠)، وكذا ذكر تقبيلها وتقبيل متبرك من المصحف والقبور وغيرهما صاحب \"المحلى على الموطأ\" في \"باب تقبيل الحجر الأسود\" حاكيًا عن \"عمدة القاري\" (٧/ ١٦٦)، وقبَّل أبو عبيدة بن الجراح يد عمر ﵁. \"كنز العمال\" (٩/ ٢٢٠) ح (٢٥٧٤٦). (ش).","vol":"13","page":608},{"text":"أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنٍ بنَ أَبِي لَيْلَى حَدّثَهُ، أَن عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدّثَهُ، وَذَكَرَ قِصَّةً، قَالَ: فَدَنوْنَا- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -- فَقَبَّلْنَا يَدَهُ. [جه ٣٧٠٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1909>(١٥٠) بَابٌ في قُبْلَةِ الْجَسَدِ</span>\n٥٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا خَالِدٌ، عن حُصَيْنٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عن أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ - رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ- قَالَ: بَيْنَمَا (١) هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ- وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ - بَيْنَا (٢) يُضحِكُهُمْ، فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ - ﷺفي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ، فَقَالَ: أَصْبِرْنِي، قَالَ: \"اصْطَبِرْ\"، قَالَ: إنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ،\n===\nأن عبد الرحمن بن أبى ليلى حدثه، أن عبد الله بن عمر حدثه، وذكر قصة، قال: فدنونا -يعني من النبي - ﷺ -- فقبلنا يده) والقصة أن النبي - ﷺ - بعث سرية فهزموا ودخلوا المدينة ليلًا فجاءوا بابه، فجلسوا لرسول الله - ﷺ - قبل صلاة الفجر، فلما خرج قاموا إليه، فقالوا: نحن الفرّارون، فأقبل إليهم رسول الله - ﷺ - وقال: لا بل أنتم العكّارون، أنا فئة المسلمين، فدنوا من رسول الله - ﷺ - وقَبّلوا يده، وقد تقدمت القصة في كتاب الجهاد في باب التولي يوم الزحف (٣).\n\n(١٥٠) (بابٌ في قُبْلَةِ الْجَسَدِ)\n٥٢٢٤ - (حدثنا ابن عون، أنا خالد، عن حصين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير) في قصة (- رجل من الأنصار- قال: بينما هو) أي رجل (يُحَدِّثُ القوم- وكان فيه مُزاحٌ - بينا يُضْحِكُهُم، فطعنه النبي - ﷺ - خاصرته بعُود، فقال) الرجل: (أَصْبِرْنِي) أي: أقدني (قال) رسول الله - ﷺ -: (اصطبر) أي: اقتص مني (قال) الرجل: (إن عليك قميصًا وليس علي قميص،\n_________\n(١) في نسخة: \"بينا\".\n(٢) في نسخة. \"بينما هو\".\n(٣) أخرجه أبو داود (٢٦٤٧).","vol":"13","page":609},{"text":"فَرَفَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عن قَمِيصِهِ، فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، قَالَ: إنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. [ق ٧/ ١٠٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1910>(١٥١) بَابُ قُبْلَةِ الرِّجْل</span>\n٥٢٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى (١)، نَا مَطَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الأَعْنَقُ،\n===\nفرفع النبي - ﷺ - عن قميصه) أي عن جسده القميص (فاحتضنه) أي الرجل رسولَ الله - ﷺ - (وجعل يُقَبِّل كَشْحَهُ (٢)، قال) الرجل: (إنما أردت هذا يا رسول الله) أي من الاقتصاص بأن أحتضن جسدك الشريف وأقبله.\nقلت: وظاهر هذا الحديث في قلبي منه خلجان في نسبته إلى أسيد بن حضير، ولم أجده في غير أبي داود، هل هو قصة أسيد بن حضير أو غيره من الصحابة، وعندي ليست هذه القصة لأسيد بل أسيد بن حضير ينقل قصة رجل، ولم أرَ في شيء من الروايات أن أسيد بن حضير ﵁ كان فيه المزاح والدعابة، ولم يذكر هذه القصة لأسيد في \"الإصابة\" في ترجمته.\nثم رأيت ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": قوله: \"رجل من الأنصار\" ابتداء كلام وليس صفة لأسيد، والمعنى كان رجل من الأنصار فيه مزاح، قال أسيد: بينما هو أي الرجل يحدث القوم إذ طعنه النبي - ﷺ - يمازحه به ويطايبه، انتهى.\n\n(١٥١) (بَابُ قُبْلَةِ الرِّجْلِ)\n٥٢٢٥ - (حدثنا محمد عيسى، نا مطر بن عبد الرحمن الأعنق) العنزي،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ابن الطباع\".\n(٢) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلفي.","vol":"13","page":610},{"text":"حَدَّثَتْنِي أُمُّ أَبَانَ بِنْتُ الْوَازع بْنِ زَارعٍ، عن جَدّهَا زَارعٍ - وَكَانَ في وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ- قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَة فَجَعَلْنَا نتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا، فَنُقَبِّلُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَرِجْلَهُ (١)، وَانْتَظَرَ الْمُنْذِرُ الأَشَجُّ حَتَّى أَتَى عَيْبَتَهُ فَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فقَالَ لَهُ: \"إنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّه: الْحِلْمَ وَالأناةَ\"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا، أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: \"بَلِ اللَّه جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا\"، قَالَ: الحمد لله الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ (٢) يُحِبُّهُمَا اللَّه وَرَسُولُهُ. [ق ٧/ ١٠٢، حم ٤/ ٢٠٦]\n===\nأبو عبد الرحمن البصري، روى عن جدته أم أبان، قال أبو حاتم: حمله الصدق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال: يروي المقاطيع.\n(حدثتني) جدتي (أم أبان بنت الوازع بن زارع) اسمها هند كما في \"التهذيب\"، قال في \"التقريب\": مقبولة.\n(عن جدها زارع) بن عامر، ويقال: ابن عمرو العبدي، صحابي، وقد على النبي - ﷺ - (- وكان في وقد عبد القيس- قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا) أي في النزول عنها (فنقبل يد رسول الله - ﷺ - ورِجْلَهُ، وانتظر) أي أمهل (المنذر) بن عمرو (الأشج حتى أتى عَيْبَتَهُ) أي صندوقه الذي فيه ثيابه، فنزع أثواب السفر (فلبس ثوبيه) الجديدين (ثم أتى النبي - ﷺ - فقال) النبي - ﷺ - (له) أي للأشج: (إن فيك خلتين يحبهما الله) ورسوله: (الحلم والأناة) أي الوقار (قال) الأشج: (يا رسول الله، أنا أتخلّق بهما) أي بالتكلف (أم اللهُ جَبَلَنِي) أي خلقني (عليهما؟ قال) رسول الله - ﷺ -: (بل الله جَبَلَكَ عليهما، قال) الأشج: (الحمد لله الذي جَبَلَنِي على خُلَّتين يحبهما الله ورسوله).\n_________\n(١) في نسخة: \"ورجليه\".\n(٢) في نسخة: \"خلقين\".","vol":"13","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1911>(١٥٢) بابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ: \"جَعَلني اللَّه فِدَاكَ</span>\"\n٥٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا مُسْلِمٌ، نَا هِشَامٌ، عن حَمَّادٍ (١)، عن زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النبيُّ (٢) - ﷺ -: \"يَا أَبَا ذَرٍّ\"، قُلْتُ: لبيكَ وَسَعْدَيْكً يَا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا فِدَاكَ. [خ ٦٢٦٨، م ٩٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1912>(١٥٣) بابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ: \"أَنْعَمَ الله بِكَ عَيْنًا</span>\"\n٥٢٢٧ - حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ،\n===\n\n(١٥٢) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ: جَعَلَنِي الله فِدَاكَ)\n٥٢٢٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: ونا مسلم، نا هشام، عن حماد) بن أبي سليمان، (عن زيد بن وهب، عن أسود ذر قال: قال النبي - ﷺ -: يا أبا ذر، فقلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، وأنا فداك) فثبت بهذا الحديث جواز التفدية (٣).\n\n(١٥٣) (بَابٌ في الرَّجلِ يَقُولُ: أَنْعَمَ اللهُ بِكَ عَيْنًا)\n٥٢٢٧ - (حدثنا سلمة بن شبيب، نا عبد الرزاق، أنا معمر،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"جميعًا\".\n(٢) في نسخة: \"رسول الله\".\n(٣) قال النووي في \"شرح مسلم\" (٨/ ٢٠٠): وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر ﵁ والحسن البصري، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقًا، لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو إلطاف وإعلام بالمحبة ... إلخ، وأجاب الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٥٦٩) بما استدل به على المنع، وقد جمع النبي - ﷺ - أبويه لسعد يوم أحد وللزبير يوم الخندق كما في \"الفتح\" (١٠/ ٥٦٨)، وترجم به البخاري في \"صحيحه\" [في كتاب الأدب، ١٠٤ - باب قول الرجل: جعلني الله فداك]، وقد ورد في الطبراني أنه ﵇ قال للزبير إذ قال ذاك: ما تركت أعرابيتك. (ش).","vol":"13","page":612},{"text":"عن قَتَادَةَ أَوْ غَيْرِهُ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ في الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْعَمَ اللهُ بِكَ عَيْنًا، وَأَنْعِمْ صَبَاحًا، فَلَمَّا كَانَ الإسْلَامُ نُهِينَا عن ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ مَعْمَرٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَجُلُ: أَنْعَمَ اللهُ بِكَ عَيْنًا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: أَنْعَمَ اللَّه عَيْنَكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1913>(١٥٤) بَابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: \"حَفِظَكَ الله</span>\"\n٥٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ،\n===\nعن قتادة أو غيره) عطف على قتادة (أن عمران بن حصين قال: كنا نقول في الجاهلية: أنعمَ الله بك عَيْنًا، وأنْعِمْ صباحًا، فلما كان الإِسلام نُهِيْنَا عن ذلك، قال عبد الرزاق: قال معمر: يكره أن يقول الرجل: أنعمَ الله بك عينًا (١)، ولا بأس أن يقول: أنعمَ الله عينك).\nكأنه زعم أن بناء النهي على إبهام لفظ العين الموهم إضافتها إليه تعالى، فالظاهر في معنى هذا الكلام أنه يوهم أن الله ﷾ ينعم عينه بالمخاطب، وهذا لا يجوز في حقه تعالى، فهذا الكلام منهي عنه لأمرين: لكونه من تحية الجاهلية، ولكونه موهمًا للمعنى الفاسد، وأما \"أنعم صباحًا\" فليس فيه شيء من الإيهام المخالف، فلعل النهي عنها لأنها من تحيات الجاهلية، وأما: \"أنعم الله عينك\"، فليس من تحيات الجاهلية ولا موهم لها للمعنى المخالف للمقصود.\n\n(١٥٤) (بابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: حَفِظَكَ اللهُ)\n٥٢٢٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت البناني،\n_________\n(١) يشكل عليه ما في \"المجمع\" (٤/ ٧٦١)، إذ قال في حديث مطرف: \"لا تقل: نَعَّمَ الله بك عينًا، فإن الله تعالى لا ينعّم بأحد، ولكن قل: أنعم الله بك عينا\"، قال الزمخشري: بل هو صحيح فصيح في كلامهم، وعين تمييز من الكاف وباؤه للتعدية، ومعناه: نعَّمَكَ الله عينًا، أي نعَّمَ عينك وأقرَّها ... إلخ. (ش).","vol":"13","page":613},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: نَا أَبُو قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ في سَفَرٍ لَهُ فَعَطشُوا، فَانْطَلَقَ سَرْعَانُ النَّاسِ، فَلَزِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: \"حَفِظَكَ اللَّه بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ\". [م ٦٨١]\n\n(١٥٥) بَابُ (١) الرَّجُل يَقُومُ لِلرَّجُل يُعَظِّمه بِذَلِك\n٥٢٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، ثنَا حَمَّادٌ، عن حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عن أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَامِرٍ، فَقَامَ ابْن عَامِر\n===\nعن عبد الله بن رباح الأنصاري قال: نا أبو قتادة: أن النبي - ﷺ - كان في سفر له فعطشوا، فانطلق سرعانُ الناسِ، فَلَزِمْت رسولَ الله - ﷺ - تلك الليلة، فقال) رسول الله - ﷺ - لي: (حَفِظَكَ اللهُ بما حفظت به نَبِيّه).\nقال المنذري: وأخرجه مسلم بطوله، وقد تقدم في كتاب الصلاة مختصرًا أيضًا، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٢) مختصرًا.\n\n(١٥٥) (بَابُ الرَّجُلِ يَقُومُ لِلرَّجُلِ (٣) يعَظِّمُه بِذَلِكَ)\n٥٢٢٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن حبيب بن الشهيد، عن أبي مجلز قال: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر).\nقال القاري (٤): وفي \"شرح السنة\" (٥) عن أبي مجلز: أن معاوية خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير جالسان ... إلخ.\n_________\n(١) في نسخة بدله: \"باب في قيام الرجل للرجل\".\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (١٨٩٤)، و\"سنن ابن ماجه\" (٣٤٣٤).\n(٣) وذكر الحافظ (١١/ ٥١، ٥٢) اختلاف الروايات فيه، وتقدم جوازه ح (٥٢١٥). (ش).\n(٤) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٧٦).\n(٥) \"شرح السنَّة\" (١٢/ ٢٩٥) ح (٣٣٣٠).","vol":"13","page":614},{"text":"وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا، فَلْيَتَبوأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ\". [ت ٢٧٥٥، حم ٤/ ٩١]\n٥٢٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَذَثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عن مِسْعَرٍ، عن أَبِي الْعَنْبَسِ، عن أَبِي الْعَدَبَّسِ، عن أَبِي مَرْزُوقٍ، عن أَبِي غَالِبٍ،\n===\nقلت: ولكن خالف الترمذي (١) في هذه الرواية أبا داود، فروى من طريق سفيان، عن حبيب بن الشهيد، عن أبي مجلز قال: خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه فقال: اجلسا، سمعت رسول الله - ﷺ -، الحديث. يحتمل أن تكون الروايتان قصتين، فما في \"الترمذي\" وقع أولًا بأن ابن الزبير قام مع ابن صفوان فنهاهما معاوية، وما في رواية أبي داود وقع ثانيًا، فلم يقم في تلك المرة عبد الله بن الزبير، وقام ابن عامر لأنه لم يسمع النهي فنهى ثانيًا.\n(وجلس) عبد الله (بن الزبير) أي بقي جالسًا (فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول الله - ﷺيقول: من أحب أن يمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار).\n٥٢٣٠ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن مسعر، عن أبي العنبَس، عن أبي العَدَبَّسِ) بفتح المهملتين والموحدة المشددة بعدها مهملة، كوفي مجهول.\n(عن أبي مرزوق) قال في \"التقريب\": أبو مرزوق، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، لين، من السادسة، ولا يعرف اسمه.\n(عن أبي غالب) صاحب أبي أمامة بصري، ويقال: أصبهاني، قيل: اسمه حزور، وقيل: سعيد بن الحزور، وقيل: نافع. عن ابن معين: صالح\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٢٧٥٥).","vol":"13","page":615},{"text":"عن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا، فَقُمْنَا إلَيْهِ، فَقَالَ: \"لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الأَعَاجِمُ، يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا\". [جه ٣٨٣٦، حم ٥/ ٢٥٣]\n===\nالحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: ثقة، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إلَّا ما وافق الثقات، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا، ووثقه موسى بن هارون.\n(عن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - متوكئًا على عصًا، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، يُعَظِّم بعضها بعضًا).\nقال الطبراني: هذا الحديث ضعيف مضطرب السند، فيه من لا يعرف، كذا في \"مرقاة الصعود\" (١)، لعل معاوية ﵁ كره القيام له في الحديث الأول لخوف التشبّه بزي الأعاجم المنهي عنه، وإلَّا فظاهر الأحاديث يدل على النهي عن القيام الذي تفعله الأعاجم بالانتصاب قائمًا على رؤوس ملوكهم أو بين أيديهم (٢)، ويمكن أن معاوية - ﵁ - جعله عامًا شاملًا لهذا القيام المنهي عنه والقيام للقادم تعظيمًا.\nوقال الطبري: هذا الخبر إنما فيه نهي عن أن يقام له من السرور بذلك لا من أن يقوم له إكرامًا.\nوقال ابن قتيبة: معناه من أراد أن يقوم الرجال على رأسه كما يقام بين أيدي ملوك الأعاجم، وليس المراد به نهي الرجل عن القيام لأخيه إذا سلم عليه.\nورجح النووى مقالة الطبري فقال: الأصح الأول، بل الذي لا حاجة إلى\n_________\n(١) كذا في\"مرقاة الصعود\"، و\"العيني\" (١٥/ ٣٧٥)، و\"الفتح\" (١١/ ٥٠). (ش).\n(٢) قلت: وهو أيضًا جائز للضرورة لقيام مغيرة في قصة الحديبية، وجعله ابن القيم في \"الهدي\" (٣/ ٣٠٤) ستة عند مجيئي رسل الكافرين على المؤمنين إعظامًا لهم، وبسطه. (ش).","vol":"13","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1915>(١٥٦) بابٌ في الرَّجُلِ يَقولُ: \"فُلَانٌ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ</span>\" (١)\n٥٢٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا إسْمَاعِيلُ، عن غَالِبٍ قَالَ: إنَّا لَجُلوسٌ (٢) بِبَاب الْحَسَنِ إذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عن جَدِّي قَالَ: بَعَثَنِي أَبِي إلى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: ائْتِهِ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إنَّ أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: \"عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ\". [حم ٥/ ٣٦٦، ق ٦/ ٣٦١]\n===\nما سواه أن معناه زجر المكلف أن يحب قيام الناس إليه، قال: وليس فيه تعريض للقيام بنهي ولا بغيره، وهذا متفق عليه، والمنهي عنه محبة القيام، فلو لم يخطر بباله فقاموا له فلا لوم عليه، وإن أحب ارتكب التحريم سواء قاموا أو لم يقوموا.\n\n(١٥٦) (بابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ) لِرَجُلٍ: (فُلَانٌ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ) (٣) فكيف يرد؟\n٥٢٣١ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا إسماعيل، عن غالب) وهو ابن خطاف البصري القطان (قال: إنا لجلوس بباب الحسن) أي البصري (إذ جاء رجل فقال: حدثني أبي، عن جدي قال: بعثني أبي إلى رسول الله - ﷺ -، فقال) أبي: (ائته) أي رسول الله - ﷺ - (فَأَقْرِئْهُ السلام، قال: فأتيته فقلت: إن أبي يُقْرِئُكَ السلامَ، فقال: عليك وعلى أبيك السلام) (٤).\nقال المنذري (٥): وأخرجه النسائي (٦)، وقال: عن رجل من بني نمير عن أبيه، عن جده، وهذا الإسناد فيه مجاهيل، وخطاف بضم الخاء المعجمة،\n_________\n(١) في نسخة: \"باب إبلاغ السلام\".\n(٢) في نسخة: \"جلوس\".\n(٣) قال ابن عابدين (٩/ ٥٩٥): يجب الإبلاغ إذا تحمَّل لأنه صار أمانة. انتهى. (ش).\n(٤) والحديث تقدم في باب العرافة مفصلًا. (ش).\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٥٠٧).\n(٦) انظر: \"عمل اليوم والليلة\" للنسائي (٣٧٥).","vol":"13","page":617},{"text":"٥٢٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْدُ الرَّحِيم بْنُ سُلَيْمَانَ، عن زَكَرِيَّا، عن الشَّعْبِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثتْهُ، أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ لَهَا: \"إنَّ جِبْرِيْلَ يَقْرأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ\"، فَقَالَتْ: وَعَلْيهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. [خ ٣٢١٧، م ٢٤٤٧، ت ٢٦٩٣، جه ٣٦٩٦، حم ٦/ ٥٥]\n\n(١٥٧) بَابٌ (١) في الرَّجُلِ يُنَادِي الرَّجُلَ فيَقُولُ: \"لبّيكَ\" (٢)\n٥٢٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءِ،\n===\nويقال: بفتح الخاء وبعدها طاء مهملة مشددة مفتوحة وبعد الألف فاء أخت القاف، انتهى.\n٥٢٣٢ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان، عن زكريا، عن الشعبي، عن أبي سلمة، أن عائشة حدثته، أن النبي - ﷺ - قال لها: إن جبريل يَقْرَأُ عليكِ السلامَ، قالت: وعليه السلام ورحمة الله).\nوفي هذا الحديث اقتصر في الجواب على أصل الْمُسَلِّمِ، وفي الحديث الأول شَمَلَ المُبَلِّغَ أيضًا، فالأمران جائزان (٣) سواء اقتصر على الأصل، أو شَرَّك المبلغَ أيضًا في الجواب.\n\n(١٥٧) (بابٌ في الرَّجُلِ يُنَادِي الرَّجُلَ فيقول (٤): لبَّيكَ وَسَعْدَيْكَ)\n٥٢٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا يعلي بن عطاء،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ما جاء\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وسعديك\".\n(٣) لكن ظاهر ابن عابدين وجوب التشريك عن محمد، واستحبابه عن غيره. انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٥٩٥). (ش).\n(٤) وحكي كراهة ذلك عن مالك كما في \"الشرح الكبير\" (٢/ ٤٢)، وأوَّله بأن مراده استعمال تلبية الحج لا مطلق لبيك، وترجم له البخاري [في \"صحيحه\" في كتاب الاستئذان، ٣٠ - باب من أجاب بـ \"لبيك وسعديك\"]، وسكت الحافظ عن غرضها، والخلاف في تلبية الحج مشهور، =","vol":"13","page":618},{"text":"عن أَبِي هَمَّام عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ الْفِهْرِيَّ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسولِ اللَّهِ - ﷺ - حُنَيْنًا، فَسِرْنَا في يَوْمٍ قَائِظٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَنَزَلْنَا تَحْتَ ظِلِّ الشَّجَرِ، فَلمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ لَبِسْتُ لامَتِى وَرَكِبْتُ فَرَسِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وهُوَ في فُسْطَاطِهِ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، قَدْ حَانَ الرَّوَاحُ، فَقَالَ: \"أَجَلْ\"، ثُمَّ قَالَ: \"يَا بِلَالُ، قُمْ\"، فَثَارَ مِنْ تَحْتِ سَمُرَةٍ،\n===\nعن أبي همام عبد الله بن يسار) أبو همام الكوفي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن المديني: هو شيخ مجهول، وكذا قال أبو جعفر الطبري، قال: وقد سماه غير يعلي بن عطاء عبد الله بن نافع، وكذا قال هشيم عن يعلي بن عطاء.\n(أن أبا عبد الرحمن الفهري) القرشي، اختلف في اسمه، قيل: اسمه يزيد بن أنيس، وقيل: الحارث بن هشام، وقيل: عبيد، وقيل: كرز بن ثعلبة، صحابي، شهد حنينًا، ثم شهد فتح مصر، ليس له راوٍ غير أبي همام، نص عليه غير واحد.\n(قال شهدت مع رسول الله - ﷺحنينًا، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظل الشجر، فلما زالت الشمس لبستُ لأمَتِي) أي درعي وسلاحي (وركبتُ فرسي، فأتيت رسول الله - ﷺ - وهو في فسطاطه) أي في خيمته (فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح) أي جاء وقت الرواح، وهو السير في آخر النهار.\n(فقال: أجل، ثم قال: يا بلال قم، فثار) بلال (من تحت سمرة) هو\n_________\n= قال الموفق (٥/ ١٠٨): لا بأس أن يلبي الحلال، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وكرهه مالك، ولنا: أنه ذِكْرٌ يستحب للمحرم، فلا يكره لغيره كسائر الأذكار، انتهى. (ش).","vol":"13","page":619},{"text":"كَأَنَّ ظِلَّهُ ظِلُّ طَائِرٍ، فَقَالَ (١): لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَأَنَا فِدَاؤُكَ، فَقَالَ: \"أَسْرِجْ لِي الْفَرَسَ\"، فَأَخْرَجَ سَرْجًا دَفَّتَاهُ مِنْ لِيفٍ، لَيْسَ فِيهِمَا أَشَرٌ وَلَا بَطَرٌ، فَرَكِبَ وَرَكِبْنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ (٢). [حم ٥/ ٢٨٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1917>(١٥٨) بَابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: \"أَضْحَكَ الله سِنَّكَ</span>\"\n٥٢٣٤ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبِرَكِيُّ،\n===\nشجرة الشوك (كأنّ ظلّه ظلّ طائر) أي في غاية القلة (فقال) بلال مجيبًا لرسول الله - ﷺ -: (لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: أسْرِجْ لي الفرسَ، فأخرج سرجًا دَفَّتَاه) أي جانباه (من ليف، ليس فيهما أَشَرٌ ولا بَطَر) أي في الدَّفَتَيْنِ، وفي نسخة: فيه، فالضمير للسرج، لأن الأشر والبطر إنما يكونان في زي الجبابرة، وهذا الذي دفتاه من ليف من زي المساكين (فركب وركبنا، وساق الحديث) (٣).\n\n(١٥٨) (بابٌ في الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ)\n٥٢٣٤ - (حدثنا عيسى بن إبراهيم) بن سيار، ويقال: ابن دينار الشعيري، أبو إسحاق، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو يحيى البصري المعروف بـ (البركي) بكسر الموحدة وفتح الراء، كان ينزل سكة البرك، وهي سكة معروفة بالبصرة، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن معين مرة: ليس برضىً، ومرة: لا يساوي شيئًا، وقال البزار في \"مسنده\": كان ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وقال الأزدي: كان يهم في أحاديث، وهو صدوق.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: أبو عبد الرحمن الفهري ليس له إلا هذا الحديث، وهو حديثٌ نَبِيلٌ، جاء به حماد بن سلمة\".\n(٣) أخرجه ابن ماجه، وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" ورد عليه الحافظ في \"القول المسدد\". (ش).","vol":"13","page":620},{"text":"وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ (١) - وَأَنَا لِحَدِيثِ عِيسَى أَضْبَطُ- قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِيِّ- يَعْنِي السُّلَمِيَّ-، نَا ابْنُ كِنَانَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، قَالَ: ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرُ: أَضْحَكَ الله سِنَّكَ (٢). [جه ٣٠١٣، ق ٥/ ١١٨]\n===\n(وسمعته من أبي الوليد) وهذا كلام أبي داود (وأنا لحديث عيسى أضبط، قال) أي عيسى بن إبراهيم: (حدثنا عبد القاهر بن السري) بفتح مهملة وكسر راء خفيفة وشدة مثناة تحت، السلمي أبو رفاعة، ويقال: أبو بشر البصري، قال ابن معين: صالح، وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم، وذكره ابن شاهين في \"الثقات\".\n(يعني السلمي، نا ابن كنانة بن عباس بن مرداس) هو عبد الله بن كنانة، قال الحافظ في \"التقريب\": هو عبد الله، وقع مسمى عند ابن عدي في \"الكامل\" وقال أيضًا: مجهول.\n(عن أبيه) كنانة بن عباس بن مرداس السلمي، روى عن أبيه أنه - ﷺ - دعا لأمته عشية عرفة، وعنه ابنه عبد الله، قال البخاري: لا يصح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، قلت: وقال في \"كتاب الضعفاء\" حديثه منكر جدًّا، لا أدري التخليط منه أو من ابنه، ومن أيهما كان فهو ساقط الاحتجاج به.\n(عن جده) عباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي، أبو الهيثم، ويقال: أبو الفضل، له صحبة، أسلم قبل الفتح، وشهد فتح مكة، وهو من المؤلفة، ونزل ناحية البصرة، وقصته مع النبي - ﷺلما أعطى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس في حنين أكثر مما أعطاه مشهورة.\n(قال: ضحك رسول الله - ﷺ -، فقال له أبو بكر أو عمر: أضحك الله سنك!) (٣).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الطيالسي\".\n(٢) زاد في نسخة: \"وساق الحديث\".\n(٣) هذا طرف من حديث عموم المغفرة للحجاج يوم عرفة، الذي كتب فيه الحافظ ابن حجر =","vol":"13","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1918>(١٥٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبِنَاءِ</span>\n٥٢٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَفْصٌ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي السَّفَرِ،\n===\n\n(١٥٩) (باب مَا جَاء في الْبِنَاءِ\") (١)\n٥٢٣٥ - (حدثنا مسدد، نا حفص، عن الأعمش، عن أبي السَّفَر) سعيد بن يحمد، ويقال: أحمد، الهمداني الثوري الكوفي، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال يعقوب بن سفيان: هو وابنه عبد الله ثقتان، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة فيما روى وحمل.\n_________\n= ﵀ \"جزء قوة الحِجَاج في عموم المغفرة للحجِّاج\"، وطبع عن دار القبلة بجدَّة سنة ١٤١٣ هـ.\n(١) وقد أخرج المصنف في باب البناء من \"المراسيل\" (ص ٥١٢) ح (٤٩٠) عن عطية بن قيس قال: كان حُجَرُ أزواج النبي - ﷺ - بجريد النخل فخرج النبي - ﷺ - في مغزىً له، وكانت أم سلمة موسرة، فجعلت مكانَ الجريد لَبِنًا، فقال النبي - ﷺ -: \"ما هذا؟ \"، قالت: أردت أن أكف عني أبصار الناس، فقال: \"يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مالُ المرء المسلم البنيانُ\".\nوعن داود بن قيس قال: رأيت الحُجُرات من جريد مُغَشًّى من خارج بمُسُوح الشعر، وأظن عَرْضَ الحجرة من باب الحجرة إلى باب البيت نحوًا من ست أو سبع أذرع، وحزرت البيت الداخل عشر أذرع، وأظن سَمْكه بين الثمان والسبع ونحو ذلك.\nوعن الحسن: كنت أدخل بيوت أزواج النبي - ﷺ - في خلافة عثمان فأتناول سَقْفَها بيدي.\nوعن محمد بن هلال قال: كان باب بيت عائشة ﵂ من ساج.\nوفي \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٥١): إن أبوابها شارعة في المسجد، وقيل: بعض البيوت لم تكن ملاصقًا بالمسجد، وفي \"شرح أبي الطيب على الترمذي\": أن طول جدارها كان أقصر من مساحة العرصة ... إلخ. (ش).","vol":"13","page":622},{"text":"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا بي أَنَا وَأُمِّي، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَئٌ أُصْلِحُهُ، فَقَالَ: \"الأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلكَ\" (١). [حب ٢٩٩٦]\n٥٢٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَاد، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ بِإسْنَادهٍ بِهَذَا، قَالَ: مَرَّ عَلَيَّ رَسُولُ الله - ﷺ - وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا وَهِيَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْنَا: خُصٌّ لَنَا وَهِيَ فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا أَرَى الأَمْرَ إلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ\". [ت ٢٣٣٥، جه ٤١٦٠، حم ٢/ ١٦١]\n===\n(عن عبد الله بن عمرو (٢) قال: مَرَّ بي رسول الله - ﷺوأنا أُطَيِّنُ حائطًا لي) أي أصلحه بالطين (أنا وأمي، فقال: ما هذا يا عبد الله؟ فقلت: يا رسول الله شيء أصلحه) أي ما فسد منه (فقال: الأمر أسرع من ذلك) أي الموت أقرب من فساد هذا الحائط الذي تخاف فساده وهدمه لو لم تصلحه.\n٥٢٣٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وهناد، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا أبو معاوية، عن الأعمش بإسناده) أي بإسناد الأعمش (بهذا) الحديث (قال) عبد الله بن عمرو: (مَرَّ علي رسول الله - ﷺونحن نعالجُ) أي نعمل (خُصًّا لنا) الخُصُّ: بيت يعمر بالخشب والقصب (وَهِيَ) بكسر الهاء (٣) صيغة ماض، أي: ضعف.\n(فقال) رسول الله - ﷺ -: (ما هذا؟ فقلنا: خُصٌّ لنا وَهِيَ) أي ضعف (فنحن نصلحه، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أرى الأمر) أي الموت (إلَّا أعجل من ذلك).\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) يفتش الحديث فإنه في \"الترغيب\" (٤/ ٢٤٣) عن ابن عمر بدون الواو. (ش).\n[قلت: أخرجه الترمذي في الزهد \"باب قصر الأمل\" (٢٣٣٥)، وابن ماجه في الزهد \"باب في البناء والخراب\" (٤١٦٠)، وذكره المزي في أطرافه رقم (٨٦٥٠)، فكلهم مجمعون على أن الحديث من مسانيد عبد الله بن عمرو \"بالواو\"].\n(٣) وبفتح الهاء أيضًا كما في \"القاموس\".","vol":"13","page":623},{"text":"٥٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ الْقُرَشِيُّ، عن أَبِي طَلْحَةَ الأَسَدِيِّ، عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً، فَقَالَ: \"مَا هَذِهِ (١)؟ \"، قَالَ لَهُ أَصْحَاُبهُ: هَذه لِفُلَانٍ - رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ-، قَالَ: فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا في نَفْسِهِ، حَتَّى إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُسَلِّمُ (٢) عَلَيْهِ في النَّاسِ أَعْرَضَ (٣) عَنْهُ، صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا،\n===\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": ليس فيه نهي عما كانوا فيه من الإصلاح، بل المقصود تذكيرهم المنية، والتنبيه على أن المرء لا ينبغي له أن يلهو بشيء من المشاغل عن مصيره وعاقبته.\n٥٢٣٧ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا عثمان بن حكيم، حدثني إبراهيم بن محمد بن حاطب) الجمحي (القرشي) قلت: ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن أبي طلحة الأسدي) له في \"السنن\" أثر في الزجر عن البناء إلا ما لا بد منه، قاله الحافظ في \"تهذيبه\" (٤).\n(عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - خرج فرأى قبة مشرفة) أي بناءً مرتفعًا (فقال: ما هذه؟ قال له أصحابه: هذه) أي القبة (لفلان رجل من الأنصار) بدل من فلان (قال) أنس: (فسكت) رسول الله - ﷺ - (وحملها) أي أضمر تلك الفعلة (في نفسه، حتى إذا جاء صَاحِبُهَا رسولَ الله - ﷺ - يُسَلِّمُ عليه في الناس) أي حال كونه - ﷺ - في الناس، ويحتمل أن يكون حالًا من لفظ صاحب (أعرض عنه، صنع ذلك مرارًا) أي جاء يسلم فأعرض عنه، ثم جاء فأعرض عنه\n_________\n(١) في نسخة: \"هذا\".\n(٢) في نسخة: \"سلم\".\n(٣) في نسخة: \"فأعرض\".\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٣٨).","vol":"13","page":624},{"text":"حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الْغَضبَ فِيهِ وَالإعْرَاضَ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ (١) إلَى أَصْحَابهِ، فَقَالَ: والله إنِّي لأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالُوا: خَرَجَ (٢) فَرَأَى قُبَّتَكَ (٣)، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالأَرْض، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ فَلمْ يَرَهَا فَقَالَ: \"مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ؟ \" قَالوا: شَكَا إلَيْنَا صَاحِبُهَا (٤) إعْرَاضَكَ عَنْهُ، فَأخْبَرْنَاهُ، فَهَدَمَهَا، فَقَالَ: \"أَمَا إنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إلَّا مَا لَا، إلَّا مَا لَا، يَعْنِي، مَا لَا بُدَّ مِنْهُ\". [حم ٣/ ٢٢٠، جه ٤١٦١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1919>(١٦٠) بابٌ في اتِّخَاذِ الْغُرَفِ</span>\n٥٢٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤَاسيُّ، نَا عِيسَى،\n===\n(حتى عرف الرجلُ الغضبَ فيه والإعراضَ عنه، فشكا) أي الرجل (ذلك) أي إعراضه - ﷺ - (إلى أصحابه، فقال) الرجل: (والله إني لأنْكِرُ) أي لأعرف منه مما كان قبل ذلك من (رسول الله - ﷺ -) من اللطف.\n(قالوا: خرج فرأى قبتك، فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سَوَّاها بالأرض، فخرج رسول الله - ﷺ - يوم فلم يرها) أي القبة (فقال: ما فعلت) بصيغة المعلوم أو المجهول (القبة؟ قالوا: شكا إلينا صاحِبُها إعراضك عنه) أي عن الصاحب (فأخبرناه فهدمها، فقال: أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلَّا ما لا، إلَّا ما لا، يعني ما لا بد منه).\n\n(١٦٠) (بابٌ في اتِّخَاذِ الْغرَفِ)\nقال في \"القاموس\": الغرفة بالضم: عُلِّيَّة، جمعها غرفات\n٥٢٣٨ - (حدثنا عبد الرحيم بن مطرف الرؤاسي، نا عيسى) بن يونس،\n_________\n(١) في نسخة: \"ذاك\".\n(٢) زاد في نسخة: \"فخرج\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٤) في نسخة: \"صاحبنا\".","vol":"13","page":625},{"text":"عن إسْمَاعِيلَ، عن قَيْسٍ، عن دُكَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - فَسَأَلْنَاهُ الطَّعَامَ، فَقَالَ: \"يَا عُمَرُ، اذْهَبْ فَأَعْطِهِمْ\"، فَارْتَقَى بِنَا إلَى عُلِّيَّةٍ، فَأَخَذَ الْمِفْتَاحَ مِنْ حُجْرَتِهِ (١) فَفَتَحَ. [حم ٤/ ١٧٤]\n===\n(عن إسماعيل) بن أبي خالد، (عن قيس) بن أبي حازم، (عن دكين بن سعيد) ويقال بالتصغير، ويقال: ابن سعد (المزني) ويقال: الخثعمي، له صحبة، عداده في أهل الكوفة، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في معجزة تكثير التمر، لم يروِ عنه غير قيس.\n(قال: أتينا النبي - ﷺفسألناه الطعام، فقال: يا عمر) بن الخطاب (اذهب فأعطهم، فارتقى بنا إلى عُلِّيَّةٍ) بضم العين وكسر اللام وبالتحتية المشددة، أي الغرفة، والجمع علالي بياء مشددة.\n(فأخذ المفتاح من حجرته) بالراء، وفي نسخة: بالزاي وهي معقد الإزار (ففتح).\nوقد أخرج هذا الحديث مفصلًا ومطولًا الإمام أحمد في \"مسنده\" (٢)، حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا وكيع، ثنا إسماعيل، عن قيس، عن دُكَيْن بن سعيد الخثعمي قال: أتينا رسول الله - ﷺونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام، فقال النبي - ﷺ - لعمر: قم فأعطهم، قال: يا رسول الله ما عندي إلَّا ما يقيظني والصبية- قال وكيع: القيظ في كلام العرب أربعة أشهر- قال: قم فأعطهم، قال عمر: يا رسول الله سمعًا وطاعة. قال: فقام عمر وقمنا معه، فصعد بنا إلى غرفة له، فأخرج المفتاح من حجزته (٣) ففتح الباب، قال دُكين: فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض. قال: شأنكم. قال: فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء. قال: ثم التفت، وإني لمن آخرهم، وكأنّا لم نرزأ منه تمرة.\n_________\n(١) في نسخة: \"حجزته\".\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٧٤).\n(٣) الحجزة: موضع شد الإزار من الوسط، وموضع التلَّة من السراويل. \"المعجم الوسيط\" (١/ ١٥٨).","vol":"13","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1920>(١٦١) بَابٌ في قَطْعِ السِّدْرِ</span>\n٥٢٣٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عن سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ في النَّارِ\". [ق ٦/ ١٣٩، طس ٢٤٤١]\n===\n\n(١٦١) (بابٌ في قَطْعِ السِّدْرِ)\n٥٢٣٩ - (حدثنا نصر بن علي، أنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان) بن جبير، وهو ابن عم سعيد بن محمد بن جبير، (عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم) النوفلي المدني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا في قطع السدر.\n(عن عبد الله بن حبشي) بضم المهملة وسكون الموحدة بعدها معجمة ثم ياء ثقيلة، أبو قتيلة، صحابي نزل مكة.\n(قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار\") (١) وفي نسخة: سئل أبو داود عن معنى هذا الحديث، قال: معناه: من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثًا وظلمًا بغير حق يكون فيها، صوّب الله رأسه في النار، أي: نكّسه.\nوقال البيهقي في \"سننه\" (٢): قال أبو ثور: سألت أبا عبد الله الشافعي عن قطع السدرة، قال: لا بأس به، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: اغسلوه (٣) بماء وسدر، وقيل: أراد به سدرة (٤) مكة لأنها حرم، وقيل: سدرة المدينة،\n_________\n(١) رقم عليه في \"الجامع الصغير\" (٨٩٦٢) بالصحة. (ش).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٤١).\n(٣) وفي \"السنن الكبرى\": \"اغسله\".\n(٤) لما ورد في رواية \"الأوسط\" (٢٤٤١) مِن سِدْرِ الحَرَمِ، ولذا ذكره صاحب \"جمع الفوائد\" (٣٦٦٩) في فضل مكة في كتاب الحج. (ش).","vol":"13","page":627},{"text":"٥٢٤٠ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ وَسَلَمَةُ (١) قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عن رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ. [ق ٦/ ١٣٩، ١٤٠]\n٥٢٤١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَا: نَا حَسَّانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: سَأَلْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ عن قَطْعِ السِّدْرِ\n===\nنهى عن قطعها فيكون أنسًا وظلالًا لمن يهاجر إليها، قال: وقرأت في كتاب أبي سليمان الخطابي أن المزني سئل عن هذا فقال: وجهه أن يكون - ﷺ - سئل عمن هجم على قطع سدر لقوم أو ليتيم أو لمن حرم الله أن يقطع عليه [فتحامل عليه] بقطعه فاستحق ما قاله، فتكون المسألة سبقت السامع، فسمع الجواب ولم يسمع السؤال، ونظيره حديث أسامة (٢) أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنما الربا في النسيئة\"، وقد قال: \"لا تبيعوا الذهب بالذهب إلَّا مثلًا بمثل\"، ملخص من \"مرقاة الصعود\".\n٥٢٤٠ - (حدثنا مخلد بن خالد وسلمة) بن شيب (قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن عثمان بن أبي سليمان، عن رجل من ثقيف) قال البيهقي (٣): يشبه أن يكون هذا الرجل عمرو بن أوس، ثم أخرجه من طريق عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عروة، عن عائشة موصولًا، وقال: المرسل هو المحفوظ \"مرقاة الصعود\" (٤)، (عن عروة بن الزبير يرفع الحديث إلى النبي - ﷺ - نحوه).\n٥٢٤١ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وحميد بن مسعدة قالا: نا حسان بن إبراهيم قال: سألت فشام بن عروة عن قطع السدر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يعني ابن شبيب\".\n(٢) أخرجه البخاري (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٣٩).\n(٤) انظر إلى: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ٣٣٦).","vol":"13","page":628},{"text":"وَهُوَ مُسْتَندٌ (١) إلَى قَصْرِ عُرْوَةَ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذ الأَبَوابَ وَالمَصَارِيع؟ إنَّمَا هِيَ مِنْ سِدْرِ عُرْوَةَ، كَانَ عُرْوَةُ يَقْطَعُهُ مِنْ أَرْضِهِ، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بهِ. زَادَ حُمَيْدٌ فَقَالَ: هِى يَا عِرَاقِيُّ جِئْتَنِي بِبِدْعَةٍ، قَالَ: قُلْتُ: إنَّمَا الْبِدْعَةُ مِنْ قِبَلِكُمْ، سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ بِمَكَّةَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ قَطَعَ السِّدْرَ، ثُمَّ سَاقَ مَعْنَاهُ. [ق ٦/ ١٤١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1921>(١٦٢) بابٌ في إمَاطَةِ الأَذَى </span>(٢)\n٥٢٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنِ مُحمدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيٍّ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللةِ بْنُ بُرَيْدَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدةَ\n===\nوهو مستند إلى قصر عروة، فقال) هشام: (أترى هذه الأبواب والمصاريع؟) جمع مصراع (إنما هي من سدر عروة، كان عروة يقطعه من أرضه، وقال) عروة: (لا بأس به) أي بقطع السدرة.\n(زاد حميد) شيخ المصنف (فقال) هشام: (هي) إما هي للمؤنث بكسر الهاء وفتح الياء التحتانية للشأن والقصة، أو لفظ هِي اسم فعل أمر باستزادة حديث، أي زد في الكلام.\n(يا عراقي جئتني ببدعة) أي أمر مبتدع لم نسمعه بتحريم قطع السدر (قال) حسان بن إبراهيم: (قلت: إنما البدعة من قِبَلكم) وهو إباحة قطع السدر (سمعت من يقول بمكة: لعن رسول الله - ﷺ - من قطع السدر، ثم ساق معناه).\n\n(١٦٢) (بَابٌ في إمَاطَةِ الأذَى) عن الطريق\n٥٢٤٢ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين، حدثني أبي) حسين بن واقد، (حدثني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة)\n_________\n(١) في نسخة: \"مسند\".\n(٢) زاد في نسخة: \"عن الطريق\".","vol":"13","page":629},{"text":"يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"في الإنْسَانِ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَّ عن كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ\" قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللهِ (١)؟ قَالَ: \"النُّخَاعَةُ في الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا\" وَالشَّيءُ تُنَحِّيهِ عن الطَّرِيقِ، فَإنْ لَمْ تَجِدْ فَرَكْعَتَا الضُّحَى (٢) تُجْزِئُكَ\". [حم ٥/ ٣٥٤، ٣٥٩، خزيمة ١٢٢٦، حب ١٦٤٢]\n٥٢٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، عن عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ أَتَمُّ، عن وَاصِلٍ، عن يَحْيَى بْنِ عُقَيلٍ، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عن أَبِي ذَرٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"يُصْبِحُ عَلَى كلِّ سُلَامَى مِنْ ابْن (٣) آدم صَدَقَةٌ، تَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُهُ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُهُ عن الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وإمَاطَتُهُ\n===\nبدل من أبي (يقول: سمعت رسول الله - ﷺيقول: في الإنسان ثلث مائة وستون مفصلًا، فعليه) أي على الإنسان (أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟) أن يتصدق بثلثمائة وستين صدقة.\n(قال) رسول الله - ﷺ -: (النخاعة في المسجد تدفنها) صدقة (والشيء) المؤذي (تنحيه عن الطريق) صدقة، والحاصل أن كل معروف صدقة (فإن لم تجد) هذه الصدقات (فركعتا الضحى تجزئك) أي تكفيك من الصدقة.\n٥٢٤٣ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، ح: ونا أحمد بن منيع، عن عباد بن عباد، وهذا لفظه) أي لفظ عباد (وهو أتم، عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ - قال: يصبح على كل سُلامى من ابن آدم صدقة، تسليمه على من لقي صدقةٌ، وأمره بالمعروف صدقة، ونهيُه عن المنكر صدقةٌ، وإماطته) أي إزالته\n_________\n(١) في نسخة: \"يا رسول الله\".\n(٢) في نسخة: \"فركعتي الضحى\".\n(٣) في نسخة: \"بني\".","vol":"13","page":630},{"text":"الأَذَى عن الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَبُضْعَةُ (١) أَهْلِهُ صَدَقَةٌ\"، قَالُوا: يَا رَسولَ الله، يَأتِي شَهْوَتَهُ (٢) وتكُونُ لَهُ صَدَقَةٌ! قَالَ: \"أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا في غَيْرِ حَقِّهَا أَكَانَ يَأثَمُ؟ \"، قَالَ: \"وُيجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّه رَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَى\" (٣). [تقدَّم برقم ١٢٨٥]\n٥٢٤٤ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، نَا خَالدٌ، عن وَاصِلٍ، عن يَحْيَى بْنٍ عُقَيْلٍ، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عن أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، عن أَبِي ذرِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - في وَسْطِهِ. [تقدَّم برقم ١٢٨٦]\n===\n(الأذى عن الطريق صدقة، وبضعة أهله) أي جماعها (صدقة، قالوا: يا رسول الله يأتي) بحذف حرف الاستفهام (شهوته وتكون له صدقة؟ قال: أرأيت لو وضعها في غير حقها أكان يأثم؟) الهمزة للتقرير، زاد مسلم (٤): \"فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر\".\nقال النووي (٥): فيه جواز القياس وهو مذهب العلماء كافة، ولم يخالف فيه إلَّا أهل الظاهر، ولا يُعتدّ به، وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذم القياس فليس المراد به القياس الذي يعتمده المجتهدون، وهذا القياس المذكور في الحديث هو من قياس العكس، واختلف الأصوليون في العمل به، وهذا الحديث دليل لمن عمل به وهو الأصح.\n(ثم قال: ويجزئ) أي: يكفي (من ذلك كله ركعتان من الضحى).\n٥٢٤٤ - (حدثنا وهب بن بقية، نا خالد، عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر بهذا الحديث، وذكر النبيَّ - ﷺ - في وسطه).\n_________\n(١) في نسخة: \"بضعه\".\n(٢) في نسخة: \"شهوة\".\n(٣) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: لم يذكر حماد الأمر والنهي\".\n(٤) راجع: \"صحيح مسلم\" (١٠٠٦).\n(٥) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ١٠٢).","vol":"13","page":631},{"text":"٥٢٤٥ - حَدثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا اللَّيْثُ، عن محمُّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عن زَيْدِ بْن أَسْلَمَ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رَسُول اللَّهِ - ﷺ - أنّهُ قَال: \"نَزَعَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ غصْنَ شَوْكٍ عن الطَّرِيقِ، إمَّا كَانَ في شَجَرَةٍ فَقَطَعَهُ فَأَلْقَاهُ (١)، وَإمَّا كَانَ مَوْضُوعًا فَأَمَاطَهُ،\n===\nهذا الكلام يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن يكون لفظ النبي - ﷺ - منصوبًا على المفعولية لِذَكَرَ، وضمير الفاعل في ذَكَرَ راجع إلى الراوي، أي ذكر الراويُ النبيَّ - ﷺ - في وسطه أي في وسط الحديث، لا في أوله، وليس لهذا المعنى سند ودليل يدل عليه.\nوالثاني: ما نقل عن شيخ مشايخنا مولانا الشاه محمد إسحاق الدهلوي المهاجر المكي- نوَّر الله مرقده - أن لفظ النبي - ﷺ - فاعل لِذَكَرَ، ومفعول ذَكَرَ محذوف، وضمير وسطه راجع إلى الحديث، معناه: ذكر النبي - ﷺ - هذا الحديث في وسط كلامه، يعني كان رسول الله - ﷺ - يتكلم بالكلام قبل، فتكلم بهذا الحديث في أثناء كلامه، ويدل عليه رواية الإِمام أحمد في \"مسنده\" (٢) ولفظه: قال: قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدَّقون؟ إن لكل تسبيحة صدقة\"، الحديث.\n٥٢٤٥ - (حدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: نزع رجل) أي أزال ونحى (لم يعمل خيرًا قط) يعني سوى الإيمان، لأنه لا يطلق عليه العمل (غصنَ شوكٍ) مفعول لنزع (عن الطريق) أي عن ممر الناس (إما كان في شجرة فقطعه فألقاه، وإما كان موضوعًا فأماطه،\n_________\n(١) في نسخة: \"وألقاه\".\n(٢) راجع: \"مسند أحمد\" (٥/ ١٦٧).","vol":"13","page":632},{"text":"فَشَكَرَ اللهُ لَهُ بِهَا، فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ\". [خ ٦٥٢، م ١٩١٤، ت ١٩٥٨، جه ٣٦٨٢، حم ٢/ ٣٤١، ٤٠٤، ٤٩٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1922>(١٦٣) بَابٌ في إطْفَاءِ النَّارِ بِاللَّيلِ</span>\n٥٢٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ رِوَايَةً، وَقَالَ مَرَّةً: يَبْلغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ - (١): \"لَا تَتْرُكُوا النَّارَ في بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ\". [خ ٦٢٩٣، م ٢٠١٥، ت ١٨١٣، جه ٣٧٦٩، حم ٢/ ٧]\n٥٢٤٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ التَّمَّارُ، نَا عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:\n===\nفشكر اللهُ له بها) أي بإماطته (فأدخله الجنة).\n\n(١٦٣) (بابٌ في إطْفَاء (٢) النَّارِ بِاللَّيْلِ)\n٥٢٤٦ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه رواية) أي عن رسول الله - ﷺ - (وقال) الزهري أو سفيان (مرة: يبلغ به النبي - ﷺ -: لا تتركوا النار) موقدة مكشوفة (في بيوتكم حين تنامون).\n٥٢٤٧ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن التمار، نا عمرو بن طلحة، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"قال\".\n(٢) وقد ورد الأمر بإطفاء السراج في روايات كثيرة، وأيضًا ورد إطفاء السراج في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .....﴾ الآية، [الحشر: ٩]. وورد لعن المتخذين على القبور السرجَ كما تقدم في كتاب الجنائز \"باب في زيارة النساء القبورَ\" ح (٣٢٣٦)، وأيضًا السراج عند الدفن كما تقدم في كتاب الجنائز، باب في \"الكفن\"، و\"جمع الفوائد\" (١/ ٣٩٤) ح (٢٦٥٤). (ش).","vol":"13","page":633},{"text":"جَاءَتْ فَأرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ دِرْهَمِ (١)، فَقَالَ: \"إذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذ عَلَى هَذَا، فَتَحْرِقَكُمْ\". [حب ٥٥١٩، ك ٤/ ٢٨٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1923>(١٦٤) بابٌ في قَتْلِ الْحَيَّاتِ</span>\n٥٢٤٨ - حَدّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا سَالَمْنَاهُنَّ\n===\nجاءت فأرة فأخذت تَجُرُّ الفتيلة، فجاءت) الفارة (بها) أي الفتيلة (فالقتها بين يدي رسول الله - ﷺعلى الخُمْرَةِ) حصير قصير بقدر ما يسجد عليه المصلي (التي كان) - ﷺ - (قاعدًا عليها، فأحرقت منها) أي من الخمرة (مثل موضع درهم، فقال: إذا نمتم فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُم، فإن الشيطان يَدُلُّ مثل هذه) أي الفأرة (على هذا) أي على هذا الفعل (فتحرقكم).\n\n(١٦٤) (بابٌ في قَتْلِ الْحَيَّاتِ) (٢)\n٥٢٤٨ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما سالمناهن)\n_________\n(١) في نسخة: \"الدرهم\".\n(٢) قال الدميري: ذكر ابن خالويه لها مأتي اسم أنزلها الله تعالى بسجستان، فهي أكثر أرض الله حياتٍ، ولولا العربدّ -وهو نوع منها كبير- يأكلها ويفني كثيرًا منها لخلت من أهلها لكثرتها، وقال كعب: أهبطها الله بأصبهان، والحية تعيش ألف سنة، وليس لها سفاد بل يلتوي بعضهم بعضًا، تبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها، فيجتمع عليها النمل فيفسد أكثرها، وإن لدغها العقرب ماتت، ومن شأنها إذا لم تجد طعاما تعيش بالنسيم، ولا تأكل إلا لحم الحي، ونابها إذا قلعت تخرج بعد ثلاث، ومن عجائبها أنها تهرب من الرجل العريان، انتهى. [انظر: \"حياة الحيوان\" (١/ ٣٤٣، ٣٤٥)]. (ش).","vol":"13","page":634},{"text":"مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُنَّ خِيفَةً، فَلَيْسَ مِنَّا\". [حم ٢/ ٤٣٢، حب ٥٦٤٤]\n٥٢٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ السُّكَّرِيُّ، عن إسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ، عن شَرِيكٍ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ،\n===\nأي: ما صالحناهن (منذ حاربناهن) ولعل المراد ما روي أن إبليس دخل في جثة الحية (١) فدخل الجنة، ويمكن أن يقال: إن المحاربة بين الحية والإنسان جبلية، لأن كلًّا منهما مجبول على طلب قتل الآخر، كأن المراد ما شرع الله تعالى محبتهن لنا، أو ما نسخ عداوتهن منا، وشرع لنا ذلك فأمرنا بقتلهن، أو ما زال عداوتهن عن قلوبنا، ولهذا شرع قتلهن حتى في الحرم.\n(ومن ترك شيئًا منهن) أي من قتل الحيات (خيفة) أي خوف ضرر أو ثأر (فليس منا) أي ليس هذا من خصالنا وأخلاقنا.\n٥٢٤٩ - (حدثنا عبد الحميد بن بيان) بن زكريا بن خالد بن أسلم، وقيل: بيان بن أبان الواسطي، أبو الحسن بن علي بن عيسى (٢) العطار (السكري) ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال مسلمة: ثنا عنه ابن مبشر وهو ثقة.\n(عن إسحاق بن يوسف) الأزرق، (عن شريك، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن) بن بد الله بن مسعود المسعودي، أبو عبد الرحمن الكوفي القاضي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وعن ابن معين: ثقة، وقال علي بن المديني: لم يلق من الصحابة غير جابر، وقال العجلي: كان على قضاء الكوفة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرًا وكان ثقة رجلًا صالحًا، وقال ابن عيينة: [قلت لمسعر]: من أثبت من أدركت؟ قال: القاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن دينار، قلت: وقال ابن خراش: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n_________\n(١) والجمهور على أن قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] لآدم وحواء وإبليس والحية، كما في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٣٢)، و\"مختلف الحديث\" (ص ١٦٢). (ش).\n(٢) كذا في الأصل و\"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١١١)، وفي \"تهذيب الكمال\" (٣٦٩٥): أبو الحسن بن أبي عيسى، وهو الظاهر.","vol":"13","page":635},{"text":"عن أَبِيهِ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ، فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي\".\n٥٢٥٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، نَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ فِيمَا أُرَى إلَى\n===\n(عن أبيه) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، (عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: اقتلوا (١) الحيات كلهن) ظاهر في قتل أنواع الحيات كلهما إلَّا أن يستثنى منها العوامر ذات البيوت، أو المراد القتل ابتداء وبعد التحريج والتضييق فتتم الكلية.\n(فمن خاف ثأرهن) أي انتقامهن (فليس مني) وكانوا في الجاهلية يظنون أنه إذا قتل حية فيجيء زوجها فيلسعه، فنهى رسول الله - ﷺ - عن هذا الاعتقاد، وكذلك أهل الهند يظنون في بعض بلادها أن من قتل حية في حالة مخصوصة فينتقم زوجها ويلسعه في كل سنة.\n٥٢٥٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الله بن نمير، نا موسى بن مسلم) الحزامي، ويقال: الشيباني، أبو عيسى الكوفي الطحان المعروف بموسى الصغير، عن أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال أبو حاتم: يقال: إنه مات خلف المقام وهو ساجد.\n(قال: سمعت عكرمة يرفع الحديث فيما أرى إلى\n_________\n(١) استدل بذلك العيني (١٠/ ٦٥٢) لمن قال بعموم القتل بدون الإنذار، وحكى في المسألة اختلاف السلف، قال الدميري (١/ ٣٥٢): أَمْرُه ﵇ بقتل الحيات أمر ندب، وحيات البيوت لا تقتل حتى تنذر ثلاثة أيام أو ثلاث مرات، والجمهور على الأول بأن يقول: أنشدكن بالعهد الذي أخذه عليكن نوح وسليمان أن لا تبدو لنا ولا تؤذونا، وهل يختص بالمدينة؟ والصحيح أنه عام في كل بلد، وعند الحنفية لا تقتل البيضاء لأنها من الجن، وقال الطحاوي (٧/ ٣٧٥): لا بأس بقتل الجميع، والأولى الإنذار، وفي \"الدر المختار\": الأولى ترك الحية البيضاء، انتهى (٢/ ٤٢١). (ش).","vol":"13","page":636},{"text":"ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: \"مَنْ تَرَكَ الْحَيَّاتِ مَخَافَةَ طَلَبِهِنَّ، فَلَيْسَ مِنَّا، مَا سَالَمْنَاهُنَّ مِنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ\". [حم ١/ ٢٣٠]\n٥٢٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عن مُوسَى الطَّحَّانِ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَابِطٍ، عن الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِب، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ-: إنَّا نُرِيدُ أَنْ نَكنِسَ زَمْزَمَ وَإنَّ فِيهَا مِن هَذِهِ الْجِنَّانِ- يَعْنِي الْحَيَّاتِ الصِّغَارَ- فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَتْلِهِنَّ.\n===\nابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من ترك الحيات) من القتل (مخافة طلبهن) أي لخوف انتقامهن (فليس منا، ما سالمناهن منذ حاربناهن).\n٥٢٥١ - (حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا مروان بن معاوية، عن موسى الطحان، نا عبد الرحمن بن سابط) ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط، ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سابط بن أبي حميضة بن عمرو الجمحي المكي، تابعي، أرسل عن النبي - ﷺ -، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، له في \"صحيح مسلم\" حديث واحد في الفتن، ذكره البخاري وأبو حاتم وابن حبان في \"الثقات\".\n(عن العباس بن عبد المطلب أنه قال لرسول الله - ﷺإنا نريد أن نكنس) من بأبي ضرب ونصر (زمزم) أي ننظف ونخرج منها ما وقع فيها من قطع الحبال والظروف وغير ذلك (وإن فيها) أي في زمزم (من هذه الجنان) بكسر الجيم وتشديد النون جمع جان كحيطان وحائط (يعني الحيات الصغار) قيل: هي الدقيقة البيضاء (فأمر النبي - ﷺ - بقتلهن).\nقال المنذري (١): في سماع عبد الرحمن بن سابط عن العباس بن عبد المطلب نظر، والأظهر أنه مرسل.\n_________\n(١) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٥١٢).","vol":"13","page":637},{"text":"٥٢٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ، وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ، وَالأَبْتَرَ، فَإنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ، وُيسْقِطَانِ الْحَبَلَ\"، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْتُلُ كُلَّ حَيَّةٍ وَجَدَهَا، فَأَبْصَرَهُ أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُطَاردُ حَيَّةً، فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ نُهِيَ عن ذَوَاتِ الْبُيُوتِ. [خ ٣٢٩٧، م ٢٢٣٣، ت ١٤٨٣، جه ٣٥٣٥، حم ٢/ ١٢١]\n===\n٥٢٥٢ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ (أن رسول الله - ﷺ - قال: اقتلوا الحيات، وذا الطُّفْيَتَيْنِ) تثنية طفية، بضم المهملة وسكون الفاء بعدها تحتية، وهي خوصة المُقْل شبه الخطين الذين على ظهره بخوصتين من خُوْص المُقْل (والأبتر) أي مقطوع الذنب وليس بمقطوعة، بل هي كالمقطوعة (فإنهما يلتمسان البصر) أي يطمسانه لخاصية في طباعهما إذا وقع بصرهما على بصر الإنسان، وقيل: معناه أنهما يقصدان البصر في اللسع والنهش (١).\n(ويسقطان الحبل) أي لشدة سمهما إذا رأتهما امرأة حامل يسقط حملها.\n(قال) أي سالم: (وكان عبد الله يقتل كل حية وجدها، فأبصره) أي عبد الله بن عمر (أبو لبابة) صحابي مشهور، واختلف في اسمه وهو ابن عبد المنذر (أو زيد بن الخطاب) (٢) عم عبد الله بن عمر (وهو يطارد حية) أي يدافعها ليقتلها (فقال) أي أبو لبابة أو زيد بن الخطاب: (إنه قد نهي (٣) عن ذوات البيوت) قيل: إنه عام في جميع البيوت، وعن مالك ﵁ تخصيصه ببيوت المدينة، وهو المختار، وقيل: تختص ببيوت المدن دون غيرها.\n_________\n(١) ذكر المعنيين الدميري، ورجح المعنى الأول. انظر: \"حياة الحيوان\" (٢/ ١٢٢). (ش).\n(٢) بسط الحافظ في الشك، ورجح أبا لبابة. انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤٩). (ش).\n(٣) ولفظ البخاري: \"قال: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت\". \"صحيح البخاري\" (٣٢٩٧). (ش).","vol":"13","page":638},{"text":"٥٢٥٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن أَبِي لُبَابَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عن قَتْلِ الْجِنَّانِ (١) الَّتِي تكُون في الْبُيُوتِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإنَّهُمَا يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ، وُيطْرِحَانِ مَا في بُطُونِ النِّسَاءِ. [خ ٣٢٩٨، م ٢٢٣٣، حم ٣/ ٤٣٠]\n٥٢٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ - يَعْنِي بَعْدَمَا حَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ- حَيَّةً في دَارِهِ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، يَعْنِي إلَى البقِيعِ.\n٥٢٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْح وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ، عن نَافِعٍ في هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ نَافِعٌ: ثُمَّ رَأَيتُهَا بَعْدُ في بَيْتِهِ. [م ٢٢٣٣]\n===\n٥٢٥٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن أبي لبابة) بن عبد المنذر: (أن رسول الله - ﷺنهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت، إلَّا أن يكون ذا الطُّفْيَتَيْنِ (٢) والأبتر، فإنهما يخطفان البصر ويطرحان ما في بطون النساء) أي الحمل.\n٥٢٥٤ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: أن ابن عمر وجد بعد ذلك - يعني بعد ما حدثه أبو لبابة - حية في داره فأمر بها) أي بالحية (فَأخْرِجَتْ، يعني إلى البقيع).\n٥٢٥٥ - (حدثنا ابن السرح وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: أنا ابن وهب قال: أخبرني أسامة، عن نافع في هذا الحديث. قال نافع: ثم رأيتها بعدُ في بيته) أي في بيت عبد الله بن عمر.\n_________\n(١) في نسخة: \"الحيات\".\n(٢) زعم الداودي أن الجن لا يتمثل بذي الطفيتين والأبتر، كذا في \"الفتح\" (٦/ ٣٤٩). (ش).","vol":"13","page":639},{"text":"٥٢٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَصَاحِبٌ لَهُ إلَى أَبِي سَعِيدٍ يَعُودُونَهُ (١)، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِينَا صَاحِبًا لنَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ، فَأَقْبَلْنَا نَحْنُ فَجَلَسْنَا في الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ فَأَخْبَرَنَا: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ الْهَوَامَّ مِنَ الْجِنِّ، فَمَنْ رَأَى في بَيْتِهِ شَيْئًا، فَلْيُحَرِّجْ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإنْ عَادَ فَلْيَقْتُلْهُ فَإنَّهُ شيْطَانٌ\".\n===\n٥٢٥٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن محمد بن أبي يحيى) الأسلمي (قال: حدثني أبي) أبو يحيى الأسلمي المكي سمعان، مقبول (أنه انطلق هو) أي أبي (وصاحب له إلى أبي سعيد يعودونه) وكان مريضًا (فخرجنا من عنده) أي أبي سعيد (فلقينا صاحبًا) آخر (لنا وهو يريد أن يدخل عليه، فأقبلنا نحن) من عنده (فجلسنا في المسجد، فجاء) صاحب لنا الذي دخل عليه بعد ما خرجنا من عنده (فأخبرنا، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إن الهوام) أي الحيات (من الجن) (٢) خبر إن (فمن رأى في بيته شيئًا فَلْيُخَرِّجْ عليه) أي يضيق عليه (ثلاث مرات) يقول لهن (٣): أُحَرِّجُ عليكن أن لا تخرجن علينا، فإن عُدْتُنَّ إلينا قتلناكُنَّ (فإن عاد فليقتله فإنه شيطان) قال المنذري: في إسناده رجل مجهول.\n_________\n(١) في نسخة: \"يعودانه\".\n(٢) فإنهم قالوا: الجنات ثلاثة أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلون ويظعنون كما بسطه في \"الفتح\" (٦/ ٣٤٥)، وكثير من الفلاسفة والقدرية والزنادقة أنكروا وجود الجن رأسًا، وكثير منهم يثبتون وجودهم الآن، وبعضهم ينفون تسلطهم على الإنس ... إلخ، وهل يأكلون ويشربون، تقدم في (١/ ٢٩٢)، وبسط الدميري الكلام عليهم في، حياة الحيوان\" (١/ ٢٥٤)، وابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٩٢، ٩٣). (ش).\n(٣) وهو مندوب لا واجب وإن اقتضاه كلام بعض الحنابلة، كذا في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٣٣). انتهى. (ش).","vol":"13","page":640},{"text":"٥٢٥٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ، نَا اللَيْثُ، عن ابْنِ عجلَانَ، عن صَيْفِيٍّ أَبِي سعيدٍ مَوْلَى الأَنْصَارِ، عن أَبِي السَّائِبِ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سعيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَبَيْنَمَا (١) أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ سَمِعْتُ تَحْتَ سَرِيرِهِ تَحْرِيكَ شَيءٍ، فَنَظَرْتُ فَإذَا حَيةٌ (٢) فَقُمْتُ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: حَيَّةٌ هاهُنَا، قَالَ: فَتُرِيدُ مَاذَا؟ قُلْتُ: أَقْتُلُهَا، فَأَشَارَ إلَى بَيْتٍ في دَارِهِ تِلْقَاءَ بَيْتِهِ، فَقَالَ: إنَّ ابْنَ عَمٍّ لِي كَانَ في هَذَا الْبَيْتِ، فَلمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَاب اسْتَأذَنَ إلَى أَهْلِهِ- وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ - فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَمَرَه (٣) أَنْ يَذْهَبَ بِسِلَاحِهِ، فَأَتَى دَارَهُ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَائِمَةً عَلَى بَابِ الْبَيْتِ، فَأَشَارَ إلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَقَالَتْ: لَا تَعْجَلْ حَتَّى تَنْظُرَ مَا أَخْرَجَنِي،\n===\n٥٢٥٧ - (حدثنا يزيد بن موهب الرملي، نا الليث، عن ابن عجلان، عن صيفي أبي سعيد مولى الأنصار، عن أبي السائب) مولى هشام بن زهرة (قال: أتيت أبا سعيد الخدري، فبينما أنا جالس عنده سمعت تحت سريره) صوت (تحريك شيء، فنظرت فإذا حية فقمت، فقال أبو سعيد: ما لك) لِمَ قمتَ؟ (فقلت: حية ها هنا، قال: فتريد ماذا؟ قلت: أقتلها) أي أريد قتلها (فأشار إلى بيت في داره تلقاء بيته، فقال) أبو سعيد: (إن ابن عم لي كان في هذا البيت، فلما كان يوم الأحزاب استأذن) من النبي - ﷺ - أن يرجع (إلى أهله، وكان حديث عهد بعرس) أي بنكاح.\n(فأذن له رسول الله - ﷺوأمره أن يذهب بسلاحه، فأتى داره فوجد امرأته قائمة على باب اليت) فأصابه بها غيرة (فأشار إليها بالرمح) ليطعنها من أجل المغيرة أو للتهديد (فقالت) أي امرأته: (لا تعجل) عليَّ (حتى تنظر ما أخرجني،\n_________\n(١) في نسخة: \"فبينا\".\n(٢) في نسخة: \"فإذا هي حية\".\n(٣) في نسخة: \"فأمره\".","vol":"13","page":641},{"text":"فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَإذَا حَيَّةٌ مُنْكَرَةٌ فَطَعَنَهَا بِالرُّمْحِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهَا في الرُّمْحِ تَرْتَكِضُ، قَالَ: فَلَا أَدري أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الرَّجُلُ أَو الْحَيَّةُ، فَأَتَى قَوْمُهُ رَسُولَ الله (١) - ﷺ - فَقَالُوا: ادْعُ الله أَنْ يَرُدَّ صَاحِبَنَا، فَقَالَ: \"اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ\"، ثُمَّ قَالَ: \"إنَّ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ أَسْلَمُوا بِالمَدِينَةِ، فَإذَا رَأَيْتُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ فَحَذِّرُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ إنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدُ أَنْ تَقْتُلوهُ فَاقْتُلُوهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ\". [م ٢٢٣٦، ت ١٤٨٤، حم ٣/ ٢٧]\n٥٢٥٨ - حَدثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ عَجْلَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا، قَالَ: \"فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاثًا، فَإنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإنَّهُ شَيْطَانٌ\". [م ٢٢٣٦]\n===\nفدخل البيت فإذا حية منكرة) أي عظيمة (فطعنها بالرمح، ثم خرج بها) وهي مركوزة (في الرمح ترتكض) أي تتحرك وتضطرب.\n(قال: فلا أدري أيهما كان أسرع موتًا الرجل (٢) أو الحية، فأتى قومُه رسولَ الله - ﷺفقالوا: ادع الله أن يرد صاحبنا) أن يحييه (فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن نفرًا من الجن أسلموا بالمدينة) تظهر في صورة الحية (فإذا رأيتم أحدًا منهم فَحَذِّرُوهُ ثلاث مرات، ثم إنْ بَدَا لكم) أي ظهر لكم الحية (بعدُ) أي بعد التحذير، واستحسنتم أو أردتم (أن تقتلوه) ويحتمل أن يكون لفظ: أن تقتلوه فاعل لبدا، أي ثم إن ظهر لكم بعد ذلك قتلهم (فاقتلوه بعد الثلاث) فإنه كافر.\n٥٢٥٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن عجلان بهذا الحديث مختصرًا، قال: فَلْيُؤذِنْهُ) من الإيذان بمعنى الإعلام (ثلاثًا، فإن بَدَا له بعدُ فليقتله فإنه شيطان).\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) توفيت المرأة أيضًا كما في \"الإرشاد الرضي\". (ش).","vol":"13","page":642},{"text":"٥٢٥٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عن صَيْفِيٍّ مَوْلَى ابْنِ أَفْلَح، أَخْبَرَنِي أَبُوِ السَّائِبِ مَوْلى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَذكَرَ نَحْوَهُ وَأَتَمَّ مِنْهُ، قَالَ: \"فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ\". [تقدَم برقم ٥٢٥٧]\n٥٢٦٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ، نَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عن أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سُئِلَ عن حَيَّاتِ الْبُيُوتِ، فَقَالَ: \"إذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئًا في مَسَاكِنِكُمْ، فَقُولُوا: أَنْشُدُكُنَّ (١)\n===\n٥٢٥٩ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، نا ابن وهب، أخبرنا مالك، عن صيفي مولى ابن أفلح، أخبرني أبو السائب مولى هشام بن زهرة، أنه دخل على أبي سعيد الخدري، فذكر نحوه وأتم منه، قال: فَآذِنُوهُ) أي أعلموه (ثلاثة أيام، فإن بدا) أي ظهر لكم (بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان).\n٥٢٦٠ - (حدثنا سعيد بن سليمان، عن علي بن هاشم) بن البريد بفتح الموحدة وبعد الراء تحتانية ساكنة [العائذي] مولاهم، أبو الحسن الكوفي الخزاز، عن أحمد: ليس به بأس، وعن ابن معين: ثقة، وعن ابن المديني: كان صدوقًا، وكان يتشيع، وعنه: ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: كان غاليًا في التشيع وروى المناكير عن المشاهير، وذكره ابن حبان أيضًا في \"الضعفاء\"، ووثقه العجلي، وضعفه الدارقطني.\n(نا ابن أبي ليلى) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، (عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺسئل عن حيات البيوت، فقال: إذا رأيتم منهن شيئًا في مساكنكم) أي في بيوتكم (فقولوا: أنشدكُنَّ)\n_________\n(١) في نسخة: \"أنشدكم\".","vol":"13","page":643},{"text":"الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ (١) نُوحٌ ﵇، أَنْشُدُكُنَّ (٢) الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَليْكُنَّ سُلَيْمَانُ، أَنْ تُؤْذُونَا (٣)، فَإنْ عُدْنَ فَاقْتُلُوهُنَّ\". [ت ١٤٨٥]\n٥٢٦١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن مُغِيرَةَ، عن إبْرَاهِيمَ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: \"اقْتُلوا الْحَيَّاتِ كُلَّهَا إلَّا الْجَانَّ الأَبْيَضَ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبُ فِضَّةٍ\" (٤).\n===\nأي أذكركن (العهد الذي أخذ عليكن نوح (٥) ﵇، أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن سليمان ﵇ أن تؤذونا) هكذا بغير لفظة: \"لا\" في النسخة المجتبائية والمصرية والمكتوبة الأحمدية، وأما في النسخة الكانفورية والنسختين المدنيتين فبلفظة: \"لا\"، وهكذا بزيادة لفظ: \"لا\" في رواية الترمذي (٦) (فإن عدْنَ فاقتلوهن).\nقال المنذري (٧): ابن أبي ليلى الذي رواه عن ثابت البناني هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي ولا يحتج بحديثه. وأبو ليلى له صحبة، واسمه يسار، وقيل: داود، وقيل: أوس، وقيل: إن بلالًا أخوه، وقيل: لا يحفظ اسمه، ولقبه أنيس (٨).\n٥٢٦١ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن ابن مسعود أنه قال: اقتلوا الحيات كلها إلَّا الجانّ الأبيض الذي كأنه قضيب) أي غصن (فضة).\n_________\n(١) في نسخة: \"عليكم\".\n(٢) في نسخة: \"أنشدكم\".\n(٣) في نسخة: \"أن لا تؤذونا\".\n(٤) زاد في نسخة: \"قال أبو داود: فقال لي إنسان: الجان لا يتعرج في مشيته، فإن كان هذا صحيحًا كانت علامة فيه إن شاء الله تعالى\".\n(٥) لعله إشارة إلى ما يظهر من الرقية التي في \"حياة الحيوان\": قال لكم نوح: من ذكرني فلا تلدغوه. [انظر: \"حياة الحيوان\" (١/ ٣٤٩)]. (ش).\n(٦) راجع: \"سنن الترمذي\" (١٤٨٥).\n(٧) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٥١٣ - ٥١٤).\n(٨) كذا في الأصل، وفي \"المختصر\": \"أَيْسَر\" وهو الصواب، انظر: \"تهذيب الكمال\" (٨١٨٨).","vol":"13","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1924>(١٦٥) بَابٌ في قَتْلِ الأَوْزَاغِ</span>\n٥٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا (١) مَعْمَر، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ، عن أَبِيهِ قَالَ: \"أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقَتْلِ الْوَزَغِ، وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا\". [م ٢٢٣٨، حم ١/ ١٧٦]\n٥٢٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عن سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً في أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً،\n===\nقال المنذري: هذا منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.\nكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"تقريره\": قوله: \"كأنه قضيب فضة\"، والنهي إما لكونها من الجان فيخص بالمدينة، أو لعدم السم فعام.\n\n(١٦٥) (بَابٌ في قَتْلِ الأوْزَاغِ)\n٥٢٦٢ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه) سعد بن أبي وقاص (قال: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الوزغ) وهي سام أبرص (وسمَّاه فويسقًا) بصيغة التصغير، لأنه نظير للفواسق الخمس التي تقْتَلُ في الحل والحرم، والتصغير للتحقير، وقيل: للتعظيم في فسقه.\n٥٢٦٣ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل بن زكريا، عن سهيل، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ-: من قتل وَزَغة) بفتحات (في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة) (٢)، وفي رواية مسلم: \"فله مائة حسنة\".\n_________\n(١) في نسخة: \"أنا\".\n(٢) وهذا يستثنى من قاعدة \"الأجر على قدر النصيب\" وذلك لوجهين؛ إما لأنه أحسن قتلة، وقد =","vol":"13","page":645},{"text":"وَمَنْ قَتَلَهَا (١) في الضَّرْبَةِ الثَّانيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، أَدْنَى مِنَ الأُولَى، وَمَنْ قَتَلَهَا (٢) في الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، أَدْنَى مِنَ الثَّانيَةِ\". [م ٢٢٤٠، ت ١٤٨٢، جه ٣٢٢٩، حم ٢/ ٣٥٥]\n٥٢٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، ثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ\n===\nقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الضربة الأولى إما معلّل لأنه حين قتل أحسن فيندرج تحت قوله - ﷺ -: \"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة\"، أو يكون معلَّلًا بالمبادرة إلى الخير فيندرج في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٣)، وعلى كلا التعليلين تكون الحية والعقرب أولى بذلك لعظم مفسدتهما.\n(ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة، أدنى من الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة، أدنى من الثانية).\n٥٢٦٤ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، ثنا إسماعيل بن\n_________\n= كتب تعالي الإحسان في كل شيء، أو للمبادرة إلي الخير والاهتمام بأمر الشارع. \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤٩٠)، و\"عون المعبود\" (١٤/ ١١٦)، والمشهور على الألسنة أن الأمر بقتلها، وزيادة مثل هذا الأجر لما أنها نفخت على نار سيدنا إبراهيم ﵇، ويستنبط ذلك من روايات عند البخاري كما في \"الفتح\" (٦/ ٣٥٤)، و\"العيني\" (١٠/ ٦٥٩).\nوأشكل عليه في \"الكوكب\" (٢/ ٣٩١) بأن الفعل صدر عن واحد فكيف قتل ما سيأتي إلى يوم القيامة؟ ثم أجاب عنه بأن القتل ليس جزاء له، بل علم منه خيانة هذا الجنس، ولذا قالوا: إنه يمج في الماء فينال الإنسان من ذلك مكروه عظيم، وإذا تمكن من الملح تمرغ فيه ويصير ذلك مادة لتولد البرص، وفي \"المرقاة\" (٧/ ٧١٦): مِن شَغَفِهَا إفسادُ الطعام خصوصًا الملح، وإذا لم يجد طريقًا إليه ارتفعت السقف وألقت خرءها في موضع يحاذيه، وحكى الدميري برواية عائشة لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه، انتهى [انظر: \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤٨٩)]. (ش).\n(١) في نسخة: \"قتله\".\n(٢) في نسخة: \"قتله\".\n(٣) سورة البقرة: الآية ١٤٨.","vol":"13","page":646},{"text":"زَكَرِيَّا، عن سُهَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي أَوْ أُخْتِي، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺأَنَّهُ قَالَ: \"في أَوَّلِ ضَرْبَة سَبْعِينَ حَسَنَة\". [م ٢٢٤٠]\n===\nزكريا، عن سهيل، حدثني أخي أو أختي، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: في أول ضربة سبعين حسنة) (١).\nوأخرجه مسلم (٢) فقال: عن سهيل، حدثتني أختي، عن أبي هريرة، وكتب عليه نسخة: حدثني أخي، وثانيًا نسخة أخرى: أبي.\nقال النووي (٣): حدثتني أختي، كذا وقع في أكثر النسخ أختي، وفي بعضها: أخي بالتذكير، وفي بعضها: أبي، وذكر القاضي (٤) الأوجه الثلاثة، قالوا: رواية \"أبي\" خطأ، وهي الواقعة في رواية أبي العلاء بن ماهان، ووقع في رواية أبي داود \"أخي أو أختي\"، قال القاضي: أخت سهيل سودة، وأخواه هشام وعباد، انتهى.\nوقال المنذري (٥): هذا منقطع، ليس في أولاد أبي صالح مَنْ سمع من أبي هريرة، وإخوة سهيل بن أبي صالح: محمدُ بْنُ أبي صالح، وصالحُ بْنُ أبي صالح، وعبد الله بنُ أبي صالح يعرف بعباد، وسودة بنت أبي صالح، وفيهم من فيه مقال، ولم يبين من حدَّثه منهم، وقال أبو مسعود الدمشقي في \"تعليقه\": قال سهيل: وحدثني أخي عن أبي هريرة، وعلى هذا يتصل، وتبقى جهالة الأخ، وقد أخرج مسلم في \"الصحيح\" (٦) من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، انتهى.\n_________\n(١) وبسط النووي في جمع مختلف ما ورد من العدد في ذلك. [انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٤٩٨)]. (ش).\n(٢) راجع: \"صحيح مسلم\" (٢٢٤٠).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٤٩٨).\n(٤) انظر: \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\" للقاضي عياض (٧/ ١٧٤).\n(٥) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٥١٤).\n(٦) راجع: \"صحيح مسلم\" (٢٢٤٠).","vol":"13","page":647},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقلت: كلام المنذري متناقض فإنه قال أولًا: ليس في أولاد أبي صالح مَنْ سمع من أبي هريرة، وقال في آخره نقلًا عن أبي مسعود الدمشقي: قال سهيل: حدثني أخي عن أبي هريرة، ثم قال: وعلى هذا يتصل وتبقى جهالته، فلما لم يدرك أولاد أبي صالح أبا هريرة فكيف تكون الرواية متصلة؟ .\nثم قوله: وقد أخرج مسلم في \"الصحيح\" عن حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، إن كان المراد به هذه الرواية التي فيها ذكر سبعيِن حسنة كما صرح به صاحب \"العون\" (١) في كلام المنذري فهو غلط، لأن فيه: حدثتني أختي، وأما النسختان الأخريان، فنسخة فيها: أخي، ونسخة فيها: أبي، وغلَّطها القاضي (٢)، وأما على نسخة المنذوي التي عندنا فتم كلامه على قوله: عن أبيه، عن أبي هريرة. وليس فيه عن النبي - ﷺأنه قال: \"في أول ضربة سبعين حسنة\" وهذا القدر صحيح، فإن رواية قتل الأوزاغ، عن سهيل، عن أبيه موجودة في \"مسلم\"، وكذلك في \"أبي داود\" والله أعلم.\nقال النووي (٣): وأما تقييد الحسنات في المرة الأولى بمائة وفي رواية بسبعين، فجوابه من أوجه؛ أحدها: أن هذا مفهوم للعدد ولا مفهوم له عند الأصوليين وغيرهم، فَذِكْرُ سبعين لا يمنع المائة، فلا معارضة، والثاني: لعله أخبرنا بسبعين، ثم تصدق الله تعالى بالزيادة، فأعلم بها النبي - ﷺ - حين أوحى عليه بعد ذلك، والثالث: أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ بحسب نياتهم وأحوالهم وكمال إخلاصهم ونقصها، فتكون المائة للكامل منهم، والسبعون لغيرهم، والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"عون المعبود\" (١٤/ ١١٧).\n(٢) انظر: \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\" (٧/ ١٧٤).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٤٩٨).","vol":"13","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1925>(١٦٦) بَابٌ في قَتْلِ الذَّرِّ</span>\n٥٢٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عن الْمُغِيرَةِ- يعني ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ-، عنِ أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَة، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"نَزَلَ نبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ تَحْتَ شَجَرَةِ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا\n===\n\n(١٦٦) (بابٌ في قَتْلِ الذَّرِّ) (١)\n٥٢٦٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن المغيرة -يعني ابن عبد الرحمن-، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: نزل نبي من الأنبياء) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢): قيل: هو العزير (٣)، وروى الحكيم الترمذي في \"النوادر\" أنه موسى ﵇، وبذلك جزم الكلاباذي في \"معاني الأخبار\" والقرطبي في \"التفسير\" (٤).\n(تحت شجرة فلدغته) بالدال المهملة والغين المعجمة، أي قرصته (نملة فأمر بجهازه) بفتح الجيم ويجوز كسرها بعدها زاي أي متاعه.\n(فأخرج من تحتها) أي تحت الشجرة (ثم أمر بها) ولفظ البخاري: \"ثم أمر ببيتها فَأُحْرِقَ\"، وفي رواية له (٥) في الجهاد: \"فأمر بقرية النمل فَأُحْرِقَتْ\"، وقرية النمل موضع اجتماعهن، والعرب تفرق في الأوطان، فتقول لمسكن الإنسان: وطن، ولمسكن الإبل: عطن، وللأسد: عرين وغابة، وللظبي: كناس، وللضبع: وجار، وللطائر: عش، وللزنبور: كور، ولليربوع: نافق، وللنمل قرية.\n_________\n(١) النمل الأحمر الصغير. \"حياة الحيوان\" (١/ ٤٤٣). (ش).\n(٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٥٨).\n(٣) وفي بين سطور المطبوعة بالهند، قيل: هو داود. (ش).\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١١٦).\n(٥) راجع: \"صحيح البخاري\" (٣٠١٩).","vol":"13","page":649},{"text":"فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إليْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً! \". [خ ٣٣١٩، م ٢٢٤١، حم ٢/ ٤٤٩]\n===\n(فَاُحْرِقَتْ، فأوحى الله إليه فهلَّا نملة واحدة!) (١)، أي: فهلَّا أحرقت نملة واحدة.\nقال النووي (٢): هذا الحديث محمول على أنه كان في شرع ذلك النبي جواز قتل النمل، وجواز الإحراق بالنار، ولم يعتب عليه في أصل القتل والإحراق، بل في الزيادة على نملة واحدة، وأما في شرعنا فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار، وكذا لا يجوز قتل النمل (٣) لحديث ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن قتل النملة والنحلة\" (٤)، وقد قيده غيره كالخطابي النهي عن قتله من النمل بالسليماني (٥).\nوقال البغوي: النمل الصغير الذي يقال له: الذر يجوز قتله، ونقله صاحب \"الاستقصاء\" عن الصيمري، وقال عياض (٦): في هذا الحديث دلالة على جواز قتل كل مؤذٍ، ويقال: إن لهذه القصة سببًا، وهو أن هذا النبي مر على قرية أهلكها الله تعالى بذنوب أهلها فوقف متعجبًا فقال: يا رب قد كان فيهم صبيانٌ ودوابُّ ومن لم يقترف ذنبًا، ثم نزل تحت شجرة فجرت له هذه القصة، فنبهه الله جل وعلا على أن الجنس المؤذي يُقْتَلُ، وإن لم يؤذ، وتُقْتَلُ أولاده وإن لم تبلغ الأذى، انتهى.\n_________\n(١) لا يشكل عليه الأمر بقتل الأوزاغ بفعل واحدة، كما تقدم قريبًا. (ش).\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٤٩٩).\n(٣) ويجوز قتل ما يضر من البهائم، ويكره إحراق جراد ونحوه، كذا في \"الشامي\" (١٠/ ٥١٧). (ش).\n(٤) كما سيأتي بعد حديث واحد رقم (٥٢٦٧).\n(٥) وبه جزم الدميري، وأما الذر فقتله جائز، وكره مالك قتل النمل إلا أن يضره ولا يدفع إلا بالقتل، وأجاد البحث في ذلك مفصلًا في \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤٩٩، ٥٠٠). (ش).\n(٦) انظر: \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\" (٧/ ١٧٦).","vol":"13","page":650},{"text":"٥٢٦٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِيَاءِ فَاَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّه إليْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَة أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ! \". [خ ٣٠١٩، م ٢٢٤١، جه ٣٢٢٥، ن ٤٣٥٨]\n٥٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:\n===\nوهذا هو الظاهر وإن ثبتت هذه القصة تعيَّن المصير إليه، والحاصل: أنه لم يعاتب إنكارًا لما فعل، بل جوابًا له وإيضاحًا لحكمة شمول الهلاك لجميع أهل تلك القرية، فضرب له المثل لذلك، أي إذا اختلط من يستحق الإهلاك بغيره وتعين إهلاك الجميع طريقًا إلى إهلاك المستحق جاز إهلاك الجميع، ولهذا نظائر كتترس الكفار بالمسلمين وغير ذلك، قاله الحافظ في \"الفتح\" (١).\n٥٢٦٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -: أن نملة قرصت) أي: لسعت (نبيًّا (٢) من الأنبياء فأمر بقرية النمل) أي بمسكنها (فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أَنْ قَرَصَتْكَ نملةٌ أَهْلَكْتَ أمةً من الأمم تُسَبِّحْ!).\n٥٢٦٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عنبة، عن ابن عباس قال:\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٣٥٨).\n(٢) قال القرطبي: هذا النبي هو موسى بن عمران ﵇. \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤٩٩).","vol":"13","page":651},{"text":"\"إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عن قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَة، وَالنَّحْلَة وَالْهُدْهُد، وَالصُّرَد\". [جه ٣٢٢٤، حم ١/ ٣٣٢]\n٥٢٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، أنا أَبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عن أَبِي إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عن ابْنِ سَعْدٍ - قَالَ أَبُو دَاوُد (١): وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ -،\n===\nإن النبي - ﷺنهى عن قتل أربع من الدواب: النملة) قال القاري (٢): عن نوع خاص منها، وهو الكبار ذوات الأرجل الطوال، لأنها قليلة الأذى والضرر.\nقلت: لم أقف على دليل هذا التخصيص، فلو كان في رواية صح، وإلا، فلا.\n(والنحلة) (٣) لما فيها من المنفعة، وهو العسل والشمع (والهدهد (٤) والصُّرَدُ) (٥) لعدم إضرارهما، وليس في قتلهما فائدة، أما إذا أخذهما ليذبحهما للأكل فلا بأس.\n٥٢٦٨ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى، نا أبو إسحاق الفزاري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن ابن سعد، قال أبو داود: وهو الحسن بن سعد)\n_________\n(١) في نسخة: \"سليمان\".\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٧٣٣).\n(٣) كره مجاهد قتله، ووجه للشافعية حرمته لهذا الحديث. \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤٢٥). (ش).\n(٤) طير منتن الريح، يقال: يرى الماء من تحت الأرض، وكان دليل سليمان على الماء، قال الدميري (٢/ ٤٦٥): الأصح حرمة أكله، وعن الشافعي الإباحة. وقال ابن عابدين (٩/ ٤٤٤) عن \"غرر الأفكار\": يكره الصرد والهدهد، وقال الموفق عن أحمد في الهدهد والصُّرَدِ: إنهما حلال، وعنه: تحريمها. [انظر: \"المغني\" (١٣/ ٣٢٨)]. (ش).\n(٥) هو أول طير صام عاشوراء، حديث باطل، يقال: لما خرج إبراهيم لبناء البيت كان دليله، الأصح تحريم أكله، ويقال: إن العرب تتشاءم به، ولذا منع عن قتله - \"حياة الحيوان\" (٢/ ٨٠، ٨١). (ش).","vol":"13","page":652},{"text":"عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ، فَجَعَلَتْ تُعَرِّشُ (١)، فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \"مَنْ فَجَّعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إلَيْهَا\". وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا (٢)، فَقَالَ: \"مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟ \" قُلْنَا: نَحْنُ، قَالَ: \"إنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذبَ بالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ\". [تقدَّم برقم ٢٦٧٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1926>(١٦٧) بابٌ في قَتْلِ الضِّفْدَع</span>\n===\nابن معبد الهاشمي، (عن عبد الرحمن بن عبد الله) بن مسعود، (عن أبيه) عبد الله بن مسعود (قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فانطلق) رسول الله - ﷺ - (لحاجته) أي لقضائها (فرأينا حُمّرة) طائر صغير معروف (معها فرخان) الفرخ ولد الطائر (فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمّرة، فجعلت تُعَرِّش) بالعين المهملة من التعريش، وهو أن ترتفع وتظلل بجناحيها على من تحتها، يقال: عرَّش الطائر إذا رفرف بأن يرخي جناحيه، ويدنو من الأرض يسقط أو لا يسقط، وروي: تفرِّش بالفاء من الفرش، أي: تبسط. (فجاء النبي - ﷺ -) بعد الفراغ من قضاء الحاجة (فقال: من فَجَّعَ هذه بولدها؟) أي بأخذ ولدها، (ردوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل) أي مسكنها (قد حرقناها، فقال من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا ربُّ النار).\n\n(١٦٧) (بابٌ في قَتْلِ الضّفْدع)\nقال في \"القاموس\": الضِّفْدَعُ: كَزِبْرِج وَجعفرٍ وجُنْدَبٍ وَدِرْهَمٍ، وهذا أقل، دابة نهرية، انتهى. قيل: الضفدع (٣) جاءت بالماء لتطفئ عن\n_________\n(١) في نسخة: \"تفرش\".\n(٢) في نسخة: \"أحرقناها\".\n(٣) كما روي عن أنس. \"عجائب المخلوقات\" (١/ ٢٠٨). (ش).","vol":"13","page":653},{"text":"٥٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ: \"أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عن ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا في دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ - ﷺعن قَتْلِهَا\". [تقدَّم برقم ٣٨٧١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1927>(١٦٨) بَابٌ في الْخَذْفِ</span>\n٥٢٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ،\n===\nإبراهيم ﵇ ناره، ويقال: إنها أكثر الدواب تسبيحًا (١).\n٥٢٦٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد) بن عبد الله بن قارظ، (عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان) وهو القرشي التيمي، أخي طلحة، صحابي (أن طبيبًا) لم أقف على تسميته (سأل النبيَّ - ﷺ - عن ضفدع) أي عن قتلها (يجعلها في دواء) كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في \"التقرير\": أي مما يؤكل (٢)، (فنهاه النبي - ﷺ - عن قتلها) لأنها ليس بمؤذ ولا مأكول، ولا يتوقف الدواء عليه بأن لا يكون له بدل.\n\n(١٦٨) (بابٌ في الْخَذْف)\nأي: رمي الحصباء والحجارة الصغار، قال في \"القاموس\": الخذف، كالضرب: رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما، تأخذ بين سبابتيك تخذف به أو بمخزفة من خشب\n٥٢٧٠ - (حدثنا حفص (٣) بن عمر، نا شعبة، عن قتادة،\n_________\n(١) فإن نقيقهن تسبيح، روي عن ابن عمر. [أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٣٨٤)، وانظر: \"حياة الحيوان\" (٢/ ١٠٨)].\n(٢) وبه جزم في \"البدائع\" (٤/ ١٤٤).\n(٣) وقد أخرجه البخاري في \"الآداب\" برواية آدم عن شعبة ح (٦٢٢٠)، وبرواية عبد الله بن =","vol":"13","page":654},{"text":"عن عُقْبَةَ بْنِ صهْبَانَ، عن عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ - ﷺ - عن الْخَذْفِ، قَالَ (١): \"إنَّهُ لَا يَصِيدُ صَيْدًا وَلَا يَنْكَأُ عَدُوًّا، وَإنَّمَا يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ\". [خ ٦٢٢٠، م ١٩٥٤، جه ٣٢٢٧ و٣٢٢٦، حم ٤/ ٨٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1928>(١٦٩) بابٌ في الْخِتَان</span>\n===\nعن عقبة بن صهبان) بضم المهملة وسكون الهاء بعدها موحدة، الحداني، وقيل: الراسبي، وقيل: الهنائي، قال العجلي وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وأخرجوا له حديثًا واحدًا في كراهية الخذف.\n(عن عبد الله بن مغفل قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الخذف، قال) أي رسول الله - ﷺ -: (إنه لا يصيد صيدًا) أي لا ينفع في الاصطياد (ولا ينكأ) أي لا يجرح (عدوًا، وإنما يفقأ العين) لو أصاب عينَ أحد (ويكسر السن).\n\n(١٦٩) (بَابٌ في الْخِتَان) (٢)\nوالختان بكسر المعجمة وتخفيف المثناة، مصدر ختن أي قطع، والختن بفتح ثم سكون: قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص، قال الماوردي:\n_________\n= بريدة عن عبد الله بن مغفل في الصيد، وفيه قصة أيضًا ح (٥٤٧٩). (ش).\n(١) في نسخة: \"وقال\".\n(٢) وهل يدعى للختان، روى أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٢١٧) عن عثمان بن أبي العاص، وقد دعى إليه قال: ما كنا ندعى لهذا، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٨٠) إلى الطبراني (٨٣٨١) أيضًا، لكن يظهر من كلام الحافظ (١٠/ ٣٤٣) أنه كان لختان جارية، وذكر استحباب الدعوة له، وعن \"المدخل\" (٣/ ٢٣٠): أن المستحب إظهار ختان الذكر وإخفاء ختان الأنثى، لكن أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٢٤٦) عن سالم أن ابن عمر ذبح كبشًا في ختانه، ولا يبعد أن تكون علة النفي أنهم يختنون الرجل حين يدرك، كما صرح به في \"الإصابة\" (٢/ ٣٢٢) في ترجمة ابن عباس، فالمنع عن حضوره، والإثبات للدعوة، لكن حكى الحافظ (٩/ ٢٤٧) عن عثمان: ترك الدعوة، =","vol":"13","page":655},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nختان الذكر: قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به.\nواختلف في وجوب الختان، فروي عن الشافعي وكثير من المشايخ أنه واجب في حق الرجال والنساء، وعند مالك (١) وأبي حنيفة، - قال النووي (٢): وهو قول أكثر العلماء-: أنه سنة فيهما، قاله الشوكاني (٣).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال المذكورة في الباب الشافعي وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء حتى قال: لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختن، وعن أحمد وبعض المالكية: لا يجب، وعن أبي حنيفة: واجب، وليس بفرض، وعنه: سنة يأثم بتركه، وفي وجه للشافعية: لا يجب في حق النساء، انتهى.\n_________\n= وحكى الموفق (١٠/ ٢٠٧) عن الأئمة الأربعة ترك التأكد، وجمع بينهما بعموم الندب وغيرها، ثم في ختانه - ﷺ - ثلاثة أقوال بسطها صاحب \"الخميس\" (١/ ٢٠٤)، وأجملها ابن القيم (١/ ٨١)، وحكى عن ابن العديم أنه ختن على عادة العرب، وكان عموم هذه السنة للعرب قاطبةً مغنيًا عن نقل معين فيها، انتهى.\nوفي \"الشامي\" (١٠/ ٤٨٢): الأشبه بالصواب أنه ﵇ لم يولد مختونًا. وهل يجوز النظر للختان، قال الشامي (٩/ ٥٤٩): نعم، انتهى. فإن قلت: ما فائدة الختان مع كون الأغرل ألذ؟ أجاب عنه العيني (١٥/ ٨٩) بأنه سُنَّة سيدنا إبراهيم. ذ، انتهى.\nقلت: ومع ذلك هو أبعد من الأمراض المؤذية، فإن الأطباء النصارى اعترفوا في هذا الزمان بأن كثيرًا من الأمراض تحدث بذلك، وأيضًا كلما تزداد اللذة يسرع الإنزال، والرجل أحوج إلى البعد فيه. (ش).\n(١) قال الدردير (٢/ ١٢٦): هو في الذكر سُنَّةٌ، وفي الأنثى مندوب، ويندب أن لا تنهك، وكره يوم العقيقة لأنه من فعل اليهود، رجزم في \"شرح الإقناع\" (٤/ ٣٤٧) بالوجوب في حقهما على الصحيح. (ش).\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنوري (٢/ ١٥٠).\n(٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ١٨٢، ١٨٣).\n(٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٤٠).","vol":"13","page":656},{"text":"٥٢٧١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ (١) وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الأَشْجَعِيُّ قَالَا: نَا مَرْوَانُ، نَا مُحَمَّدُ بنُ حَسَّانَ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْكُوفِيُّ،\n===\nقلت: قال في \"الدر المختار\" (٢): صبي حشفته ظاهرة بحيث لو رآه إنسان ظنه مختونًا، ولا تقطع جلدة ذكره إلا بتشديد آلمه ترك على حالة كشيخ أسلم، وقال أهل النظر: لا يطيق الختان ترك أيضًا، ولو ختن ولم تقطع الجلدة كلها ينظر، فإن قطع أكثر من النصف كان ختانًا، وإن قطع النصف فما دونه لا يكون ختانًا يعتد به لعدم الختان حقيقة وحكمًا.\nوالأصل أن الختان سنة كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإِسلام وخصائصه، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإِمام، فلا يترك إلا لعذر، وعذر شيخ لا يطيقه ظاهر، انتهى.\n٥٢٧١ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن) الدمشقي (وعبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعي قالا: نا مروان) بن معاوية، (نا محمد بن حسان) قال أبو داود: هو مجهول، وحديثه ضعيف، وقال غيره: هو محمد بن سعيد بن حسان المصلوب.\nقلت (٣): وبقية كلام أبي داود: وقد روى عن عبيد الله بن عمرو، يعني الرقي، عن عبد الملك بن عمير بسنده، وروي مرسلًا.\n(نا عبد الوهاب الكوفي) هكذا في النسخة المجتبائية، والنسخة الكانفورية، والنسخة المكتوبة الأحمدية، والنسختين المدنيتين، وهذا غلط لأنه ليس أحد من عبد الوهاب كوفيًا، وليس في تلاميذ عبد الملك بن عمير عبدُ الوهاب، والصواب ما في النسخة المصرية ونسخة \"العون\" (٤): قال\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"الدمشقي\".\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" (١٠/ ٤٨٠).\n(٣) قائله الحافظ ابن حجر العسقلاني في \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١١٢).\n(٤) انظر: \"عون المعبود\" (١٤/ ١٢٢).","vol":"13","page":657},{"text":"عن عَبْدِ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عن أُمِّ عَطِيِّةَ الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا تَنْهَكِي، فَإنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إلَى الْبَعْلِ\". [ق ٨/ ٣٢٤]\nقَالَ أَبُو داوُد: رُوِيَ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عن عَبْدِ المَلِكِ بِمَعْنَاهُ وإسْنَاده.\n===\nعبد الوهاب: الكوفي، أي قال عبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعي شيخ المصنف لمحمد بن حسان: إنه الكوفي، وأما سليمان بن عبد الرحمن فلم يذكر إلَّا اسمه، ولم يقل: إنه كوفي.\n(عن عبد الملك بن عمير، عن أم عطية الأنصارية، أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي - ﷺ -: لا تنهكي) أي لا تبالغي بالخفض (فإن ذلك) أي عدم المبالغة في الخفض (أحظى) أي ألذ (للمرأة وأحب إلى البعل) أي الزوج.\n(قال أبو داود: روي عن عبيد الله بن عمر) هكذا في النسخة المجتبائية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية والنسخة المدنية بضم العين المهملة وفتح الميم بغير واو، وأما في النسخة المدنية التي عليها المنذري والنسخة المصرية ونسخة \"العون\" ففيها: عمرو بفتح العين المهملة وسكون الميم مكتوبًا بالواو، وهو الصواب، لأنه هو عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم، أبو وهب الجزري الرقي، روى عن عبد الملك بن عمير، وكذا ذكره الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١) في ترجمة محمد بن حسان كما تقدم.\n(عن عبد الملك) يعني ابن عمير (بمعناه وإسناده) أي بمعنى الحديث المتقدم وإسناده.\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١١٢).","vol":"13","page":658},{"text":"قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ (١).\n\n(١٧٠) بَابُ مَا جَاءَ في مَشْيِ النِّسَاءِ (٢) في الطَّرِيقِ\n٥٢٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عن أَبِي الْيَمَانِ، عن شَدَّادِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ،\n===\n(قال أبو داود: وليس هو) أي الحديث (بالقوي) وقد روي هذا الحديث مرسلًا، والمرسل رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٣) وغيره، قال أبو داود: محمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف، والأحاديث التي رويت في ختان المرأة بطرق مختلفة كلها ضعيفة (٤) لا يحتج بها، وأما ختان الرجال فهو سنة، وقال بعضهم: واجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>(١٧٠) (بابُ ما جاء في مَشْيِ النِّسَاء في الطَّرِيقِ)</span>\n٥٢٧٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد-، عن أبي اليمان) الرحال المدني، اسمه كثير بن اليمان، وقيل: ابن جريج، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، (عن شداد بن أبي عمرو بن حماس) بكسر الحاء المهملة، ابن عمرو الليثي المدني، روى عن أبيه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا: \"ليس للنساء وسط الطريق\"، قلت (٥): قال الدارقطني في \"العلل\": لا يعرف في من يروى عنه الحديث، وأبوه معروف، وقال ابن الذهبي: لا يعرف هو ولا الراوي عنه.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وقد روي مرسلًا، قال أبو داود: ومحمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف\".\n(٢) زاد في نسخة: \"مع الرجال\".\n(٣) (٣/ ٥٢٥)، وأخرجه أيضًا ابن عساكر في \"تاريخه\" (٢٤/ ٢٨٢).\n(٤) لكنها مكرمة كما في \"الشامي\" (١٠/ ٤٨١)، وقال الدردير: سنة في حق الرجل، مندوب في حق المرأة، ويندب أن لا تنهك لتمام اللذة. \"الشرح الكبير\" (٢/ ١٢٦). (ش).\n(٥) قائله: الحافظ ابن حجر العسقلاني في \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣١٨).","vol":"13","page":659},{"text":"عن أَبِيهِ، عن حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ، عن أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ- وَهُوَ خَارجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلنِّسَاءِ-: \"اسْتَأخِرْنَ، فَإنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ\"، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْصَقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى أَنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُّ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. [هب ٧٨٢٢]\n٥٢٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا أَبُو قتيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عن دَاوُدَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ (١)،\n===\n(عن أبيه) أبي عمرو بن حماس بكسر المهملة والتخفيف، ابن عمرو الليثي، قال ابن يسد: كان متعبدًا مجتهدًا يصلي بالليل، وكان كثير النظر إلى النساء، فدعا الله تعالى أن يذهب بصره فذهب، فلم يحتمل العمى، فدعا اللهَ تعالى أن يرده إليه فرده، فخرَّ لله تعالى ساجدًا، فكان بعد ذلك إذا رأى المرأة طأطأ رأسه، وكان يصوم الدهر، وقال الواقدي: لم أسمع له باسم، وقال أبو حاتم: مجهول.\n(عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول، وهو) الواو للحال والضمير لرسول الله - ﷺ - (خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله - ﷺ - للنساء: استاخِرْنَ) أي من الرجال (فإنه ليس لَكُنَّ) أن تتقدمن الرجال وتكن قدامهن، وليس لَكُنَّ (أن تحققن الطريق) أي تمشين حاقة الطريق ووسطها (عليكن بحافات الطريق) جمع حافة وهي الناحية (فكانت المرأة تلصَق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها) أي المرأة (به) أي الجدار.\n٥٢٧٣ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، عن داود بن أبي صالح) الليثي المدني، روى عن نافع عن ابن عمر\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"المزني\".","vol":"13","page":660},{"text":"عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺنَهَى أَنْ يَمْشِيَ- يَعْنِي الرَّجُلَ- بَيْنَ المَرأتينِ. [ك ٤/ ٢٨٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1930>(١٧١) بابٌ في الرَّجُلِ يَسُبُّ الدَّهْرَ</span>\n٥٢٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ وَابْنُ السَّرْحِ قَالَا: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ،\n===\n\"أن النبي - ﷺ - نهى أن يمشي الرجل بين المرأتين\"، قال البخاري: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به، وقال أبو زرعة: لا أعرفه إلا في حديث واحد، وهو حديث منكر، وقال أبو حاتم: مجهول، حدثه بحديث منكر، قلت: وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات حتى كأنه يتعمد.\n(عن نافع، عن ابن عمر) ﵄: (أن النبي - ﷺ - نهى أن يمشي يعني الرجلَ) بنصب الرجل لكونه مفعولًا ليعني، ثم إنه تفسير لفاعل يمشي أو لمفعول نهى، وهذا التفسير من بعض الرواه.\n(بين المرأتين) فإنه ينافي الحياء والمروءة، ويخطر في قلبه الميل، وهو سبب للفتنة.\n\n(١٧١) (بابٌ في الرَّجُلِ يَسُبُّ الدَّهْرَ)\n٥٢٧٤ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان وابن السرح قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب، (عن أبي هريرة) وروى البخاري (١) عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال الحافظ (٢):\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٦١٨١).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٥).","vol":"13","page":661},{"text":"عن النَّبيَّ - ﷺ - (١): \"يُؤْذِيِنِي ابْنُ آدم: يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ الأَمْرُ، أقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ\". [خ ٤٨٢٦، م ٢٢٤٦]\nقَالَ ابْنُ السَّرْحِ: عن ابْنِ الْمُسَيَّبِ مَكَانَ سَعِيدٍ.\n[تَمَّ وَكَمُلَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَه]\n===\nقال ابن عبد البر: الحديثان للزهري، عن أبي سلمة، وعن سعيد بن المسيب جميعًا صحيحان، قلت: وقال النسائي: كلاهما محفوظ لكن حديث أبى سلمة أشهرهما.\n(عن النبي - ﷺ -) يقول الله ﷿: (يؤذيني (٢) ابن آدم: يسب الدهر) أي يقول: يا خيبة الدهر (٣) (وأنا الدهر) أي أنا خالق الدهر ومقلِّبه (بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار، قال ابن السرح: عن ابن المسيب مكان سعيد).\nقال الحافظ (٤): ومعنى النهي عن سب الدهر أن من اعتقد أنه الفاعل للمكروه فَسَبَّه: أخطأ، فإن الله هو الفاعل، فإذا سببتم من أنزل ذلك بكم رجع السبّ إلى الله تعالى.\nوالحاصل: أن في تأويله ثلاثة أوجه، أحدها: أن المراد بقوله: \"إن الله هو الدهر\"، أي: المدبر للأمور، ثانيها: أنه على حذف مضاف أي صاحب الدهر، ثالثها: التقدير: مقلب الدهر، ولذلك عقبه بقوله: \"بيدي الليل والنهار\".\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يقول الله ﷿\".\n(٢) أي يفعل ما يوجب الإيذاء لمن يتأذى، كما في \"المرقاة\" (١/ ١٨١). (ش).\n(٣) أو يقول: \"ما يهلكنا إلا الدهر\" فرقتان، كذا في \"عون المعبود\" (١٤/ ١٢٨). (ش).\n(٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٥، ٥٦٦).","vol":"13","page":662},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nقال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقةً كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، يكره له ذلك لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق، وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم: مطرنا بكذا.\nوقال عياض (١): زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر (٢) من أسماء الله ﵎، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وعرفه بعضهم بأنه أحد مفعولات الله تعالى في الدنيا أو فعله لما قبل الموت.\nوقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة بظاهر هذا الحديث، واحتجّوا به على من لا رسوخ له في العلم، لأن الدهر عندهم حركات الفلك وأمد العالم، ولا شيء عندهم ولا صانع سواه، وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث: \"أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره\"، فكيف يقلب الشيء نفسه؟ تعالى الله ﷿ عن قولهم علوًّا كبيرًا، انتهى ما قاله الحافظ.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه أجمعين.\nقد تم وكمل بتوفيق الله ﷾ وحسن تسديده في المدينة المنورة في روضة من رياض الجنة عند قبر سيد ولد آدم، بل سيد الخلق والعالم، بتاريخ أحد وعشرين من شهر شعبان سنة خمس وأربعين بعد ثلثمائة وألف من هجرة النبي الأمين.\n_________\n(١) انظر: \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\" (٧/ ١٨٤).\n(٢) وفي اختتام \"حزب البحر\": يا دهر يا ديهور يا ديهار ... إلخ. (ش).","vol":"13","page":663},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n===\nاللهم تقبله منا كما تقبلتَ من عبادك المقربين الصالحين، واجعله خالصًا لوجهك الكريم، واغفر لنا ما وقع منا من الخطأ والزلل، وما لا ترضى به من العمل، فإنك عفو كريم رب غفور رحيم (١).\n* * *\n_________\n(١) بحمد الله تعالى وتوفيقه قد فرغت من خدمة هذا الكتاب الجليل والتعليق عليه يوم الجمعة بعد صلاة العصر ٤/ رمضان المبارك ١٤٢٦ هـ، الموافق ٧/ أكتوبر ٢٠٠٥ م.\nاللهم تقبله منا كما تقبلت من عبادك المقرَّبين الصالحين، واجعله خالصًا لوجهك الكريم، واغفر لنا ما وقع منا من الخطأ والزلل، وما لا ترضى به من العمل، فإنك غفور رحيم.\nتقى الدين الندوي المظاهري عفا الله عنه، مدينة العين، أبو ظبي، دولة الإمارات العربية المتحدة.","vol":"13","page":664},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1931>خاتمة الطبع</span>\nمن المحدِّث الكبير والعلَّامة الجليل محمد زكريا الكاندهلوي (١)\n(شيخ الحديث)\nالحمد لله الذي بعزَّته وجلاله تتم الصالحات.\nأمّا بعد:\nفقد تمَّ طبع هذا الكتاب الجليل في ثوبه القشيب بالحروف الحديدية، وبذلك يسهل لإخواننا العرب الأفاضل الذين لم يتعوَّدوا طبع الحجر الارتواءُ من هذا المنهل العذب.\nفقد كانت الطبعة القديمة على الحجر، وكان الشرح بالخط الفارسي، وقد كان ذلك من أسباب زهد كثير من فضلاء العرب في الاستفادة بهذا الكتاب وانصرافِهم عنه، وقد طال طلبُ إخواننا طبعَ هذا الكتاب على الحروف الحديدية، وفي الحروف العربية وحدها، وقد أنعم الله بتحقيق هذه الأمنية، وتحقق هذا الحلم، وله الشكر الجزيل والثناء الحسن على هذه النعمة الكبيرة.\nاللَّهُمَّ إنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.\nنرجو الله أن يتقبَّل هذا العمل وأن يجعله ذخرًا للآخرة، وأن يرفع الله\n_________\n(١) المتوفى يوم الاثنين غرَّة شعبان المعظَّم ١٤٠٢ هـ، الموافق ٢٤/ ٥ / ١٩٨٢ م، ودُفن بالبقيع بجوار شيخه خليل أحمد السهارنفوري، غفر الله لهما ورفع درجاتهما.","vol":"13","page":665},{"text":"درجات شيخنا ومربِّينا العلَّامة المحقق المحدِّث، خاتمة المحدثين، بقيّة السلف الصالحين مولانا أبي إبراهيم خليل أحمد السهارنفوري المهاجر المدني، وأن يكون في ذلك بهجة لنفسه وقرَّة لعينه.\nوأسأله سبحانه أن يجزي خيرًا كل مَن ساهم شخصيًّا أو مادِّيًّا أو علميًّا في إخراج هذا السفر المبارك العظيم في هذا المظهر الجليل، وخاصة الذين عكفوا على خدمة هذا الكتاب بالمراجعة مع الأصول وانتساخ التعليقات لتحقيقها ووضعها في محلها وغير ذلك، وفي مقدمتهم العالم المحدث، والشيخ الفاضل، تقيّ الدِّين الندوي المظاهري، فإنه تفرَّغ لخدمة هذا الكتاب، وانصرف إليها، وعكف عليها سنة كاملة ينتسخ التعليقات ويراجع الأصول.\nوكان في مساعدته الختنان العزيزان العالمان الشابّان: الشيخ محمد عاقل سلَّمه الله تعالى- رئيس المدرسين بجامعة مظاهر العلوم بسهارنفور-، والشيخ محمد سلمان- المدرِّس بالجامعة المذكورة-، وقد أعان في تصحيح التجارب فضيلة الشيخ محمد يونس، شيخ الحديث بمظاهر العلوم.\nوللاستعجال في طبع هذا الكتاب الجليل- فإنه لا ثقة بالحياة، وليس على ريب الزمان معوّل- تقرر طبع ستة أجزاء منه في مطبعة ندوة العلماء بلكناؤ الهند، وقد عني بذلك فضيلة الشيخ محمد معين الله الندوي نائب مدير ندوة العلماء، والأستاذ سعيد الأعظمي الندوي أستاذ دار العلوم ورئيس تحرير مجلة \"البعث الإِسلامي\" عناية فائقة، ولم يدّخرا جهدًا في إخراجه في أحسن مظهر، جزاهم الله تعالى أفضل الجزاء، وتقبَّل مساعيهم.\nومن الجزء السابع إلى آخر الكتاب طبع بالقاهرة، وقد تفرَّغ الشيخ تقيّ الدِّين الندوي المظاهري المذكور لسنة أخرى للاهتمام بجميع أمور الطبع على بُعد من أهله وبلده، وساعده في ذلك العزيز الشيخ","vol":"13","page":666},{"text":"عبد الرحيم بن سليمان متالا السورتي، والعزيز الأعزّ عبد الحفيظ بن ملك عبد الحق المكي، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء، وتقبَّل من الجميع، وأنعم عليهم بنعمه السابغة، وجعل لهم حظًّا وافرًا من أجر المستفيدين من هذا النبع الفيّاض.\nوالحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلى الله على خير خلقه سيِّدنا ومولانا محمَّد وآله وصحبه أجمعين.\nمحمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي\nنزيل المدينة المنورة، زادها الله شرفًا وكرامة\nيوم الجمعة ٢٨ جمادي الأولى\nسنة ١٣٩٣ هـ - ٢٩ يونيه/ حزيران سنة ١٩٧٣ م","vol":"13","page":667},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>تقاريظ الكتاب</span>\nهذا ما نَمَّقَهُ الإِمام الهُمام، رأس أهل البرّ والتُّقي، رئيس أصحاب المجد والنُّهي، الماحي لرسوم الضلال والغواية، المجدِّد لمراسم الرشد والهداية، قدوة السالكين، زبدة العارفين، تاج الملّة، سراج الأُمّة، حضرة الشيخ الحافظ القارئ الشاه أشرف علي التهانوي (١)، أدام الله ظلال بركاته، ومتَّع المسلمين بمسلسلات فيوضه:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nأما بعد:\nالحمد لمعطي النعمة، والصلاة على قاسم الحكمة، فقد سَرَّحْتُ النظر في بعض المقامات المهمة من هذا التعليق المحمود، الذي فاق على أكثر السنن في جمعه لكل باب مقصود، فوجدته في فنون الإسناد والرواية كافيًا، وفي أصول الاجتهاد والدواية شافيًا، وفي المقاصد العقلية والنقلية وافيًا،\n_________\n(١) هو الشيخ العالم الفقيه أشرف علي بن عبد الحق الحنفي التهانوي، المعروف بالفضل والأثر، وكان من كبار العلماء الربانيين الذين نفع الله بمواعظهم ومؤلفاتهم، رزق من حسن القبول ما لم يرزق غيره من العلماء والمشايخ في عصره، وله مصنفات كثيرة ممتعة ما بين صغير وكبير وجزء لطيف ومجلدات ضخمة.\nتوفي إلى رحمة الله تعالى لست عشرة خلون من رجب سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وألف ١٣٦٢ هـ. انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٦٥).","vol":"13","page":668},{"text":"كيف لا وقد أنشأه ألمعيُّ عصره، ولوذعيّ دهره، سَمِيُّ سيدنا الخليل، ومولانا أحمد الجليل، صلى الله عليهما وسلَّم، أبقاه الله تعالى بالفيض النبيل، وأعانه على إتمام هذا التعليق الجميل.\nوأنا العبد المفتقر إلى رحمة مولاه الغني، محمد أشرف علي، غفر له كل ذنبه الخفي والجلي.\nوالزمان أوائل شهر رمضان سنة ١٣٤١ من هجرة سيد الإنس والجان.\nصلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما سمار القمران ودار الملوان.\nوالمكان مدرسة إمداد العلوم من تهانه بهون، أبعدها الله تعالى من الشرور والفتن.\n* * *","vol":"13","page":669},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nهذا ما قرَّظه على ذلك الكتاب سُلالة صاحب البينات، وفصل الخطاب، شمس سماء التحقيق، مركز دائرة التدقيق، حلّال المعضلات، وكشّاف المغلقات، مخزن العلوم، مرجع الكمالات، فريد دهره ووحيد عصره، الحبر النبيل المقدام الإِمام العلَّامة الحافظ الحاج المولوي السيِّد حسين أحمد (١) المهاجر المدني، المدرِّس بالحرم المصطفوي والمسجد الشريف النبوي، أطال الله بقاءه بالعزّ والجلال، وحفَّه بأصناف المجد والكمال.\nإن أضوأ درِّيٍّ تنورت به عوالم الأحاديث والأخبار، وألمع جوهر تزينت به قلائد الطروس والأفكار، حمد من تواترت صحاح آلائه الشهيرة، واتصلت حسان نعمائه العزيزة، مسلسلات فيضه لم تزل تشرح صدور طلاب مكارمه، ومراسيل جوده لم تبرح تحدث قصَّاد أبواب معالمه، أرسل لنا رسولًا بالحنيفية السمحة البيضاء، وأزاح عنا غياهب الشكوك والأوهام، فليلُها ونهارها سواء، رفع لنا حسان مروياته، فاستندت بها البراهين والحجج الباهرة، وأوصل لنا صحاح مرفوعاته، فانحلّت لها معقدات الأذهان والأفكار العالية، تكفل لنا بحفظ دينه القديم على مرور الدهور والأيام، فلم يزل يغرس لهذا الدين من يُجَدِّد رسومه من حاكم وحافظ وحجة وإمام.\nاللهم فصَلِّ وَسَلِّم وبارك عليه وعليهم ما أشرقت أنوارُ علومهم عوالِمَ\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في المجلد الأول (ص ٧٠).","vol":"13","page":670},{"text":"البيان والسطور، واستمطرت سحائب فيضهم عفاة الهداية وعطشى أنهار المعارف والبحور.\nأما بعد:\nفمن أعظمها ما منَّ الله به على هذه الأمة الأمينة أن وجه حضرة الإِمام الجليل، والمقدام النبيل، الحافظ الحجة، حلَّال المعاقد، وكشّاف الغُمَّة، رئيس أهل الفضل والتُّقى، رأس أصحاب المجد والنُّهى، قطب أفلاك الجرح والتحقيق، مركز دوائر التعديل والتدقيق، شمس المعارف والعلوم، وبدر التثبت وتنقيد المفهوم، مرجع الكمالات والفنون النقلية، ومنبع الفيوض والعلوم العقلية، المحيي لمعارف الشريعة الغرّاء، والمجدد لمراسم السنة الفيحاء.\nالثقة المثبت الحجة، مولانا أبي إبراهيم خليل أحمد المجتبى، وحبيب محمد المصطفى، عليه وعلى آله الصلاة والسلام لا زال مرتقيًا قلل المرادات في الدارين، محفوفًا بأنواع الرحمة والرضوان في الكونين إلى أن يغيث الطلاب، فيزيح عنهم مشكلات الآثار التي زلَّت فيها الأقدام والأفكار لشيوخ السنن ومستمعي الأخبار، سيما المعضلات التي لا تكاد أن تنحلّ من معاقد أبي داود، كيف لا؟ وقد تحيّر لديها مهرة الفحول وحَلَّالو العقود، فشرح لها شرحًا يحق أن يفتخر بها الأوائل ذو المجد والكرم، ويستضيء به الأماثل أهل الفضل والنعم، فجزاه الله تعالى أحسن ما جازى به حفاظ السنن على الأمة المحمدية، ونضره بين خواص الملة حيث لا نضارة إلَّا من عطيته البهية، ونفع به الخاصة والعامة من المسلمين، ونشر معارفه بالتكميل بين أهل الآفاق من المؤمنين، ويرحم الله عبدًا قال: أمينا.\nوأنا العبد الضعيف\nحسين أحمد الحنفي الفيض آبادي\nثم المدني الديوبندي، غفر له\n(٨ رمضان سنة ١٣٤٢ هـ)","vol":"13","page":671},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nصورة ما قرّظه البحر العلام، والحبر القمقام، حضرة العلامة المفضال، منبع الفضل والكمال، البحر الزخار، والغيث المدرار، إمام المتكلمين، شيخ المحدثين، فرع السُّلالة النبوية، وطراز العصابة المحمدية، مولانا السيد أنور شاه الكشميري (١)، صدر المدرسين بدار العلوم الديوبندية.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعله خليفة في بسيطة الأرض، حاكمًا على الطول والعرض، وآتاه الحكمة فهو يقضي بها، ويعلمها سائر الأكوان، وخلقه على صورته صيصية لأنوار الغيب وجارحة لمعاني القدس، كأنه غيب خرج إلى العيان، - لا يزال يتقرب إليه حتى كان ربُّه سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، وكان قلبه عرش الرحمن- سيحانه وريحانه ما أجل إحسانه من رب رحيم وحنَّان منَّان.\nوالصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد المرسل رحمة للعالمين، والمبعوث إلى خير أمة أخرجت للناس، فهو أول الفكر، وآخر العمل، رسول الله، وخاتم النبيين، انقطعت بعده الرسالة والنبوة، وتمت\n_________\n(١) هو الشيخ الفاضل العلامة المحدث أنو رشاه بن معظم شاه الحسيني الحنفي الكشميري، أحد كبار الفقهاء الحنفية وعلماء الحديث الأجلاء، توفي سنة ١٩٣٣ م.\nانظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٩٠)، و\"نفحة العنبر في حياة الشيخ أنور\" للعلامة محمد يوسف البنوري.","vol":"13","page":672},{"text":"دائرة النبوة عليه، ولم يبق بعده إلا المبشرات، والحمد لله رب العالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفلم يبق من آثار النبي المروية عنه - ﷺ - إلا آثاره وأحاديثه، فهي أنفاسه وهديه وهداه، وهي خلقه ودينه ودين الله.\nأَصَحُّ وَأَقْوَى مَا سَمِعْنَاه في الْوَرَى ... حَدِيثًا صَحِيحًا منذ عَهْدٍ قَدِيمِ\nأَحَادِيثُ تَرْوِيهَا السُّيُولُ عَنِ النَّدَى ... عَنِ الْبَحْرِ عَنْ خُلُقِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ\nبِهَا نُوْرُ الْعيُونِ وَفِيهَا شَرْحُ الصُّدُورِ\nكما قيل:\nالْقَلْبُ عَنْ جابرٍ، وَالْكَفُّ عَنْ صِلَةٍ ... وَالْعَيْنُ عَنْ قرَّةَ وَالسَّمْعُ عَنْ حَسَنٍ\nوإن كتاب \"السنن\" للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجزي - رحمه الله تعالى- ثالث الكتب الستة، ولا يخفى رتبته ودرجته في الحديث في القديم والحديث، لم يطبع إلى الآن تعليق عليه وافٍ، وبحله وحقه كافٍ، وقد وجَّه الله تعالى المولى العلامة العارف الفقيه المحدث شيخنا وشيخ الفقه والحديث، مسند الوقت، مولانا خليل أحمد السهارنفوري خليفة شيخنا وشيخ مشايخنا مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي - رحمه الله تعالى- لخدمته، فوفّى كلَّ حق لها.\nشَفَى وَكَفَى مَا في الصُّدُورِ فَلَمْ يَدَعْ ... لِذِي إرْبَةٍ في الْقَوْلِ جِدًّا وَلَا هَزَلًا\nفشرح المتنَ وأقوال المصنف، وقد كانت مستورة فجلّاها، وصعبة فسهَّلها، وألانها كما أُلين لأبي داود الحديث، وضبط التراجم، وميَّز بين المفترق والمتفق، وبين المؤتلف والمختلف، واستخرج الفقه، ووجه لأصحابنا الحنفية، فجاء تعليقًا يشرح الصدور، وُينَوِّر القلوب، ويكون وديعة له عند الله تعالى، ومنَّة في رقاب الناس، وضيعة إلى العلماء- جزاه الله تعالى عنا وعن سائر المسلمين-، والحمد لله رب العالمين.\nوأنا الأحقر الأفقر\nمحمد أنور الكشميري\nالمدرس بدار العلوم الديوبندية","vol":"13","page":673},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nهذا ما حرره العلامة النحرير، منبع الفضائل والفواضل، فخر الأقران وزبدة الأماثل، حضرة الأديب الأريب، الفقيه المتفقه اللبيب، جامع الفنون العقلية، وحاوي العلوم النقلية، حضرة مولانا المولوي كفاية الله (١)، المفتي في المدرسة الأمينية الدهلوية، وصدر جماعة العلماء الهندية، أدام الله فيوضَه:\nحمدًا لمن شاد معالم الدين، وشيدها بالحجج والبراهين، فهدى إلى سبل المعرفة واليقين، خلق الإنسان فشرَّفه وكرَّم، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وأرسل رسوله الأكرم - ﷺ - ليرد عباده إلى الطريق الأقوم، فقضى ما أُمِر، جوزي وشكر، اللهم صل وسلم على هذا النبي الصادق المصدوق، الذي صدع بما أتاه من ربه ولم يَخَفْ إلا الله.\nأما بعد:\nفإني سرَّحت أنظاري القاصرة في الحدائق الزاهرة والرياض الباسمة الباهرة من الكتاب المحمود المسمى بـ \"بذل المجهود في حل سنن أبي داود\" الذي ألَّفها شهامة زمانه، إمام أوانه، المتكلم الفائق على أقرانه، المولى الهمام العالم الأوحد الشيخ السيد السند، مولانا خليل أحمد، لا زال مغمودًا برحمة ربه الصمد، فوجدته سفرًا شافيًا وكتابًا كافيًا، يغني عن كثير من الشروح، ويحوي كثيرًا من الفتوح، أتى- دام فيضه- فيه بمباحث جليلة،\n_________\n(١) هو الشيخ العالم الصالح كفاية الله بن عناية الله بن فيض الله الحنفي المعروف بـ \"مفتي كفاية الله\"، أحد كبار العلماء، وُلد في سنة ١٢٩٢ هـ، وتوفي في سنة ١٣٧٢ هـ، الموافق سنة ١٩٥٣ م. انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٣٩٨).","vol":"13","page":674},{"text":"ودقائق نبيلة، نَبَّه على ما وقع من بعض الشارحين من الخطأ، وحقق الصحيح من الأقوال وجلَّى- فجزاه الله من خلقه خير ما جزى به أحدًا-، ونفع بعلومه عباده، وأطال بقاءه ونشر بركاته، وجعل كتابه مقبولًا بين الأنام، فإنه المفضل المنعام.\nوأنا العبد الراجي رحمةَ مولاه\nمحمد كفاية الله- عفا عنه ربّه وكفاه-\nالثاني عشر من الشهر المبارك ربيع الأول من شهور سنة اثنتين وأربعين بعد ألف وثلاثمائة من الهجرة المقدّسة","vol":"13","page":675},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nصورة ما قرظه جامع المعقول والمنقول، حاوي الفروع والأصول، صاحب التحرير والقلم، محيي دولة الأدب بعد العدم، صاحب التصانيف الكثيرة والتآليف الشهيرة، مولانا المولوى إعزاز على (١)، شيخ الأدب والعربية بالجامعة الديوبندية.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله على جليل آلائه وجميل إحسانه، كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه، يقينًا وإيهمانًا، وإسلامًا واحسانًا، رب السماوات والأرضين وما بينهما، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى.\nوالصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وسائر الأنبياء المقربين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعلى آله وأصحابه ينابيع الهدى ومصابيح الظلم، خيار الناس من خير الأمم، وعلى التابعين وأتباعهم وسائر الأئمة المجتهدين والفقهاء والصديقين والشهداء والصلحاء الذين هم واسطة عقد الإسناد، وأخيار الخلق، وخيار العباد.\nهيِّنُونَ ليِّنُونَ أَيْسارُ بَنُو يُسْرٍ ... سوَّاسُ مَكْرُمة أَبْناءُ إيثَارِ\nلَا يَنْطِقُونَ عَنِ الْفَحْشَاءِ إنْ نَطَقُوا ... وَلَا يُمارُونَ إنْ مَارَوْا بإكثارِ\n_________\n(١) هو شيخ الفقه والأدب، مولانا محمد إعزاز علي بن محمد مزاج علي، وُلد لغرة محرم سنة ١٣٠٠ هـ في أمروهة (مديرية مراد آباد، الهند) تخرج من دار العلوم الديوبندية، وعيّن مدرسًا فيها، فدرس الفقه والحديث والأدب، وكان له يد طولى في الأدب العربى، توفي سنة ١٣٧٤ هـ. انظر ترجمته في: \"نفحة العنبر\" (ص ٥٨).","vol":"13","page":676},{"text":"مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ: لَاقَيْتُ سَيَّدَهُم ... مِثْلَ النُّجُومِ الَّتِي يُهْدَى بِهِ السَّارِي\nوبعد:\nفإن علم الحديث مما تزيّن به الإسلام، واختص به الفضلاء الذين خفقت لهم ذوائب الطروس، وانتصبت رماح الأقلام، ورغبة السلف لم تزل وافرة عليه، وأنامل إرشادهم للأنام بالحث إليه، حتى قيل لإمام الأئمة أحمد بن حنبل: ماذا تشتهي؟ فقال: \"سند عالٍ وبيت خالٍ\"، وما برح في دأب الكبار من الأئمة الارتحالَ إلى أقاصي الأقاليم في طلبه، وتحملَ المشاق والمتاعب فيه، ومنه ارتحال الإمام الشافعي وغيره إلي عبد الرزاق باليمن، ولكنه فَنٌّ ذروتُه عالية وعتبتُه سامية، ومن ثم قيل:\nمَا كُلُّ مَنْ طَلَبَ الْمَعَالِي نَافِذًا ... فِيهَا وَلَا كُلُّ الرِّجَالِ فُحُولًا\nولما كان صيانة الطريقة المباركة المحمدية موعودة في كلام الملك الجليل، بذلت العلماء الربانيون أعمارَهم في حفظ كلامه تعالى شأنه، وكلام رسوله- روحي وروح أبي وأمي فداه -، ومنه ما ألفه الشيخ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن شدّاد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني، فإنه نظم الأحاديث النبوية في سلك بيانه، ففاقت الدرَر المنظومة، ونثر حيثما رأى نثره فخجلت اللآلئ المنثورة، وحدَّث عن أصح ما قاله سيد البشر - ﷺ -، فصدع القلوب، وأجرى ذَنوب الدموع من أهل الذنوب، أئمة الدين تذعن إلى ما فيه من الأدلة ومصنفات السلف، تقول أمامه: بسم الله، فيا له من كتاب كأنه دليل لا يعارض بما ينقضه، وطوبى له من حجة يكَلّ عنه الخصم إذا هو على محك النقد يعرضه، قد أحكم ما ترجمه بالحديث والأثر، وله أثبت قدم في رواية الحديث حتى ما عثر، وأتى فيه بنُكت من أسرار الحديث، وميز بين الطيب والخبيث.\nأَكْرِمْ بِهِ مُصَنَّفًا فَاقَ تَصَانيفَ الْوَرَى ... لَيْلُ الْمُرادِ فِيهِ بِالْمَعْنَى الْمنِيرِ أقْمَرَا\nكَمْ فِيهِ بُردَ حُجَّةٍ قَدْ حَاكَهُ مُحَرَّرًا ... وَكَمْ دَلِيلَ سَيْفِهِ إذَا الْتَقَى خَصْمًا فَرىَ\nفَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَعْدِهِ مُخَالِفٌ قَطُّ بَرَا","vol":"13","page":677},{"text":"وبالجملة فمآثره الجميلة لا تعد ولا تحصى، وفضائله المأثورة لا تحصر ولا تستقصى، ولكنه لرفعة شأنه وعلوّ مكانه كان لا يحوم حوله الطالبون، حتى صار كأنه لم يره الراؤون، فتصدى لحل مشكلاته وتيسير معضلاته الفحولُ من العلماء، والأحبار من الأذكياء، وشرحوا له شروحًا بسيطة، وعلَّقوا عليه تعليقات عديدة، ومع ذلك لم يزل محجبات دقائقه تحت الأستار، وما فتي راحلة مطايا التسيار.\nثم تلاطمت بحار رحمته تعالى لعطشى الحديث وطلابه، فنهض له ولي من أوليائه المولى الحاج الشيخ السيد السند خليل أحمد الذي تشرفت الأقطار والأماكن بذكر وصفه، وتعطرت من طيب عرفه، سحاب علم أخصب الهند بدوام ديمه، وبحره الموَّاج لا يؤتى إلَّا ليقتبس من علمه وكرمه، مشهور صيته بين الأكابر والأعيان، معمور حلقة درسه من الشيب والشبان- علا قدره- واشتهر بالحسن الجميل ذكره.\nأكرم به عالمًا عاملًا، وإمامًا لم يزل يلحم فضلًا، ويسدي نائلًا، كم له من آثار مشهورة، ومناقب مأثورة، وحجَّات مبرورة، ومواطن بذكر الله تعالى معمورة، فعلق عليه تعليقًا جليل القدر عظيم النفع كثير الفائدة كبير العائدة، لم ينسج على منواله في عالم الحديث.\nولا ندخل في شعاب الغلو إذا قلنا: إنه أنفس تعليق لـ\"سنن أبي داود\"، فهو تعليق يمتِّع الأسماع، ويُشَنِّف الآذان، اتفقت الألسن على حسنه فهو ممدوح بكل شأن، وأجمعت القلوب فكان له في سويدات القلوب مكانة ومكان، يشهد لمؤلفه بالفطنةِ والذكاءِ وطولِ الباع في هذا الفن الجليل، وقوةِ التمكن في البحث من الصحاح والحسان والضعاف والموضوعات.\nفيه من أصول الحديث ما يغني قارئيه عن تصفُّح كثير من المطوَّلات الحديثية، وما غادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها من أصول الفن وفروعه ما غشاها، فكان هذا التعليق خزينة فيها تاريخ وسير، والمسائل الفقهية، وتفسير للآيات القرآنية على ما فسره أصحاب التفسير، فجاء ينادي له بلسان","vol":"13","page":678},{"text":"الحال: هذا هو الذي كانت تنتظر الآمال، فيا له عقد أغلت جواهر عقوده، وأنارت في آفاق التحديث أنجم سعوده، وهبت قبول الإقبال عليه، وأسرعت مسرات الأذكياء من العلماء إليه.\nولما كان حسن النية والإخلاص في العمل من مطامح أنظار العلماء الاعتماد على فضل الله تعالى في إيصال النفع من شعار الأتقياء، تمسك به المولى الهُمام السيد المقدام كدأبه في جميع أعماله، فانتشرت رائحته قبل تمامه في الأكناف، وانطبع حب الانتفاع به قبل طبعه، وتوالى الطلب من الطلاب، وتواتر طلبات أولي العلم من أقطار الأرض وآفاقها، اللهم فاجعله خالصًا لذاتك العلية السنية، واجعل سعي مؤلفه مشكورًا، وجزاءَه جزاءً موفورًا.\nوأنا عبده المدعو بمحمد إعزاز علي غفر له ولوالديه.\n* * *","vol":"13","page":679},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nقصيدة مدحية تاريخية تتضمن تاريخ طبع الجزء الأول من التعليق المسمى بالاسم التاريخي \"بذل المجهود في مآرب سنن أبى داود\" (سنة ١٣٤٢ هـ) من العلامة الفهَّامة الأديب الأريب، ذي القلب المنيب، الناثر للدرر المنضودة، والناظم للجواهر المنثورة المشرودة، الفاضل الأوحد مولانا الشيخ الحاج المولوي ظفر أحمد التهانوي (١) حفظه الله عن شر الغي والغوى:\nيَا قَلْبُ مَا لَكَ طَائِرًا بِسُرورِ ... مَا لِي أَرَاكَ كَمَيِّتٍ مَنْشُورِ\nمَا بَالُ وَجْهِكَ مُشْرِقًا مُتَهَلِّلًا ... أَرَأَيْتَ وجهَ سُعَادَ بَعْدَ دُهُورِ\nحُورِيَّةٌ رَمَتِ الرِّقَابَ بِلَحْظِهَا ... سَبَتِ الْقُلُوبَ بِشَعْرِهَا الْمَضْفُورِ\nأَمْ هَلْ مَرَرْتَ عَلَى مَنَازِلِهَا الَّتي ... شَاقَتْكَ مِنْ بَيْنِ الذُّرَى وَالدُّورِ\nأَمْ هَلْ وَصَلْتَ إلَى سرَادِقِ عِزِّهَا ... أَوْ شِمْتَ بَرْقَ جَمَالِهَا الْمَسْتُورِ\nأَوْ مَرَّ طَيْفُ خَيَالِهَا بِكَ مَوْهنًا ... أَمْ أَرْسَلَتْ مِنْ عِنْدِهَا بِبَشِيرِ\n* * *\nمَا لَلظَّلَامِ تَبَدَّلَتْ بِالنُّورِ ... مَا لِلزَّمَانِ أَتَى بِكُلِّ حُبورِ\n_________\n(١) العلامة المحقق البحاثة المحدث الفقيه ظفر أحمد بن لطيف أحمد العثماني التهانوي، وُلد في سنة ١٣١٠ هـ في ديوبند، الهند، وتخرَّج من جامعة مظاهر علوم سهارنفور، وعين مدرسًا فيها، وأخيرًا انتقل إلى باكستان واستقر فيها، ألَّف مؤلفات عديدة، من أهمها: \"إعلاء السنن\" في عشرين مجلدًا، توفي﵀- سنة ١٣٩٤ هـ.\nانظر ترجمته في: \"العناقيد الغالية\" (ص ٢٥٠)، و\"مقدمة قواعد في علوم الحديث\" للشيخ عبد الفتاح أبو غدة.","vol":"13","page":680},{"text":"دَعْ عَنْكَ ذِكْرَى سُعَادَ وَالزَّمَنِ الَّذِي ... مِنِّي مَضى في حُبِّ ذَاتِ خُدُورِ\nإنِّي اطَّلَعْتُ عَلَى مَعَالِم طَيْبَةَ ... وَشَمَمْتُ رِيحَ جَنَابِها الْمِعْطِيرِ\nلَمَّا (١) رَأَيْتُ مِنَ الْحَدِيثِ مُؤَلَّفًا ... كَالْبَدْرِ يَطْلُعُ مِنْ سَهَارَنْبُورِ\nخَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ أَحْمَدَ بَعْدَمَا ... أَوْحَى الإلَهُ بنَظْمِهِ في السُّورِ\nطُوبَى لِحُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... وَالنَّاظِمِينَ لِدُرِّهِ الْمَنْثُورِ\nوَالنَّاقِدِينَ سَلِيمَهُ وَسَقِيمَهُ ... وَالنَّابِذِينَ لِمُفْتَرى بِالزّورِ\nوَالنَّاقِلِينَ صِحَاحَهُ وَحِسَانَهُ ... وَلِمَا تَوَاتَرَ مِنْهُ وَالْمَشْهورِ\nوَالْعَامِلِينَ بِهِ لِفِقْهٍ صائِبٍ ... تَبْعًا لِمُجْتَهِدٍ بِذَاكَ خَبِيرِ\nطُوبَى فَقَدْ جَاءَ الْبَشِيرُ لِوَجْهِكُم ... بِقَمِيصِ يُوسُفَ فَائِحًا بِعَبِيرِ\nمَوْلَايَ (٢) سَيِّدُنا الْخَلِيلُ الْمُقْتَدَى ... غَوْثُ الزَّمَانِ بِكُلِّ يَوْمِ ثُبُورِ\nزَاكِي النِّجَارِ سُلالَةُ الأَنْصَارِ حُلْو ... الشَّمَائِلِ جَابِرُ الْمَكْسُورِ\nبَحْرُ النَّدَى عَلَمُ الْهُدَى بَطَلُ الْوَغَى ... يَمْحُو الضَّلَالَ بصَارِمٍ مَشْهُورِ\nكَشَّافُ مُعْضَلَةِ الْعُلُومِ بِأَسْرِهَا ... شَيْخُ الْوَرَى حَلَّالُ كُلِّ عَسِيرِ\nمَبْعُوثُ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِدَايَةً ... لأُولي الضَّلَالِ بسَعْيِهِ الْمَشْكُورِ\nوَبِمَا حَبَاهُ كَرَامَةً مِنْ عِنْدِهِ ... تَاجَ الْولَايَةِ وَالتُّقَى وَالنُّورِ\nوَبِآيَةٍ لَاحَتْ لأَرْبَابِ الْحِجَى ... في ذَاتِهِ وَالنُّطْقِ وَالتَّحْرِيرِ\nقَدْ أَسْمَعَتْ كَلِمَاتُه صُمَّ الهَوَى ... وَبِوَجْهِهِ انْفَتَحَتْ عُيُونُ الْعُوْرِ\nرَوِيَ الأَنَام بِفيْضِهِ مُتَوَاتِرًا ... بَلَغَ الْعُلَى بِجِهَادِهِ الْمَبْرُورِ\nأَمْلَى لَنَا شَرْحًا عَلَى سُنَنِ أَبِي ... دَاوُد مثلَ قِلادَةٍ لِلْحُورِ\nفَتَلأْلأَتْ أَنْوَارُ سُنَّةِ أَحْمَد ... منْهَا نعَمْ وَأَشِعَّةُ التَّفْسِيرِ\nأَبْدَتْ شرَائرَ كَانَ أَخْفاهَا الأوَا ... ئِلُ في الشُّرُوحِ بِأحْسَنِ التَّصْوِيرِ\nشَرَحَتْ أَحَادِيثَ الرَّسُولِ بِنُصْرةٍ ... لأَبِي حَنِيفَة ذِي العُلَى وَالْخِيْرِ\n_________\n(١) متعلق بـ \"اطلعت\" في الشعر السابق.\n(٢) بدل من \"البشير\" في الشعر السابق.","vol":"13","page":681},{"text":"جَعَلَتْ وُجُوهَ مُقَلِّدِيه مُنِيرَةً ... وَطَلَتْ وُجُوهَ أُولِي الْهَوَى بِالقِيرِ\nوَاهَا لَهُ مِنْ بَذْل مَجْهُودٍ أَتَى ... بَيْنَ الشُّرُوحِ كَنَسْمَةٍ في الصُّورِ\nمِنْهَا الْحَيَاةُ لِكُلِّ حَقِّ مَيِّتٍ ... مِنْهَا الْمَمَاتُ لِكُلِّ قَوْل الزُّورِ\nفِيهَا الْبَيَاضُ لِكُلِّ قَلْبٍ أَسْوَدٍ ... فِيهَا السَّوَادُ لِكُلِّ عَيْنٍ ضَرِيرِ\nقَالَ الظَّرِيفُ لِعَامِ أَوَّل طَبْعِهِ: ... \"هُوَ خَيْرُ تَأْلِيفِ\" مِنَ الْمَنْصُورِ\n١٣٤٢ هـ","vol":"13","page":682},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nصورة ما قرَّظه على هذا الكتاب الإِمام العلَّام، ملاذ العلوم والمعارف، جسر الإِمام والعوارف، مولانا المفضال الأجل القاري الشيخ محمَّد بن أحمد الجمدي المالكي المهاجر في المدينة المنورة - أدامه الله تعالى بمنِّه وأفضاله-.\nسيدنا إمام الأئمة، وهادي هداة الأمة، كشاف الحقائق، وكنز الدقائق، شيخ الإِسلام، ومفتي الأنام والمشرف بجوار النبي ﵊، ذو النور السرمد والمقام الأوحد والشرق الأصعد، مولانا وأستاذنا الشيخ خليل أحمد- أمد الله في عمره في عافية ونعمة وافية كافية-، آمين. مولاي.\nقد طالعتُ شرحكم العظيم وكتابكم الكريم الذي وسمتموه بـ \"بذل المجهود في حل أبي داود\"، فألفيته يتيمة الدهر، وباكورة العصر، وقرة عين المحدثين، وقرارة صفوة المدرسين، ولقد حققتم ما جاء في الحديث الصحيح: \"يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين\".\nفأصبح كتاب أبي داود - ﵀ - بشرحكم هذا واضح المسالك، قريب المدارك، سهل المآخذ بين المقاصد إلى ما أودعتموه من حقائق الرواية ودقائق نفائس علم الدراية، حتى غدا كل صاحب مذهب محتاجًا إليه، ومعولًا في الاستدلال عليه، وإن شرحًا هذه صفته يقال فيه: إنه أنجد وأغار وطوى الفيافي والبحار، وبلغ ما بلغه الليل والنهار، ولا شك أنه من فتح الباري، وهداية القاري، وسر الشريعة الساري، ونهر العلوم الجاري، فجزاك الله عن الإِسلام والمسلمين خيرًا، آمين. آمين، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.","vol":"13","page":683},{"text":"وله أخلصه الله لمرضاته في القصيد:\nشَرْحُ الإمُامِ خَلِيل أَحْمَد أَشْرَقَتْ ... قَبْلَ السَّمَاءِ عَلَى الدُّنَا أَنْوَارُهُ\nفِيهِ أَبُو دَاوُدَ رَاقَ زُلالُهُ ... وَتَفَتَّحَتْ لِذَوِي النُّهَى أَزْهَارُهُ\nفَعَلَى أُولي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَهُمُّهُم ... عِلْمُ الْحَدِيثِ سَمَاعُه وَمَزَارُه\nالْفَتْحُ وَالإرْشَادُ فِيهِ مُحَقَّقٌ ... وَالنَّيِّرَانِ مَقَرُّهُ وَمَثَارُه\nفَاعْكُفْ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَاحْرِصْ عَلى ... تَأْصِيلِه حَتَّى يَقَرَّ قَرَارُه\nسَارَتْ فَوَائِدُهُ مَسِيرَ الشَّمْسِ في ... كَبِدِ السَّمَاءِ وَصُحِّحَتْ أَخْبَارُه\nوَتَكَشَّفتْ أسْتَارُه وَتَوَضَّحَتْ ... أَسْرَارُه وَتَقَرَّرَتْ آثارُه\nنِعْمَ الْمُعِين عَلَى حَديثِ الْمُصْطَفَى ... يَعْنِي عَلَى أَسْفَارِهِ أَسْفَارُه\nوَمَدَارِكُ التَّنْزِيلِ مِنْ إمْدَادِهِ ... وَجَوَامِعُ الْكُتْبِ الصِّحَاحِ مَدَارُه\nوَادْعُ السَّمِيعَ لِمَنْ تَوَلَّى جمْعَهُ ... بِبَقَائِهِ مَا اسْتُنْزِلَتْ أَسْرَارُهُ\nوله أيضًا معلّلًا مما قد سقاه، علَّله الله بكاسات الطهور إذا حباه: الحمد لله الذي شرح صدور خواص العلماء لحفظ شريعته، ووفقهم لبذل مجهودهم في هداية من استهداهم من بريته، والصلاة والسلام على الصفوة من خلقه المبعوث بتيسيره ورفقه صاحب المقام المحمود واللواء المعقود والحوض المورود والجاه الممدود، سيدنا وسيد ولد آدم محمد صلَّى الله عليه وعلى آله، وكل ناسج على منواله، من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.\nوبعد:\nفقد مَنَّ عليَّ الكريم الوهَّاب البر التوَّاب بصحبة الإِمام الهمام شيخ مشايخ الإِسلام، العَلَم المفرد، والسند الأوحد، مولانا وأستاذنا الشيخ المحدث الحاج خليل أحمد متَّع الله الوجود بوجوده، وأمد في عمره بمحض كرمه وجوده، فاقتطفت من ثمار مجالسته وفوائد عوائد مؤانسته اطلاعي على شرحه العظيم المسمى بـ \"بذل المجهود في حل أبي داود\"، فرأيت ما لم أرَ،","vol":"13","page":684},{"text":"وسمعت ما لم أسمع من تحقيق بَهَر العقول، وتدقيق تقف دون مَرامه الفحول، جمع فيه بين وظائف الرواية ومسالك الدراية، وأعطى كلًّا حقه، وألَّف ما تفرَّق في شروح الصحاح، وكتب الرجال، ودواوين فقه أهل المذاهب المعتبرة، ورد شبه أهل الإلحاد، وإقامة الحجج الواضحة على أهل العناد مع اختصار غير مخل، وإيجاز غير ممل.\nفالعلامة إذا رآه لا يضعه من يده، والمتعلم لا يمشي إلَّا وهو متأبط به في يقظته ومرقده. فسبحان من وهب لهذا الأستاذ في هذا العصر رقبة الحفاظ المهرة، وسيرة المتقين البررة، نفعنا الله به، وتقبَّل منه، وأثابه أجزل الثواب وأتمه، وأفاد علينا أشمل \"الإحسان\" وأعمه بمنه وكرمه.\nوكتبه الفقير العاجز\nمحمد بن أحمد العمري المالكي\nالمهاجر في المدينة المنورة\nمهر محمد العمري ١٣٤٠ هـ","vol":"13","page":685},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nصورة ما نمقه الإِمام العلام الفاضل الأجل، الشيخ محمود الفلاتي أعطاه الله محبته ورضاه:\nحَمْدًا لِمَنْ أَسْدَى لَنَا الْمَحْمُودَا ... بِجِوَارِ مَنْ أَبْدَى لَنَا الْمَسْدُودَا\nفِيمَا رَوَاهُ أولئكَ السَّادَاتُ عَن ... خَيْرِ الْهُدَاةِ النَّافِعِ الْمَوْدُودَا\nمِنْ قَوْلِهِ في أُمَّةٍ مِثْلَ الْمَطَرِ ... نَفْعًا لِيُظْهِرَ سِرَّهَا الْمَعْقُودَا\nذَاكَ الْهُمَامُ خَلِيل أَحْمَدَ مَنْ أَتَى ... حَرَمَ الرَّسُولِ مُعَلِّمًا مَسْعُودَا\nشَهِدَ الْمُعَاصِرُ أَنَّهُ في وَقْتِهِ ... عَلَمٌ يُقَوِّي دينَنا الْمَمْدودا\nوَاللهَ نَسْأَلَ أَنْ يُثَبِّتَ كُلَّنَا ... بِطَرِيقِ حَقٍّ يُوصِلُ الْمَعْبُودَا\nوَالسال جَمْعًا مَا حَكَى ذَا الْقَائِلِ ... حَمْدًا لِمَنْ أَسْدَى لَنَا الْمَحْمُودَا\nمِنْ فَضْلِهِ نَدْعُوهُ أَنْ يَرْضَى عَن الْـ ... حِبْرِ الْفَرِيدِ بِبَذْلِهِ الْمَجْهُودَا\nلَا غِرْوَ في هَذَا الزَّمَانِ بِأَنْ أَتَت ... فِيهَا شَوَاهِدُ مَنْ يَرَى الْمَفْقُودَا\nوَالْفَضْلُ أَوْسَعُ حَيْثُ مَنْ يَأْتِي بِهِ ... عَدْلٌ يُخَصِّصُ أَهْلَه الْمَشْهُودَا\nقَدْ قَامَ يَخْدِمُ لِلْعُلُومِ بِبَاعِهِ ... وَيَرَاعِهِ كَيْ يُوضِحَ الْمَقْصُودَا\nفَالدَّهْرُ صَارَ يُبَاهِي مُذْ بَدَا ... بَدْرًا يَلُوحُ وَسَيِّدًا مَرْفُودَا\nثُمَّ الصَّلاة مَعَ السَّلامِ عَلَى الَّذِي ... نَرْجُو بِهِ التَّوْفِيقَ وَالْمَوْعُودَا\nمَحْسُوبُكُمْ مَحْمُودُ بنُ أَبِي بَكْرِ الفَلَاتِي\n* * *","vol":"13","page":686},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nكلمة عن الكتاب\nبقلم محدث الديار المصرية\nالعلامة المحقق والعارف بالله والمصلح الكبير\nفضيلة الشيخ محمد الحافظ التيجاني (١)\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢)\nوطاعة الله ﷿، العمل بما في كتابه.\nوطاعة الرسول - ﷺ -، امتثال ما أمر به، وحيث إنه - ﷺ - هو الذي عهد إليه ربه ﵎ بأن يبين الكتاب، فقال عز شأنه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣).\nوالبيان يشمل إبلاغه لمن أنزل إليهم من الإنس والجن، وشرحه وإيضاحه.\nوقد قال عز شأنه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ\n_________\n(١) هو الشيخ العالم محمد الحافظ بن عبد اللطيف بن سالم الحسيني التجاني المصري، وُلد في سنة ١٣١٥ هـ، واشتغل بالعلم في الأزهر، وتخرج بمدرسة السيد محمد رشيد رضا، وصحب جملة من العلماء، أخذ عنهم العلوم الإِسلامية، واعتنى بخدمة كتب السنة بالطبع أو التحقيق أو الترتيب، وله في هذا الباع الكبير، توفي في سنة ١٣٩٨ هـ. انظر ترجمته في: \"تشنيف الأسماع\" (ص ١٥٠ - ١٥٤)، و\"بلوغ الأماني\" (١/ ١٤٨).\n(٢) سورة النساء: الآية ٥٩.\n(٣) سورة النحل: الآية ٤٤.","vol":"13","page":687},{"text":"ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١)، وقال عز شأنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢).\nوروى الحاكم في \"المستدرك\" (٣) عن الحسن قال: بينما عمران بن حصين يحدث عن سنَّة نبينا - ﷺ -، إذ قال له رجل: يا أبا نحيد، حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك تقرؤون القرآن، أكنت محدثي عن الصلاة وما فيها، وحدودها؟ أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شهدت وغبت أنت. ثم قال: فرض علينا رسول الله - ﷺ - في الزكاة كذا وكذا، فقال الرجل: أحييتني أحياك الله.\nقال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين. وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي.\nوقد ذكر الحافظ ابن القيم في كتاب \"إعلام الموقعين\" (٤) في \"باب الاجتهاد فيما لم يوجد فيه نص\": قال شعبة بسنده عن معاذ: إن رسول الله - ﷺ - لما بعثه إلى اليمن، قال: \"كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ \" قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: \"فإن لم يكن في كتاب الله؟ \"، قال: فبسنَّهّ رسول الله - ﷺ -، قال: \"فإن لم يكن في سنَّة رسول الله - ﷺ -؟ \"، قال: أجتهد رأيى ولا آلو، قال: فضرب رسول الله - ﷺ - صدري، ثم قال: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - ﷺ - لما يرضى رسول الله - ﷺ -\".\nقد صحح ابن القيم هذه الرواية، وهذا الحديث في المسند وفي السنن بإسناد جيد. وقد صححه الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" كذلك.\nوأفقه الناس في كتاب الله أصحاب رسول الله - ﷺ -، الذين تلقوا عنه التنزيل مباشرة، وبينه لهم - ﷺ -، وفقههم فيه.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية ٦٥.\n(٢) سورة الأحزاب: الآية ٣٦.\n(٣) \"المسندرك\" (١/ ١٠٩) كتاب العلم.\n(٤) \"إعلام الموقعين\" (١/ ٢٢٠).","vol":"13","page":688},{"text":"روى البخاري (١) عن أبي جحيفة فقال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلَّا كتاب الله، أو فَهْمٌ أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.\nوروى ابن جرير عن مسروق (٢) قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله، إلَّا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣)، هم أهل الفقه في الدين، الذين عرفوا استنباط الأحكام من الكتاب والسنَّة، واستجلاء الغوامض منها، وحل مشكلاتها، مع ثبوت القدم في لغة التنزيل لغة رسول الله - ﷺ -.\nوعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أولي الأمر منكم، يعني أهل الفقه والدين (٤). ومن أولي الأمر: الأمراء الذين يحكمون بما أنزل الله، لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥)، وما أنزل الله شامل لما قضى به رسول الله - ﷺ -، وقضى به الفقهاء على قدر اجتهادهم.\nوقد قال - ﷺ -: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر\". رواه الشيخان وأبو داود عن عمرو بن العاص - ﵁ (٦) -.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (١١١).\n(٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٨).\n(٣) سورة النساء: الآية ٥٩.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٢٦).\n(٥) سورة المائدة: الآيات ٤٤، ٤٥، ٤٧.\n(٦) انظر: \"صحيح البخاري\" (٧٣٥٢)، و\"صحيح مسلم\" (١٧١٦)، و\"سنن أبي داود\" (٣٥٧٤)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢٣١٤).","vol":"13","page":689},{"text":"وقد درج السلف على أن يجتهد كل في العمل بالكتاب والسنَّة بقدر ما أراه الله، وما منحه من فهم في الكتاب والسنَّة. وكانوا يختلفون وهم أحباب. لا يفرض أحد رأيه على الآخرين. ولكن يتفاهمون فيما بينهم، ويرجع بعضهم إلى بعض، ويتراجعون فيما بينهم. ذلك لأن الله نزههم عن العصبية للنفس، والإعجاب بالرأي.\nوقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).\nوحفظ كتاب الله تعالى، تكفل الله به عز شأنه. تكفل بحفظه كما أنزل لم يتغير منه حرف، ولم يتطرق إليه زيادة أو نقص.\nوحفظه بحفظ مقاصده والمعاني المرادة منه، وذلك بسنَّة رسول الله - ﷺ - المبينة له. فإنه لو ترك بلا بيان منه - ﷺ - لقال فيه أهل الدعاوي الكاذبة كل ما شاء بما شاء. والكتاب حمَّال ذو وجوه. وإنما تحدد السنَّة المراد منه.\nفحفظ الله ﷿ الكتاب بلفظه ومعناه المراد منه ببيان رسول الله - ﷺ -، وما استنبطه أهل الحق الأئمة المجتهدون راجع إلى القواعد والأصول التي أصَّلها الله ﷿ في كتابه، وأصَّلها على لسان رسول الله - ﷺ -.\nوقد انتدب الله ﷿ السَّبَّاقين من حملة العلم- حملة الكتاب والسنَّة- فحرَّروا أقواله -ﷺ-، وأفعاله وأحواله، وتقريراته. فجمعوا المسانيد والسنن، وأبعدوا عن السنن الصحيحة ما دَسَّه المزيِّفون، الذين افتروا على رسول الله - ﷺ - وهم يعلمون أو يجهلون. ولكل كتاب من كتب السنة مزية خاصة. فـ \"الموطأ\" مزية، ولـ\"مسند الإِمام أحمد\" مزية، ولـ \"الصحيحين\" مزية، ولكل من السنن مزية.\nقال الخطابي (٢): لم يصنف في علم الدين مثل كتاب السنن لأبي داود. وقد رُزِق القبول من كافة الناس على اختلاف مذاهبهم.\nوقال ابن الأعرابي: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف\n_________\n(١) سورة الحجر: الآية ٩.\n(٢) \"معالم السنن\" (١/ ٣).","vol":"13","page":690},{"text":"وهذا الكتاب - يعني \"سنن أبي داود\" لم يحتج معهما إلى شيء من العلم، أي يكفيه في السنة.\nوقد صنَّف علماء الحديث قبله الجوامع والمسانيد ونحوها. فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة فلم يقصد أحد منهم إفرادها واستخلاصها، ولا اتفق له ما اتفق لأبي داود.\nوقد وفق الله ﷿ العالم الرباني، خِرِّيت طرق السنَّة، الجامع للأصول والفروع، الذي نوَّر الله قلبه وباطنه وظاهره، ومولانا الإمام أبا إبراهيم خليل أحمد الأيوبي الأنصاري نسبًا ومحتدًا، والحنفي الرشيدي مشربًا ومذهبًا، والجشتي القادري النقشبندي السهروردي طريقة ومسلكًا، المولود بنانوته في كورة من نواحي سهارنفور بالهند في أواخر صفر سنة تسع وستين ومائتين وألف، والمتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة بالمدينة المنورة حيث دفن بالبقيع بجوار أهل البيت مجاورًا لرسول الله - ﷺ -، وفقه لشرحه \"سنن أبي داود\".\nوإذا كان الخط الجميل يدل بوضعه دلالة واقعية بَيِّنة على مهارة كاتبه وإتقانه لفنه، دلالة هي أقوى من الشهادات القولية، فالغوص في بحار معاني السنن، وإخراج مكنوناتها، وبسط مقاصدها، وتوضيح دقائقها، وتقريب فهمها، وجمع المتفرق منها، يدل هذا كله دلالة عملية على نبوغ وثبوت في ميدان المعرفة لمن وفقه الله لذلك.\nوأولئك الذين بَيَّنوا سنة رسول الله - ﷺ - المبينة للقرآن، هم في حقيقة الأمر رسل رسول الله - ﷺ -، الذين دعا لهم رسول الله - ﷺ - بالنضارة، لا نضارة الظاهر فحسب، بل نضارة الظاهر والباطن، نوَّرهم الله. فجعل لهم نورًا في باطنهم يكشفون به حقائق التنزيل، وحقائق البيان والتأويل.\nولقد بات الشافعي - ﵁ - ليلة يفكر في حديث: \"يا أبا عمير ما فعل النغير؟ \"، ففهم من هاتين الجملتين الكثير من الأحكام، منها تكنية الصبي الصغير تيمنًا بأنه سيكبر ويكون له ولد، يلاطفه بخطابه بالتصغير، فهو عمر، ولكنه يناديه بعمير. وأن تمكين الصبي من اللهو البريء الذي لا ضرر","vol":"13","page":691},{"text":"فيه أمر تسوغه الشريعة. وأن الرفق بالحيوان مما يحض عليه الشرع. وأن تمهيد أطفال المسلمين للصيد بالطير وغيره من غير إضرار به مما يحسن شرعًا ليتعودوا على الشجاعة من صغرهم، وغير ذلك مما بينه العلماء.\nوقد منَّ الله ﷿ على أولي العلم في عصرنا بهذا الجهبذ الموهوب، فكان شافعي زمانه في استنباط المعاني. فأبدى الله على يديه شتى المعاني الدقيقة في الحلل الأنيقة من ألفاظ لغة الكتاب والسنَّة، ذلك الشرح الدال بوضعه على فيض من شآبيب الفضل الإلهي، خصَّه الله به، فزكَّاه وزكَّى عقله وزكى بيانه، فوفقه سبحانه لإزالة ما يبدو لغير المدققين من تعارض في السنَّة، وإزالة ما يشتبه عليهم من مقاصد النبوة مع قوة الحجة، والإنصاف، وأدب العلماء، بعيدًا عن العصبية التي يجنح إليها بعض من حكمت عليهم البيئة أو قيدهم به التقليد بطريق لا يشعرون بها.\nفهو- جزاه الله عن نفسه وعن المسلمين خيرًا - إذا سلك مسلك التوفيق بين المتعارضات كان موفقًا، وإذا سلك مسلك الترجيح كان موفقًا مستمسكًا بالقواعد الأصولية، سَبَّاقًا في التأصيل والتفريع. فشرحه وبيانه مثال لوضوح الحق لمن أراد التحقيق والتحرير والإنصاف.\nكما أجرى الله سبحانه على يدي وارثه وخليفته مولانا شيخ الحديث حضرة العلامة محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي العلامة الفاضل المدقق المحقق، جمع هذا الكنز وحمله للمسلمين، غذاء لعقولهم وقلوبهم وأرواحهم جامعًا لنور العقل علمًا ويقينًا، والصراط المسقيم عملًا، وللأرواح حالًا وفرقانًا، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (١).\nفهذا الشرح لـ \"سنن أبي داود\" زينة الشروح، وصاحبه زينة الشرَّاح، وهو آية العلم والإخلاص وثمرة التقوى ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ (٢).\n_________\n(١) سورة الكهف: الآية ٨٢.\n(٢) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.","vol":"13","page":692},{"text":"وفي هذا الشرح ترى مسلك مالك في السنن، وروح أبي حنيفة في الاستنباط، وعلم الشافعي في التأصيل والتفريع، وورع أحمد في الاحتياط.\nوقد منَّ الله علينا بوجود هذا الكتاب في مكتبتنا من طبعته الأولى الحجرية نعتز به، ونرجع إليه وإخواننا وأهل العلم من الأزهر الشريف وغيره.\nوإن أمثالنا يتشرفون بالاعتراف لذوي الفضل بالفضل، وما كان دليله من نفسه فهو أرفع من أن يحتاج إلى دليل.\nوإخواننا الدين قاموا بطبع هذا الكتاب وتقديمه للعالم الإِسلامي، في أبهى الحلل وأبهجها، ثمارًا دانية قطوفها، لهم حق الشكر على كل من انتفع بهذا الشرح الذي هو بيان من البيان، وروض جمع الثمار والأزهار، وحجة واضحة وآية من آيات الله التي يظهرها على يد من اصطفاهم من عباده. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\nمحمد الحافظ التيجاني\nالقاهرة\nيوم الخميس ٩ شعبان سنة ١٣٩٣ هـ\n٦ سبتمبر/ أيلول سنة ١٩٧٣ م","vol":"13","page":693},{"text":"بحمد الله وتوفيقه تمَّ الجزء الثالث عشر من \"بذل المجهود في حل سنن أبي داود\" وبذلك ينتهي الكتاب\nويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع عشر وهو يحتوي على الفهارس الفنية للكتاب.\nوالحمد لله أولًا وآخرًا، دائمًا وسرمدًا، وصلى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا.","vol":"13","page":694}]}